ghaemiyeh.com
الإمام المهدي وطول العمر في الكتب والمُصنّفات
الجزء الاول
إعداد وتنظيم ...السيد محمد السيد حسين الحكيم
إشراف وتقديم ... مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
رقم الإصدارة ...282
الطبعة :... الأولى 1444ه
عدد النسخ:... طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق- النجف الأشرف
هاتف: 07809744474
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
محرر الرقمي : سید عبدالله رضوي
اسم الكتاب ... الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه وطول العمرفی الکتب والمصنفات
...الجزء الأول
إعداد وتنظيم ...السيد محمد السيد حسين الحكيم
إشراف وتقديم ... مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
رقم الإصدارة ...282
الطبعة :... الأولى 1444ه
عدد النسخ:... طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق- النجف الأشرف
هاتف: 07809744474
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
بسم الله الرحمن الرحیم
مقدمه المرکز:
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيِّبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم ومنكريّ فضائلهم إلى يوم الدين، اللهم عجّل فرج إمامنا الموعود وانصر به الحق وأقم به العدل وأيّد به الدين وادفع به الظلم عن المؤمنين.
اللهم أرنا ذلك اليوم قريباً واجعلنا من أعوانه وأنصاره وشيعته الثابتين على موالاته والمتشرّفين ببيعته.
لا شك في أنّ قيمة العقيدة والإيمان تمثّل للإنسان المؤمن فصله الحقيقي فيه يكون وجيهاً عند الله سبحانه وتعالى وعند أهل البيت علیهم السلام وينبغي ألّا يدّخر جهداً ولايتوانى للحظة في بحثه عن عقيدته وضبطها والاستدلال عليها والدفاع عنها ودفع الشبهات المثارة حولها.
الحاجة الملحّة للقيام بهذه المهمة مع كثرة الكتب المنتشرة والبحوث والمقالات وضياع المصادر في بعض الأحيان وعسر الوصول إلى نسخها المطبوعة ورقياً مع ما يستلزم ذلك من ضياع الجهد الكبير والوقت الكثير وقد لا يوفّق بعض الباحثين في العثور على ما يهم بحثهم إلّا بعد إنجازه والفراغ عنه، لأجل هذا، ولأجل غيره، قام مركزنا (مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي علیه السلام) بجمع ما وقع تحت يده من كتب مختصة بالإمام المهدي علیه السلام أو فصول أو أبواب أو بحوث تحت عناوين محدّدة، فضلاً عمّا دونته المجلات العلمية والتخصُّصية من بحوث ومقالات، وغيرها، وتبويبها وتسهيل الوصول إليها من
خلال منهجة وفهرسة تضمنت الإشارة التفصيلية إلى جميع ما يرتبط بالفصل أو المسألة أو التفريعات التي يبحث عنها الكاتب أو الباحث.
وكانت طريقة الاستلال من الكتب التي استخرجت منها الفصول أو المسائل أو البحوث أو المقالات هي بأخذ صورة للكتاب والفصل الذي تعرّض فيه المؤلف إلى البحث المعيّن، ثم بتصوير صفحات البحث كاملة وبنفس الترقيم الموجود في الكتاب دون إجراء أي تغيير لأجل تصحيح الاستشهاد من قبل الكتّاب والمؤلفين وتسهيل عملية الإرجاع وضبط المصادر عند الاعتماد على هذه الموسوعة في كتاباتهم وتأليفاتهم.
ولتوضيح المسألة بمثال حيّ فإنّ البحوث المرتبطة بولادة الإمام علیه السلام من كتاب الغيبة لشيخ الطائفة قدس سره عندما قمنا باستلالها وإدراجها في هذه الموسوعة في الفصل المختص ببحوث الولادة فإنّنا قمنا بأخذ صورة لكتاب الغيبة لكي يتبين للمؤلف والباحث النسخة التي اعتمدنا عليها والجهة التي حققت الكتاب تأخذ صوراً لبحث الولادة الذي ذكره شيخ الطائفة قدس سره بنفس والطبعة ثم الصفحات الموجودة في الكتاب من تلك الطبعة، وبذلك قد جعلنا نفس المصدر الذي اعتمدناه تحت يد المؤلف والكاتب فله الحق في الإرجاع وكأنما يقرء من كتاب الغيبة مباشرة.
فيتجلى الهدف بوضوح من وراء هذا العمل الكبير والمهم في رفد الكتاب والمؤلفين بجميع المصادر المتاحة فيما يرتبط ببحثهم، فيمكن لهم الرجوع إلى هذه الموسوعة وكأنهم يقرؤون عدة موسوعات وكتب ومقالات وبحوث في كتاب واحد، فهو ادخار للجهد والوقت وغير ذلك.
وبين يديك عزيزي القارئ موسوعة (الإمام المهدي علیه السلام وطول العمر في الكتب والمصنفات) في أربعة مجلدات ضخمة فعلاً، قابلة للزيادة وهي من تنظيم وإعداد السيد محمد السيد حسين الحكيم وبإشراف وتقديم مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي علیه السلام .
كما قد بلغ عدد الكتب التي بُحث فيها عن مسألة طول العمر وتفرعاتها أكثر من (840) كتاب فعلاً.
فيما بلغ عدد الكتب التي استلت منها البحوث المرتبطة بالإمام المهدي علیه السلام (115) كتاب قابلة للزيادة بعد العثور على كتب أخرى لم تذكر هنا.
و من الله نسأل أن يزيد في توفيق السيد الجليل (محمد الحكيم) حيث بذل جهداً كبيراً ومشكوراً لتنظيم هذه الموسوعة وغيرها كما نسأله تعالى أن يوفقنا جميعاً لخدمة المولى صاحب العصر والزمان علیه السلام وأن نكون من أنصاره وأعوانه وشيعته والمستشهدين تحت لوائه.
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي علیه السلام
تأليف الامام الشيخ المفيد
413-236ه
تحقیق
الشيخ فارس الحسون
تقديم
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه و آله وسلم - محلة الحويش
رقم الزقاق: 54 - رقم الدار: 2
هاتف: 332811 و 332813
ص . ب 588
www.m-mahdi.com
m-mahdia m-mahdi.com
المسائل العشر في الغيبة
الإمام الشيخ المفيد
تقديم
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
الطبعة الأولى: ربيع الأول 1436 ه
العدد: 3000 نسخة
السعر: 1200 دينار
النجف الأشرف
جميع الحقوق محفوظة للمركز
تعلق الخصوم بانتقاض العادة في دعوى طول عمره، وبقائه على تكامل أدواته(1)منذ (2)ولد على قول الإمامية (3)في سنّي عشر الستين والمائتين وإلى(4)يومنا هذا وهو سنة أحد عشر وأربعمائة، وفي حملهم (5)فی بقائه وحاله وصفته التي يدّعونها(6)له بخلاف حكم العادات وأنّه يدلّ على فساد معتقدهم فيه.
والذي تخيله (7)الخصوم هو: فساد قول الإمامية (8)بدعواهم لصاحبهم طول العمر، وتكامل أدواته فيه، وبقائه إلى يومنا هذا وإلى وقت ظهوره بالأمة،(9)على حال
الشبيبة(10)ووفارة (11)العقل والقوة، والمعارف بأحوال الدين والدنيا.
وإن خرج عمّا نعهده نحن (1)الآن من أحوال البشر، بخارج عن عادات سلفت الشركائه في البشريّة وأمثالهم في الإنسانية.
وما جرت به عادة في بعض الأزمان لم يمتنع وجوده في غيرها، وكان في دعواهم حكم مستقبلها كحكم ماضيها على البيان.
ولو لم تجر عادةً بذلك جملة (2)لكانت الأدلة على أن الله تعالى قادر على فعل ذلك تُبطل (3)توهّم المخالفين للحق فساد القول به وتكذّبهم (4)فی دعواهم .
وقد أطبق العلماء من أهل الملل وغيرهم أنّ آدم أبا البشر علیه السلام عمّر نحو الألف(5)، لم يتغير له خلق، ولا انتقل من طفولية إلى شبيبة، ولا عنها إلى هرم، ولا عن قوة إلى عجز، ولا عن علم إلى جهل، وأنه لم يزل على صورة واحدة إلى أن قبضه الله إليه .(6)
هذا مع الأعجوبة في حدوثه من غير نكاح، واختراعه من التراب من غير بدوٍ(7)، وانتقاله من طين لازب إلى طبيعة الإنسانية، ولا واسطة في صنعته على اتّفاق مَن ذكرناه من أهل الكتب حسب ما بيّنّاه.
والقرآن في ذلك ناطق(8)ببقاء نوح نبي الله علیه السلام قومه تسعمائة سنة
1) لفظ نحن لم يرد في س.ط.
2) ط: ولو لم تجر بذلك عادة جلة.
3) أي: الأدلة.
4) س. ط. ل. وتكذيبهم.
5) س ط نحو الف
6) راجع کمال الدین 2: 523 رقم 3، قصص الأنبياء: 54 و 55 و 65.
7) لفظ: من غير بدوٍ، لم يرد في ط، وفي ع .ل.رس: من غير يدٍ وصح، والظاهر ما اثبتناه، إذ لفظ: صحّ ورد لأجل سقط كان في نسخةٍ، فتوهّم المستنسخ انّها من المتن.
8) العنكبوت: 14. وللتفصيل راجع: كمال الدين 2 523 رقم 1 و 2 و 3، وقصص الأنبياء: 84 و 85
وخمسين سنة للإنذار لهم خاصّة، وقبل ذلك ما كان له من العمر الطويل إلى أن بُعث نبيّاً من غير ضعف كان به ولا هرم، ولا عجز ولا جهل، مع امتداد بقائه، وتطاول عمره في الدنيا، وسلامة حواسّه.
وأنّ الشيب أيضاً لم يحدث في البشر قبل حدوثه في إبراهيم الخليل علیه السلام (1)بإجماع مَن سمّيناه من أهل العلم من المسلمين خاصة كما ذكرناه.
وهذا ما لا يدفعه إلّا الملحدة من المنجمين وشركاؤهم في الزندقة من الدهريّين، فأمّا أهل الملل كلّها فعلى اتّفاق منهم (2)على ما وصفناه.
والأخبار متناصرة بامتداد أيّام المعمّرين من العرب والعجم والهند، وأصناف البشر وأحوالهم التي كانوا عليها مع ذلك، والمحفوظ من حكمهم تطاول أعمارهم، والمأثور من تفصيل قصاتهم (3)من أهل أعصارهم وخطبهم وأشعارهم، لا يختلف أهل النقل في صحّة الأخبار عنهم بما ذكرناه، وصدق الروايات في أعمارهم وأحوالهم كما وصفناه.
وقد أثبت أسماء جماعة منهم في كتابي المعروف ب الإيضاح في الإمامة، وأخبار كافّتهم مجموعة مؤلّفة حاصلة في خزائن الملوك، وكثير من الرؤساء، وكثير من أهل العلم وحوانيت الوراقين، (4)فمن أحب الوقوف على
1) راجع قصص الأنبياء: 109
2) ع. ل، ر: منه.
3) ع . ل تعطل قصاتهم، ر.س: تعطل قضاتهم.
4) راجع: كتاب المعمرون: 1- 114، كمال الدين 2 523 باب 46 ما جاء في التعمير، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول الجزء الثاني الباب الثاني عشر، تذكرة الخواص: 364، الغيبة للطوسي: 113 - 323 ، البحار 51 225 393، باب 14، ذكر أخيار المعمرين، تقريب المعارف : 207 - 214 ، كنز الفوائد 2: 114 - 134.
ذلك فليلتمسه من الجهات المذكورة، يجدها على ما يثلج صدره، ويقطع بتأمل أسانيدها في الصّحة له عذره، إن شاء الله تعالى.
وأنا أثبت من ذكر بعضهم ها هنا جملةً تُقنع، وإن كان الوقوف على أخبار كافّتهم (1)أنجع فيما نؤمه(2)بذكر البعض إن شاء الله.
فمنهم: لقمان : بن عاد الكبير.(3)
وكان أطول الناس عمراً بعد الخضرعلیه السلام ، وذلك أنه عاش على رواية العلماء بالأخبار ثلاثة آلاف (4)سنة وخمسمائة سنة، وقيل: إنه عاش عمر سبعة أنسر،(5)وكان يأخذ فرخ النسر فيجعله في الجبل فيعيش النسر منها ما عاش فإذا مات أخذ آخر فربّاه حتّى كان آخرها لبد، وكان أطولها عمراً، فقيل: طال الأمد على لبد.
1) ع. ل. ر: كافهم.
2) أي: نقصده. اللسان 12: 22 أمم.
3) وفي بعض المصادر: لقمان بن عاديا، وفي بعضها: لقمان العادي وهو غير لقمان الذي عاصر النبي داود علیه السلام ، وكان من بقية عاد الأولى، وكان وفد عاد الذين بعثهم قومهم إلى الحرم ليستقوا لهم، واعطي من السمع والبصر على قدر ذلك، وله أحاديث كثيرة. المعمرون: 4 و 5 کمال الدین ،2 559، حياة الحيوان 3: 351.
4) ع. ر: الف.
5) طائر ،معروف جمعه في القلّة أنسر وفي الكثرة نسور، وسمّي نسراً لأنه ينسر الشي ويبتلعه، وهو أطول الطير عمراً، وأنه يعمر ألف سنة، وهو أشد الطير طيراناً، ويقال في المثل: أعمر من نسر. حياة الحيوان الكبرى 2 348 - 352.
وفيه يقول الأعشى: (1)
لنفسك إذ تختار سبعة أنسر***إذا ما مضى نسرٌ خلدت (2)إلى نسر
فعمّر حتى خال أن نسوره***خلودٌ وهل تبقى النفوس على الدهر
وقال لأدناهن إذ حل(3)ريشه ***هلكت وأهلكت ابن عادٍ وما تدري (4).
ومنهم: ربيع بن ضبيع (5)بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عَدی (6)بن فزارة.(7)عاش ثلاثمائة سنة وأربعين سنة، وأدرك النبي صلی الله علیه و آله وسلم ولم يسلم.
وهو الذي يقول وقد طعن في ثلاثمائة سنة:
أصبح مني الشباب قد حسرا(8)***ان ینا (9)عنی فقد ثری عصرا
والأبيات معروفة.
1) أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس ابن ثعلبة الوائلي يعرف بأعشى قيس ويقال له: اعشي بكر بن وائل أحد المعروفین من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تعني بشعرالاعشي سکن الحيرة، وكان كثير الوفود على الملوك من العرب والفرس، غزير الشعر. الكني والألقاب 2: 38، الأعلام 7: 341.
2) ع. ل. ر: إذ خل.
3) في كتاب المعمرون: خلوت.
4) للتفصيل راجع المعمرون: 4 و 5 کمال الدین 2 559
5) س، ط: ضبع، وكذا في كتاب كمال الدين.
6) ع. ل. ر: عيسى.
7) في بعض المصادر انه عاش مائتين وأربعين سنة، وقصته مع عبد الملك ودخوله عليه معروفة. المعمرون -8-10 کمال الدین 2 549 و 550، و 561.
8) ل: خسرا.
9) ع. ر: یراي.
وهو الذي يقول أيضاً منه:
إذا كان الشتاء فأدفئوني*** فإن الشيخ يهدمه الشتاء
وأما حين يذهب كل قرّ*** فسربال خفیف أو رداء
إذا عاش الفتى مأتين عاماً***فقد أودى المسرّة والفتاء (1)
ومنهم: المستوغر بن ربيعة بن كعب.(2)
عاش ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين سنة.
وهو الذي يقول:
ولقد سئمت من الحياة وطولها***وعمرت من عدد السنين مثينا (3)
مائة حدثها بعدها مائتان لي*** وعمرت من عدد (4)الشهور سنينا (5)
ومنهم: أكثم بن صيفي الأسدي. (6)
1) ط: مسرته الفناء، وفي النسخ الأخرى: المسرة والفناء، والمثبت من كتاب المعمرون و کتاب کمال الدین، ويروى عجز البيت الأخير أيضاً: فقد ذهب التخيّل والفتاء. والفتاء:الشباب. لسان العرب 15: 145 فتا. وللتفصيل راجع: المعمرون: 8-10كمال الدين 2: 549 و 550، 2: 561.
2) هو المستوغر بن ربيعة بن كعب بن زيد مناة بن تميم عاش زمناً طويلاً، أدرك الإسلام ولم يسلم، وكان من فرسان العرب في الجاهلية. المعمرون: 12 - 14، کمال الدین 2 561 .
3) ع ر من بعد السنين سنيناً، ل. س: من بعد الستين مأتينا، ط: من عدد السنين مأتينا والمثبت من كتاب المعمرون.
4) ع. ر.س: بعد.
5) للتفصيل راجع المعمرون -12 14، کمال الدين 2 561.
6) اكثم بن صيفي أحد بني أسد بن عمرو بن تميم، ادرك الإسلام واختلف في اسلامه، إلا أن الاكثر لا يشك في أنه لم يسلم، ولم تكن العرب تقدم عليه أحداً في الحكمة. المعمرون: 14 - 25 كمال الدين 2 570 .
عاش ثلاثمائة سنة وثمانين سنة، وكان ممن أدرك النبي صلی الله علیه و آله وسلم : و آمن به ومات قبل أن يلقاه، وله أحاديث كثيرة وحكم وبلاغات وأمثال. وهو القائل:
وإن امرأ قد عاش تسعين حجة***إلى مأة لم يسأم العيش جاهل
خلت مائتان بعد عشر وفائها(1)*** (1)وذلك من عدّي ليال(2)قلائل (3)
وكان والده صيفي بن رياح بن أكثم (4)
وأصل المثل: أن عامر بن الظرب لمّا طعن في السن وأنكر قومه من عقله شيئاً أمر أولاد ، أن يقرعوا إلى المحن بالعصا إذا خرج من كلامه وأخذ في غيره.
الوصايا 146، کمال الدین 2 :570
أيضاً من المعمّرين.عاش مائتين وستة وسبعين سنة، ولا ينكر من عقله شی(5)وهو المعروف بذي الحلم الذي قال فيه المتلمس اليشكري:(6)
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا(7)*** وما علّم الإنسان إلّا ليعلما (8)
1) كذا في النسخ، وفي ر: وقادها، وفي كمال الدين: غير ستّ وأربع.
2) في كمال الدين وذلك من عد الليالي.
3) للتفصيل راجع كمال الدين2 570، المعمرون: 14 - 25
4) ع ل: أكثر، ر: اكبر.وهو صيفي بن رياح بن أكثم أحد بني أسد بن عمر بن تميم أبو أكثم، ومن وصاياه. ومن سوءا الأدب كثرة العتاب واقرع الأرض بالعصا، فذهب مثلاً، والقرع الضرب والمراد أن ينبّه الإنسان صاحبه عند خطئه.
5) ع. ل. ر: شيئاً.
6) في النسخ اضطراب في ضبط الاسم، وما أثبتناه هو الصحيح. وهو: جرير بن عبد المسيح أو عبد العزى من ضبيعة من ربيعة، شاعر جاهلي، وأخواله بنو يشكر. راجع: الأغاني 24 260، الأعلام 2: 119، المعمرون: 58.
7) ع. ل. ر: فيه، بدلاً من قبل.
8) للتفصيل راجع كمال الدين 2: 570، الوصايا: 146.
ومنهم: ضُبَيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو.(1)
عاش مائتي سنة وعشرين سنة، فلم (2)يشب قطّ،وأدرك الإسلام ولم يسلم. وروى أبو حاتم (3)
توفي سنة 248 أو 250 أو 254، قرأ على الأخفش.
راجع تفصيل حياته في مقدمة كتاب المعمرون للسجستاني، بقلم عبد المنعم عامر.
[و] الرياشي، (4)عن العتبي (5)عن أبيه أنه قال مات ضبيرة السهمي) وله مائتا سنة وعشرون سنة، وكان أسود الشعر صحيح الأسنان.
ورثاه ابن عمه قيس بن عدي فقال:
من يأمن الحدثان بع ***د ضبيرة السهمي ماتا
سبقت منيته المشي***د وكان میتته افتلانا
1) هو: ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن مصيص القرشي، عاش مانتين وعشرين سنة وقيل: مائة وثمانين، وأدرك الإسلام فهلك فجأة.
2) ع. ر: ولم.
3) أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشيمي السجستاني البصري الكوفي،
4) ع. ر. لي: الرياسي، والصحيح أبو حاتم، والرياشي كما هو في الغيبة للطوسي: 116، وبقيّة المصادر والرياشي هو أبوالفضل العباس بن الفرج النحوي اللغوي، قتل في المسجد الجامع بالبصرة في أيام العلوي صاحب الزنج في سنة 357. الانساب 200:6 و 201.
5) أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب الشاعر البصري، وكان راوية للأخبار وأيام العرب، روى عن أبيه وسفيان بن عيينة ولوط بن مخنف، روى عنه أبو حاتم السجستاني وأبو الفضل الرياشي، توفي سنة 228. العير 1 403 - 404 وفيات الأعيان 4: 398- 400
6) ع. ر. س، ط: ولا تهلكوا.
7) ل. ر:حفاتا.وللتفصيل راجع كمال الدين 2 565، المعمرون: 25.
ومنهم: دريد بن الصمّة الجشمی. (1)
عاش مائتي سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وكان أحد قوّاد المشركين يوم حُنين ومقدّمهم،(2)حضرحرب النبي صلی الله علیه و آله وسلم فقُتل یومئذ.(3)
ومنهم :محصّن بن عتبان (4)بن ظالم الزبيدي.(5)
عاش مائتي سنة وخمسة وخمسين سنة.(6)
ومنهم عمرو بن حممة الدوسي.(7)
عاش أربعمائة سنة.
وهو الذي يقول:
كبرت وطال العمر حتى كأنني***سليم أفاع ليله غير مودع
فما الموت أفناني ولكن تتابعت***علي سنون من مصيف ومربع
ثلاث مئات قد مرون كواملاً***وها أنا هذا أرتجى نيل (8)أربع (9)
1) درید بن الصمة الجش من جشم بن سعد بن بكر، عاش نحواً من مائتي سنة حتى سقط حاجباه من عينيه، قتل يوم حنين، وإنما خرجت به هوازن تتیمن به. المعمرون: 27 و 28.
2) ع. ل. ر: ومقدمتهم.
3) للتفصيل راجع: المعمرون: 27 و 28.
4) ع ر: محصّن غسان ل س :محصّن عتبان و ما اثبتناه هوالصحیح .
5) ع ر: محصن بن عتبان بن ظالم بن عمرو بن قطعية بن الحارث بن سلمة بن مازن الزبيدي المعمرون 26 و 27 ، كمال الدين 2 567
6) للتفصيل راجع كمال الدين :2 567، المعمرون: 26 و 27.
7) ع. ل. ر: عمر بن حممة الدوسي، قال في المعمرون: عمرو بن حممة الدوسي، على العرب ثلاثمائة سنة، المعمرون: 58
8) س: مثل، ط: مر.
9) للتفصيل راجع: المعمرون 58 .
ومنهم: الحرث(1)بن مضاض الجرهمي.(2)
عاش أربعمائة سنة.
وهو القائل:
كأن لم يكن بين الحجون(3)إلى الصفا*** أنيس ولم يسمر(4)بمكة سامر
بلی نحن كنا أهلها فأبادنا (5)*** صروف الليالي والجدود(6)العوائر(7)
وفي غير من ذكرت يطول بإثباته جزء الكتاب.
والفرس تزعم أنّ قدماء ملوكها جماعات طالت أعمارهم وامتدت، وزادت في الطول على أعمار من أثبتنا اسمه من العرب، ويذكرون أن من جملتهم الملك الذي استحدث المهرجان، عاش ألفي سنة وخمسمائة سنة .(8)
لم نتعرض لشرح أخبارهم لظهور ما قصصته م-ن أمرالعرب من
1) س: الحارث، وكذا في كتاب المعمرون.
2) في المعمرون: الحارث بن مضاض الجرهمي. راجع المعمرون 8 تذكرة الخواص: 365
3) الحجون: موضع بمكة ناحية من البيت وقيل الجبل المشرف مما يلي شعب الجزارين بمكة. لسان العرب 13 109 حجن.
4) ع. ل. ر: يسمو.
5) في المعمرون: فأزالنا.
6) الجدود جمع جد، وهو: البخت والحظ. لسان العرب 3: 107 جدد.
7) ع. ل. ر: والحدود الغوابر. وللتفصيل راجع: تذكرة الخواص: 365، المعمرون: 8
8) قال الشيخ الطوسي في الغيبة 133 وأما الفرس فإنها تزعم فيما تقدم من ملوكها جماعة طالت أعمارهم، فيردون أن الضحاك صاحب الحيتين عاش ألف سنة ومائتي سنة، وافريدون العادل عاش فوق الف سنة، ويقولون ان الملك الذي أحدث المهرجان عاش ألفي سنة وخمسمائة سنة استثر منها عن قومه ستمائة سنة. و راجع تاريخ الطبري 194:1 و 215 تاريخ اليعقوبي 1: 158، البحار 290:51
أعمارهم على ما تدعيه الفرس، ولقرب عهدها منا وبعد عهد أولئك، وثبوت أخبار معمّري العرب في صحف أهل الإسلام وعند علمائهم.
وقد أسلفت القول بأن المنكر لتطاول الأعمار إنما هم طائفة (1)من المنجمين وجماعة من الملحدين، فأما أهل الكتب والملل فلا يختلفون في صحة ذلك وثبوته.
فلو لم يكن من جملة المعمرين إلا من التنازع في طول عمره مرتفع وهو سلمان الفارسي(2)رحمة الله عليه، وأكثرأهل العلم يقولون: بأنه رأى المسيح، وأدرك النبي صلوات الله عليه و آله وعاش بعده، وكانت وفاته في وسط أيام عمر بن الخطاب(3)، وهو يومئذ القاضی بين المسلمين في المدائن(4)، ويقال : أنه كان عاملها وجابي خراجها، وهذا أصح.(5)
1) ع. ر: بأن المنكر لتطاول للأعمار إنما طائفة.
2) هو أبو عبد الله سلمان الفارسي، وهذا اسمه بعد الإسلام، أما قبله، فقيل: مابه بن يودخشان بن ،مورسلان وقيل اسمه ،بهبود ويلقب سلمان الخير وسلمان المحمدي وسلمان ابن الإسلام شهد الخندق - وهو الذي أشار بحفره - ولم يفته بعد الخندق مشهد، توفي بالمدائن سنة 35، أو 37، أو 33، وقبره ظاهر معروف يقرب أيوان کسري، وكان عطاؤه خمسة آلاف، وكان إذا خرج تصدق به ويأكل من عمل يده. وأما عمره فئتان وخمسون سنة فمما لا شك فيه، ولكن الاختلاف في الأكثر، فقيل ثلاثمائة، وقيل: ثلاثمائة وخمسون تهذيب التهذيب 4 137 رقم 233 ، أعيان الشيعة ، 279 ،287، کمال الدین 1: 161 الكنى والالقاب 3 150، تذكرة الخواص: 365 .
3) أبو حفص عمر بن الخطاب، روى عن النبي وأبي بكر وأبي، روى عنه أولاده وغيرهم قتل سنة 23. طبقات الفقهاء: 19، تهذيب التهذيب 7 438 .
4) عبارة عن مدن سبع، من بناء أكاسرة العجم، على طرف دجلة بغداد، كان يسكنها ملوك بني ساسان إلى زمن ،عمر، وفي الجانب الشرقي مشهد سلمان. الكنى والألقاب 3: 146 - 148
5) نص أكثر المؤرخين أن سلمان كان أميراً على المدائن، واخطف في سنة وفاته، فقيل: في زمن عثمان، وقيل: في زمن أمير المؤمنين والشيخ المفيد هنا ذهب إلى أنه وسط أيام عمر ابن الخطاب. للتفصيل واجع الطبقات الكبرى - 937، تهذيب التهذيب : 137، تهذیب ابن عساکر : 188، حلية الأولياء 1: 185 صفة الصفرة 1 ،210 تذكرة الخواص 365 أعيان الشيعة 3: 150، الكنى والألقاب 3 :150 .
وفيما أسلفناه في هذا الباب كفاية فيما قصدناه، والحمد الله.
***
تأليف العالم الرباني شيخ الطَّائِفَةِ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس سره :
تقديم وتحقيق مركز الدراسات التخصصية فی الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
مرکز الدراسات التخصصية فی الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
اسم الکتاب .....................کتاب الغیبه
تأليف .... شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي :
تقديم وتحقيق ....... مركز الدراسات التخصصية فی الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
رقم الإصدار.......................................275
الطبعة: ............................... الأولى 1444ه
عدد النسخ ............................طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق- النجف الأشرف
هاتف: 07809744474 - 07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
فإن قيل : ادّعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات مع بقائه على قولكم كامل العقل تامُّ القوة والشباب، لأنَّه على قولكم له في هذا الوقت- الذي هو سنة سبع وأربعين وأربعمائة - مائة وإحدى وتسعون سنة، لأن مولده على قولكم سنة ست وخمسين ومائتين، ولم تجر العادة بأن يبقى أحد من البشر هذه المدَّة، فكيف انتقضت العادة فيه ولا يجوز انتقاضها إلّا على يد الأنبياء ؟
قلنا: الجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أنا لا نُسلّم أن ذلك خارق لجميع العادات، بل العادات فيما تقدم قد جرت بمثلها وأكثر من ذلك، وقد ذكرنا بعضها كقصة الخضر عليه السلام ، وقصة أصحاب الكهف، وغير ذلك.
وقد أخبر الله تعالى عن نوح عليه السلام أنَّه لبث في قومه ألف سنة إِلَّا خمسين عاماً(1)وأصحاب السير يقولون : إنَّه عاش أكثر من ذلك(2)
الدين ( ص 523 / باب 46 ج 1 ، وقصص الأنبياء للراوندي (ص 91 / ح 80).
، وإنما دعا قومه إلى الله تعالى هذه المدة المذكورة بعد أن مضت عليه ستون من عمره.85 - وروى أصحاب الأخبار أنَّ سلمان الفارسي الله لقي عيسى بن مریم عليها السلام وبقي إلى زمان نبينا صلی الله علیه وآله وسلم وخبره مشهور. (3)
1) كما في سورة العنكبوت آية (14)
2) كما في الكافي ج 8 ص 284/ 429، وأمالي الصدوق ص 602/ ح 7/836)، وكمال
3) كما في السيرة النبوية لابن هشام (ج 1 ص 146).ويستفاد مما رواه الصدوق الله في كمال الدين ( ص 161 - 165 باب 9 (21 أنه . عمر خمسمائة سنة، وأن بين عيسى علیه السلام ونبينا صلی الله علیه وآله وسلم خمسمائة سنة. ونقل النوري الله في نفس الرحمن ص 650) عن الشافي بأنه روى أصحاب الأخبار أن سلمان الفارسي عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وقال بعضهم: بل عاش أكثر من أربعمائة سنة، وقيل: إنه أدرك عيسى علیه السلام.
وأخبار المعمّرين من العرب والعجم معروفة مذكورة في الكتب والتواريخ(1).
86 - وروى أصحاب الحديث أنَّ الدجّال موجود، وأنه كان في عصرالنبي صلی الله علیه وآله و سلَّم ، وأنَّه باقٍ إلى الوقت الذي يخرج فيه، وهو عدو الله (2)
ويحتمل كونه الجساسة كما في مصنف ابن أبي شيبة (ج 8 ص 674 و 675 / ح 182)، ومسند أحمد (ج 1 ص 417)، وصحيح مسلم (ج 8 ص 204)، وسنن ابن ماجة (ج 2/ ص 1354 و 1355 / ح 4074)، وغيرها من الكتب.
وقال الطبري في تاريخه (ج 1 ص (12): (فأحسب أن الذي ينتظرونه ويدعون أن صفته في التوراة مثبتة هو الدجال الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمته، وذكر لهم أن عامة أتباعه اليهود، فإن كان ذلك هو عبد الله بن صياد فهو من نسل اليهود).
.فإذا جاز في عدو الله لضرب من المصلحة، فكيف لا يجوز مثله في ولي الله؟إنَّ هذا من العناد.
87 - وروى من ذكر أخبار العرب أنَّ لقمان بن عاد كان أطول الناس عمراً، وأنه عاش ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة سنة، ويقال: إنَّه عاش عمر سبعه أنسر، وكان يأخذ فرخ النسر الذَّكَر فيجعله في الجبل فيعيش النسر ما عاش، فإذا
1) كتاريخ الطبري، والسيرة النبوية لابن هشام وكتاب المعمرين الأبي حاتم السجستاني، وكمال الدين، وتقريب المعارف، وأمالي المرتضى، وكتر الفوائد للكراجكي، والفصول العشرة في الغيبة للمفيد الله، وغيرها.
2) الظاهر انه ابن الصياد أو ابن الصائد، ذكره عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج 11/ ص 389 باب الدجّال)، وأحمد بن حنبل في مسنده (ج 2 ص 148)، والبخاري في صحيحه (ج 8 ص 158) ومسلم في صحيحه (ج 4 / ص 192)، وغيرهم.
مات أخذ آخر فربَّاه حتّى كان آخرها لبد، وكان أطولها عمراً، فقيل: (طال الأمد على لبد)، وفيه يقول الأعشى (1):
لنفسك إذ تختار سبعة أنسر*** إذا ما مضى نسر خلدت إلى نسر
فعمر حتّى خال أنَّ نسوره*** خلود وهل يبقى النفوس على الدهر
وقال لأدناهنَّ إذحل ريشه *** هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري (2)
ومنهم: ربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عيس(3)بن فزارة، عاش ثلاثمائة سنة وأربعين سنة، فأدرك النبي صلی الله علیه وآله و سلَّم ولم يسلم.
وروي أنّه عاش إلى أيَّام عبد الملك بن مروان، وخبره معروف، فإنَّه قال له: فصِّل لي عمرك، قال: عشت مائتي سنة في فترة عيسى، وعشرين ومائة سنة في الجاهلية وستين في الإسلام، فقال له: لقد طلبك جدَّ غير عاثر، وأخباره معروفة، وهو الذي يقول وقد طعن في ثلاثمائة سنة :
أصبح منّي الشباب قد حسرا*** إنَّ ينأعنَّي فقد ثوى عصرا
والأبيات معروفة، وهو الذي يقول:
إذا كان الشتاء فأدفوني*** فإن الشيخ يهدمه الشتاء
فأنا حين يذهب كل قرِّ*** فسربال خفيف أو رداء
إذا عاش الفتي مائتين عاماً*** فقد أودى المسرة والفتاء(1)(2).
ومنهم: المستوغر بن ربيعة بن كعب بن زيد (بن) (3)مناة (4)، عاش ثلاثمائة ثلاثمائة وثلاثين سنة، حتى قال: ولقد سئمت من الحياة وطولها*** وعمرت من بعد السنين سنينا
مائة أتت من بعدها مائتان لي*** وعمَّرت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا *** يوم ي وليلة تحدونا(5)ومنهم: أكثم بن صيفي الأسدي، عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة، وكان ممّن أدرك النبي صلی الله علیه وآله و سلَّم وآمن به، ومات قبل أن يلقاه، وله أخبار كثيرة، وحِكَم وأمثال، وهو القائل:
وإن امرءاً قد عاش تسعين حجة*** إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
خلت مائتان غير ستّ وأربع (6)*** وذلك من عد الليالي قلائل (7)
1) في أمالي المرتضى (ج 1 ص 184)، وكنز الفوائد للكراجكي (ص 249)، وخزانة الأدب للبغدادي (ج) /7 ص 354) (فقد ذهب اللفاذة والفتاء).
2) ذكره مفصلاً الصدوق رحمه الله في كمال الدين (ص 549 باب /52 / ح 1)، والمرتضى رحمه الله في أماليه (ج 1 / ص 184).
3) ليس في بعض النسخ.
4) هو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. وفي تقريب المعارف ( ص 450): (طلحة) بدل ( طابخة).
5) ذكره المرتضى في أماليه (ج 1 ص (174 مفصلاً، وأبو الصلاح الحلبي رحمه الله في تقريب المعارف ( ص 451 باختلاف يسير و کراجكي رحمه الله في كنز الفوائد (ص 249).
6) في بعض النسخ: (خلت مائتان بعد عشر وفاؤها)، وفي تقريب المعارف: (مضت مائتان بعد عشر وفازها).
7) ذكره الصدوق له في كمال الدين (ص (570) مفصلاً، وأبو الصلاح الحلبي الله في تقريب المعارف ( ص 454)
وكان والده صيفي بن رياح بن أكثم أيضاً من المعمرين، عاش مائتين وسبعين سنة لا يُنكر من عقله شيء ء، وهو المعروف بذي الحلم الذي قال فيه المتلمس اليشكري .(1)
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا*** وما علم الإنسان إلا ليعلما(2)
ومنهم: ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو، عاش مائتي سنة وعشرين سنة ولم يشب قط، وأدرك الإسلام ولم يسلم.
وروى أبو حاتم والرياشي (3)، عن العتبي (4)، عن أبيه، قال: مات ضبيرة ضبيرة السهمي وله مائنا سنة وعشرون سنة، وكان أسود الشعر، صحيح الأسنان، ورثاه ابن عمّه قيس بن عدي، فقال:
من
يأمن الحدثان بعد*** ضبيرة السهمي ماتا
سبقت منيته المشيب ***وكان ميتته(5) افتلاتا
فتزودوا لا تهلك *** من دون أهلكم خفاتا (6)
1) هو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن دوفن من بني ضبيعة، وأخواله بنو يشكر. راجع: الأغاني (ج) 24 ص 358)، وطبقات الشعراء (ص 66).
2) ذكره الصدوق له في كمال الدين (ص (570) مفصلاً، وأبو الصلاح الحلبي الله في تقريب المعارف (ص 450 ) .
3) هو أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي النحوي اللغوي، قُتل في المسجد الجامع بالبصرة في أيام العلوي صاحب الزنج، في سنة (257ه-). راجع: الأنساب للسمعاني (ج 3 ص 111 و 112).
4) هو محمد بن عبيد الله بن معاوية، أبو عبد الرحمن العتبي الأخباري، من أهل البصرة، حدث عن أبيه، روى عنه أبو حاتم السجستاني، وأبو الفضل الرياشي، توفي سنة (228ه-). راجع الأنساب للسمعاني (ج 4 ص 149).
5) في بعض النسخ: (منيته).
6) ذكره المفيد الله في الفصول العشرة (ص) (99) والحلبي في تقريب المعارف (ص 454)، والكراجكي الله في كنز الفوائد (ص) (250)، وأبو حاتم في المعمرين (ص 20 الرقم (11).
ومنهم: دريد بن الصمة الجشمي، عاش مائتي سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وكان أحد قواد المشركين يوم حنين ومقدمتهم(1)، حضر حرب النبي صلی الله علیه وآله و سلَّم ، فقُتِل يومئذ(2).
ومنهم: محسن بن غسان بن ظالم الزبيدي، عاش مائتي سنة وستا وخمسين سنة (3)
ومنهم: عمرو بن حممة الدوسي، عاش أربعمائة سنة، وهو الذي يقول:
كبرت وطال العمر حتى كأنني*** سليم أفاع ليلة غير مودع
فيا الموت أفناني ولكن تتابعت*** علىَّ سنون من مصيف ومربع
ثلاث مئات قد مررن کواملا*** وها أنا هذا أرتجي منه أربع(4)(5)
ومنهم: الحارث بن مضاض الجرهمي، عاش أربعمائة سنة، وهو القائل:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا*** أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا(6)***صروف الليالي والجدود العواثر(7)
1) في الفصول العشرة: (مقدمهم).
2) ذكره المفيد الله في الفصول العشرة (ص) (100) ، والكراجكي الله في كنز الفوائد (ص 250)، وأبو حاتم في المعمرين (ص 21/ الرقم 14).
3) ذكره المفيد في الفصول العشرة ( ص) (100) ، وأبو حاتم في المعمرين (ص 21/ الرقم 13)، وفيهما (محصن بن عتبان...) إلى آخره.
4) في الفصول العشرة وتقريب المعارف وكنز الفوائد: ( وها أنا هذا أرتجي من أربع).
5) ذكره المفيد الله في الفصول العشرة (ص) (100) ، والحلبي الله في تقريب المعارف (ص 450) والكراجكي في كنز الفوائد ( ص 250)
6) في المعمرين: (فأز النا) .
7) ذكره المفيد الله في الفصول العشرة (ص (101)، والحلبي رحمه الله في تقريب المعارف (ص 455) والكراجكي رحمه الله في كنز الفوائد ( ص (251)، وأبو حاتم في المعمرين (ص 42 الرقم 41).
ومنهم: عبد المسيح بن بقيلة الغسَّاني ذكر الكلبي(1)وأبو عبيدة(2)وغیرهما انّه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وكان نصرانيا، وخبره مع خالد بن الوليد - لمّا نزل على الحيرة - معروف، حتّى قال له: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفأ(3) إلينا في هذا الجرف (4)
من الأرض).
ورأيت المرأة من أهل الحيرة تضع مكتلها على رأسها لا تُزوَّد إلا رغيفاً واحداً حتى تأتي الشام وقد أصبحت خراباً (5)، وذلك دأب الله في العباد والبلاد، وهو القائل:والناس أبناء علات (6)فمن علموا*** أن قد أقل فمجفو ومحقور(7)
وهم بنون لأُم إن رأوا نشبا*** فذاك بالغيب محفوظ و محصور (8)(9)
1) هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر بن كلب، الكلبي، صاحب التفسير، من أهل الكوفة، توفي سنة (146ه-)، ويحتمل كون المراد منه ابنه أبو المنذر هشام بن محمد، الكلبي، صاحب النسب، توفي سنة (206ه-). راجع: الأنساب للسمعاني (ج 5 ص 86).
2) هو معمر بن المثنى اللغوي البصري، أبو عبيدة، مولى بني تيم، تيم قريش، ولد سنة (110ه-)، ومات سنة (209ه-). راجع : بغية الوعاة (ج 2 ص 294/ الرقم 2010)، وتاريخ بغداد (ج 13/ ص 252/ الرقم 7210).
3) في لسان العرب (ج 1 ص 87 مادة رفأ): (أرفات السفينة: قربت من المرفأ).
4) في الصحاح للجوهري (ج) 4 ص 1336 مادة جرف: (الجرف: ما تجرفته السيول وأكلته
5) في أمالي المرتضى: (خراباً يباباً).
6) في لسان العرب (ج 11 / ص 470/ مادة علل): (إنَّ أبناء علات يُستعمل في الجماعة المختلفين).
7) في أمالي المرتضى: (ومهجور).
8) في أمالي المرتضى: (ومحفور).
9) ذكره المرتضى له في أماليه (ج 1 ص . ، (188) ، وأبو الصلاح الحلبي الله في تقريب المعارف ( ص 453)، وأبو حاتم في المعمرين (ص 37 الرقم 34).
ومنهم النابغة الجعدي من بني عامر بن صعصعة يُكنى أبا ليلى.
قال أبو حاتم السجستاني(1): كان النابغة الجعدي أسنّ من النابغة الذبياني، الذبياني، وروي أنَّه كان يفتخر ويقول: أتيت النبي صلی الله علیه و آله وسلم ، فأنشدته:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا*** وإنَّا لنرجو فوق ذلك مظهرا(2)
فقال النبي :صلی الله علیه و آله وسلم أين المظهر (3)يا أبا ليلى؟»، فقلت: الجنة يا رسول الله، فقال: «أجل إن شاء الله تعالى»، ثمّ أنشدته:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له*** بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له*** حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال له النبي صلی الله علیه و آله وسلم : «لا يُفضض الله فاك».
وقيل: إنَّه عاش مائة وعشرين سنة ولم يسقط من فيه سنٌّ ولا ضرس.
وقال بعضهم: رأيته وقد بلغ الثمانين تزفُ غروبه(4)، وكان كلَّما سقطت له
1) هو سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الحشمي (الجشمي)، من كبار العلماء باللغة والشعر من أهل البصرة، كان المبرّد يلازم القراءة عليه، وله عدة كُتب منها كتاب (المعمّرين من العرب)، توفي سنة ( 250ه-). راجع ترجمته في: هديَّة العارفين (ج 1 ص (411)، والأعلام للزركلي (ج 3/ ص ،(143 ومعجم المؤلفين (ج 4 / ص 285)، ووفيات الأعيان (ج 2 ص 430 - 433 / الرقم 282)، والوافي بالوفيات (ج 16 ص 10 و 11 / الرقم 5252)، وغيرها من كتب التراجم .
2) في بعض النسخ: (مطهراً).
3) في بعض النسخ: (أين المطهر).
4) تزفُّ: تلمع، قال الزبيدي في تاج العروس (ج 2 ص (277): (وفي حديث النابغة: «تزقُ غروبه»، هي جمع غرب، وهو ماء الفم وحدة الأسنان)، ومثله ما في النهاية لابن الأثير (ج 3/ ص 351)، وفيه: (ترف). وفي أمالي المرتضى (ج 1 ص 192) ترف: معنى تبرق، وكأن الماء يقطر منها).
له ثنية تنبت له أخرى مكانها، وهو من أحسن الناس ثغراً(1).
ومنهم أبو الطمحان القيني من بني كنانة بن القين.
قال أبو حاتم(2): عاش أبو الطمحان القيني من بني كنانة مائتي سنة.
وقال في ذلك:
حنتنی حانيات الدهر حتى*** كأني خاتل(3)أدنو (4)لصيد
قصير الخطو يحسب من رآني ولست مقيداً أني بقيد (5)
وأخباره وأشعاره معروفة.
ومنهم: ذو الإصبع العدواني.
قال أبو حاتم (6): عاش ثلاثمائة سنة، وهو أحد حُكَّام العرب في الجاهلية، وأخباره وأشعاره وحكمه معروفة(7).
ومنهم: زهير بن جناب(8)الحميري، لم نذكر نسبه لطوله.
قال أبو حاتم عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة، وواقع مائتي وقعة، وكان سيداً مطاعاً عاش شريفاً في قومه.
1) ذكره المرتضى له في أماليه (ج 1 ص 190 ، وأبو الصلاح الحلبي له في تقريب المعارف (ص 453)، وأبو حاتم في المعمرين ( ص 64 الرقم 65)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (ج 1/ ص 102 و 103/ الرقم 17).
2) المعمرون ( ص 57 الرقم 53).
3) في لسان العرب (ج) (11 ص 199 مادة ختل): (المخاتلة: مشي الصياد قليلاً قليلاً في خفية لئلا يسمع الصيد حسه).
4) في المعمرين: (يدنو).
5) ذكره المرتضى له في أماليه (ج 1 . 185) مفصلاً.
6) المعمرون (ص 90 الرقم 110).
7) ذكره المرتضى له في أماليه (ج 1 / ص 176) مفصلاً، والحلبي في تقريب المعارف ( ص 452).
8) هكذا في جميع المصادر، وفي بعض النسخ: (حباب)، وفي بعضها: (خباب).
ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه،وشريفهم، وخطيبهم وشاعرهم ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم- والطب في ذلك الزمان شرف- وحازي قومه - وهو الكاهن (1)-، وكان فارس قومه، وله البيت فيهم، والعدد منهم، وأوصى إلى بنيه، فقال:
يا بني، إنّي كبرت سني وبلغت حرساً من دهري (أي دهراً)(2)، فأحكمتني التجارب والأمور تجربة واختبار (3)، فاحفظوا عنّي ما أقول وعوا، وإياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب، فإنَّ ذلك داعية الغم، وشماتة العدو، وسوء الظن بالربِّ، وإيَّاكم أن تكونوا بالأحداث مغترين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنَّه ما سخر قوم قطُّ إِلَّا ابتلوا، ولكن توقعوها، فإنَّما الإنسان [في الدنيا](4)غرض تعاوره الزمان فمقصردونه، ومجاوز موضعه وواقع عن يمينه وشماله، ثم لا بد أن يصيبه(5).
وأقواله معروفة، وكذلك أشعاره(6).
ومنهم: دويد بن فهد بن زيد بن أسود بن أسلُم (7)- بضم اللام - بن ألحاف بن قضاعة.
1) في أمالي المرتضى والمعمرين: (والحزازة الكُهَّان).
2) ليس في أمالي المرتضى.
3) في أمالي المرتضى: (احتيال).
4) من أمالي المرتضى.
5) في أمالي المرتضى: (أنه مصيبه).
6) ذكره المرتضى الله في أماليه (ج) (1 ص (172) مفصلاً، والحلبي الله في تقريب المعارف (ص) (45) والكراجكي الله في كنز الفوائد (ص) (251)، وأبو حاتم في المعمرين (ص 24/ الرقم 19)، والجمحي في طبقات الشعراء (ص 37)
7) هو دوید بن زيد بن فهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن ألحاف بن قضاعة بن مالك بن مرة ابن مالك بن حمير.
قال أبو حاتم (1): عاش دويد بن زيد أربعمائة وستا وخمسين سنة، ووصيه معروفة، وأخباره مشهورة، ومن قوله:
ألقى على الدهر رجلاً ويدا*** والدهر ما أصلح يوماً أفسدا
يفسد ما أصلحه اليوم غدا(2)
ومنهم: الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة المذحجي، ومذحج هي أُمُّ مالك بن أدد، وسُمّيت مذحجاً لأنها ولدت على أكمة تُسمى مذحجاً.
قال أبو حاتم(3): جمع الحارث بن كعبة (4)بنيه لمّا حضرته الوفاة، فقال: يا بني، قد أتت علىَّ ستون ومائه سنة ما صافحت يميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بحلة(5)فاجر ، ولا صبوت بابنه عم ولا كنة(6)، ولا طرحت عندي مومسة مومسة قناعها، ولا بحت لصديق بسر(7)، وإنَُّي لعلى دين شعيب النبي علیه السلام وما عليه أحد من العرب غيري وغير أسد بن خزيمة وتميم بن مر، فاحفظوا وصيتي، وموتوا على شريعتي، إلهكم فاتَّقوه يكفكم المهمّ من أموركم ويُصلح لكم أعمالكم ، وإيَّاكم ومعصيته، لا يحل بكم الدمار، ويوحش منكم الديار.
يا بني، كونوا جميعاً ولا تتفرّقوا فتكونوا شيعاً، فإنَّ موتاً في عز خير من حياة في ذلّ وعجز، وكلُّ ما هو كائن كائن، وكلُّ جمع(8)إلى تبائن، الدهر ضربان،
1) المعمرون (ص) (20 الرقم (12)، وفيه: دويدين نهد).
2) ذكره المرتضى له في أماليه (ج 1 ص (17) مفصلاً، والحلبي له في تقريب المعارف (ص 451)، والكراجكي الله في كنز الفوائد (ص) (250)، وفيه: (دريد بن زيد).
3) المعمرون والوصايا (ص 38 و 39 ، ونسب فيه هذا القول إلى مالك بن المنذر البجلي
4) كذا، والصحيح: (كعب).
5) في أمالي المرتضى والمعمرين: (بخلة فاجر).
6) في العين للفراهيدي (ج) 5/ ص 281 مادة كن): (الكنة: امرأة الابن أو الأخ).
7) في المعمرين: (بسري)، وفي بعض النسخ: (بشر).
8) في أمالي المرتضى (جميع).
ضربان، فضرب رجاء، وضرب بلاء (1)، واليوم يومان، فيوم حبرة(2)، ويوم عبرة، والناس رجلان، فرجل لك، ورجل عليك، تزوَّجوا الأكفاء، وليستعملنّ في طيبهنَّ الماء، وتجنَّبوا الحمقاء، فإنَّ ولدها إلى أفن(3)ما يكون، ألا إنّه لا راحة لقاطع القرابة، وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، والتفضّل بالحسنة يقي السيّئة، والمكافأة بالسيّئة الدخول فيها، والعمل بالسوء يزيل النعماء، وقطيعة الرحم تورث الهم(4)، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق وعقوق الوالدين يورث(5)النكد ويمحق العدد، ويخرب البلد، والنصيحة تجرُّ تجرّ الفضيحة(6)، والحقد يمنع الرفد(7)، ولزوم الخطيئة يعقب البلية، وسوء
الرعة (8)يقطع أسباب المنفعة، الضغائن تدعو إلى التبائن، ثم أنشأ يقول:
أكلت شبابي فأفنيته***وأفنيت (9)بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين و صاحبتهم *** فبادوا فأصبحت شيخاً كبيرا
قليل الطعام عسیرالقیام *** قد ترك الدهر خطوي(10)قصيرا
1) في المعمرين وأمالي المرتضى الدهر صرفان، فصرف رخاء وصرف بلاء).
2) في لسان العرب (ج) 4 / ص 158 / مادة حبر): (الحبور : السرور)؛ والمعنى: يوم سرور ويوم حزن وفي بعض النسخ: (فيوم حيرة).
3) أَفَن كفلس وفرس : ضعف الرأي. راجع: الصحاح للجوهري (ج 5/ ص 2071/ مادة أفن).
4) في المعمرين: (تورث إلمام الهم).
5) في المعمرين وأمالي المرتضى: (يعقب النكد).
6) في المعمرين: (النصيحة لا تهجم على الفضيحة).
7) في الصحاح للجوهري (ج 2 ص 475/ مادة رفد) : (الرفد - بالكسر : العطاء والصلة).
8) في بعض النسخ: (الدعة).
9) في المعمرين: (وأمضيت).
10) في المعمرين: (قيدي قصيراً).
أبيت أراعي نجوم السما*** أقلب أمري بطوناً ظهورا(1)
فهذا طرف من أخبار المعمّرين من العرب واستيفاؤه في الكتب المصنفة في هذا المعنى موجود.
وأما الفرس فإنَّها تزعم أنَّ فيما تقدَّم من ملوكها جماعة طالت أعمارهم، فيروون أنَّ الضحّاك صاحب الحيَّتين عاش ألف سنة ومائتي سنة، وإفريدون العادل عاش فوق ألف سنة، ويقولون : إنَّ المَلِك الذي أحدث المهرجان عاش ألفي سنة وخمسمائة سنة، استتر منها عن قومه ستمائة سنة.
وغير ذلك مما هو موجود في تواريخهم وكتبهم لا تُطوّل بذكرها، فكيف يقال: إن ما ذكرناه في صاحب الزمان خارج عن العادات؟ ومن المعمرين من العرب: يعرب بن قحطان، واسمه ربيعة أوَّل من تكلم بالعربية، ملك مائتي سنة على ما ذكره أبو الحسن النسّابة الأصفهاني في كتاب (الفرع والشجر )، وهو أبو اليمن كلّها، وهو منها كعدنان إلَّا شاذا نادراً(2).
ومنهم: عمرو بن عامر مزيقيا، روى الأصفهاني عن عبد المجيد بن أبي عيس(3)الأنصاري، والشرقي بن قطامي أنه عاش ثمانمائة سنة، أربعمائة سنة سوقة في حياة أبيه، وأربعمائة سنة ملكاً، وكان في سني ملكه يلبس في كل يوم حلّتين، فإذا كان بالعشيّ مُزّقت الحلّتان عنه لئلّا يلبسهما غيره، فسُمي مزيقيا.
وقيل: إنَّما سُمِّي بذلك لأنَّ على عهده تمزّقت الأزد فصاروا إلى أقطار الأرض، وكان ملك أرض سبأ فحدّثته الكُهَّان بأنَّ الله يُهلكها بالسيل العرم،
فاحتال حتى باع ضياعه وخرج فيمن أطاعه من أولاده وأهله قبل السيل العرم، ومنه انتشرت الأزدكلها، والأنصار من ولده(1).
ومنهم: جلهمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يعرب، ويقال لجلهمه: طبي، وإليه تُنسب طبئ كلها، وله خبر يطول شرحه، وكان له ابن أخ يقال له: يحابر بن مالك بن أدد ، وكان قد أتى على كل واحد منهما خمسمائة سنة، وقع بينهما ملاحاة بسبب المرعي، فخاف جلهمة هلاك عشيرته، فرحل عنه، وطوى المنازل فسُمِّي طيئاً، وهو صاحب أجأ وسلمى - جبلين بطيئ(2)، ولذلك خبر يطول، معروف.
ومنهم: عمرو بن لحي، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا، في قول علماء خزاعة، كان رئيس خزاعة في حرب خزاعة وجرهم، وهو الذي سن السائبة الوصيلة والحام، ونقل صنمين وهما: هُبل ومناة من الشام إلى مكة فوضعها للعبادة، فسلَّم هُبل إلى خزيمة بن مدركة، فقيل: هُبل خزيمة، وصعد على أبي قبيس ووضع مناة بالمسلل(3)
وقد يأتي بلفظ (المشلل) كما في معجم البلدان (ج) 4 ص (203) حيث قال ضمن كلام له: (غشان، ماء بالمشلل قريب من الجحفة) راجع معجم البلدان (ج 1 ص 94
، وقَدِمَ بالنرد، وهو أول من أدخلها مكة فكانوا يلعبون بها في الكعبة غدوة وعشيّة.1) ذكر نحوه الصدوق الله في كمال الدين (ص) (560) مختصراً؛ وذكر شرح حاله في السيرة النبوية لابن هشام (ج 1 ص 6 و 7).
2) قال الزمخشري: (أجأ وسلمى جبلان عن يسار سميراء). وقال أبو عبيد: (أجأ أحد جيلي طبئ وهو غربي فيد، وبينهما مسير ليلتين، وفيه قرى كثيرة). راجع: معجم البلدان (ج 1 ص 94).
3) يبدو أنها منطقة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، ففي تحفة الأحوذي (ج 8 ص 242): (اسم موضع قريب من فديد من جهة البحر ...).
88 - فروِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله وسلم أَنَّهُ قَالَ: «رُفِعَتْ إِلَيَّ النَّارُ فَرَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيَّ رَجُلاً قَصِيراً أَحْمَرَ أَزْرَقَ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: عَمْرُو بْنُ لُحَيَّ» وكان يلي من أمر الكعبة ما كان يليه جرهم قبله حتى هلك وهو ابن ثلاث مائة سنة وخمس وأربعين سنة، وبلغ ولده وأعقابهم ألف مقاتل فيها يذكرون(1).
فإن كان المخالف لنا في ذلك من يحيل ذلك من المنجّمين وأصحاب الطبائع، فالكلام معهم في أصل هذه المسألة، وأن العالم مصنوع، وله صانع أجرى العادة بقصر الأعمار وطولها، وأنّه قادر على إطالتها وعلى إفنائها، فإذا بيِّن ذلك سهل الكلام.
وإن كان المخالف في ذلك من يُسلّم ذلك غيرأنّه يقول: هذا خارج عن العادات فقد بيّنَّا أَنَّه ليس بخارج عن جميع العادات.
ومتى قالوا خارج عن عادتنا.
قلنا: وما المانع منه ؟
فإن قيل : ذلك لا يجوز إلا في زمن الأنبياء.
قلنا: نحن ننازع في ذلك، وعندنا يجوز خرق العادات على يد الأنبياء والأئمة والصالحين، وأكثر أصحاب الحديث يُجوِّزون ذلك،وكثير من المعتزلة والحشوية، وإن سموا ذلک كرامات، كان ذلك خلافاً في عبارة، وقد دللنا على جواز ذلك في كتبنا، وبيَّنا أنَّ المعجز إنّما يدلُّ على صدق من يظهر على يده، ثمّ نعلمه نبياً أو إماماً أو صالحاً لقوله، وكلَّما يذكرونه من شُبَههم قد بينا الوجه في كتبنا لا تُطوّل بذكره هاهنا .
1) رواه ابن هشام في السيرة النبوية (ج 1 ص 50 و 51).
89- ووجدت بخط الشريف الأجلّ الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي رحمه الله تعليقاً في تقاويم جمعها مؤرّخاً بيوم الأحد الخامس عشر من المحرم سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة أنَّه ذُكِرَ له حال شيخ في باب الشام قد جاوز المائة وأربعين سنة، فركبت إليه حتى تأملته وحملته إلى القرب من داري بالكرخ وكان أعجوبة، شاهد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا علیه السلام أبا القائم علیه السلام ووصف صفته، إلى غير ذلك من العجائب التي شاهدها، هذه حكاية خطه بعينها.
فأما ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان وعلوّ السن وتناقض بنية الإنسان، فليس مما لا بد منه، وإنما أجرى الله العادة بأن يفعل ذلك عند تطاول الزمان ولا إيجاب هناك. ، وهو تعالى قادر أن لا يفعل ما أجرى العادة بفعله.
وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن تطاول العمر ممكن غير مستحيل، وقد ذكرنا فيما تقدم عن جماعة أنهم لم يتغيَّروا مع تطاول أعمارهم وعلو سنهم، وكيف يُنكر ذلك من يقر بأنَّ الله تعالى يُخلد المثابين في الجنَّة شُيَّاناً لا يبلون، وإِنَّما يمكن أن ينازع في ذلك من يجحد ذلك ويسنده إلى الطبيعة وتأثير الكواكب الذي قد دل الدليل على بطلان قولهم باتفاق منا وممن خالفنا في هذه المسألة من أهل الشرع، فسقطت الشبهة من كل وجه.
فصل فيما ذُكر في بيان (1)عمره علیه السلام
قد بينا بالأخبار الصحيحة بأنَّ مولد صاحب الزمان علیه السلام كان في سنة ست وخمسين ومائتين، وأنَّ أباه علیه السلام مات في سنة ستين(2)، فكانت له حينئذ أربع سنين، فيكون عمره إلى حين خروجه ما يقتضيه الحساب، ولا ينافي ذلك الأخبار التي رويت في مقدار سنّة مختلفة الألفاظ.
396 - نَحْوَ مَا رُوي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ علئلا أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ (مَنْ جَازَ مِنْ أَرْبَعِينَ)(3)، صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ الْقَوِيُّ الْمُشَمِّرُ».(4)وما أشبه ذلك .
من الأخبار التي وردت مختلفة الألفاظ متباينة المعاني(5)، فالوجه فيها - إن صحت - أن نقول: إنَّه يظهر في صورة شاب من أبناء أربعين سنة أو ما جانسه، لا أنه يكون عمره كذلك،لتسلم الأخبار.
397 - وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ مَالِكِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ طَرْخَانَ(6)
روى عنه حميد كتاب أبي يحيى المكفوف).
، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ بْنِ1) في بعض النسخ: (مقدار).
2) أي في سنة ستين بعد المائتين؛ وفي بعض النسخ: (وكان) بدل (فكانت).
3) في بعض النسخ: (جاز الأربعين) بدل ما بين القوسين.
4) المشمر: أي المرفوع؛ وفي بعض النسخ: (المستتر (الشمرخ ل)).
5) راجع بصائر الدرجات (ص 208 و 209 ج 4 / باب 4 . (ج 2 ص 691 / ح 2).
6) عده المؤلّف الله في رجاله ( ص 430 / الرقم 18/6175) في من لم يرو عنهم . له، قائلاً:
علي بْنِ الْحُسَيْنِ(1)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ علیه السلام ، قَالَ: «إِنَّ وَلَيَّ اللَّهُ يُعَمَّرُ عُمْرَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ (2)
وسلطنته، أو هو مما بدا الله فيه). وفي بعض النسخ: (عمر عمر إبراهيم الخليل).
، وَيَظْهَرُ فِي صُورَةٍ فَتًى مُوَفَّقِ(3)ابْنِ ثَلَاثِينَ سَنَةٌ (4).398 - وَعَنْهُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَاقُولِي(5)، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي خرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبي عَبْدِ الله علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ خَرَجَ الْقَائِمُ لَقَدْ أَنْكَرَهُ النَّاسُ، يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ شَابًا مُوَفِّقاً، فَلَا يَلْبَثُ(6)عَلَيْهِ إِلَّا كُلُّ مُؤْمِنٍ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُ في الدَّرِّ الْأَوَّلِ»(7).
399 - وَرُوِيَ فِي خَيْرِ آخَرَ أَنَّ فِي صَاحِبِ الزَّمَانِ علیه السلام شَبَهَا مِنْ يُونُسَ، رُجُوعُهُ مِنْ غَيْبَتِهِ بِشَرْخِ(8)الشَّبَابِ(9).
400 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: «مَا تُنْكِرُونَ أَنْ يَمُدَّ اللهُ
1) عده المؤلّف الله في رجاله ( ص 244 الرقم (285/3376) من أصحاب الصادق علیه السلام ، قائلاً: ( علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام ، المدني).
2) قال العلامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار ج 52 ص 287): (لعل المراد عمره في ملكه
3) في تاج العروس (ج 13/ 487 / مادة وفق ): (إن فلاناً موفق، أي رشيد).
4) رواه باختلاف النعماني الله في الغيبة (ص 195 باب 10 فصل 4ح 44)، والطبري الشيعي رحمه الله في دلائل الإمامة (ص 481 و 482 / ح 079/475
5) هو الحسن بن علي بن سهل أبو محمد العاقولي كما في أمالي الطوسي (ص 497 و508/ ح 59/1090 و 18/1111).
6) في بعض النسخ: (فلا يثبت).
7) رواه النعماني رحمه الله في الغيبة (ص) (194 باب 10 فصل 4 / ج 43، وص 219 باب 12/ ح 20) بإسناده عن أبي حمزة عن أبي عبد الله علیه السلام باختلاف.
8) في العين للفراهيدي (ج) 4 ص 169 مادة شرخ): (شرخ الشباب: أوله).
9) رواه الصدوق رحمه الله في كمال الدين (ص 327 باب (32 ح7) بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر علیه السلام باختلاف.
لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ فِي الْعُمُرِ كَما مَدَّ لِنُوح علیه السلام فِي الْعُمُرِ»(1).
ولو لم ترد هذه الأخبار أيضاً لكان ذلك مقدوراً الله تعالى بلا خلاف بين الأمة، وإنما يخالف فيها أصحاب الطبائع والمنجمون، وأصحاب الشرائع كلهم على جواز ذلك.
401 - وَيَرْوِي النَّصَارَى أَنَّ فِيمَنْ تَقَدَّمَ(2)مَنْ عَاشَ سَبِعُمَانَةَ سَنَةٍ وأكثر(3).
402 - وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المثنى الْبَصْرِيُّ التَّيْمِيُّ(4)، قَالَ: كَانَتْ فِي في غَطَفَانَ حَلَّةٌ (5)أَشْهَرَتْهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، كَانَ مِنْهُمْ نَصْرُ بْنُ دَهْمَانَ، وَكَانَ مِنْ سَادَةِ سَادَةِ غَطَفَانَ وَفَادَتِهَا حَتَّى خَرِفَ وَحَنَّاهُ الْكِبَرُ، وَعَاشَ تِسْعِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ، فَاعْتَدَلَ بَعْدَ ذلِكَ شَابًّا، وَاسْوَدَّ شَعَرُهُ، فَلَا يُعْرَفُ فِي الْعَرَبِ أَعْجُوبَةٌ مِثْلُهَا(6).
وقد ذكرنا من أخبار المعمرين قطعة فيها كفاية، فلا معنى للتعجب من ذلك.
1) رواه النيلي رحمه الله في منتخب الأنوار المضيئة (ص 330) عن أحمد بن محمد الأيادي يرفعه إلى أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام باختلاف يسير .
2) في بعض النسخ: (فيمن تقدم من رهبانهم).
3) راجع: کنز الفوائد (ص 245).
4) قال المفيد له في الإرشاد (ج 1 ص 239) روى أوّل خطبة خطبها أمير المؤمنين ع بيعة الناس له على الأمر، هو من لا يتهمه خصوم الشيعة في روايته). وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج) /10 ص 221 الرقم 444): (مولاهم البصري النحوي.... كان من أعلم الناس بأنساب العرب وأيامهم، مات سنة تسع ومائتين)، وقد تقدم عند ذكر المعمرين.
5) في العين للفراهيدي (ج) 4 ص 141 مادة خل): (الخلة: الخصلة).
6) ذكره الصدوق له في كمال الدين ( ص 555 و 556) ، وذكر قصته السجستاني في المعمرين (ص 63 و 64 الرقم 62).
وكذلك أصحاب السير ذكروا أن زليخا امرأة العزيز رجعت شابة طرية، وتزوجها يوسف علیه السلام (1))، وقصتها في ذلك معروفة (2).
وأما ما روي من الأخبار التي تتضمَّن أنَّ صاحب الزمان يموت ثم يعيش، أو يُقتل ثم يعيش، نحو ما رواه:
403 - الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَاسِمٍ الحضرمي، عَنْ أَبي سَعِيد الخَرَاسَانِي، قَالَ: قُلْتُ لأَبي عَبْدِ الله علیه السلام : لأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيَ الْقَائِمُ؟
قَالَ: «لأَنَّهُ يَقُومُ بَعْدَ مَا يَمُوتُ، إِنَّهُ يَقُومُ بِأَمْرِ عَظِيمٍ، يَقُومُ بِأَمْرِ الله سُبْحَانَه » (3).
404 - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بن جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَعْقُوبَ ابْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيَّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثمانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ علیه السلام يَقُولُ: «مَثَلُ أَمْرِنَا فِي كِتَابِ الله مَثَلُ صَاحِبِ الْحِمَارِ، أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عام ثم بعثه»(4).
1) منهم القمي الله في تفسيره (ج 1 ص 357).
2) ذكر قصة تزوجه. ا إياها وكونها بكراً الطبري في تاريخه (ج 1 ص 243)، وفي تفسيره (ج 13 ص 9)، ومكي بن حموش في الهداية إلى بلوغ النهاية (ج 5/ ص 3585)، وابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الأمم والملوك (ج 1 ص (315)، وابن عطية الأندلسي في المحرر الوجيز (ج 3 ص 256)، والثعالبي في تفسيره (ج 3 ص 334)، وابن كثير في قصص الأنبياء (ج 1 ص 336)، والسيوطي في الدر المنثور (ج 4 / ص 25)، وغيرهم.
3) يأتي بكامله في (ح 489) .
4) قد ذكرنا في ( ص 143 ) أنَّ المراد من صاحب الحمار إما إرميا أو عُزير علیه السلام .
405 - وَعَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ محمد، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الرَّبيع، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَطَابِ، عَنْ مُؤَذِّنِ مَسْجِدِ الْآخَرِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله علیه السلام : هَلْ فِي كِتَابِ اللَّهُ مَثَلُ لِلْقَائِمِ علیه السلام ؟ فَقَالَ: نْعَمْ آيَةُ صَاحِبِ الْحِمَارِ ، أَمَاتَهُ اللَّهُ (مِائَةَ عَامٍ)(1)ثُمَّ بَعَثَهُ».
406 - وَرَوَى الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ، عَنِ ابْنِ أَي نَجْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام : «إِنَّ الْقَائِمَ علیه السلام إِذَا قَامَ قَالَ النَّاسُ : أَنَّى يَكُونُ هَذَا وَقَدْ يَلِيَتْ عِظَامُهُ مُنْذُ دَهْرٍ طَوِيل ؟(2).
فالوجه في هذه الأخبار وما شاكلها أن نقول: يموت ذكره(3)، ويعتقد أكثر الناس أنه بلي عظامه، ثمّ يُظهره الله كما أظهر صاحب الحمار بعد موته الحقيقي.
وهذا وجه قريب في تأويل هذه الأخبار، على أنَّه لا يُرجع بأخبار آحاد لا توجب علماً عما دلّت العقول عليه، وساق الاعتبار الصحيح إليه، وعضده الأخبار المتواترة التي قدمناها، بل الواجب التوقف في هذه والتمسك بما هو معلوم، وإنما تأولناها بعد تسليم صحتها على ما يُفعَل في نظائرها، ويعارض هذه الأخبار ما ينافيها.
40 - رَوَى الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ جَنَاحَ الجُعْفِيِّ، عَنْ حَازِمِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهُ عَلَيْ : «يَا حَازِمُ، إِنَّ لِصَاحِب هَذَا الْأَمْرِ غَيْتَيْنِ، يَظْهَرُ فِي الثَّانِيَةِ، إِنْ جَاءَكَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ نَفَضَ يَدَهُ مِنْ تُرَابٍ قَبْرِهِ، فَلَا تُصَدِّقُهُ (4).
408 - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن عيسى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِي، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ علیه السلام يَقُولُ: فِي صَاحِب هَذَا الْأَمْرِ أَرْبَعُ سُنَنِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْبِيَاءَ: سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى علیه السلام ، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى علیه السلام وَسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ علیه السلام ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم . فَأَمَّا سُنَّةٌ مِنْ موسی علیه السلام فَخَائِفُ يَتَرَقَبُ، وَأَمَّا سُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ علیه السلام فَالْغَيْبَةُ(1)، وَأَمَّا سُنَّةٌ مِنْ عیسی علیه السلام فَيُقَالُ : مَاتَ، وَلَمْ يَمُتْ، وَأَمَّا سُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم فَالسَّيْفُ (2).
409 - وَرَوَى الْفَضْلُ بْنُ شَادَانَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْعَلَوِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام : صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ وُلْدِي الَّذِي يُقَالُ: مَاتَ قُتِل، لا بَلْ هَلَكَ، لَا بَلْ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ ؟»(3).
وأما وقت خروجه علیه السلام فليس بمعلوم لنا على وجه التفصيل، بل هو مغيب عنا إلى أن يأذن الله بالفرج.
410 - كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم [أَنَّهُ قَالَ] (4): «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ
1) في الإمامةوالتبصرة وكمال الدين (فالسجن)، وفي الغيبة للنعماني: (السجن والغيبة).
2) رواه ابن بابويه الله في الإمامة والتبصرة ( ص 93 و 94 84) ، والمسعودي في إثبات الوصية ( ص 267) باختلاف، والنعماني الله في الغيبة ( ص 167 و 168 / باب 10/ فصل 3/ ح 25 مفصلاً باختلاف، والصدوق الله في كمال الدين ص 152 و 153 باب 6/ 617 وص 326 و 327 باب /32 ح (6) ، والطبري الشيعي الله في دلائل الإمامة (ص 532/ ح 115/511) عن زيد الكناسي باختلاف وأبو الصلاح الحلبي الله في تقريب المعارف ( ص 431) باختلاف يسير، والكراجكي الله في كنز الفوائد ( ص 175 و 176) عن الباقر عللا باختلاف يسير، والشيخ الطبرسي الله في إعلام الورى (ج 2 ص 232). وتقدم في (ح 57).
3) رواه النعماني الله في الغيبة ( ص 158 / باب 10 فصل 1/ ح 18) باختلاف يسير .
4) من بعض النسخ.
وَاحِدٌ لطول اللهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي فَيَمْلَةَ الْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(1).
411 - وَأَخْبَرَنِ الْحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ الله عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَزَوْفَرِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ (2)، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ(3)وَعُبَيْسِ بْنِ هِشَامٍ(4)، عَنْ كَرَّامٍ(5)، عَنِ الْفُضَيْلِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ علیه السلام : هَلْ لهذَا الْأَمْرِ وَقت؟
فَقَالَ: كَذَبَ الْوَفَّاتُونَ، كَذَبَ الْوَفَّاتُونَ، كَذَبَ الْوَقَاتُونَ(6).
412 - الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ الصَّحَافِ، عَنْ مُنْذِرٍ الجوَّاز(7)، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله علیه السلام ، قَالَ: «كَذَبَ الْمُوَقِّتُونَ، مَا وَقَتْنَا فِيمَا مَضَى، وَلَا نُوَقِّتُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ».
1) رواه الصدوق رحمه الله في كمال الدين (ص 317 و 318 باب 31 . ) بإسناده عن الإمام الحسين علیه السلام ، والكراجكي في كنز الفوائد (ص 113) عنه صلی الله علیه و آله وسلم ، وفيه: (يظهر) بدل (يخرج) مع زيادة (اسمه اسمي)، والشيخ الطبرسي رحمه الله في إعلام الورى (ج 2 ص 231) عن يحيى بن وثاب عن عبد الله بن عمر، والنظام الأعرج في تفسيره (ج 1 ص 149) باختلاف. وتقدم في (ح 139) مسنداً، وفيه: (من أهل بيتي) بدل (من ولدي).
2) هو علي بن محمد بن قتيبة المتقدم ذكره في (ح (21).
3) هو أحمد بن محمد بن أبي نصرا البزنطي، الثقة المعروف.
4) قال النجاشي الله في رجاله (ص 280 / الرقم 741) (العباس بن هشام أبو الفضل الناشري الأسدي عربي ثقة جليل في أصحابنا كثير الرواية، كبير اسمه فقيل: عبيس.... مات عبيس الله سنة عشرين ومائتين أو قبلها بسنة).
5) هو عبد الكر م بن عمرو المختعمي المتقدم ذكره في (ح 47).
6) رواه الكليني الله في الكافي ج 1 ص /368 باب كراهية التوقيت / ح 5) بإسناده عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي عن الفضيل بن يسار مع زيادة في آخره، والنعماني الله في الغيبة (ص 305/ باب 16/ ح 13) عن محمد بن يعقوب.
7) في بعض النسخ: (منذر بن الجواز).
413 - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله علیه السلام إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِهْزَمُ الْأَسَدِيُّ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي جُعِلْتُ فِدَاكَ مَتَى هَذَا الأمرُ الَّذِي تَنتَظِرُونَهُ فَقَدْ طَالَ (1)؟
فَقَالَ: «يَا مِهْزَمُ، كَذَبَ الْوَفَّاتُونَ، وَهَلَكَ الْمُسْتَعْجِلُونَ، وَنَجَا الْمُسَلَّمُونَ، وَإِلَيْنَا يَصِيرُونَ(2)..
414 - الْفَضْلُ بْنُ شَادَانَ، عَنِ ابْنِ أَي نَجْرَانَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزَازِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهُ عَلِيْلا ، قَالَ: «مَنْ وَفَّتَ لَكَ مِنَ النَّاسِ شَيْئًا فَلَا تَهَا بَنَّ أَنْ تُكَذِّبَهُ، فَلَسْنَا نُوَقِّتُ لِأَحَدٍ وَقْتا(3)
415 - الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ(4)الْبَجَليَّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سنَانٍ، عَنْ أَبِ الْجَارُودِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرِ الهُمْدَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ - في حَدِيثٍ اِخْتَصَرْنَا مِنْهُ مَوْضِعَ اَلْحَاجَةِ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِبَنِي فُلَانٍ(5)مُلْكَاً مُؤَجَّلاً،
1) قال المولى المازندراني في شرح أصول الكافي (ج) 6 ص 333): (سأله عن تعيين الوقت لظهور هذا الأمر، فأجاب عاليا بأن الموقت له والمخيبر بأن وقته كذا كاذب إنا لعدم علمه : أو لأنَّ كلَّ وقتٍ فُرِضَ فهو في معرض البداء، وبأنَّ المستعجل لظهوره هالك، لعدم رضائه بالقضاء الإلهي والتقدير الأزلي، وبأنَّ المسلّم لظهوره والقائل به في وقت ما ناج لاعتقاده بالحق من وجهين أحدهما ،ظهوره وثانيهما عدم الاستعجال المستلزم لتفويض الأمر إليه تعالى والرضا بقضائه وتقديره).
2) رواه ابن بابویه الله في الإمامة والتبصرة (ص (95 87 بسند آخر عن أبي عبد الله العالم باختلاف، والكليني والله في الكافي (ج) 1 ص /368 باب كراهية التوقيت / ح (2) بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير ، والنعماني الله في الغيبة (ص /204 باب /11/ ح (8) بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير، وفي (ص /294 / باب /16 / ح (11) عن محمد بن يعقوب.
3) رواه النعماني الله في الغيبة (ص) 300 باب 16/ ح (3) باختلاف يسير.
4) في بعض النسخ: (سلم)، وفي بعضها: (مسلم (أسلم وسلم خ ل )).
5) هم إما بنو أُمية، أو بنو العباس.
حَتَّى إِذَا أَمِنُوا وَاطْمَأَنُوا وَظَنُّوا أَنَّ مُلْكَهُمْ لا يَزُولُ صِبحَ فِيهِمْ صَيْحَةٌ(1)، فَلَمْ يَبْقَ هُمْ رَاعٍ يَجْمَعُهُمْ، وَلَا وَاعٍ(2)يَسْمَعُهُمْ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ وَلَ: حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) [يونس: 24].
قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ، هَلْ لِذَلِكَ وَقْتُ؟
قَالَ: «لَا لِأَنَّ عِلْمَ الله غَلَبَ عِلْمَ (3)المُوَقِّتِينَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتَمَهَا بِعَشْرِ لَمْ يَعْلَمْهَا مُوسَى وَلَمْ يَعْلَمْهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا جَاوَزَ الْوَقْتَ قَالُوا غَرَّنَا مُوسَى فَعَبَدُوا الْعِجْلَ، وَلَكِنْ إِذَا كَثُرَتِ الْحَاجَةُ وَالْفَاقَهُ فِي النَّاسِ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَقَعُوا أَمْرَ اللَّهِ صَبَاحاً وَمَسَاءً» (4).
وأما ما روي من الأخبار التي تنافي ذلك في الظاهر، مثل ما رواه:
416 - الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ، عَنْ عُمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ سَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أبي بَصِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَهْذَا الْأَمْرِ أَمَدُ نُرِيحُ إِلَيْهِ أَبْدَانَنَا وَتَنتَهِي إِلَيْهِ؟
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكُمْ أَذَعْتُمْ فَزَادَ اللَّهُ فِيهِ(5).
417 - وَعَنْهُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبُوبِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثَّمَالِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لأبي جَعْفَرٍ علیه السلام : إِنَّ عَلِيًّا علیه السلام كَانَ يَقُولُ: «إِلَى السَّبْعِينَ بَلَاءٌ»، وَكَانَ يَقُولُ: بَعْدَ الْبَلَاءِ رَخَاءُ، وَقَدْ مَضَتِ السَّبْعُونَ وَلَمْ نَرَ رَخَاءٌ .
فَقَالَ أَبو جَعْفَرٍ علیه السلام : «يَا ثَابِتُ إِنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ وَقْتَ هَذَا الْأَمْرَ فِي السَّبْعِينَ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ علیه السلام اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَخَّرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، فَحَدَّثْنَاكُمْ فَأَذَعْتُمُ الْحَدِيثَ وَكَشَفْتُمْ قِنَاعَ السِّرِّ(1)فَأَخَرَهُ (2)اللَّهُ وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَقْتاً، يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) [الرعد: 39].
قَالَ أَبُو حَمْزَةَ: وَقُلْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَبْدِ الله علیه السلام .
1) في بعض النسخ: (الستر).
2) في بعض النسخ: (فأخذه الله).
3) رواه العياشي الله في تفسيره (ج 2 ص (218 ح (69 عن أبي حمزة باختلاف يسير، والكليني الله في الكافي ج 1 ص 368 / باب كراهية التوقيت / ح 1)، والنعماني الله في الغيبة ( ص 303 و 304 باب 16 / ح (10) عن محمد بن يعقوب من قوله : (يا ثابت) باختلاف يسير، والراوندي الله في الخرائج والجرائح (ج 1 ص 178 و 179/ ذيل الحديث (11).
4) قال المولى المازندراني رحمه الله في شرح أصول الكافي (ج/ 6 ص 332): (توقيت ظهور هذا الأمر في السبعين من الغيبة على الظاهر، أو من الهجرة على احتمال بعيد - حتّى يرجع الخلق إلى دين واحد - توقيت بدائي، فلذلك جرى فيه البداء أو غُيِّر السبعون إلى ضعفه وهو مائة وأربعون، ثم غُيِّر ضعفه إلى ما شاء الله. قوله: (فكشفتم قناع السر) القناع والمقنع والمقنعة بالكسر في الجميع ما تقنع به المرأة رأسها إلَّا أنَّ القناع أوسع. والسر واحد الأسرار، وهو ما يكتم، وإضافة القناع إليه لامية، وفيه مكنية وتخييلية وترشيح. قوله: (ولم يجعل الله) عطف على محذوف عليه ظاهر الحال، بل ظاهر المقال، أي فحدثناكم حديثاً ينبغي كتمانه فأذعتم الحديث كما فتشتموه فكشفتم قناع السر فأحره الله عن الأربعين ومائة. (ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتاً عندنا) أي لم يجعل لنا توقيته بعد ذلك، ولا يجوز لنا إظهار وقته، ويحتمل أن يكون المراد أنه لم يجعل لنا علماً بوقته بعد ذلك قوله : «ويَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ» أي يمحو الله ما يشاء محوه كالسبعين وضعفه، (وَيُثْبِتُ) ما يشاء إثباته كما زاد عليهما، (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) وهو اللوح المحفوظ على أشهر الأقوال، وقد كتب فيه جميع ذلك).
418 - وَرَوَى الْفَضْلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ،(1)عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى التَّمْتَامِ السُّلَمِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ النَّوا(2)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله علیه السلام يَقُولُ: «كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِيَّ فَأَخَرَهُ اللَّهُ، وَيَفْعَلُ(3)بَعْدُ فِي ذُرِّيَّتِي مَا يَشَاءُ».
فالوجه في هذه الأخبار أن نقول - إن صحت - : إنَّه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقّت هذا الأمر في الأوقات التي ذُكِرَت، فلما تجدد ما تجدد تغيرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر، وكذلك فيما بعد، ويكون الوقت الأوّل وكلُّ وقت يجوز أن يُؤخِّر(4)مشروطاً بأن لا يتجدَّد ما يقتضي المصلحة تأخيره إلى أن يجيء الوقت الذي لا يُغيّره شيء فيكون محتوماً.
وعلى هذا يتأول ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها والزيادة فيها عند الدعاء (5)
1) لم نجد رواية الفضل بن شاذان عن محمد بن إسماعيل في غير هذا المورد، والظاهر أنه سهو، إذ روى محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان في موارد عديدة، وروى أيضاً الفضل عن محمد ابن سنان بلا واسطة في عدة موارد، فإذاً يحتمل أن يكون الصحيح الفضل ومحمد بن إسماعيل، عن محمد بن سنان، والله العالم.
2) عده المؤلف الله في رجاله ( ص (259 الرقم (593/3684) من أصحاب الصادق علیه السلام ووصفه بالكوفي.
3) في بعض النسخ: (ويفعل الله).
4) في بعض النسخ: (لا يُؤخره).
5) روى ابن طاوس له في فلاح السائل (ص 167 و 168) بسنده عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجِ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَي عَبْدِ الله اللا، فَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي عَلَتْ سِنّي، وَمَاتَ أَقَارِبِ، وَإِنِّي خَائِفٌ أَنْ يُدْرِكَنِي الموتُ وَلَيْسَ فِي مَنْ آنسُ بِهِ وَأَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لي: مِنْ إِخْوَانِكَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ نَسَباً أَوْ سَيِّاً وَأَنسُكَ بِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنَسِكَ بِقَرِيبٍ، وَمَعَ هَذَا فَعَلَيْكَ بِالدُّعَاءِ.... إلى أنْ قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ : وَاللَّهِ عِشْتُ حَتَّى سَنِمْتُ الحَيَاةَ.
[والصدقات ] (1)(2)وصلة الأرحام (3)، وما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم (4)وقطع الرحم (5)وغير ذلك، وهو تعالى وإن كان عالماً بالأمرين، فلا : يمتنع أن يكون أحدهما معلوماً بشرط والآخر بلا شرط، وهذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل.
وعلى هذا يُتأوّل أيضاً ما روي من أخبارنا المتضمنة للفظ البداء(6)، ويُبين أنَّ معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل فيما يجوز فيه النسخ، أو تغيُّر شروطها إن كان طريقها الخبر عن الكائنات، لأنَّ البداء في اللغة هو الظهور، فلا يمتنع أن يظهر لنا من أفعال الله تعالى ما كنَّا نظنُّ خلافه، أو نعلم ولا نعلم شرطه.
1) من بعض النسخ.
2) روى الصدوق رحمه الله في ثواب الأعمال ( ص 141) بسنده عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ غَالِبٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: «الْبِرُّ وَالصَّدَقَةُ يَنْقِيَانِ الْفَقْرَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْعُمُرِ، وَيَدْفَعَانِ عَنْ صَاحِبِهَا سَبْعِينَ مِيتَةً سَوْءٍ .
3) روى المؤلف في أماليه (ص 480 و 481 / ح 18/1049) بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: قَالَ رَسُولُ الله علیه السلام : «صِلَةُ الرَّحِمِ تَعْمُرُ الدِّيَارَ، وَتَزيدُ فِي الْأَعْمَارِ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُهَا غَيْرَ أَخْيَارِ».
4) روى الكليني الله في الكافي (ج) (8/ ا بسنده عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْجُرْجَانِ، عَنْ أي عبد الله عللا ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَ جَعَلَ لَمِنْ جَعَلَ لَهِ سُلْطَانًا أَجَلَا وَمُدَّةً مِنْ لَيَالٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينَ وَشُهُورٍ، فَإِنْ عَدَلُوا فِي النَّاسِ أَمَرَ اللهُ لصَاحِبَ الْفَلَكِ أَنْ يُبْطِيَ بِإِدَارَتِهِ، فَطَالَتْ أَيَّامُهُمْ وَلَيَالِيهِمْ وَسِنِينُهُمْ وَشُهُورُهُمْ، وَإِنْ جَارُوا فِي النَّاسِ وَلَمْ يَعْدِلُوا أَمَرَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى صَاحِبَ الْفَلَكِ فَأَسْرَعَ بِإِدَارَتِهِ، فَقَصُرَتْ لَيَالِيهِمْ وَأَيَّامُهُمْ وَسِيتُهُمْ وَشُهُورُهُمْ، وَقَدْ وَلَىٰ هُمْ وَ بِعَدَدِ اللَّيَالِي وَالشُّهُورِ».
5) روى العياشي الله في تفسيره (ج 2/. 2200 ح (75) عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيَّ، عَنْ جَعْفَرٍ ابْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله : «إِنَّ المرة ليُصِلُ رَحِمَهُ وَمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا ثَلَاثُ سنِينَ فَيَمُدُّهَا اللَّهُ إِلَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَإِنَّ المرء لَيَقْطَعُ رَجَهُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثُ وَثَلاثُونَ سَنَةً فَيُقَصِّرُهَا اللَّهُ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَدْنَى».
6) راجع: بحار الأنوار (ج) 4 ص 92 - 134 / باب 3 البداء والنسخ).
419 - فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ الْأَسَدِيُّ اللهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الرَّيَّانِ بنِ الصَّلْتِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عَالِيْلا يَقُولُ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَأَنْ يُقر لله بِالْبَدَاءِ، إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) [الحج: 18]، وَأَنْ يَكُونَ فِي تُرَائِهِ الْكُنْدُرُه (1).
420 - وَرَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِي الحَسَنِ الرّضا علیه السلام قَالَ: «قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ قَبْلَهُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِي، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ : كَيْفَ لَنَا بِالحَدِيثِ مَعَ هَذِهِ الآية: يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) [الرعد: 39]؟ فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ (2)إِلَّا بَعْدَ كَوْنِهِ، فَقَدْ كَفَرَ وَخَرَجَ عَنِ التَّوْحِيدِ».
421 - وَقَدْ رَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هَاشِمِ الْجَعْفَرِيُّ، قَالَ: سَأَلَ محمَّدُ بْنُ صَالِحِ الْأَرْمَنِيُّ (3)أَبَا مُحَمَّدِ الْعَسْكَرِيَّ علیه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) [الرعد: 39،] فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: «وَهَلْ يَمْحُو إِلَّا مَا كَانَ وَيُثْبِتُ إِلَّا مَا لَمْ يَكُن؟». فقلتُ في نَفْسي : هَذَا خِلافُ مَا يَقُولُ هِشَامُ بْنُ الْحَكَم: إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ الشَّيْء حَتَّى يَكُونَ.
فَنَظَرَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ علیه السلام ، فَقَالَ: تَعَالَى الْجَبَّارُ الْعَالِمُ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا»، والحديث مختصر (4)
1) رواه القمي الله في تفسيره (ج 1 ص 194) عن ياسر عن الرضا علیه السلام ، والصدوق له في عيون أخبار الرضا علیه السلام (ج 2/ ص /17 باب 30 ح (33)
2) في بعض النسخ: (الشيء).
3) عده المؤلف له في رجاله ( ص 402 / الرقم 24/5906) من أصحاب العسكري .
4) رواه المسعودي في إثبات الوصية (ص) (249) ، وابن حمزة الطوسي الله في الثاقب في المناقب (ص 566 و 567 / 7/507)، والراوندي الله في الخرائج و الجرائح (ج 2 ص 687 و 688 / ح 10).
422 - الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ سَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبي بَصِيرِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَهْذَا الْأَمْرِ أَمَدٌ نُرِيحُ أَبْدَانَنَا وَنَنتَهِي إِلَيْهِ؟
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكُمْ أَذَعْتُمْ فَزَادَ اللهُ فِيه(1).
والوجه في هذه الأخبار ما قدمنا ذكره من تغير المصلحة فيه، واقتضائها تأخير الأمر إلى وقت آخر على ما بيناه، دون ظهور الأمر له تعالى، فإنَّا لا نقول به ولا تجوزه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.
فإن قيل: هذا يُؤدّي إلى أن لا نثق بشيء من إخبار الله تعالى.
قلنا: الإخبار على ضربين:
ضرب لا يجوز فيه التغير في مخبراته، فإنَّا نقطع عليها، لعلمنا بأنه لا يجوز أن يتغيّر المخبر في نفسه، كالإخبار عن صفات الله تعالى، وعن الكائنات فيما مضى، وكالإخبار بأنّه يثيب المؤمنين.
والضرب الآخر هو ما يجوز تغيره في نفسه لتغير المصلحة عند تغير شروطه، فإنَّا نُجوز تُجوّز جميع ذلك، كالإخبار عن الحوادث في المستقبل، إلا أن يرد الخبر على وجه يُعلم أنَّ مخبره لا يتغيّر، فحينئذ نقطع بكونه، ولأجل ذلك قُرِنَ الحتم بكثير من المخبرات، فأعلمنا أنه مما لا يتغيَّر أصلاً، فعند ذلك نقطع به.
1) تقدم في (ح 416).
تأليف رضي الدين أبي القاسم
على بن موسى بن جعفرين محمد بن طاووس المتوفى سنة 664 ه
نشر
مؤسسة صاحب الأمر
الکتاب : التشريف بالمنن في التعريف بالفتن
المؤلف : السيد ابن طاووس رضي الدين ابی القاسم علي بن موسى بن جعفر
التحقيق : مؤسسة صاحب الأمر (عج)
النشر: گلبهار اصفهان
الاخراج الفني : السيد حسن عزيز الحكيم
الطبعة : الأولى - 15 شعبان - 1416ه-
المطبعة: نشاط - اصفهان
الكمية: 3000 نسخة
السعر :
193 - حدثنا نعيم حدثنا ابن وهب عن إسحاق بن يحيى بن طلحة التيمي عن طاووس ، قال : قال علي بن أبي طالب : « هو فتى من قريش ضرب من الرجال» (1)
194 - قال : وحدثنا نعيم ، حدثنا الحكم بن نافع عن جراح عن
أرطاة ، قال : المهدي ابن ستين سنة (2)
195 - قال : حدثنا نعيم ، حدثنا محمد بن حمير عن السقر بن رستم عن أبيه ، قال : المهدي رجل أزج (3)ابلج (4)أَعْينُ (5)، يخرج من الحجاز حتى يستوي على منبر دمشق ، وهو ابن ثماني عشرة سنة (6)
أقول أنا : إن الاختلاف في عمره لعلّ معناه أن صفته عند من يراه نحو
1) الفتن 1 : 366 / 1074 ، وعنه في كنز العمال 14 : 590 / 39672 ، وفيه : المهدي فتى من قريش آدم ضرب من الرجال ) .
2) الفتن 1 : 367 / 1075 .
3) الزَّججُ : تَقَوّس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداده. النهاية - لابن الأثير - 2 : 296 «زجج » .
4) الأبلج : الذي وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا ، النهاية - لابن الأثير - 1 : 151 «بلج»
5) أعين واسع العين . النهاية - لابن الأثير - 3 : 333 و عين »
6) الفتن 1 : 366 / 1072 ، وأخرجه في عقد الدرر : 37 وليس فيه ، وهو ابن ثماني عشرة سنة ) .
ما تضمّنته الأخبار وإن كان عمره أكثر من ذلك.
فقال ما هذا لفظه :
405 - حدَّثنا محمد بن جرير ، قال : حدثنا ابن حميد ، قال : أخبرنا الحكم قال : أخبرنا خلاد بن مسلم الصفّار وعمرو بن قيس عن زيد العمّي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله : قال : « يكون المهدي في ،عمره (1)إن قصر عمره فسبع وإلا فثمان والا فتسع ، تنعم أمَّتي في دنياه نعماً لم تنعم مثله قط ، البر منهم والفاجر ترسل السماء عليهم مدراراً ، ولا تدخر الأرض شيئاً من نباتها ، والمال كدوس يأتيه الرجل فيحثو له (2)
466 - قال : حدثنا عبد القدوس بن محمد ، قال : حدثنا عمرو بن عاصم ، قال : حدثنا عمران القطّان ، قال : حدثنا قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : « المهدي منا يعيش هكذا» ، وبسط يساره وإصبعين من يمينه : المشيرة والإبهام ، وعَقَد ثلاثة (1).
1) المستدرك - للحاكم - 4 : 557 .
467 - وذكر زكريا أيضاً ، قال : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا - أبو معاوية عن موسى الجهني عن زيد العمّي عن أبي الصديق عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : « يكون في أمتي المهدي إن طال عمره ملك عشر سنين ، وإن قصر عمره ملك سبع سنين أو ثمان سنين »
468 - وذكر زكريا أيضاً في كتاب الفتن ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : حدثنا جعفر بن عون ، قال : حدثنا موسى عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري [ عن النبي صلى الله عليه وسلّم (1)، قال : «من أمتي المهدي ، فإن قصر عمره أو طال عمره عاش سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، وتنبت الأرض نباتها ، وتمطر السماء مطرها ، وتنعم أمتي في ولايته نعمة لم ينعموا مثلها (2)
469 - وذكر زكريا أيضاً في كتاب الفتن ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : حدثنا محمد بن بكر البرساني عن عمران بن حُدَير ، قال : حدثني السميط عن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : « المهدي اسمه اسمي ، ويخرج وهو ابن إحدى وخمسين أو ثنتين وخمسين ، يكون على الناس سبع سنين (3)
الأصل للعلامة النسابة السيد بها الدين على بن عبدالكريم ابن عبد الحميد النيلي النجفي
كان حيا سنة 803 ه
تحقیق : مؤسسةِ الْإِمَامِ الهادِي عَليه السلام
بهاء الدين نيلي على بن عبد الكريم - 1803 ق .
منتخب الانوار المضيئة في ذكر القائم الحجة علیه السلام / الاصل بهاء الدين علي بن عبد الكريم بن عبد الحميد النيلي النجفي تحقيق مؤسسة الامام الهادي علیه السلام - قم: مؤسسة الامام الهادي علیه السلام .
1920 ق. - 1378
65 415 ص: نمونه .
2000 ریال : ISBN 964 - 90069 - 4 - x
فهرستنویسی بر اسانی اطلاعات فیپا.
عربی .
کتابنامه : ص 438 - 450 .
1- محمد بن حسن(عج) امام دوازدهم 255 ق - 2 مهدویت 3 بهاء الدين نيلي على بن عبد الكريم - 803 ق. - سرگذشتنامه.
الفه موسسه امام هادی علیه السلام . ب عنوان
م BP15/89ب 959 / 297
کتابخانه ملی ایران 26057 - 78م
با همکاری معاونت پژوهشی و آموزشی
وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی
اسم الكتاب : منتخب الأنوار المضيئة
المؤلف : الأصل للسيد بهاء الدين علي بن عبدالكريم بن عبد الحميد النيلي النجفي
التحقيق : لجنة التحقيق التابعة لمؤسسة الإمام الهادي علیه السلام
الناشر: مؤسسة الإمام الهادي علیه السلام
المطبعه : الأولى ذو القعدة 1420 - اسفند 78
المطبعة : اعتماد - قم
الکمية : 3000
الصف والإخراج : مؤسسة الإمام الهادي علیه السلام :
السعر ...... تومان
شابك - 964 90069-4-
x ISBN 90069 - 964
حقوق الطبع محفوظة للناشر
توزيع
مؤسسة الإمام الهادي .
قم شارع بهار - زقاق آية الله النجفي، رقم 48
تلفن 742574- فاكس 741572 - ص ب 514 - 37185
وليس تعميره علیه السلام أمراً لم يحصل لغيره من الأنام حتى ينكره الأفهام، أو يعترض فيه الشك والأوهام؛ بل قد حصل للأنبياء والأولياء ولكثير من الأمم والأشقياء، وقد ورد بذلك أخبار الأمم الماضين، وتضمنت ذلك التواريخ والكتب، من جملتها:
«كتاب المعمرين»(1)
وقال ابن طاووس في الطرائف: 186 : رأيت تصنيفاً لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني من أعيان الأربعة المذاهب سماه «كتاب المعترين» وذكرهم بأسمائهم .
.فمن ذلك: ما صح لي روايته عن الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه، يرفعه إلى هشام بن سالم(2)
وعده الشيخ المفيد لله في رسالته العددية من الرؤساء الأعلام المأخوذ منهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام الذين لا يطعن عليهم بشيء، ولا طريق إلى دم واحد منهم، على ما في معجم رجال الحدیث: 297/19 .
، عن الصادق علیه السلام قال: عاش نوح ألفي سنة وخمسمائة سنة؛ منها1) ذكر العلامة الطهراني في الذريعة: 268/21 - تحت رقم 4987 ورقم 4988 - كتابين بهذا العنوان: أحدهما لأبي مخنف (المتوفى (157) وقال: نقل عنه . في عدة مواضع من «الإصابة»؛ وثانيها لأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي النسابة، المتوفى . سنة 205. ولعله المراد هنا .
2) هشام بن سالم الجواليقي من أصحاب الصادق والكاظم ، قال النجاشي في رجاله: 434 رقم 1165: «هشام بن سالم الجواليق، مولى بشر بن مروان أبو الحكم، كان من سبي الجوزجان؛ روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن ، ثقة ثقة. له كتاب يرويه جماعة» . وذكره الشيخ في رجاله: 329 رقم 17 في أصحاب الصادق له وأيضاً في ص 363 رقم 2 في أصحاب الكاظم .
ثمانمائة سنة(1)وخمسون سنة قبل أن يُبعث، وألف سنة إلا خمسين سنة وهو في قومه يدعوهم، وسبعمائة عام بعد ما نزل من السفينة وتُضَب (2)الماء ومصر الأمصار وأسكن ولده في البلدان .
ثم إن ملك الموت جاءه - وهو في الشمس - فقال: السلام عليك.
فرد عليه، السّلام فقال: ماجاء بك يا ملك الموت؟
فقال: جئتك لأقبض روحك.
فقال له: تدعني حتى أدخل من الشمس إلى الظل؟
فقال : نعم .
قال: فتحوّل نوح علیه السلام ثم قال: يا ملك الموت كأن ما مر بي من الدنيا مثل تحولي من الشمس إلى الظل، فامض لما أمرت به.
قال: فقبض روحه علیه السلام . (3)
1) «وستة» ب. ح. والظاهر أنه مصحف من «سنة» .
2) نضب الماء، ينضب بالضم، نضوباً، وتضب إذا ذهب في الأرض، «لسان العرب: 762/1 نضب.
3) كمال الدين: 523 - 5 ح 1 مثله؛ وكذا الأمالي: 413م77 ح 7، وروضة الواعظين: 445. ويجمع البيان: 435/2، وقصص الأنبياء: 887 إلا أن فيها بدل «وسبعمائة»: «ومائتا سنة في عمل السفينة، وخمسمائة» عن معظمها البحار: 285/11 2 .
وبالطريق المذكور، قال: كانت أقل أعمار قوم نوح ثلاثمائة سنة (1). (2)
وفي قصص الأنبياء: 90 صدر ح 84 عن أبي عبدالله : «كانت أعمار قوم هود صلوات الله عليه أربعمائة سنة، عند البحار: 359/11 صدر ح 17 .
ومن ذلك، بالطريق المذكور، يرفعه إلى محمّد بن يوسف التميمي(3)، عن الصادق ( عليه السلام)(4)، عن أبيه جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عاش آدم عن أبو البشر تسعمائة سنة وثلاثين سنة (5). وعاش إبراهيم (6)مائة وسبعين سنة، وإسماعيل مائة وعشرين سنة، وإسحاق مائة وثمانين، ويعقوب (مائة وخمسة وأربعين)(7)ويوسف مائة وعشرين، وكذا موسى(8)وهارون مائة وثلاثة وثلاثين، وداود مائة سنة ملك منها أربعين، وسليمان سبعمائة واثني عشر سنة . (9)
1) ليس في «ب» .
2) كمال الدين: 523 ح 2 عن أبي عبد الله الله عنه البحار: 289/11 ح 12؛ ولفظ الحديث فيها: «كانت أعمار قوم نوح : ثلاثمائة سنة ثلاثمائة سنة» .
3) في معجم رجال الحديث: 67/18 رقم 12047 اقتصر على ذكره بهذا العنوان والإشارة إلى روايته عن محمد بن جعفر، ورواية الحسن بن علي بن أبي حمزه عنه في موضعين من الكافي (330/5 ح 5) و (223/6 2) .
4) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» .
5) بزيادة وعاش نوحه ألفي سنة وأربعمائة سنة، وخمسين سنة» كمال الدين .
6) «مائة وخمساً» كمال الدين .
7) بدل ما بين القوسين: «مائة وعشرين» كمال الدين مائة سنة وأربعين سنة» الخرائج .
8) في كمال الدين: وعاش موسى مائة وستاً وعشرين سنة» .
9) كمال الدين: 523 3، والخرائج: 964/2 بتفاوت يسير عن كمال الدين: البحار: 65/11 ح 10؛ وفي ص 268 ح 19 صدره برمز كامل الزيارات ولم يوجد فيه، وظاهر سنده متحد . سند مثله في كمال الدين ؛ فلعله سهو وهو من الكمال. وقطع منه في ج 389/11 - 13. وج 12 / 10 27، وص 113 ح 42 ، وص 298 ج 85 ، وج 370/13 ح 17، وج 8/14 ح 17 وص 140 ح 8 عن كمال الدين .
بالطريق المذكور، قال ابن سبرة](1)
هو الغزال بن سبرة الهلالي الذي ذكره ابن الأثير في أسد الغابة: 314/5 رقم 5202 وقال: «من بني هلال بن عامر بن صعصة، ذكروه فيمن رأى النبي صلى الله عليه وسلّم، ولا تعلم له رواية إلا عن علي وابن مسعود، وهو معدود في كبار التابعين وفضلاتهم»، وذكره أيضاً ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة: 584/3 رقم 8856 وقال: روى عنه | الشعبي وعبد الملك ابن ميسرة والضحاك بن مزاحم وآخرون ».
: خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام) (2)فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي (صلى الله عليه و آله ) (3)وصلى عليه ثم قال: سلوني يا أيها الناس قبل أن تفقدوني - ثلاثاً - فقام صعصعة بن صوحان (4)و قال النجاشي في رجاله: 203 رقم 542: صعصعة بن صوحان العبدي، روي عهد مالك بن الحارث الأشتر...» .
فقال: يا أمير المؤمنين متى يخرج الدجال ؟
فقال له : اقعد فقد سمع الله كلامك وعلم ما أردت. والله والله ما المسؤول عنه بأعلم من السائل، ولكن لذلك علامات وهيئات يتبع بعضها بعضاً كحذو النّعل
1) أثبتناه من كمال الدين والخرائج وهو الصواب؛ وفي النسخ: «سمره».
2) ليس في «ب» و«ح» .
3) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» .
4) صعصعة بن صوحان ذكره العلامة في الخلاصة 171 رقم 502 و قال: «عظيم القدر من أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام ، روي عن الصادق علیه السلام أنه قال: ما كان مع أمير المؤمنين علیه السلام من يعرف حقه إلا صعصعة و أصحابه». رواها الكشي في رجاله: 68 رقم 122 .
بالنعل، فإن شئت أنبأتك بها .
قال: نعم يا أمير المؤمنين .
فقال علي : علیه السلام : احفظ، فإنّ علامة ذلك: إذا أمات الناس الصلاة، وأضاعوا (1)الأمانة، واستحلوا الكذب، وأكلوا الربا، وأخذوا الرشا، وشيدوا البناء(2)، وقطعوا الأرحام، واتبعوا الأهواء، واستخفوا بالدماء، وكان الحلم ضعفاً، والظلم فخراً، وكانت الأمراء فجرة، والوزراء ظلمة، والعرفاء خونة، والقراء فسقة.
وظهرت شهادة الزور، واستعلن الفجور وقول البهتان، والإثم والطغيان وحليت المصاحف، وزخرفت (3)
في لسان العرب: 132/9 - زخرف - : «الزُّخْرُف الزينة». وفيه أيضاً نقلاً عن ابن سيدة:
«الزخرف: الذهب، هذا الأصل، ثم سمّي كل زينة زخرفاً، ثم شبه كل مُموَّه مزور به» . قال الشهيد الثاني في الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: 217/1 - في أحكام المساجد - عند بيان قول الشهيد ويحرم زَخْرَفتها»: «وهو نقشها بالزخرف وهو الذهب، أو مطلق النقش» .
المساجد، وطولت المنابر (4)، وأكرم الأشرار وازدحمت الصفوف، واختلفت القلوب ونقضت العهود. واقترب الموعود، وشارك النساء أزواجهنّ في التجارة حرصاً على الدنيا، وعلت أصوات الفسّاق وسمع (5)منهم، وكان زعيم القوم أرذلهم واتقي الفاجر مخافة شره، وصِدِّق الكاذب، وائتمنالخائن، واتخذت القيان(1)والمعازف(2)، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وركب ذوات الفروج السروج، وتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وشهد الشاهد من غير أن يستشهد، وشهد الآخر قضاءاً لذمام بغير حق عرفه، وتفقه لغير الدين، وآثروا عمل الدنيا على الآخرة، ولبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، وقلوبهم أنتن من الجيفة وأمر من الصّبر(3).
فعند ذلك الوحا الوحا(4).ثم العجل العجل.
خير المساكن حينئذ بيت المقدس(5)
قال الله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله - الآية ) سورة بني إسرائيل: 1. قال الطبرسي في مجمع البيان: 396/3 في تفسير الآية : (إلى المسجد الأقصى) يعني بيت المقدس، وإنما قال: «الأقصى» لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، الذي باركنا حوله) أي جعلنا البركة فيما حوله من الأشجار والأثمار والنبات والأمن والمخصب حتى لا يحتاجوا إلى أن يجلب إليهم من موضع آخر. وقيل: (باركنا حوله أي جعلنا البركة في ما حوله بأن جعلناه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة .
: ليأتينّ على الناس زمان يتمنّى أحدهم أنَّه1) القينة: الأمة المغنية، والجمع القينات، وتجمع علي قيان أيضاً. انظر «لسان العرب: 351/13 وص 352 - قين - » .
2) المعازف: الملاهي كالعود والطنبور، الواحد عُزف أو مغزف. «القاموس: 254/3 - عزفت - ».
3) الصبِر .ککنِف- ولایسکن الافی ضروره الشعر عصاره شجر مرَّ. «القاموس :2/15-صبره-»
4) الوحى العجلة، يقولون: الوحى الوحى، والوحاء الوحاء: يعني البدار البدار، والوحاء الوحاء يعني الإسراع فيمدونهما ويقصرونها إذا جمعوا بينهما، فإذا أفردوه مدوه ولم يقصروه، «لسان العرب: 381/15 - 382 - وحی - » .
5) في معجم البلدان: 166/5: «المقدس في اللغة المنزه، قال المفسرون في قوله تعالى: « ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك» . قال الزجاح : معنى «ونقدس» لك أي تطهر أنفسنا لك. وكذلك تفعل بمن أطاعك نقدسه أى نظهره. قال ومن هذا قيل للسطل: القدس. لأنه يتقدس منه أي يتطهر، قال: ومن هذا بيت المقدس - كذا ظبطه، بفتح أوله وسكون ثانيه وتخفيف الدال وكسرها - أي البيت المقدس المظهر الذي يتطهر به من الذنوب ».
من سكانه .
فقام إليه الأصبغ بن نُباتة (1)فقال: يا أمير المؤمنين من الدجال ؟
فقال: إنَّ الدَّجَّال: الصَّائد بن الصَّيد (2). (3)
وج 283/6 وص 284، وصحيح مسلم: 189/8 - 194، وسنن الترمذي: 516/4 - 519 باب ما جاء في ذكر ابن صائد)، وسنن أبي داود: 120/4 وص 121، وعقد الدرر: 291-281) (الفصل الثالث فيما يستدل به على أن الدجّال هو ابن صياد)، والعمدة لابن البطريق 439) باب ما جاء في بقاء الدّجال من متون الصحاح .
فالشقي من صدَّقه، والسعيد من كذَّبه يخرج من بلدة يقال لها إصبهان من قرية تعرف ب-«اليهودية» (4)عينه اليمنى1) الأصبغ بن نباتة المجاشعي من أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام : قال الشيخ في الفهرست: 37: «كان الأصبغ من خاصة أمير المؤمنين علیه السلام ، وعُمر بعده، وروى عهد مالك الأشتر، الذي عهده إليه أمير المؤمنين علیه السلام لما ولَّاه مصر، وروى وصيّة أمير المؤمنين علیه السلام إلى ابنه محمد بن الحنفية». ومثله قال النجاشي في رجاله 8 رقم .5 وعده الشيخ في رجاله 66 رقم 2 من : أصحاب الإمام الحسن بن علي علیه السلام أيضاً .
2) «صائد بن الصائد» بدل الصائد بن الصيد الخرائج .
3) انظر مسند أحمد: 380/1 وص 457، وج 79/3 وص 82 وص 97، وج 40/5، وص 148،
4) في معجم البلدان 453/5: اليهودية، نسبة إلى اليهود في موضعين أحدهما محلة : والآخر بإصبهان، قال أهل السير لما أخرجت اليهود من البيت المقدس في أيام بخت نصر وسيقوا إلى العراق حملوا معهم من تراب البيت المقدس ومن ماند. فكانوا لا ينزلون منزلاً ولا يدخلون مدينة إلا وزنوا ماءها وترابها. فما زالوا كذلك حتى دخلوا إصبهان، فنزلوا بموضع منها يقال له: بنجار - وهي كلمة عبرانية معناها : انزلوا - فنزلوا، ووزنوا الماء والطين الذي في ذلك الموضع، فكان مثل الذي معهم من تراب البيت المقدس ومائه، فعنده اطمأنوا، وأخذوا في العمارات والأبنية، وتوالدوا وتناسلوا، وسمي المكان بعد ذلك «اليهودية»، وهو موضع إلى جنب «جي» مدينة إصبهان، وكانت العبارات متصلة والآن خرب ما بين «جي» واليهودية وبقيت محلة برأسها مفردة مسئولياً عليها الخراب إلا أبياتاً؛ ومدينة إصبهان العظمى هي جي اليهودية .
ممسوحة(1)، والأخرى في جبهته كأنها كوكب الصّبح فيها علقة كأنها ممزوجة بالدم. بين عينيه مكتوب: «كافر» يقرأه كلّ كاتب وأمّي: يخوض البحار وتسير(2)معه الشمس، بين يديه جبل من دخان وخلفه جبل أبيض يرى الناس أنه طعام. يخرج حين يخرج في (3)قحط شديد تحته حمار أقمر(4). خطوة حماره ميل(5). تطوى له الأرض منهلاً(6)منهلاً. لا يمر بماء الاَّ غار الى يوم القيامة. ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين
1) الشيء الممسوح: القبيح المشؤوم المغير عن خلقته. «تاج العروس: 132/7 - مسح - » .
2) «ويسير» أ .
3) «من» أ .
4) القمرة، بالضم: لون إلى الخضرة أو بياض فيه كذرة، حمار أقر، وأتان قراء «القاموس . «171/2
5) الميل، بالكسر : قدر مد البصر، ومنار يبنى للمسافر. أومسافة من الأرض متراخية بلاحد. أومائة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ : هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء. أو اثنا عشر ألف ذراع بذراع المحدثين. «القاموس: 72/4 - مال - » .
6) المنهل المورد، وهو عين ماء ترده الإبل في المراعي، وتُسمّى المنازل التي في المفاوز على طرق الشفار مناهل، لأن فيها ماءاً . «الصحاح: 1837/5 - نهل - » .
الخافقين (1)من الجن والإنس والشياطين، يقول: إلى أولياني أنا الذي خلق فسوى وقدر فهدى أنا ربكم الأعلى. وكذب عدوّ الله إنه أعور يطعم الطعام ويمشي في الأسواق، وإن ربكم ليس بأعور، ولا يطعم الطعام ولا يمشي في الأسواق.
ألا إن أكثر أتباعه يومئذٍ أولاد زنا وأصحاب الطيالسة (2)الخضر. يقتله الله عز وجل بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق (3)لثلاث ساعات من يوم الجمعة، على يدي من يصلي المسيح عيسى بن مريم خلفه ألا إن بعد ذلك الطامة الكبري(4).
قلنا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟
قال: خروج دابة (5)من الأرض من عند الصفاء معها خاتم سليمان وعصا موسى،
1) الخافقان المشرق والمغرب، أو أفقاهما لأن الليل والنهار يختلفان فيهما، أو طرفا السماء والأرض، أو منتهاهما. «القاموس: 332/3 - 333» .
2) جمع الطيلسان وهو فارسي معرب: من لباس العجم. انظر «المصباح المنير: 513 - طلس - ».
3) في معجم البلدان: 233/1: «أفيق - بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة وقاف - : قرية من حوران في طريق الغَوْر في أوّل العقبة المعروفة بعقبة أفيق، والعامة تقول فيق، تنزل من هذه العقبة إلى الغور وهو الأردن، وهي عقبة طويلة نحو ميلين .
4) قال الطبرسي في تفسير قول الله تعالى: (فإذا جاءت الطامة الكبرى (النازعات: 34): هي القيامة لأنها تطم على كلّ داهية هائلة؛ أي تعلو وتغلب ومن ذلك يقال: ما من طامة إلا وفوقها طاقة، والقيامة فوق كلّ طامة فهي الداهية العظمى». مجمع البيان: 435/5 .
5) قال الله تبارك وتعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابةٌ من الأرض تكلّمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) (النمل: (82) روى القمي في تفسيره: 130/2 عن أبي عبد الله له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ص 131 عن أبي عبد الله له عن عمار بن ياسر ؛ وكذا العياشي عن أبي ذر الله - على ما في مجمع البيان: 234/4 - : أن المراد منها أمير المؤمنين علي . وانظر تفسير فرات: 373، والمناقب: 118/2، وج 100/3 وص 102 وص 384، وتأويل الآيات: 399 - 401 وص 415 وص 437 وص 833، والبحار: 242/39 - 244 - 30-33.
تضع (1)الخاتم على وجه كلّ مؤمن فيطبع فيه: «هذا مؤمن حقاً»، وتضعه (2)على وجه كل كافر فيكتب فيه: «هذا كافر حقا»، حتى أن المؤمن ينادي: الويل لك يا كافر. وأن الكافر لينادي(3):طوبى لك يا مؤمن وددت أني اليوم مثلك فأفوز فوزاً عظيماً .
ثم ترفع الدابة رأسها فيراها من (4)بين الخافقين بإذن الله عزّوجلّ، وذلك بعد طلوع الشمس من مغربها؛ فعند ذلك ترفع التوبة، فلا توبة تقبل، ولا عمل يرفع، و«لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً»(5). .
ثم قال : لا تسألوني عما بعد ذلك، فإنّه عهد إلي حبيبي ألا أخبر به غير عترتي .
قال ابن [سيرة](6): فقلت لصعصعة ما عنى أمير المؤمنين بهذا القول؟ قال: یا ابن سبرة إن الذي يصلّي خلفه عيسى هو الثاني عشر من العترة. التاسع من ولد الحسين ، وهو الشمس الطالعة من مغربها، يظهر (من بين)(7)الركن والمقام، (فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً(8)(9)
وهذا الدجال وظهوره ووجوده و تعميره اتفق عليه كافة المسلمين العامة (10)
1) «يضع» أ .
2) «ويضعه» أ .
3) «ينادي» أ .
4) «ما» أ .
5) سورة الأنعام: 158 .
6) أثبتناه من كمال الدين وكذا ما بعده؛ وفي النسخ: «سمرة» . انظر ص 164، الهامش رقم 1 .
7) بدل ما بين القوسين: «عند» كمال الدين والخرائج.
8) بدل ما بين القوسين: «فيطهر الأرض، ويضع ميزان العدل، فلا يظلم أحد أحداً» كمال الدين.والخرائج ومختصر البصائر .
9) كمال الدين: 525/2 ج 1 ، والخرائج: 1133/3 ح 53، ومختصر البصائر: 30 - 32؛ عن كمال الدين البحار: 192/52 ح 26 . وفي مستدرك الوسائل: 326/12 ج 1 صدره عن المختصر .
10) انظر ص 167، الهامش رقم 3 .
والخاصة. فيا عجباً ممَّن يصدق بقاء هذا الكافر الفاجر الّذي يملأ الأرض ظلماً وجوراً، ويمنع بقاء مثل الإمام القائم علیه السلام (المعصوم، ابن المعصومين(1)الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، ويستبعد طول تعمير مثل هذا الإمام، ولا يستبعد طول تعمير مثل هذا الفاجر أكفر الكفّار، ويسلّمون الأخبار الواردة الشاهدة بوجود هذا اللعين، ويدفعون الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة المعصومين، الشاهدة بوجود الإمام المهدي الإمام المتقين .
وهل دفعهم الروايات الواردة بوجوده وطول تعميره إلا مثل دفع البراهمة (2)والمشركين وجود النبي،وإنكارهم صحة الإسلام ؟
فإنهم يقولون للمسلم: ما صح عندنا شيء [من](3)معجزات الرسول، ولا يثبت عندنا صحة ما يقول .
وكذلك هؤلاء يقولون ما نعرف شيئاً من فضائل الأئمة المعصومين علیهم السلام، ولا نعرف صحة الأخبار الواردة بتعمير الإمام القائم علیه السلام.
فلوصح ما يقول هؤلاء لنا، لصح لزوم قول الكفرة والمشركين)(4).
1) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» .
2) قال الشهرستاني في الملل والنحل: 258/2: ان الهند أُمة كبيرة، وملة عظيمة، وآراؤهم مختلفة فمنهم: «البراهمة» وهم المنكرون للنبوّات أصلاً، ومنهم من يميل إلى الدهر... من الناس من يظن أنهم سموا براهمة لا نتسابهم إلى إبراهيم الله وذلك خطاً، فإن هؤلاء القوم هم المخصوصون بني النبوات أصلاً ورأساً، فكيف يقولون بإبراهيم ؟... وهؤلاء البراهمة إنما انتسبوا إلى رجل منهم يقال له: «براهم» وقد مهد لهم نق النبوات أصلاً، وقرر استحالة ذلك في العقول بوجوه...» .
3) أثبتناء من الأنوار المضيئة (مخطوط). «عن» أ .
4) ما بين القوسين أي من قوله ويستبعد طول تعمير إلى والمشركين»، ليس في«ب» و«ح».
( وأعجب منه)(1)أنهم يعترفون بوجود إبليس وتعميره من قبل آدم إلى يوم القيام، وهو الضال رئيس الضالين(2)، ويمنعون بقاء مثل هذا الإمام الهادي من الهداة الأئمة (3)المعصومين .
(وكيف يصح لهم إنكار تعمير مثل هذا الإمام مع اعترافهم بتعميركثير ممّن سلف من الأنبياء قبل ملة الإسلام، مع أنهم يقولون بصحة قول النبي علیه السلام: «يحذوأمتي حذو من تقدمهم حذو النعل»(4)، وقد شهد بذلك أيضاً الكتاب المبين: «لتركبن طبقاً عن طبق»(5)، وهم يقصُّون(6)آثارهم ويفعلون أفعالهم إلى يوم الدين. فهل أنكارهم للتعمير في حقه إلا عناد مبين .
أما نطق القرآن المجيد أيضاً بتعمير أهل الكهف، وغيبتهم في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً . (7)
وإذا جرى ذلك في حق الأشقياء مثل الدجال، وفي حق الأنبياء مثل نوح و آدم وسليمان وغيرهم، وفي الأولياء مثل الخضر وأصحاب الكهف، فما المانع منه مثل الأئمة المعصومين الذين يترتب على بقائهم بقاء الدين، إذ هم لطف في حق المكلفين ؟
1) «وأبلغ من هذا» أ .
2) بدل ما بين القوسين: «رئيس الضالين من قبل آدم إلى يوم القيام ب. ح .
3) ليس في «ب» و«ح» .
4) راجع ص 23 .
5) سورة الانشقاق: 19.
6) قص أثره: أي تتبعه، قال الله تعالى: (فارتدًا على آثارهما قصصاً»، «الصحاح: 1051/3 - قصص - ) .
7) قال الله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا) سورة الكهف: 25 .
ولكن طبع الله على قلوبهم فأصتهم وأعمى أبصارهم)(1). (2)
ومن العجائب: أنّ مخالفينا يروون في كتبهم، وينقلون في أحاديثهم عن مشايخهم أن عيسى علیه السلام مرّ في بعض سياحاته بكربلاء ومعه الحواريون، فجلس هناك وبكى بكاءاً كثيراً، وأبكى (3)من كان معه، وقال: هذا موضع يقتل فيه سبط نبي أمه كأمي، سيد شباب أهل الجنة، وإنّ هذه التربة التي يلحد فيها، ريحها أطيب من ريح المسك، وإنّ هذه الظباء(4)ترعى فيها وتسرح وتروح إليها، وهي تلعن قاتليه(5)وتستغفر لناصريه، ثم ضرب بيده إلى بعر . تلك الظباء فشمه وقال: اللهم أبقه حتى يشمه أبوه فيكون له عزاء(6)وسلوة(7)؛ وأنّ تلك البعرات بقيت إلى زمان أمير المؤمنين علیه السلام، وأنه مرّ بها فنزل هناك، فبكى وأبكى وأخذ البقرات فشتها، وأخبر من كان معه بمقالة عيسى .
وهذا الخبر عندنا أيضاً مشهور وفي كتبنا مسطور(8).
1) بدل مابین القوسین -ای من قوله :«وکیف یصح لهم »الی هنا-«وهل مثل من یدفع ذالکالاکمثل البراهمه والمشرکین فی دفع وجود النبی صلی الله علیه و آله وسلم.ب ح .
2) انظر کمال الدین 529-531.
3) «وبكي» أ .
4) الظبي: الغزال، والجمع أظب وظباء وظبي . «لسان العرب: 23/15 - ظبا - » .
5) «على قاتليد» أ .
6) العزاء: الصبر أو حُسنه. (القاموس: 523/4 - العزاء - » .
7) سلاه وعنه - كدعاء ورَضِيه - سلواً وسلواناً وسُلِيّاً نبيه، وأسلاء عنه فتسلّى والإسم السلوة ويُضم «القاموس: 497/4 - سلاه - » .
8) انظر كمال الدين: 531 - 532 وص 534 ضمن ح 1، والأمالي: 479 - 480 م 87 ضمن حه، والخرائج: 1143/3 ذيل رقم 5.5 عن كمال الدين والأمالي إثبات الهداة: 178/1 ح 58. والبحار: 253/44 ضمن ح 2 وص 255 3 .
فهم مصدقون جازمون(1)بأنّ بعر الظباء يبقى نحواً من خمسمائة سنة(2)وأزيد(3)لم تغيّره الشموس والأمطار والرياح والأعصار، وينكرون بقاء القائم : «إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور»(4). (5).
وبالطريق المذكور حديث حبابة الوالبية(6)
وقال الشيخ الحر العاملي الله في الوسائل: 337/30) (الخاتمة): «حبابة الوالبية: روى الكشي وغيره مدحها وحسن حالها، وأنّها بقيت من زمان أمير المؤمنين إلى زمان الرضا الله ، وروت جميعاً، واطلعت على معجزاتهم.
قالت: رأيت أمير المؤمنين علیه السلام في شرطة الخميس (7)فقال: إنا ضمنا له الديح، وضمن لنا الفتح .
، ومعه درة يضرب بها بياعي الجري(8)والمار ماهي والزمير (9)والطافي(10)ويقول لهم يا بتاعي مسوخ بني إسرائيل ، وجند بني مروان قالت: فقام إليه فرات بن أحنف فقال: يا أمير المؤمنين وما مسوخ1) ليس في «ب» و«ح».
2) «سنين» أ .
3) «وما ينيف عنها» بدل: «وأزيد» أ .
4) اقتباس من الآية: 46 من سورة الحج .
5) انظر كمال الدين: 532 .
6) أم الندى بنت جعفر، حبابة الوالبية الأسدية. من أسد بن خزيمة بن مدركة. قاله في الثاقب في المناقب: 562 .
7) انظر ص 139 الهامش رقم 3 ورقم 4 . روى المفيد الله في الاختصاص: 2 عن أبي عبد الله لأنه قال: كانوا شرطة الخميس ستة آلاف رجل أنصاره. و في ص 65 عن رجل عن الأصبغ قال: قلت له كيف سميتم شرطة الخميس يا أصبغ؟
8) الجري بالكسر : سمك طويل أملس. وليس عليه فصوص. انظر «القاموس: 722/1» .
9) زمير كسكيت نوع من السمك «القاموس: 59/2 - زمر - » .
10) طفا الشيء فوق الماء، يطفو طفواً وطفواً: ظهر وعلا ولم يرشب... ومنه الطافي من السمك، لأنه يعلو ويظهر على رأس الماء السان العرب: 10/15 - طفا - » .
بني إسرائيل(1)؟
فقال: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا(2)الشوارب، (3)فلم أر ناطقاً أحسن نطقاً منه، ثمّ اتبعته فلم أزل أقفو أثره حتى قعد في رحبة (4)المسجد، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما دلالة الإمامة رحمك الله ؟ قالت:
فقال: ايتيني بتلك الحصاة - وأشار بيده إلى حصاة - فأتيته بها، فطبع بخاتمه فيها ثم قال: يا حبابة إذا ادعى مدع الإمامة فقدر أن يطبع كما رأيت، فاعلمي أنه إمام مفترض الطاعة، والإمام لا يعرب عنه شيء يريده .
قالت: ثم انصرفت حتى قبض أمير المؤمنين ، فجئت إلى الحسن وهو في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام)(5)والنّاس يسألونه، فقال لي: يا حبابة هات ما معك. فأعطيته الحصاة فطبع فيها كما طبع(6)أمير المؤمنين .
قالت: ثم أتيت الحسين علیه السلام وهو في مسجد الرسول (عليه السلام)(7)، فقرب ورحب ثم قال لي(8): أتريدين دلالة الإمامة؟
فقلت : نعم .
فقال(9): هات ما معك. فناولته الحصاة فطبع فيها .
1) «فما جند بنی مروان» بدل «وما مسوخ بني إسرائيل كمال الدين والكافي .
2) الفتل لي الشَّي - كليك الحبل وكفتل الفتيلة، وفتل الشيء يفتله فتلاً، فهو مفتول وفتيل، وفتله: لواه. انظر «لسان العرب: 514/11 - قتل - » .
3) بزيادة «فمسخوا» الكافي.
4) رَحَبة المكان - و تُسكَّن - : ساحته ومتسعه «القاموس: 209/1 - الترحب - » .
5) ليس في «ب» و«ح».
6) ليس في «ب» و«ح» .
7) ليس في «أ» .
8) ليس في «ب» .
9) «قال» ح .
قالت: ثم أتيت علي بن الحسين وقد بلغ بي الكبر إلى أن أعييت (1)وأنا أعد يومنذ مائة وثلاثة وعشرين(2). سنة، فرأيته راكعاً ساجداً مشغولاً بالعباده، فينست من الدلالة؛ فأومى إليّ بالسبابة فعاد إليَّ شبابي.
قالت: فقلت يا سيدي كم مضى من الدنيا وكم بقي؟
فقال: أمّا ما مضى فنعم، وأما ما بقي فلا .
قالت: ثم قال: هات ما معك. فأعطيته الحصاة فطيع فيها (3)
ثم أتيت أبا جعفر علیه السلام فطبع فيها .
ثم أتيت أبا عبدالله علیه السلام فطبع فيها .
ثم أتیت أبا الحسن موسى بن جعفر علیه السلام فطبع فيها .
ثم أتیت الرضا علیه السلام فطبع فيها .
وعاشت حيابة بعد ذلك تسعة أشهر (4).
وبالطريق المذكور، يرفعه إلى محمد(5)بن إسماعيل بن موسى بن جعفر (عن أبيه،
1) «أرعشت» الكافي .
2) «ثلاث عشرة» بدل: «ثلاثة وعشرين» كمال الدين والكافي .
3) ليس في «ب» .
4) الكافي: 346/1 - 3، وكمال الدين: 536 ح1، والثاقب في المناقب: 140 ح 132 مثله. وفي إعلام الورى: 408/18 ، وكشف الغمة: 160/2 صدره باختصار عن معظمها وعن الخرائج: إثبات الهداة: 402/2 ح 6 ، وفي البحار: 175/25 ح 1 عن كمال الدين؛ وعنه في ج 113/76 ح 11 صدره. وأشار الشيخ الطوسي الله أيضاً في الغيبة : 50 إلى مضمون هذا الحديث .
5) في تنقيح المقال: 83/2 رقم 10411: «محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر أبوعلي، روى في الكافي عن علي بن محمد، عنه وقال: كان أسن شيخ من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعراق فقال: رأيته . يعني الصاحب أرواحنا فداه - بين السجدتين وهو غلام». ثم قال صاحب التنقيح: أقول: رؤيته له يعد مدحاً ملحقاً له بالحسان، وقد أكثر الراوندي في نوادره الرواية عنه...» .
عن أبيه موسى بن جعفر(1)، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمد بن علي أن حبابة الوالبية دعا لها علي بن الحسين فرد الله عليها شبابها، فأشار إليها بإصبعه فحاضت لوقتها، ولها يومئذٍ مائة وثلاثة وعشرون ) (2)سنة. (3)وإذا أثرت نفس الإمام زين العابدين في ردّ شباب حبابة بعد الهرم والهزال (حتى رجعت )(4) بعد الميل إلى الاعتدال فكيف ينكر المنكر(5)تأثير نفس الإمام (6)القائم في دفع الهرم عن بدنه الكريم، اليدوم تعميره عن التغيير سليم )(7)، (8)وهل نفوسهم صلوات الله(9)عليهم إلا كنفس واحدة في إبداء المعجزات وإظهار البينات (10)، (وهل ينكر من ذلك إلا من عاند، وأوجب له الإنكار دخول النار ) (11).
(ومن ذلك) (12). حديث أبي الدنيا المعمّر المغربي:
بالطريق المذكور، يرفعه إلى محمد بن أبي الفتح الزكي (13)قال: لقينا بمكة رجلاً
1) ما بين المعقوفين أثبتناه من كمال الدين .
2) وثلاث عشرة كمال الدين .
3) كمال الدين: 537/2 ج 2 ، وإعلام الورى: 409/1 - 410. وكشف الغمة: 161/2 بتفاوت يسير في ذيله عن كمال الدين والخرائج: إثبات الهداة: 10/3 ح . وفي البحار: 178/25 ح 2 ، وج 27/46 - 13 عن كمال الدين .
4) «فرجعت» أ .
5) ليس في «ب» و«ح» .
6) ليس في «أ» .
7) ما بين القوسين ليس في «ب» و «ح».
8) انظر كمال الدين: 537 ذیل ح 2 .
9) «صلى الله» أ .
10) «الآيات» أ .
11) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح».
12) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح».
13) رواه في كمال الدين عن أبي بكر محمد بن الفتح الرقي، وأبي الحسن علي بن الحسن بن الأشكي ختن أبي بكر. قالا: ... .
من أهل المغرب(1)، فدخلنا عليه مع جماعة من أصحاب الحديث ممن حضر الموسم في تلك السنة - وهي سنة تسع وثلاثمائة - قال: فرأينا رجلاً أسود الرأس واللحية كأنه شن(2)بال، وحوله جماعة من أولاد أولاده (وأولاد أولاد لأولاده)(3)، ومشايخ من أهل بلده،(4)وشهد المشايخ أنا سمعنا آباءنا يحكون عن آبائهم أنّهم عهدوا هذا الشيخ المعمَّر(5)المسمّى بأبي الدنيا، واسمه علي بن عثمان بن خطاب بن مرة بن يزيد (6).
قال: ففاتحناه وسائلناه عن حاله وقصة سبب طول تعمیره، فوجدناه ثابت العقل، يفهم ما يقال له، ويجيب عنه بلب وعقل. فذكر أنّه كان والده قد نظر في كتب الأوائل فوجد فيها ذكر نهر الحياة، وأنّه يجري في بلاد الظلمات، وأنّه من شرب منه عُمِّر. فحمله الحرص على طول الحياة على دخول الظلمات، فتحمّل وتزوَّد حسب ما قدر أنه يكتفى به، وأخرجني معه وأخرج معنا خادمين وعدَّة جمال لبون(7). فسار بنا إلى أن وافينا طرف (8)الظلمات، ثم دخلنا فيها فسرنا نحوستة أيام بلياليها، وكنا نميز بين اللَّيل والنَّهار بأن النَّهار أضواً قليلاً وأقلّ ظلمةً من اللَّيل. فنزلنا بين جبال.
1) في معجم البلدان: 161/5: المغرب بالفتح: ضدّ المشرق وهي بلاد واسعة كثيرة، و وعشاء شاسعة، قال بعضهم: حدّها من مدينة مليانة وهي آخر حدود إفريقية إلى آخر جبال السوس التي وراءها البحر المحيط. وتدخل فيه جزيرة الأندلس وإن كانت إلى الشمال أقرب ماهي وطول هذا في البر مسيرة شهرين .
2) الشَّنِّ والشَّنَّة الخلق من كلّ آنية صُنعت من جلد، والشَّنِّ القربة الخلق، والسنة أيضاً، انظر لسان العرب: 241/13 - شئن - »
3) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» .
4) بزيادة «وذكروا أنهم من أقصى بلاد المغرب يقرب باهرت العليا» كمال الدين .
5) ليس في «ب» و«ح» .
6) «مؤيد» كمال الدين .
7) بزيادة [عليها ] روايا وزاد وأنا يومئذ ابن ثلاثة عشر سنة» كمال الدين .
8) «طرق» ب، ح .
وأودية وذكوات(1)، وقد كان والدي (2)وجد في الكتب الّتي قرأها أنّ مجرى النهر في ذلك الموضع، فأقمنا في تلك البقعة أياماً حتى فني الماء الذي كان (3)معنا وأسقيناه جمالنا. ولولا اللّبن الذي نحليه من الجمال لهلكنا وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر(4)، ويأمرنا أن نوقد ناراً ليهتدي بها إذا أراد الرجوع إلينا .
فمكثنا على ذلك أياماً. ووالدي يطلب النَّهر فلا يجده(5)فبعد الإياس عزم على الانصراف خوف التلف، وألحّ من كان معنا عليه حذراً على أنفسهم، فقمت(6)من الرجل لحاجتي فتباعدت من الرّحل مقدار رمية سهم فعثرت بنهر ماء أبيض اللون، عذب الطعم طيب الرائحة، لذيذ لا بالصغير من ا الأنهار ولا بالكبير، يجري جرياناً ليناً، فدنوت منه وغرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثة فشربتها؛ ثم بادرت مسرعاً إلى الرحل وبشرت الخدم بأنّي قد وجدت الماء .
فحملوا ما كان معنا من القرب والأدوات لنملأها، وذهلت لفرحتي(7)بوجود الماء والخوف من التلف عن أن ذلك مطلوب أبي، وكان أبي في ذلك الوقت غائباً عن الرحل مشغولاً بالطلب. فقمنا وسرنا إلى النهر فلم نجده فاجتهدنا وطفنا واستقصينا في الطلب فلم نره. فكذبوني الخدم وقالوا: لم تجد شيئاً. فانصرفنا إلى الرحل، وأقبل والدي وأخبرته
1) «ودکوات» كمال الدين و«ركوات» البحار . ولعل الصواب: «دكاوات» بمعنى تلال في السان العرب: 425/10 - دكك - : «الدكاوات: تلال خلقة.... قال الأصمعي: الدكَّاوات من الأرض الواحدة دكّاء و هي رواب من طين ليست بالغلاظ» .
2) بزيادة «رضي الله عنه يطوف في تلك البقعة في طلب النهر، لأنه كمال الدين .
3) ليس في «أ» .
4) «الماء» ح .
5) « ولا يجده» أ .
6) فقمت يوماً» كمال الدين .
7) «الفرجي» أ .
بالقصة، فقال: قم معي. فقمت معه ، واجتهدنا في الطلب، فلم تقع له على أثر. فقال: يا بني الذي أخرجني إلى هذا المكان وتحمّل الأذى والخطر، كان ذلك النهر الذي رأيته، ولم أرزقه وقد رُزقته أنت، وسوف تعمر حتى تملّ الحياة .
ورحلنا منصرفين حتى رجعنا إلى بلدنا وعاش والدي بعد ذلك سنيات ثم توفي .
فلما بلغ ستي ثلاثين سنة اتصل بنا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ووفاة الخليفتين بعده وخرجت حاجاً فلحقت آخر أيّام عثمان .
فمال (1)قلبي من بين جماعة أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله ) (2)إلى علي ب-ن أبي طالب (عليه السلام)(3)، فأقمت معه أخدمه، وشهدت معه وقائعه، وأصابني هذه الشَّجة (4)من دابة في أيام صفين. ومازلت معه مقيماً على خدمته إلى أن مضى لسبيله. (ثم رجعت إلى بلادي)(5)، وخرجت أيام مروان (6)حاجاً (ثم رجعت إلى أهلى)(7). وكنت أتمنى وأشتهي أن أحج مرة أخرى، فحملني هؤلاء، حفدتي وأسباطي الذين ترونهم حولي، وأقدموني للحج .
1) «مال» أن «قال» ب وتصحيفه ظاهر .
2) «علیه السلام» ب .
3) ليس في «أ» و«ب» .
4) شَجَّ رأسه، يُشج: كسره. «القاموس: 407/1 - شجّ - » .
5) بدل ما بين القوسين: «فاتح أولاده و . وحرمه أن أقيم عندهم، فلم أقم وانصرفت إلى بلدي كمال الدين .
6) «بني مروان» كمال الدين .
7) بدل ما بين القوسين: «وانصرفت مع أهل بلدي إلى هذه الغاية ما خرجت في سفر إلا ما كان إلى الملوك في بلاد المغرب يبلغهم خبري وطول عمري فيشخصوني إلى حضرتهم ليروني ويسألوني عن سبب طول عمري وعما شاهدت كمال الدين .
وذكر أنه قد سقطت أسنانه مرتين أو ثلاثاً، وعادت .(1)
فسألناه أن يحدثنا ممَّا سمعه(2)، فذكر عدة أحاديث رویت(3)عنه(4)، وكتبها المصريون والشَّاميون والعراقيون ومن سائر الأمصار، ممَّن حضر الموسم وبلغه خبره . (5)
ومن أعاجيب هذا الشيخ أن عنفقته(6)- إذا جاع فكلما اشتد جوعه - أخذت في البياض حتى تعود كالقطنة البيضاء؛ فإذا أكل وشبع أخذت في السواد حتى تعود إلى حالتها (7)الأولى(8)، وهو يذكر أنه يعمر إلى أن يدرك الإمام القائم علیه السلام.(9)
وإذا كان رجل من بعض الأمة قدر الله تعالى أنه شرب شربة من نهر فعمرهذا الزمان الطويل، فما المانع من تعمير رجل جعله الله تعالى (10)حجة على العالمين وواسطة بينه وبين عباده المخلوقين، وله) - كما كان لآبائه المعصومين - التصرف في عالم الكون والفساد، وتغيير ما شاء من أحوال العباد والبلاد. فما المانع أن يسخّر الله
1) کمال الدين: 538 - 541 ح 1 بتفاوت يسير وزيادة عنه البحار: 225/51 - 227 1. وانظر كنز الفوائد للكراجكي: 262 - 265 والبحار: 260/51 - 261 .
2) بزيادة «من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام »كمال الدين.
3) «دونت» ح، وكذا «ب» ظاهراً .
4) كمال الدين: 541 - 542 2 - 7. عنه البحار: 227/51 - 229 .
5) كمال الدين: 543 ذيل ح8 .
6) العَنْفَقَة : شُعيرات بين الشفة السفلي والذقن. انظر «القاموس: 389/3 » .
7) «حالها» أ .
8) انظر كمال الدين: 544 ذيل ح9، وص 547، وكنز الكراجكي: 265 .
9) في كمال الدين: 546 ذيل حديث عند: «وأنا مقيم بالمغرب انتظر خروج المهدي وعيسى ابن مریم علیه السلام .
10) ليس في «ب» و«ح» .
مثل هذه الأنهار، أو يجعل له خاصة يختص به فيحصل له بذلك الدوام والاستمرار، إذ في تعميره : ، نظام أمر المسلمين، وبقاء الدنيا والدين)(1).
روى الجد السعيد عبد الحميد يرفعه إلى الرئيس أبي الحسن الكاتب البصري وكان من الأسداء الأدباء - قال: في سنة اثنتين (2)وتسعين وثلاثمائة أشنّت (3)البر سنين عدة (4)، وبعثت السماء درّها وخص الحياة (5)أكناف البصرة، وتسامع العرب بذلك فوردوها من الأقطار البعيدة والبلاد الشاسعة(6)، على اختلاف لغاتهم وتباين فطرهم (7).
فخرجت مع جماعة من الكتَّاب ووجوه التُّجار، نتصفّح (8)أحوالهم ولغاتهم. ونلتمس فائدة ربما وجدناها عند أحدهم فارتفع لنا بيت عالٍ فقصدناه، فوجدنا في كسره (9)شيخاً جالساً قد سقط حاجباه على عينيه (كبراً، وحوله جماعة من عبيده)(10). وأصحابه، فسلّمنا عليه فردّ التّحيّة وأحسن التَّلقية، فقال له رجل منا : هذا السيد - وأشار إليّ - هو الناظر في معاملة الدّرب، وهو من الفصحاء وأولاد العرب
1) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» .
2) «اثنين» ب. ح .
3) أَسْنَتَ، فهو مُسْيَتُ: إذا أجْدَبُ وأَسْتَتُوا فهم مسنتون أصابتهم سنة وقحط، وأجدبوا. انظر «لسان العرب: 47/2 - سنت - » .
4) كذا في النسخ والبحار وفي المستدرك: «عديدة» .
5) «الحياء» ح . الحيا: الخصب والمطر، ويمد. «القاموس: 465/4 - الحي - » .
6) تسع المنزل - كمنع - شَسْعاً وتسوعاً: بعد. «تاج العروس: 272/21 - شسع - » .
7) «قطرهم» المستدرك .
8) «بتصفح» أ .
9) «كبير» ح . الكسر والكسر : جانب البيت لسان العرب: 140/5 - كسر - » .
10) ما بين القوسين ليس في«ا».
وكذلك الجماعة ما منهم إلا من ينتسب (1)إلى قبيلة ويختصّ بسداد وفصاحة، وقد خرج وخرجنا . معه حين(2)وردتم (3) تلتمس (4)الفائدة المستطرفة من أحدكم، حين شاهدناك(5)رجونا ما نبغيه عندك لعلوسنك.
فقال الشيخ: والله يا بني أخي - حياكم الله - إن الدنيا شغلتنا عما تبتغون مني فإن أردتم الفائدة فاطلبوها عند أبي وها بيته - وأشار إلى خباء (6)كبير بإزائه ..
فقلنا: النظر إلى مثل والد هذا الشيخ الهم(7)فائدة تتعجل(8)، فقصدنا ذلك البيت فوجدنا في كسره(9)شيخاً منضجعاً(10)، وحوله من الخدم، والأمر أو فى مما شاهدناه أولاً، ورأينا عليه من آثار السِّنّ ما يجوز له أن يكون والد ذلك الشيخ . فدنونا منه وسلّمنا (11)عليه، فأحسن الرّدّ وأكرم الجواب. فقلنا له مثل ما قلنا لابنه وما كان من جوابه وأنه دلّنا عليك فعرجنا (12)بالقصد إليك.
فقال: يا بني أخي - حيّاكم الله - إنَّ الذي شغل ابني عما التمستموه منه (13)الذي شغلني عما هذه سبيله، ولكن الفائدة تجدونها عند والدي وها هو بيته - وأشار
1) ينسب» ب ح .
2) «حتى» أ .
3) «ورد» المستدرك .
4) « يلتمس ب .
5) «شاهدنا» أ .
6) الخباء من الأبنية «لسان العرب: 63/1 - خبأ - » . وفي المصباح المنير: 223 - خبا - : «الخباء: ما يعمل من وبر أو صوف وقد يكون من شعر والجمع أخبية، غير همز، مثل كساء وأكسية، ويكون على عمودين أو ثلاثة وما فوق ذلك فهو بيت».
7) الهيم والجعة - بكسر هما -: الشيخ الفاني «القاموس: 272/4 - الهم - » .
8) « يتعجل» أ .
9) «كبيره» ح .
10) ضَجّع - كمنع - ضجعاً وضجوعاً : وضع جنيه بالأرض، كانْضَجَعَ . «القاموس : 78/3 - الضجع - » .
11) «فسلّمنا» ح .
12) «فخرجنا» أ ( خ ل ) .
13) «عنه» ج .
فقلنا فيما بيننا: حسبنا من الفوائد مشاهدة والد هذا الشيخ الفانی،فإن كانت منه فائدة فهي ربح لم يحتسب، وقصدنا ذلك الخياء فوجدنا حوله عدداً كثيراً3 من الإماء والعبيد .
فحين رأونا تسرّعوا إلينا وبدؤوا بالسّلام علينا وقالوا: ما تبغون حيّاكم الله ؟
فقلنا: نبغي السّلام على سيدكم وطلب الفائدة من عنده ببركتكم(3). فقالوا: الفوائد كلّها عند سيدنا، ودخل منهم من يستأذن ثم خرج بالإذن لنا.
فدخلنا(4)فإذا سریر في صدر البيت ، وعليه مخادّ من جانبيه ووسادة في أوّله، وعلى الوسادة رأس شيخ قد بلي وطار شعره (والإزار على المخادّ التي من جانبي السرير ليستره ولا يثقل منه عليه)(5). فجهرنا بالسّلام فأحسن (6)الرّد ، وقال قائلنا مثل ما قال (لولد ولده) (7)، وأعلمناه(8)أنّه أرشدنا (إلى أبيه، فحججنا بما احتج به وأنّ أباء أرشدنا) (9)إليك وبشّرنا بالفائدة منك .
ففتح الشّيخ عينين قد غارتا في أم رأسه(10)وقال للخدم: أجلسوني. فلم تزل
1) ناف وأناف على الشيء: أشرف. «القاموس: 293/3» .
2) «بنحوه»أ ب «بنجوة» المستدرك . نحاه ينحوه وينحاه قصده . «القاموس: 571/4 النحو - » . . وفي القاموس: 570/4 - نجا - : «التجا: ما ارتفع من الأرض كالنجوة».
3) ليس في «ب» و«ح».
4) «فدخلت» أ .
5) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» .
6) «فأخر» أ (ن خ) .
7) «لولده» ب ح
8) «وأعلمنا» ب .
9) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» .
10) قال الجوهري في الصحاح: 1864/5 - أمم -: «أتم الدماغ: الجلدة التي تجمع الدماغ. ويقال أيضاً: أم الرأس». وفي لسان العرب: 33/12 - أمم - نقلاً عن التهذيب: «اعلم أن كل شيء يضم إليه سائر ما يليه، فإنّ العرب تسمّي ذلك الشيء أماً. . من ذلك أم الرأس وهو الدماغ» .
أيديهم تتهاداه(1)بلطف إلى أن أجلس(2)(وستر بالازر التي طرحت على المخاد)(3)، ثمّ قال لنا: يابني أخي لأحد تنكم بخير تحفظونه عني وتفيدون منه ما يكون فيه ثواب لي:
كان والدي لا يعيش له ولد، ویحبّ أن يكون له عاقبة، فولدتُ له على كبر، ففرح بي وابتهج بموردي ثم قضى ولي سبع سنين.
فكفلني عمّي بعده وكان مثله في الحذر عليّ، فدخل بي يوماً على رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فقال له: يا رسول الله إن هذا ابن أخي، وقد مضى أبوه لسبيله وأنا كفيل بتربيته، وإنّني أنفس(4)، به على الموت، فعلّمني عودة أُعوّذه بها ليسلم ببركتها.
فقال صلی الله علیه و آله وسلم : أين أنت عن ذات القلاقل !
فقال: يا رسول الله وما ذات القلاقل ؟
قال(5): أن تعوّذه فتقرأ عليه سورة الجحد وهي(6): «قل يا أيها الكافرون * (لا أعبد ما تعبدون)(7)» إلى آخرها وسورة الإخلاص (قل هو الله أحد * الله الصمد» إلى آخرها)(8)وسورة الفلق وهي (9)«قل أعوذ برب الفلق*(من شرّ ما
1) تهادى تهادياً: إذا مشى وحده . مشياً غير قوي متمايلاً . وقد يقال تهادى بين اثنين، ومعناه: يعتمد هو عليهما في مشيه . انظر «المصباح المنير: 874 - 875» .
2) «جلس» ب. ح .
3) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» .
4) نفسْتُ عليه التي.. أنفسه نفاسة: إذا ضَيْنت به ولم تحبّ أن يصل إليه. «لسان العرب: 238/6 - نفس - » .
5) «فقال» ب .
6) «وهي» ليس في «أ» .
7) الآية ليست في «ب» و «ح».
8) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح».
9) «وهي» ليس في«ا»
خلق)(1)» إلى آخرها، وسورة النّاس «قل أعوذ برب الناس * ملك الناس ) (2)إلى آخرها .
وأنا إلى اليوم أتعوّذ بها كلّ غداة ما أصبت بولد(3)، ولا أصيب لي(4)مال ولا مرضت ولا افتقرت وقد انتهى بي السّنّ إلى ما ترون. فحافظوا عليها واستكثروا من التعوذ بها ( فسمعنا ذلك منه)(5)ثم انصرفنا من عنده . (6)
وإذا كان شخص من بعض أمّة النّبي صلی الله علیه و آله وسلم (7)دلَّه على التَّعوّذ (بأربع سور من قصيرات أحد أجزاء القرآن، فعمّر هذا العمر الطويل وبلغ ببركتها ما بلغ كما قيل، فما ظنك بولد النبي صلی الله علیه و آله وسلم ، الذي قد انتهى إليه هذا القرآن وحكمه وفهمه وفوائده وعلمه إليه، وهو القائم بإيضاحه وبيانه .
أليس هو ولي المسلمين والإسلام وصاحب زمانه)(8)، فما المانع من(9)أن يكون قد أعطاه الله تعالى (من المخاصة وجعل له من المزيّة طول التعمير والبقاء على مرّ الدّهور والأعوام ليقوم بما وجب في القرآن على المكلفين من شرايع الإسلام وملّة جدّه الرسول علیه السلام ) (10). وهل
1) الآية ليست في «ب» و«ح» .
2) الآيتان ليستا في «ب» و«ح».
3) ليس في «ب» و«ح».
4) « في» أ .
5) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح».
6) البحار: 258/51 - 260 ، والمستدرك: 389/4 - 26 عن الأنوار المضيئة مثله. وفي الدعوات للراوندي: 85 ح 316 ذيله باختصار، عنه البحار: 341/92 ح6 .
7) بزيادة «وسلم» ح .
8) بدل ما بين القوسين: «بهذه السور فعمر العمر الطويل، فما ظنك بولد النبي صلی الله علیه و آله وسلم الذي قد انتهى إليه هذا القرآن وحكمه و فهمه و فوائده و هو القائم بإيضاحه و بيانه» ب، ح .
9) ليس في «أ» .
10) بدل ما بين القوسين: «من المزيّة طول التعمير، ليقوم بملة جده رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم » ب.ح.
ينكر(1)ذلك إلا من طبع على قلبه فكان من أصحاب الشيطان وحزبه (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم فأصتهم وأعمى أبصارهم). (2)
ومن المعمرين: عبيد بن سويد(3)الجرهمّي(4)، عاش ثلاثمائة وخمسين سنة فأدرك النبي صلی الله علیه و آله وسلم وحسن إسلامه، وعمّر بعد ما قبض النبي صلی الله علیه و آله وسلم حتى أدرك معاوية أيام تغلبه وملكه، فقال له معاوية أخبرني يا عبيد عما رأيت وسمعت وأدركت، وكيف رأيت الدهر؟
فقال: أما الدهر فرأيت ليلاً يشبه ليلاً ونهاراً يشبه نهاراً، ومولوداً يولد [وميتاً يموت](5)، ولم أدرك أهل زمان إلا وهم يذمون زمانهم، وأدركت من قد عاش ألف سنة فحدثني عمّن عاش ألفي سنة . (6)
(ومنهم: الربيع بن ضبع الفزاري، لما وفد الناس على عبدالملك بن مروان كان فيمن وفد عليه الربيع بن ضبع، وكان معه ابنه من ابنه وهب بن عبدالله [بن الربيع] (7)
1) «وهل يجحد» أ .
2) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح».
3) كذا في النسخ؛ وفي كمال الدين: «شرية». قال ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة: 101/3 رقم 6395: عبيد بن شرية بمعجمة وزن عطية أحد المعمرين روى أبو موسى من طريق معاوية سليم عن هشام بن محمد عن أبيه محمد بن السائب الكلبي قال: عاش عبيد بن شرية ، وأربعين سنة وقيل ثلاثمائة سنة، وأسلم...». وفي ج 167/2 رقم 3978: شرية بن عبيد - بتقديم وتأخير - وقال: «قال عمر بن شبة: حدثنا عبدالله بن محمد بن حكيم قال: عاش شرية بن عبيد ثلاثمائة سنة وأدرك الإسلام». وفي نفس الصفحة رقم 3979: شرية الجرهمي...
4) «المجراهيمي» أ .
5) ما بين المعقوفين أثبتناء من كمال الدين «ساموت» أ، «سانوت» ب، ح .
6) كمال الدين: 547 ح 1، عنه البحار: 333/51 ج 3، وانظر كنز الفوائد: 261 .
7) أتبتناء من الأنوار المضيئة (مخطوط).
شيخاً فانياً قد سقط حاجباه على عينيه قد عصبها بعصابة، فلما رآه الآذن(1)- وكانوا يأذنون للناس على أسنانهم - قال: ادخل أيّها الشيخ فدخل يدِبُّ(2)على العصا يقيم بها صلبه ولحيیه (3)على ركبتيه .
فلمّا رآه عبد الملك رق له وقال: اجلس أيها الشيخ . فقال: يا أمير المؤمنين أيجلس الشيخ وجدُّه على الباب؟
قال: فأنت إذن من ولد الربيع بن ضبع الفزاري.
قال: نعم أنا وهب بن عبدالله بن الرّبيع.
فقال للآذن: ارجع فأدخل الربيع، فخرج الآذن فلم يعرفه حتى نادي: أين الربيع ؟
فقال الربيع: ها أنا ذا. فقام يتطرق(4)في مشيته، فلما دخل [على] (5)عبدالملك سلّم، فقال عبد الملك الجلسائه وأبيكم(6)[إنّه لأشبّ](7) الرّجلين. يا ربيع أخبرني عمّا أدركت من العمر والمدى ورأيت من المخطوب الماضية .
1) الآذن: الحاجب. «لسان العرب: 10/13 - أذن - » .
2) دب الصغير يدب - من باب ضرب - دبيباً ؛ ودبّ الجيش دبيباً أيضاً: ساروا سيراً ليناً «المصباح المنير: 255 - دب - » .
3) كذا في النسخ. وفي كمال الدين: «وكشحيه» . في لسان العرب: 571/2 - 572 - كشح - : «الكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، وهو من لدن السرة إلى المتن.... قال الأزهري: هما كشحان وهو موضع الشيف من المتقلد.... وقيل: الكشحان: جانبا البطن من ظاهر وباطن» .
4) «مهر»ول كمال الدين تطرق إلى الأمر: ابتغى إليه طريقاً. كذا في لسان العرب: 221/10 طرق - . وفيه أيضا - ص 217 - نقلاً عن خالد بن جنبة أن الطرق: هو سرعة المشي .
5) أثبتناه من كمال الدين .
6) «ويلكم» كمال الدين .
7) أثبتناه من كمال الدين «لأنه لأثبت» أ .
قال: أنا الذي أقول:
ها أنا ذا آمل [الخلود](1)وقد*** أدرك أيام(2)مولدي حجرا
أنا امرؤ القيس [قد](3)سمعت به*** هيهات هيهات طال إذا(4)عمرا
فقال عبدالملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبيّ.
قال: وأنا القائل:
إذا عاش الفتي مائتين عاماً*** فقد ذهب اللذاذة والفتاء
فقال عبد الملك: قد رويت هذا(5)أيضاً وأنا غلام يا ربيع لقد طلبك جد غير عائر(6)
الأحوال» .
: فصّل لي عمرك .فقال: عشت مائتي سنة في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليها، وعشرين ومائة سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام .(7)
وإذا كان شخص من آحاد الناس عاش هذا العمر المديد، فهل ينكر تعمير الإمام القائم الأغير رشيد .
ومنهم سطيح الكاهن عاش ثلاثمائة سنة، وخبره مشهور لا ينكره المخالف
1) أثبتناء من كمال الدين «المخطوب» أ .
2) «عمري» كمال الدين .
3) أثبتناء من كمال الدين. «و» أ .
4) «ذا» كمال الدين .
5) بزيادة قد رويت هذا» أ .
6) قال المجلسي في البحار: 237/51: «قوله : لقد طلبك جدّ غير عائر الجد بالفتح والبخت والغناء أي طلبك بخت عظيم لم يعثر حتى وصل إليك أولم يعثر بك، بل نعشك في كل
7) کمال الدين: 549 ح 1 باختلاف يسير في بعض الفاظه عنه البحار: 234/51 - 4. وانظر كمال الدين: 561، وكنز الفوائد: 249 ، والغيبة للطوسي: 79 - 80 وإعلام الورى: 306/2 والإصابة في تمييز الصحابة : 526/1 رقم 2728 ، والبحار 241/51 وص 289 .
ومنهم شداد بن عاد صاحب المدينة إرم (3)
«... وعاد: قوم هود، واختلفوا في إرم على أقوال أحدها أنه اسم القبيلة... وثانيها: أن إرم اسم بلد. ثم قيل هو دمشق... وقيل هو مدينة بناها شداد بن عاد فلا أتمها وأراد أن يدخلها أهلكه الله بصيحة نزلت من السماء وثالثها: أنه ليس بقبيلة ولا بلد، بل هو لقب لعاد وكان عاد يعرف به ... .
ذات العماد (التي لم يخلق مثلها في البلاد)(4)، عمر تسعمائة سنة، وردت بذلك الأخبار وشهد به أصحاب التواريخ ورواة الآثار .(وحكاية مدينته وبنائها العجيب مشهور(5)، وكثير من شراح الكتاب العزيز الذين ينكرون تعمير الإمام علیه السلام قد أثبتوا حكايته في تفاسيرهم وصدقوا تعميره هذه المدة في أساطيرهم، وإذا قيل المهدي حي موجود أنكره، وإذا سمعوا بتعميره
1) ما بين القوسين - أي من قوله ومنهم الربيع إلى هنا - ليس في «ب» و«ح» .
2) في كمال الدين : 551 ضمن ح 1 : «عاش» شق الكاهن ثلاثمائة سنة ، و في ص 196 ذيل باب خبر سطيح الكاهن : وكان سطيح ولد في سيل العرم، فعاش إلى ملك ذي نواس وذلك أكثر من ثلاثين قرناً ، وكان مسكنه بالبحرين...». وفي تاج العروس: 473/6 - سطح - : سطیح کاهن بني ذئب كان يتكهن في الجاهلية واسمه: ربيعة بن عدي بن مسعود بن مازن اين ذئب بن ... كان يخبر بمبعث نبينا صلى الله عليه وسلّم عاش ثلاثمائة سنة، ومات في أيام أنوشروان بعد مولده صلى الله عليه وسلّم...» .
3) قال الطبرسي في مجمع البيان: 485/5 - 486 في تفسير قوله تعالى: ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد) - الفجر: 6 و 7 -
4) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» وهو مقتبس من الآية: 8 من سورة الفجر .
5) راجع كمال الدين: 552 ج 1 ، ومجمع البيان: 486/5 - 487، وقصص الأنبياء: 93 ح88 والبحار: 367/11 ح2 .
ومنهم أوس بن ربيعة الأسلمي، عاش مائة وأربعة عشر سنة . (3)
ومنهم نصر بن دهمان بن سليم(4)ابن اشجع بن رثب5 بن عطفان(5)، عاش مائة وتسعين سنة )(6)(7)
ومنهم: لقمان العادي، عاش ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة سنة (8)، وكان أحد وفّاد عاد الذين بعثهم قومهم إلى الحرم ليستسقوا لهم، وأعطي عمر سبعة أنسر، وكان يأخذ الفرخ فيجعله في الجبل الذي هو في أصله فيعيش النسر مهما (9)ما عاش فإذا مات أخذ آخر فرباه حتى كان آخرها لبد وكان أطولها عمراً، فقيل فيه: (طال الأبد على لبد ) (10)(11)وقد قيل فيه أشعار
1) نحوه كلام الصدوق في كمال الدين: 551 - 552 وص 554 - 555 .
2) سورة الأنعام: 21 .
3) كمال الدين: 555 وكنز الفوائد: 253، عن كمال الدين البحار: 237/51. وفيها أنه عاش مائتين وأربع عشرة سنة .
4) أثبتناه كما في الأنوار المضيئة (مخطوط) وكمال الدين. «اسليم» أ.
5) غطفان» كمال الدين .
6) ما بين القوسين - أي من وحكاية مدينته إلى هنا - ليس في «ب» و«ح» .
7) كمال الدين 555، و 556 وكنز الفوائد: 252، واعلام الوری :2/307والبحار 51/237-238وانظر الاصابه فی تمییز الصحابه 2/488رقم 5594.
8) هذا ثاني القولين في كمال الدين. والأول: أنه عاش خمسمائة وستين سنة. وفي كنز الفوائد وإعلام الورى أنه عاش ألف وخمسمائة سنة .
9) «منها كمال الدين .
10) «طال على الأيد لبده» أ .
11) انظر كمال الدين 559، وكنز الفوائد: 248، والغيبة للطوسي: 79، وحياة الحيوان: 353/2-354 والبحار: 240/51، وص 288 .
كثيرة،(1)وأعطي من القوة والسمع والبصر على قدر ذلك. وله أحاديث عزيزة (2)إذا سمعها الذين هم بمعزل عن هذه المقالة أصغوا إليها واستزادوا منها وتمتلوا بها وصدقوها ووافقوا عليها وإذا قيل لهم أن القائم حتي موجود، وجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكباراً (3)(صموا أسماعهم وعيسوا وجوههم وقطبوا(4)في وجوه القائلين واستضعفوا عقول المؤمنين)(5). وهل هذا إلَّا عناد خروج(6)عن السداد .
ومنهم باني الأهرام(7)والبرابي (8)
كلمة قبطية، وأظنه اسماً لموضع العبادة أو البناء المحكم أو موضع السحر» .
بمصر وهو والد العزيز الذي اشترى يوسف واسمه الوليد بن الرّيّان بن دومع(9)، وعاش العزيز سبعمائة سنة، وعمّر1) قال الجاحظ في كتاب الحيوان: 325/6 تحت عنوان «نسر لقمان»: «وقد أكثر الشعراء في ذكرالنسور، وأكثر ذلك قالوا في ليد». ثم أورد بعضها في كتابه .
2) كذا في النسخ: ولعلّ الصواب: «غزيرة) أي: الكثيرة. ليوافق ما في كمال الدين: 560: «وقد قيل فيه أشعار معروفة، وأعطي من القوة والسمع والبصر على قدر ذلك، وله أحاديث كثيرة .
3) سورة نوح : 7 .
4) القطوب: تزوي ما بين العينين عند العبوس، يقال: رأيته غضبان قاطباً. «تاج العروس: 54/4 - قطب - » .
5) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» .
6) «خارج» أ .
7) قال في معجم البلدان: 283/1: «الأهرام جمع هَرَم وهي أبنية عظيمة مربعة الشكل، كلما ارتفعت دقت تشبه الجبل المنفرد». وقال في ج 399/5: «الهرمان: أهرام كثيرة إلا أن هي المشهور منها اثنان، واختلف الناس في أهرام مصر اختلافاً جماً، وتكاد أن تكون حقيقة أقوالهم فيها كالمنام. إلا أنا نحكي من ذلك ما يحسن عندنا». ثم أورد طرفاً مما قيل في الأهرام، فراجع.
8) قال في معجم البلدان: 362/1: «البرابي - بالفتح وبعد الألف باء أخرى - وهو جمع بريا:
9) «دومغ» كمال الدين .
والده الريّان ألف وسبعمائة سنة(1)، ودومع ثلاثة آلاف سنة،(2)وخبره مشهور، في كتب التواريخ ( مذكور، تركناه في هذا الباب تفادياً(3)من إطالة الكتاب)(4).
ومنهم: قس بن ساعدة الايادي، عاش ستمائة سنة . (5)
ومنهم: [سريانك] (6)ملك الهند:
من طريق العامة بالطريق المذكور، يرفعه إلى إسحاق بن إبراهيم الطوسي(7)قال: رأيت [سربانك](8)ملك الهند في بلدة تسمّى [قَنُّوج](9)
قال في معجم البلدان: 409/4: قنوج - بفتح أوله و تشديد ثانيه، و آخره جيم - موضع في بلاد الهند عن الأزهري. وقيل: إنها أجمة».
- ووصف عظم ملكه وشدة سلطانه وسعة مملكته، تركنا ذكره خوف الإطالة - قال: فسألته كم أتى عليك من السنين1) ليس في «ح» .
2) کمال الدين: 563 ضمن حديث طويل عنه البحار: 243/51 .
3) تفادى فلان من كذا: انزوى عنه انظر السان العرب: 150/15 - قدی - » .
4) ما بين القوسين ليس في «ب» و«ح» .
5) كمال الدين 575 وكنز الفوائد: 254؛ عن كمال الدين البحار: 252/51. و قال ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة: 279/3 رقم 7340: «قس بن ساعدة بن جذامة بن زفر بن اياد بن نزار الإيادي البليغ الخطيب المشهور ... وصرح ابن السكن بانه مات قبل البعثة؛ وذكره أبو حاتم السجستاني في المعمرين ونسبه كما ذكرت، وقال انه عاش ثلاثمائة وثمانين سنة. وقد سمع النبي .. وقال المرزباني: ذكر كثير من أهل العلم أنه عاش ستمائة سنة وكان خطيباً حكما عاقلاً، له نباهة وفضل» .
6) أثبتناهما كما في كمال الدين والأنوار المضيئة (مخطوط). «سربامك» و«شر مابك» على التوالي «أ» .
7) «الطرسوسي» كمال الدين. ذكره ابن حجر في لسان الميزان: 345/1 رقم 1070 وقال: «لا يعرف».
8) أثبتناهما كما في كمال الدين والأنوار المضيئة (مخطوط). «سربامك» و«شر مابك» على التوالي «أ» .
9) أثبتناء كما في كمال الدين والإصابة في تمييز الصحابة. «فتوح» أ.
فقال: تسعمائة وخمس وعشرون سنة، وهو مسلم زعم أنَّ النَّبي صلی الله علیه و آله وسلم نفَّذ إليه عشرة من أصحابه، منهم: حذيفة [بن](1)اليمان(2)، وأسامة بن زيد،(3)وسفينة مولاه، وغيرهم فدعوه إلى الإسلام فأجاب(4).
فقلت له: كيف تصلي وأنت بهذا الضعف ؟
فقال: أليس قد رخص الله تعالى في القيام على لسان رسوله : الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم .(5)(6)
وإذا جوّزوا أن يهب الله تعالى لشخص من ملوك الهند الملك العظيم، والعمر الطّويل المديد فما وجه إنكارهم مثل هذا في حق الإمام القائم علیه السلام ؟
والعجب أن مخالفينا يروون أخبار المعمرين، ويجوزون وقوع مثل هذه الأمور في نوع الآدميين، وينكرون بقاء رجل هو خاتم عقد قلادة الأوصياء المعصومين، الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً ! هل هذا إلا عناد مبين، ومجادلة لإطفاء نور الأئمة الطاهرين ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره
الكافرون (7).
1) أتبتناء من الأنوار المضيئة (مخطوط). وكمال الدين .
2) بزيادة وعمرو بن العاص كمال الدين.
3) بزيادة «وأبو موسى الأشعري وصهيب الرومي» كمال الدين .
4) بزيادة «وأسلم وقبل كتاب النبي صلی الله علیه و آله وسلم»كمال الدين .
5) سورة آل عمران: 191 .
6) كمال الدين: 642 - 643 ، والبحار: 253/51 يتفاوت يسير وزيادة. وانظر الإصابة في تمييز الصحابة: 132/2 رقم 3739 ولسان الميزان: 345/10 رقم 01070 10/3 رقم 36 .
7) سورة التوبة : 32 .
وأعجب من هذا، أنك إذا قلت)(1)لهم: ألستم (2)تقولون أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم (3)قال: تحذو أمتي حذو الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة(4)؟
فيقولون: بلى .
(ثم يقال لهم: أليس قد وقع مثل هذا التعمير في الأمم المتقدمة وقد نطق به القرآن، ورواه مشايخكم وسطرتموه في كتبكم ؟
فيقولون: نعم)(5).
فإذا قيل لهم: فما وجه إنكار طول تعمير الإمام القائم علیه السلام ( مع وقوعه لمن ذكرنا، و تصديقكم به )(6)؟ تبلبلوا(7)في الخطاب وتلجلجوا(8)في الجواب، ولا يدرون أين المفرّ ولا كيف الذهاب، وأفأنت تنقذ من في النار(9).
ولعمري إنا (10)لسنا معوّلين (11)في إثبات(12) تعمير الإمام القائم (13)علیه السلام على ذكر المعمرين، (بل الدلالة القاطعة على وجوده وطول تعميره، هو ما تقدم ذكره من البراهين العقلية والأدلة الصحيحة المتواترة النقلية، التي بمثلها ثبت قواعد الإسلام،
1) بدل ما بين القوسين - أي من «ومنهم سريانك» إلى هنا - : فهذه نبذة في أخبار المعمرين رووها وصدقوا بها وإذا قيل» ب ح .
2) «لستم» أ .
3) «عليه السلام» أ .
4) انظر ص 23 الهامش رقم 4 .
5) ما بين القوسين ليس في ««ب» و«ح» .
6) ما بين القوسين ليس في «أ» .
7) تبلبلت الألسن اختلطت . «لسان العرب: 68/11 - بلل - » .
8) التَّلْخِلُج: التردد في الكلام «لسان العرب: 355/2 - لحج - » .
9) سورة الزمر : 19.
10) ليس في «أ» .
11) «مكلّفين» أ عَوّل عليه: الكل واعتمد «لسان العرب: 484/11 - عول - » . 12 - «نبوت» أ
12) «ثبوت» أ .
13) ليس في «ب» و«ح» .
وعليها الاعتماد في الإصدار والإيراد، وبها يتمّ النظام لكن في ذكر ذلك فوائد:
[1](1)- أن السامع إذا طرق سمعه أنّه قد وقع فيما تقدم في هذا النوع تعمير جماعة من الآدميين، لا يستعظم تعمير خاتم الوصيين .
[ب]2 - أن القائل بهذا المذهب يزداد بصيرة في دينه ويقيناً إلى يقينه بوقوع مثل هذه الأحوال في عدة أشخاص من الرّجال، فيرى أن الإمام القائم علیه السلام أولى بهذا الحال .
[ج] (2)- أن الشّاكٌ في هذا المذهب يدعوها الاطلاع على هذه الأخبار إلى البحث في ذلك، وينتفي عنه تهويل هذا الأمر، ويمتنع عقله عن النقار (3)، وترك البحث [والبحث قنطرة](4)التحقيق، فربما أخرجه بحثه وتفحصه عن هذا الأمر من ضيق الظلمة إلى فضاء النور وسواء ،الطريق، فيكون من الفائزين القائلين بالحق على يقين)(5).
[د](6)- أن(7)الحق كلما زاد البحث فيه أضاء نوره وسطع، والباطل كلما زاد
1) أثبتناها من الأنوار المضيئة (مخطوط).
2) أثبتناها من الأنوار المضيئة (مخطوط).
3) «النفار» الأنوار المضيئة (مخطوط).بيني وبينه مناقرة ونقار: أي كلام والمناقرة المنازعة ومراجعة الكلام. انظر «لسان العرب: 229/5 - نقر -».
4) ما بين المعقوفين أثبتناه من الأنوار المضيئة (مخطوط). «فنظرة» أ .
5) بدل ما بين القوسين - أي من قوله بل الدّلالة» إلى هنا : بل على البراهين المأثورة عن آبائه الغر الميامين وقد أثبتنا بعضها في هذا الجمع اليسير والعقل موافق على ما دلت عليه فلا يضرنا ريب المرتابين، وإنما ذكرناها توطية لمن داخله شك في ذلك فإنه إذا اطلع على مثل هذه الأخبار، أمكنه . دفع شکه به ودفع تهويل التاكبين عن طريق ذلك بذلك» ب. ح .
6) أثبتناها من الأنوار المضيئة (مخطوط).
7) «فإن» ب، ح .
البحث فيه أظلم وانقطع. فكان (1)في ذكر هذه الأخبار جلاء لبصائر أهل الاستبصار وعِمّى لأهل الضَّلال والشنار(2).
الجزء الاول
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
اعداد الشيخ ياسر الصالحي
الإمام المهدي في بحار الأنوار / ج (1) تأليف: العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي من إعداد: الشيخ ياسر الصالحي
الناشر: بيت الثقافة المهدوية
الطبعة الثانية: 1442ه-
عدد النسخ: 1000 النجف الأشرف
جميع الحقوق محفوظة للناشر
وَلَنَبْدَا بِذِكْر مَا ذَكَرَهُ الصَّدُوقُ رحمه الله فِي كِتَابِ إِكْمَالِ الدِّينِ، قَالَ:
[1/325] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ الْوَهَّابِ الشَّجَرِيُّ(1)، عَنْ محمد بن الْقَاسِمِ(2)الرَّفِّيِّ وَعَلِيِّ بن الحسن بن جنكاء اللائكي(3)، قَالَ: لَقِينًا بِمَكَّةَ رَجُلاً مِنْ أَهْل المَغْرِبِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ كَانَ حَضَرَ المَوْسِمَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَهِيَ سَنَةُ تِسْع وَثَلَاثِ مِائَةٍ، فَرَأَيْنَا رَجُلاً أَسْوَدَ الرأس واللَّحْيَةِ كَانَّهُ شَنٌ بَالٍ، وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَمَشَايِعُ مِنْ أَهْل بَلَدِهِ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ مِنْ أَقْصَى بِلَادِ المَغْرِبِ بِقُرْبِ بَاهِرَةِ (4)الْعُلْيَا، وَشَهِدُوا هَؤُلَاءِ المَشَايِخُ أَنَّهُمْ سَمِعُوا آبَاءَهُمْ حَكَوْا عَنْ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ أَنَّهُمْ عَهِدُوا هَذَاالشيخ المعروفَ بِأَبي الدُّنْيَا مُعَمَّرٍ وَاسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ بْن خَطَّابِ بْن مُرَّةَ بن مُؤَيَّد، وَذَكَرَ(5)أَنَّهُ هَمْدَانِيُّ، وَأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ صُعْدِ(6)الْيَمَنِ، فَقُلْنَا لَهُ: أَنْتَ رَأَيْتَ عَلِيَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ ؟ فَقَالَ بِيَدِهِ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَدْ كَانَ وَقَعَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ فَفَتَحَهُما كَأَنَّهُما سِرَاجَانِ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي هَاتَيْن ، وَكُنتُ خَادِمًا لَهُ، وَكُنْتُ مَعَهُ فِي وَقْعَةِ صِفِّينَ، وَهَذِهِ الشَّجَةُ مِنْ دَابَّةٍ عَلَى علیه السلام ، وَأَرَانَا أَتْرَهَا عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَشَهِدَ الجماعةُ الَّذِينَ كَانُوا حَوْلَهُ مِنَ المَشايخ وَمِنْ حَفَدَتِهِ وَأَسْبَاطِهِ بِطُولِ الْعُمُرِ، وَأَنَّهُمْ منذُ وُلِدُوا عَهِدُوهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَذَا سَمِعْنَا مِنْ آبَائِنَا وَأَجْدَادِنَا.
ثُمَّ إِنَّا فَاتَحْنَاهُ وَسَأَلْنَاهُ عَنْ قِصَّتِهِ وَحَالِهِ وَسَبَبٍ طُولِ عُمُرِهِ، فَوَجَدْنَاهُ ثَابِتَ الْعَقْل يَفْهَمُ مَا يُقَالُ لَهُ وَيُجِيبُ عَنْهُ بِلُبِّ وَعَقْلٍ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَالِدٌ قَدْ نَظَرَ فِي كُتُبِ الْأَوَائِل وَقَرَأَهَا، وَقَدْ كَانَ وَجَدَ فِيهَا ذِكْرَ نَهْرَ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّهَا تَجْرِي فِي الظُّلُماتِ، وَأَنَّهُ مَنْ شَربَ مِنْهَا طَالَ عُمُرُهُ، فَحَمَلَهُ الْحَرْصُ عَلَى دُخُولِ الظُّلُمَاتِ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ حَسَبَ مَا قَدَّرَ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ فِي مَسِيرِهِ، وَأَخْرَجَنِي مَعَهُ، وَأَخْرَجَ مَعَنَا حَادِمَيْن بَازِلين (1)وَعِدَّةَ بِمَالٍ لَبُونٍ وَرَوَايَا وَزَاداً، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، فَسَارَ بِنَا إِلَى أَنْ وَافَيْنَا طَرَفَ الظُّلُمَاتِ ثُمَّ دَخَلْنَا الظُّلُمَاتِ، فَيرْنَا فِيهَا نَحْوَ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، وَكُنَّا نُمَيْزُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِأَنَّ النَّهَارَ كَانَ أَضْوَا قَلِيلًا وَأَقَلَّ ظلمة مِنَ اللَّيْلِ.
فَنَزَلْنَا بَيْنَ جِبَالٍ وَأَوْدِيَةٍ وَرَكَوَاتٍ (2)، وَقَدْ كَانَ وَالِدِي اللَّهُ يَطُوفُ فِي تِلْكَ البقعة فِي طَلَبِ النَّهَر، لِأَنَّهُ وَجَدَ فِي الْكُتُبِ الَّتِي قَرَأَهَا أَنَّ عَجُرَى نَهَرَ الْحَيَوَانَ فِي ذَلِكَ المَوْضِع ، فَأَقَمْنَا فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَيَّاماً حَتَّى فَنِيَ المَاءُ الَّذِي كَانَ مَعَنَا وَأَسْقَيْنَاهُ(3)جَمَالَنَا، وَلَوْ لا أَنَّ جَمَالَنَا كَانَتْ لَبُوناً هَلَكْنَا وَتَلِفْنَا عَطَشاً، وَكَانَ وَالِدِي يَطُوفُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ فِي طَلَبِ النَّهَرِ ، وَيَأْمُرُنَا أَنْ نُوقِدَ نَاراً لِيَهْتَدِيَ بِضَوْئِهَا إِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَيْنَا.
فَمَكَتْنَا فِي تِلْكَ الْبقعَةِ نَحْوَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ وَوَالِدِي يَطْلُبُ النَّهَرَ فَلَا يَجِدُهُ، وَبَعْدَ الْإِياس عَزَمَ عَلَى الْإِنْصِرَافِ حَذَراً مِنَ التَّلَفِ لِفَنَاءِ الزَّادِ وَالَمَاءِ وَالْخَدَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَعْنَا، فَأَوْجَسُوا(4)فِي أَنفُسِهِمْ خِيفَةً مِنَ الطَّلَبِ، فَالَخُّوا عَلَى وَالِدِي بِالخروج
مِنَ الظُّلُماتِ، فَقُمْتُ يَوْماً مِنَ الرَّحْل حَاجَتِي، فَتَبَاعَدْتُ مِنَ الرَّحْل قَدْرَ رَمْيَةٍ سهم، فَعَثَرْتُ بِنَهَر مَاءٍ أَبْيَض اللَّوْن عَذْبِ لَذِيذِ لَا بِالصَّغِيرِ مِنَ الْأَنْهَارِ وَلَا بالكبير يجري جَرْيَاً لَيْنَا، فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَغَرَفْتُ مِنْهُ بِيَدِي غُرْفَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَاً، فَوَجَدْتُهُ عذباً بارداً لذيذاً، فَبَادَرْتُ مُسْرِعاً إِلَى الرَّحْل فَبَشِّرْتُ الْحَدَمَ بِأَنِّي قَدْ وَجَدْتُ الْمَاءَ، فَحَمَلُوا مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الْقِرَبِ وَالْأَدَاوِي(1)لِنَمْلَأَهَا، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ وَالِدِي فِي طلبِ ذَلِكَ النَّهَر، وَكَانَ سُرُوري بِوُجُودِ المَاءِ لَا كُنَّا فِيهِ مِنْ عَدَمِ المَاءِ، وَكَانَ وَالِدِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَائِباً عَن الرَّحْل مَشْغُولاً بِالطَّلَبِ، فَجَهَدْنَا وَطَفْنَا سَاعَةً هويَّةً فِي طَلَبِ(2)النَّهَر فَلَمْ تَهْتَدِ إِلَيْهِ حَتَّى إِنَّ الْخَدَمَ كَذَّبُونِي وَقَالُوا لِي: لَمْ تَصْدُقْ. فَلَمَّا انْصَرَفْتُ إِلَى الرَّحْل وَانْصَرَفَ وَالِدِي أَخْبَرْتُهُ بِالْقِصَّةِ، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ الَّذِي أَخْرَجَنِي إِلى ذَلِكَ المكان وتحمل الخطركَانَ لِذَلِكَ النَّهَرِ، وَلَمْ أَرْزَقَ أَنَا وَأَنْتَ رُزِقْتَهُ ، وَسَوْفَ يَطُولُ عُمُرُكَ حَتَّى تَعَلَّ الحَيَاةَ، وَرَحَلْنَا مُنْصَرِفِينَ وَعُدْنَا إِلَى أَوْطَانِنَا وَبَلَدِنَا، وَعَاشَ وَالِدِي بَعْدَ ذَلِكَ سُنْيَّاتٍ ثُمَّ مَاتَ رحمه الله .
فلما بَلغَ مِنِّي قَريباً مِنْ ثَلاثِينَ سَنَةٌ وَكَانَ قَدِ انْصَلَ بِنَا وَفَاءُ النَّبِي وَوَفَاةُ الْخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ خَرَجْتُ حَاجًا، فَلَحِقْتُ آخِرَ أَيَّامٍ عُثْمَانَ.
قَالَ قَلْبِي مِنْ بَيْنِ جَمَاعَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَقَمْتُ مَعَهُ أَخْدُمُهُ، وَشَهِدْتُ مَعَهُ وَقَائِعَ، وَفِي وَقْعَةِ صِفِّينَ أَصَابَتْنِي هَذِهِ الشَّجَةُ مِنْ دَابَّتِهِ، فَمَا زِلْتُ مُقِيماً مَعَهُ إلى أن مَضَى لِسَبِيلِهِ للا ، فَأَلَحٌ عَلَى أَوْلَادُهُ وَحَرَمُهُ أَنْ أَقِيمَ عِنْدَهُمْ فَلَمْ أَقِمْ وَانْصَرَفْتُ إِلَى بَلَدِي، وَخَرَجْتُ أَيَّامَ بَنِي مَرْوَانَ حَاجًا، وَانْصَرَفْتُ مَعَ أَهْلِ بَلَدِي إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ مَا خَرَجْتُ فِي سَفَرِ إِلَّا مَا كَانَ (3)الْمُلُوكُ
في بلاد المغربِ يَبْلُغُهُمْ خَبَري وَطُولُ عُمُرِي فَيَشْخَصُونِ إِلَى حَضْرَتِهِمْ لِيَرَوْنِ وَيَسْأَلُوي عَنْ سَبَبٍ طُولِ عُمُرِي وَعَمَّا شَاهَدتُ، وَكُنتُ أتمنى وَأَنتَهى أَنْ أَحُج حَجَّةً أُخْرَى، فَحَمَلَنِي هَؤُلَاءِ حَفَدَتِي وَأَسْبَاطِيَ الَّذِينَ تَرَوْنَهُمْ حَوْلِي، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً.
فَسَأَلْنَاهُ أَنْ يُحَدِّثَنَا بِمَا سَمِعَ مِنْ أمير المؤمِنينَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ علیه السلام ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِرْضٌ وَلَا هِمَّةٌ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَقْتَ صُحْبَتِهِ لِعَلِيّ بْن أَبِي طالب علیه السلام ، وَالصَّحَابَةُ أَيْضاً كَانُوا مُتَوَافِرينَ، فَمِنْ فَرْطِ مَيْلِي إِلَى عَلِى علیه السلام ومحبتي لَهُ لَم أشتغل بِشَيْءٍ سِوَى خِدْمَتِهِ وَصُحْبَتِهِ، وَالَّذِي كُنتُ أَنذَكَرُهُ مِمَّا كُنتُ سَمِعْتُهُ مِنْهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنِّي عَالَم كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِلَادِ المَغْرِبِ وَمِصْرَ وَالْحِجَازِ وَقَدِ انْقَرَضُوا وَتَفَانَوْا، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ بَلَدِي(1)وَحَفَدَتِي قَدْ دَوَّنُوهُ، فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا النسخةً، وَأَخَذَ يُمْلِي عَلَيْنَا مِنْ خَطهِ(2):
حَدَّثَنَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ بْن خَطَّابِ بْن مُرَّةَ بْن مُؤَيَّدِ الْهَمْدَانِي المَعْرُوفِ بِأَبِي الدُّنْيَا مُعَمَّرِ المَغْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَيًّا وَمَيِّتاً)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أي طالب علیه السلام ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله وسلم : «مَنْ أَحَبُّ أَهْلَ الْيَمَنِ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَ أَهْلَ الْيَمَن فَقَدْ أَبْغَضَنِي(3).
وَحَدَّثَنَا أَبُو الدُّنْيَا مُعَمَّرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ علیه السلام ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله وسلم : «مَنْ أَعَانَ مَلْهُوفاً كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَا عَنْهُ عَشْرِ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ»، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه و آله وسلم : «مَنْ سَعَى فِي
حَاجَةٍ أَخِيهِ الْمُسْلِم لله فِيهَا رَضَى وَلَهُ فِيهَا صَلَاحٌ فَكَأَنَّها خَدَمَ اللَّهَ أَلْفَ سَنَةٍ وَلَمْ يقع في مَعْصِيهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ»(1).
حَدَّثَنَا أَبُو الدُّنْيَا مُعَمَّرُ المَغْرِبيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ علیه السلام يَقُولُ: «أَصَابَ النَّبِيَّ صلی الله علیه و آله وسلم جُوعٌ شَدِيدٌ وَهُوَ فِي مَنْزِلِ فَاطِمَةَ، قَالَ عَلى: فَقَالَ لِي النَّبِيُّ : يَا عَلِيُّ، هَاتِ المَائِدَةَ ، فَقَدَّمْتُ الْمَائِدَةَ، فَإِذَا عَلَيْهَا خُبْرٌ وَلَحْمُ مشوى»(2).
حدثنا أبو الدُّنْيَا مُعَمَّرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ علیه السلام يَقُولُ: «جُرحُتُ فِي وَقْعَةِ خَيْبَرَ خَمْساً وَعِشْرِينَ جَرَاحَةً، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيُّ صلی الله علیه و آله وسلم فَلَما رَأَى مَا بِي(3)بَكَى وَأَخَذَ مِنْ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ فَجَعَلَهَا عَلَى الْجَرَاحَاتِ، فَاسْتَرَحْتُ من ساعتي»(4).
وَحَدَّثَنَا أَبُو الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ علیه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله وسلم : «مَنْ قَرَأ : قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ مَرَّةً فَكَأَنَّهَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْن فَكَأَنَّها قَرَأَ ثُلُقَى الْقُرْآن وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ» (5).
وَحَدَّثَنَا أَبُوالدُّنْيَا، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ علیه السلام يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله وسلم : كُنتُ أَرْعَى الْغَنَمَ، فَإِذَا أَنَا بِذِئب عَلَى قَارِعَةِ الطَّريقِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَصْنَعُ هَاهُنَا ؟ فَقَالَ لِي: وَأَنْتَ مَا تَصْنَعُ هَاهُنَا؟ قُلْتُ: أَرْعَى الْغَنَمَ، قَالَ: مُرَّ ، أَوْ قَالَ: ذَا الطَّرِيقُ، قَالَ: فَسُقْتُ الْغَنَم، فَلَمَّا تَوَسطَ الذَّنْبُ الْغَنَمَ إِذَا أَنَا بِهِ قَدْ شَدَّ عَلَى
شَاةٍ فَقَتَلَهَا، قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِقَفَاهُ فَذَبَحْتُهُ وَجَعَلْتُهُ عَلَى يَدِي وَجَعَلْتُ أَسوقُ الْغَنَمَ.
فلمَّا (1)سِرْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ وَإِذَا أَنَا بِثَلَاثَةِ أَمْلاكِ: جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَمَلَكِ المَوْتِ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَلَما رَأَوْنِي قَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ، فَاحْتَمَلُوني وَأَضْجَعُوني وَشَقُوا جَوْفِي بِسِكِّينِ كَانَ مَعَهُمْ، وَأَخْرَجُوا قَلْبِي مِنْ مَوْضِعِهِ، وَعَسَلُوا جَوْفِي بِمَاءٍ باردٍ كَانَ مَعَهُمْ فِي قَارُورَةٍ حَتَّى نَقِيَ مِنَ الدَّم، ثُمَّ رَدُّوا قَلْبِي إِلَى مَوْضِعِهِ، وَأَمَرُّوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى جَوْفِي فَالْتَحَمَ الشَّقُّ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، فَمَا أَحْسَسْتُ بِسِكِّينِ وَلَا وَجَع، قَالَ: وَخَرَجْتُ أَغْدُو إِلَى أُمِّي - يَعْنِي حَلِيمَةَ دَايَةَ النَّبِي صلی الله علیه و آله وسلم ، فَقَالَ: (فَقَالَتْ لِي: أَينَ الْعَلَمُ فَخَيَّرْتُهَا بِالخَبَرِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَكُونُ لَكَ فِي الجَنَّةِ مَنزلةٌ عَظِيمَةٌ»(2).
وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ حمَّدُ بْنُ الْفَتْح الْمِرْكَنِيُّ(3)وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الحَسَن اللَّائكِي(4)أَنَّ السُّلْطَانَ بِمَكَّةَ لَمَّا بَلَغَهُ خَيْرُ أَبِي الدُّنْيَا تَعَرَّضَ لَهُ وَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ أُخْرِجَكَ إِلَى بَعْدَادَ إِلَى حَضْرَةِ أَمِير المُؤمِنِينَ المُقْتَدِر، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَعْتِبَ عَلَيَّ إِنْ لَمْ أُخْرِجْكَ مَعِي، فَسَأَلَهُ الحاج مِنْ أَهْل المَغْرِبِ وَأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ أَنْ يُعْفِيَهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَشْخَصَهُ فَإِنَّهُ شَيْخُ ضَعِيفٌ وَلَا يُؤْمَنُ مَا يَحْدُثُ عَلَيْهِ، فَأَعْفَاهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَلَوْ أَنِّي أَحْضُرُ المَوْسِم تِلْكَ (5)السَّنَةَ لَشَاهَدْتُهُ، وَخَبَرُهُ كَانَ شَائِعاً مُسْتَفِيضَاً فِي الْأَمْصَارِ، وَكَتَب عَنْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْمَصْرِيُّونَ وَالشَّامِيُّونَ وَالْبَغْدَادِيُّونَ وَمِنْ سَائِر
الْأَمْصَارِ مَنْ (1)حَضَرَ المَوْسِمَ وَبَلَغَهُ خَبَرُ هَذَا الشَّيْحَ وَأَحَبَّ أَنْ يَلْقَاهُ وَيَكْتُبَ عنْهُ(2)، نَفَعَهُمُ اللهُ وَإِيَّانَا بِهَا(3).
[2/326] وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرَ بْن عَبْدِ الله بن الحسن بن علي بن الحُسَيْنِ بْن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ علیه السلام مَا فِيهَا أَجَازَهُ فِي مَا صَحَ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِهِ. وَضَحَ عِنْدِي هَذَا الْحَدِيثُ بروَايَةِ الشَّرِيفِ عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بن الحسن بن إِسْحَاقَ بن الحُسَيْنِ(4)بْن إِسْحَاقَ بْن مُوسَى بْن جَعْفَر بن مُحَمَّدِ بْن عَلِيَّ بن الحسين بن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ علیه السلام عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: جَجْتُ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةِ، وَفِيهَا حَجَّ نَصْرُ الْقَشورِيُّ صَاحِبُ (5)المقتدر بالله، وَمَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِمْرَانَ المُكَنَّى(6)بِأَبِي الْهَيْجَاءِ، فَدَخَلْتُ مَدِينَةَ الرَّسُولِ صلی الله علیه و آله وسلم فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَصَبْتُ قَافِلَةَ الْمِصْرِيِّينَ، وَبِهَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ المادَرَائِيُّ وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْل المَغْربِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى (7)أَصْحَابَ رَسُولِ الله صلی الله علیه و آله وسلم ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَازْدَحَمُوا وَجَعَلُوا يَمْسَحُونَ بِهِ وَكَادُوا يَأْتُونَ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَمَرَ عَمِّي أَبُو الْقَاسِم طَاهِرُ بْنُ يَحْيَى فِتْيَانَهُ وَغِلْمَانَهُ، فَقَالَ: أَخْرِجُوا عَنْهُ النَّاسَ، فَفَعَلُوا وَأَخَذُوهُ وَأَدْخَلُوهُ دَارَ أَبِي سَهْل (8)الطَّفِّيِّ، وَكَانَ عَمِّي نَازِهَا، فَأَدْخَلَ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا، وَكَانَ مَعَهُ خَمْسَةُ نَفْرٍ ذَكَرَ أَنَّهُمْ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، فِيهِمْ
1) في المصدر: (من) بدل (من).
2) في المصدر إضافة: (هذه الأحاديث).
3) كمال الدين (ج 2 ص 542 و 543 / باب 50/ ح 7).
4) في بعض النسخ من المصدر: (الحسن) بدل (الحسين)،
5) في بعض النسخ من المصدر: (حاجب) بدل (صاحب).
6) في المصدر : (عبد الله بن حمدان المكنى) بدل (عبد الرحمن بن عمران المكنى).
7) في المصدر إضافة (رجلاً من ).
8) في المصدر: ابن أبي سهل.
شَيْخُ لَهُ نَيِّفٌ وَثَمانُونَ سَنَةٌ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْهُ، فَقَالَ: هَذَا ابْنُ ابْنِي، وَآخَرُ لَهُ سَبْعُونَ سَنَةٌ، فَقَالَ: هَذَا ابْنُ ابْنِي، وَاثْنَان ما ستُونَ سَنَةً أَوْ خَمْسُونَ أَوْ نَحْوُهَا، وَآخَرُ لَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَقَالَ: هَذَا ابْنُ ابْنِ ابْنِي، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِيهِمْ أَصْغَرُ مِنْهُ، وَكَانَ إِذَا رَأَيْتَهُ قُلْتُ: ابْنُ ثَلَاثِينَ(1)أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ، أَسْوَدُ الرَّأْسِ وَاللَّحْيَةِ، ضَعِيفُ(2)الْجِسْمِ آدَمُ، رَبْعُ مِنَ الرَّجَالِ، خَفِيفُ الْعَارِضَيْنَ(3)، إِلَى قِصَرٍ أَقْرَبُ.
قال أَبو مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ: فَحَدَّثَنَا هَذَا الرَّجُلُ وَاسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ بْن الْخَطَّابِ بن مُرَّةَ بْن مُؤَيَّدِ بِجَمِيعِ مَا كَتَبْنَاهُ عَنْهُ وَسَمِعْنَاهُ مِنْ لَفْظِهِ وَمَا رَأَيْنَا مِنْ بياض عَنْفَقَتِهِ(4)و بَعْدَ اسْوَدَادِهَا وَرُجُوع سَوَادِهَا بَعْدَ بَيَاضِهَا عِنْدَ شِبَعِهِ مِنَ الطعام.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ الْعَلَوِيُّ: وَلَوْلَا أَنَّهُ حَدَّثَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الْأَشْرَافِ وَالحاج مِنْ أَهْل مَدِينَةِ السَّلام وَغَيْرِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْآفَاقِ مَا حَدَّثْتُ عَنْهُ بمَا سَمِعْتُ، وَسَمَاعِي مِنْهُ بِالمَدِينَةِ وَمَكَةَ فِي دَارِ السَّهْمِيِّينَ فِي الدَّارِ الْمَعْرُوفَةِ بِالمَكْتُوبَةِ(5)، وَهِيَ دَارُ عَلِيّ بْن عِيسَى(6)الجُرَّاح، وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي مِضْرَبِ القشوري وَمِضْرَب المادَرَانِي وَمِضْرَب أبي المَنْجَاءِ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ بِمِنِّي وَبَعْدَ مُنْصَرِفِهِ مِنَ الْحَجِّ بِمَكَّةَ فِي دَارِ الْمَادَرَائِيِّ عِنْدَ بَابِ الصَّفَا. وَأَرَادَ الْقشوري حَمْلَهُ وَوُلْدَهُ إِلَى بَغْدَادَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَجَاءَهُ فُقَهَاءُ أَهْل مَكَّةَ
فَقَالُوا: أَيَّدَ اللهُ الْأَسْتَاذَ إِنَّا رُوِّينَا فِي الْأَخْبَار المأثورَةِ عَنِ السَّلَفِ أَنَّ الْمُعَمَّرَ المَغْرِبي إِذَا دَخَلَ مَدِينَةَ السَّلَام افْتُنِنَتْ(1)وَخَربَتْ وَزَالَ الْمُلْكُ، فَلَا تَحْمِلْهُ وَرُدَّهُ إِلَى المَغْرِبِ، فَسَأَلْنَا مَشَايِخَ أَهْلِ المَغْرِبِ وَمِصْرَ، فَقَالُوا: لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ آبَائِنَا وَمَشَايِخِنَا يَذْكُرُونَ اسْمَ هَذَا الرَّجُل وَاسْمَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ مُقِيمٌ فِيهِ طَنْجَةَ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ بِأَحَادِيثَ قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا فِي كِتَابِنَا هَذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ الْعَلَوِيُّ(2): فَحَدَّثَنَا هَذَا الشَّيْخُ أَعْنِي عَلِيَّ بْنَ عُثْمَانَ المَغْرِبيَّ بَدْوَ خُرُوجِهِ مِنْ بَلَدِهِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ (3)، وَذَكَرَ أَنَّ أَبَاهُ خَرَجَ هُوَ وَعَمُّهُ وَأَخْرَجَا(4)بِهِ مَعَهُمَا يُرِيدُونَ الْحَجَّ وَزِيَارَةَ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله وسلم ، فَخَرَجُوا مِنْ بِلَادِهِمْ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَسَارُوا أَيَّاماً ثُمَّ أَخْطَتُوا الطَّريقَ وَتَاهُوا عَن المَحَجَّةِ، فَأَقَامُوا تَائِهِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَةَ لَيَالٍ عَلَى غَيْرِ حَجَّةٍ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ وَقَعُوا فِي جِبَالِ رَمْلٍ يُقَالُ لَهُ: رَمْلُ عَالِج يَتَّصِلُ بِرَمْلِ إِرَم ذَاتِ الْعِمَادِ (5)، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ نَظَرْنَا إِلَى أَثَر قَدَم طويل، فَجَعَلْنَا نَسِيرُ عَلَى أَثَرِهَا، فَأَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ، وَإِذَا بِرَجُلَيْنِ قَاعِدَيْن عَلَى بِثْرٍ أَوْ عَلَى عَيْنٍ.
قَالَ: فَلَما نَظَرَ إِلَيْنَا قَامَ أَحَدُهُمَا فَأَخَذَ دَلُوا فَأَدْلَاهُ فَاسْتَقَى فِيهِ مِنْ تِلْكَ الْعَيْن أو البشر وَاسْتَقْبَلَنَا، فَجَاءَ إِلَى أَي فَنَاوَلَهُ الدَّلْوَ، فَقَالَ أَي: قَدْ أَمْسَيْنَا نُنِيخُ عَلَى هَذَا المَاءِ وَنُفْطِرُ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَصَارَ إِلَى عَمِّي فَقَالَ: اشْرَبْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ كَمَا رَدَّ عَلَيْهِ أَبِي، فَنَاوَلَنِي فَقَالَ لِي: اشْرَبْ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ لِي: هَنِيئًا لَكَ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَى عَلِيَّ بْنَ أبي طالب علیه السلام فَأَخْبِرْهُ أَيُّهَا الْغُلَامُ بِخَبَرَنَا، وَقُلْ لَهُ: الْخَضِرُ وَإِلْيَاسُ يُقْرَئانِكَ
[السَّلَامَ](1)، وَسَتُعَمَّرُ حَتَّى تَلْقَى المَهْدِيَّ وَعِيسَى بْنَ مَرْيَمَ علیه السلام فَإِذَا لَقِيتَهُما فَأَقْرتْهُمَا السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَا مَا يَكُونُ هَذَان مِنْكَ؟ فَقُلْتُ: أَبِي وَعَمِّي، فَقَالَا: أَمَّا عَمُّكَ فَلَا يَبْلُغُ مَكَّةَ، وَأَمَّا أَنْتَ وَأَبُوكَ فَسَتَبْلُغَانِ، وَيَمُوتُ أَبُوكَ، فَتُعَمَّرُ أَنْتَ، وَلَسْتُمْ تَلْحَقُونَ النَّبي صلی الله علیه و آله وسلم ، لأَنَّهُ قَدْ قَرُبَ أَجَلُهُ، ثُمَّ مَثَلَا(2).
فَوَ الله مَا أَدْري أَيْنَ مَرًا أَفِي السَّمَاءِ أَوْ فِي الْأَرْضِ، فَنَظَرْنَا وَإِذَا لَا أَثَرَ (3)وَلَا عَيْنَ وَلَا مَاءَ، فَسِرْنَا مُتَعَجِّبِينَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ رَجَعْنَا إِلَى نَجْرَانَ، فَاعْتَلْ عَمِّي وَمَاتَ بِهَا، وَأَتْمَمْتُ أَنا وَأَبِي حَجَّنَا وَوَصَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاعْتَلَ بِهَا أَبِي وَمَاتَ وَأَوْصَى إِلَى عَلي بن أَبِي طَالِب علیه السلام فَأَخَذَنِي وَكُنْتُ مَعَهُ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثمانَ وَ خِلَافَتِهِ حَتَّى قَتْلَهُ ابْنُ مُلْجم (لَعَنَهُ اللَّهُ).
وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا حُوصِرَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي دَارِهِ دَعَانِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابَاً وَنَجِيباً وَأَمَرَنِي بِالخروج إِلَى عَلِيٌّ بن أبي طَالِبٍ علیه السلام وَكَانَ غَائِباً بِيَنْبُعَ فِي مَالِهِ وَضِيَاعِهِ، فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ وَصِرْتُ إِلَى مَوْضِع يُقَالُ لَهُ: جِدَارُ أَبِي عَبَايَةَ سَمِعْتُ قُرْآنَا، فَإِذَا علي بن أبي طالب علیه السلام بَسِيرُ مُقبلاً مِنْ يَنْبعَ وَهُوَ يَقُولُ: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115].
فلما نَظَرَ إِلَيَّ قَالَ: «أَبَا الدُّنْيَا، مَا وَرَاكَ؟»، قُلْتُ: هَذَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخَذَهُ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ :
فَإِنْ كُنْتُ مَأكُولاً فَكُنْ أَنْتَ اكلي*** وإلا فَأَدْرَكْنِي وَلَمَّا أُمَزَّقُ فلما قرأهُ قَالَ: «سر»(4)، فَدَخَلَ إِلَى المَدِينَةِ سَاعَةَ قَتْلِ عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ، قَالَ
إِلَى حَدِيقَةِ بَنِي النَّجَّار، وَعَلِمَ النَّاسُ بِمَكَانِهِ، فَجَاءُوا إِلَيْهِ رَكْضاً وَقَدْ كَانُوا عَازِ مِينَ عَلَى أَنْ يُبَايِعُوا طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ ارْفَضُّوا إِلَيْهِ ارْفِضَاضَ الْغَنَم شَدَّ عَلَيْهَا السَّبُعُ، فَبَايَعَهُ طَلْحَةُ، ثُمَّ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ بَايَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ.
فَأَقَمْتُ مَعَهُ أَخْدُمُهُ، فَحَضَرْتُ مَعَهُ الجُمَلَ وَصِفِّينَ، وَكُنْتُ بَيْنَ الصَّفَيْن وَاقِفاً عَنْ يَمِينِهِ إِذْ سَقَطَ سَوْطُهُ مِنْ يَدِهِ، فَأَكْيْتُ أخُذُهُ وَأَرْفَعُهُ(1)إِلَيْهِ، وَكَانَ جَامُ دَابَّتِهِ حَدِيداً مُزجّجاً، فَرَفَعَ الْفَرَسُ رَأسَهُ فَشَجَّنِي هَذِهِ الشَّجَةَ الَّتِي فِي صُدْغِي فَدَعَانِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَتَفَلَ فِيهَا، وَأَخَذَ حَفْنَةٌ مِنْ تُرَابِ فَتَرَكَهُ عَلَيْهَا، فَوَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ لَمَا أَلَمَا وَلَا وَجَعاً، ثُمَّ أَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى قُتِلَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ)، وَصَحِبْتُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيّ علیه السلام حَتَّى ضُربَ بِسَابَاطِ المَدَائِنِ، ثُمَّ بَقِيتُ مَعَهُ بِالمَدِينَةِ أَخْدُمُهُ وَأَخْدُمُ الحُسَيْنَ علیه السلام حَتَّى مَاتَ الْحَسَنُ علیه السلام مَسْمُوماً سَمَّتَهُ جَعْدَةُ بِنْتُ الْأَشْعَثِ بْن قَيْسِ الْكِنْدِي لَعَنَهَا اللهُ دَسَّا مِنْ مُعَاوِيَةً، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَ الحسين بن علي علیه السلام حَتَّى حَضَرَ (2)كَرْبَلاءَ وَقُتِلَ علیه السلام ، وَخَرَجْتُ هَارِباً مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَأَنَا مُقِيمٌ بِالمَغْرِبِ أَنْتَظِرُ خُرُوجَ المَهْدِي وَعِيسَى بْن مَرْيَمَ علیه السلام .
قال أَبو مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ رضی الله عنه : وَمِنْ عَجِيبٍ مَا رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الشَّيْحَ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ فِي دَارِ عَمِّي طَاهِرِ بْن يَحْيَى رضی الله عنه وَهُوَ يُحَدِّثُ بِهَذِهِ الْأَعَاجِيبِ وَبَدُو خُرُوجِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى عَنْفَقَتِهِ وَقَدِ احْمَرَّتْ ثُمَّ ابْيَضَتْ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي لِحْيَتِهِ وَلَا فِي رَأْسِهِ وَلَا فِي عَنْفَقَتِهِ بَيَاضُ الْبَتَّةَ.
قَالَ : فَنَظَرَ إِلَى نَظَرِي إِلَى حِيَتِهِ وَعَنْفَقَتِهِ، فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ ۚ إِنَّ هَذَا يُصِيبُني إِذَا جُعْتُ فَإِذَا شَبِعْتُ رَجَعَتْ إِلَى سَوَادِهَا، فَدَعَا عَمِّي بِطَعَامِ وَأُخْرِجَ مِنْ دَارِهِ ثَلاثُ مَوَائِدَ، فَوُضِعَتْ وَاحِدَةُ بَيْنَ يَدَي الشَّيْخ، وَكُنْتُ أَنَا أَحَدُ مَنْ جَلَسَ عَلَيْهَا،
فَأَكَلْتُ مَعَهُ، وَوُضِعَتِ المائِدَتَانِ فِي وَسَطِ الدَّارِ، وَقَالَ عَمِّي لِلْجَمَاعَةِ: بِحَقِّي عَلَيْكُمْ إِلَّا أَكَلْتُمْ وَتَحَرَّمْتُمْ بِطَعَامِنَا، فَأَكَلَ قَوْمٌ وَامْتَنَعَ قَوْمٌ، وَجَلَسَ عَمِّي عَلَى يَمِين الشَّيْخ يَأكُلُ وَيُلْقِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَأَكَلَ أَكُلَ شَابٌ وَعَمِّي يُخْلِفُ عَلَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى عَنْفَقَتِهِ وَهِيَ تَسْوَدُّ حَتَّى إِذَا(1)عَادَتْ إِلَى سَوَادِهَا [ حِينَ] شَبعَ(2).
فَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثمانَ بْن خَطَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ علیه السلام ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله وسلم : «مَنْ أَحَبَّ أَهْلَ الْيَمَن فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أبغضني»(3).
[3/327] حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ الْوَهَّابِ الشَّجَرِي(4)، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ لِأَخِي أَي الحَسَن بِخَطِهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ قَرَأَ الْكُتُبَ وَسَمِعَ الْأَخْبَارَ أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ شَرِيدِ الْجُرْهُمِيَّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عَاشَ ثَلَاثَانَةِ سَنَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَأَدْرَكَ النَّبِيِّ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَعَمَّرَ بَعْدَ مَا قُبِضَ النَّبِيُّ صلی الله علیه و آله وسلم حَتَّى قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي أَيَّامٍ تَعَلُّبِهِ وَمُلْكِهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : أَخْبِرْنِي يَا عُبَيْدُ عَمَّا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ، وَمَنْ أَدْرَكْتَ، وَكَيْفَ رَأَيْتَ الدَّهْرَ؟ قَالَ: أَمَّا الدَّهْرُ فَرَأَيْتُ لَيْلاً يُشبهُ لَيْلاً، وتماراً يُشبه تباراً، وَمَوْلُوداً يُولَدُ، وَمَيْتاً يَمُوتُ، وَلَمْ أُدْرك أهْلَ زَمَانِ إِلَّا وَهُمْ يَذْعُونَ زَمَاءَهُمْ.
وَأَدْرَكْتُ مَنْ قَدْ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَحَدَّثَنِي عَمَّنْ قَدْ كَانَ قَبْلَهُ قَدْ عَاشَ أَلْفَيْ سَنَةٍ. وَأَمَّا مَا سَمِعْتُ فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ مْيَرٍ أَنَّ بَعْضَ مُلُوكِ
النابِغةِ(1)مِنْ دَانَتْ لَهُ الْبَلادُ كَانَ يُقَالُ لَهُ: ذُو سَرْحٍ، كَانَ أَعْطِيَ المُلْكَ فِي عُنْفُوَان شَبابِهِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ فِي أَهْل مَمْلَكَتِهِ سَخِيًّا فِيهِمْ مُطَاعاً، فَمَلَكَهُمْ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ كَثِيراً مَا(2)يَخْرُجُ فِي خَاصَّتِهِ إِلَى الصَّيْدِ وَالنُّزْهَةِ.
فَخَرَجَ يَوْماً إِلَى بَعْض مُتَنَزِّهِهِ، فَأَتَى إِلَى حَيَّتَيْنِ أَحَدُهُمَا بَيْضَاءُ كَأَنَّهَا سَبِيكَهُ فِضَّةٍ وَالْأُخْرَى سَوْدَاءُ كَأَنَهَا هُمَمَةٌ، وَهُمَا يَقْتَتِلان، وَقَدْ غَلَبَتِ السَّوْدَاءُ الْبَيْضَاءَ وَكَادَتْ تَأْتِي عَلَى نَفْسِهَا، فَأَمَرَ المَلِكُ بِالسُّوْدَاءِ فَقُتِلَتْ، وَأَمَرَ بِالْبَيْضَاءِ فَاحْتُمِلَتْ حَتَّى انْتَهَى بِهَا إِلَى عَيْنِ مِنْ مَاءِ بَقِيَ(3)عَلَيْهَا شَجَرَةٌ، فَأَمَرَ فَصُبَّ عَلَيْهَا مِنَ المَاءِ وَسُقِيَتْ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهَا نَفْسُهَا فَأَفَاقَتْ فَخَلَّى سَبِيلَهَا، فَانْسَابَتِ الْحَيَّةٌ وَمَضَتْ لِسَبِيلِهَا، وَمَكَثَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ فِي مُتَصَيَّدِهِ وَنُزْهَتِهِ.
فلما أَمْسَى وَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَجَلَسَ عَلَى سَريرهِ فِي مَوْضِع لَا يَصِلُ إِلَيْهِ حَاجِبٌ وَلَا أَحَدٌ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا إِذا رَأى شَابًّا آخِدَا بِعِضَادَتَي الْبَابِ وَبِهِ مِنَ الشَّيَابِ(4)وَالْجَمَالِ شَيْءٍ لَا يُوصَفُ ، فَسَلَّمَ عَلَى الْمَلِكِ، فَذَعِرَ مِنْهُ الْمَلِكُ، وَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنتَ؟ وَمَنْ أَدْخَلَكَ وَأَذِنَ لَكَ فِي الدُّخُولِ عَلَيَّ فِي هَذَا المَوْضِع الَّذِي لَا يَصِلُ فِيهِ حَاجِبٌ وَلَا غَيْرُهُ؟ فَقَالَ لَهُ الْفَتَى لَا تَرعْ أَيُّهَا المَلِكُ إِنِّي لَسْتُ بِإِنسِي وَلَكِنِّي فَتى مِنَ الْجِنَّ أَتَيْتُكَ لِأُجَازِيكَ عَلَى بَلَاتِكَ الحَسَن الجميل عِنْدِي، قَالَ الملك: وَمَا بَلَائِي عِنْدَكَ؟ قَالَ: أَنَا الخَيَّةُ الَّتِي أَحْيَيْتَنِي فِي يَوْمِكَ هَذَا، وَالْأَسْوَدُ الَّذِي قَتَلْتَهُ وَخَلَصْتَنِي مِنْهُ كَانَ غُلَاماً لَنَا [تَمَرَّدَ عَلَيْنَا](5)وَقَدْ قَتَلَ مِنْ أَهْلِ بَيْنِي عِدَّةٌ كَانَ إِذَا خَلَا بِوَاحِدٍ مِنَّا قَتَلَهُ، فَقَتَلْتَ عَدُوِّي وَأَحْيَيْتَنِي، فَجِئْتُ لأُكَافِيكَ
بلانك عِندِي، وَنَحْنُ أَيُّهَا الملك الجِنُّ لا الجِنَُّ، فَقَالَ لَهُ الملك: وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الجِنُّ والجِنُّ.
ثُمَّ انْقَطَعَ الحَدِيثَ الَّذِي كَتَبَ(1)أَخِي، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَمامُهُ(2).
[ 4/328] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْمُكَتِّبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ مُحمَّدِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَن بن دُرَيْدِ الْأَزْدِيُّ الْعَمانِيُّ بِجَمِيع أَخْبَارِهِ وَكُتُبِهِ الَّتِي صَنَّفَهَا، وَوَجَدْنَا فِي أَخْبَارِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا وَقَدَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ المَلِكِ بْن مَرْوَانَ قَدِمَ فِيمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ الرَّبيعُ بْنُ الضَّبُعِ الْفَزَارِيُّ، وَكَانَ أَحَدَ الْمُعَمَّرينَ، وَمَعَهُ ابْنُ ابْنِهِ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ الله بْن الرَّبيع شَيْخاً فَانِيَا قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَقَدْ عَصَبَهُمَا، فَلَمَّا رَآهُ الْآذِنُ وَكَانُوا يَأْذَنُونَ لِلنَّاسِ عَلَى أَسْنَانِهِمْ قَالَ لَهُ: ادْخُلُ أَيُّهَا الشَّيْخُ فَدَخَلَ يَدِبُّ عَلَى الْعَصَا يُقِيمُ بِهَا صُلْبَهُ وَحِيتَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ.
قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ عَبْدُ المَلِكِ رَقَّ لَهُ وَقَالَ لَهُ: اجْلِسُ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المؤمِنينَ، أَيَجْلِسُ الشَّيْخُ وَجَدهُ عَلَى الْبَابِ؟ فَقَالَ: أَنْتَ إِذَا مِنْ وُلْدِ الرَّبيع بن ضَبع، قَالَ: نَعَمْ، أَنَا وَهْبُ بْنُ عَبْدِ الله بْن الرَّبيع، قَالَ لِلْآذِن: ارْجِعْ فَأَدْخِل الربيع، فَخَرَجَ الْآذِنُ فَلَمْ يَعْرِفُهُ حَتَّى نَادَى : أَيْنَ الرَّبِيعُ؟ قَالَ: مَا أَنَا ذَا، فَقَامَ يُهْرُولُ فِي مِشْيَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى عَبْدِ المَلِكِ سَلَّمَ، فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: وَأَبِيكُمْ إِنَّهُ(3)لأَشبُّ الرَّجْلَيْنِ، يَا رَبِيعُ أَخْبِرْنِي عَمَّا أَدْرَكْتَ مِنَ الْعُمُرِ وَالمَدَى، وَرَأَيْتَ (4)مِنَ الخُطُوبِ المَاضِيَةِ، قَالَ: أَنَا الَّذِي أَقُولُ:
هَا أَنا ذَا آملُ الخُلُودَ وَقَدْ ***أَدْرَكَ عُمْرِي وَمَوْلِدِي حَجَرا
أمَّا(1)امْرُوُ الْقَيْس قَدْ سَمِعْتَ به ***هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ طَالَ ذَا عُمُرا
قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: قَدْ رُوِّيتُ هَذَا مِنْ شِعْرِكَ وَأَنَا صَبِيٌّ، قَالَ: وَأَنَا الْقَائِلُ:
إِذَا عَاشَ الْفَتَى مِائَتَيْنِ عَاماً*** فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذَاذَةُ وَالْغِنَاءُ (2)
قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: وَقَدْ رُوِّيتُ هَذَا مِنْ شِعْركَ أَيْضاً وَأَنَا غُلَامٌ، وَأَبِيكَ يَا رَبِيعُ لَقَدْ طَلَبَكَ جَدٌ غَيْرُ عَاثِرِ، فَفَصِّلْ فِي عُمُرَكَ.
فَقالَ: عِشْتُ مِانَتَيْ سَنَةٍ فِي الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم، وَعِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَسِتِّينَ سَنَةٌ فِي الْإِسْلَام.
قال: أَخْبِرْنِي عَن الْفِتْيَةِ مِنْ قُرَيْشِ المَتَوَاطِي الْأَسْمَاءِ، قَالَ: سَلْ عَنْ أَيْهِمْ شِئْتَ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَبَّاسٍ، قَالَ: فَهمٌ وَعِلْمٌ وَعَطَاءٌ وَحِلْمٌ وَمُقُرِّى ضَخْم، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ، قَالَ: حِلْمٌ وَعِلْمٌ وَطَوْلٌ وَكَظُمْ وَبُعْدٌ مِنَ الظُّلْم، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن جَعْفَرٍ، قَالَ: رَيْحَانَةٌ طَيِّبٌ ريحُها ليَنٌ مَسُّهَا قَلِيلٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ضَرَرُهَا، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ الله بن الزبير، قَالَ: جَبَل وَعْرٌ يَنْحَدِرُ مِنْهُ الصَّخَرُ.
قَالَ :للَّهُ دَرُّكَ مَا أَخْبَرَكَ بِهِمْ؟ قَالَ: قَرُبَ جِوَارِي، وَكَثُرَ اسْتِخْبَارِي(3).
[ 5/329] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى المكتبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَن بن دُرَيْدِ الْأَزْدِيُّ الْعَمانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى أَبُو بَشِيرٍ الْعُقَيْلِيُّ ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي قَبِيصَةَ، عَن ابْنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ شُيُوخاً مِنْ بَحِيلَةَ مَا رَأَيْتُ عَلَى سَرُوهِمْ وَحُسْن هَيَاتِهِمْ يُخبرُونَ أَنَّهُ عَاشَ [شِقُ](1)الْكَاهِن ثَلَاثَانَةِ سَنَةٍ، فَلَمَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمُهُ وَقَالُوا لَهُ: أَوْصِنَا فَقَدْ آنَ أَنْ يَفُوتَنَا بِكَ الدَّهْرُ، فَقَالَ: تَوَاصَلُوا وَلَا تَقَاطَعُوا، وَتَقَاتَلُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَأَوْصِلُوا(2)الْأَرْحَامَ، وَاحْفَظُوا الدِّمَامَ، وَسَوِّدُوا الحكيم (3)، وَأَجِلُوا الكَرِيمَ، وَوَكَّرُوا ذَا الشَّيَةِ، وَأَذِلُوا اللَّيمَ، وَتَجَنَّبُوا المزلَ فِي مواضع الحد، وَلَا تُكَدِّرُوا الْإِنْعَامَ بِالمَنْ، وَاعْفُوا إِذَا قَدَرْتُمْ، وَهَادِنُوا إِذَا هَجَرْتُمْ(4)، وَأَحْسِنُوا إِذَا كُوبدْتُمْ، وَاسْمَعُوا مِنْ مَشَائِحَكُمْ، وَاسْتَبِقُوا دَوَاعِيَ الصلاح عِندَ أَوَاخِرَ(5)الْعَدَاوَةِ، فَإِنَّ بُلُوغ الغاية في النَّدَامَةِ(6)جُرح بطيء الْإِنْدِمَالِ، وَإِيَّاكُمْ وَالطَّعْنَ فِي الْأَنْسَابِ، وَلَا تَفْحَصُوا عَنْ مَسَاوِيكُمْ، وَلَا تُودِعُوا عَقَائِلَكُمْ غَيْرَ مُسَاوِيكُمْ، فَإِنَّهَا وَصْمَةٌ قَادِحَةٌ(7)، وَقَضَاءَةٌ فَاضِحَةٌ، الرِّفْقَ الرفق لا الخرْقَ فَإِنَّ الخَرْقَ مَنْدَمَةٌ فِي الْعَوَاقِبِ مَكْسَبَةٌ لِلْعَوَائِبِ(8)الصَّبْرُ أَنْفَذ عِنابِ، وَالْقَنَاعَةُ خَيْرُ مَالِ وَالنَّاسُ أَنْبَاعُ الطَّمَع ، وَقَرَائِنُ الجَلَعَ، وَمَطَايَا الجزع وَرُوحُ الذُّلُّ التَّخَاذْلُ، وَلَا تَزَالُونَ نَاظِرينَ بِعُيُونِ نَائِمَةٍ مَا اتَّصَلَ الرَّجَاءُ بِأَمْوَالِكُمْ، وَالْخَوْفُ بِمَحَالَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ: يَا لَا نَصِيحَةً زَلَتْ عَنْ عَذَبَةٍ فَصِيحَةٍ، إِنْ كَانَ وَعَاؤُهَا وَكِيعاً وَمَعْدِتها مبيعاً، ثُمَّ مَاتَ.
قال الصدوق رحمه الله : إنَّ مخالفينا يروون مثل هذه الأحاديث ويُصدقون بها ويروون حديث شداد عاد بن إرم ذات العماد وأنه عمر تسعمائة سنة، بن ويروون صفة جنّه وأنها مغيبة عن الناس فلا تُرى وأنَّها في الأرض. ولا يُصدقون بقائم آل محمّد (صلوات الله عليه وعليهم)، ويُكذِّبون بالأخبار التي وردت فيه جحوداً للحق وعناداً لأهله(1).
بیان: قوله: (مزجّجاً) أي مرفقاً .مدداً قوله: (لقد طلبك جد غير عاثر): الجد بالفتح الحف والبخت والغناء، أي طلبك بخت عظيم لم يعثر حتى وصل إليك، أو لم يعثر بك بل نعشك في كلِّ الأحوال. والسرو: السخاء في مروءة. والعقايل: جمع العقيلة، وهي كريمة الحي، أي لا تُزوجوا بناتكم إِلَّا من يساويكم في الشرف والوصمة: العيب والعار والفادحة: الثقيلة، ويقال: فيه قضاءة ويُضَمُّ: عيب وفساد، وتقضُؤوا منه أنْ يُزوجوه: استحسنوا حسبه. ووعاء وكيع: شديد متين.
أقول: ثُمَّ ذكر الصدوق رحمه الله قصة شداد بن عاد كما نقلنا عنه في كتاب النبوة، ثُمَّ قال: :
وعاش أوس بن ربيعة بن كعب بن أُمية مائتي وأربع عشرة سنة، فقال في ذلك :
لقد عمَّرت حتى ملَّ أهلي*** ثواي عندهم وسئمت عمري وحق لمن أتى مأتان عام*** عليه وأربع من بعد عشر
1) رحمه الله
یمل من الثواء وصبح ليل*** يغاديه وليل بعد يسري
فأبلى شلوتي وتركت شلوي (1)*** وباح بما أجن ضمير صدري
وعاش أبو زبيد واسمه المنذر(2)بن حرملة الطائي وكان نصرانيا خمسين ومائة سنة.
وعاش نضر بن دهمان بن سليمان بن أشجع بن زيد (3). غطفان مائة بن وتسعين سنة حتى سقطت أسنانه وخرف عقله وابيض رأسه، فحرب(4)قومه أمر فاحتاجوا فيه إلى رأيه، فدعوا الله أن يرد عليه عقل(5)وشبابه فعاد إليه شبابه واسود شعره، فقال فيه سَلّمة بن الحريش، ويقال: عباس بن مرداس السلمي:
لنضر(6)بن دهمان الهنيدة عاشها*** وتسعين حولاً ثُمَّ قوم فانصاتا وعاد سواد الرأس بعد بياضه *** وعاوده(7)شرخ الشباب الذي فاتا
وراجع عقلاً بعدما فات عقله*** ولكنه من بعد ذا كله ماتا
وعاش ثوب بن صداق(8)العبدي مائتي سنة .
وعاش خثعم(9)بن عوف بن جذيمة دهراً طويلاً، فقال:
1) في المصدر : ( فأبلى جدتي وتركت شلوا).
2) في المصدر: (البدر) بدل (المنذر).
3) في المصدر: (وعاش نصر بن دهمان بن ابصار بن بكر بن سليم بن أشجع بن الريث بن غطفان).
4) في المصدر : (فحزب).
5) في المصدر : (عقله).
6) في المصدر: (النصر).
7) في المصدر : (راجعه) بدل (عاوده)
8) في المصدر: (سويد بن حذاق) بدل (ثوب بن صداق).
9) في المصدر: (الجشم)، وكذا في ما بعد.
حتى متى خثعم في الأحياء*** ليس بذي أيدي ولا غناء
هيهات ما للموت من دواء
وعاش ثعلبة بن كعب (1)بن عبد الأشهل بن الأشوس مائتي سنة، فقال:
لقد صاحبت أقواماً فأمسوا*** خفاتاً لا يجاب له دعاء
مضوا قصد السبيل وخلفوني*** فطال عليَّ بعدهم الثواء فأصبحت الغداة رهين*** وأخلفني من الموت الرجاء
وعاش رداءة بن كعب بن ذهل بن قيس النخعي ثلاثمائة سنة، فقال:
لم يبق يا خذيَّه(2)من لداتي*** أبو بنين لا ولا بنات
ولا عقيم غير ذي سبات*** إلَّا يُعَدُّ اليوم في الأموات
هل مشتر أبيعه حياتي
وعاش عدي بن حاتم طیئ عشرين ومائة سنة.
وعاش أماباة بن قيس بن الحرملة بن سنان(3)الكندي ستين ومائة سنة.
وعاش عمير(4)بن هاجر بن عمير بن عبدالعزى بن قيس (5)الخزاعي سبعين ومأة سنة، فقال:
بليت وأفناني الزمان وأصبحت*** هنيدة قد أبقيت من بعدها عشرا
وأصبحت مثل الفرخ لا أنا ميت*** فأبكى(1)ولا حي فأصدر لي أمرا
وقد عشت دهراً ما تجن عشيرتي*** لها ميناً حَتَّى تخط له قبرا وعاش العوام بن المنذر بن زيد(2)بن قيس بن حارثة بن لام دهراً طويلاً في الجاهلية، وأدرك عمر بن عبد العزيز، فأدخل عليه وقد اختلف ترقوتاه وسقط حاجباه، فقيل له: ما أدركت؟ فقال:
فو الله ما أدري أأدركت أُمَّة*** على عهد ذي القرنين أم كنت أقدما
متى يخلعوا عني القميص تبينوا*** جانجن(3)لم يكسين لحماً ولا دما
وعاش سيف بن وهب بن جذيمة الطائي مائتي سنة، فقال:
ألَا إنَّني كاهب(4)ذاهب*** فلا تحسبوا أنني كاذب
لبست شبابي فأفنيته ***وأدركني القدر الغالب
وخصم دفعت ومولى نفعت*** حتى ينوب له ثائب
وعاش أرطاة بن دشهبة المزني عشرين ومائة سنة، وكان يكنَّى أبا الوليد، فقال له عبد الملك: ما بقي من شعرك يا أرطاة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، [ إنّي](5)ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب ولا يجيئني الشعر(6)إلا على إحدى هذه الخصال، على أني أقول:
رأيت المرء تأكله الليالي*** كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المنية حين تأتي*** على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكر حتى*** توفي نذرها بأبي الوليد
فارتاع عبد الملك، فقال أرطاة: يا أمير المؤمنين، إنِّي أُكَنَّى أبا الوليد.
وعاش عبيد بن الأبرص ثلاثمائة سنة، فقال:
فنيت وأفناني الزمان وأصبحت ***لداتي بنوا نعش وزهر الفراقد
ثُمَّ أخذه النعمان بن منذر يوم بؤسه فقتله.
وعاش شريح بن هانئ عشرين ومائة سنة حتَّى قُتِلَ في نفرة(1)الحجاج بن يوسف، فقال في كبره وضعفه:
أصبحت ذا بث أقاصي الكبرا*** قد عشت بين المشركين أعصرا
تمت أدركت النبي المنذرا *** وبعده صديقه وعمرا
ويوم مهران ويوم تسترا *** والجمع في صفينهم والنهرا
هيهات ما أطول هذا عمرا
وعاش رجل من بني ضبة يقال له: المسجاح بن سباع دهراً طويلاً، فقال:
لقد طوفت في الآفاق حتَّى*** بليت وقد [دنا ] (2)لي أن أبيد وأفناني ولا يفنى نهار *** وليل كلما يمضي يعود
وشهر مستهل بعد شهر*** وحول بعده جول جديد
وعاش لقمان العادي الكبير خمسمائة سنة وستين سنة، وعاش عمر سبعة أنسر كل نسر منها ثمانين عاماً، وكان من بقية عاد الأولى.
وروي عاش ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة سنة، وكان من ولد(1)عاد الذين بعثهم قومهم إلى الحرم ليستسقوا لهم، وكان أعطي عمر سبعة أنسر، فكان يأخذ فرخ النسر الذكر فيجعله في الجبل الذي هو في أصله فيعيش النسر فيها ما عاش فإذا مات أخذ آخر ،فريَّاه حتَّى كان آخرها لبد وكان أطولها عمراً، فقيل فيه: (طال الأمد ) على لبد(2)، وقد قيل فيه أشعار معروفة، وأعطي من السمع والبصر والقوَّة على قدر ذلك، وله أحاديث كثيرة.
وعاش زهير بن عباب بن هبل بن عبد الله بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد بن عبد الله بن وهدة بن ثور بن كليب (3)الكلبي ثلاثمائة سنة.
وعاش مزيقيا واسمه عمرو(4)بن عامر وعامر هو ماء السماء، وإنَّما سُمِّي ماء السماء لأنه كان حياة أينما نزل كمثل ماء السماء، وإِنَّما سُمِّي مزيقيا لأنَّه عاش ثمانمائة سنة أربعمائة سوقة وأربعمائة ملكاً، فكان يلبس في كل يوم حُلَّتين ثُمَّ يأمر بهما فيمزقان حتَّى لا يلبسهما أحد غيره.
وعاش ابن هبل بن عبد الله بن كنانة ستمائة سنة .
وعاش أبو الطمحان القيسي(5)مائة وخمسين سنة.
وعاش المستوعر (6)بن ربيعة بن كعب بن زيد مناة بن تميم ثلاثمائة وثلاثين سنة ثُمَّ أدرك الإسلام فلم يسلم، وله شعر معروف.
1) في المصدر: (وفد) بدل (ولد).
2) في المصدر : (طال الأبد).
3) في المصدر: (وعاش زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد بن عبد الله بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي، وفي بعض النسخ منه: (حباب) بدل (جناب).
4) في المصدر : (عمر) بدل (عمرو)
5) في المصدر : (الطحمان القيني) بدل (الطمحان القيسي).
6) في المصدر: (مستوغر) بدل (المستوعر).
وعاش دريد(1)بن زيد بن فهد أربعمائة سنة وخمسين سنة، فقال في ذلك:
ألقى على الدهر رجلاً ويدا ***والدهر ما يصلح يوماً أفسدا
يصلحه اليوم ويفسده غدا <a href="#ref-footnote2-page129" id="footnote2-page129" style="display:inline-block"><sup>(2)</sup></a><p class="footnote"><a href="#footnote2-page129" style="color:#3b82f6;" id="ref-footnote2-page129"> 2) </a>في المصدر: (يفسد ما أصلحه اليوم غداً).</p>
وجمع بنيه حين حضرته الوفاة، فقال: يا بني، أُوصيكم بالناس شرَّا، لا
تقبلوا لهم معذرةً، ولا تقبلوا لهم عثرة.
وعاش تيم الله بن [ثعلبة بن](3)عكابه مائتي سنة.
وعاش الربيع بن ضبع بن وهب بن بعيض بن مالك بن سعدي (4)بن بن عدي بن فزارة مائتي وأربعين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم.
وعاش معدي كرب الحميري من آل ذي رعين مائتي وخمسين سنة. وعاش ثرية (5)بن عبد الله الجعفي ثلاثمائة سنة، فَقَدِمَ على عمر بن ا الخطاب المدينة، فقال: لقد رأيت هذا الوادي الذي أنتم به و ما به قطرة ولا هضبة ولا شجرة، ولقد أدركت أخريات قوم يشهدون بشهادتكم هذه يعني لا إله إلا الله، ومعه ابن له يتهادى قد خرف، فقال: يا ثرية(6)، هذا ابنك قد خرف وبك بقية؟
فقال: ما(7)تزوجت أُمَّه حتَّى أتت على سبعون سنة، ولكني تزوجتها عفيفة (8)ستيرة، إن رضيت رأيت ما تقر به عيني، وإن سخطت أتتني (9)حتَّى أرضى، وإنَّ
ابني هذا تزوج امرأة بذيّة فاحشة، إن رأى ما تقر به عينه تعرضت له حتَّى يسخط، وإن سخط تلقته (1)حتّى يهلك(2).
وَعَاشَ عَوْفُ بْنُ كِنَانَةَ الْكَلْبِيُّ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَمَعَ بَيْنِيهِ فَأَوْصَاهُمْ، وَهُوَ عَوْفُ بْنُ كِتَانَةَ بن عَوْفِ بْن عُدْرَةَ بن زَيْدِ بْنِ تَوْرِ (3)بْنِ كَلب فَقَالَ:
يا بَنِي احْفَظُوا وَصِيَّتِي فَإِنَّكُمْ إِنْ حَفِظْتُمُوهَا سُدْتُمْ قَوْمَكُمْ مِنْ بَعْدِي: إنكُمْ فَاتَّقُوهُ، وَلَا تَخُونُوا، وَلَا تَحْزَنُوا، وَلَا تُثِيرُوا السَّبَاعَ مِنْ مَرَابِضِهَا(4)، وَجَاوِرُوا النَّاسَ بِالْكَفِّ عَنْ مَسَاوِيهِمْ تَسْلَمُوا وَتَصْلُحُوا، وَعِفُّوا عَنِ الطَّلَبِ إِلَيْهِمْ، وَلَا تُسْتَثْقَلُوا، وَالْزَمُوا الصَّمْتَ إِلَّا مِنْ حَقٌّ تُحْمَدُوا، وَابْذُلُوا لَهُمُ المَحَبَّةَ تَسْلَم لَكُمُ الصُّدُورُ، وَلَا تُحَرِّمُوهُمُ المَنافِعَ فَيَظْهَرُوا الشَّكَاةَ، وَكُونُوا مِنْهُمْ فِي سِبْرٍ يُنْعَمْ بَالُكُمْ، وَلَا تُكْثِرُوا مُجَالَسَتَهُمْ فَيَسْتَخِفَّ بِكُمْ، وَإِذَا نَزَلَتْ بِكُمْ مُعْصِلَةٌ فَاصْبِرُوا لَهَا، وَالْبَسُوا لِلدَّهْرِ أَثْوَابَهُ فَإِنَّ لِسَانَ الصَّدْقِ مَعَ النَّكْبَةِ(5)خَيْرٌ مِنْ سُوءِ الذِّكْرِ مَعَ المَسرَّةِ (6)، وَوَطَنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الظُّلَّةِ مَنْ ذَلَّ (7)لَكُمْ فَإِنَّ أَقْرَبَ المَسَائِل المَوَدَّةُ، وَإِنْ أَبْعَدَ النَّسَبِ(8)الْبِغْضَةَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْوَفَاءِ، وَتَنَكَّبُوا الْغَدْرَ يَأْمَنُ سربكُمْ(9)، وَأَحْبُوا الحَسَبَ بِتَرْكِ الْكَذِبِ فَإِنَّ آفَةَ المُرُومَةِ الْكَذِبُ والخلف، لا
1) في المصدر: (تغلبته) بدل (تلقته).
2) كمال الدين (ج 2 ص 555 - 562).
3) في المصدر: (ثور) بدل (تور).
4) في المصدر إضافة (فتندموا).
5) في المصدر: (المسكنة) بدل (النكبة).
6) في المصدر: (الميسرة).
7) في المصدر : ( على المذلة لمن تُذلّل).
8) في المصدر : ( أتعبت النشب) بدل (أبعد النسب).
9) في المصدر إضافة: (وأصيخوا للعدل).
تُعْلِمُوا النَّاسَ إِقْتَارَكُمْ فَتَهُونُوا وَتَخمُلُوا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُرْبَةَ فَإِنَّهَا ذِلَّةٌ، وَلَا تَضَعُوا الْكَرَائِمَ إِلَّا عِنْدَ الْأَكْفَاءِ، وَابْتَغُوا بِأَنْفُسِكُمُ(1)المَعَالِي، وَلَا يَخْتَلِجَنَّكُمْ جَمَالُ النِّسَاءِ عَنِ الصَّحَّةِ فَإِنَّ نِكَاحَ الْكَرَائِم مَدَارِجُ الشَّرَفِ ، وَاخْضَعُوا لِقَوْمِكُمْ، وَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِمْ لِتَنَالُوا المَنَافِسَ، وَلَا تُخَالِفُوهُمْ فِيهَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَإِنَّ الْخِلَافَ يُزْرِي بِالرَّجُلِ(2)المَطَاعِ، وَلْيَكُنْ مَعْرُوفُكُمْ لِغَيْرِ قَوْمِكُمْ (3)بَعْدِهِمْ، وَلَا تُوحِشُوا أَفْنِيَتَكُمْ مِنْ أَهْلِهَا فَإِنَّ إلْحَاشَهَا إحْمَادُ النَّارِ وَدَفْعُ الحَقُوقِ، وَارْ فُضُوا النَمّائِمَ بَيْنَكُم تَكُونُوا(4)أَعْوَاناً عِنْدَ المُلِيَّاتِ تَغْلِبُوا، وَاحْذَرُوا النَّجْعَةَ إِلَّا فِي مَنْفَعَةٍ لَا تُصَابُوا، وَأَكْرِمُوا الْجَارَ يَخْصِبْ جَنَائِكُمْ، وَآثِرُوا حَقَّ الضَّيْفِ (5)عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَالْزَمُوا مَعَ السُّفَهَاءِ الحلم تقل هُمُومُكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَة فَإِنَّهَا ذِلَّةٌ، وَلَا تُكَلِّفُوا أَنْفُسَكُمْ فَوْقَ طَاقَتِهَا إِلَّا الْمُضْطَرَّ فَإِنَّكُمْ إِنْ تُلَامُوا عِنْدَ إِيضَاحِ(6)الْعُذْرِ وَبِكُمْ قُوَّةً خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُعَانُوا(7)فِي الْاضْطِرَارٍ مِنْكُمْ إِلَيْهِمْ بِالْمَعْذِرَةِ، وَجِدُّوا وَلَا تُفْرِطُوا فَإِنَّ الْجَدَّ مَانِعُةُ (8)الظَّيْمِ، وَلْتَكُنْ كَلِمَتُكُمْ وَاحِدَةً تَعِزُوا وَيُرْهَفَ حَدُّكُمْ، وَلَا تَبْدُلُوا الْوُجُوهَ لِغَيْرِ مَكْرَمَةٍفَتَخلَقُوهَا، وَلَا تَجَشَّمُوا(9)أَهْلَ الدَّنَاءَةِ فَتَقْصُرُوا بِهَا، وَلَا تَحَاسَدُوا فَتَبُورُوا، وَاجْتَنِبُوا الْبُخْلَ فَإِنَّهُ دَاءٌ، وَابْنُوا المَعَالِي بِالجُودِ وَالْأَدَبِ وَمُصَافَاةِ أَهْلِ الْفَضْلِ
1) في المصدر: (الأنفسكم).
2) في المصدر : (بالرئيس) بدل (بالرجل).
3) في المصدر إضافة: (من).
4) في المصدر: ([تسلموا] وكونوا) بدل (تكونوا).
5) في المصدر: (الضعيف) بدل (الضيف).
6) في المصدر : ( فإنَّكم لن تُلاموا عند اتضاح).
7) في المصدر : (تعاونوا).
8) في المصدر : (مانع).
9) في المصدر: (مكرميها فتكلحوها ولا تجشموها).
وَالحَياءِ،(1)وَابْتَاعُوا المَحَبَّةَ بِالْبَذَلِ، وَوَقَّرُوا أَهْلَ الْفَضِيلَةِ، وَخُذُوا عَنْ أَهْلِ التجارب، وَلَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ مَعْرُوفِ صِغَرُهُ فَإِنَّ لَهُ ثَوَاباً، وَلَا تُحَتُرُوا الرِّجَالَ فَتَزدَرُوهَا، فَإِنَّمَا المَرْهُ بِأَصْغَرَيْهِ ذَكَاءِ قَلْبِهِ وَلِسَانٍ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَإِذَا خُوفْتُمْ دَاهِيَةً فَاللَّبْثَ(2)قَبْلَ الْعَجَلَةِ، وَالْتَمِسُوا بِالتَّوَدُّدِ المَنْزِلَةَ عِنْدَ الْمُلُوكِ فَإِنَّهُمْ مَنْ وَضَعُوهُ اتَّضَعَ وَمَنْ رَفَعُوهُ ارْتَفَعَ، وَتَبَسَّلُوا بِالْفِعَالِ(3)تَسْمُ إِلَيْكُمُ الْأَبْصَارُ، وَتَوَاضَعُوا بِالْوَقَارِ لِيُحِبُّكُمْ (4)رَبُّكُمْ ثُمَّ قَالَ:
وَمَا كُلَّ ذِي لُبِّ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ*** ولَا كُلُّ مُوفٍ(5)نُصْحَهُ بِلَبِيبِ وَلَكِنْ إِذَا مَا اسْتَجْمَعًا عِنْدَ وَاحِدٍ*** فَحَقُ لَهُ مِنْ طَاعَةٍ بِنَصِيبٍ (6)وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ يَزِيدَ(7)الشَّعْرَانِي مِنْ وُلْدِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِيرِ الله يَقُولُ: حَكَى أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ ابْنُ الْقَاسِمِ الْبَصْرِيُّ(8)أَنَّ أَبَا الْحُسْنِ حِمَارَوَيْهِ(9)بْنَ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ كَانَ قَدْ فُتِحَ(10)عَلَيْهِ مِنْ كُنُوزِ مِصْرَ مَا لَمْ يُرْزَقُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، فَأَغرِي (11)بِالْهرَمَيْنِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ ثِقَاتُهُ وَحَاشِيَتُهُ وَبِطَانَتُهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ قِدم الْأَهْرَامِ فَإِنَّهُ مَا تَعَرَّضَ أَحَدٌ مَّا فَطَالَ
1) في المصدر: (الحياء).
2) في المصدر : (فعليكم بالتثبت ) بدل (فالليث).
3) في المصدر: (تنبلوا) بدل (تبسلوا بالفعال).
4) في المصدر : ( وتواضعوا بالوقار ليحبكم).
5) في المصدر: (موت) بدل (موف)
6) كمال الدين (ج 2/ 568 - 570).
7) في المصدر : (حمزة) بدل ( يزيد).
8) في المصدر : (المصري) بدل (البصري).
9) في المصدر : (أبا الجيش حماروية)، وكذا في ما بعد.
10) في المصدر إضافة: (الله).
11) في المصدر: (فعزى) بدل (فأغري).
عُمُرُهُ، فَلَجَّ(1)فِي ذَلِكَ وَأَمَرَ أَلْفاً مِنَ الْفَعَلَةِ أَنْ يَطْلُبُوا الْبَابَ، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ سَنَةً حَوَالَيْهِ حَتَّى ضَجِرُوا وَكَلُوا، فَلَمَّا هَمُّوا بِالْإِنْصِرَافِ بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ وَتَرْكِ الْعَمَلِ وَجَدُوا سَرَباً، فَقَدَّرُوا أَنَّهَا الْبَابُ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ، فَلَمَّا بَلَغُوا آخِرَهُ وَجَدُوا بَلَاطَةً قَائِمَةً مِنْ مَرْمَرٍ، فَقَدَّرُوا أَنَّهَا الْبَابُ، فَاحْتَالُوا فِيهَا إِلَى أَنْ قَلَعُوهَا وَأَخْرَجُوهَا(2).
فَإِذَا عَلَيْهَا كِتَابَةٌ بِالْيُونَانِيَّةِ، فَجَمَعُوا حُكَمَاءَ مِصْرَ وَعُلَمَاءَهَا(3)فَلَمْ يَهْتَدُوا لها، وَكَانَ فِي الْقَوْم رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأَبي عَبْدِ الله المَدِينِي أَحَدُ حُفَّاظِ الدُّنْيَا وَعُلَمائِهَا، فَقَالَ لِأَبِي الْحَسَنِ حَمارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ: أَعْرِفُ فِي بَلَدِ الْحَبَشَةِ أَسْقُفًا قَدْ عُمِّرَ وَأَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثْمانَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةٌ يَعْرِفُ هَذَا الْخَطَّ، وَقَدْ كَانَ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَنِيهِ، فَلِحِرْصِي عَلَى عِلْمِ الْعَرَبِ لَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ(4)، وَهُوَ بَاقٍ، فَكَتَبَ أَبُو الْحَسَنِ إِلَى مَلِكِ الحَبشَةِ يَسْأَلُهُ أَنْ یَحمِلَ هَذَا الْأَسْقُفٌ إِلَيْهِ، فَأَجَابَهُ أَنَّ هَذَا (5)قَدْ طُعِنَ فِي السِّنِّ، وَحَطَمَهُ الزَّمَانُ، وَإِنَّمَا يَحْفَظُهُ هَذَا الهْوَاءُ(6)، وَيُخَافُ عَلَيْهِ إِنْ نُقِلَ إِلَى هَوَاءِ آخَرَ وَإِقْلِيمِ آخَرَ وَخَفَتْهُ حَرَكَةٌ وَتَعَبٌ وَمَشَقَّهُ السَّفَرِ أَنْ يَتْلَفَ، وَفِي بَقَائِهِ لَنَا شَرَفٌ وَفَرَجٌ وَسَكِينَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ شَيْءٌ يَقْرَؤُهُ وَيُفَسِّرُهُ وَمَسْأَلَةٌ تَسْأَلُونَهُ فَاكْتُبْ بِذَلِكَ، فَحُمِلَتِ الْبَلاطةُ فِي قَارِبِ(7)إِلَى بَلَدٍ أَسْوَانَ مِنَ الصَّعِيدِ الْأَعْلَى، وَحُمِلَتْ مِنْ أَسْوَانَ عَلَى الْعَجَلَةِ إِلَى بِلَادِ الخَبَشَةِ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ أَسْوَانِ، فَلَمَّا وَصَلَتْ قَرَأَهَا
الْأَسْقُفْ وَفَسَّرَ مَا كَانَ فِيهَا بِالحَبَشِيةِ، ثُمَّ نُقِلَتْ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ: أَنَا الرَّيَّانُ بْنُ دَوْمَعْ، فَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ الله عَنِ الرَّيَّانِ مَنْ كَانَ؟ فَقَالَ: هُوَ وَالِدُ الْعَزِيزِ مَلِكِ يُوسُفَ ، وَاسْمُهُ الرَّيَّانِ(1)بْنِ دَوْمَغ، وَكَانَ عُمُرُ الْعَزِیزِ سَبْعَمائَةِ سَنَةٍ، وَعُمرُ الرَّيَّانِ وَالِدِهِ أَلْفَ وَسَبْعَمائَةِ، وَعُمُرُ دَوْمَغ ثَلَاثَةَ آلَافٍ سَنَةٍ.
فَإِذَا فِيهَا : أَنَا الرَّيَّانُ بْنُ دَوْمَغ، خَرَجْتُ فِي طَلَبِ عِلْمِ النَّيْلِ لِأَعْلَمَ فَيُضَهُ وَمَنبَعَهُ إِذْ كُنْتُ أَرَى مُفِيضَهُ، فَخَرَجْتُ وَمَعِي مِمَّنْ صَحِبْتُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ أَلْفِ(2)رَجُلٍ، فَسِرْتُ ثَمَانِينَ سَنَةٌ إِلَى أَنِ انْتَهَيْتُ إِلَى الظُّلُمَاتِ وَالْبَحْرِ الْمَحِيطِ بِالدُّنْيَا، فَرَأَيْتُ النِّيلَ يَقْطَعُ الْبَحْرَ المَحِيطَ وَيَعْبَرُ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لي مَنْفَذٌ، وَتَمَاوَتَ أَصْحَابِی، وَيُقِيتُ فِي أَرْبَعَةِ آلافٍ رَجُلٍ، فَخَشِيتُ عَلَى مُلْكِي فَرَجَعْتُ إِلَى مِصْرَ وَبَنَيْتُ الْأَهْرَامَ وَالْبَرَانِيَّ، وَبَنَيْتُ الْهَرَمَيْنِ وَأَوْدَعْتُهُمَا كُنُوزِي وَذَخَائِرِي، وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ :
وَأَدْرَكَ عِلْمِي بَعْضَ مَا هُوَ كَائِنٌ*** وَلَا عِلْمَ لِي بِالْغَيْبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَتْقَمْتُ مَا حَاوَلْتُ إِثْقَانَ صُنْعِهِ*** وأحْكَمْتُهُ وَاللهُ أَقْوَى وَأَحْكَمُ وَحَاوَلْتُ عِلْمَ النِّيلِ مِنْ بَدْءِ فَيْضِهِ*** فَأَعْجَزَنِي وَالمَرْهُ بِالْعَجْزِ مُلْجَمُ ثمانين شَاهُوراً قَطَعْتُ مَسَابِحاً*** وَحَوْلِي بَنوُ حُجْرٍ وَجَيْقٌ عَرَمْرَمُ إِلَى أَنْ قَطَعْتُ الْإِنْسَ وَالْجنَّ كُلَّهُمْ*** وَعَارَضَنِي لُج مِنَ الْبَحْرِ مُظْلِمُ فَأَتْقَنْتُ أَنْ لَا مَنْفذا بَعْدَ مَنْزِلي*** لذي همَّةٍ بَعْدِي وَلَا مُتَقَدِّمُ
فَأُبْتُ إِلَى مُلْكِي وَأَرْسَيْتُ نَادِياً (3)بمصر وَلِلْأَيَّام بُؤْسٌ وَأَنْعُمُ
أنا صَاحِبُ الْأَهْرَامِ فِي مِصْرَ كُلِّهَا*** وَبَانِي بَرَانِيهَا بِهَا وَالْمُقَدَّمُ
تَرَكتُ بها آثارَ كُفّي وَحِكْمَتِي*** عَلَى الدَّهْرِ لَا تُبْلَى وَلَا تَتَهَدَّمُ وَفِيهَا كُنُورٌ جَمَّةٌ وَعَجَائِبٌ ***وللدهر أمرٌ مَرَّةً وَتَهجُمُ
سيفْتَحُ أَقفالِي وَيُبْدِي عَجَائبِي ***وليٌّ لِرَبِّي آخِرَ الدَّهْرِ يَنْجُمُ بأكنافِ بَيْتِ اللهِ تَبْدُو أُمُورُهُ ***وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلُو وَيَسْمُوَ بِهِ السَّمُ
ثمان وَتِسْعٌ وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَع ***وَتَسْعُونَ أُخْرَى مِنْ قَتِيلِ وَمُلْجَمُ
وَمِنْ بَعْدِ هَذَا كَرَّ تِسْعُونَ تسْعَةٌوتِلْكَ الْبَرَانِيُّ تَسْتَخِرُّ وَتُهْدَمُ وَتُبْدَى كُنُوزِي كُلُهَا غَيْرَ أَنَّنِي أرى كُلَّ هَذَا أَنْ يُفَرِّقَهَا الدَّمُ رَمَزتُ مَقَالِي (1)فِي صُخُورٍ قَطَعْتُهَا ***ستبقَى وَأَفْنَى بَعْدَهَا ثُمَّ أَعْدَمُ فَحِينَئِذٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ حِمَارَوَيْهِ بْنُ أَحْمَدَ هَذَا شَيْءٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ حِيلَةٌ إِلَّا لِلْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ علیه السلام ، وَرُدَّتِ الْبَلَاطَةُ كَمَا كَانَتْ مَكَانَهَا.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْحَسَنِ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ قَتَلَهُ طَاهِرُ الْخَادِمُ، [ذَبَحَهُ](2)عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ سَكْرَانُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عُرِفَ خَبَرُ الْهُرَمَيْنِ وَمَنْ بَنَاهُمَا، فَهَذَا أَصَحُ مَا يُقَالُ مِنْ خَيْرِ النَّيلِ وَالهَرَمَيْنِ.
وعاش صبيرة بن (3)سعد بن سهم القرشي مائة وثمانين سنة، وأدرك الإسلام، فهلك فجاءة بلا سبب )وعاش لبيد بن ربيعة الجعفري مائة وأربعين سنة، وأدرك الإسلام
فأسلم، فلما بلغ سبعين من عمره أنشأ يقول:
كأني وقد جاوزت سبعين حجة*** خلعت بها عن منكبي ردائيا
فلما بلغ سبعاً وسبعين سنة أنشأ يقول:
باتت تشكي إلى النفش مجهشة*** وقد حملتك سبعاً بعد سبعين (1)
فإن تزادي ثلاثاً تبلغي أملاً ***وفي الثلاث وفاء للثمانين (2)
فلما بلغ تسعين سنة أنشأ يقول:
كأني وقد جاوزت تسعين حجة*** خلعت بها عني عذار لثامي رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى*** فكيف بمن يرمي وليس برام فلو أنني أرمي بنيل رأيتها ***ولكنني أرسى بغير سهام
فلما بلغ مائة وعشر سنين أنشأ يقول:
وليس في مائة قد عاشها رجل*** وفي تكامل عشر بعدها عمر
فلما بلغ مائة وعشرين سنة أنشأ يقول:
قد عشت دهراً قبل مجری داحس*** لو كان في النفس(3)اللجوج خلود
فلما بلغ مائة وأربعين سنة أنشأ يقول:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ***وسؤال هذا الناس كيف لبيد
غلب الرجال فكان غير مغلب*** دهرطويل دائم ممدود
يوم إذا يأتي علىَّ وليلة*** وكلاهما بعد المضي يعود
فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِاِبْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ أَبَاكَ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّهُ فَنِي، فَإِذَا قبِضَ أبوكَ فَأَغْمِضُهُ وَأَقْبِلْ بِهِ الْقِبْلَةَ وَسَجِّهِ بِثَوْبِهِ، وَلَا أَعْلَمَنَّ مَا صَرَخَتْ عَلَيْهِ صَارِحَةٌ أَوْ بَكَتْ عَلَيْهِ بَاكِيَةٌ، وَانْظُرْ جَفْتَتِيَ الَّتِي كُنْتُ أُضِيفُ بِهَا فَأَجِدْ صَنَعْتَهَا،
ثُمَّ احْمِلُهَا إِلَى مَسْجِدِكَ وَإِلَى مَنْ كَانَ يَغْشَانِي عَلَيْهَا، فَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) فَقَدِّمْهَا إِلَيْهِمْ يَأْكُلُونَ مِنْهَا، فَإِذَا فَرَضُوا فَقُلْ: احْضُرُوا جَنَازَةَ أَخِيكُمْ لَبِيدِ ابْنِ رَبِيعَةَ فَقَدْ قَبَضَهُ اللَّهُ عز وجل، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
وَإِذَا دَفَنْتُ أَبَاكَ فَاجْعَ*** لْ فَوْقَهُ خَشَباً وطينا
وَصَفَائِحاً صُمَّا رَوَا *** سِيهَا تشدد وَالْغُصُونًا(1)
لِيَقِينَ حَرَّ الْوَجْهِ سَفْ*** سَافُ التُّرَابِ وَلَنْ يَقِينا
وقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ لبيد بن ربيعة في أَمْرِ الْجَفْنَةِ غَيْرُ هَذَا، ذَكَرُوا أَنَّ لَيدَ ابْنُ رَبِيعَةً جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ كُلَّمَا هَبَّتِ الشَّمَالُ أَنْ يَنْحَرَ جَزُوراً فَيَمْلَأَ الجَفْنَةَ اللَّ حَكَوْا عَنْهَا فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ.
فَلَمَّا وَلِي الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطِ الْكُوفَةَ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله وسلم، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ عَلِمْتُمْ حَالَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ الجَعْفَرِي وَشَرَفَهُ وَمُرُوءَتَهُ وَمَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّمَا هَبَّتِ الشَّمَالُ أَنْ يَنْحَرَ جَزُوراً، فَأَعِينُوا أَبَا عَقِيلٍ عَلَى مُرُوءَتِهِ، ثُمَّ نَزَلَ وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِخَمْسَةِ مِنَ الْجُزُرِ، وَأَبْيَاتُ شِعْرِ يَقُولُ فِيهَا :
أرَى الْجُزَارَ يَشْحَدُ شَفْرَتَيْهِ*** إِذَا هَبْتُ رِيَاحُ أَبِي عَقِيلٍ
طويلُ الْبَاعِ أَبْلَجُ جَعْفَرِي***كَرِيمُ الجَدْ كَالسَّيْفِ الصَّقِيل
وَفِي ابْنِ الْجُعْفِي بِمَا لَدَيْهِ*** عَلَى الْعَلَّاتِ وَالمَالِ الْقَلِيل
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الجُزُرَ كَانَتْ عِشْرِينَ ، فَلَها أَتتُهُ قَالَ: جَزَى اللَّهُ الْأَمِيرَ خيْراً، قَدْ عَرَفَ أَني لا أقولُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ اخْرُجِي يَا بُنَيَّةٌ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ بُنَيَّةٌ لَهُ حَمَاسِيَّةٌ فقال لها: أجِيبي الأمِيرَ ، فَأَقْبَلَتْ وَأدْبَرَتْ ثُمَّ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ:
1) في المصدر: (وصفائحاً صمّا رواشنها تسدون الغصونا.
إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُ أَبي عَقِيل ***دَعَوْنَا عِندَ هَيَّتِهَا الْوَلِيدا
طويل الْبَاع أَبْلَجُ عَبْشَميًّا ***أَمَانَ عَلَى مُرُوءَ ته لبيدا
بأَمْثالِ القِضَابِ كَأَنَّ رَكْباً ***علَيْهَا مِنْ بَنِي حَامِ قُعُودا
أبا وَهْبِ جَزَاكَ اللهُ خَيْراً ***نحرناها وَأَطْعَمْنَا التَّرِيدا
فَعُدْ إِنَّ الْكَرِيمَ لَهُ مُعَادٌ ***وَعَهْدِي بِابْنِ أَرْوَى أَنْ تَعُودًا
فَقَالَ لَها: أَحْسَنْتِ يَا بُنَيَّةٍ لَوْ لَا أَنَّكِ سَأَلْتِ، قَالَتْ: إِنَّ الْمُلُوكَ لَا يُسْتَحْيِى مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ، قَالَ: وَأَنْتِ فِي هَذَا يَا بُنَيَّةِ أَشْعَرُ.
وعاش ذو الإصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث بن محرث بن ربيعة ابن هبيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عثمان بن عباد ثلاثمائة سنة.
وعاش جعفر بن قبط ثلاثمائة سنة، وأدرك الإسلام.
وعاش عامر بن ظرب العدواني ثلاثمائة سنة.
وعاش محصن بن غسان بن ظالم بن عمرو بن قطيعة بن الحارث بن سلمة ابن مازن الزبيدي مائتي وخمسين سنة، فقال في ذلك:
ألا يا سلم إني لست منكم ***ولكني امرء قوتي سغوب
دعاني الداعيان فقلت هيا ***فقالا كل من يُدعى يجيب
ألا يا سلم أعياني قيامي *** وأعيتني المكاسب والركوب
وصرت رديئة في البيت كلا ***تأذى بي الأباعد والقريب
كذاك الدهر والأيام خون*** لها في كل سائمة نصيب(1)
وعاش صيفي بن رباح أبو (2)أكثم أحد بني أسد بن عمرو بن تميم مانتي
سنة وسبعين سنة، وكان يقول: لك على أخيك سلطان في كلِّ حالٍ إِلَّا في القتال فإذا أخذ الرجال السلاح فلا سلطان(1)عليه كفى بالمشرفية واعظاً، وترك الفخر أبقى لك، وأسرع الحزم (2)عقوبة البغي، وشر النصرة التعدي، والأم الأخلاق أضيقها، ومن الأذى كثرة العتاب وأقرع الأرض بالعصا، فذهبت مثلاً:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع*** وما علم الإنسان إلا ليعلم(3)
وعاش عاد بن شدّاد اليربوعي ماتة وخمسين سنة.
وعاش أكثم بن صيفي أحد بني أسد بن عمرو بن تميم ثلاثمائة سنة، وقال بعضهم: مائة وتسعين سنة، وأدرك الإسلام واختُلِفَ في إسلامه إلَّا أنَّ أكثرهم لا يشكُّ في أنَّه لم يسلم، فقال في ذلك :
وإن امرءاً قد عاش تسعين حجة*** إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
خلت مائتان غير ست وأربع*** وذلك من عد الليالي قلائل
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ : أَقْبَلَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيِّ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَقَتَلَهُ ابْنُهُ عَطَشاً، فَسَمِعْتُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ) [النساء: 100]، وَلَمْ تكنِ الْعَرَب تُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَحَداً فِي الْحِكْمَةِ، وَإِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ بِرَسُولِ اللهُ صلی الله علیه و آله وسلم بَعَثَ ابنه حبيشاً، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي أَعِظُكَ بِكَلِمَاتٍ فَخُذْهُنَّ مِنْ حِينَ تَخْرُجُ مِنْ عِنْدِي إِلَى أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ، أنتِ نَصِيبَكَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ فَلَا تَسْتَحِلَّهُ فَيُسْتَحَلَّ مِنْكَ، فَإِنَّ
الحرامَ لَيْسَ يُحرِّمُ نَفْسَهُ وَإِنَّمَا تُحَرِّمُهُ أَهْلُهُ، وَلا تَمُرَّنََّ بِقَوْمٍ إِلَّا تَنْزِلَ(1)عِنْدَ أَعَزِّهِمْ، وَأَحْدِثُ عَقْداً مَعَ شَرِيفِهِمْ، وَإِيَّاكَ وَالذلِيلَ فَإِنَّهُ أَذَلُّ نَفْسَهُ وَلَوْ أَعَزَّهَا لَأَعَزَّهُ قَوْمُهُ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُهُ وَعَرَفْتُ نَسَبَهُ وَفِي(2)فِي بَيْتِ قُرَيْشٍ وَهِي [أَعَزَّ] (3)الْعَرَب، وَهُوَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إِمَّا ذُو نَفْسٍ أَرَادَ مُلْكَاً، فَخَرَجَ لِلْمُلْكِ بِعِزَّهِ، فَوَكَّرْهُ وَشَرِّفْهُ وَقُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا تَجْلِسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ حَيْثُ يَأْمُرُكَ وَيُشِيرُ إِلَيْكَ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ أَدْفَعَ لِشَرِّهِ عَنْكَ وَأَقْرَبَ خَيْرِهِ مِنْكَ، وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ يَسُوؤُهُمْ، وَلَا يَبْطُرُ فَيُحَتَشَمَ،(4)وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْخِيَرَةَ حَيْثُ يَعْلَمُ، لَا يُخْطِئُ فَيُسْتَعْتَبَ إِنَّمَا أَمْرُهُ عَلَى مَا تُحِبُّ، وَإِنْ كَانَ(5)فَسَتَجِدُ أَمْرَهُ كُلَّهُ صَالِحاً وَخَبَرَهُ كُلَّهُ صَادِقاً، وَسَتَجِدُهُ مُتَوَاضِعاً فِي نَفْسِهِ مُتَقَلِّلًا لِرَبِّهِ، فَذِلَّ لَهُ فَلَا تُحدِ نَنَّ أَمْراً دُونِي، فَإِنَّ الرَّسُولَ إِذَا أَحْدَثَ الْأَمْرَ مِنْ عِنْدِهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيِ الَّذِي أَرْسَلَهُ، وَاحْفَظْ مَا يَقُولُ لَكَ إِذَا رَدَّكَ إِلَيَّ، فَإِنَّكَ وَلَوْ تَوَهَمْتَ أَوْ نَسِيتَ حَتَمْتَنِي(6)رَسُولاً غَيْرَكَ.
وَكَتَبُ مَعَهُ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى الْعَبْدِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا بَلَغَنَا مَا بلَغَكَ، فَقَدْ أَتَانَا عَنْكَ خَبَرٌ لَا نَدْرِي مَا أَصْلُهُ، فَإِنْ كُنْتَ أُرِيتَ فَأَرِنَا، وَإِنْ كُنْتَ علمْتَ فَعَلمْنَا وَأَشْرِكْنَا فِي كَتْرِكَ، وَالسَّلَامُ
فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله فِيمَا ذَكَرُوا مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِي، أَحمدُ اللهَ إِلَيْكَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أَقول: لا إله إلا الله، أقوها وآمر
النَّاسَ بِقَوْلِها، والخَلقُ خَلقُ الله، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ الله خَلَقَهُمْ وَأَمَاتَهُمْ، وَهُوَ يَنْشُرُهُمْ وَإِلَيْهِ المَصِيرُ،أَدَّبْتُكُمْ بِآدَابِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَتُسْأَلُنَّ عَنِ النَّبِاء الْعَظِيمِ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ».
فَلَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ رَسُولِ الله صلی الله علیه و آله وسلم قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، مَا ذَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَيَنْهَى عَنَّ مَلَائِمِهَا.
فَجَمَعَ أَكْثَمُ بْنُ صَیفیٌّ إِلَيْهِ بَنِي تميم، ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي تَمِيمٍ، لَاتُحْضِرُونِي سَفِيها فَإِنَّ مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ، وَلِكُلِّ إِنْسَانِ رَأْي فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّ السَّفِيهَ وَاهِنُ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ.
يَا بَنِي تَمِيمٍ ، كَبِرَتْ سِنِّي وَدَخَلَتْني ذِلَّةُ الْكِبَرِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنِّي حَسَناً فَأْتُوهُ، وَإِذَا أَنْكَرْتُمْ مِنِّي شَيْئًا فَقُولُوا لِي الْحَقَّ(1)أَسْتَقِمْ، إِنَّ ابْنِي قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ شَافَهَ هَذَا الرَّجُلُ فَرَاهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ (2)وَيَنْهَى عَنِ مَلَائِمِهَا، عَنْ مَلَائِمِهَا، وَيَدْعُو إِلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَتُخْلَعَ الْأَوْثَانُ وَيُتْرَكَ الْخَلْفُ بِالنِّيرَانِ، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله وسلم ، وَ أَنَّ قَبْلَهُ رُسُلاً لَهُمْ كُتُبٌ، وَقَدْ عَلِمْتُ رَسُولاً قَبْلَهُ كَانَ يَأْمُرُ بِعِبَادَةِ الله وَحدَهُ، وَإِنَّ أَحَقُّ النَّاسِ بِمُعَاوَنةِ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم وَمُسَاعَدَتِهِ عَلَى أَمْرِهِ أَنتُمْ، فَإِنْ يَكُن الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ حَقًّا فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنْ يَكُ بَاطِلاً كُنتُمْ أَحَقُّ مَنْ كَفَّ عَنْهُ وَسَتَرَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ كَانَ أَسْقُفٌ نَجْرَانَ يُحَدِّثُ بِصِفَتِهِ، وَلَقَدْ كَانَ سُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِع قَبْلَهُ يُحدثُ بِهِ، وَسَمَّى ابْنَهُ مُحَمَّداً، وَقَدْ عَلِمَ ذَرُو الرَّأَي مِنْكُمْ أَنَّ الْفَضْلَ فِيمَا يَدْعُو إِلَيْهِ وَيَأْمُرُ بِهِ، فَكُونُوا فِي أَمْرِهِ أَوْلاً وَلَا تَكُونُوا أخيراً، اتَّبِعُوهُ تَشَرَّفُوا، وَتَكُونُوا سَنَامَ الْعَرَبِ، وَائْتُوهُ طَائِعِينَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتُوهُ كَارِهِينَ، فَإِنِّي أَرَىٰ أَمْرًا مَا هُوَ بِالْهُوَيْنَا لَا
يَترُكُ مَصعَداً إِلَّا صَعِدَهُ وَلَا مَنْصُوباً إِلَّا بَلَغَهُ، إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ دِيناً لَكَانَ فِي الْأَخْلَاقِ حَسَناً أَطِيعُونِي وَاتَّبِعُوا أَمْرِي أَسْأَلُ لَكُمْ مَا لَا يُنْزَعُ مِنْكُمْ أَبَداً، إِنَّكُمْ أَصْبَحْتُمْ أَكْثَرَ الْعَرَبِ عَدَداً، وَأَوْسَعَهُمْ بَلَداً، وَإِنِّي لَأَرَى أَمْراً لَا يَتَّبِعُهُ دَلِيلٌ إِلَّا عَزَّ، وَلَا يَتْرُكُهُ عَزِيزٌ إِلَّا ذَلّ، اتَّبِعُوهُ مَعَ عِزَّكُمْ تَزْدَادُوا عِزَّا، وَلَا يَكُنْ أَحَدٌ مِثْلَكُمْ إِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَدَعْ لِلْآخِرِ شَيْئًا، وَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لِمَا بَعْدَهُ، مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ فَهُوَ الْبَاقِي وَمَنْ (1)اقْتَدَى بِهِ الثَّانِي، فَأَصْرِمُوا أَمْرَكُمْ فَإِنَّ الصَّرِيمَةَ قُوَّةٌ، وَالْإِحْتِيَاطَ عَجْز.
فَقَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ : خَرِفَ شَيْخُكُمْ، فَقَالَ أَكْثَمُ: وَيْلٌ لِلشَّجَيِّ مِنَ الْخَلَيِّ، أَرَاكُمْ سُكوتاً، وَآفَةَ المَوْعِظَةِ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا، وَيْلَكَ يَا مَالِكُ إِنَّكَ هَالِكٌ، إِنَّ [الحق] (2)إِذَا قَامَ رَفَعَ (3)الْقَائِمُ مَعَهُ، وَجَعَلَ الطَّرْعَى قِيَاماً، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، أَمَّا إِذْ سَقْتُمُونِي بِأَمْرِكُمْ فَقَرَّبُوا بَعِيرِي أَرْكَبُهُ.
فَدَعَا بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، فَتَبِعَهُ بَنُوهُ وَبَنُو أَخِيهِ، فَقَالَ: هَفَى عَلَى أَمْرٍ لَنْ أَدْرِكَهُ وَلَمْ يُسبقني.
وَكَتَبَتْ طَيِ إِلَى أَكْثَمَ وَكَانُوا أَخْوَالَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَتَبَتْ بَنُو مُرَّةً وَكَانُوا أخْوَالُهُ: أَنْ أَحْدِثُ إِلَيْنَا مَا نَعِيشُ بِهِ.
فَكَتَبَ : أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي مُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، فَإِنَّهَا ثَبِّتُ أَصْلُهَا وَنَبْتٌ فَرْعُهَا، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا لَا يَثْبُتُ هَا أَصْلُ وَلَا يَنْبُتُ لَهَا فَرْعٌ، وَإِيَّاكُمْ وَنِكَاحَ الْحَمْقَاءِ فَإِنَّ مُبَاضَعَتَهَا قَذَرٌ وَوُلْدَهَا ضَيَاعٌ، وَعَلَيْكُمْ بِالْإِبِلِ فَأَكْرِمُوهَا فَإِنَّهَا حُصُونُ الْعَرَبِ، وَلَا تَضَعُوا رِقَابَهَا إِلَّا فِي
حَقَّهَا فَإِنَّ فِيهَا مَهْرَ الْكَرِيمَةِ وَرَقُوةَ الدَّمِ ، وَبِالْبَانِهَا يُتحَفُ الْكَبِيرُ وَيُغَذَّى الصَّغِيرُ، وَلَوْ كُلْفَتِ الإبلُ الطَّعْنَ لَطَحَنَتْ ، وَلَنْ يَهْلِكَ امْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَالْعُدْمُ عُدْمُ الْعَقْلِ، وَالمَرْءُ الصَّالِحُ لَا يَعْدَمُ المَالَ ، وَرُبَّ رَجُلٍ خَيْرٌ مِنْ مِائَةٍ، وَرُبَّ فِئَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ فِئَتَيْنِ، وَمَنْ عَتَبَ عَلَى الزَّمَانِ طَالَتْ مَعْتَبَتُهُ، وَمَنْ رَضِيَ بِالْقَسْمِ طَابَتْ مَعِيشَتُهُ آفَةُ الرَّأْيِ الْهَوَى، وَالْعَادَةُ أَمْلَكُ بِالْأَدَبِ، وَالْحَاجَةُ مَعَ المَحَبَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْبَغْضَةِ، وَالدُّنْيَا دُوَل فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَی ضَعْفِكَ وَإِنْ قَصُرْتَ في طَلَبِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعَهُ بِقُوَّتِكَ، وَسُوءُ حَمْلِ الرِّيبَةِ تَضَعُ الشَّرَفَ، وَالْحَسَدُ دَاء لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ، وَالشَّمَاتَةُ تُعْقِبُ، وَمَنْ بَرَّ يَوْماً بُرَّ بِهِ، وَالنَّدَامَهُ مَعَ السَّفَاهَةِ(1)، وَدِعامَةُ الْعَقْلِ الْحِلْمُ، وَجَمَاعُ الْأَمْرِ الصَّبْرُ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ مَغَيَّةُ الْعَفْو، وَأَبْقَى المَوَدَّةِ حُسْنُ التَّعَاهْدِ، وَمَنْ يَزُرْ غِبًا يَزْدَدْ حُبَّا(2).
جمع أَكْثَمُ بَنِيهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَقَالَ : يَا بَنِيَّ، إِنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَيَّ دَهْرُ طَوِيلٌ، وَأَنَا مُزَوِّدُكُمْ مِنْ نَفْسِي قَبْلَ المَمَاتِ، أُوصِيكُمْ [الله](3)بِتَقْوَى اللَّهِ، وَصِلَةِ الرحم، وَعَلَيْكُمْ بِالْبِرِّ فَإِنَّهُ يُنْمِي عَلَيْهِ الْعَدَدَ وَلَا يَبِيدُ عَلَيْهِ أَصل وَلَا فَرح، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ الله وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهَا أَصْلٌ وَلَا يَنْبُتُ عَلَيْهَا فَرحٌ، كُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ فَإِنَّ مَقْتَلَ الرَّجُل بَيْنَ فَكَيْهِ، إِنَّ قَوْلَ الحَقِّ لَمْ يَدَعْ لي صديقاً.
انْظُرُوا أَعْنَاقَ الْإِبِلِ فَلَا تَضَعُوهَا إِلَّا فِي حَقِّهَا فَإِنَّ فِيهَا مَهْرَ الْكَرِيمَةِ وَرَقُوءَ
الدم، وَإِيَّاكُمْ وَنِكَاحَ الْحَمْقَاءِ فَإِنَّ نِكَاحَهَا قَذَرٌ وَوُلْدَ[هَا](1)ضَيَاعٌ، الْاِقْتِصَادُ فِي السَّفَرِ أَبْقَى لِلْجِمَام مَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى مَا فَانَهُ أَوْدَعْ بَدَنُهُ، مَنْ قَيْعَ بِمَا هُوَ فِيهِ قَرَتْ عَيْنُهُ التَّقَدُّمُ قَبْلَ النَدَمِ، أَصْبَحَ عِنْدَ رَأْسِ الْأَمْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَصْبَحَ عِنْدَ ذَنْبِهِ(2).
لَمْ يَهْلِكِ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، الْعَجْزُ عِنْدَ الْبَلَاءِ آفَةُ الْمُتَحَمِّلِ(3)، لَمْ يَهْلِكُ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ، وَيْلٌ لِعَالِمِ أَمِنَ مِنْ جَاهِلِ الْوَحْشَةُ ذَهَابُ الْأَعْلَامِ، يَتَشَابَهُ الْأَمْرُ إِذَا أَقْبَلَ فَإِذَا أَدْبَرَ عَرَفَهُ الْكَيْسُ وَالْأَحْمَقُ، وَالْبَطَرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ ثَمَقٌ، وَفِي طلب المعالي يَكُونُ القُرْبُ(4)، لَا تَغْضَبُوا مِنَ الْيَسِيرِ فَإِنَّهُ يَجْتَنِي (5)الْكَثِيرَ، لَا تُجِيبُوا عَمَّا لَا تُسْأَلُوه، وَلَا تَضْحَكُوا مِمَّا لَا يُضْحَكُ مِنْهُ.
تباروا في الدُّنْيَا وَلَا تَبَاغَضُوا الحَسَدُ فِي الْقُرْبِ فَإِنَّهُ مَنْ يَجْتَمِعُ يَتَقَعْقَعُ عُمدُهُ لِيَنْفَرِدَ بَعْضُهُمْ(6)مِنْ بَعْضٍ فِي المَوَدَّةِ، لَا تَتَكَلَّمُوا عَلَى الْقَرَابَةِ فَتَقَاطَعُوا، فَإِنَّ الْقَرِيبُ مَنْ قَرَبَ نَفْسَهُ، وَعَلَيْكُمْ بالمالِ فَأَصْلِحُوهُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ الْأَمْوَالُ إِلَّا بِإِصْلاحِكُمْ، وَلَا يَتَّكِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى مَالِ أَخِيهِ يَرَى فِيهِ قَضَاءَ حَاجَتِهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ كَالْقَابِضِ عَلَى المَاءِ، وَمَنِ اسْتَغْنَىٰ كَرُمَ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَكْرِمُوا الْخَيْلَ، نعم لمو الحرةِ المَغزِلُ، وَحِيلَةٌ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ الصَّبْرُ.
وعاش فروة بن ثعلبة بن نقاية (7)السلولي مائة وثلاثين سنة في الجاهلية ثُمَّ أدرك الإسلام فأسلم.
وعاش مضاد بن حبابة بن مرارة من بني عمرو بن يربوع بن حنظلة
بن زيد مناة أربعين ومائة سنة.
وعاش قس بن ساعدة ستمائة سنة وهو الذي يقول:
هل الغيث يُعطي الأمر (1)عند ***بحال مسيء في الأمور ومحسن
ومن قد تولى وهو قد فات ذاهب*** فهل ينفعني ليتني ولو أنني
وكذلك يقول لبيد:
وأخلف قسا ليتني ولو أنني *** وأعيا على لقمان حكم التدبر
وعاش الحارث بن كعب المذحجي ستين ومائة سنة(2).
قَالَ الصَّدُوقُ رحمه الله : هَذِهِ الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا فِي الْعَمْرِينَ قَدْ رَوَاهَا تُخَالِفُونَا أَيْضاً مِنْ طَريقِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِي، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْن يَسَارٍ(3)، وَعَوَانَةَ بن الحكم، وَعِيسَى بْن يَزِيدَ بْن رئَابٍ(4)، وَالهَيْثَم بن عَدِيِّ الطَّائِيِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَن النبي صلی الله علیه و آله وسلم أَنَّهُ قَالَ: كُلَّمَا كَانَ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِثْلُهُ حَذْوَ النَّعْل بِالنَّعْلِ وَالْقُدَّةِ بِالْقُذَّةِ، وَقَدْ صَعَ هَذَا التَّعْمِيرُ فِيمَنْ تَقَدَّمَ، وَصَحتِ الْغَيْبَاتُ الْوَاقِعَةُ بِحُجَج الله علیهم السلام فِيمَا مَضَى مِنَ الْقُرُونِ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِنْكَارِ الْقَائِم علیه السلام لِغَيْبَتِهِ وَطُولٍ عُمُرِهِ؟
مع الأخبار الواردة فيه عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم وعن الأئمة علیهم السلام و هی التي قد ذكرناها في هذا الكتاب بأسانيدها.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أحمدَ الدَّفَّاقُ، قَالَ: حَدَّتَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ، عَنْ
مُوسَى بْن عِمْرَانَ النَّخَعِي عَنْ عَمِّهِ الحُسَيْن بْن يَزِيدَ النَّوْفَلِيِّ، عَنْ غِيَاتٍ مِّن إِبْرَاهِيمَ، عَن الصَّادِقِ جَعْفَر بن مُحَمَّدٍ علیه السلام ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ علیهم السلام ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله وسلم : «كُلُّ مَا كَانَ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِثْلُهُ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَالْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ»(1).
الخصال: عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله الْأَسْوَارِيُّ، عَنْ مَكَّيِّ بْنِ أَحْمَدَ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاق بْنَ إِبْرَاهِيمَ الطُّوسِيَّ يَقُولُ - وَكَانَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ سَبْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةٌ عَلَى بَابِ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ ، قَالَ: رَأَيْتُ سَرْبَايَكَ مَلِكَ الْهِنْدِ فِي بَلْدِ تُسَمَّى: (صوح)(2)، فَسَأَلْنَاهُ: كَمْ أَتَى عَلَيْكَ مِنَ السِّنِينَ؟ قَالَ: تِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَزَعَمَ أَنَّ النَّبِي صلی الله علیه و آله وسلم انفذ إِلَيْهِ عَشَرَةَ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ: حُذَيْقَةُ بْنُ يَمَانِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَأَسَامَةُ بْنُ زَيْدِ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِي، وَصُهَيْبٌ ،الرُّومِيُّ، وَسَفِينَهُ، وَغَيْرُهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَجَابَ وَأَسْلَمَ وَقَبَّلَ كِتَابَ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله وسلم ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تُصَلِّي مَعَ هَذَا الضَّعْفِ؟ فَقَالَ لي: قَالَ الله عز وجل:«الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ .... » الْآيَةَ [آل عمران: 191]، فَقُلْتُ لَهُ: مَا طَعَامُكَ؟ فَقَالَ لِي: أَكُلُ مَاءَ اللَّحْمِ وَالْكُرَّاثَ، وَسَأَلْتُ : هَلْ يَخْرُجُ مِنْكَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: فِي كُلَّ أَسْبُوعِ مَرَّةً شَيْءٌ يَسِيرٌ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَسْنَانِهِ، فَقَالَ: أَبْدَلْتُهَا عِشْرِينَ مَرَّةً.
وَرَأَيْتُ لَهُ فِي إِصْطَبْلِهِ شَيْئاً مِنَ الدَّوَابِّ أَكْبَرَ مِنَ الْفِيلِ يُقَالُ لَهُ: زَنْدَفيلُ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِهَذَا؟ قَالَ: يُحْمَلُ بِهَا ثِيَابُ الخَدَم إِلَى الْقَصَّارِ. وَمَمْلَكَتُهُ مَسِيرَةُ أَرْبَعِ سِنِينَ فِي مِثْلِهَا، وَمَدِينَتُهُ طُولُها خَمْسُونَ فَرْسَحَاً فِي مِثْلِهَا، وَعَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا عَسْكَرْ فِي مِائَةِ أَلْفِ وَعِشْرِينَ أَلْفاً، إِذَا وَقَعَ فِي أَحَدٍ الْأَبْوَابِ حَدَثٌ خَرَجَتْ تِلْكَ
الْفِرْقَةُ إِلى الحَرْبِ لَا تَسْتَعِين بِغَيْرِهَا، وَهُوَ فِي وَسَطِ المَدِينَةِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: دخلت المغرب فَبَلَغْتُ إِلَى الرَّمْلِ - رَمْلِ الْعَالِج - وَصِرْتُ إِلَى قَوْمِ مُوسَى لَا ، فَرَأَيْتُ سُطُوحَ بُيُوتِهِمْ مُسْتَوِيَةً، وَبَيْدَرَ الطَّعَامِ خَارِجَ الْقَرْيَةِ يَأْخُذُونَ مِنْهُ الْقُوتَ وَالْبَاقِي يَتْرُكُونَهُ هُنَاكَ ، وَقُبُورُهُمْ فِي دُورِهِمْ، وَبَسَاتِينَهُمْ مِنَ المَدِينَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ، لَيْسَ فِيهِمْ شَيْخُ وَلَا شَيْخَةٌ، وَلَمْ أَرَ فِيهِمْ عِلَّةٌ، وَلَا يَعْتَلُونَ إِلَى أَنْ يَمُوتُوا وَهُمْ أَسْوَاقٌ إِذَا أَرَادَ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ شِرَاءَ شَيْءٍ صَارَ إِلَى السُّوقِ فَوَزَنَ لِنَفْسِهِ وَأَخَذَ مَا يُصِيبُهُ وَصَاحِبُهُ غَيْرُ حَاضِرِ، وَإِذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ حَضَرُوا فَصَلُّوا وَانْصَرَفُوا لَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ خُصُومَةٌ أَبَداً، وَلَا كَلَامٌ يُكْرَهُ إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ كَ وَالصَّلَاةَ وَذِكْر المَوْتِ.
قال الصدوق رحمه الله : إذا كان عند مخالفينا مثل هذه الحال لسربايك ملك أن لا يحيلوا مثل ذلك في حجة الله من التعمير، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1)
بيان: (وصبح ليل) عطف على (الثواء) . قوله : (يغاديه) : أي يأتيه غدوة. قوله: (وليل بعد يسري) : أي بعد ذلك الصبح يسير ليلاً. والشلو بالكسر: العضو والسلو: الصبر. وقال الجوهري: الهنيدة المائة من الإبل وغيرها، وقال أبو عبيدة: هي اسم لكل مائة وأنشد:
ونصر بن دهمان الهنيدة عاشها*** وتسعين عاماً ثُمَّ قوم فانصاتا(2)
وقال في الصاد والتاء: وقد انصات الرجل، إذا استوت قامته بعد
الانحناء، ثُمَّ ذكر هذا البيت والذي بعده(3). وقال: شرخ الشباب أوله(4).
قوله: (رهين شيء): أي كل شيء احتاج إليه، وفي بعض النسخ بالسين
المهملة، وهو اللين يكون في أطراف الأخلاف قبل نزول الدرة.
ولدة الرجل: تربه، والجمع لدات . والسُّبات بالضم: النوم والراحة، قوله: (حتّى تخط له قبرا) لعلَّه إشارة إلى إدراك ما قبل الجاهلية. والكهب: الجاموس المسن. والكُهبة بالضم: بياض علته كدورة أو الدهمة أو غيرة مشربة سواداً.
وثاب الرجل يثوب ثوباً: رجع بعد ذهابه، أي نفعت مولى حتّى يعود إلى نفعه وجزاؤه، والبت الحزن والكبر كعِنَب الشيخوخة، أو هو تطرد جمع الكبرى، أي المصائب الكبر ويوم مهران ويوم تسترا) إشارتان إلى غزوتان مشهورتان في الإسلام كانتا في زمن عمر . . و(قدني): أي حسبي. (أن أبيد): أي أهلك، وفي بعض النسخ: وقد لي، أي وقد حان لي(1).
وقال الجوهري : ولبد آخر نسور ،لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها، فلما أهلكوا خُيّر لقمان بين بقاء سبع بقرات (2)سمر من أظب أ عفر في جبل وعر لا يمسها القطر، وبين بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف بعده نسر فاختار النسور فكان آخر نسوره يُسمى لبداً .
وقال: مزيقياء: لقب عمرو بن عامر ملك من ملوك اليمن، زعموا أنه كان يلبس كل يوم حُلَّتين فيُمزّقها بالعشي، ويكره أن يعود فيهما ويأنف أن يلبسهما أحد غيره (3).
وقال: جاء فلان يهادي بين اثنين، إذا كان يمشي بينهما معتمداً عليهما من ضعفه و تمایله (4).
وإخماد النار: كناية عن خمول الذكر أو ذهاب البركة، قوله: (فإنَّكم لا تلاموا)، الحاصل أنَّكم إن بذلتم على قدر وسعكم فسيعذركم الناس ولا يلومونكم ويبقى لكم قوَّة على البذل بعد ذلك، وذلك خير من أن تسرفوا وتبذلوا جميع ما في أيديكم وتحتاجوا إليه ويعانوكم. (بالمعذرة): أي بقليل يعتذرون إليكم في ذلك، أو مع كونكم معذورين في السؤال لاضطراركم، وفي بعض النسخ من أن تضاموا، أي من أن يظلموكم بأن يعتذروا إليكم مع قدرتهم على البذل، وعلى التقادير الأظهر: فإنَّكم إن تلاموا.
( ولا تُجشِّموا) أي لا تُكلَّفوا (أهل الدناءة): أي البخلاء والذين لم ينشأوا في الخير. (فتقصِّروا بها) أي تجعلوهم مقصرين عاجزين عما طلبتم منهم، والضمير راجع إلى (أهل الدناءة) بتأويل الجماعة.
قوله: (فتبوروا): أي فتهلكوا والازدراء التحقير. وقوله: (ذكاء قلبه): تفسير للأصغرين. والتبسل : إظهار البسالة وهي ا الشجاعة، وفي بعض النسخ: وتبتلوا، والتبتل الانقطاع عن الدنيا إلى الله. وقوله: (تسم إليكم الأبصار) من قولهم: سما بصره أي علا والقارب السفينة الصغيرة. والشاهور: لعله لغة في الشهر. والعرمرم الجيش الكثير .
قوله: (وللدهر أمر مرَّة) أي قد يجعل الرجل أميراً وقد يجعله متهجماً عليه، أو للدهر أمور غريبة وتهجمات، والأظهر أنه بالكسر بمعنى الشدَّة والأمر العجيب. قوله: (ينجم) بضم الجيم : أي يطلع ويظهر. قوله: (ويسمو به السم): السم بالضم والكسر الاسم، أي يعلو به اسم الله وكلمة التوحيد.
وقوله: (ثمان.... إلى آخر البيت لعلَّه إشارة إلى الطوائف التي يقتلهم القائم علیه السلام أو يطيعونه. وقوله: (ومن بعد هذا كرُّ تسعون) إشارة إلى من يعود في الرجعة، قوله: (أن يفرقها الدم) لعلَّ المعنى أنَّ كلَّها يصرف في الجهاد، أو أنَّ دم القتلى حولها يهدمها إما حقيقةً أو مجازاً.
وقال الجوهري: الداحس اسم فرس مشهور لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي، ومنه حرب داحس وذلك أن قيساً وحذيفة بن بدر تراهنا على خطر عشرين بعيراً، وجعلا الغاية مائة غلوة والمضمار أربعين ليلة والمجرى من ذات الأصاد(1)، فأجرى قيس داحساً والغبراء، وأجرى حذيفة الخطار والحنفاء، فوضعت بنو فزارة رهط حذيفة (2)كميناً على الطريق فردوا الغبراء ولطموها، وكانت سابقة، فهاجت الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة (3).
قوله: (على العلات) أي على كلِّ حالٍ. والردء: الفاسد. وبنو حام السودان، شُبهت الجزر في عظمها وعظم سنامها بجبال صغار عليها بنو حام قعوداً. وأروى: أم عثمان، وكان الوليد أخاه لأمه.
قوله: (واقرع الأرض بالعصا) أي نبه الغافل بأدنى تنبيه ليعقل، ولا تؤذه ولا تفضحه،قال الجوهري : قال الشاعر :
وزعمت أنا لا حلوم لنا(4)***إن العصاقرعت لذي الحلم
أي إنَّ الحليم إذا نُبه انتبه، وأصله أنَّ حَكَماً من حُكّام العرب عاش حتَّى اهتر، فقال لابنته: إذا أنكرتِ شيئاً من فهمي عند الحكم فاقرعي لي المجن بالعصا لأرتدع قال المتلمس : لذي الحلم... البيت(5)، انتهى. وعلى ما ذكره يحتمل المراد تنبيهه عند الغفلة.
قوله: (فإنَّ من يسمع يخل) هو من الخيال، أي إذا أحضرتم سفيهاً فهو يتكلم على سفاهته، وكلُّ من يسمع منه يقع في خياله شيء ويُؤثر فيه.
وقال الزمخشري في مستقصى الأمثال: من يسمع يخل: أي يظنُّ ويتَّهم بقوله إذا بلغ شيئاً عن رجل فاتّهمه، وقيل: إنَّ من يسمع أخبار الناس ومعايبهم يقع في نفسه المكروه عليهم، أي إنَّ المجانبة للناس أسلم، ومفعولا (يخل) محذوفان(1)، انتهى.
و(الصريمة): العزيمة في الشيء، والصرم القطع. و(الخلي): الخالي من الهم والحزن خلاف الشجي، والمثل معروف، والمعنى أني في هم عظيم لهذا الأمر الذي أدعوكم إليه وأنتم فارغون غافلون فويل لي منكم.
قوله: (وقع القائم معه (2): أي يصير العزيز بعد ظهور الحق ذليلاً والذليل عزيزاً، لأنَّ الحقِّ يظهر عند غلبة الباطل وأهله قوله: (أن أدركه) بالفتح: أي أن أتلهف على إدراك هذا الأمر فإني آنس منه، أو بالكسر فيكون الجزاء محذوفاً، أي على أمر إن أدركته فزت أو لهفي عليكم إن أدركته وفات عنكم.
قوله: (والعادة أملك بالأدب): أي الآداب الحسنة إنَّما تُملك باعتيادها لتصير ملكة، أو متابعة عادات القوم وما هو معروف بينهم أملك بالآداب، والأول أظهر. قوله: (ورقوء الدم): قال الجزري: فيه لا تسبوا الإبل فإن فيها رقوء الدم»، يقال: رقا الدمع والدم والعرق يرقأ رقوءاً بالضم إذا سكن وانقطع، والاسم الرقوء بالفتح، أي إنها تُعطى في الديات بدلاً من القود ويسكن بها الدم(3).
1) المستقصى في الأمثال (ج 2 ص 362).
2) هذا على نسخة المصنف الله، ولا يخفى عدم المناسبة بين اللفظ والمعنى، والصحيح ما أثبتناه في المتن: (رفع القائم معه) طبقاً للمصدر المطبوع، والمعنى: أنَّ الحق إذا قام رفع من قام معه وأعلاه واستنهض الصرعى حتى يجعلهم قياماً، والمحصل أنه إذا قام الحق صير القاعد قائم والقائم مترفعاً.
3) النهاية (ج 2 ص 248).
قوله: (التقدم قبل الندم) : أي ينبغي أن يُتقدم في الأمور قبل أن يفوت ولا يبقى إلا الندم. قوله : (الوحشة ذهاب الأعلام): أي إنما يكون الوحشة في الطرق عند ذهاب الأعلام المنصوبة فيها، فكذا الوحشة بين الناس إنما يكون بذهاب العلماء والهداة الذين هم أعلام طُرُُق الحقِّ .
قوله: (يكون القرب): أي من الناس أو من الله، وقال الجوهري: تقعفعت عمدهم: أي ارتحلوا، وفي المثل: من يجتمع يتقعقع عمده، كما يقال: إذا تم أمردنا نقصه(1).
غوالي اللئالي: بِالإسْنَادِ إِلَى أَحْمَدَ بْن فَهْدِ، عَنْ بَهَاءِ الدِّين عَلِيّ بْن عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ يَحْيَى بن النَّجْل الْكُوفِيُّ، عَنْ صَالِحٍ بْن عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَنِيِّ كَانَ قَدِمَ الكوفة، قَالَ يَحْيَى: وَرَأَيْتُهُ بِهَا سَنَةً أَرْبَعِ وَثَلاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَنِي وَإِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُعَمَّرِينَ وَأَدْرَكَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ وَإِنَّهُ رَوَىٰ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا رَأسُ كُلّ خَطيئَةِ، وَرَأسُ الْعِبَادَةِ حُسْنُ الظَّنِّ بِالله (2).
غوالي اللئالي: حَدَّثَنِي المَوْلَى الْعَالِمُ الْوَاعِظُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَتْح الله بْن عَبْدِ المَلِكِ (3)، عَنْ تاج الدين حَسَن السرايشنوي(4)، عَنِ الشَّيْحَ جَمَالِ الدِّينِ حَسَن بن يُوسف بن المُطَهَّر ، قَالَ: رُوِّيتُ عَنْ مَوْلَانَا شَرَفِ الدِّينِ إِسْحَاقَ بْن مَحْمُودِ الْيَمَانِيِّ الْقَاضِي بِقُمَّ، عَنْ خَالِهِ مَوْلَانَا عِبَادِ الدِّين مُحَمَّدِ بْن مُحَمَّدِ بْن فَتْحَانَ الْقُمِّي، عَن الشيخ صدر الدِّين السَّاوي، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الشَّيْحَ بَابَارَتَنَ وَقَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَر فَرَفَعَهُمَا عَنْ عَيْنَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَقَالَ: تَرَى عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ، طَالَ مَا
نَظَرَنَا إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ حَفْرٍ الْخَنْدَقِ وَكَانَ يَحْمِلُ عَلَى ظهرهِ الثَّرَابَ مَعَ النَّاسِ، وَسَمِعْتُهُ الله يَقُولُ في ذَلِكَ الْيَوْم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِيشَةً هَنِيئَةٌ، وَمِيتَةً سَوِيَّةٌ، وَمَرَدًا غَيْرَ عُجْزِ وَلَا فَاضِح (1).
أقول: وروى السيد علي بن عبد الحميد في كتاب الأنوار المضيئة (2)قال: رَوَى الجَدُّ السَّعِيدُ عَبْدُ الْحَمِيدِ يَرْفَعُهُ إِلَى الرَّئيس أَبِي الحَسَنِ الْكَاتِبِ الْبَصْرِيِّ، وَكَانَ مِنَ الْأَدَبَاءِ(3)، قَالَ : فِي سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِماتةِ أَسْنَتَ الْبَرُّ سِنِينَ عِدَّة، وَبَعَثَتِ السَّمَاءُ دَرَّهَا فِي(4)أَكْنَافَ الْبَصْرَةِ، فَتَسَامَعَ الْعَرَبُ بِذَلِكَ، فَوَرَدُوهَا مِنَ الْأَقْطَارِ الْبَعِيدَةِ (5)عَلَى اخْتِلَافِ لُغَاتِهِمْ(6)، فَخَرَجْتُ مَعَ جَمَاعَةٍ نَتَصَفَحُ(7)أَحْوَاهُمْ وَنَلْتَمِسَنَّ فَائِدَةً رُبَّما وَجَدْنَاهَا عِنْدَ أَحَدِهِمْ، فَارْتَفَعَ لَنَا بَيْتُ عَالٍ فَقَصَدْنَاهُ، فَوَجَدْنَا فِي كِسْرِهِ شَيْخاً جَالِساً قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ كِبَرَاً وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ عَبِيدِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَرَدَّ التَّحِيَّةَ وَأَحْسَنُ التَّلْقِيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَّا: هَذَا السَّيِّدُ - وَأَشَارَ إِلَىَّ- هُوَ النَّاظِرُ فِي مُعَامَلَةِ الدَّرْبِ، وَهُوَ مِنَ الْفُصَحَاءِ وَأَوْلَادِ الْعَرَبِ، وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ مَا مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ يُنْسَبُ إِلَى قَبِيلَةٍ وَيَخْتَصُّ بِسَدَادٍ وَفَصَاحَةٍ، وَقَدْ خَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ حِينَ وَرَدْتُمْ نَلْتَمِسُ الْفَائِدَةَ المُسْتَطْرِفَةَ مِنْ أَحَدِكُمْ، وَحِينَ شَاهَدْنَاكَ رَجَوْنَا مَا نَبْغِيهِ عِنْدَكَ لِعُلُو سِنِّكَ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: وَالله يَا بَنِي أَخِي حَيَّاكُمْ اللَّهُ، إِنَّ الدُّنْيَا شَغَلَتْنَا عَمَّا تَبْتَغُونَهُ
1) غوالي اللتالي (ج 2 ص 28 فصل 3 ح 10).
2) لم نعثر على كتاب الأنوار المضيئة هذا، وخرجنا الحديث وفقاً لمنتخب الأنوار المضيئة.
3) في المصدر : (الأسداء) بدل (الأدباء ).
4) في المصدر: (وخص الحيا) بدل (في).
5) في المصدر إضافة (والبلاد الشاسعة).
6) في المصدر إضافة (وتبائن فطرتهم).
7) في المصدر إضافة: (من الكتاب ووجوه التجار).
مِنِّي، فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْفَائِدَةَ فَاطْلُبُوهَا عِنْدَ أَبي وَهَا بَيْتُهُ - وَأَشَارَ إِلَى جَبَاءٍ كَبِيرٍ بِإِزَائِهِ (1)- ، فَقَصَدْنَا الْبَيْتَ، فَوَجَدْنَا فِيهِ شَيْخاً مُتَضَجِّعاً وَحَوْلَهُ مِنَ الْخَدَمِ وَالْأَمْرِ أَوْلَى مِمَّا شَاهَدْنَاهُ أَوَّلاً (2)، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَأَخْبَرْنَاهُ بِخَيْرِ ابْنِهِ، فَقَالَ: يَا بَنِي أَخِي حَيَّاكُمُ اللهُ، إِنَّ الَّذِي شَغَلَ ابْنِي عَمَّا الْتَمَسْتُمُوهُ مِنْهُ هُوَ الَّذِي شَغَلَنِي عَمَّا هَذِهِ سَبِيلُهُ، وَلَكِنَّ الْفَائِدَةً تَجِدُونَهَا عِنْدَ وَالِدِي، وَهَا هُوَ بَيْتُهُ - وَأَشَارَ إِلَى بَيْتٍ مُنِيفٍ (3)- ، فَقُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: حَسْبُنَا مِنَ الْفَوَائِدِ مُشَاهَدَةُ وَالِدِ هَذَا الشَّيْخِ الْفَانِي، فَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ فَائِدَةً فَهِيَ رِبْحٌ لَمْ نَحْتَسِب(4).
فَقَصَدْنَا ذَلِكَ الْخِبَاءَ، فَوَجَدْنَا حَوْلَهُ عَدَداً كَثِيراً مِنَ الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ، فَحِينَ رَأَوْنَا تَسَرَّعُوا إِلَيْنَا وَبَدَءُوا بِالسَّلَام عَلَيْنَا، وَقَالُوا: مَا تَبْغُونَ حَيَّاكُمُ اللَّهُ؟ فَقُلْنَا: نَبْغِي السَّلَامُ عَلَى سَيّدِكُمْ، وَطَلَبَ الْفَائِدَةِ مِنْ عِنْدِهِ(5)، فَقَالُوا: الْفَوَائِدُ كُلُّهَا عِنْدَ سَيِّدِنَا، وَدَخَلَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَأْذِنُ، ثُمَّ خَرَجَ بِالإذْنِ لَنَا، فَدَخَلْنَا فَإِذَا سَرِيرٌ فِي صَدْرِ الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ تَحَادٌ مِنْ جَانِبَيْهِ، وَوِسَادَةٌ فِي أَوَّلِهِ، وَعَلَى الْوِسَادَةِ رَأْسُ شَيْخ قَدْ بَلَى وَطَارَ شَعْرُهُ(6)، فَجَهَرْنَا بِالسَّلَامِ ، فَأَحْسَنَ الرَّدَّ، وَقَالَ قَائِلُنَا مِثْلَ مَا قَالَ لِوَلَدِ وَلَدِهِ، وَأَعْلَمْنَاهُ أَنَّهُ أَرْشَدَنَا(7)إِلَيْكَ وَبَشَّرَنَا بِالْفَائِدَةِ مِنْكَ.
فَفَتَحَ الشَّيْخُ عَيْنَيْنِ قَدْ غَارَنَا فِي أُمَّ رَأْسِهِ، وَقَالَ لِلْخَدَمِ: أَجْلِسُونِي(8)، ثُمَّ
1) في المصدر إضافة: (فقلنا: النظر إلى مثل والد هذا الشيخ الهم فائدة تتعجل).
2) في المصدر إضافة: (ورأينا عليه آثار السن ما يجوز أن يكون والد ذلك الشيخ، فدنونا منه).
3) في المصدر إضافة: (بنحوه منه).
4) في المصدر: (يُحتسب).
5) في المصدر إضافة: (ببركتكم).
6) في المصدر إضافة: (والإزار على المخاد التي من جانبي السرير ليستره ولا يثقل منه عليه).
7) في المصدر إضافة إلى أبيه فحججنا بما احتج وأن أباه أرشدنا).
8) في المصدر إضافة: (وتفيدون منه).
قَالَ لَنَا: يَا بَنِي أَخِي لَأَحَدَّثَنَكُمْ بِخَيْرٍ تَحْفَظُونَهُ عَنِّي، كَانَ وَالِدِي لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ، وَيُحِبُّ أَنْ تَكُونَ لَهُ عَاقِبَةٌ، فَوُلِدْتُ لَهُ عَلَى كِبَرِ، فَفَرحَ بي وَابْتَهَجَ بِمَوْردي ثُمَّ قَضَى وَلي سَبْعُ سِنِينَ، فَكَفَلَنِي عَنِّي بَعْدَهُ، وَكَانَ مِثْلَهُ فِي الْحذَر عَلَيَّ، فَدَخَلَ بي يَوْماً عَلَى رَسُولِ الله صلی الله علیه و آله وسلم ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله [ صلی الله علیه و آله وسلم ]، إِنَّ هَذَا ابْنُ أَخِي وَقَدْ مَضَى أَبُوهُ لِسَبِيلِهِ وَأَنَا كَفِيلُ بِتَرْبَتِهِ، وَإِنَّنِي أَنْفَسٌ بِهِ عَلَى الْمَوْتِ، فَعَلَّمْنِي عُوذَةً أَعَوَّذُهُ بِهَا لِيَسْلَمَ بِبَرَكَتِهَا، فَقَالَ صلی الله علیه و آله وسلم : «أينَ أَنْتَ عَنْ ذَاتِ الْفَلَاقِل؟»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله [ صلی الله علیه و آله وسلم ] ، وَمَا ذَاتُ الْقلَاقِل؟ قَالَ: «أَنْ تُعَوَّذَهُ فَتَقْرَأَ عَلَيْهِ سُورَةَ الْجَحْدِ وَسُورَةَ الْإِخْلَاص، وَسُورَةَ الْفَلَقِ، وَسُورَةَ النَّاسِ»، وَأَنَا إِلَى الْيَوْمِ أَتَعَوَّذُ بِهَا كُلَّ غَدَاةٍ، فَما أَصِبْتُ وَلَا أُصِيبَ لي مَالٌ، وَلَا مَرِضْتُ، وَلَا افْتَقَرْتُ، وَقَدِ انْتَهَى بِيَ السِّنُّ إِلَى مَا تَرَوْنَ، فَحَافِظُوا عَلَيْهَا وَاسْتَكْثِرُوا مِنَ التَّعَوُّذِ بِهَا. ثُمَّ انْصَرَفْنَا مِنْ عنده(1)، انتهى.
عن المفيد، عن إبراهيم بن الحسن بن جمهور، قال: حدثني أبو بكر المفيد الجرجرائي في شهر رمضان سنة ست وسبعين وثلاثمائة، قال: اجتمعت مع أبي عمرو عثمان بن الخطاب . بن عبد الله بن في سنة العوام بمصر ست عشر وثلاثمائة وقد ازدحم الناس عليه حتَّى رُقي به إلى سطح دار كبيرة كان فيها، ومضيت إلى مكة، ولم أزل أتبعه إلى مكة إلى أن كتبت عنه خمسة عشر حديثاً.
وذكر أنَّه وُلِدَ في خلافة أبي بكر عتيق بن أبي قحافة، وأنََّّه لمّا كان في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام خرجت ووالدي معي أريد لقاءه، فلمَّا
1) منتخب الأنوار المضيئة (ص 99 - 101) .
سرنا قريباً من الكوفة أو الأرض التي كان بها عطشنا عطشاً شديداً في طريقنا وأشرفنا على التلف، وكان والدي شيخاً كبيراً، فقلت له: اجلس حتى أدور الصحراء أو البريَّة فلعلَّي أقدر على ماء أو من يدلَّني عليه أو ماء مطر.
فقصدت أطلب ذلك، فلم ألبث عنه غير بعيد إذ لاح لي ماء قصرت إليه، فإذا أنا ببئر شبه الركية أو الوادي، فنزعت ثيابي واغتسلت من ذلك الماء وشربت حتى رويت وقلت: أمضي وأجيء بأبي فإنَّه قريب مني، فجئت إليه فقلت: قم فقد فرج الله وعجل الله عنا، وهذه عين ماء قريب منا، فقام فلم نر شيئاً ولم نقف على الماء، وجلس و جلست معه و ولم يضطرب إلى أن مات، واجتهدت إلى أن واريته، وجئت إلى مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ولقيته وهو خارج إلى صفين وقد أخرجت له البغلة، فجئت وأمسكت له الركاب، فالتفت إليَّ، فانكببت أُقبل الركاب، فشجني في وجهي شجَّة.
قال أبو بكر المفيد: ورأيت الشجة في وجهه واضحة.
ثُمَّ سألني عن خبري، فأخبرته بقصَّتي وقصّة والدي وقصّة العين، فقال: عين لم يشرب منها أحد إلا وعمر عمراً طويلاً، فأبشر فإنَّك تُعمر، وما كنت لتجدها بعد شربك منها»، وسمَّاني بالمعتمر.
قال أبو بكر المفيد: فحدثنا عن مولانا أمير المؤمنين علیه السلام بالأحاديث وجمعتها ولم تجتمع لغيري منه، وكان معه جماعة مشايخ من بلده وهي طنجة.
فسألتهم : عنه فذكروا أنهم من بلده، وأنهم يعرفونه بطول العمر وآباؤهم وأجدادهم بمثل ذلك واجتماعه مع مولانا أمير المؤمنين علیه السلام وأنَّه تُوفّي في سنة عشر وثلاثمائة (1).
أقول: روى الكراجكي رحمه الله في كنز الفوائد هذا الخبر بطوله مع الأخبار
1) لم نعثر على مظانه من أمالي الطوسي.
التي رواها أبو الدنيا عن الشريف طاهر بن موسى الحسيني، عن ميمون بن حمزة الحسيني، عن المعمر المغربي. وعن أسد بن إبراهيم السلمي والحسين بن محمد الصير في البغدادي معاً، عن أبي بكر محمد بن محمد المعروف بالمفيد الجرجرائي، عن علي بن عثمان بن الخطاب بن عبد الله بن عوام البلوي من مدينة بالمغرب يقال لها: مزيدة. يُعرف بأبي الدنيا الأشج المعتمر إلى آخر ما مر من قصصه وما أوردناه من رواياته في كتاب الفتن وغيره.
ثُمَّ ذكر رحمه الله قصة رجل آخر يُعرف بالمعمَّر المشرقي، وقال: هو رجل مقيم بيلاد العجم من أرض الجبل يُذكر أنَّه رأى أمير المؤمنين علیه السلام ويعرفه الناس بذلك على مر السنين والأعوام، ويقول: إنَّه لحقه مثل ما لحق المغربي من الشجة في وجهه، وأنه صحب أمير المؤمنين علیه السلام وخدمه.
وحدثني جماعة مختلفو المذاهب بحديثه، وأنهم رأوه وسمعوا كلامه، منهم أبو العباس أحمد بن نوح بن محمد الحنبلي الشافعي، حدثني بمدينة الرملة في سنة إحدى عشرة وأربعمائة قال: كنت متوجهاً إلى العراق للتفقه، فعبرت بمدينة يقال لها: سهرورد من أعمال الجبل قريبة من ،زنجان، وذلك في سنة خمسين وأربعمائة(1)، فقيل لي : إنَّ هنا شيخاً يزعم أنه لقي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، فلو صرت إليه (2)لكان ذلك فائدة عظيمة، قال: فدخلنا عليه، فإذا هو في بيته لعمل (3)النوار، وإذا هو شيخ نحيف الجسم مدور اللحية كبيرها، وله ولد صغير ولد له منذ سنة. فقيل له: إنَّ هؤلاء قوم من أهل العلم متوجهون إلى العراق يُحِبُّون أن
يسمعوا من الشيخ ما قد لقي من أمير المؤمنين علیه السلام ، فقال : نعم، كان السبب في لقائي له أني كنت قائماً في موضع من المواضع فإذا بفارس مجتاز، فرفعت رأسي، فجعل الفارس يمريده على رأسي ويدعو لي، فلما أن عبر أخبرت بأنَّه علي بن أبي طالب علیه السلام ، فهرولت حتى لحقته وصاحبته.
وذكر أنه كان معه في تكريت وموضع من العراق يقال له: تل فلان بعد ذلك، وكان بين يديه يخدمه إلى أنْ قُبِضَ علیه السلام فخدم أولاده.
قال لي أحمد بن نوح: رأيت جماعة من أهل البلد ذكروا ذلك عنه، وقالوا: إنا سمعنا آباءنا يخبرون عن أجدادنا بحال هذا الرجل، وأنه على هذه الصفة، وكان قد مضى فأقام بالأهواز، ثُمَّ انتقل عنها لأذية الديلم له، وهو مقيم بسهرورد.
وحدثني أبو عبد الله الحسين بن . محمد بن (1)القمي رحمه الله أن جماعة كانوا حدَّثوه بأنهم رأوا هذا المعمّر وشاهدوه وسمعوا ذلك عنه، وحدثني بحديثه أيضاً قوم من أهل سهرورد ووصفوا لي صفته، وقالوا: هو يعمل الزنانير(2).
قال السيد المرتضى (قدس الله روحه في كتاب الغُرَر والدرر: أحد المعمرين الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد (3)مالك بن أدد بن المذحجي، ومذحج هي أُمُّ مالك بن أدر، نُسِبَ ولده مالك إليها، وإنما سُمّيت مذحج لأنها ولدت على أكمة تُسمَّى مذحجاً، وهي مدلة بنت ذي مهجشان(4).
قال أبو حاتم السجستاني: جمع الحارث بن ك- بنيه لما حضرته الوفاة،
فقال: يا بني، قد أتت علي ستون ومائة سنة ما صافحت يميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بخلة فاجر، ولا صبوت بابنة عم ولا كنة، ولا طرحت عندي مومسة قناعها، ولا بحت لصديق بسر، وإنّي لعلى دين شعيب النبي عليا وما عليه أحد من العرب غيري وغير أسد بن خزيمة وتميم بن مر(1)، فاحفظوا وصيتي وموتوا على شريعتي، إلهكم فاتقوه يكفكم المهم من أموركم ويُصلح لكم أعمالكم ، وإيَّاكم ومعصيته لا يحل بكم الدمار ويوحش منكم الديار.
يا بني، كونوا جميعاً ولا تتفرقوا فتكونوا شيعاً، وإنَّ موتاً في عز خير من حياة في ذل وعجز، وكلُّ ما هو كائن كائن، وكل جميع إلى تباين، الدهر ضربان:
فضرب رخاء وضرب بلاء، واليوم يومان فيوم حبرة ويوم عبرة، والناس رجلان: فرجل لك ورجل عليك تزوجوا (2)الأكفاء، وليستعملن في طيبهنَّ الماء، وتجنبوا الحمقاء فإنَّ ولدها إلى أفن ما يكون، ألا إنَّه لا راحة لقاطع القرابة، وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم منهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، والتفضل(3)بالحسنة يقي السيئة، والمكافا بالسيئة الدخول فيها، والعمل السوء يزيل النعماء، وقطيعة الرحم تورث الهم، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد، والنصيحة تجر الفضيحة والحقد يمنع الوفد، ولزوم الخطيئة يعقب البلية، وسوء الرعة يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعو إلى التباين. ثُمَّ أنشأ يقول:
أكلت شبابي فأفنيته ***وأنضيت بعد دهور دهورا (4)
ثلاثة أهلين صاحبتهم *** فبادوا وأصبحت شيخاً كبيرا
قليل الطعام عسير القيام ***قد ترك الدهر خطوي قصيرا
أبيت أراعي نجوم السماء*** أقلب أمري بطوناً ظهورا
قوله: (ولا صبوت بابنة عم ولا كنة) الصبوة رقة الحب، والكنة امرأة ابن الرجل وامرأة أخيه. فأما المومسة فهي الفاجرة البغي. أراد بقوله: (إنَّها لم تطرح عنده قناعها ) : أي لم تبتذل عندي (1)وتنبسط، كما تفعل مع من يريد الفجور بها.
وقوله: (فيوم حبرة ويوم عبرة ) فالحبرة الفرح والسرور، والعبرة تكون من ( ذلك، لأن العبرة لا تكون إلا من أمر محزن مؤلم. فأمَّا (الأفن) فهو الحمق، يقال: رجل أفين إذا كان أحمق. ومن أمثالهم وجدان الرقين يُغطّي على أفن الأفين، أي وجدان الماء يُغطّي على حمق الأحمق. وواحد الرقين رقة، وهي الفضّة.
فأما قوله: (النصيحة تجرُّ الفضيحة) فيشبه أن يكون معناه أن النصيح إذا نصح من لا يقبل النصيحة ولا يصغي إلى موعظته فقد افتضح عنده، لأنه أفضى إليه بسره وباح يمكنون صدره.
فأما سوء الرعة فإنَّه يقال : فلان حسن الرعة والتورع، أي حسن الطريقة.
ومن المعمرين المستوغر وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وإنَّما سُمِّي المستوغر لبيت قاله، وهو:
ينش الماء في الريلات منها*** نشيش الرضف في اللبن الوغير
(الربلات) واحدتها ربلة(2)، وربلة بفتح الباء وإسكانها هي كل لحمة غليظة، هكذا ذكر ابن دريد. و (الرضف) الحجارة المحماة، وفي الحديث: «كأنه
على الرضف». و (اللبن الوغير) لبن تلقى(1)فيه حجارة محماة ثُمَّ يُشرَب، أُخِذَ من وغرة (2)الظهيرة، وهي أشدّ ما يكون من الحرّ، ومنه وغر صدر فلان يوغر وغراً إذا التهب من غضب (3)أو حقد.
وقال أصحاب الأنساب: عاش المستوغر ثلاثمائة سنة وعشرين سنة،
وأدرك الإسلام أو كاد يُدرك أوَّله، وقال ابن سلام: كان المستوغر قديماً وبقي بقاء طويلاً حتى قال :
ولقد سئمت من الحياة وطولها*** وعمَّرت من عدد السنين متينا
مائة أتت من بعدها مائتان لي ***وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما(4)بقي إلا كما قد فاتنا*** يوم يكرُّ وليلة تحدونا
وهو القائل:
إذا ما المرء صم فلم يُكلِّم*** وأودى سمعة الا ندايا
ولاعب بالعشي بني بنيه*** كفعل الهر يحترش العظايا
يلاعبهم وودوا لو سقوه*** من الذيفان مترعة ملایا
فلا ذاق النعيم ولا شراباً*** ولا يشفى من المرض الشفايا
أراد بقوله: (صم فلم يُكلّم) : أي لم يسمع ما يُكلّم به فاحتصر، ويجوز أن یرید أنه لم يُكلِّم لليأس (5)من استماعه فأعرض عن خطابه لذلك، وقوله:
( وأودى . سمعة ه إِلَّا ندايا) إنَّما أراد أنَّ سمعه هلك إلَّا أنَّه يسمع الصوت العالي الذي يُنادى به. وقوله: ( ولاعب بالعشي بني بنيه) فإنّه مبالغة في وصفه بالهرم والخرف، وأنَّه قد انتهى إلى ملاعبة الصبيان وأنسهم به. ويشبه أن يكون خص العشي بذلك لأنه وقت رواح الصبيان إلى بيوتهم واستقرارهم فيها .
وقوله: (يحترش العظايا) أي يصيدها. والاحتراش أن يقصد الرجل إلى جحر الضب فيضربه بكفّه ليحسبه الضب أفعى فيخرج إليه فيأخذه، يقال: حرشت الضب واحترشته ومن أمثالهم هذا أجل من الحرش، يُضرب هذا لأمر يُستعظم ويُتكلَّم بذلك على لسان الضب. قال ابن دريد: قال الضب لابنه: اثق الحرش، قال: وما الحرش ؟ قال : إذا سمعت حركة بباب الجحر فلا تخرج فسمع يوماً وقع المحفار فقال يا أبه أهذا الحرش؟ فقال: هذا أجل الحرش، فجُعِل مثلاً للرجل إذا سمع الشيء الذي هو أ أشد مما كان يتوقعه.
و(الذيفان): السُّمُّ. و(العظايا): جمع عظاية، وهي دويبة معروفة(1).
وأحد المعمرين دويد بن زيد بن فهد بن زيد بن ليث بن سود(2)بن أسلم من - بضم اللام - بن ألحاف (3)بن قضاعة بن مالك بن مرة بن مالك بن حمير. قال أبو حاتم: عاش دويد بن زيد أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة، وقال ابن دريد: لما حضرت دويد بن زيد الوفاة - وكان من المعمرين، قال: ولا تعدُّ العرب معمراً إِلَّا من عاش مائة وعشرين سنة فصاعداً ، قال لبنيه: أوصيكم بالناس شرا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقبلوا لهم عثرة، قصروا الأعنة، وطولوا
الاسنه، واطعنوا شزراً، واضربوا هبراً، وإذا أردتم المحاجزة فقبل المناجزة، والمرء يعجز لا المحالة (1)بالجد لا بالكد، التجلد ولا التبلد المنية ولا الدنية، ولا تأسوا على فائت وإن عزّ ،فقده، ولا تحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه، ولا تطعموا فتطبعوا، ولا تهنوا فتخرعوا، ولا يكن لكم المثل السوء، إن الموصين بنو سهوان، إذا مت فارحبوا خطّ مضجعي ولا تضنوا عليَّ برحب الأرض وما ذاك بمؤد إلى روحاً ولكن راحة (2)نفس خامرها الإشفاق، ثُمَّ مات.
قال أبو بكر بن دريد: ومن حديث آخر أنه قال:
ليوم يدني (3)لدويد بيته *** يا رُبَّ نهب صالح حويته
ورب قرن بطل أرديته ***ورُبَّ غيل حسن لويته
ومعصم مخضب ثنيته ***لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحداً كفيته
ومن قوله أيضاً:
ألقى على الدهر رجلاً ويدا *** والدهر ما أصلح يوماً أفسدا
يفسد ما أصلحه اليوم غدا <a href="#ref-footnote4-page163" id="footnote4-page163" style="display:inline-block"><sup>(4)</sup></a><p class="footnote"><a href="#footnote4-page163" style="color:#3b82f6;" id="ref-footnote4-page163"> 4) </a>في المصدر : (يُصلح ما أفسده اليوم غداً).</p>
قوله: (اطعنوا شزراً واضربوا هبراً) معنى الشزر أن يطعنه في إحدى ناحيتيه، يقال: قتل الحبل شزراً، إذا قتله على الشمال. والنظر الشزر نظر بمؤخّر محجر العين. وقال الأصمعي : نظر إلى شزراً، إذا نظر إليه من عن يمينه وشماله، وطعنه طعناً شزراً كذلك. وقوله: (هبراً) قال ابن دريد يقال: هبرت اللحم
أهبره هبراً، إذا قطعته قطعاً كباراً ] ، والاسم الهبرة والهبرة، وسيف هبار وهابر، واللحم هبير ومهبور، و(المحالة): الحيلة. وقوله: (بالجد لا بالكد) أي يُدرك الرجل حاجته وطلبته بالجد وهوا الحظ والبخت، ومنه: رجل مجدود، فإذا كسرت الجيم فهو الانكماش في الأمر والمبالغة فيه. وقوله: (التجلد ولا التبلد) أي تجلدوا ولا تتبلدوا. وقوله: (فتطيعوا) أي تدنسوا، والطبع الدنس، يقال: طبع السيف يطبع طبعاً، إذا ركبه الصداء، قال ثابث قطنة العتكي: لا خير في طمع يدني إلى طبع، وغفة من قوام العيش تكفيني قوله: (ولا تهنوا فتخر عوا) فالوهن الضعف، والخرع والخراعة اللين ومنه سُمّيت الشجرة الخروع للينها. وقوله: (إنَّ الموصين بنو سهوان فالموصين جمع موصي، وبنو سهوان ضربه مثلاً، أي لا تكونوا ممن تقدَّم إليهم فسهوا وأعرضوا عن الوصية، قال: إنَّه يُضرب هذا المثل للرجل الموثوق به(1)، ومعناه أنَّ الذين يحتاجون أن يوصوا بحوائج إخوانهم هم الذين يسهون عنها لقلة عنايتهم، وأنت غير غافل ولا ساه عن حاجتي. وقوله: (فارحبوا) أي وسعوا والرحب السعة. والروح الراحة. وقوله في الشعر : ( ورُبَّ غيل) فالغيل الساعد الممتلئ. والمعصم: موضع السوار من اليد.
ومن المعمرين زهير بن جناب (2)بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة ابن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن [عمران ابن](3)ألحاف بن قضاعة بن ملك (4)بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير.
قال أبو حاتم: عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة، وواقع مائتي وقعة، وكان سيّداً مطاعاً شريفاً في قومه، ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه كان سيد ،قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم والطبُّ في ذلك الزمان شرف، وحازي قومه والحزاة الكُهَّان، وكان فارس قومه، وله البيت فيهم والعدد منهم، فأوصى بنيه، فقال:
يا بَنِيَّ، إنّي قد كبرت سنِّي وبلغت حرساً من دهري فأحكمتني التجارب والأمور تجربة واختبار فاحفظوا عنّي ما أقول وعوا: إياكم والخور(1)عند المصائب والتواكل عند النوائب، فإنَّ ذلك داعية للغم وشماتة للعدو وسوء ظن بالرب، وإيَّاكم أن تكونوا بالأحداث مغترين ولها آمنين ومنها ساخرين، فإنَّه ما سخر قوم قط إلَّا ابتلوا، ولكن توقعوها فإنَّها الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة فمقصر دونه، ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله ولا بد أنَّه يصيبه.
قوله: (حرساً من دهري) يريد دهراً(2)والحرس الدهر، قال الراجز: في سنة (3)عشنا بذاك حرساً، فالسنية المدَّة من الدهر. والتواكل أن يكل القوم أمرهم إلى غيرهم من قولهم: رجل وكل، إذا كان لا يكفي نفسه ويكل أمره إلى غيره، ويقال رجل وكلة تكلة، والغرض : كلَّما نصبته للرمي، وتعاوره: أي تداوله.
قال المرتضى رحمه الله : وقد أتى لابن الرومي معنى قول زهير بن جناب: (الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة، فمقصر ،دونه، ومجاوز له، وواقع عن
يمينه وشماله ثُمَّ لا بدَّ أنْ يصيبه) في أبيات له فأحسن فيها كل الإحسان، والأبيات لابن الرومي:
كفى بسراج الشيب في الرأس هاديا*** لمن قد أضلته المنايا لياليا أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي ***لرامي المنايا تحسبيني راجيا (1)
غدا الدهر يرميني فتدنو سهامه لشخصي أخلق أن يصبن سواديا وكان كرامي الليل يرمي ولا يُرى فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا
أما البيت الأخير فإنَّه أبدع فيه وغرب، وما علمت أنَّه سُبقَ إلى معناه، لأنَّه جعل الشباب كالليل الساتر على الإنسان الحاجز بينه وبين من أراد رميه لظلمته والشيب مبدياً لمقاتله هادياً إلى إصابته لضوئه وبياضه، وهذا في نهاية حسن المعنى. وأراد بقوله: (رماني) أصابني، ومثله قول الشاعر:
فلما رمى شخصي رميت سواده ***ولا بد أن يُرمى سواد الذي يرمي
وكان زهير بن جناب على عهد كليب وائل، ولم يكُ في العرب أنطق من زهير ولا أوجه عند الملوك، وكان لسداد رأيه يُسمَّى كاهناً، ولم تجتمع قضاعة إِلَّا عليه وعلى رزاح بن ربيعة.
وسمع زهير بعض نسائه تتكلم بما لا ينبغي لامرأة أن تتكلم زوجها، فنهاها، فقالت له: اسكت عني وإلا ضربتك بهذا العمود، فوالله ما كنت أراك تسمع شيئاً ولا تعقله، فقال عند ذلك:
ألا يا لقوم (2)لا أرى النجم طالعا*** ولا الشمس إلاحاجبي(3)بيميني
معزبتي عند القفا بعمودها*** يكون نكيري أن أقول ذريني
أميناً على سر النساء وربما*** أكون على الأسرار غير أمين
فللموت خير من حداج موطأ*** مع الظعن لا يأتي المحل لحيني
وهو القائل:
أَبَنِي إِنْ أهلك فقد *** أورثتكم مجداً بنيه
وتركتكم أبناء (1)سادات*** زنادکم وريه
من كل ما نال الفتى *** قد نلته الا التحيه
ولقد رحلت البازل الكوماء *** ليس لها وليه
وخطبت خطبة حازم *** غير الضعيف ولا العيبه
والموت خیر للفتى *** فليهلكن ويه بقيه
أن يرى الشيخ البجال *** وقد يهادي بالعشيه
وهو القائل:
ليت شعري والدهر ذو حدثان ***أي حين منيتي تلقاني
أسبات على الفراش خفات *** أم يكفي مفجع حرَّانِ
وقال حين مضت له مانتا سنة من عمره:
لقد عمرت حتى ما أُبالي*** أحتفي في صباحي أو مسا
وحق لمن أنت مأتان عاماً*** عليه أن يمل من الثواء
قوله: (معزبتي) [يعني امرأته](2)، يقال: معزبة الرجل وطلته وحنته (3)،
ذلك امرأته. وقوله: (أميناً على سر النساء) فالسر خلاف العلانية، والسر أيضاً النكاح، قال الحطيئة:
ويحرم سر جارهم عليهم*** ويأخذ(1)جارهم أنف القصاع
وقال امرؤ القيس :
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ***كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي وكلام زهير يحتمل الوجهين جميعاً، لأنه إذا كبر وهرم لم تتهيبه النساء أن يتحدثن بحضرته بأسرار هنَّ تهاوناً وتعويلاً على ثقل سمعه، وكذلك هرمه وكبره يوجبان كونه أميناً على نكاح النساء لعجزه عنه .
وقوله: (حداج موطأ) الحداج مركب من مراكب النساء، والجمع أحداج وحدوج. والظعن والأظعان الهوادج والظعينة المرأة في الهودج، ولا تُسمى ظعينة حتى تكون في هودج، والجمع ظعائن، وإنَّما أخبر عن هرمه وأن موته خير من كونه مع الظعن في جملة النساء. وقوله: (زنادكم وريَّه) الزناد جمع زند وزندة وهما عودان يتقدح بهما النار وفي أحدهما فروض وهي ثقب(2)، فالتي فيها الفروض هي الأنثى والذي يُقدح بطرفه هو الذكر، ويُسمَّى الزند الأب والزندة الأم، وكنى ب- (زنادكم وريَّه) عن بلوغهم مآربهم، تقول العرب: وريت بك(3)زنادي) أي نلت بك (4)
ما أُحِبُّ من النجح والنجاة، ويقال للرجل الكريم: واري الزناد.
فأما التحيَّة فهي الملك، فكأنه قال: من كلّ ما نال الفتى قد نلته إلَّا الملك،
وقيل: التحية هاهنا الخلود والبقاء. و(البازل) الناقة التي قد بلغت تسع سنين وهي أشد ما تكون، ولفظ البازل في الناقة والجمل سواء. و(الكوماء) العظيمة السنام. والولية: برذعة تُطرح على ظهر البعير تلي جلده. و(البجال) الذي يُبجّله قومه ويُعظمونه. ومعنى (يُهادى بالعشيه) : أي تماشيه الرجال فيسندونه لضعفه، والتهادي المثي الضعيف. وقوله: (أسبات) فالسبات سكون الحركة، ورجل مسبوت. والخفات: الضعف، يقال: خفت الرجل إذا أصابه ضعف من مرض أو جوع. والمفجع الذي قد فُجع بولد له أو قرابة. والحران: العطشان الملتهب،
وهو هاهنا المحترق على قتلاه.
و ما يُروى الزهير بن جناب :
إذا ما شئت أن تسلى(1)خليلا*** فأكثر دونه عدد الليالي
فما سلى حبيبك مثل نأي ***ولا بلى جديدك كابتذال (2)
ومن المعمرين ذو الإصبع العدواني، واسمه حرثان بن محرث بن الحارث بن ربيعة بن وهب بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عتاب بن يشكر بن عدوان، وهو الحارث بن عمير بن قيس بن عيلان بن مضر(3)، وإِنَّما سُمِّي الحارث عدوان لأنه عدا على أخيه فهم فقتله، وقيل: بل فقأ عينيه، وقيل: إنَّ اسم ذي الإصبع محرث بن حرثان، وقيل: حرثان بن حویرث، وقيل: حرثان ابن حارثة، ويُكنّى أبا عدوان. وسبب لقبه بذي الإصبع أن حية نهشته على إصبعه فشلت فسُمِّي بذلك، ويقال: إنَّه عاش مائة وسبعين سنة، وقال أبو
حاتم : أحد حُكّام العرب في الجاهلية، وذكر الجاحظ
لا يبعدن عهد الشباب ولا ***لذاته ونباته النضر
لولا أولئك ما حفلت متى *** عوليت في حرجي إلى قبري
هزئت أثيلة إن رأت هرمي *** وأن انحنى لتقادم ظهري
وكان لذي الإصبع بنات أربع، فعرض عليهنَّ التزويج فأبين وقلن: خدمتك وقربك أحب إلينا، فأشرف عليهنَّ يوماً من حيث لا يرينه فقلن: لتقل كل واحدة منا ما في نفسها، فقالت الكبرى:
ألا هل أراها ليلة وضجيعها*** أشم كنصل السيف غير مهند
عليم بأدوات النساء وأصله ***إذا ما انتمى من سر أهلي(1)محتَّدي
ويُروى: (عين مهند)، ويروى من سرّ أصلي ومحتدی فقلن لها: أنتِ
تريدين ذا قرابة قد عرفته.
وقالت الثانية:
ألا ليت زوجي من أُناس أُولي عدى*** حديث الشباب طیِّب الثوب والعطر
لصوق بأكباد النساء كأنه ***خليفة جان لا ينام على وتر
ويُروى: (أولي غنى) ويُروى: (لا ينام على هجري)، فقلن لها: أنتِ
تريدين فتي ليس من أهلك.
ثُمَّ قالت الثالثة:
ألا ليته يكسى الجمال نديه ***له جفنة تشقى بها المعز والجزر
1) في المصدر: (أهل سري) بدل (سر أهلي).
له حكمات الدهر من غير كبرة ***تشين فلا فان(1)ولا ضرع غمرُ
فقلن لها: أنتِ تريدين سيداً شريفاً، وقلن للرابعة: قولي، فقالت: لا أقول شيئاً، فقلن [لها](2): يا عدوة الله علمتِ ما في أنفسنا ولا تعلميننا ما في نفسكِ؟ فقالت: زوج من عود خير من قعود فمضت مثلاً، فزوجهنَّ أربعهنَّ وتركهنَّ حولاً.
ثُم أتى الكبرى فقال يا بنيَّة، كيف ترين زوجك؟ فقالت: خير زوج، يكرم الحليلة ويُعطي الوسيلة، قال: فما مالكم ؟ قالت: خير مال، الإبل، نشرب ألبانها جرعاً - ويُروى: (جزعاً) بالزاي معجمة ، ونأكل لحمانها مزعاً، وتحملنا وضعفتنا معاً، فقال: يا بنيَّة، زوج كريم ومال عميم.
ثُمَّ أتى الثانية فقال: يا بنيَّة كيف زوجكِ ؟ فقالت: خير زوج، يكرم أهله وينسى فضله، قال: وما مالكم ؟ قالت البقر، تألف الفناء، وتملأ الإناء، وتودك النساء، فقال لها: حظيت وبظيت(3).
السقاء، ونساء مع ثُمَّ أتى الثالثة فقال: يا بنيَّة، كيف زوجك؟ فقالت: لا
سمح بذر ولا بخيل حكر، قال: فما مالكم؟ قالت المعزى، قال: وما هي؟ قالت: لو كنا نولدها فطاً ونسلخها إدماً - ويروى : (أدماً) بالفتح - لم نبغ بها نعماً، فقال لها: حذوة (4)مغنية - ويروي: (حذوى(5)مغنية) - .
ثُم أتى الصغرى، فقال: يا بنيَّة، كيف زوجك؟ قالت: شر زوج يكرم نفسه ويهين عرسه، قال: فما مالكم؟ قالت شر ،مال، قال: وما هو؟ قالت:
الضأن، جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن وصم لا يسمعن، وأمر مغويتهنَّ يتبعن، فقال أبوها : (أشبه امرء بعض بزه)، فمضت مثلاً.
أما قول إحدى بناته في الشعر: (أشمّ) فالشمم هو ارتفاع أرنبة الأنف
وورودها، يقال: رجل أشم وامرأة شاء وقوم شم، قال حسان:
بيض الوجوه كريمة أنسابهم (1)*** شم الأنوف من الطراز الأول
فالشمم الارتفاع في كل شيء، فيحتمل أن يكون أراد حسان بشم الأنوف ما ذكرناه من ورود الأرنبة، لأنَّ ذلك عندهم دليل العتق والنجابة ويجوز أن يكون أراد بذلك الكناية عن نزاهتهم وتباعدهم عن دنايا الأمور ورذائلها، وخصَّ الأنوف بذلك لأنَّ الحمية والغضب والأنفة فيها ولم يرد طول أنفهم، وهذا أشبه أن يكون مراده، لأنه قال في أوّل البيت: بيض الوجوه، ولم يرد [ بياض](2)اللون في الحقيقة، وإنما كنَّى بذلك عن نقاء أعراضهم، وجميل أخلاقهم وأفعالهم، كما يقال: جاءني فلان بوجه أبيض، وقد بيض فلان وجهه (3)بكذا وكذا، وإنما يعني ما ذكرناه. وقول المرأة: (أشمّ كنصل السيف) يحتمل الوجهين أيضاً. ومعنى قول حسان من الطراز الأول، أي إنَّ أفعالهم أفعال آبائهم وسلفهم فإنَّهم لم يُحدِثوا أخلاقاً مذمومة لا تشبه نجارهم وأصولهم.
وقولها (عين مهنّد) أي هو المهنَّد بعينه، كما يقال: هو هذا بعينه، وعين الشيء نفسه. وعلى الرواية الأخرى: (غير مهند) أي ليس هو السيف المنسوب إلى الهند في الحقيقة، وإنَّما هو مشبه به في مضائه.
وقولها: (من سرّ أهلي) أي من أكرمهم و وأخلصهم، يقال: فلان في سر قومه، أي في صميمهم وشرفهم، وسرُّ الوادي أطيبه تراباً.والمحتد: الأصل.
وقول الثانية: (أولي عدى) فإنَّما معناه أن يكون لهم أعداء، لأنَّ من لا عدو له هو الغسل الرذل الذي لا خير عنده، والكريم الفاضل من الناس هو المحسد المعادى.
وقولها: (لصوق بأكباد النساء) تعني في المضاجعة، ويحتمل أن تكون أرادت في المحبة والمودة، وكنت بذلك عن شدَّة محبَّتهنَّ له وميلهنَّ إليه، وهو أشبه.
وقولها: (كأنَّه خليفة جان) أي كأَنَّه حيَّة للصوقه، والجان جنس من الحيّات، فخُففت لضرورة الشعر.
وقول الثالثة: (يُكسى الجمال نديه) فالندي هو المجلس.
وقولها: (له حكمات الدهر) تقول: قد أحكمته التجارب وجعلته حكيماً.
فأما (الضرع) فهو الضعيف، و (الغمر ) الذي لم يُجرِّب الأمور.
وقول الكبرى: (يكرم الحليلة ويُعطي الوسيلة)، فالحليلة الرجل، والوسيلة الحاجة.
وقولها: (نشرب ألبانها جزعاً) فالجزع جمع جزعة، وهي القليل من
الماء يبقى في الإناء.
وقوله (1):(مزعاً) فالمزعة البقيَّة من دسم، ويقال: ما له جزعة ولا مزعة، كذا ذكر ابن دريد بالضم في جزعة، ووجدت غيره يكسرها ويقول: جزعة، وإذا كسرت فينبغي أن يكون نشرب ألبانها جزعاً)، وتكسر المزعة أيضاً ليزدوج الكلام فيقول: (ونأكل لحمانها مزعاً) فإنَّ المزعة بالكسر هي القطعة من الشحم، والمزعة بالكسر أيضاً من الريش والقطن وغير ذلك كالمزقة من الخرق.
1) في المصدر: (وقولها).
والتمزيع: التقطيع والتشقيق، يقال: إنه يكاد يتمزّع من الظبي في عدوه يمزع مزعاً إذا أسرع.
وقوله: (مال عميم) : أي كثير.
وقول الثانية: (تودك السقاء) من الودك الذي هو الدسم.
وقول الثالثة: (نولدها فطاً) فالفطم جمع فطيم، وهو المفطوم من الرضاع.
وقولها: (نسلخها أدماً) فالأدم جمع إدام وهو الذي يؤكل، تقول: لو أنا فطمناها عند الولادة وسلخناها للأدم من الحاجة لم نبغ بها نعماً. وعلى الرواية الأخرى: أدماً من الأديم. وقوله: (حذوة مغنية) فالحذوةالقطعة. وقول الصغرى: (جوف لا يشبعن) فالجوف جمع جوفاء، وهي العظيمة الجوف والهيم: العطاش. ولا ينقعن: أي لا يروين ومعنى قولها: (وأمر مغويتهنَّ يتبعن) : أي (1)القطيع من الضأن يمر على قنطرة فتزل واحدة فتقع في الماء فيقعن كلُّهُنَّ اتِّباعاً لها، والضأن يُوصَف بالبلادة.
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: حدثنا ابن دريد، قال:
حدثنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة عن يونس. قال ابن دريد: وأخبرنا به العكلي عن ابن (2)أبي خالد، عن الهيثم بن عدي عن مسعر بن كدام قال: حدثنا . ابن خالد الجدلي، قال: لمَّا قَدِمَ عبد الملك بن مروان الكوفة بعد قتل مصعب دعا الناس على فرائضهم فأتيناه فقال: من القوم؟ قلنا: جديلة، قال: جديلة عدوان؟ قلنا: نعم، فتمثّل عبد الملك:
عذير الحي من عدوان ***كانوا حية الأرض
بغى بعضهم بعضاً ***فلم يرعوا على بعض
ومنهم كانت السادات ***والموفون بالفرض(1)
ومنهم حكم يقضي *** فلا ينقض ما يقضي
ومنهم من يحيل الناس (2)***بالسنة والفرض
ثُمَّ أقبل على رجل كنا قدَّمناه أمامنا، جسيم وسيم ) ، فقال: أيكم يقول هذا الشعر؟ فقال: لا أدري فقلت [أنا ] (3)من خلفه يقول ذو الإصبع، فتركني وأقبل على ذلك الجسيم، وقال: ما كان اسم ذي الإصبع؟ فقال: لا أدري، فقلت أنا من خلفه حرثان، فأقبل عليه وتركني ، فقال : لِمَ سُمِّي ذا الإصبع ؟ فقال : لا أدري، فقلت أنا . من خلفه نهشته حيَّة على إصبعه، فأقبل عليه وتركني، فقال: من أيكم كان؟ قال: لا أدري فقلت أنا . خلفه من بني ناج، فأقبل على الجسيم فقال: كم عطاؤك ؟ قال: سبعمائة درهم، ثُمَّ أقبل عليَّ فقال: كم عطاؤك؟ فقلت: أربعمائة، فقال: يا ابن الزعيزعة، حطّ . من عطاء هذا ثلاثمائة وزدها في من عطاء هذا، فرحت وعطائي سبعمائة وعطاؤه أربعمائة.
وفي رواية أخرى أنَّه : لما قال له: من أيكم كان؟ قال: لا أدري، فقلت أنا من خلفه : من بني ناج الذين يقول فيهم الشاعر :
وأما بنو ناج فلا تذكر نهم ***ولا تتبعنَّ عينيك كان هالكا
إذا قلت معروفاً لتصلح بينهم*** يقول وهيب لا أسالم ذلكا
ويُروى: (لا أُحاول [ذلكا](1)).
فأضحى كظهر العود جب سنامه*** يدب إلى الأعداء أحدب باركا
فأضحى كظهر العود جب سنامه ***تحوم عليه الطير أحدب باركا
ويُروى :
وقد رويت هذه الأبيات لذي الإصبع أيضاً.
ومن أبيات ذي الإصبع السائرة قوله:
أكاثر ذا الضغن المبين عنهم ***وأضحك حتى يبدو الناب أجمع
وأهدنه بالقول مدناً ولو يرى *** سريرة ما أخفي لبات يفزع
ومعنى (أهدنه) أسكنه.
ومن قوله أيضاً:
إذا ما الدهر جز على أناس***شر اشره (2)أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا
ومعنى (الشراشر) هاهنا الثقل يقال: ألقى علي شراشره وجراميزه، أي ثقله.
ومن قوله أيضاً:
ذهب الذين وهم إذا رأوني*** مقبلاً هشوا إلى ورحّبوا بالمقبل
وهم الذين إذا حملت حمالة*** وليقتهم فكأنَّني لم أحمل ومن قوله وهي مشهورة:
لي ابن عم على ما كان من خلق *** مختلفان فأقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا*** فخالني دونه وخلته دوني
لاه ابن عمك لا أفضلت في نسب(1)*** عني ولا أنت دياني فتخزوني
إني لعمرك ما بابي بذي غلق*** عن الصديق (2)ولا خيري بممنون
ولا لساني على الأدنى بمنطلق*** بالفاحشات ولا أغضي على الهونِ
ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي*** ألَّا أحبُّكم إن لم تُحبوني
یا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي*** أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
وأنتم معشر زيد على مائة ***فأجمعوا أمركم طرا فكيدوني
لا يخرج القسر مني غير مأبية ***ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
قوله: (شالت نعامتنا) معناه تنافرنا فضرب النعام مثلاً، أي لا أطمئن إليه ولا يطمئن إليَّ، يقال: شالت نعامة القوم إذا أجلوا عن الموضع. وقوله: (لاه ابن عمك) قال قوم: أراد الله ابن عمك، وقال ابن دريد: أقسم وأراد: الله ابن عمك. وقوله : ( عنِّي) أي عليَّ والديّان: الذي يلي أمره، ومعنى (فتحزوني): أي تسوسني. و(الهون): الهوان.
وقوله: (أضربك حيث تقول الهامة اسقوني) قال الأصمعي: العطش في الهامة فأراد أضربك في ذلك الموضع أي على الهامة بحيث تعطش. وقال آخرون: العرب تقول: إنَّ الرجل إذا قُتِل خرجت من رأسه هامة تدور حول قبره وتقول: اسقوني اسقوني، فلا تزال كذلك حتَّى يُؤخذ بثأره، وهذا باطل، ويجوز أن يعنيه ذو الإصبع على مذاهب العرب.
وقوله: (لا يخرج القسر منّي غير مأبية ) فالقسر القهر، أي إن أخذت قسراً لم أزدد إلا إياة.
ومن المعمرين معدي كرب الحميري من آل ذي رعين، قال ابن سلام وقال معدي كرب الحميري وقد طال عمره:
أراني كلَّما أفنيت يوماً*** أتاني بعده یوم جدید
یعود ضياؤه(1)في كل فجر *** ويأبى لي شبابي لا يعود
ومن المعمرين الربيع بن ضبع الفزاري، يقال: إنَّه بقي إلى أيام بني أمية، ويُروى أنه دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا ربيع، أخبرني عما أدركت من العمر والمدى ، ورأيت من الخطوب الماضية ....، وساق الحديث إلى آخر ما مر في رواية الصدوق رحمه الله .
وفيه: (لقد طار بك(2)جد غير عائر)، و(عطاء جذم ومقري ضخم)، ثُمَّ قال (3): إن كان هذا الخبر صحيحاً فيشبه أن يكون سؤال عبد ا الملك له إنما كان في أيام معاوية(4)لا في ولايته، لأنَّ الربيع يقول في الخبر: عشت في [الإسلام](5)ستين سنة، وعبد الملك ولي في سنة خمس وستين من الهجرة، فإن كان صحيحاً فلا بد لما ذكرناه.
وقد روي أنَّ الربيع أدرك أيَّام معاوية، ويقال: إنَّ الربيع لما بلغ مائتي سنة قال:
ألا بلغ بني بني ربيع*** فأشرار البنين لكم فداء
بأني قد كبرت ودقَّ عظمي*** فلا تشغلكم عنِّي النساء
و إنَّ كنائني لنساء *** صدق وما الى بني ولا أساؤوا
اذا كان الشتاء فأدفئوني *** فإن الشيخ يهدمه الشتاء
وأما حين يذهب كل قرّ ***فسربال خفیف أو رداء
إذا عاش الفتى مأتين عاماً *** فقد ذهب اللذاذة والفتاء
وقال حين بلغ مأتين وأربعين سنة:
أصبح عني الشباب قد حسرا ***إن بان عني فقد ثوى عصرا
ودَّعنا قبل أن نُودِّعه ***لما قضى من جماعنا وطرا
ها أنا ذا آمل الخلود وقد*** أدرك سني ومولدي حجرا
أنا امرئ القيس هل سمعت به هيهات هيهات طال ذا عمرا أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن مررت به *** وحدي وأخشى الرياح والمطرا
من بعد ما قوَّة أنوء بها *** أصبحت شيخاً أعالج الكبرا
قوله: (عطاء جذم) أي سريع، وكلُّ شيء أسرعت فيه فقد جذمته، وفي الحديث: «إذا أذنت فرتل، وإذا أقمت فاجذم أي أسرع. والمقرى: الإناء الذي يقرى فيه. وقوله: (ما الى بني ولا أساؤوا ) أي لم يُقصِّروا، والآلي المقصّر(1)
ومن المعمرين أبو الطمحان القيني، واسمه حنظلة بن الشرقي من بني كنانة بن القين، قال أبو حاتم عاش أبو الطمحان القيني مائتي سنة، وقال في ذلك:
1) أمالي المرتضى (ج 1 ص 176 - 185/ مجلس 17).
حنتنی حانيات الدهر حتى *** كانِّي خاتل يدنو لصيد
قصير الخطب يحسب من رآني*** ولست مقيداً أني بقيد
ويُروى: (قريب الخطو).
قال أبو حاتم السجستاني: حدثني عدة من أصحابنا أنهم سمعوا يونس
ابن حبيب ينشد هذين البيتين، وينشد أيضاً:
تقارب خطو رجلك يا دويد (1)*** وقيدك الزمان بشر قيد
وهو القائل:
وإنِّي من القوم الذي هم هُمُّ ***إذا مات منهم سيد (2)قام صاحبُهُ
نجوم سماء كلما غاب كوكب *** بدا كوكب تأوي إليه كواكبُهُ
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم*** دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبُهُ
وما زال منهم حيث كان مسود(3)*** تسير المنايا حيث سارت كتائبة (4)
ومعنى البيتين الأولين يشبه قول أوس بن حجر:
إذا مقرم منا ذا (5)حد نابه *** تخمَّط فينا تاب آخر مقرَّمُ
ولطفيل الغنوي مثل هذا المعنى، وهو قوله:
كواكب دجن كلما انقض كوكب*** بدا وانجلت عنه الدجنة كوكب
وقد أخذ الخزيمي هذا المعنى فقال:
إذا قمر منا تخور أو خيا ***بدا قمر في جانب الأُفق يلمع
ومثل ذلك:
خلافة أهل الأرض فينا وراثة*** إذا مات منا سيد قام صاحبُهُ
ومثله:
إذا سيد منا مضى لسبيله*** أقام عمود الملك (1)آخر سيد
وكأنَّ مزاحماً العقيلي نظر إلى قول أبي الطمحان: (أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم) في قوله وقد أحسن:
وجوه لو أنَّ المدلجين اعتشوا بها ***صد عن الدجى حتى ترى الليل ينجلي
ويقارب ذلك قول حجية بن المضرب السعيدي (2):
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت*** لنورهم الشمس المضيئة والبدر
وأنشد محمد بن يحيى الصولي في معنى بيت (3)أبي الطمحان:
من البيض الوجوه بني سنان *** لو أنك تستضيء بهم أضاؤوا
هم حلوا من الشرف المعلى*** ومن كرم العشيرة حيث شاؤوا
أن السماء دنت لمجد *** ومكرمة دنت لهم السماء
وأبو الطمحان القائل(4):
إذا كان في صدر ابن عمك إحنة*** فلا تستثرها سوف يبود دفینها
وهو القائل:
إذا شاء ماعيها(1)استقى من وقيعة*** كعين العذاب(2)صفوها لم يكدر
والوقيعة: المستنقع في الصخرة للماء، ويقال: للماء إذا أزل عن صخرة
فوقع في بطن أخرى فهو ماء الوقائع، وأنشد(3)لذي الرمة:
ونلنا سقاطاً من حديث كانه *** جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع
ويقال للماء الذي يجري على الصخرة ماء الحشرج، وللماء الذي يجري بين الحصا والرمل: ماء المفاصل، وأنشدوا لأبي ذؤيب :
مطافيل أبكار حديث نتاجها ***تشاب بماء مثل ماء المفاصل
وأنشد أبو محلم السعدي لأبي الطمحان :
بُنَيَّ إذا ما سامك الذل قاهر*** عزيز فبعض الذل أتقى(4)وأحرز
ولا تحرمن(5)بعض الأمور تعززاً ***فقد یورث (6)الذل الطويل التعرز وهذان البيتان يرويان لعبد الله بن معاوية الجعفري.
وروي لأبي الطمحان أيضاً في هذا المعنى:
يا رب مظلمة يوماً لطئت لها (7)تمضي على إذا ما غاب أنصاري حتَّى إذا ما انجلت عني غيابتها وثبت فيها وثوب المخدر الضاري
ومن المعمرين عبد المسيح بن بقيلة الغساني،وهو عبد المسيح بن عمرو بن
قيس بن حيان بن بقيلة، وبقيلة اسمه ثعلبة، وقيل: الحارث، وإِنَّما سُمِّي بقيلة لأنَّه خرج على قومه في بردين أخضرين، فقالوا له: ما أنت إلَّا بقيلة، فسُمِّي بذلك.
وذكر الكلبي وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وكان نصرانيا.
وروي أن خالد قال: قد أغنانا الله عن بن الوليد لما نزل على الحيرة وتحصن منه أهلها أرسل إليهم: ابعثوا إلى رجلاً من عقلائكم وذوي أنسابكم، فبعثوا إليه عبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشي حتى دنا من خالد، فقال [له](1): أنعم صباحاً أيُّها الملك، تحيَّتك هذه، فمن أين أقصى أثرك أيُّها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي، قال: فعلى مَ أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت، قال: إي والله وأقيد، قال ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد.
قال خالد: ما رأيت كاليوم قطُّ، إنّي أسأله عن الشيء وينحو في غيره، قال: ما أجبتك إلا عما سألت فسَلْ عما بدا لك، قال: أعرب أنتم أم نبيط؟ قال: استنبطنا ونبيط (2)استعربنا قال [ا] (3)فحرب أنتم أم سلم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذه الحصون؟ قال بنيناها لسفيه نحذر منه حتى يجيء الحليم ينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفاً إلينا في هذا الجرف (4)، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تخرج وتضع مكتلها على رأسها لا تزوَّد إلا رغيفاً واحداً حتى تأتي الشام، ثُمَّ قد أصبحت اليوم خراباً يباباً، وذلك دأب الله في العباد والبلاد.
قال: ومعه سم ساعة يقلبه في كفّه، فقال له خالد: ما هذا في كفك؟ قال: هذا السم، قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله تعالى وقبلته، وإن كانت الأخرى لم أكن أول من ساق إليهم ذلاً وبلاءً أشربه وأستريح . من الحياة، فإنَّما بقي من عمري اليسير، قال خالد: هاته، فأخذه [ثم](1)قال : : الله وبالله ربِّ الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء، ثُمَّ أكله (2)فتجلَّلته غشية، ثُمَّ ضرب بذقنه في صدره طويلاً، ثُمَّ عرف وأفاق كأنما بسم نشط من عقال.
فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: قد جئتكم من عند شيطان أكل سم ساعة فلم يضره، صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم فإنَّ هذا أمر مصنوع لهم، فصالحوهم على مائة ألف درهم، وأنشا ابن بقيلة يقول:
أبعد المنذرين أرى سوماً ***تروح بالخورنق والسدير (3)
أبعد فوارس النعمان أرعى*** مراعي نهر مرة فالحقير
تحاماه فوارس كل قوم ***مخافة ضيغم عالي الزئير
وصرنا بعد هلك أبي قبيس*** كمثل الشاء في اليوم المطير
يريد أبا قابوس، فصغره، ويروى: (كمثل المعز).
تقسمنا القبائل من معد*** علانية كأيسار الجوزر
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى*** وخرج من(4)قريظة والنضير
كذاك الدهر دولته سجال*** فيوم من ساة أو سرور
ويقال: إنَّ عبد المسيح لمَّا بنى بالحيرة قصره المعروف بقصر بني بقیله قال :
لقد بنيت للحدثان حصنا (1)*** لو أنَّ المرء تنفعه الحصون
طويل الرأس أقعس مشمخراً ***لأنواع الرياح به حنين (2)
وكما يُروى لعبد المسيح بن بقيلة:
والناس أبناء علات فمن علموا*** أن قد أقبل فمجفو ومحقور
وهم بنون لأُم إن رأوا نشباً ***فذاك بالغيب محفوظ ومخفور
وهذا يشبه قول أوس بن حجر:
بنی ام ذي المال الكثير يرونه***وإن كان عبداً سيد الأمر جحفلا
وهم لقليل المال أولاد علة ***وإن كان محضاً في العمومة مخولا وذُكِرَ أنَّ بعض مشايخ أهل الخيرة خرج إلى ظهرها يختط ديراً، فلما حفر موضع الأساس وأمعن في الاحتفار أصاب كهيأة البيت فدخله، فإذا رجل على سرير من زجاج (3)، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة.
حلبت الدهر أشطره حياتي*** ونلت من المنى بلغ(4)المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني*** ولم أحفل بمعضلة كؤود
وكدت أنال في الشرف الثريا*** ولكن لا سبيل إلى الخلود
ومن المعمرين النابغة الجعدي واسمه قيس بن كعب بن عبد الله بن
عامر بن ربيعة (1)بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويُكنى أبا ليلى.
وروى أبو حاتم السجستاني قال كان النابغة الجعدي أسن من النابغة الذبياني، والدليل على ذلك قوله:
تذكرت والذكرى تهيج على الهوى(2)*** ومن حاجة المحزون أن يتذكَّرا
نداماي عند المنذر بن محرق*** أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا كهول وشبَّان كأنَّ وجوههم*** دنانير مما شيف في أرض قيصرا فهذا يدلُّ على أنه كان مع المنذر بن محرق، والنابغة الذبياني كان مع النعمان ابن المنذر بن محرق.
وقوله: (شيف) يعني جلي، والمشوف المجلو.
ويقال: إنَّ النابغة غير ثلاثين سنة لا يتكلَّم، ثُمَّ تكلم بالشعر، ومات وهو
ابن عشرين ومائة سنة بأصبهان، وكان ديوانه بها، وهو الذي يقول: من يك سائلاً عنِّي فَإِنِّي ***من الفتيان أيام الخنانِ
و(أيام الخنان) أيام كانت للعرب قديمة هاج بها فيهم مرض في أنوفهم وحلوقهم.
مضت مائة لعام ولدت فيه ***وعشر بعد ذاك وحجَّتان
فأبقى الدهر والأيام مني ***كما أبقى من السيف اليماني
تفلَّل وهو مأثور جراز ***إذا جمعت بقائمة اليدان
وقال أيضاً في طول عمره:
لیست أناس فأفنيتهم *** وأفنيت بعد أُناس أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهم *** وكان الإله هو المستآسا
معنى المستأس: المستعاض.
وروي عن هشام بن محمّد الكلبي أنه عاش مائة وثمانين سنة. وروى ابن دريد عن أبي حاتم في موضع آخر أنَّ النابغة الجعدي عاش مائتي سنة وأدرك الإسلام، وروى له :
قالت إمامة كم عمرت زمانة *** وذبحت من عتر على الأوثان العتيرة: شاة تذبح لأصنامهم في رجب في الجاهلية.
ولقد شهدت عكاظ قبل محلها*** فيها وكنت أعد ملفتيان
والمنذر بن محرف في ملكه *** وشهدت يوم هجائنا لنعمان
وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى*** وقوارع تُتلى من القرآن
ولبست مل إسلام ثوباً واسعاً *** من سيب لا حرم ولا منان
وله أيضاً في طول عمره:
المرء يهوى أن يعيش ***وطول عيش ما (1)يضره
تفنى بشاشته و يبقى *** بعد حلو العيش مره
وتتابع الأيام حتی *** لا يرى شيئاً يسره
کم شامت بي إن هلكت *** و قائل لله درُّه
وَرُوي أنَّ النابِغةَ الْجَعْدِي كَانَ يَفْتَخِرُ وَيَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبي صلی الله علیه و آله وسلم وَأَنشَدْتُهُ
1) في المصدر : (قد) بدل (ما).
بلَغْنَا السَّمَاءَ مَجدُنَا وَجُدُودُنَا *** وإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
فَقَالَ : صلی الله علیه و آله وسلم : أَيْنَ المَظْهَرُ يَا أَبَا لَيْلَی؟»، فَقُلْتُ : الجَنَّةُ يَا رَسُولَ الله، قال صلی الله علیه و آله وسلم : «أَجَلْ إِنْ شَاءَ اللهُ»، وَأَنْشَدَتُهُ:
فَلَا خَيْرَ فِي حِلْمٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ *** بوَادِرُ تَحْمِي صَفْرُهُ أَنْ يُكَذَّرَا (1)
وَلَا خَيْرَ فِي جَهْلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ *** حَلِيمٌ إِذَا مَا أَوْرَدَ الْأَمْرَ أَصْدَرًا فَقَالَ :صلی الله علیه و آله وسلم : «لَا يُفَضُضُ اللَّهُ فَاكَ» وَفي روَايَةٍ أُخْرَى: «لَا يُفَضَّضُ فُوكَ».
فيقال: إنَّ النابغة عاش عشرين ومائة سنة لم تسقط له سن ولا ضرس، وفي رواية أخرى عن بعضهم قال: رأيته وقد بلغ الثمانين ترف غروبه، وكانت كلما سقطت له ثنية نبتت له أخرى مكانها، وهو من أحسن الناس ثغراً.
معنى (ترف): أي تبرق، وكأن الماء يقطر منها.
قال المرتضى رحمه الله : وممَّا يشاكل قوله : (إلى الجنَّةَ) في جواب قول النبي صلی الله علیه و آله وسلم : «أين المظهر يا أبا ليلى؟»، وإن كان يتضمَّن العكس من معناه، ما روي من دخول الأخطل على عبد الملك مستغيثاً من فعل الجحاف السلمي و ، وأنه أنشده:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ***إلى الله منها المشتكى والمعول فإن لم تُغيّرها قريش بحلمها (2)***يكن من قريش مستماز ومزحل فقال عبد الملك [له]: إلى أين يا بن اللخناء؟ قال: إلى النار، قال: لو قلت غيرها قطعت لسانك.
فقوله: (إلى النار) تخلص مليح على البديهة، كما تخلص الجعدي بقوله: إلى الجنة، وأول قصيدة الجعدي التي ذكرنا منها الأبيات:
خليلي غضا ساعة وتهجرا ***ولوماً على ما أحدث الدهر أو ذرا
ولا تسألا إن الحياة قصيرة ***خطيرا لروعات الحوادث أو قرا
وإن كان أمر لا تطيقان دفعه ***فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
ألم تعلما أنَّ العلامة نفعها ***قليل إذا ما الشيء ولى فأدبرا
یهیج اللحاء في الملامة ثم ما ***يقرب منا غير ما كان قدرا(1)
وفيها يقول:
لوى الله علم الغيب عمن سواءه *** ويعلم منه ما مضى وتأخرا
و جاهدت حتى ما أحس ومن معي *** سهيلاً إذا ما لاح ثُمَّ تغورا
يريد: أنِّي كنت بالشام وسهيل لا يكاد يُرى هناك، وهذا بيت معنى(2)، وفيها يقول:
ونحن أناس لا نعود خيلنا *** إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا *** من الطعن حتّى تحسب الجون أشقر (3)
وليس بمعروف لنا أن نردها ***صحاحاً ولا مستنكراً أن تعقرا
وأخبرنا المرزباني قال: أنشدنا علي بن سليمان الأخفش، قال: أنشدنا أحمد ابن يحيى قال: أنشدني محمد بن سلام وغيره للنابغة الجعدي:
تلوم على هلك البعير ظعينتي ***وكنت على لوم العواذل زاريا
ألم تعلمي أني رزئت محارباً ***فما لك منه اليوم شيئاً ولا ليا
ومن قبله ما قد رزئت بوحوح *** وكان ابن أُمي والخليل المصافيا
فتى كملت خيراته (1)غير أنه ***جواد فما يُبقي من المال باقيا
فتى تمَّ فيه ما يسرُّ صديقه *** على أن فيه ما الأعاديا
أشم طويل الساعدين سميدع ***إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا
السميدع: السيد.
ومما يُروى للنابغة الجعدي :
عقيلية أو من هلال ابن عامر ***بذي الرمث من وادي المنار (2)خيامها
إذا ابتسمت في البيت(3)والليل دونها ***أضاء دجى الليل البهيم ابتسامها
وذكر الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: سُئِل الفرزدق بن غالب عن النابغة الجعدي فقال: صاحب خلقان يكون عنده مطرف بألف [دينار](4)وخمار بواف، قال الأصمعي وصدق الفرزدق بينا النابغة في كلام أسهل من الزلال وأشدّ من الصخر إذ لان وذهب، ثُمَّ أنشد له :
سما لك هم ولم تطرب ***وبت بيث ولم تنصب
وقالت سليمي أرى رأسه ***كناصية الفرس الأشهب
وذلك من وقعات(5)المنون***فقیتی إليك ولا تعجبي
قال: ثُمَّ يقول بعدها:
أتين على إخوة سبعة ***وعدن على ربعی الأقرب
ثم يقول بعدها:
فأدخلك الله برد الجنان ***جذلان في مدخل طيب
فألان كلامه حتى لو أنَّ أبا الشمقمق قال هذا البيت كان رديئاً ضعيفاً.
قال الأصمعي: وطريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان، ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا(1)في الجاهلية والإسلام، فلما أدخل شعره في باب الخير من مراثي النبي صلی الله علیه و آله وسلم : وحمزة وجعفر وغيرهما لان شعره (2)؟
ثُمَّ قال (3)رضی الله عنه : إن سأل سائل فقال : كيف يصحُّ ما أوردتموه من تطاول الأعمار وامتدادها، وقد علمتم أن كثيراً من الناس يُنكر ذلك ويحيله ويقول: إنَّه لا قدرة عليه ولا سبيل إليه، ومنهم من ينزل في إنكاره درجة فيقول: إنَّه وإن كان جائزاً من طريق القدرة والإمكان فإنَّه مما يُقطع على انتفائه لكونه خارقاً للعادات، فإن العادات إذا وثق الدليل بأنّها لا تنخرق إلا على سبيل الإبانة والدلالة على صدق نبي من الأنبياء الله عُلِمَ أنَّ جميع ما روي من زيادة الأعمار على العادة باطل مصنوع لا يُلتفت إلى مثله .
الجواب: قيل له: أمَّا من أبطل تطاول الأعمار من حيث الإحالة وأخرجه عن باب الإمكان، فقوله ظاهر الفساد لأنه لو علم ما العمر في الحقيقة وما المقتضي لدوامه إذا دام وانقطاعه متى انقطع العلم من جواز امتداده ما علمناه والعمر هو استمرار كون من يجوز أن يكون حيًّا، وغير حي حيا، وإن شئت أن تقول: هو استمرار كون الحي الذي لكونه على هذه الصفة ابتداءً حيا.
وإنما شرطنا الاستمرار لأنه يبعد(1)أن يُوصَف من كان في حالة واحدة حيا بأن له عمراً، بل لا بد من أن يراعوا في ذلك ضرباً من الامتداد والاستمرار وإن قل.
وشرطنا أن يكون ممن يجوز أن يكون غير حي أو يكون لكونه حيا ابتداءً، احترازاً من أن يلزم القديم تعالى جلّت عظمته من لا يُوصَف بالعمر وإن استمر كونه حيا.
فقد علمنا أن المختصّ بفعل الحياة هو القديم تعالى، وفيما تحتاج إليه الحياة من البنية ومن المعاني ما يختص به (جل وعزّ)، ولا يدخل إلا تحت مقدوره تعالى، كالرطوبة وما جرى مجراها، فمتى فعل القديم تعالى الحياة وما تحتاج إليه من البنية و ة وهي . مما يجوز عليه البقاء وكذلك ما تحتاج إليه، فليس ينتفى إلا بضد يطرأ عليها أو بضد ينفي ما تحتاج إليه. والأقوى أنَّه لا بضد لها في الحقيقة، وربَّما ادعى قوم أنَّه ما تحتاج إليه، ولو كان للحياة ضدّ على الحقيقة لم يخل بما نقصده في هذا الباب.
فمهما لم يفعل القديم تعالى ضدّها أو ضدَّ ما تحتاج إليه، ولا نقض ناقض بنية الحي استمر كون الحي حيا، ولو كانت الحياة أيضاً لا تبقى على مذهب من رأى ذلك لكان ما قصدناه صحيحاً، لأنه تعالى قادر على أن يفعلها حالاً فحالاً ويوالي بين فعلها وبين فعل ما تحتاج إليه فيستمر كون الحي حيا.
فأمّا ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان وعلو السن وتناقص بنية الإنسان فليس كما لا بد منه، وإنّما أجرى الله تعالى العادة بأن يفعل ذلك عند تطاول الزمان، ولا إيجاب هناك، ولا تأثير للزمان على وجه من الوجوه، وهو تعالى قادر على أن لا يفعل ما أجرى العادة بفعله.
1) في المصدر: (يتعذر) بدل (يبعد).
وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن تطاول العمر ممكن غير مستحيل، وإنما أبي (1)أحال ذلك ، من حيث اعتقد أن استمرار كون الحي حيا وجب عن طبيعة وقوة لهما مبلغ من المادة متى انتهنا إليه انقطعتا واستحال أن تدوما، فلو (1) من أضافوا ذلك إلى فاعل مختار متصرف الخرج عندهم من باب الاستحالة. فأما الكلام في دخول ذلك في العادة أو خروجه عنها فلا شك في أنَّ العادة قد جرت في الأعمار بأقدار متقاربة يعد الزائد عليها خارقاً للعادة إلَّا أنَّه قد ثبت أن العادات قد تختلف في الأوقات وفي الأماكن أيضاً، ويجب أن يُراعى في العادات إضافتها إلى من هي عادة له في المكان والوقت. وليس بممتنع أن يقل ما كانت العادة جارية به على تدريج حتى يصير حدوثه خارقاً للعادة بغير ،خلاف ولا أن يكثر الخارق للعادة حتى يصير حدوثه غير خارق لها على خلاف فيه، وإذا صح ذلك لم يمتنع أن يكون العادات في الزمان الغابر كانت جارية بتطاول الأعمار وامتدادها ثُمَّ تناقص ذلك على تدريج حتى صارت عادتنا الآن جارية بخلافه، وصار ما بلغ مبلغ تلك الأعمار خارقاً للعادة، وهذا جملة فيما أوردناه كافية(2).
أقول: وذكر الشيخ (3)رحمه الله من المعمرين لقمان بن عاد وأنه عاش ثلاثة آلاف سنة وخمس مائة سنة، وقال: وفيه يقول الأعشى:
لنفسك إذ تختار سبعة أنسر ***إذا ما مضى نسر خلدت إلى نسر
فعمر حتَّى خال أنَّ نسوره خلود ***وهل تبقى النفوس على الدهر
وقال لأدناهنَّ إذ حل ريشه *** هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري
قال: ومنهم ربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك عبس بن فزارة، عاش ثلاثمائة سنة وأربعين سنة، ثُمَّ ذكر ما مرَّ وأشعاره(1).
ثُم ذكر أكثم بن صيفي وأنه عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة، وذكر والده صيفي بن رباح أبا أكثم، وأنه عاش مائتين وسبعين سنة لا يُنكر من عقله شيء، وهو المعروف بذي الحلم الذي قال فيه المتلمس اليشكري:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع*** وما علم الإنسان إلا ليعلما
ومنهم: ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو، عاش مائتي سنة
وعشرين سنة، ولم يشب قط، وأدرك الإسلام ولم يسلم. وروى أبو حاتم والرياشي عن العتبي، عن أبيه، قال: مات ضبيرة السهمي وله مائتا سنة وعشرون سنة، وكان أسود الشعر، صحيح الأسنان، ورثاه ابن عمه قيس بن عدي، فقال:
من يأمن الحدثان بعد*** ضبيرة السهمي ماتا
سبقت منيته المشيب ***وكان منيته (2)افتلاتا
فتزودوا لا تهلكوا *** من دون أهلكم خفاتا
ومنهم: دريد بن الصمة الجشمي، عاش مائتي سنة وأدرك الإسلام ولم يسلم، وكان أحد قواد المشركين يوم حنين ومقدمهم (3)حضر حرب النبي (4)فقتل يومئذ.
ومنهم محصن بن غسان بن ظالم ،الزبيدي، عاش مائتي سنة وستاً وخمسين سنة.
ومنهم عمرو بن حممة الدوسي، عاش أربعمائة سنة، وهو الذي يقول:
كبرت وطال العمر حتى كأنني*** سليم أفاع ليلة غير مودع
فما الموت أفناني ولكن تتابعت*** علىَّ سنون من مصيف ومربع
ثلاث مآت قد مررن كواملاً ***وها أنا ذا [قد] (1)أرتجي منه أربع
ومنهم: الحارث بن مضاض الجرهمي ، عاش أربعمائة سنة، وهو القائل (2):
كأن لم يكن بين الحجون إلى ***الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ***صروف الليالي والجدود العوائر
ومنهم: عبد المسيح بن بقيلة الغساني ذكر الكلبي وأبو عبيدة وغيرهما أنَّه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وذكر من أحواله وأشعاره نحواً مما مرَّ (3).
ثُم ذكر النابغة الجعدي وأبا الطمحان القيني، وذا الإصبع العدواني، وزهير بن جنب و دويد بن فهد، والحارث بن كعب، وأحوالهم وأقوالهم نحواً مما مر في كلام السيد رضی الله عنه(4).
ثُمَّ قال: فهذا طرف من أخبار المعمرين من العرب، واستيفاؤه في الكتب المصنفة في هذا المعنى موجود.
وأما الفرس فإنَّها تزعم أن فيها تقدَّم من ملوكها جماعة طالت أعمارهم، فيروون أنَّ الضحاك صاحب الحيتين عاش ألف سنة ومائتي سنة، وإفريدون العادل عاش فوق الألف سنة، ويقولون: إنَّ الملك الذي أحدث المهرجان(5)
عاش ألف(1)سنة وخمسمائة استتر منها عن قومه ستمائة سنة، وغير ذلك تما ، موجود في تواريخهم وكتبهم لا نطوّل بذكرها، فكيف يقال: إنَّ ما ذكرناه في صاحب الزمان خارج عن العادات؟
ومن المعمرين من العرب يعرب بن قطحان، واسمه ربيعة، أوَّل من تكلم بالعربية، ملك مائتي سنة على ما ذكره أبو الحسن النسابة الأصفهاني في كتاب الفرع والشجر، و ر، وهو أبو اليمن كلها، وهو منها كعدنان إلَّا شاذا نادراً.
ومنهم: عمرو بن عامر مزيقيا، روى الأصفهاني عن عبد المجيد بن أبي عبس الأنصاري والشرقي بن قطامي أنه عاش ثمانمائة سنة، ثُمَّ ذكر نحواً تما مرَّ في كلام الصدوق رحمه الله (2).
ثُمَّ قال: وقيل (3): إِنَّما سُمِّي مزيقيا لأنَّ على عهده تمزقت الأزد فصاروا إلى أقطار الأرض، وكان ملك أرض سبأ، فحدثته الكُهَّانِ أَنَّ الله يُهلكها بالسيل العرم، فاحتال حتى باع ضياعه وخرج فيمن أطاعه من أولاده قبل السيل العرم، ومنه انتشرت الأزد كلها، والأنصار من ولده.
ومنهم: جلهمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يعرب، ويقال لجلهمة طبي، وإليه يُنسب طئ كلها، وله خبر يطول شرحه وكان له ابن أخ يقال له: يجابر بن مالك بن أدد، كان قد أتى على كل واحد منهما خمسمائة سنة، ووقع بينهما ملاحاة بسبب المرعى، فخاف جلهمة هلاك عشيرته فرحل عنه وطوى المنازل فسُمِّي طيئاً، وهو صاحب أجأ وسلمي جبلين لطيئ(4)، ولذلك خبر يطول معروف.
ومنهم: عمرو بن لحي، (1)وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا في قول علماء خزاعة، كان رئيس خزاعة في حرب خزاعة وجرهم، وهو الذي سنّ السائبة والوصيلة والحام، ونقل صنمين وهما هُبل ومناة من الشام إلى مكة فوضعهما للعبادة، فسلَّم هُبَل إلى خزيمة بن مدركة، فقيل: هبل خزيمة، وصعد على أبي قبيس ووضع مناة بالمشلَّل(2)، وقدِمَ بالنرد، وهو أوّل من أدخلها مكة، فكانوا يلعبون بها في الكعبة عدوةً وعشيّة.
فَرُويَ عَن النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله وسلم أَنَّهُ قَالَ: رُفِعَتْ إِلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيَّ رَجُلاً قَصِيراً أَحْمَر أَزْرَقَ يَجُرُّ قُصْبَهُ(3)3 فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: عَمْرُو بْنُ لحي»، وَكَانَ بَي مِنْ أَمْرِ الْكَعْبَةِ مَا كَانَ يَلِيهِ جُرْهُمُ قَبْلَهُ حَتَّى هَلَكَ(4).
ووجدت بخط الشريف الأجل الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي رضی الله عنه تعليقاً في تقاويم جمعها مؤرخاً بيوم الأحد الخامس عشر من المحرم سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة أنَّه ذُكِرَ له حال شيخ بالشام قد جاوز المائة وأربعين سنة، فركبت إليه حتّى تأملته وحملته إلى القرب من داري بالكرخ وكان أعجوبة شاهد الحسن بن علي بن : محمد الرضا اليه ، ووصف صفته بن إلى غير ذلك من العجائب التي شاهدها(5).
[وقال الكراجكي رحمه الله في كنز الفوائد: إنَّ أهل الملل كلَّها متفقون على جواز امتداد الأعمار وطولها، وقد تضمنت التوراة من الإخبار بذلك ما ليس بينهم فيه تنازع، وفيها أنَّ آدم علیه السلام عاش تسعمائة وثلاثين سنة، وعاش شيث تسعمائة واثنتي
عشرة سنة، وعاش أنوش تسعمائة وخمساً وستين سنة، وعاش قنيان1 تسعمائة سنة وعشر سنين، وعاش مهلائيل ثمانمائة وخمساً وتسعين سنة، وعاش برد تسعمائة واثنتين وستين سنة، وعاش أخنوخ وهو إدريس علیه السلام تسعمائة وخمساً وستين سنة، وعاش متوشلح تسعمائة وتسعاً وستين سنة، وعاش لمك مائة وسبعاً وستين سبع سنة، وعاش نوح تسعمائة وخمسين وعاش سام ستمائة وتسعين سنة، وعاش أرفخشاو (1)أربعمائة وثماني وتسعين سنة، وعاش شالخ أربعمائة وثلاثاً وتسعين سنة، وعاش عابر (2)ثمانمائة وسبعين سنة، وعاش فالغ (3)مائتين وتسعاً وتسعين سنة، وعاش أرغو مائتين وستين سنة، وعاش باحور مائة وستا وأربعين سنة، وعاش تارخ مائتين وثمانين سنة، وعاش إبراهيم علیه السلام مائة وخمساً وسبعين سنة، وعاش إسماعيل علیه السلام مائة وسبعاً وثلاثين سنة، وعاش إسحاق علیه السلام مائة وثمانين سنة.
فهذا ما تضمنته التوراة مما ليس بين اليهود والنصاري اختلاف، وقد تضمنت نظيره شريعة الإسلام، ولم نجد أحداً من علماء المسلمين يخالفه أو يعتقد فيه البطلان، بل قد أجمعوا من جواز طول الأعمار على ما ذكرناه.
ثُمَّ قال: ومن المعمرين عمرو بن حممة الدوسي عاش أربعمائة سنة، قال أبو روق(4): حدثنا الرياشي(5)، عن عمرو بن بكير، عن الهيثم بن عدي، عن
1) في المصدر: (أرفخشاد).
2) في المصدر: (غابر).
3) في المصدر: (فالخ).
4) في المطبوعة: (أبو أرق)، وما أثبتناه من المصدر، وهو أحمد بن محمد بن بكر أبو روق الهزاني ترجم له ابن حجر في لسان الميزان (ص ،279)، وأرخ وفاته عام (324ه-)، وراجع: الأنساب للسمعاني (ج 5 ص 640).
5) هو العباس بن الفرج أبو الفضل الرياشي اللغوي النحوي، ترجم له السيوطي في بغيبة الوعاة (ج 2 ص 27)، وأرخ وفاته عام (257ه-) . وراجع الأنساب للسمعاني (ج 3 ص 111).
مجالد، عن الشعبي، قال: كنّا عند ابن عباس في قبّة زمزم وهو يفتي الناس، فقام إليه رجل، فقال له: لقد أفتيت أهل الفتوى فأفت أهل الشعر، قال: قل، قال: ما معنى قول الشاعر:
لذي الحلم قبل اليوم ما يقرع ***وما علم الإنسان إلا ليعلما فقال: ذاك عمرو بن حممة الدوسي، قضى على العرب ثلاثمائة سنة، فلما [كبر] (1)ألزموه، وقد رأى السادس أو السابع من ولد ولده، فقال: إنَّ فؤادي بضعة مني، فربما تغيّر على اليوم والليلة مراراً، وأمثل ما أكون فهما(2)في صدر النهار، فإذا رأيتني قد تغيرت فاقرع العصا، فكان إذا رأى منه تغيراً قرع العصا فيراجعه فهمه، فقال المتلمس هذا البيت ] (3).أقول: إلى هنا انتهى ما أردت إيراده من أخبار المعمّرين، وإنّما أطلت في قلة الجدوى تبعاً للأصحاب ولئلا يقال: هذا الكتاب عار عن فوائدهم التي أوردوها في هذا الباب.
***
تأليف خاتمة المحدثین آیه الله الشيخ حسين الطبرسی النوري قدس سره
تقدیمُ وَتَرجَمة وتحقيق وتعليق السيد ياسين الموسوي
الجز الاول
حقوق الطبع محفوظة للمترجم
ولا يجوز اعادة الطبع الا باذن خاص من المترجم
اسم الكتاب : النجم الثاقب
المؤلف : الشيخ حسين النوري
تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق : السيد ياسين الموسوي
تنضيد الحروف والإخراج : حيدر الخزرجي
الناشر : أنوار الهدى
المطبعة: مهر - قم المقدسة
عدد الصفحات : 559
المطبوع : 2000
الطبعة : الأولى - 15 14 ه- ق |
في شمة من أوصاف وشمائل الامام المهدي صلوات الله عليه ، وبعض خصائصه في نهاية الاختصار والايجاز ، وهو في فصلين :
في ذكر جملة من خصائصه عليه السلام بالنسبة الى جميع الأنبياء والأوصياء الماضين صلوات الله عليهم ، أو بالنسبة إلى تلك السلسلة العلية الا بعض أجداده الطاهرين عليهم السلام .
التاسع عشر : عدم تأثير طول الدهر ودوران الليل والنهار وسير ا الفلك الدوار في بنيته ومزاجه واعضائه وقواه وصورته وهيئته عليه السلام، فمع هذا العمر الطويل ولحد الآن قد انقضي من عمره الشريف الف وثمانية وأربعون سنة ، والله يعلم إلى حين ظهوره بأي سن سوف يصل - ولكن عندما يظهر فانّه يظهر في صورة رجل ابن ثلاثين سنة ، أو أربعين سنة .
ولم يكن كطويلي الاعمار من الانبياء الماضين وغيرهم حيث كان احدهم هدفاً لسهم الشيخوخة : « وهذا بعلي شيخاً»(1)
، والآخر يئن من ضعف شيخوخته وينوح : « انّي وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً»(2).
روى الشيخ الصدوق عن أبي الصلت الهروي قال : قلت للرضا عليه السلام : ما علامات القائم منكم إذا خرج ؟
قال : « علامته أن يكون شيخ السن، شاب المنظر ؛ حتى أن الناظر اليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها ، وان من علاماته ألا يهرم بمرور الأيام والليالي حتى يأتيه اجله (1).
وفي (الغيبة) للشيخ الطوسي : روي عن الامام الصادق عليه السلام انه قال :« ويظهر في صورة فتى موفق اين ثلاثين سنة »(2)
وروي ايضاً عنه عليه السلام أنه قال : لو خرج القائم لقد انكره الناس يرجع اليهم شاباً موفقاً (3)» .
وروي ايضاًعنه عليه السلام أنّه قال : « وان من اعظم البلية أن يخرج اليهم صاحبهم شاباً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً »(4)
والمراد من الموفق كما احتمله العلامة المجلسي (رحمه الله) : « المتوافق الاع-ض-اء المعتدل الخلق ، أو هو كناية عن التوسط في الشباب ، بل انتهاؤه أي ليس في بدء الشباب ، فان في مثل هذا السن يوفق الانسان لتحصيل الكمال » (5).
وقال الشهرستاني العاري من اللباس الانساني في (الملل والنحل) بعد أن ذكر فرق الامامية بعد الامام الحسن العسكري وقد اخذه من رسالة (الفرق) للنوبختي وسرق جملة من كلماته النافعة :«ومن العجب أنهم قالوا : الغيبة قد امتدت مائتين ونيفاً وخمسين سنة ، وصاحبنا قال : أن خرج القائم وقد طعن في الاربعين فليس
بصاحبكم .
ولسنا ندري كيف تنقضي مائتان ونيف وخمسون سنة في اربعين سنة »(1)انتهى .
وحاصل هذا الخير أنه عليه السلام يكون ابن ثلاثين سنة أو أقل فإن كان أكثر فليس هو المهدي عليه السلام .
وحاصل شبهة هذا الأحمق : انكم تقولون بأنه قد غاب ما يقارب المائتين والخمسين سنة فإذا خرج الآن أو يخرج بعد ذلك فكيف يكون عمره أربعين سنة ؟ وحاصل جوابه : أن الغاية منه أن تكون صورته وهيئته وبنيته ومزاجه لرجل ابن اربعين سنة حتى لو كان عمره عدة آلاف سنة وان الله تعالى قادر على حفظ شخص في سن على هذا النحو ، فاننا قلنا ونقل الفريقان أن من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ما ركب حيوا واناً الا بق الحيوان في ذلك السن .
وروى ابن الاثير في (أسد الغابة عن عمرو بن الحمق الخزاعي أنه سبق النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فقال : اللهم متعه بشبابه . فرت عليه ثمانون سنة لا ترى في لحيته شعرة بيضاء (2)
بل أحياناً يعود الشيخ إلى شبابه .
بل أن جميع شيوخ الجنة يعيدهم الله تعالى شباباً فيدخلهم الجنة في الآخرة فتبين للحق تعالى قدرة جديدة .
أو أن الشهرستاني قائل بأن للآخرة اله آخر . عنده مثل هذه القدرة .
والعجب منه أنه يقول بحياة الخضر ويقولون أنه اكبر من المهدي عليه السلام عدة آلاف من السنين ويسيح في الصحراء والبراري .
ولكن إذا كانت حياة الامام المهدي عليه السلام على النحو المتعارف فلابد أن يصير قبضة من الجلد والعظم وقد سقط في زاوية .
ولو افترضنا أنه عليه السلام في صورة وهيئة أي صاحب سن فسوف يكون محل ذلك الاعتراض ، فاما أن يعطي الله تعالى هؤلاء القوم الانصاف ، أو يرزقهم الادراك والشعور ، مع خلوهم منها معاً .
وقال الميبدي في شرح الديوان : أن الله تعالى كان يجدد استان واركان الخضر قبل بعثة خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله وسلّم كل خمسمائة سنة ، وأما بعد بعثته صلى الله عليه وآله وسلم فأنه يجددها في كل مائة وعشرين سنة (1).
وقد روي في احتجاج الطبرسي عن الامام الحسن عليه السلام أنه قال في ضمن ذكر حالاته عليه السلام : « يطيل الله عمره (في غيبته) (2)ثم يظهره بقدرته في صورة شاب (دون)(3)اربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير(4).
تالیف خاتمه المحدثین آیت الله الشيخ حسين الطبرسی النوري قدس سره
تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق : السيد ياسين الموسوي
الجزء الثانی
حقوق الطبع محفوظة للمترجم
ولا يجوز اعادة الطبع الا باذن خاص من المترجم
اسم الكتاب : النجم الثاقب
المؤلف : الشيخ حسين النوري
تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق : السيد ياسين الموسوي
تنفيذ الحروف والإخراج : حيدر الخزرجي
الناشر : أنوار الهدي
المطبعة : مهر - قم المقدسة
عدد الصفحات :
ن المطبوع :
الطبعة :
النجم الثاقب الشيخ حسين النوري
عدد الصفحات 616
المطبوع 2000
الطبعه الأولى - 1415 هق
وأما ما وعدنا به بذكر بعض أسماء المعمّرين بلا اطالة لرفع استبعاد عوام العامة، فايفاءاً نقول :
لا يشك احدُ من أهل الاسلام في وجود الخضر النبي عليه السلام وبقائه من قبل عدة آلاف من السنين إلى الآن، وقد تكرّر نقله في كتب أهل السنة في أحوال مشايخهم وعرفائهم ، انَّ فلان (1)التقى بالخضر عليه السلام في المكان الفلاني وأخذ وتعلّم منه ، كما قال محيى الدين في الباب الخامس والستين من الفتوحات : « ان شيخنا أبا العباس العريبي(2)جرت بيني وبينه مسألة ... ولم آخذ بالقبول ، أعني قوله فانصرفت عنه ... فلقيني شخص ... قال لي : : ... صدق الشيخ أبو العباس فيما ذكره لك عن فلان ... ورجعت من حيني إلى الشيخ ... قال : ... إذا ذكرت لك مسألة يقف خاطرك عن قبولها إلى المخضر يتعرض اليك ... » (3).
1) يقصد به ابن حجر .
2) هكذا في المصدر المطبوع بالطبعة الحديثة ... ولكن في الترجمة (العريني) بالنون بدل (العربي) بالباء .
3) يظهر أن المؤلف رحمه الله اختصر هذا المقطع اختصاراً شديداً فلزمنا أن نتيه عليه بوضع النقاط لأن ظاهر عبارته أنه ينقل نصاً راجع النص بكامله في الفتوحات المكية : ط 1. ج 1. ص 186 - والفتوحات المكية : ط المجلس الأعلى للثقافة . الهيئة المصرية العامة للكتاب . تحقيق وتقديم د. عثمان يحيى السفر الثالث ، ص 180 . رقم الفقرة (149) .
ونظير هذا كثير في كتب أهل السنة ، وأما ما نقله الميبدي عن عبد الرزاق الكاشاني انه قال في الاصطلاحات :
«الخضر : كناية عن البسط.
وإلياس : كناية عن القبض .
وإما كون الخضر عليه السلام شخصاً انسانياً باقياً من زمان موسى عليه السلام إلى هذا العهد ، أو روحانياً يتمثل بصورته لمن يرشده فغير محقق عندي(1).
فهو خلاف الضرورة عند المسلمين .
وروى الشيخ الصدوق بسند معتبر عن الامام الصادق عليه السلام في خير طويل انه قال في آخره :
«وأما العبد الصالح - أعني الخضر عليه السلام - فان الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له، ولا لكتاب ينزله عليه ، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء ، ولا لإمامة يلزم عبادة الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له ؛ بل انَّ الله تبارك وتعالى لمّا كان في سابق علمه ان يقدّر من عمر القائم عليه السلام في أيام غيبته ما يقدّر ، وعلم ما يكون من انكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول ، طوّل عمرالعبد الصالح في غير سبب ( يوجب ذلك الّا لعلة الاستدلال به على عمر القائم عليه السلام) (2).
و ليقطع بذلك حجة المعاندين . (3)
وروي عن الامام الرضا عليه السلام أنّه قال : « انّ الخضر عليه السلام شرب من ماء الحياة فهو حي لا يموت حتى ينفخ في الصور.
وانَّه ليأتينا(1)فيسلم فنسمع صوته ولا نرى شخصه .
وانَّه ليحضر حيث ما ذكر ، فن ذكره منكم فليسلّم عليه .
وانَّه ليحضر الموسم كلّ سنة ، فيقضي جميع المناسك ، ويقف بعرفة ، فيؤمن على دعاء المؤمنين .
وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته ، ويصل به وحدته » (2).
ولا يخفى انه طبق جملة من الأخبار وكلام المفسرين والمؤرخين أنّه كان . طول عمره عليه السلام أنه شرب ماء الحياة ولكن العلامة الكراجكي قال في كنز الفوائد في مقام ذكر المعمَّرين :
«ومن المعمرين الخضر المتصل بقاؤه إلى آخر الزمان وما جاء من حديثه : ان آدم عليه السلام لما حضره الموت جمع بنيه فقال : يا بني ان الله تبارك وتعالى منزل على أهل الأرض عذاباً فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعتوا بي فادفنوني بأرض الشام فكان جسده معهم فلما به ا بعث الله نوحاً ضمّ ذلك الجسد وأرسل الله الطوفان على الأرض ففرقت الأرض زماناً فجاء نوح عليه السلام حتى نزل يبابل وأوصى بنيه الثلاثة وهم سام ويافت وحام أن يذهبوا بجسده إلى المكان الذي أمرهم أن يدفنوه فيه . فقالوا الأرض وحشة لا أنيس بها ولا يهتدي الطريق ، ولكن تكف متى يأمن الناس ويكثروا وتأنس البلاد وتجف ، فقال لهم : ان آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة فظل جسد آدم حتى كان الخضر وهو الذي تولي دفنه فأنجز الله تعالى وعده إلى ما شاء الله أن يحيى . وهذا حديث قد رواه مشايخ الدين وثقات المسلمين» (3).
المشهور بين علماء الخاصة والعامة بقاؤه عليه السلام في السماء حياً بحياة الأرض ، وقد رفع حياً إلى السماء ، ولم يمت ولا يموت الى آخر الزمان فينزل ويصلي خلف المهدي صلوات الله عليه ، ويكون وزيره .
والأخبار في ذلك كثيرة، وذكرها يوجب الإطناب ، وتقدمت بعضها في الباب الثالث في ذكر خصائص الامام المهدي عليه السلام .
المشهور بين علماء أهل السنة أنه ابن صياد الذي رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحلف عمر ، وقال : والله انك الدجال . كما صرح بذلك صاحب الكشف المخفي في مناقب المهدي .(1).
ولكن المحدث المعروف الكنجي الشافعي عده من أغلاط المحدثين في الباب الخامس والعشرين من كتاب البيان في اخبار صاحب الزمان عليه السلام ؛ وان الذي اختاره هو ما يطابق الحديث الذي ادعى اتفاق العلماء على صحته ، وهو الخبر المسند الذي رواه هناك عن عامر بن شراحيل الشعبي . - شعب همدان - أنه سأل فاطمة بنت قيس اخت الضحاك بن قيس ، وكانت من المهاجرات الأول ، فقال :. : حدثيني. حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لا لسند إلى أحد غيره ، فقالت : لئن شئت لأفعلن . فقال لها : أجل حدثيني ، فقالت : نكحت ابن المغيرة وهو من خيار شباب
1) الحديث موجود في البيان للكنجي : ص 526 ، قال : « وأما صاحب الكشف المخفي في مناقب المهدي فقد استدل على وجود الدجال بحديث ابن الصياد وأنه رأه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم نقل تمام الخبر وناقشه ، وأما الكتاب ومؤلفه فغير معروف حالياً ، ولكنه كان معروفاً عند السيد ابن طاووس : راجع الذريعة : ج 18 ، ص 59 .
قريش يومئذٍ فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم و خطبني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم على وليه اسامة بن زيد ، وكنت قد حدثت ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال : من أحبني فليحب اسامة فلا كلمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : أمري بيدك فأنكحني من شئت ، فقال : انتقلي إلى أم شريك وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله تنزل عليها الضيفان - فقلت : سأفعل ، قال : لا تفعلي . ان أم شريك كثيرة الضيفان ، فانّي أكره أن يسقط عنك خمارك وينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد ! الله بن عمرو بن أم مكتوم - وهو رجل من بني فهر من قريش وهو من البطن الذي هي منه - فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي - منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم - ينادي الصلاة جامعة ، فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من صلاته جلس على المنبر وهو يضحك ، فقال : ليلزم كل انسان مصلاه ، ثم قال : هل تدرون لم جمعتكم ؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : اني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال ، حدثني انه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهراً في البحر ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر حين مغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثيرة الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر . فقالوا : ويلك ما أنت ؟ قالت : أنا الجساسة ، قالوا : وما الجساسة ؟ قالت : أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فانّه إلى خبركم بالأشواق قال : لما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة ، قال : انطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير ، فاذا فيه أعظم انسان رأيناه خلقاً وأشده وثاقاً مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه
بالحديد ، قلنا : ويلك ما أنت ؟ قال : قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم ؟ قلنا : نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم(1)فلعب بنا الموج شهراً ، ثم أرفينا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقينا دابة أهلب كثيرة الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر ، فقلنا : ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الجساسة ، قلنا : ما الجساسة ؟ قالت : اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فانّه إلى خبركم بالأشواق . فأقبلنا اليك سراعاً وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة ، فقال : أخبروني عن نخل ببستان ، قلنا : عن أي شأنها تستخير ؟ قال : أسألكم عن نخلها هل يثمر ؟ فقلنا له : نعم ، قال : أما أنه يوشك أن لا يثمر ، قال : اخبروني عن بحيرة الطبرية ؟ قلنا : عن أي شأنها تستخبر ؟ قال : هل فيها ماء ؟ قالوا : هي كثيرة الماء ، قال : أما أن ماءها يوشك أن يذهب ، قال : أخبروني عن عين زغر(2)قالوا : عن ا ا : عن أي شأنها تستخبر ؟ قال : هل في العين ماء ؟ هل يزرع أهلها بماء العين ؟ قلنا له : نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها ، قال : أخبروني عن الأميين ما فعل ؟ قالوا : هاجر من مكة ونزل يثرب ، قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم ، قال : كيف صنع بهم ؟ فأخبرناه انه ظهر على من يليه من العرب فأطاعوه ، قال لهم : : قد كان ذلك ؟ قلنا : نعم ، قال : اما ان ذاك خير لهم أن يطيعوه واني مخبركم عنّي المسيح الدجال ، وانّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة هما محرمتان علي كلتاهما ، كلما أردت أن أدخل واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها وان على كل نقب (3)منها ملائكة يحرسونها ، قال : (4)قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم :
وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة يعني المدينة ألا هل كنت احدَّثكم ذلك ؟
فقال الناس : نعم ، قال : فانّه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ، ألا أنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو ، وأومى بيده إلى المشرق ، قال : فحفظت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1).
ونقل البغوي في مصباحه هذا الخبر عن فاطمة بحذف أوّل الخبر وعده في الصحاح(2).
ورواه عن فاطمة في اخبار الحسان(3)في حديث تميم الداري ، قال : فاذا بامرأة تجر شعرها ، قال : ما أنت ؟ قالت : أنا الجساسة، اذهب إلى ذلك القصر ، فأتيته . فاذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض . . فقلت : مَنْ أنت ؟ قال : أنا الدجال .
ولا يخفى ان بقاء الدجال من ذلك التاريخ وحتى ظهور الامام المهدي عليه السلام فانه أغرب من بقائه عليه السلام من عدة جهات .
الأولى : أن حياة شخص مغلول وبتلك الصعوبة في جزيرة لا يعرفها أحد ، ولم يطلع على حاله أحد، بالاضافة إلى أنّه لا يتمكن من أن ينفع أو يضر ، فهو أعجب من بقاء شخص مختار يسير في الأمصار قادر على ما يريده من أسباب الحياة ، وقادر
على دفع كل ضرر .
الثانية : ان عمره بحسب هذا الخبر وباقي الأخبار هو أزيد من عمره عليه السلام، بل ان ظاهر الخبر يدل على انه كان قبل مدة من بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلّم .
الثالثة : ان الدجال كافر مشرك بل يدعي الربوبية ويضل العباد ، بل أنه جاء في أخبار الفريقين أنّه ما بعث نبي | الا خوف أمته . من فتنة الدجال ، فبقاء مثل هذا الشخص وانه يرزق بطرق غير عادية أغرب بكثير من بقاء شخص بشر بوجوده جميع الأنبياء ، وكانوا ينتظرون ظهوره ليملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، ويقلع جذور وأساس الكفر والشرك والنفاق ، ويدعوا الخلق للاقرار بوحدانية الله عز وجل وهو ما لم يتهيأ لكل. نبي ووصي .... فهو أولى بالتغذية من خزانة الغيب - على فرض صحة نسبة أهل السنة إلى الامامية بأنه عليه السلام مستقر في السرداب في سر من رأى كما صرح بذلك الكنجي الشافعي فهو مع انصافه قد خدع بخدع سلفه لعدم اطلاعه على كتب الامامية-.
انّه ثبت ان بقاء عيسى عليه السلام والدّجال انّما هو تبعاً لبقائه عليه السلام، وبقاء الاثنين فرع لوجوده المبارك ، فانّ الحكمة من بقاء عيسى لايمان أهل الكتاب بخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق به كما أشير إليه في الآية الشريفة : « وَانْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ (1)، وللتصديق بدعوى الحجة عليه السلام، وتبيانه للطاغين باتباعه ، والصلاة خلفه ؛ فمن غير الجائز وجود عيسى وبقائه بدون أن ينصر الاسلام ويصدق الامام ويتبعه ، والا فسوف يكون مستقلاً بنفسه إلى الدعوة والدولة ، وهذا ما ينافي دعوة الاسلام، فلزم أن لا يكون لعيسى إلا النصرة والاعانة والتصديق ولا أثر من بقائه إلا ذلك ، وهذا عين فرعية وجوده وتبعيته للامام المهدي عليه السلام .
1) الآية 159 من سورة النساء.
وكيف يصح بقاء الفرع بدون بقاء الأصل ، والتابع بدون المتبوع ؟!
والحكمة من بقاء الدجال - الذي ليس في وجوده إلا الفتنة والفساد - ابتلاء و امتحان الله عزّوجل الخلائق ليميز مطيعهم من عاصيهم ،ومحسنهم من مسيئهم ، ومصلحهم من مفسدهم ، وهذا هو فرع وجود من تتعلّق الطاعة والعصيان والصلاح بأمره ونهيه وفعله وتركه ، وليس هو إلا المهدي عليه السلام الذي لا يكون أحد غيره آية لنبوة جده صلى الله عليه وآله وسلّم .
فكيف يمكن بقاء هذين الفرعين والتصديق بهما ، ويستبعد بقاء الأصل الذي تمام وجوده رحمة ولطف وخير وبركة ؟!
روى الثعالبي في عرائس التيجان(1)باسناده عن رجل من أهل عسقلان : أنه كان يمشي بالأردن عند نصف النهار قرأى رجلاً ، فقال : يا عبد الله من أنت ؟ فقال : أنا الياس ، قال : فوقعت علي رعدة شديدة ، فقلت له : ادع الله أن يرفع عني ما أجد حتى أفهم حديثك وأعقل عنك .
قال : فدعا لي بثمان دعوات وهن : یا بر یا رحیم ، يا حنان يا منان ، يا حي يا قيوم ، ودعوتين بالسريانية لم أفهمهما ، وقيل هما : باهيا شراهيا، فرفع الله عني . كنت أجد ، ووضع كفه بين كتفي ، فوجدت بردها بين يدي ، وقلت له : أيوحى اليك اليوم ؟ فقال : منذ بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلّم رسولاً فانه لا يوحى إلي . قال : فقلت له : فكم من الأنبياء اليوم أحياء ؟ قال : أربعة : اثنان في الأرض واثنان في السماء ، أما اللذان في السماء فعيسى وادريس عليها السلام. وأما اللذان في الأرض فالياس والمخضر عليهما السلام ، قلت : كم الأبدال ؟ قال : ستون رجلاً : خمسون منهم من
1) المطبوع تحت عنوان عرائس المجالس).
لدن عريش مصر إلى شاطئ الفرات ، ورجلان بالصيصة ورجل بعسقلان وسبعة في سائر البلدان ، كلما أذهب الله واحداً منهم جاء بآخر مكانه . ، وبهم يدفع الله عن الناس البلاء وبهم يمطرون ، قلت : فالخضر أين يكون ؟ قال في جزائر البحر . فقلت : هل تلقاه ؟ قال : نعم ، قلت : أين ؟ قال : بالموسم ، قلت : فما يكون حديثكما ؟ قال : يأخذ من شعري وآخذ من شعره . قال : وكان ذلك حين جرى بين مروان بن الحكم وبين أهل الشام القتال ، قلت : فما تقول في مروان بن الحكم ؟ قال : رجل جبار عاتٍ على الله تعالى ، والقاتل والمقتول والشاهد في النار . قلت : فاني قد شهدت ولم أطعن برع ولا رميت بسهم ولم أضرب بسيف وأنا أستغفر الله من ذلك المقام أن أعود إلى مثله أبداً ، قال : أحسنت فهكذا فكن . قال : فبينما أنا وإياه قاعدان إذ وضع بين يديه رغيفان أشد بياضاً من الثلج، فأكلت أنا وهو رغيفاً وبعض الآخر . ثم رفعت رأسي وقد رفع باقي الرغيف الآخر ، فما رأيت أحداً وضعه ولا رأيت أحداً رفعه ، قال : وله ناقة ترعى في وادي الأردن فرفع رأسه إليها ، فلما دعاها جاءت وبركت بين يديه فركبها ، فقلت له : انّي أريد أن أصحبك ، قال : انك لا تقدر على صحبتي ، قال : فقلت له : اني خلو لا زوجة لي ولا عيال ، قال : تزوج ، وإياك والنساء الأربع . الناشزة ، والمختلعة ، والملاعنة ، والبززة، وتزوج ما بدا لك من النساء ، قال : فقلت : اني أحب أن ألقاك ، قال : فاذا رأيتني فقد لقيتني اني اعتكف في بيت المقدس في شهر رمضان ، ثم حالت بيني وبينه شجرة ، فو الله ما أدري كيف ذهب (1).
وقد نقلنا هذا الخبر مع عدم اطمئناننا بصدقه ليظهر عدم انصاف اهل السنة حيث ينقلون هذا النوع من الأخبار ، ولا يستبعدونه ولا يطعنون في راويه ، مع ان ما تدعيه نحن في حق امام العصر عليه السلام من بقائه واختفائه واغاثته وسيره في البراري والبحار وغير ذلك مما يقولونه هم في حق الخضر وإلياس ، ولكنهم يستبعدونه
1) عرائس المجالس (الثعلبي) :
ويستغربونه وينفون المحكمة فيه، وقد يعبرون عنه احياناً بالامام المعدوم ، نعوذ بالله من الخذلان والشقاء.
قال السيد المرتضى في الشافي : وروى اصحاب الأخبار ان سلمان الفارسي عاش ثلاثمائة وخمسين سنة .
وقال بعضهم : بل عاش اكثر من اربعمائة سنة .
وقيل : انّه أدرك عيسى عليه السلام(1)
وقال الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة :
«وروى اصحاب الأخبار انّ سلمان رضي الله عنه لقي عيسى بن مريم عليه السلام ،وبقي إلى زمان نبينا صلى الله عليه وآله وسلّم و (وهو) خبر مشهور (2).
وعليه يكون قد تجاوز الخمسمائة
وروى الحضيني انه عندما أسلم سلمان أقبل المسلمون يهنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أتهنّون سلماناً بالاسلام وهو يدعو بني اسرائيل بالله منذ اربعمائة سنة وخمسين سنة ....(3)
وفي خبر آخر أنه قال صلى الله عليه وآله وسلّم لزوجاته : سلمان عيني الناظرة ، ولا تظنون انه كمن ترون من الرجال ، ان سلمان كان يدعو إلى الله تعالى وإلي قبل مبعثي بأربعمائة وخمسين سنة...(4).
وروى العالم الجليل السيد علي ابن عبد الحميد النيلي في (الأنوار المضيئة) عن جده باسناده (1)إلى الرئيس ابي الحسن الكاتب البصري وكان من الأدباء قال : في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة أسنت البر سنين عدة ، وبعثت السماء درّها ، وخص الحيا أكناف البصرة وتسامع العرب بذلك فوردوها من الأقطار البعيدة والبلاد الشاسعة (2)على اختلاف لغاتهم وتبائن فطرهم، فخرجت مع جماعة من الكتاب ووجوه التجار تتصفّح أحوالهم ولغاتهم وتلتمس فائدة ربما وجدناها عند أحدهم ، فارتفع لنا بيت عال فقصدنا، فوجدنا في كسره شيخاً جالساً قد سقط حاجباه على عينيه [ كبراً وحوله جماعة من عبيده وأصحابه ] وسلّمنا عليه فرد التحية وأحسن التلقية ، فقال له رجل منا : هذا السيد - وأشار إلي - هو الناظر في معاملة الدرب وهو من الفصحاء وأولاد العرب، وكذلك الجماعة ما منهم ! الا. من ينسب إلى قبيلة ويختص بسداد وفصاحة ، وقد خرج وخرجنا معه حتى(3)وردتم ملتمس الفائدة المستطرفة من أحدكم، وحين شاهدنا رجونا ما نبغيه عندك لعلو سنك .
فقال الشيخ : والله يا بني أخي حياكم الله ان الدنيا شغلتنا عما تبتغونه مني ، فان أردتم الفائدة فاطلبوها عند أبي وها بيته وأشار إلى خباء كبير بازائه .
[ فقلنا النظر إلى مثل والد هذا الشيخ الهم (4)فائدة نتعجل ] فقصدنا ذلك البيت فوجدنا في كسره شيخاً متضجعاً وحوله من المخدم والأمر أوفى مما شاهدناه أولاً
[ورأينا عليه من آثار السن ما يجوز له أن يكون والد ذلك الشيخ ، فدنونا منه ](1)وسلّمنا عليه [ فأحسن الرد وأكرم الجواب، فقلنا له مثل ما قلنا لابنه ، وما كان من جوابه وانه دلنا عليك فخرجنا بالقصد اليك] (2)فقال : يا بني أخي حياكم الله ان الذي شغل ابني عمّا التمستموه منه هو الذي شغلني عمّا هذه سبيله ، ولكن الفائدة تجدونها عند والدي وها هو بيته وأشار إلى بيت منيف(3)بنحوه منه ، فقلنا فيما بيننا حسبنا من الفوائد مشاهدة والد هذا الشيخ الفاني فان كانت منه فائدة فهي ربح لم یحتسب .
وقصدنا ذلك الخباء ، فوجدنا حوله عدداً كثيراً من الاماء والعبيد ، فحين رأونا تسرعوا إلينا وبدأوا بالسلام علينا وقالوا : ما تبغون حياكم الله ؟ فقلنا : تبغي السلام على سيدكم وطلب الفائدة من عنده بيركتكم . فقالوا : الفوائد كلّها عند سيدنا، ودخل منهم من يستأذن ثم خرج بالاذن لنا ، فدخلنا فاذا سرير في صدر البيت وعليه مخاد(4)من جانبيه ووسادة في أوله وعلى الوسادة رأس شيخ قد بلى وطار شعره [ والازار على المخاد التي من جانبي السرير ليستره ولا ينقل منه عليه ] (5)فجهرنا بالاسلام ، فأحسن الرد وقال قائلنا مثل ما قال لولده وأعلمناه أنه أرشدنا إلى أبيه(6)، فحججنا بما احتج به وانّ أباء أرشدنا ] اليك وبشرنا بالفائدة منك . ففتح الشيخ عينين قد غارتا في أم رأسه وقال للخدم : أجلسوني ، فلم تزل
1) ليس ما بين القوسين فى البحار.
2) ليس ما بين القوسين في البحار ، وعوضه : وأخبرناه بخير ابنه .
3) المنيف : المرتفع يقال : جبل منيف أي مرتفع مشرف .
4) المحاد جمع المخدة بكسر الميم وفتح الخاء والدال وتشديده : ما يجعل عليه الخد عند النوم . والوسادة ايضاً المخدة، طار شعره : أي طال شعره. الازار :الملحفة .
5) ما بين القوسين ليس في (ب) والبحار
6) ما بين القوسين ليس في (أ) والبحار .
أيديهم تتهاداه (1)بلطف إلى أن أجلس [وستر بالازر التي طرحت على المحاد ] . ثم قال لنا : يا بني أخي لأحدثتكم بخير تحفظونه عني وتفيدون منه ما يكون فيه ثواب لي . كان والدي لا يعيش له ولد ويحب أن يكون له عاقبة ، فولدت له على كبر . ففرح بي وابتهج بموردي ، ثم قضى ولي سبع سنين ، فكفلني عتي بعده وكان مثله في الحذر(2)علي ، فدخل بي يوماً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : يا رسول الله ان هذا ابن أخي وقد مضى أبوه لسبيله وأنا كفيل بتربيته وانني أنفس به على الموت فعلمني عودة أعوذه بها ليسلم ببركتها ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أين أنت عن ذات القلاقل . فقال : يا رسول الله وما ذات القلاقل ؟ قال : أن تعوّذه فتقرأ عليه سورة الجحد وهي قل يا أيها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون) إلى آخرها وسورة الاخلاص (قل هو الله احد الله الصمد) إلى آخرها وسورة الفلق (قل أعوذ برب من شر ما خلق إلى آخرها وسورة الناس قل أعوذ برب الناس . ملك الناس إلى آخرها ، وأنا إلى اليوم أتعوّذ بها كل غداة فما أصبت بولد ولا أصيب لي مال ولا مرضت ولا افتقرت ، وقد انتهى بي السن إلى ما ترون ، فحافظوا عليها واستكثروا من التعوذ بها [ فسمعنا ذلك منه ] ثم انصرفنا من عنده (3)
عمّر ثلاثمائة وخمسين سنة ، وأدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأسلم ، وبقي حياً
1) تهادى القوم تهادياً : اهدى بعضهم إلى بعض ، ومعنى : أيديهم تهاداه بلطف أي تهديه يد هذا بهذا برفق ولين. وما بين القوسين ليس في (ب) وليس في البحار من بعد (اجلسوني) إلى (على المخاد) ، وايضاً ليس فيه من (و تفيدون) إلى (ثواب لي).
2) الحذر: الخوف والحزم.
3) ليس ما بين القوسين في البحار و (ب) البحار : ج 051 ص 258 - راجع منتخب الأنوار المضيئة (السيد علي بن عبد الكريم النيلي النجف - تحقيق السيد عبد اللطيف الكوهكمري) : ج 98 إلى 101 . ط الخيام قم سنة 1401 ه-. ق .
إلى عهد معاوية فقال له : وأدركت من قد عاش الف سنة ، فحدثني عمّن كان قبله قد عاش ألفي سنة (1)
قال لعبد الملك : عشت مائتي سنة بين عيسى ومح- صلى الله عليه وآله وسلم) وعشرين ومائة سنة في الجاهلية ، وستين سنة في الاسلام(2).
وعاش مائتين وأربع عشرة سنة (5).
1) راجع كمال الدين الصدوق) 2، ص 548 ، باب 51 - وكتاب : المعمرون (أبو حاتم السجستاني) : ص 50 - البحار : ج 51، ص 233 .
2) راجع كمال الدين (الصدوق) : ج 2 . ص 550 . باب 52 - وعنه البحار : ج 51 ، ص 235 .
3) راجع كمال الدين (الصدوق) : ج 2، ص 575 - وعنه البحار
4) راجع مقتضب الأثر الابن عياش) : ص 32 إلى 39 - والبحار : ج 9، ص 127 - منتخب الأنوار المضيئة (السيد على النيلي) : ص 107 - الشيعة والرجعة (الطبسي) : ج 1 ، ص 284 الذهب (المسعودي) : ج 1 ، ص 52 إلى 84 - المستطرف في كل فن مستظرف : ج 2 ص 75 الباب 48 الفصل 4 - كنزالفوائد (الكراجكي) : ص 254 و 256 الى 287 - مروج وغير ذلك.
5) راجع كمال الدين (الصدوق) : ج 2، ص 555 - والبحار : ج 51، ص 237 - كنز الفوائد (الكراجكي) : ص 253 - الشيعة والرجعة : ج 1 ، ص 260 .
عمر ثلاثمائة سنة، وخبره .
قال في القاموس : « ليس بصحابي(1)وانما هو كذاب ظهر بالهند بعد الستمائة فادعى الصحبة وصدق ، وروى أحاديث سمعناها من أصحاب أصحابه»(2).
ونقل السيد الفاضل المتبحّر الجليل السيد عليخان المدني في كتاب (سلوة الغريب وأسوة الأريب) عن الجزء الثامن لتذكرة صلاح الدين الصفدي انه قال :
نقلت من خطّ علاء الدين علي بن مظفّر الكندي : : حدثنا القاضي الأجل العالم عبد محمد بن سلمان بن ابراهيم الكاتب من لفظه في يوم الأحد خامس عشر ذي الحجة سنة احدى عشرة وسبع مائة بدار السعادة بدمشق المحروسة قال : أخبرنا الشريف قاضي القضاة نور الدين أبو الحسن علي بن الشريف شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الحسين الحسيني الأثري الحنفي من لفظه في العشر الآخر من جمادى الأولى عام إحدى وسبع مائة بالقاهرة قال : أخبرني جدي الحسين بن محمد قال :
كنتُ في زمن الصبا وأنا ابن سبع عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة سافرت مع أبي محمد وعمّي عمر من خراسان إلى بلد الهند في تجارة .
فلمّا بلغنا أوائل بلاد الهند وصلنا إلى ضيعة من ضياع الهند ، فعرج أهل القفل نحو الضيعة ونزلوا بها وضجّ أهل القافلة. فسألناهم عن الشأن ، فقالوا : هذه ضيعة
الشيخ رتن اسمه بالهندية وعربه الناس وسموه بالمعمّر لكونه عمر عمر عمراً خارجاً عن العادة . فلما نزلنا خارج الضيعة رأينا بفنائها شجرة عظيمة تظل خلقاً عظيماً وتحتها جمع عظيم من أهل الضيعة ، فتبادر الكلّ نحو الشجرة ونحن معهم . فلما رآنا أهل الضيعة سلّمنا عليهم وسلّموا علينا . ورأينا زنبيلاً كبيراً معلقاً في بعض أغصان الشجرة ، ، ، فسألنا . عن ذاك فقالوا : هذا الزنبيل فيه الشيخ رتن الذي رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرتين ودعا له بطول العمر ست مرات . فسألنا جميع أهل الضيعة أن ينزل الشيخ ونسمع كلامه وكيف رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وما يروي عنه ، فتقدم شيخ من أهل الضيعة إلى الزنبيل وكان ببكرة فأنزله فاذا هو مملوء بالقطن والشيخ في وسط القطن . ففتح رأس الزنبيل وإذا الشيخ فيه كالفرخ فحسر عن وجهه ووضع فيه على أذنه وقال : يا جداه ، هؤلاء قوم قد قدموا من خراسان وفيهم شرفاء أولاد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وقد سألوا أن تحدثهم كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وماذا قال لك . فعند ذلك تنفس الشيخ وتكلّم بصوت كصوت النحل بالفارسية ونحن نسمع ونفهم كلامه ، فقال : سافرت مع أبي وأنا شاب من هذه البلاد إلى الحجاز في تجارة ، فلما بلغنا بعض أودية مكة وكان المطر قد ملأ الأودية بالسيل فرأيتُ غلاماً أسمر اللون مليح الكون حسن الشمائل وهو يرعى ابلاً في تلك الأودية وقد حال السيل بينه وبين إبله وهو يخشى من خَوْض السيل لقوته .
فعلمتُ حاله فأتيت إليه وحملته وحضتُ السيل إلى عند إبله من غير معرفة سابقة . فلما وضعته عند إبله نظر إلي وقال لي بالعربية : بارك الله في عمرك ، بارك الله في عمرك . بارك الله في عمرك . فتركته ومضيت إلى سبيلي إلى أن دخلنا مكة وقضينا ما كنا أتينا له من أمر التجارة وعُدنا إلى الوطن . فلمّا تطاولت المدة على ذلك كنّا جلوساً في فناء ضيعتنا هذه في ليلة مقمرة [و] رأينا ليلة البدر [ والبدر ] في كبد السماء إذ نظرنا إليه وقد انشقّ نصفين فغرب نصف في المشرق ونصف في المغرب ساعة زمانية ، وأظلم الليل ثم طلع النصف من المشرق والنصف الثاني من المغرب إلى أن
التقيا في وسط السماء كما كان أوّل مرة ! فعجبنا من ذلك غاية العجب ولم نعرف لذلك سبباً . وسألنا الركيان عن خبر ذلك وسببه [ف] أخبرونا أن رجلاً هاشمياً ظهر بمكة وادعى انه رسول من الله إلى كافة العالم وان أهل مكة سألوه معجزة كمعجزة سائر الأنبياء وانهم اقترحوا عليه أن يأمر القمر فينشق في السماء ويغرب نصفه في الغرب ونصفه في الشرق ثم يعود إلى ما كان عليه ، ففعل لهم ذلك بقدرة الله تعالى . فلما سمعنا ذلك من السفار اشتقتُ أن أرى المذكور فتجهزتُ في تجارة وسافرت إلى أن دخلت مكة وسألت عن الرجل الموصوف .
فدلوني على موضعه فأتيت إلى منزله واستأذنت عليه ، فأذن لي ، ودخلت عليه فوجدته جالساً في صدر المنزل والأنوار تتلألأ في وجهه وقد استنارت محاسنه وتغيرت صفاته التي كنت أعهدها في السفرة الأولى فلم أعرفه . فلما سلمت عليه نظر إلي وتبسم وعرفني وقال : وعليك السلام ، ادْنُ منّي . وكان بين يديه طبق فيه رطب وحوله جماعة . من أصحابه كالنجوم يعظمونه ويبجّلونه ، فتوقفت لهيبته ، فقال ثانياً : ادن مني وكل ، الموافقة من المروءة والمنافقة من الزندقة . فتقدمت وجلست وأكلت معهم من الرطب ، وصار يناولني الرطب بيده المباركة إلى أن ناولني ست رطبات من سوى ما أكلت : بيدي . ثم نظر إلي وتبسّم وقال لي : ألم تعرفني ؟ قلت : كأني . غير أنّي ما أتحقق . فقال : ألم تحملني في عام كذا وجاوزت بي السيل حين . السيل بيني وبين إبلي ؟
فعند ذلك عرفته بالعلامة وقلت له : بَلَى والله يا صبيح الوجه ، فقال لي : امدد إلي يدك . فمددت يدي اليمنى إليه فصافحني بيده اليمنى وقال لي : قُل أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . فقلت ذلك كما علمني فسر بذلك . وقال لي عند خروجي من عنده : بارك الله في عمرك ، بارك الله في عمرك ، بارك الله في عمرك . فودعته وأنا مستبشر بلقائه وبالاسلام . فاستجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وآله وسلّم وبارك في عمري بكل دعوة مائة سنة، وها عمري اليوم نيف وست مائة سنة ، لسنة
أزداد في عمري بكل دعوة مائة سنة ، وجميع من في هذه الضيعة العظيمة أولاد أولاد أولادي وفتح الله علي وعليهم بكل خير وبكلّ نعمة ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، انتهى (1)والحمد لله .
قال الصفدي بعد أن ذكر هذه الحكاية : قد رأيت بعض من توقف في حديث هذا المعمّر وأدخل الشك فيه بطول عمره بهذا المقدار وتردّد في صدقه .
ثم ذكر ان سبب شكه من التجربة وكلام الطبيعيين وسوف يأتي بعد ذلك .
ثم ردّ ذلك الكلام بكلام أبي مشعر وابي الريحان وغيرهما من المنجمين وسوف نذکرهم .
وقال : بقاء رتن هذا العمر الذي حكي عنه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم دعا الجماعة من اصحابه بكثرة الولد وطول العمر .. إلى أن قال : فليس جديداً أن يدعو له ست مرات فيعيش ستمائة سنة . امكان هذا الأمر ، غاية ما في الباب اننا لم نر أحداً وصل إلى هذا الحد ، وعدم الدليل لا يدل على عدم المدلول (2)
قال الشيخ شمس الدين : من صدق هذه الأعجوبة وآمن ببقاء رتن قا لنا فيه طب ، فليعلم انني أول من كذب بذلك وانتي عاجز منقطع معه في المناظرة ، وما أبعد أن يكون حتى تبدى بأرض الهند وادعى ما ادعى فصدقوه الابل هذا شيخ معثر دجّال كذب كذية ضخمة لكي تتصلح خائبة الضياع، وأتى بفضيحة كثيرة والذي يُحلف به أنه رتن لكذاب قاتله الله اني يؤفك . وقد أفردت جزء فيه أخبار هذا الضال سميته (كسر وثن رتن) .
وقال لي الشيخ علم الدين البرزالي وقد سألته . عن هذا الحديث فقال لي : هو من أحاديث الطرقية .
.1) راجع صلاح الدين الصفدي في (الوافي بالوفيات) : ج 14 ، ص 99 إلى 102 - وقد نقلت الحكاية في قوات الوفيات : ج 1 ، ص ، 324 ، تحت رقم 128 - وكذلك في الاصابة الابن حجر العسقلاني مع تفصيل كثير : ج 1 ، ص 532 إلى 538 - وكذلك نقله ابن حجر في السان الميزان) : ج 2، ص 556 - 562 .
2) أقول في الوافي بالوفيات : 102 أ 1 . بعد أن نقل تلك الحكاية قال : وذكر عبد الوهاب القارئ الصوفي انه توفي في حدود سنة اثنتين وثلاثين وست مائة ، وذكر النجيب عبد الوهاب ايضاً انه سمع من الشيخ محمود [ بن ] بابا رتن، وانه بقي إلى سنة تسع وسبع مائة ، وانه قدم عليهم شيراز. وذكر أنه ابن مائة وست وسبعين عاماً، وانه تأهل ورزق أولاداً .
وقال محمد بن عبد الرحمن بن علي الزمردي أخبرني القاضي معين الدين عبد المحسن بن القاضي جلال الدين عبد . الله بن هشام بالحديث السابق سماعاً عليه قال : أخبرني بهذا قاضي القضاة المذكور في الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة . وثلاثين وسبعمائة ، ثم نقل عن الذهبي أنه يكذب هذه الدعوى ولم يذكر مستنداً ، ونقل عن المجلد الأول من كشكول الشيخ رضي ا الدين علي لألاء الغزنوي : ان الشيخ المذكور توفي في سنة اثنين وأربعين وستمائة ، ونقل عن آخر الثلث الأخير للنفحات ان هذا الشيخ يعني علي الغزنوي سافر إلى الهند وصاحب أبا الرضا رتن . . ، واعطاء . مشطاً كان يعتقد أنّه مشط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وذكر للمشط شأناً ليس
رتن هنا محل ذكره (1).
وعلي اللألاء المذكور هو أخ (حكيم سنائي) الشاعر المشهور .
وقال في دوائر العلوم : أبو الرضا رتن بن أبي النصر معمر الهندي قال بعض : أنه كان من الصحابة ، له كتب ، توفي في الثالث من جمادى الأولى سنة اثنين وأربعين وستمائة (2).
وروى الشيخ الفاضل ابن أبي جمهور الاحسائي في أول كتاب عوالي اللثالي بأسانيده عن العلامة جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر قال : رويت عن مولانا شرف الدين، اسحاق بن محمود اليماني القاضي بقم ، عن خاله مولانا عباد الدين محمد بن محمد بن فتحان القمي عن الشيخ صدر الدين الساوي ، قال : دخلت على الشيخ بابا رتن وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، فرفعهما عن عينيه فنظر إلى وقال : ترى عيني هاتين ؟ طالما نظرنا إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد رأيته
يوم حفر الخندق، وكان يحمل على ظهره التراب مع الناس ، وسمعته يقول في ذلك اليوم : « اللهم اني أسألك عيشة هنيئة ، وميتة سوية ، ومردّاً غير مخز ولا فاضح »
وقال العالم الرباني مولانا محمد صالح المازندراني في شرح اصول الكافي :
«وقد رأيت خط العلامة الحلّي كتبه بيده، رابع عشر من شهر رجب سنة سبع عشرة وسبعمائة ، رويت عن مولانا شرف الملة والدين (1)... إلى آخر ما نقلناه عن الغوالي.
والظاهر من ذلك انّه من امثاله ولو لم يكن مطمئناً لما نقل مثل هذا الخير العجيب بحسب السند .
ويظهر ان لا مستند لتضعيف الشيخ البهائي وتكذيبه (2)الا كلام الذهبي صاحب رسالة (كسر وتن بابا رتن ولم يكن له مستند غير الاستبعاد والله العالم .
قال صالح بن عبد الله كان من المعترين ورأيته سنة أربع وثلاثين وسبعمائة فقال : رأيت سلمان الفارسي رضي الله عنه وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :
«حب الدنيا رأس كل خطيئة ورأس العبادة حسن الظن بالله»(3)
1) راجع شرح أصول الكافي (المولى محمد صالح المازندراني) : ج 2، ص 380
2) راجع الأربعين الشيخ البهائي) : ص 146 - 147 ، قال : « وقد ظهر في الهند بعد الستمائة من الهجرة شخص اسمه باب رتن ادعى انه من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه عمر إلى ذلك الوقت ، وصدقه جماعة. واختلق احاديث كثيرة زعم أنه سمعها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال صاحب القاموس سمعنا تلك الأحاديث من اصحاب أصحابه وقد صنف كتاباً في تبيين كذب ذلك اللعين سماه کسر وثن بابا رتن " انتهى .
3) راجع غوالي اللئالي ابن ابي جمهور الاحسائي) : ج 1 ، ص 27 وعنه باسناده قال ابو العباس : حدثني السيد السعيد بهاء الدين علي بن عبد الحميد قال : روى لي الخطيب الواعظ الاستاذ الشاعر يحيى بن النحل الكوفي الزيدي مذهباً عن ا عن صالح بن عبد الله اليمني . كان قدم الكوفة ، قال يحيى : ورأيته بها سنة أربع وثلاثين وسبعمائة عن أبيه عبد الله اليمني وأنه كان من المعمرين وأدرك سلمان الفارسي رضي الله عنه وأنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : حب الدنيا رأس كل خطيئة ، ورأس العبادة حسن الظن بالله » . ورواه عنه في البحار : ج 51، ص 258 - ورواه المؤلف رحمه الله في المستدرك : ج 2 ، ص 331 ، الطبعة الحجرية .
قال في المستطرف : عاش ثلاثمائة وعشرين سنة وأدرك الاسلام (1).
عاش ثلاثمائة سنة (2).
عاش مائتي وأربع عشرة سنة(3).
مائتي سنة (4)
1) المستطرف في كل فن مستظرف شهاب الدين محمد بن احمد بن أبي الفتح الايشيهي) : ج 2 . ص 75 .
2) راجع كمال الدين الصدوق): ج2 ص 551- وعنه في البحارج51ص236.
3) راجع كمال الدين الصدوق): ج2 ص 555- وعنه في البحارج51ص237.
4) هكذا في الترجمة والعله في الغيبة (الطوسي) : ص 116 « ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو عاش مانتي سنة وعشرين » أو «سيف بن وهب الطائي عاش مائتي سنة » كما في كنز الفوائد (الكراجكي) : ص 262 .
روانة (رواعد) بن كعب :
ثلاثمائة سنة(1)
ولعله ( رداءة بن كعب) ، قال الصدوق (كمال الدين): : ج 02
2، ص 556 « وعاش رداءة بن كعب بن ذهل بن قيس النخعي ثلاثمائة سنة » ونقل له شعراً .
عبيد بن الأبرص :
ثلاثمائة سنة (2)
فقال :
فنيت و افناني الزمان واصبحت *** لداتي بنو نعش وزهر الفراقد
زهير بن هبل بن عبد الله :
ثلاثمائة سنة (3).
عمر بن عامر ماء السماء :
ثمانمائة سنة(4).
1) في كنز الفوائد للكراجكي : ربيعة بن كعب بن زيد بن مناة بن تميم عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة وأدرك الاسلام فأسلم وكان شاعراً .
2) راجع كمال الدين (الصدوق) : 2، ص 558 وعاش عبيد بن الأبرص ثلاثمائة سنة »
3) راجع كمال الدين (الصدوق) : ج 2، ص 560 « وعاش زهير بن حباب بن هيل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد الله بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي ثلاثمائة سنة »
4) قال الشيخ الطوسي في (الغيبة) : ص 124 « عمرو بن عامر فريقيا روى الاصفهاني عن عبد المجيد بن أبي عيسى الأنصاري والشرقي بن قطامي انه عاش ثمانمائة سنة ... الخ » - والصدوق في ( كمال الدين : ج 2، ص 560 - وفي البحار : ج 051 ص 290 .
هبل بن عبد الله بن كنانة :
ستمائة سنة (1).
المستوغر بن ربيعة :
ثلاثمائة وثلاثين سنة(2).
درید ابن فهد :
اربعمائة وخمسون سنة (3)
بن زيد بن فهد القضاعي » - الغيبة (الطوسي) : ص 120) وفيه « دويد بن فهد بن زيد » .
.تيم [ الله ] عكاية :
مائتي سنة (4)
وفي كمال الدين (الصدوق) : ج 2، ص 561 " تيم الله بن ثعلبة بن عكاية » .
.1) قال الكراجكي في كنز الفوائد : ص 261 هبل بن عبد الله بن كنانة الكلبي عاش ستمائةوسبعين سنة )
2) راجع كنز الفوائد (الكراجكي) : ص 249 ، الطبعة الحجرية ، وقال : « المستوغر بن ربيعة بن كعب عاش ثلاثمائة وثلاثاً وثلاثين سنة ... وذكر بعض أشعاره » - وراجع كمال الدين (الصدوق) : ج 2، ص 561 ، وفيه ثلاثمائة وثلاثين .
3) راجع كمال الدين (الصدوق) : ج 2، ص 561 « وعاش دويد بن زيد بن نهد أربعمائة سنة و خمسين سنة وذكر شعراً له ووصية لبنيه - وكنز الفوائد الكراجكي) : ص 250 وفيه « دريد
4) قال الكراجكي في كنز الفوائد : ص 261 « تيم ابن ثعلبة بن عكاية الربعي عاش مائتي سنة » .
معدي كرب :
مائتي وخمسون سنة (1).
شرية بن عبد الجمعي :
ثلاثمائة سنة (2).
ذو الأصبع العدواني :
ثلاثمائة سنة (3)
جعفر بن قبط :
ثلاثمائة سنة ).(4)
1) قال الكراجكي في كنز الفوائد : ص 261 « معدي كرب الحميري من آل رعين عاش مائتين وخمسين سنة » - وراجع كمال الدين الصدوق) : ج 2، ص 562 .
2) قال الكراجكي في كنز الفوائد : ص 261 « شرية بن عبد الله الجمعني من سعد العشيرة عاش ثلاثمائة سنة » - وراجع كمال الدين الصدوق) : ج 2، ص 562 .
3) راجع المستطرف : - 2، ص 75 « ومن المعمرين ذو الأصابع العذري عاش مانتين وعشرين سنة، وهو أحد حكماء العرب في الجاهلية » - وفي كمال الدين (الصدوق) : ج 2 . من 0567 وعاش ذو الأصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث بن محرث بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن الضراب بن عثمان ثلاثمائة سنة » - وفي كنز الفوائد الكراجكي) : ص 251 .
4) قال الكراجكي في كنز الفوائد : ص 361 « جعفر بن قرط الجهني عاش ثلاثمائة سنة وأدرك الاسلام وأسلم » - وفي كمال الدين (الصدوق) : ج 2، ص 567 « وعاش جعفر بن قبط ثلاثمائة سنة وأدرك الاسلام والأصوب (قرط) كما في كتب الأنساب .
مهن بن عنان :
مائتي وخمسون سنة (1)
صيفي بن رياح :
أبواكثم المعروف بذي الحلم : مائتي وسبعون سنة (2).
اكثم بن صيفي :
ثلاثمائة سنة (3).
عامر بن الطرب العدواني :
ثلاثمائة سنة (4).
مربع بن ضبع :
مائتي وأربعون سنة (5).
1) في كمال الدين (الصدوق) : ج 2، ص 567 « وعاش محصن بن عتبان بن ظالم بن عمرو بن قطيعة بن الحارث بن سلمة بن مازن الزبيدي مائتين وخمسين سنة » .
2) قال الكراجكي في ( كنز الفوائد : ص 250 « صيفي بن رياح بن اكثم عاش مائتي سنة وسبعين سنة ولا ينكر من عقله شيء وزعم بعض الرواة انه ذو الحلم الذي قال له الملتمس اليشكري : لذي الحلم من قبل ما تقرع العصا وما علم الانسان الا ليحلها » .
3) قال الكراجكي في (كنز) الفوائد : ص 249 « اكثم بن صيفي ) الأسدي التميمي وكان حكيماً مقدماً ولم تكن العرب تفضل عليه أحداً عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين » ونقل بعض أشعاره وأحواله .
4) قال الصدوق في كمال الدين : ج 2، ص 567 « وعاش عامر بن الظرب العدواني ثلاثمائة سنة » - وفي كنز الفوائد الكراجكي) : ص 251 عامر بن الطرب العدواني »
5) قال الكراجكي في (كنز الفوائد : ص 249 ربيع بن ضبع بن وهب بن بعيض بن مالك بن سعد بن عدي بن قرادة عاش ثلاثمائة سنة وأربعين سنة وأدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يسلم .. ثم نقل بعض أشعاره.
عمرو بن حميمة الدوسي :
اربعمائة سنة (1).
معمّر المشرقي :
الساكن سهرورد وقد أدرك أمير المؤمنين عليه السلام، ونقل العلامة الكراجكي في كنز الفوائد عن جماعة من أهل السنة وأهل ذلك البلد أنهم رأوه حدود سنة أربعمائة و خمسين وصدّقوا طول عمره ولقاءه أمير المؤمنين عليه السلام(2).
الحارث بن مضاض :
عمر أربعمائة سنة (3).
وقد ذكرت أخبار وأشعار هذه الجماعة مفصلة في كمال الدين(4)وغرر السيد
1) راجع كنز الفوائد (الكراجكي) : ص 250 « عمرو بن حممة الدوسي عاش أربعمائة سنة » ونقل بعض أشعاره وأحواله .
2) راجع كنز الفوائد (الكراجكي) : ص 262 ، قال رحمه الله : « وقد ذاع بين كثير من الخصوم ما یروى ويقال اليوم من حال المعمر ابي الدنيا المغربي ... وكذلك حال المعمر الآخر المشرقي ووجوده بمدينة من أرض المشرق يقال لها سهرورد إلى الآن ورأينا جماعة رأوه وحدثوا حديثه وانه ايضاً كان خادماً لأمير المؤمنين صلوات الله عليه والشيعة تقول انها يجتمعان عند ظهور الامام المهدي عليه وعلى آبائه أفضل السلام » .
3) راجع كنز الفوائد الكراجكي) : ص 251 .
4) راجع كمال الدين (الصدوق) : ج 2، ص 524 ، باب ما جاء في التعمير ، إلى ص 576 .
روى الشيخ الطوسي في مجالسه (4)عن ابراهيم بن الحسن بن جمهور قال : حدثني أبو بكر المفيد الجرجرائي في شهر رمضان سنة ست وسبعين وثلاثمائة قال : اجتمعت مع أبي عمرو عثمان بن الخطاب بن عبد الله بن العوام بمصر في سنة ست عشر وثلاث مائة وقد ازدحم الناس عليه حتى رقي به إلى سطح دار كبيرة كان فيها . ومضيت إلى مكة ولم أزل أتبعه إلى مكة إلى أن كتبت عنه خمسة عشر حديثاً وذكر أنه ولد في خلافة أبي بكر عتيق بن أبي قحافة وأنه لما كان في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خرجت ووالدي معي ) أريد لقاءه فلما صرنا قريباً من الكوفة أو الأرض التي كان بها عطشنا عشطاً شديداً في طريقنا وأشرفنا على التلف وكان والدي شيخاً كبيراً فقلت له : اجلس حتى أدور الصحراء أو البرية فلعلي أقدر على ماء أو من يدلني عليه أو ماء مطر .
فقصدت أطلب ذلك فلم ألبث عنه غير بعيد إذ لاح لي ماء فصرت إليه فاذا أنا بيتر شبه الركية أو الوادي فنزعت ثيابي واغتسلت من ذلك الماء وشربت حتى رويت وقلت : أمضي وأجيء بأبي فأنه قريب مني فجئت إليه فقلت : قم فقد فرّج الله
1) راجع الأمالي السيد المرتضى : ج 1 ، ص 167 باب ذكر شيء من اخبار المعمرين وأشعارهم ومستحسن كلامهم ، ص 197، ط 1325 ه- 1907م ، القاهرة .
2) راجع كنز الفوائد الكراجكي) : ص 344 ص 267 ، الطبعة الحجرية .
3) راجع الغيبة (الطوسي) : ص 113 إلى 126 ، الطبعة المحققة .
4) لا يوجد في مجالس الشيخ الطوسي المطبوع ولعل المؤلف نقله عن البحار للمجلسي رحمه الله حيث قال : « مجالس الشيخ : عن المفيد ... الخ ) .
عزوجل عنا وهذه عين ماء قريب منا فقام فلم تر شيئاً ولم نقف على الماء وجلس وجلست معه ولم يضطرب إلى أن مات، واجتهدت إلى أن واريته وجئت إلى مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولقيته وهو خارج إلى صفين وقد أخرجت له البغلة فجئت وأمسكت له الركاب فالتفت إلي فانكببت أقبل الركاب فشجَّني في وجهي شجة .
قال أبو بكر المفيد : ورأيت الشجّة في وجهه واضحة . ثم سألني عن خبري فأخبرته بقصتي وقصة والدي وقصة العين فقال : عين لم يشرب منها أحد إلا وعمر عمراً طويلاً فأبشر فانك تعمّر وما كنت لتجدها بعد شربك منها وسماني بالمعتمر .
قال أبو بكر المفيد : فحدثنا عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بالأحاديث وجمعتها ولم تجتمع لغيري منه وكان معه جماعة مشايخ من بلده وهي طنجة .
فسألتهم عنه فذكروا أنهم من بلده وأنهم يعرفونه بطول العمر وآباؤهم وأجدادهم بمثل ذلك واجتماعه مع مولاناأميرالمؤمنين عليه السلام وأنه توفي في سنة سبع عشر وثلاث مائة (1).
ومن المحتمل ان العبارة الأخيرة ليست جزءاً من الخبر لأن العلامة الكراجكي تلميذ الشيخ المفيد يقول في كنز الفوائد :
«وقد ذاع بين كثير من الخصوم ما يروى ويقال اليوم من حال معمر بن أبي الدنيا المغربي المعروف بالأشج وانه باقي من عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الآن، وأنه مقيم في ديار المغرب في أرض طنجة ، وروى الناس له في هذه الديار وقد عبر متوجهاً إلى الحج والزيارة ، وروايتهم عنه حديثه وقصته وأحاديث سمعها من أمير المؤمنين صلوات الله عليه وسلامه وقوله أنّه كان ركابياً بين يديه ، و ، ورواية الشيعة أنه يبقى إلى أن يظهر صاحب الزمان صلوات الله عليه ، وكذلك حال المعتر الآخر المشرقي ووجوده بمدينة من أرض المشرق يقال لها سهرورد إلى الآن ، ورأينا جماعة
1) البحار:ج 51.ص260-261عن مجالس الشیخ الطوسی .
رأوه وحدّثوا حديثه وانه كان ايضاً خادماً لأمير المؤمنين صلوات الله عليه، والشيعة تقول انهما يجتمعان عند ظهور الامام المهدي عليه وعلى آبائه السلام (1)»
وطبق ذيل هذا الحديث، فلا أصل في انه توفي : والكراجكي الذي كان ساكن صر أعرف به من المفيد الجرجرائي وأمثاله .
روى الشيخ الصدوق في كمال الدين عن أبي سعيد عبد ا الله بن محمد بن عبدالوهاب الشجري(2)عن (3)محمد بن القاسم(4)وعلي بن الحسن(5)قالا : (6)
لقينا بمكة رجلاً من اهل المغرب ، فدخلنا عليه جماعة من أصحاب الحديث ممن كان حضر الموسم في تلك السنة سنة وثلاثمائة ، فرأينا رجلاً تسع وهي أسود الرأس واللحية كأنه شن بال(7)وحوله جماعة من أ أولاده ، وأولاد أولاده ، ومشايخ من أهل بلده ذكروا أنهم من أقصى بلاد المغرب بقرب باهرة العليا وشهد هؤلاء المشايخ انهم (8)سمعوا آباءهم حكوا عن آبائهم وأجدادهم انهم (9)عهدوا هذا
1) راجع کنز الفوائد (الکراجکی):ص262.
2) في المصدر المطبوع (السجزي) ، ولكن في الترجمة وفي البحار ما اثبتناه .
3) في المصدر المطبوع (قال حدثنا) .
4) في المصدر المطبوع (أبو بكر محمد بن الفتح الرقي) .
5) في المصدر المطبوع (وأبو الحسن علي بن الحسن بن الاشكي) - وفي البحار (علي بن الحسن بن جنكاء اللائكي ختن أبي بكر ) .
6) في البحار (قال) .
7) شن بال : قال الجوهري في الصحاح : ج 5. ص 2146 « الشن : القربة الخلق ايضاً ، وكأنها صغيرة » انتهى - والبالي : الخليق .
8) في المصدر المطبوع (أنا) بدل (انهم) .
9) في المصدر المطبوع (أنا) بدل (انهم) .
الشيخ المعروف بأبي الدنيا معمّر واسمه علي بن عثمان ابن خطاب بن مرة بن مؤيد ، وذكر أنه همداني وان أصله من صعد اليمن ، فقلنا له : أنت رأيت علي بن أبي طالب ؟ فقال : ففتح عينيه بيده وقد كان وقع حاجباه على عينيه ففتحها كأنهما سراجان فقال : رأيته بعيني هاتين وكنت خادماً له ، وكنت معه في وقعة صفين ، وهذه الشجة من دابة علي عليه السلام وأرانا أثرها على حاجبه الأيمن ، وشهد الجماعة الذين كانوا حوله من المشايخ ومن حفدته وأسباطه بطول العمر وانهم منذ ولدوا عهدوه على هذه الحالة وكذا سمعنا . آبائنا وأجدادنا .
ثم أنا فاتحناه وسألناه عن قصته وحاله وسبب طول عمره فوجدناه ثابت العقل يفهم ما يقال له ، ويجيب عنه بلب وعقل ، فذكر أنه كان له والد قد نظر في كتب الأوائل وقرأها وقد كان وجد فيها ذكر نهر الحيوان وانها تجري في الظلمات وأنه من شرب منها طال عمره ، فحمله الحرص على دخول الظلمات فتزوّد وحمل حسب ما قدر أنه يكتفي به في مسيره وأخرجني معه وأخرج معنا خادمين بازلين وعدة جمال لبون وروايا وزاداً وأنا يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة فسار بنا إلى أن وافينا طرف الظلمات ثم دخلنا الظلمات ، فسرنا فيها نحو ستة أيام بلياليها وكنا نميز بين الليل والنهار بأن النهار كان أضوء قليلاً وأقل ظلمة من الليل .
فنزلنا بين جبال وأودية وركوات وقد كان والدي رحمه الله يطوف في تلك البقعة في طلب النهر لأنه وجد في الكتب التي قرأها ان مجرى نهر الحيوان في ذلك الموضع فأقمنا في تلك البقعة أياماً حتى فني الماء الذي كان معنا وأسقيناه جمالنا ولو لا ان جمالنا كانت لبونا لهلكنا وتلقنا عطشاً وكان والدي يطوف تلك البقعة في طلب النهر ويأمرنا أن نوقد ناراً ليهتدي بضوئها إذا أراد الرجوع الينا .
فكتنا في تلك البقعة نحو خمسة أيام ووالدي يطلب النهر فلا يجده وبعد الأياس عزم على الانصراف حذراً من التلف لفناء الزاد والماء ، والخدم الذين كانوا معنا أوجوا في أنفسهم خيفة من الطلب فألحوا على والدي بالخروج من الظلمات
فقمت يوماً من الرّحل لحاجتي فتباعدت من الرّحل قدر رمية سهم ، فعثرت بنهر ماء أبيض اللون عذب لذيذ لا بالصغير من الأنهار ولا بالكبير يجري جرياً ليناً قدنوت منه وغرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثاً فوجدته عذباً بارداً لذيذاً ، فبادرت مسرعاً إلى الرحل فيشرت الخدم بأني قد وجدت الماء فحملوا ما كان معنا من القرب والأداوي لنملأها ، ولم أعلم ان والدي في طلب ذلك النهر ، وكان سروري بوجود الماء ، لما كنا فيه من عدم الماء وكان والدي في ذلك الوقت غائباً عن الرحل مشغولاً بالطلب فجهدنا وطفنا ساعة هوية في طلب النهر فلم نهتد إليه حتى ان الخدم كذبوني وقالوا لي : لم تصدق .
فلما انصرفت إلى الرحل وانصرف والدي أخبرته بالقصة فقال لي : يا بني ! الذي أخرجني إلى ذلك المكان وتحمّل الخطر كان لذلك النهر ، ولم أرزق أنا وأنت رزقته وسوف يطول عمرك حتى تمل الحياة . ورحلنا منصرفين وعدنا إلى أوطاننا ويلدنا وعاش والدي بعد ذلك سنيات ثم مات رحمه الله .
فلما بلغ سنّي قريباً من ثلاثين سنة وكان قد اتصل بنا وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفاة الخليفتين بعده خرجت حاجاً فلحقت آخر أيام عثمان . فمال قلبي من بين جماعة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأقمت معه أخدمه وشهدت معه وقائع ، وفي وقعة صفين أصابتني هذه الشجة من دابته ، فما زلت مقيماً معه إلى أن مضى لسبيله عليه السلام فالح علي أولاده وحرمه أن أقيم عندهم فلم أقم ، وانصرفت إلى بلدي وخرجت ايام بني مروان حاجاً وانصرفت مع أهل بلدي إلى هذه الغاية، ما خرجت في سفر إلا ما كان الملوك في بلاد المغرب يبلغهم خبري وطول عمري فيشخصوني إلى حضرتهم ليروني ويسألوني عن سبب طول عمري وعما شاهدت ، وكنت أتمنى وأشتهي أن أحج حجة أخرى فحملني هؤلاء حفدتي وأسباطي الذين ترونهم حولي . وذكر أنه قد سقطت
أسنانه مرتين أو ثلاثة .
فسألناه أن يحدثنا بما سمع من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فذكر أنه لم يكن له حرص ولا همة في طلب العلم وقت صحبته لعلي بن أبي طالب عليه السلام والصحابة أيضاً كانوا متوافرين فمن فرط ميلي إلى علي عليه السلام ومحبتي له لم أشتغل بشيء سوى خدمته وصحبته والذي كنت اتذكره مما كنت سمعته منه قد سمعه . مني عالم كثير من الناس ببلاد المغرب ومصر والحجاز وقد انقرضوا وتفانوا وهؤلاء أهل بلدي وحفدتي قد دونوه ، فأخرجوا إلينا النسخة وأخذ يملي علينا من خطه :
حدثنا أبو الحسن علي بن عثمان بن خطاب بن مرة بن مؤيد الهمداني المعروف بأبي الدنيا معمّر المغربي رضي الله عنه . له عنه حياً وميتاً قال : حدثنا علي بن أبي طالب عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أحب أهل اليمن فقد أحبني ومن أبغض أهل اليمن فقد أبغضني (1).
ونقل ايضاً عدة أحاديث أخرى .
ونقل الصدوق عنها : انَّ السلطان بمكّة لما بلغه خبر أبي الدنيا تعرض له ، وقال : لابد أن أخرجك إلى بغداد إلى حضرة اميرالمؤمنين المقتدر فانّي أخشى أن يعتب علي إن لم أخرجك معي ، فسأله الحاج من أهل المغرب وأهل . والشام أن يعفيه من ذلك ولا يشخصه فانّه شيخ ضعيف ولا يؤمن ما يحدث عليه ، فأعفاه . قال أبو سعيد (2): ولو اني أحضر الموسم تلك السنة لشاهدته وخبره كان شائعاً مستفيضاً في الأمصار وكتب عنه هذه الأحاديث المصريون والشاميون والبغداديون ، ومن سائر الأمصار من حضر الموسم وبلغه خبر هذا الشيخ (3).
وهو أصح وأتقن من الخير السابق وقد اعتمد عليه الشيخ الصدوق ، فروى عن أبي محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فيها أجازه لي مما صح عندي من حديثه ، وصح عندي هذا الحديث برواية الشريف أبي عبد ا الله محمد بن الحسن بن اسحاق بن الحسين بن اسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام عنه أنه قال : حججت في سنة ثلاث عشر وثلاث مائة وفيها حج نصر القشوري صاحب المقتدر بالله ومعه عبدالرحمن بن عمران (1)المكني بأبي الهيجاء فدخلت مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ذي القعدة فأصبت قافلة المصريّين وبها (2)أبو بكر محمد بن علي المادرائي ومعه رجل من أهل المغرب ، وذكر انه رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فاجتمع عليه الناس وازدحموا وجعلوايتمسحون به وكادوا يأتون على نفسه فأمر عمّي أبو القاسم طاهر بن يحيى(3)فتيانه وغلمانه فقال : افرجوا عنه الناس ففعلوا وأخذوه وأدخلوه دار أبي سهل الطني وكان عمي نازلها فأدخل ، وأذن للناس فدخلوا ، وكان . معه خمسة نفر ذكر أنهم أولاد أولاده فيهم شيخ له نيف وثمانون سنة فسألناه عنه فقال : هذا ابن ابني وآخر له سبعون سنة فقال : هذا ابن ابني واثنان لهما ستون سنة أو خمسون أو نحوها وآخر له سبعة عشر سنة فقال : هذا ابن ابن ابني ولم يكن . معه فيهم أصغر منه وكان إذا رأيته
1) هكذا في الترجمة وفي البحار، وأما في المصدر المطبوع (عبد الله بن حمدان) .
2) في المصدر (وفيها) .
3) قال المؤلف رحمه الله : « ابن يحيى النسابة صاحب كتاب نسب آل أبي طالب ومن الرواة المعروفين، وهو جد العالم الجليل السيد حسن بن شدقم المدني، وهو أول من جمع نسب آل أبي طالب ، وهو ايضاً جد السيد العميدي ابن أخت العلامة شارح التهذيب . وكان السيد عبيد الله بن طاهر المذكور تقيب المدينة المشرفة » انتهى .
قلت : ابن ثلاثين أو أربعين سنة ، أسود الرأس واللحية ضعيف الجسم (1)آدم ربع من الرجال خفيف العارضين إلى القصر أقرب .
قال أبو محمد العلويّ : فحدثنا هذا الرجل واسمه علي بن عثمان بن الخطاب ابن بعد مرة بن مؤيد بجميع. ما كتبناه عنه وسمعناه من لفظه وما رأينا من بياض عنفقته(2)اسودادها ورجوع سوا وادها بعد بياضها عند شبعه من الطعام.
قال أبو محمد العلوي : ولو لا أنه حدث جماعة من أهل المدينة من الأشراف والحاج من أهل مدينة السلام وغيرهم من جميع الآفاق ما حدثت عنه بما سمعت . وسماعي منه بالمدينة ومكة في دار السهميين في الدار المعروفة بالمكتوبة(3)وهي دار علي بن عيسى الجراح وسمعت منه في مضرب القشوري ومضرب المادراتي [و مضرب أبي الهيجاء وسمعت منه بمنى وبعد متصرفه من الحج بمكة في دار المادراتي] (4)عند باب الصفا .
وأراد القشوري حمله وولده إلى بغداد إلى المقتدر فجاءه فقهاء أهل مكة فقالوا: أيد الله الأستاذ ، إنا روينا في الأخبار المأثورة عن السلف ان المعمّر المغربي إذا دخل مدينة السلام افتتنت (5)وخربت وزال الملك فلا تحمله وردّه إلى المغرب ، فسألنا مشايخ أهل المغرب ومصر فقالوا : لم نزل نسمع من آبائنا ومشايخنا يذكرون اسم هذا الرجل واسم البلد الذي هو مقيم فيه ،طنجة، وذكروا أنه كان يحدثهم بأحاديث قد ذكرنا بعضها في كتابنا هذا .
قال أبو محمد العلوي : فحدثنا هذا الشيخ أعني علي بن عثمان المغربي بدو
خروجه من بلده من حضرموت ، وذكر ان أباه خرج هو وعمّه وأخرجا به معهما يريدون الحج وزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فخرجوا من بلادهم من حضرموت وساروا أياماً ثم أخطأوا الطريق وتاهوا عن المحجّة فأقاموا تائهين ثلاثة أيام وثلاث ليال على غير محجّة ، فبينا هم كذلك إذ وقعوا في جبال رمل يقال له : رمل عالج يتصل برمل إرم ذات العماد فبينا نحن كذلك إذ نظرنا إلى أثر قدم طويل فجعلنا نسير على أثرها فأشرفنا على واد وإذا برجلين قاعدين على بئر أو على عين .
قال : فلمّا نظرا الينا قام أحدهما فأخذ دلواً فأدلاء فاستقى فيه من تلك العين أو البئر واستقبلنا فجاء إلى أبي فناوله الدلو ، فقال أبي : قد أمسينا ننيخ على هذا الماء ونفطر ان شاء الله فصار إلى عمّي فقال : اشرب فردّ عليه كما ردّ عليه أبي فناولني فقال لي : اشرب فشربت ، فقال لي : هنيئاً لك فانك ستلقی علي بن أبي طالب عليه السلام فأخبره ايّها الغلام بخبرنا وقل له الخضر والياس يقرآنك السلام ، وستعمّر حتّى تلقی المهدي وعيسى بن مريم عليهما السلام فاذا لقيتهما فاقرأهما السلام ، ثم قالا : ما يكون هذان منك فقلت : أبي وعمّي، فقالا : أمّا عمّك فلا يبلغ مكة ، وأما أنت وأبوك فستبلغان ويموت أبوك فتعمّر أنت ، ولستم تلحقون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه قد قرب أجله ثم مرا (1)، فو الله ما أدري أين مرا أفي السماء أو في الأرض ، فنظرنا وإذا لا أثر ولا عين ولا ماء ، فسرنا متعجبين من ذلك إلى أن رجعنا الى نجران فاعتل عمّي ومات بها ، وأتممت أنا وأبي حجنا ووصلنا إلى المدينة فاعتل بها أبي ومات ، وأوصى إلى علي ابن أبي طالب عليه السلام فأخذني وكنت معه أيام أبي بكر وعمر وعثمان وخلافته حتى قتله ابن ملجم لعنه الله. وذكر أنه لما . حوصر عثمان بن عفان في داره دعاني فدفع إلى كتاباً [ ونجيباً وأمرني بالخروج إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وكان غائباً بينبع في ماله وضياعه فأخذت الكتاب وصرت إلى موضع يقال له جدار أبي
1) في البحار (مثلا).
عباية . سمعت قرآناً فاذا علي بن أبي طالب عليه السلام يسير مقبلاً من ينبع وهو يقول :
«أَفَحَسِبْتُمْ إِنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَيْناً وَإِنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تَرْجَعُونَ » .
فلمّا نظر إليَّ قال : أبا الدنيا ما وراك ؟ قلت : هذا كتاب أميرالمؤمنين فأخذه فقرأه فاذا فيه :
فإن كنتُ مأكولاً فكن أنت اكلي*** وإلا فأدركني ولماأمزِّق
فلمّا قرأه قال : سر ، فدخل إلى المدينة ساعة قتل عثمان بن عفان فمال إلى حديقة بني النجار وعلم النّاس بمكانه فجاؤا إليه ركضاً وقدكانوا عازمين على أن يبايعوا طلحة بن عبيد الله ، فلمّا نظروا إليه ارفضوا إليه ارفضاض الغنم شدّ عليهاالسبع فبايعه طلحة ثم الزبير ثم بايع المهاجرون والأنصار .
فاقت معه أخدمه] (1)فحضرت معه الجمل وصفين وكنت بين الصفين واقفاً عن يمينه إذ سقط سوطه من يده فأكببت أخذه وأرفعه إليه وكان الجام دابته حديداً مزججاً فرفع الفرس رأسه فشجّني هذه الشجّة التي في صدغي فدعاني أمير المؤمنين قتفل فيها وأخذ حفنة من تراب فتركه عليها فو الله ما وجدت لها ألماً ولا وجعاً ، ثم حتى قتل صلوات الله عليه وصحيت الحسن بن علي عليه السلام حتى ضرب يساباط المدائن ، ثم بقيت معه بالمدينة أخدمه وأخدم الحسين عليه السلام حتى مات الحسن عليه السلام مسموماً [سمته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي لعنها الله دساً من معاوية](2)ثم خرجت مع الحسين بن علي عليه السلام حتى حتى حضر كربلاء وقتل عليه السلام وخرجت هارباً من بني أمية ، وأنا مقيم بالمغرب أنتظر خروج المهدي وعيسى أقمت معه بن مريم عليها السلام.
قال أبو محمد العلوي رضي الله عنه : ومن عجيب ما رأيت من هذا الشيخ علي بن
عثمان وهو في دار عمّي طاهر بن يحيى رضي الله عنه وهو يحدث بهذه الأعاجيب وبدو خروجه فنظرت إلى عنفقته وقد احمرت ثم ابيضت فجعلت أنظر إلى ذلك لأنه لم يكن في لحيته ولا في رأسه ولا في عنفقته بياض [ البتة ] (1) .
قال : فنظر إلى نظري إلى لحيته وعنفقته فقال : ما ترون ؟ ان هذا يصيبني إذا جعت فاذا شبعت رجعت إلى سوادها ، فدعا عتي بطعام وأخرج من داره ثلاث موائد فوضعت واحدة بين يدي الشيخ وكنت أنا أحد من جلس عليها فأكلت . ووضعت المائدتان في وسط الدار وقال عمّي للجماعة : بحقي عليكم الا أكلتم وتحترمتم بطعامنا فأكل قوم وامتنع قوم ، وجلس عمّي على يمين الشيخ يأكل ويلتي بين يديه فأكل أكل شاب وعمّي يخلف عليه وأنا أنظر إلى عنفقته وهي تسودحتی (2)عادت إلى سوادها حين شبع !
فحدثنا علي بن عثمان بن خطاب قال : حدثني علي بن أبي طالب عليه السلام وذكر الخبر المتقدم في مدح أهل اليمن (3).
قال العلامة الكراجكي في كنز الفوائد :
«حدثني الشريف أبو الحسن طاهر بن موسى بن جعفر الحسيني بمصر في شوال سنة سبع وأربعمائة ، قال : أخبرنا الشريف ابو القاسم ميمون بن حمزة الحسيني قال : رأيت المعمّر المغربي وقد أتي به إلىّ الشريف ابي عبد الله محمد بن اسماعيل سنة عشر وثلاثمائة وأدخل إلى داره ومن معه وهم خمسة رجال وأغلقت الدار وازدحم
الناس ، وحرصت في الوصول إلى الباب فما قدرت لكثرة الزحام فرأیت بعض غلمان الشريف أبي عبد الله محمد بن اسماعيل وهما قنبر وفرج فعرفتها اني اشتهي انظره فقالا لي : در إلى باب الحمام بحيث لا يدرى بك فصرت إليه ففتحا لي سراً ودخلت وأغلق الباب ، وحصلت في مسلخ الحمام وإذا قد فُرش له ليدخل الحمام فجلست يسيراً فاذا به قد دخل رجل نحيف الجسم ربع من الرجال خفيف العارضين ادم اللون إلى القصير أقرب ما هو أسود الشعر يقدر الانسان ان له نحواً من أربعين سنة وفي صدعة اثر كأنه ضربة فلا تمكن من الجلوس والنفر معه وأراد خلع ثيابه قلت ما هذه الضربة ؟ فقال : أردت أناول مولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام السوط يوم النهروان فنقض الفرس رأسه فضربني اللجام وكان مدمجاً (1)فشجني فقلت له أَدخَلْتَ هذه البلدة قديماً ، قال : نعم ، وكان موضع جامعكم السفلاني مبقلة وفيها بئر فقلت : هؤلاء أصحابك ، فقال : ولدي وولد ولدي ، ثم دخل الحمام فجلست حتى خرج ولبس ثيابه فرأيت عنفقته قد ابيضت فقلت له كان بها صباغ ، قال : لا ولكن إذا جعت ابيضت وإذا شبعت اسودت ، فقلت : قم ادخل الدار حتى تأكل فدخل الباب(2).
ثم نقل أبي محمد العلوي المذكور سابقاً قال : « فماسمعت(3)من حديثه الذي حدث الناس به انه قال : خرجت من بلدي أنا وأبي وعمي نريد الوفود على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكنا مشاة في قافلة فانقطعنا عن الناس واشتد بنا العطش وعدمنا الماء وزاد بأبي وعمّي الضعف فأقعدتهما إلى جانب شجرة ومضيت التمس لهما ماء فوجدت عيناً حسنة وفيها ماء صاف في غاية البرد والطيبة فشربت حتى
ارتويت ثم نهضت لآتي بأبي وعمي إلى العين فوجدت أحدهما قد مات وتركته بحاله، وأخذت الآخر ومضيت به في طلب العين فاجتهدت أن أراها فلم أرها ولا عرفت موضعها ، وزاد العطش به فمات، فحرصت في أمره حتى واريته وعدت الى الآخر قواريته ايضاً ، وسرت وحدي إلى أن انتهيت الطريق ولحقت بالناس ودخلنا المدينة. وكان دخولي إليها في اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأيت الناس منصرفين من دفنه ، فكانت أعظم الحسرات دخلت بقلبي ، وراني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فحدثته حديثي فأخذني...(1)
إلى آخر ما تقدم برواية الصدوق . ثم قال الكراجكي :
«حدثني القاضي أبو الحسن أسد بن ابراهيم السلمي الحراني ، وأبو عبد الله الحسين بن محمد الصير في البغدادي ، قالا جميعاً : أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد المعروف بالمفيد لقراءتي عليه بجر جرايا .
وقال الصيرفي : سمعت منه املاءاً سنة خمس وستين وثلاثمائة.
قال : حدثنا علي بن عثمان بن الخطاب بن عوام البلوي من مدينة بالمغرب يقال لها : مزيدة يعرف بأبي الدنيا الأشجّ المعمّر ، قال : سمعت علي بن أبي طالب : يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم [يقول](2): كلمة الحق ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها ... » (3).
وقد نقل اثني عشر خبراً بهذا السند ، ثم قال :
«قال أبو بكر المعروف بالمفيد : رأيت أثر الشجّة في وجهه ، وقال : أخبرت أمير المؤمنين عليه السلام بحديثي وقصتي في سفري وموت أبي وعمّي والعين التي شربت
منها وحدي، فقال : هذه عين لم يشرب منها أحد الا عمّر عمراً طويلاً ، فأبشر فانّك تعمر ما كنت لتجدها بعد شريك منها »(1).
وقال الكراجكي :
«فأما الأحاديث التي رواها عن الأشج أبو محمد الحسن بن محمد الحسيني ممّا لم يروه أبو بكر محمد بن احمد الجرجرائي فهي :
قال الشريف أبو محمد : حدّثني علي بن عثمان المعمّر الأشج ...» (2)ثم نقل الخير الذي في مدح اليمن ، ونقل الشريف خيراً آخر.
یقول المؤلف :
انّ الهدف من هذه الاطالة هو دفع وهم تعدد هذا المغربي مع ذلك المغربي الذي ، عن مجالس الشيخ ، فانّه قد يبدو تعدّده في البداية ، وقد عنوناه نحن بعناوين ، بل قال المحدث الجليل السيد عبد الله سبط المحدث الجزائري في اجازته الكبيرة بعد العبارة التي نقلناها في صدر هذه الحكاية :
«وأما ما نقله الشيخ في مجالسه عن أبي بكر الجرجاني : انّ المعمّر المقيم ببلدة طنجة توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة ، فليس بمناف شيئاً لأن الظاهر انّ احدهما غير الآخر لتغاير اسميهما وقصتيهما وأحوالهما المنقولة» (3).
ولكن الحق اتحادهما : أما تغاير الاسم فقد علمت انّ الكراجكي نقل عن نفس هذا المفيد الجرجرائي ان اسمه (علي بن عثمان بن خطاب) : وعليه فيعرف إنه من مجالس الشيخ اول نسب . علي ، والاختلاف في بعض الأجداد في مثل هذه سقط الحكايات كثير.
وإذا كان اختلاف القصة سبباً لتعدّدها وذلك لأنهم كانوا أربعة أشخاص ؛ فان اتحادهما بالاسم والأب والبلد - وهي المغرب ، ولعل مزيدة من توابع طنجة - وشرب ماء الحياة ، وشجّ رأسه من دابة أمير المؤمنين عليه السلام في معركة صفين أو النهروان ، وقرب عصر ملاقاته ، وموت أبيه في الطريق وغير ذلك ، فانها لا يمكنها أن تعطي احتمال تعدّدهما .
ويظهر من العلامة الكراجكي القطع باتحادهما كما هو الظاهر من كلامه المنقول. ونقل خبر وفاته عن الجرجراني أيضاً، ويعلم انه اشتباه من الجرجرائي ايضاً أو من رواة مجالس الشيخ . وما ذكرناه غير خاف على المتأمل ان شاء الله تعالى .
وكذلك فان (الجرجاني) في كلام السيد اشتباه ايضاً والصواب (الجرجراني) كما ضبط في محله .
ان استبعاد طول عمر الامام المهدي صلوات الله عليه لا يخلو من هذه الجهات :
الأولى : الاستحالة العقلية.
فلم يدّع ذلك صاحب عقل ، ولا منطق بإمكانه حسب منطق أصحاب الشرائع ، وان وقوع طول العمر موجود في الأمم السالفة كما في كتب اليهود والنصارى ، ووقوعه في هذه الأمة باتفاق المسلمين كاف في رفع هذه الدعوى أن وجدت .
الثانية : الحديث المعروف المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : « أعمار أمتي بين الستين والسبعين » .
وهو محمول على الأغلب ، والا يلزم تكذيبه صلى الله عليه وآله وسلم والعياذ بالله .
ويؤيد هذا الحمل أنه ورد هذا الحديث في بعض النسخ (اكثر أعمار أمتي) ، ولذلك عرفت ما بين الستين والسبعين بالعشرة المشؤومة، ولو ان عمر الانسان لا يتعدى في هذه الأزمنة المائة والعشرين ولا دليل عليه الا الاستقراء والتجربة .
الثالثة : القاعدة الطبيعية التي يقول بها الأطباء ان سن الكمال إلى أربعين سنة ، وسن النقصان ضعف ذلك أي ثمانين سنة ، فيكون المجموع مائة وعشرون سنة .
وذكروا وجهين معتبرين في تعليل ذلك : احدهما : من جهة المادة ، والأخرى : من جهة الغاية.
أما من جهة المادة : وذلك ان العادة في سن الشيخوخة اليبوسة فتمسك الصورة وتحفظها .
وأما من جهة الغاية ؛ وذلك ان الطبيعة تبادر إلى الأفضل وهو بقاء العمر وحفظه وإن يبعد الفساد عن الأنقص ، وتبقى تلك الرطوبة الغريزية في سن الشيخوخة ، ولذلك يكون سن النقصان مضاعف سنّ الكمال ، وهذان الوجهان لا يفيان لإثبات المدعى المذكور ، كما نقل التصريح بضعف هذا الدليل في شرح القطب الشيرازي على كليات القانون.
وأما ما ذكروه وأقاموا له الحجة بأن لهذه الحياة نهاية ولا مناص من تجرّع شربة الأجل فلا يفي لتحديد مقدار معين للعمر، وتعيين سن في مقدار معلوم .
وحاصل هذا البرهان انّ الموت حتمي ، ولا ينكر احد ذلك ، وبقوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقة الموت (1)فلا حاجة إلى ذلك البرهان المزعوم .
الرابعة : قواعد أصحاب النجوم .
وعلى حسب قواعدهم فلا يرون أثر في هذا العالم الا النفوس الفلكية ، أو أنهم
1) الآية 185 من سورة آل عمران.
يعدونها مؤثرة مستقلة بنفسها ، وينسبون لها جميع الكون والفساد والتغيير والتبديل لهذا العالم ، ويقولون : قوام هذا العالم بالشمس وعطاؤه الأكبر في السن المائة والعشرين سنة .
والجواب أنه من الجائز أن ينظم ذلك عند أرباب النجوم بعطاء الشمس ولعل هناك أسباب أخرى يضاعف تلك العطية
وتوضيح هذا الاجمال :
ان لهم اصطلاحات في هذا المقام احدهما : (هيلاج) والثاني : (كد خداه)(1).
والاثنان يكونان في صورة زايجة طالع المولود دليلين لعمره ، وعليهما يحكمون بالنقيصة والزيادة للعمر ، وأحد هذين الاثنين يتعلّق بالجسم ، والآخر بالروح ، وفي تعيين ذلك خلاف، وفي بعض رسائلهم هكذا : دليل العمر على نوعين : احدهما : دليل الجسم يقال له الهيلاج ، والثاني : دليل الروح ويستونه (كد خداه) ، والاثنان بمنزلة الهيولى والصورة لأسباب العمر .
ولكن المعروف عكس هذا ، فللهيلاج في صورة الطالع دلائل تدل على نفس المولود ، والكدخداه يدل على بدن المولود .
وكثرة الهيلاج يدل عندهم على طول العمر وكثرة الكدخداه يدل على سعادة الحياة .
والهيلاج عندهم خمسة أشياء الشمس ، والقمر ، وسهم . السعادة وجزء مقدم الاجتماع أو الاستقبال ، ودرجة الطالع .
والكدخداه كوكب صاحب خط ناظر إلى الهيلاج .
وشرط بعضهم في الكدخداه استيلاء على موضع الهيلاج . واكتف بعضهم في هذا المقام بالنظر إلى البرج ، وقد يكون النظر إلى الدرجة أقوى ، فاذا كانت الشمس
1) ان هذه الاصطلاحات في علم الفلك ، وما زالوا يستخدمونها بدون تعريب .
أو القمر في شرفه فسوف يكون سعيداً ب- (كدخداه) .
وقال قطب الدين الاشكوري في محبوب القلوب :
يبطل صلاح الهيلاج بالكسوف والخسوف والمحاق وتحت الشعاع ، ويكون الكدخداه صاحب خط في موضع الهيلاج ، وإذا لم ينظر اليهما أو إلى الدرجة فيجوز النظر إلى البرج بشرط أن يكون بعد الاتصال أو مساوياً لها عند موضع التناظر في درجات المطالع أو في طول النهار ، وعندما يكون كدخداه الشمس أقل من ست درجات فلا يكون الكدخداه في حد الاحتراق، ولكن كدخداه ثلاثة اعطيات ؛ أحدها : الكبرى ، وهي إذا كان الكدخداه في درجة الوتد ،وثانيها : الوسطى،إذا كان مائلاً إلى المركز ، وثالثها : الصغرى ، إذا زاد على المركز .
الباقية وعندما عرفت هذه المقدمة فمن الجائز أن يتفق في طالع كثرة هيلاجات وكدخداهات ويكون جميعها في أوتاد الطالع . وينظر إلى تلك البيوتات فينظر بنظر التثليث والتسديس نظر السعادة ويسقط منها النحوسات ، وفي نفس الوقت يحكمون على صاحب الطالع بطول العمر وتأخير الأجل حتى يكون أحد المعمرين السابقين .
ونقل الفاضل المذكور عن أبي ريحان البيروني انه قال في كتابه المسمى بالآثار عن القرون الخالية انه انكر بعض الحشوية ما وصفناه من طول الأعمار وبالخصوص ما ذكر بعد زمان ابراهيم عليه السلام ولم يعتمدوا على هذا الكلام الا ما أخذوه من اصحاب الأحكام من أكثر عطايات الكواكب في المواليد بما كانت عليه الشمس في ذلك الهيلاج والكداخدائي ، يعني بما كان عليه في بيته أو شرفه في الوتد والربح والمركز الموافق فيعطي سنينه الكبرى وهي . مائة وعشرين سنة . ويزيد القمر عليه خمسة وعشرين سنة ، وعطارد عشرين سنة ، والزهرة ثمانين سنة ، والمشتري اثني عشرة سنة ، وهذه السنين هي صغرى كل واحد منها ، لأنه لا اكثر منها .
وإذا نظر نظر موافقة وتحسين فيسقط منها ما نقص منها ، ويكون الرأس في البرج معها وبعيداً عن الحدود الكسوفية ، وكلما كان كذلك . يزيد عليه عطيته
وهی ثلاثون سنة ، فيجتمع من . ذلك مائتان وخمسة وعشرون سنة ، وقالوا : هذا وهي اقصى العمر الذي يصل إليه الانسان .
ثم ردّ عليهم الاستاذ أبو ريحان وحكى عن ماشاء الله المصري أنه قال في أول كتاب مواليده : يمكن للانسان أن يعيش بسنة القرآن الأوسط إذا اتفقت ولادته في وقت تحويل القرآن من المثلثة إلى المثلثة والطالع في أحد بيتي زحل أو المشتري ويكون هيلاج الشمس في النهار ، وهيلاج القمر في الليل في غاية القوة .
ومن الممكن أن يتفق مثل هذا في وقت تحويل القرآن إلى الحمل ومثلثاته ، ويدل على نحو ما ذكرنا أن المولود يبقى سنين القرآن الأعظم وهي : تسعمائة سنة بالتقريب حتى يرجع القرآن إلى موضعه .
وحكى ايضاً عن أبي سعيد بن شاذان أنه ذكر في كتاب مذاكراته مع ابي معشر في (الأسرار)(1)التي أ أرسلت عند أبي معشر أنه كان مولد ابن ملك سرانديب وطالعه الجوزاء وزحل في السرطان، والشمس في الجدي، فحكم أبو معشر أنه يعيش في زحل الأوسط وقال ان أهل ذلك الاقليم حكموا عنده بطول الأعمار له وإن صاحبه زحل ، ثم قال أبو معشر : وقد وصلني ان أي انسان منهم مات قبل أن يصل إلى الدور الأوسط لزحل فانه يتعجب من سرعة موته .
قال أبو ريحان فدلت هذه الأقوال على اعتراف هؤلاء المنجمين بإمكان وجود هذه الأعمار .
ونقل الشيخ الكراجكي في كنز الفوائد عن (ماشاء الله المصري) معلم هذه الطائفة المقدم واستاذهم المفضل ، قريباً من العبارة السابقة : ان النظر إلى هيلاج المولود يمكن أن يصل عمره إلى تسعمائة وخمسين سنة (2)
قال ماشاء الله : « الباب الأعظم من الهيلاج الذي يدل على العمر الكثير فانه يكون المولود في مثلثة إلى مثلثة وطالعه بيوت أحد الكوكبين العلويين زحل والمشتري وصاحب الطالع الكد خداء فان كان المولود ليليا والميلاج القمر فان كان فوق الشمس في برج أنثى وان كان نهارياً فيكون الشمس في برج ذكر فانه حينئذ يدل على بقاء المولود باذن الله تعالى حتى يتحول القرآن عن مثلثة إلى أخرى وذلك مائتان وأربعون سنة . قال : فأما في الزمن الاول فان مثل هذه الدلالة كان تدل على بقائه حتى يعود القرآن إلى مكانه ، وذلك بعد ستمائة وخمسين سنة والله اعلم »
.1) (الأسرار) من مؤلفات أبي معشر الفلكي .
2) راجع كنز الفوائد (الكراجكي ) : ص 246 - 247.قال : « اني وجدت في كتاب أحد علمائهم وهو الكتاب المعروف (بابا) لابن هبلي حكاية ذكرها عن معلمهم المقدم واستاذهم المفضل الذي يعولون عليه في الأحكام ويستندون إلى كلامه، وما يدعيه وهو المعروف بماشاء الله ، انا موردها ففيها أكبر حجة عليهم في هذه المسألة التي خالفونا فيها.
وقال السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب (فرج المهموم) : «ذكر بعض اصحابنا (1)في كتاب الأوصياء وهو كتاب معتمد عند الأولياء ...
رواه الحسن بن جعفر الصيمري، ومؤلفه علي بن محمد بن زياد الصيمري وكانت له مكاتبات إلى الهادي والعسكري عليها السلام وجوابهما إليه ، ، وهو ثقة معتمد عليه ، فقال ما هذا لفظه : حدثني أبو جعفر القمي ابن أخي احمد ابن اسحاق بن مصقلة ، أنه كان يقم منجم يهودي موصوفاً بالحذق في الحساب، فأحضره احمد بن اسحاق وقال له : قد ولد مولود في وقت كذا وكذا فخذ الطالع واعمل له ميلاداً ، فأخذ الطالع ونظر فيه وعمل عملاً له ، فن ، فقال لأحمد : لستُ أرى النجوم تدلني على شيء لك من هذا المولود بوجه الحساب ، ان هذا المولود ليس لك ولا يكون مثل هذا المولود إلا لنبي ، أو وصي نبي ، وان النظر فيه يدلني على انه يملك الدنيا شرقاً وغرباً وبراً وبحراً وسهلاً وجبلاً حتى لا يبقى على وجه الأرض أحدٌ إلّا دان له وقال بولايته(2).
ونقل الشيخ الجليل زين الدين علي بن يونس العاملي في الصراط المستقيم عن العلماء المنجمين :
«ان دور الشمس ألف وأربعمائة واحدى وخمسون سنة ، وهو عمر عوج بن عنق ، عاش من نوح إلى موسى .
ودور القمر الأعظم ستمائة واثنان وخمسون ، وهو عمر شعيب بعث إلى خمس أمم .
ودور زحل الأعظم مائتان وخمسة وخمسون ، قيل وهو عمر السامري من بني اسرائیل .
ودور المشتري الأعظم اربعمائة وأربعة وعشرون ، قيل وهو عمر سلمان الفارسي .
ودور الزهرة الأعظم ألف ومائة واحدى وخمسون ، قيل : وهو عمر نوح .
ودور عطارد الأعظم اربعمائة وثمانون ، قيل : وهو عمر فرعون . وقد كان في اليونان مثل بطليموس .
وفي الفرس مثل الضحاك عاش الف سنة وأقل وأكثر .
وقد حكي عن سام إذا مضى من ألف السمكة سبعمائة سنة يكون العدل ببابل.
وعن سابور البابلي نحو ذلك »(1).
وقال الخواجة ملا نصر الله الكابلي المتعصب العنيد في المطلب الرابع عشر من المقصد الرابع من كتاب الصواعق في الرد على الامامية وهو مملوء بالأكاذيب والمزخرفات :
اختلفوا فيه ، فقال بعض انه ولد ليلة البراءة يعني النصف صبح من شعبان
1) راجع الصراط المستقيم : ج 2ص 245.
سنة خمس وخمسين ومائتين بعد مضي عدة أشهر من القرآن الأصغر الرابع من القرآن الأكبر الواقع في قوس وطالع الدرجة الخامسة والعشرين من السرطان ، وقد رجع زحل في الدقيقة الثانية من السرطان، ورجع المشتري فيها أيضاً ، والمريخ في الدقيقة الرابعة والثلاثين من درجة الجوزاء العشرين، وكانت الشمس في الدقيقة الثامنة والعشرين من درجة الأسد الرابعة، والقمر في الدقيقة الثالثة عشرة من الدرجة التاسعة والعشرين من الدلو ، وعلى رأس الدقيقة الثالثة عشرة من الدرجة الثامنة والعشرين من الحمل، وكان الذنب في الدقيقة التاسعةوالخمسين من الدرجة الثامنة والعشرين من الميزان .
وقال بعض : ولد صبح الثالث والعشرين من شعبان من السنة المذكورة ، وكان الطالع في الدقيقة السابعة والثلاثين من الدرجة الخامسة والعشرين من السرطان ، وكانت الشمس في الدقيقة الثامنة والعشرين من الدرجة العاشرة من الأسد ، وكان عطارد في الدقيقة الثامنة والثلاثين من الدرجة الحادية والعشرين من الأسد ، وزحل في الدقيقة الثامنة عشرة من الدرجة الثامنة من العقرب ، وهكذا المشتري . والقمر في الدقيقة الثالثة عشرة من الدرجة الثلاثين من الدلو .
والمريخ في الدقيقة الرابعة والثلاثين من الدرجة العشرين من الحمل . والزهرة في الدقيقة السابعة عشرة من الدرجة الخامسة والعشرين من الجوزاء.
وهذه الاختلافات نص على أن ما يزعمونه (1)افتراء بدون ريبة ( انتهى .
وقال قبل أن ينقل هذه الكلمات :
«وأما ما ذكره أهل النجوم مثل أبي معشر البلخي ، وأبي الريحان البيروني ، و ماشاء الله المصري، وابن شاذان والمسيحي وغيرهم من المنجمين : إذا اتفق ميلاد من المواليد عند تحويل القران الأكبر وكان الطالع في أحد بيوت زحل أو المشتري ،
1) قال المؤلف رحمه الله : « يعني الامامية »
وكان هيلاج الشمس في النهار ، والقمر في الليل ، والخمسة المتحيرة قوى الحال وفي الأوتاد ، وكان الناظر إلى الهيلاج أو الكدخداه نظر موده ، فمن الممكن أن يعيش المولود مدة سنة القرآن الأكبر وهو ثمانون وتسعمائة سنة شمسية تقريباً .
وإذا دلّت الأسباب الفلكية على غير ذلك ، فيمكن أن يعيش أقل من ذلك أو أكثر .
فاذا كان ذلك صحيحاً فلا يفيد ذلك لأنه لم تكن ولادة م ح م د بن الحسن (عليه السلام) في أحد هذه القرائات الأربعة : الأعظم ، والأكبر، والأوسط ، والأصغر كما هو مذكور في كتب مواليد الائمة عليهم السلام مثل كتاب أعلام الورى وغيره ، واختلفوا .. إلى آخر ما تقدّم » .
ولم ير لحد الآن في كتب مواليد الائمة عليهم السلام و بالخصوص أعلام الورى بل في كتب الغيبة صورة طالع ولادته عليه السلام ، و .. ولا أدري من أين أخذه هذا الكابلي ، بالاضافة إلى نسبته إلى جماعة ، وإلى جماعة أخرى بنحو آخر ، فيتخيل الناظر ان هذا الرجل منتتبع خبير ، والظاهر أنه من جعلياته نفسه الذي هو مبنى الكتاب عليه .
وعلى فرض صحة النسبة فلا يضر ذلك شيئاً لأن المقصود من نقل كلمات هذه الطائفة وجود أسباب سماوية وأوضاع نجومية لطول العمر بزعمهم حسب ما اطلعوا عليه . ويحتمل كثير منها لم يطلعوا عليها ولا يمكن أن يدعوا انحصارها فيها علموه .
السيد محسن الأمين العاملي رحمه الله
تقديم وتحقيق
مرکزالدراسات التخصصية فی الامام المهدي
اسم الكتاب ..... ترجمة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه في أعيان الشيعة
تأليف:.......... السيد محسن الأمين العاملي رحمه الله
تقديم وتحقيق: ...... مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
رقم الإصدار. ................................244
الطبعة :..............................الثانیه(المحققه)1424ه
عدد النسخ ................................ طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز العراق - النجف الأشرف
هاتف: 07809744474 - 07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
إنَّ طول العمر بهذه المدة مستبعد بل غير واقع عادة، كيف وقد مضى عليه الآن ما يزيد عن ألف وتسع وثمانين سنة كما مر (1)؟
والجواب:
أن الاستبعاد ليس دليلاً، ولا يعارض الدليل، وقد عرفت قيام الأدلة العقلية والنقلية على ولادته وغيبته، فهل يجوز أن ندفعها بالاستبعاد؟ مع أنه لا استبعاد في ذلك بعد نص القرآن العظيم على مثله في نوح وأنَّه فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) [العنكبوت : 14]، ونُقل أنه عاش ألفاً وثلاثمائة سنة، وفي رواية عن أنس بن مالك، عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم أنه عاش ألفاً وأربعمائة وخمسين سنة (2).
وعاش آدم تسعمائة وثلاثين سنة كما هو مذكور في التوراة(3).
وعاش شيث تسعمائة واثني عشرة سنة (4).
وجاءت الروايات ببقاء الخضر إلى الآن، قال الطبرسي في(إعلام الورى): (أجمعت الشيعة وأصحاب الحديث، بل الأمة بأسرها خلا المعتزلة والخوارج على أنَّ الخضر موجود في هذا الزمان، حي كامل العقل، ووافقهم على ذلك أكثر أهل الكتاب )(1)انتهى.
وكذلك إلياس وإدریس (2).
ونص القرآن الكريم على بقاء عيسى ورفعه إلى السماء(3).
وجاءت الروايات المتفق عليها بين الفريقين على أنّه ينزل عند خروج المهدي ويُصلّي خلفه(4)، فكيف جاز بقاء المأموم طول هذه المدّة وحياته وامتنع بقاء الإمام؟!
هذا مع ما صح عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم انّه قال: «كل ما كان في الأمم السالفة يكون في هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة» (5).
وجاءت روايات الفريقين بحياة الدجّال (6)، وهو كافر معاند مضلّ وبقائه إلى خروج المهدي، فيقتله المهدي، فكيف امتنع في ولي الله ما وقع مع عدوِّ الله، ونُسِب معتقده إلى الجهل وسخافة العقل؟!
ونص الكتاب العزيز على بقاء إبليس إلى يوم القيامة(7)، وهو غاءٍ مضل؟!
1) راجع إعلام الورى (ج 2 ص 305).
2) راجع: تفسير الكشاف (ج 3 شرح ص 201).
3) انظر قوله تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) (النساء: 157 و 158).
4) كما مر في (ص 60)، فراجع.
5) راجع: كمال الدين (ص) (560/ باب 47 / ذيل الحديث 2).
6) كما سيأتي في (ص 140)، فانتظر.
7) انظر قوله تعالى: (قال رَبِّ فَأنظرني إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ) (ص: 79 و 80).
وقد نص القرآن الكريم على بقاء أهل الكهف أحياء وهم نيام «وَكَلْبُهُمْ باسط ذراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ» [الكهف: 18]، فلبثوا في رقدتهم الأولى «ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً » [الكهف: 25] ، كما نطق به القرآن العظيم(1).
فأيَّهما أعجب وأغرب وأبعد بقاء رجل يأكل ويشرب ويمشي وینام ويستيقظ ويتنظف مدة طويلة، أم بقاء أشخاص نيام في مكان واحد لا يأكلون ولا يشربون ولا يتنظفون؟!
وقد نص القرآن الكريم على إماتة عُزير مائة عام ثم إحيائه وطعامه لم يتسنّه ولم يتغيَّر وحماره معه(2)، فأيهما أعجب هذا أم بقاء المهدي ؟!
وقد نص الكتاب العزيز على بقاء أهل الجنة والنار (3).
وجاءت الأخبار بلا خلاف بأن أهل الجنة لايهرمون ولايضعفون ولا يحدث بهم نقصان في الأنفس والحواس(4).
1) انظر قوله تعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْفاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ باسط ذراعيه بِالْوَصِيدِ .... (الكهف: 18)، وقوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ) (الكهف: (25).
2) انظر قوله تعالى: (فَأَماتَهُ الله مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عام فانظر إلى طعامِكَ وَشَرابِكَ لَّمْ يَتَسَنَّة ...) (البقرة: 259).
3) انظر مثلاً قوله تعالى في أهل الجنة: اللَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خالدين فيها ....) (آل عمران (15)، وقوله تعالى في أهل النار الخالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب ...) (آل عمران: 88)
4) عن أبي جعفر في حديث طويل، قال: ... إنّهم شباب لا يهرمون، وأصحاء لا يسقمون وأغنياء لا يفتقرون، وفرحون لا يحزنون، وأحياء لا يموتون...» (الكافي: ج 2 ص 598/ كتاب فضل القرآن/ ح 1).
ومن أراد استقصاء أخبار المعمّرين فليرجع إلى كتابنا (البرهان على وجود صاحب الزمان) (1)
أيا علماء العصر يا من لهم خبر*** بكل دقيق حار في مثله الفكر
الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج 3 ص 91).
وقد طبعها مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه مرّتين: الأولى سنة (1427ه-)، والثانية سنة (1441ه-).
.وقد شاهدنا في زماننا بقاء الأجسام بعد الموت محفوظة بالأدوية أُلوفاً من السنين في الملك الذي أخرج من صيدا، وهو في تابوت مغموراً بالماء، لم يفقد من جسمه شيء، ونُقل بتابوته إلى القسطنطينية في عهد السلطان عبد الحميد العثماني، وتاريخه قبل المسيح علیه السلام .
وشاهدنا في مصر أجسام الفراعنة محنطة باقية من عهد موسى علیه السلام أو قبله بأكفانها، والتماسيح الحنطة والمعزى، والحنطة، والخبز، وغير ذلك.
وبهذه السنين استُخرِجَ في مصرأحد الفراعنة المسمّى (توت عنخ آمون) وجسمه لم يبل، ومائدته أمامه عليها الفواكه.
فإذا جاز على الله تعالى أن يُلهم عباده معرفة الأدوية الحافظة لأجسام الموتى والحيوانات وغيرها ألوفاً من السنين، أمّا يجوز عليه أنْ يُطوّل عمر شخص ويُبقيه حيا زماناً طويلاً؟!
وقد ضرب السيدابن طاوس رحمه الله في كتاب(كشف المحجة)مثلاً لرفع استبعاد بقاء المهدي حيًّا بين الناس مدّة طويلة وهم لا يعرفونه حين حصلت بينه وبين بعض علماء بغداد من أهل السنَّة مناظرة في ذلك، فقال:
1) قصيدة وشرحها لسيدنا المعاصر السيد محسن بن السيد عبد الكريم الأمين.... طُبِعَ في صيدا سنة (1333 ه-) في (108 ص) وهو ردٌّ على القصيدة البغداديَّة المرسلة إلى علماء النجف، وقد أجاب عنها جمع كثير منهم نظماً ونثراً التي مطلعها:
لو أنَّ رجلاً حضر إلى بغداد وادعى أنه يستطيع المشي على الماء وضرب لذلك موعداً، أترى أنَّ أحداً من أهل بغداد كان يتخلف عن ذلك الموعد؟ لا شك أنّه لايتخلف أحد،أو يتخلّف النادر، ثم إذا حضر في اليوم المعيّن ومشى على الماء، وقال: إنَّه في اليوم الثاني يريد أن يفعل مثل ذلك، أفكان يحضر من الناس مثلما حضر في اليوم الأول؟ لا شكّ أنَّ الحاضرين يكونون أقل من اليوم الأول بكثير، وإذا قال: إنّه في اليوم الثالث يريد أن يفعل مثل ذلك فلا شك أنه لا يحضره أحد أو يحضره النادر، وإذا تكرر ذلك منه كثيراً لا ينظر إليه أحد ولا يستغرب منه ذلك، فكذلك المهدي الا لما كان بقاء مثله زمناً طويلاً قليل يستغربه الناس، ولو نظروا إلى تكرر وقوعه في الأعصار السابقة يرتفع الاستغراب(1).
وأقول: إنَّه في زماننا ونحن بدمشق جاء خبر بأن طيارة عثمانية تريد المجيء إلى دمشق، ولم تكن الناس رأت الطائرات، فلم يبق بدمشق أحد إلا خرج للنظر إليها، فلما جاءت ثانياً وثالثاً قل المتفرجون إلى أن صارت الطائرات اليوم بمنزلة الطيور لا ينظر إليها أحد ولا يستغرب أمرها.
1) راجع: كشف المحجة ( ص 55).
تألیف :العلامة في العلوم العقلية والنقلية متكلم الشيعة نابغة الفضل والادب
القاضي السَّيَدِنور الله الحسینی المرعشی التستری
الشهيد في بلاد الهندسنة 1019
الجزء الثالث عشر
مع تعليقات نفيسة هامة
للعلامه الحجة اية الله العظمي السيد شهاب الدین الحسینی المرعشي النجفي دام ظله الوارف
باهتمام السيد محمود المرعشى
من منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي
قم - ایران
رواه جماعة من أعلام القوم :
منهم الحافظ أبو عبد الله ابن ماجة القزويني في « سنن المصطفى » (ج 1 ص 518 ط التازي بمصر ) قال :
حدثنا نصر بن علي الجهضمي ثنا محمد بن مروان العقيلي ثنا عمارة بن أبي عن زيد العمي ، عن أبي صديق الناجي ، عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال: يكون في أمنى المهدى إن قصر فسبع والافتسع فتتنعم فيه امتى نعمة لم ينعّموا مثلها قط ، تؤتي أكلها ولا تدخر منهم شيئاً و المال يومئذ كمدوس فيقوم الرجل فيقول : يا مهدى اعطني فيقول : خذ .
ومنهم الحافظ الترمذي في صحيحه» ( المطبوع مع شرح الاحوذى ج 3 ص 232 ط بمبئى ) قال :
حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ناشعبة قال : سمعت زيدا العمى قال : سمعت أبا الصديق الناجي يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألنا نبي الله صلی الله علیه و آله وسلم قال : إنّ في امتى المهدى" يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً زيد الشاك قال: قلنا وما ذاك؟ قال: سنين قال : فيجيىء إليه الرجل فيقول: با مهدی اعطنى اعطنى قال: فيحثى له في ثوبه ما استطاع أن يحمله هذا حديث
( احقاق الحق المجلد 13 ج 14)
حسن ، وقد روى من غير وجه عن أبي سعيد ، عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم وأبو الصديق الناجي اسمه بكر بن عمرو ويقال بكر بن قيس .
ومنهم الحافظ أبو نعيم في الاربعين حديثاً في ذكر المهدی»(الحديث الأول ) .
روى باسناده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم أنه قال : يكون من أمتي المهدي" إن قصر عمره سبع سنين وإلا فثمان وإلا فتسع تتنعم امتى في زمانه نعيماً لم يتنعموا مثله قط البر و الفاجر يرسل الله السماء عليهم مدراراً ولا تدخر الأرض شيئاً من نباتها.
و روى بإسناده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أيضاً عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال: تتنعم أمتي في زمن المهدى نعمة لم يتنعموا مثلها قط يرسل الله السماء عليهم مدراراً ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلا أخرجته .
ومنهم الحاكم أبو عبد الله النيشابوري في المستدرك (ج) 4 ص558 ط حیدر آباد ) قال :
حدثنا عبد الله بن سعد الحافظ ، ثنا إبراهيم بن أبي طالب ، و إبراهيم بن إسحاق ، و جعفر بن محمد بن أحمد الحافظ قالوا : ثنا نصر بن علي فذكر الحديث بعين ما تقدم عن سنن المصطفى» سنداً ومتنا .
ومنهم العلامة الكنجى فى «البيان فى أخبار آخر الزمان »
(س) 100 ط النجف) قال :
أخيرنا الحافظ يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي بحلب وقال : أخبرنا محمد ابن إسماعيل بن محمد الطرسوسي ، ، أخبرنا أبو منصور محمد بن إسماعيل الصيرفي أخبرنا أبو الحسين بن فاذشاه أخبرنا الحافظ أبو القاسم سليمان بن أيوب الطبراني حدثنا عبد الرحمان بن حاتم حدثنا نعيم بن حماد حدثنا محمد بن مروان عن
عمارة بن حفصة ، عن زيد العمي، عن أبي الصديق ، عن أبي سعيد الخدري فذكر الحديث بعين ما تقدم ثانياً عن «الأربعين» .
وزاد في آخره: خره : والمال كدوس يقوم الرجل فيقول : يا مهدى أعطني فيقول خذ ، قلت : هذا حديث حسن المتن رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الأكبر كما أخرجناه حرفاً بحرف .
ومنهم العلامة السمهودى فى «جواهر العقدين» على ما في ينابيع المودة (ص 224 ط اسلامبول).
روى الحديث عن أبي سعيد بعين ما تقدم عن سنن المصطفى» إلا انه ذكر يدل قوله لم ينعّموا : لم يسمعوا وبدل كلمة منهم : منها .
قال : و منهم العلامة السيوطى فى «الحاوي للفتاوي» ( ص 59 - ط القاهرة )
قال :روى الحديث من طريق نعيم بن ، حماد ما تقدم عن أبي سعيد فذكر الحديث يعين ما تقدم عن سنن المصطفى ، لكنه ذكر بدل كلمة لم ينعموا : لم يسمعوا .
و فی (ص (62).
رواه من طريق الدارة دارقطني والطبراني في «الأوسط، عن أبي هريرة ، عن أبي سعيد بعين ما تقدم عنه «الأربعين» .
و منهم العلامة القندوزى فى « ينابيع المودة » ( ص 447 و ص487 ط اسلامبول ) .
روى الحديث نقلا عن « فرائد السمطين » بعين ما تقدم عنه إلى قوله : و من أنكر خروج الدجال فقدكفر .
ومنهم الحافظ نور الدين على بن أبى بكر فى «مجمع الزوائد» ( ج 7
ص317 ط مكتبة القدسي في القاهرة ) .
روي الحديث من طريق الطبراني في«الأوسط» ، (قال و رجاله ثقات) عن أبي هريرة بعين ما تقدم عن «الحاوى، لكنه أسقط قوله : البر منهم و و الفاجر .
ومنهم العلامة المولى على المتقى الهندى فى « منتخب کنز العمال » .( المطبوع بهامش المسند ج 6 ص 32 ط الميمنية بمصر) .
روي الحديث من طريق الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة عن أبي سعيد بعين ما تقدم أولاً عن «الأربعين».
ومنهم العلامة الشيخ ابراهيم بن محمد بن أبي بكر بن حموية الحمويني المتوفى سنة 722 في كتابه «فرائد السمطين» (المخطوط) قال :
أخبرني الشيخ شهاب الدين أبو عبد الله بن يعقوب بن أبي الفرج إجازة أنبأ يحيى بن أسعد بن بوش التاجر و أبو الفرج عبد المنعم بن عبدالوهاب بن كليب و أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر إجازة ح وأخبرنا شيخنا أبو عمرو بن الموفق بقرائتي عليه بروايته عن عبد الحميد بن محمد بن إبراهيم إجازة قال : نبأ الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني قال : نينا أبو محمد محمد ابن محمد نبا محمد بن يحيى ابن مندة عن محمد بن عصام ، عن أبيه، عن سفيان ، عن عمرو بن قيس، عن أبي الصديق عن أبي سعيد الخدري فذكر الحديث بعين ما تقدم عن «الأربعين» . ومنهم الحافظ الگنجي الشافعى فى «البيان في أخبار آخر الزمان » (ص 316 ط النجف) قال :
أخبرنا أبو طالب عبد اللطيف بن محمد بن علي بن حمزة الجوهري بنهر معلى والعدل الخطيب أبو تمام علي بن أبو الفخار بن أبي منصور بن عبد السميع بن الواثق بالله بكرخ بغداد، قالا : أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي عن أبي منصور محمد بن الحسين المقومى، عن أبي طلحة بن القاسم بن المنذر الخطيب ، عن أبي الحسن
علي بن إبراهيم بن سلمة القطان، أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني ، حدثنا نصر بن علي الجهضمي فذكر الحديث بعين ما تقدم عن «سنن المصطفى»سنداً و متناً .
ومنهم العلامة الشبلنجى فى «نور الابصار» (س) 231 طالثمانية بمصر) . روى الحديث من طريق الطبراني في المعجم الكبير ، عن أبي سعيد بعين ما تقدم أولاً عن « الأربعين ، .
و منهم العلامة ابن الصباغ المالكي في ( الفصول المهمة ( ص 280 ط الفرى ) قال :
وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم تتنعّم أمنى في زمن المهدى نعمة لم يتنعم مثلها قط يرسل السماء عليهم مدراراً ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلا أخرجته رواه الطبراني في معجمه الكبير .
ومنهم العلامة الشعراني في «مختصر تذكرة » الشيخ أبي عبدالله القرطبي (س) 127 ط مصر) قال :
وى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال : يكون في أمتى المهدى إن قصر فسيع وإلا فتسع وينمو المال في زمنه ويكثر عنده فيقول : يا مهدى أعطني فيقول : خذ .
و منهم العلامة القندوزى فى «ينابيع المودة» ( من 488 ط اسلاميول ) قال :
و عن أبي . الخدرى رفعه يكون في أمتى المهدى" إن قصر عمره فسبع سنين وإلا فتسع سنين تتنعم أمنى في زمانه نعيماً لم يتنعم مثله قط البر والفاجر ترسل السماء مدراراً ولم تدخر الأرض شيئاً من نباتها .
الجزء الثاني
اعداد وتحقیق
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي علیه السلام
رقم الإصدار: 113
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي علیه السلام
النجف الأشرف _ شارع السور _ قرب جبل الحويش
هاتف: 218318 و 372011، النقال: 07804754535
ص.ب 588
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
الإمام المهدي علیه السلام في مصادر علماء الشيعة ج (2)
إعداد وتحقيق
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي علیه السلام
الطبعة الأولى: 1430ه
رقم الإصدار: 113
النجف الأشرف
عدد النسخ: 1500
جمیع الحقوق محفوظة للمركز
تأليف عمدة الفقهاء والمتكلمين خليفة السيد مرتضى في علومه أبي الصلاح تقي بن نجم الحلبي
374 - 447ه
تحقيق فارس تبریزیان الحسون
وأما طول الغيبة وتراخي الزمان بها، فلثبوت الواجب لها، واستمراره من إخافة الظالمين، وإصرارهم على الظلم والعزم على استيصال الحجة، وإذا كان ماله وجبت الغيبة مستمراً حسن لذلك استمرارها، وكانت التبعة على موجب ذلك دون الحجة المضطر إليها.
وأما طول العمر وبقاء الشباب مع كونه خلافاً للعادات، فلا قدح به لكونه مقدوراً للقديم سبحانه وشائعاً في حكمه، وإنّما يفعل منه من طول وقصر وشيخوخة وتبقية شباب ما يقتضي المصلحة فعله، لكون ذالک ، موقوفاً على مقدوره تعالى المعلوم حسن جميعه، و ، وتعلقه بمقدوره تعالى بغير شبهة على موحد.
وإنما استبعد ذلك ملحد يضيف التأثيرات إلى الطبائع أو الكواكب، فأما من أثبت صانعاً قادراً لنفسه فشبهته في ذلك ساقطة، ولم يبق إلا استبعاده في العادة مع المنع من خرق العادات لغير الأنبياء علیهم السلام ، وكلا الأمرين ساقط :
أما استبعاده في العادة، فالمعلوم خلافه.
لإجماع الأمة على طول عمر نوح علیه السلام ، وأنه عاش ألفاً ومائتين،
وقد نطق القرآن بنبوته في قومه داعياً ألف سنة إلأ خمسين عاماً، ولا شبهة في وجوده حياً قبل الدعوة وبعد الطوفان.
وأجمع العلماء بالنقل على كون الخضر علیه السلام حيا باقياً إلى الآن، وهو على ما وردت الروايات به من ولد الثاني(1)من ولد نوح علیه السلام ويكفي كونه صاحباً لموسى بن عمران علیه السلام باقياً إلى الآن.
وقد تواتر الخبر وأجمع أهل السيرة على طول عمر لقمان الحكيم علیه السلام وأنه عاش عمر سبعة أنسر ، وفيه يقول الأعشى، شعر:
لنفسك أن تختار سبعة أنسر ***إذا ما مضى نسر خلوت إلى نسر
فعمر حتى خال أنّ نسوره ***خلود وهل تبقى النفوس على الدهر
وقال لأدناهنَّ إذ حل ريشه *** هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري(2)
وإنما اختلفوا في عمر النسر، ففيهم من قال: ألف سنة، وفيهم من قال خمس مائة سنة، وأقل ما روي أن عمر السبعة الأنسر الذي عاشه لقمان ألف وخمسون ومائة سنة.
وقد تناصرت الروايات بطول عمر سلمان الفارسي رضی الله عنه ، وأنّه لقي من لقي المسيح علیه السلام وعاش إلى خلافة عمر بن الخطاب .
ونقل الكل من أصحاب الحديث أو من تثبت بقله الحجة من الفرق المختلفة أخبار المعمرين ودونوا أشعارهم وأخبارهم.
فمن ذلك . عمرو بن حممة الدوسي، عاش أربع مائة سنة حاكماً على العرب، وهو ذو الحلم الذي يقول فيه المتلمس (3)اليشكري، شعر:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ***وما علم الإنسان إلا ليعلما(1)
وهو القائل:
كبرت وطال العمر حتى كأنني*** سليم أفاع ليله غير مودع
فما الموت أفناني ولكن تتابعت ***عليَّ سنون من مصيف ومربع
ثلاث مئين قد مررن کواملاً *** وها أنا هذا أرتجي مر أربع(2)
ومنهم: الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن أدد المذحجي، وكان من حكماء العرب وفصحائهم، وهو القائل، شعر:
أكلت شبابی فأفنيته ***وأمضيت بعد دهور دهورا
ثلاثه اهلین صاحبتهم ***فبادوا وأصبحت شيخاً كبيرا
عسير القيام قليل الطعام (3)*** قد ترك الدهر خطوى قصيرا
أبيت أرعى(4)نجوم السماء*** أقلب أمري بطوناً ظهورا (5)
ومنهم المستوغر، وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زید
بن(6)مناة بن تميم بن مرة بن أد بن طلحة (7)بن إلياس بن مضر.
عاش ثلاث مائة، وأدرك أوّل الإسلام، وروي أنه مات قبل ظهور النبي صلی الله علیه و آله وسلم ، وهو القائل شعر:
1) المعمرون والوصايا: 58.
2) كنز الفوائد: 250؛ المعمرون والوصايا: 58
3) في المصادر الأخرى: (قليل الطعام . القيام ...).
4) كذا، وفي المصادر الأخرى: (أراعي).
5) كنز الفوائد: 251؛ المعمّرون والوصايا : 124؛ أمالي المرتضى 1: 232 و 233.
6) في أمالي المرتضى: (زيد مناة).
7) في أمالي المرتضى: (طابخة بن الياس).
ولقد سئمت من الحياة وطولها *** وعَمِّرت من عدد السنين مئينا
مائة أتت من بعدها مائتان لي *** وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا *** یوم یكر وليلة تحدوها (1)
ومنهم دوید بن زید بن نهد بن (2)سود بن أسلم بن ألحاف بن قضاعة بن مالك بن مرة بن مالك بن حمير .
عاش أربع مائة سنة وستاً وخمسين سنة، وهو القائل، الشعر:
اليوم يبني لدويد بيته*** .......................................(3)
إلى قوله، شعر:
لو كان للدهر بلى أبليته ***أو كان قرني واحداً كفيته (4)
ومن قوله، شعر:
ألقى علي الدهر رجلاً ويدا *** والدهر ما أصلح يوماً أفسدا
***يفسد ما أصلحه اليوم غدا (5)
ومنهم: زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن ألحاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير، عاش مائتي سنة، وواقع مائتي سنة،وقعة، وكان سيداً مطاعاً شريفاً في قومه،
ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه: كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم، و كاهنهم، وفارسهم، وله البيت فيهم، والعدد منهم. وله حكم ووصايا وأشعار مشهورة. فمن قوله، شعر :
لقد عمرت حتى ما أبالي ***أحتفي في صباحي أو مسائي
وحق لمن أتت مائتان عاماً ***عليه أن يمل من الثواء(1)
ومنهم: ذو الأصبع العدواني، واسمه حرثان بن محرث بن الحارث بن ربيعة بن وهب بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان، وكان شاعراً فصيحاً ومن حكماء العرب، عاش مائة سنة وسبعين سنة، وفي رواية أبي حاتم أنه عاش ثلاث مائة سنة، ومن حسن شعره:
لا يبعدن عهد الشباب ولا *** لذاته و نباته(2) النضر
هزئت أثلية أن (3)رأت هرمي *** و أن انحنى لتقادم ظهری
* * *
أكاشر ذا الطعن (4)المبين عنهم*** وأضحك حتّى يبدو الناب أجمع
وأهدنه بالقول هدنا ولو يرى ***سريرة ما أخفي لبات يفزَّع (5)ومنهم: الربيع بن ضبع الفزاري روي أنّه دخل على عبد الملك بن
مروان فقال له: يا ربيع أخبرني عما أدركت من العمر ورأيت من الخطوب الماضية؟
فقال: أنا الذي أقول، شعر:
ها أنا ذا آمل الخلود وقد ***أدرك عقلي ومولدي حجرا
فقال عبد الملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبي، يا ربيع لقد طلبك جد غير عاثر ففصّل لي عمرك.
فقال: عشت مائتي سنة في فترة عيسى علیه السلام وعشرين ومائة في الجاهلية وستّين في الإسلام، وهو القائل، شعر:
إذا كان الشتاء فأدفنوني *** فإن الشيخ يهدمه الشتاء
وأما حين يذهب كل قرّر *** فربّال خفيف أو رداء
إذا عاش الفتى مائتين عاماً *** فقد ذهب المسرة(1)والفتاء (2)
ومنهم: عبد المسيح بن بقيلة، واسمه ثعلبة بن عمرو بن قيس بن حيان، عاش ثلاث مائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم وكان نصرانياً، وبنى له قصراً بالحيرة، وعاش إلى خلافة عمر، ولما نزل خالد بن الوليد بالحيرة صالحه على مائة ألف درهم، فقال في ذلك، شعر:
أبعد المنذرين أرى سوا ما *** تروّح بالخورنق والسدير
تحاماه فوارس كل قوم *** مخافة يغم على الزئير
إلى قوله:
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى *** وخرج من قريظة والنضير
كذاك الدهر دولته سجال *** فيوم من مساة أو سرور (1)
ومنهم: النابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويكنى أبا ليلى، وأدرك الإسلام فأسلم، وهو القائل، شعر:
تذكرت والذكرى تهيج على الهوى*** ومن حاجة المحزون أن يتذكرا
نداماي عند المنذر بن محرق *** أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا (2)
كهول وفتيان كأن وجوههم *** دنانير مما شيف في أرض قيصرا
وله أيضاً:
لبست أناساً فأفنيتهم *** وأفنيت بعد أناس اناسا
ثلاثة أهلین سين أفنيتهم *** وكان الإله هوالمستآسا
يعني المستعاض، وله:
ولقد شهدت عكاظ قبل محلها ***فيها وكنت أعد مفتيان (3)
والمنذر بن محرق في ملكه *** وشهدت يوم هجائن النعمان
وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى *** وقوارع تتلى من القرآن(4)
ومنهم: أكثم بن صيفي الأسدي، عاش ثلاث مائة سنة وثلاثين
سنة، وأدرك النبي صلی الله علیه و آله وسلم وآمن به قبل أن يلقاه، وله أحاديث كثيرة وحكم، وهو القائل، شعر:
وإنّ امرءاً قد عاش تسعين حجة ***إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
مضت مائتان بعد عشر وفازها(1)*** وذلك من عد الليالي قلائل(2)
ومنهم صيفي بن رباح، عاش مائتي سنة وسبعين سنة، لا ينكر من عقله شيء، وهو في بعض الروايات ذو الحلم الذي يقول المتلمس اليشكري فيه البيت السالف (3).
ومنهم ضبيرة بن سعد بن سهم بن عمرو، عاش مائتي سنة وعشرين سنة ولم يشب، وأدرك الإسلام ولم يسلم، ومات أسود الشعر صحیح الأسنان، فرثاه ابن عمه قيس بن عدي فقال، شعر:
من يأمن الحدثان بعد ***ضبیره السهمی ماتا
سبقت منيّته المشیب *** فکان مینته افتلاتا
فتزودوا لا تهلكوا *** من دون أهلكم خفاتا (4)
ومنهم: شريح بنه بن نهيك بن دريد بن سلمة، أدرك الإسلام، وقتل في ولاية الحجّاج، وهو القائل، شعر:
قد عشت بين المشركين أعصرا ***ثمت أدركت النبي المنذرا
وبعده صدیقه وعمرا *** ويوم مهران ويوم تسترا
والجمع من صفّينهم والنهرا *** هيهات ما أطول هذا عمرا (1)ومنهم: الحارث بن مضاض الجرهمي(2)، عاش أربع مائة سنة، وأدرك الإسلام ولم يسلم ، وقتل يوم حنين، وهو القائل، شعر:
حرب عوان ليتني فيها جدع ***......................................(3)
وإذا كان ما ذكرناه من أعمار هؤلاء معلوماً لكل سامع للأخبار، وفيهم أنبياء صالحون وكفّار معاندون وفسّاق معلنون سقط دعوى خصومنا كون عمر الغائب خارقاً العادة، لثبوت أضعاف ما انتهى إليه من المدة لأبرار وفجار.
على أن خرق العادة على غير الأنبياء علیهم السلام إنَّما يمنع منه المعتزلة وإخوانها الخوارج إذا تكاملت فيه شروط المعجز، وطول عمر الحجة علیه السلام خارج من قبيل الإعجاز بغير شبهة، لانفصاله من دعواه، بل هو مستحيل(4)، لأن تأخر الدعوى ومضي العمر الخارق للعادة لا يؤثر شيئاً، لوجوب تقدم الدعوى بخرق العادات المفعول للتصديق عقيبها، وتقدم الدعوى بطول العمر لا يجدي شيئاً، لتعريها من برهان صحته، ولوقوعها على ما لم يحصل إلا بعد أزمان.
اللهم إلا أن يجعل جاعل طول عمره علیه السلام مدة معلومة دلالة على صدقه بعد مضي الزمان الذي أخبر به غير أن هذا المعجز من قبيل الإخبار بالغائبات دون طول العمر.
أو يجعل جاعل ظهوره علیه السلام بعد طول المدة شاباً قوياً معجزاً، فيصح ذلك، إلا أنه مختص بزمان ظهوره دون زمان غیبته.
وبعد، فلو سلمنا أن طول عمر الغائب علیه السلام المدة التي بلغها أحد من ذكرناه من المعمرين وأضعافها خارقا للعادة على ما اقترح علينا، وأنه من قبيل الإعجاز، لم يقدح ذلك في شيء ممّا قدمناه لجواز ظهور المعجز عندنا على الأبرار، فضلاً عن الحجج والصالحين حسن ما دللنا عليه في ماضي كتابنا هذا وأوضحناه.
تالیف شيخ الطائفة ابی جعفر الطوسی
( 385 - 460 م)
صححه وعلق علیه
الشيخ يعقوب الجعفري المراغي
مسألة:
قال السيد المرتضى رحمه الله : وطول الغيبة كقصيرها؛ لأنها متعلقة بزوال الخوف الذي ربما تقدَّم أو تأخر. وزيادة عمر الغائب على المعتاد لا قدح به، لأن العادة قد تنخرق للأئمة بل للصالحين.
شرح ذلك:
إذا كان السبب في استتاره وغيبته ما بيناه من خوفه على نفسه جاز أن يطول زمان غيبته، لاستمرار أسبابها التي أوجبها، لأنّها متعلقة بها، فلا يجوز ظهوره مع ثبوت السبب الموجب للغيبة، لأنه يؤدي ذلك إلى تغريره بنفسه. ولا ينبغي أن يستبعد استمرار أسباب الغيبة، لأن ذلك ممكن غير ممتنع.
فأما طول الغيبة وخروجه عن العادة فلا اعتراض به أيضاً لأمرين: أحدهما: إنا لا نسلّم أن ذلك خارق للعادة، لأن من قرأ الأخبار ونظر في أحوال من تقدم ووقف على ما سطر في الكتب من ذكر المعمّرين، علم أن ذلك قد جرت العادة بمثله. وقد نطق القرآن ببعض ذلك، قال الله تعالى إخباراً عن نوح النبي علیه السلام «فَلَبث فِيهِمْ أَلفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً»(1)فأخبر بمقامه بين أظهرهم هذه المدة، وهو أضعاف ما وجدنا من عمر صاحب الزمان علیه السلام . وما ذكر من أخبار المعمرين من العرب والعجم قد صنّفت فيه الكتب(2)
المعمرين لأبي منذر هشام بن محمد الكلبي.
، وقد أوردنا طرفاً منه في كتاب الغرر والدرر (3)لا يتحمل هذا الموضع إيراده.والوجه الأخير: أنّا لو سلّمنا أنّ ذلك خارق للعادات كلّها عادتنا وغيرها، كان أيضاً جائزاً عندنا، لأن أكثر ما في ذلك أن يكون معجزاً،
وإظهار المعجزات عندنا يجوز على ما ليس بنبي من إمام أو صالح. وهو مذهب أكثر الأمة غير المعتزلة والزيدية والخوارج، وإن سمى بعضهم ذلك كرامات لا معجزات، ولا اعتبار بالأسماء بل المراد خرق العادات. وقد دللنا على هذا المذهب في كثير من المواضع ذكرناه في الشافي (1)والذخيرة، وليس هذا موضع ذكره.
وهذا جملة مقنعة في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
1) أنظر: الشافي في الإمامة 1: 196.
تأليف امين الإسلام الشيخ ابى على الفضل بن الحسين الطبرسي
المتوفى سنه 548 ه
قالوا: لا يمكن أن يكون في العالم بشر له من السن ما تصفونه لإمامكم، وهو مع ذلك كامل العقل، صحيح الحس، وأكثروا التعجب من ذلك، وشنعوا به علينا .
والجواب: أن من لزم طريق النظر، وفرّق بين المقدور والمحال لم ينكر ذلك، إلّا أن يعدل عن الإنصاف إلى العناد والخلاف. وطول العمر وخروجه عن المعتاد لا اعتراض به لأمرين:
أحدهما: إنّا لا نسلّم أن ذلك خارق للعادة، لأن تطاول الزمان لا ينافي وجود الحياة، وإن مرور الأوقات لا تأثير له في العلوم والقدر، ومن قرأ الأخبار ونظر فيما سطر في الكتب من ذكر المعمرين علم أن ذلك مما جرت العادة به، وقد نطق القرآن بذكر نوح وأنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما.
وقد صنفت الكتب في أخبار المعمرين من العرب والعجم، وقد تظاهرت الأخبار بأن أطول بني آدم عمراً الخضر علیه السلام وأجمعت الشيعة وأصحاب الحديث بل الأمة بأسرها - ما خلا المعتزلة والخوارج - على أنّه موجود في هذا الزمان، حيّ كامل العقل، ووافقهم على ذلك أكثر أهل الكتاب ولا خلاف في أنّ سلمان الفارسي أدرك رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وقد قارب من عمره أربعمائة عام.
وهب أن المعتزلة والخوارج يحملون أنفسهم على دفع الأخبار، فكيف يمكنهم دفع القرآن وقد نطق بدوام أهل الجنة والنار، وجاءت الأخبار بلا بین الأمة فيها بأن أهل الجنّة لا يهرمون ولا يضعفون، ولا يحدث بهم نقصان في الأنفس ولو كان ذلك منكراً من جهة العقول لما جاء به القرآن، ولا حصل عليه الإجماع، ومن اعترف بالخضرعلیه السلام لم يصح منه هذا الاستبعاد،
ومن أنكره حجیه الأخبار، وجاءت الرواية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله : «لما بعث الله نوحاً إلى قومه بعثه وهو ابن خمسين ومائتي سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وبقي بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة، فلما أتاه ملك الموت علي قال له: يا نوح، يا أكبر الأنبياء، ويا طويل العمر، ويا مجاب الدعوة، كيف رأيت الدنيا؟
قال: مثل رجل بني له بيت له بابان فدخل من واحد وخرج من الآخر» .
وكان لقمان بن عاد الكبير أطول الناس عمراً بعد الخضر، وذلك أنه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، ويقال: إنه عاش عمر سبعة أنسر، وكان يأخذ فرخ النسر الذكر فيجعله في الجبل فيعيش النسر منها ما عاش، فإذا مات أخذ آخر فرباه، حتى كان آخرها لبد وكان أطولها عمراً فقيل: أتى أبد على لبد(1). (2)
وعاش الربيع بن ضبع الفزاري ثلاثمائة سنة وأربعين سنة، وأدرك النبي صلی الله علیه و آله وسلم : وهو الذي يقول:
ها أنا ذا آمل الخلود وقد *** أدرك عمري ومولدي حجرا
أما امرئ القيس قد سمعت به *** هيهات هيهات طال ذا عمرا
وهو القائل:
إذا عاش الفتى مائتين عاما *** فقد أودى المسرة والغناء
وله حديث طويل مع عبد الملك بن مروان.
وعاش المستوعر بن ربيعة ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين سنة، وهو الذي يقول:
ولقد سئمت من الحياة وطولها *** وعمرت من بعد السنين سنينا
وعاش أكثم بن صيفي الأسدي ثلاثمائة وستاً وثلاثين سنة، وهو الذي يقول:
وإن امرءاً قد عاش تسعين حجة ***إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
خلت مائتان غير ست وأربع *** وذلك من عدّ الليالي قلائل
وكان ممَّن أدرك النبي صلی الله علیه و آله وسلم و آمن به، ومات قبل أن يلقاه.
وعاش دريد بن زيد أربعمائة سنة وستاً وخمسين سنة، فلما حضره الموت قال:
ألقى علي الدهر رجلاً ويدا *** والدهر ما أصلح يوماً أفسدا
يفسد ما أصلحه اليوم غدا
وعاش دريد بن الصمة مائتي سنة، وقتل يوم حنين.
عاش صيف بن رياح بن أكثم مائتي سنة وسبعين سنة، لا ينكر عقله شيئاً وهو ذو الحلم، زعموا فيه ما قال المتلمس :
لذي الحلم قبل اليوم ما يقرع العصا *** وما علم الإنسان إلا ليعلما
وعاش نصر بن دهمان بن سليم بن أشجع مائة وتسعين سنة حتّى سقطت أسنانه، وابيض رأسه، فاحتاج قومه إلى رأيه، فدعوا الله أن يرد إليه عقله، فعاد إليه شبابه واسودّ شعره، فقال في ذلك سلمة بن الخرشب:
لنصر بن دهمان الهنيدة (1)عاشها *** وتسعين حولاً ثم قوم فانصاتا
1) الهنيدة: المائة من الإبل وغيرها. (الصحاح 2: 557) .
وعاد سواد الرأس بعد بياضه *** وراجعه شرخ الشباب الذي فاتا
وعاش مملياً في رخاء وغبطة (1)*** ولكنه من بعد ذا كلّه ماتا وعاش ضبيرة بن سعيد السهمي مائتين وعشرين سنة، وكان أسود الرأس، صحيح الأسنان.
وعاش عمرو بن حممة الدوسي أربعمائة سنة، وهو الذي يقول:
كبرت وطال العمر حتى كأنني *** سليم يراعي ليله غير مودع
فلا الموت أفناني ولكن تتابعت *** عليّ سنون من مصيف ومرتع
ثلاث مئات قد مررن کواملا *** وها أنا ذا أرتجي مر أربع
وروى الهيثم بن عدي، عن مجاهد، عن الشعبي قال: كنّا عند ابن عباس في قبة زمزم وهو يفتي الناس، فقام إليه أعرابي فقال: قد أفتيت أهل الفتوى فافت أهل الشعر.
فقال: قل. قال: ما معنى قول الشاعر:
لذي الحلم قبل اليوم ما يقرع العصا*** وما علم الإنسان إلّا ليعلما
قال: ذلك عمرو بن حممة الدوسي قضى على العرب ثلاثمائة سنة، فلمّا كبر ألزموه السادس أو السابع من ولد ولده، فقال: إنّ فؤادي بضعة مني ، فربّما تغيّر عليّ في اليوم مراراً، وأمثل ما أكون فهماً في صدر النهار، فإذا رأيتني قد تغيّرت فاقرع العصا، فكان إذا رأى منه تغير أقرع العصا فراجعه فهمه.
وعاش زهير بن حباب بن عبد الله بن كنانة بن عوف أربعمائة سنة وعشرين سنة، وكان سيّداً مطاعاً شريفاً في قومه.
1) كذا في المصدر وكشف الغمة، وفي كمال الدين وكنز الفوائد وبحار الأنوار: (رواجح عقلاً بعد ما فات عقله.....)
وعاش الحارث بن مضاض الجرهمي أربعمائة سنة، وهو القائل:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا*** أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلی نحن كنّا أهلها فأبارنا *** صروف الليالي والجدود العواثر
وعاش عامر بن الظرب (1).العدواني مائتي سنة، وكان من حكماء الأعمار، العرب، وله يقول ذو الإصبع ومنا حكم يقضي ولا ينقض ما يقضي (2)
فهذا طرف يسير . مما ذكر من المعمرين، وفي إيراد أكثرهم إطالة في الكتاب، وإذا ثبت أن الله سبحانه قد عمر خلقاً من البشر ما ذكرناه من ا وبعضهم حجج الله تعالى وهم الأنبياء، وبعضهم غير حجة، وبعضهم كفار، ولم يكن ذلك محالاً في قدرته، ولا منكراً في حكمته، ولا خارقاً للعادة، بل مألوفاً الأعصار، معروفاً عند جميع أهل الأديان، فما الذي ينكر من عمر صاحب الزمان أن يتطاول إلى غاية عمر بعض من سميناه، وهو حجة الله تعالى على خلقه، وأمينه على سره، وخليفته في أرضه، وخاتم أ أوصياء نبيه صلی الله علیه و آله وسلم وقد صح عن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أنه قال: «كل ما كان في الأمم السالفة فإنه يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة» (3)
هذا وأكثر المسلمون يعترفون ببقاء المسيح علیه السلام حياً إلى هذه الغاية، شاباً قوياً، وليس في وجود الشباب مع طول الحياة إن لم يثبت ما ذكرناه أكثر من أنه نقض للعادة في هذا الزمان،وذلك غير منكر على ما نذكره.
والأمر الآخر أن نسلّم لمخالفينا أن طول العمر إلى هذا الحد مع
وجود الشباب خارق للعادات - عادة زماننا هذا وغيره - وذلك جائز عندنا وعند أكثر المسلمين، فإن إظهار المعجزات عندهم وعندنا يجوز على من ليس بنبي، من إمام أو ولي، لا ينكر ذلك من جميع ا الأمة إلا المعتزلة والخوارج، وإن سمّي بعض الأمة ذلك كرامات لا معجزات ولا اعتبار بالأسماء، بل المراد خرق العادات، ومن أنكر ذلك ك في باب الأئمة فإنا لا نجد فرقاً بينه وبين البراهمة في إنكارهم إظهار المعجزات ونقض العادات لأحد من البشر، وإلا فليأت القوم بالفصل، وهيهات.
تأليف أمين الاسلام الشيخ ابى على الفضل بن الحسن الطبرسي
المتوفى سنة 548 ه
مقدار ما مضى من عمر صاحب الزمان علیه السلام مائتان وأربع وخمسون سنة لأنه ولد سنة (255) خمس وخمسين ومائتين وتاريخ اليوم سنة (509) تسع وخمسمائة، وكان منها مع أبيه أبي محمد علیه السلام خمس سنين يعرضه فيها كل وقت وحين على خواصه وأمنائه الموثوق بهم من الشيعة الإمامية، لزوال الشبهة وحصول اليقين لهم وانتشار الخبر بوجود صاحب الأمر صلوات الله عليه فيهم، وقد عرضه علیه السلام مجلس واحد على أربعين نفساً منهم حتى حصل لهم العلم بوجوده عينه وتحققوه وشاهدوا منه الآيات والبراهين، فظلت أعناقهم لها خاضعين فلما قبض أبو محمد علیه السلام وهو ابن خمس سنين ثار جعفر بن علي أخو أبي محمد وجاء بظاهر تركة أخيه علیه السلام ، وسعى في حبس . جواري أبي محمد علیه السلام واعتقال حلائله، وشنع على أصحابه بانتظارهم ولده وقطعهم بوجوده والقول بإمامته، وأغرى بالقوم حتى أخافهم وشردهم، وجري على مخلفي أبي محمد علیه السلام بسبب ، ذلك أمر عظيم من حبس و تهديد واستخفاف وذل، فلم يظفر السلطان منهم بطائل، ثم جاء إلى الشيعة الإمامية، واجتهد في القيام عندهم مقام أخيه أبي محمد علیه السلام فلم يقبل أحد منهم ذ ذلك ولا اعتقدوا فيه.... فضى إلى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه وبذل مالاً جليلاً وتقرب بكل ما ظن أنه يتقرب به فلم ينتفع بشيء من ذلك، ولجعفر أخبار كثيرة في هذا المعنى لا يحتملها هذا الموضع.
الجزء الثالث
اعداد وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
رقم الإصدار: 114
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
النجف الأشرف _ شارع السور _ قرب جبل الحويش
هاتف: 218318 و 372011، النقال : 07804754535
ص.ب 588
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
الإمام المهدي علیه السلام في مصادر علماء الشيعة / ج (3)
تقديم وتحقيق
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
الطبعة الأولى: 1430ه
رقم الإصدار: 114
النجف الأشرف
عدد النسخ: 1500
جميع الحقوق محفوظة للمركز
تأليف
سديد الدين محمود الحمصي الرازي
المتوفي أوائل القرن السابع
تحقيق :
موسسه النشرالاسلامی
التابعه لجماعه المدرسین بقم المشرفه
وأما تعجبهم من طول بقائه وعمره، ثم من طول استتاره، فالكلام عليه أن نقول: التعجب من طول العمر إما أن يكون من حيث اعتقاد المتعجب أن ذلك مستحيل، وهو غير مقدور، وإما أن يكون من حيث كونه خارقاً للعادة.
أما الأول: فهو قول الدهرية والطبائعيين الذين لا يقرّون بالصانع المختار العالم، ويكذبون بما جاء في القرآن من قوله تعالى في نوح: « فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا »(1)وفي أصحاب الكهف: ً«وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا » (2)وبما هو مشهور بين الأمة من قصّة المعمّرين من الأنبياء والحكماء والملوك وغيرهم، على ما جاء في التفاسير والآثار والقصص، وليس هذا من مذهب فرقة من فرق المسلمين.
وأما الثاني: وهو أنه خارق للعادة فلا شكّ فيه، ولكنا قد يینا في الكلام في النبوّة أن خرق العادة في حق غير الأنبياء جائز حسن، وأنّه ليس فيه وجه قبح، ويوافقنا على ما ذكرناه الصوفيةوأصحاب الظاهر والأشعرية، فلا وجه للاستعجاب من هذا الوجه أيضاً، والتعجب من طول استتاره وغيبته وعدم العثور على مستقره، فممّا لا يصح التمسك به في إبطال وجوده، فكم من ولي الله تعالى يسيح في الأرض يعبده تعالى، وينفرد عن الخلق، لا يعرف أحد لهم مكاناً، ولا يدعي إنسان لقائهم ولا
الاجتماع معهم ، أليس الخضر علیه السلام موجوداً قبل زمن موسی علیه السلام وقتنا هذا بإجماع أهل النقل واتفاق أهل السير والأخبار؟ سائح في الأرض لا يعرف أحد له مستقراً، ولا يدعي أحد أنه صحبه، إلّأ ما جاء في القرآن في قصته علیه السلام مع موسى علیه السلام وما يقوله...(1)بحيث لايعرف، ويظن من رآه أنَّه بعض الزهاد، فإذا فارق مكانه، ربما كان علیه السلام ...(2)فإنّ الأمة مجمعة على بقائه، ولا يراه أحد ولا يعرف مكانه وقدكان من(3)[قصة موسى علیه السلام وهجرته عن] وطنه وفراره من فرعون موسی ورهطه ما صرّح به القرآن، ولم يطّلع عليه أحد بحيث لو... (4)فيعرف له مكاناً، حتّى ناجاه الله تعالى وابتعثه نبياً.
وكان من قصة يوسف بن يعقوب..(5)[علیهما السلام وغيبته عن أبيه وإخوته] وذويه ما جاءت بذكره سورة مفردة وتضمّنت ذكر استتار خبره عن أبيه، وهو نبي الله تعالى يأتيه الوحي من الله تعالى، أمره مطوي عنه وعن إخوته، وهم يعاملونه ويلقونه فيعرفهم، وهم لا يعرفونه، حتّى مضى على ذلك الأزمان وتقضت فيه السنون، ويلزم حزن أبيه لفقده ويأسه من لقائه ما صرح بذكره القرآن، وليس لذلك نظير في زماننا هذا، ولا سمعنا مثله في غيره.
وغيبة يونس علیه السلام نبي الله عن قومه و فراره منهم لطول زمان
خلافهم له وإصرارهم على ذلك ، بحيث لم يطلع أحد على مستقره إلا الله الذي حبسه في جوف حوت في قعر بحر، ومقامه وبقائه هناك حياً، ثم إخراج-ه تعالى إي-اه م-ن بطن الحوت إلى تحت شجرة من يقطين، بحيث لم يكن له معرفة بذلك المكان ولا خطر على قلبه سكناه، ك-ل ذلك ظاهر فيما بين الأمة مجمع عليه، وقد جاء بذكره القرآن، وهو أيضاً خارج عن عادتنا.
وأمر أصحاب الكهف على ما شرحه القرآن أيضاً ظاهر، وهو خارج عن عادتنا وعمّا نعرفه ونعهده.
وقصّة صاحب الحمار الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها واستبعاده عمارتها وعودها إلى ما كانت عليه، وإحياء أمواتها بقوله: « أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ »(1)وإحيائه بعد ذلك مع : بقاء طعامه وشرابه بحالهم لم يتغير، ومع بقاء حماره حياً قائماً على علفه، لم يتفق ولم يتغير عن حاله ولم يضره طول عمره ولا أضعفه، ثم أنشأ الله العظام، وإحياء أولئك الموتى، كل ذلك مذكور في القرآن في قوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »(2)...(3)( لنبي يقولون: إنَّه
كان نبياً من أنبياء الله تعالى، ولا شك في أن جميع ذلك خارج...(1)الغيبة اتفق لكثير من الخلق، وإن لم يكن في القرآن، قد ذكره أصحاب...(2)لينظروه، وأورده نقلة السير والآثار في كتبهم من غيبات ملوك الفرس عن...(3)[بلادهم ] طويلاً لوجوه من التدبير، بحيث لم يعرف أحوالهم فيها ولا مستقراً ولا اطلع لهم على موضع و مكان ثم... (4)رجعوا إلى وطنهم بعد ذلك وعادوا إلى ملكهم بأحسن حال، وكذلك جماعة من حكماء الروم والهند وملوكهم قد كانت لهم غيبات وأخبار بأحوال تخرج عن العادات، لم يذكر شيئاً من ذلك أكثر أصحابنا، لعلمهم بأن الخصوم ينكرونه، لكن ما في القرآن لا يمكن دفعه إلا بالخروج من الدين. وإذا كان كذلك بطل تعجب الخصوم، وقولهم: إن ما تقولونه وتذهبون إليه من غيبة صاحبكم، مما لم يتفق ولم يكن لأحد قط.
ثم وكم من الأمور العجيبة التي يعتقدها من دان بالإسلام وأقر به مما لم ير نظيره ولم يعتد مثله، كرفع عيسى علیه السلام إلى السماء، وإسراء نبینا صلی الله علیه و آله وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عروجه إلى السماء وانتهائه إلى الصفيح الأعلى، بحيث لا مكان بعده عى ما جاء جملة في القرآن، وتفاصيله وتتمته في الأخبار، فليس ما نقوله ونذهب نبينا إليه في الغيبة بأعجب منها.
ثم وإني أقول: إن استبطاء خروج صاحب الزمان وظهوره والتمسك به واتخاذه وحده طريقاً إلى نفي وجوده يشعر باعتقاد نفي القيامة والبعث والنشور، وذلك لأن الاستبطاء في ذلك أعظم وأكد وأكثر، من حيث إن جميع الأنبياء علیهم السلام من لدن آدم إلى نبينا كانوا ينذرون أممهم بالقيامة والبعث والنشور، وقد قال نبينا : ابعثت أنا والساعة كهاتين(1)وبعد فلم تقم القيامة إلى الآن، والمؤمنون الموقنون لم يشكوا فيها بسبب : تأخرها، واستبطاء قيامها، فإن كان مجرد تأخر خروج صاحبنا لا واستبطاء القوم ظهوره طريقاً إلى نفيه، فتأخر قيام القيامة واستبطاء الخلق ظهورها وقيامها أولى بأن يُتخذ طريقاً إلى نفيها.
فإن قالوا: لسنا ننكر وجوده لما ذكر تموه، وإنما نتكره لعدم الدليل عليه.
قلنا: فاتركوا التعجب والاستبطاء جانباً، واطلبوا منا الدلالة والحجة في ذلك، فإذا طالبونا بذلك فالدلالة ما قدمناه من وجوب وجود إمام معصوم مقطوع على عصمته في كل عصر يكون...(2)وبطلان إمامة كل من يُدعى له الإمامة في عصرنا هذا سوى صاحبنا... (3)المدعون البقاء واحد من سلفه المعصومين قد انقرضوا، فلا يوجد منهم...(4)ولحصول العلم بموت أولئك السادة المعصومين، على ما بيناه، وثبوت أن الحق...(5)هو الدليل من حيث الاعتبار العقلي، ومن طريق السمع)
فالتنصيص عليه من جهة....(1)ا الشكلان و من آبائه اي، على ما تواترت به الشيعة التي بينا صحة نقلها عند الكلام في النص.
ويؤيد هذه الأدلة ويؤكدها ما يرويه مخالفوا الشيعة في نعوت المهدي ،وصفاته، والرواية الظاهرة المستفيضة عن الرسول من قوله صلی الله علیه و آله وسلم لولم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله ذلك اليوم، حتى يخرج رجل من ولدي، يواطئ اسمه اسمي وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً(2).
* * *
تأليف نجم الدين إبى القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد
المحقق الحلی (رحمه الله)
602-676 ه
تحقیق رضا الاستادي
وأما استبعاد الخصم بقاءه هذه المدة، فإنما نشأ من ضعف البصيرة، وإلا فكيف يقال ذلك. . مع العلم بقدرة الله وقيام الدلالة على إمكان فعل الكرامات للأولياء، غاية ما في الباب أن يقال: هو خرق العادة، ونحن نمنع ذلك أولاً ثمّ نسلّم ونجعل ذلك معجزاً له عاليا. واعلم أن تطاول الأعمار أضعاف عمر القائم عليا وقع وقوع-اً مستمراً حتى حصل ذلك لجماعة من الملوك والجبابرة، فلا يكون ذلك خرقاً للعادة، بل مما جرت به العوائد(1)، فإن القرآن المجيد أخبر في طرف الصلحاء أن نوحاً عاش زيادة عن أُلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عاماً .(2)
وفي نقل أهل التاريخ في طرف غير الصلحاء مثل شداد بن عاد بن إرم أنه عاش سبع (3)مائة سنة، ومن المعلوم بين أهل المذاهب وجود
الخضر، وعمره أضعاف عمر القائم علیه السلام ، ولو حملت العصبية على إنكاره، لكان النقل من طرقهم مساعداً لنا، ولو فرق بين المقامين بأن الإمام يناط به أمور لا يتعطّل مثلها لغيبة الخضر، كان فرقاً في غير موضعه، لأنا نتكلم على استبعادهم طول العمر، لا على فوات المصالح. وقد أجبنا على العذر فيما يفوت من المصالح بغيبة الإمام بأن الحال (1)في ذلك من جهة المخيف لا من جهته علیه السلام.
وبينََّّا أنّ الحال فيه كالحال في النبي علیه السلام حين استتر، فما وجه استبعاد ذلك في حق القائم علیه السلام ؟
* * *
1) كذا في الأصل، ولعل الصحيح: (الحائل).
المجمع العالمي لأهل البيت
اسم الكتاب: أعلام الهداية (14) / الإمام المهدي المنتظر علیه السلام خاتم الأوصياء
المؤلف: لجنة التأليف في المعاونية الثقافية للمجمع العالمي لأهل البيت علیهم السلام
الموضوع: كلام وتاريخ
الناشر: المعاونية الثقافية للمجمع العالمي لأهل البيت علیهم السلام
الطبعة: الخامسة المحققة منقحة ومزيدة
المطبعة: المجمع العالمي لأهل البيت علیهم السلام
الكمية: 3000
تاريخ النشر: 1439 ه
ردمک : 978-964-529-357-2
...........................................................
ردمك الدورة: 9-358-529-964-978
حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمجمع العالمي لأهل البيت علیهم السلام
www.ahl-ul-bayt.org
E-mail: info@ahl-ul-bayt.org
إن الأوصاف التي يذكرها المفكر الإيرلندي للمصلح العالمي من الكمال الجسمي والعقلي وطول العمر والقدرة على استجماع خبرات العصور والأطوار بما يمكنه من إنجاز مهمته الإصلاحية الكبرى قريبة من الأوصاف التي يعتقد بها مذهب أهل البيت علیهم السلام في المهدي المنتظر علیه السلام وغيبته.
وقضية طول العمر في هذا المصلح العالمي التي أكد ضرورتها
العالمي مستجمعاً - عند ظهوره لتجارب العصور لكي يكون قادراً على إنجاز مهمته (1)، وهذه الثمرة متحصلة من غيبة الإمام المهدي علیه السلام الطويلة حسب عقيدة الإمامية الاثني عشرية، ولكن الفرق هو أن عقيدتنا في الإمام المعصوم تقول بأنه مستجمع منذ البداية لهذه الخبرة والثمار المرجوة من طول عمره، فهو علیه السلام مؤهل بدءاً لأداء مهمته الإصلاحية الكبرى ومسدد إلهي لها، قادر عليها متى ما تهيأت الأوضاع الملائمة لظهوره. وأن طول الغيبة يؤدي الى إكتساب أنصاره والمجتمع البشري لهذه الثمار فيستجمعونها جيلاً بعد آخر (2).
سلسلة الندوات المهدوية
سماحة السيد علي السبزواري (دامت بركاته)
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي علیه السلام
النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه و آله وسلم محلة الحويش
رقم الزقاق 54 _ رقم الدار 2
هاتفه 332811 و 332813
ص ب 588
www.m-mahdi.com
m.mahdi@m.mahdi.com.
عمر الإمام المهدي علیه السلام
السيد علي السبزواري
تقديم وتحقيق
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي علیه السلام
الطبعة الثانية: شعبان 1426ه-
السعر: 500 دينار
النجف الأشرف
جميع الحقوق محفوظة للمركز
العدد: 3000 نسخة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.
تذكير :
ذكرنا في الليلة الماضية أن أساس النزاع بين الشيعة الإمامية والخصم إنما يرجع إلى عدم معرفة الخصم بالإمام ومنزلة الإمام ودوره في الأمة، وذكرنا أن الإمام له من الصفات الكمالية وله منزلة عليا تؤثر في النظام الأدوار الكوني، والنظام التشريعي، فلا بد أن يكون موجوداً في جميع والأكوار، ولذلك لما لم تتضح لهم هذه الحقيقة الناصعة أثاروا الشبهات والإشكالات، ومن جملة تلك الأسئلة والإشكالات موضوع طول عمره الشريف، الذي أنكره جمع كثير من أبناء العامة وإن أثبته آخرون.
وأن أساس تلك الشبهات يرجع إلى أمور أربعة ذكرناها في الندوة الأولى فراجع.
فإذا أراد الخصم تكرار شبهاته، لا سيما ما يتعلّق منها بطول عمر
المهدي الموعود عليه الصلاة والسلام، فيمكن الجواب عنها بوجوه:
إن طول عمر فرد من أفراد الإنسان تارة يبحث عنه من حيث الإمكان العام - وهو الذي يقع في مقابل الواجب والممتنع - وأخرى من حيث الإمكان الخاص - وهو الذي يكون بالنسبة لموضوع خاص، كعمر إنسان معيّن - فإن غير الممتنعات إنما يقع البحث عن إمكانها بأحد هذين الوجهين على سبيل منع الخلو.
الإمكان العام:
أما البحث عن الإمكان العام في طول الأعمار فلم ينكره أحد، إذ لم يقل فرد بأنه من الممتنعات الذاتية -كاجتماع النقيضين واجتماع الضدين - وبذلك يعترف الخصم أيضاً، فلا جدوى في البحث عن هذه الجهة.
الإمكان الخاص:
أما الإمكان الخاص، فتارة نبحث فيه من حيث قدرة الخالق البارئ العظيم جل وعلا، وأخرى من حيث استعداد المخلوق وقابليته الإطالة العمر أي وجود المقتضي لطول العمر - وثالثة من حيث وجود المانع بعد التسليم بتماميّة المقتضي، فإذا بحثنا عن هذه الجهات وتم الكلام فيها فلا بد للخصم من الاعتراف.
ويمكن بحث هذه الجهات كما يلي:
لا ريب أن البحث فيها من المسلمين، بل المعترفين بالخالق من
جميع المليين غير صحيح، لأن إنكاره يستلزم نسبة العجز إليه سبحانه وتعالى، وبطلانه عند الجميع من الواضحات.
أما المنكرين للخالق من الدهريين والماديين وغيرهم، فلنا معهم كلام آخر ليس المقام موضع ذكره.
والصحيح أن كل إنسان بحسب استعداده له القابلية للبقاء وطول العمر، وذلك لأن الذي يحكم بهذا الأمر إما العقل، أو العلوم والتجارب وأهل الخبرة، أو الشرع.
أولاً: العقل:
إن العقل إما أن يحكم في هذا الموضوع الذي تبحث فيه بالتحديد وأن أعمار الإنسان مؤقتة ومحدودة بوقت خاص، أو يحكم بالإطلاق فيه، أو يتوقف ولا يحكم بأحد الأمرين.
وفي الأول لا بد من التوقف عند ذلك الحد والقيد، فإذا تعدى فرد من أفراد الإنسان ذلك العمر المحدود إنما يكون من خرق العادة وحينئذ لا تكون قاعدة مطردة باعتراف الجميع.
وفي الثاني لا قيد ولا تحديد في الأعمار وإن كان خلاف الطبع، وهو يحتاج إلى برهان.
وفي الثالث يتوقف العقل في الحكم لا سلباً ولا إيجابياً.
ولا ريب أن حكم العقل بأحد الأمرين إنما يكون من جهة إدراك الحسن والقبح ونحو ذلك مما له دخل في هذا الموضوع، أو
يرجع إلى الحجّة والبرهان مما . مما يقع تحت دائرة الحسن من التجربة والاختبار ونحوهما. ومسألة عمر الإنسان من | الأخير دون الأول، والظاهر أنه لم يختلف فيه اثنان، فإن موضوع البحث من الأمور العادية تلك النواحي التي ذكرناها آنفاً.
ومن المعروف أنّ أدل دليل على إمكان الشيء وقوعه في الخارج ، وقد تحقّق العمر الطويل في بعض أفراد الإنسان، وأخبر بذلك الكتاب العزيزكما في نوح علیه السلام وغيره، وأثبته التأريخ المعتبر بما لايصح إنكاره أبداً.
ثانياً: العلوم والتجارب:
إنّ التجارب الحديثة والعلوم الحياتية أقرت بأن الإنسان لو خلّي وطبعه له قابلية البقاء وطول العمر إلى ما يشاء الله تعالى.
وقدألف العلماء في هذا الأمركتباً ورسائل، ونشروا بحوثهم في المجلّات العلمية المعتبرة، شأنه شأن غيره من الموضوعات التي كشفتها العلوم الحديثة وأقرّ بها الجميع.
ثالثاً: الشرع:
وسيأتي بيانه في موضوع (المانع).
إذن؛ قد ثبت أنّ الإنسان له اقتضاء البقاء في الحياة وطول العمر ما لم يكن هناك مانع يرفع أو يمنع من تأثيره كما هو ثابت في علمي المنطق والفلسفة، فلا بد من البحث في المانع.
إن ما يمكن تصويره في المانع إمّا أمور طبيعية خارجية، أو أمر إلهي تكويني دلّ الدليل عليه من الشرع، فيستفاد منه أنّ عمر الإنسان
محدود بفترة زمنية معينة لا يتجاوزها، وذلك لإرادة إلهية قاهرة تقهر العباد على الموت، وهذا ما يدعيه بعضهم حيث تمسّك ببعض الأخبار.
القرآن:
إنّ من أمعن النظر في آيات الكتاب العزيز يرى خلاف ذلك، فإنّها بيّنت كثيراً من شؤون الإنسان، كخلقه وأدوار تكوينه وعمره في دار الدنيا وغير ذلك، ولكنها لم تتطرّق إلى مسألة تحديد العمر أبداً، لا من قريب ولا من بعيد.
فمثلاً إن قوله تعالى: «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ »(1)
يبين الخلق وعمر الإنسان ووفاته، ولكنّه لم يشر إلى المدة التي يعيش فيها، بل الإشارة إلى طول عمره حتى يصل إلى مرحلة متأخرة تؤثر في بعض أحاسيسه وعلومه واضحة.
وكذا غيره ممّا ورد في حياة الإنسان في هذه الدار الفانية، فلم يرد فيها ما يرشد إليه، ولو على سبيل الإشارة والإيماء.
ولم يقدر الخصم أن يتمسك بالكتاب العزيز لإثبات مطلوبه إلّا إذا كان على سبيل التفسير بالرأي الذي هو مرفوض عند الجميع.
السنة:
وأما الاستدلال بالأخبار، فإنّ أقصى ما أمكن للخصم الاستدلال به الحديث المروي عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال في آخر
1) النحل: 70.
عمره: «أرأيتم ليلتكم هذه فإنّه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممّن هو اليوم عليها أحد». (1)
أو الحديث الآخر المروي عنه: «أعمار أمتي بین الستین والسبعين.(2)
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي ج 9 ص 376 و 377 عند شرح الحديث: «أي نهاية أكثر أعمار أمتي غالباً ما بينهما وأقلهم من يجوز ذلك أي يتجاوز السبعين فيصل إلى المائة فما فوقها، قال القاري وأكثر ما اطلعنا على طول العمر في هذه الأمة من المعمرين في الصحابة والأئمة من أنس بن مالك فإنه مات وله من العمر مائة وثلاث سنين، وأسماء بنت أبي بكر ماتت ولها مائة سنة ولم يقع لها سن ولم ينكر في شيء وأزيد منهما عمر حسان بن ثابت مات وله مائة وعشرون سنة عاش منها ستين في الجاهلية وستين في الإسلام وأكثر منه عمراً سلمان الفارسي فقيل عاش مائتين و خمسين سنة وقيل ثلاثمائة وخمسين سنة».
ولكن الكلام في إخباره صلی الله علیه و آله وسلم في مثل تلك الروايات هل هو إخبار عن إرادة تكوينية إلهية تعلقت بالتحديد؟ أم إرادة تشريعية؟
1) صحيح البخاري 1 141؛ مسند أحمد :2 88 و 131 البداية والنهاية 1 392؛ كتاب الفتن للمروزي: 427. قال جلال الدين السيوطي في الديباج على صحيح مسلم ج 5 ص 483: «المراد ان كل نفس كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قل عمرها أم لا وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة». وقال النووي في شرح مسلم ج 16 ص 90 : «وقد احتج بهذه الأحاديث من شذ من المحدثين فقال الخضرعلیه السلام والجمهور على حياته.
2) كنز العمال :15 17 الحديث 42697، مسند أبي يعلى 10: 390 الحديث 5990؛ الشرح الكبير لابن قدامة 141:7؛ فقه السنة 1: 511؛ البداية والنهاية 13: 36.
لا ريب في انتفاء الثاني، ولا سبيل إليه بوجه من الوجوه المعروفة، ولم يختلف اثنان في أن الأعمار من الأمور التكوينية التي ترجع إلى إرادة الباري تبارك وتعالى.
فإن كان إخباره صلوات الله عليه عن أمر طبيعي، وقد عرفت آنفاً عدم التحديد، إلّا أن يكون المراد من إخباره صلی الله علیه و آله وسلم لبيان كثرة الموانع، فيكون من قبيل الإخبار بالملزوم وإرادة اللازم، فهو صلی الله علیه و آله وسلم يخبر عن أمر طبيعي في أنّ الأعمار - لاسيما في أمته -في تناقص الأسباب عديدة منها كثرة الحروب، وزيادة الهموم والغموم، ومنها الاعتماد على المادّيات والإعراض عن المعنويات وغير ذلك.
وهذا صحيح، ويعد من معجزاته صلی الله علیه و آله وسلم حيث أخبر عن أمر غيبي، وذلك لما منحه الله جل علا من العناية واللطف، أو استفاد ذلك بذهنه الثاقب من القرآن الكريم الذي فيه تفصيل كل شيء.
ولكن ذلك لا يتنافى مع كون بعض أفراد أمته ممّن لا تعتريهم تلك الموانع، فتطول أعمارهم، كما هو المنقول والمشاهد والمحسوس، أو تكون هناك جهوداً جبّارة من العلماء لإزالة تلك الموانع وتشخيص أمور ترجع إلى إطالة عمر الإنسان. فيكون شأن هذه الأخبار شأن تلك التي وردت في بيان خواص الأعشاب والأدوية، فإنه لا تعبد فيها بوجه.
هذا مع قطع النظر عن أسانيد مثل تلك الأخبار، فراجع.
هذا كله بحسب ما يمكن استفادته من الموانع الشرعية التي اخبر بها رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم .
أما الموانع الطبيعية، فلا يمكن لأحد إنكارها، وهي كثيرة وأسبابها متعددة ، وتختلف بحسب الأعصار والأمصار بحيث لا يمكن حصرها تحت ضابطة عامة أو قاعدة كلية، وكلّما مرّ زمان ظهر مانع جدید.
إلّا أنّها مع كثرتها وتعدّدها قد تصدى لها العلماء والباحثون لكشف أسبابها وعلاجها أو القضاء عليها، كما لا يخفى على المتتبّع الخبير.
فإذا أمكن السيطرة عليها فلا ريب في أنّ في إزالة المانع يؤثر المقتضي، وقد عرفت أنّه يفيد الدوام والاستمرار.
بل يمكن أن يتصدّى الشخص نفسه لإزالة الموانع التي تخصّه، إما يفضل علمه وجهوده العلمية، كما نراه عند بعض الأفراد لاسيما الأطباء والمهتمين بصحتهم، أو بفضل ما يمنحه الله تعالى من الإلهام، كما بالنسبة إلى الأولياء الصالحين، فتطول أعمارهم.
فليكن الإمام المهدي صلوات الله عليه من كلتا الطائفتين أو من أحدهما، ولا مانع يتصوّر في ذلك، كيف وهو سليل خليل الرحمان علیه السلام الذي حكى عنه الله جل وعلا قوله: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ»(1)
والحاصل أنه لا استحالة في طول العمر مطلقاً، ولاسيما في خصوص الإمام علیه السلام الذي هو من أولياء الله تعالى الذي يرعاه بلطفه وعنايته الخاصة.
هذا كله بالنسبة إلى الشبهة الأولى من الشبهات الأربعة التي تقدم ذكرها في بداية الندوة .
1) الشعراء: 80
إنهم قالوا: لم تثبت ولادته حتى نسلّم طول عمره.
ولكن الجواب عن ذلك ظاهر، فإنّه لم يختلف علیه السلام عن سائر الناس في هذا الأمر، فإنّه كما ثبتت ولادة سائر الأفراد بالأمور المعروفة في الشرع الحنيف من البينة والشياع والإقرار،كذلك الأمر بالنسبة إليه علیه السلام فهل اختص بأمر خاص لم يوجد عند غيره من هذه الجهة؟!
وهل كنا نطالبهم بإثبات ولادة المعروفين من الصحابة حتى يطالبونا بإثبات ولادته علیه السلام ؟
مع أن الإثباتات التي تدل على ولادته علیه السلام مثل غيرها في سائر الأفراد، إن لم تكن أتم وأكمل، وقد اجتمعت في إثبات ولادته علیه السلام جميع الأدلة التي ذكرها الفقهاء في كتبهم الفقهية من البينة والشياع والإقرار، بحيث لا يبقى مجال للشك.
اللهم إلّا أن يتمسك بأحاديث عن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم تدل على عدم ولادته، وهي على فرض صحتها معارضة بجملة من الأحاديث التي هي أ عدداً وأصح سنداً تدل على اسمه الشريف ونسبه المنيف، (1)فهو محمد بن
1) الكافي 1 469 الحديث 2 إكمال الدين وإتمام النعمة: 286/ الحديثان 1و4، 411: الحديث 6 كتاب الغيبة للنعماني: 93/ الحديث 23 و 231: الحديث 14؛ اعتقادات المفيد: 122 کنز العمال :14: 263/ الأحاديث 655 و 38661 و 38669 و 38676 و 38677 و 38678 و 38688 و 38689 و 38692 و 38702 و 38707 ولزيادة الاطلاع راجع بحار الأنوار 51 72 باب ما ورد من اخبار الله والنبي بالقائم علالالا من طرق الخاصة والعامة.
الحسن العسكري المنتهي نسبه إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، وقد ولد أبوه واستشهد وأقرّ بولادة ابنه محمد المهدي علیه السلام(1)
ولا يسع الخصم إنكار تلك الأحاديث، أو يتمسك بالعناد واللجاج، وهذا يوقّفنا عن المحاجة معه، فإنه قد نُهينا عن الجدال والخصام.
إنهم قالوا: إن الاعتقاد بطول عمر الإمام علیه السلام مع كونه مستتراً وغائباً يستلزم إشكالات متعددة، وقد ذكرنا جملة منها في ابتداء الكلام.
ويمكن الجواب عنها ابتداءً بالنقض عليها بحياة الرسل مع أممهم، فإن كثيراً منهم غابوا عن أممهم، كما بالنسبة إلى يونس علیه السلام حيث حكى سبحانه وتعالى عنه «وان يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلكِ المَشْحُون * فساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ * فالنقمة الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(2)
فغاب عن قومه مدة ثم رجع إليهم، فما يجاب به هنا نقول به أيضاً في غيبة الإمام، وهذا المثال يلقى في النقض عليهم.
مع أن الأمثلة كثيرة، ومنها غياب خاتم الأنبياء والمرسلين صلی الله علیه و آله وسلم فی شعب أبي طالب مدة ثلاث سنين ، " ولا يضر قصر ا المدة وكثرتها بالمقصود.
وأما الجواب الحلّي، فإن الواجب على الله تعالى إرسال الرسل وإنزال
الكتب. وقد حصل من جانبه سبحانه، ولكن الذي يأتي من ناحية البشر في ذلك فهم مسؤولون عن أفعالهم وليس على الله شيء.
فإن سبب غيبة الإمام هو ظلم الظالمين، وأفعال المستكبرين المعاندين، وغصب حقوق الأنبياء والأوصياء وإزاحتهم عن المراتب التي رتبها الله تعالى لهم إنّما هو من عمل الإنسان الظالم.
فقد تحقق الواجب من قبل الله عز وجل ولكن المانع حاصل من قبل الناس. ولا يستلزم منه تكليف ما لا يطاق بعد أمر الله تعالى لهم بالرجوع إليهم، فقال: «فَسْئلُوا أَهْلَ الذكرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ«(1)وإعراض الناس عنهم.
كما لا يستلزم العبث أيضاً كما هو واضح.
هذا ما أردنا ذكره بإيجاز.(2)
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ونسألكم الدعاء
مائة سؤال وجواب حول الامام المهدي عجل الله تعالی فرجه
السيد صدر الدين القبانچي
الدراسات التخصصیه فی الامام المهدي عجل الله تعالی فرجه
اسم الكتاب ........الحركة الإصلاحية من الحسين علیه السلام إلى المهدي عجل الله تعالی فرجه
تأليف:............. السيد صدر الدين القبانچي
تقديم:.........مرکزالدراسات التخصصیه فی الامام المهدي عجل الله تعالی فرجه
رقم الإصدار......................... 241
الطبعة : ...................الخامسة ( المحققة ) 1442ه
عدد النسخ................................طبعة محدودة .
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق- النجف الأشرف
هاتف: 07809744474 - 07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
لا توجد لدينا مشكلة عندما نُسئل عن عمره الطويل.
نحن أناس نؤمن بقدرة الله تعالى وبالغيب ولا نحتاج أن نقف طويلاً عند
هذا السؤال أن الإمام كيف يصبح عمره (1200) سنة؟ ممكن أن يمتد إلى (2000) سنة، وهذه القضية لا توجد فيها مشكلة علميّة.
المسألة من الناحية العلمية هي مسألة المحافظة على الأنسجة والخلايا وما شاكل ذلك.
العنصر الغيبي موجود أصلاً في غيبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه ، هو غائب عن الأنظار مع أنَّ الروايات تقول: إنَّه يشهد الموسم (موسم الحج)، أي إنه يحضر معكم لكنكم لا ترونه، ماذا نُسمي هذا؟
نُسمّيه العنصر الغيبي، يعني كيف يكون هو معنا لكنا لا نراه؟
هذه الروايات تقول: إنَّه يشهد الموسم يعني الحجَّ.
الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه في كل سنة موجود في الحج(1).
هذه القضية تثبت أنه موجود ولا يُرى، وهذا عنصر غيبي.
ولهذا نقرأ في دعاء الندبة: «ابنَفْسِي أَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنَّا» (2)، یعنی هوغائب وهو حاضر.
ويستمرُّ العنصر الغيبي حتى نصل إلى ساعة ظهوره عجل الله تعالی فرجه وبيعهِ جبرئيل مع ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وهذا عنصر غيبي أيضاً.
1) عن عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله لا يقول: يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه) ( الكافي: ج 1 ص 337 و 338 باب في الغيبة / ح (6). وعن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: «إنَّ للقائم غيبتين، يرجع في إحداهما، وفي الأُخرى لا يُدري أين هو، يشهد المواسم، يرى الناس ولا يرونه» (الغيبة للنعماني: ص 181/ یاب 10 فصل 4/ ح 15). وعن محمد بن عثمان العمري رضی الله عنه ، قال : والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة، يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه) (كمال الدين: ص 440 / باب 43 / ح 8 .
2) مفاتيح الجنان (ص 772).
تأليف: السيد صدر الدين القبانچي
إعداد وتحقيق: السيد محمد الطالقاني
الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه في القرآن والسنة والعلم
تأليف
سماحة السيد صدر الدين القبانجي
إعداد وتحقيق
السيد محمد الطالقاني
الناشر
مكتب إمام جمعة النجف الأشرف
الطبعة الأولى: 1436ه- / 2015م
العدد: 3000 نسخة
جميع الحقوق محفوظة للناشر
كم كان عمر الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه عند ما غاب الغيبة الصغرى؟ وكم كان عمره في الغيبة الكبرى؟ وكم سيكون عمره عندما يظهر ؟
الجواب: كان عمره خمس سنوات، أي بعد خمس سنوات من
ولادته بدأت الغيبة الصغرى، وذلك بعد وفاة الإمام العسكري علیه السلام . واستمرت الغيبة الصغرى تسع وستّين عاماً تضاف إلى عمره خمس سنوات فيكون عمره عند بدء الغيبة الكبرى أربعاً وسبعين عاماً(1)
ولعل من (الصحيح ج أن نقول: إنَّ الغيبة الصغرى بدأت من أوائل عمر الإمام المهدي علیه السلام لأن حياته منذ الولادة كانت مقرونه بالاستتار والاختفاء عن الناس، فيمكن أن نعتبر السنوات الخمس التي قضاها الإمام المهدي علیه السلام مع والده الإمام العسكري علیه السلام من ضمن الغيبة الصغرى تبعاً للشيخ المفيد وغيره، وحينئذ تكون غيبة الإمام (74) عاماً من مبدأ ولادته إلى وفاة النائب الرابع للإمام، وبعدها تبدأ الغيبة الكبرى للإمام علیه السلام من عام (329 ه- ق).
ولكن الثابت أن الإمام العسكري علیه السلام كان يعرض نجل-ه المبارك على خل-ص أصحابه وثقاة الشيعة خلال حياته بين الحين والآخر، ويُعرفه بأنه الإمام الثاني عشر، وأنه المهدي الموعود المنتظر علیه السلام ، فلذا يُرجّح القول المشهور بعدم اعتبار هذه الفترة من عمر الإمام ضمن الغيبة الصغرى، فتكون مددة الغيبة الصغرى من وفاة الإمام العسكري إلى وفاة النائب الرابع للإمام المهدي (69) عاماً.
.أما عمره عند ظهوره فغير معلوم، لأن وقت ظهوره غير معلوم.
1) أعيان الشيعة 4 15 ، اختلف العلماء والمحدثون حول بداية الغيبة الصغرى، وأنها هل بدأت من أوائل عمر الإمام المهدي علیه السلام وفي عهد والده الإمام العسكري علیه السلام أم بدأت بعد وفاة الإمام العسكري؟ المشهور هو القول الثاني، فتكون الغيبة الصغرى للإمام في سامراء من عام (260ه- ق) يوم وفاة أبيه الإمام العسكري إلى عام (339) ه-. ق) الذي تولى فيه النائب الرابع اللإمام المهدي أبو الحسن علي بن محمد السّمري، وحينئذ تكون الغيبة الصغرى (69) عاماً.
سماحة السيد علي الحسيني الصدر
إعداد وتحقيق
مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي عجل الله تعالی فرجه
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي الله
النجف الأشرف _ شارع الصادق - محلة البراق 210 الزقاق 3 رقم الدار 38
هاتف: 370950 و 332811
ص.ب 588
www.montazar.net
www.derasat@montazar.net
محاضرات حول الإمام المهدي علیه السلام
سماحة السيد علي الحسيني الصدر
إعداد وتحقيق
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي عجل الله فرجه
الطبعة الأولى - جمادى الآخرة 1425ه.
السعر: 1200 دينار
النجف الأشرف
جميع الحقوق محفوظة
العدد: 3000 نسخة
طول عمر الإمام عجل الله فرجه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على أحب خلقه وسيد بريته، سيدنا ومولانا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين الغر الميامين لاسيما بقية الله في الأرضين الحجة بن الحسن المهدي أرواحنا فداه.
واللعنة الدائمة على أعدائهم وظالميهم وقاتليهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم وجاحدي حقوقهم قاطبة إلى يوم الدين.. آمين رب العالمين.
موضوع بحثنا بعون الله تعالى في عمر ا الإمام المهدي أرواحنا فداه وتحليل طول العمر، لأنه من المباحث الأساسية التي أثير حولها الشبهات والأقوال، فيا حبذا لوكنا نطفئ الشبهات ونستسيغ البحث بشكل يكون مستنداً إلى أدلة قطعية وبراهين علمية.
في مقابل القول الحق بطول عمر الإمام المهدي رعاه الله ووقاه من كل سوء إن شاء الله أقوالٌ للمخالفين، جمعها المرحوم الكراجكي في كنز الفوائد.
إنها أقوال ثلاثة أو آراء ثلاثة أو إيرادات ثلاثة على طول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه.
يقول في كنز الفوائد:
اعلم أيدك الله أن المخالفين.
منهم من ينطق بلسان الفلاسفة فيقول : إن طول العمر من المستحيل في العقول، ولم يثبت على جوازه دليل.
ومنهم من ينطق بلسان المنجمين فيقول: إن الكواكب لا تعطي أحداً من العمر أكثر من مائة وعشرين.
ومنهم من ينطق بلسان الأطباء وأصحاب الطبائع ويقول: إن العمر الطبيعي هو مائة وعشرون سنة، فإذا انتهى إليها، فقد بلغ غاية ما يمكن فيه العادة.(1)
ص: 344 .
ولعل أغلب الشبهات الأخيرة بالنسبة إلى طول عمر الإمام اللة . الجهة الأخيرة، لأنهم يشككون من حيث عدم الإمكان طبياً، وعدم الإمكان في هذا العرف وفي هذا الزمان.
فيجاب على هذا الإشكال بجميع جوانبه من وجوه خمسة نتطرق إليها إن شاء الله .
1) كنز الفوائد للكراجكي
أولاً : على صعيد القرآن الكريم، نتكلم بذلك.
ثانياً: على صعيد الروايات المتواترة المتفقة بين الطرفين أو الفريقين.
ثالثاً : على صعيد الدليل الوجداني، الذي هو يكفي عن البيان. رابعاً: على صعيد الطبيعة البشرية التي قيل: إن طول الأعمار خرج عن العادة فيها.
خامساً: على صعيد الأصول العلمية، وعلى سبيل الأمور الطبية.
لكن اسمحوا لي قبل أن أبدأ بهذه الأمور الخمسة، أن أبين بخدمتكم مقدمة تمهيديه تحليلية، ولعلها تكفينا إذا استكفينا بها في تحليل طول عمر الإمام المهدي علیه السلام وبقائه في هذه المدة رعاه الله، لأنه ولد في سنة 255 وهذه السنة التي نعيش فيها سنة 1423 ، فقد مر تقريباً 12 قرناً على الإمام المهدي رعاه الله.
بداية نقول وكمقدمة تحليلية: إن طول عمر الإمام المهدي علیه السلام إعجاز إلهي، وذلك بإبقائه شاباً متمتعاً بجميع أنحاء الصحة والسلامة بحمد الله، من دون عوارض الشيب من دون بوادر الدهر من دون موارد الخطر، محفوظاً بإعجاز الله وإرادته وعزمه وحفظه ورعايته.
حيث أراد عزوجل أن يظهره على الدين كله أراد أن يحفظ وليه إلى أن يظهره، وإلى أن تكون ساعة ظهوره على الكون، وعلى الدين.
فكان الحفظ عن جميع هذه العوارض بحيث يدفع المستحيل، كما أشكل، أو يدفع خلاف المتعارف كما قيل، أو يدفع عدم الملائمة مع الأمور الطبية كما زعم الذي يدفعه بنحو جزمي وقطعي.
فإعجاز الله تبارك وتعالى حفظ وليه للغاية القصوى، والنهاية العظمى التي جعلها له، وهذا الحفظ والصون من جهة الإعجاز ليس بأمر عجيب. قد يقال بأنه خلاف المتعارف نحن نقول كل إعجاز خلاف المتعارف، وأي إعجاز كان وفق الطبيعة والمتعارف ؟! تحويل العصا إلى حية تسعى هل هذا متعارف ؟! تحويل العصا إلى أمور أخرى، التي كان يستعملها موسى هل كان متعارفاً؟ تحويل الحصى في يد رسول إلى لسان ينطق هل هذا متعارف؟ كله غير متعارف.
فطول عمر الإمام المهدي الذي نثبت أنه بنحو الإعجاز الإلهي تندفع به جميع الشبهات ولا نحتاج إلى استدلال إطلاقاً، إعجاز إلهي سبق مثله ودل الدليل عليه كما سنبنيه، لذلك لا ينافي بأن يكون الحفظ الإلهي إعجازاً ربانياً في طول عمره، حتى بالرغم من كونه خلاف الطبائع البشرية.
فكيف أنه سيتلائم مع طبيعة البشر ؟ سنقول بملائمته للطبيعة البشرية، ولا ضير ولا عجب في أن يحفظ الله وليه.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها مثل هذا الإعجاز، فقد سبق حفظ الله لأوليائه، لرسول الله ، ولأمير المؤمنين، فقد حفظ الله أمير المؤمنين من الأخطار القطعية مائة بالمائة، ولا بأس فمن المناسب - وهذه أيام الأمير علیه السلام - أن نتعرض إلى ذكر علي فإنها عبادة(1).
أمير المؤمنين روحي فداه إذا راجعنا السير والتواريخ والروايات نرى أن الله تعالى نتجاه وحفظه من الأخطار القطعية والقتل الجزمي من ابتداء هجرته من مكة إلى المدينة، بل في نفس مكة ليلة المبيت كانت خطراً على علي بن أبي طالب.
كذلك هجرته إلى المدينة وملاحقة المشركين له ليقتلوه، ثم في المدينة غزوات وسرايا وحروب مع النبي روحي فداه وكلها خطر قطعى عليه. ثم بعيد هجرته إلى الكوفة في واقعة صفين وواقعة النهروان خطر قطعي عليه، حفظه الله من غير أن يصاب بشيء أبداً، بالرغم من تلك الإصابات التي أصابته.
حفظ إلهي لاريب في ذلك.. أتذكر عبارة ابن أبي الحديد المعتزلي في أول نهج البلاغة، يذكر في مناقب علي علیه السلام يقول: «ما أقول في رجل وقف الصلاته في ليلة الحرير والسهام تترى عليه أو تمر من صماخه » (2)، هذا أليس
1) راجع مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 3 6 والجامع الصغير للسيوطي ج 1: 665، وتاريخ دمشق لابن عساكر ج 42 356 .
2) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 27 ، وفيه وأما العبادة ... وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده ان يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي... والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه....
خطراً قطعياً؟ تترى السهام معناه توالي السهام عليه والمرور من (صماخه) موضع الخطر منه حفظه الله تعالى منه.
أو تلاحظون في خطبة الزهراء عليها السلام : «كلما أوقدوا ناراً أطفأها الله... قذف أخاه في لهواتها»(1)أي أن أمير المؤمنين يقذفه رسول الله في فم الموت في لهوات الموت كلها مخاطر قطعية ذلك حفظه الله تعالى. مع وابن دأب له عبارة لطيفة في رسالته: سبعون منقبة لعلي لم يشاركه فيها أحد، أتذكر هذه العبارة، ولعله عين ما ذكره ابن دأب في هذه الرسالة يقول: انصرف علي سلام الله عليه من أ أحد و به ثمانون جراحة تنزف الدم، وكانت تصنع له الفتائل لتقيه الدماء فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فرآه جالساً على نطع البساط الجلدي) وهو كاللحمة الممدودة المنضودة - تفكروا في هذه العبارة: (لحمة (ممدودة) من آثار السيوف والسهام والرماح حتى صار كاللحمة - بكى رسول الله، فقال علي الله: يا رسول الله بأبي أنت وأمي الحمد لله الذي لم يرني وليت عنك ولا فررت، لكن كيف حرمت الشهادة؟ - هو يتعجب هكذا حاله شهادة قطعية . كيف حرمت الشهادة؟ قال: هي من ورائك يا علي، يقتلك أشقي الأشقياء وتهد مصيبتك الأرض والسماء، ثم يقول: عُدَّ ما بعلي من
1) راجع الاحتجاج للطبرسي ج 1: 131
الجراحات الباقية عليه من قرنه إلى قدمه فكانت ألف جراحة باقية، ابن دأب يقول ذلك. (1)
الفاصل الزماني بين شهادة الأمير روحي فداه، ووقاء الرسول في المدينة ثلاثون أو أكثر من ثلاثين سنة. كيف كانت الجروح حتى بقي منها ألف جراحة ولم يصبه شيء من جهة ،منظره من جهة جماله، من جهة روحه. أبداً لم يشنها شيء.
حفظ الإله حتماً وقطعاً، إذا أراد الله أن يحفظ أحداً يحفظه، وقد رأينا أنه هذه الأخطار القطعية، فكيف لا يحفظ ابنه ولا يحفظ ولده حفظ الأمير من الذي أراد أن يظهره على الدين ويملأ به الأرض عدلاً؟! ليس هذا بغريب.
ويدلنا على كونه إعجازاً بالنسبة إلى الإمام الحجة وطول عمره، الروايات الثابتة في المقام بالأسانيد المعتبرة:
منها: حديث الحسين بن حمدان عن الإمام العسكري علیه السلام في قول الله بالنسبة إلى الإمام المهدي هكذا نص العبارة: (فإنه في ضماني وكتفي وبعيني إلى أن أحق به الحق وأزهق به الباطل). (2)
ضمان الله هل يمكن فيه التخلف؟ تأمين إلهي وضمان إلهي ورعاية إلهية، ومعها هل يصعب طول العمر الإمام.
ومنها: الحديث المعتبر بأسناد كذلك حديث أبي سعيد، يعني إسناد الصدوق أعلى الله مقامه حديث أبي سعيد عن الإمام المجتبى أرواحنا فداه قال: «التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره في صورة شاب دون أربعين سنة« ... وطول العمر مع سن الشباب لا يوافق الطبيعة ولكنه إعجاز ليعلم ان الله على كل شيء قدير».(1)
الإرادة الإعجازية في الإمام المهدي تحكيه روايات متعددة، للتبرك قرأنا اثنتين فقط من الروايات المتعددة المستفيضة التي يستفاد منها أن طول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه ينحو الإعجاز، وإذا كان إعجازاً حكم على جميع القوانين وعلى جميع الأمور، ولم يرد هناك إشكال واحد. لكن من أجل تكميل الاستدلال وإتمام الحجة لابد أن نستدل بالآيات الشريفة وبالأحاديث من طريق الفريقين.
أما على ضوء القرآن الكريم، فبعد أن قالوا بأن طول العمر مستحيل، أو أنه خلاف العادة، فنقول: كيف يكون مستحيلاً أو مخالفاً للعادة وقد أخبر عن ذلك لا في مورد واحد بل في موارد متعددة في كلامه الصادق
1) إكمال الدين إتمام النعمة 316 الحديث 2 من الباب 29.
بالنسبة إلى نوح على نبينا وآله وعليه السلام تلاحظون في الآية الشريفة:
«وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا»(1)
تسعمائة وخمسون سنة بصريح القرآن، إذا كان مستحيلاً فالمستحيل لا يمكن أن يوجد مرة واحدة، كالجمع بين النقيضين الذي هو مستحيل فلا يحدث في العالم ولو لمرة واحدة والجمع بين المتضادين مستحيل، فلا يمكن أن يحدث في العالم.
إذا كان طول العمر مستحيلاً كيف حصل وأخبر عنه الله تعالى؟!
تسعمائة وخمسون عاماً هي مدة التبليغ، وإلا فعمره (2500) سنة، عدة روايات بينت هذا المعنى من جملتها حديث منصور بن حازم في أحاديث متعددة عن الإمام الصادق علیه السلام عمر نوح ألفان وخمسمائة سنة ثم أتاه ملك الموت وهو في الشمس فقال له : السلام عليك فرد الجواب، فقال له : ما جاء بك يا ملك الموت؟ قال جئت لأقبض روحك، قال: تدعني أخرج من الشمس إلى الظل؟ قال: نعم، فتحول نوح من الشمس إلى الظل، ثم قال: يا ملك الموت كأنما مرّ بي من الدنيا (2500) مثل تحولي من الشمس إلى الظل، فامض لما أمرت به، فقبض روحه على هذه الصفة . (2).
الإمام المهدي روحي فداه لم يبلغ هذا العمر، كيف يكون مستحيلاً؟!
بل البقاء الأبدي إلى يوم القيامة أخبر الله عنه في القرآن الكريم، كيف؟
أيكون مستحيلاً؟! هذا نبي الله يونس أخبر الله في كتابه عنه «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ *«فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ *لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» (1)إلى يوم القيامة، كم ألف سنة؟ آلاف. من السنين، الله يخبر بأنه لولا هذا التسبيح لكان لابثاً والظاهر من معنى الآية والله العالم للبث حياً كما فسره العامة والخاصة.
أما من الخاصة كنز الدقائق المجلد 11 صفحة 184 فسره وفسر عن علماء الشيعة للبث حياً.
وأما من العامة الكشاف للزمخشري المجلد 4 صفحة 160 للبث حياً، يفسرون (اللبث) اللبث حيّاً، بل قد يقال : إن نفس كلمة لبث في العربية لعلها توافق الحياة لا الموت.
وفسره الراغب في المفردات اللبث لغة الإقامة بالمكان أو الملازمة له(2)، . الذي يقيم؟ فإن الميت لا يقيم في مكان ولا يلازم مكاناً، المناسب للإقامة والملازمة هو الحياة.
اللبث في اللغة الإقامة في المكان والملازمة له، ويناسبه أن يكون اللبث حياً لغة وتفسيراً «للبث في بطنه» يعني حياً.
إذاً يمكن أن يلبث يونس، وهو من البشر، في بطن الحوت بدون هواء ولا غذاء ولا ماء وفي أجواء غير طبيعية يلبث إلى يوم يبعثون، يونس يلبث في بطن الحوت، وهو ولي الله ومختار لا يلبث في عالم الدنيا. فهل يمكن أن يقال في مثل هذه الحالة بالاستحالة وعدم العادة، وقد وقعت في الخارج أكثر من مرة، فلا يمكن أن تكون أمراً مستحيلاً أو مخالفاً للعادة.
فإمكان طول العمر قال به القرآن الكريم ليس فقط لأولياء الله، وإنما وقع في الخارج الأعداء الله أيضاً «قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ »(1)أعداء الله يمكن أن يبقوا فكيف الأولياء؟ لذا الشيخ الصدوق رحمة الله يقول: إن مخالفينا يقولون بطول العمر في أعداء الله ولا يقولونه في أحبائه(2)، إنّه يعترض عليهم.
وعلى هذا فمسألة طول العمر في القرآن الكريم، في الكلام الإلهي، شيء موجود وليس بمستحيل.
بل أخبرت بطول العمر - خصوصاً طول عمر نوح - الكتب المقدسة السابقة، مثلاً: في التوراة، سفر التكوين الإصحاح خمسة في ثلاث آيات 5، 8، 11 وردت الإشارة إلى طول عمره فما يؤيد مدعانا موجود في الكتب المقدسة أيضاً.
لذلك أصبحت مخالفة الإمكان والاستحالة غير العقلية مما يرده القرآن الكريم أصراحة.
وأما من السنة المباركة، فالأحاديث متظافرة، بل متواترة ونحن اخترنا عشرة من ا الأحاديث بالأسانيد الصحيحة ليحصل بها العلم. لكن رواية واحدة للتبرك فقط متواترة من طريق الخاصة ومن طريق العامة، أويشهد به نفس العامة، وسنقراً نصوصهم التي يشهدون بها، فكيف يقال بالاستحالة بعدم الإمكان؟!
أما من أحاديث الخاصة فصريح حديث سدير الصيرفي : المفضل عن الإمام الصادق علیه السلام جاء فيه .. (وأما العبد الصالح أعني الخضر) الذي أعطاه الله من العمر ما يقارب أربعة آلاف سنة لأنه حفيد نوح إلياس بن أروخش بن سام بن نوح حفيد نوح النبي، لعل ما يستفاد من بعض التواريخ أنه عمر إلى الآن ما يقارب أو أكثر من أربعة آلاف سنة... (وأما العبد الصالح أعني الخضر علیه السلام فإن الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له، ولا لكتاب ينزله عليه ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بل إن الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر المهدي في أيام غيبته ما
يقدر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوّل عمر العبد الصالح الخضر » .(1)
فالاستدلال بغاية خلقه الله خضر استدلال على عمر المهدي ليقطع بذلك حجة المعاندين لئلا يكون للناس على الله حجة يقبلونها، فكيف يمتنعون ويقولون باستحالتها؟!
هذا من الخاصة.
وعرضت بخدمتكم روايات متواترة في هذا المقام.
وکذالک من العامة روايات متظافرة في الكتب المعتبرة منهم بألفاظ مختلفة: أنه يعود وكذلك من شاباً وهو شيخ يعود وفيه سنة التعمير يعود وهو مثل الخضر الفاظ مختلفة في رواياتهم.
ينقل تلك الروايات ويعترف بصحتها وصراحتها في كتاب البيان الصاحب الزمان، الكنجي الشافعي يقول:
«أما بقاء المهدي، فقد جاء في الكتاب والسنة: أما الكتاب فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله عز وجل لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوكَرَة المُشرِكُونَ (2)المهدي من عترة فاطمة » . (3)
بإشارة هذه الآية، إشارة لطيفة يتنبه لها هذا الشخص، لاحظوا الله تعالى يقول: ليظهره، وليس ليبعثه لو كان ليبعثه يمكن بعد الموت البعث يكون بعد الموت، لكن الظهور بعد الخفاء فالمهدي خفي يظهره الله على الكون.
وسعيد بن جبير يفسر «ليُظهرة» بظهور الإمام المهدي بعد أن كان له من العمر والحياة .
وأما السنة فما تقدم من الأحاديث التي بينتها بخدمتكم من جهة ألفاظها، وهي صريحة صحيحة في هذا المقام.
وكذلك ما يقرب من هذا البيان والتعبير بينه القندوزي في ينابيع المودة.
وعبد الوهاب الشعراني في اليواقيت والجواهر .
ومحمد في فصل الخطاب.
وابن حجر في القول المختصر .
وشهاب الدين الهندي في هداية السعداء .
كما أحصى الأقوال والقائلين والروايات في إحقاق الحق المجلد 19 صفحة 698.
فمن جهة الروايات من الفريقين لا استحالة فيها لطول العمر. لذلك ممّا لا يكاد ينقضي التعجب عنه، أن بعض المخالفين المنحرفين شيئاً سفسطة ظاهراً ،وكذباً، فقد جاء في بعض كتب المنحرفين : ادعی الشيعة تدعي طول عمر الإمام المهدي ورواياتهم تكذب طول عمر المهدي،
وتقول لو مد الله في أجل أحد من بني آدم لمّد الله في أجل رسول الله رواية من رواياتهم.
نحن نقول بأن الإمام المهدي طويل العمر روحي فداه، وإمامنا يقول: لا، ويكذب هذا المعنى، أي أن المهدي ليس بطويل العمر ولو مد الله في أحل أحد المد الله في أجل رسول الله ، سفسطة ظاهرة، أخي العزيز لماذا؟!
الرواية التي يشير إليها هذا الشخص موجودة في بحار الانوار(1)، وهي من روايات محمد بن ا أبي . عمير الأزدي رضوان الله عليه صاحب المراثي المعتبرة ، يرويها عن الإمام الرضا علیه السلام دققوا في الحديث:
قلت للرضا علیه السلام جعلت فداك قوم قد وقفوا على أبيك - يعني الواقفة علي بن أبي حمزة البطائني وأمثاله - .قوم قد وقفوا على أبيك يزعمون أنه لم يمت، قال الرضا فداه: كذبوا وهم كفار بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وآله، ولو كان الله يمد في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمد الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وآله.
الرواية في صدد النقد على قول الواقفية، وترد قول الواقفية، ولا ترد طول عمرالإمام المهدي، كما ادعى وحرف وزوّر في سفسطة له. هذا أولاً.
ثم الحديث بمتنه حتى لو لم يكن في هذا المقام بهذه القرينة، لا يحتمل أن يكون رداً على طول عمر الإمام المهدي روحي فداه، لماذا؟
1) بحار الأنوار: 265/48 الباب 44 الحديث 25.
لو كان الله يمد في أجل أحد من بني أ آدم لحاجة الخلق إليه، لا منافاة أن لا يمد في الأجل لحاجة الخلق يمده لإظهار دينه، يمده لانتشار عدله لظهور دولته.
التعليل في هذا الحديث يحصل بموردين، المد في الأجل لاحتياج الخلق لو كان لكان في رسول الله، نحن نقول: هذا المد في أجل الإمام المهدي علیه السلام لأجل أن يظهره على الكون كله لا لأجل احتياج الخلق إليه هذا ثانياً.
ثم ثالثاً إن الرواية أجنبية عن الاستدلال بهذا المقام لأن الرواية قالت: لو كان الله يمد في أجل أحد ... وليس في عمر أحد، وهناك فرق بين الأجل وبين العمر، فالشخص له أجل في يوم كذا يمد الله في أجله، يؤجل أجله في اليوم الآتي أو بعده، أو في سنة وراءها أو في مائة سنة وراءها يمد في الأجل.
لكن مسألة المد في العمر غير المد في الأجل، الله تبارك وتعالى جعل أجل الإمام المهدي بعد الظهور من أول الأمر أجله مؤجل أجله ممدد، لم يمد في أجله، بل قدر له أجلاً وعمراً طويلاً بدون أن يطيل عمره، بدون أن يمد في أجله.
لم يجعل الله تعالى أجل المهدي في وقت قريب من ولادته ثم يمد في أجله حتى يردوا هذا الحديث، أبداً وإنما قدر الله له من أول الأمر، من قبل ولادته قدر له أن يموت ويستشهد بعد ظهوره وبعد دولته، لم يمد في أجله حتى يردوا هذا الحديث.
كلام عربي صحيح فصيح (لو كان الله يمد في أجل) ليس في العمر، والله لا يمد في أجل المهدي، وإنما مد في عمره، والأجل كان مدّ من أول الأمر وقبل خلقته، لا يرتبط الحديث بهذا المعنى كيف يسوق الكلام بأنه هذا إمامهم أو رواياتهم ترد على هذا المعنى؟!
لذلك فالأحاديث من الفريقين لا تحتمل أي شبهة إنصافاً، بل هي طول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه بدون أي شك وبدون أي دغدغة تثبت في المقام.
ويمكن الاستدلال به على طول عمر الإمام علیه السلام بعد القرآن والسنة النبوية المباركة، فسليم الوجدان الذي لا يخالف فطرة الإنسان يشهد بطول عمر الإمام المهدي، بعد تظافر وتواتر نقل مشاهدته في الغيبة الكبرى والذين رأوه من مقدسي العلماء من الصلحاء الأبرار ومن الصادقين ومن العدول، رأوه وشهدوا وأخبروا برؤيته في الغيبة الكبرى.
لابد أن يحس الوجدان أنه باقٍ فيرى وليس هناك خبر واحد أو عشرة، بل أكثر، وكلها شهادات في رؤية الإمام المهدي من قبل الصالحين، من قبل الطيبين من قبل الصادقين في هذا المقام.
لاحظوا بحار الأنوار المجلد 52 صفحة 1 إلى 90، فقد أحصى من شاهدوا الإمام علیه السلام في زمن الغيبة الكبرى.
تبصرة الولي في مواضيع المهدي للسيد الجليل البحراني رحمه الله.
دار السلام فيمن فاز بالإمام للشيخ الميثمي العراقي.
بدائع الكلام فيمن اجتمع بالإمام للسيد اليزدي الطباطبائي.
البهجة فيمن فاز بلقاء الحجة للميرزا الألماسي.
العبقري الحسان في تواريخ صاحب الزمان للشيخ النهاوندي.
إلزام الناصب للشيخ اليزدي.
هذه الكتب تذكر من شاهد الإمام وهم ممن شهد بوثاقتهم وعدلهم، بل عرفوا بذلك، أمثال العلامة الحلي، أمثال السيد بحر العلوم رحمه الله، ممن لا يحتمل في حقهم الكذب وخلاف الواقع أبداً.
فثبت وجوده عياناً ووجداناً، وليس بعد العيان بيان.
ثم الدليل الرابع بالنسبة إلى طول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه على صعيد الطبيعة البشرية، ولعل بعض الشبهات تثار الآن على هذا الصعيد، فيدعون أن طبيعة البشر لا تتحمل طول العمر بهذه المثابة وهذا المقدار.
وهذا مردود، لأن الطبيعة البشرية تحتمل طول العمر بكل سعة، وبدون أي امتناع وأي غرابة ويشهد بذلك إحصاء من عمروا وطال عمرهم فوق الألف.
في كتاب (المعمرون) لأبي حاتم السجستاني من أبناء العامة، شهد وأخبر عمن طال عمرهم أحصينا من هذا الكتاب ومن كتاب الإمامة والمهدوية وإلزام الناصب والكتب التي ذكرت من طال عمرهم نبذة قليلة ممن طال عمرهم ممن يشهد لهم بذلك وصدقت شهاداتهم، يعني الأخبار بطول عمر هؤلاء مما هو متيقن قطعا مثلاً:
يستفاد من الروايات والتأريخ الصحيح أن آدم عمّر 930 سنة.
شیت بن آدم عمر 912 سنة.
إدريس عمَّر 960 سنة .
ذوالقرنين عمَّر 3000 سنة.
لقمان عمَّر 3500 سنة .
عوج بن عناق عمَّر 3000 سنة.
الضحاك عمَّر 1000 سنة.
الفارسي عمَّر 750 سنة.
فريدون عمَّر 1000 سنة.
ليس المعمرون عشرة أو عشرين فقط حتى تكون الطبيعة البشرية عاجزة ذلك.
وإليك ما أخبر به أبو الصلاح الحلبي رحمة الله عليه تلميذ السيد المرتضى روحه في تقريب المعارف(1)قال : أما استبعاد ذلك -طول عمر الإمام
1) تقريب المعارف: 449.
الحجة علیه السلام - فالمعلوم خلافه، وذكر الإجماع على طول عمر جماعة مثل: نوح والخضر ولقمان، بل غير الصالحين أيضاً، ثم قال: وإذا كان ما ذكرنا من أعمار هؤلاء معلوماً لكل سامع للأخبار، وفيهم أنبياء صالحون، وكفار معاندون وفساق معلنون، سقط دعوى خصومنا.
هل كان عمر الغائب خارقاً للعادة؟ كلاً ، لقد عمروا كثيراً فحصلت بهم العادة لثبوت أضعاف عمر الإمام الحجة الحالي، أربعة آلاف سنة عمر الخضر، هل ذلك أكثر أم عمر الإمام المهدي؟
لذلك فإن الطبيعة البشرية التي أشكل بها على طول عمر الإمام المهدي هي تؤيد طول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه.
وأما على صعيد الأصول العلمية، وأتذكر قبل ليلتين سأل بعض الاخوان على الانترنيت: هل يمكن إثبات طول عمر الإمام المهدي بحسب الأصول الطبية، أو بحسب الموازين الطبية؟
مسألة التحقيقات التجريبية والمطالعات العلمية في علم الحديث تؤيد مائة بالمائة طول عمر الإمام روحي فداه، بل تؤيد طول عمر البشر عامة بعد بيان ما يلزم في طول العمر.
نص واحد ننقله خبراء هذا الفن من الجراحين والأطباء المشتغلين في
صورت ثلاث صفحات . من هذه المجلة أقرأ بعض النصوص وبعض العبارات لتعلموا أنه على الصعيد الطبي يمكن، بل يعلم إمكان طول العمر، بل هو محقق فعلاً، يقول العلماء الموثوق بعلمهم:
إن كل الأنسجة الرئيسية من جسم الحيوان تقبل البقاء إلى مالا نهاية، بل والإنسان أيضاً يقبل البقاء حياً ألوفاً من السنين إذا لم تعرض عليه عوارض تقصر حبل حياته.
وقولهم هذا ليس فقط نظرية، بل عملية مؤيدة بالامتحانات.
فقد تمكن أحد الجراحين من قطع جزء من الحيوان وإبقائه حياً أكثر السنين التي يحياها، وهذا الجراح الدكتور لكسي كارل من المشتغلين في معهد (روفلر) امتحن ذلك في قطعة من جنين الدجاج فبقيت تلك القطعة حية نامية أكثر ثمان سنوات، وهو وغيره امتحنا قطعاً من أعضاء جسم الإنسان من أعضائه وعضلاته وقلبه وجلده وكليته، فكانت تبقى حية نامية مادام الغذاء اللازم لها موفوراً في زمان طويل.
حتى قال الأستاذ بيمندورول من أساتذة جامعة هو بنز: إن كل الأجزاء الخلوية الرئيسية من جسم الإنسان قد ثبت أن خلودها بالقوة، بل هو مثبت بالامتحان، ثم أخبر الدكتور ورون لويس أنه يمكن وضع أجزاء خلوية صناعية في جسم الإنسان وتوالت التجارب فظهر أن الأجزاء الخلوية في أي حيوان، وأي إنسان يمكن أن يعيش بل يمكن أن يتكاثر مادام له الغذاء المناسب.
ثم شرع في بيان تجاربه إلى أن حصل على عدة نتائج:
أ - إن هذه الأجزاء الخلوية تبقى حية ما لم يعرضها عارض يميتها.
ب - إنها لا تكتفي بالبقاء حية بل تنمو خلاياها وتتكاثر، بخلاف الشبهات المطروحة طبياً من أن الخلايا تموت، بل يمكن تجديد وتكاثر الخلايا.
ج- يمكن نموها وتكاثرها ومعرفة ارتباطها بالغذاء.
د - لا تأثير للزمن عليها حتى أنها تشيخ وتضعف بمرور الزمن، فشيخوخة الأحياء ليست سبباً بل هي نتيجة.
وذكر الاستدلال على ذلك والاستناد إلى التجارب التي وصلته من أطباء وجراحين عدة في هذا المقام.
على صعيد الأصول الطبية، الأصول العلمية لا تنفي، بل تؤيد مسألة طول العمر.
فطول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه بالإضافة إلى الاستدلال الرئيسي الذي عرضته بخدمتكم وهو الأعجاز، يمكن الاستدلال له بالأمور الخمسة، ويثبت طول العمر، وهو واقع ورعاه الله تعالى من كل سوء إن شاء الله .
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً، برحمتك يا أرحم الراحمين.
تأليف
السيد على الحسیني الصدر
من الحقائق الثابتة التي لا مجال لإنكارها أو التشكيك فيها ، طول : مولانا الامام المهدي أرواحنا فداه ، وبقاء حياته المباركة رعاه الله تعالى.
وقد دلّ عليه الدليل العلمي والبرهان اليقيني.
فقد صرحت به الروايات المنظافرة خصوصاً وعموماً ، وأفادته الأحاديث المتواترة قطعاً.
كما ثبت على ضوء القرآن الكريم، وتوصل اليه الوجدان السليم.
أما الأحاديث الشريفة الخاصة في ذلك ، فمنها :
1-حديث ابي سعيد عقيصا المتقدم ، عن الامام الحسن المجني عليه السلام جاء فیه .
«... التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الاماء ، يطيل الله عمره في غيبته ، ثم يُظهره في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير » (1).
2 - حديث محمد بن مسلم الثقفي الطحان المتقدم ، عن الامام الباقر عليه السلام ، جاء فيه :
فأما شبهه من يونس بن متى ، فرجوعه من غيبته وهو شاب بعد كبر
1) كمال الدين : ص 316 ب 29 ح 2.
السن »(1)
«... وأنا العبد الصالح أعني الخضر عليه السلام، فإن الله تبارك وتعالى ما طول عمرة لنبوة قدّرها له، ولا لكتاب ينزله عليه ، ولا لشريعة یتسخ بما شريعة من قبله من الأنبياء ، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها ، ولا لطاعة يفرضها له.
بلي، إن الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر القائم عليه السلام في أيام غيبته ما يقدر ، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول ، ، طول عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم عليه السلام ، وليقطع بذلك حجة المعاندين لثلاً يكون للناس على الله حجة » (2)
4 حديث الريان بن الصلت المتقدم، عن الامام الرضا عليه السلام جاء فيه :
وان القائم هو الذي اذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشبان »(3)
5 .حديث أحمد بن اسحاق الأشعري القمي المتقدم ، عن الامام العسكري عليه السلام ، جاء فيه :
«يا أحمد بن اسحاق ، مثله في هذه الأمة مثل الخضر عليه السلام » .(4)
6.حديث الحسن بن محمد بن صالح البزاز ، قال : سمعت الحسن بن على العسكري عليه السلام يقول :
إن إبني هو القائم من بعدي وهو الذي يجرى فيه سنن الأنبياء عليهم السلام
بالتعمير والغيبة ... )(1).
7-حديث سعيد بن جبير ، قال : سمعت سيد العابدين علي بن الحسين عليه السلام يقول :
في القائم منة من نوح عليه السلام وهي طول العمر . (2)
8-حدیث حماد بن عبد الكريم الجلاب ، قال : ذكر القائم عند أبي عبدالله عليه السلام ، فقال :
«أما انه لو قد قام لقال الناس : أن يكون هذا؟ وقد بليت عظامه مذكذا»(3)
هذا إلى غير ذلك من الأحاديث الأخرى المفيدة طول عمره عليه السلام ، وقد الشير اليها من طريق الفريقين في منتخب الأثر(4).
اما على ضوء القرآن الكريم (5)
ولتعلم بدوا أنه يكفي في الجواب عن ذلك الاشكال ، ما يستفاد من بعض الأحاديث المباركة المتقدمة : رقم 1 و 2. ان السر في طول عمره الشريف رعاه الله، هو إعجاز الله تعالى بإبقاءه شاباً وحفظه في هذا السن كاملاً ؛ والله تعالى على كل شيء قدير، وبيد قدرته الشيب والشباب والموت والحياة.
فإن طول العمر وبقاء الانسان في الحياة قروناً متطاولة ، قد ثبت على
1) كمال الدين : ص 524 ب 46 ح 4.
2) كمال الدين : ص 534 ب 46 ح 5.
3) الغيبة للنعماني : ص 155 ح 14.
4) منتخب الأثر : ص 278 - 285 ، عن كمال الدين والغیبتیين والخرائج من الخاصة ، وينابیع المسودة من العامة ، وكذلك من الشافعي الكتجي في كتاب البيان ، كما حكاه في : احقاق الحق :ج19ص698.
5) هذا جواب على اشكال بعض المخالفين على طول عمره عليه السلام الذي نقله في : كنز الفوائد : ص 244 ، وسياني ذكره . وتجيب على ذلك بالكتاب الكريم ، والسنة المتفق عليها بين الفريقين، والدليل الوحداني الموجود في البين ، مؤيدين ذلك بموافقة الطبيعة البشرية ، ثم تصريحات الاصول العلمية.
ضوء القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل قطعاً. فلا مجال لاستبعاده او استحالته او الاشكال فيه أبداً.
فقد جاء في القرآن الکريم بالنسبة الى نبي الله نوح قوله تعالى : «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ »(1)
فتلاحظ أن الآية المباركة صريحة في أن النبي نوح. عليه السلام لبث في قومه بعد إرساله ونيوته 950 سنة ، تسبعة قرون ونصف.
وأما مجموع عمره الشريف فهو أكثر من هذا ، اذ روي انه عمر 2500 عام.
ففي حديث هشام بن سالم عن الامام الصادق عليه السلام :
عاش نوح عليه السلام الفي سنة وخمسمائة سنة ، منها ثمانمائة وخمسون سنة قبل أن يبعث ، وألف سنة إلا خمسين عاماً وهو في قومه يدعوهم ، وسبعمائة عام بعد ما نزل من السفينة ونصب الماء فمصّر الأمصار وأسكن ولده البلدان.
ثمَّ إِنَّ مَلك الموت عليه السلام جاءه وهو في الشمس ، فقال له : السلام عليك فرد الجواب.
فقال له : ما جاء بك يا ملك الموت؟
فقال : جنت لأقبض روحك.
فقال له : تدعني أخرج من الشمس إلى الظل؟
فقال له : نعم.
فتحوّل نوح عليه السلام ، ثم قال : يا ملك الموت ، كان ما مر بي من الدنيا مثل
1) سورة العنكبوت : الآية 14
تحولي من الشمس إلى الظل ، فامض لما أمرت به قال : فقبض روحه عليه السلام » (1)
وهذا يعطي تحقق طول العمر قروناً طويلة.
يل يمكن التعمير إلى يوم القيامة بمشيئة الله وارادته وقدرته ، كما أخبر به الله تعالى بالنسبة الى نبيه يونس بن متى ، فقال عز من قائل : «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ «لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ». (2)
اذ الظاهر . والله العالم . انه بمعنى للبث حياً في بطن الحوت الى يوم القيامةكما في تفسير الخاصة (3)والعامة )(4)
خصوصاً مع معنى كلمة اللبث لغة وتفسيرها ب- « الاقامة بالمكان والملازمة له» المناسبة للحياة لا الموت ، كما في المفردات (5).
وهذا يفيد قدرة الله تعالى على حفظ انسان وإبقاء حياته في مكان كهذا ، بلا هواء ولا طعام آلاف السنين او القرون.
فكيف لا يحفظ وليه الأعظم وحجته الكبرى ، الذي وعد فيه ، يظهره على الدين كله ، ويمكن له في الأرض ، ويجعله من الوارثين.
أليس الله بقادر على حفظه وابقاءه ، وطول عمره وبقاءه؟
بل إن الله تعالى أبقى عدوّه إبليس الى يوم الوقت المعلوم ، فكيف لا يبقى وليّه المصلح ونوره المفصح ، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره.
لذلك أفاد الشيخ الصدوق :
ان أكثر المخالفين يسلمون لنا حديث الخضر عليه السلام ويعتقدون فيه انّه حي غالب عن الأبصار ، وأنّه حيث ذُكر خضَر ، ولا ينكرون طول حياته ، ولا يحملون حديثه على عقولهم ويدفعون كون القائم عليه السلام وطول حياته في غيبته.
وعندهم أن قدرة الله عز وجل تتناول إبقاءه الى يوم النفخ في الصور ، وإبقاء إبليس مع لعنته الى يوم الوقت المعلوم في غيبته ، وأنها لا تتناول إبقاءه حجة الله على عباده مدة طويلة في غينه ، مع ورود الأخبار الصحيحة بالنص عليه بعينه واسمه ونسبه من الله تبارك وتعالى وعن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وعن الأئمة عليهم السلام»(1).
وقال شيخ الطائفة :
«قان قيل : ادعاؤكم طول عمر صاحبكم امر خارق للعادات مع بقاءه على قولكم كامل العقل نام القوة والشباب ، لأنه على قولكم في هذا الوقت . الذي هو سنة سبع واربعين واربعمالة. واحد وتسعون سنة.
الأن مولده على قولكم سنة ست وخمسون ومائتين ولم تمر العادة بان يبقى احد من البشر هذه المدة، فكيف انتقضت العادة فيه ولا يجوز انتقاضها الا على يد الأنبياء.
قلنا : الجواب عن ذلك من وجهين :
احدهما : انا لا تسلم ان ذلك خارق لجميع العادات.
بل العادات فيما تقدم قد جرت بمثلها واكثر من ذلك ، وقد ذكرنا بعضها كقصة الخضر عليه السلام ، وقصة اصحاب الكهف ، وغير ذلك.
وقد اخبر الله تعالى عن نوح عليه السلام ، انه لبث في قومه الف سنة الا خمسين عاماً ، واصحاب السير يقولون إنه عاش أكثر من ذلك ، وانما دعا قومه الى الله
1) كمال الدين : ص 392
تعالى هذه المدة المذكورة بعد ان مضت عليه ستون من عمره.
وروي اصحاب الأخبار : ان سلمان الفارسي رضي الله عنه لفي عيسى ابن مريم عليه السلام ، وبقى الى زمان نبينا صلى الله عليه و آله وسلم وخيره مشهور ، واخبار المعمرين من العرب والعجم معروفة مذكورة في الكتب والتواريخ.
وروی اصحاب الحديث : ان الدجال موجود وانه کان فی عصر النبی صلی الله علیه و آله وسلم وانه باق الى الوقت الذي يخرج فيه وهو عدو لله.
فاذا جاز في عدو الله لضرب من المصلحة ، فكيف لا يجوز مثله في ولی الله ، ان هذا من العناد...»(1)
وقال المحقق الكراجكي في كتاب البرهان من كنز الفوائد :
فاما من أقر بها اي (الامامة) وأنكر جواز تراخي الأعمار وطولها ، فان القرآن يخصمه بما تضمنه من الخبر عن طول عمر نوح عليه السلام.
قال الله تعالى : ( فليث فيهم الف سنة الا خمسين عاما) ، ولا طريق الى الانصراف عن ظاهر القرآن الأ ببرهان.
وقد اجمع المسلمون على بقاء الخضر عليه السلام من قبل زمان موسى عليه السلام الى الآن وان حياته متصلة إلى آخر الزمان ، وما اجمع علیه المسلمون فلا سبيل الى دفعه بحال من الأحوال.
قان قال لك الخصم : هذان نبيان ويجوز ان يكون طول اعمارهما معجزا لهما وكرامة يميّزا بما عن الأنام، ولا يصح ان يكون هذا المعجز والاكرام الأ للأنبياء عليهم السلام.
فقل له : يفسد هذا عليك بما استقر عليه الاتفاق من بقاء ابليس اللعين من
1) کتاب الغیبه : ص 78
عهد آدم عليه السلام ، وقبل ذاك الى الآن ، وانه سيبقى الى الوقت المعلوم كما نطق به القرآن ، وليس ذلك معجزاً له ولا على سبيل الاكرام.
وإذا اشترك الولي والعدو في طول العمر ، علم ان السّبب في ذلك غير ما ذكرت ، وانه لمصلحة لا يعلمها الا الله تعالى دون العباد.
فان انكر الخصم ابليس وبقاءه ، خرج عن ظاهر الشريعة ودفع اجماع الامة ، وان تاوّل ذلك طولب على صحة تأويله بالحجة.
ولو سلم طول العمر معجزاً للمعمّر واكرام ولم ينكر ابليس وطول عمره على ممر الأزمان كان لك ان تقول : ان حكم الامام عندنا كحكم النبي صلى الله عليه و آله و سلم في الاحتجاج وجواز ظهور المعجز والاكرام بما يتميز به عن الأنام ، فليس بمنكر ان يطيل الله تعالى عمره على سبيل المعجز والأكرام.
واعلم ايدك الله أن المخالفين لك في جواز امتداد الأعمار ممّن يقر بالاسلام ، لا يكلمونك الا بكلام مستعار.
فمنهم من ينطق بلسان الفلاسفة فيقول : ان طول العمر من المستحيل في العقول الذي يثبت على جوازه دليل.
ومنهم من ينطق بلسان المنجمين فيقول : انّ الكواكب لاتعطى احدا من العمر أكثر من مائة وعشرين سنة ...
ومنهم من ينطق بلسان الأطباء واصحاب الطبائع فيقول : انّ العمر الطبيعي هو مائة وعشرون سنة ، فاذا انتهى اليها فقد بلغ غاية ما يمكن فيه صحة الطباع وسلامتها ، وليس بعد بلوغ غاية السلامة الاَّ ضدها.
وليس على يد احد منهم الا الدعوى ، ولا يستند الاَّ الى العصبية والهوى ، فاذا عضّهم الحجاج رجعوا أجمعين الى الشاهد المعتاد فقالوا : انا لم تزر احدا تجاوز في العمر الى هذا القدر ولا طريق لنا الى اثبات ما لم تر ، وهذا الذي جرت
به العادة والعادة اصبح دلالة.
وجميعهم خارجون عن حكم الملة ، مخالفون لما اتفقت عليه الأمة ولما سلف ايضاً من الشرائع المتقدمة.
لان اهل الملل كلها متفقون على جواز امتداد الأعمار وطولها. وقد تضمنت التوراة (1)من الأخبار بذلك ما ليس بينهم فيه تنازع ...
وقد تضمنت نظره شريعة الإسلام.
ولم يجد احداً من علماء المسلمين يخالفه أو يعتقد فيه البطلان ، بل اجمعوا من جواز طول الأعمار على ما ذكرناه »(2)
فانه مضافاً إلى الأحاديث المتقدمة الخاصة بطول عمره المبارك ، قد ورد في الأخبار الكثيرة المتفق عليها بين الفريقين، والفائقة على التواتر ، المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
أن الأئمة بعدي اثنا عشرة أولهم أمير المؤمنين علي عليه السلام وآخرهم المهدي عليه السلام ، وأنهم لم يزالوا ما دام هذا الدين باقياً»
كما تلاحظها بمتونها المتفقة وأسانيدها المتعددة في احقاق الحق(3)
ولا شك في أبديه الدين الاسلامي الى امتداد الزمان الدنيوي ، بل الى يوم
القيامة (1)فيكون الأئمة عليهم السلام باقين الى يوم القيامة.
ولا خلاف في مضيّ واستشهاد أباء الامام المهدي عليه السلام الأئمة الأحد عشر قبله سلام الله عليهم.
ولازم ذلك بقاء الامام المهدي عليه السلام حياً بعد ان ثبت أنه ثاني عشرهم ، وأنه المستحق للامامة.
والا لزم عدم بقائهم ما بقي الدين ، وهو خلاف ا أخبر به الرسول الأمين بالقطع واليقين.
ولزم أيضاً عدم وجود إمام بين المسلمين ، فتكون ميتتهم ميتة جاهلية.
ولزم أيضاً : عدم الحجة من الله على الخلق ولولاه لساخت الارض بأهلها؛ ولا شك في بطلان هذه اللوازم وعدم صحتها.
فيثبت شرعاً وعقلاً كون الامام المهدي عليه السلام باقياً وعمره طويلاً ، رعاه الله من كل سوء.
هذا مضافاً إلى الأحاديث الخاصة بطول عمره الميارك الثابتة في طريق الفريقين.
وقد أشرنا إلى روايات طريقنا في اول المبحث الثالث.
ونضيف أنه اشار الكنجي الشافعى الی روايات العامة في كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان ، قال :
ولا امتناع في بقاءه (يعني الامام المهدي عليه السلام) بدليل بقاء عيسى والياس والخضر من أولياء الله تعالى ، وبقاء الدجال وابليس من اعداء الله تعالى ، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة ، وقد اتفقوا عليه ثم انكروا جواز بقاء المهدي.
1) کما فی صحیحه زراره الوارده فی : اصول الکافی ج1 ص 58ح19.
وها انا ابين بقاء كل واحد منهم، فلا يسع بعد هذا العاقل انكار بجواز بقاء المهدي عليه السلام...
واما بقاء المهدي عليه السلام فقد جاء في الكتاب والسنة.
اما الكتاب ، فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله عز وجل : (ليظهره على الدين كله ولو كرة المشركون) ، قال : المهدي من عترة فاطمة عليها السلام.
واما السنة فما تقدم في كتابنا من الأحاديث الصحيحة الصريحة ... » (1)
لذلك اعترف بطول عمره عليه السلام علماء العامة ، كما ترى احصاء ذكرهم مع كلامهم في كتاب المهدي (2)
ذكر منهم : الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتاب اليواقيت والجواهر . وخواجه محمد پارسا في كتاب فصل الخطاب ، وابن . العسقلاني في كتاب القول المختصر، وشهاب الدين الهندى فى كتاب هداية السعداء.
فإن الوحدان السليم شاهد ببقاءه وطول عمره عليه السلام ،لتواتر رؤيته ، وتظافر مشاهدته من زمان غيبته الصغرى الى زماننا هذا في غيبته الكبرى ، من قبل المؤمنين الصادقين والعلماء المتقين ممن يوحب قولهم العلم واليقين؛ امثال السيد ابن طاووس، والعلامة الحلي ، والمقدس الأردبيلي ، والسيد بحر العلوم ، وغيرهم من الأعلام الأوتاد والبالغين أعلى درجات الصدق والعدالة والسداد.
وقد تقدم ذكر الكتب الناقلة الجملة منها فراجع.
والعيان يغني عن البرهان ، ووجوده يحس بالوحدان.
فيتحصل ان طول عمر الامام المهدي المنتظر سلام الله عليه وعلى آباءه ، ثابت بالحديث المتواتر العلمی ، ومنصوّر بالقرآن الالهي ، ومدلول لليرهان العقلي ، ومؤيد بالشاهد الوجداني.
هذا كله. ، مع ما تقدم الالفات اليه من أن الرمز المكنون في طول عمره المصون صلوات الله عليه هو طريق الاعجاز.
أعني ان الاعجاز الالهی ، والقدرة الريانية أوجبت طول عمره الشريف وبقاءه شاباً ، كما يستفاد من خلال بعض الأحاديث المتقدمة ، مثل حديثي ابي سعيد ومحمد بن مسلم(1).
فان الاحتفاظ بشبابه صلوات الله عليه في طول عمره ، معجزة من الله تعالى وارادة منه ، والله على كل شيء قدير.
ومع بقاءه شاباً يبقي عمره ره طويلاً طبيعياً اعجازاً وكرامة من الله تعالي ، وحكمة في سلامته وبقاءه الى ان يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهذا يتضح الحق ،ولا يبقى اشكال في الحقيقة.
وأنت تري جلياً ان الاعجاز والارادة الالهية تدفع هذه الشبهة الواهية ، مضافاً إلى أن عدم مألوفية طول العمر في زماننا هذا لا : يعني استحالته او عدم امکانه، كما يدعيه الجاحد.
وليس في النواميس الطبيعية البشرية او الاصول العلمية ما يمنع طول العمر ، بل دلّ كلاهما على وقوعه ، والوقوع أدل دليل على الإمكان.
1) کمال الدین ص316 ح2و ص 327 ح 7.
فإن التاريخ البشري يثبت طول عمر الانسان فهو مليء بالمعمرين ، كما تلاحظ إحصاءهم في كتاب المعمرون لأبي حاتم السجستاني ، مما يثبت كون طول عمر الانسان ليس ممكناً فقط بل طبيعياً أيضاً.
وتلاحظ بيان جملة من المعمرين مع مصادر ذكر مقدار عمرهم في الكتب المفصلة ، وقد أحصى 142 شخص من المعترين (1)، منهم :
النبي آدم ، وعمره 930 سنة.
النبي شيث بن آدم ، 912 سنة.
3 . النبي ادريس ، ، 965 سنة .
4 . النبي نوح ، 2500 سنة.
5 . ذو القرنين ، 3000 سنة.
6 . لقمان ، 3500 سنة.
7 عوج بن عناق ، 3000 سنة.
9- گشتاسب ، 750 سنة.
10 . رستم ، 600 سنة.
12 - ريان والد عزيز مصر ، ، 1700 سنة.
1) الزام الناصب : ج 1 ص 288، إمامت و مهدويت : ج 3 ص 214.
14 فريدون ، 1000 سنة.
لذلك قال شيخ الطائفة :
واذا ثبتت هذه الجملة ، ثبت أن تطاول العمر ممكن غير مستحيل ، وقد ذكرنا فيما تقدم عن جماعة أنهم لم يتغيروا مع تطاول أعمارهم وعلو سنهم.
وكيف ينكر ذلك من يقر بأن الله تعالى يقلد المشايين في الجنة شياناً لا يلون ، وانما يمكن أن ينازع في ذلك من يجحد دلك ويسنده إلى الطبيعة وتأثير الكواكب الذي قد دل الدليل على بطلان قولهم باتفاق منا وممن مخالفنا في هذه المسألة من أهل الشرع ، فسقطت الشبهة من كل وجه » (1).
وقال ابو الصلاح الحلبي :
اما استبعاده (اي طول عمر الامام الحجة عليه السلام) فالمعلوم خلافه »(2).
ثم ذكر الاجماع على طول عمر جماعة ، مثل نوح والخضر ولقمان ، بل غير الصالحين ايضاً ، ثم قال :
واذا كان ما ذكرناه من أعمار هؤلاء معلوماً لكل سامع للاخبار وفيهم انبياء صالحون وكفار معاندون وفساق معاندون سقط دعوى خصومنا کون عمر الغائب خارقاً للعادة ، لثبوت أضعاف ما انتهى اليه من المدة لأبرار وفجار ».
وقال ابو الفتح الكراجكي :
«اهل الملل كلها متفقون على جواز امتداد الأعمار وطولها »
وقال النعماني :
ومنهم من يستبعد المدة ويستطيل الأمد ولا يرى أن الله في قدرته ونافذ سلطانه وماضي أمره وتدبيره قادر على أن يمد لوليه في العمر ، كأفضل ما مده ومده لأحد من أهل عصره وغير أهل عصره ، ويظهر بعد مضي هذه المدة وأكثر منها.
فقد رأينا كثيراً من أهل زماننا تمن عمّر مائة سنة وزيادة عليها ، وهو تام الفوة ، مجتمع العقل.
فكيف ينكر الحجة الله أن يعمره أكثر من ذلك ، وأن يجعل ذلك من أكبر آياته التي أفرده بها من بين أ أهله.
لأنه حجته ، التي يظهر دينه على كل الأديان ، ويغسل بما الأرجاس والأدران » (1)
هذا بحسب الطبيعة الانسانية في طول العمر.
قات الدراسات العلمية والتحقيقات التجربي الحديث تؤيد وتثبت
طول العمر والحياة الطويلة ، بحيث تصريح يحزم وتذكر مقدورية البقاء الطويل بتوليد الانسجة الصناعية (2)
ونكتفي في ذلك بمقال محلة المقتطف المصریه:ج3ص238السنه 1959، تحت عنوان « هل يخلد الانسان في الحياة؟ ».
جاء فيها ما نصه :
كل حبه حنطة جسم حي ، وقد كانت في سنبلة ، والسنبلة تنبت من حبة اخرى، وهذه من ستبلة ، وهلم جرا بالتسلسل.
ويسهل استقصاء تاريخ ستة آلاف سنة او اكثر ، فقد وحدت حبوبه بين الآثار المصرية الآشورية القديمة ، دلالة على ان المصريين والآشوريين والاقدمين كانوا يزرعونه ويستغلونه ويصنعون خبزهم من دقيقة.
والقمح الموجود الآن لم يخلق من لا شيء، بل هو متسلسل من ذلك القمح القديم، فهو جزء حي من جزء حي من جزء حي، وهلم جرا الى ستة آلاف سنة أو سبعة بل الى مئات الألوف من السنين .
وحبوب القمح التي نراها ناشفة لا تتحرك ولا تنمو، هي في الحقيقة حية مثل كل حي ، ولا ينقصها الظهور دلائل الحياة الاقليل من الماء ، فحياة القمح متصلة منذ الوف من السنين إلى الآن.
وما الحيوان بخارج عن هذه القاعدة ، فان كل واحد من الحشرات والاسماك والطيور والوحوش والذبابات، حتى الانسان سيد المخلوقات كان جزءاً صغيراً من والديه ، فنما كما نميا وصار مثلهما وهما من والديهما وهلم جرا.
والانسان الذي يختلف نسلاً يكون نسله جزءاً حياً منه ، كما ان البذرة جزء من الشجرة ، وهذا الجزء الحي تكون فيه جراثیم صغيرة جداً، مثل الجراثيم اللتی كونت اعضاء والديه ، فتكون اعضاؤه بالغذاء الذي تتناوله وتمثله.
فتصير نواة التمر نخلة ذات جذع وسعوف وعروق وتمر ، ويذره الزيتون شجرة ذات ساق واغصان وورق وتمر ، وقس على ذلك سائر انواع النبات ، وكذا بيوض الحشرات والاسماك والطيور والوحوش والذيابات حتى الانسان.
وهذا كله من الأمور المعروفة التي لا يختلف فيها اثنان ، ولكن الشحرة
نفسها قد تعمر الف سنة او الفي سنة ، والانسان لا يعمر أكثر من سبعين او ثمانين سنة ، وفي النادر يبلغ مائة سنة.
فالجراثيم المعدة لإخلاف النسل تبقى حية وتنمو كما تقدم، ولكن سائر اجزاء الجسم يموت كان الموت مقدور عليه.
وقد مرت القرون والناس يحاولون التخلص من الموت او اطالة الأجل ، ولا سيما في هذا العصر ، عصر مقاومة الامراض والآفات بالدواء والوقاية ، ولم يثبت على التحقيق ان احداً عاش فيه (120) سنة مثلاً.
لكن العلماء الموثوق يعلمهم يقولون : ان كل الانسجة الرئيسية من حسم الحيوان تقيل البقاء الى ما لا نهاية له ، وانه في الامكان ان يبقى الانسان حياً ألوفاً من السنين ، اذا لم تعرض عليه عوارض تصرم حبل حياته.
وقولهم هذا ليس مجرد ظن ، بل هو نتيجة عملية مؤيدة بالامتحان.
فقد تمكن احد الجراحين من قطع جزء من حيوان وابقائه حياً أكثر من السنين التي يحياها ذلك الحيوان عادة ، اي صارت حياة ذلك الجزء مرتبطة بالغذاء الذي يقدم لها بعد السنين التي يحياها ، فصار في الامكان ان يعيش الى الأبد ما دام الغذاء اللازم موفوراً له.
وهذا الجراح هو الدكتور الكسي كارل ، من المشتغلين في معهد روكفلر بنيويورك.
وقد امتحن ذلك في قطعة من جنين الدجاج ، فبقيت تلك القطعة حية نامية أكثر من ثمانی سنوات.
وهو وغيره امتحنوا قطعا من اعضاء جسم الانسان من اعضائه وعضلاته وقلبه وجلده وكليته ، فكانت تبقى حية نامية ما دام الغذاء اللازم موفوراً لها.
حتى قال الاستاذ دیمند وبرل من السائلة جامعة حونس هيكنس : ان كل
الاجزاء الخلوية الرئيسية من جسم الانسان، قد ثبت اما ان خلودها بالقوة صار امراً مثبتاً بالامتحان ، او مرجحاً ترجيحاً تاماً لطول ما عاشته حتى الآن.
وهذا القول غاية في الصراحة والأهمية على ما فيه من التحرس العلمي.
والظاهر ان اول من امتحن ذلك في اجزاء من الحيوان هو الدكتور بجاك لوب، وهو من المشتغلين في معهد روكفلر ايضاً.
قانه كان يمتحن توليد الضفادع من بيضها ، اذا كان غير ملقح. فرأي ان بعض البيض يعيش زماناً طويلاً وبعضها بموت سريعاً، فقاده ذلك الى امتحان اجزاء من جسم الضفدع ، فتمكن من ابقاء هذه الإجراء حية زماناً طويلاً.
لم اثبت الدكتور ورن لويس وزوجته انَّه يمكن وضع اجزاء حلوية من جسم جنين الطائر في سائل ملحي فتبقى حية ، واذا اضيفت اليه قليل من بعض المواد الآلية جعلت تلك الاجزاء تنمو وتتكاثر.
وتوالت التجارب فظهر ان الاجزاء الخلوية . من أي حيوان كان يمكن ان تعيش وتنمو في سائل فيه ما يغذيها ، ولكن لم يثبت ما ينفى موتها اذا شاخت.
فقام الدكتور كارل وحرب التحارب المشار اليها أنفاً، فاليت منها ان هذه الاجزاء لا تشيخ في الحيوان الذي أحذت منه ، بل تعيش أكثر مما يعيش هو عادة.
وقد شرع في التحارب المذكورة في شهر يناير سنة 1912 ، ولقي عقبات كثيرة في سبيله، فتغلب عليها هو ومساعدوه وثبت له :
اولا : ان هذه الاجزاء الخلوية تبقى حية ، ما لم يعرض لها عارض بميتها ، اما من قلة الغذاء او من دخول بعض المكروبات.
وثانياً : انحالا تكتفي بالبقاء حية ، بل تنمو خلاياها وتتكاثر ، كما لو كانت باقية في جسم الحيوان.
ثالثاً : اله يمكن قياس نمودها وتكاثرها ومعرفة ارتباطها بالغذاء الذي يقدم لها.
ورابعاً : ان لا تأثير للزمن عليها أي أنها لا تشيخ ولا تضعف بمرور الزمن ، بل لا يبدو عليها اقل اثر للشيخومية ، بل تنمو وتتكاثر هذه السنة كما كانت تنمو وتتكاثر في السنة الماضية وما قبلها من السنين.
وتدل الظواهر كلها على أنها ستبقى حية نامية ، ما دام الباحثون صابرين على مراقبتها وتقديم الغذاء الكان لها.
فشيخوخة الاحياء ليست سبباً بل هي نتيجة.
ولكن لماذا يموت الانسان ولماذا نري سنية محدودة لا تتجاوز المائة الا نادراً جداً ، وغايتها العادية سبعون أو ثمانون؟
والجواب : ان اعضاء جسم الحيوان كثيرة مختلفة وهي مرتبطة بعض بعضها ببعض ، ارتباطاً محكماً حتى ان حياة بعضها تتوقف على حياة البعض الآخر. فاذا ضعف بعضها ومات لسبب من الأسباب مات بموته سائر الأعضاء.
ناهيك یفتسك الأمراض المكروبية المختلفة ، وهذا مما يجعل متوسط العمر اقل جداً من السبعين والثمانين، لا سيما وان كثيرين يموتون اطفالاً.
وغاية ما ثبت الآن من التجارب المذكورة ان الانسان لا يموت لانه عمر كذا من السنين سبعين او ثمانين او مالة أو أكثر، بل لان العوارض تنتاب بعض اعضائه فتتلفها ، ولارتباط اعضائه بعضها ببعض تموت كلها.
فاذا استطاع العلم ان يزيل هذه العوارض او يمنع فعلها ، لم يبق مانع يتمتع استمرار الحياة مئات من السنين ، كما يحيا بعض انواع الأشجار.
وقلما ينتظر ان تبلغ العلوم الطبية والوسائل الصحية هذه الغاية القصوى ، ولكن لا يبعد ان تدانيها فيتضاعف متوسط العمر او يزيد ضعفين او ثلاثة»
انتهی(1).
هذا ما صرح به العلم الحديث ، وأثبتته التجارب العلمية.
وعلى الجملة تندفع شبهة استحالة او استبعاد طول عمره عليه السلام بدليل القرآن الكريم ، ثم الاحاديث المتفق عليها بين الفريقين عياناً ، ثم توا المتواتر الموجب للعلم لطول عمره وجداناً.
حل ذلك مؤيداً بتحقق طول عمر الانسان في النواميس الطبيعية ، ثم قابلية البقاء الوفاً من السنين في الأصول العلمية.
هذا ، بالاضافة الى ما عرفت أن الرمز المكنون في طول عمره رعاه الله تعالى، هو الإعجاز الالهي بابقاءه شاباً مصوناً عن عوارض الشيب ، والله هو القادر على كل شيء ، والحافظ لوليه بلا ريب.
ذلك الله الذي حفظ ابراهيم من نار نمرود؛
وحفظ موسى من كيد فرعون؛
وحفظ الرسول الأعظم من كيد المشركين.
هو حافظ لوليه الهادي وخليفته المهدي عليه السلام من عوارض الدهر وانواع الشر ، ان شاء الله تعالى.
وقد وعد فيه الحفظ، كما في حديث الحسين : حمدان ، عن الأمام العسكري عليه السلام في الضمان القدسي :
«فانَّه في ضماني وكنفی وبعینی الی ان احق به الحق وأزهق به الباطل » (2)
عميد المنبر الحسيني الشیخ الدكتور احمد الوائلى
اعْدَادَ وتحقيق مرکزالدراسات التخصصية الامام المهدي عجل الله تعالی فرجه
اسم الکتاب ........... محاضرات حول الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
تأليف. ........ عميد المنبر الحسيني الشيخ الدكتور أحمد الوائلي رحمه الله
إعداد وتقديم ...... مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي
رقم الإصدار.......................... 259
الطبعة: ..................... الثانية (المحققة ) 1442ه
عدد النسخ: ....................(طبعة محدودة)
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق- النجف الأشرف
هاتف: 07809744474 - 07816787229
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
السؤال الثالث: هل يمكن أن يتمتَّع بشر بهذا المقدار الطويل من العمر؟ وما فائدته وهو غائب عنا؟
الجواب:
أن طول العمر ممكن، وفعلاً إجماع المسلمين هو أنَّ الخضر حي، ولا يقولون طبعاً : إنَّ الخضر حي بشكل طبيعي، يعني نحن لا نتكلم في نطاق طبيعي، بل في نطاق المعجزة، فلا يوجد إشكال فعندما نأتي إلى بعض المعاجز التي حدثت، مثلاً النطق الذي هو من سمات الإنسان ولا يُنتظر من الجذع أو الشجرة أن تتكلم ويخرج منها الكلام، بينما نقرأ في القرآن أن الكلام كان يخرج إلى النبي موسى علیه السلام عن الشجرة (1). المسلمون كلهم يروون حنين
1) إشارة إلى قوله تعالى في سورة (القصص:30): (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ).
الجذع لوفاة النبي صلی الله علیه و آله وسلم ، (1)كلُّهم يروون لا نرويها نحن فقط، بل المذاهب الإسلامية كلها ترويها.
حينما يحن الجذع ويتكلم لا تعتبره إشكالاً لأنَّه معجزة، لكن أن يطول عمر إنسان تعتبره إشكالاً لماذا ؟ صحيح أن طول العمر غير طبيعي، ونحن لا نقول: إنه طبيعي، بل معجز. إنَّ كثرة الأحاديث التي تلزمنا بوجود الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه تلزمنا بأن نوجهها وليس أننا نشتهي ونأتي برواية خيالية ونبحث لها حلولاً. كلا، إنَّ الروايات عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم تأخذ بعنقي وتجبرني على الاعتراف بوجود الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه ، وتوجيهها، وليس لها توجيه إلا هذا، أن يكون طول العمر على الإعجاز ليس إلا، وعادةً لا يُعمّر الإنسان وهو أكثر من العمر الطبيعي، فإذا عمّر أكثر منه فلا بد أن يكون وضعه غير طبيعي ومعجزة ويعني خروج عن الحمد المألوف وكل المعجزات هي خروج عن الوضع الطبيعي فإما أن تُنكر المعجزات كلَّها وإما أن نعترف بالبعض دون البعض الآخر فيصبح تحكماً.
إنَّ طول العمر بالنسبة للإمام إذن معجزة وليس أمراً طبيعياً فإذا كان معجزة فلا يوجد إشكال إطلاقاً كما اعتقد المسلمون بوجود الخضر وعيسى علیهما السلام وأنّه رُفع إلى الله ولم يمت، فكذلك الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه .
1) أي حنين الجذع لما تحوّل صلی الله علیه و آله وسلم إلى المنبر، وكان الجذع أسطوانة في المسجد، وكان يستند إليه إذا خطب، ولما تحوّل إلى المنبر صدر عنه حنين، فلما جاء إليه والتزمه سكن، وهو من معاجزه صلی الله علیه و آله وسلم ؛ وقد روته مصادر المسلمين راجع صحيح البخاري (ج 6/ ح 3207)، وسُنَن ابن ماجة (ج 1 ص 454 و 455 / باب ما جاء في بدء شأن المنبر)، وسُنَن الترمذي (ج 2 ص /8 / ج 503 ، وج 5 ص 354 -ح 3706) إلى غير ذلك من المصادر .
وللإجابة عن التساؤل الآخر عن مردود فكرة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه على الأمة وكونها تشلُّ حركة الأُمَّة :نقول: كلَّا، بل العكس، لأنَّ الذي جاءت الروايات وقالت: إنَّ المهدي موجود لم تقل اترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أبداً واترك الجهاد. إن المسلمين بصورة عامة يرون أن الأمر بالجهاد قائم فإذا توفرت شروط الجهاد يتعيَّن عليهم أن يجاهدوا وهكذا شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا توفّرت يتعيَّن عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذن فكرة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه لا تشل حركتي ولا تقول لي: إذا مصنعاً لا تبني ولا إذا أردت أن تحرث أرض لا تحرثها أو تبني أردت أن تزرعها ولا إذا داهمك عدو انتظره إلى أن يدخل بلدك أبداً، القرآن يأمرني باستثمار الطاقات ويأمرني في الوقت نفسه بالدفاع عن مقدساتي يأمرني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إذن فكرة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه ليس فيها إشلال لحركة الأُمة كما يتصور البعض أبداً. هذه كتب الإمامية انظر باب الجهاد، هل نسخ باب الجهاد من كتب الإمامية؟ هل يقول فقهاؤنا اليوم: إنَّ الجهاد معطّل أو أنَّ حكمه قائم؟ طبعاً إنَّ حكمه قائم، يعني إذا كان هناك شخص يظلمك فهل تقول رواياتنا: إذا خرج صاحب الزمان يأخذ لك حقك؟ يقول القرآن الكريم: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: 194).
إذن دعوى أن فكرة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه تشلُّ طاقات الأُمَّة وتُحوِّلها إلى كيان مسلوب الإرادة ينتظر أن يأتي شخص فيحلَّ له مشاكله مغالطة صريحة ولا توجد هذه الفكرة عندنا نهائيا.
الشيخ حسين كوراني
المركز الإسلامي
بيروت
جميع حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الثانية
1426 ه- - 2005م
نسخة مزيدة ومنقحة
كيف يمكن لإنسان أن يعيش كل هذا العمر الطويل ؟
وهو سؤال طبيعي، وإجاباته طريفة يشار هنا إلى بعضها باختصار :
1 - أن النصارى واليهود مجمعون على طول عمر نبي الله آدم علیه السلام مثلاً
2 - في تاريخ مختلف الأمم والشعوب حديث عن معمرين يذكر أن بعضهم عاش الآف السنين.
3- المسلمون مجمعون على طول عمر النبي نوح والخضر وغيرهما.
4 - يجمع المسلمون أيضاً على أن نبي الله عيسى ينزل ويصلي خلف المهدي، فأيهما أطول عمراً؟
5- وعلى من يقول إن طول . النبي عيسى والأنبياء الآخرين إنما هو عمر باعتبارهم أنبياء، أن يتذكر ما أجاب به على هذاالاعتراض بعض العلماء السنة والشيعة فقالوا :
هذا خطأ، بدليل طول عمر إبليس والدجال لعنهما الله.
6-إن يكن طول العمر غريباً ، فأكثر منه غرابة أن ينكره مسلم يؤمن بالخلود في الجنة أو النار! (1)
1) دافع الكثير من علماء السنة عن مسألة طول عمر الإمام المهدي منهم العلامة سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص ومما قاله وفي التوراة أن ذا القرنين عاش ثلاثة آلاف سنة والمسلمون يقولون ألفاً وخمسمائة» التذكرة / 364.
الشيخ حسين كوراني
*أول ما يواجهنا في الحديث عن الإمام المنتظر - عجل الله تعالى فرجه - مسألة العمر الطويل ... فهل يعقل أن يعيش إنسان أكثر من أحد عشر قرناً من الزمن؟!
ولولا إنشدادنا للمألوف .. وابتعادنا عن تحكيم العقل .. أو سعة الاطلاع في هذا الصدد لما كان يوجد أي مبرر لطرح هذا التساؤل والإجابة عنه !
وبالنسبة للمسلمين الشيعة والسنة يكفينا التذكير بنبي الله عيسى عليه السلام حيث إنه بإجماع المسلمين حي يرزق، وعمره عليه السلام قارب الألفين من السنين، ولا يزال حياً إلى الآن، وكذلك إدريس النبي وقد رفعه الله إليه . .
فكيف إذا تخطينا ذلك إلى نبي الله نوح عليه السلام الذي ورد في حديث معتبر أنه عاش ألفين وخمسمائة سنة، ثمانمائة وخمسين منها قبل النبوة وألف سنة إلا خمسين عاماً وهو في قومه يدعوهم، وسبعمائة عام بعدما نزل من السفينة ونضب الماء فمصر الأمصار وأسكن أولاده البلدان (1).
1) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق عليه الرحمة/ 523 ، البحار 314/6، والمسلمون يجمعون على عمره الطويل عليه السلام، نعم قد يختلفون في تحديد سنيه التي هي ألف على أقل تقدير رأيت، كما في المعارف لابن قتيبة / 24 .
والسامري .. وقول الله سبحانه : «فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ » (1).
وكذلك الخضر عليه السلام، وكل هذه الشواهد مما أجمع عليه المسلمون، بل هي من صلب المسلمات لديهم.. وجزء من معتقدهم حيث انها وردت في القرآن الكريم إجمالاً .
والشواهد على مسألة طول العمر لا تنحصر بما تقدم . . فالمعمرون المبثوثة أخبارهم في كتب التاريخ كثيرون جدا، منهم من عاشر ألفي سنة أو ألفاً أو ستمائة سنة أو أكثر أو أقل.
بل ذكر في بعض المصادر الشيعية والسنية من عاشألفين و خمسمائة سنة أو أربعة آلاف سنة .
ولست هنا بصدد ذكر المعمرين وأخبارهم، وإنما أريد التنبيه على أن هذه الحقيقة مفروغ منها، تناقلتها الكتب عبر القرون (2)
ا - المعارف لابن قتيبة، فقد ورد فيه ص 2 43 أن فرعون موسى هو فرعون يوسف عليهما السلام عمّر أكثر من أربعمائة سنة وأن نمرود عمر خمسمائة سنة ص 28 وأن أدم عليه السلام عاش ألف سنة ص 19، وبحسب التوراة تسعمائة وثلاثين سنة، وأن شيت بن آدم عليهما السلام عاش تسعمائة واثني عشر عاما ص 20، وأن الحارث الرائش يقال أنه عاش التين وأربعمائة ونيفا وخمسين عاما ص 627 ، وأن «جم» الملك الايراني المعروف ملك تسعمائة وستين عاما ص 652 .
ب - وقد أورد المحدث الكراجكي في كنز الفوائد، 248 - 267 أسماء حوالي أربعين معمرا تتراوح أعمارهم بين المانتين والآلاف. ج - كما تجد قوائم بأسماء المعمرين في إعلام الورى بأعلام الهدى / 472 وما بعدها، وتذكرة الخواص السبط بن الجوزي / 364. والغيبية للشيخ الطوسي 76 - 87، وأمالي السيد المرتضي، وفي منتخب الأثر 276 - 477 استقصاء مما جاء في التوراة حول أعمار آدم وثبت عليهما السلام وغيرهما من المعمرين. كما تجد في منتقم حقيقي فارسي / 275 قائمة بأكثر من خمسين معمر ا تتراوح أعمارهم بين المانة والخمسين والأربعة آلاف عاما .
وينبغي أن نفرق بين أمرين :
أ - أن طول عمر إنسان أمر غير معقول .
ب - أنه أمر غير اعتيادي .
أما الأول فلا سبيل إلى الاعتقاد به .. باعتبار أن طول العمر
وقع للكثيرين، وكفى بذلك دليلاً ومعقولية .
وأما الثاني فلا ننكره... إلّا أن الأمور غير العادية ملء السمع والبصر . ولا يقول أحد من العقلاء إن كون أمر ما غير اعتيادي دليل على عدم وجوده أو عدم صحته. والقرآن الكريم يحدثنا بكثير من الأمور التي تزيد غرابة عن طول عمر إنسان آلاف السنين، ونحن نعتقد بها ونجزم بصحتها . الإعتقاد بأن الله يبعث جميع من في القبور ويحشرهم على صعيد
واحد .. أشد غرابة من بقاء إنسان حياً آلاف السنين؟! وغير ذلك
مما يزخر به القرآن الكريم (1)
فهل ترانا نتوقف في هذه الأمور لغرابتها أم أننا نقبلها لأن الغرابة والاستبعاد لا يقويان على مواجهة الدليل؟ بل يرى بعض علمائنا أن لا استبعاد في ذلك أصلا .
قال الشيخ الطوسي عليه الرحمة: لا استبعاد في طول حياة القائم عليه السلام لأن غيره من الأمم السالفة عاش ثلاثة آلاف سنة كشعيب النبي ولقمان عليهما السلام، ولأن ذلك أمر ممكن، والله تعالى قادر عليه (2)
*وتقول :
لا ترفض أن يطيل الله سبحانه عمر نبي من أنبيائه لمصلحة يريدها، وما عدا ذلك مرفوض.
*والجواب :
إن تحديد طول العمر بالأنبياء خطأ دون شك، والدليل عليه بقاء إبليس عليه اللعنة حيا إلى الوقت المعلوم (3)
فإطالة العمر إذا وهي من الله تعالى قد تحصل للنبي ولغيره
1) ياتي مزيد ايضاح لذلك تحت عنوان "في ظلال الغيب في. هذه المقدمة .
2) الرسائل العشر للشيخ الطوسي / 99.
3) النقض بابليس ذكره الكر احكي في كنز الفوائد / 244 ، والصدوق في كمال الدين وتمام النعمة» 530 ، وذكره الكنجي في «البيان» كما حكاه عنه الشبلنجي صاحب نور الأبصار» راجع موسوعة الإمام المهدي (ج 383/1) .
وللمؤمن ولغيره للمسيح النبي وللدجال أيضاً كما هو المشهور بين المسلمين سنة وشيعة .
بل جاء في بعض النصوص أن طول عمر الخضر سببه علم الله سبحانه بما سيكون من إنكار عمر الإمام المهدي عليه السلام: ولذلك طول الله عمر العبد الصالح الخضر من غير سبب يوجب ذلك إلا لعلة الإستدلال به علي عمر القائم، وليقطع بذلك حجة المعاندين لئلا يكون للناس على الله حجه .(1)
نستنتج مما تقدّم أن بقاء إنسان حياً إلى يوم القيامة أمر يجمع عليه المسلمون كافة .
وأما وقوع ذلك - العمر الطويل - فهو أيضاً لا خلاف فيه ، حيث لا يعتبر مسلماً من يؤمن بطول عمر النبي عيسي على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام.
فلا مجال إذاً للنقاش في الإمكان والوقوع بشكل عام ...
إنما لك أن تسأل هل وقع ذلك لصاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه؟
والجواب :
أولاً : علماء الشيعة على ولادته، ويقدمون أدلة يجمع موضوعية تثبت ذلك وكل من تصدّى للنقاش فيها لم يدل بحجة
1) كمال الدين وتمام النعمة/ 357، وغيبة الشيخ / 108، ومنتخب الأثر/ 261 .
مقنعة .. بل اعتمد على الإستبعاد والاستغراب، وقد عرفت الأمر فيهما .
*ثانياً : يصرّح أكثر من ثمانين من . علماء السنة بولادته عليه السلام(1)، وفيهم العلماء الكبار المعترف بعلمهم وزهدهم وفضلهم، واذكر هنا بعض النماذج من كلامهم، محيلاً في سواها إلى المصادر التي استوفت الحديث في الموضوع :
أ - قال الشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر»: فهناك يترقب خروج المهدي عليه السلام، وهو من أولاد الحسن العسكري ومولده عليه السلام ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم عليه السلام، فيكون عمره إلى وقتنا هذا وهو سنة ثمان و خمسين وتسعمائة . سبعمائة سنة وستاً وستین، هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي (...) ووافقه على ذلك شيخنا سيد علي الخواص (2).
1) انظر كشف الأستاره للمحدث النوري صاحب مستدرك الوسائل، ومقدمة السيد علي الميلاني على الكتاب (8 - (12) . وقد بلغ عدد من أحصاهم السيد الميلاني من علماء السنة المصر حين بولادته عليه السلام ثلاثة وثمانين شخصا، وفي مقدمة . موسو رعة الإمام المهدي / 17 أن عدد المصرحين بولادته من علماء السنة يفوق المانة والعشرين عالماً .
2) موسوعة الإمام المهدي عليه السلام ج1وهي تحوي صورا لفصول من كتب علماء سنة يتحدثون فيها عن الإمام المهدي ومنها صورة للمبحث الخامس والستين من اليواقيت ه و منه أخذ هذا النص، وراجع كشف الأستار(47 - 52 تجد ترجمة للشعراني والعراقي والخواص تدل على سمو قدرهم بين العلماء السنة، وتجد حديثا مسهبا حول تهافت القول بعدم ولادته في كشف الأستاره أيضا ص 102 وما بعدها. وقد أورد الصافي في منتخب الأثر / 0324 نصر الكنجي هكذا الباب الخامس والعشرون في الدلالة على جواز بناء المهدي عليه السلام منذ غيبته، ولا امتناع في بقاته بدليل .. إلى آخر ما ورد هنا، ويلاحظ أن الصافي يذكر أن الباب الخامس والعشرين من «البيان» هو المخصص لذلك، وسيأتي عن المحدث النوري أنه الباب الرابع والعشرون .
ب - عقد الشبلنجي في «نور الأبصار» فصلا في أخبار المهدي مصرحاً بولادته ونسبه الشريف من الإمام العسكري إلى الإمام أمير المؤمنين عليهم السلام جاء فيه :
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي في كتابه :
«البيان في أخبار صاحب الزمان» :
«من الأدلة على كون المهدي حيا باقيا بعد غيبته وإلى الآن وأنه لا امتناع في بقائه، بقاء عيسى بن مريم والخضر والياس من أولياء الله تعالى، وبقاء الأعور الدجال وإبليس اللعين من اعداء الله تعالى، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة الخ . .(1)
1) موسوعة الإمام المهدي ج 383/1 وفيها صور هذا الفصل من كتاب انور الأبصار، الشيلنجي . وقد أورد المحدث النوري في «كشف الأستار / 43 بعض نصوص الكنجي في كتابه «البيان» منها قوله عن الإمام العسكري: «وابنه وهو الإمام المنتظر، كما ذكر ان الباب الرابع والعشرين من «البيان» مخصص للإستدلال على جواز بقاء المهدي منذ غيبته (الكنجي من كبار الحفاظ والعلماء السنة توفي عام 858 ه- . كما في كشف الأستار / 42 . كما أورد بعض نصوص «البيان» الشيخ الصافي في منتخب الأثر / 324 منها : وخلف ابنه وهو الإمام المنتظر».
ج - قال العالم الكبير محمد طلحة كتابه «مطالب السؤول» الباب الثاني عشر في أبي القاسم محمد بن الحسن الخالص بن علي المتوكل بن محمد القانع بن علي الرضا بن الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الذكي بن علي المرتضى أميرالمؤمنين بن أبي طالب المهدي الحجة، الخلف الصالح، المنتظر عليهم السلام ورحمة الله وبركاته (1).
«اسمه الحسن وكنيته أبو محمد ولقبه الخالص . وأما مناقبه فاعلم أن المنقبة العليا والمزية الكبرى التي خصّه الله عز وجل بها ( . . . ) وجعلها صفة دائمة لا يبلي الدهر جديدها، ولا تنسى الألسن تلاوتها وترديدها أن المهدي محمداً نسله المخلوق منه، وولده المنتسب اليه ( و) بضعته المنفصلة عنه، وسيأتي في الباب الذي يلي هذا الباب شرح مناقبه وتفصيل أحواله إن شاء الله (2).
د- الفضل بن روزبهان صاحب الرد على كتاب العلامة
الحلي نهج الحق والذي سماه : «إبطال الباطل»، وهو مع شده تعصبه وإنكاره لجملة الأخبار الصحيحة الصريحة، بل بعض ما هو كالمحسوس، وافق الإمامية في ولادة الإمام المهدي فقال تعليقا على ما ذكره العلامة من فضائل الزهراء والأئمة عليهم السلام .
قال الفضل: «أقول : ما ذكر عن فضل فاطمة صلوات الله على أبيها وعليها وعلى سائر آل محمد السلام أمر لا ينكر، فإن الإنكار على البحر برحمته وعلى البر بسعته، وعلى الشمس بنورها، وعلى الأنوار بظهورها وعلى السحاب بجوده، وعلى بسجوده إنكار لا يزيد المنكر إلا الإستهزاء به إلى أن يورد أبياتاً نظمها في مدحهم عليهم السلام، أولها :
سلام على المصطفی المجتبى *** سلام على السيد المرتضی ثم يذكر الزهراء والأئمة واحداً بعد واحد إلى أن يقول :
سلام علی الاربحی النقی*** على الكریم هادي الورى
سلام علی السید العسكری***امام یجهزجیش الصفا
سلام علی القائم المنتظر*** ابی القاسم العزم نور الهدی
422
سيطلع کالشمس من غاسق *** ينجيه من سیفه المنتقی
ترى يملأ الأرض من عدله*** كما ملئت جور اهل الهوی
سلام عليه وآبائه *** وأنصاره ما تدوم السما(1)
وهو منه في غاية الغرابة . . والأهمية. . وهذه النماذج تكفي لإثبات ما أنا بصدده الآن.
ومن الطريف أن نجد بعض علماء السنّة الكبار یصرحون بتشرفهم برؤيته صلوات الله وسلامه عليه .
1) كشف الأستار (74) - 75 ومن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر التي أوردت منها هذه النماذج .
التجارب في إطالة عمر بعض الأحياء تسعمائة ضعف عمرها الطبيعي (1).
إن طول عمر إنسان ما آلاف السنين - رغم غرابته - أمر ممكن .. بل لا داعي للنقاش فيه أبداً لمن يؤمن بالقرآن الكريم، يقول السيد ابن طاووس رضوان الله عليه مخاطباً المعتقدين بأن نبي الله عيسى يصلي خلف المهدي ويستغربون في نفس الوقت بقاءه حياً .. يقول لهم :«وقد شهدتم أيضاً له أن عيسى بن مريم النبي المعظم عليهما السلام يصلي خلفه مقتديا به في صلاته، وتبعاً له، ومنصوراً به في حروبه وغزواته، وهذا أيضاً أعظم مما استبعدتموه من طول حياته » (2).
ويقول الشيخ الطوسي عليه الرحمة والرضوان: وكيف ينكر ذلك - طول عمر الإمام المنتظر عليه السلام - من يقرّ بأن الله تعالى يخلد المثابين في الجنة شباناً لا يبلون»؟ (3)
1) تجد بحثا مسهبا حول رأي الطبفي العمر الطويل في منتخب الأثر» (277 - 283) اعتمد فيه المؤلف على ما جاء في مجلات المقتطف» و«الهلال» وما نقله الطنطاوي في الجزء 17 من تفسيره الجواهر عن مجلة «كل شيء". وراجع منتقم حقيقي فارسي / 277 و « معاد و جهان پس از مرك» فارسي / 170 - .171
2) منتخب الأثر / 275 نقلا عن كشف المحجة للسيد ابن طاووس، الفصل 79
3) الغيبة / 87 .
الشیخ نزارآل سُنبل القطيفى
بقلم احمد طلال صفر
تقدیم مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
رقم الإصدار: 188
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
النجف الأشرف - شارع السور - قرب جبل الحويش
الموبايل: 7816787336 و 07812141111
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
معالم مهدوية
الشيخ نزار آل سنبل القطيفي
بقلم
أحمد طلال صفر
تقديم
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي علیه السلام
الطبعة الأولى: 1438ه
النجف الأشرف
رقم الإصدار: 188
عدد النسخ: 3000
جميع الحقوق محفوظة للمركز
بعدما قدمناه من البحوث، نصل إلى شبهة لطالما يتساءل عنها البعض وشنّع بها المخالفون واتخذوا بذلك آيات الله ه-زواً، وه-ي كي-ف أنَّ الإمام المهدي علیه السلام يبقى كل هذه الفترة الطويلة من الزمن حياً دون أن يموت؟ وقد يُعَدُّ ذلك من المحال إما عقلاً أو عادة.
والجواب عليه من وجهين:
الوجه الأوّل: عدم دلالة العقل على امتناع البقاء مدة طويلة في الحياة. فإنَّ الحقِّ أنه ليس بمحال عقلاً أن يعيش هذه المدة الطويلة، فليس ما نحن فيه من قبيل اجتماع النقيضين في آن واحد وفي وقت واحد، وكيف لأحد أن يدعي ذلك مع ثبوت مثل ذلك لبعض الأنبياء علیهم السلام كما سيأتي تفصيله؟ والوقوع أدل دليل على الإمكان.
الوجه الثاني: عدم دلالة غير العقل على امتناعه. ومما يدلُّ على عدم استحالته عادة، إثبات القرآن الكريم لطول عمر نبي الله نوح علیه السلام ، قال الله تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ »(العنكبوت: 14) ، فإنَّ الآية المباركة صرّحت بأنّ مدة الدعوة تسع مائة وخمسون عاماً، وهي مدة طويلة جداً، ولم تتعرض لعمر نبي الله نوح علیه السلام فلم تُبين عمره قبل الإرسال إلى قومه ومدّة بقائه بعد الطوفان.
حتَّى إن أصحاب التفاسير ذكروا أقوالاً عديدة في طول عمره الشريف، منها:
قال السمعاني في تفسيره: (وقوله: «فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا» ، روي عن ابن عباس أنه قال: بعث نوح وهو ابن أربعين سنة، ومكث بعد خروجه من السفينة ستين سنة، وتوفاه الله تعالى وهو ابن ألف وخمسين سنة. وفي رواية: أنَّ عمر نوح كان ألف وأربعمائة وخمسين سنة، بيثَ وهو ابن مائتي وخمسين سنة، وقد قيل غيرهذا، والله أعلم)(1).
وقال الزمخشري: (كان عمر نوح علیه السلام ألفا وخمسين سنة، بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين،وعاش بعد الطوفان ستّين. وعن وهب أنّه عاش ألفاً وأربعمائة سنة ) (2).
وذكر السيوطي حديثاً في عمر نبي الله نوح علیه السلام : (وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة رضی الله عنه ، قال: كان عمر نوح علیه السلام قبل أن يُبعث إلى قومه وبعد ما بُعِثَ ألفاً وسبعمائة سنة ) (3).
فنص القرآن والمحدثين وأصحاب التفاسير أن طول العمر ليس بمحال عادةً، إذ إنَّ القرآن الكريم أثبت لنا في آياته أن نبي الله نوح علیه السلام
بعث لقومه لمدّة طويلة من الزمن، ولا قائل من المفسرين باستحالة ذلك وعدم إمكانه، فلو أمكن تحققه لنبي الله نوح علیه السلام لأمكن للإمام المهدي علیه السلام .
يقول الشيخ المفيد قدس سره : (وهذا ما لا يدفعه إلا الملحدة من المنجمين وشركاؤهم في الزندقة من الدهريين فأما أهل الملل كلّها، فعلى اتفاق منهم على ما وصفناه والأخبار متن-اصرة بامتداد أيام المعمرين من العرب والعجم والهند وأصناف البشر ، وأحوالهم التي كانوا عليها مع ذلك، والمحفوظ من حكمهم، مع تطاول أعمارهم، والمأثور من تفصيل قضاتهم من أهل أعصارهم وخطبهم وأشعارهم، لا يختلف أهل النقل في صحة الأخبار عنهم بما ذكرناه وصدق الروايات في أعمارهم وأحوالهم كما وصفناه) (1).
وذكر الشيخ المفيد قدس سره و بعد بيان طول عمر نبي الله آدم ونوح علیه السلام طول عمر عدّة معمّرين منهم:
(لقمان بن عاد الكبير، وربيع بن ضبيع، والمستوغر بن ربيعة، وأكثم بن صيفي، وصيفي بن رياح، وضبيرة بن سعيد، ودريد بن الصمة، ومحصن بن عتبان وعمرو بن حمة الدوسي، والحرث بن مضاض والملك الذي استحدث المهرجان، وسلمان الفارسي)(2). وحتى إنَّ أهل السُّنَّة ذكروا عدة أشخاص معمرين، منهم الخضر علیه السلام ، قال القنوجي البخاري:
(قيل في إلياس والخضر: إنَّهما حيّان، وقيل: إلياس وُكِّل بالفيافي
كما وُكِّل الخضر بالبحار، قال السيوطي في الإتقان: قال وهب: إنَّ إلياس عمَّر كما عمَّر الخضر، وإنَّه يبقى إلى آخر الدنيا )(1).
وكذلك ذكر وا لقمان بن عاد فكان من أطول الناس عمراً من بعده، قال أبو محمّد عبد الملك بن هشام الحميري: (حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: كان عمر لقمان بن عاد أربعة آلاف عام، عاشت سنة نسور كل نسر خمسمائة عام، وذلك ثلاثة آلاف عام، وعاش لبد وكان آخرها ألف عام) (2).
وأما رأي الطب الحديث، فقد بينوا لنا أنَّه من الممكن للإنسان أن يعيش مدة طويلة من خلال النظرية والتطبيق، وكتبوا في ذلك بحوثاً ودراسات، ولعل من أقدمها ما كتب في مجلة المقتطف، في بعض أعدادها سنة (1959م)، وحاصل ما ذُكِرَ:
أنه من الممكن للإنسان من حيث المبدأ والنظرية، أن يعيش مدة طويلة من الزمن، في ظرف وبيئة معينة، فعندما نهيئ له الظرف الخاص، والغذاء الخاص السليم، ونرفع عنه موانع طول العمر، كإبعاد المكروبات عنه، فإنه يمكن له أن يعيش مدة طويلة.
وأخرجت إحدى الباحثات الغربيات في عام (2011م)، الأمر دائرة النظرية إلى التطبيق و التجربة، فأثبتت أن الكائن الحي يمكن أن تهيئ له ظروف خاصة مناسبة يعيش فيها، فيعيش ضعف المدة التي له أن يعيشها خارج هذا الإطار، وطبقت هذه التجربة على أقرب كائن للإنسان بحسب كلامهم وهم ،الجرذان لمحاولة إطالة عمره، وأثبتوا ذلك بالتجربة.
وقال الله سبحانه في يونس علیه السلام :«فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * (الصافات: 142 - 144) ، و (لبث) بمعنى يعيش، وليس معناه أنه يموت ويبقى داخل الحوت، فالظاهر منه أنه يعيش في بطن الحوت.
وهذا ممّا تؤيده بعض التفاسير من الطرفين أنه ليث مع كونه حياً، فهذه قضية قرآنية مسلمة.
إنَّ المخالفين المنكرين للإمام الحجة علیه السلام والمثبتين للشبه المذكورة، والمحاججين فيها، والساعين لإبطالها، لا ينفعهم ذلك أبداً؛ إذ ثبت أن طول العمر، والغيبة عن الأنظار، والاستتار، ليس بممنوع عقلاً، ولا شرعاً، ونضيف إلى ذلك أنهم في أحاديثهم أثبتوا ذلك
للدجال(1)، فلنا أن نتساءل: لم يكون المانع من غيبة الإمام المهدي علیه السلام هو استبعاد واستحالة طول العمر، ويرتفع هذا المانع في الدجال ؟! أليس ولي الله وحجته والمهدي من آل محمد علیه السلام أولى من الدجال ؟ فلا يُعقل أنَّ المسلم يُجوّز ذلك في عدو الله ورسول موله، ويمنعه مطلقاً عن وليه وولي رسوله الله ، والميزان العلمي لا يُفرق بينها؛ إذ كما يجوز لغير المهدي علیه السلام يجوز له أيضاً.
وإن قلتم : هناك دليل أثبت وجود الدجّال ، وأنه حي إلى آخر الزمان ولكن لم يرد من الأدلة شيء يُثبت أن الإمام المهدي علیه السلام موجود وحي.
فنقول ثبوت ولادة الإمام المهدي علیه السلام ووجوده وغيبته أوضح من وجود الدجال، وعمدنا بذكر شيء من الأدلة فيما سبق من البحوث، وبينا أن مقتضى الأدلة الصحيحة المتواترة، والفهم ال-صحيح الدقيق لها، يُثبت وجود الإمام المهدي علیه السلام ، منها حديث الثقلين، وحديث الاثني عشر خليفة، وحديث من مات وليس في عنقه بيعه مات ميتةً جاهلية، وغيرها من الأدلة النقلية والعقلية على ضرورة وجوده(2).
فوجود المعمرين أمر لا يخفى على أحد من قراء التاريخ عند الشيعة والسنة، وبهذا الجواب ندفع الاستحالة العادية كما دفعنا الاستحالة العقلية.
1) في صحيح مسلم باب قصة الجساسة 4: 2262 .
2) مع تلك الدلائل العقلية والتقلية الدالة على وجوده علیه السلام جدير بالإشارة إلى أن العقل يقتضي وجود الإمام والهادي وعديل القرآن المبين لآياته وأحكامه، وأما العقل لا يقتضي وجود الدجال بالضرورة، فكان عقلاً الأولى بالوجود هو الإمام المهدي علیه السلام . وأيضاً الدلائل النقلية على وجود الإمام المهدي علیه السلام كثيرة ومتواترة وصحيحة، كما مر في سابق المطالب، والدلائل على وجود الدجال لا تضاهيها.
والحاصل أنَّ المناط هو قدرة الله سبحانه وتعالى على أن يُعمر من شاء، ولا يقول أحد من المسلمين : إنَّ الله سبحانه وتعالى غير قادر على ذلك؛ لأنّه من المقولات التي يكفر بها القائل، ولا غرابة من طول عمره، وحفظ الله سبحانه وتعالى له، وخصوصاً أنَّ الأمر متعلق بقيام الدولة الإلهية على الأرض، التي تملؤها قسطاً وعدلاً.
***
السيد ثامر هاشم العميدي
تقدیم وتحقیق:
مرکزالدراسات التخصصية الأمام المهدي عجل الله تعالی فرجه
اسم الكتاب . ........ المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه في الفكر الإسلامي
تأليف: ............. السيد ثامر العميدي
نشر .... مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي / مركز الرسالة
رقم الإصدار........ 272
الطبعة : ....... الأولى 1443ه.
عدد النسخ: ............... طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق- النجف الأشرف
هاتف: 07809744474 - 07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
إنَّ أهم ما يثيرونه في هذا المجال، ويُروّجون له باستمرار قديماً وحديثاً، هو قولهم: إذا كان المهدي يُعبر عن إنسان حي عاصر الأجيال المتعاقبة منذ أكثر من أحد عشر قرناً، فكيف تأتى له هذا العمر الطويل؟ وكيف نجا من القوانين الطبيعية التي تحتم مروره بمرحلة الشيخوخة (1)؟!
ومن الجائز أن نطرح الشُّبهة بصورة سؤال كأن يقال: هل بالإمكان أن يعيش الإنسان قروناً طويلة؟
وللإجابة عن هذا السؤال لا بدَّ من التمهيد ببحث مسألةالإمكان هنا فهناك ثلاثة أنواع متصورة للإمكان:
الأول: ما يُصطلح عليه بالإمكان العملي، ويُراد به ما هو ممكن فعلاً وواقعاً، أي له تحقق ووجود ظاهر ومتعيّن.
والثاني: ما يُصطلح عليه بالإمكان العلمي، ويُراد به ما هو غير ممتنع من الناحية العلمية الصرفة، أي إنَّ العلم لا يمنع وقوعه وتحققه ووجوده فعلاً.
1) هذه الشبهة مطروحة في كتب العقائد منذ القرون البعيدة، وقد ذكرها وتصدى للإجابة عنها كبار علماء الإمامية، بوجوه عديدة ومن أبعاد مختلفة، ونحن نتعرض لبعضها فقط.
والثالث: ما يُصطلح عليه بالإمكان المنطقي، ويُراد به ما ليس مستحيلاً عقلاً، أي إنَّ العقل لا يمنع وقوعه وتحققه.
واستناداً إلى هذا نعرض ا المسألة كالآتي مبتدئين بالإمكان المنطقي، فنقول: هل إنَّ امتداد عمر الإنسان مئات السنين ممكن منطقيا، أي ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية ؟
والجواب: نعم بكل تأكيد، فقضية امتداد العمر فوق الحد الطبيعي أضعافاً مضاعفةً ليست في دائرة المستحيل، كما هو واضح بأدنى تأمل. نعم هو ليس مألوفاً ومشاهداً، ولكن هناك حالات نقلها أهل التواريخ وتناقلتها بعض النشرات العلمية تجعل الإنسان لا يستغرب ولا يُنكر، على أنَّ الغرابة ترتفع تماماً عندما يقرع سمع المسلم صوتُ الوحي ومنطوق القرآن في النبي نوح علیه السلام : «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً»
(العنكبوت: 14).
ولتقريب مسألة الإمكان بهذا المعنى نضرب مثالاً كالآتي: لو أنَّ أحداً قال الجماعة: إنّي أستطيع أن أعبر النهر ماشياً، أو أجتاز النار دون أنْ أُصابَ بسوء، فلا بد أن يستغربوا ويُنكروا، لكنه لو حقق ما قاله بالفعل فعبر النهر ماشياً أو اجتاز النار بسلام، فإنَّ انكارهم واستغرابهم سيزول عند ذلك. فلو جاء آخر وقال مثل مقالة الأوّل، فإن درجة الاستغراب ستقل، وهكذا لو جاء ثالث ورابع وخامس، فإنَّ ما وقع منهم من الاستغراب أول مرة سوف لا يبقى على حالته وقوته في المرة الخامسة ، بل يضعف جدا إلى أن يزول.
وهكذا نقول في مسألتنا، فإنَّ القرآن قد أخبر أن نوحاً علیه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وهذا غير عمره قبل النبوة! وأن عيسى علیه السلام لم يمت وإنما رفعه الله إليه كما في قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا فَقَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتَّبَاعَ الظَّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) (النساء: 157 و 158).
وأيضاً فقد جاء في روايات الصحيحين (البخاري ومسلم أنه سينزل إلى الأرض، وكذلك جاء فيهما أنَّ الدجّال موجود حي. (1)وعليه فعندما تتحدث الروايات الصحيحة، ويشهد الشهود، وتتوالى الاعترافات وجه ، بوجود (المهدي من عترة الرسول الأكرم من ولد فاطمة نجل الحسن العسكري الذي ولد سنة (255ه-) ، فسوف لا يبقى عند ذلك . للاستغراب والإنكار إلا عناداً واستكباراً.
وقد جاء في تفسير الرازي: (قال) بعض الأطباء العمر الإنساني لا يزيد على مائة وعشرين سنة، والآية تدلُّ على خلاف قولهم، والعقل يوافقها، فإنَّ البقاء على التركيب الذي في الإنسان ممكن لذاته وإلا لما بقي، ودوام تأثير المؤثر فيه ممكن؛ لأنَّ المؤثر فيه إن كان واجب الوجود فظاهر الدوام، وإن كان غيره فله مؤثر، وينتهي إلى الواجب وهو دائم، فتأثيره يجوز أن يكون دائماً. فإذن البقاء ممكن في ذاته، فإن لم يكن فلعارض، لكن العارض ممكن ،العدم، وإلا لما بقي هذا المقدار، لوجوب وجود العارض المائع. فظهر أن كلامهم على خلاف العقل والنقل)(2).
هكذا برهن الرازي على جواز طول عمر الإنسان بخلاف المعتاد كما هو
1) فصلنا الحديث عن أحاديث نزول عيسى وأحاديث خروج الدجال في الصحيحين (البخاري ومسلم)، وذكرنا من اعتبرها عقيدة ثابتة لأهل السُّنَّة، مع تصريحهم ببقاء الدجال حيًّا إلى آخر الزمان، وأن عيسى سينزل في آخر الزمان ليساعد الإمام المهدي على قتله، راجع: الفصل الثالث: التذرع بخلو الصحيحين من أحاديث المهدي الية .
2) تفسير الرازي (ج 25 ص 42).
الثابت في طول عمر عيسى علیه السلام ، والبرهان نفسه يصح الاستدلال به على طول عمر المهدي علیه السلام ، ويُقرب هذا الاستدلال اتفاق الصحاح وغيرها على نزول عيسى علیه السلام في آخر الزمان لمساعدة المهدي عجل الله تعالی فرجه على قتل الدجال، وقد عرفت الجواب عن سؤال: من هو الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه ؟ مفصلاً.
وننقل الكلام إلى الإمكان العملي، ونتساءل: هل إنّ الإمكان العملي بالنسبة إلى نوع الإنسان متاحٌ الآن، وتساعد عليه التجربة أم لا؟
والجواب:
أن التجارب المعاصرة في ضوء الإمكانات المتاحة والظروف الموجودة لم تنجح لحد الآن في تحقيق مثل هذه الحالة، أي إطالة. ر الإنسان إلى حد أكثر من ضعف أو ضعفي العمر الطبيعي، وهذا أمر مشهود لا يحتاج إلى برهان.
وهذا لا يدلُّ على عدم طول عمر الإنسان؛ لأنَّ الإمكان العملي ينحصر بمحاولات إطالة العمر الطبيعي للإنسان بيد الإنسان نفسه، إِلَّا أَنَّ الأعمار بيد الله ، إذن تدخل الإنسان في إطالة العمر على خلاف التقدير غير ممكن.
نعم، إنه سبحانه يُوفّر الأسباب الكفيلة بإدامة حياة المعمرين إلى حين أجلهم، ودور العلم هنا اكتشاف تلك الأسباب لا أكثر؛ إذ ليس بمقدوره إبداع الأسباب لانحصارها بیده و بلا خلاف.
وعلى هذا يُفسَّر الإمكان العلمي الآتي الذي ننقل الكلام إليه، فنتساءل: هل إن زيادة عمر إنسان أكثر من الحد الطبيعي المعتاد ممكن علمياً أم لا؟
والجواب:
أولاً : نعم هي في دائرة الإمكان العلمي، ولدينا شواهد وأرقام كثيرة تُؤكّد
إمكانها علمياً، منها:
1 - أن التجارب العلمية آخذةٌ بالازدياد لإطالة عمر الإنسان أكثر من
المعتاد، وهذه التجارب حثيثة وجادة لتعطيل قانون الشيخوخة، فقد جاء في مجلة المقتطف المصرية (الجزء الثاني من المجلد (59 الصادرة في آب (أغسطس) 1921م ، الموافق /26 ذي القعدة سنة 1339ه- / ص 206 تحت عنوان خلود الإنسان على الأرض ما هذا لفظه :
قال الأستاذ (ریمندبول) أحد أساتذة جامعة جونس هبكنس بأمريكا: (إنَّه يظهر من بعض التجارب العلمية أنَّ أجزاء جسم الإنسان يمكن أن تحيا إلى أي وقت أريد، وعليه فمن المحتمل أن تطول حياة الإنسان إلى مائة سنة، وقد لا يوجد مانع يمنع من إطالتها إلى ألف سنة).
وذكرت هذه المجلة في العدد الثالث من المجلد (59) الصادر في أيلول من نفس العام (ص) (239) (إِنَّه في الإمكان أن يبقى الإنسان حيا ألوفاً من السنين إذا لم تعرض عليه عوارض تصرم حبل حياته، وقولهم هذا ليس مجرد ظن، بل نتيجة عملية مؤيدة بالامتحان).
ونكتفي بهذا القدر في تأييد ما ذكرناه من الإمكان العلمي، الذي يسعى العلماء جاهدين لتحويله إلى إمكان عملي واقعي فعلي.
2 - وفي كتاب صدر حديثاً بعنوان حقائق أغرب من الخيال (الجزء 24 نشر مؤسسة الإيمان بيروت ودار الرشيد دمشق)، جاء
الأول/ ص فيه: (توتي (بيريرا) في عام (1955م) في وطنه الأُم مونتريا في سن (166) عاماً، وقد شهد على عمره أصدقاؤه، وسجلات مجلس البلدية، وبيريرا نفسه الذي استطاع أن يتذكَّر بوضوح كبير معركة كاراجينا ( حدثت في عام 1815م)! وفي نهاية حياته أحضر إلى نيويورك حيث فحصه جمع من الأطباء المختصين، ومع أنهم وجدوه محتفظاً بضغط دم رجل شاب، ونبض شرياني صحيح، وقلب جيد، وعقل شاب، فقد قرَّروا أنه رجل عجوز جدا أكثر من (150) عاماً).
وجاء في (ص 23) أن توماس بار عاش (162) عاماً.
على أنَّ السجستاني صاحب (السُّنَن) قد ألف كتاباً باسم (المعمرون) ذكر فيه الكثير من المعمرين وفيهم من تجاوزت أعمارهم خمسمائة سنة.
3- أن مجرد إجراء التجارب من قبل الأطباء للتعرف على مرض الشيخوخة، وأسباب الموت، والمحاولات الدائبة من قبلهم ونجاحها ولو بقدر محدود لإطالة عمر الإنسان، لهو دليل على الإمكان، وإلا لكان تصرفهم عبثاً، خلاف العقل.
وفي ضوء ذلك كله لا يبقى مبرر منطقي للاستغراب والإنكار بخصوص (قضية المهدي)، اللَّهُمَّ إلَّا أن يسبق (المهدي) العلم نفسه، فيتحول الإمكان النظري (العلمي) إلى إمكان عملي في شخصه، قبل أن يصل العلم في تطوره إلى مستوى القدرة الفعلية. وهذا أيضاً لا يوجد مبرز عقلي لاستبعاده وإنكاره؛ إذ هو نظير من يسبق العلم في اكتشاف دواء للسرطان أو غيره مثلاً. ومثل هذا السبق في الفكر الإسلامي قد حصل في أكثر من مفردة وعنوان، فقد سجل القرآن الكريم نظائر ذلك حين أوردَ وأشار إلى حقائق علمية تتعلق بالكون وبالطبيعة وبالإنسان، ثمّ جاءت التجارب العلمية الحديثة لتزيح عنها الستار أخيراً. ثم لماذا نذهب بعيداً وأمامنا القرآن الكريم يُصرح ب- (الإمكان العملي) فيما يتعلق بعمر نوح علیه السلام (1)؟
وكذلك صرحت الآثار النبوية بوجود أشخاص أحياء منذ قرون متطاولة، كالخضر، والنبي عيسى علیه السلام، والدجال على ما نقله مسلم في (صحيحه) من حديث الجساسة، فلماذا نؤمن بمثل هذه الوجودات المشخّصة، مع أنهم ليس لهم من دورٍ أو أهمية فيما يتعلق بمستقبل الإسلام إلا المسيح علیه السلام
1) راجع: بحث حول المهدي علیه السلام(ص 37).
الذي سيكون وزيراً ومساعداً للمهدي عجل الله تعالی فرجه وقائداً لجيوشه كما في الكثير من روايات الظهور ؟!
ولماذا ينكر البعض حياة المهدي عجل الله تعالی فرجه الذي سيكون له ذلك الدور الأعظم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ...» وينزل عيسى ليصلي خلفه (1)؟!
ثانياً: لو افترضنا قانون الشيخوخة قانوناً صارماً، وإطالة عمر الإنسان الحد الطبيعي والمعتاد هو خلاف القوانين الطبيعية التي دلنا عليها الاستقراء، فالأمر بالنسبة للمهدي عجل الله تعالی فرجه يكون حينئذ من قبيل المعجزة، وهي ليست حالة فريدة في التاريخ.
ثمّ إنَّ الأمر بالنسبة للمسلم الذي يستمد عقيدته من القرآن الكريم والسُّنَّة المشرفة ليس منكراً أو مستغرباً؛ إذ هو يجد أنَّ القانون الطبيعي الذي هو أكثر صرامة قد عُطَّل، كالذي حَدَثَ بالنسبة للنبي إبراهيم علیه السلام عندما أُلقي في النار العظيمة فأنجاه الله تعالى بالمعجزة، كما صرح القرآن قائلاً: «قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ »(الأنبياء: 69).
وهذه المعجزة وأمثالها من معاجز الأنبياء، والكرامات التي اختص الله بها أولياءه، قد أصبحت بمفهومها الديني أقرب إلى الفهم بدرجة أكبر بكثير في ضوء المعطيات العلمية الحديثةوالإنجازات الكبيرة التي حققها العلماء بوسائلهم المادية. فلقد بدأنا نشهد من الاختراعات والاكتشافات التي لو حدثنا عنها سابقاً لأنكرناها غاية الإنكار، ثمّ ها هي بأيدينا الآن نستخدمها ونلهو بها أحياناً، فمثلاً (التلفزيون)، فلقد كنا نقرأ في الروايات في أبواب الملاحم أنَّه سيكون في آخر الزمان يرى ويسمع مَنْ في المشرق مَنْ هو في المغرب)، وربَّما عَدَّ بعضُهم ذلك ضرباً من اللامعقول، ثمّ ها نحن نشهده ونشاهده.
1) اعترف بهذا خمسة من رحي صحيح البخاري كما مر مفصلاً في أول الفصل الثالث، فراجع.
واستناداً إلى ذلك نقول: إنَّ استبعاد أمرٍ وإنكاره لمجرد عدم وجود حالة مماثلة أو مقاربة نشاهدها، ليس مقبولاً منطقياً، وليس مبرراً علميًّا، إذا كان الأمر يقع في دائرة الإمكان العلمي والمنطقي، وقامت عليه الشواهد والأدلة.
ونظير تلك الأخبار المنبئة في تراثنا عن بعض الاكتشافات العلمية الباهرة، الأخبار الأخرى المنبثة بإعجاز عن ظهور الإمام المهدي بما ينطبق تمام الانطباق مع معطيات الحضارة المعاصرة.
فقد ورد عن الإمام الصادق الا أنه قال: «إِنَّ قَائِمَنَا إِذَا قَامَ مَدَّ اللَّهُ وَا لِشِيعَتِنَا فِي أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَائِم بَرِيدٌ يُكَلِّمُهُمُ فَيَسْمَعُونَ وَيُنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي مَكَانِه». (1)
قالوا: لماذا كلُّ هذا الحرص على إطالة عمر المهدي إلى هذا الحد، فتعطل القوانين لأجله، أو نضطر إلى المعجزة؟! ولماذا لا نقبل الافتراض الآخر الذي يقول: إنَّ قيادة البشرية في اليوم الموعود يمكن أن تُترك لشخص آخر يُولد في ذلك الزمان، ويعيش الظروف الموضوعية، لينهض بمهمَّته التغييرية؟!
والجواب عنه – بعد الإحاطة بالمطالب المذكورة في البحث - واضح جدا، فإن الله عز وجل قد أبقى أشخاصاً في هذا العالم أو غيره أحياة أطول بكثير مما انقضى من حياة المهدي عجل الله تعالی فرجه ، و ذلك لحكم وأسرار لا نهتدي إليها، أو علمنا يبعضها، وعلى كلّ حالٍ نؤمن بها إيماناً قطعيًّا، فليكن الأمر كذلك بالنسبة إلى المهدي؛ لأنا - كما أشرنا من قبل - بصفتنا مسلمين نؤمن بأنَّ الله تعالى لا يفعل عبثاً، وأيضاً نؤمن بمغيبات كثيرة عنا قامت عليها البراهين المتينة من العقل
1) الكافي (ج / ص 240 و 241 / ح 329).
والنقل، فلا يضرنا إذا لم نعلم بالحكمة في معتقد من معتقداتنا، وكذلك الحال في الأحكام الشرعية والأعمال العبادية، فقد لا نهتدي إلى سر حكم من الأحكام وفلسفة قانون من القوانين الإلهية، لكن التعبد بالنصر أمر لا بد منه خصوصاً بعد ثبوته بنحو اليقين.
وعليه نقول: إن كانت الأدلة التي أقمناها في الفصول السابقة على ضرورة الإيمان بالمهدي عجل الله تعالی فرجه ، مع تلك المواصفات الخاصة، وأنه الحجة بن الحسن العسكري، وأنَّه وُلِدَ وكان إماماً بعد أبيه – وفي الخامسة من عمره الشريف -، وأنَّه حيٌّ موجود على طول عمره المبارك. فإنَّ النتيجة الحتميّة هي القول بهذه الغيبة الطويلة، سواء علمنا - مع ذلك - بسر من أسرارها أو لم نعلم. وإن كان بالإمكان أن نتصوّر لها بعض الأسرار بقدر أفهامنا القاصرة وعقولنا المحدودة. فأما من لا يطيق من المسلمين الالتزام بالمعجزة في طول عمر الإمام والفوائد المترتبة على وجوده - مع كونه غائباً – وجب عليه تصحيح اعتقاده من الأصل، وفي ضوء الأدلة من العقل والنقل.
وعلى هذا الأساس أيضاً لا يمكننا قبول الافتراض الآخر، لأنَّ المفروض أن الأدلة قادتنا إلى استحالة ( خلو الأرض من حجة الله ولو آناً واحداً)، وبعد الإيمان بذلك - سواء علمنا بشيء من الحكم في ذلك، مما جاء في الكتب العلمية المفصلة في الباب أو لم نعلم ، فلا مناص من القول بوجود الإمام منذ ولادته، وأنه لا مجال لفرض الافتراض الآخر أبداً.
السيد ثامر هاشم العميدي
تقدیم وتحقيق : مرکزالدراسات التخصصیة فی الأمام المهدی عجل الله تعالی فرجه
اسم الكتاب ........ غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه عند الإمام الصادق علیه السلام .
تأليف: .............................. السيد ثامر العميدي
نشر : مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدی عجل الله تعالی فرجه /مركز الرسالة
رقم الإصدار:- 272
الطبعة ...................................... الأولى 1444ه
عدد النسخ................................ طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق - النجف الأشرف
هاتف: 07809744474 - 07819787229
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
1 - أنَّ في الإمام المهدي علیه السلام «سُنَّةٌ مِنْ نُوحٍ، وَهُوَ طُولُ عُمُرِهِ (1).
2 - وقوله علیه السلام : - :: «وَالله لَوْ بَقِيَ فِي غَيْبَتِهِ مَا بَقِيَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ لَمْ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يظهر، فَيمْلاً الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلماً(2).
3 - وقوله علیه السلام : ... يَمُدَّ اللهُ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ فِي الْعُمُرِ كَمَا مُدَّ لنوح عليا في العمر(3)؟
4- وقوله علیه السلام : «نَظَرْتُ فِي كِتَابِ الْخِفْرِ صَبِيحَةً هَذَا الْيَوْمِ .... وَتَأَمَّلْتُ مِنْهُ مَوْلِدَ غَائِبِنَا، وَغِيبَتَهُ، وَإِبْطَاءَهُ، وَطُولَ عُمُرِهِ، وَبَلْوَى الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَتَوَلدَ الشكوك في قُلُوبهمْ مِنْ طُولِ غيبته ...» (1)
5 - وقوله علیه السلام : «مَا يُنْكِرُونَ أَنْ يَمُدَّ اللهُ لِصَاحِبِ الْأَمْرِ فِي الْعُمُرِ كَمَا مَدَّ لنوح علیه السلام وَإِنَّ لِصَاحِبِ الزَّمَانِ شَبَهَا مِنْ مُوسَى وَرُجُوعُهُ مِنْ غَيْبَتِهِ بِشَرْخ(2)الشباب(3).
6 - وقوله علیه السلام : «لَوْ قَدْ قَامَ الْقَائِمُ لَأَنْكَرَهُ النَّاسُ – يعني معظمهم -؛ لأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ شَابًّاً موفقاً لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ قَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُ فِي الدَّرُ الْأَوَّلِ (4)لأنهم يحسبون أنه علیه السلام لو بقي حيا في تلك الفترة الطويلة لكان شيخاً هر ماً كبيراً.
ويُؤيد هذا...
7- قوله علیه السلام : «إِنَّ مِنْ أعظم البلية أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ صَاحِبُهُمْ شَابَاً وَهُمْ يَحْسَبُونَهُ شَيْخاً كبيراً(5)، أي: من طول العمر.
8- وقوله علیه السلام في بيان وجه الشبه بين الإمام المهدي علیه السلام ونبي الله نوح والخضر علیه السلام : «وَأَمَّا إِبْطَاءُ نُوحٍ علیه السلام ، فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَنْزِلَتِ الْعُقُوبَةُ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ
1) كمال الدين (ص) (352 - 357 باب 33 ح 50 الغيبة للطوسي (ص 167 - 173 / ح 129)، ينابيع المودة (ج) 3 ص 310 - 312 باب 80/ ح 2).
2) في الصحاح للجوهري (ج 1 ص 424 / مادَّة شرخ): (شرخ الأمر والشباب: أوله).
3) منتخب الأنوار المضيئة (ص 330 فصل (12) وصححه؛ ورواه الطوسي الله في الغيبة ( ص 421 / ح 399)، وفيه: (إن في صاحب الزمان الملا شبهاً من يونس...).
4) الغيبة للنعماني ( ص 194 باب 10 فصل 4 / ح 43 ، وص 219/ باب 12/ ح 20)، الغيبة للطوسي ( ص 1430 - 398) بتفاوت بسير.
5) الغيبة للنعماني ( ص 194 و 195 باب 10 فصل 4/ ذيل الحديث 43).
السَّمَاءِ بَعَثَ اللَّهُ عجل الله تعالی فرجه وَ الرُّوحَ الْأَمِينَ علیه السلام بِسَبْعِ نَوَيَاتٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لَكَ إِنْ هَؤُلَاءِ خَلَائِقِي وَعِبَادِي، وَلَسْتُ أَبِيدُهُمْ بِصَاعِقَةٍ مِنْ صَوَاعِقِي إِلَّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الدَّعْوَةِ وَإِلْزَامِ الْحَجَّةِ، فَعَاوِدِ إِجْتِهَادَكَ فِي الدَّعْوَةِ لِقَوْمِكَ، فَإِنِّي مُشِيبُكَ عَلَيْهِ، وَاغْرِسْ هَذِهِ النَّوَىٰ فَإِنَّ لَكَ فِي نَبَاتِهَا وَبُلُوعِهَا وَإِدْرَاكِهَا إِذَا أَثْمَرَتِ الْفَرَجَ وَالْخَلَاصَ، فَبَشِّرْ بِذَلِكَ مَنْ تَبِعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا نَبَتَتِ الْأَشْجَارُ وَتَأَخَّرَتْ وَتَسَوَّقَتْ وَتَغَصَّنَتْ وَأَثْمَرَتْ وَزَهَا التَّمْرُ عَلَيْهَا بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيل إِسْتَنْجَزَ مِنَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعِدَةَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَغْرِسُ مِنْ نَوَى تِلْكَ الْأَشْجَارِ، وَيُعَاوِدَ الصَّبْرَ وَالإِجْتِهَادَ، وَيُزَكِّدَ الْحَجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الطَّوَائِفَ الَّتِي آمَنَتْ بِهِ، فَارْتَدَّ مِنْهُمْ ثَلَاثِيَانَةِ رَجُلٍ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ نُوحٌ حَقًّا لَمَا وَقَعَ فِي وَعْدِ رَبِّهِ خُلْفٌ.
ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ يَأْمُرُهُ عِنْدَ كُلِّ مَرَّةٍ بِأَنْ يَغْرِسَهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَى أَنْ غَرَسَهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الطَّوَائِفُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَرْتَدُّ مِنْهُ طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ إِلَى أَنْ عَادَ إِلَى نَيْفٍ وَسَبْعِينَ رَجُلاً، فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: يَا نُوحُ الْآنَ أَسْفَرَ الصُّبْحُ عَنِ اللَّيْلِ لِعَيْنِكَ حِينَ صَرَّحَ الْحَقُّ عَنْ تَحْضِهِ، وَصَفِي الْأَمْرُ وَالْإِيمَانُ مِنَ الْكَدَرِ بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خبيثة..
وَكَذَلِكَ الْقَائِمُ فَإِنَّهُ تَمتَدُّ أَيَّامُ غَيْبَتِهِ لِيُصَرِّحَ الْحَقُّ عَنْ عَحْضِهِ، وَيَصْفُوَ الْإِيمَانُ مِنَ الْكَدَرِ بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةٌ مِنَ الشَّيعَةِ الَّذِينَ يُخْشَى عَلَيْهِمُ النَّفَاقُ إِذَا أَحَسُّوا بِالإِسْتِخْلَافِ وَالتَّمْكِينِ وَالْأَمْن المنتشر في عَهْدِ القائم علیه السلام ....
وَأَمَّا الْعَبْدُ الصَّالِحُ - أَعْنِي الْخَضِرَ علیه السلام ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا طَوَّلَ عُمُرَهُ لِنُبُوَّة قَدَّرَهَا لَهُ، وَلَا لِكِتاب يُنَزِّلُهُ عَلَيْهِ، وَلَا لِشَرِيعَةٍ يَنْسَخُ بِهَا شَرِيعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا لِإِمَامَةِ يُلْزِمُ عِبَادَهُ الاِقْتِدَاءَ بِهَا، وَلَا لِطَاعَةِ يَفْرِضُهَا لَهُ،
بلَى إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يُقَدِّرَ مِنْ عُمُرِ الْقَائِمِ علیه السلام فِي أَيَّامٍ غَيْبَتِهِ مَا يُقَدِّرُ، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ مِنْ إِنْكَارِ عِبَادِهِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ الْعُمُرِ فِي الطُّولِ، طَوَّلَ عُمُرَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ إِلَّا لِعِلَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى القائم عليا، وَلِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّةَ الْمَعَانِدِينَ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حجه»(1)
1) كمال الدين (ص) (352 - 357/ باب 33 ح 50 الغيبة للطوسي (ص 167 - 173/ ح 129).
الشيخ عادل الحریري
موسسة العارف للمطبوعات
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1413ه 1993 م
مؤسسة العارف للمطبوعات
ص ب: 106-24 بيروت - لبنان
هل يمكن لانسان ان يعيش قروناً كثيرة حيث يتجاوز عمره عمر الانسان العادي اضعاف الاضعاف؟
انَّ المؤمن اذا أتينا له بدليل قرآني أو روائي فانه يسلّم بذلك ؟ ولكن بعض من-في قلوبهم مرض وبعض من لم يؤمن بالكتاب والسنة - يحتاج الى دليل من نوع آخر وهو ما يطلقون عليه اسم الدليل العلمي ، ونرى لزوماً علينا من باب اكمال الحجة والبرهان ان نذكر بعض ما يطلبوه فنقول : لقد اثبت الأطباء امكانية بقاء الانسان حياً لفترة طويلة من الزمن وكمثال على ذلك فلقد اجريت
بعض التجارب على بعض الحيوانات فامتد عمرها اكثرباضعاف عن عمرها الطبيعي ، والى هذا اشار الاطباء اصحاب مجلة المقتطف قائلين :
العلماء الموثوق بعلمهم يقولون : ان كل الانسجة الرئيسية في جسم الحيوان يقبل البقاء الى ما لا نهاية له وانه بالامكان ان يبقى الانسان اُلوفاً من السنين اذا لم تعرض عليه عوارض تصرم حبل حياته ، وقولهم هذا ليس مجرد ظن ، بل هو نتيجة علمية مؤيدة بالامتحان ...
وغاية ما ثبت الآن ( اي قبل 34 عاماً) من التجارب المذكورة ان الانسان لا يموت بسبب بلوغ عمره الثمانين أو مائة سنة بل لان العوارض (1)
1) كالصدمات التي تحصل للانسان بسبب فقد حبيب على نفسه من مال ، أواخ ، أو زوج ، أو ... أو .
تنتاب بعض اعضائه فتتلفها ، ولارتباط اعضائه ، بعضها ببعض تموت كلها ، فاذا استطاع العلم ان يزيل هذه العوارض ، أو يمنع فعلها لم يبق مانع من استمرار مآت السنين . . . (1)
وعليه فالامكانية العلمية موجودة ومجربة ولا مانع منها سوى عدم استطاعة العلم لحد الآن ان يزيل تلك العوارض، هذا من ناحية العلم.
وأما من ناحية الواقع العملي، فان العمر الطويل لم یکن مستهجناً في العصور السالفة بل كان امراً عادياً طبيعياً ، ولهذا نرى الشيخ ابو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي (2)يستدل على كون المهدي ابن الامام الحسن العسكري وبالتالي فهو مولود وهو لا يزال حياً حيث يقول :
من الادلة على كون المهدي حياً باقياً بعد غيبته والى الآن ، وانه لا امتناع في بقائه : بقاء عيسى بن مريم، والخضر ، والياس من أولياء الله تعالى ، وبقاء الأعور الدجال وابليس اللعين ، من اعداء الله تعالى ، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة .
اما عيسى : فالدليل على بقاءه قوله تعالى : وإِنَّ مِنْ أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ) (1)ولم يؤمن به مذ نزول هذه الآية الى يومنا هذا أحد، فلا يد أن يكون في آخر الزمان ....
وأما الخضر والياس (ع) ، فقال ابن جرير الطبري : الخضر والياس باقيان يسيران في الأرض .
واما الدجال : فقد روى مسلم في
1) سورة النساء آية 159 .
صحيحه عن ابي سعيد الخدري حديثاً طويلاً عن الدجال فكان فيما حدثنا انه قال : يأتي ( الدجال ) وهو مُحَرَّم عليه ان يدخل عتبات المدينة ، فينتهي الى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج اليه رجل هو خير الناس ... فيقول الدجال : ان قتلت هذا ثم احييته أتشكوا في الأمر ، فيقولون لا ، فيقتله ثم يحييه ، فيقول ( المقتول ) حين يحييه : والله ما كنت فيك قط اشد بصيرةً مني الآن ، فيريد الدجال ان يقتله ، فلن يسلط عليه ، قال ابراهيم ابن سعيد : يقال ان هذا الرجل الخضر واما الدليل على بقاء اللعين ابليس ، فالكتاب وهو قوله تعالى : انك من المنظرين واما بقاء المهدي ، فقد جاء في تفسير الكتاب عن سعيد بن جبير
في تفسير قوله تعالى : ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (1)قال : هو المهدي من ولد فاطمة رضي الله عنها ، وأما من قال انه عيسى ، فلا منافات بين القولين ، اذ هو مساعد المهدي ، وقد قال مقاتل بن سليمان ومن تابعه من المفسرين في تفسير قوله تعالى : وإنه لعلم للساعة (2)قال هو المهدي يكون في آخر الزمان وبعد خروجه تكون امارات الساعة وقيامها (3)
وكمثال آخر ما ذهب اليه العلامة سبط ابن الجوزي حيث قال :
وفي التوراة : ان ذا القرنين عاش
ثلاثة آلاف سنة وستمائة سنة ، ولد في حجر آدم وعناق امه ، وقتله موسى بن عمران، وابوه سيحان، وعاش الضحاك وهو ( بيورسب ) الف سنة ، وكذلك ) طهمورث ) واما من الأنبياء فخلق كثير بلغوا الألف ، وزادوا عليها ، کادم، ونوح ، وشیت ، ونحوهم ... (1)
وبقي أن نذكر بعض الآيات القرآنية الحاكية عن نوح عليه السلام وعن يونس عليه السلام :
يقول الله تعالى : ولقد ارسلنا نوحاً الى قومه فلبث فيهم الف سنة الا خمسين عاماً ، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (2).
فهذه الآية تشير ان دعوة نوح لقومه كانت (950) عام
فكم كان عمره قبل البعثة ؟ وكم عاش بعد الطوفان ؟
فعن الامام جعفر بن محمد الصادق بسند صحيح انه قال :
) ان نوحاً عاش الفي وثلاثمائة سنة منها ثمنا مائة وخمسون قبل البعثة ، والف الا خمسين مع قومه يدعوهم ، وخمسمائة بعد نزوله من السفينة )
ويقول الله تعالى حكاية عن وضع يونس (ع) :
«فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ «لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» (1).
فيونس عليه السلام لو لم يكن من المسبحين لله تعالى وهو في جوف ذلك الحوت لبقي حياً كما قال تعالى الى يوم البعث وهو يوم القيامة.
وعليه فإن كان هذا العمر الطويل طبيعياً فلماذا نستغربه في المهدي المخلّص .
1) سورة الصافات / آية 143
وفوق كل ما تقدم من دليل نقول :
انَّ العظمة الإلهية ، والقدرة التي لا يردها شيء، الذي يقول للشيء كن فيكون ، والذي قال للنار كوني برداً وسلاماً فكانت كذلك لابراهيم (ع) والذي نصر دينه مع قلة الناصر وكثرة العدو .. اليس بقادر ان يمد في عمر المهدي ؟ بلى انّه لقادر على كل شيء .
وبعد هذا يتبادر السؤال عن غيبة المهدي عن امّته ترى ما هي اسباب غيبته عنا ؟
وهذا ما سنجيب عليه في البحث القادم انشاء الله تعالى.
الأمام الشهيد السيد محمد باقرالصدر رحمه الله .
تحقيق وتعليق: الدكتور عبدالجبار شرارة
مع مقدمه وافیه
الغدير -بیروت، لبنان
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الثانية المحققة
1417ه- - 1997م
الغدير لطباعة والنشر و التوزيع
حارة حريك - بناية البنك اللبناني - السويسري
هاتف 644662(03)-ص پ 50/ 24بیروت -لبنان
هل بالإمكان أن يعيش الإنسان قروناً كثيرة كما هو المفترض في هذا القائد المنتظر لتغيير العالم ، الذي يبلغ عمره الشريف فعلاً أكثر من ألف ومائة وأربعين سنة ، أي حوالي (14) مرة بقدر عمر الإنسان الاعتيادي الذي يمر بكل المراحل الاعتيادية من الطفولة إلى الشيخوخة ؟
كلمة الإمكان هنا تعني أحد ثلاثة معان: الإمكان العملي، والإمكان العلمي ، والإمكان المنطقي أو الفلسفي.
وأقصد بالإمكان العملي: أن يكون الشيء ممكناً على نحو يتاح لي أو لك ، أو لإنسان آخر فعلاً أن يحققه ، فالسفر عبر المحيط ، والوصول إلى قاع البحر، والصعود إلى القمر ، أشياء أصبح لها إمكان عملي فعلاً. فهناك من يمارس هذه الأشياء فعلاً بشكل وآخر (1).
وأقصد بالإمكان العلمي : أن هناك أشياء قد لا يكون بالإمكان عملياً لي أو لك ، أن نمارسها فعلاً بوسائل المدنية المعاصرة، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا
1) ولم تكن مثل هذه الأمور بمتصورة سابقاً قبل وقوعها ، ولو حدث بها أحد من الناس قبل تحققها فعلاً لمد الحديث مجرد تخيلات وأوهام .
تشير اتجاهاته المتحركة إلى ما يبرر رفض إمكان هذه الأشياء ووقوعها وفقاً لظروف ووسائل خاصة ، فصعود الإنسان إلى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما يرفض وقوعه ، بل إن اتجاهاته القائمة فعلاً تشير إلى إمكان ذلك، وإن لم يكن الصعود فعلاً ميسوراً لي أو لك ؛ لأنّ الفارق بين الصعود إلى الزهرة والصعود إلى القمر ليس إلا فارق درجة ، ولا يمثل الصعود إلى الزهرة إلا مرحلة تذليل الصعاب الإضافية التي تنشأ من كون المسافة أبعد، فالصعود إلى الزهرة ممكن علمياً وإن لم يكن ممكناً عملياً فعلاً (1). وعلى العكس من ذلك الصعود إلى قرص الشمس في كبد السماء فإنه غير ممكن علمياً، بمعنى أن العلم لا أمل له في وقوع ذلك ، إذ لا يتصور علمياً، وتجريبياً إمكانية صنع ذلك الدرع الواقي من الاحتراق بحرارة الشمس، التي تمثل أتوناً هائلاً مستمراً بأعلى درجة تخطر على بال إنسان .
وأقصد بالإمكان المنطقي أو الفلسفي : أن لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبلية - أي سابقة على التجربة - ما يبرر رفض الشيء والحكم باستحالته .
فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر إلى نصفين ليس له إمكان منطق ؛ لأن العقل يدرك - قبل أن يمارس أي تجربة - أن الثلاثة عدد فردي وليس زوجاً ، فلا يمكن أن تنقسم بالتساوي ؛ لأن انقسامها بالتساوي يعني كونها زوجاً، فتكون فرداً وزوجاً في وقت واحد، وهذا تناقض، والتناقض مستحيل منطقياً. ولكن دخول الإنسان في النار دون أن يحترق، وصعوده للشمس دون أن تحرقه الشمس بحرارتها ليس مستحيلاً من الناحية المنطقية ، إذ لا تناقض في
1) الكلام في وقته دقيق علمياً، فهو يقول : إنه يمكن علمياً ، ولكنه لم يكن قد تحقق فعلاً، والواقع أن كثيراً من الإنجازات في عالم القضاء ، وتسيير المركبات الفضائية إلى كواكب وتوابع الأرض وغيرها قد أصبح حقائق في أواخر القرن العشرين .
افتراض أن الحرارة لا تتسرب من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة ، وإنما هو مخالف للتجربة التي أثبتت تسرب الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة إلى أن يتساوى الجسمان في الحرارة.
وهكذا تعرف أنّ الإمكان المنطقي أوسع دائرة من الإمكان العلمي، وهذا أوسع دائرة من الإمكان العملي .
ولا شك في أنّ امتداد عمر الإنسان آلاف السنين ممكن منطقياً ؛ لأن ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية، ولا يوجد في افتراض من هذا القبيل أي تناقض ؛ لأنّ الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع ، ولا نقاش في ذلك .
كما لا شك أيضاً ولا نقاش في أنّ هذا العمر الطويل ليس ممكناً إمكاناً عملياً، على نحو الإمكانات العملية للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر ، ذلك لأن العلم بوسائله وأدواته الحاضرة فعلاً، والمتاحة من خلال التجربة البشرية المعاصرة ، لا تستطيع أن تمدد عمر الإنسان مئات السنين ، ولهذا نجد أن أكثر الناس حرصاً على الحياة وقدرة على تسخير إمكانات العلم، لا يتاح لهم من العمر إلا بقدر ما هو مألوف.
وأما الإمكان العلمي ف فلا يوجد علمياً اليوم ما يبرر رفض ذلك من الناحية النظرية (1). وهذا بحث يتصل في الحقيقة بنوعية التفسير الفسلجي لظاهرة الشيخوخة والهرم لدى الإنسان، فهل تعبر هذه الظاهرة عن قانون طبيعي يفرض على أنسجة جسم الإنسان وخلاياه - بعد أن تبلغ قمة نموها أن تتصلب بالتدريج
وتصبح أقل كفاءة للاستمرار في العمل، إلى أن تتعطل في لحظة معينة، حتى لو عزلناها عن تأثير أي عامل خارجي ؟ أو أنّ هذا التصلب وهذا التناقص في كفاءة الأنسجة والخلايا الجسمية للقيام بأدوارها الفسيولوجية ، نتيجة صراع مع عوامل خارجية كالميكروبات أو التسمم الذي يتسرب إلى الجسم من خلال ما يتناوله من غذاء مكتف ؟ أو ما يقوم به من عمل مكثف أو أي عامل آخر ؟
وهذا سؤال يطرحه العلم اليوم على نفسه، وهو جاد في الإجابة عنه ، ولا يزال للسؤال أكثر من جواب على الصعيد العلمي .
فإذا أخذنا بوجهة النظر العلمية التي تتجه إلى تفسير الشيخوخة والضعف الهرمي ، بوصفه نتيجة صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية معينة ، فهذا يعني أنّ بالإمكان نظرياً، إذا عُزلت الأنسجة التي يتكون منها جسم الإنسان عن تلک المؤثرات المعينة، أن تمتد بها الحياة وتتجاوز ظاهرة الشيخوخة وتتغلب عليها نهائياً .
وإذا أخذنا ا بوجهة النظر الأُخرى ، التي تميل إلى افتراض الشيخوخة قانوناً طبيعياً للخلايا والأنسجة الحية نفسها، بمعنى أنها تحمل في أحشائها بذرة فنائها المحتوم، مروراً بمرحلة الهرم والشيخوخة وانتهاء بالموت .
أقول :
إذا أخذنا بوجهة النظر هذه، فليس معنى هذا عدم افتراض أي مرونة في هذا القانون الطبيعي، بل هو - على افتراض وجوده - قانون مرن ؛ لأننا نجد في حياتنا الاعتيادية ؛ ولأنّ العلماء يشاهدون في مختبراتهم العلمية ، أن الشيخوخة كظاهرة فسيولوجية لا زمنية ، قد تأتي مبكرة، وقد تتأخر ولا تظهر إلا في فترة متأخرة، حتى إنّ الرجل قد يكون طاعناً في السن ولكنه يملك أعضاء لينة ، ولا
تبدو عليه أعراض الشيخوخة كما نص على ذلك الأطباء (1)بل إن العلماء استطاعوا عملياً أن يستفيدوا من مرونة ذلك القانون الطبيعي المفترض ، فأطالوا عمر بعض الحيوانات مئات المرات بالنسبة إلى أعمارها الطبيعية ؛ وذلك بخلق ظروف وعوامل تؤجل فاعلية قانون الشيخوخة .
وبهذا يثبت علمياً أن تأجيل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معينة أمر ممكن علمياً ، ولئن لم يتح للعلم أن يمارس فعلاً هذا التأجيل بالنسبة إلى كائن معقد معين كالإنسان، فليس ذلك إلا لفارق درجة بين صعوبة هذه الممارسة بالنسبة إلى الإنسان وصعوبتها بالنسبة إلى أحياء أخرى. وهذا . أن العلم من الناحية يعني النظرية وبقدر ما تشير إليه اتجاهاته المتحركة لا يوجد فيه أبداً ما يرفض إمكانية إطالة عمر الإنسان، سواء فسّرنا الشيخوخة بوصفها نتاج صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية أو نتاج قانون طبيعي للخلية الحية نفسها يسير بها نحو الفناء.
ويتلخص من ذلك : أن طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعددة أمر ممكن منطقياً وممكن علمياً ، ولكنه لا يزال غير ممكن عملياً، إلا أن اتجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل .
وعلى هذا الضوء نتناول عمر المهدي عليه الصلاة والسلام وما أحيط به من استفهام أو استغراب، ونلاحظ : إنه بعد أن ثبت إمكان هذا العمر الطويل منطقياً وعلمياً، اً، وثبت أن العلم
1) يؤكد الأطباء والدراسات الطبية على هذه الملاحظة ، وأن لديهم مشاهدات كثيرة في هذا المجال ، ولعلّ هذا هو الذي دفعهم إلى إجراء محاولات وتجارب لإطالة العمر الطبيعي للإنسان ، وكالمعتاد كان مسرح التجربة في البداية هي الحيوانات لميسورية ذلك، وعدم وجود محاذير أخرى تمنع إجراء مثل تلك التجارب على الإنسان .
سائر في طريق تحويل الإمكان النظري إلى إمكان عملي تدريجاً، لا يبق للاستغراب محتوى إلا استبعاد أن يسبق المهدي العلم نفسه ، فيتحول الإمكان النظري إلى إمكان عملي في شخصه قبل أن يصل العلم في تطوره إلى مستوى القدرة الفعلية على هذا التحويل ، فهو نظير من يسبق العلم في اكتشاف دواء ذات السحايا أو دواء السرطان .
وإذا كانت المسألة هي أنه كيف سبق الإسلام - الذي صمم عمر هذا القائد المنتظر - حركة العلم في مجال هذا التحويل ؟
فالجواب : أنه ليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سبق فيه الإسلام حركة العلم .
أوليست الشريعة الإسلامية ككل قد سبقت حركة العلم والتطور الطبيعي للفكر الإنساني قروناً عديدة ؟ (1).
أولم تناد بشعارات طرحت خططاً للتطبيق لم ينضج الإنسان للتوصل إليها في حركته المستقلة إلا بعد مئات السنين ؟
أولم تأت بتشريعات في غاية الحكمة ، لم يستطع الإنسان أن يدرك أسرارها ووجه الحكمة فيها إلا قبل برهة وجيزة من الزمن ؟
أولم تكشف رسالة السماء أسراراً من الكون لم تكن تخطر على بال إنسان ، ثم
1) هذه التساؤلات التي يثيرها السيد الشهيد لا تهدف إلى ترسيخ حقيقة مهمة ، هي ، أن الرسول الأعظم عندما بشر ( بالمهدي) ، وهو حالة غير اعتيادية في سياق البشرية ، تنبي في جملتها عن تسجيل سبتي في الإمكانية العملية، بعد تأكيد الإمكانية العلمية ، أي لبقاء الإنسان مدة أطول بكثير من المعتاد ، فإنّ مثل هذا السبق في التنبيه على حقائق في هذا الوجود كان قد سجله القرآن والحديث الشريف في موارد كثيرة جداً في مسائل الطبيعة والكون والحياة . راجع القرآن والعلم الحديث / الدكتور عبدالرزاق نوفل .
جاء العلم ليثبتها ويدعمها ؟
فإذا كنا نؤمن بهذا كله، فلماذا نستكثر على مرسل هذه الرسالة - سبحانه وتعالى - أن يسبق العلم في تصميم عمر المهدي ؟ (1)
وراجع : التاج الجامع للأصول 5 : 228/كتاب الزهد والرقائق الذين تكلموا في المهد .
وأنا هنا لم أتكلم إلا عن مظاهر السبق التي نستطيع أن نحتها نحن بصورة مباشرة، ويمكن أن نضيف إلى ذلك مظاهر السبق التي تحدثنا بها رسالة السماء نفسها .ومثال ذلك أنها تخبرنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أُسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذا الإسراء (2)إذا أردنا أن نفهمه في إطار القوانين الطبيعية ، فهو يعبر عن الاستفادة من القوانين الطبيعية بشكل لم يتح للعلم أن يحققه (3)إلّا بعد مئات السنين، فنفس الخبرة الربانية التي أتاحت للرسول صلى الله عليه وسلم التحرك السريع قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك ، أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمر المديد ، قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك .
عمر السنة نعم ، هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريباً في
1) إشارة إلى أن هذا من قبيل الإعجاز أيضاً، وهو إفاضة ربانية خاصة ، وهذا أمر لا يسع المسلم إنكاره ، بعد أن أخبرت بأمثاله الكتب السماوية ، وبالأخص القرآن ، كالذي ورد في شأن النبي نوح ، وكذا ما أخبر به القرآن من المغيبات الأخرى ، على أن كثيراً من أهل ومن المتصوفة وأهل العرفان يؤمنون بوقوع الكرامات وما يشبه المعجزات للأولياء والصلحاء والمقربين من حضرة المولى تعالي . راجع التصوف والكرامات/ الشيخ محمد جواد مغنية .
2) إشارة إلى الآية المباركة : ﴿ سُبحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى ... الإسراء : 1.
3) إشارة إلى تصميم المركبات الفضائية، وركوب الفضاء والتوغل إلى مسافات بعيدة عن أرضنا، وقطعها في ساعات أو أيام معدودة ، وقد أضحت هذه حقائق في حياتنا المعاصرة في أواخر القرن العشرين .
حدود المألوف حتى اليوم في حياة الناس، وفي ما أنجز فعلاً من تجارب العلماء .
ولكن !
أوليس الدور التغييري الحاسم الذي أعد له هذا المنقذ غريباً في حدود المألوف في حياة الناس، وما مرت بهم من تطورات التاريخ ؟ أوليس قد أُنيط به تغيير العالم، وإعادة بنائه الحضاري من جديد على أساس الحق والعدل ؟
فلماذا نستغرب إذا اتسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبة والخارجة عن المألوف كطول عمر المنقذ المنتظر ؟ فإن غرابة هذه الظواهر وخروجها عن المألوف مهما كان شديداً، لا يفوق بحال غرابة نفس الدور العظيم الذي يجب على اليوم الموعود إنجازه. فإذا كنا نستسيغ ذلك الدور الفريد (1)تاريخياً على الرغم من أنه لا يوجد دور مناظر له في تاريخ الإنسان ، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذي لا نجد عمراً مناظراً له في حياتنا المألوفة ؟
ولا أدري !
هل هي . صدفة أن يقوم شخصان فقط بتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد وبنائها من جديد، فيكون لكل منهما عمر مديد يزيد على أعمارنا الاعتيادية أضعافاً مضاعفة ؟
أحدهما مارس دوره في ماضي البشرية وهو النبي نوح ، الذي نص القرآن
1) إشارة إلى ما أعد للإمام المهدي المنتظر من دور ومهمة تغييرية على مستوى الوجود الإنساني برمته كما يشير الحديث الصحيح : « يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلما وجوراً». وهذا الدور وهذه المهمة عليها الإجماع بين علماء الإسلام ، والاختلاف حصل في أمور فرعية . ومن هنا كان التساؤل الذي أثاره السيد الشهيد له مبرر منطقي قوي .
الكريم (1)على أنه مكت في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وقدر له من خلال الطوفان أن يبني العالم من جديد .
والآخر يمارس دوره في مستقبل البشرية وهو المهدي الذي مكث في قومه حتى الآن أكثر من ألف عام وسيقدّر له في اليوم الموعود أن يبني العالم من جديد .
فلماذا نقبل نوح الذي ناهز ألف عام على أقل تقدير ولا نقبل المهدي ؟ (2)
1) في الآية المباركة : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خمسين عاماً ) العنكبوت : 14 .
2) السؤال موجه إلى المسلمين المؤمنين بالقرآن الكريم وبالحديث النبوي الشريف ، وقد روى علماء السنة لغير نوح ما هو أكثر من ذلك . راجع تهذيب الأسماء واللغات/ النوري 1 : 176 ، ولا يصح أن يُشكل أحد بأن ذاك أخبر به القرآن فالنص قطعي الثبوت، وهو يتعلق بالنبي المرسل نوح ، أما هنا فليس لدينا نص قطعي ، ولا الأمر متعلق بنبي . والجواب : أن المهمة أولاً واحدة ، وهي تغيير الظلم والفساد ، وأن الوظيفة كما أوكلت إلى النبي ، فقد . أُوكلت هنا إلى من اختاره الله تعالى أيضاً كما هو لسان الروايات الصحيحة . قال الرسول الأعظم : " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ... التاج الجامع للأصول وأما من جهة قطعية النص، فأحاديث المهدي بلغت حد التواتر ، وهو موجب للقطع والعلم، فلا فرق في المقامين. راجع التاج الجامع للأصول 5 : 341 و 360 فقد نقل التواتر عن الشوكاني ، وانتهى المحققون من علماء الفريقين إلى القول بأن من كفر بالمهدي فقد كفر بالرسول محمد ا وليس ذلك إلا بلحاظ أنه ثبت بالتواتر ، وأنه من ضرورات الدين ، والمنكر لذلك كافر إجماعاً، وراجع : الإشاعة لأشراط الساعة / البرزنجي في بحثه حول المهدي . وقد نقلنا حكاية التواتر في المقدمة أيضاً.
477
وقد عرفنا حتى الآن أن العمر الطويل ممكن علمياً ، ولكن لنفترض أنه غير تمكن علمياً، وأن قانون الشيخوخة والهرم قانون صارم لا يمكن للبشرية اليوم، ولا على خطها الطويل أن تتغلب عليه، وتغير من ظروفه وشروطه ، فماذا ذلك ؟ إنه يعني أن إطالة عمر الإنسان - كنوح أو كالمهدي - قروناً متعددة ، هي على خلاف القوانين الطبيعية التي أثبتها العلم بوسائل التجربة والاستقراء الحديثة ، هذه الحالة وبذلك تصبح معجزة عطلت قانوناً طبيعياً في حالة معينة للحفاظ على ف حياة الشخص الذي أُنيط به الحفاظ على رسالة السماء ، وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها ، أو غريبة على عقيدة المسلم المستمدة من نص القرآن والسنة (1)، فليس قانون الشيخوخة والهرم ا أشد صرامة من قانون انتقال الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة حتى يتساويا ، وقد عُطّل هذا القانون الحماية حياة إبراهيم حين كان الأسلوب الوحيد للحفاظ عليه تعطيل ذلك القانون. فقيل للنار حين أُلقي فيها إبراهيم « قُلْنَا يَا نَارُكُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ » الأنبياء : 69 ، فخرج منها كما دخل سليماً لم يصبه أذى ، إلى كثير من القوانين الطبيعية التي عُطّلت
1) أي أن الأمر يصبح من قبيل المعجز ، وهو ما نطق به القرآن ، وجاء في في صحیح السنة المطهرة ، والإعجاز حقيقة رافقت دعوة الأنبياء ، وادعاء سفارتهم عن الحضرة الإلهية، وهو ما لا يسع المسلم إنكاره أو الشك فيه ، بل إن غير المسلم يشارك المسلم في الاعتقاد بالمعجزات .
لحماية أشخاص من الأنبياء وحجج الله على الأرض ، فَفلق البحر لموسى (1)، وشبه للرومان أنهم قبضوا على عيسى (2)ولم يكونوا قد قبضوا عليه ، وخرج النبي محمد صلی الله علیه و آله وسلم من داره وهي . محفوفة بحشود قريش التي ظلت ساعات تتربص به الحفاظ لتهجم عليه، فستره الله تعالى عن عيونهم وهو يمشي بينهم (3). كل هذه الحالات تمثل قوانين طبيعية عُطّلت الحماية شخص، كانت الحكمة الربانية تقتضي ) على حياته ، فليكن قانون الشيخوخة والهرم من تلك القوانين .
وقد يمكن أن نخرج من ذلك بمفهوم عام وهو أنه كلما توقف الحفاظ على حياة حجة الله في الأرض على تعطيل قانون طبيعي، وكانت إدامة حياة ذلك الشخص ضرورية لإنجاز مهمنه التي أُعد لها ، تدخلت العناية الربانية في تعطيل ذلك القانون لإنجاز ذلك ، وعلى العكس إذا كان الشخص قد انتهت مهمته التي أُعدّ لها ربانياً فإنه سيلقى حتفه ويموت أو يستشهد وفقاً لما تقرره القوانين الطبيعية .
ونواجه عادة بمناسبة هذا المفهوم العام السؤال التالي: كيف يمكن أن يتعطل القانون (4)؟ وكيف تنقصم العلاقة الضرورية التي تقوم بين الظواهر الطبيعية ؟ وهل هذه إلا مناقضة للعلم الذي اكتشف ذلك القانون الطبيعي ، وحدد هذه العلاقة
1) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بعصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظيم ) الشعراء : 63 .
2) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن تبة لَهُمْ ... النساء : 157 .
3) راجع: سيرة ابن هشام 2 : 127 ، فقد نقل هذه الحادثة وهي مجمع عليها .
4) قد يقال : إنّ القانون بصفته قانوناً لا بد أن يطرد ، ولا يتصور التعطيل والانخرام ، وقد لاحظ بعضهم أن الانخرام إنما هو بقانون آخر ، كما هو الأمر بالنسبة إلى قانون الجاذبية ، الذي يستلزم جذب الأشياء إلى المركز، ومع ذلك فإنّ الماء يصعد بعملية الامتصاص في النباتات من الجذر إلى الأعلى بواسطة الشعيرات، وهذا بحسب قانون آخر هو ( الخاصية الشعرية ) ، راجع : القرآن محاولة لفهم عصري / الدكتور مصطفى محمود .
الضرورية على أسس تجريبية واستقرائية ؟ !
والجواب : أن العلم نفسه قد أجاب عن هذا السؤال بالتنازل عن فكرة الضرورة في القانون الطبيعي، وتوضيح ذلك: إن القوانين الطبيعية يكتشفها العلم على أساس التجربة والملاحظة المنتظمة، فحين يطّرد وقوع ظاهرة طبيعية عقيب ظاهرة أُخرى يستدل بهذا الاطّراد على قانون طبيعي ، وهو أنه كلّما وُجدت الظاهرة الأولى وُجدت الظاهرة الثانية عقيبها ، غير أن العلم لا يفترض في هذا القانون الطبيعي علاقة ضرورية بين الظاهرتين نابعة من صميم . هذه الظاهرة وذاتها ، وصميم تلك وذاتها ؛ لأن الضرورة حالة غيبية ، لا يمكن للتجربة ووسائل البحث الاستقرائي والعلمي إثباتها ، ولهذا فإنّ منطق العلم الحديث يؤكد أن القانون الطبيعي - كما يعرفه العلم - لا يتحدث عن علاقة ضرورية ، بل عن اقتران مستمر بين ظاهرتين (1)، فإذا جاءت المعجزة وفصلت إحدى الظاهرتين عن الأخرى في قانون طبيعي لم يكن ذلك فصماً لعلاقة ضرورية بين الظاهرتين .
والحقيقة أن المعجزة بمفهومها الديني، قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومة بدرجة أكبر مما كانت عليه في ظلّ وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقات السببية .
فقد كانت وجهة النظر القديمة تفترض أن كل ظاهرتين اطّرد اقتران إحداهما بالأخرى فالعلاقة بينها علاقة ضرورة والضرورة تعني أن من المستحيل أن تنفصل إحدى الظاهرتين عن الأخرى، ولكن هذه العلاقة تحولت في منطق العلم الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطرد (2)بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضرورة الغيبية .
وبهذا تصبح المعجزة حالة استثنائية لهذا الاطّراد في الاقتران أو التنابع دون أن تصطدم بضرورة أو تؤدي إلى استحالة .
وأما على ضوء الأسس المنطقية للاستقراء (1)فنحن نتفق مع وجهة النظر العلمية الحديثة، في أنّ الاستقراء لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين ، ولكنا نرى أنه يدلّ على وجود تفسير مشترك لاطّراد التقارن أو التعاقب بين الظاهرتين باستمرار ، وهذا التفسير المشترك كما يمكن صياغته على أساس افتراض الضرورة الذاتية ، كذلك يمكن صياغته على أساس افتراض حكمة دعت منظم الكون إلى ربط ظواهر معينة بظواهر أخرى باستمرار ، وهذه الحكمة نفسها تدعو أحياناً إلى الاستثناء فتحدث المعجزة .
1) راجع بسط وشرح النظرية في «الأسس المنطقية للاستقراء » حيث توصل الإمام الشهيد الصدر إلى اكتشاف مهم وخطير على صعيد نظرية المعرفة بشكل عام.
ونتناول الآن السؤال الثاني، وهو يقول :
لماذا كل هذا الحرص من الله سبحانه وتعالى على هذا الإنسان بالذات، فتعطل من أجله القوانين الطبيعية لإطالة عمره ؟ ولماذا لا تترك قيادة اليوم الموعود لشخص يتمخض عنه المستقبل، وتنضجه إرهاصات اليوم الموعود فيبرز على الساحة ويمارس دوره المنتظر .
وبكلمة أخرى : ما هي فائدة هذه الغيبة الطويلة وما المبرر لها ؟
وكثير من الناس يسألون هذا السؤال لا أن يسمعوا جواباً وهم يريدون غيبياً، فنحن نؤمن بأن الأغمة الاثني عشر مجموعة فريدة (1)
وكذلك إلى قوله صلی الله علیه و آله وسلم «لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ..» وإلى قوله صلی الله علیه و آله وسلم : الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش ) . ومفاد ذلك كله تقرير هذا المعنى .
لا يمكن التعويض عن1) إشارة إلى معتقد الإمامية الاثني عشرية المستند إلى أدلة المعقول والمنقول ، وبالأخص إلى حديث الثقلين المتواتر إني تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي » . راجع : صحيح مسلم 4: 1873 ورا بمع الصواعق المحرقة لابن حجر : ص 89 ، قال : ثم اعلم أن الحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً .
أي واحد منهم ، غير أن هؤلاء المتسائلين يطالبون بتفسير اجتماعي للموقف، على ضوء الحقائق المحسوسة لعملية التغيير الكبرى نفسها والمتطلبات المفهومة لليوم الموعود.
وعلى هذا الأساس نقطع النظر مؤقتاً عن الخصائص التي نؤمن بتوفرها في هؤلاء الأئمة المعصومين (1). ونطرح السؤال التالي :
إننا بالنسبة إلى عملية التغيير المرتقبة في اليوم الموعود، بقدر ما تكون مفهومة على ضوء سنن الحياة وتجاربها ، هل يمكن أن تعتبر هذا العمر الطويل لقائدها المدخر عاملاً من عوامل ،إنجاحها، وتمكنه من ممارستها وقيادتها بدرجة أكبر ؟
ونجيب عن ذلك بالإيجاب ، وذلك لعدة أسباب منها ما يلي :
إن عملية التغيير الكبرى تتطلب وضعاً نفسياً فريداً في القائد الممارس لها ، مشحوناً بالشعور .. بالتفوق والإحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي أُعد للقضاء عليها ، وتحويلها حضارياً إلى عالم جديد.
فبقدر ما يعمر قلب القائد المغير من شعور بتفاهة الحضارة التي يصارعها ، وإحساس واضح بأنها مجرد نقطة على الخط الطويل لحضارة الإنسان ، يصبح أكثر
1) تحدت النبي الأكرم محمدصلی الله علیه و آله وسلم كثيراً عن خصائصهم وأدوارهم ، ووظيفتهم ومهماتهم ، وأنهم حملة الشريعة ، وسفن النجاة ، وأمان الأُمه ، وعصمتها من الضلال ، كما إليه الإشارة في حديث التقلين ، وحديث لن يفترقا وكلاهما يؤكدان عصمتهم، إذ لا يعقل أنهم عصمة الأمة من الضلال ، وأنهم لن يفترقا عن القرآن المعصوم ، وهم غير معصومين !! راجع في هذا المطلب : : الأصول العامة للفقه المقارن / العلامة محمد تقي الحكيم مبحث حجية السنة : ص 169 وما بعدها .
قدرة من الناحية النفسية (1)على مواجهتها والصمود في وجهها ومواصلة العمل ضدها حتى النصر.
ومن الواضح أن الحجم المطلوب من هذا الشعور النفسي يتناسب مع حجم التغيير نفسه، وما يُراد القضاء عليه من حضارة وكيان، فكلما كانت المواجهة لكيان أكبر والحضارة أرسخ وأشمخ تطلبت زخماً أكبر من هذا الشعور النفسي المفعم .
ولما كانت رسالة اليوم الموعود تغيير عالم مليء بالظلم وبالجور، تغييراً شاملاً بكل قيمه الحضارية وكياناته المتنوعة، فمن الطبيعي أن تفتش هذه الرسالة عن شخص أكبر في شعوره النفسي من ذلك العالم كله ، عن شخص ليس من مواليد ذلك العالم الذين نشأوا في ظل تلك الحضارة التي يُراد تقويضها واستبدال حضارة العدل والحق بها ؛ لأنّ من ينشأ في ظل حضارة راسخة ، تعمر الدنيا بسلطانها وقيمها وأفكارها ، يعيش في نفسه الشعور بالهيبة تجاهها ؛ لأنه ولد وهي : ونشأ صغيراً وهي جبارة ، وفتح عينيه على الدنيا فلم يجد سوى أوجهها المختلفة.
وخلافاً لذلك ، ، شخص يتوغل في التاريخ عاش الدنيا قبل أن ترى تلك الحضارة النور ، ورأى الحضارات الكبيرة سادت العالم الواحدة تلو الأخرى ثم تداعت وانهارت(2)، رأى ذلك بعينيه ولم يقرأه في كتاب تاريخ ...
1) أن يكون القائد التاريخي مهيناً نفسياً ومعداً إعداداً مناسباً لأداء المهمة ، أمر مفروغ منه ، ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدناه يتحدث عن هذه المسألة : في تاريخ الأنبياء بصورة واضحة جداً، وبخاصة فيما يتعلق بالنبي نوح الله ، وهو أمر يلفت الانتباه والنظر ، وربما يكون للتشابه والاتفاق في الدور والمهمة التي أوكلت لهما ، كما نبه الشهيد الصدر رضی الله عنه إليه . راجع مع الأنبياء/ عفيف عبد الفتاح طيارة .
2) ويمكن أن تقرب هذا المعنى بما عشناه وشاهدناه من صعود الاتحاد السوفيتي وترقيه حتى صار القطب الثاني في العالم، وتقاسم هو وأمريكا النفوذ الحضاري والهيمنة السياسية ، وركبا معاً أجواء الفضاء ، ثم شهدنا انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك أوصاله بمثل تلك السرعة القياسية في الانهيار، فكم كان لذلك من أثر ؟ وكم كان فيه من عبرة ؟ وكم فيه من دلالة عميقة ؟
ثم رأى الحضارة التي يقدّر لها أن تكوّن الفصل الأخير .
قبل اليوم الموعود، رآها وهي بذور صغيرة لا تكاد تتبين ...
من قصة الإنسان ثم شاهدها وقد اتخذت مواقعها في أحشاء المجتمع البشري تتربص الفرصة لكي تنمو وتظهر ..
ثم عاصرها وقد بدأت تنمو وتزحف وتصاب بالنكسة تارة ويحالفها التوفيق تارة أخرى ...
ثم واكبها وهي تزدهر وتتعملق وتسيطر بالتدريج على مقدرات عالم بكامله ، فإنّ شخصاً من هذا القبيل عاش كل هذه المراحل بقطنة وانتباه كاملين ينظر إلى هذا العملاق - الذي يريد أن يصارعه - من زاوية ذلك الامتداد التاريخي الطويل الذي عاشه بحسه لا في بطون كتب التاريخ فحسب، ينظر إليه لا بوصفه قدراً محتوماً ، ولا كما كان ينظر ( جان جاك روسو )(1)إلى الملكية في فرنسا، فقد جاء عنه أنه كان يرعبه مجرد أن يتصور فرنسا بدون ملك ، على الرغم من كونه من الدعاة الكبار فكرياً وفلسفياً إلى تطوير الوضع السياسي القائم وقتئذ ؛ لأن (روسو) هذا نشأ في ظل الملكية ، وتنفس هواءها طيلة حياته ، وأما هذا الشخص المتوغل في التاريخ، فله هيئة التاريخ، وقوة التاريخ، والشعور المفعم بأن ما حوله من كيان وحضارة وليد يوم من أيام التاريخ، تهيأت له الأسباب فَوُجد ، وستتهياً
1) جان جاك روسو (1712 - 1778م) كاتب وفيلسوف فرنسي اعتبره بعض النقاد الوجه الأبعد نفوذاً في الأدب الفرنسي الحديث والفلسفة الحديثة ، وقد مهدت كتاباته ومقالاته للثورة الفرنسية ، وأشهر مؤلفاته العقد الاجتماعي ، راجع موسوعة المورد/ منير البعلبكي 8: 169.
الأسباب فيزول، فلا يبقى منه شيء كما لم يكن يوجد منه شيء بالأمس القريب أو البعيد ، وأن الأعمار التاريخية للحضارات والكيانات مهما طالت فهي ليست إلا أياماً قصيرة في عمر التاريخ الطويل .
هل قرأت سورة الكهف ؟
وهل قرأت عن أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم الله هدى (1)؟ وواجهوا كياناً وثنياً حاكماً، لا يرحم ولا يتردد في خنق أي بذرة من بذور التوحيد والارتفاع عن وحدة الشرك ، فضاقت نفوسهم ودب إليها اليأس وسدت منافذ الأمل أمام أعينهم ، ولجأوا إلى الكهف يطلبون من الله حلاً لمشكلتهم بعد أن أعيتهم الحلول، وكبر في نفوسهم أن يظل الباطل يحكم ويظلم ويقهر الحق ويُصفّ كل من يخفق قلبه للحق .
هل تعلم ماذا صنع الله تعالى بهم ؟
إنه أنا مهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين (2)في ذلك الكهف ، ثم بعثهم من نومهم ودفع بهم إلى مسرح الحياة ، بعد أن كان ذلك الكيان الذي بهرهم بقوته وظلمه قد تداعى وسقط ، وأصبح تاريخاً لا يُرعب أحداً ولا يُحرك ساكناً، كل ذلك لكي يشهد هؤلاء الفتية مصرع ذلك الباطل الذي كبر عليهم امتداده وقوته واستمراره،ويروا انتهاء أمره بأعينهم ويتصاغر الباطل في نفوسهم .
ولكن تحققت لأصحاب الكهف هذه الرؤية الواضحة بكل ما تحمل من زخم وشموخ نفسيين من خلال ذلك الحدث الفريد الذي مدد حياتهم ثلاثمائة سنة ، . ، فإن
الشيء نفسه يتحقق للقائد المنتظر من خلال عمره المديد الذي يتيح له أن يشهد العملاق وهو قزم والشجرة الباسقة وهي بذرة ، والإعصار وهو مجرد نسمة (1).
أضف إلى ذلك، أن التجربة التي تتيحها مواكبة تلك الحضارات المتعاقبة ، والمواجهة المباشرة لحركتها وتطوراتها لها أثر كبير في الإعداد الفكري وتعميق الخبرة القيادية لليوم الموعود ؛ لأنها تضع الشخص المدخر أمام ممارسات كثيرة للآخرين بكل ما فيها من نقاط الضعف والقوة، ومن ألوان الخطأ والصواب وتعطي لهذا الشخص قدرة أكبر على تقييم الظواهر الاجتماعية بالوعي الكامل على أسبابها ، وكل ملابساتها التاريخية .
ثم إن عملية التغيير المدخرة للقائد المنتظر تقوم على أساس رسالة معينة هی رسالة الإسلام، ومن الطبيعي أن تتطلب العملية في هذه الحالة قائداً قريباً من مصادر الإسلام الأولى ، قد بُنيت شخصيته بناءً كاملاً بصورة مستقلة ومنفصلة عن مؤثرات الحضاره التي يُقدر لليوم الموعود أن يحاربها .
وخلافاً لذلك ، الشخص الذي يولد وينشأ في كنف هذه الحضارة وتتفتح أفكاره ومشاعره في إطارها، فإنّه لا يتخلص غالباً من رواسب تلك الحضارة ومرتكزاتها ، وإن قاد حملة تغييرية ضدها .
فلكي يضمن عدم تأثر القائد المدخر بالحضارة التي أعد لاستبدالها ، لا يد أن تكون شخصيته قد بنيت بناءً كاملاً في مرحلة حضارية سابقة هي أقرب ما
1) وكلُّ ذلك له مدخلية في تربيته وإعداده الإعداد الخاص، بما في ذلك امتلاكه النظرة الشمولية العميقة ، فضلاً عن شهوده بنفسه ضالة أولئك المتعملقين الذين يملؤون الدنيا ضجيجاً وصخباً، ويسترهبون الناس ، وهذا الشهود يؤهله أكثر فأكثر لأداء مهمته الكونية في التغيير ، أي ملئه للأرض عدلاً بعدما ملئت ظلماً، هذا بغمض النظر عن مؤهلاته الذاتية ، والعناية الربانية الخاصة.
تكون في الروح العامة ومن ناحية المبدأ إلى الحالة الحضارية التي يتجه اليوم الموعود إلى تحقيقها بقيادته (1)
فجوابه
ا - إن النبي و قد أخضع فعلاً إلى حالة عزلة تامة عن الحضارة الجاهلية ، وأنه كما ورد في السيرة النبوية قد حُبّب إليه الخلاء ، وكان يذهب إلى غار حراء يتحنث فيه وكذا الأنبياء كانوا يتغزّهون عما عليه مجتمعهم، وكانوا يعتزلون ، وإليه الإشارة في قوله تعالى: « فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إسحاق » مريم : 49 .
ب - إن النبي صلی الله علیه و آله وسلم المرسل يُوحى إليه ، ويُسدّد مباشرة من السماء، ويبلغ بالأعمال والخطوات التي يتخذها خطوة خطوةً ، والإمام علیه السلام لا يُوحى إليه - كما هو عقيدة الإمامية - ولا يُبلغ بالأمور مباشرة من السماء ، نعم يكون مُسدّداً وتحت العناية الربانية ، ولذلك فهو يحتاج إلى إعداد خاص ، ففي نفس الوقت الذي يكون فيه قريباً ومتصلاً بالحضارة الإسلامية مستمداً من آبائه علیهم السلام الأصالة والمعرفة والعلم، يكون مطلعاً على التجارب البشرية والحضارات. صعودها وعوامل تكونها وقوتها ، وكذلك إخفاقاتها وعوامل ضعفها وانهيارها ، فيستمد الخيرة والقدرة والإحاطة بالأمور جميعاً، هذا مع اعتقادنا بقدرات الإمام العلمية الذاتية التي وهبها الله تعالى له، ويكونه مسدداً من السماء ، كما سيتوضح في المبحث الرابع .
.1) ولا ينبغي أن يُشكل أحد بأن النبي محمد صلی الله علیه و آله وسلم مع عالمية رسالته ومهمته التغييرية الكبرى إلا أنه عاش في كنف الحضارة الجاهلية، ولم يتأثر بها ، وكذا الأنبياء السابقون ، فما هو الوجه في هذا الرأي ؟
حسن موسى الصفار
منشورات
مؤسسة الأعلى للمطبوعات
بيروت - لبنان
ص . ب 7120
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1399ه- 1379م
يتاح للإنسان أن يعيش في هذه الحياة فترة محدودة، يغادر الدنيا بعدها، وينتقل عبر جسر الموت إلى عالم آخر.
و متوسط عمر الفترة التي يقضيها أي إنسان في هذه الدار الدنيا يتراوح ما بين ستين إلى سبعين سنة، وفي بعض الحالات القليلة قد يتجاوزها إلى المائة سنة، أما إذا تخطى المائة سنة وبدأ يصارع عقود المائة الثانية فهذا حالة استثنائية نادرة قد يسجلها التاريخ تحت عنوان: المعمرين.
بناء على ذلك كيف صح لنا إذن أن نؤمن بوجود الإمام القائد المهدي الذي ولد سنة 255ه- ونحن الآن في سنة 1397 ه- فيكون عمره الشريف 1143 سنة، فهل يمكن للإنسان أن يعيش هذا العمر الطويل؟
في الواقع لكي نستطيع التعرف على إمكانية هذه الحياة الطويلة يجب أن نتساءل ونبحث عن سبب الموت، فلماذا الموت؟
«هناك ما يقرب من مائتي إجابة عن هذا السؤال
الخطير الذي كثيراً ما يطرح في المجالس العلمية، منها: (فقدان الجسم الفاعليته)، (انتهاء عملية الأجزاء التركيبية)، (تجمد الأنسجة العصبية)، (حلول المواد الزلالية القليلة الحركة محل الكثيرة الحركة منها)، (ضعف الأنسجة الرابطة)، انتشار سموم بكتريا الأمعاء في الجسم).. وما إلى ذلك من الإجابات التي تتردد كثيراً حول ظاهرة الموت.
إن القول بفقدان الجسم لفاعليته جذاب للعقل.. فإن الآلات الحديدية والأحذية والأقمشة كلها تفقد فاعليتها بعد أجل محدود، فأجسامنا أيضاً تبلى وتفقد فاعليتها كالجلود التي تلبسها في موسم الشتاء. ولكن العلم الحديث لا يؤيدنا، لأن المشاهدة العلمية للجسم الإنساني :تؤكد أنه ليس كالجلود الحيوانية والآلات الحديدية وليس كالجبال.. وإن أقرب شيء يمكن تشبيهه به هو ذلك (النهر) الذي لا يزال يجري منذ آلاف السنين على ظهر الأرض، فمن ذا الذي يستطيع القول بأن النهر الجاري يبلى ويهن ويعجز؟! بناء على هذا الأساس يعتقد الدكتور « لنس بالنج» (وهو حائز على جائزة نوبل للعلوم إن الإنسان أبدي إلى
كبير، نظرياً، فإن خلايا جسمه تقوم بإصلاح ما فيه من الأمراض ومعالجتها تلقائياً! وبرغم ذلك فإن الإنسان يعجز ويموت ولا تزال علل هذه الظاهرة أسراراً تحير العلماء.
إن جسمنا هذا في تجدد دائم، وإن المواد الزلالية التي توجد في خلايا دمائنا تتلف كذلك ثم تتجدد، ومثلها جميع خلايا الجسم تموت وتحل مكانها خلايا جديدة، اللهم إلا الخلايا العصبية وتفيد البحوث العلمية إن دم الإنسان يتجدد تجدداً كلياً خلال ما يقرب من أربع سنوات كما تتغير جميع ذرات الجسم الإنساني في بضع سنين. ونخرج من هذا بأن الجسم الإنساني ليس كهيكل، وإنما كالنهر الجاري، أي أنه « عمل مستمر » ومن ثم تبطل جميع النظريات القائلة بأن علة الموت هي وهن الجسم وفقده لقوته فإن الأشياء التي فسدت أو تسممت من الجسم أيام الطفولة أو الشباب قد خرجت من الجسم منذ زمن طويل، ولا معنى لأن نجعلها سبب الموت، فسبب الموت موجود في مكان آخر، وليس في الأمعاء والأنسجة البدنية والقلب.
ويدعي بعض العلماء أن الأنسجة العصبية هي سبب
الموت لأنها تبقى في الجسم إلى آخر الحياة ولا تتجدد، نقطة هذا التفسير القائل بأن النظام العصبي ولو صح هو
الضعف في الجسم الإنساني فمن الممكن أن نزعم أن أي جسم من يوجد خال (النظام العصبي) لابد أن يحيا عمراً أطول الأجسام ذات النظام العصبي، ولكن المشاهدة العلمية لا تؤيدنا، فإن هذا النظام لا مثلاً في الأشجار، وبعضها يعيش لأطول مدة، ولكن شجرة القمح التي لا يوجد بها هذا النظام العصبي لا تعيش أكثر من سنة، وليس في كائن « الأميبا » أكثر من نصف ساعة،ومقتضى هذا التفسير أيضاً أن تلك الحيوانات التي تعد من (نسل أعلى) والتي تتمتع بنظام عصبي أكمل وأجود، لابد أن تعيش مدة أطول من تلك التي أحقر نسلاً وأضعف نظاماً ولكن الحقائق لا تؤيدنا في هذا أيضاً، فإن السلحفاة والتمساح وسمكة « باتيك » أطول عمراً من أي حيوان آخر. وكلها من النوع الثاني حقير النسل ضعيف النظام » (1).
وما دام في جسم الإنسان استعداداً للبقاء والخلود،
1) الإسلام يتحدى، ص 80 .
وليس فيه أي مكمن مبدئياً للموت، وما دام الإنسان أبدياً على الصعيد النظري والعلمي، فلماذا يموت الإنسان السليم الذي لا يعترضه عارض خارجي له الموت والفناء؟
إن الجواب الوحيد والواقعي هو أن الموت يأتي بقرار الله خالق الإنسان والذي يحدد للإنسان أجله وإقامته في الحياة {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا } (1).
ولما كانت مسألة الموت متعلقة بقرار الله سبحانه وتعالى ومشيئته، فإن حكمته هي التي تحدد مسافة عمر كل فرد حسب الحكمة والمصلحة.
فقد تقتضي حكمة الله تعالى مصادرة حياة شخص وإنهاء إقامته في الدنيا وهو في عهد الطفولة أو ريعان الشباب ...
وقد تقتضي حكمته جل وعلا استمرار حياة شخص ما لمئات السنين والأعوام.. كما يتحدث القرآن عن حياة نبي الله نوح علیه السلام فيقول: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
1) سورة المنافقون، الآية 11.
نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةَ إِلا خَمْسِينَ عَامًا } (1)أي 950 سنة.
من هنا تبدو لنا قضية الإمام المهدي بعيدة عن الغرابة والاستنكار منسجمة مع النظرة العلمية مؤيدة بشواهد التاريخ.
وحتى لو لم تسعفنا النظرية العلمية بأدلة مقنعة، أو لم يقدم لنا التاريخ نماذج مشابهة، فيمكننا أن نلجأ تفسير هذه الظاهرة (إطالة عمر الإمام المهدي) إلى قانون الإعجاز الإلهي والذي تنسحب أمامه جميع القوانين الطبيعية المألوفة ونترك له المجال ليتصرف بحرية لإنجاز أي قضية تتعلق بها حكمة السماء وتصطدم معها سنن الحياة المعروفة.
وهذه حقيقة لا يناقش فيها المؤمن بشرائع السماء القي في فحماية إبراهيم الخليل من النار المضطرمة التي أتونها، وولادة مريم ،بعيسى وتصلب ماء البحر لموسى لها قضايا تؤكد الكتب السماوية حدوثها مع تعارضها المبدئي للقوانين الثابتة.
1) (46) سورة العنكبوت الآية 14.
في الكتاب والسنة والتاريخ
محمد الری شهري
المجلد الأول
بمساعده:
السيد محمد كاظم الطباطبائي ، و عده من الفضلاء
موسوعة الإمام المهدى
فی الكتاب والسنة والتاريخ
شرکت چاپ و انتشارات
سازمان اوقاف و امور خيوية
Mohammad ibn Hassan, Imam XII- Occultation
Vol.1
مؤلف: محمد الريشهري
بمساعده السيد محمد كاظم الطباطبائي ، و عده من الفضلاء . التحقيق قسم "تدوين السيره"
الخطاط: حسن فرزانگان
الاخراج الفني: السيد علی موسوی کیا
صف الحروف: حسين الخميان، على اكبري، فخر الدين جليلوند
ليتوغرافي و الطباعه و التجليد: شرکت چاپ و انتشارات سازمان اوقاف و امور خیریه موسسه الطباعة والنشر
الطبعه الأول : 1398 ه ش
العدد: 500 مجلد
جميع حقوق الطبع و النشر
محفوظه لموسه الطباعة والنشر شرکت چاپ و انتشارات
ISBN 978-06-4-422-942-8
المطبعة
کیلومتر 4 شارع مخصوص کرج، طهران 1397815319
الهاتف (اربعه خطوط 22512211 الفکش 24512225- 025
معرض میعات:
ايران قم المقدسة، شارع معلم، الرقم 125 الهاتف : 37720545-37740523-025
www.chapentesharat.ir
1/5
حَدَّتَنا عَلِيُّ بنُ أحمدَ الدَّقَاقَ ومُحَمَّدُ بنُ أحمدَ الشَّيْبَانِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهما ، قالا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَبي عَبدِ الله الكوفِيُّ، عَن مُوسَى بْنِ عِمرانَ النَّخَعِيِّ، عَن عَمِّهِ الحُسَينِ بنِ يَزِيدَ ، عَن حَمْزَةَ بنِ حُمرانَ، عَنْ أَبِيهِ حُمرانَ بنِ أَعِيَنَ، عَن سَعِيدٍ بن جُبَيرٍ ، قَالَ : سَمِعتُ سَيِّدَ العَابِدِينَ عَلِيَّ مِنَ الْحُسَينِ علیه السلام يَقُولُ :
في القائم سُنَّة من نوح، وهو طول العمر.(1)
474 . الغيبة للطوسي : قد رُوِيَ عَن أَبي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ :
ما تنكرون أن يَمُدَّ اللهُ لِصاحب هذا الأمر في العمر، كما مَدَّ لنوح علیه السلام في العمر ؟!(2).
راجع: ص 137 (الفصل السادس / مافيه من خصائص الأنبياء علیهم السلام .
475 . كمال الدين : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عَبدِ اللهِ الوَرَاقُ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعَدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ أحمد بن إسحاق بن سعدٍ الأَشعَرِيِّ ، قال :
دَخَلْتُ عَلَى أَبي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ وأَنا أُريدُ أن أسأَلَهُ عَنِ الخَلَفِ مِن بَعْدِهِ، فَقَالَ لِي مُبْتَدِئاً :
... يا أحمد بن إسحاقَ، مَثَلُهُ في هَذِهِ الأُمَّةِ مثل الخضرِ ، ومَثَلُهُ مَثَلُ القرنَينِ، وَالله لَيَغِيبَنَّ غَيبَةٌ لا ينجو فيها مِنْ الهَلَكَةِ إِلَّا مَن تَبْتَهُ اللَّهُ لا عَلَى القَولِ بإمامته ، ووَفَّقَهُ فِيهَا لِلدُّعَاءِ بِتَعجِيلٍ فَرْجِهِ.
فَقالَ أحمد بن إسحاق : فَقُلتُ لَهُ: يا مَولايَ فَهَل مِن عَلَامَةٍ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قَلبي ؟ فَنَطَقَ الغُلامُ بِلِسَانٍ عَرَبيٌّ فَصيحٍ فَقَالَ : أَنَا بَقِيَّةُ اللَّهِ فِي أَرضِهِ، وَالْمُنتَقِمُ مِن أعدائِهِ ، فَلا تَطلب أثراً بَعدَ عَينٍ يا أحمد بن إسحاق.
فقال أحمد بن إسحاق : فَخَرَجتُ مَسروراً فَرِحاً ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ عُدتُ إِلَيْهِ فَقُلتُ لَهُ : يَابنَ رَسولِ اللهِ ، لَقَد عَظُمَ سُروري بما مُتَنتَ بِهِ عَلَيَّ، فَمَا السُّنَّةُ الجَارِيَةُ فيهِ مِنَ الخضرِ وذِي الْقُرْنَينِ ؟ فَقَالَ : طولُ الغَيبَةِ يا أحمد .
قُلتُ: يَابنَ رَسولِ اللهِ وإِنَّ غَيبَتَهُ لَتَطولُ ؟ قال : إي ورَبِّي حَتَّى يَرجِعَ عَن هذا الأمر أكثر القائلينَ بِهِ، ولا يُبقى إلا مَن أخَذَ اللهُ عَهْدَهُ لِوَلَايَتِنَا، وَكَتَبَ فِي قَلْبِهِ الإيمان، وأيده بروح منه.
يا أحمد بن إسحاق، هذا أمرٌ مِن أمرِ اللهِ ، وسِرُّ مِن سِرِّ اللَّهِ، وَغَيبٌ مِن غَيبٍ
اللهِ ، فَخُذ ما آتَيْتُكَ واكتمهُ وكُن مِنَ الشَّاكِرِينَ، تَكُن مَعَنا غَداً فِي عِلِّيِّينَ(1).(2).
476 . كمال الدين : حَدَّثَنَا المُظَفَرُ بنُ جَعفَرِ بنِ المُظَفَرِ العَلَوِيُّ العمرِيُّ السَّمر قندي . حَدَّتَنَا جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَسعودٍ، عَن أبيدِ مُحَمَّدِ بنِ مَسْعُودٍ، عَن جَعفَرِ بنِ أَحْمَدَ، عَنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بنِ فَضَالٍ، قَالَ : سَمِعتُ أَبَا الحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرّضاعلیه السلام يقول :
إِنَّ الخضر علیه السلام شَرِبَ مِن ماءِ الحَياةِ فَهُوَ حَيُّ لا يَموتُ حَتَّىٰ يُنفَخَ فِي الصّورِ، وَإِنَّهُ لَيَأتينا فَيُسَلِّمُ فَنَسمَعُ صُوتَهُ ولا ترى شخصه، وإنَّهُ لَيَحْضُرُ حَيثُ مَا ذُكِرَ، فَمَن ذَكَرَهُ مِنكُم فَليُسَلِّم عَلَيهِ ، وإِنَّهُ لَيَحضُرُ المَوسِمَ كُلَّ سَنَةٍ فَيَقضي جَمِيعَ المَناسِكِ، وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ فَيُؤَمِّنُ عَلَى دُعاءِ المُؤمِنِينَ ، وسَيُؤنِسُ اللَّهُ بِهِ وَحَشَةَ قائِمِنَا فِي غَيْبَتِهِ، وَيَصِلُ بِهِ وَحدَتَهُ . (3).
477 . الغيبة للطوسي : أَخبَرَني جَمَاعَةٌ، عَن أَبِي المُفَضَّلِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بنِ عُبَيدِ اللهِ بنِ المُطَّلِبِ ، قالَ : حَدَّثنا أبو الحُسَينِ مُحَمَّدُ بْنُ بَحرِ بنِ سَهْلِ الشَّيْبَانِيُّ الرُّهِنيُّ ، قَالَ : أَخبرنا عَلِيُّ بنُ الحَارِثِ، عَن سَعِدِ بنِ المَنصور الجَواشِنِي ، قال :
أخبرنا أحمدُ بنُ عَلِيٍّ البُدَيلِيُّ ، قال : أخبرني أبي، عَن سَدِيرِ الصَّيرَ فِي، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَالمُفَضَّلُ بنُ عُمَرَ، وداود بن كَثيرِ الرَّقي، وأبو بصير، وأبانُ بنُ تغلب على مَولانَا الصَّادِقِ له ... فَقَالَ : ... وأما العبد الصالح - أعني الخضرَ - فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى مَا طَوَّلَ عُمُرَهُ لِنُبُوَّةٍ قَرَّرَهَا
1) قال الشيخ الصدوق بعد نقل الحديث: «قال مصنف هذا الكتاب: لم أسمع بهذا الحديث إلا من علي بن عبدالله الوراق، وجدت بخطه مثبتاً فسألته عنه فرواء لي عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن إسحاق كما ذكرته ».
2) کمال الدين : ص 384 ج 1 بسند معتبر ، إعلام الورى : ج 2 ص 248 الصراط المستقيم : ج 2 ص 231 . بحار الأنوار: ج 53 ص 23 - 16 وراجع تمام الحديث في هذه الموسوعة : ج 1 ص 439 - 307.
3) كمال الدين : ص 390 - 4 بسند معتبر، بحار الأنوار: ج 52 ص 152 ع 3.
لَهُ، ولا لِكِتابِ نَزَّلَ عَلَيهِ ، ولا لِشَرِيعَةٍ يَنسَخُ بِها شَريعَةٌ مَن كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنبِياءِ . ولا لإمامة يُلزم عِبادَه الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها ، بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَا كَانَ فِي سابِقِ عِلمِهِ أَن يُقَدِّرَ مِن عُمُرِ القائم في أيَّامٍ غَيبَتِهِ مَا يُقَدِّرُهُ، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ مِن إنكار عباده بمقدارِ ذَلِكَ العُمُرِ فِي الطُّولِ، طَوَّلَ عُمُرَ العَبدِ الصَّالِحِ مِن غَيرِ سَبَبٍ أو جَبَ ذَلِكَ إِلَّا لِعِلَّةِ الإِستدلالِ بِهِ عَلَى عُمُرِ القائم : لِيَقطَّعَ بِذَلِكَ حُجَّةَ المُعانِدِينَ، لئَلَّا يَكونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ . (1)
478 . الغيبة للطوسي : مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ الحِميرِيُّ، عَن أبيهِ، عَن مُحَمَّدِ بنِ عَيسَى، عَن سليمان بن داودَ المِنقَرِيُّ، عَن أبي بصيرٍ ، قَالَ : سَمِعتُ أَبا جَعْفَرٍ علیه السلام يَقولُ :
فی صاحِب هَذَا الأَمرِ أربَعُ سُنَنِ مِن أربَعَةِ أنبياء: سُنَّةٌ مِن موسى علیه السلام ، وسُنَّةٌ مِن عيسى علیه السلام ، وسُنَّةٌ مِن يوم يوسف علیه السلام ، وسُنَّةٌ مِن مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم .
فَأَمَّا سُنَّةٌ من موسى علیه السلام فَخَائِفٌ يَتَرَقَبُ ، وأمّا سُنَّةٌ مِن يُوسُفَ علیه السلام فَالغَيبَةُ ، وأَمَا من عيسى علیه السلام فَيُقالُ : مات ولم يمت ، وأمّا سُنَّةٌ مِن مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم فَالسَّيف . (2)
راجع: ص 127 (الفصل السادس / ما فيه خصائص الأنبياء )
لاتختصّ عقيدة قيام الإمام المهدي علیه السلام في آخر الزمان بمذهب الإمامية، بل تتفق عليها جميع المذاهب الإسلامية، فألف كثير من علماء أهل السنة كتباً فيها . (1).
قال ابن أبي الحديد المعتزلي في هذا الصدد:
قد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أن الدنيا والتكليف لا ينقضي إلا عليه.(2).
وما يفترق به مذهب الإمامية عن بقية المذاهب الإسلامية هو اعتقادهم بأن المهدي الله هو ابن الإمام الحسن العسكري الله، وولد سنة 255ه-، وعاش حتى الآن (1438ه- ق(3)ألفاً ومئة وثلاثة ثمانين عاماً بعد ستار الغيبة الكبرى، وسيبقى . حياً مادامت الأرضيّة اللازمة لقيامه لم تتوفّر بعد وسيظهر عند توفّرها ، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
ويواجه هذا المبدأ الاعتقادي سؤالان:
1 - هل يمكن من الناحية العقلية والعلمية أن يطول عمر إنسان إلى هذا الحد وأكثر؟
2 - ما هو دليل شيعة أهل البيت علیهم السلام لإثبات طول عمرالإمام المهدي علیه السلام ؟
وللجواب عن هذين السم- يجب يحث موضوع طول عمر الإمام ثبوتاً وإثباتاً.
من الضروري إثبات إمكانية طول العمر الخارق للعادة من منظار عقلي وعلمي قبل ذكر الأدلة المثبتة لطول عمر الإمام المهدي علیه السلام وتطلق على البراهين الدالة على إمكانية الأمر الموماً إليه بالبراهين الثبوتية.
وتكمن أهمية دراسة هذه الأدلّة في أنه لو لم تثبت الإمكانية العقلية والعلمية لطول العمر، فلا يجدي أي دليل لإثبات طول عمر الإمام المهدي علیه السلام .
تكفي عدم استحالة طول العمر من منظار عقلي لإثبات إمكانيته العقلية. ولاشك في أنه لا دليل على عدم إمكانية طول العمر ؛ لأن ما يمتنع ولا يمكن في نظر العقل هو ما يستلزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، وبديهي أن طول العمر لا يستلزم مثل ذلك.
لا دليل أيضاً على امتناع طول العمر من الناحية العلمية، بل يعتقد بعض العلماء أن بإمكان الإنسان أن يعمر مدة طويلة جداً؛ لأنهم يعتبرون الشيخوخة حدثاً غير طبيعي ناجماً عن عدم وصول المواد الغذائية اللازمة إلى خلايا الجسم، أو اختراق الجراثيم، وغيرها من العوامل مما يجره إلى الموت. ويرى هؤلاء العلماء أن لجسم الإنسان القابلية على عمر خالد، وأن العلم بإمكانه إزاحة العقبات التي تحول دون ذلك، ويهب الإنسان حياة دائمية .(1)
وبناء على ذلك ينبغي القول بأنه على الرغم من أن التعاليم الدينية ترفض تماماً نظرية العمر الخالد(2)، إلّا أنّ جهود العلماء لتخطي حاجز السنّ تكشف بجلاء الإمكانية
العلمیّه لطول العمر.
يقولون إن أفضل دليل على إمكانية الشيء هو وقوعه، وينبتنا تاريخ الماضين(1)وما بقي من مؤلفاتهم الأدبية والتاريخية (2)بأنّ العمر الطويل في الماضي لم يكن غريباً، وإذا لم تعدّ الأخبار التاريخية معتبرة ولم تعتمدها معياراً، فبرجوعنا إلى النصوص الموثوقة نجد أنّ القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية عرّفت أشخاصاً بأعمار مديدة جداً، وكنموذج على ذلك النبي نوح علیه السلام الذي عاش ألفين وخمسمئة عام (3)، تسعمئة وخمسون عاماً من عمره كان بعد نبوته وقبل الطوفان وفقاً لتصريح القرآن الكريم . (4).
كما أشار القرآن إلى حياة النبي عيسى علیه السلام (5)، وصرحت الأحاديث الإسلامية بأنه ما زال حياً، وسيحضر الثورة العالمية مع الإمام المهدي علیه السلام ويصلّي معه .(6).
وكذلك الخضر الذي عاش في هذا العالم قبل موسى ومازال حياً. قال الشيخ المفيد في هذا الصدد:
الخضرة علیه السلام موجود قبل زمان موسى علیه السلام إلى وقتنا هذا بإجماع أهل النقل واتفاق أصحاب السير والأخبار، سائحاً في الأرض لا يعرف له أحد مستقراً و لا يدعي له اصطحاباً، إلا ما جاء في القرآن به من قصته مع موسى علیه السلام . (7)
1) راجع بحار الأنوار: ج 51 ص 325 باب ذكر أخبار المعمرين لرفع استبعاد المخالفين عن طول غيبة مولانا القائم علیه السلام .
2) راجع بحار الأنوار: ج 51 ص 235 - 247.
3) الأمالي الصدوق: ص 602 - 836
4) العنكبوت: 14
5) النساء: 157 .
6) راجع : ج 6 ص 135 القسم الحادي عشر / الفصل الخامس / صلاته خلف الإمام علیه السلام .
7) الفصول العشرة ص 83 .
ويعتقد عدد من علماء أهل السنة أيضاً باستمرار حياة الخضر، قال الديار بكري:
والمختار بقاؤها. وقال ابن الصلاح هو حيٌّ عند جماهير العلماء والصالحين، والعامة معهم في ذلك. (1)
وإضافة إلى ذلك دلّت بعض الأحاديث المعتبرة لدى أهل السنة على حياة الدجال في عصر رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وبقائه حياً إلى قيام الإمام المهديعلیه السلام (2)، فمن يعتقد بعمر الدجال الذي تجاوز ألفاً وأربعمئة عاماً منذ زمن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم إلى الآن، كيف يمكنه إنكار طول عمر الإمام المهدي علیه السلام (3)
هكذا يقول من يجعد نبوة نبينا من الملحدين والبراهمة واليهود والنصارى والمجوس: إنه ما صح عندنا شيء منا تروونه من معجزاته ودلائله ولا تعرفها، فتعتقد ببطلان أمره الهذه الجهة، ومتي الزمنا ما يقولون لزمهم ما تقوله هذه الطوائف وهم أكثر عدداً منهم.
ويقولون أيضاً : ليس في موجب عقولنا أن يعمر أحد في زماننا هذا عمراً يتجاوز عمر أهل الزمان، فقد تجاوز عمر صاحبكم على زعمكم عمر أهل الزمان.
فنقول لهم : أتصدقون على أن الدجال في الغيبة يجوز أن يعثر عمراً يتجاوز عمر أصل الزمان، وكذلك إبليس اللعين، ولا تصدقون بمثل ذلك لقائم آل محمد نبيلة مع النصوص الوارد فيه بالغيبة وطول العمر والظهور بعد ذلك للقيام بأمر الله 15 وما روي في ذلك من الأخبار التي قد ذكرتها في هذا الكتاب، ومع ما صح عن النبي إذ قال : كل ما كان في الأمم السالفة يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالفدة» ( كمال الدين : ص 539, بحار الأنوار: ج 52 ص 200).
1) تاريخ الخميس : ج 1 ص 106.
2) صحيح البخاري: ج 3 ص 1112 ح 2891 و 3892، صحیح مسلم: ج 4 ص 2243 - 94 و ص 2345 ج 95 و 96 .
3) قال الشيخ الصدوق بعد نقله الرواية تدل على طول عمر الدجال وخروجه: «إن أهل العناد والجحود يصدقون يمثل هذا الخبر ويروونه في صحاحهم الست في الدجمال وغيبته وطول بقائه المدة الطويلة وخروجه في آخر الزمان، ولا يصدقون بأمر القائم ال وأنه يغيب مدة طويلة، ثم يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً . مع نص النبي لله والأئمة ا بعده عليه باسمه وغيبته ونسبه، وإخبارهم بطول غيبته ؛ إرادة لإطفاء نور الله لك وإيطالا الأمر ولي الله ، ويأتي الله إِلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرَة الْكَافِرُونَ (سورة التوبة: الآية 32)، وأكثر ما يحتجون به في دفعهم لأمر الحجة مالية أنهم يقولون: لم نرو هذه الأخبار التي تروونها في شأنه ولا نعرفها.
بعد إثبات إمكانية طول عمر الإمام المهدي علیه السلام الخارق للعادة من ناحية عقلية ونقلية، نستطيع أن نثبت تحققه من خلال طريقين:
الأدلة النقلية التي تثبت طول عمر الإمام المهدي علیه السلام هي أحاديث معتبرة، تتصل أسنادها برسول الله صلى الله عليه وسلم أو أهل بيته الطاهرين علیهم السلام بواسطة أشخاص معروفين ويستحقون الثقة والاطمئنان، وتصرح وتؤكد بأساليب منوعة على استمرار حياة الإمام، وتعتبر أهم أدلتنا على وجود الإمام المهدي علیه السلام وطول عمره الشريف، وتقسم إلى عدّة مجموعات:
المجموعة الأولى: الأحاديث المؤكّدة على أنّ الأرض ما خلت من الإمام والحجة ولن تخلو أبداً على الرغم من غيابه عن الأنظار .(1)
المجموعة الثانية: الأحاديث المشبهة لطول عمر الإمام المهدي علیه السلام بنوح وعيسى والخضر علیهم السلام . (2)
المجموعة الثالثة: الأحاديث الدالة على ظهور الإمام بعد طول غيبته، أو التي قسمت غيبته إلى قصيرة الأمد وطويلته . (3)
المجموعة الرابعة: أحاديث وردت عن أهل السنة وحصرت الخلفاء بعد رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم باثني عشر شخصاً، فلو قرنت هذه الأحاديث بالروايات الدالة على أن الأئمة وخلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم اثنا عشر ووصلت قيامه بيوم القيامة، فستدل على حياة الإمام المهدي صلی الله علیه و آله وسلم إلى يوم القيامة . (4)
1) راجع: ص 249 (القسم الثالث / الفصل الثالث: بركات الإمام الغائب التكوينية).
2) راجع ص 117 (فيه سنة من نوح (ة) و ص 118 ( مثله مثل الخضر) و ص 120 ( مثله مثل عيسى).
3) راجع ص 210 (القسم الثالث / الفصل الأول / له غيبة طويلة) و ص 211) له غيبتان: إحداهما قصيرة والأخرى طويلة) وص 213 (استبعاد الناس ظهوره لطول غيبته).
4) راجع : ج 1 ص 287 (القسم الأول / الفصل الثالث: أحاديث عدد الأئمة).
تقسّم البراهين التجريبية الدالة على عمر الإمام المهدي علیه السلام إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: المشاهدات، فلقد التقى الإمام وشاهده عدد غفير من العلماء والمنتخبين والصالحين الموثوق بهم على طول مساحة تاريخية غطت غيبته لما يقرب من ألف ومئة وثلاثة وثمانين عاماً، كما نقلت ذلك وثائق معتبرة لاريب في صحة أغلبها، وقد بلغت تلك الأخبار من الكثرة والاتساع ما تخطى بها حدود التواتر ليستجلب مشارف اليقين، وكتبت بشأنها عديد من الكتب(1)، وخصّصنا بها قسماً من هذه الموسوعة.
وهذا بالتأكيد لايعني أنَّ كلَّ من يدَّعي رؤية الإمام المهدي علیه السلام فسيُقبل منه ذلك (2)، بل على العكس، فنحن واثقون بأنَّ كثيراً من مدَّعي مشاهدة الإمام إما يكذبون وإما يخطؤون. فكيف إذا ما كانت ادعاءاتهم تهدف إلى خلق شبهات في الدعوات الصادقة ! ولكن مثلما لم تستطع الادعاءات الكاذية للنبوة الطعن في صدق الآتين بها، كذلك لا تتمكن الادعاءات الكاذبة لرؤية الإمام المهدي علیه السلام من منع قبول الدعاوى الصادقة.
المجموعة الثانية : التوسّل بالإمام المهدي علیه السلام ، فلقد حلّ الله تعالى مشاكل ما لا يُحصى عددهم من المتوسلين بالإمام المهدي علیه السلام والمعتقدين بإمامته. ولا شك في أ أن وصول التوسل بذلك الإمام الحي إلى نتيجة مثمرة، دليل صالح لا على إثبات طول عمره فحسب، بل على إثبات إمامته أيضاً. نماذج متكاثرة من أمثال هذا التوسل شوهدت في زماننا، وسنذكر أمثلة منها في كرامات الإمام .(3)
حري بالقول إن التوسل بالإمام المهدي علیه السلام بصفته إماماً حياً يختلف عن التوسل بسائرالأئمة علیهم السلام .
مجلة علمية تخصصية بعثية نصف سنوية تصدر عن مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي .
العدد (2) ذو الحجة 1437 ه- /أيلول 2016 م
في هذا العدد:
الثابت والمتغير المهدوي . السيد أحمد الاشكوري .
مشروعية قيام الرايات والدول قبل ظهور القائم علیه السلام - الشيخ مشتاق الساعدي .
الصيحة (قراءة في أعماق الصوت). الشيخ حسين الأسدي .
رمزية علامات الظهور ودلالاتها . الشيخ عدنان الحساني الرميثي.
الحتمية البشرية ومشروع الدولة العادلة . الشيخ محمد السند .
كتاب الشفاء والجلاء في الغيبة . الشيخ عامر الجابري.
المنقذ العالمي في المسيحية - د. علي الشيخ .
ولادة الإمام المهدي علیه السلام حقيقة لا تقبل الشك - الشيخ حميد الوائلي .
الإيمان والإلحاد بين الانتظار واليأس- الشيخ حسن الكاشاني.
القول الصريح في الرد على من أنكر أحاديث المهدي في الصحيح - السيد علي الموسوي الناصري.
الهزات الفكرية في زمان الغيبة ( أسباب وعلاج ) - الشيخ ماهر الحجاج
(أسباب وعلاج)
الشيخ ماهر الحجّاج
إنَّ الإنسان الاعتيادي ليس له قابلية البقاء أكثر من السن الطبيعي الذي أقصاه مائة سنة أو أكثر أو أقل، مع أننا تجد عمر الإمام علیه السلام قد تجاوز اليوم الألف والمائة سنة، فقياساً بالإنسان الاعتيادي تكون مسألة بقاء الإمام علیه السلام على قيد الحياة أمراً غير معقول ممّا يُسبَّب هزة فكرية سيقع فيها الناس، كما
أشار إليه الإمام أبو عبد الله الصادق علیه السلام إذ قال : «.... ولتمحِّصن حتى يقال: مات [قتل] ، أو هلك بأي وادٍ سلك ؟ ولتد معن عليه عيون المؤمنين، ولتكفانَّ كما تكفا السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان ، وأيده بروح منه» .
ولعل هذا الأمر هوالذي دفع السائل أن يسأل من الشيخ الصدوق حيث قال له: (إنَّ الغيبة قد طالت، والحيرة قد اشتدت، وقد رجع الكثير عن القول بالإمامة لطول الأمد، فكيف هذا ؟ ) وذكر السيد الميلاني: أن هناك من العامة من قال بولادة الإمام المهدي علیه السلام ولم ينكرها، ولكنه أنكر بقاءه حياً، مثل التفتازاني، فإنَّ التفتازاني لم يُكذب ولادة المهدي من الحسن العسكري علیه السلام وإنما استبعد أن يكون الإمام باقياً هذه المدة من الزمان، ولذا نرى بعضهم يعترف بولادة الإمام علیه السلام ثم يقول: مات ).
وهذه الفكرة لعلها أخطر من سابقتها على العقيدة المهدوية، لقرب مأخذها، حيث إن الناس مأنوسون بالحس وعالم المادة، وغافلون عن الغيب وعالمه، فيتعاملون مع كثير من قضاياهم بخلفيتهم الحسية، فلذا نجدهم عندما يأتون إلى قضية بقاء الإمام المهدي علیه السلام حيّاً يُرزق بعد اثني عشر قرنا يجدونها صعبة التقبل إن لم يرفضوها بناءً على ميزانهم الحسي، حيث لم يروا إلّا الإنسان العادي الذي لا يُعمر أكثر من ثمانين سنة أو يزيد عليها بشيء قليل، ولم يعهدوا حساً بأن إنسانا عاش ثلاثة قرون، إلَّا أنَّ هؤلاء غاب عنهم أمر الله تعالى ومشيئته، فهو الذي«إذا أَراد شَيْئاً أَنْ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » (يس: 82).
والجواب عن ذلك من ثلاث جهات:
الأولى: وهي الجهة العقلية، فإنَّ العقل عندما تعرض عليه مسألة بقاء الإمام المهدي علیه السلام على قيد الحياة، يجدها قضيَّة ممكنة وليست مستحيلة ولاممتنعة، وعليه فإن العقل لا يعارض طول عمر الإمام ولا ينكره، بل يقول
بإمكانه، فالذين يُشككون في طول حياة الإمامة لو رجعوا إلى عقولهم لوجدوا جوابهم فیها صریحا.
الثانية: وهي الجهة الروائية، فإن الروايات قد نصت على غيبة الإمام الثاني عشرعلیه السلام من جهة، وعلى طول عمره من جهة ثانية، وعلى أن الأرض لا تخلو من حجة من جهة ثالثة، وكل واحد منها كافٍ في إثبات طول عمره علیه السلام ، إلا أن أصرح النصوص دلالة في المقام هي النصوص التي دلّت على طول عمره الشريف ومنها ما رواه الشيخ الصدوق فقال: حدثنا محمد بن علي بن بشار القزويني، قال: حدثنا أبو الفرج المظفر بن أحمد، قال حدثنا محمد بن جعفر الكوفي الأسدي، قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن حمزة بن حمران، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين علیه السلام يقول: «في القائم سُنَّة من نوح، وهو طول العمر .
الثالثة: وهي الجهة التاريخية النصية، حيث ورد في نصوص عديدة وجود نظائر لقضية طول عمر الإمام المهدي علیه السلام ، وليس هو الوحيد في العالم ممَّن مدَّ الله تعالى في عمره، ومن هؤلاء:
أ - العبد الصالح الخضر، روى الشيخ الصدوق بسنده عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام أنه قال لسدير الصيرفي : «... وأما العبد الصالح - أعني الخضر علیه السلام - فإن الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة یلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى إنَّ الله تبارك وتعالى لمّا كان في سابق علمه أن يُقدر من عمر القائم علیه السلام في أيّام غيبته ما يُقدر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طول عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك، إلَّا لعلة الاستدلال به على عمر القائم علیه السلام ، وليقطع بذلك حجة المعاندين ، لئلا يكون للناس على الله حجة.
ب - عيسى بن مريم علیه السلام ، فإنه علیه السلام بنص القرآن عليه لم يمت ولم يحرقه اليهود إنَّما شبه لهم ذلك، «بَلْ رَفَعَهُ الله» (النساء: 158)، وقد ورد النصُّ من طرق الخاصة والعامة على أن عيسى علیه السلام سوف يظهر مع القائم المهدي علیه السلام ويأتم به، وهذا ما لم يستطع ابن خلدون إنكاره مع أنّه قد أنكر روايات المهدي علیه السلام فقال: (اعلم أنَّ في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويُظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويُسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله، وبأتم بالمهدي في صلاته، ويحتجون في الشان بأحاديث خرجها الأئمة، وتكلم فيها المنكرون لذلك) .
ج - أبو الدنيا معمر المغربي، قال الشيخ الصدوق: (ومخالفونا رووا أن أيا الدنيا المعروف بمعمر المغربي واسمه علي بن عثمان بن خطاب بن مرة بن مؤيد لما قبض النبي صلی الله علیه و آله وسلم كان له قريباً من ثلاث مائة سنة، وأنه خدم بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، وأن الملوك أشخصره إليهم وسألوه عن علة طول عمره واستخيروه عمَّا شاهد، فأخبر أنه شرب من ماء الحيوان، فلذلك طال عمره، وأنه بقي إلى أيام المقتدر، وأنه لم يصح لهم موته إلى وقتنا هذا، ولا ينكرون أمره، فكيف ينكرون أمر القائم علیه السلام لطول عمره ؟ )
المجلد الأول
السيد محمد حسين الميرباقري
ميرباقري سيد محمد حسين 1342.
موسوعة الإمام المنتظر عج محمد حسين ميرباقري
قم حوزه علمیه قم مركز مدیریت حوزه های علمیه خواهران مرکز نشر هاجر1395 ....
«این قسمت قابل ویرایش نیست چون پی دی اف شان خیلی بی کیفیت است»
......................................................................
نام كتاب: موسوعة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه المجلد الأول
نویسنده : سید محمد حسین میرباقری
ویراستار: محمد پور صباغ
مرکز نشر هاجر (وابسته به مرکز مدیریت حوزه های علمیه خواهران)
تهیه و تنظیم : موسسه آینده روشن
تعداد صفحه و قطع : 548 صفحه، وزیری
نوبت چاپ: اول / زمستان 95
قیمت: 250/000 ریال
شمارگان 1000 نسخه
چایخانه: زلال کوثر
شابک 2-068-378-600-978
نشانی قم - بلوار معلم - مجتمع ناشران - واحد 114
دفتر مرکزی: 37832543 فروشگاه 37822544
پیامک 3000214440
:978-600-378-068-2 ISBN
Hajat.whc.ir
Hajar@ whe.ir
1- أسماؤه علیه السلام الشريفة ووجه تسميته ببعضها.
2- النهي عن تسميته علیه السلام .
3- صفاته وعلاماته علیه السلام .
4- شباهته علیه السلام بالأنبياء علیه السلام .
5- طول عمره علیه السلام الشريف وفيه ذكر المطهرين.
6 - أهله وأولاده علیه السلام
7- حب الله وحبّ أهل البيت إياه علیه السلام ومحبته في قلوب المؤمنين.
8- عبادته علیه السلام .
9- معجزاته علیه السلام .
5-کمال الدین محمد بن علي بن حاتم، عن أحمد بن عيسى الوساء البغدادي، عن أحمد بن طاهر، عن محمد بن يحيى بن سهل، عن علي بن الحارث، عن سعد بن منصور الجواشني عن أحمد بن علي البديلي.
عن أبيه، عن سدير الصيرفي قال : .... إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَدَارَ فِي الْقَائِمِ مِنَّا ثَلَاثَةٌ أَدَارَهَا فِي ثَلَاثَةٍ مِنَ الرُّسُلِ: قَدَّرَ مَولِدَهُ تَقدِير مَولِدِ مُوسَى علیه السلام ، وَقَدَّرَ غَيبَتْهُ تَقَدِيرٌ غَيْبَةٍ عِيسَى علیه السلام وَقَدَّرَ إِبطَاءَهُ تقدير إبطاء نُوح علیه السلام ... أَمَّا إِبطاء نُوحٍ علیه السلام فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَنزَلَ العُقُوبَةَ عَلَى قَومِهِ مِنَ السَّمَاءِ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَبْرَئِيلَ الرُّوحَ الأَمِينَ بِسَبْعَةِ نَوَيَاتٍ فَقَالَ: يَا نَبِي اللهِ، إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لَكَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ خَلَائِقِي وَعِبَادِي وَلَستُ أُبِيدُهُم بِصَاعِقَةٍ
1) كمال الدين: ج 1 ص 321، عنه بحار الأنوار: ج 51 ص 217
مِن صَوَاعِقِي إِلَّا بَعدَ تَأْكِيدِ الدَّعَوَةِ وَإِلزَّامِ الحُجَّةِ، فَعَاود اجْتِهَادَكَ فِي الدُّعَوَةِ لِقومِ-كَ فَإِنِّي مُثِيبُكَ عَلَيهِ، وَاعْرِس هَذَا النَّوَى فَإِنَّ لَكَ فِي نَبَاتِهَا وَبُلُوغِهَا وَإِدَرَاكِهَا إِذَا أَتَمَرَتِ الفرج وَالخَلاصَ، فَبَشِّرِ بِذَلِكَ مَ-ن تَبِعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا نَبَتَ-تِ الأَشْجَارُ ... وَأَثْمَرت... بَعدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ اسْتَنجَزَ مِنَ اللَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الْعِدَةَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَي أَن يَعْرِسَ مِن نَوَى تِلكَ الأَشْجَارِ... فَارتَدَّ مِنهُم ثَلَاثُ مِائَةِ رَجُلٍ وَقَالُوا: لَو كَانَ مَا يَدَّعِيهِ نُوح حقاً لَمَا وَقَعَ فِي وَعْدِ رَبِّهِ خُلفٌ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَم يَزَلْ يَأْمُرُهُ عِندَ كُلِّ مَرَّةٍ أَن يَعْرِسُهَا تَارَةً بَعدَ أُخرَى إِلَى أَنْ غَرَسَهَا سَبعَ مَرَّاتٍ، فَمَا زَالَت تِلكَ الطَّوَائِفُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَرَتَدُّ مِنْهُم طَائِفَةٌ إِلَى أَن عَادَ إِلَى نَيْفٍ وَسَبْعِينَ رَجُلاً فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِندَ ذَلِكَ إِلَيهِ وَقَالَ: يَا نُوحُ، الآنَ أَسْفَرَ الصُّبحُ عَنِ اللَّيلِ لِعَينِكَ حِينَ صَرَّحَ الحَقِّ عَن مَحضِهِ وَصَفَا الأَمرُ لِلإِيمَانِ مِنَ الكَدَرِ بِارَتِدَادِ كُلَّ مِّن كَانَت طِيبَنتُهُ خَبِينَةُ، فَلَو أَنِّي أَهْلَكتُ الكُفَّارَ وَأَبْقَيتُ مَن قَدِ ارْتَدَّ مِنَ الطَّوَائِفِ الَّتِي كانت آمَنَت بِكَ، لَمَا كُنتُ صَدَقتُ وَعَدِي السَّابِقَ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَحَلَصُوا التَّوحِيدَ مِن قومِكَ وَاعْتَصَمُوا بِحَبْلِ نُبُوَّتِكَ بِأَن أَستَخلفَهُم فِي الأَرضِ وَأُمَكَّنَ لَهُم دِينَهُم وَأَبَدِّلَ خوفهم بِالأَمنِ لِكَي تَخلص العِبَادَةُ لِي بِذَهَابِ الشَّكَ مِن قُلُوبِهِم وَكَيفَ يَكُونُ الاستخلافُ وَالتَّمْكِينُ وَبَدَلُ الخَوفِ بِالأَمنِ مِنّي لَهُم مَعَ مَا كُنتُ أَعْلَمُ مِن ضَعَفِ يَقِينِ الَّذِينَ ارتَدُّوا وَخُبثِ طِيئَتِهِم وَسُوءِ سَرَائِرِهِمُ الَّتِي كَانَت تُتَائِجَ النَّفَاقِ وَسُنُوحَ الضَّلَالَةِ، فَلَو أَنَّهُم تَسَنَّمُوا مِنِّي مِنَ المُلْكِ الَّذِي أُوتِي المُؤمِنِينَ وَقتَ الِاسْتِخْلَافِ إِذَا أَهْلَكَتْ أَعْدَاءُ هُم، لَنَشْقُوا رَوَانِحَ صِفَاتِهِ وَلَاستَحكَمَت سَرَائِرُ نِفَاقِهِم وَتَأَبَّدَ جِبَالُ ضَلَالَةِ قُلُوبِهِم وَكَاشَفُوا إخْوَانَهُم بِالعَدَاوَةِ وَحَارَبُوهُم عَلَى طَلَبِ الرِّئَاسَةِ وَالتَّفَردِ بِالأَمرِ وَالنَّهي، وَكَيف يَكُونُ التمكين في الدِّينِ وَانتِشَارُ الأَمرِ فِي المُؤْمِنِينَ مَعَ إِشَارَةِ الْفِتَنِ وَإِقَاعِ الحُرُوبِ، كَلَّا، فَاصْنَعِ الْفُلكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحِينا.
قَالَ الصَّادِقُ علیه السلام : وَكَذَلِكَ القَائِمُ علیه السلام تَمَتَدُّ أَيَّامُ غَيبَتِهِ لِيُصَرْحَ الحَقُّ عَن مَحضِهِ وَيَصفُوَ الإيمَانُ مِنَ الكَدْرِ بِارتدَادِ كُلِّ مَن كَانَت طِينَتُهُ خَبِيثَةٌ مِنَ الشَّيعَةِ الَّذِينَ يُحْشَى عَلَيهِمُ
النفاقُ إِذَا أَحَشُوا بِالاستخلافِ وَالتَّمْكِينِ وَالأَمنِ المُنتَشِرِ فِي عَهدِ القَائِمِ علیه السلام . (1)
1) كمال الدين: ج 2 ص 352، الغيبة للطوسي: ص 167، عنهما بحار الأنوار: ج 51 ص 222 - 220 .
مقدمة المركز... 3
المسائل العشرة في الغيبة - الشيخ المفيد ... 7
الفصل السادس : طول العمر ... 9
فصل : رد شبهة الخصوم في مسألة طول العمر ... 9
ذكر المعمرين. ... 11
فمنهم: لقمان بن عاد الكبير ... 11
ومنهم: ربيع بن ضبيع. ... 13
ومنهم: المستوغر بن ربيعة بن كعب. ... 14
ومنهم: أكثم بن صيفي الأسدي ... 14
ومنهم: ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو ... 16
ومنهم: دريد بن الصمة الجشمي ... 17
ومنهم: محصّن بن عتبان بن ظالم الزبيدي. ... 17
ومنهم: عمرو بن . حمة الدوسي. ... 17
ومنهم الحرث بن مضاض الجرهمي . ... 18
كتاب الغيبة - الشيخ الطوسي ... 21
الجواب عن الاعتراض بطول عمر الإمام المهدي علیه السلام بما يزيد عن العمر الطبيعي وكونه خارقاً للعادة، وذكر المعمرين ... 23
الفصل السابع: فيما ذُكر في بيان عمر الإمام المهدي علیه السلام ... 39
فصل: فيما ذكر في بيان عمره علیه السلام . ... 41
ذكر ما روي في أن صاحب الزمان يموت ثم يعيش أو يقتل ثم يعيش وتأويله وذكر معارضاته ... 44
ذكر الأخبار الواردة أنه لا تعيين لخروج الإمام المهدي علیه السلام ... 46
ذكر ما ورد من توقيت زمان الظهور ببعض الأوقات ثم تغيّر لمصلحة اقتضته، وبيان معنى البداء. ... 49
التشريف بالمنن في التعريف بالفتن - السيد ابن طاووس ... 55
الباب 162 : فيما ذكره نعيم أنه فتى من قريش ضرب من الرجال، وأن عمره ستون سنة ... 57
الباب 68: فيما ذكره السليلي في كتاب الفتن ممّا جاء في دولة المهدي، وذكر مدة عمره ... 59
الباب :25 فيها ذكره زكريا في كتاب الفتن في صفة عمر المهدي وموته ... 60
منتخب الأنوار المضيئة في ذكر القائم الحجة - السيد بهاء الدين النجفي ... 63
في ذكر طول تعمير الإمام المهدي ... 65
التعمير حصل لغير الإمام المهدي أيضا ً... 65
تعمير نوح علیه السلام . ... 65
تعمیر الأنبياء علیهم السلام ... 67
من المعمرين الدجال ... 67
خطبة أمير المؤمنين علیه السلام في علامات الظهور والدجّال ...68
تعمير إبليس ... 76
مرور عیسی علیه السلام بكربلاء ... 77
حديث حبابة الوالبية . ... 78
حديث أبي الدنيا المعمّر المغربي ... 81
حديث القلاقل ... 86
تعمير عبيد الجرهمي ...91
تعمير الربيع بن ضبع الفزاري ...91
تعمير سطيح الكاهن. ...93
تعمیر شداد بن عاد...94
تعمير أوس بن ربيعة ...95
تعمیر نصر بن در همان ...95
تعمير لقمان العادي ...95
تعمير عزيز مصر (باني الأهرام) ...96
تعمير قس بن ساعدة. ...97
تعمير سربانك ملك الهند ... 97
فوائد ذكر المعمرين... 100
الإمام المهدي في بحار الأنوار الجزء الاول - إعداد : الشيخ ياسر الصالحي ... 103
باب (14): ذكر أخبار المعمرين لرفع استبعاد المخالفين عن طول غيبة مولانا القائم...105
حدیث عبيد بن شريد الجرهمي ... 118
حديث الربيع بن الضبع الفزاري ... 120
حديث شق الكاهن. ... 121
وصية أكثم بن صيفي عند موته ... 143
النجم الثاقب - ميرزا حسين النوري الجزء الأول ... 201
الباب الثالث: في شمّة من أوصاف وشمائل المهدي صلوات الله عليه .... 203
الفصل الثاني: في ذكر جملة من خصائصه علیه السلام ... 204
التاسع عشر : عدم تأثر طول الدهر ودوران الليل والنهار في بنيته وأعضائه ... 205
النجم الثاقب - ميرزا حسين النوري الجزء الثاني ... 209
ذكر أسماء المعمرين لرفع استبعاد عوام العامة ... 211
عيسى علیه السلام ... 214
اللعين الكافر الدجال. ... 214
إلياس النبي علیه السلام ... 219
سلمان الفارسي المحمديرضی الله عنه ... 221
الشيخ صاحب حديث القلاقل ... 222
عبيد بن شريد الجرهمي ... 224
الربيع بن الضبع الفزاري... 225
قس بن ساعدة الأيادي ... 225
أوس بن ربيعة الأسلمي... 225
سطيح الكاهن ... 226
أبو الرضا بابا رتن بن كريال بن رتن البترندي الهندي ... 226
عبد الله اليمني ... 231
عبد المسيح بن مقيلة ... 232
شق الكاهن المعروف ... 232
أوس بن ربيعة بن كعب ... 232
ثوب بن صداق العبدي ... 232
روانة (رواعد) بن كعب ... 233
عبيد بن الأبرص ... 233
زهير بن هبل بن عبد الله ... 233
عمر بن عامر ماء السماء ... 233
هيل بن عبد الله بن كنانة ... 234
المستوغر بن ربيعة ... 234
درید این نهد ... 234
تيم [ الله ] عكاية ... 234
معدي كرب... 235
شرية بن عبد الله الجيعي .... 235
ذو الأصبع العدواني.... 235
جعفر بن قبط .... 235
مهن بن عنان. ... 236
صبفي بن رياح ... 236
أكثم بن صيفى ... 236
عامر بن الطرب العدواني ... 236
مريم بن ضبع ... 236
عمرو بن حميمة الدوسي ... 237
معمر الشرقي ... 237
الحارث بن مضاض ... 237
أبو بكر بن عثمان بن خطاب بن عبد الله بن العوام ... 238
علي بن عثمان بن خطاب بن مرة بن مزيد معمّر المغربي المعروف بأبي الدنيا أو ابن أبي الدنيا ... 240
قصة الشيخ بنحو آخر ... 244
قصة الشيخ المذكور بنحو ثالث ... 248
توضيح جواب الإشكال وتلخيص المقال المتقدم: استبعاد طول العمر لا يخلو من هذه الجهات ... 252
الأولى: الاستحالة العقلية ... 252
الثانية: الحديث المعروف المروي عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم : « أعمار أمتي بين الستين والسبعين» ... 252
الثالثة: القاعدة الطبيعية التي يقول بها الأطباء ... 253
الرابعة: قواعد أصحاب النجوم ... 253
ترجمة الإمام المهدي في أعيان الشيعة - السيد محسن أمين العاملي... 261
في دفع الشبهات التي وردت في أمر المهدي... 263
الشبهة الأولى : إنّ طول العمر بهذه المدة مستبعد ... 263
الجواب: الاستبعاد لا يدفع الأدلة النقلية والعقلية ... 263
احقاق الحق وإزهاق الباطل: الجزء الثالث عشر - السيد نور الله المرعشي التستري ... 269
مدة عمر الإمام المهدي علیه السلام بعد خروجه وأنّ السماء يرسل على الأمة مدراراً ولا تدخر الأرض عنهم : شيئاً ...271
الإمام المهدي في مصادر علماء الشيعة / الجزء الثالث - مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي ... 277
تقريب المعارف / تقي بن نجم الحلبي ... 279
مسألة طول الغيبة وطول عمر الحجة ... 281
شرح جمل العلم والعمل / الشريف المرتضى - تأليف: الشيخ الطوسي ... 291
طول الغيبة وزيادة عمرالغائب... 293
إعلام الورى بأعلام الهدى / الفضل بن الحسن الطبرسي ... 297
طول العمر وكمال العقل... 299
تاج المواليد في مواليد الأئمة ووفياتهم / الفضل بن الحسن الطبرسي ... 305
الفصل الثالث: في تفصيل ما مضى من عمر الإمام المهدي ... 307
الإمام المهدي في مصادر علماء الشيعة / الجزء الثالث - مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي ... 309
المنقذ من التقليد / محمود الحمصي الرازي ... 311
عدم استحالة طول العمر... 313
المسلك في أصول الدين / المحقق الحلّي ... 319
شبهة طول العمر... 321
أعلام الهداية (14) - المجمع العالمي لأهل البيت ... 323
طول عمر المصلح في الفكر العالمي ... 325
عمر الإمام المهدي - السيد علي السبزواري ... 327
الندوة الثانية: الإجابة على شبهة طول العمر... 329
تذكير ... 331
أجوبة الشبهات ... 331
الوجه الأول: الإمكان ... 332
الإمكان العام / الإمكان الخاص ... 332
جهات الإمكان / الجهة الأولى قدرة الخالق ... 332
الجهة الثانية: المقتضي / أولاً : العقل ... 332
ثانياً: العلوم والتجارب / ثالثاً: الشرع... 333
الجهة الثالثة: المانع ... 333
أولاً: الموانع الشرعية / القرآن / السنة... 335
ثانياً: الموانع الطبيعية ...338
الوجه الثاني: الولادة ... 339
الوجه الثالث: طول العمر... 340
الحركة الإصلاحية من الحسين إلى المهدي - السيد صدر الدين القبانجي ... 343
مشكلة طول العمر ... 345
إمام المهدي في القرآن والسنة والعلم - السيد صدر الدين القبانجي ... 347
السؤال السادس والأربعون : كم كان عمر الإمام المهدي... 349
محاضرات حول الإمام المهدي: الجزء الرابع - السيد علي الحسيني الصدر ...351
المحاضرة الرابعة: طول عمر الإمام علیه السلام 353
إشكالات المخالفين ... 355
لسان الفلاسفة: طول العمر مستحيل عقلاً ... 356
لسان المنجمين: الكواكب لا تعطي أحداً من العمر أكثر من مائة وعشرين... 356
لسان الأطباء وأصحاب الطبائع: إنّ العمر الطبيعي هو مائة وعشرين ... 356
أجوبة الشبهات ... 356
الإعجاز الإلهي ... 357
القرآن الكريم ...362
السنة النبوية ... 366
الوجدان ... 371
الطبيعة البشرية ... 372
الأصول العلمية... 374
الإمام المنتظر من ولادته إلى دولته - السيد علي الحسيني الصدر ... 377
البحث الثالث: عمر الإمام المهدي علیه السلام ... 379
أما الأحاديث الشريفة الخاصة بذلك ... 380
أما على ضوء القرآن الكريم... 382
وأما من دليل السنة المباركة... 388
وأما دليل الوجدان... 390
أما على صعيد الطبيعة البشرية ... 392
وأما على صعيد الأصول العلمية... 394
محاضرات حول الإمام المهدي علیه السلام - الشيخ أحمد الوائلي ... 401
السؤال الثالث: هل يمكن أن يتمتع بشر بهذا المقدار من العمر الطويل؟ ...403
وما فائدته وهو غائب عنا؟ ...403
الجواب ...403
آداب عصر الغيبة - الشيخ حسين الكوراني ... 407
العمر الطويل ... 409
حول رؤية المهدي المنتظر - الشيخ حسين الكوراني... 411
ثانياً: العمر الطويل ...413
معالم مهدوية - الشيخ نزار آل سنبل ... 425
المبحث الخامس طول العمر ... 427
طول العمر وفق الطب الحديث ... 430
وقفتان ... 431
الوقفة الأولى: مع بقاء نبي الله يونس إلى يوم يبعثون ... 431
الوقفة الثانية: وقفة مع الدجّال ... 431
المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي - السيد ثامر هاشم العميدي... 435
السؤال الثاني: طول العمر ... 437
السؤال الثالث: لماذا هذه الغيبة الطويلة ... 444
غيبة الإمام المهدي علیه السلام عند الإمام الصادق علیه السلام - السيد ثامر العميدي... 447
أولاً : شبهة طول العمر وجوابها في قول الإمام الصادق علیه السلام ... 449
المهدي المنتظر في حديث السنة المعتبر - الشيخ عادل الحريري ... 353
العمر الطويل علمياً وعملياً ... 455
بحث حول المهدي - السيد محمد باقر الصدر ... 465
كيف تأتى للمهدي هذا العمر الطويل ... 467
المعجزة والعمر الطويل... 477
لماذا كل هذا الحرص على إطالة عمره ... 481
الإمام المهدي عليه السلام أمل الشعوب - حسن موسى الصفار... 489
عمر الإمام المهدي الآن 1143 سنة ؟ ... 491
موسوعة الإمام المهدي في الكتاب والسنة والتاريخ - محمد الريشهري : المجلد الاول ... 497
الفصل الخامس : طول عمر الإمام المهدي علیه السلام ... 499
فيه سنة من نوح علیه السلام ... 499
مثله مثل الخضرعلیه السلام ... 500
مثله مثل عیسی علیه السلام ... 502
دراسة في طول عمر الإمام المهدي علیه السلام ... 503
أولاً: الأدلة الثبوتية لطول عمر الإمام ... 504
1 - الإمكان العقلي لطول العمر... 504
2- الإمكان العلمي لطول العمر... 504
3- أفضل دليل على إمكانية طول العمر ... 505
ثانياً: الأدلة الإثباتية على طول عمر الإمام المهدي علیه السلام ...507
1 - الأدلة النقلية ... 507
2 - الأدلة التجريبية ... 508
الموعود العدد (2) - مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي...509
الهزات الفكرية في زمان الغيبة أسباب وعلاج ) / الشيخ ماهر الحجاج ...511
الجانب الثاني: الشك في بقاء الإمام المهدي علیه السلام حياً ... 513
والجواب عن ذلك من ثلاث جهات ... 514
الأولى: وهي الجهة العقلية ... 514
الثانية: وهي الجهة الروائية... 515
الثالثة: وهي الجهة التاريخية النصية... 515
موسوعة الامام المنتظر علیه السلام - السيد محمد حسين الميرباقري... 517
الباب الرابع: شباهته علیه السلام بالأنبياء علیهم السلام ... 520
شباهته بآدم علیه السلام : طول العمر ... 521
شباهته بنوح علیه السلام طول العمر، تقدير إبطائه إبطاء نوح ... 521
الفهرس ... 525