ghaemiyeh.com
العنوان والمؤلّف: أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة
مركز إحياء التراث الإسلامي.
بيانات النشر: طهران شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.
بيانات الوصف: 10ج.
ردمك: -(مسلسل) 0-180-195-600-978
(ج.)6-188-195-600-978
حالة الفهرسة : CIP
ملاحظات المجال المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش
ملاحظات المجال: الفهارس العامّة
المحتويات: ج. 8. كتاب النكاح - الخلع
الموضوع :فقه الإمامية - ق 13هـ.
المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة مركز إحياء التراث الإسلامي
تصنيف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3
تصنيف ديوي: 297/342
رقم الإيداع: 3698114
أنوار الفقاهة
الجزء الثامن: كتاب النكاح - الخلع
مجموعة من المحققين
الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة
الإعداد والتحقيق: مركز إحياء التراث الإسلامي
الطبعة الأولى: 1436هـ / 2015م
الكمية: 1000 نسخة
العنوان: 301؛ التسلسل: 498
حقوق الطبع محفوظة للناشر
أنوار الفقاهة
حَسَن بن جَعْفَر كاشف الغطاء
1201-1262هـ
الجزء الثامن
النكاح - المباراة
المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة
مركز إحياء التراث الإسلامي
بسم اللّه الرحمن الرحيم
أنوار الفقاهة
حسن بن جعفر كاشف الغطاء
(1201 - 1262 هـ)
الجزء الثامن
كتاب النكاح، الطلاق، الخلع
المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة
مركز إحياء التراث الإسلامي
المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة
أنوار الفقاهة
الجزء الثامن: كتاب النكاح - الخلع
مجموعة من المحققين
الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة
الإعداد والتحقيق: مركز إحياء التراث الإسلامي
الطبعة الأولى: 1436هـ / 2015م
الكمية: 1000 نسخة
العنوان: 301؛ التسلسل: 498
حقوق الطبع محفوظة للناشر
العنوان: طهران، شارع الانقلاب، مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312
التلفون والفاكس: 982166951534+
ص. ب: 37185/3858، الرمز البريدي: 16439 - 37156
الموقع الإلكتروني: www.isca.ac.ir
البريد الالكتروني : nashr@isca.ac.ir
المدخل الرئيسي: كاشف الغطاء، حسن بن جعفر، 1201 - 1262هـ.
العنوان والمؤلّف: أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة
مركز إحياء التراث الإسلامي.
بيانات النشر: طهران شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.
بيانات الوصف: 10ج.
ردمك: -(مسلسل) 0-180-195-600-978
(ج.)6-188-195-600-978
حالة الفهرسة : CIP
ملاحظات المجال المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش
ملاحظات المجال: الفهارس العامّة
المحتويات: ج. 8. كتاب النكاح - الخلع
الموضوع :فقه الإمامية - ق 13هـ.
المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة مركز إحياء التراث الإسلامي
تصنيف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3
تصنيف ديوي: 297/342
رقم الإيداع: 3698114
كتاب النكاح
وفيه فصول:...27
الأوّل: في عقد النكاح الدائم...27
ثانيها: اشتراط التوالي بين الإيجاب والقبول في عقد النكاح...31
ثالثها: اشتراط تعيين الصيغة المؤثرة في عقد النكاح...34
رابعها: قبول عقد النكاح للشروط عدا شرط الخيار...36
خامسها: اشتراط تعيين الزوج للزوجة وكذا العكس...37
سادسها: حكم ما لو ادعى زوجيّة امرأة وادعت أُختها زوجينه وكذا أُمها أو بنتها...39
سابعها: حكم ما لو عقد على امرأة فادعى آخر زوجيتها...41
ثامنها: فيما يتعلق بما لو أذن المولى للعبد في شراء زوجته دواماً أو متعةً...44
القول في أولياء عقد النكاح...46
وفيه أُمور:...46
أحدها: في أنّ الأصل عدم ولاية شخص على غيره إلّا ما ثبتت...46
ثانيها: في أنّه إذا عقد الأب أو الجدّ على أحد الصغيرين فلا خيار له بعد البلوغ...48
ثالثها: استقلال البكر البالغة في مالها وفي النكاح مع عدم وجود الأب والجدّ...49
رابعها: سقوط ولاية الولي فيما لو عضلها عن التزويج بالأكفاء...57
خامسها: عدم ولاية الحاكم على الطفل مطلقاً وله الولاية على المجنون والسفيه البالغين اللذين لا أب لهما ولا جد...59
سادسها: في أن للبالغة الرشيدة أن تعقد لنفسها ولغيرها...64
سابعها: حكم ما لو زوّج الوليّ الإجباري أو غيره الصغيرة بدون مهر المثل أو الصغير بما فوق مهر المثل...65
ثامنها: في أنّ عقد الفضولي الواقع من جامع شرائط صحّة العقد صحيح في النكاح...67
تاسعها: في سقوط ولاية الكافر على المسلم وثبوت ولايته على الكافر...71
عاشرها: في سقوط ولاية المجنون والصغير والسفيه والمغمى عليه...72
حادي عشرها: حكم ما إذا زوج المولّى عليه كلّ من الأب والجدّ له...74
ثاني عشرها: يجوز للولي الإجباري تزويج المولى عليه بمجرد حصول الكفاءة...75
ثالث عشرها: عدم جواز نكاح الأمة بدون إذن مالكها...76
رابع عشرها: في أنّ تزويج الوليّ للصغير موجب للزوجيّة والتوارث...77
خامس عشرها: إذا أذن المولى لعبده في التزويج وقال له: لا مهر عليَّ ولا نفقة...82
سادس عشرها: استحباب استئذان البكر أو الثيب أباها وتوكيل أخيها...85
سابع عشرها : حكم ما لو زوجت الأم ولدها... 87
ثامن عشرها: إذا نسي الوكيلان أو الوليان أو الأصيلان السابق من العقد أو جهلاء....88
القول في أسباب التحريم...92
وهنا أُمور:...92
أحدها: في بيان مَنْ ما يحرم بالنسب مؤبداً...92
ثانيها: في بيان مَنْ يحرم بالرضاع...94
وفيه أُمور:...94
أحدها: في أنّه يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب...94
ثانيها: بيان المراد بالأُم والبنت والأُخت والعمة والخالة الرضاعيّات...97
ثالثها: بيان ما يشترط في الرضاع المحرم، والكلام في مواضع...97
أحدها: اشتراط كون المرضعة امرأة...98
ثانيها: اشتراط وصول عين اللبن من الثدي إلى معدة الصبيّ الحيّ...100
ثالثها: في أنّه يشترط في نشر الرضاع للحرمة الأثر والزمان والعدد...102
رابعها: في أنّه يشترط في الرضعات العددية واليومية كماليتها...110
خامسها: اشتراط كون الرضاع المحرم في الحولين...112
سادسها: اشتراط كون اللبن في الرضاع المحرم لفحل واحد...114
رابعها: في أن المرتضع بحكم الولد النسبي للفحل والمرضعة في انتشار الحرمة....118
خامسها: عدم حرمة جملة من النساء بالرضاع...121
سادسها: فيما ذهب بعض الأصحاب إلى عموم تنزيل الرضاع منزلة النسب...125
سابعها: في أنّه يحرم من المصاهرة في الرضاع ما يحرم في النسب...127
ثامنها : في أن الرضاع كما يمنع النكاح لو سبق عليه يُبطله لو لحقه...127
تاسعها: بيان المراد من حرمة المصاهرة بالرضاع...131
عاشرها: حكم ما إذا ادعى أحد الزوجين الرضاع المحرّم...136
حادي عشرها: جواز شهادة النساء على ثبوت الرضاع المحرّم...138
ثاني عشرها: حكم ما لو اشتبهت المحرّمة بالرضاع بغيرها...141
ثالث عشرها: حكم ما لو شكّ في حصول الرضاع المحرّم...142
رابع عشرها: حكم ما لو تزوج بنت الأخ أو الأخت على العمة أو الخالة من الرضاع...142
ثالثها: ما يحرم بالمصاهرة...143
وهنا أُمور:...144
أولها: حرمة أُمّ المرأة الموطوءة بالعقد الصحيح وبناتها على الواطئ...144
ثانيها: لو تجرّد العقد عن الوطء حرّمت المعقود عليها على أب العاقد وأولاده...145
ثالثها: عدم حرمة مملوكة الابن على الأب بمجرد الملك وحرمتها مع الوطء...148
رابعها: حرمة الجمع بين الأختين وبطلان عقد اللاحقة ما دامت السابقة زوجته...150
خامسها: حرمة الجمع بين العمة والخالة مع بنت الأخ أو الأُخت...152
بيان موارد جواز إدخال العمة والخالة على بنت أخيها وأُختها...152
سادسها: نشر الحرمة بالوطئ المجرّد عن العقد أو الملك إذا كان محلّلاً...158
سابعها: الزنى اللاحق للعقد لا ينشر حرمة المصاهرة...159
ثامنها: النظر واللمس في الحرائر إلى ما يحلّ النظر إليه وإلى ما لا يحل لا ينشر حرمة المصاهرة...164
تاسعها: بطلان العقد فيما لو جمع بين الأختين نسبيتين أو رضاعيتين بعقد واحد...169
عاشرها: حكم ما لو عقد على امرأة ثم عقد على أُختها أو اشتبه السابق باللاحق...170
حادي عشرها: فيما لو وطئ أمة بالملك حرم عليه وطء أُختها...172
فائدة: فيما حرّم بعض المتأخرين من الأخباريين الجمع بين فاطميتين...176
رابعها: ممّا يحرم بالسبب عدم جواز تزويج الحرّ بالمملوكة دواماً...176
خامسها: ممّا يحرم بالسبب: التزويج بالأمة على الحرّة المزوجة من دون إذن الحرة...181
سادسها: ممّا يحرم بالسبب: ما لو أوقب ذكراً مطلقاً حرم عليه أُمّ الموقوب وأُخته...184
سابعها: ممّا يحرم بالسبب : ما لو عقد المُحْرم على امرأة لنفسه عالماً بالتحريم حرمت عليه أبداً وإن لم يدخل بها...186
ثامنها: ممّا يحرم بالسبب ما لو تزوّج امرأة في عدتها من غيره عالماً بالعدة والتحريم حرمت عليه أبداً...187
تاسعها: ممّا يحرم بالسبب الزنى بذات البعل أو بذات العدّة الرجعية...189
عاشرها: ممّا يحرم بالسبب الكفر ابتداء أو استدامة...191
وفيه مباحث:...191
أحدها: حرمة عقد المسلم على غير الكتابية دواماً ومتعةً...191
حرمة العقد الدائم على الكتابية...191
ثانيها: في أنّه يلحق باليهود والنصارى المجوس في الحكم المتقدّم...194
ثالثها: في انفساخ النكاح بارتداد أحد الزوجين...195
رابعها: حكم ما لو أسلم أحد الزوجين الكافرين...197
خامسها: في أن مَنْ بدل دينه من الكفّار إلى دين غير الإسلام لم يقبل منه...199
سادسها: في أنّ الكفّار يقرون على ما هو صحيح عندهم...200
سابعها: إذا أسلم الكافر على أكثر من أربع كتابيات أو غير كتابيات...201
ثامنها: عدم كفاية القصد والنية في الاختيار بل لابد من القول الصريح أو الكناية المفهمة...203
تاسعها: إذا أسلم العبد عن أربع حرائر وتنيات مدخول بهن ثم أُعشق ولحقن به في العدة...204
عاشرها: حكم ما إذا أسلمت الوثنية فتزوج زوجها بأختها قبل إسلامه...205
البحث في الكفاءة...206
وفيها فوائد:...206
الأولى: اشتراط تساوي الزوجين في الإسلام وبطلان العقد بدونه...206
الثانية: عدم اشتراط يسار الرجل للإنفاق في صحّة العقد...209
الثالثة: حكم ما لو تجدّد عجز من الزوج عن النفقة...210
الرابعة: عدم وجوب إجابة الخاطب إذا كان كفواً على البكر والثيب...211
الخامسة: حكم ما إذا تزوج امرأة ثمّ علم أنّها زنت مرّةً أو مراراً...211
السادسة: حكم ما إذا انتمى شخص لقبيلة وتزوّج فبان من غيرها...212
خاتمة في حرمة التعريض بالخطبة لذات العدّة الرجعية...212
البحث في النكاح المنقطع...214
وفيه مباحث:...214
الأوّل: ثبوت نكاح المتعة في زمن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبعده...214
الثاني : اشتراط كون المتمتع بها مسلمةٌ أو كتابيّةً أو مجوسيّةً...216
الثالث: اشتراط ذكر المهر لفظاً أو ما قام مقامه...218
الرابع: في أنّه تملك المرأة المهر بالعقد...219
الخامس: جواز هبة الزوج للزوجة مدة المتعة...221
السادس: حكم ما لو ظهر فساد عقد المتعة من جهة المحلّ أو الصيغة...222
السابع: لزوم ذكر الأجل لفظاً أو ما هو بحكمه في عقد المتعة...224
الثامن: لو ترك المتعاقدان المتعة والأجل عمداً أو غفلةً بعد قصدهما فعقدهما باطل...225
التاسع: ضرورة كون الأجل المشروط زمانياً...227
العاشر: قابلية عقد المتعة للشروط السائغة...228
الحادي عشر : عدم وجوب وطء الزوجة في المتعة على الزوج وعدم حرمة العزل...230
الثاني عشر: في أنّه لا ميراث بين الزوجين في المتعة...231
الثالث عشر : في بيان عدة المتمتع بها إن كانت مدخولاً بها ولم تكن صغيرة ولا يائسة...233
الرابع عشر: في بيان عدة المتمتع بها في الوفاة...235
الخامس عشر: في أنّه لا يجوز للزوج الزيادة في الأجل بعد تمام العقد ولا أن يعقد عليها بزيادة على أيامها...236
القول في نكاح الإماء...237
وفيه مباحث:...237
أحدها: عدم جواز نكاح العبد والأمة من دون إذن سيدهما...237
ثانيها: إذا أذن السيد لعبده في النكاح على وجه الإطلاق تعلّق المهر والنفقة بذمته...238
ثالثها: إذا تزوّج العبد أمة مولاه كانت أولادهما له وحكم ما إذا تزوّج غيرها...240
رابعها: لو كان أحد الأبوين حرّاً والآخر مملوكاً يتبع الولد الحرّ منهما...240
خامسها : إذا تزوّج الحرّ أمةً بدون إذن سيدها...241
سادسها : إذا ادعت الأمة الحرّيّة كاذبةٌ فتزوجها الحرّ جاهلاً بفساد دعواها...243
سابعها: جواز تزويج السيد أمته لعبده وعبد غيره...246
ثامنها: إذا تزوّج العبد بحرة من غير إذن وكان العبد جاهلاً بالحرمة...246
تاسعها: إذا تزوّج أمةٌ بين شريكين فاشترى أو ملك مطلقاً حصة أحدهما أو بعضها...247
البحث في الطوارئ...249
وفيها مباحث :...249
أحدها: عتق الأمة كلاً موجب للخيار لها في فسخ عقدها دواماً إذا كانت تحت عبد...249
ثانيها: في أنّه يجوز لمالك الأمة تزويجها وعتقها وجعل عتقها صداقها...251
ثالثها: عدم جواز نقل أُمهات الأولاد بأي ناقل...253
رابعها: في أن نقل الأمة ممّا يوجب الخيار للمشتري في فسخ عقدها...255
خامسها: في أن للعبد طلاق زوجته حرّة أو أمة لغير مولاه...259
سادسها: لو طلق الزوج الأمة ثم باعها المالك أو العكس كفى اعتدادها عن الاستبراء لمشتريها...261
القول في الملك...262
وهنا مباحث:...262
أحدها في ملك العين وما يتعلّق به...262
ثانيها: في ملك المنفعة...265
وفيه مباحث:...265
أحدها: في أنّه يجوز لمالك الرقبة إباحة أمته للوطء مع استكمال الشروط...265
ثانيها: في أنّه يشترط لهذا التحليل صيغة خاصة...266
ثالثها: حكم ما إذا أحلّ له دون الفرج فافتضها...268
رابعها: صحّة تحليل السيد أمته لعبده وعبد غيره...270
خاتمة: في كراهة وطء الأمة الفاجرة والمولودة من الزنى...270
القول في أحكام العيوب...272
وفيه مباحث:...272
أحدها: الجنون عيب مشترك بين الرجل والمرأة يُردّ كلّ منهما به الآخر مع الجهل به...272
ثانيها: في ثبوت الخيار بالخصاء مع الجهل به إذا كان قبل الدخول...273
ثالثها: في ثبوت الفسخ للمرأة بالعنن الحاصل قبل الدخول مع جهل المرأة به...274
رابعها: في أنّه من العيوب الموجبة للفسخ الجب...275
خامسها: ثبوت خيار الفسخ لكلِّ من الزوجين بالجذام الكائن قبل العقد...275
سادسها: فيما يثبت به خيار الفسخ للرجل بالنسبة إلى المرأة...276
سابعها: ثبوت خيار الفسخ للرجل باللحم أو العظم النابتان في الفرج...277
ثامنها: في أنّه ممّا يثبت به خيار الفسخ للرجل: الإفضاء...278
تاسعها: في أنّه ممّا يثبت به الخيار للرجل: العمى...278
عاشرها في أنّه ممّا يثبت به الخيار للرجل: العرج عرفاً...279
حادي عشرها: عدم ثبوت الخيار للرجل بالزنى ولا بالمحدودة...280
ثاني عشرها: ثبوت الخيار عند العلم بالعيب وسقوطه عند التراخي بالفسخ...280
ثالث عشرها: عدم جواز الفسخ لزوجة العنين قبل الرجوع إلى الحاكم...281
رابع عشرها: حكم ما لو فسخ الزوج بعد الدخول...282
خامس عشرها: في أن الدخول مع الجهل بالعيب لا يُسقط الردّ بالعيب السابق عليه...283
سادس عشرها: فيما يظهر من بعض الأخبار من ثبوت المهر كملاً على الخصي مع الخلوة...283
سابع عشرها : ثبوت العنّة بإقرار الزوج وبنكوله عن اليمين و...283
ثامن عشرها: عدم جواز الفسخ بالعنن المتأخر عن الدخول...284
تاسع عشرها: للولي فسخ العقد من قبل الرجل والامرأة إذا رأى في الفسخ مصلحة...284
العشرون: حكم ما لو ادعى الزوج وطء زوجته بعد الإقرار بالعنن فأنكرت الزوجة...285
القول في التدليس...287
في تعريف التدليس وأنواعه...287
وهنا مباحث:...288
أحدها: حكم ما لو تزوّجت الحرّة عبداً دلّس نفسه أو دلّسه مولاه أو أجنبي...288
ثانيها: حكم ما لو تزوج امرأةً بشرط البكارة فتبين أنها تيب قبل العقد...288
ثالثها: حكم ما لو تزوج امرأة بوصف الإسلام أو دلّست نفسها كذلك فظهرت كافرة...290
رابعها: ثبوت الخيار للمشترط من الزوجين عند العلم بفواته إذا كان الشرط من الأوصاف المعتد بها...290
خامسها: فيما لو تزوّج العبد امرأة على أنّها حرّة فظهرت أمةً كان له الخيار...291
سادسها : حكم ما إذا غرّت المكاتبة الزوج في دعوى الحرّية...293
سابعها: لو تزوج رجلان بامرأتين فأدخلت زوجة كلّ واحدٍ منهما على الآخر...294
ثامنها: حكم ما لو تزوج بنت مهيرة فظهرت بنت أمة...295
تاسعها: لو شرط الحرّية في العقد أو تزوّج بدعوى الحرية من الزوجة...296
البحث في المهور...299
وفيه مسائل:...299
أحدها: في تعريف المهر...299
ثانيها: صحّة المهر بكل ما يتموّل وكان مملوكاً للعاقد أو لغيره مع رضاه بالعقد عليه...299
ثالثها: حكم ما لو عقد الذميان ونحوهما على خنزير أو خمر أو نحوهما...301
رابعها: صحّة جعل كلّ ما يتموّل مهراً...303
خامسها: كفاية المشاهدة والتعيين بالوصف الرافع للإبهام في المهر...305
سادسها: عدم اشتراط ذكر المهر في صحّة العقد...306
سابعها: حكم ما لو عقد على مجهول...307
ثامنها: حكم العقد والمهر فيما لو عقد على ما يظنّان صلاحيته للمهر فبان غيره...309
تاسعها: اشتراط ذكر المهر في نفس العقد أو متأخراً عنه متصلاً به أو متقدماً عليه...311
عاشرها: حكم ما لو تزوّج المرأة على كتاب اللّه وسنّة نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكتفياً بهذا اللفظ عن ذكر المهر...312
حادي عشرها في أن المهر مضمون على الزوج قبل قبضه...314
ثاني عشرها: حكم ما إذا خرج المهر معيباً مع الجهل به قبل العقد أو قبل القبض وكان كلياً أو معيّناً...315
ثالث عشرها: حكم ما لو وجدت الزوجة المهر ملك الغير...316
رابع عشرها: عدم جواز امتناع الزوجة من تسليم بضعها...317
وهنا فوائد :...320
أحدها: عدم الفرق بين الامتناع عن كلّ المهر أو بعضه في جواز امتناع الزوجة إذا امتنع عن دفعه...320
ثانيها: فيما لو كان الزوج معسراً لا يتمكن من المهر فهل لها الامتناع؟...320
ثالثها: عدم سقوط النفقة فيما لو امتنعت عن تسليم نفسها لمكان امتناعه عن تسليم المهر مع إيساره...321
رابعها: أن المتيقن من جواز امتناع المرأة من تسليم نفسها هو ما إذا كان المهر حالاً...321
خامسها: فيما إذا دخل الزوج عليها برضاها من دون بذل المهر فليس لها الامتناع بعد ذلك...322
سادسها: حكم ما لو شرط عليها فى ابتداء العقد عدم الامتناع منها لو امتنع عن تسليم المهر...322
سابعها: حكم ما لو بذلت البضع ولكن لم يستوفه الزوج باختياره...322
ثامنها: حكم ما لو دفعه لها فمنعت نفسها...322
تاسعها: حكم ما لو كانت صغيرة وطلب الولي المهر...322
عاشرها: فيما يتعلّق بما إذا بذلت له القُبُل دون الدُبُر أو بالعكس...323
حادي عشرها: حكم ما لو كانا صغيرين أو كان الزوج صغيراً...323
ثاني عشرها: فيما لو دفع وليّ الصغير المهر فبلغ فهل له ارتجاعه إذا امتنعت؟...323
ثالث عشرها: فيما لو وطئ الزوج المجنونة أو الصغيرة لم يعتبر هذا الوطء.. 323
رابع عشرها: حكم ما لو شرط عليها ارتجاع المهر بعد دفعه لو امتنعت قبل الدخول...323
خامس عشرها : عدم الفرق في الأحكام المذكورة بين عقد الدائم والمتعة...323
سادس عشرها: حكم ما لو وطأها وهي غير عالمة بأن لها حق الامتناع فعلمت بعد ذلك...323
سابع عشرها: لو أمهرها مهراً فاسداً كان لها الامتناع حتّى يعطيها مثله أو قيمته أو مهر المثل...323
القول في التفويض...324
معنى التفويض لغةً وشرعاً...324
وفيه أُمور:...324
أحدها: في جواز إخلاء عقد النكاح عن ذكر المهر...324
ثانيها : في عدم وجوب المهر بنفس العقد في المفوّضة ووجوب مهر المثل مع الدخول...325
ثالثها: في أن فرض المهر عائد إلى الزوج أو الزوجة...326
رابعها: صحّة التفويض من الولي...328
خامسها: إذا طلق الزوج المفوّضة قبل الدخول وقبل الفرض كان لها المتعة...328
سادسها: في أنّ للمفوّضة مهر المثل إذا دخل بها الزوج قبل الفرض...331
سابعها: وجوب مهرالمثل في غير المفوّضة بالوطء...333
ثامنها: من التفويض ما يسمّى تفويض المهر...335
القول في وجوب جميع المهر بالدخول وتنصيفه مع عدمه والعفو عنه...339
وفيه مباحث:....339
أحدها: في استقرار المهر على الزوج بالدخول على الزوجة...339
ذكر أخبار تدلّ على هدم الزوج صداقها بالدخول...339
ثانيها: في أنّ الموجب لاستقرار المهر هو الوطء الموجب للغسل...341
ثالثها: في أنّه يُملك المهر بنفس العقد...344
رابعها: في تنصيف المهر إذا طلق الزوج قبل الدخول...346
خامسها: فيما لو تعلّق بالمهر من طرف الزوجة حق لازم...351
سادسها: فيما لو كان مهر الزوجة حيواناً حاملاً وأُدخل الحمل في المهر فطلقها قبل الدخول...352
سابعها: حكم ما لو أصدقها حليّاً فكسرته أو انكسر عندها فأعادته صنعة أُخرى...354
ثامنها : لو أصدق الكافر الكافرة خمراً فطلق قبل الدخول بعد القبض والإسلام ولكنه صار خلاً في يدها...355
تاسعها حكم ما لو أصدقها تعليم سورة فطلقها قبل الدخول...355
عاشرها: لو أبرأته من الصداق أو وهبته له أو خالعها عليه أو...فطلقها قبل الدخول...356
حادي عشرها: حكم ما لو وهبته المهر فارتدت قبل الدخول...357
ثاني عشرها: لو زوج الأب أو الجد صغيراً على كبير أو صغير وشرط أن المهر منه أو من مال الصغير أو أطلق...358
ثالث عشرها : عدم تنصف المهر بموت الزوج قبل الدخول...361
رابع عشرها: جواز عفو الزوجة عن مهرها...363
خامس عشرها: جواز عفو المهر لمن بيده عقدة النكاح...364
سادس عشرها: المتيقن دخوله فيمن بيده عقدة النكاح هو الأب والجد له...465
القول في الشرائط المأخوذة في عقد النكاح...369
وفيه مباحث :...369
أحدها: لزوم الشرط المشروع الواقع في العقد على المشروط عليه...369
ثانيها: لو اشترط أحد الزوجين شرطاً منافياً للكتاب أو السنّة أو لمقتضى العقد...370
ثالثها: حكم ما لو شرط لها إن تزوّج عليها امرأة أو هجرها فهي طالق...370
رابعها: حكم ما لو شرطت على الزوج أن لا يفتضّها...372
خامسها: حكم ما لو شرطت الزوجة على الزوج سكنى بلد خاص أو أن لا يخرجها من بلدها...373
سادسها: حكم ما لو شرط على الزوجة عدم الإنفاق عليها فعلاً أو أن لا نفقة لها...376
القول في التنازع والاختلاف...377
كتاب الطلاق
معنى الطلاق في عرف الشرع أو المتشرعة...387
وفيه مباحث :...387
الأوّل: في المطلق...387
ويشترط فيه أُمور:...387
أحدها: اشتراط البلوغ...387
الثاني : اشتراط العقل...389
الثالث: اشتراط القصد...389
الرابع: اشتراط الاختيار...391
الخامس: اشتراط كون المطلق أصيلاً أو وكيلاً أو ولياً...392
الثاني: في المطلقة...394
وفيها أمور:...394
أحدها: كون الزوجة باقيةً على زوجيتها وكونها زوجةً بالعقد الدائم ومعيَّنةً...394
الثاني: اشتراط كون المطلقة مستبرأة من الطهر الذي واقعها فيه...395
الثالث: اشتراط عدم كون المطلقة حائضاً حيضاً شرعياً...397
الثالث في الصيغة...401
وفيها أُمور:...401
أحدها: اشتراط ذكر المطلقة باسمها أو وصفها أو باسم الإشارة إليها أو الكناية عنها...401
ثانيها: اشتراط الجزم في الصيغة...404
ثالثها: عدم تعقب الطلاق بقيد أو وصف ينقضه ويُبطله...405
الرابع: الإشهاد...408
في بيان ما يشترط في الإشهاد...408
القول في طلاق المريض، وبيان ما يتعلق به من الأحكام...410
القول في أقسام الطلاق...416
بيان أنواع الطلاق...416
وهنا فوائد :...417
الأولى: في حرمة المطلقة ثلاثاً على زوجها حتّى تنكح زوجاً غيره...417
الثانية: في أنّ المطلقة تسعاً للعدّة تحرم مؤبداً...418
الثالثة: يصح طلاق الحامل مرة وجواز طلاقها مرّةً أُخرى بعد المراجعة في المرة الأولى والمواقعة...420
الرابعة: جواز طلاق الحائل بعد الطلاق الأوّل إذا تخلّلت بين الطلاقين رجعة مجردة عن الوقاع...422
الخامسة : حكم ما إذا طلق الغائب زوجته غيبةً يتعسّر معها معرفة حال الزوجة وكذا الحاضر الغير المتمكن من المعرفة...423
القول في المحلل...425
وفيه أُمور:...425
أحدها: فيما إذا طلق الرجل ثلاثاً حرمت عليه حتّى تنكح زوجاً غيره...425
الثاني : في أنّه يشترط في المحلل البلوغ...426
الثالث: في أنّه لا يشترط الإنزال...427
الرابع: حكم ما لو ادعت الزوجة التحليل والفراغ من عدة المحلل...428
الخامس: لو اشترى أمةً قد طلقها طلقتين حرم عليه وطؤها حتّى تنكح زوجاً غيره...429
القول في الرجعة...430
بيان الرجعة عند المتشرعة...430
وفيه أُمور:...430
أحدها: في أن الرجعة من حقوق الزوج لا الزوجة...430
ثانيها: في أنّ الرجعة إعادة النكاح الأوّل بعد زواله بالطلاق...430
ثالثها: الرجعة من الإيقاعات لا من الأحكام والأسباب الشرعيّة...431
رابعها حكم ما إذا راجع الزوج في العدّة فأنكرت الإصابة والدخول...433
القول في العدد...437
تعريف العدة شرعاً...437
وفيه مباحث:...437
أحدها: في أنّه لا عدة على من لم يدخل بها...437
ثانيها: المراد بالدخول هو الوطء قبلاً أو دبراً...437
ثالثها: في أنّه لا عدة على اليائسة...439
رابعها: في أن العدة تكون بالأشهر...441
خامسها: في أنّه تكون العدة بالأقراء...443
سادسها: حكم ذات الأقراء لو يئست في أثناء العدة...445
سابعها: حكم مَنْ كانت في سنّ مَنْ تحيض وقد وقع منها الحيض...445
ثامنها: في بيان عدة من تحيض في أكثر من ثلاثة أشهر...447
تاسعها: في بيان عدة المبتدأة إذا اعتدت بعد الطلاق بالأشهر ففاجأها الدم فيها...448
عاشرها: في بيان عدّة المستمرة الدم...448
حادي عشرها: في أنّه تعتد الحامل من الطلاق وما يلحق به بوضع الحمل...449
ثاني عشرها: لو مات الزوج في العدّة البائنة أتمت الزوجة عدتها من الطلاق ولا عدة عليها للوفاة...451
ثالث عشرها: فيما لو حملت المرأة من الزنى فلا عدّة...452
رابع عشرها: لو اختلفا في زمن الطلاق والولادة فادعى الزوج سبق الطلاق وادعت هي سبق الولادة أو العكس...453
خامس عشرها: في بيان عدة المتوفى عنها زوجها...454
سادس عشرها: لزوم الحداد في العدّة على من مات زوجها...455
سابع عشرها: في بيان ما يتعلّق بالمرأة المفقود زوجها...457
فوائد :...459
الأولى: في أن المفقود يشمل الضائع والمنقول من فراشه والمفقود في بلده...459
الثانية: فيما إذا ثبت موت المفقود عند زوجته جاز تزويجها لمن أخبرته بموته...459
الثالثة: هل يشترط فى مدة التأجيل ضرب الحاكم لها ؟...460
الرابعة: هل الأربع سنين ظرف لتطلب الحاكم أو يكون بعدها؟...460
الخامسة: فيما لو أرسل الحاكم رسولاً ليخبره اشترط فيه العدالة أو الأمانة في الصدق...461
السادسة: حكم ما لو تعذر البحث من الحاكم...461
السابعة: هل يتوقف الاعتداد على أمر الحاكم؟...461
الثامنة: حكم ما لو تبيّن موت المفقود قبل إنفاق الحاكم على زوجته...461
التاسعة في أنّه لا توارث بينها وبين الزوج لو مات أحدهما بعد العدة...461
العاشرة: حكم ما لو أتت بولد لستة أشهر من دخول الثاني...462
الحادية عشرة: حكم ما لو تزوّجت بعد العدّة فظهر موت الزوج قبل النكاح...462
الثانية عشرة : حكم ما لو اعتدت فجاءها خبر موته بعد العدّة...463
الثالثة عشر : عدم وجوب الحداد في عدّة المفقود...463
الرابعة عشر: فيما لو وُجد للمفقود مال أيام الانتظار بطل الانتظار...463
الخامسة عشر: حكم ما لو طلقها الزوج أو ظاهر أيّام العدّة...464
السادسة عشر: حكم ما لو حضر زوجها وقد خرجت من العدّة فتزوّجت...464
السابعة عشر: ثبوت التحريم المؤيَّد على مَنْ تزوّج هذه المرأة في عدتها...466
الثامنة عشر : لو تبين موت الزوج قبل العدّة مع الغلط في الحساب...466
التاسعة عشر : لو كان الحاكم آيساً من العثور على خبره قبل ضرب المدّة أو في أثنائها...467
العشرون: حكم ما لو بذل لها النفقة متبرع في أثناء التربص...467
الحادية والعشرون: في أنّه لا يلحق ببينونة الزوجة بعد الحكم ببينونة أزواجه الباقية التي لم يرفعن أمرهنّ إلى الحاكم...467
الثانية والعشرون: لو جاء خبر حياته على لسان عدل فبطل تربصها أو اعتدادها ثم تبين بعد ذلك كذب الخبر...467
الثالثة والعشرون: حكم ما لو تبين الخطأ في كونه مفقوداً...468
الرابعة والعشرون: في أنّ حكم الأمة حكم الحرّة إلّا في العدة...468
القول في عدد الإماء والاستبراء...469
وفيه أُمور :...469
أحدها: في أنّ عدّة الأمة مع الدخول والطلاق طهران...469
الثاني: فيما لو أُعتقت الأمة ثم طلقها زوجها أو مات عنها أو فسخت...471
الثالث: في أنّ عدّة الذمّيّة إذا كانت حرّة كالمسلمة...472
الرابع: عدّة الأمة غير ذات الولد من مولاها إذا زوجها المولى فمات زوجها...473
الخامس: عدّة أُمّ الولد من مالكها إذا زوجها فمات زوجها عدّة الحُرّة...473
السادس: إذا مات مولى الأمة المزوّجة فلا عدة عليها من موت مولاها...474
السابع: في أنّ الأمة إذا أُعتقت فبانت من مولاها اعتدت عدة الحرة المطلقة...476
الثامن: في أنّ الأمة إذا تحرّرت في العدة انقلبت عدتها عدة الأحرار.. 477
الكلام في اللواحق...478
وفيه أُمور:...478
أحدها: محاسبة عدة الطلاق من حين وقوعه إلى تمام المدّة...478
ثانيها: حكم ما إذا اجتمعت موجبات العدد وكانت الموجبات من واحد.. 480
ثالثها: حكم ما إذا اجتمعت عدّتان لشخصين...482
رابعها: استحقاق المطلّقة الرجعية للنفقة والسكنى مادامت معتدة وكانت غير ناشزة زمن الزوجيّة.. 483
خامسها :عدم جواز خروج المطلقة الرجعية من بيتها ولا إخراجها منه...485
تتمة في بعض أحكام الاستبراء...492
كتاب الخلع
تعريف الخلع لغة وشرعاً...497
وفيه مباحث:...498
أحدها: الصيغة...498
وهنا فوائد :...498
إحداها: وقوع الخلع بلفظ الطلاق...498
الثانية: فيما إذا ابتدأ الزوج بصيغة الخلع لزم الزوجة القبول فوراً...499
الثالثه : في أنّه يكفي في الخلع ذكره مجرّداً عن الطلاق...500
الرابعة : هل لفظ الخلع مجرّداً عن الطلاق طلاق أو فسخ ؟...501
الخامسة : في أنّ عقد الخلع لازم من طرف الزوج ما لم ترجع في البذل...502
السادسة: في أن لفظ الطلاق لو تجرّد في مقام الفدية كان خلعاً...505
السابعة: لو قالت له: طلقني بألف فتأخر ثمّ طلّقها بعد ذلك بألف وأتى بلفظ الخلع...506
ثانيها: اشتراط كراهة الزوجة في الخلع...507
ثالثها: اشتراط البلوغ والعقل والاختيار في الخالع...510
رابعها: في أنّه يشترط في المختلعة ما يشترط في الطلاق...513
خامسها: اشتراط كون الفدية عوضاً عن نكاح دائم...514
سادسها : صحّة بذل الزوجة في الخلع من مالها ومن مال غيرها بإجازته...515
سابعها: حكم ما لو ادعى الوكيل الوكالة في البذل فتبين كذبه...517
ثامنها: في أنّ عقد الخلع لا يقبل التعليق...518
تاسعها: في أنّ الفدية تكون عيناً ومنفعةً وحقاً وإسقاط حق مالي...518
عاشرها: في أن وكيل الزوج في الطلاق ووكيل الزوجة في البذل لو عين لهما الموكل شيئاً لزمهما...519
حادي عشرها : صحّة كون بذل الزوجة إرضاع ولده منها أو من غيرها...519
ثاني عشرها: حكم ما لو اتفقا على وقوع الخلع واختلفا بالزيادة والنقصان...519
ثالث عشرها: حكم ما لو سألته زوجتاه الطلاق بألف فطلقهما دفعةً أو طلّق واحدةً...520
رابع عشرها: حكم ما لو قالت: طلقني ثلاثاً على أنّ لك عليّ ألفاً...520
خامس عشرها: حكم ما لو قالت: طلقني واحدةٌ بألف فطلق ثلاثاً...521
القول في المباراة...522
في معنى المباراة لغةً وشرعاً...522
في ذكر ما تختص به المباراة...522
أحدها: في أنّه لابد في المباراة من كراهة الزوجين...522
ثانيها: في أنّه يكفي في المباراة مجرّد الكراهة ولا تفتقر إلى الكلام الصادر من المرأة في الخلع...522
ثالثها: في أنّه يشترط إتباع صيغة المباراة بالطلاق...523
رابعها: في أنّه تختص المباراة بعدم جواز أخذ الزيادة على ما أعطاها حضوراً وغيبة...523
خامسها: فيما يقال باختصاص المباراة بأنّها لو رجعت ببعض الفدية جاز له الرجوع بها...524
كتاب النكاح
بسم اللّه الرحمن الرحيم
وصلى اللّه على محمّد وآله الطاهرين، وبه نستعين وبعد، فيقول الراجي عفو ربِّه الأحقر حسن ابن الشيخ جعفر: هذا
الأوّل: في عقد النكاح الدائم (1)
لما كان الأصل المأخوذ من الكتاب والسنّة والإجماع هو عصمة الفروج، وعدم جواز التصرف بها من دون سبب شرعي يدلّ عليه قاطع أو ينتهي إلى قاطع، وقد ورد الأمر بالاحتياط فيها، وأنّ أمرها شديد، وأنّ عليها مدار الأنساب والمواريث (2)، وجب الاقتصار فيها على المحلل المقطوع بتحليله.
ولا يجوز التمسك فيها بأصل الإباحة والبراءة، ولا بما شك في حصول السببية فيه؛ لمشابهتها العبادات الممنوع فيها من التمسك بالأصول العقلية.
وحينئذٍ فلا يكفي في تحليلها مجرد الرضى الباطني، كالأموال؛ لأنّ أمر الفروج أعظم من أمر الأموال، وأدنى من أمر النفوس.
1) كذا قوله: «وفيه فصول الأوّل:...» والظاهر أنّه سهو من قلمه الشريف حيث لم يعقبه بـ«الفصل الثاني و...». بل عقبها بقوله «القول في أولياء عقد النكاح» ومثله.
2) وسائل الشيعة 20: 258 - 259، الباب 157 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، ح 1 - 3، و 311، الباب 1 من أبواب النكاح المحرم...، ح،15، و 332 - 333، الباب 18 من تلك الأبواب، ح 12، و 517، الباب 1 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، ح 2.
ولا يكفي فيها ما دلّ عليه من الأفعال، كالإشارة والكتابة والمعاطاة، ما عدا ماكانت إشارته كلفظه، كالأخرس وما شابهه ممن لا يتمكن من الكلام، مع أن الأحوط لغير الأخرس التوكيل لغيره مع تمكنه منه.
والظاهر أنّ الإجماع محصّل على عدم جواز استحلال الفرج بمجرد الفعل للمتمكن من القول معاطاةً كان الفعل أم غيره، مضافاً إلى المستفيض المنجبر بالاحتياط وبفتوى الأصحاب: «إنما يحلّل الكلام ويحرم الكلام» (1).
ولا يكفي اللفظ الغير العربي للمتمكن منه إذا كان عربياً، وربما يدعى عليه الإجماع. وأما الاكتفاء به للعجمي فهو وجه. ولكن الاحتياط على خلافه.
ومَنْ لم يتمكن من العربي جاز له الاكتفاء بغيره إذا لم يمكنه التوكيل؛ لمكان الضرورة، ورفع العسر والحرج.
وهل يقدم العجمي على غيره، أو تتساوى جميع الألسن، أو يعمل كلّ على لسانه؟ وجوه، أحوطها الأخير.
ومع إمكان التوكيل أيضاً يقوى القول بالاكتفاء، وفي الاكتفاء بإشارة الأخرس مع تمكنه من التوكيل دلالة عليه، إلّا أنّ الأحوط التوكيل.
ولو دار الأمر بين العربي الملحون ببنيته، وبين العجمي، قدم العجمي.
ولو كان ملحوناً بإعرابه، فوجهان. ولا يبعد لزوم تقديم العربي.
ولا يكفي في العقد كلّ لفظ عربي، بل لا بد من الاقتصار على المقطوع به في السببية؛ لما ذكرناه. ومَنْ أجاز كلّ لفظ دالّ على المقصود؛ استناداً لعموم (أوفُوا بِالعُقُودِ) (2)ولإطلاق أدلّة النكاح (3)، ولخلق الأخبار من ذكر صيغة خاصة، فقد خالف إطباق الجمهور من الفقهاء، وتعدّى عن تلك القواعد والضوابط والاحتياط، واستناده للعموم والإطلاق مردود: بضعف العموم عن التمسك به في مثل هذا المقام؛ لشبهه بالمجمل، أو لانصرافه إلى المعهود المتعارف، وبضعف الإطلاق أيضاً؛ لانصرافه إلى عقد النكاح المعهود شرعاً أو المقطوع به عرفاً.
وكذا استناده لخلق الأخبار عن ذكر الصيغ؛ فإنّه مردود أيضاً: بأن الصيغ لما كانت معلومةً
في زمن الصدور معهودةً بينهم استغني بذلك عن بيانها وتعليمها.
وما ورد في الأخبار الآتية (1)ممّا ظاهره الاكتفاء بفعل الأمر والمستقبل ليس وارداً في مساق تعليم الصيغ، بل في بيان شرائط أُخر ليترتب عليها وقوع الصيغ المعهودة.
وعلى ما ذكرناه فلا يصح العقد بالمجاز، قريبه وبعيده، مشهوره وغيره.
فلا يصح في عقد النكاح ما أخذ من لفظ «الهبة» أو «العارية» أو «التمليك» أو «الصدقة» أو «البيع» سواء تعلّقت بعين الامرأة أو بمنافعها أو ببعضها، ولا يصح بالكناية، قريبة أو بعيدةً، كلّ ذلك للاحتياط، ولشبهه بالعبادة.
ويصح بالحقيقة المتحدة، والمشترك اللفظي أو المعنوي مع قيام القرينة على الفرد المراد.
فيصح فيما أُخذ من مادة «التزويج» أو «النكاح» على النحو المعهود؛ لكونهما حقيقةً في الدائم دون المنقطع، أو مشتركاً بينهما معنى أو لفظاً، وأظهر أفرادهما الدائم، أو يكون ترك ذكر الأجل قرينة على إرادته.
ومبنى ذلك على أن الدائم والمنقطع فردان متغايران يشترك بينهما لفظ «النكاح» أو أنّ المنقطع فرد من النكاح المطلق مقيد بالأجل، فما لم يتقيد به عاد مطلقاً، والمطلق هو الدائم بحكم الشارع، ونظيره البيع المطلق، والسَّلَم المقيد بالأجل، فعلى الأوّل يحتاج الدائم إلى قرينة ولو بترك الأجل، ويحتاج إلى القصد إليه بخلاف الثاني فيكفي فيه عدم ذكر الأجل، وعدم ا القصد إليه.
ووقوع النكاح بالصيغة المأخوذة من تلك المادتين إجماعي، إلّا أن وجه الاشتقاق من التزويج ظاهر في «زوجتك» لاشتمالها على إنشاء التزويج الذي هو العلقة المطلوبة بين الشخصين، ووجهه في النكاح بعيد؛ لأنه إن أريد العقد كان المعنى: «عقدت نفسي عليك بهذا العقد» وهو تكلّف، وإن أُريد الوطء كان معناه: «أوطئتك نفسي» وهو بعيد، وإن أريد معنى التزويج والسلطنة على البضع كان المعنى المصدري مخالفاً للمعنى الاشتقاقي، وهو قليل.
وهل يصح العقد الدائم بما اشتق من لفظ «المتعة» على النحو المعهود؟
قيل: نعم (2)لاشتراك المتعة بين الدائم والمنقطع معنى أو لفظاً، فإن ذكر الأجل انصرف
إلى المنقطع، وإلا فإلى الدائم ولدلالته على المقصود ويكفي في العقد ما دلّ على ذلك، ولانصرافه إلى الدائم مع نسيان الأجل، كما سيجيء (1)في المتعة إن شاء اللّه تعالى، ولو لم يكن كافياً لما انصرف إليه، سيما وأنه ينصرف مع قصد المتعة ونسيان الأجل لفظاً، فمع عدم قصدها وعدم قصد الأجل بطريق أولى.
وقيل : لا (2)- واستظهر بعضهم (3)نقل الإجماع عليه من السيّد (رَحمهُ اللّه) (4)- للأصل، والاحتياط، ولشبهه بالعبادة، ولعدم كفاية المجاز؛ لمنع كون لفظ «المتعة» مشتركاً لفظاً أو معنى؛ لتبادر الانقطاع من مادتها، دون الدوام، ولمنع الاكتفاء بكلّ ما دلّ، ولمنع الانصراف إلى الدائم مع نسيان الأجل، ولو قلنا به فللدليل، فالأقوى المنع، حتّى أن بعض مَنْ جوّز انعقاد النكاح بكلّ لفظ مَنَع انعقاده بلفظ «المتعة» لما يظهر من الأخبار من اختصاص صيغتها بالعقد المنقطع دون الدائم (5).
ولا يكفي في العقد ما يصطلح عليه المتعاقدان من الألفاظ.
ولا يكفي العربي الملحون في بِنْيَتِهِ للقادر على الموافق للعربية. وهل يجب على غير القادر التوكيل؟ الأحوط ذلك. كما أن الأحوط للتمتام (6)والفأفاء (7)والأليغ (8)والألثغ (9)ذلك.
ويكفي في القبول: «قبلت» مجرّدةً عن المتعلّق، ومقرونة به بما يساوي الإيجاب مادة وبما يخالفه، فيصح: «قبلت النكاح» في إيجاب: «زوجتك» ولا يصح التخالف في المخالف معنى، كما تقول: «زوجتك» فيقول: «قبلت التمتيع» بقصد المتعة.
القبول بلفظ «رضیت» و «تزوّجت» و «نکحت».
1) يأتي في ص 225 - 226.
2) ممّن قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 4: 193.
3) الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 7 : 43 - 44.
4) المسائل الناصريات : 324 - 325، المسألة 152.
5) راجع الحدائق الناضرة 23 : 158.
6) تمتم الرجل : إذا تردّد في التاء المصباح المنير : 77، « ت م م ».
7) الفأفاء : المتردّد في الفاء المصباح المنير : 483، «ف أ ف أ».
8) الأليغ : الذي يرجع كلامه ولسانه إلى الياء، وقيل: هو الذي لا يبيّن الكلام. لسان العرب 8 : 449، «ل يغ».
9) اللثغة: حبسة في اللسان حتّى تصير الراء لاماً أو غيناً أو السين ثاء ونحو ذلك. المصباح المنير: 549، «ل ث غ».
ثانيها (1): يشترط في عقد النكاح - لما ذكرناه من الأصل والاحتياط - التوالي بين الإيجاب والقبول عرفاً، سواء كانا معاً في مجلس واحد أو في مجلسين؛ إذ لا مدخلية للمجلس في صحّة العقد، فلو طال الفصل بسكوت بطل، ولو كان الفصل بذكر شرائط ولواحق للعقد لم يضرّ، كما تشعر به الأخبار (2)إلّا إذا كان الفصل طويلاً جداً، فالاحتياط يقضي بتركه.
ويشترط فيه توالي حروف الإيجاب والقبول، فلو فككها بطل.
ويشترط إسماع كلّ منهما الآخر، بل وقصد إسماعه.
وفي الاكتفاء بمجرّد العلم بوقوع الإيجاب من الموجب أو القبول من القابل وجه، والأحوط خلافه.
ويشترط القصد إلى اللفظ ومدلوله في الجملة وإن لم يعرف تفصيل المعنى، والقصد إلى تأثيره، فلو صدر منه غالطاً، أو هازلاً، أو ملجاً، أو ساهياً، أو نائماً، أو غافلاً، أو مجنوناً، فسد العقد.
ويشترط استمرار ذلك من الموجب والقابل من مبدإ الإيجاب إلى انتهاء القبول، فلو أوجب عاقلاً فجُنّ لم يؤثر القبول، ولو قبل بعد جنونه أو نومته أو غفلته حالة الإيجاب لم يؤثر؛ للأصل، والاحتياط، ولو جُنّ أو أُغمي عليه بعد الإيجاب فسد إيجابه، وإن انتبه سريعاً فقبل القابل لم يؤثر أيضاً قبوله؛ لأنّ الإيجاب بمنزلة العقد الجائز ينفسخ بطروء الإغماء والجنون عليه.
والظاهر أنّ ذلك إجماعي، واحتمال الصحّة بعيد.
ويجري في البلوغ ما يجري فيما تقدّم من الشرائط.
ويشترط كون اللفظ في الإيجاب أو القبول من متكلّم واحد.
ويشترط قصد الإنشاء، فلو قصد الإخبار لم يصح، لا في إيجاب ولا قبول.
ويشترط الترتيب لو كان القبول بلفظ «قبلت»، ولو كان بلفظ «تزوّجت» أو «نكحت» فالأقوى جواز تقديم القبول.
وفي جواز التقديم بـ«رضيت» وجه، والأحوط خلافه، مع احتمال صيرورة القبول
المتقدم في «تزوّجت» و «نكحت إيجاباً ؛ لعدم تخصيص الموجب بالزوجة. وهل يشترط حلّية الصوت، فلو صدر العقد غناء أو في مزمار بطل، أو لا يشترط؛ لشمول
الأدلّة له، والنهي غير مفسد للعبادة؟ وجهان، والأحوط الأخير.
ويشترط وقوع الإيجاب والقبول بلفظ الماضي، فلا يصح وقوعهما بلفظ الأمر والاستقبال وإن قصد بهما الإنشاء الخاص، كما لا يصح بالجملة الاسمية ولا بالاستفهام؛ للأصل، ولأن المعهود في إنشاء العقود هو الماضي دون غيره، حتّى أنّ الصيغ الماضوية سُمّيت منقولات شرعية دون غيرها، كما أنّ المعهود من الإيقاعات هو الجمل الاسمية، وللاحتياط والاستصحاب.
وأجاز بعضهم وقوع القبول بلفظ الأمر (1)؛ لخبر الساعدي : إنّ رجلاً سأل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن تزويج امرأةٍ، فقال: زوّجنيها - إلى أن قال : - «زوجتك» (2).
وفيه ضعف دلالةً وإن صح سنده؛ لاحتمال وقوع القبول منه بعد إيجابه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بلفظ آخر، و احتمال وقوع القبول من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنه ؛ لولايته على المؤمنين، واحتمال الاكتفاء بإيجابه؛ لاختصاصه بذلك دون سائر الأولياء، ومع ذلك فهو مشتمل على جواز تقديم القبول على الإيجاب، وعلى جواز الفصل بينهما، وكلاهما محلّ كلام.
ولما ورد في المتعة: «يقول لها: زوّجيني نفسك متعة» (3)الحديث، ولا فرق بين الدائم والمنقطع.
وللخبر: «نقول: يا فلان، زوّج فلاناً فلانةً، فيقول: نعم قد فعلت» (4).
وفيهما مع ضعفهما سنداً واشتمالهما على ما لا نقول به ليسا صريحين في بيان الصيغة المقصود منها التزويج، وإنما سيقا لبيان الاهتداء إليها، وبيان الاهتداء للتراضي بين الزوجين قبل وقوع العقد.
وأجاز بعضهم وقوع القبول بلفظ المستقبل (5)، لما ورد في المتعة: «تقول لها: أتزوجكِ
متعةً على كتاب اللّه - إلى أن قال : فإذا قالت: نعم، فقد رضيت، فهي امرأتك، وأنت أولى الناس بها» (1)وإذا جاز في المتعة جاز في الدوام، ولاشتماله على أن الأيام إذا لم تذكر في هذا القول ينقلب العقد دائماً، فلولا جواز ذلك في الدائم لما انقلب إليه.
ولما ورد في خبر آخر أيضاً: «يقول: أتزوجكِ متعةً» (2). الحديث.
وفي ثالث: «تقول: يا أمة اللّه، أتزوجكِ كذا وكذا يوماً بكذا وكذا درهماً» (3).
وفي رابع: «أتزوجك متعةً كذا وكذا يوماً بكذا وكذا درهماً» (4).
والكل ضعيف سنداً ودلالةً ؛ لاختصاص الجميع بالمتعة، ودعوى إلغاء الفارق أو انعقاد الإجماع على عدم الفرق ممنوعة؛ ولاشتمال بعضها على جواز وقوع الإيجاب بلفظ «نعم» (5)وبعضها على عدم ذكر القبول (6)، وبعضها على جواز الفصل الطويل (7)، وكله مخالف للقواعد، فلا بد من حمله على بيان كيفية الاهتداء للتراضي، وسهولة وقوع الصيغة المعهودة بعده.
وقد يستدلّ بهذه الأخبار على وقوع الإيجاب بلفظ المستقبل لو جوزنا كون الواقع من الزوج إيجاباً، ولكنا لا نعمل بها؛ لضعفها.
وأجاز بعضهم (8)صحّة وقوع الإيجاب بلفظ «نعم» إذا قصد بها الإنشاء، ووقعت بعد سؤال مشتمل على الصيغة، كما يقول: «زوجت بنتك من فلان؟» فيقول: «نعم» قاصداً به الإنشاء، لا الإخبار وجواب الاستفهام، فيقول الزوج: «قبلت» مستنداً إلى أنّ «نعم» بمنزلة تكرير الصيغة المتقدمة، فهو كالصريح، فينعقد به.
وفيه: مع مخالفة القواعد وفتوى المشهور، أنّ «نعم» صريح في الجواب لا في الإنشاء،
1) وسائل الشيعة 21 : 43، الباب 18 من أبواب المتعة، ح 1.
2) المصدر، ح 2.
3) الكافي 5 : 455 - 456 باب شروط المتعة، ح 5 وعنه في وسائل الشيعة 21: 44 الباب 18 من أبواب المتعة ح 3، وليس فيه : «يا أمة الله».
4) وسائل الشيعة 21 : 44 الباب 18 من أبواب المتعة، ح 4.
5) راجع الهامش (1).
6) راجع الهامش (2 و 3).
7) راجع الهامش (4).
8) الشيخ الطوسي في المبسوط 4 : 193.
واستعمالها فيه مجاز، ولا يكفي المجاز في العقد اللازم فضلاً عن النكاح المأمور فيه بالورع والاحتياط (1).
وقيام «نعم» مقام لفظ «زوجتك» لا يقضي بإجراء جميع أحكامها عليه.
والاستناد إلى الخبر الأوّل القاضي بالاكتفاء في الإيجاب بـ «نعم» ضعيف؛ لضعفه عن إثبات ما خالف الضوابط وأفتى به المشهور.
ثالثها: يشترط في عقد النكاح تعيين الصيغة المؤثرة، فلو ردّد بين صيغتين وقصد التأثير بأحدهما بطل، ولو قصد بالجميع صحت الأولى دون الثانية، ولو قصد بالمجموع فالأقوى الصحّة والأحوط تركه.
ويشترط في الموجب أن لا يعدل عن الإيجاب، وفي القابل أن لا يرد الإيجاب قبل قبوله، فلو رده بطل واستأنف الموجب.
ويشترط فيه تعيين أنّه دوام أو متعة، فلو ردّد بينهما بطل.
ويشترط في العقد التنجيز، فلو علّقه على شرط أو صفةٍ متوقعين بطل، ولو كان الوصف واقعاً وكان العاقد عالماً به صح حينئذٍ ؛ لبعده عن التعليق.
ويشترط فيه الحلول، فلو أخر أثره إلى وقتٍ مستقبل كـ «زوجتك نفسي غداً» بطل.
ويقوى اشتراط اتصال «تاء» المتكلّم بالصيغة، فلا يكفي «زوج أنا نفسي نفسه لك» على الأظهر.
وكذا لو قال الوكيل: «زوج فلان فلانةً لك» لم يصح؛ للاحتياط.
وكذا لو قال القابل «قبل أنا»، أو «قبل فلان» للاحتياط.
وأما الكاف المتصلة فلا يشترط ذكرها، بل يكفي ذكر أي مفعول بدلها، بل لو ذكرتها الزوجة في مقام مخاطبة الوكيل عن الزوج ربما أدّى إلى الفساد، بل تقول: «زوجت نفسي موكلك» لأنّ التزويج لموكله وليس له، ولا تقول: «زوجت نفسي منك» أو «لك» بل «من موكلك» أو «لموكلك».
1) وسائل الشيعة 20 : 258 - 259، الباب 157 من أبواب مقدمات النكاح... .
والفرق بين النكاح وغيره من العقود - في صحّة إسناد النقل فيها إلى الوكيل دون النكاح -: إن النكاح وارد على البضع فلا يقبل النقل أصلاً، فلا يخاطب الوكيل به، بخلاف غيره؛ فإنّه وارد على المال، وأن الغرض في النكاح هو الأشخاص، فيعتبر فيها بيانها، وإسناد الفعل إلى المقصود منها، بخلاف غيره؛ فإنّه متعلّق بالأموال؛ ولذا لو أنكر الموكل الوكالة في عقد المعاوضة صح البيع للوكيل، دون النكاح، فإنّه يقع باطلاً من أصله، وأن النكاح يتعلّق بمن له العقد، دون المواجه بخلاف غيره؛ فإنّه يتعلّق به، وأنّ الزوجين في عقد النكاح بمنزلة الركنين، فلا بدّ من ذكرهما، بخلاف غيره ؛ فإنّ الغرض فيه المعاوضة، فالمقصود منه الثمن والمثمن.
وفي الجميع نظر؛ لأنّ السلطنة الحقيقية في النكاح كالنقل الحقيقي في غيره لا يكونان للوكيل أصلاً، ولا يكونان آناً حكميّاً فينتقلان عنه إلى الموكل بل إنّما يكونان للموكل ابتداء.
وأما الصورتين فهما للوكيل ظاهراً في كلّ منهما، ويصرفه الوكيل لموكله، فكأن الناقل فيهما نقل إلى القابل، فإن قبل عنه انصرف إليه، وإن قَبِل عن غيره انصرف إلى غيره.
والعمدة في الباب اتباع الاحتياط، وفتوى الأصحاب، وكون العمدة في النكاح تعيين الأشخاص فى التسلّط على البضع دون الأموال والمعاوضة فيها.
ونظير النكاح الهبة والوقف؛ فإنّهما لا يتسلّطان على الوكيل، بل يتسلّطان على الموكل وإن قبل الوكيل عنهما.
ثمّ إنّ الظاهر أن الوكيل له أن يقبل مجرداً عن ذكر الموكل لذكر الموكل في الإيجاب وابتناء القبول عليه، والأحوط أن يقرنه ببيان كونه عن الموكل خوفاً من احتمال شبهة عدم التخصيص بموكله.
ويشترط توجه الخطاب في كلّ من الإيجاب والقبول لفاهم، فلو أوجب لنائم فجلس وقبل لم يصح، ولو أوجب ونام فقبل القابل له وهو نائم فسد أيضاً.
ويشترط أن لا يرد الموجب إيجابه، فلو عدل عنه افتقر إلى إيجاب آخر.
وكذا يشترط أن لا يردّ القابل إيجاب الموجب، فلو ردّه بطل الإيجاب، وافتقر إلى إيجاب جديد.
وفيه كلام وبحث.
ويشترط قبول مَنْ توجّه إليه الخطاب على الأظهر، فلو أوجب مخاطباً للوكيل فقبل الأصيل لم يجزئ.
ويشترط أن لا يتخلّل بين الإيجاب والقبول ما يفسد به العقد الجائز من جنون، أو إغماء ونحو ذلك.
ويشترط استمرار البلوغ والعقل من مبدإ الإيجاب إلى منتهى القبول من كلّ منهما، ولو صدر الإيجاب من صبي أو صبيّةٍ أو مجنون أو سكران، أو صدر من كامل مع أحدهم، بطل.
وفي رواية: إنّ السكرى لو زوّجت نفسها فأفاقت ورضيت مضى عليها العقد الأوّل (1).
وهي شاذة مطروحة، أو مؤوّلة بسكر لا يسلب الاختيار والقصد، أو محمولة على ادعائها ذلك بعد صدور العقد، فإنّ دعواها لا تُسمع؛ لأصالة الصحّة.
ولو وقع نكاح شكّ في وقوعه قبل البلوغ أو بعده، فإن علم تأريخ أحدهما حكم بتأخر المجهول عنه، وإلّا احتمل القول بالصحّة؛ لأصالتها.
واحتمل القول بالبطلان؛ لأنّ أصالة الصحّة لا تُثبت شرطاً مشكوكاً في حصوله، وإنّما تثبت ارتفاع المانع عن العقد بعد العلم بوقوعه مستجمعاً للشرائط، كالشك في عروض الجنون، أو الإكراه، أو الغلط، أو النسيان، أو نحوها.
رابعها: عقد النكاح يقبل الشروط؛ لعموم: «المؤمنون عند شروطهم» (2)إلّا شرط الخيار، فإنّه لا يجري فيه، إما لمنافاته للزومه، فهو مخالف للكتاب والسنّة، وجوازه في غيره للدليل، أو للإجماع على عدم صحّة اشتراطه فيه، أو لكون النكاح ليس من المعاوضات المحضة، فلا يصح اشتراط الخيار فيه.
ووجه بعده عنها عدم لزوم تسمية العوض فيه في الصحّة، وانعقاده مع العوض الفاسد ومع الجهل بالمعقود عليه، وكونه مشتملاً على شوب العبادة.
ويلزم من تسويغ اشتراط الخيار فيه إلى الفسخ بعد ابتذال الامرأة، وهو ضرر عظيم، ولذا وجب نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول.
ويصح اشتراط الخيار مدةً معلومة في الصداق؛ لجواز إخلاء العقد منه أصلاً، فليجز اشتراط الخيار فيه بطريق أولى.
ولا يجري في النكاح خيار فوات الشرط، ولا الرؤية، ولا العيب في غير المنصوص، ولا الغبن ولا التأخير، ولا الوصف ولا المجلس؛ لشبهه بالعبادة، وبعده عن المعاوضة، واتفاق الأصحاب ظاهراً عليه.
ولو اشتمل النكاح على شرط فاسد - كاشتراط الخيار - فالأوجه فساد العقد به؛ لارتباطه به في غير ما اتفق على صحته.
و من ادعى زوجيّة امرأةٍ فصدقته ولم تكن تحت زوج آخر كانت امرأته.
وكذا من ادعت زوجيّة شخص فصدقها.
ومَنْ لم تصدق أو مَنْ لم يصدّق توجه عليه اليمين فإن حلف برئ من الدعوى، وإن نكل وقضينا عليه بالنكول صار زوجاً أو زوجة.
وكذا إن رد اليمين على المدعي فحلف، فإن لم يحلف المدعي لم يحكم على مَنْ لم يصدق بشيء، وإن سكت المنكر ألزم إما بالجواب أو برد اليمين، فإن أجاب بأنّي لا أعلم، لم يقبل منه حتّى يحلف على النفي، أو يرد اليمين. والثاني أوجه.
واحتمال تحليفه على نفى العلم بعيد.
وإذا برئ المنكر بيمينه لم يبرأ المدعي من الحق؛ لاعترافه بالزوجيّة، فيجب عليه أداء حقوقها ما عدا النفقة؛ لعدم التمكين، وكذا المضاجعة؛ لإسقاط حقها منها، وإن أقام المدعي بينةً لزم اتباعها.
خامسها: يشترط تعيين الزوج للزوجة وكذا العكس وكذا من بحكمهما بالاسم المختص أو المشترك مع قرينة التعيين، أو الوصف المختص دون المشترك، أو الإشارة
المختصة دون المشتركة، فلو تزوّج امرأةً كلّيّةً من عدة نساء، أو واحدةً مبهمةً بطل.
ويشترط تعيين أنها أُنثى، فلو تزوّج شبحاً لم يدر أنّه إنسان أم لا، ذكر أم لا، بطل وإن استيان أنّه أُنثى.
وكذا لو تزوج حملاً لا يدري أنّه ذكر أو أُنثى أو خنثى.
ولو تعارض الاسم والإشارة، أو الاسم والوصف، أو الاسم والإشارة والوصف، أو الإشارة والوصف فإن كان المقصود كلّاً منهما أصالة ولم يسلّم أحدهما، فالظاهر بطلان العقد، وإن قصد أحدهما أصالة وكان الآخر من قبيل الخطا في الزعم والغلط في النية، انصرف إلى ما هو المقصود أصالة.
ولو اختلف العاقد والمعقود في القصد بحسب الإشارة والاسم، أو الإشارة والوصف، أو الاسم والوصف وكان قصد كلّ منهما لأحدهما أصالة، بطل العقد، وإن كان قصد أحدهما كقصد الآخر أصالة ولكنّه غلط في القصد وأخطأ في كون الاسم لهذا المسمّى بعد أن قصد المسمّى الذي قصده الآخر أصالة، فالوجه الصحّة.
ويجوز تعيين أحد الزوجين بما يعينه الآخر ويقصده فيقول أحدهما: «زوجتك إحدى بناتي» أو «موكلاتي» معيّناً واحدةً. فيقول الآخر: «قبلت ما عينت» صح.
ولو توافقا على التعيين حين العقد وصحته واختلفا فيما قصداه وعيناه، كان كلّ منهما مدعياً، فإن أقام أحدهما بيّنةً قضي له بها، وإن أقاما معاً رجحت إحدى البينتين على الأخرى، فإن لم يكن مرجّح فالقرعة، فإن لم تكن بينة حلف كلّ منهما يميناً على نفي ما يدعيه الآخر، وبطل النكاح من أصله.
واحتمل الافتقار ليمينين يمين لنفي ما يدعيه عليه الآخر، ويمين لإثبات ما يدعيه.
ولو وقع الشلّ منهما من دون تداع فالقرعة.
ولو أوكل أحدهما المعقود عليها على نية الوليّ أو الوكيل فأخبراه بما نويا لزم اتباعهما، ولو عين الولي واحدةً وعين الزوج أخرى بطل العقد.
ولو أطلق الوليّ عقداً - أو الوكيل كذلك - ولم يسم امرأة معينة وكان المعقود عليها محتملاً لأكثر من واحدة فقبل الزوج واختلفا بعد ذلك في المعقود عليها، فقال الولي: أردت فلانةً، وقال الزوج أردت فلانة بطل العقد، إلّا أن يتفقا على أنهما اتفقا على واحدةٍ ويختلفان في تعيينها، فيكون الحكم فيها بالتداعي.
وذهب كثير من أصحابنا (1)إلى أنهما لو اختلفا كذلك، كان القول قول الولي إن كان الزوج قد
1) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 468؛ وابن البراج في المهذب 2 : 196؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 218 - 219؛ ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع : 436.
رآهن كلهن؛ لأنّ الظاهر أنّه مع الرؤية قد أوكل التعيين إليه، فالقول قوله، وعلى الزوج تصديقه بالبيان، فإن مات قبل البيان أقرع على ما عينه؛ لأنّها لكلّ أمرٍ مشكل.
وإن لم يكن الزوج قد رآهنّ كلّهنّ بل رأى بعضهن، أم لم ير أصلاً سواء ادعى العقد على من رآها أو على غيرها، وسواء كان المدعي هو أو الأب، بطل العقد؛ لأنّ الظاهر مع عدم الرؤية للكلّ عدم التفويض في التعيين إليه، فيلزم الاختلاف في القصد، فيبطل العقد.
وللصحيح الدال على ذلك الوارد في أب عنده ثلاث أبكار فزوج واحدة رجلاً ولم يسمها. وعند الدخول بها اختلف مع الزوج، فقال الزوج: تزوّجت الصغرى، وقد بلغه أن الأب عين الكبرى، فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن كان الزوج رآهنّ كلّهنّ ولم يسم له واحدةً فالقول في ذلك قول الأب، وإن كان الزوج لم يرهنّ كلّهنّ ولم يسم واحدةً عند عقدة النكاح فالنكاح باطل» (1).
والظاهر أنّه ليس للأب مدخلية، ولا لكونها ثلاثاً، ولا لكونها أبكاراً، ولا للتسمية وعدمها، بل المدار على ظهور وكول التعيين للعاقد وعدمه، فلا إشكال في الخبر من حيثية دلالته على كفاية الرؤية في الصحّة والرجوع إلى قول الأب وإن خالف ما نواه الزوج، وعدمها في العدم وإن توافقا، مع أنّ الرؤية لا مدخل لها في صحّة العقد والتعيين ولا عدمها في عدمهما، ولا من حيثيّة أنّ التفويض إلى الأب إن كفى في الصحّة فلا مدخليّة للرؤية، وإن لم يكف بطل على التقديرين.
وذلك لما ذكرنا من ابتناء الرؤية على ظهور توكيل التعيين إليه، وعدمها على عدمه، فإن وقع شكٍّ فإنّما يقع في ثبوت ذلك الظهور وعدمه، ولا يبعد ثبوته كما بنى عليه جمع من الفقهاء، وهم أعرف بموارده، على أنّ الزوج لو رأى بعضاً دون بعض فالظاهر تعلّق تعيينه بمَنْ تعلّقت بها الرؤية، فلو ادّعى الولي غيرها كان خلاف الظاهر.
سادسها: لو ادعى زوجيّة امرأةٍ وادعت أُختها زوجيته، وكذا أُمها أو بنتها، فإن لم تكن لأحدهما بيّنة وقد صدقته من ادعى عليها كان بالنسبة إلى الثانية منكراً إن لم يدخل بها، فعليه اليمين، فإذا حلف لها مضت وليس لها شيء، وإذا ردّ عليها اليمين فحلفت ثبت أنها
1) وسائل الشيعة 200 : 294 - 295، الباب 15 من أبواب عقد النكاح...، ح 1.
هي عن اليمين
زوجته وبانت عنه الأولى إن قلنا: إن اليمين المردودة بمنزلة البيئة، وإن قلنا: بمنزلة الإقرار فوجهان، أوجههما قبولها، وإن نكل هو عن اليمين رُدّت عليها، وإن نكلت المردودة لم يكن لها شيء، وسقطت دعواها.
وإن دخل بها فهل يتوجه عليه اليمين؛ لما ذكرنا أو يتوجه عليها؛ لموافقة قولها للظاهر؟ وجهان مبنيّان على تقديم الظاهر أو الأصل في باب الدعاوي.
ولو لم تصدقه التي ادعى زوجيتها، كان حكمها حكم من ادعى زوجيّة امرأة فكذبته، فإنّه يتوجه عليها اليمين، إلّا إذا دخل بها، فيجيء الوجهان من تقديم الظاهر أو الأصل.
ولو ردت عليه اليمين فحلف أنّها زوجته بعد ردّ اليمين على الأخرى فحلفت أنها زوجته كان الترجيح ليمينها، ومع تقدم يمينه إشكال.
والأقرب ضمّ يمين نفي العلم بما ادعاه إلى اليمين المردودة للإثبات الصادر منها.
وإن أقام أحدهما خاصةً بيّنةً قضي له بها، سواء كان الرجل أم الامرأة، مع احتمال عدم الاكتفاء ببينته عن يمينه لمن ادعت عليه؛ لأنّها بينة داخل سيما مع تصادقهما ودخوله بمن ادعى زوجيتها.
ويتأكد ذلك أيضاً فيما لو دخل بمَن ادّعت زوجيته من حيث إن فعله مكذب لدعواه ولاحتمال صدق البينة مع تقدّم العقد عليها، فيحلف لها على نفي العلم.
وإن أقام كلّ منهما بينةٌ، ففي الخبر: في رجل ادعى على امرأةٍ أنّه تزوجها بولي وشهود. وأنكرت الامرأة ذلك، وأقامت أخت هذه الامرأة على هذا الرجل البينة أنّه تزوجها بولي وشهود ولم يوقتا وقتاً: «إنّ البينة بيئة الزوج، ولا تقبل بينة الامرأة؛ لأنّ الزوج قد استحق بضع هذه الامرأة، وتريد أختها فساد النكاح فلا تصدق، ولا تقبل بينتها إلّا بوقت قبل وقتها» (1).
ومقتضاه أن بينتهما إن كانتا مطلقتين أو كانت إحداهما مطلقة والأخرى موقتةً، فالترجيح لبينته، إلّا مع الدخول بها فلا تُسمع بيّنته؛ لتكذيبه إياها، فيُحكم لبينتها، وإن كانتا مؤرّختين، فإن تساوى التأريخان أو تقدّم تأريخ بينته، كان الترجيح لبينته إن لم يكن دخل بها، وإن دخل بها قدمت بيّنتها، وإن تقدّم تأريخ بينتها كان الترجيح لها من غير إشكال؛ لثبوت سبق نكاحها في وقتٍ لا تعارضها الأخرى فيه.
1) وسائل الشيعة 20 : 299 الباب 22 من أبواب عقد النكاح...، ح 1.
وهذه الرواية قد عمل بها الأصحاب، ونقل الإجماع على مضمونها (1)، فالأخذ بها متجه وإن خالفت القواعد في تقديم بيّنته مع الإطلاق وعدم الدخول؛ وذلك لأنه منكر لمن ادعت زوجيته، فالترجيح لبيّنتها مطلقاً إلّا مع سبق تأريخ بينته.
وقد يوجه النصّ على موجب القواعد أن تقديم بيّنته إنما كان مع إنكار الأولى الزوجيّة، فمعه هو مدعى صرف فتُسمع بيّنته عليها، وليست البينة لنفي ما ادعته الأخرى، ولكن لمّا لم يمكن الجمع بين الدعويين للتنافي رجحت بيّنته؛ لأنه أمر صادر عنه ولا يعلم إلّا من قبله، فلعله قد عقد على الأولى قبل العقد على الثانية وهي لا تعلم، ولو لم تكن الامرأة منكرةً لم تسمع بيّنته ولم يتصوّر تعارض البيّنتين.
وعلى كلّ حالٍ فهما دعويان متعارضتان يفتقر كلّ منهما إلى الترجيح، لا أن الامرأة مدعية فقط كي يكون الترجيح لبينتها، بل قد يقال: إنّ الأولى ولو صدقته على الزوجيّة كان الترجيح لبينة الزوج؛ لأنهما يكونان حينئذٍ بمنزلة تداعي الزوجتين، وبيّنة الزوج بمنزلة بينة الزوجة المصدّقة، فترجّح بينتها لتصديق الزوج لها؛ ولأنها تحت يده وهي مقرّة له، وتريد الأخرى رفع يده عنها.
وهل يفتقر في قطع الدعوى إلى اليمين مضمومة إلى البينتين؛ لأنّ بينة الرجل لإثبات ما ادعاه على الأولى، وبينه وبين أختها دعوى ثانية هو منكر لها، فيلزمه اليمين لنفي دعواها، ولا يخلّ ذلك بإقامتها البينة على دعواها؛ لاحتمال سبق العقد على الأولى، ولأنّ بينة الامرأة على الزوجيّة لا تنافي احتمال تقدّم العقد على الأُولى فتحلف على نفي العلم، ولتعارض البينتين في أنفسهما بالنظر إلى الامرأتين وإن كانت الثانية مدعيّةً خاصةً وغاية تأثير الدخول دفع ترجيح بينته، فيبقى التعارض إلى أن تحلف، أو لا يفتقر؛ لخلوّ النصّ عن ذكر اليمين في مقام البيان، ولو كان لبان؟
وقد يجاب بأن الرواية مسوقة لبيان مقام ترجيح إحدى البينتين على الأخرى، لا لبيان ما تنقطع به الدعوى.
سابعها: لو عقد على امرأة - دخل بها أم لا - فادعى آخر زوجيتها، كان له الدعوى مع
1) جامع المقاصد 12 : 88؛ مسالك الأفهام 7 : 108.
زوجها، فإن أقام بينة على زوجيّتها مؤرّخةٌ بتأريخ سابق أو مطلقة في وجه قوي، صارت زوجته، وللزوج إحلافه مع بيّنة الإطلاق على نفي العلم بعدم تقدم زوجيته على زوجيّة المشهود بها في وجه قوي، وإن لم يقم بيّنةً كان له إحلاف الزوج على نفي العلم بأنها زوجته، فإن حلف سقطت دعواه، وإن نكل أو ردّ اليمين عليه ابتداءً فحلف، حكم عليه بانتفاء الزوجيّة بالنسبة إليه خاصةً، ويبقى بينه وبين الزوجة دعوى أخرى، فإن حلفت على نفى الزوجيّة سقطت دعواه عنها، وإن نكلت أو ردّت اليمين عليه فحلف كانت زوجته.
وإن ادعى زوجيّة امرأةٍ قد عقد عليها آخر، فإن أقام بينة مطلقة أو مؤرخة بتأريخ سابقٍ على عقده صارت زوجته.
وهل عليه اليمين مع بيّنة الإطلاق بعدم العلم بتقدّم عقدها، أو لا يمين عليه؟ الأظهر العدم؛ لإطلاق الروايات (1)، كما يكفي في الشهادة على الزوجة الإطلاق في الشهادة، ولا يحتاج إلى التقييد بكونها إلى الآن، ولا إلى تأريخ السبق؛ لإطلاق الروايات بسماع بينة المدعي للزوجيّة (2)من دون تقييد، وفي بعضها أنّ المدعي لو كان ثقةً تجنّبها العاقد (3)، وهو محمول على الاحتياط.
وربما قيل: إن في عدم ذكر اليمين في الأخبار دليلاً على عدم صحّة سماع الدعوى (4)ولا يخلو من ضعف.
وإن لم يقم بيّنةً فهل تُسمع دعواه ويتوجه عليها اليمين؛ لأنّ اليمين على مَنْ أنكر، وفائدة اليمين ها هنا هو احتمال إقرارها، أو ردّ اليمين عليه فيحلف، فتكون زوجته حينئذٍ عند طلاقها من الزوج الأوّل أو موته عنها، وثبوت مهر المثل له عليها؛ لحيلولتها بينه وبين البضع في العقد الثاني، كما لو باع شيئاً على أنّه له ثمّ أقر به لزيد، فإنّه يغرم للمقر له عوضه مثلاً أو قيمةً، أو لا تسمع دعواه، ولا يتوجه عليها اليمين؛ لأنّ اليمين إنما يتوجه على المنكر إذا كان بحيث لو اعترف لزمه الحق، وإقرار الزوجة ها هنا لا يلزمها به شيء؛ لأنّ إقرارها في حق الغير، فهو غير مسموع؟
وكذا لا يجدي رد اليمين منها عليه؛ لأنه إما بمنزلة إقرار المنكر، وهو غير مسموع، وإن كان بمنزلة البينة، فهو بمنزلتها بالنسبة إلى المتداعيين لا مطلقاً، ولأن الامرأة مع الإقرار لا يتعلّق بها ضمان؛ للأصل، ولأنّ الزوج مالك للانتفاع لا للمنفعة، ولأنّ البضع ليس مالاً للزوج، ولأنّ منافع الحُرّ لا تُضمن بالفوات؛ لأنها لا تدخل تحت اليد.
ويدلّ على ذلك سقوط المهر للزانية لها ولزوجها، وثبوت المهر لها في وطء الشبهة دون زوجها.
وقد يؤيد السماع وتوجه اليمين عليها أنّ اليمين حقٌّ له فله حملها عليه، وإن لم تكن له فائدة سوى ذلك، على أنّه قد تكون فائدة الإقرار تأثيره بعد انقطاع زوجيّة الأوّل عنها، وإنّ لنا أن نقول بضمان البضع ؛ لأنّه حقٌّ متموّل شرعاً، فمَنْ أتلفه فعليه ضمانه بعوضه، وهو المهر المسمّى أو المثل؛ ولذا حكموا بوجوب مهر المثل بمَنْ أرضعت مَنْ ينفسخ بإرضاعه نكاحها، ووجوب مَنْ أسلمت إلى زوجها الكافر المهر؛ للحيلولة بينها وبينه بالإسلام.
ثمّ إنّ من ادعى زوجيّة امرأةٍ خليّة فأنكرته، فهل لغير المدعي نكاحها قبل انتهاء الدعوى؟ يحتمل ذلك؛ للأصل.
ويحتمل العدم؛ لتعلّق حقه بها، فلا يجوز الإقدام عليها قبل انتهاء الدعوى.
وقد يبنى الحكم على ما تقدّم، فإن قلنا بسماع الدعوى على المعقود عليها، جاز لها التزويج؛ لعدم بطلان حقه مع احتمال العدم؛ لتعلّق غرضه بالبضع، وإن قلنا بعدم السماع، لم يجز؛ لاستلزامه سقوط الدعوى منه بالكلية، وهو ضرر عظيم.
وإن ادعى زوجيتها وهي مشغولة بزوج فطلقها الزوج أو مات عنها ولم تستقر دعواها، فهل لغيره أن يتزوجها ؟ يحتمل ذلك مطلقاً، ويحتمل عدمه مطلقاً، ويحتمل التفصيل بين الحكم بسماع دعوى المدعي، فيجوز لها التزويج وتبقى الدعوى بحالها، ويكون عقدها على الثاني مسقطاً لتسلّط المدعي على البضع وبين الحكم بعدمه، فلا يجوز أن يتزوجها أحد قبل انتهاء دعواه؛ لتوجه حقه عليها، فلا يجوز لها أن تتزوج قبل الخروج من حقه.
وعلى كلّ حال فالمدعي لو ماطل ولم ينجز دعواه كان لها التزويج؛ لمكان الضرر والضرار بالتعطيل والتأخير، مع احتمال أن المدعي لو ماطل في دعواه وترتب على مماطلته ضرر، قام مقامه الحاكم في تحليف المنكر فيبرأ من حقه حينئذٍ، وقد احتمله بعضهم (1).
1) حكاء البحراني في الحدائق الناضرة 23 : 193 عن بعض المحققين.
والحق أن لها أن تتزوّج مطلقاً، كما في سائر الدعاوي قبل تمامها؛ فإنه يجوز التصرف فيما ادعي به قبل انتهاء الدعوى بجميع أنحاء التصرفات.
ثامنها: لو أذن المولى للعبد في شراء زوجته دواماً أو متعة، فإن أذن له أن يشتريها للمولى فاشتراها له لم يبطل نكاحه، وكذا إن أطلق؛ لانصراف الإذن إلى شرائها للمولى.
وإن أذن له أن يشتريها العبد لنفسه، فإن قلنا: إنّ العبد يملك، وقد اشتراها لنفسه، بطل النكاح؛ لما تقرّر من عدم جواز اجتماع سببين من الأسباب المبيحة للنكاح من العقد أو الملك، كما قال سبحانه وتعالى: (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) (1). والتفصيل قاطع للشركة، وقد فهم الفقهاء منها أنها من القضايا المانعة للجمع.
وفي الأخبار ما يدلّ على أن مَنْ تزوّج جاريةً ثم اشترى حصةً منها أنها حرمت عليه (2).
وفي جملة من الأخبار أنّ النكاح ثلاث: «فرج موروث، وفرج غير موروث، وملك اليمين» (3)أو أربعة بإضافة «التحليل» (4)وهو داخل في ملك اليمين.
وفي جملةٍ من الأخبار أيضاً : إنّ بيع الأمة طلاقها (5)، فإذا اشتراها العبد لنفسه فقد طلقت منه.
ومن مجموع ما ذكرنا يستفاد زوال النكاح بطروء الملك، وإن أمكن المناقشة في الأوّل بعدم الدلالة الصريحة على منع الجمع، وفي الثاني أنّ الممنوع هو تركب التحليل من أمرين مختلفين، لا تواردهما على محلُّ واحد، وفي الثالث أنّه لا يدلّ على منع الجمع، وفي الرابع أنّه محمول على المبالغة، كما سيجيء (6)إن شاء اللّه.
وإن قلنا: إنّ العبد لا يملك فاشتراها له، ففي الانتقال إلى المولى قهراً؛ لأن بطلان الخاص - وهو كون الشراء للعبد - لا يستلزم بطلان العام - وهو الإذن في الشراء - فإذا صدر الشراء المأذون فيه انصرف إلى المحل القابل - وهو المولى - ولا أثر للنية لو وقعت مخالفةً، أو
البطلان؛ لأنّ ما قصده بالإذن لم يقع وما وقع لم يقصد، ولأنّ الإذن مقيدة، ومع انتفاء القيد المقيّد ينتفى المطلق؛ إذ لا معنى لوجود الجنس من دون فصله، وهذا الأخير أقوى.
ثم على تقدير شرائها للمولى ففي جواز وطئها له من دون إذن من سيّده بعد الشراء وجهان.
ولو اشتراها لنفسه وقلنا: إنّه يملك، فالأقوى حرمة وطئها عليه؛ لأنه محجور عليه بالتصرّف والإذن السابقة في الوطء من المولى قد تغيرت بتغيّر الموضوع، وهو انتقالها من مالك إلى آخر في الأوّل، وانتقال سبب التحليل من سبب إلى آخر في الثاني.
ويحتمل الفرق بين الأوّل فالجواز؛ استصحاباً للإذن السابقة مع الشك في تغير الموضوع، وبين الثاني فالمنع؛ للقطع بتغيّر الموضوع باختلاف السبب، وهو حسن.
أحدها: لا شكّ أنّ الأصل عدم ولاية شخص على غيره، وعدم سلطنته عليه، والأصل عدم قيام عمل واحدٍ مقام عمل آخر إلّا ما علم إرادة إيقاعه في الوجود على أي نحو اتفق من دون ملاحظة مباشر بعينه كـ (أحَلَّ اللّه البَيْعَ) (1)و «الصلح جائز» (2)و «البيعان بالخيار» (3)(وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُم) (4)، أو دلّ الدليل الشرعي على جواز النيابة فيه، أو الوكالة عليه، كالبيع والنكاح والطلاق ونحو ذلك.
وقد خرج من الأصلين معاً ثبوت الولاية على جملة من الأصناف، وإمضاء عقد النكاح عليهم، وكذا جملة من العقود والإيقاعات؛ لقيام الدليل عليها من سنة أو إجماع.
وسببها كما يفهم من الفتاوى والأخبار إما نسب أو سبب، والسبب إما اختياري، كالوصية، أو قهري، كالحكم، أو اختياري مرّةً وقهري أُخرى كالملك.
أما النسب فيثبت بالأبوة النسبية الشرعيّة دون الرضاعيّة، ودون الزني؛ لقطع العلاقة عنه شرعاً، وبالجدودة كذلك إذا كانت من طرف الأب للأب دون الأُمّ في جميع الطبقات.
خلافاً لمن نفاها، كالحسن (5).
وهو محجوج بالفتاوى والنصوص.
وما ورد في جملة منها من حصر الولاية في الأب دونه (6)محمول على الغالب
أو على أن الجد أب، أو على المبالغة.
وفي التذكرة إن جد أُمّ الأب لا ولاية له مع جد أب الأب، ومع انفراده نظر (1).
ووجه النظر إطلاق ما دلّ على ولاية الجد من قبل الأب (2).
ولكنه ضعيف؛ لأصالة عدم الولاية، ولشمول إطلاق قولهم: لا ولاية للجدّ من قبل الأُمّ له.
ولا ولاية لغير مَنْ ذكر، أخاً كان أو ولداً أو أماً، أو جداً لأم أو عماً أو خالاً.
خلافاً للعامة في جملة منهم (3)، وخلافاً لابن الجنيد في الأُم والجد لها (4).
وما ورد ممّا ظاهره ذلك - كقول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر» (5)، وكما ورد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إنَّه أمر نعيم بن النحام بأن يستأمر أُمّ ابنته في أمرها (6)- ضعيف، أو مؤوّل على إرادة خصوص الأب في الأوّل، والندب في الثاني، كضعف ما ورد عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنّ الذي بيده عقدة النكاح هو الأب والأخ والرجل يوصى إليه، والذي يجوز أمره في مال الامرأة فيبتاع لها ويشتري» (7)وما ورد أيضاً: «إنّ الأخ الأكبر بمنزلة الأب» (8)وقد تُحمل هذه على الندب.
ولا يشترط في ولاية الجد وجود الأب ولا عدم وجوده، أو عدم اتصافه بالولاية.
خلافاً لمن اشترط فيها وجود الأب (9)؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنّ الجدّ إذا زوج ابنة ابنه وكان أبوها حيّاً وكان الجدّ مرضيّاً جاز» (10).
وهو ضعيف سنداً ودلالةً بالمفهوم الوصفي إن كانت «الواو» للحال، والشرطي إن كانت للعطف، وربما حمل التقييد فيها على التنبيه على الفرد الخفيّ، فلا يعارض عموم ما دلّ
1) تذكرة الفقهاء 2 : 587 (الطبعة الحجرية).
2) راجع وسائل الشيعة 20 : 289 وما بعدها، الباب 11 من أبواب عقد النكاح... .
3) راجع المغني المطبوع مع الشرح الكبير 7 : 347 وما بعدها؛ والشرح الكبير المطبوع مع المغني 7 : 413 وما بعدها.
4) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 123 - 124، المسألة 60.
5) وسائل الشيعة 20 : 284 الباب 9 من أبواب عقد النكاح...، ح 3.
6) السنن الكبرى البيهقي 7 : 187. ح 13665.
7) وسائل الشيعة 20 : 283، الباب 8 من أبواب عقد النكاح...، ح 4.
8) المصدر، ح 6.
9) الشيخ الطوسي في النهاية : 465 - 466: والحلبي في الكافي في الفقه : 292؛ وابن البراج في المهذب 2 : 195.
10) وسائل الشيعة 20 : 290، الباب 11 من أبواب عقد النكاح...، ح 4.
على ولايته واستصحابها مطلقاً، وما دلّ على تقديم عقد الجدّ على الأب عند التنازع (1)، كما نقل عليه الإجماع (2)، فهو أقوى، وفوت الأضعف لا يؤثر في الأقوى.
ولصحيحة ابن سنان: «إنّ الذي بيده عقدة النكاح هو ولي أمرها» (3)ولا خلاف في أنّ الجد ولي أمرها في المال وفي كثير من الأحوال.
ثانيها: إذا عقد الأب أو الجد على أحد الصغيرين من صبي أو صبية، فلا خيار له بعد البلوغ على الأظهر الأشهر في الأوّل، وعلى المُجمع عليه في الثاني، والأخبار المتكاثرة دالّة عليه:
كقوله - في الصحيح - عن الجارية الصغيرة يزوّجها أبوها، ألَها أمر إذا بلغت؟ قال: «لا» (4).
وفي آخر: «ليس لها مع أبيها أمر» (5).
وفي ثالث: أيجوز لها التزويج أو الأمر إليها؟ قال: «يجوز عليها تزويج أبيها» (6)إلى غير ذلك. وأثبت بعضُ الأصحاب الخيار للصبي (7)، وظاهرهم صحّة العقد، ولكن له فسخه بعد بلوغه.
ويظهر من بعضهم (8)أنّه كالفضولي، فإن شاء رضي به وتكون الإجازة ناقلة أو كاشفة، وإن شاء ردّه فيكون فسخاً من أصله.
والأوجه الأوّل على القول بثبوت الخيار، والأقوى عدم ثبوت الخيار بمعنييه، للاستصحاب، ولأصالة لزوم العقد الصادر من أهله في محلّه.
وللصحيح عن الغلام له عشر سنين فيزوجه أبوه في صغره، أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال: «أما التزويج فصحيح» (9).
1) وسائل الشيعة 20 : 290 - 291، الباب 11 من أبواب عقد النكاح...، ح 5.
2) تذكرة الفقهاء 2 : 587 (الطبعة الحجرية).
3) وسائل الشيعة 20 : 282 الباب 8 من أبواب عقد النكاح...، ح 2.
4) المصدر : 276، الباب 6 من أبواب عقد النكاح...، ح 3.
5) المصدر : 285 - 286، الباب 9 من أبواب عقد النكاح...، ح 7.
6) المصدر : 275 الباب 6 من أبواب عقد النكاح...، ح 1.
7) الشيخ الطوسي في النهاية : 467؛ وابن البراج في المهذب :2: 197 وابن إدريس الحلّي في السرائر 2: 568.
8) نفس المصدر.
9) وسائل الشيعة 26 : 220 - 221، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ح 4.
والآخر في الصبيّ يتزوج الصبيّة يتوارثان؟ قال: «إذا كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم» (1).
وفي ثالث: «إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما حيين فنعم» (2).
وأشار بقوله: «حيّين» إلى أنّ التزويج وقع منهما دون غيرهما.
وقد يقال: إن هذه الأخبار لا تنفي الخيار بالمعنى؛ لجواز اجتماعه مع صحّة العقد، وترتب آثاره عليه، فالعمدة ما ذكرناه أوّلاً.
وأما ما استند إليه المثبتون للخيار للصبي من الأخبار - كالصحيح: عن الصبيّ يتزوج الصبيّة، قال: «إن كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم جائز، ولكن لهما الخيار إذا أدركا» (3)والآخر. عن غلامٍ وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين، فقال: «النكاح جائز، وأيهما أدرك كان له الخيار» (4)وفي ثالث: «إنّ الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان له الخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة» (5)- فهي ضعيفة عن مقاومة ما قدمناه؛ لضعف الأخير سنداً، وضعف ما قبله دلالةً؛ لاحتمال إرادة الولى العرفى منه دون الشرعي احتمالاً ظاهراً، بقرينة ضم الصبيّة إليه، وقوله في آخره: قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك، قال: «يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام» (6)والمراد بالجواز اللزوم، كما تشعر به أخبار أُخَر في مقامات أُخَر.
وكذا الأول؛ لاحتمال إرادة الخيار منهما بإيقاع سبب الفراق بطلاق من الزوج، أو بطلب من الزوجة له، وهو وإن كان بعيداً عن الظاهر إلّا أنّه بقرينة ضمّ الصبيّة إليه، وبقرينة قوله: «فنعم جائز» يلزم الحمل عليه؛ جمعاً بين الأدلّة.
ثالثها: الذي يظهر من عموم الأدلّة وخصوصها والإجماعات المنقولة (7)أنّ للبكر البالغة
1) وسائل الشيعة 20 : 292، الباب 12 من أبواب عقد النكاح...، ح 1 و 26 : 220، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ح 3.
2) المصدر 26 : 220، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ذيل الحديث 3.
3) المصدر 20 : 277 - 278، الباب 6 من أبواب عقد النكاح...، ح 8.
4) المصدر 26 : 219، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ح 1.
5) المصدر 20 : 278، الباب 6 من أبواب عقد النكاح...، ح 9.
6) راجع الهامش (4).
7) الحدائق الناضرة 23 : 210؛ رياض المسائل 11 : 83.
الرشيدة الاستقلال في التصرف بمالها والاستقلال في النكاح مع عدم وجود الأب والجد، أو مع وجودهما وعدم قابليتهما للولاية، وللثيب بالوطء في القُبل من الإنسان الذكر الاستقلال أيضاً بالمال والنكاح.
إنما الكلام في استقلال البكر الغير موطونة قبلاً - وإن وُطئت دبراً - بقيت بكارتها أو ذهبت بنزوة أو إصبع في النكاح، وكان الأب أو الجد موجوداً مع قابليتهما للولاية، وكانا غير مضارّين لها بمنعها عن التزويج بالكفو مطلقاً، فللأصحاب في جواز استقلالها مطلقاً في دوام أو متعة، أو استقلال الولي بنكاحها مطلقاً، أو اشتراكهما على الاجتماع مطلقاً، أو استقلالها في الدائم واستقلال الولي في المنقطع، أو العكس، أو اشتراكها مع أبيها خاصة دون غيره من الأولياء أقوال ستة.
وقد يضاف إلى الأقوال احتمال جواز انفراد كلّ منهما مطلقاً أو في خصوص الدائم، وجواز انفرادها مع حضور الولي دون غيبته.
واحتمال الفرق بين المخدّرات ومَنْ ليس لهنّ عادة بالكلام في مثل ذلك المقام فلا يجوز لها الاستقلال، وبين البارزات فيجوز لهنّ الاستقلال.
واحتمال الفرق بين التزويج الأولي فلا يجوز لها الاستقلال، وبين الثاني فيجوز لها.
واحتمال الفرق بين أن يمنعها الوليّ عن كفو معيّن تهواه فيجوز لها الاستقلال به، وبين أن لا يمنعها فلا يجوز.
واحتمال أن الاستقلال لها منهي عنه لمجرد احترام الولي، من غير أن يكون فاسداً. واحتمال إمضاء عقد الولي عليها إلّا أن لها فسخه.
إلى غير ذلك من الاحتمالات الممكن استخراجها من الأدلّة والأخبار.
استند القائلون باستقلالها إلى الأصل المتقدم، وإلى عموم أو إطلاق ما دلّ على جواز نكاحهن من غير تقييد من كتاب وسنة.
كقوله تعالى: (حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (1)والمطلقة ثلاثاً تحرم من دون ذلك، سواء كان مدخولاً بها أم لا، وسواء كان الدخول قبلاً أو دبراً.
1) البقرة (2) : 230.
وقوله تعالى: (فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) (1).
وقوله تعالى: فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ (2).)وورودها في سياق المعتدة كتقييد الأخيرة بالمعروف غير ضائر؛ لجواز الاعتداد من الوطء في الدبر، وجواز كون المعروف هو التزويج بالكفو.وما في السنة كثير (3.)وإلى الإجماع المنقول على لسان المرتضى (رَحمهُ اللّه (4).)وإلى أنّ البلوغ والرشد مناط التصرف، فتخصيص بعض التصرفات دون بعض تحكم، ومن المعلوم زوال ولاية المال، فتزول ولاية النكاح؛ لتنقيح المناط بينهما.ودعوى أن أمر النكاح أخفى وأدق ؛ لتوقفه على معرفة الرجال وصفاتهم ومزاياهم، وقلّما تطلع النساء على ذلك؛ لقلة مباشرتهنّ، وضعف عقولهن، وعدم سدادهن، بخلاف المال ممنوعة؛ لكثرة ما تخفى أحوال المال، وتظهر أحوال الرجال، وقد اكتفى الشارع في الرجال بمجرد الكفاءة، ولم يكتف بالمال إلّا بالرشد وقد تطّلع النساء على جملة من الأحوال ممّا لا يمكن اطلاع الولي عليها.وإلى أصالة صحّة العقد الصادر من البكر.وإلى عموم الوفاء بالعقود (5، بناءً على أن الشك في حصول شرائط العقد لا ينافي التمسك بالأصل، كالشكّ في حصول المانع والمبطل للعقد.)وإلى الأخبار المتكثرة المعتضدة بالقواعد، والشهرة المنقولة (6بل المحصلة، والأصول والقواعد.)كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت بغير إذن وليّها» (7).)
1) البقرة (2) : 232.
2) البقرة (2) : 234.
3) راجع وسائل الشيعة 20: 267 و 271، الباب 3 من أبواب عقد النكاح...، ح 1 و 10، 285، الباب 9 من تلك الأبواب، ح 4 و 6.
4) المسائل الناصريات : 320 – 321، المسألة 150.
5) المائدة (5) : 1.
6) رياض المسائل 11 : 84 و 88.
7) وسائل الشيعة 20 : 285، الباب 9 من أبواب عقد النكاح...، ح 4.
وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في البكر التي زوجها أبوها وهي كارهة: «أجيزي ما صنع أبوك» فقالت: لا رغبة لي فيما صنع أبي، قال: «فاذهبي فانكحي مَنْ شئتِ» (1)وضعفها منجبر بما تقدم.)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الأيم أحق بنفسها من وليها» (2)والأيم مَنْ لا زوج لها بكراً أو ثيباً.)ولا ينافيه قوله بعد ذلك: «والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» لبناء المضارع للمجهول والإعادة لبيان الحكم المترتب عليه، وهو كون إذنها صماتها، فيكون بقرينة ذلك أظهر من قراءته مبنياً للمعلوم.وقوله في الصحيح: «تستأمر البكر وغيرها، ولا تنكح إلّا بأمرها» (3.)وحمله على إرادة الجمع دون الاستقلال ضعيف؛ لضعف القول به.وكذا حمله على الندب، أو على مَنْ لا أب لها؛ لبُعْدهما.وقوله في آخر: «إذا كانت الامرأة مالكةً أمرها تبيع وتشتري وتعتق وتشهد وتعطي من مالها ما شاءت فإنّ أمرها جائز، وتتزوّج إن شاءت بغير إذن وليها» (4.)وقوله في آخر: «إذا كانت مالكةً لأمرها تزوّجت مَنْ شاءت» (5.)وقوله في آخر : «تتزوج الامرأة من شاءت إذا كانت مالكة لأمرها» (6.)ولا شكّ أنّ المفهوم من هذه الروايات - بقرينة ضمّ بعضها إلى بعض، وبقرينة قوله في بيان ملك أمرها: «تبيع وتشتري» إلى آخره - أنّ المالكة لأمرها هي ما ارتفع عنها الحجر بالمال وشبهه، دون النكاح؛ لأن الكلام مسوق لبيان تجويزه.فما يقال: إن الاستدلال به غير المتنازع فيه؛ للشكّ في كون البالغة الرشيدة من الأبكار مالكة لأمرها في النكاح ضعيف؛ لأنّ النكاح غير داخل عموماً ولا خصوصاً؛ لاستلزام دخوله الدور أو الإجمال أو التهافت.
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في حسنة الفضلاء: «الامرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولى عليها أنّ تزويجها بغير ولي جائز» (1)وهي ظاهرة في جواز الاستقلال، سواء جعلنا ملك النفس كنايةٌ عن كونها حُرّة؛ ليغاير قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الأخبار الأُخر: «المالكة لأمرها» (2)أو يراد بملك النفس ملك الأمر، وسواء جعلنا خبر «الامرأة» هو «غير السفيهة» وما بعده، وجعلنا جملة «أنّ تزويجها» جملةً مقطوعةً لبيان الحكم الآخر، أو جعلنا جملة «أن تزويجها» هو نفس الخبر، ويكون «غير» وما بعده صفةً مؤسسة إن أردنا بملك نفسها كناية عن كونها حُرَّةً، أو موضحةً إن أردنا به ملك الأمر.)ولا يضعف الرواية حينئذٍ كون أن البكر مالكة لنفسها، أو كونها غير مولّى عليها، أو كون «الامرأة» مفرداً محلّى باللام فلا يفيد العموم، أو كون عطف «المولّى عليها» على «غير السفيهة» من باب عطف العام على الخاص، وهو ممّا يوهن متن الخبر، أو كون قطع الجملة الأخيرة عمّا قبلها ممّا يبعده عن الفصاحة والبلاغة؛ لأنّ كون البكر مالكة لنفسها، وكونها غير مولّى عليها في الجملة أمر ثابت، وذلك كافٍ في ترتب حكم النكاح.ولو أريد به ملك الأمر وعدم الولاية في النكاح خصوصاً أو فيما يعمه، لزم التهافت أو الدور أو الإجمال، كما تقدّم؛ ولأنّ المفرد المحلّى باللام يفيد العموم للحكمة، سيما عند وقوعه في مقام بيان الأحكام الكلّيّة، وسيّما لو فهمنا منه إرادة الطبيعة دون الفرد، ولأنّ عطف العام على الخاص لا بأس به، وسيما لو كان لنكتة، ونكتته هنا بيان الفرق بين السفيهة والمولّى عليها في الولاية من حيث إن السفيهة غير مولّى عليها في غير المال وإن اشتركا في ثبوت الولاية عليهما في النكاح، ولأنّ حمل الرواية على قطع الجملة لا داعي إليه وإن ذكر احتمالاً، والأوجه كونه خبراً عن المبتدا، فلا خلل بفصاحته ولا بلاغته.واستند القائلون باستقلال الولي إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا نكاح إلّا بولي» (3)و «الباء» للملابسة، كما هو الظاهر.)وفيه: إنّه ضعيف السند، ولا يدلّ على استقلال الوليّ أيضاً، فيلزم حمله على نفي الكمال
دون نفي الذات الذي هو المعنى الحقيقي، أو نفي الصحّة الذي هو أقرب المجازات؛ جمعاً بينه وبين ما تقدم.وإلى قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل» (1).)وفيه: إنّه ضعيف السند، فلا بد من حمله على الصغيرة، أو على المبالغة في عدم الاعتداد بعقدها؛ جمعاً.وإلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا تتزوج ذوات الآباء من الأبكار إلّا بإذن أبيها» (2).)وفيه: إنّه مخصوص بالأب، وغير دال على البطلان؛ لعدم استلزام النهي له، وعدم القول بالفصل ممنوع وغير دال على استقلال الولي، فليحمل على الكراهة، أو على إرادة الصغيرة؛ حملاً لمعنى «من» على التبعيض، ويكون التقييد بالأبكار محمولاً على الغالب من بكارتهنّ.وإلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا تستأمر الجارية إذا كانت بكراً بين أبويها، ليس لها مع الأب أمر» (3).)وفيه: إنّه دال على خصوص الأب، وشموله للجد ممنوع، فهو أخص من المدعى، فليحمل على الندب؛ جمعاً.وإلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا تتزوج ذوات الآباء من الأبكار إلّا بإذن آبائهن» (4).)والكلام عليه كما تقدم.وإلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في الجارية يزوجها أبوها بغير رضى منها، قال: «ليس لها مع أبيها أمر، إذا أنكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة» (5).)وفيه: إنّه لا يعارض ما تقدم، مع أنّه مخصوص بالأب، فليحمل على الصغيرة، أو على شدّة تأكد استحباب إجازتها لفعل الأب؛ جمعاً.وإلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا ينقض النكاح إلّا الأب» (6)ولو لم يكن له استقلال لنقضه غيره.)
1) سنن سعيد بن منصور 1: 148 ح 528؛ سنن الدارقطني 3: 146، ح 10/3466.
2) وسائل الشيعة 20 : 277، الباب 6 من أبواب عقد النكاح...، ح 5 و 6، وفيه : «آبائهن» بدل «أبيها».
3) المصدر : 273، الباب 4 من أبواب عقد النكاح...، ح 3.
4) راجع الهامش (2).
5) وسائل الشيعة 20 : 285 - 286، الباب 9 من أبواب عقد النكاح...، ح 7.
6) المصدر : 272 - 273 الباب 4 من أبواب عقد النكاح...، ح 1 و 5.
وفيه: إنّه مخصوص بالأب، فليحمل على استحباب متابعته؛ جمعاً.وإلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر» (1).)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر؟ قال: «ليس لها مع أبيها أمر ما لم تتثيب» (2).)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا تستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوجها، هو أنظر لها، وأمّا الثيّب فإنّها تستأذن وإن كانت بين أبويها» (3).)وفيها: مع ضعف السند أنها مخصوصة بالأب، وشاملة للأُم إن أُريد بالأبوين الأب والأم. فلتحمل على الندب، أو على كراهة استقلالها، وأن لا تجعل مع أمر أبيها أمراً، بل تفوّض الأمر إلى رأيه.واستندوا إلى الاستصحاب.وفيه: إنّه معارض بأصل الصحّة وعموم الأدلّة، ومع الأدلّة، ومع ذلك فمقدوح فيه بتبدل الموضوع.وإلى الحكمة القاضية بالرجوع إلى الوليّ؛ لكمال عقله وزيادة معرفته، ووفورا ر اطلاعه دون النساء غالباً.وفيه: إنّها لا تصلح لإثبات الحكم الشرعي؛ لأنّها مستنبطة، وإنها تقضي بكون الشيب كذلك أيضاً، وإنّها تقضي بولاية جميع الأقارب أيضاً، على أن زيادة معرفة الرجال على النساء في محلّ المنع، ولو دار الأمر بين طرح الأخبار الدالّة على استقلالها، أو طرح الأخبار الدالّة على استقلال الولي، لحكمنا بطرح الأخبار الأخيرة؛ لضعفها عن مقاومة الأخبار الأوليّة.ويمكن الجمع بين الأخبار بحملها على جواز تولّي العقد لكلّ واحدٍ من البكر ومن وليها، إلّا أنّه يندب لها استئذانه، ويندب له استئذانها.ويمكن حمل الأخبار الأخيرة على التقيّة؛ لأنه مذهب كثير من علماء العامّة (4، وإن كان أبو حنيفة على خلافه (5).)واستند الموجبون للجمع بين رضاهما إلى الجمع بين الأدلّة من الطرفين.
وفيه: إنّ منها ما هو نصُّ في استقلاله ونفي مدخليتها، ومنها ما هو نص في استقلالها، فلا يمكن الجمع بذلك.نعم، هو أحوط، والاحتياط لا يكون دليلاً مستقلاً.وإلى ما ورد في استشارة عبد الرحمن للكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ في تزويج ابنته لابن أخيه، فقال: «افعل، ويكون ذلك برضاها، فإنّ لها في نفسها نصيباً واستشارة خالد بن داود موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تزويج ابنته عليّ بن جعفر، فقال: «افعل، ويكون ذلك برضاها، فإنّ لها في نفسها حظاً» (1)، فيُفهم من أمره بالفعل واشتراطه برضاها أنّهما مشتركان في الولاية، وكذا من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نصيباً» و «حظاً» فإنّهما ظاهران في أن الولاية بينهما شطران.)وفيه مع ضعف السند، إنّه لا يدلّ على الاشتراك فلعل لها الاستقلال، ولكنه يتولّى ذلك، كما يتولّى الوكيل أو الفضولي، ويكون نفوذه موقوفاً على رضاها، ودلالة «الحظّ» و «النصيب» على الاشتراك إنّما هو بالمفهوم الضعيف، فلا يصلح سنداً للحكم بالاشتراك.واستند القاصرون للولاية على الأب دون الجد إلى أن المذكور في الأخبار لفظ «الأب» (2دون غيره، وشموله لغيره مجاز لا يصار إليه.)وفيه: إنّه مخالف للمشهور، ولما أُطلق فيه لفظ «الولى» فليحمل على ورود ذلك مورد الغالب.واستند المفصلون بين الدائم فالاستقلال للولي دون المنقطع فالاستقلال لها إلى أن الدائم لكثرة حقوقه وأحكامه من نفقةٍ ومضاجعة مفتقر إلى نظر الولي، دون المتعة.وفيه: إنّها حكمة مع أنّها لا تنافي الاشتراك في الولاية لا تصلح للاستدلال؛ لعدم كونها من العلل القطعية.وإلى رواية القماط عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ حين سئل عن المتعة بالبكر بين أبويها، قال: «لا بأس» (3).)وفيه: مع ضعف السند، عدم الدلالة على الجواز في المتعة من دون إذن، وعلى عدمه في الدائم من دونه.وإلى رواية الحلبي قال: سألته عن المتعة بالبكر بلا إذن أبويها، قال: «لا بأس» (4.)
وفيه: مع ضعفه بالقطع، وبمعارضته برواية أبي مريم في العذراء التي لها الأب لا تتزوّج متعةً إلّا بإذن أبيها (1، إنّه غير دال على حكم الدائم.)واستند العاكسون إلى أنّ المتعة بغير ولي إضرار بالأولياء، وغضاضة عليهم، ومهانة لهم، والإضرار منفي (2، وفي الخبر عن التمتع بالبكر، قال: «يكره للعيب على أهلها» (3).)وفيه مع أنّه لا ينفي الاشتراك حكمة، لا علة قطعية، فلا تصلح لإثبات حكم شرعي.وإلى أنّ النكاح إنما ينصرف إلى الدائم، فتحمل الروايات الدالّة على استقلالها به على الدائم.وفيه منع الانصراف؛ لأنه متواطئ بين أفراده، ولا مزية لأحدهما على الآخر، ولو سُلّم فالأدلّة فيه أيضاً متعارضة، فلا وجه للاعتماد على أحدها دون الآخر.##### رابعها: سقوط ولاية الولي فيما لو عضلها عن التزويج بالأكفاءرابعها: لو عضلها الوليّ عن التزويج بالأكفاء مطلقاً - كما يفعله بعض المتكبرين - سقطت ولاية الولي على القول بها؛ لمكان الضرار المنفي كتاباً (4، وسنة (5)، وللإجماع المنقول (6).)ولو عضلها عن كفو معين وكانت مريدةً له ولم يُرده الولي أو أراد غيره، ففي سقوط ولايته على ذلك القول، أو عدمه وجهان، ومقتضى إطلاق نصوصهم وفتاويهم: عدم سقوط الولاية.واستوجه بعض المتأخرين سقوطها؛ لأنه أقرب لعفتها (7.)وهو لا يخلو من إشكال.وعليه فتتحقق الولاية مع عدم علم الوليّ بمنعها عمّن يريد، أو مع العلم بإرادتها له، أو مع عدم إرادتها التزويج مطلقاً، أو إرادتها التزويج بغير كفو.وأمّا هي فإن علمت الإذن من الولي، جاز نكاحها. وفي إلحاق الإذن الفحوائية بالصريحة وجه.
وإن علمت المنع عمّن تريد، سقطت عنها الولاية، وإن لم تعلم توقف صحّة عقدها على الإذن. وكذا لو أرادت وقتاً وأراد وقتاً آخر لا يضر بها انتظاره، أو مكاناً كذلك.ومع سقوط ولاية الأب والجد عنها يعود الأمر إليها، ولا تنتقل الولاية إلى الحاكم، وهو إجماعي عندنا على الظاهر، خلافاً للعامة.ولا ولاية لهما على النيب البالغة أو الذكر البالغ وكأنه إجماعي عندنا، وعليه أخبارنا المستفيضة (1، خلافاً للعامة، ولابن أبي عقيل (2)منا، فأثبت ولايتهما على الشيب؛ استناداً لأخبار عاميّة لا تعارض أخبارنا المستفيضة.)نعم، في رواية ضعيفة على الظاهر في رجل تزوّج ببكرٍ أو تيب لا يعلم أبوها إلى قوله: قال: «لا يكون ذا» (3.)وهي مع ضعفها محتملة للرجوع إلى البكر، أو إلى المجموع؛ لاشتماله عليها، أو الكراهة.والأب والجد يليان المجنون المتصل جنونه بصغره؛ استصحاباً للولاية، واستناداً لبقاء تعلّق الرقة والشفقة، وتعلّقاً بعموم الأخبار (4الدالّة على ولايتهما، والدالّة على أنّ مَنْ بيده عقدة النكاح هو ولي أمرها، ولا شك في أن ولاية المال في هذا وأمثاله إليهما.)وأما مَنْ لم يتصل جنونه ففي بقاء الولاية لهما؛ لمكان الشفقة، ولعموم ولايتهما، خرج ما خرج، ويبقى الباقي، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أنت ومالك لأبيك» (5)أو رجوعها إلى الحاكم؛ لارتفاع ولايتهما بالبلوغ والعقل، فعودها مفتقر إلى الدليل ولمنع العموم القاضي بشمول ولايتهما للمتجدد جنونه في مال أو نكاح، فيكون وليهما السلطان؛ لأن السلطان ولي مَنْ لا ولي له، وجهان، والأوّل قوي، واجتماعهما أحوط.)ويجب في ولاية الحاكم مراعاة المصلحة والغبطة؛ اقتصاراً على مورد اليقين، بخلاف ولاية الأب والجد، فيكفي فيهما عدم المفسدة.
1) وسائل الشيعة 20: 271 - 272، الباب 3 من أبواب عقد النكاح...، ح 12 - 14، و 274، الباب 5 من تلك الأبواب، ج 1، و 292 - 293، الباب 13 من تلك الأبواب.
2) حكاه عنه الشهيد الأوّل في غاية المراد 3 : 20.
3) وسائل الشيعة 20 : 272، الباب 3 من أبواب عقد النكاح...، ح 15.
4) المصدر : 275، الباب 6 من أبواب عقد النكاح...، ح 1 و 282، الباب 8 من تلك الأبواب، ح 2.
5) المصدر : 290 - 291، الباب 11 من أبواب عقد النكاح...، ح 5.
وللمولى الولاية على العبد ذكراً أو أنثى، مع المصلحة وعدمها، بل ومع المفسدة ما لم تبلغ إلى الضرر والإضرار في وجه، فله أن يزوجه كرهاً، وله أن يقبل عنه، رضي أو لا، وله أن يوجب عنه، رضي أم لا.وبالجملة، فهو لا يقدر على شيء، فلا يتمكن من الاستبداد في التزويج، ولو استقلّ توقف على الإجازة، ويلزمه كلّ ما يفعل المولى به؛ لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم، خرج الطلاق بالدليل، ويبقى الباقي.ولو تحرّر بعضه امتنع تزويجه.وخالف العامّة في ثبوت ولاية المولى على الكبير؛ لأنّ له رفع النكاح في كلّ آن بالطلاق فلامعنى لإجباره عليه. وضعفه ظاهر.وإذا تزوّج العبد من دون إذن سيده، كان للمولى الخيار بين أن يجيز ما فعله وبين أن يفرّق بينهما، وفيه إشعار بثبوت الولاية للمولى.وقد يحصل من مجموع آيتي: (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ (1)وقوله تعالى : (لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) (2)ثبوت الولاية للمولى مطلقاً، ذكراً أو أنثى، على العبد صغيراً أو كبيراً، وكما أنّ المولى له العقد على العبد فكذلك لوليه العقد عليه؛ لشمول ولاية الولي لمثل ذلك.)##### خامسها: عدم ولاية الحاكم على الطفل مطلقاً وله الولاية على المجنون والسفيه البالغين اللذين لا أب لهما ولا جدخامسها: لا ولاية للحاكم على الطفل مطلقاً، ذكراً أو أنثى؛ للأصل، وكأنه اتفاقي، وعلل بأن ولاية الحاكم لمكان الضرورة، ولا ضرورة للصغير في النكاح.وقد يُمنع ذلك؛ لإمكان تحقق الضرورة والحاجة، ولانقطاع الأصل بقوله: «السلطان وليّ مَنْ لا وليّ له» (3ولأنه منصوب للمصالح العامّة، وهذا منها.)وله الولاية على المجنون والسفيه البالغين اللذين لا أب لهما ولا جد.
ولا ولاية له على المجنون المتصل جنونه بصغره؛ للأصل، ولأن ولاية المال لآبائهما، فتتبعه ولاية النكاح، مع احتمال كونها له؛ لأنّ المتيقن في ولاية الأبوين في النصوص والفتاوى هو حالة الصغر.ويحتمل أن لكلِّ منهما الولاية منفرداً؛ أخذاً بالدليلين.ويحتمل اشتراكهما في الولاية، وهو أحوط.وأمّا المتجدّد جنونه فالأظهر أن الولاية فيه للحاكم لانقطاع ولاية الأبوين، فعودها مفتقر إلى دليل.ويحتمل اشتراكه مع الأبوين، وهو الأحوط.ويحتمل جواز انفراد كلّ منهما بالولاية.ويحتمل كونها للأبوين فقط؛ لعموم الولاية الثابتة لهما، ولمكان الشفقة والرقة.وأما السفه المتجدّد فالأقوى والأظهر إن الولاية فيه للحاكم.وأما المستمر ففي اختصاص الحاكم بها، أو اشتراكه مع الأبوين، أو جواز انفراد كلّ منهما وجوه أقواها الأوّل، وأحوطها الوسط.ويظهر من بعض أصحابنا (1المناقشة في عموم ولاية الحاكم الشرعي ما عدا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ لعدم الدليل عليها سوى رواية السلطان، وهي مع ضعف سندها لا تنصرف إلّا للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسوى ما دلّ على جواز الترافع إليه، كمقبولة عمر بن حنظلة (2)ونحوها (3)، وهي لا تدلّ على الولاية في غير القضاء والإفتاء، وهو ضعيف؛ لأنّ تسليم منصب القضاء والإفتاء ممّا يؤذن ببقية المناصب بطريق أولى.)وما ورد في نصب الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ بعض أصحابهم قيماً على أموال الأيتام (4)، دليل على جواز الولاية في غيرها؛ لأنّ وليّ المال يتولّى غيره، وفي قضاء ضرورة النظام وفتاوى الأصحاب بعموم الولاية كفاية في ذلك، على أنّ مقبولة عمر عامة للترافع وغيره؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فاجعلوه)
حاكماً» (1مطلقاً، ورواية السلطان (2)قد تشمله؛ لأنه بعد أن يكون حاكماً فيندرج في اسم «السلطان» في وجه.)ولو فقد الحاكم، ففي قيام عدول المسلمين حسبةً مقامه وجهان، ولا يبعد جواز قيامهم عند الاضطرار.وأما الوصي على الأطفال ففي ثبوت ولاية النكاح له مطلقاً، أو عدمها مطلقاً، أو ثبوتها له مع نص الموصي عليها، وعدمها مع عدمه، أو ثبوتها له على من بلغ فاسد العقل إذا كان به ضرورة إلى النكاح مع نص الموصي أو مع عدمه، وعدمها مع عدمه عدمه، وعدمها مع عدمه أقوال، أظهرها ثبوت ولايته مطلقاً، إما مع النص، أو مع العموم أو الإطلاق الشاملين عرفاً لدخول الولاية في النكاح فيهما، وذلك لعموم: (فَمَن بَدَّلَهُ بَعدمَا سَمِعَهُ (3)ولظهور أدلّة الوصاية والوصية في جواز نقل كلّ ما كان للموصي فعله حال حياته، وكان ممّا يقبل النيابة والنقل إلى الوصي، وصحة تصرّف الوصيّ فيه ما لم يقم الدليل على خلافه.)وللأخبار المتكثّرة، ومنها: الصحيح في قول اللّه عزّ وجلّ: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ (4)قال: «هو الأب أو الأخ أو الرجل يوصى إليه، والذي يجوز أمره في مال الامرأة فيبتاع لها ويشتري فإذا عفا فقد جاز» (5)، وفي آخر مثله(6)، وفي ثالث قريب إليه (7)، وفي رابع كذلك (8)، وذكر «الأخ» غير منافٍ لإرادة الندب منه، واستعمال اللفظ في الأعم من الندب وغيره جائز.)نعم، ورد في صحيح ابن بزيع في رجل مات وترك أخوين وبنتاً والبنت صغيرة فعمد أحد الأخوين الوصيّ فزوّج الابنة من ابنه، ثمّ مات أبو الابن المزوّج، فلما مات قال الآخر:
أخي لم يزوّج الجارية من ابنه فزوج الجارية من ابنه، فقيل للجارية: أي الزوجين [أحبّ إليكِ ] الأوّل أو الآخر؟ قالت: الآخر، ثمّ إنّ الأخ الثاني مات وللأخ الأوّل ابن أكبر من الابن المزوّج، فقال للجارية: اختاري أيهما أحبّ إليكِ الزوج الأوّل أو الزوج الآخر، فقال: الرواية فيها أنّها للزوج الأخير؛ وذلك أنها قد كانت أدركت حين زوجها، وليس لها أن تنقض ما عقدته بعد إدراكها (1، فإنّ ظاهره أن عقد الوصي فضولي غير نافذ، وأن لها نقضه، إلّا أن الروايات الأوّليّة أكثر وأصرح، وحملها على الندب بقصرها على الكبيرة وإن كان ممكناً بقرينة ضمّ «الأخ» إلّا أنّه بعيد، فيُحمل «الأخ» فيها على ما كان وصياً أو وكيلاً للولي.)وظاهر المتأخرين: الاقتصار في الولاية على مَنْ بلغت فاسدة العقل، أو بلغ كذلك؛ لمكان الضرورة، ولشمول تلك الأخبار لها، وهو أحوط وأحوط منه اجتماع الوصي والحاكم.وقد يضعف أصل القول بذلك بأن ولايته قد انتقلت إليه من الموصي، فلا وجه للفرق بينهما. والقول باختصاص الولاية للوصي بما إذا نص الموصي عليها في النكاح قوي، ولكنّه إن وقع الشكّ في الشمول وعدمه، وأما مع عدمه، كالعموم أو الإطلاق القاضيين عرفاً بثبوت الولاية على الأيتام بما يصلحهم من أمورهم وتربيتهم والتصرف بأموالهم فلا شك في دخول أمر النكاح ضمناً فيهما.وأما السفيه فالأظهر ثبوت ولاية الأبوين عليه مع اتصاله بالصغر، ذكراً كان أو أُنثى؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «غير السفيهة وغير المولى عليها» (2).)ولولا الرواية لأمكن المناقشة فى السفيهة؛ لأنها لم تفوّت مالاً.وأما مع تجدّده فالولاية للحاكم، والأحوط اجتماع الأبوين مع الحاكم فيهما، ويصح لوليه مطلقاً مباشرة العقد له.وهل يصح إجباره عليه؟ وجه، والأوجه عدمه.ويصح الإذن له في المباشرة فيتولّى العقد حينئذٍ بنفسه؛ لأن عبارته غير مسلوبة.وعلى أي تقدير فيشترط احتياجه للتزويج لمكان الخدمة أو الشهوة.
ولو بادر السفيه بالتزويج من غير حاجةٍ، كان العقد فاسداً، ومقتضى ما ذكرناه أنّ الإجازة لا تصححه؛ لعدم صحّة إجازة الولي والحال ذلك إلّا أن توجد مصلحة أُخرى.ولو كانت به حاجة إلى التزويج، كان عقده فضولياً مفتقراً إلى الإجازة من الولي إن أمكن الرجوع إلى الولي، ويلزم الولي الإجازة، مع احتمال عدم التوقف على الإجازة؛ لعدم الفائدة.وقيل: إنّه يأثم وإن صح عقده (1. وهو حسن.)فإن لم يمكن، كان نافذاً بشرط موافقته للمصلحة من كونه بمهر المثل فما دون، فإن زاد بطل الزائد وصح العقد؛ لعدم توقف صحّة العقد على صحّة شرط المهر.وقد يُمنع من الحكم بتوقف عقده مع الموافقة للمصلحة على الإجازة؛ لعدم الدليل على ذلك، بل قد يُمنع توقف صحّة عقده مطلقاً عليها؛ لأنّ التزويج أمر مرغوب فيه في العاجل والآجل، ولا دليل على ثبوت الولاية عليه في ذلك.و ما دلّ على الحجر على السفيه (2مخصوص بدفع المال إليه على وجه يتصرف فيه مستقلاً برأيه، ومستبداً بنظره، أما لو كان الدافع هو الوليّ في وجه يعود للسفيه نفع دنيوي أو أخروي فلا بأس به، ولكنه مخالف لظاهر الأصحاب، ولما يؤذن به المنع من تسليطه على المال؛ حيث إنّه معلّل بالخوف عليه من إتلافه وتبذيره، فلو جاز له النكاح لأمكن صرف جميع ما يملكه بالتزويج فتفوت فائدة الحجر عليه، ولحسنة الفضلاء، وفيها: «غير السفيهة ولا المولّى عليها»(3)ولا فارق بين الذكر والأنثى.)فعلى ما ذكرناه فإن بادر الحاكم في العقد عليه مع الضرورة جاز؛ لأنه وليه في المال، فليكن وليه في النكاح، وليس له جبره عليه.وقيل: ليس له العقد مستقلاً أصلاً (4.)وإن بادر هو ووافق المصلحة، ففي صحته من دون توقف على الإجازة وجهان، ولا يبعد الصحّة، ولكن الأحوط اجتماعهما معاً.
ولو فقد الحاكم، جاز له الاستقلال.وفي قيام عدول المسلمين مقام الحاكم هنا وجه يقضي به الاحتياط، ولكنه خلاف ظاهر الأصحاب.وعلى الأصح فلو بادر السفيه فعقد مع عدم الضرورة فسد عقده على ما ذكرناه، ولزمه مهر المثل مع جهل الامرأة، دون علمها فلا يلزمه شيء.ولو أذن الحاكم للسفيه بالتزويج مع الضرورة، ففي لزوم تعيين الزوجة له كي لا يتعدّى إلى شريفة يستغرق مهر مثلها جميع. ماله، ولزوم تعيين المهر كي لا يتعدّى إلى ما فوقه، أو عدم لزوم ذلك؛ لتقييد الإذن بالمصلحة، وهي كافية عن تعيينهما، فمع عدمها يكون العقد فاسداً، ولأنّ إلزامه بمهر المثل مع التعدي حاصل على كلا تقديري التعيين وعدمه فلا فائدة للتعيين، وجهان، ولا يبعد الأول؛ لاحتمال إيقاعه مع عدم التعيين بغير ما وافق المصلحة؛ لجهله وقلة تأمله وقصور نظره، فيكون مغروراً أو كالمغرور من قبله.ولو عين الولي مهراً فزاد عليه احتمل بطلان المسمّى من أصله، واحتمل بطلان الزائد إذا زاد على مهر المثل، ولو لم يزد فكله للامرأة مع الجهل، واحتمل فساد العقد من أصله.##### سادسها: في أن للبالغة الرشيدة أن تعقد لنفسها ولغيرهاسادسها: للبالغة الرشيدة أن تعقد لنفسها - كما رجحناه - ولها أن تعقد لغيرها ولو قلنا: إن الولاية للأب أو الجد؛ لأنها غير مسلوبة العبارة، ولها أن توكل في العقد على نفسها لغيره أو لنفسه خصوصاً أو عموماً، كـ «أنكحي ممن شئت».وللوكيل حينئذٍ أن يعقد لها على نفسه بنفسه، وله أن يوكل عنها إن أذنت له بالتوكيل وأن يوكل آخر عنه، ولا يمنع في الأوّل كونه موجباً قابلاً؛ لأنّ المغايرة الاعتبارية كافية في صحّة العقد؛ لعموم الأدلّة.نعم، روى الشيخ في الموثق في امرأةٍ تكون في أهل بيت تكره أن يعلم بها أهل بيتها، أيحلّ لها أن توكل رجلاً يريد أن يتزوجها تقول له: قد وكلتك فاشهد على تزويجي ؟ فقال: «لا» قلت له: جعلت فداك وإن كانت أيّماً ؟ قال: «وإن كانت أيماً» (1.)
1) تهذيب الأحكام 7 : 378، ح 1529؛ وعنه في وسائل الشيعة 20 : 288، الباب 10 من أبواب عقد النكاح...، ح 4.
وظاهرها: المنع من توكيل الامرأة رجلاً على أن يزوجها من نفسه مطلقاً، سواء كان قد تولّى العقد بنفسه على جهة كونه موجباً قابلاً، أو لا.وهو ضعيف السند، مخالف للقواعد والمشهور بين الأصحاب، فليحمل على الكراهة أو على رجوع النفي من قولها: «وكلتك فاشهد على تزويجي» فإنّ مجرد الإشهاد غير كافٍ، وإشهاد نفسه غير معتبر.ولو أخذنا بها على ظاهرها، اتجه المنع مطلقاً، سواء كان هو الموجب القابل، أم لا.ولو أطلقت الزوجة التوكيل، ففي دخول الوكيل في الإطلاق وعدمه وجهان، والظاهر من العرف عدم الدخول، وانصراف إطلاق الوكالة لغير الوكيل.واحتمل بعضهم (1كون الإطلاق كالعموم؛ لإفادة المطلق الحكم على جميع الأفراد ضمناً. كما احتمل بعضهم (2)كون العام كالمطلق في عدم الشمول، والانصراف لغير الوكيل.)وكلاهما ضعيف؛ لقضاء العرف بالفرق بين دلالة المطلق والعام في قوة الدلالة على الشمول وعدمها.##### سابعها: حكم ما لو زوّج الوليّ الإجباري أو غيره الصغيرة بدون مهر المثل أو الصغير بما فوق مهر المثلسابعها: لو زوج الولي الإجباري أو غيره - كالوصي أو الحاكم - الصغيرة، أو كلّ مولّى عليها؛ لجنون أو سفه، دواماً أو متعة بدون مهر المثل، أو الصغير بما فوق مهر المثل، فهل لهما الاعتراض في أصل العقد بأن يكون لهما الخيار في فسخه، أو في فسخ المسمّى من المهر دون أصل العقد، أو ليس لهما أصلاً، أو للصغيرة دون الصغير، كما عنون به فقهاؤنا المسألة، أو للصغيرة دون باقي المولى عليها؛ لجنون أو سفه ؟ وجوه، وفيما عنون به الفقهاء أقوال: فقيل بأن لها الاعتراض في المسمّى فقط (3لأنه عوض عن بضعها، فالنقص فيه ضرر ينجبر بالخيار، وعليه فيكون للزوج الخيار في فسخ أصل العقد؛ لإقدامه على المسمّى ولم يسلّم له، إلّا أن يكون عالماً بالحال.)
وقيل: إن لها الاعتراض في أصل العقد (1، وهو لا يتم إلّا بعد ثبوت الاعتراض في المسة ووجهه حينئذٍ أنّ الواقع هو العقد المشخص بالمسمّى، فإذا بطل المسمى بطل العقد الذي تضمنه.)وبالجملة، فالمهر بمنزلة الثمن في عقد البيع، فكما يحصل الخيار بسببه في أصل العقد؛ لتشخصه به، فكذا هنا.وقيل بأنه لا اعتراض لها أصلاً (2للزوم إمضاء تصرّف الولي، وأصالة عدم الخيار، ولأن النكاح ليس من المعاوضات الصرفة؛ لأنّ المقصود منه النسل والإحصان، فلا يثبت فيه بفوات المال خيار، ولأنّ للولي العفو عن بعض المهر بعد ثبوته فيما لو طلقها الزوج قبل الدخول فله تنقيص المهر ابتداء.)والأخير هو الأقوى؛ أخذاً بظاهر الأخبار المتكفّرة الدالّة على أن الامرأة لا أمر لها مع الولي، وأن الأمر له (3، فإنّ ظاهرها قاض بترك التفصيل فيها بين المهر وغيره، كما أن الظاهر أنّه لا فرق في ذلك بين وقوع العقد موافقاً للمصلحة أو غير موافق، وكان صادراً من الوليّ الإجباري، بل ولو كان فيه مفسدة ظاهراً، كما إذا زوجها من عبد بدون مهر المثل.)ومثله ما لو زوجها من غير كفو في مقام يمكن صحّة العقد فيه، كالفقير المعسر، مع احتمال ثبوت الخيار هنا؛ لحديث «لا ضرار» (4واحتمال فساد العقد من أصله.)وعلى ما اخترناه فينتفي الاعتراض من الصبيّ أيضاً إذا زوجه الولي بما فوق مهر المثل، ومن الصبيّة إذا زوجها الحاكم مع المصلحة ومن المجنون والسفيه إذا زوجهما الأولياء.والظاهر أنّ حكم المجنونة والسفيهة حكم الصغيرة.وقد يتجه الفرق بين الوليّ الإجباري وغيره لو قلنا بجواز الاعتراض لها في العقد أو المسمّى، وقلنا بجواز العفو من الوليّ الإجباري دون غيره بأنّ مَنْ جاز منه العفو لم يجز عليه الاعتراض، ومَنْ لم يجز منه العفو يجوز عليه الاعتراض.
1) قال به العاملي في نهاية المرام 1 : 89.
2) قال به الشيخ الطوسي في الخلاف 4: 392 المسألة 37؛ والمبسوط 311:4.
3) وسائل الشيعة 20 : 271، الباب 3 من أبواب عقد النكاح...، ح 11 و 273، الباب 4 من تلك الأبواب، ح 3، و 275 - 276، الباب 6 من تلك الأبواب، ح 1 و 3.
4) المصدر 25 : 428 - 429 الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، ح 3 - 5.
ويبقى الكلام في تحقيق مَنْ يجوز له العفو وعدمه، فإن قلنا بجواز العفو من الولي مطلقاً، لم يكن لها الاعتراض مطلقاً، وإن قلنا باختصاصه بالوليّ الإجباري، اختص عدم الاعتراض به.##### ثامنها: في أنّ عقد الفضولي الواقع من جامع شرائط صحة العقد صحيح في النكاحثامنها: عقد الفضولي الواقع من جامع شرائط صحّة العقد سوى إذن المالك صحيح في النكاح، بمعنى أنّه لا يُحكم ببطلانه، بل يبقى موقوفاً، فإن تعقبته الإجازة أثر أثره، وإلا وقع باطلاً.ولا يتفاوت الحال بين صدوره من قريب أو بعيد، وبين كونه من حر أو عبد، على غيره أو على نفسه، وبين تعلقه بمَنْ كان قابلاً للإجازة حين صدور العقد كالكبير، أو كان غير قابل كالصغير، وبين أن يكون الفضول من جانب الزوجة أو من جانب الزوج أو من جانبيهما معاً، وبين أن يكون المجيز هو الوليّ أو المجيز هو الصغير بعد بلوغه وإن كان الولي موجوداً حين صدور العقد الفضولي.ولا فرق بين صدوره مع القطع برضى الأصيل، أو مع القطع بعدم رضاه، أو مع الشكّ فيه، مع احتمال الصحّة ابتداءً في الأول، والبطلان ابتداء في الثاني.ولو ردّ الأصيل بعد وقوع العقد بطل العقد قطعاً.ولو أجاز فالظاهر أنّ الإجازة كاشفة لا ناقلة فعلى ذلك فيشترط كون الأصيل ممّا يصح عليه العقد حين صدوره، فلو عقد على محرم فضولاً فأجاز بعد الإحلال لم تؤثر الإجازة شيئاً.وكذا لو عقد مسلمةً على كافر فضولاً فأجاز بعد الإسلام.وعلى النقل يصح في المقامين.نعم، يفسد ما لو عقد مسلماً على مسلمةٍ فضولاً فارتد المسلم فأجاز بعد الارتداد، أو عقد كافراً على كافرة فأسلمت وأجازت بعد الإسلام، ونحو ذلك.ولو عقدت البالغة الرشيدة ذات الولي نفسها فضولاً - على القول بثبوت الولاية عليها - فمات الولي، كان كمن باع شيئاً فملكه، فيحتمل البطلان، ويحتمل الصحّة مع الإجازة، ويحتمل الصحّة بدونها.وقد يجيء ذلك فيما إذا زوّج العبد نفسه وقد تحرّر بعد ذلك.ويدلّ على صحّة العقد الفضولي مطلقاً عمومات أدلّة صحّة العقود جنساً ونوعاً؛ لصدق
الفضولي أنّه بيع ونكاح وعقد، فيشمله ما دلّ على صحتها؛ لعدم اشتراط مباشرة الأصيل له.نعم، يشترط رضى الأصيل بالعقد في الجملة إجماعاً وكتاباً (1، وسنّة (2).)ولا فرق بين رضاه سابقاً، وبينه لاحقاً؛ لأن المقصود حصوله، فإذا حصل أثر العقد أثره؛ قضاء لحق عموم الأدلّة.ويدلّ على صحته في النكاح الإجماع المنقول على لسان المرتضى وابن إدريس فيما عدا المملوكين (3، المعتضد بفتوى المشهور، وبالعمومات، والأخبار المتكثّرة.)كقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في البكر التي أنكحها أبوها فأتته تستعدي: «أجيزي ما صنع أبوك» (4).)وخبر محمد بن مسلم فيمن زوجته أُمه وهو غائب، قال: «النكاح جائز، إن شاء قبل، وإن شاء ترك» (5.)وما جاء في صحّة عقد المملوك بدون إذن سيده أنه: «إن شاء سيّده أجاز، وإن شاء فرّق بينهما معلّلاً بـ «أنّه لم يعص اللّه، وإنّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو له جائز» (6.)وفي آخر أيضاً في مملوك تزوج من دون إذن مولاه، قال: «ذلك إلى مولاه، إن شاء فرق بينهما، وإن شاء أجاز نكاحه» وفيه: فقلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ: فإنه في أصل النكاح كان عاصياً، فقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنّما أتى شيئاً حلالاً وليس بعاص اللّه، وإنّما عصى سيّده ولم يعص اللّه، إن ذلك ليس كإتيانه ما حرم اللّه تعالى من نكاح في عدةٍ وأشباهه» (7).)وفي الخبرين دلالة على صحّة الفضولي حتّى لو كان صدوره منهياً عنه نهياً عارضيّاً لا على سبيل الأصالة؛ لأنّ النهي إذا كان لأمر خارج لا يقضي بفساد المنهي عنه، فإذا لم يقض بالفساد صار مشمولاً لدليل الصحّة بعد حصول الشرط، وهو رضى الأصيل.والأخبار بهذا المضمون كثيرة.
1) النساء (4) : 29.
2) وسائل الشيعة 20 : 284 وما بعدها الباب 9 من أبواب عقد النكاح... .
3) المسائل الناصريات : 330 المسألة 154 السرائر 2 : 564 – 565.
4) أورده السرخسي في المبسوط 2:5.
5) وسائل الشيعة 20 : 280 - 281، الباب 7 من أبواب عقد النكاح...، ح 3.
6) المصدر 21 : 114 الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
7) المصدر : 115، ح 2.
وخبر الحذاء عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ في غلام وجارية زوجاهما وليان لهما وهما غير مدركين، فقال: «النكاح جائز، وأيهما أدرك كان له الخيار» (1).)ويراد بالوليّ ها هنا العرفي دون الشرعي بقرينة ثبوت الخيار لهما، وبقرينة قوله في آخرها: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك، قال: «يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام والمهر على الأب للجارية».وذهب بعض أصحابنا إلى بطلان الفضولي في جميع العقود (2؛ استناداً للأصل، وعدم الدليل الدال على الصحّة، ولتوقف العقد على الرضى والإجازة، والشرط لا يتأخر عن المشروط، فلا بد من تقدمهما، فلو تأخرا فسد، كما يقع في الفضولي، وللأخبار الناطقة بفساد النكاح خصوصاً من غير ولي(3)، والناطقة بفساده من دون إذن المولى (4)، والناطقة بأنّ مَنْ تزوّج الأمة من دون إذن أهلها فهو زني (5).)والكلّ ضعيف؛ لانقطاع الأصل بما قدمناه من دليل الصحّة، ولمنع لزوم تقدّم الشرط وضعاً على المشروط، وإنما اللازم تقدّمه ذاتاً لا زماناً. والشرط هنا هو حصول الرضى بأحد الأزمنة، وهو متقدّم ذاتاً، وتأخره بحسب الوجود الزماني غير ضائرٍ.نعم، يكون حصوله في الزمن المتأخر كاشفاً عن صحّة العقد في الزمن المتقدم؛لصدوره جامعاً للشرائط التي منها وقوع الرضى في الزمن المتأخر، وهذا أوجه معاني الكشف في الإجازة.ولظهور ورود الأخبار في العقد الصادر من دون إذن مطلقاً لا سابقاً ولا لاحقاً، أو تُحمل على المبالغة في البطلان، أو على مجاز المشارفة عليه؛ لأغلبية عدم الإجازة في تلك الموارد، أو على أنّه باطل من حيثية نفسه من دون نظر لتعقبه الإجازة، أو غير ذلك من المحامل ؛ جمعاً بين الأدلّة، كما يمكن حمل قوله : «لا نكاح إلّا بولي» (6على نفي الكمال لا على الصحّة؛ جمعاً.)
1) وسائل الشيعة 26 : 219، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ح 1.
2) الشيخ الطوسي في المبسوط 4 : 163 والخلاف 4 : 257، المسألة 11.
3) راجع 46 وما بعدها.
4) وسائل الشيعة 20 : 296، الباب 17 من أبواب عقد النكاح...، ح 1.
5) المصدر 21: 119 - 120، الباب 29 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
6) راجع الهامش (3) من ص 53.
ومن أصحابنا مَنْ مَنَع الفضولي في غير النكاح وأجازه فيه (1للأخبار الواردة فيه (2). وهو أوجه من سابقه.)ولا بد في الإجازة للعقد الفضولي من قول أو فعل دالين على الرضى، ولا يكفي القطع به، بل الأحوط في غير الأخرس وشبهه من القول الدال على ذلك.نعم، ورد في جملة من الأخبار (3، وأفتى به مشهور الأصحاب: إن البكر يكفي في إجازتها بعد صدور العقد عليها فضولاً، وفي إذنها في العقد ابتداءً سكوتها وصمتها إذا عرض عليها العقد ابتداءً أو انتهاء، وعلّلوا ذلك بشدّة حيائها؛ لعدم ممارسة الرجال لها.)وفي الأخبار ما يدلّ أن سكوتها إقرارها (4، وأنّ إذنها صماتها (5)وأن سكوتها إذنها (6).)وهو مخالف للقواعد، فلا بد من تقييده بما إذا لم يعلم عدم رضاها، أو تقوم قرينة على به حاليّةً أو مقاليّةً، فلو علم ذلك لم يكف السكوت، وهذا القيد هو ظاهر الأصحاب.وقد ينزل ذلك على الغالب من حصول الظن بالرضى عند السكوت؛ لأنها لو لم ترض لصرحت بالمنع.ولكن ظاهر الأصحاب عدم التنزيل على ذلك، وأنّ الحكم تعبدي، وأنه مقصور على حالة الشكّ في الرضى وعدمه.ومن ذلك يظهر أن تنزيل الأخبار على الكشف عن العرف العام من كون السكوت في هذا المقام دالاً على الرضى بمنزلة الكلام بعيد عن الأفهام؛ لأنه أعم، والعام لا يدلّ على الخاص.ويمكن الفرق بين سكوتها حالة العلم منها بأنّ سكوتها عند الشارع بمنزلة الرضى فينزل منزلته، وبين حالة عدم العلم فلا ينزل.و على كلّ حالٍ فالأحوط التصريح منها بالإذن.
ولا يلحق بالبكر غيرها ممن شأنها الحياء؛ لأنّ الحياء حكمة وليس بعلةٍ يدور مدارها الحكم وجوداً وعدماً، فحكمها حكم المشقة في السفر.والمراد بالبكر هي مَنْ لم توطأ للرجال الذكور قبلاً، وفي الموطوءة دبراً وجهان.وذهب جمع من أصحابنا (1إلى أنها هي التي لم تفتض قبلاً أصلاً، فلو افتضت ضت بإصبع أو حرقوص (2)أو طفرة أو خلقةٍ أو نفس عادت ثيباً.)وفيه منع ؛ لعدم مساعدة العرف له، ولقضاء الحكمة الظاهرة في الحكم بإرادة المعنى الأوّل وإن لم تكن تلك الحكمة علة حقيقية.وبالجملة، فالبكر في العرف العام هي التي لم يطأها الرجال.ولو وطئت وهي صغيرة غير مدركة، فالظاهر إلحاقها بالثيب، ولكن على إشكال.والظاهر أنّ ما عدا السكوت من ضحك أو بكاءٍ أو فرح أو حزنٍ يدور مدار ما يُفهم منه مقامات الأفعال وقرائن الأحوال؛ لعدم النص.##### تاسعها: في سقوط ولاية الكافر على المسلم وثبوت ولايته على الكافرتاسعها: تسقط ولاية الكافر على المسلم، سواء كان الكافر أصلياً أو مرتداً، وسواء كان المسلم مخالفاً أو مؤمناً، وسواء كان المولى عليه حُرّاً أو عبداً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (3)وقوله تعالى: (وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (4)، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (5).)والمناقشة بأنّ «السبيل» هو الدليل والبرهان كما هو الوارد في الخبر (6- لا الولاية وشبهها مدفوعة بأن نزول الآية في مورد خاص، أو إرادة معنى خاص منها لا ينافي الأخذ بظاهرها من العموم.)
1) منهم : الشهيد الأوّل في القواعد والفوائد 1 : 383؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 7 : 164 - 165.
2) الحُرقوص : دويبة كالبرغوث، وربما نبت له جناحان فطار الصحاح : 1032، «ح ر ق ص».
3) النساء (4) : 141.
4) التوبة (9): 71.
5) وسائل الشيعة 26 : 14 الباب 1 من أبواب موانع الإرث...، ح 11.
6) راجع عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) 2 : 219 - 220، الباب 46، ح 5.
والظاهر أنّ المنتحل للإسلام - كالغلاة والخوارج - في حكم المسلمين، فلا يتولاهم الكافر الأصلي، وذلك كمسلم ناصبي جنّ بعد إسلامه وكان أبوه كافراً أصلياً.وأما المرتد الذي لم يتشبث بالإسلام فلا بأس بولاية الكافر الأصلي عليه.ومتى سقطت ولاية الكافر على المسلم عاد المسلم كمن لا ولي له، فإذا لم يكن له مسلم قابل للولاية من أب أو جدٍّ تولاه الحاكم.وأما ولاية الكافر على الكافر فلا بأس بها؛ للعمومات الدالّة على ولاية الأب والجدّ (1، ولقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (2)وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) (3).)ولو كان للكافر وليان: مسلم وكافر كأب مسلم وجد كافر فهل الولاية للمسلم فقط، أو للكافر فقط، أو لهما معاً، ويتصوّر فيما لو كفر المسلم بعد بلوغه فجن؟ وجوه، أوجهها الاشتراك في الولاية.وفي القول باختصاص المسلم بها قوة.ويظهر من بعض أصحابنا (4، عدم ثبوت الولاية للكافر على الكافر.)ويظهر من آخرين (5عكس ذلك، وأن لا ولاية لمسلم على كافر، وإنّما وليه الكافر؛ لأنّ الكفّار بعضهم أولياء بعض.)وكلاهما ضعيف مخالف لعموم الأدلّة.نعم، قد يقدم عقد المسلم عند المشاحة؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.ولو زال الكفر بالتوبة، عادت الولاية في مقام تقبل توبة المرتد.##### عاشرها: في سقوط ولاية المجنون والصغير والسفيه والمغمى عليهعاشرها: تسقط ولاية المجنون والصغير - كالحاكم الصغير المميز لو قبلنا منه الفتوى - والسفيه والمغمى عليه، وتعود الولاية بزوال المانع؛ للأصل.
وفي عودها بالنسبة إلى الوصيّ وجهان، ولا يبعد الحكم بعودها؛ لأن الوصاية غير الوكالة.وحين زوال الولاية عن الأقرب يتولّى الوليّ الأبعد، كالحاكم وشبهه، سواء طال زمن الزوال أو قصر.والأظهر إن الزوال لو قصرت مدته وكان مرجوّاً لزم انتظاره ما لم تشتد الحاجة إلى البدار.وتسقط الولاية عن المملوك؛ لأنه لا يقدر على شيءٍ، فإذا لم يقدر على إنكاح نفسه فعلى إنكاح غيره بطريق أولى.ولا يتفاوت الحال بين كون المولى عليه ولده أو مملوكه لو قلنا بأنّ العبد يملك.ولو أذن له المولى في الولاية على ولده ففي ثبوتها بإذنه وعدمها وجهان، والأظهر عدم ثبوت الولاية بالإذن؛ لأنّ الإذن لا تؤثر إثبات صفة الولاية، وإنّما ترفع الحجر عنه من التصرف، وحينئذٍ فلو كان ولد المملوك حُرّاً لم يجز للمولى أن يأذن له في العقد عليه، وإنما يتولاه الحاكم.نعم، لو كان ولده مملوكاً للمولى جاز له ذلك؛ لأنه في معنى التوكيل، كما يجوز لغير المولى أن يوكله في إيقاع عقد أو إيقاع بإذن المولى.ولو وكله بدون إذنه، ففي صحته وجهان.ولا يُسقط الولاية إحرامُ الوليّ وإن منعه عن إيقاع العقد على المولى عليه أصالة ووكالةً على الأظهر.نعم، لو وكل وهو مُحلَّ مُحلّاً قبل إحرامه على إيقاع عقد التزويج للمولى عليه فأوقعه الوكيل بعد إحرام الموكل، كان القول بالصحّة متجهاً.ولا يمنع الإحرام من إذن السفيه ولا من الرجعة ولا من الطلاق، ولا من شراء الإماء ولو للتسري.ولو طال إحرام المُحْرم بحيث يتضرّر المولّى عليه بتأخير العقد، فلا يبعد جواز انتقال الولاية للحاكم لمكان الضرر لعدم إمكان استئذان المُحرم؛ لكونه بمعنى الوكالة.ولا تسقط ولاية النكاح بالفسق وإن قلنا بسقوطها في ولاية المال بالنسبة إلى الولي الإجباري؛ للفرق بين ولاية المال من حيث إنّها استئمان، فيحتمل سقوطها عند خوف الخيانة، بخلاف ولاية النكاح؛ فإنّها تتبع النظر والرأي والسداد.وكذا لا تسقط بالغيبة وإن طالت إلّا إذا أدّى الطول إلى الضرر بالمولى عليه عادةً.
ولو كان المولى عليه مملوكاً، لم تزل عن الولي الولاية مطلقاً، إلّا مع اضطرار تباح المحذورات فيه، فيتولى العقد عليه حينئذٍ الحاكم، وإلا فعدول المسلمين.##### حادي عشرها: حكم ما إذا زوج المولّى عليه كلّ من الأب والجدّ لهحادي عشرها: إذا كان للمولى عليه أب وجد لأب، فقد تقدم أن كلا منهما ولي بانفراده. ومقتضى القواعد أنّ الوليين إذا عقدا على أمرٍ واحد كما إذا زوجا شخصاً واحداً - فإن سبق أحدهما صح السابق وكان الثاني لغواً.وإن وقعا دفعةً - كما إذا أوجبا دفعةً - فقبل الزوج عقدهما معاً، أو وكل الزوج شخصاً فقيل من أحدهما، وقبل هو من الآخر دفعةً واحدةً صح العقدان معاً، وكانا مؤثرين دفعةً واحدةً، وليس العلل الشرعيّة كالعلل العقلية؛ حيث لا يمكن اجتماع علّتين على معلول، بل إنما هي معرفات.وقد يحتمل أنّ المؤثر هنا واحد منهما لا بعينه، أو أن المؤثر هو المجموع.وإن اختلفا في العقد واقترنا - كما إذا عقد كلّ منهما على شخص غير ما عقد عليه الآخر - فمقتضى القواعد بطلان كلّ من العقدين، سواء كانا وكيلين أو وليين؛ للزوم الترجيح من غير مرجح واقعاً وظاهراً مع الحكم بصحة أحدهما بعينه، وللزوم المحال مع الحكم بصحتهما، أو صحّة أحدهما لا بعينه؛ لأنّ صحّة المبهم مع الاختلاف أمر غير معقول، والرجوع إلى القرعة غير ممكن؛ لترتبه على صحّة واحدٍ منهما بعينه واقعاً، واشتباهه ظاهراً، إلّا أنّه خرج من ذلك عقد الأب والجد إذا اقترنا؛ فإنّه يصح عقد الجدّ، ويبطل عقد الأب؛ للنصّ والفتوى.وفي الصحيح: «إذا زوّج الأب والجد كان التزويج للأوّل، فإن كانا في حال واحدة فالجد أولى» (1.)وكأنّ ذلك يكون كاشفاً عن ترجيح عقد الجدّ على الأب؛ لقوة ولايته حيث إنّه وليه، وتلزم على الأب طاعته، ويحرم عليه عقوقه، والابن وماله لأبيه، سيما لو جعلت «ما» موصولةً.ولا يبعد تسرية الحكم لكلّ جدِّ بَعد أو قرب إذا اقترن عقده مع الأب؛ لإطلاق النصّ والفتوى.ويحتمل اختصاص الحكم بأب الأب؛ أخذاً بالتعليل المتقدم، وأما غيره من الأجداد فيتجه البطلان، أو تقديم الأب؛ لقرب علاقته، ولأنه ولي من دون واسطة.
1) وسائل الشيعة 20: 289 – 290، الباب 11 من أبواب عقد النكاح...، ح 3.
ويشكل الحال في اقتران عقد الجدّ مع أبيه أو جده؛ لخروجه عن النص، ولجريان العلة المتقدمة في أبيه، فيحتمل تقديم الأعلى هنا مطلقاً.ويحتمل تقديمه فيما إذا كان أباً للجد دون ما إذا كان جداً.ويحتمل البطلان.ويحتمل تقديم عقد الأدنى مطلقاً؛ لقوة العلاقة.والأقوى البطلان.وإن اختلفا في العقد وسبق أحدهما، صح عقد السابق، وبطل اللاحق، سواء علم كلّ منهما بعقد الآخر أم لا، وسواء نهى كلّ منهما الآخر أم لا، وسواء تشاحًا أم لا، كلّ ذلك جرياً على القواعد، وللأخبار الخاصّة (1.)نعم، ينبغي عند التشاح أن يقدم الأب عقد الجدّ فيما أراد.وكذا ينبغي للمولّى عليه أن يجيز عقد الجدّ دون الأب؛ وذلك لأولوية الجد على ابنه، لولايته عليه، وللأخبار الخاصّة (2.)وهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب ؟ وجهان، والظاهر من الأخبار: الأوّل؛ لاشتمالهاعلى أنّه أولى، وأنه أحق (3، ومن الأصحاب: الثاني، وهو الأظهر.)ولو شكّ في السبق والاقتران احتمل الرجوع إلى القرعة، واحتمل الحكم بالاقتران، فيقدم عقد الجدّ.ولو علم السبق وشكّ في السابق، احتمل الرجوع إلى القرعة، واحتمل الفرق بين جهل التأريخ فالقرعة، وبين العلم بتأريخ أحدهما فيقدم المعلوم، ويؤخر عنه المجهول، فيبطل.##### ثاني عشرها: يجوز للولي الإجباري تزويج المولى عليه بمجرد حصول الكفاءةثاني عشرها: يجوز للولي الإجباري تزويج المولّى عليه بمجرد حصول الكفاءة، سواء كانت له مصلحة بالتزويج أم لا، بل لو اشتمل على مفسدة؛ لأنه هو وماله لأبيه، ما لم يكن مضاراً عادياً ففي صحّة عقده وجهان، وحينئذٍ فلو زوجها بدني أو عبد لزم التزويج في حقها، ولا خيار لها؛ للأصل.
وكذا لو زوجها غير الإجباري مع المصلحة والغبطة، بحيث وقع التزويج الأوّل صحيحاً، فإنّها ليس لها الخيار بعد ذلك.وهل الغبطة المعتبرة تدور مدار الواقع أو مدار نظر الولي؟ وجهان، ولا يبعد الأخير إذا لم يكن الولي مقصراً في نظره، والأوّل إذا كان مقصراً.ولو زوّج الوليّ المولّى عليه بذي العيب مع المصلحة إذا لم يكن إجبارياً أو بدونها إذا كان إجبارياً، فإن كان جاهلاً بالعيب كان له الفسخ مع احتمال العدم؛ لأصالة عدم جواز تولّي الفسخ ؛ لأنّه منوط بنظر الزوج أو الزوجة وشهوتهما، والحق لهما، فلعلهما يرضيان بالعيب.وللمولى عليه الفسخ أيضاً إذا كان جاهلاً أو بحكم الجاهل - كالصغير والمجنون كما أن للكبير ذلك مع جهله؛ لمكان الضرر والضرار، فينجبر بالخيار.واحتمال بطلان العقد من الولي على ذات العيب مطلقاً ضعيف، كاحتمال لزومه من دون خيار أيضاً.نعم، قد يحتمل التفصيل بين علم الولي بالعيب فيحكم بفساد العقد، وبين جهله فيحكم بالصحّة، وثبوت الخيار للمولّى عليه أو له وللولي، والأقوى ما قدمنا.ولو زوّج الطفل وليه بمملوكة، ففي صحته احتمالان، أقواهما العدم؛ لاشتراط خوف العنت في تزويج المملوكة المفقود ها هنا.##### ثالث عشرها: عدم جواز نكاح الأمة بدون إذن مالكهاثالث عشرها: لا يجوز نكاح الأمة من دون إذن مالكها؛ لقبح التصرف بمال الغير من دون إذنه، ولقوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ (1).)وفي الرواية عن التمتع بالأمة بإذن أهلها؟ قال: «نعم، إنّ اللّه تعالى يقول: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ (2)وبمعناه روايات أُخَر (3).)وفي أخرى: «لا يتمتع بالأمة إلّا بإذن أهلها» (4.)
وفي أُخرى: عن الرجل يتزوج الأمة من غير علم أهلها؟ قال: «هو زني» (1.)ولا يتفاوت الحال في ذلك بين الدائم والمنقطع؛ لعموم الأدلّة، ولا بين كون الأمة لمولى عليها أو لغيرها؛ لعموم الأدلّة.وذهب الشيخ (رَحمهُ اللّه إلى جواز التمتع بأمة الامرأة من دون إذنها (2)لصحيحة سيف بن عميرة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يتمتع بأمة الامرأة من دون إذنها؟ قال: «لا بأس به» (3).)وبمعناها روايات أُخر، وفي بعضها: «يتزوّج» (4.)وهو ضعيف؛ لاضطراب سند الرواية وإن كانت صحيحةً، وقلّة العامل بها، ومخالفتها المشهور فتوى وعملاً، وبعدها عن القواعد والأصول والاحتياط، فلا بد من طرحها، أو حمل «يتزوّج» و «يتمتع» على إرادة الانتفاع بها عند شرائها من دون استبراء؛ لاختصاص الاستبراء بالشراء من الرجل.ويمكن حملها على الاكتفاء بالإذن الفحوائية هنا في جواز عقد المتعة على الأمة؛ لأنّ إماء النساء غالباً ممّا يؤذن لهن بالتمتع، للانتفاع بأجورهن.وهو أقل مخالفةً ممّا قدمنا.##### رابع عشرها: في أنّ تزويج الوليّ للصغير موجب للزوجيّة والتوارثرابع عشرها: قد تقدّم أنّ تزويج الوليّ للصغير موجب للزوجيّة (5، وهي موجبة للتوارث بينهما، ولا يتفاوت الحال بين ثبوت الخيار لهما بعد أن يدركا أو لأحدهما، وبين عدمه؛ لأنّ الفسخ بالخيار فسخ من حينه لا من أصله.)ويظهر من بعضهم أن التوارث تابع للزوم العقد (6.)فإن قلنا بثبوت الخيار لهما، كان التوارث موقوفاً على الإجازة واليمين، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
وإن قلنا بثبوته للصبي، فإن مات قبل الإجازة بطل النكاح، وإلا كان ميراثه تابعاً لإجازته ويمينه بعد البلوغ، وهو مبني على أنّ عقد الوليّ كعقد الفضولي تتوقف صحته على الإجازة، أو على أنّ التوارث يدور مدار لزوم العقد، وكلاهما باطل؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى مساواة عقد الولي للفضولي على القول بثبوت الخيار للطفل بعد بلوغه، وظاهر الأصحاب على خلافه؛ إذ ظاهرهم أنّ ثبوت الخيار وعدمه مسألة مغايرة لمسألة الفضولي.و على كلّ حالٍ فالظاهر أنّ التوارث يدور مدار صحّة الزوجيّة وعدمها، وما يتراءى من الشيخ في النهاية من دوران الميراث مدار عدم الخيار، فمع ثبوته ينتفي الميراث (1، فهو مخصوص بعقد الأجنبي دون الولي الإجباري أو غيره.)وعلى كلّ تقدير فالأقوى لزوم العقد بالنسبة إلى الصبيّ والصبيّة، وما ورد ممّا دلّ على ثبوت الخيار لهما أو للصبي (2مطرح أو مؤوّل.)وتقدم أيضاً أن تزويج غير الوليّ للصغير يقع فضولاً، سواء كان للعقد مجيز في الحال أم لا، فإن بلغ فأجاز صح العقد.ولو عقد غير الوليّ على صغيرين فبلغا وأجازا، صح عقدهما، وإن لم يجيزا أو لم يجز أحدهما فسد العقد، وإن مات كلاهما أو أحدهما قبل الإجازة فسد العقد أيضاً، وإن بلغ أحدهما فأجاز فمات ثمّ بلغ الآخر، فإن مات قبل الإجازة أو لم يجز، بطل العقد، وإن أجاز أحلف أنّه لم يجز طمعاً في الميراث أو المهر أو كليهما، وورث.ويدل على ذلك الصحيح عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين، فقال: «النكاح جائز، وأيهما أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلّا أن يكونا قد أدركا ورضيا» قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: «يجوز ذلك عليه إن هو رضي» قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي بالنكاح ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: «نعم، يعزل ميراثها منه حتّى تدرك، فتحلف بالله ما دعاها إلى الميراث إلّا رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر» قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك؟ قال: «لا، لأن لها الخيار إذا أدركت»
قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك؟ قال: «يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام والمهر على الأب للجارية» (1.)ولا يطعن في الاستدلال بها باشتمالها على الولي في صدرها ويراد به الشرعي، ومقتضاهصحة الزوجيّة وثبوتها ابتداء، وترتب التوارث عليها، وباشتمالها على نصف المهر بالموت مع أنّ الأظهر ثبوت الكلّ، وإنما جاء التنصيف في الطلاق للدليل، وباشتمالها على التعليل لعدم التوارث بأنّ لها الخيار إذا أدركت والمفروض أنّ ثبوت الخيار لا ينافي التوارث، وباشتمالها على خصوص توريث الامرأة بعد تحليفها، والمطلوب توريث كلّ منهما بعد يمينه.لأنا نجيب عن ذلك بأنّ «الوليّ» يراد به في صدرها الوليّ العرفي؛ بقرينة العجز المنجبر بفتوى الفقهاء، وبأنّ اشتمال الخبر على شيءٍ لا نقول به لا ينافي الاستدلال به على غيره، على أنّ الاقتصار على النصف لعله لكون النصف الآخر كان مدفوعاً قبل ذلك، كما هو الغالب، وبأن التعليل بالخيار يراد به الإجازة، لا الخيار الواقع بعد ثبوت العقد وصحته.وعلى كلّ حال فالرواية موافقة لأصول المذهب على القول بأن الإجازة كاشفة، فتكشف حينئذٍ عن الزوجيّة حال الحياة، إلّا أنها تخالف القواعد في الحكم بتوقف الميراث على يمينها النافي للتهمة عنها من أن إجازتها إنما كان رغبةً في التزويج لا رغبة في الميراث، وكان بمقتضى القواعد لزوم الميراث بمجرد الإجازة، ولكن لما نطقت به الرواية وكان الميراث مظنّةً للتهمة فكانت الإجازة كأنّها غير مقصودة للمجيز، وإنّما المقصود جلب المال، فجعل اليمين مكملاً لها، كان الحكم به متوجهاً، وكان اليمين شرطاً في تحقق الميراث، كما يُفهم من النصّ وكلام الأصحاب، لا أنّه مجرد إيجاب شرعيّ لا يتوقف عليه الحكم، وبأن اختصاص الرواية بالمرأة غير ضائر؛ لأنّ «الرجل» محمول عليها في الإرث للاشتراك في تمام علة الزوجيّة.وكونه على خلاف الأصل مدفوع بأنّ المعلوم من الإرث إنّما هو لمكان الزوجيّة، ولا يعقل الفرق بينهما، فالنص دال على أن فوات محلّ النكاح ها هنا غير ضائر، وأيضاً إذا ثبتت الزوجيّة لها فأولى أن تثبت له، للزوم المهر عليه.وكذا اليمين لما كان لمكان التهمة كان موجباً لاشتراكهما فيه.
1) وسائل الشيعة 26 : 219، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ح 1.
ولا فرق في تحقق التهمة بين كون نصف المهر الذي يلزمه بالإجازة أقل ممّا يرثه أو أكثر أو مساوياً؛ لتحقق التهمة بالرغبة في أعيان التركة.فإن مات المجيز بعد الإجازة وقبل اليمين احتمل ثبوت الميراث له؛ لمكان الزوجيّة واحتمل عدمه؛ لتوقف تمام الزوجيّة عليه؛ لأنّ تمام الزوجيّة الكائن بالإجازة إنما هو حيث لا تهمة فيها، واحتمل الفرق بين الامرأة فلا ميراث للنصّ (1وبين الرجل فيرث؛ لمكان القاعدة.)ولو جنّ أو أغمي عليه قبل الإجازة، عزل نصيبه من العين إن أمكن، وإلا فمن المثل أو القيمة إلى أن يفيق مع احتمال جواز دفع المال إلى الوارث الآخر، سيما مع الضر على الوارث أو المال؛ لأنّ استحقاقه الآن غير معلوم، والأصل عدمه.نعم، يضمن للمجنون ماله عند الإفاقة إذا حلف بعد الإجازة.واحتمال الفرق بين ما يرجى برؤه قبل حصول الضرر، وبين ما لا يرجى برؤه.ولو أجاز ونكل عن اليمين فلا ميراث.وفي لزوم المهر على الزوج؛ أخذاً بإقراره و«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (2ولأنّ اليمين لمكان التهمة، ولا تهمة ها هنا، ولأنّ النصّ خاص بالمرأة دون الرجل، وعدمه؛ لمنع كون الإجازة إقراراً بالزوجيّة، ولمنع حصول الزوجيّة بالإجازة فقط مع التهمة؛ لأنّها جزء السبب، وجهان، والأوّل أظهر.)وعليه ففي ميراثه من نفس المهر ؛ لأنه تابع للزوجيّة، ولأنّ الإجازة إن كانت حقاً فالنصف له، وإن كانت باطلةً فالكلّ له ولأنّ إقراره بالزوجيّة بعد موت الآخر بمنزلة إقراره بما زاد عمّا يرثه، وأما ما يرثه فالإجازة مثبتة له فلا يؤاخذ به وعدمه؛ لتوقف الميراث على اليمين، ولأنّ غاية ما يثبته الإقرار هو الزوجيّة من طرفه، وهي لا تستلزم الإرث، والأوّل هو الأقوى.والأظهر انسحاب الحكم للمجنونين.وفي انسحابه للكبيرين البالغين الرشيدين إذا زوجهما الفضوليان وجهان: من أنّ الإجازة سبب في الزوجيّة لا تفتقر إلى شيءٍ آخر، والنص خاص بالصغير، ومن الاشتراك في الفضولية، ومنع كون الإجازة مع التهمة سبباً تاماً في الزوجيّة من دون يمين.
وقيل بالبطلان؛ لأن الإرث بالإجازة مع اليمين بعد موت الآخر خلاف الأصل؛ لفوات محلّ النكاح؛ لأنّه بمنزلة القبول فيقتصر فيه على محلّ اليقين (1.)وهو ضعيف؛ لمنع كون الإجازة كالقبول، ومنع فوات المحلّ بعد البناء على أن الإجازة كاشفة.والأوجه صحّة الإجازة وثبوت الميراث من دون يمين.ولو انتفت التهمة بالميراث عيناً أو قيمةً؛ لقرائن حالية أو مقالية، سقط اليمين؛ لعدم كونه تعبدياً، كما يظهر من النصّ والفتوى، ويثبت الإرث لمكان الإجازة الواقعة في محلّها.واحتمال عدم الإرث؛ لخروج الإرث عن القاعدة، فيقتصر فيه على مورد النص، وهو وقوع اليمين بعده مع التهمة، بعيد جداً.ولو زوّج أحد الصغيرين الولي، والآخر الفضولي، فمات مَنْ عقد له الولي قبل بلوغ الآخر أو بعد بلوغه قبل إجازته فبلغ الآخر وأجاز، ففي توريثه بمجرد الإجازة، أو توقفه على اليمين، أو البطلان وجوه تقدّم مدركها، أقواها الصحّة والتوريث من دون افتقار إلى اليمين.وكذا لو كانا بالغين فزوّج أحدهما الفضولي، والآخر باشر العقد بنفسه، أو كانا صغيراً وبالغاً فتولّى عقد الصغير الولي، وعقد البالغ الفضولي.والأظهر الجميع: صحّة الإجازة وثبوت التوارث، لا البطلان، كما تخيله جماعة (2.)وكلّ من عقد مباشرةً مع فضولي لزم من طرفه، فلا يجوز له تزويج أختها، ولا الخامسة، ولا أمها، ولا بنتها، وإن كانت امرأة لم يحلّ لها نكاح غيره كلّ ذلك لتلبسه بعقد يحرم معه العقد على مَنْ ذُكر، فإذا فسخ جاز الجميع إلّا على وجه، وهو أن الفسخ من حينه لا من أصله، فتحرم أُمّ المعقود عليها. وهو بعيد.وهل يجب على مَنْ عقد عليه فضولاً الإجازة فوراً ؟ وجهان، والظاهر أنّه لو أدى التأخير إلى الضرر أجبره الحاكم على أحد الأمرين: إما الإجازة، وإما الفسخ.ولو طلّق مَنْ عقد على امرأةٍ فضولاً، ففي صحّة الطلاق قبل العلم بالتزويج نظر ؛ لجهالة الزوجيّة من دون الإجازة، ويشكّ في صحّة وقوع الطلاق على غير التزويج المعلوم، ولأنه إنما يترتب على عقد لازم والفضولي غير لازم؛ لتوقفه على الإجازة، فعلى
ذلك فالطلاق لا يبيح المصاهرة؛ لعدم تأثيره شيئاً.ويحتمل أنّه مؤثر للفسخ، فيكون من قبيل الفسخ قبل اللزوم، لا من قبيل الطلاق الواقع بعد النكاح التام، فعلى ذلك يفيد جواز المصاهرة مطلقاً، سواء تعقبته الإجازة أم لا.ويحتمل بقاؤه موقوفاً، فإن تعقبته الإجازة جازت المصاهرة فيما عدا الأم، وإلا جازت مطلقاً، بناءً على أن عدم الإجازة فسخ من أصله، كما هو الحق.ولو طلق الفضولي، كان طلاقه إجازة وطلاقاً، كما يشير إليه الخبر الوارد في مولى أمر عبده بطلاق زوجته التي قد تزوّجها من دون إذنه، حيث إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم عليه ببقاء الزوجيّة (1)، وحينئذٍ فتحرم الأُمّ على الفضولي بالمصاهرة مطلقاً.)ولو أقدم الأصيل فتزوّج بالخامسة أو الأخت فعل حراماً، فلو ردّ الفضولي ففي صحّة عقده وجهان، وظاهر الأصحاب بطلان العقد قبل أن يتبين (2الرد.)##### خامس عشرها: إذا أذن المولى لعبده في التزويج وقال له: لا مهر عليَّ ولا نفقةخامس عشرها: إذا أذن المولى لعبده في التزويج فإن قال له: فلا مهر عليَّ ولا نفقة، لم يلتزم فإن تزوّج والحال هذه كان المهر والنفقة على العبد، إما بأن يكون مشغول الذمة بهما حين العقد، ولكن التأدية متأخرة إلى ما بعد العتق لو فرض وقوعه، فلو مات قبل العتق لم يلزمه شيء، وإما بأن تشتغل ذمّته بعد العتق فقبله لا شغل، وإنّما الخطاب بهما يكون تعليقياً، فعلى الأوّل يصح ضمانه ووفاؤه تبرّعاً، أو من سهم الغارمين، وعلى الثاني لا يصح؛ لعدم تحقق كونه دَيناً، وعلى كلّ حالٍ فللمرأة الخيار مع الجهل.وإن قال له: وعليَّ المهر والنفقة، التزم لا لأنه ضمان؛ لأنه ضمان ما لم يجب، بل لأنه من قبيل الإذن والتوكيل في الاقتراض لنفسه، فيلتزم به؛ إذ لا مال للعبد، يقدر على شيء.وإن أذن له في التزويج مطلقاً، احتمل أنّه كذلك؛ لأنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه، والمهر والنفقة من لوازمه، ولأنّ الإذن في التزويج بمنزلة توليه بنفسه، ومع توليه يلتزم به، كما يؤذن به الخبر الآتي (3إن شاء اللّه تعالى، ولأنّ ما يلزم العبد فيما أذن به لازم للمولى، كما)
إذا أذن له في الإحرام ونحوه؛ لأنّ العبد لا يقدر على شيء، فإذنه بالشيء من دون الإذن بلوازمه يؤدّي إلى اللغو، وحينئذٍ فيلتزم به المولى من غير فرق بين أمواله من كسب العبد أو رقبته أو غيرهما.ويحتمل التزام المولى بهما من كسب العبد للأصل، ولأنه المتيقن، ولأنّ العبد المكتسب لا يزيد على الحرّ المكتسب، حيث إنّه لا يكلّف وراء الكسب شيء، فإن لم يكن مكتسباً احتمل سقوطه عن المولى؛ للأصل، وعن العبد؛ لأنه لا يقدر على شيء، ويكون الخيار للمرأة مع الجهل.واحتمل تعلّقهما برقبته؛ لأنّ الوطء كالجناية في إيجاب المهر والنفقة.ويحتمل أنّه إذا كان مأذوناً في التجارة أن يتعلّقا بما في يده منها؛ لأنّ إذنه في النكاح حينئذٍ بمنزلة الإذن بدفعهما ممّا في يده.والأظهر تعلقهما بكسبه؛ لأنّ الإذن في النكاح لا يستلزم تعلّق لازمه بالذمة، وإنما يستلزم الإذن في لازمه، وهو الكسب للمهر والنفقة، فإن لم يكن كسوباً تعلّقا بذمته حين العقد، ويجب عليه الأداء بعد العتق، أو أنّه لا يتعلّق بذمته شيء إلّا بعد العتق، وللمرأة الخيار، فإن رضيت كانت بمنزلة زوجة لا مهر لها، ولا تستحق نفقة على زوجها، وليس ذلك بعزيز.ويحتمل تعلّق المهر برقبته، والنفقة بكسبه؛ لما يشعر به الخبر عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ: رجل زوج مملوكاً له من امرأةٍ حُرّةٍ على مائة درهم، ثمّ إنّه باعه قبل أن يدخل عليها، فقال: «يعطيها سيده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنّما هو بمنزلة دين لو كان استدانه بإذن سيده» (1).)ثمّ إنّ المولى إن أطلق له الإذن في الزوجة والمهر اقتضى الإطلاق تزويج مَنْ شاء بأيّ مهر، إلّا أنّه لا يتجاوز مهر المثل؛ لانصراف الإطلاق إليه، ولو عمم جاز له أي مهر كان، مع احتمال جعله كالمطلق، أو اختصاصه بما لا يضر بحال المولى.وقد يشكل أيضاً العمل بإطلاق الزوجة من حيث تفاوت الأزواج في مهر المثل شرفاً وضعةً، فربما يتزوج شريفةٌ تستغرق جميع مال المولى، فالأولى البيان، أو اقتصار العبد على القدر المعتاد بالنسبة إلى حاله وإلى حال العبد.
1) وسائل الشيعة 21 : 336 الباب 60 من أبواب المهور، ح 1.
ولو تجاوز العبد مهر المثل، صح العقد وثبت مهر المثل في ذمة المولى أو كسب العبد، وثبت الباقي في ذمة العبد يتبع به بعد العتق.وليس مهر المثل ها هنا مقيداً للإذن في التزويج كي يكون العقد فضولياً، كما نقوله في البيع؛ لأن المهر ليس من مقدمات عقد التزويج لصحته مع عدمه وفساده، ولأن الزائد لا يلتزم به المولى كي يُفهم التقيد به.نعم، لو نهاه عن غيره لكان فضولياً؛ لمكان النهى.ويحتمل هنا وقوف العقد على إجازة المولى.ويحتمل وقوف المهر فقط على إجازته.وعلى تقدير ثبوته في ذمّة العبد يحتمل أن للزوجة الخيار في فسخ العقد؛ لإقدامها على مهر حال يمكن أداؤه من المولى، فإذا تبين كونه مؤجّلاً في ذمة العبد وقد لا يحصل بل الغالب عدم حصوله، كان لها الخيار جبراً لها.وقد يُمنع ثبوت الخيار من حيث إن الضرر جاء من قبلها؛ لتقصيرها بجهالة حكم العبد.وإن أطلق له الإذن في المهر دون الزوجة انصرف إلى مهر المثل لأي زوجة ما لم يؤدّ مهر المثل إلى الضرر به، مع احتمال دخول ذلك في الإذن؛ لإقدامه على الضرر، سيما لو وقع بلفظ العموم، ويلزمه الزوجة المعينة، وإلا كان فضوليّاً.وإن أطلق له الزوجة وعين المهر، التزم بالمهر المعيّن، وكان له أخذ أي زوجة شاء بذلك المهر.وفي جواز دفعه لمن كان مهر أمثالها أدون منه وجهان، ولا يبعد الجواز، فإن زاد على المعين كان الزائد في ذمة العبد، إما حالاً يؤديه بعد العتق أو يكون في ذمته بعد العتق.ويحتمل وقوف عقد النكاح أو وقوف المهر على إجازة المولى.وعلى تقدير كونه في ذمته احتمل ثبوت الخيار للزوجة؛ لإقدامها على الحلول وكونه ذمة المولى وقد فات، فيثبت لها الخيار جبراً لها.وحكم المبعض من جانب الرقية كحكم العبد في تزويج وميراث وحد وعدة، ومن جانب الحُرّيّة كحكم الحُرّ.وقد يغلب جانب الحُرّيّة من باب الاحتياط في العبادات والقضاء وصلاة الجمعة، وكلّ ما اقتضى شغل الذمة لحكم بحريته.
وقد يغلب جانب الرقية في بعض أحكام يقضي بها أصل البراءة، وفي غيرهما يأخذ كلّ حكمه، ومن ذلك عقد النكاح، فلا يجوز له الاستقلال به ولا جبره عليه؛ لحصول الشركة بينهما.وأمة المولّى عليه بيد وليه فله إنكاحها مع الغبطة، ولا خيار للمولى عليه بعد زوال الولاية؛ للأصل.##### سادس عشرها: استحباب استئذان البكر أو الثيب أباها وتوكيل أخيهاسادس عشرها: يندب للمرأة أن تستأذن أباها مطلقاً بكراً أو ثيباً، وأن توكل أخاها ولو كان فيهم الأكبر استحب أن توكله وترجع أمرها إليه، وإن كانا متساويين اختارت أيهما شاءت، والجمع بينهما أولى.ولو وكلت الأخوين - أو الإخوة - في التزويج فزوجاها، فالظاهر أنهما كغيرهما من الوكلاء، فإن زوجاها دفعةً بطل عقدهما معاً؛ لاستحالة الجمع، واستحالة التعين؛ للزوم الترجيح من دون مرجّح، واستحالة وقوع المبهم كي يفتقر إلى استخراجه بالقرعة.وهل يكونان فضوليين يصح إجازة عقد أحدهما ؟ فيه وجهان، والأحوط البطلان رأساً.وقيل هنا بصحة وقوع عقد أكبر الأخوين مع الاتفاق إلّا أن يدخل بها الآخر، وهو منسوب للشيخ (رَحمهُ اللّه في كتابي الأخبار (1).)وأطلق بعضهم الصحّة ولم يستثن (2.)وأطلق القاضي الحكم بعقد الأكبر، واستثنى الدخول الآخر، واستثنى من الدخول سبق عقد الأكبر (3، فالظاهر إرادة الاقتران في الأوّل.)ومستندهم في ذلك خبر وليد بياع الأسفاط عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ أنّه سئل عن جارية لها أخوان زوجها الأكبر بالكوفة وزوجها الأصغر بأرض أخرى، قال: «الأوّل بها أولى، إلّا أن يكون الأخير قد دخل بها، فهى امرأته ونكاحه جائز» (4).)وهي مع ضعف سندها ومخالفتها القواعد وفتاوى المشهور غير دالة على كونهما وكيلين،
بل في الفضوليين أظهر، وغير دالّة على الاقتران، بل هي في عدمه أظهر، لبعد العلم بالاقتران على تلك الحال.وإن سبق أحدهما، كان للسابق، وتبيّن بطلان عقد اللاحق، فإن دخل بها اللاحق فرّق بينهما.فإن كانا عالمين كان حملها زنى ولا عدة عليها ولا مهر.وإن كانا جاهلين، لزمها أن تعتد للشبهة، ولا تعود إلى الأوّل إلّا بعد انقضاء العدة، ولحقهما الولد.وإن كانت هي العالمة دونه، كانت زانية ولا مهر لها، ولحق الولد بأبيه وعليها العدة منه.وإن كان هو العالم، كان زانياً، وعليه المهر، وعليها العدة، ولحق الولد بأمه.والمهر اللازم مع الجهل هو مهر المثل دون المسمّى؛ لظهور فساد العقد فلا يلزم ما سُمّي به.وقيل : هو المسمّى (1لوقوع الرضى عليه، ولخبر محمّد بن قيس عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قضى في امرأةٍ أنكحها أخوها رجلاً، ثمّ أنكحتها أُمها رجلاً بعد ذلك فدخل بها فحبلت، فاختصما فيها، فأقام الأوّل الشهود، فألحقها بالأوّل، وجعل لها الصداقين جميعاً، ومنع زوجها الذي حقت له أن يدخل بها حتّى تضع حملها، ثم ألحق الولد بأبيه» (2).)وهو ضعيف؛ لعدم التصريح في الخبر بإرادة الصداقين المسميين، ولاحتمال أن المسمّى كان بقدر مهر المثل، فالعدول عن القواعد بمثل هذا الخبر غير صالح.ويظهر من بعضهم أنّ في كون العقد للسابق مع دخول الثاني خلافاً، وأنه روى أصحابنا أن العقد له، وأن الأوّل أحوط (3.)وكأنه أشار إلى الخبر المتقدم حيث قال فيه: «الأوّل بها أولى، إلّا أن يكون الأخير قد دخل بها، فهي امرأته» (4.)وهو ضعيف مخالف للقواعد، وحمل «الأوّل» فيه على إرادة الأكبر أولى.وبالجملة، فالظاهر أنّ الأقوال في المقام أربعة:
تقديم عقد الأكبر مع الاقتران، إلّا أن يدخل الأصغر.وتقديمه مطلقاً ولو مع سبق الأصغر، إلّا مع دخول الأصغر بشرط عدم سبق عقد الأكبر عليه.وتقديم عقد الداخل بها مطلقاً مع السبق أو الاقتران.والرجوع إلى القواعد، وهو الأوجه.وإن لم توكل الإخوة فعقداها فضوليين، تخيّرت في إجازة مَنْ شاءت منهما قولاً أو فعلاً، وإن استحب لها إجازة عقد الأكبر. ومن دخلت به من المعقود عليهما فهي زوجته، وبطل عقد الآخر.هذا كله في الظاهر، وأمّا في الواقع فإن جعلنا الدخول إجازة قهراً وإن لم ينو ذلك أو نوى عدمه، فكذلك، وإلا توقف كون الدخول إجازة على مقارنته لنية الإجازة، ولا فرق في ذلك بين اتفاق العقدين أو اختلافهما في الزمان، كما يشعر به الخبر المتقدم (1لبعد الاتفاق فيه مع اختلاف البلد، بل الظاهر من الأوّل فيه هو السابق في العقد.)##### سابع عشرها : حكم ما لو زوجت الأم ولدهاسابع عشرها: لو زوجت الأم ولدها، كان عقدها فضولاً، كبيراً كان أو صغيراً، فإن حصلت الإجازة صح، وإلا بطل.وقيل: إن المهر على الأم مع عدم الإجازة من الولد الكبير (2للخبر عن رجل زوجته أُمّه وهو غائب، قال: «النكاح جائز، إن شاء المتزوّج قبل، وإن شاء ترك، فإن ترك المتزوج تزويجه فالمهر لازم لأُمّه» (3).)والخبر ضعيف مخالف لأصول المذهب، فطرحه أولى.وحمله بعضهم (4على ادعاء الوكالة ولم تثبت فإنّها تضمن المهر؛ لأنها قد فوتت البضع على الزوجة، وغرتها بدعوى الوكالة.)وفيه نظر؛ لأنّ البضع لا يُضمن بالتفويت، ولا يرجع المغرور هنا على مَنْ غرّه، فلا معنى للرجوع على الأم.
وقد يُحمل على ما إذا ضمنت الأُمّ المهر بعد دعوى الوكالة ولم يثبت عدمها، ولكنه بعيد.ولو زوّج الأجنبي امرأةً، فقال الزوج زوجكِ من دون إذنكِ، فقالت: بل أذنت، كان القول قولها مع اليمين؛ لأنها تدعي الصحّة، وقول مَنْ يدعيها مقدّم، ولأنها توافق الظاهر مع الدخول، وسيما مع تصديق العاقد لها، ولأنّ الإذن من فعلها ولا يُعلم إلّا من قبلها.ولا فرق في ذلك بين القول ببطلان الفضولي وعدمه، إلّا أنّه على القول بالصحّة يتوجه النزاع فيما إذا صدر منها بعد العقد قبل النزاع ما يدلّ على كراهة الزوجيّة ووقوع العقد، وإلا فادعاؤها الإذن إجازة.وإن ادعى الزوج إذنها ابتداءً أو إجازتها بعد ذلك فأنكرت، فإن كان قبل الدخول فالقول قولها؛ للأصل، ولا يعارض استصحاب الموضوع أصالة الصحّة، ولا يثبت أصالة الصحّة وقوع الشرط وإن أثبت عدم طروء المانع، ولأن الحكم بالصحّة أعم من وقوعه فضولاً. ومعه لا تثبت الإذن ابتداءً، ووقوعها أخيراً موقوف على تصديق المجيز، وقد نفاه.وإن كان بعد الدخول، فالقول قوله؛ تقديماً للظاهر على الأصل، ولأنه بمنزلة ذي اليد، سيما لو كانت الدعوى بصورة الزوجيّة وعدمها ولا شكّ أنّ الدخول والتمكين دليلان على وقوع العقد، كما تقضي بذلك السيرة.##### ثامن عشرها: إذا نسي الوكيلان أو الوليان أو الأصيلان السابق من العقد أو جهلاءثامن عشرها: إذا نسي الوكيلان أو الوليّان أو الأصيلان السابق من العقد أو جهلاه، لزمهما إيقاف الأمر، فإن أمكن تبيانه في زمانٍ لا يفضي إلى التعطيل والضرر في الزوجة انتظر ذلك الزمان، وإلا أُقرع واستخرج الزوج بالقرعة.والأحوط في الفروج أن يأمر من خرجت القرعة له بتجديد النكاح، ومن لم تخرج له بالطلاق.وربما كان ذلك على سبيل الوجوب والإلزام من الحاكم لمكان لزوم الاحتياط في الفروج. ويحتمل إجبار الحاكم لهما معاً على الطلاق، ويقوم جبر الحاكم مقام الاختيار؛ لأنه جبر بحقِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ (1).)ويحتمل قيام فسخ الحاكم مقام إجبارهما.
1) البقرة (2) : 229.
ويحتمل قيامه مقامه عند عدم إمكان إجبارهما.وربما احتمل الرجوع إلى اختيارها إذا حصل فسخ أو طلاق من أحدهما، ولا يفتقر إلى تجديد نكاح؛ لتصادقهما على الزوجيّة، وليس إلّا مانعيّة احتمال كونها زوجةً لآخر وقد انتفي بالفسخ.وهو ضعيف.وهل تلزمهما النفقة؛ لأنّها محبوسة عليهما ممكنة لهما لولا المانع الشرعي، أو لا تلزمهما؛ للأصل، ولعدم علم كلّ واحدٍ منهما بالزوجيّة، والنفقة تابعة لها، سيما لو دخل الشك بالاقتران مع الشكّ في السبق، فإنّ أصل الزوجيّة يكون مشكوكاً به، فيُنتفي بالأصل؟ وعلى الأوّل فهل يجب عليهما النفقة توزيعاً؛ لاستواء كلّ منهما بالشبهة، أو يجب كفاية، لدوران الأمر بينهما؟ وعليهما فلو ظهرت زوجة أحدهما معيناً فهل يعود عليه الآخر بما غرمه أم لا؟ وجوه ضعيفة مبنية على أصل ضعيف، والأوّل هو الأقوى.ولو امتنعا من الطلاق، احتمل جواز حبسهما عليه؛ لأنه حق عليهما، فللحاكم الحبس حتّى يؤدياه، واحتمل جواز تولّي الحاكم الفسخ بنفسه، واحتمل أنهما في مرتبة واحدة، واحتمل جواز فسخ المرأة بنفسها حملاً على فسخها بالعيب؛ لجامع دفع الضرر والضرار.وعند حصول الفسخ ففي لزوم نصف المهر؛ لأنه كالطلاق قبل الدخول، وللأصل بعد ثبوته في الجملة، أو عدمه؛ للأصل، ولشبهه بفسخ العيب، وللزوم تغريم غير المستحق لو أخذ من كلّ منهما أو أحدهما بعينه، وجهان، والأخير أجود.وعلى الأوّل فالأوجه استخراجه بالقرعة لو لم يستخرج أصل الزوجيّة بها.وقد يقال في أصل الحكم: إن الشك في السبق واللحوق إن دخل معهما الشك في الاقتران حكم بالبطلان؛ لأصالة عدم الزوجيّة، ولأصالة تأخر كلّ منهما عن الآخر، فيحكم باقترانهما.وهو ضعيف؛ لأن الاقتران خلاف الأصل، أيضاً، وخلاف الظاهر؛ لندرته.ويحتمل الرجوع هنا وفي الشكّ في السابق مع القطع بعدم الاقتران إلى معلوم التأريخ، فيُحكم بوقوعه، ويُحكم بتأخر المجهول عنه وبفساده.ولو ادعى كلّ منهما السبق وعلمها به ولا بينة، فإن أنكرت العلم حلفت على نفيه،
وسقطت دعواهما عنها، والظاهر أنّ عليها لكلّ واحدٍ منهما يمين غير الآخر، وليس لها أن تحلف لهما يميناً واحدةً إلّا مع رضاهما، ويبقى التداعي بينهما، فإما أن يحلفا، أو ينكلا معاً، أو يختلفا، فلكلٍّ حكمه.ولو أنكرت السبق وادعت الاقتران احتمل أن القول قولها؛ لرجوعه لإنكار الزوجيّة، فتحلف ويثبت الاقتران، ويُحكم بفساد العقد.ويحتمل تقديم قولهما؛ لادّعائهما الصحّة، ومدّعيها مقدّم، ولموافقتهما الظاهر؛ لندور وقوع الاقتران.وإن نكلت عن اليمين لو توجّهت عليها عند نفى السبق، رُدّت اليمين عليهما، فإن حلف كلُّ منهما على سبقه على الآخر أو نكلا بطل النكاحان معاً.ويحتمل رجوعه إلى الشكّ في السبق والاقتران، وهو الأظهر.وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، حُكم للحالف بصحة نكاحه بعد أن يحلف على عدم الاقتران، وعدم سبق الآخر.وإن اعترفت لهما معاً بالسبق، احتمل الحكم بفساد العقد، واحتمل إلزامها بجواب مسموع؛ لأنّها أجابت بما لا يمكن، واحتمل رجوعه إلى الشك في السبق والاقتران.ولو اعترفت لأحدهما ثبت نكاحه؛ لتصادقهما على الزوجيّة فلم يلتفت إلى دعوى الآخر، ولأنه بمنزلة عين في يد ثالث تداعيا عليها فاعترف ذو اليد لأحدهما.والأظهر أن الخصم هو الزوج الآخر، ولا يُسمع إقرارها في حقه، فيبقى التداعي بين الرجلين.والفرق بين هذا وبين من ادعى زوجيّة امرأةٍ قد تصادقت معه على الزوجيّة أن الدعوى هناك قد سبقت الإقرار، وهنا قد سبقها الإقرار.وهل عليها أن تحلف للآخر؛ للزوم غرمها لمهر المثل للثاني لو اعترفت له بعد اعترافها للأوّل، لتفويتها البضع عليه، فلو نكلت وحلف غرمها المهر أيضاً، أو لا يجب؛ لعدم الفائدة، لأن المهر لا يُضمن بالتفويت؟ وجهان، وفي الأوّل قوة.ومثل ذلك ما لو ادعى زوجيتها اثنان فاعترفت لأحدهما، ثم اعترفت للآخر.وما قيل من أن النكاح لما ثبت باعترافها لم تسمع دعوى الثاني بوجه، وكان إقرارها
إقراراً في حق الغير (1، مدفوع: بأن سماع دعوى الثاني ليس لإثبات الزوجيّة، بل لإثبات مهر المثل في ذمتها، وهي دعوى تغاير الدعوى الأولى، فتكون مسموعةً.)وعلى تقدير حلفها فلها أن تحلف على البت، ولها أن تحلف على نفي العلم، فإن نكلت عنهما حلف الآخر، فإن قلنا: إنّ اليمين مع النكول بمنزلة البينة، انتزع الامرأة من الأول، وإن جعلناها بمنزلة الإقرار ثبت نكاح الأوّل؛ لأنه لم يعارض الإقرار إلّا إقرار آخر يتعقبه فينافيه وهو غير مسموع، وكان عليها المهر فقط، مع احتمال أن اليمين لو جعلناها بمنزلة البينة فلا يفيد لزوم انتزاعها من الثاني؛ لأنه كالبينة في إثبات المهر له، لا لإثبات الزوجيّة؛ لأنها حق الغير فلا ينتقل إليه بنكولها ولا ينفع تبعية المهر للزوجيّة، وهذا أقوى.
1) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 7: 110 - 111.
### القول في أسباب التحريم#### إشارة:وجعل النسب من أسباب التحريم توسعاً؛ لأنه ليس من الطوارئ، بل من الأمور الأصلية. والتحريم إما مؤبد أم لا، والمؤبد إما نسب أو سبب، والسبب إما رضاع أو غيره.#### فهنا أُمور:##### أحدها: في بيان مَنْ ما يحرم بالنسب مؤبداًأحدها: يحرم بالنسب مؤيّداً بإجماع المسلمين الأم وإن علت، وهى من انتهى إليها نسبك بالولادة بغير واسطة، أو بواسطة الأب أو الأُم أو أُمّ الأب أو أب الأُمّ فما فوق.والبنت، وهي مَنْ ينتهي إليك نسبها بغير واسطةٍ، أو بواسطة الابن أو البنت فما نزل.والأُخت لأب أو لأُم أو لهما، ومن انتهى نسبه إليها بغير واسطة، أو بوسائط لذكر أو أنثى وإن نزلوا أو نزلن.وبنات الأخ لأب أو لأُم أو لهما، ومن انتهى إليه بغير واسطة، أو بوسائط لذكر أو أنثى وإن نزلوا أو نزلن.والعمة لأب أو لأم أو لهما وإن علت، كعمة الأب أو الأم أو الجد أو الجدة، ولا تدخل في ذلك عمة العمة؛ لأنها قد تحلّ.والخالة لأب أو لأم أو لهما وإن علت، كخالة الأب أو الأم والجد والجدة، ولا تدخل خالة الخالة؛ لأنّها قد تحلّ.ولا يحرم أولاد الأعمام والأخوال.وقد يُعبَّر عن الجميع بأنه يحرم كلّ قريب سوى أولاد الأعمام والأخوال.وقد يُعبر عنه بأنه يحرم على الرجل أصوله وفروعه، وفروع أول أُصوله، وبراد بأوّل أصوله الآباء؛ حيث يكون الابتداء بهم إلى ما فوق، فتدخل الأخوات وبناتهن وإن سفلن، وأول فرع من كلّ أصل، فتدخل فيه العمات والخالات والأخوات.
ولو أُريد خروج الأخوات لقيل: من كلّ أصل بعد الأصل الأوّل.وقد يدلّ على جميع ذلك الكتاب العزيز (1، بناءً على استعمال اللفظ في عموم المجاز؛ بقرينة استدلال الفقهاء والمفسّرين، وكون الكتاب موضوعاً لبيان القوانين الشرعيّة، وربما يدعى أن ذلك مجاز مشهور.)ويحرم على المرأة كما يحرم على الرجل.والضابط أنّه يحرم عليها كلّ مَنْ لو كانت رجلاً وكان امرأةً لحرمت عليه، كالأب والولد وإن تباعدا، والأخ وأولاده وإن نزلوا وأولاد الأخت وإن نزلوا، والعم والخال.ولا يثبت النسب إلّا بالعقد الصحيح، أو الشبهة الملحقة به إجماعاً.ولا يثبت للزاني نسب يقضي بحقِّ من رحميّةٍ أو عقوق أو صلة أو قطيعة أو سيادة أو شرف، والظاهر أنّه إجماعي، فيحرم نظر الأب لبنته، والأخ لأخته من الزني؛ لعموم تحريم النظر (2، مع الشكّ في شمول دليل التحليل، وكذا الابن لأمه.)ولا ينعتق على ابن الزنى أصوله وفروعه لو ملكهم.وتُقبل شهادته على أبيه لو قلنا بقبول شهادته مطلقاً.ويقاد أبوه به لو أجرينا عليه أحكام الإيمان.ولا تحرم حليلته على أبيه، ولا حليلة أبيه عليه.ولا يرث أباه ولا يرثه أبوه.ولا يحرم الجمع بين الأختين منه، ولا بين البنت وأمها.ويُحبس أبوه في دينه، وهكذا.نعم، ظاهر فتوى الأصحاب والإجماع المنقول (3في الباب تحريم ولد الزني على أمه والأب الزاني على بنته، وعللوه بصدق الولد عرفاً؛ لأنه من الولادة، وصدق الأم كذلك، والأصل عدم النقل؛ وبالاحتياط في الفروج، ومقتضى التعليل سريانه للجميع، فينبغي إجراء أحكام العقد الصحيح عليه إلّا ما خرج بإجماع أو دليل آخر، كالميراث وشبهه،)
وسيما لو تعلّق الأمر بالفروج أو الدماء؛ للزوم الاحتياط فيهنّ، فينبغي إجراء أحكام ما يقتضيه الاحتياط من الحكم بثبوت أحكام النسب مرةً وبنفيه أُخرى.ولو ولدت المطلقة لأقل من ستة أشهر من حين الطلاق، كان الولد للأول، ولو ولدت لأكثر من ذلك من حين وطء الثاني، كان الولد له؛ لأصالة تأخر الحادث، سواء كان الثاني زوجاً أو واطئاً وطء الشبهة، وسواء مضى للأوّل من وطئه أكثر من أقصى مدة الحمل أم لا. ولو ولدت لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني ولأكثر من أقصى مدة الحمل من وطء الأول، انتفى عنهما، ولو كان لستة أشهر فصاعداً من وطء الثاني ولأقل من أقصى مدة الحمل أو أقصاها من وطء الأول، كان الولد للثاني؛ لأصالة التأخر، ولأن الولد للفراش، وللأخبار (1.)وقيل بالرجوع إلى القرعة (2لإمكانه منهما، وإشكال الأمر، وهي لكلّ أمرٍ مشكل.)وربما ظهر نقل الإجماع عليه (3.)وهو غير بعيد فيما إذا كان كلّ منهما ذا فراش بالفعل، بحيث لم ينتف فراش الأوّل بطلاق وشبهه. وهو غير مفروض المسألة.واللبن تابع للولد، فمن لحق به فالولد له ولو انتفى الولد باللعان انتفى اللبن بانتفائه عنالملاعن، ولو أقرّ به بعد ذلك عاد اللبن لبنه وإن لم يرث الملاعن الولد.وهل تجري عليه بعد الإقرار أحكام الولد من عتق وشهادة وقود؟ وجهان، ولا يبعد إجراؤها، فيكون منعه من الإرث عقوبة له.##### ثانيها - ممّا يحرم بالسبب -: الرضاع،###### وفيه أُمور:###### أحدها: في أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسبأحدها: يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب بالإجماع، بل بضرورة المسلمين.وفي الصحيح: «يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة» (4.)وفي آخر: «ما يحرم من النسب» (5.)
وفي آخر: «لا يصلح للمرأة أن ينكحها عمها ولا خالها من الرضاعة» (1.)وفي آخر: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على أُختها من الرضاعة» (2.)وفي آخر امرأة أرضعت غلاماً مملوكاً لها من لبنها حتّى فطمته، هل لها أن تبيعه؟ قال: «لا، هو ابنها من الرضاعة، حرم عليها بيعه وأكل ثمنه» (3.)وفي آخر: امرأة أرضعت ابن جاريتها، قال: «تعتقه» (4.)وفي آخر: «لا يملك أُمّه من الرضاعة، ولا أخته ولا عمته ولا خالته، فإنّهنّ إذا ملكن عتقن» وقال: «كلّ ما يحرم من النسب فإنّه يحرم من الرضاع» (5.)وفي آخر: أرضعت أُمّي جارية بلبني، قال: «هي أُختك من الرضاعة» (6.)وفي آخر رجل فجر بامرأةٍ أيتزوج أمها من الرضاعة أو بنتها؟ قال: «لا» (7.)وفي آخر في تعداد المحرمات: «ولا أمتك وهي عمتك من الرضاعة، ولا أمتك وهي خالتك من الرضاعة» (8.)وفي آخر: «أمتك وهي عمتك من الرضاعة، وأمتك وهي خالتك من الرضاعة»(9.)وفي آخر مثله (10.)وفي آخر: أيحلّ لي أن أتزوج الجارية التي أرضعتها امرأة أخي؟ قال: «لا، إنّه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (11.)
1) وسائل الشيعة 20 : 396، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 5.
2) المصدر : 402 الباب 13 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1.
3) المصدر : 405، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1.
4) المصدر : 406. ح 2.
5) المصدر 18 : 247 - 248، الباب 1 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.
6) المصدر 20،395، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 3.
7) المصدر : 427 - 428 الباب 7 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 1 و 2.
8) المصدر : 397 - 398 الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 9.
9) المصدر 21 : 106 - 107، الباب 19 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2.
10) المصدر 20 : 396، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 4.
11) المصدر : 397، ح 7.
إلى غير ذلك من الأخبار المتكاثرة، بل المتواترة معنى، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى جملة منها في المباحث الآتية (1.)وظاهر جملةٍ منها : إنّ كلّ ما صدق عليه اسم من الأسماء من جهة الرضاع وكان يصدق عليه من الأسماء المحرمة في النسب فهو حرام، فلو فرضنا أن الرضاع لا يؤثر صدق الاسم كـ«العمة» و «الخالة» لم يكونا داخلين تحت قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وإن ورد بهما نص آخر (2بالخصوص.)ولا يمكن أن يكون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» مثبتاً، لصدق تلك العنوانات النسبية على الأفراد الرضاعيّة؛ لبُعد ذلك عن معنى الرواية.)نعم، لو ثبت صحّة حديث: «إنّ للرضاع لحمةٌ كلحمة النسب» (3كان مثبتاً للاسم عرفاً على وجه الكشف، أو شرعاً، فيمكن إثبات أن مرضعة الأب أو الأم جدة، وأن مَنْ رضعت مع الأب أو الأُمّ عمّة أو خالة، ونحو ذلك من ذلك الحديث.)وعلى كلّ حال فالظاهر من تلك الأخبار عموم التحريم في الرضاع لكل حرام ثبت في النسب من تزويج أو ملك لقرابة أو قبول شهادة على الأب أو قود بالابن، أو غير ذلك.ويدل على ذلك مضافاً إلى ظاهر العموم أو الإطلاق ما ورد في الأخبار المتقدمة (4، من الاستدلال به على انعتاق القريب.)وورود أكثرها في النكاح لا يقضي باختصاص الحكم به؛ لأن خصوصية المورد لا تخصص الوارد، إلّا أنّ ظاهر الأصحاب عدم الأخذ بعموم تلك الأخبار، وظاهرهم الاقتصار على النكاح وشبهه ممّا هو من الأفراد الظاهرة في التشبيه أو المتيقن منها فاللازم اتباعهم في ذلك، وعدم التخطي عمّا هنالك.والظاهر أيضاً منها تعليق الحكم على مسمّى الرضاع عرفاً ولغةً؛ لعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة له، ولعدم إجماله في العرف، وحينئذٍ فما وقع الشكّ في تأثيره يحكم به مع صدق
اسمه، وما شكّ في شرطيّة شيءٍ له ينفى بالأصل، إلّا أن يدعى أن ذلك العموم أو الإطلاق باعتبار كثرة تخصيصه أو تقييده وكثرة شرائطه وموانعه وإعراض الأصحاب عن الاستناد إلى عمومه غالباً ممّا يوهن عمومه أو إطلاقه، فيعود مجملاً أو كالمجمل، ولكنه محلّ نظرٍ وتأمل.###### ثانيها: بيان المراد بالأُم والبنت والأُخت والعمة والخالة الرضاعيّاتثانيها: ظاهر الفتاوى والنصوص الدالّة على تنزيل الرضاع منزلة النسب أنّ المراد بالأم الرضاعيّة ليس خصوص المرضعة كما صرّحت به الآية (1، بل المراد منها هي كلّ امرأةٍ أرضعتك، أو ولدت مرضعتك، أو ولدت من ولدها، أو أرضعتها أو أرضعت من ولدها، أو ولدت مَنْ أرضعها ولو بوسائط.)وكذا كلّ امرأةٍ ولدت أباك من الرضاعة، أو أرضعته، أو أرضعت مَنْ ولده، أو ولدت مَنْ أرضعه ولو بوسائط.وبالجملة، فهي كلّ أُنثى أرضعتك، أو رجع نسبها أو نسب الفحل إليها، أو أرضعت مَنْ يرجع نسبك إليه.والمراد بالبنت الرضاعية هي كلّ بنت رضعت بلبنك، أو لبن من ولدته وإن سفل، أو أرضعتها امرأة ولدتها وإن سفلت، وكذلك بناتها من النسب والرضاع.والمراد بالأُخت فيه كلّ امرأةٍ أرضعتها أُمّك، أو رضعت بلبن أبيك، أو ولدتها مرضعتك أو الفحل، أو رضعت بلبنهما.والمراد بالعمة والخالة فيه هنّ أخوات الفحل أو المرضعة، أو أخوات من ولدهما في نسب أو رضاع، وكل امرأة أرضعتها واحدة من جدّاتك، أو رضعت بلبن واحدٍ من أجدادك لنسب كانت الجدود أو رضاع، وبنات الأخ وبنات الأخت فيه هي بنات أولاد المرضعة أو الفحل نسباً ورضاعاً، وكذا كلّ أُنثى أرضعتها أختك أو بناتها أو بنات أولادها من النسب أو الرضاع، وبنات كلّ ذكر أرضعته أمك، أو رضع بلبن أخيك، وبنات أولاده من النسب أو الرضاع.###### ثالثها: بيان ما يشترط في الرضاع المحرم، والكلام في مواضع###### وفيه أُمور:###### إشارة:منها: ما يقوم ماهيته.ومنها ما يكون من الشرائط الخارجة، فالكلام في مواضع:
1) النساء (4) : 23.
###### أحدها: اشتراط كون المرضعة امرأةأحدها: يشترط في الرضاع المحرّم كون المرضعة امرأة، فلا عبرة برضاع البهيمة لو ارتضع منها اثنان ولا بالرجل وإن درّ، كما قد يُنقل، ولا الخنثى؛ للأصل.ويشترط كونها حيّةً؛ لانصراف الإطلاق إليها، ولعدم صدق أنها أرضعته عرفاً، وللإجماع المنقول (1على ذلك، فلو رضعته حيّة ثم كمل العدد بعد الموت لم يعتد به ولو كانت التكملة يسيرة ولو جرعة، والأحوط التجنّب.)والظاهر وقوع الاتفاق على عدم اشتراط القصد في الرضاع، فلو ارتضع الصبيّ من مجنونة أو نائمةٍ أو غافلةٍ أو ناسيةٍ أو مكرهةٍ حصل الرضاع المحرم، وإن كان الظاهر من لفظ «أرضعنكم» و «أرضعته» هو الرضاع مع العمد ولكن ما ورد بلفظ «أرضع» لا يقيد إطلاقات الرضاع الباقية.ويشترط كون اللبن عن وطء، فلو در لنفسه لم ينشر حرمةً؛ للأصل، ولعدم انصراف المطلقات إليه، وللإجماع المنقول (2والشهرة المحصلة من غير عثور على مخالف.)وللنصّ، قال: سألته عن امرأةٍ درّ لبنها من غير ولادةٍ فأرضعت ذكراناً وإناثاً، أيحرم من ذلك ما يحرم من الرضاع؟ فقال لي: «لا» (3.)وفي آخر: عن امرأةٍ درّ لبنها من غير ولادةٍ فأرضعت جارية وغلاماً من ذلك اللبن، هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع؟ قال: «لا» (4وفي سند آخر مثله (5).)ويشترط كون الوطء محللاً بالأصل، كما إذا كان عن عقد أو ملك يمين أو تحليل وإن حرم بالعارض؛ لحيض أو إحرام أو يمين، فلو كان عن زنى لم ينشر حرمة؛ للأصل، ولعدم انصراف الإطلاق إليه، ولعدم الاعتداد به شرعاً، فيكون بمنزلة العدم، وللاتفاق المحكى(6.)وخلاف ابن الجنيد (7ضعيف، ونسبة القول به إلى الشيخ والعلّامة لم تثبت (8).)
وللخبر عن لبن الفحل فقال: «هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك ولد امرأة أخرى فهو حرام» (1.)وفي آخر عن قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فقال: «كل امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من جارية أو غلام» (2).)وأما لو كان عن شبهةٍ ففي حصول النشر به وجهان من إجراء وطء الشبهة مجرى الصحيح في أحكام الولادة والعدّة والنسب ونحوها، ولشمول العمومات والإطلاقات له، ولحصول النسب به والرضاع تابع للنسب ولفتوى المشهور نقلاً (3، وتحصيلاً، ومن الأصل، وظاهر قوله في الرواية الأولى: «ما أرضعت امرأتك» وفي الأخرى: «من لبن فحلها» فإنّ الظاهر من «الامرأة» و «الفحل» هما الزوجان بالعقد الصحيح، وأوّل الوجهين هو الأقوى.ولو كانت الشبهة في أحد الطرفين دون الآخر، كان لبن كلّ منهما تابعاً له، مع احتمال تغليب جانب الشبهة مطلقاً.وفي اشتراط الولادة في حصول النشر ؛ لظاهر الخبر المتقدّم (4فيمن در لبنها من غير ولادة، وللإجماع المنقول (5)، والظاهر أنّه هو المشهور، أو عدمه؛ للعمومات، ولاحتمال أن يراد بالولادة الاستعداد لها بعلاقة الأول، وهو مجاز مشهور، وجهان أقواهما الأوّل.)ولا يشترط كون اللبن مملوكاً للمرضعة أو المرتضع فلو أرضعت المملوكة غلاماً من دون إذن المالك حصل النشر به، وكذا لو أرضعت المستأجرة غير المستأجر له، أو أرضعت الزوجة من غير إذن الزوج، كلّ ذلك لإطلاق الأدلّة أو عمومها.ولو طلق الزوج امرأته وهي حامل منه أو بعد أن ولدت على القولين فأرضعت غلاماً أو جاريةٌ، حصل النشر، ولا يمنع الطلاق منه، سواء كانت فى العدة أو خرجت منها، طال الزمان أو قصر، انقطع اللبن فعاد أم لم ينقطع.
نعم، لو انقطع انقطاعاً يعلم أو يظنّ عادةً من الأمارات أنّه لم تبق له مادة يستند إليها أصلاً فعاد كان الثانى داراً لا حكم له، كما لو در ابتداء.ولو تزوجت المطلقة بعد انقضاء العدّة بغيره، أو وطئت وطء شبهة، فإن لم تحمل من الثاني ولم تلد كان اللبن للأول؛ للاستصحاب، وكذا لو حملت منه ولم ينقطع الأوّل زاد أم لا؛ إذ لا اعتبار بالزيادة.وإن حملت منه، فإن انقطع الأوّل فعاد في زمن حمل الثاني بحيث يظهر أنّه منه، كما إذا حدث بعد مضي أربعين يوماً من حملها الثاني بعد أن انقطع انقطاعاً بيناً من الأوّل، ففي كونه من الأوّل؛ استصحاباً لمادته، أو للثاني؛ لمكان الظهور، ولأن الاستصحاب المذكور يكون مثبتاً للمتجدّد أنّه منه، وفي حجية الاستصحاب المثبت كلام، وجهان، والأخير أقوى.أما لو لم ينقطع انقطاعاً بيناً، ولم يمض من حمل الثاني أربعون يوماً فكونه من الأوّل أقوى. وقد يقال: إنّهما مشتركان فيه. وعلى الاشتراك فلا يكون مثبتاً لنشر الحرمة؛ لأنّ الأظهر اشتراط اتحاد الفحل في اللبن مع احتمال حصول النشر به؛ لأنّ المراد باشتراط اتحاد لبن الفحل هو كون المرتضعين لا يرتضعان إلّا من لبن فحل واحد، لا ما ذكرناه من عدم الاشتراك في اللبن.أما لو وضعت من الثاني كان اللبن للثاني؛ لمكان الظهور المحكم على الأصل لو حكمناه، وللإجماع نقلاً (1بل تحصيلاً. ويترتب على كونه للأوّل أو الثاني ثمرات اللبن من الزنى وغيره، ومن نشر الحرمة بالنسبة إليهما.)###### ثانيها: اشتراط وصول عين اللبن من الثدي إلى معدة الصبي الحيّثانيها: يشترط في اللبن وصول عينه مع بقاء اسمه عرفاً، من الثدي دون غيره لو خرج من محال البدن - ولا يتفاوت بين كون المص بآلةٍ أو بدونها، وفي اشتراط كون الثدي في المحلّ المعتاد وجه - واصلاً إلى معدة الصبيّ الحيّ بعد وصوله إلى فمه، سواء وصل بسرعةٍ أو بطء، وأن يكون على نحو المص لا الخرير كلّ ذلك للأصل، وللإجماع المنقول (2على جملةٍ منها، ولفتوى المشهور نقلاً (3)بل تحصيلاً، ولانصراف الإطلاقات إلى النحو المعهود في الرضاع وهو ما ذكرناه.)
فلو امتزج اللبن بغيره بحيث خرج عن اسمه عرفاً - كما إذا وضع بفم الصبيّ شيئاً يقضي بذلك، أو أوجر اللبن بفم الصبيّ وجوراً بإناء، أو وضع في فمه من الثدي وضعاً بضعف أو بقوة، أو وصل إلى جوفه بحقنة أو سعوط أو تقطير أو ثقب، أو جبن له فأكله، أو امتزج بما يخرجه عن اسمه ولو بريقه، أو دخل إلى غير المعدة، أو وصل إلى معدة الميت، أو شرب من غير ثدي أو ثدي في غير المحلّ المعتاد في وجه - فلا اعتبار به.وما ورد من أنّ: «وجور الصبيّ اللبن بمنزلة الرضاع» (1وأفتى به أبو عليّ (2)شاذ متروك.)ولا يشترط طهارة اللبن في النشر، فيجوز استرضاع الكافرة، ويثبت برضاعها نشر الحرمة، وجواز استرضاع الكافرة مبني على عدم وجوب منع الولي للصبي عن أكل النجس، أو على خصوص ما ورد عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: هل يصلح للرجل أن ترضع له اليهودية والنصرانية والمشركة ؟ قال: «لا بأس، وامنعوهن من شرب الخمر» (3).)نعم، في بعض الأخبار المنع عن استرضاع المجوسية (4.)ويمكن حمله على الكراهة؛ لقوة الرواية المجوّزة لنكاح الكافرة مطلقاً (5، المؤيدة بفتوى الأصحاب والأصل.)ولكن الأحوط الاجتناب عنها.وفي جملةٍ من الأخبار منعها عن شرب الخمر (6، وهو واجب إن اشترط عليها ذلك، ومع عدم الاشتراط فيمكن وجوبه؛ للأمر بالمعروف ويمكن عدمه؛ لجواز إقرارهم على دينهم، فيكون الأمر به للندب.)فلو لم تمتنع أو لم يمنع الولي، ففي جواز الإرضاع منها وجهان: من أنّه شرط في جواز الاسترضاع، ومن أنّه لأمر خارج ولا يبعد أنّه شرط لجواز الاسترضاع؛ لأن شرب المسكر يؤثر في الحليب، ويلزم الولي منع الطفل عن المسكر.
1) وسائل الشيعة 20 : 394، الباب 7 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 3.
2) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 38، المسألة 5.
3) وسائل الشيعة 21 : 465 الباب 76 من أبواب أحكام الأولاد، ح 5.
4) المصدر : 0464 ح 1.
5) المصدر 20: 536. الباب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 1.
6) راجع المصدر :21 464 - 465 الباب 76 من أبواب أحكام الأولاد، ح 1 و 4 – 7.
وفي بعض الأخبار منعها عن أكل لحم الخنزير وكلّ ما لا يحلّ في ديننا (1.)والظاهر أنّه محمول على الندب، وللولي إلزامها به مع الشرط. ولا يشترط موالاة الابتلاع للمص إلّا إذا بقي في فمه مدةً كثيرة، فإنّه لا يخلو من إشكال.###### ثالثها: في أنّه يشترط في نشر الرضاع للحرمة الأثر والزمان والعددثالثها: يشترط في نشر الرضاع للحرمة الكمّيّة باتفاق الإمامية، فلا يكفي المسمّى.ويعتبر في المشهور التقدير بأمور ثلاثة الأثر، وهو إنبات اللحم وشدّ العظم، والزمان، والعدد.وهل الأصل الأوّل، والأخيران كاشفان عنه، كما يلوح من الأخبار (2، أو كلّ منها أصل برأسه، كما هو الظاهر من الفقهاء؛ بناءً منهم على إلغاء مفهوم الحصر، وجعل كلّ منها علامةً مثبتةً، وإلا فالروايات بالنسبة إلى الثلاثة متعارضة، أو الأصل الأخير، وإنما يعتبر الأولان عند عدم الانضباط، أو أن الأصل الأوّل، وإنّما يعتبر الأخيران؛ لاستعدادهما لذلك وإن لم يؤثرا ذلك بالفعل؟ وجوه.)وعلى كلّ تقدير، فهنا أُمور ثلاثة:أحدها: الأثر، فلا خلاف في اعتباره نقلاً (3بل تحصيلاً.)ويدل عليه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في الصحيح، قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال: «ما أثبت اللحم وشدّ العظم» قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: «لا ؛ لأنّه لا تنبت اللحم ولا تشدّ العظم» (4).)وفي آخر: «لا يحرم من الرضاع إلّا ما أنبت اللحم والدم» (5.)وفي آخر: ما الذي يحرم من الرضاع؟ قال: «ما أنبت اللحم والدم» (6.)ويراد بالدم هو الغريزي الذي ينسب إليه الإنبات كما هو الظاهر - لا المستحيل من الغذاء في الكبد قبل انتشاره للأعضاء.وفي آخر عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟ قال: «ما أنبت اللحم والدم» (7.)
1) وسائل الشيعة 21 : 465 الباب 76 من أبواب أحكام الأولاد، ح 6.
2) المصدر 20 : 382 - 383 الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع.
3) مسالك الأفهام 7: 213.
4) وسائل الشيعة 20 : 374 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 2.
5) المصدر : 382، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1.
6) المصدر : 379 - 380 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 18.
7) المصدر : 380 - 381، ح 21.
وفي آخر: «لا يحرم من الرضاع إلّا ما شدّ العظم وأنبت اللحم» (1.)إلى غير ذلك من الأخبار، وظاهرها توقف الرضاع المحرّم عليهما معاً.وما دلّ على خصوص الاعتبار بنبات اللحم (2محمول على ما دلّ على لزوم الجمع؛ جمعاً بين الأدلّة، إما من باب حمل المطلق على المقيد، أو من باب تعارض مفهوم الحصرين.)وما دلّ على الجمع أقوى، فلا يكفي أحدهما، كما نُسب إلى الشهيد (رَحمهُ اللّه القول به (3).)هذا إن قلنا بجواز انفكاك أحدهما عن الآخر، وإن قلنا بعدمه - كما هو الظاهر - كفى ظهور أحدهما عن ظهور الآخر؛ لمكان التلازم بينهما حينئذٍ.وقد يقال بكفاية اشتداد العظم عن نبات اللحم لترتبه عليه ولزومه له، بخلاف العكس.وقد يقال بعكس ذلك؛ لمكان الأخبار المتقدّمة (4الدالّة على الاكتفاء بنبات اللحم.)ثمّ إنّ هذا الأثر إن ظهر للحسّ أو قطع به عادةً، وإن لم يظهر للحس فلا كلام، وإلا رجع إلى أهل الخبرة، ويكفي فيه شهادة العدلين قطعاً.وفي كفاية العدل الواحد وجهان من أنّه خبر أو شهادة، وعلى الثاني فالأظهر فيها: لزوم التعدّد؛ للاستقراء القاضي بلزوم التعدد في الشهادة.وفي الاكتفاء بشهادة غير العدل من أهل الخبرة - لرجوعه إلى الظن بالموضوعات، كإخبار الطبيب للصائم بالمرض والصحّة - وجه وإن بعد عن الاحتياط.وفي جملة من الأخبار الاكتفاء بإنبات اللحم فقط (5، والجمع بينها وبين الأخبار الأخر اعتبارهما معاً، أو الاكتفاء به؛ لمكان التلازم.)وقد يجمع بينهما أن اشتداد العظم غير كافٍ، بل لا بد من مصاحبة إنبات اللحم، وأنّ إنبات اللحم كافٍ وحده، ولكنه بعيد، وبين أخبار الأثر والعلائم الأُخر تعارض من جهة مفهوم الحصر، والترجيح لجانب أخبار الأثر لو أعرضنا عن ظاهر ما عليه الفقهاء من الأخذ بكلّ منها، ولو اتبعناهم كان الأخذ بكلِّ من العلائم وإلغاء المفهوم أمراً لازماً.
ثانيها: الزمان، وهو رضاع يوم وليلة كاملةً ملفّقةً أو غير ملفقة؛ لأن الظاهر عدم خصوصية الابتداء والانتهاء في المقدار، أو لشمولهما في العرف للملفّق على نحو الحقيقة أو المجاز المشهور.ويشترط فيه أن يشرب الصبيّ متى أراد إلى أن يروى ويصدر.ويدلّ على اعتبار رضاع اليوم والليلة خبر زياد بن سوقة - المنجبر بفتوى الأصحاب -: هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ قال: «لا يحرم من الرضاع أقل من يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأةٍ واحدة من لبن فحل واحد يفصل بينها رضعة امرأةٍ غيرها» (1.)ويشترط فيه عدم مشاركة الغذاء له في ذلك الزمان؛ لأنّه الظاهر من رضاع اليوم والليلة، ولقربه من اشتداد العظم ونبات اللحم، ولأنّ ظاهره الاستيعاب، خرج ما خرج وبقي الباقي.ويشترط عدم رضاع امرأةٍ أخرى له فيه قلّ الغذاء أو كثر، وقل الرضاع أو كثر، إلّا إذا كان شيئاً لا يعتد به، كحبة أو مصةٍ واحدة ونحوهما.ويشترط أن لا يكون الولد له مانع من الرضاع المعتاد؛ لسقم أو تغيّر هواء أو فصل أو مكانٍ أو شرب مرقد أو نحو ذلك، كلّ ذلك لعدم إمكان حمل رضاع يوم وليلة على الاستيعاب، كما هو المعنى اللغوي، فيُحمل على المعنى العرفي، وهو أن يرضع الصبيّ على المعتاد.ويشترط توالي الزمان وتواصله، فلا يكفي تلفيقه من أيّام متعدّدة، مع احتمال أنّه إن لم يفصل بغذاء أو لبن آخر جاز.ولا يشترط في التقدير بالزمان حصول العلم بالأثر أو الجهل بحصوله، بل يكفي حتّى مع العلم بعدمه؛ لأنا وإن جعلنا الأصل في نشر الحرمة بالرضاع هو الأثر فلا نجعله علةً في الحكم بحيث يدور مداره وجوداً وعدماً، بل إمّا أن نجعله حكمةً، كالمشقة في السفر، فقد لا تحصل ويجب القصر، أو نجعل الاستعداد للإنبات والتهيؤ له والمنشأية له هي القاضية بنشر الحرمة، ولا شكّ أنّ رضاع يوم وليلةٍ من شأنه الإنبات والاشتداد، إلّا أن يمنع منهما مانع، كمرض ونحوه.وكذا لا يشترط فيه العلم بحصول العدد أو الجهل به، بل يكفي حتّى مع العلم بعدمه؛ أخذاً بإطلاق الدليل، فدعوى لزوم الرجوع إلى العدد مع الانضباط وجوداً وعدماً ويسقط اعتبار الزمان ضعيفة جداً.
1) وسائل الشيعة 20 : 374، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1.
ويختلف رضاع اليوم والليلة بالنسبة إلى الزمان والمكان والفصل والولد ودسومة اللبن وغلظه والصحّة والمرض، والمرجع إلى الرضاع المعتاد في العرف إذا لم يكن مانعاً.وأما ما رواه الصدوق مرسلاً: «إنّه لا يحرم من الرضاع إلّا رضاع خمسة عشر يوماً بلياليهن» (1فهو شاذ، ولم نعثر على روايته.)وأما رواية عبيد بن زرارة وصحيحة الحلبي: «إنّه لا يحرم من الرضاع إلّا ما كان حولين كاملين»(2فهما محمولتان على أن حصول الرضاع المحرّم هو ما كان في مدة الحولين لا أزيد، لا أن الرضاع شرطه أن يستمر إلى الحولين.)ومع ذلك فظاهرهما شاذ متروك عند الأصحاب، كشذوذ خبر العلاء بن رزين: «لا يحرم من الرضاع إلّا ما ارتضعا من ثدي واحد سنة» (3فإنّه لمخالفة ظاهره للإجماع (4)، بقسميه وجب طرحه.)وربما حمل على إرادة سنّة - بالتشديد - وهو بعيد.ثالثها: العدد، وهو أصل برأسه، وإن ظهر من بعض الأخبار (5أنّه لمكان حصول الإنبات به، وأن الأقل منه لا يفيد؛ لعدم حصول الإنبات به، ولكن ظاهر جملةٍ أُخرى(6)وظاهر فتاوى الأصحاب على خلاف ذلك، فليحمل ما دلّ على دوران الحكم مدار الإنبات والاشتداد على إرادة بيان أن العدد الكامل من شأنه في الغالب ممّا يحصل ذلك الأثر معه، وممّا دونه من شأنه في الغالب عدم حصوله معه، وإلا فلو حصل الأثر في الأدنى لزم اتباعه قطعاً، ولو لم يحصل في الأكثر لم يكن مانعاً.)ثم إن للأصحاب في التقدير بالعدد أقوالاً أشهرها قولان:التقدير بالعشر، ونُسب المشهور المتقدمين (7.)والقول بالخمسة عشر، ونُسب لمشهور المتأخرين (8.)
1) نقله عنه الشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة 20 : 379، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 15.
2) المصدر : 386 و 387. الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 8 و 10.
3) المصدر : 378 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 13.
4) مسالك الأفهام 7: 222.
5) وسائل الشيعة 20 : 374 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 2.
6) المصدر : 382، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع.
7) راجع مسالك الأفهام 7 : 215.
8) نفس المصدر.
واضطرب كلام ابن إدريس، فبنى أولاً على العشر، وأعاب على القول الآخر وشنّع عليه، ثم اختار الخمسة عشر، وجعله الحق الحقيق بالاتباع (1.)وجعلوا ذلك من هفواته بالتشنيع على مثل الشيخ.ويُستدل للقائلين بالعشر بعمومات الرضاع القاطعة لأصل الإباحة، خرج ما دون العشر فيبقى الباقي، وبأن العام لو شك في أنّه خص بالكثير أو القليل لزم العمل بالقليل، وبأن العام لو خصص بمجمل - كما يحتمله التخصيص ها هنا - اقتصر على القدر المقطوع به في التخصيص دون المشكوك به، والمقطوع به هو ما دون العشر، وبالاحتياط المأمور به في مثل هذه المقامات، وبالشهرة، وقد نقل العلّامة أنّ عمل الأكثر عليه (2والأخذ بقول الأكثر أرجح.)وبقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ما اجتمع الحلال والحرام إلّا غلب الحرام الحلال» (3).)وبرواية الفضيل: «لا يحرم من الرضاع إلّا المجبور» قلت: وما المجبور؟ قال: «أُمُّ تربّي أو ظئر تستأجر أو أمة تشترى ثمّ ترضع عشر رضعات يروى الصبيّ وينام» (4.)والمجبور - بالجيم والباء - من الجبر في الإرضاع؛ لمحبتها أو رقيتها أو أجرتها، أو المخبور - بالخاء والباء - بمعنى المعلوم أو المجتور - بالجيم والتاء - بمعنى المجاورة والصحبة، أو المخثور - بالخاء والثاء - بمعنى المقيم، أو المحتور - بالحاء والتاء - من الحثرة، أي الرضعة، أو المحبور - بالحاء والباء - بمعنى الحسن الجيد، أو ما شاكله، وفي الجميع مناسبة، والنُّسَخ في أكثرها مختلفة.وبرواية حمّاد بن عثمان: «لا يحرم من الرضاع إلّا ما أنبت اللحم والدم» (5ونحوها عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6)، ونحوها عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7)، ويضم إليها الصحيح عن عبید بن زرارة، فقلت: وما الذي ينبت اللحم والدم؟ فقال: «كان يقال: عشر رضعات» (8).)
1) السرائر 2 : 520 و 551.
2) مختلف الشيعة 7: 32 المسألة 1.
3) بحار الأنوار 2 : 272، ح 6.
4) وسائل الشيعة 20: 376 و 377 - 378، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 7 و 11.
5) المصدر : 382، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1.
6) المصدر : 381، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 23.
7) المصدر : 382 الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 2.
8) المصدر : 379 - 380 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 18.
وبمفهوم الموثق عن الغلام يرضع الرضعة والاثنتين، فقال: «لا يحرم» فعددت عليه حتّى أكملت عشر رضعات، قال: «إذا كانت متفرّقةً فلا» (1ومفهومه إذا لم تكن متفرّقةً يحرم. وقد يتوجه على الأوّل: إنّ المطلق هنا كالمجمل؛ إمّا لكثرة تطرّق التخصيص إليه حتّى كان الخارج أكثر من الداخل فيوهن التمسك بإطلاقه، أو لأنّه من قبيل المطلق المقيد بالمجمل؛ لأنّه قد علم أنّ مسمّاه غير كافٍ قطعاً، والمطلق المقيد بالمجمل يسري إجماله إليه، فيقتصر على المقطوع بإرادته منه، ويتمسك في الباقي بأصل الإباحة.)وفي هذا نظر ظاهر. وعلى الثاني: إن الاحتياط مندوب إليه وليس بلازم، ولو سُلّم فهو متعارض، فكما يقضي الاحتياط بتحريم العشر ابتداء، فقد يقضي بعدمه بعد حصوله.وعلى الثالث: بمنع الشهرة المحصلة، ونقلها متعارض في المقامين، وإن أُريد بالشهرة ما هو أشهر - وإن كان كلّ منهما مشهوراً - ففي حجيّة ذلك بل الترجيح به إشكال بل منع.وعلى الرابع: إنّه وارد في الحلال والحرام المحققين إذا اجتمعا أو اشتبها، وليس هذا منه.وعلى الخامس: إنّ الرواية ضعيفة السند بمحمد بن سنان، وقد ضعفه الشيخ والنجاشي وابن الغضائري (2، وروى الكشي فيه ما يشتمل على القدح (3)، وتوثيق المفيد (رَحمهُ اللّه) له (4)، لا يعارض ذلك؛ لأن الجارح مقدّم، وضعيفة المتن باختلاف نُسخ «المجبور» وباشتمالها على الحصر الذي لا نقوله؛ لأنّ حكم المرضعة المتبرعة كذلك بالإجماع، وبذكر النوم بعد أن يروى، وظاهره الشرطية، وهو لا نقول به، وباختلاف صيغتها في رواية الصدوق؛ حيث لم يذكر فيها المملوك، ولم يذكر فيها التفصيل بعد ذكر «المجبورة بل ذكر «الخادم» (5)ولم يذكر فيها «ثم ترضع» مثل ما ذكره الشيخ(6)، وهو يدل على اضطراب بها.)
1) وسائل الشيعة 20 : 375، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 5.
2) الفهرست : 219، الرقم 619 رجال الطوسي : 364، الرقم 5394 رجال النجاشي : 328، الرقم 888؛ وحكاه عن ابن الغضائري العلّامة الحلّي في خلاصة الأقوال : 394، الرقم 1591.
3) اختيار معرفة الرجال : 506 - 0507 ح 977 - 980.
4) نقله عنه العلّامة الحلّي في خلاصة الأقوال : 394، الرقم 1591.
5) الفقيه 3 : 477، ح 4675.
6) تهذيب الأحكام : 315 - 316. ح 1305.
وعلى السادس: بمعارضته بصحيحة عليّ بن رباب الدالّة على أن العشر لا تنبت اللحم ولا تشد العظم (1، وهي أقوى؛ لصحة سندها، وموافقتها الاعتبار القاضي بأن العشر غالباً لا تؤثر شيئاً، مع أن الأصل والعمدة في الرضاع هو حصول الأثر.)وعلى السابع: بمعارضته بمنطوق موثق عبيد بن زرارة: «إنّ عشر رضعات لا يحرّ من شيئاً» (2وموثقة ابن بكير: «إنّ عشر رضعات لا تحرم» (3)ورواية زياد بن سوقة، الآتية (4)، إن شاء اللّه تعالى، وغيرها، والمنطوق أقوى من المفهوم، على أنّ هذه أكثر عدداً، وأصح سنداً، وأوفق بالاعتبار، وأبعد عن مذهب العامّة، والرشد في خلافهم.)وقد رووا عن عائشة أنها قالت: كان في القرآن عشر رضعات محرمات، وأنها قالت: عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثم نسخ بخمس معلومات (5.)ويدلّ على التقية قوله: «يقال: عشر رضعات» فنسبه للقيل، وقوله في آخر الرواية: «دع ذا» وقال: «ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع» (6فلا شك أن الترجيح للأخبار الدالّة على نفى التحريم بالعشر؛ لكثرة المرجّحات فيها عدا إطلاق الكتاب والسنّة، وقد بينا ضعفه ووهنه، فلا يعارض التراجيح الأُخر.)ومتى رجحنا القول به لزم القول بالنشر بالخمسة عشر ؛ لاتفاق الأصحاب - عدا الشاذ النادر (7- على عدم تحريم ما دون العشر، واتفاقهم على عدم الفصل بين العشر وبين ما فوقها إلى الخمسة عشر، فمتى حرّم بالعشر حرّم ما فوق ومَنْ لم يحرّم بها لم يحرم بما فوقها إلى الخمسة عشر.)وبهذا يُستدلّ للقائلين باختصاص التحريم بالخمسة عشر.ويضاف إليه رواية زياد بن سوقة - فى الموثق المنجبر بفتوى المشهور بين المتأخرين
نقلاً (1بل تحصيلاً - قال: قلت: هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لا يحرم الرضاع أقل من رضاع يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأةٍ غيرها، ولو أنّ امرأةً أرضعت غلاماً أو جاريةً عشر رضعات من لبن فحل واحد وأرضعتها امرأة أُخرى من لبن فحل آخر [ عشر رضعات ] لم يحرم نكاحها» (2).)قيل: والصواب هنا جعل «الواو» مكان «أو» وتثنية الضميرين (3، وهو حسن.)وهذه الرواية وإن كانت موثقةً لمّا كان عمل الأصحاب بمضمونها، وتلقيهم لها بالقبول، وبعدها عن فتوى العامّة - لاشتمال إحدى روايات العشر على نسبتها إلى القيل المؤذن بأنه قول العامّة، والنهي مرّةً أخرى عن السؤال عنها بقوله: «دع ذا» والإضراب عن بيان حكمها إلى غيره، ونسبة القول بها مرّةً ثالثةً إلى أبيه مرةً بعد أخرى، والإضراب عن بيان مذهبه، المؤذنين بأن القول بها للعامة دون القول بالخمسة عشر - ممّا يؤيدها ويشيّدها ويرجح الاستناد إليها.ولا يعارضها رواية عمر بن يزيد الدالّة على أن الخمس عشرة رضعة لا تحرم (4لضعفها عن مقاومتها، فلتحمل على المتفرقة، أو الغير تامة، أو تحمل على الإنكار، أو تُطرح.)وأما ما ذهب إليه ابن الجنيد من الاكتفاء بالرضعة الواحدة التامة، وبالوجور دون الرضاع (5فهو ضعيف مخالف للمشهور، بل المُجمع عليه.)ومستنده في الاكتفاء بالرضعة الواحدة إطلاق أدلّة الرضاع، وقوله - في الصحيح -: عما يحرم من الرضاع ؟ فكتب «قليله وكثيره حرام» (6وفي آخر: «الرضعة الواحدة كالمائة لا تحل له أبداً» (7).)والكلّ ضعيف؛ لتقييد الإطلاق بما مرّ، ولعدم دلالة الصحيح على ما ذهب إليه، بل على الاكتفاء بالمسمّى، وهو قول العامّة، فيُحمل على التقيّة، ولحكمه فيه بأنه حرام، والمقصود أنّه يحرّم لا أنّه حرام، ولضعف الرواية الثانية؛ لظهور أنها من روايات العامّة.
1) تذكرة الفقهاء 2 : 620 (الطبعة الحجرية).
2) وسائل الشيعة 20 : 374 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
3) قال به الفيض الكاشاني في الوافي،21 : 236 ذيل الحديث 15/21146.
4) وسائل الشيعة 20 : 375 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 6.
5) راجع الهامش (7) من ص 108.
6) وسائل الشيعة 20 : 377، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 10.
7) المصدر : 378، ح 12.
وفي الاكتفاء بالوجور قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «وجور الصبيّ اللبن بمنزلة الرضاع» (1)وهو ضعيف.)وقياس الوجور على الرضاع في حصول التأثير به الذي هو العمدة في التحريم من الدخول إلى الجوف والإنبات والاشتداد.ويرده بطلان القياس، ومنع أنّ الجامع هو ذلك فقط، فلعله الإنبات والاشتداد على نحو خاص وكيفية خاصة.###### رابعها: في أنّه يشترط في الرضعات العددية واليومية كماليتهارابعها: يشترط في الرضعات العددية واليومية كماليتها، فلا تجزئ الرضعة الناقصة، ولا تحتسب من العدد؛ لانصراف الرضعة التامة إليها، وانصراف رضاع يوم وليلة حيث فات الاستيعاب إليها أيضاً، ولا يجزئ تلفيق نواقص لتعود تامة على الأظهر من النصّ والفتوى والمرجع في ذلك إلى العرف؛ لأنه المحكم فيما علّق فيه الحكم على اسم لم يرد من الشارع تحديده وبيانه.وقيل: حدّه أن يروى الصبي، ويصدر من قبل نفسه، سواء نام أم لا (2.)وكأن ذلك موافق للعرف، فجعلهما قولين - كما يلوح من عبارة الشيخ (رَحمهُ اللّه (3)- بعيد. وفي الأخبار ما يدلّ على ذلك أيضاً.)ففي مرسل ابن أبي عمير: «الرضاع الذي ينبت اللحم والدم هو الذي ير تضع حتّى يتضلّع ويمتلئ وينتهي نفسه» (4.)وفي آخر: «إذا رضع حتّى يمتلئ بطنه، فإنّ ذلك ينبت اللحم والدم» (5.)وفي ثالث: «ثمّ ترضع عشر رضعات يروى الصبيّ وينام» (6وهو كناية عن الإمساك.)وقد يقال: إنّ دائرة العرف أوسع من ذلك وإن كانت أضيق من اللغة، وهذا التحديد أضيق منهما، فالمرجع حينئذٍ إلى التحديد الشرعي. وهو حسن.فعلى ذلك فلو التفت الطفل إلى ملاعب في الأثناء أو تنفس أو أغفى خفيفاً أو قطعت
عليه المرضعة أو حصل عارض من سعال ونحوه، فإن عاد وروى وصدر احتسب المجموع رضعة، وإلا لم تحتسب ولو بالتلفيق على الأظهر.ويشترط كونها من الثدي، فلا يكفي الوجور، وقد تقدّم (1.)ويشترط في العددية واليومية التوالي، ولكن في اليومية بمعنى عدم تخلّل رضاع امرأةٍ أُخرى، وعدم تخلّل أكل أو شرب، وعدم كونه من ثديين لامرأتين دفعةً واحدةً. وفي العددية بمعنى عدم تخلّل رضاع امرأةٍ أخرى، ولا يضر تخلّل المأكول والمشروب.ويدلّ على التوالي في اليومية انصراف إطلاق «رضاع يوم وليلة» إليه؛ لأنّ الأصل في إضافة الفعل الاستيعاب في جميع الزمان، خرجنا عن ذلك فيما لا يمكن استيعابه؛ لأن الولد لا يتصل رضاعه غالباً، فيبقى الباقي، وهو عدم التخلل.ويدل على التوالي بهذا المعنى في العددية الإجماع المنقول (2المعتضد بفتوى المشهور، وانصراف العدد إلى التوالي أيضاً، وقوله في موثقة زياد بن سوقة: «خمس عشرة رضعة متواليات لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها» (3).)نعم، يجيء كلام آخر، وهو: إنّ الرضعة المخلّة بالموالاة هل يشترط كونها كاملة؛ لانصراف لفظ «الرضعة» في الخبر إليها، كانصرافه إلى الكاملة في عدد الرضعات المعتبرة في التحريم أو يكفي مسمّاه، لانصراف التوالي إلى عدم تخلّل شيءٍ أصلاً، فيكون قرينة على إرادة المسمّى دون الرضعة الكاملة؟ وجهان وقولان، أقربهما الثاني.فعلى هذا فلا يتفاوت الحال بين أن ترضعه امرأة رضعات كاملةً وقبل استيفاء العدد ترضعه أخرى رضعة كاملةً ثمّ تُكمل الأولى العدد وبين أن ترضعه الأخرى رضعةً ناقصةً ثم تكمل الأولى العدد، وبين أن ترضعه الأولى رضعات أو رضعة ناقصة فتكمل تلك الرضعات أو الرضعة الواحدة امرأة أُخرى، وبين أن يرتضع من ثديين في وقت واحد، ففي الجميع لا يحصل العدد المحرم.وقد يفسّر التوالي بأن تستقل امرأة واحدة بإكمال العدد، فلا عبرة باجتماع عدة نسوة
على إكمالها وإن اتحد الفحل، وهو إجماعي عندنا، ويدلّ عليه الخبر المتقدم (1المنجبر بفتوى الأصحاب.)وخالف في ذلك العامّة، ونشروا الحرمة بين المرتضع وبين الفحل إذا كان متحداً، ولم ينشروا الحرمة بينه وبين المرضعات، فعلى ذلك فلو أرضعن زوجات ثلاثة لرجل زوجةً صغيرةً من لبنه حرمت عليه دونهنّ، ولا يحرم عليها ابن إحداهنّ من غيره، وهو مخالف لإجماعنا.وفي اشتراط اتحاد المرضعة في الأثر وجهان والاحتياط قاض بأنه لو حصل الأثر من الإنبات أو الاشتداد من مجموع المرضعتين - كما إذا ارتضع من ثديهما دفعةً، أو على التعاقب - ثبت بسببه التحريم، كما إذا حصل ذلك من مجموع لبن فحلين قد اشتركا في اللبن لو قلنا بتحقق ذلك.###### خامسها: اشتراط كون الرضاع المحرم في الحولينخامسها: يشترط في الرضاع المحرّم بأي تقدير اعتبر أن يكون في الحولين، بمعنى أن يرتضع الصبيّ تمام العدد وهو غير متجاوز لهما، فلو ارتضع كلاً أو بعضاً خارجاً عنهما لم يعتد به.نعم، لا يشترط حصول الأثر في الحولين على الظاهر، فلو حصل الرضاع في ضمنها وحصل الأثر بعدها، نشر الحرمة.والمراد بالحولين أربعة وعشرون شهراً هلالياً إن لم يحصل انكسار في الشهر، فإن حصل كانت عبارةً عن ثلاثة وعشرين شهراً هلاليّاً ملققاً، وشهراً عدديّاً ملفقاً، واحتمل كونه شهراً هلالياً وهو بعيد واحتمل انكسار الجميع واحتسابها هلالية، وهو كذلك بعيد.ولو شكّ في أنّ الرضاع هل هو في الحولين بعد مضيهما أم لا؟ فإن علم التأريخ تأخر المجهول عن المعلوم على الأظهر، وإلا فالأصل عدم نشر الحرمة بعد تعارض الأصول.ويعتبر ابتداء الحولين من حين انفصال الولد تماماً أو انفصال أغلبه إلى الخارج.والمشهور على عدم الفرق بين انفطامه في أثناء الحولين وبين عدمه، فلو رضع في أثناء الحولين بعد أن انفطم كان حكمه كحكم ما لم ينفطم، خلافاً لما نقل عن ابن أبي عقيل (2.)وكذا لا فرق بين انفطامه وعدمه فيما بعد الحولين في أنّه لا ينشر حرمة، خلافاً لما نقل عن ابن الجنيد من أنّه لو رضع بعد الحولين ولم يتوسط بين الرضاعين فطام نشر التحريم (3.)
ويدلّ على أصل الحكم بعد فتوى المشهور تحصيلاً بل الإجماع نقلاً (1وتحصيلاً قوله تعالى: (يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) (2)، وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) (3)الدلالتهما على اعتبار الرضاع فيهما، وعدم اعتباره فيما بعدهما وإن جاز شهراً أو شهرين بعدهما.)والخبر المستفيض عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ): «لا رضاع بعد فطام» (4)وهو منصرف إلى الفطام الغالب، وهو ما يكون بعد إكمال السنتين، أو يراد به قبل استحقاق الفطام، أو مدته الأغلبية بقرينة قوله في رواية حمّاد بن عثمان، قلت: وما الفطام؟ قال: «الحولين، الذي قال اللّه تعالى» (5)وبقرينة فهم الأصحاب من «الفطام إرادة الحولين منصرف إلى نفي آثاره المترتبة عليه بعد عدم إمكان نفي الحقيقة، ولولا فهم الأصحاب والخبر المتقدم لأمكن المناقشة في دلالة «الفطام» على إرادة الحولين فقط، دون نفس «الفطام» ودون الشهرين اللذين يجوز الرضاع فيهما، وأمكن المناقشة في المراد من النفي بعد الجزم بعدم إرادة نفس الحقيقة هل هو الحل، أو هو المترتب عليه الأثر من صيرورته كالنسب؟)ويُستدلّ لابن أبي عقيل بمفهوم هذه الأخبار النافية للرضاع بعد الفطام من دون تقييد بكونها قبل السنتين أو بعدها، وبصحيح الفضل بن عبد الملك: «الرضاع قبل الحولين وقبل أن يفطم» (6.)كما يُستدلّ لابن الجنيد بذلك المفهوم أيضاً، وبخبر داؤد بن الحصين: «الرضاع بعد الحولين قبل أن يفطم يحرم» (7.)وكلا القولين ضعيف مخالف للمشهور نقلاً (8وتحصيلاً، وللإجماع نقلاً (9)بل كاد أن)
يكون تحصيلاً، فلا بد من حمل قوله - في الصحيح -: «وقبل أن يفطم» على التأكيد، ويُحمل الثاني على إرادة أنّه يحرم بالتخفيف، ويكون قوله: «قبل أن يفطم» لبيان التحريه على الفطام والترغيب إليه، ومع ذلك فالخبر ضعيف لا يعوّل عليه.وهل يختص هذا الشرط بالمرتضع الأجنبي، أم يسري لولد المرضعة، بمعنى أن لا يمضي من ولادته حولان، فلو مضى من ولادته حولان لم ينشر لبنه حرمةً إلى من ارتضع به؟ قولان، والمشهور: الاختصاص؛ لعمومات أدلة التحريم خرج ما خرج وبقي الباقي، وللأصل؛ ولأنه هو المتبادر من إطلاق الأدلّة المخصصة؛ لأنّ المنساق من قوله: «لا رضاع بعد فطام» هو فطام المرتضع لا فطام من ارتضع بلبنه.ويؤيد ذلك تفسير الكليني والصدوق للخبر بذلك (1من دون تشكيك وارتياب، وهما من قدماء الأصحاب العارفين بمواقع الأخبار.)وقيل بعدمه (2استناداً لإطلاق «لا رضاع بعد فطام» الشامل للمرتضع وولد المرضعة.)ويؤيده ما ورد من أنّ فضال سأل ابن بكير في المسجد، فقال: ما تقولون في امرأةٍ أرضعت غلاماً سنتين، ثمّ أرضعت صبيّةً لها أقل من سنتين حتّى تمت السنتان، أيفسد ذلك بينهما؟ فقال: «لا يفسد ذلك بينهما، لأنه رضاع بعد فطام، وإنما قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : لا رضاع بعد فطام، أي أنّه إذا تم للغلام سنتان أو الجارية فقد خرج من حد اللبن، ولا يفسد بينه وبين مَنْ يشرب من لبنه» (3).)وهو ضعيف؛ لضعف مستنده؛ لأن الإطلاق منصرف في العرف إلى ما ذكرناه، وفهم ابن بكير لا يعارض فهم الشيخين؛ لأنه فطحيّ، على أنّ ما روي عنه لا يخلو من إجمال، بل فيها ما يمكن الاستدلال به على القول الأوّل.###### سادسها: اشتراط كون اللبن في الرضاع المحرم لفحل واحدسادسها: يشترط في الرضاع المحرّم كون اللبن لفحل واحد؛ لخبر زياد بن سوقة (4المعمول عليه بين أصحابنا، ولفتوى المشهور، وللإجماع المنقول (5).)
ويراد بهذا الشرط أحد معانٍ ثلاث:إما بأن لا يشترك الفحلان في اللبن بأن ينسب إليهما دفعةً بحيث يتسبب عنهما، كما لو فرض كون اللبن للأوّل ثم حملت من الثاني، فزاد اللبن زيادةً بحيث حصل القطع بكونها من الثاني، فإنّه لا ينشر حرمةٌ ولو أكملت منه نصاباً أو نصابين.وإما بأن لا يشترك الفحلان في نصابِ واحد، كما لو أرضعت يوماً بلبن فحل، ثمّ أرضعت الليلة بلبن فحل آخر، كما إذا ولدت أول الليل من الفحل الثاني، أو أرضعت عدداً من الرضعات من الفحل الأوّل، ثم أكملتها من الفحل الثاني، ويتصوّر كلّ منهما فيما إذا كان الوطء شبهةً، فكان ما قبل الوضع من اللبن للأول وما بعده للثاني، وهذا لا ينشر حرمةً أيضاً بين الولد والفحل ولا بين الولد والمرضعة.وإما بأن لا يرتضع أجنبيان من لبن فحلين بحيث يرتضع كلّ واحدٍ بلبن غير لبن الآخر، فإنّه لا يحرم أحدهما على الآخر وإن أكمل كلّ واحدٍ منهما النصاب من امرأةٍ واحدة.ولو ارتضع هذان الأجنبيان من لبن فحل واحد بحيث أكمل كلّ واحدٍ منهما النصاب منه، حرم أحدهما على الآخر، سواء ارتضعا من امرأةٍ واحدة لذلك الفحل، أو من امرأتين له. كلّ واحدٍ من امرأة له غير الامرأة الأخرى، وسواء كان رضاعهما دفعة أو على التعاقب، وسواء كانا مع ولد أم ولدين، وهذا معنى قولهم: «اللبن للفحل».ويدلّ على هذا الأخير خصوصاً ما روي - في الصحيح -: عن الرجل يرضع من امرأةٍ وهو غلام أيحل له أن يتزوّج أختها لأمها من الرضاعة؟ فقال: «إن كانت الامرأتان رضعتا من لبن امرأةٍ واحدةٍ من لبن فحل واحدٍ فلا يحلّ، وإن كانت الامرأتان رضعتا من امرأةٍ واحدة من لبن فحلين فلا بأس بذلك» (1حيث دلّت على أن التي رضعت مع أُمّه من الرضاعة بلبن فحل آخر لیست خالته، ويجوز له تزويجها.)وفي الموثق عن غلام رضع من امرأة، أيحل له أن يتزوج أختها لأبيها من الرضاع؟ فقال: لا، قد رضعتا جميعاً من لبن فحل واحد فقلت: هل يتزوج أختها لأمها من الرضاعة؟ فقال: «لا بأس بذلك، إن أختها التي لم ترضعه كان فحلها غير فحل التي أرضعت الغلام، فاختلف الفحلان فلا بأس» (2.)
وفي الصحيح في تفسير قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»: «كلّ امرأةٍ أرضعت من لبن فحلها ولد امرأةٍ أخرى من جارية أو غلام فذلك الرضاع الذي قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وكل امرأةٍ أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحداً بعد واحد من جارية أو غلام فإنّ ذلك ليس الرضاع الذي قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (1).)وظاهر هذه الرواية الأخيرة اختصاصها بارتضاع الصبيّ من لبن فحلين؛ حيث نفى عن هذا الرضاع نشر الحرمة مطلقاً، سواء كان بين المرتضعين أو المرتضع والفحل، أو هو والأُمّ، أو أقربائها، ولا يكون ذلك إلّا بحملها على تلك الصورة الخاصّة، وحينئذٍ ف- «واحد بعد واحد» مفعولان لـ«كانا» لا لـ «أرضعت» لاستلزامه ما لا نقول به.ونقل عن الطبرسي (رَحمهُ اللّه - وتبعه بعض المتأخرين - أنّه ذهب إلى حصول التحريم بين المرتضعين من لبن امرأةٍ واحدة وإن ارتضع كلّ واحدٍ منهما بلبن فحل غير لبن الفحل الآخر (2)عملاً بعموم أدلّة تحريم الرضاع، كقوله تعالى: (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) (3)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (4)، وإخوة الأُمّ محرّمة من الرضاع، فلتحرم من النسب.)وما روي عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «ما يقول أصحابك في الرضاع؟» قلت: كانوا يقولون: اللبن للفحل حتّى جاءتهم الرواية عنك أنّه «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فرجعوا إلى قولك، فقال: وذلك أنّ أمير المؤمنين سألني عنها البارحة، فقال: اشرح لي اللبن للفحل، وأنا أكره الكلام، فقال: كما أنت حتّى أسألك عنها، ما قلت في رجل كانت له أُمهات أولاد شتّى فأرضعت واحدةً منهنّ بلبنها غلاماً غريباً، أليس كلّ شيءٍ من ولد ذلك الرجل من أُمهات الأولاد الشتى محرَّماً على ذلك الغلام؟ قلت بلى فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فما بال الرضاع يحرم من قبل الفحل ولا يحرم من قبل الأُمهات وإنّما حرم اللّه الرضاع من قِبَل الأُمهات، وإنّ لبن الفحل أيضاً يحرِّم» (5).)
1) وسائل الشيعة 20 : 388 الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1.
2) راجع مجمع البيان 3 - 4 : 28 ذيل الآية 23 من سورة النساء (4)؛ ونقله عنه الشهيد الثاني واستجوده أيضاً في مسالك الأفهام 7 : 240.
3) النساء (4) : 23.
4) وسائل الشيعة 20 : 371 - 373، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1 و 3 و 4 و 6 و 7 و 10.
5) المصدر : 391، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 9.
وهو ضعيف؛ لتخصيص العمومات بالأخبار والإجماع المنقول (1المعتضد بفتوى المشهور، ولأن العمومات والمطلقات ها هنا بمنزلة المجملات، فلا يصح الاستناد إليها بنفسها.)وأما الرواية فمحمولة على التقية؛ لنسبة عدم اشتراط اتحاد الفحل بهذا المعنى إليهم. بل ربما ظهر من الرواية ذلك، وحينئذٍ فما صنعه بعض المتأخرين (2من حمل تلك الأخبار على التقية دون هذا الخبر ضعيف.)هذا كله في المرتضعين الأجنبيين، وأما أولاد المرضعة من النسب فالرضاع ينشر الحرمة بينهم وبين المرتضع من لبن أُمهم وإن كان لبن الفحل مختلفاً؛ لصيرورتهم كالإخوة من الأُمّ، ولعموم أدلة الرضاع خرج منها المرتضعان الأجنبيان وبقي الباقي.ولموثقة جميل بن درّاج عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «إذا أرضع الرجل من لبن امرأةٍ حرم عليه كلّ شيءٍ من ولدها وإن كان الولد من غير الرجل الذي كان أرضعته بلبنه، وإذا رضع من لبن الرجل حرم عليه كلّ شيءٍ من ولده وإن كان من غير الامرأة التي أرضعته» (3).)وكذا أُمها من النسب وأخواتها منه وجداتها وعماتها وخالاتها، وكذا أُمهاتها من الرضاع وعماتها وخالاتها منه، وكذا إخوة الفحل نسباً ورضاعاً، وكذا أُمهاته وعماته وخالاته نسباً ورضاعاً. وخالف العلّامة في القواعد فنفى نشر الحرمة بين المرتضع وبين من انتسب إليه المرضعة بالرضاع من الأمهات والعمات والخالات، أو انتسب إليه الأب من العمات والأُمهات والخالات على جهة الرضاع؛ لعدم اتحاد لبن الفحل، وكذا الرجال بالنسبة إلى الأُنثى (4.)وذلك لأن الجامع بين المرتضع وبين مَنْ أرضعت من أرضعته، أو بين مَنْ أرضع بلبنه مَنْ أرضعته بلبنه هو اللبن الحاصل من كلّ منهما، والمفروض أن اللبن الحاصل منهما مختلف؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما ناشئ عن فحل غير الذي نشأ الآخر منه.وتبعه على ذلك المحقق الشيخ علي (رَحمهُ اللّه، وأيده بأنّ عمومات أدلة الرضاع وإن اقتضت أنْ أُمّ المرضعة من الرضاع جدة وعمّتها وخالتها عمة وخالة وهكذا بالنسبة إلى الفحل إلّا أن ما ورد من اشتراط اتحاد لبن الفحل خاص، والخاص مقدّم على العام، كما أنّ المرتضعين)
من الأجنبية كلّ منهما ولدها، وبموجب ذلك تتحقق الأخوة بينهما، فينبغي تحريم كلّ منهما على الآخر، ولكن اشتراط اتحاد الفحل قضى بعدم انتشار الحرمة بينهما لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى (1.)وما ذكراه ضعيف جداً، مخالف لظواهر فتاوى الأصحاب وعمومات الأدلّة.وما ذكره المحقق من الشرط المذكور وإن كان خاصاً كما ادعى إلّا أنّه لم يثبت عمومه لتلك الأفراد ؛ لعدم إمكان تخلّفها عن ذلك الشرط غالباً، بل هو وارد فيما يمكن اتحاد الفحل فيه وعدم اتحاده غالباً، وهم الإخوة من الرضاع دون غيرهم، كما هو المذكور في الروايات وكلمات الأصحاب.وكأن السرّ فيه أنّ الأصل في تحريم الرضاع هو التحريم في النسب، وفي النسب قد تكون أُخت أُخت الغلام أو أُخت أخيه غير محرّمةٍ عليه إذا كانت النسبة مختلفة من جهة الأُمّ ومن جهة الأب، فاعتبر اتحاد الفحل في الرضاع كي لا تختلف النسبة؛ إذ الفحل في الرضاع بمنزلة الأب في النسب، وهذا بخلاف الجدودة والأمومة، فإنّه لا يصح فيهما ذلك؛ لأنهما سبب في التحريم على الإطلاق.###### الثالث من مباحث الرضاعالثالث (2- من مباحث الرضاع :)قد عرفت أنّ المرتضع عند استكمال الشروط المتقدمة يصير بحكم الولد النسبي للفحل والمرضعة في انتشار الحرمة منه إليهما ومنهما إليه ومنه إلى أُصولهما وفروعهما ومَنْ في طبقتهما، سواء في ذلك النسب والرضاع - خلافاً للعلامة (رَحمهُ اللّه (3)- ومنهما إلى فروعه نسبا ورضاعاً، ولا تتعدى الحرمة منهما إلى أصوله أو مَنْ في طبقته؛ للأصل، ولعدم الدليل على ذلك، كما يجيء (4)إن شاء اللّه تعالى، فحكم مَنْ كان من أصوله أو في طبقته مع المرضعة والفحل وأُصولهما وفروعهما ومَنْ في طبقتهما حكم الأجانب، سوى ما يستثنى، كما يجيء (5)إن شاء اللّه تعالى.)
والأصل في هذا المقام أنّ المفهوم من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «للرضاع لحمة كلحمة النسب» (1)أن الرضاع مؤثر في المرتضع، وفيمن ارتضع عنده لحمة كلحمة النسب؛ لأنّ المرتضع هو المباشر للرضاع، والحكم من قبيل الوصف المشعر بالعلية، فيختص حكم النشر به.)وبالجملة، فالرضاع يُدخل المرتضعَ من قومٍ في قومٍ آخرين فيكون منهم، لا أنّه يُدخل قبيلة في قبيلة وكذا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (2)فإنّه يُفهم منه أن أثر الرضاع المحرّم إنّما هو بالنسبة إلى المرتضع ومن ارتضع عنده، وليس لأهله وقبيلته دخل في ذلك، وكذا الأخبار الخاصّة، فإنّ أكثرها واردة في خصوص المرتضع مع من ارتضع عندهم حلاً وتحريماً، فيُفهم منها أنّ المناط في الحل والتحريم هو ذلك.)وأيضاً فإنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» إما أن يراد به عموم ما للأفعال والأحوال والأوصاف المحرّمة في النسب، أو يراد به خصوص الموضوعات النسبية المحرّمة، ثمّ إمّا أن يراد بالتحريم تعلقه بخصوص النكاح، أو عمومه لكل فعل ووصف.)وعلى كلّ حال فليس في الخبر دلالة على إثبات وصف عنواني من أوصاف النسب يكون لاحقاً للرضاع من حيثية أنّه رضاع، وحينئذٍ فالمعلوم تحريمه من الأنساب إذا تحقق صدقه في الرضاع من تلك الأوصاف العنوانية المذكورة في النسب نحكم بتحريمه، وما شككنا في كونه محرماً في النسب، إما لعدم وجود وصفه العنواني فيه كم ولد الولد أو جدة الولد أو أُمّ الأخ وإن انحل بالأخرة إليه - أو انحصر في الوجود الخارجي فيه أو فيه وفي غيره من المحرمات لم يكن محرماً في الرضاع.وكذا ما شككنا في إثبات الرضاع لوصفه العنواني الذي لو ثبت لحرم بالنسب، كما إذا شككنا أن الرضاع مثبت لأبوّة الفحل لإخوة المرتضع، أو لأبوة أبي المرتضع لأولاد صاحب اللبين، أو لأخوّة إخوة المرتضع لأولاد صاحب اللبن عرفاً أو لغةً أو شرعاً، فإنه لا يُحكم بثبوت تأثير الرضاع فيه حرمةً ولا غيرها من الأحكام؛ لعدم القطع بثبوت الوصف العنواني فيه، والأصل عدمه، وكون أولاد أبي المرتضع إخوة له وهو قد صار أخاً لأولاد صاحب
اللبن وأخ الأخ أخ ممنوع، ولو سُلّم ذلك فلا نسلّم أنّ من عنوانات المحرمات النسبية الأُختية للأخ كي يسري مثلها إلى الرضاع.وبالجملة، فالمحرّم في النسب الأم والأخت والبنت والعمة والخالة وبنات الأخ أو الأخت، وحينئذٍ فما ثبت صيرورته في الرضاع كذلك عرفاً أو شرعاً حرم أيضاً، وما لم يثبت كذلك لم يحرم وإن عاد بالتحليل وقاعدة منع الخلو إليه أو إليه وإلى ما يحرم.وكذا القول في تحريم الرضاع بالمصاهرة، فإنّ المصاهرة الناشئة عن الرضاع إن كانت بمنزلة المصاهرة الناشئة عن النسب التابعة له أثرت تحريماً، وذلك كما إذا أثبت الرضاع نسباً يتفرع عليه حرمة المصاهرة؛ لأنّ حرمة المصاهرة متفرعة على ثبوت النسب، فإذا أثبت الرضاع البنتية تفرعت عليها حرمة أُمها، وإذا أثبت الولدية أو الوالدية تفرعت عليه حرمة نساء كلّ منهما على الآخر.وإن لم تكن بتلك المنزلة بل كانت ناشئةً عن الرضاع بالتحليل أو بمنع الخلو لم تؤثر تحريماً، وذلك كما إذا أثبت الرضاع أُماً للأخ أو جدة للولد، أو أُماً لولد الولد فإنّ هذه لا تحرم؛ لعدم تفرعها على النسب أو ما هو بمنزلته؛ لأنّ المحرّم زوجة الأب أو الولد أو أُمّ الزوجة أو بنتها، كما هو مذكور في الكتاب العزيز (1، وليس أُمّ الأخ أو أُمّ ولد الولد منها وإن اقتضى التحليل أو منع الخلو الرجوع إليها، ولو خلق اللّه خلقاً صيرهم إخوةً لنا لم يلزم علينا تجنّب أُمهاتهم لمكان كونهم إخوة.)وبالجملة، فالمحرّم علينا من الرضاع ما أثبته من كون الأنثى بنتاً، أو ما أثبته من كون الذكر ولداً، فتحرم الأولى وتحرم زوجة الثاني، ولو لم يثبت ذلك - كما إذا أثبت كون المرضعة ولد الولد - لم يحرم شيء بسبب ذلك؛ لعدم صدق كونها بنتاً عرفاً، وعدم صدق كونها زوجة ولد؛ لأن الزوجيّة والمصاهرة إنّما تنشأ عن النكاح، والمفروض عدمه، وغايته أنّ الرضاع أحدث ما يلائم المصاهرة ويشابهها من حيث أنّ أمّ ولد الولد تلائم وتشابه زوجة الولد والملائمة والمشابهة لا تقضى بالتحريم.لا يقال: إن الرضاع كما جعل الأجنبي ولدك بعد أن لم يكن فأجرى عليه أحكام الولدية.
1) النساء (4) : 23.
كذلك يجعل الأجنبية زوجة ابنك وإن لم تكن معقوداً عليها أو كانت زوجة آخر، بمعنى إجراء أحكام الزوجيّة عليها.لأنا نقول : ذلك إنّما حكمنا به بعد قوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فما ينزل منزلة ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع، ولم يقل: يحرم من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة، كي نحكم بأنّ ما ينزل منزلتها يكون محرّماً، وحينئذٍ فأُمّ الولد ممّا تلائم الزوجيّة لا عينها مصداقاً أو مفهوماً وإن كان الموجود الخارجي غالباً يقضي بالاتحاد.###### الرابع: عدم حرمة جملة من النساء بالرضاعإذا راعيت الضابطة المذكورة عرفت أنّ جملةً من النساء لا تحرم بالرضاع وإن أمكن رجوعها بالتحليل إلى ما يحرم:منها: أُمّ الأخ والأخت من الرضاع، فإنّها لا تحرم وإن كانت في النسب لا تخلو عن كونها أُمّاً أو زوجة أب، وذلك لعدم كونها من العنوانات المحرمة في النسب ولا في المصاهرة. نعم، تلائم ما يحرم بهما، على أن المصاهرة فيها غير متفرعة على النسب، وإنّما هي مشابهة لها، ومنشؤها نفس الرضاع.ومنها: أُمّ ولد الولد في الرضاع غير محرمة وإن كانت في النسب لا تخلو عن كونها بنتاً أو زوجة ولد؛ لعدم كونها من العنوانات المحرمة نسباً أو مصاهرةً أوّلاً وبالذات وإن عادت عند التحليل إليهما.ومنها: جدة الولد رضاعاً غير محرمة وإن كانت في النسب لا تخلو عن كونها أُمّاً أو أُمّ زوجة؛ لأنها ليست من العنوانات المحرمة نسباً ولا مصاهرة، وإن انحل إليهما بسبب الرضاع.ومن ذلك ما لو أرضعت الزوجة ولد ولدها فإنّها لا تحرم على زوجها من جهة صيرورتها جدة ولده برضاعها إيّاه، سواء كان ولد الولد من زوجها أو من غيره.ومنها: أُخت الولد في الرضاع غير محرمة ولو كانت في النسب لا تخلو عن كونها بنتاً أو ربيبة؛ لأنّها ليست من العنوانات المحرمة في النسب أو في المصاهرة، ولأن الربيبة بنت الزوجة، لا ما عاد التحليل الناشئ من منع الخلو إليها، فهي ملائمة ومشابهة للربيبة لا هي نفسها.نعم، يخرج عن هذا القانون خصوص أبي المرتضع مع أولاد صاحب اللبن، فإنه لا يجوز له أن ينكح في أولاد صاحب اللبن، لا لكونهم إخوة ولده؛ لعدم كونه مانعاً - كما قدمنا -
ولا لصيرورته أباً لهم؛ لمنع ذلك عرفاً وشرعاً، ولعدم تسليم صيرورة أب الأخ أباً؛ لعدم التلازم بينهما، بل للأخبار (1الخاصّة الدالّة على أن أب المرتضع لا ينكح في أولاد صاحب اللبن الشاملة لأولاده من تلك المرضعة أو من غيرها، والشاملة لأولاده النسبيين أو الرضاعيّين، والدالّة أيضاً على أنّه لا ينكح في أولاد المرضعة نسباً، أما رضاعاً فلا لعدم اتحاد الفحل هنا في الرضاع.)ومن الأخبار: الصحيح - أو كالصحيح - كتبتُ إلى أبي محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ: عن امرأةٍ أرضعت ولد)الرجل، هل يحلّ لذلك الرجل أن يتزوج ابنة هذه المرضعة أم لا؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا يحل له» (2).)وفي آخر إلى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ: امرأة أرضعت بعض ولدي، أيجوز لي أن أتزوج بعض ولدها ؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يجوز ذلك، لأن ولدها صار بمنزلة ولدك» (3).وفي ثالث عن أبي جعفر الثاني (عَلَيهِ السَّلَامُ: أنّ امرأةً أرضعت لي بنتاً، فهل يحلّ لي أن أتزوّج ابنة زوجها؟ - إلى أن قال: «لو كُن عشراً متفرقات ما حلّ لك منهنّ شيء، وكُن في موضع بناتك» (4).)وهي صريحة في تحريم أولاد الفحل مطلقاً.وعلى ما ذكرناه فلو أرضعت جدة الولد من أُمه الولد بلبن أبي الأُمّ حرم نكاحها وانفسخ، وكذا لو أرضعت الولد زوجة جده وكانت زوجة الأب بنت عمه حرمت أيضاً؛ لأنها من أولاد صاحب اللبن.ومنها: أخوات المرتضع ولادة ورضاعاً اللواتي لم يرضعن بلبن هذا الفحل لا يحر من على أولاد الفحل ولادةٌ ورضاعاً، ولا على أولاد المرضعة ولادةً، وبنات الفحل لا يحر من على إخوة المرتضع كذلك؛ للأصل، ولعدم الدليل، وصيرورة المرتضع أخاً لأولاد الفحل لا تقضي بصيرورة إخوته إخوة لهم، وصيرورتهم من جهة رضاعه إخوةً له لا تقضي بصيرورتهم إخوةً لإخوته، وليس أخ الأخ من العنوانات المحرمة في النسب، كي يسري تحريمها إلى الرضاع، على أن الإنسان في النسب لا يحرم عليه أخت أخيه التي لا من أُمه ولا من أبيه.
وغاية ما يُستدل به على التحريم ما مرّ (1من الأخبار الدالّة على أن أولاد الفحل بمنزلة ولد صاحب اللبن، فإذا كانوا من ولده صاروا إخوةً بعضاً لبعض، والعلة هنا منصوصة، وهي حجة في موضع الالتباس.)ويجاب عنه بأنّ تعدّي حكم منصوص العلّة مشروط بوجودها في المعدى إليه، وهنا ليس كذلك؛ لأن العلة كونهم بمنزلة ولده، فتسري لكلّ مَنْ كان بمنزلة ولده، ولا تثبت الأُخوة؛ لأنها غير منصوصة، إلّا بأن يقال: كلّ ما كان من ولده كان أخاً لولده، ويحرم التناكح بين الإخوة.وفيه: إنّ الظاهر أنّ عموم المنزلة إنما يراد به بالنسبة إلى الأحكام الجارية على الأب فقط. وأما إثبات الأخوة بين الأولاد فهو أمر آخر.وأيضاً فالحكم بأنّ كلّ ما كان من ولد الرجل فهو أخ لأولاده محلّ منع.وما يقال: إن النصّ لما دلّ على تحريم الأولاد على أب المرتضع، معللاً ذلك بأنهم بمنزلة أولاده لزم أن تكون الأولاد كالإخوة، وأنّه لمّا دلّت عمومات الأخبار على بنوة المرتضع للفحل لزم منها الأخوة من الجانبين؛ للتلازم بين البنوّة لصاحب اللبن وبين الأخوة لأولاده، ويمتنع انفكاك المتلازمين، ممنوع.أما الأوّل: فلما تقدّم.وأما الثاني : فلمنع التلازم بمنع الدلالة الالتزامية؛ لأنّ من شروطها اللزوم الذهني بالمعنى الأخص، وهو هنا منتف، أو بمنع التلازم أصلاً، فإنّ ثبوت بنوّة شخص لآخر إنما يقتضي ثبوت الأخوة لأولاده، لا ثبوت الأخوة لإخوة أولاده.والأحوط التجنّب عن التناكح بين أولاد أبي المرتضع ولادة ورضاعاً، وأولاد الفحل كذلك ولادة ورضاعاً، وكذا أولاد المرضعة ولادة.وفي الأخبار ما يشير إلى الكراهة.ففي الموثق: في رجل تزوج أُخت أخيه من الرضاعة، فقال: «ما أُحب أن أتزوّج أخت أخي من الرضاعة» (2.)
وفي آخر: عن الرجل يتزوج أُخت أخيه، قال: «ما أُحب له ذلك» (1.)ومنها: أخوات المرتضع لا تحرم على صاحب اللبن؛ للأصل، ولعدم الدليل على ذلك. وغاية ما يمكن أن يقال: إن أولاد الفحل لمّا كانوا بمنزلة أولاد أبي المرتضع كان أولاد أبي المرتضع إخوةً لأولاده، فكان بمنزلة أبيهم.وهو ضعيف؛ لمنع تعدّي العلة؛ لأنّ صيرورة أولاد الفحل بمنزلة أولاد صاحب اللبن لا تقضي بالعكس، وتوسيط الأخوة في تحقيق سبب الاقتضاء لا يساعده العرف ولا الشرع، على أنّه من الممكن أن يقال: إنّ صيرورة ولد الفحل بمنزلة ولد أبي المرتضع؛ لمكان كون أبيه أباً نسبياً، والأب النسبي أقوى علاقةً من الأب الرضاعي، فيمكن أن يجر أخوته من الرضاع إلى أبيه، فيكون أباً لهم، وهذا بخلاف الفحل؛ فإنّ أُبوّته رضاعيّة، فتضعف عن جرّ أولاد أبي المرتضع إليه كي يكون أباً لهم لأن أخوته لهم رضاعية.وبالجملة، فالقول بالتحريم - ركوناً إلى العلة المتقدمة في تحريم أولاد الفحل على أبي المرتضع - ضعيف؛ لمنع سريان التعليل إلى الفحل بالنسبة إلى أولاد أبي المرتضع لا مفهوماً ولا منطوقاً، إلّا بتوسط مقدّمةٍ ممنوعة عرفاً وشرعاً وإن كان الأحوط التجنّب؛ تفصياً عن شبهة الخلاف.ومنها: جدة المرتضع النسبيّة لا تحرم على صاحب اللبن؛ للأصل.وغاية ما يمكن أن يقال: إنّها تصير جدة ولده، وجدة الولد إما أُمّ أو أُمّ زوجةٍ.وفيه: إنّ انحلالها في الوجود الخارجي إلى هذين الفردين غير قاض بتحريمها بعد الحكم بأنّها لم تكن عنواناً من العنوانات المحرمة في النسب أو المصاهرة.وغاية ما يمكن أن يقال: إن مفهوم ما دلّ على أن أولاد الفحل بمنزلة ولد أبي المرتضع (2- لأنّهم إخوة ولده، وأُخت الولد إما بنت أو ربيبة - دال على أنّ جدّة الابن بمنزلة أُمّه أو أُم زوجته؛ قضاء لحق التنزيل.)وهو ضعيف؛ لمنع الأصل والمقيس عليه، ولو صح مثل هذا التنزيل للزم منه تحريم نساء ليس لها في الأخبار والفتاوى عين ولا أثر.
والاعتذار بأنه ليس من القياس، بل هو من قبيل التنبيه بجزئي من كلّيّ على حكم كلّي آخر، لا وجه له؛ لمنع حصول التنبيه من ذلك، فهو إما قياس أو أسوأ منه.وعلى كلّ حال فلا بأس بنكاح الفحل بأم أُمّ المرتضع ولادة أو رضاعاً، ولا بأس بنكاح أبي المرتضع بأُمّ أُمّ المرضعة ولادة أو رضاعاً.ومنها : ما نُقل عن العلّامة من تحريم الزوجة على زوجها إذا أرضعت أخاها؛ لصيرورة الزوجة أُخت ولده، وكذا لو أرضعت ابن أختها؛ لصيرورتها خالة ولده، وكذا لو أرضعت ولد أُخت الزوج لصيرورتها أُمّ ولد أخته، فهي بمنزلة الأخت، وكذا لو أرضعت بنت ولدها أو ولد بنتها؛ لأنها تصير جدة ولده، وكذا لو أرضعت أُمّ الزوج ولده؛ لصيرورتها أُمّ أخيه وأُمّ الأخ محرمة (1.)وهذه على الأصل الذي حرّرناه لا وجه لتحريمها، سيما وإن بعضها لا تقبل التنزيل إلّا على وجه ضعيف لا يعتد به.الخامس: فيما ذهب بعض الأصحاب إلى عموم تنزيل الرضاع منزلة النسبالخامس: ذهب بعض أصحابنا (2إلى عموم تنزيل الرضاع منزلة النسب، بناءً منهم على شمول قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «للرضاع لحمة كلحمة النسب» (3)و «يحرم من الرضاع يحرم من النسب» (4)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تعليل عدم نكاح أبي المرتضع في أولاد صاحب اللبن بأنهم بمنزلة ولده (5)لكلّ ما ينزل في الرضاع منزلة ما يحرم من الأنساب، سواء كانت من الأفراد المعدودة في الكتاب المجيد أو لم تكن كما إذا كانت ملائمة لها، أو تنحل إليها، أو تلازمها في الوجود الخارجي، فينزل الرضاع نسباً، فيجرّ كلاً من المرتضع وأقاربه ومن انتسب إليه نسباً أو رضاعاً إلى الفحل والمرضعة وأقاربهما ومن انتسب إليهما نسباً أو رضاعاً، وهو معنى كونه «له لحمة كلحمة النسب» و «يحرم به ما يحرم من النسب» وهو الذي يقتضيه التعليل؛ لأنّ صيرورة أولاد المرضعة أولاداً لصاحب اللبن تقتضي أن أولاده إخوة لأولاده، وأن صاحب)
اللين أيضاً أب لأولاد أبي المرتضع، وأن إخوة كلّ منهما وأخواتهما أعمام لأولاد كلّ منهما. وأخوال كلّ واحدٍ منهما أخوال لأولاد الآخر، وهكذا، فتجري أحكام النسب بينهما وأحكام المصاهرة وغيرهما.وفي هذا المذهب ضعف ظاهر؛ لمخالفته فتاوى الأصحاب وعملهم وسيرة الإمامية خلفاً عن سلف.وما استند إليه من خبر اللحمة لم نجده في أخبارنا المعتبرة، ولو سلم فهو منصرف لما كان بين المرتضع وبين المرتضع عنده، وكذا قوله: يحرم من الرضاع يحرم من النسب» إنما ينصرف إلى المرتضع ومن ارتضع عنده ويختص بالمحرمات النسبية المعدودة، فما تحقق مثلها في الرضاع حرمت وإلا فلا.ولا عبرة بما يلائم النسب أو ينحل إليه أو يساويه بحسب الصدق في الوجود الخارجي؛ لعدم دخوله تحت العموم، وعدم دليل يدلّ عليه بالخصوص وكفى خلوّ الأخبار عن بيان ذلك. وعدم تعرض أصحاب الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ لما هنالك بعدم كونها منشأ للتحريم وسبباً لنشر الحرمة.)وأما ما ذكره من التعليل فهو عليل؛ لأنّ غاية ما تقضي به العلة إنما هو سريانها لمن وجدت فيه قطعاً أو كان بها أولى، ولا تقضي بثبوت حكمها لما شابهها ممّا يصلح أن يكون علة أخرى، إلّا مع ثبوت التلازم بينهما شرعاً أو عرفاً، والتلازم هنا ممنوع؛ لأن ولدية أولاد الفحل لأبي المرتضع ليس لازماً بيناً لأخوية أولاده لهم، ولا لعمومية إخوته لهم.نعم، إنما تلازم أبويته لهم، ولا نسلّم أنّ كلّ أب لقوم تكون إخوته أعمامهم وأولاده إخوتهم؛ لعدم كونها قضيّةً شرعيّةً أو عرفيّةً قطعيةً وإن اتفق عدم وجود خلافه في الوجود الخارجي غالباً، وحينئذٍ فيكون ذلك قياساً أو أضعف من القياس؛ لأنه من باب الانتقال من لازم إلى لازم لم تتحقق بينهما ملازمة، ولا يرتكبه أحد، فأخت أبي المرتضع لا تكون عمة. وزوجته لا تكون أُمّاً، وأُمّه لا تكون جدةً، وهكذا، كالربيبة، فإنها لا تحرم على أخي الزوج ولا ولده وإن كانت بمنزلة البنت.وبالجملة، فالمحرم النسبي إن حصل مثله في الرضاع حرم كالأم مثلاً، وإلا لم يحرم كام الأخ وإن عادت بحسب الوجود الخارجي إليها وإلى زوجة الأب، وذلك لعدم دليل دال على تحريم أم الأخ، وعدم كونها عنواناً من العنوانات المحرمة في الكتاب والسنّة، والأصل عدم التحريم.
###### السادس: في أنه يحرم من المصاهرة في الرضاع ما يحرم في النسبيحرم من المصاهرة في الرضاع ما يحرم في النسب؛ للإجماع بقسميه (1، ولعموم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (2)ومن جملة يحرم من النسب المصاهرة. ولخصوص بعض الأخبار الآتية (3)- إن شاء اللّه تعالى - فيما إذا أرضعت زوجته زوجته الصغيرة.)والمراد بالمصاهرة المحرّمة في الرضاع هي المصاهرة المترتبة على ما أثبته الرضاع من النسب، سواء كان رضاعاً عن رضاع، أو نسباً عن رضاع، أو رضاعاً عن نسبٍ، إلّا فيما يختلف الفحل فيه بالنسبة إلى المتراضعين.وأما المصاهرة الناشئة عن نفس الرضاع المنزلة منزلة المصاهرة، كتنزيل المرضعة منزلة الزوجة؛ لصيرورتها أُمّ ولده، وأُختها منزلة أُخت الزوجة، وأُمها منزلة أُم الزوجة، وهكذا، فهذه لا اعتبار بها، ولا دليل على تحريمها سوى ما يتخيّل من عموم المنزلة الناشئ من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (4).)وفيه ما عرفت أنّه قد خص النسب دون المصاهرة، فيكون معناه: ما يحرم من النسب يحرم من المصاهرة، والمصاهرة النسبية هي ما ترتبت على النسب من الأفراد المحرمة المعدودة، والمصاهرة الناشئة عن الرضاع ليست من المصاهرات النسبية وغير داخلة في عنوانها، وإنّما تلائمها ملائمة أو تنحل إليها بالأخرة.وبالجملة، فالمحرم من المصاهرة هي بنت الزوجة المنكوحة المدخول بأُتها، وأُمّ الزوجة مطلقاً، لا أُخت الولد الناشئ من الرضاع، ولا أُمّ أُمّ الولد الناشئ منه، فإنّها ليست من المصاهرة في شيء.###### السابع: في أن الرضاع كما يمنع النكاح لو سبق عليه يُبطله لو لحقهالرضاع كما يمنع النكاح لو سبق عليه يبطله لو لحقه؛ للإجماع بقسميه (5، وللأخبار الخاصّة الآتية إن شاء اللّه تعالى ولدخول الزوجة تحت العنوانات المحرّمة فيتبدل الموضوع فينقطع الاستصحاب، فلو أرضعت زوجته الصغيرة أُمه أو زوجة أبيه من)
لبن أبيه أو جدته من أبيه أو جدته من أُمه أو زوجة أخيه من لبن أخيه أو أُخته انفسخ نكاحها؛ لصيرورتها أُخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه أو بنت أُخته.وكذا لو أرضعت أُمّ الزوجة ولدها بلين أبيها، حرمت الزوجة على زوجها.وكذا لو رضعت زوجته الصغيرة بلبن الفحل، إلى غير ذلك.ويجري الحكم في الرضاع كما يجري في النسب، كما إذا أرضعت أُمه من الرضاع زوجته الصغيرة بلبن فحل واحد، وكذا جدته منه، وكذا أخته منه، وكذا امرأة أخيه منه بلبن أخيه منه، وهكذا.ويجري على القول بعموم التنزيل ما يجري على ما ذكر، كما إذا أرضعت زوجته الصغيرة أُمّ أبي ولده المرتضع، ونحو ذلك.وهل يحرم هذا النحو من الرضاع مطلقاً، أو لا يحرّم مطلقاً، أو يحرم فيما إذا استلزم ضرراً على الغير دون ما لا يستلزم، أو يحرّم مع عدم إذن الزوج ولا يحرم لو كان بإذنه ؟ وجوه أقواها ثالثها؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا ضرر ولا إضرار» (1).)وعلى أي تقدير فلو حصل الرضاع المحرّم فلا يخلو من أن يكون بفعل الصغيرة من دون شعور المرضعة بها، أو يكون بفعل الكبيرة.ثمّ إنّه إما على وجه الاختيار، أو على وجه الإكراه والاضطرار، أو يكون بفعلهما معاً، بمعنى أنّ الصغيرة تتولّى الإرضاع بنفسها مع شعور الكبيرة والقدرة على منعها فلا تمنعها عن ذلك.فإن كان بفعل الصغيرة وكان قبل الدخول أو كان بعده وقلنا: إن الدخول بالصغيرة لا أثر له في استقرار المهر، فالأقوى حينئذٍ : عدم ثبوت شيءٍ في ذمة الزوج، سواء كان المهر مسمّى أو كانت مفوّضةً؛ للأصل، ولعدم استيفاء البضع فهو كتلف المبيع قبل قبضه، ولمجيء الرضاع من قبلها، فهو كالفسخ من قبلها لا تستحق معه شيئاً، كما إذا ارتدت.ويحتمل ثبوت المهر لها أجمع لملكها له والأصل بقاؤه، ولأن فسخها لعدم قصدها كلا فسخ.ويحتمل ثبوت نصفه إلحاقاً له بالطلاق.
1) وسائل الشيعة 25 : 428 - 429، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، ح 3.
ويقوى احتمال السقوط في المفوضة.ويضعف احتمال ثبوت مهر المثل أو نصفه؛ لأن التفويض بمنزلة الهبة.ولا بأس بخلق العقد عن المهر إذا لم يتعقبه دخول، وثبوت المتعة في الطلاق إنما قضى به الدليل، ولذا لم يثبت للمفوضة مع الموت شيء من مهرٍ أو متعة.وإن كان بفعل الكبيرة أو بفعل غير المرضعة اختياراً منها أو اضطراراً، لزم لها المهر على الزوج؛ لعدم استناد الفسخ إليها، فإن كان المهر مسمّى لزمه النصف إلحاقاً له بالطلاق.ويقوى لزوم الكل؛ لوجوبه بالعقد، والاستصحاب يقضي ببقائه، وتنصيفه بالطلاق؛ للدليل، ولأنّ الفسخ لم يجى من قبلها.وإن كانت مفوّضةٌ، احتمل ثبوت المتعة لها إلحاقاً بالطلاق، واحتمل سقوط المهر أصلاً؛ للأصل، ولعدم ثبوته، فهو كالهبة المجانية قبل استيفاء شيءٍ من البضع، واحتمل ثبوت مهر المثل أجمع، واحتمل ثبوت نصفه.والأظهر سقوط المهر والمتعة.ولو كان بفعل الكبيرة والصغيرة معاً، أو بفعل ثالث على وجه الإلجاء أو الإكراه، فالأظهر ثبوت المهر لها مع التسمية كلاً أو بعضاً، وعدمه مع التفويض.وعلى كلّ تقدير فلو غرم الزوج المهر في مقام تثبت عليه غرامته، فإن كان الرضاع بفعل الصغيرة فلا غرامة، وإن كان بفعل الكبيرة، فإن كانت ملجأةً أو مكرهةً فلا رجوع عليها قطعاً.وهل يرجع على المكره، أو لا يرجع على أحدٍ؟ وجهان، الأقوى الأوّل.وإن كانت بأمر الشارع؛ لاضطرار المرتضع إلى الرضاع، ففي ثبوت الغرامة عليها وجهان ينشآن ممّا دلّ على ضمان البضع بالتفويت - كما سيجيء (1إن شاء اللّه تعالى - ومن أنّها محسنة، و(ما عَلَى المُحسِنِينَ مِن سَبِيل) (2)وأنها أرضعت بإذن الشارع، وإذن الشارع بالإتلاف رافع للضمان، كما يُفهم من استقراء الموارد وإن لم يكن بين الإذن الشرعيّة والضمان منافاة.)
وإن لم تكن ملجأة ولم ترضعه بأمر الشارع، ففي رجوع الزوج عليها وجهان ينشآن من ضمان البضع بالتفويت وعدمه، فإن قلنا بضمانه كالأموال لمقابلته بالمال في النكاح والخلع، ولعدم احتسابه على المريض لو نكح بمهر المثل؛ لعدم تفويته شيئاً من دون عوض، وكذا المريضة المختلعة بمهر المثل، ولضمانه للمسلمة المهاجرة مع كفر زوجها، وبالشهادة بالطلاق ثم الرجوع عنها ضمنت المرضعة للزوج ما غرمه.وهل تغرم مطلقاً، أو مع قصد الإفساد؟ قيل بالأوّل (1لأنه مع الضمان يكون كإتلاف الأموال، ولا يتفاوت الحال فيه بين قصد الإفساد وعدمه.)وقيل بالثاني (2لأنها مع عدم قصد الإفساد غير متعدية، كمن حفر في ملكه بئراً فتردى فيها مترد، ولأنّها محسنة إلى الرضيعة (و مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ) (3).)وهو ضعيف؛ لمنع حصول الإحسان الموجب لعدم الضمان، وللفرق بين الحافر للبئر في ملكه وبين المرضعة؛ لعدم مباشرة الأوّل للإتلاف دون الثانية.فالأقوى الضمان، ولكن ظاهر الفقهاء أنّ الضمان للمهر، ومقتضى ما ذكرنا أن الضمان للبضع وقيمة مهر المثل.وإن قلنا بعدم ضمانه؛ لأنّ منفعة البضع لا تُضمن بالتفويت؛ للأصل، ولعدم شمول دليل الضمان له؛ لعدم دخوله تحت اليد، ولعدم شمول دليل «مَنْ أتلف مالاً» (4له؛ لعدم كونه مالاً، فيكون كما لو قتلت الزوجة نفسها أو قتلها قاتل أو منعت الزوج عن الوطء أو زنت أو أباحت بضعها لغيره ونحو ذلك، فإنّه لا غرامة عليه؛ لأنه لم يفوت على الزوج مالاً، وثبوت المهر سببه العقد لا الرضاع، على أنا لو قلنا بثبوت الغرامة فإنّما يغرم قيمة البضع لا المسمّى من المهر.)وإن كان بفعل الكبيرة والصغيرة كما إذا رضعت فلم تمنعها ولم تعنها - فالأظهر ثبوت المهر لها؛ لعدم انفرادها بسبب الفسخ وتلزم الكبيرة بغرامة النصف لمكان الاشتراك في التفويت مع احتمال غرامة الكلّ؛ لأنّ تمكين الكبيرة بمنزلة المباشرة؛ لعدم تمييز الصغيرة.
ويحتمل عدم غرامتها شيئاً؛ لأنّها بمنزلة مَنْ أتلف ماله، فلم تمنعه من إتلافه.ولو اشتركا في الرضاع اشتراكاً حقيقياً بحيث استند الفعل إلى كلّ منهما حقيقةً، فالأوجه ثبوت غرامة النصف على الكبيرة.ولو كانت المرضعة زوجةً كبيرةً ولم تشعر برضاع الصغيرة، فإن كان الرضاع بفعل الصغيرة ضمنت مهر الكبيرة في مالها وإن لم يقع من الصغيرة قصد؛ لأن الضمان لا يتبع القصد مع احتمال عدم الضمان؛ لعدم الشعور، أو لعدم ضمان البضع.ومع الضمان فهل يرجع على الصغيرة بنصف المهر؛ لأنّه كالطلاق، أو بكله؛ للأصل؟ وجهان، وقد تقدم مثلهما.ولو أرضعت الكبيرة الصغيرة عشر رضعات مع القصد أو أزيد ثم رضعت الصغيرة منها خمساً من دون شعور، احتمل ترتب التحريم على الجزء الأخير من العلة، فيكون كما لو كانت غير مشعرة بالجميع، واحتمل التقسيط فيسقط ثلث مهر الرضيعة بسبب فعلها، أو ثلث نصف المهر؛ لوجود الفرقة قبل الدخول ويسقط ثلثا مهر الكبيرة بفعلها، فإن كانت غير مدخول بها سقط الباقي ؛ لأنه ثلث، وإن كانت مدخولاً بها ثبت لها الثلث ويغرم الزوج للصغيرة سدس مهرها، ويرجع به على الكبيرة.ويحتمل سقوط سدس مهر الصغيرة بفعلها والنصف بالفرقة فيثبت لها الثلث، فتغرم الكبيرة ثلثه وسقوط ثلث مهر الكبيرة بفعلها، والنصف بالفرقة فيثبت لها السدس وتغرم الصغيرة سدسه إن كان قبل الدخول، وأمّا بعد الدخول فيثبت لها الكلّ، والغرامة على الصغيرة على الأظهر.###### الثامن: بيان المراد من حرمة المصاهرة بالرضاعالثامن: بيّنا أن المصاهرة تحرم بالرضاع كما تحرم بالنسب، والمراد بها المصاهرة الناشئة عن النسب بسبب الرضاع لا المصاهرة الناشئة عن نفس الرضاع تنزيلاً له منزلة المصاهرة، فتحرم زوجة الولد الرضاعي وزوجة الأب الرضاعي وأُم الزوجة من الرضاع وأُختها من الرضاع وبنتها من الرضاع إذا كانت مدخولاً بها، وهكذا.وبينا أيضاً أن الرضاع كما يحرم سابقاً يحرم لاحقاً، سواء في ذلك النسب أو المصاهرة. وحينئذٍ فلو أرضعت زوجة الكبير زوجها الصغير بعد طلاقها ونكاحها الصغير، أو الذي
كانت زوجته سابقاً فانفسخ نكاحها منه بلبن الكبير حرم الكبير مؤبداً؛ لأنها زوجة ولده. والصغير مؤبداً؛ لأنّها زوجة أبيه، وابنها أيضاً.ولو كان له زوجتان صغيرة وكبيرة، فأرضعت الصغيرة بلبنه، حرمتا أبداً؛ لصيرورة الكبيرة أُمّ زوجته، والصغيرة بنته.وإن أرضعتها من غير لبنه، فإن دخل بالكبيرة حرمتا أبداً؛ لأن الكبيرة أُم زوجته، والصغيرة ربيبته قد دخل بأمها، وإن لم يدخل لم تحرم الصغيرة وإن انفسخ نكاحهما؛ لمكان الجمع، وكان له تجديد العقد على الصغيرة.ثمّ إنّ الكبيرة إن دخل بها استقرّ مهرها على الزوج، وإن لم يدخل بها سقط مهرها؛ لحصول الفسخ من قبلها إذا كان الإرضاع من جانبها، فإن كانت مكرهةً من الصغيرة أو من غيرها لم يسقط، وعلى المكره غرامة المهر، وأمّا الصغيرة فتستحق المهر كملاً إذا لم تتول الإرضاع بنفسها، وإلا لم تستحق شيئاً.وقد يحتمل لزوم غرامة المهر للزوج من الكبيرة إذا حصل الفسخ من قبلها بعد الدخول؛ لما ذكروا من لزوم المهر عليها للزوج المطلق لها إذا ادعى الرجوع بها في العدة فأنكرت وادعت الرجوع بعدها فحلفت على ذلك فتزوجت غيره ثمّ أكذبت نفسها فأقرت للأوّل فإنّه يلزمها دفع المهر للأوّل وإن لم يمض إقرارها على الثاني.وهو ضعيف؛ لإمكان الفرق بينهما باعتبار أنّ إقرارها مثبت للزوجيّة الدائمية وقد حالت بينه وبينها باليمين فدفع المهر؛ لمكان الحيلولة بخلاف الرضاع، فإنّه فاسخ للزوجيّة من أصله.وقد يضعف الفرق بأنّ الحيلولة متحققة على كلّ حالٍ، إلّا أنّه قد يتوقع زواله في الإقرار، كما إذا طلقها الزوج فإنّها تعود إليه، بخلاف الرضاع، فإنّه مستمر دائمي فهو فهو أولى بالغرامة؛ لأن الحيلولة فيه أقوى.ولو أرضعت الزوجة الكبيرة لشخص زوجتين صغيرتين، فإن كان بلبنه حرم الجميع؛ لصيرورة الكبيرة أُم زوجتيه، والصغيرتين بنتيه من دون تفاوت بين كون رضاعهما دفعة أو تدريجاً.
وإن كان بلبن غيره فإن دخل بالكبيرة حرم الجميع أيضاً؛ لصيرورة البنتين ربيبتيه من أُمّ مدخول بها من دون تفاوت أيضاً بين كون الرضاع دفعة أو متعاقباً.واحتمال أن رضاع الصغيرة الثانية قد وقع بعد زوال الزوجيّة من الكبيرة فلا تكون بنت زوجته؛ لاشتراط بقاء المبدإ في صدق المشتق، ضعيف؛ لمنع الاشتراط أولاً، ومنع ترتب المنع على صدق الزوجيّة بالفعل، بل الظاهر من الفقهاء ها هنا أن بنت الزوجة مطلقاً - سواء تقدمت زوجيتها أو تأخرت أو قارنت كالموطوءة شبهةً وهي زوجة - تحرم مع الدخول بأمها، والرضاع كالنسب.وإن لم يدخل بالكبيرة، فإن أرضعتهما دفعةً انفسخ عقد الجميع قطعاً؛ لعدم إمكان الترجيح من دون مرجح، وعدم إمكان الجمع، فليس إلّا أن ينفسخ عقد الجميع؛ لأنهما يكونان بمنزلة العقد الابتدائي على الأم والبنت، وتحرم الكبيرة مؤبداً، وله تجديد العقد على من يشاء من الصغيرتين.وإن أرضعتهما متعاقباً، انفسخ نكاح الكبيرة والأولى خاصةً وبقي عقد الأخيرة؛ لأنّه لم يصادف كونها أُماً إلّا بعد انفساخ عقدها، فلم يتحقق الجمع المحرَّم، ولا يجوز أن يتزوّج بالأُولى إلّا بعد مفارقة الثانية؛ لمكان لزوم الجمع بين ا الأُختين.ولو كان لرجل زوجتان وزوجة رضيعة فأرضعتها الزوجة الأولى، حرمت الكبيرة مطلقاً، وحرمت الصغيرة إن كان الرضاع بلبنه أو كانت مدخولاً بها.وهل تحرم الكبيرة الثانية، كما هو المشهور والموافق للاحتياط؛ لصيرورتها أُم زوجته وإن انفسخ عقدها إما لعدم اشتراط بقاء المبدإ في الاشتقاق، أو لعدم التفاوت في تحريم أُمّ الزوجة بين سبق الأمومة على الزوجيّة وبين لحوقها؛ لأنّ الرضاع كالنسب، ولو أمكن فرض ذلك في النسب لثبت التحريم، أو لا تحرم؟ للأصل؛ ولخروج الصغيرة بإرضاع الأولى عن الزوجيّة إلى البنتية وأُمّ البنت غير محرّمةٍ، ولرواية علي بن مهزيار عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ؛ حيث خطأ ابن شبرمة في قوله بتحريم الجارية وامرأتيه، فقال: «حرمت الجارية وامرأته التي أرضعتها أولاً، وأما الأخيرة فلم تحرم عليه، لأنها أرضعت ابنتها - أو بنته - » (1)كما في أخرى.)
1) وسائل الشيعة 402:20 - 403، الباب 14 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1.
وفيه نظر؛ لأن خروج الصغيرة إلى البنتية غير مُجدٍ بعد أن كانت زوجة، والرواية ضعيفة السند بصالح بن حماد، ومع ذلك فلا تخلو من إرسال؛ لأن المراد بأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ إن كان هو الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)- كما هو المعروف في إطلاق «أبي جعفر» ولمقابلة قول ابن شبرمة له - فابن مهزيار لم يدركه، وإن كان الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمع عدم انصراف الكنية إليه إنّ الرواية قد تضمنت «قيل له» وهو إن لم يكن ظاهراً في عدم السماع غير ظاهر في السماع الرافع للإرسال.)ولا فرق في الحكم المتقدم بين كون الكبيرتين زوجتين بالفعل أو كانتا مطلّقتين؛ لبقاء معنى الزوجيّة بعد الفراق.نعم، لو طلّق الكبيرتين قبل أن يدخل بهما ثمّ أرضعتا الصغيرة بلبن غيره لم تحرم الصغيرة؛ لصيرورتها بنت مَنْ لم يدخل بأمها، فلو طلّق زوجته فأرضعت زوجته الصغيرة بلبنه أو بلبن غيره بعد الدخول بها حرمنا جميعاً؛ لأنها بنت زوجةٍ مدخول بها، ولا يجدي كونها مطلقة.ووافقنا على ذلك المحقق وإن خالف في الأولى (1، وكأنه للرواية (2).)ولو كانت له أمة يطؤها فأرضعت زوجته الصغيرة بلبنه أو بلبن غيره حرمتا؛ لصيرورة الأمة أُم زوجته، والصغيرة بنته أو ربيبته المدخول بأتها.وإن كانت الأمة غير مدخول بها، حرمت هي دون الصغيرة، ويلزم الزوج بمهر الصغيرة عند انفساخ عقدها، ولا يرجع به على أمته؛ لأنّ المولى لا يملك في ذمة عبده شيئاً.قيل: ما لم تكن مكاتبةً مطلقةً أو مشروطةً استحق الرجوع عليها؛ لصيرورتها بحيث يثبت عليها مالاً، ولانقطاع سلطنته عنها (3.)وفيه نظر؛ لمنع جواز تعلّق الغرامة بذمتها مطلقاً وإن جاز لمولاها أن يأخذ من مال الكتابة ما ضمنته، ويرجع به على أمة غيره ولكن بعد زوال الرقية عنها؛ لعدم امتناع اشتغال ذمة عبد شخص لآخر، واحتمال ضمانها في كسبها بعيد.ولو كان لاثنين زوجتان: صغيرة وكبيرة فطلق كلّ منهما زوجته فتزوج بالأخرى، ثمّ
أرضعت الكبيرة الصغيرة، حرمت الكبيرة عليهما، وحرمت الصغيرة على من دخل بالكبيرة، ووجهه ظاهر ممّا تقدم.ولو زوج ابنه الصغير بابنة أخيه الصغيرة ثم أرضعت جدتهما أحدهما انفسخ نكاحهما؛ لأنّ الجدة إن كانت للأب وكان المرتضع الذكر فإنّه يصير عماً لزوجته؛ لأنه صار أخا أبيها لأمه من الرضاع، وإن كان المرتضع الأنثى فإنها تصير عمةً لزوجها؛ لأنها أُخت أبيه لأمه. وإن كانت للأُمّ، كما إذا كانا ولدي عمّ، فإن كان المرتضع الذكر فإنه يصير خالاً لزوجته؛ لأنه صار أخا أنها من الأم من الرضاع، وإن كان المرتضع الأنثى فإنها تصير خالة لزوجها؛ لأنها أُخت أمه من الرضاع.ولو كان له زوجتان كبيرة وصغيرة، فأرضعت أُم زوجته الكبيرة زوجته الصغيرة، انفسخ نكاحهما معاً؛ لصيرورتها أُختاً لزوجته الكبيرة، ويحرم الجمع بين الأختين.ولو أرضعت الصغيرة جدة الزوجة الكبيرة أو أختها، فإشكال ينشأ من أنّ رضاع جدة الكبيرة يصيّر الصغيرة عمّةً لزوجته الكبيرة إن كانت جدة لأبيها، أو خالةٌ إن كانت جدة لأمها، أو يصيّر الكبيرة خالةٌ للصغيرة إن كانت المرضعة أُختها، فيقضي بانفساخ عقدهما؛ لمكان الجمع بين العمة وبنت الأخ أو الخالة وبنت الأخت، وهو منهي عنه (1، و ومن المنع من انفساخ النكاح بمجرد هذه النسبة؛ لأنه لو أذنت العمة أو الخالة، أو تقدم عقد بنتي الأخ والأُخت ورضيت العمة أو الخالة، جاز الجمع، ولم يقم دليل على منع الجمع ها هنا، فيستصحب الحكم السابق.)والأوجه أن يقال: إنّ الرضاع قد سبّب الجمع بين العمّة أو الخالة وبين بنت الأخ أو الأخت في زمنٍ واحد بعد أن لم يكن كذلك، والجمع بينهما كذلك مبطل لأثر العقد من دون رضى العمة أو الخالة، كما لو عقد عليهما دفعةً، وحينئذٍ فيبقى عقدهما موقوفاً في الاستدامة كالابتداء، فإن رضيت إحداهما - كما لو أرضعت الصغيرة أخت الكبيرة فصارت الكبيرة خالتها، أو أرضعت امرأة أخي الكبيرة تلك الصغيرة فصارت الكبيرة عمتها - مضى عقدهما ولا فسخ، وإن لم ترض كان لهما فسخ عقد الصغيرة أو فسخ عقدها، وإن كانت إحداهما هي
1) راجع وسائل الشيعة 20 : 487 وما بعدها الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها.
الصغيرة بحيث لا يعتبر رضاها انفسخ عقدهما؛ لعدم إمكان تحقق الرضى وعدم جواز الجمع، أو يبقى عقدهما موقوفاً إلى بلوغهما، وذلك كما لو أرضعت الصغيرة جدة الكبيرة لأبيها أو أمها بحيث صارت الصغيرة عمة أو خالةٌ.ولو قلنا بأن العقد على العمة أو الخالة وعلى بنت الأخ أو الأُخت دفعةً يقع باطلاً، اتجه ها هنا البطلان من حين الرضاع كالجمع بين الأختين في الرضاع فيما إذا أرضعت الكبيرة زوجتيه الصغيرتين؛ لعدم إمكان الترجيح، وعدم جواز الجمع.###### التاسع: حكم ما إذا ادعى أحد الزوجين الرضاع المحرّمالتاسع: إذا ادعى أحد الزوجين الرضاع المحرم فإن كان المدعي هو الزوج، فإما أن يمكن وقوع دعواه عادةً أو لا يمكن، فإن لم يمكن من جهة سنّه أو سن المرضعة أو سنّ مَن ار تضع معه أو من جهة مكان أو غير ذلك، لم تُقبل دعواء قطعاً، ولا يؤخذ بإقراره، وإن أمكن سمعت دعواه وقبل إقراره، كما لو ادعى ذلك قبل التزويج.فإن كذب نفسه بعد الإقرار لم يُسمع تكذيبه؛ لعموم «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1.)فإن ادعى أمراً محتملاً في الإقرار عادةً - كما يقول: أخبرتني أُمّي بالرضاع - وبعد ذلك تبين عدم إكمال النصاب أو نحو ذلك، ففي سماع دعواه وجهان، وظاهر الأصحاب عدم جواز السماع، ومضي الإقرار عليه.ولو قيل بجواز سماعها لكان أوجه؛ لأنه أمر لا يُعلم إلّا من قبله، وللزوم العسر والحرج لولاه.والفرق بين تكذيبه لإقراره الأوّل بعد التزويج فيُسمع وبين ما كان قبله فلا يُسمع، ولا يجوز له الدخول بها، قوي.ثم إذا لم يكذب نفسه ومضى على إقراره بالرضاع، فإن كان قبل الدخول وصدقته زوجته على تلك الدعوى فلا مهر ولا متعة؛ لانتفاء النكاح.وإن كذبته فإن أقام بيّنةً حكم له بها، وإن لم يكن له بينة حكم عليه بالحرمة، مؤاخذة له بإقراره، ولا يُقبل قوله بالنسبة إلى الزوجة، بل لها المهر المسمّى كملاً؛ لأنّه فرقة من قِبَل الزوج قبل الدخول فتستحق المهر بالعقد، وتنصيفه بالطلاق للدليل.ويحتمل أن لها النصف إلحاقاً بالطلاق، وهو قوي.
1) تقدمت تخريجه في ص 80 الهامش (2).
وإن ادعى عليها العلم كان له اليمين منها على نفيه، فإن لم تحلف أو ردّت عليه اليمين فحلف سقط عنه المهر.وهل اليمين المردودة هنا بمنزلة البينة فتجري عليها أحكام الرضاع أجمع، أو بمنزلة الإقرار فيجري عليها أحكامه؟ وجهان.ولا يبعد أنّها هنا بمنزلة الإقرار فيما يتعلّق بالزوج خاصةً، ولا يجري عليها جميع أحكام الرضاع.وإن كان بعد الدخول فإن صدقته على أنها عالمة بذلك سابقاً فهي بغي لا مهر لها. وإن لم تكن عالمةً سابقاً وإنّما تجدّد لها العلم، كان لها مهر المثل؛ لأنه قيمة البضع عند استيفائه بغير عقد، ولأصالة عدم ثبوت المسمّى؛ لتبعيته للعقد والمفروض فساده.وقيل: إن لها المسمّى (1: لوقوع التراضي عليه في العقد، فكان العقد كالصحيح المقتضي لتضمين البضع بما وقع عليه التراضي.)وهو ضعيف. ولو قيل بلزوم أقلّ الأمرين من مهر المثل؛ لأنه هو العوض عند تلف البضع، أو المسمّى؛ لإقدامها على الرضى به وبذل البضع في مقابلته، لكان حسناً.وإن أكذبته كان القول قولها، فإن أقام بيّنةً سمعت وكان لها عليه مهر المثل إن لم يدع عليها العلم وأقام بينة على ذلك، وإن لم يقم بيّنةً كان لها عليه جميع المسمّى، ولزمه اجتنابها.فإن أراد أن يحلفها على نفى العلم حيث لا بيّنة له كان له ذلك، فإن حلفت لزمه المسمّى، وإن نكلت أو ردّت اليمين فحلف على ثبوت الرضاع نفسه لزمه مهر المثل دون المسمى، سواء قلنا: إنّ اليمين المردودة بمنزلة البينة، أو قلنا بمنزلة الإقرار، وإن حلف على علمها لم يلزمه من المهر شيء؛ لأنّها مع العلم لا تستحق شيئاً.وإن كانت المدعية هي الزوجة، سمعت دعواها بالنسبة إلى نفسها.فإن ادعت العلم به حين العقد، سقط مهرها؛ لإقرارها بأنّها بغى وإن كان فعلها مكذباً لقولها؛ لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.وإن لم تدع العلم به حين العقد سمعت دعواها أيضاً؛ لاحتمال تجدد علمها، واستحقت مهر المثل بموجب إقرارها.
1) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 5: 314.
وأما بالنسبة إلى الزوج فإن صدقها بانت منه ولا مهر لها قبل الدخول؛ لحصول الفرقة من جانبها، فلا تستحق شيئاً، ولها مهر المثل مع جهلها والدخول بها.وإن كذبها فإن أقامت بيّنةً حكم لها بها، وإلا لم يُسمع قولها في حقه، ولزمها أن لا تمكنه من نفسها، وتفتدي بما أمكنها، وثبت لها مهر المثل.ويحتمل المسمّى؛ لوقوع التراضي عليه.ويحتمل أقلّ الأمرين؛ للجمع بين ما وقع التراضي عليه لو كان هو الأقل من مهر المثل، وبين قيمة البضع عند استيفائه شرعاً، ويجب على الزوج دفع المسمّى؛ لأنه هو الذي أقرّ به.ولو زاد على مهر المثل، كان مالاً لا يدعيه أحد، فإما أن يدسه في أموالها، أو يجري عليه حكم مجهول المالك.ولها إحلافه على نفي العلم لو ادعت عليه العلم أو احتملته في وجه، وإن نكل أو ردّ اليمين حلفت على البت فتبين منه واستحقت مهر المثل أو أقل الأمرين.فإن نكلت أو حلف هو سابقاً، فإن كان قد دفع الصداق إليها لم يكن له مطالبتها به مطلقاً، زاد على مهر المثل أو ساواه، وإن لم يكن دفعه فليس لها المطالبة بالمسمّى، وعليه إيصاله إليها، أو يبقى مجهول المالك.وليس لها المطالبة بحقوق الزوجيّة جماعاً أو غيره مع احتمال أن لها المطالبة بغير القسم والجماع، مؤاخذة له بإقراره.ويحتمل أن لها المطالبة بخصوص النفقة؛ لأنّها محبوسة عليه، والمنع من الاستمتاع إنما جاء من قبل الشارع. وهو ضعيف.نعم، لو قيل بالفرق بين رجوعها عن دعوى الرضاع وتكذيبها نفسها فلها المطالبة، وبين عدمه فليس لها المطالبة قوي.###### عاشرها: جواز شهادة النساء على ثبوت الرضاع المحرّمالعاشر: تجوز شهادة النساء على ثبوت الرضاع المحرّم على الانفراد والانضمام على الأقوى لعسر اطلاع الرجال عليه، وما يعسر اطلاع الرجال عليه قبلت فيه شهادة النساء.أما الصغرى: فبالوجدان.وأما الكبرى فلقول الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ في رواية محمد بن الفضيل: «تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه» (1).)
1) وسائل الشيعة 27 : 352 الباب 24 من أبواب كتاب الشهادات، ح 7.
وفي آخر مثله وزيادة: «ويشهدوا عليه» (1.)وفي ثالث: «في كلّ ما لا يجوز للرجال النظر إليه» (2.)وفي رابع: «في كلّ شيءٍ لا ينظر إليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه» (3.)وفي خامس: «تجوز شهادة النساء في العذرة، وكلّ عيب لا يراه الرجال» (4.)وربما يُستدلّ عليه بالأصل، وبالموثق في امرأةٍ أرضعت غلاماً وجارية، فقال: «يعلم ذلك غيرها؟» قلت: لا، قال: «لا تصدق إن لم يكن غيرها» (5.)ومفهومه إن كان غيرها صُدّقت، وهو شامل للرجال والنساء.وكلاهما ضعيف؛ لأنّ الأصل مقلوب، والمفهوم ضعيف.والأقوى اشتراط شهادة الأربع؛ للأصل، ولما علم من الاستقراء في باب الشهادات: إنّ كل امرأتين برجل، وللأمر بإشهاد رجل وامرأتين(6.)وما دلّ على قبول شهادة ما دون الأربع بحسابها، فالربع بالواحدة، والنصف بالاثنين والثلاثة أرباع بالثلاث فللدليل كما ورد في الوصية وميراث المستهل(7.)وذهب جمع من أصحابنا (8إلى قبول شهادة الاثنين المسلمتين في عيوب النساء والاستهلال والنفاس والحيض والولادة والرضاع عند الضرورة وإذا لم يوجد إلّا واحدة مأمونة قبلت أيضاً في ذلك؛ للصحيح: سأله عن شهادة القابلة في الولادة، قال: «تجوز شهادة الواحدة» (9).)وهو ضعيف؛ لمنع استباحة الضرورة لما خالف الأصل من اشتراط العدالة ة في الشهادة ومن اشتراط التعدد.
1) وسائل الشيعة 27: 352، الباب 24 من أبواب كتاب الشهادات، ح 5.
2) المصدر : 353 - 354، ح 10.
3) المصدر : 354، ح 12.
4) المصدر : 353، ح 9.
5) المصدر 401:20، الباب 12 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 3.
6) البقرة (2) : 282.
7) وسائل الشيعة 19: 316 - 318، الباب 22 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1 - 5؛ و 27 : 364 و 365، الباب 24 من أبواب كتاب الشهادات، ح 45 و 48.
8) كالشيخ المفيد في المقنعة : 727؛ وسلار في المراسم : 233.
9) وسائل الشيعة 27 : 351، الباب 24 من أبواب كتاب الشهادات، ح 2.
والخبر ضعيف؛ لاختصاصه بالقابلة واحتمال إرادة القبول في الربع.ونُقل عن بعض القدماء القولُ بقبول الواحدة في الرضاع والحيض والنفاس والاستهلال والولادة والعذرة وعيوب النساء من غير ضرورة (1.)وعن ابن الجنيد: اعتبار الأربع في مجموع ما شهدن به، ودونها بحسابه (2.)وهما ضعيفان.وتجوز شهادة المرضعة بالإرضاع ما لم تدع أجرةً ونحوها، وثبوت المحرمية لها ليس من النفع المانع من القبول، وكونها بمنزلة الشهادة على فعلها غير مانع؛ لاحتمال ارتضاعه سهواً أو هي نائمة.ويشترط في شهادة الرضاع سواء كانت على الفعل أو الإقرار إضافة التحريم إليه، كأن يقول: رضع رضاعاً محرماً؛ لأنّ الرضاع أعم من ذلك، وقد تكفي القرائن الفعلية أو المقالية عن التصريح.وظاهر الأصحاب اشتراط التفصيل بذكر سبب التحريم؛ لاختلاف الآراء فيه فيختلف المجتهدون فيه والمقلّدون، وربما شهد الشاهد بالرضاع المحرم ولم يكن عند المشهود عنده كذلك.وقد يناقش في ذلك ويُحكم بقبول شهادة العدل العارف مع الإطلاق؛ لأن الظاهر من إطلاق شهادة العدل أنّه لا يشهد إلّا بالمحرّم على جميع المذاهب، أو بما هو عند المشهود عنده، كما نكتفي في شهادة العدالة والجرح والنسب والفقر وكثير من الموضوعات المختلف فيها بذلك، إلّا أن اتباع الأصحاب أجمل.واستثنى بعضهم من ذلك ما لو كان الشاهد مقلّداً للمشهود عنده في أحكامه موثوقاً بمعرفته، أو كان مجتهداً موافقاً للمشهود عنده في المذهب موثوقاً به، فإنّه تُقبل شهادته على الإجمال (3لأن الظاهر من حاله إرادة المحرّم على مذهب المشهود عنده.)ومرجع هذا إلى القرائن الظنّيّة المأخوذة من ظاهر حال الشاهد، وفي الاكتفاء بها إذا لم نبن على ما قدمنا إشكال والأحوط عدمه.
ولا يشترط سؤال الشاهد بعد شهادته بالرضاع عن خصوص التقام الثدي ومصه ودخول اللبن إلى الجوف وعدم قيئه دفعةً وغير ذلك؛ لأنّ الشهادة بالرضاع جامعة لذلك.نعم، يشترط علم الشاهد إذا شهد بحصول اللبن في الثدي وامتصاص الولد له وجذبه منهوابتلاعه ووصوله إلى جوفه كي لا يشهد إلّا على مثل الشمس.والأظهر إن وصوله إلى الجوف يكفي فيه الظنّ العادي بالوصول، كما هو شأن المرتضعين، ولا يقدح فيه احتمال أنّ في حلقومه ثقباً ينحدر منه، أو أنّه يجمعه في حلقه أو في حلقومه مدةً ثم يمجه.وكذا يكفي الظن الناشئ من الاستصحاب بعدم قيئه دفعةً، وبعدم صيرورته جبناً قبل وصوله، وبعدم امتزاجه بما يخرجه عن اسمه، ولولا ذلك لما قبلت الشهادة بالرضاع بل بكثير من الأفعال والملكات؛ لأنّ القطع بكلّ جزئي متعسّر في كثير من المقامات.وقد يقال: إن أكثر هذه ممّا يحصل بها القطع العادي لا الظن، فهو معتبر لذلك.وهو حسن، إلّا أنّه مخالف للوجدان غالباً.وبالجملة، فالقول بأنّ الشهادة في الرضاع كالشهادة على تحقق الزني منظور فيه.ولو شهد الشاهد بنفس المقدمات، كما يقول: رأيته التقم الثدي ويمص به، لم تكن شهادةً بالرضاع وإن كان من شأنها الترتب الرضاعي، إلّا أن يقطع الشاهد به فيشهد بالقطع.ولا يُقبل في الرضاع شاهد ويمين؛ لأنه ليس مالاً ولا يؤول إلى مالٍ.ولا تقبل شهادة النساء لا منفردات ولا منضمات - على الظاهر - ولا شاهد ويمين في الإقرار بالرضاع؛ لأنه ليس مالاً، ولا يعسر اطلاع الرجال عليه غالباً.ويكفي في الإقرار بالرضاع كونه الرضاع المحرم، ولا يحتاج إلى التفصيل؛ لعموم حجية الإقرار وظهوره في التحريم على جميع المذاهب ما لم يظهر من حاله أنّه أقرّ على مذهب يغاير مذهب المقرّ له.###### الحادي عشر: حكم ما لو اشتبهت المحرّمة بالرضاع بغيرهاالحادي عشر: لو اشتبهت المحرّمة بالرضاع بغيرها، فإن كانت في محصورٍ وجب اجتنابه من باب المقدّمة، وإن كانت في غير محصور جاز.ولو عقد على من وجب اجتنابه، أثم، وكان بحكم الزاني.
وفي جريان حكم الزاني عليه وجه ويبعد في الحدود؛ لقوله «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (1.)ولو تبين الخلاف بعد العقد، فالأظهر صحّة العقد؛ لصدوره من أهله في محلّه، ولا مدخلية للنية فيه.والمدار في المحصور وعدمه على العرف وقد يُحدّ بما لا يعسر تجنّبه غالباً، وبما يعسر كذلك وإن أمكن لأوحدي الناس، وقد يُحدّ بما يمكن ضبط عدده غالباً، وبما لا يمكن وإن أمكن لأوحدي الناس.وفي الأخبار (2ما يدلّ على عدم لزوم اجتناب غير المحصور في مواضع عديدة.)###### الثاني عشر: حكم ما لو شكّ في حصول الرضاع المحرّمالثاني عشر: لو شكّ في حصول الرضاع المحرم من بلوغ العدد أو وصول اللبن إلى الجوف أو غير ذلك، لم يُحكم بحصوله؛ للأصل.ولو شكّ في وقوعه في الحولين وعدمه، تعارض الأصلان، فإن علم تأريخ أحدهما تأخر عنه مجهول التأريخ على الأظهر، وإلا رجّح ما وافق أصل الإباحة والعمومات القاضية بالحلّ، دون ما وافق دليل التحريم؛ لأنّ عموم التحريم موقوف على حصول شرط لا ارتفاع مانع، كما قد يتخيّل، فما لم يعلم تحققه لم يُحكم بشموله.وقد يرجح جانب التحريم بقوله: «ما اجتمع الحلال والحرام إلّا وغلب الحرام» (3وبالاحتياط، وبأن الأصل المؤسّس خير من المؤكد، والناقل خير من المقرّر.)والكل ضعيف.###### الثالث عشر: حكم ما لو تزوج بنت الأخ أو الأخت على العمة أو الخالة من الرضاعالثالث عشر: لو تزوج بنت الأخ أو الأخت على العمة أو الخالة من الرضاع من الطرفين أو من طرف واحد، كان حكمه حكم النسب ؛ لعموم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (4، وخصوص الصحيح: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على أُختها من الرضاع» (5).)
أما الزنى بالأم أو البنت أو إيقاب الغلام ونحوها ففي جريان حكم التحريم في الرضاع مثل ما حرم به في النسب فإشكال ينشأ من عموم الخبر المتقدم (1، ومن الشك في انصرافه لمثل هذه الموارد؛ لظهورها في النسب.)وقد يؤيد الأوّل الصحيح في رجل فجر بامرأة أيتزوج أمها من الرضاعة أو بنتها؟ قال: «لا» (2.)وفي جريان حكم الظهار في الأُمّ الرضاعية وجه ليس بالبعيد.وفي كون الرضاع سبباً لانعتاق القريب بالملك قولان تقدم الكلام عليهما.وفي تحريم بنت العمة والخالة لو زنى بأُمّهما من الرضاع أو كانا هما رضاعيين وجهان، والأقوى التحريم.وقد يناقش في شمول دليل التحريم لمثل ذلك، ومن المقطوع به أن حكم الرضاع كحكم النسب في الجمع بين الأختين متعة أو دواماً أو ملك يمين، بمعنى أنّه إذا وطئ إحدى المملوكتين له لا يجوز له وطء الثانية التي هي أختها من الرضاع؛ لعموم: «ولا تجمعوا بين الأُختين» (3والرضاع هنا كالنسب.)##### ثالثها - ممّا يحرم بالسبب : المصاهرة.###### إشارة:والمصاهرة علاقة تحدث بين الزوجين وأقرباء كلّ منهما بسبب النكاح، توجب الحرمة. ويلحق بالنكاح الوطء والنظر واللمس على وجه مخصوص.وقيل : هي القرابة بالزواج وما في حكمه، أو الحرمة بتلك القرابة (4.)ويظهر من بعض أنّ الأوّل هو المعروف من معناها لغة وعرفاً، فلا يحتاج إلى إضافة وطء الشبهة والزنى ووطء الأمة ونحوها من نظر ولمس إليها وإن أوجبت حرمة على بعض الوجوه؛ لأنّ ذلك ليس من المصاهرة، بل من جهة ذلك الوطء وشبهه وإن جرت العادة بإلحاقها بها في بابها (5.)
###### وهنا أُمور:###### أولها: حرمة أُمّ المرأة الموطوءة بالعقد الصحيح وبناتها على الواطئأحدها: مَنْ وطئ امرأة بالعقد الصحيح دواماً أو متعة أو ملك يمين للعين، أو تحليل للبضع - سواء كان الوطء قبلاً أو دبراً؛ لجريان أحكام الوطء في الدبر مجرى القبل، ولإطلاق اسم الدخول عليه عرفاً، وكذا اسم الوطء، ولا يتفاوت بين كون الوطء مع بلوغ الواطئ أو بلوغ الموطوءة وبين عدمه، وبين قصدهما وبين عدمه، وبين كون الوطء محللاً أو محرماً. كالوطء في الإحرام أو الحيض كلّ ذلك لإطلاق الأدلّة (1، وشمول الدخول لجميع ذلك - حرم على الواطئ أمّ الموطوءة لأب أو لأمّ وإن علت، وبناتها وإن سفلن لابن أو لبنت، تقدمت ولادتهنّ على الوطء أو تأخرت، تحريماً مؤبداً بإجماع المسلمين.)ولا يتفاوت الحال بين كون بناتها في حجره - أي في حضانته وحفظه وستره - أو عدمه، كما تنطق به الأخبار (2، ويشهد به الإجماع.)وما نُسب لعليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ من اشتراط الكون في الحجر (3)فمن أكاذيب العامّة.)وأما التقييد في الآية (4، فجار مجرى الغالب، فيلغي فيه المفهوم.)وقد يناقش في كونه الغالب؛ لكثرة ما يكون للربيبة أب لاحق؛ لكونها زوجةً، أو سابق فتكون في حجر الأب، وقد تكون كبيرةً مستقلة أو مزوّجةً أو نحو ذلك، إلّا أن يُحمل الغالب على المنشأية، أو للتعليل، كما في الكشاف (5، وتكون العلة هنا بمنزلة الحكمة، أو لعدم اختصاص الربيبة في اللغة ببنت الزوجة وإن شاع ذلك في العرف فيكون الوصف للتقييد والتخصيص ببنت الامرأة؛ لأنّها في حفظ الرجل وحضانته وستره غالباً أصالة أو بالعرض، كما أنّ الرقيق عيال المولى وإن تخلف نادراً، أو أن المراد بالحجر القرابة، فيكون الوصف للتوضيح.)وما ورد في شواذ الأخبار من جواز وطء ابنة المملوكة الموطوءة، وأنها ليست بمنزلة الحُرّة(6مطرح لا يُلتفت إليه.)
1) وسائل الشيعة 20: 457 وما بعدها، الباب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها.
2) وسائل الشيعة 20: 457 وما بعدها، الباب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها.
3) المغني المطبوع مع الشرح الكبير 7: 473.
4) النساء (4) : 23
5) الكشاف 1 : 495 ذيل الآية 23 من سورة النساء (4).
6) وسائل الشيعة 20: 469، الباب 21 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 16.
وكما تحرم على الواطئ الأم وإن علت والبنت وإن سفلت، كذلك يحرم على الموطوءة أبو الواطئ وإن علا وأولاده وإن سفلوا تحريماً مؤيّداً.وتحرم على الواطئ أيضاً أُخت الزوجة جمعاً إجماعاً.ويحرم العقد على بنت أخيها وأُختها جمعاً بدون رضاها إجماعاً، والأخبار (1ناطقة به.)وما ورد ممّا يوهم خلافه (2متروك، أو محمول على تقدير رضاها.)###### ثانيها: لو تجرّد العقد عن الوطء حرّمت المعقود عليها على أب العاقد وأولادهثانيها: لو تجرّد العقد عن الوطء دواماً أو متعةً، حرّمت المعقود عليها على أب العاقد وإن علا جداً لأب أو لأم، وأولاده وإن سفلوا لابن أو بنت؛ للإجماع والأخبار (3والكتاب (4).)وحرم على العاقد بنتها وإن سفلت لابن أو بنت جمعاً لا عيناً، فلو فارق الأُمّ قبل الدخول جاز له نكاح بنتها؛ للإجماع والكتاب والسنّة.والأقوى والأظهر تحريم أُمّها عيناً مؤبداً؛ لظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ (5)، لأنّ الظاهر رجوع القيد للجملة الأخيرة، دون كلّ واحدة ودون المجموع ودون الأولى، ولأنّ المتيقن تقييد الأخيرة، والأصل بقاء إطلاق غيرها، ولأنه إن علّق بالجملتين مجرّد قوله: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) لزم الفصل بين الصفة والموصوف بجمل أجنبية، وجوازه ممنوع، وإن علّق بهما جملة قوله: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) لم يصح أيضاً، إلّا أن تكون «من» باعتبار الأولى بيانية وباعتبار الثانية ابتدائية، ويلزم منه استعمال المشترك في معنييه، وهو ممنوع، إلّا أن تُحمل على استعمالها في القدر المشترك، وهو الاتصال، ويكون المجموع حالاً عن «أمهات النساء» و «الربائب» جميعاً، وهو مجاز يحتاج إلى القرينة.)وللأخبار الخاصّة الدالّة على التحريم، كموثق أبي بصير المفصل بين الأم والبنت (6. وغيره (7)، المؤيدة بفتوى المشهور الذي هو من أعظم المرجّحات، وبظاهر الكتاب، وبمخالفة العامّة والرشد في خلافهم، وبالاحتياط المطلوب في الفروج.)
1) وسائل الشيعة 20 : 487 وما بعدها، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها.
2) المصدر : 490، ح 11.
3) المصدر : 412 وما بعدها الباب 2 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها.
4) النساء (4) : 23.
5) النساء (4) : 23.
6) وسائل الشيعة 20 : 459 الباب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها. ح 5.
7) المصدر، ح 4.
وللأخبار المصرحة في اختصاص القيد بالأخيرة، والتعميم في غيرها، وأنكم أبهموا ما أبهم اللّه (1، بمعنى عمموه كما عمّمه اللّه تعالى من الإبهام، وهو الإغلاق، أو من الإبهام الذي يتبين ويفصل، أو من الإبهام الذي لم يخالطه شيء آخر يشوبه، والمعنى أن تحريم أُمهات النساء مغلق لم يداخله حلّ، أو لم يخالطه كذلك، أو لم يقيد ويبين بشيء.)وفي الخبر: «لو تزوّج الابنة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها لم تحل له أُمها» قال: قلت: أليس هما سواء؟ قال: «لا، ليس هذه مثل هذه، إن اللّه يقول: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ لم يستثنِ في هذه كما اشترط في تلك، هذه هنا مبهمة ليس فيها شرط وتلك فيها شرط»(2).)وخالف في ذلك الحسن، فاشترط في تحريم الأمّ عيناً الدخول بالبنت (3، للصحيح في رجل تزوج امرأةً فماتت قبل أن يدخل بها، أيتزوج أمها؟ فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «قد فعله رجل منا فلم يرَ به بأساً» فقلت: جعلت فداك ما تفخر الشيعة إلّا بقضاء عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الشمخة التي أفتى بها ابن مسعود أنّه لا بأس بذلك، ثم أتى عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: «من أين أخذتها؟» فقال: من قول اللّه عزّ وجلّ: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) الآية، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنّ هذه مستثناة وهذه مرسلة وأمهات نسائكم» فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أما تسمع ما يروي هذا عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)» فلما قمتُ ندمتُ وقلت: أيّ شيءٍ صنعتُ، يقول هو: «قد فعله رجل منا فلم يرَ به بأساً» وأقول أنا: قضى عليّ، فلقيته بعد ذلك فقلت له: جعلت فداك، مسألة الرجل إنما كان الذي قلت زلّة منّي، فما تقول فيها؟ فقال: «يا شيخ، تخبرني أن علياً أفتى فيها وتسألني ما تقول فيها؟» (4).)ولصحيح جميل بن درّاج وحمّاد بن عيسى عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «الأُمّ والبنت سواء إذا لم يدخل بها، يعني إذا تزوج المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء تزوج أمها وإن شاء تزوج بنتها» (5).)
1) وسائل الشيعة 20: 458 - 459، الباب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 3.
2) المصدر : 465 الباب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 7.
3) نقله عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7 : 48 - 49، المسألة 13.)
4) الكافي 5 : 422، باب الرجل يتزوج المرأة فيطلقها...، ح 4.
5) وسائل الشيعة 20 : 463 الباب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 3 و 4.
ولصحيح صفوان: رجل تزوج امرأة فهلكت قبل أن يدخل بها، تحلّ له أُمها؟ قال: «وما الذي يحرم عليه منها ولم يدخل بها» (1.)ويُستدلّ له بالأصل، وبأنّ الصفة قيد للنساء في الجملتين؛ لأن القيد بعد الجمل راجع للكل.والكل ضعيف.أما الرواية الأولى: فهي إما مجملة، أو أدلّ على مطلوبنا؛ لإعراض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ عن التصريح في الجواب إلى قوله: «قد فعله رجل منا» ولعدم ثبوت كون الفعل (2)بالنون مبنيّاً للمعلوم أو بالياء مبنياً للمجهول، ولا دلالة فيه على الأخير، بل فيه ظهور بالتقية وأنه رأي العامّة، ولنسبة التحريم من الراوي إلى الشيعة، وظاهره أنّه كان ذلك اليوم مذهباً لهم، فيكون كالإجماع المنقول، ولتقرير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما رواه الرجل عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعدم إنكاره عليه، بل ربما ظهر منه إنكار المخالفة لقضاء عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأن قضاءه قضاؤه لا يختلف عنه.)وأما الثانية فهي مضطربة الإسناد؛ لأنّ الأصل فيه جميل وحمّاد بن عثمان، وهما تارةً يرويان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ بلا واسطة، وأخرى بواسطة الحلبي، وجميل قد يرويه مرسلاً، وقد يرويه مسنداً، والاضطراب يفيد ضعفاً في الحديث.)ثمّ إنّ التفسير لم يُعلم كونه من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أو الراوي، ولو كان من الراوي لكان احتمال رجوع ضمير «بها» إلى الأم، فالمعنى إذا لم يدخل بالأم كانت هي والبنت سواء في الحل متوجهاً، أو يكون المعنى أنّه إذا تزوّج الأم والبنت ولم يدخل بهما فهما سواء في التحريم جمعاً لا عيناً، ومع قيام هذين الاحتمالين يضعف الاعتماد عليها.)نعم، روى الصدوق (رَحمهُ اللّه : «الأم والابنة في هذا سواء، إذا لم يدخل بإحداهما حلّت له الأخرى» (3).)وهو محتمل لكونه تفسيراً من الصدوق، بل ظاهر فيه؛ لمكان الاختلاف الحاصل في الرواية بعد قوله: «سواء».وأما الثالثة: فهي مضمرة شاذة، فتضعف عن مقاومة الأخبار المقابلة لها المعتضدة بما قدمنا (4.)
فما يظهر من بعض المتأخرين من حمل الأخبار المانعة على الكراهة وحمل هذه على الجواز، ضعيف جداً لا يُلتفت إليه.وأما الآية فقد بيّنا أنّ الأظهر فيها بحسب القواعد العربية والأصولية وبحسب فهم أهل العرف هو رجوع القيد للجملة الأخيرة، فيبطل بذلك احتمال رجوعه إلى الجميع، على أنّ المعروف بين أهل العربية والمنقول عنهم: عدم جواز وصف الاسمين المختلفين بالعامل بوصف واحد، فلا يجوز قام عمر و وقعد زيد الظريفان وعلى ذلك فلا يجوز جَعل الوصف ب« «اللاتي دخلتم بهنّ» لـ «نسائكم في المقامين وهما مختلفي العامل.ولو عقد شخص فضولاً عن بنت على رجل، فهل له قبل تبين الحال العقد على أُمها أم لا؟ويبني ذلك على أن الإجازة كاشفة أو ناقلة ؟ وأن صحّة العقد هل تتبعض أم لا؟ وأنّ اللزوم من طرف هل يوجب ترتب آثاره أم لا؟ وأنّ لفظ «الزوجة» هل يصدق على المعقود عليها فضولاً أم لا؟ وهل للمعقود عليها فضولاً التزويج قبل إجازتها أو فسخها أم لا؟ولا يبعد لزوم الاحتياط في الجميع.###### ثالثها: عدم حرمة مملوكة الابن على الأب بمجرد الملك وحرمتها مع الوطءثالثها: لا تحرم مملوكة الابن على الأب ولا العكس بمجرد الملك، وتحرم مملوكة كلّ منهما مع الوطء على الآخر؛ للإجماع بقسميه (1، ولما تشعر به الآيات المحرمة (2)، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا أتى الجارية وهي حلال فلا تحلّ تلك الجارية أبداً لابنه ولا لأبيه» (3)وغيره من الأخبار (4)المشعرة.)ولا يجوز للوالد وطء جارية ابنه الكبير؛ لحرمة التصرّف بمال الغير عقلاً وشرعاً سواء قومها على نفسه أم لا، وسواء قطع برضى ولده أم لا؛ لأنّ الإذن الفحوائية لا يستباح الفرج بها.وما ورد في الصحيح - أو الحسن - عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : قلت له: الرجل تكون لابنه جارية، أله أن يطأها؟ فقال: «يقومها على نفسه قيمةً، ويشهد على نفسه بثمنها أحبّ إِلَيَّ» (5)- والظاهر أنّ قوله: «أحبّ» راجع إلى الإشهاد - محمول على كون الولد صغيراً، أو أنّه إذن له في ذلك.)
وكذا ما ورد عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ: إني كنتُ وهبتُ لابنتي جارية حيث زوجتها، فلم تزل عندها في بيت زوجها حتّى مات زوجها فرجعت إليَّ هي والجارية، أفتحلّ لي الجارية أن أطأها؟ فقال: «قومها بقيمة عادلة، وأشهد على ذلك، ثمّ إن شئت فطأها» (1)محمول على إذن البنت، كما يدلّ عليه رواية الحسن بن صدقة : فيمن اشترى جاريةً لابنته من صداقها، أيحل له أن يطأها؟ فقال: «لا، إلّا بإذنها» (2).)وأما الصغير فللأب وطؤها بعد تقويمها قيمة عدل ثمّ يأخذها، ويكون لولده عليه ثمنها، كما في خبر ابن سرحان (3، وفي آخر في جارية لابن لي صغير، أيجوز لي أن أطأها؟ فكتب: «لا، حتّى تخلّصها» (4).)وظاهر هذه الأخبار وغيرها: لزوم التقويم أولاً ثمّ الوطء، والأحوط ضمّ الإشهاد، كما تشعر به الأخبار.ويراد بالتقويم هنا نقلها إليه بثمنها بأحد النواقل الشرعيّة، بقرينة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «حتى يخلّصها» وقوله : «بثمنها» والغالب كون الثمن ثمناً للمبيع فلا يكفي مجرد التقويم لأجل ضمانها لو تلفت، ولا التقويم مع نيّة التملك به من دون إيجاب وقبول لفظتين أو فعليّين يتولاهما الأب بالولاية؛ لأصالة عدم النقل.)نعم، لو قومها فنوى انتقالها إليه بالقبض والدفع ملكها بذلك الثمن، ولا يفتقر إلى نية كونه بيعاً أو صلحاً؛ لانصراف النقل في الأعيان إلى البيع، بل لا يبعد أن تقويمها وقبولها بتلك القيمة ناقل بنفسه وإن لم يكن من العقود المعهودة، فيكفي مجرد قوله: «قبلتها بقيمتها» أو قبضها على تلك القيمة؛ ليكون موجباً قابلاً، وقد تشعر بذلك الأخبار.وفي اشتراط المصلحة للمولى عليه وجه يوافقه الاحتياط، والأوجه الاكتفاء بعدم المفسدة.وفي اشتراط الملاءة وجه قويّ، مع احتمال عدم الاشتراط؛ لإطلاق الأخبار المؤيدة بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أنت ومالك لأبيك» (5).)
وفي سريان حكم الأب للجد؛ لاشتراكه مع الأب في الولاية وجه قوي.وقد يقتصر على خصوص الأب - لأنه مورد للنصّ - فيما خرج عن القواعد في الاكتفاء بالتقويم، وفي عدم اشتراط الملاءة، وفي عدم اشتراط المصلحة، وهذا أقوى، إلّا أنّه بالنسبة إلى غير الجدّ من الأولياء، وأما بالنسبة إلى الجد فالأقوى مساواته للأب.ولو بادر الأب إلى وطء مملوكة ابنه، فإن كان عن زنى لم تحرم على الولد قبل وطء الولد لها وبعده، فإن حملت منه ملكه الولد؛ لعدم انعتاق ولد الزني ذكراً كان أو أُنثى، ولا حدّ على الأب؛ لعدم ثبوت العقوبة على الوالد شرعاً من قبل ولده؛ لأنّ الأب أصل له وللنص (1.)ولو كان الزاني هو الولد ثبت عليه الحدّ، ومَلَك أبوه ولده، ولا ينعتق عليه.ويغرم كلّ منهما للآخر العقر، أو مهر المثل وأرش البكارة.وإن كان عن شبهةٍ لزم كلاً منهما العقر أو مهر المثل، وسقط الحد، وانعتق ولد الولد على جده إن كان الواطئ هو الولد، وملكه الأخ إن كان الواطئ هو الأب وكان الولد ذكراً، وإلا العتق على الأخ إن كان أُنثى.ويجب على الأب فكه بقيمته من الولد إن كان ذكراً، ولا يجب على الولد فك ابنه من أبيه؛ لانعتاقه عليه وصيرورته حُرّاً ابتداءً.والأظهر إنّ الولد حُرّ ابتداءً مطلقاً، ووجوب فكه بالقيمة تعبّدي محض، لا أنّه يتحرّر بالقيمة، كما يظهر من جملة من عباراتهم.وقد يناقش في عدم لزوم قيمة الولد لو انعتق قهراً على مالك الأمة، فتأمل.###### رابعها: حرمة الجمع بين الأختين وبطلان عقد اللاحقة ما دامت السابقة زوجتهرابعها: تحرم أخت الزوجة جمعاً إجماعاً، فيبطل عقد اللاحقة ما دامت السابقة زوجته أو في عدةٍ رجعية، ولو عقد على الأختين بطل العقد؛ للزوم الترجيح من دون مرجح، وله الخيار في تجديد العقد على أيتهما شاء، وليس له اختيار إحداهما بذلك العقد.و على ما ذكرنا ينزل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: في رجل تزوّج أُختين في عقدةٍ واحدةٍ، قال: «هو بالخيار يمسك أيتهما شاء، ويخلي سبيل الأخرى» (2).)
والآخر: في رجل نكح امرأة ثم أتى أرضاً فنكح أُختها وهو لا يعلم، قال: «يمسك أيتهما شاء، ويخلي سبيل الأخرى» (1.)ولو بانت الأولى منه بعدة بائنة بطلاق أو فسخ، جاز التزويج بالأخرى مطلقاً، كما هو ظاهر الأصحاب؛ لانقطاع العصمة.وفي الحسن في رجل طلق امرأته أو اختلعت أو بارئت، أله أن يتزوج بأختها؟ فقال: «إذا برأت عصمتها ولم يكن له عليها رجعة فله أن يخطب أختها» (2.)وقريب إليه الآخر في المختلعة (3.)ومنهما يظهر أنّ انقضاء أجل المتعة يجوز التزويج بالثانية وإن لم تمض عدّتها، كما هو ظاهر الأصحاب، بل يظهر من ابن إدريس أنّه مجمع عليه (4.)فما ورد - في الصحيح - في الرجل يتزوج المرأة متعة إلى أجل مسمى فينقضي الأجل بينهما هل يحلّ له أن ينكح أختها قبل أن تنقضي عدتها؟ فكتب: «لا يحلّ له أن يتزوجها حتّى تنقضي عدتها» (5مطرح، أو محمول على الندب.)ويجوز جمع الأختين فى الملك؛ لانصراف النهي عن الجمع في الكتاب (6إلى النكاح، ولكن إذا وطئ إحداهما حرم عليه وطء الأخرى، فلو فَعَل حراماً ووطئ الأخرى انتقل التحريم إلى الأولى، فيحرم عليه وطء الأولى التي وطأها حتّى تموت الثانية أو يفارقها، كما في الخبر، وظاهره أن الثانية تعود حلالاً.)وفي ذيله: «وليس له أن يبيع الثانية من أجل الأولى ليرجع إليها، إلّا أن يبيع لحاجة، أو يتصدق بها، أو تموت» (7.)وفي أُخرى: «وإن كان إنما يبيعها ليرجع إلى الأولى فلا، ولا كرامة» (8.)
1) وسائل الشيعة 20 : 479 الباب 26 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 2.
2) المصدر 22 : 270، الباب 48 من أبواب العدد، ح 2.
3) المصدر : 271، ح 5.
4) السرائر 2 : 537.
5) وسائل الشيعة 20 : 480 الباب 27 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 1.
6) النساء (4) : 23.
7) وسائل الشيعة 20 : 485 - 486، الباب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 10.
8) المصدر : 485، ح 9.
وظاهرهما أنّه لو باع بذلك القصد لم تحلّ له الأولى عقوبة لفعله، لا أنّ البيع يقع فاسداً، وسيجيء إن شاء اللّه تعالى تتمة الكلام.###### خامسها: حرمة الجمع بين العمة والخالة مع بنت الأخ أو الأُختخامسها: يحرم الجمع بين العمة والخالة مع بنت الأخ أو الأخت نسبيتين أو رضاعيتين، ويحرم إدخال بنت الأخ والأخت على العمة والخالة كذلك، كلّ ذلك بدون رضى العمة والخالة، فلو رضيتا جاز الجمع وجاز الإدخال.ويجوز إدخال العمة والخالة على بنت أخيها وأُختها وإن لم ترض المدخول بها، فهنا صُور: أحدها: الجمع بين العمة أو الخالة مع بنت الأخ أو الأخت بعقد واحد من دون رضى العمة أو الخالة.والأظهر إنّه لو جمعهما كان عقد العمّة صحيحاً، وكذا الخالة، وكان عقد بنت الأخ أو الأخت بمنزلة الفضولي، فإن أجازته العمة أو الخالة لزم، وإلا وقع باطلاً.ويحتمل بطلانهما من أصله؛ للنهي عن الجمع (1، وهو مقتض للفساد.)ويحتمل ثبوت الخيار للعمة بين فسخ عقدها، وبين فسخ عقد بنت أخيها، وكذا الخالة، أو إجازتهما، فيصحًا معاً.ويحتمل صحّة الجميع ولزومه، حملاً للنهي عن الجمع على النهي عن إدخال البنتين على العمة أو الخالة.وأجود الوجوه الأوّل.ثانيها: إدخال العمّة أو الخالة على البنتين، فيحتمل فيه لزوم عقد البنتين؛ للحكم بصحته سابقاً فيستصحب، ويبقى عقد العمّة أو الخالة موقوفاً على رضاهما مع جهلهما بالمدخول عليهما مطلقاً، أو جهلهما بكونهما بنت أخ أو أُخت، ومعناه أنّه يقع صحيحاً ولهما فسخه، لا أنّه يتوقف تأثيره على الإجازة.ويحتمل وقوع عقد العمّة والخالة باطلاً؛ لمكان حصول الجمع المنهي عنه به.ويحتمل بطلانهما معاً، وهو ضعيف جداً.ويحتمل وقوع عقد العمة أو الخالة موقوفاً على الإجازة، كالفضولي.
1) وسائل الشيعة 20 : 487 وما بعدها الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها.
ويحتمل أن للعمة أو الخالة فسخ عقدهما أو فسخ عقد البنتين، بمعنى أن لهما الخيار في ذلك.ويحتمل صحتهما معاً ولزومهما؛ لأنّ النهي المقطوع به هو إدخال البنتين عليهما دون العكس، وما دلّ على النهي عن الجمع محمول على ذلك.وأوجه الوجوه بحسب الدليل: إما القول بصحتهما ولزومهما؛ لعموم الأدلّة، ولإطلاق کثیر من الفقهاء جواز إدخال العمّة والخالة عليهما دون العكس، فيخرج المقطوع بمنعه ويبقى الباقي، أو القول بتوقف صحّة عقد العمة أو الخالة على إجازتهما، فيكون كالفضولي،فما دلّ على الفضولي يدلّ عليه.وأضعف الوجوه القول ببطلانهما معاً.وما بين ذلك من القول ببطلان عقد العمّة والخالة أصلاً، أو صحته ولها فسخه عند العلم، أو ثبوت الخيار لها في كلا العقدين فهو بين القوي والضعيف.ثالثها: إدخال بنت الأخ أو الأخت على العمة والخالة، وفيه أقوال متعدّدة:منها: جواز إدخال بنت الأخ أو الأخت على العمة والخالة، رضيتا أم لا، ونُسب ذلك لابن أبي عقيل وابن الجنيد (1.)ومَنَع بعض المتأخرين (2من دلالة كلامهما على ذلك.)والأظهر خلافه، كما رأيناه منقولاً عنهما، حتّى أنّ ابن الجنيد حمل الأخبار المانعة على الكراهة (3.)واستندا لقوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (4).)وهو ضعيف.وإلى رواية علي بن جعفر : عن الرجل يتزوّج الامرأة على عمتها أو خالتها، قال: «لا بأس» (5.)وهو أضعف من سابقه، فليحمل على ما إذا رضيتا بذلك، أو يُطرح؛ لعدم المقاومة.
ومنها: المنع مطلقاً رضيتا أم لم ترضيا (1.)ويستند في ذلك إلى ما ورد من خبر أبي الصباح الكناني، قال: «لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها» (2.)وما ورد من النهي في الأخبار عن نكاح الامرأة على عمتها وخالتها (3.)ونقل عنه أيضاً (4: المنع من إدخال العمة أو الخالة على بنت الأخ أو الأخت.)والكلّ ضعيف، وتردّه الأخبار المفصلة المؤيّدة بفتوى الأصحاب والإجماع المنقول (5في الباب.)ومنها: جواز إدخال بنت الأخ أو الأخت عليهما مع رضاهما أو إذنهما دون ما لم يكن كذلك، وفاقاً للمشهور، ونُقل عليه الإجماع (6، ودلّت عليه الأخبار المتكثّرة:)ففي بعضها: المنع مطلقاً، وفي أكثرها: التقييد بغير إذنها، فإذا أذنت في ذلك فلا بأس (7.)وفي بعضها: «إلا برضى منهما، فمَنْ فَعَل ذلك فنكاحه باطل» (8.)وفي بعضها: إطلاق العمة والخالة(9، المنصرفين إلى النسبيين.)وفي بعضها: التنصيص على الرضاعيين (10.)وفي بعضها: النهي عن الجمع فقط (11.)وفي بعضها بلفظ: «لا تنكح» (12.)
1) قال به الصدوق في المقنع : 328.
2) وسائل الشيعة 20: 489 الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 7.
3) المصدر، ح 8.
4) أي القائل بالمنع مطلقاً، وراجع الهامش (1).
5) تذكرة الفقهاء 2 : 638 (الطبعة الحجرية).
6) نفس المصدر.
7) وسائل الشيعة 20 : 488 - 490 الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 6 و 10 و 12.
8) المصدر : 487 - 488، ح 3.
9) المصدر : 489، ح 7.
10) المصدر، ح 8.
11) المصدر : 489، ح 7.
12) المصدر : 489 - 490، ح 8 و 12.
وفي بعضها: «لا تتزوّج» (1.)وفي بعضها: «إنّ عليّاً جلد رجلاً تزوّج امرأةً على خالتها ففرّق بينهما» (2.)وفي بعضها: إنّ النهي إجلالاً للعمة أو الخالة (3.)إلى غير ذلك من الأخبار.وهذا هو المعتمد، وعليه فَمَن عمد إلى بنت الأخ أو الأخت فتزوجهما على العمة أو الخالة من دون إذنهما ففي صحّة عقدهما مع رضى العمّة أو الخالة بعد ذلك، أو بطلانه أصلاً، أو صحته ابتداءً ولكن للعمّة أو الخالة فسخه، أو يتزلزل العقدان معاً: عقد الداخلة وعقد المدخول عليها، أو يبطل الأوّل ويتزلزل الثاني، أو يبطلان معاً وجوه، وأكثرها أقوال:فقيل بلزوم عقد المدخول عليها، وبطلان عقد الداخلة (4؛ لمكان النهي عن تزويجها عليها (5)المقتضي للفساد؛ لتعلقه بذات المعاملة، ولمكان النهي عن الجمع(6)، وقد سببه تزويجها عليها، فيقع التزويج باطلاً، ولتصريحه بالبطلان في الرواية المتقدمة (7)، ولأنّ ظاهر شرطية رضی العمة أو الخالة مصاحبته لنفس العقد فجعله كالفضولي بحيث تصححه الإجازة والرضى قياس باطل.)والكلّ ضعيف؛ لأنّ النهي وإن دلّ على الفساد عرفاً أو شرعاً أو استقراء لموارد النهي في كلام الشارع إذا تعلّق بذات المعاملة أو بجزئها وهنا أيضاً كذلك ولكنه هاهنا مقيد بعدم حصول الرضى من العمة أو الخالة في أحد الأزمنة فلو حصل الرضى - الذي هو شرط - عمل المقتضي من العقد عمله، ولا يزيد على تزويج الامرأة من دون إذنها فضولاً؛ إذ لا يزيد النهي ها هنا على النهي هناك، ولا يزيد على النهي عن التزويج من دون إذن الولي، مع أنّه لو أجاز الوليّ صح، وعلى ذلك يُحمل قوله: «باطل» بمعنى بقائه موقوفاً، أو يؤول إلى البطلان مع عدم حصول الرضي.
لا يقال: إنّ النهى وإن لم يدلّ على الفساد فلا أقلّ من دلالته على عدم صلاحية المعقود عليها للعقد، أو على خلوّ عقد الداخلة عن دليل الصحّة.لأنا نمنع من دلالة النهي على عدم الصلاحية مطلقاً، وإنما يدلّ عليه مع عدم الرضى مطلقاً لا مع الرضى المتأخر.و دعوى انصراف الرضى للمقارن للعقد، ممنوعة، والسند ما قدمناه.ونمنع من خلوّ عقد الداخلة عن دليل الصحّة مع النهي؛ لشمول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (1)له، وشمول إطلاقات النكاح والعقد له، وغايته أنّه موقوف على حصول الرضي فإذا حصل عمل المقتضي عمله.)وقيل ببطلان عقد الداخلة؛ لمكان النهي عنه، ولتصريحه بالبطلان في الرواية (2، وتزلزل عقد المدخول عليها، فإن رضيت به لزم، وإلا فسخته (3).)وهو ضعيف؛ لمنع بطلان عقد الداخلة من أصله أوّلاً، وما استند إليه ضعيف يُعلم وجهه ممّا قدمنا، ومنع تزلزل عقد المدخول عليها؛ لاستصحاب لزومه، وعدم المقتضي لتزلزله،سيما لو قلنا ببطلان عقد الداخلة، فإنّه لم يبقَ مقتض لثبوت الخيار للمدخول عليها.وقيل بتخيير المدخول عليها بين فسخ عقدها، وبين فسخ عقد الداخلة، وبين إمضاء الجميع (4لتساوي العقدين بالنسبة إليها، ووقوعهما صحيحين، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، والجمع بين العقدين من دون رضاها منهي عنه، فلها الخيار في إبطال أيهما شاءت.)وفيه: إن الخلاص من تحريم الجمع ممكن بفسخ ما اتفق على جواز فسخه أو بطلانه، دون ما اختلف فيه؛ لوقوعه صحيحاً لازماً، فالمستصحب بقاء صحته ولزومه، فالترجيح لجانبه.وعلى هذا القول فهل للمدخول عليها فسخ الجميع ؟ يحتمل ذلك؛ لمكان الخيار.ويحتمل عدمه؛ لأنّ حرمة الجمع ترتفع بفسخ واحد، فلا سبيل لها على فسخ.وهل المراد هنا بجواز فسخها أنّ الأخير على طرز الأول، فيقع صحيحاً مؤثراً إلّا أنّه
متزلزل، أو أنّه يقع موقوفاً، كالعقد الفضولي، فإن أجازته صح، وإلا بطل؟ وجهان، وظاهر النقل هو الأخير.وقيل بصحة الأخير ولزومه؛ لاستصحاب حالته الأُولى، وبتزلزل الثاني (1، فللمدخول عليها فسخه ولها إمضاؤه؛ لأنّ الثاني قد حصل الجمع به، والجمع من دون الرضى باطل، فإن وقع الرضى صح ولزم، وإلا كان باطلاً، فهو كالعقد الفضولي، فما دلّ على صحته يدلّ عليه، بل هذا أولى بالصحّة.)وجودة هذا القول لا وجه لإنكارها إن فسرنا ذلك ببقاء عقد الأخيرة موقوفاً تنكشف صحته بالإجازة، وإن فسرناه بوقوعه صحيحاً إلّا أنّه متزلزل وللمدخول عليها فسخه أشكل ذلك في الجملة من حيث دلالة الأخبار على النهي عن عقد الداخلة، وعلى بطلان الجمع بين العقدين، فيمكن منع وقوعه صحيحاً، وحينئذٍ فأجود الوجوه والأقوال هو الأخير على التفسير الأوّل.وعلى كلّ فهل يسري الحكم لعمة العمّة وخالة الخالة؛ لمكان الإجلال المنصوص عليه في الرواية (2، فهو بمنزلة العلة المنصوصة، أو لا يسري اقتصاراً فيما خالف الأصل على المورد اليقيني، واستضعافاً للعلة؛ لاحتمالها الاختصاص بنفس العمة والخالة لقربهما؟ وهل يختص هذا بالحرائر، أو يشمل تزويج الإماء بعضهن مع بعض أو مع الحرائر ؟ وجهان. والأوجه ها هنا: طرد الحكم في الجميع حتّى لو كانت المدخول عليها أمةً والداخلة حرّةً.)لا يقال: إن العلة ها هنا منتفية فيرتفع النهي؛ لأنّ الحرّة أجلّ من الأمة.لأنا نقول : من الممكن ثبوت الجلالة لها من حيث كونها عمةً أو خالةً بحيث يزيد على قدر كونها حُرّةً.أما لو كانت الداخلة هي الأمة فلا إشكال حينئذٍ في المنع.وهذا كله مع قطع النظر عن المنع من تزويج الأمة مطلقاً أو على الحرّة.وهل يسري الحكم لملك اليمين بانفراده، أو مع اجتماعه مع التزويج؟ فيُمنع من وطء
بنت الأخ أو الأخت لو وطئ قبلهما العمة أو الخالة المملوكتين، ويُمنع من وطئهما بالملك أيضاً إذا تزوج قبلهما بالعمة أو الخالة، سواء كانتا حُرّتين أو أمتين، ويُمنع من تزويجهما حرتين كانتا أو أمتين لو كان قد وطئ قبل التزويج العمة والخالة بالملك، وهكذا.والأظهر في جميع هذه الموارد عدم المنع؛ لاختصاص أكثر الأدلّة بلفظ «التزويج» و «النكاح» الظاهر في العقد، ويُحمل غيره ممّا دلّ على منع الجمع وشبهه على ذلك.ويحتمل المنع؛ لمنع حمل منع الجمع على خصوص العقد؛ لأن العام لا يُحمل على الخاص مع اتحادهما نفياً أو إثباتاً، ولثبوت احترام العمة والخالة مطلقاً ولو لم تكونا زوجتين ولم تلزم لهما حقوق الزوجيّة، فكيف لو كانتا زوجتين وفرضناهما حُرّتين، فإنّ وطء بنت الأخ أو الأُخت المملوكتين عليهما بعد التزويج أوفق بعدم الإجلال من التزويج عليهما، فيكون منهياً عنه.ويجري حكم التحليل مجرى الملك.ويحتمل جريانه مجرى العقد.وتنبعث من الاجتماع في الزوجيّة أو ملك اليمين أو التحليل منفردةً أو مركبة صور كثيرة يفتقر الحكم بها إلى النظر والتأمل.###### سادسها: نشر الحرمة بالوطئ المجرّد عن العقد أو الملك إذا كان محلّلاًسادسها: لو تجرّد الوطء عن العقد أو الملك وكان محللاً، كوطء الشبهة الناشئ من الجهل بالموضوع أو الجهل بالحكم، فالمشهور نشر الحرمة به.ويدلّ عليه الإجماع المنقول (1المعتضد بشهرة الفتوى وبالاحتياط، ولفحوى ما دلّ على نشر الحرمة بالزني السابق (2)، فنشره للحرمة أولى؛ لشبهه بالصحيح، ولقربه منه، ولمساواته للصحيح في كثيرٍ من الأحكام بالاستقراء، وهذا الأخير يختص بنشر الحرمة فيه لو وقع قبل العقد لا مطلقاً.)وذهب جمع من أصحابنا (3إلى عدم نشر الحرمة سابقاً ولاحقاً.)ويظهر من آخرين (4الفرق بين السابق فينشر الحرمة، وبين اللاحق فلا.)
وكلّ ذلك استناداً للأصل، وعدم دليل يدلّ على حصول النشر به، وثبوت أكثر أحكام الوطء الصحيح لا يقضي بكونه مثله، ولو قضى بذلك لحصلت المحرمية به بين الرجل والمرأة أو أقاربهما، ولا يقول به أحد.وقد يقال: إن المحرمية تابعة للشبهة ما دامت متحققة، فإذا زالت زالت. وفيه: إنّ النكاح الصحيح يؤثر محرميّةً زال أو لم يزل.وقد يستدلّ على تحريم المصاهرة بوطء الشبهة بعموم (نِسَائِكُمْ (1)و(حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ) (2)و (رَبائِبُكُم) (3)ونحوها؛ لصدق الإضافة لأدنى ملابسة.)وفيه: إنّه مجاز لا يصار إليه إلّا بثبت.وعلى كلّ حال فالحكم بنشر الحرمة بوطء الشبهة مطلقاً حتّى بعد حصول العقد محلّ نظرٍ وتأمل وإن كان الاحتياط يقضي به.###### سابعها: الزنى اللاحق للعقد لا ينشر حرمة المصاهرةسابعها: الزنى اللاحق للعقد لا ينشر حرمة المصاهرة، كما هو فتوى المشهور، وعليه الإجماع المنقول (4، ويقضي به الاستصحاب، سواء صاحب العقد المتقدم وطء أم لا.)ويدلّ على ذلك الأخبار المتكثرة:كالصحيح: «إذا كانت عنده امرأة ثم فجر بأُمها أو بنتها أو أُختها لم تحرم عليه امرأته، إنّ الحرام لا يفسد الحلال» (5.)والآخر: «فإن هو تزوج ابنتها ودخل بها ثم فجر بأمها بعد ما دخل بابنتها فليس يفسد فجوره بأمها نكاح ابنتها إذا دخل بها، وهو قوله لا يفسد الحرام الحلال إذا كان هكذا»(6.)والثالث: فيمن تزوّج جارية ودخل بها ثم فجر بأُمّها أتحرم عليه امرأته؟ فقال: «لا، لأنه لا يحرم الحلال الحرام» (7.)والرابع فيمن زنى بأم امرأته أو أختها أو بنتها، قال: «لا يحرم ذلك عليه امرأته» ثم قال: «ما حرم حرام قط حلالاً» (8.)
والخامس: فيمن زنى بأم امرأته أو أختها، فقال: «لا يحرم ذلك عليه امرأته، لأن الحرام لا يفسد الحلال ولا يحرمه» (1.)والسادس: فيمن زنى بأم امرأته أو أختها أو بنتها، فقال: «ما حرم حرام قط حلالاً، امرأته له حلال» (2.)والسابع: فيمن يصيب من أخت امرأته حراماً، فقال: «إن الحرام لا يفسد الحلال» (3.)وقيل بالفرق بين الموطوءة مع العقد فلا ينشر الزنى إليها حرمة، وبين غير الموطوءة فينشر (4.)ويُستدلّ له بمفهوم الخبر الثاني (5، وبخبر عمار في الجارية للرجل فيطأها ابن ابنه قبل أن يطأها الجد، أو الرجل يزني بالمرأة، هل يحلّ لأبيه أن يتزوجها؟ قال: «لا، إنما ذلك إذا تزوجها الرجل فوطأها ثمّ زنى بها ابنه لم يضره، لأنّ الحرام لا يفسد الحلال، وكذا الجارية» (6).)والروايتان ضعيفتان سنداً، والأولى دلالة، لدلالتها بالمفهوم، فلا تصلحان لمعارضة إطلاق الأخبار المتكثّرة المعتضدة بما ذكرناه المشتملة على بيان أصل وإحكام قاعدة من أن الحرام لا يفسد الحلال، المعللة بذلك، فطرحها أجمل، وتأويلها إن أمكن فهو أفضل.هذا إن استمر العقد، فإن انقطع بفسخ أو طلاق وأراد الزاني بالمرأة تجديد العقد على أُمها أو بنتها، ففي لحوقه بما سيأتي ويُحكم بتحريمه؛ لعموم الأدلّة، أو لحوقه بما تقدم ويُحكم بالحل؛ للاستصحاب وجهان. وأما الزنى المتقدم على العقد ففي حصول نشر الحرمة قولان:أحدهما: نعم، ونُسب للمشهور (7، ونُقل عليه الإجماع (8)، ودلّ عليه خبر ابن مسلم عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): في الرجل يفجر بامرأةٍ أيتزوج بنتها؟ قال: «لا» (9).)
1) وسائل الشيعة 20: 429 الباب 8 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 4.
2) المصدر : 429 - 430، ح 6.
3) المصدر : 429، ح 5.
4) قال به ابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 7: 59، المسألة 16.
5) المتقدم آنفاً.
6) وسائل الشيعة 20 : 420. الباب 4 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 3.
7) نسبه البحراني في الحدائق الناضرة 23 : 479 إلى الأشهر.
8) لم نعثر على قائله.
9) وسائل الشيعة 20 : 430 الباب 8 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 7.
والآخر: «إذا فجر الرجل بامرأة لم تحل له ابنتها» (1.)والثالث: في رجل بينه وبين امرأةٍ فجور؟ فقال: «إن كانت قبلةً أو شبهها فليتزوج ابنتها، وإن كان جماعاً فلا يتزوج ابنتها» (2.)والرابع: مثله، وفيه: «وإن كان جماعاً فلا يتزوّج» (3.)والخامس: في رجل فجر بامرأةٍ أيتزوج أُمها من الرضاعة أو بنتها؟ قال: «لا» (4، ولولا أنّه حرام في النسب لما حرم في الرضاع بشهادة الاستقراء.)والسادس: في رجل باشر بامرأةٍ وقبل غير أنّه لم يفض إليها ثم تزوج ابنتها، فقال: «إن لم يكن أفضى إلى الأم فلا بأس، وإن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها» (5وغير ذلك.)وهذه الأخبار مع اعتضادها بالشهرة المحصلة أو المنقولة توافق الاحتياط في الفروج والبعد عن العامّة، كما يظهر من بعض (6، فيلزم الاعتماد عليها، ولا يمكن الاقتصار في نشر الحرمة على ما في هذه الأخبار فقط؛ لعدم قائل بالفصل ممن يُعتد به.)والقول الآخر هو عدم النشر به مطلقاً؛ للأصل، وللأخبار، ولإطلاق الكتاب، كقوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (7)، وكذا إطلاقات السنة.)ومن الأخبار: الصحيح في رجل فجر بامرأة يتزوج ابنتها؟ قال: «نعم، يا سعيد، إنّ الحرام لا يفسد الحلال» (8.)والآخر عن الرجل يأتي المرأة حراماً، أيتزوجها؟ قال: «نعم، وأُمها وبنتها» (9.)والثالث: رجل فجر بامرأة، هل يجوز أن يتزوج بابنتها؟ قال: «ما حرم حرام حلالاً قط» (10.)
1) وسائل الشيعة 20 : 430 الباب 8 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها. ح 8.
2) المصدر : 424، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 3.
3) المصدر، ح 4.
4) المصدر : 427 - 428، الباب 7 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 1 و 2.
5) المصدر : 424، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة...، ح 2.
6) راجع الحدائق الناضرة 23 : 483.
7) النساء (4) : 24.
8) وسائل الشيعة 20 : 425 الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 6.
9) المصدر، ح 7.
10) المصدر : 426، ح 9.
والرابع: في رجل فجر بامرأةٍ، أتحلّ له ابنتها؟ فقال: «إن الحرام لا يفسد الحلال» (1.)والخامس: في رجل تزوج امرأته سفاحاً، هل تحل له ابنتها؟ قال: «نعم، إن الحرام لا يحرم الحلال» (2.)والسادس: في رجل فجر بامرأةٍ، هل له أن يتزوج بابنتها؟ قال: «ما حرم حرام حلالاً قط» (3.)والسابع: رجل يفجر بامرأةٍ وهي جارية قوم آخرين ثم اشترى بنتها، أيحل ذلك؟ قال: «لا يحرم الحرام الحلال» (4.)وهذه الأخبار كلّها لا تقاوم الأخبار المتقدّمة المعتضدة بالشهرة والاحتياط والبعد عن العامّة، كما يظهر من بعض، فلا بد من طرح الأخيرة أو حملها على الفجور بعد حصول العقد المحلّل على البنت وشبهها أو على الفجور بغير الزنى من اللمس والتقبيل، وهذان المحملان وإن كانا بعيدين إلّا أنهما في مقام الحمل لا بأس بهما.ويزيد الزنى بالعمة والخالة في تحريم ابنتيهما على الزاني بهما - فتوى ودليلاً - على غيرهما، فقد قال بالتحريم هنا مَنْ لم يقل هناك، ونُقل الإجماع (5هنا زيادة على الإجماع المتقدم (6)، والأشهريّة ها هنا محققة على الظاهر.)وفي الخالة رواية محمد بن مسلم عن رجل نال من خالته في شبابه ثم ارتدع أيتزوج ابنتها؟ فقال: «لا» قال: إنّه لم يكن أفضى إليها إنّما كان شيء دون ذلك؟ قال: «لا يصدق ولا كرامة» (7.)وهي ضعيفة السند والدلالة؛ لاشتمالها على تكذيب السائل في غير مقام الإعجاز، وهو بعيد عن طريقة الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ، إلّا أن الجابر لها قوي، وربما أرسل بعض الفقهاء رواية في العمة، فيمكن جبر المرسل بما ذكرنا والاعتماد عليه.)
وفي إجراء حكم العمة للعمّة العليا - كعمة العمّة - والخالة كذلك وجهان. والأقرب عدم الإلحاق.ولو وطئ الرجل امرأةٌ زني حرمت على أبيه وابنه؛ لما قدمنا وإن كان أكثر الأخبار واردة في الأم والبنت (1.)نعم، لا يجري الحكم للأخت والعمة والخالة، فالزاني بالأخت لا تحرم عليه أختها، والزاني بالعمة لا تحرم عليه بنت أخيها؛ لأنّ المتيقن من تحريمهما هو ما اقتضاه الجمع في عقد أو وطء صحيح.وكذا الكلام في الخالة.وحكم الأمة حكم الحرّة في الزنى بالنسبة إلى الأُم والبنت، وأما بالنسبة إلى تحريم الموطوءة به على أب الزاني أو ابنه فهو كذلك.وإن كان الوطء قبل ملك الأب أو الابن حرمت عليهما لو مَلَكاها أو حلّلت لهما، وإن كان بعد الملك والوطء لم تحرم عليهما.وإن وقع الزنى بين الملك والوطء، فالأظهر عدم التحريم؛ تنزيلاً للملك منزلة العقد، ولشمول الأخبار القاضية بـ «أنّ الحرام لا يحرم الحلال» (2له.)ولإطلاق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا زنى الرجل بامرأة ابنه أو بامرأة أبيه أو بجارية ابنه أو بجارية أبيه فإنّ ذلك لا يحرمها على زوجها، ولا يحرم الجارية على سيدها، إنما يحرم ذلك منه إذا أتى الجارية وهي حلال، فلا تحلّ تلك الجارية أبداً لابنه ولا لأبيه» (3).)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في امرأة أمرت ابنها أن يقع على جارية لأبيه فوقع، قال: «أتمت وأثم ابنها. وقد سألني بعض هؤلاء عن هذه المسألة، فقلت: أمسكها، فإنّ الحلال يفسده الحرام» (4).)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في رجل عنده جارية وزوجة، فأمرت الزوجة ابنها أن يثب على جارية أبيه، ففجر بها، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يحرم ذلك على أبيه» (5).)
وقيل بالتحريم ما لم يطاً (1تنزيلاً للوطء منزلة العقد، وللاحتياط.)ولخبر عمار في الرجل تكون له الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجد، أو الرجل يزني بالمرأة، هل يحل لأبيه أن يتزوجها؟ قال: «لا، إنما ذلك إذا تزوجها الرجل فوطأها ثم زنى ابنه لم يضره، لأنّ الحرام لا يفسد الحلال، وكذا الجارية» (2.)والخبر الآخر: في رجل اشترى جاريةٌ ولم يمسها، فأمرت امرأته ابنه - وهو ابن عشر سنين - أن يقع عليها، فوقع عليها، فما ترى فيه؟ قال: «أثم الغلام، وأثمت أُمّه، ولا أرى للأب إذا قربها الابن أن يقع عليها» (3.)وهذا القول ضعيف؛ لضعف روايته عن مقاومة تلك الأخبار، فلا يصح تقييد تلك الأخبار بهاتين الروايتين، وحملهما على الكراهة أقرب، والاحتياط غير خفي.###### ثامنها: النظر واللمس في الحرائر إلى ما يحلّ النظر إليه وإلى ما لا يحل لا ينشر حرمة المصاهرةثامنها: النظر واللمس في الحرائر - محلّلاً أو محرّماً، بشهوة أو بغيرها - إلى ما يحلّ النظر إليه وإلى ما لا يحلّ لا ينشر حرمة المصاهرة مطلقاً؛ للأصل والعمومات وفتوى المشهور.ونقل القول بمساواة النظر واللمس المحرمين للزنى في نشر الحرمة على القول به عن بعض الأصحاب (4.)ولكنه ضعيف، ولم يُعرف القائل به، وتردّه الأخبار المتقدّمة (5الدالّة على عدم تحريم بنت المرأة على من تناول منها قبلةً وشبهها إذا لم يفض إليها المعتضدة بفتوى مشهور الأصحاب إن لم يكن مجمعاً عليه.)ونقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه : الحكم بمساواة النظر واللمس الواقعين بشبهة للوطء الواقع بشبهة، واستدل على ذلك بإجماع الفرقة وأخبارهم(6).)وهو ضعيف أيضاً؛ لمنع الإجماع إن لم ينعقد على خلافه، ولمنع الأخبار المعتمدة الصالحةللاستناد، والأخبار المخالفة للمشهور لا عبرة بها، كما سيأتي إليها الإشارة إن شاء اللّه تعالى.
ويمكن حملها على التقية أو الكراهة.وأما النظر واللمس بشهوة أو إلى غير ما يحلّ نظر الأجانب إليه إذا وقع محلّلاً في ملك يمين فهل ينشر حرمة المصاهرة - بمعنى تحريم المملوكة بذلك على الأب أو الابن وتحرم أمها وبنتها - أم لا؟ أقوال:فقيل بالتحريم مطلقاً (1.)وقيل بعدمه مطلقاً (2.)وقيل بتحريم المنظورة والملموسة على الابن والأب، دون غيرهما (3.)وقيل بتحريم منظورة الأب أو ملموسته على الابن، دون العكس، ودون غيره (4.)وأوجه الأقوال: عدم التحريم مطلقاً؛ للأصل، وعموم أدلّة النكاح، وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (5)والأخبار الدالّة على عدم تحريم بنت المرأة إذا لم يفض إليها وإن باشرها وقبلها (6)، وهو شامل للحرّة والأمة، ولما كان محلّلاً أو محرّماً، ولما كان شبهة أو غيرها، وكذا الآية الشريفة المعلّقة لتحريم البنت على الدخول بأمها (7)، والدخول هو الوطء، وخصوص الخبر: عن الرجل يقبل الجارية ويباشرها من غير جماع داخل أو خارج أتحلّ لابنه أو لأبيه؟ قال: «لا بأس» (8).)ونقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه حصول التحريم بالنظر واللمس مطلقاً (9).)وخصه في النهاية بالنظر والتقبيل بشهوة، فحرّم المنظورة والملموسة بالتقبيل بشهوة على أب الناظر وابنه (10.)
1) راجع الخلاف 4 : 308. المسألة 81.
2) قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر :2 528؛ والمحقق في شرائع الإسلام 2 : 233.
3) قال به الشيخ الطوسي في النهاية: 451 و 496؛ وابن البراج في المهذب :2: 182؛ وابن حمزة في الوسيلة: 292 - 293.
4) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 502.
5) النساء (4) : 24.
6) راجع ص 161 وما بعدها.
7) النساء (4) : 23.
8) وسائل الشيعة 21 : 195، الباب 77 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 3.
9) راجع الخلاف 4 : 308 و 309، المسألتان 81 و 82.
10) النهاية : 451 و 496.
و حرم أُمّ المنظورة والملموسة وابنتها مطلقاً في مقام، وخصه في آخر بالنظر إلى الفرج (1، على ما نُقل عنه في جميع ذلك.)ويُستدل للشيخ (رَحمهُ اللّه بما روي: «لا ينظر اللّه إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وبنتها» (2).)وما روي: «مَنْ كشف قناع امرأةٍ حرمت عليه بنتها» (3.)وإلى الصحيح عن رجل تزوج بامرأةٍ فنظر إلى رأسها وإلى بعض جسدها، أيتزوج بنتها؟ قال: «لا، إذا رأى منها ما يحرم على غيره فليس له أن يتزوج بنتها» (4.)والأخرى: عن رجل تزوج امرأة فمكث أياماً معها لا يستطيعها غير أنّه قد رأى منها ما يحرم على غيره، ثم طلقها، أيصلح له أن يتزوج بنتها؟ قال: «لا يصلح له وقد رأى من أُمها ما رأى» (5.)ونحوهما الثالثة (6.)وإلى ما رواه ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في الرجل تكون عنده الجارية يجردها وينظر إلى جسدها نظر شهوةٍ، هل تحلّ لأبيه ؟ وإن فعل أبوه هل تحلّ لابنه؟ قال: «إذا نظر إليها نظر شهوة ونظر منها إلى ما يحرم على غيره لم تحلّ لابنه، وإن فَعَل ذلك الابن لم تحل للأب» (7).)والآخر عن الرجل تكون له الجارية فيقبلها، هل تحلّ لولده؟ فقال: «بشهوة؟» قلت: نعم، قال: «ما ترك شيئاً إذا قبلها بشهوةٍ» ثمّ قال: «إن جردها أو نظر إليها بشهوة حرمت على أبيه وابنه» فقلت: إذا نظر إلى جسدها؟ فقال: «إذا نظر إلى فرجها وجسدها بشهوة حرمت عليه» (8.)والثالث: «إذا جرّد الرجل الجارية ووضع يده عليها فلا تحلّ لابنه» (9.)
1) الخلاف 4 : 308 و 309، المسألتان 81 و 82.
2) عوالي اللآلي 3 : 333، ح 222.
3) المصدر، ح 223.
4) وسائل الشيعة 20 : 460 الباب 19 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 1.
5) المصدر : 460 - 461، ح 2.
6) المصدر : 461، ذيل الحديث 2.
7) المصدر : 418. الباب 3 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 6.
8) المصدر : 417، ح 1.
9) المصدر : 418، ح 4.
والرابع: «أدنى ما تحرم به الوليدة تكون عند الرجل على ولده إذا مسها أو جردها» (1.)والخامس: في رجل تكون عنده الجارية فيكشف عنها فيراها، أو يجردها لا يزيد على ذلك؟ قال: «لا تحلّ لابنه» (2.)والسادس: في رجل اشترى جاريةٌ فقبلها، قال: «تحرم على ولده» وقال: «إن جرّدها فهي حرام على ولده» (3.)وجميع هذه الأخبار على كثرتها لا تعارض الكتاب والأخبار الدالّة على عدم تحريم البنت مع عدم الدخول بالأم، من غير فرق بين الأمة والحرّة، وبين اللمس والنظر، وبين كونهما محلّلين أو محرّمين، وبين كونهما بشبهة أو من دون شبهةٍ.ولا تعارض أيضاً عموم الكتاب الدال على تحليل ما وراء ذلك (4، والخبر المتقدم (5)الدال على عدم تحريم الجارية إذا قبلها أو باشرها الرجل من دون جماع، المعتضد بالعمومات.)ويمكن تأييده بالسيرة والطريقة القاضيين بعدم التحريم فيهما، بل وبالعسر والحرج المنفيين(6لتأديته إلى تحريم نساء كثيرة على الوالد والولد من جهة النظر الواقع من الشخص، وقلما ينفك الإنسان عن نظر النساء المكشفات في البوادي والطرقات من الأحرار والمملوكات على وجه القهر أو الشبهة أو المحرم في أغلب الأوقات، فلتحمل أخبار تحريم الملموسة على الأب أو الابن أو المنظورة على الكراهة، سيما ملموسة الأب ومنظورته؛ لكثرة ورود الأخبار بها، حتّى أفتى بعضهم باختصاص التحريم بذلك دون العكس (7).)هذا، ومع ذلك ففي الحكم بتحريم ملموسة الرجل ومنظورته إذا كانت مملوكة له أو محلّلةً عليه إذا كان النظر واللمس بشهوة لغير ما يحلّ للمالك، أو كان بشهوة مطلقاً، أو كان لغير ما يحلّ مطلقاً بشهوةٍ أو غيرها على أبيه وولده قوة؛ لورود الروايات المعتبرة فيه من دون
معارض، سيما ملموسة الوالد أو منظورته بالنسبة إلى ولده، وعموم الكتاب والرواية المتقدمة الدالان على الجواز يمكن أن يحكم بتخصيصهما بهذه الأخبار، ويمكن حمل الرواية المطلقة المجوّزة على هذه؛ لتقييدها بالشهوة دون تلك.ويمكن الاستناد في تحريم منظورة الابن إلى قوله تعالى: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ (1)لأن المملوكة حليلة من الحلال، خرج ما لم ينظر إليها بالإجماع وبقي الباقي.)وعلى كلّ حالٍ فيبقى حكم غير المملوكة له والمحلّلة، كالمنظورة شبهة حرّة أو أمةٌ، أو الملموسة كذلك، أو كان ذلك على وجه محرم لحرّةٍ أو أمةٍ على وفق القواعد، فلا ينشر النظر واللمس حرمةً لأب أو لابن، أو منها لأمها أو بنتها.ويراد بالنظر واللمس إلى ما لا يحلّ لغير المالك هو النظر إلى غير الوجه والكفين، أو إليهما مع الشهوة، فإنّه لا يحلّ لغير المالك، وأما اللمس فهو محرم مطلقاً بشهوة أو دونها للوجه والكفين أو غيرهما.ويظهر من العلّامة تجويز لمس الكفّين من الجارية(2، وكأنّه لجواز النظر إليهما، وللسيرة القاضية بتناولها ودفعها للأجانب. ولكنّه لا يخلو من إشكال.ويظهر من جمع (3قصر التحريم على النظر بشهوة حتّى لما عدا الوجه؛ لما يظهر من الأخبار المتقدمة (4)، المقيدة له بالشهوة.)وقد يقال: إنّ القيد محمول على الغالب، بل قد يُشكّ في إفادة الأخبار التقييد، وربما ظهر منها أنّ كلّاً من النظر إلى ما لا يحلّ على غير المالك والنظر بشهوة موجب لنشر الحرمة، بل ربما ظهر منها أنّ النظر إلى ما يحلّ لغير المالك - كنظر الوجه والكفّين - إذا كان بشهوة موجب لذلك أيضاً.وهو خلاف ما يظهر من الفقهاء؛ حيث أطلقوا استثناء النظر إلى ما يحلّ لغير المالك من محل النزاع.
ويمكن حمله على دخوله فيما لا يحل؛ لأنه إذا كان بشهوة لا يحلّ.ومما ذكر يظهر وجه الاستدلال للأقوال المتقدمة والجواب عنها.###### تاسعها: بطلان العقد فيما لو جمع بين الأختين نسبيتين أو رضاعيتين بعقد واحدتاسعها: يحرم الجمع بين الأُختين نسبيتين أو رضاعيتين لأب أو أُمّ، كما تقدم (1.)ولو جمعهما في عقد واحد بطل العقد؛ لعدم إمكان الترجيح من دون مرجح، وعدم إمكان القول بصحة أحدهما لا بعينه ؛ لعدم وجود المبهم في الخارج، وكذا لو جمعهما في عقدين دفعة واحدة.وفي بعض الأخبار ما يظهر منه إمكان صحّة العقد الواقع عليهما بالنسبة إلى إحداهما (2. وهو ما يختاره العاقد بعد ذلك.)وهي وإن كانت صحيحة السند ولكن لمخالفتها القواعد وشهرة الفتوى الموهنة لما خالفها من الأخبار مطرحة، أو مؤوّلة بإرادة الخيار في تجديد العقد.نعم، يمكن أن ينطبق على القواعد ما لو وقع عقدهما أولاً، ثمّ أجازت بعد وقوعه واحدة دون الأخرى، فيمكن أن يصح عقد المجيزة، ويبطل عقد الأُخرى؛ تنزيلاً لعقدهما منزلة الفضولي، فلو أجازتا معاً بطل العقدان.ومثله ما لو عقد شخص عنهما دفعةً فضولاً فأجازت واحدة دون الأخرى.ولكن ظاهر الفتوى والنهي عن الجمع (3المقتضي للفساد يأبى الصحّة مطلقاً، سيما وقد نقل الإجماع هنا على فساد العقد من أصله (4)، وظاهره الفساد، سواء كان بعقد واحد أو بعقدين وقعا دفعة.)ولو عقد عنهما الفضوليان مرتباً فأجازتا فإن قلنا: إنّ الإجازة ناقلة، كان العقد لمن أجازت أوّلاً تقدم عقدها أو تأخر، وإن قلنا: كاشفة، كان العقد لمن تقدم عقدها.وكما يحرم الجمع بينهما بالعقد كذلك يحرم بالوطء، فلا يجوز لمن تزوج بأمةٍ أو حُرّةٍ أن يطأ أُختها بالملك أو التحليل وإن جاز له ملكها، وكذا لا يجوز لمن وطئ أمةً بالملك أو التحليل أن يجمع بينها وبين أختها حُرّةً أو أمةٌ بالوطء في التزويج.
وفي جواز نفس التزويج خلاف، والأظهر جوازه ولكن تحرم المملوكة عليه، ولا يجوز له وطؤها ما دامت الثانية زوجته، ودليل ذلك الأصل، وكون النكاح أقوى من ملك اليمين فلا يبطله.ويدل على قوته كثرة الأحكام المترتبة عليه، وكون ملك اليمين مقصوداً للمالية أولاً وبالذات دون النكاح، فإنّ المقصود منه الاستفراش.وقد يحتمل جواز وطئها بنيّة اعتزال الزوجة، ولكنه بعيد.وقيل ببطلان التزويج (1لعموم النهي عن الجمع (2)، والصيرورة الأمة فراشاً، ولا تجعل الأخت فراشاً على الأُخت، وهو أحوط.)ولو انعكس الفرض بأن كان ملك الأخت بعد التزويج بالأُولى، ملك الأُخت، وحرم وطؤها قطعاً، ولا تخرج الأولى عن الزوجيّة، ولا يحرم وطؤها؛ لأن حق الوطء بسبب العقد أقوى منه بسبب الملك.###### عاشرها: حكم ما لو عقد على امرأة ثم عقد على أُختها أو اشتبه السابق باللاحقعاشرها: لو عقد على امرأةٍ ثمّ عقد على أختها بطل عقد الأخيرة، فإن اشتبه السابق باللاحق منع منهما، ويُلزم بطلاقهما معاً؛ لرفع الضرر والضرار (3، ولقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ) (4)، ولا يكفي طلاق واحدةٍ معينة؛ لاحتمال عدم كونها زوجة.)ويُحتمل عدم جواز جبر الحاكم له على الطلاق للأصل، ولأنه بيد مَنْ أخذ بالساق.ويحتمل أن له فسخهما، أو للحاكم ذلك.وهما بعيدان.ولو قال: زوجتي منهما طالق، صح؛ لأنه تعيين.ولو طلّق بعد الدخول بهما لشبهةٍ، استحقتا عليه المهر المسمى ومهر المثل، فيقترعان عليهما أو تصطلحان.وإن كان من دون شبهةٍ، استحقتا نفس المسمّى، فتقترعان عليه أو تصطلحان.
وإن طلق قبل الدخول، كان لهما نصف أحد المسمّيين، فتقترعان عليه أو تصطلحان بينهما.ويحتمل أن لهما ربع مجموع المهرين.وعلى الأوّل يحتمل الأخذ بالأقل من المهرين المسمّيين؛ للأصل.ويحتمل الاقتراع عليه.وعلى الثاني فإن اتفقا جنساً فلا كلام.وإن اختلفا، فيشكل من حيثية إن الواجب نصف أحدهما، وهو مخالف لربع المجموع، فإيجابه عليه يوجب إسقاط الواجب وإسقاط غيره، ومن أنّ النصف لما اشتبه بينهما ولا مرجّح لزم التقسيط، وحينئذٍ فالأقرب دفع القسط من كلّ مهرٍ إلى مَنْ عيّن لها.ويحتمل قسمة المجموع عليهما؛ لعدم المرجّح أو القرعة، أو الإيقاف حتّى تصطلحا.ولو تبينت السابقة من اللاحقة، كان عقد اللاحقة باطلاً مع العلم بها أو الجهل، فلو دخل بهما لزمه حالة العلم اعتزال الأخيرة، وجاز له وطء السابقة، سواء كانت للاحقة عدة أو لم تكن، وسواء كانت في أيام العدة أو بعدها؛ للأصل، وفتوى أكثر الأصحاب (1، وعمومات الأدلّة القاضية بجواز وطء الزوجة وبلزوم حقوقها، وكون أُختها في عدته لا يصلح للمانعية؛ لأنها عدة بائنة قضى بها وطء الشبهة، فهي بمنزلة المختلعة والمبارأة.)نعم، ورد عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ في رجل تزوج امرأةٌ في العراق ثم خرج إلى الشام فتزوج امرأة أُخرى فإذا هي أخت امرأته، قال: «يفرّق بينه وبين امرأته التي بالشام، ولا يقرب العراقية حتّى تنقضي عدة الشامية» ثم ذكر بعد ذلك: «إنّ مَنْ تزوّج البنت ثم تزوّج الأُمِّ كان حكمه كذلك» (2).)وهو محمول على الندب؛ لعدم قابليته لمعارضة ما ذكرنا من الأدلّة.وإن شاء الزوج نكاح الثانية، لزمه أن يطلق الأولى طلاقاً بائناً أو رجعياً، فينتظر إلى أن تخرج من العدة فيعقد على الثانية، فلو عقد على الثانية قبل خروج الأولى من العدة الرجعية كان العقد باطلاً.
وفي خبر محمد بن قيس: «في أُختين نكح إحداهما رجل ثمّ طلّقها وهي حبلى ثم خطب أختها فنكحها قبل أن تضع أختها المطلقة ولدها، فأمره أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ أن يفارق الأخيرة حتّى تضع أختها المطلقة ولدها، ثمّ يخطبها ويصدقها صداقاً مرّتين» (1)ما هو نص في ذلك، وتكرير الصداق؛ لمكان مهر المثل والمسمّى الواقع أخيراً.)نعم، في بعض النسخ: «ثمّ أمره أن يطلقها» وهو محمول على الإطلاق بعد دخولها في عقده ولو صورةً، لا على التطليق؛ لعدم صحّة العقد كي تترتب عليه صحّة التطليق.###### حادي عشرها: فيما لو وطئ أمة بالملك حرم عليه وطء أُختها###### إشارة:حادي عشرها: لو وطئ أمةً بالملك، حرم عليه وطء أختها بالملك أو التحليل حتّى تخرج الأولى عن ملكه؛ للإجماع، وللآية الناهية عن الجمع (2.)وفي اشتراط الخروج عن الملك بعقد لازم وجه قوي؛ لتمكنه من فسخ العقد الجائز متى شاء، فيكون بمنزلة عدم الخروج.وفي الاكتفاء بتحريم بضعها عليه بتزويج أو كتابة أو رهن وجه.والأوجه خلافه للأصل الاستصحابي، وللاحتياط، ولبقاء صدق الجمع.فإن وطئ الثانية قبل إخراج الأولى، فإن كان عالماً بالتحريم حرمت الأولى حتّى تموت الثانية، أو يُخرجها عن ملكه لا للعود إلى الأولى، فإن أخرجها لذلك لم تحلّ الأُولى، وإن كان جاهلاً حلت الأولى إذا أخرجت الثانية عن ملكه على كلّ حال، وهذا منسوب إلى جمع من أصحابنا (3.)أما الاشتراط بالإخراج عن الملك لا بنية العود؛ فللأخبار:كصحيحة ابن مسلم عن رجلٍ عنده أختان مملوكتان فوطئ إحداها ثم وطئ الأُخرى، قال: «إذا وطئ الأُخرى فقد حرمت عليه الأولى حتّى تموت الأُخرى» قال: قلت: أرأيت لو باعها أتحلّ له الأولى؟ فقال: «إن كان باعها لحاجة ولا يخطر بباله من الأُخرى شيء فلا أرى بذلك بأساً، وإن كان يبيعها ليرجع إلى الأولى فلا ولا كرامة» (4. ونحوها حسنة الحلبي (5).)
وأما الفرق بين العلم والجهل: فللصحيح؛ عن الرجل يشتري الأختين فيطأ إحداهما ثمّ يطأ الأُخرى بجهالة، قال: «إذا وطئ الأخيرة بجهالة لم تحرم عليه الأولى، وإن وطئ الأخيرة وهو يعلم أنها عليه حرام حرمتا عليه جميعاً» (1.)وأما اشتراط الخروج عن الملك مع الجهل؛ فلرواية عبد الغفار عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: في رجل كانت عنده أختان فوطئ إحداهما ثمّ أراد أن يطأ الأخرى، قال: «يخرجها عن ملكه» قلت: إلى مَنْ؟ قال: «إلى بعض أهله» قلت: فإن جهل ذلك حتّى وطأها؟ قال: «حرمتا عليه كلتاهما» (2).)وقيل: إنّه متى أخرج إحداهما عن ملكه أيةً كانت، حلت الأخرى(3، سواء كان الإخراج للعود إلى الأولى أو الأخرى، وسواء علم بالتحريم أم لا؛ لأصل الإباحة، وانتفاء الجمع بذلك، وعموم (مَا وَرَاءَ ذَلِكُم) (4)، و (مَا مَلَكَت أيمَانُكُم) (5)و «الحرام لا يحرم الحلال» (6)ولا إجماع أو خبر متواتر يخصص ذلك، فلتحمل الأخبار على الكراهة.)وإن لم يخرج إحداهما عن ملكه، فالثانية محرّمة دون الأولى؛ استصحاباً، ولأن الحرام لا يحرم الحلال.وقيل بتحريم الأولى مع العلم بالتحريم إلى أن تموت الأخرى، أو يُخرجها عن ملكه لا للعود، وعدمه مع الجهل من غير اشتراط لخروج الأخرى عن ملكه (7، للأصل، والعمومات، والأخبار المتقدمة، عدا خبر عبد الغفار.)وهو ضعيف.وقيل: تحرم الأولى حتّى تخرج الثانية عن الملك، من غير فرق بين العلم والجهل، والإخراج للعود أو لغيره (8.)
1) وسائل الشيعة 20 : 483 - 484 الباب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 5.
2) المصدر : 0484 ح 6.
3) قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 538.
4) النساء (4) : 24.
5) النساء (4) : 3.
6) وسائل الشيعة 20 : 426. الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 11.
7) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 455.
8) راجع شرائع الإسلام 2 : 258.
ويدل عليه خبر معاوية بن عمار: في رجل كانت عنده كانت عنده جاريتان جاريتان أُختان فوطئ إحداهما، ثم بدا له في الأخرى قال: «يعتزل هذه ويطأ الأخرى» قال: قلت: فإنه تنبعث نفسه للأُولى، قال: «لا يقربها حتّى تخرج تلك عن ملكه» (1.)والحق في المقام أن يقال: إنّ النهي عن الجمع بين الأختين لا يراد به حقيقته قطعاً، وليس كالعام المخصوص حجّةً في الباقي، بل الظاهر هنا إرادة معنى خاص منه، فيؤخذ بالمقطوع به ويُترك المشكوك به والمتيقن من الجمع المحرَّم هو جمعهما بالعقد، ويتبعه التحليل، أو جمعهما بالوطء مطلقاً، أو بدون نية الاعتزال.والظاهر أن نية الاعتزال لا تكفي في تجويز وطء الثانية، بل لا بد من إخراج الأولى عن الملك، فإن كان عقد الأولى تزويجاً وطئها أم لا، حرم عليه وطء الثانية كتحريم الوطء في الحيض، لا كتحريم الزنى فيستحق التعزير لا الحدّ، فإن وطئ الثانية فَعَل حراماً، وبقيت الأولى حلالاً؛ لأنّ الحرام لا يفسد الحلال، فلو طلّق الأولى طلاقاً بائناً حلّت الثانية، وكذا لو كان تحليلاً وقد وطئها أو مطلقاً، فإنّها لا تحلّ حتّى تخرج من تحليله.وإن كانت الأولى مملوكة وقد وطئها بالملك، حرم عليه تحليل الثانية على الأظهر، ولا يحرم عليه تزويجها؛ لقوة العقد على الملك، فإذا جاز تزويجها حرمت عليه الأولى وطئاً، وحلّت له الثانية، إلّا أن يطلقها أو تموت الثانية، مع احتمال حرمة تزويجها مطلقاً، واحتمال جواز التزويج وحرمة الوطء فقط إلى أن تخرج الأولى عن ملكه.ويحتمل حينئذٍ في الأولى بقاء حلية الوطء وعدمه.وإن كانت الأولى مملوكة والثانية مملوكة، جاز جمعهما في الملك قطعاً، ولا يجوز جمعهما في الوطء بأن يطأ كلاً منهما.ولا تكفي نية الاعتزال عن واحدةٍ في تجويز وطء الثانية، فلو وطئ الأولى حرمت عليه الثانية، إلّا أن يُخرج الأولى عن ملكه، فلو فَعَل حراماً ووطئ الثانية أو وطئها جهلاً لم تحلّ له الثانية بذلك الوطء، بل يبقى وطؤها حراماً ووطء الأولى حلالاً؛ لأن الحرام لا يفسد الحلال.
1) وسائل الشيعة 20: 482 - 483 الباب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 2.
ولو أخرج الأولى عن ملكه حلت الثانية.ويحتمل أنهما تحرمان معاً بوطء الثانية؛ لحصول الجمع بينهما بالوطء ولا مرجح، وحينئذٍ فيتوقف التحليل على إخراج إحداهما عن ملكه فتحلّ الأُخرى حينئذٍ.وبالجملة، فالجمع في الملك لا بأس به، وكذا في الملك والتزويج سابقاً أو لاحقاً على الأظهر وكذا في الملك والتحليل، ولا يجوز الجمع بالعقد أو بالتحليل أو بهما أو بالوطء مع الملك بهما، أو مع الملك والتحليل، أو مع الملك والتزويج، فلو جمعهما في الوطء افتقر إلى محلل.هذا كله على وفق القواعد، إلّا أن الأخبار (1المعتبرة ها هنا قد حكمت بأن وطء الثانية بالملك ممّا يحرم الأولى عليه لو كان عالماً بتحريم وطء الثانية، وظاهرها أنهما تحرمان جميعاً، وأنه لا يحلّل الأولى إلّا إخراج الثانية عن ملكه لا بنية العود إلى الأُولى، فلو أخرجها كذلك بقيت الأولى على تحريمها، ويبقى أنّه لو أخرج الأولى عن الملك لحلّت الثانية على وفق القواعد وإن لم تصرح به الأخبار.)ولو كان جاهلاً، فالأولى تبقى على الحل والثانية على الحرمة.ولو أخرج الأولى عن الملك، حلّت الثانية له أيضاً، وهذا هو الموافق للأخبار المعتمدة.نعم، في رواية عبد الغفّار (2ما يخالف القواعد من الحكم بتحريمهما معاً.)وهي ضعيفة لا تعارض الروايات الموافقة للقواعد، فلتُطرح، أو تحمل على الكراهة، وحملها الشيخ على صورة ما إذا أخرج إحداهما عن ملكه (3، وهو بعيد.)وفي بعض الأخبار ما يدلّ على أن الاعتزال للأُولى محلّل لوطء الثانية (4، وهو مخالف لفتوى الأصحاب.)وفي بعضها ما يدلّ على جواز وطء الأختين بالملك، وأنهما ممّا قد أحلّتهما آية وحرمتهما آية (5.)
والظاهر أن المحللة هي : (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (1)، والمحرمة هي: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ) (2).)والظاهر أنّه محمول على التقيّة؛ لمخالفته الكتاب وأخبار الباب وفتوى الأصحاب، مضافاً إلى اشتمال بعضها على أنها ممّا ينهى نفسه وولده (3، وبعضها على أنّي لا أُحلّه ولا أُحرّمه، ولا أفعله أنا ولا أحد من أهل بيتي (4)، وهو ظاهر في التحريم.)###### فائدة: فيما حرّم بعض المتأخرين من الأخباريين الجمع بين فاطميتينفائدة: قد حرم بعض المتأخرين من الأخباريين الجمع بين الفاطميتين؛ لما ورد عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن حماد، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: «لا يحلّ لأحدٍ أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة، إن ذلك يبلغها فيشق عليها» قلت: يبلغها؟ قال: «إي والله» (5).)وأيده أنّ المشقة نوع إيذاء لها، وإيذاؤها كإيذاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ (6).)وهو ضعيف جداً لا يكاد أن يُعدّ في الأقوال؛ لمخالفته الكتاب والسنّة والإجماع بقسميه (7والسيرة القطعية من زمن الأئمّة إلى يومنا هذا، سيما لرجال الفاطميين أنفسهم، ولو حرم ذلك بل لو كان مكروهاً لحصل فيه الاختلاف، وتساءلت عنه الرجال، وكثر فيه القيل والقال، وكلّ ذلك دليل خلوّه من الإشكال.)##### رابعها - ممّا يحرم بالسبب - :إنه لا يجوز للحرّ أن يتزوّج دواماً بالمملوكة مع الطول وعدم خوف العنت، ويجوز له الوطء بملك اليمين وبالتحليل، سواء قلنا: إنّه عقد أم لا للأصل، وللخبر المعتبر في امرأةٍ أحلت لزوجها جاريتها، قال: «ذلك له» (8.)
1) النساء (4) : 24.
2) النساء (4) : 23.
3) راجع الهامش (5) من ص 175.
4) وسائل الشيعة 20: 486، الباب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 12.
5) المصدر : 503، الباب 40 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 1 وذيله.
6) البحراني في الحدائق الناضرة 23 : 542 - 551.
7) راجع جواهر الکلام 29 : 392.
8) وسائل الشيعة 21 : 128، الباب 32 من أبواب نكاح العبيد والإماء. ح 1.
وفي المتعة وجهان: من شمول ما دلّ على منع النكاح والتزويج لها (1، ومن انصراف ذلك إلى الدوام، وللخبر المعتبر : هل للرجل أن يتمتع من المملوكة بإذن أهلها وله امرأة حُرّة ؟ قال: «نعم، إذا رضيت الحُرّة» قلت: فإذا أذنت الحُرّة يتمتع منها؟ قال: «نعم» (2).)وأظهر الوجهين الأوّل، وتُحمل الرواية على فقدان الشرطين.وأما عدم جواز نكاح الأمة مع الطول وعدم خوف العنت فهو أحوط الأقوال، وربما استظهر أنّه المشهور بين المتقدمين (3، واستظهر من ابن أبي عقيل نقل الإجماع عليه (4)، وقضى به الاحتياط، ودلّت عليه الآية، وهي قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً) إلى قوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنْكُمْ) (5)حيث علّق نكاح ما ملكت اليمين على عدم الاستطاعة للطول، وهو التمكن من المهر فقط، كما قد تشعر به الأخبار، ولأن النفقة من الرزق، وهو مقسوم يأتي من حيث لا يحتسب، أو المهر والنفقة، كما هو الظاهر من لفظ «الطول» لأنّ الطول هو الفضل والزيادة، ومن فتاوى الفقهاء ويراد بملك النفقة ما هو أعم من القوّة أو الفعل، فيدخل فيه أهل الحرف والصنائع وأهل القوة للكسب والاكتساب في وجه، وعلى الخشية من العَنَت والعَنَت لغةً وعرفاً هو المشقة (6)، ويراد بها الخوف المعتاد لعامة الناس من حصول الكلفة والضرر بترك التزويج من الوقوع بخطر أُخروي، كالزنى وشبهه، أو دنيوي، كمرض أو ألم أو شبههما.)ونطقت به الأخبار:كالصحيح في تزويج المملوكة، قال: «لا بأس إذا اضطر إليها» (7.)وفي آخر: «إذا اضطر إليها فلا بأس» (8.)
1) وسائل الشيعة 20: 507. الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها.
2) المصدر 21: 41 الباب 16 من أبواب المتعة، ح 1.
3) نسبه إلى أكثر المتقدمين الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 7 : 211.
4) راجع مختلف الشيعة 7: 254، المسألة 178.
5) النساء (4) : 25.
6) مجمع البحرين 2: 211، «ع نت».
7) وسائل الشيعة 20 : 507 - 508 الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 4.
8) المصدر : 0508 ح 6.
وفي ثالث: «لا، إلّا أن يضطر إلى ذلك» (1.)وفي رابع: «لا يأس إذا اضطر إليها» (2.)والاضطرار شامل لفقدان الطول وخوف العنت؛ إذ مع وجود الطول أو عدم خوف العنت لا يتحقق الاضطرار، كما أنّ نفي البأس معه يدلّ على ثبوته بدونه.والقول الآخر - ونُسب لمشهور المتأخرين (3- : الجواز مطلقاً؛ للأصل، وعموم: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (4)، (وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) (5)، (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ) (6)وعمومات حلّيّة النكاح.)والخبر: «لا ينبغي للمسلم الموسر أن يتزوّج الأمة إلّا أن لا يجد الحرّة» (7.)وفي آخر: «لا ينبغي للحرّة» (8.)وفي ثالث: «لا ينبغي أن يتزوج الحُرّ المملوكة» (9و «لا ينبغي» ظاهر في الكراهة.)والقول الثالث: هو المنع لمن عنده حُرّة، دون مَنْ لم يكن عنده كذلك؛ لقوله 22- في الخبر المعتبر -: «تزوّج الحُرّة على الأمة، ولا تزوّج الأمة على الحرّة، فمن فعل ذلك فنكاحه باطل» (10لإفادته جواز تزويج الأمة قبل الحرّة من دون شرط شيءٍ.)وقد ينبعث من القول الأوّل قول آخر، وهو: تحريم ذلك من دون الحكم بفساده؛ استناداً إلى عدم اقتضاء النهي الفساد هنا، وغايته التحريم، فلعله لأمر خارج.وقد يرد على دليل القول الأوّل: بأنّ دلالة الآية بالمفهوم الشرطي أو الوصفي بالنسبة
1) وسائل الشيعة 20 : 507 الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 1.
2) راجع الهامش (7) من ص 176.
3) نسبه إلى الأشهر بين المتأخرين الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 7 : 211.
4) النساء (4) : 24.
5) البقرة (2) : 221.
6) النور (24) : 32.
7) وسائل الشيعة 20 : 507 الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 2.
8) المصدر، ح 3.
9) المصدر : 0508 ح 5.
10) المصدر : 510، الباب 46 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 5.
إلى الشرط الأول، والوصفي بالنسبة إلى الثاني، فلا يعارض المنطوق الدال على الجواز، وباحتمال إلغاء المفهوم من حيث وروده مورد الغالب بالنسبة إلى الشرط الأول، ولا قائل بالتفصيل بين الشرطين، وكذا دلالة الرواية، ومع كونها بالمفهوم لا تدلّ على أكثر من ثبوت البأس، وهو أعم من التحريم على أنّ المنفي في الآية بحسب المفهوم هو إيجاب النكاح أو ندبه، ونفيهما لا يُثبت التحريم؛ لأن الغرض إثبات كونه مباحاً.وأجيب: بأن الدلالة وإن كانت بالمفهوم فهي مخصصة للعموم؛ لأنّ الخاص المفهومي يحكم على العام المنطوقي، وخروج الشرط مخرج الغالب خلاف ظاهر الخطاب، فلا يصار إليه إلّا بدليل، والمنفي في الآية هو الإباحة؛ لأنّها مسوقة لبيان حكمها دون باقي الأحكام، فتقدير الأمر المقتضي للوجوب أو الندب كي ينتفي بانتفاء الشرط لا مقتضي له، وبأن ثبوت البأس مفهوماً ظاهر في التحريم؛ لأنه أظهر أفراد البأس.وقد يرد على دليل القول الآخر بأنّ العمومات مخصصة، والخاص يحكم على العام، وبأنّ «لا ينبغى» لا اختصاص لها بالكراهة، فهي مردّدة بين الكراهة والتحريم.وقد يجاب بأنّ الخاص لا يحكم على العام إلّا مع المقاومة والشأن في إثباتها، وبأنّ «لا ينبغي» ظاهر في الكراهة، والظاهر حجة في المقام.وقد يرد على الثالث: بأنّ غاية ما يدلّ عليه الخبر هو جواز نكاح الأمة في الجملة فلعل مورده جامع الشرطين، وترك الاستفصال لا يفيد هنا؛ لأنّ الخبر مسوق لبيان حكم تزويج إحداهما على الأخرى، دون غيره من الأحكام، وهو حسن.وقد يرد على الرابع: بأنّ النهي إذا تعلّق بنفس المعاملة أو ركنها اقتضى الفساد اقتضاء شرعيّاً؛ للدليل الدال على ذلك في محله، لا اقتضاء عقليّاً.ويتفرّع على القول الأوّل: أن مَنْ كانت عنده أمة رافعة للعنت لم يجز له نكاح الثانية، ولو لم تكن كذلك - لصغرها أو مرضها أو غيبتها - جاز، وكذا لو كانت حُرّة كذلك.وأن مَنْ وجد الشرطين فتزوّج الأمة فزال أحدهما أو كلاهما لم ينفسخ عقده؛ استصحاباً لحكم عقده الأوّل.ولو طلقها رجعيّاً والحال ذلك، ففي جواز رجوعه بها مع فقد الشرطين وجهان مبنيان على كون الرجعة إبطالاً للطلاق، أو تجديداً للنكاح.
وأنه لو كانت عنده أمة أو حُرّة يمكنه الاستمتاع بها بما دون الفرج بحيث يزول به العنت حرم عليه نكاح الأمة.وأنه لو وجد الحُرّة ولكن طلبت منه مهراً فوق مهر المثل، أو مهر المثل ولكن كان مضراً بحاله، ففي كونه واجداً للطول فيحرم عليه نكاح الأمة؛ لتحقق قدرته عرفاً، أو غير واجد؛ لتحقق الكلفة والمشقة في حقه وانصراف القدرة عرفاً إلى ما لا يكون فيه مشقة، أو الفرق بين ما يكون مضراً بحاله، وبين ما لا يكون وإن زاد على مهر المثل، فلا يكون واجداً للطول في الأول، بخلاف الثاني وجوه، وفي الأخير قوة.وأنه لو كان له مال غائب لا يستطيع الوصول إليه ويخشى العنت بانتظاره كان فاقداً للطول.ولو أمكنه الاستدانة عليه، ففي صيرورته واجداً للطول، أو غير واجد وجهان، والأوّل أقوى.ولو أمكنه بيعه، فإن كان بثمن المثل كان واجداً، وإن كان بأقل ففيه وجهان.والفرق بين كون الأقلّ ممّا يضرّ بالحال أو يكون مجحفاً جداً فلا يكون واجداً، وبين ما لا يضر ولا يجحف وإن نقص كثيراً فيكون واجداً وجه قوي.وفي اعتبار كون المال الموجود عنده زائداً على مستثنيات الديون؛ لصدق الإعسار وعدم القدرة معها إذا لم يتمكن من غيرها، أو عدمه؛ لتحقق كونه قادراً عرفاً واستثناؤها من الدين؛ للدليل وجهان، ولا يبعد الأوّل.وأنه لو رضيت بكون المهر ديناً في ذمته أو حصل له مَنْ يقرضه، فإن كان الوفاء مترقباً له فهو واجد للطول على الأظهر، وإن لم يكن مترقباً له كان غير واجد.وإن لم يدر بأحد الأمرين، ففي كونه واجداً أم لا وجهان، ولا يبعد الحكم بكونه غير واجد.وأنه لو وجد الطول لنكاح الكافرة وقلنا بجواز نكاحها على بعض الوجوه، ففي حرمة نكاحه للأمة؛ لارتفاع المشقة بها الذي هو أحد الشرطين، أو جوازه؛ لتعليقه الجواز في الآية (1على عدم الطول لتزويج المؤمنة، فما لم يجد طولاً لتزويجها كان له نكاح الأمة (2).)وكذا لو كان عنده أمة يرتفع العنت بها، ففي جواز نكاحه للأمة عند فقده الطول للحرّة
عملاً بظاهر الآية وجه، ولكنّ الأوجه: خلافه؛ لارتفاع العنت بها الذي هو أحد الشرطين، وأنه يقبل قول مدّعي خوف العنت وقول مدعي عدم الطول.ولو كان في يده مال ويدعي أنّه لغيره صُدّق في دعواه.وأنه مع وجود الشرطين فالصبر خير له، كما دلّت عليه الآية (1.)وربما أشكل الحال في الجمع بين اشتراط خوف العَنَت في الجواز، وبين كون الصبر مع ذلك أفضل، والظاهر إرادة التصبّر بالرياضة وتذكر النار وما شابههما.ويلحق بخوف الوقوع في الزنى خوف الوقوع في كلّ محرم وخوف الوقوع في الأمراض والآلام؛ لأنّ العنت هو المشقة لغةً وعرفاً، واختصاصه بالزنى على وجه النقل عرفاً أو شرعاً لم يثبت.وهل يلحق بخوف المرض والألم الخوف على ماله أو عرضه من سرق أو نهبٍ أو نحوهما بحيث إنّه لو لم يتزوج الأمة لحصل الضرر عليه، أم لا؟ وجهان.ولو اندفع خوف العنت بسفر أو مثله، ففي لزومه وجهان.ولو لم يجد الطول فوهبه آخر ما يمكن تزويجه به ففي لزوم قبوله الهبة وجهان، ولا يبعد هنا عدم اللزوم؛ لما في القبول من المنّة، كما لا يلزمه الاكتساب إذا لم يكن من أهله.ولو دار الأمر بين تزويجه القنّ أو المبعضة، ففي لزوم تقديم المبعضة وجه.##### خامسها - ممّا يحرم بالسبب -: التزويج بالأمة على الحرّة المزوجة من دون إذن الحرةالتزويج بالأمة دواماً أو متعةً على الحُرّة المزوجة دواماً أو متعةً من دون إذن الحرّة، فلو أذنت جاز؛ لفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول (2في الباب، وإشعار بعض الروايات (3). ولأنه المتيقن من المنع.)وما ذكره بعض المتأخرين من عدم الجواز حتّى مع الإذن (4استناداً لإطلاق الأخبار بالنهي عن تزويج الأمة على الحُرّة (5)من دون تقييد بعدم الإذن، ضعيف جداً.)
ولو بادر مَنْ عنده حُرّة إلى أمةٍ فتزوجها من دون إذن الحرّة، احتمل وقوع العقد باطلاً؛ لظاهر الأخبار:ففي المعتبر : «ومَنْ تزوّج أمةً على حُرّةٍ فنكاحه باطل» (1.)وفي الثاني: «ونكاح الأمة على الحرّة باطل» (2.)وفي ثالث: «فمَنْ فَعَل فنكاحه «باطل» (3.)ولظاهر النهي فيهما وفي جملة من الأخبار القاضي بالفساد:ففي الصحيح: «ولا تنكح الأمة على الحرّة» (4.)وفي آخر: «لا يجوز نكاح الأمة على الحرّة» (5.)وفي ثالث: «ولا تُزوّج الأمة على الحرّة» (6إلى غير ذلك.)واحتمل وقوعه كالفضولي، فإن أجازته الحُرّة لزم، وإلا بطل، وهو منسوب لجملة من الأصحاب (7لعدم التفاوت بين الإذن السابقة واللاحقة من الحرّة بعد أن يكون الحق لها، فلا يقصر عن الفضولي، فيكون مشمولاً لعموم الأدلّة، وغاية ما يخرج عن عموم الأدلّة ما لم يتعقبه رضى الحُرّة أصلاً، فإن رضيت جاز، وتُنزّل الأخبار الحاكمة بالبطلان مطلقاً على الغالب من عدم رضى الحُرّة سابقاً ولاحقاً، أو أنّه يؤول إلى البطلان غالباً؛ لعدم رضى الحُرّة، والأوّل أقرب للأخبار، والثاني أوفق بقواعد الفقاهة.)واحتمل صحته ابتداءً إلّا أن للحرّة فسخه.واحتمل خيار الحُرّة بين فسخ عقد نفسها وبين فسخ عقد الأمة.وهذا القول منسوب للشيخ (رَحمهُ اللّه (8)، وظاهره وقوع العقد على الأمة صحيحاً إلّا أنّه متزلزل، فلو فسخت الحُرّة عقد نفسها لزم عقد الأمة من دون افتقار إلى شيءٍ آخر.)
وهو بعيد عن الأخبار، وعن ظواهر فتاوى أكثر الأصحاب، وعن القواعد أيضاً؛ لأنّ عقد الحرّة بعد لزومه لا مقتضي لتزلزله، سيما وأنّ لها الخيار في فسخ عقد الأمة أو إبقائه.وأما ما استدلّ به من رواية سماعة - في رجل تزوّج أمةً على حُرّةٍ، فقال: «إن شاءت الحُرّة أن تقيم مع الأمة أقامت وإن شاءت ذهبت إلى أهلها» (1، وإذا دلّت الرواية على جواز عقد نفسها سهل القول بعده بجواز عقد الأمة - فهو ضعيف، فلا بد من طرحه، أو حمله على حقيقته من الذهاب، فلا يُجعل كناية عن الفسخ.)ولو تزوّج مَنْ عنده أمة حُرّةً، فإن كانت عالمةٌ بأنّ المدخول عليها أمة فلا كلام، وإلا فلها الخيار في فسخ عقد نفسها، إما بمعنى وقوعه كالفضولي، أو بمعنى وقوعه صحيحاً ولكن لها فسخه والمعنى الثاني أوجه وأقرب للقواعد.ويدلّ عليه رواية يحيى الأزرق: عن رجلٍ كانت له امرأة وليدة فتزوّج حُرّةً ولم يُعلمها أنّ له امرأة وليدة، فقال: «إن شاءت الحُرّة [ أقامت]، وإن شاءت لم تقم» قلت: قد أخذت المهر فتذهب به؟ قال: «نعم، بما استحل من فرجها» (2.)ورواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: عن رجل تزوّج أمةً على حُرّة، فقال: «إن شاءت الحرّة أن تقيم مع الأمة [ أقامت ] وإن شاءت ذهبت إلى أهلها» قلت له: فإن لم يرض بذهابها إلى أهلها أله عليها سبيل؟ فقال: «لا سبيل له عليها إذا لم ترض بالمقام» قلت: فذها بها إلى أهلها هو طلاقها؟ قال: «نعم، إذا خرجت من منزله اعتدت» (3).)وقيل: إنّ لها الخيار في فسخ عقد نفسها، وفي فسخ عقد الأمة بعد لزومه وسيما بعد ثبوت الخيار لها في فسخ عقد نفسها (4.)ولو تزوّج الحُرّة والأمة في عقدٍ واحد، فالأوجه صحّة عقد الحرّة وتوقف عقد الأمة على إجازتها ورضاها، أما صحّة عقد الحُرّة: فلوقوعه من أهله في محله، وأما عقد الأمة: فلأنه لا يزيد على ما لو وقع بعد عقد الحرّة.
وقد يحتمل بطلان العقد أصلاً؛ لأنه عقد واحد فلا يصح في بعض ويبطل في بعض.وللخبر عن عليّ: «إذا تزوّج الرجل حُرّة وأمةً في عقد واحد فنكاحهما باطل» (1.)ويضعف الأوّل بأنّ العقد ينصب على القابل دون غير القابل، كما لو باع ما يملك وما لا يملك، وبأنّ الرواية ضعيفة، فلتحمل على إرادة بطلان المجموع، لا كلّ واحدٍ منهما.وقيل ببطلان عقد الأمة أصلاً (2، بناءً على بطلان عقد الأمة لو وقع بعد عقد الحرّة وإن رضيت الحرّة.)ويدلّ عليه أيضاً رواية الحذاء عن رجل تزوّج حُرّةً وأمتين مملوكتين في عقد واحد، قال: «أمّا الحُرّة فنكاحها جائز إن كان سمّى لها مهراً فهو لها، وأما المملوكتان فنكاحهما في عقد مع الحُرّة باطل يفرّق بينه وبينهما» (3.)وهذا القول قريب للأخبار، ولكنّه بعيد عن مذاق الفقاهة بعد ما بيّنا أن عقد الأمة صحيح في نفسه موافق للقواعد، ولا معارض له سوى حق الحُرّة، فإذا رضيت به جاز ووقع موقعه، فلتحمل الرواية على صورة عدم رضى الحُرّة، فيراد بالبطلان الأوّل إليه.##### سادسها: ممّا يحرم بالسبب: ما لو أوقب ذكراً مطلقاً حرم عليه أُمّ الموقوب وأُختهإن مَنْ أوقب ذكراً مطلقاً - صغيراً كان أو كبيراً، حُرّاً أو مملوكاً، كان الواقب صغيراً أو كبيراً، حُرّاً أو مملوكاً، عاقلاً أو مجنوناً، كان الموقوب حيّاً أو ميتاً، على إشكال في الميت ينشأ من جهة انصراف اللفظ إلى الحي في الموقوب؛ لأنّ ظاهره استناد الفعل إليه والميت لا فعل له مضطراً كان الواقب أو ملجئاً أو مختاراً على الأظهر في الملجا حرم على الواقب بذكره، دون غيره من أجزاء بدنه - سواء أدخل الحشفة أم لا، وسواء كان بالحشفة أو بغيرها من أجزاء الذكر في وجه - أُمّ الموقوب وإن علت على الأظهر، نسباً أو رضاعاً على الأظهر؛ لعموم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (4، وأُخته دون فروعها؛ اقتصاراً على المورد اليقيني، وبنته وإن سفلت لبنت أو لابنٍ.)
ويدلّ على تحريم الأم والبنت والأخت النسبيّات الإجماع المنقول (1، وفتوى الفحول، والخبران المعتبران المنجبران بما ذكرنا :)ففي أحدهما عن ابن أبي عمير في الرجل يعبث بالغلام، قال: «إذا أوقب حرمت عليه أخته وابنته» (2.)وفي الآخر: في رجل لعب بغلام هل تحل له أُمه؟ قال: «إن كان نقب فلا» (3.)ولا مدخلية لخصوص الغلام قطعاً؛ لوروده مورد الغالب، كما قطع به الأصحاب.وشمول البنت لمن نزلت والأم لمن علت إما عرفي أو شرعي حاصل من الاستقراء أو من فتوى الأصحاب.وفي بعض الروايات تحريم ولد كلّ منهما على ولد الآخر (4.)وهو متروك لا يقوله أحد من أصحابنا، فحمله على الندب أو طرحه أولى.ولو حصل الإيقاب بعد العقد أو بعد الوطء في الأمة المملوكة فلا يؤثر تحريماً؛ لأنّ الحرام لا يفسد الحلال، وللاستصحاب؛ لأنّ المتيقن من الأدلّة ما كان قبل العقد.والأظهر إن الإيقاب قبل وطء المملوكة مؤثر للحرمة وإن كان بعد ملكها.ولو أوقب بعد العقد على أخته أو بنته فطلق المعقود عليها، ففي جواز العقد عليها وجه لا يبعد الحكم بجوازه.هذا إن كان الإيقاب حالة الزوجيّة، أما لو كان بعد الطلاق فلا شك في التحريم.وفي بعض الأخبار ما يدلّ على أن الرجل إذا أتى أخا امرأته فوقبه حرمت عليه الامرأة (5وأفتى به بعض أصحابنا (6).)وهو ضعيف محمول على الندب إلى طلاقها، وعلى ما إذا طلقها بعد الإيقاب، أو على ما يكون أخا امرأته، لخطبته لها وإرادته إياها.
ولو أوقب غلاماً وكان من العامّة الذين لا يرون تحريم الأُخت والبنت، ثم تزوج بإحداهما وهو على ذلك المذهب، ثم استبصر، ففي الحكم ببطلان عقده وجهان، ولا يبعد الصحّة؛ إجراء لهم على مذهبهم.ولا يحرم على المفعول شيء من أنساب الموقب.وما نُقل عن بعض الفقهاء ذلك (1ضعيف.)ولو كان الموقب أو الموقب خنثى، فلا تحرم؛ للأصل.والأحوط الاجتناب؛ تغليباً للحرام في مسألة الفروج.نعم، إن كان الخنثى مفعولاً وكان الإيقاب بإدخال تمام الحشفة حرمت عليه البنت والأُمّ على القول بنشر الزني للحرمة، وإن كان فاعلاً حرمت عليه جميع النساء، كما تحرم على الرجال؛ لعدم القطع بذكوريّته وأنوثيته، إلّا أنّ كلامهم في توريث الخنثى المشكل قد يعطي الإباحة.##### سابعها: ممّا يحرم بالسبب : ما لو عقد المُحْرم على امرأة لنفسه عالماً بالتحريم حرمت عليه أبداً وإن لم يدخل بهاإنه لو عقد المحرم - فرضاً أو نفلاً، إحرام حجٍّ أو عمرة، بعد إفساده أو قبله - دواماً أو متعةً على امرأةٍ لنفسه عالماً بالتحريم حرمت عليه أبداً وإن لم يدخل بها قبلاً أو دبراً؛ لخبر زرارة عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «والمُحرم إذا تزوّج وهو يعلم أنّه حرام عليه لا تحل له أبداً» (2).)وهو مشهور فتوى وروايةً، وقد قطع الأصحاب بمضمونه، وحكي عليه الإجماع (3، فلا محيص عن القول به.)ويحرم نفس العقد وأنّ ذلك عقوبة.وفي إجراء الحكم لما عقد عنه موكله وجه مبني على صحّة التوكيل على العقد الفاسد وعدمه. وإن عقد المُخرم جاهلاً، فسد عقده اتفاقاً، وله تجديده بعد الإحلال إن لم يدخل؛ للأصل، ولمفهوم الخبر المتقدم (4.)
وإن دخل، قيل: حرمت مؤبداً (1، ونُقل عليه الإجماع (2).)وقيل: لا (3لما تقدّم.)والأوّل أحوط.وإن عقد المحلّ على مُحْرمةٍ، ففي ثبوت التحريم بذلك عليهما معاً مع العلم قولان:فقيل بثبوته، ونُقل عليه الإجماع (4، واستدلّ له بالاحتياط والأخبار.)وقيل بعدمه (5للأصل، ولعدم ثبوت الأخبار، وعدم تحقق الإجماع.)والأوّل أحوط.ولا تحرم الزوجة لو وطئها مُخرماً عالماً بالتحريم أو جاهلاً للأصل، وعموم: إن الحرام لا يفسد الحلال (6، ولمنقول الإجماع (7).)##### ثامنها: ممّا يحرم بالسبب ما لو تزوّج امرأة في عدتها من غيره عالماً بالعدة والتحريم حرمت عليه أبداًإنه لو تزوج - دواماً أو متعةً بنفسه أو بوكيله أو بوليه، بنفسها أو بوكيلها أو بوليها على إشكال في الوكيلين - امرأةٌ في عدتها من غيره عالماً بالعدّة والتحريم - دخل بها أم لا - حرمت عليه أبداً؛ للإجماع بقسميه (8، وللنصوص المعتبرة (9).)وهل يحرم نفس العقد ؟ الظاهر ذلك؛ لأنّ الظاهر أنّ ما يبعث على التحريم حرام، سيما لو قصد في العقد التشريع وترتب الأثر.ولا يلحق بذلك التحليل؛ لخروجه عن اسم التزويج والنكاح.
1) قاله ابن حمزة في الوسيلة : 292 - 293؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 525.
2) الخلاف 4 : 322 المسألة 99.
3) قال به العلّامة الحلّى في مختلف الشيعة 7 : 100 - 102، المسألة 40.
4) قال به الشيخ الطوسي في الخلاف 4 : 322، المسألة 99.
5) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 7: 345؛ والطباطبائي في رياض المسائل 11: 236.
6) وسائل الشيعة 20 : 428 - 429، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 1 و 4 و 5.
7) جامع المقاصد 12 : 323.
8) الخلاف 321:4. المسألة 97.
9) راجع وسائل الشيعة 20 : 449، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها.
وكذا لو تزوج بها في العدة ووطئها في العدة وكان جاهلاً فإنّها تحرم عليه مؤبداً؛ للنصّ (1، والإجماع أيضاً.)أما لو عقد في العدة جاهلاً فوطئ بعدها، و (2عقد قبلها فوطئ فيها، ففي إلحاق ذلك بالعقد والوطء فيها وجهان، ولا يبعد العدم اقتصاراً على المورد اليقيني في حصول التحريم المؤبد وإن كان إطلاق الأخبار قد يساعد إلحاق القسم الأوّل بالقسم المتفق عليه، وهو العقد والوطء في العدة، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في حسن الحلبي -: «إذا تزوّج الرجل المرأة في عدتها ودخل بها لم تحل له أبداً عالماً كان أو جاهلاً، وإن لم يدخل بها حلّت للجاهل، ولم تحل للآخر» (3).)ولو تجرّد العقد عن الوطء مع جهلهما فلا أثر له، وجاز له تجديد العقد.ولو تجرّد الوطء عن العقد كان وطء الشبهة، ولا ينشر حرمةً أيضاً؛ للأصل.ولو وقع العقد المجرّد مع جهل أحدهما دون الآخر، حرم العود على العالم قطعاً؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ وقد سأله - في الصحيح : إن كان أحدهما متعمداً والآخر بجهالة، قال: «الذي تعمّد لا يحل له أن يرجع إلى صاحبه أبداً» (4).)وأما الجاهل فكذلك على الأظهر؛ لعدم إمكان صحّة العقد من جانب دون آخر، ومفهوم الخبر ملغى، فهو محمول على إرادة بيان التساوي بين العالم والجاهل.ويحتمل عدم بطلان العقد مع جهل أحدهما وإن أثم العالم بإيقاع العقد، وهو ضعيف.ويحتمل أن يراد بأن الجاهل إذا عقد فعلم بعد ذلك جاز له تجديد العقد، ولم يلزمه السؤال عن حال الآخر.ولو ادعى الآخر العلم بعد العقد، لم يسمع في حق العاقد.ويحتمل أن يراد بالحلّ للآخر إن جهل التحريم أو شخص المعقود عليها ثانياً، ولكن لا يظهر الفرق بينه وبين صورة علمها إلّا أن يقال بلزوم العقد حينئذٍ وإن تجدد العلم أو الشخص بعد العقد.
ويحتمل أن يراد أن الجاهل ما دام جاهلاً يُحكم بصحة عقده وترتب آثار العقد الصحيح عليه ظاهراً لا واقعاً، دون العالم.ويحتمل أن يراد أن العالم بتحريم العقد إذا جهل تحريم المعاودة جاز للجاهل بتحريم العقد في العدة مع العلم كان زانياً، ولا يؤثر تحريماً مؤبداً في غير العدة الرجعية.ولا فرق في العدة الموجبة للتحريم بالنكاح بين عدة الطلاق البائن والرجعي، وبين عدة الوفاة وعدة الشبهة، كما لا فرق في النكاح فيها بين الدائم والمنقطع، وبين الوطء قبلاً أو دبراً.وفي إلحاق الاستبراء في العدة وجهان: من أنها عدتها شرعاً، وللاحتياط في الفروج، ومن الأصل، وعدم دخوله تحت اسم العدة في النصّ والفتوى.وكذا في إلحاق ما بين عدة الوفاة وبين موت الزوج إذا لم يبلغ الخبر بالعدة وجهان: منكونه أقوى من العدة في القرب إلى الزوجيّة، ومن الأصل، واختصاص النصّ بالعدة. وأما المسترابة في زمن التربص قبل الاعتداد ثانياً فالأقوى إلحاقها بالمعتدة؛ لأنه من الشروع فيها.##### تاسعها: ممّا يحرم بالسبب الزنى بذات البعل أو بذات العدّة الرجعيةالزنى بذات البعل مصاحباً للعقد أو مجرّداً عنه، سواء كانت ذات البعل زوجة دائمية أو متعة، دون المحلّلة أو الموطوءة بملك اليمين على الأظهر؛ اقتصاراً على مورد النص.ومثله الزنى بذات العدّة الرجعية؛ لمساواتها الزوجة في الأحكام، وللإجماع المنقول (1المؤيّد بفتوى المشهور.)ويدلّ على تأثير الزنى بذات البعل الحرمة المؤبدة الفقه الرضوي (2المنجبر بفتوى الأصحاب وظاهر الإجماع المنقول (3)، بل ربما يدعى المحصل.)وقد يستدلّ عليه بما سيأتي (4- إن شاء اللّه تعالى - من أن النكاح محرّم أبداً بذات البعل، فالزنى أولى، وأن الدخول مع العقد محرم أبداً، فالدخول من دون نكاح أولى.)
ولا يخلو الأمران من نظرٍ وتأمل؛ لاحتمال أن العقد مع الوطء بالزنى له خصوصية.هذا كله في الزنى المجرّد، وأما لو صاحبه عقد فلا شبهة في تأثيره التحريم المؤبد؛ لاشتماله عليه وزيادةولو وقع الوطء لذات البعل شبهة من دون عقد، كان وطء شبهةٍ، ولا ينشر حرمة مؤبدة، كما لو وقع العقد المجرّد عن الوطء جهلاً.إنما الإشكال فيما لو وقع عقد ووطء مع الجهل، أو عقد مجرد مع العلم، فهل يؤثران الحرمة الأبدية، كما في ذات العدّة؛ لأنّ علاقة الزوجيّة هنا أقوى منها في العدة.ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «التي تتزوّج ولها زوج يفرّق بينهما ثم لا يتعاودان أبداً» (1).)وفي آخر: «إنّ الرجل إذا تزوج امرأة وعلم أنّ لها زوجاً فرّق بينهما، ولم تحل له أبداً» (2سواء قرى «وعلم» مبنيّاً للفاعل أو للمفعول.)وفي ثالث عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ: في امرأةٍ فقدت زوجها أو نعي إليها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلقها، قال: «تقعد منهما جميعاً ثلاثة أشهر عدّةً واحدةً، وليس للآخر أن يتزوجها أبداً» (3).)وفي رابع عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا نعي الرجل إلى أهله أو أخبروها أنّه طلقها فاعتدت ثمّ تزوّجت فجاء زوجها الأوّل، فإنّ الأوّل أحق بها من هذا الآخر، دخل بها أو لم يدخل، وليس للآخر أن يتزوج بها، ولها المهر بما استحلّ من فرجها» (4).)أو لا يؤثّران؛ للأصل، واستضعافاً للنص؟والأوّل أقوى وأحوط.واعلم أن الأقوى أنّ كلّ امرأةٍ لزمتها عدة عن رجل قد وطئها ثم لزمتها عدة أُخرى أيضاً عن آخر كان لها أن تعقد عدتين متغايرتين، ولا يجوز لها إدخال واحدة في ضمن أُخرى؛ لاقتضاء تعدّد السبب تعدد المسبب، ولأصالة عدم تداخل الأسباب، [ و ] للأخبار المعتبرة المشتهرة فتوى وعملاً الدالّة على ذلك:
كقولهم (عَلَيهِم السَّلَامُ في خبر الحلبي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): عن المرأة الحبلى يموت زوجها، فتضع)الام وتزوج قبل أن يمضي لها أربعة أشهر وعشراً، فقال: «إن كان دخل بها فرّق بينهما ولم تحلّ له أبداً، واعتدت بما بقي عليها من الأوّل واستقبلت عدة أُخرى من الآخر ثلاثة قروء، وإن لم يكن دخل بها فرّق بينهما واعتدت بما بقي عليها من الأول» (1.)وفي خبر محمّد بن مسلم فيمن تزوّج الامرأة في عدتها ممّا دلّ على لزوم عدّةٍ واحدةٍ عنهما (2مطرح أو محمول على التقية.)##### عاشرها - ممّا يحرم بالسبب في الجملة ابتداءً واستدامة : الكفر.###### وفيه مباحث:###### أحدها: حرمة عقد المسلم على غير الكتابية دواماً ومتعةًأحدها: يحرم على المسلم من جميع فرق الإسلام العقد على غير الكتابية، دواماً ومتعة، وكذا وطؤها بملك اليمين أو التحليل، كلّ ذلك في الابتداء والاستدامة.وأما الكتابية المعلوم أنها كذلك - كاليهود والنصارى - فالأشهر في الفتوى والرواية نقلاً (3، بل تحصيلاً: تحريم العقد الدائم عليها، وتجويز المنقطع والوطء بملك اليمين، وهو الأقوى والأظهر.)أما الأوّل: فيدلّ عليه عموم الأمر بالغضّ وحفظ الفروج إلّا على الأزواج (4، مع الشك في صدق الزوجيّة شرعاً بمجرّد العقد بحيث يعلم أنّ كلّ معقودٍ عليها زوجة وأنّ كلّ ما وقع العقد بين رجل وامرأةٍ صح نكاحها وكانت زوجته فيشك حينئذٍ في صحّة العقد على الكتابية فتدخل في عموم الأمر بالغضّ.)ويدلّ عليه أيضاً الأمر بالاحتياط في الفروج (5، وكذا ظاهر الإجماع المنقول(6)، وكذا ظاهر آي الكتاب:)
كقوله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حتّى يُؤْمِنَّ (1)، واليهودية والنصرانية منهن؛ لقوله تعالى: (سُبْحانَه عَمَّا يُشْرِكُونَ) بعد ذكره لقول اليهود والنصارى؛ لأنّ النصارى قالوا بالأقانيم الثلاثة، واليهود قالوا: عزير ابن اللّه، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً (2).)وقوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ (3)الشامل للعقد أو الظاهر فيه. وقوله تعالى: (يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله) (4).)وكذا قوله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (5)وفي العقد عليهن موادة وركون.)ويدلّ عليه أيضاً الأخبار (6المتكثّرة المخالفة للعامة والموافقة للاحتياط، الناهية عن ذلك مطلقاً، أو الحاكمة بنسخ آية (وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ) (7)بآية (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ) (8)كما في جملةٍ منها (9)، أو بآية (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) (10)كما في بعض آخر (11).)وأما الثاني: فيدلّ عليه قوله تعالى: (وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (12)، الظاهر فى المتعة بقرينة لفظ «الأجر» وبضميمة الأخبار (13)الدالّة على ذلك، وملك اليمين في معنى المتعة.)ويدلّ عليه أيضاً الأخبار المتكثرة الدالّة على جواز التمتع بهن (14، المشتهرة رواية وفتوىً، المخالفة للعامة باشتمالها على حكم المتعة:)
1) البقرة (2) : 221.
2) التوبة (9) : 30 و 31.
3) الممتحنة (60) : 10.
4) المجادلة (58) : 22.
5) هود (11) : 113.
6) وسائل الشيعة 20: 533، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه.
7) المائدة (5) : 5.
8) الممتحنة (60) : 10.
9) وسائل الشيعة 20 : 533 الباب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 1.
10) البقرة (2) : 221.
11) وسائل الشيعة 20 : 534 - 535 الباب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 3 و 7.
12) المائدة (5) : 5.
13) وسائل الشيعة 21: 37 - 38، الباب 13 من أبواب المتعة، ح 1 - 4.
14) وسائل الشيعة 21: 37 - 38، الباب 13 من أبواب المتعة، ح 1 - 4.
كالموثق: «لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حرّة» (1.)وفي آخر: «لا بأس أن يتزوج اليهودية والنصرانية متعة» (2.)وفي ثالث: عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: «لا بأس» فقلت: المجوسية؟ فقال: «لا بأس به» يعني متعة (3.)وفي رابع: عن الرجل يتمتع من اليهودية والنصرانية، قال: «لا أرى بذلك بأساً» (4.)إلى غير ذلك من الأخبار.وبهذه الأخبار يُخصّ ما دلّ على التحريم مطلقاً (5، ويُحمل ما دلّ على المنع من المتعة (6)على الكراهة؛ لما في الكوافر من النفرة من خوف الحمل المرغوب عنه منهن.)ويدل على جواز الوطء بملك اليمين قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (7)، وخصوص ما دلّ على جوازه في المجوسية (8)، القاضي بالأولوية في اليهودية والنصرانية، وفحوى ما دلّ على الجواز في المتعة (9).)وبما ذكرنا ظهر ضعف القول بالجواز مطلقاً، والقول بالتحريم مطلقاً، والقول بالجواز في حال الضرورة فقط، والتجويز بملك اليمين فقط، إلى غير ذلك من الأقوال.وقيل: يختص الجواز بالذميّة من أهل الكتاب فقط (10اقتصاراً على المقطوع به من محلّ المنع، ولما في بعض الروايات من التقييد بها (11)، ولانصراف الإطلاق إليها، أو الأعم منها ومن الحربية؛ للعموم. وجهان، أقواهما الأوّل (12).)
1) وسائل الشيعة :21: 37 الباب 13 من أبواب المتعة، ح 2.
2) المصدر : 37 - 38، ح 3.
3) المصدر : 38. ح 4.
4) المصدر : 37، ح 1.
5) راجع الهامش (6) من ص 192.
6) وسائل الشيعة 21 : 38، الباب 13 من أبواب المتعة، ح 7.
7) النساء (4) : 3.
8) وسائل الشيعة 20: 543، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 1.
9) راجع الهامش (13 و 14) من ص 192.
10) قاله البحراني في الحدائق الناضرة 24 : 24 - 25.
11) وسائل الشيعة 20: 544 الباب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 4 وذيله.
12) كذا قوله : «وجهان...الأول» في الأصل.
###### ثانيها: في أنه يلحق باليهود والنصارى المجوس في الحكم المتقدّمثانيها: يلحق باليهود والنصارى المجوس في الحكم المتقدم؛ للأخبار (1المتكثرة الدالّة على ذلك، المشتهرة فتوى وروايةً، المخالفة لمذهب العامّة من حيثية المتعة، وفي معناها ملك اليمين.)وقد ورد في صحيح ابن مسلم نفي البأس عن وطء المجوسية بملك اليمين، والنهي تزويجها (2، المحمول على غير المتعة أو على الكراهة جمعاً، كما يُحمل ما ورد من النهي عن خصوص التمتع بالمجوسية (3)على الكراهة؛ جمعاً بين الأخبار والآيات المتعارضة، وشاهد الجمع سيستخرج من الفتوى والرواية.)والأحوط ترك طلب الولد من الكافرة مطلقاً؛ لمكان النهي (4، وإن كان الأقوى حمله على الكراهة؛ لضعف مقاومة التقييد لتلك الإطلاقات، كما أنّ الأحوط ترك وطء الكتابية مطلقاً فيما عدا الضرورة.)وهل إلحاق المجوس بأهل الكتاب لمكان الدليل فقط؛ لعدم ثبوت كونهم أهل كتاب ولمفهوم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (5)أنهم ليسوا منهم، وإنما يسنّ بهم سنتهم من إجراء حكم الجزية والديات فقط، كما هو المتيقن من التشبيه والمفهوم من بعض الأخبار، كما ورد: «إنهم إنّما أُلحقوا باليهود والنصارى في الجزية والديات» (6)وورد في ذيل الخبر المتقدم (7): «غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم أو مطلقاً، كما هو الظاهر من العموم المتقدم، أو إلحاقهم بأهل الكتاب؛ لأنّهم من أهله، كما هو المفهوم من أخبار أُخَر دالة على أنهم كان لهم نبي اسمه جاماسا، وكتاب جاءهم به باثني عشر ألف جلد ثور، فقتلوا نبيهم وحرقوا كتابهم (8)؟ وجهان، ولا يبعد الأول، كما يلوح من فحاوي الفتاوى.)
1) وسائل الشيعة 21 : 38، الباب 13 من أبواب المتعة، ح 4 و 5.
2) المصدر 20 543. الباب 6 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 1.
3) المصدر 21: 37 الباب 13 من أبواب المتعة، ح 1.
4) راجع الهامش (2).
5) نصب الراية 3: 170، ح 5.
6) وسائل الشيعة 15: 128، الباب 49 من أبواب جهاد العدو...، ح 8.
7) تقدم تخريجه في الهامش (5).
8) وسائل الشيعة 15 : 127. الباب 49 من أبواب جهاد العدو...، ح 3 و 5.
وعلى كلّ حالٍ فالمشكوك فيه أنّه من أهل الكتاب صنفاً أو شخصاً فالأصل فيه التحريم، وكذا ما اختلطت أفراده واشتبهت.ومن ذلك يظهر أن الصابئية لا يجري عليهم حكم أهل الكتاب؛ لوقوع الشكّ والاختلاف فيهم من أنّهم نصارى، أو قوم يعبدون الكواكب، أو قوم من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، أو قوم بين اليهود والمجوس، أو قوم يوحدون ولا يؤمنون برسول، أو قوم يقرون بالله ويعبدون الملائكة ويقرؤون الزبور ويصلّون إلى الكعبة، أو قوم يعبدون الثوابت، أو يعبدون السيارات، أو يتخذون الكواكب أرباباً، و [ عند ] آخرين قوم من اليهود.وأما السامرة فالمشهور أنّهم قوم من اليهود، ولا يبعد إلحاقهم بهم.والتحقيق: أنّ ما عُلم بالنقل والسيرة موافقة أصولهم لأصول أهل الكتاب فهم منهم وإن خالفوهم بالفروع، وما ثبت مخالفتهم لهم في الأصول فليسوا منهم وإن وافقوهم في الفروع، ولا عبرة الآن بغير اليهود والنصارى، كما لا عبرة بكتاب غير التوراة والإنجيل، كصحف إبراهيم وزبور داود وصحف آدم وإدريس؛ لأنها مواعظ لا أحكام فيها ولا إعجاز، بل لا يُقطع بنزولها منه سبحانه وتعالى، فلربما كانت وحياً يوحى إليهم والألفاظ منهم.و على كلّ حالٍ فمع الشكّ بذلك لا بد من المصير إلى عدم إجراء أحكام الكتاب على أهلها.###### ثالثها: في انفساخ النكاح بارتداد أحد الزوجينثالثها: لا شكّ أنّ ارتداد أحد الزوجين فاسخ للنكاح من حينه بالإجماع، سواء فيذلك الزوج أو الزوجة، وسواء كان الارتداد عن فطرة أو ملةٍ.فإن كان الارتداد من الزوجة مطلقاً وكان قبل الدخول انفسخ النكاح، ولا مهر لها؛ لسقوطه من قبلها، ويشعر به فحوى بعض الأخبار (1.)وإن كان من الزوج، انفسخ النكاح أيضاً، ويثبت جميع المهر عليه؛ للاستصحاب.وذهب جمع من الأصحاب (2إلى ثبوت النصف؛ إلحاقاً لهذا الفسخ بالطلاق، ولشبه النكاح بالمعاوضة، ولما يشعر به ما ورد من التنصيف فيمن أسلمت وأبي زوجها أن يسلم، فقضى عليه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنصف (3)؛ لأنّ عدم إسلام زوجها بعد عرض الإسلام عليه بمنزلة الارتداد.)
وهو قوي إلّا أنّ الأوّل أحوط.وإن ارتدا دفعةً فالأظهر ثبوت المهر على الزوج كلاً أو نصفاً، مع احتمال العدم.هذا كله إن كان المهر مقدراً معلوماً، وإلا فمهر المثل إن كانت التسمية فاسدة، أو المتعة إن لم يسم شيئاً.وإن كان الارتداد بعد الدخول - قبلاً أو دبراً - فإن كان من الزوجة فقد حرمت عليه، سواء كان ارتدادها عن فطرة أو ملّةٍ، وتوقف انفساخ العقد على مضيّ العدة، فإن مضت ولمّا ترجع إلى الإسلام فقد بانت منه، وإن رجعت فهي امرأته.وهل انقضاء العدة كاشف عن حصول الفسخ ابتداء، أو ناقل له؟ وجهان، ولا يبعد الأول، كما أنّ الأقوى أنّ الرجوع للإسلام كاشف عن ثبوت الزوجيّة لا مثبت لها.وإن كان الارتداد من الزوج، فإن كان عن ملّةٍ توقف انفساخ العقد على مضيّ العدة، فإن رجع قبلها عادت إليه، وإن لم يرجع حتّى تنقضي بانت منه.و هل خروج العدة قبل الإسلام كاشف عن البينونة ابتداءً حتّى لو وطئها شبهةً لزمه مهر المثل عن الوطء، أو مثبت لها؟ وجهان، وكذا الكلام في الحد، مع احتمال ثبوته مطلقاً، و احتمال عدمه مطلقاً؛ لمكان الشبهة.وهل تتداخل عدّة الفسخ مع عدة الشبهة، كما تتداخل العدتان في المسلمة، أو لا؛ للأصل؟ وجهان، أحوطهما الثاني، وفي الأوّل قوة.ويتفرع على الكشف والنقل فروع كثيرة.وإن كان عن فطرةٍ، بانت عنه من حين الارتداد، ولا تعود إليه مطلقاً.ولو وطئها شبهةً، لزمه المهر قطعاً.وقد دلّت الأخبار المتكثّرة على بينونة نساء المرتد الفطري، وقسمة أمواله، ولزوم قتله، واعتداد نسائه عدة الوفاة.ونعني بالفطري هو كلّ مسلم تولّد بين مسلمين، كما دلّ عليه موثق عمار (1ولو كان إسلام أبويه حين انعقاد نطفته، كما هو ظاهر الرواية.)
1) وسائل الشيعة 20 : 324 الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 3.
ومثله ما لو كان أحد أبويه مسلماً حين انعقاد نطفته على الأظهر.ومثله ما لو وصف بالإسلام حين بلوغه أو قبله ولم يتقدم له حال كفر في وجه ربما يظهر من بعض الروايات (1.)وهذا المرتد لا تقبل توبته ظاهراً، بل لا بد من إجراء الأحكام المتقدمة عليه قطعاً.وهل تُقبل باطناً بحيث تصح عبادته ويكون طاهراً بحسب الواقع أو بحسب الواقع والظاهر، أو تقبل في الآخرة فقط وإن لم يصح منه شيء في الدنيا، ويُحكم بنجاسته دائماً واقعاً وظاهراً، أو لا تُقبل أبداً؛ لإيقاع نفسه فيما لا يطاق له تداركه، وما بالاختيار لا ينافي الاختيار؟ وجوه، والكلام عليه ليس هذا محلّه.###### رابعها: حكم ما لو أسلم أحد الزوجين الكافرينرابعها: إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين فإن كانت الزوجة كتابية وكان المسلم الزوج - سواء كان كتابياً أو وثنياً، وسواء كان عقده دواماً أو متعة، قبل الدخول أو بعده كان عقده باقياً؛ الجواز استدامة العقد على الكتابية بعد إسلامه حتّى من المانعين ابتداء العقد، فهو موضع وفاق بينهم.ويُحمل عليه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أهل الكتاب وجميع مَنْ له ذمة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما» (2)بحمله على إرادة الزوج مطلقاً، أو الزوجة ما دامت في العدة.)وهل المجوسية هنا كالكتابية؛ لإلحاقها بها في الحكم، ولشمول هذا الخبر لها، أو لا؟ للأصل، ولخبر ابن منصور: في مجوسي تحته مجوسية فأسلم أو أسلمت، قال: «ينتظر بذلك انقضاء عدتها، وإن هو أسلم أو أسلمت قبل أن تنقضي عدتها فهما على نكاحهما الأول، وإن هو لم يسلم حتّى تنقضي العدة فقد بانت منه» (3ونحوه آخر (4).)ويمكن تأويلهما، وتجديد العقد أحوط.وإن كانت المسلمة الزوجة، فإن كان قبل الدخول انفسخ نكاحها؛ للصحيح: «إذا أسلمت امرأة وزوجها على غير الإسلام فرق بينهما» (5ولا مهر لها؛ لأنّ الفسخ من قبلها.)
وفي آخر: في نصرانية أسلمت، قال: «انقطعت عصمتها، ولا مهر لها، ولا عدة عليها» (1.)وإن أسلمت بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء عدتها منه من ذلك الفسخ، ولا اعتبار بعدة الشبهة لو وطئها شبهة.فإن أسلمت في العدّة تبيّن بقاء الزوجيّة، وإلا تبينت البينونة ابتداء، فالإسلام في العدة كاشف عن بقاء الزوجيّة لا مثبت لها؛ للأصل، وكذا عدمه كاشف عن البينونة، لا مثبت لها.ويستوي في هذا الحكم جميع الكفّار لو أسلم أحد الزوجين منهم بعد الدخول، كما أنّه لو أسلم أحد الزوجين منهم قبل الدخول انفسخ العقد من حينه فيما عدا الكتابية، كما تقدم.ولو أسلم الزوجان دفعةً حكميّةً بحيث وقع اقترانهما دفعة، لم ينفسخ العقد بينهما؛ للأصل، ولفتوى الأصحاب.وللشيخ قول في الزوج الكتابي لو أسلمت زوجته الكتابية أو مطلقاً: إنّه يبقى على حكم الزوجيّة لو قام بشرائط الذمة، غير أنّه لا يمكن من الدخول عليها ليلاً ولا الخلوة بها مطلقاً (2للخبر: في يهودي أو نصراني أو مجوسي أسلمت امرأته ولم يسلم، قال: «هما على نكاحهما، ولا يفرّق بينهما، ولا يترك يخرج بها من دار الإسلام إلى الهجرة» (3).)والآخر: «إنّ أهل الكتاب وجميع مَنْ له ذمّة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما، وليس له أن يخرجها من دار الإسلام إلى غيرها، ولا يبيت معها، ولكنه يأتيها بالنهار» (4.)وظاهرهما عدم الفرق بين الدخول وعدمه.وهو ضعيف؛ لضعف الروايتين سنداً ودلالة عن معارضة عموم الكتاب (5والسنّة (6)وكلام الأصحاب وما دلّ على نفي السبيل (7)وما دلّ على أن المرأة تأخذ من دين زوجها (8)وما دلّ)
1) وسائل الشيعة 20 : 547 - 548 الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 6.
2) النهاية : 457.
3) وسائل الشيعة 20 : 546 الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 1.
4) المصدر : 547. ح 5.
5) البقرة (2) : 221.
6) وسائل الشيعة 20 : 533. الباب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه.
7) لنساء (4) : 141.
8) وسائل الشيعة 20 : 555 الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 2.
على النهي عن الموادة والركون (1وما دلّ على المنع بالخصوص (2)، فتأويل ما يمكن تأويله وطرح الباقي هو المذهب.)###### خامسها: في أن مَنْ بدل دينه من الكفّار إلى دين غير الإسلام لم يقبل منهخامسها: ظاهر الأصحاب أنّ من بدل دينه من الكفّار إلى دين آخر غير الإسلام لم يُقبل منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (3)، ولزم قتله؛ لقوله : «مَنْ بدل دينه فاقتلوه»(4)؛ وكذلك لو عاد إلى دينه أيضاً لم يُقبل منه، فيكون بمنزلة المرتدّ الفطري، وتبين زوجة المبدل دينه عنه وزوج المبدلة دينها عنها، ولا يقع بينهما بعد ذلك تناكح سواء كان الدينان ممّا يقرّ أهله عليه، أو كانا ممّا لا يقرّ أهله عليه، أو كانا مختلفين، كوثنيٍّ تهود أو تنصر، أو يهوديٍّ صار وثنياً، أو غير ذلك.)وهذا كله إنما يجري لو ترافعوا إلينا أو استفتونا بما عندنا، وإلا فلو رجعوا إلى مذهبهم وكان في مذهبهم عدم جواز انفساخ نكاحه جاز لنا إقرارهم على مذهبهم وقلت ثمرة هذه الأحكام.والمراد بالتبديل الذي لا يقرّ أهله عليه هو ما وقع بعد المبعث، فإنه لا يقرون عليه، لا هُمْ ولا أولادهم إلى يوم القيامة، وما كان قبل المبعث فالظاهر أنهم يقرون عليه؛ للسيرة القاضية بإقرارهم على ذلك من زمن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، ولعدم نقل الفحص منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن ذلك.)ويلحق بهم المشكوك في سبقه ولحوقه.نعم، قد يشكل الحال فيمن بدل دينه قبل المبعث إلى دين المبدلين والمحرفين دينهم من اليهود والنصارى، ولا يبعد أنّهم في الحكم سواء؛ لجريان السيرة بعدم الفحص عنهم وعدم السؤال، بل وأكثر المبدلين يومئذ كانوا يرون رأي المحرفين والمنحرفين.وإذا ترافع أهل ملّةٍ من الملل المقرّ أهلها عليها إلينا، جاز لنا الحكم بما هو عندنا جوازاً لا لزوماً ؛ لقوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ (5)، وجاز لنا إرجاعهم إلى حكام)
نحلتهم؛ لقوله تعالى: (أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ وذلك معنى الإعراض، وللإجماع المنقول (1)المنجبر بفتوى المشهور)وقيل بلزوم الحكم بينهم بما هو عندنا (2لأنه الحق، وللزوم الأمر بالمعروف، ولقوله تعالى: (وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ) (3).)والأوّل أقوى، والثاني أحوط.وعلى الثاني فلو اختلف المتداعيان في الدين احتمل لزوم الحكم بينهم حينئذٍ بما هو عندنا، واحتمل إرجاعهم إلى مَنْ يختاره المدعي، واحتمل القرعة، واحتمل إرجاعهم إلى الحكم الناسخ، كالنصرانية بالنسبة إلى اليهودية واحتمل أنّه أمر يرجع إلى رأي الحاكم الشرعي، فما يختاره لزمهم الرجوع إليه.ولو تداعى مسلم وكافر، لزم الحكم بينهما بما أنزل اللّه، وكذا لو تداعى مستأمن وذمّي على الأظهر.ولو أراد الكافر صدور العقد من المسلم على زوجته، لزم العقد عليها على مذهبنا، فلا يجوز صدور العقد من مسلم على خمرٍ أو خنزير ولو بالوكالة عن الكافر.وإذا تداعى عند المسلم ذمّيّان على مهرٍ فاسد - كخمرٍ وشبهه - لزم عليه إذا لم يرجعهم إلى مذهبهم أمرهم بمهر المثل مع احتمال جواز أمرهم بقيمته عند مستحلّيه.هذا كله إذا لم تقبضه كلّاً، فإن قبضته مضى القبض، ولو قبضت النصف جرى على كلّ نصف حكمه.والأظهر الرجوع بالتنصيف إلى القيمة، لا إلى العدد أو الوزن.###### سادسها: في أنّ الكفّار يقرون على ما هو صحيح عندهمسادسها: الكفّار يقرّون على ما هو صحيح عندهم، ويعاملون مع المسلمين بتلك المعاملة، فما صح من البيع عندهم نلزمهم به ونستحلّ ثمنه وإن كان فاسداً عندنا؛ لفساد أحد أركانه، وكذا ما صح عندهم من المواريث والنكاح والوقوف والصدقات وغيرها؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ:)
«ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم» (1، وللسيرة، وللزوم العسر والحرج لولا ذلك، ولا يقرّون على ما هو فاسد عندهم، إلّا إذا كان صحيحاً عندنا.)هذا كله إذا لم يسلموا أو يترافعوا إلينا، فإن ترافعوا إلينا فلنا الخيار بين ردّهم إلى مذهبم وإقرارهم عليه، وبين الحكم بينهم بما أنزل اللّه تعالى.فإن أسلموا نظرنا إلى ما أسلموا عليه، فإن كان ممّا مضى أثره بعقد أو شبهه ولم يؤثر تحريماً مؤبداً أمضيناه على ما هو عليه، وإلّا أبطلناه، وحينئذٍ فيجب رد المغصوب مع بقاء عينه، ولا نحكم بملكية الغاصب له بعد إسلامه وإن غصبه حالة الكفر.ويجب العزل عمّن تزوّجها في العدّة ووطئها حالة الكفر، وكذا مَنْ تزوجها وقد وقب أخاها، أو وطئ أمها أو بنتها، أو ارتضع معها، أو كانت مطلقة ثلاثة من دون محلّل، أو تسعاً مطلقاً، أو كانت زوجة ابنه أو أبيه، أو كان بينه وبينها نسب أو سبب محرّم، وغير ذلك.وكذا لو كانت مغصوبة وإن كان نكاح المغصوبة حلالاً في دينهم على الأظهر.وبالجملة، كلّ ما حرم استدامة حرم عليه بعد إسلامه وكلّ ما حرم ابتداء - لفقد شرط أو مانع غير قاض بتحريم الاستدامة، كالإخلال بالصيغة ونحو ذلك - بقي على حليته بعد الإسلام.ولا بد من النظر التام في المقام؛ لأنه من مزال الأقدام.ولا يلزم على المسلم إجبار زوجته الذمية على غسل أو وضوء أو صلاةٍ أو صوم أو نحو ذلك؛ لجواز إقرارها على دينها.نعم، له إلزامها على ما يزيل القذارة عنها، كرفع الأوساخ وقص الأظفار ونتف الشعر وغسل الحيض إن توقف الجماع على الإتيان بصورته، وظاهر الأصحاب ذلك.وقد يناقش فيه بأنّ الصورة لا ثمرة لها، فلا يلزم جبرها.وله منعها ممّا يستكره، كشرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الثوم واستعمال الدهن المنتن، وسائر المحرمات.###### سابعها: إذا أسلم الكافر على أكثر من أربع كتابيات أو غير كتابياتسابعها: إذا أسلم الكافر على أكثر من أربع كتابيات أو غير كتابيات وقد أسلمن في عدته معه وكان العقد دواماً، بقي عقده على أربع منهنّ على وجه الإبهام، فتكون زوجاته
1) وسائل الشيعة 26 : 158، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 5.
أربعاً مردّدةً، ويدخل الترديد في مفهومها واقعاً، ويتوقف تعيين ذلك المبهم على اختياره أربعاً منهنّ، ويفارق الباقي فالاختيار مثبت للتعيين، لا مثبت للزوجيّة، ولا كاشف عنها، ولا كاشف عن التعيين، إلّا أن يقال: إن الاختيار كاشف عن أنّ المختارة هي الزوجة ابتداء في علم اللّه تعالى لعلمه بما يختارها، ولكنه لا يتمّ في صورة ما إذا مات ولم يختر إحداهن. مع أنا نحكم بالزوجيّة مطلقاً.وعلى كلّ حال فلا فرق في ثبوت حكم اختيار أربع له بين كونهن مدخولاً بهنّ أجمع أو غير مدخول بهنّ أو مدخول ببعضهن دون بعض وبين إسلام بعضهن وعدم إسلامهنّ إذا كُن كتابياتٍ، وبين ترتب عقدهن وعدم ترتبه؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ لغيلان - حين أسلم على أكثر من أربع : «أمسك أربعاً وفارق سائرهن» (1).)ويجب الاختيار فوراً؛ لظاهر الأمر به، ولفتوى الأصحاب، وللزوم الضرر لولاه، فإن تراخى عصى، فإن ترافعت معه الزوجات كلّهنّ أو بعضهن عُزّر على تركه.ولا يبعد جواز الإجبار عليه.فإن مات قبل الاختيار بطل الاختيار، ولم ينتقل إلى الوارث؛ لأنه ليس من الحقوق الموروثة.ولزم الاعتداد على جميع النسوة بأبعد الأجلين، فالحامل بأربعة أشهر وعشراً، أو وضع الحمل، والحائل كذلك بالأبعد من الأشهر والعشر والثلاثة أقراء؛ لاحتمال الفراق والبقاء على الزوجيّة، فالاحتياط يقضي بذلك، مع احتمال اختصاصهنّ بعدة الوفاة؛ لبقاء علاقة الزوجيّة، فتسقط الأقراء.وترث الجميع إذا كُنّ قابلات للإرث الربع أو التَّمْنَ بالسوية؛ لتحقق العلاقة فيهن أجمع وعدم الترجيح، مع احتمال استخراج الوارث منهنّ بالقرعة؛ لأنّها من الأمور المشكلة وإن لم تكن من المشتبهة، ونمنع اختصاص القرعة بالمشتبه ظاهراً المعين واقعاً.والأظهر إيقاف الحصة إلى أن يصطلحن بينهنّ؛ لعدم التمييز بين الوارث منهن وغير الوارث، والصلح اختياري، مع احتمال أنّه قهري.ولو مات وكان فيهنّ غير وارثاتٍ لم تقف عليهنّ حصة، سواء في ذلك المسلمات
1) السنن الكبرى البيهقي :7: 294، ح 14041.
والكافرات؛ لاحتمال كونهنّ الزوجات دون المسلمات فلا ترث الزوجة؛ لأنها كافرة، ولا المسلمة؛ لأنها غير زوجة على وجه اليقين.ويحتمل توريث المسلمات نصف الربع أو نصف الثمن؛ لسقوط ما يخص الكافرة.ويحتمل توريث المسلمات جميع المال.ولا يبعد الأوّل.ولو أسلم وأسلمن معه ثمان فاختار ثلاثاً فمات، ورثت الثلاث ثلاثة أرباع الثمن أو الربع، وبقي الربع من الربع أو الثمن يصطلحن عليه الخمس.ولو أسلمت الكافرة قبل القسمة، اختصت أو شاركت على الأظهر.###### ثامنها: عدم كفاية القصد والنية في الاختيار بل لابد من القول الصريح أو الكناية المفهمةثامنها: لا يكفي في الاختيار القصد والنية، بل لا بد من القول الصريح، أو الكناية المفهمة ولو بالقرائن الحالية أو المقالية، أو الفعل الدال على ذلك، كالوطء قبلاً أو دبراً، ولا يبعد إلحاق الضم والتقبيل به ولا يصح التعليق بلفظه كـ «اخترتك» أو «أمسكتك إن جاء زيد» ولا توقيته مؤخراً، كـ «اخترتك غداً»؛ لأنه إما عقد كالنكاح، أو إيقاع كالرجعة، وكلاهما لا يقبل التعليق.ولو طلق منجزاً واحدةً أو أكثر، كان اختياراً لها؛ إذ لا طلاق إلّا بعد اختيار، فيكون لفظ الطلاق موجباً للنكاح والفراق، مع احتمال عدم وقوع الاختيار به إلّا إذا عاد بمنزلة الإقرار.ولو عرف أن القصد في الطلاق إرادة الفراق فقط، كان فسخاً للمطلقة.ولا يقع الاختيار بلفظ الظهار ولا الإيلاء ولا اللعان، إلّا إذا ضمّ إليهنّ ما يفيد إرادة النكاح.ولو قذف واحدةً مسلمةً قبل الاختيار احتمل تعلّق الحدّ به مطلقاً، واحتمل تعلّق اللعان به كذلك، واحتمل الإيقاف إلى الاختيار، فإن اختارها تعلّق اللعان وإلا فالحد، وهو الأظهر.ولو قذف كافرةً فاختارها فعليه التعزير ويسقطه باللعان أو البينة.ويلزم اختيار أربع فلا يجوز النقصان كما لا تجوز الزيادة. وإذا أسلم الحُرّ على أكثر من أربع كتابيات، فإن كُنّ حرائر كان له اختيار أربع، وإن كُن إماء كان له اختيار أمتين، وإن كُنّ متفرّقات كان له اختيار حُرّتين وأمتين، وثلاث حرائر وأمةً.
وإذا أسلم العبد كذلك، كان له اختيار حُرّتين، أو أربع إماء، أو أمتين وحُرّةً.هذا كله إذا رضيت الحُرّة باجتماعها مع الأمة، وإلا حرم عليه الجمع بينهما.وللمختار اختيار أربع فتبين ما عداها وله إبانة ما زاد على الأربع، فتتعين الأربع بنفسها للزوجيّة، وليس للبائنة شيء قبل الدخول، واحتمال التنصيف بعيد، كما أن لها بعد الدخول مهر المثل؛ لاستبانة فساد العقد مع احتمال المسمّى، وهو بعيد أيضاً.وهل الفراق فاسخ من حينه، أو كاشف عنه من أصله؟ وجهان.والوجوه في الاختيار والفراق في كونه من حينه أو من أصله أربعة، وقد تكون ستة؛ بناءً على وجهي...، (1ولا ملازمة بينهما، فقد يجتمع أحدهما مع ضدّ الآخر.)ولو أسلم عن امرأةٍ وبنتها بعد الدخول بهما أو بالأمّ حرمتا، وإن كان قبله حرمت الأُمّ خاصةً.وعن الشيخ (رَحمهُ اللّه التخيير بينهما في ذلك (2)بناءً على أنّ الاختيار مثبت لصحة النكاح. وهو ضعيف.)ولا يثبت مهر لغير المدخول بها ولا متعة ولا نفقة حيث يختار فراقها.ولو أسلم عن أمةٍ وبنتها مملوكتين له، فإن لم يطأهما تخيّر بينهما في الوطء، وإن وطئهما حرمتا، وإن وطئ واحدةً حلّت له فقط.ولو أسلم عن عمةٍ وبنت أخيها، أو خالةٍ وبنت أختها ولم ترضيا بالجمع، تخيّر أيتهما شاء. وكذا لو أسلم عن أختين، لزمه التخيير مطلقاً؛ لحرمة الجمع.###### تاسعها: إذا أسلم العبد عن أربع حرائر وتنيات مدخول بهن ثم أُعشق ولحقن به في العدةتاسعها: إذا أسلم العبد عن أربع حرائر وثنيات مدخول بهنّ ثمّ أعتق ولحقن به في العدة، تخيّر اثنتين منهنّ فقط؛ لأنه حين إسلامه كان عبداً، وليس له إلّا اثنتين.نعم، يمتد زمن الخيار إلى انقضاء العدة.وقد يتجه أنّه إن تقدّم العتق على إسلامهنّ جاز له اختيار الأربع؛ لعدم استقراره قبل إسلامهن وقد أسلمن وهو حُرٌّ، فيكون الاعتبار بالطارئ لا بالزائل.وكذا لو توسط العتق بين إسلامهنّ كما إذا أُعتق وقد أسلم اثنتان منهنّ ثم بعد ذلك أسلمت اثنتان أخريان؛ لأنّه لا يتعيّن عليه اختيار مَنْ سبق إسلامهما منهن، بل له الانتظار.
نعم، لو تأخر العتق عن إسلام الجميع، فلا إشكال في تعيّن الاثنتين عليه، كما أنّه فيما لو تقدم العتق على إسلامه المتقدم على إسلامهن لا إشكال في تعيّن الأربع.ومبنى المسألة أنّه لو اجتمع الطارئ والزائل في موضوع واحد وقد ترتب على كلّ واحدٍ حكم، فهل العبرة بحكم الزائل بعد تلبسه به مطلقاً، أو بحكم الطارئ مطلقاً، أو إن استوفى الزائل حكمه كان العبرة بالطارئ، وإن لم يستوف حكمه بل كان الاستيفاء ممكناً له فقط، كان العبرة بالزائل ؟ والمقام يحتاج إلى نظر تام.###### عاشرها: حكم ما إذا أسلمت الوثنية فتزوج زوجها بأختها قبل إسلامهعاشرها: إذا أسلمت الوثنية فتزوج زوجها بأختها قبل إسلامه، فإن انقضت عدة المسلمة وهو على كفره صح عقده على الثانية وبانت الأولى، وإن أسلما قبل انقضاء عدة الأولى تخيّر بينهما، وإن تأخر إسلام الثانية عن إسلامه مع كونها مدخولاً بها فالوجه أن رب لها عدة، فإن أسلمت فيها تخيّر أيضاً، سواء انقضت عدة الأولى أم لا، وذلك لصحة نكاحها حال كفره، وإسلامها غير قاض بالانفساخ غايته أنّ ما بعد إسلامها حرم الجمع فيتخيّر.ومثل ذلك ما لو أخذ خامسة حال كفره بعد إسلام الأربع.
### البحث في الكفاءة#### وفيها فوائد:##### الأولى: اشتراط تساوي الزوجين في الإسلام وبطلان العقد بدونهالأولى: لا شكّ في اشتراط التساوي بين الزوجين في الإسلام، وبدونه يبطل العقد، عدا ما استثني من جواز نكاح الكتابية استدامة، أو نكاحها مطلقاً، أو متعة فقط على الخلاف المتقدم في الابتداء.ويدخل الناصب - وهو المعلن بعداوة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ- في الكافر، كما في النصوص (1)والفتاوى، كما أنّه يدخل الساب لأحدهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) أو للزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) في المرتد.)وهل يشترط التساوي في الإيمان بالنسبة إلى الزوجة المؤمنة، بمعنى عدم جواز نكاحها لغير المؤمن وبطلانه لا مجرّد حرمته فقط، أو لا يشترط كما لا يشترط ذلك بالنسبة إلى الزوج؟ قولان، ونُسب للمشهور (2وحكي عليه الإجماع (3)الأوّل منهما، وهو الذي تشعر به أكثر الأخبار (4)، ويساعده التعليل بأنّ الامرأة تأخذ من دين زوجها (5)، وكذلك الاعتبار، وجميع ما دلّ من الأمر بالتجنّب عنهم وترك مخالطتهم، والنهي عن الركون إليهم وعن محبة بقائهم، وأنهم كالكلاب وأسوأ من ذلك(6)دال على عدم صحّة نكاحهم.)وما وقع من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أو الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) من تزويجهم ذلك الصنف فهو أمر مبني على الظاهر)
1) منها ما في وسائل الشيعة 20 : 553، الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 15.
2) نسبه للمشهور الطباطبائي في رياض المسائل 11 : 283.
3) الخلاف 4 : 271 - 272، المسألة 27.
4) منها ما في وسائل الشيعة 20 : 550 - 551 الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 5.
5) المصدر : 555 الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 2.
6) المصدر : 549، الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه؛ و 17 : 182، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ح 17؛ و 1 : 219 - 220، الباب 11 من أبواب الماء المضاف...، ح 4 و 5.
المصالح لا نصل إليها ولا نعرف حقيقتها، وإلا لزم جواز تزويجهم للكفار؛ لأنّ مَنْ زوّجوه منهم منهم، وهو خلاف ما عليه المسلمون.ويراد بالمؤمن هو من آمن بعليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ في زمانه، وكفر بمَنْ تقدمه في الخلافة أو حاربه عليها، وكذا من آمن بأولاده المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) واحداً بعد واحد، كلّ في زمانه إلى الثاني عشر، فالمؤمن بعده هو الاثنا عشري، فيدخل في غير المؤمن جميع الفرق من الزيدية والفطحيّة والناووسية والإسماعيلية وغيرهم، ويدخل فيه المستضعف، وهو مَنْ لا يعرف اختلاف الناس في المذاهب، ولا يُبغض أهل الحق على اعتقادهم، أو هو الذي لا يعرف الحق ولا يعاند عليه ولا يوالي أحداً بعينه، أو هو الذي لا يعرف الولاء ويتوقف عن البراءة، أو هو الذي لا يستطيع أن يؤمن ولا يستطيع أن يكفر، أو هو الذي لم ترفع له حجة، أو هو الأبله والصبي والنساء القليلات الإدراك والكلّ متقارب المعنى والمصداق.)ويلحق بالمستضعفين الشكاك.ويدلّ على النهي عن تزويج المخالف والمستضعف والشكاك جملة من الأخبار:فمنها مفهوم ما ورد في صحاح الأخبار: «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (1.)وفي بعضها بدل «الخلق»: «الأمانة» (2ولا يضرّ ذلك في الاستدلال بها؛ لاستعمال «الخلق» و «الأمانة» في الدين، فيكون من عطف المرادف، أو لتسلّط النفي في المفهوم على المجموع من حيث هو، أو لتلازمهما غالباً، أو لأن خروج بعض الرواية عن الحكم به للدليل غير منافٍ للاستدلال بها.)ومنها: ما دلّ على النهي عن تزويج الشكاك.كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ- في صحاح الأخبار : «تزوجوا في الشكاك، ولا تزوجوهم، فإنّ الامرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه» (3).)وما دلّ من الأخبار المعتبرة «إنّ العارفة لا توضع إلّا عند عارف» (4.)
وفي الصحيح: إن لامرأتي أختاً عارفةً على رأينا، فأُزوجها ممن لا يرى رأيها؟ فقال: لا، ولا نعمة ولا كرامة» (1.)وما دلّ على أن المستضعف لا يتزوج المؤمنة (2.)إلى غير ذلك من الأخبار المستفيضة المقتضية للتحريم الملازم للفساد في مثل هذه المقامات المؤيّدة بفتوى المشهور نقلاً (3بل تحصيلاً، والمؤيّدة بالأخبار المستفيضة الناهية عن نكاح النواصب زوجاً وزوجةٌ (4)بناء على أن هؤلاء المخالفين الآن إن لم يكونوا منهم كما تشعر به بعض الأخبار (5)، وأفتى به بعض الأصحاب (6)- فأكثرهم منهم، ويرون رأيهم، ويحتذون مثالهم، ويجرون على منوالهم.)وبما ذكرناه يظهر أنّ ما يُستدلّ به للمجوّزين - من عمومات أدلة النكاح، وعمومات ما ورد في الأخبار الصحيحة والمعتبرة من حلّ مناكحة المسلم إذا أظهر الشهادتين (7، وهي أخبار مستفيضة، وفيها الصحيح، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد سأله عن جمهور الناس، فقال: «هم اليوم أهل هدنةٍ تُردّ ضالتهم، وتؤدى أمانتهم، وتجوز مناكحتهم وموارثتهم» (8)وبمعناه أخبار أُخر، وفيها المعتبر، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الإسلام شهادة أن لا إله إلّا اللّه، والتصديق برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث» (9)وبمعناه أخبار أُخر (10)- كله ضعيف؛ للزوم تخصيص العمومات بما ذكرناه، ولزوم حمل مناكحتهم على أخذ نسائهم لا إعطائهم. أو على جوازها عندهم، أي إقرارهم عليها.)
1) وسائل الشيعة،20 : 550 الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 4.
2) المصدر، ح 3.
3) مختلف الشيعة 7 : 302، المسألة 213.
4) وسائل الشيعة 20 : 549 الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه.
5) راجع المصدر : 561، الباب 12 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 1.
6) كالعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 1 : 68، الفرع الثاني من المسألة 22.
7) وسائل الشيعة 20: 554 الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 17.
8) المصدر : 561، الباب 12 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 1.
9) الكافي :2: 25 باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام...، ح 1.
10) المصدر : 26، ح 5.
ومع ذلك فالأحوط ترك التزويج بالمخالف للعارفة بدينها؛ لما يظهر من جملة من الأخبار من النهي عنها (1، والأمر بتزويج البله من النساء والمستضعفات منهن (2)، وظاهرها أن ذلك كله لمكان البعد عن النصب اللازم غالباً للمخالفات؛ لأن الإناء ينضح بما فيه.)نعم، لا بأس بتزويج النساء من سائر فرق الشيعة؛ للأصل، والعمومات من غير معارض.##### الثانية: عدم اشتراط يسار الرجل للإنفاق في صحة العقدالثانية: لا يشترط في صحّة العقد يسار الرجل للإنفاق مع العلم والجهل؛ لعمومات الأدلّة وخصوصاتها (3، وللإجماع المنقول (4)، وفتوى الفحول والسيرة القطعية الدالّة على الصحّة المستمرة في سائر الأعصار، ولقوله تعالى: (إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللّه مِنْ فَضْلِهِ) (5)، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «المؤمنون أكفاء بعضهم بعضاً» (6).)ويظهر من بعض الفتاوى اشتراط ذلك مطلقاً (7، ومن بعضها اشتراطه مع الجهل (8).)وكأنه لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الكفو أن يكون عفيفاً وعنده يسار» (9)ولقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في معاوية حين خطب فاطمة بنت قيس: «صعلوك (10)لا مال له» (11)ولأن الإنفاق والمهر من مقومات النكاح فالعجز عنهن مخلّ بصحته.)والجميع ضعيف عن المقاومة، مع أن الأوّل ظاهر في الاستحباب، والثاني لا دلالة له على المنع، والثالث مجرد استحسان.وقد يُنزل القول بالاشتراط على إرادة اشتراطه في وجوب إجابة الخاطب، فلا يجب حينئذٍ
1) وسائل الشيعة 20 : 550 - 553 الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 4 و 5 و 12.
2) المصدر : 556 - 559، الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، ح 3 و 7 و 9 و 10.
3) النور (24) : 32؛ وسائل الشيعة 20 : 13 و 42 و 43، الأبواب 1 و 10 و 11 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه.
4) مختلف الشيعة 7 : 300، المسألة 212.
5) النور (24) : 32.
6) وسائل الشيعة 20: 61 - 62. الباب 23 من أبواب مقدمات النكاح...، ح 2.
7) الخلاف 4 : 271، المسألة 27.
8) السرائر 2 : 557.
9) وسائل الشيعة 20 : 78 الباب 28 من أبواب مقدمات النكاح...، ح 4.
10) الصعلوك : الفقير الذي لا مال له القاموس المحيط 3 : 320، «ص ع ل ك».
11) صحيح مسلم 2 : 1114، ح 1480.
على الامرأة ولا على الولي الإجابة مع الإعسار أو يُنزل على اشتراطه في صحّة عقد الولي أو الوكيل المطلق؛ لخروج المعسر عن ظاهر إطلاق الوكالة في التزويج، وخروجه عن الإذن في التصرّف في الولاية؛ للزوم تحرّي الغبطة على الولي والوكيل وعدم الإفساد.وقد يُنزل ذلك على إرادة حصول التزلزل في العقد وثبوت الخيار فيه مع جهل الامرأة بذلك، أو مع عقد وليها لها حالة الصغر ونحوه، كما أفتى به جملة من الأساطين (1، مستندين لدليل نفى الضرر والضرار (2)، وللجمع بين الأدلّة.)وكلاهما غير صالح؛ لما دلّ على أصالة لزوم العقد، وإن كان لا يخلو عن قوة.##### الثالثة: حكم ما لو تجدّد عجز من الزوج عن النفقةالثالثة: لو تجدّد عجز من الزوج عن النفقة، فالأظهر سقوط الخيار ولزوم الانتظار؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (3)، ولقول عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمن كان زوجها معسراً فأبى أن يحبسه: «إن مع العسر يسراً» (4).)وذهب بعض أصحابنا إلى ثبوت الخيار للزوجة (5، وبعض إلى أن للحاكم أن يجبره على الطلاق، أو يطلق عنه (6).)وكلاهما ضعيف جداً، مخالف للقواعد وعموم الأدلّة وفتاوى الأصحاب. نعم، قد يقال: إنّ الزوج لو كان موسراً وامتنع من الإنفاق كان للإمام أن يجبره على الإنفاق أو الطلاق، فإن لم يتمكن من إيقاع أحدهما منه كان له أن يطلقها منه بنفسه؛ لولايته عن الممتنع، وللزوم الضرر لولا ذلك.وللمعتبرين:أحدهما: «مَنْ كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها
1) راجع مختلف الشيعة 7: 300 المسألة :212؛ ومسالك الأفهام 7 : 406.
2) وسائل الشيعة 25 : 428 - 429، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، ح 3 - 5.
3) البقرة (2) : 280.
4) وسائل الشيعة 18 : 418 الباب 7 من أبواب كتاب الحجر، ح 2.
5) حكاه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 327، المسألة 238 عن ابن الجنيد.
6) كما في رياض المسائل 11 : 295.
كان حقاً على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أن يفرق بينهما» (1).)وفي آخر: «إذا أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة، وإلا فرق بينهما» (2.)وقريب إليهما ثالث، قال: «إذا كساها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه، وإلا طلقها» (3.)وهذا متجه، والبناء عليه غير بعيد.##### الرابعة: عدم وجوب إجابة الخاطب إذا كان كفواً على البكر والثيبالرابعة: لا يجب على البكر البالغة الرشيدة ولا الثيب وجوب إجابة الخاطب إذا كان كفواً؛ للأصل وعموم الأدلّة، وعموم: «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه» (4ظاهر في الأولياء.)وهل يجب على الولي الإجباري أو الوليّ العرفي إذا كان أمر الامرأة إليه الإجابة؛ لظاهرالأمر، أو لا يجب؛ للأصل، وعموم الأدلّة، مع ضعف مقاومة ظاهر الأمر لهما؟ قولان.والظاهر أنّ المشهور الأول، وهو الموافق للاحتياط.هذا كله بعد الاتفاق على كون الإجابة مندوبة إذا لم تكن واجبة، وعلى جواز ترك الإجابة طلباً للأعلى رتبة والأشرف محلاً والملائم للزوجة حسباً ونسباً ومالاً، سيما لو كانت الامرأة ممن ترى أن أمرها بيد وليّها وأنّ التمييز بيده، وعلى أن المنع بمجرد التشهي بحيث يؤدي إلى تعطيل الامرأة وعضلها عن الأزواج محرّم، سيما لو بان من الامرأة إرادة الخاطب الخاص فنهاها الوليّ عن ذلك، وربما أدى إلى كونه كبيرة من الكبائر.##### الخامسة: حكم ما إذا تزوج امرأة ثمّ علم أنّها زنت مرّةً أو مراراًالخامسة: إذا تزوج امرأة ثمّ علم أنّها كانت زنت مرة أو مراراً، لم يكن له الفسخ، ولا الرجوع على الوليّ بالمهر؛ للأصل، وعموم الأدلّة، وخصوص ما دلّ على حصر الفواسخ في الأخبار المعتبرة في أشياء معدودة(5ليس هذا منها.)
وقيل: إنّ له الفسخ، ولا صداق لها (1عملاً برواية السكوني الدالّة على أن مَنْ زنت قبل الدخول يفرّق بينهما، ولا صداق لها (2).)وهي غير المدعى أو أخص من الدعوى؛ لتضمّنها الزني قبل الدخول بعد العقد، ومع ذلك فشذوذها وقلّة العامل بها ومخالفتها لما تقدم يوهن الركون إليها.وقيل: إن للزوج الخيار في المحدودة دون غيرها (3.)ولم نعثر له على مستند يصلح للاستناد إليه.وقيل بأنّ للزوج الرجوع على وليها بالصداق (4.)والظاهر أنّ المراد به مع علمه بالزنى وعدم إخباره؛ للخبر: فيمن تزوجت قعلم زوجها بعدما تزوّجت أنها كانت زنت، قال: «إن شاء زوجها أخذ الصداق من وليها» (5.)والآخر : فيمن تلد من الزنى ولم يعلم بذلك أحد إلّا وليها، قال: «إن لم يذكر ذلك لزوجهاثمّ علم بعد ذلك فشاء أن يأخذ صداقها من وليها بما دلّس عليه كان ذلك له على وليها» (6.)ويؤيدهما ما دلّ على جواز الرجوع على الولي في العيوب والتدليس (7، فالقول بمضمونهما متجه لولا عمومات الأدلّة وفتوى المشهور.)وعلى كلّ حال فلا رجوع على الامرأة بشيءٍ من المهر، ويجب دفعه إليها إن لم يكن دفعه.##### السادسة: حكم ما إذا انتمى شخص لقبيلة وتزوّج فبان من غيرهاالسادسة: إذا انتمى شخص لقبيلةٍ وتزوّج فبان من غيرها، أو انتمى لصنعة فبان من غيرها، أو شرط عليه بسنّ خاص فتبيّن خلافه، أو صنعة خاصة فتبين خلافها، لم يكن للزوجة الخيار في الفسخ؛ للأصل، وعمومات الأدلّة، ولبعد عقد النكاح عن الخيار لشبهه بالعبادة.
1) قاله الصدوق في المقنع : 326.
2) وسائل الشيعة 21 : 218، الباب 6 من أبواب العيوب والتدليس، ح 3.
3) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 519 وسلار في المراسم : 150؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 295.
4) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 486.
5) وسائل الشيعة 21 : 219 الباب 6 من أبواب العيوب والتدليس، ح 4.
6) المصدر : 217 - 218، ح 1.
7) المصدر : 211، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس.
وقيل: إنّ له الخيار مطلقاً (1.)وقيل: إنّ له الخيار مع الشرط (2.)وقيل: إنّ له الخيار إذا انتسب لقبيلة أعلى نسباً فظهر الأدنى بحيث ينافي شرف الامرأة(3.)ومع ذلك فالقول بثبوت الخيار مع شرط الأعلى فيخرج الأدنى قوي، ويؤيده عموم أدلّة الشروط(4، وعموم أدلّة نفي الضرر (5)، وخصوص المعتبرة في الرجل يتزوج الامرأة فيقول: أنا من بني فلان، فلا يكون كذلك، قال: «تفسخ النكاح، أو ترد» (6).)وهي وإن كانت مضمرة إلّا أنّ مضمر الحلبي بمنزلة المظهر.##### خاتمة في حرمة التعريض بالخطبة لذات العدّة الرجعيةخاتمة: يحرم التعريض بالخطبة لذات العدّة الرجعية، وأولى منه التصريح، وأولى منهما الزوجة بنفسها إذا كانت للغير، كلّ ذلك بالإجماع.ولا يتفاوت في تحريم خطبتها حالاً أو مستقبلاً، كما يقول: «أتزوجك بعد خلوصك» أو «بعد انقضاء عدتك».ويجوز التعريض لذات العدة البائنة دون التصريح إلّا من الزوج نفسه فيجوز التصريح.ولا يجوز من المحرّمة أبداً على الزوج التصريح ولا التعريض، ويجوز من غيره التعريض دون التصريح.
1) قال به الشيخ الطوسى فى النهاية : 489؛ وابن حمزة في الوسيلة : 311.
2) قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 611 - 612.
3) قال به العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 208، المسألة 134.
4) وسائل الشيعة 21 : 276 الباب 20 من أبواب المهور، ح 4.
5) المصدر 25 : 428 - 429 الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، ح 3 - 5.
6) المصدر 21: 235 الباب 16 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1.
### البحث في النكاح المنقطع#### وفيه مباحث:##### الأول: ثبوت نكاح المتعة في زمن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وبعده)الأوّل: نكاح المتعة ثابت في زمن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بإجماع المسلمين، وثابت بعده إلى الآن بإجماع الشيعة وأخبارهم (1).)وقد حرمه عمر باتفاق الفريقين فقالت الشيعة تحريمها منه، وقالت العامّة: تحريمها من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وهو مخبر عنه؛ حيث إنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحلّها وحرمها، وأحلّها أيضاً وحرمها، فادعوا نسخها مرةً أو مرتين.)وليت شعري كيف خفي النسخ على أبي بكر ومَنْ قبله ومَنْ هو معه وخفي على مَنْ بعد عمر وعثر عليه هذا الرجل بنفسه ؟ !وهو و من الأمور التي تشتد الحاجة إليها في كلّ وقت وحين.وهو عقد مفتقر وجوباً في بعض واحتياطاً في آخر إلى إيجاب وقبول لفظيين فعليين، ماضويّين صريحين مترتبين متّصلين عربيين عند صدوره من عربيين، غير ملحونين ببنية ولا إعراب، صادرين من كاملين أو من وليين أو متفرّقين أو وكيلهما، فلا يجزئ مجرّد المعاطاة إجماعاً، كما لا يجزئ كلّ فعل بالإجماع، ولا كلّ لفظ أيضاً، خلافاً لما أفتى به بعض من الأصحاب فأجاز كلّ لفظ (2استناداً إلى شمول عموم (أوفُوا بِالعُقُود) (3)، وإلى خلو الأخبار من ذكر الصيغ الخاصّة، والاكتفاء فيها بجملةٍ من الألفاظ التي ليست على النحو المذكور، وذلك لمنع الشمول؛ لانصراف العقود للعقود المعهودة، إما لأن اللام للعهد، أو لأن العقد هو ما تعاقدوا به زمن الصدور، وإما لأنه كالمجمل؛ لأن الخارج فيه أكثر من)
الداخل فيؤخذ منه ما تيقن دخوله به ولأنّ خلوّ الأخبار إنّما كان اتكالاً على ما هو المعهود من ذكرها عند إيقاع العقد، فتكون الأخبار مسوقةً لبيان شرائطها الأُخر وموانعها ونحو ذلك، يجزئ لفظ «التمليك» ولا «الإجارة» ولا «الإباحة» ولا «الهبة» لا في الإيجاب ولا في القبول.ونُسب لبعض جواز المعاطاة في المتعة (1، وربما أشعرت به رواية (2).)وهو ضعيف لا يُلتفت إليه.ونُسب للمرتضى جواز انعقادها بلفظ «أحللت» و «أبحت»؛ بناءً على أن تحليل الأمة عقد متعة (3.)وهو ضعيف مبني على ضعيف، ومقصور على مورده لا يتعداه. وألفاظها الصريحة في الإيجاب: «زوجت» و «أنكحت» و «متعت»، وأصرحها الأخيرة، وفي القبول: «تزوّجت» و «نکحت» و «تمتعت»، ومثلها: «قبلت» و «رضیت».ولا يبعد جواز تقديم القبول على الإيجاب في الثلاثة الأوّل دون الأخيرين ونحوهما وإن خالف الاحتياط.وقد يناقش في تسميته قبولاً مقدماً؛ لاحتماله الإيجاب، ولأن الظاهر أن القبول من مقولة الانفعال والأثر، والإيجاب من مقولة الفعل والمؤثر، فهو متأخر عنه في الوضع، وتنزيله على قبول ما يوجب بعيد عن المعنى واللفظ.وقد ورد في بعض الروايات ما ظاهره جواز تقديم القبول، ووقوعه بلفظ الأمر، وجواز الفصل بينه وبين الإيجاب بكلام طويل في الدائم (4، وكذا في المتعة، كرواية مؤمن الطاق (5).)وفي بعض آخر جواز تقديمه، ووقوعه بلفظ المستقبل، وجواز الفصل بينه وبين الإيجاب بكلام طويل في خصوص المتعة (6، وربما وُجد في بعضها وقوع الإيجاب بلفظ «نعم» (7).)
وكله مخالف للقواعد وللاحتياط، فطرحه أو تنزيله أولى.والأظهر جواز الاكتفاء للأخرس بالإشارة دون الكتابة وغيرها من الأفعال، والظاهر أنّه لا تحديد فيها وإن أمكنه التوكيل.وكذا يكتفى من التمتام والأليغ والألثغ والفأفاء ونحوها. والاحتياط مع إمكان التوكيل لا يخفى.وكذا الاكتفاء باللفظ العجمي لمن لا يحسن العربية، والاكتفاء بالملحون لمن لا يطيق العربية ويقصر لسانه عنها، والاحتياط هنا أشد.ولا يضر الفصل بين الإيجاب والقبول بما يتعلق بهما من الشرائط ونحوها، أو بسعال أو سكوت جزئي.ولا بد في الصيغة من القصد إلى كونه نكاحاً منقطعاً مؤجلاً، ولا يشترط قصد كونها المتعة المعلومة عند الناس التي تشمئز منها نفوس كثير من النساء؛ لعلمهن بأنها لا يترتب عليها نفقة ولا ميراث ولا مضاجعة. وفي بعض الأخبار ما يرشد إلى اشتراط البيان كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «تقول لها: أتزوجكِ متعةً كذا وكذا» (1)، فالاحتياط هنا شديد، ولكنّه من مزال الأقدام عند ثوران الشهوة، أعاذنا اللّه تعالى من الهفوة.)##### الثاني : اشتراط كون المتمتع بها مسلمةٌ أو كتابيّةً أو مجوسيّةًالثاني: المحلّ، ويشترط في المتمتع بها كونها مسلمةً أو كتابية أو مجوسية على أشهر الروايتين، ولا تستمتع المسلمة إلّا بالمسلم والمؤمنة إلّا بالمؤمن، ولا يجوز الاستمتاع بأمةٍ لمَنْ عنده حُرّة من غير إذنها، ولا ببنت أخ الزوجة أو أختها من دون إذن العمة والخالة. وكلّ ذلك لما تقدّم من الأخبار وكلام الأصحاب.ولا يلزم السؤال والتفحص عن المتمتع بها هل لها بعل أم لا؟ وهل هي في عدةٍ أم لا؟ سواء كان السؤال لها أو لغيرها؛ للأصل، وللاستصحاب في كثير من المواضع، ولما ورد في كثير من الأخبار من الرخصة في ترك السؤال معللاً بأنّهنّ مصدقات على فروجهن(2.)وظاهر الفتوى والرواية عدم الفرق بين مَنْ علم أنّ لها بعلاً سابقاً فادعت موته أو تطليقه
أم لا، ومَنْ علم أنها في عدةٍ سابقاً ولم يعلم خلاصها منها أم لا، وبين مَنْ كانت مأمونةً ومَنْ لم تكن.وورد في بعض الأخبار النهي عن التمتع بالزانية (1، وهي كثيرة، وفي جملة منها جوازه مطلقاً (2).)وفي جملة النهي عن المشهورة في الزنى ومَن رُفعت لها راية دون غيرها (3.)وفي بعضها جواز ذلك حتّى لمن رفعت لها راية؛ لأنه إنما يخرجها من حرام إلى حلال (4.)وفي بعضها النهي عنها حتّى تنقضي عدتها وتستبرئ رحمها من الزنى (5.)وفي بعضها أنّه يمنعها من الفجور عند إرادة ذلك(6.)وفي بعضها لا ينبغي له وطؤها قبل الاستبراء (7، وأكثر الأخبار مطلقة في ذلك.)والجمع بين الجميع جواز ذلك مطلقاً إلّا أنّه مكروه، وتشتد الكراهة في المشهورة بالزنى، وتشتد أيضاً إذا كان من دون استبراء رحمها.والأحوط تجنّب الزانية مطلقاً ما لم تتب؛ خروجاً من شبهة فتوى بعض الأساطين من أصحابنا بذلك (8، ومن شبهة ظاهر قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) (9)وجملة من الروايات المانعة، والله تعالى أعلم.)وإذا أسلم الكافر وعنده كتابية متعةً بقي عقدها، ولو كانت وثنية توقف انفساخ النكاح على انقضاء العدة أو المدة، فأيهما سبق ولم تسلم انفسخ النكاح به.ولو أسلمت هي دونه توقف الانفساخ على انقضاء أحدهما، كما ذكر قبل إسلامه.هذا كله لو كان بعد الدخول، فلو كان قبله انفسخ النكاح من حينه.وللزوج منع الكافرة عن أكل لحم الخنزير والخمر وارتكاب المحارم.
1) وسائل الشيعة 21 : 27 - 28، الباب 8 من أبواب المتعة.
2) المصدر : 29 - 30. الباب 9 من أبواب المتعة.
3) المصدر : 28، الباب 8 من أبواب المتعة، ح 4.
4) المصدر : 29 الباب 9 من أبواب المتعة، ح 3.
5) بحار الأنوار 100: 309، ح 42.
6) المصدر، ح 41.
7) وسائل الشيعة 21 : 74 الباب 38 من أبواب المتعة، ح 1.
8) الصدوق في المقنع : 338.
9) النور (24) : 3.
##### الثالث: اشتراط ذكر المهر لفظاً أو ما قام مقامهالثالث: من شرائط المتعة: ذكر المهر لفظاً أو ما قام مقامه، وبدونه يفسد العقد ولو كان منوياً فقط؛ للأخبار النافية للمتعة من دون مهر الظاهرة في نفي الصحّة أو نفس الماهية كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا تكون متعة إلّا بأمرين: أجل مسمّى وأجر مسمى» (1)والدالّة على حصر المتعة في المهر والأجل، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد سأله عن المتعة، قال: «مهر معلوم إلى أجل معلوم» (2)وظاهره أنّه من دونهما منتفية ذاتاً أو صحة.)ويؤيد ذلك أيضاً ما دلّ على تشبيه المتعة بالإجارة أو حصرها فيه (3، وما يظهر من الأخبار أيضاً أنّ مشروعية المتعة إنما كان للاستمتاع وإعفاف النفس، دون حصول النسل (4)، كما هو في الدائم، فأشبهت عقود المعاوضة التي يكون العوض فيها ركناً يبطل العقد بدونه.)ولا تقدير له كثرةً ولا قلة، بل ما تراضيا عليه؛ للأصل، وللأخبار الدالّة على ذلك (5، ولفتوى الأصحاب.)وما نقل عن ابن بابويه من تقديره بالدرهم فما فوق(6استناداً لرواية (7)ضعيفة متناً ودلالة، ضعيف جداً.)نعم، يشترط فيه المعلومية الدافعة للإبهام والغرر عرفاً، فلا يكفي المبهم، ولا المجهول الذي لا يؤول إلى العلم، ولا ما آل إليه بعد ذلك، كما إذا عقد على في كفه أو ما في الصندوق ولم يعلمانه ساعة العقد، أو على معدود لم يعلما عده ولم يشاهد.ويكفي هنا العيان والمشاهدة عن الكيل والوزن والعد؛ لاندفاع معظم الغرر فيها، ولم يقم دليل صالح على اشتراطها.ويكفي الوصف في الغائب عن المشاهدة.
1) وسائل الشيعة 21 : 42، الباب 17 من أبواب المتعة، ح 1.
2) المصدر : 42 - 043 ح 3.
3) المصدر : 18 - 19، الباب 4 من أبواب المتعة، ح 2 و 4.
4) المصدر : 44 - 45 الباب 18 من أبواب المتعة، ح 5 و 6.
5) المصدر : 48، الباب 21 من أبواب المتعة.
6) المقنع : 339.
7) وسائل الشيعة 21: 48 - 49 الباب 21 من أبواب المتعة، ح 1.
ويحتمل لزوم الكيل والوزن في المكيل والموزون؛ لشبه المتعة بالإجارة، وتحقق الغرر بدونهما، ولكنّه خلاف فتوى الأصحاب.ويشترط في المهركونه مملوكاً للعاقد، فلا يصح على ما لا يملك أصلاً، كالحر والخمر، أو على ما يملك ولكن لا يجوز انتقاله كالمرهون أو المحجور عليه.وهل يجوز العقد على مال الغير فضولاً لنفسه إذا تعقبته الإجازة؟ ظاهر كثير من الأصحاب العدم؛ لأن الإجازة تؤثر في نقل المال إلى ملك المالك، وهنا لا يتصور ذلك.وفيه بحث؛ لأنّه لا منافاة بين ملك العاقد البضع بمال الغير بعد إجازته العقد عليه، وبين عدم ملكه البضع والمال حين العقد، فيملك بعد الإجازة البضع، وتملك المرأة المال، ويكون حكمه كحكم ما لو دفع شخص لآخر مالاً ليعقد متعةً عليه لنفسه، فإنّ العاقد هنا غير مالك، مع أنّهم لا يمنعونه على الأظهر، وتملك المرأة حينئذٍ مال الغير بنفس العقد؛ لأنّ الإجازة والإذن السابقة اقتضت انتقال المال عن مالكه إلى المستمتع بها بنفس العقد، أو انتقاله إلى العاقد ثم منه إلى المتمتع بها، فيكون ذلك بمنزلة «أعتق عبدك عنّي» أو بمنزلة المال المأذون في إتلافه، فينتقل المال إلى المأذون أوّلاً آناً ما ثم إلى المتمتع بها، ولم يقم دليل صالح على عدم صحّة العقد على غير المملوك للعاقد حين العقد، أو غير المملوك له بعد العقد إذا ملكته المرأة به.وكما لا يصح العقد على ما لا يملك لا يصح العقد أيضاً على ما لا يتموّل وإن ملكه العاقد، كحبة حنطة.وقد يناقش في ذلك؛ لعموم الأخبار بصحة العقد على ما تراضيا عليه مطلقاً (1.)وقد يجاب بأنّ المتعة لشبهها بالمعاوضة لا يصلح جعل ما لا يتموّل ركناً فيها، والعموم منصرف لغيره.ويصح جعل المهر عيناً ومنفعة.##### الرابع: في أنّه تملك المرأة المهر بالعقدالرابع: تملك المرأة المهر بالعقد قطعاً.وهل يجب عليه دفعه بنفس العقد؛ لحصول ملكها له به، أم لا يجب إلّا بعد تسليم
1) وسائل الشيعة 21 : 49 - 51 الباب 21 من أبواب المتعة، ح 3 و 9.
ما قابله من البضع كلاً إن سلمت الكل، وبعضاً إن سلمت البعض؟ ظاهر جمع من الأصحاب (1: الأول، وظاهر آخرين (2): الثاني، وهو الأظهر فتوى ورواية.ففي الصحيح: إنّي أتزوّج المرأة شهراً وتريد مني المهر كملاً وأتخوّف أن تخلفني؟ فقال: «يجوز أن تحبس ما قدرت عليه، فإن هي أخلفتك فخُذ منها بقدر ما تخلفك» (3.)وفي آخر: أتزوج المرأة شهراً فأحبس عنها شيئاً؟ قال: «نعم، خُذ منها بقدر تخلفك» (4.)وفي ثالث: عمّن يتزوّج المرأة شهراً فلا تفي ببعضه، قال: «يحبس عنها من صداقها بقدر ما احتبست عنك، إلّا أيّام حيضها فإنّها لها» (5.)وفي رابع (6قريب لذلك.)وهذه الأخبار ظاهرة في جواز الحبس للمهر فيما لم يستوفه منها كلاً أو بعضاً؛ مخافة أن لا يستوفي فيقاصها به.ويدلّ على ذلك أيضاً تشبيه المتعة بالإجارة (7، فإنّ الإجارة لا يلزم دفع الأجرة فيها من دون تسليم العين المستأجرة، أو بذل العمل من الموجر نفسه للمستأجر، سواء استوفاه أو أعرض عنه، فإذا بذل العمل لزم بذل الأُجرة بقدر العمل كلّاً أو بعضاً.)وهذه القاعدة سارية في جميع المعاوضات من أنّه لا يجب تسليم أحد العوضين من دون تسليم الآخر، فإن تعاسرا تسالما معاً.ومستند الأولين ما ورد في نسخة الخبر المتقدّم، فقال: «لا يجوز أن تحبس ما قدرت عليه» (8.)وهو مستند ضعيف جداً.
1) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 510؛ والسيد المرتضى في الانتصار : 270، المسألة 153؛ وابن البراج في المهذب 2 : 200.
2) منهم : المحقق الكركي في جامع المقاصد 13 : 22؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 7: 442.)
3) وسائل الشيعة 21: 61، الباب 27 من أبواب المتعة، ح 1.
4) المصدر، ح 2.
5) المصدر : 62. ح 4.
6) المصدر : 61 - 62، ح 3.
7) المصدر : 18 - 19، الباب 4 من أبواب المتعة، ح 2 و 4.
8) راجع الهامش (3)؛ وكذا الكافي 5 : 460 - 461، باب حبس المهر إذا أخلفت، ح 1.
##### الخامس: جواز هبة الزوج للزوجة مدة المتعةالخامس: يجوز للزوج هبة الزوجة مدة المتعة كلاً أو بعضاً؛ فتوى ورواية (1، فينفسخ نكاحها به، وهو بمنزلة الطلاق أو الإبراء لا يفتقر إلى قبول، ولا يجري عليها أحكام العقد، والضرورة من الزوج قاضية بمشروعيتها؛ للاحتياج إلى الفراق، وعدم صحّة وقوع الطلاق، فلا مندوحة عن صحّة الهبة.)وتصح بلفظ «وهبت» وما أدى معناه.والأقوى جوازها بلفظ «أبرأت» و «أسقطت»، وكذا «تصدّقت عليك».والموجود في الأخبار لفظ «وهبت» و «تصدقت».ففي الخبر المعتبر: سأله كتابةً عن رجلٍ تمتع بامرأةٍ ثم وهب لها أيامها قبل أن يفضي إليها أو بعد أن يفضي إليها، فهل له أن يرجع فيما وهب؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا يرجع» (2).)وفي آخر: في رجلٍ تمتع امرأة فزوجوها أهلها قبل أن تنقضي أيامها. وفي آخره: «فليتق اللّه زوجها، وليتصدق عليها بما بقي» (3.)وفي آخر مثله (4.)وفي ثالث: فيمن يريد أن يزيد، قال: «يتصدق عليها بما بقي من الأيام، ثم يستأنف شرطاً جديداً» (5.)والظاهر أنّ ما في الأخبار من قبيل المثال، بل لا يستبعد صحّة الهبة بلفظ «فسخت» وما شاكله، كما أن الظاهر منها جواز هبة الكلّ والبعض قبل الدخول أو بعده.وقد يشكل جواز هبة البعض المتقدم دون المتأخر قبل الدخول وبعده، وليس في الأخبار ما يدل على جوازه، ولكن ظاهر الفتوى جوازه.ثمّ إنّ الهبة إن وقعت لجميع المدة قبل الدخول فليس للزوجة سوى نصف المهر؛ لظاهر الموثق - المنجبر بفتوى المشهور والإجماع المنقول (6- قال: «وإن خلّاها قبل أن يدخل بها ردّت المرأة على الرجل نصف الصداق» (7).)
1) وسائل الشيعة 21 : 63. الباب 29 من أبواب المتعة، ح 1.
2) وسائل الشيعة 21 : 63. الباب 29 من أبواب المتعة، ح 1.
3) المصدر : 75 - 76، الباب 41 من أبواب المتعة ح1.
4) المصدر : 76، ذيل الحديث 1.
5) المصدر : 57، الباب 24 من أبواب المتعة، ح 1.
6) جامع المقاصد 13 : 23.
7) وسائل الشيعة 21 : 63 - 64 الباب 30 من أبواب المتعة، ح 1.
وربما استشكل بعض المتأخرين (1في ذلك؛ استضعافاً للرواية، والحمل على الطلاق قياس، فاستوجه ثبوت الكل؛ لثبوته في العقد.)وهو ضعيف، وأضعف منه عدم استحقاقها شيئاً؛ لأنها كالمستأجرة، وقد فسخ المستأجر قبل استيفاء شيء من العمل، أو تفويته على الموجر؛ لأنّ تشبيهها بالإجارة في الإجارة كالمجمل؛ لعدم القائل بعمومه إجماعاً، ولأنّ الداخل فيه أقل من الخارج قطعاً، فلا يصلح التمسك بذلك العموم من دون انضمام ما يقويه من شهرةٍ أو إجماع منقول أو غيرهما.وإن وقعت الهبة لبعض المدة سابقاً أو لاحقاً ولما يدخل، فالأظهر إن الحكم كما تقدم من التنصيف؛ لإطلاق الموثق المتقدم مع احتمال ثبوت الجميع؛ لثبوته بالعقد، ولم يقم دليل صالح على التنصيف بهبة البعض قبل الدخول، واستوجه ذلك جملة من المتأخرين (2.)واحتمال الفرق بين هبة مدة متقدمة فلم يدخل بعدها، وبين المتأخرة ولمّا يدخل، فيلزمه في الأوّل الكلّ دون الثاني وجه، سيّما لو كان المتقدّم قليلاً؛ لأنه قلما ينفك عنه الواهب.ومثل هذا ما لو وهب بعد العقد مدةً وأقرها على مدّةٍ تفصيلاً، فإنه ليس من مورد الرواية.وإن وقعت الهبة للمدة بعد الدخول استقرّ المهر أجمع من غير إشكال.نعم، إن وقع من الزوجة امتناع قبل الدخول أو بعده قاصها من المهر بنسبة ذلك الامتناع من الزمن، وإن لم يصدر منها امتناع بل كان المانع منها سماويّاً؛ لمرض أو خوف، أو منه كذلك، لم تجز له المقاصة؛ لثبوت المهر بالعقد، واحتياج سقوط بعضه إلى دليل وليس فليس، وتشبيهها بالمستأجرة لا نقول بعمومه.##### السادس: حكم ما لو ظهر فساد عقد المتعة من جهة المحلّ أو الصيغةالسادس: لو ظهر فساد عقد المتعة من جهة المحلّ أو الصيغة، فإن كان قبل الدخول فلا شيء لها، وإن دخل فلها مهر المسمّى؛ لإقدامه عليه إن جهلت، علم أو جهل، وقد وفت بالمدّة، وإلا قاصها بنسبة ما امتنعت وإن علمت فلا مهر لها، هكذا فتوى المشهور.وقيل بثبوت مهر المثل مع الجهل (3.)
وهل يعتبر مهر مثلها بالعقد الدائم أو بالمنقطع بحسب المدة المشروطة؟ فيه وجهان ينشآن من أنّ قيمة البضع للموطوءة الجاهلة هو مهر المثل في العقد الدائم، ومن أنّ الشبهة للعقد، فيجب مهر المثل به، ولا شيء لها مع العلم.وقيل بوجوب الأقل من المسمّى ومهر المثل (1على الوجهين المتقدمين في مهر المثل، ولا شيء مع العلم.)وقيل: إنّ مَنْ ظهر فساد عقدها أخذت ما قبضت ولا يسلّم إليها الباقي (2.)والظاهر أنّ مراده مع الجهل؛ لأنّه لا مهر لبغي وإن كان كلامه مطلقاً.ويمكن حمله على ما لو تلف المقبوض؛ لأنه سلطها على إتلافه.والأصل في ذلك رواية حفص بن البختري قال: «إذا بقي عليه شيء من المهر وعلم أنّ لها زوجاً فما أخذته فلها بما استحلّ من فرجها، ويحبس عنها ما بقي عنده» (3.)وهي أيضاً شاملة للعالم والجاهل، إلّا أنّه يجب تقييدها بالثاني؛ تحكيماً لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا مهر لبغيّ» (4)عليه؛ لقوته.)وربما أشعر بذلك رواية الريان فيمن متعت نفسها فظهر لها زوج أيجوز حبس باقي مهرها؟ فكتب: «لا تعطها شيئاً، لأنّها عصت اللّه سبحانه وتعالى» (5.)وفي الرواية ضعف عن مقابلة القواعد وفتوى المشهور، فلتحمل على أن المحبوس كان بقدر ما أخلفته من أيامها إن قلنا بوجوب دفع المسمّى، أو على أن المدفوع كان بقدر مهر أمثالها متعة، أو بقدر ما مكنته من أيامها منه، أو بقدر مهر أمثالها دواماً، أو غير ذلك.ويشكل الحال فيما لو قبضت الجميع، أو لم تقبض شيئاً؛ لعدم شمول الرواية لهما.ولا يبعد الرجوع على هذا القول إلى القواعد، فيرجع مع العلم إلى مهر المثل دواماً أو متعة.
ثم يلاحظ على الأخير تمكينها له في جميع المدة وعدمه، فيسقط المهر عليه.ولو عملنا بالرواية لاقتصرنا على موردها الخاص من ظهور زوج، دون باقي المقتضيات للفساد من ظهور أنّها في عدةٍ، أو حليلة ابن أو أب أو أخت أو رضاع، أو بطلان عقد، أو غير ذلك؛ لمخالفة الحكم للأصل، فيعمل فيما عدا موردها على القواعد.وقد يحتمل لزوم أكثر الأمرين من المسمّى ومهر أمثالها؛ جمعاً بين ما أقدمت عليه وبين فساد العقد.##### السابع: لزوم ذكر الأجل لفظاً أو ما هو بحكمه في عقد المتعةالسابع: الأجل شرط في عقد المتعة لا بد من ذكره لفظاً أو ما هو في حكمه، ولا يكفي القصد فقط، وبدونه يبطل العقد؛ للأخبار المتقدّمة (1الظاهرة في نفي الذات أو الصحّة بدونه، أو ينقلب دائماً ولا يكون متعة كما سيجيء(2).)ولا بد من كون الأجل محروساً عن الزيادة والنقصان كما هو فتوى الأصحاب، ودلّت عليه الأخبار (3لاشتراطه فيها المعلوم المنصرف إلى المعين.)وتجوز فيه الزيادة والنقصان مطلقاً وإن كانت الزيادة تزيد على العمر الطبيعي، وكان النقصان ينقص عن وطئها؛ لعدم انحصار فوائد المتعة في الوطء، ولهذا جاز العقد على الصغيرة التي لا يمكن وطؤها.نعم، لو بلغ الأجل في القلة إلى حيث لا يكون متموّلاً، كرمشة عين، أشكل جوازه.ولا يلزم تأجيل الابتداء، ويكفي فيه الإطلاق، وينصرف إلى اتصاله بالعقد، كما هو الشأن في العقود، سواء قالت: «زوجتك شهراً» أو «إلى شهر»، ولو قال: «إلى الخميس أو الجمعة» انصرف إلى الأقرب.وهل يجوز انفصال الأجل في الابتداء؛ لشبه المتعة بالإجارة، ولعموم أدلة المتعة وللأصل ولرواية [ بكار بن ] كردم فيمن تزوّجها شهراً ولا يعين فيلقاها بعد سنين، قال: «له شهره إن كان سمّاه، وإن لم يكن سمّاه فلا سبيل له عليها» (4، وفيه دلالة على أنّه لو عقد)
عليها مبهماً أو مردّداً بطل، كما هو القاعدة؟ أو لا يجوز؛ لأصالة المنع، وللاحتياط، ولبعده عن شبه النكاح والزوجيّة، ولضعف الرواية المتقدمة، ولعدم نقل وقوعه، بل السيرة على عدمه؟ قولان، أقواهما الجواز.وعلى القول به فلا يجري على المتمتع بها هنا حكم المستأجرة؛ لصدق أنها زوجة فلان من حين العقد وإن كان الانتفاع بها متأخراً إلى شهر آخر.ومثله ما لو عقدت نفسها شهرين فوهبها الأول، ومع صدق الزوجيّة عليها الآن أو صدق أن لها زوجاً امتنع منها العقد على غيره قبل ذلك ولو كان بقدر المدة والعدة، أو بقدر المدة إذا لم يكن بها دخول، كما يمتنع من المتمتع بها في الشهر الأوّل أن تعقد على غيره شهراً آخر بعد مضي المدة والعدة، وكما يمتنع من المتمتع بها أن تعقد نفسها دفعةً واحدةً على أزواج متعددين دفعة واحدة كلّ واحدٍ بعد مدة الآخر وعدته ؛ لأنّ المفهوم من حاق الشريعة ومن لسان المتشرّ عين عدم صلاحيّة المرأة لأزواج متعدّدين دفعةً اجتمعوا أو ترتبوا.نعم، يشكل الحال في جواز نظر الزوج إليها قبل شهره وفي العقد على أختها، وفي إدخال بنت الأخ أو الأخت على العمة أو الخالة قبل ذلك الشهر، وفي استقرار المهر لو مات قبل شهره، وفي تنصيفه لو وهبها المدة قبل حلولها، وفيما لو وطأها شخص زنئ قبل المدة، فهل يكون من الزنى بذات البعل ؟ فلا بد من التأمل التام، والاحتياط يقضي بالمنع من جميع ذلك.##### الثامن: لو ترك المتعاقدان المتعة والأجل عمداً أو غفلةً بعد قصدهما فعقدهما باطلالثامن: الذي تقضي به ضوابط المتعة أنّ المتعاقدين لو قصدا المتعة والأجل ولكنهما تركاه عمداً أو غفلةٌ. التلفظ عن مجرد به بطل عقدهما للإخلال بذكر الشروط، ولا ينقلب دائماً ؛ لعدم القصد إليه، والعقود تتبع القصود، والانقلاب القهري بحكم الشارع لم يقم دليل صالح عليه سوى الرواية (1وما ادعوه من الشهرة (2)، والرواية غير صريحة الدلالة، والشهرة غير ثابتة تحصيلاً، على أنّ انجبار دلالة الرواية بالشهرة محلّ نظر.)ولو نسياهما بحيث غلب النسيان على قصده عند وقوع العقد، احتمل صحته وانقلابه دائماً، واحتمل فساده؛ تغليباً للقصد الأوّل، والأوّل أظهر.
وإن قصدا عقد المتعة فقط بزعم أنها عقد مستقل خالٍ عن الأجل، أو لم يقصدا الأجل، أو نسياه أصلاً، فلا يبعد الحكم بالصحّة ووقوعه دائماً، سواء كان ذلك بصيغة التزويج أو المتعة، وذلك لأنّ مطلق العقد صالح لهما، والعقد المطلق - وهو المجرّد عن القيد - ينصرف إلى الدائم؛ لأنّ الدائم هو العقد الغير المقيد بالأجل، فمع عدم القيد يقع دائماً، ونيّة أنّه متعة لا تنافيه بل تقع لاغيةً، ولا ملازمة بين نية المتعة وعدم نيّة الأجل، إلّا أنّ ما يقرن بالأجل صحيح، وما لا يقرن فاسد، فالأجل شرط من شروطها، وليس داخلاً في ماهيتها، فللعاقد أن ينوي الزوجة متعة له، بمعنى أنّها بمنزلة المتاع أو بمنزلة المحلّ المستطرق، لا بمنزلة الشيء المقتنى أو الوطن المستوطن، فتجتمع تلك النية مع نيّة الأجل، ومع نية المرّة أو المرتين، ومع عدم نية أحدهما فيكون على الأخير صحيحاً.وعلى ذلك يُنزل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في خبر هشام: أتزوّج المرأة متعةً مرّةً مبهمة؟ قال: «ذلك أشدّ عليك، ترثها وترتك» (1).)وفي خبر ابن بكير: «إن سمّى الأجل فهو متعة، وإن لم يسم الأجل فهو نكاح بات» (2بناءً على أنّه ليس المقصود من الخبر التقسيم.)وفي خبر أبان بن تغلب فإنّي أستحيي أن أذكر شرط الأيام، قال: «هو أضرّ عليك» قلت: وكيف؟ قال: «إنّك إن لم تشترط كان تزويج مقام ولزمتك النفقة» (3.)وكذا يُنزل ما نُسب للمشهور من أنّه إذا أخل بذكر الأجل انقلب دائماً (4.)وعلى ما ذكرنا ظهر ضعف القول بانقلاب العقد مع عدم ذكر الأجل إلى الدائم على وجه الإطلاق، بحيث يشمل صورة ما إذا قصدا المتعة والأجل ولم يذكراهما معاً، كما نُسب إلى المشهور؛ ولمنافاته لتبعية العقود للقصود، ولعدم صلاحية الروايات المتقدمة لإثبات ذلك؛ لعدم صراحتها بذلك، وصلاحية اللفظ للدوام لا تجدي إذا خالفه القصدان: قصد أنها متعة، وقصد الأجل.
وكذا ضعف ما نُقل عن ابن إدريس من الفرق بين صيغة «متعتك» فيبطل العقد مع الإخلال بالأجل؛ لاختصاصه بالمنقطع، وبين غيرها فيصح (1لما قدمناه من سند المنع.)وكذا ضعف ما نُقل عن بعض أنّه إن تعمّد الإخلال انقلب دائماً، وإن نسيه أو جهله بطل (2، بل قد يوجه - على ما اخترناه سابقاً (3)من صحّة العقد دواماً عند قصد المتعة وعدم قصد الأجل - أنّ قصد المتعة منافٍ للعقد دواماً؛ لأنّهما ماهيتان مختلفتان متى تعلّق القصد بأحدهما انتفى حصول الآخر، وفقدان شرط المقصود لا يسوع وقوع فردٍ آخر موقعه، وليس عقد الدوام والمتعة كعقد البيع والسَّلَم والنسيئة بحيث متى قصد السَّلَم أو النسيئة ولم يذكر الأجل فيهما انقلب بيعاً؛ لأنّ السَّلَميّة والنسيئية لا تقوم العقد بحيث تجعله فرداً آخر مقابلاً للبيع، بل هي قيود له فما لم تُذكر أثر المطلق أثره، بخلاف المتعة والدوام.)و دعوى قيام الدليل على الصحّة من الرواية المنجبرة بفتوى المشهور منظور فيه؛ لمنع دلالة الرواية، ومنع تحصيلها، ومنع انجبار الدلالة بالشهرة كانجبار السند بها.وهو توجيه في محله، إلّا أنّ الأوّل أقوى.##### التاسع: ضرورة كون الأجل المشروط زمانياًالتاسع: ظاهر الأجل في الأخبار وكلام الأخيار أنّ الأجل المشروط لا بد من كونه زمانياً؛ لأنه المنصرف إليه إطلاق الأجل، بل هو نفسه، ولأنه هو المعلوم كما في الأخبار. (4فلا يكفي تقدير المتعة بالفعل، كمقدار فعل فلان، أو مقدار جماع مرة أو مرتين، أو نحو ذلك، ولو وقع مثل ذلك وقع العقد باطلاً؛ لاشتماله على شرط فاسد، فيفسد ما اشتمل عليه ولا ينقلب دائماً، كما احتملناه في نسيان الأجل.)ونُسب للشيخ انقلاب العقد دواماً هنا (5لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيمن يتزوّج المرأة مرّةً مبهمة: «ذلك أشدّ عليك، ترثها وترثك» (6).)
وهو ضعيف لا يقاوم ما ذكرناه ممّا دلّ على اشتراط المعلومية.كما أنّ ما ورد من الأخبار المجوّزة للعرد والعردين كموثّق زرارة(1، والمجوزة لاشتراط مرة واحدة، كرواية خلف بن حماد(2)، والنافية للبأس عن تزويج المرأة على عرد واحد، كرواية القاسم بن محمد (3)كلّها مطرحة؛ لمخالفتها عموم الأخبار وشهرة فتوى الأصحاب، أو منزلة على اشتراط ذلك في الزمن المعين؛ لأنّ اشتراط ذلك في الأجل سائغ، وعموم أدلّة الشروط (4)، يقضي به.)نعم، إن اشترطت وقوع المرّة والمرتين بمعنى إرادة وقوعهما افتقر إلى كون الزمان مساوياً لهما أو زائداً عليهما، وإن اشترطته بمعنى عدم جواز الزيادة عليهما لم يشترط ذلك. وعلى الأوّل فيجوز للمشروط عليه إتيانها زيادةً على الشرط مع إذنها، وعلى الثاني ففي جوازه وجهان، ولا يبعد الجواز؛ لأنّه حق للمشترط أسقطه، وقد يؤذن به بعض الأخبار (5.)ولو اشترطت العدد في الزمن المعين بمعنى إرادة تطبيق الفعل على الزمن، أو بمعنى جعل كلّ منهما أجلاً ينتهي إليه العقد بطل العقد؛ لاشتماله على شرط فاسد، فيفسد العقد بفساده.##### العاشر: قابلية عقد المتعة للشروط السائغةالعاشر: عقد المتعة عقد قابل للشروط السائغة؛ لعموم أدلّة الشروط (6، ولخصوص الأخبار الواردة فيها (7).)ويشترط وقوعها في ضمن العقد بين الإيجاب والقبول، فلا عبرة بالمتقدم والمتأخر؛ لانصراف أدلة الشروط إلى ما بين الإيجاب والقبول دون غيرها، ولأن العموم لا قائل بهفيقتصر على المقطوع به.
1) وسائل الشيعة 21: 58 الباب 25 من أبواب المتعة، ح 2.
2) المصدر : 59، ح 5.
3) المصدر، ح 4.
4) المصدر : 299 - 300، الباب 40 من أبواب المهور، ح 2 و 4.
5) المصدر : 295، الباب 36 من أبواب المهور، ح 2.
6) راجع الهامش (4).
7) وسائل الشيعة 21: 58 - 59 الباب 25 من أبواب المتعة، ح 3 و 5، و 72 - 73، الباب 36 من تلك الأبواب، ح1.
ويمكن القول بأن الشروط إذا بني العقد عليها واتصلت بالعقد بحيث كانت من متعلقاته جاز، ولكن الأحوط الأوّل.ونقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه أنّه لا عبرة بالشرط المذكور في العقد ما لم يعاد بعده (1)، وعليه تدلّ أخبار كثيرة:)كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ- في الموثق : «إنما الشرط بعد النكاح» (2).)وفي آخر: «ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح، وما كان بعد النكاح فهو جائز» (3. وفي ثالث مثله (4).)وفي رابع: «فاردد عليها شرطك الأوّل بعد النكاح، فإن أجازته فقد جاز، وإن لم تجزه فلا يجوز ما كان من الشرط قبل النكاح» (5.)وهذا مخالف لعمومات الأدلّة وفتاوى الأصحاب، فإما أن يُحمل على الشرط المتقدم المفصول بما يحتمل العدول عنه، أو يُحمل على إعادته بعد الإيجاب فقط، ليكون متوسطاً بين الإيجاب والقبول.والظاهر أنّ من الشروط السائغة اشتراط الزوجة على الزوج الوطء مرة أو مرات إثباتاً لها ونفياً عما عداها، فإن كان المقصود إثباتها لزمه وطؤها، وإن كان المقصود نفي ما عداها لزمه ذلك؛ للأخبار الدالّة على أنّ مَنْ زوّجت نفسها فأباحت للزوج كلّ شيءٍ إلّا الدخول كان لها شرطها، وليس له سواه (6.)ولو أذنت بعد، ففي جوازه وجهان، أقواهما الجواز.وكذا لو شرطت عليه الإتيان ليلاً فقط أو نهاراً كذلك، أو الوطء قبلاً فقط أو دبراً كذلك. أو بكلّ الذكر أو ببعضه، إلى غير ذلك، جاز، ولو أسقطته سقط.
ولو اشترطت عليه عدم وطئها أصلاً، ففي صحته وجهان: من عموم أدلة الشروط (1، و من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في امرأة زوجت نفسها على أن يلتمس منها كلّ شيءٍ إلّا الدخول، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا بأس، ليس له إلّا ما اشترطت» (2)وبمعناه أخبار أُخَر (3)، ومن أنّه منافٍ لمقتضى العقد؛ لأنّ مقتضى العقد جواز الاستمتاع بها متى شاء.)وقد يناقش في الأخير أنّ فائدة المتعة غير منحصرة في الوطء، ولذا جاز العقد على الصغيرة، فمنع بعض الفوائد بالشرط لا ينافي مقتضى مطلق العقد وإن نافى مقتضى العقد المطلق.وعلى الأوّل فلو أذنت له بعد ذلك جاز للخبر: رجل تزوّج بجارية على أن لا يفتضها. ثمّ أذنت له بعد ذلك، فقال: «إذا أذنت له فلا بأس» (4.)##### الحادي عشر : عدم وجوب وطء الزوجة في المتعة على الزوج وعدم حرمة العزلالحادي عشر: لا يجب على الزوج في المتعة وطء الزوجة، ولا يحرم عليه العزل عنها؛ للأصل، واتفاق الأصحاب.ويلحق الولد به قهراً، سواء عزل أم لا، وسواء وطئ في قبل أو دير، وظاهرهم الاتفاق على ذلك. وفي الأخبار ما يدلّ عليه، كقوله : «الولد للفراش» (5ورواية ابن أبي عمير، الدالّة على جواز سبق المني من حيث لا يشعر (6).)نعم، قد يشكل فيما لو اجتمع العزل مع الوطء في الدُّبُر، ولكن الفتوى الإلحاق من غير إشكال.ولو علم الزوج أنّ الولد ليس له جاز له نفيه، وينتفي ظاهراً من غير لعان؛ للإجماع بقسميه (7، وللأخبار الدالّة على أنّه لا لعان في المتمتع بها (8)، وبمجموع الأمرين يثبت انتفاؤه من دون لعان، فالمناقشة في الحكم المذكور من أنّ الأخبار لا تدلّ إلّا على نفي اللعان، وأمّا انتفاء الولد بنفيه فلا دلالة لها عليه، ضعيفة.)
1) راجع الهامش (4) من ص 228.
2) وسائل الشيعة 21: 72 - 73 الباب 36 من أبواب المتعة. ح 1.
3) المصدر : 295، الباب 36 من أبواب المهور، ح 2.
4) المصدر : 295، الباب 36 من أبواب المهور، ح 2.
5) المصدر : 173 - 174، الباب 58 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2 و 4.
6) المصدر : 70، الباب 33 من أبواب المتعة، ح 5.
7) جامع المقاصد 13 : 34.
8) وسائل الشيعة 22 : 430 الباب 10 من أبواب كتاب اللعان.
وهل يقع في المتمتع بها لعان للقذف؟ المشهور : العدم؛ لإطلاق الأخبار النافية للعان وللأصل، خلافاً لما تقل عن المرتضى والمفيد (1.)وهل يقع فيها إيلاء؟ الظاهر ذلك؛ للأصل، ولقوله تعالى: (وَإِن عَزَمُوا الطَّلاق (2)الظاهر في قبول المولّى منها للطلاق، ولأنّ من لوازم الإيلاء المطالبة بالوطء، يجب في المتعة، خلافاً للمرتضى (3).)وهل يقع بها ظهار؟ الظاهر العدم؛ للأصل، ولأنّ المظاهر يلزم بالفئة أو الطلاق ولا طلاق فيها، وقيام الفسخ مقامه يحتاج إلى دليل، ووجوب الفئة وحدها مفتقر إلى دليل أيضاً، ولأنّ إلزامه بأحد الأمرين موقوف على المرافعة المتوقفة على وجوب الوطء، ولا يجب في المتعة.وللخبر: «لا يكون الظهار إلّا على مثل موضع الطلاق» (4، والظاهر أن المراد بـ«المثل» الكناية عن نفس النكاح الدائم.)وقيل – ونُسب (5للمشهور - : جوازه (6)لعموم الزوجيّة (7)، ولقيام الفسخ مقام الطلاق، وهو قوي لو ثبت أنّه المشهور.)##### الثاني عشر: في أنّه لا ميراث بين الزوجين في المتعةالثاني عشر: لا ميراث بين الزوجين في المتعة، كما هو فتوى المشهور؛ للأصل، ولقيام السيرة على ذلك، ولأنه لو كان لبان واشتهر، ولما كان مورداً للخلاف؛ لتوفّر الدواعي على نقله، وللأخبار الخاصّة:كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ- في الصحيح -: عن الرجل يتزوّج المرأة متعة ولم يشترط الميراث؟ قال: «ليس بينهما ميراث اشترط أو لم يشترط» (8)وحمله على اشتراط السقوط خلاف الظاهر.)
1) حكاه عنهما الفاضل الآبي في كشف الرموز 2 : 156؛ وراجع الانتصار : 276، ضمن المسألة 153.
2) البقرة (2) : 227.
3) الانتصار : 277، ضمن المسألة 153.
4) وسائل الشيعة 22 : 307 - 308 الباب 2 من أبواب كتاب الظهار، ح 3.
5) والناسب هو البحراني في الحدائق الناضرة 24 : 175.
6) ممن قال به السيّد المرتضى في الانتصار : 276، ضمن المسألة 153.
7) المجادلة (58) : 3.
8) وسائل الشيعة 21 : 67، الباب 32 من أبواب المتعة، ح 7.
والآخر في المتعة: «من حدودها أن لا ترثها ولا ترثك» (1فيكون شرط الإرث ممّا أحل حراماً ومما ينافي مقتضى العقد.)ولأن الإرث مقصور على ما في الكتاب والسنّة، فاشتراط ما ليس فيه ممّا يخالف الكتاب والسنّة، وهو باطل، ولأنّ الزوجة قد ترث وقد لا ترث، فاستحقاق الإرث للزوجة ممنوع على الإطلاق، ولأن المتمتع بها كالمستأجرة فلا ترث.وقيل بثبوت الإرث لها مطلقاً (2لأنّها زوجة؛ لقوله تعالى (إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِم أو ما مَلَكَت أيمَانُهُم) (3)وكلّ زوجةٍ ترث كما هو نص الكتاب (4)والسنّة (5)، حتّى لو شرط عدم الإرث كان الشرط باطلاً؛ لمخالفته الكتاب، بل ويفسد العقد بفساده. وهو ضعيف؛ لمخالفته الأخبار والآثار والسيرة.
وقيل بثبوته مع الشرط (6)جمعاً بين ما دلّ على نفي التوارث، وبين عموم أدلة الشروط، وأخذاً بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في الصحيح - في المتعة: «فإن اشترطا الميراث فهما على شرطهما» (7).
وفي آخر في ميراث المتعة: «إن اشترطت كان، وإن لم تشترط لم يكن» (8).
وفيه: إنّ الجمع فرع التكافؤ وأدلّة المنع أقوى، وإنّ الزوجيّة لو ثبتت لثبت الميراث بلا شرط، ولو لم تثبت لم يثبت الميراث بالشرط؛ لأنّه ليس من الأسباب المورثة.
وقيل بثبوته ما لم يشترط السقوط (9)جمعاً بين ما دلّ على توريث الزوجة، وبين أدلّة الشروط، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خبر محمّد بن مسلم: «إنهما يتوارثان إذا لم يشترطا» (10).
وهو ضعيف؛ لأنّ اشتراط السقوط إن كان بعد تحقق الزوجيّة كان مخالفاً للكتاب
1) وسائل الشيعة 21 : 68، الباب 32 من أبواب المتعة، ح 8.
2) قال به ابن البراج في المهذب 2 : 240.
3) المؤمنون (23) : 6.
4) النساء (4) : 12.
5) وسائل الشيعة 26 : 195، الباب 1 من أبواب ميراث الأزواج.
6) قال به ابن حمزة في الوسيلة : 309.
7) وسائل الشيعة 21: 67، الباب 32 من أبواب المتعة، ح 5.
8) المصدر : 66، ح 1.
9) قال به السيد المرتضى في الانتصار : 275، المسألة 153.
10) وسائل الشيعة 21 : 66 الباب 32 من أبواب المتعة، ح 2.
والسنّة، وإن لم تتحقق لم يكن له أثر، ويُحمل الخبر على توارثهما إذا لم يشترط الأجل؛ لانقلابه دائماً حينئذٍ.
الثالث عشر: المتمتع بها إذا انتهى أجلها أو بانت منه وكانت مدخولاً بها قبلاً أو دبراً مع غيبوبة الحشفة أو قدرها من مقطوعها - ولا عبرة بمجرد الإنزال - قريباً كان الدخول بها أو بعيداً - ولو كان منذ سنين - ولم تكن يائسةً ولا صغيرةً وكانت ممن لا تحيض مطلقاً أو كانت تحيض ولا عادة لها ولكن لم يصدر منها حيض دون الخمسة والأربعين أو كانت لها عادة ولكن فوق الخمسة والأربعين فعدتها خمسة وأربعون يوماً تامةً أو ملفقة، والأحوط الأول، وتدخل فيها الليالي المتوسطة.
ولا كلام في الصورة الأولى نصاً وفتوى، والأظهر إلحاق الصورتين الأخيرتين.
وإن كانت ممن تحيض فيما دون الخمسة والأربعين أو مطلقاً فيما إذا كانت لها عادةً مستقيمة - والأوّل هو الظاهر - كانت عدتها حيضتين؛ لخبر عبد الملك بن جريج، إلّا أن فيه: وكان زرارة يقول ويحلف أنّه الحق إن كانت تحيض فحيضة، وإن كانت لا تحيض فشهر ونصف (1).
وللخبرين عن أبي بصير: «إن عدتها حيضتان» (2).
ولما ورد - في الصحيح : «إنّ على المتمتعة ما على الأمة» (3).
وورد في الصحيح: «إن عدة الأمة حيضتان» (4).
وهو وإن كان مورده الأشهر لوروده فيها والعام يُحمل على ما انساق له أو عاد إليه إلّا أنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وإنّ على الأمة نصف ما على الحُرّة، وكذلك المتمتعة عليها مثل ما على الأمة» (5)لا يخلو من دلالة، وللاحتياط في الفروج، وللاستصحاب، ولاحتمال حمل ما ورد من أنّها حيضة (6)على بيان الجنس، كما ذهب إليه ابن أبي عقيل (7).
1) وسائل الشيعة 21 : 19 - 20 الباب 4 من أبواب المتعة، ح 8.
2) المصدر : 56، الباب 23 من أبواب المتعة، ح 6: بحار الأنوار 100: 315، ح 20.
3) المصدر 22: 275 الباب 52 من أبواب العدد، ح 2.
4) المصدر : 256 الباب 40 من أبواب العدد، ح 3.
5) تقدم آنفاً.
6) وسائل الشيعة :21: 53 الباب 22 من أبواب المتعة. ن. ح 6.
7) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 240، المسألة 163.
وفيه صحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «عدة المتعة إن كانت تحيض فحيضة» (1).
وفي رواية عبد اللّه بن عمرو، فقال: «خمسة وأربعون يوماً أو حيضة» (2).
وفي رواية أبي بصير: «على أن تعتدي خمسة وأربعين يوماً، وقال بعضهم: أو حيضة» (3).
وفي رواية ابن أبي نصر: «عدة المتعة حيضة» (4).
وفي رواية الحميري: «حيضة وطهرة - أو طهارة - تامة» (5).
والظاهر أنّ وصف «تامة» للحيضة، ولا تكون تامّةً إلّا بوقوع الطهارة بعدها، وهذا القول وإن كان قوياً فيحمل ما دلّ على الأوّل على الندب إلّا أنّ الأوّل أقوى.
وذهب الصدوق (رَحمهُ اللّه) إلى أنّ عدة المتمتع بها حيضة ونصف(6)، والظاهر عدم التفاوت بين تقدم النصف وتأخره.
وفيه رواية صفوان عن عبد الرحمن بن الحجاج (7)، ولكنّها لا تقاوم ما تقدّم فتوى ودليلاً.
وذهب جمع من المتأخرين (8)إلى أن عدتها طهران.
واستدل لهم العلّامة (رَحمهُ اللّه) بما ورد في عدة الأمة أنها حيضة (9)، وما ورد من أن المتمتع بها كالأمة (10)، وحيث إن المدار على القرء فبحيضةٍ واحدة يحصل طُهران: الذي طلقها فيه والذي بعد الحيضة (11).
وفيه: إن الحيضة تحصل بدون طهرين، بل بدون طهر واحد، فلا تصلح دليلاً إلّا بانضمام أنّ العدّة الأقراء، ومعه لا حاجة إلى رواية الحيضة.
1) وسائل الشيعة 21 : 51، الباب 22 من أبواب المتعة، ح 1.
2) المصدر : 052 ح 4.
3) المصدر : 44، الباب 18 من أبواب المتعة، ح 4.
4) المصدر : 53، الباب 22 من أبواب المتعة -، ح 6.
5) المصدر، ح 7.
6) . المقنع : 341.
7) وسائل الشيعة 21: 52 الباب 22 من أبواب المتعة، ح 5.
8) منهم: : الفاضل الآبي في كشف الرموز 2: 160؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 240، المسألة 163؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 13 : 42.
9) وسائل الشيعة 22: 257، الباب 40 من أبواب العدد، ح 6.
10) المصدر : 275، الباب 52 من أبواب العدد، ح 2.
11) مختلف الشيعة 7 240 - 241، المسألة 163.
واستدل له أيضاً بما ورد - في الحسن - من أنّ عدّة الأمة قرءان (1)، وما ورد من أنّ على المتمتع بها ما على الأمة (2).
وفيه: إن القرء محتمل لإرادة الحيض، بل هو أقرب؛ بقرينة الأخبار المتقدمة، وحمله على الأطهار في عدة الطلاق لا يقضي بحمله هنا، على أن تشبيهها بالأمة مسوق مساق الأشهر.
الرابع عشر: عدة المتمتع بها في الوفاة كعدتها في الدائم كتاباً (3)وسنة (4)، وهو المشهور.
وفي رواية: «خمسة وستون يوماً» (5)وأفتى بها جمع من الأصحاب (6).
والفتوى على الأوّل.
وفي رواية متروكة: «خمسة وأربعون يوماً» (7).
ولو كان المتمتع بها أمةً، فالأظهر إن عدتها شهران وخمسة أيام إن لم تكن حاملاً، وإلا فأبعد الأجلين؛ للأخبار (8)المتكثّرة في الأوّل، وعليه فتوى المشهور، ولظاهر الكتاب (9)، وعمل الأصحاب في الثاني.
ويُحمل ما دلّ على الزيادة (10)على الندب.
ويمكن حمله على أُمهات الأولاد من الزوج أو غيره؛ للأخبار الناصة على أن ذات الولد تعتد كالحُرّة (11)، وفي بعض الأخبار أنها كالحُرّة مطلقاً (12).
1) وسائل الشيعة 22: 256، الباب 40 من أبواب العدد، ح 1.
2) راجع ص 234، الهامش (10).
3) البقرة (2) : 234.
4) وسائل الشيعة 22 : 275، الباب 52 من أبواب العدد، ح 1 و 2.
5) المصدر : : 276، ح 4.
6) كالشيخ المفيد في المقنعة : 536؛ والسيد المرتضى في الانتصار: 275، ضمن المسألة 153؛ وسلار في المراسم: 165.
7) وسائل الشيعة 22: 276 الباب 52 من أبواب العدد، ح 3.
8) المصدر : 260 - 261، الباب 42 من أبواب العدد، ح 6 - 9.
9) الطلاق (65) : 4.
10) وسائل الشيعة 22 : 259 - 260، الباب 42 من أبواب العدد، ح 2 و 5.
11) المصدر : 259، ح 1.
12) المصدر، ح 2.
ولكنّها لا تقاوم الأخبار الأوّل خصوصاً، وهو وجيه، والموافق للاحتياط العمل بما زاد مطلقاً. وسيجيء في العدد (1)تمام القول إن شاء اللّه تعالى.
الخامس عشر : لا يجوز لزوج المتمتع بها بعد تمام العقد عليها الزيادة في الأجل، ولا أن يعقد عليها بزيادة على أيامها أو بأيام أخر مفصولة عن أيامها ما دامت في العقد الأول، كما لا يجوز لغيره كذلك.
ولو أراد عقداً آخر، فسخ العقد الأوّل، وعقد جديداً، فإن كانت في العدة جاز العقد للزوج فقط، دون غيره إن كانت المدة موصولةٌ، وإن كانت مفصولةً ففي جوازها لذات العدة وجهان: من أنها ذات عدّةٍ فلا يصح العقد عليها، ومن أنّها على مدةٍ مفصولة، والمقطوع به من المنع الأوّل.
ولو خرجت، جاز العقد له ولغيره.
ويدلّ على جملة من هذه الأحكام مفهوم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا بأس بأن تزيدك وتزيدها إذا انقطع الأجل فيما بينكما» (2).
ورواية أبان بن تغلب: في الرجل يتزوج المرأة على شهرٍ فتقع في قلبه فيحب أن يكون شرطه أكثر، فهل يجوز أن يزيدها في أجرها ويزداد في الأيام قبل أن تنقضي أيامه التي شرط عليها؟ قال: «لا يجوز شرطان في شرط قلت فكيف يصنع؟ قال: «يتصدق بما بقي عليها من الأيّام، ثم يستأنف شرطاً جديداً» (3).
والأمر بالتصدق ثم الاستئناف قاض بعدم جواز الزيادة مطلقاً، سواء كان بعقد أو بدونه. وسواء كان بمدةٍ موصولة أم مفصولة، وإذا امتنع ذلك على الزوج امتنع على غيره بطريق أولى.
ويُحمل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «شرطان في شرط» على اجتماع العقدين: الأوّل والآخر في مدة العقد الأوّل، وهو أحد تفاسير هذه الرواية.
ويكون بالعقد دواماً ومتعةً، وبملك اليمين، وبملك المنفعة، وهو التحليل.
أحدها: لا يجوز من العبد أو الأمة أن يعقدا على أنفسهما نكاحاً مطلقاً من دون إذن سيّدهما، فإن فعلا ذلك وقصدا ترتب الأثر فعلا حراماً؛ لحرمة التصرف بمال الغير؛ لأنه عقد على مال الغير بمال الغير؛ لأنّ لسانه للغير، وكان فضوليّاً موقوفاً على الإجازة؛ للقواعد والضوابط الحاكمة بذلك في باب الفضولي مطلقاً، وفي خصوص عقد النكاح، ولفتوى الأصحاب، وللأخبار الواردة في خصوص العبد الدالّة بفحواها على مساواة الأمة له؛ لقوله فيها: «لم يعص اللّه، وإنما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو جائز» (1).
وما ورد من نفي النكاح في الأمة (2)محمول على الغالب من عدم تعقب الإجازة له، أو على إرادة عدم نفوذه ابتداء.
ويشهد للأوّل ما ورد في تلك الأخبار من أنّه زنى (3).
وبما ذكرنا ظهر ضعف القول ببطلان العقد من أصله، وضعف القول بصحة العقد على أمة المرأة من غير إذنها، وضعف القول ببطلانه في الأمة دون العبد؛ لظاهر الأخبار، ولأن يُضعها مملوك؛ لأنّ الأخبار فيها ما يشمل الأمة كلفظ «المملوك» (4)، ولعدم منافاة ملك البضع للفضولية، وضعف ما نُقل عن الشيخ من البطلان إلّا أنّ الإجازة بمنزلة العقد الجديد (5)،
وحمله على القول الذي اخترناه خير من حمله على إرادة أن الإجازة بمعنى التحليل، وأنّها بمنزلة العقد الجديد.
وما يقال: إن الفضولي هو مجرّد العقد على مال الغير، ويزيد هنا أنّه بمال الغير، فيشكّ حينئذٍ، مردود بأنّ حرمة النقل بآلة الغير لا تؤثر فساداً؛ لأن لفظ «العبد» غير محجور عليه، وبأنا لا نسلم حرمته أيضاً.
ثانيها: إذا أذن السيد لعبده في النكاح على وجه الإطلاق، تعلّق المهر والنفقة بذمة السيد. وأقوى من ذلك ما لو باشر المولى العقد عن العبد، فإنه يتعلّق بذمته.
ويرشد إلى ما ذكرنا رواية علي بن أبي حمزة فيمن زوّج عبده حرّةً فباعه قبل أن يدخل بها. قال: «يعطيها سيّده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنّما هو بمنزلة دين استدانه بإذن مولاه» (1)وفي آخره ما يرشد للأمرين معاً.
وهل التعلّق قهريّ؛ لأن المهر دَيْن لا بد له من ذمّة، ولا ذمة للعبد؛ لأنه لا يقدر على شيءٍ فيتعلق بذمة المولى، أو خطابي نشأ من فحوى الإذن له من مولاء؛ لأن الإذن في شيء إذن في لوازمه، أو حكم شرعي جاء به الشرع تعبداً؟ كلّ محتمل، إلّا أن دعوى أن العبد ليس له ذمة منظور فيها؛ لتعلّق المتلفات بذمته، سواء أتلفها اختياراً أو اضطراراً.
نعم ليس له أن يشغل ذمّته اختياراً بسبب ناقل من النواقل الشرعيّة من دون إذن المولى؛ لعدم صحّة عقده كذلك، أمّا لو أذن المولى له جاز له ذلك مطلقاً.
فالقول بثبوت المهر والنفقة في ذمة العبد قوي للأصل، ولقبول ذمته للشغل، فعلى هذا لو قيد المولى له الإذن بأن يتعلّق المهر بذمته يتبع به بعد عتقه جاز، وكان مشغولاً به يؤديه بعد عتقه.
ثمّ إنّ تعلّق المهر والنفقة بذمة السيد هل هو على وجه الإطلاق، أو مقيد بكونهما في كسب العبد، كما اختاره الشيخ (رَحمهُ اللّه) (2)، أو في رقبته، كما في وجه؟ وجهان، أوجههما: الأول؛ لعدم قيام دليل صالح على تعلّقه بخصوص الكسب الذي هو أحد أموال المولى.
نعم، لو عين له المولى المهر به صح، كما أنّه لو شرط عليه أن لا يكون بذمته بل في ذمّة العبد، فإنّه يكون في ذمة العبد يتبع به بعد العتق وحينئذٍ فإن أفهم العبد الزوجة بذلك فلا كلام، وإلا ففي ثبوت الخيار لها وجهان.
ولا يصح للمولى جعل رقبة العبد مهراً؛ للزوم ملك الزوجة لزوجها، وهو قاض بانفساخ العقد. ويجب على المولى تمكين العبد من الاكتساب لو جعلنا النفقة والمهر متعلقين بكسبه، ولو أعوز الكسب فلا رجوع على المولى؛ لأنه بمنزلة تعلّق الأرش برقبة الجاني، فإن منعه المولى من الاكتساب كان عليه أقل الأمرين من أجرة مثله، أو فائدة كسبه، أو عوض كسبه مطلقاً، أو نفقة يومها ووفاء مهرها، أو أقلهما من فائدة كسبه ووفاء مهرها ونفقة يومها، أو
نفقة أيّام الاستخدام كائنة ما كانت؛ لاحتمال الوفاء بها لو لم يمنعه.
وهذه وجوه أوجهها: أقل الأمرين من أُجرة مثله ومن نفقتها ومهرها.
وإن قصر عن الكسب على القول بتعلقه به احتمل ثبوت المهر والنفقة معاً في رقبته، واحتمل ثبوتهما في ذمة المولى، واحتمل ثبوت النفقة في أحدهما دون المهر؛ لإقدامها على التأجيل فيه فتتبعه فيه بعد العتق واحتمل تخيّر الزوجة بين الصبر على العبد في الإنفاق، وبين فسخ العقد.
وهذه احتمالات أقواها ثبوتهما في ذمّة المولى ما لم ينص المولى على فراغ ذمته منهما.
ولو عقد العبد بدون إذن السيد فأجاز السيّد، فالأظهر تعلّق النفقة بذمة السيد؛ لأنها ممّا تتجدد يوماً فيوماً، دون المهر فيتعلّق بذمة العبد، ولا اعتراض للزوجة؛ لأنها رضيته عبداً، مع احتمال تعلقهما معاً بذمة السيد.
ومَنْ تعلّق المهر بذمة السيد إما لإطلاق إذنه أو لنصه فاشترت زوجة العبد العبد، فإن كان قبل الدخول سقط نصفه، أو سقط جميعه؛ بناءً على أنّ الشراء فرقة جاء من قبلها، وإن كان بعده استقر جميعه.
وإن اشترته من مولاه بالمهر المضمون قبل الدخول، فإن قلنا بسقوط جميعه، بطل؛ لأنه يلزم من ثبوته عدمه، وإن قلنا بالتنصيف، فاشترته به سقط النصف، وثبت النصف الآخر، وإن اشترته بعد الدخول صح وملكته وانفسخ النكاح، وإن قلنا بتعلق المهر بذمة العبد، فاشترته به بطل الشراء؛ لأنّها تملك الثمن بملكه فلا تملك به.
ثالثها: إذا تزوج العبد أمة مولاه، كانت أولادهما له، وإن تزوج غيرها فدخل بها حلالاً، فإن كان بإذن المالكين كان الولد بين المالكين مناصفة، ولا يختص به مالك الأم كباقي الحيوانات؛ لأن المقصود من الإنسان النسل، وغيره من الحيوانات يقصد به الاستنماء والنماء تابع للأم، وإن كان بغير إذن المالكين شبهة فكذلك، وإن كان أحدهما بالإذن والآخر بدونه فالولد لمولى غير المأذون؛ لأن المأذون أسقط حقه من الولد بإذنه لعبده في التزويج؛ لإمكان تزويجه بمَنْ ليس برقيق.
وفي التعليل نظر ظاهر.
وادعى بعضهم النص (1)، ولاح من آخر نقل الإجماع (2).
وإن وطئ العبد أمة غير مولاه زناء منه، فالولد لمولى الأمة؛ لانتفاء النسب منه، فيتبع الأُمّ.
وأما لو تزوّج العبد حُرّةً أو الحُرّ أمةٌ بإذن الموالي فالولد حر؛ لأنه يتبع أشرف الأبوين.
ولو زنى العبد بحُرّةٍ عالمة بالزنى، أو زنى الحُرّ بأمةٍ عالمة أو جاهلة بالزني، فالولد
لمولى العبد في الأول، ولمولى الأمة في الأخير.
ولو وطئ العبد حُرّةً جاهلةً بالزنى فالولد حُرٌّ.
رابعها: لو كان أحد الأبوين حُرّاً والآخر مملوكاً، يتبع الولد الحرّ منهما؛ للأصل، وللأخبار المستفيضة المؤيَّدة بالشهرة نقلاً (3)وتحصيلاً.
كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يلحق الولد بالحرية حيث كانت» (4).
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الولد بين الحُرّ والمملوكة، قال: «يذهب إلى الحُرِّ منهما» (5).
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ثالث: «ليس يسترق الولد إذا كان أحد أبويه حُرّاً، إنّه يلحق بالحرّ منهما أيهما كان أباً كان أو أُمّاً» (6).
وبهذا المعنى روايات متعددة متكاثرة.
وذهب ابن الجنيد إلى رقيّة الولد (1)تمسكاً بأخبار (2)دالة على ذلك.
وهي مطروحة في مقابلة هذه الأخبار؛ لقوتها عليها، أو محمولة على التقية، كما هو شأن فتاوى أبي عليّ، وجملة منها منزلة على إرادة ما إذا كان الزوج مملوكاً.
ولو شرط مولى العبد أو الجارية رقيّة الولد، ففي لزوم الشرط قولان، أوجههما: العدم؛ لأنّ المفهوم من الأخبار: إنّ الحرّية هي الحد الشرعي للأولاد، وهو المحكوم به، فاشتراطه كاشتراط صيرورة الحُرّ رقاً مطلقاً قبل وجوده أو بعده، وهو ممّا يخالف الكتاب والسنّة، وما خالفهما فهو باطل، على أنّ عموم أدلّة الشروط لا يمكن الاستدلال بها؛ لما فيها من الإجمال الناشئ من عموم المستثنى، ومن أنّ الخارج أكثر من الداخل، فما نُسب للمشهور من من الحكم بجواز هذا الشرط (3)لعموم الأدلّة، ضعيف.
خامسها: إذا تزوّج الحُرّ أمةً بدون إذن سيدها وبدون إجازته، فإن كانا عالمين فلا شكّ أنهما زانيان، وأنّ الولد رقٌ، كما هو مدلول الفتوى والرواية (4)، وعليهما الحد.
إنما الكلام في ثبوت المهر وعدمه.
فقيل بعدمه (5)للأصل، ولأنه لا مهر لبغي، ولعدم ثبوت كون البضع مملوكاً له قيمة بحيث يتعلق به ضمان كما يتعلّق بالمنافع المتلفة، وما هو إلّا كالضم والتقبيل.
وقيل بثبوته (6)، لأنّه حقٌّ للمولى لا يُسقطه كون الأمة بغيّاً، ولأن البضع في الإماء مملوك للمولى وله قيمة فضمانه له ولأن المهر المنفي في الرواية (7)منصرف للأحرار؛ لمكان لفظ «المهر» و «اللام».
1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 268، المسألة 187.
2) وسائل الشيعة 21 : 123 - 124، الباب 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 10 و 12.
3) نسبه إليهم المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 253.
4) وسائل الشيعة 21 : 119، الباب 29 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
5) قال به المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 254.
6) راجع مسالك الأفهام 8 : 13 - 14.
7) سنن ابن ماجة :2: 730 ح 2159؛ سنن أبي داؤد 3 : 267، ح 3428.
أما الأوّل: فلا ختصاصه بالأحرار، كما هو المفهوم من الفتاوى والأخبار.
وأما الثاني: فهو إما للملك، أو الاستحقاق، أو الاختصاص، وكلها لا يمكن في حق غير الأحرار. والأوّل أظهر؛ لأنّ الظاهر أنّ البضع في الإماء ممّا يضمن بالاستيفاء، كسائر المنافع، إلّا أنّ ضمانه على طريق ثبوت المهر، كما لو وقع العقد فاسداً جهلاً، لا على طريق ضمان المنفعة في الإجارة.
وعلى تقدير ثبوت المهر فهل هو المسمّى؛ لوقوع التراضي عليه، أو مهر المثل؛ لأنه الأصل عند فساد العقد، أو العُشر ونصف العُشْر ؟ كما يؤذن به فحوى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيمن أحلّ له ما دون الفرج فافتضها، قال: «يغرم لصاحبها عُشر قيمتها إن كانت بكراً، فإن لم تكن فنصف العُشْر» (1)وعلى الواطئ أرش البكارة؛ لأنه جناية، مع احتمال دخوله في المهر.
وإن كان الحُرّ عالماً والأمة جاهلةً، فالحكم كذلك من ثبوت الحد والمهر على العالم، وكون الولد رقاً.
وإن كانا جاهلين، سقط الحدّ عنهما، وثبت المهر على الواطئ مهر المثل، أو العشر أو نصفه أو المسمّى وعليه أرش البكارة، وولده حُرِّ، وعليه قيمته يوم سقط حياً، فإن سقط ميناً فلا شيء عليه.
ويرشد إلى ثبوت العشر ونصفه، وإلى حُرّية الولد ولزوم دفع قيمته ما ورد فيمن دلّست نفسها وهي أمة (2)بناءً على إلغاء الفارق، أو اتحاد طريق المسألتين في الحكم، ولأن الولد نماء ملك المالك وقد فوّته، فيؤخذ منه قيمته عند عدم التمكن من عينه.
ويلحق بهذه الصورة في أكثر الأحكام ما لو كان الواطئ جاهلاً والموطوءة عالمة.
ويجيء الكلام في المهر ما ذكرناه فيما لو وطأها عالمين، وكون الوطء محترماً من قبله لا يؤثر في ثبوت المهر على وجه الجزم، كما قد يظهر من كثير من الأصحاب.
ولو أجاز المولى عقد الأمة، درئ الحد عن الزوج ولو كانت الإجازة بعد الوطء، وصار الولد حُرّاً، وثبت على الواطئ المسمّى، وهذا على القول بالكشف لا شكّ فيه.
ويحتمل ذلك أيضاً على القول بالنقل؛ لأنّ نفس وقوع الإجازة شبهة تدرأ الحد، وتحكم بحرية الولد.
وعلى كلّ حال فما بين العقد والإجازة يوقف الأمر، ولا يُحكم بشيء.
سادسها: إذا ادعت الأمة الحُرّيّة كاذبةٌ - سواء في ذلك حرية الأصل، أو التحرير بعد الرقية - فتزوجها الحُرّ جاهلاً بفساد دعواها مصدّقاً لها، أو متخيّلاً جواز وطء المدعية لذلك وإن علم أنّها حُرّة قبل ذلك، سقط عنه الحد، وثبت عليه المهر.
وظاهرهم هنا ثبوت المهر مطلقاً مع علمها وجهلها.
وكأنّ هذه المسألة عندهم مغايرة لما تقدّمها ؛ لمكان النصّ وإن اختلفوا في أنّه المسمّى؛ لوقوع التراضي عليه، ولصحة العقد ظاهراً ابتداء، أو مهر المثل؛ لأنه الضابط في العقد الفاسد، أو العُشْر ونصف العُشْر، كما دلّت عليه صحيحة ابن صبيح، الواردة فيمن تزوّج أمة قد دلّست نفسها (1).
والأخير أقرب لمقتضى الدليل، والوسط أقرب لمقتضى القواعد، ويمكن إرجاع الأخير إليه، وقد يرشد إلى ذلك العرف، ولكن يخص ذلك في العقد الدائم، ويرجع في عقد المتعة إلى مهر المثل، مع احتمال التسوية بينهما مطلقاً، ولا بد من التأمل.
وفي دخول أرش البكارة في الوسط أو في الأخير أو فيهما معاً وجوه، أوجهها: الأخير.
وأولادها منه أحرار، كما يشعر به بعض الروايات (2)، أو عبيد، كما يشعر به بعض آخر (3).
ويلزم الزوج أرش عيب الحمل أو الولادة لو استلزما أرشاً.
ويرجع بالمهر عليها إذا كانت هي المدلّسة، فإن كان موجوداً استعاده، وإن أتلفته تعلق بذمتها ويتبع به بعد عتقها، وإن دلّسها مدلس - كولي أو غيره - رجع الزوج بما دفع من أرش بكارة أو عيب أو قيمة ولد أو مهر المثل أو المسمّى أو العُشر أو نصفه لو زاد على ذلك على المدلس؛ لغروره من قبله.
وكذا لو شهد بالحرية شاهدان فأخذها كذلك بشهادتهما، فإنّ الظاهر ثبوت الغرامة على شاهدي الزور.
ولو كان المدلس هو المولى وقد دفع إليه المهر، لم يرجع إليه بمهر المثل أو العشر ونصفه إن دخل بها؛ لاستيفائه عوضه، ويرجع إليه بغيره ممّا كان مغروراً بسببه، ويرجع إليه بما زاد على مهر الإماء من مهر الأحرار أيضاً.
والذي يظهر هنا أنّ الولد منه أحرار ابتداء؛ لعموم أدلّة الحرية وخصوصياتها، وعليه دفع قيمته لمولى الأمة إن لم يكن هو المدلس؛ لأنه نماء ملكه وقد فوّته عليه، وعلى ذلك فتكون القيمة دَيْناً بذمة الواطئ فإن أعسر فنظرة إلى ميسرة، كما تقتضيه القواعد.
وفي خبر سماعة: «يسعى أبوه في ثمنه حتّى يؤديه ويأخذ ولده» قلت: فإن أبى الأب أن يسعى في ثمن ابنه؟ قال: «على الإمام أن يفتديه ولا يملك ولد حُرّ» (1).
ويقرأ برفع «الحُرّ» وجرّه، وببناء «يملك» للفاعل، ونصب «ولد».
وعلى كلّ حال فالرواية مخالفة للقواعد مطلقاً على القول بحرية الولد، وظاهرها أيضاً منافٍ للقول بالحُرّيّة، وضعف سندها ظاهر، فالتعويل عليها مشكل، وليس فيها أن الفدية الرقاب أو من الزكاة مطلقاً؟ كلّ محتمل إلّا أن ابن إدريس أنكر كونه من سهم الرقاب؛ لاختصاصه بالعبيد والمكاتبين (2).
وفيه: إن الآية (3)عامة للرقاب، ولو سُلّم فالرواية عامة في بيان المصرف.
وقيل: إنّ الولد عبيد، واختاره الشيخ (4)، وهو ظاهر الرواية المتقدمة (5)، وربما تحمل عليه عبارة المحقق(6)، ويكون ممن فرّق بين المسألتين؛ للنص، وفيه خبر محمّد بن قيس في امرأةٍ ادعت أنّها حُرّة فتزوجت قال: «ولدها عبيد» (7).
وعلى هذا فيتعلّق ثمنه برقبة الولد، فيجب حينئذٍ فكه على الأب، فإن أعسر الأب استسعى في فكه، فإن لم يمكن بقي عبداً إلى أن يفكّه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من سهم الرقاب، فإن لم يمكن فكه بقي كذلك إلى أن يفك نفسه.
ويمكن القول بأنّ الأمة إن تزوّجت بمجرد دعوى حُرّيّة الأصل أو العارض لشبهة، فالولد رق، ويجري عليه أحكامه، وإن تزوجت بشاهدين يشهدان على الحرية، أو بمدلس، فالولد أحرار، ويجري عليهم أحكامه، ويشهد عليه خبر سماعة في مملوكة تزوجت بعدما أخبرت أنها حُرّة فولدت، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ولدها مملوكون، إلّا أن يقيم البينة أنّه شهد لها شاهدان أنها حُرّة فلا يملك ولده، ويكونون أحراراً» (1)بل يمكن اختصاص الرقية بدعوى الحرية العارضة وتصديقها لشبهة لقربها من الزني؛ للتقصير بعدم السؤال.
وقد يقال: إنّه مع شهادة الشاهدين والحكم بالحُريّة لا يلزمه الفك؛ للأصل، ولا يجب الاستسعاء، ولا يجب على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفدية.
وعلى ما ذكر في صورة رقيّة الولد فالظاهر أنّه يتحرّر بمجرد دفع القيمة، ولا يفتقر إلى شراء الأب كي يتحرّر بملكه.
وفي تحرّر البعض بدفع البعض فيسري للباقي مع الإيسار لا مع الإعسار وجه قوي.
ولا يجوز للمالك بيعه على غير الأب، ويفسد بيعه كذلك في وجه قوي، مع احتمال صحة البيع ويتبع الأب المشتري، ويدفع له القيمة.
ولو اشتراه مشتر للعتق أو اشتراه من ينعتق عليه أو بشرط العتق، فلا يبعد الصحّة.
وكذا لو أعتقه المالك دفعةً فالصحّة هي الوجه.
ولو مات الأب، ففي خروج ثمنه من أصل التركة وجه.
ويحتمل سقوط لزوم دفع القيمة؛ لوجوبها على الأب فعلاً لا ذمّةً.
ولو جنّ الأب، تولى الحاكم ذلك من ماله.
ووجوب الفكّ فوري على الظاهر، فلو تراخى لم يلزمه سوى قيمته يوم سقط حيّاً.
ولو لم نقل بوجوب الفكّ على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ الأصل، فالندب عليه لا إشكال به، وإتمام القيمة كالأصل في رجحانها على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو عجز عنها الأب.
1) وسائل الشيعة 21 : 186، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2.
سابعها: يجوز للسيد تزويج أمته لعبده وعبد غيره، وكذا تزويج عبده كذلك، إلّا أنّ تزويج أمته لعبده محتمل لكونه عقداً، فيفتقر إلى قبول من العبد أو من السيد؛ لأنه وليه، كما هو الأظهر والأحوط، ويكون خلوّ الرواية (1)عن ذكر القبول اتكالاً على ما هو المعهود من ذكره من السيد أو من عبده.
ومحتمل لأن يكون إيقاعاً، كما جاء به النصّ - في الصحيح : كيف ينكح عبده أمته؟ قال: «يجزئه أن يقول: أنكحتك فلانة، ويعطيها شيئاً» (2).
و محتمل لأن يكون تحليلاً، كما احتمله بعض الأصحاب (3).
ويؤيده أنّه لو كان نكاحاً، لافتقر إلى طلاق وشبهه من فواسخ النكاح، أو موت، ولا يفتقر، بل للمولى أمره بالاعتزال.
ويبعده قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المملوك يحلّ له أن يطأ الأمة من غير تزويج إذا أحلّ له مولاه؟ قال: «لا يحل له» (4)، إلّا أنّه ضعيف لا يعارض عموم التحليل، فلا يبعد حمله على التقية.
والظاهر عدم افتقار هذه الصيغة إلى مهر؛ للأصل، ولعدم استحقاق الأمة على مولاها شيئاً.
ويحتمل لزومه؛ لظاهر كونه نكاحاً، وللأمر به في الخبرين (5)، وهو الأحوط.
ولو وقع بلفظ «متعتك» ففي صحته من دون مهر إشكال، سيما لو وقع متعةً.
ثامنها: إذا تزوّج العبد بحُرّةٍ من غير إذن، وكان العبد جاهلاً بالحرمة، والحرّة عالمة بها، كان الولد رقاً لمولى العبد، وسقط الحدّ والمهر والنفقة؛ لأنّ الحرّة بغية، وثبت عليها الحد؛ لعموم الأدلّة، وترك ذكره على لسان الكثير؛ لظهوره.
وقيل بسقوطه (6)لأن العقد في حقها شبهة تدرأ الحد؛ لضعف عقل المرأة ونقصانه، والفرق بين هذا وبين ما إذا تزوّجت حُرّاً أنّ هذا العقد وقع فضولاً يجوز فيه إجازة المولى.
1) وسائل الشيعة 21 : 146 الباب 43 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
2) المصدر : 146، الباب 43 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
3) العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 57.
4) وسائل الشيعة 21 : 130، الباب 33 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2.
5) المصدر : 146، الباب 43 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1 و 2.
6) كما في مسالك الأفهام 8: 25.
وما ورد في بعض الأخبار: «إنّما أتى شيئاً حلالاً، وأنه لم يعص اللّه وإنما عصى سيّده» (1)وفي بعضها: قلت: إنّه حرام؟ قال: «ما أزعم أنّه حرام» (2).
وفيه ضعف؛ لمخالفته الأدلّة، مع تأديته إلى ارتفاع الحدّ عن العبد أيضاً مع علمه، وسريانه في كلّ فضولي النكاح إذا لم تتعقب الإجازة، ولا يقولون بهما.
وإن كانا عالمين ثبت عليهما الحدّ، وسقط المهر، وصار الولد رقاً تبعاً لأبيه؛ لانتفائه عنهما نسباً، فلحق الأب نماء، مع احتمال صيرورته حُرّاً؛ لانتفاء النسب، فيلحق بالأُم نماء.
ولكن الأوّل هو المعروف فتوى، وترشد إليه الأخبار أيضاً.
وإن كانا جاهلين أو الحُرّة جاهلةً، ثبت المهر في ذمّة العبد يتبع به، وكان الولد حُراً؛ للحوقه بأشرف الأبوين.
ونُسب للشيخ المفيد القولُ بالرقية (3)لخبر العلاء فيمن دبر غلاماً فأبق فمضى لقومٍ فتزوج منهم ولم يُعلمهم أنّه عبد فولد له أولاد، فمات مولاه وجاء ورثته يطالبون به، قال: «العبد وولده لورثة الميت» (4).
وهو ضعيف مخالف للقواعد.
تاسعها: إذا تزوّج أمةً بين شريكين فاشترى أو مَلَك مطلقاً حصة أحدهما أو بعضها، بطل عقد التزويج؛ لأنه قد بطل في البعض المملوك، فبطل في الآخر؛ لأنّ عقد النكاح لا يتبعض، وحرم عليه الوطء؛ لحرمة التصرّف بمال الغير.
ويدلّ عليه أيضاً رواية زرعة عن سماعة، فيمن تزوّج أمةٌ بين شريكين فاشترى بعض السهمين قال: «حرمت عليه باشترائه إياها، وذلك أن بيعها طلاقها، إلّا أن يشتريهما جميعاً» (5)وفي آخر مثله (6).
ولا يجوز الوطء بإمضاء الشريك عقده؛ لبطلانه، فلا يؤثر إمضاؤه له.
ولو أحلّها الشريك للمشتري، فوجهان:
المنع؛ لقوله تعالى: (إلّا عَلَى أزْوَاجِهِم أو مَا مَلَكَت أيمَانُهُم) (1)والتفصيل قاطع للشركة؛ لأنّه بمنزلة منع الجمع، فلا يجوز له وطؤها بالملك أو العقد، ولأن البضع لا يستباح بسببين، وهذا هو المشهور.
والجواز، ونُسب لابن إدريس (2)مستنداً إلى أن التحليل نوع من تمليك المنفعة، أو نوع من إباحة الملك، فوطؤها به وطء بالملك لا بالعقد، ولا نسلّم تعدد السببين هنا، ولو سلم فالممنوع سبب نوع الملك ونوع الزوجيّة، لا غيرهما.
ويؤيده رواية محمد بن مسلم في جارية بين رجلين دبّراها جميعاً، ثمّ أحلّ أحدهما فرجها لشريكه، قال: «هی له حلال» (3).
ويضعف الأخذ بها؛ لمخالفتها الاحتياط وفتوى مشهور الأصحاب.
ولو هايأ أحد الشركاء الآخر، لم يجز متعتها في وقت الشريك الآخر أيضاً؛ لما ذكرناه، و تجویزه ضعيف.
ولو حرّر أحد الشريكين حصته بحيث لم يَسْرِ على الباقي، حرم وطؤها أيضاً بالملك؛ لمكان الحرّية، وبالعقد؛ لمكان الرقيّة، وبهما؛ لعدم إمكان الجمع، وهو الموافق للاحتياط ولفتوى الأصحاب، ولخبر محمّد بن قيس، المانع من ذلك حتّى يعتقها (4).
وقيل: إن ها يأها مولاها جاز له متعتها في أيامها التي لها (5)لخبر محمّد بن مسلم(6).
وهو وإن كان من الحسن إلّا أنّه مخالف لفتوى المشهور والاحتياط وقواعد الأصحاب، ولو أثرت المهايأة جواز العقد عليها لأثرت جوازاً في عقدها على غير مولاها، ولا قائل به.
وهي ثلاثة: العتق والبيع والطلاق.
أحدها: لا خلاف بين الأصحاب في أنّ عتق الأمة كلاً موجب للخيار لها في فسخ عقدها دواماً إذا كانت تحت عبد، والأخبار (1)مستفيضة بذلك.
وكذا لو كانت تحت حُرِّ أيضاً على الأشهر الأظهر؛ للأخبار (2)الدالّة على ذلك عموماً وخصوصاً، المنجبرة بفتوى المشهور، فلا يعارضه أصالة لزوم العقد، كما اختاره بعض الأصحاب (3)، حيث خص الخيار فيما لو كان زوجها عبداً، وخبر بريرة (4)، قضية في واقعةٍ، ولم يثبت كونه حُرّاً أو عبداً أيضاً، فلا يركن إليه وجوداً وعدماً.
ولو أعتق بعضها، ففي تخييرها وجه، إلحاقاً للأبعاض بحكم الكل، كما يشهد له الاستقراء.
والذي تقضي به القواعد الاقتصار في الخيار على موضع اليقين، وهو عتق الكل.
ويلحق بالعتق الاختياري ما لو تحرّرت قهراً؛ لمساواته له في الدليل.
ولو كانت تحت المبعض فالظاهر إلحاقه بالعبد الخالص؛ لمكان الضرر عليها بذلك الجزء، فيثبت لها الخيار فيه ولو قلنا بعدم الخيار لها في الحُرّ الخالص.
ولو أعتق العبد معها دفعةً، فلا خيار لها لو قصرنا الخيار على العدل.
ولو أعتق بعد ثبوت الخيار لها ولكن قبل الفسخ، ففي استمرار الخيار؛ استصحاباً؛ للشك في قدح العارض، أو سقوطه؛ لزوال الضرر ودوران الخيار مداره، كما احتملناه في سقوط خيار العيب بعد زوال العيب، أو خيار الغبن بعد زواله، وجهان، والأوّل أظهر.
وهل الخيار فوري؛ لأصالة اللزوم، خرج منه زمن الفور، ويبقى الباقي، أو على التراخي؛ للاستصحاب؟ وجهان، والأوّل هو الأظهر، ونُقل عليه الاتفاق (1).
والمراد بالفورية الفورية العرفية لا الحكمية.
ولا ينافيها التأمل في الجملة، كما لا ينافيها التأخير للجهل في وقوع العتق أو الجهل في ثبوت الخيار.
وفي منافاة الجهل بالفورية لها وجه موافق للاحتياط.
وما ورد ممّا يؤذن بتراخي الخيار كما ورد في بعض الأخبار من أن بريرة بقي [ زوجها ] يدور خلف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على إرضاء زوجته حتّى قالت له: يا رسول اللّه تأمرني بأمرك؟ قال: «لا، إنّما أنا شافع» فقالت: لا حاجة لي فيه (2)- لا يعارض تقدم، فيحمل على إرادة الرجعة بعد الفسخ، لا إسقاط الخيار.
ولو كانت الأمة صغيرةً أو مجنونةٌ، فالخيار لها عند الكمال، ولا يرجع للولي على الأظهر، ولو فسخت قبل الدخول سقط مهرها؛ لأنّ الفسخ من قبلها، ولو كان بعده استقرّ وكان للمولى؛ لأنّه ملكه بالعقد، سواء كان العتق قبل الدخول أو بعده.
ويستثنى من الحكم بتخييرها على الإطلاق ما لو زوّج الأمة مولاها بقدر ثلث ماله وقيمتها ثلث آخر، وترك مالاً بقدر قيمتها ثمّ أعتقها في مرض الموت أو أوصى بعتقها ووقع العتق قبل الدخول، فإنّ تخييرها بالفسخ يوجب سقوط المهر، فلا ينفذ العتق في جميعها؛ لانحصار التركة في الجارية ومقدار قيمتها، فيبطل العتق فيما زاد على الثلث، فيبطل خيارها؛ لاشتراطه بعتق جميعها، فيؤدي ثبوته إلى عدمه، وما كان كذلك فهو باطل.
وإذا أعتق العبد فلا خيار له، سواء كان تحته حُرّة أو أمة، ولا لمولاه؛ لأنّ أمر الطلاق بيده، ولا لزوجته؛ لأنّها رضيت عبداً، كما هو مضمون الرواية (3).
وجميع ذلك على مقتضى القواعد، فالخروج عنها - كما نُقل عن بعض الفقهاء (4)- ضعيف.
ثانيها: يجوز لمالك الأمة تزويجها وعتقها وجعل عتقها صداقها، وثبوته في الجملة بالإجماع والنصوص (1)المستفيضة، فلا تضرّ مخالفة هذا النوع من النكاح للقواعد من وقوع الإيجاب من المولى، ومن عدم اشتراط القبول منها وعدم اشتراط رضاها، ومن تعلّق التزويج بأمة نفسه، ومن جعل العتق صداقاً وهو متأخر عن التزويج، ولو تقدم عليه لزم تعلّق التزويج بالحُرّة قهراً، أو مهر ما لا يملك، ومن توقف العقد على المهر الذي هو العتق المتوقف عليه.
والجواب عن ذلك بالتزام وقوع التزويج والعتق والصداق دفعةً واحدةً، فلا يلزم وقوع التزويج بأمته، ولا وقوعه بحُرّةٍ من دون رضاها، ولا تأخر الصداق عن العقد ولا تقدّمه عليه ولا توقف كلّ منهما على الآخر، غير نافع في رفع المنافاة للقواعد إن لم تحققها وتؤكدها في كثير منها.
والأظهر هنا: عدم اشتراط القبول؛ لخلق الأخبار عنه في مقام البيان، ولأن الظاهر منها أنّه نوع تصرف في الأمة يملك به المولى بضعها ويحرّرها، فهو كالإيقاع وإن سُمّي نكاحاً، والموجود في الأخبار لفظ التزويج والعتق، والظاهر أنّه لا خصوصية لهما بحسب المادة، فيجوز وقوع «أنكحتك» و «حرّرتك» مكانهما، كما أنّه لا خصوصية لجعل الصداق كلّ الأمة، فلو جعل الصداق بعضها حرّر بعضها، وسرى على الباقي.
وكذا لو عقد على المبعضة فجعل صداقها البعض المملوك له، ولكن هنا يشترط رضاها قطعاً؛ لمكان الجزء الحرّ، بل الأظهر والأحوط وقوع القبول منها بلفظ «زوجتك» ولا يكفي مجرد الرضى ولا لفظ «قبلت» فقط.
وكذا لو عقد على الأمة المشتركة بينه وبين غيره، فجعل صداقها عتق نصيبه وكان برضى الشريك أو إجازته، صح النكاح والعتق وسرى العتق في جميعها مع حصول شرائط السراية.
والأحوط أيضاً هنا: وقوع القبول من الشريك بلفظ «زوجتك».
والظاهر جواز التوكيل بهذا العقد، وجواز الفضولية عن المالك للمالك وللفضولي، إلّا أنّ الأخير لا يخلو عن إشكال.
1) وسائل الشيعة 21: 96 - 98، الباب 11 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
وهل يشترط هنا تقديم صيغة التزويج؛ لئلا تتحرّر أوّلاً فيكون أمرها إليها، ولقوله - في الصحيح - عن رجل قال: أعتقتك وجعلت عتقك مهرك، قال: «عتقت، وهي : بالخيار إن شاءت تزوّجته وإن شاءت فلا ثمّ قال: «فإن قال: قد تزوّجتك وجعلت مهرك عتقك فإنّ النكاح واقع» (1)وللآخر في الرجل يقول الجاريته: قد أعتقتك وجعلت صداقك عتقك، قال: «جاز العتق والأمر إليها» (2)أو تقديم صيغة العتق؛ لئلا يقع التزويج على مملوكته، ولاحتمال أن المنع في الروايتين المتقدّمتين إنّما كان لمكان عدم ذكر لفظ التزويج، لا لمكان تقديم العتق عليه، أو التخيير بين تقديم أيهما شاء؛ لأنّ الكلام لا يتم إلّا بآخره، والمقصود إنشاء التزويج والعتق بصيغة واحدة، كي يقعان دفعةً واحدةً، ولا يتفاوت الحال بين التقديم والتأخير؟ وجوه، أقربها الأخير؛ لأنّ المفهوم من الأخبار أنّ للمالك أن ينشئ على أمته تزويجاً وعتقاً يجعله صداقاً لها، فيقع الكل دفعة من دون تقديم وتأخير، ولولا ذلك لم يصح جغل العتق مهراً؛ لوقوعه عند تقديمه، فلا يمكن المعاوضة عليه، فتقديمه لفظي، فلا يؤثر أثراً، وهذا معنى قولهم : لأنّ الكلام جملة واحدة، ولا يصح وقوع التزويج في أمة المالك لو تأخر العتق، على أن الجمع بين الأخبار يقضي بذلك؛ لأنّ منها ما قدم فيه لفظ التزويج، كصحيحة علي بن جعفر (3)، ومنها ما قدم فيه العتق كرواية عبيد بن زرارة ورواية محمد بن مسلم (4).
ثم إن المقطوع به من الأخبار عدم جواز وقوع التزويج والعتق كناية، فلا يجزئ أن يقول: «جعلت عتقك صداقك» باعتبار دلالتها ضمناً على وقوعهما.
أما لو صرّح بالتزويج وجعل العتق كنايةٌ، كما يقول: «تزوّجتك وجعلت عتقك صداقك» ففى الاكتفاء به وجهان من أصالة عدم العتق بغير الصريح وخبر علي بن جعفر على ما رواه في المسالك (5)من بطلان تلك الصيغة ومن خبر علي بن جعفر (6)، الدال على جوازه في النُّسَخ المعتبرة.
والأظهر عدم الاكتفاء به، وحمل رواية عليّ بن جعفر على غيرها من الروايات المصرح بها بلفظ العتق، ويكون تركه اتكالاً على القرينة، أو على المعهود من ذكره.
ولو عكس فذكر العتق وجعل التزويج كنايةٌ، فالأقوى البطلان؛ للأصل، وللروايات المتقدمة.
وما في خبر عبيد بن زرارة من الاكتفاء به، حيث قال: أعتقتك وجعلت عتقك مهرك، قال: «جائز» (1)وكذا ما في الحسن عن رجل يعتق الأمة ويقول: مهرك عتقك، فقال: «حسن» (2)محمولان على إرادة وقوع التزويج مع صيغة العتق، ولكن لم يذكر فيهما؛ لظهوره؛ جمعاً بين الأخبار، وموافقة للقواعد.
والمراد بالجواز الصحّة، كما هو الشائع.
ولو أعتقها وجعل المهر عتق البعض فقط، أو أعتقها وجعل المهر العتق وغيره، صح على الأظهر فيهما، سيّما الأخير.
ولو طلّقت الأمة قبل الدخول، ففي بعض الروايات رجوع نصفها رقاً، وتستسعى به، فإن لم يمكن ها يأها المولى(3)، وأفتى به جمع من الأصحاب (4).
وكأنه مبني على أن المهر يملك نصفه بالدخول، ونصفه بالعقد.
والحق ملك الجميع بالعقد، لكن متزلزلاً، ولما لم يمكن عود الحُرّ رقاً أفاد تزلزله ضمان القيمة. وفي بعض آخر التزامها بنصف قيمتها ترجعه إلى السيد، وتستسعى به (5)لأن العتق بمنزلة إتلاف الصداق المعين، فتضمنه بقيمته.
وهذا هو أصح الروايات، وأقربها للقواعد، فالقول به أوجه.
ثالثها: أُمهات الأولاد إماء ولكن لا يجوز نقلهن بأي ناقل كان؛ لتشبنهنّ بالحرية عند موت المولى وبقاء الولد، فتنعتق كلّها من نصيبه فإن ورث الكل انعتق الكل، وإن ورث
1) وسائل الشيعة 21 : 97 - 98 الباب 11 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 6.
2) المصدر : 97، ح 3.
3) المصدر : 102، الباب 15 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2 - 4.
4) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 497 - 498 وابن حمزة في الوسيلة : 304.
5) وسائل الشيعة 21 : 101 الباب 15 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
البعض سرى إلى البعض الآخر، وقوم عليه من نصيبه، فإن لم يف النصيب سعت في الباقي، ولا يلزم انعتاقها ممّا يملكه الولد من الأموال الأُخر، ولا يلزم عليه السعي على الأظهر سيما في الأخير؛ لأنّ السراية على خلاف الأصل هنا خرج السريان في النصيب، فيبقى الباقي.
ولو مات ولدها عادت رقاً، ومع وجوده لا يجوز بيعها إلّا في ثمن رقبتها مع موت مولاها ولم يخلّف سواها، كما نُقل عليه الإجماع (1)، ودلّت عليه جملة من الأخبار (2)بإطلاقها.
والأقوى جواز بيعها في ثمن رقبتها مع حياة المولى إذا لم يكن عنده ما يفي به كلاً أو بعضاً، الكلّ في الكلّ، والبعض في البعض على الأظهر، والأخبار (3)دالة على بيعها فيه، ومانعة من بيعها في غيره.
وقيل بجواز بيعها في ديون مولاها بعد موته مطلقاً ثمناً كان أم لا إذا قصرت التركة عن ديونه (4).
وهو مبني على عدم انتقال التركة مع الدين إلى الوارث، ولا نقول به.
ويظهر من بعض الأخبار أنّها تقوم على ولدها، فإن كان صغيراً انتظر إلى أن يكبر (5).
والمعروف بين الأصحاب انعتاق نصيب الولد منها مع استغراق الدين للتركة وأداء مقدار قيمة النصيب من ماله، أو أداء قيمتها أجمع من ماله.
ولو كان ثمن الأمة دَيْناً فأعتقها مولاها وجعل عتقها صداقها وتزوجها وأولدها وأفلس بثمنها ومات، صح العتق، ولا سبيل عليها ولا على ولدها على الأقوى؛ للأصول الشرعيّة والضوابط المرعية؛ لوقوع العتق من أهله في محلّه، وانعقاد الولد حُرّاً، وخروج الأمة عن اسم أم الولد، والحر لا يعود رقاً.
وقيل بعود الأمة رقاً دون ولدها (6).
وقيل بعودهما رقاً معاً (7)لصحيح هشام بن سالم: في رجل باع من رجلٍ جارية بكراً
1) مسالك الأفهام 8: 46.
2) وسائل الشيعة 18 : 278، الباب 24 من أبواب بيع الحيوان، ح 1 و 2.
3) وسائل الشيعة 18 : 278، الباب 24 من أبواب بيع الحيوان، ح 1 و 2.
4) قال به ابن حمزة في الوسيلة : 343.
5) وسائل الشيعة 23 : 176 - 177، الباب 6 من أبواب الاستيلاد، ح 4.
6) . كما أشير إليه في شرائع الإسلام 2 : 256.
7) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 498؛ وابن البراج في المهذب 2 : 248 و 361؛ وابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 7: 291، ذيل المسألة 204.
إلى سنة، فلما قبضها المشتري أعتقها من الغد وتزوجها وجعل مهرها عتقها، ثم مات بعد ذلك بشهر، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن كان الذي اشتراها له مال أو عقدة تحيط بقضاء ما عليه من الدَّيْن في رقبتها فإنّ عتقه ونكاحه جائز، وإن لم يملك مالاً أو عقدة تحيط بقضاء ما عليه من الدَّيْن فى رقبتها كان عتقه ونكاحه باطلاً، لأنه عتق ما لا يملك، وأرى أنها رقٌ لمولاها الأول» قيل له: وإن كانت علقت من الذي أعتقها وتزوجها ما حال ما في بطنها؟ قال: «الذي في بطنها مع أُمّه كهيئتها» (1).
وهو ضعيف لا يقاوم الضوابط والقواعد وفتوى المشهور، فلا بد من طرح الرواية، أو تنزيلها على خلاف ظاهرها.
وقد تُحمل على وقوع العتق في مرض الموت؛ بناءً على فساد المنجز مع الدين المستغرق، وعلى فساد العقد ووطئها مع العلم بالفساد، أو على بطلان العتق؛ لأن القصد فيه المضارّة دون القربة.
وكلّها مدخولة، فطرحها أولى.
رابعها: نقل الأمة ممّا يوجب الخيار للمشتري في فسخ عقدها متعة أو دواماً، حُرّاً كان الزوج أو عبداً، قبل الدخول أو بعده، شراء أو غيره من النواقل الشرعيّة حتّى الهبة المجانية؛ لتنقيح المناط القطعي، كلّ ذلك للأخبار الدالّة على أنّ بيع الأمة طلاقها (2)، المحمول على إرادة الخيار من الطلاق؛ تشبيهاً له به في أنّ كلّاً منهما تصير به الأمة في معرض الزوال، ولولا الأخبار الأُخر الدالّة على أن للمشتري الخيار (3)الموجب لإرادة التشبيه بين البيع والطلاق لا حمله عليه حقيقةً لكان الحكم بأنّ البيع بنفسه موجب للفسخ متجهاً؛ لمكان تلك الأخبار.
وقد يقال: إن البيع بنفسه فاسخ ورضى المشتري يعيد العقد كالرجعة بعد الطلاق، إلّا أنّه بعيد.
وهذا الخيار على الفور، كما حكم به أصحابنا؛ للاقتصار على المورد اليقيني في الخروج عن دليل اللزوم العام لجميع الأزمنة، ولاندفاع الضرر بزمن الفورية؛ لابتناء هذا الخيار على دفع الضرار.
ولو رضي المشتري، لم يكن له الخيار بعد ذلك؛ للأصل، ولصريح الأخبار الدالّة على أنّه إذا رضي فليس له بعد ذلك أن يفرق بينهما (1).
وبيع بعض الأمة كبيع الكلّ على الأظهر.
ولا يتفاوت الحال بين كون الأمة والعبد لمالكين أو لمالك واحد، وبين بيعهما على واحد أو متعدّد.
ولمن انتقل إليه العبد على وجه الشراء أو غيره الخيار أيضاً في فسخ نكاحه دواماً أو متعةً وفي إمضائه، سواء كانت تحته حُرّة أو أمة؛ لمكان الضرر المجعول علة في ثبوت هذا الخيار، كما نص عليه غير واحدٍ من الأصحاب، ولإطلاق رواية أبي الصباح (2)الحاكمة بثبوت الخيار لمشتري العبد على وجه الإطلاق من غير تفصيل بين الأمة والحرّة.
ولرواية محمد بن عليّ، وفيها: «فإن زوجه المولى حُرّةً فله أن يفرق بينهما» (3).
ووجه الاستدلال بها أنّه ليس له التفريق بغير البيع، فينحصر فيه، وضعف سند هذه الرواية ودلالتها يجبرهما فتوى المشهور.
ويظهر من العلّامة (رَحمهُ اللّه) أن العبد مساو للأمة (4)للاستقراء الدال على مساواتهما في هذهالأحكام ونظائرها.
وكأنّ هذا الاستقراء قطعي عنده، فلا وجه للردّ عليه بمنع المساواة وأنها قياس.
ولو بيع أحد الزوجين وكانا مملوكين معاً وكان مالكهما مختلفاً، فلمالك الآخر الخيار، كما للمشتري الخيار على فتوى الشيخ (رَحمهُ اللّه) (5).
وللنظر فيه مجال، والأصل يقضي بخلافه.
وحكم جمع (1)بثبوت الخيار فيما لو كان مالكهما واحداً؛ لأن المالك إنما رضي بالعقد على مملوكه أو مملوك البائع، والأغراض تختلف باختلاف الملاك، وخصوصاً إذا كان الولد مشتركاً بين المالكين، وكما يعتبر الإذن ابتداء؛ لتعلّق حقه فكذا استدامة، ولشمول قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «بيع الأمة طلاقها» (2)لنحو ذلك، ولأنّ أحد المالكين لما تسبّب للخيار لزم ثبوته للآخر تسوية بينهما.
ونفى ابن إدريس الخيار هنا لمالك الآخر؛ اقتصاراً على المنصوص، وللاحتياط، ولرضى المالك بالعقد ابتداء، فلا يثبت له الخيار (3).
وهو قوي؛ للشكّ في شمول الرواية لذلك، ولا ختصاصها بالأمة دون العبد، ولمنع التسوية بينهما.
ولو باع مالكهما الواحد على متعدّدٍ - سواء باع كلّ واحدٍ على واحد، أو باعهما معاً على الاثنين - ثبت الخيار للمشتريين جميعاً، كما لو اشتراهما واحد من واحد أو من اثنين.
وللزوج التصرّف بالأمة زمن الخيار على الأظهر، إلّا أنّ الأحوط منعه؛ لتعلّق حق الخيار بها، والتصرف بها منافٍ لذلك، كما في البيع.
فإن تصرف بعد البيع قبل فسخ المشتري، فهل يوجب تصرفه كلّ المهر لو فسخ المشتري بعد العلم بالخيار، أو لا يوجب شيئاً سوى مهر المثل؟ وجهان.
والوجه ثبوت الكلّ، فيأخذه المشتري أو البائع على الوجهين.
ومهر الأمة لسيدها، فإن باعها قبل الدخول وفسخ المشتري سقط المهر كله؛ لأنّ الفسخ من قبلهما، مع احتمال التنصيف، وإن أجاز قبل الدخول كان المهر له؛ لأنّ الإجازة بمنزلة العقد الجديد منه، مع احتمال أنّه للبائع؛ لأنّ الإجازة تقرير للعقد وقد ملكه البائع به، كما أنّها لو أُعتقت فأجازت كان المهر للسيد.
وقد يفرق بينهما بأن البيع معاوضة فيملك المهر تبعاً للعين، كما يملك النماء؛ لأن البضع صار بيد المشتري وضعاً ورفعاً، فكأنه منه، بخلاف الإجازة، فإنّ المشتري ليس له إلّا فسخ البيع دون الإجازة.
ونقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه) أنّه حكم تارة بأن البائع إن قبض المهر لم يكن للمشتري شيء، وإن لم يقبض استحقه كلّاً إن دخل بعد الشراء، ونصفاً إن لم يدخل.
وأُخرى بأنه إن دخل بعد الشراء كان نصف المهر له بالدخول، والنصف الآخر للبائع بالعقد، من غير فرق بين قبض البائع له وعدمه.
وثالثة بأن البائع إن قبض بعض المهر لم يكن له المطالبة بالباقي، فإن أجاز المشتري طالب به.
ورابعة بأن البائع إن قبض المهر استرده الزوج من غير تفصيل (1).
ولو باع المالك الأمة بعد الدخول، فالمهر له، سواء أجاز المشتري أم لا، وسواء قبضه أم لا.
وعن الشيخ: إن لم يقبضه البائع طالب به المشتري، وإن قبض البعض لم يكن له المطالبة بالبعض الآخر؛ للحيلولة بينهما بالبيع، فإن أجاز المشتري طالب هو بالباقي (2).
وعنه في النهاية : إنّه إذا قبض من المهر شيئاً لم يكن له المطالبة بالباقي، ولا للمشتري، إلّا أن يرضى بالعقد (3)لخبر أبي بصير: فيمن زوج مملوكته من رجل فقبض نصفاً من مهرها وترك نصفاً مؤخراً فدخل بها زوجها، ثم باعها سيدها، لمن يكون النصف الباقي؟ فقال: «إن لم يكن أوفاها المهر حتّى باعها فلا شيء عليه له ولا لغيره» (4)بحمل نفيه عن غيره على ما إذا لم يُجز المشتري. وهو ضعيف مخالف للأُصول.
ولو باع عبده وله زوجة حُرّة ففسخ المشتري قبل الدخول، فعلى المولى نصف المهر للحرّة؛ حملاً على الطلاق، ولخبر عليّ بن أبي حمزة (5)، ولفتوى مشهور الأصحاب.
1) نقله عنه الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 7 232 وراجع المبسوط 4 : 198.
2) نقله عنه الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 7 232 وراجع المبسوط 4 : 198.
3) نفس المصدر؛ وراجع النهاية : 499.
4) وسائل الشيعة 21 : 202 الباب 87 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
5) المصدر : 196، الباب 78 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
ولو أجاز المشتري، فهل غرامة المهر عليه، أو على البائع؟ وجهان، والأظهر الأخير؛ إذ لا بُضع له.
ولو باع أمةً ثمّ ادّعى بعد بيعها أنّ حملها منه فأنكر المشتري، كان القول قوله؛ لأنه يدعي فساد العقد من حيث إنّها أُمّ ولد، ولو دخل الولد في البيع لزم فسادهما معاً، ولم يلحق بأبيه؛ لإقراره به، إلّا فيما لم يعارض حق المشتري فيقبل؛ لأنّ إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وكلّ أصل يأخذ مأخذه، أما لو لم يدخل في البيع فلا يبعد إلحاقه به؛ لادعائه ما لم يعلم إلّا من قبله من غير معارض.
خامسها: للعبد طلاق زوجته حُرّة أو أمة لغير مولاه، وفي إلحاق فسخ المتعة والعيب وجه، والطلاق بيد مَنْ أخذ بالساق، فليس للمولى منعه منه، ولا إجباره عليه، ولا تولّيه عنه، ولا يتوقف طلاقه على إذن السيد، ويصح من العبد ولو نهاه السيد، كلّ ذلك وفاقاً لفتوى المشهور، ولجملة من الأخبار (1)المنجبرة بفتواهم.
وذهب ابن أبي عقيل وابن الجنيد إلى أنّ طلاق العبد بيد السيد، ولا يصح منه إلّا بإذنه (2)استناداً إلى جملة من الأخبار (3)الصحيحة والمعتبرة الدالّة على أن طلاق العبد بإذن سيده، وأنه لا يقدر على شيء، والشيء: الطلاق، وأنه لا يجوز طلاقه إلّا بإذن سيده، ولا يقدر عليه، إلى غير ذلك.
والأوّل أقوى؛ لعدم مقاومة هذه الأخبار لتلك الأخبار المعتضدة بفتوى المشهور؛ لأنّ هذه عامة وتلك الأخبار خاصة؛ لأنّها مفصلة بين أمة المولى، فلا يقدر على شيء، كما هو مضمون هذه الأخبار، وبين أمة غيره أو حرّة، فالطلاق بيد العبد، والخاص الموافق للمشهور يحكم على العام مطلقاً.
وفي جملة من الأخبار أن أمر الفراق بيد السيد، وأنه له أن ينزع أمته من زوجها حُرّاً كان أو عبداً له أو لغيره متى شاء (4).
1) وسائل الشيعة 22 : 98 الباب 43 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
2) نقله عنهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 370، المسألة 21.
3) وسائل الشيعة 21: 151 الباب 45 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 7؛ و 22 : 101، الباب 45 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
4) المصدر : 181، الباب 64 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 3 و 4.
ولكنها شاذة ضعيفة قلّ العامل عليها، ويمكن حملها على البيع وشبهه، وإلا فاطراحها أجمل.
ويمكن الجمع بين الأخبار الأولية بحمل ما دلّ على أن الطلاق بيده على إرادة لزوم مباشرة الصيغة بنفسه، فلا يكفي تولّي السيد لها، ولا أمر العبد بالاعتزال، وحمل ما دلّ على أنّه بید سيّده على إرادة لزوم استئذانه بذلك ورخصته وإن لم يكن له إجباره، خلافاً لمن جوّز الإجبار؛ لأنّ العبد لا يقدر على شيء، وهو ضعيف.
وهذا وجه للجمع، ويؤيده عموم الآية (1)والأخبار النافية لسلطنة العبد (2)، ويكون موافقاً لفتوى القديمين (رَحمهُما اللّه)، إلّا أنّه بعيد عن فتوى مشهور الأصحاب.
أما لو كانت زوجته أمة مولاه، فلا شك أن أمر الفراق بيد المولى، فللمولى توليه، وله إجباره عليه. وله منعه منه، كما هو مدلول الفتوى والرواية (3)، وليس للعبد مباشرة الطلاق بنفسه من غير إذن.
واحتمل بعض الأصحاب (4)، ذلك ؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الطلاق بيد من أخذ بالساق» (5).
وهو ضعيف جداً حتّى لو قلنا بأن تزويج عبده لأمته نكاح؛ لظهور الأخبار في منع ذلك.
والذي يظهر أنّ للمولى أن يفرّق بين عبده وأمته بلفظ الطلاق وبغيره.
نعم لا تكفي النية ولا الفعل كإمساكها مع السكوت وفي الكناية وجهان، ومنه ما لو أمره باعتزالها وشبهه، كما يظهر من الأخبار (6).
وعلى ما ذكرنا فيحتمل أن الواقع من المولى كلّه طلاق؛ لأن الأصل في الفسخ هو الطلاق، إلّا أنّه لا يفتقر إلى صيغة خاصة؛ للأخبار (7)المجوّزة لذلك، وعلى ذلك فيحتسب في عدد الطلقات المحرمة، وفي اشتراط شرائط الطلاق فيه وجهان، وكذا في جواز الرجعة.
1) النحل (16) : 75.
2) وسائل الشيعة 21: 158، الباب 49 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2 و 182، الباب 64 من تلك الأبواب. ح 8 و 184 و 185، الباب 66 من تلك الأبواب، ح 2 و 4 ؛ و 22 : 101 - 102، الباب 45 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 1.
3) المصدر :21 184، الباب 66 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
4) العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3 : 61.
5) المعجم الكبير الطبراني 17 : 179، ح 473.
6) وسائل الشيعة 21 : 149 - 150 الباب 45 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1 - 3.
7) نفس المصدر.
ويحتمل أن الواقع من المولى كله فسخ وإن كان بصيغة الطلاق، فلا تترتب عليه ثمرات الطلاق؛ لأصالة عدم كونه طلاقاً، ولظاهر الأخبار.
ويحتمل أنّه إن وقع بلفظ الطلاق، صار طلاقاً، وجرت عليه أحكامه، وحكم بفساده لو فقد شرائط الصحّة، ولو وقع بلفظ غيره لم يكن كذلك.
والأظهر ابتناء المسألة على أن تزويج الأمة لعبده إن كان نكاحاً فالواقع بلفظ الطلاق طلاق، والواقع بلفظ غيره فسخ، سواء كان نكاحاً عقديّاً أو إيقاعياً، كما يلوح من الأخبار؛ لتسميته تزويجاً ونكاحاً، وذكر المهر فيه مع عدم التعرّض للقبول وإن كان تحليلاً وإباحة فالواقع فسخ، سواء كان بلفظ الطلاق أو غيره.
نعم، لو وقع بلفظ الطلاق مع قصد الطلاق أشكل كونه فسخاً.
ولو أمر السيد عبده بالطلاق فطلق، فإن قلنا: إنّ الأمر بالطلاق من السيد فسخ، فلا كلام وإلا لزم العبد الطلاق، وتجري هنا أحكام الطلاق بطريق أولى.
والأظهر إنّ الأمر بالطلاق لا يُعد فسخاً؛ لأنّ الأمر بالطلاق يستدعي بقاء الزوجيّة إلى حصوله، فلا يحصل الفسخ قبله، ولأنّ المفهوم إرادة إيجاده من العبد، فلا يحصل قبله، فهذه قرائن لفظية على عدم إرادة الفسخ، والفواسخ تتبع القصود فالجواب عن ذلك بعدم الممانعة بين الدلالة المطابقيّة على إرادة الطلاق وبين الدلالة الالتزاميّة على الفسخ، ولا بين إرادة وقوع الطلاق الشامل للصحيح والفاسد، وبين وقوع الفسخ قبله، لا وجه له ولا داعي إليه.
سادسها: لو طلّق الأمةَ زوجها ثم باعها المالك أو العكس، كفى اعتدادها عن الاستبراء لمشتريها، وكفى الاستبراء عن الاعتداد ما لم يزد أحدهما على الآخر.
وبالجملة، فتداخل العدة والاستبراء هنا لا بأس به؛ لأن المقصود براءة الرحم في الاستبراء، فإذا حصل في زمن الاعتداد اكتفي به، ولا حاجة إلى الإعادة.
وذهب بعض أصحابنا إلى عدم التداخل؛ لأصالة تعدّد المسبب بتعدد السبب (1).
وهو ضعيف؛ لما ذكرنا.
1) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 5: 269 - 270؛ وابن البراج في المهذب 2 : 333؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 2: 636.
وهو نوعان: ملك عين، وملك منفعة.
للمالك أن يطأ بملكه أي عددٍ أراد وكيف أراد، وأن يجمع في الملك بين الأم وبنتها، والأُخت وأُختها، إلّا أن إحدى الموطوءتين في الأوّل تحرّم الأخرى عيناً مؤبداً، وإحدى الموطوءتين من الأختين تحرّم الأُخرى جمعاً، فإذا أخرج الموطوءة عن ملكه حلّت الأخرى.
ويجوز ملك موطوءة الأب أو الابن، ولا يجوز وطؤها.
ولا يجوز للمالك وطء المملوكة المزوّجة، ولا الاستمتاع بها، ولا النظر إليها بشهوة، ولا النظر إلى ما لا يجوز للأجنبي النظر إليه، كلّ ذلك للأخبار (1)، وفتاوى الأصحاب، والاحتياط.
وكذا لا يجوز للمالك التفريق بين أمته المزوجة وزوجها غير عبده بطلاق أو فسخ، والطلاق بيد من أخذ بالساق؛ للأخبار (2)، وفتاوى الأصحاب.
وما ورد في جملة من الأخبار من أنّ للمالك التفريق بين الأمة وزوجها، وأنه له أن ينزعها (3)، وفي بعضها ما يدلّ أنّ هذا من خواص الشيعة (4)، وفي بعضها ما يدلّ على جواز ذلك فيما لو كان الزوج عبداً، لا ما إذا كان حُرّاً (5)، كله مطرح، أو محمول على البيع، أو على اشتراط كون الطلاق بيده في وجه.
1) وسائل الشيعة 21 : 147 - 148، الباب 44 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
2) منها ما تقدّم تخريجه في الهامش (5) من ص 260.
3) وسائل الشيعة :21 150 - 151، الباب 45 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 4 و 5 و 8.
4) المصدر :22 : 101 الباب 44 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 3.
5) المصدر :21 : 182. الباب 64 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 8.
وإذا اشترى الأمة المزوجة مشتريها ففسخ، فالأظهر إنّ عليها الاستبراء، كاستبراء المشتري من البائع؛ لأنه نوع منه.
ويحتمل أن عليها العدة؛ للاحتياط، ولإطلاق الأخبار على البيع لفظ الطلاق (1)الذي هو سبب للفسخ، فيكون الفسخ أولى بإجراء حكم الطلاق عليه.
والأخير أحوط ؛ لأنّ المتيقن من الاستبراء أن يكون بعد الشراء.
وهما على التعبد، فلو علم ببراءة رحمها لم يسقط الاستبراء أو العدة على الأظهر، بل ربما يدعى عدم الخلاف فيه.
وعلى الاستبراء فهل يستبرئها بحيضة أو بطهر ؟ والمشهور: الأوّل.
وعلى الاعتداد ففي الخلاف: طهران(2)، وفي المقنعة : ثلاثة أشهر (3)، ولا نشك في موافقتهما للاحتياط.
ويجوز ابتياع ذوات الأزواج من أزواجهن وغيرهم إذا كانوا من أهل الحرب، وكذا غير الأزواج من بناتهن، وغيرهم، كلّ ذلك بالنص (4)، والإجماع، ولأنهم فيء للمسلمين يجوز استنفاذه بأي نحو كان.
ويجوز ابتياع الجوار من أهل الضلال وإن كُن خُمْساً أو فيهن الخُمْس؛ لتحليل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك (5).
ويجب على المشتري وعلى كلّ من انتقلت إليه الأمة بأي ناقل كان استبراء الأمة بحيضة، أو خمسة وأربعين يوماً لمن لا تحيض، أو لمن سبقت تلك الأيام حيضها.
واختصاص الاستبراء في الأخبار (6)بالمشتري من قبيل المثال؛ لتنقيح المناط القطعي، ولفتوى مشهور الأصحاب.
1) وسائل الشيعة 21: 154 - 156، الباب 47 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الأحاديث 1 و 2 و 4 و 9.
2) الخلاف 5 : 80، المسألة 36.
3) المقنعة : 600.
4) وسائل الشيعة 21 : 189 - 190، الباب 69 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
5) راجع المصدر 9: 543 وما بعدها، الباب 4 من أبواب الأنفال.
6) المصدر 18 : 257 الباب 10 من أبواب بيع الحيوان.
ويدور مدار الجهل بالوطء، مع احتمال دورانه مدار العلم به.
ويحرم الوطء قبلاً، وفي الدبر وجهان: من الأصل وانصراف الوطء إلى القبل، ومن الاحتياط وقوة الشمول.
وفي مقدمات الوطء قولان، ونُقل الإجماع على الجواز (1)، والأصل قاض به، والأحوط الاجتناب. ويستثنى من ذلك اليائسة، والتي لم تبلغ وإن حرم وطؤها لنفسه، والمقطوع بعدم وطء المالك لها وإن احتمل وطء غيره، ومَنْ أخبر المالك بعدم وطئه لها، أو باستبرائها بعد وطئه إذا كان عَدْلاً أو إذا كان مأموناً بحيث يوثق بخبره - وهو الأظهر من الأخبار - ومَنْ أخبر عدلان بعدم وطئه لها، ومن اشتريت من امرأةٍ وإن احتمل وطء الغير لها، وفاقاً للمشهور.
ولا يبعد إلحاق من لا تحيض عادةً لصغر - لا لعارض - باليائسة في جواز وطئها قبل الاستبراء؛ لصحيح الحلبي (2)إن لم ينعقد الإجماع على خلافه.
ويستثنى الحامل أيضاً، فإنّه لا يجب استبراؤها؛ لعدم الخوف من اختلاط النسب.
فإن كان الحمل عن زنى فلا يجب مطلقاً.
وإن كان مجهول الحال، فالأظهر تحريم وطئها قبل مضي أربعة أشهر وعشرة أيام.
والأحوط التحريم مطلقاً؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أحلتها آية وحرمتها آية، وأنا ناه عنها نفسي وولدي» (3).
وإن كانت عن وطءٍ صحيح معلوم - كعقد أو تحليل - لزم عليها الاعتداد إلى حين الوضع، ولا يُسمّى ذلك استبراء.
ويستثنى من ذلك ما لو أعتقها المولى بعد شرائها فأراد أن يتزوجها؛ للأصل، مع الشكّ في دخوله تحت أدلّة الاستبراء، وللخبر (4)المجوّز لذلك.
وهذا ما لم يعلم بتحقق وطءٍ محترم لها قبل ذلك، فلو علم جرى عليه حكمه، ويجب الاستبراء تعبداً ولو علم ببراءة الرحم؛ للأخبار (5).
ويستثنى من ذلك ما لو اشتراها حائضاً؛ للخبر (1)، وفتوى المشهور.
قيل : ولا بد أن يكون حيضةٌ ظاهرة، وقتيّةً أو وقتيّةً عددية، فلو كانت عددية فقط، أو مبتدأةً أو مضطربة وتخصص حيضها في ذلك الوقت للروايات، فلا عبرة به (2).
والأظهر إن العددية إذا خصصها التمييز بل ذات التمييز مطلقاً، أو خصصها الرجوع إلى الأقران احتسبت حيضةٌ ظاهرة، بل لا يبعد احتساب ما جاء في الشرع كله كذلك.
وعلى عدم اعتبار الحيض الشرعي فهل الرجوع للأيام، أو الحيض الواقعي متى حصل، أو الرجوع لشهر واحد؛ لأنه بدل الحيض في غير مستقيمة الحيض؟ وجوه، أحوطها الوسط.
ويستثنى من ذلك ما لو اشترى جاريةٌ فأعتقها، فإنّ له أن يتزوجها من غير استبراء؛ للنصوص (3)الدالّة على ذلك، المؤيَّدة بفتوى الأصحاب، ولعدم كونها أمةً.
ولإسقاط الاستبراء حيلة، كتزويجها من غيره ثمّ تطليقها قبل الدخول ووطئها، وكبيعها على امرأةٍ ثمّ شراؤها، وكشرائها من وليّ غلام صغير أو خنثى، وكلّها خلاف الاحتياط.
أحدها: يجوز من مالك الرقبة إباحة أمته للوطء مع استكمال الشروط والإجماع منعقد عليه، والنصوص (4)متظافرة به، فما نُسب للمرتضى من الركون للمنع استناداً لشواذ الأخبار (5)، ضعيف جداً.
وهل هو عقد نكاح؛ لأن الأصل في تحليل الوطء هو النكاح، أو تمليك منفعة؛ لخروجه عن ألفاظ النكاح، وعدم فكه بالطلاق إن كان على جهة الدوام، وعدم لزوم ذكر المهر إن كان مؤجلاً ليكون متعة ؟ والأخير أقوى.
1) وسائل الشيعة 21 : 83 الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
2) كشف اللثام 7: 340.
3) وسائل الشيعة 21 : 103 الباب 16 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
4) المصدر : 125 وما بعدها الباب 31 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
5) نسبه إليه الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 7: 343؛ وراجع الانتصار : 280، المسألة 156.
ويمكن كونه أمراً ثالثاً بين الزوجيّة وملك اليمين نطقت به الأخبار وفتاوى الأصحاب إن لم ينعقد الإجماع على خلاف ذلك.
ويقرب من النظر في الأخبار أنّه تحليل؛ لاشتمالها على صيغتها، فيكون عقداً تحليلياً جاء به الدليل.
ويمكن إدخاله تحت الزوجيّة، فتكون زوجةً غير دائمةٍ، ولا متمتع بها، فتأمل.
وعلى كلّ حالٍ فلا بد من القبول؛ للاحتياط، مع الشكّ في صحته بدونه، ولأنه إما نكاح، أو هبة وتمليك، وكلُّ منهما لا بد فيه من القبول.
وهل يمكن كونه تحليلاً وإباحةً بمنزلة العارية فلا يجب فيه القبول؟ قيل: لا يمكن؛ لخروجه حينئذٍ عن الزوجيّة، وملك اليمين (1).
وفيه: إنّه لا يخرج عن ملك اليمين بالنسبة إلى المالك المحلل.
ويجوز التحليل مباشرةً وتوكيلاً وفضولاً، سيما مع البناء على أنّه عقد، فجواز الفضولية فيه أظهر.
ويصح للولي تحليل أمة المولّى عليه للغبطة، فهو قائم مقام المالك.
ولا بد أن يكون المحلل كاملاً نافذ التصرف، وأن تكون المحللة قابلة للعقد عليها بأن تكون مسلمةً أو كتابية - على ما تقدّم - خالية من العدة ومن زوج ومن مدة استبراء، وغير ذلك من المحرمات والمحرمات.
ثانيها: يشترط لهذا التحليل صيغة خاصة أخذاً بالاحتياط؛ لأنه طريق إلى استباحة الفرج المأمور به بالاحتياط، سواء قلنا: إنّه نكاح، أو قلنا: إنّه تمليك.
نعم، لو قلنا: إنّه من قبيل الإباحة والإذن في التصرف في الملك، أمكن القول بالاجتزاء بكلّ لفظ، ومع ذلك فلعلّ في إباحة الفروج زيادة على غيرها، كما رأينا في الإذن الفحوائية وشبهها.
وما ورد في الخبر: «يا محمد، خُذ هذه الجارية تخدمك وتصيب منها فإذا خرجت فارددها إلينا» (2)غير دال على الاكتفاء بتحليلها بذلك القول.
والمتيقن من الصيغ: «أحللت لك وطء فلانة» أو «جعلتك في حلّ من وطئها» والصيغة الأولى محلّ وفاق، والثانية من المعهود عرفاً، ومما يدخل في الأخبار.
ويمكن إلحاق جميع ما اشتق من التحليل بهما، سواء كان من جملة إسمية، أو فعلية مضارعيّة، كـ «يحل لك» أو «أحلل لك» وذلك لاشتمال الأخبار جملة على لفظ «أحلّ له» و «أحللت له» و «أحلّ لي» و «فرج جاريتي لك حلال» وغير ذلك (1)، فيفهم منها أن المقصود نفس المادة الصريحة، ولا اعتبار بنفس الصيغة.
ولكن الأحوط الاقتصار على الصيغة الماضوية الصريحة، كسائر العقود اللازمة، سيما صيغ النكاح.
وألحق جماعة (2)بصيغة التحليل صيغة الإباحة، كـ «أبحت» وشبهها؛ استناداً إلى أنها بمعنى التحليل المذكور في الأخبار، وليس المقصود لفظه بل معناه.
وألحق به آخرون (3)الإذن والتسويغ والتمليك، وما دلّ على الإباحة.
وكله مناف للاحتياط، ومخالف للمعهود.
وأما لفظ الإعارة فلا يصح فيها؛ للأخبار (4)والإجماع والاحتياط، ولمخالفة المعهود، فما نُسب لبعض من القول به (5)ساقط، كما أن رواية الحسين (6)العطار عن عارية الفرج، فقال: «لا بأس بها» (7)ضعيفة سنداً ودلالة، ومطرحة.
ويجوز أن يحلل الشريكان لثالث وطء جاريتهما، ويلزم أن يعلّقا التحليل بجميع الأمة، فلو قال أحدهما أو كلاهما: «أحللت لك حصتي» بطل على الأظهر، فإن وكلا ثالثاً كان أجود.
1) وسائل الشيعة 21 : 128 و 129، الباب 32 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2 و 4، و 132، الباب 35 من تلك الأبواب، ج 1، و 137، الباب 37 من تلك الأبواب، ح 5.
2) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط :3 57 وابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 633؛ والمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 260؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 67.
3) منهم العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 62.
4) منها ما في وسائل الشيعة 21 : 131، الباب 34 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
5) نسبه العاملي في نهاية المرام 1 : 316 إلى ابن إدريس؛ وراجع السرائر 2 : 633.
6) في المصدر : «الحسن».
7) وسائل الشيعة 21 : 131 الباب 34 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2.
ويجوز لأحد الشريكين تحليل الأمة المشتركة للآخر على الأظهر، كما تقدم.
ولا يجوز تحليل الوطء لاثنين قطعاً.
والأقوى أنّ بقية الاستمتاعات كذلك ؛ لعدم شمول دليل التحليل لمثل ذلك.
ويجوز تحليل الوطء وتحليل غيره من المنافع، ولا تدخل الخدمة تحت التحليل بوجه من الوجوه.
ويجوز تحليل المنافع الاستمتاعية لواحدٍ لا لأكثر على الأظهر من النصّ والفتوى فلا يجوز تحليل النظر لجماعة، ولا اللمس لواحدٍ والنظر لآخر دفعة أو تدريجاً على الأظهر، كتحليل نظر هذا الشهر لواحدٍ ولمس الشهر الآخر لآخر.
ولا يجوز التحليل المردّد بين محلّلتين أو بين محللين له، ولا المعلق.
ويجوز تحليل المنفعة من دون الوطء، وتحليل الوطء دون المنافع الاستمتاعية، وتحليل منفعةٍ دون أخرى، إلّا أنّه إن أطلق ولم يقيد دخل الأدنى في الأعلى، فتحليل الوطء مؤذن بدخول جميع ا الاستمتاعات المتعارفة فيه.
وفي دخول الوطء في الدبر إشكال.
ولا يدخل الأعلى في الأدنى، كما لا يدخل المساوي بالمساوي.
ويدخل كلّ ما توقف المحلّل على استعماله.
وإن أحلّ مكاناً خاصاً اختص به، أو أحلّ كيفيّةً خاصةً فكذلك.
وفي الخبر: فيمن أحلّ لأخيه ما دون الفرج اله أن يفتضها؟ قال: «لا، ليس له إلّا ما أحلّ له منها» (1).
وفي آخر: «إذا أحلّ الرجل من جاريته قبلةٌ لم يحلّ له غيرها، وإن أحلّ له دون الفرج لم يحلّ له غيره، وإن أحلّ له الفرج حلّ جميعها» (2)إلّا مع النهي عن فرد خاص.
ثالثها: ورد في الخبر: إذا أحلّ له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضها، قال: «لا ينبغي له ذلك» قلت: فإن فَعَل يكون زانياً؟ قال: «لا، ولكن يكون خائناً، ويغرم لصاحبها عُشر
قميتها إن كانت بكراً، وإن لم تكن بكراً فنصف عشر قيمتها» (1).
والظاهر أنّ المراد بالتقويم تقويمها حين الوطء، والمراد بالبكر هي التي لم توطأ وإن ذهبت بكارتها بنزوة أو حرقوص(2).
والمراد الأعم من الوطء قبلاً ودبراً، والمراد به تمام الحشفة.
ولو افتض البكارة فالظاهر دخول الأرش في العُشْر؛ لعدم البيان، مع احتمال العدم؛ للأصل، ولمقابلة الثيب بالنصف.
ويحتمل من قوله: «خائناً» إرادة الزيادة على الزاني؛ لكونه خان الأمانة.
والأظهر إرادة أنّه أسهل في المعذورية؛ لأنّ بعض أفعاله حلال، أو لأنّ مَنْ طاف حول الحمى أوشك أن يدخل فيه، فكأن المالك قهره على ذلك بالإذن بمقدماته.
والظاهر أنّ ثبوت العقر مع الجهل والعلم من الواطئ والجهل والعلم منها؛ عملاً بالإطلاق، وحمله على حالة جهلها بعيد.
نعم، مع علمه يكون أولادها رقاً للمولى ومع الجهل أحراراً، يجب عليه دفع قيمتهم له.
وولد المحللة حُرِّ لو كان التحليل لحُرِّ، إلّا مع الشرط فيملك على قول.
والأقوى إنّه لا يملك، وإن اشتراطه فاسد مفسد.
ولو وطئ المشروط عليه جرى حكم الواطئ بالعقد الفاسد علماً وجهلاً.
وذهب الشيخ (رَحمهُ اللّه) إلى رقيّة الولد على الإطلاق إلّا إذا اشترط الأب الحرّية، وأن على الأب فك الولد من الرقية (3)للخبرين:
في أحدهما: «إنّ الولد لمولى الجارية، إلّا أن يشترط أبوه الحرية، وإن كان له مال اشتراه بالقيمة» (4).
وفي آخر: فيمن قالت لرجل: فرج جاريتي لك حلال، فوطئها فولدت ولداً، قال: «يقوم الولد عليه بقيمته» (5).
وفي ثالث: عن عارية الفرج، قال: «لا بأس به» قلت: فإن كان منه ولد، قال «الصاحب الجارية إلّا أن يشترط عليه» (1).
وهو ضعيف؛ لعدم معارضته للأصل وعموم الحُرّية، إلّا ما خرج بالدليل، وخصوص خبر زرارة - المنجبر بفتوى المشهور : فيمن يحلّ لأخيه جاريته، قلت: فإن جاءت بولد؟ قال: «ليضم إليه ولده، ويرد الجارية إلى صاحبها» قلت إنّه لم يأذن له في ذلك؟ قال: «إنّه قد أُذن له وهو لا يأمن أن يكون ذلك» (2).
ولا يصح تحليل المرهونة إلّا بإذن المرتهن ولا المكاتبة إلّا بإذنها؛ لانقطاع السلطنة عنها، ولا المبعضة؛ لمكان الحرّية ولو أحلّت نفسها؛ للأصل والنص (3)والاحتياط.
رابعها: يصح للسيّد تحليل أمته لعبده وعبد غيره، سواء قلنا: إن العبد يملك أم لا، وسواء قلنا: إن التحليل عقد أم تمليك منفعةٍ ؛ لأنّ الملك فيه على حال ليس على حد المملكات التي لا يقدر عليها العبد والتي قد نفاها الكتاب (4)والسنّة (5)، بل هو من باب ملك الانتفاع بالبضع المقدور للحُرّ والمملوك.
وفي عموم أخبار التحليل (6)وخصوص رواية فضيل مولى راشد (7)الدالّة على الجواز كفاية في الاستدلال.
فالقول بالمنع؛ استناداً إلى أنّ العبد لا يملك والتحليل تمليك، وإلى رواية علي بن يقطين، النافية للحلّ عن وطء المملوك جارية مولاه بالتحليل (8).
والأوّل عرفت ضعفه، والثاني أقرب فحاصله التقية؛ لأن العامّة لا يرون ذلك.
خاتمة: يكره وطء الأمة الفاجرة والمولودة من الزني.
1) وسائل الشيعة 21 : 135 - 136. الباب 37 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2.
2) المصدر : 136. ح 4 وذيله.
3) المصدر : 142 - 143، الباب 41 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
4) النحل (16) : 75.
5) راجع الهامش (2) من ص 260.
6) وسائل الشيعة 21: 125، الباب 31 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
7) المصدر : 130، الباب 22 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.
8) المصدر، ح 2.
وللسيد استخدام أمته المزوّجة نهاراً، وعليه دفعها ليلاً للزوج؛ للجمع بين حقيهما.
ولو أراد زوجها إخراجها إلى منزله ليلاً، ففي لزوم إجابته وجهان، ولا يستبعد الوجوب لو توقف استمتاع الزوجة عليه، فيحرم على المالك منعها من الخروج من منزله إلى منزل الزوج، ويجب على الزوج حينئذٍ إرجاعها نهاراً.
ويجب على الزوج نصف النفقة؛ لتمكنه منها نصف الزمان.
ويحتمل أنّه لا يجب عليه شيء ما لم يدفعها المولى إليه ليلاً ونهاراً، والأوّل أقرب.
ولا يبعد إلزام المولى بتسليمها للزوج ليلاً ونهاراً إذا لم يكن للمولى حاجة في استخدامها والانتفاع بها.
وللمولى السفر بها، فتسقط نفقتها حينئذٍ عن الزوج.
ولو قتل السيد الأمة المزوّجة قبل الدخول ففي سقوط المهر قوة، وإن كان الأقرب التزام الزوج به.
أحدها: الجنون عيب مشترك بين الرجل والمرأة يُردّكلُّ منهما به الآخر مع الجهل به، سواء حصل في الرجل قبل العقد، كما إذا كان أدوارياً فعقد حال الإفاقة، أو مطبقاً عقد ولي له على زوجته أو حال العقد أو بعده، وسواء كان قبل الدخول أو بعده.
وإذا حصل في المرأة قبل العقد وما كان بعده، فالأظهر عدم جواز الفسخ به؛ للأصل، ولجواز الطلاق من الزوج الرافع للضرر الحاصل من الجنون، بخلاف المرأة فإنّه لو لم يثبت لها الخيار مطلقاً لحقها الضرر به مطلقاً.
وخبر علي بن أبي حمزة صريح في ثبوت الخيار للمرأة عند حدوث الجنون بعد التزويج (1).
وفرّق بعض الفقهاء (2)بين الجنون الذي يعرف صاحبه معه أوقات الصلاة فلا يوجب الفسخ مطلقاً، وبين مَنْ لا يعرف فأوجب به الفسخ مطلقاً.
وفرّق آخرون (3)في ذلك في خصوص المتجدد بعد العقد بين مَنْ لا يعرف فأثبت به الفسخ، وبين من يعرف فلا يثبت به الفسخ مطلقاً، وأما ما كان قبل العقد فأثبت به الفسخ مطلقاً.
والتفرقة في المتجدّد بعد العقد بين معرفة أوقات الصلاة وعدمها دلّت عليها رواية الفقه الرضوي (4)، ورواية أخرى (5)ضعيفة مرسلة، وأفتى بها جمع من القدماء (6)، ومع ذلك فهما لا يعارضان ما تقدم، وكأنهما مبنيان على أنّ مَنْ يعرف أوقات صلاته يشك في جنونه.
1) وسائل الشيعة 21: 225 الباب 12 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1.
2) كالشيخ الطوسي في المبسوط 4: 252؛ وابن البراج في المهذب 2 : 233 و 235؛ وابن حمزة في الوسيلة : 311.
3) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 486: وابن البراج في المهذب :2 : 235 وابن زهرة في غنية النزوع 1: 354 - 355.
4) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 237.
5) وسائل الشيعة 21: 226، الباب 12 من أبواب العيوب والتدليس، ح 3.
6) تقدم تخريجه آنفاً.
والتحقيق أن معرفة وقت الصلاة وتمييز أوقاتها - سواء عمل بها أم لا - ليس له مدخلية تحقيق معنى الجنون عرفاً في فرض أو نفل، فربّ عارف بوقت الصلاة عامل لها فيه مجنون، وربّ ما ليس بمجنون غير عارف، وكم للمجنون من معرفة لم يتيسر حصولها لأعقل العقلاء، وكم للعاقل من جهل لا يرضى به المجنون، والجنون فنون.
ولا اعتبار بمجرد ستر العقل، فكم مَنْ ستر عقله لمرض أو خوف أو فرح أو هم أو سكر وهو عاقل، وكم من ستر عقله لبعض الآفات الباطنية، كبعض أصناف الصرع ويُسمّى مجنوناً، وكم مَنْ خلط في الأمور ويسمّى سفيهاً، لا مجنوناً، وكم مَنْ خلط في الكلام والضحك ويُسمّى مخبّلاً لا مجنوناً، وكم مَنْ خلط في شيءٍ ممّا ذكرنا أدنى من ذلك ويُسمّى عرفاً مجنوناً، فالأمر يدور مدار العرف حينئذٍ، حتّى أن الحكماء لا دخل لهم بمعرفته، إلّا فيما يتعلّق في المزاج والعلاج.
ثم إن كون المجنون قسمين: عارف بأوقات الصلاة، وغير عارف، وكلُّ له حكم لا دليل يستند إليه، سوى رواية الفقه الرضوي (1)، وهي ضعيفة لا تصلح للاستناد إليها في الفرق.
والأظهر الأشهر عدم افتقار الفسخ في المتجدد بعد العقد إلى الطلاق من الولي؛ لإطلاق الرواية (2)والفتوى.
ثانيها: الخصاء مع الجهل به، وهو سلّ الأُنثيين، كما هو المذكور في كتب اللغة والمفهوم.
والحق به الوجاء، وهو رضهما، قيل: لأنه بمعناه (3)، ولإطلاق الخصاء عليه عرفاً.
والأخبار الواردة في ثبوت الخيار معه إذا كان قبل الدخول (4)، متكفّرة متظافرة، وأنه مع فسخ المرأة يوجع ظهره، ويؤخذ منه المهر كملاً إذا كان بعد الدخول، وإذا كان قبله يؤخذ منه النصف، وحينئذٍ فإنكار ثبوت الخيار به مع (5)ورود هذه الأخبار وفتوى المشهور ضعيف لا يُلتفت إليه، ولا يعوّل عليه.
ولا يثبت مع الخصاء الواقع بعد العقد والدخول خيار؛ للأصل السالم عن المعارض، وكذا الواقع بين العقد والدخول على الأظهر؛ لانصراف الأخبار إلى الواقع قبل العقد، لأنه الذي يقع التدليس به ويستحق به وجع ظهره.
والاحتياط لا ينبغي أن يُترك؛ لإمكان الحكم بشمول جملة منها لما كان قبل الدخول، سواء كان قبل العقد أو بعده.
ثالثها: ممّا يثبت به الفسخ للمرأة العنن الحاصل قبل الدخول مع جهل المرأة به بالنص (1)والإجماع، والنصوص كثيرة، سواء وقع قبل العقد أو بعده.
وهو مرض يعجز معه الرجل عن الإيلاج لضعف الذكر عن الانتشار، وقد يقع من الخوف و من السحر، وقد يقع من الإعراض عن النساء وعدم الميل إليهن، ومن الكبر، ومن غيرها.
وقد يكون أصليّاً وعارضيّاً، وشرطه أن لا يختص بامرأةٍ دون أُخرى، فلو قوي ولو على امرأةٍ واحدة أو على الوطء من الدبر، انتفى حكم الخيار؛ اقتصاراً على المتيقن، وكذا لو قدر على إدخال الحشفة دون غيرها.
ولو تجدد بعد الدخول، سقط حكمه على الأظهر؛ للأخبار الدالّة على أنّه إذا وقع عليها مرةً ثمّ أعرض عنها فليس لها الخيار، وأنّها ابتليت فلتصبر (2)، وللأصل والاحتياط.
وقيل بثبوته مطلقاً (3)أخذاً بإطلاق بعض الأخبار (4)، ونقل عليه الإجماع ابن زهرة (5)، ويؤيده نفي الضرار (6).
والجميع ضعيف؛ لأنّ الخاص مقدّم على العام والإجماع لم يثبت، والاحتياط مطلوب.
ولو كان ينتشر قبل الوقاع ويضعف عنده، فالأظهر إنّه عنن.
1) وسائل الشيعة 21: 229 - 232، الباب 14 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1 و 3 و 5 و 6 و 9 و 11 و 13.
2) المصدر، ح 2 و 4 و 8.
3) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 520.
4) وسائل الشيعة 21 : 231، الباب 14 من أبواب العيوب والتدليس، ح 5 و 6.
5) غنية النزوع 1: 354.
6) وسائل الشيعة 25 : 428 - 429 الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، ح 3 و 5.
ولا اعتبار بإدخال ذكره بإصبع ونحوه، ولا ينافي العنن وإن ترتب عليه حكم الدخول.
ولو أمكنه اللواط ولم يمكنه النساء، فلا يبعد أيضاً أنّه يُحكم عليه بالعنن، مع احتمال العدم. ولا بد لزوجة العنين من انتظارها سنة ولو قطع به، وذلك لاحتمال علاجه وزواله، فلها الفسخ بعد السنة فوراً.
ولو رضيت به آناً واحداً، لزم عليها، ولا يجوز لها العدول للأصل، والأخبار (1)وفتوى الأصحاب. وهل يجب عليها الرجوع إلى الحاكم وانتظارها من بعد ذلك سنة؟ أما الرجوع فلا يخلو من إشكال إلّا أن يكون إجماعيّاً، وأما الانتظار بعده إذا أجله الحاكم إلى سنة ففي الأخبار (2)ما يدلّ عليه.
رابعها: ممّا يثبت به الفسخ للمرأة: الجب، وهو أن لا يبقى للرجل من ذكره ما يولج به خلقة أو عارضاً، ولو بقي شيء قليل مستهلك فلا عبرة به.
وقدره بعضهم ببقاء أقل من الحشفة؛ لدوران الأحكام مدارها (3).
ولا يخلو من إشكال.
والجب الواقع قبل العقد مثبت للخيار؛ لمكان الضرار، ولأولويته من العنن، وللإجماع المنقول (4)، ولإطلاق بعض الأخبار في ثبوت الخيار لمن لا يقدر على النساء (5)الشامل له.
ويلحق به الواقع ما بين العقد والوطء؛ لتساويهما في دليل الحكم.
وأما المتجدد بعد الوطء فلا حكم له، ولا يثبت به خيار؛ للأصل.
وقيل بثبوته مطلقاً (6)، وهو ضعيف.
خامسها: يثبت للمرأة خيار الفسخ في الجذام الكائن قبل العقد، وكذا يثبت للرجل
بالنسبة إلى المرأة؛ لخبر الحلبي في رجل تزوج إلى قوم فإذا امرأته عوراء، ولم يبينوا له، قال: «لا ترد، إنّما يردّ النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل» (1)ولمكان الضرر الحاصل من العدوة، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد» (2)والحديث عام للمرأة والرجل.
وقيل باختصاصه بالمرأة (3)لأنّ الرواية مسوقة لبيان حكمها. وهو بعيد.
وقد يقال: إنّه لو ثبت ذلك في المرأة لثبت في الرجل بالأولوية.
وأما الجذام الحادث بعد العقد أو بعده وبعد الوطء فلا يبعد الحكم بثبوت الخيار به؛ لعموم ما ذكرناه من الأدلّة، ولكن الاحتياط يقضي بخلافه.
والأقوى سقوط الخيار بعد الوطء بالنسبة إلى الرجل؛ لنقل الإجماع على سقوط خيار الرجل بالتصرف (4)، وللخبر النافي للخيار له إذا وقع الرجل عليها (5).
ويلحق بالجذام البرص في وجه قويّ؛ لمكان الرواية المتقدمة (6)، ولكن الاحتياط يقضي بخلافه.
وليس من العيوب العمى ولا العرج ولا الزنى؛ لعدم دليل صالح على الجميع.
ولو بان أحد الزوجين خنثى مشكلاً بطل العقد، كما لو بانت المرأة رجلاً والرجل امرأة، ولو ظهر حالها فبان الزوج رجلاً أو الزوجة امرأة لم يكن لهما الخيار؛ للأصل، وعدم دليل صالح على ثبوته سوى ما يتخيّل من النفرة الحاصلة من زيادة الخلقة، ومن النقص الحادث من سوء الاسم، وهما لا يصلحان لإثبات الخيار.
سادسها: ممّا يثبت به خيار الفسخ للرجل بالنسبة إلى المرأة: الجنون والجذام والبرص الواقعات قبل العقد أو بعده قبل الوطء، وأما ما كان بعده فالظاهر سقوطه، كسقوط الخيار بالتصرف.
ويثبت الجذام بشهادة أهل الخبرة به من الأطباء العارفين أو الحذاق الماهرين.
1) وسائل الشيعة 21: 209، الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس، ح 6.
2) المصدر :12: 49. الباب 28 من أبواب أحكام العشرة، ح 2.
3) نسبه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة :7 : 195، المسألة 124 إلى المشهور وكذا إلى ابن البراج في الكامل.
4) مسالك الأفهام 8: 123.
5) وسائل الشيعة 21 : 207 الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1.
6) تقدمت آنفاً.
سابعها: ممّا يثبت به خيار الفسخ للرجل سواء وقع قبل العقد أو بعده قبل الوطء: اللحم النابت في الفرج، أو العظم النابت فيه المانع من الوطء أصلاً؛ للإجماع والأخبار (1).
وقد يُسمّى الأوّل بالعفل، والثاني بالقرن، وقد يُسمّى كلّ منهما بالقرن، كما أنّه قد يُسمّى كل منهما بالعفل، وفي الأخبار أن القرن هو العفل (2).
ويلحق بهما الرتق، وهو ما انسد فرجها، ولا يمكن إدخال الذكر فيه؛ لظاهر التعليل الأخبار (3)المثبتة للفسخ أنّه من جهة عدم قدرة الزوج على مجامعتها وعدم إمكان حملها.
ولو أمكن إدخال ذكر فيه؛ لصغره، غير ذكر زوجها، فلا يبعد سقوط الخيار، مع احتمال دوران الأمر مدار الخلقة المتوسطة.
ولو أمكن شقه ورضيت بالشق احتمل سقوط الخيار لاندفاع الضرر، واحتمل بقاؤه.
وكذا القرن والعفل لو أمكن إزالتهما احتمل سقوط الخيار، واحتمل بقاؤه؛ أخذاً بالإطلاق.
ولا يجوز إجبار الزوجة على الشق وقص اللحم للأصل، ولأنه ألم لم يقم دليل على جوازه، فإن امتنعت فلا شك في ثبوت الخيار.
وهل الأمر يدور مدار عدم إمكان الوطء فقط، أو يثبت مع عسره على الواطئ وعدم حصوله إلّا بكد وتعب؟ وجهان.
ويظهر من بعض الأخبار الأوّل، وهو الموافق للاحتياط.
ويظهر من بعضها الثاني، وهو الموافق لقواعد الخيار ورفع الضرار.
ففي الصحيح: في رجل تزوج امرأةٌ من وليها فوجد فيها عيباً بعدما دخل بها، فقال: «إذا دلست العقلاء نفسها [ والبرصاء والمجنونة والمفضاة ومَنْ كان بها زمانة ظاهرة فإنّها تُردّ على أهلها من غير طلاق ]» (4).
وفي آخر في القرناء: فإن كان قد دخل بها، قال: «إن كان علم بذلك قبل أن ينكحها - يعنى
المجامعة - ثمّ جامعها فقد رضي بها، وإن لم يعلم إلّا من بعد ما جامعها فإن شاء بعد أمسك، وإن شاء طلّق» (1).
وحمل الدخول على الخلوة أو على إرادته أو على غير الفرج بعيد.
ولو لم يكن الجماع عسراً، فهل القرن والعفل عيب بمجرّده؛ لإطلاق جملة من الأخبار (2)ولحصول النفرة به، أم لا؛ للاحتياط، ولمكان التعليل الظاهر في بعض الأخبار (3)؟ وجهان، والأقوى الأخير.
وإذا حصل القرن بعد الوطء، فلا خيار على الأظهر.
وليست هذه العيوب ممّا تسقط بالوطء مع الجهل بها وسبقها؛ لأنها ليست على حدّ خيار العيب في البيع، وللأخبار الدالّة على ثبوت الخيار بعد الدخول (4)، وما دلّ على سقوطه (5)محمول على الوطء مع العلم، أو الرضى بالعيب.
ثامنها: الإفضاء ممّا يثبت به للرجل: خيار الفسخ لصحيح أبي عبيدة، «الناص على أنّها تُردّ على أهلها من غير طلاق» (6)وعليه الفتوى.
والإفضاء هو ذهاب الحاجز ما بين مخرج البول والحيض.
والأقوى تسريته لذهاب الحاجز ما بين مسلك الحيض والغائط للأولوية.
تاسعها: ممّا يثبت به الخيار للرجل: العمى، وهو ذهاب نور العينين أصلاً؛ للصحيح (7)الدال على ذلك، وللإجماع المنقول (8).
1) وسائل الشيعة 21 : 214 - 215، الباب 3 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1.
2) المصدر : 207 و 209 و 210، الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس، ح 2 و 6 و 10 و 13.
3) المصدر : 208، ح 3 و 4.
4) المصدر : 214 - 215، الباب 3 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1 و 3.
5) المصدر : 215، ح 2.
6) المصدر : 211، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1.
7) المصدر : 209، الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس، ح 9.
8) المسائل الناصريات : 337، المسألة 158؛ غنية النزوع 1: 354.
وقيل بالعدم (1)للاحتياط، وللأصل، وللأخبار الصحيحة الحاصرة للخيار في غيره، كما تقدم (2)ويجيء (3)إن شاء اللّه تعالى.
وفيه: إن مفهوم الحصر لا يعارض منطوق الإثبات.
عاشرها: ممّا يثبت به الخيار للرجل: العرج عرفاً، وهو الميل إلى رجل واحدة عند المشي؛ للصحيح (4)، الدال على ذلك، المنجبر بفتوى كثير من أصحابنا (5).
وقيده بعضهم (6)بالبين.
ولا دليل على تقييده، إلّا أن يراد به التحقق ظاهراً بحيث لا يكون خفياً لا ينصرف إليه الإطلاق.
وقد يستند لاشتراط البينونة إلى صحيح أبي عبيدة، وفيه: «ومَنْ كان بها زمانة ظاهرة فإنّها تُردّ على أهلها من غير طلاق» (7)بناءً على أن العرج من الزمانة.
وفيه: إن العرج مهما ثبت عرفاً وسُمّي صاحبه به كان من الزمانة الظاهرة، على أنّه قد يمنع من إرادة العرج من لفظ الزمانة، فتكون أمراً آخر موجباً للخيار.
وزاد بعضهم (8)، فاشترط في ثبوت الخيار في العرج الإقعاد؛ للأصل، والاحتياط، ولأنه المتيقن من الزمانة الظاهرة.
وضعفه ظاهر؛ لأن المقعد غير الأعرج.
نعم يثبت به الخيار للأولوية، ولأنه من الزمانة الظاهرة.
وعلى ما ذكرنا فالظاهر ثبوت الخيار بكلّ ما سُمّي عرفاً بالزمانة الظاهرة من الأعراض والأمراض الثابتة إذا كانت قبل العقد أو ما بينه وبين الوطء.
1) قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 4 : 249؛ والخلاف 4 : 346، المسألة 124.
2) تقدّم في ص 276.
3) يأتي في ص 280.
4) وسائل الشيعة 21 : 209 الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس، ح 9.
5) كالشيخ المفيد في المقنعة : 519؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 485 والحلبي في الكافي في الفقه : 295.
6) كالعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 199، المسألة 126.
7) وسائل الشيعة 21 : 211، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1.
8) كالمحقق الحلّي في شرائع الإسلام :2 : 264 والعلّامة الحلي في قواعد الأحكام 3: 66.
وأنكر بعضهم (1)ثبوت الخيار في العرج للأصل، وللصحيح (2)الحاصر للخيار في غيره. وهو ضعيف؛ لمعارضته بالأخبار (3)وفتوى الأصحاب.
حادي عشرها : لا يثبت الخيار للرجل بالزنى مرّةً أو مرّات، ولا يثبت بالمحدودة مرّةً أو مرّات.
خلافاً لبعض أصحابنا (4)، لمكان العار.
وللخبر: فيمن تزوج امرأةً فعلم أنها زنت قال: «إن شاء زوجها أخذ الصداق ممن زوجها، ولها الصداق بما استحلّ من فرجها، وإن شاء تركها» (5).
وهو ضعيف؛ لعدم ثبوت كون العار عيباً موجباً للفسخ، وعدم صراحة الخبر بثبوت الخيار، ولخبر رفاعة النافي للخيار عن المحدود والمحدودة(6).
ثاني عشرها: يثبت الخيار عند العلم بالعيب، ويسقط عند التراخي بالفسخ؛ لأصالة اللزوم، خرج زمن الفورية، ويبقى الباقي.
ويستثنى من ذلك ما لو كان العيب ممّا يحتاج إلى إثباتٍ عند الحاكم، فالأظهر جواز تأخير الفسخ إلى الإثبات مع احتمال لزوم البدار قبل الإثبات.
ولو كان التراخي لعذر - كالجهل بالخيار - فلا سقوط، وفي الجهل بالفورية وجهان.
ولا يفتقر الفسخ إلى الرجوع إلى الحاكم، ولا يحتسب من أفراد الطلاق، ولا ينصف به المهر قبل الدخول إلّا في فسخ العنين؛ للدليل (7)الدال على ذلك، بل إن كان الفسخ قبل الدخول منها فيما عدا العنّين فلا حق لها عليه، وإن كان منه فهو إنّما جاء بسببها، فلا تستحق شيئاً.
1) الصدوق في المقنع : 314.
2) وسائل الشيعة 21 : 209 الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس، ح 6.
3) المصدر، ح 7 - 9.
4) كالشيخ المفيد في المقنعة : 519؛ وسلّار في المراسم : 150 وابن البراج في المهذب 2 : 231؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 295.
5) وسائل الشيعة 21: 219 الباب 6 من أبواب العيوب والتدليس، ح 4.
6) المصدر : 217، الباب 5 من أبواب العيوب والتدليس، ح 2.
7) المصدر : 233، الباب 15 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1.
ويدلّ عليه الصحيح، قال: «وإن لم يكن دخل بها فلا عدة ولا مهر» (1).
والتنصيف في زوجة العنين؛ لمكان الاطلاع عليها والتكشف عليه، والعمدة ورود الدليل.
ثالث عشرها: ظاهر الأصحاب أنّ زوجة العنّين ليس لها الفسخ قبل الرجوع إلى الحاكم، فيؤجلها سنةً، وبعد ذلك يكون الفسخ إليها.
ومقتضى كلامهم أن الرجوع إلى الحاكم تعبدي حتّى لو تسالما عليه وقطعا به لم يكن لها الفسخ ابتداءً، ولا الانتظار به لنفسها إلى سنةٍ، ثمّ إنّها تفسخ بعد ذلك، بل لو قطعا بعدم برئه لم يكن لها الاستبداد بذلك.
وفي كلامهم بحث، وفي كثير منه إشكال سيما فيما لم يوجد هناك حاكم، أو وُجد وامتنع من ضرب الأجل.
والموجود في الأخبار منه ما يدل على أن التأجيل يكون من حين المرافعة إلى الحاكم(2)، وظاهره أنهما لو ترافعا كان على الحاكم تأجيله سنة، ولا دلالة فيه على لزوم المرافعة مطلقاً.
ومنه ما يدلّ على لزوم انتظاره سنةً، ولزوم تأجيله سنةٌ(3)، وظاهره أن ذلك من الزوجة، وأنه لاحتمال برئه، فيكفي انتظاره الزوجة سنةٌ عن الرجوع إلى الحاكم، ويكفي القطع بعدم البرء عن الانتظار.
والأظهر في المقام أنّه لو وقع التداعي لزم الرجوع إلى الحاكم وكان التأجيل بيده، وإلا فإن احتملا البرء كان عليها الانتظار سنةٌ لنفسها، ثمّ الفسخ، وإن قطعا بعدم البرء كان لها الفسخ من دون انتظار.
وإن فقد الحاكم عند النزاع أو امتنع، كان عليهما الرجوع إلى عدول المسلمين، فإن فقدوا لم يلزمها المرافعة، وكان لها الاستبداد.
هذا كله إن لم يقم إجماع على خلاف ما ذكرناه.
وذهب بعض أصحابنا (4)إلى توقف الفسخ في جميع العيوب على الحاكم.
وهو ضعيف؛ لمخالفته لجميع الأخبار الحاكمة بأنّ الفسخ للزوجة (1)من غير توقيف على أمرٍ آخر.
رابع عشرها: لو فسخ الزوج بعد الدخول لزمه المهر أجمع، فإن لم يكن هناك مدلّس من الزوجة أو غيرها لم يكن له الرجوع على أحدٍ بالمهر المدفوع، كما إذا كانت الزوجة جاهلة به وكان خفيّاً، وإن كان هناك مدلّس غيرها كان للزوج الرجوع عليه بالمهر كملاً؛ لورود الأخبار (2)بذلك تعبداً، ولو كانت هي المدلسة رجع عليها إن دفع المهر إليها، وإلا لم يدفع إليها شيئاً.
وقيل: لا بد من إبقاء شيءٍ من المهر لها؛ لئلا يلزم خلوها عن المهر أصلاً (3).
وقيل: لا بد من إبقاء مهر أمثالها (4).
ولا دليل عليهما.
ويدلّ على أصل الحكم الأخبار المتكثّرة، وفيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها المعتبر - وهي منجبرة بفتوى الأصحاب - كرواية رفاعة، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها: «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في امرأةٍ زوجها وليها وهي برصاء أنّ لها المهر بما استحلّ من فرجها، وأن المهر على الذي زوجها، وإنما صار المهر عليه لأنّه دلسها، ولو أنّ رجلاً تزوج امرأةً قد زوجها رجل لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شيء، وكان المهر يأخذه منها» (5)وغيرها من الروايات.
ونقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه) أن الزوج لو فسخ بعيب كان قبل العقد أو بعده قبل الدخول لم تستحق الزوجة المسمّى، كما تستحقه لو فسخ بالعيب المتأخّر عن الدخول، بل لها في الأولين مهر أمثالها (6).
1) راجع وسائل الشيعة 21 : 229، الباب 14 من أبواب العيوب والتدليس.
2) المصدر : 211، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس.
3) قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 4: 252؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 216، المسألة 144.
4) قال به الإسكافي على ما في مختلف الشيعة 7: 216، المسألة 144.
5) وسائل الشيعة 21 : 212، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس، ح 2.
6) راجع المبسوط 4: 251.
وكأنه مبني على عدم الحكم بصحة العقد قبل الدخول، فإذا وقع الفسخ قبله تبين فساده من أصله.
وهذا عندنا ضعيف؛ لعدم توقف صحّة العقد على الدخول، فالفسخ الواقع قبل الوطء فسخ من حينه على كلّ حال، ولذا لا يرجع الزوج بالنفقة على الزوجة لو فسخ قبله.
خامس عشرها: الدخول مع الجهل بالعيب لا يُسقط الردّ بالعيب السابق عليه؛ لإطلاق الأخبار (1)وفتاوى الأصحاب.
وما دلّ من الأخبار على السقوط به (2)محمول على وقوعه حالة العلم، أو على وقوع العيب بعده.
سادس عشرها: يظهر من بعض الأخبار (3)ثبوت المهر كملاً على الخصي مع الخلوة، ولكنها محمولة على الدخول بها؛ للأخبار الأُخر (4)المفصلة، ويلزم حمل المجمل على المفصل.
ويظهر منها أيضاً أنّه يُعزّر ويوجع ظهره لو دخل بها، ويؤخذ منه المهر، وأن التعزير بما يراه الحاكم، وأنه لمكان التدليس، والأخذ بها لا بأس به؛ لعدم حصول المعارض لها.
سابع عشرها: تثبت العنة بإقرار الزوج، وبنكوله عن اليمين مع اليمين المردودة وبدونها، وباليمين المردودة على الزوجة، سواء كانت اليمين المردودة بمنزلة الإقرار أو بمنزلة البينة؛ لقبول البينة في ذلك على الأظهر، وبالبينة إن أمكن اطلاع الرجال عليه.
ولا تثبت بشهادة النساء.
وأنكر بعضهم (5)ثبوتها بالبينة؛ لعدم إمكانه، فلا تسمع البينة.
وفيه نظر ظاهر؛ لإمكان الاطلاع، وإن كان قلما يحصل اطلاع الرجال عليه، وإمكان اطلاع نسائه اللواتي قد فسخن قبل ذلك عليه.
ونقل عن الصدوق لمعرفة العنين: إنّه يوضع ذكره في الماء البارد، فإن تقلّص فليس كذلك، وإن استرخى فهو عنّين (1).
ونُقل أنّ فيه رواية مرسلة (2).
وفي روايةٍ أُخرى: «إنّه يطعم السمك الطري ثلاثة أيام، ثم يبول على الرماد، فإن ثقب بوله الرماد فليس بعنين، وإن لم يثقب فهو عنين» (3).
والروايتان ضعیفتان فالرجوع إليهما مشكل.
ثامن عشرها: لا يجوز الفسخ بالعنن المتأخر عن الدخول؛ للأصل، والاحتياط، والأخبار الخاصّة الدالّة على عدم جواز الفسخ بعد الوقوع عليها (4).
وذهب جمع (5)من المتقدمين والمتأخرين إلى جواز الفسخ مطلقاً؛ أخذاً بإطلاق الأخبار الصحيحة المجوّزة للفسخ (6)على وجه الإطلاق، وكأنّهم بنوا على عدم قابليتها للتخصيص بالأخبار الخاصّة؛ لضعفها.
وهو ممنوع؛ لاعتبار الأخبار، وانجبارها بفتوى الأصحاب.
تاسع عشرها: للولي الفسخ من قبل الرجل والامرأة إذا رأى في الفسخ مصلحةً، وله الإمضاء، ولكنّه لا يمضي على المولّى عليه بعد زوال الولاية.
وللولي تولّي المرافعة إلى الحاكم فيؤجله سنةً، ثمّ يفسخ بعدها.
1) المقنع : 322؛ ونقله عنه العلّامة الحلّى في مختلف الشيعة 7: 209، المسألة 136.
2) وسائل الشيعة 21: 234. الباب 15 من أبواب العيوب والتدليس، ح4؛ ونقله الطباطبائي في رياض المسائل 11 : 468.
3) المصدر : 234 - 235، ح 5.
4) المصدر : 229 - 232، الباب 14 من أبواب العيوب والتدليس، ح 2 و 4 و 8.
5) منهم الشيخ المفيد في المقنعة : 520.
6) وسائل الشيعة :21: 229 - 231 الباب 14 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1 و 5 و 6.
والأقرب أنّ له الفسخ عن الصغيرة لو كان زوجها مجنوناً أو مجذوماً، وله الفسخ عن الصغير لو كانت زوجته قرناء أو عفلاء أو مجنونة أو غير ذلك.
العشرون: لو ادعى الزوج بعد الإقرار بالعنن أو ثبوته وطء زوجته قبلاً أو دبراً، أو وطء غيرها كذلك، فأنكرت الزوجة كان بمقتضى القواعد أنّ القول قولها بيمينها في وطء نفسها، والقول قوله بيمينه في وطء غيرها؛ لأنّه لا يعلم إلّا من قبله، وإن كان الأصل عدمه.
وقد يمكن تحليفها على نفي وطء غيرها إذا كان محصوراً، وكان بمنزلة الفعل العائد إليها. وكذا لو ادعى وطأها في غير مقام دعوى العنن، فإنّه بمقتضى القواعد يكون القول قولها بيمينها إذا أنكرته.
ولكن الأصحاب هنا حكموا بتقديم قول الزوج في جميع ذلك، قالوا: لأنه أمر لا يُعلم إلّا من قبله، فالقول قوله فيه، ولأنه بعد ثبوت العنة لو ادعى الوطء كان بمنزلة إنكارها؛ لأنّ ثبوت العنة هنا بمعنى ثبوت العجز لا العنة الموجبة للفسخ ؛ لأنها لا تكون إلّا بعد السنة.
ولإطلاق الصحيح عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا تزوج الرجل المرأة التيب التي قد تزوجت زوجاً غيره فزعمت أنّه لم يقربها منذ دخل بها، فإنّ القول في ذلك قول الرجل، فيحلف بالله لقد جامعها، لأنّها المدعية، وإن تزوجها وهي بكر فزعمت أنّه لم يصل إليها فإنّ مثل هذا تعرفه النساء، فلتنظر إليها من يوثق به منهنّ، فإذا ذكرت أنها عذراء فعلى الإمام أن يؤجله سنة، فإن وصل إليها، وإلا فرّق بينهما، وأُعطيت نصف الصداق، ولا عدة عليها» (1).
وإطلاقه شامل لجميع ما ذكرناه.
وصرّح جمع من فحول القدماء (2): إن دعوى الزوج الوطء إن كان على البكر رجع فيها إلى شهادة النساء في ذهاب البكارة وعدمها، وإن كان على الثيب حشي قبلها خلوقاً - وهو شيء فيه لون كالزعفران - ولم يعلم به الرجل، وأمر الرجل بوطئها، فإن خرج وعلى ذكره الخلوق صدق، وإلا صدقت.
وذكر في الخلاف أنّ على هذا إجماع الفرقة وأخبارهم (1).
والموجود في الأخبار رواية الخلوق (2)، ورواية أخرى عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها: «الاستثفار بالزعفران، ثم يغسل ذكره، فإن خرج الماء أصفر صدقه، وإلا أمره بطلاقها» (3).
والروايتان ضعيفتان، والإجماع موهون بمعارضته بما عليه الأكثر (4)، وحينئذٍ فالاعتماد على مثل ذلك مشكل.
ولو شهدن النساء بثبوت البكارة فادّعى عودها لم تُسمع دعواه، وكان القول قول المرأة.
ولو ادعى وطأها دبراً، سُمع قوله بيمينه في رفع دعوى العنين وإن لم يُسمع في ترتب أحكام أُخر.
وهو مثبت للخيار في الجملة إجماعاً، وأكمل معانيه هو إظهار صفات الكمال وإخفاء صفات النقص.
ومن صفات الكمال السلامة من العيوب، ومن صفات النقص الاتصاف بالعيب.
وقد تكون صفة النقص ليست عيباً، كالصفات الرديئة، وقد يكون العيب من صفات الكمال بمعنى المرغوبية للطالب، كالخصي.
وقد يقع التدليس على مجرّد إظهار صفة الكمال فيتبين عدم وجودها، أو على مجرد إخفاء صفة النقص فيتبين وجودها.
والتدليس يكون بالقول، ويكون بالفعل، ويكون بالوقت كبيع الرديء في الظلمة.
ولا بد فيه من القصد، وقد يقع من غير قصد، فيشاركه في الحكم دون الاسم، أو فيهما في بعض الوجوه.
ولا تدليس بمجرد الإقدام على أصالة الصحّة، أو على أصالة عدم النقص، وعدم إخبار
الزوجة أو بمن حكمها له. وكذا لا تدليس بإشاعة صفة الكمال من دون إخبار الزوج، أو إظهاره لديه أو لدى مَنْ بحكمه.
والمدلس قد يكون أحد الزوجين، وقد يكون وليهما، وقد يكون وكيلهما أو السفير بينهما، كما في الأخبار (1).
وقد يشترط عدم صفة النقص، أو تشترط صفة الكمال، فيوجب فواتهما الخيار من جهة فوات الشرط ومن جهة التدليس.
1) وسائل الشيعة :21 : 211 وما بعدها الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس.
أحدها: لو تزوجت الحُرّة عبداً - كلاً أو بعضاً دلّس نفسه أو دلسه مولاه أو أجنبي، فإن وقع العقد بإذن المولى أو بإجازته كان العقد صحيحاً، وكان للحرّة الخيار، كما هو المذكور في الأخبار (1)، فإن فسخت قبل الدخول فلا شيء لها، وإن فسخت بعده كان لها المسمى في ذمة المولى مع الإذن أو الإجازة على الأظهر.
وإن وقع العقد من غير إذن ولا إجازة سقط المهر، إلّا أن يدخل بها فلها مهر أمثالها يتبع به بعد العتق.
ولو كان بعضه حُرّاً وبعضه رقاً، أخذت منه المهر على نسبة الرقية.
ولو دلّسه المولى أو أجنبي، كان المهر على المدلّس.
ولا يتفاوت الحال في التدليس بين اشتراط الحُرّية عليه، وبين الإقدام عليها على ظاهر الحال من حُرّيّته، وبين إخباره لها به؛ لإطلاق الأخبار (2)، ولشمول العلاوة المذكورة فيها للشرط وغيره، ولفحوى ما دلّ على الخيار في الأمة(3).
نعم، لو لم يُخبرها بالحُرّيّة ولا كان عليه ظاهر حالٍ منها لم يكن لها حينئذٍ خيار، وكذا لو تزوجته لمجرد أصالة الحرية.
ثانيها: لو تزوج امرأةً بشرط البكارة أو أخبرته بها فتزوجها على ذلك فتبين أنها ثيب قبل العقد، كان له الخيار؛ لفوات الشرط في الأوّل، ولفوات صفة الكمال فيهما.
وقيل: لا خيار له؛ للأصل والاحتياط، ولأن الثيبوبة ليست عيباً (4).
والأقوى ثبوته؛ قضاء لدليل الشروط.
فإن فسخ قبل الدخول فلا شيء لها، وإن فسخ بعده رجع عليها بالمهر، واستثنى لها منه شيئاً ممّا يتموّل؛ لئلا يخلو البضع المحترم عن المهر.
هذا إن كانت هي المدلسة، وإلا رجع على المدلس لو كان غيرها.
وإن اختار الإمضاء، أو قلنا: لا خيار له، فهل له أن ينقص من مهرها شيئاً أو لا؟
قيل بالثاني (1)للأصل.
وقيل بأنه ينقص منه شيء في الجملة (2)، وهو ما يصدق عليه لفظ « شيء» للصحيح الدال على أنّه ينقص (3)، ولم يبيّن فيه القدر، فالمتيقن من الضمير المستتر فيه أنّه «شيء» وهو صادق على كلّ ما يتموّل في الجملة.
وقيل: السدس؛ لأنّ «الشيء» في الوصية السدس (4).
وهو ضعيف؛ لعدم ذكر لفظ «الشيء» أوّلاً، وإمكان تقدير غيره ممّا يشابهه، ولاختصاص تفسيره بالسدس بالوصيّة للدليل، فلا يسري لغيره.
وقيل بأنه ينقص بمقدار نسبة ما بين مهر البكر والثيب؛ لأن الفائت عليه ذلك (5).
وفيه: إنّه ليس من العيوب الموجبة للأرش، المتوقفة على ذلك التقدير، والأصل عدم ذلك المقدر.
وقيل: ينقص بما يراه الحاكم (6)لأنّ الشارع قد أبهمه، فتقديره مثار الفتنة والنزاع والخصومة، وقطع ذلك من وظائف الحاكم.
والأقوى بحسب القواعد: إنّه لا ينقص شيء، والأوفق بمقتضى الرواية: نقصان التفاوت ما بين البكر والنيب؛ لأنه الأقرب في حمل المطلق، والأولى في بيان المجمل لو جعلنا المقدر من المجملات.
وهذا كله لو ثبت سبق الثيبوبة على العقد، ولو شك في ذلك فأصالة تأخر الحادث تقضي بعدم الحكم بتقدمها الموجب للخيار، وكذا تقضي بعدم ترتب نقص المهر.
1) قال به الحلبي في الكافي في الفقه : 296.
2) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 475 و 486؛ وابن البراج في المهذب 2 : 213.
3) وسائل الشيعة 21: 223 الباب 10 من أبواب العيوب والتدليس، ح 2.
4) حكاه المحقق الحلّي في نكت النهاية 2 : 361 عن قطب الدين الراوندي.
5) قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر :2: 591 واستحسنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 168، المسألة 89.
6) قاله المحقق الحلّي في نكت النهاية 2 : 362.
ويظهر من المحقّق (رَحمهُ اللّه) أن القول بالنقص دائر مدار وجدانها ثيباً بعد اشتراط البكارة (1)، فيكون كنقص المبيع قبل القبض.
وربما يمكن القول بالخيار أيضاً وإن لم يعلم السبق؛ بناء على أن الشرط وجدانها بكراً إلى حين الوطء، ولم يثبت تحقق الشرط، فلم يلزم المشروط، وسيما لو صرّح باشتراط ذلك، أو كان المفهوم من الشرط ذلك، فإنّ ثبوت الخيار يكون على وفق القواعد.
ثالثها: لو تزوج امرأة بوصف الإسلام أو دلّست نفسها كذلك فظهرت كافرة يصح نكاحها، فالأظهر سقوط الخيار؛ لأنّ الكفر ليس من عيوب النكاح.
وإن شرط إسلامها فتبينت خلاف ذلك، كان له الخيار لمخالفة الشرط، فإن فسخ قبل الدخول فلا شيء لها، وإن كان بعده فلها المهر.
ولو تزوجها بشرط كونها كتابيةً وكان الشرط لغرض صحيح فتبينت أنها مسلمة احتمل ثبوت الخيار؛ قضاء لدليل الشروط، واحتمل عدمه؛ لظهور ما هو أعظم من صفات الكمال، فلا يرد به.
ولو عقد دواماً على كافرةٍ فظهرت مسلمةٌ، ففي صحّة العقد وجهان: من مطابقة العقد للواقع، ومن إقدامه على الباطل في نظره فيختل قصده.
رابعها: كلّ شرط يشترطه أحد الزوجين على الآخر من الأعمال يلتزم به المشروط عليه، وكلّ شرط يشترطه من الأوصاف المعتد بها، كالإسلام أو الإيمان أو العدالة أو التفقه أو العفّة، أو أنها ولود غير عقيمةٍ، أو أنها غير مريضةٍ ولا ضعيفة ولا قذرة، إلى غير ذلك فيظهر خلافها، كان للمشترط الخيار عند العلم بفوات ذلك عند العقد؛ لعموم أدلة الشروط (2). وإن لم يعلم فواتها عند العقد لم يكن له الخيار؛ لاحتمال طروء الوصف المنافي، والأصل تأخر الحادث.
ولو شرط وصفاً رديئاً لتعلّق غرضه به فبانَ خلافه من الأوصاف الحسنة، ففي ثبوت الخيار وجهان: من عموم أدلّة الشروط ومن أنّ المقصد من الشرط المثبت للخيار هو التخلّص من النقص.
ولو شرط أحدهما على الآخر نسباً شريفاً، أو قبيلة شريفة، أو صنعة شريفة، أو صفةً شريفةً، كملاحة واعتدال وحسن منطقٍ أو غير ذلك فبان خلافه، ثبت الخيار للمشترط.
كلّ ذلك لفحوى مضمر الحلبي في رجل تزوج امرأة فيقول: أنا من بني فلان، فلا يكون كذلك، قال: «تفسخ النكاح» أو قال: «ترد» (1).
ومفهوم خبر حماد بن عيسى: «أنه خطب رجل إلى قوم، فقالوا: ما تجارتك؟ فقال: أبيع الدواب، فزوجوه، فإذا هو يبيع السنانير، فمضوا إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأجاز نكاحه، وقال: إنّ السنانير دواب» (2).
ولو لم تؤخذ هذه الصفات شرطاً بل كانت داعية للإقدام من جهة ظهور الحال، أو من إخبار أحد الزوجين، أو من إخبار أجنبي بذلك، فتبيّن على خلاف ذلك، لم يثبت الخيار؛ لأصالة لزوم العقد، مع عدم دليل دال على ذلك، سوى إطلاق الروايتين المتقدمتين(3). وظاهرهما الشرطية، بل المتيقن منهما الشرطية؛ لعدم صلاحيتهما لإثبات الخيار بأنفسهما؛ لضعفهما، فما تأيد منهما بدليل الشروط قبلناه، وما لم يتأيد لم نقبله.
خامسها: لو تزوج العبد امرأةً على أنّها حُرّة فظهرت أمة - كلاً أو بعضاً كان له الخيار، والتساوي بينهما في الوصف لا يسقطه، فإن فسخ قبل الدخول فلا مهر، وإن كان بعده ثبت لها المسمّى، أو مهر المثل - على قول - على سيّده، أو في كسبه، ويرجع على المدلس بكلّه أو بالزائد على مهر المثل، أو بأقل ما يتموّل، ويكون المرجوع به لسيده.
ولو أُعتق قبل الفسخ، احتمل الرجوع به للعبد، وهو الأقرب؛ لأنّ ما أعطاه المولى قد
تبرع به عليه، والفاسخ يرجع بما غرمه لنفسه، وهو الآن حُرٌّ، فهو كسائر مكاسبه، كما إذا زوّج الوليّ ابنه الصغير المعسر فدفع المهر ففسخ الولد بعد البلوغ، فإنّ المهر يعود إليه.
واحتمل أنّه للمولى؛ لأنه عوض عمّا دفعه، وهو لم يدخل في ملك العبد ليملك عوضه؛ لأنّ العبد لا يملك، ولتزلزل وجوب المهر عليه، فإذا انفسخ رجع عوضه
وهما ضعيفان.
ثمّ إنّ الغرور إن نشأ من الوكيل لها أو له رجع بالجميع عليه، وإن كانت هي رجع عليها كذلك، ولا يستثنى لها شيء؛ لأنّها لا تملك شيئاً عوض بضعها، ويتبعها فيه بعد العتق، ولا يرجع إلى السيد، لأنه استحق المهر بوطء أمته، والرجوع إنّما هو بمثل ما غرمه للمولى بذمتها.
ولو اشتركا في الغرور، كان الرجوع عليهما بالتنصيف على نحو ما ذكرناه.
وإن كان الغار هو السيد، رجع عليه بجملة ما أعطاه من المهر؛ لإطلاق الأخبار (1)، أو مع استثناء أقل ما يتموّل، أو مهر المثل.
ولو أولدها كان الولد رقاً لمولاها إن كان المدلّس لها سيدها، أو كان آذناً لها بالتزويج مطلقاً، أو بهذا العبد ؛ لأنّ الولد لمن لم يأذن له، والعبد لم يأذن له إلّا بنكاح الحُرّة، وإن لم يكن أذن لها سيدها فالولد بينهما نصفان.
واستشكل بعضهم في ذلك من وجهين:
أحدهما: إن مولى العبد ربما أذن له في نكاح هذه المرأة بخصوصها بشرط الحرّية، أو لا بشرط، أو أذن له في النكاح مطلقاً بحيث يشمل الحرّة فيكون الولد بينهما نصفين.
ثانيهما: إنّ مولى الأمة إذا أذن لها في نكاح أي عبد أو هذا العبد وهو يعلم أنّه عبد فإنّه لا معنى لحرمانه من ولدها (2).
وقد يجاب بأنّ إذن المولى لها بالتزويج بمن يشترط عليها الحُرِّيَّة أو بمَنْ تدلّس نفسها عليه إقدام على الحرمان من ولدها، وإذن مولى العبد على نكاح المشروط عليها الحرّية إذن على وجه مخصوص، فإن تبين أنّه كذلك كان الولد حُرّاً، وإلا عاد إلى أصله؛ لأنه نماء ملكه.
سادسها: إذا غرّت المكاتبة الزوج في دعوى الحُرّيّة، فإن اختار الإمساك فلها المهر لا لسيدها، وإن اختار الفسخ فلا شيء لها قبل الدخول قطعاً، وكذا بعد الدخول إلّا أقل ما يتموّل على قول (1)، أو مهر أمثالها على قول آخر (2)، وليست المكاتبة كالقن؛ لرجوعه على المكاتبة بما دفع إليها من المهر؛ لمكان غرورها، وعدم جواز الرجوع إلى القنّ بما دفعه إلى المولى إلّا أن يتبع به بعد العتق، ولو كان الزوج مغروراً من قبل سيدها أو أجنبي رجع إليه بالمهر.
ولو أتت بولد، كان حُرّاً إن كان الزوج حُرّاً، ولا يسترق ولدها وإن كان تزويجها بدون إذن مولاها.
نعم، يغرم قيمته يوم سقط حياً.
ويتبع القيمة في الاستحقاق أرش الجناية على ولد المكاتبة؛ لأن أرش الجناية قيمة لبعض المجني عليه، فإن كان المستحق له المولى كان هو المستحق للقيمة، وإن كان الأُمّ فكذلك، فإن كان هو الغار أو هى لم يغرما من القيمة شيئاً، وإن كان الغار غير المستحق غرم له القيمة ورجع بها على الغار.
ولو ضربها أجنبي فألقته، ألزم دية جنين لأبيه، وإن كان هو الضارب فالأقرب إليه، ولا ترث الأم شيئاً؛ لأنها أمة.
وعلى المغرور للسيّد عُشر قيمة أُمّه إن قلنا: إن الأرش له، وإن قلنا: لأُمه، فلها.
ووجه وجوبه عليه: إنّ الولد مضمون، ولذا يجب على الجاني ديته للأب، فكما يضمن له كذا يضمن للسيد.
وقيل: لا ضمان للسيّد، لوجوب قيمته له يوم سقط حيّاً، ولا قيمة للميت (3).
وعلى الضمان فإن زادت الدية على عُشر القيمة أو ساوته فلا إشكال، وإن نقصت ففي وجوب العشر كاملاً أو أقل الأمرين وجهان.
ولا يرجع المغرور بالغرامة على الغار إلّا بعد أن يغرم القيمة أو المهر للسيد أو الزوجة؛
لأن المتيقن من دليل الرجوع من نص أو إجماع إنما هو بما غرم، ومثله الضامن لا يرجع إلى المضمون عنه إلّا بعد التأدية.
وللمغرور مطالبة الغار بالتخليص من مطالبة المرأة أو السيد؛ لتعلّق الغرض الصحيح بمطالبته.
سابعها: لو تزوج رجلان بامرأتين فأُدخلت زوجة كلّ واحدٍ منهما على الآخر، لزم كلاً من الزوجين المسمّى، ولزم كلاً من الواطئين مهر المثل مع الجهل، ولزم إرجاع كلّ من الزوجتين إلى زوجها، ولزم اعتداد كلّ منهما عن وطء الشبهة، ويرث كلّ من الزوجين الآخر لو مات كلّ واحد منهما، وتستحق الزوجة جميع المهر بالموت ولو لم يدخل، كلّ ذلك للنصّ (1)والفتوى.
نعم، في بعض النصوص تنصيف المهر (2)، ولا نقول به.
ويمكن تنزيل التنصيف على موت الزوجة، فيكون للزوج النصف. ولو اشتبهت كلّ من الزوجتين على زوجها، فإن كان قبل الدخول منعا منهما، ولا تكفي القرعة؛ للاحتياط، مع احتمال جوازها وإذا منعا ألزم كلّ واحدٍ منهما الطلاق، ولا يضرّ الإجبار؛ لأنه بحقِّ، ولموافقته قوله تعالى: (إمساك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ) (3).
ويحتمل جواز تولّي الحاكم الطلاق بنفسه أو تولّي الفسخ، أو تولّي المرأة بنفسها الفسخ.
ولكن الجميع مخالف للاحتياط.
ولا يجب عليهما الإنفاق؛ لعدم التمكين.
ويقول عند طلاقها: زوجتي طالق.
ولا تحسب هذه الطلقة من الثلاث لو بقي على اشتباهه، فلو تزوّج المطلق إحداهما بعد ذلك مع بقاء جهله فطلقها مرتين لم تحرم.
نعم، لو تزوّجهما معاً فطلقهما طلقتين حرمت إحداهما قطعاً؛ لمكان التثليث، وحرمت الأخرى؛ لا رى؛ للاشتباه، ويلزم كلّاً منهما نصف المهر، فإن اتفق المهران جنساً ووصفاً وقدراً فلا كلام، وإلا لزم الصلح القهري إن لم يقع منهما الاختياري، أو القرعة، أو دفع النصف بينهما بالسوية إن تداعتاه فحلفا أو نكلا، ويبقى النصف موقوفاً، فإن لم يدعه أحدهما صار مجهول المالك.
وكذا القدر الزائد إذا لم تدعه إحداهما، فإن ادعت الزيادة إحداهما ولم تدعه الأخرى كان لها على الأظهر؛ لعدم المعارض.
وكذا لو ادعت أحد النصفين المعينين إحداهما ولم تدعه الأخرى، كان لها؛ لانحصار الحق فيهما، وعدم المعارض.
و تحرم كلّ منهما على أب وابن كلّ منهما، وكذا تحرم أُم كلّ منهما على كلّ منهما.
وترث كلّ واحدة منهما بالقرعة ابتداءً إذا وقعت على الزوجيّة، أو يقرع بينهما في الميراث، فإن تداعيا ميراثاً خاصاً قسم بينهما إن حلفا أو نكلا، وبقي الباقي مجهول المالك، أو يوقف إلى أن تدعيه إحداهما فيسترجع منهما ما أخذت من الأوّل.
ثامنها: لو تزوج بنت مهيرة فظهرت بنت أمةٍ، فإن شرط ذلك كان له الخيار؛ لعموم دليل الشرط (1)، وإن لم يشترط لم يكن له على الأظهر؛ للأصل السالم عن المعارض، وليست بنت الأمة عيباً، ولا من الصفات العائدة للاستمتاع - كالبكارة والثيبوبة - فتوجب خياراً مطلقاً، وهذا بخلاف تدليس الأمة بالحُرّيّة، فإنه يوجب الخيار مطلقاً؛ لإطلاق الأخبار (2)، ولأنه من أعظم أنواع التدليس.
فإن فسخ المشترط قبل الدخول فلا مهر.
ونقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه) أنّه لو دلّسها أبوها كان عليه المهر وإن لم يدخل (3)، استناداً لرواية محمد بن مسلم (4).
وهي ضعيفة الدلالة؛ لورودها فيمن زوج بنته بنت مهيرة فأدخل عليه بنت الأمة، ومع ذلك فهي مخالفة للأُصول وفتاوى الأصحاب.
وإن كان بعده رجع بالمهر على المدلس، فإن كانت هي المدلسة رجع إليها إلّا بأقل ما يتموّل أو مهر المثل.
ولو خرجت بنت معتقة، فوجهان: من أنّ المعتقة مهيرة، ومن انصراف الإطلاق إلى حرّة الأصل.
ولو تزوج من رجل بنته من المهيرة فأدخل عليه بنته من الأمة، كان لبنت الأمة مع الجهل مهر المثل، ويرجع به على المدلس، وله زوجته يأخذها متى شاء.
وفي بعض الأخبار الصحيحة - وجنح إلى مضمونها بعض الأصحاب (1)-: إن الثانية تردّ إلى أبيها، وتعطى المهر الأوّل المسمّى لزوجته الحقيقية، ويؤخذ من الأب مهر الأولى(2).
وهي ضعيفة، ولا عامل عليها ممّن يعتد به فحملها على مساواة المسمّى لمهر المثل - فلا يقع التفاوت على الأب ولا بين الزوجتين - هو الأولى (3).
تاسعها: لو شرط الحُرّيّة في العقد، أو تزوّج بدعوى الحرية من الزوجة أو من وليها أو من سفيرها أو من سفيره أو من مخبرٍ له ابتداء، فظهرت أمةً، صح العقد إن كان بإذن المولى أو إجازته وكان الحُرّ ممّن يجوز له التزويج بالأمة لو فرض الزوج حراً، وكان له الخيار في الفسخ مع الشرط؛ لعموم أدلّة الشروط (4)، ولأخبار التدليس (5).
وكذا لو أخبرته أو أخبره الوليّ أو السفير بالحُرّيّة فتزوجها وأقدم عليها لذلك الخبر، فإنّ له الخيار؛ للروايات (6)الدالّة على ثبوت الخيار مع التدليس مطلقاً من دون تقييد بالشرط.
خلافاً لمن نفى الخيار؛ للأصل والاحتياط، ومنع كون هذا تدليساً.
وفي المنع منع ظاهر، والأخبار تردّه.
ولو كان المخبر له أجنبياً لا دخل له سوى الإخبار ولم يظهر منها ولا من وليها ولا من سفيرها تدليس بقول أو فعل، لم يكن له خيار؛ للأصل والاستصحاب.
ثم إذا فسخ فإن كان قبل الدخول فلا مهر ولو دفعه استرجعه، فإن تلف رجع به على المدلّس، وإن كان بعد الدخول فعليه المسمّى لا مهر المثل على الأقوى.
والقول بالعُشر ونصف العُشْر؛ لرواية ابن صبيح غير بعيد.
ويدفع المهر على كلّ حالٍ للمولى، ويرجع الزوج بما غرمه من مهر ونفقة وقيمة ولد وأرش جناية على المدلس إن كان العقد فاسداً، كما إذا وقع من دون إذن المولى، وإن كان صحيحاً رجع بالمهر وبغيره في وجه قوي.
فإن كانت هي المدلسة، تبعت به بعد العتق، فإن بقي عندها ممّا دفع إليها كلاً أو بعضاً استعاده، وتبعها في الباقي بعد العتق، وإن كان المدلس مولاها، فإن تلفظ بما يقتضي العتق إنشاء أو إخباراً حكم بحرّيّتها على الظاهر، فلو علم أنّه لم يُرده لا يُحكم به، وصح العقد مع إذنها أو إجازتها، وكان المهر لها، وإن لم يتلفظ فالأمة رقّ، شيء لمولاها؛ لتدليسه، ولا لها؛ لرقيتها.
وقيل: إنّه يستثنى من مهرها أقل ما يتموّل؛ لئلا يخلو البضع عن المهر (1). ولا يخلو عن قوة، ويساعده الاحتياط.
وقيل: مهر أمثالها (2)، وهو ضعيف.
ولو كان قد دفع لها المهر كلاً أو بعضاً وأتلفته كلّاً أو بعضاً قوي القول بتضمين السيد للتالف مطلقاً، عدا ما يتموّل؛ لغروره، وضعف المباشر للإتلاف؛ لرقيته.
واحتمل تعلّق الضمان يكسبها إن كانت كاسبة، وإلا فتتبع به بعد العتق.
واحتمل تعلّق الضمان بها، وتتبع به بعد العتق؛ لأنها المباشرة للإتلاف، ولم يأذن لها المولى في قبض المهر، ولو أذن لها فقبضته بإذنه فالوجه: الأوّل.
وإن دلّسها أجنبي، رجع الزوج بما غرمه عليه، فإن دفعه إليها فأتلفته رجع عليه بعوضه.
وحكم الأمة المبعضة حكم الأمة الخالصة.
وبعض من المتأخرين - بعد ذكر جملة من هذه الأحكام، وذكر رواية ابن صبيح في رجل تزوج امرأةٌ حُرّةً فوجدها قد دلّست، قال: «إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد» قلت: فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ قال: «إن وجد ممّا أعطاها شيئاً فليأخذه، وإن لم يجد شيئاً فلا شيء له عليها، وإن كان زوجها إياه ولي لها ارتجع على وليها بما أخذت منه ولمواليها عليه عُشر قيمتها إن كانت بكراً، وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحلّ من فرجها» (3)- قال ما ملخّصه :
لم يرد في الأخبار ما له تعلّق بهذه المسألة إلّا رواية الوليد بن صبيح، ويعسر الجمع بينها وبين ما قرّروه في هذا المقام في جملة من المواضع :
منها: إنهم ذكروا أنّه لو دفع إليها المهر وكانت هي المدلسة استعاده كلاً أو بعضاً، ولو تلف كلاً أو بعضاً تبعها به بعد العتق واليسار، وفي الرواية: إنّه لا شيء له عليها.
ومنها: إنّ النكاح من دون إذن المولى موقوف على الإجازة، وفي الرواية: إنّه باطل.
ومنها: إنّه لو كان التزويج بإذن السيد كان العقد صحيحاً، ولكن له الخيار ويثبت له المسمى، وفي الرواية: إنّ الزوج يرجع على السيد بالمسمّى، وللسيّد عليه العُشر أو نصف العشر، وظاهرها بطلان العقد من أصله.
ومنها: إنّه لو زوجها وظهر منه ما يؤذن بعتقها خبراً أو إنشاء كان المهر لها، وفي الرواية: إنّه يرجع على الوليّ بما أخذ منه على وجه الإطلاق دون هذا التفصيل.
وذكر في الأثناء: إنّ العقد مع تدليس المولى باطل، وإنّ الولي والمولى في الرواية سواء (1). هذا كلامه.
وهو عجيب؛ حيث خطاً الفقهاء على مقتضى فهمه، مع أن الرواية كالمجملة تفسّرها قواعد الأصحاب في باب الفضولي وفي باب التدليس، وفي باب رجوع المغرور على مَنْ غره، وفي باب العتق والإقرار، وفي باب المهور، فلا يجوز العمل على إطلاقها، وهو مقيد بما هو أقوى منه في الأخبار وكلام الأصحاب، ومن أين جاءه الحكم باتحاد الولي والمولى الرواية؟ والأصل والظاهر ما يقضي بالتغاير.
1) البحراني في الحدائق الناضرة 24 : 394 - 399.
أحدها: المهر كلّ مالٍ وجب في مقابلة الوطء المحلل أو المحرَّم إذا ملكه مولى الأمة، أو في مقابلة تفويته بإرضاع أو غيره ممّا نص عليه، أو وجب في عقد نكاح دواماً أو متعة، أو في عقد تحليل، أو وجب في نكاح ملك يمين، كـ «جعلت عتقك صداقك» ويرجع في معرفة الوجوب إلى دليله، ولا يدخل فيه أرش البكارة، ويدخل فيه العُقْر.
ويُسمّى هذا صداقاً - بالكسر والضمّ - والصَّدُقة - بفتح أوله وضم ثانيه - والنحلة، والأجر، والفريضة، كما ورد في الكتاب المجيد (1)، والعليقة، والعلائق، والعقر - بالضم - والحباء - بالكسر -.
وليس المهر ركناً في عقد النكاح؛ لعدم كونه معاوضة على المال صرفاً؛ لأن الغرض الأصلي منه الاستمتاع، ويدل على ذلك الأخبار (2).
ثانيها: يصح المهر بكل ما يتموّل وكان مملوكاً للعاقد أو لغيره مع رضاه بالعقد عليه ابتداء، أو إجازته بعد ذلك، عيناً كان أو منفعة أو إسقاط حقٌّ، كجعل المهر إسقاط خياره، أو دَيْناً أو نماء، سواء كانت منفعة حيوان أو عقار أو إنسان أو نماءها.
ويصح على العمل المتموّل الذي بحيث يقابل بعوض، سواء كان العمل للزوجة أو لمن رضيت له العمل، وسواء كانت بالذمة أو معيّنةً، على الأقوى والأشهر؛ للأصل، وعمومات دليل المهر (3)، وخصوص الأخبار (4)الدالّة على أن المهر ما تراضيا عليه قل أو كثر، وهي أخبار متكثّرة، والأخبار الدالّة على الاجتزاء بالمهر بتعليم سورة (5).
ونُسب لبعض أصحابنا المنع من جعل العمل مهراً، وأنه خاص بموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند تزويجه في بنت شعيب (1).
ويظهر من بعضهم أن الممنوع منه عند القائلين بذلك هو عمل الزوج بنفسه إذا كان معيناً لا مطلقاً في الذمة؛ لأنّ العمل المعيّن إذا مات الأجير لا يؤخذ من تركته ما يؤجر به غيره، بخلاف ما كان في الذمة (2).
وقد يُفهم من عبائر كثير منهم أنّ عمل الزوج مطلقاً لا يكون مهراً، وأن عمل غيره يكون مهراً ولو كان معيناً.
وكلاهما بعيد، بل الأوجه ما قدمنا نقله.
وعلى كلّ حالٍ فلا دليل على المنع سوى بعض الروايات (3)الضعيفة، ومضمونها المنع من جعل مهر ابنته أو أخته عملاً يعود إليه، وإنّ ذلك من خصائص موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حيث جاز في شرع شعیب استئجاره لنفسه، وجعل عمله له مهراً لابنته، ونحن لا نقول بذلك، إلّا إذا رضيت بجعل العمل لأبيها مهراً لها؛ لأنّها أمر يعود عليها فتملكه، على أن مصرفه أبوها، ولا أستبعد جواز ذلك، ويصح حينئذٍ جَعْله مهراً.
والظاهر أنّ الذي كان في شرع شعيب أن العمل الراجع لأبيها يكون مهراً لها قهراً؛ لتعليلهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) في الروايات: «إنّه ثمن رقبتها، وهي أحق بمهرها» (4).
نعم، في بعض الروايات (5)ما يدل على أنّ المنع من جهة عدم الوثوق بالبقاء حتّى يؤدّي عمله الذي جعله مهراً، وأن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث كان واثقاً بالبقاء جاز له ذلك.
ولكنّها محمولة على الكراهة؛ لاشتمال بعضها على جواز جعل المهر تعليم سورة (6)، ولأن العمل بها يقضي بانسداد باب الإجارة في عقود المعاوضات من أصله، ولا قائل به فيما هو أولى من المهر بإرادة البقاء ككثير من حقوق الأموات والأحياء.
ثالثها: لو عقد الذميان ونحوهما على خمرٍ أو خنزير أو نحوهما، صح النكاح، وكان ذلك مهراً لهما، وتملك الامرأة ثمنه لو باعته، ويصح لنا الأكل من ثمنه؛ للزوم إقرارهم على مذهبهم، ولو ترافعوا إلينا كان لنا أن نرجعهم إلى حكامهم، فيأمروهم بدفع الخمر والخنزير إلى مستحقه عندهم، ولو أرادوا حكمنا لزمنا أن نحكم بينهم بما أنزل اللّه، فأمرهم بدفع قيمتهما عند مستحلّيهما أو مهر المثل.
ولو أسلم الزوجان أو أحدهما بعد تقبيض الخمر وشبهه للزوجة، برئت ذمة الزوج من المهر.
وإن أسلما أو أسلم أحدهما قبل دفع ذلك المهر المحرَّم كلاً أو بعضاً، بطل الدفع؛ لحرمة دفع المسلم ذلك، وحرمة قبض المسلمة لذلك.
وهل يلزم عند بطلان الدفع قيمته عند مستحلّيه؛ لأنه بمنزلة عين مملوكة امتنع تقبيضها وتعذر تسليمها على مَنْ هى عليه، أو يلزم مهر المثل؛ لفساد المهر بالإسلام وخروجه عن الملك فينتقل إلى مهر المثل، ولأنّ لزوم القيمة فرع ملك العين المتعذر تسليمها، ولا ملك عند إسلامهما؛ لأنّ تعذر التسليم إنّما نشأ من عدم الملك؟ قولان، أشهرهما الأوّل.
ويدلّ عليه خبر عبيد بن زرارة في نصراني تزوّج نصرانية على ثلاثين دناً من خمر وثلاثين خنزيراً ثمّ أسلما بعد ذلك ولم يكن دخل بها، قال: «ينظر كم قيمة الخمر، وكم قيمة الخنزير، فيرسل بهما إليها، ثمّ يدخل عليها وهما على نكاحهما الأول» (1).
نعم، في رواية الكافي: إنّهما إذا أسلما قبل أن يدفع إليها الخمر والخنازير حرم عليه أن يدفع إليها شيئاً من ذلك، ولكن يعطيها صداقاً (2).
وهي قابلة لتنزيلها على مهر المثل، ومحتملة للحمل على القيمة، كما هو المشهور، وهو الأولى.
وعلى القيمة فهل هي يوم العقد أو القبض أو يوم الإسلام أو المطالبة؟ وجوه، أقواها يوم الإسلام؛ لتعذره فيه.
ولو أمهر المسلم الخمر أو الخنزير أو نحوهما ممّا لا يصح تملكه، ففي صحّة العقد وبطلانه قولان:
أحدهما: البطلان مع جهل الزوجة بالفساد وعدمه على الأظهر.
وذهب إليه جمع من القدماء (1)محتجين بأن الرضى شرط في صحّة العقد، وقد وقع على باطل، فما وقع عليه الرضى غير صحيح، وما يصح لم يقع عليه الرضى، ولأن المهر ما تراضيا عليه، فما لم يتراضيا عليه لا يكون مهراً، ولو صح العقد لكان المهر غير ما تراضيا عليه، وهو خلاف الرواية (2)، ولأن النكاح عقد معاوضةٍ أو كعقد المعاوضة، فيفسد بفساد العوض، كالبيع. ويدلّ على كونه معاوضةٌ إطلاق لفظ الأجر على المهر في قوله تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (3)وجعله مدخولاً للباء، كـ«زوجتك بكذا» وقولهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) في بعض الأخبار: «إنّه مستام» (4)و «إنّه يشتري بأغلى الثمن» (5)و «إنّ المهر ثمن رقبتها كما في بعض آخر(6).
وثانيهما: الصحّة، ذهب إليه جمع من المتأخرين (7)، والظاهر أنّه المشهور، سواء كان مع جهل المرأة بالفساد أو مع علمها.
والصحّة مع الجهل أقرب؛ استناداً إلى أن مقتضي الصحّة - وهو العقد موجود، والمانع - وهو بطلان المهر - لا يصلح للمانعيّة؛ لأنّ العقد يصح من غير ذكر المهر، بل مع ذكر عدمه، فلا يزيد ذكر المهر الفاسد على اشتراط عدم المهر، ولأن المهر لو ظهر مستحقاً صح العقد وإن لم يُجز المالك من غير خلافٍ، بخلاف غيره من المعاوضات، وكذا لو أمهر الزوج ما يظنّ صلاحيته للمهر فبان أنّه غير صالح، فإنّهم متفقون على الصحّة، ولتسميته نحلة في الكتاب العزيز (8)والنحلة هي العطية.
وأُجيب عن هذا الدليل بالفرق بين عدم ذكر المهر، وذكر المهر الفاسد؛ لأنه في الأوّل
1) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 508؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 469 والحلبي في الكافي في الفقه : 293؛ وابن البراج في المهذب 2 : 200.
2) وسائل الشيعة 21: 240 الباب 1 من أبواب المهور، ح 3.
3) النساء (4) : 24.
4) وسائل الشيعة 20 : 89 الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح...، ح 8.
5) المصدر : 87 - 88، ح 1.
6) المصدر 21 : 281 الباب 22 من أبواب المهور، ح 2.
7) منهم : المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2: 268 ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع : 441؛ والفاضل الآبي في كشف الرموز 2: 185؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 577.
8) النساء (4) : 4.
وقع التراضي بدونه، وفي الثاني قد ارتبط العقد به فصار كالجزء منه، فتوقف ملك البضع على ملكه والرضى بالعقد على الرضى به.
وهذا الجواب ضعيف؛ لعدم تسليم ارتباط العقد به کارتباط الشرط، بحيث إنّه لو خرج فاسداً أفسد المشروط بفساده، ولو لم يسلّم لمشترطه تسلّط على الخيار، والفارق العرف؛ فإنّ أهل العرف لا يعدّون المهر من الشرائط، ولو سُلّم فلا نسلّم أن الشرط الفاسد ممّا يفسد عقد النكاح بفساده، ولأن المقصود من النكاح هو الاستمتاع فركناه الزوجان، وتسليط الزوجة الزوج على بضعها، وتسمية المهر أجراً، ودخول الباء عليه لا يلزم منه كونه عوضاً حقيقياً عن البضع ؛ لأن البضع لا يملك على حدّ الأشياء المملوكة كي يكون ما يقابله عوضاً حقيقياً، فالقول الأخير أقوى.
وعلى تقدير الصحّة ففي وجوب مهر المثل مطلقاً قبل الدخول أو بعده؛ لأنه عوض البضع حيث لا مهر والمهر الفاسد بمنزلة عدمه - وفيه: إنّ الانتقال لمهر المثل عند فساد مسمّى المهر مع عدم الدخول مفتقر إلى دليل ولم يثبت - أو بعد الدخول فقط؛ لأنه عوض البضع حيث لا مهر بعد استيفائه، ولا دليل على قيامه مقام الفاسد مطلقاً، أو وجوب قيمته عند مستحلّيه، أو إرجاعه إلى ما لا قيمة له كالحُرّ يُقدّر عبداً؛ وذلك لأن العين لما تعذرت كان أقرب الأشياء إليها القيمة، ولأنّ المعقود عليه هو العين لكن باعتبار ماليته، فلما انتفت العين بقت المالية - وهو ضعيف؛ لأنّ الانتقال إلى القيمة فرع ملك العين، فإذا لم تنتقل العين احتاج نقل القيمة إلى ناقل جديد وليس فليس على أنّه لا يجري فيما لا قيمة له ولو تقديراً كالتراب والحشرات - أو وجوب القيمة فيما له قيمة في الجملة كالخمر، فإنّ للخمرة قيمة؛ لضمان الذمّي لها للذمّي، وضمان المسلم لها للذمّي المستتر، ووجوب مهر المثل فيما لا قيمة له، كالحر والخنزير والحشرات والتراب، وكذا غير المقدور، أقوال، وفي الأخير قوة إن كان العقد مع الجهل بالفساد، وإن كان مع العلم فلا مهر إلّا مع الدخول؛ لتنزيله منزلة الإقدام على عدم المهر.
رابعها: كلّ ما يتموّل بحيث يقابل بعوض عرفاً يصح جعله مهراً قل أو كثر، عيناً أو منفعة أو إسقاط حقٌّ، كما إذا جعلت مهرها إسقاط خيار زوجها.
وما لا يتموّل لقلته أو لخساسته من عينٍ أو منفعة لا يصح جعله مهراً؛ لانصراف أدلة المهور إلى ما يتموّل، ولأنّ المعاوضة على ما لا يتموّل سفه، فلا يكون مهراً.
ولا حد له في القلة، كما لا حد له في الكثرة؛ للإجماع بقسميه (1)، والأخبار (2)المتكاثرة المعتضدة بالقواعد المحكمة والأصول العقلية والشرعيّة والكتاب المجيد، قال اللّه تعالى: (وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْه شَيئاً) (3).
والقنطار أربعون أوقية من ذهب أو فضة، أو ألف دينار، أو ألف ومائتا أوقية، أو سبعون ألف دينار، أو ثمانون ألف درهم، أو مائة رطل من ذهب أو فضة، أو ملء مسك ثور ذهباً أو فضة.
وفي الخبر: «لو أنّ رجلاً تزوج امرأة وجعل مهرها عشرين ألفاً وجعل لأبيها عشرة
آلاف كان المهر جائزاً، والذي جعل لأبيها فاسداً» (4).
وروي أن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) تزوج امرأةً فأصدقها مائة جارية مع كلّ جارية ألف درهم (5)، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى.
فما نقل عن المرتضى من لزوم كون المهر خمسمائة درهم وهو مهر السنّة، وأن العاقد لا يتجاوزه، وإن تجاوزه رد إليه، حاكياً على ذلك الإجماع (6)مستنداً إلى رواية المفضل بن عمر (7)، الدالّة على ذلك، ضعيف لا يُلتفت إليه؛ لعدم تسليم الإجماع، ووهنه بمخالفة الكتاب والسنّة وفتاوي الأصحاب، حتّى كاد المرتضى أن يكون مسبوقاً بالإجماع ملحوقاً به، ولضعف رواية المفضل سنداً، واشتمال آخرها على ما لا يقوله أصحابنا، ومعارضتها عموم الكتاب (8)والسنّة (9)، فيلزم طرحها أو حملها على الندب على العقد بقدره، فإن زاد استحب للمرأة الإبراء من الزائد.
1) رياض المسائل 12 : 7.
2) وسائل الشيعة 21: 239 وما بعدها. الباب 1 من أبواب المهور.
3) النساء (4) : 20.
4) وسائل الشيعة 21: 263، الباب 9 من أبواب المهور، ح 1.
5) المصدر، ح 3.
6) الانتصار : 292، المسألة 164.
7) وسائل الشيعة 21: 261، الباب 8 من أبواب المهور، ح 14.
8) النساء (4) : 20.
9) وسائل الشيعة 21: 239 وما بعدها الباب 1 من أبواب المهور.
وما أدري ما أراد المرتضى (رَحمهُ اللّه) بلزوم مهر السنة ؟ فهل هو مجرد الإيجاب الشرعي ؟ وكذا بلزوم الرد إليه، فلو عصى العاقد لزم في حقه، أو هو فساد المهر الزائد؛ لمكان النهي، أو فساد الزيادة دون قدر مهر السنة؟ وهل هو خاص بالمسمّى، أو عام له ولمهر المثل في المفوضة والعقد الفاسد؟ والظاهر إرادة العموم، وربما اخترنا ما قاله في الأخير؛ للأخبار الآتية (1)في المفوضة إن شاء اللّه تعالى.
وقد ورد في جملة من الأخبار (2)ما يظهر منه استحباب مهر السنة، وذم المغالاة في المهر.
خامسها: لا يشترط في المهر معلومية القدر من الكيل والوزن والعد والذرع والمساحة، بل يكفي المشاهدة والتعيين بالوصف الرافع للإبهام.
أما الأوّل: فللأصل، ولعدم كون النكاح من المعاوضات الصرفة فيشترط فيه رفع الغرر من كلّ وجه، ولخلق الأخبار في مقام البيان عن اشتراط المعلومية بذلك النحو، ولما ورد من الاجتزاء بكفّ من طعام دقيق أو سويق أو تمر، ومن الاجتزاء بالقبضة من الحنطة، ومن الاجتزاء بما يحسن من القرآن (3)من دون ذكر قراءة خاصة.
وأما الثاني: فلوجود شائبة المعاوضة في المهر، فما لم يكن معلوماً بالمشاهدة أو الوصف كان غرراً منهياً عنه، ولانصراف أدلة المهر للمعلوم في الجملة، فما لم يكن معلوماً - كما إذا كان مبهماً أو مجهول القدر - ولم يكن مشاهداً، أو مجهول الجنس أو الصنف - كما إذا أمهرها أحد الشيئين، أو مالاً، أو ما في كمه، أو ما في صندوقه، أو ما يقوله فلان، أو ما نجده تحت الأرض، أو ما نحوزه ونصطاده، أو تحمله الدابة، أو عبداً من العبيد، أو ثوباً، أو غير ذلك - كان باطلاً، ولزم مهر المثل بعد الدخول قطعاً، وأما قبله فإشكال؛ لعدم قيام دليل على اشتغال ذمة الزوج بمهر المثل والانتقال إليه ابتداء. ولو وقع المهر مشاهداً ولم يعلم قدره فتلف قبل قبضه أو بعد قبضه ولكنه طلقها قبل الدخول فأراد استرجاع النصف، احتمل الأخذ بالمتيقن، والصلح الاختياري، وهو الأسلم.
واحتمل الرجوع إلى مهر المثل في الأوّل؛ لأنّه يكون من قبيل ما لو تلف المبيع قبل قبضه. وهو ضعيف؛ لأنّ ضمان المهر ضمان يدٍ لا ضمان معاوضة، فيثبت للزوجة القيمة عند تلفه لا مهر المثل.
واحتمل الرجوع إلى مهر المثل مطلقاً، وهو أضعفها.
سادسها: ذكر المهر ليس شرطاً في العقد، كما هو المفهوم من الكتاب والأخبار وكلام الأصحاب، فلو لم يذكر صح العقد.
نعم، لو شرط عدمه كلاً قبل الدخول وبعده بطل الشرط.
وهل يبطل العقد تبعاً لبطلانه؟ وجهان.
ويجوز تزويج امرأتين لرجل واحد بعقد واحد ومهر واحد بإيجابين أو إيجاب واحد، ولزوم تعدد القبول؛ لأصالة عدم تداخل الأسباب واقتضاء كلّ إيجاب قبولاً مستقلاً لا قائل به.
وكذا تزويج امرأتين لرجلين بمهر واحد.
ولا يفسد العقد في جميع ذلك؛ لعموم الأدلّة الدالّة على الصحّة، ولفتوى الأصحاب، بلربما يدعى الإجماع عليه.
ولا يفسد المهر أيضاً؛ لمعلومية الجملة، وتكفي معلومية الجملة عند العقد عن معلومية ما يخص كلّ واحدة منهما عنده؛ لتحقق العلم بعد التوزيع، وهو كافٍ في البيع المبني على اشتراط المعلومية من كلّ وجه فجوازه في المهر الذي ليس من المعاوضات الصرفة أولى.
والعمدة هنا في الاستدلال هو أن يقال: إنّ ذلك يصدق عليه أنّه معلوم بحسب العرف، ولا يدخل فيه الغرر عرفاً، ولهذا جاز في البيع على الأقوى والأشهر، وأما نفس الأوّل إلى العلم فغير كافٍ قطعاً، وإلا لجاز البيع بثمن مجهول يؤول إلى العلم بعد ذلك، ولا نقول به.
وعلى ما ذكرنا فيصح أن يجتمع مع التزويج بقبول واحد ومال واحد ثمن مبيع وأُجرة عمل أو عقار من غير تفاوت بين كون الجميع عائداً للزوجة فتملك الجميع، أو عائداً للزوجة وغيرها فيفتقر إلى التقسيط.
وعلى ما اخترناه من صحّة المهر في جميع ما تقدّم لا بد من التقسيط، وهو أن يقسط
المسمّى على نسبة مهر المثل للزوجتين، بأن يلاحظ قدر مهر مثل كلّ واحدة منهما فيُنسب أحدهما للآخر، فيعرف قدر النسبة من التسوية أو التنصيف أو غيرهما، فيدفع لهما كلّاً على نسبة ذلك من المسمّى.
وكذا الحال لو اجتمع مع المهر ثمن مبيع أو أُجرة عمل.
وهل يقوم أحدهما منفرداً ويقومان مجتمعين، فتُنسب قيمة الانفراد إلى قيمتهما مجتمعين، أو يقوم كلّ واحدٍ منهما منفرداً، فتُنسب قيمة المنفرد إلى قيمتهما منفردين؟ وجهان.
وتظهر الثمرة فيما لو كان للهيئة الاجتماعية مدخلية.
وقيل بتقسيط المهر على الزوجتين على نسبة الرؤوس (1).
وهو ضعيف، بل خلاف مقصود المتعاقدين مع الإطلاق؛ لأنّ المهر له شبه المعاوضة ومن شأن المعاوضة مقابلة الثمن بما يناسبه من المثمن، كما يقتضيه شاهد الحال والمقال.
وعلى القول بالبطلان فالأظهر ثبوت مهر المثل لكلّ واحدة منهن.
واحتمل هنا لزوم تقسيط المسمّى وإن وقع المهر باطلاً، والفرق بينه وبين المجهول المطلق تعذر تقويم ذلك وإمكان تقويم هذا، ولكنه ضعيف.
سابعها: لو عقد على مجهول - كدارٍ أو عبدٍ أو سيف - بطل المسمى؛ لمكان الجهالة، ولا يبطل العقد كما ذكرنا (2).
ولا يمكن الرجوع إلى القيمة هنا، كما ذكرنا فيما لو كان المهر خمراً؛ لتعذر تقويم المجهول.
نعم، نقل (3)عن الشيخ (رَحمهُ اللّه) وأتباعه: إنّه لو عقد على دار أو بيت أو خادم كان الواجب لها الوسط من هذه الأشياء، إما لانصراف العرف إليها، وإما للأخبار الواردة في هذه الثلاثة بالخصوص: إنّها يؤخذ منها الوسط كمرسل ابن أبي عمير، ورواية علي بن أبي حمزة. (4)
وقد يضعف أن الوسط لو انصرف إليه العرف لا نصرف في أكثر الأشياء، لا خصوصية لهذه
الثلاثة، ولا يقولون به، وإن كان الحكم به بمجرد التعبد؛ لوروده في هذه الثلاثة دون غيرها رددناه بضعف الروايات عن إثبات الحكم المخالف لفتوى المشهور وللقاعدة المحكمة في المهور.
نعم، قد يقال: إنّ الروايات كاشفة عن حكم العرف في خصوص هذه الثلاثة، أو أنّ العرف في زمن الصدور كان كذلك.
وقد يقال: إن المهر يغتفر فيه هذا النوع من الجهالة؛ لعدم كونه معاوضة محضة، ولعدم دليل واضح على اشتراط المعلومية من كلّ وجه، والوسط أمر يمكن استعلامه في كلّ شيءٍ، ولو تكثرت أفراد الوسط، كان للعاقد الخيار في الدفع، فصحة هذه الثلاثة على القاعدة.
وعلى تقدير بطلان المهر المسمّى فيثبت مهر المثل مع الدخول قطعاً؛ لأنه القاعدة والأصل مع استيفاء البضع وعدم المسمّى، وأما مع عدمه فالانتقال إليه محل بحث سيجيء تمامه إن شاء اللّه تعالى.
ولو ضمّ المجهول إلى المعلوم فوقع العقد عليهما احتمل بطلان الجميع والرجوع إلى مهر المثل مع الدخول أو مطلقاً.
واحتمل الرجوع إليه مع احتساب المعلوم منه، فإن ساواه فلا كلام، وإن زاد عليه أخذ الزيادة؛ للإقدام عليها، وإن نقص عنه لزم الإتمام.
واحتمل لزوم المعلوم مطلقاً وضمّ أقلّ ما يتموّل إليه عوض المجهول إن لم تعلم قيمته أصلاً، وإلا فالمتيقن من قيمته التي لا يزيد عليها قطعاً.
واحتمل أن يضمّ إلى المعلوم مثله، فيكون المعلوم على النصف ما لم يعلم نقصان قيمته؛ لأصالة عدم التفاضل.
وعلى ما ذكرناه من اشتراط المعلومية فلو أصدقها تعليم سورة لزم تعيينها، وكذا لو أصدقها أي عمل كان لزم تعيينه بما يرفع الجهالة؛ لأنّ المهر من المعاوضات، وإبهام السورة والعمل غرر.
وحينئذٍ فلو شرطت عليه التعليم بنفسه لزم الشرط إلّا مع إسقاطه، وإلا جاز تولّى غيره له، سواء كان محرماً لها أم لا؛ لعدم توقف التعليم على النظر إلى ما يحرم على الأجنبي، وأمّا سماع الصوت فالظاهر جوازه بمقدار الحاجة.
ولو أبهم السورة، بطل المهر، ولزم مهر المثل مع الدخول، أو مطلقاً على الوجهين.
وذهب بعض المتأخرين (1)إلى صحّة ذلك مع الإبهام؛ لما ورد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أنّه زوج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): المرأة على ما يحسن زوجها من القرآن (2)وهو أشدّ إيهاماً من السورة، ولعدم دليل على اشتراط المعلومية، بل عموم الأخبار الواردة في الصداق (3)شاملة للمجهول والمعلوم.
وهو ضعيف؛ لمعارضته لقواعد النهي عن الغرر في المعاوضة وشبهها ولفتوى الأصحاب وللاحتياط، ولانصراف أدلّة المهر للمعلوم عرفاً، ولعدم تسليم عدم معرفة ما يحسنه الزوج من القرآن حين العقد.
وهل يجب مع تعيين السورة تعيين الحرف؛ لتفاوت القراءة؟ يحتمل ذلك.
ويحتمل جواز الإطلاق مع التخيير.
ويحتمل انصراف المطلق إلى قراءة السواد؛ لأنه هو المعتاد.
والظاهر انصراف التعليم للتلاوة، لا للحفظ.
ولو علمها آيةٌ ثمّ نسيتها لم تلزم الإعادة، بخلاف الكلمة.
والظاهر أن مرجع الجميع إلى العرف في قدر التعليم، فلو كانت بليدة لا تتعلّم سقط تعليمها، وثبت لها أجرة التعليم أو مهر المثل.
وكذا لو شرطت عليه التعليم بنفسه ولم يمكنه، أما لو أمكنه أن يتعلم فيعلم (4)، قوي وجوب التعليم من باب المقدمة مع احتمال عدمه، فيكون كالتكسب في الدين.
ولو تعلمت عند غيره، كان لها الأجرة.
والأحوط أن يعلمها السورة تامة بحيث تتمكن من تلاوتها أجمع.
ثامنها: لو عقد على ما يظنّان صلاحيته للمهر فبان غيره، فلا شك في صحّة العقد كما مرّ (5).
وأما المهر فقيل بلزوم مثل ما ظنّاه (6)، كما إذا ظنا أنّ الخمر خَلٌّ لزمه الخَلّ، أو الحُرّ عبد
1) كالشهيد الثاني في مسالك الأفهام 8: 180.
2) وسائل الشيعة 21: 242، الباب 2 من أبواب المهور، ح 1؛ وراجع سنن الدارقطني :3 : 177 - 178، ح 21/3555.
3) المصدر : 239 الباب 1 من أبواب المهور.
4) في «ق» : « ثم يعلم» بدل «فيعلم».
5) مرّ في ص 302.
6) قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر :2 : 593؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة : 171، المسألة 192، كما فيه حكاية ذلك عن ابن الجنيد.
لزمه العبد، أو الخنزير بقرة لزمه البقرة، وهكذا.
واستدلوا عليه بأن العقد على الخلّ المعيّن اقتضى ثلاثة أشياء: إرادة عينه بالمطابقة، وإرادة الخَلّيّة الكلية بالالتزام، وكون المهر واجباً بالعقد بحيث يلزمه تأديته، فإذا فات الأوّل لزم إبقاء الأخيرين بحسب الإمكان؛ لعموم «لا يسقط» (1)و «إذا أمرتكم» (2)ولا يمكن تحققهما إلّا بالمثل؛ لبعد مهر المثل وقيمة الخمر عن إرادة الخَلّ المعين.
وفيه ضعف؛ لمنع دلالة الخَلّ بالالتزام على إرادة كلّيّه، بل إنما يدل على نفس الكلية، ونفس الكلية غير مرادة؛ لتعلّق العقد بالجزئي المعين، ونمنع من إجراء عموم «لا يسقط» في المعين إذا تعذر شخصه إلى كليه من نوع أو جنس أو غيرهما من الأنواع العقلية، بل المتبادر من الرواية هو اختصاصها بالمركب ذي الأجزاء إذا انتفى أحد أجزائه.
وبهذا يظهر لك ضعف ما يقال من أنّه عند انتفاء الجزئي المعين يُحمل على ما هو الأقرب إليه وهو المثل، دون القيمة؛ لبُعدها؛ لأنّ الأقربيّة مرجّح لحمل اللفظ عند انتفاء حقيقته وعند العلم بعدم إرادتها، وأما مع العلم بإرادتها وانتفاء وجودها فالحمل عليه ممنوع.
وكذا ضعف ما يقال: إنّ الرضى وقع على الجزئي، فالرضى به يستلزم الرضى بالكلّي، فإذا فات الجزئي بقي الكلّي الذي هو أحد الأمرين اللذين وقع عليهما التراضي؛ لمنع استلزام الرضى بالجزئي للرضى بالكلّي عند تعذره، فلعلّ في المشخّصات المخصوصة وفي المعين من الكلّي خصوصيّةً ملحوظة للإرادة، فلا يلزم من الرضى بها الرضى به.
وعلى هذا فما لا مثل له يحتمل الرجوع إلى ما يقال: إنّه مثل له، كالعبيد، والرجوع إلى قيمته؛ لأن القيمي أقرب الأشياء إليه نفس القيمة.
وهذا أيضاً ممّا يضعف القول به.
وقيل بلزوم مهر المثل قبل الدخول وبعده؛ للقصد إلى مهر، وامتناع ما عيناه بخصوصه، والكلّي غير مرادٍ لهما، فيرجع إلى مهر المثل (3).
وفيه: إنّ الرجوع إلى مهر المثل مفتقر إلى دليل وإلا فلا، وإن مهر المثل قد يزيد قيمةً على ما عيناه، فيؤخذ حينئذٍ ما قصدا عدمه، وقد ينقص فينقص ما أرادا وجوده، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «المهر ما تراضيا عليه» (1).
وقيل بلزوم قيمة غير الصالح للمهر (2)، كالخمر عند مستحليه؛ لأن المقصود في المهر المالية، فمع تعذر العين يصار إلى القيمة.
وفيه: إنّ الخمر لم تقصد عينه كي ينتقل إلى قيمته وإنّ ما لا قيمة له كالعبد فيبين حُرّاً لا يشمله قول ولا دليل.
والظاهر إن الرجوع هنا عند هذا القائل إلى مهر المثل أو قيمة العبد لو كان حُرّاً.
والمسألة لا تخلو من إشكال.
ولو أصدق الزوج لامرأته عبدين فظهر أحدهما حُرّاً، لم ينحصر الصداق في الآخر، بل يجب لها بقدر حصة الحرّ من مجموع المسمّى إذا قوما من مهر المثل، أو يجب لها قيمته لو كان عبداً، وجهان، وفي الأخير قوة.
تاسعها: يشترط ذكر المهر في نفس العقد أو متأخراً عنه، متصلاً به أو متقدماً عليه بحيث يبنى العقد عليه، ولا عبرة بغير ذلك.
ويشترط أن ينسب المهر إلى الزوجة، فلو نسبته لغيرها كما تقول: «زوجتك نفسي بألف لأبي» بطل المهر، إلّا إذا نسبته إليها، وأنه يوهب بعد ذلك لأبيها، فلا بأس.
ولو نسبت إليها مهراً وشرطت هي أو شرط لأبيها أو أخيها أو غيرهما شيئاً آخر، صح مهرها، وبطل ما شرطته لغيرها أو شرطه زوجها؛ لخبر الوشّاء عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لو أنّ رجلاً تزوّج امرأةً وجعل مهرها عشرين ألفاً وجعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزاً، والذي جعله لأبيها فاسداً» (3).
وإطلاق الخبر قاض بعدم الفرق بين وقوع الشرط لأبيها تبرّعاً محضاً، أو لأجل وساطته،
أو في مقابلة عمل محلَّل، ولا بين كون الشرط ممّا يؤثر تقليلاً في المهر أو لا يؤثر، ولا بين كون القادم على الشرط هو الزوجة، أو الزوج ابتداء منه، أو ولي الزوجة حين عقد على الزوج.
وكذا لا يصح اشتراط شيءٍ من المهر لغيرها، فلو شرطت شيئاً من مهرها لغيرها كان باطلاً، ولا يلتزم به الزوج.
ويمكن شمول الخبر المتقدم (1)له من غير تفاوت بين كون المشترط نفس الزوجة أو وليها، أو أخذه الزوج على نفسه لهما، أو اشترطه الزوج.
والمراد من الممنوع هنا هو أن يكون نفس المدفوع لغيرها من المهر ابتداء، فلو شرطت دفع شيء بعد استقراره مهراً لم يكن به بأس.
ويظهر من ابن الجنيد نقلاً (2)، وكذا من جملة المتأخرين (3): جواز اشتراط شيء من مهرها لغيرها؛ لعموم دليل الشروط (4)، ولأنّ المهر عائد إليها فلها أن تضعه حيث شاءت، فإن دخل لزمه دفع الكلّ، وإلا رجع بنصف الكل، وهو حسن.
وقد يناقش في صحّة المهر على ما ذكرنا أولاً؛ لأنّ الشرط إذا أدى إلى تقليل المهر لزعم الزوجة صحته كان الإقدام على ذلك القدر من جهة الشرط، فلو لم يسلم الشرط لم يسلم المهر.
وكذا قد يُمنع من صحّة الشرط لو وقع في مقابلة عمل محلَّل من الأب أو الأجنبي؛ لأنه عود جعالةً، ولا فرق بين وقوعها في عقد النكاح، وبين وقوعها في عقد آخر.
والظاهر إنّ هذا وأمثاله غير ممنوع، بل الممنوع هو دفع المال للأب أو لغيره في عقد النكاح لمجرد تزويج المرأة، والتسلّط على بضعها إما إرضاء للأب أو للتقرب إليه، أو إرضاء للزوجة، أو طلباً للاعتبار، أو نحو ذلك.
وهذا هو المتيقن من دليل المنع في الرواية، فيبقى الباقي على حكم الأصل.
عاشرها: لو تزوّجها على كتاب اللّه وسنّة نبيه مكتفياً بهذا اللفظ عن ذكر المهر فالمعروف بين الأصحاب انصرافه إلى مهر السنّة - وهو خمسمائة درهم - لظهور تعلّق «على»
بالمهر، وظهور أن مهر السنة كان كذلك، وظهور الأمر باتباع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الكتاب (1)، فيكون مهر السنة مذكوراً في الكتاب، ولفتوى المشهور والإجماع المنقول (2)، ولرواية أسامة بن حفص، الدالّة على أنّه له ذلك إذا مات عنها، أو لم يدخل بها (3).
والظاهر أنّ هذا الحكم مبني على الظاهر من اللفظ، فلو علم أن الزوجين لا يعرفان مهر السنّة، أو لا يعرف أحدهما ذلك، أو يعرفان ذلك ولكن لا يريدانه، بل يريدان مهراً مضمراً أو تفويضاً، أو علّقا «على» بـ «أتزوجك» مريدين أنّ الزواج على ذلك، لم يلزم الزوج مهر السنة في جميع ذلك، مع احتمال كون ذلك على جهة التعبد، ولكنه بعيد.
نعم، قد يقال مع جهلهما بالقدر: ينصرف إلى مهر السنة، ويغتفر فيه الجهالة؛ لإطلاق الرواية والإجماع المنقول.
ولو جعل لامرأته مهرين سرّاً وعلانية بعقدٍ واحدٍ أو عقدين، كان السابق منهما هو المهر، سواء سبق في عقد مستقل أو في عقد واحد، إلّا إذا تواطئا أن السابق صوري لا يراد، ونصبا على ذلك قرينة وقت العقد أو قبله من غير فاصل يُعتد به.
ولو تواطئا على مهر خاص وذكرا ما هو أرجح منه مريدين به ذلك الخاص مجازاً أو لحناً في الاستعمال بنصب قرينة حال العقد أو قبله من غير فاصل يُعتد به، كان الاعتبار بما قصداه لا بما أظهراه، سواء قلنا: إنّ اللغات توقيفية أو اصطلاحية.
ومَنْ بنى المسألة على ذلك فحكم ببطلان المهر على الأوّل وصحته على الثاني لم نرتض قوله، ولا نتبع رأيه.
نعم، لو تواطئا على أن الصداق ألف ثمّ يذكرا في العقد ألفين صورة ولكن لم يريدا بهما الألف،
فالظاهر أنّه يكون من قبيل العقد المجرّد عن المهر؛ لعدم ذكر الألف، ووقوع الألفين لغواً.
وفي خبر زرارة: رجل أسر صداقاً وأعلن أكثر منه، قال: «هو الذي أسر وكان عليه النكاح» (4).
وهو محمول على المعنى الأوّل أو الثاني، دون الأخير على الأظهر.
حادي عشرها: المهر مضمون على الزوج قبل قبضه كلاً أو بعضاً، فإن كان كليّاً فلا يتشخّص إلّا بقبضه، ولا كلام فيه، وإن كان معيّناً ضمنه الزوج بمثله أو قيمته، كضمان اليد من المقبوض بالسوم والمستعار، كما عليه فتوى المشهور لعموم دليل الضمان، كعموم «على اليد ما أخذت» (1)وصدق «وردوا الأمانات إلى أهلها» (2)عليه، ولا يضمن ضمان معاوضة، كما قد يحتمل من كلام جمع من الفقهاء (3)لأصالة عدمه؛ لأنه مؤد إلى انفساخ المهر، كتلف المبيع قبل قبضه، فإنّه يكون من مال بائعه.
وفي المسالك : فإنّه ينفسخ ويجب مثل المبيع أو قيمته (4).
وهو عجيب، وكأنّ أصلها «ولا» فنقصت، وكله خلاف الأصل.
ولجواز إعراء النكاح عنه، فلا يكون على حد المعاوضة، ولعدم انفساخ النكاح بتلفه أو برده، ولعدم سقوطه بمنعها نفسها إلى موتها، ولصدق اسم النحلة عليه، وما شابهها، ولعدم ضمان مقابله باستيفاء غير الزوج له، ولعدم ضمان مقابله بالتفويت غالباً، ولجواز التفويض فيه فيتقدّر بعد ذلك، ولاغتفار حلّ الجهالة فيه، ولعدم فساد العقد بفساده، ولتقديره بقدرٍ خاص على وجه الندب أو الإيجاب على قول، ولتنصيفه في الطلاق قبل الدخول، ولولا ذلك لكان إما ثابتاً كلّه أو فائتاً كلّه، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى من الأحكام المخالفة لقواعد المعاوضة.
ووجه ما احتمله جمع من أنّ ضمانه ضمان معاوضةٍ هو إطلاق الأجر عليه في الكتاب (5)، ودخول الباء عليه، وثبوت الخيار فيه، وإطلاق الثمن عليه فى الأخبار (6)، وجواز ردّه إذا كان معيباً، وجواز امتناعها عن الزوج حتّى تستوفيه.
وكلّها لا تصلح للاستدلال وإن صلحت لقيام الاحتمال.
ويتفرّع على الأوّل ضمانه عند تلفه بمثله أو قيمته.
1) سنن ابن ماجة :2 : 802، ح 2400: الجامع الصحيح 3: 566، ح 1266.
2) اقتباس من الآية 58 من سورة النساء (4).
3) كالمحقق الكركي في جامع المقاصد 13 : 350؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 8: 187؛ والفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 7: 408.
4) مسالك الأفهام 8: 188.
5) النساء (4) : 24.
6) وسائل الشيعة 21 : 281، الباب 22 من أبواب المهور، ح 2.
وعلى الثاني لزوم مهر المثل؛ لانفساخ المسمّى بتلفه.
وذكر الشهيد: إن مهر المثل هنا لم يذكروه وجهاً (1)، وهو دليل على اتفاقهم على الوجه الأوّل.
نعم، ذكر العلّامة (رَحمهُ اللّه) مهر المثل وجهاً فيما لو كان العقد على خل فبان خمراً (2)، وهو غير ما نحن فيه؛ لأنّ ما نحن فيه هو ما إذا صح المسمّى في ضمن العقد فتلف، لا فيما تبين فساده.
هذا إن تلف بآفة سماوية، وإن أتلفته المرأة فهو بمنزلة القبض، وإن أتلفه أجنبي تخيّرت بين الرجوع إليه وبين الرجوع على الزوج.
وإذا ضمن الزوج قيمة المتلوف وكان قيميّاً اعتبرت قيمته وقت التلف؛ لأنّه زمن الانتقال من وجوب تأدية العين إلى تأدية القيمة.
ويحتمل قيمته يوم العقد.
ويحتمل أعلى القيم ما بين العقد والتلف.
ويحتمل اختصاص هذا الاحتمال فيما لو طلبته المرأة فمنعه؛ لأنه يكون غاصباً فيؤخذ بأشق الأحوال.
ويحتمل قيمته يوم المطالبة.
ويحتمل يوم الأداء.
وكلّها مدخولة، عدا الأوّل.
وإن كان مثليّاً، فمثله، فإن تعذر المثل انتقل إلى القيمة يوم التعدّر.
ويحتمل يوم المطالبة.
ويحتمل يوم الأداء.
ويحتمل يوم التلف.
وكلّها مدخولة سوى الأوّل.
ثاني عشرها: إذا خرج المهر معيباً مع الجهل به قبل العقد أو قبل القبض وكان كلّيّاً، كان لها ردّه وإبداله؛ لعدم تشخصه للفردية، إلّا أن ترضى به معيباً، فإن رضيت به مجاناً
فلا كلام، وإن طلبت الأرش كان لها ذلك إذا امتنع إبداله، وإن لم يمتنع إبداله كان الخيار للزوج بين الإبدال وبين دفع الأرش.
وإن كان معيّناً وكان العيب قبل العقد ولم تكن عالمةً به، كان لها الخيار بين الإمساك مع الأرش وبين رده.
ومع رده فهل تثبت قيمته أو مهر المثل؟ فإن قلنا: إنّ ضمانه ضمان يد، ثبت الأوّل، وإن قلنا: ضمان معاوضة، ثبت الثاني.
وإن كان العيب بعد العقد قبل القبض كان لها الأرش قطعاً؛ لضمان جملته عليه، فيضمن أجزاءه. وفي الرد وجهان:
ظاهر جمع من أصحابنا (1): إنّ لها ردّه وأخذ قيمته أو مهر المثل.
وظاهر آخرين (2): إنّه ليس لها سوى قبوله مع الأرش؛ لأنّ ضمانه ضمان يد، وقد حصل العيب بعد دخوله في ملكها، فهو كنقصان العين المغصوبة.
وهو الأظهر؛ لأنّ المهر لو تلف بعد العقد كان للزوجة المثل أو القيمة، كما ذكرنا، فنقصانه ينجبر بالأرش.
نعم، لو كان ضمانه ضمان معاوضة بحيث ينفسخ المهر عند تلفه قبل القبض، كان للزوجة الخيار في الردّ؛ لأنّه يكون بمنزلة تبعيض الصفقة، كما لو وقع العيب قبل العقد.
ثالث عشرها: لو وجدت الزوجة المهر ملك الغير، فإن أجاز صح، ويدخل في ملك الزوجة ابتداءً، أو بعد دخوله في ملك الزوج آناً ما؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.
وفي رجوع المجيز على الزوج وجهان، ولا يبعد الرجوع؛ لأنّ إجازته له لا ترفع الضمان.
وإن لم يُجز ثبت لها مهر المثل.
ويحتمل قيمته إن كان قيميّاً، ومثله إن كان مثليّاً.
ويحتمل ثبوت الأوّل مع علمها بأنّه مال الغير، والثاني مع جهلها به، وهو قريب.
رابع عشرها: لا يجوز للزوجة الامتناع من تسليم بضعها للزوج؛ لأنه قد ملك السلطان عليه، وتعلّق حقه به، فلا يجوز مدافعته عن حقه؛ لأنه ظلم وعدوان نطق بالنهي عنه الكتاب (1)والسنّة (2)والإجماع، مضافاً إلى ما دلّ على وجوب حقوق الزوجيّة(3).
وكذا لا يجوز للزوج الامتناع عن تسليم المهر؛ لأنّ المهر قد ملكته بنفس العقد فيجب أداؤه، وإلا كان غاصباً أكلاً للمال بالباطل، وهو منهي عنه كتاباً (4)، وسنة (5)وإجماعاً.
ولو عصى أحد الزوجين فابتدأ بمنع حق الآخر، جاز للآخر الامتناع عليه بأداء حقه في الجملة على ما يجيء (6)إن شاء اللّه تعالى ولا عصيان منه ولا ضمان عليه، وذلك لأنّ النكاح له شبه في المعاوضة، ومن شأن المعاوضة جواز امتناع أحد المتعاوضين بعد امتناع الآخر، وكأنه حكم شرعي قضى به إطلاق المعاوضة، أو تعبدي أفتى به الأصحاب حتّى كاد أن يكون إجماعاً.
ويدلّ عليه فحوى قوله تعالى: (مَنِ اعْتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ) (7)وقوله تعالى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُها) (8)، وربما أشعر به ما دلّ على جواز المقاصة (9)، فإنكاره - كما أنكره بعض المتأخرين (10)- بعيد عن الصواب وظاهر الخطاب.
ويجبر الحاكم الممتنع من الزوجين ابتداء لدفع الحق فيدفعه، ويتولى تقبيض الآخر. أما لو كان امتناع أحدهما لعذر - كعجز أو إعسار - ففي جواز امتناع الآخر عليه وجهان: من إطلاق كلام الفقهاء بالجواز، وظهور إطلاق المعاوضة بالبناء عليه، ومما جاء من وجوب
1) المائدة (5) : 2.
2) وسائل الشيعة 12 : 278، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.
3) المصدر 20: 157 وما بعدها الباب 79 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه.
4) النساء (4) : 29.
5) وسائل الشيعة 25 : 385 - 386، الباب 1 من أبواب كتاب الغصب.
6) يأتي في ص 320 - 322.
7) البقرة (2) : 194.
8) الشورى (42) : 40
9) وسائل الشيعة :17 : 272 وما بعدها الباب 83 من أبواب ما يكتسب به.
10) راجع نهاية المرام 1 : 413 والحدائق الناضرة 24 : 461.
دفع الحق إلى أهله (1)، وعدم كون العذر عدواناً كي يقابل بمثله، غايته أنّه يكون كالدين، ويلزم فيه النظرة إلى ميسرة، ولا يبعد البناء على الأخير.
هذا كله إذا صدر منهما أو من أحدهما امتناع، أما لو لم يصدر ذلك وإنّما وقع بينهما تشاح في تقديم التسليم وعدمه، فطلب كلّ منهما تقدم صاحبه في التسليم، فالذي يظهر من إطلاق عقود المعاوضة ومن فتوى جواز امتناع كلّ واحدٍ منهما عن البدار بالدفع قبل دفع صاحبه مقابله حتّى لو تشاحًا فامتنع كلّ واحدٍ منهما لامتناع صاحبه لم يكونا آئمين، ولا ضمان عليهما.
والظاهر أن إنكار جواز ذلك - تمسكاً بوجوب دفع الحقِّ إلى أهله، وأن مَنْ ظُلم لا يظلم. فيجب عليهما التسالم دفعةً ولو على يد ثالث أو بالرجوع إلى الحاكم - وإن كان موافقا للاحتياط ولكنّه بعيد عن الصواب.
نعم، قد يقال: للحاكم أن يجبرهما على الدفع دفعةً واحدةً؛ لأنه منصوب لقطع النزاع والخصومة، سواء جاز لكلِّ منهما الامتناع لامتناع صاحبه، أو وجب عليهما التسالم دفعةً، مع احتمال جواز الإيقاف إلى أن يبادر أحدهما بالدفع فيجبر الآخر، واحتمال جبر الزوج على تقديم حق الصداق؛ لإمكان تدارك الفائت منه دون البضع؛ لعدم إمكان تدارك فائته، ولأنّ فائت الزوج لا يعجز عن استيفائه غالباً وفائت الزوجة تضعف عن استيفائه غالباً؛ لضعفها، ولجريان السيرة بتقديم المهر على استيفاء البضع غالباً، فينصرف إطلاق العقد للغالب.
ولخبر زرعة عن سماعة: عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها ثم جعلته في حل من صداقها، يجوز أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئاً؟ قال: «نعم، إذا جعلته في حلَّ فقد قبضته منه» (2)فيفهم منه أن تقديم المهر كان أمراً معلوماً ذلك اليوم.
وللأخبار الدالّة على أنّ ما يعطيها الزوج فتمكنه من الدخول قد استحلّ فرجها به:
كخبر أبي بصير: «إذا تزوّج الرجل المرأة فلا يحل له فرجها حتّى يسوق إليها شيئاً درهماً فما فوقه، أو هدية من سويقٍ أو غيره» (3)وهو ظاهر في أنّ ذلك لجلب رضاها من جهة عدم دفع المهر، وحمله على إرادة التزويج بعيد.
وكصحيح الفضيل: «فالذي أخذت من الزوج قبل أن يدخل بها حلّ للزوج به فرجها
قليلاً كان أو كثيراً، إذا هي قبضته منه وقبلت ودخلت عليه فلا شيء لها بعد ذلك» (1).
وكمفهوم الآخر: «إذا أهديت إليه ودخلت بيته ثم طلبت بعد ذلك فلا شيء لها» (2).
وكصحيح بريد: عن رجل تزوج امرأة على أن يعلمها سورةً من كتاب اللّه، فقال: «ما أُحبّ أن يدخل حتّى يعلمها السورة أو يعطيها شيئاً قلت: أيجوز أن يعطيها تمراً أو زبيباً؟ قال: «لا بأس بذلك إذا رضيت به كائناً ما كان» (3).
وكرواية أبي بصير، قال: تزوّج أبو جعفر [ امرأةٌ ] فزارها فأراد أن يجامعها فألقى عليها كساه ثم أتاها، قلت: أرأيت إذا وفّى مهرها أله أن يرتجع الكساء؟ قال: «لا، إنما استحل به فرجها» (4).
وهذا الأخير هو الأقوى والأحوط، وإن أمكن تطرّق المناقشة إليه بحمل الأخبار على الاستحباب دون الفرض والإيجاب؛ لما دلّ من الأخبار المتكثّرة على جواز دخول الزوج بامرأته من دون أن يدفع لها المهر أو شيئاً آخر (5)، وهي عدة أخبار معتضدة بظاهر فتوى المشهور، فيُجمع بينها بالاستحباب؛ لإمكان دفع هذه المناقشة بأن جواز الدخول بدون المهر مع رضاها لا ينكره أحد، فلتُحمل هذه الأخبار على وقوع الرضى منها، وتبقى تلك الأخبار على ظاهرها من إرادة المنع مع عدم الرضى إلّا ببذل المهر أو ما يقوم مقامه ممّا ترضى به.
وما ورد في تلك الأخبار من لفظ «لا يحلّ» (6)ولفظ «أنه يستحل فرجها به» (7)إما أن يبقى على ظاهره من الحرمة، فيكون إقدامه على الوطء حراماً، ولا بأس بالقول به، أو يُحمل على المبالغة في التحريض على الدفع وإن لم يكن حراماً؛ لعدم المنافاة بين جواز امتناع المرأة، وبين جواز وطئه لها.
وما يقال: إنّ الأخبار الآمرة بدفع شيء إنّما هي على وجه التعبد، فتقييدها بأن الدفع كان
1) وسائل الشيعة 21 : 260 الباب 8 من أبواب المهور، ح 13.
2) المصدر : 257 - 258، ح 8.
3) المصدر : 254، الباب 7 من أبواب المهور، ح 2.
4) المصدر : 292، الباب 33 من أبواب المهور، ج 1، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
5) راجع المصدر : 255 وما بعدها، الباب 8 من أبواب المهور.
6) راجع الهامش (3) من ص 318.
7) راجع الهامش (4).
لإرضائها؛ لأنّ لها حق الامتناع تقييد لا دليل عليه، فالجواب عنه: إن الجمع بين الأخبار مع ضميمة قاعدة المعاوضة من جواز امتناع كلّ من المتعاوضين عن التقدم بالدفع إلّا مع تقديم صاحبه ألزمنا بالقول بذلك، وجعلنا الترجيح في جانب تقديم المهر؛ لما ذكرناه من المرجحات.
وعلى كلّ حالٍ فهو خير من الجمع بالحمل على الكراهة؛ إذ لا دليل عليه.
ومن العجيب أن بعض أهل الأخبار قد خالف قواعده في هذا المضمار، فحمل الأخبار الآمرة بدفع شيءٍ للمرأة قبل الدخول على الندب، وأخذ بالقواعد الأصلية من لزوم دفع كلّ حق إلى صاحبه، وعدم جواز امتناع أحدهما؛ لامتناع الآخر (1). وهو كما ترى.
أحدها: لا يتفاوت الحال بين الامتناع عن كلّ المهر أو بعضه في جواز امتناع الزوجة إذا امتنع عن دفعه؛ لما ذكرناه من المرجحات السابقة، مع احتمال أن الزوجة لو أخذت بعضاً منه لم يكن لها الامتناع بعد ذلك؛ لفحوى بعض الأخبار المتقدمة (2).
ثانيها: لو كان الزوج معسراً لا يتمكن من المهر، فهل لها الامتناع أم لا؟ وجهان: من أنّها معاوضة ومن شأن المعاوضة عدم وجوب دفع أحد العوضين قبل دفع صاحبه العوض الآخر، ولا يتفاوت فيه الإعسار ولا الإيسار، غايته أنّ الإعسار رافع لإثم منع دفع المهر، لا موجب لبذل الزوجة نفسها، ولتحقق الضرر والإضرار بالمرأة؛ لتأدية بذل نفسها له إلى تثبيطه (3)عن الوفاء، ومن أصالة وجوب دفع الحق إلى أهله، ووجوب طاعة الزوجة للزوج ولزوم اتباعه والانقياد له خرج من ذلك ما لو كان موسراً فامتنع، وبقي الباقي تحت القواعد الأولية، ولأن الموسر يلزم (4)إنظاره في الدين، فمن البعيد أن يسوغ له الشارع التأخير ويسوّغ للمرأة المنع من دفع حقه بغير تقصير منه، ولأن الأخبار الآمرة بدفع شيء للزوجة (5)ظاهرة في الموسر القادر.
واحتمال أن البضع بيدها بمنزلة الرهن فلها منعه إلى تسليم حقها مفتقر إلى دليل، وليس فليس.
و احتمال قضاء عقد المعاوضة سيّما عقد النكاح - الذي هو ليس من المعاوضات الصرفة - بذلك حتّى مع الإعسار ممنوع.
وهذا الأخير أقرب للقواعد، كما أنّ الأوّل أقرب لفتوى الفقهاء.
ويمكن الفرق بين الإعسار المقارن للعقد فلها الامتناع، دون المتجدد فليس لها؛ لعدم تقصير الزوج حينئذٍ بوجه، كما يمكن الفرق بين علم الزوجة بالإعسار حين العقد فليس لها الامتناع، وبين عدمه فلها ذلك، لولا أن الفقهاء لم يذكروهما فرقاً.
ثالثها: لو امتنعت عن تسليم نفسها؛ لمكان امتناعه عن تسليم المهر مع إيساره، فالظاهر لزوم النفقة عليه؛ لتمكينها نفسها له عند تسليمها حقها وامتناعها لامتناعه حق ثبت لها وقد جاء من قبله، فلا ينافي التمكين الذاتي، والأصل لزوم النفقة على الزوج خرج من ذلك الممتنعة من التمكين لا لاستيفاء حقها، وبقي الباقي.
وأما مع الإعسار فوجهان: من انتفاء التمكين الذي هو شرط في وجوب دفع النفقة، ومن أنّه بحق وقد جاء الحق من قبله، فهي ممكنة بالذات وإن كانت ممتنعة بالعارض.
والأوّل أوجه؛ لعدم تقصيره في دفع الحق إليها، فيكون الامتناع إنما جاء من قبلها من دون مدخلية له فيه.
رابعها: المتيقن من جواز امتناع المرأة من تسليم نفسها عند امتناع الزوج من تسليم المهر هو ما إذا كان المهر حالاً، أما لو كان مؤجلاً كله أو بعضه فلا؛ لوجوب بذل المرأة نفسها هنا من غير معارض؛ لعدم استحقاقها شيئاً في ذمته يسوغ لها الامتناع فعلاً، وامتناعها للمتأخر كي يقدمه أو امتناعها إلى حلول الأجل كي يؤديه غير جائز فتوى وروايةً.
نعم، لو تأخرت عن التسليم لمانع شرعيّ أو عرفي أو عصياناً إلى أن حلّ الأجل، فهل لها الامتناع حينئذٍ لو طلبها الزوج لحلول حقها المقابل لبضعها، أو ليس لها؛ استصحاباً لما تقدم قبل الأجل، ولم يتغيّر الموضوع كي يرتفع الاستصحاب؛ لأنا نستصحب عدم جواز امتناعها من غير تقييد ببقاء الأجل أو حلوله، ولأنّ الأصل وجوب تمكين الزوجة، خرج منه الامتناع للمهر الحال أصالة وبقي الباقي؟ وجهان، ولعلّ الأخير أقوى.
خامسها: إذا دخل الزوج عليها برضاها من دون بذل المهر كلاً أو بعضاً، فليس لها الامتناع بعد ذلك؛ لإسقاط حقها، ولأنّ المتيقن من جواز الامتناع هو ما كان قبل الدخول، فيبقى الباقي على موجب الأصل، ولأنّ الأمر في المعاوضة دائر مدار تسليم العوض، والبضع هنا قد سلّمته بالدخول ولو مرّةً واحدةً، وتجدد استيفائه يوماً فيوماً لا ينافي تسليمه دفعة؛ إذ لا يعقل تسليمه إلّا على ذلك النحو من التسليم فهو كتسليم المنفعة في ضمن العين.
وقيل: لها الامتناع؛ لأنّ البضع ممّا يتجدد استيفاؤه يوماً فيوماً، فما لم يستوف يكون بمنزلة العوض الذي لم يسلّمه صاحبه، فيجوز لها الامتناع من تسليمه إلى أن تتسلّم المهر في مقابله، ونُسب القول به لجمع من أصحابنا (1)، وهو ضعيف.
ولو وطأها كرهاً أو غفلة أو نوماً، ففي سقوط حق الامتناع به أيضاً وجهان: من حصول الغرض به وترتب أكثر أحكام الوطء المصاحب للإذن عليه، كالعدة واستقرار المهر، ولأصالة وجوب بذل البضع، خرج منه حالة عدم الوطء مطلقاً، وبقي الباقي، ومن أنّ الوطء مع عدم الإذن بمنزلة العدم، سيما لو قلنا: إنّه محرَّم مع عدم الإذن، ولذلك لا نوجب النفقة على الزوج، فهو قبض فاسد فلا يترتب عليه أثر القبض الصحيح، ولاستصحاب جواز الامتناع، خرج الوطء مع الإذن، فيبقى الباقي، ولا يبعد البناء على الأخير.
سادسها: لو شرط عليها في ابتداء العقد عدم الامتناع منها لو امتنع عن تسليم المهر، ففي صحة الشرط ولزومه وجهان، ولا يبعد صحته.
سابعها: لو بذلت البضع ولكن لم يستوفه الزوج باختياره، لزمه بذل المهر قطعاً؛ لأنّ غاية ما يلزمها هو البذل، وأما الاستيفاء فأمره راجع إليه.
ولو كان ممنوعاً عن الوطء لمرض أو خوف أو نحوهما، فوجهان.
ولو كان المانع منها، كألم أو مرض ونحوهما، فكذلك، إلّا أن الأوجه: إنّ له الامتناع من تسليم المهر.
ثامنها: لو دفعه لها فمنعت نفسها، لم يكن له استرجاعه لوصول الحق إلى أهله فلا يعود.
تاسعها: لو كانت صغيرة وطلب الوليّ المهر، ففي وجوب إجابته وجهان.
1) نسبه إليهم المحقق الكركي في جامع المقاصد 13 : 354.
ولا يبعد عدم الوجوب؛ بناءً على إجراء حكم المعاوضة على عقد النكاح، كما هو المفروض في أكثر هذه الفروع؛ لعدم إمكان قبض البضع مع احتمال لزوم دفعه؛ لإقدامه على العقد عليها مع علمه بعدم إمكان وطئها، واحتمال أنّ الولي لو بذلها لاستيفاء بعض المنافع غير الوطء لزمه دفع المهر.
عاشرها: لو بذلت له القُبُل دون الدبر أو بالعكس كما لو كانت حائضاً، فالظاهر سقوط جواز الامتناع عن تسليم المهر واحتمال تنصيف المهر بالنسبة؛ للامتناع، بعيد.
حادي عشرها: لو كانا صغيرين، أو كان الزوج صغيراً، فالظاهر عدم وجوب بذل المهر لو طلبته الزوجة حتّى لو مكنت الكبيرة نفسها من الصغير بإدخال ذكره ولو بآلة، لعدم التمكين التام.
ثاني عشرها: لو دفع وليّ الصغير المهر فبلغ فهل له ارتجاعه إذا امتنعت؟ وجهان. وكذا لودفع ولي المجنون فعقل قبل الدخول.
ثالث عشرها: لو وطئ الزوج المجنونة أو الصغيرة، فالظاهر عدم اعتبار هذا الوطء، فلها أن تمنع نفسها بعد ذلك.
رابع عشرها: لو شرط عليها ارتجاع المهر بعد دفعه لو امتنعت قبل الدخول، أو شرطت عليه منع نفسها بعد الدخول لو امتنع عن بذل المهر، فلا يبعد فساد الشرط.
خامس عشرها: لا فرق في هذه الأحكام بين عقد الدائم والمتعة.
وفي مقاصتها إذا امتنعت من بذل نفسها؛ لامتناعه عن بذل المهر بقدر أيام امتناعها، وجهان.
سادس عشرها: لو وطأها وهي غير عالمةٍ بأنّ لها حق الامتناع فعلمت بعد ذلك، فالظاهر سقوط حق امتناعها، وجهلها ليس من الأعذار المسقطة لحكم الوطء.
سابع عشرها: لو أمهرها مهراً فاسداً، كان لها الامتناع حتّى يعطيها مثله أو قيمته أو مهر المثل.
ولو قلنا: لا يجب عليه شيء إلّا بالدخول، سقط حق الامتناع من قبلها.
ولو لم يسم لها مهراً، فحكمه كحكم المفوضة، كما سيجيء (1)إن شاء اللّه تعالى.
1) يأتي في ص 325.
وهو لغة (1): ردّ الأمر إلى الغير أو إهماله.
وشرعاً: ردّ أمر المهر من الزوجين أو ممن يقوم مقامهما، أو البضع إلى أحدهما أو إلى ثالث، أو إهمال ذكر المهر في العقد.
وتُسمّى المرأة مفوضة - بكسر الواو - لإهمال أمرها، أو لتفويض مهرها إلى الزوج أو الولي، ومفوضة - بالفتح - لتفويض أمر المهر إليها، أو لتفويض الولي أمر مهرها (2)لزوجها، فالتفويض قسمان: تفويض للبضع، وتفويض للمهر.
والأوّل هو إخلاء العقد عن ذكر المهر رأساً عمداً أو سهواً ونسياناً.
والثاني ذكره في الجملة وإيكال أمر تقديره إلى أحد الزوجين، أو غيرهما.
أحدها: لا خلاف بين أصحابنا في جواز إخلاء عقد النكاح عن ذكر المهر أصلاً، وينعقد نكاحاً، ولها مع الدخول مهر المثل على ما سيجيء (3)إن شاء اللّه تعالى.
ومع عدمه فإن فرض لها قبل الطلاق شيئاً فطلقها فلها نصف ما فرض، وإن لم يكن فرض فطلقها قبله فلها المتعة.
ولو مات عنها أو فسخ فلا شيء عليه قبله.
ويدلّ عليه قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيكُم إِن طَلَّقتُمُ النِّسَاءَ مَا لَم تَمَسُّوهُنَّ أَو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)(4)، فالمراد من نفي الجناح إلى إحدى هاتين الغايتين هو نفي المهر، بقرينة
إيجاب المتعة بعد ذلك في قوله تعالى: (وَمَتَّعُوهُنَّ) (1)وقوله بعدها: ﴿وَقَد فَرَضْتُم لَهُنَّ فَريضَةً فَنِصِفُ مَا فَرَضْتُم) (2).
وفي خبر عبد الرحمن في رجل تزوج امرأةً ولم يفرض لها صداقاً ثم دخل بها، قال: [ لها ] صداق نسائها» (3).
وفي آخر: فمات عنها أو طلقها قبل أن يدخل بها، ما لها عليه؟ قال: «ليس لها صداق، وهي ترثه ويرثها» (4).
وفي آخر: ولم يفرض لها صداقاً ؟ قال: «لا شيء لها من الصداق، فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها» (5).
ومثل عدم ذكر المهر اشتراط عدمه في الحال أو على وجه الإطلاق، فينصرف إليه.
أما لو اشترط عدم المهر في الحال والمآل احتمل صحّة العقد وبطلان الشرط، فتعود كالمفوّضة، أو يثبت لها مهر المثل ابتداء.
والمعروف بطلان الشرط والعقد؛ لمنافاته لمقتضى العقد، وهو الأظهر.
وفي الصحيح: «لا تحلّ الهبة إلّا لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأما غيره فلا يصلح له نكاح إلّا بمهر»(6).
ثانيها: لا يجب المهر بنفس العقد في المفوّضة، وإنّما يجب مهر المثل مع الدخول قبلاً أو دبراً؛ لإطلاق الأخبار (7)والإجماع.
وتجب المتعة مع الطلاق نفسه إذا كان قبل الدخول للكتاب (8)والسنّة (9)والإجماع.
1) البقرة (2) : 236.
2) البقرة (2) : 237.
3) وسائل الشيعة 21: 269 الباب 12 من أبواب المهور، ح 3 وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
4) المصدر : 334 الباب 59 من أبواب المهور، ح 1.
5) المصدر : 269، الباب 12 من أبواب المهور، ح 2.
6) المصدر : 274 - 275، الباب 19 من أبواب المهور، ح 1.
7) المصدر : 268 - 269، الباب 12 من أبواب المهور.
8) البقرة (2) : 236.
9) وسائل الشيعة 21 : 305 وما بعدها الباب 48 من أبواب المهور.
ولا يجب شيء قبل الدخول مع الفسخ للأصل، وظاهر الأصحاب، وكذا مع الموت؛ للأصل، وظاهر الأصحاب والأخبار (1)، إلّا أن يفرض لها قبل الدخول فريضة، فيلزم عليه ما فرضه مع الموت أو الفسخ ومع الطلاق يلزم عليه النصف، ويعود له النصف، كلّ ذلك لظاهر الأخبار وفتوى الأصحاب.
وفي الصحيح في المتوفّى عنها زوجها إذا لم يدخل بها: «فإن لم يكن فرض لها مهراً فلا مهر لها» (2).
والآخر عن المرأة تموت قبل أن يدخل بها أو يموت الزوج قبل أن يدخل بها، قال: «أيهما مات فللمرأة نصف ما فرض، فإن لم يكن فرض لها فلا مهر لها» (3).
ومفهوم الأوّل ثبوت جميع المهر بالموت، ومنطوق الثاني ثبوت النصف به، وسيجيء (4)الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.
وظاهرهما معاً أنّه مع الفرض يلتزم الزوج بما فرض، من غير فرق بين ما كان الفرض في العقد أو بعده، كما فهم الأصحاب، وفهمهم هو المانع من انصراف الفرض إلى ما كان في العقد فقط؛ لظهور ظهوره منه.
ثالثها: فرض المهر عائد إلى الزوج أو الزوجة، فلو تراضيا على معيّن قدراً وجنساً لزم. ولا يجوز لأحدهما الرجوع بعد الفرض؛ للأصل، وظاهر الفتوى، سواء كان ما تراضيا عليه بقدر مهر المثل أو أزيد أو أنقص.
وإن اختلفا فإن فرض الزوج أقل من مهر السنة والمثل ولم ترضَ به المرأة لم يلزم عليها. فإن تنازعا رجعا إلى الحاكم على أقوى الوجهين؛ لأنه المنصوب لقطع النزاع، وهو يتولّى الفرض، ويلزمه فرض مهر المثل إمّا مطلقاً أو ما لم يتجاوز مهر السنة، فيرد إليها، كما سيجيء (5)إن شاء اللّه تعالى.
وإن فرضه الزوج مساوياً لمهر السنة أو أزيد، احتمل لزومه عليها؛ لأنه لو فوّض إليها التقدير لما كان لها الزيادة عليه، وكذا الحاكم بناءً على ذلك كما سيجيء (1)إن شاء اللّه تعالى، واحتمل عدمه، واحتمل الرجوع إلى مهر المثل، فإن ساواه لزم، وإلا فلها ردّه.
وللمفوضة المطالبة بالفرض؛ لأنّه حقها، فلها المطالبة بتعجيله، كي تعرف ما تستحق من المهر بالموت أو الفسخ، فإن امتنع الزوج جبره الحاكم أو فرض عنه، فإن تراضيا على فرض الحاكم لزم عليهما، ولها الامتناع من تسليم نفسها إلى أن يحصل الفرض والدفع من الزوج. ولو فرض الزوج مهر المثل لزم؛ لإيكال الفرض إليه في الكتاب (2)، خرج ما دون مهر المثل فبقي الباقي.
ولو أبرأت المفوضة الزوج من المهر تفويضاً ومتعةٌ ومهر مثل مع الدخول لم يلزم إبراؤها.
ولو أسقطت حقها من الفرض، جاز له الدخول بدونه.
ولو أبرأته ما يفرضه قبل فرضه لم يجز، ويجوز لها تجديد المطالبة بالفرض بعد إسقاط حقها منه؛ لتجدّده، فلا يسقط كلّه على الأظهر.
ولو فرض لها مهراً فاسداً، طولب بالصحيح، فإن رضيت الزوجة بفرضه كان حكمه كحكم المهر الفاسد في ابتداء العقد على الأظهر.
ويحتمل بقاء استحقاق الفرض، ولا يؤثر رضاها في رفع الاستحقاق، وهو قوي.
ويجوز للأجنبي فرض المهر ودفعه إليها؛ لأنه بمنزلة ما لو دفع الأجنبي المسمّى عن الزوج، فإنّ للأجنبي أن يفي الغريم تبرّعاً، فإن طلقها الزوج قبل الدخول، فهل يعود نصفه للزوج، كما يعود نصف المسمّى المتبرع به إليه؛ لدخوله في ملكه، أو يعود إلى الأجنبي؛ لأنه دفعه ليقضي ما وجب لها، وبالطلاق سقط وجوب النصف، فيرجع ما سقط وجوبه إليه؟ وجهان، أوجههما الأول؛ لأنّه قضى ما وجب عليه ابتداء، ورجوع النصف تجدد بعد سقوط الحق لمكان الطلاق، فيستحقه الزوج.
ويحتمل أن الزوج لو طلقها قبل الدخول بطل فرض الأجنبي، وليس لها إلّا المتعة؛ لأنه ليس أصيلاً ولا وليّاً ولا وكيلاً، ولكنه (3)ضعيف.
رابعها: يصح التفويض من الوليّ على الأظهر، ويصح الفرض منه كذلك ولو بدون مهر المثل، ولكن مع الغبطة فيهما.
وهل للمولى عليه الاعتراض في المهر وتقديره بعد بلوغه؟ وجهان، ولا يبعد أنّه له لو نقص عن مهر المثل.
ويحتمل بطلان التفويض من الولي، وثبوت مهر المثل بنفس العقد، حتّى لو طلقها قبل الدخول كان لها نصف مهر المثل دون المتعة، ولكنه ضعيف.
ومع عدم الغبطة فلا يصح العقد من أصله.
ولو زوّج المولى أمته مفوّضةٌ فإن باعها قبل الدخول فأجاز المشتري كان التقدير إلى المولى الثاني والزوج، ويملكه المولى الثاني؛ إذ لا مهر قبل الفرض أو الدخول، وكذا لو أعتقها قبل الدخول فرضيت باستمرار النكاح؛ فإنّ تقدير المهر إليه وإليها، ويكون المهر لها. ويحتمل ضعيفاً أن المهر للمولى الأوّل؛ بناءً على أن ملك المفوضة للمهر بنفس العقد.
خامسها: إذا طلق الزوج المفوضة قبل الدخول وقبل الفرض، كان لها المتعة كما ذكرنا، ولا تثبت المتعة بغير الطلاق من فسخ أو موت أو لعان أو ردّةٍ أو خلع أو رضاع؛ للأصل.
وظاهر الآية (1)الاختصاص بالطلاق الواقع في مفوّضة البضع، وكذا ظاهر الأخبار (2)وكلام الأصحاب.
وأوجب بعض فقهائنا المتعة لكلّ فسخ من قبل الزوج فقط، أو من قبله وقبلها، دون ما كان من قبلها فقط (3). وهو ضعيف.
نعم، تندب المتعة في الطلاق قبل الدخول مطلقاً وإن لم تكن المطلقة مفوّضة.
والعبرة في قدر المتعة بحال الرجل كما هو نص الكتاب (عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقتِرِ قَدَرُهُ) (4)فالغني يمتع بالثوب المرتفع والدابة وعشرة دنانير، ومثل ذلك؛ لإطلاق النص.
وما ذكر في الخبر من الدار والخادم (1)فهو مثال.
والمتوسط يمتع بخمسة دنانير أو الثوب المتوسط، ويتمتع الفقير بدينار أو خاتم وشبههما.
وما في الخبر من الخمار والحنطة والزبيب والثوب والدراهم (2)فعلى التمثيل.
وقيل: الاعتبار بحال الزوجين معاً (3).
وقيل: بحال الزوجة (4)لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خبر الحلبي: «فليمتعها على نحو ما يمتع مثلها من النساء» (5).
والأظهر الأوّل، ولا ينافيه ملاحظة حالها؛ لاختلاف الأفراد، وتفاوت أفراد الوسط وأفراد القليل، فيعطي من تلك الأفراد ما يناسب حالها بحسب الإمكان، وثبوت الوسط بين الغني والفقير لا ينافي ما ذكر في الآية من الموسع والمقتر(6)لأنّ أعلى أفراد المقتر وأدنى أفراد الموسع يكون وسطاً، والمدار هنا عليه.
وفي التقسيم للثلاثة رواية مرسلة (7)، وأفتى بها مشهور الأصحاب.
وذهب بعض أصحابنا إلى لزوم عشرة دنانير على الغني، والخمسة على الوسط، والواحد على المعسر، أو قدرها من غيرها (8).
ولا أرى عليه دليلاً، والأخذ به أحوط.
وبالجملة، فالمقطوع به من الكتاب والسنّة هو وجوب المتعة للمطلقة قبل الدخول وقبل الفرض، وأنها من الواجبات المالية المتعلقة بالذمة، وأن قدرها مختلف بحسب اليسار والإعسار.
والظاهر أنها تخرج من أصل ماله بعد موته، كغيرها من التكاليف المالية.
ولو امتنع قاصته المرأة.
1) وسائل الشيعة 21 : 310، الباب 49 من أبواب المهور، ح 3.
2) المصدر : 308 - 310، ح 1 و 2 و 4.
3) الشيخ الطوسي في المبسوط 4: 295.
4) راجع المبسوط 4: 295.
5) وسائل الشيعة 21 : 307، الباب 48 من أبواب المهور، ح 7.
6) البقرة (2) : 236.
7) وسائل الشيعة 21 : 310 الباب 49 من أبواب المهور، ح 3.
8) المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 270.
ولو طلّق فقيراً فأيسر فالمدار على حال الطلاق مع احتمال أن المدار على حال الدفع فلا تجب بعد الدخول؛ للأصل.
وما ورد في ذلك وأنها تكون بعد الفراغ من العدّة (1)متروك، فلا يُحمل على الوجوب، بل يحمل على الاستحباب.
وأما نفس المدفوع فالكتاب والمعتبر من السنة مطلق، فيرجع بيانه إلى العرف، أو مجمل، فيرجع بيانه إلى الشرع.
وعلى كلّ حال فلا تزيد على ما في الأخبار بحسب القيمة، وإن اختلفت القيمة فهو اختلاف جزئي، والخيار فيه للزوج.
ولكن جملة من الأخبار مختلفة في بيانها بحسب النوع والمفهوم منها بقرينة اختلافها وفهم الفقهاء لها وعدم الاعتناء بتحديدها أنّ ذكر النوع الخاص من باب المثال، وليس المقصود نوعاً خاصاً، بل المقصود ما يُسمّى متعةً من الغنيّ بنسبة الغني ومن الفقير بنسبة الفقر على أن يدفع ما هو مذكور في الروايات أو ما شابهه بحسب القيمة، والخيار إليه في الدفع.
والأحوط مراعاة الزوجة أيضاً في المدفوع بأن يكون ممّا يناسب حالها في الشرف والضعة. وله التخيير في دفعها قبل الطلاق وبعده.
فما ورد في بعض الأخبار من الأمر به قبله (2)محمول على الندب؛ لعدم معارضته لما دلّ على أن المتعة حقٌّ للمطلقة (3)، فلا يجب إلّا بعد الطلاق، بل المدفوع قبل الطلاق لا يكون متعةً وإن ضمنته الزوجة كضمان المقبوض بالسوم، بل دفعها قبل الطلاق فيه تعريض بالمال للتلف.
ويظهر من إطلاق بعض الأخبار (4)، وجوب المتعة لكلّ مطلقة حتّى لو كان بعد الدخول وقد قبضت المهر.
ويؤيده إطلاق قوله تعالى: (وَمَتِّعُوهُنَّ) (5)بناء على رجوعها للمطلقات المطلقات، لا المقيدات.
ولكن المذهب هو الندب.
سادسها: للمفوّضة مهر المثل إذا دخل بها الزوج قبل الفرض، وعليه فتوى الأصحاب.
وفي الأخبار: [ مثل ] مهور نسائها (1).
والمراد بـ«مثلها» هو ما كان مثل المرأة في الجمال والشرف وصراحة النسب والسن والبكارة والعقل واليسار والعفّة والأدب والتدبير وسياسة الزوج وحسن الطالع ويمن الأقدام وكثرة الولادة وحسن التبعل وزيادة التديّن وقوّة الفهم واعتدال السليقة ولطف الطريقة والاستقامة في الأمور والأمانة والشفقة على الزوج والصيانة لعرضه وكتمان سره، إلى غير ذلك، وأضدادها في مقابلها بالنسبة إلى الضعة.
وذكر الأصحاب ممّا ذكرناه جملة.
والمراد بـ «نسائها» أقاربها من العصبات، وهُنّ مَنْ تقرّبن إليها من طرف الأب، كالأخوات والعمات والجدات، كما صرح به جمع من أصحابنا (2)حيث إنّ العبرة في الشرف بالآباء دون الأُمهات، ولأنّ الولد ينسب إلى أبيه وقبيلته وعشيرته، وهو مَنْ تقرب إليه بالأب، وأمّا الأُمّ ومَنْ تقرب إليها فهم ينسبون إلى آبائهم وعشيرتهم، فلا ربط لهم بمَنْ تولّد من الأم، ولا ربط له بهم.
ويظهر من جملة - ونُسب للمشهور (3)- من أن المراد بالنساء ما يعم المتقرب بالأُم؛ لأنه جمع مضاف، وإضافته لأدنى ملابسة، فيصدق على جميع من لابسها من أقاربها من طرف الأم أو الأب، ولصدق اسم «نسائها» على المنسوب إليها من الطرفين عرفاً.
وهو قوي، إلّا أن الأوّل أقوى؛ لدوران الأمر في المهر مدار العز والشرف؛ لأن المرأة تدعي وتطالب وتفتخر بما عليه أهلها، والمتقرب بالأُمّ لها ليس من أهلها.
ولنا أن نمنع عموم لفظ «نسائها ونرميه بالإجمال، فنأخذ بالمتيقن منه، وهو المتقرب لها بالأب.
ويظهر من بعض الأصحاب(4)، أنّ المتقرب بالأُمّ مرتبة بعد فقدان مرتبة المتقرب بالأب.
ولا دليل عليه، إلّا أن يقال: إنّ الشارع قد لاحظ الأقارب في المهر في الجملة، فمع انتفاء أقارب الأب لوحظت أقارب الأُمّ.
أو يقال: إنّ العام إذا لم يؤخذ بعمومه واقتصرنا به على فرد من أفراده لمقتض جاز لنا عند انتفاء ذلك الفرد الرجوع إلى الفرد الآخر؛ لأنه أقرب الأشياء إليه، وما لا يُدرك كله لا يُترك كله.
وكلاهما كما ترى، إلّا أنّه موافق للاحتياط في بعض المقامات.
وعلى كلّ حال فالجمع بين الرجوع إلى مهر المثل - كما في كلام الأصحاب - والرجوع إلى مهر نسائها كما في الأخبار - يقتضي أن مهرها هو مهر أمثالها من نسائها، لا مهر أمثالها بحسب صفاتها وإن كُنّ من صنفٍ آخر أو نسب آخر أشرف أو أدنى.
واعتبر بعض الأصحاب (1)كون أمثالها من نسائها التي في بلدها؛ لتفاوت البلاد في المهور.
وهل المراد ببلدها الساكنة فيه، أو الحالة فيه وقت العقد؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.
ولو لم يكن للمرأة أقارب اكتفي بمهر أمثالها من أهل بلدها، ولو لم يكن لها بلد اكتفي بمهر أمثالها من أي بلدٍ، فلو اختلفت أمثالها من نسائها أو مطلقاً في قدر المهر أُخذ الأكثر. فإن تساويا كانا مهرين، ويتخيّر بينهما.
وشرط جمع من أصحابنا (2)في مهر المثل أن لا يتجاوز السنة، وهو خمسمائة درهم، ونُسب (3)للأكثر ؛ لأنّ النساء لا يقاربن بنات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في جميع الخلال حسباً ونسباً، ومهرهنّ مهر السنة.
ولخبر المفضل: «فمَنْ زاد على ذلك ردّ إلى السنة، ولا شيء عليه أكثر من الخمسمائة درهم» (4).
وخبر أبي بصير: عن رجل تزوج امرأةً فوهم أن يسمّي صداقها، قال: «السنّة، والسنّة خمسمائة درهم» (5).
وهما ضعيفان سنداً ودلالةٌ لظهور الأوّل في تسمية المهر، وظهور الثاني في نسيان الصداق، وهما غير ما نحن فيه.
وأما مهر بنات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلم يكن مناسباً لهنّ، وإنما كان صدوره منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كصدور حجر المجاعة، وترك الدنيا، وحمل أهله على تركها لا يدلّ على لزوم حمل أُمته عليها، ومع ذلك فلا يبعد الأخذ بإطلاق الروايتين؛ لشمول إحداهما وإشعار الأُخرى بمفروض المسألة، مع انجبار ضعفهما بفتوى المشهور.
نعم، يقتصر في ذلك الحكم على المفوضة؛ لحكم الأكثر فيها بذلك، فلا يسري إلى مهر المثل الثابت من جهة فساد المهر أو وطء الشبهة أو الإكراه، أو نحو ذلك، مع احتمال السراية؛ لكشف مهر بنات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لها عن انتهاء قيمة البضع إلى ذلك، ولكنه ضعيف.
ويراعى مهر المثل حال الوطء لا العقد مع احتمال ذلك؛ لأنه سبب ثبوته.
وقد يختلف مهر المثل بالنسبة إلى المراعاة كما إذا كان أمثالها ينقصن المهر إذا أخذن الشرفاء أو الأقارب كان حكم مهر المفوضة ذلك.
سابعها: يجب مهر المثل في غير المفوّضة بالوطء، ويراعى فيه جنس الوطء وإن تعدّد؛ لأنّ مهر المثل يدور مدار وقوع نفس الوطء، اتحد أو تعدد، كما يقضي به العرف والشرع، إلّا مع الإكراه، فالأظهر تعدّد المهر بتعدد الإكراه، مع احتمال عدمه، وكذا لو تعدّدت الشبهة، فتعدّد الوطء بتعدّدها، فالأظهر التعدّد أيضاً؛ لأنه بمنزلة نكاحين ووطئين.
ولو كان عادة مهور أمثالها اشتمالها على التأجيل سقط بمقدار ما يخص الأجل من نفس المهر، وكان لها الباقي؛ لأنّ مهر المثل لا يقبل الأجل؛ لأنه من مقتضيات الألفاظ، فلا يقع في مهر المثل قهراً.
نعم، قد يقع بالفرض عند تراضيهما عليه.
ويعتبر مهر المثل في المفوضة حال العقد، فيلاحظ أمثالها في ذلك الوقت، بخلاف غير المفوّضة من الموطوءة شبهة أو إكراها أو بمهر فاسد، فإنه يلاحظ وقت الوطء.
ولو تكرّر الوطء في الشبهة الواحدة لزم مهر واحد، إلّا أنّه يلاحظ الأعلى ما بين الوطء الأوّل والأخير.
وقد يقال: إن اعتبار مهر المثل في المفوضة أيضاً بحال الوطء؛ لعدم تملكها المهر بنفس العقد، فلا يلاحظ حال العقد غاية الأمر أنّ المفوّضة ملكت في العقد إن تملكت واستحقت إن تستحق؛ ولذا جاز لها الامتناع من تمكين نفسها قبل الفرض، وذلك لا يقضي بضمان الزوج المهر ذلك الوقت، إلّا أنّه خلاف ظاهر مَنْ عثرنا عليه من الأصحاب، وكأنه بناء منهم على أن المهر في المفوضة له ربط في العقد؛ حيث إنّه السبب في تمليكها إن تملك، وله ربط في الوطء، فيلاحظ التقويم حال العقد، ولا يستقر إلّا بالوطء، فالوطء يستقر به ملك مهر المثل، ويثبت في العقد متزلزلاً، فإن مات أو فسخ أو طلّق انتفى، وإن دخل استقر، أو أن الدخول كاشف عن ثبوته ابتداءً، وعدمه كاشف عن عدمه.
وربما يسري ذلك إلى كلّ. ذلك إلى كلّ مهر فاسد فيقال بلزوم قدر مهر المثل فيه حين العقد، وكذا في جواز منع المرأة نفسها عن الدخول بها قبل قبض مهر أمثالها؛ لأن المسمّى وإن بطل ولكنّها ملكت إن تملك، فلها الامتناع، وهو قوي.
ولو دخل في المفوّضة ولم يسم لها شيئاً مطلقاً إلّا أنّه قدّم لها قبل الدخول مالاً فقبضته، قيل : كان ذلك مهرها قهراً، إلّا أن تبين له قبل الدخول أنّها لا ترضى به مهراً (1)، ونُقل عليه الإجماع (2).
وللصحيح فيمن تزوج امرأةً فأولدها ثم مات عنها، فجاءت تطلب شيئاً من الصداق وتدعي ميراثاً، قال: «أمّا الميراث فلها أن تطلبه، وأمّا الصداق فالذي اتخذت من الزوج قبل أن يدخل بها هو الذي حلّ للزوج فرجها، قليلاً كان أو كثيراً، فإذا هي قبضته منه وقبلته ودخلت عليه فلا شيء لها بعد ذلك» (3).
وقد يقدح في الإجماع بمخالفته القواعد، وعدم تسليم الأصحاب له، وفي الرواية: بإرادة أنها قبلته مهراً.
وقد يُنزل ذلك على ما هو في العرف من أنّ المقدم هو المهر، فإذا قبلته كان هو مهرها على ظاهر الحال.
ثامنها: من التفويض ما يُسمّى تفويض المهر، وهو أن يذكر المهر في الجملة، ويوكل تعيينه إلى أحد الزوجين معيّناً، أو إلى أحدهما مبهماً، أو إليهما جميعاً ومجتمعاً، أو إلى أجنبي منفرداً ومجتمعاً مع أحدهما أو مع كلّ منهما.
والظاهر أنّه تحكيم لا توكيل، وتفويض لا استنابة، فلا يجوز عزل الحاكم بعد جعله حاكماً، ويلزم متابعته، إلّا إذا شرطا عزله فللمشترط عزله حينئذٍ؛ لمكان الشرط.
ويدلّ على جواز جعل الحكم لمن ذكرناه الأصل، وعموم «المؤمنون عند شروطهم» (1)وقوله تعالى: (أَوْفُوا بِالعُقُودٍ) (2)، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «المهر ما تراضيا عليه» (3)وجواز تقدير المهر في مفوّضة البضع في جميع ما ذكرنا، فهذا أولى؛ بناءً على جواز الفرض من الأجنبي فيها، كما تقدم (4).
ويدلّ على خصوص الزوجين الأخبار (5)وفتوى الأصحاب، والظاهر أنّه إجماعي، إلّا أن الحكم إن كان للزوج مطلقاً كان له التقدير مطلقاً قليلاً أو كثيراً، ولا يتقدر عليه بقدر حتّى لو كان دون مهر المثل، وإن كان للزوجة مطلقاً لم يمض حكمها بما فوق مهر السنة.
ويدل على الحكمين الإجماع المنقول (6)نصاً على الأخير، وظاهراً على الأوّل.
والخبر الصحيح، قال: «فإن طلقها وقد تزوجها على حكمها لم تتجاوز بحكمها عليه أكثر من وزن خمسمائة درهم، فهو مهر نساء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (7).
والآخر عن زرارة: سأله عن رجل تزوج امرأة على حكمها، قال: «لا تتجاوز بحكمها مهر نساء آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، اثنتي عشرة أُوقية ونشاً، وهو وزن خمسمائة درهم من الفضة» قلت: أرأيت إن تزوجها على حكمه ورضيت؟ قال: «ما حكم من شيء فهو جائز لها، قليلاً كان أو كثيراً» قال: قلت: كيف لم تُجز حكمها عليه وأجزت حكمه عليها؟ فقال: «لأنّه حكمها فلم
1) وسائل الشيعة 21 : 276، الباب 20 من أبواب المهور، ح 4.
2) المائدة (5) : 1.
3) وسائل الشيعة 21 : 240. الباب 1 من أبواب المهور، ح 3.
4) تقدم في ص 327.
5) وسائل الشيعة 21 : 278 - 280، الباب 21 من أبواب المهور.
6) الخلاف 4 : 380 - 381 المسألة 21؛ السرائر 2 : 593.
7) وسائل الشيعة 21: 279 الباب 21 من أبواب المهور، ح 2.
يكن لها أن تجوز ما سنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتزوج عليه نساءه، فرددتها إلى السنة، ولأنها هي حكمته وجعلت الأمر في المهر إليه، ورضيت بحكمه في ذلك، فعليها أن تقبل حكمه قليلاً كان أو كثيراً» (1).
قيل: ولا غبار على ما أبدى من الفرق كما توهم، فإنّ للمهر في الكثرة حداً مسنوناً دون القلة (2).
وهو حسن، وللنساء طمع قصره الشارع، وأطلق حكم الرجل، وهو من باب تفضيل الرجال على النساء.
والمراد بالنهي في الخبرين عدم مضي الحكم من الزوجة، لا التحريم.
ولو شرطت الزوجة على الزوج أن لا يقصر حكمه عن مهر المثل، أو شرطت عليه أن لها أن تتجاوز مهر السنة كان لها ذلك؛ لعموم أدلّة الشروط.
والظاهر أنّ إطلاق الشرط للأجنبي أيضاً مقصور على أن لا يتجاوز مهر السنة إلّا إذا نصا على الإطلاق.
ويحتمل أيضاً أن عليه أن لا يقصر عن مهر المثل؛ لأنه بمعنى الوكالة، ولكنه ضعيف.
ويحتمل أنّ الأجنبي إن حكمته المرأة لزم عليه الأوّل، وإن حكمه الرجل لزم عليه الثاني، وإن حكماه لم يلزم عليه شيء.
وقد ورد في الصحيح عن الرجل يفوَّض إليه صداق امرأته فينقص عن صداق نسائها، قال: «يلحق بمهر نسائها» (3).
وهو محمول على الندب؛ لعدم مقاومته للأخبار الدالّة على أن الأمر إليه مطلقاً، المعتضدة بفتوى الأصحاب، وظاهر الإجماع المنقول.
وإذا أوكلت الزوجة التقدير في المهر إليها وإلى الزوج معاً فاختلفا، أوقف الأمر إلى أن يصطلحا باختيارهما، واحتمل الرجوع إلى مهر المثل؛ لعدم إمكان التقدير حينئذٍ، واحتمل الرجوع إلى الحاكم فيقدر بنظره، ولكن لا يزيد عن مهر السنّة لا ينقص عن مهر المثل، كما أنّ الأمر لو كان لأحدهما وأجنبي معهما فاختلفا.
ولو كان الأمر للأجنبي فقط، لزمه أن لا يزيد عن مهر السنة ولا ينقص عن مهر المثل إلّا أن يصرحا له بالتعميم.
ويحتمل أنّ له الفرض مطلقاً؛ لأنه تحكيم لا توكيل.
ولو طلّق الزوج الزوجة قبل الفرض والدخول ألزم مَنْ له الحكم به، وثبت لها النصف، ولو طلّقها بعد الدخول فكذلك، وثبت لها الكلّ، ويشعر به صحيح محمد بن مسلم، المتقدم (1).
ولو امتنع من شرط الحكم عليه عن الحكم، فإن أخذ الحكم شرطاً على أحد الزوجين ألزم به، فإن أصر جبره الحاكم، فإن لم يمكن تولّى الحاكم الفرض، وليس له أن يزيد على مهر السنة ولا ينقص عن مهر المثل، مع احتمال أنّه لو كان الحكم للزوج جاز للحاكم أن ينقص عن مهر المثل؛ لأنه قائم مقامه.
ولو كان الحكم للزوجة فامتنعت عن فرض ما لا يزيد عن مهر السنة بل فرضت فوق مهر السنة ألزمت بفرض آخر، أو تولّى الحاكم الفرض عنها، أو ردّت إلى مهر السنة، وجوه، ولا يبعد الأخير.
وإن لم يؤخذ الحكم شرطاً جاز للحاكم الحكم، وجاز له الامتناع، فإذا امتنع فلا يبعد ثبوت مهر المثل.
ولو مات الحاكم قبل الحكم وقبل الدخول فلها مهر المثل؛ لاستحقاقها المهر بالعقد ولم يتعيّن، فلها قيمة البضع، ولا قائل بأن لها أقل ما يتموّل.
وذهب جمعٌ من أصحابنا (2)إلى وجوب المتعة، ونُسب للأكثر (3).
ويدلّ عليه صحيح محمد بن مسلم في رجل تزوج امرأةٌ على حكمها أو على حكمه فمات أو ماتت قبل أن يدخل بها، قال: «لها المتعة والميراث، ولا مهر لها» (4).
و لعدم إخلاء العقد عن المهر في الجملة، ولا مسمّى؛ لعدم التسمية، ولا مهر المثل؛ لعدم الدخول، فلا بد من المتعة؛ إذ لا رابع، بخلاف مفوّضة البضع، فإنّها أقدمت على أن لا مهر لها، فلا يثبت لها شيء.
وقدح بعضهم في دلالة الصحيح؛ لاحتمال أن الموت كان من المحكوم عليه لا من الحاكم، ولاختصاص الجواب فيه بموت الزوج؛ إذ لو ماتت لم يكن لها ميراث، ولا تتم المقايسة بإيجاب المتعة لها والميراث له (1).
وأجيب عن الأوّل بأنه لا جهة لثبوت المتعة للمحكوم عليه مع بقاء الحاكم؛ لانعقاد النكاح على حكمه، والمؤمنون عند شروطهم، فإذا كان باقياً كان له الحكم، ولا أثر لموت المحكوم عليه، كيف وقد نص في الخبر بعدما ذكر أنّ له الحكم مع الطلاق القاطع لعلاقة الزوجيّة بخلاف الموت، فلا بد من الحمل على موت الحاكم؛ جمعاً بين طرفيه وبينه وبين الأصول.
وعن الثاني بعدم الفارق بين الموتين (2).
وفي السرائر أنّه ليس للمرأة شيء كالمفوضة، أما المهر فلما مرّ، وأما المتعة فللأصل، واختصاصها بالطلاق (3).
وهو حسن على مذهب مَنْ لا يرى العمل بأخبار الآحاد ولكن لما كانت الرواية صحيحة والأصحاب قد عملوا بها فلا مناص عن الأخذ بها.
وكأن كلام ابن إدريس مبني على أن عدم الحكم يكون كاشفاً عن عدم المهر من أصله؛ لأن المهر حينئذٍ ما يحكم به فلان فمع عدم حكمه انكشف عدم المهر.
أحدها : المعروف بين أصحابنا، بل المجمع عليه بينهم أن المهر يستقر بالدخول على الزوجة، فإذا لم يدفعه كله إليها أو بعضه كان غير المدفوع ديناً عليه ما لم تبرئه عنه.
ويدلّ [ عليه ] الكتاب (1)والسنّة (2)والاستصحاب، والأخبار الواردة فيمن يتزوج المرأة ولا يعطيها شيئاً أنّه يكون المهر ديناً عليه كثيرة جداً.
ويؤيدها الأخبار الكثيرة أيضاً الدالّة على مَنْ تزوّج ولم يَنْوِ دفع المهر إلى زوجته فهو زان، وأن من تزوج ولا يجعل في نفسه أن يدفع المهر فهو زني، وأن الصداق هو الذي يستحل به فرجها وأنه بدونه يكون زانياً، وأنّ المرأة بائعة نفسها وأنّ الرجل مشتري ولا يكون البيع بغير ثمن ولا الشراء بدون دفعه (3).
ونقل عن بعض أصحابنا أن الزوج إذا دخل بامرأته هدم صداقها (4)، وفي الأخبار أيضاً ما يدلّ عليه وإن اختلفت :
فمنها ما يدلّ على أنّه بعد الدخول والرضى بالزوج ليس لها شيء سوى قبضته منه قليلاً كان أو كثيراً (5).
ومنها ما يدلّ على أنّ الزوج إذا دخل بالمرأة هدم دخوله العاجل (1)، وهي كثيرة.
ومنها ما يدلّ على أنّه إذا دخل بها فلا مهر لها (2).
ومنها: أنّه لو كان مهرها خمسمائة درهم ودخل بها قبل أن تستوفي صداقها هدم الصداق فلا شيء لها، إنّما لها ما أخذت من قبل أن يدخل بها، فإذا طلبت بعد ذلك في حياةٍ منه أو بعد موته فلا شيء لها (3).
ومنها ما يدلّ - كالصحيح - على أنّ المرأة والرجل إذا هلكا فادعى ورثة المرأة على [ ورثة ] (4)الرجل الصداق، قال: «ليس لهم شيء» وكذا لو كانت المرأة حيّة فادعت على ورثة الرجل الصداق، قال: «ليس لها شيء، وقد أقامت معه مقرّة حتّى هلك زوجها» وكذا إن ماتت وهو حي فجاء ورثتها يطالبون، وقد أقامت معه حتّى ماتت لا تطالبه، قال: «نعم، لا شيء لها» وكذا لو طلقها وقد أقامت معه لا تطالبه بصداقها فجاءت تطالبه «فلا شيء لها» قلت: فما حد ذلك الذي إذا طلبته [ لم يكن ] (5)لها؟ قال: «إذا أُهديت إليه ودخلت بيته ثم طلبت بعد ذلك فلا شيء لها، أنّه كثير لها أن يستحلف بالله تعالى ما لها قبله من صداقها قليل ولا كثير» (6).
ومنها ما يدلّ على أنّ الزوج إذا دخل بامرأته فادعى الزوج دفعه إليها فأنكرت كان القول قوله، وعليه اليمين، وعليها البينة (7).
وهذا القول مع ما دلّت عليه من الأخبار مخالف لأصول المذهب ولظاهر اتفاق الأصحاب وللأخبار المعتضدة بفتوى المشهور، بل المجمع عليه، فلا بد من الإعراض عنه وعنها.
نعم، قد يُحمل بعضها على أن العرف ذلك اليوم أنّ المرأة إذا دخلت على الزوج وأقامت معه ورضيت به فهو دليل على إسقاط حقها وإبرائها ذمّته، فيكون بمنزلة الفعل الدال على الإبراء، ويقوم الفعل هنا مقام القول.
1) وسائل الشيعة 21 : 256 - 257، الباب 8 من أبواب المهور، ح 4 - 6.
2) المصدر : 261، ح 15.
3) المصدر، ح 14.
4) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
5) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطيّة: «كان». والمثبت كما في المصدر.
6) وسائل الشيعة 21 : 257 - 258، الباب 8 من أبواب المهور، ح 8.
7) المصدر : : 257، ح 7.
وأما الحكم بالسقوط التعبدي فهو ساقط لا يلتفت إليه.
وقد يُحمل بعضها على المفوّضة إذا قدّم لها الزوج شيئاً فرضيت به فدخل عليها، كغيرها من الأخبار الدالّة على ذلك، وحكمها حكمها.
وقد يُحمل بعضها على أنّه ليس لها شيء بمجرد دعواها، فيطلب منها البينة، وعلى الزوج اليمين؛ لأنّ الظاهر أنّه إذا دخل بها وأقام معها ولم تطالبه أنّه قد دفعه إليها أو أبرأته منه، وهو مضمون الخبرين الأخيرين.
وهو حسن لولا إعراض الأصحاب عن الحكم بذلك، وإجراء حكم دعوى الزوجة المهر على الزوج مجرى سائر الدعاوي، من أنّ البينة على المدّعي وهو الزوج، واليمين على مَنْ أنكر وهي الزوجة.
ودعوى أن الظاهر الدفع أو الإبراء ممنوعة.
وحمل بعض المتأخرين (1)الأخبار على سقوط العاجل دون الآجل، كما يظهر من بعضها، حيث اشتملت على القسمين، وهدمت العاجل جمعاً بين هذه، وبين الأخبار الدالّة على عدم الهدم والسقوط.
وهو كما ترى مخالف لما قدمناه من الأدلّة، وينافيه بعض الأخبار أيضاً الدالّة على اتحاد المهر، وأنه كله عاجل ويهدمه الدخول (2)، والأولى اطراح هذه الأخبار، أو حملها على التقية.
ثانيها: الأشهر والأظهر والأقوى أنّ الموجب لاستقرار المهر هو الوطء الموجب للغسل قبلاً أو دبراً، وكاد أن يكون ذلك إجماعاً، ومفهوم الكتاب (3)شاهد عليه؛ لأن المسيس فيه لا يراد حقيقته، فهو إما مجمل أو مطلق بحكم المجمل؛ للإجماع على عدم إرادة ظاهره، وأنّ الداخل أكثر من الخارج، فيقتصر فيه على اليقين، والأخبار ناطقة به:
ففي الخبر المعتبر: «إذا التقى الختانان وجب المهر والعدّة» (4).
وفي آخر مثله بزيادة: «والغسل» (1).
وفي ثالث: «إذا أولجه» وفيه: وجوب المهر (2).
وفي رابع: «لا يوجب الصداق إلّا الوقاع» (3).
وفي خامس: «لا يوجب المهر إلّا الوقاع في الفرج» (4).
وفي سادس : متى يجب المهر؟ قال: «إذا دخل بها» (5).
وفي سابع: عن رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه فأغلق الباب وأرخى الستر وقبل ولمس من غير أن يكون وصل إليها بَعْدُ ثمّ طلّقها على تلك الحال؟ قال: «ليس عليه إلّا نصف المهر» (6).
إلى غير ذلك.
ونقل عن الشيخ: أن المهر يجب بالخلوة ظاهراً إلّا إذا ثبت شرعاً عدم الوطء، وأما باطناً فلا يجب إلّا بالدخول، ولها النصف مع عدمه في الباطن (7).
ونُقل عن الصدوق (رَحمهُ اللّه) : أنّ الخلوة توجب المهر كملاً كالدخول (8).
ونُقل عن ابن الجنيد (رَحمهُ اللّه) : أنّ المهر يجب بالجماع، وبإنزال الماء بدونه، وبالنظر إلى العورة ولمسها، وتقبيل المرأة متلذذاً (9).
والكلّ ضعيف لا يقاوم ما قدمنا.
نعم، في الأخبار ما يدل على قول الشيخ (رَحمهُ اللّه).
كقوله(عَلَيهِ السَّلَامُ) في خبر زرارة: «إذا تزوّج الرجل المرأة ثمّ خلا بها وأغلق عليها باباً وأرخى ستراً ثمّ طلّقها فقد وجب الصداق، وخلاؤه بها دخول» (10).
1) وسائل الشيعة 21 : 319 الباب 54 من أبواب المهور، ح 4.
2) المصدر : 320، ح 5.
3) المصدر : 321، الباب 55 من أبواب المهور، ح 1.
4) المصدر : 320 الباب 54 من أبواب المهور، ح 6.
5) المصدر، ح 7.
6) المصدر : 322 - 323 الباب 55 من أبواب المهور، ح 5.
7) النهاية : 471؛ ونقله عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 155، المسألة 82.
8) المقنع : 327؛ ونقله عنه العلّامة الحلّى في مختلف الشيعة 7 : 156 - 157، المسألة 82.
9) نقله عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 156، المسألة 82.
10) وسائل الشيعة 21 : 322 الباب 55 من أبواب المهور، ح 3.
وفي رواية الحلبي مثله (1).
وفي ثالث مثلهما (2).
وفي رابع قريب منهما (3).
والشيخ قد جمع بين هذه الأخبار وبين الأولية - كما جمع بينها ابن أبي عمير (4)- بحمل إيجاب المهر مع الخلوة على الحكم الظاهري دون الواقعي (5)، فيكون مذهب ابن أبي عمير كالرواية الجامعة بين الأخبار.
ولا يخفى أنّ الجمع فرع التكافؤ ولا دليل على خصوص هذا الجمع؛ لظهور الأخبار في أن الخلوة بنفسها موجبة للمهر كملاً لا من جهة أنّها مظنة للوطء.
نعم، قد يقال: إنهما لو تداعيا في ثبوت الوطء وعدمه مع حصول الخلوة فالقول قول الزوجة؛ لأنّ الظاهر مع الخلوة أن لا يترك الزوج الزوجة، ولكنه مع ذلك محل بحث.
أما لو تصادق الزوجان على الوطء مع الخلوة أو على عدمها معها، لزم اتباع قولهما بالحكم الظاهري، وسقطت بينهما وبين ورثتهما الدعوى.
وورد في بعض الأخبار المعتبرة الإسناد: أنّه لو حصلت الخلوة بين الزوجين ثم طلقها الزوج فقالت الزوجة: لم يمسني، فقال هو : لم أمسها، لم يصدقا بقولهما؛ لأنها تريد أن تدفع العدة عن نفسها، وهو يريد أن يدفع المهر عن نفسه(6).
وفي بعض الروايات: أنهما لو كانا مأمونين صدقا (7).
وظاهرها أنهما لم يصدقا لمكان الاتهام.
وهذه الأخبار أيضاً مطرحة؛ لمخالفتها لأصول المذهب وقواعد الأقارير، أو محمولة على الندب في موضع الاتهام.
ثالثها: يملك المهر بنفس العقد، كما هو المشهور، ولأن في المهر شائبة المعاوضة، ومن شأنها ملك الطرفين دفعة بالعقد، كما أنّ المبيع والثمن يُملكان دفعةً.
وإذا توقف البيع على شرط كالقبض في الصرف كان شرطاً لملك العوضين معاً، ولا يجوز أن يكون شرطاً لأحد العوضين دون الآخر، والبضع يُملك بالعقد فيملك المهر به، فالحكم بملك البضع بالعقد، وملك المهر بالدخول مخالف لقواعد المعاوضة، وللاتفاق على سببية العقد الملك، وأصالة عدم اشتراط شيءٍ آخر، وللأخبار الدالّة على أن نماء المهر ما بين العقد والدخول للمرأة (1)، ولظاهر قوله تعالى: ﴿وَأتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ) (2)الشامل لما قبل الدخول وبعده، وظاهر الإضافة الملك أو الاختصاص الظاهر فيه، ولأن النصف يُملك بالعقد فالنصف الآخر كذلك؛ إذ لا مرجّح، لأن كلا منهما عوض البضع.
فعلى ما ذكرنا تملك المرأة المهر جميعه بالعقد ملكاً لا يتوقف على شيء، والطلاق فاسخ للنصف من حينه إذا وقع قبل الدخول فاحتمال أن ملكها للنصف قبل الدخول كان ملكاً مستقرّاً، والنصف الآخر يبقى مراعى فإن دخل تبيّن ملكه من الابتداء، وإلا تبين عدمه كذلك، أو أنّ النصف الآخر يُملك بنفس الدخول وقبله لا ملك، فالنماء الحادث منه يكون للزوج حينئذٍ، فإن دخل دخل النصف في ملكها وإلا فلا بعيدان لا معوّل عليهما.
ويلزم منهما عدم جواز تصرّف المرأة بالمهر؛ لمكان الشركة، وعدم جواز قبضه وإن بذلت له بضعها، وهو خلاف السيرة والطريقة.
ومَنْعُ الشيخ (رَحمهُ اللّه) جواز التصرف بالمهر قبل القبض (3)إنما كان لمكان النهي عن بيع ما لم يقبض (4)، ولعدم دليل عليه، فهي مسألة أُخرى.
ومع ذلك فما ذهب إليه ضعيف؛ لعموم ما دلّ على تسلّط المالك على ملكه (5)، والنهي في الخبر محمول على الكراهة؛ لمعارضته بما هو أقوى منه، على أنّه مختص بالبيع.
نعم، ليس للمرأة قبض المهر قبل تمكين نفسها من غير إذن الزوج، والقبض لا يستلزم التصرّف.
ولم يملك أبو علي الزوجة إلّا نصف المهر إلى أن يدخل بها فتملك النصف الآخر (1)لظاهر جملةٍ من الأخبار أنّ المهر لا يجب إلّا بالدخول (2)، وفي بعضها: إلّا بالوقاع (3)، خرج النصف المجمع عليه، فيبقى الباقي.
وفيه: إنّ المراد بالوجوب الوجوب المستقر، وإطلاقه عليه إطلاق شائع، والقرينة أيضاً موجودة ممّا قدمنا.
وفي خبر عبيد بن زرارة: فيمن تزوّج وأمهر امرأته غنماً ورقيقاً فولدت عندها فطلقها قبل أن يدخل بها، قال: «إن كان ساق إليها ما ساق وقد حملت عنده فله نصفها ونصف ولدها، وإن كانت حملت عندها فلا شيء له من الأولاد» (4).
ونقل (5)أنّه استدلّ بخبر أبي بصير عن رجل تزوج امرأة على بستان له معروف وله غلة كثيرة، ثم مكث سنين لم يدخل بها ثمّ طلّقها، قال: «ينظر إلى ما صار إليه من غلّة البستان من يوم تزوّج فيعطيها نصفه، ويعطيها نصف البستان، إلّا أن تعفو فتقبل منه، ويصطلحا على شيء ترضی به منه فإنّه أقرب للتقوى» (6).
وفيه: إنّ الخبر لا يقاوم الأخبار المتقدّمة والأخبار الدالّة على استحقاق المرأة جميع المهر بالموت (7)، مضافاً إلى الأدلّة السابقة، فليطرح، أو يُحمل على أن الغلة كانت من زرع زرعه الرجل، أو على أنّ المهر هو البستان دون نمائه.
وعلى التقديرين فالأمر بدفع النصف يكون على جهة الندب، كما يرشد إليه قوله: «فإنّه أقرب للتقوى».
ويمكن أن يكون عوضاً عن أُجرة الأرض، على أن في صحّة الخبر نظراً.
1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 172، المسألة 94.
2) وسائل الشيعة 21 : 319 - 320 الباب 54 من أبواب المهور، ح 1 و 3 و 7 و 9.
3) المصدر : 320. ح 6.
4) المصدر : 293، الباب 34 من أبواب المهور، ح 1.
5) راجع كشف اللثام 7: 447.
6) وسائل الشيعة 21 : 290 الباب 30 من أبواب المهور، ح 1.
7) المصدر : 331 - 333، الباب 58 من أبواب المهور، ح 20 - 24.
رابعها: من المقطوع به في الكتاب (1)والسنّة (2)وفتاوى الأصحاب تنصيف المهر إذا طلق الزوج قبل الدخول، بمعنى أنّه يرجع إلى ملكه نصف، ويبقى للزوجة النصف الآخر على الإشاعة.
فإن كان المهر ديناً في ذمة الزوج برأ من نصفه، ولزمه دفع النصف الآخر، وكذا لو كان كلياً.
أما لو كان عيناً فإن دفعه (3)إليها استرد نصفه إن كان باقياً، وإن كان تالفاً كلاً أو بعضاً استرد نصف التالف، مثلاً إن كان مثليّاً، وقيمة إن كان قيميّاً، فإن اتحدت أمثاله أو تساوت قيمته في جميع أوقاته فلا كلام، وإن اختلفت فهل المدار على مثله يوم الطلاق، أو يوم العقد، أو يوم القبض، أو يوم المطالبة، أو يوم الأداء؟ احتمالات أقواها يوم القبض.
وهل المدار في القيمة على قيمته يوم الطلاق أو قيمته يوم القبض، أو الأقل ممّا بين القبض والطلاق، أو الأقلّ ممّا بين العقد والقبض ولا عبرة بيوم العقد، أو بالأعلى ممّا بين العقد والقبض، وذلك لأنه قبل القبض مضمون على الزوج؟ وأقوى الوجوه هو الأخير؛ لأنّ القيمة ما بين العقد والقبض إن زادت فهي زيادة قد حدثت في ملكها، فلا يضمنها ما هو في ملكها، وإن نقصت فالنقيصة مضمونة على الزوج، فلا يضمنها ما هو ضامن لها.
ويدلّ على ضمان القيمة يوم القبض الرواية الآتية (4)- إن شاء اللّه تعالى الواردة فيما زاد بعد القبض.
والقول بها لا بأس به، إلّا أنّه وارد في معرض رد الزيادة الواقعة بعد القبض إلى القيمة يوم القبض، فلا تدلّ على ردّ الأقل الكائن قبل القبض إلى قيمة يوم القبض لو كانت قيمته زائدة على ما قبله.
ولو زادت القيمة بعد القبض أو نقصت فلا عبرة بهما ؛ لأنّ المدار على قيمة يوم القبض. والأظهر في القيمة أن يرجع بقيمة نصفه لا بنصف قيمته؛ لأن حقه النصف فإذا فات قدر كذلك، ولا يقدر منضمّاً إلى الجملة؛ إذ لا يلزمها تقويم ملكها معه، وربما كان قيمة المجموع أكثر من قيمة النصف منفرداً.
وفي حكم التلف انتقال العين بناقل لازم، كالعتق والبيع ونحوهما.
ولو عاد إليها بعد الانتقال، ففي رجوع حقه إلى العين، أو بقائه متعلقاً في القيمة أو المثل وجهان، ولا يبعد الأخير.
ولو انتقلت بناقل جائز، احتمل رجوع نصف العين إليه قهراً، واحتمل تخيّرها بين فكه وإرجاع نصف العين، وبين إبقائه ودفعها المثل أو القيمة، وهو الأقوى.
ولو تعلّق بالعين حق لازم كالرهن، تخيّر الزوج بين الصبر إلى فكه وأخذ العين، وبين التعجيل وأخذ البدل.
وإن لم يدفع الزوج المهر كان أمانةٌ في يده، فإذا طلقها قبل الدخول فإن تلف بآفة سماوية كان من ضمانه، ودفع إليها مثل نصف التالف أو قيمته يوم التلف، وإن تلف بفعل أجنبي رجع إلى الأجنبي بمثله أو قيمته ودفع إليها النصف، ولها مطالبة الأجنبي ابتداءً أيضاً، وإن كان بفعله ضمنه كما تقدم، ودفع إليها نصف ما ضمنه، وإن نقص المهر كان النقص مضموناً عليه، وكذا لو عيب كان عليه أرشه، وإن زاد كانت الزيادة لها؛ لحدوثها في ملكها إن كانت بفعل اللّه عزّ وجلّ، وإن كانت بفعله فإن كانت قيمة فلها وإن كانت عيناً فإن كانت منفصلةً فهى له وإن كانت متصلةً فهو شريكها، فإن كان الفعل بإذنها فهو على حد الشركاء، وإلا جرى عليه حكم الغاصب.
ولو وجد الزوج العين بعد أن سلّمها إلى الزوجة ناقصةً، فإن كان نقصان قيمة سوقية كان حقه في العين ولا ضمان عليها؛ لأنّها عين ما فرض، وإن كان نقصان عين فهو إما كالمتعدّد فيذهب بعضه ويبقى بعض آخر، فحكمه تنصيف الباقي، وضمان التالف بمثله أو قيمته يوم قبضها له، وإما واحد فينقص عيناً فيكون بمنزلة المعيب، أو ينقص صفةٌ، كنسيان صنعةٍ أو فوات جمال أو كمال تنقص بفواتهما القيمة، ففي حكم الرجوع به أقوال:
أحدها: التخيير بين الرجوع بنصف القيمة سليماً، وبين أخذ نصف العين من غير أرش.
أما الأوّل: فلتنزيل تغيير العين منزلة التلف؛ لأنّها غير ما فرض على وجه التحقيق، فيرجع بالأقل من قيمة نصفه ممّا بين العقد والقبض.
وأمّا الثانى فلصدق أنّها عين ما فرض عرفاً، وحيث كان حدوث النقص في ملكها لم يكن مضموناً عليها، بخلاف ما إذا حدث قبل القبض بيد الزوج.
وفيه: إن العين إن كانت عين ما فرض فلا معنى للقيمة، وإن كانت غيرها فلا معنى لدفعها، على أنّ العين مضمونة على الزوج بعد القبض، وضمان الكلّ يقضي بضمان الأجزاء والصفات، وهو معنى الأرش، فلا وجه لنفيه.
ثانيها: الرجوع بنصف العين مع الأرش؛ جمعاً بين كونها ما فرض، وبين ضمان ما نقص منها، فتقوم صحيحةً ومعيبةً حين القبض، فتؤخذ زيادة التفاوت.
ثالثها: أن النقص إن كان بفعل اللّه عزّ وجلّ أو بفعلها تخيّر بين أخذ نصف العين ناقصاً
أو أخذ قيمته يوم قبضه، وإن كان بفعل أجنبي كان له نصف القيمة يوم القبض.
وعلله بعضهم بأن التلف لو كان من أجنبي فالأرش داخل في المهر، والنقصان محسوب منه، فكان كالتالف فيرجع إلى القيمة، ولو كان منها أو من اللّه سبحانه وتعالى لم يحسب النقصان، فكان تامّاً من وجه وتالفاً من آخَر (1).
رابعها : الرجوع بنصف القيمة ؛ تنزيلاً للتغيير منزلة التلف، ويراعى في القيمة الأقل ما بين العقد والقبض.
وفيه: منع ذلك التنزيل.
وخير الوجوه ثالثها.
وعلى كلّ حالٍ فالملحوظ في التقويم هو يوم القبض فإن نقصت القيمة بعده وقد تلفت العين كلّاً أو بعضاً لوحظت قيمة يوم القبض.
قيل (2): لتعلّق حق الاستعادة به، ولخبر عليّ بن جعفر: في الرجل يتزوج المرأة على وصيف يكبر عندها ويريد أن يطلقها قبل أن يدخل بها، قال: «عليها نصف قيمته يوم دفعه إليها، لا ينظر في زيادة ولا نقصان» (3).
والظاهر أنّ الرجوع بقيمة يوم القبض عند حدوث زيادة أو نقصان بعده وقد تلفت العين - كلاً أو بعضاً _ لا كلام فيه عند الأصحاب، ولا عبرة عندهم بحصول زيادة القيمة السوقية، ولا بنقصانها ولا بهما معاً إذا وقع ذلك بعد يوم القبض ولا عبرة بيوم الطلاق أو يوم التلف، ولولا ذلك لأمكن المناقشة.
نعم، لو نقصت القيمة السوقية أو زادت وكانت العين بحالها كان حق الزوج في العين، وليس على الزوجة ضمان نقصان، ولا منع الغير من جهة الزيادة السوقية من غير كلام في ذلك.
ولو زادت العين بعد القبض زيادةً منفصلةً، كانت الزيادة للزوجة، وليس للزوج الرجوع بنصفها، وذلك كالولد والثمرة.
وكذا لو كانت تقبل الانفصال كالصوف والشعر، وقد يُتأمل في ذلك. وإن كانت متصلةً لا تقبل الانفصال - كالسمن والطول - تخيّرت بين دفع نصف العين من دون استرداد شيءٍ؛ لأنها لا تتقوم منفردةً، وليست من الأعيان الموجبة للشركة عند لحوقها بعين أُخرى، وبين دفع قيمة نصفها حين القبض من دون ملاحظة زيادة القيمة بزيادة تلك الصفة؛ لخبر علي بن جعفر (1)، ويلزمه القبول على التقديرين؛ لأنّ الأوّل حقه وزيادة، وضرر امتزاج الحقين لو سُلّم تحققه منتف ببذلها له.
و احتمال اشتمال القبول على المنّة وهي ضرر فلا يجبر عليها ممنوع؛ لعدم تسليم حصولها أولاً بعد الإقدام عليها، ولمعارضتها بضرر الشركة، فالقيمة أعود، ولأنّ العين نصف ما فرض فلا يجوز له الامتناع عن فرضه، ولأن الصفة الزائدة قائمة بالعين تابعة لها فلا يعظم بها المنّة الموجبة لجواز عدم القبول؛ إذ لا نسلّم اشتمال كلّ منّةٍ على ضررٍ يجوّز عدم قبول مال الغريم إذا دفع إليه.
وأما الثاني: فلأنه عوضه اللازم قبوله عليه بعد وجوب تجنّبه عن حقها الكائن في العين المفروضة، ولدوران حقه بين الأمرين ولا اختيار له، فيلزمه اختيارها له.
وليس للزوج تأخير المطالبة إلى أن تفوت العين إذا احتمل فوتها فيأخذ القيمة، أو إلى أن يفوت كمالها فيأخذ نفس العين؛ للزوم الضرر بشغل الذمة على الزوجة، وليس له المشاركة في العين مجرّدةً عن وصف الزيادة؛ لعدم استقلال الزيادة بالتقويم؛ لأن الكبر والسمن الحادثين لا يستقلان بالقيمة، ولا يصلحان لتعلّق الشركة.
واحتمل الشيخ (رَحمهُ اللّه) أن للزوج الرجوع بنفس العين مع الزيادة؛ لصدق أن المجموع نصف ما فرض، فتجبر عليه الزوجة (2).
وهو وجه؛ لأنه لا يعهد نماء لا يتبع أصله عند رجوعه إلى صاحبه غير هذا.
وفيه: إن الفارق النص، وأن العين العائدة هنا للزوج لا بد من كونها نصف ما فرض، والذي فرضه أولاً ليس هو نفس العين المجرّدة عن العوارض المشخّصة لها، بل هي مع مشخصاتها، فالزيادة حينئذٍ ليس له عليها سبيل.
ولو زادت العين ونقصت - كسمن وهبل (1)وكبر وهزال وتعليم صنعةٍ ونسيان أُخرى - تخيّرت في دفع العين نصفها مع ما لحقها من الزيادة بأرش أو بدونه، وبين دفع نصف القيمة يوم القبض، ولا اعتبار للزيادة والنقصان بعده ولا تجبر على دفع نصف العين؛ لمكان الزيادة.
وفي جبره على القبول وجهان، كما مر في التعيب (2)، فإن أوجبناه أخذ العين مع الأرش أو بدونه، كما مرّ، وإن خيّرناه، تخيّر، فله أن لا يقبل العين للنقص، وله قيمة يوم القبض ولا اعتبار بالنقصان بعده.
ولو دفع الزوج المهر معيباً للزوجة ودفع معه الأرش، كان له الرجوع بنصف المعيب ونصف الأرش.
قيل: ويجري على ما مرّ من تنزيل المعيب منزلة التالف التخيير بين العين والقيمة، ولا يعيّن العين أخذ المرأة لها، فإنّه لا يجعلها المهر المفروض، ولذا قالوا: إذا تعيب المهر في يده تخيّرت المرأة بين أخذ العين أو القيمة؛ لتلف العين بالتعيب، فإذا رضيت بالعين فليس لأنه المفروض، بل لأنّه عوضه كالقيمة، فللزوج إذا طلقها أن لا يرضى إلّا بالقيمة (3).
وفيه تأمل.
ولا يشترط في الزيادة المتصلة زيادة القيمة بها كالكبر في السن، ولا في النقص نقصان القيمة، كالخصى، فإنّ في الأوّل نقصاناً في القيمة، وفي الآخر زيادة فيها.
وحمل الأمة زيادة من جهةٍ ونقصان من أُخرى، كنقصان صفة كمال وز.، وزيادة أُخرى.
وحمل الدابة زيادة، وقد يكون كحمل الأمة.
وزرع الأرض وغرسها نقصان في قوتها.
خامسها: لو تعلّق بالمهر من طرف الزوجة حقٌّ لازم كالرهن والإجارة - تعين على الزوجة البدل، فإذا دفعته إليه لم يكن له الرجوع بالعين إذا عادت إليها؛ لأنه بمنزلة المعاوضة عليه مع احتمال أنّ له ذلك؛ لأنّ دفعها لمكان الحيلولة، فإذا زالت رجع حقه إلى العين، ولو عادت العين إليها قبل دفع البدل كان حقه في العين ونقصان المنفعة في العين المستأجرة لا ينزلها منزلة التالف ولا منزلة المعيب، فلا يجب عليه قبول العين مع قيمة المنفعة.
نعم، لو صبر إلى انقضاء الإجارة أو انفكاك الرهن ولم يرضَ بالقيمة، احتمل وجود إجابته عليها، واحتمل جواز جبره على أخذ القيمة؛ لتضرّرها ببقاء العين، لضمانها لها، إلّا إذا أمكنه إبراؤها عن الضمان وجوزنا ذلك، فالوجه: الأول؛ لتعلّق حقه بالعين.
وكذا لو قال: أنا أقبضه وأردّه إلى المستأجر.
ولو تصرفت بالعين تصرّفاً جائزاً، فإن كان ناقلاً - كالبيع بخيار والهبة بعد القبض تخيرت بين الفسخ ودفع العين، وبين عدمه ودفع القيمة، وليس للزوج إجبارها على الأوّل.
ولو دفعت البدل فعاد إليها، ففي رجوع حقه إلى العين الوجهان.
وإن لم يكن ناقلاً - كالوصية والتدبير - فالأظهر اختصاص حقه بالعين، مع احتمال العدم في الأخير.
ولو كان الصداق صيداً فأحرم ثمّ طلّق احتمل رجوع النصف إليه؛ لأنه ملك قهري كالإرث، فإن لم يكن معه ملكه، وإن كان معه احتمل دخوله في ملكه حال الطلاق، واحتمل عدمه إلى أن يحلّ، واحتمل رجوع القيمة إليه؛ لمكان الحيلولة؛ لأنّ المُحرم لا يملك صيداً ولو قهراً، أو لأنّ ما كان سببه اختيارياً فهو اختياري.
وقد يُمنع من كون اختيار السبب اختياراً للمسبب.
وقد يؤيّد لزوم دفع العين أن تكليف الزوجة بالقيمة مع عدم حدوث شيء منها ضرر عليها، وأنّ المعيب لو ردّ في الإحرام وكان صيداً ملكه البائع، وأن الإحرام لا يمنع من عودة الكلّ بالردة، فالنصف بطريق أولى.
وقد يُمنع الأخير.
وكيف كان فالأقرب رجوع نصف العين إليه، وعليه فلو كان الصيد عنده لزمه إرساله،
ويضمن قيمة النصف الآخر للزوجة؛ تغليباً لحق اللّه تعالى مع احتمال عدم جواز الإرسال؛ تغليباً لحق الآدمي، وعليه نصف الجزاء إن تلف في يده أو يدها، واحتمال رجوع الحق إليهما معاً، فإن اتفقا على الإرسال أرسله وغرم لها النصف، وإلا بقى مشترك مشتركاً، وعليه نصف الجزاء إن تلف، واحتمال أنّه إن كان موسراً فالأول، وإن كان معسراً عن دفع قيمة نصف الزوجة فالثاني.
ولو كان المهر أمةً مدبّرةً بطل التدبير ؛ لمكان الانتقال عن ملك المولى، أو الانتقال إليه لو كان التدبير منها.
ولو قلنا بعدم انتقال النصف، فالتدبير كالوصية يجوز الرجوع به، وجعله مهراً رجوع به، إلّا إذا نذر تدبيرها، أو اشترط بقاء التدبير في وجه.
والأوجه عدم صحتها مهراً مع النذر، وبطلان الشرط. وقيل ببقاء التدبير، فتحرّر بموت الزوج، وقبل موته لو طلقها قبل الدخول كان يوم للزوجة ويوم له في الاستخدام (1)بناءً على أنّ الملك المتجدد لا يبطل التدبير.
ولخبر المعلى بن خنيس في رجل تزوج امرأةً على جارية له مدبّرة وقد عرفتها المرأة وتقدمت على ذلك، وطلقها قبل أن يدخل بها، فقال: «أرى للمرأة نصف خدمة المدبّرة، يكون للمرأة يوم في الخدمة، ويكون لسيدها الذي دبرها يوم في الخدمة» قيل له: فإن ماتت المدبّرة قبل المرأة والسيد، لمن يكون الميراث؟ قال: «يكون نصف ما تركته للمرأة، والنصف الآخر لسيدها الذي دبرها» (2).
وهو مع ضعفه غير دال على بقاء التدبير بعد جعلها مهراً، غايته أنّه كشف لحكم الشركة، وهو غير ما زعمه القائل، وقوله في الرواية: «فإن ماتت المدبّرة» إطلاق للمشتق على من انقضى منه المبدأ.
سادسها: لو كان مهر الزوجة حيواناً حاملاً وأُدخل الحمل في المهر أو شرطه أو كان ممّا يدخل تبعاً فطلقها قبل الدخول، رجع إليه نصف الحمل مع نصف الأُمّ.
وكذا البيض مثل الحمل على الأظهر؛ لأنّ الحمل زيادة منفصلة.
وفي الأخبار ما يدل عليه كما تقدم (1)، ولكنها بالخيار بين أن تمسك الولد للزيادة بعد الإصداق إلى الوضع فما بعده، فيقوم عليها الولد حين الوضع؛ لأنه أوّل إمكان القيمة، وبين أن تدفع النصف مع ما فيه من الزيادة.
واحتمل هنا قوياً عدم الرجوع بنصف الولد؛ لأنه زيادة متصلة ما دام حملاً، وإنما ظهرت وتميزت بالانفصال، لا سيما إذا كان نطفة؛ لعدم قابليتها للملك والإصداق، فالمنفصل حينئذٍ ليس من الصداق.
وأيضاً لو كان منفصلاً حين الحمل فهو ممّا زاد إلى الوضع فلها إمساكه للزيادة، فلا يمكن تقويمه بعد الوضع؛ للزيادة، ولا قبله للجهل به فليس له إلّا الرجوع بنصف الأمة مع الأرش.
هذا إن جوزنا التفرقة بين الولد والأم، وإلا كان له قيمة نصف الجارية. ولو كان مهرها نخلاً حائلاً فأثمر في يدها فطلقها قبل الجذاذ كان جميع الثمرة لها، فإن دفعت له نصف الأصل والثمرة فالأظهر لزوم قبولهما عليه.
ونقل عن الشيخ أنّه قال: هو المذهب (2).
واستشكله العلّامة (رَحمهُ اللّه) (3)من حيث الشك في كونه من الزيادات المتصلة. وهو في محلّه. ولو دفعت له الأصل فقط بدون الأرش أو مع الأرش لو تعيب الأصل بالقطع، فلا إشكال في لزوم القبول في الأول، ويجري في الثاني ما يجري في العين لو تعيبت بيد الزوجة، وللزوج طلب الأصل مشغولاً بالثمرة فيأخذه، ولكن يلزمه إبقاء الثمرة؛ لأنها موضوعة بحقِّ، وليست كالزيادات المتصلة التي لا يجوز الرجوع بأصلها.
نعم، لو طلب قطع الثمرة قبل الإدراك ليرجع في الأصل، أو طلب تأخير الرجوع إلى حين القطع، لم يجب على المرأة إجابته؛ لحصول الضرر بالقطع في الأول، وبالتأخير في الثاني، كما لو طلبت منه تأخير الرجوع إلى أوان القطع، فإنّه لا يجبر عليه؛ لحصول الضرر عليه بالتأخير.
ولو أصدقها أرضاً فحرثتها أو زرعتها، لم يجبر على القبول؛ لانفصال الزيادة في الثاني، وحصول النقصان بالحرث، إلّا مع الأرش في الأوّل.
ولو أصدقها دابةً أو أمةً فحملت عنده وولدت فإن امتنع عن تسليمهما بحق لم يضمن، وإن لم يمتنع فتلف الولد، احتمل ضمانه على الزوج كأصله، فيكون كضمان نماء المغصوب، واحتمل عدمه؛ لأنه أمانة، ولا يبعد الأخير.
ولو نقصت الأُمّ عنده، ضمن أرش النقصان، سواء طالبت بها أم لا.
سابعها: لو أصدقها حُليّاً فكسرته أو انكسر عندها فأعادته صنعةً أُخرى، فهو زيادة و نقصان، فلهما الخيار.
وإن عادت الصنعة الأولى نفسها، احتمل رجوع النصف إلى الزوج وإن لم ترضَ الزوجة؛ لأنه على الصفة التي كان عليها عند الإصداق واحتمل اعتبار رضاها؛ لحصول الزيادة عندها باختيارها.
نعم، لو لم يكن باختيارها اتجه عدم اعتبار رضاها كما إذا أصدقها سمينة فهزلت ثمّ عادت إلى الأوّل.
ومع اعتبار رضاها فإذا أبت فلها نصف قيمته مصوغاً بتلك الصفة من غير ذلك الجنس؛ حذراً من لزوم الربا؛ لانعدام الجزء الصوري منه، والمركب ينعدم بانعدام أحد جزءيه، مع احتمال أن له مثل وزنه ذهباً أو فضةٌ مع قيمة الصنعة، إما بمعنى أُجرة مثلها، أو بمعنى قدر ما بين قيمة المكسور والمصوغ، بناءً على أنّ الجزء الصوري يقابل بمال، فلا يلزم الربا بعد دفع المثل بالمثل.
ولو أصدقها قطعةً من ذهب أو فضة فصاغتها، فليس له إلزامها بنفس العين، بل لها الخيار بين دفع نصف العين، وبين دفع مثل نصف القطعة حين القبض.
ولو أصدقها ثوباً فخاطته، أو غزلاً فنسجته، أو صوفاً فغزلته، لم يجبر على قبول العين؛ لمكان النقصان، ولا تجبر على دفعه ؛ لمكان الزيادة، مع احتمال جبره في المثالين الأخيرين.
ثامنها: لو أصدق الكافر الكافرة خمراً فطلّق قبل الدخول بعد القبض والإسلام ولكنّه
صار خلاً في يدها بعد الإسلام أو قبله رجع بنصفه؛ لأنّه عين ماله وإن تغيرت صفته، ولأنّ الخلّ مثل الخمر، فعند عدم إمكانه يثبت مثله.
واحتمل العلّامة (رَحمهُ اللّه) سقوط دفع العين؛ لمكان الزيادة، وكذا دفع القيمة؛ لأنه لاقيمة له يوم القبض (1).
واحتمل بعضهم أنّ له نصف قيمة الخمر عند مستحلّيه (2)، وهو حسن.
ولو تلف الخلّ على الوجه الأوّل قبل الطلاق احتمل أن يرجع الزوج بمثله، واحتمل عدمه؛ لأنه إنما يعتبر بدله من يوم الإصداق إلى القبض، ولا قيمة له ذلك اليوم، ولا لبدله.
ولو صيّرته خلاً بعلاجها، فعدم الرجوع عليها بالعين أظهر؛ لأن الزيادة حينئذٍ بفعلها.
ولو صار الخمر خلاً في يد الزوج فطلقها، فلها النصف منه؛ لأنّ يده يدها وقد زال المانع من قبضه، مع احتمال أن لا يكون لها إلّا نصف مهر المثل، أو نصف قيمته، أو قيمة نصفه عند مستحلّيه، وذلك لامتناع كون العين مهراً عند الإسلام، فينتقل إلى القيمة أو المثل.
تاسعها: لو أصدقها تعليم سورة فطلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف أُجرة التعليم يوم علمها، وإن لم يكن علمها رجعت بنصف الأجرة يوم الإصداق، لا بنصف التعليم.
قيل: لحرمة سماع صوتها، ولاختلاف الألفاظ في التعلّم سهولة وصعوبةً، فلا يتعين النصف (3).
ورد بمنع تحريم سماع الصوت مطلقاً، أو مع الحاجة، أو مع الضرورة وهي موجودة، أو إذا لم يكن مع الخلوة المحرمة، أو إذا لم يؤد إلى الفتنة، وبأن المدار على تعليم الحروف وتوابعها عرفاً، وهو معلوم.
والأظهر منع تحريم سماع الصوت إلّا مع عدم الحاجة، أو خوف الفتنة، أو استلزام الخلوة المحرمة، فحينئذٍ إن أمكن التعليم من دون ارتكاب محظور لزم، وإلا فالرجوع بنصف الأجرة.
ولو أصدقها تعليم صنعة فطلقها قبل الدخول، فإن علمها رجع إليها بنصف الأجرة؛ لأنّ التعليم لا يعود، فهو بمنزلة التالف، وإلا فإن أمكن تمييز نصف الصنعة بالتعلّم وعدم ارتكاب
الحرام في تعليمها كان لها النصف، وإلا فلها نصف الأجرة، كما هو الغالب من عدم إمكان معرفة نصف الصنعة.
عاشرها: لو أبرأته من الصداق أو وهبته له أو خالعها عليه أو كان عوض الطلاق أو صالحها عنه بمال أو نحو ذلك فطلقها قبل الدخول، رجع عليها في جميع ذلك بنصف القيمة؛ جمعاً بين ما دلّ على تنفيذ الإبراء والعقد الصادر منها، وبين ما دلّ على التنصيف بالطلاق وللإجماع المنقول في الهبة (1). وللخبرين في رجل تزوج بألف درهم فأرجعتها إليه ثم طلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: «لا شيء لها، وتردّ عليه خمسمائة درهم» (2).
والآخر: «إذا جعلته في حلّ من صداقها وخلاها قبل أن يدخل بها ردت عليه نصف الصداق» (3).
والإشكال في الخلع والطلاق بعوض من أنّ ملك المهر للزوج لا يتم إلّا بتمامهما وبه يحصل استحقاق الزوج للنصف، فيقع السببان دفعةً واحدةً، فيمتنع استحقاق الزوج للنصف بسبب استحق به الکل، مدفوع باختلاف السببين؛ لأنّ سبب ملك الكل هو نفس بذل الزوجة، وسبب ملك النصف هو الخلع، وبتمام الصيغة يقعان دفعةً.
لا يقال: إن البذل بنفسه لا يملك العوض بدون وقوع الخلع، فعاد أنّ الخلع سبب فيهما، فله حينئذٍ نصف العين.
لأنا نقول الملكان قد وقعا دفعةً واحدةً ولكن حال أحد الملكين - وهو ملك عين الكل - بين الزوج وبين ملك عين النصف مرّةً أخرى، فانتقل إلى المثل، جمعاً بين الحقين.
ويمكن أن يكون ذلك من باب ما لو خلعها على مال مشترك بينهما مع الجهل، فإنّه يثبت له المثل أو القيمة أيضاً.
ولكن الأوّل أوجه، وذلك لتقدّم حقه في استحقاق الكلّ بالبذل المتقدم على تمام الخلع الذي استحق به النصف.
وقد يتخرّج هذا الحكم من فحاوي بعض الأخبار.
واحتمل بعض الأصحاب عدم رجوعه عليها بشيء فيما لو أبرأته؛ لأنه إسقاط لا تمليك ليكون إتلافاً، فلا يكون له بالطلاق إلّا نصف ما في الذمة؛ لأنّه المفروض بلا تلف، ولا يمتنع توارد سببين شرعيين على مورد واحد فله النصف بالإبراء وبالطلاق جميعاً، والنصف الآخر بالإبراء وحده، والأصل براءة الذمة من نصف المثل أو القيمة، أو لأنه لما كان إسقاطاً كان بمنزلة أن لا مهر لها، فلا يعود إليه بالطلاق شيء.
قالوا: ولأن الإبراء إسقاط لا تمليك لو شهد الشاهدان بدَيْن فقبضه المدعي ثم وهبه [ من ] المدعى عليه، فرجع الشاهدان عن الشهادة بعد ذلك غرما للمدعى عليه ما غرمه بشهادتهما وإن عاد إليه بالهبة، ولو أبرأ منه المدعي لم يغرما لو رجعا؛ لأنه إسقاط وإبطال للتغريم (1).
وفي جميع ما ذكر نظر، وفي اتحاد حكم الأخير مع موضع البحث بحث.
حادي عشرها: لو وهبته المهر فارتدت قبل الدخول، رجع عليها بالجميع مثلاً أو قيمة؛ لإتلافها له بعد ملكها له.
واحتمل أنّ له النصف؛ بناءً على عدم ملكها نصف المهر قبل الدخول أو عدم استقراره قبله، فتقع هبتها له باطلة.
ولكنه ضعيف.
ولو وهبت الزوجة الزوج نصف المهر معيناً رجع عليها بنصف الموجود، ومثل نصف الموهوب أو قيمته.
ولو وهبته نصف المهر مشاعاً، رجع أيضاً بربع العين وربع القيمة أو المثل؛ لأنّ الموهوب كالمتلوف على جهة الإشاعة.
وقيل: إنّه يرجع على النصف الباقي خاصة؛ لانصراف الموهوب إلى نصيبها، ولأنّ الموجود نصف ما فرض فيستحقه (2)، وهو حسن.
ويحتمل التخيير بين أخذ تمام بدل النصف الباقي، وبين أخذ نصفه عيناً مع بدل النصف الآخر.
وفي المبسوط نقلاً: احتمال الرجوع بنصف الباقي خاصة؛ لأنه لما تعلّقت الهبة بالنصف المشاع فقد تعلّقت بنصفي النصيبين، فقد مَلَك من نصيبها النصف وهو الربع واستعجل نصف نصيب نفسه، فبقي له نصف نصيبه الآخر، وهو الربع (1).
ولو أصدقها عبدين فمات أحدهما، كان له نصف الموجود ونصف قيمة التالف ولو
تساويا في القيمة، واحتمال الرجوع على الموجود ضعيف.
ولو أعطاها عوض المهر شيئاً - قليلاً أو كثيراً - كان له نصف المسمّى، ولا عبرة بالعوض. و
لو طلقها بعد الدخول ثم تزوجها فطلقها قبله، جرى على الثاني حكم الطلاق قبل الدخول.
ولو تلف المهر في يدها بعد طلاقها قبل الدخول فالتلف منها أو مع امتناعها عن الدفع ضمنته له، وإلّا احتمل ضمانها له؛ لأنّه كالمبيع بعد فسخ المشتري له.
واحتمل عدمه؛ لأنّه يكون بمنزلة الأمانة والرجوع بالهبة بعد قبض المتهب لها.
ولا يبعد الأول؛ لشبه المهر بالمعاوضة، ولتسميته أجراً وثمناً، فيكون مضموناً إلى حين رجوعه.
ولو رجع إلى الزوج جميع المهر بفسخ أو ردّةٍ، كان المهر مضموناً عليها؛ لأنه يكون من قبيل تراد العوضين، فهو مضمون على مَنْ في يده؛ لأصالة الضمان وعموم أدلته (2).
ثاني عشرها : لو زوج الأب أو الجد له صغيراً على كبير أو صغير، فإن شرط أن المهر منه أو أنّ المهر من مال الصغير أو ذمّته، اتبع شرطه على الأظهر؛ لعموم أدلة الشروط (3).
وإن أطلق فإن كان الولد موسراً حين العقد فمن ماله وإن أعسر بعد ذلك، وإن كان معسراً ففي ذمة أبيه وإن أيسر بعد ذلك، والإجماعات المنقولة (4)على تعلّق المهر بذمة الأب إذا لم يكن عيناً وكان الولد معسراً كثيرة، والأخبار (5)أيضاً متظافرة.
وظاهر الأصحاب إلحاق الجد، وكأنّه لعدم الفرق بينهما في الولاية.
1) المبسوط 4 : 310؛ ونقله عنه الفاضل الإصفهاني في كشف اللثام 7 : 473
2) سنن ابن ماجة 2 : 802، ح 2400؛ الجامع الصحيح 3: 566، ح 1266.
3) وسائل الشيعة 21 : 299 - 300، الباب 40 من أبواب المهور، ح 2 و 4.
4) منها ما في الخلاف 4 : 373، المسألة 13؛ والسرائر 2 : 570.
5) وسائل الشيعة :21: 287 وما بعدها الباب 28 من أبواب المهور.
وفي الخبر الصحيح ما يدلّ على ضمان الأب للمهر، وخروجه بعد موته من صلب تركته (1).
وفي خبرٍ آخر فيمن يزوّج ابنه وهو صغير، قلت: على من الصداق؟ قال: «على الأب إن كان ضمنه لهم، وإن لم يكن ضمنه فهو على الغلام، إلّا أن [ا] يكون للغلام مال فهو ضامن له وإن لم يكن ضمن» (2).
وفي آخر: «إن كان لابنه مال فعليه المهر، وإن لم يكن للابن مال فالأب ضامن للمهر، ضمن أو لم يضمن» (3).
ومنع بعضهم (4)من جواز اشتراط الأب عدم ضمانه وجعل المهر في ذمة الولد مع فقره؛ لإطلاق الأخبار؛ لأن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أو لم يضمن» شامل لعدم الضمان ولاشتراط عدمه، ولعدم المصلحة في تعلّق المهر في ذمة الولد.
وفيه: إنّ الأخبار لا تنصرف إلى حالة اشتراط عدم الضمان أو التصريح بصيرورة المهر في ذمة الولد، وأن الأب لا يشترط في فعله المصلحة، بل يكفي عدم المفسدة، والمفروض حصولها عند العقد؛ لأن الكلام على ذلك التقدير.
ولو كان الصبيّ مالكاً لبعض المهر لزمه بنسبة ما يملكه، وكان على الأب الباقي.
وكذا لو ضمن الأب بعض المهر دون البعض حالة اليسار، أو جعل على الابن بعضاً دون بعض حالة فقره.
والظاهر أن المال في النصّ والفتوى شامل لما كان من مستثنيات الدين ولما لم يكن منها.
نعم، لو صار المهر ديناً في ذمّة الولد واستقر بعد العقد لم يكن للمرأة أن تطالبه به وتأخذ منه أحد المستثنيات.
نعم، إذا جوّزنا للأب أن يشترط أن يوفي المهر بعد ثبوته من ذلك المال المعين، أو أنّه عقد عليه ابتداء، كان للمرأة أخذه.
وكل موضع لا يضمن الأب المهر فيه جاز له أن يتبرع بدفعه كالأجنبي، فلو تبرع كذلك فقبضته الزوجة لم يكن له الرجوع به؛ لانتقاله عنه، فلا يعود إليه.
وكل موضع يضمنه عنه بالحكم الشرعي لا يجوز له الرجوع على الولد فيه حتّى لو أيسر الولد بعد؛ لثبوته في ذمته، فانتقاله عنه مفتقر إلى دليل، وليس فليس.
وكل موضع يضمنه عنه باشتراط الضمان ليسار الولد فأداه، فهل له الرجوع على مال الولد مطلقاً، أو ليس له مطلقاً، أو الفرق بين ما كان ضمانه بنيّة الرجوع فالأول، وما لم يكن في نيته فالثاني ؟
والحق أنّه إن ضمن مع عدم المفسدة أو مع المصلحة إن شرطناها ولم يَنْوِ التبرع في ضمانه، جاز له الرجوع على مال الولد، وبالأولى لو نوى الرجوع؛ لأنّ عدم نية التبرع أعمّ من نية الرجوع وعدمها.
وإذا طلق الولد قبل الدخول وكان الأب قد تبرّع في الدفع إلى الزوجة ليسار الولد، أو كان كبيراً، فهل يعود نصف المهر إلى الأب أو إلى الولد ؟ وجهان، أقواهما عوده للولد؛ لدخول المهر في ملك الزوجة على كلّ حالٍ، ولأنّ نماءه لها، والطلاق مثبت للملك الجديد للزوج لا كاشف عن عدم ملك الزوجة، فيملك الولد النصف بالطلاق، سواء كان المدفوع من ماله، أو من متبرع أباً أو غيره، ولأنّ دفع الأب للمهر للزوجة كهبة الولد التي لا يجوز الرجوع فيها، ولعموم الأدلّة على رجوع نصف المهر للزوج (1)، من غير استفصال بين كون المدفوع من ماله أو من مال غيره.
وقد يستند في الرجوع إلى الأب إلى أنّ المهر عوض البضع وهو ملك الولد، فيكون عوضه عليه، ودفع الأب له إنما كان وفاءً لدَيْنه، فإذا برئت ذمته عاد للدافع عنه، وتنزيله منزلة الهبة ممنوع.
وفيه: إنّ عوده للأب بعد خروجه عن ملكه بالدفع محتاج إلى دليل، وليس فليس.
وقد يقال: إنّه لما خرج عن ملك الأب لم يدخل في ملك الابن؛ لعدم إمكان أن يملك الإنسان مالاً قهراً عليه في غير الميراث وشبهه، فإذا انفسخ ملك الزوجة عنه عاد إلى مالكه.
وأما الآية (2)والرواية (3)الدالّتان على رجوع النصف إلى الزوج فتحملان على الغالب من كون المدفوع من مال الزوج.
وقد يدفع ذلك بالتزام ملك الزوج له آناً ما قبل ملك الولد له، كما يقال في «أعتق عبدك عنى».
وهو متجه في الصغير لو دفع عنه الولي؛ تنزيلاً لدفعه منزلة الهبة والقبض، ولا يتجه في الكبير ولا في الصغير من غير الولي.
ومن هنا يتجه الفرق بين دفع الأب المهر عن الصغير، وبين دفعه عن الكبير أو دفع الأجنبي، فيقال بعود النصف في الأوّل للولد؛ لأنه بمنزلة الهبة، وفي الثاني للوالد وللأجنبي، كما مالَ إليه العلّامة (رَحمهُ اللّه) في التحرير (1).
هذا كله في غير ما كان في ذمّة الأب، أمّا لو كان في ذمته؛ لفقر الولد، أو لضمانه عنه، ففيه الوجهان: من أن الطلاق فاسخ لملك الزوجة النصف فيعود لمالكه، ومن أنّه مثبت لملك الزوج ابتداءً بعد أن ملكته فيعود إليه، وهو الأوجه.
ولو لم يدفع الأب المهر في صورة التزامه به؛ لفقر أو ضمان فوقع طلاق الزوجة قبل الدخول، لزم الأب أن يدفع النصف إليها، وبرئت ذمته من النصف الآخر؛ لعدم قبض الزوجة له، وعدم ملكها له معيناً، وعدم انتقاله إلى الولد فلم يكن للولد مطالبة الأب؛ لأنه بضمانه تمام المهر للمرأة لا يثبت للابن عليه شيء، وإنّما ينتقل إليه المهر بدفعه عنه إليها، كما أنّ المديون لا يطالب الضامن عنه بشيء إذا أبرأه المضمون له.
نعم، إذا كان المهر عيناً للأب ملكته المرأة بالإصداق، فيملك الولد نصفه بالطلاق.
وساوى بعض المتأخرين بين بقاء المهر في ذمّة الأب، وبين ما إذا دفعه للزوجة في رجوع نصفه للولد (2)تمسكاً بعموم أدلّة رجوع نصف المفروض إليه. وهو ضعيف.
وحكم الفسخ بعيب أو ردّةٍ حكم الطلاق في رجوع المهر إلى الولد لا إلى الأب، إلّا أن الفرق بينهما بالتنصيف وعدمه.
واحتمال أن الفسخ إبطال للعقد من أصله لا من حينه، ضعيف.
ثالث عشرها: لا يتنصف المهر إلّا بالطلاق قبل الدخول وما دلّ عليه الدليل من الفواسخ.
ولا يتنصف بموت الزوج قبل الدخول، كما هو المشهور نقلاً (1)وتحصيلاً، وعليه الإجماع المنقول (2)، وتدلّ عليه جملة من الأخبار (3)المعتبرة بنفسها، وبفتوى الأصحاب، وبإطلاق الكتاب (4)الصريح في ملك الزوجة للمهر، وبالاستصحاب، وبالسيرة الجارية على عدم التنصيف، فلولا أنّه غير معهود في زمن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) لما خفي الحال فيه، ولاشتهر خلافه، ولتوفّرت الدواعي على بيانه.
وقيل: إنّه يتنصف بموته (5)استناداً إلى كثير من الأخبار (6)، وهي وإن كانت صحيحة ومخالفة لفتوى العامّة - على ما نُقل عنهم (7)- إلّا [ أنّ ] أخبار استحقاق الكلّ أقوى وأظهر؛ لاشتمالها على مرجّحاتٍ تقدّمها على تلك الأخبار، والجمع بينها بالحمل على استحباب أخذ النصف من الزوجة غير بعيد.
والأقوى والأظهر أيضاً : استقرار الجميع بموت الزوجة، فيرث منه بقدر نصيبه بعد وفاء الدَّيْن؛ للأُصول المحكمة وعمومات الكتاب والسنّة وفتوى المشهور.
وقيل (8)بالتنصيف هنا؛ استناداً إلى جملة من الأخبار (9)الدالّة عليه، ولكنها لإعراض المشهور عنها وورود السيرة بخلافها ممّا يوهن حجيتها، فحملها على الندب أيضاً أحرى.
ولا يتنصف المهر بالفسخ في غير ما دلّ عليه الدليل؛ للأصل، وعموم الكتاب (10)والسنّة(11)، وحمله على الطلاق قياس.
نعم، قد يتنصف للدليل، وقد يثبت الكلّ في بعض مواضع التدليس للدليل.
1) غاية المراد 3 : 132.
2) المسائل الناصريات : 334، المسألة 156.
3) وسائل الشيعة 21 : 331 - 333، الباب 58 من أبواب المهور، ح 20 - 24.
4) النساء (4) : 4.
5) قاله الصدوق على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7 : 160، ضمن المسألة 83؛ وراجع المقنع : 358.
6) وسائل الشيعة 21 : 326 - 329، الباب 58 من أبواب المهور، ح 1 - 8.
7) راجع رياض المسائل 12 : 41.
8) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 471.
9) وسائل الشيعة 21 : 327 و 328، الباب 58 من أبواب المهور، ح 3 و 7 و 8.
10) النساء (4) : 4 و 24.
11) راجع وسائل الشيعة 21 : 239 وما بعدها، الباب 1 من أبواب المهور.
رابع عشرها: يجوز للزوجة العفو عن مهرها كلّاً وبعضاً، قبل الدخول وبعده، مع الطلاق وعدمه؛ للإجماع والأخبار (1)، ولقوله تعالى: (إلَّا أن يَعفُونَ) (2)وهو وإن ورد في المطلقة قبل الدخول فإنّها إذا عفت عن النصف عاد الجميع للزوج إلّا أنّه قائل بالفرق.
وإطلاق الكتاب والسنّة قاضيان بالاجتزاء بلفظ العفو في ملك جميع المهر للزوج، سواء كان ديناً في ذمّة العافي أو المعفو عنه، أو عيناً، فهو يقوم مقام الإبراء والهبة وغيرهما، بل ربما يقضيان بحصول النقل في الأعيان بلفظ العفو من دون افتقار إلى قبض وإقباض.
قالوا: وقد ورد استعمال العفو بلفظ العطاء، فيصلح لفظه حينئذٍ للهبة والإبراء (3)، وهو متجه.
وقد يؤيّده أن الهبة ليست من العقود اللازمة فيشترط فيها لفظ خاصّ.
نعم، اشتراط القبول والقبض لا يمكن المحيص عنه؛ لعدم إمكان إدخال مال في ملك الغير قهراً عليه، ولما دلّ على اشتراط القبض في الهبة (4)، فالإطلاق في الكتاب والسنّة لا ينافي تقييده بدليل آخر.
وحينئذٍ فلو عفا الزوج عن المهر الذي في ذمته للزوجة، أو الزوجة كذلك، افتقر إلى تمييزه وتقبيضه وقبوله من المعفو له؛ لعدم إمكان كونه إبراء؛ لأن الإبراء هو إسقاط ما ما في ذمّة المعفو عنه، لا العافي، ولا هبة؛ لاختصاصها بالأعيان، واشتراط القبول والقبض فيها.
ويمكن في هذه الصورة الاجتزاء بلفظ العفو، فينتقل ما في ذمته إلى المعفو عنه من غير قبول وقبض ؛ لإطلاق الآية والرواية، ولكنه بعيد كما تقدم.
واشترط بعض أصحابنا (5)في الأعيان الإتيان بصيغة الهبة؛ للشك في النقل والانتقال، ولأنّ العفو إسقاط، فهو كالإبراء لا يتعلّق بالأعيان، وحملوا الآية على إرادة حصول الملك بعبارة تقيّده، ويصح الانتقال بها شرعاً، فالمراد من العفو المعنى الأعم، وإنما جيء بلفظه تنبيهاً على إرادة فضيلة العفو وحسن صدوره فلفظ العفو كلفظ التمليك فيما لو قال: «ملكت هذا، أو ملكه» فإنّه يريد به الانتقال بما يفيد التمليك لا خصوص لفظه.
وهو جيد وموافق للاحتياط، إلّا أنّ الأقوى ما ذكرناه من عدم اشتراط لفظ خاص.
خامس عشرها: اتفق أصحابنا وغيرهم أن لمن بيده عقدة النكاح العفو عن المهر في الجملة، واختلفوا، فأصحابنا وجمع من العامّة (1)ذهبوا إلى أنّه الأب أو الجد أو مَنْ كان بحكمهما، كما سيجيء (2)إن شاء اللّه تعالى.
وذهب جمع من العامّة إلى أنّه الزوج (3).
ودليلنا على المختار الإجماع والأخبار (4)، والكتاب (5)لتصدير الآية بخطاب الأزواج، فلو أريد بقوله: (أو يَعفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقدَةُ النِّكَاحِ) (6)الأزواج لأتى به بصيغة الخطاب، فقال: «أو تعفوا أنتم»، ولأنّ المعطوف عليه غائب فالمناسب كون المعطوف كذلك، ولأنّ العفو حقيقة في الإسقاط فيناسب وقوعه من الزوجة أو من هو بحكمها، لا التزام ما سقط في الطلاق ليناسب وقوعه من الزوج، وللزوم إقامة الظاهر مقام المضمر لو أُريد به الأزواج، ولأن المفهوم من الذي بيده العقدة أن يكون التصرف إليه، وليس إلّا الولي. نعم، للزوج فكه، ولأنّ العفو مستند إلى البالغات الرشيدات فناسب ذكر مَنْ لم تكن كذلك وكان أمرها بيد الولي، ولأن قوله: ﴿إِلَّا أَن يَعفُونَ) (7)استثناء من الإثبات، فيكون نفياً.
ولو أُريد بالمعطوف الأزواج لكان إثباتاً، فيلزم إمّا خلاف قاعدة الاستثناء، أو خلاف قاعدة مشاركة المعطوف للمعطوف عليه نفياً وإثباتاً.
وطعن بعض الأصحاب فيما ذكر بأنّ العدول من الخطاب إلى الغيبة من فنون البلاغة، وبأن العفو قد يطلق على العطية، كقوله تعالى: (خُذِ العَفْوَ) (8)(وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ) (9)وبأن العفو من ولي الزوجة إذا كان عيناً أيضاً ليس من الإسقاط، فالكلام الكلام، وبأن إقامة الظاهر مقام المضمر لنكتةٍ لا بأس به، وهي هنا التنبيه على الوصف الذي هو مناط الحكم وسببه، وبأن الزوج بيده حلّ النكاح، ومَنْ بيده حل العقدة كان بيده نفس العقدة، وبأنّ التنبيه على جميع أفراد العافي ليس ممّا يوجب صرف اللفظ عن ظاهره، سيّما
الفرد الذي لا تأصل له في الحكم، وبأن التقدير ممكن بأن يقال: «ولكم نصف ما فرضتم» فيكون الاستثناء نفياً، فيتساوى المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، فالمعنى: لكم النصف إلّا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فلا يكون لكم النصف، بل بمقدار ما عفا عنه معه (1).
والحق أنّ جميع هذه المذكورات لا تنافي ترجيح إرادة الأولياء من الذي بيده عقدة النكاح، كما لا يخفى على المنصف.
واستدل القائلون بأنّ المراد بالذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أنَّ مَنْ بيده العقدة هو مَنْ بيده حلها وعقدها، وليس إلّا الزوج، وبأنه لو أُريد غيره لخلا المقام عن ذكر الزوج، وهو من المقاصد الأصلية، وبأن قوله تعالى: (وَأَن تَعْفُوا أَقرَبُ لِلتَّقْوَى) (2)بصيغة الخطاب، وكونه أقرب للتقوى ظاهر في كون ذلك للأزواج؛ لأنّ الأولياء ليسوا مخاطبين، ولا يملكون المال كي يكون عفوهم أقرب للتقوى، فالمناسب كونه خطاباً للأزواج بعضاً مع بعض.
وفيه: إنا لو خُلّينا والآية لكان هذا الكلام موجهاً، وذلك المعنى من الآية محتملاً، ولكن حال بين ذلك المعنى وبين الآية أخبار أهل العصمة.
سادس عشرها: عرفت أن من بيده عقدة النكاح له العفو، والمتيقن دخوله في ذلك الأب والجد له، وعليه اتفاق الأصحاب، وتدلّ عليه الأخبار (3).
ويراد به أب الزوجة أو جدها، فلا يسري الحكم لأب الزوج وجده؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل على موضع النصّ والفتوى، فلا يجوز لأب الزوج العفو عمّا هو للزوج لزوجته - صغيرةً كانت أو كبيرةً - لحصول المفسدة على الولد، ولم يقم دليل على جوازه.
نعم، لو التزم الأب بالمال في ذمته فلا يبعد أنّ له العفو ؛ لولايته عليه، ولأن الولد وماله لأبيه.
ويراد به العفو عن البعض وترك البعض، فلا يجوز لهما العفو عن الكل، أو مع إبقاء شيءٍ لا يتموّل. ويدل على ذلك صحيحة رفاعة (4)، المعتضدة بفتوى الأصحاب وظاهر الإجماع
المنقول (1)، وبهما تقيد إطلاقات الكتاب والسنّة في جواز العفو مطلقاً، مع احتمال تقديم الأخذ بمطلقات الأدلّة، وحمل الصحيحة على الندب، ولكن الأوّل أقوى.
نعم، لو كان في العفو عن الكلّ مصلحة فلا يبعد جوازه حتّى للولي الشرعي، فيُحمل ما دلّ على المنع من العفو عن الكلّ على ما إذا لم يكن هنالك مصلحة فيه.
ومن هنا ظهر أنّه لا يشترط في العفو عن البعض وجود المصلحة، سواء كان العافي الأب أو الجدّ أو الوليّ الشرعي أو غيرهم؛ لإطلاق الأدلّة بل ظهورها في أنّ للولي حكم العفو تعبداً، كما هو للزوجة، وليس المراد بيان جواز تصرف الأولياء في مال المولّى عليه مع المصلحة؛ لأنّ ذلك حكم آخر وله دليل آخر، فلا يدخل في سوق هذه الأدلّة.
وقيد ابن إدريس جواز عفو الولي الإجباري بالمصلحة فضلاً عن الوليّ الشرعي (2).
وفيه ما قدمنا.
و على كلّ حالٍ فمتى صح العفو من الولي فوقع منه لم يكن للمولى عليه المنع بعد ذلك؛ للأصل، وظاهر الأدلّة، وفتوى الأصحاب.
ثمّ إنّ ما ذكرناه من جواز العفو من الأب والجد هو المقطوع به من الفتوى والنصوص.
وهل يقتصر عليه، كما نُقل عليه الإجماع (3)، أو يسري لمن توليه المرأة عقدها، كما دلّت
عليه بعض الأخبار (4)، وأفتى به جمع من الأصحاب (5)؟
وهل يقتصر عليهما ؟ أو يسري لكلّ ولي شرعي بوصاية أو ولاية، كما تشعر به الأخبار؟
وهل يقتصر عليها، أو يتخطى إلى الوليّ العرفي، كما نطقت به روايات الأخ(6)؟
وتحقيق ذلك أن الأخبار مختلفة:
فمنها: أنّ مَنْ بيده عقدة النكاح هو الأب والأخ والرجل يوصى إليه والرجل يجوز أمره
1) الخلاف 4 : 389 المسألة 34.
2) السرائر 2 : 572.
3) راجع الهامش (1).
4) وسائل الشيعة 19 : 168 الباب 7 من أبواب كتاب الوكالة، ح 1.
5) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 468 وابن البراج في المهذب :2 : 196؛ والفاضل الإصفهاني في كشف اللثام 463 – 464.
6) وسائل الشيعة 20 : 283 الباب 8 من أبواب عقد النكاح...، ح 4 و 6.
في مال المرأة فيبيع لها ويشتري (1).
وبمعناه عدة روايات، إلّا أنّ في بعضها: «والأخ يوصى إليه» (2)وفي بعضها: «والذي يجوز أمره في مال المرأة من قراباتها» (3)وفي بعضها: «يأخذ بعضاً ويدع بعضاً، وليس له أن يدع كلّه» (4).
ومنها: أنّه الأب والذي توكله المرأة وتوليه أمرها من أخ أو قرابة أو غيرهما (5).
ومنها: «أنه هو ولي أمرها» (6)من غير تفصيل.
ومنها: «أنّه الوليّ الذي يأخذ بعضاً ويترك بعضاً، وليس له أن يدع كلّه»(7).
ومنها: «أنه الولي الذي يزوج يأخذ بعضاً ويترك بعضاً» (8).
ومنها: «أنّه أبوها وأخوها إذا كان يقيم بها وهو القائم عليها، فهو بمنزلة الأب يجوز له» (9).
ومنها: «أنّه الذي يعفو عن الصداق أو يحطّ بعضه أو كلّه» (10).
ومنها: «أنه - كما قدمنا - الأب والأخ والرجل الذي يوصى إليه، والذي يجوز أمره في مالها إلّا أنّ فيه: أرأيت إن قالت: لا أجيز ما تصنع ؟ قال: «ليس لها ذلك، تجيز بيعه في مالها ولا تجيز هذا؟» (11).
والمحصل من مجموعها أنّ الأب ممّن بيده عقدة النكاح قطعاً، وأما الجد فيلحق به؛ لعدم القائل بالفرق وإن لم ينص عليه، ولكن لم يقيد الأب بأب الصغيرة، فظاهرها أعم من ذلك، ولا بد من التقييد؛ لعدم ثبوت ولاية الأب على البالغة الرشيدة.
1) وسائل الشيعة 21 : 316. الباب 52 من أبواب المهور، ح 1 وذيله.
2) المصدر 20 : 283 الباب 8 من أبواب عقد النكاح...، ح 4.
3) المصدر، ح 5.
4) المصدر 21 : 316 الباب 52 من أبواب المهور، ح 2.
5) راجع الهامش (4) من ص 366.
6) وسائل الشيعة 20 : 282 الباب 8 من أبواب عقد النكاح...، ح 2.
7) المصدر : 282، الباب 8 من أبواب عقد النكاح...، ح 3.
8) لم نعثر عليه.
9) وسائل الشيعة 21: 317 الباب 52 من أبواب المهور، ح 5.
10) المصدر : 317. ح 6.
11) المصدر : 316، ح 3.
وهذا الإطلاق لا يعارض الأصول والقواعد الحاكمة بعدم الولاية على نفس أو مال سوى ما أخرجه الدليل.
وكذا الأخ إذا كان وصيّاً.
وكذا الوصيّ إذا كانت المزوجة مولّى عليها بالوصاية.
وكذا الوكيل إذا كان وكيلاً عنها وكيلاً مطلقاً فيما يصلح أُمورها وكان في العفو مصلحة لها. وكذا من قضى شاهد الحال بتفويضها أمرها إليه، كالأولياء العرفيين كالأب والأخ، أو القرابة تكون المرأة تحت يده بحيث يتكلف بنفقتها ويتصدى لأمورها وينظر في أحوالها.
وكذا الوكيل لها في أمر النكاح على وجه الإطلاق أو على وجه المصلحة، أو الوكيل على العفو نفسه.
والذي نعتمد عليه من أحكامها هو الأوّل والأخيران، وما قضى به شاهد الحال، والوصيّ مع ملاحظة الغبطة؛ لعدم الخروج عن القواعد في الأخذ بها، ولا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه.
وعلى كلّ حال فالولي العرفي والوكيل على عقدة النكاح إذا لم يكن وكيلاً على العفو لا ينطبق الحكم بجواز عفوهما قهراً على الزوجة على القواعد وإن ظهر من الروايات ذلك فما في الروايات يُحمل على الإذن الفحوائية في العفو أو الصريحة، أو استحباب الإجازة منها.
أحدها: الشرط الواقع في عقد النكاح دواماً لازم على المشروط عليه إذا كان مشروعاً ومقدوراً ولا ينافي مقتضى ذات العقد؛ لعموم أدلة الشروط (1)، ولفتوى الأصحاب.
ويجبر المشروط عليه على فعله، ولكن لا يثبت الخيار للمشترط عند عدم قيام المشروط عليه به؛ لأصالة عدمه، ولعدم الدليل عليه، بل الدليل قائم على العدم؛ لأنّ النكاح ليس من عقود المعاوضة الصرفة والخيار تابع لها، ولأنّ له شبهاً بالعبادة، ولأن أمر الفروج شديد فلا يناسبه الخيار، ولإشعار شرع الطلاق بمنع غيره من أنواع الفراق، سوى ما أخرجه الدليل. حتّى لو شرط الخيار فيه كان شرطاً فاسداً، كما هو المقطوع به عند الأصحاب، فعموم دليل الشروط موهون بذلك، فلا يصلح الاستناد إليه، وإن اختلفوا في صحّة العقد - بعد فساد الشرط - وفساده، فالمشهور على الفساد؛ لاقتران الشرط بالعقد وانصباب العقد عليه ووقوع الرضى به والقصد إليه مع الشرط، فما لم يسلم الشرط انتفى الرضى والقصد.
وقيل بصحة العقد، ومنع الارتباط المؤدي إلى الفساد؛ لعدم التلازم بينهما، ولعدم دليل دال على الفساد، والأصل الصحّة، وحكمه كحكم غيره من الشروط الفاسدة (2).
وهو متجه، غير أنّ الأوّل أوجه.
نعم، قد يفرّق بين شرط الخيار وبين غيره من الشرائط الفاسدة أن شرط الخيار ممّا يعود على العقد بالنقض، كما لو شرط لا نكاح بينهما بعد العقد، بخلاف غيره من الشرائط.
والعمدة في الفرق بينهما النصوص وفتوى الأصحاب.
ثانيها: لو اشترط أحد الزوجين شرطاً منافياً للكتاب أو السنة، أو مخالفاً لمقتضى العقد - كاشتراط أن لا يطأ أو لا يتزوج أو لا يتسرى أو لا تجب طاعته أو لا تحرم معصيته، أو شرط تسليم المهر إلى أجل وإلا كان العقد باطلاً - فسد الشرط قطعاً، والمشهور: عدم فساد العقد والمهر، ولا ينقص من المهر شيء أيضاً في مقابلة الشرط وإن اشتهر في عقود المعاوضة أنّ للشرط قسطاً من الثمن، بل ظاهر بعضهم نقل الاتفاق على ذلك (1).
ويظهر من بعض الأصحاب الحكم بفساد العقد أيضاً فيما لم يدلّ عليه دليل (2).
وهو الأوجه إن لم ينعقد الإجماع على الصحّة مطلقاً أو يقم دليل عليه.
والذي يظهر من جملة من الأخبار الآتية - إن شاء اللّه تعالى - في بعض الشروط الفاسدة أنّ العقد معها صحيح، فيمكن أن يستنبط من ذلك قاعدة سارية في جميع الشرائط، تنقيحاً للمناط، أو إلغاء للفارق، أو لعدم القول بالفصل ممن يعتد به.
وذكر بعض الأصحاب قولاً أو وجها بفساد المهر مع الشرط الفاسد من دون العقد، فيرجع فيه إلى مهر المثل، وذلك لأنّ الشرط بمنزلة العوض المضاف إلى الصداق، فإذا فات فات بعض العوض، وهو مجهول فيتجهل الصداق به فيفسد فيرجع إلى مهر المثل، ولو كان من الزوج كان المبذول منه عوض البضع والشرط، فإذا فات الشرط فات ما بإزائه وعاد المهر مجهولاً (3).
وهو ضعيف؛ لمنع كونه بعض العوض ومنضم إلى البضع، بل هو أمر خارجي أريد الإلزام والالتزام، ومنع الرجوع إلى مهر المثل عند فساد المهر.
ثالثها: ورد في رواية محمد بن قيس في رجل تزوج امرأة وشرط لها إن هو تزوج عليها امرأةً أو هجرها أو اتخذ عليها سريةً فهي طالق فقضى في ذلك: «أنّ شرط اللّه تعالى قبل شرطكم، فإن شاء وفي لها بما شرط، وإن شاء أمسكها واتخذ عليها ونكح عليها» (4).
وفي آخر: في رجل قال لامرأته: إن نكحت عليك أو تسرّيت فهي طالق، فقال: «ليس
ذلك بشيءٍ، إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: إنّ من اشترط شرطاً سوى كتاب اللّه تعالى فلا يجوز ذلك له ولا عليه» (1)وسياقه دال على صحّة العقد.
وفي ثالث: أن ضريساً كان تحته بنت حمران بن أعين، فجعل لها أن لا يتزوّج ولا يتسرى أبداً في حياتها ولا بعد موتها، على أن جعلت له هي أن لا تتزوج بعده، وجعلا عليهما من الهدي والحج والبدن وكلّ ما لهما في المساكين إن لم يف كلّ واحد لصاحبه، ثمّ إنّه أتى أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فذكر ذلك له، فقال: «إنّ لابنة حمران لحقا، ولن يحملنا ذلك على أن لا نقول لك الحق، اذهب فتزوّج وتسرّ، فإنّ ذلك ليس بشيءٍ، وليس عليك شيء ولا عليها، وليس ذلك الذي صنعتما بشيء» (2). وظاهرها أن ذلك الجعل كان عند التزويج والعقد.
وفي رابع قريب إليه (3).
وفي هذه الأخبار دلالة على صحّة العقد وبطلان الشرط إن لم يكن صريحاً فمفهوماً وتلويحاً.
وفي خامس: في الرجل يتزوج المرأة إلى أجل مسمى، فإن جاء بصداقها إلى أجل مسمى فهي امرأته، وإن لم يأتِ بصداقها إلى الأجل فليس له عليها سبيل، وذلك شرطهم بينهم حين أنكحوا، فقضى للرجل: «أنّ بيده بضع امرأته، وأحبط شرطهم» (4).
وفي سادس: «قضى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل تزوج امرأة وأصدقها واشترطت أنّ بيدها الجماع والطلاق، قال: خالفت السنّة، وولّت الحق مَنْ ليس أهله» (5)، وظاهره مضي العقد وفساد شرطها، ولولا ذلك لكان بيان فساد العقد أهم، كما لا يخفى.
والظاهر أن لا خصوصيّة لما هو مذكور في هذه الأخبار، وإنما ذلك جارٍ مجرى القاعدة في جميع الشروط الفاسدة.
نعم، في خبر مرسل: فيمن جعل أمر امرأته بيدها، قال: «ولى الأمر مَنْ ليس أهله، وخالف السنة، ولم يجز النكاح(6).
وهو لا يعارض تلك الأخبار المعتضدة بفتوى المشهور، كما أن ما ورد في بعض الأخبار مما ظاهره لزوم شرط أن لا يطلقها ولا يتزوج عليها، معللاً بأن المؤمنين عند شروطهم (1)لا يعارض ما قدمنا ممّا دلّ على فساد الشرط، فليطرح، أو يحمل على الندب، أو على النذر لو كان راجحاً.
رابعها: لو شرطت على الزوج أن لا يفتضها، قيل: كان شرطاً لازماً، إلّا إذا أذنت له بعد ذلك - من الدوام والمتعة - فيجوز لها الافتضاض (2)لعموم : «المؤمنون عند شروطهم» (3).
ولما رواه سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل جاء إلى امرأةٍ فسألها أن تزوجه نفسها، فقالت: أزوجك نفسي على أن تلتمس مني ما شئت من نظر والتماس، وتنال مني ما ينال الرجل من أهله إلّا أنك لا تدخل فرجك في فرجي وتلذذ بما شئت، فإنّي أخاف الفضيحة؟ قال: «ليس له منها إلّا ما اشترط» (4).
والآخر: رجل تزوّج بجارية عاتق على أن لا يفتضها، ثم أذنت له بعد ذلك، قال: «إذا أذنت له فلا بأس» (5).
وظاهر هذا القول وكذا الروايتان شاملتان للدائم والمنقطع، والأولى شاملة لاشتراط عدم الجماع أيضاً.
وقيل ببطلان الشرط والعقد في الدائم؛ لمنافاة هذا الشرط لمقتضى العقد، فيفسد العقد بفساده، ويصح في المتعة، ويصح وطؤها مع الإذن (6)لأنّ القصد في المتعة التلذذ وكسر الشهوة دون التنسل كما في الدائم، فلا ينافيه اشتراط عدم الوطء، ولأن المتمتع بهنّ مستأجرات، ولأنّ الظاهر ورود الروايتين في المتعة؛ لاستبعاد أن يقع ذلك الشرط من المعقودة على الدوام. ويشير إلى ذلك قولها: «خوف الفضيحة».
وهذا القول جيد لولا الحكم ببطلان النكاح في الدائم؛ لما تقدم من أنّ الأقوى عدم بطلان عقد الدائم ببطلان الشرط، وبه تجتمع الأدلّة.
وما أورده الشهيد اللّه من إطلاق النصّ وشموله للدائم والمنقطع، ومن عدم الفرق بين الدائم والمنقطع في القصد والغاية فلا وجه للتفرقة (1)، ضعيف يظهر وجهه ممّا تقدم.
وهذا أحد الأقوال في المسألة.
وقيل: يبطل الشرط في الدائم والمنقطع، ويصح العقد (2).
وفيه: إنّ هذا الشرط مع قيام الدليل عليه لا وجه لبطلانه، سوى أنّه شرط مخالف للكتاب والسنّة، وكونه كذلك في المنقطع ممنوع، ولو سُلّم فالروايتان مخصصتان لذلك.
وهل الحكم في باقي مقدّمات الوطء كذلك، وكذلك الوطء في الدبر ؟ وجهان: من مساواة المقدمات له في المقتضي، ومن كون الحكم على خلاف الأصل، والأخير أوجه.
وعليه فيبطل الشرط في الدائم والمنقطع، ويصح العقد فيهما، مع احتمال لزومه في المتعة، واحتمال أن المقدمات إذا انضمت إلى الوطء فسد الشرط والعقد في عقد المتعة.
ولو أذن المشترط فيما اشترط عدمه جاز؛ لأنه حق له أسقطه.
ويدلّ عليه في الوطء الرواية (3)، فغيره جائز بالأولوية.
وقيل بعدم الجواز؛ لأنّ الفروج لا تحلّ بالإذن بل بالعقد، والعقد قد اشتمل على المنع، فلا وجه لتحليله بالإذن بعد ذلك (4).
وفيه ضعف يظهر وجهه ممّا ذكرنا.
خامسها: لو شرطت الزوجة على الزوج سكنى بلد خاص أو مقام خاص، أو أن لا يخرجها من بلدها أو أهلها أو محلّتها، فالأظهر لزوم الشرط عليه ما لم تسقطه من نفسها؛ لعموم دليل الشروط السائغة (5)، وهو شرط سائغ مقصود للعقلاء، غير منافٍ للكتاب والسنّة.
ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ شرط لامرأةٍ شرطاً فليفِ لها به، فإن المؤمنين عند شروطهم» (1).
وللخبر: رجل تزوج امرأة وشرط لها المقام بها في أهلها أو بلد معلوم، فقال جميل: قد روى أصحابنا: «أنّ ذلك لها» (2).
والآخر: في الرجل يتزوج امرأةٌ ويشترط لها أن لا يخرجها من بلدها، قال: «يفي لها بذلك» أو قال: «يلزمه ذلك» (3).
وقيل ببطلان الشرط وصحة العقد؛ لكونه ممّا يخالف المشروع؛ لأن حق الاستمتاع بالزوجة أمر ثابت في جميع الأزمنة والأمكنة، فاشتراط عدم إخراجها منافٍ له (4).
وهو ضعيف؛ لمنع المنافاة أصالة، ولزومه تبعاً غير ممنوع؛ لعدم دخوله فيما خالف الكتاب والسنّة، وكثير من الشرائط السائغة يلزمها المنع من الاستمتاع في بعض الأوقات، كما إذا اشترطت عليه عملاً يؤدي إلى خروجه وغيبته عنها، ولا يمنعه أحد، على أن طرح الروايات أو حملها على الندب من غير مقتض بعيد عن التحقيق.
ويلحق بالشرائط المتقدمة أن لا يسافر بها، وأن يسكنها مع مَنْ تهوى من قومها أو عشيرتها إذا لم يلحقه ضرر في ذلك.
ويصح للزوج مع رضاها العمل بخلاف الشرط، لإسقاط حقها.
ويجوز لها إسقاط حقها من الشرط أصلاً، أو الصلح على عدمه بمال على الأظهر؛ لتنزيل الأوّل منزلة الإبراء، ولعموم دليل الصلح (5)، مع احتمال أنّ حقها بالشرط ممّا يتجدد فلا يصح إسقاطه، وهو وجه، إلّا أنّ الأوّل أوجه.
ولو أمهر الزوج الزوجة مهراً فشرط لها مائة دينار إن خرجت معه، وخمسين إن لم تخرج معه، فإن أخرجها إلى بلد الإسلام لزمه الشرط، وإن أخرجها إلى بلد الشرك لزمته المائة.
والمستند في ذلك رواية علي بن رئاب عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وموردها أن مهرها مائة
دينار على أن تخرج معه، فإن لم تخرج معه فخمسون، قال: «إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك، ولها مائة دينار التي أصدقها إياها، وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسلمين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها» (1).
وهذه الرواية تخالف القواعد من جهة الترديد في المهر المؤدي إلى الجهالة والإبهام، ومن جهة لزوم المائة دينار عليه إذا أراد أن يخرجها إلى بلاد الشرك فلم تخرج؛ لعدم لزوم متابعته في ذلك، لحصول الغضاضة عليها في دينها، مع أنّ المائة دينار إنّما بذلها للخروج معه، ومن جهة الحكم في آخر الرواية بعدم جواز إخراجها إلى بلاده بلاد الإسلام إلّا بعد أن يدفع لها مهرها وإن كان بعد دخوله بها، بل وإن لم تطالبه به، وكلاهما خلاف القواعد، فالأخذ بمضمونها مع هذه المخالفات مشكل، فلا بد من طرحها أو تنزيلها على ما يوافق القواعد، ومع طرحها فلا بد من الحكم بصحة العقد وبطلان الشرط والمهر؛ لمكان الترديد، وإن كان على التقديرين فيرجع إلى مهر المثل إمّا مطلقاً، أو ما إذا لم يزد على ما فرضناه من التقديرين ولم ينقص، لإقدام الزوجة على النقيصة والزوج على الزيادة، والأوّل أوجه، ويتبعه أيضاً بطلان الشرط.
على أنّ الرواية ليس فيها اشتراط عدم الخروج، كما هو المذكور في الروايات الباقية (2).
بل المذكور فيها مهران على تقديرين، وهو ممّا تنادي بفساده الفتاوى والنصوص النافية للغرر (3).
وما ورد في الإجارة: إن خطته فارسيّاً فلك كذا، وإن خطته روميّاً فكذا، لا نقول به، وإن قلنا به فللنص.
ولك أن تقول هنا: إنّ الرواية معتبرة وقد عمل عليها جملة من الأصحاب (4)، فيخصص بها الأدلّة المانعة من الجهالة في المهر، على أن المهر ليس من المعاوضات الصرفة، فيغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره.
أو نقول: إن مهرها كان مائةً واشترط عليها أنّها إن لم تخرج يأخذ منه خمسين؛ عقوبةً لمعصيتها، وإنّ دفع المهر إليها قبل خروجها محمول على وقوع ذلك قبل الدخول، على أنّه ليس نصاً في لزوم إعطائها المهر قبل الإخراج مطلقاً.
وقد يُحمل على توطين النفس والعزم على الأداء، أو التحريض على وفاء دينه، أو غير ذلك.
سادسها: لو شرط على الزوجة عدم الإنفاق عليها فعلاً أو أن لا نفقة لها، فسد الشرط مع صحته في الأوّل.
ولو شرطت عليه المنافي لحق زوجته الأخرى، بطل كذلك.
ولو شرط مهراً يلزم من وجوده عدمه، بطل الشرط. ولو شرط في النكاح أمراً يلزم من وجوده عدمه، بطل النكاح.
ولو شرط الخيار في المهر، صح الشرط والعقد والمهر، فإن وقع الفسخ ثبت مهر المثل.
إذا اختلفا في استحقاق المهر قبل الدخول، كان القول قول الزوج من غير كلام.
وإن كان بعده، فالأقوى كونه كذلك، وهو المشهور؛ لإمكان البراءة الأصلية منه حين العقد إلى حين الوطء، كما إذا كان صغيراً معسراً والعاقد له أبوه، أو عبداً مملوكاً، أو كان المهر شيئاً في ذمتها، أو عيناً في يدها، أو كانت قد دلّست نفسها.
وللأخبار:
ففي الخبر: «إذا دخل الرجل بامرأته ثمّ ادّعت المهر، وقال: قد أعطيتك، فعليها البينة وعليه اليمين» (1).
وقد يُفرّق بين دعواها بعد الدخول.
والآخر: «إذا أُهديت ودخلت بيته وطلبت بعد ذلك فلا شيء لها، إنّه كثير لها أن يحلف باللّه ما لها قبله من صداقها قليل ولا كثير» (2).
وقد يقال: إن مورد الروايتين الاختلاف في التسليم، لا في أصل الاستحقاق.
وقد يجاب بأنه إذا سمع قوله بالتسليم سمع قوله بنفي الاستحقاق وشغل الذمة.
وقد يشكل ذلك بأن الأصل مع الدخول شغل ذمّة الزوج، فعليه البينة ببراءته بعد ذلك.
وقد يُفرّق بين ما جرت العادة زماناً أو مكاناً فيه بالدفع قبل الدخول فالقول قوله؛ لمكان الظاهر، وبين ما لم تَجْرِ فالقول قولها.
وقد يُفرّق بين دعوى المرأة المهر الحال مع مضي زمان كثير، وبين دعوى المؤجل، أو لم يمض زمان كثير؛ لمكان الظاهر أيضاً.
ويقوى القول: إنّه إن أنكر التسمية في العقد وبعده صُدّق بيمينه قبل الدخول وبعده؛
للأصل من غير معارض، ويثبت عليه مع الطلاق قبل الدخول المتعة، وبعده مهر المثل، إلّا أن يثبت عليها التدليس منها، أو كونه صغيراً معسراً حين عقد أبيه، أو عبداً.
ولو قصرت دعواها عن المتعة أو مهر المثل فلها الأقلّ ممّا تدعيه ومنهما، ولا تحلفه على الزائد؛ لاعترافها بعدم استحقاقها له.
ومثله إنكار أصل المهر أو شغل الذمة، فلا تفاوت بين إنكار التسمية، أو إنكار المهر مطلقاً، أو إنكار شغل ذمّته مطلقاً، أو إنكار شغل ذمّته حين الدعوى على الأظهر.
هذا كله إن اعترف بالوطء، فإن لم يعترف بالوطء كان القول قوله بيمينه في عدم الوطء ولو حصلت بينهما خلوة على الأظهر.
وقيل: إن لم يعترف بالوطء سُمع إنكاره للمهر، وإن اعترف لم يُسمع إنكاره للمهر بعد اعترافه به؛ لإيجاب الوطء إما المسمّى أو مهر المثل، إلّا أن يثبت سقوطه بأحد المسقطات (1).
ولو اختلف الزوجان في قدر المهر المسمّى وغيره زيادة ونقصاً، كان القول قول مدعي النقصان؛ للأصل، ورواية أبي عبيدة (2).
وكذا لو اختلفا في الجودة والرداءة.
ولو اختلفا في العيب وعدمه، كان القول قول مدعي الصحّة.
ولو اختلفا في التأجيل والتعجيل، احتمل تقديم قول من ادعى التأجيل؛ لأصالة عدم القيد، وعدم الأجل، وعدم زيادته لو اختلفا في زيادته ونقصه، واحتمل العكس؛ لأن التأجيل نقصان بالنسبة إلى الحلول، ولأصالة براءة ذمّته حالاً، ولا بأس بالأخير.
ولو اختلفا في التسمية وعدمها، كان القول قول منكرها.
ولو ادعى الزوج التسمية بالأقلّ، فأنكرت الزوجة التسمية لإثبات مهر المثل، وكان مهر المثل أكثر احتمل تقديم قوله؛ لأصالة البراءة من الزائد وتقديم قولها؛ لأصالة عدم التسمية.
وينبغي التأمل في الفرق في صور التداعي بين دعوى أصل المهر أو دعوى التسمية، وبين اقترانهما بمعين وعدمه، وبين كون المدعي هو الزوجة أو الزوج، وبين كون النافي نافياً
لأصل المهر أو لتسميته أو لتبعيته أو لشغل الذمة به أو لزيادته، وبين كون المنكر هو الزوج أو الزوجة في موضع تخاف من الرجوع عليها بنصفه لو أقرّت، وكان القول قوله في التسليم به، وتختلف صور الدعوى والإنكار بحسب المقامات، فعلى الفقيه التمييز.
ولو اختلفا في عينين، كان كلّ منهما مدعياً ومنكراً، وتحالفا مع عدم التمكن من البينة لأحدهما، فإن تمكنا معاً كان من تعارض البينتين.
فلو تحالفا انفسخ المسمّى وثبت مهر المثل.
ويمكن تقديم قول الزوج؛ لأصالة براءة ذمته من غير ما أقرّ به، وهو ضعيف.
ويمكن تقديم قوله لو كان فيما تدعيه المرأة زيادة؛ لأصالة البراءة.
ولو اختلفا في الجنس أو النوع أو الصنف، فالأقوى بحسب القواعد: التحالف وإن اختلف النوعان قيمة.
ويحتمل مع اختلاف قيمة النوعين أن يكون القول قول الزوج؛ لأنه ينكر النوع الزائد في القيمة لو كان هو المنكر له.
ويحتمل تقديم قوله كذلك فيما لو كان الاختلاف فيما لا يتعلّق غرض بأعيانهما، كالدراهم والدنانير فادعى الزوج الأقل كمائة درهم، وادعت هي مائة دينار.
وأطلق جمع من الأصحاب (1)الحكم بتقديم قول الزوج فيما لو كان الاختلاف في الجنس، ونقل عليه الإجماع (2).
ولعله محمول على أحد الاحتمالين الأخيرين.
واستقرب العلّامة (رَحمهُ اللّه) تقديم قول مَنْ يدعي مهر المثل لو اختلفا في الزيادة والنقصان؛ لموافقته الأصل والظاهر (3).
فإن ادعى النقصان عنه وادعت الزيادة عليه تحالفا؛ لمخالفتهما الأصل والظاهر، وردّ إليه ؛ لبطلان التسمية حينئذٍ.
ولو ادعيا الزيادة عليه واختلفا فيها احتمل تقديم قوله؛ لأنّه أكثر من مهر المثل، والأصل البراءة ممّا تدعيه من الزيادة، واحتمل الرجوع إلى مهر المثل؛ لاشتراك الدعويين في مخالفة الأصل والظاهر ولسقوط دعواها بيمينه ودعواه بإقرارها فيبطل المسمّى فيثبت مهر المثل.
ولو ادعيا النقصان عنه واختلفا فيها احتمل تقديم قولها؛ لأنه أقرب إلى الأصل وأولى بالقبول من مهر المثل، واحتمل تقديم قوله؛ لأنّهما اتفقا على عدم استحقاق مهر المثل والأصل البراءة من الزائد، واحتمل ثبوت مهر المثل مع التحالف؛ لانفساخ المسمّى.
ولو اختلفا في التسمية وعدمها للاختلاف في التعين سواء اشتمل الاختلاف على الاختلاف في الزيادة والنقصان أم لا، قدّم قوله؛ لموافقته الظاهر، ولأصالة البراءة من العين الأخرى، واحتمل تقديم قولها؛ لأصلي عدم التسمية والتعيّن، سيما لو كان قبل الطلاق والدخول؛ لاعترافها بعدم استحقاقها الآن شيئاً.
وإن كان مهر المثل متعيّناً في النقد الغالب، اتجه التحالف إن خالفته العين المدعى تسميتها، واحتمل الحكم بالتحالف مطلقاً؛ لإنكار كلّ ما يدعيه الآخر.
ولو تداعيا في التسليم، كان القول قول الزوجة مع الدخول وعدمه؛ للأصل، والإجماع المنقول (1).
وقيل : القول قول الزوج؛ للظاهر، والإجماع المنقول (2).
وقد يوفّق بين الإجماعين أنّ العادة إن قضت بتقديم المهر وقد دخل بها ومضى زمان لم تطالبه به فالقول قوله وإلا فالقول قولها، وعلى هذا تُنزّل الأخبار (3)الدالّة على أن القول قوله في القبض عند اختلافهما إذا كان الاختلاف واقعاً بعد أن يدخل بها.
ولو خلا بها فادعت المواقعة بها قبلاً أو دبراً فأنكر، كان القول قوله؛ للأصل.
وقيل: القول قولها (4)، وأفتى به ابن أبي عمير (5)، ودلّت عليه بعض الأخبار(6).
ولو ادعت المواقعة قبلاً فأقام البينة بالبكارة، قيل: بطلت دعواها (1)لأنه خلاف الظاهر؛ لأنّ الظاهر عدم عودها، وعدم اجتماع الوطء معها، إلّا أن تقيم بينةً على الوطء أو على عودها. وفيه: إنا لا نسلم عدم اجتماع البكارة مع الوطء، والظهور وحجيته ممنوعان.
ولو اتفقا على إصداق تعليم سورةٍ معيّنة، ثمّ ادّعت أنّه علمها غيرها، فالقول قولها، وتغرم له الأجرة.
ولو ادعت عقدين بمهرين متفقين أو مختلفين فأقامت بيّنةً، أو أقرّ فادعي التكرار فأنكرت قدم قولها؛ لأصالة الحقيقة والتأثير في العقود، وأصالة تعدّد المعنى والأثر مع تعدد العقد المؤثر، وللظاهر أيضاً؛ لأنّ الظاهر إرادة التأسيس، ولا يعارضهما أصالة عدم التعدد وأصالة عدم النكاحين المتغايرين المستقلين، غايته وقوع عقدين لفظتين، والأصل عدم تعدد معناهما، وذلك لترجيح الأصل الأوّلي والظاهر على هذا الأخير، وتملك المرأة عليه حينئذٍ مهرين كاملين؛ لأن النقصان إنما يحكم به مع الطلاق قبل الدخول، والسقوط مع الفسخ، أو نحوه، والأصل عدمهما.
وقيل: يلزم المهر الثاني إذا كان داخلاً بها، ونصف الأول؛ لأن شرط استقرار الأوّل بالدخول والأصل عدمه فلو جهل أي المهرين في الأوّل أو الأخير اصطلحا (2).
وقيل: لا يلزم إلّا الأخير؛ لأنّ شرط استقرار الأوّل عدم سقوطه بفسخ أو ردّةٍ أو تدليس أو إسلام، والأصل البراءة منه، والأصل عدم حصول الشرط، فلو لم يعلم بالمهر الأخير من الأوّل اصطلحا (3).
وهما ضعيفان.
ولو أشهدت أربعاً على وقوع عقدين كلّ اثنين على عقد، ولم يعلم الاتحاد أو التغاير، فهل يحكم لكلّ شاهدين بواحدٍ، أو الجميع بواحدٍ ؟ الظاهر الثاني؛ لأصالة عدم التعدّد.
ولو اختلفا فقال الزوج أصدقتك أباك، فقالت: بل أُمّي، تحالفا وانعتق الأب بإقراره والأم بإقرارها، وثبت مهر المثل، ومَنْ نكل منهما عن اليمين قضي عليه بالنكول، أو أحلف الآخر على إثبات ما يدعيه.
ولو قدمنا قول الزوج ثبت الحق بيمينه وميراث الأب على كلّ حالٍ موقوف لا يدعيه أحدهما، وعلى تقديم قول الزوج يعتق عليها ولا شيء لها.
ويحتمل أن لها منه ما يساوي قيمة الجارية، فيعتق عليها ذلك، ويبقى الباقي موقوفاً، وميراثه لها، فإنّها وإن لم تدعه إلّا أنّ الحكم بعتقه عليها يستلزم الحكم بملكها له، وهو يستلزم كون الميراث لها وإن أنكرته.
وقيل بالوقف؛ لاشتراك العلة في الجميع مساوي القيمة والزائد عليها، وهي الإنكار (1).
وقد يجاب: إن العلة ليست مجرد الإنكار، بل مع عدم الحكم شرعاً بملكها له، والمساوي محكوم بملكها له، ولو سُلّم فإنّما يؤثر ما لم يعارضه أقوى منه، والفرق بينه وبين العتق حيث حكمنا به مع إبطالنا لكونه صداقاً بيمينها تغليب الحُرّية وإن كان إنكاره لملكه له بالذات وبصريح اللفظ، بخلاف إنكارها الميراث فإنّه من توابع إنكارها الملكية، وأن قضية الحكم هنا الملكيّة وهناك العدم، ولهذا حكم بالعتق في الجميع، والملك والميراث فيما يساوي، وعلى القول بالوقف قيل بوقف ما زاد منه على قيمة الجارية لاتفاقهما على استحقاقها ذلك، وهو ممنوع، هكذا ذكر بعض الأصحاب (2)، وهو مفتقر إلى التأمل.
وإذا اختلف ولي الزوج ووليّ الزوجة، قام وليّ الزوجة مقامها كولي الزوج.
وإذا اختلف الأصيل مع الولي، جرى على كلّ منهما حكمه في التداعي، ولا يتوجه يمين على الولي.
نعم، ينتظر المولّى عليه إلى أن يكمل فيحلف.
نعم، يتوجه يمين على الأصيل إذا أراد الولي تحليفه.
ولو ادعى الوليّ أو الأصيل تسليم المال إلى الولي الآخر أو الوكيل، كان له تحليفهما.
وورثة الزوجين كالزوجين بالنسبة إلى تحرير المدعي منهما والمنكر، إلّا أن الوارث لا يحلف على البت، بل يحلف على نفي العلم إذا ادعي عليه العلم.
ولو دفع إليها مالاً فقال: من المهر، وادعت أنّه هبة، فالقول قوله من غير يمين؛ لأنّ النية والأمر بيده.
ولو أثبتت عليه أنّه ذكر لفظ الهبة، فادّعى أنّه أراد بلفظها الوفاء، كان القول قوله بيمينه، مع احتمال عدمه؛ أخذاً بظاهر حال اللفظ.
ولو ادعى الزوج دفع المهر إلى الوليّ أو الوكيل فأقام بيّنة، أجزأه عن الأصيل ولو كان وليّاً عاماً، كالحاكم الشرعي.
ولو قال الزوج: هذا ابني من هذه الزوجة، فالأقرب ثبوت مهر المثل عليه، ولا يجديه إنكاره النكاح أو أصل المهر أو التسمية؛ لثبوت النسب شرعاً، اللازم للوطء الصحيح اللازم لمهر المثل، مع احتمال أصالة البراءة؛ لاحتمال الحمل بلا وطء أو زناها أو تدليسها، أو رقيته أو صغره أو إعساره.
تم كتاب النكاح ويتلوه إن شاء اللّه تعالى كتاب الطلاق
كتاب الطلاق
بسم اللّه الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين.
يقول الراجي عفو ربِّه حسن ابن شیخ جعفر: هذا
ويتبعه كتاب الخلع والمباراة
الطلاق في عرف الشرع أو المتشرعة حقيقة في إزالة قيد النكاح الدائم بلفظ «طالق» وشبهه، أو اللفظ المزال به ذلك، أو مشترك لفظي.
واسمه يقع على الصحيح والفاسد.
أحدها: البلوغ، يشترط بلوغ المطلق وفاقاً للأكثر (1)للأخبار (2)الدالّة على عدم وقوع طلاقه (3)، وأنه ليس بشيء، المعتضدة بالشهرة نقلاً (4)، وتحصيلاً، الموافقة لاستصحاب الزوجيّة. والحجر عليه المناسبة للاحتياط في الفروج المؤيّدة بالاستقراء القطعي في باقي عقوده وإيقاعاته.
وكما لا يصح طلاقه مباشرة لا يصح توكيله فيه، ولا توكله عن غيره؛ لاشتراط البلوغ
في عقد الوكالة كما تقدم، ولعموم أدلّة الحجر عليه في عقوده وإيقاعاته أصالة ووكالة.
وقيل بجواز طلاقه إذا بلغ عشراً، ونُسب (1)للشيخ وجماعة (2)، وفيه رواية (3)ضعيفة مرسلة، و روایتان (4)، ضعيفتا السند والدلالة؛ لتضمّنهما جواز طلاقه وإن لم يحتلم، وهو أعم من المدّعى.
ولا يصح طلاق الولي عن المولى عليه؛ للأصل، ولعموم: «الطلاق بيد من أخذ بالساق» (5)ولخصوص الأخبار المانعة (6)والإجماع المنقول (7).
نعم، استثني من ذلك ما لو بلغ الصبيّ فاسد العقل، فيجوز طلاق وليه عنه، وفاقاً للأكثر (8)احترازاً عن الوقوع في الضرار، وللإجماع المنقول (9)، وللأخبار الدالّة على ذلك، وفي جملةٍ منها: «إنّ وليه بمنزلة السلطان أو الإمام» (10)وهي ظاهرة في إرادة بيان سلطنته وتصرفه، وأنه يتصرف كالسلطان أو الإمام المتصرفين.
وفيها دلالة على صحّة طلاق الحاكم عمّن استمرّ جنونه أو تجدد، كما هو الأظهر فيهما. ومنع جمع (11)من جواز طلاق الوليّ عن المجنون، ونُقل عليه الإجماع (12).
وهو ضعيف؛ لمعارضته بالأخبار المتقدّمة المؤيَّدة بفتوى المشهور والإجماع المنقول والاعتبار، وحديث «لا ضرار» (13).
1) الناسب هو العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 360 المسألة 15.
2) النهاية : 518 المهذب :2 : 288؛ الوسيلة : 323.
3) وسائل الشيعة 22 : 77 الباب 32 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 2.
4) المصدر : 78 و 79، ح 5 و 7.
5) المعجم الكبير 17 : 179، ح 473.
6) وسائل الشيعة 22 : 80، الباب 33 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
7) الخلاف 4 : 442 المسألة 29.
8) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 518 - 519؛ وابن البراج في المهذب :2 : 288؛ وابن حمزة في الوسيلة : 323؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3 : 121.
9) إيضاح الفوائد 3 : 292.
10) وسائل الشيعة 22 : 84 الباب 35 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 1 و 3.
11) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف 4: 442 المسألة :29 وابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 673 والفاضل الإصفهاني في كشف اللثام 68.
12) راجع الهامش (7).
13) وسائل الشيعة 18 : 32، الباب 17 من أبواب الخيار، ح 3 و 4.
وهل يشترط في طلاق الولي الغبطة مطلقاً، أو عدم المفسدة مطلقاً، أو الغبطة في ولاية الحاكم دون الوليّ الإجباري ؟ وجوه، أوجهها الأخير، وأحوطها الأوّل.
وفي لحوق الفسخ بالطلاق في هذه الأحكام نظر، ولا يبعد اللحوق؛ لدلالة فحوى جواز الطلاق الذي هو أقوى على جواز الفسخ الذي هو أضعف.
الثاني : العقل، فلا يصح طلاق المجنون مطبقاً أو أدواريّاً حالة عدم الإفاقة ضرورةً وإن أمكن صدور قصد والتفاتٍ منه إلى الطلاق، كما هو في كثير من المجانين، ومعرفته موكولة إلى العرف ومع الاشتباه فإلى نظر أهل الخبرة والمعرفة منهم.
ويصح طلاق الولي الإجباري عمّن بلغ فاسد العقل، وطلاق الحاكم الشرعي عمّن تجدد جنونه مع المصلحة، وكذا عمّن استمر جنونه مع فقد وليه.
وهذا كله لو كان الجنون مطبقاً، أما لو كان أدوارياً لم يجز للولي أن يطلق عنه، لرجاء زوال عذره.
نعم، لو كان له في الطلاق مصلحة فامتنع منه في حال الإفاقة، أمكن أن يتولاه الولي عنه حال جنونه؛ تنزيلاً لامتناعه منزلة عدم إمكانه.
وربما يظهر من خبر أبي خالد القماط وشبهه (1)الشمول لمثل ذلك.
ولكنّه خلاف ما تقتضيه القواعد وظواهر جملة من كلام الأصحاب، فلا يمكن الحكم به.
الثالث: القصد، فلا يصح ممن لا قصد له كالنائم والسكران والمغمى عليه والهازل والساهي والملجا من غير قصد والغالط والذاهل والمغضب إذا زال اختياره، ومَنْ أوقع لفظاً لا يريد به معنى، أو لا يريد به معناه أو لا يريد به أثره، أو زاعماً عدم ترتب أثره، كمن زعم أن لا زوجة له فطلق فتبيّن أنّ له زوجة أو زعم أن زوجته لا يقع الطلاق بها - لحيض أو وقاع - فبان عدمه، على إشكال في الأخير.
ولو ادعى الغلط فوراً وكان ممّا يُسمع كما إذا قال: «أنتِ طالق» فقال: «عنيت أنتِ طالع فغلطت» شمع؛ لأنه أمر لا يُعلم إلّا من قبله، ولا ينافيه ظهور عدمه؛ لعدم استقراره.
1) وسائل الشيعة 22 : 81، الباب 34 من أبواب مقدّمات الطلاق...، ح 1 و 84، الباب 35 من تلك الأبواب، ح 1.
ولو ادعى ذلك بعد خروجها من العدة أو بعد فوات زمان من العدة البائنة وقد ظهر لديه اعتدادها ومعرفتها بطلاقه لها، لم تسمع دعواه.
ولو قصد اللفظ ومعناه وأثره في الجملة، وقع الطلاق وإن لم يفهم تمام المعنى المطابقي، وذلك ككثير من طلاق العوام وغير أهل اللسان من العجم ونحوهم.
نعم، لو لم يعرف العجمي المعنى أصلاً ولا قصده في الجملة، بطل؛ كلّ ذلك للإجماع، والأخبار (1)الدالّة على أنّه لا طلاق إلّا لمن أراد الطلاق، وأنّه لا طلاق إلّا بنية، ونحو ذلك ممّا هو معمول عليه عند الأصحاب.
ولو ادعى عدم القصد إلى الطلاق في لفظ مجمل، سمعت دعواه.
وإن ادعاه في لفظ صريح، فإن كان في العدة الرجعية كان منه رجعة، وإن ادعاه في عدة بائن فصادقته الزوجة لم يعارضه أحد؛ لانحصار الحق فيهما. وكذا بعد انقضاء العدة إذا لم تتزوج، وتكليفه الشرعي يرجع إليه واقعاً.
وإن ادعاه في البائنة أو بعد الخروج من العدة الرجعية، كان مقتضى القواعد عدم السماع لقوله، إلّا مع البينة المطلعة على باطن أمره، ولكن مقتضى كلام الأصحاب سماع دعواه ما دامت المرأة في العدة مطلقاً؛ لأنه أمر يرجع إلى نيته، ولا يُعلم إلّا من قبله، فيرجع إليه به، وصح؛ لحصول علاقة الزوجيّة في العدّة الرجعيّة، وفي البائنة في الجملة، وليس لها عليه إلّا اليمين.
وبهذا يُفرّق بين الطلاق ما دامت العدة، وبين سائر العقود والإيقاعات؛ لبقاء علاقة الزوجيّة في العدة، وفوات أثر العقد والإيقاع بعد وقوعهما.
ولرواية منصور بن يونس فيمن طلق امرأته بلا نية، قال: «ما بينك وبين اللّه ليس بشيء، ولكن إن قدّموك إلى السلطان أبانها منك» (2).
وفي الجميع نظر؛ لأنّ كون القصد أمراً يرجع إلى نيته لا يستلزم تصديقه في معارضة ظاهر الخطاب، كما في سائر الأبواب، ولأنّ دعوى بقاء علاقة الزوجيّة ممنوعة في غير
الرجعية، وفيها يكون رجعةً، كإنكار الطلاق، ولأن خبر منصور على النفي أدلّ، إلّا أن يريد بـ «السلطان» السلطان الجائر، وهو مع أنّه لا يفيد خلاف الظاهر.
الرابع: الاختيار، فلا طلاق للمكره، بلغ حد الإلجاء، أم لا.
ويتحقق بالخوف على نفسه حالاً أو مؤجّلاً، من قتل أو جرح أو إهانة لا يتحملها مثله غالباً، أو على مال خطير مطلقاً، أو قليل يضر بالحال أو بالمال، أو على عرض من فسق أو هتك حرمة بالحال أو المآل، أو على نفس صديق أو ماله أو عرضه كذلك، أو على نفس مؤمن خاص أو عام للصنف، وكذا عرضه أو ماله.
والخوف على المال في العام لا يخلو من إشكال.
والخوف يكون بظنّ وقوع الأمر المخوف من المكره، وبالشك أيضاً.
والمرجع فيه إلى العرف ويلاحظ فيه حالة الأواسط، فلا عبرة بالجبان ولا المتهور.
ويشترط في بطلان طلاق المكره استناد الطلاق إلى الإكراه، فلو أكره ولكن رضي به حال وقوع الصيغة كفى.
ولا يشترط في الإكراه زوال القصد إلى الطلاق بأن يلقي اللفظ غير قاصد إلى معناه، كما قد يتخيّل؛ لأنّ أكثر المكرهين من النساء والضعفاء الغير العارفين يقصدون المعنى، بل والأثر، ولكن قهراً عليهم؛ لعدم معرفتهم بإمكان تجريد اللفظ عن قصد معناه.
نعم، قد يقال: إن العارف بذلك يلزمه التجريد، فإذا لم يجرّد دخل تحت اسم الاختيار. وينبغي التأمل في ذلك.
ويشترط في الإكراه أن لا يخيّر بين أمرين يجب أحدهما عليه، كما إذا أُجبر على الطلاق أو الإنفاق، أو عليه أو على تأدية مال غريم، أو صلاة أو زكاة أو حج، فاختار الطلاق، فإنّه لا يسمى إكراها.
ولو أجبره على أحد أمرين لا يلزمه أحدهما، كما إذا أجبره على عتق أو طلاق فطلق كان إجباراً والعدول عمّا أُجبر عليه إلى مساويه، أو إلى ما يدخل المكره عليه فيه على وجه
العموم أو الإطلاق، فلو أجبره على فسخ فطلق أو بالعكس، لم يكن إجباراً.
وكذا على بيع فصالح أو العكس.
وكذا لو أكره على طلاق زوجته فطلّق زوجتيه بصيغةٍ واحدة، لم يكن إجباراً على ما ذكره جملة من الفقهاء (1).
وفيه إشكال.
وكذا لو أكره على طلقة فطلق ثلاثاً بصيغةٍ واحدة عند من يعتقدها ثلاثة، أما من لا يعتقد ذلك بل يعتقد الواحدة أو طلق مرتباً كان مكرهاً في الأولى مطلقاً، وفي الأخيرة بالنسبة إلى الأولى.
ولو أكرهه على الأكثر ففَعَل الأقل، كما إذا أكرهه على طلاق زوجتيه فطلق واحدة، أو على ثلاث طلقات فطلّق مرّةً، كان إكراهاً على الأقوى.
ولو أكره على طلاق معينةٍ فطلق مبهماً، فإن عيّن غير المكره عليها لم يكن إكراها، وإن عينها فالأظهر إنّه إكراه.
ولو أكره على طلاق إحدى زوجتيه فطلق المعينة، كان إكراها؛ إذ لا مندوحة له عنها. وإن أكره على المبهم فطلق المعينة، لم يكن إكراها.
ولو أُكره على الطلاق بصيغة خاصة فعدل إلى غيرها، لم يكن إكراهاً.
ولا يقع الإكراه في فعل المكره بنفسه ما يضره، كما إذا قال: طلق وإلا قتلت نفسي وأتلفت مالي.
وطلاق المكره لا تنفعه الإجازة بعد ذلك.
ولو ادعى المطلق الإكراه بعد وقوع الطلاق فإنّ له أمارات تدلّ عليه، كما إذا كان خائفاً وكان له مَنْ يتوعده، أو كان محبوساً، أو كان للمرأة أولياء تخاف منهم في أمر نكاحها؛ قبل قوله، وإلا فلا.
والقول بمنع سماع قوله مطلقاً قوي.
الخامس: يشترط في المطلق كونه أصيلاً أو وكيلاً أو ولياً، فلا يصح طلاق الفضولي؛ للأصل، بل وللإجماع.
ولا يشترط في الوكالة غيبة الموكل عن البلد، ولا غيبته عن المجلس؛ للأصل.
1) منهم : العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3 : 122؛ والفاضل الإصفهاني في كشف اللثام 8: 9؛ والطباطبائي رياض المسائل 12 : 203.
والمحكي عن الشيخ عدم جواز طلاق الوكيل مع حضور الموكل في البلد (1)جمعاً بين ما دلّ على الجواز (2)، وبين ما دلّ على منع الوكالة في الطلاق، كخبر زرارة (3).
وهو ضعيف؛ لأن الجمع فرع المقاومة، والخبر ضعيف فطرحه أولى.
ويجوز توكيل المرأة على طلاق نفسها؛ لإطلاق أدلّة الوكالة.
ومنع الشيخ منه (4)لأنه لا يكون الفاعل قابلاً. وهو ضعيف.
ولو وكل المطلق على طلاق زوجته واحدةً فطلق ثلاثاً أو بالعكس، فللأصحاب فيه خلاف واضطراب.
وتحقيقه أنّه إن وكله على واحدة فطلق ثلاثاً مرسلةً لمن يرى بطلانها لم يقع موجب الوكالة، وإن طلّق لمن يرى صحتها واحدةً فوجهان أظهرهما عدم وقوعه؛ لأنّ ظاهر الوكالة إيقاع المتفق عليه لا المختلف فيه.
وإن طلق مرتبةً فإن لم يتخلل بينها رجوع صحت الأولى، وفسد الباقي ؛ لعدم الربط بين الأولى والأخيرتين.
وإن تخلّل بينهما رجعة فإن كان وكيلاً على الرجعة لم يقع إلّا الطلاق الأوّل، والرجعة بعده، ولا يقع الطلاق الثاني، وإن لم يكن وكيلاً عليها لغت الرجعة وما بعدها من الطلاق.
وإن وكله على ثلاث مرسلةً فطلق واحدةً، فإن كان ممن يرى بطلان الثلاث المرسلة لم يقع الطلاق؛ لأنّه وكله على فاسد، فلا يقع منه الصحيح، وإن كان ممن يرى وقوعها واحدةً، فوجهان أظهرهما عدم الوقوع؛ لإمكان أن يكون له غرض بوقوع الواحدة في ضمن المختلف فيه دون المتفق عليه، وفهم الأولوية ممنوع.
وإن وكله على ثلاث مرتبةٌ فطلق واحدة صحت الواحدة الأُولى، سواء عزم على الباقيتين ابتداء أو لم يعزم، وسواء وكله على الرجعة بينهما أم لم يوكله، وسواء كانت الرجعة مفهومةً من فحوى التوكيل على الثلاث أم لم تكن مفهومةٌ، بحيث كان التوكيل على طلاق صحيح
وفاسد، وسواء فهمنا منه التوكيل على الجميع أو على المجموع.
واحتمال أن التوكيل على المجموع ينافي وقوع فرد منه ولو ابتداء، بل يبقى مراعي لا وجه له.
أحدها: أن تكون زوجةً باقية على زوجيتها، وأن تكون بالعقد الدائم، وأن تكون معيّنةً عند المطلق إذا كانت له زوجات متعدّدة، ولو كانت له واحدة كفى استحضار من هي زوجة له.
ولا يشترط اسمها أو وصفها بل يكفي أن يقول: «زوجتي طالق، وينوي واحدةً معينة، ويرجع تفسيرها إليه، وإن كان الأولى والأحوط تعيينها للشاهدين، وتمييزها في الجملة بحيث يتمكنان من الشهادة عليها لو مات أو لم يعيّن.
ويجب عليه تشخيص من أرادها فوراً؛ لمكان الضرار في كتمان المطلقة، وعدم بيانها، ويجبره الحاكم على البيان.
ولو مات ولم يبين أقرع عليها، أو اصطلحا على الثمن أو الربع بينهما، ويجب الإنفاق عليهما من الزوج إلى أن يبين.
وإن نسي المطلقة لزمه الإنفاق عليهما، واجتنابهما إلى أن يتبيّن أو يقرع.
ولو ادّعى الوارث أنّ المطلقة هذه، لا يصدق قوله إلّا مع البينة.
ولو ادعى عليه وارث الزوجة العلم، حلف على نفي العلم.
ولو ماتت الزوجتان أخرج نصيبه من كلّ منهما إلى أن يتبين إن كان حياً، أو إلى أن يقرع بينهما، أو يصطلح ورثتهما على إخراج نصفه أو ربعه منهما.
ولو طلق الحاضرة زاعماً أنها زوجته الأخرى، احتمل بطلان الطلاق؛ تقديماً للاسم، واحتمال الصحّة للحاضرة؛ تقديماً للإشارة.
والأوّل أرجح؛ لأنّ ما قصده من وقوع الطلاق بها لم يقع، وما أوقعه من الطلاق بالحاضرة لم يقصد.
وكذا لو ظنّ أنّ الأجنبيّة زوجته فطلقها، بخلاف ما لو ظنّ أنّ زوجته الأجنبية.
نعم، لو قصد طلاق هذه المشاهدة على كلّ حالٍ إلّا أنّه اشتبه لقبحها، أو لأمرٍ صدر منها، ولكنه زعم أن هذه المشاهدة زينب خطأ، وإلا فليس له غرض في طلاق زينب، وقع الطلاق بالمشاهدة.
وهل يصح طلاق واحدة من نسائه مبهماً، ويوكل تعيينها إليه، أو إلى القرعة - في وجه - في حياته، وإلى وارثه بعده، أو إلى القرعة دون الوارث، أو يوقف لهنّ حصة من تركته، أو إلى أن يصطلحن بعد وفاته، أو لا يصح؟ قولان.
والقول بالصحّة للشيخ (1)استناداً لعموم أدلّة الطلاق، ولأصالة عدم الاشتراط.
وهل التعيين كاشف عن تأثير الفراق بنفس الصيغة، أو مثبت له على أن يكون التعيين تمام السبب؟ وجهان، بناء على هذا القول.
وهل يجوز وطؤ أحدهما قبل التعيين فقط، أو وطؤهما، أو لا يجوز مطلقاً؟
وهل الوطء معين أم لا؟
والثاني - وهو الأقوى والأشهر، ونُقل عليه الإجماع (2)- : الفساد؛ للشك في شمول أدلة الطلاق لغير المعينة، كما في سائر العقود والإيقاعات، ولعدم وجود المبهم في الخارج، فلا يتعلّق به وصف الموجود، ولأن الإيقاع إنشاء فلا يتعقل بقاؤه موقوفاً إلى وقوع التعيين، وللزوم الضرر والضرار به غالباً، ولعدم معهوديته في الإيقاعات والطلاق، ولو كان لبان، وحينئذٍ فلا حاجة بالتعرّض إلى فروع القول بالصحّة وما عليها.
الثاني: يشترط في المطلقة أن تكون مستبرأة من الطهر الذي واقعها فيه - قبلاً أو دبراً - على الأظهر، أنزل أم لم ينزل، وقاعاً شرعياً بحيث إنّه أدخل الحشفة أو قدرها من مقطوعها، والخصيّ حكم الصحيح على الأظهر.
ولا يجب الاستبراء من نفس الماء لو دخل في فرج المرأة بمساحقة أو غيرها.
ولا يجب الاستبراء على اليائسة، ولا على مَنْ لم يدخل بها، ولا على الصغيرة التي لم تبلغ التسع، من غير خلاف.
وقد يقال: إن مَنْ جرت عادتها وعادة أمثالها بعدم الحيض لا يجب عليها استبراء وإن تجاوزت التسع، كمن كان سنّها عشراً أو إحدى عشرة؛ لإطلاق كثير من الروايات عدم الاستبراء على مَنْ لم تحض (1)، الشامل لمن لم تبلغ المحيض والتي لا يقع منها الحيض عادةً، إلّا أن فتوى مشهور الأصحاب وأخذهم لاشتراط عدم البلوغ أخذاً مسلماً، وما في الصحيح من التعبير بالتي لم تبلغ المحيض (2)، وما سيأتي في العدد من سقوطها عمن لم تبلغ المحيض - وهي مَنْ لم تبلغ التسع دون غيرها - والاحتياط في الفروج ممّا يقيد تلك الإطلاقات.
ويسقط الاستبراء عن الحامل ولو بعلقة.
وفي النطفة المنعقدة المعلوم بكونها مبدأ نشوء آدمي إشكال.
ويسقط عن الغائب عنها زوجها، كما سيأتي (3)إن شاء اللّه تعالى.
ويحصل الاستبراء بحيضةٍ أو بنفاس ولو لحظةً، كما إذا جامعها بعد الولادة فتنفّست فطلقها.
ولا يشترط تمام الحيضة، بل لو جامعها في الحيض فحاضت بعد الجماع ولو قليلاً صح طلاقها بعد طهرها على الأظهر.
والمراد بالحيضة الحيضة الشرعيّة، فذات العادة تتحيّض بالعادة، سواء كانت العادة في كلّ شهرٍ مرةً أو في أزيد، حتّى لو كان لها عادة في كلّ سنة مرة انتظرت عادتها، ولا يزيد الانتظار على السنة؛ لأنّه أقصى الحمل على جميع الأقوال.
وغير ذات العادة تتحيّض بالوصف، والمبتدأة ترجع بعد الوصف إلى نسائها، وترجع بعد النساء هي والمضطربة بعد الوصف إلى الروايات، فتتحيّض بهن.
هذا كله فيمن تحيض، وأمّا مَنْ لا تحيض وهي في سن مَنْ تحيض فاستبراؤها بالأشهر الثلاثة بعد الوطء هلاليين وعددي ملفّق.
ويحتمل كونها كلّها عدديةً، وهو أحوط.
ويحتمل كونها كلّها هلاليّة، وهو ضعيف.
واليوم المنكسر يلفّق من اليوم الزائد لا من ليلته.
ويحتمل إسقاطه إن كان الكسر كثيراً، وهو أحوط.
ويحتمل احتسابه تاماً إن كان الكسر قليلاً، وهو خلاف الاحتياط.
ويدلّ على حكم المسترابة الأخبار وكلام الأصحاب، وقد نصت الروايات على أنّ المسترابة يمسك زوجها عنها ثلاثة أشهر ثم يطلقها (1)، وهي ظاهرة في الشرطية.
الثالث: يشترط في المطلقة أن لا تكون حائضاً حيضاً شرعياً، فلو طلّق في الحيض كان الطلاق باطلاً، وإن بني على مشروعيته فَعَل حراماً؛ وذلك للأخبار (2)، والإجماع.
ويستثنى من ذلك الحامل والغير مدخول بها والغائبُ زوجها والحاضر الذي كالغائب، وهو مَنْ لا يمكنه الوصول إليها واستعلام خبرها.
إنما الكلام في قدر الغيبة المجوّزة لطلاقها والمصححة له عند الجهل بحالها فتتبين مصادفة الحيض أو طهر المواقعة.
وأما العالم بحالها أنّها حائض أو في طهر المواقعة فلا يقع منه طلاق، ولا يجوز له ذلك، وليس من محل النزاع.
والأخبار وكلمات الأصحاب وإن كانت مطلقة إلّا أنّها مقيّدة بما ذكرنا، كما نقل الاتفاق على ذلك(3)، وتقتضيه القواعد؛ اقتصاراً على المورد اليقيني، فمنهم مَنْ لم يقدرها بحدِّ سوى أنّه ممن يصدق عليه عرفاً أنّه غائب ولو لم يكن سفراً شرعياً، وأنه لا يتمكن من معرفة
حالها عادةً من دون مشقة وعسر، فلو تمكن بمشقة وعسر لا يلزمه الاستعلام.
ونُسب (1)القول به لجمع من القدماء والمتأخرين، ودلت عليه أخبار (2)متكثّرة.
وادعى ابن أبي عقيل تواتر الأخبار فيه (3).
ومنهم مَنْ حدّها بشهر (4)لما رواه إسحاق بن عمار عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).
ومنهم مَنْ حدّها بثلاثة أشهر (6)لرواية جميل (7)، ولرواية إسحاق بن عمار، وفيها خمسة أشهر أو ستة، وأدنى ذلك ثلاثة (8).
ومنهم مَنْ حدّها بمدة يعلم من عادتها أو يظنّ انتقالها فيها من طهر إلى طهرٍ آخر (9)جمعاً بين الروايات وتنزيلاً لاختلافها على اختلاف العادات في النساء.
والأقوى الأوّل؛ لكثرة الأخبار، وصحتها، وقوة أسانيدها، وادعاء تواترها، وموافقتها لليسر ورفع العسر ولاختلاف غيرها في التحديد المؤذن بالندب، ولأن راوي الشهر - وهو إسحاق - روى الثلاثة، وأيضاً روى الخمسة والستة مردّداً فيها، وهو من مظاهر الندب، ولأن تنزيل الروايات المختلفة على اختلاف عادات النساء تنزيل على الأفراد النادرة، وهو بعيد جداً.
فالأقوى جواز طلاق الغائب مع الجهل بحال امرأته مطلقاً.
والأحوط مراعاة انتقالها من طهر إلى آخر بحسب عادتها لو كان ممن يعلم ذلك، فإن كان ممن لا يعلم انتظرها ثلاثة أشهر، بل الأحوط انتظار الثلاثة مطلقاً ما لم يعلم زيادة عادتها عليها.
1) الناسب هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 9 : 37.
2) وسائل الشيعة 22: 54 الباب 25 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
3) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 353، المسألة 11.
4) كالشيخ الطوسي في النهاية : 512.
5) وسائل الشيعة 22 : 56 الباب 26 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 3.
6) ابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 7: 354، المسألة 11.
7) وسائل الشيعة 22 : 58 الباب 26 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 7.
8) المصدر، ح 8.
9) ابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 690.
وعلى ما ذكرنا فلو طلّقها مطلقاً أو مراعياً للمدّة على القول باشتراطها، فإن استمر الاشتباه استمر الحكم بصحة طلاقه.
وكذا إن تبين مصادفته للحيض، كما دلّت الرواية (1)على صحّة طلاقه وإن علم بعد ذلك أنّه قد صادف الحيض.
نعم، لو طلقها مع عدم مراعاة المدّة على القول بلزوم المراعاة، فتبين وقوعه في طهر المواقعة أو الحيض فالوجه الفساد حينئذٍ ؛ لعدم موافقته الشرائط النفس الأمرية، وعدم الأخذ بما جعله الشارع حداً له.
وقد يشكل الحال فيما لو طلقها مراعياً للمدة فتبين أنها في طهر المواقعة.
وكذا لو طلقها غير مراع لها، بناءً على عدم لزوم المراعاة؛ لعدم النصّ على الصحّة مع اختلال الشرط هنا واقعاً.
ولكن الأظهر هنا الصحّة، وفاقاً لظاهر الفتوى، ولإطلاق الأخبار الدالّة على الصحّة من غير تفصيل، وللأولوية المستفادة من الحكم بصحة الطلاق مع مصادفته الحيض، فبالأولى مع مصادفته طهر المواقعة؛ لفقدان الشرطين في الأول، وهما: الطهر وكونه غير طهر المواقعة.
وكذا الإشكال لو طلقها غير مراع للمدة فظهر له بعد ذلك اجتماع الشرائط؛ لمخالفته ما دلّ على الانتظار، ولمصادفته الشرط الواقعي.
والأظهر هنا الصحّة ؛ لأنّ المدة ليست تعبّديةٌ، كما هو الظاهر من النصوص والفتاوى.
والأحوط الحكم بالبطلان.
وربما يفرّق بين العالم باشتراط المدّة فيتوجه الحكم عليه بالبطلان؛ لاختلال قصده إلى الطلاق، والجاهل فيتوجه الحكم عليه بالصحّة، وهو حسن.
وفيه: إن العلم بالحكم الشرعي المنافي للعقد أو الإيقاع لا يخرج عن القصد والجزم بوقوع الأثر العرفي، ولكنّه جيّد.
1) وسائل الشيعة 22 : 57 - 58 الباب 26 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 6.
ولو خرج المسافر في طهر غير طهر المواقعة صح طلاقه مطلقاً وإن صادف الحيض، ما لم يعلم حالها حين الطلاق أنّها حائض، ولا يفتقر إلى مراعاة المدة؛ استناداً للرواية (1)وفتوى الأصحاب والإجماع المنقول (2)في الباب.
ونقل عن ظاهر بعض العبارات اشتراط التربص هنا شهراً (3)لظاهر خبر إسحاق (4).
وربما يظهر من بعض المتأخرين الإشكال في صحّة الطلاق مع مصادفته الحيض إذا لم يكن مراعياً للمدة المعتبرة ؛ لعدم حصول الشرط الواقعي (5)، ولإطلاق بعض الأخبار الآمرة بالتربص (6)الشاملة لمحل المسألة.
وفيه: إن أخبار التربص ظاهرة في الغائب عنها زوجها في طهر المواقعة، فيبقى مفروض المسألة مشمولاً لما دلّ على صحّة طلاق الغائب مطلقاً، وأنه يطلق على كل حال.
هذا كله لو صادف الحيض، أمّا لو استمر الاشتباه فلا شك في الصحّة، ولا تلزم مراعاة المدة؛ لأنّ الحاضر لا يلزمه المراعاة، فالغائب بطريق أولى، ولأنّ الحيض بعد طهر المواقعة مانع، والأصل عدم المانع، إلّا أن يعلم وجوده ولو من عادة النساء وشبهها، بل الظاهر أنّ الحاضر لا يجب عليه السؤال من المرأة لو شكّ في أنّها حائض أم لا؛ للاستصحاب، وهو حجة في الاختيار والاضطرار على الأقوى.
نعم، لو تبين للحاضر مصادفة الطلاق للحيض بطل، دون الغائب، فإنه يصح كما تقرّر. والذي يدلّ على إلحاق الحاضر الغير المتمكن من الاستعلام بالغائب صحيحة عبد الرحمن (7)، المؤيدة بفتوى المشهور المعمول عليها الموافقة لتنقيح المناط المفهوم من
1) راجع ص 398.
2) كشف اللثام 8: 27.
3) الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام 8: 62 ذيل الحديث 201؛ والاستبصار 3: 294 ذيل الحديث 1040؛ ونقله عنه الفاضل الإصفهاني في كشف اللثام 8 : 27.
4) راجع الهامش (5) من ص 398.
5) راجع مسالك الأفهام 9 : 41 - 42.
6) وسائل الشيعة 22 : 56 و 58 الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق...، ح 3 و 7 و 8.
7) المصدر : 60، الباب 28 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 1.
الأخبار، فمنع ابن إدريس من ذلك؛ لاشتراط الخلو من الحيض واقعاً خرج الغائب وبقي الباقي (1)، ضعيف.
نعم، في رواية عبد الرحمن أن مَنْ لا يتمكن من الوصول إلى معرفة حال زوجته حاله حال الغائب، وأنه يطلقها بالشهور والأهلة، وفي آخرها أنّه يطلقها إذا مضى لها شهر (2)، وهو محمول على الندب كما تقدّم في الغائب، ولكن انتظار المدّة هنا أحوط، وأحوط منه أنّه لا يطلّق، فإذا طلق وصادف الحيض أعاده.
وحكم النفاس حكم الحيض فيما لو غاب عنها وهي نفساء، أو غاب عنها وهي حامل، فطلقها فصادف النفاس.
إلى غير ذلك.
أحدها: يشترط ذكر المطلقة باسمها أو وصفها، أو باسم الإشارة إليها، أو الكناية عنها. وجعله موضوعاً ثمّ تعقيبه بلفظ «طالق» اسم فاعل، لا اسم مفعول ولا مصدر ولا غيرهما، قاصداً به الإنشاء للأثر، مستمراً قصده إلى تمام الصيغة.
وفي جواز الاقتصار على «طالق» فقط بحذف المبتدإ ناصباً عليه قرينة حاليةً، أو تأخیره كـ «طالق أنتِ» إشكال.
ولا بد من كون المبتدإ نفس المطلقة، فلا يصح وقوعه على جزء، كاليد والرجل، وكذا لو قال: بدنكِ، أو: روحكِ، على إشكال.
والدليل على حصر الصيغة بذلك أصالة عدم السببية من دون مثبت ودليل شرعي.
والخبر - المشتهر فتوى ورواية - في رجل قال لامرأته: «أنتِ خليّة» أو «برية» أو
«حرام» أو «بائنة» أو «بتة» فقال: «هذا ليس بشيء»، إنما الطلاق أن يقول لها من قبل عدتها قبل أن يجامعها: «أنتِ طالق» (1).
وظاهر الحصر هنا العموم وخصوص السؤال لا يجعله حصراً إضافياً خاصاً، كما هو مقرّر في القواعد الأصولية.
نعم، لا خصوصية للفظ «أنتِ»؛ لتنقيح المناط إجماعاً.
وفي جواز تثنيته، كـ «أنتما طالقتان» أو جمعه ك- «أنتن طوالق» أو تأنيثه، كـ «أنتِ طالقة» أو إبقاء على إفراده خبراً عن اثنين أو ثلاثة مريداً به الإنشاء، إشكال، وإن كان صحّة الأخير في غاية القوة.
ولا يقع بـ «أنتِ مطلقة» مع قصد الإنشاء، كما أفتى به الشيخ (2)، ولا بـ «يا طالق» ولا بما دلّ على الطلاق بالكناية، وهو اللفظ المحتاج في دلالته على إنشاء الطلاق إلى قرينة، كالألفاظ الغير المشتقة من مادة الطلاق، كـ «خلية» و «بريّة» و «بائن» و «بته» و «حرام» ولا بغير تلك الصيغة وإن اشتملت المادة عليها، كـ «طلقتكِ» و «أُطلقكِ» و «مطلقة» ولا بلفظ «اعتدي» لخروجها عن المادة والصيغة معاً، وفاقاً للمشهور والإجماع المنقول (3)والقواعد المقررة.
وجوّز بعض القدماء (4)، إيقاع الطلاق بلفظ «اعتدي»، وجوّز جماعة (5)وقوعه بلفظ «نعم» في جواب «أطلقت امرأتك؟»؛ استناداً في الأوّل إلى روايتين (6)وفيهما الصحيح، وإلى بعض روايات (7)ليس فيها دلالة على المطلوب، وفي الثاني إلى بعض روايات (8)ضعيفة.
1) وسائل الشيعة 22 : 41 الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 3.
2) المبسوط 5: 25.
3) الانتصار : 301، المسألة 169.
4) ابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 7: 342 المسألة 5.
5) منهم الشيخ الطوسي في النهاية: 511؛ وابن حمزة في الوسيلة: 323 - 324؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 2: 676.
6) وسائل الشيعة 22 : 41 - 42. الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 3 و 4.
7) المصدر : 42، ح 5.
8) المصدر، ح 6.
والجميع لا يقاوم الدليل المعتبر المعتضد بفتوى الأصحاب وعملهم والاحتياط في الفروج، فليطرح، أو يُحمل على إرادة أن الطلاق إنما يحكم به بايقاع «أنت طالق» جامعاً للشرائط بشهودٍ يشهدون على ذلك، أو بـ «اعتدي» المنبي عن الإخبار بطلاقٍ ماضٍ، أو بـ«نعم» الظاهر في الإقرار، فيكون ثبوت الطلاق بها لمكان الإقرار.
ويجوز طلاق نسائه بصيغة واحدة، كأن يقول: «كلّ امرأةٍ لي طالق».
وفي جواز «أنتما طالقتان» أو «أنتن طوالق» إشكال.
ويلزم فيها اللفظ العربي.
والأعجمي يوكل، فإن لم يتمكن منه جاز باللفظ العجمي؛ لمسيس الحاجة، ولأنّ لكلّ قوم طلاق، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كل طلاق بكل لسان فهو طلاق» (1).
والأخرس يطلق بالإشارة المفهمة للطلاق ظاهراً.
ولا عبرة بالفعل المشترك، بل لو كان لبعض الأفعال ظاهر فعدل منه إلى غير الظاهر ولكنه نصب قرينة على إرادة الطلاق منه، أشكل وقوع الطلاق به.
ولا يختص بفعل دون آخر فيصح طلاقه بالكتابة، كما ورد في رواية البزنطي وخبر إسماعيل بن مرار (2).
وربما يُفهم من خبر البزنطي تقديم الكتابة على باقي الإشارات المفهمة.
والعمل به متوجه مع تمكن الأخرس من الكتابة.
ويصح بإلقاء القناع على رأسها واعتزالها، كما في رواية السكوني (3)، ولا يختص بها، كما نُسب للصدوقين (4)لشذوذه.
ويلحق غير الأخرس بالأخرس ممن لا يستطيع الكلام.
ومعقد اللسان - كالتمتام والفأفاء - يكتفى منه بما يتمكن منه، والأولى له التوكيل.
ولا يصح الطلاق بالكتابة لمن تمكن من النطق؛ لدليل الحصر، ولحسن زرارة (1)المانع من ذلك.
ولا يتفاوت بين كتابته بيده، وبين أمره غيره بها.
وفي رواية: جواز الطلاق بالكتابة إذا كانت بخط يده (2).
هي ضعيفة جداً وإن عمل بها بعض الأصحاب (3).
ويمكن حملها على الإقرار.
وإذا دار الأمر للعجمي بين الملحون بنيةً وبين الأعجمية قدم الأعجمية، ولو دار للعربي قدم الملحون، ولو دار بين الملحون بنيةً وبين الكتابة قدم الملحون.
ولا يقع الطلاق بتخير الزوجة فتختار نفسها مع اجتماع الشرائط، كما ذهب إليه أبو علي (4)لمخالفته الأدلّة المتقدمة.
وما دلّ على ذلك من الروايات (5)محمول على التقيّة، أو على إرادة التوكيل في الطلاق، أو يُطرح.
وهل يقع الطلاق بنفس تخيّره المشروط بخيارها، أو بخيارها المشروط بتخيّره، أو بهما، فيكون من قبيل الإيجاب والقبول؟ وجوه.
وهل هو من قبيل التوكيل، أو من باب التحكيم والتفويض؟ وجهان.
ولا حاجة إلى تحقيق ذلك وبيان فروعه بعد عدم البناء على أصله.
ثانيها: يشترط في الصيغة الجزم فلو ردّد بأن يقول: «إمّا أنتِ أو هذه طالق»، و «أنت إما طالق أو لا » [ بطل ].
وعدم التعليق، كأن يقول: «أنتِ طالق إن دخلت الدار».
وعدم تأخير الأثر، كأن يقول: «أنتِ طالق غداً».
والتعليق على المشيئة تعليق إلّا أن يقصد التبرك.
والتعليق على الوصف المحقق إذا علم بتحققه المطلق ليس من التعليق، كأن يقول: «أنت طالق إن كنتِ زوجتي»، أو «إن كان الطلاق يقع بكِ» عالماً بوقوعه بها، فيقع الطلاق حينئذٍ.
ولو قال: «أنتِ طالق إن شئتِ» رجع إلى قصده، فإن كان مشيئاً وقع الطلاق.
وإن قال: «لمشيئة زيدٍ» فإن قصد التعليق ولم يعلم مشيئته بطل، وإن علمها أو قصد التعليل صح.
ثالثها: أن لا يعقب الطلاق بقيدٍ أو وصفٍ ينقضه ويُبطله، أو يوجب عدم قصده بحيث يفهم أنّ النقض كان مقصوداً عند إنشاء الطلاق، كما يقول: «أنتِ طالق طلاقاً فاسداً أو بدعيّاً أو غير شرعي»؛ لأنّ الفاسد لا يقع، والصحيح غير مقصود، فما قصد لم يقع، وما وقع غير مقصود.
وكذا لو قال: «نصف طلقة» أو «ربعها».
وكذا لو قال: «نصف طلقتين» أو «أربعة أرباع أربع طلقات».
أما لو قال «نصفي طلقة أو ثلاثة أثلاث طلقة» صح؛ لتوجه القصد إلى طلاق واحد.
ولو قال: «أنتِ طالق مع طلقة أو قبلها طلقة أو بعدها طلقة» فإن قصد حصول الطلقة الأخرى القبلية أو البعدية من ذلك اللفظ بطل، وإن قصد أنّه أوقع قبلها طلقة أو سيوقع صح، مع احتمال الصحّة في الأولين.
ولو قال: «أنتِ طالق طلقتين» قاصداً الاثنتين من لفظ واحد، وكذا ثلاثاً فسد؛ لاختلال القصد إلى الصحيح، وللاحتياط، وللأخبار الدالّة على بطلان الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد (1)،
1) راجع وسائل الشيعة 22 : 61 الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
الشامل للثلاث المتعدّدة من دون تخلّل رجعةٍ، وللثلاثة المرسلة بلفظ واحد، بل في بعضها (1)
ظهور بإرادة الأوّل.
وقيل: لو طلّق ثلاثاً - كما يفعله العامّة – صح (2)، ونُسب (3)للمشهور، ونُقل عليه الإجماع (4).
وفي السرائر أنّه مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) (5).
واستدلوا عليه بأنّ نفس الطلاق مقصود، وقصد الزيادة ملغاة، وبالأخبار المعتبرة الدالّة على أن الطلاق ثلاثاً تكون واحدة (6).
وفي الأوّل نظر؛ لأنّ قصد هذه الزيادة ينافي القصد إلى الطلاق الصحيح، والأخبار محتملة للحمل على وقوع الطلاق مكرّراً ثلاثاً في مجلس واحد من دون رجعة، وأما التقية فأخبار الطرفين تنافيها في ذلك.
نعم، قد يقتصر على مورد التطليق بلفظ الثلاث دون الاثنين والأربع والخمس، تبعاً لفتوى المشهور والإجماع المنقول وظاهر الأخبار، فإنّ المعروف في زمن الصدور إطلاق الثلاث على الثلاث بلفظ واحد فيغلب ظهور كثرة الوقوع على ظهور الخطاب، وكذا فهم الأصحاب للثلاث المرسلة بلفظ واحد من هذه الأخبار ووقوع التشاجر فيها في الصدر الأوّل وكثرة السؤال عنها ممّا يؤيّد إرادة الثلاث المرسلة، فالقول بالصحّة هو الأوجه، فإذا قويت أخبار الصحّة في الواحدة كان حمل أخبار البطلان على إرادة بطلانها ثلاثاً - كما يعتقده العامّة - لا بطلان الواحدة هو الأوجه.
نعم، ورد في بعض الأخبار: «إياكم والمطلقات ثلاثاً، فإنّهنّ ذوات أزواج» (7)وورد فيمن
1) وسائل الشيعة 22 : 66، الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، ح 15.
2) ممن قال به السيد المرتضى في المسائل الناصريات : 348 المسألة 163؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 512.
3) الناسب هو الفاضل الإصفهاني في كشف اللثام 8: 40.
4) المسائل الناصريات : 348، المسألة 163.
5) السرائر 2 : 678 – 679.
6) وسائل الشيعة 22 : 61 - 62 و 64 - 65، الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 2 و 3 و 11 و 12.
7) وسائل الشيعة 22 : 68 الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 21.
طلق ثلاثاً دفعةً: «ارجع إلى أهلك ليس عليك شيء» (1).
والظاهر أنّ الأخير محمول على نفي مشيئة الثلاث، والأمر بالرجوع كناية عن الرجعة، والأوّل محمول على الكراهة؛ لأن الغالب أنّ المطلقة ثلاثاً من العامّة، وتطليقهم ثلاثاً يقع على وفق معتقدهم، كما هو مورد النصّ والفتوى فلا وجه حينئذٍ إلّا الحمل على الكراهة، وحمله على وقوع الثلاث ممّن يتدين بدينهم من تخصيص للعام بفرده الظاهر، وحملاً له على فرده الخفي.
وظهر ممّا ذكرنا أنّ طلاق المخالفين يمضى عليهم وإن كان فاسداً عندنا؛ لما ورد خصوصاً في ذلك (2)، وعموماً، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ألزموهم من ذلك ما ألزموا به أنفسهم» (3)،
وقوله : «يجوز على أهل كلّ ذي دين بما يستحلونه» (4)، وهذا الحكم عام لكلّ طلاق صدر من المخالف على غير السنّة، سواء تعلّق بمؤمنة أو مخالفة، فإنّه يُحكم بوقوعه على وفق مذهبهم بالنسبة إلينا وإن كان باطلاً في الواقع، وكذا بالنسبة إليهم.
ولا منافاة بين البطلان الواقعي وبين إجراء حكم الصحّة بالنسبة إلينا لطفاً منه، فهي وإن كانت زوجةٌ لهم لكنّها حلال لنا وحرام عليهم أو يقال : هي صحيحة من وجه، فاسدة من آخر.
ولو استبصر المخالف جرت عليه الأحكام الماضية حال خلافه كما تجري علينا، ولا يلزم إعادة ما فعله من العقود والإيقاعات الباطلة بالنسبة إلينا.
وأما المجتهدون المتخالفون في المذاهب الظنّيّة فحكمهم إمضاء حكم بعضهم بعضاً، والحكم بصحة فعل المجتهد الآخر بالنسبة إليه وإلى مقلّديه، بل وبالنسبة إليه، فيجوز له أن يتزوج مطلقة لمجتهد آخر بالثلاث وإن كان مذهب الآخذ بطلانها ومذهب المطلق وقوع واحدة، ولكن لا يخلو من إشكال.
ولهذا البحث كلام طويل وفروع متكثرة تفتقر إلى نظرٍ وتأمل.
ولو عقب المطلق الصيغة بما ينقضها بعد أن قصد وقوع الطلاق بها، كما إذا عقبها باستثناء أو كلام منفصل، لم يبطل الطلاق، كما إذا قال: «أنتِ طالق طلقة إلّا طلقة» أو «غير طالق» أو «طالق ثلاثاً إلّا ثلاثاً» إلى غير ذلك ممّا يظهر منه النفي بعد قصد الإثبات وقوعه.
وهو شرط إجماعاً ونصاً، كتاباً (1)وسنّة (2).
ولا يشترط استدعاؤهما، بل يكفي سماعهما؛ للأصل، وللروايات (3)الدالّة على ذلك.
وما ورد من الأمر بالإشهاد (4)، محمول على الغالب.
نعم، قد يشكل فيما لو طلّق معتقداً عدم الشاهدين فاتفق حضورهما، ولا يبعد الصحّة مع القصد.
ويشترط سماعهما لجميع الصيغة حتّى المبتدا، أو رؤيتهما للفعل، كفعل الأخرس، مع احتمال عدم اشتراط سماع المبتدإ لو سمعا الهمهمة بحيث عرفا أنّه اسم المطلقة ووصفها.
ولا بد أن يسمعاها دفعةً واحدةً حين الإنشاء.
ولا يجزئ التفريق بصيغتين، ولا يكفي سماع الهمهمة من الأصم.
ولا بد من كونهما ذكرين عدلين حين السماع لظاهر الكتاب (5)والرواية (6)، ونص الأصحاب.
وما ورد في شهادة الناصبيين على الطلاق - قال: قال: «مَنْ وُلد على الفطرة وعُرف بالصلاح في نفسه أجيزت شهادته» (7)، وفي آخر مثله(8)- لا يدلّ على قبول شهادته، بل على
1) الطلاق (65) : 2.
2) وسائل الشيعة :22 : 25، وما بعدها، الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
3) المصدر : 50 الباب 21 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
4) المصدر : 24 الباب 9 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، ح 4 و 5.
5) الطلاق (65) : 2.
6) وسائل الشيعة 22 : 112 الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 7.
7) المصدر 27 : 393، الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 5.
8) المصدر 22 : 26 - 27، الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، ح 4.
عدمها؛ لعدم الصلاح في الناصبي، ويحكم بالعدالة كلّ على مذهبه فيها.
ويجوز لمجتهد أن يتزوج مطلقة مجتهد آخر طلق بشهادة مَنْ حسن ظاهره بزعم أنها هي العدالة من غير إشكال على الظاهر.
ويشترط عدالتهما عند المطلق إذا كان أصيلاً، وعند الوكيل لو كان وكيلاً، ويكفي ذلك وإن عرف غير المطلق أنّهما فاسقان، ويجوز له تزويجها، بل للأصيل إذا عرف فسقهما أن يحكم ببينونتها منه إذا عرف أنّهما كانا عدلين عند الوكيل بل ولو لم يعرف حال الوكيل حكم بصحة طلاقه.
وللشاهدين أيضاً إذا عرفا فسق أنفسهما أن يتزوّجاها، ولا يكفي لو كانا عدلين عند عامة الناس ولكنّهما فاسقان عند المطلّق باطناً.
والدليل على ذلك كله ظهور الأدلّة في اشتراط العدالة فيما ذكرناه، ولزوم العسر والحرج لولاه.
ولا بد من كون الشاهدين خارجين عن المطلق.
وهل تكفي شهادة الأصيل عند الوكيل؟ وجهان، والأقرب العدم.
ولا يشترط تعيين المطلقة عند الشاهدين بحيث يميّزاها عما عداها لو كان لها مشاركة في الزوجيّة على الأظهر؛ لإطلاق الأدلّة، فيكفي أن يقول: زوجتي المقصود لي طلاقها طالق، ويكفي ذلك، فيشهدان على تطليق زوجته التي نراها، وإن كان الأحوط تعيينها لهم بالاسم أو الوصف.
وهو ما يُسمّى مريضاً عرفاً.
يصح طلاق المريض إجماعاً، والنصوص (1)ناطقة به، والعمومات قاضية به.
و ما دلّ من الأخبار على عدم جوازه (2)محمول على الكراهة.
ويتوارثان ما داما في العدة الرجعية، فأيهما مات ورثه الآخر؛ لعموم الأدلّة ولخصوصها، كخبر زرارة الدال على التوارث ما دام له عليها رجعة (3).
وما ورد في صحيح الحلبي: أنّها ترثه ولا يرثها (4)، محمول على العدة البائنة، أو على الندب. ويمكن الأخذ بعمومها مع قصد الإضرار بها؛ عقوبة لسوء قصده بعكس مراده، ولكن ظاهر الأصحاب على عدمه.
وترث الزوجة الزوج إذا طلقها في مرضه إلى سنةٍ من يوم طلق، سواء كانت في عدة بائنة، أو بعد الفراغ منها أو الفراغ من العدة الرجعية.
ويدل على ذلك الأخبار (5)وفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول (6)في الباب.
نعم، يشترط بقاؤه مريضاً إلى أن يموت فيه إلى تمام السنة، فلو صحا ثم مات بمرض آخر لم ترثه؛ اقتصاراً على مورد النصّ والفتوى؛ لتضمّن الأخبار أنّها ترثه إذا مات في مرضه، وظاهر ذلك أنّه يموت بذلك المرض.
1) وسائل الشيعة 22 : 151 وما بعدها الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه.
2) المصدر : 149 - 150، الباب 21 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه.
3) المصدر 26 : 223، الباب 13 من أبواب ميراث الأزواج، ح 4.
4) المصدر 22 : 151، الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، ح 2.
5) المصدر : 151 وما بعدها الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه.
6) الخلاف 4 : 486، المسألة 54.
نعم، لو سبب ذلك المرض مرضاً آخر فمات فيه، فوجهان، والأقوى ثبوت التوارث، والأحوط العدم.
أما لو مات في مدة مرضه بغير المرض من حرقٍ أو غرق أو قتل أو مرض حادث سرى على نفسه فإنّها لا ترثه؛ اقتصاراً على المورد اليقيني في الحكم، ولاشتمال الأخبار على أنها ترثه إن مات في مرضه (1).
ورأيت في بعض نسخ بعض الأخبار: «إن مات من مرضه».
ويشترط أيضاً أن لا تتزوّج في تلك السنة ما دام مريضاً، كما دلت عليه الأخبار (2)وكلام الأصحاب.
وظاهرهما يشمل الدوام والمتعة.
ويشكل الحال في الصغيرة لو زوجها الولي من إطلاق الأدلّة، ومن ظهور استناد الفعل إليها، ولأنّ في بعضها التعليل لعدم الميراث بأنها قد رضيت بما صنع (3)، وهو مؤذن باختصاصه بالكبيرة العاقلة.
والمراد بالسنة الهلالية إن طلقها أوّل الهلال وإلا فشهر عددي والباقي هلالية، مع احتمال انكسار الجميع عدداً، ولكن الأوّل أقوى، كما أنّ الأقوى تلفيق اليوم المنكسر، والأحوط احتسابه تاماً إذا كان الكسر قليلاً، واحتمال إسقاطه مطلقاً أو إذا كان الكسر كثيراً وجه، ولكنّه خلاف الاحتياط.
ولا يرث الزوج الزوجة في العدة البائنة مع مرضه؛ للأصل، وإطلاق الأدلّة.
ونُسب للشيخ في النهاية القولُ بتوارثهما في العدّة البائنة (4)استناداً إلى إطلاق بعض الأخبار أنهما يتوارثان ما داما في العدة (5).
وفي بعضها: «المطلقة ثلاثاً ترث وتورّث ما دامت في عدتها» (6).
1) وسائل الشيعة 22 : 153، الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 6.
2) المصدر : 152 - 153. ح 5 و 6.
3) المصدر : 153، ح 6.
4) النهاية : 509؛ ونسبه إليه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 333، المسألة 2.
5) وسائل الشيعة 26 : 223، الباب 13 من أبواب ميراث الأزواج، ح 4.
6) المصدر :22 : 156، الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 13.
وفي آخر رجل طلق امرأته آخر طلاقها، قال: «نعم، يتوارثان في العدة» (1).
والكلّ ضعيف متروك لا يقاوم الأدلّة النافية للميراث، المعتضدة بفتوى الأصحاب وقواعد الباب، فلتُطرح، أو يحمل الأوّل على العدّة الرجعية، والثاني على المطلقة ثلاثاً مرسلة بلفظ واحد فتعود رجعيّةً، والثالث على أنّ الواقع من الطلاق هو الآخر؛ لعدم وقوع طلاق بعده فهو الآخر، وهو كلام يقال عرفاً.
ولا يلحق بالطلاق الفسخ لعيب أو ردّةٍ، ولا فسخ المتمتع بها، ولا الفسخ برضاع ونحوه لو كان قد سببه الزوج؛ اقتصاراً في الحكم على مورده، وعدم ثبوت علة في الباب يدور مدارها الحكم وجوداً وعدماً، وإن ثبت شيء فهو حكمة لا علة، كالمشقة في السفر.
وينبعث من ذلك أن الميراث يدور مدار الطلاق في المرض بنفسه، كما هو الظاهر من إطلاق الفتاوى والنصوص، أو يدور مدار قصد الإضرار أو اتهامه به، فما لم يقصده أو قصد الإصلاح أو أمراً آخر لم يرث؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فإن طلقها في حال إضرار فهي ترثه إلى سنة» (2)ولأن الظاهر أن الميراث شُرّع له عقوبةً بنقيض مقصوده من حرمانها من الميراث، فما لم يقصد ذلك انتفى الميراث المترتب عليه قولان والأقوى الأوّل، وفاقاً للمشهور، بل ربما يظهر من بعض دعوى الإجماع (3)، والرواية مجملة لا تدلّ على التعليل.
نعم، قد يُفهم منها أنها حكمة؛ لأنّ طلاق المريض في مرضه غالباً لا يكون إلّا للإضرار. وعلى الأوّل فترث المختلعة والمبارأة ومَنْ سألت الزوج الطلاق ومَنْ بذلت فيه مالاً. وكلّ مطلقةٍ قصد بطلاقها الإضرار أو اتهم فيه أم لا، إلّا أن يدعى أن الخلع والمباراة لا يدخلان في الطلاق، ونحن لا نقول به.
نعم، قد يقال بخروج المختلعة والمبارأة والمستأمرة في طلاقها عن الأدلّة المتقدمة؛ للرواية الدالّة على عدم ميراثهن (4)، فيكون من باب التعبد.
ولكن الرواية ضعيفة لا تقاوم ما قدمناه من عموم الأدلّة.
وقد جعلها بعض (1)دليلاً على عدم التوارث مع التهمة، وهو حسن لو قلنا به.
ولا يلحق بالمرض غيره ولو قصد الإضرار، وقلنا: إن الميراث يدور مداره؛ لأن العلة إضرار المريض، فلا يلحق بالمريض الغريق، ولا المطلق وقت الحرب ولا من يراد قتله قصاصاً أو حداً، كما لا يلحق بالطلاق غيره من الفواسخ كاللعان، والفسخ بالردة واللواط، والفسخ بالعيب حتّى لو أفادت تحريماً مؤبداً.
نعم، لو طلق الأمة أو الكافرة، فعلى ما ذكرناه ترث لو أُعتقت وأسلمت إلى سنة، مع احتمال العدم؛ اقتصاراً في الوارثة المطلقة على الوارثة حين الطلاق، ولكنه بعيد.
وعلى القول بدوران الميراث للمطلقة مدار التهمة احتمل انتفاؤه؛ لعدم التهمة، لأنها غير وارثةٍ على كلّ حالٍ حين الطلاق، فلا تهمة، وهو الظاهر.
واحتمل ثبوته؛ لعدم المنافاة بين عدم ميراثها ما دامت أمةً وكافرةً، وبين الخوف من ميراثها إذا أسلمت أو أعتقت؛ لأنّهما متوقعان، سيما لو ظهرت أمارات حصولهما.
ولو أقر المريض بطلاق امرأته في الصحّة ثبت طلاقها، وورثته إلى سنة من حين الإقرار؛ لأن إقرار المريض غير مسموع فيما يؤدي إلى اتهامه في حرمان الوارث مطلقاً، أو حرمان وارث يكون نصيبه إلى وارث آخر.
وكذا لو أقر بطلاقها منذ سنة من مرضه، وحينئذٍ فيُقبل إقراره في الطلاق، ويلغو قيد الصحّة.
والأقوى سماع إقراره مطلقاً؛ لأنّ إقرار المريض بما له أن يفعله مقبول، ويُنزل إقراره المرض بفعله في الصحّة منزلة فعله في الصحّة سيّما وحكم الميراث يدور مدار الطلاق الإنشائي في المرض، لا مدار الإقرار به، والحكم مخالف للأصل، على أن المريض لا يُسمع إقراره فيما لو أدى إقراره إلى حرمان الوارث مالاً لولا إقراره لورثه، وها هنا ليس كذلك؛ لأنه مع الشكّ بزمان طلاق المرأة لا يُحكم بميراثها، فالميراث جاء من إقراره، وإقراره جاء على وجه حرمانها الإرث، فلا يثبت به الإرث وإقرار المريض لا يُسمع فيما أثبته من المال لغير الوارث، لا فيما إذا نفاه فيثبت بنفيه المال لمن نفاه عنه،، فتأمل.
ولو ادعت الطلاق في المرض، فادعى الوارث الطلاق في الصحّة، قدم قول الوارث
1) الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 9 : 157 - 158.
مطلقاً؛ لأصالة عدم الإرث، سواء كانت الدعوى مطلقةً، أو كان وقت الطلاق معلوماً والنزاع في تأخر المرض أو تقدّمه عليه، أو كان وقت المرض معلوماً والنزاع في تقدم الطلاق عليه وتأخره، أو كان النزاع في أصل حصول الطلاق في المرض وعدمه، أو كان النزاع في معلومين بادعائهما، فالمرأة تدعي كون الطلاق يوم السبت والمرض يوم الجمعة، وهو يدعي أن الطلاق يوم الخميس والمرض يوم السبت.
ولا يقال: إنّ الأصل ثبوت التوارث؛ لأنّ سبب الإرث الزوجيّة، ولا يُعلم انقطاع ما سببته إلّا بكون الطلاق في الصحّة، وهو غير معلوم.
لأنا نقول: إن الطلاق مزيل للإرث؛ لعموم الأدلّة، ولا نخرج عنه إلّا بشرط، وهو الطلاق في المرض، والأصل عدم الشرط.
نعم، لو علم تأريخ المرض ووقع النزاع في تقدّم الطلاق وتأخره، اتجه الحكم بتأخير المجهول عن المعلوم، وهو أصل موضوعي يقدم على أصالة عدم التوارث.
ولكنّه إنّما يتجه على القول بتأخر المجهول عن المعلوم، ونحن لا نقول به؛ لأنه أصل يثبت تقدّم المعلوم عليه، والأصل المثبت لا عبرة به.
ولو ارتدت المطلقة في المرض ومات زوجها في السنة بعد عودها إلى الإسلام، أو ارتد هو، بقيت على حكم الإرث على الأقوى؛ لعموم الأدلّة من غير معارض، والارتداد مانع مع الاستمرار لا مع الانقطاع والعود إلى الإسلام.
وقد يحتمل حرمانها ؛ لأنّها قد بانت بالردّة عن الميراث، والأصل عدم عوده، والحكم في الميراث خلاف الأصل، فيُقتصر فيه على مورد اليقين.
نعم، يخرج من ذلك ما لو عادت إلى الزوجيّة وليس ها هنا زوجيّة.
وكذا لو ارتد الزوج من حيث إنها قد بانت منه بالطلاق والارتداد، والميراث معلّق على البينونة بالطلاق.
والكل ضعيف المبنى.
نعم، لو طلق المرتد الملّي زوجته مريضاً فأسلم كان فيه الوجهان؛ بناءً على صحّة طلاق المرتد الذي لو أسلم في العدة عادت زوجيته.
ولو طلق رجل زوجته، فشككنا أنّ طلاقها في مرض الموت أم لا ؟ لم تورّث؛ لأصالة عدم الإرث.
وكذا لو تداعى الزوج وزوجته في طلاقه أنّه في المرض أم لا لتثبت عليه ذلك وكان الزوج مريضاً، احتمل أن القول قولها؛ لأصالة عدم تقدّمه على المرض، وأن القول قوله؛ لأنّ أمر الطلاق يرجع إليه.
ومنه يظهر الحكم فيما لو تداعت الزوجة والزوج في وقوع الطلاق، فقال الزوج: طلقتك، فأنكرت الزوجة، فهل القول قولها؛ لأصالة عدم الطلاق أو القول قوله؛ لأنه فعله فيصدق فيه، كإخبار صاحب اليد؟ وجهان، ولعلّ الأخير أقوى.
لا يقال: إن الطلاق وإن كان من فعله، إلّا أنّه له تعلّق بالزوجة، فلها أن تطلب عليه البينة. قلنا: لا نسلّم استلزام وقوع الأثر عليها لجواز طلب البينة؛ لأنه لا يخرج بذلك الاستلزام عن كونه من أفعاله وآثاره، ولا تطلب البينة على فعل الإنسان بنفسه، وكذلك القول بالرجعة ما لم تخرج العدة.
نعم، لو تعلّق الفعل بطرفين - كالعقود - أو كان الفعل قد ذهب موجبه - كادعاء الرجعة العدة - أو كان له معارض يرجع إليه - كادعاء الطلاق بعد الوضع، وادعاء المرأة الطلاق قبله، أو الوضع بعده - فإنه فيهما لا يصدق بقوله، ويكون من قبيل المدعي والمنكر.
وكذا لو أقرّ المريض بطلاق زوجته في المرض، سُمع قوله من غير معارض. نعم، لو قال في المرض: كان طلاقي في الصحّة وكان بائناً، ففي السماع وجهان، والأقوى السماع أيضاً؛ لعموم أدلة الإقرار (1)، واتهامه في حرمانها من الميراث لا يُثبت لها ميراثاً؛ لأنّ الممنوع من نفوذ إقرار المريض في التهمة فيما لو استلزم إقراره حرمان الوارث مالاً فيكون إلى غيره، وها هنا لم يحرمها مالاً كان لها، ولا نفاها عن الميراث بعد أن كانت وارثة، فإثبات الميراث لها بنفيه عنها إثبات للميراث لغير الوارث، وهو من البعيد جداً؛ فتأمل.
1) وسائل الشيعة 23 : 184، الباب 3 من أبواب كتاب الإقرار، ح 2.
الطلاق إما بائن أو رجعي.
والبائن طلاق مَنْ لا تجوز له الرجعة في زوجته، سواء رجع أم لا، وسواء جاز له العقد عليها جديداً في العدة أو بعدها أم لا، وذلك كطلاق الصغيرة التي لم تبلغ تسعاً ولو دخل بها حراماً، وطلاق اليائسة، وطلاق غير المدخول بها - قبلاً أو دبراً - بإدخال جميع الحشفة، وطلاق المختلعة والمبارأة، وطلاق المطلقة تطليقتين بعدهما رجعتان، إلّا أن المختلعة والمبارأة شرط دوام بينونتهما عدم رجوع المختلعة في البذل، فلو رجعت عاد رجعياً، بمعنى أن له الرجوع في العدة.
وكلّ ما ذكرناه دلّ عليه النصّ (1)والإجماع.
نعم، لو عاد الطلاق رجعيّاً في المختلعة والمبارأة؛ لرجوعها في البذل، فهل تجري عليه جميع أحكام الرجعي من النفقة والإسكان وتحريم الرابعة والأُخت، أم لا؟ وجهان، والأقوى الأوّل.
وحينئذٍ فلو عقد على الرابعة أو الأخت قبل رجوعها في البذل صح العقد، ورجوعها لا يفسده، نعم، يمنع الرجعة بها، وإن عقد بعد رجوعها كان باطلاً، عالماً كان برجوعها في البذل أم جاهلاً.
وينقسم الرجعي إلى عدي وسني بالمعنى الأخص.
فالعدي هو أن يطلق ثمّ يراجع في العدة ثمّ يطأ بعد المراجعة ثم ينتظرها إلى أن تحيض وتطهر ثمّ يطلقها جديداً ويفعل كالأوّل ثمّ ينتظرها إلى أن تحيض وتطهر، ثمّ يطلق الثالثة، وهو الذي دلّت عليه الأخبار (2)، وإذا طلق الثالثة حرمت عليه حتّى تنكح زوجاً غيره بالإجماع،
فإذا نكحت فعادت إليه فَفَعل ذلك ثمّ نكحت فعادت إليه ثمّ فَعَل ذلك، حرمت عليه مؤبداً بالإجماع، وربما شملته الأخبار.
وهل العدي مجموع الثلاث؟ الظاهر العدم، بل العدي هو الطلاق الذي يرجع الزوج فيه بعدته ويطؤها فيه.
والسنّي هو أن يطلق بعد الدخول في طهرٍ آخر ثمّ يتركها إلى أن تنقضي عدتها ثم يتزوجها جديداً فيطؤها ثم يطلقها في طهرٍ آخر إلى أن تنقضي عدتها فيتزوجها، وهكذا ثلاثاً، فلا بد فيه من الوطء وانقضاء العدة والتزويج جديداً.
وهذه تحرم عليه حتّى تنكح زوجاً غيره بعد كلّ ثلاثة إجماعاً، ولا تحرم في التاسعة مؤبداً.
ولا يشترط في طلاق السنة التثليث، بل تكفي الواحدة، فهو كلّ طلاق رجعي لم يراجعها في عدته حتّى تنقضي.
وهل يدخل في مفهومه التزويج بها جديداً بعد انقضاء العدة؟ وجهان.
وينقسم الطلاق أيضاً إلى بدعي، وهو الطلاق البدعي، وهو الباطل عندنا على نحو ما وقع فتدخل المطلقة ثلاثاً باعتبار بطلان الثلاث، وشمل ما كان صحيحاً عند العامّة كطلاق الحائض وشبهه وإن كان حراماً عندهم، وما كان صحيحاً غير حرام، كطلاق الكناية، وما كان غير صحيح وحرام كفاقد الشرط عندهم.
وسنّي بالمعنى الأعم، ويرادفه الشرعي، وهو كلّ طلاق بائن سواء انقضت عدته فتزوجها أو لم يتزوّجها، أو تزوّجها قبل انقضاء عدته، وكلّ طلاق رجعي رجع الزوج بها قبل انقضاء العدة من دون وطءٍ، وكذا كلّ طلاق رجعي رجع بها ثم طلقها بعد الرجوع من دون تخلل وطء، سواء طلقها بعد الرجوع في طهر واحد أو في طهر آخر بحيث فرق الطلقات على الأطهار.
الأولى: المطلقة ثلاثاً تحرم على زوجها حتّى تنكح زوجاً غيره، كتاباً (1)وسنة (2)وإجماعاً، ولا يهدم تحريم المطلقة ثلاثاً الخروج من العدة، وهو طلاق السنّة بالمعنى الأخص.
ونُسب للفقيه الهدم، حيث قال : ويُسمّى طلاق السنّة طلاق الهدم متى استوفت قروءها وتزوجها ثانيةً هدم الطلاق الأوّل (1).
واستدل بخبر ابن بكير الدال على «أنّ المطلقة إذا تركت حتّى يمضي ثلاث قروء فقد بانت منه، وهي أملك بنفسها، فإن شاءت تزوّجته، وحلّت له بلا زوج، فإن فعل هذا بها مائة مرة هدم ما قبله، وحلّت له بلا زوج» (2).
وبخبر سيف بن عميرة عن عبد اللّه بن سنان (3)، وخبر معلى بن خنيس عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).
والكل ضعيف؛ لأن ابن بكير مع ضعفه نقل عنه الحسين بن هاشم أنّ هذا الحكم ممّا رزق اللّه تعالى من الرأي (5)، فقد أقرّ على نفسه بالكذب، وخبر عبد اللّه بن سنان موقوف، وخبر ابن خنيس ضعيف الدلالة.
فالقول بالهدم شاد مسبوق بالإجماع، ملحوق به على الظاهر.
الثانية : المطلقة تسعاً للعدة بالصورة المتقدّمة تحرم مؤبداً إجماعاً، ولا يحرم غيرها من المطلقات، كما هو ظاهر الأصحاب، ونُقل عليه الإجماع (6)، ودلّ عليه مفهوم المروي في الخصال في تعداد المحرمات المطلقة للعدة تسعاً (7)، وإليه يشير الفقه الرضوي، حيث جعل المحرمة أبداً التسع العدية فقط (8).
ويشعر به الخبر المعتبر فيمن طلق امرأته حتّى قضت الأطهار فتزوجها، وهكذا، قال: «له أن يتزوجها أبداً ما لم يراجع أو يمس»(9).
1) الفقيه 3: 495؛ ونسبه إليه الفاضل الإصفهاني في كشف اللثام 8: 53.
2) وسائل الشيعة 22 : 116 - 117، الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 16.
3) المصدر : 116، ح 15.
4) المصدر : 115. ح 13.
5) المصدر : 114، ذيل الحديث 11.
6) الانتصار : 265، المسألة 150.
7) الخصال : 421، باب التسعة، ح 18.
8) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 243.
9) وسائل الشيعة 22 : 115 الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 13.
والعمدة اتفاق الأصحاب على الفرق بين السنة والعدّة في تحريم التسع مؤبداً في الثانية دون الأولى.
والظاهر أنّ المتيقن من تحريم التسع العديات هو ما كان وقوعها بتلك الصورة المتقدمة. فلو كانت العديّة متفرّقةً في ضمن طلقات متعدّدة لم يؤثر؛ اقتصاراً في التحريم على المورد اليقيني، وحينئذٍ فلو وقع في ثلاث طلقات طلقة واحدة عدية لم يعتد بها.
وعلى القول بالاعتداد يلزم منه تحريم المرأة بعد الدخول في الخامسة والعشرين إن كانت العدية هي الأولى من كلّ ثلاث، أو السادسة والعشرين إن كانت الثانية منها من غير طلاق، وهو بعيد جداً.
ولو توقف على طلاق آخر غير الثالث بعده، لزم جغل ما ليس بمحرم محرماً، والحكم بالتحريم من دون طلاق موقوف على التحليل، على أنّ ظاهر الأخبار: الطلاق العدي المحرم في التسع هو ما احتاج إلى محلّل بعده، والعدية الواحدة في ضمن الثلاث لا تفتقر إلى محلل.
وهل الطلقة العدية هي ما وقع بعدها رجعة ووقاع، كالطلقة الأولى على الأظهر، أو ما وقع قبله رجعة ووقاع، كالطلقتين الأخيرتين، أو هي ما وقع قبلها وبعدها، كالطلاق العدي المفروض ها هنا؟
والظاهر أنّ ما وقع قبله رجوع ووقاع فقط لا يُسمّى عديّاً، فإطلاق العدي على مجموع الثلاث من باب مجاز الأغلبية، وإطلاقه على الأخيرة من باب المجاورة.
ونُسب لبعض الفقهاء القولُ بأنّ العدّي هو ما وقع قبله رجوع ووقاع (1)، وهو بعيد.
وعلى ما ذكرنا فلو طلّق وراجع وواقع ثمّ طلّق ولم يراجع إلى أن انقضت العدة ثم تزوجها ثم طلقها أو راجع ولم يواقع ثمّ طلّقها، كان تحريمها في الخامسة والعشرين.
هذا على الأول، ولو طلّق وراجع ولم يواقع، أو طلّق حتّى انقضت العدة ثمّ طلّق ثانياً وراجع وواقع ثمّ طلّق، كان الطلاق الثاني عدّيّاً، وتحريمه في السادسة والعشرين.
وقد يتحصل من الأربع عديّة واحدة، كما إذا طلقها حتّى انقضت عدتها فتزوجت فطلقها الزوج ثمّ تزوّجها فطلقها ورجع ولم يواقع ثمّ طلّقها ورجع وواقع ثم طلقها وهكذا من خمس وست إذا هدم الطلاق الأوّل أو الثاني تزويجاً.
1) نسبه الطباطبائي في رياض المسائل 12: 244 إلى بعض الأجلة؛ وراجع الحدائق الناضرة 25 : 269.
وقد تحصل التسع العديّة في ضمن ثمانية عشر، كما إذا طلقها ورجع وواقع ثم طلقها حتّى انقضت العدة فتزوجت ثمّ طلّقها الزوج فتزوجها الأوّل ففعل فيها كذلك تسعاً ينكحها بعد كلّ اثنتين رجل.
وفي إلحاق الأمة ها هنا بحكم الحُرّة وجهان: من مساواتهما في أصل الحكم غالباً، ومن الاقتصار في التحريم على المورد اليقيني.
الثالثة: يصح للزوج أن يطلق الحامل مرّة، إجماعاً نصاً (1)، وفتوى.
ويجوز أن يطلقها مرة أخرى بعد أن يراجع في المرة الأولى وبواقع إجماعاً منقولاً على لسان جماعة (2)وشهرةً محصلةً، والأخبار العامّة (3)والخاصّة (4)ناطقة به، والضعيف منها منجبر بما تقدم.
خلافاً للصدوقين، فمنعا من الزيادة على الواحدة مطلقاً إلى أن تضع حملها؛ استناداً للأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ طلاقها واحدة (5)، مع تصريح بعضها بالنهي عن الزيادة (6).
ونسبة القول للصدوقين بالمنع إلى ثلاثة أشهر (7)خلاف الظاهر، بل ظاهرهما عدم الجوازإلى الخروج من العدة.
وهل العدة وضع الحمل مطلقاً، أو بشرط عدم مضي الثلاثة أشهر ؟ كما نُسب إليهما في باب العدد (8)، وخلافاً لابن الجنيد حيث منع إلى شهر (9)استناداً إلى رواية (10)غير معمول عليها.
1) وسائل الشيعة 22 : 59 - 60، الباب 27 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
2) منهم : المحقق الحلّي في شرائع الإسلام :3 14 والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 131.
3) وسائل الشيعة 22 : 147 - 148، الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 6 و 8 و 10.
4) المقنع : 346؛ وحكاه عنهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 357، المسألة 13.
5) راجع الهامش (1).
6) وسائل الشيعة 22: 147 الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 7.
7) المقنع : 346، وحكاه عنهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 357، المسألة 13.
8) نسبه إليهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7 : 497 المسألة 135؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 9: 256؛ وراجع المقنع : 346.
9) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 357 - 358، المسألة 13.
10) وسائل الشيعة 22 : 148 - 149، الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 11.
والكلّ ضعيف، فلتُطرّح، أو تُحمل أخبار الوحدة على بيان إرادة الصنف، بمعنى أنّه غير السنّي بالمعنى الأخص إذا أراد تحريمها، أو بمعنى أنها إذا طلقت للسنّي بالمعنى الأخص فلا يقع فيها إلّا واحدة؛ لأنّها إذا انقضت عدتها بوضع الحمل لم تبق حاملاً، أو يُحمل على الندب، وتُحمل النواهي عن الزائد على الكراهة، وكذا يُحمل على الندب ما دلّ على الشهر.
وهل يجوز أن يطلقها مرّةً أُخرى من غير رجوع ووقاع قبلها؟ ظاهر الشيخ (رَحمهُ اللّه) : المنع، وهو الذي سمّاه طلاق السنّة، وسمّى ما وقع قبله وقاع بعد رجعةٍ عديّاً (1)، فجمع بين أخبار الجواز بالحمل على العدي، وأخبار المنع بالحمل على السنّي بالمعنى الأعم.
ولا يريد بالعدي هو ما وقع بعده رجعة ووقاع؛ لاستبعاد أن يجعل شرط صحّة الطلاق بعد وقوعه جامعاً للشرائط وقوع الرجعة والوقاع بعده، فإن وقعا كان صحيحاً، وإلا وقع فاسداً وإن كان الظاهر من العدي هو ما وقع الوقاع والرجعة بعده، أو بعده وقبله، لا ما وقع قبله فقط.
ويريد بالسنّي بالمعنى الأعم هو الذي لا يتقدّمه رجوع ووقاع، سواء بقي أثره إلى انقضاء العدة، فيصير سنّيّاً بالمعنى الأخص، أو انقطع برجعةٍ فقط أو رجعة ووطء فيكون عدياً، والموجب لذلك عدم إمكان القول بتحريم الطلاق بالنظر إلى ما بعده من رجوع ووقاعٍ في العدة، ومن عدمهما أو عدم أحدهما.
والأقوى وقوع الطلاق مطلقاً، كما صرحت الأخبار بوقوعه عديّاً وسنيّاً، مضافاً إلى العمومات.
ففي الخبر: في الحامل أنّه يطلقها في يوم واحد ثلاثاً بينهما رجعتان تبين منه؟ قال: «نعم» (2)وظاهره عدم المواقعة.
نعم، في جملة من الأخبار (3)تقييد طلاق الحامل في أن يطلق بعد المواقعة، وهكذا إلى أن تنتهي الثلاث، وظاهرها الاقتصار في طلاق الحامل على ذلك، وهو الذي أدى إلى القول به من جماعة من أصحابنا.
ولكن هذا المقيّد لا يحكم على المطلق؛ لضعفه، فلتحمل المقيدات على الندب من جهة خوف الإضرار بالمرأة من جهة ترك المواقعة مع طول المدة.
الرابعة: يجوز طلاق الحائل بعد الطلاق الأوّل إذا تخلّلت بين الطلاقين رجعة مجرّدة عن الوقاع، سواء كان الطلاقان بل الثلاث في طهرٍ واحد أو مفرّقة على الأطهار، كلّ ذلك لعمومات أدلّة الطلاق الواقع بالزوجة؛ لأنّها تكون زوجة بالرجعة إجماعاً، وخصوص الأخبار المنجبرة بفتوى المشهور وعملهم.
فمنها: ما دلّ على جوازه في الطهر الواحد، كالموثق (1).
ومنها: ما دلّ على التفريق على الأطهار من دون وقاع، كالصحيحين والحسن (2).
وخالف في ذلك العماني، فاشترط في الطلاق الثاني وقوعه بعد المواقعة (3)للأخبار الدالّة على عدم وقوع الطلاق الثاني من دون مراجعة ومواقعة.
ففي بعضها: النهي عنه (4)الدال على الفساد على الأظهر، وفي بعضها: «لا يقع» (5)وفي بعضها: «المراجعة هي الجماع» (6).
والمراد بها بقرينة المقام المراجعة المجوّزة للطلاق الثاني؛ لأنه قال بعد ذلك: «وإلا فإنّما هي واحدة» (7).
وجميع هذه الأخبار لا تقاوم أدلّة الجواز المعتضدة بما ذكرنا، فلتُطرح، أو يُحمل النهي على الكراهة، أو على التحريم الغير القاضي بالفساد.
ويُحمل ما دلّ على عدم الوقوع على إرادة عدم وقوع الفرد الكامل الذي لا يتعقبه تحريم أو كراهة، كـ «لا صلاة لجار المسجد» (8).
وجمع بين الأخبار بعضهم (9)يحمل ما دلّ على المنع على إرادة البينونة من الرجعة
1) وسائل الشيعة 22 : 144، الباب 19 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 5.
2) المصدر : 143 - 144، ح 1 و 2 و 4.
3) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 372، المسألة 23.
4) وسائل الشيعة 22: 141، الباب 17 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 2.
5) المصدر : 142، ح 5.
6) المصدر : 140 - 141، ح 1.
7) المصدر : 140 - 141، ح 1.
8) المصدر 5: 194، الباب 2 من أبواب أحكام المساجد، ح 1.
9) الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 2: 320 مفتاح 784.
بمعنى أنّه رجع ليطلّق، فإنّه يمنع من دون مواقعةٍ ؛ لمكان الضرار بالمرأة، والمجوّزة على مَنْ لا يريد ذلك فبدا له فطلق.
وهو محمل بعيد جداً.
وجمع بينها الشيخ بحمل الأخبار الناهية على غير العدي، والمجوّزة عليه (1).
وفيه: إن الطلاق ما وقعت الرجعة والمواقعة بعده، فيلزم تعلّق النهي والفساد بمجرد النية، بمعنى إن نوى في الطلاق أنّه عدّي ولم يراجع ويواقع كان منهياً عنه، وإن لم يَنْوِ أنّه عدي صح ذلك الطلاق من دونهما.
وهو غريب كما ترى.
وإن أراد أن من أراد إجراء أحكام العدي المترتبة عليه من تحليل أو تحريم أو ندب ونحوهما فلا يطلق من دون رجوع ووقاع بعد ذلك ويحتسبه عديّاً، ومن لم يرد إجراء أحكامه يفعل ما شاء.
وهو أيضاً خالٍ عن الثمرة، ولا يصلح أن يكون جمعاً.
الخامسة : إذا طلّق الغائب زوجته غيبةً شرعيّةً أو عرفيّةً يتعسّر معها معرفة حال الزوجة، ومثله الحاضر الغير المتمكن من المعرفة كان عدتها في نفسها إذا سمعت الطلاق، كسائر العدد ليس لها مزيّة بوجه من الوجوه، وكان عليه أن يتربّص تسعة أشهر هلالية أو ثمانية هلالية وواحد عددي، ويلفّق يومه المنكسر إذا أراد العقد على رابعة أو على الأخت واحتمل حمل المطلقة مع ذلك وتربّصها من حين الطلاق، كما هو ظاهر الرواية فيمن له أربع نسوة وطلق واحدةً وهو غائب، متى يجوز له أن يتزوج؟ قال: «بعد تسعة أشهر، وفيها أجلان: فساد الحيض والحمل» (2)إلّا أنّ آخرها وظاهر تعليل الفقهاء ممّا يؤذن بأن التربص من حين الوطء، إلّا أن تُحمل على أنها حكمة لا علة.
وعلى كلّ حالٍ فالرواية محمولة على المسترابة بالحمل؛ جمعاً بينها وبين ما دلّ على
أن العدة ثلاثة أقراء (1)أو ثلاثة أشهر (2)، وما دلّ بالخصوص في رجل طلّق زوجته وهو غائب، قال: «فإذا مضى ثلاثة أقراء فقد انقضى عدتها» (3)، ولذا إن العلّامة (رَحمهُ اللّه) حكم بوجوب التربص سنةٌ (4)لكونها أقصى مدة الحمل، أو للأمر بها في المسترابة (5)، وهو بعيد؛ لأن الاسترابة حكم يعود للزوجة، وعدة تتعلّق بها، فلا يجب على الزوج مراعاتها إذا كان غائباً؛ لاحتمال وقوع المرأة بها واعتدادها بها مع أصالة عدمها، بل لا يبعد أنّ الحكم بلزوم التسع مقصور على ما في الرواية من كونه غائباً ومن كونه محتملاً للحمل، ومن كونه يريد الخامسة دون الأخت، بل و من احتسابها من حين الوطء، وما عدا ذلك يرجع فيه إلى القواعد الشرعيّة في العدد إما الأقراء أو الأشهر ولو احتمل الحمل؛ لأصالة عدمه.
نعم، لو تبين الحمل بعد ذلك فسد نكاح الأخت، كما لو تربّص تسعة أشهر فتزوج الأُخت فبانَ أنّها حامل، بناءً على أن أقصى الحمل سنة.
وعلى كلّ حال فالاحتياط يقضى بالتسعة مطلقاً.
ولو لم ينتظر التسعة فعقد على الخامسة أو الأخت، فهل يبطل عقده مطلقاً، أو يبطل فيما لو صادف عقده عدتها الرجعية، فلو تبيّن خلاصها قبل العقد صح؟ وجهان، والأخير أقوى؛ لأنّ التسعة زمن للزوم التربّص عليه، لا أنّه عدّة لا يجوز العقد معها على الأُخت أو الخامسة، كما لو قدم الغائب فبان له انقضاء العدة، أو أخبره بذلك مخبر عدل أو عدلان.
والحكم يختص بالعقد، فلا يجري لغيره من أحكام النفقة ونحوها من الرجوع ونحوه.
أحدها: إذا طلق الرجل ثلاثاً حرمت عليه - متعة ودواماً وتحليلاً وملك يمين وجميع أنواع الاستمتاع - حتّى تنكح زوجاً غيره بالشرائط الآتية (1)إن شاء اللّه تعالى، فإذا نكحت وطلقها جاز أن تعود إليه إجماعاً.
وهل يهدم التزويج بغيره الواحدة والاثنتين من طلاقاته بحيث لو تزوجت بعد طلقة فعادت إليه أو بعد طلقتين فعادت إليه بقيت على ثلاث كما كانت، أو لا كذلك؟ قولان، والمشهور: الأول، بل كاد أن يكون إجماعاً.
و تدلّ عليه كثير من الروايات (2)المخالفة لفتوى المشهور من العامّة - وإن خالفهم أبو حنيفة (3)- الموافقة للقواعد؛ لأصالة عدم التحريم في الثلاث فيما عدا المتيقن، وهو الذي لم يتخللها نكاح.
وأمّا ظاهر الأدلّة الآمرة بالمحلّل بعد الثلاث فمنصرفة كتاباً (4)، وسنةٌ (5)إلى وقوعها من غير فصل بينها.
والقول الثاني نُسب (6)لبعض أصحابنا، بل لم يُعرف قائله.
نعم، فيه روايات صحيحة (7)، لكنّها متروكة موافقة لفتوى العامّة.
هذا كله في الحُرّة، ويلحق فيها المبعضة؛ تغليباً لجانب الحرية.
1) تأتي في ص 426 - 427.
2) وسائل الشيعة 22: 125 – 126 و 128، الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 1 و 3 و 4 و 13.
3) المجموع 17 : 287.
4) البقرة (2) : 230.
5) وسائل الشيعة 22 : 118 وما بعدها، الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه.
6) الناسب هو ابن حمزة في الوسيلة : 321.
7) وسائل الشيعة 22: 126 - 128، الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 6 - 11.
وأما الأمة فتحرم بتطليقتين إجماعاً، ويهدم طلاقها التزويج بغيره مطلقاً كالحُرّة.
ولو أُعتقت أعتقت الأمة بعد طلقة فراجعها أو تزوّجها بقيت معه على واحدة، ولا يلحقها حكم الحرائر، وفاقاً للمشهور والصحيح وغيره من المعتبرة الدالّة على أن المملوك إذا كانت تحته مملوكة فطلقها ثم أعتقها صاحبها كانت عنده على واحدة، وكذا لو أُعتقا (1)، ولا قائل بالفرق بين كون الزوج مملوكاً أو غيره.
نعم، لو أعتقت قبل الطلاق، جرى عليها حكم الحرائر، ولولا الأخبار وفتوى المشهور لكان القول بإجراء حكم الحرائر عليها متجه.
الثاني: يشترط في المحلل البلوغ، فلا عبرة بغير البالغ مراهقاً أم لا؛ لخبر العسيلة (2)لأن العسيلة إما لذة الجماع أو الإنزال، ولا يتحققان في غير البالغ.
أما غير المراهق فلا إشكال فيه.
وأما المراهق فلا يتحقق منه الإنزال، وأمّا اللذة وإن أمكنت منه إلّا أنّه لا ينصرف إليها الإطلاق من لفظ العسيلة، ولأنّ الظاهر من قوله تعالى: (حَتَّى تَنكِحَ زَوجَاً غَيْرَهُ) (3)استقلال الزوج في النكاح، وغير البالغ لا قابلية له بذلك، مضافاً إلى قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا) (4)، فإنّ الطلاق لا يكون منه، والظاهر مطابقة مرجع الضمير عاد إليه.
ويدلّ عليه خبر علي الواسطي فيمن طلق امرأته الطلاق الذي لا يحل له حتّى تنكح زوجاً غيره، قال: فتزوجها غلام لم يحتلم، قال: «لا، حتّى يبلغ» (5).
فالقول بصحة التحليل من المراهق؛ استناداً لعموم تنكح» و «تتزوج» ولأنه ممّا له لذة في الجملة، ضعيف لا يقاوم ما قدمنا.
نعم، لو عقد عليه صغيراً ووطأ كبيراً بالغاً، صحّ.
ويشترط كون الموطوءة أيضاً بالغةً، فلا عبرة بوطء الصغيرة؛ لما قدمنا.
ويشترط كونه قبلاً إجماعاً، وهو الظاهر من ذوق العسيلة.
ويشترط إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها؛ لأنّه المنساق من ذوق العسيلة وممّا دلّ على الوطء؛ لأنّه الوطء الشرعي الذي قد استعمل لفظ النكاح فيه، وهو الذي تدور عليه الأحكام، ولأنّه لم يعهد من الشارع اعتبار ما دونه، فوجوده كعدمه، والأصل بقاء الحرمة.
ويشترط كون الوطء مستنداً إلى عقد دائم، فلا يصح في المتعة أو الملك أو التحليل إجماعاً، وظاهر قوله تعالى: (فَإِن طَلَّقَهَا) (1). وللأخبار الدالّة على عدم اعتبار وطء المتعة وعدم اعتبار وطء الملك (2).
ويشترط أن يطأها مع بقاء العقد، فلو وطئها بعد الردة لا يعتد به.
نعم، لو تزوجها فدخل بها دبراً فطلقها ثم راجعها فوطئها قبلاً، كان حسناً.
الثالث : لا يشترط الإنزال للعموم والإطلاق. وخبر العسيلة (3)يراد به اللذة، فلا بأس بتحليل الخصي.
وفي رواية: «لا يحلّل» (4)، وهي ضعيفة لا تعارض ما قدمنا، والاحتياط غير خفي.
ولا يشترط كون الوطء حلالاً؛ لعمومات الأدلّة وإطلاقها، فلو وطئ في الإحرام أو الحيض أو النفاس أو الصوم، صح.
وخيال أن المحرّم لا يكون سبباً في التحليل، خيال ضعيف، والاحتياط حسن.
ولا يشترط إسلام المحلل ولا إيمانه، فلو طلّق الكافر الكافرة ثلاثاً أو المسلم على وجه يصح فتزوجت كافراً، حلّت لزوجها الأول؛ لصحة نكاح الكفّار، ولزوم إجرائهم على دينهم، ولعموم الكتاب (5)والسنّة(6).
الرابع: لو ادعت الزوجة التحليل والفراغ من عدة المحلل صدقت مع إمكان ذلك، ولا تُكلّف اليمين؛ لأنّ في جملة ذلك ما لم يعلم إلّا من قبلها، ولأنّهنّ مصدقات على فروجهن ومؤتمنات عليها، كما هو مضمون الأخبار (1)المعمول عليها، ومحل المسألة من ذلك.
وقد يقال بلزوم طلب البينة عليها فيما يمكنها إقامة البينة عليه.
ولكنّه بعيد مخالف لظواهر الأخبار وكلام الأصحاب.
ولا فرق في تصديق قولها بين كونها ثقة مأمونة أم لا؛ أخذاً بالعموم، إلّا أنّه ورد في الصحيح أنّها تُصدَّق إذا كانت ثقةً (2)، ومفهومه أنّها إذا لم تكن ثقة لا تُصدق، وهو لا يقاوم ما تقدّم، فليحمل على الندب.
نعم، لو كانت متهمة كان القول بلزوم التوقف في حالها والاعتماد على القرائن في تصديقها ولو بمثل تحليفها بالأيمان المغلّظة إذا علم أو ظنّ أنّها ممّن تتقى الأيمان الكاذبة - وعلى ذلك يُحمل ما ورد من الحكم على المدعية المتهمة باليمين - قويّاً جداً.
فعلى هذا يؤخذ بكلام مجهولة الحال ومَنْ لم تثبت وثاقتها ولا فسقها.
ولو اختلفت هي والمحلل في الإصابة، فأنكر الإصابة وادعتها، كان القول قوله مع يمينه بالنسبة إلى الأحكام المترتبة عليه من الإصابة، وتُصدّق هي في قولها ذلك بالنسبة إلى المحلل له، سواء كانت ثقةً أم لا.
نعم، لو كانت متهمةً فلا يبعد لزوم الفحص عن حالها حتّى يعلم أو يظن بالقرائن صدقها مغلظة ومثله.
ولو بمثل يمين ولو كذبت نفسها في دعوى الإصابة بعد دعواها بها، سمع منها ذلك ما لم يكن بعد العقد عليها من الزوج الأوّل.
نعم، لو ادعت أنها تزوّجت بالمحلل، فأنكر وحلف على نفي ذلك، فالأحوط ها هنا: عدم سماع قولها من دون البينة؛ لإمكان إقامتها.
ولو ادعت تطليقها من المحلّل، فأنكر فحلف على عدم الطلاق وثبت أنها زوجته، كان عدم سماع قولها بالنسبة إلى تزويجها هو الوجه؛ لاستصحاب الزوجيّة، ولكونه كذي اليد،
ولأنها دعوى معارضها موجود فلا يجوز الإقدام عليها ما لم تنته الدعوى، فإذا انتهت أنّها زوجته بيمينه حرم نكاحها، ولا معنى لتصديقها حينئذٍ.
وبالجملة، يُسمع قولها مع عدم المعارض، أو عند معارض يكون القول قولها فيه، أو تنتهى الدعوى إليها، أو كان يدعي ولا يحرّر دعواه بحيث يؤدّي إلى لزوم الضرر على الزوجة. ولو تداعيا في الطلاق، فأخبرت أنها أثبتته بعد الدعوى، صُدّقت مع عدم التهمة ومعها كما تقدم.
الخامس: لو اشترى أمةٌ قد طلقها طلقتين، حرم عليه وطؤها حتّى تنكح زوجاً غيره؛ لعموم الأدلّة، وخصوص الأخبار (1)الدالّة على ذلك.
وقيل بالحلّ (2)لعموم (وَمَا مَلَكَت أيمَانُكُم) (3)وانصراف الأدلّة لغير الملك.
وخصوص رواية أبي بصير فيمن اشترى جاريةٌ وقد طلقها طلاقاً ثانياً (4)، قال: «يحلّ له فرجها من أجل شرائها» (5).
وصحيح ابن سنان في رجل تحته أمة فطلقها على السنة فبانت منه ثم اشتراها بعد ذلك قبل أن تنكح زوجاً غيره، قال: «أليس قد قضى عليٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه؟ أحلتها آية وحرمتها آية، وأنا أنهى عنها نفسي وولدي»(6).
والكلّ ضعيف؛ لمنع الانصراف في الأدلّة، ولمنع كون النسخة «ثانياً» في الأول، بل هو بائناً على أنّه لم تثبت صحته، ولمنع التصريح في الطلاق الثاني، والتصريح بالتحريم في الثاني.
وهي عند المتشرّعة ردّ المرأة إلى النكاح بعد طلاقها الرجعي ابتداء أو استدامة ما دامت العدة.
أحدها: الرجعة من حقوق الزوج لا تعلّق له بالزوجة، فيصح الصلح من الزوجة على عدم إيقاعها من الزوج.
وهل يصح الصلح على إسقاطها أصلاً؟ الأظهر عدمه؛ للشك في صحّة الصلح على إسقاط الحقوق التي لا مدخل لها بالمال.
ثانيها: الرجعة إعادة النكاح الأوّل بعد زواله بالطلاق؛ جمعاً بين ما دلّ على مشروعيتها، وما دلّ على أن الطلاق مزيل لقيد النكاح، وليست ابتداء نكاح؛ لعدم إجراء أحكام النكاح الابتدائي عليها من مهرٍ أو طلاق قبل الدخول فيما إذا طلقها بعد الرجعة قبل الدخول، وليست كاشفة عن بقاء الزوجيّة واستمرارها، بمعنى أن الطلاق جزء سبب للبينونة يتمّ بانقضاء العدة إذا لم يتعقبه رجعة، فإذا تعقبه تبيّن بطلان أثره ابتداء، لا من حين الرجعة؛ لأنّ ظاهر الأدلّة أن الطلاق أثر الفراق من حينه، غايته أنّه متزلزل - كالمبيع في زمن الخيار - يستقر بانقضاء العدة، ويبطل أثره، ويعود إلى العقد الأوّل في الرجعة.
نعم، المطلقة الرجعية بمنزلة الزوجة، كما يُفهم من الأخبار (1)وكلام الأصحاب، ويطلق على المطلق أنّه زوج ما دامت في العدة، فالأصل جريان أحكام الزوجيّة عليها إلّا ما أخرجه الدليل، كما إذا وطأها جهلاً فلا يجب عليه المهر، سواء رجع بها بعد الطلاق في العدة أم لا.
وكذا لو وطأها عمداً بقصد عدم الرجوع فلا يثبت عليه حد، ويجوز له تغسيلها، وترثه ويرثها ويقع الظهار واللعان بها إلى غير ذلك من الأحكام، كعدم جواز إجراء العقد الجديد عليها متعة أو دواماً على الظاهر.
نعم، لا يجوز وطؤها بقصد عدم الرجوع لفوات فائدة الطلاق.
لا يجوز طلاقها مرّةً أُخرى؛ لعدم زوال موجب الطلاق الأوّل.
نعم، يحتسب الطلاق في العدد إذا وقع بعد الرجعة، وهذا دليل على حصول أثر الطلاق وإن وقعت بعده رجعة.
ثالثها: الرجعة من الإيقاعات لا من الأحكام والأسباب الشرعيّة، فالأصل عدم تأثيرها من دون لفظ يدلّ عليها صريحاً أو كناية مع القرينة أو بدونها إذا قارنه قصد الرجعة على إشكال كـ «راجعتكِ» و «ارتجعتك» و «أرجعتكِ إلى النكاح» و «رددتكِ إليه» و «أمسكتكِ» و أحللت نكاحكِ» أو «رفعت حرمته» أو «تزوّجتكِ»، وفي كفاية اللفظ المجرد عن القرينة الغير ظاهر الدلالة واقعاً في الرجعة إشكال أو فعل يقوم مقام اللفظ، كإشارة الأخرس أو يؤثر الرجعة بنفسه فيما إذا كان ظاهراً فيها، كالوطء والتقبيل واللمس بشهوة.
ويفتقر الفعل إلى القصد إليه وإلى الرجعة، فلو خلا عن ذلك، كفعل الساهي أو النائم، أو ما لم يقصد به الرجعة، لم يكن رجعة.
وقد يقال: إن قصده الرجعة لا يفتقر إليه في الفعل، بل يكفي فيه مجرّد إخطار الزوجيّة والتمسك بها مع وقوع الفعل المصاحب له فيكون من قبيل الأحكام والأسباب.
ويتأكد هذا الاحتمال في الوطء؛ لإطلاق قوله : «كان غشيانه إياها رجعةً لها» (2).
بل قد يقال: إنّ الغشيان رجعة وإن لم يخطر بباله الزوجيّة، بل وإن قصد عدم الرجوع به والزوجيّة ما لم يقع منه سهواً أو نوماً ونحوهما، فيكون من قبيل الأسباب؛ أخذاً بإطلاق الرواية، ولكن لم أرَ مَنْ قال به ممّن يعتد به.
ويمكن حمل الرواية على أنّ الغشيان يُحكم به رجعةً ظاهراً بحكم الشارع؛ لأنّ للأفعال دلالات كدلالات الأقوال، وأما الواقع فيدور مدار ما ذكرناه.
وألحق بعضهم (1)النظر بشهوة باللمس، وفيه إشكال.
ويباح الفعل المقصود منه الرجعة وإن لم يتقدّمه ما يدلّ عليها؛ لأنها بحكم الزوجة كما ذكرنا، فيكون نفس الفعل رجعةً جائزة، كالتصرف الفاسخ ممن له الخيار.
وإنكار الطلاق رجعة إن قصد به إنشاء الرجعة، وكذا إن لم يقصد؛ لإطلاق الخبر المعتبر أن إنكار الطلاق رجعة (2)لأنّ الإنكار يتضمن التمسك بالزوجيّة وعدم وقوع الطلاق بالمرة، فيكون أقوى في الدلالة على إرادة بقاء النكاح من الرجعة.
ولو قصد العدم، احتمل كونه رجعةً أيضاً؛ تشبيهاً لها هنا بالأسباب الشرعيّة؛ لإطلاق الرواية.
والأقوى العدم؛ حملاً للرواية على مقتضى الظاهر من إرادة التمسك بالزوجيّة، أو إرادة قصد الرجوع؛ جمعاً بينها وبين ما دلّ على أن لا عمل إلّا بنية (3)، ويؤيده فتوى الأصحاب.
ويمكن حمل الرواية على إرادة أنّه رجعة بظاهر حكم الشارع، وأما الواقع فيدور مدار ما ذكرناه (4).
ويظهر من ذلك أنّ إنكار الطلاق لو كان لعدم إرادة التمسك بالزوجيّة وعدم إرادة الرجوع بل كان لمجرد تكذيب المدعي بدعواه من دون ملاحظة أمرٍ آخر لم يحكم بالواقع عليه أنّه رجعة.
ورجعة الأخرس بالإشارة المفهمة صريحاً، أو مع انضمام القرائن، ولا تختص بفعل دون فعل.
فما ذكره بعض من الاقتصار على رفع القناع (1)تعليلاً بأنّ طلاقه وضعه، وعلامة الضدّ ضد العلّامة، ضعيف، ونسب ذلك بعض إلى رواية (2)، ولم تثبت.
ولا تكفي الرجعة المعلّقة وإن وقع المعلّق عليه، ولا المقيدة بوقت متأخر وإن حصل.
ودعوى كونها من [الإيقاعات ] فلا تنافي التعليق كالنذر، باطلة.
رابعها: إذا راجع الزوج في العدة فأنكرت الإصابة والدخول، كان القول قولها بيمينها، سواء في ذلك حصول الخلوة التامة وعدمها.
وقد يقال: إنّه مع حصول الخلوة التامة والبقاء معها مدّة يكون القول قوله. ولكن الأوّل أقوى.
ويلزم عليه إجراء أحكام الزوجيّة بموجب إقراره، ولا يلزمها ذلك لإنكارها.
ولو راجع فادعت انقضاء العدة بالحيض وكان محتملاً في حقها، صُدّقت؛ لأن أمر العدة والحيض إليها، وعليه فتوى الأصحاب ما لم يظنّ كذبها ويكون الظاهر على خلافه، كادعائها انقضاء الحيض في زمن يقصر عن عادتها المعلومة، أو عن عادة غالب النساء إذا لم تعلم عادتها، فلا يبعد هنا عدم تصديق قولها، إلّا مع شهادة نسوةٍ من بطانتها أنّ حيضها كان فيما مضى على ما ادعت كما هو نص خبر السكوني (3)، وظاهره الاكتفاء بشهادة النسوة وإن كانتا اثنتين؛ لإطلاق الجمع عليهما غالباً، والاكتفاء بهن بمجرد الاطمئنان بقولهن، ولا يشترط فيهن العدالة. وإن ادعت انقضاء العدّة بالأشهر رجعا إلى الحساب إن أمكن، وإلا كان القول قول من ادعى بقاء العدّة منهما ؛ لأصالة تأخر الطلاق وبقاء حكم العدة، بل وزمانها.
وإن ادعت انقضاءها بالوضع بعد العلم بحملها منه كان القول قولها؛ للزوم تصديقها في الوضع، ولرجوع أمر العدة إليها.
ولو ادعت الحمل والوضع، كان القول قوله في إنكار الحمل؛ لأصالة عدمه، ولأن الاختلاف في أصل حقيقة الاعتداد ونوعه، فلا تصدق به، إنما تصدّق في انقضاء العدّة مع الاتفاق على وقوع نوعها.
وقد يناقش في ذلك إن لم يقم إجماع على ذلك؛ لإطلاق أخبار الرجوع إليها في أمر العدة والحمل (1).
نعم، لو أحضرت ولداً وادعت أنّه ولد الزوج وأنها اعتدت بوضعه، كان له إنكار حمله ووضعه؛ لاحتمال التقاطها له.
ولو ادعت انقضاء العدة فادعى الرجعة قبله، قدّم قولها مع اليمين على البت إن ادعى الرجعة فعلاً، أو سبق رجعة يتفقان عليها، وإلا فعلى عدم العلم، مع احتمال الحلف على عدم العلم مطلقاً؛ لأنها ليست من فعلها، ويكفيها ذلك لزوال النكاح بالطلاق، فلا يعود عليها إلّا ببينة.
والظاهر عدم الفرق هنا بين تأريخ ما ادعياه، وبين عدمه، وبين ابتداء الدعوى من الزوج أو الزوجة.
ولو اتفقا على أنّه راجع وصدقته فيها، وادعت انقضاء العدة قبلها، وأنكره مع إهمالها التأريخ أو اعتدادها بالأشهر أو الوضع قدّم قوله بيمينه على البت إن اعتدت بالوضع أو الأشهر، وإلا على نفي العلم؛ لأصالة صحّة الرجعة فهي تدّعي فسادها، والرجوع إليها في العدة هو فيما إذا لم يعارض دعواها ما يدفعها، وهنا يدعي الرجعة الصحيحة، والأصل ثبوت ما ادعاه.
نعم، لو رجع شاكاً في العدة فأخبرته ببقائها، كان رجوعه باطلاً؛ لرجوعه إليها فيما لا يمكن اطلاعه عليه، كما إذا أراد أن يرجع ولم يعلم حالها.
وقيل: إن سبقت بالدعوى، فقالت: انقضت عدّتي، فادعى الرجعة قبل الانقضاء، فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها مؤتمنة على فرجها وانقضاء عدتها، وعليها اليمين لنفي العلم بالرجعة، وإن انعكس كان القول قوله مع يمينه؛ لأصالة الصحّة، وتقديماً للظاهر، وعليه اليمين على نفي العلم، وإن اتفقت الدعويان أو جهل السابقة، فالقرعة، فمن خرجت عليه كان القول قوله مع يمينه، ويحتمل الرجوع إلى جهل التأريخ وعلمه فالمجهول يتأخر عن المعلوم لو كان هناك معلوم متفق عليه (2).
ولو كانت المطلقة أمةً فادعى الرجعة قبل انقضاء العدّة وصدقته، فأنكر مولاها ذلك، كان القول قولها؛ لأنّ أمر العدة إليها، والرجعة حق بين الزوجين، فإذا تصادقا عليه لم يكن للمولى على رفعه سلطان، ويسقط اليمين هنا على الزوج؛ لثبوت حقه من دونه، مع احتمال سماع قول المولى لزوال النكاح بالطلاق والنزاع في إعادته وملك البضع راجع إليه أصالة. ولو ارتدت الزوجة بعد طلاقها كتابية، ففي جواز الرجوع بها وجهان: من كون الرجعة نكاحاً جديداً يثبت بعد زواله، ونكاح الكوافر منهي عنه (1)، ولا أقل من الشك في كونها من النكاح الجديد أو المستمر، والأصل المنع من نكاح الكافرة، إلّا أن يثبت أنّه استدامة لا ابتداء.
والقول بجواز الرجعة بها؛ لعدم كونها ابتداء نكاح، بل استدامة للنكاح الأول، ولذا لا يتوقف على رضى الزوجة جيّد، إلّا أنّ الأوّل أقوى، وعدم التوقف على رضى الزوجة لا يدلّ على الاستدامة؛ لأنّه من الأحكام الشرعيّة، كتزويج الأمة وجعل عتقها صداقها.
ولو رجعت المرتدة إلى الإسلام في العدّة جاز له الرجوع بها، وكذا حكم الذمية لو أسلم عنها الذمي بعد طلاقها، ولا يشترط علم الزوجة بالرجعة، بل تصح علمت أم لم تعلم، فلو تزوّجت وعلم الزوج الثاني وصدقته ردّت إلى الأوّل، وإن لم يعلم ولا بينة للزوج الأوّل حلفه على نفي العلم وكانت زوجته، فإن نكل حلف الأوّل وردّت إليه إن لم تكذبه، فإن كذبته لم ترد إليه ولو قلنا: إنّ اليمين المردودة بمنزلة البينة؛ لأنّها بمنزلتها بالنسبة إلى المتداعيين فقط، وإن صدقاه الزوج الثاني والمرأة ردّت إليه، وإن صدقه الزوج فقط حرمت عليه ولا يمضي إقراره عليها، فللأوّل عليها اليمين، فإن حلفت على نفي رجعته أو نفي العلم بها انفسخ نكاح الثاني بموجب إقراره، ولها نصف المهر مع عدم الدخول وكله مع الدخول. ولها الفسخ حينئذٍ من جهة علمها بالزوجيّة الواقعية ولزوم الضرر عليها، أو يطلق احتياطاً، أو يجبره الحاكم على الطلاق لمكان عقده الصوري في وجه.
وقد يقال: إن مع فسخها قبل الدخول لا تستحق شيئاً واقعاً؛ لأنّه كالفسخ بالعيب. فإن ادعى الزوج الأوّل الرجعة عليها أولاً، فإن صدقته لم يُقبل إقرارها على الثاني. وفي رجوع الأوّل عليها بمهر أمثالها وجه لمكان تفويت البضع عليه الذي قد أقرت به.
1) البقرة (2) : 221.
والوجه الآخر العدم للأصل، ولأنها قبل الإقرار لم يثبت تفريطها، فلعلها كانت جاهلةً ولم تَدْرِ، وبعد الإقرار قد أدت ما عليها.
وإن كذبته حلفت إن قلنا بالغرم؛ لتحقق الفائدة في اليمين، وإلا فلا يمين عليها، فإن نکلت حلف الزوج وغرمت المهر له ولا يُحكم ببطلان النكاح وإن قلنا: إن اليمين المردودة بمنزلة البينة؛ لأنّها بمنزلتها بالنسبة إلى المتداعيين لا بالنسبة إلى الزوج، كما إذا كانت الدعوى مع الزوج الثاني أولاً فرد اليمين على الأوّل فحلف، فإنّه لا يثبت الزوجيّة بالنسبة إلى المرأة وإن أثبتها بالنسبة إليه، وإذا زال نكاح الثاني وجب عليها تسليم نفسها للأول، وتستعيد ما غرمته له من المهر كي لا يجمع بين العوض والمعوض.
ولا يتفاوت الحال في رجوعها بين تصديقها له، وبين إثباتها باليمين المردودة، أو بيمين المدعي بعد نكول المنكر.
ولو ادعى الرجعة في وقت إمكان إنشائها، صُدّق من غير يمين؛ لصيرورة ذلك رجعةً كإنكار الطلاق، واحتمال توقف ذلك على اليمين؛ لأصالة العدم، والإنكار جاء به النص (1).
أما لو ادعى الرجعة ثم الطلاق بعدها، فالظاهر توقف ذلك على اليمين.
ولو أنكرت الرجعة ثمّ صدقته، حكم عليها بتصديقها الأخير؛ لأنها أنكرت حقه فعادت إلى الإقرار، بخلاف ما إذا ادعت ولادة شخص أو رضاعه أو تحريمها عليه ثم عادت إلى الإنكار، فإنّه لا يُسمع إنكارها إلّا إذا أبدت أمراً محتملاً.
وبالجملة، ففي الأوّل إقرار بعد إنكار فهو مسموع، وفي الثاني إنكار بعد إقرار فلا يُسمع.
وكذا لو أنكرت رضاها بأصل التزويج فعادت إلى الإقرار بالرضى وكذا إنكار باقي شرائط النكاح فعادت إلى الإقرار بها، فإنّ الأظهر في جميع ذلك سماع قولها.
ولو أقرت بزوجيّة شخص وهي خليّة أو ذات بعل فأنكرت بعد ذلك، لم يُسمع إنكارها، إلّا أن تدعي أمراً ممكناً بحسب العرف إرادته من ذلك الإقرار، ولا يعده أهل العرف مستهجناً أو مستبعداً، وتحلف عليه مع اليمين.
1) وسائل الشيعة 22 : 136 الباب 14 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 1.
وهي شرعاً اسم لمدة محدودة بالزمان أو بالوصف كالحيض والأطهار، أو بالفعل، كالوضع تتربص به المرأة، فلا تنكح زوجاً، ولا توطأ من بعل، واقعة بعد طلاق أو فسخ أو شبههما أو وطء شبهةٍ أو موت زوج وشبهه، مشروعة لاستبراء رحم أو لاحترام مسلم أو للتعبد، متعلّقة بزوجةٍ أو موطوءة بشبهة أو بتحليل أو بملك يمين، ويختص الأخيران غالباً باسم الاستبراء.
أحدها: لا عدّة على مَنْ لم يدخل بها - عدا المتوفى عنها زوجها – بالكتاب (1)وإن ذكر فيه عدم المسيس بعد الطلاق، ولكن لا قائل بالفرق والسنّة (2)والإجماع بقسميه (3)، ولأنّ مشروعية العدة حكمته استبراء الرحم، فهو وإن لم يكن علة يدور مدارها الحكم وجوداً وعدماً، بل حكمة، كالمشقة في السفر، إلّا أنّ الحكمة لا تشمل النوع الخارج عن مقتضاها، كعدم الدخول والصغر واليأس، وإن شملت بعض أفرادٍ يُقطع بعدم إجرائها فيه، كالغائب عنها زوجها، والمفارق لها مدة يعلم فيها براءة رحمها، والموطوءة دبراً ونحوها، كما أن كثيراً من أفراد السفر لا مشقة فيه.
ثانيها: المراد بالدخول هو الوطء قبلاً أو دبراً بالموضع المعتاد إجماعاً؛ لشمول «المسيس» للقبل والدبر، ولشمول الدخول في قوله : «إذا أدخله فقد وجب المهر والغسل والعدّة» (4).
والمراد بالوطء دخول الحشفة؛ لتقييد أخبار الدخول بما دلّ على التقاء الختانين (1).
ويلحق بها قدرها من مقطوعها؛ لعموم «المسيس» و «الدخول» ولا يؤثر أقل من ذلك؛ لظاهر الاتفاق، ولا أزيد من ذلك لو أدخله عرضاً ملتوياً، أو لم يدخله من رأسه، كما هو الظاهر من إطلاق «الدخول» وكلام الأصحاب.
ولا يتفاوت الحال بين أن يُنزل أم لا؛ لإطلاق الأخبار، والإجماع.
أمّا مَنْ لم يكن شأنه الإنزال - كالصغير - فوجهان، وإلحاقه بالكبير أقرب؛ للإطلاق، و كلام الأصحاب، والاحتياط.
وعدم الإلحاق أيضاً وجه قوي؛ لانصراف المطلقات إلى غيره، ولعدم شمول الحكمة لنوعه.
وأما الإنزال من دون إدخال فلا عبرة به، إلّا إذا استبان منه حمل، فالأقوى إلحاقه به؛ لعموم (وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ) (2).
ويحتمل العدم سيما لو كان الحمل من غير ماء الزوج، فإنّ اجتناب الزوج عن زوجته عند حملها من ماء آخر بالمساحقة أو بوضعه من بعيد أو بقطنة بعيد.
وتجب من الواطئ وإن كان مجبوب الأنثيين أو مرضوضهما - ولا تجب من مقطوعهما - عدة قطعاً، إلّا إذا ساحقها فظهر حمل اعتدت به؛ لأنّ الولد للفراش، ومحلّ المني الصلب.
واستشكله العلّامة (3)لقضاء العادة بالعدم، وهو حسن.
أما مقطوع الذكر سليم الأنثيين فإن ساحق وظهر حمل اعتدت به، وإن لم يظهر حمل احتمل وجوب العدّة؛ لإمكان الحمل بالمساحقة، ولصدق «المسيس» خرج مقطوعهما وبقي الباقي، ونُسب ذلك إلى الشيخ (رَحمهُ اللّه) (4).
والأقوى عدمه؛ لانصراف أدلّة المسيس إلى الدخول شرعاً.
ويظهر من الشهيد نسبة لزوم الاعتداد على المجبوب وإن لم يساحق إلى الشيخ (رَحمهُ اللّه) (5)، والظاهر أنّه لا وجه له.
ويلحق الممسوح بمجبوبهما، بل هو أولى لو كان مسحاً تاماً.
ولا تجب العدّة بالخلوة؛ للأصل، والكتاب (1)والسنّة (2)، بل والإجماع، سواء كانت تامة بإرخاء الستور وإغلاق الباب وطول المدة أو لا.
وما دلّ على ذلك من الأخبار (3)منزل على التقيّة، أو مطرح، أو محمول على أن المراد بيان أن القول قول مدعي الإصابة والدخول إذا حصلت الخلوة، بخلاف ما لم تحصل، فإنّ القول قول من ينكر الإصابة.
ثالثها: لا عدة على اليائسة، وهي التي بلغت خمسين سنة هلالية إن ولدت ليلة الهلال، أو تسعة وأربعين هلالية وأحد عشر شهراً هلالياً وشهراً عددياً إن ولدت في أثناء الشهر، كلّ ذلك لتحقق مسمّى الخمسين عرفاً.
ويراد في مثل هذا الإطلاق في الأخبار (4)المسمّى.
وأما اليوم المنكسر فيلفّق مثله من اليوم الزائد لا من ليلته.
ويحتمل احتسابه مطلقاً، أو إذا كان الكسر قليلاً.
ويحتمل لزوم إسقاطه مطلقاً، أو إذا كان الكسر كثيراً.
والكلّ عدا الأوّل ضعيف، كما أن احتمال انكسار السنين كلّها عدديّة، أو انكسار السنة المنكسرة كذلك ضعيف أيضاً.
أو التي بلغت ستين إن كان قرشيّةً منسوبةً إلى قريش بالأب، أو نبطية؛ للرواية المرسلة (5)المعتضدة بفتوى المشهور.
والحكم باعتداد غير القرشية بالخمسين واعتدادهما بالستين تبعاً لفتوى المشهور؛ جمعاً بين ما دلّ على الأوّل مطلقاً، وما دلّ على الثاني مطلقاً، مضافاً إلى ما في مرسلة
ابن أبي عمير من التحديد بالخمسين، إلّا أن تكون امرأةٌ من قريش (1)، ويُحمل المستثنى على التحديد بالستين؛ لعدم القائل بالفرق.
وكذا لا عدة على الصغيرة، وهي مَنْ لم يكمل لها تسع، كما ورد في الرواية (2)وفتوى الأصحاب.
والدليل على عدم اعتداد الصنفين الأصل، وارتفاع الحكمة عن الصنفين، والأخبار (3)المعتبرة المؤيَّدة بفتوى المشهور نقلاً (4)، وتحصيلاً.
خلافاً للمرتضى (5)، وجماعة (6)، فأثبتوا عليهما العدّة؛ لظاهر الكتاب (7)، ولبعض الأخبار (8)الدالّة على ذلك.
وفيه: إن الكتاب مجمل؛ لأنّ ظهور اليأس في اليائسة يعارضه ظهور الريبة في غيرها، بل ربما يقال: إن ظهور اليأس في اليائسة معنى متشرعي، فلا يُحمل عليه الكتاب العزيز.
والأخبار ضعيفة لا يعارض الأخبار الأُخر، فلتُطرح، أو تحمل على التقية، أو على الندب، أو على مَنْ بلغت ولكن لم تحض بحسب العادة، أو على مَنْ بلغت فحاضت فانقطع حيضها لعارض.
وكذا تُحمل الآية، بل ربما يدعى ظهورها في ذلك؛ لمكان الريبة، وإلا لعبر بالجهل، وأقام المذكر مقام المؤنث؛ لرجوع النساء إليهم، وهو من أنواع البديع.
ولو أراد الزوج الرجوع فأخبرت باليأس، ففي تصديق قولها وإبطال رجعته وجهان، ولا يبعد العدم؛ لإمكان إقامة البينة عليه، فلا يُصدق قولها فيه.
نعم، لو أخبرت بيأسها قصداً لتزويجها بآخر صُدّقت؛ لأنّهنّ مصدقات على فروجهن.
1) وسائل الشيعة 2 : 335 الباب 31 من أبواب الحيض، ح 2.
2) المصدر 22 : 179، الباب 2 من أبواب العدد، ح 4.
3) المصدر : 177 - 178، ح 1 - 3 و 183، الباب 4 من أبواب العدد، ح 5.
4) كشف اللثام 8: 92.
5) الانتصار : 334، المسألة 188.
6) منهم ابن زهرة في غنية النزوع 1: 382.
7) الطلاق (65) : 4.
8) وسائل الشيعة 22 : 178 و 179 و 180، الباب 2 من أبواب العدد، ح 2 و 6 - 8، و 186 و 187، الباب 4 من تلك الأبواب، ح 7 و 9.
وقد يُعلم اليأس بالقرائن القطعية، كاحديداب الظهر وبياض الشعر وتقلّص الوجه وتساقط الأسنان ونحوها.
والمشكوك في كونها قرشيّةً تعتدّ بالخمسين؛ إلحاقاً بالأغلب المفيد للظنّ بالموضوع، ولأن استثناء القرشيّة يقضي بإجراء الحكم على المشكوك به إلى أن يعلم كونها كذلك.
والأحوط انتظارها للستين؛ لتعارض الأصول، ولا مناص إلّا الاحتياط.
رابعها: العدة تكون بالأشهر وبالأقراء.
والتي تكون بالأشهر هي عدة كلّ مَنْ لا تحيض وهي في سن مَنْ تحيض وقد مرت بها ثلاثة أشهر بعد الطلاق موصولةٌ به لم ترحيضاً ولم تسترب بالحمل ولا تدعيه.
وهذا الحكم مقطوع به فتوى ونصاً (1)، ويدل عليه الكتاب (2).
ويراد بالأشهر الهلالية إن طلقها أوّل الهلال، ولا كلام فيه، والهلالين والعددي الملفّق من اليوم الزائد - لا من ليلته - إذا طلقها في أثنائه. وهذا المفهوم عرفاً في مقامات الخطاب والتحديد بالأشهر.
وقد يحتمل أنّه مع الانكسار ينكسر الجميع عددياً، فيكسر الأوّل الثاني، والثاني الثالث، وهكذا. ويحتمل احتساب الجميع هلالية فيلفّق الأوّل هلالياً، ولم يحتمل أحد سقوط المنكسر.
نعم، يحتمل في اليوم المنكسر سقوطه مطلقاً، أو سقوطه إذا كان الكسر كثيراً، أو احتسابه إذا كان الكسر قليلاً.
والأجود تلفيقه من اليوم الزائد بقدر ما فات منه.
وعلى كلّ حالٍ فاستعمال الشهر في الكتاب والسنّة ها هنا في المعنى العام الشامل، وهو المسمى، فمتى صدق وقع به الاعتداد.
وهل هو استعمال حقيقي أو مجازي؟ الظاهر أنّه من قبيل الحقائق العرفية العامّة في مثل هذا التركيب، وليس الشهر ممّا استعمل هنا في معنييه الحقيقيين، بناءً على اشتراكه بين الهلالي والعددي، أو الحقيقي والمجازي، إما مطلقاً، أو في خصوص الجمع، وذلك للزوم
الخلل في المعنى واللفظ للزوم إرادة الست أشهر من الثلاثة أشهر، أو إرادة المعاني المختلفة على التقادير المختلفة، وكلاهما غير مرضي.
وقد يقال: إن الأشهر يراد بها الهلالية فقط، ويكون موردها ما إذا طلقت في أوّل الهلال، وبيان ما إذا طلقت في أثنائه جاء من دليل آخر، ولكنه بعيد جداً.
ولو استرابت بالحمل المعتدة بالأشهر، فإن ظهر لديها حمل في أثنائها اعتدت به، وإلا انقضت عدتها بها وإن بقيت الريبة؛ للأصل، ولإطلاق أدلّة الاعتداد بالأشهر من غير استفصال. سواء في ذلك وقوع الريبة في العدة أو بعدها، تزوّجت أم لا.
وقيل بلزوم الانتظار إلى تسعة أشهر أو أقصى مدة الحمل إذا وقعت الريبة في أثناء العدة (1)للاحتياط، ولبعض الروايات (2)الغير الدالّة على ذلك، وإنّما تدلّ على حكم مَنْ ادّعت الحمل، وهو أمر آخر.
أما لو ادعت الحمل في ضمن الأشهر أو بعدها صدقت بدعواها إن لم يعلم كذبها، فإن علم كان عدتها الثلاثة، وانتظرت تسعة أشهر من حين الطلاق إن كان الوطء قريباً إليه، وإن بعد احتسبته من حين الوطء، فإن ولدت وإلا اعتدت بثلاثة أشهر من بعدها الطلاق، أو الأقل إن تقدم الوطء عليه؛ للأخبار(3)، وفيها الصحيح والمعتبر، وعليها فتوى المشهور، وتشعر به أدلّة المسترابة الآتية إن شاء اللّه تعالى.
ونقل عن الحلّي الاكتفاء بتسعة أشهر؛ لأنها أقصى الحمل (4).
وهو مخالف للنصّ والفتوى، على أنّه لو كان مبنى المسألة على أقصى الحمل للزمت العشرة عند مَنْ يقول بها، وللزم التربّص سنةً عند مَنْ يقول أقصاه ذلك، فلا تكون الثلاثة عدّة، وهو خلاف الظاهر.
نعم، في رواية: وتحتاط بثلاثة» (5).
1) قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 743 والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 3: 25.
2) وسائل الشيعة 22 : 199 - 200، الباب 13 من أبواب العدد، ح 2.
3) المصدر : 223 وما بعدها الباب 25 من أبواب العدد.
4) السرائر 2 : 743؛ ونقله عنه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 9 : 240.
5) وسائل الشيعة :22 : 224 الباب 25 من أبواب العدد، ح 4.
ولا يبعد حمله على الاحتياط الوجوبي، والتعبير عنه بذلك لأنه عدّة بعد خروج زمان التربص، وهو أقصى مدة الحمل عند كثير من الفقهاء.
وهل يشترط كون الثلاثة بيضاً؟ الظاهر لا؛ لإطلاق الأخبار.
وسيجيء - إن شاء اللّه تعالى - بيان أصناف أُخر من النساء اللاتي يعتددن بالأشهر أيضاً.
خامسها: تكون العدة بالأقراء كتاباً (1)وسنة (2)وإجماعاً بقسميه (3).
ويراد بالقرء الطهر بين الحيضتين الشرعيتين، وهو المشهور فتوى، والمنقول عليه الإجماع(4). ولا بد من إتمام الطهرين المتوسطين، ويكتفى من الأوّل بمسمّاه، لا لأن لفظ «القرء» يشمله كما قيل (5)، وإلا لاكتفي بالمسمّى من الثالث، بل لورود الدليل به.
وهل يكون استعمال لفظ «القرء» في الكتاب والسنّة من قبيل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أو في حقيقته فقط فيما إذا طلقها أوّل الطهر عرفاً، والاكتفاء بالمسمى في الأوّل جاء به الدليل، أو في مجازه فقط، وهو المسمّى، ولزوم إتمام الأخير جاء به الدليل؟ وجوه.
والذي يدلّ على إرادة الطهر من القرء دون الحيض الكتاب، وهو قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) (6)واللام للتوقيت والظرفية، والطلاق لا يكون إلّا في طهر، والأخبار المعتبرة الناصة على أن القرء الطهر، وأنها تنقضي عدتها (7)بأول قطرة من الحيضة الثالثة، وأنها إذا دخلت الحيضة الثالثة انقضت عدتها، وهي مؤيَّدة بفتوى المشهور والإجماع المنقول.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن الأقراء هي الحيض هنا (8).
ويدلّ عليه أخبار(9)متعدّدة أيضاً، ولكنّها لا تقاوم تلك، فلا بد من طرحها، أو حملها على
1) البقرة (2) : 228.
2) وسائل الشيعة 22 : 198، الباب 12 من أبواب العدد.
3) الانتصار : 341، المسألة 191.
4) الانتصار : 341، المسألة 191.
5) لم نعثر على القائل.
6) الطلاق (65) : 1.
7) وسائل الشيعة 22: 201 وما بعدها، الباب 14 من أبواب العدد ؛ و 206 و 209، الباب 15 من تلك الأبواب، ح 9 و 19.
8) راجع مسالك الأفهام 9 : 217.
9) وسائل الشيعة 22 : 202 - 203 الباب 14 من أبواب العدد، ح 7 و 8.
التقية، كما يلوح من بعض روايات الأطهار، حيث نسب رواية الحيض لأهل العراق، فكذبهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)، أو تحمل على الاحتياط في التأخير؛ لحصول العلم بالحيض المتوقف عليه الطهر.
ونقل الشيخ عن شيخه الجمع بين الأخبار بحمل الأخبار الدالّة على الحيض على ما إذا طلقها في آخر طهرها، والأخبار الدالّة على الأطهار على ما إذا طلقها في أوله (2).
وهو حسن، إلّا أنّه بعيد عن الفتوى.
ويكتفى بمسمّى الطهر في الأوّل نصاً وفتوى بخلاف الأخيرين.
وتخرج العدة بخلاص الطهر، وعلامته رؤية الدم الثالث؛ لعدم إمكان العلم بدون رؤيته وليست اللحظة الأولى من الدم جزءاً من العدة كما نُقل القول به عن الشيخ (3)لمخالفته لإطلاق الأدلّة الدالّة على أن العدة هي القروء أو الأطهار (4).
نعم، قد يستند للاحتياط ولمفهوم بعض الأخبار مثل: «إذا رأت الدم الثالث» (5)، أو «إذا دخلت الحيضة الثالثة» (6).
ولكن الاحتياط في معارضة تلك الأدلّة لا يفيد إلّا الندب، والأخبار ظاهرة في إظهار الدلالة على خروج الأطهار، كما فهم منها الأصحاب.
وقد يقال: إنّ القرء هو الانتقال من الطهر إلى الحيض لا نفس الطهر، فيدخل جزء من الحيض فيه.
وهو ضعيف، لمنع ذلك أوّلاً، ولأنّ العدّة هي الطهر لا مجرد القرء، ولعدم تسليم دخول جزء على ذلك التقدير، والثمرات المترتبة على الخلاف لا تخفى على ذي مسكة.
وتنقضي العدة على ما ذكرنا بستة وعشرين يوماً ولحظتين، لحظة أولى من الطهر داخلة، واللحظة الأخيرة من الحيض كاشفة.
هذا في الحُرّة، وأما الأمة فقرءان.
وتحتسب ما بين النفاس والحيض طهراً، وكذا ما بين النفاسين، فيمكن انقضاء العدة بلحظة طهر ولحظة نفاس، ولحظة طهرٍ آخر ولحظة نفاس، ولحظة طهر ثالث ولحظة حيض.
ويتحقق ذلك فيما إذا ولدت توأمين بحيث يكون بعد كلّ ولد نفاس، ويكون بينهما ما يقضي بكونهما ولادتين عرفاً، لا ولادة واحدة، حيث لا نشترط كون الطهر ما بين النفاسين أو النفاس والحيض عشرة، ويقع ذلك في عدّة المطلقة الحامل من غير المطلق شبهةً أو زني؛ حيث تكون عدتها الأقراء.
ولو طلّقت المرأة بحيث اتصل آخر الصيغة بأوّل الدم افتقرت عدتها إلى ثلاث أطهار تامة؛ لعدم سلامة الطهر الأوّل.
وذات العادة الوقتية تتحيّض برؤية الدم في وقته، وقد تتقدم قليلاً أو تتأخر.
والمضطربة والمبتدأة وذات العادة العددية تنتظر في العدة إلى ثلاثة أيام احتياطاً إن قلنا: إنها تتحيّض برؤيته في غير العدة، لمكان الاحتياط في الفروج.
سادسها: ذات الأقراء لو يئست في أثناء العدة فإن كان بعد حيضتين أو بعد أيام من أيام الشهور لم يلزمها شيء؛ للأصل، ولتبدل الموضوع ودخولها تحت موضوع آخر لا يتعلّق به.
وإن يئست بعد حيضة لزمها الاعتداد بشهرين بعدها؛ لرواية هارون (1)، وهي ضعيفة، إلّا أنّها مؤيَّدة بفتوى الأصحاب، ولولا ذلك لكان القول بسقوط الاعتداد عنها هو الوجه.
سابعها: مَنْ كانت في سنّ مَنْ تحيض وقد وقع منها الحيض، فإن كانت لها عادة وقتية عددية، أو وقتيّة فقط تامةً أو ناقصةً، أو عددية فقط تامةً أو ناقصةً، وكانت عادتها في أقل من ثلاثة أشهر، سواء كانت تحيض في كلّ شهرٍ مرّةً أو في شهرين أو في ثلاثة، فإنّها تعتد بالأقراء، وهي الأطهار إذا وقعت الأقراء منها؛ للنصّ (2)والإجماع.
أما لو وقع منها قرء وارتفع الباقي، أو قرءان وارتفع الثالث صبرت هذه إلى أن تتم أقراؤها، أو يمضي لها تسعة أشهر، فإن تمّت أقراؤها اعتدت بها، وإلا لزمها بعد التسعة أشهر ثلاثة أشهر تعتد بها ما لم يقع في الثلاثة أشهر قرء تكمل به الثلاثة، كما إذا رأت في التسعة قرءين ورأت في أوّل الثلاثة قرءاً، فإنّه لا يجب عليها انتظار تمام الثلاثة؛ لرواية سورة بن كليب مستقيمة الحيض وقد طلقت فلم ترَ في ثلاثة أشهر إلّا حيضةٌ واحدةٌ، ثم ارتفع حيضها، فإنّه أمرها بالتربّص تسعة أشهر من يوم طلقها ثم تعتد بثلاثة أشهر (1).
والرواية لم يكن فيها تقييد بما ذكرنا من بعد تمام الثلاثة أقراء قبل مضي الثلاثة، ولكن إنّما قيّدناها بذلك لقوة الأدلّة الدالّة على الاعتداد بثلاثة قروء مطلقاً.
والظاهر أنّه لا يشترط كون الثلاثة الواقعة بعد التسعة بيضاً، بل يكفي وإن رأت فيها حيضاً، بأن كان الحيض الثاني قد وقع فيها، وذلك لإطلاق الرواية، فحينئذٍ لا يجب الانتظار عند وقوع الحيضة الثانية في ضمن الثلاثة إلى وقوع حيضةٍ ثالثة، أو مضيّ ثلاثة أشهر بيض بعد تلك الثلاثة أشهر.
وبهذه الرواية يقيّد ما جاء من الأخبار الدالّة على أنّه أمران، أيهما سبق إليها بانت به المطلقة المسترابة التي تستريب الحيض إن مرت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم بانت بها. وإن مرت بها ثلاث حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض (2)، فتحمل رواية سورة بن كليب على المستقيمة الحيض التي تحيض في أقل من ثلاثة أشهر إذا تأخرت عنها الحيضة أو الحيضتان، وتُحمل على المبتدأة، أو على مَنْ زادت عادتها على الثلاثة أشهر، أو على المضطربة التي لم تستقر لها عادة ولا وصف.
وهذا أقوى ممّا يظهر من بعضهم من حمل رواية (3)سورة بن كليب على ما إذا رأت دماً الثلاثة أشهر الواقعة بعد الطلاق مطلقاً، وحمل الروايات الأُخر على الأشهر الموصولة بالطلاق، وادعى أنّ ذلك هو المفهوم من كلام الأصحاب (4).
وفيه: إنّه خلاف ظاهر الروايات والأصحاب لم يفهم لهم اتفاق ها هنا على شيء.
وأقوى أيضاً ممّا يظهر من بعضهم من حمل رواية سورة على مسترابة الحمل كما يظهر من المحقق (1)، وحمل الروايات الأخر على غيرها، وذلك لعدم ظهور استرابة الحمل من الرواية، بل ظهور عدمه؛ لاشتراط التربص بالتسع فيها أنّه من حين الطلاق لا من حين الوطء، واسترابة الحمل إنّما تكون من حين الوطء لا من حين الطلاق، على أن الاسترابة قد تزول في ضمن التسعة، وقد تزول في العشرة، فلا حاجة إلى الثلاثة أو الاثنين الواقعة بعدها؛ لانكشاف مضيّ العدة بالأشهر حينئذٍ، إذ لا حاجة إلى النية في عدة الطلاق، بل متى ما انقضت وصادفت محلّها أجزأت.
وعلى كلّ حال، فالعمل بهذه الرواية؛ لاشتهار مضمونها بين الأصحاب فتوى وروايةً أولى من العمل برواية عمّار الدالّة على الاعتداد بثلاثة أشهر بعد التربّص سنة (2)، فطرحها أو حملها على الندب أولى.
ويمكن حملها على ما حملها الشيخ (رَحمهُ اللّه) من تأخر الحيضة الثالثة (3)، وحمل رواية (4)، سورة على ما إذا تأخرت الحيضتان معاً؛ لقوله في رواية عمار: «وإن مضت سنةً ولم ترَ فيها ثلاث حيض» وقوله في رواية سورة: «لم ترَ في ثلاثة أشهر إلّا حيضةٌ» وهما لا يخلوان من إشعارٍ بذلك، ولكنّه بعيد عن كلام الأصحاب وفتاوى الفقهاء.
ثامنها: عدة مَنْ تحيض في أكثر من ثلاثة أشهر على سبيل العادة ثلاثة أشهر بيض موصولة إن طلقها في وقت يسلم لها ذلك، ومفصولة إن طلقها في وقت يسلم لها ذلك؛ للرواية المتقدمة. وهي «أمران أيهما سبق» (5)وهي وإن كانت في المسترابة إلّا أني لم أجد قائلاً بالفصل، وللصحيح التي تحيض في كلّ ثلاثة أشهر مرّةً أو في ستة أو في سبعة: «إن عدتها ثلاثة أشهر»(6).
والمراد بقوله: «في كلّ ثلاثة أشهر» يعني بعدها؛ بقرينة تمام الرواية.
وقد يقال: إن مَنْ كانت عادتها الحيض في أكثر من الثلاثة أشهر إن مرت بها ثلاثة أشهر بيض موصولة اعتدت بها، وإلا فإن لم يسلم لها ثلاثةٌ كذلك رجعت للأقراء وإن طالت عدتها؛ لأن الأقراء أصل في باب العدد.
أو يقال: إنّها إذا فاجأها الحيض قبل مضي الثلاثة كان حكمها ما ذكر في رواية سورة بن كليب (1)، وقد يظهر من بعض من الفقهاء ذلك.
ولكنهما معاً ضعيفان.
ويظهر من جملة من الفقهاء اختصاص رواية سورة بالمبتدأة إذا تحيضت بالأشهر ففاجأها الدم.
تاسعها: عدة المبتدأة إذا اعتدت بعد الطلاق بالأشهر ففاجأها الدم فيها الانتظار إلى تمام الأقراء، أو مضيّ ثلاثة أشهر بيض ولو كانت مفصولةً، كما دلّت عليها رواية «أمران أيهما سبق» (2).
ويظهر من كثير من الفقهاء أنّها تنتظر تمام الأقراء، أو تتربص تسعة أشهر وتعتد بعدها بثلاثة أشهر، كما هو مضمون رواية سورة (3)، ولا بأس به.
عاشرها: عدّة المستمرة الدم، وهذه إن كانت لها عادة رجعت إلى عادتها، وإن كانت مبتدأةً رجعت إلى الوصف وتحيّضت به وجرى عليها ما جرى على ذات العادة، فإن فقدت الوصف رجعت إلى نسائها وأقرانها، وتحيّضت بما تحتضن به فإن فقدت رجعت إلى الأشهر لانضباطها، ولا تعتدّ بالروايات وإن لزمها التحيض بها لغير العدّة؛ للأخبار (4)وفتوى الأصحاب.
وكذا المضطربة ترجع إلى الوصف، فلو فقدته رجعت إلى الأشهر، ولا تتحيّض بالروايات.
وفي الصحيح والمستحاضة والتي تحيض مرّةً ويرتفع مرّة والتي ترى الصفرة من حيض ليس بمستقيم أن عدتهنَّ كلّهنَّ ثلاثة أشهر (5).
وجميع ما ذكرنا من العدد العدد يجري على الأمة، إلّا أنّ عدتها قرءان، وفي العدد شهر ونصف، وحينئذٍ فلو جرت تسعة أضافت إليه خمسةً وأربعين يوماً، ولا يلزمها الثلاثة، لما دلّ أن ذلك عدة للأحرار (1).
والمبتدأة والمضطربة لا تنقضي عدتها إلّا بعد مضي ثلاثة أيام من حيضها احتياطاً للعدّة.
حادي عشرها: تعتد الحامل من الطلاق وما يلحق به من فسخ وشبهه بوضع الحمل كتاباً (2)وسنّة (3)وإجماعاً بقسميه (4)- ولو بعد الطلاق بلحظة، ولا اعتداد لها بالأقراء والأشهر.
خلافاً للصدوق، حيث ذهب أنّها تعتد بأقرب الأجلين من الوضع والأشهر، إلّا أنها إذا اعتدت بالأشهر لم يجز لها أن تنكح زوجاً إلّا بالوضع (5).
واستند في ذلك إلى رواية أبي الصباح الكناني أنّ عدة الحامل أقرب الأجلين(6).
وهو ضعيف لا يقاوم الكتاب والسنّة والإجماع، فليحمل على إرادة الوضع من قوله: أقرب الأجلين لأن الوضع أقرب بنفسه من العدة بالأقراء التي هي الأصل في العدد.
ويشترط في كون الوضع عدة أن يكون الحمل من المطلق، سواء كان بذلك العقد أم بغيره، كما إذا وطأها شبهةً فحملت فتزوجها فطلقها وهي حامل.
ولا عبرة بما يكون من غيره، مثل ما إذا وطئت شبهةً على فراشه، أو زنى بها، فإنّ الزوج لو طلقها اعتدت منه بالأقراء أو الأشهر.
وهذا الشرط مجمع عليه، وهو المتبادر من الأدلّة، ويشير إليه ما سيجيء من عدم جواز تداخل العدد في المطلقة والموطوءة بشبهةٍ (7).
وكذا يشترط وضع جميعه، فلو بقي من الولد قطعة لا يصدق معها وضع الحمل لا يعتد به.
نعم، لو بقي جزء لا يعتد به - كإصبع أو كفّ - صدق عليه اسم الوضع، والاحتياط لا ي- وكذا يشترط تسمية الموضوع حملاً، ويكفي المضغة قطعاً، وكذا العلقة على الأقوى إذا علم أنها علقة مستحيلة عن نطفة مستعدة لنشوء آدمي.
وأما النطفة فلا عبرة بها؛ للشكّ في صدق الحمل والحامل، ومجرّد صلاحية النطفة لصيرورتها مبدأ نشوء آدمي غير كافٍ في صدق الحمل، والإجماع منقول على عدم اعتبارها (1).
نعم، قد يقال: إنّ النطفة لو استقرّت في الرحم وانعقدت بحيث مضى عليها الثلاثون يوماً أو أزيد وعلم أنها قد استعدت لصيرورتها مبدأ نشوء آدمي تكون حملاً، ويصدق عليها وضع الحمل لو سقطت.
ولكن الأظهر والأحوط الأوّل.
ولو وضعت أحد التوأمين دون الآخر بقيت عدتها إلى أن تضع الآخر، وفاقاً لفتوى كثيرٍ من أصحابنا (2)، واستصحاباً لحكم العدة، ولأن الحمل مصدر يفيد العموم، فلا يصدق مع بقاء أحدهما وضع حملها، ونقل الإجماع على ذلك (3).
وقيل: إن العدة تنقضي بوضع الأوّل ولكن لا تنكح غير المطلق إلّا بعد وضع الجميع (4)استناداً لرواية عبد الرحمن الدالّة على أنها تبين بوضع الأول، ولا تحل للأزواج حتّى تضع ما في بطنها (5).
والمستند ضعيف لا يعارض ما قدمناه من الأدلّة.
وهل هذا القول يشمل عدة الوفاة أم لا؟ وهل تكون حرمة التزويج عليها كحرمة التزويج في العدة أم لا؟ وجهان، ولا يبعد ذلك، ولا ينافيه حمل الرواية على انقضاء العدة الرجعية بوضع الأوّل والبائنة بالثاني، وتركب العدتين لا بأس به.
ونقل عن أبي عليّ: أنها تنقضي عدتها مطلقاً بوضع واحد (1)، ولا وجه له.
ويشترط في حكم التوأميّة وفي أنهما حمل وضع الثاني لدون الستة أشهر من وضع الأوّل، وإلا فالحكم ها هنا أنهما حملان.
وذكر الشهيد: أنها لو ولدته لستة فصاعداً كان حملاً آخر لا يرتبط بالأول، وحينئذٍ فتنقضي عدتها بوضع الأوّل، وهل لها التزويج من جهة الحكم بالبينونة ومن جهة خوف اختلاط الأنساب فيما لو ولدته في وقت محتمل أنّه لكلّ منهما؟
وفي كلامه تأمل ونظر ظاهر.
ثاني عشرها: لو مات الزوج في العدة البائنة أتمت الزوجة عدتها من الطلاق وشبهه، ولا عدة عليها للوفاة؛ للأصل، وانقطاع علقة الزوجيّة.
وفي رواية: إن المطلقة البائنة إذا توفّي عنها زوجها وهي في عدتها تعتد بأبعد الأجلين. ونقل عن بعض الأصحاب (2)ذلك.
وهو ضعيف. ويمكن حملها على الحامل، أو على الندب.
ولو مات الزوج في العدة الرجعية، استأنفت عدة الوفاة، وبطلت عدة الطلاق؛ لثبوت علاقة الزوجيّة، فتعتد عدتها؛ لعموم أدلّة عدة الوفاة من غير معارض، سواء ساوت عدة الطلاق عدة الوفاة أو نقصت عنها أو زادت عليها، ولا يحتاج مع الزيادة إلى إتمام عدة الطلاق واستئناف عدة الوفاة، كما لا يحتاج ذلك في النقصان أو المساواة، ولا إلى إتمام عدة الوفاة والإتيان بزائد عدة الطلاق عليها لو كانت زائدةً أو داخلة معها أيام التربص.
وقد يُحكم بلزوم إتمام تربّص المسترابة؛ لعموم أدلتها، ولا ينافيها لزوم اعتدادها عدة الوفاة؛ لعدم التعارض غايته لزوم الزيادة عليها للاسترابة؛ للأصل، والاحتياط، والشكّ في كون الموت مخرجاً لها من لزوم التربّص فتعتد حينئذٍ بأبعد الأجلين من التربص أو عدة الوفاة.
بل قد يحتمل لزوم عدة الوفاة بعد تمام أيّام الاسترابة مطلقاً ساوت أو نقصت أو زادت.
ويحتمل - على ضعفٍ - اعتدادها بأبعد الأجلين في عدة الطلاق مطلقاً.
ويحتمل لزوم الإتيان بالعدتين.
ولكن لا يعتد به فالمسترابة تعتدّ بعد الأشهر الواقعة بعد التسعة أشهر أو السنة عدة الوفاة؛ لأصالة بقاء العدتين.
ولكن الأظهر الاعتداد بعدة الموت فقط للشك في شمول دليل لزوم عدة الطلاق لمفروض المسألة، وكذا لزوم إتمام أيام التربص بعد عدة الوفاة وإن كان إتمام مدة التربص أولى وأحوط، بل الأحوط الإتيان بعدة الوفاة بعد أيام التربص وأحوط الكلّ: الجمع بين أيام التربص وعدة الطلاق والوفاة.
ثالث عشرها: لو حملت المرأة من الزنى فلا عدة، سواء كانت ذات بعل أم لا؛ للأصل، ولعدم حرمة ولد الزاني.
ولو كانت حائلاً، فالمشهور لا عدة عليها؛ لعدم احترام ماء الزاني.
والأظهر لزوم العدّة؛ لتحقق الحكمة في اختلاط الأنساب وإن كان الولد للفراش، وللأخبار الدالّة على الوجوب (1)، وحملها على الندب خلاف الظاهر.
ولو حملت من شبهةٍ لزمتها عدّة الحامل؛ لعموم الأدلّة وخصوصها.
ولو لم تحمل، لزمها الاعتداد بعدة الحائل، فلو طلقها الزوج لزمها عدّتان.
فإن اجتمع حمل وغيره، قدمت عدة الحمل مطلقاً؛ لعدم إمكان تأخرها، حتّى لو وقع الحمل من الشبهة في أثناء عدة الطلاق اعتدت بالحمل ثم أتمّت عدة الطلاق.
وإن لم يكن حمل، احتمل تقديم عدة الطلاق مطلقاً تقارنا أو تعاقبا، حتّى لو كان الطلاق أثناء عدة الشبهة اعتدت للطلاق ثمّ أتمّت عدة الشبهة بعد ذلك، واحتمل تقديم العدة السابقة في الشروع فيها.
ولو تقارنا قدمت عدة الطلاق، ولا تتداخل العدد؛ للأصل، والأخبار (2)، وفتوى المشهور من الأصحاب.
ولو اعتدت المطلّقة بعدة الشبهة كالحمل - مثلاً - وكان الطلاق رجعيّاً، جاز له الرجوع في زمن عدة الشبهة على الأظهر، وفي زمن عدّته قطعاً؛ لأنّ الرجوع بمنزلة استدامة النكاح لا بمنزلة ابتدائه، وإن كان طلاقه بائناً لم يجز له العقد عليها، ويكون بمنزلة العقد على ذات العدة.
نعم، لو تقدمت عدة الطلاق البائن جاز للمطلق العقد عليها في عدته؛ لأنها متى عقد عليها بطلت عدته، ودخلت في عدّة الشبهة وإن لم يجز الاستمتاع بها لعارض العدة، ولا منافاة بين كونها زوجة، وبين تحريم الاستمتاع بها، كالزوجة المحرمة والأمة المحللة.
رابع عشرها: لو اختلف الزوجان في زمن الطلاق والولادة، فادعى الزوج سبق الطلاق وادعت هي سبق الولادة أو العكس كانا متداعيين، وتحالفا، وبطلت دعوى كلّ منهما بيمين الآخر، وبقي استصحاب بقاء العدة، واستصحاب علاقة الزوجيّة سليمة عن المعارض؛ لعدم ثبوت انقطاعها بالولادة.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، حلف الحالف بعد نكول صاحبه يميناً أُخرى للإنبات. وثبت له الحق.
ويحتمل أنهما لو تداعيا قدّم قول المرأة في سبق الوضع على الطلاق وفي تأخره؛ لأنّ أمر الحمل يرجع إليها، فالقول قولها بيمينها.
هذا كله إذا لم يتعين تأريخ أحدهما، فلو تعيّن تأريخ أحدهما، فإن كان الوضع فالقول قول مَنْ أخر عنه الطلاق، وإن كان الطلاق فالقول قول مَنْ أخر عنه الوضع؛ لأصالة تأخر المجهول عن المعلوم.
وفيه: إن أصالة تأخر المجهول بنفسها لا تفيد، وأصالة تأخره عن المعلوم يلزم منه تقدم المعلوم عليه، فيكون أصلاً مثبتاً، ولا يفيد أيضاً، فيرجع إلى التداعي، أو إلى تقديم قول المرأة في زمن الوضع مطلقاً، تأخر عن زمن الطلاق المعلوم وقته أم تقدّم.
وقد يظهر ذلك من جملةٍ من فقهائنا (1)، وهو قوي جداً؛ لرجوع أمر الحمل إليها، كما في الأخبار (2)وكلام الأصحاب
واحتمل بعضهم (1)تقديم قول الزوج مطلقاً فيما لو تداعيا في تقديم الطلاق وتأخره بعد الاتفاق على زمن الوضع؛ لرجوع أمر الطلاق إليه.
وهو على إطلاقه ضعيف؛ لأنّ دعوى الطلاق إنّما تُسمع لو تجرّدت عن المعارض، والمعارض هنا ادعاؤها الوضع، وهو راجع إليها، ويمكن إثبات البينة على طلاقه، فلا تسمع دعواه مطلقاً.
خامس عشرها: في عدّة المتوفى عنها زوجها؛ وهذه تعتد مطلقاً - سواء كانت صغيرة أو يائسة أو غيرهما، مدخولاً بها أم لا، دائمة أو متمتع بها، صغيراً كان الزوج أو كبيراً، حُرّاً كان الزوج أو عبداً، مؤمناً أو مخالفاً؛ بناءً على صحّة عقد المخالف - بأربعة أشهر وعشر من الأيام، وتدخل فيها الليالي.
هذا إذا كانت حُرّةً أو مبعضةً وكانت حائلاً، ولو كانت أمةً أو حاملاً فعدتهما ما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.
ثم إن كانت الوفاة في أوّل الهلال أتمّت أربعة هلالية وأضافت عشراً من الخامس، وإن كانت قبله بعشر أتمت الأربعة مع العشر، وإن كانت فوق العشر انكسر الشهر الأول، فعليها الاعتداد بثلاثة هلالية وتكميل ما نقص عن الأربعين يوماً من الخامس أو السادس، كما لو بقيت خمسة من الشهر بعد طلاقها، وتلفيق اليوم المنكسر من اليوم الزائد بمثله، أو إسقاطه إن كان الكسر كثيراً، أو احتسابه إن كان الكسر قليلاً.
ويحتمل انكسار الشهور كلّها عدديةً عند الانكسار.
ويحتمل احتسابها كلّها هلالية.
والأوجه ما ذكرناه؛ لأنه أقرب للخطابات العرفية، فيكون استعمال الأشهر في الكتاب (2)والسنّة (3)في المسمّى.
ولو عقدت فضولاً فأجازت بعد موت الزوج، اعتدت من حين الإجازة، أو من حين الموت وجهان.
وتعتد الحامل بأبعد الأجلين من وضع الحمل، ومن تمام عدة الأشهر؛ للأخبار (1)والإجماع، وهما المقتضيان للجمع بين الآيتين (2)بهذا النحو، ولو خُلّينا وقواعد الجمع لكان اللازم بترجيح إحدى الآيتين على الأخرى إن حصل المرجّح، وإلا فالتخير؛ لعدم إمكان طرحهما، والعمل عليهما معاً، وترجيح إحداهما على الأخرى من دون مرجح محال.
سادس عشرها: لزوم الحداد في العدّة على من مات زوجها
سادس عشرها: يلزم هذه المعتدة الحداد فتوى ونصّاً (3)، وهو ترك الزينة بما يُسمّى زينة عرفاً ولغةً، أو الكفّ عنها.
ويختلف باختلاف الأزمنة والأحوال والبلدان.
وفي الأخبار ما يدلّ على ذلك؛ لاشتمال بعضها على الأمر بالحداد (4)، واشتمال الآخر على النهي عن أشياء خاصة (5)تقتضي زينة المرأة بها، ولا قائل بالفصل، بل اختلافها في التعداد والذكر ينبئ عن كون المذكور من باب المثال.
وتختلف الزينة، فزينة الرؤية كلّ ما يرى وزينة الشمّ الطيب، وزينة السمع الخلخال.
ويجوز استعمال الزينة للضرورة، وقد تكون بالوشم، وقد تكون بهيئة اللبس.
ولو أخلت بالحداد نسياناً لم يلزمها القضاء، ولا يفتقر إلى نيّة، ولا يلزمها إظهار الحزن، وهو واجب خارجي في العدة لا شرط فيها، فلو أخلّت به لم تبطل العدة وإن أثمت لو أخلّت به عمداً.
كلّ ذلك لإطلاق الأدلّة في الأمر بالاعتداد (6)، وأصالة عدم الشرطية من غير معارض، والأمر به فيها لا يقضي باشتراطه بها، وكلّ شيء نهي عنه في العقود والإيقاعات لا يقضي بالمانعية، وكذا ما أمر به لا يقضي بالشرطية.
نعم، لو وقع في العبادة، فهم منه المانعية والفساد؛ لدليل خارج من إجماع أو من وضع شرعي أو متشرعي، وكذا الشرطية في الأمر.
وظاهر الأصحاب لزوم الحداد على الصغيرة والمجنونة.
وفي شمول الأدلّة لهما نظر، والأصل يقضي بعدم ذلك، إلّا أن اتباع الأصحاب ممّا لا بد منه، وكأنهم فهموا أنّه من الأحكام الوضعية - كالعدة - لا التكليفية.
وفي لزوم الحداد على الأمة قولان ينشآن من عموم الأدلّة، ومن الرواية الصحيحة الدالّة على عدم لزوم الحداد عليها (1).
والأحوط الأول، والأقوى الأخير.
وتختص الزوجة بالحداد دون أقاربها، ودون المطلقة البائنة.
وما ورد في البائنة (2)محمول على الندب؛ لإعراض الأصحاب.
ولا يدخل في الحداد عدم الخروج من المنزل، ولا عدم المبيت خارج الدار، وإن كان الأولى والأحوط ذلك؛ لما دلّ على عدم مبيتها في غير منزلها (3).
ولا حداد على غير الزوج من الأنساب والأحساب وجوباً ولا ندباً، ولا يحرم مع عدم نية المشروعية.
نعم، يكره فوق الثلاثة أيام.
ولا يبعد ندبه على الأئمّة وعلى العلماء، ولا يُحدّ بحد، بل لا يبعد استحبابه على الأب.
ولو طلق واحدةً فنسي المطلقة، أو طلقها معينةً ولم تعرف نفسها؛ لفقد الشهود، أو لإبهامها الصوري، اعتددن الجميع عدة الوفاة إن كان الطلاق رجعيّاً، وإن كان بائناً فالذي تقتضيه القواعد اعتداد الجميع أيضاً عدة الوفاة؛ لأصالة عدم الطلاق في كلّ واحدة، والشك هنا في المكلف لا في المكلف به.
ولكن الذي يظهر من الأصحاب اعتدادهنّ هنا بأبعد الأجلين من عدة الطلاق أو الوفاة احتياطاً؛ لاحتمال كون كلّ منهنّ مطلقة، فإن كان إجماع فيها، وإلا ففي المنع قوة.
ولو طلّق مبهماً وقلنا بجوازه اعتددن بأبعد الأجلين من حين الطلاق لو عين قبل موته فاشتبهت المعينة، أو من حين التعين كذلك.
ومبنى المسألة على أن التعيين كاشف أو مثبت.
ولو لم يعيّن حتّى مات، فإن قلنا بقيام الوارث مقامه، جاء الوجهان، وإن قلنا بالبطلان مع عدم التعيّن، فليس إلّا عدة الوفاة، وإن قلنا: الطلاق واقع في مبهم، والتعين لإخراجه، فإذا لم يعيّن بقيت مطلقةً مبهمة مرددةً، فيجب على الجميع الاعتداد بأبعد الأجلين من حين الطلاق حينئذٍ.
ويحتمل الاعتداد بأبعدهما من حين الوفاة لقيام الموت مقام التعين؛ لمكان اليأس منه.
سابع عشرها: المفقود إذا عرفت حياته انتظرته زوجته الدائمة الحرّة، وفي الأمة إشكال، ويُنفق عليها الحاكم من ماله إن كان له مال، فإن لم يكن جاز له أن ينفق عليها بنية الرجوع عليه في وجه قوي، بل جاز لعدول المسلمين الاستقراض عليه أيضاً حسبةً، ولكن على إشكال، ولو كانت فقيرة جاز الدفع إليها من بيت المال.
وإن عرف موته، اعتدت منه.
وإن جهل حاله بأن انقطع خبره انقطاعاً عرفياً بحيث لم يجئ منه معتمد تركن النفس إلى خبره، أو كتاب يعرف أنّه منه، ولا عبرة بالأخبار من غير المعتمدين أو غير العدول أو غير كتاب تسكن النفس بحسب القرائن أنّه كتابه، فإن كان لها مع الجهل مَنْ يُنفق عليها عوض زوجها - من وكيل أو ولي أو متبرع أو حاكم شرعي - من بيت المال ونحوه، أو صبرت عن الإنفاق فاكتسبت، أو كان عندها مال تنفق منه، وإلا رفعت أمرها إلى الحاكم من جهة عدم الإنفاق وإن لم تضطر إليه بأن كان لها مال على الأظهر فإذا رفعت أمرها إليه وطلبت منه التأجيل، أجلها من حين رفع أمرها إليه وجوباً على الأظهر؛ لأنه منصوب للمصالح، فتلزمه أربع سنين هلالية إن قارن التأجيل الهلال وإلا فثلاثة وأحد عشر شهراً هلالية وشهراً عدديّاً، ويلفّق اليوم إن كان هنالك يوم منكسر، وأنفق عليها من بيت المال في زمن التأجيل إن كانت من أهله، وإلّا أنفقت على نفسها، وفي بطلان التأجيل لو وجد هنالك منفق عليها في أثناء الأربع وجهان.
وبحث الحاكم عنه في مدة التأجيل وجوباً على الأظهر - لأن أمر البحث راجع إليه،
وهو من تمام المصلحة - بنفسه أو بوكيله أو بمتبرع بحث عنه وكان معتمداً - فسقط عنه ذلك - بحثاً على النحو المتعارف بسؤال من المترددين، أو بكتابة إلى الطرف الذي فقد فيه أو احتمل كونه فيه إن كان في طرفٍ واحد، وإلا فإلى كلّ طرف احتمل كونه فيه، ولا يجب تمام الاستقصاء؛ لعسره، ولا يكتفي بالقليل للشكّ في إجزائه، فإن عرف خبره بموت أو حياة بإخبار من تسكن النفس إليه أو بكتاب تطمئن النفس اطمئناناً عادياً أنّه منه فلا بحث، وإلا أمرها - لزوماً عليه؛ لأنه من تمام المصلحة - بالاعتداد عدة الوفاة مع الحداد، أو بدونه على الوجهين.
ولا يلزمها امتثال الأمر بالاعتداد كامتثاله بتربّص الأربعة، نعم، لو امتثلته فاعتدت جاز لها بعد تمام العدة التزويج مع احتمال أن العدة بعد التربّص تلك المدة تكون قهرية أمر بها أم لا، نوت الاعتداد أم لا، نوت عدمه أم لا؛ ولكنه يجيء إن شاء اللّه تمام الكلام فيه.
وهذا كله مضمون الأخبار (1)وفتوى جمع من الأصحاب (2).
وذهب جمع آخر من القدماء والمتأخرين (3)إلى أنّه بعد التأجيل يأمر الحاكم الولي بطلاقها، وهو الوكيل أو الولي العرفي، فيجزئ طلاقه لأنه بأمر الحاكم، فإن لم يكن لها ولي أو امتنع عن الطلاق طلقها الحاكم، والوكيل يجبره الحاكم عليه، فإن طلقها الوكيل اعتدت عدة الطلاق، وإن طلقها الولي أو الحاكم اعتدت بعدة الوفاة.
ودلّ على الحكم الأوّل رواية سماعة (4).
ودلّ على الحكم الثاني روايات (5)معتبرة.
ويؤيّد الأوّل أنّها لو كانت مطلقةً لما اعتدت عدة الوفاة.
ويؤيد الثاني الاحتياط في الجمع بين الطلاق وفرض موته.
1) وسائل الشيعة 22: 156 ومابعدها، الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه.
2) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة : 537؛ والشيخ الطوسي في المبسوط 5: 278؛ وابن البراج في المهذب 2 : 338.
3) كالصدوق في المقنع : 352 - 353 وابن حمزة في الوسيلة : 324؛ والسيوري في التنقيح الرائع 2 : 348؛ وابن فهد الحلّي في المهذب البارع 3: 496 - 497.
4) وسائل الشيعة 20 : 506 الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 2.
5) راجع الهامش (1).
وعلى القول بلزوم الطلاق فهل له أن يطلق ثلاثاً، أو خلعاً؟ وهل عليها إذا كانت غير مدخول بها العدة المفروضة أم لا؟ وهل له الرجوع في العدة البائنة بعد طلاقها أم لا؟
والأوجه والأحوط على موجب القواعد الشرعيّة : طلاق الحاكم لها، واعتدادها بعدها بعدة الوفاة بحيث لا تجري عليها أحكام عدة الطلاق، ولا تسقط مع عدم الدخول.
ولولا عدم القول بلزوم عدة الطلاق ممن يعتد به، أو أبعد الأجلين؛ جمعاً بين الروايات لكان القول بالأوّل أنسب من جهة الروايات، وبالثاني أوفق من جهة الاحتياط.
وعلى كلّ حالٍ فالقول بلزوم الطلاق والاعتداد بعده بعدة الوفاة هو الوجه؛ جمعاً بين الأخبار، وعليه فالقول بنفي الطلاق أو ثبوته، والاعتداد بعدته، أو الاعتداد بأبعد الأجلين لمكان الاحتياط بعيد، بل قيل: إن عدة الطلاق لا قائل بها (1).
فوائد:
الأولى: المفقود يشمل الضائع والمنقول من فراشه، والمفقود في بلده إذا كانت واسعةً لم يدر كيف صنع به فيها، وكثيراً ما يقع ذلك في الأطفال، والضال في الطريق، والمنكسر به سفينة في البحر ولم يعلم غرقه، والمفقود في المعركة، والمأسور، والغائب إذا غاب ولم يدر كيف توجه، أو توجه إلى جهةٍ ثم بعدها لم يعلم أين توجه، أو غاب ففقد في غيبته، كلّ ذلك لظاهر الفتوى، وللنصوص (2)المشتملة على ذكر المفقود.
ولا يختص الحكم بالغائب غيبة انقطعت أخباره فيها؛ استناداً لاشتمال الأخبار عليه بعد ذكر المفقود، فيكون مخصوصاً به؛ لمنع التخصص، ومنع كون المفقود حقيقة فيه، بل الظاهر أنّ ذكر الغائب إنّما ورد مورد الغالب، فلا يكون مخصصاً، على أن فهم الفقهاء لذلك ممّا يكون حجةً أو كالحجة.
الثانية: إذا ثبت موت المفقود عند زوجته جاز تزويجها لمن أخبرته بموته على جهة الإطلاق للسيرة القاضية بذلك، ولأنّهنّ مصدقات على فروجهن.
وما يظهر من بعض الأصحاب من عدم جواز تزويجها إلّا بثبوته عند مَنْ أراد تزويجها، أو عند الحاكم (1)بعيد.
نعم، لو استندت في الإخبار بموته إلى البينة، فالوجه عدم سماع قولها، إلّا بثبوته عند الحاكم، أو عند مَنْ أراد تزويجها.
ويمكن القول بأنه مع تأجيل الحاكم لها ليس لسامع ذلك بعده أن يتزوجها إلّا بأن تعتد، أو يحكم الحاكم بموت زوجها، ولكنه بعيد.
الثالثة: هل يشترط في مدة التأجيل ضرب الحاكم لها؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)- في الصحيح -: «فإن هي رفعت أمرها إلى الوالي أجلها أربع سنين»(2)وقوله - في الموثق - : «تأتي الإمام فيأمرها» (3)أو لا يشترط ؟ بل لو بقيت بعد فقده أربع سنين تتطلبه هي أو وليها كفى، بل لو لم تتطلبه ورفعت أمرها إلى الحاكم بعد الأربع كفى تطلب الحاكم في الجملة، وأمرها بعد ذلك بالاعتداد؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)- في حسن الحلبي -: «المفقود إذا مضى له أربع سنين بعث الوالي، أو يكتب إلى الناحية التي هو غائب فيها» (4).
وفي المبسوط : إنّها تصبر أربع سنين ثم ترفع أمرها إلى السلطان ليتعرّف خبره (5)، ونقل على ذلك إجماع الفرقة وأخبارهم(6).
والأوّل أظهر من النصّ وأحوط، إلّا أن يُحمل الأوّل على بحثها قبل أن يمضي لها أربع سنين.
الرابعة: هل الأربع سنين ظرف لتطلب الحاكم، كما يظهر من بعض الأخبار (7)، أو يكون بعدها، كما يظهر من بعض آخر (8)؟ الظاهر الأوّل.
ويمكن إرجاع ما دلّ على أن التطلب بعدها إذا لم يكن فيها، وإذا قلنا: إن التطلب بعدها كفى التطلب في الجملة.
1) راجع مسالك الأفهام 9 : 287.
2) وسائل الشيعة 22 : 156 - 157، الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 1.
3) المصدر 506:20، الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 2.
4) المصدر :22 : 158، الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 4.
5) المبسوط 5: 278.
6) الخلاف 5 : 77 - 78، المسألة 33.
7) وسائل الشيعة 22 : 156 - 157، الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 1.
8) المصدر : 0158 ح 4.
الخامسة: لو أرسل الحاكم رسولاً ليخبره اشترط فيه العدالة، أو الأمانة في الصدق كي يركن إلى خبره.
والظاهر أنها ليست شهادةً كي يشترط فيها التعدّد، ولو كانت شهادة كفى هنا الواحد، كما يلوح من الأخبار.
ولو لم يعثر الرسول بخبر فأخبره بعدم الاطلاع، كان خبراً؛ لأن شهادة النفي غير مسموعة، إلّا إذا كانت محصورة، ولا حصر ها هنا.
السادسة: لو تعذر البحث من الحاكم؛ لعدم وجوده، أو لقصور يده، فالقواعد تقضي بأنها ممّا ابتليت فلتبصر اقتصاراً على ما دلّت عليه الأخبار، ولعموم قوله : «امرأة المفقود امرأته حتّى يأتيها يقين موته أو طلاقه» (1).
ولكن القول بقيام عدول المسلمين مقام الحاكم حسبةٌ؛ لحصول الضرار بدونه، ولوجود المعنى المراد فيهما، بل لا يبعد تولّى المرأة ذلك ثمّ تعتد بعد ذلك؛ دفعاً للضرار (2)، ولكنه خلاف ما في الأخبار وفتوى الأصحاب.
السابعة : هل يتوقف الاعتداد على أمر الحاكم ؟ الأظهر ذلك؛ لرجوعها إليه في الأخبار(3)، وللاحتياط في الفروج.
ويحتمل العدم؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خبر سماعة: «إنّها تعتد بعد تطلبه أربع سنين» (4)، ولإشعار الحال بوفاته.
ونُسب القول به للأكثر (5).
الثامنة : لو أنفق الحاكم عليها من مال المفقود فتبين موته قبل الإنفاق كلاً أو بعضاً لم يضمن المنفق؛ لعدم تفريط، وامتثاله للأمر الواجب عليه، فهو بمنزلة الوكيل الأمين.
التاسعة: لا توارث بينها وبين الزوج لو مات أحدهما بعد العدة، تزوّجت بغيره أم لا؛ لانقطاع العصمة بينهما حتّى قبل التزويج على الأظهر.
نعم، قد يحتمل ثبوت التوارث بينهما لو قلنا: إنّه لو ظهر بعد العدة كان أحق بها؛ لدلالته على ثبوت علاقة الزوجيّة.
ولكنه ضعيف؛ لأنّ الظاهر انقطاعها، وأحقيته بها جاء من دليل خارجي.
ويتوارثان في مدة التربص من غير إشكال، وفي مدة العدة وجهان: من أنّها عدة وفاة ومن شأنها انقطاع العصمة بينهما، ومن أنّها بحكم العدّة الرجعية؛ لأنّ للزوج الرجوع بها فيها.
هذا إن كانت العدّة عدّة وفاةٍ، وإن كانت عدّة طلاق، فإن لم يكن بائناً فلا إشكال في التوارث، وإن كان كذلك كغير المدخول بها فوجهان، والأوجه التوارث؛ لجواز الرجوع فيها، فهي كالرجعية، والأصل بقاء حكم التوارث؛ للشك في نوع هذه العدة.
العاشرة: لو أتت بولد لستة أشهر من دخول الثاني لحق به، فإن ادعاه الأوّل وادعى الوط، سراً وأنه جاء ولم يعلم به أحد، فإن كذبته المرأة فلا شيء له، ولا يُسمع كلامه، وإن صدقته احتمل الاقتراع؛ لإمكان كونه منهما.
ونُسب للشيخ القولُ بالاقتراع مطلقاً (1)لشبهة أن الفراش لهما.
وهما ضعيفان.
والأوجه إنّه للثاني، ولا يُسمع كلامه ولا كلامها، سيما وأن الفراش قد خلص للثاني ظاهراً.
الحادية عشرة: لو تزوّجت بعد العدة فظهر موت الزوج قبل النكاح، كان العقد الثاني صحيحاً، ولا عدة عليها ثانياً، سواء كان موته قبل عدتها أو في أثنائها أو بعدها؛ لأصالة صحّة العقد، ولأصالة عدم لزوم الاعتداد عليها وهي في حباله، ولأنه لو كان حياً لانقطع تعلقه بها، فكيف وقد بان ميتاً، ولأن الشارع جعل الفقد كالموت، فظهور الموت حقيقةً يزيد المنزلة قرباً، والعقد الثاني صحةً، ولا يتفاوت بين جعل عدتها عدة وفاة أو طلاق؛ لحكم الشارع بعدها بالبينونة وانقطاع العلاقة عنه حيّاً كان أو ميتاً، وكان فقده بمنزلة موته، والطلاق من باب الاحتياط.
وقد يحتمل أن العدة لو كانت عدة طلاق وكانت رجعيّةً لزمتها عدة الوفاة لو مات في أثنائها، فلو تزوجها وهي في العدة بطل عقد الثاني، إلّا أنّه مخالف لإطلاق الأخبار وكلام الأصحاب.
1) نسبه إليه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 9 295؛ وراجع المبسوط 5: 281.
الثانية عشرة: لو اعتدت فجاءها خبر موته بعد العدة، فالأظهر أنها لا تستأنف عدة أُخرى؛ تنزيلاً للفقد منزلة الموت، وقد اعتدت عدته.
ولو جاءها في أثناء العدّة أيضاً فالأظهر إتمام عدتها، ولا تستأنف عدةً أُخرى؛ لانقلاب حكمها إلى تلك العدة، مع احتمال الاستئناف؛ لعدم تمامية البدل، فيعود حكمها إلى الأصل، وهو أحوط، والاستئناف في الأوّل أيضاً لا يخلو من نوع احتياط.
الثالثة عشر: عدة المفقود لا يجب فيها الحداد؛ للأصل ولو كانت عدة وفاة؛ لأنّها ليست عدة أصلية وجبت للاحترام كي تؤثر لزوم الحداد.
والأحوط ثبوت الحداد؛ تنزيلاً لها منزلة عدة الوفاة؛ للاشتراك في العدد والفقد. وهل يجب فيها النفقة على الغائب؟ لأنّها محبوسة عليه، ولأنها بمنزلة العدة الرجعية؛ لجواز رجوعه بها في العدة، بل قد يقال: إنّها زوجة ما دامت في العدة، وتمام العدة فاسخ لها من الزوجيّة.
هذا إذا لم تطلق، ولو طلّقت فلزوم النفقة أولى؛ لأنّها مطلقة رجعية فتلزم فيها العدة، ولا يتفاوت الحال في ذلك بين أن يحضر وبين أن تتبيّن حياته ويبين له مال؛ لأنّ النفقة كالدين. وقد يقال: إن الطلاق الرجعي موجب للنفقة في العدة الرجعية المتلقاة من الشارع أصالة، وهذه العدّة عدّة وفاة فلا يلزمها الإنفاق على أنّ هذه قد تكون مطلقة قبل الدخول، وقد تكون مختلعةٌ، وقد يكون طلاقها هذا ثالثاً فلا نفقة.
ولو حضر الزوج بعد العدة أو وُجد له مال وهو حي، ففي لزوم النفقة عليه أيام العدة الماضية وجهان من حصول البينونة، ومن أنّها كنفقة الزوجة أو العدة الرجعية فيلزم قضاؤها، كما يلزم الزوج قضاؤهما، وأما بعد العدة فإن لم يحضر فلا وجه للزوم النفقة عليه لو وجد له مال وهو حيّ، وإن حضر احتمل لزوم النفقة عليه لو قلنا: إنّه أحق بها بعد العدة.
والأوجه عدم لزوم النفقة على الزوج مطلقاً ولو حضر في العدة أو بعدها، إلّا في صورة الطلاق الرجعي من الحاكم أو الولي إذا حضر في العدة.
الرابعة عشر: لو وُجد للمفقود مال أيام الانتظار بطل الانتظار، ولو وجد له في أيام العدة فوجهان من حصول ما لأجله الاعتداد فيسقط، ومن حكم الشارع عليها بالعدة فلا ينتقض بوجود المال.
الخامسة عشر: لو طلقها الزوج أو ظاهر أيّام العدة، فإن قلنا: البينونة حصلت بالأمر بالاعتداد لم يقعان وإن قلنا: إنّها موقوفة على تمام العدة صح.
وظاهر جملة من الأصحاب وقوعهما فيها زمن العدة، دون ما إذا خرجت.
هذا إذا لم يطلقها الوليّ أو الحاكم، فلو طلقها كان القول بعدم وقوع الطلاق بها هو الأوجه؛ لأنّها إذا صارت مطلقةً شرعاً لا يقع بها طلاق ثانياً بعد ذلك، إلّا أن يرجع؛ لأنّ الظاهر أنّه لو حضر لا ترجع إليه إلّا أن يرجع بها، ولا رجوع فلا طلاق.
نعم، لو قلنا: إنّه لو حضر تبيّن بطلان الطلاق بحضوره فيعود إليها من غير رجعة، كان القول بوقوع الطلاق بها وجهاً.
السادسة عشر: لو حضر زوجها وقد خرجت من العدّة فتزوجت، فلا سبيل له عليها إجماعاً، وهو وهو ظاهر الأخبار، والموافق لحكمة الاعتداد والمناسب لمشروعية تزويجها لغيره، وللزوم الغضاضة عليها من تحويلها إلى زوج آخر.
ولو حضر قبل العدة أو في أثنائها، رجع بها إن شاء، سواء كان اعتداداً مجرداً أو كان بعد طلاق، وظاهرهم أنّه لا كلام فيه.
وهو مشكل في الطلاق البائن إلّا أنّ الأخبار وكلام الأصحاب أعم من ذلك.
ولا يتفاوت الحال بين حضوره، وبين ظهور حياته.
وهل تتوقف الرجعة بها على إرادته الرجوع فيرجع، أو ترجع إليه قهراً؟
الأظهر إنّه لو طلقها الحاكم طلاقاً بائناً كالثالث أو قبل الدخول أو اختلعها فلا رجوع له. وما دلّ من الأخبار على أن له أن يراجعها بعد طلاقها وهي في العدة (1)محمول على الغالب من كون الطلاق رجعيّاً، ولكن اتباع ظاهر النصوص والفتاوى أجمل.
وكذا الأظهر أيضاً إلحاق ظهور حياته وإن لم يحضر بحال حضوره؛ للاشتراك في المناط المنقح بينهما، وحينئذٍ فله الرجوع وهو غائب عنها إذا سمع باعتدادها.
ويحتمل الاقتصار في الرجعة على حال حضوره، كما هو مضمون الأخبار (2)، فتبقى على عدتها في الغائب؛ لحصول الضرر عليها برجوعها إليه، سيما مع عدم النفقة ومع العلم
بعدم مجيئه أو بعدم تمكنه من المجيء، وللحكم بارتفاع الزوجيّة بالاعتداد، فلا يزول إلّا بدليل؛ بناء على أن زوال الزوجيّة بنفس العدة لا بتمامها.
وكذا الأظهر أيضاً - كما هو ظاهر الأخبار - توقف رجوعها على مشيئته؛ لقوله : «فبدا له أن يراجعها» (1).
إلا أنّه نُقل عن ظاهر...÷ أن رجوعها إليه قهري، وكأنه مبني على بقاء تعلّقها بالزوجيّة قبل تمام العدة.
وهو مشكل؛ لأنّ أصحابنا كثيراً ما يتعلّقون في جملةٍ من الأحكام بانتفاء علاقة الزوجيّة بمجرد دخولها في العدة، فيمكن إرجاع كلمات الأصحاب إلى ما في الأخبار (2)، ويمكن إرجاع ما في الأخبار (3)إلى ما في كلام الأصحاب، إلّا أن الأوّل أرجح.
وإن جاء الزوج بعد الخروج من العدة فالأظهر - كما في الأخبار وأكثر فتاوى الأصحاب -: انقطاع العصمة بينهما؛ لحصول البينونة بالعدة، فعود الزوجيّة وبقاء حق الرجعة مفتقر إلى دليل.
وقيل ببقاء حق الرجعة فيها أو الرجوع قهراً (4)، واستندوا إلى رواية.
وذكر جماعة (5)أنهم لم يعثروا بها.
وعلى كلّ حالٍ فالأوّل أقوى.
وقيل بالتفصيل بين خروجها من عدة الطلاق لو طلقها الوليّ أو الحاكم، وبين خروجها من عدة لم يقع قبلها طلاق؛ لانتفاء علاقة الزوجيّة في الأوّل بوقوع الطلاق، دون الثاني؛ لأنه حكم مبني على الظاهر من استمرار الجهل فلو انكشف حياته عاد إليه حكم الأحياء ابتداء، ولولا خروج ما بعد تزويجها للدليل لقلنا به (6).
وهو ضعيف.
1) وسائل الشيعة 22 : 156 - 157، الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق...، ح 1.
2) مكان النقاط بياض في الأصل، وبدلها في الحدائق الناضرة :25: 494 : «عبارات الأصحاب».
3) راجع الهامش (1) من ص 464.
4) قاله الشيخ الطوسي في النهاية: 538؛ والخلاف 5: 78 - 79، المسألة 34 والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 3: 28.
5) منهم : الشهيد الثاني في مسالك الأفهام :9 290 والعاملي في نهاية المرام :2 : 107؛ والبحراني في الحدائق الناضرة 25 : 493 والطباطبائي في رياض المسائل 12 : 318.
6) قاله العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7 : 376 - 377. المسألة 26.
السابعة عشر: الأظهر ثبوت التحريم المؤيَّد على مَنْ تزوّج هذه المرأة في عدتها مع العلم أو الدخول، سواء ظهر موته قبل ذلك بمدةٍ، أو في أيام العدة، أو صادفت أيامها أيام العدة الواقعية، أو تقدمت عليها.
أما لو طلقها فلا إشكال.
وأما لو اعتدت من دون طلاق: فلإطلاق لفظ «العدّة» عليها.
واحتمال العدم؛ لأن انصراف العدة إلى العِدَد المتعارفة في الشرع دون مثل هذه بعيد. ولو تزوّجت أيام التفحص فإن ظهر الزوج حياً أو جهل حاله فالظاهر أن حكمه حكم التزويج بذات البعل.
وإن ظهر موته تلك الأيام، ففي إلحاق ذلك بالتزويج بذات العدة، أو بما قبلها، أو بذات البعل، أو عدم إلحاقها بواحدٍ منها؛ لأصالة الحل وجوه.
ولو غلط الحاكم في الحساب فأمرها بالاعتداد، فاعتدت وتزوجت قبل مضي مدة التربص ومنها العدة، قوي القول بتحريمها على الثاني مؤبداً؛ لأنه دخول بذات بعل أو عدةٍ، إلّا إذا ظهر موت الأوّل قبل نكاحه، فإنّه يحتمل عدم الحرمة إن تقدّم النكاح العدّة؛ لعدم كونها حينئذٍ ذات بعل ولا عدة.
ويحتمل الفرق بين تزويجها في العدة، وبين تزويجها أيام التفحص، فلا تحرم في الثاني لعدم كونها ذات عدة، ولعدم تيقن كونها ذات بعل.
الثامنة عشر: لو تبين موت الزوج قبل العدة مع الغلط الحساب، فلا يبعد صحّة العقد الثاني؛ لأنه لم يقع على ذات بعل ولا عدة.
ولو أدى الغلط في الحساب إلى تزويجها فحضر الزوج، لم تجب عليه نفقتها من حين التزويج؛ لشبهها بالناشز، دون النفقة المتقدمة على التزويج، وحينئذٍ فإن لم يدخل بها الثاني عادت للأوّل ووجبت نفقتها عليه، وإن دخل بها لم تجب نفقتها على الأوّل؛ لعدم التمكين، ولا على الثاني ؛ لأنّها موطوءة بالشبهة، ولا تجب نفقتها.
ولو رجع الزوج من سفره بعد موتها وتزويجها المبني على الغلط في الحساب وكان الموت في زمن العدة أو قبلها، ورثها، وطالب بمهر المثل ليرث منه.
ولو بلغها موت الأوّل بعد التزويج بالثاني المبني على الغلط في الحساب، اعتدت له من حين بلوغ الخبر، وإن مات الثاني بعد الدخول فعليها عدة وطء الشبهة.
ولو ماتا ودخل الثاني بها فإن علمت السابق وكان الأوّل، اعتدت عنه بأربعة أشهر وعشرة أيام أوّلها يوم موت الثاني، أو افتراقهما؛ لظهور فساد النكاح، لا يوم موت الأوّل، أو بلوغ الخبر؛ لأنّ العدة لا تجتمع مع الفراش الفاسد وفراشه قائم إلى وقت موته أو ظهور الفساد، فإذا انقضت هذه العدة اعتدت من الثاني عدّة الشبهة إن لم تكن حاملاً منه، وإلا قدمت عدته على عدة الزوج، وإن سبق الثاني فإن كان بين المدتين ثلاثة أقراء، مضت عدة الثاني، فتعتد عن الأوّل من حين بلوغ الخبر، وإن كان المتخلّل بين المدتين أقل من زمان عدة الثاني أكملت العدة من الثاني ثم اعتدت من الأول، وإن لم تعلم السابق أو علمت المقارنة، اعتدت من الزوج ثم من وطء الشبهة؛ لكون الأوّل أقوى، إلّا أن تكون حاملاً من الثاني.
التاسعة عشر: لو كان الحاكم آيساً من العثور على خبره قبل ضرب المدة أو في أثنائها، فهل يأمرها بالتربص تعبداً ثم الاعتداد أو يأمرها بالاعتداد من دون تربّص، أو يتعين طلاقها من دونه؟ وجوه، أحوطها الأوّل.
وعلى كلّ حال فلا يجب على الإمام الفحص تعبداً.
العشرون: لو بذل لها النفقة متبرّع في أثناء التربّص بطل حكمه، فلو رجع عن البذل رجعت إلى التربص.
وهل تستأنف التربص، أو تبني على ما مضى؟ وجهان.
ولو بذل لها في أثناء العدة، احتمل بطلان العدة؛ لحصول الغرض الذي من أجله الاعتداد، واحتمل جواز مضيّها على العدة، وعلى الأوّل فلو رجع رجعت إلى العدة، وفي الاستئناف والبقاء على الأوّل وجهان.
الحادية والعشرون: لا يلحق ببينونة الزوجة بعد الحكم بينونة أزواجه الباقية اللواتي لم يرفعن أمر هنّ إلى الحاكم، ولا قسمة مواريثه ولا انعتاق أُمّ ولده، ولا وصاياه؛ اقتصاراً على مورد الدليل، ولو قلنا بقسمة مواريثه لدليل اقتصرنا عليها أيضاً دون الأحكام الباقية.
الثانية والعشرون: لو جاء خبر حياته على لسان عدل فبطل تربصها أو اعتدادها ثمّ
تبين بعد ذلك كذب الخبر، فهل ينتقض ما تقدم وتستأنف، أو تبني عليه فتتمه، أو تحسب أيام العدول من أيامها لتبين كذب ذلك الخبر؟ وجوه، وأقواها الأخير.
الثالثة والعشرون: لو تبين الخطأ في كونه مفقوداً، بل كان حاضراً ويدخل ويخرج إليها وهي تحسبه أنّه ليس زوجها، كان جميع ما فعله الحاكم خطاً، والمرأة امرأته، ومثله ما لو تزوّجها شخص فتركها من ليلتها وسمّى لها نفسه باسم آخر ففعلت ما فعلت، فتبين خطأ ذلك الاسم وفعلها، ولو لم تعرف اسم زوجها ولم تعينه، بطل حكمها، وكانت ممن ابتليت فلتصبر.
الرابعة والعشرون: حكم الأمة حكم الحُرّة إلّا في العدة، فيحتمل كونها كذلك.
ويحتمل كونها شهرين ونصف.
ويحتمل سقوط هذا الحكم من أصله فيها؛ لظهوره في الحرائر.
ويختص اسم الاستبراء غالباً بملك اليمين حدوثاً وزوالاً، وهو أقرب من العدة في كون القصد منه براءة الرحم، وأبعد عن التعبد، وقد يكون للتعبد.
ويختص بالحيض أو ما يقوم مقامه من العدد، كما تختص العدة بالطهر أو ما يقوم مقامه في العدد على الأظهر الأشهر.
والغالب في العدة التكرّر؛ لأنها مأخوذة من العدد، بخلاف الاستبراء، فيكفي فيه ما يدلّ على البراءة فيهما.
أحدها: عدّة الأمة مع الدخول والطلاق طهران، وأقلّ زمانٍ تنقضي فيه ثلاثة عشر يوماً ولحظتان، اللحظة الأولى هي الطهر الذي طلقها فيه، والأخيرة هي لحظة الحيض الثاني الدال على الخروج من العدة، والكلام في دخولها وخروجها كما تقدم.
وقد تنقضي بأقل من ذلك، كما إذا وقع بعد لحظة الظهر لحظة نفاس، ثم وقع طهر عشراً، ثم رأت لحظة الدم، فيكون قدرها عشرة أيام وثلاث لحظات.
وإن كانت لا تحيض وهي في سنّ مَنْ تحيض، فعدتها شهر ونصف نصف ما على الحرّة؛ جرياً على قاعدة التنصيف، ولمّا لم يمكن في الأطهار غالباً؛ لعدم إمكان معرفة ذلك ابتداء اعتبر فيها تمام الطهر.
ولا فرق في ذلك بين القنة والمدبَّرة والمكاتبة وأُمّ الولد إذا طلقها الزوج، وكذا الموطوءة بعقد فاسد، فحكمه حكم الصحيح؛ للاحتياط في الفروج.
ولو كانت موطوءة بعقد ملك فاسد، احتمل فيها الاستبراء، والأوجه العدم. ولا فرق بين كونها تحت حُرِّ أو عبد.
ولو كانت حاملاً، اعتدت بأبعد الأجلين.
ويكفي في الشهر والنصف كونهما هلاليين فيكتفى فيه بأربعة وأربعين يوماً، ولا ينصف اليوم، كما هو ظاهر الاتفاق؛ أخذاً بما دلّ على أنّ عدّة الأمة نصف عدة الحرّة (1)، وما دلّ على خصوص الشهر والنصف (2)من الصحاح والمعتبرة، فيُحمل ما دلّ على الخمسة والأربعين (3)على الغالب من تمامية الشهرين ووقوع الطلاق في الأثناء.
وقد يُحمل الأوّل على الأخير؛ لأنّ الأخير كالنصّ، والأوّل كالظاهر، فيُحمل التنصيف والشهر والنصف على الغالب من كونها خمسة وأربعين يوماً، وهو أحوط.
وأما ما دلّ على أنّ عدتها شهران (4)، فشاذ - كالقول به - متروك لا يُلتفت إليه، والعمل عليه احتياطاً لا بأس به.
وهل يجري حكم الاسترابة من التربص تسعة أشهر قبل الشهر والنصف في الإماء، أو لا يجري؟ وجهان، أقربهما وأحوطهما جريانه عليهما؛ لأنّ الظاهر كون التسعة لمكان الاسترابة، والثلاثة للعدّة، ولمّا كانت على النصف من الحُرّة اكتفي فيها بشهر ونصف.
ويمكن القول بالاكتفاء هنا بالتسعة ودخول العدة في ضمنها.
ويمكن الاكتفاء بثلاثة؛ لحصول الاستبراء فيها غالباً؛ لعدم خفاء الحمل فيها.
وحكم الأمة حكم الحُرّة في أكثر الأحكام المتقدمة في غير ذات العادة، وفي المضطربة، وفي ذات العادة الزائدة على الشهر والنصف، وفي ظهور الدم في أثناء المدة العددية وعدمه، سوى العدة العددية والقرئيّة، فإنّها ظاهراً على النصف مطلقاً، فلا بد من التأمل في ذلك كله.
وذهب ابن الجنيد إلى أنّ عدّة الأمة حيضتان (5)لما ورد من الأخبار الصحيحة على أن عدة الأمة حيضتان (6)، فيُحمل ما دلّ على أنّه قرءان (7)عليها.
وهو حسن لولا الأخبار المتكثّرة المُبيِّنة لاعتدادها بالقرءين (1)، الظاهرين في الطهرين، والأخبار المفسرة للقرء بأنه الطهر بين الحيضتين (2)، الظاهرة في أنّه معناه أين ما وقع شرعاً، وتخصيصها بالحُرّة وجعل اللام فيها للعهد في أقراء الحرّة بعيد.
والعمدة في المقام فتوى المشهور بذلك وعملهم المنبئ عن إرادة الطهر من القرء، فتكون الشهرة قرينة على إرادة ذلك، وتُحمل أخبار الحيضتين على إرادة الدخول في الثانية.
وعلى كلّ حال فالأخذ بهذا القول أحوط.
وحكم الموطوءة بالشبهة حكم الطلاق مع احتمال اتباع شبهة الملك للملك.
وحكم المبعضة حكم الحُرّة؛ تغليباً لجانب الحُرّية، وأخذاً بالاحتياط، والتوزيع على نسبة العدد لا قائل به.
والأمة المفسوخ نكاحها ببيع أو عيب أو رضاع حكمها حكم الطلاق؛ للاحتياط، والاستصحاب، ولأنّ حكم الفسخ في الحُرّة حكم الطلاق، والأصل مساواة الأمة لها.
ويحتمل لزوم الاستبراء عليها؛ لأصالة البراءة، ولأنّ الحرّة ليس لها حد يُرجع إليه في براءة الرحم، فأعطيت حكم الطلاق، بخلاف الأمة؛ لأنّ الاستبراء أصل فيها
الثاني: لو أُعتقت الأمة ثمّ طلقها زوجها أو مات عنها أو فسخت، اعتدت عدة الحرائر؛ لأنّها عادت حُرّة مطلقة.
ولو طلقت ثمّ أُعتقت، فإن كان الطلاق بائناً أتمّت عدة الأمة، ولم ينفعها طروء الحرّية عليها في أثناء العدة؛ للدليل الدال على ذلك (3)وإن خالف القاعدة؛ لأن الاستصحاب بعد تغيّر الموضوع ممّا يغيّر الحكم.
وإن كان رجعيّاً أتمت عدة الحُرّة؛ لانقلابها إلى موضوع الحرّية، ولأن المطلقة الرجعية بمنزلة الزوجة.
ويدلّ عليها أيضاً تلك الرواية المفصلة بين الطلاق البائن والرجعي (4)، الطلاق البائن والرجعي، المعتضدة بفتوى الأصحاب.
ولا يضر اختصاص الرواية بالمطلقة مرتين في البائنة؛ لعدم القول بالفصل بين أنواع البائن. على أنّ الروايات منها ما دلّ بإطلاقه على اعتدادها بعدة الحرّة مطلقاً (1)، ومنها ما دلّ على اعتدادها بعدة الأمة مطلقاً (2)، والجمع بينهما بما أفتى به الأصحاب ودلّ عليه مضمون الرواية لا محيص عنه.
فلو مات في العدة، اعتدت بعد عتقها عدة الحرائر إذا كانت العدة رجعيّة؛ لتغليب الحرّية، والاستصحاب، والاحتياط، وصدق أنها حُرّة توفّي عنها زوجها، وللصحيح الدال على ذلك(3).
الثالث: عدة الذمّيّة إذا كانت حُرّةً كالمسلمة - للأصل، والاحتياط في كلّ من الطلاق والوفاة؛ لعموم الأدلّة كتاباً (4)، وسنةً (5)، ولفتوى المشهور، بل ادعي عليه الوفاق(6)، وللأخبار المعتبرة الدالّة على أنّ عدّة النصرانية إذا كان زوجها نصرانياً عدة الحرّة المسلمة في الوفاة (7). ولا يتفاوت الحال بين كون زوجها نصرانياً أو مسلماً، بل هو في المسلم أولى.
نعم، قد يشكل الحال في التساوي بعدة الطلاق؛ لعدم دليل عليه بالخصوص، ولما ورد ممّا يؤذن بالخلاف، كما دلّ على أنّ نساء أهل الذمة مماليك للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (8)، وما ورد في الخبرين في نصرانية أسلمت، قال: «عدتها من النصراني إذا أسلمت عدة الحرّة» (9)فمفهومه أن مع عدم الإسلام تكون عدتها كعدة الأمة، ولا تفاوت بين الفسخ والطلاق في العدة من غير خلافٍ يظهر، وما رواه الكليني - في الصحيح - في نصرانية طلّقها نصراني، قال: «عدتها عدة الأمة حيضتان أو خمسة وأربعون يوماً » (10)إلّا أنّ ظاهر الأصحاب الاتفاق على المساواة للمسلمة الحرّة مطلقاً.
1) وسائل الشيعة 22 : 273، الباب 50 من أبواب العدد، ح 3.
2) المصدر : 273 - 274، ح 4.
3) المصدر : 275، الباب 52 من أبواب العدد، ح 2.
4) البقرة (2) : 234.
5) وسائل الشيعة 22 : 198 و 235، الباب 12 و 30 من أبواب العدد.
6) كما في الحدائق الناضرة 25 : 507.
7) وسائل الشيعة 22 : 267 الباب 45 من أبواب العدد، ح 2 وذيله.
8) المصدر : 266 - 267. ح 1.
9) المصدر : 268، الباب 46 من أبواب العدد، ح 1 و 2.
10) الكافي 6 : 174 - 175، باب طلاق أهل الذمة...، ح 1.
الرابع: عدّة الأمة غير ذات الولد من مولاها إذا زوجها المولى فمات زوجها شهران وخمسة أيام على النصف من عدّة الحرّة، كما هي القاعدة في الحكم عليها بالنصف ممّا على الحُرّة، وللصحاح (1)الدالّة على ذلك، المعتضدة بفتوى المشهور من أصحابنا.
وقيل: عدّة الحرّة (2)للأخبار الدالّة على ذلك بعمومها المصرحة بأنّ عدّة الأمة أربعة أشهر وعشراً(3)، من غير فرق بين ذات الولد وبين غيرها، المؤيدة بالاحتياط، وبمخالفة العامّة على ما نُقل (4)، وبالاستصحاب، وبما دلّ على مساواة المتمتع بها للأمة في العدة (5). وعدة المتمتع بها إذا كانت حُرّةً عدّة الدائمة، وبما دلّ على أنّ عدّة الذمّيّة عدة الحُرّة (6)، مع ما ورد أن أهل الذمة مماليك للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)(7).
وهذا القول قوي جداً لولا أن مخالفة المشهور ممّا تصعب على الفقيه.
والمشهور حملوا أخبار اعتداد الأمة بالأربعة أشهر وعشراً على أُمّ الولد بالخصوص.
وهو وإن بعد في نفسه إلّا أنّه يقرّبه فهم المشهور.
الخامس: عدة أُمّ الولد من مالكها إذا زوجها فمات زوجها عدة الحرة (8)، سواء كانت ذات ولدٍ من زوجها أم لا، وفاقاً لفتوى مشهور الأصحاب من المتقدمين والمتأخرين، وللعمومات السليمة من معارضة ما دلّ على اعتداد الأمة بنصف على الحُرّة؛ لانصرافها في الفتاوى والنصوص لغير ذات الولد وللصحاح الدالّة على حكمها بالخصوص: كالصحيح في أُم ولد زوجها مولاها فمات الزوج، قال: «تعتد من الزوج أربعة أشهر وعشراً(9).
1) وسائل الشيعة 22 : 260 - 261 الباب 42 من أبواب العدد، ح 6 - 9.
2) قال به الصدوق في المقنع : 358؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 735.
3) وسائل الشيعة 22 : 259 و 260، الباب 42 من أبواب العدد، ح 2 و 5 و 275، الباب 52 من تلك الأبواب، ح 2.
4) راجع المصدر : 262، الباب 42 من أبواب العدد ذيل الحديث 11.
5) المصدر : 275، الباب 52 من أبواب العدد، ح 2.
6) المصدر : 267، الباب 45 من أبواب العدد، ح 2.
7) راجع الهامش (8) من ص 472.
8) راجع الهامش (1).
9) وسائل الشيعة 22 : 259 - 260 الباب 42 من أبواب العدد، ح 3.
والآخر في أُمهات الأولاد: «لا يتزوجن حتّى يعتددن بأربعة أشهر وعشراً وهُنّ إماء» (1).
وفي قوله في هذا الخبر: «وهُنّ إماء» إشارة إلى أنّ حكمهنّ حكم الإماء، وأن عدة الجميع واحدة عدة الحرّة، وأن ذكر أُمّ الولد لا يكون مخصصاً.
و على كلّ حالٍ فأُم الولد حكمها حكم الحُرّة، والخلاف في ذلك وجعل عدتها عدة الأمة ضعيف وإن نسب لجمع من القدماء (2).
وعدة الأمة الحامل مطلقاً أبعد الأجلين.
السادس: إذا مات مولى الأمة، فإن كانت مزوّجةً فلا عدّة عليها من موت مولاها، سواء كانت أُمَّ ولد أم لا؛ للأصل، والإجماع المنقول (3)، وظاهر فتوى الأصحاب.
وفي إلحاق المعتدة من الزوج إذا مات مولاها في العدة بها وجهان، ولا يبعد ذلك، وكذا المحللة.
ولو لم تكن مزوّجةً، فإن كانت أُمَّ ولدٍ اعتدت عدة الحرّة على الأظهر في الفتوى والرواية:
ففى الموثق في الأمة يموت سيدها، قال: «تعتد عدة المتوفى عنها زوجها» (4).
وفي الصحيح: «أُمهات الأولاد لا يتزوجن حتّى يعتددن أربعة أشهر وعشراً» (5).
والصحيح الآخر الموجب للعدّة على كلّ مزوّجةٍ وموطوءة ولو بالملك(6).
ولا يتفاوت الحال هنا بين كون المالك يطأها بعد أن صارت أُمَّ ولد له، أم لا، وبين أن يعتقها فيموت، أو يدبرها فيموت، وبين عدمه.
وفي اشتراط كونها موطوءة للمالك قبل كونها أُمَّ ولد وجهان.
فلو حملت من المساحقة ثم ولدت ولم يطأها، ففي إجراء حكم أم الولد وجهان، والأظهر ذلك.
.
ولا تتقيد أخبار أُمّ الولد بأخبار المدبَّرة أو المعتقة بعد الوطء؛ لعدم المقاومة، لأنّ عموم أخبار أُمّ الولد مجبور بفتوى المشهور والاحتياط، فلا تصلح تلك الأخبار لتقييدها وإن صلحت لتقييد غير أُمهات الأولاد بذلك، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
وذهب ابن إدريس إلى عدم وجوب العدّة عليها (1)للأصل، وعدم ثبوت ما يصلح عنده لإثبات الحكم، وإنّما أوجب عليها الاستبراء مع وطء المالك لها إذا انتقلت إلى ملك آخر أو أرادت التزويج. وهو ضعيف.
وإن لم تكن الأمة ذات ولد، فالأظهر عدم لزوم الاعتداد عليها مطلقاً؛ للأصل، ولضعف الروايات الدالّة على اعتداد الأمة مطلقاً، سيما مع عدم الوطء قبلاً أو دبراً؛ لإعراض المشهور عنها.
نعم، لو أعتقها مولاها بعد غشيانه لها فاعتدت بعد عتقها فمات مولاها المعتق في العدة من وطئه لها قبل عتقها، أو كان دبرها فمات فإن القول باعتداد المدبرة قوي جداً؛ للأخبار (2)، وفتوى الكثير من الأصحاب.
وكأن في القول باعتداد الأولى أيضاً عدة الوفاة وإن كان موت المالك في العدة البائنة قوة؛ للأخبار الدالّة على أن الأمة إذا أعتقها مولاها فمات عنها اعتدت عدة الوفاة (3)، وفي بعضها اشتراط الغشيان والوطء (4)، وبها يقيّد إطلاق غيرها، فما لم يغشاها فلا عدة عليها.
وفي بعض الأخبار دلالة على عدم اعتداد المعتقة إذا مات مولاها (5)، وعليه الكثير من الأصحاب، والأوّل أحوط.
والأحوط اعتداد الأمة إذا علم غشيان مولاها لها مطلقاً وإن لم تكن معتقةً بعدة الوفاة؛ للأخبار المقيدة لها بذلك، دون ما لم تكن موطوءة، فإن الاحتياط فيها ضعيف.
وأما المدبَّرة فالأقوى اعتدادها؛ للأخبار(6)الدالّة على ذلك أيضاً، المعتضدة بفتوى المشهور من الأصحاب، ولكنها مقيدة في الأخبار بالوطء.
السابع: الأمة إذا اعتقت فبانت من مولاها اعتدت عدة الحرة المطلقة دون الأمة إذا كان المولى يطؤها، أو يطؤها المحلل له على الظاهر، والأخبار كثيرة معتبرة دالة على أنّ عدتها ثلاثة قروء من وطء المالك، وإن لم تحض ثلاثة أشهر (1).
وفي بعض الروايات التخيير في القروء بين الطهر والحيض (2).
وهو حسن، إلّا أن الأحوط ملاحظة الأطهار.
وأنكر ابن إدريس لزوم اعتدادها كذلك، وأوجب عليها الاستبراء فقط (3).
وتردّه الأخبار الموافقة لفتوى مشهور الأصحاب والاحتياط.
وإذا مات مولاها في هذه العدة، اعتدت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً - كما تقدم - للأخبار (4)الدالّة على ذلك، الموافقة لفتوى جماعة من الأصحاب والاحتياط.
وقد يناقش في دلالة جملة منها بإرجاع ضمير «تعتد» (5)إلى نفس الأمة المذكورة أوّلاً.
بل في بعض الأخبار دلالة على سقوط عدة الوفاة عنها، وأنه ليس عليها سوى عدة الطلاق (6)، والقول به قوي إلّا أن الأوّل أحوط.
والمحصل أنّ الأمة إمّا مملوكة فقط، والأقوى بل كاد أن يكون إجماعاً: عدم وجوب عدة الوفاة عليها، والأحوط ذلك، أو مملوكة موطوءة فكذلك، إلّا أن الاحتياط هنا أشد، أو أُمّ ولد موطوءة، والأقوى لزوم الاعتداد عليها، أو أُمّ ولد ليست موطوءة فالأظهر ذلك، أو مدبّرة موطوءة فالأقرب لزوم الاعتداد، أو مدبّرة غير موطوءة فالأقرب عدمه، أو معتقة موطوءة مات مولاها في العدة فالأظهر إنّ عليها الاعتداد للوفاة.
وأمّا المزوّجة فلا عدّة عليها للمالك مطلقاً، وكذا المعتقة من دون وطء.
وفي اعتداد المحللة لغير المالك على المالك وجهان، والأحوط اعتدادها إذا كان المالك وطأها.
ولا عدة على المحلّلة على مَنْ حلّت له، والاحتياط غير خفي.
والأحوط اعتداد المشتركة على جميع الشركاء.
الثامن: الأصل أنّ الأمة إذا تحرّرت في العدة انقلبت عدتها عدة الأحرار؛ لتعلّق الخطاب بها حينئذٍ وهى حُرّة، فتُكمل عدتها عدّة حُرّةٍ، ولا تستأنف ولا تتمها بالنسبة إلى ما مضى من نسبة عدة الأمة، وإلى ما بقي من عدة الحرّة على قدر الكسر الماضي والباقي ؛ لعدم القول به.
فعلى ما ذكرنا (1)فالمعتقة في العدّة الرجعية وكذا المعتقة بعد وطء المالك أو وطء المحلّل - على الأظهر - والمعتقة في عدة الوفاة على القاعدة، والذي خرج عنها هي المعتقة في العدة البائنة؛ للدليل، حيث إنّها تتم عدّة الأمة.
1) راجع ص 476.
أحدها: عدة الطلاق تحسب من حين وقوعه إلى تمام المدة، علمت به الزوجة أم لم تعلم، بل لو لم تعلم به حتّى مضت المدّة صارت خليّةً، فلو تزوّجت لم يكن نكاحها نكاح ذات عدة، وكذا ما يلحق بالطلاق من الفسخ وشبهه؛ لعدم القائل بالفرق.
ويدلّ على حكم الطلاق الأخبار (1)الصريحة الصحيحة الناصة على أن العدة في الطلاق من يوم طلقها، والمراد به حين الطلاق، وأن مَنْ بلغها خبر الطلاق بعد مضي قدر العدة تزوّجت ولا تنتظر، ونُقل على ذلك الإجماع (2).
ونقل عن أبي الصلاح: أنها تعتد عند بلوغ الخبر (3)لظاهر قوله تعالى: (يَتَرَبِّصَنَ) (4)بمعنى يفعلن ذلك بقصد وشعورٍ، ولأن العدة عبادة فتفتقر إلى نية في الابتداء، فلا تقع بنفسها.
وهو ضعيف مبني على ضعيف؛ لمنع كون كلّ مأمور به عبادة بالمعنى الأخص المفتقر إلى نيّة وإن كان عبادة بالمعنى الأعم، ويكفي في حصول العبادة بالمعنى الأعم مجرد وقوع المأمور به في الخارج، فيسقط بوقوعه التكليف.
وعدة الوفاة مبدؤها بلوغ خبر موت الزوج على لسان أي مخبر كان عدلاً أو مميّزاً أو فاسقاً، ولكن بحيث يؤثر خبره ظنّاً أو شكاً، فلو لم يُفد خبره شيئاً من ذلك للقطع أو الظنّ الغالب بكذبه، أو كان مجنوناً أو صبياً غير فاهم لا يعتد بخبره وكان حكمه حكم ما لو اعتدت لنفسها وأحدّت من دون اخبر فصادف الواقع، فإنه لا يجدي اعتدادها.
وكذا لو أخبرها رائد من جنّ، أو فهمت الموت من رمل أو فأل، فإنّه لا يدخل تحت بلوغ الخبر، وفي الأوّل إشكال.
ويدلّ على أنّ ابتداء عدة الوفاة من حين بلوغ الخبر الإجماعات المنقولة (1)، وفتوى المعظم، والأخبار (2)الصريحة الصحيحة الدالّة على ذلك، وفيها المعلّل بأن ذلك لمكان الحداد (3)لأنّ الحداد لا يكون من دون بلوغ الخبر، ويشعر به ظاهر الآية الآمرة بالتربص (4)، فالحكم لا إشكال فيه.
وذهب ابن الجنيد إلى التسوية بين الوفاة والطلاق في الاعتداد من الموت من حين وقوعه (5)استناداً إلى بعض أخبار (6)دالّة على ذلك، وهي إما مطروحة أو مأوّلة بما يمكن ملائمته للقول المشهور، ولضعف دليله عن المقاومة.
وذهب الشيخ إلى الفرق بين المسافة القريبة فعدتها من يوم الموت، وفي البعيدة من يوم بلوغ الخبر (7)، وهو مضمون صحيحة منصور بن حازم، وفي آخرها التعليل بأنّها لا بد أن تحد له (8).
وظاهر التعليل أن المدار في القرب والبعد على بلوغ الخبر قرباً وبعداً؛ لحصول الحداد في الجملة في العدة في الأوّل دون الثاني، لا المدار على نفس المسافة.
وهو قريب لولا إطلاق الأخبار الأوّل والإجماعات المنقولة وفتوى المشهور.
وعلى ما اخترناه فلو اعتدت ببلوغ الخبر مطلقاً لزمها الانتظار في التزويج إلى حصول القطع أو البينة، فإن فعلت حراماً فتزوجت فإن صادف الواقع صح تزويجها، وإن صادف حياته كان كالتزويج بذات البعل.
1) المسائل الناصريات : 360، المسألة 170؛ السرائر 2 : 739.
2) وسائل الشيعة 22 : 228 وما بعدها، الباب 28 من أبواب العدد.
3) المصدر : 229، ح 3 و 4.
4) البقرة (2) : 228.
5) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 479. المسألة 124.
6) وسائل الشيعة 22 : 231، الباب 28 من أبواب العدد، ح 9 و 10.
7) تهذيب الأحكام : 165، ذيل الحديث 571.
8) وسائل الشيعة 22 : 232 الباب 28 من أبواب العدد، ح 12.
وإن صادف موته بعد بلوغ الخبر فهل يكون تزويجها تزويجاً بذات العدة؛ لأنها وإن لم تكن ذات عدة فهي أقرب منها، أو لا؟ وجهان، والأوّل الأقرب والأحوط.
وكذا الحكم فيمن تزوجت وكان زوجها غائباً ظانّةٌ موته فتبين أن موته كان حين تزويجها.
ولو تزوجت المطلقة كان المدار في كونها في العدة وعدمه على الواقع، حتّى لو تزوجت بظن كونها في العدة أو ذات بعل فانكشف وقوع العقد بعد مضي العدة كان العقد صحيحاً لا يعتريه سوى شبهة عدم القصد إلى التزويج فيبطل من تلك الجهة.
والظاهر عدم المنافاة بين البناء على أنها ذات بعل، وبين القصد إلى تزويجها بآخر؛ لاجتماع القصدين في البناء على حصول النقل العرفي كمن باع مال غيره فظهر أنّه ماله، على أن ذلك قد يجتمع قد يجتمع في حالة السهو والنسيان وشبههما.
وهل حكم الأمة حكم الحرّة في الاعتداد عند بلوغ الخبر؛ أخذاً بإطلاق الأخبار (1)وفتاوى الأصحاب، أو حكم المطلقة؛ نظراً إلى التعليل في الأخبار بالحداد (2)، ولا حداد على الأمة. فيُفهم من الإطلاق التقييد، فتدخل الأمة تحت عمومات الأولية القاضية بأن عدتها أربعة أشهر وعشراً (3)؟ وجهان، والأوّل أقوى وأظهر وأحوط، سيما وأنّ الحداد للأمة ثابت وإن كان على وجه الندب.
ويلحق بالغائب ها هنا الحاضر الذي لا يمكن المرأة استعلام حاله على الأظهر.
ثانيها: إذا اجتمعت موجبات العدد وكانت الموجبات من واحد تداخلت على الأقوى والأظهر، وإطلاق الكثير بعدم تداخل العدد محمول على حصولهما من غير الواحد.
وكأن السبب هنا في عدم التداخل هو فهم كون السبب والموجب للعدة ها هنا هو نفس الماهية المقتضية لذلك، ووقوعها من الشخص الواحد صيّرها بمنزلة الماهية الواحدة من دون ملاحظة الفرد، فلا يُفهم تعدّد المأمور به بتعدد الأفراد الواقعة منه حتّى لو اختلف جنس الموجب، كطلاق وعدة شبهةٍ أو فسخ وشبهةٍ، وقد يستشكل في الأخير، وعلى كلّ تقدير فالأحوط عدم التداخل.
قيل: ولأن الأخبار ناطقة بالتداخل مع مغايرة الواطئ للمطلق فمع الاتحاد أولى (1).
وهو كما ترى؛ لأنا لا نقول بمضمونها.
وعلى كلّ حال فلو وطئ الزوج المطلقة الرجعية مع قصد عدم الرجوع بظنّ أنّها أجنبية تداخلت العدتان، وليس عليها إلّا الاعتداد من حين الوطء، وتدخل بقايا أيام العدة الأُولى فيها، وللزوج أن يراجعها في تلك البقايا؛ لصدق أنها في العدة الرجعية ما دامت فيها، دون باقي عدة الشبهة.
ولو وطأها بالشبهة فاعتدت ثمّ وطأها بالشبهة، تداخلت العدتان.
ولو طلقها رجعيّاً ثمّ وطأها لشبهة فحملت، كان الحمل عدة للأمرين.
وكذا لو كانت حاملاً فطلقها ووطأها شبهة.
وله الرجعة في كلا الصورتين؛ لكون الحمل عدةٌ في المقامين، ولا يمكن تبعيضه.
ولا تعتد بالأشهر والحمل أو الأقراء والحمل في مدةٍ واحدة؛ لعدم العثور على قائل به.
ولو طلقها رجعيّاً ثمّ راجعها ثمّ طلّقها قبل الوطء كان مبدأ عدتها من الطلاق الثاني، ولا تسقط العدة من غير مخالف عثرنا عليه، إلّا ما نُقل عن الشيخ فيما إذا خالعها بعد الرجعة قبل الوطء (2)، وهو ضعيف.
نعم، لو طلقها بائناً ثمّ عقد عليها في العدة ثمّ طلّقها قبل الدخول فلا يبعد سقوط العدة؛ لدخوله تحت ما دلّ على سقوط العدة عمّن لم يدخل بها (3)، ويكتفى حينئذٍ في استبرائها بالحيضة المتقدمة على الطلاق.
والأقرب لزوم العدة؛ لانصراف الأدلّة إلى عدم الدخول ابتداء، وحصول الشك في الحلية بعد استصحاب الحرمة إلى أن تمضي العدّة من الطلاق الثاني أو إكمالها من الطلاق الأوّل فتكمل ما بقي من الأوّل.
وهل تحسب أيام التزويج منها؟ وجهان، والأحوط العدم.
ولو فسخت النكاح في العدة الرجعية ففي الاكتفاء بالإكمال أو الاستئناف وجهان: من
أن الفسخ أفاد البينونة وزيادة قوة في الطلاق من غير رجوع إلى الزوجيّة فلا استئناف، ومن أن الفسخ والطلاق سببان للعدة والأصل عدم التداخل، ولكن الفسخ لما أبطل حكم الطلاق ولذا لم يجز بعده الرجعة تخلّصت العدة للفسخ.
ثالثها: إذا اجتمعت عدّتان لشخصين، فالأقوى لزوم تعددهما؛ لتعدد موجبهما، ولأصالة عدم التداخل، وللأخبار الدالّة على التعدّد فيمن مات زوجها فاعتدت فوطئت شبهةً أنّها تتم عدّة الأوّل وتستأنف للثاني ثلاثة أقراء مستقبلة (1)، ولا قائل بالفرق.
ونُسب (2)هذا القول للمشهور، ونقل عليه الإجماع في الخلاف (3)، ويظهر من المرتضى (رَحمهُ اللّه) نقل الإجماع (4)، أيضاً.
وعن أبي عليّ والصدوق القول بالتداخل (5)للأصل، وحصول العلم بالبراءة بأطولهما، وكأنه عندهم يكون عند الاجتماع بمنزلة علة واحدة وموجب واحد، وللأخبار - وفيها الصحيح - فيمن تزوجت قبل أن تنقضي عدتها، قال: «يفرق بينهما وتعتد عدةً واحدةً منهما جميعاً» (6).
والجميع لا يقاوم الأخبار الأوّلة المعتضدة بالفتوى والاحتياط، مع إمكان حمل الأخبار الأخيرة على ما إذا لم يدخل بها الثاني، فيكون المراد بالاعتداد منهما كناية عن عدم لزوم العدة من الثاني، وقد حملها الشيخ على ذلك (7)، ولا بأس به جمعاً.
وعلى ما ذكرنا فلو تزوّجت المطلقة بزوج آخر جهلاً من أحدهما لزمتها العدتان، وحينئذٍ فإن لم تحمل من أحدهما أتمّت عدّة الأوّل؛ لسبق الأمر بها، فيلزم الفراغ منها أولاً، ويشعر به أيضاً الأخبار المتقدمة، واستأنفت أُخرى للثاني، وإن اقترنا فالتخيير، أو تقدم عدة الطلاق؛ لقوة سببه، وهو الأظهر.
1) وسائل الشيعة 20 : 450 - 452. الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 2 و 6.
2) الناسب هو الفاضل الإصفهاني في كشف اللثام 8 : 155.
3) الخلاف : 7675 المسألة 31.
4) المسائل الناصريات : 362، المسألة 171.
5) المقنع : 354؛ وحكاه عنهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 502، المسألة 143.
6) وسائل الشيعة 22: 453 - 454 الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 11 و 12.
7) تهذيب الأحكام 7 : 308، ذيل الحدیث 1280.
وفائدة ذلك تظهر فيما يترتب على ذلك من الرجوع في عدة الطلاق دون عدة الشبهة. وإن حملت من أحدهما قدمت عدة مَنْ كان الحمل منه ؛ لأنّ الحمل لا يتأخر، وأتمت عدة الأوّل لو وقع شيء منها قبل الحمل، أو استأنفت جميعها إن لم يكن.
ولو كان الحمل من ثالث أكملت بعد وضعه عدّة الأوّل واستأنفت للثاني، وهكذا.
وللزوج الرجوع في عدته الرجعية تأخرت عن عدة الشبهة أو تقدمت؛ لأنّ الرجعة ليست ابتداء نكاح.
وهل له الرجوع في عدة غيره إذا سبقت عدته ؟ وجه؛ لبقاء حقه من الزوجيّة والرجوع، وعدم انقضائهما، غايته تحريم الوطء لمانع، وهو لا ينافي الرجوع.
والأوجه خلافه.
وهل للزوج العقد على الزوجة في عدته البائنة إذا تقدمت على عدة الشبهة ؟ وجه؛ لأنها ما دامت في عدته ليست بزوجة ولا معتدة.
والأوجه عدمه؛ لأن وطء الثاني يمنع من نكاحها بعد امتداد الزمان إلى انقضاء العدة الأولى؛ لكونها في عدته، ففي القرب أولى وإن لم تكن في عدته، ولأن التزويج يُسقط عدة الأول، فيثبت حكم عدة الثاني، فيمتنع عليه الاستمتاع بها ما دامت في عدة الثاني، وكل نكاح لم يتعقب حلّ الاستمتاع كان باطلاً، وقد ينقض هذا الاستدلال، ولكن الاحتياط لا يخفى.
رابعها: المطلقة الرجعية تستحق النفقة والسكنى ما دامت متلبسة بعدتها وكانت غير ناشزةٍ زمن الزوجيّة وممكنةً لنفسها وغير ناشزةٍ زمن العدّة ولها قابلية الاستمتاع زمن العدة، فلو نشزت زمن العدة أو خرجت من دون إذن زوجها سقطت نفقتها وسكناها، وليس لها خصوصية عن الزوج، سوى أنّه لا يجوز نقلها عن منزلها الذي طلقت فيه، وأن الأحوط عدم جواز خروجها من بيتها مطلقاً إلّا مع الضرورة، فلو عرض في أثنائها عدة لغير المطلق فالأقرب سقوطها ما دامت في العدة التي للغير، والأحوط العدم، وتستحق النفقة يوماً فيوماً.
وأما المطلقة البائنة فلا تستحق شيئاً؛ للإجماع، والنصوص النافية عنها كلا الأمرين (1)الا إذا كانت حاملاً فتستحق النفقة والسكنى إلى أن تضع الحمل؛ للإجماع، والأخبار (2).
وهل هما للحمل، أو للحامل؟ وجهان.
ولا فرق بين الذمّيّة والمسلمة؛ لعموم الأدلّة، وكذا بين الحُرّة والأمة إذا سلّمها مولاها لزوجها دائماً، فإن لم يسلّمها كذلك لاستحقاقه خدمتها فلا نفقة لها ولا سكني؛ لعدم التمكين التام.
والموطوءة شبهة أو بنكاح فاسد ليس لها شيء؛ للأصل.
وكذا المعتقة ولو كانت أم ولد، إلّا إذا كانت إحداهنّ حاملاً فيحتمل لزوم النفقة والسكنى لو قلنا: إنّ النفقة للمعتدّة البائنة للحمل لا للحامل.
ولا نفقة وسكني للمعتدة بعدة الوفاة من مال الزوج إجماعاً؛ إذ لا مال له.
وهل ينفق عليها من مال الحمل من نصيبه من الميراث، للأخبار (1)الدالّة على ذلك، وأفتى به جمع من أصحابنا (2)، أم لا ينفق؟ للأصل، وحرمة التصرّف بمال الغير، ولعدم ملك الحمل للمال فلا مال له، ولإطلاق جملة من الأخبار (3)بنفي النفقة عليها الشامل للجميع، وأفتى به جمع آخر (4)، وهو أوفق بالقواعد والاحتياط.
وقد يبنى القولان على أنّ النفقة للحمل أو الحامل؟ ولكنّه لا يفيد بعد ما ذكرنا.
وفي رواية: «أنّ الحامل المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من صلب المال» (5)وهي متروكة.
ولو كانت المطلقة الرجعية ناشزة قبل طلاقها ولم تعد إلى الطاعة لم تستحق شيئاً، وكذا لو نشزت في أثناء العدة، إلّا إذا كانت الناشز حاملاً وقلنا: إن النفقة للحمل لا للحامل، فإنّها تستحقهما حينئذٍ.
ومن النشوز ارتداد المرأة.
أما لو ارتد الزوج من غير فطرةٍ، فإنّ الزوجة تستحق عليه النفقة؛ لأنها بمنزلة المطلقة الرجعية، وسكنى المطلقة الرجعية من جملة نفقتها، وإنما خص بالذكر؛ للنصّ عليه في
1) وسائل الشيعة 21 : 524، الباب 10 من أبواب النفقات، ح 1؛ وراجع 523، الباب 9 من تلك الأبواب، ح 4.
2) كالصدوق في الفقيه 3 : 510، ذيل الحديث 4793؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 537؛ وابن البراج في المهذب 2 : 319؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 313؛ وابن حمزة في الوسيلة : 329.
3) وسائل الشيعة 21: 522 و 523، الباب 9 من أبواب النفقات، ح 1 و 2 و 7.
4) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 5: 251؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر :2 : 738؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 3: 34 والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 151 وفخر المحققين في إيضاح الفوائد 3 : 368 - 369.
5) وسائل الشيعة 21 : 524، الباب 10 من أبواب النفقات، ح 2.
الكتاب (1)، ولتعلّق أحكام خاصة به من عدم جواز نقلها عنه وعدم خروجها منه، بخلاف سكنى الزوجة.
ولو نشزت المعتدة، سقطت سكناها، وبطلت جميع الأحكام الآتية، إلّا إذا رجعت إلى الطاعة فتعود لاستحقاق السكني.
وهل يلزم العود للمسكن الأول؟ الظاهر ذلك.
خامسها: لا يجوز للمطلقة الرجعية أن تخرج من بيتها الذي طلقت وهي فيه، ولا يجوز أيضاً إخراجها منه إلى بيت آخر ولا إلى مطلب قهراً عليها، كلّ ذلك للإجماع في الجملة، والكتاب (2)والسنّة (3)، إلّا أن تأتي بفاحشة مبينة أي ظاهرة، كما دلّ عليه الكتاب (4)، فتخرج حينئذٍ لإقامة الحد عليها، ولا يقتصر على ذلك أيضاً، بل يجوز إخراجها إذا وقع منها الإيذاء لأهله، كما دلّت عليه الأخبار (5)، ووافقه ظاهر الأصحاب.
وقيل: وروي أن أدنى ما تخرج لأجله ما يؤذي أهل الزوج (6)، فيفهم من ذلك شموله لكلّ ذنبٍ صدر صدر منها لا يتحمّل ولا يتسامح به عادةً، سواء تعلق بالزوج أو بأهله، ولكلّ ذنبٍ خالقي افتقر إلى إخراجها من منزلها لأجل إقامة حد أو تعزير أو أمر بالمعروف لا يتم بدونه. و
الموجود في الروايات ليس إلّا الفاحشة المفسرة بالزنى (7)، وفي بعضها: السحق (8)، وفي بعضها: إيذاء الأهل (9)، وفي بعضها: سوء الخلق (10)، ولم نعثر على غير ذلك.
1) الطلاق (65) : 6.
2) الطلاق (65) : 1.
3) وسائل الشيعة 22 212 وما بعدها الباب 18 من أبواب العدد.
4) الطلاق (65) : 1.
5) وسائل الشيعة 22 220 - 221، الباب 23 من أبواب العدد.
6) قاله الشيخ الطوسي في النهاية : 534.
7) وسائل الشيعة 22 : 220 - 221، الباب 23 من أبواب العدد، ح 3.
8) المصدر : 221، ح 4.
9) المصدر : 221 - 222. ح 6.
10) المصدر : 220، ح 1.
وظاهر الأصحاب التعميم، وهو حسن؛ لأنا لا نفهم من ذلك مجرّد التعبّد، كما لا يخفى ومن جملة ذلك النشوز.
ولا يجوز خروجها من مسكن إلى آخر ولو اتفقا هي والزوج عليه؛ لمكان النهي عنه (1)مطلقاً، فيكون من الحقوق الخالقية والمخلوقية.
وأجاز بعضهم (2)الخروج مع رضاهما؛ لعود الحق إليهما وانحصاره فيهما، ولظاهر بعض الأخبار (3).
والأوّل ممنوع، وظهور الأخبار غير مسلم، سوى رواية الحلبي (4)، فظاهرها الخروج لغرض غير النقلة.
ولا يبعد جوازه مع الاتفاق عليه.
ولا يجوز إخراجها قهراً بأمر الزوج ولو إلى حاجةٍ ومثلها؛ أخذاً بإطلاق الآية (5).
وكذا لا تخرج من دون إذنه.
ولو أذن لها بالخروج لغرض، جاز على الأظهر؛ وتدلّ عليه الروايات(6).
والأحوط الاقتصار على قدر الضرورة حتّى مع الإذن لها بالخروج أيضاً.
ويجوز إخراجها وخروجها عند الضرورة؛ لأنّ الضرورات تبيح المحظورات، فلو خيف عليها من انهدام المنزل، أو على مالها، أو على عرضها في المنزل، جاز خروجها لغيره.
وهل يلزمها تحرّي الأقرب فالأقرب؟ الأحوط ذلك.
وكذا لو كان المسكن مستعاراً فمنع عنه المالك، أو مستأجراً انقضت مدة إجارته، أو انتقل إلى مالك آخر وقد نهى عن سكناه، أو مغصوباً.
ولو استعاره للمطلقة وكان المعير عالماً بذلك، فلا يبعد لزوم العارية عليه.
ولو خرجت من المسكن الذي طُلقت فيه للضرورة ثم أمكنها العود، ففي وجوب العود وجهان، أحوطهما ذلك.
أما لو خرجت لا لضرورة لزمها العود إليه؛ لاقتضاء النهي عن الخروج الدوام، وهو لازم لوجوب العود.
وأولى بلزوم عودها فيما لو خرجت بنية العود إلى حج أو زيارة أو بيع أو شراء ضروريين.
ولو كانت في منزل لا يناسبها ولم ترضَ به قبل الطلاق، فالأقوى جواز مطالبتها بمسكن آخر يليق بها؛ لعدم انصراف الأدلّة الناهية لمثله، وإن كانت قد رضیت به قبل الطلاق، فوجهان، أحوطهما عدم جواز خروجها.
نعم، لو أمكن الزوج جعل المسكن مناسباً لها من دون إخراج - كزيادة أو توسيع - لزمه ذلك.
وإن ضاق المسكن عنها وعن الزوج لزمه الارتحال.
وكذا لو كان معها ما يضيق بهما لزمه رفعه.
ولو كان المنزل واسعاً زائداً على أمثالها جاز له قطعه، أو تعيين ما يناسبها منه لها والتصرف بباقيه له.
ويجوز لها الخروج للمندوبات مع نية العود، كزيارة أو حج مندوب أو صلة أرحام أو حمام أو نحو ذلك إذا أذن لها الزوج بذلك؛ لأن ذلك كله ليس من الخروج من منزل إلى منزل. والأصل البراءة من تحريمه مع إذن الزوج، مع أنّ ظاهر الآية (1)أن لا تخرجوهنّ قهراً ولا يخرجن من غير إذن، وتدل عليه رواية الحلبي (2)، وقد ورد جواز حجّها مع إذن زوجها (3)، فغيره بطريق أولى.
ويجوز لها الخروج لتأدية الواجب المضيق وإن لم يأذن لها زوجها.
ولو اضطرت إلى فعل مباح وأمكن تأديته ليلاً، خرجت بعد نصف الليل وعادت قبل النهار، أذن لها أم لم يأذن لمكان الضرورة، فإن لم يمكن تأديته ليلاً جاز نهاراً.
وفي خبر سماعة: «إذا أرادت زيارة خرجت بعد نصف الليل، ولا تخرج نهاراً» (4).
وهو محمول على إذنه بذلك.
وبالجملة، فالظاهر أن خروجها إن كان للضرورة من غير إذنه خرجت ليلاً إن أمكنها، وإن كان بإذنه جاز لها الخروج مطلقاً.
والأحوط تحرّي الليل مطلقاً ولو بإذنه ما لم تضطر إلى النهار.
وتخرج ذات العدّة البائنة والمتوفى عنها زوجها إلى أين تشاء.
وفي بعض الأخبار: أن المتوفّى زوجها تخرج بعد نصف الليل وترجع (1).
وهو محمول على الندب.
ولو ادعى على المطلقة الرجعية مدّع لزمها التوكيل مهما أمكن، وأرسل إليها الحاكم مَنْ يحلّفها في بيتها، فإن توقف الحق على إحضارها حضرت.
ولو طلقت البدوية لزمها البقاء في بيتها، فإن ارتحلوا وخافت من البقاء أو أصابها ضرر الوحشة، ارتحلت معهم، وإلا بقيت دونهم، مع احتمال أن لها الرحيل مطلقاً ما دام بيتها معها؛ لعدم صدق الخروج عليها حينئذٍ، ولها تبديل بيتها من صوف إلى شعرٍ، ومن خيمة إلى بيت.
ولو طلقها في السفينة وكانت بيتاً لها لزمها الاعتداد بها، وإلّا أسكنها حيث شاء، ولها أن تتمّ ذلك السفر معه بإذنه إلى أن يسكنها حيث شاء.
ولو طلقها في دار الحرب، جاز لها الهجرة إلى دار الإسلام إن خافت على دينها.
ولو طلقها غائباً أو غاب بعد الطلاق ولم يكن له مسكن مملوك أو مستأجر، استدان الحاكم عليه أجرة مسكن لها، أو أذن لها في الاستدانة ويرجع عليه.
ولا يبعد أن لها الاستدانة عليه إذا لم يمكن وصولها إليه من دون رجوع إلى الحاكم، ومع إمكان الوصول إليه واستئذانه فالمنع قوي، كما في المبسوط والتحرير(2).
نعم، أجرة مثل مسكنها دين تريد وفاءه منه.
ولو سكنت في منزلها وهو حاضر ولم تطالبه بمسكن لم يكن لها المطالبة بالأجرة؛ لظهور تبرعها بذلك.
ولو قالت: قصدتُ الرجوع، كان لها المطالبة بأجرة المسكن مع يمينها.
ولو استأجرت مسكناً فسكنت فيه وهو حاضر، لم تستحق أجرته؛ لأنها تستحق السكني حيث يسكنها لا حيث تتخيّر.
نعم، لو امتنع من الإسكان رجعت إليه بأجرة مثل مسكنها اللائق بحالها.
ولو طلقت وهي في منزلها، كان لها المطالبة بمسكن آخر من الزوج، أو بأجرة مثل مسكنها مدة العدة.
ولو مات الزوج في أثناء العدة، سقط حق سكناها، إلّا أن تكون حاملاً وقلنا: إن النفقة للحمل من ماله أو مال الميت، وهو ضعيف.
ولو باع الزوج منزل المطلقة الرجعية وكانت عدتها الحمل أو الأقراء، بطل البيع؛ لدخول الجهالة في المبيع؛ لأنّها تستحق من المبيع منفعة مدة مجهولة، وإن كانت العدة بالأشهر جاز؛ لمكان العلم بها، فلو تجدّد طول العدة كالمسترابة صح البيع، وكان للمشتري الخيار على الأظهر مع احتمال العدم؛ لإقدامه على استثناء مدّةٍ يحتمل عنده طولها وقصرها.
ولو قصرت المدّة عن الثلاثة أشهر كانت الزيادة للمشتري.
ويحتمل كونها للبائع، فيطالب بما يخصها من الثمن، وهو ضعيف.
ولو حجر الحاكم بعد الطلاق على المطلق لفلس، كانت الزوجة أحق بالعين؛ لتعلّق حقها بها مدة العدة.
وقيل: إنها تضرب مع الغرماء كالزوجة؛ بناءً على أن حقها ممّا يتجدد يوماً فيوماً (1). وهو ضعيف.
ولو سبق الحجر على الطلاق، ضربت مع الغرماء بأجرة مسكن مثلها؛ لاستحقاق الزوجة الإسكان دون عين المسكن والباقي من أجرة المثل تبقى في ذمة الزوج، وتضرب بأجرة جميع العدة، بخلاف الزوجة فإنّها إنما تضرب بأجرة يوم الحجر.
وكذا تضرب مع الغرماء لو كان المسكن لغيره ثمّ حجر عليه؛ لعدم تعلق حق لها بعين خاصة.
وإذا ضربت بالأجرة مع الغرماء، فإن كانت معتدة بالأشهر فأُجرة المثل معلومة، وإن كانت بالأقراء أو الوضع ضربت بأجرة سكنى أقل الحمل؛ لأنّه المتيقن، واحتمال سقوط الولد بعيد، وينافيه الاستصحاب.
ويحتمل أن تضرب قدر أُجرة سكنى عادة الحمل، واختاره في المبسوط (2)، وهو قوي. وضربت بأجرة سكنى عادة الأقراء؛ لأنّ مرجع الأقراء إلى العادة، فإن لم يكن لها عادة
ضربت بأقل مدة الأقراء، فإن لم تضع أو لم تتمّ أقراؤها على حسب العادة ضربت بعد ذلك بالزائد، وإن نقصت ردّت ما زاد عندها عليهم.
ولو أذن لها الزوج بالانتقال من مسكن إلى مسكن آخر له قبل الطلاق، فإن طلقها قبل الانتقال لم يجز لها الانتقال، وإن كان بعده اعتدت في الثاني، وإن كان في الطريق فالأظهر اعتدادها في الثاني؛ لمفارقة الأول، فلا يكون بيتها، فيحتاج عودها إليه إلى الإذن منه.
ويحتمل ملاحظة قرب المسافة، كما يحتمل التخيير، أو لزوم عودها إلى الأوّل، والكلّ ضعيف.
والمراد بالانتقال الانتقال بالبدن، فلا عبرة بنقل رحلها إلى الثاني إذا كانت في الأوّل، إلّا إذا لزمها الضرر ببقائها في الأوّل.
نعم لو تردّدت بين الأوّل والثاني لنقل المتاع ونحوه، فإن حصل لها الاستقرار في الثاني في الجملة بطل حكم الأوّل، وكان كخر وجها لزيارة أو مثلها، وإن لم يحصل لها استقرار لزمها البقاء في المكان الذي طلقها فيه.
ولو طلقها وهي معتكفة، فإن كان قبل وجوبه في الثالث ولم يشترط فيه الحلّ أو لم يجب وجوباً مضيقاً بنذرٍ وشبهه، خرجت للعدّة، وفسخته إجماعاً، وإن كان واجبا معيناً بنذرٍ و شبهه خرجت وقضته.
واحتمل أنها تعتد في المسجد إلى تمام العدة.
واحتمل أنها تتمه وتخرج.
ونقل العلّامة (رَحمهُ اللّه) الإجماع على خروجها على وجه الإطلاق (1).
ولو أذن لها بالخروج إلى منزل آخر فطلقها وهي فيه واختلفا هل أنّه كان للنقلة فتعتد في الثاني، أو لغرض فتعود للأوّل؟ ففيه وجهان: من أنّ أمر النقلة يعود قصده إليه فهو أبصر به، ومن أن الأصل بقاء بيتها الأوّل وعدم التحويل، ولعلّ الأخير أوجه، إلّا أن تظهر أمارات النقلة.
ولو أذن لها في السفر فطلقها قبل الخروج من منزلها، لم يجز لها الخروج ولو أرسلت رحلها إلى خارج البلد أو إلى البلد الثاني.
ولو خرجت إلى موضع القافلة أو ارتحلت القافلة اعتدت في الثاني؛ لسقوط حكم الأول، واستصحاب حكم جواز السفر.
1) تذكرة الفقهاء 6 : 300، المسألة 221.
وقيل: تعتد بالأوّل ما دامت في البلد أو قريباً إليه (1)إجراء على البلد حكم البيت، فتعود للبلد، ويلزمها العود إلى بيتها.
ولو كان سفرها لتجارة أو زيارة فطلقها بعد الخروج من بيتها، قيل: إن لها الخيار بين الرجوع إلى بيتها والاعتداد به وبين المسير إلى غرضها (2)لخروجها عن بيتها حين الطلاق بإذنه، والأصل عدم وجوب العود إليه، ولم يُعيَّن لها منزل سواه تأوي إليه، ولأن إبطال السفر ضرر عليها بعد أخذها أُهبته سيما بعد إنشاء المسير.
وفي الجميع نظر؛ لأن الخروج عن البيت لا يخرجه عن كونه بيتها المأمورة بالاعتداد به.
نعم، ذلك في سفر النقلة لا بأس به؛ لتعدد البيوت.
ووجوب العود يدلّ عليه قوله تعالى: (وَلَا يَخْرُجْنَ) (3)، لأن الاستدامة كالابتداء.
فالأوجه أن يقال: إنّ الزوج إن أذن لها بتمام السفر بعد الطلاق جاز لها السفر، فإذا تمت حاجتها منه رجعت وقضت ما بقي عليها إن بقي عليها شيء، ويشعر بذلك ما في الرواية السابقة (4): أن المعتدة تحجّ بإذن الزوج، وإن لم يأذن لها بعد الطلاق يجوز لها السفر، ويجب عليها الرجوع، إلّا مع حصول الضرر عليها ديناً أو دنياً بالرجوع قبل الوصول إلى مطلبها بعد المشقة والتعب والسير.
وعلى كلّ حالٍ لا يجوز لها البقاء في مكان الحاجة أزيد من قدر ما يحتاج إليه، حتّى لو أذن لها لم يجز لها ذلك.
وقد يحتمل أنّه لو أذن لها في المقام في بلد غربة أو طلقها في بلد غربة فأذن لها في المقام فيه اعتدت فيه؛ لأنه لم يخرجها ولا خرجت عن بيتها.
نعم، هي خارجة عنه، ويكون من قبيل السالبة الصادقة بانتفاء موضوعها؛ إذ لا بيت لها حين الاعتداد.
ولكن الأقوى أنّ الابتداء كالاستدامة، فيجب عليها الرجوع.
الأصل فى الإماء الاستبراء لا العدّة؛ لأصالة غدم وجوبها في محلّ الشك، فعلى هذا ما لم ينص فيه على اعتداد الأمة لا يلزمها سوى الاستبراء.
ويدلّ عليه عموم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «استبرئوا سباياكم بحيضة» (1).
فعلى هذا يجب استبراء الأمة مع العلم بوطء محترم لها في قبل أو دُبُرٍ، في كلّ ملك عين عند نقلها بأي ناقل كان، وعند انتقالها كذلك، وكذا مع الجهل بالوطء في خصوص المنتقل إليه ؛ لعموم الأدلّة الدالّة على لزوم استبراء المشتري (2)من غير تقييد بالعلم، ولا قائل بالفصل.
ويجب الاستبراء أيضاً مع العلم بالوطء في المحلّلة، فلا يجوز تحليل المالك مع وطئه لغيره إلّا بأن يستبرئها، وإلا لزم المحلل له استبراؤها ثم يستدعي تحليلها.
وكذا لو أراد المالك تزويجها بشخص آخر، أو أراد تحليلها لآخر.
وكذا لو أراد تحليلاً بعد تحليل.
وكذا لو كانت محلّلةً لشخص فأراد المالك وطأها، إلى غير ذلك.
نعم، تلزمها العدة في الطلاق والفسخ ووطء شبهة النكاح، دون الملك في وجه، وفي فسخ المتعة، وفي الإعتاق بعد وطء المالك أو وطء التحليل على الظاهر، وفي موت المولى أو الزوج إلى غير ذلك من المواضع المحكوم عليها بالعدّة للدليل.
ويسقط الاستبراء عن المشتري بإخبار البائع الثقة باستبرائها أو عدم وطئها.
ويسقط عن الصغيرة واليائسة والحائض عند البيع والحامل والمشتراة من امرأة ولو بعد شرائها من رجل أو مشتراة من صغير أو عنين أو مجبوب أو ممسوح أو معتقة ولم يعلم سبق وطء محترم لها.
و للحامل استبراء عددي ذكر في محله.
ويسقط عمّن اشتراها متن باعها عليه في مجلس واحد، أو ردّها إليه بعيبٍ أو غيره قبل وصولها للمشتري، أو باعها غائباً قدر مدة الاستبراء، إلى غير ذلك ممّا شابهه ممّا يقطع فيه بعدم الوطء.
ولا يلزم المالك ولا الزوج الاستبراء من مائه، كما إذا ارتدت فعادت إليه، أو اشترى زوجته، أو أعتق المالك أمته فتزوجها، أو فسخ كتابة أمته فرجعت إليه.
ويدخل الاستبراء في العدة، كما إذا اشترى مزوّجةً ففسخ نكاحها.
ويصح بيع الأمة من دون استبراء، إلّا أنّه حرام، ويجب عليه تسليمها إلى المشتري.
ويحرم على المشتري الوطء قبلاً إجماعاً، ودبراً على الأقوى في أيام الاستبراء، دون باقي وجوه الاستمتاع، كما دلّت عليه الرواية (1)، والإجماع المنقول (2)، والأحوط التجنّب.
وهل يسقط الاستبراء عن المشتراة من الشريك؟ وجهان.
وإذا اجتمع استبراء ان دخل أحدهما في الآخر، ولا يجب استبراءان، كما أن الأقوى دخول الاستبراء في العدة فيما إذا تزوجت فمات الزوج، أو طلقها وباعها المالك في العدة أو بعدها.
والاستبراء لا تجري عليه أحكام العدة من التحريم مؤبداً مع وقوع النكاح به والعلم به، ولا وجوب النفقة، ولا تحرم الخطبة.
ويصدق الوكيل في استبرائه للأمة، وكذا المملوك.
كتاب الخُلع
بالضم مأخوذ من الخلع - بالفتح - وهو النزع، وهو إزالة قيد النكاح بالقول الدال عليه بفدية من الزوجة، وكراهة للزوج من دون كراهته لها، أو القول الدال على ذلك شرعاً.
وهل هو عقد مركب من الإيجاب والقبول أو إيقاع من الزوج مشروط بسؤال الزوجة قبله أو قبولها بعده؟
والأقوى أنّه عقد؛ لأنّ الشك في كون الشيء عقداً أو إيقاعاً يوجب كونه عقداً؛ لأنه شك في الجزئية، فيعود شكاً في الماهية، وما شك في جزئيته جزء إذا كان به قوام الماهية.
وشرعيته ثابتة بالكتاب والسنّة (1)والإجماع.
قال اللّه تعالى: (فإن خِفْتُم ألَّا يُقِيمَا حُدودَ اللّه فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَت بِهِ) (2)وظاهر الآية وقوعه عند الحاكم.
وفي الرواية: «ولا يكون ذلك إلّا عند سلطان» (3)والمراد به المتسلّط شرعاً.
وأفتى بلزوم ذلك أبو علي (4)، ولا يخلو من احتياط.
والبناء على خلافه؛ لإطلاق الأدلّة، والإجماع المنقول (5)، بل المحصل، فضلاً عن الشهرة المحصلة والمنقولة (6).
أحدها: الصيغة، وهي «خلعتكِ» أو «خالعتكِ على كذا»، أو «أنتِ» أو «فلانة مختلعة على كذا».
ولا كلام في الأوّلتين، وربما حصل في الأخيرتين كلام لبعض الأعلام (1).
وهو ضعيف بعد ظهور الأدلّة في شمولها، والإجماع المنقول (2)وفتوى المشهور على صحتها.
ولا يقع بالكناية، كـ «فاديتكِ» أو «فاسختكِ» أو «فسختكِ» أو «أبنتك» أو «بتتك» أو «أقلتكِ» وإن دلّت على الأوّل الآية(3)، وقضى بالثاني كون الخلع فسخاً لو قلنا به؛ للزوم الاقتصار على المورد اليقيني في الفك، وهو ما أفتى به الأصحاب، وكان معهوداً في الشرع، كيف وظاهرهم الاتفاق على عدم إجزاء غير ما ذكر من الصيغ، وبه يوهن الإطلاق المحتمل شموله لكلّ صيغةٍ، ولولا الاتفاق على الجملة الاسمية في الصيغة الأخيرة لكان محل مناقشة فبطل ما ذكره بعض المتأخرين من جواز الخُلع بكلّ لفظ (4)لخلو الأخبار عن خصوص صيغةٍ خاصة، وعدم البيان بيان لقصوره عمّا ذكرنا.
إحداها : يقع الخُلع بلفظ الطلاق، كما يقع بالألفاظ الأربعة المتقدمة بالاتفاق، ويكون بائناً مع ذكر الفدية وإن تجرّد عن لفظ الخُلع.
نعم، على القول بأنّ الخُلع المجرّد عن الطلاق يكون فسخاً لا يكون هذا فسخاً، بل يكون خُلعاً؛ لعدم القول بلزوم تجريد الخُلع عن الطلاق، أو بكونه فسخاً مطلقاً، إنما الخلاف في الخُلع المجرّد عن الطلاق.
والأظهر عدم كون هذا نوعاً من الطلاق مغايراً للخُلع، فلا يشترط فيه الكراهة من الزوجة؛ لأن ظاهر الأدلّة من الكتاب (5)والسنّة (6)يقضيان أنّ كلّ ما اشتمل على الفدية تلزمه الكراهة
من الزوجة أو منهما؛ لقوله تعالى: (إن ظَنَّا أَن لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ) (1)وكلّ ما اشتمل على الفدية والكراهة خُلع.
وحينئذٍ فتجري أحكام الخُلع على ما انعقد بلفظ الطلاق من اشتراط الكراهة وحصول البينونة وجواز الرجوع في البذل.
وقد يستدلّ على جواز وقوع الخُلع بلفظ الطلاق بإطلاق بعض الأخبار أنّ المرأة إذا قالت لزوجها: لا أطيع لك أمراً، حلّ له أن يأخذ منها، وليس له عليها رجعة (2)، فيدل بإطلاقه على حصول البينونة بما يشمل لفظ «طالق على كذا» وبكونه عقداً فتشمله عمومات الوفاء بالعقد.
ولكنهما لولا اتفاق الأصحاب لكان في الاستدلال بهما مناقشة ظاهرة.
الثانية: إذا ابتدأ الزوج بصيغة الخُلع، لزم الزوجة القبول فوراً على حد المعاوضات، إمّا صريحاً، أو مع القرينة المنضمة إلى غير الصريح، وإن لم يبتدئ الزوج بل سبق منها إنشاء السؤال وذكر الفدية، لزم الزوج إجراء الصيغة فوراً بعد سؤالها، تنزيلاً لسؤالها منزلة القبول المتقدم، والصيغة منزلة الإيجاب المتأخر، أو بالعكس؛ لأنّ الإيجاب والقبول اعتباريان وإن كان الظاهر أنهما عرفيّان، وإنّما اشترط الصيغة الخاصّة منه للزومه من طرفه دونها، فلم يشترط عليها صيغة خاصة، وإنما اشترطت الفورية؛ اقتصاراً على المتيقن في الصحّة فيما شابه العقود.
ولا يشترط الفورية الحكمية بل يكفي أن يقع هذا بعد هذا عرفاً كي لا يتخلل احتمال الإعراض والسهو عمّا تقدم.
فلو تأخر الطلاق عن السؤال بما ينافي الفورية صار الطلاق رجعياً إن أتى بلفظ الطلاق وكان محلّ الرجعيّ، وإن كان بائناً ففي نفوذه إشكال، وإن أتى بلفظ الخُلع لم ينعقد.
وعلى كلّ حالٍ فلا تلزم الفدية وإن تقدّم الطلاق وتأخر عنه القبول، فإن أتى بلفظ الطلاق، فالظاهر وقوعه رجعيّاً أو بائناً، وإن أتى بلفظ الخُلع، بطل.
والأظهر أنّ الخُلع عقد مزيل لعقدة النكاح، لا إيقاع مزيل لذلك بشرط ؛ لأنّ الشكّ في كون الشيء عقداً أو إيقاعاً يوجب كونه عقداً، فعلى ذلك فاشتراط المقارنة بين إيجابه
وقبوله هو الأوجه، وعلى الثاني فتأخر القبول كتأخر الشرط، وتقدمه كتقدمه غير مضر، ولكن الظاهر أيضاً من أصحاب هذا القول الحكم بلزوم المقارنة.
الثالثة: يكفي في الخُلع ذكره مجرّداً عن الطلاق؛ للأصل، وعموم أدلة العقود وأدلة الخلع؛ لصدقه بدون صيغة الطلاق، وللإجماع المنقول (1)المعتبر بفتوى كثير من الفحول (2)، وللأخبار المتكثّرة المعتبرة الدالّة على وقوعه خُلعاً من دون اشتراط تعقيبه بصيغة الطلاق:
كصحيح ابن بزيع: في المبارئة أو المختلعة هل تبين منه بذلك، أو هي امرأته لم يتبعها بطلاق؟ قال: «تبين منه» وفيه فقلت: إنّه قد روي أنّها لا تبين منه حتّى يتبعها بطلاق، قال: «ليس ذلك إذاً خلع» فقلت: تبين منه؟ فقال: «نعم» (3).
وجملة «ليس ذلك» نفي لما روي، و «خَلَع» فعل ماض، وهو جملة مستقلة، كما ينادي بها سياق الخبر.
والآخر: «وخُلعها طلاقها» (4).
والثالث: «وكان الخلع تطليقة» (5).
والرابع: «وكانت تطليقة بائنة لا رجعة له عليها، سمّي طلاقاً أو لم يسم» (6).
والخامس: «وكانت تطليقة من غير طلاق يتبعها» (7)إلى غير ذلك.
وذهب جمعٌ من الأصحاب المتقدمين والمتأخرين (8)إلى اشتراط إتباعه بلفظ الطلاق. واستدلوا عليه بالإجماع، والأصل، والاحتياط، وبخبر موسى بن بكر عن الكاظم : «المختلعة يتبعها الطلاق ما دامت في العدة» (9).
1) المسائل الناصريات : 351. المسألة 165.
2) كما في كشف اللثام 8: 181.
3) وسائل الشيعة 22 : 286، الباب 3 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 9.
4) المصدر : 285، ح 4.
5) المصدر : 284، ح 2.
6) المصدر : 291 - 292، الباب 6 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 4.
7) المصدر : 284 الباب 3 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 3.
8) كما في تهذيب الأحكام 8: 97 ذيل الحديث :328؛ وكشف اللثام 8: 183.
9) وسائل الشيعة 22 : 283 - 284 الباب 3 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 1.
ولا يبعد أنّهم حملوا تلك الأخبار على التقية؛ لأنها تشبه قول الناس.
وفي الجميع نظر؛ لمنع الأصل، وضعف دليل الاحتياط، ووهن الإجماع المنقول بمعارضته بمثله وبالروايات وفتوى الفحول وضعف الرواية؛ لمعارضتها بما هو أقوى، ولضعف دلالتها؛ لاشتمالها على جواز الاتباع ما دامت في العدة، ولا يقول به أحد فلتحمل على إرادة رجوعها في البذل فيرجع بها فيطلق، وحمل الأخبار على التقية فرع مقاومتها بما يساويها أو يترجح عليها، وليس فليس.
وقد يستدلّ لهم أيضاً بأن الطلاق لا يقع مشروطاً، والخُلع مشروط بالرجوع بها إذا رجعت بالبذل، فلا يقع طلاق.
. وفيه: منع كون الخُلع مشروطاً بل ذلك من أحكامه.
وبالروايات المتضمنة أنّه لو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقاً، ولو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقاً إلّا للعدة (1).
وفيه: إن فيها إجمالاً، والأقرب فيها إرادة أن المختلعة لو طلقت بعد الخلع كان لغواً، إلّا إذا رجع في العدة، لمكان رجوعها.
الرابعة: على المختار من وقوع البينونة بلفظ الخُلع مجرّداً، فهل هو طلاق فيحتسب من الطلاق في العدد، وتجري عليه أحكامه وشروطه، أو فسخ؟ قولان، أظهرهما الأول؛ لجريان لوازم الطلاق عليه في الأخبار، وثبوت اللوازم دليل ثبوت الملزوم، وللأخبار الدالّة على أنّ خُلعها طلاقها (2)، ولتسميته طلاقاً فيها (3)، وظاهر ذلك الحمل الحقيقي والاتحاد المعنوي أو الوضع الشرعي، ولو لم يكن ذلك فالاتحاد في جميع الأحكام، وتنعدم الثمرة حينئذٍ، ولعدم مشروعية الإقالة في النكاح، وكذا الفسخ من دون أسبابه الشرعيّة؛ لأن الأصل في فكه الطلاق.
وقد يستدل للثاني بالخبر الحاصر للطلاق في «أنتِ طالق» (4)، فيكون هذا فسخاً.
وهو ضعيف؛ لظهور المراد في غيره من كناياته.
وبأنه لو كان طلاقاً لكان رابعاً في قوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَت بَهَ) (1)لأن قبله (الطلاق مرتان) (2)وبعده قوله تعالى: (فإن طَلَّقَهَا) (3)، فذكر تطليقتين والخلع وتطليقة بعدها.
وفيه: إنّه إنّما يُسلَّم لو كان الخُلع مغايراً للطلقتين، وهو ممنوع، فلعل المراد من قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُم أَن تَأْخُذُوا ممّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيئاً) (4)، في الطلقتين.
الخامسة: عقد الخُلع لازم من طرف الزوج إجماعاً ما لم ترجع في البذل؛ لأصالة اللزوم في العقود، وللأخبار (5)وفتوى الأصحاب.
ولا يلزم من طرفها، بل لها الرجوع في البذل متى شاءت للأخبار (6)وفتوى الأصحاب، سواء رضي برجوعها فيه أو لم يرضَ، وسواء شرط رجوعها فيه أو لم يشترط، وسواء اشترطت هي عليه أن ترجع به متى شاءت أو لم تشترط كلّ ذلك لإطلاق الأدلّة وفتوى الأصحاب.
خلافاً لابن حمزة؛ حيث اشترط رضاهما بالرجوع (7)لقاعدة المعاوضة في رجوع أحد العوضين، أو اشتراطها ذلك ابتداء.
وهو محجوج بما ذكرناه.
ولو شرط عليها أن لا ترجع، ففي لزوم الشرط، أو بطلانه، أو بطلان النكاح معه وجوه، أقواها بطلان الجميع.
ولو رجعت في البذل عاد الطلاق رجعيّاً، وكان له الرجعة فيها بالإجماع، وتدلّ على ذلك الأخبار (8).
ولو شرطت عليه أن لا يرجع إذا رجعت في البذل، جاءت الوجوه المتقدمة، وأقواها البطلان، ولا يعود إليه نفس الطلاق الذي هو المعوّض بحيث تعود الزوجة له بالفعل، كما هي
قاعدة المعاوضة إجماعاً منّا؛ لأنه ليس معاوضة صرفة، بل يعود له حكم الرجعة، وينفسخ منهما لزوم الطلاق، فيعود رجعيّاً بعد أن كان بائناً، ولا يذهب أثره بالكلية.
وهل رجوعها مشروط بإمكان رجوعه، فإذا اختلعها صغيرة أو يائسة أو ثالثة بطل جواز رجوعها؛ لعدم إمكان رجوعه، أم لا؟ ظاهر الكثير من أصحابنا التلازم بينهما؛ لشبه الخُلع بالمعاوضة، والرجوع بأحد العوضين يوجب الرجوع في الآخر، فإذا لم يمكن الرجوع بالآخر بطل رجوع الأوّل، ولأنّ الأخبار المجوّزة لرجوعها قد رتبت عليه جواز رجوعه، فيُفهم منها التلازم بينهما، ولأنّ رجوعها خلاف الأصل، فيقتصر فيه على المورد الذي يجوز رجوعه بها، وهذا هو الأظهر والأقوى.
ولو رجعت ولم يعلم حتّى انقضت العدة، احتمل مضيّ رجوعها، وعدم علمه غير مانع، سيما على القول بعدم التلازم ولأنّ الشرط صحّة رجوعه لا وقوعه، وعدم العلم مانع لوقوعه لا لصحته.
وكذا لو لم يعلم بالحكم الشرعي من جواز رجوعه عند رجوعها، فإنّ عدم العلم لا يمنع جواز رجعته واقعاً اللازمة لرجوعها بالفعل.
واحتمل بطلان رجعتها من دون علمه؛ لحصول الضرار بالعود عليه بالبذل مع فوات البضع، وهو منفي بالشريعة (1)، ولأنّه معاوضة ومن شأنها علم المتعاوضين، ولظهور الأخبار في كون الزوج عالماً برجوعها.
والكلّ ضعيف؛ لمنع الضرار بإمكان دفعه أوّلاً بإيقاع الرجعة منه في كلّ وقت احتمل تقدم عند رجوعها بالبذل، وبإقدامه عليه ثانياً، ولمنع اشتراط علم المتعاوضين في المعاوضة رجوع أحدهما في العوض لو كان له الرجوع شرعاً وإن فات الآخر المعوّض، كما إذا لم يرجع الزوج مع علمه، فإنّها تجمع بين العوض والمعوّض، ولمنع ظهور الأخبار في اشتراط العلم، غايته الدلالة على تلازم الحكمين، وأحدهما غير الآخر.
نعم، قد يقال: إن المتيقن من جواز رجعتها هو في مقام علم الزوج برجوعها، وفيما عداه فالأصل عدمه.
1) وسائل الشيعة 18 : 32، الباب 17 من أبواب الخيار، ح 3 - 5.
ثمّ إنّها لو رجعت في البذل ولمّا يرجع، فهل يكون حكم العدة ها هنا كحكم العدة الرجعية الأصلية من لزوم النفقة والإسكان وعدة الوفاة؛ أخذاً بالإطلاق وتساوي الحكمين، أو لا يكون؛ لظهور اختصاص تلك الأحكام في الرجعة الابتدائية دون الطارئة، ولاستصحاب انتفاء هذه الأحكام ابتداء؟ وجهان، والأوّل أقوى؛ لقوله في الخبر: «فتكون امرأته» (1).
ولا يجوز له التزويج بأختها أو رابعة بعد رجوعها قطعاً.
وفي جوازه قبله وجهان أقواهما الجواز؛ للحكم ببينونتها ابتداء، وللرواية (2)الظاهرة في ذلك، وكونه في الابتداء في معرض التزلزل غير مانع.
والآخر: المنع، وهو الأحوط.
وعلى الأوّل فهل لها الرجوع في البذل؛ لأنّ المانع من رجعته إنما جاء من قبله فلا يمنع حقها، ولإمكان أن يطلقها بائناً فيرجع، فالرجوع ممكن في حقه، أو ليس لها؛ لعدم إمكان أن يرجع بها والحال هذا؟ وجهان، والأقوى الأوّل.
ولو رجعت في البعض، احتمل قويّاً جواز رجوعها به؛ لأنه إذا جاز في الكلّ جاز في البعض، وكما لها إسقاط حقها من الجميع جاز لها إسقاط حقها من البعض، وله الرجوع بها حينئذٍ ؛ لترتبه على رجوعها في البذل وقد حصل.
ولرواية أبي العباس: «المختلعة إن رجعت في شيءٍ من الصلح يقول: لأرجعنّ في بضعك» (3).
واحتمل عدمه؛ لأنّ المتيقن في جواز رجوعها بعد أصالة اللزوم هو الرجوع بالكل فلا يتبعض المرجع، ولأن جواز رجوعها في البعض موجب لكون الطلاق رجعياً، وبقاء الباقي موجب لكونه بائناً بعوض، فالجمع بينهما جمع بين المتنافيين، فإذا انتفى الملزوم انتفى اللازم».
وفي صحيحة ابن بزيع ما يرشد إليه، حيث قال: «وإن شاءت أن يرد إليها ما أخذ منها وتكون امرأته فعلت» (4)، وظاهرها رد الجميع، وتكون امرأته برده.
واحتمل جواز رجوعها دونه؛ لجوازه من قبلها كلاً أو بعضاً، ولأن بقاء شيء من العوض مانع من رجوعه؛ لمكان البينونة به.
وفيه: إن البينونة إنما كانت بجميعه، وأن انفرادها بالرجعة دونه ينافي التلازم الظاهر بينهما في الأخبار وكلام الأصحاب.
السادسة: ذكرنا (1)سابقاً صحّة وقوع لفظ الطلاق مجرّداً عوضاً عن لفظ الخلع، ويفيد فائدته قطعاً، وذكرنا أيضاً أنّ الأقوى أن لفظ الطلاق لو تجرّد في مقام الفدية كان خلعاً واشترط فيه شرائط الخلع من حصول كراهة الزوجة وكون الفدية بقدر وصل إليها؛ لظهور الكتاب (2)والسنّة (3)بظهور ارتباط الفدية بباقي الشرائط، وحينئذٍ فلو وقع طلاق مع فديةٍ من غير كراهة كان إمّا طلاقاً مطلقاً، فلا تلزم فيه الفدية، أو باطلاً؛ لأنّ ما قصد من البينونة لم يقع، وما وقع لم يقصد، فلا يكون خلعاً؛ لعدم اجتماع شرائطه ولا طلاقاً مطلقاً؛ لعدم القصد إليه، ولا طلاقاً بائناً؛ لملازمته للفدية، وملازمتها للكراهة، فمع عدم الكراهة لا دليل على صحته.
وذهب بعض المتأخرين إلى جواز كون الطلاق مع الفدية يفيد البينونة ويملك به الفدية وإن لم تحصل باقي الشرائط الأُخر (4)، فيكون المفيد للبينونة والمملك للفدية يُسمّى طلاقاً بعوض، والموجب لاشتراط الكراهة هو الخلع بخصوصه، والموجب لاشتراط كراهتهما هو المباراة، فيكون الطلاق مع الفدية فقط قسماً آخر برأسه.
وفيه: إنّه لا دليل على ثبوت هذا القسم بحيث يملك فيه الفدية، وتبين به الزوجة، وفي الكتاب العزيز والأخبار ما يردّه، قال اللّه تعالى: ﴿فَإِن خِفْتُم ألا يُقِيمَا حُدُودَ اللّه فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِما فِيمَا افْتَدَت بِهِ) (5)وقوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُم أن تَأْخُذُوا ممّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أن يَخَافَا أَلّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ) (6)وإجمالها مفسّر بالأخبار الدالّة على أن الفدية لا تحل له حتّى تقول له: لا أطيع لك أمراً، ولا أغتسل لك من جنابة، ولأُوطئن فراشك مَنْ تكرهه، إلى غير ذلك (7)، فيكون المراد بـ«حدود اللّه» ما يخافه الرجل من الفعل القبيح الصادر عن امرأته، ولولا الأخبار وكلمات الأصحاب لاختص ظاهر الآية بالمباراة.
ويظهر من بعض المتأخرين ومتأخري المتأخرين أنّ هذا القسم غير موافق لكلام الأصحاب، وأنه ممّا ينفرد به صاحبه.
بل يظهر من بعضهم أن الإجماع منعقد على خلافه.
فالأظهر حينئذٍ عدم الاعتبار بهذا القسم، ولو وقع لوقع طلاقاً مطلقاً، ولا يملك فيه الفدية، مع احتمال بطلانه؛ لبنائه على البينونة وإيقاعه بهذا الوصف على هذا العوض، فلمّا لم يسلم الوصف لم يسلم العوض، ولمّا لم يسلم العوض لم يسلم المعوّض، فكان بمنزلة المشروط ضمناً وقد فات شرطه.
وعلى كلّ حال فلا يملك الفدية؛ لأنها غير مدفوعة على ما يملك الرجعة فيه، بل إنّما دفعت على نحو خاص ولم يسلم.
نعم، لو دفعت الفدية لا على أنها فدية وأنها نوع من الطلاق، بل على وجه الصلح على وقوع الطلاق منه بأي نوع من أنواعه عاماً أو خاصاً حيث يمكن وقوعه، أو على وجه الجعالة، ملكها، ولزم عليه الطلاق من حيث هو، فإن وقع رجعيّاً كان له الرجعة، وإن وقع بائناً لم يكن له ذلك.
وكذا يلزم عليها الجعل لو فعل المجعول لأجله، ومثله ما لو صدر الصلح من أجنبي، أو الجعالة كذلك.
السابعة: ذكرنا (1)أن المقطوع به في الخُلع كونه بمنزلة العقد إيجاباً وقبولاً بالنسبة إلى الفورية، فلو قالت له: طلقني بألف، فتأخر ثمّ طلّقها بعد ذلك بألف، فإن أتى بلفظ الخُلع، اتجه البطلان؛ لعدم وقوع الخُلع صحيحاً بدون شرطه، وإن وقع بلفظ الطلاق، اتجهت الصحّة ووقوعه طلاقاً مطلقاً، فلا تبين به الزوجة، ولا يملك به الفدية؛ لحصول الطلاق، وإلغاء ما شرطه عليها.
ويحتمل البطلان؛ لوقوع الطلاق منه على نحو خاص ولم يسلم له، فيكون بمنزلة ما لو قصد شيئاً لم يقع، وما وقع لم يقصده.
وكذا الكلام فيما لو ابتدأ فقال: أنتِ طالق بألف فلم تجبه، أو قال: أنتِ مختلعة بألف فلم تجبه، فإنّ الأظهر البطلان في الثاني، والصحّة على أن يكون طلاقاً مطلقاً في الأوّل.
ويزيد ذلك فيما لو قال: أنتِ طالق وعليكِ ألف أو مختلعة وعليك ذلك في احتمال البطلان في كونه خُلعاً لو أتى بصيغة الخُلع، والصحّة طلاقاً مطلقاً لو أتى بصيغة الطلاق؛ لبعده عن شبه الشرط المقترن به لفظ الطلاق فيكون بمنزلة إلزامها ابتداء.
1) مرّ في ص 499، الفائدة الثانية.
وناقش بعض المتأخرين في جملةٍ من هذه المواضع (1)، والمناقشة في غير محلها.
ولو طلبت منه طلاقاً بعوض فخلعها مجرّداً عن الطلاق، لم يقع؛ لأنه غير المسؤول.
ولو طلبت منه خُلعاً بعوض فطلقها، لم يلزم العوض على القول بكون الخلع فسخاً؛ لأنه غير المطلوب منه، ويلزم على القول بأنه طلاق؛ لإتيانه بما سألته.
ثانيها: يشترط في الخُلع كراهة الزوجة، فلو خلعها والأخلاق ملتئمة بطل إن وقع بلفظ الخُلُع، وإن وقع بلفظ الطلاق، لم يملك الفدية ووقع طلاقاً مطلقاً.
ويحتمل وقوعه باطلاً، سيما مع القصد بإيقاعه ملك الفدية.
ثمّ إنّ كراهتها إن كانت منها؛ لنفورة طبع منها أو وحشة أصابتها منه، أو كراهة منه؛ لسوء خلقه وانقباض نفسه، أو لقبح صورته، أو لنتن ريحه، أو لضعف قوته، أو لرخاوة فرجه، أو لفقره، وبذلت له الفدية، جاز خُلعها.
وعلى ذلك دلّت الأخبار، كقصة جميلة بنت عبد اللّه، أو حبيبة بنت سهل وزوجها ثابت بن قيس بن شماس (2)وغيرها.
وهل يشترط مع الكراهة أن يظنّا ألا يقيما حدود اللّه لكراهتها، بأن لا تجيبه ولا تطيعه، ويدخلن عليه مَنْ يكره، وغير ذلك؛ لمفهوم الآية (3)، ولدلالة جملة من الروايات على ذلك، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)- في الحسن -: لا يحلّ خُلعها حتّى تقول لزوجها: «والله لا أبر لك قسماً ولا أُطيع لك أمراً ولا أغتسل لك من جنابةٍ، ولأوطئن فراشك، ولأُوذنن عليك بغير إذنك» (4)، وفي آخر (5)مثله، وفي آخر (6)قريب إليه، وفي رابع: إنّه يكفي أن تقول: لا أُطيع لك أمراً (7)، وفي خامس: إنّه يكفي أن تقول: لا أطيع اللّه فيك (8)، فيُفهم من مجموعها أنّه لا يشترط أن تقول
1) راجع الحدائق الناضرة 25: 583.
2) السنن الكبرى البيهقي 7: 511، ح 14836؛ مسند أحمد 7 : 586، ح 26898؛ المبسوط، الطوسي 4 : 342.
3) البقرة (2) : 229.
4) وسائل الشيعة 22 : 280، الباب 1 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 3.
5) المصدر، ح 4.
6) المصدر : 281، ح 5.
7) المصدر : 279، ح 1.
8) المصدر : 279 - 280، ح 2.
ما تضمنته الرواية الأولى، بل يكفي أن تقول ما يدلّ على كراهتها بأي لفظ كان ولو بقولها: إنّي كارهة لك.
ويظهر من ذلك أن العلم بالكراهة من دون تصريح بها غير كافٍ، وكذا الفعل الدال عليها بإشارة أو كتابة أو سلوك أو طريقة قد ارتكبتها لا يجوز الخُلع من دون تصريح باللفظ. ولكنه خلاف ظاهر الأصحاب، وكأنّهم فهموا أنّ ذكر هذه الألفاظ في الأخبار إنما كان للدلالة على الكراهة، لا لمحض التعبد، فلو علمت الكراهة أو دلّ عليها دليل كان كافياً في الخُلع.
نعم، قد يشكل الحال في أنّ ظاهر الآية والأخبار عدم الاكتفاء بالكراهة فقط، بل لا بدّ من انضمام أن يظنا أن لا يقيما حدود اللّه تعالى بسبب الكراهة الحاصلة منها؛ أو يخافا ذلك. والأخبار المشترطة للقول دالة على القول المشتمل على عدم إقامة حدود اللّه تعالى في زوجها. وعلى هذا فلو أظهرت الكراهة مجرّدةً عن ذلك لم تحلّ الفدية.
ولو لم يخافا التعدي عن حدود اللّه، بل كان للمرأة حاجز من تقوى أو غيرها لم يجز الخُلع، ولم يملك الفدية.
والحكم به متجه، إلّا أنّ ظاهر فتاوى الأصحاب والسيرة القطعية في الباب لا تدلّ على اشتراط أمر آخر سوى الكراهة من الزوجة سواء دلّ عليها القول أو الفعل.
نعم، أوجب بعض الأصحاب (1)خُلعها إذا قالت: لأدخلن عليك من تكره.
والمشهور: الندب في هذا القول وأمثاله، والإباحة في الكراهة المجرّدة عن هذا القول وشبهه.
وأوجب بعضهم (2)الطلاق أو الخُلع مخيّراً بينهما في مثل هذا القول وشبهه.
وأوجب الشيخ خُلع المرأة إذا قالت له: لا أطيع لك أمراً ولا أُقيم لك حداً ولا أغتسل لك من جنابةٍ ولأوطئن فراشك من تكرهه إن لم تطلقني، أو إذا علم من حالها عصيانه في شيءٍ من ذلك وإن لم تنطق به (3).
وكذا أوجب ابن حمزة في ذلك الخُلع (4).
والأظهر الندب في جميع ذلك، فيُحمل الأمر في الأخبار عليه وعلى الإرشاد، كما تقضي به العمومات وفتاوى الأصحاب والأخبار المشتملة على لفظ «حلّ له أن يأخذ منها» وغيرها (1).
نعم، يبقى الكلام فيما إذا فعل معها ما يوجب كراهتها له ليخلعها، وهذا أقسام:
لأنه إما أن يكرهها إكراها تقيّةً منه على نفسها أو مالها على أن تظهر الكراهة له بتخويف وتهديد ونحوهما، ولا إشكال في أنّ هذا يقع فيه الخُلع باطلاً، ولا يملك الفدية.
ولو وقع بلفظ الطلاق ففي صحته طلاقاً مطلقاً أو بطلانه وجهان، ويتجه البطلان مع اعتقادصحة الخلع مع الإكراه.
وإما أن يكرهها بمنع حقها الواجب من نفقةٍ أو كسوة، فتكرهه لذلك فيختلعها، ويكون إكراهاً بالعارض، ففي صحّة مثل ذلك وبطلانه وجهان من حصول الكراهة المطلوبة منها وإن فَعَل حراماً بسببه، وبذل المال برضاها ولأنّ عدولها عن المطالبة بالحق إلى طلب الخُلع رضى منها بذلك، ومن أنّها لم تبذل بطيب نفسها، وقال الله: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُم عَن شَيْءٍ مِنهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) (2)فتكون مكرهةً.
والأوّل أوجه؛ لمنع عدم طيبة نفسها وإن كان سببها فعله، ولاحتمال أن يراد في الآية «وإن لم يطين فلا يؤكل هنيئاً مريئاً» لا أنّه محرم.
نعم، لو بان لها أنّ المنع من حقوقها لأجل أن يحملها على البذل، فلا يبعد أن يكون في هذه الصورة إكراها؛ تنزيلاً لمنع المال المستحق منزلة أخذه في تحقق الإكراه به.
وإما أن يفعل معها أفعالاً مباحةً ليحملها على كراهته وطلب خُلعها، والظاهر أن هذا ليس من الإكراه في شيء، ولا ينافي طيب نفسها بالبذل لو بذلت له لذلك.
و مثله ما لو عمل معها ما يوافق الشرع من الاقتصار على النفقة الشرعيّة والقسمة الشرعيّة بحيث لا يزيد على ما أمر به الشارع، وكذا لو تزوج عليها، أو وطأ جارية له، أو أعرض عنها، أو جعل في الدار معها مَنْ تكرهه.
وإما أن يفعل معها ما يوجبه الشارع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضرب
وتهديد على ترك واجب أو فعل محرم أو تأديب على نشوز أو خروج من دارٍ أو كلام مع الرجال، فكرهته لذلك، جاز له خُلعها حينئذٍ على ما افتدت به، سواء قصد بذلك أن تكرهه فتبذل له أم لا.
ولو أتت بفاحشة - وهي كلّ معصية، كما ذكره المفسّرون، ومنها ما مر من أقوالها إذا كرهت زوجها - جاز عضلها لتفتدي نفسها، كما دلّت عليه الآية (1)، وهو منع بعض حقوقها أو جميعها المندوبة، وفي الواجبة إشكال.
وخالف العامّة في ذلك؛ حيث ذهبوا إلى أن الآية منسوخة، وأن له الطلاق، فلا معنى لعضلها. وهو باطل، والنسخ لم يثبت.
وظاهر الأصحاب على الجواز إلّا أنهم جعلوا العضل المضارة والتضيق، وظاهر ذلك جواز منع حقوقها الواجبة أيضاً، مضافاً إلى جواز التضيق عليها وسوء المعاشرة معها.
ولكن الأحوط أنّه إذا أمكن مضارتها بما لا ينافي تأدية الحق الواجب لزمه ذلك، كسوء الخلق، وعدم التوسعة عليها في النفقة، وعدم البشاشة وسوء المعاملة، وسوء العشرة، إلى غير ذلك ممّا لا يكون فعله معصية.
وتفسير الفاحشة بكل معصية يظهر من جملةٍ من الفقهاء والمفسرين، ولكن الحكم مخالف للأصل، فيقتصر فيه على مورد اليقين، وهي إما المعصية الموجبة للحد، أو الزني بخصوصه، أو السحق معه، أو إيذاء الأهل معها، كما هو منصوص في تفسير الفاحشة في المعتدة الرجعية (2).
ثالثها: يشترط في الخالع البلوغ، فلا عبرة بطلاق مَنْ لم يبلغ مطلقاً.
وما ورد في صحّة طلاق المراهق ومَنْ بلغ عشراً (3)لا معوّل عليه.
ويشترط العقل، فلا يصح من المجنون، إلّا إذا كانت له إفاقة، فيطلق أيام إفاقته.
ولو اختلفا في أنّ الخُلع أيام الجنون أو الصحّة وأطلقا، فالقول قول مدعي الصحّة، ولا يلتفت إلى أصالة البراءة من العوض وإلى استصحاب الزوجيّة.
نعم، لو علم تأريخ الجنون وشكّ في سبق الخُلع عليه كان للقول بتقديم مدعي تأخير الخُلع وجه.
ويشترط الاختيار، فلا يصح من المكره إلّا إذا قامت قرينة على رضاه بعد إكراهه، كأن يكرهه على الخُلع بفضة فيخلع بذهب.
ولو ادعى الإكراه، لم تقبل دعواه إلّا مع البيئة.
وهل يسترد منه المال؛ لاعترافه بأنه لم ينتقل عن المرأة؟ الظاهر ذلك.
ويكفي في الإكراه ظهوره عند الشاهد؛ لأن القطع به قد لا يتيسر، لاحتمال رضاه وصدوره بالاختيار عند وقوع الصيغة، وحينئذٍ فيكتفى بيمينه لو ظهر من القرائن والأحوال كونه مكرهاً لكن لا بحيث يقطع به.
ولا يقع الخُلع من السكران إذا ظهرت أمارات السكر عليه، ولو ادعى أنّه في تلك الحال متفطّن قاصد، قبل قوله مع يمينه.
ولا يقع مع الغضب الرافع للقصد، ولا مع السهو والغفلة.
ولا يصح للولي أن يخالع عمّن وُلّي عليه مطلقاً، ونقل عليه الإجماع (1)، ولأن الولي لا يملك الطلاق عن المولى عليه.
نعم، لو قلنا: إن الخلع فسخ صح لولي الطفل الإجباري أن يخالع بمهر المثل مع عدم المفسدة، بل وبالأدنى منه، وأما غيره فلا يصح أن يخالع إلّا مع المصلحة في مهر المثل.
ويصح الخُلع من السفيه؛ لأنه يأخذ مالاً والبضع ليس بمال، ولذا جاز تفويته مجاناً، ولأن الطلاق بيده فالمال اغتنام.
ولا يتفاوت الحال بين كون الفدية قدر مهر المثل أو أزيد أو أنقص، وكونها بقدر عوض المثل أو أزيد أو أنقص، إلّا أنّ الأولى بل الأقرب ملاحظة مهر المثل أو عوض المثل.
وعلى كلّ حالٍ، فالذي يقبض العوض وليه.
ولو أجاز الخُلع وليه وقلنا بفساده بأقل من مهر المثل ففي الصحّة وجهان.
ولو جاء بصيغة الطلاق بعد الخُلع، أو ذكره مجرّداً، ففي وقوع الطلاق وبطلان الفدية، أو بطلانهما وجهان، والأخير غير بعيد.
1) الخلاف 4 : 442، المسألة 29.
ولو رضي وليه ابتداءً في الخُلع، صح الخُلع من غير إشكال.
ولو قبض السفيه المال من المختلعة من غير إذن الولي لها، ضمنت المال إن أتلفه، وطالبها الولي بنفس المال المبذول، وإن كان باقياً فأخذه الولي برئت، فإن قصر الولي في أخذه حتّى تلف فالظاهر بقاؤها على الضمان.
ولو دفعت المال للسفيه عالمةً بسفهه فأتلفه فرشد لم يكن لها الرجوع عليه لإتلافها مالها، وكذا إن لم تكن عالمةً بذلك على الأظهر؛ لتقصيرها في السؤال، مع احتمال ضمان السفيه مع جهلها.
ولو أمر الوليّ المختلعة بدفع الفدية إلى صبي أو مجنون، ففي برائتها منه وجهان، ولا يبعد البراءة إذا كانت يد الولي مستوليةً عليهما، وإلا فلا براءة مع علمها بالحال.
ولو جهل كونهما قاصرين فأمرها بالدفع إليهما فتلف المال، ففي رجوعها إلى الولي وجه، واحتمل العدم؛ لتفريطها بالجهل.
ويصح الخُلع من العبد؛ لأنه طلاق واكتساب، وإن لم يأذن له المولى فيدخل العوض في ملك المولى قهراً.
ويمكن القول بصحة الطلاق وعدم ملك الفدية؛ لأنه اكتساب اختياري، فلا يقع من العبد من غير إذن مولاه، كسائر المعاوضات.
ويمكن القول بفسادهما.
ويتقوى الأخير لو جعلنا الخلع فسخاً ولم يذكر فيه لفظ الطلاق.
ويلزم المرأة دفع العوض إلى المولى، فلو دفعته إلى العبد فأتلفه ضمنت الفدية للمولى، وتبعت فيها العبد بعد العتق.
ولو خلع المكاتب جاز، ودفعت المرأة الفدية إليه ولا ضمان؛ لأن المكاتب مكتسب، ولا ضمان على المحجور عليه لو أتلف الفدية وإنّما الضمان على الدافع إليه.
ويصح الخُلع من المريض، وإن كان بدون مهر المثل؛ لجواز طلاقه مجاناً، فبالعوض أولى، مع احتمال أنّه لو خلع بدون مهر المثل احتسبت المحاباة من الثلث.
ويصح الخُلع من الكفّار، ويلزمنا إجراؤهم على دينهم.
ولو تخالعا على خمرٍ أو خنزير قبل الإسلام، صح.
نعم، لو أسلم أحدهما قبل القبض رجع إلى قيمة الخمر عند مستحلّيه.
ولو ترافعا إلينا قبل الإسلام وقد تخالعا على خمرٍ، كان لنا أن نردهم إلى دينهم، ولا نحكم عليهم، وكان لنا الحكم بينهم، فإذا حكمنا بينهم لزمنا أن نحكم عليهم بما أنزل اللّه تعالى فنأمرهم بقبض قيمة الخمر عند مستحلّيه، ولا يجوز لنا أن نحكم عليهم بقبض الخمر.
رابعها: يشترط في المختلعة ما يشترط في الطلاق بالنصّ (1)والإجماع من الطهارة من الحيض والنفاس، وخلوها من طهر المواقعة وغيرهما.
ويستثنى ما يستثنى من الحامل والغائب عنها زوجها والصغيرة واليائسة وغير المدخول بها.
ويصح لولي المجنونة الإجباري إذا تقدمت كراهتها على الجنون اختلاعها مع عدم المفسدة، ولغير الإجباري لا يصح إلّا مع المصلحة، ويجوز له بذل مهر المثل ودونه وفوقه مع عدم الإفساد في الأول، والمصلحة في الثاني.
ويجوز لولى الصغيرة بذل العوض عنها - كما تقرّر فى المجنونة - إذا كانت مميّزة يمكن تحقق الكراهة منها على الأظهر، ومع عدم التمييز لا يصح؛ لفقدان الشرط.
ولو بذلت المريضة لخُلعها زائداً على مهر المثل، كان المهر المثلي من الأصل، وكان الزائد محاباة يخرج من الثلث.
ولو خالعت الأمة فبذلت بإذن مولاها، صح، فإن أذن في قدرٍ معين فبذلته تعلّق بما في يدها إن كانت مأذوناً لها في التجارة، وإن لم تكن مأذوناً لها في التجارة تعلّق بكسبها، فإن لم تكن مكتسبة تعلّق بها بذمتها يتبع بها إذا أعتقت وأيسرت.
ولو قيل بتعلّق الفدية بذمة السيد مع الإذن مطلقاً - كتعلّق مهر المأذون في النكاح بذمته - كان حسناً؛ لأنّ الإذن بالبذل إذن في لوازمه، ولا فرق بين ما في يدها أو كسبها وبين سائر أموال السيد.
ولو قلنا بتملك المملوك تعلّق البذل بذمتها، ولزمها الأداء من مالها إن كان لها مال، وإلا بقي بذمتها.
1) وسائل الشيعة 22 : 290 وما بعدها الباب 6 من أبواب كتاب الخلع والمباراة.
ولو بذلت عيناً بإذنه استحقها الزوج، وكذا لو بذلتها فأجاز على الأظهر، ولو لم يجز كانت فضولية، فيفسد البذل مع عدم الإجازة، ويصح الخُلع، ويلزمها قيمة المبذول بذمتها فيتبع بها بعد العتق.
ويحتمل البطلان؛ لأنّه خالعها على عين مستحقة لم تسلم له، والمثل والقيمة غيرها. ومع فساد البذل يفسد الخُلع إن كان مجرداً عن الطلاق، وإلا وقع طلاقاً مطلقاً أو فسد على الوجهين.
والمكاتبة إن خلعت نفسها فكالقنّ إن كانت مشروطةً، وإن كانت مطلقةً فلا اعتراض عليها من المولى، مع احتمال أن ليس لها التصرف بمالها بما ينافي الاكتساب إلّا بإذنه، وهو قوي.
ولو لم يأذن المولى للأمة في البذل فبذلت أمراً كلّيّاً، أو أذن لها بقدرٍ فزادت عليه أو نقصت كلّيّاً، تعلّق المبذول بذمتها يتبع به بعد العتق، وكذا الزائد.
واحتمل أن للمبذول له الخيار حينئذٍ ؛ لأنه يكون بمنزلة الرجوع في العوض.
وبالجملة، إن العوض المبذول إذا لم يسلم للمبذول له، فإن كان بلفظ الخلع فسد، وإن كان بلفظ الطلاق عاد رجعياً فيما له فيه رجعة.
خامسها: يشترط في الفدية أن تكون عوضاً عن نكاح دائم قائم لم يعرض له الزوال لزوماً ولا جوازاً، فلا يقع الخُلع في البائنة، ولا في الرجعية، ولا بالمرتدة عن الإسلام ما دامت مرتدة.
ويشترط في الفدية العلم بها من الطرفين علماً يرفع الغرر؛ لكونه عوضاً.
ويشترط في المعاوضة عدم الغرر عرفاً. ولا يشترط المعلومية من كلّ وجه كالبيع؛ للأصل.
وكلّ ما صح أن يكون مهراً صح أن يكون فديةً دَيناً أو عيناً، ولا تقدير فيه؛ للأصل، والعمومات، فيجوز أن يكون زائداً عما وصل إليها من مهرٍ وغيره، وناقصاً ومساوياً؛ لعمومات الأدلّة، وللأخبار الخاصّة الدالّة على ذلك، كما سيجيء إن شاء الله.
ولو بذلت الزوجة ما لا يصح تملكه، كالحُرّ أو التراب، أو كما لا يصح تملكه للمسلم خاصةً، فسد الخُلع إن وقع مجرّداً، وإن اتبع بالطلاق أو وقع بلفظه وقع طلاقاً مطلقاً.
ولو خلعها على عين مستحقة، احتمل فساد الخُلع إن كان عالماً، وهو الأظهر، واحتمل بقاؤه موقوفاً على الإجازة، فإن أجاز المالك صح، وإلا وقع باطلاً إن كان بلفظ الخلع مجرّداً.
وإن كان جاهلاً احتمل بطلان الخُلع مجرّداً، وهو الأظهر، واحتمل الصحّة والرجوع عليها بالمثل أو القيمة.
والأظهر بطلان الخُلع مع العلم والرجوع إلى المثل والقيمة مع الجهل.
ويحتمل ضعيفاً الرجوع إلى مهر المثل.
هذا إن كان بلفظ الخُلع مجرّداً، وإن كان بلفظ الطلاق، أو اتبع الخلع به، فالوجه: صحّة الطلاق مطلقاً، ولكن مع الإجازة ينعقد خُلعاً، ومع عدمها يكون طلاقاً مطلقاً، وفي الابتداء يبقى موقوفاً، وتجري مع الصحّة فيه الوجوه السابقة الجارية في الإتيان بصيغة الخُلع مجرّداً.
سادسها: يصح بذل الزوجة في الخُلع من مالها بنفسها أو بوكيلها، وهو المقطوع به في الأخبار وكلام الأصحاب.
ويصح من مال غيرها مع إجازة الغير على ما تقدم (1).
ويصح البذل من غيرها من مالها، فتجيز هي البذل على الأظهر.
ويصح البذل من غيرها من ماله بإذنها فيعود عليها بما بذل فيكون بمنزلة القرض عليها، كما أقول: ادفع لزيدٍ عنّي عشرةً، فدفع المأمور، فإنّه ينحل إلى وكالة في القرض والدفع، إلّا أن يظهر إرادة التبرع في الدفع منها أو منه.
وهل يصح البذل من غيرها من عين ماله من دون إذنها فيكون متبرّعاً؟ وجهان: من أن الحكم خلاف الأصل، فيقتصر فيه على المقطوع به في النصوص والفتاوى، وهو كون البذل منها من مالها، ومن أنّ خصوصية المال غير ملحوظة بعد كونها راضية بنفس البذل، ولأنّ العمدة في الباب رضاها في البذل وقد حصل؛ لأنّ المعاوضة لا تكون بين غير الزوج والزوجة، فلا عبرة حينئذٍ بالمدفوع، وهو قوي.
نعم، لو لم ترضَ بنفس البذل وقع الخُلع باطلاً؛ إذ لا يتركب الخُلع من الزوج ومن بذل أجنبي؛ إذ الأجنبي لا دَخُل له في تركب هذه المعاوضة وإن ظهر من بعضهم جواز ذلك أيضاً؛ لأنّ الخُلع افتداء، فيجوز من الأجنبي فعله شفقةً وإحساناً.
1) تقدّم في ص 514.
نعم، للأجنبي أن يبذل على وجه الجعالة أو الصلح مع الزوج على الطلاق، ولا يكون خُلعاً، بل يكون طلاقاً مطلقاً رجعياً مرّةً وبائناً أُخرى، وقد يتممه بالصلح على عدم الرجعة، فيكون بمنزلة البائن.
ولا يقع هذا القسم بلفظ الخُلع، كما أنّ الأجنبي لو تبرّع بالبذل والمبذول له فخلع الزوج فإن كان بصيغة الخُلع فسد وإن كان بصيغة الطلاق وقع طلاقاً مطلقاً.
ويظهر ممّا ذكرنا أن الأجنبي لو قال للزوج من غير أن يستأذن من زوجته: اخلع زوجتك بألف وعليَّ ضمانها، فخلعها الزوج، لم يكن خُلعاً، وبطل إن كان بلفظه، وصح طلاقاً مطلقاً إن كان بلفظ الطلاق.
وأجازه بعضهم (1)لجواز ضمان ما لم يجب في مواضع تمس الحاجة إليها، وهذا منها، وضعفه ظاهر.
هذا إن كان متبرّعاً بذلك ولم يقصد الجعالة، فإن قصدها فكما تقدم، وإن كان بإذنها صح خُلعاً.
وهل يلتزم بها الأجنبي فيلزمه الدفع، فإذا دفع رجع على الزوجة، أو لا يلتزم بها؛ لأنّه ضمان ما لم يجب ؟ وجهان.
والأوجه بحسب قواعد الضمان الثاني مع احتمال الأوّل، ويكون من قبيل الشرط، كما يقول: بعتك هذا بعشرة على أن يؤديها زيد عنك وترجع إليه، فقبل زيد بذلك، ومَنْ أجاز الضمان في الأوّل أجازه هنا بطريق أولى.
ومثله ما لو قالت الزوجة: اختلعني على ألف بذمة عمرو، فرضي عمرو بذلك، ففي التزامه وجهان، وفي الرجوع عليها ما تقدّم.
وعلى كلّ حال فإذا التزم الأجنبي بالفدية، فهل له الرجوع بالبذل على الزوج؟ وجهان. وهل للزوج الرجوع عند رجوعه؟ وجهان.
والأقوى العدم فيهما.
وقد بنى بعضهم المسألة على أنّ الخُلع فداء أو معاوضة، أو على أنّه طلاق أو فسخ، فعلى الأولين يصح من الأجنبي، وعلى الأخيرين - وهو المعاوضة والفسخ - لا يصح(2).
وفيه نظر؛ لما بيّناه من عدم الصحّة أيضاً ولو جعل المبذول فداء.
وكذا لا يصح ولو جعل الإيجاب طلاقاً.
سابعها: لو ادعى الوكيل الوكالة في البذل فتبين كذبه كان فضوليّاً، فيصح الخُلع مع الإجازة على الأظهر، ويبطل مع عدمها لو كان بلفظ الخُلع، ولو كان بلفظ الطلاق فوجهان، كما تقدم (1).
وكذا يبطل الخُلع لو وقع على ما لا يتموّل، كحبة حنطة أو تراب ونحوه إن كان بلفظ الخُلع، وإن كان بلفظ الطلاق فوجهان.
وكذا لو كان على مجهول لا يمكن تمييزه كالخُلع على أحد العبدين، أو على في الصندوق، أو على ألف مبهمة، أو على رائج المعاملة من دون ذكر جنس النقد، أو على ما في ذمة زيدٍ ولم يعلم قدره.
ويشترط علمهما معاً لا علم الخالع فقط، كما قد يتخيل.
ويمكن القول بالصحّة في جميع ذلك، والرجوع إلى مثل قيمة البضع أو مهر المثل.
ولا يبعد جواز بذل المجهول الذي لا طريق لهما إلى معرفته، ولا يمكنهما العدول عنه إذا كان معلوماً واقعاً، كما تبذل له جميع ما تطلبه من مهرها الحال أو المؤجل، أو دينها كذلك.
ولو خالعها على حمل الدابة كان من الخلع على المجهول.
وإن خالعها على ما تحمله الدابة أو الشجرة أو ما تنبته الأرض أو ما يتجدد من اللبن، بطل الخُلع أيضاً؛ لجهالته، ولكونه معدوماً.
ويمكن الرجوع في ذلك مع جهلهما بالفساد إلى مهر المثل أو قيمة مثل البضع.
وذكر جملة من أصحابنا (2)أنّ الخُلع على الخمر والحُرّ يفسد مع العلم، ويصح مع الجهل، وله بقدر الخمر خَلٌّ، ومثل مملوك، ولم يذكروا أنّ له مهر المثل أو قيمته عند مستحلّيها وجهاً، وقد ذكروا (3)في باب المهر ذلك.
وعلى ذلك فيمكن القول بأنّ الخُلع الواقع على فاسد يفسد مع العلم، ويصح مع الجهل، ويلزمها مهر المثل؛ لأنه قيمة البضع.
ثامنها: عقد الخُلع لا يقبل التعليق، فلو علّق على شرط فسد إجماعاً، إلّا ما كان من الشرائط مؤكداً، كقوله: أنتِ مختلعة على ما بذلت إن كان الخُلع يقع بكِ، أو إن كان لي الرجوع بك إن رجعت.
وهل يقبل الشرائط الالتزامية؟ ظاهرهم أنّه لا يقبلها؛ لأنه ليس معاوضة محضة.
نعم، يجوز للزوج الاشتراط على الزوجة زيادة على ما بذلت عيناً أو منفعة، فيكون من البذل، وليس لها الاشتراط عليه مالاً عيناً أو منفعة، إلّا أن يعود نقصاناً في المبذول فيجوز. ولا يبعد أنّ له الاشتراط عليها أنّها إذا رجعت في البعض جاز له الرجوع، وليس لها أن تشترط عليه عدم الرجوع لو رجعت في البذل.
تاسعها: الفدية تكون عيناً ومنفعةً وحقاً وإسقاط حق مالي على الأظهر فيهما. ولو وقع الخُلع على عين أو منفعة فتلفت قبل القبض ضمنت مثلها أو قيمتها؛ لأنّها مضمونة عليها قبل قبضها وإن كانت في يدها قبل إيصالها أمانة، كما هي قاعدة المعاوضة، ولعموم «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (1).
ولو وقع على كلّيّ موصوف لزم إيصاله بوصفه، فلو خرج على غير الوصف كان له الردّ والمطالبة بما بذلت له، ولو خرج المعيّن معيباً كان له ردّه والمطالبة بالمثل أو القيمة، وكان له
إمساكه مع الأرش، وليس له فسخ المعاوضة كالبيع؛ لأنّ الفسخ ها هنا غير مشروع. واحتمال أنّ له الفسخ لو كان بصيغة الخُلع، ولو كان بصيغة الطلاق، انقلب رجعيّاً مع الفسخ، وكذا لو خالعها على عبد على أنّه حبشي فبان زنجيّاً، مع احتمال سقوط الأرش ها هنا؛ لأنّ ظهور عدم الوصف ليس من العيوب، بل هو الظاهر.
ولو خالعها على ثوب على أنّه إبريسم فبان قطناً، لم يثبت له سوى قيمة الإبريسم، كما لو خالعها على حيوان على أنّه حمار فبان فرساً.
1) سنن أبي داود :3: 296، ح 3561؛ الجامع الصحيح 3: 566، ح 1266.
عاشرها: وكيل الزوج في الطلاق ووكيل الزوجة في البذل لو عين لهما الموكل شيئاً لزمهما، ولا يتخطى عن ذلك إلّا بمفهوم أولوية ونحوها، كما إذا وكله على الخلع بدرهم فخلع بدينار، أو وكلته على خُلعها بدينارٍ فخلعها بدرهم.
ولو أطلق اقتضى الإطلاق الخُلع بمهر المثل فما فوق بالنسبة إلى الزوج، وبمهر المثل فما دون بالنسبة إلى الزوجة، وأن يكون نقداً بالنسبة إلى الزوج، ويكون بنقد البلد، فإن خالف وكيل الزوج وقع منه الخُلع باطلاً، ولا ينعقد فضوليّاً؛ لأن الفضولية بالنسبة إلى الخالع لا يمكن وقوعها، لأنّ الخُلع من أقسام الطلاق لا تقع الفضولية فيه، وإن خالف وكيل الزوجة فطلق على ما بذل كان الخلع باطلاً إن كان بلفظ الخُلع، وإن كان بلفظ الطلاق، فوجهان.
هذا إن كان المطلق الأصيل، وإن كان وكيل الزوج فالوجه البطلان؛ لأنّ ظاهر الوكالة تعلقها على بذل مقطوع به من أهله.
حادي عشرها: يصح أن يكون البذل من الزوجة إرضاع ولده منها أو من غيرها، أو الإنفاق عليه بشرط التعيين الرافع للجهالة في الجملة، كما يصح الصلح عليهما.
ولو مات الولد قبل المدة، كان للمطلق استيفاء ما بقي، فإن كان رضاعاً رجع باجرة مثله، وإن كان إنفاقاً رجع بمثل ما كان الولد يحتاج إليه في تلك المدة مثلاً أو قيمة.
ولا يلزمها بذله دفعة، بل على حسب ما عيّن عليها من الإرضاع يوماً فيوماً وشهراً فشهراً. ويحتمل الرجوع عليها دفعة؛ لأنّ الاستيفاء تدريجاً كان لمكان الصبيّ لا إرفاقاً بها، وحيث يموت سقط حكم التدريج. وهو ضعيف.
ثاني عشرها: حكم ما لو اتفقا على وقوع الخلع واختلفا بالزيادة والنقصان
ولو اختلفا في الجنس، فإن تضمّن قول أحدهما زيادةً في القيمة كدرهم ودينار - احتمل أن القول قول مدّعي النقصان، وهو الأظهر في الفتوى لو ادعت النقصان المرأة، واحتمل ثبوت التحالف.
وإن لم يتضمن اختلاف الجنس زيادة القيمة، فالذي أفتى به الأكثر (1)أن القول قول المرأة مع يمينها؛ لأصالة عدم استحقاقه عليها غير ما تعترف به، فهو مدع بالنسبة إليها، فعليها يمين جامعة بين نفي ما يدعيه وإثبات ما تدعيه، وليس له أخذه حينئذٍ إلّا على وجه المقاصة.
والأظهر أن يقال: إن كلا منهما مدع ومنكر، فيتحالفان ويسقط ما يدعيانه معاً بالفسخ أو الانفساخ ويثبت مهر المثل على الزوجة، إلّا أن يزيد على ما يدعيه الزوج فلا يستحقه باعترافه.
ويحتمل انفساخ أصل الخُلع وبطلانه، كما في البيع، إلّا أن يكون بلفظ الطلاق فيعود رجعياً.
ثالث عشرها: لو سألته زوجتاه الطلاق بألفٍ، فإن طلقهما دفعة استحق عليهما الألف وإن طلّق واحدةً استحق منها نصف الألف، أو استحق عليها بنسبة مهر مثلها من المهر، والأوّل أوجه.
وكذا لو قال: أنتما طالقتان بألف، فقبلت إحداهما دون الأخرى.
وفيه وجه بفساد قبول واحدةٍ، كما لو قال: بعتكما الكتاب بألفٍ، فقال أحد المشتريين: قبلت نصفه بنصفها.
وهو ضعيف؛ لأن اشتراط المطابقة في البيع لأنّه معاوضة محضة، فما يتمشى فيها على وجه المداقة لا يتمشى ها هنا.
رابع عشرها: لو قالت: طلقني ثلاثاً على أنّ لك علَيَّ ألفاً، فالوجه الصحّة مع قصدها الفدية، وكذا مع قصدها الجعالة، وليس من التعليق في شيءٍ، فإن قصدت الثلاث ولاء لم يصح البذل.
وقيل: له ثلث الألف (2)، فيكون كالعقد يصح فيما يصح، ويبطل فيما يبطل.
والأوّل أوجه.
ولو قصدت ثلاثاً برجعتين صح، فإن طلّق ثلاثاً كذلك ملك الألف.
وهل يملكه على جهة الجعالة؛ لحصول التراخي بين الإيجاب والسؤال، ولجواز رجوع الزوج في الخُلع من غير رجوعها في البذل، فلا يصح أن يكون المبذول فديةً، أو على جهة الخُلع؛ لكفاية البدار إلى الطلقة الأولى، أو لاغتفار التراخي بين الطلقات إذا وقعت الطلقات متتالية ليس بينها سوى الرجعة، أو لاستثناء الرجعة هنا من إرادة البينونة؛ لتعلّق الغرض بالبينونة، ولا تتم إلّا بها، أو لأنّ البذل على الثالثة أو على المجموع من حيث هو مجموع، فكلّ طلقة لا عوض عليها إلّا من حيث إنها جزء لما له عوض، أو لأنّها لما سألت ذلك كانت كأنها وكلته في الرجوع في البذل.
وقد يقال: تقع الطلقة الأولى بائنة، ويملك ثلث الألف قهراً.
ولو طلّق الزوج واحدةً، قيل: له الثلث (1).
وفيه: إن مقابلة المجموع للمجموع لا تقتضي مقابلة الأجزاء بالأجزاء، سيما والطلقة غير متقومة، والعمدة هنا الثالثة إن لم يختص بها البذل.
خامس عشرها: لو قالت: طلقني واحدةً بألفٍ، فطلق ثلاثاً، فإن قصد جوابها بالأولى ملك الألف بالطلقة الأولى، ولغت الاثنتان.
وإن قصده في الثانية وقعت الأولى رجعيّة، وبطلت الأخيرتان إن لم يتخلل بين الأولتين رجعة، ولم يستحق شيئاً، وإن تخلّل رجعة، احتمل ملك الألف بالثانية، ولغت الثالثة.
ولو قصد جوابها بالجميع، قيل له ثلث الألف (2)لفهم التوزيع من كلامه، ولما رضيت بالألف عوضاً فقد رضيت بثلثها، فتوافق الإيجاب والقبول.
ولو قيل: له الألف، كان وجهاً؛ حيث أوقع ما طلبته، فإنّه إنما أوقع طلقة واحدةً بالعوض؛ لبطلان الأخيرتين وكونه في مقابلة الجميع في قوّة كونه في مقابلة واحدة، ولا دليل على التوزيع خصوصاً، والأخيرتان فاسدتان.
وقد يقال: إنّه لا شيء له؛ لعدم توافق الجواب والسؤال.
ولو صرّح بالتوزيع، احتمل البطلان من رأس؛ لأنّه نوى الطلاق بعوض ولم تقبله هي، واحتمل الصحّة وعدم استحقاقه شيئاً، والصحّة واستحقاقه الثلث.
وهي لغة: المفارقة (1)، وشرعاً عبارة عن طلاق بعوض مع كراهة كلّ من الزوجين الآخر. وهي قسم من الطلاق باعتبار وقسيمة له باعتبار آخر، وتشارك الخُلُع في جملة أحكامه المشارك للطلاق فيها والمنفرد عنه؛ لعموم المنزلة الواردة في الأخبار من أنّ المباراة بمنزلة المختلعة (2)، إلّا ما يستثنى.
وفي الأخبار: «إن المباراة تطليقة بائنة» (3)، وهي كثيرة.
أحدها: إن المباراة لا بد فيها من كراهة الزوجين كما دلّت عليه موثقة سماعة (4)، دون الخلع، فإنه يكفي فيه كراهة الزوجة.
ثانيها: إنّ المباراة يكفي فيها مجرد الكراهة، ولا تفتقر إلى الكلام الصادر من المرأة في الخُلع، لا على جهة الحتم، ولا على جهة الاحتياط؛ لعدم ورود غير الكراهة في الأخبار.
نعم، ينبغي اشتمال الكراهة فيها على أن يظنا أن لا يقيما حدود اللّه من جهتها، كما هو مدلول الآية (5)لأنّ موردها إمّا خصوص المباراة أو ما يشملها، إلّا أنّ عموم المنزلة يقضي بجريان ذلك في المباراة أيضاً، وهو الأولى.
ثالثها: يشترط إتباع صيغة المباراة بالطلاق ولا تكفي مجرّدة، ويكفي الطلاق عنها
1) المعجم الوسيط : 46، «ب ر ء».
2) وسائل الشيعة 22 : 297 - 298، الباب 10 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 2 و 4.
3) المصدر : 289 - 290، الباب 5 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 2 و 296، الباب 9 من تلك الأبواب، ح 2.
4) المصدر : 294 - 295، الباب 8 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 3.
5) البقرة (2) : 229.
مجرّداً، وهذا هو المفهوم من كلام الأصحاب، وادّعي عليه الإجماع (1)، ويؤيده الاحتياط.
وذهب بعض المتأخرين إلى كفاية صيغة المباراة بأن يقول لها: بارئتك على كذا، فتقول: قبلت أو أنّها تطلب المباراة على العوض، فيقول لها : بارئتكِ عليه (2)، بل تسرى بعضهم إلى عدم اشتراط صيغة «بارئتكِ» بل يكفي أي لفظ دلّ على البذل منها، وأي لفظ دلّ على الفراق منه (3)استناداً إلى الموثق: «المباراة تكون من غير أن يتبعها بالطلاق» (4)، وإلى عدة روايات دالة على أن المباراة أن تقول لزوجها لك ما عليك واتركني، فيتركها (5).
والكلّ ضعيف لا يعارض فتوى الأصحاب المؤيَّدة بالأصول والقواعد والاحتياط، والبعد عن العامّة، فلتُحمل الأخبار على التقيّة، أو على إرادة الترك بالطلاق، ولزوم متابعة ظاهر الأخبار في هذا المضمار لا يصغى إليه.
رابعها: تختص المباراة في عدم جواز أخذ الزيادة على ما أعطاها حضوراً وغيبة، وهو اتفاقي. وهل يجوز له أخذ جميع ما دفع إليها من المهر ؟ الأقوى له ذلك، تبعاً لفتوى المشهور، و تدلّ عليه رواية أبي بصير؛ حيث دلّت على جواز المهر فما دونه (6).
والظاهر أنّه لو أوصل إليها غير المهر من الهبات والإباحات لم يجز ضمّه إلى المهر أيضاً، وحكمه حكم أخذ المال المتبدأ منها.
وذهب جمع من فقهائنا (7)إلى عدم جواز أخذ المهر كملاً، بل لا بد من نقصانه في البذل. وتدلّ عليه رواية زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدالّة على أن المبارئة يؤخذ منها دون الصداق(8).
والرواية الأولى أشهر فتوى وعملاً، فالركون إليها أحرى.
1) شرائع الإسلام 3: 44 قواعد الأحكام 3 : 168.
2) نهاية المرام 144 – 145.
3) مسالك الأفهام 9 : 454.
4) وسائل الشيعة 22 : 296 - 297 الباب 9 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 4.
5) المصدر : 294 و 295، الباب 8 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 1 و 4 و 5.
6) المصدر : 287 - 288، الباب 4 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 2.
7) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط :4 373 وابن حمزة في الوسيلة : 332؛ وعلي بن بابويه على ما في مختلف الشيعة 7: 391، المسألة 46.
8) وسائل الشيعة 22،287 الباب 4 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 1.
ويمكن تنزيل الأخيرة على الندب، أو على إرادة الصداق فما دون من قوله: «دون الصداق» وهو كثير في الاستعمال.
والأظهر عدم جواز أخذ الزيادة ولو بالشرط، كالأصل.
خامسها: قد يقال باختصاص المباراة بأنها لو رجعت ببعض الفدية جاز له الرجوع بها؛ لدلالة الأخبار ها هنا على ذلك، دون الخُلع، فإنّه لا تصريح للأخبار فيه بجواز رجوع الزوج بها عند رجوعها ببعض البذل.
وفي رواية الحلبي في المباراة: «إن ارتجعتِ في شيءٍ منه فأنا أملك ببضعكِ» (1)وفي أُخرى: «في شيء» (2)بإسقاط «منه».
ولكن فتوى مشهور أصحابنا على مساواة المباراة للخلع في الجزم بجواز الرجوع مع رجوعها في الكل، والإشكال مع عدمه.
وقد يقال: إنّ «مِنْ» في الروايات للبيان لا للتبعيض، ويراد بالشيء ما دفعته إليه في الرواية الأخيرة، أو يقال: إن هذه الروايات منزلة على اشتراط ذلك، ومع الشرط يجوز رجوعه بها مع رجوعها في البعض في خُلع وغيره؛ لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (3)فيكون مراد الفقهاء بتعليق جواز رجوعه على رجوعها بالكل في غير مقام الشرط.
وما عدا ما ذكرنا كلّ ما يجري في الخلع من الشرائط و الأحكام يجري في المباراة، كما هو فتوى العلماء الأعلام.
تم كتاب الخُلع والمباراة، ويتلوه - إن شاء اللّه تعالى – الظهار (4).
تم الجزء الثامن من أنوار الفقاهة - بحسب تجزئتنا - ويليه في الجزء التاسع كتاب الغصب
1) وسائل الشيعة :22 : 294 الباب 8 من أبواب كتاب الخلع والمباراة، ح 1.
2) المصدر : 295، ح 4 و 5.
3) المصدر 21 : 276، الباب 20 من أبواب المهور، ح 4.
4) كذا في جميع النسخ ومنها الأصل، والظاهر أنّه لم يتيسر له (قدّس سِرُّه)- أو لم يصل إلينا - تأليف كتاب الظهار وبقية الكتب والأبواب التي اعتدنا على وجودها في المجاميع الفقهية المماثلة، بل انتقل مباشرة إلى كتاب الغصب والمواريث والقضاء والشهادات.