أنوار الفقاهة کاشف الغطاء جلد 7

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

العنوان: طهران شارع الانقلاب، مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312

التلفون والفاكس: 982166951534+

ص. ب: 37185/3858 ، الرمز البريدي: 16439 - 37156

الموقع الإلكتروني : www.isca.ac.ir

البريد الالكتروني : nashr@isca.ac.ir

المدخل الرئيسي: كاشف الغطاء، حسن بن جعفر، 1201 - 1262هـ.

العنوان والمؤلّف :أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء؛ تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة، مركز إحياء التراث الإسلامي.

بيانات النشر: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.

بيانات الوصف :10ج.

ردمك: (مسلسل) 0-180-195-600-978

(ج. 1)7-181-195-600-978

حالة الفهرسة :CIP

ملاحظات المجال: المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش

ملاحظات المجال :الفهارس العامة

المحتويات: ج . 1. كتاب الطهارة

الموضوع فقه الإمامية - ق 13هـ.

المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة: مركز إحياء التراث الإسلامي

تصنیف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3

تصنيف ديوي: 297/342

رقم الإيداع: 3698114

أنوار الفقاهة

الجزء السابع: كتاب الوديعة - الوصيّة

مجموعة من المحقّقين

الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

الإعداد والتحقيق: مركز إحياء التراث الإسلامي

الطبعة الأولى: 1436 هـ / 2015م

الكمية: 1000 نسخة

العنوان: 301؛ التسلسل: 497

حقوق الطبع محفوظة للناشر

العنوان: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312

التلفون والفاكس: 982166951534+

ص. ب: 37185/3858، الرمز البريدي: 16439 - 37156

الموقع الإلكتروني : www.isca.ac.ir

البريد الالكتروني : nashr@isca.ac.ir

المدخل الرئيسي: كاشف الغطاء. حسن بن جعفر، 1201 - 1262هـ.

محرّر الرقمي: محمّد رادمرد

اشارة

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أنوار الفقاهة

حسن بن جعفر كاشف الغطاء

(1201 - 1262 هـ)

الجزء السابع

كتاب الوديعة، العارية، الإجارة، الوكالة الوقف الهبة الصدقة والوصيّة

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

مركز إحياء التراث الإسلامي

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

أنوار الفقاهة

الجزء السابع: كتاب الوديعة - الوصيّة

مجموعة من المحقّقين

الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

الإعداد والتحقيق: مركز إحياء التراث الإسلامي

الطبعة الأولى: 1436 هـ / 2015م

الكمية: 1000 نسخة

العنوان: 301؛ التسلسل: 497

حقوق الطبع محفوظة للناشر

العنوان: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312

التلفون والفاكس: 982166951534+

ص. ب: 37185/3858، الرمز البريدي: 16439 - 37156

الموقع الإلكتروني : www.isca.ac.ir

البريد الالكتروني : nashr@isca.ac.ir

المدخل الرئيسي: كاشف الغطاء. حسن بن جعفر، 1201 - 1262هـ.

العنوان والمؤلّف أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء؛ تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة مركز إحياء التراث الإسلامي.

بيانات النشر: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة فروزنده الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.

بيانات الوصف: 10ج.

ردمك: (مسلسل) 0-180-195-600-978

(ج. 7)9-187-195-600-978

حالة الفهرسة: CIP

ملاحظات المجال: المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش

ملاحظات المجال : الفهارس العامّة

المحتويات: ج. 7. کتاب الوديعة - الوصيّة

الموضوع: فقه الإماميّة - ق 13هـ.

المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة. مركز إحياء التراث الإسلامي

تصنيف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3

تصنيف ديوي: 297/342

رقم الإيداع: 3698114

فهرس الموضوعات

كتاب الوديعة...25

تعريف الوديعة عرفاً وشرعاً ومبدأ اشتقاقها... 26

وهنا أمور :... 26

أحدها: فى أنّ الوديعة عقد لا إذن... 26

ثانيها: فيما يجب على المستودع إذا قبض الوديعة...28

ثالثها: في عدم ضمان الودعيّ لو دفع الوديعة لغير المودع ملجاً أو كرهاً أو تقية...29

رابعها: بطلان الوديعة بالفسخ من المودع والمستودع... 31

خامسها: في أنّ المرجع في حفظ الوديعة العرف والعادة... 32

سادسها: فيما يجب على الودعيّ لو أودع المودع عنده دابّة وقبلها المستودع... 32

سابعها: لو عين المودع للوديعة حرزاً وجب على المستودع وضعها في حرزها... 34

ثامنها: في أنّه تضمن الوديعة بالتعدّي والتفريط... 34

تاسعها: عدم صحّة الوديعة من المجنون والصبي... 35

عاشرها: وجوب ردّ الوديعة على المالك أو وكيله إن كان حاضراً وإن كان غائباً انتظره...36

حادي عشرها: وجوب ردّ الوديعة إلى المالك عند المطالبة... 36

ثاني عشرها: لزوم اتباع نهى المالك لو نهى صريحاً عن جعل الوديعة في مكان معين...38

ثالث عشرها: في أن تصرف المستودع في الوديعة فضولي موقوف على الإجازة... 39

رابع عشرها: فيما يجب على المستودع لو ظهرت عليه أمارات الموت...40

خامس عشرها: فيما يتعلّق بما لو كانت الوديعة غصباً وكان المودع مقهوراً... 41

سادس عشرها: فيما لو أراد المستودع السفر جاز له ولا يلزمه الامتناع... 42

سابع عشرها: فيما لو أودع الوديعة عند غيره من دون إذن المالك ضمنها... 44

ثامن عشرها: حكم ما لو قبض المستودع الوديعة ابتداءً بقصد الخيانة أو قصدها في الأثناء...44

تاسع عشرها: في أنّ التفريط سبب في الضمان ولو لم تتلف الوديعة به... 44

العشرون: فيما لو أمره المالك بدفع الوديعة إلى الوكيل وجب ذلك... 45

الحادي والعشرون: حكم ما لو جحد الودعيّ الوديعة من غير عذر بعد طلب المالك لها... 45

الثاني والعشرون: حكم ما لو مزج الوديعة بماله أو بمال المالك أو بمال ثالث مزجاً لا يتميّز أو يعسر تمييزه...46

الثالث والعشرون : حكم ما لو أجرى على الوديعة عقود معاوضةٍ أو غيرها...47

الرابع والعشرون: عدم جواز التصرّف بالوديعة من غير إذن صاحبها ولو بالفحوى... 47

الخامس والعشرون: فيما لو تصرّف المستودع بالوديعة حتّى ضمن تعلّق به الضمان..47

السادس والعشرون: في جملة ممّا يتعلّق بالدعاوي وفيه أمور :...48

أحدها: حكم ما لو اختلفا في أصل الوديعة... 48

ثانيها: حكم ما لو ادّعى الودعيّ الردّ إمّا على المالك أو على وكيله أو إلى مَنْ أذن له المالك بالردّ إليه... 49

ثالثها: حكم ما لو اختلف المالك مع من في يده المال فقال المالك: وديعة وقال الآخر: رهن أو قرض... 50

رابعها: حكم ما لو اختلفا في قدر قيمة الوديعة بعد تلفها إذا كانت مضمونة... 50

خامسها: حكم ما لو اختلفا في أصل الوديعة أو في قدرها أو في اشتراط أمر زائد فيها أو... 50

سادسها: فيما إذا مات المودع سُلّمت الوديعة إلى وارثه... 50

سابعها: حكم ما مات الودعيّ وعلمت الوديعة أو لم تُعلم... 51

ثامنها: حكم ما لو أنكر الوديعة ثمّ أقربها ثمّ ادّعى تلفها بعد الإنكار أو قبله... 52

تاسعها : حكم ما لو كانت عنده وديعة فادّعاها اثنان... 52

كتاب العارية

تعريف العارية ومبدأ اشتقاقها...57

هنا أُمور:... 58

أحدها: في أنّ العارية من العقود لابد فيها من إيجاب و قبول... 58

ثانيها: فيما تصحّ إعارته... 59

ثالثها في أنّ من شأن العارية الجواز وقد تلزم في مواضع...60

رابعها: حكم ما لو كانت للعين المستعارة منفعة واحدة أو منافع متعدّدة... 62

خامسها: اشتراط البلوغ والعقل والرشد وعدم الحجر في المعير... 62

سادسها: فيما لو استعار المغصوب عالماً بالغصب ضمن العين والمنفعة...63

سابعها: في أنّ الأصل في العارية عدم الضمان... 64

بيان موارد خارجة عن أصل عدم الضمان... 64

ثامنها: فى أنّه لا يجوز للمستعير أن يعير غيره من غير إذن... 68

تاسعها: في أنّه يلزم المستعير مدّة معلومة ردّ العارية إلى أهلها بعد المدّة إذا شرط المالك عليه ردّها... 68

عاشرها: في أنّ التعدّي والتفريط لا يخرج العارية عن كونها عارية... 69

حادي عشرها: في أنّ الأصل في العارية أن تتعلق بالأعيان القائمة... 70

ثاني عشرها: حكم ما لو أنكر العارية أو ادّعى ردّها أو تلفها...71

ثالث عشرها: حكم ما لو اختلفا في اشتراط الضمان العين في العارية وعدمه... 73

رابع عشرها: حكم ما لو شرط المالك ضمان العين مع تلف الكل...73

خامس عشرها: حكم ما لو ألقت الريح حباً أو نوى أو غيرهما في دار الغير فصار زرعاً أو نخلاً... 74

خاتمة: حكم ما لو استعار أرضاً للزرع أو الغرس أو البناء فزرع وغرس وبنى فتلف ما صنعه...75

كتاب الإجارة

تعريف الإجارة لغةً وشرعاً... 79

والكلام يقع فيها في أمور:...80

أحدها: في أنّ الإجارة تمليك المنفعة بعوض معلوم مع بقاء العين...80

ثانيها: في أنّ الإجارة من العقود اللازمة...81

ثالثها: في أنّ العين المستأجرة أمانة بيد المستأجر إذا تسلّمها بإذنه... 83

رابعها: في أنّ كلّ ما تصحّ إعارته تصحّ إجارته... 85

خامسها: في أنّ خيار المجلس والحيوان والتأخير لا يسري إلى الإجارة...86

سادسها: في أنّه يُملك الأجرة والمنفعة بنفس العقد... 87

سابعها: في أنّه يشترط في عوض الإجارة كونه مملوكاً... 88

ثامنها: حكم ما لو توقف استيفاء المنفعة على قبض العين وتوقف العمل على قبض العين المعمول بها...90

تاسعها: في أنّه يشترط في عوض الإجارة المعلومية بالنوع والوصف أو المشاهدة أو التقدير بالكيل والوزن والعدّ... 91

عاشرها: اشتراط الجزم في عقد الإجارة... 93

حادي عشرها: في أنّ كلّ موضع يفسد عقد الإجارة فيه تضمن المنفعة فيه...94

ثاني عشرها: فيما يتعلّق بالأجير الخاص والأجير المطلق...96

ثالث عشرها: حكم ما لو قدرت المنفعة بالعمل المخصوص أو بالمدّة... 99

رابع عشرها: فيما لو تعيّنت المدّة فبذل المؤجر العين فيها لزمت الإجارة...100

خامس عشرها: في أنّ كلّ ما يتوقف عليه استيفاء المنفعة من المستأجر وكان من متعلقات العمل أو العين المؤجرة فهو على المؤجر... 101

سادس عشرها: في أنّ تلف المنفعة قبل استيفائها بمنزلة تلف المبيع قبل قبضه... 102

سابع عشرها: في أنّ امتناع المنفعة عقلاً أو عادةً أو شرعاً كتلف المنفعة...103

ثامن عشرها: اشتراط معلوميّة العين المستأجرة بالمشاهدة أو الوصف وكذا معلومية المستوفي للمنفعة... 103

تاسع عشرها: حكم ما لو تعدّى المستأجر في العين المستأجرة أو فرّط... 108

العشرون: في أنّه يلزم المستأجر ذكر موضع التسليم للعين المستأجرة... 110

الواحد والعشرون: صحّة استئجار كلّ ماله منفعة مقصودة عقلائية مع بقاء عينه... 112

الثاني والعشرون: حكم ما لو استأجر دابّة أو أجيراً لحمل شيء معين فزاده عند الحمل من دون علم المؤجر أو الاستئذان منه... 113

الثالث والعشرون: في أنّه يشترط في الإجارة كون المنفعة المقصود عليها محلّلةً... 114

الرابع والعشرون: في أنّه يشترط في عقد الإجارة القدرة على التسليم... 115

الخامس والعشرون : حكم ما لو طرأ على العين المستأجرة ما يقضي ببطلان الانتفاع بها... 117

السادس والعشرون: في أنّ صاحب الحمّام لا يكون ضامناً لما يسلّمه إليه المغتسل من الثياب وشبهها إلّا مع التعدّي أو التفريط... 118

السابع والعشرون: في أنّ العين المقبوضة من يد المستأجر بيد المؤجر أمانة...118

الثامن والعشرون: في أنّ من تقبل عملاً بإجارة أو غيرها جاز أن يقبله غيره مطلقاً... 122

التاسع والعشرون: في أنّه لا يلزم المستأجر نفقة الدابّة إلّا إذا اشترطت عليه مع تعيّنها قدراً.. 123

الثلاثون: حكم ما لو أجر العبد نفسه من دون إذن مولاه أو أجره المولى أو آجر نفسه بإذن مولاه وتعدى أو فرّط في العين المقبوضة... 125

الواحد والثلاثون: فيما يتعلّق بجواز إجارة العبد ثمّ عتقه...126

الثاني والثلاثون: حكم إيجار الوليّ للصبي أو المجنون أو السفيه أو إيجاره ما لهم.. 127

الثالث والثلاثون: فيما يتعلّق بما لو أمر غيره بعمل له أجرة عادة وكان العامل ممّن يأخذ الأجرة على عمله...128

القول في التنازع...130

وفيه مواضع:... 130

أحدها: حكم ما لو اختلفا في أصل الاستئجار... 130

ثانيها: حكم ما لو اختلفا في ردّ العين المستأجرة... 131

ثالثها: حكم ما لو اختلفا في قدر الشيء المستأجر عيناً أو عملاً واتفقا على قدر الأُجرة والزمان... 131

رابعها: حكم ما لو اختلفا في التلف وعدمه أو التفريط وعدمه... 133

خامسها: حكم ما لو اختلف المالك والخياط في قطع الثوب...134

سادسها: حكم ما لو اختلفا في صحّة عقد الإجارة وعدمها... 135

سابعها: حكم ما لو ادّعى المستأجر إباق العبد أو مرض الدابّة أو انهدام المسكن... 136

القول في مسائل متفرّقة... 138

وهي أمور:... 138

أحدها: عدم صحّة الإستئجار على ما لا يمكن تملّكه من المنافع ولا حصول السلطان عليه... 138

ثانيها: جواز الاستئجار للزرع وحصاده ودياسه ونقله وسقيه وحفظه...141

ثالثها: جواز استئجار الأرض للبناء والغرس والزرع مع مشاهدة الأرض أو وصفها...142

رابعها: جواز الاستئجار لحيازة المباحات عن المستأجر وتقديره بالمدة وبالعمل...143

خامسها: جواز استئجار الشخص لرعي الماشية في المباح... 144

سادسها: جواز استئجار الأرض للغرس والبناء فيها مع تعيين المدّة الرافعة للجهل وتعيين المبني والمغروس فيها... 145

سابعها: حكم ما إذا استأجر أرضاً للزرع وعيّن مدّة يعتاد حصاده فيها... 146

ثامنها حكم ما لو استأجر الأرض للزرع ولم يكن لها ماء... 147

كتاب الوكالة

تعريف الوكالة شرعاً... 151

هنا أُمور:...153

أحدها: اشتراط التعيين في عقد الوكالة...153

ثانيها: جواز الوكالة مطلقاً ومقيدةً بوصف أو وقت أو حال أو مكان... 153

ثالثها: حكم ما لو عُلّقت الوكالة على شرط أو اشتملت على شرط فاسد...154

رابعها: حكم ما لو ردّ الوكيل بعد الإيجاب أو بعد الإيجاب والقبول...155

خامسها: صحّة الإيجاب بالإشارة المفهمة ولو لغير الأخرس وكذا صحّة القبول بالفعل الدال على الرضى... 155

سادسها : انعزال الوكيل بعزل الموكّل له قبل القبول وبعده... 155

سابعها: انفساخ الوكالة بموت الوكيل أو الموكّل وبجنون أحدهما وبالإغماء عليه وبسفه الموكّل... 157

ثامنها: حكم ما لو باع الوكيل بثمن خاص فأنكر الموكّل قدره أو عينه أو جنسه أو وصفه أو زمانه أو... 159

تاسعها: في بيان موارد تصحّ الوكالة فيها...159

عاشرها: اشتراط كون الموكّل مكلّفاً بالغاً، عاقلاً، جائز التصرّف فيما يوكل فيه...165

حادي عشرها: اشتراط البلوغ والعقل في الوكيل...169

ثاني عشرها: في أحكام الوكالة وفيه مسائل:...172

أحدها: وجوب اتباع إذن الموكّل والانتهاء بنهيه... 172

ثانيها: عدم صحّة الوكالة في العقد الفاسد... 174

ثالثها: في أنّ للوكالة مقتضيات لفظية وحالية ينصرف إليها الإطلاق وتكون مقيدة له...175

رابعها: حكم ما لو خالف الوكيل مقتضى الوكالة إطلاقاً أو تعيّناً... 177

خامسها: في أنّ الوكيل أمين لا يضمن إلّا مع التعدّي أو التفريط...178

سادسها: في أنّه يلزم الوكيل تسليم ما في يده إلى الموكّل مع المطالبة... 180

سابعها: حكم ما لو تعدّى الوكيل على ما في يده أو فرّط... 182

ثامنها: صحّة توكيل اثنين لواحد وتوكيل مَنْ يشتري لنفسه بنفسه...183

تاسعها: ثبوت الوكالة بشاهدين عدلين وبالشياع المفيد للقطع وبإقرار الموكّل... 184

عاشرها: قضاء إطلاق الوكالة بلزوم الإشهاد على الوكيل في وفاء الدين أو دفع عين مضمونة على الموكّل...186

حادي عشرها: حكم ما لو اختلفا في الوكالة ولا بينة...187

ثاني عشرها: حكم ما لو عقد على امرأة بادعائه الوكالة عن شخص... 188

ثالث عشرها: قضاء إطلاق الوكالة في البيع بتسليم المبيع لو كان بيد الوكيل.... 189

رابع عشرها: حكم ما لو ادّعى شخص الوكالة عن غائب في قبض عين قبض عين ماله أو استيفاء دينه... 190

خامس عشرها: حكم ما لو طالب الموكّل الوكيل بردّ المال فأنكره أو أقرّ به وامتنع من إيصاله ثمّ ادّعى بعد ذلك تلف المال قبل الإنكار...192

سادس عشرها: حكم ما إذا اشترى الوكيل شيئاً فأنكر الموكّل الوكالة فحلف على نفيها... 193

سابع عشرها: حكم ما لو اختلف الموكّل والوكيل بعد الشراء أو البيع في مبلغهما... 194

ثامن عشرها : حكم ما لو طالب الوكيل من عليه الحق فقال: لا يستحق المطالبة... 195

تاسع عشرها: في أنّه تقبل شهادة الوكيل على موكله ولموكله فيما لا ولاية له فيه... 195

العشرون: حكم ما لو وكل شخصاً على قبض دينه فأخبره بقبضه وصدقه المديون... 195

الواحد والعشرون: حكم ما إذا وكله في شراء عين فاشتراها فظهرت مستحقةً للغير بعد تلفها في يد الوكيل... 196

كتاب الوقف

تعريف الوقف لغة وشرعاً... 199

وهنا أُمور:... 200

أحدها: في أنّ الوقف من العبادات ومن العقود اللازمة... 200

ثانيها: في أنّه لا يكفي في الوقف الفعل في إيجاب أو قبول... 202

ثالثها: في بيان ما يشترط في الصيغة... 206

رابعها: اشتراط القربة في صحّة الوقف... 208

خامسها : اشتراط الدوام في صيغة الوقف...210

وهنا أحكام ثلاثة:...210

الأوّل منها: عدم جواز تحديد الوقف بنفس العقد... 211

الثاني منها: عدم جواز كون الموقوف عليه غير مبني على الدوام... 213

الثالث منها: كون العين ممّا ينتفع بها مع بقائها... 217

سادسها: اشتراط التنجيز في الوقف... 217

سابعها: في أنّه يشترط في صحّة الوقف القبض للموقوف من الموقوف عليه...218

ثامنها : قيام الولي مقام المولّى عليه في قبول الوقف وقبضه... 219

تاسعها: فيما لو كان الوقف على جهة عامة كان القبض عنهم موكولاً للحاكم بنفسه أو بوكيله... 221

عاشرها: في أنّه يشترط في الوقف إخراجه عن نفسه وتخليتها عنه ملكاً وانتفاعاً وعوداً إليه وقت الحاجة... 223

هنا أُمور:... 223

الأوّل: عدم صحّة وقف الإنسان على نفسه شيئاً... 223

الثاني: بطلان الوقف فيما لو وقف الإنسان على نفسه أو أشرك مع نفسه غيره في الوقف... 223

الثالث: حكم ما لو وقف على نفسه ثمّ على غيره... 224

الرابع: حكم ما لو وقف واقف على جهة من الجهات وقفاً عاماً... 225

الخامس: بطلان الوقف فيما إذا شرط الواقف قضاء ديونه منه أو إدرار مؤونته منه...227

السادس: حكم ما لو وقف الواقف وشرط عود الوقف إليه عند الحاجة.......228

السابع: فيما لو صحّ اشتراط العود إليه فلابد من الاقتصار فيه على مورد النصّ والفتوى...230

حادي عشرها: حكم ما إذا وقف على أولاده الأصاغر...232

ثاني عشرها: فيما لو وقف الواقف على أشخاص على الإطلاق وقبضهم لم يصحّ إدخال غيرهم معهم...234

ثالث عشرها: في بيان شرائط الموقوف...236

رابع عشرها: في أنّه يصحّ وقف المشاع كما يصحّ وقف المقسوم...241

خامس عشرها: حكم وقف من بلغ عشراً... 242

سادس عشرها: في أنّ للواقف أن يطلق الوقف بحسب النظارة... 243

في ذكر أُمور متعلّقة بالناظر للوقف... 245

سابع عشرها: في بيان الوقف العام والخاص وما يتعلّق بهما... 250

ثامن عشرها: حكم ما لو وكل في الوقف مطلقاً أو وكل على الإطلاق أو العموم... 253

تاسع عشرها: ثبوت الوقف بالبيّنة وبإخبار العدل وصاحب اليد...254

العشرون: في أنّ الوقف عامه وخاصه ينتقل عن الواقف...254

فروع:... 257

الأوّل: ثبوت دعوى الوقف بشاهد ويمين...257

الثاني: عدم صحّة عتق العبد الموقوف... 258

الثالث: فيما لو كان العبد بين اثنين فوقف أحدهما نصفه وعتق الآخر فإنّه لا يسري العتق هنا... 258

الرابع: في أنّ عمارة الوقف تخرج من غلته ونمائه مقدّماً على حقّ الموقوف عليه... 259

الخامس: فيما لو جنى العبد الموقوف عمداً فعليه القصاص... 261

الحادي والعشرون: في مباحث متعلقة في الموقوف عليه:...264

الأوّل: في أنّه يشترط في الموقوف عليه ذكره بنفسه أو بما ينوب عنه من جهةٍ أو مصرف...264

الثاني: حكم ما إذا وقف على ما لا ينقطع عادة فاتفق انقطاعه ولم يكن الواقف عالماً بانقطاعه ولا قصده...268

الثالث: في أنّه لا يجوز للموقوف عليه وطء الأمة الموقوفة إذا كان له شركاء في طبقته فيها...270

الرابع: في أنّه يجوز للموقوف عليه إيجار الوقف ولكن ينفسخ العقد بموت المؤجر هنا... 272

الخامس: في أنّه لا يجوز للمسلم أو المؤمن الوقف على الكنائس والبيع لمصلحتهما... 273

السادس: جواز الوقف من الكافر والمخالف على المؤمن وعلى مَنْ كان مثلهما... 274

السابع: عدم جواز الوقف من المسلم على الكافر أو المخالف وحكم الوقف عليهما لغير جهة الكفر أو الخلاف... 275

الثامن: فيما يتعلّق بما لو وقف الواقف على ذي وصف بلفظ العموم... 278

التاسع: فيما يتعلّق بما لو وقف واقف على الإماميّة...280

العاشر: فيما يتعلّق بما لو وقف واقف على الشيعة... 281

الحادي عشر: فيما يتعلّق بما إذا وقف على أولاده أو بنيه... 283

الثاني عشر: فيما يتعلق بما لو وقف على جيرانه... 286

الثالث عشر: فيما يتعلّق بما إذا وقف على قومه... 288

الرابع عشر: فيما يتعلّق بما لو وقف على مواليه...289

الخامس عشر: فيما يتعلّق بما لو وقف في سبيل اللّه... 291

خاتمة في بيان أُمور:... 293

أحدها: حكم ما لو اضمحل الموقوف باستيلاء الماء أو الخراب الذي لا يرجى معه العود... 293

ثانيها: عدم جواز بيع الوقف المبني على الدوام ولا نقله مطلقاً... 294

ثالثها: عدم جواز صرف آلات وقف في وقف آخر اللّه...295

رابعها: حكم ما لو اندرس شرط الواقف... 295

خامسها: جواز قسمة الوقف عن الطلق في المشاع...295

بحث في السكنى... 297

تعريف السكنى وبيان ما يشترط فيها... 297

كتاب الهبة والصدقة

تعريف الصدقة والهبة والعطيّة... 301

وهنا مقامان:...303

المقام الأوّل: في الصدقة بالمعنى الخاص والعام وبيان ما يتعلّق بهما... 303

المقام الثاني: في الهبة...306

وهنا أُمور:...308

أحدها: عدم صحّة هبة المنفعة ولا الحق ولا الكلّي إذا لم يتشخّص بفردٍ... 308

ثانيها: هل القبض شرط في صحّة الهبة أو لزومها؟... 309

ثالثها: لزوم إذن الواهب في القبض... 311

رابعها: في أنّ الأصل في الهبة بعد الحكم بصحّتها هو الجواز إلّا فيما دلّ الدليل على لزومه...314

خامسها: في بيان الموارد الخارجة عن أصل جواز الهبة... 315

والكلام هنا في مواضع:... 316

الموضع الأوّل: فيما لو تلفت العين الموهوبة بعد قبضها لم يجز الرجوع... 316

الموضع الثاني: لزوم الهبة فيما لو تقرّب في هبته عند صدور الصيغة... 316

الموضع الثالث : لزوم الهبة فيما لو عاوض عن هبته... 317

الموضع الرابع: لزوم الهبة فيما لو وهب الوالدان لأولادهما أو بالعكس...319

الموضع الخامس: هل يلزم الهبة فيما لو وهب أحد الزوجين الآخر...321

الموضع السادس: عدم لزوم الهبة بالتصرف من حيث إنّه تصرّف في الهبة.... 322

كتاب الوصيّة

تعريف الوصيّة والحثّ عليها... 327

وهنا أمور:...330

أحدها: في أنّ الوصيّة بالمعنى الخاص إيقاع لا عقد... 330

ثانيها: فيما لو مات الموصى له قبل القبول وقبل الردّ قام وارثه في القبول مقامه... 337

ثالثها: هل تتوقف الوصيّة على القبول من الموصى له؟... 341

رابعها: عدم صحّة الوصيّة في معصية... 346

خامسها: في أنّ الوصيّة عقد جائز حال حياة الموصي ولازم بعد الموت والقبول... 347

سادسها: اشتراط العقل والبلوغ في الموصي... 349

سابعها: بطلان الوصيّة فيما لو جرح الموصي نفسه عمداً بما فيه هلاكها عالماً بترتب الهلاك فأوصى... 351

ثامنها: في الموصى له وفيه أمور:... 352

أولها : في أنّه لا يشترط في الوصيّة وجود الموصى له ولا حياته ولا دوام تمليكه... 352

ثانيها: صحّة الوصيّة للقريب والبعيد... 353

ثالثها: صحّة الوصيّة للحمل إذا وقع حياً وبطلانها مع عدمه... 354

رابعها: صحّة الوصيّة لأهل الذمّة ولو من أهل الإسلام... 355

خامسها: صحّة الوصيّة للمبعض...357

سادسها: حكم ما لو أعتق المريض عبداً عند موته وليس له سواه وعليه دين... 362

سابعها: اشتراط تحقق شرائط الموصى له حين الوصيّة...365

ثامنها: في أن مقتضى الوصيّة التسوية بين الموصى له في قسمة الموصى به..... 365

تاسعها: بيان المراد بالقرابة فيما لو أوصى لقرابته أو لأقاربه أو لذوي قرابته أو لأرحامه أو لذوي رحمه... 365

عاشرها: بيان مَنْ يدخل في الوصيّة فيما لو أوصى لأقارب أقاربه...367

حادي عشرها: فيما لو مات الموصى له انتقل حكم الوصيّة إلى ورثته...368

ثاني عشرها: صحّة الوصيّة بما لا يتموّل وبما لا يقدر على تسليمه على تقدير القدرة... 369

ثالث عشرها: فيما يتعلّق بما إذا أجاز الوارث الوصيّة بمازاد على الثلث...371

رابع عشرها: وجوب العمل بما رسمه الموصي ممّا يتعلق بأمواله من المصالح الدنيوية أو الأخروية... 374

خامس عشرها: صحّة الوصيّة بالمضاربة بثلثه دائماً أو في مدّة معيّنة... 375

سادس عشرها: فيما يتعلق بما لو أوصى بواجب مالي أو بدني من خمس أو زكاة.. 379

سابع عشرها: فيما يتعلّق بما لو أوصى بعتق مماليكه بعد وفاته... 381

ثامن عشرها: حكم ما لو أوصى لواحد بمعين ثمّ أوصى به لآخر... 382

تاسع عشرها: حكم ما لو أوصى بنصف ماله لشخص وأجاز الوارث فادعى بعد ذلك أنّه ظنّ قلّة المال فأجاز فتبيّن كثرته... 383

العشرون: حكم ما لو أوصى لشخص بمشاع أو بمعين... 384

الحادي والعشرون: حكم ما لو أوصى بثلث عبده فخرج ثلثاه مستحقاً... 385

الثاني والعشرون: حكم ما لو أوصى بمشترك معنوي أو لفظي... 386

الثالث والعشرون: في أنّ الأصل في الوصيّة أن يتّبع قصد الموصي... 387

الرابع والعشرون: عدم صحّة الوصيّة فيما لو أوصى بإخراج الولد من الإرث... 392

الخامس والعشرون: في الوصاية ومشروعيتها... 393

وفيها أمور :...394

أحدها: اشتراط العقل والبلوغ والرشد في الوصي...394

ثانيها: عدم صحّة الوصيّة إلى المملوك لنفسه أو غيره... 397

ثالثها: عدم صحّة الوصاية للصبي بحيث يتصرف حال صباه... 397

رابعها: عدم صحّة وصاية الكافر من المسلم على مسلم وكذا وصاية الكافر من الكافر على مسلم... 399

خامسها: صحّة الوصاية لما فوق الواحد دفعة ومترتباً...400

سادسها: حكم ما إذا تشاح الوصيّان في صورة وجوب الاجتماع عليهما... 401

سابعها: حكم ما إذا عجز أحد الوصيين المفروض اجتماعهما... 402

ثامنها : في أن للموصى إليه ردّ الوصيّة مادام الموصي حيّاً ويمكنه نصب وصي آخر... 404

تاسعها: في أنّ الوصي أمين لا يضمن ما وقع في يده إلّا مع التعدّي أو التفريط... 407

عاشرها: في انه يجوز للوصي استيفاء دينه ممّا في يده من مال الميت... 408

حادي عشرها: في أنّه يجوز للوصي أن يقترض مال الطفل وإن لم تكن فيه مصلحة ما لم تكن فيه مفسدة... 410

ثاني عشرها: في أنّه يجوز للوصي أن يقوم مال اليتيم لنفسه بثمن المثل أو أكثر ويشتريه بنفسه أو بوكيله... 411

ثالث عشرها: وجوب اتباع ما أوصى به الموصي عموماً وخصوصاً وإطلاقاً وتقييد...412

رابع عشرها: فيما يتعلق بما لو عين الموصي للوصي على الأيتام أو على الثلث أجرة على عمله...414

خامس عشرها: فيما إذا أذن الموصي للوصي بالوصاية على مال الأيتام أو الثلث جاز له الوصاية عليهما...416

سادس عشرها: حكم ما لو مات ولا وصيّ له وقد أوصى بوصايا... 417

سابع عشرها: في أنّه لا ولاية لوصي الأب على الأطفال مع وجود الجد ولا لوصي الجد مع وجود الأب... 418

ثامن عشرها: هل يعتبر وجود شرائط الموصي من حين الوصيّة أو عند الموت أو عند الوصيّة أو... ؟...419

تاسع عشرها: في أُمور متفرقة:... 419

أحدها: ثبوت الوصيّة بالمال بشهادة رجلين عدلين وبشهادة رجل ويمين و... 419

ثانيها: عدم قبول شهادة الكافر ولاغير المؤمن من الفِرَق... 420

ثالثها: فيما يتعلّق بما إذا أشهد الموصي عبدين له على أن حمل المملوكة له منه ثمّ ورثهما غير الحمل فأعتقا فشهدا للحمل بالنبوة للموصي... 423

رابعها: عدم قبول شهادة الوصي فيما هو وصيّ فيه ولا ما يجر نفعاً أو يستفيد به ولاية... 424

خامسها: فيما إذا أوصى بعتق رقبة مطلقاً أجزأ الصغير والكبير والأنثى والذكر والمؤمن وغيره... 425

سادسها: فيما يتعلّق بما إذا أوصى بعتق رقبة بثمن معين...427

سابعها: حكم ما إذا أوصى بعتق عبده أو أعتقه قبل الوفاة وليس سواه...428

ثامنها: حكم ما إذا أوصى بلفظ مطلق صالح للقليل والكثير...429

تاسعها: صحّة الوصيّة بالمنافع دون الأعيان وبالأعيان دون المنافع وبالنماءات... 430

العشرون: في منجزات المريض... 432

الواحد والعشرون: في حكم إقرار المريض...435

الثاني والعشرون: في أنّ مَنْ لا وارث له هل له أن يوصي بجميع ماله إلى مَنْ شاء أو ليس له ذلك ؟... 439

الثالث والعشرون: حكم ما إذا كان على الموصي دَيْنٌ فعزله الوصي وأعطى الورثة الباقي فتلف المال المقابل للدين قبل دفعه... 440

الرابع والعشرون: حكم ما إذا انتقل إلى المريض من ينعتق عليه...441

الخامس والعشرون: في أن خروج المنجز من الثلث خلاف القواعد ويقتصر فيه على مورد اليقين... 443

كتاب الوديعة

كتاب الوديعة

تعريف الوديعة عرفاً وشرعاً ومبدأ اشتقاقها

وهي فعيلة بمعنى مفعولة من «ودع يدع» إذا استقرّ وسكن، أو من «يدع» إذا ترك، أو من الدعة، وهي الحفظة والراحة، يقال: ودع الرجل فهو وديع وداع؛ لأنّها في دعة عند المودع لا تتغير ولا تتبدل ولا تستعمل.

والوديعة في العرف العام هو المال المستودع عند الغير ليحفظه، وأودعته كذا: إذا دفعت إليه الوديعة، وأودعته كذا إذا دفعها إليك فقبلتها، وهو من الأضداد.

وفي الشرع : هي الاستنابة في حفظ العين من المالك، أو ممّن يقوم مقامه أصالةً، بمعنى كون المقصد الأصلي فيها ذلك، فخرجت العين المستأجرة بيد المستأجر، والعارية بيد المستعير والعين الموكّل على بيعها أو نقلها وغير ذلك، والمال المضارب عليه ونحو ذلك.

وفي عرف المتشرّعة: أنّه عقد قولي أو فعلي أو مركب منهما ثمرته الاستنابة في الحفظ أصالة، وليست من باب الإذن المجرّدة التي لا تفتقر إلى إيجاب وقبول، بل هي من العقود الجائزة بالإجماع، وقد تلزم إذا وقعت شرطاً في عقد لازم.

ويكفي في إيجابها القول بأيّ لفظ كان، والفعل الدال على ذلك، وكذا يكفي في قبولها ذلك. ولا يتفاوت في الفعل بين كونه معاطاةً أو غيرها، إلّا أنّ الفرق أن الدفع والقبض لو حصل بين المودع والمستودع التزم بالحفظ إلى أن يردّ المال إلى أهله، ولو لم يحصل لم يلزم عليه الحفظ سيما لو كان المال باقياً في بيت مالكه، سواء كانت الوديعة بلفظ أو بفعل دالّ عليها.

ولو كانت الوديعة في موضع غير موضع المالك وغير موضع الودعي، ففي تحقق الاستيداع بمجرد القول ولزوم الحفظ إشكال.

ومشروعية الوديعة ثابتة كتاباً (1)، وسنّةٌ (2)وإجماعاً محصّلاً ومنقولاً (3).

وهي واجبة كفاية للمضطرّ للاستيداع على كافّة المؤمنين؛ لأنّها من المصالح العامّة و ضروريات النظام، فإن انحصر الاستيداع فيه كان واجباً عيناً.

وقد يناقش في وجوبه الكفائي والعيني.

ومستحبة عند عدم الاضطرار؛ لما فيها من قضاء حاجة المؤمن، وإدخال السرور عليه، والمعاونة على البرّ.

ومحرّمة على الودعيّ إذا كان الودعيّ عاجزاً عن الحفظ غاراً للمستودع، أو كان عليه في قبول الوديعة ضرر على نفسه أو على ماله أو أهله.

وقد تكون مكروهةً إذا كانت مشتملة على شبهةٍ محرّمة، أو كانت لكافر لا يتعلّق بحفظ ماله جهة رجحان.

وقد تكون مباحةً إذا خلت عن رجحان في الفعل ورجحان في الترك بحيث لم تشتمل على نيّة التقرّب، أو لم يمكن اشتمالها عليها.

وهنا أُمور:

أحدها: فى أنّ الوديعة عقد لا إذن

أحدها: الوديعة عقد لا إذن، فلو قال شخص لآخر : أذنتُ لك في قبض مالي وحفظه، كان بحكم الوديعة، لا وديعة شرعيّة.

وعقدها قولي، وفعليّ، ومركّب منهما، والفعلي دفع وقبض أو غيرهما، وكلّ الصور جائزة على الظاهر.

ولا يفتقر في القولي إلى عربية، أو صراحة، أو فعلية، أو ماضويّة، أو ترتيب.

وفي اشتراط عدم الفصل الطويل بين الإيجاب والقبول إشكال، كما أن العقد القولي المجرّد عن القبض، أو الفعلي المجرّد عنه من إشارةٍ أو كتابة لا يخلو الحكم من إجراء حكم الوديعة عليهما لو كان المال في يد غير المالك أو مطروحاً من إشكال.


1) البقرة (2) : 283: النساء (4) : 58.

2) راجع وسائل الشيعة 19 : 71 الباب 2 من أبواب كتاب الوديعة.

3) تذكرة الفقهاء 16: 141، المقصد الأوّل: الوديعة.

ولو طرح شخص مالاً عند آخر بقربه أو ببيته أو عليه، فإن لم يفهمه بكونه وديعةً لم تكن وديعة قطعاً، ومجرّد الطرح لا يقضي بذلك، ولكن إن لم يقبل المطروح عنده المال لم يجب عليه حفظه، وإن قبله قولاً أو فعلاً وقد قبضه جرى عليه حكم الوديعة من وجوب الحفظ والضمان؛ لعموم «على اليد ما أخذت» (1)وإن لم يُسمَّ وديعةً، وإن قبله ولم يقبضه، كما إذا كان مطروحاً بقربه ولم ينقله أو يمسكه، فلا يُسمّى وديعة، ولا يجري عليه أحكامها.

والظاهر أن المال الموضوع في البيت أو تحت اليد إذا قبله صاحب البيت أو الموضوع تحت يده بمنزلة القبض الجديد، فيجري عليه أحكام الضمان وأحكام القبض، فإذا قبله لفظاً أو فعلاً والحال ذلك التزم بحفظه، وضمنه بدون ذلك، وإن فهمه بكونه وديعةً، فإن قبضها أو كانت بحكم المقبوض كانت وديعة وجرى عليه أحكامها، وإن قبلها من دون قبض فإن كانت بيد المالك لم تجر عليها أحكام الوديعة، وإن لم تكن في يده ففي جريان حكم الوديعة إشكال.

ولو طرح المالك الوديعة عنده ولم يقبل فغاب المالك، فهل يلتزم بالحفظ؛ لأنّه من باب المعاونة على البرّ وإعانة المحتاج، أو لا يلتزم؛ للأصل، ولتعريض المالك ماله للتلف؟ وجهان، أوجههما الأخير.

ولو غاب المستودع بعد قبض الوديعة وقبولها والمالك حاضر، لم يكن رداً ما لم ينضمّ إلى الذهاب قرائن تدلّ على إرادة الردّ، وحينئذٍ فيضمن الودعيّ لو تلفت الوديعة بعد ذهابه.

ولو أكره المودع على الإيداع لم تكن وديعةً، وكانت أمانة شرعيّة يجب إيصالها إلى أهلها فوراً؛ لعموم وجوب ردّ الأمانة (2)الظاهر في الفورية، ولا يُقبل قوله في الرد، بخلاف الوديعة فإنّه لا يجب ردّها إلّا مع مطالبة المالك أو مَنْ هو بحكمه، وکأنّه موضع وفاق.

ولو أكره على قبض الوديعة، لم تكن وديعة، ولا تجري عليها أحكامها أيضاً.

ولو زال الإكراه، فإن لم يضع يده عليها فلا كلام، وإن وضع يده اختياراً، فإن كان بنيّة الاستيداع جرى عليها أحكام الوديعة؛ لعموم «على اليد» (3).


1) سنن أبي داود 3 : 296، ح 3561؛ الجامع الصحيح 3 : 0566 ح 1366.

2) البقرة (2) : 283؛ النساء (4) : 58.

3) تقدّم تخريجه في الهامش (1).

وهل تكون وديعةً شرعيّة؛ لحصول القبض الاختياري بعد استيداع المالك، ولا يضرّ الفصل بينهما، أو تكون أمانةٌ شرعيّة ؟ وجهان، ولا يبعد الأوّل، فحينئذٍ يجري عليها حكم الأمانات الشرعيّة من وجوب الردّ فوراً من دون مطالبة المالك.

وإن كان وضعه لا بنيّة الاستيداع بل بنيّة الغصب أو بلا نية، كان ضامناً ابتداء، وكانت أمانةٌ شرعيّة يجب إيصالها إلى أهلها فوراً، ولا يُقبل قوله في الردّ.

ثانيها: فيما يجب على المستودع إذا قبض الوديعة

ثانيها: إذا قبض المستودع الوديعة وجب عليه الحفظ؛ لوجوب الردّ والتأدية كتاباً (1)وسنّةٌ (2)، ولا يتم إلّا بوجوب الحفظ. وفيه نظر، بل وجوب الحفظ دلّ عليه الإجماع، وظاهر أخبار الضمان مع عدم الحفظ (3)، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

ووجوب الحفظ مشروط ببقاء الوديعة، وإلا فله فسخها وردّ الوديعة فيبرأ من وجوب الحفظ.

ولا يضمن المستودع الوديعة ما لم يفرّط فيها أو يتعدى؛ للإجماع والأخبار.

ففي المعتبر: «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان» (4).

وفي الآخر: «كلّ ما كان من وديعةٍ ولم تكن مضمونةٌ فلا تلزم» (5).

وفي ثالث: فيمن استودع رجلاً ألف درهم فضاعت فاختلفا في أنّها وديعة أو قرض؟ فقال: «المال لازم له، إلّا أن يقيم بيّنةً أنّها كانت وديعةً» (6).

وفي الرابع: في الرجل يستودع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان؟ فقال: «ليس عليه غرم بعد أن يكون أميناً» (7).

وفي الخامس: فيمن استأجر أجيراً فأقعده على متاعه فشرق، قال: «هو مؤتمن» (8)إلى غير ذلك.


1) البقرة (2) : 283؛ النساء (4) : 58.

2) راجع الهامش (2) من ص 26.

3) وسائل الشيعة 19 : 81 الباب 5 من أبواب كتاب الوديعة.

4) المصدر : 79 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، ح 1.

5) المصدر، ح 4.

6) المصدر : 85، الباب 7 من أبواب كتاب الوديعة، ح 1.

7) المصدر : 80، الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، ح 5.

8) المصدر : 79، ح 2.

ثالثها: في عدم ضمان الودعيّ لو دفع الوديعة لغير المودع ملجاً أو كرهاً أو تقية

ثالثها: لو دفع الودعيّ الوديعة لغير المودع ملجاً أو كرهاً أو تقيّه على نفس أو مالٍ يضر بحاله سواء أكثر من الوديعة أو أقلّ، وسواء دفعها بيده أو أخذها الظالم بنفسه، لم يضمن الودعي؛ لعموم: «لا ضرر ولا ضرار» (1).

ولو أمكنه الدفع بما لا يضر بحاله من غيبة أو ادّخار للوديعة أو إنكار، لزمه، ولا يلزمه تحمل الضرر الذي لا يليق بحاله من جرح أو شتم أو سب أو إهانة.

ولو أمكنه الدفع بدفع بعض الوديعة دون بعض لزم؛ لوجوب حفظ الكلّ عليه، ولا يُترك الميسور بالمعسور.

ولو أهمل والحال ذلك ضمن القدر الزائد الذي يمكن حفظه؛ لأن الباقي مأخوذ على التقديرين، مع احتمال ضمان الجميع؛ لتفريطه في حفظه له في الجملة، والمفرط ضامن وإن تلفت بغير تفريطه.

ولو أمكنه الدفع بمالٍ آخر للمودع عنده أقل من الوديعة، ففي لزومه بحث.

ولو أمكنه الدفع بمالٍ منه بنيّة الرجوع على المودع، ففي لزومه وجواز الرجوع؛ لأنّه محسن وما على المحسنين من سبيل وجه قوي.

ولو أخبر الظالم بالوديعة ابتداءً، ضمن. وكذا لو أخبر السارق بمكانها أو بها إذا ترتب على ذلك علمه بمكانها. وكذا لو سأله الظالم عنها فأقرّ بها أو بمكانها خوفاً من الكذب؛ لأنّ الكذب جائز وتركه تفريط، وقد ورد: «أنّ اللّه تعالى يُبغض الصدق في الإفساد كما يُحبّ الكذب في الإصلاح» (2).

ثمّ إنّ المودع يرجع على الظالم بالوديعة لو قبضها بيده، أو دخلت في خزانته في وجه قوي.

ونُسب للعلامة (رَحمهُ اللّه) جواز رجوع المودع على المستودع لو دفعها بيده إلى الظالم قهراً، ويرجع هو على الظالم؛ لعموم «على اليد» (3)و (4).


1) وسائل الشيعة 18 : 32، الباب 17 من أبواب الخيار، ح 3 - 5.

2) المصدر 12 : 252، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

3) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

4) تذكرة الفقهاء 16: 205، المسألة 51.

وفيه نظر؛ لأنّ دفعها بالإذن الشرعيّة، والأصل فيها عدم ثبوت الضمان وإن لم تنافه وكلاهما ظاهر الأصحاب.

ولو أراد الظالم الوديعة فتوقف دفعه على اليمين الكاذبة بأنّها ليست عنده، لزم عليه الحلف الكاذب لتخليص الوديعة، ويضمن مع تركه، أو مع الإقرار بها؛ لارتفاع قبح الكذب واليمين الكاذبة حينئذٍ، كما يظهر من الأخبار وكلام الأصحاب.

ففي الخبر: «ما صنعتم من شيءٍ أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة» (1).

وفي آخر: «احلف باللّه تعالى كاذباً ونج أخاك من القتل» (2).

وفي آخر: فيمن يمر بالعشّار فيطلب منه أن يحلف له باللّه ويخلي سبيله، فقال: «فاحلف لهم فإنّه أحلى من التمر والزبد» (3).

وفي رابع مثله (4).

وفي خامس: «التقيّة في كلّ ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به» (5).

وفي سادس: فيمن تصدّقت عليه أمه بدارٍ فادعى شراءها ودفع الثمن ليأخذها، فسأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد موت الأم، فقال: «احلف وخُذ ما جعلت لك» (6).

نعم، مهما أمكن الحالف أن يورّي بيمينه وجب تخلّصاً من الكذب بحسب النية وإن تساويا بحسب الظاهر، ولأنّه أقلّ القبيحين.

وفي الخبر: عن الرجل يحلف وضميره على غير ما حلف عليه، قال: «اليمين على الضمير» (7).

وفي آخر مثله (8).

وإن لم يمكنه التورية، لزمه قصد اللفظ فقط دون نيّة عقد اليمين.


1) وسائل الشيعة 23 : 224، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، ح 2.

2) المصدر : 225، ح 4.

3) المصدر، ح 6.

4) المصدر : 225 - 226، ح 8.

5) المصدر : 225، ح 7 و 227، ج 15.

6) الكافي 7: 32 - 33، باب ما يجوز من الوقف والصدقة...، ح 17.

7) وسائل الشيعة 23 : 246، الباب 21 من أبواب كتاب الأيمان، ح 2.

8) المصدر : 245 - 246، ح 1.

رابعها: بطلان الوديعة بالفسخ من المودع والمستودع

رابعها: الوديعة تبطل بالفسخ من المودع والمستودع، سواء كانت إذناً أو عقداً جائزاً؛ لأن العقد الجائز للمتعاقدين فسخه متى شاءا.

وهل يجري بعد الفسخ عليها حكم الوديعة المالكية أو الأمانة الشرعيّة؟ وجهان، أقواهما الأخير.

ولو وقع عقد الوديعة فاسداً؛ لفساد صيغته، فالأظهر إجراء حكم الوديعة المالكية عليه؛ تبعاً لبقاء الإذن المطلقة في القبض والحفظ.

ولو كان الفساد لاشتراط شرط فاسد کاشتراط الضمان فلا يبعد أنّها تعود أمانةً شرعيّة.

ولو طرأ على المودع أو المستودع موت أو جنون أو سفه، انفسخ عقد الوديعة، وبقيت أمانة شرعيّة يجب ردّها فوراً وإن لم يطالب بها المالك. ولا يُقبل قوله في الردّكما يُقبل قول المستودع في الوديعة المالكية؛ للأصل، ولأنّه لم يقبض من يد المالك لمصلحته ولم يستأمنه المالك فيها، فحكمها كحكم مال اللقطة ومجهول المالك ومال المضاربة والعارية والإجارة في عدم قبول قول المؤتمن في الردّ، وحكم ما لو أطارت الريح ثوباً في بيته ولم يعلم صاحبه، أو اشترى صندوقاً فوجد فيه متاعاً لصاحب الصندوق، أو أخذ من يد الصبي أو المجنون مالاً ببيع أو إجارة أو عارية أو وديعة، أو نزع المغصوب من غاصبه لصاحبه حشبة، أو وجد بيد من ولي عليه مالاً من سرقةٍ أو لعب بالجوز والقمار، إلّا أن من هذه ما يكون مضموناً على القابض ومنه ما لا يكون كذلك.

ثم الميّت إذا كان المودع لزم على المستودع السؤال عن الوارث ودفع الوديعة إليه أو إلى وكيله أو وليه، فإن كان غائباً أو لم يتمكن من الوصول إليه دفع الوديعة إلى الحاكم الشرعي أو إلى عدول المسلمين إن لم يجد من نفسه الأمانة.

فإن سأل ولم يعثر على وارث دفعها إلى الحاكم الشرعي ليتطلب الوارث، فإن لم يجد كان هو الوارث لمن لا وارث له.

وإن وجد وارثاً واحداً ولم يعلم غيره، جاز دفع المال إليه؛ لأصالة عدم وارث آخر، وجاز أن يمنع عنه قدر ما يحتمله أنّه لغيره؛ لأصالة عدم استحقاقه جميع الإرث.

والظاهر أنّه لا ضمان عليه لو منع؛ لاحتمال وارث آخر، ولا ضمان عليه لو دفع؛ لأصالة عدمه، ولثبوت كون الموجود وارثاً والأصل عدم مانع آخر له عن الإرث.

ويحتمل ضمانه مع الدفع لواحدٍ ؛ لأنّ الإذن الإلهية لا تنافي الضمان، وإن كان الأصل فيها عدمه.

خامسها: في أنّ المرجع في حفظ الوديعة العرف والعادة

خامسها: قد تقدّم الحكم بوجوب الحفظ على الودعي، فالمرجع فيه إلى العرف والعادة؛ حيث لم يكن له حد شرعي، فيجب حفظ الدراهم والدنانير في خزانة أو صندوق مقفولين، ومثلهما ما يكون بحكمهما عرفاً وعادةً من الثياب والأواني والجواهر، ويجب حفظ الطعام في البيت، وكذا كثير من الفرش والأواني، ويجب حفظ الدابّة في المكان المعتاد لها، والشاة مراحها، وكذا البقر والإبل، ويجب حفظ الجارية في بيته.

فلو خالف من الأعلى إلى الأدنى ضمن ولو عكس لم يضمن، إلّا إذا كان محلّ خطر، كما إذا وضع الشاة في مكانٍ مقفول فاحتصرت فماتت مع احتمال الضمان مطلقاً؛ لأنّ مخالفة العادة تعدٍّ.

ولا فرق في لزوم حفظ كلّ في محلّه المعتاد للحفظ فيه بين كون الودعيّ مالكاً له وحاصلاً عنده، وبين ما لم يكن فيجب عليه تحصيله، وبين ما كان المودع عالماً بكونه عنده أو لم يكن، إلّا إذا فهم من حال المودع أنّه أذن في وضعه في غير الحرز المعتاد.

ولا يجوز وضع الوديعة في المكان المشترك بينه وبين غيره ولو كان أميناً ما لم يأذن له المودع، فلو وضع الوديعة في صندوق مشترك أو بيتٍ كذلك بحيث يدخل فيه غيره، ضمن، وهذا ظاهر جملة من الأصحاب (1).

ولكنّه لا يخلو من ضعف، بل الحق أنّ الاشتراك إن كان بين الودعيّ وبين أجنبي أو بين مجهول الحال عنده، ضمن ولو كان بين عياله أو أولاده أو إخوانه أو جواريه الذين يأمن منهم عادةً ويضع أمواله بأيديهم غالباً، فإنّه لا ضمان؛ لجريان العادة بحفظ الودائع على ذلك النحو، والاحتياط غير خفيٍّ.

سادسها: فيما يجب على الودعيّ لو أودع المودع عنده دابّة وقبلها المستودع

سادسها: لو أودع عنده دابّة وقبلها المستودع، وجب على الودعيّ الإنفاق عليها، كما يجب عليه حفظها وحراستها من العوارض ومن المؤذى من الحيوان، صغيراً كان أو كبيراً، ولا يجب عليه المباشرة بنفسه بل بما تقضي به العادة منه أو من وكيله أو من عبيده أو أزواجه


1) راجع تذكرة الفقهاء 16: 168، فرع (أ، ب) من المسألة 20؛ ومسالك الأفهام 5 : 102.

بشرط الائتمان، وكونه ممّن لا يباشر بنفسه عادة، ولا يثبت له أُجرة المثل؛ لظهور التبرع في عمل الودعيّ إلّا مع الشرط، أو جريان العادة بالأُجرة.

هذا إذا كانت النفقة من مال المالك، فإن لم يدفع المالك النفقة وأمره بالإنفاق عليه، وجب عليه أيضاً بذل المال للنفقة ورجع بها إلى المالك؛ لظهور الأمر بالرجوع عليه.

ولو أطلق المودع فلم يأمره بالإنفاق ولا ببذل المال ولم ينهه عنهما، لزمه أيضاً الإنفاق وبذل المال، ولكن إن كان المالك موجوداً توصل إلى إذنه أو إذن وكيله، ويرجع عليه بعد ذلك، وإلا رجع إلى الحاكم، فإن أنفق منه أو من بيت المال فلا كلام، وإلا أذن للمستودع بالإنفاق بنيّة الرجوع، فإن أنفق رجع.

وللحاكم أن يأذن للمستودع بالاستدانة والرجوع على المالك، وله أن يأذن له ببيع بعض الوديعة أو قبولها بالإنفاق عليها وحفظ باقيها.

ولو أنفق المستودع من دون رجوع إلى الحاكم، جاز، ولا ضمان عليه، بل لا يبعد أن له أن ينفق بنيّة الرجوع ويرجع مع الإشهاد من غير حاجة إلى الرجوع إلى الحاكم؛ لأنّه محسن، وما على المحسنين من سبيل.

بل قد يقال: إن الإيداع مع الإطلاق بمنزلة الإذن الضمنية في الإنفاق.

ولو لم يوجد الحاكم أنفق بنيّة الرجوع ورجع على المودع، والأحوط الرجوع إلى عدول المسلمين.

ويُصدَّق قول المستودع في نيّة الرجوع؛ عملاً بالظاهر، ولأنّه أبصر بنيّته. والأحوط انضمام اليمين إليه.

ولو اختلفا في قدر النفقة أو طول زمانها، فالقول قول المودع؛ عملاً بالأصل.

وفي حكم النفقة الدواء المحتاج إليه في الحفظ، والظرف المحتاج إليه.

وفي حكم الحيوان غيره، كسقي الشجر والزرع.

ولو نهي المالك عن الإنفاق بعد قبول الوديعة، وجب على المستودع الإنفاق إن كان حيواناً، وإن لم يكن حيواناً فلا وجوب، ولا ضمان عليه بعدم الإنفاق على أي تقدير؛ لإذن المالك له في إتلاف ماله كما يأمره بقتل حيوانه، ولكن لو أنفق مع الوجوب فإن كان بإذن الحاكم ونيّة الرجوع رجع، وإن لم يكن بإذن الحاكم ففي رجوعه مع نيّة الرجوع إشكال.

بل قد يقال: إن إنفاقه بعد نهي المالك من دون رجوع إلى الحاكم تعدٍّ مقتض للضمان. فاللازم حينئذٍ الرجوع إلى الحاكم لينفق هو، أو يبيع بعضاً من الوديعة لحفظ باقيها، أو يأمر المستودع بالاستدانة أو بالإنفاق بنيّة الرجوع.

نعم، لو لم يوجد الحاكم لزمه الإنفاق، وكان نهي المالك لا عبرة به، وجاز له الرجوع بعد نيته.

سابعها: لو عين المودع للوديعة حرزاً وجب على المستودع وضعها في حرزها

سابعها: لو عين المودع للوديعة حرزاً على جهة تعيين الجنسية أو النوعية أو الشخصية، لزم المستودع ذلك، ولا يجوز له وضعه في غيره أو نقله منه بعد وضعه فيه، سواء في ذلك الأدنى والمساوي في الحفظ، بل والأعلى إذا لم يفهم أنّ القصد في التعيين هو نفس الحفظ، فيكون الأعلى داخلاً بمفهوم الأولوية، ومثله المساوي في دخوله بمفهوم المساواة.

وأما إذا لم يظهر من المودع أن المقصود هو نفس الحفظ سواء ظهر خلافه أو شكّ في قصده، فالحكم فيه بعدم جواز التغيير والنقل مطلقاً هو الأظهر.

نعم، قد يقال: إن ظاهر الإيداع يقضي بأن المقصود هو نفس الحفظ لا غيره، وحينئذٍ فيتّجه الجواز مطلقاً.

والتفصيل بين الأعلى فيجوز، وبين المساوي فلا يجوز؛ للفرق بين مفهوم المساواة والأولوية قويٌّ.

ولو قلنا بأنّ الظاهر من الإيداع هو إرادة نفس الحفظ لصدق التعدّي عرفاً مع مخالفة المالك فيما نص عليه.

ثامنها: في أنّه تضمن الوديعة بالتعدّي والتفريط

ثامنها: تُضمن الوديعة بالتعدّي والتفريط؛ للإجماع بقسميه (1)على الظاهر.

وللصحيح: في رجل وضع عند رجل وديعةً فوضعها في منزل جاره فضاعت هل يجب عليه إذا خالف أمره وأخرجها عن ملكه؟ فوقع عليه: «هو ضامن لها» (2).

ومرجع التعدّي والتفريط إلى العرف ومرجع التعدّي إلى فعل ما لا يجوز فعله في الأمانة مع عدم إذن المالك به، ومرجع التفريط إلى ترك ما لا يجوز تركه مع عدم إذن المالك به.

فمن الأوّل: لبس الثوب، وركوب الدابّة، وإنكار الوديعة مع مطالبة المالك أو مطلقاً على


1) رياض المسائل 9 : 422.

2) وسائل الشيعة 19 : 81 - 82، الباب 5 من أبواب كتاب الوديعة، ح 1.

قول، أو نقلها إلى مكان آخر، أو السفر بها، أو فتح قفلها، أو فتح الكيس المختوم، أو تناول شيءٍ منه، أو النسخ على الكتاب مع فتحه والتصرف فيه، وأما النسخ عليه مفتوحاً، أو النقش على الوديعة من بعد فالظاهر أنّه ليس من التعدي.

ومن التعدي: خلط الوديعة مع غيرها، سواء كان ممّا يتميّز أم لا، وليس منه جعل الودائع في مكان واحد.

وبالجملة، فالضابط ما يُعدّ به خائناً.

ومن الثاني: ترك نفقة الدابّة، وترك التحفظ عليها، وترك جعلها في الحرز، وترك نشر الثوب وطيّه ولبسه في مقام لزوم لبسه، وترك نقلها، أو السفر بها مع لزومهما، إلى غير ذلك، وقد حكي الإجماع على الضمان في كثير ممّا ذكرنا (1).

ويلحق به غيره؛ للمساواة.

نعم، قد يظهر من المنقول عن الصدوق في الرهن الذي هو بحكم الوديعة: عدم الضمان بترك نشر الثوب وطيه ولو احتاج إليه (2)، كما يظهر من جملةٍ من الأخبار ذلك، كالصحيح: في رجل رهن عنده ثياباً تركها مطوية لم يتعدّها ولم ينشرها حتّى هلكت، قال: «هذا نحو واحد يكون حقه عليه» (3)و نحوه غيره (4)، وكذا في المنقول عن المقنع (5).

وفي الجميع قصور عن الدلالة على نفى الضمان وغايته أنّه دال على بقاء الدين، ولا ملازمة بينه وبين عدم الضمان إلّا على القول بوقوع التهاتر القهري بين الدينين، وهو محلّ كلام.

تاسعها: عدم صحّة الوديعة من المجنون والصبي

تاسعها: لا تصحّ الوديعة من المجنون والصبي، وفي صحتها من السفيه بحث.

ولو أودع الصبي أو المجنون مالاً، ضمنه القابض، ولا يبرأ برده عليهما، بل لا بدّ من ردّه فوراً على الوليّ أو الوصي أو الحاكم الشرعي.

ولو خيف من التلف على ما في يد الطفل أو المجنون فقبضهما القابض حسبةٌ لم يضمن،


1) رياض المسائل 9 : 424.

2) كما في المصدر.

3) وسائل الشيعة 18 : 389 الباب 6 من أبواب كتاب الرهن، ح 1.

4) المصدر : 390 ذيل الحديث 1.

5) المقنع : 383 - 384.

إلا مع التعدّي أو التفريط أو تأخير الردّ إلى وليهما فوراً بحسب الإمكان.

ولو أودع الكامل طفلاً أو مجنوناً غير مميزين لم يضمنا، سواء كان جاهلاً بهما أو عالماً، وسواء أتلفا بتعد أو تفريط أو بغيرهما، وسواء تلف المال لنفسه أو أتلفاه، كلّ ذلك للأصل، ولأن الأصل في الضمان مترتبة على وجوب الحفظ ولا وجوب عليهما فلا ضمان.

ولو أودع مميزاً، احتمل ضمانه مطلقاً ؛ لعموم: «على اليد» (1)وهو من خطاب الوضع، فلا يختص بالمكلّفين خاصّة، واحتمل عدمه مطلقاً؛ لانصراف الخطاب إلى المكلّفين؛ لأنّ الغالب تبعية الخطاب الوضعي للخطاب الشرعي، واحتمل التفصيل بين ما إذا تعدّى أو فرّط فإنّه يضمن، وبين ما لم يتعدّ أو يفرّط فلا.

والأوجه: التفصيل بين مباشرة الإتلاف فيضمن وبين عدمه فلا؛ تمسكاً بعموم ما دلّ على ضمان مَنْ أتلف مال غيره.

عاشرها: وجوب ردّ الوديعة على المالك أو وكيله إن كان حاضراً وإن كان غائباً انتظره

عاشرها: يجب ردّ الوديعة على المالك أو وكيله إن كان حاضراً، وإن كان غائباً انتظره، ولا يجوز له أن يدفعها إلى غيره ولو إلى الحاكم، إلّا لضرورة كالخوف عليها أو التقية أو إرادة السفر المضطر إليه فيجوز دفعها إلى الحاكم، وإلا فإلى عدول المسلمين.

ويحتمل جواز دفعها إلى الحاكم إذا لم يكن المالك حاضراً مطلقاً، سواء اضطر إلى الدفع أم لم يضطرّ إليه؛ لعموم ولاية الحاكم على مال الغائب.

ولكنه ضعيف؛ لمخالفته لظاهر فتوى الأصحاب.

وهل يجب على الحاكم القبول عند الردّ إليه؛ لأنّه مُعدّ للمصالح العامّة وولي على ما لا وليّ له، أو لا يجب؛ للأصل؟ وجهان، والأحوط الأوّل.

ويجري الحكم في كلّ أمانة، وفي الدَّيْن عند غيبة الغريم وإرادة صاحبه الوفاء، وفي المغصوب عند إرادة إرجاعه.

حادي عشرها: وجوب ردّ الوديعة إلى المالك عند المطالبة

حادي عشرها: يجب ردّ الوديعة إلى المالك عند المطالبة بمعنى رفع يده عنها والتخلية بينه وبينها؛ للإجماع والآية (2)والأخبار، ومنها: فيمن استودع آخر وهو خارجي شيطان


1) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

2) البقرة (2) : 283؛ النساء (4) : 58.

ولم أدع شيئاً، فقال: «قل له: يردّه عليه فإنّه ائتمنه عليه بأمانة اللّه تعالى» (1)وفي آخر دالّ على لزوم ردّ الوديعة ولو إلى قاتل ولد الأنبياء (2)، وفي ثالث ولو كان سيف قاتل عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

ويفهم منها أنّه لا يتفاوت في وجوب الردّ بين كون المال لمسلم أو كافر حربي أو غيره.

ولا ينافي ذلك كون مال الحربي فيئاً للمسلم؛ للزوم تخصيص ذلك بالوديعة، أو الحكم بكونه للمسلم، ومع ذلك فيجب رده على الكافر.

وأوجب بعضهم ردّ وديعة الحربي إلى سلطان المسلمين (4). وهو ضعيف.

وظاهر الأصحاب لزوم الردّ فوراً (5).

وناقشهم بعض المتأخرين؛ لعدم دلالة الأمر على الفور (6).

وهو ضعيف، وذلك لأن المقتضي للفور ليس مجرّد الأمر بل هو حرمة وضع اليد على مال الغير في جميع الأزمان، خرج زمن الفور، وبقي الباقي.

ويراد بالفور الفور العرفي، فلا يجب على المستودع الركض والسرعة في المشي على غير النحو المعتاد، ولا يجب عليه قطع الفريضة، أو ترك ما يضر بحاله تركه عادة أو شرعاً. فلا يجب عليه قطع النافلة، ولا قطع الحمّام، ولا قطع الأكل والشرب، ولا المسير في المطر، والاحتياط غير خفيٍّ.

وهل تفسد العبادة الموسّعة عند فعلها بوقت المطالبة؟ يبنى على أنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه الخاص، أم لا؟

وقد يقال على القول بالاقتضاء بعدم فساد العبادة؛ للسيرة الدالّة على عدم الفساد، وللزوم العسر والحرج لو قلنا بالفساد.

وهل الإشهاد على المودع في ردّ الوديعة عذر عن الفورية مطلقاً، أو ليس بعذر مطلقاً، أو التفصيل بين ما يكون أخذها بالإشهاد فيكون التأخير إليه عذراً، وبين ما لم يكن فلا يكون عذراً؟


1) وسائل الشيعة 19 : 74 الباب 2 من أبواب كتاب الوديعة، ح 9.

2) المصدر : 73، ح 6.

3) المصدر : 72، ح 2 بتفاوت يسير.

4) أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : 231.

5) نسبه إليهم الطباطبائي في رياض المسائل 9: 430.

6) البحراني في الحدائق الناضرة 21 : 427.

والأوجه أنّه في الوديعة ليس بعذر؛ لتصديق قول الودعيّ في الردّ دون غيره، إلّا أن يقال: إن الإشهاد لدفع ضرر اليمين ولو صادقاً، ومثل الإشهاد علم الناس بها.

ثاني عشرها: لزوم اتباع نهى المالك لو نهى صريحاً عن جعل الوديعة في مكان معين

ثاني عشرها: لو نهي المالك صريحاً عن جعل الوديعة في مكان معين، لزم اتّباعه، وضمن المستودع بمخالفته، سواء كان مساوياً أو أحرز. وفرق بين النهي الصريح والنهي الضمني التابع للأمر بوضعها في مكانٍ معين، حيث احتملنا أن نقلها إلى المساوي أو إلى الأحرز لا يوجب ضماناً، بل ربما ادعي الإجماع على أن نقلها إلى الأحرز جائز وغير موجبِ للضمان (1)، وإن كان لا يخلو عن مناقشة.

هذا كلّه إن لم يخف على الوديعة من التلف خوفاً ناشئاً عن علم أو ظن متاخم أو مطلقاً. بل لا يبعد حتّى مع الشكّ؛ لصدق الخوف معه عرفاً، فإن خاف جاز النقل، بل وجب على ما يظهر من جملة من الأصحاب ولو مع النهي الصريح، ولا ضمان، حيث فهم من نهيه أن المقصود منه الحفظ، أو لم يُفهم شيء من ذلك.

فإن نهاه عن النقل مع التصريح بأنّه ولو مع الخوف، فهل يجوز النقل؛ لبطلان نهيه؛ لأنّه بمنزلة السفه ومؤد إلى إضاعة المال المنهى عنها فيلغو، أو يجب؛ لوجوب حفظ المال المحترم كما يظهر من جملة من الأصحاب، أو لا يجوز؛ لأنّه تصرّف بمال الغير مع نهيه عنه؟ والأقوى الأوّل، وهو ظاهر الفقهاء، وعليه فلا ضمان لو نقل.

أما لو لم ينقل فتلف، فالظاهر أنّه لا ضمان كذلك؛ لسقوط احترام المال بإسقاط صاحبه له.

ولو احتاج النقل إلى أُجرة، لزم دفعها على المستودع حين وجوبه عليه.

وهل يرجع بها على المودع مع نيّة الرجوع مطلقاً، أو لا يرجع مطلقاً، أو يرجع مع عدم النهي عن النقل لا معه؟ وجوه، أقواها الأخير؛ للأصل.

وأما كونه محسناً وما على المحسنين من سبيل فموهون بنهي المالك.

نعم، في غير صورة النهي يكون محسناً، وتحمّل الأجرة عليه ضرر منفي، فله الرجوع حينئذٍ.

وهل يجب مع النقل كونه إلى الأحرز أو المساوي، أو يجوز ولو إلى الأدنى؟ وجهان: من لزوم الاقتصار في التصرّف بمال الغير على المقطوع به، ولأنّه بمنزلة الوكيل في اتباع


1) مسالك الأفهام 5 : 90.

الأصلح، ومن الأصل، واستواء الأمكنة في الحرز، كما إذا قبل الوديعة ابتداء فإنّه لا يجب عليه تحرّي الأحرز فالأحرز، وهذا الأخير أقوى.

ثالث عشرها: في أن تصرف المستودع في الوديعة فضولي موقوف على الإجازة

ثالث عشرها: لو تصرّف المستودع في الوديعة ببيع أو شراء، كان التصرّف فضولياً موقوفاً على الإجازة، فإن لم يُجز المالك وقع التصرّف باطلاً، وإن أجاز صحّ، ولو كان هناك ربح كان الربح للمالك، وعلى أي تقدير فالمستودع ضامن.

وفي الخبر المعتبر - بوجود ابن محبوب في سنده المنقول الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنه (1)-: فيمن استودع رجلاً مالاً فجحده فحلف عليه، ثمّ جاءه بعد ذلك بالمال، فقال: هذا مالك فخُذه، وهذه أربعة آلاف ربحها في مالك فهي لك مع مالك واجعلني في حلّ، وأخذتُ منه المال وأبيتُ أن آخذ الربح منه، وأتيت حتّى أستطلع رأيك، فما ترى؟ قال: فقال: «خُذ نصف الربح وأعطه النصف [ وأحلّه ] إنّ هذا رجل تائب واللّه يحبّ التوّابين» (2).

وظاهره صحّة عقود الودعيّ قهراً، وانتقال الربح للمودع كذلك، والأمر بإعطائه النصف عوضاً عن عمله للاستحباب؛ لمكان توبته، كما هو ظاهره.

وهو مخالف للقواعد القاضية بعدم نفوذ عقد الفضولي إلّا مع الإجازة، وحينئذٍ فحمله على وقوع الإجازة من المالك كما هو الغالب أوجه.

ويمكن الأخذ بظاهره تعبداً في صورة عدم إمكان استرداد عين الوديعة، كما هو الظاهر من مورد الخبر؛ لمكان الضرر على المودع بعدم استرداد عين ماله وبحبس المال عنه تلك المدّة، كما يشير إليه ما جاء في التجارة بمال اليتيم بغير وجه شرعي من «أنّ الربح لليتيم» (3)فإن كون الربح له غير موقوف على إجازة الوليّ. وتنزيله على الإجازة الإلهية - كما نزله الوالد (قدّس سِرُّه) (4)- ليس على نهج القوانين العادية بل من الأمور الخفية، وربما عاد إلى ما ذكرناه.

أما مع إمكان استرداد العين فالأخذ به بعيد جداً؛ اقتصاراً في مخالفة القواعد على القدر الممكن.


1) اختيار معرفة الرجال : 556، ح 1050.

2) وسائل الشيعة 19 : 89، الباب 10 من أبواب كتاب الوديعة، ح 1، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

3) المصدر 17 : 257 - 258، الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، ح 2، 3، 5.

4) شرح القواعد مخطوط.

وقد يظهر من إطلاق الخبر أيضاً عدم الفرق في استحقاق المالك الربح بين أن يأذن للودعي في التجارة بشرط الضمان، وبين أن لا يأذن، وهو في الثاني كما تقدّم.

وخالف ابن الجنيد في الأوّل، فجعل الربح الودعيّ (1)، ونفى عنه البأس في المختلف؛ لانقلاب الوديعة قرضاً عنده (2)، وربّما شهدت به الأخبار الواردة في المضاربة (3).

ولكنه بعيد أيضاً؛ لمخالفته القواعد من جهةٍ أخرى، وهي تبعية الربح لرأس المال، وما ورد في المضاربة لو قلنا به فللدليل.

ثمّ إنا لو أخذنا بظاهر الخبر المتقدّم فالظاهر عدم التفاوت بين كون الشراء بنفس العين وبين كونه بالذمّة، سواء اشترى بذمة المالك أو بالذمّة مطلقاً إذا دفع عنهما من نفس العين، بل لو اشترى بذمته فدفع عنها من الوديعة - كما هو الغالب في معاملة الخائن - كان مشمولاً لإطلاق الخبر المتقدّم (4).

ولكنه مشكل جداً؛ لاقتضاء القاعدة كون الربح للودعي، وكون الدفع فضولاً عما في الذمّة، فلا يؤثّر فساداً.

رابع عشرها: فيما يجب على المستودع لو ظهرت عليه أمارات الموت

رابع عشرها: لو ظهرت على المستودع أمارات الموت لزمه ردّ الوديعة إلى المالك، أو الحاكم : عند تعذره وتعذر الردّ إلى وكيله، أو إيداعها عند ثقة، أو الإشهاد عليها على نحو الشهادة المقبولة أو الإيصاء بردّها الثقة مأمون، وإلا كان مفرّطاً ضامناً، حتّى لو تبين كذب أمارات الموت كان ذلك من التفريط الموجب للضمان.

ولو لم تظهر له أمارات الموت فمات فجأةً فلا شيء عليه.

ويكفي في الإشهاد شهادة العدل الواحد لجواز ثبوت الحق بشهادته مع اليمين ويمين الاستظهار.

وقد يقال بوجوب الترتيب بين تلك الأفراد المتقدّمة فالرد ثمّ الإشهاد ثمّ الإيصاء.

ولا شك أنّه أحوط، إلّا أن الإيداع. عند الثقة قد يساوي الإيصاء والإشهاد، وقد يتقدّم الإشهاد عليه.


1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 34. المسألة 8.

2) مختلف الشيعة 6 : 34 المسألة 8.

3) راجع وسائل الشيعة 19 : 22 الباب 4 من أبواب كتاب المضاربة.

4) تقدّم في ص 29.

ولو لم يوص ولم يشهد فأنكر الورثة الوديعة كان القول قولهم، وللمودع عليهم اليمين على نفي العلم بها لا على البت كما هي القاعدة في الحلف على نفي فعل الغير.

ولو أقرّ الوارث بالوديعة وأنكر كونها في جملة التركة الموجودة، كان القول قوله مع يمينه على نفي العلم.

وكذا لو ادّعى المودع على الوارث تفريط المستودع بها ولو بترك الردّ أو الإشهاد أو الوصيّة، كان القول قول الوارث مع يمينه؛ لأصالة براءة ذمة الموروث من الضمان.

خامس عشرها: فيما يتعلّق بما لو كانت الوديعة غصباً وكان المودع مقهوراً

خامس عشرها: لو كانت الوديعة غصباً، فإن كان المودع مقهوراً فلا ضمان عليه، والضمان على الدافع، إلّا أن يزول عنه القهر ولم يردها إلى مالكها فيضمن حينئذٍ.

وإن لم يكن مقهوراً، فإن كان جاهلاً فتلفت عنده جاز رجوع المالك عليه وعلى الدافع، فإن رجع عليه رجع هو على الدافع لغروره، وإقدامه على عدم الضمان، والمغرور يرجع على مَنْ غرّه، وإن رجع على الدافع فلا رجوع له.

وإن علم بالغصب في الأثناء، وجب عليه إرجاع الوديعة إلى صاحبها إن تمكن وعلم به، فإن لم يتمكن سقط عنه الضمان، وإن لم يعلم بصاحبها كان حكمها حكم اللقطة يعرّف بها حولاً، ومن بعد ذلك يتصدق عن صاحبها.

ونُسب (1)ذلك للمشهور، ودلّ عليه الخبر - المعتبر بفتوى المشهور نقلاً بل تحصيلاً -: عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعاً واللصّ مسلم هل يردّه عليه؟ قال: «لا يردّه، فإن أمكنه أن يردّه على صاحبه فعل، وإلا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها، فيعرفها حولاً، فإن أصاب صاحبها ردّها عليه، وإلا تصدق بها، فإن جاء بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم، فإن اختار الأجر فله وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له» (2).

وظاهر جعلها بمنزلة اللقطة أنّها إذا كانت أقل من درهم لا يجب التعريف بها سيما وإنّ موردها الدراهم والمتاع، والغالب أنّهما أكثر من درهم.

والاحتياط يخالف ذلك؛ لإطلاق الفتوى بوجوب التعريف.


1) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 431.

2) وسائل الشيعة 25: 463 - 464 الباب 18 من أبواب كتاب اللقطة، ح 1.

وكذا ظاهر ذلك أنّه يجوز بعد التعريف بها سنةً أن ينوي بها التملك مع الغرم، وأن يُبقيها أمانة، وأن يدفعها إلى الحاكم كما هو الشأن في اللقطة على ما هو التحقيق، إلّا أن ذيل الرواية ممّا يؤذن بلزوم التصدّق عليه فيكون كالمخصص؛ لعموم المنزلة، والاحتياط أيضاً قاض بذلك.

ونسب للمفيد (رَحمهُ اللّه) : أن الوديعة إذا لم يُعرف أربابها أخرج منها الخمس لفقراء السادة، والباقي لفقراء المؤمنين (1).

ونُسب لأبي الصلاح: لزوم حملها إلى الإمام، فإن تعذر ذلك لزم حفظها والوصيّة بها (2).

ونُسب لابن إدريس ذلك أيضاً (3)، وجَعَله جملة من المحقّقين (4)، أنّه الأحوط.

ونُسب للشهيد (رَحمهُ اللّه) التخيير بين الصدقة بها والتعريف وبين إبقائها أمانة (5).

وظاهرهم قبل التعريف وبعده، وهو قريب إلى الأخبار الواردة في مجهول المالك، والأخذ بالاحتياط في هذه الموارد أجمل.

ولو مزج الغاصب الوديعة بماله وأودع الجميع، فإن أمكن الودعيّ تمييز كلّ منهما ردّ كلا منهما على صاحبه وإن لم يمكنه ردّ الجميع على الغاصب؛ لأن منعه منه يقضي بمنعه عن ماله.

ويحتمل لزوم الجميع على المغصوب منه، وعليه ردّ المغصوب.

والأوجه: لزوم الرجوع إلى الحاكم لتميّز المغصوب من غيره، فإن لم يمكن الرجوع تولّى ذلك عدول المسلمين، فإن لم يمكن تولّى ذلك المستودع.

ولو أراد الغاصب الوديعة من المستودع ليردّها إلى المالك لم يجز دفعها إليه.

ولو لم يعرف المستودع المالك، بحث عنه، ولا يجوز أن يردها إلى الغاصب وإن عرفه.

سادس عشرها: فيما لو أراد المستودع السفر جاز له ولا يلزمه الامتناع

سادس عشرها: لو أراد المستودع السفر بعيداً أو قريباً، شرعيّاً أو عرفياً، جاز له، كما هو ظاهر الفقهاء، ولا يلزمه الامتناع للأصل، ولما ورد عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنّه لما أراد الهجرة سلّم


1) المقنعة : 627.

2) الكافي في الفقه : 231 - 232.

3) السرائر 2 : 436.

4) منهم : : العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 30، المسألة 2.

5) مسالك الأفهام 5: 99.

الودائع لأُم أيمن وأمر عليّاً بردّها (1)، والظاهر بل المقطوع به أن أهل الودائع لم يأذنوا له بالسفر ولا بالإيداع.

ومثل السفر أيضاً التردّد في محال البلد وحدودها، فلا يجب على الودعيّ المقام عند الوديعة ونظارتها ما لم يخش عليها عادة في ذهابه عنها الذهاب؛ للأصل، ولقضاء السيرة بذلك. وبالجملة، فالواجب معاملة الوديعة معاملة صاحب المال الحريص عليه.

ولا يجوز للمستودع اصطحابها معه في السفر من غير عذر؛ لأن السفر بها تعد وتغرير، سواء كان الطريق مأموناً أو مخوفاً، بل يجب عليه ردّها إلى المالك أو وكيله، فإن لم يمكن فإلى الحاكم؛ لأنّه الوليّ العام في مثل هذا المقام، فإن لم يمكن أودعها عند من يوثق به مع الإشهاد مهما أمكن للاحتياط عليها، وفي الخبر المتقدّم (2)ما يدلّ على جواز الإيداع، فإن لم يمكن ذلك دفنها في بلده وأوصى بذلك مَنْ يأمنه ويثق به، ولا يجوز دفنها سراً؛ لتأديته إلى تلفها واضمحلالها عند موته وشبهه.

وإن خاف عليها من الإبقاء في البلد من حرقٍ أو نهبٍ أو غرق وأمن عليها في السفر، لزمه اصطحابها معه في السفر؛ لوجوب حفظها عليه ولا يتمّ إلّا به.

وكذا لو كان خطر السفر أقل من خطر الحضر.

ولو تساوى الخطران، رجّح خطر الحضر؛ لأن السفر في نفسه مظنة الخطر زيادة على الحضر.

ولو لم يمكنه السفر بها، أو كان عليها خطر في السفر ولم يمكنه في الحضر تسليمها إلى المالك أو مَنْ بحكمه، ولا إلى الحاكم ولا إيداعها من المأمون، حرم عليه السفر، ووجب عليه البقاء لحفظها؛ لوجوب ما لا يتم الواجب إلّا به.

والأحوط ثبوت الضمان عليه لو سافر بها من غير ضرورة إلى السفر ولم يكن في إبقائها خطر عليها ولكن لم يجد مَنْ يُبقيها عنده.

ولو استودع الوديعة مسافراً، كان حالها حاله إلى أن يرجع من سفره.

وفي حكمه في سفر آخر وجهان، أحوطهما عدم السفر بها.


1) الحاوي الكبير 8: 355 - 356 البيان 6 : 422؛ المغني المطبوع مع الشرح الكبير 7: 288.

2) تقدّم آنفاً.

هذا كلّه مع الإطلاق، وأما مع الإذن فحكمها تبعية الإذن، فلو أذن له باصطحابه السفر جاز.

وكما لا يجوز السفر بالوديعة اختياراً، كذلك لا يجوز التردّد بها في الطرق والأسواق إذا كانت ممّا يوضع في مكانٍ خاص، إمّا لو كانت ممّا بني على النقل والانتقال أو ممّا يوضع في الجيب ونحوه جاز.

سابع عشرها: فيما لو أودع الوديعة عند غيره من دون إذن المالك ضمنها

سابع عشرها: لو أودع الوديعة عند غيره من دون إذن المالك، ضمن من غير خلاف، سواء في ذلك البعيد والقريب والزوجة وغيرها، إلّا إذا أراد السفر ولم يمكن إيصالها إلى المالك أو وكيله أو إلى الحاكم، أو دعته للإيداع ضرورة، كالخوف عليها من نهب أو حرق، أو كان الرجل ممّن تجري عادته بعدم تولّي مفتاح الصندوق أو الغرفة، أو عدم اختصاصه بمكانٍ خاص عن عياله بحيث لا يدخل عليه أحد منهم وكان المودع عالماً بذلك، أو يكون المستودع قد أعلمه بذلك، جاز حينئذٍ الإيداع عند الغير والمشاركة معه فيها، وتسليط غيره عليها على ذلك النحو المذكور.

ولو لم يمكن حفظ الوديعة إلّا بلبس الثوب أو النوم على الفراش أو الركوب على الدابّة، لزم ذلك، ويتولاه المستودع، ولا أُجرة عليه للمودع لو فعل ذلك، ولو لم يفعل ضمن.

ثامن عشرها: حكم ما لو قبض المستودع الوديعة ابتداءً بقصد الخيانة أو قصدها في الأثناء

ثامن عشرها: لو قبض المستودع الوديعة ابتداءً بقصد الخيانة، أو قصد الخيانة في الأثناء، احتمل القول بلزوم الضمان مطلقاً؛ لعموم «على اليد» (1)مع الشكّ في الخروج عنه؛ للشكّ في صدق الوديعة الشرعيّة ابتداءً أو استدامة مع قصد الخيانة عليها.

واحتمل العدم؛ لصدق الوديعة عرفاً عليها، ومنع تسميته خائناً بمجرد النية، ومنع لزوم الضمان للخيانة مطلقاً إذا لم يصدق عليها اسم التعدّي والتفريط.

تاسع عشرها: في أنّ التفريط سبب في الضمان ولو لم تتلف الوديعة به

تاسع عشرها: التفريط سبب في الضمان ولو لم تتلف الوديعة به، فعلى ذلك لو ترك سقي الدابّة وعلفها على النحو المعتاد ضمن الدابّة، سواء ماتت بترك السقي أو غيره، وسواء ماتت في زمان يموت مثلها عادة بترك السقي فيه أو في أقل منه.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

ويظهر من بعضهم اشتراط الضمان بأن تموت بنفس الترك في زمان يموت مثلها فيه بتركه، حتّى أنّها لو ماتت قبل المدّة التي يموت مثلها فيها بالترك لم يضمن، ولو لم تمت مع مضيّ تلك المدّة ضمن النقصان.

وهو محلّ نظرٍ وتأمل.

العشرون: فيما لو أمره المالك بدفع الوديعة إلى الوكيل وجب ذلك

العشرون: لو أمره المالك بدفع الوديعة إلى الوكيل، وجب. وهل له التأخير إلى الإشهاد؟ يبنى على أن الودعيّ يُصدق قوله في الردّ إلى الوكيل كما يُصدق قوله في الردّ إليه، أو أن المأمور بالدفع إلى شخص يُصدَّق قوله بالدفع إليه؛ لأنّه وكيل على الردّ والوكيل أمين والأمين مُصدَّق على ما اؤتمن عليه، أو لا يُصدق أحدهما ؟ فعلى الأخير يجوز له ذلك؛ مخافة التضمين.

والظاهر: الأوّل؛ لأنّ يد الوكيل يد الموكّل.

نعم، لو حلف الوكيل على عدم وصولها إليه، صُدِّق، ولم يغرم للمالك بمجرد يمين الودعيّ على الإيصال إليه، وإنّما فائدة يمين الودعيّ رفع الضمان عنه.

ويحتمل أنّ للودعي التأخير للإشهاد وإن صُدِّق قوله بالدفع إلى الوكيل، وذلك لرفع مؤونة اليمين عنه ولو صادقاً.

ولو أذن المودع للمستودع بالإيداع، فهل له أن يودع بلا إشهاد؟ وهل يُصدق قوله بالإيداع؟ الظاهر ذلك في المقامين:

أما الأوّل: فلأن أمر الوديعة مبني على الإخفاء بخلاف الدين وشبهه؛ ولأنّ قول الودعيّ مقبول في الردّ فلا حاجة للإشهاد عليه.

وأما الثاني: فلأنّه وكيل في التصرّف بهذا النوع الخاص، والوكيل يُقبل قوله فيما وكل فيه.

أما لو أمره بدفع الوديعة لوكيله، ففي لزوم الإشهاد وجهان: من أنّ عدم الإشهاد تفريط؛ لاحتمال إنكار الوكيل ما دفع إليه فيحلف على عدمه، ويحلف الودعيّ على إيصاله إلى المالك فلم يبق للمالك حقّ على أحدٍ منهما فيعود عليه الضرر، ومن أن أمر الودائع مبني على الإخفاء أخذاً ودفعاً، فلا يلزمه الإشهاد ما لم ينصّ عليه.

ولا يبعد الأخير؛ استناداً للسيرة.

الحادي والعشرون: حكم ما لو جحد الودعيّ الوديعة من غير عذر بعد طلب المالك لها

الحادي والعشرون: لو جحد الودعيّ الوديعة من غير عذر كتقية أو نسيان أو خوف عليها

من ظالم أو سارق وكان ذلك بعد طلب المالك لها، ضمنها لو أقرّ بها بعد ذلك أو قامت عليه البيّنة؛ لأنّ الجحود خيانة، فتكون يده عليها حالة الجحوديد خيانة، لا يد أمانة متلقاة عن المالك.

والعمدة في ذلك فتوى الأصحاب، وأصالة الضمان مع الشكّ في شمول إطلاق أدلّة عدم ضمان الأمانة لمثل ذلك.

ولو ادّعى أن الجحود لعذر فأنكر المالك، كان القول قول المالك؛ لأصالة عدم العذر.

وكذا الحكم في كلّ تعد أو تفريط صدر من الودعيّ فادعى أنّه لعذرٍ.

ولو لم يكن المالك طالباً لها بل كان سائلاً عنها، ففي الضمان وجهان: من أنّ إنكاره خيانة، فلا تكون يده عن رضى المالك، فليست يد أمانة، ونفي الملزوم بإنكاره نفي للازمه، وهو كونها متلقاة عن يد المالك وإذنه، ومن أنّ الجواب بالنفي لازم أعم، فلعله عازم على التأدية وكان الإنكار لمجرد الكذب أو التحكم، فلا تكون يده بغير رضى المالك، ولا يبعد الأخير.

الثاني والعشرون: حكم ما لو مزج الوديعة بماله أو بمال المالك أو بمال ثالث مزجاً لا يتميّز أو يعسر تمييزه

الثاني والعشرون: لو مزج الوديعة بماله أو بمال المالك أو بمال ثالث مزجاً لا يتميّز أو يعسر تمييزه، ضمن.

ولو أخذ من دراهم المالك درهماً ثمّ أعاده بعينه، ضمنه دون غيره.

وإن امتزج بغيره ولو أعاد غيره، فإن امتزج في الباقي ضمنه وغيره، وإن لم يمتزج ضمنه بنفسه.

هذا إذا كانت الدراهم منثورةً، فلو كانت في صندوق أو كيس أو صرّةٍ ففتحها وأخذ منها درهماً، ضمن الجميع دون نفس المأخوذ؛ لصدق التعدّي على الجميع.

وفي ضمان الظرف مع المظروف وجهان، ولا يبعد الضمان.

هذا إن كان الظرف قد شدّه أو قفله المودع، أو صدر الشدّ أو القفل بأمره، وإلا فلا ضمان.

ولو فتح الكيس غير مريدٍ أخذ شيءٍ منه، ضمن أيضاً؛ لتعديه عليه عرفاً.

وكذا لو فتحه فدار فيه كيساً آخر، أمكن تمييزه أم لا.

ولو شقه أو بقره من أسفله، ضمن الظرف، والأظهر ضمان المظروف أيضاً.

ولو أودع عنده شيئاً واحداً عرفاً فتصرف ببعضه، ضمن الجميع.

ولو كانت أشياء لم يضمن سوى ما تصرّف فيه وإن كانت الوديعة مرّةً واحدة، فالمثليات المجتمعة شيء واحد، والقيميات أشياء متعددة، وفي الدراهم إشكال.

الثالث والعشرون : حكم ما لو أجرى على الوديعة عقود معاوضةٍ أو غيرها

الثالث والعشرون: لو أجرى على الوديعة عقود معاوضة من بيع وإجارة أو صلح أو هبة، أو غيرها من وقف وسكنى وصدقةٍ وعتق، ففي الضمان وعدمه وجهان: من أن مجرد اللفظ الخالي عن دفع ليس من التعدّي عرفاً، ومن أنّه مع قصده النقل والانتقال متعد عرفاً؛ لزيادته على مجرّد نيّة الخيانة بانضمام النواقل إليها.

ولو أذن المالك للودعي بحمل الأخف فحملها الأنقل، ضمن الدابّة، وضمن الأجرة إن تغاير الجنس، كما إذا أذن له بقطن فحمّلها حديداً، ولو كان لزيادة الوزن ضمن تفاوت أُجرة الزيادة دون المأذون فيه مع احتمال ضمان جميع أجرة الحمل، وضمن جميع قيمة الدابّة لو تلفت به لا نسبة قيمتها إلى قدر المأذون به وقدر الزيادة.

الرابع والعشرون: عدم جواز التصرّف بالوديعة من غير إذن صاحبها ولو بالفحوى

الرابع والعشرون: لا يجوز التصرّف بالوديعة من غير إذن صاحبها ولو بالفحوى لقبح التصرّف بمال الغير عقلاً ونقلاً: كتاباً (1)وسنّة (2)وإجماعاً.

وفي بعض الأخبار كخبر قرب الإسناد وجامع البزنطي (3)- ما يؤذن بجواز التصرّف مع نيّة الردّ.

وهما محمولان على حصول الإذن بالفحوى كما يفعله اليوم كثير من الناس.

الخامس والعشرون: فيما لو تصرّف المستودع بالوديعة حتّى ضمن تعلّق به الضمان

الخامس والعشرون: لو تصرّف المستودع بالوديعة حتّى ضمن تعلق به الضمان ولا يبرأ بمجرد إرجاعها إلى الحرز، أو ترك التصرّف بها بعد ذلك، أو تدارك التفريط الذي صدر منه، بل يبرأ إمّا بإرجاعها إلى المالك وإيداعها عنده جديداً، أو أذن المالك له بقبضها للوديعة بعد الإذن، أو إسقاط الضمان عنه؛ لأنّه حقّه فله إسقاطه.

وقد يستشكل في البراءة من الضمان بالإسقاط؛ لأنّه إسقاط ما لم يجب.

وفيه: أن كونه مضموناً ثابت بالفعل، وكذا فيما لو قال له: «أودعتكها» أو «أنت نائب عنّي في حفظها» أو «استأمنتك عليها ولم يأذن له في قبضها جديداً؛ لاستصحاب الضمان، وعدم منافاته للاستيداع في الاستدامة، كما لو أودعه مغصوباً وهو في يده، فإنّه ضامن له،


1) البقرة (2) : 188؛ النساء (4) : 29.

2) وسائل الشيعة 9: 540 - 541 الباب 3 من أبواب الأنفال، ح 7.

3) قرب الإسناد : 284، ح 1124؛ السرائر 3: 573 - 574؛ وعنهما في وسائل الشيعة 19 : 86، الباب 8 من أبواب كتاب الوديعة، ح 2 وذيله.

ولا يزول ضمانه بمجرد صدور عقد الوديعة من المالك والإشكال في محلّه.

والتحقيق: أن التعدّي والتفريط لا يُخرجان الأمانة المالكية عن كونها مالكية، ولا يُخرجان الوديعة عن حكم الوديعة سوى حكم الضمان؛ من حيث إنّ الوديعة من دونهما غير مضمونة، ومعهما مضمونة، فعلى ذلك لو تعلّق الضمان بالودعي من حيثية التعدّي والتفريط فلا يزول إلّا بإسقاطه؛ بناءً على جواز إسقاط مثل هذا الحق، أو بالإيداع جديداً، ولا يزول بمجرد قول: «أودعتك هذا» أو «استنبتك في الحفظ» أو شبههما؛ لأنّه لم يُفد فائدةً أُخرى سوى تأكيد الاستيداع المتقدّم، وهو مجامع للضمان فلا يرتفع بما دلّ عليه.

السادس والعشرون: في جملة ممّا يتعلّق بالدعاوي وفيه أمور :

أحدها: لو اختلفا في أصل الوديعة، كان القول قول منكرها؛ للأصل.

ولو اتّفقا على صدورها واختلفا في التلف وعدمه، كان القول قول الودعيّ في حصول التلف؛ لأنّه أمين فى الحفظ وقول الأمين مسموع فيما اؤتمن عليه؛ وللإجماع المنقول على ذلك (1)وللزوم الضرر والضرار على الودعيّ بطلب البيّنة منه.

والظاهر: عدم الفرق بين دعوى التلف مطلقاً، وبين دعواه مستنداً إلى سبب خاص، ولا فرق في السبب بين كونه ظاهراً أو خفيّاً.

خلافاً لمن يظهر منه الفرق بين السبب الظاهر والخفي؛ حيث إنّه لم يقبله من دون بيِّنةٍ في الأوّل، وقبله مطلقاً في الثاني (2).

والأقوى أن قبول قوله مفتقر إلى اليمين؛ اقتصاراً في سماع قول المدّعي على المورد اليقين.

وقيل بسماع قوله من دون يمين (3)استناداً إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المودع إذا كان غير ثقةٍ هل يُقبل قوله؟ قال: «نعم، ولا يمين عليه» (4)، وإلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لم يخنك الأمين ولكنّك ائتمنت الخائن» (5)


1) تذكرة الفقهاء 16 : 212، المسألة 62.

2) المبسوط 141:4.

3) قال به الصدوق على ما حكاه عنه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 118 نقلاً عن المقنع، ولم نجده فيه.

4) وسائل الشيعة 19 : 80 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، ح 7.

5) المصدر. ح 8.

وإلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ليس لك أن تتهم من ائتمنته ولا تأمن الخائن» (1)وإلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ليس لك أن تأمن مَنْ خانك، ولا تتهم من ائتمنت» (2)إلى غير ذلك ممّا دلّ على النهي عن اتّهام الأمين، وهو يلازم تصديقه من دون إحلاف.

وفيه ضعف؛ لعدم معارضته الإجماع المنقول المنجبر بفتوى الفحول.

وقد يقال بالفرق بين كونه متهماً وغير مأمون فلا يُقبل قوله إلّا مع اليمين، وبين كونه ثقةً مأموناً فيلزم تصديق قوله من دون يمين، وربما قيل: إن في الأخبار دلالة عليه.

ثانيها: حكم ما لو ادّعى الودعيّ الردّ إمّا على المالك أو على وكيله أو إلى مَنْ أذن له المالك بالردّ إليه

ثانيها: لو ادّعى الودعى الرد، فإن كان على المالك صُدِّق قوله بيمينه على الأظهر الأشهر؛ لأنّه قابض لمصلحة المالك فلا يكلّف البيّنة، وكذا لو كان الردّ على الوكيل؛ لأنّ يد الوكيل يد الموكّل، وكذا لو كان على غيرهما وكان مأموراً بالدفع إليه؛ لأنّه حينئذٍ وكيل في الدفع فيُصدق قوله فيه، ولا يُصدق قوله في الردّ على الوارث؛ للأصل، ولأنّه لم يدفع المال إلى الودعيّ وإن انتقل إليه بعد ذلك.

ولو ادّعى الودعيّ الردّ إلى مَنْ أذن له المالك بالردّ إليه فأنكر المالك الإذن، كان القول قوله بيمينه.

فإذا حلف المالك نظر، فإن أقرّ المدفوع إليه بالقبض والعين باقية رُدّت إلى المالك، فإن تعذر ارتجاعها منه لغيبة أو نحوها تخيّر المالك بين الرجوع إليه والصبر، وبين الرجوع على الودعيّ لمكان الحيلولة، فإن رجع على الودعيّ فأخذ منه البدل رجع الودعيّ على المدفوع إليه وأخذ منه عين الوديعة عوضاً عما دفعه، أو ردّها على المالك وأخذ البدل الذي دفعه إليه إن كان موجوداً.

وإن كانت العين تالفة، فإن رجع على الودعيّ لم يرجع على المدفوع إليه؛ لاعترافه بظلم المالك له، وكذا لو رجع على المدفوع إليه؛ لاعتراف الودعيّ بظلمه فلا يرجع إليه.

وإن أنكر القبض فالقول قوله بيمينه، فإذا حلف اختص الغرم بالمستودع.

وإذا أقرّ المالك بالإذن، فإن دفعها مع الإشهاد لزم تصديقه؛ لأنّه وكيل حينئذٍ في الدفع وقد أخبر به، وإن دفعها بدونه احتمل عدم لزوم الضمان عليه؛ لأنّ الإذن بدفع الوديعة لا يقضي بلزوم


1) وسائل الشيعة 19: 81 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، ح 10.

2) المصدر، ح 9.

الإشهاد كما يقضى به بقضاء الدين، واحتمل لزومه؛ لأنّ الدفع بدون إشهادٍ تفريط، كقضاء الدَّين من دونه، واعتراف المالك بوصول الوديعة إلى المأذون لا ينافي الضمان من جهة عدم الإشهاد.

ثالثها: حكم ما لو اختلف المالك مع من في يده المال فقال المالك: وديعة وقال الآخر: رهن أو قرض

ثالثها: لو اختلف المالك مع مَنْ في يده المال فقال المالك: وديعة، وقال الآخر: رهن، فالقول قول المالك.

ولو قال المالك: هي وديعة، وقال الآخر: هي قرض كي يجوز له دفع مثلها أو قيمتها دون عينها، كان القول قول المالك.

ولو اختلفا بعد تلفها من غير تفريط، فقال المالك: هي قرض، كان القول قول المالك مع يمينه؛ لعموم دليل ضمان ما أخذت اليد (1)، وخصوص الموثّق: عن رجل استودع رجلاً ألف در هم فضاعت فقال الرجل كانت عندي وديعة وقال الآخر إنّما كانت عليك قرضاً؟ قال: «المال لازم له إلّا أن يقيم البيّنة أنّها كانت وديعة» (2)ونحوه غيره (3).

ولا بن إدريس هنا تفصيل (4)، ضعيف.

رابعها: حكم ما لو اختلفا في قدر قيمة الوديعة بعد تلفها إذا كانت مضمونة

رابعها: لو اختلفا في قدر قيمة الوديعة بعد تلفها إذا كانت مضمونة، فالقول قول الودعي؛ للأصل، لا لكونه أميناً كي يقال بارتفاع أمانته بالخيانة في التعدّي والتفريط.

وقيل: إن القول قول المودّع (5). ونقل أنّ فيه رواية (6).

وهو ضعيف، والرواية لم تثبت.

خامسها: حكم ما لو اختلفا في أصل الوديعة أو في قدرها أو في اشتراط أمر زائد فيها أو

خامسها: لو اختلفا في أصل الوديعة أو في قدرها أو في اشتراط أمر زائد فيها أو في التعدّي أو التفريط فيها أو في مخالفة أمر المالك فيها، كان القول قول الودعيّ في ذلك كله.

سادسها: فيما إذا مات المودع سُلّمت الوديعة إلى وارثه

سادسها: إذا مات المودع سُلّمت الوديعة إلى المعلوم أنّه وارث أو مَنْ قامت عليه البيّنة. وفي جواز تأخيرها لاحتمال وجود وارث آخر وجهان، تقدّم الكلام عليهما (7).


1) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

2) وسائل الشيعة 19 : 85 الباب 7 من أبواب كتاب الوديعة، ح 1.

3) المصدر ذيل الحديث 1.

4) السرائر 2 : 437.

5) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 626 والشيخ الطوسي في النهاية : 437 وابن زهرة في غنية النزوع 1: 284.

6) نقله الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 436.

7) تقدّم في ص 45.

ويقوى جواز التأخير فيما لو ادّعى شخص أنّه وارث بقدر إثبات دعواه عرفاً.

ويجب دفعها فوراً وإن لم يطالب الوارث، سواء علم أو لم يعلم؛ لأنّها تعود أمانةً شرعيّة.

ولو كان الوارث متعدّداً سلّمها إلى الجميع أو وكيلهم أو وصيّهم، ولو سلّمها لواحد ضمن حصة الباقين.

ولو كان الحاضر أحدهم وأراد حصّته، لم يجز للودعي القسمة، بل لا بدّ من الرجوع إلى الحاكم في القسمة ودفع حقّه إليه.

ولو امتنع الودعيّ من الرجوع إلى الحاكم، ضمن حصة المطالب، ولا يلزم الودعيّ مؤونة الردّ، بل عليه الإعلام فوراً والتخلية والدفع.

سابعها: حكم ما مات الودعيّ وعلمت الوديعة أو لم تُعلم

سابعها: لو مات الودعيّ فإن عُلمت الوديعة بعينها فلا كلام، وإن لم تعلم بعينها، فإن علمت أنّها في جملة أعيان التركة الموجودة كان المودع شريكاً للوارث في القدر المعلوم ما قامت عليه البيّنة، وإن لم يُعلم وجودها في أعيان التركة، فإن علم تفريط الودعيّ فيها بترك الوصيّة أو شبهها كانت ديناً في ذمته، وحكمها كحكم سائر ديون الميت، وإن لم يُعلم التفريط بها فالأظهر عدم لزوم إخراجها من التركة؛ لأصالة عدم كونها في جملة أعيان التركة كي يُحكم بشركة المودع للوارث، وأصالة عدم التعدّي والتفريط عليها بها كي يُحكم بضمان الودعيّ، فتُعامل معاملة الدين، وأصالة بقائها في الوجود الخارجي أو تحت يد المودع أو في بيته لا تقضي بكونها في جملة أمواله، إلّا إذا عُلم كونها في جملة أمواله قبل الموت أو قبله وبعده.

ونُسب (1)للمشهور: أنّ الميّت إذا اعترف بالوديعة وجهلت عينها فإنّها تُخرج من أصل تركته، ولو كانت له غرماء وضاقت التركة حاصهم المودع؛ لأنّ اعترافه بالوديعة زمن حياته أوجب ثبوت يده عليها والتزامه بها إلى أن يردّها إلى مالكها، فإذا لم تعلم كان ضامناً لها؛ لعموم «على اليد» (2)ولأنّه بترك تعيينها ضامن لها لتفريطه بها؛ ولأصالة بقائها في يده إلى الموت وبعده تكون في جملة التركة، فإذا تعذر الوصول إلى عينها وجب البدل، فتكون بمنزلة الدين فيحاص صاحبها الغرماء.


1) الناسب هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5: 123.

2) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

وفي هذا الكلام ضعف يظهر ممّا تقدمه، وقد تقدّم نظير ذلك غير مرّةٍ (1).

ثامنها: حكم ما لو أنكر الوديعة ثمّ أقربها ثمّ ادّعى تلفها بعد الإنكار أو قبله

ثامنها: لو أنكر الوديعة ثمّ أقرّ بها ابتداءً أو قامت عليه البيّنة فصدقها ثمّ ادّعى بعد الإقرار والتصديق تلفها مطلقاً أو تلفها بعد الإنكار، ضمن.

وإن ادّعى تلفها قبل الإنكار، فقيل: لا تُسمع دعواه ولا تُقبل بيّنته؛ لتكذيبه إياها، ولا يتوجّه بها عليه يمين، ولا على المدعى (2).

وقيل: تُسمع دعواه ويُقبل يمينه؛ لاحتمال استناد الإنكار لسهو أو نسيان أو غفلة أو نحو ذلك(3).

وقيل: إنّه لا تُسمع دعواه، ولا تُقبل بينته، ولا يتوجه عليه يمين، ولكن يتوّجه بها يمين على المودع لو طلب إحلافه على نفى العلم (4).

وقيل: إن أظهر لإنكاره تأويلاً ممكناً كما يقول: «أردتُ ليس لك عندي وديعة يلزمني ردّها أو ضمانها» أو نحو ذلك، سمعت دعواه وبيّنته، وإلا فلا تُسمع (5).

وقيل: إن كان الإنكار لأصل الإيداع، لم تُقبل دعواه ولا بينته، وإن كان الإنكار لشغل ذمته أو لعدم وجود الوديعة الآن عنده أو لعدم لزوم شيءٍ عليه أو نحو ذلك، سمعت دعواه وقُبلت بينته (6)، بل قيل: إن هذا ليس من محل الخلاف في المسألة (7).

والأظهر القبول والسماع إن أظهر تأويلاً ممكناً لعدم ثبوت التعدّي عليه الموجب للضمان، ولأنّ تكذيب بيّنته إنّما يثبت بالمحقق لا بالموهوم.

تاسعها : حكم ما لو كانت عنده وديعة فادّعاها اثنان

تاسعها: إذا كانت عنده وديعة فادعاها اثنان فإما أن يقرّ الودعيّ بكونها لأحدهما خاصّة، أو يقر بكونها لهما، أو يكذبهما، أو لا يدري لمن هي منهما مع علمه بأنّها لأحدهما، أو لا يدري بأنّها لهما أو لغيرهما.


1) تقدّم في ص 45 و 50.

2) مسالك الأفهام 5 : 120.

3) حكاه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 37، المسألة 15.

4) مختلف الشيعة 6 : 37 المسألة 15.

5) حكاه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 121 عن الشهيد واستحسنه.

6) مسالك الأفهام 5 : 121.

7) راجع الحدائق الناضرة 21 : 462.

فإن أقرّ بها لأحدهما، وجب عليه تسليمها إليه، ولزمه الحلف للآخر، فإن حلف سقطت دعوى الآخر عنه، وللآخر تحليف المقرّ له على عدم كونها له، فإن حلف استقر ملكه عليها، وإن نكل أو ردّ اليمين فحلف الآخر عادت إليه، وإن نكل الودعيّ عن اليمين لمن لم يقرّ له وقضينا بالنكول، أو رُدّت اليمين على من لم يقرّ له فحلف على أنّها له، غرم الودعيّ المثل أو القيمة؛ لحيلولته بينها وبينه بإقراره لصاحبه.

ولا يتفاوت الحال بين كون اليمين المردودة بمنزلة إقرار المنكر أو بمنزلة بينة المدعي؛ لأنّها لو كانت بمنزلة البيّنة فهي بمنزلتها في حقّ المتداعيين لا مطلقاً، فلا تنتزع الوديعة من المقر له حينئذٍ على كلّ حال.

وإن أقرّ بها لهما فقد كذب دعوى كلّ منهما للجميع وصدقه في البعض، وحينئذٍ فتقسّم بينهما ويبقى النزاع بينهما بالنصف، فإن حلفا معاً أو نكلا قسم بينهما أيضاً، وإن حلف أحدهما خاصّة قضي له بها ولا خصومة للناكل مع الودعي، ولكلِّ منهما الدعوى مع الودعيّ في النصف الآخر، فإن حلف سلم من الغرم، وإن ردّ اليمين أو نكل غرم للحالف النصف كما تقدّم في الكل.

وإن كذبهما معاً كان لهما إحلافه، فإن نكل عن اليمين رُدّت إليهما وصارا في الدعوى سواء؛ لخروج يدكلّ منهما، فإن حلفا أو نكلا قسمت بينهما نصفين، وإن اختص أحدهما باليمين اختص هو بالوديعة.

وإن قال: لا أدري لأ يكما، فإن وافقاه على عدم التعيين فلا خصومة، وإلا كان لهما عليه اليمين على نفي العلم بأنّه لأحدهما خاصّة.

وهل عليه يمين واحدة؛ لأنّها دعوى واحدة فيكتفى فيها بيمين واحدة، أو عليه يمينان، لكلّ واحدٍ منهما يمين؛ لعموم «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» (1)؟ وجهان، والأقوى الأخير.

فإذا حلف سقطت الدعوى عنه، وإن نكل وحلفا على علمه أُغرم القيمة وجعلت مع العين في أيديهما؛ لمكان الحيلولة، وتراضيا على ما يأخذاه واصطلحا عليه.


1) السنن الكبرى البيهقي 10 : 427. ح 21201.

ومتى وقعت المنازعة بينهما بعد يمينه قيل: إنّه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف وسلّمت إليه الوديعة (1).

وقيل: إنّ الأمر يقف إلى أن يصطلحا أو تقوم بيّنة أنّها لأحدهما (2). وقيل: تقسم بينهما نصفين بعد تحالفهما (3)، وهو الأظهر؛ للزوم الضرر في الإيقاف.

وعلى كلّ حال، فالأظهر انتزاع الوديعة من يده؛ لانحصار الحق فيهما، ومطالبتهما بها، مع احتمال الرجوع للحاكم واحتمال إبقائها في يده ضعيف.

وإن قال: لا أدري لكما أم لغير كما كان لهما عليه اليمين على نفي العلم بأنّها لهما، أو نفي العلم بأنّها لكلّ واحدٍ منهما، فإذا حلف بقيت في يده؛ لأنّها وديعة عنده إلى أن تقوم البيّنة، وليس لأحدهما تحليف الآخر؛ لأنّه لم يثبت لواحدٍ منهما فيها يد استحقاق.

ولو نكل عن اليمين، ففي تسليمها إليهما مع حلفهما على الاستحقاق وغرامته لهما القيمة لو حلفا على علمه؛ لانحصار الحق فيهما ظاهراً ولا منازع لهما الآن، أو إبقائها في يده؛ لعدم حصر ذي اليد الحق فيهما إشكال، ولا يبعد الأوّل.


1) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 4 : 178، المسألة 15.

2) قاله ابن الجنيد على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 37، المسألة 16.

3) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 125.

كتاب العارية

كتاب العارية

تعريف العارية ومبدأ اشتقاقها

العاريّة - بالتشديد وقد تخفّف - منسوبة إلى العار؛ لأنّ طلبها عار.

وقيل: منسوبة إلى العارة، وهي مصدر ثان لـ «أعرته إعارة وعارة» (1).

وقيل: مأخوذة من «عار يعير» إذا جاء وذهب، فکأنّها لتردّدها من يد إلى أُخرى تجيء وتذهب، ومنه العيّار (2).

وقيل: مأخوذة من التعاور والاعتوار، وهو التداول (3).

وقيل: مأخوذة من «عار الفرس» إذا ذهب عن صاحبه (4).

ويظهر من بعض أهل اللغة (5)أنّ العارية هنا مأخوذة من الفعل الواوي، والعارية من العار من الفعل اليائي، وكذا من «عار» بمعنى جاء وذهب من اليائي أيضاً، فلا يصحّ اشتقاق العارية المقصودة هنا منهما. وهو حسن.

وتُطلق العارية عرفاً على نفس العين المستعارة، وتُطلق شرعاً على نفس إباحة المنفعة على جهة التبرع، وقد تُطلق على العقد الدال عليها، وهو المعروف على ألسنة المتشرعة؛ حيث إنّهم يذكرونها في العقود.


1) كما في الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي : 300.

2) قاله الأزهري في الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي : 300؛ وراجع العزيز شرح الوجيز 5: 368؛ والمغني المطبوع مع الشرح الكبير 5 : 354.

3) كما في العزيز شرح الوجيز 5: 368.

4) كما في المصباح المنير : 437، «ع و ر».

5) الفيومي في المصباح المنير : 437.

وهي ثابتة كتاباً، كما ورد في تفسير الماعون في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ) (1)أنّه متاع البيت يعيره (2)، وسنة كما ورد في الأخبار المتكثرة الحثّ عليها (3)، وما ورد من فعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لها (4)، وإجماعاً محصلاً ومنقولاً (5).

وهي من العقود الجائزة إجماعاً في غير ما دلّ عليه الدليل ولو وقع الشكّ في لزومها أو جوازها في بعض المواضع فهل الأصل لزوم العقد إلى أن يثبت أنّها عارية جائزة وأنّها مشمولة لما دلّ على جواز العارية، أو الأصل جوازها؛ لأنّ كلّ عارية جائزة، كما يُفهم من مادتها ويفهم من ظاهر الفقهاء حتّى كاد أن يكون إجماعاً بل الإجماع منقول على ذلك(6). بل يُفهم من أخبار العارية أنّها مبنيّة على الجواز؟ وجهان، والأخير أقوى وأظهر.

وهنا أمور:

أحدها: في أنّ العارية من العقود لابد فيها من إيجاب و قبول

أحدها: العارية من العقود كما يظهر من عدّهم لها منها، فلا بدّ فيها من إيجاب وقبول فلا يكفي مجرّد الإيجاب الدال على الإباحة؛ تنزيلاً لها منزلة الإيقاع أو الإباحة أو الإذن وإن أثمرت الإباحة والإذن ثمرتها.

وربما تظهر الثمرة في الردّ؛ فإنّ العارية لو ردّ إيجابها لم يجز للمستعير التصرّف إلّا بإعارة جديدة، بخلاف الإذن والإباحة، وفي العموم والخصوص؛ فإنّ الإذن والإباحة قد يتعلقان بالعام دون العارية فإنّها لا تتعلّق إلّا بالخاص، فلا يصحّ «أعرتُ هذا لكلّ أحد». وفي الضمان وعدمه في مقام تكون العارية مضمونةً، وفي حصول الإباحة والإذن بقرائن الأحوال وبالقطع بالرضى دون العارية، فإنّها لا تقع بالقطع بالرضى، على أن المتصرف فيه بالقطع برضى صاحبه مضمون على المتصرف دون العارية.


1) الماعون (107): 7.

2) وسائل الشيعة 9 47 الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة...، ح 3.

3) المصدر : 46 - 47 و 51 و 52، ج 2، 3، 12، 15.

4) المصدر 19 : 92 - 93، الباب 1 من أبواب كتاب العارية، ح 4، 5 و 95 الباب 2 من تلك الأبواب، ح 1، 2.

5) المبسوط 3: 49 تذكرة الفقهاء 16: 234 ذيل المسألة 78.

6) تذكرة الفقهاء 16: 251، المسألة 95.

نعم، يكفي فيها كلّ لفظ مفهم لمعناها عربي أو غيره، مترتب أم لا، ملحون أم لا.

وفي اشتراط الاتصال بينه وبين القبول وجه يقضي به الاحتياط.

ولا تفتقر إلى صيغة خاصّة فعلية أو اسمية، دالة بالوضع أم لا.

ويكفي فيها الإيجاب والقبول الفعليان المشتملان على الدفع والقبض الدالان على العارية، كما إذا رأى عرياناً فكساه ثوباً، أو مضطجعاً فناوله مخدّة.

وكذا يكفي الإيجاب القولي مع القبول الفعلي على ذلك النحو، وبالعكس.

وهل يكفي الإيجاب والقبول الفعليّان الخارجان عن الدفع والقبض، كالإشارة المفهمة للعارية، والقبول المفهم لقبولها في تحقق العارية؛ لحصول المقصود منهما، وكونها من العقود الجائزة، أو لا يكفي؛ للأصل وإن أفادت إباحة التصرّف ؟ وجهان، ولا يبعد عدم الاكتفاء.

ويظهر من بعضهم اللفظ في الإيجاب وعدم كفاية الفعل مطلقاً (1). وهو بالنسبة إلى الدفع بعيد.

نعم، قد يقال بكفاية الفعل في القبول وإن لم يكن قبضاً إذا ترتب على إيجاب لفظي؛ لشدّة التسامح في القبول كما يظهر من جملة من الفقهاء، ولا بأس به.

هذا كلّه في غير الأخرس وشبهه، وأمّا هُما فلا شكّ في الاجتزاء بإشارتهما، كما تقدّم في جميع العقود لازمها وجائزها.

وتصحّ العارية مطلقاً ودائمةً وموقتة، وتصحّ مشروطة ومطلقة.

وفائدة الشرط فيها التسلّط عند لزومها - في بعض مواضع اللزوم - على الخيار، وجواز الإجبار عليه ما دام المستعير عازماً على الاستعارة، وربما يكون التصرّف عليه حراماً ما دام عازماً على عدم القيام بالشرط.

ثانيها: فيما تصحّ إعارته

ثانيها: يشترط في العارية إباحة المنفعة، فلا تصحّ إعارة ما يحرم الانتفاع به، ولو أعار محرَّماً لم تكن إعارة مباحة وإن صدق عليها اسم العارية.

وكذا يشترط كون العين ممّا يصحّ ملكها ومما تتموّل عرفاً، فلو لم تكن كذلك لم تكن عارية صحيحة وإن ساغ بها الانتفاع.


1) راجع مسالك الأفهام 5 : 132.

ويشترط فيها أن تكون منجزةً، فلو قال: «أعرتُك هذا إن جاء الحاج» لم تكن إعارة شرعيّة، وأن تكون معيّنةً، فلو قال: «أعرتُك أحد هذين» لم تكن إعارة حقيقية، وأن تكون عيناً، فلا تصحّ إعارة الكلّي كـ «أعرتُك عبداً موصوفاً» ثمّ يعينه بعد ذلك.

واعلم أن الإعارة تفارق الإذن في كونها عقداً بخلاف الإذن، فيصح التعليق في الإذن دونها، وتفارق السكني والعمرى والرقبى والحبس والوصيّة بالمنفعة، من حيث عدم إفادتها الملك للمنفعة أصلاً، بل غايتها إباحة المنفعة أو ملك الانتفاع، بخلاف السكني وما بعدها فإنّها تفيد ملكاً للمنفعة.

والعجب من الشهيد (رَحمهُ اللّه) حيث أورد النقض على حد العارية بما ذكرناه، وأشكل عليه الحال، فالتزم مرةً بدخولها في العارية وإن كانت لازمةً؛ لجواز لزوم العارية، ومرّةً بإضافة قيد الجواز إلى حدّ العارية فتخرج عنها؛ للزومها، فأشكل عليه السكني المطلقة الجائزة، فالتزم بدخولها في العارية، وأشكل عليه العارية اللازمة، فالتزم بخروجها وإدخالها بقيد آخر (1).

ثالثها في أنّ من شأن العارية الجواز وقد تلزم في مواضع

ثالثها: من شأن العارية الجواز، وقد يعرض لهذا اللزوم من حديث «لا ضرار» (2)أو من إجماع، أو من معارضة دليل قاض باللزوم يقوى على دليل جواز العارية.

وقد ذكروا للزوم العارية مواضع:

منها: الأرض المستعارة للدفن، فإنّها تلزم بعد الدفن الشرعي؛ لحرمة النبش وهتك حرمة الميّت إلّا إذا صار رميماً وخرج عن اسم الميت.

ويلحق بذلك كلّ ما استعير للميت من كفن أو كافور أو جريدة أو نحوها بعد دفنه.

ويجوز الرجوع قبل الدفن قبل الوضع في القبر وبعده.

ولو رجع المعير قبل الدفن لم تلزمه غرامة الحفر؛ لإقدام المستعير على العارية الجائزة. نعم، غرامة الحفر على الولي إن أمكنه الدفن في غير هذه المعارة، ومن مال الميّت إن لم يمكنه؛ لعدم تفريطه.


1) مسالك الأفهام 5 : 132.

2) راجع الهامش (1) من ص 29.

وأطلق بعضهم (1)لزوم الغرامة على الولي.

ولا يلزم على ولي الميّت طمّ الحفر؛ لإذن المعير به.

وقد يقال في هذا: إنّ العارية على جوازها ولكن لا يلزم المستعير الدفع، ولا يجوز للمعير أخذها.

وتظهر الثمرة فيما لو أُخرج الميّت من قبره فإنّها يجب ردّها فوراً لو أبطلنا العارية بالفسخ، ولا يجب إلّا مع المطالبة لو لم نبطلها بالفسخ وقلنا بلزومها.

ومنها: ما لو ترتب على المستعير ضرر كلّي بالمال أو النفس، كاستعارة لوحة لرقع سفينة في البحر ولا يمكن إبدالها ولا إخراجها عن الماء، فإنّهم صرّحوا بلزوم العارية هنالك، وظاهر إطلاقهم أنّها كذلك ولو ترتب على المعير ضرر بالإبقاء.

وقد يقال هنا بجواز الفسخ، إلّا أن المستعير عليه بذل القيمة أو المثل، ولا يجب عليه ردّ العين؛ لمكان الضرر، فعلى ذلك لو ارتفع الضرر لزم ردّها فوراً وأخذ القيمة أو المثل المبذولين.

أو يقال بجواز الفسخ وعدم وجوب المبادرة للتسليم؛ لمكان الضرر.

وتظهر الثمرة في لزوم الردّ فوراً وعدمه كما تقدّم.

ويحتمل ثبوت المثل أو القيمة له، كما تقدّم.

ومنها: ما لو أعار حائطاً لوضع خشبة المستعير عليه وكان طرفها الآخر مبنيّاً في ملك المستعير، فإنّه لا يجوز الرجوع فيها؛ لدخول الضرر على المستعير وإن دفع الأرش؛ للزوم قلع جذوعه عن ملكه جبراً وهو غير جائز.

وقد يقال بجواز الفسخ وثبوت المثل أو القيمة، أو جوازه والامتناع عن التسليم معجّلاً؛ لإذن الشارع في ذلك، أو جوازه مع دفع المعير الأرش كما اختاره جماعة (2)، وهو حسن.

ومنها: أن يعيره الأرض للزرع فيزرع فإنّه ليس له الرجوع؛ لأن له في العرف أمداً ينتهي إليه، وقد أقدم على ذلك.

ولا يبعد أن له ذلك مع دفع الأرش.


1) العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 16: 251، المسألة 95.

2) كما في رياض المسائل 9 : 442.

ومنها ما لو استعار أرضاً ليغرس فيها إلى وقت معين أو يبني كذلك، فإنّه لا يجوز الرجوع في تلك المدّة؛ لإقدام المعير على ذلك، ولزوم الضرر.

ولا يبعد أيضاً أن له ذلك مع دفع الأرش؛ جمعاً بين الحقين، ولما دلّ على جواز العارية، وتسليط الإنسان على ملكه، ولاشتراك حديث نفي الضرر والضرار (1)بين المعير والمستعير، فيبقى عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (2)خالياً عن المعارض.

وحيث جاز الفسخ فليس للمعير الإزالة من دون إذن المستعير؛ لاستلزامه التصرّف في ماله من دون إذنه، وكذا ليس له الإزالة قبل دفع الأرش؛ لاحتمال الضرر بتعذر الرجوع.

وقد يلحق بهذا البحث ما لو أعاره ثوباً ليصلّي فيه أو ليتستر به عن الناظر فأراده منه حال الجلوس بين الناظرين أو حال الصلاة، أو أعاره ما يخلّ باعتباره بين الناس، أو أعاره دابّة وهو في طريق الحج، أو أعاره سيفاً وقت القتال، أو أعاره قدراً وفيه طعامه، إلى غير ذلك.

وقد يقال في كثير من هذه الأمثلة بجواز الرجوع من دون شيء؛ لإقدام المستعير على ذلك. أو يقال في الكلّ بذهاب الإذن المالكية وبقاء الإذن الشرعيّة.

رابعها: حكم ما لو كانت للعين المستعارة منفعة واحدة أو منافع متعدّدة

رابعها: لو كانت للعين المستعارة منفعة واحدة انصرفت إليها، وإن كانت لها منفعة ظاهرة فكذلك.

وإن كانت لها منافع عديدة، فإن صرّح المعير بالعموم جاز التصرّف، وإن صرّح بالخصوص اقتصر عليه، ولا يجوز للمستعير التعدّي إلّا إذا قامت قرينة على جوازه، كالإذن بالأثقل والأضر، فإنّه يُفهم منه الإذن بالأخف والأقل ضرراً بطريق أولى. ومتى وقع الشكّ في تحصيل الأولوية لم يجز التصرّف.

وإن أطلق احتمل تنزيله منزلة العموم، واحتمل لزوم البيان وإلا حرم التصرف، واحتمل لزوم الأخذ بالأخفّ؛ لأنّه المتيقن، واحتمل التخيير في واحدة أي واحدة، ولا يجوز الجمع. وخير الأمور أوسطها.

خامسها: اشتراط البلوغ والعقل والرشد وعدم الحجر في المعير

خامسها: يشترط في المعير البلوغ والعقل والرشد وعدم الحجر، ويجوز للسفيه الإعارة


1) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 29.

2) عوالي اللآلي 1 : 222، ح 99.

مع إذن الوليّ، ولا يجوز لغيره الإعارة ولو مع إذنه ؛ لعدم صحّة عقدهما، سواء كان العقد جائزاً أو لازماً.

نعم، يفيد الإذن جواز التصرّف لا كونها عارية شرعيّة.

ويظهر من بعضهم صحّة عاريتهما مع إذن الوليّ؛ لأنّها بمنزلة الإذن، بخلاف العقود اللازمة فتصح من الصبي بإذن الولي (1)، وفيه نظر.

ويجوز للولي إعارة ما لهما مع المصلحة، كإعارة البساط للاستعمال خوفاً عليه من التلف.

ويشترط في المعير كونه مالكاً للعين أو المنفعة، فلا تصحّ إعارة ما لم يكن كذلك، إلّا الفضولي مع الإجازة.

ويشترط في المستعير أيضاً البلوغ والعقل، فلا تصحّ استعارة المجنون والطفل استعارة شرعيّة.

نعم، لو أعارهما أحد، كان ماله غير مضمون عليهما؛ لتسليطهما عليه، سواء كان المعير عالماً أو جاهلاً على الأظهر.

ولا يُقبل قول الصبي في الإخبار عن إذن الولي لا في ماله ولا في مال الولي، إلّا مع قرائن الأحوال الدالّة على صدقه، أو نقل الإجماع على قبول قوله فيه، كالإذن في دخول الدار وقبول الهدية.

سادسها: فيما لو استعار المغصوب عالماً بالغصب ضمن العين والمنفعة

سادسها: لو استعار المغصوب عالماً بالغصب ضمن العين والمنفعة، وكان للمالك الخيار في الرجوع إلى أيهما شاء مع تلف العين بيد المستعير، فإن رجع على المستعير وكان جاهلاً بالغصب وكانت الإعارة غير مضمونة رجع على المعير؛ لغروره من قبله؛ لإقدامه على عدم الضمان عند العارية، وما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده.

خلافاً لمن أبطل الرجوع على المستعير أصلاً ؛ لضعف أصلاً (2)؛ لضعف يده عن الضمان لمكان غروره، والسبب الغار أقوى.

وهو ضعيف؛ لمخالفته عموم دليل الضمان (3)وظواهر فتاوى الأصحاب القاضية بضمان


1) الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 444.

2) المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 136؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 197.

3) راجع الهامش (3) من ص 28.

الأيدي المترتّبة على المغصوب والموثّق والمرسل: «إذا استعيرت عارية بغير إذن صاحبها فهلكت فالمستعير ضامن» (1).

وإن كان عالماً بالغصب، فلا رجوع له على المعير؛ لعلمه واستقرار التلف في يده، سواء في ذلك العين والمنفعة. وكذا لا يرجع مع الجهل إذا كانت العين مضمونة عليه؛ لإقدامه على الضمان، وكلّ ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده.

وأما المنفعة فيرجع بها على المعير؛ لعدم ضمانها عليه بصحيح العقد فلا تضمن بفاسده. خلافاً لمن جوز الرجوع مطلقاً وخص الضمان بصورة عقد العارية الصحيح (2).

وهو ضعيف؛ لمخالفته القاعدة المسلمة المتقدّمة.

وإن رجع المالك على المعير رجع على المستعير بمثل العين أو قيمتها إذا كانت العارية مضمونةً، سواء كان المستعير جاهلاً أو عالماً، ولا يرجع مع جهله عليه بالمنفعة؛ لإقدامه على عدم ضمانها.

ولو لم تكن العارية مضمونة رجع عليه مع علمه بالعين والمنفعة؛ لاستقرار التلف في يده فتستقر الغرامة عليه.

سابعها: في أنّ الأصل في العارية عدم الضمان

إشارة:

سابعها: الأصل في العارية عدم الضمان؛ لأنّها أمانة ومن شأنها أن لا تكون مضمونةً إلّا مع التعدّي أو التفريط، ومع ذلك فالإجماع منقول على عدم الضمان (3)فيما عدا بعض الصور الآتية.

والأخبار المتكثّرة الدالّة على ذلك:

كالخبر المعتبر: «ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن» (4).

وفي الآخر: عن العارية يستعيرها الإنسان فتهلك أو تُسرق؟ قال: «إذا كان أميناً فلا غرم» (5).


1) وسائل الشيعة 19 : 97، الباب 4 من أبواب كتاب العارية، ح 1.

2) راجع رياض المسائل 9 : 450.

3) مسالك الأفهام 5 : 153.

4) وسائل الشيعة 19 : 93، الباب 1 من أبواب كتاب العارية، ح 6.

5) المصدر، ح 7.

وفي الثالث: «لا غرم على مستعير عارية» (1).

وفي الرابع: «قضى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل أعار جاريةٌ فهلكت من عنده أن لا يغرمها المعار» (2).

بيان موارد خارجة عن أصل عدم الضمان

ويخرج عن هذا الأصل أُمور:

منها: التعدّي أو التفريط، فإنّهما سبب في الضمان، سواء تلفت بسببهما أو بسبب غيرهما، ولا يزول الضمان إلّا باستعارتها وقبضها جديداً، أو بإسقاط الضمان عنه.

ومنها: ما لو اشترط المعير ضمانها حال العقد أو بعده أو في أثنائها، كما يشعر به ظواهر الفتاوى والنصوص؛ لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (3)و خصوص الأخبار (4)الخاصّة الدالّة على أنّه ليس على صاحب العارية ضمان إلّا أن يشترط.

ويحتمل ضعيفاً اختصاص صحّة الاشتراط حال العقد فقط.

ويصحّ إسقاط الاشتراط بعد وقوعه.

ومنها: العارية للرهن، فإنّها مضمونة على المستعير كما تقدّم.

ومنها عارية الدراهم والدنانير؛ للأخبار:

كخبر عبد اللّه بن سنان: «لا تُضمن العارية إلّا أن يكون قد اشترط فيها ضماناً، إلّا الدنانير

فإنّها مضمونة وإن لم يشترط فيها الضمان» (5).

وخبر عبد الملك: «ليس على صاحب العارية ضمان إلّا أن يشترط صاحبها، إلّا الدراهم فإنّها مضمونة اشترط صاحبها أو لم يشترط» (6).

وظاهرهما ترتب الضمان مطلقاً، سواء استعيرت للإتلاف والصرف أو لغيره، بل الاستعارة للإتلاف لا تدخل تحت الاستعارة الشرعيّة ولا ينصرف إليها الإطلاق.

ولو اشترط المستعير سقوط الضمان حال العقد سقط، وكذا لو أسقطه بعده على الأقوى.


1) وسائل الشيعة 19 : 92 و 94، الباب 1 من أبواب كتاب العارية، ح 3، 10.

2) المصدر : 93 – 94، ح 9.

3) المصدر 21 : 276 الباب 20 من أبواب المهور، ح 4.

4) منها : ما في المصدر 19: 91، الباب 1 من أبواب كتاب العارية، ح 1.

5) المصدر : 96، الباب 3 من أبواب كتاب العارية، ح 1.

6) المصدر : 96 - 97، ح 3.

ومنها: عارية الذهب والفضة مطلقاً على الأقوى، سواء كانت مسكوكة - كما تقدّم - أو لا ؛ للأخبار القاضية بضمان عارية الذهب والفضة مطلقاً، كقوله في المعتبر: «العارية ليس على مستعيرها ضمان إلّا ما كان من ذهب أو فضة فإنّهما مضمونان اشترطا أو لم يشترطا» (1)وفي آخر : في الذهب والفضة: «جميع ما استعرته فتوى فلا يلزمك تواه إلّا الذهب والفضة فإنّهما يلزمان إلّا أن يشترط عليه أنّه متى توى لا يلزمك تواه» (2). إلى غير ذلك.

وذهب جمع (3)إلى اختصاص الضمان بعارية الدراهم والدنانير فقط دون مطلق الذهب والفضة؛ تقييداً لأخبارهما بالأخبار الحاصرة للضمان بالدراهم والدنانير؛ لقوتها على تلك الأخبار باعتضادها بالأصل، وعموم الأخبار النافية للضمان عن العارية مطلقاً، والنافية للضمان عن المؤتمن مطلقاً (4)، حتّى لو كان التعارض بينهما تعارض العموم من وجه - لا تعارض العموم المطلق - لكان الترجيح لتقييد أخبار الذهب والفضة بالأخبار الحاصرة للضمان بالدراهم والدنانير؛ لقوتها سنداً واعتضاداً.

ووجه العموم من وجه - على ما قرره بعض المتأخرين : أن التعارض بين المستثنى منه في [ خبر ] الدنانير والدراهم، وحاصله «لا ضمان في غيرهما» وبين المستثنى في [ خبر ] الذهب والفضة، وحاصله «كلّ من الذهب والفضة مضمونان إلّا أن يكونا غير الدراهم والدنانير»، فإن خصصنا الأوّل بالثاني كان الحاصل لا ضمان في غير الدراهم والدنانير إلّا أن يكون ذهباً أو فضة وإن عكسنا كان الحاصل كلّ من الذهب والفضة مضمونان إلّا أن يكونا غير الدراهم والدنانير فحصول الضمان في الدراهم والدنانير ثابت على كلّ حالٍ فيخص بهما عموم الحكم بعدم الضمان فيما عداهما من مطلق الذهب والفضة (5).

وفي الجميع نظر؛ لأنا إن جعلنا بين الدليلين تعارض العموم المطلق وارتكبنا التقييد


1) وسائل الشيعة 19: 97، الباب 3 من أبواب كتاب العارية، ح 4.

2) المصدر : 96، ح 2.

3) منهم : فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 2: 130؛ والسبزواري في كفاية الفقه 1 : 710؛ والطباطبائي في رياض المسائل 9 : 448.

4) وسائل الشيعة 19: 91 - 94، الباب 1 من أبواب كتاب العارية، ح 1، 603 - 8، 10.

5) راجع كفاية الفقه 1 : 709 - 710.

فيهما لزم منه الخروج عن الظاهر؛ لأنّ استعارة الدراهم والدنانير نادر الوجود بل لا يكاد يوجد، فلا تحمل عليها الأخبار، واستعارتها للإتلاف لا يُطلق عليها اسم العارية عرفاً، بل هي بالقرض أشبه.

وإن جعلنا التعارض بينهما تعارض العموم من وجه، أدى إلى نوع تكلّف أولاً، وإلى ترجيح أحد العامين على الآخر من دون مرجّح ثانياً؛ لأنّه كما يقوى الحكم بعدم الضمان بعموم ما دلّ على عدمه في الأمانة والعارية يقوى الحكم به بما دلّ على تحققه بمجرد استيلاء اليد على مال الغير، وبما قدمنا من ندرة وجود استعارة الدراهم والدنانير المسكوكين، فتأمّل.

ومنها عارية الحيوان، فقد نُسب لابن الجنيد الحكم بضمانها (1)لعموم «على اليد» (2)ولرواية وهب أنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقول: «مَن استعار عبداً مملوكاً لقوم فعيب فهو ضامن» (3).

والحقّ: عدم ضمانها؛ استناداً للأصل، وعموم الأخبار النافية للضمان عن الأمانة مطلقاً وعن خصوص العارية (4)، وكذا إطلاقات كلمات فقهائنا بحيث كاد أن يُعدّ إجماعاً.

ومنها: العارية التالفة بنفس الاستعمال الذي أخذت العارية لأجله، فقد ذهب بعضهم (5)إلى ضمانها؛ لعدم تناول الإذن للاستعمال المتلف.

وهو ضعيف أيضاً مخالف لإطلاق الفتاوى والروايات إلّا إذا شهد العرف بعدم دخول الاستعمال المتلف تحت الإذن، فإنّه إذا تعمد ذلك الاستعمال ضمن، إمّا لو استعمل غير قاصد للإتلاف ولا متعد في الاستعمال من الطريق المتعارف فاتفق التلف لم يكن ضامناً.

ومنها: العارية المغصوبة قبل استعارتها، فإنّها مضمونة إذا لم يجدد المستعير قبضاً جديداً.

ومنها: العارية التي لم يملكها المعير، فإنّها مضمونة على المعير والمستعير؛ لأنّ مال الغير مضمون على قابضه.

ومنها: العارية الفاسدة لاشتمالها على شرط فاسد أو مثله فإنّه قد يحتمل ضمانها؛ لعموم «على اليد ما أخذت» (6).


1) نسبه إليه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 39، المسألة 18.

2) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

3) وسائل الشيعة 19 : 94 الباب 1 من أبواب كتاب العارية، ح 11.

4) المصدر : 79 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة.

5) لم نتحقّقه.

6) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

والأقوى والأشهر : عدم الضمان؛ لأنّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده.

ومنها: استعارة المُحرم للصيد من مُحلَّ أو مُحرم في الحل أو الحرم، فقد قيل بوجوب إرساله وغرامة قيمته للمالك، أو إرجاعه إلى المالك لو كان المالك محلاً وضمانه عند تلفه (1).

وقد يناقش في ذلك؛ لعدم الدليل عليه، سواء قلنا بفساد تلك العارية؛ لمكان النهي عنها، أو قلنا بصحّتها؛ لأنّ النهي لا يقضي بفساد المنهي عنه؛ لما تقدم: أن ما لا يضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده.

ثامنها: فى أنّه لا يجوز للمستعير أن يعير غيره من غير إذن

ثامنها: لا يجوز للمستعير أن يعير غيره من غير إذن؛ اقتصاراً في مال الغير على المقطوع به، وقياس الإعارة على الإجارة قياس مع الفارق؛ لأن في الإجارة تمليك منفعة وللمالك التصرّف بماله كيف شاء، والإعارة إباحة للمنفعة وليس لمن أبيح له شيء أن يبيحه لغيره.

ثمّ إنّ المالك له الرجوع على مَنْ شاء، فإن رجع على المعير فليس له الرجوع على المستعير مع جهله، لا. بعين ولا بمنفعة إذا لم تكن العارية مضمونة عليه، فإذا كانت مضمونة عليه رجع عليه بالعين دون المنفعة وله الرجوع عليه مع علمه بالعين والمنفعة؛ لاستقرار التلف في يده.

وإن رجع على المستعير رجع المستعير على المعير بالعين والمنفعة مع جهله وعدم كون العين مضمونةً، ومع علمه فلا رجوع له مطلقاً، ومع ضمان العين لا رجوع له بالعين؛ لإقدامه على ضمانها دون المنفعة.

تاسعها: في أنّه يلزم المستعير مدّة معلومة ردّ العارية إلى أهلها بعد المدّة إذا شرط المالك عليه ردّها

تاسعها: يلزم المستعير مدّة معلومة أن يردّ العارية إلى أهلها بعد المدّة إذا شرط المالك عليه ردّها، وإن لم يشترط وجب عليه عند المطالبة قطعاً، ومؤونة الردّ على المستعير، وإن لم يطالب ففي وجوب ردّها فوراً؛ لقضاء العرف بذلك، أو لا يجب وتبقى أمانة إلى حين المطالبة ؟ وجهان، ولا يبعد الأوّل.

ولو لم يكن للإعارة مدّة، فلا شكّ في عدم وجوب الردّ قبل المطالبة.

ولا يبرأ المستعير إلّا بردّها إلى المالك أو وكيله، ولا يكفي ردها إلى بيته أو خانه أو إلى الحرز المعد له، إلّا مع إذن المالك أو قضاء العرف بذلك.


1) تذكرة الفقهاء 16: 238، المسألة 83.

ولا يُصدق قول المستعير في الردّ مطلقاً، ويُصدَّق قوله في التلف؛ لأنّه أمين فيسمع قوله فيما اؤتمن عليه، وللأخبار الدالّة على ذلك (1).

والأقوى الافتقار إلى اليمين، وفاقاً للمشهور، واقتصاراً على مورد اليقين في سماع قول المدعي.

خلافاً لمن اكتفى بمجرد قوله (2)استناداً لظواهر الأخبار القاضية بسماع قول الأمين وتصديقه (3)، وخلافاً لمن اكتفى بقول العدل المأمون دون المتّهم وغير المأمون (4)، وهما ضعيفان.

عاشرها: في أنّ التعدّي والتفريط لا يخرج العارية عن كونها عارية

عاشرها: التعدّي والتفريط لا يخرج العارية عن كونها عاريةً، ولا يضمن المستعير منفعتها إلّا إذا أدى التعدّي إلى تصرّف زائد على القدر المأذون، كما إذا استعار دابّة لركوبه إلى مكان خاص فتجاوزه إلى غيره، أو قطع غيره، ولا شك أنّه يضمن قيمة المنفعة مع قطع غير المأذون، إمّا مع التجاوز على المأذون بحيث يدخل المأذون في ضمنه ففي ضمان ما زاد على المأذون ذهاباً وإياباً فقط، أو ضمان الكلّ؛ لتعديه به، أو ضمان ما زاد في الذهاب مع الإياب فقط، أو دوران الضمان مدار النية ابتداء، فإن نوى التعدّي ابتداء ضمن الجميع، وإلا ضمن مقدار ما تجاوزه، وجوه واحتمالات.

ومثل ذلك ما لو أذن له في الركوب فأردف غيره، أو أذن له في حمل قدرٍ خاص فحملها زائداً.

ولا يبعد الحكم باختصاص ضمان قدر أجرة ما تعدّى فيه فقط ذهاباً وإياباً دون غيره.

نعم، لو كان ما تعدى فيه مخالفاً للجنس، ضمن جميع الأجرة وإنكان المأذون له أُجرة أيضاً، ولا يجوز استثناء قدر أُجرة الضعيف من أُجرة القوي وبذل الزائد.

وربما قيل بالفرق بين التعدّي مع الإطلاق فيضمن التفاوت، وبين التعدّي مع النهي فيضمن الجميع.


1) وسائل الشيعة 19 : 93 و 94 الباب 1 من أبواب كتاب العارية، ح 6 - 8، 10.

2) حكاه العلامة الحلّى في مختلف الشيعة 6 : 31، المسألة 30 عن الصدوق في المقنع ولم نجده فيه.

3) وسائل الشيعة 19 : 80 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، ح 6 - 8.

4) قال به الحلبي في الكافي في الفقه : 231؛ وحكاه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 31:6، المسألة 30 عن ابن الجنيد.

حادي عشرها: في أنّ الأصل في العارية أن تتعلق بالأعيان القائمة

حادي عشرها: الأصل في العارية أن تتعلّق بالأعيان القائمة بأن ينتفع بها مع بقاء عينها، سواء كانت ممّا تضمحل بالاستعمال سريعاً كالثياب ونحوها، أو ببطؤ كأواني الصفر والحديد والصخر.

وأما ما كان الانتفاع به بإتلافه كالطعام والشمع والدهن فإنّه لا تصحّ إعارته ولو فرضنا وقوع إباحته بلفظ العارية، بل يكون إباحة عبّر عنها بلفظ العارية، وقد تشهد القرائن في كثير من ذلك على إرادة القرض، كإعارة الدراهم والدنانير.

وكذا الأصل في المنافع المستوفاة في العارية أن لا تكون أعياناً؛ لأن المفهوم منها عرفاً والمتيقن من مشروعيتها هو استيفاء المنفعة المجرّدة عن إتلاف عين بحيث يكون إتلافها هو المقصود أوّلاً وبالذات، فلا تصحّ إعارة الحمّام لإتلاف مائه، ولا إعارة الشجر لإتلاف

ثمره، ولا إعارة الحيوان لإتلاف لبنه وصوفه.

نعم، قد نقل الإجماع على جواز المِنْحَة (1)، وهي إعارة الشاة للحلب، وربما أضاف إليه بعضهم الصوف (2)، وربما أضاف بعضهم إلى الشاة باقي الحيوانات (3).

وربما علّل ذلك بمسيس الحاجة، واستدعاء ضرورة النظام لها.

وفي الكلّ ما عدا مورد الإجماع بحث وتأمّل.

نعم، لو صدر مثل ذلك لكان إباحةٌ من الدافع لا إعارة شرعيّة، بل قد يقال: إنّه لو قصد الإباحة مقيدةً بالوجه الخاص من قصد العارية حرم التصرّف؛ لأنّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.

ومثل الإعارة الإجارة في عدم الجواز فيما عدا المنصوص. وقد ورد في بعض الأخبار جواز دفع الشاة إلى الراعي القائم بحفظها ليكون له صوفها ولبنها ويعطى درهماً عن كلّ شاة (4).

وفي بعض الأخبار جواز دفع الشاة بضريبة معلومة من دراهم أو سمن (5)، وفيها: «وأمّا السمن فلا أُحبّ» وفي آخره: «إلا أن تكون حوالب»(6).


1) مفاتيح الشرائع 3 : 167 مفتاح 1059.

2) تذكرة الفقهاء 16: 241، المسألة 85.

3) كما في كفاية الفقه 1 : 706.

4) وسائل الشيعة 17 : 350 الباب 9 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 2.

5) المصدر، ح 1.

6) المصدر : 350 - 351، ح 4.

وهي إمّا محمولة على جواز هذه المعاملة في خصوص الغنم لرعاتها؛ للدليل، أو منزلة على قصد الإباحة ما بينهما لا قصد المعاوضة واللزوم بها. وهو الظاهر من كلام الأصحاب.

ثاني عشرها: حكم ما لو أنكر العارية أو ادّعى ردّها أو تلفها

ثاني عشرها: لو أنكر العارية، كان القول قوله بيمينه، فإن أثبت عليه المعير كان ضامناً لها، ولا تسمع دعواه التلف بعد ذلك.

ولو قال: إنّها تلفت قبل الإنكار لم يُسمع، إلّا أن يظهر للإنكار معنى مسموعاً لا ينافيه ظاهر الخطاب.

ولو ادّعى المستعير التلف كان القول قوله بيمينه، وكذا لو أنكر التفريط أو التعدي.

ولو ادّعى الرد، لم يُسمع قوله؛ للأصل.

وقيل بسماع قوله؛ لأنّه أمين فيُصدَّق قوله في الردّ، كما يُصدق في التلف (1)للنهي عن اتهام الأمين وتكذيبه (2).

وهو ضعيف.

ولو جعله المالك وكيلاً في الردّ فأخبر به صُدّق؛ لأنّ الوكيل مصدق فيما وكل عليه.

ولو اختلفا في القيمة بعد ثبوت التعدّي أو التفريط، كان القول قول المستعير؛ للأصل، ولعموم: «اليمين على مَنْ أنكر» (3).

وقيل: القول قول المعير (4)لخروج المستعير عن الأمانة بخيانته فلا يُسمع قوله.

وفيه: أن سماعه من جهة الأصل، لا من جهة كونه أميناً.

ولو قال المالك: هي عندك غصب، فقال الآخر : هي إعارة، فالقول قول المالك؛ لأصالة عدم الإذن، سواء ادّعى المستعير إعارةً مضمونة أم لا، فيضمن للمالك العين والمنفعة، ويضمن أعلى القيم لو قلنا: إن الغاصب يضمن كذلك، ولا يضمن القيمة وقت التلف حتّى لو كانت العارية مضمونة كما ذهب إليه بعضهم (5)استناداً للأصل، وذلك لأنّ أصالة عدم الإذن حاكمة على أصالة البراءة من الزائد.


1) راجع الحدائق الناضرة 21 : 525.

2) وسائل الشيعة 19 : 81 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، ح 9، 10.

3) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 53.

4) ممّن قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 438؛ وابن حمزة في الوسيلة : 276.

5) راجع شرائع الإسلام 2 : 139.

وذهب بعض إلى أن القول قول المستعير في الإعارة؛ لأصالة براءة ذمته من ضمان العين والمنفعة (1).

وهو ضعيف؛ لأن المنفعة تابعة للعين في الملك، فمن ادّعى إباحتها فعليه البيّنة.

ونُسب للشيخ (رَحمهُ اللّه) أنّه لو اختلفا في الغصب والإعارة وكانت العين مضمونة غرّم مدّعي الإعارة قيمتها يوم التلف لا أعلى القيم وإن قلنا بضمانه للغاصب (2)لبطلان قول كلّ منهما، فيبقى ضمان المال حين التلف متحقّقاً.

وهو قوي جداً؛ لأن انتفاء دعوى العارية لا يقضي بثبوت وصف الغصب، وغاية ما في الباب أن كلاً منهما مدع فلا يُسمع قوله، ويبقى المال مضموناً على المستعير مثلاً أو قيمة وقت التلف.

ولو ادّعى المالك الإعارة المضمونة وادّعى الآخر الإجارة، كان القول قول المالك؛ لأصالة عدم الإجارة وعدم العارية، فيبقى أصالة ضمان ما دخل تحت اليد من مال الغير سالماً عن المعارض، ويجب على المقرّ بالإجارة دفع الأجرة ويحرم قبضها على المالك، فإن لم يقبضها كان مالاً لا يدعيه أحد، وفي كونه مجهول المالك وجه.

وقيل هنا: إن القول قول مَنْ هي في يده في دعوى الإجارة (3)لأصالة عدم الضمان. وهو ضعيف. ولو ادّعى المالك إجارة العين والآخر الإعارة، فإن كان قبل مضي مدّة يستحق المالك بها أجرة كانا متداعيين وللمالك اليمين على مدّعي الإعارة في نفي الإجارة، فإذا حلف رجع المال إلى مالكه؛ لانتفاء الإعارة بنفيه من غير حاجة إلى يمين، وإن حلف المالك اليمين المردودة لو رُدّت عليه تثبت له الأجرة المسماة.

وإن مضت مدّة يستحق بها المالك أجرةً كانا متداعيين، وتنتفي دعوى كلّ منهما بيمين الآخر، وتكون العين بيد القابض غير مضمونة؛ لاعتراف المالك له بعدم ضمانها، والمنافع مضمونة عليه بأجرة المثل لا بالمسمّى؛ لعدم ثبوته إلّا إذا كان المسمّى أقلّ، فلا يستحق سواه؛ لاعترافه بعدم استحقاقه الأكثر؛ مع احتمال ثبوت أجرة المثل مطلقاً؛ لانتفاء المسمّى


1) الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 389 المسألة 5؛ والمبسوط 3: 52.

2) المبسوط 3: 52.

3) المصدر : 51 – 52.

بانتفاء أصل الإجارة، فتبقى المنافع مضمونةٌ عليه؛ لأنّ المنافع الكائنة تحت اليد مضمونة عليه؛ لأن المنافع كالأعيان.

وقد يحتمل ها هنا بعد وقوع التحالف استخراج الحق بالقرعة؛ لأنّها لكلّ أمر مشكل، كما احتملها الشيخ في كتاب المزارعة (1). وهو ضعيف.

وذهب بعضهم إلى أن القول قول مدعي الإجارة (2)الأصالة براءته من أُجرة المثل أو أقل الأمرين، ولأنّه ذو يد متصرّفة بعين المال والمالك يدّعي عليه العوض على ما تصرّف فيه وأصل البراءة ينفيه.

وضعفه ظاهر ممّا تقدّم.

ولو كان مسمّى الإجارة أزيد من أُجرة المثل، احتاج مدعي الإجارة إلى بينة، أو يمين مردودة لإثبات الأزيد، ولا يكتفى بيمين المالك على نفي الإعارة قطعاً.

ثالث عشرها: حكم ما لو اختلفا في اشتراط الضمان العين في العارية وعدمه

ثالث عشرها : لو اختلفا في اشتراط الضمان في العارية وعدمه، فالقول قول المستعير. ولو اختلفا في أنّها عارية مضمونة، أم لا، فالقول قول المالك؛ لأصالة ضمان ما تحت اليد من مال الغير.

ويحتمل أن القول قول المستعير؛ للأصل.

وكذلك لو اختلفا في نفس العارية أنّها العين الخاصّة المضمونة، أو العين الأخرى الغير مضمونة. ويحتمل ها هنا التحالف فيعود الضمان للمستعير؛ لأصالة ضمان ما وقع تحت اليد من مال الغير.

ولو اختلفا في العين المستعارة ولم تكن مضمونةً تحالفا، وبقي ما بيد المستعير مالاً لا يدعيه أحد، ولا يبعد رجوعه إلى حكم مجهول المالك.

رابع عشرها: حكم ما لو شرط المالك ضمان العين مع تلف الكل

رابع عشرها: لو شرط المالك ضمان العين مع تلف الكلّ، ضمنها عند تلف الكلّ. ولو شرط ضمان تلفها كلاً أو بعضاً ضمنها كذلك.


1) المبسوط 3: 266.

2) السرائر 2: 431 - 432 شرائع الإسلام 2 : 138 – 139.

ولو أطلق فالظاهر أنّه يضمن الأجزاء كما يضمن الكلّ.

وعلى كلّ حال فهل يدخل النقص الناشئ عن الاستعمال أو التلف الناشئ عنه في اشتراط الضمان، أو لا يدخل واحد منهما فيه، أو يدخل التلف الناشئ عنه دون النقصان؟ وجوه، أقربها: دخول ضمان نقص الأجزاء وضمان تلك العين في الشرط، فعلى ذلك لو نقصت أجزاؤها قبل التلف إلى أن تلفت ضمن نقص الأجزاء من يوم القبض إلى يوم التلف، وضمن قيمتها يوم التلف، والإذن في النقص بالاستعمال أو التلف لو فهم الإذن به لا ينافي الضمان؛ لأنّ تسويغ الاستعمال يجامع اشتراط الضمان وعدمه.

هذا كلّه لو كان النقص في القيم لنقصان العين جزءاً أو وصفاً، ولو كان لنقصان السوق لم يضمنها المستعير مطلقاً؛ لعدم دخولها تحت اشتراط الضمان قطعاً.

خامس عشرها: حكم ما لو ألقت الريح حباً أو نوى أو غيرهما في دار الغير فصار زرعاً أو نخلاً

خامس عشرها: لو ألقت الريح حباً أو نوى أو غيرهما في دار الغير فصار زرعاً أو نخلاً، كان لمالك الأرض قلعه من غير أرش لمالك الحبّ والنوى؛ لأنّهما لم يوضعا بإذنه.

وقيل: ليس لمالك الأرض قلعهما قهراً؛ لأن مالكهما غير معتد بوضعهما (1). وهو ضعيف. ولمالك الحبّ والنوى قلعهما أيضاً، ولا يُجبر على الإبقاء. وهل يضمن أرش نقصان الأرض، ويجب عليه طمّ الحفر ؟ وجهان، ولا يبعد لزوم ذلك عليه؛ لأنّه شيء حدث بفعله لتفريغ ماله عن ملك الغير.

ويجب على صاحب البذر وشبهه بعد مطالبة المالك له بالقلع دفع الأجرة لبقائهما في الأرض مدّة يستحق عليها أجرة في العادة، ولا يجب قبل المطالبة؛ لعدم كون الزرع بفعله ولا بسببه فلا يضمن أجرة المثل ببقائه.

ولو أعرض المالك عن الزرع، خرج عن ملكه وجاز لصاحب الأرض تملكه حينئذٍ وقلعه، ولا يُجبر صاحب الأرض على قلعه ولا يستحق عليه أُجرة لمدة بقائه؛ لخروجه عن ملكه قبل المطالبة.

ولو اشتبه مالك البذر أو النوى في محصورين وجب التخلّص بالصلح أو القرعة، فمن يستقر له المال يطالب بقلعه.


1) المهذب 1 : 432 - 433.

وإن اشتبه في غير محصورين، احتمل إجراء حكم اللقطة عليه ابتداء، واحتمل إجراء حكم مجهول المالك عليه ابتداء.

ولو كان ابتداء أقل من الدرهم ولم ينو به التملك فلما صار زرعاً زاد، كان إجراء حكم مجهول المالك عليه أظهر من إجرائه في الابتداء.

خاتمة: حكم ما لو استعار أرضاً للزرع أو الغرس أو البناء فزرع وغرس وبنى فتلف ما صنعه

خاتمة: لو استعار أرضاً للزرع أو الغرس أو البناء فزرع وغرس وبنى فتلف ما صنعه، فهل له أن يعيد غيره أم لا؟ وجهان وجواز الإعادة أقرب ما لم يفهم عرفاً انتهاء العارية بانتهاء ذلك الزرع في تلك السنة، أو بقلعه فيها، أو بنقض ذلك البناء.

وعلى كلّ حال فلصاحب الزرع قلعه متى أراد؛ لأنّه موضوع على ذلك، ولا يجب عليه الانتظار إلى أوان الزرع وإن عاد على صاحب الأرض ضرر بالقلع.

نعم، يجب على صاحب الزرع دفع أرش الأرض لو نقصت بالقلع وطم الحفر.

وكما يجوز لصاحب الزرع قلعه فكذا يجوز لصاحب الأرض؛ لإقدام الزارع على أرض مستعارة يجوز الرجوع بها متى شاء، ولا يلزم على صاحب الأرض إبقاء الزرع إلى أوان حصاده.

نعم، يجب على صاحب الأرض بذل الأرش، وهو تفاوت ما بين كونه ثابتاً إلى أوان حصاده ومقلوعاً، ويقوم مقلوعاً مجاناً لا مقلوعاً بالأرش؛ لأنّ التقدير كذلك، وإلا لزم الدور.

وهل يقوم ثابتاً مجاناً؛ لاقتضاء ابتداء العارية كذلك، أو بأجرة؛ لاستحقاق المالك لها عند فسخ العارية؟ وجهان، والأخير أظهر.

ولو بذل المعير قيمة الزرع أو الغرس أو البناء، لم تجب إجابته، كما لو بذل المستعير قيمة الأرض أو الأُجرة؛ لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم.

ولصاحب الغرس والبناء بيع ماله على مَنْ شاء، والمنع من ذلك لعدم استقرار الملك ضعيف، وغايته تسلّط المشتري مع الجهل على الخيار، وكذا لصاحب الأرض.

وكذا لهما أن يبيعا مجتمعين، فيوزّع الثمن عليهما فيقسّط على الأرض مشغولةً به على وجه الإعارة مستحق للقلع بالأرش، أو الإبقاء بالأجرة، أو النقل بالقيمة مع التراضي، وعلى ما فيها مستحقاً للقلع بالأرش إلى آخر الوجوه.

ويجوز لصاحب الأرض الدخول فيها والاستظلال بشجر المستعير أي وقت شاء، ويجوز لصاحب الزرع وشبهه الدخول لمصلحة الزرع ونحوه، ولا يجوز له الدخول مجاناً ولا للتنزه.

كتاب الإجارة

كتاب الإجارة

تعريف الإجارة لغةً وشرعاً

وهي لغة: كراء الأجير، كالأُجرة، لا مصدر أجر؛ لأن مصدره الإيجار.

ونُقلت شرعاً لماهية جديدة دلّ على ثبوتها الكتاب (1)والسنّة (2)والإجماع، إلّا أنّه ليس في إطلاقات الكتاب ما يشمل المشكوك بجواز استئجاره وعدمه، وكذا في الإجماع.

نعم، قد يُستشعر من بعض الأخبار ذلك. وفي بعض الأخبار كراهة إيجار الشخص نفسه؛ لأنّه حظر عليه رزقه (3).

وهي محمولة على الأجير الخاص بجميع منافعه؛ جمعاً بينها [ وبين ] وما دلّ على إيجار المعصوم نفسه الزكية (4).

وأصل وضع الإجارة لنقل المنافع، كما أنّ البيع أصل وضعه لنقل الأعيان، والمنفعة تابعة لها اتباعاً عقديّاً أو حكماً شرعياً بعد ملك المنتقل إليه العين؛ لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم. وكذا تبعية العين في الإجارة لملك المنفعة وجواز إتلافها في الاستئجار للرضاع والحمام والبئر ونحوها، فإنّها محتملة للتبعية العقدية، ولكونها من الأحكام الشرعيّة وسيجيء بيان ذلك (5)إن شاء اللّه تعالى.


1) النساء (4) : 24؛ الكهف (18) : (77؛ القصص (28) : 26؛ الممتحنة (60) : 10؛ الطلاق (65) : 6.

2) وسائل الشيعة 17 : 238 - 239، الباب 66 من أبواب ما يكتسب به، ح 2 و 19 : 101 و 134، الباب 1 و 24 من أبواب كتاب الإجارة.

3) المصدر 19 : 103 الباب 2 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

4) المصدر 17 : 238 - 239، الباب 66 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

5) سيأتي في ص 85.

والكلام يقع فيها في أُمور:

أحدها: في أنّ الإجارة تمليك المنفعة بعوض معلوم مع بقاء العين

أحدها: الإجارة تمليك المنفعة بعوض معلوم مع بقاء العين، أو العقد الدالّ على ذلك.

والأقرب بحسب العرف الأوّل، وبحسب كلام الفقهاء: الثاني.

ولا يراد بالصفة في الإيجاب سوى الأوّل؛ لعدم إمكان إرادة العقد من لفظ العقد الإنشائي كـ «آجرتك» قطعاً، وعدم إمكان الاشتقاق منه.

والقول بالاشتراك اللفظي بينهما قويّ.

وقد يورد على الحد: بالصلح على المنفعة، أو هبتها بعوض معلوم، وبما لو جعلت المنفعة ثمناً في البيع، وبالوصيّة بالمنفعة بالعوض المعلوم، وبما وقعت صداقاً، وبتمليك المنافع تبعاً في البيع وشبهه، وبما وقع التمليك فيه للأعيان، كماء الحمام والبئر واللبن في الرضاع، وبما أدى تمليك منفعته إلى إتلافه كتمليك الزيت للوقود وشبهه، وبتمليك البضع في نكاح المتعة.

ويجاب بأن المراد من العوض المعلوم هو ما يشترط العلم به، وما من شأنه ذلك.

والمراد بتمليك المنافع تمليكها أصالة وابتداءً في عقدها، فخرجت المنفعة اللاحقة للعين تبعاً، والواقعة ثمناً.

والمراد بتمليك المنفعة أن يكون القصد إليها ابتداء، ولا يضرّ استلزامها لتلف بعض الأعيان تبعاً عقديّاً أو حكماً شرعياً، بل كلّ عين لا بدّ من نقصانها بالاستعمال ولكن من غير القصد إليه، وأما ما يؤدّي الانتفاع به إلى إتلافه أصالة فلا نسلّم جواز تعلّق الإجارة به، إلّا إذا قام عليه الدليل كالاستئجار للرضاع.

وقد يدّعى أن الاستئجار على المص، والحليب من التوابع.

وأما تمليك البضع، فلا نسلّم أنّه تمليك حقيقي فيخرج بقيد التمليك.

وقد يورد أيضاً : بشمول الحدّ للمنفعة المعلومة والمجهولة.

ويجاب بالتزامه والتزام شمول الحد للصحيح والفاسد.

وقد يورد: أن تمليك المنفعة غير معقول ؛ لأنّها حالة العدم لا تتعلق بها صفة الوجود وهي الملك للزوم المحال، وتأخر الملك إلى وجودها فيتعلّق بها بعد ذلك منافٍ لوضع العقود من مقارنة أثر الملك لها، وحمل العقد فيها على تمليك أن يملك المنفعة لا على ملكها نفسها بعيد عرفاً وشرعاً.

وقد يجاب بمنع كون المنفعة معدومة، بل هي متحققة مع العين، فماضيها ومستقبلها

واحد، فمنفعة الدار والحمّام أمر قائم به بالفعل ما دام موجوداً وإن كان استيفاؤه يتجدّد آناً فآناً، أو يقال إنّه أمر جاء به الدليل وليس لنا إلى ردّه سبيل.

وليس من المنافع نفس النماء، فلا يدخل في عقد الإجارة؛ لأنّ تعلق الإجارة بنفس المنفعة القائمة بالعين والنماء ليس من تلك المنافع، فلا يملك للمستأجر بوجه.

ثانيها: في أنّ الإجارة من العقود اللازمة

ثانيها: الإجارة من العقود اللازمة؛ للأصل، والإجماع بقسميه (1)على الظاهر؛ ولأنّ المشكوك في لزومه وجوازه فالاستصحاب والقاعدة الشرعيّة المأخوذة من (أوفوا بالعقود) (2)يقضيان بلزومه؛ وللأخبار الدالّة على لزومها (3)خصوصاً، المعتضدة بفتوى الأصحاب.

وحينئذٍ فلا بدّ لها من لفظ - ولا يكفي غيره إلّا في المعاطاة على الأظهر، أو إشارة الأخرس ونحوه - صريح بمادته، مشتق من الإجارة ك« «آجرتك» أو من الكرى كـ «أكريتك» أو مشتق من الأعم القريب كـ «ملكتك المنفعة» أو مشترك لفظي أو معنوي.

ولا يكفي «بعتك المنفعة» أو «وهبتكها» أو «أعرتك العين»؛ لعدم الصراحة، فيقتصر على مورد اليقين.

ولا بدّ من كونه على هيئة الماضي، وأن يكون غير ملحون ببنيته؛ اقتصاراً على المتيقّن، وكذا كلّ مجاز ما لم يكن مشهوراً.

وفي كونه غير ملحون بإعرابه، أو كونه عربياً، وكونه مرتباً إيجابه على قبوله نظر وتأمل.

وبعضهم حكم بمنع تقديم القبول على الإيجاب في لفظ «قبلت» من غير إشكال (4)لعدم استقلالها. والظاهر أنّه كذلك.

وهل تلزم معاطاتها بالتصرف بالعين المستأجرة، أو لا تلزم؛ لأن المنفعة المقصودة بالمعاوضة ممّا تتجدّد فلا يتحقق التصرّف بها؟ وجهان، ولا يبعد الأوّل، كما لا يبعد في الاستئجار على الأعمال عدم اللزوم باستيفاء بعض العمل، بل تبقى على الجواز ما لم يتصرّف المؤجر بالأجرة، أو يجيء اللزوم من باب آخر.


1) جامع المقاصد 7: 83 - 84 : مسالك الأفهام :5 : 174؛ كفاية الفقه 1 : 648.

2) المائدة (5) : 1.

3) وسائل الشيعة 19 : 110. الباب 7 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1 و 118، الباب 15 من تلك الأبواب، ح 1.

4) مسالك الأفهام 5 : 172.

ولا ينفسخ عقدها بالبيع وشبهه للعين المستأجرة؛ للأصل، والإجماع، والأخبار الخاصّة.

ومنها: الصحيح: «لا ينقض البيع الإجارة ولا السكنى» (1).

والصحيح الآخر فيمن استأجر ضيعة فباع المؤجر تلك الضيعة بحضرة المستأجر ولم ينكر البيع ومات المشتري وله ورثة هل يرجع ذلك الشيء في ميراث الميّت أو يثبت في يد المستأجر؟ فكتب: «يثبت في يد المستأجر حتّى تنقضي إجارته» (2)إلى غير ذلك.

ثمّ مع بيع العين المستأجرة إمّا أن يكون المشتري عالماً بالاستئجار ومدته، فلا إشكال بصحّة البيع.

وإن كان عالماً به جاهلاً بمدته، فيمكن القول بفساد البيع؛ لمكان الجهالة، إلّا أن الصحّة أقرب.

وإن كان جاهلاً بالاستئجار، تسلّط على الخيار بين الفسخ وبين الإمضاء مجاناً، كما هو ظاهر الأصحاب؛ لأصالة عدم الأرش.

ومن ذلك يظهر أنّ هذا الخيار ليس بخيار عيب ولا تبعيض صفقة، بل هو لخيار فوات الوصف أقرب.

والحقّ أنّه خيار مستقل؛ لمكان الضرار.

ولا تبطل الإجارة بالموت؛ للأصل، والأخبار الخاصّة الدالّة على لزوم الإجارة بقول مطلق(3)، ولفتوى المشهور، وللسيرة الدالّة على ذلك في وجه.

خلافاً لمن أبطلها بالموت مطلقاً (4)، ولمن أبطلها بموت المستأجر دون الموجر (5)، ونقل على الأوّل الإجماع مطلقاً (6)، وكذا على الثاني بخصوصه (7).


1) وسائل الشيعة 19 : 135، الباب 24 من أبواب كتاب الإجارة، ح 3.

2) المصدر : 134. ح 1.

3) المصدر : 110، الباب 7 من أبواب كتاب الإجارة، و 134 الباب 24 من تلك الأبواب، ح 1، و 136، الباب 25 من تلك الأبواب، ح 1.

4) كالشيخ المفيد في المقنعة: 640: والشيخ الطوسي في النهاية: 444 والخلاف 3: 491 المسألة ؛ والديلمي في المراسم: 196؛ والقاضي ابن البراج في المهذب 1 : 501؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1 : 287؛ وابن حمزة في الوسيلة : 267.

5) كالشيخ الطوسي في المبسوط 3 : 224.

6) غنية النزوع 1: 287.

7) المبسوط 3 : 224.

ونُسب لجملة من المتقدّمين الحكم بكل منهما(1)، وعلل الحكم بذلك بعلل ضعيفة واهية لا محصل لها.

وعلى كلّ حال، فالقولان ضعيفان؛ لضعف الإجماع المنقول مع فتوى المشهور بخلافه، فلا يعارض ما قدمناه.

واستند بعض أصحابنا المتأخرين (2)لعدم انفساخها بالموت إلى روايتين(3).

والحقّ أنّهما لا دلالة لهما على المطلوب بوجه من الوجوه، بل العمدة ما ذكرناه.

ويستثنى من ذلك المستأجر المشروط عليه المباشرة، فإنّ الإجارة تنفسخ بموته، وكذا المؤجر لو كانت المنفعة موصى له بها ما دام حيّاً، أو كانت العين موقوفةً عليه وعلى البطون اللاحقة، فإنّها تنفسخ بموته؛ لتعلّق حقّ البطون اللاحقة بها، ولتلقيهم من الواقف لا منه، ولأنّه لا يملك المنفعة المتجدّدة بعد الموت حين العقد كما يملكها في سائر الأملاك.

نعم، لو آجر ناظر الوقف الوقف لمصلحة البطون مضت الإجارة عليهم؛ لأنّه بمنزلة الولي عليهم فلا تنفسخ بوجه، ولو تبين خلاف المصلحة للبطون اللاحقة ففي انفساخ الإجارة وجه.

ثالثها: في أنّ العين المستأجرة أمانة بيد المستأجر إذا تسلّمها بإذنه

ثالثها: العين المستأجرة أمانة بيد المستأجر إذا تسلّمها بإذنه لا تضمن من دون تعد أو تفريط، سواء تلفت في مدّة الإجارة أو بعدها، وسواء تلفت في زمان ردّها إليه أو قبله، وسواء ردّها فوراً أم متراخياً، أو لم يردّها أصلاً بعد أن خلّى بينها وبين صاحبها؛ لعدم وجوب الردّ عليه.

ويدلّ على ذلك كلّه إطلاق الإجماعات المنقولة(4)المعتضدة بالشهرة المحصّلة.

وللصحيح فيمن استأجر دابّة فأعطاها غيره فنفقت، قال: «إن كان اشترط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها، وإن لم يسم شيئاً فلا شيء عليه» (5).


1) راجع مختلف الشيعة 6 : 106 - 107، المسألة 6.

2) البحراني في الحدائق الناضرة 21 : 541 - 542.

3) وسائل الشيعة 19 : 136 الباب 24 من أبواب كتاب الإجارة، ح 5؛ والباب 25 تلك الأبواب، ح 1.

4) منها : ما في رياض المسائل 10 : 15.

5) وسائل الشيعة 19 : 118، الباب 16 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

ولرواية البغل حيث أوجب على المتعدّي عليه إذا أصابه كسر أو دبر أو عقر قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم يردّه عليه (1).

وللخبر: «إنّ عطب الحمار فهو ضامن» (2).

وفي آخر: «إن جاز الشرط فهو ضامن، وإن دخل وادياً لم يوثقها فهو ضامن» (3).

وللنصوص النافية للضمان في العارية المعللة بكونها أمانة (4).

وللنصوص الواردة بعدم ضمان الأجير لما يتلف في يده إذا كان أميناً، والواردة في عدم ضمان الأجير إذا هلك بيد المستأجر (5).

ولأصالة عدم الضمان وانصراف أدلّته إلى غير الأمانة أو إليها مع التعدّي والتفريط.

وبهذا يظهر ضعف مَنْ ذهب إلى ضمان العين المستأجرة بعد مدّة الإجارة إذا لم يردّها فوراً (6)، بناءً منه على وجوب ردّها فوراً.

وفيه - مع ذلك -: منع لزوم ردّها فوراً، ومنع صيرورتها بعد المدّة أمانة شرعيّة؛ لاستصحاب عدم الضمان المتحقّق أولاً، ولأنّها مأخوذة بإذن المالك من غير اشتراط للردّ منه، فالإذن قاض ببقائها إلى أن يطالب بها، فإذا طالب بها وجب على المستأجر التخلية؛ لأنّه هو المتيقّن، ولا يجب عليه الردّ ولا مؤونته.

ولو شرط في عقد الإجارة الضمان، فالأقوى فساد الشرط؛ لمنافاته لمقتضى العقد فيفسد العقد بفساده، كما هو الأقوى أيضاً.

وهل تضمن العين حينئذٍ بالعقد الفاسد؛ لعموم دليل الضمان (7)، أو لا تضمن؛ لأنّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده وجهان، والأخير بناء على عموم لفظ «ما» للمعقود عليه نفسه كالمنفعة، ولوازمه كالعين لا يخلو من إشكال.


1) وسائل الشيعة 19 : 119 - 120، الباب 17 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1 و 25 : 390، الباب 7 من أبواب كتاب الغصب، ح 1.

2) المصدر : 121، الباب 17 من أبواب كتاب الإجارة، ح 2.

3) المصدر، ح 3.

4) المصدر : 91، الباب 1 من أبواب كتاب العارية.

5) المصدر : 141 و 148، الباب 29 و 30 من أبواب كتاب الإجارة.

6) كالشيخ الطوسي في المبسوط 3 : 249.

7) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

ويحتمل الضمان ها هنا بالخصوص دون غيره من العقد الفاسد؛ للإقدام على الضمان بالشرط، وهو حسن.

وقيل: يصحّ الشرط(1)؛ لعموم دليل الشروط (2).

وللخبر: فيمن استأجر سفينة للطعام وشرط إن نقص الطعام فعليه، فقال: «جائز» وفي آخره لصاحب الطعام الزيادة وعليه النقصان إن كان شرط عليه ذلك» (3).

وفي الخبر ضعف، والعموم موهون بفتوى المشهور على خلافه، فالأقوى (4).

ولو كان تلف العين بفعل المستأجر ضمن؛ لعموم دليل الضمان (5)، وللقاعدة القاضية بتضمين مباشر الإتلاف وإن لم يكن متعدّياً أو مفرّطاً.

رابعها: في أنّ كلّ ما تصحّ إعارته تصحّ إجارته

رابعها: كلّ ما تصحّ إعارته من الأعيان المنتفع بها مع بقاء عينها تصحّ إجارته؛ لعموم الأدلّة(6)، وللإجماع المنقول (7).

قيل: ولأن الإجارة عرفاً ولغةً بمعنى العارية؛ لأنّ في كلّ منهما تسليطاً للمدفوع إليه على المنفعة، إلّا أنّهما يفترقان بالعوض واللزوم وعدمهما.

والمنحة وإن صحت إعارتها ولا تصحّ إجارتها إلّا أنّها ليست بحسب أصل وضعها الشرعي، بل للدليل الدال على ذلك، فإلحاق الإجارة به قياس.

والأصل في الإجارة استيفاء المنفعة مع بقاء العين، فلو كان الاستئجار لتلف العين ابتداء أو للنماء الحاصل من الأعيان بطلت الإجارة؛ لاختصاص أدلتها باستيفاء المنافع المجرّدة عن تلف الأعيان.

نعم، قد يلزمها تلف الأعيان بمرور الزمان وكثرة الاستعمال، ولكنه غير مقصود بالذات.


1) رياض المسائل 10 : 17.

2) تقدّم تخريجه في الهامش (3) من ص 65.

3) وسائل الشيعة 19 : 150 الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، ح 5.

4) كذا قوله : «فالأقوى» بدون الجواب في النسخ الخطية.

5) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

6) النساء (4) : 24 الكهف (18) : 77؛ القصص (28) : 26.

7) رياض المسائل 10 : 14.

وأما استئجار الحمام والبئر لإتلاف مائهما أو لملكه على بعض الوجوه - كالاستئجار للرضاع - جاء به الدليل، أو أن الملك والإتلاف يجيء تبعاً، وسيجيء الكلام (1)إن شاء اللّه تعالى.

وليس كلّ ما تصحّ إجارته بحسب أصل وضعه شرعاً تصحّ إعارته؛ لجواز استئجار الحر وعدم جواز إعارته، كما أنّه ليس كلّ ما لا تصحّ إعارته لا تصحّ إجارته.

نعم، يلزم القاعدة الأولى: أن كلّ ما لا تصحّ إجارته لا تصحّ إعارته؛ لأنّه لو صحت إعارته لصحت إجارته.

خامسها: في أنّ خيار المجلس والحيوان والتأخير لا يسري إلى الإجارة

خامسها: كلّ خيار جاء به في البيع الدليل الخاص كالمجلس والحيوان والتأخير - لا يسري إلى الإجارة، وكلّ ما جاء به الدليل العام كنفي الضرر (2)، و «المؤمنون عند شروطهم» (3)كخيار الشرط، وخيار فواته، وخيار فوات الوصف، وخيار فوات الرؤية، وخيار العيب، وخيار التدليس وخيار الغبن وخيار الشركة، وخيار التفليس وشبهها فإنّه يسري إلى الإجارة، ويقع البحث في سقوطه بالإسقاط أو بالتصرف مع العلم أو الجهل، كما يقع في البيع.

ولو وجد المؤجر في الأجرة عيباً حصل قبل العقد أو بعده قبل القبض، كان له الخيار إذا كانت معيّنةً بين الفسخ وبين الإمضاء مجاناً أو مع الأرش، وله الخيار إذا كانت كلية بين الإمضاء مجاناً وبين الإبدال، وفي جواز فسخ أصل العقد وجه بعيد، كما أنّ في جواز الإمضاء مع الأرش وجهاً، إلّا أنّه قريب.

هذا إذا لم يتعذر البدل، فلو تعذر كان له فسخ أصل العقد، وله الإمضاء مع الأرش.

وهذا الأصل مبتن على أنّ الأجرة قبل القبض مضمونة على المستأجر كلّاً وبعضاً ووصفاً كضمان المبيع على البائع، وأنّ الأرش لا اختصاص له بالبيع، بل هو سار لجميع العيوب الحادثة في سائر المعاوضات، والظاهر أنّه كذلك سيما في باب الإجارة الملحقة بالبيع؛ لظاهر الاتفاق على ذلك، والمناقشة من بعض المتأخرين (4)في ذلك غير مسموعة.


1) سيأتي في ص 104 - 105.

2) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 29.

3) تقدّم تخريجه في الهامش (3) من ص 65.

4) راجع الحدائق الناضرة 21 : 563.

سادسها: في أنّه يُملك الأجرة والمنفعة بنفس العقد

سادسها: تملك كلّ من الأجرة والمنفعة بنفس العقد؛ لأنّه السبب المملك، وتأخّر المسبّب عن سببه العقلي أو الشرعي خلاف الضوابط والقواعد العقلية والشرعيّة، إلّا فيما جاء به الدليل، وعلى ذلك فالحكم بتأخّر ملك المنفعة، أو المنفعة والأجرة معاً في باب الإجارة إلى حين الاستيفاء لأنّه قبله معدوم لا يتعلّق به الملك، غلط واضح؛ لأن المنفعة من الأمور الموجودة القائمة بالعين وإن تأخر استيفاؤها والانتفاع بها؛ لأنّ الانتفاع بالشيء غير منفعته، وحينئذٍ فلم يتعلّق الملك بالمعدوم كي يفتقر إلى القول بتأخّر الملك نفسه، أو القول بحصول الملك وتأخر تعلّقه؛ لأنّ القول بكلِّ منهما مخالف لظاهر الإجماع والنصوص، بل ربما نافاه العقل والاعتبار.

وعلى ما ذكرنا يجب على كلّ من المتعاقدين أن يسلّم الآخر ملكه، ويحرم عليه الامتناع؛ لأنّه ظلم وعدوان، فلو امتنعا معاً جبرهما الحاكم، ولو لم يمتنعا ولكن اختلفا بالتقديم والتأخير تسالما دفعةً، أو تراضيا على القرعة، سيما في مقام لا يمكن فيه وقوع التسالم منهما دفعةً. ولو ابتدأ أحدهما بالامتناع جاز امتناع الآخر لامتناعه إلى أن يجبر الحاكم الممتنع الأوّل فيتسالمان دفعة.

وهذا الذي تقضي به قواعد المعاوضة، إلّا أنّ ظاهرهم في باب الإجارة - حتّى يظهر من بعض نقل الإجماع عليه، وادّعى بعضهم أنّ للإجارة خصوصيّة؛ لمكان الضرر (1)- هو لزوم تقديم تسليم المنفعة والعمل، وعدم جواز الامتناع عن تسليمهما حتّى لو امتنع المستأجر عن تقديم تسليم الأجرة، وأنّه لا يلزم المستأجر دفع الأجرة قبل أن يتسلّم المنفعة والعمل. وظاهرهم أن تسليم المنفعة بتسليم العين، وتسليم العمل بإتمامه إن لم يكن في عين يملكها المستأجر، وإن كان في عين يملكها المستأجر فهل تسليمه بإتمامه فيه مطلقاً، أو بإتمامه وتسليم العين إلى صاحبها، أو بإتمامه فقط إن كان العمل في بيت المستأجر وفي ملكه وبإتمامه وتسليم العين إن كان العمل في بيت المؤجر ؟

وهذا الذي ذكروه مسلَّم في العمل؛ لأنّ الأُجرة وقعت على مجموع العمل، ولا يكون تسلّمه إلّا بإتمامه لكي يتحقق التسالم فيه دفعةً، وللزوم الضرر بتسليم الأجرة عند ابتداء


1) رياض المسائل 20:10.

العمل لخوف الموت والفوت، وتسليم جزء جزء غير مقدور ولا يخلو من الحرج، ولشمول الإجماع المنقول المتقدّم (1)له قطعاً؛ ولظاهر الأخبار الدالّة على لزوم إعطاء الأجير الأجرة قبل أن يجفّ عرقه (2)فإنّها لا تخلو من الدلالة على جواز تأخير الأجرة عن تمام العمل، ولكنا لا نسلّمه في غير العمل، بل يرجع في غيره إلى القواعد.

ولا نسلّم أيضاً توقف الأجرة بعد تمام العمل على تسليم العين المعمول فيها؛ لصدق تسليم العمل للمستأجر بمجرّد إتمامه وإن لم يسلّمه العين، حتّى أن العين لو تلفت قبل تسليمها استحق الأجير الأجرة، ولا يكون من تلف أحد العوضين قبل قبضه، وكذا لو امتنع من تقبيض العين المعمول بها لم يجز الامتناع عن دفع الأجرة له إلّا مقاصةً.

وبالجملة، فإذا أتم الأجير العمل بأمر المستأجر وبدفع عين ماله له ليعمل فيه، كان إتمامه تسليمه، ولا نعني بالتسليم سوى ذلك.

وخيال أنّ المستأجر عليه أثر العمل والعمل مقدمة له، وأثر العمل قائم بالعين فتسليمه بتسليمها، مدفوع :

أولاً : بمنع أن المستأجر عليه هو الأثر، بل الظاهر من الاستئجار هو تعلقه بنفس العمل.

وثانياً : بمنع عدم حصول التسليم إلّا بتسليم العين، بل يكفي إتمامه له وهو في ملكه؛ لأنّه بمنزلة الوكيل في قبض العين والعمل بها، فكأنه عمل فيه وهو في يده.

وثالثاً: بمنع توقف تسليم الأجرة هنا على أمر زائد على إتمام العمل ولو لم يكن إتمامه تسليماً؛ لعموم الأدلّة الدالّة على لزوم دفع مال الغير، ودفع مال الأجرة من دون استفصال.

وأمّا قضيّة لزوم التسالم دفعةٌ في المعاوضات فهي خاصّة في غير هذا المورد، ومصروفة إلى الأعيان والعمل المجرّد.

سابعها: في أنّه يشترط في عوض الإجارة كونه مملوكاً

سابعها: يشترط في عوض الإجارة كونهما مملوكين (3)، فلا تصحّ على ما لا يملك لقلته كمنفعةٍ قليلةٍ جداً، أو على مباح الأصل كإيجار قطعةٍ من أرض مباحة، أو على ما لا يملكه


1) تقدّم في ص 87.

2) وسائل الشيعة 19 : 106، الباب 4 من أبواب كتاب الإجارة.

3) كذا قوله : «كونهما مملوكين» في النسخ الخطية، والظاهر : «كونه مملوكاً».

أحد بخصوصه، كالأراضي الخراجيّة والطرق النافذة إلّا مع إجازة الحاكم، أو على ما لا يملكه العاقد أو لا يكون له عليه ولاية أو وكالة إلّا مع إجازة المالك، فإذا أجاز جاز؛ لأنّ الأقوى جريان الفضولي في الإجارة.

ويكفي في صحّة الإجارة ملك المنفعة وإن لم يملك العين.

ويصحّ للمستأجر أن يؤجر العين لغيره؛ لأنّ المالك له التصرّف بملكه كيف شاء، وللأخبار الواردة في إجارة الأرض أو الحانوت أو البيت أو الرحى بأكثر ممّا استأجر، أو الأجير بأقل ممّا استأجر (1)وللإجماع المنقول (2)بل المحصّل؛ إلّا أن يشترط المؤجر على المستأجر أن يستوفى المنفعة بنفسه لنفسه دون غيره، فلا يجوز للمستأجر أن يؤجر.

أما لو شرط عليه استيفاؤها بنفسه فقط، جاز أن يؤجرها ويستوفيها بنفسه للمستأجر، كأن يركب الدابّة لحاجته.

ولو تقبل الأجير عملاً جاز له أن يستأجر به، إلّا أن يشترط عليه المباشرة بنفسه، أو يظهر من الخطاب أو من الصيغة.

ولا يتفاوت الحال في جواز الإيجار للمستأجر أو الأجير فيما عدا ما استثنى بين كونه بالأكثر أو الأقل أو المساوي، وبين كونه من جنس الأجرة الأولى أو من غيرها، وبين كونه قد أحدث حدثاً يقابل التفاوت أم لا، كلّ ذلك لعموم الأدلّة، وفتوى المشهور، وقضاء الأصول والقواعد المحكمة به.

وما دلّ من المنع عن إجارة الأرض بأكثر ممّا استأجر من الأخبار (3)محمول على الكراهة؛ لمعارضته بأخبار أخر دالّة على الجواز (4)، معتضدة بفتوى المشهور، وبعموم الأدلّة.

وكذا ما دلّ من الأخبار من المنع من إجارة الحانوت والبيت والدار والرحى والسفينة بأكثر ممّا استأجر (5)محمول على الكراهة؛ لضعف جملة منها سنداً، وأُخرى دلالةً؛ لاشتمالها على لفظ: «لا يصلح» وعلى مفهوم نفي البأس الغير صريحين في الحرمة.


1) وسائل الشيعة 19: 124 و 126 و 129، الأبواب 20-22 من كتاب الإجارة، و 132، الباب 23 من تلك الأبواب، ح2.

2) رياض المسائل 10 : 26.

3) وسائل الشيعة 19: 127 - 129، الباب 21 من أبواب كتاب الإجارة، ح 2، 6.

4) المصدر : 125 - 126، الباب 20 من أبواب كتاب الإجارة، ح 2 - 5.

5) المصدر : 124 - 126، الباب 20 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1 - 5، و 129 - 130، الباب 22 من تلك الأبواب، ح 2 – 5.

وكذا ما دلّ من الأخبار على منع إجارة الأجير بأقل ممّا آجر نفسه به (1)، محمول على الكراهة؛ لضعف عمدة روايته دلالةً؛ ولمعارضة القواعد والعمومات وفتوى المشهور، فالحمل على الكراهة وجه للجمع.

والأقوى أن الحكم كراهة - على ما هو الأقوى - أو تحريماً - كما أفتى به جمع من الأصحاب (2)- مقصور على ما ذكرنا من الأشياء، فتعدية الحكم إلى غيرها قياس لا نقول به، خلافاً لمن عداه (3)لذلك، ومقصور أيضاً على ما إذا استأجر بجنس الأُجرة الأولى؛ لظاهر الأخبار المشتملة على لفظ الأكثر وشبهه (4)القاضي بمساواة الجنس، وللإجماع المنقول (5). وعلى ما إذا لم يحدث حدثاً في ما استأجر يقابل الفضل، كما يظهر من بعض (6)، أو مطلقاً كما يقضي به إطلاق الروايات (7).

والظاهر أن مورد التحريم والكراهة في العمل نفس التقبيل الذي هو أعم من الإجارة، وفي غيره من الأعيان خصوصاً الإجارة بعد الإجارة؛ اقتصاراً على مورد اليقين، مع احتمال تعلّقهما بتقبيلهما مطلقاً كما دلّت عليه بعض الأخبار (8).

وفي تسرية الحكم لبعض العين المستأجرة، أو لبعض العمل إذا آجر فأخذ الفضل على ما يخصه من قسطه وجهان، ولا يبعد عدم المنع لا كراهة ولا تحريماً.

ثامنها: حكم ما لو توقف استيفاء المنفعة على قبض العين وتوقف العمل على قبض العين المعمول بها

ثامنها: لو توقف استيفاء المنفعة على قبض العين وتوقف العمل على قبض العين المعمول بها، لزم دفعها في باب الإجارة؛ لقضاء الخطاب والعقد به، ولو لم يتوقف لم يلزم، وكان للمستأجر الاستيفاء من العين وهي بيد صاحبها.


1) تقدّم آنفاً.

2) كالشيخ المفيد في المقنعة: 640 والحلبي في الكافي في الفقه : 346؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 142.

3) الحدائق الناضرة 21 : 298 – 299.

4) وسائل الشيعة 19 : 124، الباب 20 من أبواب كتاب الإجارة.

5) غنية النزوع 1: 286 - 287.

6) شرائع الإسلام 2: 142.

7) وسائل الشيعة 19 : 124، الباب 20 من أبواب كتاب الإجارة.

8) المصدر : 127، الباب 21 من أبواب كتاب الإجارة، ح 2.

ولو أجر العين المستأجر لغيره أو استأجر الأجير غيره ليعمل في عين المستأجر الأوّل لم يجز لهما تسليم عين الأوّل له؛ لحرمة التصرّف بمال الغير من دون إذنه، وجواز الاستئجار له لا يقضي بجواز تسليم العين التي هي في يده أمانة لغيره؛ لأنّه لازم أعم؛ لجواز أن يؤجر ويستأجر ويستوفي من استأجره من العين مع بقائها في يده.

وبالجملة، فالأظهر عدم جواز تسليم العين ما لم يقم شاهد حال، أو تدلّ قرينة على الإذن في ذلك، فلو سلّم بدون ذلك أثم وضمن.

وقيل بالجواز (1)لأنّ القبض من ضرورات الإجارة للعين، وقد حكم الشارع بجوازها، والإذن في الشيء إذن في لوازمه وللصحيح رجل استأجر دابّة فأعطاها غيره فنفقت، فقال: «إن كان شرط أن لا يركبها غيره فهو ضامن، وإن لم يسم فليس عليه» (2).

وهو مردود بمنع كون القبض من ضرورات الإجارة إلّا مع توقّف الاستيفاء عليه، فيختصّ بقبض المستأجر الأوّل؛ لأنّه الناشئ من الإذن الضمنية التي قد تضمنها عقد الإجارة، دون الثاني؛ لأنّه مال غيره فليس له التصرّف فيه.

والإذن الشرعيّة في الإجارة لا تقضي الإذن بدفع العين؛ لكونه لازماً أعم والعام لا يدلّ على الخاصّ.

والصحيح ليس فيه تصريح بتسليمها لغيره تسليماً تاماً سيما مع ملاحظة آخره، فلعله أركبه إياها وهو قابض للجامها ويده عليها، ويشعر بذلك تعليقه الضمان على الشرط المذكور وجوداً وعدماً.

تاسعها: في أنّه يشترط في عوض الإجارة المعلومية بالنوع والوصف أو المشاهدة أو التقدير بالكيل والوزن والعدّ

تاسعها: يشترط المعلومية في عوض الإجارة بالنوع والصنف، أو بالمشاهدة، وبالتقدير بالكيل والوزن والعد فيما يعتبر بها في الأُجرة، ولا تكفي المشاهدة فيها عن التقدير بما تقدّم للنهي عن الغرر (3)مطلقاً في عقود المعاوضة، وللإجماع المنقول على اشتراط المعلوميّة(4)،


1) حكاه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 186 عن الشهيد الأوّل.

2) وسائل الشيعة 19 : 118 الباب 16 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

3) مستدرك الوسائل 13 : 283، الباب 33 من أبواب آداب التجارة، ح 1.

4) غنية النزوع 1 : 285.

الشامل للزوم التقدير والإجماع المنقول على شرطيّة انتفاء الغرر والجهالة (1)الحاصلين بعدم التقدير؛ ولبناء عقد الإجارة على اللزوم وقطع النزاع، وعلى المغابنة والمكايسة اللازمين للزوم التقدير في المقدّر، فالقول بجواز الاكتفاء بالمشاهدة وارتفاع الغرر بها ظاهر الضعف.

ولا بدّ في المنفعة من بيان جنس المنتفع به ووصفه وبيان نفس المنفعة جنساً وصنفاً ووصفاً، ولا بدّ من تقديرها إمّا بالعمل كخياطة ثوب معين، أو موصوف، أو حمولة إلى مكان معين، أو نحو ذلك، وإما بالزمان كسكنى الدار شهراً معيناً، أو متصلاً بالعقد.

ولا يجوز استئجار الدار شهراً من الشهور كلّيّاً؛ للزوم الغرر والنزاع؛ ولأنّه كالقيمي في عدم جواز بيع كلّي من أفراده المجتمعة.

ولا يجوز «آجرتك الدار كلّ شهر بكذا» لمكان الغرر والجهالة، فيفسد في الشهر الأوّل وفي غيره، خلافاً لمن صححه وجعله لازماً في الشهر الأوّل وصححه، وجعله جائزاً فيما عداه (2)، فكل ما بقي يأخذ من المسمّى بحسابه؛ لعدم الدليل على الصحّة في مثل ذلك بعد الحكم باشتماله على الغرر، وإما بتقدير العمل والزمان معاً، كخياطة هذا الثوب في هذا اليوم مع العلم بإمكان التأدية في ذلك اليوم، فلو علم العدم فسد الشرط وفسد العقد بفساده، فلو لم يعلم صحّ الشرط، فإن أتى له به فيه كان له المسمّى وإن لم يأت له فيه ولو لعدم إمكانه تسلّط المستأجر على الخيار بين الإمضاء ودفع المستى وبين الفسخ ودفع أُجرة المثل.

هذا كلّه إن قصد أن الزمان ظرف للتأدية، وإن قصد التطبيق بين الزمان والعمل آخراً وأولاً لغرض من الأغراض، فإن أمكن ذلك عادة ووقع معتاداً صحّ، وجاء فيه ما ذكرناه مع الموافقة والمخالفة، وإن لم يكن التطبيق معتاداً، فإن علم عدم إمكانه فسد الشرط والعقد، وإن لم يعلم ففي صحته؛ لعموم دليل الصحّة، ولكونه شرطاً مقدوراً ربما يتعلّق به غرض من الأغراض، وعدمها؛ لعدم إمكانه غالباً فيلحق بالشرط الغير المقدور، وللزومه للغرر غالباً؛ لأنّه ربما تم العمل قبل المدّة، فإن أمر بعد ذلك بالعمل لزم زيادة العمل على ما استأجر عليه، وربما تمت المدّة قبل العمل فإن أمر بإتمامه لزم العمل في غير المدّة المشروطة، وكلاهما خلاف وضع عقد الإجارة فيفسد؛ وجهان، ولا يبعد الأخير.


1) رياض المسائل 10 : 19.

2) المقنعة : 642: النهاية : 444 شرائع الإسلام 2 : 142

عاشرها: اشتراط الجزم في عقد الإجارة

عاشرها: يشترط الجزم في عقد الإجارة؛ لانصراف أدلتها وأدلّة سائر العقود للمجزوم بها، ولمكان الغرر والجهالة عند عدم الجزم، فلا تصحّ الإجارة معلقة على شرط أو صفة متوقعين.

ولا يصحّ الترديد فيها بين أجرتين، أو بين منفعتين، أو بين أُجرتين لمنفعتين على تقديرين؛ للزوم الغرر والجهالة؛ ولعدم دليل على صحّة مثل ذلك.

وكذا لا يصحّ الترديد بين أجرةٍ على تقدير منفعةٍ وأنقص منها على تقدير نقصانها أو على تقدير أُخرى على أن تكون كلّ من المنفعتين مستأجراً عليها.

وكذا لا يصحّ الترديد بين أجرة على منفعة وعدمها على تقدير منفعةٍ أُخرى على أن تكون كلّ منهما داخلاً في الاستئجار، فلو قال: إن خطته فارسياً فلك درهم وإن خطته رومياً فدرهمان، أو قال: إن حملتني اليوم فلك درهم وإن حملتني غداً فلك نصفه، قاصداً فيهما الإجارة لا الجعالة، أو قال: إن حملتني إلى المكان الفلاني في الوقت الفلاني فلك درهمان، وإن كان في غير ذلك الوقت فدرهم، أو إن كان في غير ذلك الوقت حططت من الكرى عن كلّ يوم ربع درهم، أو قال: إن فعلت كذا فلك كذا وإن فعلت غيره فلا شيء لك، قاصداً بهما الاستئجار على أن يقابل إحدى المنفعتين بالأجرة المعينة ويقابل الأخرى بغيرها أو بعدمها، بطل العقد في الجميع مع قصد الإجارة دون الجعالة، ولو قصد الجعالة فالوجه: الصحّة.

ولو قصد إجارة واحدة وأخذ الأجرة الثانية أو نقصانها شرطاً عليه عند فعله غير ما استؤجر عليه وكان مأموراً به منه، أو قصد أُجرة واحدة واشترط عدمها عند عدم فعل ما استؤجر عليه، أو فعل غيره تبرّعاً منه صحت الإجارة والشرط؛ لعموم أدلة الشروط (1)، إلّا أنّه شرط مؤسس في الأوّل ومؤكد في الثاني.

وحينئذٍ فما ورد في الصحيح في الرجل يكتري الدابّة فيقول: اكثريتها منك إلى مكان كذا وكذا، فإن جاوزته فلك كذا وكذا، أو زيادة وسمّى ذلك، قال: «لا بأس بذلك كلّه» (2)محمول على إرادة الإجارة في أوّله والجعالة في آخره، أو على اشتراط شيء مخصوص له عند الإتيان بما زاد على المستأجر عليه.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (3) من ص 65.

2) وسائل الشيعة 19 : 111. الباب 8 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

وكذا ما ورد فيمن اكترى إبلاً لحمل متاع إلى بعض المعادن واشترط عليه أن يدخله المعدن في يوم كذا، فإن احتبس عن ذلك حطّ من الكرى عن كلّ يوم احتبس فيه كذا وكذا، وأنّه احتبس عن ذلك، فقال: «هذا شرط جائز ما لم يحط بجميع كراه» (1)محمول على إرادة الجعالة، أو على تعيين الأجرة الخاصّة في اليوم الخاص مع اشتراط أنّه لو فعل غير المستأجر عليه بأمر منه لم يكن له إلّا كذا وكذا، فتلزم الأجرة الأولى بالعقد والثانية بالشرط.

ولو أحاط الشرط بالأجرة مع كون العمل بأمره، كان الشرط صحيحاً، كما دلّ عليه ذيل الرواية، بحملها على أنّ المراد بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما لم يحط بجميع كراه» أنّه لا شيء له، لا على أنّه یراد به بيان أنّه فاسد.

ويمكن إرادة بيان أنّه يفسد فيما لو أخذ مورد الإجارة كلا القسمين المردّد بينهما؛ لمكان الترديد، إلّا أنّه يلزم التحليل بين صدر الرواية بحمله على الشرط وبين عجزها بحمله على الترديد.

ويظهر من بعضهم أنّ الأوّل أيضاً من الإجارة المردّد فيها، إلّا أن النصّ المنجبر بفتوى المشهور نقلاً (2)وتحصيلاً مسوغ لنا القول بصحّتها.

وفيه: أنّ الرواية ليست ظاهرةً في الإجارة المردّد فيها، بل ظاهرة في الشرطية، وكذا كلام الأصحاب، ولو قلنا: إنّ موردها الإجارة المردّد فيها للزم الاقتصار فيه على موردها وعدم التخطي عنه.

وبالجملة، فالرواية لا تخلو من إجمالٍ على كلّ حال، وحينئذٍ فالأخذ بها فيما خالف القواعد مع إمكان تنزيلها على الموافق، وكذا تنزيل فتوى المشهور نقلاً عليها مع عدم تصريحهم ! بالمخالفة ممّا لا ينبغي الإقدام عليه.

حادي عشرها: في أنّ كلّ موضع يفسد عقد الإجارة فيه تضمن المنفعة فيه

حادي عشرها: كلّ موضع يفسد عقد الإجارة فيه تُضمن المنفعة فيه مع تفويتها في غير الحُرّ، أو مع استيفائها فيه، وفي غيره بأجرة المثل؛ لأنّه قيمة المنفعة المستوفاة أو المفوتة عرفاً مع ضمانها على المستوفي؛ لأنّ ضمان القيميّات بقيمتها.


1) وسائل الشيعة 19 : 116 - 117، الباب 13 من أبواب كتاب الإجارة، ح 2.

2) رياض المسائل 10 : 23.

ويشكل الحكم في ضمان منافع الحرّ بالتفويت من دون استيفاء في العقد الفاسد سيما مع علم الحرّ بالفساد، كما أنّه يشكل ضمان أجرة المثل فيما لو كان الفساد من جهة اشتراط عدم الأجرة، أو الاستئجار بلا أُجرة، أو عدم ذكر الأجرة؛ لإقدامه في الأولين على المجان فلا يتعقبه ضمان؛ ولشبهه في الأخيرة بالعارية؛ لأن لفظ الإجارة وإن لزم منها الأجرة إلّا أنّ عدم ذكرها قرينة على إرادة العارية.

والحق: ثبوت أجرة المثل في الثلاثة بعد العلم بقصد الإجارة، وأن الإذن مقيدة بها؛ لأنّ المقيد ينتفي بانتفاء قيده، فيشملها عموم دليل الضمان (1)، وصيرورة اشتراط عدم الأجرة أو عدم ذكرها بمنزلة القرينة على إرادة العارية بحث آخر يتعلق بالموضوع، فإن سلّمناه ترتب عليه عدم الضمان وإلا فلا، والشأن في تسليمه.

وقيد بعضهم حكم ضمان أُجرة الأمثال بما إذا كان المؤجر جاهلاً، إمّا لو كان عالماً بالفساد فلا شيء له؛ لإقدامه على ذهاب ماله فلا يتعقبه ضمان. وكذا حال المستأجر بالنسبة إلى ضمان الأجرة بعد تلفها (2).

وفيه: أنّه مخالف لظاهر أدلّة الضمان ولفتوى الأصحاب؛ ولأن الإذن مقيدة، وينتفي المقيد بانتفاء قيده.

وأمّا العين فنُسب لظاهر الأصحاب ضمانها هنا (3).

وهو مع جهلهما مشكل؛ لأنّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده، إلّا أن يختص لفظ «ما» بالمعقود عليه دون لوازمه، وكذا مع علم الدافع؛ لأنّه بمنزلة مَنْ سلّط غيره على إتلاف ماله، فلا يتعقبه ضمان.

نعم، قد يقال به مع جهل الدافع وعلم المدفوع إليه بالفساد؛ لعموم دليل الضمان والشكّ انصراف قاعدة «ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده» لمثل هذه الصورة.

ولو كان الفساد لظهور العين مغصوبة، ترتب عليها أحكام الغصب من الضمان وعدمه، والرجوع وعدمه، والغرور وعدمه، ويختلف الحكم باختلافها.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

2) ریاض المسائل 44:10.

3) ریاض المسائل 44:10.

ثاني عشرها: فيما يتعلّق بالأجير الخاص والأجير المطلق

ثاني عشرها: الأجير الخاص هو الذي تملك عليه المنفعة المعينة أو كلّ منافعه بإجارة أو غيرها في وقت معين لا يزيد على العمل باشتراطه، أو بانصراف الإطلاق إليه، كما لو قلنا بانصراف الإجارة إلى العمل فوراً، أو بضيق الوقت عن الزيادة على تأدية المطلق، أو بظنّ الوفاة عند إتمامه مع اشتراط مباشرته له بنفسه، أو مع انصراف الإطلاق إلى المباشرة، أو قيام القرائن الحالية أو المقالية على إرادتها.

ويقابله المطلق وما لم يتعين عليه وقت، أو ما لم تتعيّن عليه المباشرة مثلاً، أو ما لم يتعين عليه كلّ منهما، وقد يُسمّى المشترك؛ لجواز الاشتراك فيه والعام؛ لإمكان عمومه للمستأجر وغيره، كما قد يُسمّى الخاص بالمقيد؛ لتقييده على خصوص المستأجر، والمختص؛ لاختصاصه به.

والأقوى أن إطلاق الإجارة لا يُصيّر الأجير خاصاً؛ لعدم الدليل على لزوم الفورية في الإجارات في العبادات وغيرها، وعلى لزوم المباشرة أيضاً مطلقاً، والقياس على أوامر الشارع قياس لا نقول به، بل ربما يُفهم من العرف في الأغلب إرادة التوسعة ومجرّد إيقاع العمل، إلّا مع نصب قرينة على خلافهما.

ولا يجوز لهذا الأجير الخاص العمل لغيره فيما يعارض المنفعة المملوكة؛ للإجماع، والموثّق فيمن يستأجر الرجل فيجعله في ضيعته فيعطيه رجل آخر دراهم مضاربة، فقال: «إذا أذن الذي استأجره فليس به بأس» (1)وهو ظاهر في الأجير الخاص، ولأن ملك الغير لا يجوز صرفه إلى غيره، ولأنّ جوارحه مرتهنة بحق المستأجر فلا يجوز له استعمالها في غيره إلّا ما قام على خروجه العرف والعادة، كمن استأجر رجلاً بجميع منافعه، فإن الظاهر أن منافع لسانه له فله أن يسبّح بها ويعقد للغير، إلّا إذا أدخل منافع لسانه في العقد فإنّه لا يجوز له ذلك، وكذا لو استأجرها بنفسها، وكمن استأجر رجلاً للخياطة فإنّ له أن يعمل برجليه عملاً لا ينافيها، وكمن استؤجر نهاراً جاز له العمل ليلاً.

وعلى ما ذكرنا فما استشكله بعضهم من جواز عمل الأجير الخاص لغيره عملاً لا ينافي حقّ المستأجر كالاشتغال بعقد عند اشتغاله بتأدية منفعته؛ لاستلزامه التصرّف في ملك الغير (2). لا وجه له؛ لأنّ الغير إنّما يملك ما دخل تحت عقده دون غيره.


1) وسائل الشيعة 17 : 239 - 240 الباب 66 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

2) مسالك الأفهام 5: 189.

وكذا لا وجه أيضاً لمنع توارد الإجارتين المطلقتين على شخص، والمطلقة بعد الخاصّة، والخاصّة بعد المطلقة.

والعمل في ذلك كلّه صحيح.

ثمّ إنّ الأجير لو عمل لغيره عملاً، فإما أن يكون عبادة أو غيرها، فإن كان عبادة فالظاهر بطلانها مطلقاً، إمّا مع العلم فلا كلام؛ لمكان النهي عن الضدّ، وحرمة التصرّف بمال الغير في أجزاء العبادة وأركانها، ولا يجتمع الأمر والنهي، وأما مع الجهل والغفلة فكذلك؛ لعدم صلاحية الوقت المختص بشيءٍ لفعل غيره فيه، كعدم صلاحية شهر رمضان لصوم غيره، ولعدم صلاحيّة المنفعة المملوكة للغير أن تصرف في عبادة اللّه تعالى مع عدم إذن صاحبها.

واحتمال كونها كالفضولي فتصححها الإجازة من المالك بعد ذلك، غير بعد ذلك، غير مسلّم فيما شرطه القربة في العبادات.

وقد يقال بالصحّة مع الجهل والغفلة؛ لصدق العبادة والعبودية والامتثال بجوارحه، غايته أنّه عبد بمال غيره جهلاً، وهو لا ينافي الصحّة من إسقاط القضاء وترتب الثواب، ويكون ضامناً لمال الغير، وعموم أدلة العبادة شاملة لمثل ذلك.

وإن كان العمل غير عبادة، فإن كان ذا وجه واحد ترتب عليه الأثر، وضمن ما فوّته على المستأجر، فإن كان ما فوّته قد استوفاه هو رجع إليه المستأجر بأجرة مثله، وإن استوفاه غيره تخير المستأجر بين رجوعه إليه وبين رجوعه على المستوفي، فإن رجع إليه رجع إلى المستوفي بأجرة ما استوفاء ما لم يكن المستوفي مغروراً من قبله وقد عمل له تبرعاً فلا يرجع إليه، وإن رجع إلى المستوفي لم يرجع إليه إلّا إذا كان مغروراً من قبله كأن عمل له تبرّعاً.

وإن كان ذا وجهين صحّة وفساداً، كالعقد والإيقاع، جاء فيه الكلام السابق، إلّا أنّ في صحّته وفساده كلاماً.

والأوجه فيه: صحّة العقد والإيقاع؛ لعدم المنافاة بین صحّة العقد وبين كونه مال الغير وإن لزمه ضمانه، ولا تتوقف الصحّة ها هنا على الإجازة؛ للفرق بين العقد على مال الغير والعقد بمال الغير، وإن كان الأولى عدم الإقدام عليه إلّا مع الإجازة.

ونزيد القول في ذلك بأن نقول: إنّ الأجير الخاص إذا عمل لغيره فإما أن يكون تبرّعاً أو لا،

وغير التبرع إمّا بعقد أو لا، كالأمر بالعمل، والعقد إمّا أن يكون بإجارة أو جعالة أو نحوهما. فإن عمل بإجارة كأن آجر نفسه لغير الأوّل، تخيّر المستأجر الأوّل بين فسخ عقده والرجوع بالأجرة المسماة؛ لقوات العمل المستأجر عليه كلاً أو بعضاً قبل قبضه، فيرجع بالكلّ إن لم يعمل له شيئاً، وبالبعض الذي لم يعمل مقابله إن عمل له شيئاً موزعاً له على نسبة المسمى - وفي صحّة عقد الأجير مع الثاني عند فسخ الأوّل مطلقاً أو مع إجازته وجه، مبني على صحّة عقد من باع شيئاً ثمّ ملكه، فإن قلنا به مطلقاً أو مع الإجازة صحّ، وإلا فسد، فله على المستأجر الثاني أجرة المثل لا المسمّى - وبين إمضائه، فإذا أمضى تخيّر بين إجازة العقد الثاني وبين فسخه، فإن أجازه فله المسمى، ويرجع به إلى المستأجر الثاني إن كان كلياً، وإن كان عيناً قد قبضها المؤجر تخيّر في الرجوع على المستأجر؛ لوجوب التسليم عليه، وعلى الم-ؤجر؛ لاستيلائه على عين ماله، إلّا إذا أجاز قبض المؤجر فإنّه لا رجوع له على المستأجر، كما إذا كان المسمّى كلّيّاً فدفع المستأجر فرده للمؤجر فأجاز المستأجر الأوّل الدفع، فإنّه يتعين الرجوع إلى المدفوع إليه، وإن لم يجز أخذ من المستأجر، ورجع المستأجر على المؤجر بما دفعه مع جهله مطلقاً، ومع علمه وبقاء العين، وأما مع تلفها ففي الرجوع وعدمه وجهان مبنيان على ضمان مَنْ أتلف مال من دفعه عوض المغصوب عالماً بالغصب، وإن فسخه رجع بأجرة المثل على المستأجر؛ لاستيفائه، أو على الأجير؛ لتفويته، مخيّراً بينهما، فإن رجع على الأجير رجع على المستوفي بقدر ما استوفاه، ولا يرجع بالزيادة الحاصلة من التفويت إذا كان المستأجر مغروراً من قبله، وإن رجع على المستوفي لا يرجع على الأجير إلّا بالزيادة لو أخذ منه زيادة على ما استوفى وكان مغروراً من قبله.

وإن كان العمل بجعالة، فإن فسخ عقده استرد أجرته كلاً أو بعضاً على النسبة، وإلا تخيّر بين إمضائها والرجوع بالجغل مع التعيّن على مَنْ هي في يده، إلّا مع إجازة القبض فلا يرجع على المستأجر، وله أن يرجع على المستأجر مع عدم الإذن وإن لم تكن العين في يده على الأظهر؛ للزوم التسليم عليه، وبين فسخها والرجوع بأجرة الفائت أو المستوفى على من فوت أو استوفى، ويرجع على غيره بالتفاوت؛ لغروره بإقدامه عليه مجّاناً.

وإن كان العمل تبرّعاً، كان له الرجوع على الأجير والمستأجر، ومع الرجوع على الأجير

ليس له الرجوع على المستأجر مع غروره وجهله؛ لإقدامه مجاناً، ومع الرجوع على المستأجر فيما استوفاه فله الرجوع على الأجير مع جهله وغروره.

ولو عمل الأجير الخاص عملاً لنفسه، فإن كان بعقد جاءت المسألة السابقة، وإلا فإن فسخ المستأجر فلا كلام، وإن لم يفسخ فعليه أُجرة المثل.

ولو كان العمل حيازة مباح كان المحاز للأجير مع احتمال كونه للمستأجر قهراً؛ لأنّه حيز بماله وبمنافعه سيما مع إطلاق النيّة، وكذا لو كان صيداً و وشبهه

ويستثنى للأجير الخاص ما يعتاد من صلاة واجبة ومستحبّاتها المتعارفة، والنوم المعتاد، والأكل المعتاد، والتخلّي المعتاد، فلو زاد على المعتاد كان للمستأجر الخيار بين الفسخ والإمضاء وتغريمه أجرة الفائت.

ولو شرط شيئاً معيناً، اتبع شرطه من ليل أو نهار، ولو أطلق رجع إلى المتعارف في الإجارات بالنسبة إلى العمل المستأجر عليه، فإن أجمل لزم البيان.

ثالث عشرها: حكم ما لو قدرت المنفعة بالعمل المخصوص أو بالمدّة

ثالث عشرها: لو قُدّرت المنفعة بالعمل المخصوص لزم العمل في ذمته إمّا على وجه الإطلاق كما هو الأقوى، أو على وجه التعجيل والفورية كما هو مذهب آخرين، وهو الأحوط.

وعلى الأوّل فتكون المنفعة دَيْناً في ذمّة المؤجر لا تتضيّق عليه إلّا بالمطالبة، أو حصول التماهن عرفاً، وإذا دفعها وجب القبول.

ولو اشترط المستأجر الفورية، أو المؤجر التوسعة، اتبع شرطهما.

ولو قدرت المنفعة بالمدّة، جاز أن تكون مفصولةً؛ لعموم الأدلّة، ولخصوص ما جاء في المتعة (1)، فيسري للإجارة بتنقيح المناط، أو مفهوم الأولوية، أو لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنما هنّ مستأجرات» (2).

وجاز أن تكون موصولةً بشرط الاتصال، وجاز أن تكون مطلقةً، فتنصرف للاتصال عرفاً، سواء حدد الغاية بـ «إلى» كما يقول: «إلى شهر» أو «إلى سنة» أو «إلى أسبوع» أو حدّدها بنفس الشهر والسنّة، كأن يقول: «آجرتك شهراً».


1) وسائل الشيعة 21: 72، الباب 35 من أبواب المتعة، ح 1.

2) المصدر : 18، الباب 4 من أبواب المتعة، ح 2.

نعم، إن كان العقد أوّل الهلال انصرف للهلالي، وإن كان في أثنائه أو انكسر كسراً بيناً انصرف إلى العددي، واليوم المنكسر يلفّق من الآخر، وهكذا.

ويحتمل احتسابه تاماً.

ويحتمل الفرق بين الكسر القليل فيحتسب تاماً، وبين الكثير فلا يحتسب أصلاً.

ولا يجوز إبهام المدّة كأن يريد شهراً كلياً مطلقاً أو في ضمن سنة، أو يوماً كذلك؛ للغرر، ولأنّه بمنزلة القيميات فلا يملك منها الواحد الكلّي الغير المعين.

ويجوز الفصل في المدّة والوصل معاً.

ويجوز تعدّد المستأجرين واتحادهم، ويملك كلّ المنفعة القائمة بالعين وإن تأخر استيفاؤها.

وأجاز بعضهم إيجار شهرٍ غير معيّن (1)، والخيار بيد الدافع، أو المدفوع إليه، أو ما تراضيا عليه. وهو (2)ضعيف.

رابع عشرها: فيما لو تعيّنت المدّة فبذل المؤجر العين فيها لزمت الإجارة

رابع عشرها: لو تعيّنت المدّة فبذل المؤجر العين فيها لزمت الإجارة، سواء استوفاها المستأجر أم لم يستوفها، وسواء كانت الإجارة تعلّقت بعين مملوكة أو بحر، وسواء قبض المستأجر العين المؤجرة أم لا، وفي حكم المدّة المعينة مضيّ زمان يمكن استيفاء العمل فيه في إجارة نفسه للعمل من دون تعيين مدّة خاصّة، كلّ ذلك لعموم الأدلّة الدالّة على وجوب بذلالأجرة المملوكة بالعقد، خرج منه ما لم يسلّم المنفعة والعمل وما لم يبذلهما للمستأجر، وبقي الباقي تحت القاعدة، ولظاهر الإجماع المنقول (3)، وللخبر: فيمن استأجر من رجلٍ أرضاً فإن لم يزرعها، قال: «له أن يأخذ إن شاء تركه وإن شاء لم يتركه» (4).

هذا كلّه إن كان العقد صحيحاً، وإن كان فاسداً كانت المنفعة مضمونة على المستأجر بأجرة المثل؛ لأنّ ما يُضمن بصحيحه ممّا وقع عليه العقد كالمنفعة في باب الإجارة يُضمن بفاسده، والمنفعة مضمونة بالعقد الصحيح استيفاء وتفويتاً فكذا بالفاسد.


1) حكاه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 103، المسألة 1 عن ابن البراج وابن إدريس.

2) في «ب» : «ولكنه» بدل «وهو».

3) ریاض المسائل 10 : 30.

4) وسائل الشيعة 19 : 123، الباب 18 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

نعم، قد يشكل الحكم بالضمان في صورة بذل المؤجر العين أو نفسه ولما يقبض المستأجر ولا استوفى المنفعة لنفسه أو لغيره؛ لعدم شمول الضمان لمثل هذه الصورة ولا أقل من الشكّ، وعدم شمول القاعدة لها أيضاً؛ لعدم عمومها بالنسبة إلى أحوال الضمان وكيفياته، والأصل البراءة من الضمان مع الشكّ.

وربما يتخيّل الفرق في استقرار الأجرة وعدمها في العقد الصحيح عند عدم الاستيفاء بين المعينة والمطلقة، وبين الحُرّ وغيره، أو بين المقيدة بوقت والمتعلقة بالذمّة. وكله بعيد. نعم، لو امتنع الانتفاع بالمؤجر عقلاً أو شرعاً لانتفاء المنفعة - كبرء الضرس المستأجر على قلعه، أو العضو المستأجر على مداواته، أو المرض المستأجر على رفعه، أو العدو المستأجر على مقاتلته - انفسخت الإجارة.

وقد يقوى احتمال عدم ضمان منفعة الحُرّ مع التوقيت، وعدمه عند عدم استيفاء المستأجر من منافعه شيئاً في الإجارة الفاسدة؛ لعدم دخول منافع الحُرّ قبل تمليكها لغيره تحت اليد؛ وعدم شمول أدلّة الضمان لها، وعلى ذلك فلو امتنع المستأجر من الاستيفاء رجع المؤجر إلى الحاكم ليجبره عليه، ولا يكفي مجرّد البذل.

خامس عشرها: في أنّ كلّ ما يتوقف عليه استيفاء المنفعة من المستأجر وكان من متعلقات العمل أو العين المؤجرة فهو على المؤجر

خامس عشرها: كلّ ما يتوقّف عليه استيفاء المنفعة من المستأجر وكان من متعلّقات العمل أو العين المؤجرة فهو على المؤجر ما لم تقض العادة بخلافه، فيجب عليه قطع الثوب للخياطة، ولفّ الغزل للحياكة، وتقديم الجص والآجر للبناء، وجميع آلات العمل، كآلات الصياغة والنجارة والبناء وغير ذلك.

ويجب عليه كلّ عمل يوصل المستأجر للمنفعة، كربط الدابّة وقبضها لركوبه وحمله عليها، وإناختها وتقويمها لو كانت بعيراً، وحمل رجله على كتفه ليركب عليها، وسوقها للمشي، وقودها على السكة المعهودة إذا لم تهتد إليه كلّ ذلك إذا قضت العادة بدخول ذلك في عقد الإجارة ضمناً أو اشترطه صريحاً، ويكون ذلك من التوابع فلا تضر جهالتها حينئذٍ.

ويجب عليه بذل منفعة ما يتوقف الركوب عليه من زمام ولجام وحزام ورحل وسرج وركاب ووطاءٍ، وشدّ ذلك عليها، ووضعه ورفعه عند الاحتياج إليها، وكذا بذل المفتاح وشبهه، وكذا بذل الحبل والدلو والبكرة للاستقاء وشبهها منفعةً لا عيناً.

ويجب عليه بذل عين ما يتوقف العمل عليه من الأمور الجزئية، كمداد الكتابة، وخيوط الثوب، وكش التلقيح، وصبغ الصباغة، ونحو ذلك، فيملك المستأجر هذه الأعيان تبعاً للمنفعة، ولا بأس بملك العين تبعاً للمنافع إذا اقتضاها عقدها في باب الإجارة.

ولا يلزم بذل الأمور الكلية عيناً كالآجر والجص بل والإتيان بهما من مكان بعيد على البنّاء، ولا بذل الذهب فيما لو كان النقش به.

ومع ذلك فالأمر يدور مدار العرف وجوداً وعدماً، فقد لا يقضي العرف بشيءٍ ممّا ذكر، كما إذا استأجر دابّة مجردة عن الصاحب لتطحن له في بيته أو ليركبها ويتولاها بنفسه، فإنّه ليس على المؤجر سوى اللجام والرحل وشبههما.

سادس عشرها: في أنّ تلف المنفعة قبل استيفائها بمنزلة تلف المبيع قبل قبضه سادس عشرها: ظاهر الأصحاب أنّ تلف المنفعة قبل استيفائها أو قبل مضي مدّة يمكن فيها استيفاؤها منها كلّاً أو بعضاً بمنزلة تلف المبيع قبل قبضه، تنفسخ فيه الإجارة كلاً إن تلفت كلّاً وبعضاً إن تلفت بعضاً فيتسلّط المستأجر على الخيار - لمكان تبعيض الصفقة - بين الفسخ والرجوع بالمسمّى وبين الإمضاء والرجوع بما قابل المتخلف، فإن كانت متساوية فظاهر، وإلا قوم الجميع، وقوم المتخلف منفرداً ورجع بتلك النسبة.

ولا يتفاوت الحال في ذلك بين تلف العين قبل قبضها، أو بعد قبضها قبل استيفاء شيء منها، أو بعده عند تلف الباقي.

ولولا ظاهر الاتّفاق منهم على هذا الحكم لأمكن المناقشة فيه بحصول التلف على ملك مالكه، فلا يضمنه المؤجر سيما لو سلّمت المنفعة بتسليم العين فإنّه نوع تسليم لها.

ودعوى أن هذا الحكم في عقود المعاوضات ممّا تقتضيه عقودها؛ لمكان التسالم اللازم، فما لم يحصل التسالم ينفسخ العقد، ممنوعة في غير ما أخرجه الإجماع وشبهه.

وظاهرهم أيضاً أن العيب مضمون قبل الاستيفاء على المؤجر؛ لمكان ضمان الأصل، فمتى خرج عيب سابق على العقد أو لاحق قبل القبض أو بعده قبل الاستيفاء كان مسلّطاً حصوله على الخيار بين الردّ والإمساك.

ولا يُسقط التصرّف بالعين خيار الرد؛ لتجدد المنفعة، والمعيب منها غير متصرّف به ها هنا.

وظاهر جملة منهم أنّه لو طلب الأرش لكان له أخذه.

ولا دليل لهم على ذلك بالخصوص سوى إلحاق الإجارة بالبيع، أو أن الأرش جارٍ على مقتضى القواعد في جميع عقود المعاوضات، وكلاهما لا يخلو الحكم بهما من إشكال.

وهذا كلّه فيما إذا كان التلف متعلقاً بمعين أو كان العيب كذلك، ولو تعلّقا بكلّي فللمستأجر الإبدال، وفي أنّ له فسخ العقد من أصله، أو الإمضاء مع الأرش بحث قد مضى مثله، وفيما إذا كان التلف والعيب بآفة سماوية، ولو كانا من المستأجر فعليه ضمانه، أو من المؤجر كان للمستأجر الخيار بين الفسخ وبين الإمضاء، فيضمنه أُجرة المثل، والتفاوت الحادث من العيب، ولا ينفسخ العقد، خلافاً لما يظهر من جملة من فقهائنا (رَحمهُ اللّه).

سابع عشرها: في أنّ امتناع المنفعة عقلاً أو عادةً أو شرعاً كتلف المنفعة

سابع عشرها: يلحق بتلف المنفعة امتناعها عقلاً أو عادةً أو شرعاً، كالاستئجار على خياطة ثوب معين أو حياكته فتلف الثوب أو الغزل، أو الاستئجار على صياغة خاتم من فضة معينة فتلفت، أو الاستئجار على عمل معيّن فعمله غيره من صوم أو صلاة أو بناء دارٍ، أو الاستئجار على عمل طبابة أو مداواة جراحةٍ فبرئت، أو الاستئجار على تعليم فحصل قبل وقته، أو الاستئجار على الحمل إلى بلدٍ فامتنع الطريق لخوف أو ماء أو للجهل به، أو الاستئجار على حمل شيءٍ معيّن فتلف أو مات المحمول، أو الاستئجار على عمل محرَّمِ بالعارض، إلى غير ذلك، فإنّه في جميع ذلك ينفسخ العقد ابتداءً واستدامة.

هذا لو اشترك الامتناع بين المؤجر والمستأجر، ولو اختص الامتناع بالمستأجر لمرض أو خوفٍ، ففي انفساخ الإجارة، أو ثبوتها؛ لعدم المانع من التسليم من طرف المؤجر بحث. ويلحق بإتلاف المستأجر امتناعه من التسلّم، وبإتلاف المؤجر امتناعه من التسليم، فإنّ المستأجر يتسلط على الخيار حينئذٍ بين الفسخ وبين الإمضاء والرجوع إليه بأجرة المثل.

ثامن عشرها: اشتراط معلوميّة العين المستأجرة بالمشاهدة أو الوصف وكذا معلومية المستوفي للمنفعة

ثامن عشرها: كما يشترط المعلومية في الأجرة يشترط معلومية العين المستأجرة بالمشاهدة أو الوصف.

ويشترط معلومية المستوفي للمنفعة في مقام يؤدي الجهل به إلى الغرر، كمعرفة راكب

الدابّة طولاً وعرضاً وخفّةً و ثقلاً، ومعرفة ما تحمله وزناً ومشاهدة؛ لاختلاف المحمول بالتأثير وإن اتحد وزنه كالقطن والحديد.

ويشترط معلومية وجه الاستيفاء للمنفعة إذا كانت ذات وجوه، كالركوب في محمل أو مجرّداً، ولا بدّ من تعيين المحمل أيضاً.

ويشترط معلومية ما يصحبه من متاع وفراش وأدوات.

ولو كان الاستئجار للحمل اشترط معرفة الحامل من إنسانٍ أو حيوان حمار أو بغل.

وفي جواز الاستئجار للحمل من دون خصوصيّة وجه يقوى الحكم بمنعه.

ويشترط معلوميّة ما يستأجر عليه من الأعمال؛ لاختلافها بالمشقّة.

ولو استأجره بجميع منافعه من دون تعيين بحيث إنّ له أن يصرفه كيف شاء وجه يقوى الحكم ببطلانه.

ولو كانت له عدّة منافع، كعبدٍ خيّاط وكاتب وصائغ، أو حرّ كذلك، أو دابّة لها منفعة ركوب وحمل وحرث، أو دار لها منفعة سكنى ورباط دواب وحراز غلّات، فهل يجوز استئجار ذلك بجميع منافعه ولا حاجة إلى التعيين بمدةٍ أو عمل لكلّ منفعة، أو لا يجوز؟ والقول بعدم الجواز أقوى.

نعم، لو لم تتفاوت أفراد المحمول كأفراد الطعام بالنسبة إلى الدابّة، أو أفراد الطعام والإنسان - لا غيره من الحيوان - بالنسبة إلى السفينة لا بالنسبة إلى ملاحها، جاز الاستئجار على وجه العموم، ولا يحتاج حينئذٍ إلى التنصيص.

ولو جرت العادة بانصراف إطلاق الاستئجار في الأجير أو العين المستأجرة لمنفعة خاصّة اتبعت العادة.

والأولى بل الأظهر لزوم ذكر صنف الحيوان للركوب من الذكورة والأنوثة والعراب والبخاتي، وذكر البلد إن اختلف الحال فيه، وذكر وصف الدولاب لو استأجر دابّة له، وكذا الرحى؛ للاختلاف في الصغر والكبر، وكذا وصف البئر لو استأجر دابّة للاستسقاء، وكذا تعيين المدّة للسقي، أو تعيين نفس الماء المراد إخراجه، وكذا وصف الأرض، أو مشاهدتها ظاهراً إن كفى الظاهر، وإلا لزم اختيارها باطناً فيما لو استأجر دابّة لحرث الأرض، ولا بدّ

من تقدير الأرض أو مشاهدتها، أو تقدير الحرث بالمدّة، ولا بدّ من تعيين نزول السكة في الأرض، أو كونها سكة أو سكتين ما لم تقض العادة بشيء معين.

ويلزم تعيين السير ليلاً أو نهاراً لمستأجر الدابّة للسير، أو ليلاً ونهاراً ما لم تقض العادة بشيء معيّن.

ولو كان طريق عادته عدم التعيين كالحج، كفى الاستئجار للحمل إلى مكان كذا في مدّة كذا.

ولا بدّ من ذكر الزاد المحمول للأكل، فإن كان كلّيّاً وكان ممّا يقصد منه الاستمرار جاز إبداله عند فنائه، وإن كان شخصيّاً، فإن نفد في وقت نفاده عادة فليس للمستأجر شيء، وإن نفد على غير العادة نقص من الأجرة بحسبه، أو تراضيا على إبداله.

ويجوز أن يستأجر اثنان دابّة واحدة، أو يستأجر واحد أجيرين لعمل واحد على أن يعمل كلّ واحدٍ منهما منفرداً، أو يركب منفرداً، وتكون الدابّة والعمل بينهما على وجه الإشاعة، فإن ذكرا كسراً معيناً يختص به كلّ منهما فلا كلام، وإلا انصرف للمناصفة، ويكون حكمهما المهايأة على ما يتراضيان عليه أوّلاً وآخراً، فإن تشاحًا فالقرعة.

ولو آجر دابّة بالنوبة بينه وبين المستأجر لزم ذكر قدر النوبة مدّة أو فراسخ، ولزم ذكر المبتدئ منهما بالركوب.

ولو آجره نصف مسافة معلومة، فإن عيّن الأوّل أو الآخر صحّ، وإن قصد الكلّي المردّد بينهما وبين الوسط أو الملفّق بأنواع التلفيق احتملت الصحّة؛ لأنّها بمنزلة المنفعة الكلية فالخيار للمؤجر، إلّا فيما جرت العادة على خلافه، كتلفيق القدر من مجموع جزئيات مسافة بعيدة، واحتمل الفساد؛ لأن المنافع بمنزلة القيميّات.

ولو آجره شهراً في ضمن ثلاثة أشهر من دون ذكر الوصل أو الفصل، وذكر كونه متواصلاً أو منفصلة أيامه، وعلى الانفصال فهل أيامه على النوبة، أو أسبوعاته، أو غير ذلك؟ وعلى تعيين الأيام من الأسبوع فهل المتقدّم المؤجر أو المستأجر؟ بطل في ذلك كله؛ لمكان الغرر. وكذا لو آجر اثنين قاصداً تمليك المنفعة لهما من دون تعيين ما لأحدهما خاصّة، فإنّه يبطل؛ لمكان الغرر.

واحتمال أنّهما يملكان ثمّ يقترعان على القدر لا وجه له؛ لأنّ القرعة فرع الملك، والملك بدون المعلومية لا تحقق له.

ولو قال: آجرتك يوم لك ويوم لي إلى سنة، فإن ذكر المبتدئ منهما صحّ، وإلا فالأوجه: الفساد.

ولو قال: آجرتكما إلى سنة يوم لك ويوم لهذا، ولم يذكر المبتدئ، ففي الصحّة إشكال.

ويلزم على مستأجر العقار من بيوت ودور وحمام وأرض وشجرٍ مشاهدة ذلك. وفي الاكتفاء بالوصف لرفع الجهالة وجه يقوى البناء عليه.

هذا إذا كان موجوداً، ولو كان كلّيّاً ففي جواز إيجاره بالذمّة والاكتفاء بالوصف وجهان مبنيان على جواز بيع مثل ذلك لانضباطه بالوصف، وعدمه.

وقد يقال: إذا جاز انضباط المعين بالوصف جاز انضباط الكلّي :

ولو استأجر لخياطة أو صياغة أو غيرهما من الأعمال الكلية، افتقر إلى معرفة عمله جودةً ورداءةً، وإلى عمل غيره لو كان العامل غيره بأن يرى شيئاً ممّا عمل سابقاً فيقيس اللاحق عليه.

وقد يكتفي بالوصف إذا كان منضبطاً.

ولو قيد العمل بالمدّة، افتقر إلى معرفة العامل سرعةً وبطئاً أيضاً؛ للاختلاف الموجب للغرر ذلك، فلا ينفع ذكر المدّة حينئذٍ.

والأولى معرفة ذلك لو انضبط العمل بانضباط المعمول فيه كخياطة هذا الثوب ونسج هذا الغزل مثلاً.

ولو استأجر على حفر بئر، افتقر إلى معرفة الأرض ظاهراً وباطناً إن أمكن ولو بالرجوع إلى أهل الخبرة؛ لاختلاف الأرض صلابةً ورخاوةً، وإن لم يمكن معرفة الباطن لزم مشاهدة الظاهر، أو وصفه بما ينضبط به.

ولا بدّ من تعيين قدر نزولها إلّا إذا كان لها معتاد، وقدر سعتها.

ولو كان الاستئجار على الحفر مدّة مضبوطة لم يفتقر إلّا إلى معرفة الأرض.

ولو ذكر السعة والنزول والمدّة، فإن رام الانطباق قوي البطلان، وإن رام تحصيل الحفر بتلك المدّة زاعماً الانطباق صحّ، فإن أتمها دون المدّة فله أجرة وإلا فللمستأجر الخيار.

ولو حفرها فانهارت لم يكن على المؤجر شيء، إلّا إذا كان الانهيار بفعله، أو شرط عليه رفعه. نعم، يلزمه رفع الجزئيّات الواقعة فيها عند الحفر؛ لجريان العادة بذلك.

ولو حفر المؤجر بعضها فتعذر الباقي لصلابة الأرض أو لعدم تمكنه بمرض أو موت أو حبس وكان مشروطاً عليه المباشرة انفسخ العقد، وأخذ الأجير من المسمّى بنسبة ما عمل إلى المجموع عند تقويم الجميع بأجرة المثل، كأن ينسب أُجرة مثل ما عمل إلى أُجرة مثل المجموع فيعرف ما نسبتها إليها ثلثاً أو ربعاً فيأخذ من المسمّى بتلك النسبة من الثلث والربع ونحوهما، فإن كانت أجزاؤها متساوية أخذ على نسبة التساوي، وإن اختلف أخذ على نسبة الاختلاف.

ومن استؤجر على حفر بئر عشرة أذرع طولاً وكذا عمقاً وكذا عرضاً فحفر خمس-ةً كذلك كان له تمن الأجرة مع التساوي؛ لأنّ مضروب العشرة في الأبعاد الثلاثة ألف، ومضروب الخمسة فيها مائة وخمسة وعشرون، وهو تُمن الألف، وهو لم يحفر من النصف الأسفل شيئاً وهو خمسمائة، ولا من نصف نصف الأعلى شيئاً وهو مائتان وخمسون، ولا من نصف نصفه وهو مائة وخمسة وعشرون، وإنّما حفر التمن فله بحسابه، وله مع الاختلاف بنسبة قيمة أُجرة مثل الثمن إلى السبعة أثمان الباقية عند تقويم أهل العرف لها.

وفي المقام رواية ضعيفة السند في واقعة معيّنة مخالفة للقواعد لم يعمل عليها أحد من أصحابنا، وإنما ذكروها روايةً لا فتوى، فلا ينبغي الركون في إثبات حكم مخالف للأصل إليها، ولو أخذنا بها لاقتصرنا على منطوقها من دون تسريةٍ لغيره، أو خصصناها بالواقعة المعينة.

وهي رواية الرفاعي : في رجل قبل رجلاً بئراً عشر قامات بعشرة دراهم فحفر قامة ثمّ عجز، قال: «تقسم عشرة على خمسة وخمسين جزءاً، فما أصاب واحداً فهو للقامة الأُولى والاثنين، للثانية والثلاثة للثالثة وهكذا» (1).

قيل: وفي بلوغ العدد هذا المقدار طريقان:

أحدهما: أن يزاد أقل الأعداد - وهو الواحد على أكثرها - وهو العشرة فتكون إحدى عشرة، وتضرب نصفه - وهو خمسة ونصف - في الأكثر وهو عشرة، فيكون الحاصل خمسة وخمسين.

وثانيهما: أن تضرب الأكثر - وهو العشرة - في نفسه يبلغ مائة، ثمّ تزيد عليه جذرها وهو عشرة يكون مائة وعشرة، ثمّ تنصفه، يكون الحاصل خمسة وخمسين.


1) وسائل الشيعة 19 : 159، الباب 35 من أبواب كتاب الإجارة، ح 2.

و على كلّ حال فالرواية محمولة على ما إذا تناسبت القامات، بحيث يكون نسبة القامة الأولى إلى الثانية على النصف في المشقة والأجرة، وهكذا ما بعدها بالنسبة إلى ما بعدها، وإلا فلا يستقيم على القواعد من هذه الجهة أيضاً (1).

تاسع عشرها: حكم ما لو تعدّى المستأجر في العين المستأجرة أو فرّط

تاسع عشرها: لو تعدّى المستأجر في العين المؤجرة أو فرّط، ضمنها ما دامت تحت يده، سواء تلفت بذلك التعدّي أو غيره، وسواء طال الزمان أو قصر، وسواء رضي المالك ببقائها عنده أم لا.

ولو أذن المالك في التعدّي فلا ضمان.

ولو شرط المستأجر عدم الضمان بالتعدّي في الإجارة، ففي صحّة الشرط والعقد أو فسادهما أو فساد الشرط فقط وجوه، لا يبعد البناء على الأوّل منها.

هذا كلّه إن كانت بيد المستأجر مستولياً عليها، ولو كانت بيد المؤجر أو ردّها المستأجر عليه رداً مستقراً ثمّ تسلّمها منه ليركبها كما هي العادة في أخذ المكاري لها في المنزل - ثمّ أرجعها إليه ليستوفى منها المنفعة فلا ضمان.

ولا يتفاوت الحال بين التعدّي عمداً أو خطأ على الأظهر، وبين الاضطرار إليه أو الاختيار؛ لإطلاق النصّ (2)والفتوى، إلّا إذا كان التعدّي لحفظها لا لحفظ المستأجر، فإنّه لا يصدق عليه التعدّي عرفاً، ويشكّ في شمول أدلّة الضمان للأمانة معه.

والمراد بالتعدّي فعل ما لا يجوز فعله فيها كحثّ السير زائداً على المعتاد، والركض عليها، وكبحها باللجام، وتحميلها زائداً، والسير بها على غير الطريق المعتاد، وترك ما يلزم فعله فيها، كحفظها، والنظر إليها، والإنفاق عليها لو وجب عليه، وحراستها عن البرد والحرّ والمهالك، ويُسمّى التفريط.

ولو تعدّى بالدابة زيادة على المسافة المشروطة، ضمنها قيمة مع التلف، وضمن نقصها وعيبها، سواء كان التلف بفعله أو بفعل الغير أو بآفة سماوية، دون ما كان بفعل المؤجر.


1) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 207.

2) راجع وسائل الشيعة 19 : 148 و 155، الباب 30 و 32 من أبواب كتاب الإجارة.

نعم، لو كان بفعل الغير، كان له الرجوع على الغير لو رجع إليه، ولزمه في الزائد أيضا أُجرة المثل، وعليه مع ذلك كلّه دفع المسمّى.

كلّ ذلك لمقتضى القواعد؛ ولظاهر الاتفاق، وللخبر المشهور الصحيح المستفيض: «عليك مثل كراء البغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء البغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء البغل من بغداد إلى الكوفة تُوفِّيه إيّاه» فقلت: أرأيت لو عطب البغل أو نفق أو ليس كان يلزمني؟ قال: «نعم قيمة البغل يوم خالفته». قلت: فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو عقر، فقال: «عليك قيمة ما بين الصحيح والمعيب يوم تردّه» (1).

فما حكي عن القاضي من لزوم قيمة الدابّة عند التلف لا غير، ومن لزوم الأُجرة أو قيمة الناقص مع النقص (2)، شاذٌّ مخالف للقواعد ولأصالة تعدّد المسبب بتعدد السبب، وأصالة عدم تداخل الأسباب؛ لاقتضاء كلّ من المذكورات غرامة مستقلة. وفي الرواية ما يدلّ على بطلان الحكم بذلك، وأنّه بمثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركاتها.

وظاهر الرواية ضمان القيمة يوم التفريط؛ لأنّه يوم تعلّقه بذمته، قيل: وعليه الأكثر (3)، ولا بأس بالقول به، إلّا أنّ القول بضمانها يوم التلف أقرب للقواعد؛ لأنّه يوم الانتقال إلى القيمة، والقول بضمان الأعلى ما بين التعدّي والتلف أحوط.

وأما القول بضمان القيمة يوم الردّ أو الأعلى ما بين التعدّي والرد، أو الأعلى ما بين التلف والرد فضعيف وإن دلّت الرواية على الأوّل وقضى الاحتياط بالأخيرين؛ لضعف الرواية بإعراض الأصحاب عن العمل بمضمونها، وعدم كون الاحتياط دليلاً.

ويمكن حملها على مساواة يوم الردّ ليوم التعدي، كما هو الغالب.

فإن اختلفا في قيمة التالف أو أرش نقصه، فالقول قول مدعي النقصان؛ لقضاء القواعد وفتوى المشهور به.

وقيل: القول قول المالك (4)لدلالة ذيل الصحيح السابق عليه: «[ أنت ] وهو، إمّا أن يحلف


1) وسائل الشيعة 19 : 119 - 120 الباب 17 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

2) حكاه عنه الطباطبائي في رياض المسائل 46:10؛ وراجع المهذب 1 : 485.

3) قاله الطباطبائي في المصدر.

4) قاله الشيخ الطوسي في النهاية : 446.

على القيمة فتلزمك، وإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك» (1)ولأن الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال.

وهو ضعيف؛ لضعف الرواية بإعراض المشهور عن العمل بمضمونها، وإمكان المناقشة فيها بضعف الدلالة أيضاً، ولعدم تسليم القاعدة المتقدّمة؛ لعدم الدليل عليها، ولو أخذنا بها لاقتصرنا على خصوص الدابّة وخصوص التعدّي الخاص؛ لمخالفة الحكم للقواعد فيقتصر على مورد اليقين.

العشرون: في أنّه يلزم المستأجر ذكر موضع التسليم للعين المستأجرة

العشرون: يلزم المستأجر ذكر موضع التسليم للعين المستأجرة إذا اختلف اختلافاً يؤدي إلى تفاوت الأجرة به ولم تقم عادة بتسليم المؤجر لها في بيت المستأجر، كاستئجار الدابّة غالباً، أو تسلّم المستأجر لها في بيت المؤجر.

وكذا يلزم ذكر محلّ عمل الأجير في العين المؤجرة أنّه في بيته أو في بيت المستأجر إذا لم تقض العادة بأحدهما، كما تقضي بالأوّل العادة اليوم في الصائغ والحداد وشبههما، ويقضي بالثاني في نقار الرحى وشبهه، ويقع الشكّ في بعض الصنائع. فلا بدّ من البيان، كما يقع الشكّ في الاستئجار للرضاع أنّه في بيت المؤجر أو المستأجر، وكذا في الحجام والحلّاق والفصاد وغير ذلك.

ويجوز استئجار الحيوان إنساناً وغير إنسان حُرّاً أو عبداً للرضاع؛ للإجماع في الإنسان، والأخبار الخاصّة والعامّة، وقوله تعالى: ﴿فَإِن َأرْضَعْنَ لَكُم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (2).

ويلحق به غيره لتنقيح المناط، ولكن على إشكال.

ولا يتفاوت الحال بعد قيام الدليل على جوازه بين أن يكون الاستئجار على الرضاع صريحاً وبين أن يكون ضمناً، كالاستئجار على الوضع في الحجر وامتصاص الثدي أو التقامه فيلزمه شرب اللبن، ولا بين القول بأنّ الرضاع هو شرب اللبن أو الامتصاص الناشئ عنه الشرب، ولا بين القصد إلى الشرب ابتداءً وغيره بالعرض، أو القصد إلى غيره أصالة وهو بالعرض، كلّ ذلك للدليل.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 109.

2) الطلاق (65) : 6.

فلا يرد حينئذٍ أنّ الاستئجار للرضاع خارج عن موضوع الإجارة؛ لأنّها تمليك المنفعة المعنويّة مع بقاء العين، لا تمليك النماء وإتلافه الذي هو من الأعيان مع بقاء أصلها، على أنّه قد يمنع عدم جواز الاستئجار على إتلافه النماء مع بقاء أصله؛ لعموم الأدلّة، غاية ما في الباب: أنّ ما يؤدي استئجاره لتلف نفسه كاستئجار الشمع للإحراق ممنوع، ومخالف لوضع عقد الإجارة، دون ما عداه.

ويصحّ استئجار الزوجة لإرضاع ولده واستئجار زوجة الغير أيضاً مع إذنه قطعاً، وبدون إذنه على الأظهر الأشهر؛ لعموم الأدلّة من غير معارض.

نعم، لا يجوز لها إيجار نفسها في مدّة تعارض حقوق الزوجية؛ لأنّه تصرف بمال الغير من دون إذنه فلا يصحّ إلّا مع الإجازة، ولا يبطل مطلقاً؛ لأنّه لا ينقص عن الفضولي.

والقول بالمنع مطلقاً من دون إذن الزوج للشيخ (رَحمهُ اللّه) ؛ محتجاً بملك الزوج منافع الزوجة، فلا قابلية لها حينئذٍ بأن يملك الرضاع عليها (1).

وهو ضعيف؛ لمنع ذلك فيما لم يعارض حقوق الزوجية.

ولو تقدّم الاستئجار على الزوجيّة تقدّم حقّ الرضاع على حقه وليس له منعه.

نعم، تسقط عنه النفقة عند عدم التمكين له من حقه، وليس له عليها سبيل إلّا في وقتٍ يفضل عن قضاء حقّ الإرضاع.

ويلزم معرفة المرضعة بالمشاهدة أو الوصف؛ لما في النساء من الاختلاف في السمن والهزال وكثرة اللين وقلته، ومعرفة المرتضع أيضاً؛ لما فيه من الاختلاف كبراً وصغراً وهزالاً وقوّةً.

ولو مات الصبي وكان المستأجر عليه صبياً معيناً لا في الذمّة، أو المرضعة وكانت معيّنةً بالاستئجار بنفسها لا في الذمّة انفسخت الإجارة، وإلا بقيت في الذمّة ولزم استخراج ما يستأجر به للرضاع من تركتها، ولا تنفسخ هنا بموت المستأجر، خلافاً لابن إدريس وإن نقل عليه الإجماع (2)لضعفه.

نعم، لو ظهر الولد معسراً وكان الاستئجار من ماله، أو الأب كذلك، كان للمرضعة الخيار.


1) المبسوط 3: 239؛ الخلاف 3 : 498 المسألة 18.

2) السرائر 2 : 471.

ولو استأجر شيئاً سنة أو سنتين أو أقلّ، لم يلزم تقسيط الأجرة على المدّة، كما يلزم تقسيط الثمن على مبيعين، ولو قسط جاز؛ عملاً بالشرط، سواء تساوى التقسيط أم اختلف.

ويجوز استئجار الأرض لتكون مصلّى أو محلاً لغير الصلاة من العبادات الأخر، ولو استأجرها لصلاة عامة الناس لم يلزم عليه ذلك، كما يلزم في وقف العين، بل له العدول، ولا يلزم احترام العين المستأجرة لذلك؛ لأنّها ليست من المساجد المحترمة؛ لاشتراط كون العين موقوفةً فيها، والعين المستأجرة لا يصحّ وقفها؛ لعدم ملك العين، ولا وقف منفعتها؛ لعدم التأبيد، ولعدم تعلّق الوقف بالمنافع.

الواحد والعشرون: صحّة استئجار كلّ ماله منفعة مقصودة عقلائية مع بقاء عينه

الواحد والعشرون: كلّ ما له منفعة مقصودة عند العقلاء يصحّ استئجاره مع بقاء عينه؛ لظاهر الأدلّة عموماً وخصوصاً، وكلّ ما لا منفعة فيه لا يصحّ استئجاره؛ لكونه سفهاً.

وكلّ ما يشكّ في أنّ له منفعةً مقصودةً عند العقلاء تقابل بعوض، أو ليس له ذلك، إمّا لعدم العلم بالانتفاع به، أو لعدم العلم بكونها متموّلةً؛ للشكّ في حصول منفعة له مطلقاً، أو منفعة مقصودة تقابل بعوض وعدمهما، فهل الأصل جواز إيجارها أو الأصل عدمه؟

والأظهر أنّ الشكّ إن وقع في أصل وجود المنفعة وعدمه لم يصحّ عقد الإجارة، وإن وقع في صحّة المعاوضة عليها وعدمها بعد فرض تحققها، كاستئجار الذهب والفضة للتحلّى بهما ولجلب الاعتبار بحملهما، واستئجار الشمع للتزين به، أو الحائط للاستظلال به، أو الشجر للجلوس تحته، أو الطعام لتحصيل الاعتبار بوضعه، صحّ إجراء عقد الإجارة عليها، وملك المؤجر عوضها؛ لأنّها منافع مقصودة في نظر العقلاء فهي ممّا تتموّل وتقابل بعوض.

ولا يرد أنّها لو صحّ استئجارها لصح ضمانها عند غصبها، والتالي ممنوع؛ لعدم الاعتداد بتلك المنافع عرفاً، وعدم كونها مالاً عندهم؛ لأنا نمنع عدم ضمانها بالغصب، وجريان السيرة بعدم الضمان لعدم الاعتداد بقيمتها، لا لكونها ليست أموالاً، ولو أرادوا المداقة والمماكسة لضمّنوا الغاصب ذلك.

ويمكن الفرق بين استيفائها فيضمنها الغاصب وبين تفويتها على المالك فلا يضمنها الغاصب كمنفعة الأجير الخاص.

ويمكن منع الملازمة؛ لعدم الدليل عليها عقلاً وشرعاً.

الثاني والعشرون: حكم ما لو استأجر دابّة أو أجيراً لحمل شيء معين فزاده عند الحمل من دون علم المؤجر أو الاستئذان منه

الثاني والعشرون: لو استأجر دابّة أو أجيراً لحمل شيء معين في الذمّة فزاده عند الحمل من دون علم المؤجر أو الاستئذان منه، أو استأجره لشيءٍ مشخص فأخبره بقدره ناقصاً مدلّساً عليه وهو على خلاف ذلك، ضمن المستأجر الدابّة؛ لتعديه عليها - سواء تلفت بنفس التحميل أو بغيره - ما دامت الدابّة بيده، ولو كانت بيد المؤجر ضمنها إن تلفت بنفس الحمل. وهل يضمن جميع الدابّة لو كان التلف تحت يد المؤجر بنفس الحمل أو تحت يدهما معاً؛ لتعديه عليها، ولاستناد التلف إلى فعله ولعدم تميّز الأصل من الزيادة فهو متعد بالمجموع ومتلف به، أو يضمن نصفها؛ لأنّ التلف قد استند إلى فعل مأذون به وغيره فيوزّع ثمن الدابّة عليهما، كما لو جرح نفسه جراحات متعدّدة وجرحه الغير واحدةً فمات بهما، فإنّه يقضى بتنصيف الدابّة، أو يوزّع ثمنها على حسب الأصل والزيادة مقسطاً عليهما؛ لاستناد التلف إلى الجميع ولا ترجيح، وللزوم مساواة الناقص للزائد وهو ممتنع؟ وجوه أقواها الأوّل، وكان عليه مع ضمان العين المسمّى وأُجرة مثل الزائد.

هذا كلّه إن كال الطعام المستأجرُ وحمّله أو كاله هو فأمر المؤجر بتحميله وكان المؤجر جاهلاً بالزيادة، أو أمر أجنبياً بذلك وكان غير عالم بحقيقة حال ما أمره به المستأجر، ولا يتفاوت الحال في ضمانه بين كونه عالماً أو جاهلاً؛ لأن الجهل لا يرفع الضمان عنه.

ولو كال الطعام المؤجرُ فحمله هو جاهلاً أو عالماً بالزيادة، كان هو المفرط بماله، ولا شيء له على أحد.

وكذا لو كاله هو فأمر المستأجر أو أجنبياً بحمله وكانا جاهلين بالزيادة؛ لعدم تولّيهما الكيل.

وكذا لو كاله غيره من المستأجر أو أجنبي لأمرٍ آخر ولم يعرضه عليه للتحميل، فحمّله المؤجر من دون ترو فإنّه لا ضمان على الكائل.

ولو كال الطعام أجنبي فحمله الأجنبي ضمن الداية وأُجرة مثل الزائد.

وكذا لوكاله بأمرهما أو بأمر أحدهما فعلم الزيادة ولم يخبر بها، ضمن وإن تولّى الحمل غيره منهما.

وكذا لو تولى الحمل الأجنبيُّ من غير أمرٍ منهما وكانت فيه زيادة، فإنّه يضمن أيضاً.

إمّا لو تولّى الكيل المستأجرُ فطرح الحمل ولم يلبس على المؤجر فتناوله فحمله، أمكن

القول بالضمان؛ لأنّ كيله وإعداده للحمل بمنزلة الأمر به فيكون المحمّل مغروراً من قبله كمن قدم طعاماً للضيف فأكله.

ومثله لو تولّى الكيل المؤجر فأعده للحمل فحمله المستأجر، فإن قلنا: إنّه بمنزلة الأمر ارتفع عن المستأجر الضمان.

وأمكن القول بعدم الضمان في الأوّل، وبالضمان في الثاني؛ لأنّ الإعداد ليس بمنزلة الأمر، وهو قوي.

وبالجملة، فصُور المسألة عديدة؛ لأنّ الكائل إمّا المستأجر، أو المؤجر، أو الأجنبي، أو الكلّ، كما إذا كال كلّ منهما جزءاً لنفسه، والحامل على الدابّة أيضاً كذلك، فالصُّور ستة عشر، وعلى كلّ تقدير فالزيادة إمّا أن تقع عمداً، أو خطأ، فهي اثنتان وثلاثون، وعلى كلّ حالٍ فالحامل على الدابّة إمّا أن يكون عالماً، أو جاهلاً، فالصُّور أربعة وستون، وعلى كلّ حالٍ فإما أن يكون مأموراً من غيره، أو لا، فالصُّور مائة وثمانية وعشرون، وعلى كلّ حال فالزيادة إمّا ممّا تتفاوت بها المكاييل والموازين ويتسامح بها أم لا، فالصور مائتان وستة وخمسون، ومثلها صور النقصان فيما لو كان النقصان مضراً بالدابة ومتلفاً لها، كحمل بعض الأشياء، فإذا انضمت إليها بلغت خمسمائة واثنتا عشرة.

وجملة منها لا حكم لها، وهي ما إذا كانت الزيادة والنقيصة ممّا تحصل بتفاوت الموازين والمكاييل، وجملة يُعرف حكمها من قواعد الإتلاف وجملة يُعرف حكمها من قواعد الغرور، وجملة يُعرف حكمها من قواعد الضمان.

الثالث والعشرون: في أنّه يشترط في الإجارة كون المنفعة المقصود عليها محلّلةً

الثالث والعشرون: يشترط في الإجارة كون المنفعة المقصود عليها محلّلة، ولا يضر القصد إلى المحرم منها إذا لم يذكر في العقد شطراً أو شرطاً، فلو عقد على منفعة محرمة بطل العقد وإن كان للمعقود عليه جهة محلّلة؛ لظاهر الاتفاق.

ولقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إنّ اللّه إذا حرم شيئاً حرّم ثمنه» (1)وللخبر المعتبر المشتهر فتوى ورواية: فيمن يؤاجر البيت فيباع فيه خمر، قال: «حرام أُجرته» (2)وظاهر تحريم الثمن والأجرة بطلان


1) مسند ابن الجعد: 479. ح 3319؛ صحیح ابن حبّان 7 : 216، ح 4917؛ المعجم الكبير، الطبراني 12: 200، ح 12887.

2) وسائل الشيعة 17 : 174 الباب 39 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

العقد؛ لفهم الفقهاء ذلك، ولدلالة اللفظ التزاماً شرعيّاً عليه، يعرف ذلك بالنظر إلى القواعد الفقهيّة، وللاستقراء القطعي أو الظنّي المعتبر كما يُفهم من الفقهاء.

ولأن العقد على المحرَّم لو صحّ للزم إمّا جواز استيفائه وهو باطل بالضرورة، أو استيفاء غيره وهو غير المعقود عليه.

وقيل بصحّة العقد على المحرم، ويلزم الانتفاع بغيره (1).

وهو شاذ ضعيف مخالف للسنة وفتوى الأصحاب.

وما يستند إليه من الصحيح فيمن يؤجر سفينة أو دابّة ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير، قال: «لا بأس» (2)ضعيف؛ لشذوذه، وموافقته للتقيّة، أو منزل على حال الاضطرار أو على محلَّل كالخمر المتخذة للتخليل وشبهها، أو على أنّ القصد لغير المحرم ففعل المستأجر المحرَّم، أو على أنّ المعقود عليه غير المحرم ففعل المستأجر ذلك.

ولو آجر الدابّة ممّن يعمل المحرَّم لا للعمل المحرَّم، صحّ على الأقوى، سواء علم أنّه يعمل به ذلك أم لا، إلّا أنّه مع الجهل لا حرمة عليه، ومع العلم فالأقوى التحريم؛ لكونه ممّا يدخل في الإعانة على الإثم، مع احتمال الجواز؛ لما مرّ من النصوص الواردة في البيع السارية لمثل هذا المقام بتنقيح المناط (3).

الرابع والعشرون: في أنّه يشترط في عقد الإجارة القدرة على التسليم

الرابع والعشرون: يشترط في عقد الإجارة القدرة على التسليم من المستأجر، ويقوم مقامه القدرة على التسلّم من المؤجر على الأقوى؛ لارتفاع السفه الموجب للبطلان به؛ لأنّ الدليل عليها إمّا الإجماع وهو متيقن في الصورة الأُولى، وإما السفه والغرر وهو كذلك أيضاً.

وهل تصحح الإجارة الضميمة مطلقاً؛ لارتفاع السفه بها، ولعدم تحقق الإجماع على المنع معها، أو لا تصححها مطلقاً لإطلاق دليل المنع وعدم دليل على تخصيصه بغير حال الانضمام، أو تصححها في الآبق المنصوص على جواز بيعه مع الضميمة (4)، دون غيره؛ لعدم النصّ ؟ وجوه، أقواها المنع مطلقاً.


1) كما في شرائع الإسلام 2 : 147.

2) وسائل الشيعة 17 : 174، الباب 39 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

3) تقدّم في ج 5، ص 39 – 40.

4) وسائل الشيعة 17 : 353 الباب 11 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 2.

ودعوى ارتفاع السفه بالضميمة ممنوعة سيما فيما كانت الضميمة غير مقصودة أصالة، كدعوى إلحاق الإجارة بالبيع، فيصح في الآبق ولو كانت الضميمة غير مقصودة أصالة؛ لمنع الإلحاق، وكونه من القياس الممنوع منه.

نعم، قد يقال بالصحّة فيما لو كانت الضميمة مقصودة بالأصالة وكانت ممّا تقابل بالأعواض؛ لارتفاع السفه، فيدخل العقد المشتمل على ذلك تحت أدلّة العقود جنساً ونوعاً.

وعلى القول بالصحّة فهل يشترط في الضميمة إمكان إفرادها بالإجارة، أو يكفي إمكان إفرادها بالبيع وإن لم يمكن إفرادها بالإجارة؟ وجهان، والأحوط الأول؛ لأن الظاهر أن ضميمة كلّ شيءٍ إلى جنسه.

ومن أفراد غير المقدور على تسليمه المغصوب الذي لا يمكن إرجاعه، والضال والذاهب والمجحود والآبق.

ولو غصب بعد العقد وقبل القبض، لم ينفسخ العقد على الأظهر، وتسلّط المستأجر على الخيار بين الفسخ والرجوع إلى المؤجر بالمسمّى وبين الإمضاء والرجوع على الغاصب بأجرة المثل.

وهل له الإمضاء والرجوع إلى المؤجر بأجرة المثل للزوم التسليم عليه فيطالب به وبعوضه؟ وجه لا يبعد البناء عليه.

ولو أرجعه الظالم في أثناء المدّة لم يزل خيار المستأجر، ولكن له فسخ الجميع أو إمضاء الجميع فيطالب الغاصب بأجرة مثل المدّة التي تحقق فيها الغصب، وليس له تبعيض الفسخ فيفسخ في البعض ويأخذ من المسمّى بنسبته ويمضي الباقي؛ للزوم الضرر على المؤجر بتبعيض الصفقة، مع احتمال ذلك؛ لتنزيل المنفعة في الأزمنة المتعدّدة منزلة عقود متعدّدة، ولكنه بعيد.

ولو منع المستأجر الظالم بعد القبض عن استيفاء المنفعة كلاً أو بعضاً، لم يكن له الفسخ، وكان له مطالبة الظالم فقط بأجرة المثل، مع احتمال جواز الفسخ في الجميع أو إمضاء الجميع، سواء منعه عن الكلّ أو عن البعض من المنافع؛ تنزيلاً للمنافع المتجددة منزلة الأعيان الغير مقبوضة، فهي مضمونة على المؤجر، وقبض المستأجر العين لا يقوم مقام قبض المنافع من كل وجه.

ولو كان المنع من المؤجر، احتمل انفساخ العقد إن منعه قبل القبض، واحتمل بقاؤه وثبوت الخيار للمستأجر، وهو الأقوى والأوفق بالقواعد.

وإن منعه بعد القبض احتمل ثبوت الخيار للمستأجر أيضاً، ولكن الأقوى عدمه، فله الرجوع على المؤجر بأجرة المثل.

وعلى كلّ حال فلا ينفسخ العقد، وللنظر في جملة من هذه الأحكام مجال.

الخامس والعشرون : حكم ما لو طرأ على العين المستأجرة ما يقضي ببطلان الانتفاع بها

الخامس والعشرون: لو طرأ على العين المستأجرة ما يقضي ببطلان الانتفاع بها بالمنفعة المعقود عليها أصلاً ورأساً، انفسخ عقد الإجارة قبل القبض، أو بعده وقبل استيفاء شيءٍ من المنافع أو بعده، ولا فرق في ذلك بين إمكان تداركه من المؤجر وإصلاحه وبين عدمه، فلو انهدمت الدار أو غرقت الأرض أو مرض الأجير أو غير ذلك، انفسخ العقد وإن أمكن المؤجر بناء الدار ورفع مائها ومداواة الأجير.

ويحتمل أنّه مع إمكان الإصلاح من المؤجر بسرعة بحيث لا يفوت عليه شيء من المنافع لا يُحكم بالانفساخ عند تدارك المؤجر ذلك.

نعم، للمستأجر الخيار بين الفسخ ودفع المسمّى بنسبته أو الإمضاء.

وهل له مع الإمضاء جبر المؤجر على الإصلاح؛ توصلاً إلى استيفاء حقه اللازم توفيته على المؤجر ؟ ظاهر المشهور ذلك، أو لا يلزم؟ للأصل، وعدم دليل على وجوب الإصلاح بعد تسليم العين صالحةً؛ لأنّ العين الواقع عليها العقد هي ما كانت على الحال الأوّل، فوجوب الإصلاح مفتقر إلى دليل.

ويحتمل أنّه مع تحقق الإصلاح الفعلي من المؤجر وعدم فوات شيء من المنافع على المستأجر تكون الإجارة لازمةً، وليس للمستأجر فسخها، والعمل على الاستصحاب منظور فيه؛ للشكّ في ثبوت الخيار أولاً والحال كذلك.

ولو طرأ على العين ما يقضي ببطلان بعض المنفعة بحيث لا يزول بها الانتفاع رأساً، ثبت للمستأجر الخيار بين الفسخ فيدفع من الأجرة ما لزمه بالنسبة، وبين الإمضاء بالمسمّى، وفي ثبوت الأرش كلام تقدّم.

السادس والعشرون: في أنّ صاحب الحمّام لا يكون ضامناً لما يسلّمه إليه المغتسل من الثياب وشبهها إلّا مع التعدّي أو التفريط

السادس والعشرون: صاحب الحمام وشبهه قد يكون أميناً فيما إذا سلّمه المغتسل الثياب وشبهها أو وضعها في المسلخ فقال له احفظها؛ لأنّ المسلخ خزانته وتحت يده ويلحق به ما إذا كان مستعداً للتأمين فوضعها بمرأى منه ومسمع فأقره على الوضع، وقد لا يكون أميناً، كما إذا نزع المغتسل الثياب فطرحها لا على نحو من تلك الأنحاء.

وعلى الأوّل فلا ضمان إلّا مع التعدّي أو التفريط؛ لأنّه أمين، وعلى الثاني فلا ضمان مطلقاً، إلّا إذا استند الإتلاف إليه؛ لأصالة عدم الضمان مع عدم التزامه به.

وفي الخبر: «لا ضمان على صاحب الحمام في ما ذهب من الثياب؛ لأنّه إنّما أخذ الجعل على الحمام ولم يأخذ على الثياب» (1)وظاهره عدم الضمان في صورة الإيداع وعدمه، وتعليقه على الجعل وعدمه محمول على الإيداع عند أخذه، والتفريط بالحفظ.

وفى آخر: «لم يضمّنه» وقال: «إنّما هو أمين» (2)ويستفاد منه ضمانه مع التفريط عند كونه أميناً لا مطلقاً.

السابع والعشرون: في أنّ العين المقبوضة من يد المستأجر بيد المؤجر أمانة

السابع والعشرون: العين المقبوضة من يد المستأجر بيد المؤجر أمانة عمل بها أم لا، من أهل الصنائع كان كالنجار والقصار والحائك والصائغ، أم لا، كالجمال والحمّال والراعي والمكاري والملاح، فلا يضمنها بدون تعد أو تفريط، إلّا إذا استند الإتلاف إليه بعمله أو بعمل وكيله، كأن أفسدها أو عيبها عن عمدٍ أو سهو أو خطا باجتهاد أو غيره، فإنّه يضمن حينئذٍ من غير خلافٍ؛ لعموم ما دلّ على ضمان اليد وضمان التلف (3).

وللأخبار الخاصّة الدالّة على ذلك، كالصحيح: «كلّ عامل أعطيته أجراً على أن يصلح فأفسد فهو ضامن» (4).

وفي آخر: «كلّ مَنْ يعطى الأجر ليصلح فيفسد فهو ضامن» (5).


1) وسائل الشيعة 19 : 140، الباب 28 من أبواب كتاب الإجارة، ح 3.

2) المصدر : 139 - 140، ح 1.

3) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

4) وسائل الشيعة 19 : 147 الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، ح 19.

5) المصدر : 145، ح 13.

وفي ثالث مثله (1).

وفي رابع: في غرامة القصار: «إنّما أعطيته ليصلح، لم تعطه ليفسد» (2).

وفي خامس مثله (3).

وفي سادس في تغريم النجار حيث أفسد أنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) غرمه ذلك (4).

ويلحق بما قدمنا الكحّال والحجّام والقصّار والبيطار والطبيب إذا أفسدوا بعملهم كسقيهم الدواء وشبهه من لطوخ وسعوط.

وفى الخبر: «مَنْ تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من صاحبه، وإلا فهو ضامن» (5).

وهل يضمن الطبيب بوصفه ؟ الظاهر العدم للأصل، والشكّ في شمول قاعدة الغرور لمثل ذلك. نعم، لو وصف الغير العاقل فاستعمل بسبب وصفه فلا يبعد الضمان.

ويظهر من الخبر الأخير أن البراءة من الضمان ترفعه، كاشتراط عدمه عند وقوع العقد.

ولا يبعد ذلك فيما لو لم يكن العامل مقصراً في العمل ولو لعدم كونه عارفاً، وكون الطبيب حاذقاً ومجتهداً، وإلا فلو كان جاهلاً فأفسد لجهله ضمن مطلقاً على الأظهر.

وقد يقال بعدم ضمان غير أهل الصنائع إذا لم يتعدوا وإن كان الإتلاف بما جنته أيديهم؛ لما دلّ على عدم ضمان الأمين(6)، وغاية ما خرج الصائغ، وهو قوي، وقد يظهر من الفقهاء ذلك في مواضع.

ولو كان التلف لم يستند للعامل فلا ضمان؛ للأصل، ولما دلّ على عدم ضمان الأمين (7)من الأخبار المتكثّرة في الموارد المتعدّدة، وللأخبار الخاصّة المؤيدة بالأصل وفتوى المشهور.

كقوله في الصحيح عن الصباغ والقصار، قال: «ليس يضمنان» (8).

وفي آخر عن الملاح: «إذا كان مأموناً فلا تضمّنه» (9).


1) وسائل الشيعة 19 : 141، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

2) المصدر : 143، ح 8.

3) المصدر : 144، ذيل الحديث 8.

4) المصدر، ح 10.

5) المصدر 29 : 260، الباب 24 من أبواب موجبات الضمان ح 1.

6) المصدر 17 : 79 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة.

7) المصدر 17 : 79 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة.

8) المصدر 19 : 145 الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، ح 14.

9) المصدر : 149، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، ح 3.

وفي ثالث: عن جمالٍ ضاع منه حمل، فقال: «اتهمته؟» فقلت: لا، فقال: «لا تضمّنه» (1).

وفي رابع: عن جمالٍ ضاع منه جمل قيمته ستمائة درهم، قال: «يتهمونه؟» قلت: لا. قال: «لا يغرمونه» (2).

وفي خامس: عن حمّال يحمل المتاع فيضيع فقال: أمين هو؟ قلت: نعم. قال: «فلا تأخذوا منه شيئاً» (3).

وفي سادس: عن القصار يضيع الثوب بعد أن دفعه إلى قصارٍ آخر، فوقع : «هو ضامن إلّا أن يكون ثقةً مأموناً» (4).

وهذه الأخبار ظاهرة في عدم الضمان وتقييدها بعدم الاتهام وبكونه مأموناً ونحو ذلك إنما هو لرفع اليمين عنه؛ لأنّه في صورة عدم الاتهام لا ضمان ولا يمين، وفي صورة الاتهام يتوجه عليه اليمين، فإن نكل ضمن فمعنى تضمينه معاملته معاملة الضامن، ولا يرتفع عنه إلّا باليمين.

ويشعر بذلك الخبرُ : في القصار تذهب منه الجبّة قال: «إن اتهمته استحلفته، وإن لم تتهمه فليس عليه شيء» (5).

وفي آخر: «لا يضمن القصار إلّا ما جنت يده، وإن اتهمته أحلفته» (6).

وفي ثالث: «لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا الحائك إلّا أن يكونوا متهمين فيخوّف بالبيّنة أو يستحلف لعله يستخرج شيئاً» (7).

على أنّ فرض المسألة في ضمان العامل مع عدم التعدّي والتفريط والجناية بيده، وعدمه، ولا مدخلية لذلك في الاتهام وعدمه، بل قد تكون تلك مسألة أُخرى تلحق بباب الدعاوى، وهو أن المتهم لا يُصدَّق قوله في التلف، بل يتعلّق به الضمان، إلّا أن تقوم بينة بذلك، أو يظهر


1) وسائل الشيعة 19: 150، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، ح 6.

2) تهذيب الأحكام 7 : 129، ح 565.

3) وسائل الشيعة 19 : 152 الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، ح 12.

4) المصدر : 146، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، ح 18.

5) المصدر، ح 16.

6) المصدر، ح 17.

7) المصدر : 144 - 145، ح 11.

دعوی التلف باستناده لأمرٍ مشهور من حرق أو غرق أو شبههما، ولعلنا نقول بها؛ قضاء لحق ظاهر تلك الأخبار، كما ورد في جملةٍ من الأخبار ممّا يقضي بالضمان وعدم تصديق قوله إلّا مع البيّنة بذلك أو شبهها.

فمنها: في قصارٍ زعم أن الثوب سُرِق من بين متاعه، فقال: «عليه أن يقيم البيّنة أنّه سُرِق من بين متاعه وليس عليه شيء، وإن سرق متاعه كلّه فليس عليه شيء» (1).

ومنها: في جمال معه زيت ادّعى أنّ منه قد انخرق قال: «إن زعم أنّه انخرق فلا يقبل منه إلّا ببينة عادلة» (2).

ومنها: فيمن يحمل الزيت فيقول: قد ذهب أو أهرق أو قطع عليه الطريق: «فإن جاء ببينة عادلة أنّه قطع عليه أو ذهب فليس عليه شيء، وإلا ضمن» (3).

ومنها غير ذلك.

إلا أن لنا في الأخذ بها في مقابلة القواعد وفتوى المشهور كلاماً.

وما ورد في جملة من الأخبار ممّا ظاهره الضمان مطلقاً - كالخبر: «كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)يضمن القصار والصائغ احتياطاً على أموال الناس» (4).

وفي آخر مثله، وفيه: «وكان لا يضمن من الغرق والحرق والشيء الغالب» (5).

وفي ثالث: عن القصار والصائغ أيضمنون؟ قال: «لا يصلح الناس إلّا أن يضمنوا»(6).

وفي رابع: «الأجير المشترك ضامن إلّا من سبع أو غرق أو حرق أو أمر مكابر» (7).

وفي خامس: في رجل حمل مع رجلٍ طعاماً في سفينته فنقص، قال: «هو ضامن» (8).

إلى غير ذلك - محمول على ضمان ما جنته أيديهم كما يشعر به سياقها دون غيره، أو


1) وسائل الشيعة 19 : 142 الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، ح 5.

2) تهذيب الأحكام 7: 129، ح 564.

3) وسائل الشيعة 19 : 153 الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، ح 16.

4) المصدر : 142 الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، ح 4.

5) المصدر : 142 - 143، ح 6.

6) المصدر : 144، ح 9.

7) المصدر : 149 الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، ح 4.

8) المصدر، ح 2.

على حالة التعدّي والتفريط، أو على إرادة عدم تصديقهم في دعوى التلف بل يلتزمون بالأداء إلّا أن يقيموا بينةً بذلك، كما دلّت عليه الأخبار المتقدّمة.

وبما ذكرنا ظهر ضعف القول بالضمان مطلقاً، كما نُسب للمفيد والمرتضى ونقل عليه الإجماع (1)، أو الضمان مع التهمة دون ما عداها، كما يقضي بها الجمع بين الأخبار، وجنح إليه بعض المتأخرين(2).

الثامن والعشرون: في أنّ من تقبل عملاً بإجارة أو غيرها جاز أن يقبله غيره مطلقاً

الثامن والعشرون: مَنْ تقبل عملاً بإجارة أو غيرها في عينٍ أو في غيرها، جاز أن يقبله غيره مطلقاً إذا لم يشترط عليه المباشرة بنفسه برأس ماله، أو بزيادة عليه أو بنقيصةٍ عنه إذا عمل فيه عملاً، أو عمل منه عملاً، أو ضم إلى العمل شيئاً من عمله في العين إليه، أو ضم إليه عيناً داخلة في المستأجر عليه، أو كان من غير جنس الأجرة فيؤجر الباقي بنقصانٍ عن رأس المال ويكون له الفضل، ويدلّ على ذلك عموم الأدلّة وخصوصها.

وهل يجوز أن يقبل العمل بنقيصةٍ عن رأس المال مع عدم إحداث شيء في العين، أو عمل بعض العمل، أو ضمّ شيءٍ من عمله في العين إليه، أو كونه من غير جنس الأجرة الأولى؟ ظاهر جملةٍ من الأخبار (3): المنع من تقبيل العمل بدون أن يعمل منه شيئاً، أو يعمل في العين شيئاً، أو يضمّ للعمل عملاً منه مع عمل المتقبل أو قبله، كتفصيل الثوب، أو خياطة بعضه قبل تقبيله، أو خياطة بعضه مع المستأجر، أو دفع الخيوط لمن استأجره إذا لم تكن عليه بنفس الإجارة، وأفتى بمضمونها أكثر القدماء بل مشهورهم (4)، والاحتياط يقضي به.

وظاهر مشهور المتأخرين الجواز؛ لعموم الأدلّة، وللأصول المحكمة والقواعد المسلمة. وحمل أخبار المنع على الكراهة، وهو الأقوى.

والظاهر أن الكراهة والتحريم شاملة لما كان العقد الأوّل إجارة أو غيرها، وكذا العقد الثاني؛ لإطلاق الأخبار بلفظ التقبيل دون خصوصيّة الإجارة.


1) راجع المقنعة : 643: والانتصار : 466 - 468، المسألة 263.

2) الحدائق الناضرة 21 : 621.

3) وسائل الشيعة 19 : 132، الباب 23 من أبواب كتاب الإجارة.

4) كما في الحدائق الناضرة 21 : 631.

وعلى كلّ حال ففي مقام الجواز فهل يجوز للمتقبل العمل أن يسلّم العين إلى من استأجره هو إذا لم يشترط عليه المباشرة بنفسه سواء توقف العمل على التسليم أو لم يتوقف؛ للأصل، وللرواية الدالّة على عدم ضمان الدابّة المستأجرة بتسليمها للغير إذا لم يشترط عليه المؤجر ركوبها بنفسه (1)، فعدم ضمانه بتسليمها لمن ملكه منفعتها أولى، ولأنّ تسليم العين مع توقف استيفاء المنفعة عليه ربما كان من ضروريات العقد الأوّل، أو لا يجوز؛ لحرمة التصرّف بمال الغير، وضعف الرواية عن مقاومة القواعد ؟ وحملها على حصول الإذن يومئذ لاقتضاء عقد الإجارة ذلك غير بعيد، على أنّ الأولوية ممنوعة، وعلى ذلك فله أن يؤجر ولكن ليس له أن يسلّم العين، فلو سلّم بدون إذن المالك ضمن.

ولو امتنع المالك من الإذن بعد أن استأجر غيره للعمل في العين، أو أجر العين لغيره، تسلّط المؤجر الثاني على الفسخ؛ لامتناع تسلّم العين عليه، بل ينفسخ العقد على الأظهر، إلّا إذا أجاز المالك؛ لتنزيله منزلة الفضولي.

وقيل بجواز الرجوع إلى الحاكم والاستئذان منه مع امتناع المالك (2).

ولا يبعد إلحاق غيبته به؛ للجمع بين حقّ العامل والمالك.

وهو محلّ نظرٍ؛ للمنع من ثبوت حقّ العامل بالتسلّم حال عدم رضى المالك.

التاسع والعشرون: في أنّه لا يلزم المستأجر نفقة الدابّة إلّا إذا اشترطت عليه مع تعيّنها قدراً

التاسع والعشرون: لا يلزم المستأجر نفقة الدابّة لا بذل عين ولا عمل، إلّا إذا اشترطت عليه مع تعينها قدراً بلفظ أو بعادة؛ للأصل، وظاهر الأصحاب، واستصحاب تبعية النفقة لملك العين.

نعم، لو امتنع المالك من الإنفاق لزم المستأجر الإنفاق؛ حفظاً للنفس المحترمة حكماً شرعياً. ولا يضمن بدونه في وجه قوي، مع احتمال الضمان ويرجع به إلى المالك لو نوى الرجوع. وهل يشترط استئذان الحاكم في الإنفاق في جواز الرجوع ؟ الأظهر ذلك ما دام الاستئذان ممكناً، وإلا كفى في الرجوع نيّته.


1) وسائل الشيعة 19: 118، الباب 16 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

2) الروضة البهية 4 : 355.

ومثل الامتناع البُعْد لغيبة أو شبهها.

ولا يلزمه نفقة الأجير الخاص إلّا إذا اشترطت عليه مع التعيين بقدر أو عادة، أو استؤجر بنفس النفقة مع التعيين، كما وردت به الأخبار في الرضاع، وإطلاقها محمول على النفقة المعيّنة عادة.

ولا يتفاوت الحال بين كون الأجير مستأجراً لعمل خاص، أو لجميع الأعمال إن جوزناه، وبين كونه مستأجراً لحاجةٍ خاصّة، أو لينفذه في جميع حوائجه، كلّ ذلك للأصل، والاستصحاب، ولعدم الدليل على التزام المستأجر به إلّا إذا قضت العادة بذلك، كما إذا لم يكن للأجير مال ولم تكن الأجرة مالاً، فإنّه لا يبعد أن تكون النفقة من قبيل الشرط الضمني على المستأجر حينئذٍ.

وقيل بلزوم النفقة على المستأجر ؛(1)لاستحقاقه منافعه في جميع الأزمنة، فلم يبق له زمن يمكنه فيه تحصيل النفقة له.

وفيه: أن ذلك غير لازم لتعلق النفقة برقبة المستأجر؛ لإمكان كونه عنده مال من مال هذه الإجارة أو غيرها، أو يكتسب بهبةٍ أو قرض أو نحوهما، على أنّه يلزم منه ثبوت نفقة عياله وأطفاله برقبة المستأجر أيضاً، ولا يلتزمه أحد.

وللخبر المسؤول فيه عن رجل استأجر رجلاً بنفقة ودراهم مسمّاة على أن يبعثه إلى أرض، فلمّا قدم دعاه رجل من أصحابه إلى منزله الشهر والشهرين، فيصيب عنده ما يغنيه عن نفقة المستأجر، فنظر الأجير إلى ما كان ينفق عليه في الشهر إذا هو لم يدعه فكافاً به الذي يدعوه، فمن مال مَنْ تلك المكافأة من مال الأجير أم من مال المستأجر؟ قال: «إن كان في مصلحة المستأجر فهو من ماله، وإلا فهو على الأجير» وعن رجل استأجر رجلاً بنفقةٍ مسماة ولم يفسر شيئاً، فما كان من مؤونة الأجير من غسل الثياب أو الحمام فعلى من؟ قال: «على المستأجر» (2).

وفيه ضعف سنداً؛ لاشتماله على المهمل، ودلالةً؛ لاحتمال الرواية - كما يلوح من سياقها - أنّ النفقة داخلة في الاستئجار، فهي من الأجرة شطراً أو شرطاً، فلا يكون ثمن غسل الثياب


1) النهاية : 447 شرائع الإسلام2: 149 قواعد الأحكام 2 : 283.

2) وسائل الشيعة 19 : 112 - 113، الباب 10 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

والحمّام في الثاني غير النفقة المستأجر بها بقرينة قوله: «ولم يفسّر شيئاً» ويريد بالمسماة المعلومة بالعادة، وتكون تلك داخلة فيها، ولا يكون المال الذي كافاً به من دعاه في السؤال الأوّل غير النفقة المستأجر بها، بل هي منها فيستحقها بعد القيام بمصالح المستأجر، ومع ذلك فيسقط الاستدلال؛ لقيام الإجمال.

الثلاثون: حكم ما لو أجر العبد نفسه من دون إذن مولاه أو أجره المولى أو آجر نفسه بإذن مولاه وتعدى أو فرّط في العين المقبوضة

الثلاثون: لو أجر العبد نفسه من دون إذن مولاه، كان فضولياً، فإن لم يجز المولى وقعت فاسدة، وله على المستأجر أجرة المثل، وليس على المولى ضمان شيء ممّا أتلفه بيده أو بتعديه أو تفريطه، بل يتعلّق بذمته ويتبع به بعد العتق.

وإن أجاز، فإن قلنا: إنّ الإجازة كاشفة، جرى عليه ما جرى على المأذون ابتداء، وإن قلنا: ناقلة، صحت الإجارة، ولا شيء على المولى.

ولو أجره المولى أو آجر نفسه بإذن المولى، فإن تعدى أو فرّط في العين المقبوضة في يده ضمن ما تعدى فيه، وليس على المولى شيء، ويكون متبوعاً به بعد العتق، وإن أفسد بيده كان ضمان ما أفسده بذمة المولى؛ لأنّ ضمان الجناية من لوازم الأجير، والإذن في الشيء إذن في لوازمه، كما لو أذن السيّد لعبده في الضمان أو في عمل يترتب عليه الضمان كعارية مضمونة أو مقبوض بالسوم، أو أذن له بالبيع الفاسد، أو أذن له بالإفساد ونحو ذلك؛ ولأنّ المولى بإجازته للعبد المملوك يكون كمباشر الإفساد حيث يكون العبد لا مهارة له في الفن ويكون المولى كالمدلّس حينئذٍ.

وفي الخبر ما يدلّ على ضمان المولى مطلقاً في رجل كان له غلام استأجره منه صانع أو غيره، قال: «إن كان ضيّع شيئاً أو أبق فمواليه ضامنون» (1)ولا ينافي العمل بها عدم القول ببعضها.

وذهب جمع من الأصحاب (2)إلى تعلّق الضمان بخصوص كسب العبد من أموال المولى لا في ذمته مطلقاً، فلو أبق أو مات أو امتنع عليه الكسب أو نقص عن أرش الإفساد أو قيمة


1) وسائل الشيعة 19 : 114 الباب 11 من أبواب كتاب الإجارة، ح 2.

2) كما في مسالك الأفهام 5 : 225؛ ومنهم المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2: 149؛ والعلامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 307.

المتلف، لم يكن على المولى شيء، وكأنّ مستنده أن الصانع إذا أفسد تعلّق الضمان بماله، وحيث إنّ العبد لا مال له تعلّق بكسبه؛ ولأنّ الإجارة لا تزيد على الإذن في الضمان، وهو يتعلق بكسب العبد، فهنا أولى.

وهو قوي، إلّا أن الأوّل أقوى؛ لظاهر الرواية المتقدّمة.

وربما ظهر من بعض العبارات عدم ضمان المولى لما أفسده العبد مطلقاً لا في ذمته ولا في كسب العبد، بل يتعلّق بذمة العبد كباقي متلفاته على غير النفس والطرف من المال، وكما لو ضمن بإذن المولى مطلقاً على قول.

ولا يبعد القول به من جهة القواعد إلّا أنّه خلاف ظاهر الأصحاب.

الواحد والثلاثون: فيما يتعلّق بجواز إجارة العبد ثمّ عتقه

الواحد والثلاثون: لا كلام في جواز إجارة العبد ثمّ عتقه، وتلزم الإجارة؛ لعدم المنافاة، ووقوع كلّ عقدٍ في محله، إنما الكلام في مقامين:

أولهما: في جواز رجوع العبد على المولى بأجرة مثل المدّة الغائية عليه بعد العتق لتفويت المولى عليه مالاً بعد الحرّية، وعدمه.

والأقوى هنا: عدم الجواز؛ لسبق التفويتها هنا على الحرّية، كما لو أوصى بمنفعة عبده فأعتقه، أو شرط عليه خدمةً معيّنة فأعتقه، وحينئذٍ فتمليك العبد نفسه بالتحرير قد طرأ على تمليك منافعه التي كانت تحت يد المولى وفي تصرفه، فلا تستعقب ضماناً على المولى.

وثانيهما: في نفقته هل هي على المولى، أو في كسبه، أو في بيت المال، أو على المستأجر؟ يحتمل الأوّل ؛ لأنّ المولى ملك عوض المنفعة في تلك المدّة واستوفاه فتلزمه النفقة، وللاستصحاب.

ويحتمل الثاني للأصل، ولخروجه عن ملك المولى والنفقة تابعة للملك، إلّا أن النفقة لما كانت مقدّمةً على حقّ كلّ أحدٍ - كالمديون والمعسر - لزم إخراجها من الكسب مقدمةً على حقّ المستأجر.

ويحتمل الثالث؛ لإعداد بيت المال لمصالح المسلمين، وهذا منها؛ لأنّه من إحياء النفس المحترمة، ومن صلة المضطر المحتاج الذي لا ملجأ له؛ لأنّه لا مالك لرقبته؛ لانتفاء الملك

عنها، ومالك المنفعة لا يجب عليه الإنفاق على العين المستأجرة إلّا مع الاشتراط ولا شرط ها هنا، وإخراجها من كسبه موقوف على أنّ الكسب من أمواله كالمعسر والمدين، وليس كذلك، بل كسبه في جميع أوقاته ملك للمستأجر، فلا يستثنى منه قدر الإنفاق، ولا يقدّم على حقّ الغير، وعلى ذلك فلو قصر بيت المال لزم كفاية الإنفاق عليه من سائر المسلمين؛ لوجوب حفظ النفس المحترمة.

ويحتمل الرابع؛ لما قدمنا من أنّ الأجير الحُرّ نفقته على المستأجر وهذا مثله، ولعود جميع منافعه عليه فعليه النفقة؛ لأنّ مَنْ له النفع عليه الغُرْم.

وأقوى هذه الاحتمالات الثالث؛ لما يشتمل عليه غيره من الوهن والضعف، والمخالفة للقواعد والضوابط.

الثاني والثلاثون: حكم إيجار الوليّ للصبي أو المجنون أو السفيه أو إيجاره ما لهم

الثاني والثلاثون: لو آجر الصبي أو المجنون أو السفية ولي إجباري، كالأب والجد، أو غيره، كالوصي والحاكم، أو أجر مالهم من عقار أو حيوان أو غيرهما مع المصلحة، فإن وقعت الإجارة في مدّة لا تزيد على الصبا أو الجنون أو السفه صحت الإجارة قولاً واحداً. وإن وقعت في مدّة تزيد على ذلك، فإما أن تكون معلومة الزيادة عند الاستئجار، كما إذا آجر ابن عشر سنين عشرين سنة، وإما أن تكون مجهولةً، كما إذا آجر ابن عشر سنين أربع سنين فبلغ في أثنائها، أو أجر المجنون فعقل في الأثناء أو رشد بعد سفهه.

فإن كانت معلومة الزيادة، فالذي يظهر من بعض المتأخرين أنّه لا خلاف في وقوع الزائد فضوليّاً موقوفاً على إجازة المولّى عليه، ولم يقع صحيحاً من أول وهلة بحيث لا يكون للمولى عليه فسخه ولا فاسداً بحيث لا تؤثر فيه الإجازة صحّة (1).

وهذا إن انعقد عليه إجماع فلا كلام، وإلا فمحل مناقشة؛ لإمكان القول بالصحّة والنفوذ من أول وهلة على الصبي؛ لأنّ الولي بمنزلة المالك إذا آجر ملكه وقائم مقامه، إمّا الإجباري: فظاهر، وأما غيره: فمع المصلحة الحاصلة بالاستئجار للصبي حال صغره تلك المدّة الزائدة على البلوغ أو العقل يكون بمنزلة المالك أيضاً، ويكون حكم الاستئجار في المقامين حكم


1) الحدائق الناضرة 21 : 629 - 630.

النكاح فيما إذا أنكح الولي الصغير في أنّه يمضي عليه ذلك النكاح؛ ولإمكان القول بالفساد وبطلان الإجارة فيما زاد من أوّل وهلةٍ؛ لاشتراط قابلية المجيز للإجازة في الفضولي حال العقد، والصبي ها هنا لا قابلية له والولي لا دخل له كما هو المفروض.

وإن كانت مجهولة الزيادة حين العقد فاتفقت المصادفة، فللفقهاء فيه قولان:

قيل بالصحّة (1)لصدور العقد من أهله في محلّه فيقع صحيحاً فتُستصحب، ولم يعلم كون البلوغ ونحوه قاطعاً لذلك؛ لحلول الولي محلّ المالك.

وقيل بوقوعه فضوليّاً (2)كالصورة الأولى؛ لتبعية صحّة الإجارة لبقاء الولاية، وهي تابعة للصغر ونحوه فتزول بزواله فتقع الإجارة في الزائد فضولية مفتقرةً للإجازة.

والحقّ هو الأول؛ لما ذكرنا في معلوم الزيادة من أنّ الولي بمنزلة المالك فينفذ تصرفه في المدّة السابقة على البلوغ واللاحقة له.

ودعوى تبعية الإجارة للولاية التابعة للصغر مسلّمة، ولا ينافي نفوذ ما وقع في الصغر المدة الواقعة في الكبر.

نعم، لو وقع العقد عند انتفائها كان فضوليّاً صرفاً.

الثالث والثلاثون: فيما يتعلّق بما لو أمر غيره بعمل له أجرة عادة وكان العامل ممّن يأخذ الأجرة على عمله

الثالث والثلاثون: مَنْ أمر غيره بعمل وكان العمل له أجرة عادةً وكان العامل ممّن يأخذ الأجرة على عمله فلا شك بالتزام الأمر بأجرة المثل له ما لم تقم قرائن الأحوال على العدم. ولو انتفى الأمران فلا شك بعدم ثبوت شيءٍ في ذمّة الآمر؛ لمكان العادة، فتكون كالقرينة على نيّة التبرع.

هذا إن كان للعمل قيمة عرفية، وإلا فلا إشكال في عدم الضمان؛ لعدم تموّل المنفعة فلا تكون مضمونةً.

وإن كان العامل ممّن يأخذ الأجرة على عمله عادةً، ضمن الآمر أيضاً أُجرة المثل؛ لعدم حصول الدلالة على إرادة التبرع بعمله، فيلتزم الآمر به وإن لم يكن للعمل أُجرة عادةً.


1) الخلاف 3: 500، المسألة 21؛ المبسوط 3 : 240.

2) مختلف الشيعة 6 : 124، المسألة 24.

وكذا العكس أيضاً، كما إذا كان العامل ليس من عادته أخذ الأجرة ولكن العمل ممّا له أُجرة عادةً، وذلك لتعارض العادتين، فلم يظهر من المأمور التبرع بعمله.

وبالجملة، فالأصل في كلّ منفعةٍ استوفاها الآمر من مال المأمور أو من نفسه أن يضمن الأمر أجرة مثلها؛ لأنّه عمل محترم قد استوفاه بأمره، وله قيمة بحسب العرف، فيضمن تلك القيمة؛ لدخولها حينئذٍ تحت دليل «على اليد ما أخذت» (1)و تحت ما دلّ على ضمان المتلف والمستوفى، إلّا أن يقوم شاهد على إرادة التبرع من المأمور، فيكون من قبيل المال المباح بتقديمه للضيف، فلا يستعقبه ضمان.

والأعيان كالمنافع عند الأمر بها وأخذها وإتلافها، فإنّه إن ظهر من المأمور الإباحة لم يضمن الآمر المثل والقيمة، وإن لم يظهر منه ذلك كان ضمان المتلف بالمثل والقيمة على الأمر، ومجرّد امتثال الأمر لا يقضي بالإباحة من المأمور؛ لأنّه لازم.

وهذا كلّه من الضمان الذي قضى به الدليل لا من المعاطاة؛ للزوم بيان العوضين في المعاطاة دون هذا.

ولو أراد شخص إعطاء المنافع كان له أن يعطي بصيغة الإباحة لا بصيغة الهبة؛ لاختصاصها بالأعيان المقابلة للمنافع، ولو كانت المنافع كلّيّةً في الذمم جاز تعلّق الإبراء بها دون الهبة.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 27.

القول في التنازع

وفيه مواضع:

أحدها: حكم ما لو اختلفا في أصل الاستئجار

أحدها: لو اختلفا في أصل الاستئجار، كان القول قول منكره مع عدم البيّنة؛ للأصل، وللإجماع المنقول (1)، ورجع كلّ مالٍ إلى صاحبه إذا لم يستوف غير المالك شيئاً من المنافع. فإن كان المدّعي المالك أخذ المنافع مقاصةً عمّا دفعه من الأجرة؛ لأنّها ملكه على دعواه، فإن زادت قيمتها عليها دسّ الزائد في أموال المنكر، أو بقي مجهول المالك؛ لأنّه لا يدعيه أحد، أو يملكه بالإعراض، وجوه: أجودها الوسط.

وإن كان المدّعي الآخر كانت العين مضمونةً عليه إن كانت تحت يده ولم يأذن المالك بقبضها، وأخذ الأجرة مقاصةً، إلّا مع الزيادة على المنفعة فيجيء الكلام السابق.

وإن استوفى غير المالك شيئاً كلّاً أو بعضاً، ضمن العين إن لم يكن مأذوناً بالتصرف من المالك إذا كان المالك منكراً للاستئجار، وضمن أُجرة المثل وإن زادت على المسمّى بزعمه، وإن نقصت عنه كان الزائد بحكم المال المعرض عنه، أو يلزمه أن يدسه في مال المالك، أو يكون كالمجهول المالك، وجوه.

ولو كان المتصرّف يزعم أن الأجرة نقد مخصوص فإن كان من الغالب، دفعه للمالك ولزمه قبوله، وإلا دفع للمالك الغالب من النقد، وكان المعين بيده من المالك له أخذه مقاصةً إن ساوى، وإن زاد ففى الزائد الوجوه المتقدّمة.


1) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 84 رياض المسائل 10 : 40.

وإن كان المنكر المتصرف وحلف على نفي الإجارة، لزمه أُجرة المثل، فإن كانت أزيد من المسمّى لم يكن للمالك أخذ الزائد؛ لاعتراف المالك بعدم استحقاقه له، وكان عليه دسّه في م ماله، أو رجوعه. رجوعه من المجهول المالك، أو ممّا يملك بالإعراض.

هذا إن لم يكن دَفَعه للمالك، وإن دَفَعه له لم يكن له مطالبة المالك به؛ لاعترافه بأنّه للمالك، وكان على المالك إرجاعه إليه.

ولو أكذب المنكر نفسه بعد ذلك، ففي جواز أخذه للزائد الذي نفاه بإقراره أولاً وجه.

وإنما جازت المقاصة في المواضع المتقدّمة مع صدور النفي صدور النفي من المنكر؛ لعدم تعلّق اليمين بنفي المال ابتداءً بل إنما تعلّق بنفي وقوع العقد.

ثانيها: حكم ما لو اختلفا في ردّ العين المستأجرة

ثانيها: لو اختلفا في ردّ العين المستأجرة، كان القول قول المنكر؛ لنفي الخلاف عنه؛ وللأصل السالم عن المعارض حتّى ما يقال في الوديعة من أن الودعيّ لو ادّعى الردكان القول قوله؛ لأنّه محسن وما على المحسنين من سبيل؛ للفرق بين الودعيّ والمستأجر؛ حيث إن الأوّل قبض لمصلحة المودع، والثاني قبض لمصلحته، فلا سبيل على الأوّل بمطالبة البيّنة، بخلاف الثاني.

ثالثها: حكم ما لو اختلفا في قدر الشيء المستأجر عيناً أو عملاً واتفقا على قدر الأُجرة والزمان

ثالثها: لو اختلفا في قدر الشيء المستأجر عيناً أو عملاً واتفقا على قدر الأجرة والزمان، كان القول قول منكر الزيادة، كما يقول المالك: «آجرتك البيت بمائة» فيقول المستأجر «آجرتني الدار بمائة».

وكذا لو اتّفقا على قدر الشيء المستأجر والأجرة واختلفا في قدر الإجارة بحسب الزمان كان القول قول منكر الزيادة.

وكذا لو اختلفا في قدر الأجرة بعد اتفاقهما على قدر الشيء المستأجر والزمان، كان القول قول منكر الزيادة.

كلّ ذلك لفتوى المشهور، وللأصل.

خلافاً لمن قال بالتحالف عند الاختلاف في قدر الشيء المستأجر، فتنفسخ الإجارة؛ لأن كلا منهما مدّعٍ ومنكر (1).


1) جامع المقاصد 7: 297.

وفيه: أنّ ضابطة التحالف أن لا يتفقا على شيءٍ ويختلفا في غيره، بل كلّ أمر يثبته أحدهما ينفيه الآخر، وها هنا ليس كذلك.

وخلافاً لمن حكم مع الاختلاف في قدر الأجرة بالقرعة، فمن خرج اسمه حلف وحكم له للإجماع على أنّها لكلّ أمر مشكل (1).

وفيه أنّه لا إشكال في الأمر بعد ورود: «البيّنة على المدّعي واليمين على مَنْ أنكر» (2)ومدّعي الزيادة مدّع بالمعاني الثلاث ومنكرها منكر.

وخلافاً لمن حكم في هذه الصورة بالتحالف إن كان الاختلاف قبل مضي المدّة، وإلا فالقول قول المستأجر (3).

وفيه: أن الحكم به خروج عن ضابطة التحالف.

وخلافاً لمن حكم هنا أيضاً بالتحالف إن حلفا وإلا فقول أحدهما مع يمينه إن نكل صاحبه، وإن نكلا أو حلفا جميعاً انفسخ العقد في المستقبل، وكان القول قول المالك مع يمينه في الماضي، وإن لم يحلف كان له أجرة المثل (4).

وفيه: أنّه في قوة القول بالتحالف، وفيه ما فيه.

هذا كلّه إن لم تكن بينة، فلو كانت لأحدهما بينة سمعت مطلقاً، ولو كان لكل منهما سمعت بيّنة المدّعي دون المنكر، واحتمل الحكم بالتحالف حينئذٍ، واحتمل الرجوع للقرعة لإشكال الأمر، واحتمل الترجيح في البينات عند تعارضها. والأوجه: الأوّل.

ولو اختلفا في قدر الأجرة وقدر الشيء المستأجر، كما إذا قال المالك: «آجرتك البيت بخمسين» فقال: «بل الدار بمائة» احتمل كون القول قول منكر الزيادة.

واحتمل التحالف، وهو قويّ؛ لأنّ اليمين على نفي استئجار الدار بالمائة لا يثبت على المستأجر استئجار البيت بخمسين، بل له أن يحلف على نفيه فتنفسخ الإجارة.


1) الخلاف 3 : 521 المسألة 10؛ غنية النزوع 1: 289.

2) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 53.

3) المبسوط 3: 266.

4) المهذب 1 : 474.

وربما قيل ذلك في صورة الاختلاف في قدر الشيء المستأجر أيضاً (1)، لأنّه بحلف المالك على نفى إجارة الدار لا يثبت على المستأجر إجارة البيت بتلك الأجرة المتفق عليها؛ لأنّه يدعى الدار كملاً، لا بيتاً منها خاصّة، فلا بدّ من المخرج عن هذه الدعوى، وليس إلّا بيمين المستأجر على نفيها؛ لأنّ القول قوله.

وهو وجيه إن أخذت التمامية في الدار عنواناً عند التداعي، وإلا فالنظر فيه ظاهر.

رابعها: حكم ما لو اختلفا في التلف وعدمه أو التفريط وعدمه

رابعها: لو اختلفا في التلف وعدمه أو في التفريط وعدمه، فالقول قول المستأجر بيمينه؛ للأخبار (2)الدالّة على تصديق قول الأمين خصوصاً وعموماً، المنجبرة بفتوى المشهور، وبنفي العسر والحرج(3)، والضرر والضرار(4)، وهي وإن لم تصرّح بلزوم اليمين عليه والأصل البراءة من وجوبه إلّا أن الخروج عن القاعدة بتصديق دعوى المدّعي لا بدّ فيه من الأخذ بالمتيقن، وهو المصاحب لليمين دون غيره، ولأنّه لا يزيد على تصديق المنكر، مع أن اليمين لازم عليه، ولأنّه منكر في المعنى؛ لإنكاره شغل ذمّته عند دعوى التلف منه أو عدم التفريط وتكذيب المالك له، ولأنّ أخبار تصديق قوله مساقها مساق نفي بيّنته على دعواه التلف، لا مساقها مساق نفي اليمين عنه.

نعم، لو لم يتهم بالخيانة والتفريط سقط اليمين، فلا وجه لما يظهر من بعضهم من المناقشة في إلزامه باليمين بعد تصديق قوله (5).

وذهب بعض أصحابنا إلى عدم سماع قول الصانع والمكاري والملاح بدعواهم التلف أو عدم التفريط بعد تلف العين، بل عليهم ضمان العين، إلّا أن يقيموا بينةً، أو يستندوا إلى أمرٍ ظاهر في التلف، ونقل على ذلك الإجماع (6)، ودلّت عليه جملة من الأخبار (7).


1) جامع المقاصد 7: 297.

2) راجع وسائل الشيعة 17 : 79 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة؛ و 19 : 155، الباب 32 من أبواب كتاب الإجارة.

3) البقرة (2) : 185 المائدة (5) : 6: الحج (22) : 78.

4) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 29.

5) راجع الحدائق الناضرة 21: 641.

6) الانتصار : 466 - 468، المسألة 263.

7) وسائل الشيعة 19 : 141، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة.

ويظهر من بعض المتأخرين الميل إلى الفرق بين المتهم فلا يقبل قوله في دعوى التلف، وبين المأمون فيُقبل (1)للأخبار الدالّة على هذا التفصيل (2).

والكلّ ضعيف محمول على عدم قبول قوله من دون يمين، بل بمجرد دعواه، وقرينة ذلك: الفرق بين اتهامه وعدمه؛ لأنّ مع عدم الاتهام لا يتوجه اليمين، أو محمول على حالة التعدّي والتفريط، أو غير ذلك، أو مطرحة كالإجماع المنقول؛ لمعارضتها الرواية المعتضدة بفتوى المشهور وعملهم، واستقراء أبواب الأمانات القاضية بسماع قول مدعي التلف فيها، فخروج الإجارة عنها بعيد كلّ البعد.

وقد نُسب لجمع من الأصحاب (3)أن قول المستأجر لا يُصدق في التلف وإن كان من غير أهل الصنائع والمكاري والملاح وشبههم، وهو بعيد جداً.

خامسها: حكم ما لو اختلف المالك والخياط في قطع الثوب

خامسها: لو اختلف المالك والخياط في قطع الثوب، فقال المالك: «أمرتك بقطعه قميصاً» فقال الخياط: «بل قباء» فإن كان قبل العمل حلف المالك فقط، أو تحالفا وانفسخ العقد وبطلت الإذن، وإن كان بعده فالقول قول المالك بيمينه، وليس للخياط أُجرة على عمله؛ لعدم ثبوت إذن المالك له بذلك.

وبالجملة، هو يدعي الإجارة على نحو خاص، أو الإذن به على نحو خاص، أو سقوط ضمانه بعد تصرفه بمال الغير، والمالك ينكر ذلك، فعلى الخياط البيّنة.

فالقول بتقديم قول الخياط لادّعاء المالك عليه الأرش وهو غرامة، فالأصل عدمها والقول قول نافيها، ضعيف؛ لأنّ التصرّف بمال الغير موجب للضمان سنّة (4)، وإجماعاً، وغاية ما يسقطه صدور الإذن من المالك، وهو أمر مشكوك فيه والأصل عدمه، فعلى مدّعيه البيّنة.

واحتمل في المقام التحالف، وهو وجه، وثمرته كثمرة القول بأن القول للمالك.

وعلى كلّ حال فلو قدمنا قول المالك لزم الخياط أرش الثوب، وهو تفاوت ما بين كونه


1) الحدائق الناضرة 21 : 621.

2) وسائل الشيعة 19 : 149 - 152، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، ح 3، 6، 1، 12.

3) لم نتحقّقهم.

4) راجع الهامش (1) من ص 27.

مقطوعاً قميصاً ومقطوعاً قباء، ويسقط أرش ما يصلح لهما، مع احتمال ضمان أرش ما بين كونه مقطوعاً وغير مقطوع؛ لأنّ القطع على الوجه الذي يدعيه الخياط عدوان لا يستحق عليه شيئاً.

ولو أراد الخياط فتق القميص لرفع ما أحدثه من العمل لم تجب إجابته؛ لاستلزامه التصرّف بمال الغير عدواناً، كمن نقل مال غيره عدواناً إلى مكان فإنّه ليس له أن يرده إلى مكانه من دون إذن المالك.

نعم، لو كان الخيوط له فطلب أخذها احتمل وجوب إجابته؛ لأنّه عين ماله يجب دفعه إليه، واحتمل عدمه؛ لاستلزامه التصرّف بمال الغير بغير حق، مع أنّه قد أسقط حرمة ماله بمداخلته بمال الغير باختياره. والأوّل أقوى.

نعم، يضمن أرش نقصان ما يحدثه جذب الخيوط من الثوب.

ولو بذل المالك قيمة الخيوط لم تجب إجابته، كما لو بذل الخياط قيمة الثوب.

ولو طلب المالك شدّ خيوطه بخيوط الخياط لتقوم مقامها عند جذبها، لم تجب إجابته على الخياط.

وقد يقال بأنّ خيوط الخياط يملكها صاحب الثوب بإقرار الخياط؛ لأنّه معترف بإجارة المالك، ومن لوازم إجارة الخياط بذل الخيوط فتملك عليه بعقد الإجارة، فإذا خاط بها فکأنّها قد قبضها للمالك فملكها.

وهو وجه لو كان التداعي في المستأجر عليه لا في الإذن وعدمه؛ لاعتراف الخياط في الصورة الأولى بأنّه ليس على المستأجر سوى الأُجرة المسماة، وأن الخيوط له، وبقاؤها في ملك الخياط إلى أن يقبضها المالك راضياً بها بعيد.

سادسها: حكم ما لو اختلفا في صحّة عقد الإجارة وعدمها

سادسها: لو اختلفا في صحّة عقد الإجارة وعدمها، فإن اتّفقا على وقوع الإيجاب والقبول من كاملين والأجرة المعينة قدراً ووصفاً والمنفعة كذلك، إلّا أنّهما اختلفا في وقوع ذلك صحيحاً أو فاسداً، كما إذا اختلفا في وقوع اللحن في الصيغة، أو في عدم القصد أو الاختيار، أو في الجهالة، أو في عدم القدرة على التسليم، أو غير ذلك - ولا ينافي اجتماع

الجهالة مع تعيين القدر، كما إذا قال أحدهما: «آجرتك سنة بدينار مجتمعة» وقال الآخر: «آجرتني سنّة ما» غير معلومة الاتصال ولا الانفصال ولا الاجتماع ولا التفرّق لا أشهراً ولا أياماً - فالقول في ذلك كلّه قول مدعي الصحّة مع يمينه ؛ لأصالة الصحّة في أفعال المسلمين المفهومة من السنّة بل والإجماع؛ أو لأصالة صحّة العقد في نفسه وإن صدر من كافر على الأظهر دليلاً وفتوى.

وإن لم يتّفقا على وقوع الإيجاب والقبول، أو على كونهما من كاملين، كما إذا ادّعى أحدهما الصبا أو الجنون، أو على تعيين الأجرة أو المنفعة، كما إذا ادّعى أحدهما إجارة كلّ شهر بدرهم وادعى الآخر إجارة سنةٍ بكر من طعام، أو ادّعى أحدهما منفعةً معينة على وجه الصحّة وادعى الآخر منفعةً أُخرى على وجه الفساد، أو على تعيين المدّة، فادعى أحدهما مدّة فاسدة وادعى الآخر مدّة أُخرى زائدة صحيحة، أو على تعيين العقد، كما إذا ادّعى أحدهما بيعاً فاسداً وادعى الآخر صلحاً إلى غير ذلك، فالحكم بتقديم قول مدعي الصحّة مع معارضة الأصول بحث وإشكال ينشآن من أصالة الصحّة، فالقول قول مدعيها، فإذا حلف يميناً على نفي الفساد حلف أُخرى على إثبات الصحيح، فيثبت قوله؛ إذ لا ثالث محتمل بينهما، ومن أن مدّعي الصحّة إنما يكون القول قوله في نفي الفساد لا في إثبات ما يدعيه، فيحتاج إثباته إلى بيّنة، وإلا فيتوجه اليمين على مَنْ ينكره، فيتحالفان ويُحكم بعدم وقوع شيءٍ ممّا ادعياه.

ومثل ما ذكرناه ما لو تداعيا في وقوع العقد حال الصبا أو حال الجنون مع العلم بسبقه، فإن الحكم بالصحّة مع عدم إحراز الشرط مشكل.

وكذا لو توقفت الصحّة على حصول شرط متأخر فتنازعا في وقوعه، كالقبض في الصرف أو السلم، أو الإجارة في الفضولي، أو نحو ذلك.

والأقوى ها هنا: البناء على أصالة العدم، لا أصالة الصحّة.

أما لو اتّفقا على حصول القبض سابقاً وحصول التفرّق واختلفا في السابق واللاحق، فإنّ الأوجه هناك: الحكم بالصحّة.

سابعها: حكم ما لو ادّعى المستأجر إباق العبد أو مرض الدابّة أو انهدام المسكن

سابعها: لو ادّعى المستأجر إباق العبد أو مرض الدابّة أو انهدام المسكن، فإن جاء بما

ادّعاه غير متّصف بدعواه فالقول قول المالك؛ لأصالة عدم طريان ما ادّعاه، وإن لم يجئ به كان القول قول المستأجر؛ لأمانته، وللزوم تخليده بالسجن لو لم يسمع قوله.

وإن اتّفقا على المرض واختلفا في المدّة، كان القول قول المستأجر؛ لكونه تحت يده.

ولو اختلفا في وقت الهلاك والإباق والمرض بحيث كان النزاع في تاريخ مبدأ ذلك، كان القول قول المالك إن كانت المنفعة مقدرةً في الزمان؛ لأصالة التأخر، وإن قدرت بالعمل فاختلفا في سبق هذه على العمل وتأخره، فالقول قول المستأجر؛ لأصالة عدم تقدّم العمل، وأصالة عدم استقرار الأجرة في ذمته سيما لو قلنا باستقرار الأجرة بمجرد العمل من دون توقف على التسليم، وإلا فإشكال.

القول في مسائل متفرّقة

وهي أمور:

أحدها: عدم صحّة الإستئجار على ما لا يمكن تملّكه من المنافع ولا حصول السلطان عليه

أحدها: كلّ ما لا يمكن تملّكه من المنافع ولا يمكن حصول السلطان عليه أو لا يمكن النيابة فيه من الأعمال عن المستأجر أو لا منفعة للمستأجر فيه لا يصحّ الاستئجار عليه. وذلك ظاهر من الأدلّة سنّة (1)وإجماعاً؛ لأنّ الإجارة فرع ما ذكرناه فلا يتحقق الفرع من دون أصله (2).

ويترتّب على ذلك أمور:

منها: أنّه لا يصحّ استئجار الشخص على أعماله الراجعة إليه من أكل أو شرب أو نوم أو جلوس، ولا على عمل في ملكه كخياطة ثوبه وصياغة خاتمه ونحو ذلك، إلّا إذا تعلق للمستأجر غرض يُعتد به، ومع ذلك ففي جوازه وإدخاله تحت إطلاقات الإجارة إشكال.

ولا يبعد الجواز عند تعلّق الغرض وإمكان النيابة فيه، كأن يعمل في ملكه نيابة عنّي لحصول القربة لي مثلاً.

هذا إذا سبق الملك عقد الإجارة، إمّا لو وقعا دفعةً - كأن يستأجره لخياطة ثوبه به ولصياغة خاتمه به ولطحن حنطته بها - فوجه الجواز ظاهر بعد تعلّق الغرض ومانع الملك مرتفع؛ لوقوع الملكين دفعة واحدة.

وأظهر في الجواز ما لو استأجره للعمل في ملكه ببعضه كالاستئجار لإرضاع العبد


1) راجع وسائل الشيعة 19 : 101، الباب 1 من أبواب كتاب الإجارة.

2) راجع ص 112 – 113.

ببعضه، وطحن الحنطة بربعها دقيقاً، وهكذا كلّ مال يتحقق به الاشتراك ويراد العمل فيه؛ لدخوله في عمومات الجواز من غير معارض سوى ما يتخيّل من لزوم اجتماع العوض والمعوّض عند الأجير فيخلو المستأجر عن النفع، وهو مدفوع بما قدمناه من حصول النفع، وإمكان النيابة، ولزوم اجتماع العوض والمعوض بالأخرة لواحدٍ غير مانع، كما جاز مثله في المزارعة والمساقاة مع تحقق الشركة بينهما وزيادة النماء لأحدهما مع العمل.

ومنها: أنّه لا يجوز استئجار الشخص على أعماله الواجبة على المستأجر مباشرةً، كصلاته الواجبة عليه وصومه ونحوهما؛ لعدم إمكان النيابة فيها، ولا على أعماله الواجبة على الأجير كصلاة الأجير وصومه ونحوهما، سواء نواها عن الأجير أو عن نفسه؛ لعدم جواز تملكها وعدم ثبوت السلطان عليها إيجاداً وإعداماً وإبراء، ولعدم قدرة الأجير على تسليمها للمستأجر؛ لتكليفه بها، ولعدم إمكان النيابة فيها، ولعدم شمول أدلّة الإجارة لها؛ لانصرافها إلى غيرها.

وليس المانع منافاة القربة للأجرة - كما تخيله بعض المحقّقين (1)_ لأنّ الوجوب بالأُجرة يؤكّد الوجوب كما يؤكده أمر المطاع فلا ينافيه؛ ولأنّ العبادة ليست للأجرة حتى تنافي الإخلاص، بل الأجرة ملزمة للعبادة المتقرب بها إلى اللّه تعالى فلا تنافيه، ولأنها لو نافت الإخلاص للزم بطلان الاستئجار على العبادات عن الأموات وعلى ما تقع فيها النيابات، وهو باطل قطعاً.

ودعوى خروجه بالإجماع ممنوعة؛ لمنافاته - على ذلك - لدليل العقل والنقل، فدعوى الإجماع غير مسموعة.

ولو صلّى الأجير عن نفسه ابتغاء الأجرة، كانت الأجرة فاسدة، والعمل صحيحاً، ولا يستحق أُجرةً على عمله، وحينئذٍ فلو صلّى عن المستأجر تلك الصلاة فسدت صلاته وبطل المسمّى، ولا يستحق أُجرةً مع العلم بالفساد، ومع الجهل ففي الاستحقاق وعدمه وجهان.

ومنها : أنّه لا يجوز الاستئجار على الواجبات الكفائية الواجبة من غير اشتراط العوض كتغسيل الميّت ودفنه والإفتاء والقضاء والشهادة والتحمّل في وجه والجماعة الواجبة ونحو


1) راجع جامع المقاصد 7: 152.

ذلك، سواء انحصر الواجب في المؤجر، أم لم ينحصر؛ للإجماع المنقول (1)بل المحصل، ولعدم انصراف أدلّة الإجارة عموماً وخصوصاً إلى مثل ذلك، ولأنّه بفعله يتعين له فلا يدخل ملك آخر؛ لعدم جواز النيابة فيه، وكلّ ما بقع فهو عن الغائب لا المنوب.

وأما ما وجب بالعوض كالصناعات والحرف فلا بأس بأخذ العوض عليه؛ لعدم تقدّم الوجوب على العوض.

وما شك فيه من الواجبات أنّه هل وجب وجب مطلقاً أم وجب بالعوض، فأصل البراءة من الوجوب المطلق وعموم أدلة جواز الاستئجار يقضيان بأنّه مشروط، إلّا أن يعارضهما إطلاق يرجح عليهما.

ومنها: أنّه يجوز الاستئجار للصلاة والصوم والحج الفائتة عن الميت؛ لجواز النيابة فيها، وصحة تملكها على المؤجر.

وهل يجب الترتيب في الصلاة المستأجر عليها؟ لا يبعد الوجوب مع العلم به وعدم المشقة في الترتيب، وحكمها كحكم صلاة القاضي عن نفسه على الأظهر والأحوط.

ويجوز استئجار أجيرين لصلاة سنتين عن الميّت أو أكثر.

والأظهر عدم جواز اقترانهما في الصلاة بحيث يبتدئان دفعةً، فلو فعلا ذلك صحت واحدة على جهة الوجوب وفسدت الأخرى، أو كانت نفلاً كفعل الواجب مرّتين.

أما الأوّل: فلعدم إمكان صحتهما؛ لفقد شرط الترتيب، وصحة معيّن منهما؛ للزوم الترجيح بلا مرجّح، وفسادهما معاً؛ لأنّ إحداهما قد وقعت في محلّها ومقارنة الأخرى لها غير مفسدة.

إمّا على الثاني : فيكون كمن أدى الواجب مرتين دفعةً واحدة، وعلى ذلك فيقضيان سنةً كلّ واحد نصف سنةٍ ؛ لعدم العلم بالفاسد فيلزم توزيعه عليهما بالمناصفة.

ولو صليا ولم يَدْرِ أحدهما بصلاة الآخر، صحت الصلاتان معاً وإن اقترنا؛ لأنّ الترتيب شرط علمي بالنسبة إلى القاضي نفسه فغيره بطريق أولى.

ومع ذلك فالحكم بصحّة أحدهما غير معيّن مع عدم وجود غير المعين وإبهامه، واقتضائه الحكم بصحّة هذا مرّةً وهذا أُخرى بمجرد التشهى، وأدائه إلى عدم الفساد مع النهي؛ لأنّهما بإقدامهما على الفعلين مع العلم بالمقارنة قد أقدما على منهي عنه، محل بحث وإشكال.


1) مجمع الفائدة والبرهان : 89 الحدائق الناضرة 18 : 212؛ رياض المسائل 8: 180.

والحق: سقوط الترتيب بالنسبة إلى قضاء الوليّ والأجير، وجواز الاقتران منهما؛ لعدم الدليل على لزوم تقديم الأوّل فالأوّل وعدم جواز وقوع الفرائض دفعةً واحدة.

وعلى الأوّل فلو أوقعا دفعةً واحدة لا يضمن الولي ولو مع جهلهما؛ لضعف التسبيب.

ولو ابتدأ أحدهما وتأخر عنه الآخر، اختص الفساد بالمتأخر.

ولا يجوز الاستئجار على صلاة واجبةٍ للميّت غير فائتة، ولا على رواتب غير فائتة، ولا على ذوات أسباب غير فائتةٍ إلّا إذا استؤجر على السبب والمسبب، كصلاة التحية والزيارة، تبعاً للاستئجار على دخول المسجد والزيارة.

ويجوز الاستئجار على النوافل المندوبة الابتدائية عن الميت.

ولا يجوز عن الحي الاستئجار على واجب أو نفل من الصلوات ما لم يقم عليه دليل، أو كانت النيابة مشروعةً فيه، كالحج والزيارة، والمقام يحتاج إلى تأمل ونظر.

ثانيها: جواز الاستئجار للزرع وحصاده ودياسه ونقله وسقيه وحفظه

ثانيها: يجوز الاستئجار للزرع وحصاده ودياسه ونقله وسقيه وحفظه كلّ واحدٍ مجتمعاً ومنفرداً؛ لأنّه عمل مقصود تصحّ فيه النيابة، فيدخل تحت عموم الأدلّة.

ويتعيّن تارةً بالزمان، وأُخرى بالعمل.

وعلى كلّ حال فلا بدّ من تعيين الزرع نوعاً: لاختلاف الزرع شده وضعفاً، واختلاف السقي والنقل والدياس والحفظ باختلافه.

ولا بدّ من بيان مكان المنقول إليه ومكان النقل.

ولا بدّ من بيان قدر الزرع بالمشاهدة أو الوصف إذا كان التقدير بالعمل.

ويجوز الاستئجار للقصاص نفساً أو طرفاً، وعلى الحدود والتعزيرات إذا لم تجب كفايةً، ويتقدّر كلّ ذلك بالمدة والعمل.

ولا بدّ فيه من التعيين الرافع للجهالة قدراً ووصفاً أو مشاهدةً.

قيل : والأُجرة تجب على المقتص منه ؛ لأنّه أجر يجب لإيفاء حقٌّ، فيجب على مَنْ عليه الحقّ (1).


1) تذكرة الفقهاء 18 : 131، المسألة 610؛ جامع المقاصد 7: 190.

وفيه نظر؛ إذ الواجب عليه عدم الامتناع عند طلب صاحب الحق، ولا يجب عليه فعل ذلك ابتداء وتأديته بنفسه.

ويجوز الاستئجار على الدلالة على الطريق، وعلى المحافظة فيه، ويجوز تعينهما بالمدة والعمل على الأظهر، ولا بدّ من تعيين ما يحتاج فيه إلى التعيين لرفع الجهالة.

ويجوز الاستئجار على الكيل والوزن والعدد والنقد، وتتقدّر بالمدة والعمل مع التعيين الرافع للجهالة في نوع الموزون وكيفية الوزن.

ويجوز الاستئجار على ملازمة الغريم، فيتعين بالمدّة، وعلى استيفاء الدين فيتقدّر بالعمل.

ويجوز الاستئجار على المحاكمة وإقامة البيّنة وإثبات الحجج والخصومة، وتتقدّر بالعمل.

ويجوز الاستئجار على الاستخدام، ويتقدّر بالمدة والعمل، ولا بدّ من تعيين نوع الخدمة. ويجوز الاستئجار على العموم في وجه قوي.

ويجوز الاستئجار على السمسرة، وعلى إيقاع صيغ العقود من بيع وشراء ونكاح، وإيقاع صيغ الطلاق والعتق، ونحوها سواء توقف إيجادها على المؤجر أم لا، ووجوبها مع العوض إذا توقف عليها النظام لا ينافي العوض.

ويجوز الاستئجار على الصلح بين المتخاصمين، ويتقدر بالعمل.

ويجوز الاستئجار على الخطبة، وعلى إرضاء المخطوبة أو إرضاء الولي، ويتقدّر بالعمل. كلّ ذلك؛ لعموم الأدلّة وإطلاقاتها.

ثالثها: جواز استئجار الأرض للبناء والغرس والزرع مع مشاهدة الأرض أو وصفها

ثالثها: يجوز استئجار الأرض للبناء والغرس والزرع مع مشاهدة الأرض أو وصفها الرافع للجهالة.

ولا بدّ من تعيين أحد الثلاثة المتقدّمة، وتعيين المزروع أو المغروس، وضبط المدّة؛ لرفع الجهالة في كلّ ذلك.

وجوّز بعض المحقّقين استئجار الأرض لأحد الثلاثة المتقدّمة أو لأحد أنواع الزرع، فيتخيّر زرع ما شاء. وجوّز استئجارها لما شاء فعله فيها على جهة العموم، فيفعل فيها ما شاء من الثلاثة وغيرها منفردةً ومجتمعةً، وجوّز استئجار الدابّة أيضاً ليحمل عليها ما شاء (1).


1) جامع المقاصد 7: 212.

والكل لا يخلو من نظرٍ ؛ لأوّل الأوّل إلى الإبهام المجمع على منعه في عقود المعاوضة، وأول الثاني إلى الجهالة والغرر، وارتفاعهما بإجراء صيغة العموم لا يخلو من نظر.

واقتصر بعضهم على صورة العموم دون الترديد؛ للزوم الإبهام في الأخير دون الأوّل (1). وفيه ما قدمناه.

ولو عيّن المؤجر منفعةً خاصّة فليس للمستأجر التخطي عنها، سواء كانت مساويةً أو أقل منه ضرراً أو أزيد، وسواء كان ذلك من جنس ما استأجره، كما إذا استأجره لزرع خاص فزرع أقلّ منه ضرراً، أو من غير جنسه، كما إذا استأجره للغرس فزرع، كلّ ذلك اقتصاراً على ما وقع عليه العقد من اللفظ الصريح في التصرّف بمال الغير المحرَّم كتاباً (2)وسنّة (3). والقطع بالرضى لا يرفع الضمان على الأظهر.

وقيل بجواز التعدّي إلى الأقل ضرراً أو المساوي (4)، ونُسب للمشهور (5).

والظاهر منهم عدم الضمان أيضاً، وحجتهم غير واضحة على ذلك.

ودعوى إذن الفحوى من المالك بذلك، أو فهم إرادة نفس انتقال المنفعة على ذلك الوجه أو ما يساويه من دون تعلّق غرض خاص ممنوعة؛ لاختلاف الأغراض والإرادات والمذاق بين عامة الناس، فدعوى القطع أو الإذن الفحوائية لا تكاد أن تسلم بوجه.

رابعها: جواز الاستئجار لحيازة المباحات عن المستأجر وتقديره بالمدة وبالعمل

رابعها: يجوز الاستئجار لحيازة المباحات عن المستأجر كالحطب والماء وغيرهما؛ لأنّه عمل مقصود مشتمل على نفع، بناءً على جواز النيابة في تملك المباح؛ لأنّه يملك بالنيّة لا بمجرد الفعل، فلو نواه لغيره صار لغيره، أو لأنّه يملك من دون نيّة إلّا أن نيّة الضد تصرفه.

وأما لو قلنا بملكه بالحيازة قهراً على المحيز فالأظهر عدم جواز الاستئجار عليه.

ويشعر بما اخترناه ما ورد من أنّ ما في جوف السمكة لواجده لا للصائد(6).


1) كما في إيضاح الفوائد 2 : 268؛ جامع المقاصد 7: 212.

2) البقرة (2) : 188؛ النساء (4) : 29.

3) وسائل الشيعة 9 : 540 - 541 الباب 3 من أبواب الأنفال، ح 7.

4) تحرير الأحكام الشرعيّة 3 : 100، الرقم 4238.

5) جامع المقاصد 7: 214.

6) وسائل الشيعة 25 : 453 الباب 10 من أبواب كتاب اللقطة.

ومنها: أنّه يجوز الاستئجار لتعليم القرآن والمسائل الفقهية إذا لم يجبا على المتعلم عيناً كقراءة الصلاة وفقهها، أو كفاية لعدم قيام الغير به كباقي القرآن والفقه، وإن وجبا على المتعلم عيناً أو كفايةً فقد وجبا على المعلم أيضاً عيناً أو كفايةً، فلا يصحّ أخذ الأجرة عليهما كسائر الواجبات العينية أو الكفائية.

ولو قام بالكفاية من به الكفاية، سقط الوجوب كفاية على غيره، وجاز أخذ الأجرة، وعلى ذلك ينزل أخذ الأجرة على تعليم القرآن وجعل تعليم سورة منه صداقاً، وأخذ الأجرة على تعليم مقدمات الفقه ونحوها.

ويجوز الاستئجار للفصد والحجامة والختان والاكتحال وإعانة الحامل على الوضع وإن تضمّنا عيناً على الأظهر، والمداواة والبيطرة ومداواة الجراحات، كلّ ذلك مع الاضطرار والاختيار، بل لو أشرف المريض على التلف ووجبت على المعالج حفاظة نفسه جاز أخذ الأجرة؛ لأنّها إنّما تجب مع العوض، فإن دفعه المحتاج فبها، وإلا عالجه بنيّة الرجوع إليه وملك عليه الأجرة، كدفع المأكول لمن أشرف على التلف فإنّه يجب مع العوض إن دفعه المشرف، وإلّا دفعه إليه بنيّة الرجوع ويلتزم به، وما على المحسنين من سبيل.

خامسها: جواز استئجار الشخص لرعي الماشية في المباح

خامسها: يجوز استئجار الشخص لرعي الماشية في المباح، ويقدر بالمدة وبالعمل فإن قدر بالعمل افتقر إلى ذكر نوع الماشية بل صنفها؛ لحصول الجهالة من دون ذلك، وإلى معرفة قدر المرعى كى يتميّز العمل، وإن قدر بالمدة افتقر إلى تعيين الحيوان فقط نوعاً وصنفاً دون تعيين المرعى.

ولو عين الحيوان بشخصه في كلا الأمرين فمات كلّاً أو بعضاً انفسخ العقد بالنسبة إليه.

وهل يجوز استئجار الراعي في أرضه المملوكة له فيدخل المرعى تبعاً في الإجارة؟ وجه يبنى على جواز دخول الأعيان تبعاً في الإجارة على وجه شمول العقد له شمول الجزء، إمّا لو دخل على وجه الشرطية فالأوجه: الصحّة في جميع عقود الإجارة المشترط فيها تمليك عين أو إتلافها.

ويجوز استئجار الأرض للرعي فيها، وتُقدر بالمدّة، ولا إشكال لو كان نبتها غير مملوك للمؤجر، ولو كان مملوكاً ففي جواز الاستئجار إشكال.

سادسها: جواز استئجار الأرض للغرس والبناء فيها مع تعيين المدّة الرافعة للجهل وتعيين المبني والمغروس فيها

سادسها: يجوز استئجار الأرض للغرس والبناء فيها مع تعيين المدّة الرافعة للجهالة، وتعيين المبني والمغروس فيها، فإن عيّنا مدّة كثيرة يضمحل فيها المغروس والمبني فلا كلام، وإن عيّنا مدّة قليلة يبقيان بعدها، فإن اشترط القلع بعدها جاز للمستأجر والمؤجر القلع. ولا شيء عليهما، ولا يمنع أحدهما الآخر، ولهما أن يتراضيا على الإبقاء مجاناً أو بأجرةٍ، أو نقل الغرس لمالك الأرض، أو نقل الأرض لمالك الغرس كلّ ذلك لعموم أدلة الشروط (1)والعقود (2).

وإن شرطا إبقاء المغروس والمبني بعدها من دون تحديدٍ بمدة البقاء، بطل الشرط والعقد؛ لمكان الجهالة، ولزم الغارس أُجرة المثل ما دام غرسه في الأرض.

وإن أطلقا، صحّ العقد؛ لعموم الأدلّة من غير معارض، وكان للغارس القلع بعد المدّة؛ لعموم: «الناس مسلّطون على أموالهم» (3)ولا شيء عليه لو نقصت الأرض أو عابت؛ قضاءً لحق مورد عقد الإجارة.

واحتمل بعضهم أنّ عليه الأرش وطمّ الحفر؛ لأنّه تصرف في مال الغير بدون إذنه (4).

وهو ضعيف؛ لأنّه تصرّف مأذون فيه فلا يستعقبه ضمان.

وكذا للمالك القلع أيضاً، ولا شيء عليه لو نقص الغرس أو عاب؛ لأنّه فعل مأذون به شرعاً بعد انقضاء عقد الإجارة فلا يستعقبه ضمان.

واحتمل بعضهم الضمان؛ لمفهوم «ليس لعرق ظالم حقٌّ» (5)والغارس ها هنا ليس بظالم، فله حقّ (6).

وهو ضعيف؛ إذ لا حقّ بعد مضي زمن الإجارة.

واحتمال أنّه ليس للمالك القلع، بل عليه الإبقاء مجاناً أو بأجرة، أو دفع قيمة الغرس للغارس مع رضاه به، ضعيف جداً، مخالف للقواعد.


1) راجع الهامش (3) من ص 65.

2) المائدة (5) : 1.

3) راجع الهامش (2) من ص 62.

4) هو صريح العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 18: 198، المسألة 662.

5) وسائل الشيعة 25 : 388، الباب 3 من أبواب كتاب الغصب، ح 1.

6) جامع المقاصد 7: 236.

سابعها: حكم ما إذا استأجر أرضاً للزرع وعيّن مدّة يعتاد حصاده فيها

سابعها: إذا استأجر أرضاً للزرع وعين مدّة يعتاد حصاده فيها، صحّ، فإن استحصد في تلك المدّة فلا كلام، وإن تأخر حصاده لعارض من حَرِّ أو بردٍ أو قلة ماءٍ فالأوجه: لزوم إبقائه على المالك في الأرض مع الأجرة؛ جمعاً بين الحقين؛ لأنّه لم يكن الإبقاء مستنداً لتقصيره، مع احتمال أن للمالك قلعه مع أرش النقصان؛ جمعاً بين الحقين أيضاً، واحتمال أن له قلعه من دون أرش؛ لعدم بقائه بعد المدّة بحقِّ، إلّا أنّ الأوّل أقوى.

وأما الزارع فلا شكّ في أنّه له قلع زرعه عند انتهاء المدّة وإن لم يستحصد.

والأوجه أن لا أرش عليه للأرض لو تعيبت؛ لأنّه عمل مأذون فيه، مع احتمال أن له ذلك؛ جمعاً بين الحقين.

وإن تأخر حصاده بتفريط المستأجر كما إذا زرع ما يبقى بعد المدّة عادةً أو غير ذلك، فلا حقّ للزارع؛ لدخوله تحت قوله : «ليس لعرق ظالم حقٌّ» (1).

وهل للمالك منع الزارع من أن يزرع ما يبقى عادةً بعد المدّة؛ لانصراف إطلاق العقد إلى ما لا يبقى كذلك، فلو زرع كان له قلعه حينئذٍ، أو له؛ لشمول إطلاق عقد المزارعة لكلّ ما يزرع سيّما لو كان للزارع نفع بنفس الزرع في تلك المدّة؟ ولا ينافي ذلك جواز قلع المالك له؛ لأنّه من الأحكام الشرعيّة التابعة للملك.

ولو استأجر الأرض مدّة لزرع ما لا يكمل فيها عادةً، فإن اشترط قلعه بعدها فلا كلام في الصحّة؛ لعموم الأدلّة ما لم يؤد إلى السفه والعبث وإن اشترط بقاءه مدّة معينة كان الأجل هو ما شرطه، وإن شرط بقاءه إلى مدّة إدراكه كان شرطاً مجهولاً يبطل، ويبطل العقد ببطلانه.

وإن أطلق احتمل الحكم بالصحّة؛ لحصول المقتضي من العقد الصادر من أهله في محلّه مع عدم المانع.

واحتمل البطلان لدخوله تحت السفه والعبث.

وفيه ضعف؛ لإمكان حصول النفع بمجرّد زرع تلك المدّة، ويكون ذكر المدّة قرينة صارفةً عن إرادة الزرع على وجهه المعتاد.

واحتمل الحكم بالصحّة مع إمكان الانتفاع بالمزروع في تلك المدّة نفعاً يُعتد به عند العقلاء، والبطلان عند عدمه.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (5) من ص 145.

واحتمل الحكم بالصحّة إن أمكن الانتفاع بالأرض في تلك المدّة بزرع آخر مساو للزرع المشروط حرزاً، أو أقلّ. منه عند عدمه.

والأوجه: هو الوجه الأوّل.

وعليه فهل يجب إبقاء الزرع على المالك مع الأجرة؛ جمعاً بين الحقين، ولمفهوم: «ليس لعرق ظالم حقٌّ» (1)وهذا موضوع بحق، أو لا يجب عليه؛ لعموم: «الناس مسلطون على أموالهم» (2)ولأنّه بعد المدّة لا حقّ له فلا يشمله المفهوم؟

ثامنها: حكم ما لو استأجر الأرض للزرع ولم يكن لها ماء

ثامنها: لو استأجر الأرض للزرع وكان لا ماء لها أصلاً، أو كانت عامرة بحيث لا ينحسر عنها الماء، بطلت الإجارة مع الجهل والعلم.

واحتمال إلغاء قيد الزراعة مع العلم فينصرف لغيرها إن أمكن الانتفاع بغيرها ممّا يساويها ضرراً، بعيد.

ولو تجدد حصول الماء أو انحساره على خلاف العادة، فالبطلان باقٍ على حاله، ولا يصحح العقد طروء المصحح في الأثناء بعد الحكم بالفساد في الابتداء.

ولو قل الماء في الأثناء بعد أن كان على العادة، فللمستأجر الخيار.

ولو انقطع لنفسه أو قطعه معتد بسد أو أخذ، انفسخ العقد من حينه، وكان للمستأجر الخيار بين الفسخ ودفع أجرة المثل عما مضى، أو الإمضاء ودفع المسمّى عما مضى.

ولو استأجر أرضاً مطلقاً وصححنا له ذلك وكان عالماً بعدم الماء، صحت الإجارة وانتفع بها بغير الزراعة، وإن كان لا ينتفع بها بغير الزراعة فسد العقد.

وإن لم يكن عالماً بعدم الماء، فإن كان لها نفع ظاهر بغير الزرع صحّ العقد، وإلا ففي صحّته والانتفاع بها بغيره، أو فساده؛ لأنّ أظهر منافع الأراضي المتسعة الزراعة فينصرف إليها، وجهان، ولا يبعد الصحّة.

ولو استأجر أرضاً لزرع شيئين أو أشياء دفعة أو متعاقبةً فامتنع أحدها أو أكثرها، بقي العقد على الصحّة، وكان للمستأجر الخيار.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (5) من ص 145.

2) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 62.

كتاب الوكالة

كتاب الوكالة

تعريف الوكالة شرعاً

بكسر الواو وفتحها.

وهي شرعاً عقد دال على الاستنابة في التصرّف، أو نفس الاستنابة الناشئة عن ذلك العقد، مشروع في الكتاب كقوله تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَألْقُوهُ) (1)، وقوله تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) (2)والسنّة (3)، وهي مستفيضة بل متواترة بين العامّة والخاصّة، والإجماع بقسميه (4)، وسيرة المسلمين القطعية الدالّة على ذلك.

ويخرج عن الحد الوديعة؛ فإنّها استنابة في الحفظ، والوصاية؛ فإنّها إحداث ولاية على مال الميّت لا استنابة عنه في التصرّف والمضاربة والمزارعة والمساقاة والإجارة على الأعمال؛ لعدم القصد فيها ابتداءً للاستنابة في التصرّف وإنّما المقصود منها أمر آخر ويلزمه الاستنابة فيه ضمنياً.

وكذا يخرج نصب القيم، ونصب قاضي التحكيم؛ لأنّهما من المناصب لا من الاستنابات وكذا أُمراء الجيوش والعساكر وأصحاب الرايات.

وظاهرهم أن الوكالة عقد مفتقر إلى إيجاب وقبول، وليست من قبيل الإيقاع فيكفي فيها الإذن المجردة.


1) يوسف (12): 93.

2) الكهف (18) : 19.

3) راجع وسائل الشيعة 19 : 161 - 164 الأبواب 1 - 3 من كتاب الوكالة.

4) تذكرة الفقهاء 15: 7.

ولكنّهم يظهر منهم التسامح في عقدها أكثر من غيرها من العقود الجائزة، حيث اكتفوا فيه إيجاباً باللفظ الصريح وغيره العربي وغيره، المفصول بينه وبين القبول والموصول، حتّى أنّهم اكتفوا بـ «نعم» في جواب «وكلني» وبغير اللفظ من رفع أو إشارة بجارحة أو كناية، وقبولاً كذلك بما دلّ على الرضى من قول أو فعل موصول أو مفصول، حتّى أنّهم اكتفوا بفعل ما وكل فيه، كما اكتفوا في الإيجاب بالأمر أو الطلب أو الالتماس على الفعل المراد صدوره منه.

وكلّ ذلك مستنده السيرة القاضية بصحّة جميع ذلك، وظواهر الأخبار العامّة والخاصّة القاضية بحصول الوكالة بمجرّد الأمر أو الالتماس، والمنقول عن فعل النبي والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) ذلك، والأخبار القاضية بحصول الوكالة بمجرد الكتابة أو الوصيّة على لسان آخر من غائبِ إلى آخر (1)، ولا يمكن تطرّق الطعن عليها بإمكان انضمام الصيغة الخاصّة إلى ذلك وإن لم ينقل، كما كُنا نقوله في الأخبار الواردة في العقود اللازمة؛ للفرق بين أخبار الوكالة وبين أخبار العقود اللازمة من حيثية جواز تطرّق انضمام الصيغ الخاصّة إلى العقود اللازمة وإن لم ينقل، وعدم جواز تطرّق الاحتمال في أخبار الوكالة؛ للقطع بعدم صدور أمر آخر وراء ما في الأخبار، وتحقق الوكالة بمجرّد الأمر والطلب الصادرين فيها ومجرّد الكتابة والرسالة من بُعْدِ ونحو ذلك، وكذا تحقق القبول بمجرد صدور الفعل من المأمور والمكتوب إليه ونحو ذلك، ومن المعلوم عرفاً وشرعاً أن ذلك كلّه على سبيل الوكالة؛ وكلّ حكم يجري على الوكالة بصيغة «وكلتك» أو «أنت وكيل» أو «استنبتك» ونحوها يجري على ما صدر بالأمر والطلب.

فإن قلت : فما الفرق بين الوكالة حينئذٍ وبين إذن المالك بالتصرف في ماله ببيع وشراء مع أنّ الوكالة جعلتموها عقداً مستقلاً لا مجرد إذن في الفعل؟

قلت: إن أُريد بالإذن ما كان المقصود منه الاستنابة من المالك في الفعل فهذه هي الوكالة، سواء صدرت بلفظ «أذنتُ لك» أو بغيرها، وإن أُريد بها الإذن بمعنى رفع المنع من المالك في التصرّف كالأمر بعد الحظر لم يكن ذلك وكالةً، ولا تجري عليه أحكامها وإن ساغ به التصرّف من المأذون.


1) تهذيب الأحكام : 40، ح 121؛ وسائل الشيعة 17 : 389 - 390، الباب 5 من أبواب آداب التجارة، ح 2؛ 20 : 305، الباب 28 من أبواب عقد النكاح...، ح 1؛ صحیح مسلم 3 : 1324 - 1325، ح 1697 و 1698؛ سنن أبي داؤد 3 : 256. ح 3386 و 314، ح 3632: الجامع الصحيح 3 : 200، ج 841، و 558، ح 1257؛ المستدرك، الحاكم 4 : 22؛ دلائل النبوة، البيهقي 3 : 461.

فلو قال شخص لآخر: «أذنتُ لك في بيع داري» مريداً به الاستنابة كان وكالةً، وإن أراد منها رفع المنع المتوهم لم يكن وكالة. ويفرّق بينهما أنّ الإذن تكون عامة، ك- «أذنتُ لجميع الناس أن يتصرفوا بمالي» والوكالة لا بدّ من تشخيص الوكيل عموماً أو خصوصاً، وأن الإذن يكفي فيها القطع بالأمارات وقرائن الأحوال، دون الوكالة، وأن الوكالة إذا ردّها الوكيل قبل القبول أو بعده بطلت، دون الإذن؛ فإنّ الردّ لا يؤثر فيه بطلاناً، وأن الوكالة لا تعلق على شرط أو صفة، بخلاف الإذن.

وهنا أُمور:

أحدها: اشتراط التعيين في عقد الوكالة

أحدها: يشترط في عقد الوكالة التعيين كما يشترط ذلك في الوكيل، فلا تصحّ الوكالة المبهمة، ولا توكيل المبهم.

ويشترط في عقدها التنجيز، فلا يصحّ تعليقها على شرط أو صفة متوقّعين.

ويشترط فيه الحلول، فلا يصحّ تأخير أثره الذي هو عبارة عن صيرورة الوكيل وكيلاً.

نعم، يصحّ تأخير جواز التصرّف إلى مدّة معينة، وإلى شرط أو وصفٍ مترقبين، كـ «أنت وكيل على فعل ذلك بعد شهر» أو «بعد مجيء الحاجّ» على أن يكونا قيداً للفعل لا قيداً للعقد.

ولا يصحّ اشتمال الوكالة على شرط فاسد فيفسد عقدها بفساده، كما إذا اشترط الموكّل في الوكالة شيئاً محرماً أو غير مقدور، وإذا اشترط شرطاً سائغاً كانت فائدته حرمة التصرّف من دون وقوعه، أو عدم استحقاق الجغل لو اشتمل عقد الوكالة على جعل.

ويحتمل أنّه مع الشرط يجوز إجبار المشروط عليه على فعل الشرط ما دام لم يفسخ عقد الوكالة.

ثانيها: جواز الوكالة مطلقاً ومقيدةً بوصف أو وقت أو حال أو مكان

ثانيها: تجوز الوكالة مطلقاً، وتجوز مقيدةً بوصف أو وقتٍ أو حالٍ أو مكانٍ.

وعلى كلّ حال فعقد الوكالة مبني على التبرع كما جرت به السيرة، وكما تشعر به أخبار الوكالة، من حيث خلوّها عن العوض من الموكّل وعدم اشتراطه من الوكيل.

نعم، لو اشترطا جُغلاً لزم بعد فعل ما وكل عليه، أو كان الأمر الذي وكل عليه والشخص الذي وكل ممّا تجري العادة بثبوت الأجرة لهما.

وعلى ما ذكرنا فإن كان عقد الوكالة صحيحاً لزم الجعل المشترط بفعل الوكيل، وإن كان فاسداً كان له أُجرة المثل دون المسمّى حتّى لو لم تجر العادة بأخذ مثل ذلك الوكيل أُجرة؛ لإقدامه على العوض على كلّ حال.

ثالثها: حكم ما لو عُلّقت الوكالة على شرط أو اشتملت على شرط فاسد

ثالثها: لو عُلّقت الوكالة على شرط أو اشتملت على شرط فاسد، ففي صحّة تصرّف الوكيل قولان:

أحدهما: الصحّة؛ لبقاء الإذن الضمني المشتمل عليه العقد، فيستند التصرّف إليه، فيكون مأذوناً فيه، ولأنّ الوكالة أخص من مطلق الإذن، وعدم الأخصّ لا يستلزم عدم الأعم، ولأنّ الوكالة لا تزيد على الإذن في التصرّف، وما يزيد فيها من الجغل ونحوه أمر زائد، وفساده لا يقضي بفساد أصله، كفساد المهر في عقد النكاح.

وثانيهما: الفساد؛ لأنّ المفروض فساد العقد، ولا معنى للفاسد إلّا ما يترتب عليه أثره كصحة التصرّف في عقد الوكالة، ولأنّ الإذن الضمنية لا معنى لبقائها مع ارتفاع عقد الوكالة؛ إذ لا معنى لبقاء الجنس مع ارتفاع الفصل، ولا معنى لبقاء الجزء مع ارتفاع المركب، ولأنّ الضمنية واقعة على نحو خاص وهي الوكالة، فلا معنى لارتفاعها وبقاء ما وقع عليه.

وهذا الأخير أوجه وأحوط.

ويظهر من المحقق الثاني الميل إلى صحّة عقد الوكالة المعلقة وإن فسد الجغل المشتملة عليه؛ لأنّها إذن في الفعل فلا ينافيه التعليق، ومنافاته للجعل لكونه معاوضةً لا تقضي بفساد العقد، كما لا يقضي فساد المهر بفساد النكاح (1).

ولكنّه بعيد عن ظاهر الأصحاب.

ثم إنّه بعد ذلك احتاط في نفوذ تصرّف الوكيل مع التوكيل بالبيع والشراء والأمور الكلية؛ لبناء هذه الأمور على التضييق والمداقة، دون المسامحة، كما يتسامح في إباحة الطعام للضيف وشبهه (2).


1) جامع المقاصد 8: 182.

2) المصدر : 183.

رابعها: حكم ما لو ردّ الوكيل بعد الإيجاب أو بعد الإيجاب والقبول

رابعها: لو ردّ الوكيل بعد الإيجاب أو بعد الإيجاب والقبول، فالأظهر بطلانها؛ للبناء على أنّها عقد فينفسخ بالردّ ولا يعود إلّا بإذن جديدة.

وقد يقال بعدم انفساخ العقد بذلك، فللوكيل الرجوع إلى الوكالة؛ لأنّها إذن ولا ينتفي موجبها بالرد.

ويمكن الفرق بين إعلام الموكّل بالردّ فينفسخ العقد، وبين عدمه فلا ينفسخ. وفي الخبر:

«مَنْ وكل رجلاً على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبداً حتّى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها» (1)؛ بناءً على رجوع الضمير للوكيل.

خامسها: صحّة الإيجاب بالإشارة المفهمة ولو لغير الأخرس وكذا صحّة القبول بالفعل الدال على الرضى

خامسها: ظاهر الأصحاب ومنقول الإجماع (2)على صحّة الإيجاب بالإشارة المفهمة ولو لغير الأخرس، وصحة القبول بالفعل الدال على الرضى وكذا ظاهرهما على جواز تراخي القبول من الإيجاب ولو طالت المدّة، وكذا على جواز توكيل الغائب برسالة، أو كتابة وإن تأخّر القبول.

وفي الأخبار ما يدلّ على ذلك:

ففي المعتبر : عن رجلٍ أمر رجلاً بأن يزوجه امرأة بالمدينة وسماها له، والذي أمره بالعراق، فخرج المأمور فزوجها إيّاه. (3)

والآخر : عن الرجل يبعث إلى الرجل فيقول: ابتع لي ثوباً، فيطلب له في السوق الخبر (4).

والثالث: في رجل بعث إليه أبو الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بثلاثمائة دينار إلى رحم امرأة كانت له وأمره أن يطلقها عنه ويمتعها بهذا المال (5)، إلى غير ذلك.

سادسها : انعزال الوكيل بعزل الموكّل له قبل القبول وبعده

سادسها: ينعزل الوكيل بعزل الموكّل له قبل القبول وبعده من غير كلام؛ لأنّها من العقود الجائزة، فلكل منهما فسخه.


1) وسائل الشيعة 19 : 161، الباب 1 من أبواب كتاب الوكالة، ح 1.

2) ریاض المسائل 10 : 54.

3) وسائل الشيعة 20 : 305 الباب 28 من أبواب عقد النكاح...، ح 1.

4) المصدر 17 : 389 – 390، الباب 5 من أبواب آداب التجارة، ح 2.

5) المصدر 22 : 90 - 91 الباب 39 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 6.

هذا إن علم الوكيل بالعزل، فإن لم يعلم به فهل ينعزل بالعزل بحيث لا تعود وكالته إلّا بعقد جديد وبحيث لا يمضي تصرّفه ولا يجري عليه أحكام الوكيل، أو ينعزل ولكن تجري عليه أحكام الوكيل ويمضي تصرّفه إلى أن يعلم بالعزل، أو لا ينعزل إلّا مع العزل مشافهة أو بإخبار مَنْ يوثق به، أو ينعزل مع الإشهاد على العزل ولا ينعزل بدونه؟ وجوه، وكثير منها أقوال، أظهرها بقاء الوكالة وعدم حصول العزل قبل العلم، وإمضاء ما وكل به؛ لتحققها وثبوتها.

ومن الأخبار الدالّة على ذلك الرواية الطويلة في امرأةٍ وكلت رجلاً في تزويجها من رجل فزوجها الوكيل، ثمّ إنّها أقامت شاهدين على أنّها عزلته، فسُئل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك، فذكر عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثل ذلك، وأن الامرأة ادعت أنّها أعلمته بالعزل فأنكر هو ذلك، فطلب منها البيّنة، فعجزت عن إثبات إعلامه بالعزل، فحلّف الوكيل على نفى العلم بالعزل فحلف وأثبت وكالته وأجاز النكاح (1).

ومنها: في حديث طويل: فيمن وكل آخر على إمضاء أمر من الأمور، فلما قام الوكيل قال: اشهدوا أنّي عزلتُ فلاناً عن الوكالة، وفيه: قلت: فإنّ الوكيل أمضى الأمر قبل أن يعلم بالعزل أو يبلغه أنّه قد عزله عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه؟ قال: «نعم» ثمّ قال: «إنّ الوكيل إذا وكل ثمّ قام عن المجلس فأمره ماض أبداً، والوكالة ثابتة أبداً حتّى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه العزل عن الوكالة» (2).

ومنها: فيمن وكل على طلاق امرأته فبدا له فأشهد أنّه قد أبطل ما كان أمره به، قال: «فليعلم أهله وليعلم الوكيل» (3).

ومنها: في «مَنْ وكل رجلاً على إمضاء أمرٍ من الأمور فالوكالة ثابتة أبداً حتّى يُعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها» (4).

وظاهر هذه الأخبار ثبوت هذه الوكالة بحكم الشارع، سواء أشهد على العزل أم لم يشهد. ويؤيدها أنّه لولا ذلك للزم الضرر العظيم على الوكلاء، وعلى من تصرف ببيعٍ وشراء ونكاحٍ ووقفٍ وعتقٍ.


1) وسائل الشيعة 19: 163 - 164 الباب 2 من أبواب كتاب الوكالة، ح 2.

2) المصدر : 162، ح 1.

3) المصدر : 164 - 165، الباب 3 من أبواب كتاب الوكالة، ح 1.

4) المصدر : 161، الباب 1 من أبواب كتاب الوكالة، ح 1.

والنقض على ذلك بالموت ضعيف؛ لأنّ الموت من الأمور العادية المبني عليها بالنسبة إلى جميع المعاملات في العقود الجائزة، بخلاف العزل، فإنا لو قلنا بانفساخ الوكالة فيه وعدم نفوذ فعل الوكيل لزم منه فساد عظيم.

والقول بأنّ الوكيل ينعزل بمجرّد العزل منسوب للعلامة (رَحمهُ اللّه) (1)، وذكر أن فيه رواية (2)، وأن الوكالة من العقود الجائزة فللموكل الفسخ أعلم به أم لم يُعلم، وإلا كانت لازمةً، ولأن الفسخ رفع عقد لا يفتقر إلى رضى صاحبه، فلا يفتقر إلى علمه كالطلاق والعتق.

والكلّ ضعيف؛ لعدم ثبوت الرواية، ولو فرضناها فليس لها قابلية معارضة الروايات المعتضدة بالشهرة والاعتبار، ولعدم الملازمة بين كونها جائزةً وبين إمضاء حكمها قبل الإعلام بالعزل؛ لضرورة النظام، بل لا منافاة بين جوازها بالأصل ولزومها بالعارض لمقتض اقتضى ذلك، ككثير من العقود الجائزة بالأصل اللازمة بالعارض.

والقول بالفرق بين الإشهاد وعدمه منسوب لجمع من أصحابنا (3).

وهو ضعيف؛ لعدم المستند.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ الأمر يدور مدار الثقة المأمون في إخباره، ولا يكفي كلّ خبرٍ أو كلّ أمارة وإن أفاد المظنة، كما لا يشترط العدالة.

وهل الحكم مخصوص بالوكالة فلا يسري للمضاربة، فلو عزل المالك العامل في المضاربة لم تمض تصرفاته قبل إعلامه بالعزل، أو تمضي؛ لأنّها وكالة في المعنى؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.

سابعها: انفساخ الوكالة بموت الوكيل أو الموكّل وبجنون أحدهما وبالإغماء عليه وبسفه الموكّل

سابعها: تنفسخ الوكالة بموت كلّ من الوكيل أو الموكّل، وبجنون أحدهما، وبالإغماء عليه وبسفه الموكّل، وبالتحجير على أمواله التي وكّل على نقلها.

ولا تعود عند ارتفاع الحجر؛ استصحاباً لحالة الانقطاع، وإن احتمل ذلك؛ بناءً على أنّ الوكالة إذن في التصرّف وليست كسائر العقود، أو بناء على أن ارتفاع العقد لا يقضي بارتفاع


1) قواعد الأحكام 2 : 364.

2) ذكره الطباطبائي في رياض المسائل 59:10.

3) كالشيخ الطوسي في النهاية : 318؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1: 269؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 2: 93؛ وابن حمزة في الوسيلة : 283.

الإذن، ويمكن تأييده بما قدمناه من القول ببقاء الإذن مع ردّ الوكيل، ومع تعليق الوكالة على شرط، وبدخول الصيد الغائب في ملك المُحْرِم بعد زوال إحرامه، وبأن مَنْ وَكُل مُحِلّا فصار محرماً لم يحتج إلى تجديد الوكالة بعد إحرامه.

ولكنه ضعيف مخالف لظواهر الفتوى وإطلاق الإجماعات المحكية على بطلان الوكالة بالموت والجنون والإغماء (1).

نعم، قد يحتمل قويّاً ذلك في السفيه والمحجور عليه لفلس أو رهن أو شبه ذلك.

وتنفسخ الوكالة بحدوث رقيّة الموكّل كما إذا كان حربياً فاسترق، أو قامت البيّنة على رقيته.

وإن كان حدوث الرقية بالنسبة إلى الوكيل ففي انفساخ الوكالة وجهان مبنيان على جواز توكيل عبد الغير بغير إذنه.

وعلى كلّ حال فالتصرف منهي عنه.

ولا يبعد عدم صحّة الوكالة ابتداء، وانفساخها استدامة؛ لأنّ العبد لا يقدر على شيء.

وفي صحّة تصرّف العبد وإن كان منهيّاً عنه لمكان إذن الموكّل وعدمها وجهان، كما أنّ في عودها لو عاد حراً وجهان.

ولا يبعد نفوذ تصرفه لمكان إذن الموكّل وإن كان منهيّاً عنه؛ لعدم اقتضاء النهي ها هنا الفساد.

و تنفسخ أيضاً بفوات ما وكل فيه، كما إذا وكله على بيع عبد فمات، أو أعتقه مولاه، أو باعه، أو وكله على طلاق امرأةٍ فماتت أو على شراء شيء بثمن معين فتلفت عينه، ولا يجدي كونه مضموناً عند تلفه؛ لأنّ الوكالة لا تتناول بدله كما لا تتناول الوكالة بيعه ثانياً، كما إذا وكله ببيع عبد فباعه الموكّل ثمّ اشتراه، وكذا لو وكله على طلاق زوجته فطلقها ثمّ عادت إليه ؛ لأنّ إطلاق الوكالة إنّما ينصرف إلى البيع الأوّل والطلاق الأوّل، فلا يقع بيع الوكيل ولا طلاقه بموقعهما.

وتنفسخ الوكالة بفعل ما يدلّ على عدم إرادة الفعل الذي وكل الوكيل عليه، كما إذا وكله على بيع جاريةٍ فوطأها، أو على طلاق امرأةٍ فوطأها، أو على عتق عبد أو بيعه فرهنه، أو على عتق عبد فكاتبه، ومثل ذلك فعل المقدمات الدالّة على الرغبة في العبد والزوجة وغيرهما


1) كما في رياض المسائل 10 : 61 - 62.

إذا كان مقروناً بما يدلّ من قرائن الأحوال على عزل الوكيل فإن لم يكن كذلك فالوكالة ثابتة؛ للاستصحاب حتّى يتحقق المزيل.

وعلى كلّ حال، فلو انعزل الوكيل وكان بيده مال كان أمانة لا يضمنه إلّا مع التعدّي أو التفريط، ولكنه مع الموت والجنون ونحوهما يكون أمانةً شرعيّة يجب ردّها فوراً إلى أهلها، ومع عزل الموكّل له وشبهه يكون أمانة مالكية لا يجب ردّها إلّا مع المطالبة، ومع عزل الوكيل نفسه ففي كونها شرعيّة أو مالكية وجهان.

ثامنها: حكم ما لو باع الوكيل بثمن خاص فأنكر الموكّل قدره أو عينه أو جنسه أو وصفه أو زمانه أو

ثامنها: إذا باع الوكيل بثمن خاص فأنكر الموكّل قدره أو عينه أو جنسه أو وصفه أو زمانه أو مكانه أو المبيع عليه، كان القول قوله مع اليمين؛ للأصل، ولرجوعه إلى إنكار الوكالة بذلك القدر أو النوع أو الوصف أو الزمان أو المكان أو نفس المبيع عليه، أو نحو ذلك.

ولا يرد: أنّ الوكيل أمين وهو مصدَّق في قوله؛ للزوم الحكم بخيانته لولا تصديقه، وهو منهي عنه؛ لأنّ تصديق الوكيل إنّما يلزم فيما كان وكيلاً فيه، كما إذا ادّعى التلف من غير تعدّ أو تفريط، أو ادّعى الإيصال أو الردّ وكان وكيلاً عليهما، أو ادّعى المصلحة في البيع والشراء، أو ادّعى امتثال ما وكل فيه من زمان أو مكانٍ أو حالٍ أو وصفٍ.

وأما لو كانت الدعوى في تحقيق ما وكل فيه فالقول قول الموكّل، سواء كان إنكاره لأصل الوكالة، أو لوقوعها مطلقةً، أو لوقوعها مقيّدة، حتّى لو ادّعى الوكيل إطلاق الوكالة وادعى الموكّل تقييدها بشرط أو وصفٍ أو حالٍ أو زمانٍ أو مكانٍ، كان القول قول الموكّل؛ لإنكاره الإذن الصادر منه على نحو ما يدعيه الوكيل، وما يدعيه الوكيل عليه مفتقر إلى البيّنة، فإن لم تكن كان على الموكّل في نفي ما يدعيه الوكيل اليمين، فإذا حلف استعاد العين المبيعة أو الثمن عيناً إن كانا موجودين، ولم يجز البيع، ومثلهما أو قيمتهما إن كانا تالفين، أو حصل حائل عن إيصالهما إليه، وله الرجوع على كلّ من البائع والمشتري، ويستقر الضمان على مَنْ تلفت في يده.

تاسعها: في بيان موارد تصحّ الوكالة فيها

تاسعها: تصحّ الوكالة في كلّ فعل جامع لأُمور:

منها كونه مملوكاً للموكل، بمعنى أنّ له مباشرته بنفسه عقلاً وشرعاً، فلا تجوز الوكالة فيما لا يمكن للموكل مباشرته عقلاً، كالأُمور المستحيلة، أو شرعاً كالغصب والقتل والسرقة.

وهل يعتبر الإمكان من حين الوكالة إلى وقت التصرف؟ المشهور والمحكي عليه الإجماع (1)ذلك، فلا يصحّ التوكيل على طلاق امرأةٍ سينكحها، أو عتق عبد سيشتريه، أو تزويج امرأةٍ محصنة بعد طلاقها، أو بيع مال سيملكه، أو وفاء دين سيستدينه، أو نفقة زوجةٍ سيتزوجها، أو مملوك سيملكه، أو غير ذلك.

ولكن يظهر من بعضهم (2)نسبة الأصحاب إلى جواز التوكيل في الطلاق في طهر المواقعة والحيض، وفي تزويج امرأة وطلاقها، وفي شراء عبد وعتقه، وفي استدانة دين ووفائه.

وهو مشكل، ولذا فرّق بعضهم بين التوكيل على ما لا يمكن منفرداً فمَنَعه، وبين ما كان منضماً كالأمثلة الأخيرة فجوَّزه (3).

ولا يبعد الجواز في ذلك كلّه منفرداً ومجتمعاً، وتنزيل المنع على ما كان المقصود من الوكالة حصول التصرّف حين صدور العقد، أو كان مطلقاً؛ لانصرافه إلى ذلك، إمّا لو كان التصرّف مقيداً بوقت الإمكان فلا نرى منه مانعاً، وأدلّة الوكالة شاملة له، فلا بأس بالتوكيل على نقل المعدوم بعد وجوده كثمرة الشجرة وحمل الدابّة وليس من تعليق الوكالة، بل ممّا تأخر فيه التصرف.

نعم، التوكيل فيما لا يمكن فعله للموكل لا في الحال ولا في المآل لا وجه له.

ولو كان الممنوع منه لعارض - كنذرٍ أو يمين أو تحريم والدٍ أو تقيّة أو ضررٍ إذا تعلق المنع بفعله مباشرةً - لا بأس بالتوكيل فيه.

ومنها: كون ما وكل عليه لا يتعلّق للشارع غرض في وقوعه من مباشر خاص، كالعبادات البدنية المشروطة بالقربة؛ لأنّ المقصود منها العبودية والخضوع من المأمور به والتذلل وهذه لا تحصل من دون المباشرة.

وتصحّ الوكالة في العقود والإيقاعات والنفقات والعتق وغيرها ممّا لا يتعلّق للشارع غرض بوقوعه مباشرةً.

والطريق إلى تمييز ذلك هو النقل.


1) رياض المسائل 10 : 65.

2) كالأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 9: 509؛ والسبزواري في كفاية الفقه 1: 676.

3) رياض المسائل 66:10.

وقد يقال: إنّ الأصل في المشكوك به فيما شرطه القربة هو اشتراط المباشرة؛ لأنّ ما شكّ شرطيته شرط، بل الأصل في كلّ مأمور به ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (1)وظاهر الأمر هو المباشرة، بل الأصل في كلّ مأمور به أن يكون عبادة مشروطة بالمباشرة، إلّا ما أخرجه الدليل، كالنيابة في بعض الواجبات والمندوبات.

وكذا الكلام في الوكالة في الإقرار وفي الشهادة وفي فعل الواجبات الكفائية - كتغسيل الأموات لمن وجب عليه ودفنهم - وفي النذور والأيمان وفي القسمة بين الأزواج وفي الظهار وفي اللعان وفي الجناية وفي الجهاد لمن وجب عليه.

وبالجملة، فلم نعثر على عموم أو إطلاق دالين على صحّة الوكالة أو النيابة في كلّ شيء. وما ورد في أخبار الوكالة - على ما عثرنا عليه - بين ما هو وارد في قضايا خاصّة لا عموم فيها، وبين ما هو مطلق ولكنّه مسوق لبيان حكم آخر لا لبيان صحّة الوكالة بالنسبة إلى الأفعال التي يراد التوكيل فيها.

وعلى كلّ حالٍ فما ظهر اشتراط المباشرة منه يكون خارجاً بالدليل، وما دلّ الدليل على جواز الوكالة فيه من خبرٍ أو إجماع أو سيرةٍ قطعية أو كان المفهوم من دليل مشروعيته هو إرادة إيقاعه من المكلّف على أي نحو اتفق فلا كلام فيه أيضاً، وذلك كالوكالة في عقد البيع وتوابعه من القبض والإقباض وأصنافه من صَرف وسَلَمٍ ونسيئة، وكالتوكيل في عقد النكاح والطلاق وتوابعهما من المهر والخلع وقبض العوض لدلالة الأخبار في الجملة على ذلك. وكذا الوكالة في الحوالة والضمان والشركة والقراض والجعالة والمزارعة والمساقاة والصلح والرهن والعارية والوديعة والإبراء والأخذ بالشفعة، وفي أن يوكل غيره، وفي العمل بمال المضاربة، وفي عمل الجعالة، وفي العمل المستأجر عليه إذا لم يشترط عليه المباشرة.

وكذا الوكالة في اختيار مَنْ شاء من الزوجات وقسمة الصدقات وقبضها عن الفقراء، وقبض الخمس عن الفقير وتفريقه على مستحقيه عن صاحبه أو عن الحاكم - خلافاً لابن إدريس؛ حيث منع الوكالة في القبض عن الفقير في الزكاة؛ استناداً إلى أنّه ليس من أحد الأصناف (2)، وهو ضعيف - وفي قبض الحقوق العامّة عن الحاكم، كما فعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بإرساله


1) البيّنة (98) : 5.

2) السرائر 2 : 82.

عُمّال الصدقات (1)، وفي استيفاء القصاص مع حضور المستحق وغيبته - خلافاً لبعض العامّة بالنسبة إلى الغيبة (2)- وفي قبض الديات، وفي الحدود عن الحاكم أو عن مستحقها، وفي الجهاد لمن لم يتعين عليه في وجه، أو لمن لم يجب عليه؛ لقيام غيره به، وفي إثبات الحقوق المالية، وفي الدعوى عليها، وفي إثبات دعوى القصاص، وفي الخصومة، وفي الجرح والتعديل وطلب اليمين من المنكر، وفي العتق والتدبير والكتابة إيجاباً وقبولاً.

وكذا الوقف والحبس والسكنى والعمرى والسبق والرماية والوصيّة وقسمة الميراث وإثبات الحقوق كحق المسجد والمدرسة إلى غير ذلك.

كلّ ذلك للسيرة ولضرورة النظام وللإجماع في بعض ولما يُفهم من الأخبار في جملة أُخرى، ولما يُفهم من كثير منها أن المقصود منها مجرد إيقاعها في الوجود.

ومما ذكرنا يُعلم أنّه لا تصحّ الوكالة في الطهارات الحدثية والصلوات الواجبة والحجّ الواجب إلّا ما أخرجه الدليل في مقام العجز، ولا في الصوم الواجب، والنيابة عن الأموات في باب العبادات الواجبة وفي المندوبة عن الأحياء والأموات جاء بها الدليل، ولا في الاعتكاف، ولا في الظهار ولا اللعان؛ لأنّهما بمعنى اليمين، ولا بالإيلاء، ولا بالرضاع في نشر الحرمة، ولا في العدد، ولا في الاستبراء، ولا في التحجير، ولا في الواجبات الكفائية لمن وجبت عليه، والظاهر أنّه إجماعي، وإلا فلا منافاة بين وجوبها على شخص وفعلها بنيّة أنّها عن غيره.

ومن الواجبات الكفائية: ردّ السلام وإقامة الحج والأمر بالمعروف وتجهيز الأموات و تغسيلهم ودفنهم وفعل كثيرٍ من الصنائع والقضاء والفتوى.

ولا يجوز للحاكم التوكيل في الحكم؛ لاختصاصه به، ويجوز له التوكيل في الاستحلاف وفي قبض الحقوق وفي تولّي مال الأيتام والمجانين وقبض مجهول المالك وتولية مال الغائب، والتوكيل في التحجير والاقتصاص من الممتنع وجبر من عليه حقّ قد امتنع من تأديته.

وفي صحّة التوكيل في ابتداء السلام وفي الاحتطاب والاحتشاش وجميع حيازة المباحات وفي التوكيل على نيّة التملك في اللقطات وفي مجهول المالك وجهان أقواهما سيما في الأخير: الصحّة.


1) راجع على سبيل المثال : صحيح البخاري 2 : 546، ح 1429.

2) حلية العلماء 5 : 114 بحر المذهب 8 : 165؛ البيان 6 : 357 .

وفي كون التوكيل على الإقرار إقراراً وجهان، والأظهر أنّه ليس إقراراً من الموكّل، سواء أقرّ الوكيل أم لم يقرّ.

وعلى كلّ حالٍ فالوكالة بنفسها باطلة كالوكالة على الشهادة؛ لأن كلا منهما خبر عن نسبةٍ واقعيّة تطابقه أو لا تطابقه، فلا يتصوّر تحمّلها عن الغير.

خلافاً لمن أجاز ذلك (1)لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (2).

وهو ضعيف؛ لانقطاعه بالشرط في العقد اللازم.

ولا يصحّ التوكيل فى القضاء إلّا من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لأن أمر القضاء إليه.

وكذا لا يصحّ للحاكم الآن التوكيل في إثبات دعوى المدعي، سواء كانت الدعوى متعلّقةً بحق من حقوق اللّه أو من حقوق الآدميين.

ولا يصحّ التوكيل على إثبات الحد مطلقاً، وسيّما حدّ اللّه تعالى؛ لابتنائه على التخفيف، وما ورد ممّا يدلّ على جوازه (3)ضعيف مع قوّة احتمال جوازه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وهل يجوز توكيل مَنْ توجهت عليه دعوى الحدّ لإثباته عليه، أو توكيل شخص آخر على إثباته عند الحاكم كي يتولّى حده؟ وجهان.

ويجوز توكيل الرجل لامرأته على طلاقها لصدوره من أهله في محله، والمخالف (4)لا يُعتد بخلافه.

ومنع ابن إدريس من التوكيل في قبض الخمس والزكاة ونحوهما؛ لأنّهما لم يتعيّنا للموكل. والوكيل لا يستحق إلّا ما تعيّن للموكل بأن يكون ملكه أو يستحق المطالبة به لنفسه، ولأنّ الوكيل ليس من أحد الأصناف المستحقين، فلا يبرأ المالك بالدفع إليه (5).

وهو ضعيف بعد الحكم بأن يد الوكيل يد الموكّل.

ومنها: العلم بما وكل عليه، فلا يصحّ «أنت وكيلي» من دون ذكر المتعلق، ولا ينزل على معيّن؛ لأنّه ترجيح من دون مرجح، ولا على العموم؛ لعدم دلالته عليه؛ ولاشتماله على معظم الغرر.


1) کالشيخ الطوسى فى الخلاف 3: 344 المسألة 5.

2) راجع ص 65، الهامش (3).

3) صحیح مسلم 3: 1324 - 1325، ح 1697؛ سنن ابن ماجة 2: 852 ح 2549؛ سنن أبي داؤد 4: 153، ح 4445.

4) كالشيخ الطوسي في المبسوط 5: 29.

5) راجع الهامش (2) من ص 161.

ولا يصحّ العموم كـ «أنت وكيلي على كلّ قليل أو كثير»؛ للزوم الغرر والضرر على الموكّل، لاحتمال إيقاع تطليق نسائه وهبة أمواله وعتق عبيده وإلزامه الديون الكثيرة والمهور المتضاعفة، والغرر منهي عنه (1)، والضرر سفه وإسراف منهي عنه (2)، ومبطل للعقد المشتمل عليه، بل صرّح بعضهم بأنّه لو فصل العام ونص على جزئياته لكانت الوكالة فيه باطلة؛ لمكان الضرر والإسراف (3).

وأجاز جمع منهم التوكيل على العموم؛ لارتفاع الضرر بلزوم اتباع المصلحة على الوكيل فيما وكّل عليه (4).

ولو فرضنا شمول العموم للمصلحة والمفسدة لقلنا بالبطلان؛ لمكان الضرر والسفه، مع احتمال الصحّة وإن كان العقد منهيّاً عنه؛ لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم.

وأما الغرر فممنوع على العموم أوّلاً، ولئن سلّمناه فلا ينافي الوكالة إلّا الغرر العظيم، كالإبهام في متعلّقها، أو كالتوكيل فيما لا يؤول إلى العلم، كالوكالة على فعل شيء، أو على ما يحبّ ولا يعلم ما يحبّه، أو على نحو ذلك.

وأما الغرر في الجملة فلا بأس به؛ لأنّه عقد مبني على المسامحة وعلى الإرفاق ودفع الحاجة، وهو من العقود الجائزة المبنية على حصول الإذن في التصرّف بأي نحو اتفق، وحينئذٍ فالجواز أقوى في هذا المقام.

وفرّق في التذكرة بين ما لو أطلق العموم فتقع الوكالة باطلة، وبين ما لو أضافها لنفسه أو فصلها، كما يقول: «وكّلتك على جميع مالي» أو «على جميع أُموري» أو «تصرّف بمالي كيف شئت» أو «أنت وكيل على جميع ما يتعلق بي» أو «على جميع حقوقي» أو يقول: «وكّلتك على كذا وكذا» مفصلاً [ فالوجه: الصحّة ] (5).

وفيه نظر؛ لأنّ العموم بمنزلة الإضافة؛ إذ لا يوكل الإنسان على مال غيره، ولأن الغرر حاصل في الإضافة أيضاً، فإن كان التقييد بالمصلحة رافعاً له فهو رافع له في المقامين، وأمّا التفصيل فلا كلام في صحّته ما لم يشتمل على ضرر فيجيء فيه الكلام السابق، فالفرق ضعيف.


1) مستدرك الوسائل 13 : 283، الباب 33 من أبواب أداب التجارة، ح 1.

2) راجع الهامش (1) من ص 29.

3) راجع الحدائق الناضرة 22 : 44.

4) المقنعة : 816؛ النهاية : 317؛ المراسم : 201؛ السرائر 2 : 89.

5) تذكرة الفقهاء 15: 52 المسألة 680، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

ويجوز التوكيل على شراء عبد، ولا يفتقر إلى استقصاء أوصافه التي تتفاوت بها الرغبات.

نعم، يشترط ارتفاع الغرر فيه في الجملة من كونه أبيضاً أو أسوداً حبشيّاً أو غيره؛ لتفاوت أفراد المتواطئ بها تفاوتاً كلّيّاً.

وكذا غير العبد من الحيوانات كالفرس والبعير والحمار، وكذا بعض الحبوب المتفاوتة.

و إمّا الصفات المتقاربة فلا حاجة إلى ذكرها، ويكتفى بالإطلاق فيها، وينجبر الغرر اللاحق لها باعتبار ذلك بالمصلحة اللازم اعتبارها للوكيل، وتختلف باختلاف الأشخاص والحالات والأوقات، وكون الشيء مشترى للتجارة أو كونه مشترئ للقنية، إلى غير ذلك.

والأظهر صحّة الوكالة فيما يؤول إلى العلم بالنسبة إلى الوكيل أو الموكّل أو هما معاً. فيصح أن يوكله على بيع ما في داره، أو على وفاء ديونه، أو على إبرائها ممّن عليه وإن لم يعلما قدر ذلك، فيصح أن بيرثه عن كلّ قليل وكثير.

ويصحّ أن يوكله على نقل ماله وإن لم يبين له أنّه بيع أو صلح أو غيرهما.

ويصحّ أن يوكله بهبة ما في داره وإن لم يعلماه، مع احتمال أن التوكيل على النقل من دون بيان أنّه بيع أو صلح غرر.

و تصحّ الوكالة على نقل ما سيوجد من أمواله كحمل دابته وثمرة نخلته، وليس تعليقاً للوكالة بل هو ممّا تأخر فيه التصرّف، ولا يدخل فيما ليس للموكل فعله؛ لأن له فعله بعد وجوده.

ولو وكله في أن يبيع بما باع به فلان صحّ وإن جهلا قدره حين الوكالة إذا أمكن العلم به بعد ذلك، ولو لم يمكن العلم به بطل.

ولو قال له: «أنت وكيلي» ولم يبيّن المتعلّق بطلت ولا معنى لانصرافه إلى العموم؛ للغرر، ولعدم دليل عليه.

ولو عمّم الوكالة من وجه وخصصها من آخر، كما يقول: «أنت وكيلي على تطليق نسائي» أو «على الصدقة بأموالي» أو «على البيع والشراء بها» أو «على جميع مصارف عيالي» أو «على نفقاتهم» جاز.

عاشرها: اشتراط كون الموكّل مكلّفاً بالغاً، عاقلاً، جائز التصرّف فيما يوكل فيه

عاشرها: يشترط في الموكّل كونه مكلّفاً بالغاً عاقلاً جائز التصرّف فيما يوكّل فيه برفع الحجر عنه من رقّ أو سفه أو فلس، غير ممنوع من صدوره عنه مطلقاً مباشرةً ونيابة.

وعلى القول بصحّة عتق الصبي وطلاقه وصدقته ووصيته تصحّ وكالته وتوكيله فيها؛ لاستلزام صحّة الأصل صحّة الفرع.

وكذا يصحّ توكيل العبد لو قلنا بملكه بإذن مولاه؛ لأنّه محجور عليه من دون ذلك، وعلى القول بعدم ملكه فلا إشكال بعدم الصحّة.

وكذا يجوز له أن يوكل فيما له فعله كالطلاق ما لم تكن أمة مولاه، خلافاً لمن منع مطلقاً (1)بناء على أن الطلاق بيد الولي مطلقاً.

وللحاكم الشرعي أن يوكل عن السفهاء والمجانين والصبيان الذين لا ولي لهم غيره، عموماً في إثبات دعاويهم واستيفاء حقوقهم والصرف عليهم والبيع والشراء عنهم وغير ذلك، ويسمّى قيماً، وخصوصاً في عمل خاص يرجع إليهم، وكلُّ منهما إجماعي، ويلزم القيم مراعاة المصلحة.

وهل ينعزل القيم بطروء ما يقضي بفساد الوكالة بجنون الحاكم أو إغمائه أو موته، أو بجنون الوكيل وإغمائه، أم لا ينعزل ؟ وجهان مبنيان على أن القيم وكيل عن الحاكم، أو عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو بحسب ما نواه.

وكذا يجوز للولي الإجباري - كالأب والجد والوصي - التوكيل على المولى عليه عموماً أو خصوصاً؛ إلّا أن يمنع الموصي من الوكالة فلا يصحّ منه التوكيل، أو تشهد القرائن على إرادة مباشرة نفس الوصيّ كالأعمال المتعلقة بالنظر والتدبير، أو ما تقضي العادة بمباشرة الوصي نفسه له.

ولا يجوز للوكيل أن يوكل غيره عموماً أو خصوصاً، إلّا مع التصريح عموماً أو نصاً، أو كانت هنالك قرائن دالّة على جواز التوكيل له ككونه من أهل القدر والاحتشام وكانت الأعمال لا تناسب حاله كلّاً أو بعضاً وكان الموكّل عالماً بذلك، أو كان الوكيل ممّن يعجز عن تلك الأعمال كحمل الأثقال، والظاهر لزوم الاقتصار في التوكيل على نفس ما يعجز عنه لا مطلقاً؛ أخذاً بالمتيقن أو كون متعلّق الوكالة متفرّقاً فى أمكنة متباعدة، أو غير ذلك ممّا يعلم به الموكّل بحيث يكون قرينة على الإذن بالتوكيل.

ثمّ إنّ الإذن إمّا أن تتعلق بتوكيل الوكيل عن الموكّل أو بتوكيله عن الوكيل نفسه، أو تتعلّق على جهة الإطلاق.


1) كابن الجنيد على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 7: 371، المسألة 21.

وهل تنصرف إلى أنّها عن الموكّل أو عن الوكيل ؟ والظاهر الأوّل.

ومع عدم الانصراف يمكن القول بالبطلان لمكان الإجمال، ويمكن القول بالصحّة ويكون للوكيل الخيار.

وعلى القول بالصحّة فلو أطلق الوكيل وكالة من وكله ولم يعين الموكّل له، احتمل أيضاً انصرافه إلى أنّه وكيل عن موكله، واحتمل انصرافه إلى أنّه وكيل عنه، واحتمل البطلان؛ للإجمال.

وعلى كلّ حالٍ فتظهر الثمرة بانعزاله بعزل الوكيل أو جنونه أو إغمائه أو نحو ذلك لو كان وكيلاً عنه، وبعدم انعزاله بذلك لو كان وكيلاً عن الموكّل.

ولو طرأ ما يفسد الوكالة من الموكّل انعزلا معاً.

وفي انعزال القيم بطروء ما يقضي بالعزل وجهان مبنيان على أنّه وكيل عن الحاكم، أو عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أما لو نوى الحاكم وكالته عن أحدهما على جهة التعيين اتبع ما نواه.

ولا يبعد انعزال القيم بطروء ما يقضي بفساد الوكالة عليه مطلقاً، دون ما يطرأ على الحاكم الذي نصبه؛ لأنّ الظاهر أنّ القيم منصوب من الحاكم عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ويجري الكلام في كثيرٍ من وكلاء الحاكم المنصوبين على جهة العموم من قبض الحقوق وتولية الأوقاف وولاية الأيتام ونحوهم، إلى غير ذلك.

ومتى وكل الوكيل وكيلاً لزم مراعاة الغبطة في كونه عدلاً ضابطاً، وكذا وكيل الحاكم والوصي، فلو فسق انعزل وكيل الحاكم والوصي قطعاً.

وفي انعزال وكيل الوكيل بمجرّد الفسق، أو يفتقر إلى عزل الوكيل له وجهان، وعلى الأخير فيلزم على الوكيل عزله.

هذا إن كان وكيلاً عنه، وإن كان وكيلاً عن الموكّل لم يكن له عزله إلّا أن يكون وكيلاً على العزل.

نعم، يلزم الوكيل الأوّل أن لا يسلّمه شيئاً من المال؛ لأنّه تفريط.

ولو رضي الموكّل بوكالة عموماً أو خصوصاً، جاز للوكيل توكيله.

وفي جواز توكيل الفاسق بحضور الموكّل وجهان، والمنع أولى؛ لأنّ الحضور لا يلزمه الرضى به

ولا يصحّ للمخرم توكيل المحرم أو المُحلّ في عقد النكاح، أو ابتياع الصيد؛ لعدم إمكان صدورهما منه. وفي جواز توكيله على فعلهما بعد إحلاله وجهان، وظاهر كثير المنع.

وللمكاتب أن يوكل غيره؛ لانقطاع سلطنة المولى عنه، وكذا للمأذون به بما جرت العادة بالتوكيل فيه.

وللحاضر أن يوكل في الطلاق كما هو المشهور بل عليه الإجماع، وتشهد له الأخبار، كالصحيح التارك للاستفصال فيمن جعل أمر فلانة إلى فلان فيطلقها أيجوز ذلك؟ قال: «نعم» (1).

وذهب الشيخ إلى منع توكيل الحاضر في الطلاق (2)جمعاً بين هذه الرواية ورواية زرارة عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا تجوز الوكالة في الطلاق» (3)بحملها على الحاضر.

وهو ضعيف؛ لأنّ الجمع فرع المقاومة، والأخيرة لا تقاوم الأولى بوجه، على أنّه لا شاهد على هذا الجمع.

وهل المراد بالحضور حضور مجلس الطلاق، أو حضور البلد؟ وجهان، وقد يُفهم من بعضهم أن المراد به الثاني، وهو الظاهر من لفظها.

ويجوز توكيل السفيه والمحجور عليه في غير ما منع من التصرّف به، ويجوز فيه مع إذن

الولي أو الحاكم. ويجوز للرجل توكيل امرأته بطلاق نفسها، كما يجوز توكيلها على طلاق غيرها؛ لأنّه عمل يقبل النيابة من دون معارض.

ومنع جمع (4)، من جواز توكيل المرأة على طلاق نفسها؛ للشكّ في صحّة هذا الطلاق ونفوذه، وعدم انصراف الأدلّة إليه. وهو حسن.

ويصحّ توكيل الحاضر على الخصومة من غير أن يلزمه الحضور، رضي خصمه أم لا.

خلافاً لابن الجنيد (رَحمهُ اللّه)، فمَنع من توكيله إلّا برضى خصمه بمخاصمة وكيل خصمه (5).


1) وسائل الشيعة 22 : 88 - 89، الباب 39 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 1.

2) النهاية : 319.

3) وسائل الشيعة 22 : 90، الباب 9 من أبواب مقدمات الطلاق...، ح 5.

4) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 365 وابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 87.

5) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 510 - 511، المسألة 196.

وهو ضعيف.

ويكره لذي الشرف والمروءات مباشرة الخصومات، بل يندب لهم التوكيل.

ولا يبعد أيضاً كراهة تولّي الخصومات عن غيرهم بطريق أولى.

حادي عشرها: اشتراط البلوغ والعقل في الوكيل

حادي عشرها: يشترط في الوكيل البلوغ والعقل.

وفي صحّة توكيل الصبي في الصدقة والوقف والطلاق والعتق وجه مبني على جواز صدورها منه أصالة فيصح وقوعها منه وكالة عن غيره بطريق أولى.

ويجوز توكيل السفيه فيما لا يخشى منه عليه في التبذير أو السرف، وكذا المفلّس. ويجوز توكيل العبد بإذن مولاه، ولا تنعقد من دون إذنه، سواء زاحم العمل الموكّل فيه حقوق المولى أم لا.

وذهب جمع إلى جواز توكيله فيما لا يزاحم حقوق المولى ولا يمنع شيئاً من حقوقه (1)للأصل، وانتفاء الضرر، وشهادة الحال.

وهو ضعيف؛ لأنّه من دون إذن لا يقدر على شيء، فلا مدخل لانتفاء الضرر.

وأمّا شهادة الحال فإن أفادت إذناً فلا كلام، وإلا منعنا الأخذ بها.

وتجوز وكالة السيد لعبده، وتكون وكالة تترتب عليها ثمراتها، لا مجرد إذن تنتفي بالبيع أو العتق، فلو بيع أو انعتق بقيت الوكالة.

واحتمال أنّ الوكالة لازمة لقبول الجُعل والضمان وهما ممتنعان من السيد على العبد وامتناع اللازم يدلّ على امتناع الملزوم، ضعيف؛ لمنع الملازمة، واطراد ذلك في كلّ وكالة.

وتصحّ وكالة العبد بإذن مولاه على شراء نفسه من مولاه، كما تصحّ وكالة المولى له على بيعه نفسه وعتقه بها والمغايرة الاعتبارية بين الناقل والمنقول والمعتق والمعتق كافية؛ لعموم الأدلّة من دون مانع، ولا يصلح الاتحاد الظاهري للمانعية؛ لعدم الدليل على اشتراط المغايرة الحقيقية، سوى شبهة عدم انصراف أدلّة الجواز لمثله، وهو حسن إلّا أنّه لا يفيد سوى الاحتياط.

ولا يجوز أن يتوكل المُحْرِم على عقد نكاح أو شراء صيد أو بيعه أو حفظه، ولا معتكف على بيع شيءٍ؛ لأنّ الظاهر من الأدلّة تحريم صدور ذلك منهما مطلقاً.


1) العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 15: 34 المسألة 667؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5: 268.

وقد يقال: إنّ الأصل في كلّ ما يمتنع فعله أصالة أن يمتنع وكالة، وكلّ ما أمكن أن يليه بنفسه ولم يكن له مانع من النيابة فيه - كالعبادات المشروطة بالمباشرة - صحّ التوكيل فيه.

وهو حسن، إلّا أن هذين الأصلين غالبيان؛ لانتقاضهما بكثير ممّا مرّ (1)، وسيجيء (2)إن شاء اللّه تعالى.

وكلّ ما لا يكون الكفر والفسق مانعين من مباشرة فعله، أو يكون ممنوعاً شرعاً من تنصيب صاحبه صحّ توكيل الكافر والفاسق فيه سواء في ذلك عقد النكاح أو غيره.

وفي جواز توكيل الكافر على زواج المسلمة بالمسلم وجهان: المنع؛ لأنّه سبيل منفي كتاباً (3)وسنةً (4)، ولانتفاء جواز ملكه لذلك مباشرةً فينتفي ملكه له وكالة، والجواز؛ للأصل، ولمنع كونه سبيلاً عرفاً.

وكذا توكيل المسلم على زواج الكافرة بالكافر فيه وجهان: الجواز؛ للأصل، والمنع؛ لعدم ملك المسلم تزويج الكافرة، إلّا أن الجواز هنا أقوى.

ولا يجوز توكيل الكافر على المسلم من مسلم وكافر؛ للإجماع المنقول (5)، بل كاد أن يكون محصلاً، ولنفي السبيل كتاباً وسنة(6).

والمراد: بتوكيله عليه فيما يستلزم سلطنةً عليه من استيفاء حد أو قصاص أو دَيْنٍ، أو ولاية على طفل أو مجنون، أو على إثبات حقّ عليه، أو على مخاصمة معه، أو على جبره على بيع ماله، أو تأدية حقّ عليه في مقام يتعلّق به ذلك.

إمّا لو وكله على دفع مال له، أو على الإنفاق من ماله على طفله، أو على تربيته، أو على إرضاعه، أو على دفع ماله له، أو نحو ذلك ممّا يؤول إلى كونه خادماً له فلا بأس.

ويلحق بذلك ما لو وكل على إيقاع عقد النكاح للمولى عليه عن وليه على الأظهر.


1) ممّا مرّ في بحث الوكالة إلى هنا متفرّقةً.

2) وبما يأتي أيضاً في بحث الوكالة في مسائل متفرّقة.

3) النساء (4) : 141.

4) وسائل الشيعة 26 14 الباب 1 من أبواب موانع الإرث...، ح 11.

5) رياض المسائل 10 : 78 – 79.

6) راجع الهامش (3 و 4).

ويجوز أن يتوكل الكافر على الكافر للمسلم والكافر، ويجوز أن يتوكل المسلم عن الكافر على الكافر.

وفي جواز توكل المسلم عن الكافر على المسلم قولان: المنع، ونُقل عليه الإجماع (1)، ولأنّه سبيل في الجملة، والجواز؛ للأصل، ولجواز تولّي الكافر أخذ حقه بنفسه فأخذه بواسطة المسلم أولى بالجواز.

والأخير هو المشهور، ونُقل عليه الإجماع (2)، والإجماع المنقول على الأوّل ضعيف.

نعم، الحكم بكراهته - كما حكم به جمع من الأصحاب (3)- لا بأس به.

ويجوز للمرتدّ أن يتوكل عن المسلم ابتداءً، ولا يُبطل الارتداد استدامة الوكالة، سواء كان عن فطرة أو ملةٍ.

ويجوز أن يتوكل المكاتب بجعل بإذن سيده وبدونه، ولا يجوز مجاناً إلّا بإذن سيّده.

ولو وكل اثنين بشرط الاجتماع أو أطلق، لزمهما الاجتماع؛ أخذاً بالمتيقن، ولو أجاز الانفراد جاز، ولو شرطه لزمهما الانفراد، ولو مات أحد من شرط عليه الاجتماع بطلت وكالته، ولا يضمّ إليه الحاكم، ولو غاب أحدهما فليس للحاضر التصرّف.

ولو وكل اثنين على عقد، جاز أن يوكل أحدهما الآخر أو يوكلا ثالثاً بطريق الفحوى، ويجوز إيقاع العقد منهما مرتين على إشكال.

ويجوز كون الوكيل وكيلاً عن اثنين في عقدٍ واحد بأن يكون موجباً قابلاً، والمغايرة الاعتبارية كافية؛ لعموم الأدلّة من غير معارض.

ويمكن كونه وكيلاً عن البائع والمشتري معاً، سواء كان وكيلاً في إجراء الصيغة فقط أو المماكسة وملاحظة المصلحة أيضاً، إلّا أنّ في إمكان الأخير نوع خفاء؛ لتضاد المصلحتين غالباً فيعسر ملاحظتهما معاً.

ويجوز كون الواحد وكيلاً عن اثنين في الخصومة، بأن يكون وكيلاً عن المدّعي والمنكر؛ لتمكنه من إيراد الحجة عن المدّعي والجرح عن المنكر، وجرح الجارح عن المدعي، ومن تزكية الشهود، إلى غير ذلك.


1) رياض المسائل 10 : 78.

2) رياض المسائل 10 : 78.

3) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 392 وابن إدريس الحلّي في السرائر 2: 90؛ والعلامة الحلي في تذكرة الفقهاء 15: 35 المسألة 668.

ولا يخلو المقام من نظرٍ وتوقف؛ لأنّ الوكيل ممّا يلزم عليه الاستقصاء والمبالغة فيما وكل عليه، وأن لا يعتمد الضرر الراجع لموكله، والمفروض أنّ الاستقصاء والمبالغة لأحدهما ممّا تناقض المبالغة للآخر، وممّا يعود بها ضرر عليه؛ لتعريضه بها لذهاب حقه، ولأن الاستقصاء للجانبين ربما أدى إلى الوقوع في المحرَّم؛ للعلم بكون أحدهما مبطلاً، فهو منهي عنه.

ويجوز توكيل الغريم على استيفاء دينه، وعلى الاقتصاص من نفسه إذا كان الموكّل هو صاحب الحق.

ولو كان الموكّل عن القصاص وكيلاً مأذوناً في الوكالة أو ولياً لم يجز له توكيل صاحب الجناية؛ لعدم المصلحة، ولعدم حصول التشفّي به، وكذا ليس للحاكم توكيل مَنْ عليه حد خالقي أو مخلوقي على أن يحد نفسه، ولو علم بصدور الحدّ منه على النهج الشرعي جاز على الأظهر.

وللفرق بين الحدّ الممكن خفاء إيلامه كالجلد، وبين ما لا يمكن كالقطع، فتصح الوكالة في الأوّل دون الثاني وجه قوي.

ولو وكل عبده أو عبد الغير فأعتق أو بيع، أو زوجة فطلقها، لم تنفسخ الوكالة، ولو كان الصادر منه إذناً فالظاهر ذهاب الإذن ببيع عبده وعتقه وطلاق زوجته؛ لأن الظاهر تبعية الإذن للملك والزوجية، فتزول بزوالهما.

وهل الصادر من المولى بلفظ الأمر أو الطلب إذن أم وكالة؟ وجهان، والأظهر في غير لفظ وكلتك» أو «استنبتك» وشبههما : أنّه إذن؛ لقضاء العرف بذلك بالنسبة للموالي وعبيدهم.

ثاني عشرها: في أحكام الوكالة وفيه مسائل:

أحدها: وجوب اتباع إذن الموكّل والانتهاء بنهيه

أحدها: يجب اتباع إذن الموكّل والانتهاء بنهيه، وكلّ ما خلا عن الإذن والنهي فحكمه حكم المنهي عنه؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل - من جواز التصرّف بمال الغير - على المقطوع به. والإذن شاملة للأمر والندب والإباحة والكراهة.

ثمّ إنّ الإذن إمّا صريحة أو ضمنيّة أو فحوائية أو ناشئة من قرائن الأحوال الخارجية، فلا فرق بين الإذن ببيع ماله بمائتين، وبين الإذن ببيعه بمائة، ويُفهم الإذن بالمائتين بمفهوم

الأولوية، وبين الإذن ببيعه نسيئةً وحالاً ونقد البلد وغيره، وبين الإذن ببيعه نسيئة وبغير البلد، فيفهم منه الحلول ونقد البلد بمفهوم الأولوية. ولا فرق بين الإذن ببيعه بسوق معيّن فيُفهم منه الإذن بما كان أولى منه.

ومفهوم المساواة القطعي كمفهوم الأولوية في رفع الإثم.

وهل هو مثله في رفع الضمان وجهان من أنّه إذن مالكية ومن شأنها ارتفاع الضمان به، ومن أن النصّ على معيّن يقضي بضمان المتعدّي، لعموم «على اليد» (1)فيكون حكمه حكم القطع بالرضى، فإنّ الأظهر ارتفاع الإثم به دون الضمان.

وشرط الأخذ بمفهوم الأولوية والمساواة عدم احتمال اختصاص المنصوص عليه بأمرٍ يقتضي إرادته بخصوصه، كتحصيل جاه أو اعتبار أو ثواب أو دوام أو سمعة أو نحوها. وكذا شرطه أن لا يتعلّق به نهي، فمتى تعلّق به كذلك كان مخصصاً للمفهوم، ولزمه مع المخالفة الإثم والضمان.

ويظهر من بعض الأعلام أنّ مفهوم المساواة رافع للإثم والضمان، إلّا إذا استلزم نقلاً من بلد إلى غيره بل من سوق إلى آخر فيضمن الوكيل المبيع وثمنه وإن صحّ البيع، ويترتب الإثم (2).

وناقشهم بعض المتأخرين في ذلك بأنّ الإذن إن كانت حاصلة من الخطاب أو من القرائن فلا إثم ولا ضمان، وإلا فلا يصحّ البيع ويتحقق الإثم (3).

وفيه: أنّه قد تختص الإذن الفحوائية بمجرد صحّة البيع دون جواز نقل العين من محلّ إلى آخر، فيكون النقل تعدّياً موجباً للضمان، كما لو صرّح فقال: «أنت مأذون ببيعه في أيّ مكان بهذا الثمن ولكن لا تنقله عن المكان الفلاني، ولو نقلته فبعته كنت مأذوناً بالبيع وضامناً للمبيع والثمن».

وبالجملة، فظاهر جملة من الأصحاب أنّه لو أمره بالبيع بثمن معين في مكان معين فعدل إلى غيره من سوق أو بلد أو دارٍ صحّ البيع ولهم في الضمان وجهان، وكذا ما دلّت عليه القرائن أو نطقت به الإذن الفحوائية فإنّهم حكموا بصحّة فعل الوكيل له، ولهم في الضمان


1) راجع الهامش (1) من ص 27.

2) راجع تذكرة الفقهاء 15: 99، المسألة 716.

3) راجع مجمع الفائدة والبرهان 9 : 575 - 576؛ والحدائق الناضرة 22 : 66.

وجهان، وأنّه لو أمره بالبيع حالاً أو مطلقاً فباع مؤجّلاً، أو عين نقداً فباع بغيره، أو أطلق فباع بأقل من ثمن المثل، أو عين شخصاً فباع على غيره، أو زماناً فباع بغيره كان البيع فضوليّاً والوكيل ضامن.

وكأنّ سرّ الفرق بين الصحّة في الأوّل دون البواقي هو حصول الإذن الفحوائية في نفس البيع فيه، وأن الغرض تحصيل الثمن، بخلاف البواقي ؛ لاحتمال كون الخصوصيّة لها مدخل في التوكيل فتكون مقيدة للوكالة.

وبالجملة، فالقيد في الأوّل لا يراد التقييد به حقيقةً، وإنما جيء به لمظنة حصول النفع، بخلاف البواقي، والفارق بينهما العرف.

وأما الحكم بالضمان فهو مبني إمّا على حصول التعدّي بالنقل، أو على أنّ الإذن التي لم تصدر من صريح الخطاب أو مفهوم الأولوية لا يرتفع بها الضمان وإن ارتفع بها الإثم وصحّ بها العقد.

ثانيها: عدم صحّة الوكالة في العقد الفاسد

ثانيها: لا تصحّ الوكالة في العقد الفاسد، فلو وكله عليه وكان الوكيل عالماً تعلّق به الضمان، ولا يتعلّق بالموكّل إلّا إذا وكله على ضمان ما لزم ضمانه بذلك فضمنه برضى المضمون له.

وإن كان الوكيل جاهلاً بالحكم، احتمل استقرار الضمان على الموكّل، والأوجه استقراره عليه، وإن كان جاهلاً بالموضوع استقر على الموكّل، فيرجع الوكيل عليه لو رجع به.

ولا تصحّ الوكالة في ملك ثمن مبيع الوكيل كما يقول: «بع مالك عني» أو «اشتر بمالك لي» على الأقوى لأنّه لا يملك الإنسان شيئاً بمال غيره.

ويحتمل انحلال الأمر إلى التوكيل باستقراضه عنه والشراء به، ولكنه بعيد.

ولو قال له: «اشتر بما لي عندك من العين أو الدين» فاشترى وسلّم البائع برئ بالتسليم؛ لأنّه توكيل بدفع ماله وتشخيصه، فإذا قبض الدَّيْن عن الديان تعيّن له، فإذا دفعه برى.

ويحتمل أنّه لا يتعيّن إلّا بالدفع.

ويحتمل أن الدين لا يتعيّن بذلك مطلقاً حتّى يقول: «أنت وكيل عنّي في قبض ديني والشراء به» ونظير ذلك أن يقول: «أنت وكيل، سلّم دَيْني لفلان» فإنّه لا يخلو من إشكال حتّى يقول: «أنت وكيل على قبضه» أو «هو وكيل عليه».

والظاهر أن جميع ذلك ممّا يقضي بالإذن بقبض الدين عن الديان وتصرفه فيه.

ثالثها: في أنّ للوكالة مقتضيات لفظية وحالية ينصرف إليها الإطلاق وتكون مقيدة له

ثالثها: للوكالة مقتضيات لفظية وحالية ينصرف إليها الإطلاق، وتكون مقيدة له عرفاً، فلا يجوز للوكيل العمل على موجب الإطلاق مع ظهور التقييد عرفاً، وقد لا يحصل المقتضي فيبقى المطلق على إطلاقه.

ثمّ إنّ إطلاق الوكالة في نقل شيءٍ بعوض - كبيعه أو الصلح عليه - يقضي بنقله بثمن المثل على جهة الحلول بنقد البلد، إلّا ما يتسامح به عادة، ويقضي بلزوم مراعاة الغبطة والمصلحة بالنسبة إلى الموكّل، فعلى ذلك لو وجد باذلاً للزيادة على ثمن المثل لزم الأخذ به - كما أفتى به جملة من أصحابنا (1)- ويكون الانصراف إلى ثمن المثل مقيداً بعدم الباذل، مع احتمال جواز البيع بثمن المثل مطلقاً تبعاً للإطلاق، ولكن الأوّل أظهر.

ولو باع الوكيل بخيار وكان وكيلاً على الفسخ، ففي وجوب الفسخ عليه عند وجود باذل الزيادة والبيع عليه؛ لأنّ البيع بالزيادة مع تحققها واجب، وما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب؛ ولأنّ تصرّف الوكيل منوط بالغبطة، وإبقاء هذا البيع مع قدرته على إزالته حال كونه وكيلاً في الإبقاء وعدمه منافٍ للغبطة، أو عدم الوجوب؛ لأنّ ما وجب عليه قد فعله، والتكسب لطلب حصول الزيادة غير واجب عليه؛ للأصل وجهان.

وقد يرجح الأوّل بأن البيع بالزيادة واجب عليه مهما أمكن، وهو الآن ممكن، فيجب عليه. وإطلاق الوكالة يقضي بشراء الصحيح دون المعيب إلّا فيما إذا كان المطلوب شراؤه للتجارة لا للقنية فوجد في المعيب ربحاً، فإنّ المعيب والصحيح فيه سواء.

وقد ذكرنا في المضاربة أنّ إطلاقها إنما ينصرف إلى ما فيه ربح دون خصوصيّة الصحيح. وهل المدار في شراء الصحيح ما كان صحيحاً بنظره، أو ما كان كذلك في الواقع؟ مقتضى القواعد الثاني، فيكون العقد على المعيب فضولياً، كالعقد على ما كان أدنى من ثمن المثل، أو ما كان من غير نقد البلد، أو على ما كان مؤجلاً لو وقع ذلك من الوكيل سهواً أو خطأ خطاً في اجتهادٍ في حكم أو موضوع، إلّا أنّ ظاهر أصحابنا أن شراء المعيب مع الجهل بالعيب نافذ على الموكّل؛ لخفاء العيب غالباً، وعدم الاطلاع عليه.


1) منهم : المحقق الحلّي في المختصر النافع : 252؛ والعلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 15: 99 - 100، المسألة 717؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5: 270 والطباطبائي في رياض المسائل 10 : 81.

ويكون الخيار بين الردّ والإمساك للموكل قطعاً، وللوكيل مع توكيله على الفسخ عموماً أو نصاً، ويلزمه الفسخ بموجب الوكالة، وأما مع عدم توكيله ففي جواز فسخه وجهان: من عدم توكيله فيه، ومن الإذن الفحوائية بالفسخ للزوم الضرر على الموكّل لولاه.

ويمكن الفرق بين التوكيل في شراء كلّيّ فظهر فرده الذي اشتراه معيباً فإنّ للوكيل ردّه؛ لأنّه نزله منزلة نفسه، وبين التوكيل في شراء شيءٍ بعينه فظهر معيباً فليس له، وإنما يكون الخيار فيه للموكل، وهو حسن.

وإطلاق الوكالة أيضاً يقضي بعدم تسليم الثمن قبل تسليم المبيع أو العين المستأجرة عليه، فلو سلّم كان ضامناً، إلّا ما تقضي العادة به.

وهل يقضي إطلاق الوكالة في البيع والشراء أن لا يبيع على نفسه ولا يشتري لها؟ لا يبعد ذلك؛ لقضاء العرف به، ولفوات الغبطة للموكل غالباً؛ لعدم تدقيق الإنسان على نفسه غالباً، إلّا إذا وكله مطلقاً أو كيف شاء.

ولو وكله على إعطاء المحاويج، ففي دخوله معهم وأخذ حصة كأحدهم لنفسه مع وصفهم له وجهان، والجواز أولى.

ولو وكله على الشراء بالذمّة ودفع العين، ففي جواز الشراء بالعين ابتداء وجه؛ لأنّه أسلم.

ولو عكس، فالأظهر عدم جواز الشراء بالذمّة؛ لاحتمال تلف العين، إلّا في مقام يقطع بإرادة المبيع على كلّ حال.

ولو وكله على شراء شيءٍ وكان عند الوكيل، ففي جواز بيعه له فيكون موجباً قابلاً وجهان، والأحوط المنع، إلّا إذا كانت قيمته معلومةً ويقطع بعدم التفاوت فيه.

ولو وكل عبده على عتق عبيده، أو زوجته على تطليق نسائه، أو غريماً على إبراء غرمائه، ففي دخول الوكيل وجهان، والأقوى المنع؛ لقضاء العرف بخروج الوكيل عما وكل فيه، فيكون مخصصاً للعموم.

ولو قال الموكّل: «اقبض حقي من فلان» لم يجز له أن يقبضه من وارثه.

ولو قال له: «اقبض حقى الذي على فلان» كان له ذلك.

ولو وكله على إثبات حقّ، لم يكن له قبضه، ولو وكله على قبض حقّ لم يكن وكيلاً على إثباته.

ولو وكل اثنين على الخصومة، احتمل أن يكون لأحدهما الانفراد؛ لحصول الغرض، والأولى العدم.

ولا تقبل شهادة الوكيل على الخصومة على مَنْ خاصمه فيما خاصمه، وتقبل في غيرها.

ولو عزله الموكّل قبلت شهادته ما لم تسبق الشهادة وقوع الخصومة ولم يطل الفصل.

ولو وكله على الصلح عن الدم بخمرٍ أو خنزير، قيل: كان عفواً من الموكّل (1)لأنّه بمنزلة إسقاط حقه.

والأوجه المنع؛ لفساد الوكالة، فلا يترتب عليها أثر، ولأنّ الصلح لو صدر من الأصيل لمنعنا كونه عفواً فكيف يكون عفواً بنفس الوكالة عليه أو بنفس صدوره من الوكيل؟! وكون العفو مبنيّاً على التغليب حتّى في مثل هذا ممنوع.

ولو وكله على شراء شاة بدرهم فاشترى شاتين قيمتهما در همان وباع إحداهما بدرهم احتمل صحّة الشراء؛ لدلالة العرف على الإذن به؛ ولرواية عروة البارقي (2)، واحتمل العدم؛ لمنع دلالة العرف، ولاحتمال صدور الشراء في رواية البارقي فضولاً، والأوّل أوجه، وأمّا البيع فهو فضولي قطعاً.

ولو وكله على بيع عبد بمائة فباع نصفه بها، أو بيع عبدين بها فباع واحداً، أو شراء عبدٍ بها فاشتراه بخمسين، فالأظهر الصحّة في الجميع؛ لدلالة العرف، ما لم يحصل الشكّ المعتبر في إرادة الخصوصيّة.

رابعها: حكم ما لو خالف الوكيل مقتضى الوكالة إطلاقاً أو تعيّناً

رابعها: لو خالف الوكيل مقتضى الوكالة إطلاقاً أو تعيّناً فباع أو اشترى، فإن سمّى الموكّل حين بيعه أو شرائه لم يقع البيع أو الشراء له؛ لذكر الموكّل في العقد، ولا للموكل؛ لعدم ثبوت الوكالة فيه.

وإن لم يُسمّه حين العقد، فإن لم يَنْوِ أحداً أو نوى نفسه كان النقل إليه؛ لانصراف الإطلاق له. هذا إن كان الشراء بالذمّة، إمّا لو كان الشراء بالعين أو كان قد نوى الموكّل كان فضولياً، كما لو سمّاه مع المخالفة، فإن أجاز صار له، وإلا لم يقع بحسب الواقع لأحد، وحكم في الظاهر بأنّه للوكيل، وجرت عليه أحكامه، ولزم الوكيل دفع عوض العين للموكل؛ لضمانه لها من جهة الحيلولة.


1) قواعد الأحكام 2: 359.

2) تاريخ مدينة دمشق 50: 299؛ سنن الدارقطني 2: 578 - 579. ح 29/2787 و 30/2788.

ولو علم البائع بأنّ العين للموكل لزمه دفعها إليه؛ لعلمه ببطلان البيع، وكذا لو علم بأنّ نية الشراء كانت له ولم يُجز.

ولو ادّعى الموكّل علم البائع بأن الثمن له كان له إحلافه على نفي العلم، وكذا للوكيل إحلافه على نفي العلم بأن الشراء قد كان للموكل.

ولو انكر الموكّل الوكالة كان للوكيل إحلافه على عدمها، فإن حلف فإن كان الشراء بعين مال الموكّل وقد سمّاه بطل الشراء إلّا مع الإجازة، ولزم البائع إرجاع الثمن إذا علم أنّه للموكل. وإن لم يسمه كان للوكيل ظاهراً، وغرم للموكل المثل والقيمة، وللموكل إحلاف البائع على عدم العلم بكون الثمن له، وكذا للوكيل إحلافه على ذلك، فإن علم البائع بصدور الوكالة وكذب المنكر فالثمن له والمبيع يكون للموكل، فلو استرد الموكّل الثمن جاز للبائع أخذ المبيع مقاصة، فإن زادت قيمة المبيع على الثمن بقي في يده أمانة وكان مال شخص لا يدعيه، فإمّا أن يدس في ماله أو يكون كحكم مجهول المالك.

وإن كان الشراء بالذمّة، فإن ذكر الموكّل لفظاً كان فضوليّاً، فإن لم يجز بطل، وإن لم يذكره كان ظاهراً للوكيل وجرت عليه أحكامه، وللوكيل إحلاف البائع على عدم العلم بكون الشراء للموكل، فإن علم البائع بصدور الوكالة لم يكن له مطالبة الوكيل بالثمن؛ لعدم إمكان تحصيله مع إنكار الموكّل الوكالة، وله أخذ المبيع مقاصةً، وللوكيل دفعه كذلك، فإن نقص عن الثمن كان له أخذه قهراً أو خفيةً من الموكّل، وإن زاد دسه في ماله، فإن لم يمكن جرى عليه حكم مجهول المالك.

خامسها: في أنّ الوكيل أمين لا يضمن إلّا مع التعدّي أو التفريط

خامسها: الوكيل أمين لا يضمن إلّا مع التعدّي أو التفريط، سواء كان وكيلاً في التصرّف أو الردّ أو الإيصال أو القبض.

وبالجملة، فهو أمين على ما وكل عليه، وربما نُقل على ذلك إجماع علماء الإسلام (1).

ولا كلام في ضمانه مع التعدّي والتفريط المعلومين لديه.

وفي ضمانه بالتعدّي والتفريط الواقعيين إذا صدرا منه جهلاً أو غفلة أو خطاً وجهان، ولا يبعد الضمان مع التقصير، وعدمه مع التقصير، وعدمه مع عدمه كما إذا أبلى العذر وأدى الاجتهاد.

ثمّ إنّه يُصدَّق في دعوى التلف في الجملة إجماعاً، والأخبار (2)دالّة عليه، سواء كان التلف بأمر ظاهر أو خفيّ.


1) جامع المقاصد 8 : 261.

2) وسائل الشيعة 19: 79 - 80 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، ح 1، 2، 5.

وهل يفتقر تصديق قوله إلى اليمين؟ الأقوى الافتقار؛ اقتصاراً في سماع قول المدّعي على المقطوع به.

وذهب بعضهم إلى عدم الافتقار إلى اليمين في سماع قوله (1)لما دلّ من الأخبار المتكثرة على المنع من اتهام الأمين وتصديقه فيما قال (2).

وقيل بتصديق الثقة المأمون من غير يمين دون غيره (3).

وكلاهما ضعيف.

وكذا يُصدق قوله بيمينه في إنكار التفريط أو التعدي؛ للأصل، ولأنّه أمين.

وفي قبول قوله في التصرّف الموكّل عليه قولان: العدم؛ للأصل، ولعموم «البيّنة على المدعي» (4)، والقبول؛ لأنّه أمين عليه والأمين مصدق فيما يدعي؛ ولأنّه يعسر إثبات التصرّف على الوكلاء غالباً؛ ولأنّ التصرّف فعله ومرجعه إليه.

وقيل بالفرق بين إخباره به قبل عزله عن الوكالة، وبين ما يكون بعده، فيُسمع قوله في الأوّل دون الثاني (5).

وهو قوي؛ لأنّ العزل عن الوكالة أخرجه عن كونه أميناً بعد العزل، فإخباره عما صدر منه حال الأمانة غير إخباره عما صدر منه خارج الأمانة.

وكما يُصدق قول الوكيل في الصرف والإنفاق يُصدَّق قول الولي أو الوصي أو الحاكم الشرعي.

ويجيء احتمال الفرق بين دعواهما حال الوصاية أو الولاية، وبين دعواهما بعد عزلهما.

ولكن الأوجه هنا: سماع قولهما مطلقاً؛ لعسر إقامة البيّنة على جزئيات الصرف والإنفاق عليهما غالباً، فيؤدي إلى لزوم العسر والحرج.

ذلك يظهر أن أحد هؤلاء لو ادّعى ردّ المال إلى الموصى إليه وتسليمه إياه، أو دفع المال الموصى به إلى أهله كانت عليه البيّنة على مقتضى القواعد.


1) حكاه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 31، المسألة 3 عن الصدوق في المقنع ولم نجده فيه.

2) راجع وسائل الشيعة 19 : 79 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة.

3) قال به الحلبي في الكافي في الفقه: 231؛ وحكاه العلامة الحلي في مختلف الشيعة 6: 31، المسألة 3 عن ابن الجنيد.

4) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 53.

5) راجع تذكرة الفقهاء 15: 184، المسألة 783.

أما لو ادّعى الوكيل الردّ على الموكّل وتسليمه ما وكل على صرفه وإنفاقه أو ردّه، ففي سماع قوله مطلقاً؛ لأنّه أمين قابض على موجب الأمانة وقول الأمين مسموع مطلقاً ولا خصوصيّة للتلف، أو عدمه مطلقاً للأصل، ولعموم «البيّنة على المدعى» (1)، أو سماعه إذا خلت الوكالة عن جعل لصيرورته كالودعي في قبض المال لمصلحة المالك فلا يطالب بالبيّنة؛ لعموم (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) (2)وعدم سماعه إذا اقترنت بالجعل؛ جرياً على الأصل وعموم الدليل؛ لأنّ قبضه لمصلحة نفسه وجوه، أوجهها الأخير.

وأوجه منه: أن الوكيل إن كان وكيلاً في الردّ أو الإيصال سُمع قوله فيه؛ لتصديق الأمين فيما كان أميناً عليه، وإن كان وكيلاً في الإنفاق أو دفع المال إلى جهة خاصّة فادعى ردّه إلى المالك لم يُسمع، سواء كان بجعل أو مجاناً، ولزوم العسر والحرج مدفوع بإمكان الإشهاد على الردّ إلى الموكّل، أو إيصاله إلى وكيله، وعموم (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) (3)يراد به نفي السبيل على ما صدر من دون اختيار كالتلف و شبهه لا ما صدر باختيار منه وكان له مندوحة على إثباته بالإشهاد ونحوه، على أن اليمين أيضاً سبيل عليه، فلا معنى لدخوله تحت نفيه. ولو وكله على دفع مال لشخص، كان القول قوله في دفعه؛ لأنّه وكيل عليه، فإن أنكر المدفوع إليه كان القول قوله أيضاً، فلا يبرأ الموكّل حينئذٍ بمجرد إخبار وكيله.

وذهب بعض المتأخرين إلى قبول قول الوكيل في كلّ ما يدعيه؛ لأصالة براءة الذمّة، ولحمل أفعال المسلم على الصحّة؛ ولأن اتهام الأمين منهي عنه مطلقاً (4).

وهو ضعيف مخالف لما عليه جمهور الأصحاب.

سادسها: في أنّه يلزم الوكيل تسليم ما في يده إلى الموكّل مع المطالبة

سادسها: يلزم الوكيل تسليم ما في يده إلى الموكّل مع المطالبة، وعدم العذر من خوفٍ على نفسه أو عرضه أو ماله ممّا يضر بحاله.

ويجب عليه ذلك فوراً؛ لظاهر الأدلّة، ولأن تسلّطه على مال غيره ومنعه عن صاحبه عدوان، وهو ممنوع عقلاً وشرعاً، فلو قصر عن الردّ فوراً لا لعذر أثم وضمن؛ لتعديه على مال الغير من غير إذن شرعيّة أو مالكية.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 53.

2) التوبة (9): 91.

3) التوبة (9): 91.

4) راجع الحدائق الناضرة 22 : 86.

وهل تبطل عباداته المضادة مطلقاً؛ لاقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه، أو لا تبطل مطلقاً؛ لاستلزامه بطلان أكثر عبادات الناس وتحريم أسفارهم ولزوم إتمام الصلاة والصوم في السفر عليهم، بل لا يكاد يسلم من ذلك سوى المعصوم، (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو ما شابهه، واللازم باطل؛ لخلق الأخبار عن بيانه، ولإعراض أصحاب الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) والفقهاء عن السؤال عنه وعن إثباته، أو تبطل فيما جعله المكلّف وصلةٌ لعدم الإتيان بالمأمور به كما يقول: لا أُعطيك مالك لأنّي أريد أصلي، أو أسافر، أو نحوهما، دون ما لم يجعله كذلك، وجوه، أجودها الأخير.

والمراد بالفوريّة الفوريّة العرفيّة، فلا يجب العدو في مشيه، ولا ترك النافلة المتلبس بها، ولا الخروج من الحمام وهو متلطَّخ بالصبغ أو الدواء، أو هو مجنب، ولا قطع الأكل والشرب المعتادين، ولا ترك لُبس الثياب والعمامة والخُفّ ونحوها.

وهل تجب الفورية في الحقوق العامّة - كالزكاة والخمس - مطلقاً؛ لأن المستحق مطالب بشاهد الحال، أو لا تجب مطلقاً؛ للأصل، ولما تشعر به أخبار الزكاة والخمس من جواز تأخيرها شهراً أو شهرين (1)، وجواز نقل الخمس إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع وجود المستحق (2)، أو يجب فوراً إن طلبها الحاكم، وإلا فلا؟ وجوه أحوطها الأوّل، وفي الأخير قوّة.

وهل لمن عليه الحق الامتناع إلى أن يشهد على إيصاله مطلقاً؛ لاحتمال حصول الضرر عليه بتركه له ولو بتحمل اليمين المنهي عن ارتكابها حقاً أو باطلاً، أو ليس له مطلقاً؛ لعموم وجوب إيصال الحق إلى أهله (3)، أو له التأخير إليه إن كان لا يُسمع قوله فيه إلّا ببينة كالدَّيْن وشبهه، وإن كان ممّا يُسمع قوله فيه من دونها كالوديعة فليس له التأخير؟

وقد يفصل بين ما إذا كان أصل ثبوت الحق عليه بالبيّنة وشبهها فله التأخير؛ تفصياً عن ضرر الإثبات، وبين ما لم يكن فلا يجوز له التأخير؛ لاندفاع ضرره بإنكار أصل ثبوت الحق عليه.

والأوجه: عدم جواز التأخير فيما لا يخاف منه الضرر العرفي بتركه؛ لأنّ منع المالك عن ملكه ضرر أيضاً، ولأنّ الإشهاد قلما يتفق تحصيله؛ لندرة وجود العدلين المرضيين غالباً، فيلزم على المالك ضرر بالتأخير.


1) وسائل الشيعة 9: 301 - 303، الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 9، 11، 13، و 308، الباب 53 من تلك الأبواب، ح 1.

2) راجع المصدر : 537 الباب 3 من أبواب الأنفال.

3) البقرة (2) : 283؛ النساء (4) : 58؛ وراجع وسائل الشيعة 19: 71 الباب 2 من كتاب الوديعة.

سابعها: حكم ما لو تعدّى الوكيل على ما في يده أو فرّط

سابعها: لو تعدّى الوكيل على ما في يده أو فرط بما يُسمّى عرفاً تعدياً أو تفريطاً - كما إذا لبس الثوب أو ركب الدابّة أو تركها هاملة - ضمن المثل أو القيمة عند التلف وإن لم يكن بذلك التعدّي والتفريط.

ولكن هل تبطل بذلك أمانته بحيث لا يكون أميناً، فلا يُسمع قوله في الإنفاق أو الردّ أو تلف العين نفسها وإن ضمن قيمتها، أو لا تبطل أمانته للاستصحاب، وبقاء الإذن وإن تعلّق به حكم الضمان؛ لمكان الخيانة، فلا ينتفي من أحكام الأمانة عنه سوى عدم الضمان اللاحق للأمين إذا لم يتعد ولم يفرّط ؟ وجهان، والأخير أوجه؛ لبقاء صدق أنّه أمين عرفاً وشرعاً. فيدخل في عموم ما دلّ على لزوم تصديق الأمين (1)، واحتمال انصراف ذلك لغير المتعدّي والمفرّط فيبقيان على حكم الأصل وقاعدة أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على مَنْ أنكر، ضعيف، فإذا بقي على حكم الأمانة بقي على حكم الوكالة بطريق أولى، فتصرفه نافذ على الموكّل؛ استصحاباً للإذن، وعدم طروء ما يقضي بزوالها؛ لعدم المنافاة بين كونه وكيلاً وكونه ضامناً.

فلو كان وكيلاً على بيع ما تعدى فيه فباعه وسلّمه إلى المشتري برئ بالتسليم قطعاً، وفي براءته من الضمان قبله وجهان: من خروجه عن ملك الموكّل ودخوله في ملك المشتري فيكون ضمانه عليه، ومن أنّه ربما تلف قبل القبض فيكون ضمانه على الموكّل؛ لانفساخ العقد فيه فيعود ضمانه على الوكيل، وفي الأخير قوّة سيّما لو قلنا: إن تلف المبيع قبل قبضه انفساخ من أصله لا من حينه.

ولو كان وكيلاً على قبض ثمن ذلك المبيع فقبضه لم يكن ضامناً؛ لأنّه لم يتعد فيه وإن كان ثمن ما تعدى فيه.

ولو تعدّى في الثمن فاشترى به شيئاً مأذوناً في شرائه، جاء فيه الكلام السابق.

ولو باع المضمون عليه أو اشترى به ثمّ ردّ عليه بعيب أو غبن أو غير ذلك، ففي بقاء ضمانه وعدمه وجهان من أنّها كانت مضمونةً عليه ولم تعد إلى المالك، وتوسط الانتقال المتزلزل لا يرفع حكم ضمانه ما دامت ملكاً للموكل، ومن انتقالها عن الموكّل إلى غيره، والضمان تابع لملك الموكّل وقد زال فعوده مفتقر إلى دليل، فيكون بمنزلة الأمانة الحادثة. وهذا الأخير أقوى، إلّا إذا قلنا: إنّ الفسخ بالخيار فسخ من أصله لا من حينه.


1) وسائل الشيعة 19 : 81 الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، ح 9، 10.

ثامنها: صحّة توكيل اثنين لواحد وتوكيل مَنْ يشتري لنفسه بنفسه

ثامنها: يصحّ توكيل اثنين لواحد وتوكيل مَنْ يشتري لنفسه بنفسه ويبيع من نفسه بنفسه، ولا مانع من ذلك سوى شبهة امتناع تولّي طرفي العقد الواحد، وهي غير مسموعةٍ في مقابلة عمومات الأدلّة وفتاوى الأصحاب.

نعم، ورد في النكاح ما يقضي بالمنع منه عن الامرأة تكون في أهل بيت وتكره أن يعلم بها بيتها، أيحلّ لها أن توكّل رجلاً يريد أن يتزوجها تقول له: قد وكلتك فاشهد على تزويجي ؟ قال: «لا» (1).

وهو ضعيف لا يعارض ما قدمنا، فليحمل على الكراهة، أو على كراهة مباشرة الزوج؛ لأنّه شيء يكرهونه أهلها، والاحتياط غير خفيّ.

هذا كلّه مع التنصيص، إمّا لو أطلق الموكّل البيع فالظاهر أنّه لا يجوز للوكيل البيع على نفسه، وكذا الشراء؛ لانصراف الإطلاق إلى غيره.

وفي الأخبار ما يدلّ على منعه:

كخبر إسحاق بن عمار: عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول: ابتع لي ثوباً فيطلب له في السوق، فيكون عنده مثل ما يجد في السوق فيعطيه من عنده؟ قال: «لا يقربن هذا ولا يدنّس نفسه» وذكر آية عرض الأمانة، ثمّ قال: «وإن كان عنده خير ممّا يجد في السوق فلا يعطيه من عنده» (2).

والآخر: إنِّي رجل أبيع الزيت يأتيني من الشام فآخذ لنفسي ممّا أبيع، قال: «ما أُحبّ ذلك» قال: إني لست أنقص لنفسي شيئاً ممّا أبيع، قال: «بعه من غيرك ولا تأخذ منه شيئاً» (3).

والثالث: «إذا قال لك الرجل اشتر لي فلا تعطه من عندك وإن كان الذي عندك خيراً منه» (4).

وظاهر هذه الأخبار أنّ المانع إمّا عدم دخول الوكيل في مفهوم الوكالة، أو أن المنع حكم شرعي مع الإطلاق؛ لمكان التهمة، أو لإرادة التنزيه.

ومع ذلك فلو قطع الوكيل بعدم تفاوت ما عنده وما في السوق رغبة وقيمة فلا يبعد الجواز،


1) وسائل الشيعة 20 : 288، الباب 10 من أبواب عقد النكاح...، ح 4.

2) المصدر 17 : 389 - 390 الباب 5 من أبواب آداب التجارة، ح 2.

3) المصدر : 391، الباب 6 من أبواب آداب التجارة، ح 2.

4) المصدر : 389، الباب 5 من أبواب آداب التجارة، ح 1.

وليس المانع تولّي طرفي العقد كي يزول بتوكيل الوكيل غيره ببيع ماله عليه من قبل موكله كما قد يفعل اليوم تفصياً من الشبهة، بل المانع نفس نقل مال الوكيل إلى الموكّل ولا يزول بذلك.

تاسعها: ثبوت الوكالة بشاهدين عدلين وبالشياع المفيد للقطع وبإقرار الموكّل

تاسعها: تثبت الوكالة بشاهدين عدلين، وبالشياع المفيد للقطع، وبإقرار الموكّل وبرد اليمين على الوكيل، وبنكول الموكّل عن اليمين في وجه، ولا تثبت بشهادة النساء، لا منفردات ولا منضمات إلى الرجال، ولا بشاهد ويمين، والإجماع منقول (1)على ذلك.

وهل يلحق حكم الوكالة حكم الإذن ؟ الظاهر ذلك.

ولا فرق في عدم قبول شهادة النساء على الظاهر بين الشهادة على الوكالة ابتداء، وبين الشهادة على الفعل أنّه مستند مستند إليها إليها، مع احتمال الفرق.

وكذا لا فرق بين كون الوكالة وكالة مجانية، أو وكالة بعوض.

نعم، لو شهدن بالوكالة المعوّض عنها ثبت العوض في ذمة الموكّل ولم تثبت الوكالة، مع احتمال أنّ الشهادة على الوكالة المعوّضة تُثبت نفس الوكالة؛ لثبوت الملزوم بثبوت اللازم وعدم انفكاكهما، وللشكّ في شمول الإجماع المنقول لمثل ذلك.

ونظير ذلك ما إذا شهدت النساء بالسرقة؛ فإنّ الأقوى والأظهر قبول شهادتهن بالمال دون القطع.

وهذا أوجه من الحكم بقبولها مطلقاً، أو الحكم بردّها مطلقاً.

ولو أفاد الشياع ظنّاً، ففي إثبات الوكالة به؛ لحصول الظن به غالباً زيادة على الظن المستفاد من خبر العدلين أو عدمه؛ لمنع أنّ العلة في قبول شهادة العدلين هو الظن، بل هو إمّا تعبد أو خصوص ذلك الظنّ الناشئ منهما وجهان، والأخير أقوى.

وهل يفتقر ثبوتها بشهادة عدلين أن يشهدا عند الحاكم، أو يكفي عند من شهدا عنده مطلقاً؟ ولا يبعد الأخير.

وعلى الأوّل فهل يشترط أيضاً انضمام حكم الحاكم إلى شهادتهما، أم يكفي مجرد الشهادة عنده؟ وجهان، ولا يبعد الأخير أيضاً.

نعم، حكم الحاكم ممّا يقطع الخصومة ويحسم مادة النزاع.


1) تذكرة الفقهاء :15: 225، المسألة 823.

ولا تقبل شهادة الواحد في الوكالة ولا في العزل إجماعاً، وفائدة إخبار العدل في العزل عدم نفوذ تصرّفه بعد ذلك لو ثبت العزل ببينة وشبهها.

ويُصدَّق مدعي الوكالة في المال المعلوم مالكه، وفي غير المعلوم إذا لم يكن له منازع فيه حين الوكالة؛ حملاً لفعل المسلم على الصحّة، وللسيرة القاضية بصحّة تصرّف الوكلاء بمجرد دعواهم الوكالة في بيع وشراء وإطعام ودفع وإهداء ودفع حقّ وغير ذلك، ولما يظهر من كثيرٍ مر من الأخبار الحاكمة بتصديق من ادّعى حسباً أو نسباً، وتصديق الامرأة في موت الزوج أو انقضاء العدة أو نحو ذلك (1).

وقد يستثنى من ذلك ما لو كانت ذمّة الدافع لمدعي الوكالة مشغولة بحقِّ عام كزكاة أو خمس، أو بحق خاص كنذر له، أو دين له عليه، أو أمانة عنده أو وديعة، أو مضاربة له عنده، أو نحو ذلك؛ فإنّ جريان السيرة بجواز الدفع ممنوع إن لم تكن قاضيةً بعكس ذلك.

وبالجملة، فالفرق بين دفعه المال الذي تحت يده وبين الدفع إليه.

وربما يعضد الأوّل أنّه ذو يد أيضاً فيُصدق قوله بما كان تحت يده.

وقد يشكل الحال في المال الخارج، كالمطروح وشبهه الذي لا يد عليه فادّعى أحد الوكالة عليه، والمال المملوك للمحجور عليه لصغر أو جنون فادعى أحد الولاية عليه، أو الوكالة من قبل الولي، ونحو ذلك، والاحتياط غير خفي.

ويشترط في قبول شهادة الشاهدين في الوكالة اتفاقهما على ما شهدا به لفظاً إن ذكرا نفس اللفظ، أو معنى إن عدلا عنه إلى المعنى فلا يصحّ أن يشهد أحدهما على قوله: «وكلتك» والآخر على قوله: «استنبتك» أو أحدهما على لفظ «وكّلتك» والآخر على لفظ «وكيل كردم».

واتّفاقهما على صدورها في زمانٍ واحد إن ذكرا نفس الزمان، ومكان واحد إن ذكراه، فلو شهد أحدهما بصدور الوكالة يوم السبت أو في الكوفة فشهد الثاني يوم الجمعة أو في النجف لم تفد شهادتهما فائدة.


1) راجع وسائل الشيعة 20 : 299، الباب 23 من أبواب عقد النكاح...، ح 1 و 301، الباب 25 من تلك الأبواب؛ و 21 : 30، الباب 10 من أبواب المتعة؛ و 22 : 222، الباب 24 من أبواب العدد؛ و 27 : 392 - 393، الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

ويظهر من المحقق قبول شهادتهما مع الاختلاف في الوقت أو اللفظ أو المكان؛ لأنّها شهادة واحدة، ومثل هذا الاختلاف غير قادح، ولأنّ جمع الشهود غالباً في مكان أو زمان واحد متعسّر، ولأن تعدّد اللفظ الدال على معنى واحد غير مضرٍّ (1).

وفيه: أنّ قبول شهادة العدلين على خلاف الأصل، فيقتصر فيها على مورد اليقين، وهو المتفق عليه بينهما.

ودعوى تعسّر الشهود ممنوعة، بل لم تزل السيرة على ذلك، كدعوى أن تعدّد العقد الواحد غير مضر، وذلك لأنّ العقد الأوّل إن أثر أثره فلا يقبل التعدد، وإن لم يؤثر اختلف مورد الشهادة.

نعم، ذلك في الإقرار ممكن؛ لأنّه إخبار عن نسبةٍ خارجيّة تطابقه أو لا تطابقه، فلا يضرّ تعدّده بتعدد الزمان أو المكان أو اللفظ، بخلاف العقد الدال على الإنشاء؛ فإنّه عند صدوره أولاً أثر أثره ويكون الإنشاء الآخر لغواً غير واقع موقعه، فعلى ذلك تقبل الشهادة مع الاختلاف في الإقرار وقتاً ومكاناً ولفظاً، دون الاختلاف في نفس العقد.

واحتمال أن تعدّد الإقرار إنما كان لتعدد الإنشاء منفي بالأصل، كما أن الشهادة بإطلاق الوكالة مسموعة من غير افتقار إلى سؤال الشاهدين مع احتمال أن كلّ شاهد قد استند إلى غير ما استند إليه الآخر وقتاً أو مكاناً أو لفظاً، ولكنّه منفى بالأصل.

عاشرها: قضاء إطلاق الوكالة بلزوم الإشهاد على الوكيل في وفاء الدين أو دفع عين مضمونة على الموكّل

عاشرها: إطلاق الوكالة يقضي بلزوم الإشهاد على الوكيل في وفاء الدين، أو دفع عينٍ مضمونة على الموكّل، أو عين لا يُصدّق الموكّل في دفعها، أو إقراض شخص عنه، أو دفع مالٍ له كمضاربة أو عين مستأجرة أو غير ذلك في وجه؛ لأنّ ذلك مصلحة، وربما كان في تركها مفسدة على الموكّل فيلزم الوكيل اتّباعها.

وذهب جمع (2)إلى عدم اشتراط ذلك؛ أخذاً بالإطلاق.

وفيه ما ذكرناه.

نعم، لو وكله على الإيداع لم يفتقر إلى الإشهاد؛ لعدم الفائدة فيه، لتصديق الودعيّ في التلف والردّ، فلا أثر للإشهاد.


1) شرائع الإسلام 2 : 159.

2) منهم : الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 9 : 598.

وكذا لو وكله في ردّ الوديعة وكان قاطعاً بصدورها منه؛ لتصديق قوله في الردّ فلا حاجة إلى الإشهاد.

وقيد بعضهم لزوم الإشهاد على الوكيل بما إذا لم يكن الدفع بحضرة الموكّل، فلو كان حاضراً كان التفريط منه (1)، وهو حسن.

حادي عشرها: حكم ما لو اختلفا في الوكالة ولا بينة

حادي عشرها: لو اختلفا في الوكالة ولا بيّنة، فالقول قول منكرها مع يمينه، سواء وقع النزاع قبل فعل الوكيل أو بعده، وسواء كانت الوكالة مشروطة في عقد لازم ليتسلّط منكرها على الفسخ أم لا، وهذه من ثمرات إنكار الوكيل للوكالة.

وهل إنكار الموكّل للوكالة عزل له لو فرض تحققها واقعاً مطلقاً، أو ليس كذلك مطلقاً. أو عزل مع العلم بها دون النسيان وشبهه؟ وكذا إنكار الوكيل لها هل هو عزل لنفسه مطلقاً، أو ليس كذلك مطلقاً، أو عزل مع العلم؟ وجوه، وفي الأخير قوة.

ولو اختلفا في العزل أو الإعلام به أو الانعزال قبل صدور موجب الوكالة، فالقول قول الوكيل.

ولو اتّفقا على موجب الانعزال واختلفا في سبقه على تصرّف الوكيل أو لحوقه به، قدّم قول الوكيل؛ لأصالة الصحّة.

واحتمل الرجوع إلى علم التأريخ وجهله، وهو قوي.

وفي الخبر: فيمن عزلت أخاها بمحضر الشهود وادعت إعلامه بالعزل فأنكر فأتت بالشهود فشهدوا بالعزل دون الإعلام، فلم يقبل قولها وأمضى تزويج الأخ(2).

ولو اختلفا في التفريط أو التعدّي أو قيمة التالف أو التلف، كان القول قول الوكيل.

ولو اختلفا في وقوع فعل الوكيل كان القول قوله؛ لأنّه أدرى بفعله.

ولو اختلفا في التصرّف والإنفاق كان كذلك.

ولو اختلفا في الردّ وكان وكيلاً على الردّ فكذلك، وإن لم يكن فقد نقل الإجماع على قبول قوله؛ لأنّه محسن (3).

وظاهر ذلك اختصاصه بما إذا لم تكن الوكالة بجُعْلٍ، ومع ذلك ففي الإجماع المنقول هنا وهن.


1) تذكرة الفقهاء 15: 206 - 207، المسألة 806.

2) وسائل الشيعة 19 : 163 - 164، الباب 2 من أبواب كتاب الوكالة، ح 2.

3) رياض المسائل 10 : 85.

ثاني عشرها: حكم ما لو عقد على امرأة بادعائه الوكالة عن شخص

ثاني عشرها: لو عقد على امرأةٍ بادعائه الوكالة عن شخص، فإن كان كاذباً في دعواه وعلمت الامرأة كذبه كان العقد فضولياً، فإن أجاز صارت زوجته، وإلا بطل النكاح ولا شيء للمرأة.

وإن كان صادقاً ولم ينكر الموكّل الوكالة صارت زوجته أيضاً وثبت لها المسمّى.

وإن كان صادقاً وعلمت الامرأة صدقه ولكن أنكر الوكالة فحلف على نفيها، فهي زوجته بينه وبين اللّه تعالى وإن انتفت الزوجية ظاهراً، ويجب عليه باطناً ما يجب على الزوج، وإلا وجب عليه طلاقها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ) (1)ويجب عليه دفع نصف المسمّى إن فرض لها مهراً، وإلا فالمتعة.

فإن لم يطلق ولم يمسك بمعروف فهل يلزم عليها البقاء إلى أن يطلّق أو يموت وتكون ممّا ابتليت فلتصبر، ويجوز لها الاقتصاص من ماله عوض المهر والنفقة، أو يجوز لها الفسخ؛ دفعاً للضرر المنفي، أو يتولى الحاكم طلاقها بأن يقول لها: إن كان الحال كما تقولين فأنتِ طالق، وليس من التعليق في شيء؛ لتعليقه على المحقق؟ وجوه والأوّل موافق للاحتياط، وفي الثاني قوة.

وإن لم تعلم صدقه فحلف على نفي الوكالة انتفت ظاهراً، وجاز لها التزويج بغيره، وكان حكمه بينه وبين اللّه تعالى ما تقدّم من الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان.

وليس للوكيل أن يتزوجها قبل الطلاق إلّا إذا قلنا لها الفسخ، أو للحاكم طلاقها فتفسخ، أو يطلقها الحاكم على تقدير أنّها زوجته واقعاً، فتبين على ذلك التقدير ويتزوجها الوكيل.

وعلى كلّ حالٍ فليس لها على الوكيل شيء من المهر في الصور، إلّا إذا ضمن المهر عن الموكّل فإنّها لها عليه النصف.

هذا كلّه جرياً على القواعد، ولكن ورد في الصحيح فيمن زوج امرأة بأمر رجل وبعد أن زوجه أنكر الآمر: أن لها على الوكيل نصف الصداق إن كان فرض لها صداقاً وإلا فلا شيء لها (2). وورد في آخر كذلك، وزاد فيه التعليل : بأنّه ضيّع حقها بترك الإشهاد (3)، ونُسب للمشهور الحكم بمضمونهما (4).


1) البقرة (2) : 229.

2) وسائل الشيعة 20 302 الباب 26 من أبواب عقد النكاح...، ح 1.

3) المصدر 19 : 165 - 166، الباب 4 من أبواب كتاب الوكالة، ح 1.

4) نسبه إلى المشهور الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 301.

وظاهرهما: تغريم الوكيل، سواء علمت بصدقه أم لم تعلم، إلّا إذا علمت بكذبه فإنّ الظاهر منهما أنّه ليس عليه شيء؛ لورودهما مورد الشكّ أو العلم بصدقه.

وعلى كلّ حال فتغريم الوكيل مخالف للضوابط؛ لدورانه مدار صحّة العقد، والمفروض أنّه مع الشكّ ونفي الموكّل الوكالة محكوم بفساده، ولأنّ الغرامة لو قلنا بثبوتها فهي على صاحب العقد لا على الوكيل، وسببية عدم الإشهاد لتغريمه ممنوعة، ولو سلمناها فهي مقصورة على حالة تقصيره وقد لا يحصل منه التقصير؛ لعدم تمكنه، أو لموت الشهود أو جنونهم، أو نحو ذلك، فيدور الأمر بين الأخذ بالقواعد وطرح الروايتين، أو تنزيلهما على حالة ضمان الوكيل أو الندب، وبين الأخذ بهما؛ لمكان الشهرة المنقولة، وصحة إحداهما تعبداً. والأخير أوفق بمقتضى القواعد الأصولية، والأوّل أوفق بمقتضى الفقاهة.

وذهب بعض القدماء إلى لزوم المهر على الوكيل كملاً (1)لأنّ التنصيف على خلاف الأصل، والطلاق خرج بالدليل.

وهو ضعيف؛ لمخالفته القواعد وعدم الدليل عليه، وغاية ما خرجنا عن القواعد بلزوم النصف لو قلنا به فللدليل، فالزيادة على النصف حكم لا دليل عليه، والتعليل بتضييع حقها بترك الإشهاد عليل ووارد في الحكم بالتنصيف، فلا يصلح أن يكون دليلاً لثبوت الكل.

ثالث عشرها: قضاء إطلاق الوكالة في البيع بتسليم المبيع لو كان بيد الوكيل

ثالث عشرها: إطلاق الوكالة في البيع يقضي بتسليم المبيع لو كان بيد الوكيل، وكذا الوكالة في الشراء، ولو لم يكن المبيع أو الثمن بيد الوكيل فالظاهر عدم الاقتضاء به.

وأما قبض الثمن في التوكيل على المبيع، وقبض المبيع في التوكيل على الشراء فلا ينصرف إليهما الإطلاق، وينصرف إطلاق الوكالة إلى البيع بثمن المثل - كما تقدّم - ما لم يعين الموكّل ثمناً.

فإن اختلفا في الثمن، كان القول قول الموكّل في نفي ما يدعيه الوكيل من الثمن، سواء كان ما يدعيه الوكيل أقل أو أكثر لرجوعه إلى الاختلاف في صفة الوكالة الراجع إلى الاختلاف في وقوعها على أي نحو ما اختلفا، والقول في ذلك قول الموكّل؛ لرجوعه إلى نفي الوكالة التي يدعيها الموكّل، ولو فرضنا أنّهما متداعيان فيتحالفان لعاد أيضاً إلى ما ذكرناه.

واحتمال تقديم قول الوكيل هنا؛ لأنّه أمين، والموكّل يدعي عليه الخيانة، والقول قول


1) الشيخ الطوسي في النهاية : 319.

الأمين، لا وجه له؛ لعدم ثبوت أمانته على الوجه الذي يدعيه كي يكون القول قوله، بل هو مدع للأمانة، فالقول قول منكرها.

نعم، لو ادّعى عليه الموكّل أنّه تعدّى فيما وكل فيه، كما إذا اشترى وقبض الثمن وتصرف فيه أو أتلفه أو نحو ذلك، كان القول قول الوكيل.

وعلى كلّ حال فإن حلف الموكّل على نفي ما ادعاه الوكيل ولم يرد اليمين عليه ولم ينكل بطل البيع بالنسبة إلى الوكيل، وأما المشتري فإن صادق على الوكالة ثبت في حقه كذلك، وإلا كان للموكل إحلافه على نفي العلم، فإن نكل رُدّت على الموكّل، وتوقف ثبوت البطلان بالنسبة إليه إلى يمين أُخرى.

فإن كانت العين باقيةً وثبت قول الموكّل بالنسبة إلى المشتري استرجعها، ورجع المشتري بالثمن إن لم يصدق الوكيل في دعواه، وإلا رجع بأقل الأمرين من الثمن وقيمة المبيع؛ لأنّه ليس له إلّا ما دفعه إليه؛ لاعترافه بظلمه إن كان الثمن أقل، وإن كان أزيد فليس له أن يقاص إلّا بقدر ما غرمه للموكل، ويبقى الزائد إمّا أن يدسه في مال الموكّل، أو يجري عليه حكم مجهول المالك؛ لأن الصدقة نوع إيصال.

وإن كانت تالفةً، تخيّر الموكّل في الرجوع على أيهما شاء، فإن رجع على الوكيل رجع الوكيل على المشتري بالأقل من ثمنه أو ما اغترمه؛ لأنّ الثمن إن كان أقل فالموكّل لا يستحق سواه، وهو ظالم بزعمه؛ لأخذه الزائد، وإن كانت القيمة أقل فلعدم غرامته سواها، ويبقى الزائد يدس في ماله أو يجري عليه حكم مجهول المالك؛ لإنكار المالك له، ولخروج الوكيل عن الوكالة فليس له قبضه بعد إنكار الموكّل لها.

وإن رجع على المشتري بالقيمة وكان مصدّقاً للوكيل في الوكالة له لم يرجع المشتري على الوكيل؛ لأنّه مظلوم بزعمه، إلّا إذا كان الوكيل قد قبض الثمن فيرجع إليه مقاصةً إن كان بقدره، وإن كان الثمن أزيد دسّ الزائد في مال الموكّل، أو كان مجهول المالك.

وإن لم يكن المشتري مصدّقاً على الوكالة، رجع على الوكيل بما غرمه أجمع؛ لغروره، ولو كان الثمن أزيد وقد دفعه إلى الوكيل رجع به؛ لفساد البيع ظاهراً.

رابع عشرها: حكم ما لو ادّعى شخص الوكالة عن غائب في قبض عين قبض عين ماله أو استيفاء دينه

رابع عشرها: لو ادّعى شخص الوكالة عن غائب ولو عن الحاكم الشرعي في مقام الولاية

في قبض عين ماله أو استيفاء دينه، فإن أقام بيّنةً وجب دفع الحق إليه مطلقاً، وإلا فإن كان الموكّل عليه عيناً وأنكر الأمين الوكالة كان القول قوله.

وهل يجب عليه اليمين لو ادّعى عليه العلم بالوكالة؛ لثبوت اليمين على المنكر، أو لا يجب عليه؛ لأنّ فائدة يمين المنكر أنّه لو أقرّ لوجب عليه دفع الحق وهنا ليس كذلك؟ وجهان، ولعلّ الأخير أقوى.

وإن أقرّ بالوكالة، جاز له تسليم العين، وجاز له الامتناع، ولا يؤمر بالتسليم؛ لأنّه إقرار في حقّ الغير فيحتمل كذبهما معاً، مع احتمال جواز أمره؛ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فلو دفع المال إلى الوكيل فحضر الموكّل فأنكر، كان القول قوله مع يمينه، فإن كانت العين باقية استرجعها ممّن هي في يده، فإن لم يمكن أخذ بدلها ممّن شاء؛ لمكان الحيلولة، وإن كانت تالفة تخيّر في الرجوع على مَنْ شاء، فإن رجع إلى الوكيل وقد تلفت العين بيده لم يرجع إلى الدافع؛ لأنّه مظلوم بزعمه فلا يرجع إلى غير ظالمه، وإن رجع إلى الدافع لم يرجع إلى الوكيل أيضاً إذا لم يكن التلف مضموناً، وإلا رجع عليه مقاصةً.

وإن كان الموكّل عليه دَيْناً، فإن صدقه في الوكالة وجب دفع الدين إليه، ويؤمر بالتسليم إليه؛ لأن الدين ليس عين مال المالك كي يكون إقراراً في حقّ الغير، بل هو إقرار في حقّ نفسه؛ لأنَّ الدَّيْن كلّي في ذمته، فإذا دفعه وفاءً لتصديق الوكيل لم يبرأ منه حتّى يصدقه الموكّل فالمدفوع ليس مالاً للموكل بل هو مال له، فيجب دفعه بموجب إقراره.

ويحتمل عدم وجوب أمره بالتسليم؛ لأنّ إقراره بالتوكيل لا يُثبت عليه وجوب إيصال حقّ غيره لمن أقرّ له، ولأنّه لا يجب على المديون إلّا التسليم المبرئ له، ولهذا يجوز الامتناع عن تأدية الحق إلى مالكه إلى أن يشهد، وهذا التسليم ليس مبرئاً له.

والأوّل أظهر؛ لمنع عدم إثبات الإقرار لوجوب إيصال حقّ غيره لمن أقر له؛ لأن الإقرار بالتوكيل يكون مثبتاً إيصال حقّ الغير له؛ لأنّ الوكيل نفس الموكّل، وليس الحق عيناً كي يكون إقراراً في حقّ الغير، بل هو كلّي في الذمّة، فيجب دفعه على حسب إقراره، فالمدفوع مال من أمواله إلى أن تتحقق الوكالة، ولمنع تخصيص وجوب دفع الدين بالمبرئ فقط، على أن الدفع مبرئ بزعمه.

ثمّ إنّ الموكّل لو حضر فأنكر، لزم دفع الدين إليه، ويرجع بما دفعه المديون إلى الوكيل إن كانت عينه باقية أو كان مضموناً عليه مع التلف مقاصةً، وإلا فلا يرجع؛ لاعترافه بأمانته عن الموكّل.

نعم، له أن يقاص المالك لو قدر عليها.

ويتوجه على ما ذكرناه: جواز إحلاف مدعي الوكالة في الدين للمديون على نفي العلم بوكالته؛ لأنّه لو لم يحلف وأقرّ لزمه دفع الدين له، وهو من مقامات اليمين.

واعلم أن الدفع بالبيّنة مبرئ بحسب الظاهر إلى أن يقدم الغائب فيبقى على حجته، فإذا أنكر وجرح الشاهدين رجع إلى مَنْ له عليه الحق، ويرجع الدافع حينئذٍ إلى الوكيل على نحو ما ذكرنا.

خامس عشرها: حكم ما لو طالب الموكّل الوكيل بردّ المال فأنكره أو أقرّ به وامتنع من إيصاله ثمّ ادّعى بعد ذلك تلف المال قبل الإنكار

خامس عشرها: لو طالب الموكّل الوكيل برد المال فأنكره، أو أقر به وامتنع من إيصاله، ثمّ ادّعى بعد ذلك تلف المال قبل الإنكار أو الردّ قبل المطالبة، فإن كان امتناعه مجرد تقصير ومَطَلٍ وكان جحوده بلفظ «لا يلزمني شيء» أو «لا حقّ لك عندي» سمعت دعواه وقبلت بينته؛ لأنّه لم يكذب دعواه وبينته بالامتناع عن الأداء، بل هو مؤكّد لها، وكذا بقوله: «لا حقّ لك عندي» فإنّه مع تلف المال لا حقّ له.

وإن كان امتناعه عن إنكار أصل الأمانة أو كان لفظه دالاً على ذلك، لم تسمع دعواه، ولم تُقبل بيّنته؛ لتكذيبه لها بإنكار أصل الأمانة؛ لأنّ الشهادة على تقدير وجودها، والمفروض أنّه قد نفاها.

وذهب المحقق إلى صحّة سماع الدعوى والبيّنة (1)لاحتمال السهو والغفلة والنسيان والخطأ والاشتباه، سيما لو أظهر لدعواه تأويلاً محتملاً.

وهو في الأخيرين حسن.

ولو ادّعى على الموكّل العلم كان له إحلافه على نفيه.

ولو ادّعى التلف بعد الامتناع أو الردّ بعد الإنكار شمع قوله مع البيّنة، إلّا أنّه يكون ضامناً للقيمة في حالة التلف.


1) شرائع الإسلام 2 : 161.

ولو قلنا: إنّ الأمين لا يخرج عن الأمانة بالتعدّي وإن ضمن، شمع قوله من دون بينة.

وأطلق بعض الأصحاب عدم سماع قوله وعدم سماع بيّنته في جميع الصور المتقدّمة (1). وهو ضعيف.

سادس عشرها: حكم ما إذا اشترى الوكيل شيئاً فأنكر الموكّل الوكالة فحلف على نفيها

سادس عشرها: إذا اشترى الوكيل شيئاً فأنكر الموكّل الوكالة فحلف على نفيها، فإمّا أن يشتري بالعين، أو بالذمّة، فإن اشترى بالعين وكان البائع غير عالم بالوكالة ولكنه عالم بأنّها للموكل كان فضوليّاً، فإن أجاز فلا كلام، وإن لم يُجز بطل البيع، واسترد المالك العين إن كانت موجودةً، وإن تلفت تخيّر في الرجوع ببدلها على مَنْ شاء، فإن رجع على الوكيل رجع هو إلى البائع؛ لاستقرار التلف في يده.

فإن لم يعلم أنّها للموكل كان له عليه اليمين على نفي العلم، فإن حلف المشتري على نفيه لم يكن للموكل أخذها منه ولا أخذ بدلها، وإنّما له الرجوع على الوكيل، فإذا أخذ منه الثمن عاد الوكيل فأخذ من البائع المبيع مقاصةً، فإن كان مساوياً فلا كلام، وإن زاد ففي الزائد ما تقدّم.

وإن علم البائع بالوكالة، فإن كانت العين موجودةً فأخذها الموكّل جاز للبائع أخذ المبيع مقاصةً، ولو زاد ففي الزائد ما تقدّم.

وإن كانت تالفةً، فإن أخذها من البائع لم يكن للبائع الرجوع للوكيل إلّا بالمبيع لو دفعه إليه، ولو أخذها من الوكيل لم يكن للوكيل الرجوع إلى المشتري، بل له أخذ المبيع مقاصةً. وإن كان الشراء بالذمّة وذكر الموكّل وقع له باطناً إن كان محقاً، وبطل ظاهراً، فيأخذه مقاصةً، وإن لم يذكره لفظاً ولا نيّة فالشراء للوكيل ظاهراً وباطناً، وإن كان مبطلاً وذكر الموكّل بطل البيع إن لم يجز، وإن نواء خاصّة فالسلعة للبائع باطناً فيشتريها منه بالثمن إن كان باقياً. وإلا دفعها إليه، ولا شيء عليه، وإن لم ينوه وقع الشراء للوكيل.

وطريق التخلّص أن يقول الموكّل: «إن كان لي فقد بعته من الوكيل» فيصح البيع ويتقاصان، ولا يكون تعليقاً؛ لتحقق المعلّق عليه.

وإن امتنع الموكّل من المبيع جاز أن يستوفي عوض ما أداه إلى البائع عن موكله من هذه


1) راجع تذكرة الفقهاء 15: 188، المسألة 787.

السلعة، ولا يجوز له التصرّف في المبيع قبل أحد ذينك الأمرين؛ لخروج الملك عنه على كلّ حال؛ لأنّه إن كان صادقاً في دعوى الوكالة فهو للموكل، وإن كان كاذباً فهو للبائع.

ولو رفع أمره إلى الحاكم أمر مَنْ أخبره الوكيل على أنّه يبيعه منه برفق، وليس له إجباره على ذلك؛ لانتفاء الملك عنه ظاهراً، فإن كان الوكيل صادقاً فالموكّل ممتنع من إيفاء الحق فللحاكم البيع عليه، وإن كان كاذباً فالملك له فتلغو الصيغة.

سابع عشرها: حكم ما لو اختلف الموكّل والوكيل بعد الشراء أو البيع في مبلغهما

سابع عشرها: لو اختلف الموكّل والوكيل بعد الشراء أو البيع، فقال الموكّل: بعته بعشر، أو اشتريته بخمس، فقال الوكيل: بعته بخمس، أو اشتريته بعشر، فالأوجه: تقديم قول الوكيل؛ لأنّه أدرى بفعله، ولأنّه مؤتمن، مع احتمال أنّ القول في صورة الشراء قول الموكّل؛ لأنّه غارم، والأصل براءة ذمته من الزائد في دعوى الشراء بالزائد.

وإذا اشترى لموكله عيناً أو باع عنه كذلك، قيل: كان الخيار للبائع أو المشتري في مطالبة الموكّل؛ لأنّ الحق عليه، وفي مطالبة الوكيل؛ لأنّ العقد معه (1).

وقيل: إنّه مع العلم بالوكالة فليس له إلّا مطالبة الموكّل، ومع الجهل ليس له إلّا مطالبة الوكيل (2).

ويراد بالجهل الجهل المستمر من حين العقد إلى حين القبض فلو علم بعد العقد بالوكالة طالب الموكّل مع احتمال استحقاق مطالبته للوكيل إذا كان جاهلاً حين العقد بالوكالة استصحاباً، ولإمكان عدم رضاه بمطالبة الموكّل لو علم ابتداء.

ولا يكفي في ثبوت الوكالة اعتراف الموكّل بها؛ لاحتمال تواطئهما على إسقاط حقّ المشتري عن مطالبة الوكيل.

والأوجه أن يقال: إن الثمن إن كان معيّناً وهو عالم بالوكالة فالمطالب به من كان في يده، ولو جهل مكانه وعلم بالوكالة طالب الموكّل وإن كان في الذمّة، فإن سلمه الموكّل إلى الوكيل طالب الوكيل وله أن يطالب الموكّل مع علمه بالوكالة؛ لعدم انحصار الثمن فيما سلّمه إلى وكيله، وإن لم يكن سلّمه إلى الوكيل طالب الموكّل مع علمه بالوكالة، وطالب الوكيل مع جهله.


1) كما في الحدائق الناضرة 22 : 114 وراجع المبسوط 2 : 395.

2) شرائع الإسلام 2 : 164.

ويحتمل أن له مطالبة الموكّل مع العلم مطلقاً عيناً أو ذمّةً؛ لوجوب تسليم المبيع أو الثمن عليه ابتداء، ولا يفرغ إلّا بعد دفع الوكيل له.

ثامن عشرها : حكم ما لو طالب الوكيل من عليه الحق فقال: لا يستحق المطالبة

ثامن عشرها: لو طالب الوكيل مَنْ عليه الحق فقال: لا يستحق المطالبة، لم يلتفت إلى قوله؛ لتكذيبه بينة الوكالة، مع احتمال سماع دعواه ببينته؛ لأن نفي الاستحقاق أعم من تكذيب البيّنة؛ لاحتمال استناده إلى طروء العزل أو الإبراء له أو الأداء إلى الموكّل أو وكيل آخر.

ولو ادّعى إحدى هذه المذكورات، فإن أقام بيّنةً قُبلت بينته، وإلا توجه له اليمين على الوكيل بنفي العلم عن الإبراء أو العزل أو الأداء.

تاسع عشرها: في أنّه تقبل شهادة الوكيل على موكله ولموكله فيما لا ولاية له فيه

تاسع عشرها: تُقبل شهادة الوكيل على موكله ولموكله فيما لا ولاية له فيه؛ لارتفاع التهمة عنه فيه، ولو كانت له ولاية رُدّت عليه، إلّا أن يعزله الموكّل قبل الشهادة، فلو عزله في أثنائها لم يقبل إلّا أن يعيد الخصم الدعوى جديداً فيعيد الوكيل الشهادة بعد العزل.

ولو شهد الوكيل بعد مخاصمة الغريم لم تُقبل شهادته قبل العزل أو بعده.

العشرون: حكم ما لو وكل شخصاً على قبض دينه فأخبره بقبضه وصدقه المديون

العشرون: لو وكل شخصاً على قبض دَيْنه فأخبره بقبضه وصدقه المديون، حكم على الموكّل بالوفاء، فلو أنكر لم يُسمع إنكاره.

وقيل: إن القول قول الموكّل (1). وهو ضعيف.

وعلى الأوّل فلو ادّعى الوكيل تلفه بعد قبضه صُدّق قوله وبرئ المديون والوكيل معاً.

ولو أمره ببيع سلعة وتسليمها وقبض ثمنها فتلف من دون تفريط فأخبره بذلك وصدقه المشتري على القبض حكم بتصديق قول الوكيل ولا يُلتفت إلى إنكار الموكّل؛ لادعائه حينئذٍ التفريط على الوكيل؛ حيث إنّه سلّم المبيع ولم يتسلّم الثمن.

أمّا لو أذن له في تسليم المبيع دون أن يتسلّم الثمن، أو كان الثمن مؤجلاً، فلا فرق بين المسألتين، إلّا بانضمام دعوى التلف، فإنّ الوكيل مصدق فيه إجماعاً.

ويمكن أن يقال بأن دعوى التلف بعد الاتفاق على وصول المال إليه لا كلام في تصديقه بها، وأما مع الشكّ بالوصول كما إذا ترتبت على دعوى القبض فلزوم تصديقه بها محلّ كلام.

ويبرأ المشتري هنا من الثمن؛ لإقرار الوكيل بوصوله إليه ويده كيد الموكّل، مع احتمال


1) المبسوط 403:2.

أن إقراره مسموع في حقه فقط، فتتوجه الدعوى على المشتري حينئذٍ إلى أن يثبت إيصاله إلى الوكيل.

الواحد والعشرون: حكم ما إذا وكله في شراء عين فاشتراها فظهرت مستحقةً للغير بعد تلفها في يد الوكيل

الواحد والعشرون: إذا وكله في شراء عين فاشتراها فظهرت مستحقة للغير بعد أن تلفت في يد الوكيل فللمالك الخيار في مطالبة كلّ من البائع والموكّل، وكذا الوكيل؛ لأن يد الوكيل يد الموكّل، فقبضه منسوب إليه، فإن كان الوكيل جاهلاً رجع الوكيل على الموكّل وإلا فلا رجوع له للموكل؛ لأنّه لم يأذن له في قبض المغصوب، ولو أذن له فلا اعتبار بإذنه. ثمّ إن المالك لو رجع إلى البائع وكان البائع عالماً لم يرجع على الوكيل ولا على الموكّل إذا كانا جاهلين؛ لإقدام الوكيل على عدم الضمان؛ ولعدم استيلاء يد الموكّل.

وإن كانا عالمين رجع البائع بعد الرجوع عليه إلى الوكيل؛ لاستقرار الضمان عليه؛ لتلف المال بيده، ولا يرجع على أحدٍ.

ولو كان كلّ من الوكيل والبائع والموكّل جاهلاً فرجع المالك إلى الوكيل، جاز للوكيل أن يرجع على البائع؛ لغروره من قبله وإلى الموكّل فإن رجع إلى البائع لم يرجع إلى الموكّل وإن رجع إلى الموكّل كان له الرجوع إلى البائع.

وقد يخص الرجوع إلى البائع بما زاد عن مقابلة الثمن للإقدام عليه من المشتري مجاناً فلا يغرمه بخلاف ما قابل الثمن، فإنّ الوكيل قد أقدم على أنّه مضمون على الموكّل وقد أرجع إليه ثمنه فلا يرجع الموكّل فيه على البائع، فإذا غرم الوكيل ما زاد للمالك وأرجع ثمن الموكّل رجع به على الموكّل؛ لأنّ يده يده، فهو مغرور من قبله.

وقد يفصل بين الوكيل على قبض عين خاصّة فظهرت مستحقّة للغير، وبين التوكيل على قبض المبيع، فعلى الأوّل للوكيل الرجوع إلى الموكّل، وعلى الثاني ليس له.

وعلى كلّ حال فقرار الضمان على البائع بما زاد على الثمن.

كتاب الوقف

كتاب الوقف

تعريف الوقف لغة وشرعاً

وهو في اللغة: الحبس (1)، من الوقوف عند المشي. ونقل شرعاً - بناء على ثبوت الحقيقة الشرعيّة كما هو الأقوى - لحبس خاص - بعلاقة الإطلاق والتقييد، أو الجزء والكلّ، واحتمال الوضع الابتدائي بعيد جداً - بتحبيس المال عن التصرّف فيه أو تحبيس صاحبه عن التصرّف في المال، أو للعقد الدال على ذلك، والأوّل أقرب للاستعمال، والثاني أقرب لظاهر كلام الفقهاء؛ لكثرة إطلاقهم أسماء العقود على نفس العقد، فيحتمل كونه حقيقةً في الأوّل والثاني معاً، ويحتمل كونه مجازاً شرعياً في الثاني وإن صار في لسان الفقهاء حقيقةً تشرعيّة، ولا يبعد أن وضعه للصحيح؛ إجراء لأسماء العبادات عليه، لأنّه منها.

وهو مشروع بالنص والإجماع، ويشمله عموم الكتاب (2)والسنّة (3)، وقد جرت عليه الشرائع السالفة والأمم السابقة في المساجد والبيع والكنائس وإن لم يُسمّ عندهم باسم الوقف.

وهو من أقسام الصدقات الملحوظ فيها القربات، كما يظهر من الفتاوى والروايات.

ومن مقوماته الدوام على ممر الليالي والأيام، ومن ذاتيّاته كونه من الأعيان القابلة للانتفاع بها مع بقائها.

وجميع ما ذكره الفقهاء من حدوده ليست حدوداً تامةً بحيث تكون مطردةً منعكسة، وإنّما هي رسوم وتعريف ببعض الخواص، كما عرفه الشهيد (رَحمهُ اللّه) بأنّه الصدقة الجارية (4)، تبعاً لما


1) لسان العرب 9 : 359، «وقف».

2) البقرة (2) : 272؛ الحج (22) : 77.

3) وسائل الشيعة 19 : 171، الباب 1 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات.

4) الدروس الشرعيّة 2 : 263.

ورد في الحديث من إطلاقها عليه (1)، وهو صادق على الوصيّة بالصدقة على الدوام، وعلى نذرها كذلك، وعلى وقوعها على نحو لم تستكمل شرائط الوقف، وكما عرفه غيره بأنّه «عقد ثمرته تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة» (2)أو نفس تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة (3). وقد يبدل الإطلاق بلفظ «التسبيل» والمراد فيهما واحد تبعاً للحديث الوارد في الوقف: «حبس الأصل وسبل الثمرة» (4).

والمراد بـ «تحبيس الأصل» منعه عن التصرّف فيه بأحد النواقل الناقلة له عن الجهة المحبوس عليها، والمراد بـ «تسبيل الثمرة» إباحتها للجهة الموقوف عليها على أن يتصرّف فيها بأي أنواع التصرّف شاء، وهو غير مانع لصدقه على السكني وأخويها، فإن قيد بالدوام أو قلنا بظهور وصف الدوام منه كان غير جامع؛ لخروج منقطع الآخر عنه، ويدخل فيه أيضاً نذر الشيء على ذلك الحال أو الوصيّة به، بل يردّ عليه كلّ مال قد منع المالك من التصرّف بعينه وأجاز التصرّف بمنافعه ابتداءً أو بشرط في عقد لازم، وعلى كلّ حال فالأمر في الحدود سهل.

وهنا أُمور:

أحدها: في أنّ الوقف من العبادات ومن العقود اللازمة

أحدها: الوقف فيه أمران توقيفيان لا يجوز التعدّي فيهما على غير المقطوع به من نص أو إجماع، وهما: كونه من العبادات الخاصّة المشروط بها القربة، وكونه من العقود اللازمة، وحينئذٍ فيجري عليه ما يجري على أسماء العبادات الموضوعة للصحيح عند الشكّ في أجزائه وشرائطه وموانعه؛ لإجمال معناه وعدم بيانه على وجه الحقيقة، ويجري عليه ما يجري على العقود اللازمة من الشرائط المعتبرة في صيغته وفي المتعاقدين وفي غيرهما ممّا يشترط فيها.

فلا يقال: إن الوقف من العبادات المبينة، وإنّ اسمه ليست من الأسماء المجملة، بل هو من المطلقات يتمسك بإطلاقه عند الشكّ في صحّة فردٍ منه أو فساده؛ لأن المشكوك في


1) عوالي اللآلي 1 : 97، ح 10.

2) شرائع الإسلام 2 : 165.

3) المختصر النافع : 255.

4) مستدرك الوسائل 14 : 47 الباب 2 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1.

إطلاقه وإجماله مجمل، والمشكوك بأنّه من العبادات الخاصّة أو غيرها نجعله منها؛ لرجوع الشكّ إلى الجزئية إلى الشكّ في الماهية.

ولا يقال: إنّه ليس من العبادات؛ لفساده، كما يأتي (1)إن شاء اللّه.

ولا يقال: إنّه ليس من العقود، بل هو من قبيل الإيقاعات الدالّة على نقل الملك عن المالك وجعله اللّه، فهو أشبه شيءٍ بالتحرير، فلا يفتقر إلى قبول ولا إلى إيجاب خاص؛ لأنّ المشكوك في كونه عقداً أو إيقاعاً فالأصل كونه عقداً؛ لرجوع الشكّ إلى نفس الماهية والأصل عدم تحققها، وفي عد الأصحاب الوقف من العقود ما يؤذن بكونه عقداً، ولأصالة بقاء الملك على مالكه إلّا بما يقطع بخروجه، وللإجماع المنقول على لزوم القبول مطلقاً (2).

والاستدلال على عدم افتقاره إلى القبول بالأصل، وبخلق الأخبار الواردة عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن ذكر القبول مع كثرتها عموماً وخصوصاً في العام والخاص، ضعيف؛ لانقطاع الأصل بما ذكرناه، ولأن الأخبار مسوقة مساق الطوامير والحجج في إثبات الوقوف الصادرة عن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، لا مساق بيان الوقف ومشروعيته وصيغه، أو إنشاء الوقف فيها أو نحو ذلك؛ كي يتمسك بعدم ذكر القبول فيها وعدم ذكر صيغةٍ خاصّة للإيجاب على نفي اشتراط القبول واشتراط الصيغة الخاصّة.

ودعوى كون الوقف كالإباحة فيكفي فيه الإيجاب مصادرة على المطلوب، وممنوعة أيضاً في الوقف الخاص؛ لكونه نقلاً للملك، ولا يدخل الملك للمالك في الأسباب الاختيارية من دون رضاه.

فبطل بما ذكرنا قول من ادّعى استغناء الوقف عن ذكر القبول مطلقاً (3)وقول مَن ادّعى استغناءه في الوقف العام فقط (4)لأنّه كالتحرير دون الخاص، لأنّه كالتمليك، ولا يملك الشخص مال غيره قهراً في غير ما جعله الشارع سبباً، وكونه من تلك الأسباب ممنوع.

وهو في الوقف الخاص حسن، وفي العام ضعيف.


1) سيأتي في ص 202.

2) جامع المقاصد 9 : 11؛ مسالك الأفهام 5: 313.

3) المختصر النافع : 255.

4) شرائع الإسلام 2 : 171؛ مسالك الأفهام 5: 313.

وعلى اشتراط القبول فلا يشترط سوى قبول البطن الأوّل قطعاً؛ للاتفاق، والسيرة القطعية على ذلك، سواء قلنا: إنّ البطن يتلقى من الواقف أو من الموقوف عليه، فمناقشة بعض المتأخرين (1)في الحكم المذكور ليست في محلّها جداً.

ويتولى القبول في الوقف العام الناظر الشرعي، ب، كالحاكم وأمينه؛ لأنّه ولي الحقوق العامّة ووليّ أهاليها في القبض عنهم، والدفع إليهم في الزكوات والأخماس والنذور العامّة، فإن لم يوجد الحاكم تولّى ذلك أحد عدول المسلمين؛ لمكان الضرورة.

وعلى ما اخترناه فلا بدّ في الوقف من صيغةٍ لفظية صادرة من المالك نفسه، ولا يجزئ فيه الفضولي ؛ لمنافاة القربة له؛ لأنّها إن صدرت من العاقد فلا معنى لتقربه بمال شخص آخر سيما لو كان غاصباً، وإن صدرت من المالك حين الإجازة أشكل الحال فيه من جهة عدم المقارنة بين الصيغة وبينها فيحصل الشكّ في حصول سببية الوقف؛ في حصول سببية الوقف؛ للشكّ في كفاية القربة المتأخرة، وإن صدرت من المالك حين العقد - لو فرضنا ذلك - اتجه لها وجه صحّة تنزيلاً لها منزلة الوكالة في الوقف؛ لبعد اشتراط كون الصيغة والقربة من فاعل واحد، بل هو أولى بالصحّة من وقف الوكيل؛ لتولّي القربة هنا من المالك بنفسه، ولا ينافيه تولّي العقد من غيره؛ لأن شأن العقد ذلك، بخلاف ما لو تولّى القربة غير المالك، فإنّه إن تقرب بنفسه فلا معنى له، وإن تقرب عن المالك احتاج تعقل ذلك وصحته إلى نظرٍ وتأمل.

ولكن ظاهر الأصحاب والسيرة عدم منع التوكيل فيما شرط صحّته القربة حال الدفع في خمس أو زكاة أو صدقةٍ أو وقف، وإنّ حكمه حكم النيابة في العبادات البدنية وإن كان بينهما فرق من جهة.

ثانيها: في أنّه لا يكفي في الوقف الفعل في إيجاب أو قبول

ثانيها: لا يكفي في الوقف الفعلُ في إيجاب أو قبول في خاص أو عام، معاطاةً كان الفعل أو غيرها، إلّا فيما كان فعله بمنزلة قوله كالأخرس وجواز المعاطاة في عقود المعاوضات لا يستلزم جوازها ها هنا؛ لأنّ الوقف من العقود المجانية، ومن أقسام العبادات التوقيفية المفتقرة إلى الأخذ بالمقطوع به، فما يوضع اليوم في المساجد أو الحضرات من فرش وأسباب


1) راجع الحدائق الناضرة 22 : 133.

وأسلحة أو بناء، أو ما يبنى من الخانات والرباطات والمدارس من دون التلفظ بصيغة الوقف ليس وقفاً؛ لعدم الإيجاب القولي فيها، وعدم القبول فيها مطلقاً.

واحتمال كفاية الإيجاب الفعلي فيها، وكفاية القبول الفعلي فيها أيضاً - ولو من غير الحاكم - فيكفي صلاة واحدٍ من المسلمين، أو عبور واحدٍ منهم على القنطرة، أو دخول واحدٍ منهم إلى الخان، بعيد لا وجه له، ومخالف للضوابط وارتكابه ليس بأولى من ارتكاب أن ما نفذ من المالك إلى جهة عامة وتحقق الإعراض عنه لها انصرف إليها، وخرج عن ملكه بحكم الشارع؛ لدلالة السيرة القطعية عليه، ولاستمرار عمل المسلمين على ذلك، وعدم إجراء حكم الأملاك على ذلك من مواريث ونحوها.

وعلى كلّ حال فارتكاب أنّه وقف ارتكاب أمر بعيد.

واكتفى بعض المحقّقين (1)بالقبول الفعلي في الوقف العام دون الإيجاب؛ بناءً على اشتراط القبول، وبعضهم (2)اكتفى بالقبول الفعلي حتّى في الوقف الخاص، وكلاهما مخالف للقواعد والاحتياط.

والعاجز عن النطق تكفيه الإشارة وإن تمكن من التوكيل، والأحوط التوكيل، والعاجز عن الإشارة تكفيه الكتابة مع التمكن من التوكيل، ومع التمكن فالأحوط عدمه.

ولا بدّ من صدور الصيغة على وجه محلل، فلو صدرت بلسان مغصوب أو على نحو محرم كغناء ونحوه فسد الوقف.

ولو صدرت في مكانٍ مغصوب، ففي الصحّة والفساد وجهان.

ويشترط كون الصيغة بلفظ عربي لعربي أو عجمي، والاكتفاء بها للعجمي مطلقاً لا يخلو من وجه، ومع عدم إمكان العربي فلا بأس بالعجمي وإن أمكن التوكيل، والأحوط الاقتصار على الجواز مع عدم الإمكان.

ولو اختص العجز أو الفارسية أو عدم القدرة على النطق بجانب دون آخر، جرى على كل منهما حكمه.

ويشترط في الصيغة العربية في البنية؛ اقتصاراً على مورد اليقين، إلّا مع العجز فجوازه غير بعيد.


1) لم نتحقّقه.

2) لم نتحقّقه.

ولا يبعد اشتراط عدم اللحن في الإعراب للاحتياط، إلّا أن عدم اشتراطه أقوى.

ويشترط في الإيجاب والقبول الترتيب وعدم الفصل المخلّ بينهما عرفاً.

ويشترط فعليتهما مع قصد الإنشاء، فلا تكفي الجملة الاسمية وإن كانت أقوى في الإنشاء، وإجزاؤها في الرهن للدليل أو لشبهه بالعقود الجائزة.

ويشترط فيهما الماضوية، فلا يجزئ الأمر والمستقبل، وإجزاؤهما في النكاح والمزارعة - لو قلنا به - فللدليل.

ويشترط في الصيغة الصراحة بحيث يدخل الوقف في مدلولها، أو تدخل في مدلوله.

والصريح هو الموضوع له مطابقةً كـ«وقفت» أو «أوقفت» - في لغة شاذة - في الإيجاب، أو «قبلت» و «رضيت» في القبول، أو الموضوع للأعمّ القريب من الخاص المستعمل فيه مع القرينة على إرادته منه، کـ «تصدقت» و «سبلت» و «حبّست» في الإيجاب، و «أمضيت» و «أخذت» في القبول، أو الموضوع على جهة الاشتراك اللفظي مع القرينة، أو الموضوع للأخص إذا كان استعماله فيه استعمالاً شائعاً، وكذا الموضوع لمعنى آخر يقارب معناه وكان استعماله فيه غير بعيد، كـ «حرمت» و «أبدت» و «ملکت» مع نصب القرينة على إرادة ذلك منه.

وهل يشترط التلفظ في القرائن، أو تكفي قرائن الأحوال؟ وجهان، والأقرب: الأوّل.

ولا يجوز بالألفاظ البعيدة عن الاستعمال وإن اقترنت بالقرائن الدالّة على المقصود؛ للشكّ في حصول النقل فيها، ولإعراض الأصحاب عن الحكم بجوازها.

وبالجملة، فلفظ «وقفت» لا يفتقر عقد الوقف معه إلى قرينة، بل يُحكم على مَنْ صدرت منه بالوقف، إلّا إذا لم يقصد معناها، وغيرها من الألفاظ المقاربة لها - التي لا ينكر استعمالها فيها في الأخبار وفي كلام الأصحاب - يفتقر الحكم في الوقف معها إلى قرينة مصرحة بذلك، ومع عدمها يحتمل الحكم عليه باطناً بالوقف لو نواه وإن لم يحكم عليه ظاهراً، ويحتمل عدم الحكم عليه ظاهراً وباطناً؛ للشكّ في سببية مثل ذلك عند تجرده عن القرينة.

وأما الألفاظ البعيدة كـ «وهبت» و «أجرت» و «بعت» و «اتهبت» و «استأجرت» و «شریت» و «اشتريت» في إيجاب وقبول - فلا يُحكم عليها بالوقف، لا مع القرينة ولا بدونها.

وللأصحاب هنا كلام مختلف فمنهم مَنْ جعل الصريح: «وقفتُ» فقط، ونقل عليه الإجماع، وجعل غيره موقوفاً على

القرينة، ونقل الإجماع على توقف «حرمت» و «أبدت» و «تصدقت» على القرينة (1).

ومنهم مَنْ جعل «حبّست» و «سبّلت» كـ «وقفت» لا يفتقر إلى قرينة ؛ لاستعمالهما في العرف مجرّدين، ولورودهما في الأخبار (2)كذلك(3).

ومنهم من جعلهما مفتقرين إلى القرينة؛ لأنّ الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز (4).

ولا يبعد أنّ اجتماعهما في مورد واحد صريح في الوقف.

ثمّ منهم مَنْ يظهر منه أنّ القرينة المصححة لا بدّ فيها من لفظ، كما يقول: «صدقة مؤبدة» أو: «حبستها تحبيساً لا بيع بعده ولا هبة ولا نقل ولا انتقال» (5).

ومنهم من يظهر منه الإطلاق في القرينة (6).

ومنهم مَنْ يظهر منه أنّ «وقفت» و «حبّست» و «سبلت» و «تصدّقت» كافية في صيغة الوقف من دون انضمام قرينة (7).

ومنهم مَنْ يظهر منه أنّ «تصدّقت» إن تعلّقت بجهةٍ عامة كانت من الصريح، وإلا فمن غير الصريح (8).

ومنهم مَنْ يظهر منه أنّ «تصدّقت» و «حرمت» صيغة واحدة فلا تغني الثانية عن الأُولى، وتغني الأولى مع القرينة (9).

ومنهم مَنْ يظهر منه أنّ غير الصريح يجزئ في الوقف باطناً ويدان الواقف بنيته ويُصدق قوله فيه؛ لأنّه أبصر بنيته، وهو أمر لا يُعلم إلّا من قبله (10).


1) رياض المسائل 10 : 92.

2) راجع الهامش (4) من ص 200.

3) الخلاف 3 : 542 المسألة 8؛ غنية النزوع 1 : 296؛ إصباح الشيعة : 345؛ قواعد الأحكام 2 : 387.

4) المبسوط 3: 292؛ السرائر 3: 155 شرائع الإسلام 2 : 165؛ تحرير الأحكام الشرعيّة 3 : 289، الرقم 4639.

5) قواعد الأحكام 2 : 387؛ مسالك الأفهام 5 : 310 ریاض المسائل 10 : 92.

6) شرائع الإسلام 2: 165.

7) الخلاف 3: 537، المسألة 1.

8) تذكرة الفقهاء 20: 120، المسألة 59.

9) كما في الدروس الشرعيّة 2 : 263.

10) المبسوط 3 : 291؛ غنية النزوع 1: 296 السرائر 3: 155 شرائع الإسلام 2: 165: الروضة البهية 3 : 164.

ويظهر من آخرين أن انضمام القرينة شرط في الصحّة والإجزاء (1)لأصالة عدم نفوذ المشكوك في تأثيره وصحته والعقود اللازمة والعبادات توقيفية.

ويظهر من بعضهم الركون إلى الاقتصار على لفظ «وقفت» و «تصدقت» لاستعمالهما في (2)الأخبار (3)دون غيرهما، ولا سيما لفظ «الصدقة».

ويظهر من الوالد (قدّس سِرُّه) تجويز الجملة الاسمية، وجعل الأولى «كونها وقفاً» دون «هذا موقوف».

والأقوى في النظر ما تقدّم ذكره.

ثالثها: في بيان ما يشترط في الصيغة

ثالثها: يشترط في الصيغة قصد لفظها بعينه، فلو أتى بصيغ متعددة وقصد التأثير بأحدها لا بعينه فالأظهر الفساد، ولو قصد التأثير بالجميع صحّ في الأوّل ولغا الباقي، ولو قصد التأثير في المجموع ففي الصحّة إشكال.

ولو صدر منه لفظ من غير قصدٍ لغلط أو ذهول أو دهشة لم يكن له تأثير.

ولو قصد لفظاً فغلط بغيره وإن كان مرادفاً له، فالأقوى البطلان.

ولو كرّر اللفظ غير قاصد بواحدٍ بعينه - كما يفعله الوسواسية - كان بحكم غير القاصد على الأظهر.

ويشترط مقارنتها لقصد الإنشاء، فلو قصد الإخبار بطل، وكذا لو ردّد بين الإخبار والإنشاء.

ويشترط قصد معناها المطلوب من وقف أو حبس أو غيرهما، ولا يفتقر إلى معرفة التفصيل، فلو لم يقصد ذلك أو ردّد في قصده بطل.

ويشترط قصد التأثير بها بما يريده من الأثر، فلو لم يقصد التأثير أو ردّد في قصده بطل.

ويشترط استمرار هذه القصود إلى تمام العقد في كلّ من الإيجاب والقبول، فلو علم الموجب خلو القابل من أحدها أو العكس بطل، ويكفي في الحكم بوجودها التمسك بأصالة الصحّة.

ويشترط صدور هذه القصود عن اختيار من دون تقيّةٍ أو خوف وإن لم تبلغ حد الإلجاء

المزيل للقصد بالكلية.


1) رياض المسائل 10 : 92.

2) وسائل الشيعة 19 : 171 و 175 و 185، الباب 1 و 2 و 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات.

3) راجع مفتاح الكرامة 9 : 5 - 6.

ويشترط وجود كلّ من الموجب والقابل ساعة العقد في مجلس الآخر، فلو أوجب والقابل غير حاضر فحضر بعد الإيجاب بلا فصل فقيل بطل.

ويشترط سماع كلّ منهما لما يصدر من الآخر، فلا يكفي مجرّد العلم بوقوعه على الأوجه، ولو لم يمكن أحدهما السماع كفى إفهامه وإعلامه بوقوع الصيغة بأي نحو كان.

وقد يشترط قصد الإسماع والإفهام من كلّ منهما لكلِّ منهما، ولا بأس به.

ويشترط تعيين كلّ من الموجب والقابل عند الآخر بالاسم أو الإشارة، فلو قصد أحدهما أو قصد مبهماً أو ردّد في قصده بطل.

ويشترط تعيين المنوب عنه لو صدرت الصيغة من وليّ أو وكيل، فلو قصد واحداً لا بعينه من المولّى عليهم أو الموكّلين أو ردّد بطل.

ويشترط الجزم بوقوع الأثر في وجه قويّ، فلو عقدا مع الشكّ في حصول الشرائط حين العقد ولكنّهما وطنا أنفسهما على حصولها فبان حصولها بطل العقد.

هذا في عقد الوقف؛ لمكان القربة والأقوى في غيره: عدم الاشتراط.

ويشترط في المتعاقدين البلوغ والعقل والرشد والاختيار مستمرّةً من ابتداء الإيجاب إلى انتهاء القبول لكلِّ منهما، حتّى لو عقد البالغ على غير البالغ فبلغ عند قبوله بطل على الأظهر.

ومع الشكّ في عروض الجنون يبنى على عدمه، وفي عروض البلوغ يبنى على عدمه، فلو صدر عقد ممّن تلبس بوصف مبطل له فشكّ في زواله حين العقد بني على فساد العقد، ولا يجري أصل الصحّة.

هذا إذا حصل الشكّ عند التلبس بالعقد، ولو حصل بعد الدخول في عمل آخر احتمل البناء على الصحّة؛ لعموم: «إذا شككت في شيءٍ وقد دخلت في غيره فشكك ليس بشيء» (1).

ولو صدر منه حال عقل أو جنون ولم يعلم السابق واللاحق وصدر منه عقد أيضاً ولم يعلم وقته، بني على أصل الصحّة.

ولو علم زمان الجنون ولم يعلم زمن العقد، حكم بفساده على الأظهر، وإن كان العكس حكم بصحّته.


1) وسائل الشيعة 1 : 469 - 470، الباب 42 من أبواب الوضوء، ح 2.

ولو علم وقوعهما وشكّ في السابق واللاحق قام احتمال الصحّة والفساد، واحتمال الصحّة قوي.

وكذلك لو علمنا بوقوع العقد والبلوغ وشككنا في السابق، ففيه الوجهان، واحتمال الصحّة هو الأقوى، سيما إذا وقع الشكّ بعد الفراغ والدخول في عمل آخر؛ لعموم: «إذا شككت في شيء وقد دخلت في غيره» (1).

وقد يناقش في الحكم بالصحّة : بأن أصالة الصحّة لا تحكم على وجود الشرط المشكوك في وجوده؛ لأصالة عدمه، ولعدم قيام دليل يقوّي تقديم أصل الصحّة على أصالة عدم إحراز الشرط.

نعم، تحكم على عدم وجود المفسد، وعدم طروء المانع من جنون أو سفه أو إكراه.

ويناقش في الرواية بظهورها في أجزاء العبادة الواردة في سياقها كما يساعدها الفتوى والاعتبار - فلا يجوز التعدّي عن الظاهر وإن كان خصوص المورد لا يخصص الوارد.

رابعها: اشتراط القربة في صحّة الوقف

رابعها: يشترط في صحّة الوقف القربة، بمعنى إيقاع الفعل لوجهه تعالى، ولا حاجة إلى نيّة الوجه كالندب.

ويشترط اقترانها بابتداء الصيغة واستمرار حكمها إلى آخر الإيجاب، والأحوط إلى آخر القبول، ويتولاها المباشر للصيغة.

ولا يبعد جواز توليها من الأصيل وجواز تولّي الصيغة الوكيل.

ويشكل حالها في الفضولي وسيّما لو كان غاصباً، إلّا أن يكتفى بالنيّة الصورية الحاصلة منه، أو بالنيّة المقارنة للإجازة، وكلاهما جوازه محلّ نظرٍ وتأمل.

والدليل على اشتراطها ظواهر الأخبار (2)المشعرة بأنّ الوقف اللّه، وأنّه يراد به وجهه وفي جملة من أخبار الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) تعليل الوقف بذلك (3)، ولو أنّ الوقف كسائر العقود والأفعال الصادرة عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) لما صلح التعليل في خصوص الوقف دون غيره؛ لأن أفعالهم كلها راجحة. وكلّها تصدر عنهم عن محض التقرب.


1) راجع الهامش (1) من ص 207.

2) وسائل الشيعة 19 : 209 - 210، الباب 13 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 2، 3.

3) المصدر : 199 - 203، الباب 10 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 3، 4.

فإن قلت: فإذا كانت القربة أمراً قلبيّاً فما الحاجة إلى ذكرها في اللفظ في تلك الأخبار؟

قلنا: فائدتها بيان تأكيد الصحّة؛ تحرّزاً عن شبهة الوقف الفاسد، كما يقولون: «وقفاً مؤبداً لا يباع ولا يوهب» ونحو ذلك.

ويدلّ على اشتراط القربة أيضاً قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الصحيح وفي الموثّق: «لا صدقة ولا عتق إلّا ما أُريد به وجه اللّه تعالى» (1)وظاهر النفي نفي الصحّة؛ لأنّه الأقرب إلى نفي الذات، مع احتمال إرادة نفي الذات، كما أنّ الظاهر بل المقطوع به شمول لفظ «الصدقة» في لسان الشارع للوقف على سبيل الحقيقة؛ لاستعمالها في وقوف الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) (2)على الإطلاق من دون نصب قرينة، وما تضمنته من لفظ «التأبيد» وشبهه ظاهر في كونه من القرائن المعينة لأحد فردي القدر المشترك، لا صارفة عن المعنى الحقيقي، ولئن سُلّم كون لفظ «الصدقة» فيه مجازاً في الوقف لكان إطلاقها عليه من الاستعارة والتشبيه القاضيين بسريان حكم المستعار للمستعار له.

ويدلّ عليه أيضاً أنّ ما يُشكّ في كونه عبادةً بالمعنى الأخص أم لا فالأصل يقضي بأنّه عبادة بالمعنى الأخص؛ لرجوع الشكّ فيه إلى الجزئية الراجع إلى الشكّ في تحقق الماهية؛ لأنّ القربة جزء من العبادة بالمعنى الأخصّ.

ودعوى أن الوقف معلوم المعنى وأنّه من العقود فالمشكوك في شرطيته ينفي بالأصل لإحراز صدق اسمه وإحراز كونه عقداً، فيشمله (أوفوا بالعقود) (3)والأصل عدم اشتراط شيءٍ آخر يدعيه الخصم، مردودة بمنع كون الوقف معلوم المعنى، بل هو مصادرة محضة، ومنع كونه عقداً، فلعله من الموضوعات الشرعيّة التي من جملة أجزائها العقد وليست نفس العقد على أنّ عموم (أوفوا بالعقود) (4)و «المؤمنون عند شروطهم» (5)يراد به العقود والشروط المعهودة، وكون الوقف الخالي عن القربة منها أوّل البحث، ولا يمكن إبقاء عمومها على حقيقته بعد أن علمنا أنّ الداخل مستهلك في جنب الخارج، وأنّ فقهاءنا قد أعرضوا عن عمومها، فلا بدّ من حملها على العهد، أو رميها بالإجمال، فيسقط بها في غير المعهود الاستدلال.


1) وسائل الشيعة 19 : 209 - 210، الباب 13 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 3، 4.

2) المصدر : 187، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 4، و 199 - 203، الباب 10 من تلك الأبواب، ح 3، 4.

3) المائدة (5) : 1.

4) المائدة (5) : 1.

5) تقدّم تخريجه في الهامش (3) من ص 65.

ويدلّ أيضاً على اشتراط القربة الإجماعُ المنقول على لسان الفحول (1)، المؤيد بفتوى الأعاظم وبالاحتياط.

وبما ذكرنا يتجه الردّ على مَنْ نفي اشتراط القربة (2)مستنداً للأصل، ولإطلاق أدلة الوقف وعموم (أوفوا بالعقود) (3)فالمشكوك في شرطيته منفي بالإطلاق، ويظهر ضعفه ممّا ذكرنا.

خامسها : اشتراط الدوام في صيغة الوقف

إشارة:

خامسها: يشترط في صيغة الوقف الدوام، بمعنى أن لا يوقت إلى وقت معلوم أو مجهول وينقطع عليها، إمّا لو وقف على أشخاص سنة أو أكثر ثمّ من بعده على المساكين احتملت صحته، ونقل الإجماع على جواز مثله في التذكرة (4)، وهو محل نظر وتأمل.

ولا بأس بتحديده إلى يوم القيامة، أو النفخ في الصور، أو إلى أن يرث اللّه تعالى الأرض ومَنْ عليها؛ لأنّه من الدائم.

ولا يشترط ذكر لفظ «التأبيد» أو «الدوام» وشبههما، بل يكفي عدم ذكر التحديد، كما يظهر من إطلاقاتهم.

وهل يجوز اقترانه بمدةٍ يعلم زيادتها على بقاء المال الموقوف، أو لا يجوز؟ والأظهر عدم الجواز؛ لظاهر الأدلّة.

وكما يشترط الدوام بنفس الصيغة يشترط الدوام بنفس الموقوف عليه، بمعنى كونه ممّا يدوم ولا ينقرض غالباً، سواء كان لا ينقرض بمرتبة واحدة أو بمراتب متعددة لا تنقرض جميعها، أو لا ينقرض أخيرها، أو لا ينقرض أوّلها أو وسطها.

وكما يشترط الدوام في الموقوف عليه يشترط الدوام بنفس الموقوف، بمعنى أن لا يكون مبنى الانتفاع به علی اضمحلاله، كالدهن والشمع والمأكول والمشروب لو كان الوقف فيها على تلك الجهة.

فهنا أحكام ثلاثة:
الأوّل منها: عدم جواز تحديد الوقف بنفس العقد


1) غنية النزوع 1: 296 - 298؛ السرائر 3: 155 - 157.

2) الروضة البهية 3 : 164 - 165.

3) المائدة (5) : 1.

4) تذكرة الفقهاء 20: 176، المسألة 100.

الأوّل منها: عدم جواز تحديد الوقف بنفس العقد، ويدلّ عليه الإجماع المنقول (1)، وظواهر الأخبار الواردة في وقوف الأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ)(2)من نفي التحديد، بل المقيدة لها بالدوام والتأبيد، وفتوى المشهور بل كاد أن يكون إجماعاً، وتقضي به القواعد المتقدّمة والأصول السابقة القاضية بأصالة عدم حصول أثر الوقف بغير المقطوع به من النصوص والفتاوى، وقد بينا أن الاستناد لإدخال الفرد المشكوك في صحّته في الصحيح إلى عمومات أدلة العقود والشروط وإطلاقات أدلة الوقف - من دون جابرٍ من شهرةٍ أو إجماع منقول أو نحوهما - ممّا لا يرتضيه الفقيه.

وقد يدعى أن الدوام مفهوم من لفظ «الوقف» عرفاً وشرعاً فلا يقع غير المؤبد وقفاً.

نعم، قد لا ينافي التأبيد الوقف على أولاده سنةً أو أكثر، ثمّ على غيرهم كذلك، كذلك، ثمّ على المساكين، ونقل الإجماع على صحّة مثل ذلك (3).

وهو محلّ منع ؛ لمنافاته ظواهر الأدلّة، وقياسه على الوقف الدائر مدار الوصف أو الشرط المنتقل بانتقالهما قياس مع الفارق.

وهنا كلام آخر، وهو أنّه لو قرن عقد الوقف بأجل معيّن فهل يقع وقفاً باطلاً، أو حبساً؟

وتحقيق ذلك: أنّ المذكور في العقد إمّا لفظ «وقفت» أو لفظ «حبّست» وشبههما، وعلى كلا التقديرين فإما أن يقصد بهما الوقف، أو يقصد الحبس، أو لا يقصد شيئاً، فإن قصد الحبس فالظاهر أنّه لا كلام في وقوعه حبساً، إمّا بلفظ «الحبس» فلوضعه له، وأما بلفظ «الوقف» فلصحة استعماله في الحبس استعمالاً شائعاً في الأخبار وفي العرف العام، وإن أطلق ولم يقصد شيئاً فالظاهر أنّه كذلك أيضاً في كلّ من الصيغتين؛ لانصراف اللفظ إلى المصحح مهما أمكن، ولأن الوقف والحبس متقاربان في المعنى، فإذا قرن الوقف بالمدة صار حبساً، كما إذا قرن الحبس بالدوام فإنّه يكون وقفاً. ونُسب الحكم بذلك إلى المشهور من أصحابنا، بل وإلى إجماع المتأخرين نقلاً (4)، بناءً على تحققهما في المسألة الآتية، واتحاد المسألتين في الحكم من حيث اشتراكهما في عدم التأبيد المشترط في الصحّة. وفيه نظر.


1) غنية النزوع 1: 298.

2) راجع الهامش (2) من ص 209.

3) راجع الهامش (4) من ص 210.

4) غاية المرام 2 : 374.

نعم، يمكن الاستناد في ذلك إلى الخبر: «أنّ كلّ وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة، وكلّ وقف إلى غير وقت جهل مجهول فهو باطل مردود على الورثة» (1)وإلى آخر: عن الوقف الذي يصحّ [كيف ] هو ؟ ثمّ روى الرواية الأولى ثمّ قال: قال قوم: إن الموقت هو الذي يذكر فيه أنّه وقف على فلان وعقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث اللّه تعالى الأرض ومَنْ عليها، وقال آخرون : هذا موقت إذا ذكر أنّه لفلان وعقبه ما بقوا، ولم يذكر في آخره: للفقراء والمساكين إلى أن يرث اللّه تعالى الأرض ومَنْ عليها، والذي هو غير موقتٍ أن يقول: هذا وقف، ولم يذكر أحداً، فما الذي يصحّ من ذلك؟ وما الذي يبطل؟ فوقّع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها» (2)حيث إنّه صحح الوقف الموقت في الأولى، وهو ظاهر في المحدود بغاية زمانية، أو المراد به ما ذكره في الرواية الأخيرة وهو: «أن يذكر أنّه لفلان وعقبه ما بقوا، ولم يذكر في آخره للفقراء والمساكين إلى أن يرث اللّه تعالى الأرض ومَنْ عليها».

وعلى كلا التقديرين فهو شاهد على جواز المحدود تصريحاً في الأُولى وتلويحاً في الثانية؛ لاشتراكهما في علّة المنع، ولا شكّ أنّ المراد بجوازه وقوعه حبساً لا وقفاً؛ لندور القائل بالوقف جداً هنا، بل لم نعثر على قائل به، ولكونه رجوعه إرثاً قرينة على ذلك أيضاً.

وأمّا إبطال غير الموقت فلا شك فيه على ما فسرته الرواية الثانية، وعلى ما هو الظاهر منه لا بأس بالتزامه في الحبس؛ لأنّ حكمه حكم الإجارة تفتقر إلى بيان المدّة.

وبالجملة، فالموقت قد صرّحت الرواية بصحّته، والمعنى الحقيقي له هو المغيّا بزمان خاص، فلا ينافيه المعنيان الآخران اللذان قد صرّحت الرواية الأخيرة (3)بصحّتهما، سواء كان استعماله فيهما على وجه الحقيقة أو المجاز، مع أنّ المعنى الأوّل فيه دلالة على تصحيح الموقت الحقيقي على ما قدمنا وجهه.

وإن قصد نفس الوقف المشروع وقفاً والمترتب عليه ثمراته فالأقوى البطلان مطلقاً؛ لتبعية العقود للقصود، وقصد الوقف ينافيه التأجيل، فيعود عليه بالنقض فيبطله.


1) وسائل الشيعة 19 : 192، الباب 7 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1.

2) المصدر : 192 - 193، ح 2.

3) المتقدّمة آنفاً.

الثاني منها: عدم جواز كون الموقوف عليه غير مبني على الدوام

والثاني: عدم جواز كون الموقوف عليه غير مبني على الدوام، فلو وقف على مَنْ ينقرض غالباً بطل الوقف؛ للأصل المتقدّم، ولأخبار وقوف الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) (1)المشعرة بشرطية ذلك، وللمفهوم من لفظ «الوقف» شرعاً وعرفاً المعهود من وقوعه كذلك بالنسبة إلى وقوف السالفين، ولاشتراطهم الدوام في الوقف عدا النادر منهم (2)، وهو مشعر بذلك.

والاستناد إلى عموم أدلّة العقود (3)والشروط (4)، تبين ضعفها، كالاستناد إلى عموم «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (5)فإنّ التمسك بعمومه موقوف على بيانية مفرده، وأنّه ليس على حد غيره من المجملات، وهو أول الكلام في المسألة.

وعلى ما ذكرنا فلو نوى الوقف المشروع وقفاً كان باطلاً؛ لأن العقود تابعة للقصود، فما قصده إذا لم يقع فلا يقع ما لم يقصد.

نعم، لو قصد الحبس بلفظ «الحبس» أو بلفظ «الوقف» أو أطلق في نيته فيهما صحّ حبساً؛ لقابلية الصادر منه لذلك من غير معارض فيُحمل عليه، ولأن استعمال الوقف في الحبس غير منكور في الشرع، وقد ورد استعماله كثيراً في الأخبار (6)وكلام الأصحاب، وقد صرّحت الرواية الأخيرة (7)بصحّة ذلك تصريحاً مرّةً وتلويحاً أُخرى، على أن الحكم بكونه حبساً هو المشهور نقلاً (8)بل تحصيلاً، ونُسب لعامة المتأخرين (9)أيضاً.

وحينئذٍ فالأقوى عدم بطلانه، وصحته حبساً، وهو أحد الأقوال في المسألة، والقول ببطلانه مطلقاً ضعيف، والتعليل بأنّه يكون من الوقف على المجهول أضعف؛ لأنّه بعد الانقراض لا موقوف عليه.


1) راجع الهامش (2) من ص 209.

2) راجع مفاتيح الشرائع 3 : 207، مفتاح 1109.

3) المائدة (5) : 1.

4) راجع الهامش (3) من ص 65.

5) راجع الهامش (2) من ص 212.

6) راجع الهامش (1 و 2) من ص 212.

7) المتقدّمة في ص 212.

8) راجع الهامش (4) من ص 211.

9) راجع الهامش (4) من ص 211.

نعم، يتّجه القول به فيما إذا كان القصد نفس الوقف المؤبد، وهو الثاني من الأقوال فيها.

والقول الثالث هو: صحّته وقفاً، ونُسب لجملة من أصحابنا (1)، ويظهر منهم صحّته وقفاً مع قصد الوقف ومع الإطلاق، وحينئذٍ فالوقف دائم منه ومنه منقطع.

ويحتج لهم عليه: بأنّه نوع تمليك وصدقة فيتبع اختيار المالك في التخصيص وغيره، ولأصالة الصحّة، وعموم الأمر بالوفاء بالعقد (2)، ولأنّ تمليك الأخير لو كان شرطاً في تمليك الأوّل لزم تقدّم المعلول على العلّة، ولأنّ «الوقوف على ما يوقفها أهلها» (3)ولعموم لزوم الوفاء بالعقد، ولزوم القيام بالشرط، وللتوقيع المتقدّم (4)، الدال على صحّة الوقف على مَنْ ينقرض، مستدلاً عليه بأنّ «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» وللخبر في وصيّة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بحوائطها السبعة إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثمّ الحسن ثمّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثمّ الأكبر من ولدها (5).

وفي الجميع نظر؛ لمنع جواز التوقيت في التمليك والصدقة؛ لأن المعهود من مشروعيتهما بناؤهما على الدوام، فلا يتبع فيهما اختيار المالك، والحبس إنما جاء الدليل بجواز التوقيت في التمليك به، ولولاه لما قلنا به [ و ] لمنع تمشية أصالة الصحّة فيما يقع الشكّ في اشتراط شيءٍ فيه وعدمه؛ للشكّ في اجتماع شرائط الصحّة والأصل عدمها، ولمنع شمول العمومات وشمول «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» للفرد المتنازع فيه؛ لأن صدق لفظ «الوقف» على الفرد المتنازع فيه وكذا اندراجه تحت لفظ «العقد المعهود» أوّل البحث، ومجرد تسميته عقداً لا يكفي في اندراجه في عموم الأدلّة؛ لأنّها مجملة أو منصرفة إلى المعهود، ولجواز كون تمليك الأخير شر شرطاً في تمليك الأوّل، فيقع التمليكان معاً إن قلنا بملكية البطن الأخير حين العقد وإن قلنا - كما هو الأظهر بامتناع تمليك المعدوم، وكان شرط تمليك الأوّل ذكر الأخير لبيان المصرف، وبيان أنّهم يملكون بعد وجودهم، بحيث إنّهم يتلقون الملك عن الواقف فيقعان دفعةً، وليس فيه تقدّم معلول على علّته، ولمنع كون ما وقع من فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)


1) كما في رياض المسائل 10 : 107.

2) المائدة (5) : 1.

3) راجع الهامش (2) من ص 212.

4) تقدّم في ص 212.

5) وسائل الشيعة 19 : 198، الباب 10 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1.

وقفاً، بل وصيّة، ولئن سلّمنا كونه وقفاً فما ذكرتهم فيه تريد به النظارة على الوقف، لا أنّهم هم الموقوف عليهم، ولئن سلّمنا كونهم كذلك فهي عالمة ببقائهم إلى أن يرث اللّه تعالى الأرض ومَنْ عليها، ولقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «حبلان متصلان لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض» (1)فإنّه ظاهر ببقائهما ما دام اللّه على الناس حجة.

ولا ينافيه ما قيل: إن افتراقهما لازم من بعد الموت إلى البعث، فعدم الافتراق [إما ] كناية عن الاجتماع باعتبار بقاء النفوس الناطقة، أو على ضرب من المجاز، ومعهما لا يفيد المطلوب (2)لأنّ الرواية ظاهرة في المبالغة باتصالهما، وطول زمان وجودهما، ولزوم التمسك بهما، واستمرارهما على الأعصار، وهذا كافٍ في صحّة الوقف.

وعلى ما ذكرنا من صحّته ووقوعه حبساً فلا بدّ من إجراء أحكام الحبس عليه من الالتزام بفساده لو نوى مقامه الوقف؛ لأنّ العقود تابعة للقصود، ومن بقاء المحبوس على ملك مالكه في كثير من الأحوال، ومن بقائه على جوازه فيما إذا حبس على معيّن، ومن رجوعه إلى الحابس بعد موت المحبوس عليه أو إلى ورثته، إمّا ورثته حين انقراض الموقوف عليه كالولاء، أو وارثه حين موت الوارث مسترسلاً.

وتظهر الفائدة فيما لو مات الواقف عن ولدين، ثمّ مات أحدهما عن ولد قبل الانقراض، فعلى الأوّل يرجع إلى الولد الباقي خاصّة، وعلى الثاني يشترك هو مع ابن أخيه؛ لتلقيه عن أبيه كما لو كان حيّاً.

والظاهر الأخير؛ لبقاء المال على ملك الواقف إلى موت الموقوف عليه وإن لم يجز له التصرّف فيه قبل الانقراض؛ عملاً بمقتضى الحبس.

ونقل بعض أصحابنا عدم الخلاف في انتقاله إلى ورثة الواقف على القول بالحبس (3)، وقطع به بعض أصحابنا (4).

وأمّا على القول بوقوعه وقفاً فلأصحابنا فيه قولان:


1) أورده العلامة الحلّى في مختلف الشيعة 6 : 266 المسألة :37؛ وفي الجامع الصحيح 5 : 663، ح 3788 بتفاوت.

2) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 355:5.

3) الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 356.

4) الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 110.

فقيل برجوعه إلى ورثة الموقوف عليه حين الانقراض (1)، بمعنى كونه ميراثاً يرثه وارث المنقرض الأخير؛ لأنّه قد ملك وبه انتهى الوقف.

مع احتمال أنّه يرثه وارث الموقوف عليه ابتداء ويسترسل، ولكنه بعيد.

واستدلّ لهذا القول بأنّ الوقف خرج عن ملكه فلا يعود، وبأن الموقوف عليه يملك الوقف فينتقل إلى ورثته.

وفي الجميع نظر؛ لمنع خروج كلّ وقف عن ملك صاحبه، ولمنع ملكية الموقوف عليه له؛ لاحتمال كونه ملكاً اللّه تعالى، ولمنع كون كلّ مملوك لا بدّ من انتقاله إلى الوارث.

وفي الغنية : انتقاله إلى وجوه البرّ (2).

وقيل بانتقاله إلى ورثة الواقف (3)- على الوجهين المتقدّمين - استناداً إلى أنّه لم يخرج عن ملكه بالكلية، وإنّما تناول أشخاصاً، فلا يتعدّى إلى غيرهم، وإلى أن الوقف على حسب ما يوقفه أهله، وإنّما وقفوه هنا على مَنْ ذكر فلا يتعدّى، ويبقى أصل الملك لهم كالحبس.

وإلى الخبر: عن رجلٍ أوقف غلة له على قرابة من أبيه وقرابة من أُمه، وأوصى لرجل ولعقبه من تلك الغلة ليس بينه وبينه قرابة بثلاثمائة درهم في كلّ سنة، ويقسم الباقي على قرابته من أبيه وأُمه؟ قال: «جائز للذي أوصى له بذلك»، قلت: أرأيت إن مات الذي أوصى له؟ قال: «إن مات كانت الثلاثمائة درهم لورثته يتوارثونها بينهم ما بقي أحد منهم، فإذا انقطع ورثته ولم يبق منهم أحد كانت الثلاثمائة درهم لقرابة الميّت ترد إلى ما يخرج من الوقف» (4).

وهذا القول جيد؛ للاستصحاب، ولما تقدّم من منع خروج الوقف الغير المؤبد عن الملك، ولهذه الرواية المجبورة بالشهرة المحكية (5)بل المحصلة سنداً ودلالةً، والمعتبرة بوجود صفوان في سندها، وبنقل ابن زهرة بأنّ على مذهبهم روايةً (6)، وبنقل الخلاف بأنّ عليه روايات (7).


1) المقنعة : 655: السرائر 3: 165.

2) غنية النزوع 1: 299.

3) النهاية : 599؛ الخلاف 3: 543 المسألة 9؛ المراسم : 198؛ المهذب 2 : 91؛ الوسيلة : 370؛ مختلف الشيعة 6 : 266، المسألة 38؛ مسالك الأفهام 5 : 356 - 357.

4) وسائل الشيعة 19 : 190، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 8.

5) رياض المسائل 10 : 110.

6) غنية النزوع 1: 299.

7) كما في رياض المسائل 10 : 110، ولم نعثر عليه في الخلاف.

وبمجموع ذلك يحصل الظن بأنّ الثلاثمائة درهم وقعت شرطاً في الوقف، فعند انقطاع المشروط له عادت لورثة المشترط دون ورثة المشروط له، ودون الموقوف عليهم، ولا فرق بين المال المشترط من الموقوف وبين الموقوف نفسه.

ثمّ إنّ ما تقدّم كلّه فيما إذا انقرض الموقوف عليه، ولو لم ينقرض فلا شك ببقائه، سواء قلنا: إنّه حبس أو وقف، إلّا إذا قلنا ببطلانه ابتداءً فلا شكّ في بقائه على ملك الواقف.

ثمّ إنّ القائلين بكونه وقفاً يشكل عليهم بما إذا قصد الواقف الوقف المؤبد، فإنّ صيرورته وقفاً قهراً مشكل جداً؛ لأنّ الوقف يكون عندهم قسمين منقطع، وغير منقطع، فتعين أحدهما ممّا ينافي وقوع الآخر.

الثالث منها: كون العين ممّا ينتفع بها مع بقائها

والثالث منها كون العين ممّا يُنتفع بها مع بقائها؛ لفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول (1)في الباب، وللشك في صدق الوقف على ما لا ينتفع به إلّا بذهاب عينه، ولأخبار الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) (2)المشعرة بإعراضهم عن وقف ذلك.

والفرد المشكوك في كونه ما يبقى كذلك وعدمه احتمل البطلان به؛ لعدم إحراز الشرط واحتملت الصحّة؛ استصحاباً لبقائه.

ولو كان ممّا ينتفع به مع بقائه إلّا أنّه قصير الأمد - كوقف بعض النباتات للشمّ مع سرعة زوالها - فلا يبعد جوازه.

ولو كان الشيء ممّا يضمحل بالانتفاع تدريجاً ولكن ليس المقصود ابتداء إتلافه جاز وقفه.

سادسها: اشتراط التنجيز في الوقف

سادسها: يشترط في الوقف التنجيز، بمعنى أن لا يعلق على أمر مشكوك بوقوعه وعدمه، كقدوم الحاجّ، أو إدراك الغلة.

ويشترط فيه مقارنة أثره لوقوع صيغته، فلا يصحّ «وقفت غداً» أو «إذا أهل الهلال».

وبالجملة، فلا بدّ من مقارنة الإنشاء والمنشأ من الملك والتمليك والأثر والتأثير لنفس الصيغة، فلو أخر واحداً منها فسد الوقف؛ للشكّ في صحته، واندراجه تحت قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (3)، واندراجه تحت المعهود من العقود.


1) غنية النزوع 1: 296.

2) راجع وسائل الشيعة 19: 199 - 203، الباب 10 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 3، 4.

3) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 212.

ولا بدّ فيه من الجزم، فلو علّق على شرط أو صفةٍ متوقعين فسد.

وكذا لو ردّد بين وقفين، أو إيجابين، أو قبولين، أو بين موقوف عليهما اثنين، أو بين موقوفين، أو بين موقوفين على موقوف عليهما اثنين على تقديرين، أو بين حبس ووقف، فسد كذلك.

ولو علّق على شرط واقع حين العقد أو صفةٍ كذلك وكان العاقد عالماً بوقوعه، صحّ، که «وقفت عليك إن طلعت الشمس» وهو عالم بطلوعها؛ لعموم الأدلّة وخصوصها من غير معارض، وربما يدعى الاتفاق على صحته.

ولا يجوز اشتراط الخيار في عقد الوقف، فلو اشترط فيه الخيار فسد.

ولا يدخله خيار فوات الشرط؛ لأنّه من العبادات النافذة، فلا يعود.

نعم، يلزم الشرط؛ لعموم الأدلّة، كما سيجيء (1)إن شاء اللّه تعالى.

سابعها: في أنّه يشترط في صحّة الوقف القبض للموقوف من الموقوف عليه

سابعها: يشترط في صحّة الوقف القبضُ للموقوف من الموقوف عليه - بنفسه أو بوكيله، بدفع الواقف أو بإذنه - على نحو قبض البيع إمساكاً ونقلاً وكيلاً ووزناً وتخليةً، على وجه محلَّلٍ. غير منهي عنه، ويشترط استمرار نيّة التقرب إليه؛ لأنّه به يتم الوقف، وهو جزء السبب الناقل عن الملك، فلا ينتقل الملك قبله، ويجوز الرجوع به، ويبطل الوقف بالموت أو الجنون أو الفسخ قبله، وليس شرطاً في اللزوم، كما قد يُتخيّل، ولا أنّ عدمه فاسخ من حينه، فالنماء حينئذٍ قبله للموقوف عليه، ولا أنّ حصوله كاشف عن وقوع العقد صحيحاً ابتداء.

والظاهر أنّ الحكم بذلك غير مختلف فيه على نحو ما ذكرناه، وقواعد الشرائط تقضي به وإجمال لفظ «الوقف» وأصالة عدم السببية في غير المقطوع به تقتضيه أيضاً.

وفي الصحيح ما يؤذن به: عن الرجل يوقف الضيعة ثمّ يبدو له أن يحدث في ذلك شيئاً، قال: «إن كان وقفها لولده ولغيرهم ثمّ جعل لها قيماً لم يكن له أن يرجع فيها، وإن كانوا صغاراً فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع فيها، وإن كانوا كباراً لم يسلّمها إليهم ولم يخاصموا حتّى يحوزوها عنه فله أن يرجع فيها؛ لأنّهم لا يحوزونها»(2).


1) سيأتي في ص 229 و 231.

2) وسائل الشيعة 19: 180، الباب 4 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 4.

وفي آخر: «وأما ما سألت عنه من الوقوف على ناحيتنا وما يجعل لنا ثمّ يحتاج إليه صاحبه، فكلّ ما لم يسلّم فصاحبه فيه بالخيار، وكلّ ما سلّم فلا خيار فيه لصاحبه، احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى» (1).

وفي ثالث - ومورده الصدقة وهو ظاهر في الوقف أو شامل له : في رجل تصدق على ولد له قد أدركوا، قال: «إذا لم يقبضوا حتّى يموت فهو ميراث فإن تصدق على مَنْ لم يدرك من ولده فهو جائز، لأنّ الوالد هو الذي يلي أمره» (2)إلى غير ذلك.

والظاهر أن موت الموقوف عليه مبطل للوقف - كموت الواقف - إذا كان قبل القبض، ولا يصحّ قيام البطن الثاني مقامه مع احتمال قيام وارثه مقامه. ويفرّق بينهما بأن موت الواقف ينقل المال إلى وارثه بخلاف موت الموقوف عليه، فإنّ المال بحاله لم ينتقل إلى غيره؛ لعدم تماميّة الملك، وهو ضعيف.

وعلى اشتراط القبض في الصحّة فهل يشترط تعقيبه للعقد فوراً؛ لأنّه ركن كالقبول، وللشك في الصحّة بدونه، أو لا يعتبر؛ لأنّ الشرط تحققه - كالقبض في بيع الصرف - لا فوريته، ولأنّ اعتبار الفورية في القبول قضى بها العقد؛ لارتباط القبول بالإيجاب، ولابتنائه عليه حتّى کأنّه كلمة لا استقلال لها، بخلاف الفورية في القبض، فإنّه لا يقضي بها شيء؟

وفي الروايتين المتقدّمتين - الدالّتين على تعليق البطلان بعدم القبض إلى الموت - إشعار بعدم الفوريةّ.

ثمّ إنّ القبض إنما يعتبر في البطن الأوّل خاصّة، كما هو اللائح من الأخبار، وعليه ظاهر اتّفاق الأصحاب، والسيرة أيضاً قاضية به، فلا عبرة بالبطون اللاحقة قبضت أو لم تقبض.

ثامنها : قيام الولي مقام المولّى عليه في قبول الوقف وقبضه

ثامنها: يقوم الولي مقام المولّى عليه في قبول الوقف وقبضه؛ لأن يده يده، سواء كان الولي إجبارياً كالأب والجد، أو جعليّاً كالمنصوب من قبل الواقف كالنظار، أو المنصوب وليّاً على اليتيم كالوصي والحاكم.


1) وسائل الشيعة 19 : 181 - 182، الباب 4 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 8.

2) المصدر : 180، ح 5.

والتردد في ولاية الوصيّ هنا؛ لضعفها، ضعيف، وذلك لأنّ يد الوصي بالنسبة إلى الطفل كيد الموصي في قبض ومنع وقبول لعقد معاوضةٍ أو مجاني، وتضعيفها بعد قيام الدليل ضعيف.

ثمّ إن المال لو كان بيد الولي فوقفه على المولّى عليه فإن نوى قبضاً جديداً عن المولّى عليه فلا كلام، وإن لم يَنْوِ القبض عنه فإن نوى العدم فلا كلام ببطلانه، ولا يقع قهراً كما قد يُتخيّل، وإن لم يَنْوِ شيئاً احتملت صحّة القبض؛ لأن الشرط تحقق القبض بعد الوقف وقد حصل الشرط، وعدمها؛ لأنّ الشرط وقوع القبض عن الوقف ولم يحصل فلا يجزئ.

والأظهر أنّه إن نوى القبض لغير الوقف لم يجز للوقف، كما إذا اتهب على المولّى عليه وأوقف وباع صرفاً فعين القبض عن أحدها، فلا إشكال في انصرافه للمعين ابتداء واستدامةً وبطلان غيره، وإن لم يعيّن فإن نوى العدم كان قبضه بمنزلة العدم، وإن لم ينو فلا يبعد إجزاء القبض من دون نيّة كونه للقبض، ومن دون تجديد فعلي له.

ولو وقف الواقف على مَنْ بيده الموقوف، فإن كان لا يعلم بكونه بيد الموقوف عليه فلا يجزئ القبض قطعاً؛ لتوقفه على الإذن ولم يحصل، وإن علم به فإن كان مقبوضاً سابقاً للوقف أجزأ ولم يحتج إلى قبض جديد ولا إلى إذنٍ جديدة، وإن كان مقبوضاً على وجه آخر من رهن أو عارية أو وديعة احتمل إجزاؤه؛ تنزيلاً للعلم به والوقف بعده منزلة الإذن، واحتمل العدم؛ لأنّ الوقف مع العلم لازم أعمّ فلا يدلّ على الإذن.

ثم لو جعلنا ذلك بمنزلة الإذن فهل يفتقر إلى تجديد قبض ليكون القبض عن الوقف؟ وجهان.

والأقرب: عدم اشتراط نيّة كون القبض للوقف في الاستدامة وإن اشترط ذلك في الابتداء بالنسبة إلى الواقف.

وإن كان مقبوضاً من غير إذن كغصبٍ ونحوه، فالظاهر عدم إجزاء إجراء صيغة الوقف في الإذن، وافتقار الغاصب إلى إذن في القبض للوقف، ولا يكفي مجرّد القبض الأوّل؛ لأنّه قبض منهي عنه، وقد وقع من دون إذن المالك فلا يترتب عليه السبب الشرعي.

نعم، لو قلنا: إنّ الوقف على الغاصب رضى له بقبضه له وتسليط له عليه، اتجه كفاية استمرار القبض الأوّل وإن كان في الابتداء منهياً عنه؛ لارتفاع النهي بقرائن الرضى التي صدور الوقف أحدها.

وهل يشترط فيما يكون القبض فيه التخلية مضيّ زمان يمكن وصول الموقوف عليه أو وكيله إليه، أم لا؟ وكذا فيما قبضه غير التخلية وكان تحت يد الودعيّ أو المستعير، فهل يشترط مضي زمان يمكن إمساكه فيه أو نقله إليه أو كيله أو وزنه أو غير ذلك، أو لا يشترط مضي الزمان، كما لا يشترط تجديد الإمساك والنقل والكيل والوزن؟

تاسعها: فيما لو كان الوقف على جهة عامة كان القبض عنهم موكولاً للحاكم بنفسه أو بوكيله

تاسعها: لو كان الوقف على جهةٍ عامة، كان القبض عنهم موكولاً للحاكم بنفسه أو بوكيله؛ لأنّه المتولّي للجهات العامّة نقلاً أو انتقالاً، ولا يكفي قبض واحد من أهل تلك الجهة.

وألحق بعض أصحابنا بقبض الحاكم قبض القيم المنصوب من طرف الواقف للقبض (1)، فإنّه يقوم مقام قبض الحاكم.

وأطلق بعضهم تحقق القبض في وقف المسجد والمقبرة بصلاة واحدٍ ودفن واحد(2).

وقيده آخرون بوقوع ذلك بإذن الواقف؛ لاشتراط الإذن في القبض (3).

وقيده ثالث بوقوع الصلاة والدفن بنيّة القبض للوقف، فلو وقع لا بنيته أو بنيّة الغصب أو مع عدم العلم لم يجز (4).

وهذا كلّه لا يخلو من إشكال؛ لأنا بعد أن حكمنا بلزوم القبض من الموقوف عليه أو مَنْ بحكمه - من الوليّ العام أو الخاص، أو الحاكم الشرعي في الأوقاف على الجهات العامّة، أو على الأصناف الخاصّة أو العامّة - فلا وجه لتجويز الاكتفاء بقبض مَنْ نصبه الواقف قيماً للقبض، أو الاكتفاء بصلاة واحدٍ في المسجد فرضاً أو نفلاً، أو بدفن واحد، أو نزول واحدٍ في الرباط، أو قراءة واحدٍ في المدرسة، إلّا أن ينعقد إجماع على ذلك، وفي انعقاده كلام.

وقد يوجه الاكتفاء بقبض القيم المنصوب من الواقف بما ورد في الرواية السابقة (5)أنّه «لو وقفها على ولده وعلى غيرهم ثمّ جعل لها قيماً لم يكن له أن يرجع» فإنّ الظاهر إرادة


1) راجع مسالك الأفهام 5 : 372 - 373؛ ورياض المسائل 10: 101.

2) شرائع الإسلام 2: 171 - 172؛ قواعد الأحكام 2 : 389؛ التنقيح الرائع 2: 302.

3) مسالك الأفهام 5: 373؛ كفاية الفقه 2 : 9.

4) قواعد الأحكام 2 : 389؛ جامع المقاصد 9: 24.

5) سبق تخريجها في ص 218، الهامش (2).

الولد الكبار؛ لأنّ الصغار ذكرهم بعد ذلك، والظاهر أنّ نصب القيم للقبض؛ لعدم مدخلية غيره في عدم جواز الرجوع، وقد يشير إليه خبر التوقيع (1)أيضاً.

وقد يوجه الاكتفاء بالفعل أيضاً فيما لو كان الوقف على الجهة؛ لأنّ قبض الجهة غير معقول بغير هذا النحو، فقبضها صدور الفعل من واحد أو أكثر على ذلك النحو.

وفى هذا الأخير نظر؛ لأنّ الوقف على الجهة وقف على المسلمين، فيتولى القبض وليهم كما يتولى القبول منهم.

نعم، لو قلنا: إن الوقف العام مطلقاً أو الوقف على الجهات بمنزلة التحرير غير مفتقر إلى قبول أو إلى قبض لاتجه ذلك، ولما احتجنا أيضاً إلى صلاة واحد أو دفنه بالكلية، ولكن لا نقول به.

وقد يقال: إن القبض هو التخلية فى أمثال هذه، ولا شكّ أنّ القابض قد خلّى بين الموقوف وبين الموقوف عليه وهو سائر المسلمين، ولما لم يمكن إعلامهم كفى قبض العالم منهم، أو يقال: إن رئيسهم ووليّهم وإمامهم عالم بذلك.

وقد يرد على ذلك: أنّه لا حاجة إلى فعل فرد من أفراد تلك الجهة من صلاةٍ أو دفن أو غيرهما؛ لحصول التخلية وكفايتها في القبض عن صدور الفعل عن القابض.

ثمّ إن القبض هنا قد يقوى كفاية التخلية فيه مطلقاً، وكفاية صدوره بإذن المالك ولو بالإجازة المتأخرة، من دون حاجة إلى انضمام نيّة القربة إليه، بل لو وقع على وجه محرم - كما إذا قبض بآلةٍ محرَّمة أو في مكانٍ محرَّم - أجزأ، ولكن الأظهر ما قدمناه.

والناظر إذا جعله الواقف ناظراً في الوقف كان قبضه كافياً في الوقف العام - كما تقدّم - وفي الخاص، كما تشعر به الرواية (2)، ولا يفتقر إلى قبض من الموقوف عليهم بعد ذلك، ولا يكفي قبوله عن الموقوف عليه في الخاص والعام؛ للأصل، وعدم الدليل.

ولو جعل الواقف قيماً لمجرد القبض لا لغيره من مصالح، ففي صحّة ذلك وكفاية قبضه وجهان.


1) تقدّم خبر التوقيع في ص 212.

2) راجع ص 219.

عاشرها: في أنّه يشترط في الوقف إخراجه عن نفسه وتخليتها عنه ملكاً وانتفاعاً وعوداً إليه وقت الحاجة

إشارة:

عاشرها: يشترط في الوقف إخراجه عن نفسه، وتخليتها عنه ملكاً وانتفاعاً وعوداً إليه وقت الحاجة على وجه الشرطية، أو على وجه الركنية فيما يصحّ جعله ركناً، فها هنا أُمور:

هنا أُمور:
الأوّل: عدم صحّة وقف الإنسان على نفسه شيئاً

الأوّل: لا يصحّ وقف الإنسان على نفسه شيئاً؛ إجماعاً وشهرةً منقولتين (1)بل محصّلتين، ولأن الوقف إزالة ملك وإدخاله على الموقوف عليه، كما نقل عليه الإجماع (2)، والملك متحقق ها هنا، فلا يمكن إدخاله وتحديده بالنسبة إلى المالك؛ ولأنّه تمليك منفعة، أو عين ومنفعة، ولا يعقل بالنسبة إلى المالك.

ويظهر من ذلك: أنّه لو شرط في الوقف أن لا يخرج الوقف عن ملكه، أو لا يدخل في ملك الموقوف عليه - بناءً على أنّ الوقف يملكه الموقوف عليه - أو قصد ذلك بطل الوقف؛ لمنافاته مقتضى الوقف، وفي الأخبار الآتية - إن شاء اللّه تعالى - ما يؤذن بمنع وقف الإنسان على نفسه.

الثاني: بطلان الوقف فيما لو وقف الإنسان على نفسه أو أشرك مع نفسه غيره في الوقف

الثاني: على ما ذكرنا لو وقف الإنسان على نفسه فقط بطل؛ لأنّه منقطع الأوّل والأخير والوسط. ولو أشرك مع نفسه غيره في الوقف بطلا معاً؛ لأنّ تبعيض الصفقة على خلاف الأصل، ولأنّ القصد إلى وقف المجموع فما لم يسلم المجموع لم ينفذ في البعض؛ لأنّه لا يقع ما لم يقصد، ولتعلّق النهي الأصلي والتشريعي به فلا يجامع القربة المشروطة به؛ لأنّه عقد واحد.

ويحتمل الصحّة فيما يصحّ والبطلان فيما يبطل؛ لأنّ العقد وإن لم يتبعض بنفسه إلّا أنّه يتبعض أثره، فيؤثر في القابل وينصب عليه دون غير القابل، ولأن القصد إلى الجميع لا المجموع بشرط المجموعيّة، فإذا بطل شيء منه لا يبطل الجميع؛ وللمنع من اجتماع القربة مع النهي لحيثيتين مختلفتين، فتصح القربة فيما تصحّ فيه وتفسد فيما تفسد.

وفي هذا الأخير تأمل، والأقرب الأوّل.

وعلى الصحّة فيما تصحّ فيه فلو أوقف على نفسه وعلى زيد احتملت الصحّة بالتنصيف، واحتملت الصحّة بالكلّ فيعود كلّه لزيدٍ؛ تغليباً لجانب الصحّة في قصده، ولأنّه قد أخرجه عن نفسه فينصب على ما يمكن انصبابه عليه.


1) رياض المسائل 10 : 112؛ الحدائق الناضرة 22 : 155.

2) رياض المسائل 10 : 112.

وفيه: أن القصد توزيع الموقوف على الموقوف عليه، فانحصاره في واحد خلاف قصده، والعقود تابعة للقصود.

ولو وقفه على نفسه والفقراء، احتملت الصحّة بالتنصيف، أو الجميع - على ما تقدّم - وبالثلاثة أرباع للفقراء؛ لأن الجمع ثلاثة.

ولو وقف على نفسه والمسجد، احتملت الصحّة بالتنصيف، واحتمل كونه بمنزلة الجمع؛ لأنّه وقف على المصلين من المسلمين.

الثالث: حكم ما لو وقف على نفسه ثمّ على غيره

الثالث: لو وقف الإنسان على نفسه ثمّ على غيره كان منقطع الأوّل، فيبطل في الأوّل إجماعاً.

وفي صحّته بالنسبة إلى ما بعده قولان:

فقيل بالبطلان (1)للشكّ في دليل الصحّة، ولمنافاته للتقرب بالصيغة، وللزوم أحد أُمور باطلة: إمّا صحّة الوقف على نفسه إن صححناه في الجميع، أو صحّة الوقف المعلق إن صححناه بعد مضي زمن وجوده في الباقي، أو وقوع الوقف المشروط على غير ما شرط الواقف إن صححناه في الباقي في الحال، والمفروض أنّ الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها.

وهذا هو الأقوى، ونُسب للأكثر (2)ولمذهب أصحابنا (3).

وقيل بالصحّة (4)لعموم (أوفوا بالعقود) (5)و «المؤمنون عند شروطهم» (6)و «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (7).

وفي الجميع نظر ؛ لضعف العمومات وانصرافها إلى المعهود، وإجمال لفظ «الوقوف» مضافاً إلى انصراف لفظ «العقد» و «الوقف» إلى كلّه بتمامه، فهو المأمور بالوفاء به، وتمامه لا يجب الوفاء به هنا إجماعاً، والبعض غير مأمور بالوفاء به، فلا يصلح التمسك بالعمومات لإثبات الصحّة في البعض المشكوك به.


1) رياض المسائل 10 : 113.

2) نسبه للأكثر الطباطبائي في المصدر.

3) نسبه لمذهب أصحابنا الشيخ الطوسي في المبسوط 3: 293.

4) المبسوط 3: 293؛ الخلاف 3 : 544، المسألة 10.

5) المائدة (5) : 1.

6) تقدّم تخريجه في الهامش (3) من ص 65.

7) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 212.

وعلى القول بالصحّة في الأخير فهل يُحكم بها بعد إجراء صيغة الوقف؛ لصدور صيغة الوقف وعدم قبول محلّ لها سوى ما بعد نفسه، فيؤثر العقد في القابل دون غيره، أو يُحكم بها بعد موت الواقف وذهاب نفسه؛ لأنّ القصد في الوقف ذلك، والعقود تتبع القصود، والوقوف على حسب ما بوقفها أهلها؟

وهذا الأخير أوجه لو لا لزوم بقاء العقد معلقاً من دون تأثير إلى ما عد انقضاء الأوّل، وهو في العقود غير معقول؛ لاشتراط التنجيز فيها.

ويلحق بالوقف على نفسه ابتداء كلّ وقف غير صحيح ابتداء، كالوقف على الملك والجنّ والبهائم والطيور والمعدوم والميت والمملوك وما يحرم الوقف عليه، وكما أن هذه لو وقعت في الابتداء كان من منقطع الأوّل، فكذلك لو وقعت في الأثناء كان من منقطع الوسط، وجاء الكلام في صحّة ما بعده وفساده كالكلام في منقطع الأوّل.

ولو صححنا الآخر بعد انقطاع زمن الأوّل، ففي تقديره في الملك والجن والجمادات والميت التي لا يعقل ذهابها وعود الوقف إلى مَنْ بعدها إشكال، ولا يبعد هنا الحكم بالبطلان لا غير.

ويجيء الإشكال في تقدير زمن البهائم والطيور، فلا بدّ من التأمل، وسيجيء إن شاء اللّه تعالى تمام الكلام.

الرابع: حكم ما لو وقف واقف على جهة من الجهات وقفاً عاماً

الرابع: لو وقف واقف على جهةٍ من الجهات - كوقف مسجد أو قنطرة أو مدرسة أو دار على المسلمين أو الفقهاء أو العلماء، أو وقف على نفس المسجد شيئاً، أو على نفس القنطرة، أو على نفس الدار الموقوفة - وقفاً عاماً، فإن أطلق ولم يلاحظ نفسه بإدخال أو بإخراج صحّ الوقف قطعاً، وعلى ذلك جرت طريقة الأوقاف خلفاً وسلفاً، وجاز للواقف أن يشارك الموقوف عليه بالمنافع والنماء والانتفاع، ويكون حاله حالهم، بل ويختص به عند انحصاره فيه، ولا يكون من الجهة التي يبطل مصرفها، والظاهر أنّه يكون من الأفراد الموقوف عليهم بحكم الشارع.

ويمكن الاستدلال على ذلك بالسيرة وعمل المسلمين المستمر على ذلك، وبفتوى المشهور، والإجماع المنقول (1)على جواز المشاركة الظاهرة في كونه واحداً منهم، ولا يتفاوت الحال بين اتصافه بالوصف حين الوقف أو بعده.


1) المبسوط 3 : 299؛ غنية النزوع 1: 297.

وربما يؤيد ذلك أيضاً : بأن الوقف على مثل ذلك ليس وقفاً على الأشخاص المتّصفين بتلك الصفة أولاً وبالذات، بل على الجهة المخصوصة لانتفاع المتصف منهم بذلك الوصف به، ولذا لا يعتبر قبولهم ولا قبول بعضهم ولا قبضهم، ولا يجب صرف النماء إلى جميعهم، ولا ينتقل الملك إليهم.

وعلى هذا فالواقف يدخل تبعاً باعتبار اتصافه، فلا يكون ملحوظاً ابتداء، ودخول الواقف تبعاً على هذا النحو لا دليل على منعه.

وقد يورد على هذا التأييد بأن الوقف على الجهة وقف على الأشخاص بالحقيقة؛ لعدم معقولية الوقف على ما لا يملك وما لا يعقل، وأخذ الجهة في الوقف إنما كان عنواناً للتوصل به إلى أفراد ذلك النوع في مثل الوقف على العلماء والفقهاء، أو للتوصل به إلى المصلين والزائرين والمدرّسين في مثل الوقف على المسجد والمدرسة والخان. فعلى أي تقدير فأفراد ذلك النوع ملحوظة للواقف في الجملة، ودعوى عدم انتقال الملك إليهم وعدم اعتبار قبولهم وقبضهم، حيّز المنع، فيعود الكلام إلى أنّ الواقف قد دخل في الوقف على الجهة ويعود المحذور، فإذن العمدة في الاستدلال ما قدّمناه سابقاً.

وبذلك يظهر ضعف ما ذهب إليه الحلّي من منع المشاركة؛ للإجماع على لزوم إخراج الواقف نفسه، ولا يمكن ذلك مع بقاء المشاركة (1).

وذلك لأنّ الإجماع ظاهر في لزوم ذلك في الوقف الخاص أو العام مع ذكر نفسه صريحاً أو القصد إليها ضمناً، لا مطلقاً؛ لفتوى مشهورهم وإجماعهم المنقول بجواز المشاركة عند اتصاف الواقف بصفة الموقوف عليه ابتداءً أو استدامة، فلا يمكن الاستناد إلى ما ذكره من الإجماع.

ومن ذلك يظهر أنّه لو أدخل نفسه صريحاً أو قصد إدخال نفسه فالأقرب: البطلان، وإن ظهر من فتاوى المشهور وإطلاقاتهم جواز المشاركة مطلقاً ولو مع ذكر نفسه أو قصد إدخالها معهم؛ لإمكان صرف إطلاقاتهم إلى صورة عدم ذكر نفسه وعدم القصد إلى إدخالها.

وليس من القصد إلى إدخالها العلم بدخوله شرعاً بعد إجراء صيغة الوقف على الإطلاق، كما هو الظاهر من الفتوى وسيرة المسلمين.


1) السرائر 3: 155.

أما لو شرط خروجه وعدم المشاركة فلا يبعد صحّة الشرط، وعدم جواز مشاركته لهم حينئذٍ. و احتمال فساد الوقف؛ لمنافاة الشرط لمقتضاه، أو فساد الشرط فقط، فتجوز له المشاركة قهراً بعيدان.

ونُقل عن العلّامة (رَحمهُ اللّه) التفصيل بين الوقف على المصالح العامّة كالمساجد والقناطر وبين الوقف على أرباب الصفة كالفقراء والعلماء، فأجاز المشاركة في الأوّل دون الثاني (1).

وفيه نظر؛ لأنّه إن أراد بالأوّل ما يوقف على المسلمين من المساجد والقناطر وشبههما، فيتجه عليه عدم الفرق بينه وبين الأخير، سوى أن الأوّل أعم والثاني أقل منه عموماً، وهو لا يصلح للفرق، وإن أراد به ما يوقف على نحو المساجد والقناطر، فيتجه عليه أن كلا منهما وقف على الأشخاص وإن أُخذت المساجد والقناطر عنواناً في الأوّل دون الثاني، واختلاف العناوين لا يصلح فارقاً.

نعم، نُقل عن العلامة (رَحمهُ اللّه) أيضاً : الفرق بين ما ينتقل فيه الوقف اللّه تعالى - كالمساجد - فتصح للواقف المشاركة؛ لأنّ مال اللّه تعالى تتساوى جميع خلقه فيه، ولأنّه ليس وقفاً على أحد من خلقه، وبين ما لا ينتقل إليه بل إلى المخلوقين فلا تصحّ فيه (2).

وهو جيّد؛ بناءً على انتقال الملك لله تعالى في المساجد.

الخامس: بطلان الوقف فيما إذا شرط الواقف قضاء ديونه منه أو إدرار مؤونته منه

الخامس : يبطل الوقف إذا شرط الواقف قضاء ديونه منه أو إدرار مؤونته منه، أو أن له حصةً من نمائه، أو أنّه ينتفع به بسكنى أو لباس أو نحوهما، ونُقل عن الأصحاب القطع به في الجملة (3)، ونُقل عليه الإجماع (4).

ويستدلّ عليه بالأصل وعدم انصراف أدلّة الوقف لمثل ذلك؛ لعدم معهوديته، فلا يدخل تحت قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (5).

ويمكن الاستدلال له بالخبرين في أحدهما رجل تصدق بدار له وهو ساكن فيها، فقال له الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اخرج منها» (6)ولم يسأله عن أنّه اشترط له السكنى أم لا، وفي الثاني بعد أن سئل عن


1) نقله عنه الطباطبائي في رياض المسائل 10: 181، ولم نعثر في مختلف الشيعة على غير ما يأتي في الهامش التالي.

2) مختلف الشيعة 6 : 260، المسألة 32.

3) رياض المسائل 10 : 115.

4) رياض المسائل 10 : 115.

5) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 212.

6) وسائل الشيعة 19: 178 الباب 3 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 4 بتفاوت يسير.

أكل الواقف من الضيعة التي وقفها: «ليس لك أن تأكل منها، فإن أنت أكلت منها لم ينفذ، إن كان لك ورثة فيع وتصدق ببعض ثمنها في حياتك، فإن تصدقت أمسك ما يقوتك مثل ما صنع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)»(1)فإن ظاهر عدم النفوذ هو اشتراط عدم الأكل منها؛ إذ الأكل بمجرده لا يصلح لإبطال الوقف.

ولو شرط الواقف أكل أضيافه أو عياله الغير واجبي النفقة فلا بأس، وكذا لو شرط أكل واجبي النفقة لا من حيثية الإنفاق.

أما لو شرط خروج نفقة عياله الواجبة من الوقف أو خروج نفقة مملوكه أو دابّته، فسد الشرط والوقف؛ لعود الاشتراط إلى نفع نفسه وإدرار مؤونته فيدخل تحت دليل المنع.

نعم، لو شرط أكل عياله وكانوا أرحاماً فاستغنوا به فسقطت عنه النفقة لاستغنائهم صحّ.

ويشعر بجواز ذلك وقف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، و وقف فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) على ما روي عنهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (2).

ولو وقف على الزائرين له أو المصلين عنه أو الصائمين، صحّ لو قصد الوصف، حتّى لو كان هو الداعي له للوقف ولهم للعمل أيضاً.

ولو وقف لأن يصلّى عنه أو يصوم (3)عنه في حياته أو بعد موته - بمعنى صرف منافعه في وجوه القربات عنه - فسد الوقف على الأظهر؛ لأنّه في معنى عود الوقف إليه وصرفه على منافع نفسه من دون تفاوت بين الموت والحياة على الأظهر.

السادس: حكم ما لو وقف الواقف وشرط عود الوقف إليه عند الحاجة

السادس: لو وقف الواقف وشرط عوده إليه عند الحاجة، فالأظهر البطلان؛ لمنافاة هذا الشرط لمقتضى عقد الوقف عرفاً وشرعاً؛ لابتنائه على الدوام وعلى خروج الملك منه بحيث لا يعود إليه، وللإجماع المنقول (4)المعتضد بالقواعد والأصول.

ولظاهر الخبرين المعتبرين :

في أحدهما: عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كلّ وجه من وجوه الخير، قال: إن احتجت إلى شيءٍ من المال فأنا أحق به ترى ذلك له وقد جعله اللّه سبحانه يكون له في حياته، فإذا هلك الرجل يرجع ميراثاً أو يمضي صدقة؟ قال: «يرجع ميراثاً على أهله» (5).


1) وسائل الشيعة 19 : 176. الباب 3 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1.

2) المصدر : 198 - 199، الباب 10 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1، 2.

3) كذا، والظاهر : «يصام».

4) السرائر 3: 156.

5) وسائل الشيعة 9: 177 - 178، الباب 3 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 3.

وفي الثاني: «مَنْ أوقف أرضاً ثمّ قال: إن احتجت إليها فأنا أحق بها، ثمّ مات الرجل فإنّها ترجع إلى الميراث» (1).

والظاهر عدم التفاوت بين اشتراط عود عينه إليه على وجه الملك أو الوقف، وبين عود منفعته، وبين اشتراط عوده وقفاً بعد الاستغناء وبين عدمه.

وقيل بالصحّة (2)، فيكون وقفاً إلى وقت الحاجة فيعود طلقاً، ونُقل عليه الإجماع (3)، ونُسب للأكثر (4).

واستدلّ عليه بعموم الوفاء بالعقود (5)، وأدلّة لزوم الشروط(6)، وعموم: «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (7)، وبالصحيحين المتقدّمين (8)لاشتمالهما على لفظ «يرجع» الظاهر في صيرورته وقفاً ثمّ يرجع بعد ذلك.

وفي الجميع نظر ؛ لضعف التمسك بالعمومات كما تقدّم غير مرّة، وضعف الإجماع المنقول بمعارضته بمثله (9)، ومخالفته للقواعد والضوابط المتقدّمة في شرائط الوقف، وضعف دلالة لفظ «الرجوع» على ما ذكر ؛ لأنّ إطلاق «الرجوع ميراثاً» وإرادة حقيقته غير ممكن هنا قطعاً؛ فإنّ المرجوع إليه هو كونه ميراثاً، وهو شيء لم يكن في حال حياة الواقف أصلاً، فإذا لم يمكن إرادة الحقيقة تعيّن المجاز، فيُحمل «الرجوع» على ما يجتمع مع البطلان؛ بقرينة السؤال في الأوّل، حيث سأل عن صحّة هذا الوقف مع ما هو عليه من كونه صدقةً، فلا بدّ من حمل الجواب على ذلك ليطابق السؤال.


1) تهذيب الأحكام 9: 150، ح 612.

2) قال بها الشيخ المفيد في المقنعة : 652؛ والسيد المرتضى في الانتصار : 468، المسألة 264؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 595؛ وسلّار في المراسم : 197؛ وابن البراج في المهذب 2 : 93.

3) الانتصار : 468 - 469، المسألة 264.

4) كما في رياض المسائل 10 : 116.

5) المائدة (5) : 1.

6) راجع الهامش (3) من ص 65.

7) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 212.

8) تقدما آنفاً.

9) راجع الهامش (4) من ص 228.

والمرجع في الحاجة إلى العرف ويتحقق بعدم ملك قوت يومه وليلته، وبعدم وجود ما يحتاج إليه من لباس وفراش وآنية، ويتحقق بافتقاره إلى السؤال فيما لا يمكنه الاستغناء عنه عادةً، وليس كلّ فقير محتاجاً عرفاً، فلا يتحقق الاحتياج بمجرد الفقر.

وعلى القول بعوده إليه بمجرد الحاجة فهل يعود بمجرد ذلك، أو يتوقف على اختياره؟ وجهان، وظاهر الشرط الأوّل، إلّا أنّه اشتراط للغاية، وهو بعيد عن قواعد الشرط، فالأقرب للقواعد: الثاني.

ولو مات الواقف ولم يحتج، فهل يكون وقفاً؛ لعموم دليل الوفاء بالعقود (1)والشروط (2)، أم يكون حبساً، فيرجع إلى ورثة الواقف بعد موته وموت المحبوس عليه؛ لظاهر الخبرين المتقدّمين (3)، ولأن الوقف إذا بطل يكون حبساً والحبس من خواصه ذلك؟

وفي ذلك نظر؛ لأن الحبس يبطل بموت المحبوس عليه، فيرجع إلى الحابس أو إلى ورثته، لا بموت الحابس، كما دلّت عليه الروايتان (4)، فحملها على بطلان الوقف من أصله أولى من حملها على صحّته حبساً.

فإن قيل: إذا جعل نهاية الحبس حصول الحاجة، فإذا مات قبل أن تحصل الحاجة فيرجع بما حبس، لزم بقاؤه محبوساً دائماً؛ لعدم حصول الغاية، وحينئذٍ فتحديده بالموت يؤول إلى جعل ما ليس بغاية غايةً.

قلنا: الحاجة قد تتحقق بالموت؛ لأنّه فقير بالموت وقد يحتاج إلى صلة أو مبرة من ثلثه فيعود إليه، وقد يكون الموت غايةٌ أُخرى قهرية لانفكاك الحبس بعد فوات الانفكاك الاختياري؛ لأن المال ينتقل بالموت إلى الوارث فيزول الحبس عنه بانتقاله إلى الوارث.

السابع: فيما لو صحّ اشتراط العود إليه فلابد من الاقتصار فيه على مورد النصّ والفتوى

السابع: بناءً على صحّة اشتراط العود إليه عند الحاجة لا بدّ من الاقتصار فيه على مورد النصّ والفتوى، فلا يصحّ اشتراط عوده إليه عند حصول أمرٍ آخر أو دخول زمانٍ آخر أو غاية أخرى.


1) المائدة (5) : 1.

2) راجع الهامش (3) من ص 65.

3) تقدما في ص 228 و 229.

4) المتقدّمتان في ص 228.

ولا يصحّ اشتراط أن يكون له الخيار فيه في وقتٍ خاص أو على وصف خاص، أو له الخيار مطلقاً؛ للأصل، ولعدم دليل على ثبوت خيار الشرط في الوقف، وصحة اشتراط عوده إليه عند الحاجة لا تدلّ على صحّة اشتراط الخيار في عقد الوقف؛ لأنّه لازم أعمّ، والعام لا يدل على الخاص.

ومثل اشتراط الخيار اشتراط إخراج مَنْ يريد من الوقف إذا شاء، فإنّ هذا الشرط فاسد مفسد؛ لمنافاته مقتضى لزوم العقد.

نعم، لو وقف على قومٍ واشترط عليهم القيام بعمل أو الاتصاف بوصف، وأنهم متى قاموا أو اتصفوا دخلوا ومتى لم يقوموا ولم يتصفوا خرجوا جاز الشرط، وصح المشروط، وكان من أفراد الوقوف التي على حسب ما يوقفها أهلها قطعاً.

ومثله ما لو وقف على قوم وشرط إدخال مَنْ سيولد له أو لهم معهم على وجه التشريك في المنفعة والنماء، فإنّه جائز أيضاً.

إمّا لو شرط دخول مَنْ سيولد على أنّه موقوف عليه، فهو مبني على أن الشرط يقوم مقام صيغة الوقف أم لا؟

نعم، يصحّ ذلك عند الإتيان بصيغة الوقف فيصح الوقف على المعدوم تبعاً للموجود ومنضماً إليه.

وفي صحّته مع الشرط بحث، إلّا أنّ ظاهر الأصحاب على جوازه، ونُقل عليه الإجماع (1).

ولو شرط الواقف إدخال مَنْ يريد دخوله بعد الوقف كما يقول: «أدخلتُ فلاناً فيه» بعد وقوع صيغته - احتملت صحّة ذلك؛ لعموم أدلّة الشروط (2)وقوله: «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (3)ولأنّه في قوة اشتراط دخول مَنْ يريد؛ لأنّه عند إرادة دخوله استحق الدخول باتصافه بتلك الصفة، واحتمل البطلان؛ لما قدّمنا من فقدان صيغة الوقف.

نعم، لو أجرى عليهم صيغة الوقف وشرط الإدخال والإخراج على نحو يصحّ فلا بأس.


1) مسالك الأفهام 5: 369.

2) راجع الهامش (3) من ص 65.

3) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 212.

ولو شرط نقله عن الموقوف عليهم إلى مَنْ سيوجد، فإن أراد ترتيب الوقف على المذكورين على حسب الصفة، بأن يكون الوقف على الأوّلين ما داموا منفردين، فإذا ولد لهم ولد وكانوا خارجين عن الوقف فينتقل الوقف إلى ولدهم صحّ، ويدخل تحت عموم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (1)، ولأنّه بمنزلة الوقف على متصفين بأوصاف ينتقل الوقف من أحدهم إلى الآخر على حسب الوصف، ولجواز الوقف على أولاده سنةً ثمّ على المساكين - كما نقل العلامة (رَحمهُ اللّه) على صحّته الإجماع (2)- فجواز هذا أولى.

وإن أراد انتقال الوقف عنهم إلى مَنْ سيوجد بعد ثبوته بطل الوقف؛ لمنافاة ذلك للدوام، وعلى ذلك يُنزل إجماع الشيخ المنقول على البطلان (3)، وليس هذا كالوقف على أولاده سنةً ثمّ على المساكين لو سلّمنا جوازه، وإلا فقد نقل الرجوع عن الإجماع المنقول عن العلامة في القواعد إلى الإشكال (4).

حادي عشرها: حكم ما إذا وقف على أولاده الأصاغر

حادي عشرها: إذا وقف على أولاده الأصاغر فحكمهم كحكم الأكابر وغيرهم، لا يجوز أن يشترك معهم غيرهم بعد حصول الوقف والقبض، ولا يتفاوت الحال بين اشتراط قصره على الأصاغر، وبين إطلاق الوقف عليهم، كلّ ذلك للأصل، والاستصحاب، ولفتوى مشهور الأصحاب، بل قد يدعى فهم الإجماع من بعضهم (5).

ولرواية جميل: في رجل يتصدق على ولده بصدقةٍ وهُمْ صغار، ألَهُ أن يرجع فيها؟ قال: «لا، الصدقة اللّه تعالى» (6)وإشراك غيرهم معهم بعد أن كان لهم نوع رجوع.

ورواية علي بن يقطين: في الرجل يتصدق ببعض ماله على [ بعض ] ولده ويبينه لهم،


1) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 212.

2) تذكرة الفقهاء 20: 176، المسألة 100.

3) نقله عنه الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 157؛ وراجع المبسوط 3 : 300.

4) قواعد الأحكام 2 : 390.

5) مثل : العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 263 المسألة 36 وابن فهد الحلّي في المهذب البارع 3: 63: والفاضل السيوري في التنقيح الرائع 323:2؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 9: 34: وراجع رياض المسائل 161:10-162.

6) وسائل الشيعة 19 : 179، الباب 4 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 2.

أله أن يدخل معهم من ولده غيرهم بعد أن أبانهم بصدقةٍ؟ قال: «ليس له ذلك إلّا أن يشترط: مَنْ وُلد [ فهو ] مثل مَنْ تصدق عليه، فذلك له» (1).

والمراد بالصدقة هنا الوقف أو ما يشمله، كما هو الظاهر من استعمالها في الأخبار وفي كلام الفقهاء.

ونقل عن الشيخ في النهاية والقاضي جواز أن يشرك الواقف على أولاده الصغار غيرهم معهم(2).

وقيّده القاضي بما إذا لم يشترط قصره على الموجودين (3).

وكأن مستندهما صحيحة عبد الرحمن في الرجل يجعل لولده شيئاً وهم صغار، ثمّ يبدو له أن يجعل معهم غيرهم من ولده، قال: «لا بأس» (4).

ورواية محمد بن سهل عن الرجل يتصدّق على بعض ولده بطرف من ماله، ثمّ يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده، قال: «لا بأس» (5).

ومثلهما رواية علي بن يقطين(6).

إلا أن إعراض الأصحاب عن العمل بمضمونهما، ومخالفتهما الأصول والقواعد، واشتمال سند الأوّل على محمّد بن إسماعيل عن الفضل وفيه كلام، واشتمال الثاني على محمد بن سهل ولا يخلو عن ضعف، ممّا يوجب طرحهما، أو تأويلهما بإرادة «يريد أن يجعل» أو «يتصدّق» من دون وقوع ذلك، أو بوقوع ذلك من دون اجتماع شرائط الوقف والصدقة من تمييز الموقوف أو الإقباض أو نحوهما.

ويشهد لذلك قوله في الرواية المتقدّمة (7)في السؤال: «ويبينه لهم» وقوله بعد ذلك: « بعد أن أبانهم بصدقةٍ » فإنّه رتب المنع على الإبانة، فيترتب الجواز في الروايات الأخر على عدمها.


1) وسائل الشيعة 19 : 183، الباب 5 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح1، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

2) النهاية : 596؛ المهذب 2 : 89.

3) المهذب 2 : 89.

4) وسائل الشيعة 19: 183 - 184، الباب 5 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 3.

5) المصدر : 183، ح 2.

6) راجع الهامش (1).

7) راجع الهامش (1).

وأما تفصيل القاضي بين اشتراط قصره على الموجودين فلا يصحّ، وبين عدمه فيصح، فهو وإن كان أقل مخالفة للقواعد إلّا أنّه لا شاهد عليه سوى ما يتخيل من الجمع بين الروايات المجوّزة والمانعة، وما يتخيّل من إرادة اشتراط قصره على الموجودين من لفظ «الإبانة» في الرواية المانعة، وكلُّ منهما محل نظر ؛ لأنّ الجمع فرع المقاومة، وحمل «الإبانة» على إرادة اشتراط قصره خلاف الظاهر.

ثمّ إنّه على قول الشيخ (رَحمهُ اللّه) وعلى ظاهر الروايات المجوّزة ينبغي الاقتصار على خصوص اشتراك ولده الباقين مع ولده الأصاغر، دون اشتراك غير ولده مع ولده، أو اشتراك ولده مع غيرهم، أو غيرهم مع غيرهم.

فما يظهر من بعض العبارات (1)من جواز إدخال الغير مع الولد مطلقاً نقلاً عن الشيخ، ومن بعض الروايات كرواية الحميري: عن رجل يتصدّق على ولده بصدقةٍ ثمّ بدا له أن يدخل غيره فيه مع ولده أيصلح ذلك؟ قال: «نعم، يصنع الوالد بمال ولده ما أحبّ» (2)- ضعيف فتوى ونقلاً (3)ومخالف للفتاوى والنصوص.

ثاني عشرها: فيما لو وقف الواقف على أشخاص على الإطلاق وقبضهم لم يصحّ إدخال غيرهم معهم

ثاني عشرها: لو وقف الواقف على أشخاص على الإطلاق وقبضهم، لم يصحّ إدخال غيرهم معهم، ولا تغيير الوقف أو تبديله أو الرجوع فيه فيما عدا ما اختلف فيه في الصورة المتقدّمة.

ويدل على ذلك الاستصحاب، واتفاق الأصحاب - سوى النادر الذي لا يُعتد به - وعموماتُ الأدلّة وخصوصاتها المشعرة بأن الوقف بعد حصوله لا يُغيّر ولا يُبدل، والإجماع المنقول (4).

فما نقل عن المفيد (رَحمهُ اللّه) - من جواز التغيير في الوقف والإدخال فيه لو حدث في الموقوف عليه حدث يمنع الشارع من صلته والتقرب إليه به والصدقة عليه من كفر أو فسق يستعين بالوقف عليهما (5)، ونفى عنه البُعْدَ بعضُهم (6)- ضعيف جدّاً مخالف للأدلة المتقدّمة، ولو أنّ


1) راجع رياض المسائل 10 : 161.

2) وسائل الشيعة 19 : 184 – 185 الباب 5 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 5.

3) راجع رياض المسائل 10: 162 - 163.

4) التنقيح الرائع 2 : 322.

5) حكاه عنه الفاضل السيوري في التنقيح الرائع 2: 322؛ وراجع المقنعة : 652.

6) الفاضل السيوري في التنقيح الرائع 2: 322.

حدوث ما ذكر مناف للوقف لكان منافياً لسائر ما يملكه الموقوف عليه فينبغي جواز تغييرها، وهو ظاهر البطلان.

والظاهر من مذهبهم اختصاص الحكم بحدوث الحادث، فلا يسري لما كان حاصلاً في ابتداء الوقف.

ولو شرط الواقف في الوقف إدخال غير الموقوف عليه معه إذا وُجد أو اتصف بالصفة الخاصّة، فالظاهر صحّة ذلك ولو بلفظ الشرط، كما يظهر من المشهور، وربما نُقل عليه الإجماع (1)تمسكاً بعموم دليل الشروط (2)، وأنّ «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (3).

ولو شرط إدخال من يريد بعد الوقف إدخاله فأراد دخول أحدٍ، صحّ الشرط، ودخل مَنْ أراد على ما قطع به بعض الأصحاب، حيث إنّه جعله كالأوّل في الحكم؛ لرجوعه إلى اشتراط دخول مَنْ تعلّقت الإرادة بدخوله، فكما صحّ الأوّل اتفاقاً صحّ الثاني (4).

واحتمال فساده بأنّه يكون في قوّة نقل حصة الموقوف عليه لتقليلها بدخول الثاني وارد عليهما معاً.

وجوابه: أن القصد ليس إلى ذلك ابتداء وإن لزمه أخيراً، كالوقف التشريكي على البطون المتلاحقة، ولا بأس بذلك.

ومع ذلك ففي صحّة ذلك مع الشرط بل بنفس الوقف كما إذا قال: «وقفتُ هذا عليك وعلى كلّ من أريد دخوله بعد ذلك» إشكال وتأمّل.

ولو شرط إخراج مَنْ يريد من أهل الوقف بعد تمامه ومضيّه بطل، اتفاقاً منقولاً (5)بل محصلاً.

ولو جعله بصورة الوصف كأن يقول: «وقفتُ هذا عليكم ما دمت مريداً لدخولكم، فإذا انقرضتم أو كنتُ مريداً لخروجكم فعلى الفقراء ففي صحّته وجه، إلّا أنّ ظاهر الأصحاب منعه مطلقاً.


1) مسالك الأفهام 5: 369.

2) تقدّم تخريجه في الهامش (3) من ص 65.

3) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 212.

4) مسالك الأفهام 5 : 368 - 369.

5) المصدر : 368.

ولو شرط نقله عن الموقوف عليه إلى مَنْ سيوجد، فإن جعله بصورة الوصف فللصحة وجه قوي. وإن جعله بصورة الشرط، كأن يقول: وقفتُ هذا عليكم بشرط أن ينتقل عنكم إلى مَنْ يوجد من أولادكم، قيل ببطلانه (1)، ونُسب للمشهور (2)وحكي عليه الإجماع (3)، واستند فيه للأصل في محلّ الشكّ، ولعدم دخوله تحت العقود المعهودة، أو الوقوف كذلك.

قيل بصحّته (4)، ونُقل عن العلامة (رَحمهُ اللّه) أنّه ادّعى على ذلك الإجماع (5)، واستقربها في الدروس (6)بناءً على أنّه مثل الوقف على ذي الوصف المنتقل من صنف إلى صنفٍ، وربما جعل بمنزلة الوقف على أولاده سنةً ثمّ من بعدها على المساكين.

ورُدّ الإجماع بالإجماع المتقدّم (7)المعتضد بفتوى المشهور، ورُدّ القياس على الوصف بأنّه مع الفارق؛ لأنّ الوقف على المتصف وقف على الجهة فيدور مدارها الوقف وجوداً وعدماً، بخلاف الوقف على قوم واشتراط نقله فإنّه وقف ونقل، وهو ممّا ينافي اللزوم والدوام. وكذا القياس على الوقف على أولاده سنةً ثمّ من بعدها على المساكين بمنع المقيس عليه أولاً. وتسليمه وكونه مع الفارق ثانياً؛ لأن الوقف مدّة معيّنةً ثمّ من بعدها على مَنْ لا ينقرض وقف ينتقل من وقت إلى وقتٍ ومن حال إلى حالٍ، بخلاف اشتراط النقل فإنّه وقف ونقل عن الموقوف عليه بعد كونه وقفاً، فهو منافٍ للدوام ولوضع الوقف. وفي هذا الأخير نظر وتأمل.

والحق: التفصيل بين ما إذا حصل النقل بصورة الوصف في الوقف فيصح، وبين ما يجعله بصورة الشرط؛ للشكّ في تأثير الشرط النقل عن أهل الوقف ما لم يدخل في الوصف وشبهه، ولا يبعد حمل كلام الشهيد (رَحمهُ اللّه) عليه.

ثالث عشرها: في بيان شرائط الموقوف

ثالث عشرها: يشترط في الموقوف أُمور:

منها: كونه عيناً، لا دَيْناً ولا كلّيّاً وإن وصف بصفات السَّلَم، ولا مبهماً مردّداً ولا منفعةً


1) قال به المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 171.

2) نسبه إلى المشهور الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5: 369.

3) مسالك الأفهام 5: 369.

4) تذكرة الفقهاء 20: 176، المسألة 20.

5) تذكرة الفقهاء 20: 176، المسألة 20.

6) الدروس الشرعيّة 2 : 271.

7) تقدّم آنفاً.

ولا حقاً؛ للأصل في محلّ الشكّ، ولانصراف أدلّة الوقف عموماً وخصوصاً للعين المقابلة لجميع ما ذكرناه، وللإجماع المنقول (1)على اشتراط أن لا يكون دَيْناً ولا منفعةً ولا مبهماً، بل قد يدعى الإجماع المحصل على اشتراط أن لا يكون الوقف من أحدها، على أن الوقف المتلقى من الشارع هو «تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة» فوقف المنفعة منافٍ لذلك؛ لأنّها ممّا تنقضي شيئاً فشيئاً، وكذلك وقف المبهم؛ لأنّه لا وجود له في الخارج.

وأما وقف الدين والكلّي وإن أمكن القول بصحّتهما كما يصحّ بيعهما، ويكون قبض الفرد قبضاً لهما، وكما تصحّ هبة ما في الذمّة لغير مَنْ هو عليه - كما أجازه بعضهم (2)- ويكون قبض الفرد قبضاً له، سيّما لو قلنا: إنّ الفرد المقبوض ينصب العقد عليه ويكون هو المعقود عليه حقيقة - واحتمال أن المانع من وقفهما كونهما معدومين ولا يصحّ وقف المعدوم، أو كون مقتضاهما التعليق والوقف شرطه التنجيز، ضعيف؛ لأنّ الكلّي ليس من الأمور المعدومة قطعاً؛ لتعلق الأحكام الوضعية والتكليفية به ولجواز جعله ثمناً ومثمناً ومهراً، وكذا الدين، وليسا أيضاً من الأمور المقتضية للتعليق؛ لتنجيز ما تعلّق بهما في بيع ومهر وشبههما، فيملكان في الذمّة منجزاً وإن توقف تعينهما على قبض فردهما في الخارج، وحينئذٍ فلا مانع من تعلّق وقف الكلي أو الدين في الذمّة منجزاً، إلّا أنّه لا يتعيّن إلّا بالقبض - إلّا أن ظاهر الاتفاق على منع وقفهما واشتراط القبض والتسليم في الوقف ممّا يشعر بذلك وإن لم يكن بينهما

ممانعة ذاتية.

ومنها: كون العين مقدوراً على تسليمها أو تسلّمها عرفاً، فلا يصحّ وقف غير المقدور على تسليمه كالطير في الهواء، ونُقل على ذلك الإجماع (3)، والظاهر أنّه اتفاقي، واشتراط القبض ممّا يشعر به، وإن لم يكن بين اشتراط القبض وتعذر التسليم منافاة؛ لبقاء عقد الوقف موقوفاً إلى إمكان تسليمه، فإن أمكن صحّ الوقف، وإلا فلا.

ومنها: أن تكون معلومة، فلا يصحّ وقف المجهول عند الواقف بل وعند الموقوف عليه إذا لم يكن له تميّز في الجملة؛ لعدم انصراف أدلّة الوقف لمثله، وللشك في اندراج الوقف


1) غنية النزوع 1: 296.

2) المبسوط 3 : 314؛ السرائر 3: 176 مختلف الشيعة 6 : 239، المسألة 9.

3) غنية النزوع 1: 296.

المجهول تحت أدلّة الوقف وإلا فلا ممانعة بين المجهول ووقفه؛ لأن الوقف ليس من عقود المعاوضات التي قد نهى فيها عن الغرر (1)، سيما لو كانت الجهالة ممّا تؤول إلى العلم، وسيّما لو كانت من الموقوف عليه.

ومنها: أن تكون للعين منفعة ظاهرة مقصودة للعقلاء، وأن تكون محللة، وأن تكون ممّا يمكن الانتفاع بها مع بقائها بحيث لا يؤدي الانتفاع بها إلى إتلافها.

ولو كانت للشيء منفعتان محلة ومحرمة فقصد المحلل صح.

ولو كان المحلَّل مقصوداً للواقف إلّا أنّه غير مقصود للعقلاء، بطل الوقف.

ولا يشترط في المنفعة دوامها ولا وجودها فعلاً، فيصح وقف ريحان يسرع الفساد إليه، ووقف تفاحة للشم على الأظهر، وإن أمكن المناقشة فيه بعدم انصراف الأدلّة إليه، وعدم كونه معهوداً، ومنافاته للدوام المبني عليه الوقف في الجملة.

ويصحّ وقف ما تتوقع منفعته وإن لم تكن له منفعة فعلية، كالدابة الصغيرة قبل إمكان الانتفاع بها.

ويشترط كون المنفعة أمراً لا يؤدي إلى تلف العين بحيث يتوقف الانتفاع على التلف، كوقف الخبز والماء، وكونها متموّلةً عرفاً على وجه، والأوجه: خلافه؛ لأنّه ليس من عقود المعاوضات.

ومنها: أن لا يكون الموقوف نجساً أو متنجساً لا يقبل التطهير؛ للشكّ في شمول أدلّة الوقف لمثله، ولا يبعد جواز وقف كلب الصيد بعد القول بملكه، وأن لا يكون ممّا لا يملك كالسنانير والوحوش والسباع، وأن لا يكون معيناً على معصية، كوقف السلاح على أعداء الدين والحرب قائمة، أو وقف ما يتوصل به إلى محرَّمٍ من حيثية التوصل، كلّ ذلك لمكان النهي المنافي للقربة، ولما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان.

ولا يصحّ وقف كلّ مشترك بين المسلمين، كالأراضي المباحة والخراجية والطرق النافذة وشبهها. وأما ما لا يملكه الواقف ففي صحّته وجهان: من كون الوقف عقداً فيشمله ما دلّ على صحّة الفضولي من العقود، ومن عدم كونه عقداً مجرّداً؛ لاشتراط القربة في صحته، وهي بملك الغير غير حاصلة، سيما في الغاصب، وسيّما فيما وقف على نفسه؛ لأن القربة الصادرة


1) راجع الهامش (1) من ص 164.

من الفضولي لا أثر لها، والقربة الصادرة من المجيز حين الإجازة مشكوك في تأثيرها، إمّا لاشتراط مقارنة القربة للصيغة بنفسها، أو للشكّ في تحقق القربة المشترطة في الوقف في القربة الصادرة من المجيز بعد وقوع العقد مع أنّ الأصل عدم النقل وبقاء الملكية، إلّا أن يفرض صدور القربة من الفضولي جهلاً وصدور القربة من المالك حين الإجازة وأن يقع الوقف عن مالكه وتكون الإجازة على طبقه، فلا يبعد حينئذٍ صحّة الوقف الفضولي.

ولو نوى الفضولي الوقف عن نفسه فأجاز المالك كذلك، كان تمليكاً له ووقفاً عليه.

ولو أجاز المالك عن نفسه، أو نوى الفضولي عن المالك فأجاز المالك عن الفضولي ففي الصحّة إشكال.

ولو اختلف الصادر من الفضولي مع الإجازة بطل الوقف، فلو وقف خاصاً أو تشريكاً، أو مقيداً بقيد أو مشروطاً بشرط، فأجاز عاماً، أو مرتباً، أو مطلقاً، أو غير مشروط، أو مشروطاً بشرط آخر بطل الوقف، إلّا أن يجيز مرةً أُخرى.

وبالجملة، فالفضولي في الوقف لا يخلو من إشكال.

وهل فضولي القبض كفضولي العقد ؟ يحتمل ذلك؛ لاشتراط استمرار القربة معه، فيجري عليه ما يجري عليه.

ويحتمل كفاية القربة المقارنة للصيغة من المالك مع القربة المقارنة لإجازة القبض. وهو قريب.

وهل فضولي القبول كفضولي الإيجاب فيجري فيه الإشكال المتقدّم، أو أنّه ماضٍ عند الإجازة من غير إشكال؛ لعدم منافاة القربة له؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.

ولو وقف ما يملك وما لا يملك صحّ في المملوك دون غيره، وتفرّقت الصفقة، وانصب العقد إلى القابل دون غير القابل؛ لأنّ الأسباب الشرعيّة معرّفات لا علل عقلية، ونفذت القربة فيما يصحّ وفسدت فيما لا يصحّ.

هذا إن لاحظ الوقف على الجميع، فلو لاحظ المجموع من حيث هو مجموع ففي صحّة الوقف إشكال، ولا يبعد عدم صحته.

ويجوز وقف الأسلحة والذهب والفضة على الحضرات والمشاهد المشرفة للتزيين والتعظيم لها، وبالحقيقة هو وقف على المسلمين؛ لانتفاعهم فيه بتعظيم مساجدهم وحضراتهم، ولكيد أعدائهم وإغماض عيون حسادهم.

ويصحّ وقف الدراهم والدنانير للتزيين والتعظيم، ولجلب المال والاعتبار ولمنافع أُخر، كما ورد في الأخبار (1)من جواز الانتفاع بها مع بقاء عينها - كما سيجيء إن شاء اللّه في كتاب العارية (2)- فتدخل تحت ما يصحّ وقفه عموماً وخصوصاً.

ومنع جماعة (3)من وقفها، ونُقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه) في المبسوط الاتفاق على المنع إلّا ممّن شد وندر (4)، ولعله بذلك يحصل الإشكال في صحّة وقفها وشمول أدلة الوقف لها.

ومنها: أن يكون الموقوف موجوداً، فلا يصحّ وقف المعدوم ابتداء، سواء كانت له مادة وأصل أو لم يكن له؛ لعدم دخوله تحت دليل الوقف.

ويجوز وقف المعدوم تبعاً بالشرط، كما يقف الأمة بشرط أن يكون ولدها وقفاً، ويقف الشجرة على أن يكون ثمرها وقفاً، وهو وإن لم يكن وقفاً حقيقةً ففائدته فائدة الوقف.

ولا يجري ذلك في المعدوم من غير توابع الأصل، فلا يصحّ وقف كتاب بشرط أن ما تحمله الأمة وقف؛ لعدم دليل على صحته، وعموم دليل الشرط (5)لا يقضي بجوازه، كما تقدّم غير مرة.

ولو وقف معدوماً فبان موجوداً، فالأقرب الفساد، مع احتمال الصحّة لو قارن القربة على فرض وجوده.

ولو وقف موجوداً ومعدوماً، صحّ في الموجود دون المعدوم.

ومنها: أن يكون مذكوراً بلفظه أو بالإشارة إليه من قرينة حالٍ أو مقال، فلو لم يذكر فسد الوقف.

ولو ذكر شيئاً فبان خلافه - كما إذا زعم أنّه جارية فبانَ عبداً كان من تعارض الاسم والإشارة، فإن كان القصد أوّلاً وبالذات نفس المسمّى ووقع التعبير بالاسم زعماً صحّ في المستى، وإن كان القصد الاسم ووقع صدقه على المسمّى منه زعماً صحّ في الاسم، وإن لم يكن له قصد أوّلاً وبالذات فسد الوقف، وكذا لو قصد المسمّى والاسم فبان خلافه.


1) راجع وسائل الشيعة 19 : 96، الباب 3 من أبواب كتاب العارية.

2) كذا قوله : «كما سيجيء... كتاب العارية» في النسخ الخطية.

3) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 3: 288 وابن البراج في المهذّب 2 : 87؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1: 297؛ وابن حمزة في الوسيلة: 369؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 154؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2: 167.

4) المبسوط 3 : 288.

5) راجع الهامش (3) من ص 65.

ولو وقف شيئاً بزعم أنّه صغير أو معيب أو بقيمة دنيا، فبان كبيراً أو صحيحاً أو بقيمة عليا تضرّ بحاله، فالظاهر صحّة الوقف ومضيه.

واحتمال البطلان لتبعية العقود للقصود، أو الصحّة متزلزلاً فله الخيار بين الإمضاء والفسخ احتمالان قويان، إلّا أن الأوّل أقوى.

رابع عشرها: في أنّه يصحّ وقف المشاع كما يصحّ وقف المقسوم

رابع عشرها: يصحّ وقف المشاع كما يصحّ وقف المقسوم؛ لعمومات الأدلّة وإطلاقاتها، والإجماع المنقول (1)، بل قد يدعى المحصل، ولإمكان القبض في المشترك مطلقاً إن قلنا: إنّه التخلية مطلقاً، أو ما يكون القبض فيه هو التخلية، وإمكان القبض بإذن الشريك والواقف في مقام لا يكون القبض هو التخلية، فإن لم يأذن الشريك جبر على القسمة، وقبضه الموقوف عليه مقسوماً.

و احتمال بطلان القبض هنا؛ لأنّ المقبوض حينئذٍ غير الموقوف ضعيف؛ لأن القسمة هنا مميزة ومثبتة له.

نعم، قد يشكل الحال فيما لو امتنع الشريك من التقبيض ولم يكن الموقوف ممّا يجبر الممتنع على قسمته، فهنا يحتمل البطلان ويحتمل الصحّة مراعاة بالقبض ولو بعد حين، ويحتمل أن للحاكم نصب ثالث عند امتناع الشريك للقبض عن الموقوف عليه بإذن الواقف، ويحتمل أنّ القبض يكون ها هنا هو التخلية لتعسّر غيرها، بل قد يجعل القبض كلّه هو التخلية في باب الوقوف والصدقات.

ولو عصى الشريك فقبض المال المشترك من دون إذن الشريك، فالأقرب فساد القبض؛ لمنافاته للقربة.

وقد ورد في الأخبار ما يدلّ على جواز الوقف المشاع، كقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعمر في سهام خیبر: «حبس الأصل وسبل الثمرة» (2)وقد كانت السهام مشاعةٌ.

وكالأخبار الواردة في الصدقة الظاهرة جملة منها في الوقف أو الشاملة له بترك الاستفصال.


1) غنية النزوع 1 : 296.

2) تقدّم تخريجه في الهامش (4) من ص 200.

فمنها: الخبران: في الرجل يتصدق بالصدقة المشتركة، قال: «جائز» (1).

وفي ثالث عن صدقة ما لم تُقبض ولم تُقسم، قال: «جائز» (2).

وفي رابع: عن دارٍ لم تُقسّم فيتصدق بعض أهل الدار بنصيبه، قال: «يجوز» (3).

ونحوهما: الخامس (4).

وفي سادس : مشهور بصحّته كذلك (5).

وفي سابع عن صدقة ما لم يُقسم ولم يُقبض، فقال: «جائزة» (6)إلى غير ذلك.

والمراد فيها الصدقة بالشيء قبل القبض من المتصدق وقبل تقبيضه له، وليس المراد أن الصدقة لا تفتقر إلى قبض وتقبيض، كما هو ظاهر.

خامس عشرها: حكم وقف من بلغ عشراً

خامس عشرها: تقدّم (7)اشتراط اجتماع شرائط التكليف في الواقف من البلوغ والعقل والرشد وعدم الحجر عليه بفلس أو مرض، أو نذر لما ينافي الوقف أو عهد أو يمين؛ للأدلة الدالّة على منع أُولئك من التصرّف كتاباً وسنّة وإجماعاً.

وقد وقع الخلاف في صحّة وقف مَنْ بلغ عشراً.

فقيل بصحّته (8)للخبر: «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنّه يجوز له في ماله إذا أعتق أو تصدق على وجه معروف» (9).

وفي آخر: «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم» (10).


1) وسائل الشيعة،19 : 196، الباب 9 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 4 وذيله.

2) المصدر : 197، ح 6.

3) المصدر : 194 - 195، ح 1.

4) المصدر : 196، ح 3.

5) المصدر : 196 - 197، ح 5.

6) المصدر : 195، ح 2

7) تقدّم في ص 207.

8) النهاية : 611.

9) وسائل الشيعة 19 : 211، الباب 15 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1.

10) المصدر : 212، ج 2.

وفي ثالث عن صدقة الغلام ما لم يحتلم، قال: «نعم، إذا وضعها موضع الصدقة» (1)والوقف الصدقة، كما تدلّ عليه النصوص (2)والفتاوى.

من وللأخبار الدالّة على جواز وصيّته (3)، فتدل على جواز وقفه؛ لاتحادهما في التصرّف بالمال. وقيل بالبطلان (4)للأخبار الدالّة على الحجر على الصبي حتّى يبلغ (5)، والمراد به الاحتلام، أو بلوغ خمس عشر سنة، أو أربعة عشر سنةً، وهي أخبار معتبرة معتمدة موافقة للأصحاب وللمشهور بل المجمع عليه نقلاً (6)بل تحصيلاً بين الأصحاب، فلا تعارضها تلك الأخبار الضعيفة سنداً، القليلة عدداً، الخالية عن ذكر العشر فيما عدا رواية ضعيفة (7)غير قابلة لحمل الباقي عليها، المشتملة على جواز طلاقه، وهو مردود متروك المقيس مضمونها على أخبار جواز الوصيّة، وكلٌّ من المقيس عليه والقياس ممنوع، فطرحها لمخالفتها الجمهور أحرى وأجدر.

سادس عشرها: في أنّ للواقف أن يطلق الوقف بحسب النظارة

إشارة:

سادس عشرها: للواقف أن يطلق الوقف بحسب النظارة فلا يتعرّض لها، عاماً كان الوقف أو خاصاً، وله أن يعين ناظراً له، عاماً كان أو خاصاً؛ لعموم أدلّة الشروط (8)، و «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (9)ولأن الناس مسلّطون على أموالهم.

ويجوز أن يجعل الناظر نفسه لفتوى المشهور بل كاد أن يكون إجماعاً، وللإجماع المنقول (10)، المعتضد بالعمومات وبفتوى الأصحاب.

ويجوز أن يجعل الناظر غيره؛ لما مر من الأدلّة، ولما ورد في صدقة مولاتنا فاطمة - صلوات اللّه عليها - في حوائطها السبعة، وأنها جعلت النظر لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وللحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهكذا» (11).


1) وسائل الشيعة 19 : 212، الباب 15 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 3.

2) راجع المصدر : 171، الباب 1 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات.

3) المصدر : 360، الباب 44 من أبواب كتاب الوصايا.

4) المراسم : 203؛ شرائع الإسلام 2: 167 قواعد الأحكام 2 : 390.

5) وسائل الشيعة 18 : 40 - 41. الباب 2 من أبواب كتاب الحجر، ح 1.

6) مسالك الأفهام 5: 323.

7) راجع الهامش (9) من ص 242.

8) راجع الهامش (3) من ص 65.

9) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 212.

10) رياض المسائل 10 : 127.

11) وسائل الشيعة 19 : 198، الباب 10 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1.

وما ورد في صدقة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيه: «يقوم على ذلك الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثمّ من بعده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهكذا» (1).

وما ورد في صدقة الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأرضه، وقد جعل الولاية فيها للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وابنه إبراهيم، ثمّ من بعدهم على الترتيب المذكور (2).

وما ورد في التوقيع: «وأما ما سألت عن أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة، يسلّمها من قيم يقوم بها ويعمرها ويؤدّي من دخلها خراجها ومؤونتها، ويجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا فإنّ ذلك [ جائز ] لمن جعله صاحب الضيعة [ قيماً عليها ]، إنما لا يجوز ذلك لغيره» (3).

فإن لم يجعل الواقف ناظراً، كان النظر للموقوف عليهم في الخاص، وللحاكم الشرعي في العام؛ لأنّه الولي للمصالح العامّة، وعليه النظر فيها.

واحتمال كون النظر للمسلمين كفاية بعيد.

ومنهم مَنْ بنى المسألة على انتقال الوقف عن الواقف وعدمه، فإن قلنا بعدم الانتقال، فالنظر إليه، وإن قلنا بالانتقال فإن قلنا: ينتقل إلى الموقوف عليهم، فالنظر إليهم مطلقاً عاماً أو خاصاً. وإن قلنا: ينتقل في العام إلى اللّه تعالى، كان النظر إلى الحاكم الشرعي، والأولى ما ذكرنا (4).

ثمّ إنّ الواقف إن اشترط النظر لنفسه، فالظاهر أنّه كالولي الإجباري، فلا يشترط عدالته ابتداءً ولا استدامة بحيث إنّه ينعزل لو كان عدلاً ففسق كلّ ذلك للأصل، وتنزيله منزلة المالك من حيث صدور الوقف عنه.

وإن اشترطه لغيره، فالظاهر اشتراط عدالته ابتداءً، وانعزاله بالفسق المتجدّد، وذلك لأنّه أمين عند نصبه من الواقف على مال الغير، فلا يصحّ تولية غير العدل على مال الغير، سيما وإنّ حقّ البطون اللاحقة متعلقة بالوقف، فلا بدّ من ملاحظة عدالة مَنْ يتولاها، مضافاً إلى أن الاتفاق محكي على ذلك (5)، والشهرة المحصلة، فالحكم لا إشكال فيه، وفي الأخبار ما يشعر بذلك.


1) وسائل الشيعة 19 : 199 - 202، الباب 10 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 3.

2) المصدر : 202 - 203، ح 4.

3) المصدر : 181 - 182 الباب 4 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 8.

4) ذكره آنفاً.

5) رياض المسائل 10 : 129.

ففي النصّ المتضمّن لصدقة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) - بعد ذكر نظارة الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) -: «فإن حدث بهما حدث فإنّ الآخر منهما ينظر في بني عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإن وجد فيهم مَنْ يرضى بهديه وإسلامه وأمانته فإنّه يجعله إليه إن شاء اللّه، وإن لم يرَ فيهم بعض الذي يريد فإنّه يجعله إلى رجل يرضى به من بني هاشم» (1).

في ذكر أُمور متعلّقة بالناظر للوقف

وهنا أمور:

منها: أن اشتراط العدالة هل هو ظاهري بنظر الواقف أو واقعي؟ وجهان، ومقتضى قواعد الشروط: الأخير.

ولو اشترط الواقف عدالة الناظر فلا شك في عدم إجزاء الفاسق.

ومنها: أنّه لا يجب القبول على المنصوب من قِبَل الواقف.

واحتمال وجوب القبول كفايةً، أو وجوب القبول عيناً ما لم يعلم الواقف بالرد، فيكون بمنزلة الوصيّة، بعيدان؛ لمخالفتهما الأصل من غير دليل يدلّ على ذلك.

نعم، يحتمل ذلك فيمن نصبه الحاكم الشرعي للنظارة؛ لوجوب اتباعه في سياسة المصالح العامّة، ولحرمة الردّ عليه.

ومنها: أنّ النظارة كالوصاية لا تفتقر إلى إيجاب يواجه به، ولو قلنا بافتقارها إلى ذلك فلا تفتقر إلى إيجاب لفظي، ولا إلى قبول لفظي وإن لزم القبول والرضى من الناظر.

واحتمال الالتزام بالنظارة بمجرّد جَعل الواقف بعيد، ولا يتفاوت الحال بين إمكان الردّ عليه وبين عدمه.

نعم، يلتزم الناظر فيما إذا أوصى إليه ناظر مأذون له بالوصاية ولم يردّها عليه حتّى تعذر عليه نصب غيره على الأظهر.

ومنها: أنّه إذا قبل الناظر النظارة فهل له ردّها بعد ذلك؛ لأنّه بمعنى التوكيل، أو ليس له ردها؛ للاستصحاب؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.

وعلى الأوّل فإذا ردّها عاد الوقف بلا ناظر فيكون بمنزلة الوقف الذي لا ناظر له ابتداء، مع احتمال أنّ النظارة تكون للحاكم الشرعي هنا لا للموقوف عليهم؛ لأن الواقف لم يرضَ بنظرهم ابتداء فترجع النظارة لولي المال الذي لا ولي له؛ لتعلق حقّ البطون به.


1) راجع الهامش (1) من ص 244.

ومنها: أنّه هل للواقف عزله بعد قبوله؛ لأنّه بمعنى الوكالة، أو ليس له؟ وجهان والأقوى العدم؛ قضاء لحق الشرطية والاستصحاب، إلّا إذا شرط أن له عزله فإنّه له.

ومنها: أنّه هل للواقف نصب ناظر بعد تمام صيغة الوقف والقبض حيث لم يكن ناصباً قبل، أو كان ناصباً فيعزل الأوّل وينصب غيره، أو يضمّ إلى الأوّل غيره؟ وجهان، ولا يبعد العدم؛ لانتقال الوقف عنه ومضي سلطنته عنه، إلّا إذا شرط أن ينصب ناظراً.

ومنها: أنّه لو رتب النظارة فجعلها أوّلاً للموجودين ثمّ إلى البطون اللاحقة، فهل يشترط في لزومها عليهم قبولهم ورضاهم، أو لا يشترط بل يلتزمون به كالوصيّة سيما بعد موت الواقف؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.

ومنها: أنّه يجوز أن يجعل النظر لنفسه فينصب ناظراً أو وكيلاً عنه بعد ذلك، فيجوز له عزله حينئذٍ.

ويجوز أن يشترط في الوقف نصب ناظر على حسب ما يريده بعد الوقف، فينصبه بعد الوقف فيلتزم به، وليس له عزله.

ويجوز أن ينصب ناظراً ويشترط أن له عزله.

ويجوز أن يشترط نصب ناظر أمره إليه نصباً وعزلاً وتبديلاً، فينصب مَنْ شَاء ويعزل مَنْ شاء.

ومنها: أنّه لو فسق الناظر المنصوب من قبل الواقف أو جنّ أو أُغمي عليه، انعزل، وعاد أمر الوقف إلى أهله، أو إلى الحاكم مطلقاً؛ لأنّه الولي على مال الغائب وشبهه.

ولو عاد إلى العدالة أو الكمال، ففي عود النظارة وجهان: من أنّها كالوكالة فلا تعود، وللاستصحاب، ومن أنّها كالولاية قد منع من نفوذها مانع فإذا زال عادت، والأخير أقوى.

ومنها: أنّه لومات الناظر فهل تعود النظارة لأهل الوقف، أو للحاكم؟ وجهان، والأحوط الأخير.

ومنها: أنّ الناظر إن شرط له شيء عوض عمله كان له، وليس له غيره ولو كان دون أجرة المثل إن رضي به ابتداء، وإن لم يرضَ به ابتداءً وكان دون أجرة المثل، احتمل أنّه ليس له سواه، واحتمل أن له أجرة المثل قهراً سيما فيما لو كان المسمّى قليلاً جداً.

وإن لم يشترط له شيء فإن أقدم متبرّعاً فليس له شيء، وإن أقدم على عوض وكان العمل ممّا له أُجرة عادةً لزم أُجرة المثل له من الوقف لا من مال الواقف.

ويحتمل أن لا شيء له؛ لوجوب النظارة عليه من الواقف، والمفروض أنّه لا يستحق على الواقف شيئاً من ماله؛ للاتفاق على ذلك، فلا يستحق من الموقوف شيئاً؛ لانتقاله عن ملك الواقف، فلا سلطان له عليه.

ومنها: أنّه لو شرط الواقف النظارة لنفسه، ففي استحقاق أُجرة المثل له إشكال، وأشكل منه ما لو شرط له شيئاً في مقابل النظارة في عقد الوقف ولم يكن زائداً عن أُجرة المثل.

ومنها: أنّه لا يجوز التصرّف لغير الناظر فيما له النظر فيه، إلّا مع غيبته وامتناعه فيرجع إلى الحاكم الشرعي، فإن فقد رجع لعدول المسلمين حسبة.

وقد يشكل لزوم الرجوع للناظر الخاص أو العام في الأوقاف العامّة من مدارس وقناطر ومساجد؛ للزوم تفويت كثير من أغراض الواقف عند لزوم الرجوع إليهم في رفع ووضع وتعمير وإصلاح وسكنى وغيرها، إلّا أن يقال: إنّ ما يضطر إليه سائغ بالإذن الفحوائية بالسيرة القطعية، وما لا يضطر إليه فإن قضت به الإذن الفحوائية من نزول وسكنى وعبور فلا بأس به، وإن لم تقض به الإذن لزم الرجوع فيه إلى ما قدمنا.

وبالجملة، فما قضت به السيرة القطعية من التصرفات في الأوقاف العامّة من دون سؤال عن وجود ناظر لها أو عن رضاه بعد العلم بوجوده لا بأس به.

ومنها: أنّه لو شك الإنسان في نصب ناظر على الوقف من الواقف، فالأصل عدمه، ولو شك في اشتراط شيءٍ زائد من توابع النظارة فالأصل عدمه أيضاً.

ومنها: أنّه لو تصرّف أحد بالوقوف العامّة من دون إذن الناظر له، أو أكل من ثمرها، فهل يقع التصرّف فضوليّاً موقوفاً على إجازته، أو يقع صحيحاً إلّا أن المتصرف آثم بترك الاستئذان؟ وجهان، ولا يبعد الأخير فيما إذا قطع بعدم الاحتياج إلى الثمرة في تعمير أو دفع خراج أو نحو ذلك، والأوّل في غير ذلك.

ومنها: أن الناظر من الواقف إن صرح له بشيءٍ خاص من الأعمال، كان ناظراً عليه، وإن أطلق كان له مع الإطلاق تولّي مصالح الموقوف ورفع المفاسد عنه، فله تعمير الوقف من نمائه ومن غيره، ورفع القذرات عنه، ومنع الداخلين من المفسدين إليه، وله الإجارة وتحصيل الغلة وقسمتها على أربابها، وله فتح الباب المحتاج إليها وسد الأخرى، وله هدم ما يضرّ بقاؤه، وله قلع ما يضر غرسه.

وليس للموقوف عليهم التصرّف في شيء من ذلك من دون إذنه إلّا ما قضت به السيرة، أو الإذن الفحوائية، أو كان الموقوف عليه متحداً وكان للوقف غلة لا يحتاج إليها في الوقف قطعاً، إمّا لو احتمل الموقوف عليه الاحتياج إليها لتعمير أو دفع خراج أو إصلاح حرم عليه التصرّف من دون إذن الناظر، ولا يملك على الظاهر.

ومنها: أن الواقف لو اشترط عدم الناظر في الوقف العام وأجاز لكلّ أحدٍ التصرّف من دون رجوع إلى الحاكم، فالظاهر أنّه لا عبرة بقوله؛ لخروج الوقف عن ملكه وانتقاله إلى غيره، فلا يُسمع قوله فيما يعود إلى الوقف ضرر فيه.

نعم، لو أجاز أكل كلّ أحدٍ من دون استئذان الحاكم ولم يتعلّق به ضرر على الوقف فلا يبعد الجواز من دون استئذان.

ومنها: أنّه كما يشترط كون الناظر المنصوب من قبل الواقف عدلاً يشترط كونه له اهتداء في التصرّف، فلو لم يكن له اهتداء بطلت نظارته ابتداءً حتّى لو كان المشروط نظارته هو الواقف نفسه.

ومنها: أنّه لو نصب الواقف ناظراً عدلاً وغيره، صحّ في العدل وفسد في غيره، ولكن لا يجوز للعدل التصرّف حتّى يضم الحاكم إليه آخر بدلاً عن الفاسق.

وكذا لو نصب ناظرين فجنّ أحدهما أو أغمي عليه أو مات.

ومنها: أنّه يجوز جعل النظارة للموجودين فقط، ولهم مع المعدومين إذا وجدوا مشتركاً، أو لهما مرتباً، الموجود أوّلاً ثمّ المعدوم، وبالعكس.

ومنها: أنّه لو عدد النظار فله أن يصرح بالاستقلال، فيجوز لكل منهما الاستقلال، ومع فقد أحدهما فلا يبعد عدم لزوم ضمّ واحدٍ بدله إلى الآخر من الحاكم، وله أن يصرح بالاجتماع، وهنا لا بدّ من الانضمام وله أن يصرّح باستقلال واحد دون الآخر، وإن أطلق فالظاهر إرادة الاجتماع، فإن عطف بـ «الواو» فالظاهر إرادة التشريك، وإن كان العطف بـ«الفاء» أو «ثمّ» فالمراد الترتيب.

وإن عدد النظار وجعل لكلّ واحدٍ عملاً اختص به، وإن أطلق فالظاهر اشتراكهم في كلّ الأعمال.

ومنها: لو تشاح النظار المستقلون اقترعوا بينهم، فإن عطّلوا المال جبرهم الحاكم أو قام مقامهم.

ولو تشاح المجتمعون جبرهم الحاكم، فإن أدّى التشاح إلى الفسق عزلهم، وإن عرف الفساد من واحدٍ بعينه عزله ونصب بدله.

ومنها: لو ادّعى شخص النظارة في الوقف العام وكان صاحب يد، فلا يبعد لزوم تصديقه، وليس للحاكم رفع يده.

ولو ادّعى من دون استيلاء يد، كان للحاكم منعه؛ لأنّه الولي حيث لا يثبت وليّ.

ولو ادّعى في الوقف الخاص، كان مدعياً مطلقاً، وعليه البيّنة.

ومنها: أنّه لو انعزل الناظر من قِبَل الواقف انعزلت وكلاؤه، ولو أذن له الواقف بأن ينصب ناظراً عن الواقف فنصب عنه لم ينعزل.

ومنها: أنّه لو صار الحاكم الشرعي ناظراً، لم يجز للحاكم الآخر عزله البتة ولا مزاحمته، ولو نصب ناظراً لم يجز للآخر عزله من دون مصلحة للوقف يراها الآخر، للزوم الفساد في تجويز ذلك وعدم استقرار وكلاء الحكام؛ لوقوعهم بين نصب وعزل فلا يستقيم النظام.

وهل ينعزل الناظر المنصوب من قِبَل الحاكم بموته؟ الظاهر لا؛ لأنّه كالمنصوب من قبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

نعم، لو جعله وكيلاً عنه في النظارة انعزل بموته.

ولو جنّ منصوب الحاكم أو فسق، فالأظهر عدم عود نظارته بعود كماله وعدالته.

ولو رأى الحاكم صلاحاً بنصب الفاسق الأمين، فلا يبعد جواز نصبه، فإذا انقضت المصلحة منه انعزل.

ومنها: أنّه يجوز نصب العبد ناظراً بإذن مولاه، وفي نصب الحاكم له إشكال.

ولا يجوز نصب الطفل قبل بلوغه، ويجوز نصبه بأن يجعل له التصرّف بعد البلوغ، ويكون أمر الوقف ما بين الوقف وبلوغه راجعاً إلى الموقوف عليه.

وفي جواز نصب المجنون إذا عقل والسفيه إذا رشد إشكال.

ومنها: أن الحاكم الشرعي لو فُقد فالنظارة في الوقوف العامّة والخاصّة - الناقص أهلها بجنون وشبهه - تكون لعدول المؤمنين، فإن لم يمكن فلكلّ مَنْ له القابلية حسبةً؛ لأنّه إحسان و (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) (1).


1) التوبة (9) : 91.

ومنها: أن الناظر يصحّ كونه خاصاً بعينه، ويصحّ كونه عاماً، كأن يقول: والنظر للتقي من أرحامي، أو للأرشد من أقاربي، أو لمن كان جار الموقوف، فإن اتحد كان له النظر وحده، وإن تعدد كان لهم جميعاً، والظاهر أنّه على جهة الاستقلال.

ولا يصحّ جعل ناظرِ مردداً، مع احتمال جواز جعل أحد الرجلين ناظراً، فيكون كالواجب الكفائي على جهة الوجوب على الجميع، ويسقط بفعل أحدهما لا على جهة الإبهام، ويصحّ جعله على جهة التخيير بينهما، والخيار يكون بأيديهما.

ومنها: أنّه يجوز جعل الناظر ناظراً على حال دون آخر، أو على وصف دون آخر.

ويجوز أن يقيد النظارة بمدةٍ معينة، ويجوز أن يطلق.

ويجوز أن يعدّد النظار على عدد المدد، أو الأوصاف، أو الأحوال.

ويجوز أن يجعل الناظر نفس الموقوف عليه، فيكون شرطاً مؤكداً.

ويجوز أن يشرك نفسه وغيره مع الموقوف عليه بالنظر.

ويجوز أن يجعل ناظراً على الناظر يرجع إليه في التصرّف.

ويجوز أن يجعل الرأي لواحد والعمل لآخر.

ولو شرط على الناظر أنّه لو فعل كذا في الموقوف انعزل، ففي صحّة هذا الشرط إشكال، إلى غير ذلك من الفروع المتكثرة.

سابع عشرها: في بيان الوقف العام والخاص وما يتعلّق بهما

سابع عشرها: الوقف عامّ وخاصّ.

والعام هو الوقف على ما لا ينحصر عرفاً بحيث كان حصره متعذراً أو متعسّراً، ومن لوازمه أنّه لا ينقرض غالباً، وذلك كالوقف على المسلمين والفقراء والسادات والمؤمنين والزائرين والحجاج وأهل البلد الفلاني والقرية الفلانية من المتسعة عرفاً.

ويدخل فيه الوقف على المطلق إذا أُريد بالوقف الوقف على الطبيعة، كالوقف على طبيعة الرجل، وعلى طبيعة المؤمن، وعلى طبيعة الزائر، ونحو ذلك.

ومن أقسام العام الوقف على المصالح، كالوقف على المدارس والمساجد والقناطر ونحوها، فإنّه يعود الوقف على أهلها من المدرّسين والمسلمين والمصلين والمستطرقين منهم، وهو بالحقيقة وقف عليهم؛ لأنّ المصالح لا تملك ولا تعقل فلا يصحّ الوقف عليها.

وعود الوقف عليهم إمّا قهري بحكم الشارع؛ لظاهر الاتفاق على جوازه وإن نوى الواقف أن الموقوف عليه هو المسجد مثلاً، أو قصدي، إمّا لانحلال قصد الواقف إلى ذلك عند التفصيل، وإما لإرادته من المسجد المصلين مجازاً بقرينة الحال والخطاب، أو تصحيحاً للوقف مهما أمكن، وجوه واحتمالات، أوجهها: الثاني.

والوقف الخاص ما كان الموقوف عليه منحصراً عادةً، وينقرض غالباً، كالوقف على الأقارب والإخوة والأولاد، أو أهل قرية صغيرة، أو بيوت قليلة، ومن لوازم الأوّل عدم وجوب صرف نماء الوقف على جميعهم؛ لمكان التعذر والتعسّر، وكون تولية الوقف بيد الحاكم، ومن لوازم الثاني لزوم صرف النماء في جميعهم على نسبة القسمة الموظفة لهم، وكون تولية الوقف بأيديهم مع عدم جعل ناظر من الواقف.

ولو عاد الخاص عاماً بحيث انتشرت أفراده فكان لا ينحصر، احتمل إجراء حكم العام عليه، واحتمل بقاء حكم الخاص عليه، فيجب التوزيع عليهم مهما أمكن، وصرفه في جميعهم مهما تيسر، والأخير أقوى.

ولو عاد العام خاصاً بحيث انحصرت أفراده، فالأظهر بقاء حكم العام.

ويجوز أن يقيد الواقف العام بصنفٍ خاص أو بوصفٍ خاص، فيجب اتباعه، فلو وقف القنطرة أو المدرسة على الفقراء جاز.

وهل يجوز التقييد في المسجد كأن يقف المسجد على الفقراء؟ يحتمل الصحّة؛ لعموم أدلّة الشروط (1)، و «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (2)، ويحتمل العدم؛ لعدم معقولية الاختصاص بالمسجد؛ لأن وضعه شرعاً على عموم الانتفاع به في العبادة أو الصلاة، فالتخصيص منافٍ لعقد وقفه، وعلى ذلك فهل يبطل الوقف؛ لبطلان الشرط، أو يصح؛ لكونه فك ملك على وجه التبرع وقد حصل، فيبطل الشرط ويصحّ الوقف؟ وجوه، ولا يبعد أنّ خيرها أوسطها.

ثمّ إن الوقف قد يترتب خاصاً بعد خاص وهكذا، وقد يكون أوّله خاصاً ثمّ بعده عاماً، وقد يترتب بالعكس، وقد يترتب عاماً فعاماً وهكذا.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (3) من ص 65.

2) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 212.

ثمّ إنّ الوقف قد يكون وقف تشريك، وقد يكون وقف ترتيب، وقد يكون فيه تشريك وفيه ترتيب، وقد يترتب العام، وقد يشرك بين عامين، وقد يشرك بين عام وخاص، وقد يخص الترتيب أو التشريك بزمان دون زمان، أو بحال دون حالٍ، أو بمكان دون مكان، أو بنسبةٍ دون نسبةٍ في وجه، وقد يخص أحدهما ويطلق الآخر، إلى غير ذلك من الفروع المتكرّرة القاضي بجوازها ظواهر أدلّة الشروط والوقوف، وظاهر اتّفاق الفقهاء.

ولو شكّ في أنّ الوقف عام أو خاص وكان الخاص داخلاً في العام، احتمل الحكم بالعموم؛ لخروج الوقف عن ملك الواقف، والأصل عدم اختصاصه بموضع خاص، واحتمل الحكم بالخصوص؛ لأنّه المتيقن، وينفى ما زاد بالأصل.

ولو عرف الموقوف عليه وشكّ في اشتراط وصف زائد أو قيد زائد، فالأصل عدمه.

ولو شك بين عام وخاص ولم يكن الخاص داخلاً في العام، أو بين خاصين، فالقرعة، أو التوزيع عليهما، أو بقاء العين موقوفة.

ويكون حكم النماء حكم مجهول المالك، واحتمال رجوعه مع العين في حكم مجهول المالك بعيد.

ولو دار الأمر بين الوقف التشريكي أو الترتيبي، احتمل الحكم بالتشريك؛ لانتفاء الترتيب بالأصل، واحتمل الحكم بالترتيب؛ لأنّه المتيقن، واحتمل القرعة.

وقد يقال: إنّ الأصل فيما يدور بين العام والخاص هو العام؛ لانتقال الملك عن الواقف، وأصالة عدم الخصوصيّة.

ويُعرف التشريك بالعطف بـ«الواو» أو التقييد بلفظ «مع» أو الإتيان بلفظ جامع للكلّ.

ويُعرف الترتيب بالعطف بـ «ثم» و «الفاء» لظهورهما في الترتيب الحكمي دون الذكري، أو الإتيان بلفظ «بعد» ونحوها.

ومن الترتيب أن يقول: وقف على أقاربي الأقرب فالأقرب، أو الأدنى فالأدنى، أو الأعلى فالأعلى، والأكبر فالأكبر.

ولو ذكر عدّة أسماء فقال: الأوّل فالأوّل، أو المقدّم فالمقدم، أو السابق فالسابق، أو واحد بعد واحد، أفاد الترتيب.

ولو لم يذكر عدّة أسماء، بل قال: وقف على أولادي واحداً بعد واحد، فالظاهر التشريك وإرادة أن المعدوم بعد الموجود.

وكذا لو قال: وقف على أولادي بطناً فبطناً وظهراً فظهراً.

ولو قال: بطناً بعد بطن وظهراً بعد ظهر، احتمل إرادة الترتيب، واحتمل إرادة التشريك، وبيان أنّ المعدوم مع الموجود فيفيد الاستغراق، والأوّل أظهر.

ثامن عشرها: حكم ما لو وكل في الوقف مطلقاً أو وكل على الإطلاق أو العموم

ثامن عشرها: لو وكل في الوقف مطلقاً، بطل للجهالة، ولو وكل على الإطلاق أو العموم صح، وكان للوكيل الخيار.

ولو أقرّ الواقف بوقف حكم عليه بوقوعه صحيحاً مقبوضاً، فيخرج من أصل ماله لو أقرّ بوقوعه حال الصحّة، ولو أقرّ بوقوع وقف منه لا يعلم وقوعه منه حال الصحّة أو المرض، ففي خروجه من الأصل أو الثلث إشكال.

ونماء الوقف ليس بوقف، بل يملكه الموقوف عليه إلّا مع الشرط وكان بحيث يمكن وقفه، فإنّ الظاهر صيرورته وقفاً أو بحكم الوقف بالشرط.

نعم، قيمة الوقف إذا أتلفه متلف فاشترى بها شيئاً كان بمجرد الشراء وقفاً، ولا يحتاج إلى صيغة على الأظهر؛ لأنّه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، وفي التابع ما لا يغتفر في المتبوع.

ولو ضمن بمثله كان مثله بعد قبضه وقفاً.

والمفصول من الأوقاف العامّة من الأراضي - ما عدا المساجد - يملكه آخذه، كالمأخوذ من الطرق والأراضي الخراجيّة؛ لأنّه بمنزلة النماء، وللسيرة.

والظاهر جواز هدم الوقف الخاص وتغييره إلى موضوع آخر إذا تعلقت للموقوف عليهم بذلك مصلحة، ولم يكن اشتراط الواقف بقاؤه على وصف خاص. وإلا لزم اتباع شرطه؛ للأصل، ولملاحظة الواقف نفع الموقوف عليهم فيدور الحكم مدارها، ولأن الدارية والحمامية لم تؤخذ حين الوقف شرطاً كي يجب اتباعهما، وإنّما أُخذت عنواناً ولا يجب اتباع العناوين.

وأما العام فإن كان مسجداً فلا يجوز تغييره، وإن كان غيره فإن بطل الانتفاع به على

هيئة الموقوف عليها فلا شك في جواز تغييره؛ لأنّ بقاءه منافٍ لغرض الواقف حينئذٍ، ولرجوع أمره إلى الحاكم الشرعي، فيفعل فيه ما فيه صلاح للموقوف عليهم؛ ولأن الواقف إذا لم يشترط وضعه على هيئة خاصّة يعود وقفه على تلك الهيئة من الأوصاف العنوانية، ولا يجب اتباعها؛ لأنّها لم تؤخذ قيداً إلّا إذا فهم من حاله إرادة ذلك.

وإن لم يبطل الانتفاع به بتلك الجهة، فالأظهر عدم جواز تغييره مجاناً؛ لأن الظاهر من حال الواقف فى الأوقاف العامّة إرادة بقائه على الحالة الموقوف عليها، سيما لو كان الموقوف بستاناً أو خاناً أو مدرسة أو حمّاماً. ولو لم يفهم ذلك جاز للحاكم التغيير مع المصلحة؛ لأنّه الولي على المصالح العامّة.

تاسع عشرها: ثبوت الوقف بالبيّنة وبإخبار العدل وصاحب اليد

تاسع عشرها: يثبت الوقف بالبيّنة، وبإخبار العدل في وجه قوي سيما مع عدم المعارض، وبإخبار صاحب اليد، وباستقلال الموقوف به، وكونه من توابعه كفرش المسجد وسرجه وآلاته وجميع ما هو بأيدي الموقوف عليهم من توابعه، وبالشياع المفيد للظنّ القوي، وباستعمال المسلمين له استعمال الأوقاف وإجراء حكمها عليه، وبحكم المجتهد به، وبوجود علائم الوقف المفيدة للظنّ الغالب عادةً به، كنصب محاريب ونحوها في المساجد، وكتابة لفظ «الوقف» على أسطر القرآن الشريف كتابةً يظهر منها الصدق، أو كتابة وقفية عليه يظهر منها الصحّة، أو كبناء القباب والمشاهد اليوم في المقامات التي يدعون أن أهلها أولياء، أو غير ذلك.

وهذه العلائم الأخيرة لا تعارض اليد المدعية بالملكية النافية للوقفية، وإنما تثبت الوقفية حيث لا معارض.

العشرون: في أنّ الوقف عامه وخاصه ينتقل عن الواقف

إشارة:

العشرون: الوقف عامه وخاصه ينتقل عن الواقف كما هو المشهور شهرة محصلة ومنقولة (1)، وكما يشعر به إطلاق لفظ «الصدقة» عليه في الأخبار (2)، فإنّه لا يعقل للفظ «الصدقة» عرفاً وشرعاً معنى سوى ما انتقل عن صاحبه لغيره ابتغاء وجه اللّه تعالى.


1) مسالك الأفهام 5 : 375.

2) راجع وسائل الشيعة 19: 171، الباب 1 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات.

وفي الخبر: إن صدقة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وفاطمة لبني هاشم وبني المطلّب (1)، وظاهر «اللام» الانتقال.

وفي أخبار الوقف ما فيه أنّه «صدقة بتاً بتلا» (2)وهما بحسب العرف واللغة: المنقطعة عن صاحبها.

ويؤيّد الانتقال أنّ الوقف يزيل التصرّف بالعين والمنفعة اللازمان للملك، وزوال اللازم يدلّ على زوال الملزوم، وأنّه لو لم ينتقل لرجع ضمانه إلى المالك ولا يلتزمه أحد.

ونقل عن بعض الأصحاب عدم الانتقال (3)لجواز إدخال مَنْ يريد مع أصاغر ولده، ولأنّ الوقف تحبيس ومن شأنه عدم الملك للمحبوس عليه، فلا ينافي ملك الحابس له، بل العدول عن الملك إلى التحبيس دليل على عدم الانتقال.

والكلّ ضعيف؛ لأنا لا نقول بالأوّل، ولو قلنا به فللدليل، ولأنّ المراد بالتحبيس التحبيس على الموقوف عليه من التصرّف فيه بنقل عنه أو انتقال، بمعنى أن لا ينتقل إليه مطلقاً بل على الوجه الذي نقله إليه.

ودعوى أنّ كلّ حبس شأنه عدم الملك ممنوعة؛ لأنّ من أفراد الحبس هو الوقف، والعدول من الوقف إلى الحبس للدلالة على أن الموقوف محبوس عن الموقوف عليه.

ثمّ على القول بانتقاله عن ملك الواقف فهل يعود اللّه تعالى - كما نُسب لجمع (4)- لثبوت انتقاله عن الواقف، وعدم ثبوت انتقاله إلى غيره استصحاباً ؟ ومعنى أنّه اللّه تعالى: أنّه لا يملكه أحد من الآدميين فيكون كالتحرير، وليس كسائر المباحات؛ لاختصاص الموقوف عليه به وعدم جواز مزاحمته في عينه ولا منفعته ولا في قيمته لو ضمن بقيمته بحيث لم يمكن جعل القيمة وقفاً.

أو يعود ملكاً للموقوف عليه مطلقاً، كما نُسب للأكثر (5)، وإن لم يجز بيعه ونقله كأم الولد؛ لأنّه مال مضمون بالمثل والقيمة، وليس ضمانه للواقف ولا لغيره، فيكون للموقوف عليه.


1) وسائل الشيعة 19 : 173، الباب 1 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 6.

2) المصدر : 186، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 2 و 202 - 203، الباب 10 من أبواب الكتاب المزبور، ح 4.

3) حكاه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 375 عن ظاهر أبي الصلاح وراجع الكافي في الفقه : 325.

4) كما في المبسوط 3 : 287؛ والسرائر 3 : 154.

5) مسالك الأفهام 5 : 376.

ونقض ذلك ببواري المسجد، وآلاته، فإنّهما تُضمن بالقيمة وملكها اللّه تعالى.

ورُدّ: بأنّ النقض إنّما يتمّ لو جعلنا المضمون فى الوقف مطلقاً وقفاً، ولو جعلناه للموقوف عليهم مطلقاً لم يتم النقض.

ونظر فيه بأنّ جَعْله طلقاً ممّا يؤكد النقض، بخلاف جعله وقفاً؛ لبقاء أصل الشبهة.

وفي النظر نظر؛ لأنّ الغرض الفرق بين بواري المسجد وغيرها؛ للزوم كون المضمون في الأوّل وقفاً دون الثاني.

وقد يستدل على انتقاله للموقوف عليه برواية [ علي بن محمد بن ] (1)سليمان النوفلي: في أرض موقوفة على قوم منتشرين فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «بأنها لمن حضر البلد الذي فيه الملك» (2)لمكان «اللام» المفيدة لملك رقبة الأرض؛ لأنّها المسؤول عنها للحاضرين.

وقد يُنظر فيه بعدم إفادة «اللام» الملك، وبعدم تعلّق الملك بنفس رقبة الأرض؛ ضرورة أن الغائب له سهم فيها، لأنّه لو دفع إليه شيء من نمائها لاستحقه، غاية ما في الباب أنّه لا يجب التوزيع والدفع إلى الغائب.

وقد يناقش في عدم إفادة «اللام» الملك؛ لظهورها فيه، وبجواز دفع شيء للغائب قبل حضوره.

وقد يستدلّ على أصل الملك : بإطلاق لفظ «الملك» الظاهر في كونه للآدميين إن ثبت

اشتمال لفظ الرواية على لفظ «الملك» كما في المسالك (3).

أو يُفرّق بين كونه وقفاً على منحصر فيملكه الموقوف عليهم؛ لظاهر الأخبار الدالّة على أنّها لهم، ولثبوت جملةٍ من لوازم الملك فيه، ولعود النظارة فيه إليهم، ولعود قيمته أو مثله مع عدم إمكان جعلهما وقفاً إليهم قطعاً، وبين كونه وقفاً على غير منحصر - سواء كان وقفاً على نوع أو صنفٍ أو على مصلحةٍ من مسجدٍ وقنطرة - فيعود اللّه تعالى؟ كما اختاره جماعة (4)لتساوي نسبة كلّ واحدٍ من المستحقين إليه، واستحالة ملك كلّ واحدٍ أو واحد معين أو غير معيّن؛ للإجماع، واستحالة الترجيح، ولا المجموع من حيث هو؛ لاختصاص الحاضرين به.


1) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

2) وسائل الشيعة 19: 193 - 194، الباب 8 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ج 1، وفيه: «الوقف» بدل «الملك».

3) مسالك الأفهام 5 : 376.

4) منهم : العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 2: 394 والمحقق الكركي في جامع المقاصد 9: 63 و 64؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 377.

وفيه نظر؛ لجواز كون الملك لكلّ واحدٍ كالطرق والشوارع، ولكن لا يجب توزيع النماء عليهم، وجواز كون المالك هو الطبيعة، ولا نسلّم كونها معدومة؛ لوجودها في ضمن الأفراد.

أو يُفرّق بين الوقف على الآدمي فيملكه الموقوف عليه، وبين الوقف على المصالح فيعود اللّه تعالی؟ كما اختاره بعضٌ (1)، وذلك لعدم معقولية ملك الجهة، لعدم القابلية لذلك، ولأنّه بمنزلة التحرير كالعتق ولعدم اشتراط القبول والقبض فيها، بل يكفي فيها صلاة واحدٍ ودفن واحد.

وفيه نظر؛ لمنع عدم تملك الجهة، فلعلها تقبل الملك كما تقبل الوقف، ولمنع كون الوقف على الجهة وقفاً عليها، بل هو وقف على المسلمين - كما تقدّم - فيملكه المسلمون، ومنع عدم اشتراط القبض والقبول فيها ولو من الحاكم، بل هو عين الدعوى.

أو يُفرّق بين وقف المسجد بالخصوص فيعود اللّه تعالى؛ لأنّ المساجد اللّه تعالى، ولجريان أحكام كونه له عليه، ولا حترامه وإعظامه الظاهر في كونه له تعالى، ولظاهر الأخبار والسيرة والآثار، وبين غيره فيملكه الموقوف عليه مطلقاً؛ لما دلّ من الأخبار المشتملة على كون الوقف لهم، الشاملة للخاص والعام، ومن جملة العام صدقة بني هاشم وبني المطلب - كما تقدّم (2)- وظاهرها الملكية؟

وهذا الأخير أقوى.

فروع:
الأوّل: ثبوت دعوى الوقف بشاهد ويمين

الأوّل: تثبت دعوى الوقف بشاهد ويمين لو قلنا بانتقاله إلى الموقوف عليه.

ولو قلنا بانتقاله إلى اللّه تعالى احتمل كونها كدعوى التحرير فلا تثبت بهما. و

الأقوى ثبوته بهما؛ لأنّ المنافع مال يعود إلى الموقوف عليه فيصح إثباته بهما.

نعم، لو تجرّدت دعوى العين عن المنافع أشكل ثبوتها بهما.

ويتولى الدعوى في المنحصر نفس الموقوف عليه، وفي غيره يتولاها الناظر أو الحاكم. ولكن في توجه اليمين عليهما مع الشاهد إشكال ينشأ من كونهما أولياء للوقف ولا يمين


1) راجع مسالك الأفهام 5 : 377.

2) تقدّم في ص 255.

على الولي، ومن كونهما داخلين في الموقوف عليهم فلهم تشبّث بالملك في الجملة، فيصح منهما اليمين، والأوّل أوجه.

الثاني: عدم صحّة عتق العبد الموقوف

الثاني: لا يصحّ عتق العبد الموقوف؛ لتعلّق حقّ البطون به ولما يظهر من الأخبار من منع نقل الوقف والتصرف فيه على غير جهة الوقف وموردها وإن كان غير العتق من هبة وبيع وميراثٍ (1)إلّا أنّه مثال، كما هو الظاهر.

هذا إن قلنا بانتقاله إلى الموقوف عليه، وإن قلنا بانتقاله اللّه تعالى فوجه عدم صحّة عتقه ظاهر؛ لأنّ العتق فكّ الملك، فلو جاز في الوقف للزم تحصيل الحاصل، ولو قلنا ببقائه على ملك الواقف، فهو محجور عليه بالتصرّف فيه قطعاً؛ للأخبار (2)والفتاوى.

الثالث: فيما لو كان العبد بين اثنين فوقف أحدهما نصفه وعتق الآخر فإنّه لا يسري العتق هنا

الثالث: لو كان العبد بين اثنين فوقف أحدهما نصفه وعتق الآخر، فالأقوى أنّه لا يسري العتق هنا.

أما على القول بانتقال الوقف اللّه تعالى: فللزوم تحصيل الحاصل.

وأما على القول بانتقاله للموقوف عليه فكذلك؛ للشكّ في شمول دليل السراية المخالفة للأصل لمثل ذلك، ولتعلق حقّ البطون اللاحقة به، ولعدم نفوذ العتق في الموقوف مباشرةً فلا ينفذ سرايةً بطريق أولى، ولظاهر الإجماع المنقول (3)، وظاهر الأخبار (4)أيضاً المشعرة بأن الوقف بعد وقوعه وصحته صار محجوراً عليه ولا ينفذ فيه شيء من التصرفات المزيلة لما هو عليه.

وكذا على القول ببقائه على ملك الواقف، فإنّ الظاهر عدم السراية؛ للشكّ في شمول دليل السراية لمثل ذلك، ولتعلق حقّ الموقوف عليه به، فلا يقدم عليه حقّ العتق.

وقد يحتمل سراية العتق إلى نصيب الموقوف عليهم، ويضمن عوضه المعتق؛ لأنّه يكون بمنزلة الإتلاف ويشترى بعوضه ما يكون وقفاً، ويُفرّق بين العتق مباشرةً وبينه سرايةً؛ لأنّ


1) راجع وسائل الشيعة 19 : 185 الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات.

2) راجع المصدر : 199 - 201، الباب 10 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 3.

3) مسالك الأفهام 5: 379.

4) راجع وسائل الشيعة 19 : 199 - 201. الباب 10 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 3.

السراية مع اجتماع شرائطها تكون بمنزلة الإتلاف القهري فتنفذ في المحل، بخلاف العتق الاختياري فإنّه بمنزلة التصرفات الاختيارية وهي محجور عليها في الوقف، ولتوقف صحّة العتق الاختياري على انحصار الملك في المباشر أو فيه وفي شريكه، دون عتق السراية.

وهذا الاحتمال جارٍ على جميع الأقوال؛ لعموم «مَنْ أعتق شركاً من عبد وله مال قوّم عليه الباقي» (1)إلّا أنّه يقوى على القول بانتقال الوقف إلى الموقوف عليه، بل خصه بعضهم (2)بذلك، ولكنّ التخصيص منظور فيه، بل الأظهر ما قدمناه من الأقربيّة؛ لقوة ملك الموقوف عليه، وإن تلاحق فتقوى فيه الشركة فيقوى احتمال شمول العموم المتقدّم له.

ويضعف هذا الاحتمال لو قلنا بعدم انتقاله عن الواقف؛ لضعف ملكيته على القول بها، لارتفاع سلطانه عنه، ولبعد تعلقه به، ولتعلّق حقّ الموقوف عليه به، فيضعف حينئذٍ احتمال دخوله تحت العموم المتقدّم، كما يزداد ضعفاً على القول بانتقال الوقف اللّه تعالى.

والحق أن دليل السراية معارض لدليل الوقف إلّا أنّه لا يقاومه؛ لظهوره في غيره، ولاعتضاد دليل الوقف بفتوى المشهور وظواهر كثير من الأخبار، فلا يُسمع دليل السراية بالنسبة إليه، ويصرف إلى غيره.

الرابع: في أنّ عمارة الوقف تخرج من غلته ونمائه مقدّماً على حقّ الموقوف عليه

الرابع: عمارة الوقف تخرج من غلته ومن نمائه مقدّماً على حقّ الموقوف عليه؛ لأن غرض الواقف بقاء عين الوقف للانتفاع به، فما يتوقف عليه البقاء يُقدّم إخراجه على حقّ غيره، وحينئذٍ فالناظر له أخذ النماء وله أجرة الأرض لتعميرها، ولا يعارضه الموقوف عليهم، بل له إخراج الموقوف عليهم من سكنى الوقف وإيجارها لتعميرها، خاصاً كان الوقف أو عاماً. وتمضي إجارته على البطون اللاحقة.

ولو لم يكن للوقف الخاص ناظر، آجره الموقوف عليهم أيضاً لذلك، وتمضي إجارتهم أيضاً على البطون اللاحقة؛ لكون مصلحة الإجارة لهم أيضاً، ولا يختص بها المؤجر.

ولو امتنع الموقوف عليهم من إيجار العقار لتعميره حتّى آل إلى الاضمحلال، ففي جبر الحاكم لهم على ذلك وجه قوي.


1) سنن ابن ماجة 2 : 844، ح 2528.

2) راجع شرائع الإسلام 2: 172.

وإذا طلب أحدهم الإيجار للتعمير لزم الآخرين إجابته.

وأما نفقة الحيوان فتلزم الموقوف عليه؛ بناءً على ملكه أو مطلقاً؛ لانحصار منافعه فيه فتلزمه نفقته.

وعلى القول بعدم انتقاله عن الواقف احتمل كون النفقة عليه، وكونها على الموقوف عليه.

وعلى القول بانتقاله اللّه تعالى احتمل كونها على الموقوف عليه، وكونها على بيت المال.

ولو كان الموقوف عليه عاماً، كانت نفقته على بيت مال المسلمين، فتخرج ممّا لهم من أخماس وزكوات ونحوها.

وأما نفقة العبد فإن قلنا بملك الموقوف عليه له احتمل كونها على الموقوف عليه تبعاً للملك، وهو الأظهر.

واحتمل كونها في كسبه؛ لأن نفقته من شروط بقائه، كعمارة العقار، وهي مقدمة من غلته على حقّ الموقوف عليه.

وإن قلنا: يملكه اللّه تعالى، احتمل كون نفقته على الموقوف عليهم؛ لأنّهم هم المستحقون للمنفعة، بناءً على أن مالك المنافع كالأجير الخاص، والموصى بخدمته تتعلّق بهم نفقة ما ملكوا منافعه، واحتمل كونها في بيت المال ابتداء، واحتمل تعلقها بكسبه أولاً، فإن لم يمكن ففي بيت المال.

وإن قلنا بعدم انتقال الوقف عن المالك، احتمل كون النفقة على الموقوف عليه؛ لاستحقاقهم المنفعة.

واحتمل كونها على الواقف، واحتمل كونها في كسبه، فإن قصر فعلى بيت المال، واحتمل كونها على بيت المال مطلقاً؛ لاستعداد بيت المال لعمل المصالح، وفي الأخبار ما يشعر بتقديم تعمير الموقوف من الغلة على حقّ الموقوف عليه (1)، وعليه ظواهر كلام الأصحاب كما تقدّم.

ولو أقعد العبد الموقوف، أو از من انعتق العبد، وتسقط نفقته عن الواقف والموقوف عليه بالخصوص، وتثبت على المسلمين كفاية عند الاضطرار، والموقوف عليه والواقف أحد المسلمين.


1) وسائل الشيعة 19 : 202، الباب 10 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 4.

الخامس: فيما لو جنى العبد الموقوف عمداً فعليه القصاص

الخامس: لو جنى العبد الموقوف عمداً، فعليه القصاص؛ لعموم أدلّته (1)الحاكمة على أدلّة دوام الوقف؛ لقوتها عليه، فإن كانت دون النفس بقي الباقي وقفاً، وإن كانت نفساً بطل الوقف فيه.

وهل للمجني عليه الاسترقاق؛ لأنّ له القتل وإبطال الوقف به فله الاسترقاق بطريق أولى، ولأنّ الجمع بين حقّ المجني عليه وبين فضيلة العفو وبقاء النفس المحترمة إنما يحصل بالاسترقاق، أو ليس له ذلك؛ لأنّه إبطال لحق الوقف المقتضي للتأبيد والدوام فينافيه، وشمول أدلّة استرقاق المجني عليه للجاني (2)في هذا المقام محلّ شكٍّ ؟

وبالجملة، فقد جاء ما دلّ على التأبيد في الوقف (3)، وما دلّ على جواز استرقاق الجاني، وبينهما تعارض، ولا يبعد أنّ القوة لجانب أدلّة الوقف.

ولو جنى خطأ، احتمل تعلّق الجناية بمال الموقوف عليه؛ بناء على أنّه يملكه؛ لتعذر استيفائها من رقبته؛ إذ لا يتعلّق الأرش إلّا برقبة من يباع، فيلزم على المالك التفدية.

واحتُمل تعلّقها بكسبه؛ لأنّ المولى لا يعقل عبداً، ولا يجوز إهدار الجناية، ولا طريق إلى عتقه فيتوقع منه الوفاء.

واحتمل تعلّقها برقبته؛ لما دلّ على جواز استرقاق المجني عليه للجاني مطلقاً فيقدّم حقّ الجناية على حقّ الوقف.

واحتمل التفصيل بين كونه كسوباً ففي كسبه، وبين كونه غير كسوبٍ ففي رقبته أو في مال الموقوف عليه.

والأوجه في النظر : تقديم حقّ الموقوف عليه من الدوام وشبهه.

وعلى القول بانتقال الملك اللّه تعالى احتمل كون الجناية من بيت المال، واحتمل تعلّقها بكسبه، والأخير أوجه.

ولو قلنا بعدم انتقاله عن ملك الواقف، احتمل كون الجناية في مال الواقف، واحتمل تعلقها بكسبه.


1) البقرة (2) : 178 و 179؛ المائدة (5) : 45.

2) وسائل الشيعة 29 : 99 - 100، الباب 41 من أبواب القصاص في النفس، ح 1، 2، 4، 5.

3) المصدر 19 : 186 - 187 الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 3، 4.

وثمرة التعلّق بالكسب هو أنّه وإن كان من مال المالك إلّا أنّه مال خاص لو لم يمكن الوفاء منه لم يرجع إلى مال آخر.

ولو جني على العبد الموقوف، فإما أن تكون الجناية عمداً أو خطأ، وعلى أي التقديرين فإما في نفس أو طرفٍ، وعلى كلّ التقادير فالموقوف إمّا أن يملكه الموقوف عليهم أم لا.

ثمّ إن المالك إمّا أن يختار القصاص في صورة العمد، أو يختار الصلح بالمال، أو يختار العفو، وفي غير صورة العمد إمّا أن يختار المال أو العفو.

ومقام النظر في هذه الأقسام هو أنّه لو كان الحق القصاص، فالقصاص بيد الموقوف عليه لو قلنا بانتقال الملك إليه، ولا يمنع من القصاص حقّ البطون اللاحقة؛ لأنّه شُرّع للتشفّي، فلكلّ واحدٍ من المُلّاك أن يفعله، وإن قلنا بانتقاله اللّه تعالى احتمل كون حقّ القصاص إلى الحاكم؛ لأنّه الوليّ، واحتمل كونه للموقوف عليهم؛ لرجوع منافع الوقف ونمائه إليهم. وإن قلنا بعدم انتقاله عن الواقف كان حقّ القصاص له مع احتمال كونه له وللموقوف عليهم.

وأنه لو صار الحق مالاً كالدية في حال الخطا، أو المصالح عليه في حالة العمد، فهل يجب أن يشترى به عبد أو بعض عبدٍ يكون وقفاً، أو يختص به الموجود من الموقوف عليهم؛ لأنّه بمنزلة النماء؟ وجهان.

ووجه الأوّل: أنّ الدية عوض الرقبة والرقبة لا يختص بها الموجودون، بل يشاركهم المعدومون بالقوة القريبة للفعل؛ لحصول السبب المملك والمعدات للملك، فلا سبيل إلى إبطال حقهم، فيجب أن يشترى عبداً أو بعض عبد فيكون وقفاً؛ إبقاء للوقف بحسب الإمكان وصيانةً له عن الإبطال، وتوصلاً إلى غرض الواقف مهما أمكن، ولأن الوقف تابع لبقاء المالية؛ ولهذا يجب الشراء بقيمة الوقف حيث يجوز بيع ما يكون وقفاً.

ووجه الثاني: أن الوقف متعلّق بالعين المشخصة وقد بطل بإتلافها، فامتنع أن يكون لمن سيوجد من البطون حقّ متعلق به؛ لأنّهم حال الجناية غير مستحقين، ووقت استحقاقهم قد خرج التالف عن كونه وقفاً.

وقد يضعف الأخير بأن القيمة بدل عن العين، فيملكها مَنْ يملكها ويستحقها مَنْ يستحقها. والوقف وإن لم يتناول القيمة مطابقة لكنه يتناولها اقتضاء؛ من حيث إنّها قائمة مقام العين ولأنّ حقّ الوقف أقوى من حقّ الرهن وحق الرهن يتعلّق بالقيمة، فالأوّل أوجه.

وقد يُفرّق في المال بين الدية والأرش، فيجعل الأرش للموجودين قطعاً؛ لأنّه بمنزلة النماء، دون الدية.

وهو قريب، وقطع به بعضهم (1)، إلّا أن الظاهر أنّ الخلاف واقع فيهما معاً، والضابط إيجاب الجناية للمال.

وعلى المختار فيتولّى الشراء الموقوفُ عليهم إن قلنا: إنّهم يملكون الموقوف، مع احتمال أن يتولاه الحاكم؛ لتعلّق حقّ البطون اللاحقة به، والحاكم ولي الغائب والمعدوم.

ولو كان للوقف ناظر قد صرّح بنظارته لمثل ذلك، تولّى الشراء ذلك الناظر، وإن لم يصرّح له بمثل ذلك ففي شمول إطلاق لفظ «النظارة» لمثل ذلك بحث، ولا يبعد العدم.

وإن قلنا: إن الوقف اللّه تعالى مطلقاً أو في مكانٍ خاص، كان المتولّي للشراء الحاكم الشرعي، مع احتمال كونه للموقوف عليهم؛ لعود نفعه إليهم، وهو احتمال ضعيف، ومع تعذر الحاكم تولاه الموقوف عليهم، مع احتمال تقديم عدول المؤمنين، وهو أقرب، ومع عدم إمكان تولّي الموقوف عليهم فلا شكّ في رجوع الولاية لعدول المؤمنين.

وإن قلنا بعدم انتقال الوقف عن الواقف ففي كون الولاية له، أو للحاكم، أو للموقوف عليه وجوه، أوجهها الأوّل.

وهل يفتقر بعد الشراء إلى صيغة الوقف؛ للأصل، ولأن الوقف لا يكون وقفاً من دون الصيغة، أو لا يفتقر بل يصير بالشراء وقفاً، كما يصير الرهن بذلك رهناً؛ لأنّه يغتفر في الثواني والتوابع ما لا يغتفر في الأوائل والمتبوعات؟ وجهان، أحوطهما وأقربهما الأوّل.

وعليه فيتولّى الصيغة مَنْ يتولّى الشراء، ويكون حكم ما بين الشراء والصيغة حكم الوقف لا أنّه وقف، ويملكه مالك الوقف على الأقوال المتقدّمة، ولا يجوز التصرّف فيه قبل الشراء، بل يكون محجوراً عليه.

ولو لم يف المال بشراء عبد تام، اشترى به شقصاً؛ امتثالاً للأمر بحسب الإمكان، ولو زاد عن عبد اشترى بالزائد شقصاً آخر، وهكذا.

وهل للموقوف عليهم العفو عن القصاص، بحيث إنّهم لو عفوا لم يكن للبطون اللاحقة


1) راجع شرائع الإسلام 2: 173 وإرشاد الأذهان 1 : 454.

فيه حقٌّ، وكذا لو عفوا عن الدية أو الأرش؟ يحتمل ذلك؛ لانحصار الحق الآن فيهم، وتجدد استحقاق البطون اللاحقة بعد سقوط الحق بالعفو.

ويحتمل العدم؛ لوجود سبب استحقاقهم حين الجناية، ولتعلّق حقهم على وجه الشركة مع الموجودين، ولا يسقط حقّ واحدٍ بعفو آخر وإسقاط حقه منه. وهذا أوجه.

وعليه فهل للاحقين القصاص إذا عفا عنه الموجودون؛ لاشتراكهم في استحقاقه، أو ليس لهم إلّا الدية؛ تغليباً لجانب العفو وحفظاً للنفس المحترمة عن الإتلاف مهما أمكن؟ وجهان، وفي الأخير قوة.

وعلى ما ذكرنا فلو كان الجاني عبداً فاقتص الموجودون منه فلا كلام، وإن عفوا عنه كان للاحقين استرقاقه، ويثبت وقفاً بنفس الاسترقاق أو بالصيغة؟ وجهان على ما تقدّم.

وهل لهم القصاص؟ وجهان، على ما تقدّم (1).

وإن استرقه الموجودون ففي اختصاصهم به، أو لزوم جعله وقفاً؛ لتعلّق حقّ البطون اللاحقة به، وجهان مبنيان على ما تقدّم (2).

وهل يفتقر بعد الاسترقاق إلى صيغة الوقف؟ وجهان مبنيان على ما تقدّم (3).

الحادي والعشرون: في مباحث متعلقة في الموقوف عليه:

الأوّل: في أنّه يشترط في الموقوف عليه ذكره بنفسه أو بما ينوب عنه من جهةٍ أو مصرف

الأوّل: يشترط في الموقوف عليه ذكره بنفسه أو بما ينوب عنه من جهة أو مصرف، فلو وقف ولم يذكر شيئاً من ذلك بطل الوقف؛ للأصل، ولظاهر الأخبار الواردة عن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) (4)، ولفتوى المشهور، ولظاهر الإجماع المنقول (5)، ولأنّ الوقف تمليك، فما لم يذكر المالك بطل. ولبطلان الوقف على المجهول فغير المذكور أولى.

ونقل عن ابن الجنيد جواز هذه صدقة اللّه تعالى، ولم يذكر المتصدق عليه، وكانت في أهل الصدقات (6)، وهو شاذّ متروك.


1) تقدّم في ص 261 وما بعدها.

2) تقدّم في ص 261 وما بعدها.

3) تقدّم في ص 261 وما بعدها.

4) وسائل الشيعة 19: 173 - 174، الباب 1 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 6، 8، و 199 - 203، الباب 10 من أبواب الكتاب المزبور، ح 3، 4.

5) رياض المسائل 10: 130 - 131.

6) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 284، المسألة 62.

ويشترط كونه موجوداً أو معدوماً ممكن الوجود تابعاً للموجود، كالوقف على أولاده الموجودين وما سيوجد منهم أو من غيرهم وقف تشريك، أو الوقف على أولاده ثمّ على ما سيوجد منهم أو من غيرهم وقف ترتيب، فلو كان معدوماً غير ممكن الوجود - كالوقف على الميّت أو على ما تلده الأموات أو على العنقاء بطل، منضماً كان أو منفرداً، وقف تشريك أو ترتيب. وكذا لو كان ممكن الوجود إلّا أنّه لم ينضم إلى موجود على وجه التشريك أو الترتيب، بل كان مستقلاً بالوقف فإنّه يبطل قطعاً.

ويشترط كونه قابلاً للملك، فلا يصحّ الوقف على جماد ولا على حمل ولا على عبد. إمّا الجماد فلا إشكال فيه.

وأما الحمل فإنّه وإن كان موجوداً حياً ويصحّ قبول وليه عنه إلّا أن الظاهر منهم أن الحمل لا قابلية له للملك المنجز قبل خروجه حيّاً، وإن صحّ تمليكه بغير التنجيز، كالوصيّة والنذر إذا خرج بعد ذلك حيّاً. ويكون الخروج كاشفاً أو ناقلاً، والإجماع منقول على ذلك (1).

وأما العبد فظاهرهم على عدم صحّة الوقف عليه، ونُقل عليه الإجماع (2)، وبناه جمع (3)على القول بملكه وعدمه، فإن قلنا بملكيته صحّ الوقف عليه، وتولى القبول والقبضَ مولاه، وإن قلنا بالعدم، فلا يصحّ الوقف عليه، ولا ينصرف إلى سيده قهراً؛ لعدم القصد إليه.

ويستثنى من ذلك الوقفُ على العبد المُعدّ لخدمة الحضرة والمسجد، وكذا الدابّة، كما يستثنى من الوقف على الجماد الوقفُ على القنطرة والمسجد والحضرة، فإنّ ذلك كلّه جائز؛ لرجوع الوقف في الحقيقة وقفاً على أهل تلك المصلحة من المسلمين رجوعاً قهريّاً أو قصدياً على ما تقدّم سابقاً (4)، وعلى كلا التقديرين فجوازه لا إشكال فيه، والاتفاق عليه، والسيرة قاضية به.

ولا يعارض ذلك ما ورد في المرسل: عن الوقوف على المساجد، قال: «لا يجوز؛ فإنّ المجوس وقفوا على بيوت النار» (5)، وكذا ما ورد في الخبر الآخر (6).


1) غنية النزوع 1 : 297.

2) غنية النزوع 1 : 297.

3) راجع جامع المقاصد 9 : 45 ومسالك الأفهام 5 : 331؛ ورياض المسائل 10: 131.

4) تقدّم في ص 225 - 226.

5) وسائل الشيعة 5 : 291، الباب 66 من أبواب أحكام المساجد، ح 1.

6) المصدر : 292، ح 2.

وهما ضعيفان سنداً، ويزيد الأخير بضعف الدلالة على ما ذكر، ومع ذلك شاذان متروكان، فطرحهما أو تنزيلهما على إرادة البيع والكنائس من لفظ «المساجد» ممّا يعين الوقف عليه على الإثم أو على إرادة الاستفهام الإنكاري من لفظ لا يجوز» ويكون المقصود من ذكر التعليل بيان جوازه على المساجد بطريق أولى.

وحملهما على الكراهة بعد اتفاق الأصحاب على الجواز والاستحباب بعيد.

ويمكن حمل الكراهة على إرادة تجنّب صورة اللفظ في الوقف على المساجد؛ للبعد عما يفعله المجوس.

ويشترط كون الموقوف عليه ممّا لا يحرم عليه البر والصدقة، كالوقف على العصاة والزناة وقطاع الطريق وشاربي الخمر ؛ لكونهم كذلك، لا لكونهم من ولد آدم، أو غيرها من الجهات المحللة.

ويشترط كونه معلوماً غير مبهم ولا مردّداً فيه بين عام أو خاص أو تشريك أو ترتيب، أو بين شخصين، أو كلّيّ ملحوظ فيه نفس الطبيعة دون الفرد.

ولو وقع ما لا يصحّ الوقف عليه أوّلاً كان منقطع الأوّل، ووسطاً كان منقطع الوسط، وأخيراً كان منقطع الأخير. وحكم منقطع الوسط بالنسبة إلى ما بعده كحكم منقطع الأوّل، وبالنسبة إلى ما قبله كحكم منقطع الأخير.

والأقوى صحّة منقطع الأخير مع إرادة الحبس أو الإطلاق، دون ما إذا أُريد نفس الوقف المؤبد.

وكذا الأقوى صحّة الوقف على ما يصحّ الوقف عليه إذا انضم إليه ما لا يصحّ الوقف عليه، كمعدوم لا يمكن وجوده، أو جماد، أو ما يحرم الوقف عليه، ويقضى عليه بالتنصيف.

كما أنّ الأقوى فساد منقطع الأوّل للشكّ في شمول دليل الصحّة له، وللزومه إمّا صحّة الوقف مع عدم موقوف عليه إن أجرينا الوقف على إطلاقه، أو مخالفة شرط الواقف وقصده إن أجريناه على ما يصحّ الوقف عليه فقط، فيخالف قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (1). والعقود تتبع القصود.

وما قيل: إنّا نلتزم أنّ هنالك موقوفاً عليه، فإن أمكن انقراضه اعتبر انقراضه، فيكون انقراضه شرطاً في تجويز الانتفاع لا في نفوذ الوقف، والنماء للواقف أو ورثته كمنقطع الوسط،


1) تقدّم تخريجه في الهامش (2) من ص 212.

أو يساوي ما لا يمكن انقراضه، كما سيأتي (1)إن شاء اللّه، وإن لم يمكن انقراضه كان شرط الواقف لغواً؛ لكونه محالاً، فلا يلزم اتباع شرط الواقف؛ لأنّه إنما يلزم اتباعه لو كان سائغاً، وإذا كان الشرط لغواً لم يبطل الوقف؛ لوجود الموقوف عليه فينصرف إليه (2)، ضعيف جداً، وذلك ؛ لأنّ العقد إذا ابتنى على شرط فاسد فسد العقد بفساده، والحكم بأن الشرط إذا كان محالاً يكون لغواً فيفسد بنفسه مخالف لقواعد الشروط وقياسه على منقطع الوسط قياس باطل؛ لأن الكلام فيه كالكلام في منقطع الأوّل بالنسبة إلى ما بعده، ووجود الموقوف عليه على غير النحو المقصود من الواقف لا يصرف الوقف إليه؛ لأنّ الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها، على أنّ ما يمكن انقراضه لو جعل شرطاً في انتفاع الثاني وجعل النماء للواقف مدّة وجوده كان بمنزلة عدم إخراج الواقف الوقف عن نفسه، وهو باطل قطعاً.

ونقول زيادةً على ذلك: إنّ منقطع الأوّل ليس بمنزلة الشرط الملغى كي يمكن إسقاطه وصحة الوقف، بل هو ركن من أركان الوقف؛ لأنّه موقوف عليه ابتداء، وإذا فسد ركن الوقف فسد الوقف.

ولا يمكن أن يقال: إنّه بمنزلة الوقف على ما يصحّ الوقف عليه وما لا يصح، فيصح في القابل دون غيره؛ للفرق بينهما من حيث إنّ الوقف في الأخير قد وقع دفعةً على ما يصحّ الوقف عليه وما لا يصح، فيمكن أن يؤثر في القابل دون غيره، بخلاف الأول؛ لأن الوقف قد انصب عليه أوّلاً ثمّ على القابل بعده فإذا بطل أثره في الابتداء لم يمكن أن يؤثر في الاستدامة؛ لابتنائها على الابتداء.

وبهذا يظهر ضعف من حكم بصحّة الوقف المنقطع الأوّل، استناداً للأصل، وإلى أنّه بمنزلة ضمّ صحيح إلى فاسد فيصح فيما يصحّ ويفسد فيما يفسد (3).

ووجه الضعف ما عرفت من انقطاع الأصل، ومن الفرق بين الضميمتين من إمكان القول بالصحّة هناك دونه هنا.

وعلى القول بالصحّة فهل تصرف منفعة الوقف في الحال إلى مَنْ يصحّ في حقه، أو ترجع


1) سيأتي في ص 292 - 293.

2) كما في غاية المراد 2 : 427.

3) الخلاف : 544 المسألة 10.

إلى الواقف، أو تُصرف في وجوه البر، أو يُفرَّق بين ما يمكن انقراضه كالعبد وشبهه فتصرف إلى الواقف أو إلى الفقراء والمساكين؛ لخروجه عن ملك الواقف في الجملة، وبين ما لا يمكن انقراضه كالوقف على ميّتٍ أو مجهول ابتداءً فتصرف إلى مَنْ يصحّ الوقف في حقه؟ وجوه والتفصيل على القول بالصحّة قريب.

الثاني: حكم ما إذا وقف على ما لا ينقطع عادة فاتفق انقطاعه ولم يكن الواقف عالماً بانقطاعه ولا قصده

الثاني: إذا وقف على ما لا ينقطع عادةً فاتفق انقطاعه ولم يكن الواقف عالماً بانقطاعه ولا قصده، وكذا لو وقف على جهةٍ فبطل رسمها، كما إذا وقف على مدارس أو مساجد فاضمحلت اضمحلالاً لا يرجى عوده، وكذا لو وقف وقفاً امتنعت منفعته، كما إذا وقف مسجداً أو مدرسة فخربت البلد خراباً لا يرجى عوده، أو وقف قنطرةٌ فذهب الماء ذهاباً لا يرجى عوده، أو غير ذلك، فإنّه ذلك كلّه لا يبطل الوقف، ولا يعود إلى الواقف منه شيء، بل تُصرف منافعه في وجوه البر.

وللحاكم أن يؤجر المسجد والمدرسة لانتفاع آخر، ويأخذ الأجرة ويصرفها في وجوه البر.

وكذا له أن يأخذ نماء الوقف على كلّ مصلحة بطل رسمها فيصرفه في وجوه البرّ. ونسب ذلك للمشهور (1)، بل ربما يظهر من بعضهم نقل الاتفاق عليه، وأن غيره شاذّ نادر (2)، وعُلل بخروجه عن ملك الواقف، وصرفه في وجوه البر أقرب للغرض الأصلي وأنسب إليه (3).

وربما يؤيّده ما ورد في الوصيّة والنذر المعيّن:

كالخبر: فيمن أوصى بوصيّة ولم يحفظ الوصيّ إلّا باباً واحداً كيف يصنع في الباقي ؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الأبواب الباقية اجعلها في البرّ» (4).

وفي آخر: فيمن أوصى بمال يحجّ به عنه فلم يسع فتصدق به فسأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: «إن كان لا يبلغ أن يحجّ به من مكة فليس عليك ضمان» (5).

وفي جملة من الأخبار ما يدل على أنّ ما أوصى به للكعبة أو كان هدياً أو نذراً يباع إن كان جاريةً ونحوها، وإن كان دراهم صُرفت في المنقطعين من زوارها (6).


1) نسبه للمشهور ابن فهد الحلّي في المهذب البارع 3 : 62.

2) السرائر 3: 166؛ مسالك الأفهام 5 : 346.

3) كما في رياض المسائل 10 : 155؛ وراجع مسالك الأفهام 5 : 346.

4) وسائل الشيعة 19 : 393، الباب 61 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

5) المصدر : 349 الباب 37 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

6) المصدر 13 : 249 و 251 - 252، الباب 22 من أبواب مقدمات الطواف، ح 6، 9 و 19 : 392، الباب 60 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

وعلى كلّ حال فالحكم في الجملة لا إشكال فيه، إنما الإشكال في لزوم صرفه في الأقرب إلى تلك المصلحة من وجوه البرّ فالأقرب، فيُصرف وقف المسجد ونماؤه وأجرة المسجد ومنافعه في مسجدٍ آخر، وكذا المدرسة والقنطرة والحمّام وغيرها، أو عدمه، وجهان:

ووجه الأوّل: الاحتياط في مال الغير، وعدم جواز التصرّف فيه في غير المقطوع به؛ ولأنّه أقرب إلى غرض الواقف فينبغي اتباعه، ولأنّ الوقف كان الغرض منه القربة والمسجدية وكونه المسجد الخاص، فإذا انتفى كونه المسجد الخاص بقي إرادة المطلق؛ ولأنّه لا يُترك الميسور بالمعسور وما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه.

ووجه الثاني - كما هو ظاهر إطلاقات الفقهاء بل ربما يدعى أنّه المشهور : هو استواء القُرَب كلّها، وعدم تناول عقد الوقف لها، وعدم قصد الواقف إليها بالخصوص، ومجرّد المشابهة والقرب لا دخل لهما في تعلقه بها، وحينئذٍ فيبطل القيد ويبقى أصل الوقف من حيث القربة، ولأنّ الخاص إذا انتفى انتفى العام - ما عدا القربة - بانتفائه، فلا يبقى ما يلزم اتّباعه.

ويمكن الفرق بين نماء الوقف على مصلحةٍ خاصّة فتبطل تلك المصلحة، فيُحكم فيه بلزوم صرفه في الأقرب فالأقرب، وبين أُجرة نفس الوقف إذا لم ينتفع به في تلك الجهة الموقوف عليها فيؤجر لغيرها مع ضبط حججه وطواميره، فيحكم فيه بجواز صرفه في وجوه البرّ مطلقاً.

وهذا الأخير هو الأقوى.

وهذا كلّه فيما لو كان الوقف على مصلحةٍ لا تنقطع غالباً فاتفق انقطاعها، إمّا لو كان على مصلحة تنقطع غالباً، فالأقوى كونه كمنقطع الأخير يعود ملكاً للواقف، مع احتمال صرفه في وجوه البر؛ لأنّ الوقف على المصلحة وقف على المسلمين فلا يزول عنه معنى الدوام، وذكر المصلحة الخاصّة المنقطعة بمنزلة اشتراط صرفه في الابتداء على جهةٍ خاصّة، فإذا بطلت لا يبطل أصل الوقف.

ولو كان الوقف على مصلحة مشكوك في انقطاعها وعدمه، قوي الحكم بتنزيلها منزلة المقطوع بدوامها؛ للاستصحاب.

واحتمل الحكم بتنزيلها منزلة ما ينقطع غالباً؛ لاشتراط الدوام في الوقف، والشكّ في الشرط شكّ في المشروط؛ لأن الأصل عدم تحقّقه.

الثالث: في أنّه لا يجوز للموقوف عليه وطء الأمة الموقوفة إذا كان له شركاء في طبقته فيها

الثالث: لا يجوز للموقوف عليه وطء الأمة الموقوفة إذا كان له شركاء في طبقته فيها، فإن فَعَل أثم، وعليه ما عدا نصيبه من العُقْر (1)للشركاء، وكذا من قيمة الولد لو أولدها، وعليه الحدّ بنسبة ما لغيره.

ولو انحصر الوقف فيه، فالذي يظهر من الأصحاب حرمة وطئه لها وإن قلنا: إن الموقوف عليه يملك الوقف، وذلك لأن ملكه غير تام؛ لتعلّق حقّ البطون اللاحقة به، فلو وطأها فقد عرضها للإتلاف؛ لاحتمال صيرورتها أُمَّ ولد له، فيحرم وطؤه لها.

وهل تحرم باقي الانتفاعات من اللمس والتقبيل ؟ فيه وجهان، وظاهر التعليل: العدم.

ثمّ إنّه لو وطأها وفَعَل حراماً، كان الولد حُراً؛ لأنّه مالك، ووطؤه ليس من الزني، وليس عليه حد، ولا قيمة الولد؛ لأنّه من النماء ونماء الموقوف للموقوف عليه، ولا يكون الولد وقفاً كأُمه؛ بناءً على لحوق ولد المملوك به في الوقفية، فيجب على الواطئ حينئذٍ قيمته، ويشتري بها ما يكون وقفاً عبداً أو بعض عبد؛ لفساد المبني عليه، ولو قلنا به في المملوك لا نقول به ها هنا؛ تغليباً لجانب الحُرّيّة.

ولو قلنا: إن الموقوف يملكه اللّه تعالى أو الواقف كان الولد رقاً مع الوطء عمداً، وفي صيرورته وقفاً وعدمه وجهان، أوجههما العدم، وعليه فيتحرّر؛ لانعتاقه على أبيه، لملكه له.

وهل عليه الحدّ لكونه زانياً، أو ليس عليه؛ لأنّ الملكية وعدم الملكية شبهة حكم؛ لكونهما مورد خلاف فيدرأ بهما الحد؟

والأظهر ثبوت الحد؛ لأنّ الظاهر اختصاص الشبهة التي يدرأ بها الحد بشبهة الموضوع، دون شبهة الحكم الناشئة من وقوع الخلاف، وإلا لزم كون كلّ ما فيه خلاف شبهةٍ يسقط بها الحد وإن ترجّح أحد الطرفين عند المجتهد، وهو بعيد جداً.

ولا يجب على الموقوف عليه المهر ولا قيمة الولد؛ لأنّهما من النماء الذي يعود إليه.

وهل تصير الأمة بوطء الموقوف عليه على القول بملكه أُمَّ ولد له؛ لعلوقها منه في ملكه، فيشملها حكم أُمهات الأولاد، أو لا تكون للشكّ في دخول هذا الفرد في أُمّ الولد؛ لأنّ الظاهر منها كون الموطوءة ملكاً تاماً لا يتعلّق بعينه حقّ آخر لا سابقاً ولا لاحقاً، ولأنها


1) العُقْر : دية فرج المرأة إذا غصبت على نفسها ثمّ كثر ذلك حتّى استعمل في المهر. مجمع البحرين 3: 410، «ع ق ر».

تقوم كلها على الموقوف عليه ولا شيء من أُمهات الأولاد ما تقوم كلها على مولاها؛ بدليل الاستقراء، ولمنافاة الوقف للاستيلاد؟

والحق هنا: تعارض ما دلّ على دوام الوقف وعدم تغييره وتبديله لما دلّ على انعتاق أُمّ الولد، فيحتمل ترجيح الأخير؛ لأنّ الاستيلاد مبنيّ على السراية والتغليب كالعتق.

ويحتمل ترجيح الأول؛ لسبقه، فيستصحب إلى أن يثبت المزيل.

ولا يبعد ترجيح حكم الوقف؛ للشكّ في تحقق كونها أُم ولد.

وعلى تقدير إجراء حكم أُمهات الأولاد عليها فهل يؤخذ من تركته قيمتها فيشترى بها وقفاً للبطون اللاحقة؛ بناءً على أنّ عوض الموقوف تشترك فيه جميع البطون، أو لا يؤخذ؛ بناءً على أن العوض لمن كان موجوداً من أهل الوقف حين ثبوته، فيستحيل ثبوت العوض على نفسه لنفسه؟

وقد يؤيّد الأوّل أن الواطئ متلف فيلزمه ضمانها في تركته، كما إذا أتلف مالاً على غيره.

بل ربما قيل: إنا متى حكمنا بكونها أُمَّ ولد انعتقت بموته وأخذت قيمتها من تركته قولاً واحداً، والفرق بين القيمة هنا وبين القيمة في غيرها من عوض الوقف الذي يجري فيه الخلاف إذا باشره الموقوف عليه : أنّ الواطئ ها هنا قد أتلفها على البطون بعد موته، فحال الإتلاف لم تكن في ملكه، بخلاف ما إذا أتلفها في حياته؛ لأنّه أتلفها لنفسه، ولا يستحق وارثه في القيمة شيئاً؛ لأنّها حال الضمان لم تكن في ملكه (1).

وقد يجاب بأنّها إذا صارت أُمَّ ولدٍ حكم عليه بقيمتها في الحال - كما في وطء أحد الشريكين - ولكن لما كان صرفها إلى البطون اللاحقة غير ممكن تأخر الدفع إلى إمكانه، وهو ما بعد الموت، ولا يلزم منه تأخر الحكم بنفوذ الاستيلاد ولزوم القيمة إلى ما بعد الموت (2). وهو حسن.

وقد يقال: إنّ سبب حكم الأصحاب بعتقها ولزوم القيمة إلى ما بعد موت الواطئ هو احتمال موت الولد في حياة الواطئ، فلا يتحقق سبب العتق المقتضي لبطلان الوقف بعد


1) كما في مسالك الأفهام 5: 405 وراجع إيضاح الفوائد 2 : 398.

2) كما في غاية المراد 2 : 437.

لزومه، وقد يجمع بين الحكمين بجعل موت الواطئ كاشفاً عن نفوذ الاستيلاد من حينه؛ جمعاً بين حقّ الوقف وحق الاستيلاد، وعليه فلا فرق بين كون الولد من أهل الوقف وعدمه؛ لنفوذ الاستيلاد حين الحمل، فتعود ملكاً للموقوف عليه فتعود طلقاً فتكون إرثاً فتنعتق من نصيب ولدها، ومتى قلنا بنفوذ الاستيلاد، لزم إخراج القيمة بعد الموت وشراء ما يكون وقفاً بدلاً عن الموطوءة مشابهة لها في الصفات مهما أمكن لأنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كله، وتنعتق هي من نصيب ولدها (1).

ويجوز تزويج الأمة الموقوفة ومتعتها، ويتولّى تزويجها الناظر، وإلا فالموقوف عليه إن قلنا بملكه، وإلا فالحاكم إن قلنا بأنّه لله تعالى، وإلا فالواقف إن قلنا ببقاء الوقف على ملكه، ولو كانت موقوفةً على جهة عامة فولاها الحاكم.

والمهر للموقوف عليهم على كلّ حالٍ؛ لأنّه من نماء الوقف.

وولد الأمة أيضاً للموقوف عليهم إذا كان من زنى أو من عبد أو من حُرِّ مشترط عليه الرقية على القول بجوازه؛ لأنّه نماؤها فيكون لهم.

خلافاً لجمع من أصحابنا (2)حيث جعلوه وقفاً، كالولد من المدبرة والمرهونة في التبعية.

وهو ضعيف والمقيس عليه ممنوع، والأصل والقواعد تقضي بخلافه.

ولو وطأها الحُرّ بشبهة، فالولد حُرِّ، وعلى الواطئ قيمته يوم سقط حياً لأهل الوقف الموجودين، ولا يلزم إقامة بدله وقفاً من قيمته.

ولو وطأها الواقف وقلنا: إنّه لا يملكه، كان حكمه حكم الأجنبي.

الرابع: في أنّه يجوز للموقوف عليه إيجار الوقف ولكن ينفسخ العقد بموت المؤجر هنا

الرابع: يجوز للموقوف عليه إيجار الوقف، ولكن ينفسخ العقد بموت المؤجر ها هنا وإن لم نقل: إنّ موت أحد الأجيرين ممّا تنفسخ به الإجارة، وذلك لتعلّق حقّ البطون بالموقوف ها هنا، وتلقيهم الوقف عن الواقف دون الموقوف عليه، فكان ملك الموقوف عليه كالموقت، فلا يجوز له التجاوز عنه، بخلاف الملك الحقيقي؛ فإنّ الوارث إنّما يتلقى عن الموروث فيرث ما كان ملكاً له بعد موته، وما نفذ من يده قبله أو خرج من ملكه لم يتعلّق للوارث فيه نصيب.


1) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 405 - 406.

2) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط 3 : 290؛ وابن الجنيد على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 279، المسألة 55.

نعم، لو كان المؤجر للوقف الناظر فيه لمصلحة البطون اللاحقة، أو الموقوف عليه أيضاً ولكن لا لمصلحته، بل لمصلحة البطون اللاحقة حيث يكون ناظراً عليها، أو الحاكم الشرعي لمصلحة الوقف العام أو الخاص الذي هو ولي عليه، لا لمصلحة الموجودين من أرباب الوقف، مضى عقد الإجارة في جميع ما قدمنا على البطون اللاحقة ولم يكن لهم فسخه.

والقول بمضي الإجارة تنزيلاً للواقف منزلة المالك ضعيف جداً.

ولا يبعد أن الانفساخ هنا بمعنى التزلزل بالنسبة إلى البطون اللاحقة، فلهم أن يجيزوا العقد الأوّل فلا يكون باطلاً أصلاً، ولهم أن يردوا فيرد المستأجر حينئذٍ من الأجرة المسماة ممّا قابل المتخلف منها بنسبة أُجرة المثل للمتخلف من الماضي.

ولو وقعت أُجرة من الناظر ولم يعلم أنّها لمصلحة الوقف أو الموقوف عليهم الموجودين، فالاستصحاب يقضي بمضي الإجارة.

وأصالة عدم المانع من تصرّف البطون اللاحقة في ملكهم بعد انتقاله إليهم، وعدم انتقال ملكهم عنهم، وعدم نفوذ عقد غيرهم في ملكهم تقضي بعدم مضيها في حقّهم.

وأشكل منه ما لو كان المؤجر هو نفس الموقوف عليهم، ولم يعلم أنّهم أجروا لمصلحتهم أو لمصلحة الوقف.

ولا يبعد ترجيح عدم لزوم الإجارة سيما في الأخير.

الخامس: في أنّه لا يجوز للمسلم أو المؤمن الوقف على الكنائس والبيع لمصلحتهما

الخامس: لا يجوز للمسلم أو المؤمن الوقف على الكنائس والبيع لمصلحتهما تعميراً وتنظيفاً، أو للفرش فيهما، أو للإسراج.

ولا يجوز الوقف على التوراة والإنجيل كتابةً وتصحيفاً، ولا على جميع كتبهم ومواضع عباداتهم، كلّ ذلك لما فيه من الإعانة على الإثم، ومن تقوية كلمة الكفر، ومن الموادة لمن حاد اللّه تعالى ورسوله، فلا يجامع القربة المشروطة في الوقف، ولما يظهر من الأصحاب بحيث قد يدعى إجماعاً.

ولا يتفاوت الحال بين القول بجواز الوقف على اليهود والنصارى، وبين القول بعدمه. وما يقال: إنّه على القول بجواز الوقف عليهم يصحّ الوقف على كنائسهم وبيعهم؛ لأنّه يكون في الحقيقة وقفاً عليهم، كما يكون الوقف على المساجد وقفاً على المسلمين، لا وجه له؛

للفرق بين الوقف على المساجد من حيث كونها مصلحة محلّلة من مصالح المسلمين، وبين الوقف على الكنائس من حيث كونها مصلحةً محرّمةً مشتملة على الإعانة على الإثم.

ولا يجدي رجوع الوقف على الكفّار فيها والوقف عليهم جائز؛ لاختلاف الحكم من حيث إنّ رجوعه إلى الكفّار كان على جهةٍ محرّمة، وهي تقوية دينهم وإعلاء كلمتهم فهو منهي عنه، ولا يجامع القربة، بخلاف الوقف عليهم؛ لإيصال النفع إليهم دنيوي أو أُخروي؛ لأنّهم من النفوس التي لا يحرم صلتها، لكونها من بني آدم، و «لكل كبد حرّى أجر» (1)ومن عباد اللّه تعالى، فإنّه لا بأس به، ولا يستلزم منع ذلك منع هذا، فإنّه يجوز الوقف على المسلمين، ولا يجوز الوقف على مواضع لهوهم وبيوت خمورهم، وعلى العصاة منهم لمعصيتهم.

ولو تعلّق غرض صحيح في الوقف على الكنائس والبيع والتوراة والإنجيل بحيث يعتدّ به ويكون راجحاً، جاز الوقف عليها.

السادس: جواز الوقف من الكافر والمخالف على المؤمن وعلى مَنْ كان مثلهما

السادس: يجوز الوقف من الكافر والمخالف على المؤمن وعلى مَنْ كان مثلهما، بل وعلى الجهات المحرّمة في شرعنا، كالوقف على البيع والكنائس والتوراة وشبهها، بل وعلى بيوت النار ونحوها ممّا كان راجحاً في شرعهم، كلّ ذلك لما ورد من إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم (2). ولما دلّ على تقريرهم على مذهبهم من رواية (3)أو سيرة أو إجماع.

ولا يتفاوت الحال في ذلك بين صدور نيّة القربة منهم حين الوقف وبين عدمه بعد أن يكون الصادر منهم وقفاً في مذهبهم، ولا يبتنى صحّة وقفه وعدمه على صدور نيّة القربة منه وعدمه، كما يظهر من جملة من الفقهاء؛ حيث إنّ المانع من الصحّة علّل المنع بعدم إمكان نيّة القربة، والمجوّز علّل الجواز بإمكان ذلك إلّا من الدهرية والمعطلة (4)لأن ابتناء ذلك على صدور نيّة القربة وعدمه ممّا يفسد الوقف منهم من أصله؛ لأنّ القربة الصادرة منهم فاسدة غير مقبولة؛ لاشتراط الإيمان في صحّة العبادات المشروطة بالقربة، فلا تكون مصححة للوقف المشروط بها.


1) سنن ابن ماجة 2 : 1215، ح 3686.

2) وسائل الشيعة 22: 73 الباب 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، ح 5، 6.

3) المصدر : 75، ح 11.

4) راجع رياض المسائل 10 : 134 - 135.

ثمّ إنّا لو صححنا وقفهم على مذهبهم وألزمناهم به فهل يصحّ لنا الدخول إليه والعبور عليه في مثل كنائسهم وقناطرهم؟ الظاهر ذلك مع الإطلاق، ومع النصّ على كون الوقف على أهل نحلتهم أو انصراف الإطلاق إلى ذلك كانصراف الوقف منهم على العلماء أو الفقراء إلى علمائهم أو فقرائهم فإشكال.

ويقوى الإشكال فيما إذا نص الواقف على إخراج المسلمين أو المؤمنين من الوقف وحينئذٍ فيحتمل حرمة ذلك علينا؛ للأصل القاضي بحرمة مال الغير من دون إذنه.

ويحتمل الجواز؛ لخروج الوقف في مثل ذلك عن ملكهم وصيرورته اللّه تعالى، ونحن أحق به به منهم، ولا يلزم اتباع شرطهم؛ لفساده، ولا يلزم من فساده فساد الوقف؛ لصحته عندهم مع الشرط فنلزمهم بما ألزموا به أنفسهم.

ويحتمل أنّه لو وقف على مثل المؤمنين والمطيعين والمصلين ونحوهم اختص الوقف بنا لإرادة الواقع، وليس غيرنا كذلك واقعاً، سواء صدر الوقف من كافر أو مخالف. ويحتمل أنّه من تعارض الاسم والإشارة.

السابع: عدم جواز الوقف من المسلم على الكافر أو المخالف وحكم الوقف عليهما لغير جهة الكفر أو الخلاف

السابع: لا يجوز الوقف من المسلم على الكافر أو المخالف لكفره ولخلافه قطعاً.

وهل يجوز الوقف على الكافر لغير ذلك من الجهات؟ قيل بالجواز مطلقاً (1).

وقيل بالمنع مطلقاً (2).

وقيل بالمنع في الحربي دون غيره (3).

وقيل بالمنع في الحربي إذا لم يكن رحماً (4).

وقيل بالمنع في غيره أيضاً إذا لم يكن رحماً، ولو كان رحماً جاز (5).

وقيل بالمنع ما لم يكن أحد الوالدين، ولو كان أحدهما جاز(6).


1) راجع مجمع البیان 9 - 10: 272 ذيل الآية 9 من سورة الممتحنة (60).

2) المراسم : 198؛ المهذّب 2 : 88.

3) شرائع الإسلام 2 : 168؛ الدروس الشرعيّة 2 : 275؛ وراجع مسالك الأفهام 333 – 332.

4) راجع رياض المسائل 10 : 139 - 140.

5) المقنعة : - 653 654: المبسوط 3 : 294 – 295.

6) السرائر 3: 156 و 157.

والأقوى عدم جوازه في الحربي مطلقاً، رحماً أو غيره، أباً أو غيره، خاصاً كان الوقف عليهم أو عاماً على جميعهم، أو على جهةٍ من جهات مصالحهم، وفاقاً للمشهور، بل ربما يظهر من بعضهم دعوى الاتّفاق عليه (1).

ويدلّ على المنع ما دلّ على النهي عن موادة مَنْ يحاد اللّه تعالى وعن الركون إلى الظالمين وعن القرب إليهم (2)، وما دلّ على الأمر بالبعد عنهم والتجنّب لهم وإظهار عداوتهم والبراءة منهم (3)، والوقف عليهم منافٍ لذلك.

وحمل جميع ذلك على كون القصد في القرب والموادة والركون هو علة أنّهم كفار ومحادون اللّه تعالى بعيد عن الظاهر.

ويدلّ على المنع أيضاً: أنّ الوقف مبني على الدوام وعدم جواز التغيير والتبديل، وهو ينا في كونه على الحربي ؛ لأنّ ماله فيء للمسلمين يصحّ نقله وبيعه بعد قبضه لهم، ولا أقل من الشكّ في صحّة مثل هذا الوقف على هذا النحو، والأصل يقضي بفساده، وشمول العمومات والإطلاقات لمثل هذا الفرد مشكوك فيه.

وبالجملة، فالمتيقن من صحّة الوقف هو ما كان الموقوف عليه قابلاً للملك الدائم والتمليك، كالحُرّ المسلم، وغيره مشكوك في صحته، والأصل عدمه.

فظهر بذلك ضعف ما يقال: من أنّ عدم جواز تغيير الوقف من حيث هو لا ينافي جواز تغييره من حيث كون الحربي وما يملك فيئاً للمسلمين يصحّ ملكه ونقله.

وكذا ضعف ما يقال: إنّ الوقف على الحربي مشمول لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (4)و «لكلّ كبد حرّى أجر» (5)ومشمول لإطلاقات أدلّة الوقف، وللإجماع المنقول عن الطبرسي في جواز أن يبر الرجل إلى مَنْ يشاء من أهل الحرب قرابة أو غيرها (6).


1) التنقيح الرائع 2 : 313.

2) آل عمران (3) : (118) هود (11) : 113؛ المجادلة (58) : 22: الممتحنة (60) : 1.

3) التوبة (9) : 1. 28.

4) راجع الهامش (2) من ص 206.

5) راجع الهامش (1) من ص 268.

6) راجع الهامش (1) من ص 269.

وذلك لانصراف جميع ذلك لغير الوقف المبني على التأبيد والدوام والقربة والرجحان، والأدلّة وإن كان بينها عموم من وجه، ويمكن الجمع بينها بحمل المنع على الموادة للمحادة، والجواز على الموادة لجهةٍ أخرى، إلّا أنّ عموم ما دلّ على الجواز غير شامل للوقف على الحربي إمّا لانصرافه إلى غيره، أو لتخصيصه بما قدمنا.

والأظهر جوازه على الذمّي مطلقاً، ويزداد الجواز قوّةً لو كان الذمي قريباً، ويزيد عليه لو كان أحد الأبوين كلّ ذلك؛ لعموم الأدلّة، وإطلاقات الوقف من غير معارض؛ لأنّهم قابلون للتمليك، وقابلون للصلة والعطية، ومالهم محترم ونفوسهم معتصمة بالدمام، و «لكل كبد حرّى أجر» (1)وهم من بني آدم المكرمين، ولاحتمال تولد مسلم منهم، ولقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللّه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (2)بالمودة، ولما دلّ على الحثّ على صلة الأرحام والنهي عن قطيعة الرحم (3)، وما دلّ على الحثّ على صلة الوالدين والرحمة لهما، والنهي عن الإعراض عنهما، والأمر بصلتهما وبرهما ومصاحبتهما في الدنيا معروفاً (4)، بل قد نُقل على جواز الوقف على الأقارب مطلقاً الإجماع (5)، ونُسب إلى رواية (6)، بل وجميع ما دلّ على جواز الوقف على الأقارب شامل للمسلم، وغيره خرج الحربي بما تقدّم من الأدلّة وبقي الباقي.

بل ظاهر القدماء أن الخلاف منعاً وجوازاً مطلقاً، أو التفصيل - على ما ذكر - وارد على الكافر مطلقاً، من غير تقييد بكونه ذمّيّاً أو حربيّاً، ويؤيد ذلك إجماع الطبرسي المتقدّم (7)، خرج منه الحربي وبقي الباقي.

ولا يعارض ذلك سوى الآية المتقدّمة الناهية عن موادّة من حاد اللّه (8)، وهي غير قابلة


1) راجع الهامش (1) من ص 268.

2) الممتحنة (60) : 8.

3) وسائل الشيعة 21 : 533 - 539 الأبواب 17 - 19 من أبواب النفقات.

4) الإسراء (17) : 23؛ لقمان (31) : 15؛ الأحقاف (46) : 15.

5) رياض المسائل 10 : 140.

6) رياض المسائل 10 : 140.

7) تقدّم في ص 270.

8) المجادلة (58) : 22.

لمعارضة جميع ما تقدّم، فلا بدّ من حملها على خصوص الحربي، أو على خصوص الموادة للمحادة، بل ربما يدعى ظهور ذلك منها.

وبالجملة، فمتى حصل الرجحان وصح قصد القربة في الوقف على أهل الذمّة فكان مشمولاً لأدلة الوقف من غير معارض، سيما بالنسبة إلى الأقارب وخصوصاً الأبوين؛ لقوّة الأدلّة الدالّة على جواز صلتهما وبرهما، ورجحان ذلك وحصول ذلك في الوقف الخاص لا إشكال فيه، وإن أشكل حصوله في الوقف العام في الجملة؛ لبعد الرجحان والقربة بالنسبة إليه.

ويلحق بالكافر كلّ من خرج عن طريقة الحق من المخالفين والفرق، غير الاثني عشرية على القول بالجواز، وعلى القول بالمنع وجهان: من اختصاص كثير من أدلّة المنع في الكافر، ومن شمول التعليل بعدم الرجحان وعدم حصول نيّة التقرّب، والنهي عن موادة مَنْ حاد اللّه تعالى للجميع.

ويلحق المرتد الفطري بالحربي؛ لعدم استقرار ملكه له على الأظهر.

الثامن: فيما يتعلّق بما لو وقف الواقف على ذي وصف بلفظ العموم

الثامن: لو وقف الواقف على ذي وصف بلفظ العموم - كالفقراء، والعلماء، والزوار، والحجاج، والمترددين، والصلحاء - انصرف ذلك العام إلى أهل نحلة الواقف وملّته، مسلماً كان الواقف أو كافراً؛ تخصيصاً للعام بالعرف والعادة القاضيين بإرادة المتكلم من ذلك العام خصوص ذلك الفرد، فيكونا بمنزلة القرينة وشاهد الحال على إرادة الخاص من العام، وليس من باب تعارض اللغة والعرف كي تبنى المسألة على تقديم أيهما فمَنْ قدّم اللغة أخذ بالعموم، ومَنْ قدم العرف أخذ بالخصوص؛ إذ لا ندعي أن العام صار حقيقةً عرفيةً في الخاص، بل قد ندعي أنّ العام قد تخصص بالعادة وشاهد الحال، وهذا غير ذلك. ولو سلمنا أنّه من ذلك الباب لحكمنا بتقديم العرف في مثل الوصيّة والوقف ونحوهما، والخلاف في تقديم أيهما إنما يختصّ بما إذا صدر في كلام الشارع، دون ما إذا صدر من أهل العرف نفسه.

وهل يسري الحكم بذلك لما إذا ذكر الموقوف عليه خالياً عن الوصف، كما إذا وقف على الرجال أو على بني تميم، وكان منهم من أهل نحلته ومنهم من ليس كذلك. ومثله ما لو وقف على أولاده أو أرحامه، وكان منهم من أهل ملّته ومنهم مَنْ لم يكن كذلك؟ يحتمل الحكم بالتخصيص أيضاً؛ عملاً بشاهد الحال، ويحتمل العدم؛ لأصالة بقاء العموم، وقضاء شاهد الحال هناك لا يستلزم قضاءه هنا، وهذا أوجه.

ولو انعكس شاهد الحال فقضى بالعموم، كوقف القناطر وشبهها على المتردّدين أو الآبار على الحجاج ونحوهم، أو لم يقض شاهد الحال بشيءٍ، حكمنا بالعموم من غير إشكال.

ولو قلنا: إن الوقف غير جائز على الكافر أصالة فلا يبعد جوازه في مثل ذلك على الانضمام؛ وربما يدعى أن السيرة قاضية به.

وهل يصلح الحكم بحرمة الوقف على الكافر أن يكون مخصصاً للعام فيما إذا صدر لفظ شامل للكافر والمسلم، وصارفاً للظاهر عن غيره؟ يحتمل ذلك؛ حملاً لفعل المسلم على الوجه الصحيح، وتمسكاً بصحّة الوقف مهما أمكن، أو لا يصلح؛ لأن الأصل لا يعارض ظاهر الخطاب، وإلا لا نفتح من ذلك ما لا نقول به من الأبواب؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.

والظاهر أنّ أهل المذهب الخاص من الإماميّة - كالاثني عشرية ونحوهم - ينصرف الوقف الصادر من أحدهم إلى أهل مذهبه دون غيره.

ولو وقف المسلم على الفقراء ولم يكن في بلده سوى الكفار وقلنا ببطلان الوقف على الكافر، احتمل البطلان تقديماً للظاهر من اللفظ، واحتمل الصحّة وصرف الفقراء لغير فقراء أهل بلده؛ تنزيلاً لفعل المسلم على الوجه الصحيح مهما أمكن.

ولو وقف واقف على المسلمين، انصرف إلى مَنْ صلّى إلى القبلة، أي اعتقد الصلاة إليها، وضابطه: مَنْ أقرّ بالشهادتين ولم ينكر ضرورياً، كالخوارج والغُلاة والمجسمة والنواصب، مع احتمال دخول أولئك في المسلمين وإن خرجوا عن حكمهم بإنكار ضروري من ضرورياته، ويدخل في ذلك المخالفون مطلقاً - خلافاً لمن حكم بكفرهم (1)- والتاركون للواجبات الضرورية، والمرتكبون للمحرمات - خلافاً لمن جعل العمل جزءاً من الإسلام(2)- وتدخل النساء والأطفال والمجانين؛ قضاء لحق العرف.

ولو صدر الوقف من أهل ملّة خاصّة كالمؤمن، فهل يختص بأهل ملّته، كلفظ «الفقراء» وشبهه؛ نظراً للعرف والعادة، أو لا يختص؛ لمنع قضاء العرف بالاختصاص، ومنع شاهد الحال، وللفرق بين الفقراء والمسلمين من حيث إنّ الوقف على جميع الفقراء مع تباين مقالاتهم واختلاف آرائهم بعيد جداً، بخلاف الوقف على المسلمين، فإنّه أمر مرغوب فيه شرعاً وممكن عادةً؟


1) كابن إدريس الحلّى في السرائر 1 : 356.

2) كالشيخ المفيد في المقنعة : 654.

والأوّل أقوى نظراً إلى العرف لا لما علّلوه به من اختلاف الآراء وتباين المقالات، فإنّه شامل للمسلمين؛ لافتراقهم إلى نيف وسبعين فرقة.

نعم، لو صدر الوقف ممّن يرى تحريم الوقف على غير أهل نحلته، احتمل انصرافه إلى أهل نحلته؛ تصحيحاً للوقف مهما أمكن، أو جعل ذلك بمنزلة القرينة.

التاسع: فيما يتعلّق بما لو وقف واقف على الإماميّة

التاسع: لو وقف واقف على الإماميّة، انصرف إلى الاثني عشرية، كما هو ظاهر العرف، وعليه فتوى المشهور، ونقل الإجماع عليه (1)، فلا يدخل فيه اجتناب الكبائر.

وما قيل بوقوع الخلاف فيه (2)ضعيف؛ لاختصاص أدلة مدعي دخول اجتنابها في لفظ «المؤمنين» دون لفظ «الإمامي» كما سيجيء (3)إن شاء اللّه تعالى.

ولو وقف على المؤمنين انصرف إلى الاثني عشرية، ولم يدخل فيه اجتناب الكبائر، كما نُسب (4)، لكافة المتأخرين ولمختار الطوسي قائلاً: إنّه عندنا كذلك (5)، ويساعده العرف أيضاً، إلّا إذا قامت قرينة على خلافه، كما إذا كان مذهب الواقف خلاف ذلك، ونحوه، كما لو قامت قرينة على عدم ذلك فيما إذا صدر الوقف من مخالف، فإنّ الظاهر أنّه لا يريد سوى المعنى الأصلي، وهو التصديق القلبي بما جاء به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فيكون مصروفاً إلى أهل نحلته بزعمه؛ لاعتقاده أن لا يصدق سواهم.

وبالجملة، فالإيمان هو التصديق، واستعمل عرفاً وشرعاً بتصديقٍ خاص، وهو التصديق القلبي بما جاء به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، و يختلف باختلاف المستعملين، فإن كان المستعمل له إماميّاً كان الظاهر منه إرادة الإماميّة، وإن كان مخالفاً كان الظاهر منه إرادة أهل ملّته.

والظاهر أنّه لو صدر من إمامي كان منصرفاً إلى من اعتقد عصمة الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأفضليتهم وتقديمهم على غيرهم مع إمامتهم، ومع عدم إنكاره ضرورياً من ضروريات الإسلام أو الإيمان.


1) رياض المسائل 10 : 144.

2) الروضة البهية 3 : 182.

3) يأتي في ص 281.

4) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 144.

5) التبيان 2: 81 ذيل الآية 172 من سورة البقرة (2).

والظاهر دخول الإقرار اللساني فيه أيضاً، كما يظهر من العرف، ومن بعض الأخبار (1).

وأما دخول اجتناب الكبائر - ومنها الإصرار على الصغائر على الأظهر - في الإيمان، فهو وإن ذهب إليه جمع من أصحابنا (2)ونطقت به الأخبار؛ حيث إنّها دلّت على أنّ «الإيمان إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان» (3)فيكون العمل ثلثه، فالظاهر أنّه معنى مجازي، أو مشترك أظهر أفراده المعنى المعروف، أو مشكك وأعلى أفراده وأكملها الجامع للثلاثة.

وعلى كلّ حالٍ فالوقف يدور مدار متفاهم العرف واللغة بالنسبة إلى الواقف، والمعنى المذكور في الأخبار لا يعرفه إلّا الخواص، ولا يوجد مصداقه إلّا نادراً في أوحدي الناس، فلا يجوز ابتناء الأمور اللفظية الدائرة مدار العرف عليه.

نعم، لو جاء الحكم من الشارع معلّقاً على «الإيمان» و «المؤمن» احتجنا إلى معرفة المراد منه؛ لاشتباهه في الأخبار؛ حيث إنّ منها ما دلّت على أنّه التصديق والإقرار، ومنها ما دلّت على أنّه هُما والعمل، والعرف يساعد الأوّل.

وعلى كلّ حالٍ فتحقيق مفهومه شيء، وتمييز مصاديقه بالنسبة إلى المستعملين شيء آخر، وحينئذٍ فمتى صدر لفظة من أحدٍ وكان يزعم أن مصداقه أهل مذهب خاص انصرف الوقف فيه إلى ما زعم مع احتمال انصرافه إلى إرادة الواقع، فيكون المراد بالمؤمنين نحن فلو صدر الوقف على المؤمنين من مخالف كان وقفاً علينا قهراً، يجوز لنا التصرّف فيه ويحرم عليهم، مع احتمال أنّه من تعارض الاسم والإشارة.

العاشر: فيما يتعلّق بما لو وقف واقف على الشيعة

العاشر: لو وقف واقف على الشيعة انصرف إلى مَنْ شايع عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقدمه على غيره وأقرّ بعصمته، سواء أقرّ بجميع الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) من بعده أم لا، ويدخل فيهم الإماميّة والفطحيّة والناووسيّة والجارودية، وأما غير الجارودية من الزيدية - كالسليمانية والبترية والصالحية فإنّهم يقولون بإمامة الشيخين: أبي بكر وعمر - فلا يكونون من الشيعة، وكذا الملاحدة من فرق الإسماعيلية.

وخص بعضهم لفظ «الشيعة» في العرف المتأخر بالإماميّة فقط، حتّى ادّعى أنّه صار عرفيّةً خاصّة فيهم (4).


1) الكافي :2 : 27 باب آخر منه وفيه أنّ الإسلام قبل الإيمان، ح 1.

2) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 597 - 598؛ وابن البراج في المهذب :2 89 وابن حمزة في الوسيلة : 371.

3) الكافي :2 : 27 باب آخر منه وفيه أنّ الإسلام قبل الإيمان، ح 1.

4) الحدائق الناضرة :22 : 207 رياض المسائل 10 : 146.

ولا يبعد ذلك، فكأنه صار علماً بالغلبة، فإن لم يكن حقيقة فلا ينصرف الإطلاق إلّا إليه؛ لأنّه لا يعرف من الشيعة سوى الإماميّة.

وذهب ابن إدريس إلى أنّ لفظ «الشيعة» ينصرف إلى أهل نحلة الواقف وملّته، فيصرف أهل مذهبه دون مَنْ عداهم، ولا يحمل اللفظ على عمومه مطلقاً؛ عملاً بشاهد الحال (1).

وهو حسن عند قيام شاهد الحال، وإنما يكون فيه الإشكال.

وإذا وقف واقف على الزيدية وقلنا بصحّة الوقف عليهم انصرف إلى القائلين بإمامة زيد بن عليّ؛ لأنّهم قائلون: كلّ مَنْ خرج من ولد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) داعياً إلى نفسه بالسيف، وكان عالماً زاهداً شجاعاً كان هو الإمام ؛ ولذا قالوا بإمامة زيد بن علي دون أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ولو وقف على الفطحيّة، انصرف إلى مَنْ قال بإمامة الأفطح عبد اللّه بن جعفر بن محمد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، سُمّي بذلك؛ لأنّه أفطح الرأس على ما قيل (2)، أو أفطح الرجلين(3).

وقيل: إنّما سمّوا فطحيّةً لنسبتهم لرئيسهم عبد اللّه بن فطيح (4).

ولو وقف على الإسماعيلية، انصرف إلى مَنْ قال بإمامة إسماعيل بن جعفر بن محمد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

ولو وقف على الناووسيّة، انصرف إلى مَنْ وقف على جعفر بن محمد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وادعوا أنّه حيّ لم يمت إلى أن يظهر.

قيل: ونسبتهم إلى رجل يقال له: ناووس (5).

وقيل: إلى قرية يقال لها ذلك(6).

ولو وقف على الواقفية، انصرف إلى مَنْ وقف على موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وأنكر موته، ويُسمّون: حمير الشيعة والكلاب الممطورة.

ولو وقف على الكيسانيّة، انصرف إلى مَنْ قال بإمامة محمّد بن الحنفية بعد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنّه حيّ غائب في جبل رضوى، وهُمْ أصحاب المختار، ويقال: إن لقبه كان كيسان.

قيل: وسببه أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله له: يا كيس ياكيس، وهو طفل في حجره (7).


1) السرائر 3 : 162.

2) المقالات والفرق : 87.

3) المقالات والفرق : 87.

4) المقالات والفرق : 87.

5) المقالات والفرق : 80؛ الملل والنحل 1 : 166.

6) الملل والنحل 1 : 166.

7) اختيار معرفة الرجال : 127، ح 201.

ولو وقف على من اتصف بنسبةٍ إلى عالم كان انصرف إلى أتباعه ومَنْ قال بمقالته وقلّده في أمور دينه، كالحنفية والمالكية والشافعية والأوزاعية.

ولو وقف على من اتصف بنسبة علم، انصرف إلى أهله ومدرسته والآخذين به، كالأخباريّة والأصوليّة والنحويّة والصرفيّة والمنطقيّة.

ولو وقف على من اتصف بنسبة أب - كالهاشمية والعلوية والقرشية - انصرف إلى المنتسب إليه بالأب دون الأُمّ؛ للعرف واللغة القاضيان بذلك، ولقوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ) (1). ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ كانت أُمّه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإنّ الصدقة تحلّ له» (2)ولقوله:

بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا*** بنوهن أبناء الرجال الأباعد (3)

ولفتوى أكثر الأصحاب وعملهم وسيرتهم المؤيَّدة باستعمالات أهل العرف وطرائقهم الانتساب وفي بيان الأنساب، إلى غير ذلك ممّا تقدّم في كتاب الخمس (4).

خلافاً للمرتضى، فجعله شاملاً لأبناء البنات؛ لاستعماله فيه، والأصل في الاستعمال الحقيقة (5).

وجوابه: أن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، وسيجيء إن شاء اللّه تعالى تمام الكلام في الوقف على الأولاد (6)على أنّ ما ورد أكثره ظاهر في المبالغة وإظهار المودة والاتحاد.

ويستوي في الوقف على هذا النحو الذكور والإناث، حتّى لو وقع بصيغة الذكور كالهاشميين والعلويين والقرشيين؛ وكأنّه حقيقة عرفية خاصّة، أو مجاز في التغليب مشهور. وقد وقع التناول في جميع الخطابات الواردة على ذلك النحو في الكتاب والسنّة بالاستقراء فيما عدا ما يخرجه الدليل، وربما يظهر الاتفاق عليه.

الحادي عشر: فيما يتعلّق بما إذا وقف على أولاده أو بنيه

الحادي عشر : إذا وقف على أولاده أو بنيه، اختص بالصلبيين من الأولاد، وشمل الذكر والأُنثى والخنثى، مع احتمال اختصاصهم في العرف الغالب في الذكور، والأوجه: الأوّل،


1) الأحزاب (33) : 5.

2) وسائل الشيعة 9: 513 - 514، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، ح 8.

3) خزانة الأدب 1 : 444، الرقم 73.

4) تقدّم في ج 3، ص 241 وما بعدها.

5) رسائل الشريف المرتضى 3: 262 - 265 و 4 : 328.

6) يأتي في ص 284 وما بعدها.

ولا يشمل أولاد الأولاد وأولاد البنات، وكذا لو وقف على البنات، اختص بالصلبيات، دون بنات الأولاد وبنات البنات كلّ ذلك قضاء لحق العرف واللغة، ولصحة سلب الولد عن ولد الولد، فيقال: ولد ولدي لا ولدي

ويؤيده قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) (1)فيمن قرأ بالنصب، فإنّ يعقوب ولد الولد، والعطف يقضي بالمغايرة ظاهراً، فلا ينافيه ما قيل من أنّه يجوز أن يكون العطف من باب عطف الجزء على الكلِّ، كقوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوا اللّه وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) (2)حيث إن جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الملائكة (3).

وقيل بشمول الولد لولد الولد حقيقةً (4)قضاء لحق الاستعمال، والأصل فيه الحقيقة.

وكذا لفظ «الابن» و «البنت» لما ورد أنّ الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ابنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (5)، وأن عيسى ابن آدم، مع أنّه ولد البنت من دون أب، ولإطلاق «بني آدم» و «بني إسرائيل» على الموجودين الآن.

وللإجماع على تحريم حليلة ولد الولد من قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصلابكُمْ) (6)وعلى تحريم بنت البنت من قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) (7)وعلى دفع السدس للأبوين مع ولد الولد من قوله تعالى: (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ممّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) (8)وعلى قسمة أولاد الأولاد بالتفاوت من قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّه فِي أَوْلادِكُمْ) (9).

والجواب: أن الاستعمال مسلَّم، ولكنّه أعم من الحقيقة والمجاز، وجميع ما جاء في الكتاب محتمل للاستعمال المجازي في الأعم، وتكون قرائنه حاليةً قد كشفت عنها الأخبار والإجماع، ومحتمل لإرادة الحقيقة، فيجيء الاشتراك في الحكم من دليل خارجي، كالسنة أو الإجماع.


1) البقرة (2) : 132.

2) البقرة (2) : 98.

3) راجع مسالك الأفهام 5: 393.

4) المقنعة : 653؛ المهذب 2 : 89؛ السرائر 3 : 157؛ الحدائق الناضرة 22 : 248.

5) الإرشاد 2 : 30 ضمن مصنّفات الشيخ المفيد، ج (11)؛ إعلام الورى 1 : 407.

6) النساء (4) : 23.

7) النساء (4) : 23.

8) النساء (4) : 11.

9) النساء (4) : 11.

ويمكن القول بالحقيقة الشرعيّة؛ لما ورد في كثير من الأخبار الخاصّة في مقام المحاجة أن ولد البنت ولد (1).

ويمكن حملها على إرادة كونه بحكم الولد في الشرف والرفعة والمودّة.

وبالجملة، فهنا مقامات ثلاثة :

أحدها: أنّ ولد الولد هل يشمله لفظ «الولد» أم لا، بل يختص بولد الصلب وكذا لفظ «الابن».

الثاني: على تقدير تسليم الشمول فهل ولد البنت كولد الابن ولد وابن أُمّ، أم لا؟

الثالث: هل الانتساب إلى شخص كهاشمي وتميمي يختص بمن اتصل به من الآباء، أو يكفي في النسبة الاتصال به من طرف الأمهات؟

ونحن نقول في الجميع بما يحكم به العرف.

والمرتضى وجمع من الأخبارية خالفونا في الجميع، وادعوا صحّة الإطلاق على ولد البنت أنّه ولد وصحة النسبة إلى من اتصل به من طرف بناته (2).

ولو قال الواقف وقف على أولاد أولادي، اشترك أولاد البنين والبنات: الذكور والإناث والخنائى كلّهم بالسوية؛ لشمول لفظ «الأولاد» للجميع، فكذا «أولاد الأولاد»، ويقضي بالاقتسام بالسوية حاقُ اللفظ مع عدم المرجح والقرينة.

وهذا كلّه بالنسبة إلى الطبقة الأولى من أولاد الأولاد، وأما الطبقات الأُخر فيشكل الحال في شمولهم إلّا أن يقول: «ما تعاقبوا وتناسلوا».

وكذا يشكل الحال في شمولهم لأولاد بنات أولاد الواقف؛ لأن ولد بنت ولد الواقف ليس من أولاد أولاده، إلّا أن يقول: «أولاد الأولاد من البنين والبنات ما تعاقبوا وتناسلوا».

ولو وقف على البنين أو البنات لم تدخل الخناثى، ولو جمعهما دخلت؛ لعدم خروجها عنهما، مع احتمال كون الخنثى المشكل صنف ثالث خارج عنهما، وقد يساعده العرف.

وإذا وقف على من انتسب إليه، اختصّ بمن اتصل به من الأولاد دون البنات.

ولو وقف على أقاربه، انصرف إلى الأعمام والأخوال وأولادهم ما لم يبعدوا منه كثيراً،


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) 1: 78 - 82 الباب، ح 9 الاختصاص : 54 - 56: الاحتجاج 2: 335 – 340، ح 271.

2) راجع الهامش (5) من ص 283.

فلا يصدق عليهم الأقارب عرفاً، ويخرج عنهم بحسب العرف الآباء والأمهات والإخوة، مع احتمال دخول الإخوة، واحتمال دخول الجميع؛ نظراً لما في اللغة بعيد.

ولو وقف على أقرب الناس إليه، انصرف إلى الآباء والأولاد، فإن لم يكونوا انصرف إلى الإخوة والأجداد، فإن لم يكونوا انصرف إلى الأعمام والأخوال، فإن لم يكونوا انصرف إلى أولادهم.

وهل المتقرب بسببين، كأخ من أب وأم يمنع المتقرب بسبب واحد؟ وجهان، ولا يبعد العدم.

نعم، الولد يمنع ولد الولد والجد القريب يمنع البعيد، وهكذا.

ولو وقف على أعمامه وأخواله، تساووا في الاستحقاق، وكذا لو وقف على أولاده وإخوته، وكذا لو وقف على قراباته استوى الذكر والأنثى؛ كلّ ذلك لظاهر اللفظ.

ولو وقف على عشيرته، انصرف إلى الخاص من قومه، وهم الأدنون منه والقريبون من نسبه. وهو أوسع دائرةً من لفظ «القرابة» وأخص من لفظ «القوم».

ونُسب تفسير العشيرة بذلك للمشهور (1)، قيل : وفيه رواية (2).

ولو وقف على نسله وذرّيّته، اشترك فيه جميع من تولّد منه بواسطة وبغير واسطة.

ولو وقف على أرحامه، انصرف إلى قراباته الأدنون.

وفي دخول الآباء والأولاد إشكال، والعرف يبعّده.

الثاني عشر: فيما يتعلق بما لو وقف على جيرانه

الثاني عشر: لو وقف على جيرانه انصرف إلى مَنْ كانت داره قريبةً لداره عرفاً.

وربّما كان حده: مَنْ يلي داره من جميع جوانبها إلى أربعين ذراعاً شرعياً، كما نُسب لجمع من الأساطين(3)، وشهد به العرف، ونقل عليه الإجماع (4).

وقيل: حدّه إلى أربعين داراً (5)، ودلّت عليه جملة من الروايات، ومنها: الصحيح: «حدّ الجوار أربعون داراً من كلّ جانب من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله» (6).


1) رياض المسائل 10 : 152.

2) غنية النزوع 1 : 299: إصباح الشيعة : 347.

3) كالشيخ المفيد في المقنعة : 653 والشيخ الطوسي في النهاية : 599؛ وسلّار في المراسم : 198؛ وابن البراج في المهذب 2 : 91؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 326؛ وابن حمزة في الوسيلة : 371 وابن زهرة في غنية النزوع 1: 299؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 163؛ والكيذري في إصباح الشيعة : 347.

4) غنية النزوع 1: 299.

5) كما في شرائع الإسلام 2: 169.

6) وسائل الشيعة 12 : 132، الباب 90 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

والقول به شاذ مطرح مخالف للعرف واللغة واللفظ في الوقف إنّما يُحمل على قصد الوقف التابع لعرفه، دون ما في الأخبار.

ودعوى أنّها كاشفة عن العرف مخالف لما نراه بديهة، وكونها كذلك في زمن الصدور بعيد جداً، على أنّ الروايات موافقة لمذهب عائشة على ما نُقل (1)، ومن المحتمل إرادة بيان الحكم فيها لا الاسم، فلا يُحمل اللفظ عليه، أو أنّه حقيقة شرعيّة في ذلك، فيحمل عليه كلام الشارع دون كلام أهل العرف في وقف أو وصيّة، أو أنّه مجاز شرعيّ أُطلق عليه لعلاقة بينهما، فلا يجوز حمل اللفظ عليه، أو أنّه مشترك بينهما، فلا يلزم حمل اللفظ عليه بخصوصه.

ثمّ إنّ الدور إن كانت ملكاً لأربابها فكلُّ مجاور لكلِّ، وكذا لو كانت كلها مستأجرةً، أو كان بعضها ملكاً وبعضها مستأجراً، إمّا لو كان بعضها مستعاراً ففي تحقق الجارية إشكال والظاهر أنّه يتحقق.

ولو كانت كلّها مغصوبة أو بعضها، فإن كان مع الجهل فالأظهر التحقق، وإلا فالأظهر عدمه؛ لسقوط احترامه.

ويحتمل ثبوت حقه وإن فَعَل حراماً ؛ لعدم المنافاة.

ويحتمل سقوط الحق منه، وعدم سقوطه عليه.

ويلحق بالدور بيوت القصب والشعر إن كانت منفردةً، وإن استدار عليها شبه الحائط احتسب العدد منه.

ولا يشترط في الجار فعليّة السكنى، فلو غاب بنيّة الرجوع لم يسقط حقه.

ولو أعرض عن سكنى تلك الدار - سكن غيره أم لا - سقط حقه. ولو باعها، فالجوار للمشتري ولو قبل أن يسكن، ولكن على إشكال.

ولا يبعد لزوم سكناه بعد الشراء في الجملة.

ولو كان له داران يتردّد إليهما في السكنى، كان له جاران

ولو قسم السكنى عليهما مدّة فمدةً وكانت المدّة طويلة كان كلّ مدّة جاراً لهم دون الأخرى. ومَنْ وصلت الأربعون ذراعاً إلى باب داره وإلى حائطه خرج عن الوقف على الظاهر، ومَنْ وصلت إلى نصف داره أو ثلثيها بل وثلثها كان جاراً، ولو كان الكسر قليلاً خرج على الظاهر.


1) راجع إيضاح الفوائد 2 : 386؛ والتنقيح الرائع 2 : 320؛ وجامع المقاصد 9: 45.

والظاهر أن الوقف يشمل الأنثى والذكر المعال والمعيل، الصغير والكبير، سوى المملوك.

وهل يقسم الحاصل على نسبة الرؤوس فيتساوون فيه، أو على نسبة الدور، ثمّ يقسم سهم كلّ دارٍ على أهله بالسوية؟ وجهان، ولا شك أن الأوّل أوجه على ما قلناه من العرف أو الأزرع، وعلى القول الآخر فقسمته على الدور غير بعيدة.

ولو تباعدت الدور - على القول باعتبارها - فإن كان تباعداً فاحشاً سقط حكمها على الأظهر، وإلا بقي.

ولو انقسمت دار إلى أربعين كان الجار المقسوم، ويسقط حكم الدور الأولية على الظاهر.

والدار من الجانب الأعلى أو الأسفل لا يسقط بها الجوار على جميع الأقوال، وعلى القول باعتبار الدور إشكال.

ولو لم يكن للمتجاورين دور ولا شبهها فالمحكم العرف ليس إلا.

والظاهر أن الوقف على الجيران من الوقف الخاص الواجب فيه الاستيعاب، ولكن إن كان ممّا لا ينقرضون غالباً لم يحتج الوقف عليهم إلى نقله إلى من لا ينقرض غالباً وإلا احتاج.

الثالث عشر: فيما يتعلّق بما إذا وقف على قومه

الثالث عشر : إذا وقف على قومه، انصرف على المشهور نقلاً (1)إلى أهل لغته إمّا مطلقاً خاصّة. أو الذكور منهم.

ونُسب الأوّل إلى رواية (2)، وبموافقتها للمشهور تكون معتبرةً، ونُقل على الثاني الإجماع (3)، وهو الأقرب إلى العرف، ويُحمل المطلق عليه جمعاً.

وفي قوله تعالى: (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) (4)؛ وقوله:

............***أقوم آل حضن أم نساء (5)

وما أدري وسوف أخال أدري ***..........................

راجع دیوان زهير بن أبي سلمى : 136.


1) رياض المسائل 10 : 150.

2) نسبه إليها ابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 163 – 164.

3) غنية النزوع 1: 299.

4) الحجرات (49) : 11.

5) عجز بيت لزهير بن أبي سلمى، وصدره :

دلالة على اختصاصه بالذكور.

وقد يخص القوم بالرجال من أهل القبيلة والعشيرة والأهل، كما قال:

قومي هم قتلوا أميم أخي ***فإذا رميت يصيبني سهمي (1)

وربما يساعده العرف.

وقد يخص بالرجال التابعين لرئيسهم السامعين لقوله، ويشهد له العرف أيضاً.

ولا يبعد عند صدوره اليوم لا يراد إلّا المعنيين الأخيرين، وحمله عليهما أحوط.

نعم، قد يشكل فيما إذا كانت عشيرته أو أتباعه من غير أهل لغته، فهنا يحتمل شمول اللفظ لهم؛ تبعاً للعرف، ويحتمل عدمه؛ تبعاً للمشهور في تخصيص القوم بأهل اللغة، ويؤيده الإجماع المنقول.

والحق: أنّ قصد الواقف إن علم اتَّبع، وإلا فإن اختص بعرف خاص انصرف لفظه إلى إرادته، وإن لم يكن هناك عرف خاص حمل على ما عليه مشهور الأصحاب؛ لأنّهم الأعرف بما عليه الخطاب.

الرابع عشر: فيما يتعلّق بما لو وقف على مواليه

الرابع عشر : لو وقف على مواليه الصالح لصدقه على الأعلون المعتقون له والأدنون الذين أعتقهم، فإن قامت قرينة صارفة عن أحد المعنيين، أو عرف معين لإرادة واحدٍ منهما بعينه، أو ظهور في أحدهما دون الآخر فلا إشكال، وفيما عدا ذلك فهل يقع الوقف باطلاً من أصله؛ لإجماله، أو يقع صحيحاً؛ لأصالة الحمل على الصحّة، فيضرب عليه بالقرعة، أو يُحمل على الجميع؛ لأنّه مشترك لفظي، فيُحمل على الجميع للحكمة، أو لأنّه ظاهر في الجميع عند التجرّد عن القرائن، أو لأن الجمع يجوز استعمال المشترك فيه في جميع معانيه؟

وتحقيق القول في ذلك: أن الواقف إمّا أن يقف على لفظ مفرد أو جمع، وعلى كلّ تقدير فالشك إمّا أن يقع فى الوقف بعد صدوره من الواقف فلم يُعلم المراد منه، أو حين صدوره، بمعنى أن الواقف علّق الوقف على هذا الاسم من دون ملاحظة شيءٍ بعينه.

فإن كان الأوّل وكان اللفظ مفرداً، فالأوجه: حمل الوقف على الصحّة، وإرادة الواقف منه معنى خاصاً حين الوقف ولكن لا نعرفه وحينئذٍ فطريقه القرعة أو الصلح بين المشتبهين بنحو لا ينافي الوقف.


1) البيت للحارث بن وعلة كما في دلائل الإعجاز : 253.

ثمّ إن جوزنا استعمال المشترك في معانيه دخلت جميع المعاني في القرعة، وإلا لم تدخل.

و احتمال الحكم ببطلان الوقف؛ لأصالة عدم إرادة معنى معيّن فيكون من باب تعليق الوقف على مجمل فيبطل بعيد.

نعم، يمكن تنزيله على إرادة الأعلى؛ لكونه منعماً، فيغلب الظن بإرادة الوفاء، ويكون بمنزلة القرينة.

ويمكن تنزيله على الأدنى؛ لافتقاره وشدّة حاجته، ولكونه بمنزلة مَنْ فارقه من عياله.

ويمكن تنزيله عليهما إذا جوّزنا استعمال المشترك في معنييه، ملاحظة للأمرين.

ولو جعلنا المولى مشتركاً معنوياً، أو قلنا: إنّ المشترك اللفظي ظاهر في الجميع عند التجرّد عن القرائن، حمل على إرادة الكل.

ولكنّ الأوّل مخالف لأهل اللغة والعرف؛ لعدم القدر المشترك بين المعنيين، ولإجماله حين الإطلاق، ولنص الفقهاء واللغويين على اشتراكهما لفظاً، والثاني مخالف لمذهب الأكثر والمحقّقين من عدم جواز استعمال المشترك في معنييه، ومخالف لطريقة استعمال أهل العرف واللغة.

وإن كان الثاني وكان مفرداً، فإن قلنا: إنّ المولى متواطئ، أو قلنا بصحّة استعمال المشترك في الجميع وإنّه ظاهر فيه صحّ، وحمل على الجميع، وإلا فالأوجه: البطلان؛ لمكان تعليق الوقف على مجهول عند الواقف في الوقف والوقف على المجهول باطل.

وقد تحتمل الصحّة بحمله على إرادة المعنى المجازي العام كمفهوم اللفظ أو مسماه؛ تصحيحاً للعقد مهما أمكن.

وإن كان اللفظ مثنّى أو جمعاً فإن لم نشترط فيهما اتحاد المعنى، فعلى الأوّل - وهو وقوع الشكّ في الوقف المتقدّم - يُحكم بصحّة الوقف، ويكون دائراً بين كلّ معنى متحد قد ثني اللفظ باعتباره أو جُمع، وبين إرادة الجميع فيستخرج بالقرعة.

وإن قلنا: إنّه ظاهر في الثاني، حمل عليه.

وإن قلنا: إنّه مشترك معنوي، حمل على الجميع.

وإن قلنا له فرد ظاهر يكون بمنزلة القرينة على إرادة معنى معيّن، حمل عليه.

وإن اشترطنا اتحاد المعنى، كان حكمه حكم المفرد والكلام فيه كالكلام فيه.

ويجيء الكلام في المثنى والجمع عند تعليق الواقف الوقف على مجرد معنى اللفظ ما يجيء في المفرد إذا جوّزنا استعماله في جميع معانيه وقلنا: إنّه ظاهر فيها، فإن قلنا بجوازه في المثنى والجمع وظهوره، حمل عليه، وإلا فإن ظهر من القرائن سبق ذهن الواقف لإرادة معنى خاص حمل عليه، وإلا فإن قلنا: إنّه متواطئ، حمل على الجميع، وإلا فالأوجه: بطلان الوقف من أصله؛ لتعليقه على المجهول.

الخامس عشر: فيما يتعلّق بما لو وقف في سبيل اللّه

الخامس عشر : لو وقف في سبيل اللّه تعالى انصرف مصرفه إلى جهات القرب، وكان وقفاً على المسلمين وإن لم يذكر لفظهم، ولا تختص به قربة دون أخرى، كما هو فتوى المشهور نقلاً (1)بل تحصيلاً، ونُقل عليه الإجماع في الوصيّة (2)لأنّ السبيل هو الطريق إليه، ولا يراد به معناه الحقيقي، بل الطريق إلى ثوابه ورضوانه، فيشمل كلّ قربة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم ما يدلّ على أنّ السبيل هو جميع سبيل الخير (3). وخالف الشيخ في ذلك، فخصه بالغُزاة المطوّعة دون العسكر المقاتل على باب السلطان، وبالحج والعمرة، وقسمه بينها أثلاثاً (4)، وكذا ابن حمزة فخصه بالمجاهدين (5)، وهما شاذان.

ولو ضمّ الواقف إلى سبيل اللّه تعالى سبيل الخير وسبيل الثواب، كان الحكم على ما تقدّم.

وخالف فيه الشيخ فقسمه أثلاثاً، وجعل الغُزاة والحج والعمرة سبيل اللّه تعالى، والفقراء والمساكين - ويبدأ بأقاربه - سبيل الثواب والفقراء والمساكين والغارمين والرقاب سبيل الخير (6).

وهو شاذ لا يساعده عرف ولا لغة.

ولو وقف على وجوه البرّ، انصرف إلى كلّ ما فيه نفع عام للأنام.

ويحتمل انصرافه لكلّ ما فيه ثواب ولو بصلة الأغنياء؛ لأنّ البرّ: الطاعة والخير والإحسان.


1) جامع المقاصد 9: 89.

2) غنية النزوع 1 : 308؛ السرائر 3 : 187 - 188.

3) تفسير القمي 1 : 299.

4) الخلاف : 545 المسألة 12؛ المبسوط 3 : 294.

5) الوسيلة : 371.

6) المبسوط 3 : 294.

ولو وقف على مستحقي الزكاة، انصرف إلى الأصناف الثمانية.

وهل يجب استيعاب الأصناف وإن لم يجب استيعاب أفرادها؛ لمكان انحصارها، أو لا يجب ؟ وجهان، والأوّل أحوط.

ويجوز إعطاء الفقير زائداً على مؤونته، كما يعطى من الزكاة على الأظهر، ويعطى المؤلّفة؛ لأنّه من مصالح المسلمين.

السادس عشر: لو وقف على أولاده فإذا انقرضوا أو انقرض أولاد أولاده فعلى الفقراء، كان الوقف على أولاده لازماً قطعاً.

وهل يكون على أولاد الأولاد أيضاً تشريكاً أو ترتيباً، أو لا يكون مطلقاً؟

والظاهر على القول بدخول أولاد الأولاد في الأولاد دخولهم تشريكاً، ويكون الشرط في كونه للفقراء انقراضهم.

وعلى القول بعدم دخولهم احتمل دخولهم تشريكاً، وهو ضعيف.

واحتمل دخولهم ترتيباً؛ وذهب إليه الشيخ (رَحمهُ اللّه) (1)؛ عملاً بالظاهر من اللفظ، لاشتراط الواقف انقراضهم في الانتقال إلى الفقراء، ولعطف الانقراض على الانقراض، وكلُّ منهما مقتض لدخولهم في الوقف، ولابتناء الوقف على الدوام، وعدم دخولهم منافٍ له؛ للزوم الوقف لموقوف عليه، فهو قرينة على إرادة الدخول، وكون الوقف عليهم ترتيباً إنما جاء من عطفهم على الأولاد المنقرضين، فالحكم إنّما استفيد من اللفظ بعد الحكم بانقراض الأوليين، فكان استحقاقهم مترتباً على انقراض الأوليين.

ويضعفه: ضعف دلالة ما ذكره على كونه موقوفاً عليه؛ لعدم دلالته بإحدى الدلالات، و مجرد تصحيح اللفظ لا يكون قرينة على إرادة ما لم يذكره الواقف، أو على صرف ما ذكره إلى المجاز من استعمال الأولاد فيما يشمل أولاد الأولاد.

بل قد يقال: إنّ ذكر أولاد الأولاد بعد الأولاد دليل على أن الأوّل لم يتناولهم، وإنما ذكروا لأجل اشتراط ترتب استحقاق الفقراء على انقراضهم، وعلى ما ذكر فيكون الوقف كمنقطع الوسط يكون الوقف على ما قبله حبساً وعلى ما بعده باطلاً.


1) المبسوط 3: 296.

وعلى تقدير صحّته على ما بعده فالنماء المتخلّل بين موت الأولاد وأولادهم هل هو لورثة الواقف أم لا ؟ إشكال ينشأ من انتقال الوقف وعدمه، فإن قلنا ببقائه على ملك الواقف، فهو لورثة الواقف، وإن قلنا بانتقاله إلى اللّه تعالى، فالأوجه صرفه في وجوه البرّ.

وعلى القول بانتقاله للموقوف عليه يشكل أيضاً من حيث انتقال الملك عن الواقف فلا يعود إليه، فيكون لورثة البطن الأوّل؛ لانتقاله إليه، فيستصحب إلى أن يُعلم المستحق، ومن أن الوقف في حكم ملك الواقف؛ لتلقي البطن الثاني عنه، وبموت البطن الأوّل زال ملكه، وليس ثمّ موقوف عليه غيره إلى أن ينقرض البطن الثاني، ويمتنع بقاء الملك من غير مالك، فيكون لورثة الواقف. وفيهما معاً ضعف؛ لأنّ ورثة الأوّل لا يستحقونه بالوقف؛ لانتفاء مقتضيه ولا بالإرث؛ لأن الوقف لا يورّث، ولانقطاع تملك مورّثهم من الوقف بموته، فكيف يورّث عنه!؟ ولأنّ خروج الملك عن الواقف يوجب عدم العود إليه وإلى ورثته إلّا بسبب جديد، وليس فليس.

نعم، لو قلنا: إنّه حبس، صحّ عوده إلى ورثة الواقف على وجه الملك، ثمّ ينتقل عنهم إلى الفقراء، ولكنّه مفتقر إلى ثبت.

خاتمة: في بيان أُمور:

أحدها: حكم ما لو اضمحل الموقوف باستيلاء الماء أو الخراب الذي لا يرجى معه العود

أحدها: لو اضمحل الموقوف باستيلاء الماء أو الخراب الذي لا يرجى معه العود صُرفت آلاته إلى موقوفِ آخر مشابه له كمسجد ومسجد ومدرسة ومدرسة، فإن لم يمكن بقي وقفاً ينتفع به أربابه. ولو آلت آلاته إلى الخراب بحيث لا ينتفع بها فيه ولا في غيره، فإن أمكن بيعها وكان لها قيمة بيعت وأُخذ بثمنها وقف مشابه مهما أمكن، كفراش وفراش، وقنديل وقنديل، فإن لم يمكن المشابه أُخذ غيره ووضع فيه، فإن لم يمكن صرف الثمن فيه بأي نحو كان، مع احتمال جواز ذلك ابتداء؛ لتساوي جميع المصارف بالنسبة إلى الثمن بعد أن بيعت العين.

والأظهر والأحوط الأول؛ اقتصاراً على اليقين في التصرّف بمال الغير.

وإن لم يمكن صرفها في ذلك الوقف، صُرفت في غيره مشابهاً له.

ولو دار الأمر بين بيعها وصرف ثمنها في ذلك الوقف وبين الانتفاع بها في وقف آخر مشابه له، فلا يبعد ترجيح الأوّل.

ولو لم يمكن بيعها وأمكن صرفها في المشابه لزم؛ احترازاً من تفويت المال من غير مقتض.

ولو لم يمكن صرفها في وقف آخر ولا بيعها لخروجها عن التموّل، عادت ملكاً لأرباب تلك الجهة يتصرفون بها كيف شاؤوا، ويكون بمنزلة نماء الوقف.

وقد يحتمل المنع من بيع الآلات مطلقاً ولو اضمحلت؛ لبناء الوقف على الدوام فلا يجوز نقله.

ولكنه ضعيف مخالف لفتوى الأصحاب، ومشتمل على تضييع المال.

ثانيها: عدم جواز بيع الوقف المبني على الدوام ولا نقله مطلقاً

ثانيها: لا يجوز بيع الوقف المبنيّ على الدوام ولا نقله مطلقاً، كما هو الظاهر من إطلاقه والمفهوم من لفظه ومصداقه، ولبنائه على الدوام، كما جاءت به سيرة الأنام وأفعال الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ولظهور الأخبار في منعه (1)، وفي بيان منافاة البيع والنقل والميراث له ذاتاً؛ ولتعلق حقّ البطون به فهم كالشركاء فيه، فيكون التصرّف فيه على وجه النقل أكل مال بالباطل ومن باب الظلم والعدوان، سيما لو قلنا: إنّ ثمنه يكون للبائع لا أنّه يشترى به وقفاً، وللإجماع المنقول (2)على المنع مطلقاً، وللخبر فيمن شرى وقفاً: «لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك» (3).

وبذلك ظهر ضعف قول المجوّز لبيعه إذا خيف فساده أو خرابه لخلف بين أربابه، كما في قول (4)، أو بحيث لا يجدي نفعاً وخِيف خرابه وكانت بأربابه حاجة شديدة ودعت إلى بيعه الضرورة، كما في ثاني (5)، أو كان بيعه أعود، كما في ثالث (6)، أو غير ذلك من الأقوال المتكثرة؛ استناداً لأخبار (7)قاصرة سنداً ودلالة، ولإجماعات منقولة (8)مضطربة معارضة بمثلها (9)، ولشهرةٍ مركبة من مجموع الأقوال المقيدة، وهي غير صالحة للحجية ما لم تكن بسيطةً، فلا تصلح لمقاومة أدلّة المنع.


1) وسائل الشيعة 19 : 185 - 187، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1 - 4.

2) السرائر 3: 153 رياض المسائل 10 : 171.

3) وسائل الشيعة 19 : 185، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1.

4) شرائع الإسلام 2 : 174.

5) الانتصار : 468 - 469، المسألة 264؛ المقنعة : 652؛ المبسوط 3 : 287؛ غنية النزوع 1: 298.

6) شرائع الإسلام 2 : 11.

7) وسائل الشيعة 19 : 187 - 188 و 190 - 191، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 5، 8،6.

8) الانتصار : 469، المسألة 264؛ غنية النزوع 1: 298.

9) راجع الهامش (2).

ويمكن حمل الأخبار على الوقف الغير المؤبد، وكذا تنزيل الإجماعات، أو على الوقف قبل قبضه، ولو أردنا أن نختار الأخذ بها لاقتصرنا في الجواز على الجامع لجميع القيود، والتزمنا بشراء وقف بثمنه؛ تحصيلاً لغرض الواقف بقدر الإمكان، وقد بسطنا الكلام في المقام في كتاب البيع فلا نعيده.

ثالثها: عدم جواز صرف آلات وقف في وقف آخر اللّه

ثالثها: لا يجوز صرف آلات وقف في وقف آخر؛ لأنّ الوقوف على حسب ما يقفها أهلها، ولو زاد منها شيء ادخر لوقت الحاجة، واستثني من ذلك المساجد، فيجوز صرف ما زاد من أحدها في الآخر؛ لعدم المنافاة لغرض الواقف، وهو أيضاً لا يخلو من إشكال.

وعلى كلّ حال فلا يلحق به الحضرات والمشاهد والمدارس؛ اقتصاراً على مورد اليقين.

وكذا لا يجوز التصرّف في الوقف بما ينافي غرض الواقف ويزاحم الموقوف عليه في الجهة الموقوف عليها؛ لحرمة التصرّف بمال الغير من دون إذنه، بل شاهد حال الواقف يقضي بالمنع، فلا يجوز الجلوس في المساجد والمشاهد بما ينافي غرض الواقف لمنع الزائرين والمصلين.

ولا يجوز وضع شيء فيها بما ينافي غرضه أيضاً، كغرس شجر في المساجد والمشاهد، أو دكان أو بناء منافٍ، بل لا يبعد أنّه لو خرجت الأشجار لنفسها لزم على المتولّي قلعها.

نعم، لو سبق الزرع والغرس والبناء على الوقف جاز إبقاؤه مطلقاً على الأظهر.

رابعها: حكم ما لو اندرس شرط الواقف

رابعها: لو اندرس شرط الواقف قسم بالسوية مع العلم بأصل الاستحقاق وجهل مقادير السهام؛ لأصالة عدم التفاضل، وربما الحق به الجهل بالترتيب؛ لأصالة عدم التقدم والتأخر.

ولو علم التفضيل وشكّ في المفضّل أو علم الترتيب وشكّ في السابق، فالقرعة أو الصلح.

ولو أخبر الواقف بعد وقفه وتقبيضه، ففي لزوم الأخذ بإخباره وجهان، ولا يبعد اللزوم.

ولو جهل أرباب الوقف صرف في وجوه البرّ.

ويحتمل كونه مجهول المالك فيتصدق بعينه. وهو ضعيف.

خامسها: جواز قسمة الوقف عن الطلق في المشاع

خامسها: يجوز قسمة الوقف عن الطلق في المشاع، وتكون القسمة مثبتة لكل منهما، ولا بأس، إلّا أن تتضمّن القسمة ردّاً من الوقف إلى أهل الطلق، فالأظهر المنع؛ لاستلزامه عود الوقف طلقاً.

ولا يجوز قسمة الوقف مع اتحاد الواقف والموقوف عليه والموقوف، بمعنى كون الموقوف

عليه وقف عليه واحد بعقد واحد سواء اتحد وبعد ذلك تعدّد، أو كان متعدداً ابتداء؛ لمنافاته لغرض الواقف، ولعدم شمول دليل القسمة لمثله، ولتعلّق حقّ البطون بمجموعه، وللزومه لتغيير الوقف واحتمال الجواز ضعيف. نعم، لو تنازعوا كانت لهم المهاياة.

ويجوز قسمة الوقف إذا تعدد الواقف والموقوف عليه، سواء وقع الوقف بصفقة واحدة أو صفقتين على الأظهر.

بحث في السكنى

تعريف السكنى وبيان ما يشترط فيها

السكنى إن كانت مطلقةً كان للمُسْكن إخراجه متى شاء؛ لكفاية المسمّى فيها ولو ساعةً واحدةً، فهي لازمة بالنسبة لمسمّاها.

ولو قرنت بمدة أو عمر الساكن أو عمر مَنْ أسكنه، لزمت تلك المدّة، أو ذلك العمر، وتُسمّى المقرونة بالعمر عمري، وبالمدة رقبي.

وعلى كلّ حالٍ فهي مبيحة للمنفعة، لا ناقلة للملك.

ويشترط فيها الإيجاب والقبول الصريحين أو شبههما، ويشترط فيها القبض. وفي اشتراط القربة فيها وجهان، والاشتراط أحوط. نعم، يشترط أن يكون الشيء ممّا يتقرب به، وتلزم بالقبض.

وإذا وقتت السكني، لم يجز الرجوع بها حتّى ينقضي الوقت.

ولو مات الساكن أو المعمّر قبل الوقت، انتقل حقّ السكني إلى ورثته حكماً شرعياً.

قيل: وهو دليل على انتقال ملك المنفعة عن الساكن، وإلا لما ورث (1).

وهو ضعيف؛ لمنع التلازم.

وترجع العين بعد تمام الوقت إلى المُسكن أو ورثته إن مات قبل ذلك.

ولا ينقض البيع السكنى، بل هي باقية نعم للمشتري الخيار مع الجهل.

وإطلاق السكني يقتضي أن يسكن بنفسه وأهله وولده أو مَنْ يعتاده من أضيافه وزائريه وخُدّامه، وليس له أن يسكن غيرهم، كما أنّه ليس له أن يؤجر المسكن إلّا بإذن المالك.

وكلّ ما صحّ وقفه صحّ إعماره من الحيوان والعقار والأثاث، ولا تختص العمرى بالمسكن.

وفي صحّة بيع ما قرن بالعمر من العمرى إشكال؛ لجهالة المنفعة، والأحوط المنع.

والحبس يتعلّق بالعين، فإن حبس على جهة العموم - كسبيل اللّه وخدمة البيت - خرج عن ملكه ولزم.


1) لم نعثر على قائله.

ويشترط فيه القبض والقربة على الأظهر فيهما.

وإن حبس على معيّن، فإن عيّن وقتاً لزم إلى الوقت ثمّ يعود إلى الحابس أو ورثته، وإن لم يعين كان له الرجوع متى شاء.

ولم يفرّق في التذكرة بين الحبس على معيّن كزيد، أو غير معين كالفقراء (1)، وهو ممنوع.


1) تذكرة الفقهاء 20 : 284، المسألة 164.

كتاب الهبة والصدقة

كتاب الهبة والصدقة

تعريف الصدقة والهبة والعطيّة

• بالمعنى الخاصّ -

والعطيّة والهديّة

قيل: إن الصدقة والهبة والعطية بمعنى واحد (1)، وهو بعيد.

وقيل: إنّ الهبة والعطية والنحلة بمعنى واحد (2)، وهو بعيد؛ لأنّ الظاهر أن العطية تشمل الهبة والهدية، فلا تكونان بمعنى واحد.

وقيل: إنّ العطيّة أعم من الوقف والصدقة والهبة والهدية والسكني (3)، وهو بعيد أيضاً.

وقيل: إن الهبة أعم من الصدقة لاشتراط الصدقة بالقربة دونها، وأعم من الهدية؛ لاشتراط نقل المهدي في الهدية على وجه التعظيم والإكرام، وعلى ذلك فمَنْ نذر الهبة برى بالصدقة والهدية دون العكس، ومن حلف أن لا يهب حنث بإحداهما دون العكس (4)، وهو بعيد.

وقيل: إنّ الفرق بين الهبة والهدية أنّ الهبة تلزم الإيجاب والقبول اللفظيين، والهدية أعم منهما ومن الفعليين، أو أنّها تختص بالفعليّين دون القوليين، والفرق بين الهبة والصدقة هو اقتران الصدقة بالقربة دون الهبة وإن احتاج كلّ منهما إلى إيجاب وقبول لفظيين (5)، وهو بعيد.


1) راجع المبسوط 3: 303.

2) شرائع الإسلام 2: 179.

3) رياض المسائل 10 : 204.

4) الحدائق الناضرة 22 : 296 – 297.

5) رياض المسائل 10: 203 - 205.

وقد يظهر من كثيرٍ عدم افتقار الصدقة إلى العقد اللفظي وتفتقر إلى الفعلي (1).

ويظهر من آخرين أن الهدية تفيد إباحة لا تمليكاً؛ للزوم الإيجاب والقبول اللفظيين في الهبة فيحصل بهما النقل، دون الهدية فإنّها لا تفيد نقلاً، فلا يحلّ بها الاستمتاع لو كانت الهدية جارية (2).

وهو ضعيف؛ لمنع حصول النقل والانتقال بالإيجاب والقبول الفعليين، ومنع عدم حصول الملك والتمليك فى الهدية؛ لجريان السيرة المعلومة والطريقة المعهودة على جريان حكم الأملاك على الهدايا ومعاملتها معاملة الملك، وقد ورد عن الأئمّة ما يقضي بذلك من أفعالهم وطريقتهم، ولم تزل الهدايا تهدى من بعيد وتجري عليها أحكام الأملاك (3).

ويظهر من بعضهم نقل الاتفاق على افتقار الهبة إلى الإيجاب والقبول اللفظيين، وأن ما يقع من الأفعال لا يكون هبةً ولا عقداً مملكاً، بل يكون هديّة يجري عليه ما تقدّم من الأحكام (4)، وفيه ما تقدّم.

ويظهر أيضاً من بعضهم نقل الاتفاق على اشتراط الإيجاب والقبول في الصدقة فعليين أو قوليين، وأنها من العقود (5)، وفيه تأمل.

ونسب بعضهم لجماعة من الأصحاب أنّه يشترط في الصدقة ما يشترط في العقود اللازمة (6)، وضعفه ظاهر.

والذي يظهر لي: أنّ الهبة من العقود الجائزة، فيكفي فيها كلّ ما يدلّ عليها من الألفاظ. ويكفي فيها الدفع والأخذ المقترنان بالقرائن الدالّة على الهبة، فيكونان بمنزلة المعاطاة في عقود المعاوضة.

وفي كفاية الأفعال غير الدفع والأخذ من الإشارة والكتابة إذا لم يقترنا بلفظ دال عليها وجهان.


1) راجع الحدائق الناضرة 22: 261 ورياض المسائل 10 : 197.

2) راجع مسالك الأفهام 6: 10؛ وكفاية الفقه 2 : 27.

3) كما في تذكرة الفقهاء 20: 9 الفصل الأوّل في الأركان والدروس الشرعيّة 2 : 291 - 292.

4) راجع الهامش (2).

5) راجع الحدائق الناضرة :22 : 261 ورياض المسائل 10 : 197.

6) الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 197.

والأظهر عدم الاكتفاء بهما وإن تعقبهما القبض المشترط في صحّة الهبة.

وأن الهدية قسم من الهبة تختص بنوع خاص منها، وهو النقل بدون صيغة على جهة التوقير والتعظيم.

وأن الصدقة بالمعنى الخاص ليست من العقود، بل هي من العبادات المالية كالزكاة يكفي فيها الأخذ والدفع، والإشارة والكتابة مع الإذن في القبض أو القبض، وربما يعينها العزل كما يعيّن الزكاة، وربما يدخل في ماهيتها نيّة دفع البلاء والسوء عن صاحبها.

وعلى أي تقدير فهنا مقامان:

المقام الأوّل: في الصدقة بالمعنى الخاص والعام وبيان ما يتعلّق بهما

المقام الأوّل: في الصدقة بالمعنى الخاص

وهي تمليك عين بغير عوض على وجه القربة من دون إيجاب وقبول لفظيين دالين على النقل وإن اقترنا بإيجاب وقبول دالين على التصدق.

والأظهر انضمام قيد منويّاً بها دفع البلاء والسوء.

والصدقة بالمعنى العام تشمل الوقف والسكنى والعمرى والحبس والصدقة بالمعنى الخاصّ تختص بما قدمناه.

والأظهر اختصاص الصدقة بالعين، فلو نوى التصدق بما في الذمّة أو احتسابه صدقةً لم يصحّ.

نعم، يصحّ الإبراء مع القربة فيكون بحكم الصدقة، مع احتمال جواز ذلك قياساً على الزكاة. ويكفي على الظاهر نيّة التصدّق عن نيّة الملك تفصيلاً وإن استلزمه.

ويشترط فيها نيّة القربة؛ لما ورد أن «لا صدقة إلّا ما أُريد بها وجه اللّه تعالى» (1).

ولو خلت عن نيّة القربة عادت هدية أو تفيد إباحة للعين دون الملك، مع احتمال صيرورتها صدقةً فاسدة، فلا يستباح بها التصرّف.

وتصحّ الصدقة بالعين المشاعة، وبالكلّي إذا كان في عين شخصية فقبض المتصدق عليه الجميع في وجه قوي.

وفي صحة التصدق بالمنفعة وجهان، والأظهر العدم، كما ذكرناه في البيع (2).


1) وسائل الشيعة 19 : 209 - 210، الباب 13 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 2، 3.

2) أنظر ج 5، ص 275 وما بعدها القول في شرائط المعقود عليه من العوضين.

ويشترط في صحتها القبض من المتصدق عليه أو وكيله أو وليه، وبدونه لا تفيد لزوماً ولا صحّة للإجماع المنقول (1)، ولعدم دليل على الصحّة سوى عمومات العقود (2)، وهي كالمجملة، وإطلاقات الصدقة (3)، وهي لا تنصرف لغير المقبوض كما قيل (4).

وللأخبار الواردة في الصدقة الدالّة على ذلك كالخبر: في الرجل يتصدق على ولد له قد أدركوا، فقال: «إذا لم يقبضوا حتّى يموت فهو ميراث» (5)ونحوه غيره (6).

ويشترط في القبض حصوله بإذن المالك؛ لحرمة الصادر بغير إذنه فلا أثر له، أو لعدم انصراف إطلاق القبض المشترط لغير المحلل.

وفي صحّة القبض الفضولي مع إجازة المالك ونيّة القربة حال الإجازة إشكال.

وتصحّ صدقة إنسان بماله عن غيره، فتقع ثمرتها عن غيره، ويصل ثوابها إليه أيضاً على الظاهر.

ولو تصدق بماله عن غيره بنيّة الرجوع فأجاز المتصدق عنه، ففي جواز رجوع المتصدق على المتصدق عنه وجه قوي.

ولو تصدق بمال غيره عن صاحب المال فأجاز المتصدق عنه، احتسب ثوابها، وثمرتها له مع اقتران نيّة القربة بالإجازة.

ولو تصدق بمال غيره عن نفسه فأجاز صاحب المال على نحو ذلك، احتسبت الصدقة عن المتصدق، ولم يضمن المتصدق.

وإذا حصل القبض بإذن المالك مقروناً بنيّة القربة، لزمت الصدقة، ولم يجز الرجوع بها؛ للاستصحاب القاضي ببقاء ما كان على ما كان، وللإجماع المنقول (7)المعتضد بفتوى الأكثر والأشهر؛ ولأن الأجر بمنزلة العوض، ولا يجوز الرجوع في الهبة المعوّض عنها.


1) المبسوط :3 314 رياض المسائل 10 : 198.

2) المائدة (5) : 1.

3) البقرة (2) : 272؛ المعارج ((70) : 24 و 25 وسائل الشيعة 9: 367 الباب 1 من أبواب الصدقة.

4) رياض المسائل 10 : 198.

5) وسائل الشيعة 19 : 178 - 179 الباب 4 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1.

6) المصدر : 180، ح 5.

7) السرائر 3 : 177.

وللأخبار:

منها: «لا ينبغي لمن أعطى اللّه شيئاً أن يرجع فيه» (1).

ومنها: «إنّما مثل الذي يتصدق بالصدقة ثمّ يعود فيها مثل الذي يقيء ثمّ يعود في قيئه» (2).

وظاهرهما وإن كان أعم من التحريم إلّا أن ما تقدّم من القرائن تخص أحد فردي القدر المشترك، أو تصرف الظاهر عن ظاهره.

ويظهر من الشيخ (رَحمهُ اللّه) جواز الرجوع في الصدقة بعد القبض كالهبة، ونقل على ذلك الإجماع (3).

وفضل الصدقة عظيم، وثمرتها عظيمة، كما ورد في الأخبار أنّها تنفي ميتة السوء (4)، والدبيلة (5)والحرق والغرق والهدم والجنون إلى أن عد سبعين باباً من السوء(6).

وصدقة السر أفضل من صدقة الجهر؛ لما ورد من استحباب الإسرار في المندوبات وسيّما في الصدقة واستحباب الإعلان في الواجبات (7)، وقال سبحانه تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (8).

والزكاة محرّمة على بني هاشم إجماعاً، والنصوص بها مستفيضة (9).

والمندوبة تحلّ لهم سواء كانت عامةً كالأوقاف وشبهها، أو خاصّة، كما يظهر من الأخبار (10)وكلام الأصحاب. ولا يبعد تحريم الخاصّة على الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)؛ لرفعة محلّهم عنها.

وأما الصدقة المفروضة في الأصل غير الزكاة - كالكفارات ففي تحريمها على بني هاشم؛ لما ورد من تحريم الصدقة عليهم على وجه الإطلاق، وما ورد من تحريم الصدقة الواجبة


1) وسائل الشيعة 19 : 231 الباب 3 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

2) المصدر : 204 - 205، الباب 11 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 2.

3) المبسوط 3 : 314.

4) وسائل الشيعة 9 : 367 الباب 1 من أبواب الصدقة، ح 2 و 386 - 387، الباب 9 من تلك الأبواب، ح 3، 4.

5) الدبيلة : الطاعون، وجراح ودمل يظهر في الجوف ويقتل صاحبه غالباً. مجمع البحرين 5: 369، «د ب ل».

6) وسائل الشيعة 9 : 386 الباب 9 من أبواب الصدقة، ح 1.

7) المصدر : 395 الباب 13 من أبواب الصدقة، و 309 - 311، الباب 54 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1 - 4 و 8 و 9.

8) البقرة (2) : 271.

9) وسائل الشيعة 9 : 268 الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة.

10) المصدر : 272 - 273، الباب 31 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1، 3.

عليهم (1)ولما يظهر من الأخبار من أن علة تحريم الصدقة كونها هي أوساخ أيدي الناس(2).

وظاهر التعليل العموم، أو عدمه؛ لانصراف الواجبة إلى الزكاة فتنصرف إليها في الأخبار، ولظهور التعليل في الزكاة؛ لأنّها الأصل في ذلك، ولما ورد في الخبر عن الصدقة المحرمة عليهم ما هي؟ فقال: «الزكاة المفروضة». وفي آخر عن الصدقة التي حرمت على بني هاشم ما هي؟ فقال: «الزكاة» (3)قولان، والأخير أقوى، والأوّل أحوط.

وأما ما وجب بالعارض - كالصدقة المنذورة - أو ما وجبت على غير المالك - كالصدقة بمجهول المالك عن صاحبه - فالأقوى جواز دفعها لبني هاشم، والأحوط العدم، إلّا أنّ الاحتياط ها هنا أقل من الأوّل.

وعلى كلّ حالٍ فيجوز للهاشميين عند الاضطرار تناول جميع الصدقات الواجبة حتّى الزكاة، وكذا يجوز تناول هاشمي من هاشمي آخر.

والظاهر صحّة الصدقة على الكافر مطلقاً؛ لأنّ «لكلّ كبد حتّى أجر» (4)، فإذا قصد المتصدق ذلك جاز، ولو قصد المودة إليهم والركون حرم.

ويقوى الجواز لو كان الكافر ذمّيّاً، ويتأكد لو كان رحماً، ويتزايد لو كان أباً أو أُمّاً.

ويصحّ أن يرث المتصدّق مال الصدقة من غير إشكال ؛ للأخبار (5)وفتوى الأصحاب والأكثر بل قد يدّعى الإجماع على جواز شرائه واتّهابه.

وما ورد في بعض الأخبار (6)وأفتى به بعض الأصحاب (7)من منع ذلك محمول على الكراهة.

المقام الثاني: في الهبة

المقام الثاني: في الهبة

وهي تمليك عين - لا منفعة ولا دين - على وجه التبرع بصيغة، أو أخذ ودفع مع دلالة القرائن


1) وسائل الشيعة 9: 274 - 275 الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 4، 5.

2) المصدر : 268، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 2.

3) المصدر : 274 - 275، ح 5.

4) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 274.

5) وسائل الشيعة 19 : 207 الباب 12 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات.

6) المصدر : 207 - 208، ج 1.

7) النهاية : 603.

على إرادتها، مقرونة بالقربة أم لا، أو على وجه المعاوضة من دون قصد النقل بها كما يقصد في البيع والصلح، فيكون قصد المعاوضة في الهبة ثانياً وبالعرض لا أوّلاً وبالذات، وقد تُطلق الهبة على العقد الدال على ذلك.

وقد يُفرّق بينها وبين الصدقة باشتراط نيّة القربة وعدمها، فتكون الصدقة أخصّ منها؛ بناءً على اشتراط العقد في الصدقة قولاً أو فعلاً.

وقد يُفرّق بينهما بعدم احتياج الصدقة إلى العقد القولي أو الفعلي، واحتياج الهبة إلى ذلك، فيكون بينهما عموم من وجه.

وقد يُفرّق بينهما بدخول عدم العقد في مفهوم الصدقة بخلاف الهبة، فيكون بينهما تباين.

وقد يُفرّق بينها وبين الهدية باشتراط نقل الهدية إلى المهدى إليه على وجه الإكرام، فتكون أخص.

وقد يُفرّق بينهما باشتراط الصيغة اللفظية في الهبة دون الهدية فتكون أعم، وقد تقيّد الهدية بالنقل على جهة التعظيم مع ذلك، فيكون بينهما عموم من وجه.

وقد يُفرّق بينهما بدخول عدم العقد في الهدية، فيكون بينهما تباين.

وقد يُفرّق بينهما بدخول العقد الفعلي دون اللفظي مع قيد التعظيم في الهدية دون الهبة؛ فإنّها أعم من اللفظي أو الفعلي، فيكون بينهما عموم مطلق.

وقد يُفرّق بينهما باختصاص الهبة بالعقد اللفظي، واختصاص الهدية بالفعلي، فيكون بينهما تباين.

وعلى كلّ حالٍ فالهبة من العقود الجائزة يكفي فيها كلّ لفظ دال في الإيجاب، كـ«وهبتك» و «ملكتك» و «أعطيتك» وفى القبول ك- «رضیت» و «قبلت» و «اتهبت».

ولا يتفاوت في ذلك بين الاسمية والفعلية، وبين العربية وغيرها، وبين الموالاة في الإيجاب والقبول والفصل.

ويكفي فيها الدفع والأخذ مع القرينة الدالّة على ذلك، ولا تكفي الإشارة والكتابة ولو وقع بعدهما القبض، ولو وقع ذلك لم تكن هبةً، وقد تنصرف للهدية في وجه، إلّا أن الظاهر أنّها لا تنصرف إلى الهدية بحيث يملك القابض ما قبضه إلّا أن تكون بعنوان التعظيم والتوقير

فيملكها حينئذٍ ؛ لحصول الملك في الهدية بدون العقد قولياً أو فعلياً، كما تقضي به السيرة القطعية. والأولى الاقتصار في الهدية على الدفع والأخذ الفعليين دون غيرهما من الأفعال.

وهنا أُمور:

أحدها: عدم صحّة هبة المنفعة ولا الحق ولا الكلّي إذا لم يتشخّص بفردٍ

أحدها: لا تصحّ هبة المنفعة ولا الحق، ولا الكلّي إذا لم يتشخّص بفرد، إلّا إذا كان في عين محصورة كصاع من صُبرة، ففي صحّة هبته وجه قوي.

وتصحّ هبة الدين لمن هو عليه، فتكون إبراء بصيغة الهبة؛ لعدم اشتراط صيغة خاصّة في الإبراء؛ لأنّه إسقاط لما في الذمّة أو إعراض عنه، فيسقط بما دلّ عليه.

هذا مع قصد الإسقاط في لفظ الهبة، فلو قصد بها التمليك، كما يقصد بالهبة فالذي تقضي به القواعد البطلان؛ لوقوع العقد على ما لا يصحّ وقوعه عليه.

ولكن ظاهر الأصحاب حصول الإبراء به مطلقاً، وكذا ظاهر جملة من الأخبار.

كالصحيح: عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم فيهبها له، أله أن يرجع فيها؟ قال: «لا» (1).

والآخر عن رجل كانت عليه دراهم لإنسان فوهبها له ثمّ رجع فيها ثمّ وهبها له ثمّ رجع فيها ثمّ وهبها له ثمّ هلك؟ قال: «هي للذي وهب له» (2).

واحتمال أن استعمال الهبة ها هنا بمعنى الإبراء إنما كان في الإخبار عنه لا في إنشائه بعيد مخالف للظاهر، كاحتمال أنّ الموهوب ليس نفس ما في الذمّة، بل هو بعد إقراره وتعيينه؛ لبعده عن الظاهر، ولمنع الرجوع فيها بعد الهبة في الخبر، وهو قرينة على أنّه إبراء، فاتباعهم والأخذ بإطلاقهم أجود، ولا ينافي ذلك اشتراط القبض؛ لأنّ ما في الذمّة بمنزلة المقبوض.

وهل يشترط القبول في هبة الدين لمن هو عليه؛ بناءً على اشتراط القبول في الإبراء، للشكّ في حصول الانتقال بدونه والأصل بقاء الدين على ما كان، ولأن ما شكّ في كونه عقداً أو إيقاعاً فالأصل كونه عقداً، ولأنّ الإبراء لا يخلو من منّة فلا يتحمّلها مَنْ عليه الدَّيْن قهراً، أو لا يشترط؛ لإطلاق الفتوى والآيات في قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) (3)وظاهر العفو


1) وسائل الشيعة 19 : 229، الباب 1 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

2) المصدر : ح 2.

3) البقرة : (2) : 237.

الإسقاط من دون افتقاره إلى قبول، وكذا قوله تعالى: (وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) بعد قوله تعالى: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (1)ولأنّ الإبراء إسقاط وإعراض لا نقل وانتقال، فلا يفتقر إلى إيجاب وقبول، فلا موجب للشكّ في كونه عقداً أو إيقاعاً، ولمنع حصول المنة في الإبراء؛ لأن المنّة إنما تكون فيما يستدعي. طلباً وسؤالاً وأخذاً وقبضاً ونقلاً وانتقالاً، لا فيما كان إسقاطاً أو إعراضاً، وكان حكمه حكم التحرير للعبد وإسقاط حقّ لإنسان على غيره؟ والأخير أقوى، والأوّل أحوط.

وهل تصحّ هبة الدين لغير مَنْ هو عليه؛ لعموم أدلّة العقود (2)، ولإطلاقات أدلة الهبة (3). وفي الخبر المعتبر في رجل كان له على رجل مال فوهبه لولده (4)إشارة إليه أيضاً، ولعدم منافاة هبة الدين لغير مَنْ هو عليه لاشتراط القبض في صحّة الهبة، لإمكان قبض الدين بقبض فرده الخارجي بناءً على أنّ الفرد عينه، أو هو بمنزلته شرعاً وعرفاً، كما يصحّ بيع الدين ويكون قبضه بقبض فرده، أو لا تصحّ للشكّ في صحّة الاستدلال بالعمومات للفرد المشكوك؛ بناءً على أنّها كالمجمل، أو أنّ التعريف فيها للعموم، وكذا الاستدلال بإطلاقات الهبة؛ لانصرافها إلى المعهود من الهبة والمتعارف فيها وهو الأعيان، ولضعف دلالة الرواية على الجواز، ولأنّ الظاهر من اشتراط القبض هو كون نفس الموهوب ممّا يمكن قبضه كي يتحقق القبض فيه بعد العقد، والفرد هنا ليس عين الكلي، وقيامه مقامه في البيع وشبهه إنما كان للدليل من إجماع أو غيره؟ والأوّل قوي، إلّا أن الأخير أقوى.

ثانيها: هل القبض شرط في صحّة الهبة أو لزومها؟

ثانيها: الأقوى اشتراط القبض فى صحّة الهبة؛ وفاقاً للمشهور شهرة محصلة ومحكيّةً (5)، وللإجماع المنقول (6)على لابدية القبض واشتراطه الظاهر في شرطية الصحّة، وعلى اشتراطه في الصحّة كما نقل عن ظاهر جماعة من أصحابنا (7).


1) البقرة (2) : 280.

2) المائدة (5) : 1.

3) وسائل الشيعة 19 : 232 - 233، الباب 4 من أبواب كتاب الهبات، ح 2 - 4.

4) المصدر : 230، الباب 2 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

5) مفتاح الكرامة 9 : 169.

6) مسالك الأفهام 6 : 17.

7) كالشهيد في الدروس الشرعيّة 2 : 285؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 9 : 148.

وللمعتبرة منها الموثّق والمرسل القريب إليه بفضالة وأبان في النحل والهبة ما لم تقبض حتّى يموت صاحبها، قال: «هي بمنزلة الميراث، وإن كانت لصبي في حجره وأشهد فهو جائز» (1).

وقريب منها الخبر: «الهبة لا تكون هبة أبداً حتّى يقبضها صاحبها» (2).

والظاهر أن شرط القبض ناقل كما هي القاعدة في الشروط، لا كاشف، كما قد يتخيل. وربما يدعى أن لفظ «الهبة» قاض بدخول القبض في ماهيتها عرفاً، فلا تكون الهبة هبة إلّا مقبوضة.

وقيل: إن القبض شرط في اللزوم لا في الصحّة (3)لاقتضاء عمومات أدلة العقود وإطلاقات أدلّة الهبة صحّة العقد من دون توقف على أمرٍ آخر.

وللمعتبرة المستفيضة :

منها: الصحيح: «الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض قسمت أو لم تقسم والنحل لا يجوز حتّى يقبض، وإنما أراد الناس ذلك فأخطؤوه» (4).

والموثّقان بـ «أبان» المُجمع على تصحيح رواياته وروايات الراوي عنه فيها، وفيهما: «إذا تصدق الرجل بصدقة أو هبة، قبضها صاحبها أو لم يقبض، علمت أو لم تعلم، فهي جائزة» (5).

وفي الجميع نظر؛ لإجمال العمومات أو لكون التعريف فيها للعهد فينصرف للمعهود، وهو ما تعقبه القبض، ولانصراف إطلاقات الهبة إلى العقد الواقع بعده القبض؛ لأنّ المعروف من الهبة ما وقع القبض فيها، فالمجرّدة عنه لا ينصرف إليها الإطلاق.

ولضعف الأخبار عن مقاومة ما تقدّم من الأخبار المعتضدة بفتوى الأصحاب والاحتياطات والإجماعات المنقولة، لحصول الإجمال فيها بحسب الدلالة من حيثية تردّد المقصود فيها بين إرادة جواز هبة ما لم يقبضه الواهب بقرينة جواز هبة ما لم يقسم، وبين جواز هبة ما لم يقبضه المتهب، ومع قيام الاحتمال يبطل الاستدلال.


1) وسائل الشيعة 19 : 232، الباب 4 من أبواب كتاب الهبات، ح 1 و 235، الباب 5 من تلك الأبواب، ح 2.

2) المصدر : 234، ح 7.

3) المقنعة : 658 النهاية : 602 المهذب 2 : 94 - 95؛ الوسيلة : 378.

4) وسائل الشيعة 19: 233 الباب 4 من أبواب كتاب الهبات، ح 4.

5) المصدر : 232، ج 2، 3.

ولاحتمال ورودها مورد التقيّة؛ بناءً على أنّ المراد من الجواز اللزوم، كما يعبّر عنه في كثير من الأخبار في هذا الباب، منها: «تجوز الهبة لذي القرابة والذي يثاب من هبته، ويرجع في غير ذلك إن شاء» (1)و نحوه غيره (2)، واللزوم من دون القبض لا يقول به أحد من أصحابنا، فلتحمل على التقيّة؛ على أنّ اشتراط القبض في اللزوم دون الصحّة ينافي ما عليه أصحابنا من جواز الرجوع في الهبة ولو بعد القبض إلّا في مواضع خاصّة، وتنزيل ذلك الإطلاق على تلك المواضع الخاصّة بعيد جداً، فما حمل كلام الأصحاب في الدروس من اشتراط القبض في اللزوم على إرادة اشتراطه في الصحّة (3)جيد وجيه.

وتظهر الثمرة بين القولين في النماء المتخلّل بين العقد والقبض، فإنّه للواهب على المختار، وللمتهب على القول الثاني، وكذا لو مات الواهب قبل القبض فإنّها تبطل الهبة على المختار، وعلى الثاني تصح، ويتخير الوارث بين الإقباض وعدمه، وكذا في فطرة المملوك، وفي نفقة العبد والحيوان، إلى غير ذلك.

وهل ينزل إتلاف المتهب منزلة القبض؟ وجهان، والأقوى عدمه.

ثالثها: لزوم إذن الواهب في القبض

ثالثها: بناءً على اشتراط القبض صحّة أو لزوماً لا بدّ فيه من إذن الواهب، فلا اعتبار بغير المأذون به؛ للنهي عنه وعدم انصراف القبض المشترط إليه، ونقل على اشتراط الإذن في صحّة القبض وترتب الأثر عليه الإجماع أيضاً (4).

هذا إن لم يكن مقبوضاً بيد المتهب أصلاً، أو كان مقبوضاً غصباً ولم يعلم بغصبه الواهب، إمّا لو كان مقبوضاً بإذن الواهب فإن قبضه لأن يهبه بعد القبض فلا إشكال وإن كان قبضه بعارية أو رهن أو وديعة.

وبالجملة، لو كان القبض لغير الهبة فهل يحتاج إلى إذنٍ جديدة في القبض، ويحتاج إلى قبض متجدد من المتهب بنيّة أنّه للهبة، أو إلى مضي زمانٍ يسع القبض فيما لم يكن حاضراً بحيث يتمكن المتهب من قبضه، أو لا يحتاج إلى شيءٍ من ذلك أصلاً، أو يحتاج إلى الإذن


1) وسائل الشيعة 19 : 237، الباب 6 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

2) المصدر : 242 - 243، الباب 9 من أبواب كتاب الهبات، ذيل الحديث 3.

3) الدروس الشرعيّة 2 : 286.

4) رياض المسائل 10 : 210.

إذا لم يعلم الواهب بقبض المتهب له حين الهبة ولا يحتاج إلى الإذن إذا علم به؛ لتنزيل العلم منزلة الإذن، أو يحتاج مطلقاً فيما إذا كان مغصوباً علم به الواهب أم لا، دون غيره؟ وجوه، أقواها الافتقار إلى الإذن مطلقاً، إلّا إذا كان العلم به وبهبته بعد العلم بأنّه عنده، وعدم طلبه منه قرينة على الإذن به؛ ووجهه حصول الشكّ في اعتبار القبض المستدام المجرد عن الإذن بعد الحكم بشرطيّة القبض؛ لأنّ الشكّ في الشرط شك في المشروط.

ونُسب (1)للمتأخرين كفاية القبض المستدام ولو من دون إذن.

وهو بعيد إن لم يكن ذلك إجماع. وعلى تقدير اشتراط الإذن فهل يكفي الإذن في حصول القبض المعتبر مطلقاً، أو يشترط التصريح بكونه للهبة، أو يشترط أن لا يصرّح بكونه لغيرها؟ وجوه، والوجه الأخير.

وعلى ذلك فهل يشترط تجديد القبض للمتهب بنيّة أنّه للهبة، أو لا يشترط مطلقاً، أو يشترط التجديد وإن لم ينو أنّه للهبة، أو يشترط التجديد ما لم ينو الخلاف؟ وجوه، أوجهها الأخير.

وظاهر المتأخرين: كفاية القبض مطلقاً أيضاً، سواء نوى القابض أنّه للهبة أم لا، وسواء نوى الآذن أنّه للهبة أم لا، ولكن ينبغي تقييده بما إذا لم يَنْوِ الخلاف.

والذي يظهر من الأخبار المتقدّمة فيما لو وهب الطفل الأب أو الجد ما هو مقبوض بأيديهما لزم، من غير تقييد بنيّة قبضه جديداً عن الهبة، ونُسب للمشهور أيضاً كفاية ذلك أيضاً (2)، وقد مرّ في القبض المشروط في الوقف (3)ما يشعر بذلك أيضاً، وحينئذٍ فالقول به والاقتصار عليه في خصوص الأب والجدّ قوي.

ولا يبعد إلحاق الوصي بهما ؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وإن كان لصبي في حجره وأشهد فهو جائز» (4).

واشترط العلّامة (رَحمهُ اللّه) تجديد نيّة القبض على الولي فيما وهبه لمولاه وإن كان مقبوضاً له (5).

وهو على موجب القواعد حسن، إلّا أن إطلاق الأخبار وكلام الأصحاب ينافيه.


1) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 210.

2) نسبه إلى الأشهر السبزواري في كفاية الفقه 2 : 29.

3) مرّ في ص 219.

4) وسائل الشيعة 19 : 232 الباب 4 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

5) راجع قواعد الأحكام 2 : 406.

ولو وهب الطفل غيرُ الوليّ، فإن كان المال بيد الوليّ فاشتراط تجديد الإذن في القبض وتجديد نيّة القبض عن الهبة هو الأقوى، والكلام فيه كالكلام المتقدّم بل هو أقوى في الاشتراط، وإن كان بيد غيره، اشترط قبض الولي الإجباري أو الوصي، أو الحاكم مع المصلحة له في القبض.

ولو وهب الولي للطفل ما هو ملكه إلّا أنّه ليس تحت يده، كمال ورثه أو اشتراه ولم يقبضه، افتقر إلى قبضه عنه في صحّة الهبة، ولو كان المال وديعةً أو عارية عند غيره بعد أن كان مقبوضاً له، ففي لزوم تجديد القبض له وجهان، والأظهر لزوم التجديد.

ولو كان المال بيد الطفل فوهبه له، فإن كانت يد الطفل تحت يده جاء فيه الكلام السابق، ولو لم تكن افتقر إلى تجديد القبض من الولي، ولا اعتبار لقبض الصبي.

والقبض ها هنا كالقبض في البيع، فتكفي التخلية في غير المنقول، ويفتقر في المنقول إلى نقله، وفي المكيل والموزون إلى كيله ووزنه، وفي المقبوض باليد إلى إمساكه.

ويقوى ها هنا احتمال كفاية التخلية مطلقاً، كما يقوى ذلك في قبض الوقف والصدقة؛ لأنّه هو المتيقن من اشتراط القبض ومن صدقه على الفرد المشكوك فيه. ولكنه لا يخلو من نظر.

ويجوز هبة المشاع كهبة المقسوم. وقبض المشاع بقبض جميعه إن كان لمالك واحد، وإن كان لمالكين فيجوز هبته أيضاً؛ للإجماع المنقول (1)بل المحصل، ولإطلاقات الأدلّة ولخصوص الأخبار الدالّة على جواز الهبة قسمت أو لم تقسّم (2)، والصحيح: عن دار لم تقسّم فتصدق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار؟ فقال: «يجوز»، قلت: أرأيت إن كانت هبة ؟ قال: «يجوز» (3).

وقبضه بقبض الجميع إن أذن الشريك، وإن لم يأذن فالظاهر الاكتفاء به أيضاً وإن تعلّق النهي به؛ لعدم اقتضاء النهي الفساد.

ويكفي فيما يكفي فيه التخلية التخلية مطلقاً ولو لم يأذن الشريك.

واحتمل الشهيد (رَحمهُ اللّه) عدم الاكتفاء بها مطلقاً؛ لعدم حصول كمال السلطنة من دون إذنه (4)، وهو حسن.


1) رياض المسائل 10 : 213.

2) وسائل الشيعة 19 : 233 الباب 4 من أبواب كتاب الهبات. ح 4.

3) المصدر : 194 - 195، الباب 9 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1، و 246 - 247، الباب 12 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

4) الدروس الشرعيّة 2 : 290.

ولا يجوز للمتهب الانفراد بقبض المشترك من دون إذن الشريك، ولا للواهب الإقباض من دون إذنه.

نعم، لو امتنع الشريك من الإذن، احتمل الاكتفاء بالتخلية ها هنا؛ تنزيلاً لحرمة القبض من دون إذن الشريك منزلة امتناعه.

والأظهر الاكتفاء بالتخلية فيما يكفي التخلية فيه دون غيره.

خلافاً للشهيد (رَحمهُ اللّه) فمنع من الاكتفاء بالتخلية هنا مطلقاً؛ لعدم إمكان حصولها، وحصول السلطنة مع عدم رضى الشريك في القبض والتصرف (1). وهو حسن.

كما أنّ الأظهر في غير ما يكفي فيه التخلية الرجوع للحاكم، فينصب للقبض عدلاً يقبض نصيب الواهب للمتهب، ويبقى نصيب الشريك عنده أمانةً.

والأولى الفورية في القبض؛ لشبهة أنّه من أركان العقد فيعتبر فيه التوالي.

والأقوى عدم لزومها.

والإقرار بالهبة ليس إقراراً بالقبض، فلو أنكره الواهب بعد الإقرار بها لم يكن عليه سوى اليمين، مع احتمال انصراف الإقرار بالهبة إلى الهبة الصحيحة التي يتعقبها القبض، فيكون بمنزلة ما لو قال: «وهبتك» و «ملكتك» وهو قويّ إلّا أنّ ظاهر الأصحاب على خلافه.

رابعها: في أنّ الأصل في الهبة بعد الحكم بصحّتها هو الجواز إلّا فيما دلّ الدليل على لزومه

رابعها: الأصل في الهبة بعد الحكم بصحّتها هو الجواز، إلّا فيما دلّ الدليل على لزومه؛ للإجماع المنقول (2)بل المحصل على جوازها في الجملة، وللأخبار المتكثرة مفهوماً ومنطوقاً الدالّة على جوازها في الجملة في غير ما استثنى (3).

وما دلّ على المنع من الرجوع من الأخبار المتكثّرة الخاصّة (4)، ومن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ رجع هبته فهو كالراجع في قيئه» (5)محمول على الكراهة، أو على أحد الصُّوَر المستثناة.

والرجوع يكون بالقول الدال علیه ک: «فسخت» و «رجعت» و «نقضت الهبة» ونحو


1) الدروس الشرعيّة 2 : 290.

2) غنية النزوع 1: 300.

3) وسائل الشيعة 19 : 237 الباب 6 من أبواب كتاب الهبات و 243 الباب 10 من تلك الأبواب، ح 1.

4) المصدر : 241 الباب 7 من أبواب كتاب الهبات، ح 5 و 244 الباب 10 من تلك الأبواب، ح 4.

5) المصدر : 243 - 244 الباب 10 من أبواب كتاب الهبات، ح 3.

ذلك، وقد يكون بالفعل مع اقترانه بما يدلّ على قصد الرجوع، كوطء الجارية، أو بيعها أو نحو ذلك.

وهل يشترط قصد الرجوع منضمّاً إلى الفعل، أو يكفي مطلق ذلك، أو يشترط أن لا يقصد العدم؟ وجوه.

وهل يشترط وقوع الرجوع قبل الوطء؛ لجواز الوطء، وقبل البيع؛ لصحة البيع، أو يكفي وقوع الوطء والبيع؛ لوقوع البيع وجواز الوطء؟ وجوه، وأبعدها: كون البيع رجوعاً قهراً، قصد الرجوع أم لا، قصد عدمه أم لا.

وبالجملة، ففي كون البيع رجوعاً مع قصد الرجوع به لا كلام فيه، إنما الكلام في كونه كذلك مع الإطلاق، أو مع قصد عدمه إذا كان البيع لنفسه، أو ليس كذلك.

ثمّ مع الحكم بكونه رجوعاً فهل يكون نافذاً عن الواهب، أو باطلاً، أو فضولياً؟

هذا كلّه فيما لو قصد البيع لنفسه، ولو قصد البيع للمتهب على وجه الفضولية فلا إشكال في عدم كونه رجوعاً.

ولو قصد الزنى بالوطء، فالأظهر عدم كونه رجوعاً؛ لما تقدّم.

ولو باع الواهب ما وهبه هبة فاسدة، صحّ البيع عن نفسه، وجهله بكونه ملكه لا ينافي صحّة البيع بعد صدوره من أهله في محلّه، وجهله بكون المال في ملكه لا ينافي القصد إلى النقل والانتقال الذي هو شرط في البيع، غاية ما في الباب أنّه قصد نقلاً وانتقالاً عرفياً زاعماً أنّه لا يترتب عليه أثرهما الشرعي، وقصد ترتب الأثر الشرعي ليس شرطاً في صحّة العقود. ونظير ذلك: ما لو باع شيئاً لغيره فتبيّن شراء وكيله له، أو ميراثه له، أو اشترى شيئاً له فتبين له أنّه قد باع وكيله، أو طلق أجنبية فتبينت أنّها زوجته، أو تزوّج أختاً له فتبينت أنّها أجنبية، إلى غير ذلك، أو أوصى بعتق حُرّةٍ عنده فتبينت أنّها أمته، أو أوصى بمال لغيره فتبين أنّه له.

ومع ذلك فلا يخلو الحكم في جملةٍ ممّا ذكرنا من إشكال، سيما في الوصيّة وشبهها؛ لشبهة الخلو عن القصد للأثر الشرعي، وربما يتبعه الأثر العرفي.

خامسها: في بيان الموارد الخارجة عن أصل جواز الهبة

خامسها: يخرج عن الأصل المتقدّم في جواز الهبة أُمور: منها: ما تقع الهبة فيه لازمةً قطعاً، ومنها: ما هو محل خلاف يتبع فيها نظر الفقيه.

فالكلام في مواضع:
الموضع الأوّل: فيما لو تلفت العين الموهوبة بعد قبضها لم يجز الرجوع

الأوّل: لو تلفت العين الموهوبة بعد قبضها، لم يجز الرجوع؛ لأصالة اللزوم في العقد بعد تمامه، خرج ما لو لم تتلف الهبة وبقي الباقي، وقد يُنظر في ذلك، ولأصالة عدم ضمان المتهب ما تلف مثلاً أو قيمةً، والحكم بالجواز قاض بالضمان والأصل عدمه؛ وللإجماعات المتكثرة المنقولة على اللزوم (1)، المعتضدة بفتوى الأصحاب.

وللخبر المعتبر: «إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع فيها، وإلا فليس له» (2).

وظاهر الفتوى شمول التلف للكلّ والبعض؛ لعدم صدق قيامها بعينها مع تلف البعض.

نعم، لو تلف بعض يصدق معه قيام العين عرفاً - كسقوط ظفر من العبد أو بعض شعرات منه - فلا بأس، ولو عيب بما يقتضي نقصانه وصدق عدم قيام العين - كخصي العبد - كان بمنزلة البعض التالف.

ويحتمل أن نقصان بعض العين غير قادح في جواز الرجوع في الباقي؛ لقيامه بعينه، وللاستصحاب. وكذلك ظاهرها عدم الفرق بين كون التلف بفعل الواهب أو بفعل المتهب، أو بآفة سماوية.

وفي لحوق إخراجه عن التموّل بالتلف وجه.

ونقله بعقد لازم أو استيلاد للأمة حكمه حكم التالف.

الموضع الثاني: لزوم الهبة فيما لو تقرّب في هبته عند صدور الصيغة

الثاني: لو تقرّب في هبته عند صدور الصيغة أو عند الإجازة على الأظهر؛ لزمت الهبة؛ للاستصحاب، ولحصول الشكّ في الجواز بعد أصالة اللزوم في العقد، وللإجماعات المنقولة (3).

وللأخبار المعتبرة:

منها: «تجوز الهبة لذوي القرابة والذي يثاب [ عن هبته ]، ويرجع في غير ذلك» (4).

ومنها: «لا ينبغي لمن أعطى اللّه شيئاً أن يرجع فيه» (5).

ومنها: هل لأحد أن يرجع في صدقته أو هبته؟ قال: «أما ما تصدق به اللّه تعالى فلا» (6).


1) غنية النزوع 1 : 300؛ تذكرة الفقهاء 20: 41 - 42 المسألة :18؛ التنقيح الرائع 2: 345: المهذب البارع 3: 75.

2) وسائل الشيعة 19 : 241 الباب من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

3) غنية النزوع 1 : 300؛ تذكرة الفقهاء 20: 41 - 42 المسألة 18؛ التنقيح الرائع 3: 345.

4) وسائل الشيعة 19 : 237 الباب 6 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

5) المصدر : 231، الباب 3 من أبواب كتاب الهبات. ح 1.

6) المصدر : 238، الباب 6 من أبواب كتاب الهبات، ح 3.

ولأنّ ما يتقرب به اللّه تعالى يدخل في الهبة المعوّضة فيشمله ما يشملها.

الموضع الثالث : لزوم الهبة فيما لو عاوض عن هبته

الثالث: لو عاوض عن هبته لزمت الهبة؛ لما ذكرنا وللإجماعات المنقولة (1)المعتضدة بفتوى المشهور.

وللأخبار المعتبرة:

ففي الصحيح: «إذا عوّض صاحب الهبة فليس له أن يرجع» (2)ونحوه الخبر المتقدّم (3)فيما يثاب عليه، ونحوه غيره (4).

ولصيرورتها عقد معاوضة، والأصل في عقود المعاوضات اللزوم.

وظاهر إطلاق الفتوى والنص : أنّه لا فرق بين العوض الكثير والقليل ما لم يخرج عن التموّل، ولا بين كون العوض عيناً أو منفعة أو دَيْناً أو حقاً، ولا بين كون العوض ركنا كـ «وهبتك هذا بهذا» أو شرطاً كـ«وهبتك هذا على أن يكون هذا لي» إمّا لو قال: «وهبتك هذا بشرط أن تهبني هذا» فالأوجه: إلحاقه بالهبة المعوّضة.

ويشترط قبول الموهوب له في اللزوم، فلو لم يقبل لا يكون لازماً.

وهل يصحّ أن يكون العوض بعض الموهوب، كـ «وهبتك هذا على أن يكون لي بعضه» أو «تهبني بعضه»؟ وجهان، ولا يصحّ أن يكون العوض الكل؛ لاشتراط المغايرة بين العوضين.

وهل يكفي في اللزوم بذل العوض من المتهب بعد وقوع الهبة من الواهب مجاناً؟ الظاهر ذلك، إلّا أنّه إذا وقع التعويض بعد تمام الهبة من الإيجاب والقبول والقبض فاللزوم لا يخلو من إشكال.

و على كلّ حالٍ فيشترط ها هنا قبول الواهب للعوض؛ لأنّه بمنزلة هبة جديدة، ولا يشترط المعلومية في العوض، فيكفي العوض المعلوم والمجهول، بل يكفي لو شرط عوضاً ما على جهة العموم، ويجوز أن يدفع له أقلّ ما يتموّل وإن لم يجبر الواهب على قبوله.

ولو أطلق العوض فقبل المتهب، فالأظهر انصرافه إلى المثل والقيمة؛ لأنّه هو الغالب في المعاوضات.


1) غنية النزوع 1: 300؛ تذكرة الفقهاء 20 : 41 - 42 المسألة 18؛ التنقيح الرائع 3: 345.

2) وسائل الشيعة 19 : 242 الباب 9 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

3) تقدّم آنفاً.

4) وسائل الشيعة 19 : 242 - 243، الباب 9 من أبواب كتاب الهبات، ذيل الحديث 3.

ولو وهب ولم يذكر العوض، فإن صرّح بالمجان فلا كلام، وإن لم يصرّح فقبل المتهب فهل يلتزم بالعوض مثلاً أو قيمة مطلقاً، أو لا يلتزم بشيءٍ مطلقاً؛ تغليباً للظاهر، لأن الظاهر في الهبة المجانية، أو يفرّق بين هبة الأعلى والمساوي فلا يلتزم بشيء، وهبة الأدنى للأعلى فیلتزم بالعوض مثلاً أو قيمة؟

وللواهب الرجوع في الهبة المعوّضة قبل قبض العوض؛ للخبر: عن الرجل يهب الجارية على أن يثاب فلا يثاب، أله أن يرجع فيها؟ قال: «نعم، إذا كان شرط له عليه» قلت: أرأيت إن وهبها له ولم يثبه أيطأها أم لا؟ قال: «نعم، إذا كان لم يشترط عليه حين وهبها» (1).

وظاهر صدرها: عدم الفرق بين اشتراط ثواب مطلق أو معين في جواز الرجوع قبل قبض الثواب من الواهب.

واحتمال أنّه ليس للواهب الرجوع في هبته، بل له جبر المتهب على تأدية الثواب، ويتعلّق المعيّن بذمته إن كان معيّناً، والمثل أو القيمة إن كان مطلقاً قوي لولا ما يظهر من بعضهم نقل الإجماع على جواز رجوع الواهب في هبته قبل القبض مطلقاً (2).

ويمكن الفرق بين أخذ الثواب شرطاً فله الفسخ، وبين أخذه ركناً فليس له، وذلك لتسليط المشترط على الفسخ عند عدم قيام المشروط عليه بالشرط.

وهل يجوز للمتهب الرجوع قبل دفع العوض ؟ قيل له ذلك (3)فيتخيّر بين دفع العوض فتلزم الهبة، وبين عدمه فتنفسخ، أو لا يجوز له الامتناع عن دفع العوض، بل يجب عليه الدفع ويجبر عليه؟ وربما أشعر بالجواز مضمون الخبر المتقدّم (4)، المانع من وطء الجارية قبل دفع العوض؛ لمكان تزلزل العقد إذا لم يمكن حمله على عدم الملك بناءً على حصول الملك بمجرد عقد الهبة والقبض.

ولو تلفت العين بيد المتهب قبل قبض الواهب الثواب أو عابت فهل يضمن المثل، أو القيمة، أو الأرش؛ لأنّه ملك بشرط العوض ولم يسلّم للمملك العوض فله الرجوع بعينه، أو لا يضمن؛


1) وسائل الشيعة 19 : 242 الباب 9 من أبواب كتاب الهبات، ح 2.

2) راجع الانتصار : 460. المسألة 261.

3) الحدائق الناضرة 22 : 330.

4) راجع الهامش (1).

لحدوث النقص في ملك المتهب فلا يلزمه ضمان، ولأن المتهب لا يجب عليه دفع العوض، وللواهب الرجوع في العين، فالتفريط إنما جاء من حيث تركها في يد مَنْ سلّطه على التصرّف فيها مجاناً؟ وجهان.

وقد يضعف الأخير بأن المتهب إنّما ملكه بشرط العوض لا مجاناً، بل ليؤدّي عوضها فلم يفعل، فالواجب عليه أحد أمرين: إمّا ردّها، أو ردّ عوضها، فإن تعذر الأوّل بقي الثاني.

وعلى تقدير الضمان فهل الواجب مثل الموهوب أو قيمته، أو أقل الأمرين منه ومن العوض؟ و جهان، أوجههما الأخير؛ لأن المتهب مخيّر بين الأمرين، والمحقق لزومه هو الأقل؛ لأنّه إن كان العوض أقلّ فقد رضي به الواهب في مقابلة العين، وإن كان الموهوب هو الأقل فالمتهب لا يتعين عليه العوض، بل هو مخيّر بينه وبين بذل العين، فلا يجب عليه مع تلفها أكثر من قيمتها.

ثمّ إنّ الثواب لو كان منفعةً كان قبضها بقبض عينها أو استيفائها كلاً أو بعضاً، ولو كان حقاً فسقوطه بمنزلة القبض.

وهل إتلاف العوض كالقبض من الواهب لو كان هو الذي أتلفه؟ وجهان.

الموضع الرابع: لزوم الهبة فيما لو وهب الوالدان لأولادهما أو بالعكس

الرابع: لو وهب الوالدان لأولادهما أو الأولاد لآبائهما، لزمت الهبة أيضاً؛ للإجماع المنقول على لزومها بعد القبض إذا كانت لأحد الأبوين (1)، وكذا الإجماع المنقول على عدم جواز رجوع الوالد في هبة ولده مطلقاً، أو هبة ولده الصغير خاصّة(2)، وللإجماع المنقول (3)أيضاً وظاهر فتوى الأصحاب في إلحاق الأم بالأب.

فما يظهر من بعض العبارات من وقوع الخلاف في لزوم هبة الأولاد لآبائهم، أو لزوم هبة الأب للولد الكبير، أو لزوم هبة الأُمّ (4)، ضعيف.

وفي إلحاق الأجداد بالآباء والجدات بالأمهات وجهان، وظاهر بعضهم أنّه لا إشكال في الإلحاق (5).

ولا يلحق الأب والأم الرضاعيين، وفي أولاد الزنى إشكال.

ولو وهب ذو الرحم رحمه بما يُسمّى رحماً عرفاً، فالأقوى اللزوم أيضاً إذا حصل القبض؛ للإجماع المنقول (6)، ولأصالة اللزوم في العقود، ولإطلاق الأخبار الدالّة على لزوم الهبة، كما


1) رياض المسائل 10 : 215.

2) مختلف الشيعة 6: 227 المسألة : الدروس الشرعيّة 2 : 287.

3) رياض المسائل 10 : 215.

4) مختلف الشيعة 6: 227 المسألة : الدروس الشرعيّة 2 : 287.

5) راجع رياض المسائل 10: 215.

6) غنية النزوع 1: 300.

دلّ على أن الراجع في هبته كالراجع في قيئه (1)، وما دلّ على أنّ «الخيار في الهبة ما دامت في يدك، فإذا خرجت إلى صاحبها فليس لك أن ترجع فيها» (2)إلى غير ذلك.

وللأخبار الخاصّة المعتضدة بفتوى المشهور:

منها: «الهبة والنحلة يرجع فيها صاحبها حيزت أو لم تحز، إلّا لذي رحم فإنّه لا يرجع»(3).

ومنها: عن الرجل يهب الهبة أيرجع فيها إن شاء أم لا؟ فقال: «تجوز الهبة لذي القرابة والذي يثاب عن هبته ويرجع في غير ذلك» (4)إلى غير ذلك.

ويراد بالجواز اللزوم بقرينة السياق وفهم المشهور، وباقي الأخبار.

ومنها: في هبة الولد للأم وقد ماتت وقد قبضت الذي أعطاها وبانت به؟ قال: «هو والورثة فيها سواء» (5).

قيل: ولا قائل بالفرق (6).

وجوز السيد المرتضى الرجوع بالهبة لذي الرحم مطلقاً، سواء في ذلك الأبوان والأولاد وغيرهم؛ استناداً لما نقله من الإجماع (7).

وهو ضعيف؛ لمعارضته لفتوى الأكثر والإجماعات المنقولة (8)على الخلاف.

ولبعض الأخبار الدالّة على جواز الرجوع في الهبة مطلقاً والدالّة على خصوص جواز الرجوع لذي القرابة (9)، ومنها: «أما الهبة والنحلة فإنّه يرجع فيها حازها أو لم يحزها وإن كانت لذي قرابة» (10).


1) وسائل الشيعة 19: 243 - 244، الباب 10 من أبواب كتاب الهبات، ح 3.

2) المصدر : 244، ح 4.

3) المصدر : 237، الباب 6 من أبواب كتاب الهبات، ح 2.

4) المصدر، ح 1.

5) المصدر : 235، الباب 5 من أبواب كتاب الهبات، ح 3.

6) قاله الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 217.

7) الانتصار : 460 - 463. المسألة 261.

8) كما في رياض المسائل 10 : 218.

9) وسائل الشيعة 19: 231 الباب 3 من أبواب كتاب الهبات، ح 2 و 235 الباب 5 من تلك الأبواب، ح 1، 3؛ و 241، الباب 8 من تلك الأبواب، ح 1 و 243 الباب 10 من تلك الأبواب، ح 1.

10) المصدر : 238، الباب 6 من أبواب كتاب الهبات، ح 3.

وهو ضعيف أيضاً؛ لمعارضة أخبار الجواز لأخبار المنع الدالّة على لزوم الهبة مطلقاً، وللأخبار الخاصّة الدالّة على لزوم هبة الرحم (1)، المعتضدة بفتوى الأصحاب والإجماعات المنقولة، مع احتمال حمل الخبر على كون «وإن كانت لذي قرابة» قيداً لقوله: «وإن لم يحزها» فقط، وهو معنى صحيح.

وأما حمل أخبار المنع على الكراهة في الرجوع فهو فرع المكافأة، وهي في المقام مفقودة، ولأن الحمل على الكراهة يقضي بخروج الدليل عن ظاهره أصلاً، بخلاف تقييد أخبار الجواز مطلقاً بما دلّ على اللزوم؛ فإنّه لا يستلزم ذلك، والعرف قاض به واعتضاد ما دلّ على جواز الرجوع لذي القرابة بما دلّ على الجواز لا يقابل ما دلّ على اللزوم فيها المعتضد بأخبار اللزوم مطلقاً، وبالأصل، وبالاحتياط، وبفتوى المشهور، والإجماعات المنقولة وأصالة لزوم العقود.

وأما ما ورد من جواز رجوع الوالد في هبته لولده مطلقاً - كالخبر: فيمن له على رجل مال فوهبه لولده، قلت: يطيب ذلك له وقد كان وهبه لولد له؟ قال: «نعم، يكون وهبه له ثمّ نزعه فجعله لهذا» (2)- أو خصوص ما إذا كان كبيراً - كالخبر: في رجل وهب لابنه شيئاً أيصلح أن يرجع فيه؟ قال: «نعم، إلّا أن يكون صغيراً (3)- فلا يقاوم الأدلّة المتقدّمة، فلا بدّ من طرحها أو تأويلها بهبة لم يتعقبها قبض؛ بقرينة التفصيل بين الصغير والكبير في الثاني ؛ لأنّ الغالب في المال الموهوب للصغير أنّه مقبوض للأب، وبقرينة كون الموهوب في الأوّل هو ما في الذمّة قبل قبضه، وهو إمّا ممنوع أو جائز.

الموضع الخامس: هل يلزم الهبة فيما لو وهب أحد الزوجين الآخر

الخامس: لو وهب أحد الزوجين دواماً أو متعة الآخر، ففي لزوم الهبة وعدمه وجهان: من أصالة اللزوم، والاستصحاب، والأخبار الدالّة على لزوم الهبة، وخصوص الصحيح: «لا يرجع الرجل فيما يهبه لزوجته، ولا الامرأة فيما تهبه لزوجها، حيز أو لم تحز؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا ممّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) (4)، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ منه نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) (5)وهو يشمل الصداق والهبة» (6)ومن الأخبار المتقدّمة الحاكمة


1) وسائل الشيعة 19 : 237 الباب 6 من أبواب كتاب الهبات، ح 1. 2.

2) المصدر : 230 الباب 2 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

3) المصدر : 235، الباب 5 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

4) البقرة (2) : 229.

5) النساء (4) : 4.

6) وسائل الشيعة :19 239 الباب 7 من أبواب كتاب الهبات، ح 1.

بجواز الرجوع في الهبة مطلقاً، أو جواز الرجوع فيمن ليس له قرابة، كما في الأخبار الصحيحة الخاصّة المتقدّمة، والإجماع المنقول (1)على جواز الهبة مطلقاً، خرج ما خرج وبقي الباقي، وللإجماع المنقول (2)على الجواز مع الكراهة، وللخبر الخاص الوارد في رجل كانت له جارية فقال لامرأته: هي عليك صدقة، قال: «إن كان قال ذلك اللّه تعالى فليمضها، وإن لم يقل فله أن يرجع إن شاء فيها» (3)وهو وإن ورد في الصدقة إلّا أن الظاهر أنّه لا فرق بينهما من هذه الجهة، وهي عدم التقرّب، قولان، والأخير أقوى؛ لاعتضاد الأدلّة الأخيرة بفتوى المشهور نقلاً (4)، بل تحصيلاً، فلا تصلح الصحيحة المتقدّمة لمقاومتها وتخصيصها وإن اعتضدت تلك الصحيحة بالأصل وبأخبار اللزوم المطلقة، وذلك لأنّ ما اعتضدت به هذه الأخبار أقوى ممّا اعتضدت به الصحيحة المتقدّمة، فلتُحمل تلك الصحيحة على الكراهة، أو على ما إذا كان أحد الزوجين رحماً للآخر.

وقد يختص الخلاف بما إذا كانت الزوجة دائمةً دون المنقطعة؛ لانصراف الزوجة إلى الدائمة، وفي المطلقة الرجعية بحث.

الموضع السادس: عدم لزوم الهبة بالتصرف من حيث إنّه تصرّف في الهبة

السادس: الأقوى عدم لزوم الهبة بالتصرف من حيث إنّه تصرّف بالهبة؛ لعموم النصوص المتقدّمة الدالّة على جواز الهبة، خرج ما مضى وبقي الباقي، وللاستصحاب، وللإجماع المنقول(5).

نعم، لو استلزم التصرّف تغييراً للعين بنقصان أو بعيب يؤدي إلى التغيير الحسي، أو بتغيير صفةٍ أو هيئة، كقصارة الثوب وتركيب خشب السرير، لزمت الهبة من جهته؛ لصدق عدم قيام العين الموجب لعدم الردّ، كما دلّت عليه المعتبرة المتقدّمة(6).

وذهب جمع من أصحابنا (7)إلى لزوم الهبة بالتصرّف إمّا مطلقاً، كما نُسب (8)للمشهور، أو إذا كان التصرّف مخرجاً عن الملك أو مغيّراً للعين، كما نُسب (9)لجمع من المتأخرين.


1) الانتصار : 460 - 463، المسألة 261.

2) رياض المسائل 10 : 223.

3) وسائل الشيعة 19: 240 الباب 7 من أبواب كتاب الهبات، ح 2.

4) رياض المسائل 10 : 223.

5) المصدر : 228.

6) تقدمت في ص 316.

7) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة : 658 والشيخ الطوسي في النهاية : 603 : وابن البراج في المهذب 2: 95؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 173.

8) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 231.

9) المصدر : 228.

وظاهرهم عدم الفرق بين عوده إلى ملكه بعد خروجه عنه، وبين عدمه، وألحقوا بذلك الاستيلاد والعتق بل والوطء للأمة وإن لم يتعقبه استيلاد.

واستدلّ على لزوم الهبة بالتصرف مطلقاً - مضافاً إلى الأدلّة المتقدّمة الدالّة على اللزوم - الروايات المرسلة، حيث قال الشيخ (رَحمهُ اللّه) : وقد روى الأصحاب أن المتهب متى تصرّف في الهبة فلا رجوع فيها (1)، وهو يدل على وجود روايات، وأن جواز الرجوع يقتضي تسليط الواهب على ملك المتهب، وهو خلاف الأصل، وأن المتهب قد مَلَك بالعقد والإقباض فظهر أثر الملك بالتصرف، فقوي وجود السبب فكان تاماً فلا يتحقق النقل إلّا بسبب طارئ، والرجوع ليس سبباً هنا، وإلا كان سبباً في غيره، وأن جواز الرجوع يقضي على المتهب بالضرر والإضرار فيما لو بنى وغرس، وأنّ الموهوب قد صار ملكاً للمتهب بعقد فلا يعود للواهب إلّا بعقد جديد، وأنّ هذا الحكم إجماعي فلا يضرّ وجود المخالف؛ لأنّه معروف الاسم والنسب.

والكلّ ضعيف؛ لأنّ ما دلّ على اللزوم معارض بما دلّ على الجواز وهو أقوى، والروايات المرسلة ضعيفة لا تعارض ما تقدم، واقتضاء الرجوع تسليط الواهب على ملك المتهب مدفوع بأن تسليطه عليه من مقتضيات العقد، كما أنّ الرجوع بنفسه ليس سبباً في النقل لولا اقتضاء العقد الجواز، واقتضاء الرجوع الضرر والإضرار مانع لولا أنّه إنما جاء من قبل نفسه؛ لإقدامه على التصرّف فيما للواهب الرجوع فيه، ومنع عدم العود لملك الواهب إلّا بعقد جديد؛ لاقتضاء جواز العقد عود الملك بمجرّد الفسخ ومنع الإجماع المذكور مع مصير الكثيرين إلى خلافه. وبالجملة، فالتصرف ما لم يكن مغيّراً للهبة عيناً أو صفةً أو ناقلاً بعقد لازم يجوز الرجوع فيه، على إشكال في تغيير الصفة للشكّ في صدق عدم قيامها بعينها معه، وكذا في العقد اللازم، وأما الجائز فلا إشكال في أنّه ليس من التصرّف الملزم.

وأما موت المتهب ففى كونه مقتضياً للزوم؛ لانتقاله عنه إلى ورثته وجهان.

وأمّا موت الواهب فالأظهر بقاء الجواز للورثة، مع احتمال اختصاص الجواز بالواهب نفسه فيدخل الباقي في أصالة لزوم العقد.


1) المبسوط 3 : 312.

كتاب الوصيّة

كتاب الوصيّة

تعريف الوصيّة والحثّ عليها

الوصيّة فعيلة من «وصى - بالتخفيف - يصي» بمعنى وصل، أو من «وصّى - بالتشديد – يوصّي» بمعنى عهد، أو من «أوصى يوصي» كذلك. ويُسمّى ما يقوله الميّت عند مماته وما يبينه ممّا عليه وممّا له وصيّة؛ لما فيه من وصلة التصرّف في حال الحياة بحال الوفاة على الأوّل، وعلى الأخيرين؛ لما فيه من العهد إلى الأحياء في بيان أحواله، ومما له وممّا عليه. واستعمال الوصيّة بما يعهده الميّت ويقوله ثابت لغةً وعرفاً وشرعاً، إمّا لأنّه من أفراد العهد المطلق، أو لخصوص كونها عهداً للميت على وجه النقل في العرف العام.

وقد ورد الحثّ عليها بهذا المعنى في النصوص المتكاثرة، كالخبر: «الوصيّة حقّ على كل مسلم» (1)وفي الثاني والثالث مثله (2)، وفي الرابع قريب إليه (3).

وفي الخامس: «مَنْ لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصاً في ؛ مروءته وعقله» (4)وفي سادس مثله (5).

وفي سابع: «ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة إلّا ووصيته تحت رأسه»(6)وفي ثامن قريب إليه (7)، إلى غير ذلك من الأخبار.


1) وسائل الشيعة 19 : 257 - 258 الباب 2 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

2) المصدر : 258، ح 3، 4.

3) المصدر، ح 6.

4) المصدر : 260، الباب 3 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

5) المصدر : 265، الباب 6 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

6) المصدر : 258 - 259، الباب 1 من أبواب كتاب الوصايا، ح 7.

7) المصدر : 258، ح 5.

وهي دالّة على الاستحباب الأكيد، كما يشعر به لفظ «ما ينبغي» ولفظ «الحق» ولفظ «النقص» ويدلّ عليه فتوى المشهور وفهمهم.

وقد تجب إذا أدى تركها إلى ترك واجب عليه من زكاة أو خمس أو دين أو أمانة؛ لمكان التفريط المنهي عنه.

وربما وجبت؛ لكونها مقدمة الواجب، كما إذا توقف تأدية الواجب عليها.

وقد تطلق الوصيّة شرعاً على نقل شيءٍ من المال لآخر بعد موت الناقل على وجه العموم أو الخصوص.

ولا يبعد أنّه حقيقة شرعيّة لا متشرعيّة فقط، وفي جملة من الأخبار ما يدلّ عليه، مضافاً إلى ما يأتي - إن شاء اللّه تعالى - في أحكام الوصيّة.

فمنها: «مَنْ أوصى ولم يَحِف ولم يضار كمن تصدق به في حياته» (1).

وفي آخر: «مَنْ لم يوص عند موته لذوي قرابته ممّن لا يرثه فقد ختم عمله بمعصيته» (2).

وفي ثالث: فيمن أوصى بجميع ماله فأمضى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوصيّة بالثلث ورد الباقي(3).

وفي رابع: فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجاز الورثة أنّه يمضي عليهم (4)، وفي خامس وسادس مثله (5)، إلى غير ذلك من الأخبار المتكثرة الدالّة على ذلك المعنى.

وربما استعملت في الكتاب بذلك في قوله تعالى: (إنْ تَرَكَ خَيْراً الوصيّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) (6)وقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وصيّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (7).

وعلى كلّ حال فالوصيّة بجميع معانيها من الأمور المبينة، فيصح التمسك بإطلاقاتها في الكتاب والسنّة في محلّ الشكّ في نفوذ الموصى به وعدمه.

ثمّ إنّ الفقهاء قد حدّوها على المعنى الأخير بـ«أنّها تمليك عينٍ أو منفعة بعد الوفاة»


1) وسائل الشيعة 19 : 264، الباب 5 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

2) المصدر : 263، الباب 4 من أبواب كتاب الوصايا، ح 3.

3) المصدر : 277، الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا، ح 7.

4) المصدر : 275، ح 1.

5) المصدر : 283 - 285. الباب 13 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1، 2.

6) البقرة (2) : 180.

7) النساء (4) : 11.

ولم يذكروا الحق، وکأنّه بناءً على عدم صحّة الوصيّة به منفرداً عن المال؛ لعدم قابليته للنقل بنفسه، كحق الخيار والشفعة ونحوها. وأرادوا بقيد بعد الوفاة» بيان تأخر الأثر بعدها، وإلا فإنشاء التمليك حاصل بنفس الوصيّة في حال الحياة؛ لأنّ الإنشاء لا يقبل التعليق والتأخير عن صيغته، ولولا الدليل القطعي الدال على تأخر الأثر مع صحّة عقد الوصيّة من الموصي لكان القول به لا وجه له؛ لمخالفته الضوابط والقواعد القاضية بأن الأصل في العقود الحلول أثراً وتأثيراً وملكاً وتمليكاً.

وقد تُحدّ الوصيّة بما يشمل فكّ الملك، كالتدبير، فيقال: «أو فكّ ملك» وقد يضاف إليه ما يشمل الوصيّة بالتصرف فيما أوصى به وبالولاية على الأطفال والمجانين، فيقال: «أو تسليط على تصرف».

وقد يشكل دخول الوصيّة للجهات العامّة في الحد فيضم إليه: «أو نقل الملك عن مالكه إلى جهةٍ عامة». ولو قلنا بملك المسلمين لها دخلت في الأوّل.

وأما الوصيّة بالعتق أو البيع أو المضاربة بمال معين أو الهبة لشخص، أو الانتفاع له بشيءٍ من ماله، أو الوصيّة بإخراج صلاة أو صومٍ أو حج أو وقف أو صدقة من ماله، أو الوصيّة بغير المال من دفن وصلاة شخص معين، فهي داخلة في الوصيّة بالمعنى المعروف، وهي عهد الميّت وبيان ما يريده ممّا له وعليه، ويشمله عموم ما دلّ على وجوب إنفاذ الوصيّة (1)، وقوله تعالى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) (2)، والنهي عن التبديل يؤذن بالنهي عن المخالفة إلّا ما أخرجه الدليل.

ولا يدخل شيء من ذلك في الوصيّة؛ لأنّها تمليك عين أو منفعة، لا وصيّة بالتمليك، وسيجيء - إن شاء اللّه تعالى - أن تنفيذ الوصيّة من الواجبات الكفائية (3).

ويخرج عن الحد ما لو قال: «أريد ثلثي ولم يعيّنه، أو قال: «يبقى ثلث مالي مضاربةً أو وديعة فإنّه لا يبعد البطلان مع احتمال صحّة الأوّل وصرفه في وجوه البر، وصحة الأخيرين ويبقى لصاحب الأمر جعلت فداه.


1) وسائل الشيعة 19 : 337، الباب 32 من أبواب كتاب الوصايا.

2) البقرة (2) : 181.

3) سيأتي في ص 374 - 390.

وهنا أُمور:

أحدها: في أنّ الوصيّة بالمعنى الخاص إيقاع لا عقد

أحدها: في العقد

الوصيّة بالمعنى الخاص عقد لا إيقاع، سواء كانت لعامٍّ أو خاصٍّ، وسواء كانت لجهة عامّة أو خاصّة؛ للأصل فيما شك في كونه إيقاعاً أو عقداً، فإنّه يُحكم بكونه عقداً؛ لرجوعه للشكّ في الجزئية، وهو راجع للشكّ في الماهية، ولا تتحقق إلّا في المقطوع به، وحينئذٍ فلا يمكن التمسك بإطلاقات الوصيّة على عدم اشتراط القبول فيما شكّ في اشتراطه به؛ لعدم تحقق الإطلاق كي يصحّ التمسك به، ولانصراف كثير من المطلقات إلى الوصيّة بالمعنى العام دون المقيّدة بنفسها الملك والتمليك، مضافاً إلى الإجماع المنقول (1)على اشتراط القبول بقول مطلق.

وأما عدم البيان في الأخبار لكيفية العقد فلا يدلّ على العدم، كما في سائر العقود؛ لأنّ ترك البيان فيها اتكال على المتعارف واعتماد على المعهود من وقوعها بصيغ خاصّة، كما في العقود اللازمة، أو بصيغ مطلقة أو بالأفعال كما في غيرها.

ويقوم في الوصايا العامّة قبول الحاكم الشرعي لولايته على الحقوق العامّة، فإن لم يكن فعدول المسلمين.

والظاهر لزوم قبول الحاكم، وليس له الردّكي يعود المردود ميراثاً، كما في الوصايا المعينة للشخص المعيّن.

وتظهر الثمرة في عدم جواز تصرّف الموصى له بالموصى به قبل قبول الحاكم.

وبذلك يظهر الجواب عمّا ذهب إليه جملة من الأساطين (2)من عدم اشتراط القبول في الوصيّة للجهات العامّة؛ لأنّ قبول بعض معيّن ترجيح من غير مرجح، وقبول الكل غير ممكن، وقبول واحدٍ غير معين يلزم منه إدخال شيءٍ في ملك غيره من دون ولاية أو وكالة، وهو مخالف للقواعد الشرعيّة.


1) رياض المسائل 10 : 259.

2) منهم : العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 302، ضمن المسألة 84 والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 6 : 116؛ والسيوري في التنقيح الرائع 2 : 360.

ومع ذلك فالقول بعدم اشتراط القبول في هذه الصورة قوي جداً؛ للشكّ في شمول الإجماع المنقول لمثل هذه ولشمول إطلاقات الوصيّة بالمعنى العام لمثلها، ولجريان السيرة على ذلك.

نعم، لا يجوز التصرّف بالمال من دون دفع الوصي أو الحاكم الشرعي؛ لتعلّق حقّ الغير به. فلا يزيله إلّا نيّة الولي لدفع المال.

ويكفي في القبول هنا المعاطاة الفعلية؛ للاكتفاء بها فيما هو أقوى من ذلك.

ويكفي في الإيجاب والقبول كلّ لفظ دلّ على المقصود وصفاً، أو مجازاً مع القرينة المعينة، كما هو شأن الجائز من العقود، ويجوز بالعربية وغيرها.

و تفترق الوصيّة عن باقي العقود الجائزة بجواز الفصل الطويل بين إيجابها وقبولها قبل الموت وبعده، وبعدم انفساخها بالموت قبل القبول، وبعدم انفساخها بطروء جنون أو إغماء ونحوهما، سواء تخلّلا بين الإيجاب والقبول، أو وقعا بعدهما، وبجواز وقوعها معلقة على الموت ولو بلفظ التعليق، وإن كان الأحوط أن يقول: «هذا لفلان بعد موتي» ولا يقول: «إن متُّ فهو لفلان».

ولو عُلّقت على غير الموت من صفةٍ أو شرط متوقعين فالظاهر بطلانها، سواء علّقها عليهما حال الحياة ك: «إن جاء زيد حال حياتي فالمال له بعد الموت» أو حال الموت ك: «إن جاء زيد بعد الموت فالمال له».

ويحتمل صحّة الوصيّة المعلّقة مطلقاً؛ لشمول إطلاق دليلها للمنجّز والمعلّق، وعدم اختصاصه بالمنجز عادةً؛ وللخبر: في امرأةٍ قالت لأمها: إن كنتِ بعدي فجاريتي لكِ، فقضى أن ذلك جائز (1).

ولا يصحّ الترديد في الوصيّة؛ للإبهام، ويصحّ في الموصى به، فيكون بمنزلة الوصيّة بالكلي.

ولا يصحّ وقوع القبول بغير المعاطاة من الأفعال كالإشارة والكتابة للمتمكن من غيرها؛ للأصل، مع الشكّ في شمول دليل الوصيّة لمثله.

وأطلق جمع من الأصحاب (2)الاكتفاء بالقبول الفعلي الشامل لذلك، وهو لا يخلو من إشكال.


1) وسائل الشيعة 19 : 289 الباب 15 من أبواب كتاب الوصايا، ح 11.

2) منهم : العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 444 والشهيد في الدروس الشرعيّة 2: 297؛ والسيوري في التنقيح الرائع 2 : 362.

وأما الإيجاب فالظاهر عدم كفاية الفعل فيه مع التمكن من اللفظ وإن ضمّ إليه ما يدلّ على المقصود، سواء كان ذلك بالإشارة المفهمة، أو الكتابة المعلوم مقارنة القصد لها؛ لأصالة عدم النقل والانتقال، مع الشكّ في شمول دليل الوصيّة لمثله، ولو لم تكن الإشارة مفهمة والكتابة غير معلوم قصد الوصيّة معها فلا إشكال في بطلانها.

ولو لم يتمكن الوصي من اللفظ، صحت الوصيّة بالإشارة المفهمة، وبالكتابة المعلوم مقارنة قصد الوصيّة لها، وهما في المرتبة سواء.

ولا يتفاوت الحال بين كون العجز لخرس أو مرض أو لشدة ألم أو اعتقال لسان؛ كلّ ذلك لظاهر الإجماع المنقول (1)، ولظاهر جملة من الأخبار:

كخبر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين أمضى وصيّة محمّد بن الحنفية - حين اعتقل لسانه - بالكتابة (2).

وكخبر قرب الإسناد: في رجل اعتقل لسانه فجعل أهله يسألوه: أعتقت فلاناً؟ فيؤمئ برأسه، فقال: «نعم، هو جائز» (3).

وكخبر أُمامة حين سألها الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): أعتقت فلاناً؟ فجعلت تشير برأسها «نعم» فأجازا ذلك (4).

وقد تُحمل الرواية الأولى على الوصيّة المتعارفة لا التمليكيّة، والأخيرين على الإقرار؛ لأنّ موردهما العتق وهو لا يقع بالفعل، وحملهما على الوصيّة به ليس بأولى من حملهما على الإقرار به.

وعلى كلّ حال فالحكم لا إشكال فيه.

ويظهر من بعضهم (5)صحّة الوصيّة بالكتابة، وأيدها آخرون (6)بشمول إطلاقات الوصيّة لها، وبما دلّ من النهي عن أن يبيت الإنسان إلّا ووصيته تحت رأسه (7).


1) رياض المسائل 10 : 262.

2) وسائل الشيعة 19 : 372، الباب 48 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

3) قرب الإسناد : 283، باب الوصيّة، ح 1121.

4) وسائل الشيعة 19 : 373 الباب 49 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

5) المحقق الحلّي في المختصر النافع : 263.

6) منهم : الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 264.

7) راجع الهامش (5) من ص 328.

وفيه ضعف ؛ لمنع انصراف إطلاقات الوصيّة المفيدة للملك لذلك، ولمنع شمول النواهي الواردة لها، بل الظاهر من تلك الأخبار هو إرادة الوصيّة المتعارفة من بيان ما له وما عليه وما يريده من أخذ وعطاء وصدقةٍ، وفرق بين الوصيّة بالتمليك وبين التمليك الذي هو نفس الوصيّة.

وعلى ما ذكرنا فلا تكفي الكتابة وإن شوهد الموصي كاتباً، أو علم أنّه خطه، أو قال: هو خطي، أو قال: أنا عالم به، أو قال: هذه وصيني فاشهدوا عليها، أو قرأها عليه واحد، فقال: هو كذلك، أو قرأها هو قاصداً التلاوة ولم يقصد الإنشاء بها؛ كلّ ذلك لعدم نفوذ الكتابة، لا لعدم إمكان العلم بمقصوده؛ لجواز التمكن من العلم بقصده في كثير من المقامات، كما إذا قرأها عليه فأقرها كذلك، أو تلاها لنفسه فأقرّ بأنّه أوصى بها، أو نحو ذلك.

وتكفي هذه الطرق الدالّة على قصده الوصيّة في الوصيّة بالمعنى المعروف، المشتملة على الأمر والنهي وبيان ما له وما عليه.

ولا يكفي ما وُجد مكتوباً بخط الميّت ممّا له وما عليه مع التجرّد عن القرينة الدالّة على الوصيّة به، المقطوع بدلالتها من جهة القول أو الفعل، سواء عمل الورثة ببعضها أم لا؛ للأصل، ولعدم ثبوت كونها وصيّة؛ لأنّ الكتابة أعم من قصد الوصيّة، والعام لا يدلّ على الخاص.

نعم، لو شهدت بقصد الوصيّة بها بينة عادلة أو أقرّ الورثة بصحّتها وقصد الوصيّة بها، لزم اتباع البيّنة، وصح الإقرار.

ونقل عن النهاية أن الورثة إن عملوا ببعضها لزمهم العمل بجميعها (1)لمكاتبة إبراهيم بن محمد الهمداني إلى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل كتب كتاباً فيه ما أراد أن يوصي به، هل يجب على الورثة القيام بما في الكتاب بخطه ولم يأمرهم بذلك ؟ فكتب: «إن كان له ولد ينفذون كلّ شيءٍ يجدون في كتاب أبيهم في وجه البر وغيره» (2).

وهو ضعيف؛ لمخالفته الأصل وفتوى المشهور، وضعف سنده بالمكاتبة والجهالة، وضعف دلالته بعدم الصراحة في المطلوب.

قيل: ويمكن الذب عن الأوّل: بأن المخالفة في العموم والخصوص، فينبغي التخصيص،


1) النهاية : 622.

2) وسائل الشيعة 19 : 372 - 373، الباب 48 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

وعن الثاني: بمنع قدح المكاتبة في الحجيّة، مع أنّه على تقدير تسليمه إنما هو لاحتمال الورود مورد التقية، وهو غير ممكن في الرواية؛ لأن التفصيل فيها مخالف لما عليه العامّة، وعن الثالث: باختصاص القصور في سندها بالتهذيب (1)، وأما في الفقيه (2)فهو صحيح أو حسن، وعن الرابع: باندفاعه بالزيادة المروية في التذكرة حيث رواها فكتب: «إن كان له ولد ينفذون شيئاً منه وجب عليهم أن ينفذوا كلّ شيءٍ يجدون في كتاب أبيهم» (3)و(4).

وفي جميع ما ذكره نظر؛ لبقاء ضعف الرواية عن مقاومة ما قدّمنا فتضعف عن التخصيص ولبقاء الإجمال في دلالتها فتضعف عن الأخذ بظاهرها؛ لاحتمال حمل الرواية على الاعتراف من الورثة بصحّة جميع الوصيّة وإن عملوا ببعض وتركوا بعضاً، كما هو الظاهر، إمّا لو اعترفوا ببعض وأنكروا بعضاً لم يجب عليهم العمل إلّا بما اعترفوا به.

أو أن عملهم في البعض قرينة على اعترافهم بصحّة الباقي فيجب عليهم العمل بالجميع حينئذٍ، بمعنى إلزامهم ظاهراً بذلك وإن كان لهم في الواقع عدمه إذا عملوا بعضاً دون بعض، إلّا أنّ هذه القرينة غير مطّردةٍ وغير قطعيّة؛ لاحتمال أن عملهم كان تبرّعاً؛ لأعودية بعض من بعض، أو أحوطيته، أو أسهليته.

ويجوز أن يوصي الفضولي عن غيره فيجيز غيره عن نفسه.

ويجوز وقوع القبول فضوليّاً أيضاً.

ويجوز أن يوصي شخص بمال غيره عن نفسه فضولاً فيجيز المالك عن الموصي، وتكون الوصيّة عن الموصي، ومع التخالف بين فعل الموصي وإجازة المالك يقع الإشكال في الصحّة والأولى التجنّب.

وتصحّ الوكالة في الوصيّة فإذا مات الموكّل لزمت.

ثم إن المعتبر في القبول المتفق على صحّته هو ما كان بعد الموت، وأما ما كان قبله فقيل بعدم اعتباره (5)للأصل في محلّ الشكّ، ولعدم مطابقته للإيجاب؛ حيث إنّه مقيد بما بعد الموت،


1) راجع تهذيب الأحكام 9 : 242، ح 936.

2) راجع الفقيه 4 : 146، ح 507 ومشيخة الفقيه : 79 - 80.

3) تذكرة الفقهاء 2: 452 (الطبعة الحجرية).

4) قاله الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 265 - 266.

5) ممّن قال به ابن زهرة في غنية النزوع 1: 306؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 300، المسألة 83.

ولأن ما قبل الموت ليس محلاً للقبول فأشبه بيع ما سيملك؛ ولأنّ القبول إمّا كاشف أو جزء السبب الناقل، وعلى التقديرين يمتنع اعتباره قبل الموت؛ لأنّه على الأوّل يكون كاشفاً عن الملك المتقدّم عليه، وهو ممتنع قبل الموت، وعلى الثاني يكون متمماً للملك قبل الموت، وهو ممتنع أيضاً.

وقيل باعتباره (1)ونُسب (2)للأكثر؛ لحصول المطلوب، وهو قبول ما نقل إليه من الملك على الوجه الذي نقل وإن لم يكن في وقته بل كان متأخراً عنه، كما أن الإيجاب كذلك قد وقع مع تأخر الملك، ولأنّ الموصي مالك للمال فله نقله متى شاء، كذلك الموصى له قابل لملك أن يملك أي وقت شاء وإن لم يتحقق الملك حال القبول.

وربما أُضيف إلى ذلك تنزيل القبول هنا منزلة البيع بشرط أو إلى أجلٍ، وربما استدلّ عليه بعموم أدلّة الوفاء بالعقود (3)، وبإطلاقات الوصيّة.

وأجيب عن دليل الأولين بأنّ القبول لا يلزم حصول الملك به بالفعل، وإنما يحصل الملك بتمام سببه والقبول من تمام السبب، وهو لا يلزم حصول المسبب معه؛ لجواز تخلّفه لفقد شرط، وهو هنا كذلك؛ لأنّ الموت شرط انتقال الملك، والإيجاب كما وقع قبل زمان الملك ناقلاً له في وقت متأخر فكذلك القبول، فالمطابقة بين الإيجاب والقبول حاصلة، والفرق بينه وبين بيع ما سيملكه أن بيع ما سيملك ممتنع شرعاً إيجاباً وقبولاً، بخلافه ها هنا فإنّه غير ممتنع إلّا على الوجه المذكور، وقد عرفت عدم تحقق مانعيته (4).

ثمّ إن لنا أن نختار أنّ القبول هنا ناقل، ونريد به: أنّ القبول الواقع بعد الإيجاب سبب في نقل الملك على الوجه الواقع في الإيجاب، فكما أنّ تأثير الملك الحاصل من الإيجاب موقوف على اجتماع شرائطه التي أحدها الموت فكذلك القبول، ونظيره عقد الفضولي؛ حيث إنّ العقد ب تام في حصول الملك، لكن مع اجتماع شرائطه التي أحدها رضى المالك المتأخر عن وقوع العقد، واحتمال الكشف والنقل في القبول مختص بالقبول الحاصل بعد الموت، فلا يلزم منه جريان احتمالهما في كلّ قبول واقع من الموصى له.


1) ممّن قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر 3 184؛ والمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 189.

2) الناسب هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 6: 123.

3) المائدة (5) : 1.

4) أجاب به الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 6 : 124.

فالقول الثاني قوي جداً، إلّا أنّ الأوّل أحوط للتفصي عن الخروج عما هو المقطوع به من إطلاقات الوصيّة ومن أدلتها قولاً وفعلاً، وعمّا هو المعهود التي قدجرت عليه السيرة المقطوع بها.

وإذا تم الإيجاب والقبول بشرائطهما المعلومة حصل الملك للموصى له، ولا يفتقر إلى القبض، لا على وجه النقل ولا على وجه الكشف ولا على وجه أن عدمه فاسخ من حينه أو من أصله؛ للأصل والعموم والإطلاقات الظاهرة في صدقها على الوصيّة من دون قبض.

وللصحيح عن رجل أُوصي له بوصيّة فمات قبل أن يقبضها ولم يترك عقباً فقال: «اطلب له وارثاً أو مولى فادفعها إليه» قلت: فإن لم أعلم أنّ له وليّاً ؟ قال: «اجهد على أن تقدر له على ولي، فإن لم تجد وعلم اللّه تعالى منك الجد فتصدق بها» (1).

وقيل بتوقف صحّة الوصيّة على القبض (2)قياساً على الوقف والهبة، بل إذا لزم في المنجز من الوقف والهبة فلزومها في غيره أولى؛ لأنّه أضعف.

وفيه: منع القياس والأولوية.

والظاهر أنّ القبض هنا على القول باشتراطه يكفي فيه التخلية فقط، ولا يشترط فيه ما اشترطناه في البيع سابقاً.

ويتفرع على ما ذكرنا أنّ الموصى له لو ردّ الوصيّة بعد الموت والقبول والقبض فلا أثر لردّه قطعاً؛ لاستقرار ملكه عليه فلا يزول عنه إلّا بسبب ناقل، وليس فليس.

نعم، لو أعرض عنه مطلقاً أو أعرض عنه للورثة وقلنا: إنّ الإعراض لشخص خاص كالإعراض مطلقاً، كان بمنزلة المباح يملكه آخذه.

ولو ردّها بعد الموت والقبول دون القبض، فإن قلنا: إنّ القبض جزء من السبب المملك بطلت الوصيّة؛ لكونها حينئذٍ بمنزلة العقد الذي لم يتمّ فله إبطاله ونقضه، وليس له بعد بطلان الوصيّة إعادة القبول؛ لبطلان أثر الإيجاب الأوّل وعدم إيجاب آخر يقتضي القبول، وإن قلنا: إنّ القبض ليس كذلك فلا أثر للرد؛ لاستقرار ملكه بالموت والقبول فلا يزال إلّا بسبب جديد.


1) وسائل الشيعة 19 : 334 الباب 30 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

2) راجع المبسوط 33:4.

وإن ردّ بعد الموت وقبل القبول، بطل حكم الوصيّة أيضاً ؛ لأنّه بمنزلة الإيجاب المردود فلا أثر له بعد الرد، وليس له القبول بعد ذلك؛ لما قدمنا من بطلان أثره فلا يصلح القبول له. ولو ردّ قبل الموت، فالظاهر أنّ الردّ لا أثر له في إبطال الإيجاب، وله تجديد القبول بعد الموت، سواء كان الردّ بعد القبول والقبض في حال الحياة، أو بعد القبول فقط، أو قبل القبول مطلقاً، وسواء قلنا بصحّة القبول في حال الحياة وتأثيره، أو قلنا بعدمه.

ووجهه على القول بصحّة القبول قبل الوفاة: أنّ الوصيّة لمّا كانت تمليكاً بعد الوفاة فقبلها لم يحصل ملك وإن حصل القبول، فردّه حينئذٍ بمنزلة ردّ ملك الغير يقع لاغياً، والفرق بينه وبين الردّ بعد الموت وقبل القبول وإن اشتركا في عدم الملك: أن الملك بعد الموت قد بقي موقوفاً على القبول فقط، فردّه وعدم الرضى به يكون واقعاً في محلّه، فينتقض الإيجاب الصادر من الموصي، كما ينتقض كلّ إيجاب قد صدر رده قبل القبول، بخلاف الردّ الواقع حال الحياة، فإنّه لم يصادف ملكاً ولا محلاً للملك ولا محلّاً لقبوله بحيث لو حصل ثبت الملك به.

وبالجملة، فللقبول محلّان: محلّ أداء ومحلّ إجزاء، فردّه في محلّ الإجزاء لا يبطل به الإيجاب، ولا يفوت صحّته في محلّ الأداء.

والعمدة في الباب فتوى الأصحاب، والركون للاستصحاب، وإلا فللمناقشة على القول بصحّة القبول حال الحياة مع وقوعه من الموصى له ومع عدمه مجال.

ولو ردّ الموصى له بعض الوصيّة دون بعض فقبِل بعضاً ورد في آخر، صحّ فيما قبل، وبطل في المردود؛ لأنّ الوصيّة من العقود الشرعيّة ولا ربط لبعض أجزائها بالبعض الآخر، وليس عقدها كعقود المعاوضة ترتبط أجزاؤها بعضاً ببعض؛ لمدخلية جملة المعوّض في مقابلة جملة العوض، فتلحظ حينئذٍ أجزاؤها تبعاً في المعاوضة؛ ولذلك نحكم عند فوات بعض أجزائها إمّا بالبطلان أو بالخيار، ونحكم فيها بعد جواز قبول بعضها بما يخصه من العوض دون بعض، بخلاف العقود الشرعيّة التبرّعيّة، كالهبة والصدقة والوقف.

ثانيها: فيما لو مات الموصى له قبل القبول وقبل الردّ قام وارثه في القبول مقامه

ثانيها: لو مات الموصى له قبل القبول وقبل الردّ، فالمشهور بين الأصحاب قيام وارثه القبول مقامه، سواء كان موته في حياة الموصي أم بعد وفاته ما لم يرد الموصي وصيته.

والظاهر أنّه لا تفاوت عندهم بين الوارث النسبي والسببي، ما عدا الوارث بالولاية كالحاكم، فإن الظاهر خروجه؛ لعدم انصراف لفظ «الوارث» إليه، وللشك في الحكم المخالف للأصل والاستصحاب من بقاء المال على ملك مالكه.

ثمّ إنّ الوارث إن كان واحداً فلا كلام، وإن تعدّد فالظاهر أن كلا منهم يرث القبول في حصته، وليس لأحد أن يرث القبول في الكلّ بحيث يملك الباقي بمجرد قبوله، وإن احتمله ظاهر كلام الأصحاب.

وعلى ذلك فلو قبل الزوج النصف عاد النصف الثاني إذا لم يكن وارث ميراثاً، أو للحاكم إن قلنا بميراثه القبول.

وهل يسري لوارث الوارث؛ تنقيحاً للعلة، وإلغاء للفارق، أو لا يسري؛ اقتصاراً على مورد اليقين؟

والأقوى الأوّل: لشمول لفظ «الوارث» له.

ومثل المقطوع بعدم قبوله المشكوك فيه؛ لأصالة عدم القبول، فيقوم وارثه مقامه.

وهل يلحق القبض في القبول على القول باشتراطه تسوية بينهما في العلة، وإلغاء للفارق، أو لا يلحق؛ للأصل؟

وقد يستدلّ على ثبوت أصل الحكم أن القبول حقّ للمورّث فيرثه وارثه؛ لعموم ما دلّ على أنّ كلّ ما ترك الميّت فهو لوارثه (1).

وقد يورد عليه: أن القبول حقّ له ما دام حياً كسائر ما يقع من القبول في العقود الجائزة واللازمة، وليس له بعد الموت محلُّ كي يشمله عموم «ما ترك الميّت فهو لوارثه».

والعمدة في الاستدلال على ثبوت المطلوب رواية محمّد بن قيس، المنجبرة بفتوى المشهور: «في رجل أوصى لآخر والموصى له غائب، فتوفّي الذي أُوصي له قبل الموصي، قال: الوصيّة لوارث الذي أوصي له، قال : ومَنْ أوصى لأحدٍ شاهداً أو غائباً فتوفّي الموصى له قبل الموصي، فالوصيّة لوارث الذي أوصي له، إلّا أن يرجع في وصيته قبل موته» (2).


1) وسائل الشيعة 26 : 251، الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة...، ح 14.

2) المصدر 19 : 333 - 334 الباب 30 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

والحسن أو الصحيح: عن رجلٍ أُوصي له بوصيّة فمات قبل أن يقبضها ولم يترك عقباً، فقال: «اطلب له وارثاً أو مولى نعمة فادفعها إليه» (1)وقريب منه الثالث (2).

ونقل عن ظاهر التذكرة الاتفاق على الحكم فيما إذا مات الموصى له بعد الموصي (3).

والظاهر صحّة الرواية الأولى؛ لثبوت توثيق إبراهيم بن هاشم، وثبوت كون محمد بن قيس هو الثقة، بقرينة رواية عاصم بن حميد عنه ويُجبر الأخيرين سنداً ودلالةً فتوى المشهور.

وظاهر هذه الأخبار أنّ الوصيّة تكون للوارث قهراً من دون افتقار إلى قبول، إلّا أن ظاهر الأصحاب توقف الملك على القبول، كما في الوصايا الأُخر، ولاستبعاد إدخال المال في ملك آخر قهراً، ولأن المورّث الذي هو الأصل في الوصيّة لو توقف ملكه على القبول فالوارث المتلقى عنه بطريق أولى.

وذهب جمع من أصحابنا (4)إلى بطلان الوصيّة بموت الموصى له قبل القبول، سواء مات في حياة الموصي أو بعد وفاته؛ استناداً إلى أنّ الوصيّة عقد فتبطل بموت القابل قبل قبوله.

وإلى الصحيح عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي، فقال: «ليس بشيء» (5)وإلى الموثّق (6)، وهو بمعناه.

وهما ضعيفان عن معارضة الأخبار المتقدّمة الدالّة على صحّة الوصيّة؛ لاعتضادها بفتوى المشهور، ومخالفة أكثر العامّة ومنهم أصحاب الرأي وهُمْ أصحاب أبي حنيفة، كما حكاه في التذكرة (7)، مع احتمالهما لإرادة أن الموت ليس بشيءٍ ينقض الوصيّة، كما يشعر به تذكير الضمير المستتر، ولا يراد أنّ الوصيّة ليست بشيءٍ، ولا أقلّ من الإجمال، فيسقط بهما الاستدلال.

وقد يُجمع بين الأخبار بحمل الأخيرين على رجوع الموصي في وصيته كما أفصحت عنه


1) وسائل الشيعة 19 : 334، الباب 30 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

2) المصدر : 334 - 335، ح 3.

3) تذكرة الفقهاء 2: 453؛ (الطبعة الحجرية).

4) منهم : العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 364 المسألة 143، كما حكاه أيضاً عن الإسكافي.

5) وسائل الشيعة 19: 335، الباب 30 من أبواب كتاب الوصايا، ح 4.

6) المصدر، ح 5.

7) تذكرة الفقهاء 2 : 453 (الطبعة الحجرية).

الصحيحة السابقة، أو على دلالة القرائن على إرادة تخصيص الوصيّة بنفس المورّث دون الوارث، فإنّه يشكل هنا الحكم بالانتقال إلى الوارث؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل على مورد اليقين.

وقيل بالفرق بين صورتي موته في حياة الموصي فالبطلان وبين موته بعد وفاته فالصحّة (1)استضعافاً لما دلّ على الصحّة في هذه الصورة، واستناداً إلى أن القبول كاشف فمع موت الموصى له في حياة الموصي لا يكون معنى للكشف؛ لعدم زوال ملك الموصي عنه، فلا يكشف عن دخوله في ملك الموصى له، ولا بعد مماته؛ لأنّ الميّت لا يقبل الملك ابتداء.

وفيه: أنّ الاستضعاف في غير محله بعد ما قدمنا، وإنّا نلتزم أن القبول هنا ناقل للوارث من حين موت الموصي، أو كاشف عن ملكه له حين موته، ولا نعلم أنّ كلّ قبول كاشف عن ملك الموصى له.

وهذا كلّه في الوارث الخاص، وأما الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فالظاهر عدم كونه منه، ونُسب للمعظم (2)وللأكثر (3)اقتصاراً على مورد اليقين، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرواية: «اجهد على أن تقدر له على وليٍّ» (4)تأكيد لتحصيل الوارث الخاص، ولا يراد به العام؛ لأنّه هو الولي، فلا معنى للجهد على تحصيله، إلّا أن يُحمل على بيان تعليمه، وهو بعيد.

وهل يدخل مولى النعمة وضامن الجريرة في الوارث الخاص؟ الظاهر ذلك؛ لأنّه وارث، ولنص الرواية على مولى النعمة (5).

ولو مات الموصى له بعد موت الموصي، فقبول الوارث بناءً على الكشف يكون كاشفاً عن ملك الوارث من حين موت مورّثه لا من حين موت الموصي ؛ لأن الوصيّة لمورّثه، وهو طریق آخر في الكشف ولا مانع منه؛ لأنّه غير موصى إليه، ولا يكون كاشفاً عن ملك الموصى له؛ لعدم صلاحيته للملك، لعدم وقوع القبول منه إلّا أن يجعل قبول الوارث مؤثراً في ملك المورّث؛ لأنّه بمنزلته فكأنه هو، فيكون كاشفاً عن ملك الموصى له.


1) حكاه الشهيد في الدروس الشرعيّة 2 : 297 عن المحقق الحلّي؛ راجع النهاية ونكتها 3: 165 - 167.

2) نسبه للمعظم الشهيد في الدروس الشرعيّة 2 : 298.

3) نسبه للأكثر السيوري في التنقيح الرائع 2: 382.

4) وسائل الشيعة 19 : 334 الباب 30 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

5) راجع الهامش (4).

ثالثها: هل تتوقف الوصيّة على القبول من الموصى له؟

ثالثها: الأقوى توقف الوصيّة على القبول من الموصى له - كما تقدّم - خلافاً لمن لم يعتبره (1)وجعل الوصيّة من النواقل القهرية، أو من الإيقاع المؤثر ملكاً ما لم يرد الموصى له، فيكون الردّ فاسخاً من حينه أو كاشفاً عن عدم الملك من أصله.

وربما استشكل بعضهم (2)في انفساخ الملك بالرد؛ لعدم الدليل عليه سوى اتفاق الأصحاب.

وخص الشهيد الخلاف فيما لو كانت الوصيّة لمعيّن، ولو كانت لجهة عامة فقد نقل عدم الخلاف في عدم لزوم القبول (3)، وهو حسن إلّا أنّ الأحوط تولّي الحاكم القبول.

ثمّ إنّه على تقدير لزوم القبول فهل هو كاشف عن ملك الموصى له للوصيّة من حين الموت، فيكون كالإجازة في العقد الفضولي، أو مؤثر للملك في ذلك الوقت فيؤثر المتأخر في المتقدّم، أو ناقل من حينه وقبله فالمال على حكم مال الميت، أو في حكم مال الوارث؟ وجوه، وجملة منها أقوال أظهرها وأقواها أنّ القبول ناقل من حينه؛ لاعتباره قطعاً وشرطيته، وظاهر ذلك أن تحصيل الملك قبله للموصى له لا وجه له ولأنّ الوصيّة تمليك كسائر العقود فلا يسبق الملك القبول، كما هو الشأن فيها، ولأنّ الأصل عدم النقل والانتقال إلّا به، ولأن الموصى له لورد الوصيّة بطلت، ولو كان قد ملك لما بطل الملك بالردّ، ولأنّ الملك لو حصل قبل القبول لما افتقر وارث الموصى له إلى القبول وهو مفتقر إجماعاً، ولأن الأصل في الشرائط والأسباب أن لا يقع المشروط والمسبب إلّا بعد وقوعهما.

وبهذا يظهر ضعف ما يقال في وجه القول بالكشف: إنّ غاية ما يثبت في توقف الملك على القبول أنّه لا يعلم حصوله إلّا به، وأما أنّه يتوقف عليه توقف المسبب على سببه فالأصل عدمه، وأن توقف الملك هنا على القبول ضعيف؛ لتخلّفه عنه في الوصيّة العامّة وفي الموصى له إذا مات، بخلاف غيره من العقود، فإنّها لا يصحّ فيها التخلّف، فيكفي فيه - لضعفه في الوصيّة - أن يكون كاشفاً، فإنّ الموصى به لا يجوز انتقاله للوارث؛ لأن الميراث بعد الوصيّة، والوصيّة هنا موجودة، ولا يجوز بقاؤه على ملك الميّت؛ لعدم إمكان تملكه، ولا إلى ملك غير الوارث والموصى له إجماعاً، فلم يبق إلّا الانتقال إلى ملك الموصى له انتقالاً متوقفاً على قبوله


1) راجع رياض المسائل 10: 260.

2) لم نتحققه.

3) مسالك الأفهام 6 : 121.

على وجه الكشف إن حصل القبول وإن حصل الردّ تبين ملك الوارث له؛ لتبين عدم الوصيّة ابتداء المتوقف ملك الوارث على عدمها.

ووجه الضعف في الجميع ظاهر؛ لما فيه من التكلف وقلة ارتباط المقدمات بالنتيجة، وادعاء ما ليس له دليل، والمصادرة على المطلوب، مضافاً إلى أن لنا في الأخير التزام انتقال الموصى به إلى الوارث؛ لمنع حصول الوصيّة بعدم حصول قبولها؛ لتركبها منه ومن الإيجاب، كما هو شأن العقود، ثمّ إن حصل القبول انتقل إلى الموصى له؛ لتمام السبب حينئذٍ.

والقدح في ذلك: بلزوم تلقي الموصى له حينئذٍ من الوارث لا من الموصي، مدفوع: بأنّه لا مانع منه، ولم يقم إجماع على عدمه، وبمنع تلقيه عن الوارث؛ لأن ملك الوارث مغيّى بحصول القبول، فإذا حصل ارتفع ملك الوارث وملك الموصى له بالوصيّة السابقة، ولنا التزام أنّ الموصى به على ملك الميت.

ونمنع من عدم إمكان ملك الميت، وسند المنع ما يقع من ملك مؤن تجهيزه وكفنه ودفنه، وما يتجدد له من ديةٍ أو حيازة بآلة صيده.

وقد يُدفع هذا الأخير بمنع كون ذلك في ملك الميت، بل هو في ملك الوارث وإن تقدّم حقّ الميّت عليه كتقدّم حقّ المرتهن على حقّ الراهن.

وكذا ضعف ما يقال في توجيه عدم اشتراط القبول في ملك الموصى له من أنّ الوصيّة كالميراث ينتقل بهما المال بالموت؛ لاشتراكهما في توقف تأثيرهما عليه، ومن أنّ الموصى به لو لم ينتقل إلى الموصى له لزم أن لا يكون له مالك؛ لعدم انتقاله إلى الوارث، لأنّه لا يملك إلّا بعد الوصيّة وغير المقبولة وصيّة؛ ولذا لم يقل: وصيّة مقبولة، والميت لا يملك فيكون المالك الموصى له، ووجه ضعفه ظاهر لا يخفى على غير الماهر.

ويتفرع على ما ذكرنا أمور:

منها: كسب العبد وثمرة الشجرة وما شابههما من النماء الحاصل بين الموت والقبول هو للموصى له إن قلنا بملكه بالموت، سواء ردّ أو قبل، ولو ردّ الأصل لم تدخل في المردود، ولو ردّها لم يتعلّق بها ردّ إلّا بهبة جديدة مع احتمال تبعيتها للأصل في الردّ فترد تبعاً، سيما لو قلنا: إن الردّ فاسخ من الأصل.

وهل تكون مع الردّ بحكم مال الميت؛ لأنّها من جملة التركة، فتنفذ فيها وصاياه وتقضى منها ديونه، ولو قلنا بأنّ الردّ من الأصل كان أظهر، أو تختص بالوارث؛ لحدوثها في ملكه بعد زوال ملك الميّت عنها، ويبقى على حكم مال الميّت لو قلنا بتوقف ملك الموصى له على القبول، ويبقى موقوفاً على القول بالكشف فإن قبل كان له، وإن ردكان بحكم مال الميت؟

ومنها: فطرة العبد ونفقته ومؤونته المحتاج إليها ونفقة الحيوان الحاصلة بين الإيجاب والقبول على الموصى له إن قلنا بملكه بالموت، وعلى الوارث إن قلنا بعدمه، وعلى الكشف على الوارث إلى أن ينكشف فيؤخذ من الموصى له، أو على بيت المال إلى أن ينكشف في وجه، مع احتمال عدم وجوب الفطرة على الكشف على أحدٍ من الموصى له والوارث؛ لعدم العلم - قبل القبول - بمالكه، فلا تجب للزوم الغافل.

وفيه: أنّ الغفلة لا تسقط الوجوب، كمن لم يعلم بحصول المولود له عند الهلال.

وقد يفرّق بين الجهل لعدم وصول الخبر إليه، وبين الجهل لعدم إمكان العلم؛ لتوقفه على أمر لا يرجع إليه.

ومنها: إذا أوصى بأمته المزوّجة حُرّاً له، فإن قلنا: يملك بالموت، انفسخ نكاحه به، وإن قلنا: يملك بالقبول، استمر نكاحه إلى القبول فينفسخ به، وإن قلنا بالكشف بقيت معلقةً إلى القبول فينكشف أنّها غير زوجته، وإن ردّ انكشف أنّها زوجته.

ولو كان زوجها وارثه ثمّ أوصى بها لغيره، فإن قلنا بملك الوارث قبل القبول، انفسخ النكاح، وإن قلنا بملك الموصى له، لم ينفسخ، فإن قبل استمر، وإن ردّ انفسخ حين نين الردّ، مع احتمال عدم الانفساخ مع ملك الوارث؛ لضعف ملكه، وهو بعيد، وإن قلنا بالكشف فإن قبل استمر النكاح، وإلا بطل، ولا يجوز للوارث التصرّف بها قبل الانكشاف؛ لتعلق حقّ الموصى له بها، مع احتماله؛ لأصالة عدم القبول.

هذا إذا خرجت الأمة من الثلث، وإن لم تخرج منه، فإن لم يجز الورثة انفسخ النكاح، وإن أجازوا وقلنا: يملك بالموت أو ينكشف بعد قبوله، بني الحكم على أن الإجازة تنفيذ، أو ابتداء عطيّة، فعلى الأوّل لا ينفسخ، وعلى الثاني ينفسخ العقد.

ومنها: لو أوصى بأمته الحامل وحملها - وكان حملها من زوجها لزوجها ولا بن لها حُرِّ

ومات، فإن خرجت من الثلث وقبلا الوصيّة وهُما موسران، نظر إن قبلا معاً عُتقت الأمة كلها على ابنها، نصفها بالملك والباقي بالسراية، وعليه للزوج قيمة نصفها، ويعتق الحمل عليهما بالسوية إن كان أنثى، إمّا الزوج فلأنّه ولده، وأما الأخ فلأنها أُخته، وإن كان ذكراً فإن قلنا بسراية عتق الحمل إلى الحامل فكذلك، وإلا انعتق على الأب، وعليه نصف القيمة للولد.

وإن قبل أحدهما قبل الآخر، فإن قلنا بحصول الملك للموصى له بالموت، أو قلنا بالكشف مع حصوله فكذلك؛ لاتحاد وقت الملك وإن اختلف وقت القبول، وإن قلنا بحصوله بالقبول، فإن تقدّم قبول الابن عتقت الأمة والحمل عليه إذا قلنا بالسراية وكان الحمل أُنثى، وإلا عتقت الأُمّ خاصّة، وإن تقدّم قبول الزوج عتق جميع الحمل عليه، نصفها بالملك والباقي بالسراية، ويغرم قيمة نصفه يوم الولادة للابن، ولا يعتق عليه من الأمة شيء، فإذا قبل الابن عتق عليه جميعها بالملك والسراية، وغرم للزوج نصف قيمتها.

ومنها: لو أوصى لإنسانٍ بمَنْ ينعتق عليه فقبل، فإن قلنا: يملك بالقبول، انعتق عليه حين القبول وجرت عليه الأحكام، وإن قلنا بالموت أو قلنا بالكشف وقد وقع، انعتق عليه حين الموت، وجرت عليه أحكامه من الكسب والنماء.

ومنها: لو أوصى بأمةٍ لابنها من غيره، فإن خرجت من الثلث وقبل الابن الوصيّة، عُتقت عليه، وإن ردّ وقلنا: يملك بالقبول، بقيت للوارث، وإن قلنا: يملك بالموت، انعتقت عليه وليس له الردّ، وإن قلنا بالكشف بقيت موقوفةً.

وإن لم تخرج من الثلث فالجواز في قدر الثلث كذلك، وأما الزائد فإن أعتقه الوارث وهو موسر، انعتق عليه.

فإن لم يقبل ابنها الوصيّة كان جميعها للوارث، وسرى البعض الذي أعتقه على الجميع، وإن قبل عتق عليه ما قبل، فإن قلنا: يملك بالموت ابتداءً أو كشفاً، قوم نصيب الوارث عليه، وإن قلنا: يملك بالقبول، عُتق الكلّ على الوارث؛ للسراية من نصيبه إلى قدر الثلث، والقبول بعده كإعتاق الشريك الثاني بعد إعتاق الأوّل وهو موسر.

هذا إذا حكمنا بحصول السراية بنفس الإعتاق، وإن قلنا لا تحصل إلّا بأداء القيمة، فقبوله كإعتاق الشريك الثاني نصيبه قبل أخذ القيمة.

ومنها: لو أوصى بعبد لشخصين أحدهما مَنْ ينعتق عليه، فإن قبلا معاً عُتق جميعه على القريب بالملك والسراية إن كان موسراً، وكذا لو قبل القريب أولاً، وإن قبل الأجنبي أولاً، فإن أعتق نصيبه قبل قبول القريب ثمّ قبل القريب وقلنا بحصول الملك بالقبول، قوم نصيبه على الأجنبي، وإن قلنا: يملك بالموت، تبيّن أنّ عتق الأجنبي غير نافذ، وأنّه عتق جميعه على الوارث، وعليه نصف القيمة للأجنبي، وكذا لو قبل وقلنا بكون القبول كاشفاً.

ومنها: ما لو أوصى لآخر بأبيه فمات الموصي قبل الموصى له، ثمّ مات الموصى له وكان له ابن فقبل الوصيّة، فإن قلنا بالكشف، ثبتت حُرّيّة الأب من حين موت الموصي فيرث السدس؛ لتحقق موت الموصى له عن ابن وأب، ولا يلزم الدور من حيث إنّه لو ورث لاعتبر قبوله في الوصيّة؛ لأنّ المعتبر قبول جميع الورثة، واعتبار قبوله ممتنع؛ لأنّه رقيق فلا يُحكم بعتقه؛ لتوقفه على قبول جميع الورثة، وهو ممتنع بالنسبة إليه، فيلزم أن عدم توريثه مؤد إلى إبطال توريثه فيكون توريثه باطلاً، وذلك ؛ لأنّ المعتبر قبول جميع الورثة حين القبول وقد انحصر في ابن الابن، وعلى القول بأن القبول سبب عتق الجد على ابن الابن، ولا يرث؛ لسبق استحقاق الابن تركة أبيه على عتق الأب.

ومنها: لو أوصى بجارية وحملها وكان حملها من زوجها - كما إذا فرض ملك الحمل بشرط أو بتقدّم رقيّة على ملكه، أو لكونه زنى - فمات الموصى له وقبل وارثه، فإن مات الموصى له في حياة الموصي انتقل الملك إلى الوارث ولا ينعتق عليه الولد، إلّا إذا كان أُنثى وكان الوارث ذكراً وكان بينهما العلاقة الموجبة للعتق.

وإن مات بعد وفاة الموصي، فإن قلنا: إنّ القبول ناقل من حينه مطلقاً، أو ناقل من حينه في خصوص هذا المقام لعدم تولّي الموصى له القبول أو كاشف عن ملك الوارث من حين موت الموصى له لا عن ملك الموصى له، فكذلك، وإن قلنا: إنّه كاشف عن ملك الموصى له حين مات الموصي ؛ لأنّه نائب عنه وبمنزلته، أو قلنا: إنّ الموصى له يملك بالموت مطلقاً أو في خصوص هذا المقام، ملك الموصى له الولد وإن انعتق عليه.

و على كلّ حالٍ فالولد يرث في الجملة؛ لزوال المانع من إرثه بانعتاقه.

ودعوى: أنّ إرثه موقوف على قبول الوارث، فلو فرض أنّه وارث لاعتبر قبوله في

الإرث، واعتبار قبوله موقوف على كونه وارثاً فيدور، مردودة بأن المعتبر قبول الوارث في الحال لا في المآل وقد حصل بقبول مَنْ كان وارثاً.

وطريق ميراثه أن يقال: إنّ الوارث إن كان متحداً لم يرث هذا الولد مطلقاً؛ لاختصاص الوارث بالتركة قبل عتقه، وإن كان متعدّداً فإن كان موت الموصى له قبل الموصى فهو لا يرث من أُمّه مطلقاً؛ لأنّها لم تدخل في ملك أبيه فلم تكن من التركة، وأما ما تركه أبوه فله المشاركة فيه إن ساوى غيره، أو الاختصاص إن تقدّم وقد وقع القبول من الوارث قبل القسمة، وإن كان موت الموصى له بعد موت الموصي، فإن قلنا بالكشف من حين موت الموصي، ورث من أُمه؛ لأنّها من جملة التركة ولم تقسم كباقي التركة إن وقعت القسمة فيها، وإلا كانت كبقيّة التركة، وإن قلنا بالنقل، فلا يرث من أمه شيئاً؛ لأنّها لم تدخل في ملك أبيه.

رابعها: عدم صحّة الوصيّة في معصية

رابعها: لا تصحّ الوصيّة في معصية، فلو أوصى بمحرَّم فسدت الوصيّة وعاد ميراثاً، سواء كان تحريمه لنفسه أو لغايته، وسواء صدر من مسلم أو كافر، إلّا أن الكافر إن أوصى بمعصية في مذهبه بطلت الوصيّة ظاهراً وباطناً، وإن أوصى بمعصية في مذهبنا مباح في مذهبه لزم تنفيذ وصيته، إجراء له على مذهبه، وإلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم. ويلحق بهم المخالفون؛ لمكان السيرة.

ولو حرمت الوصيّة في مذهب الموصي من أهل الحق دون الموصى له منهم أو بالعكس، فسدت الوصيّة أيضاً؛ لعدم إمكان صحّة العقد من جانب واحد دون آخر.

ويدلّ على بطلان الوصيّة بالمحرَّم اتفاق أصحابنا المنقول (1)، بل المحصل، وتعلق النهي بنفس المعاملة المقتضي للفساد، وكونه إعانة على الإثم المنهي عنها (2).

وفي الخبر: في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً) (3)قال: «يعني الموصى إليه إن خاف جنفاً من الموصي في ثلثه فيما أوصى به إليه ممّا لا يرضى اللّه تعالى به من خلاف الحق، فلا إثم على الموصى إليه أن يبدله إلى الحق وإلى ما يرضى اللّه تعالى به من سبيل الحق» (4).


1) رياض المسائل 10 : 267.

2) المائدة (5) : 2.

3) البقرة (2) : 182.

4) وسائل الشيعة 19: 351 الباب 38 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

وفي السند ابن محبوب المُجمع على تصحيح ما يصحّ عنه.

وتصحّ الوصيّة فيما لم يتموّل، وفي الحقير والكثير، وفي المقدور على تسليمه، وفي غير المقدور قبل الموت أو بعده، وفي عدم القدرة بعد الموت إشكال.

ولا تصحّ الوصيّة بما لا يملك، ولا بما كان مباحاً، إلّا إذا تعلق للموصي فيه حقّ فتصح الوصيّة تبعاً للحق.

وتصحّ الوصيّة بملك الغير فضولاً عن الموصي فيجيز المالك في وجه قوي.

ولا تصحّ الوصيّة بالوقف عاماً أو خاصاً.

خامسها: في أنّ الوصيّة عقد جائز حال حياة الموصي ولازم بعد الموت والقبول

خامسها: الوصيّة عقد جائز حال حياة الموصي وإن تم الإيجاب والقبول؛ للإجماع بقسميه (1).

وللصحيح: «للرجل أن يرجع في ثلثه إن كان أوصى في صحّة أو مرض» (2).

وفي الآخر: «للرجل أن ينقص في وصيته ويزيد فيها» (3).

والثالث: «الصاحب الوصيّة أن يرجع فيها، ويحدث في وصيته ما دام حياً» (4).

ولازم بعد الموت والقبول وجائز ما بين الموت والقبول، فعلى ذلك للموصي أن يرجع بوصيته بالقول الصريح كـ «رجعت بوصيتي»، و «فسختها»، و «نقضتها» أو «وصيتي لوارثى»، أو «ميراثاً»، أو بما دلّ على الرجوع ولو باللازم مع القرينة، وهو كثير.

ويكون الرجوع بفعل ما يوجب إبطالها قهراً، سواء نوى به الرجوع أم لا، كالبيع والوصيّة به لآخر والنقل والصلح والعتق والكتابة والتدبير والنذر وأخويه وإتلاف العين بأكل أو شرب أو حرق.

وقد يكون الرجوع بفعل ما يقصد به الرجوع - ولو لم يقصده أو قصد العدم لا يكون رجوعاً - وهو كثير

فمنه ما يظهر منه الرجوع لظهور الفعل فيه كالرهن والكتابة الجائزة، والهبة قبل القبض، وفعل مقدمات ما يوجب الرجوع، كالعرض على البيع أو غيره من النواقل، أو الرهن قبل القبض، أو التوكيل في نقله بأحد النواقل.


1) مسالك الأفهام 6 : 135.

2) وسائل الشيعة 19: 307 الباب 19 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

3) المصدر : 302 الباب 18 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

4) المصدر : 303 - 304. ح 4.

ومتى دلّت قرينة على عدم القصد في هذه بالرجوع - سواء كان القصد إلى أمر آخر، أو لم يكن قصد أصلاً - لم يتحقق الرجوع؛ لانقلاب الظاهر إلى ظاهر آخر.

ومنه ما يفيد الرجوع مع ضميمة القرينة، كالإشارة ونحوها.

ومنه ما يفيد الرجوع لتبدل الاسم المؤدّي إلى تبدّل الموضوع، المنبئ عن انتقاض الوصيّة فيه، كما إذا أوصى بحنطة فطحنها، أو بدقيق فعجنه، أو بعجين فخبزه، أو بقطنٍ فغزله، أو بغزل فنسجه، أو بمنسوج غير مخيط فخاطه ثوباً، أو بقطعة صفر أو نحاس فجعلهما آنية، أو بدارٍ فهدمها، أو بمصوغ فسبكه سبيكة، أو بخشبة فجعلها سريراً، أو نحو ذلك.

ووجه كون هذه رجوعاً هو تبدل موضوع ما أوصى به، وظهور كون هذا التبديل رجوعاً.

ويمكن المناقشة في كثير من ذلك؛ لمنع تبدل الموضوع مع تبدل الأسماء؛ لعدم الملازمة، ومنع ظهور التبديل في الرجوع.

ولو كان التبديل بفعل غيره لم يكن مبطلاً للوصيّة، ولو كان بفعل غيره بإذنه ففي كونه رجوعاً أم لا وجهان.

ومنه: ما يفيد الرجوع لتبدل ماهيته بالاستحالة، كما إذا أوصى بخشب فصارت فحماً أو رماداً له نفع، أو حيوان فاستحال ملحاً، أو نحو ذلك.

وقد يقال هنا: إن الوصيّة إن لوحظ فيها نفس الوصف الذاتي المشخص للموضوع انتقضت الوصيّة باستحالته، وإن لوحظ فيها نفس الشخص، كـ «أعطوه هذا» أو «ما في الصندوق» أو ذكر الموضوع مريداً شخصه لا الوصف العنواني له لم تنتقض، ويُعرف ذلك من قرائن الخطاب. وكذا يقال في تبدل الأسماء بالنسبة إلى إرادة الوصف العنواني وعدمه، ويُعرف ذلك من المقامات الخطابية، كما يظهر من تقديم الإشارة إرادة نفس الشخص، كـ «أعطوه هذه الحنطة»، أو «ما في البيت» فكان حنطة، ومن تقديم الاسم نفس الوصف العنواني كـ «أعطوه حنطةً هي في المكان الفلاني»، أو «هي هذه» أو «من هذه» أو «من هذه الحنطة».

ويمكن الفرق بين كون الموصى به معيّناً فتبطل الوصيّة، كما قدمنا، وبين كونه كلّيّاً، ك «أعطوه حنطة» فطحن ما في بيته من الحنطة فلا تبطل، ولا يجزئ الدقيق، بل يجب دفع حنطة ولو بشراء. وهذا الفرق قوي وجيه.

خلافاً لمن عكس فأبطلها في الكلّي دون المعين؛ ملاحظاً أن الوصيّة بالمعين بمنزلة الوصيّة بالشخص من دون ملاحظة الوصف العنواني.

وهو على إطلاقه ضعيف.

ومنه: ما يفيد الرجوع للزومه الضرر على الموصي والنقص على مال آخر له، كما إذا أوصى بزيت فخلطه بأجود، أو ذهب أو فضة كذلك بحيث لا يتميّز المخلوط، أو أوصى بشيءٍ فصبغه صبغاً له قيمة، أو أوصل به شيئاً لا يمكن انفكاكه عنه.

ولو خلط الموصى به بالمساوي أو الأردأ، ففي كونه رجوعاً؛ لمكان ظهور عدم الرضى بالشركة، أو عدمه؛ لكونه لازماً أعم وجهان، وفي الأخير قوة.

وبالجملة، فالأفعال منها ما يكون بنفسه نقضاً للوصيّة، ومنها ما يكون لدلالته على النقص وظهوره فيه، وهو مختلف باختلاف الأحوال والأزمان والبلدان والأشخاص، ومنها: ما يقع فيه الشكّ، والمشكوك فيه لا ينقض الوصيّة المقطوع بتحققها؛ لأنّ اليقين لا ينقض بالشك أبداً.

سادسها: اشتراط العقل والبلوغ في الموصي

سادسها: يشترط في الموصي العقل، فلا تصحّ من المجنون بأقسامه حال جنونه وإن وقع منه قصد صوري؛ للإجماع بقسميه (1)، ولحديث رفع القلم (2)، ولأدلة الحجر(3)، ولعدم شمول أدلة الوصيّة له.

ويرجع في الجنون لأهل الخبرة، أو للعرف العام، وهو فنون.

وهل يشترط الرشد؛ لأدلّة الحجر على السفيه وللشكّ في شمول إطلاقات الوصيّة له، أو لا يشترط؛ لمنع الشكّ في شمول الإطلاقات له؛ لأنّه مكلف عاقل وله التصرّف بما له فيما يعود له نفع في آخرته، فيشمله ما دلّ على صحّة الوصيّة من الموصي، وأما أدلّة الحجر فهي ظاهرة في التصرفات المالية المنجزة حال الحياة، وشمولها لمثل الوصيّة محلّ شكٍّ ؟

وقد يفرّق بين وصيته بالمعروف والبرّ فتصح؛ لتعلقه بأمر الآخرة، ولإشعار ما جاء في صحّة وصيّة الغلام في وجوه البر (4)به، وبين الوصيّة بغيره فلا تسمع.

والأظهر والأحوط صحّة وصيّته إذا كانت بنظر الولي وإجازته، والتوقف فيما عدا ذلك.

وتصحّ الوصيّة من المفلّس في غير ما تعلّق به حقّ الغرماء.


1) رياض المسائل 10 : 268.

2) وسائل الشيعة 1 : 45 الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 11.

3) المصدر 18 : 409، الباب 1 من أبواب كتاب الحجر.

4) المصدر 19 : 360 - 363 الباب 44 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1 - 7.

ويشترط في الوصيّة البلوغ؛ لما دلّ على عدم جواز أمر الصبي، وعدم نفوذ عقوده (1)، وللشك في شمول ما دلّ على لزوم الوفاء بالعقد (2)، وما دلّ على صحّة الوصيّة لعقد الصبي ووصيته (3)، ولارتفاع القلم عنه، ولقلة احتياجه للنفع الأخروي، ولعدم معهودية صحّة وصاياه.

وأجاز المشهور نقلاً (4)، بل تحصيلاً صحّة وصيّة من بلغ عشراً، والظاهر منهم مع التقييد بتمييزه. وقيده بعضهم بكونه ممّا يضع الأشياء في مواضعها (5).

وقيده آخرون بما إذا كانت الوصيّة بالمعروف والبرّ (6)، كبناء المساجد والقناطر وصلة العلماء والفقراء والأرحام.

واستظهر بعضهم من الدروس دعوى الإجماع على ذلك (7).

ودلّت على ذلك جملة من الأخبار المعتبرة في نفسها، وفي انضمام فتوى المشهور إليها: كالموثّق في الغلام ابن عشر سنين يوصي، قال: «إذا أصاب موضع الوصيّة جازت» (8).

وفي الصحيح: «إذا بلغ عشر سنين فأوصى بثلث ماله في حقّ جازت وصيّته» (9).

وفي ذيله صحّة وصيّة ابن سبع أو ثمان (10)، ولكنه شاذ متروك عند الجمهور.

وفي ثالث: «إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته» (11).

وفي رابع: «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم» (12)، إلى غير ذلك من الأخبار.


1) وسائل الشيعة 18 : 410 - 412، الباب 2 من أبواب كتاب الحجر، ج 1، 5.

2) المائدة (5) : 1.

3) راجع الهامش (4) من ص 349.

4) رياض المسائل 10 : 270 و 271.

5) النهاية : 611: الوسيلة : 372.

6) المقنعة : 667: الكافي في الفقه : 364؛ المراسم : 203.

7) الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 270؛ وراجع الدروس الشرعيّة 2 : 298.

8) وسائل الشيعة 19 : 363 الباب 44 من أبواب كتاب الوصايا، ح 6.

9) المصدر : 361. ح 2.

10) المصدر ذيل الحديث،2، وليس فيه «أو ثمان».

11) المصدر : 362، ح 3.

12) المصدر : 212، الباب 15 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 2.

والأخذ بها في خصوص المقام قويّ، إلّا أنّ الأظهر العدم؛ لما قدمناه، ويعضده الأصل، ويساعده الاحتياط، وهو مقدم على الاحتياط الناشئ من تنفيذ الوصيّة وإمضاء ما أوصى به الصبي وعدم التصرّف من الوارث فيه؛ لتعلّق الأوّل بالحكم، والثاني بالموضوع المترتب عليه.

سابعها: بطلان الوصيّة فيما لو جرح الموصي نفسه عمداً بما فيه هلاكها عالماً بترتب الهلاك فأوصى

سابعها: لو جرح الموصي نفسه عمداً بما فيه هلاكها عالماً بترتب الهلاك أو ظاناً به أو قتل نفسه فأوصى بطلت وصيّته؛ لصيرورته أقوى من السفيه، ولمناسبة قتل نفسه المحترمة واجترائه على ذلك لحرمانه عقوبةً، كما منع القاتل من الإرث، تنزيلاً للوصيّة منزلة الإرث؛ ولأنّه مع ذلك غير مستقر الحياة فلا تنفذ وصيته. وفي هذين التعليلين نظر ظاهر.

وللصحيح - المعتضد بفتوى المشهور نقلاً (1)بل تحصيلاً -: «إن كان أوصى قبل أن يحدث حدثاً في نفسه من جراحة أو قتل لعله يموت أجيزت وصيته في الثلث، وإن كان أوصى بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو قتل لعله يموت لم تجز وصيته» (2).

وظاهر إطلاقه وإن كان شاملاً للعمد ولغيره، إلّا أنّ ظاهره بقرينة فتوى المشهور ومناسبة الحكم لذلك ولزوم الاقتصار فيما خالف القواعد على مورد اليقين والإجماع المنقول (3)على ذلك كلّها تقضي بتخصيص الحكم في حالة العمد دون غيره.

وطرح الرواية أو تنزيلها على حالة الجنون أو السفه؛ لدلالة قتل نفسه على أحدهما أخذاً بالعمومات المتيقنة الحاكمة بلزوم الوصيّة من كلّ موصٍ ما لم ينعقد الإجماع على خلافه، ضعيف.

ولو أوصى فقتل نفسه أو جرحها نفذت الوصيّة؛ لعموم الأدلّة، والرواية المتقدّمة، وللفتاوى من غير مخالف يُعثر عليه ممّن يُعتد به.

ولا تصحّ الوصيّة من العبد ما دام عبداً إلى أن يموت.

ولو أوصى عبد فتحرّر وملك بعد ذلك، ففي نفوذها إشكال؛ لعدم الملك له في الحال، وظاهر الوصيّة تعلقها بالملك الفعلي.

ولو قال: «إن عُتقت وكان لي مال فكذا وكذا» فالأوجه: الصحّة؛ لأن التعليق بمنزلة بيان الحكم المتعلّق عليه من الشارع.


1) رياض المسائل 10 : 274.

2) وسائل الشيعة 19 : 378 - 379، الباب 52 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

3) رياض المسائل 10 : 274.

ويحتمل البطلان لمكان التعليق.

وقد ورد في قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكاتب أدّى نصف ما عليه، وفي آخر أدّى الثلث (1)أنّه أمضى الوصيّة في النصف والثلث، ولم ينقل الاستفصال فيها عن موته أنّه كان قبل العتق أم بعده.

وهو لا يخلو من تأييد لما ذكرنا.

وتصحّ الوصيّة من المسلم والكافر للمسلم والكافر، ما عدا الوصيّة بالخمر والخنزير للمسلم، وتصحّ الوصيّة بهما للكافر ظاهراً؛ إجراء لهم على مذهبهم.

ثامنها: في الموصى له

وفيه أمور:
أولها : في أنّه لا يشترط في الوصيّة وجود الموصى له ولا حياته ولا دوام تمليكه

أولها: لا يشترط في الوصيّة بالمعنى العام وجود الموصى له، ولا حياته، ولا دوام تمليكه، بل تصحّ الوصيّة بمال الميت، بمعنى صرفها فيما يعود إليه من تجهيز، أو إيصال ثواب.

وتصحّ لمن سيولد، بمعنى أن يدفعها الوصى إليه بعد ولادته فيملكها.

وتصحّ لغير الإنسان من حيوان أو جمادٍ، بمعنى صرفها في مصالحهما.

ويصحّ تحديد الملك فيها بأن يقول: هو لزيد سنةٌ ثمّ لعمر و كذلك ثمّ لبكر كذلك، ولا مانع من تحديد الملك في الوصيّة.

ودعوى أن الملك لا يحدد قد نمنع الكلية فيه.

ولا تصحّ الوصيّة الخاصّة - وهي المقصود منها التمليك بنفس العقد - إلى معدوم يترقب وجوده أم لا، ولا إلى ميت، ولا إلى جماد، ولا إلى حيوان؛ للشكّ في شمول الوصيّة العقدية لمثل ذلك، ولانصراف أدلّة العقود وإطلاقات الوصيّة لغير محلّ الشكّ، وكما لا تصحّ الوصيّة للمعدوم أصالة لا تصحّ تبعاً، كما في الوقف، وإنما صحت في الوقف للدليل فلا يقاس عليه الوصيّة؛ لبطلان القياس، ولأن المعدوم في الوقف يتلقى الملك بعد وجوده من الواقف بعد انتهاء ملك الموجود، بخلاف الوصيّة، فإنّ تلقي الملك فيها من الموصي ابتداء، وهو ممتنع بالنسبة إلى المعدوم، ولأنّ الملك في الوقف إنّما كان على جهة الحبس للأصل وعدم جواز


1) وسائل الشيعة 19 : 414 الباب 81 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

نقله، بخلاف الوصيّة فإنّ ملك الأصل فيها على جهة الإطلاق وجواز النقل وهو ممّا ينافي تمليك آخر بعده.

وفي كلا التعليلين نظر؛ لأنّ المجوّز لذلك يجعل حكم الوصيّة كحكم الوقف، وكما يجوز في الوقف ذلك وهو أضيق دائرةً من الوصيّة جاز فيها بطريق أولى، فالعمدة في المقام أن جواز التمليك بذلك النحو خلاف القواعد، وقد قام عليه في الوقف الدليل، فتعديته لغيره قياس لا نقول به.

نعم، يجوز في الوصيّة بالمعنى الأعم حبس الأصل وإطلاق الثمرة لبطن فبطن على طريقة الوقف لا أنّه يكون وقفاً ويترتب عليه ثمرات الوقف.

ثانيها: صحّة الوصيّة للقريب والبعيد

ثانيها: تصحّ الوصيّة للقريب والبعيد، وارثين كانا أو غير وارثين؛ للإجماعات المنقولة (1)، بل المحصل منها، ولإطلاقات الأدلّة وعموماتها، ولقوله تعالى: (الوصيّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) (2)الشامل للوارثين وغيرهما، ونسخها لم يثبت.

وما ورد من الضعيف (3)في ذلك لا يعارض المعتبر من الأخبار الدال على عدمه. ففي المعتبر عن الوصيّة للوارث؟ فقال: «تجوز» (4).

و ما دلّ من الأخبار المانعة عن الوصيّة للوارث (5)موهنة بإعراض الأصحاب عنها، وبقصور أسانيدها، وبموافقتها لمذهب العامّة على نقل الشيخ (رَحمهُ اللّه) (6)، وبورود الأخبار المعتبرة الدالّة على الجواز (7)المؤيدة بما قدمناه.

ولا تجب الوصيّة لهم - كما يظهر من الآية الشريفة المتقدّمة؛ لاشتمالها على الفرض الظاهر في الوجوب - لعدم القائل به فلتحمل على الاستحباب المؤكد، كما هو ظاهر الأصحاب.


1) الانتصار : 597 - 598، المسألة ؛329؛ غنية النزوع 1 : 306؛ مسالك الأفهام 6 : 216.

2) البقرة (2) : 180.

3) وسائل الشيعة 19 : 289، الباب 15 من أبواب كتاب الوصايا، ح 12.

4) المصدر : 287، ح 2.

5) راجع الهامش (3).

6) تهذيب الأحكام 9: 200، ذیل الحدیث 799.

7) وسائل الشيعة 19 : 287 - 289، الباب 15 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1 - 11.

خلافاً للشيخ حيث يظهر منه الكراهة؛ للخبر عن عطية الوالد لولده، قال: «فأما في مرض فلا تصحّ» (1).

وهو ضعيف؛ لوروده في الهبة دون الوصيّة، وفي المرض دون غيره.

ثالثها: صحّة الوصيّة للحمل إذا وقع حياً وبطلانها مع عدمه

ثالثها: تصحّ الوصيّة للحمل إذا وقع حيّاً، ويتولى القبول عنه الولي، فإن مات تولى القبول عنه وارثه وإن مات قبل وقوعه حياً بطلت الوصيّة.

وصحتها للحمل بالشرط المتقدّم وبطلانها مع عدمه متفق عليه بين أصحابنا، ونقل عليه الإجماع (2)مستفيضاً ولكنّه في الجملة.

ويشكل في أن انفصاله حيّاً كاشف عن ملكه المتقدّم، أو مملك له من حينه، وأن انفصاله ميتاً كاشف عن عدم ملكه ابتداء، أو فاسخ له من حينه، وأن جواز الوصيّة له هل تختص بحالة العلم بحياته وولوج الروح فيه، أو مطلقاً؟ وإنا لو جوزنا قيام الوارث مقامه في القبول فهل القبول كاشف أو ناقل ؟ وأنّه هل يشترط قبول الولي له، أو قبوله بعد بلوغه، أو لا يشترط؟ وأنّه لو قبل له الولي قبل انفصاله فهل يفتقر إلى تجديد القبول أم لا؟ وأن صحّة الوصيّة له هل هي على مقتضى القواعد فبطلانها بموته قبل انفصاله جاء به الدليل، أو أن الوصيّة له على غير القاعدة؛ لعدم شمول الإطلاق لملك مثله بالوصيّة، فصحة الوصيّة له بعد خروجه حياً على وجه الكشف للدليل ؟ وهذه كلّها تحتاج إلى نظر تام في المقام.

ثمّ إنّ ظاهر الأصحاب اشتراط العلم بتحقق الحمل حين الوصيّة، ويعرف ذلك بوضعه لدون ستة أشهر من حين الوصيّة، أو بأقصى مدّة الحمل فما دون إذا لم يكن زوج ولا مولى يمكن تجدد ولادته منهما؛ لأصالة تأخره عن الوصيّة في مقام الشكّ.

واحتمال الشبهة في حقّ الامرأة نادر قد ألغاه الشارع كاحتمال الزني؛ من حيث إنّه مخالف لأصل صحّة فعل المسلم.

وقد يشكل في مثل الوصيّة لحمل الكافرة إذا ولدته من أدنى مدّة الحمل إلى أقصاه من تسعة أو عشرة؛ لعدم صحّة التمسك بأصل الصحّة في فعلها، فالأصل تأخر الحمل، ولأنّ الظاهر مقارنة الحمل للوصيّة تبعاً للمعهود من العادة.


1) تهذيب الأحكام 9: 200 - 201، ح 800 وذيله.

2) تذكرة الفقهاء 2 : 460 (الطبعة الحجرية)؛ جامع المقاصد 10 : 42 رياض المسائل 10 : 279.

ولا يبعد ترجيح الظاهر في هذا المقام؛ لاعتضاده بأصالة صحّة الوصيّة.

ثمّ إن اتحد الحمل كانت الوصيّة له، وإن تعدد قسم عليهم بالسوية ذكوراً أو إناثاً أو كلاهما. ولا فرق بين أن تلدهما دفعة أو متعاقباً بحيث لم يمض زمان يمكن تولّد ولد آخر فيه. كما إذا ولدت أحدهما لسنة والآخر لثمانية أو تسعةٍ إلى أحد عشر؛ لأن الجميع حمل واحد، ولا يمكن وقوع حمل بعد حمل.

رابعها: صحّة الوصيّة لأهل الذمّة ولو من أهل الإسلام

رابعها: تصحّ الوصيّة لأهل الذمّة ولو من أهل الإسلام؛ لعمومات الأدلّة، وظاهر الإجماع المنقول (1)، وأولى لو كانوا أرحاماً؛ للإجماع المنقول (2)أيضاً، وعمومات الأدلّة، وخصوص إطلاقات الوصيّة، وخصوص (فَمَن بَدَّلَهُ بَعدَمَا سَمِعَهُ) (3)وخصوص ما جاء في صلة الأرحام وبرّ الأقارب (4)، وأولى لو كان القرابة أحد الأبوين؛ لعموم ما جاء في بر الوالدين (5).

وفي الأخبار المعتبرة ما يدلّ على صحّة الوصيّة للكافر، بل وجوازها لمكان التلازم، كما يظهر من كثير :

كالصحيح في رجل أوصى بماله في سبيل اللّه تعالى، قال: «أعطوا لمن أوصى له به وإن كان يهودياً أو نصرانياً، إنّ اللّه تعالى يقول: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ) (6)» (7).

والآخر: إن أُختي أوصت بوصيّة لقوم نصارى، وأردت أن أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا، فقال: «أمضِ الوصيّة على ما أوصت به، قال اللّه تعالى: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) (8)» (9)إلى غير ذلك.

والجواب عنها بأنّ غايتها الدلالة على الصحّة، وهو غير الجواز، وبمعارضتها بالنواهي


1) الخلاف 4 : 153، المسألة 26.

2) غنية النزوع 1 : 307.

3) البقرة (2) : 181.

4) راجع وسائل الشيعة 21 : 533 و 538، الباب 17 و 18 من أبواب النفقات.

5) المصدر : 487 و 490. الباب 92 و 93 من أبواب أحكام الأولاد.

6) البقرة (2) : 181.

7) وسائل الشيعة 19 : 337، الباب 32 من أبواب كتاب الوصايا. ح 1.

8) البقرة (2) : 181.

9) وسائل الشيعة 19 : 337، الباب 32 من أبواب كتاب الوصايا. ح 1.

عن الموادة للكفّار (1)، ومنها الوصيّة لهم، وبما دلّ على النهي عن إطعام الكافر والركون إليه (2). وفي الخبر: «مَنْ أشبع كافراً كان حقاً على اللّه تعالى أن يملأ جوفه من الزقوم» (3)ضعيف؛ لكفاية ثبوت صحّة الوصيّة فيما هو المقصود بل هو المقصود، وقد يدعى التلازم بالإجماع وإن كان النهي عن الأمر الخارج لا يفيد فساداً في المعاملة لو قلنا بتعلّق النهي بها.

ولضعف النواهي عن مقاومة ما دلّ على جواز مبرة الكفار من كتاب وإجماع منقول، كما مرّ عن الطبرسي (4)، وعمّا ورد أنّ «لكلّ كبد حرّى أجر» (5)وعمّا ورد من الأمر بصلة الأرحام وبر الوالدين(6)، وتجويز الوقف على الكافر يدلّ على جوازه في الوصيّة بطريق أولى؛ لعدم اشتراط القربة في الوصيّة بخلاف الوقف.

وهل تصحّ الوصيّة للحربي والمرتد ؛ لعمومات العقود (7)وإطلاقات الأدلّة وإطلاق الأخبار المتقدّمة وإطلاق أدلّة الوصيّة، وللإجماع المنقول (8)على جواز المبرة لأهل الحرب، ولأنّ «لكل كبد حرّى أجر» (9)ولعدم اشتراط القربة في الوصيّة فلا يفسدها المتعلّق بها لأمر خارج، كالنهي عن مودتهم وبرهم لو سلمنا ذلك، أو لا تصح؛ لما ورد من النهي عن موادتهم وبرهم، والنهي وإن لم يقض بالفساد ولكن ظاهر اتفاق الأصحاب على التلازم بين الحكمين قاض بذلك، وللشك في شمول عموم أدلة العقود وإطلاقات الوصيّة للوصيّة للحربي؛ إمّا لعدم تملكه، أو لعدم استقرار ملكه على ما في يده، أو لأنّه وما في يده فيء للمسلمين وملك لهم، فلو فرضنا ملكه لعاد الملك مالكاً؟

وقد يقال بصحّة الوصيّة لهم وملكهم للموصى به بعد القبول، ثمّ يكون فيئاً للمسلمين بعد الملك بآن ما، فلا يجب حينئذٍ على الوصي دفعه، ويجوز أخذه لكلّ من استولت يده عليه،


1) المجادلة (58) : 22 الممتحنة (60) : 1.

2) وسائل الشيعة 24 : 273، الباب 19 من أبواب آداب المائدة.

3) المصدر، ح 1.

4) مرّ في ص 276.

5) تقدّم تخريجه في الهامش (1) من ص 274.

6) راجع الهامش (4 و 5) من ص 355.

7) المائدة (5) : 1.

8) مجمع البيان 9 - 10 : 272 ذيل الآية 9 من سورة الممتحنة (60).

9) راجع الهامش (1) من ص 274.

وإن قلنا: إنّ القبض شرط في الوصيّة لزم دفعه إليهم وإن جاز أخذه بعد دفعه، ويجب على الوصي تنبيه الحربي على الموصى به ليأخذه أو يرده.

وبالجملة، فإن قلنا بعدم ملك الحربي، فلا إشكال في بطلان الوصيّة أصلاً، إلّا الوصيّة بالمعنى العام، فيكون المال موقوفاً له وإن لم يملكه، وإن قلنا بملكه، فلا مانع من صحّة الوصيّة ما لم تكن الوصيّة له من حيث الكفر والفسق، فإنّ الظاهر أنّ مثل ذلك مبطل لها، كما يظهر من الأصحاب وإن لم تقض به القواعد.

وعلى كلّ حالٍ فمشهور الأصحاب بطلان الوصيّة للحربي مطلقاً، ونقل الإجماع عليه في الأجانب (1)، فيشك حينئذٍ في شمول دليل الوصيّة لمثلها، وينزل إطلاق الأخبار المتقدّمة (2)على صحّة الوصيّة لليهودي والنصراني على أهل الذمّة، بل هو الفرد المعهود المنصرف إليه الإطلاق غالباً.

ويؤيده: ورود النواهي عن موادة أهل الحرب وصلتهم (3)، بحيث قد يستفاد منها الفساد في مثل الوصيّة من حيث عدم خلوّها عن شائبة العبودية والآمرية في أكثر مواضعها. وبهذا تفترق عن الهبة ونحوها من العقود المجانية.

خامسها: صحّة الوصيّة للمبعض

خامسها: تصحّ الوصيّة للمبعض، وتمضى في قدر نصيبه من الحرية؛ لعموم الأدلّة مكاتباً كان أم غيره، والإجماع منقول على الجواز (4)، بل قد يدعى تحصيله، فالمنع من الوصيّة للمكاتب مطلقاً ولو تحرّر منه بعض ضعيف.

وتصحّ الوصيّة بالمعنى العام - لا الوصيّة التمليكيّة؛ لعدم قابليّة العبد للملك - لعبد الموصي ومدبَّره ومكاتبه مطلقاً أو مشروطاً، وأُمّ ولده؛ لعموم الأدلّة، وللأخبار:

كالصحيح: رجل أوصى بثلث ماله لمواليه ولموالياته الذكر والأنثى فيه سواء، أو للذكر مثل حظ الأنثيين من الوصيّة؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جائز للميت ما أوصى به على ما أوصى به إن شاء اللّه» (5).


1) رياض المسائل 10 : 283.

2) تقدمت في ص 355.

3) المجادلة (58) : 22 الممتحنة (60) : 1.

4) رياض المسائل 10 : 288.

5) وسائل الشيعة 19 : 394، الباب 63 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

والآخر: رجل أوصى لمواليه ولموالي أبيه بثلث ماله فلم يبلغ ذلك، قال: «المال لمواليه وسقط موالي أبيه» (1)وكذا غيره (2).

ومنها ما يأتي - إن شاء اللّه تعالى - في الوصيّة لأُمّ الولد (3).

واشتراك الموالي بين العبد وغيره لا يضر بعد ظهور العبد منها، واشتمالها على دفع الثلث أيضاً غير ضائر؛ لأنّ المراد بهذه الوصيّة الوصيّة بالمعنى العام: بأن يجعل العبد مصرفاً لها، لا الوصيّة التمليكية، فإذا رضي مالكه بصرفها عليه كانت مصرفاً له، كالوصيّة في الإنفاق على الحيوان وشبهه.

وأما الوصيّة التمليكية فمقتضى القواعد عدم صحتها لعبد الموصي مطلقاً؛ لعدم قابليته للملك، ولكن في الأخبار وفي فتاوى الأصحاب كاد أن يكون إجماعاً محصلاً فضلاً عن أن يكون منقولاً: أن الوصيّة ماضية سواء كانت بمعين، أو كانت بكلّي، أو كانت بحصة من ماله، وتنقلب قهراً بحكم الشارع إلى انعتاقه أجمع إن كانت قيمته بقدر ما أوصى به، وإن كانت قيمته أقلّ أُعتق ويُدفع له الزائد، وإن كانت قيمته أكثر أعتق بحسابه وسعى في الباقي، وكان المال الموصى به المقابل لقيمته للورثة على كلّ حالٍ.

وفي المعتبر - بابن محبوب : في رجلٍ أوصى لمملوك له بثلث ماله، قال: فقال: «يقوم بقيمة عادلة ثمّ يُنْظَر في ثلث ماله، فإن كان أقل من قيمته بقدر ربع القيمة استسعي في ربع قيمته، وإن كان أكثر من قيمة العبد أعتق ودفع إليه ما فضل من الثلث بعد القيمة» (4).

وفي الثاني: «وإن أوصى لمملوكه بثلث ماله قوم المملوك قيمة عادلة، فإن كانت قيمته أكثر من الثلث استسعي في الفضلة» (5).

وبعينه أفتى والد الصدوق (رَحمهُ اللّه)، وزاد بعده: «ثمّ أُعتق، وإن كانت قيمته أقل من الثلث أُعطي ما فضلت قيمته عليه»(6).


1) وسائل الشيعة 19 : 402 الباب 69 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

2) المصدر : 401 - 402، ح 1.

3) يأتي في ص 360 - 362.

4) وسائل الشيعة 19 : 412 الباب 79 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

5) مستدرك الوسائل 14 : 99 الباب 10 من أبواب كتاب الوصايا، ح 9.

6) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 329، ضمن المسألة 108.

والخبران وإن ضعف سندهما وقصرت دلالتهما عن إفادة حكم جميع صور المسألة إلّا أنّ الأوّل مجبور بعمل الأصحاب وفتواهم، والثاني بظاهر الاتفاق على عدم القول بالفصل، كما استظهر الإجماع المركب بعض المتأخرين (1)، وحينئذٍ فاختصاص موردهما بالوصيّة بالثلث غير ضائر. وظاهر الخبرين وفتوى المشهور أنّه مع زيادة قيمته ينعتق بحساب الوصيّة، سواء بلغ

الزائد ضعف الوصيّة أم لم يبلغ. خلافاً لمن أبطل الوصيّة فيما إذا زادت قيمته بقدر ضعف الوصيّة (2)استناداً إلى مفهوم الرواية الأولى؛ حيث حكم فيها بالاستسعاء إذا كان الثلث بقدر ثلاثة أرباع العبد، وبالعتق وإعطاء ما فضل إن فضل، وذلك يستلزم العتق إن ساوى والاستسعاء إن زاد على ثلاثة أرباع بطريق أولى، وعدم الاستسعاء إن نقص عن ثلاثة أرباعه، وذلك يستلزم بطلان العتق؛ لأن الاستسعاء لازم لعتق بعض العبد في الأكثر، وانتفاء اللازم يدلّ على انتفاء الملزوم فينتفي عتق ذلك البعض، وظاهر انتفاء عتق الباقي ؛ لعدم احتمال المال له.

وفيه ضعف؛ لضعف دلالة مفهومه وإن كان مفهوم شرط؛ لأنّه يعود المفهوم إلى أن الثلث إن لم يكن أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة لا يستسعى في ربع القيمة، لا أنّه لا يستسعى مطلقاً؛ وذلك لأن المفهوم يردّ على ما يذكر في المنطوق من قيد أو وصف أو نحو ذلك، فلا ينافي القول بأنّه يستسعى في الثلث إذا كان أقل بقدر الثلث، وبقدر النصف إذا كان بقدر النصف. وأيضاً لو صحّ المفهوم على ما ذكروه لزم أنّه متى لم يكن الثلث أقل من قيمته بقدر الربع لا يستسعى بل تبطل الوصيّة، وهذا شامل لما لو كانت القيمة قدر الضعف أو أقل من ذلك إلى أن يبلغ النقصان قدر الربع فلا وجه للتخصيص بقدر الضعف.

والجواب عنه : بأنّ ذلك حوالة على ما إذا أعتقه وعليه دَيْن، فإنّه إذا لا ينفذ العتق فيه إلّا إذا كانت قيمته ضعف الدين، ضعيف.

ثمّ إنّه هل يفتقر العتق إلى صيغةٍ، أم ينعتق بمجرد موت الموصي؟ الظاهر الأخير.

ولو أطلق وقال: «هذا لعبدي» كانت وصيّته تمليكيّة، وجرى عليها الحكم السابق.


1) الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 291.

2) كالشيخ المفيد في المقنعة : 676 ؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 610 وابن البراج في المهذب 2 : 107.

ولو صرّح بأنّ هذا المال مصرف له، فالظاهر عدم إجراء الحكم.

ولو قال: «هذا المال له بشرط أن لا ينعتق منه» بطلت الوصيّة؛ لأنّه شرط مخالف للسنة، أو يُحمل على بيان المصرف.

ولولا ظاهر اتفاق الأصحاب لأمكنت المناقشة في صحّة الوصيّة مطلقاً، وفي انقلابها إلى عتق العبد مع أنّه غير مقصود، وفي تسوية الحكم بين الوصيّة بالمعين وشبهه من الكلّي، وبين الوصيّة بالمشاع، كـ «ثلث مالي» و «ربعه مع أنّ الأوّل أقرب؛ لفساد الوصيّة التمليكية؛ لأن الثاني يمكن تطبيقه على القواعد بصيرورته بمنزلة تمليك العبد نفسه بعد الموت، فتكون ثمرته كثمرة التدبير.

ويمكن تنزيل الروايات وكلام جملة من الأصحاب على إرادة الوصيّة بالمعنى العام وأقرب المصارف إلى العبد عتقه منها وإعطاؤه الزائد إن زاد.

ولا تصحّ الوصيّة التمليكية لغير مملوك الموصي مطلقاً، مدبَّراً كان أم مكاتباً أم أُمَّ ولد له؛ للأصل، ولعدم صحّة تملك العبد ولو أذن له مولاه، وعدم صحّة تملك المكاتب مطلقاً؛ لعموم (لَا يَقدِرُ عَلَى شَيْءٍ) (1).

وما دلّ على جواز اكتسابه وبيعه وشرائه، وإجراء حكم الأملاك على حيازاته ونحوها لا يدلّ على جواز تملكه، وغاية ما يدلّ على رفع الحجر عنه من المولى وانقطاع سلطانه عنه، فالملك لمولاه حينئذٍ، وشموله للوصيّة محل مناقشة وكلام، سيما مع فتوى المشهور - نقلاً (2)بل تحصيلاً - بالمنع، وسيّما مع تأكده بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا وصيّة لمملوك»(3)الظاهر في نفي الوصيّة له، لا في نفيها منه؛ لمعلوميته وعدم الاحتياج إلى بيانه.

ويدلّ على عدم صحّة الوصيّة للمكاتب أيضاً ما ورد في الصحيح المشتمل على إبراهيم بن هاشم، وهو ثقة على الأظهر، وعلى محمّد بن قيس، والأظهر أنّه الثقة البجلي؛ بقرينة رواية عاصم بن حميد عنه وروايته للقضايا -: «في مكاتب كانت تحته امرأة فأوصت له عند موتها بوصيّة، فقال أهل الميراث لا نجيز وصيّتها إنّه مكاتب لم يعتق ولا يرث، فقضى:


1) النحل (16) : 75.

2) مختلف الشيعة 6 : 362، المسألة 138.

3) وسائل الشيعة 19: 411 الباب 78 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

أنه يرث بحساب ما أُعتق منه، ويجوز له من الوصيّة بحساب ما أُعتق م منه، وقضى في مكاتب أُوصي [له] بوصيّة وقد قضى نصف ما عليه، فأجاز نصف الوصيّة، وقضى في مكاتب قضى ربع ما عليه فأوصي له بوصيّة، فأجاز ربع الوصيّة» (1).

وبعد أن جوزنا الوصيّة لأمّ ولده بالنص (2)والإجماع فهل تنعتق عند موت المولى من الوصيّة كما نُسب (3)للمشهور؛ لأنّ الإرث مؤخّر عنها وعن الدين بنص الكتاب (4)، فلا يُحكم لولدها بشيءٍ حتّى يُحكم لها بالوصيّة، أو من نصيب الولد، بناء على انتقال التركة إلى الوارث انتقالاً غير مستقر إلّا بعد الأمرين، وأن نفوذ الوصيّة يتوقف على وصول التركة إلى الوارث، وملك الوارث لا يتوقف على شيء؛ ولما في كتاب العباس من أنّها تعتق من نصيب ولدها، وتعطى لها الوصيّة (5)؟ قولان مشهوران.

وقيل بالتخيير (6)، وهو ضعيف جداً لفظاً ومعنى.

وقيل: تعتق من الثلث ولها الوصيّة (7)للصحيح في رجل كانت له أُمّ ولد وله منها غلام. فلما حضرته الوفاة أوصى لها بألفي درهم أو بأكثر، للورثة أن يسترقوها؟ قال: فقال: «لا، بل تعتق من الثلث ولها الوصيّة» (8)وبمعناه صحيح آخر (9)وغيره (10)على الظاهر.

وهو ضعيف، والروايات شاذة مخالف ظاهرها لأصول المذهب، ونقل الإجماع على عدم العمل بها (11).

وقد أعرض المتأخرون عنها، فمنهم من حملها على صورة عتقها في المرض قبل الموت


1) وسائل الشيعة 19 : 413 الباب 80 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

2) المصدر : 415، الباب 82 من أبواب كتاب الوصايا.

3) الناسب هو ابن فهد الحلّي في المهذب البارع 3: 109.

4) النساء (4) : 11 و 12.

5) وسائل الشيعة 19 : 416، الباب 82 من أبواب كتاب الوصايا، ذيل الحديث 4.

6) حكاه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 332، المسألة 110 عن ابن الجنيد.

7) قال به الصدوق في الفقيه 4 : 160، ح 559.

8) وسائل الشيعة 19: 416 الباب 82 من أبواب كتاب الوصايا، ح 4.

9) المصدر : 415، ح 1.

10) المصدر : 416، ح 3.

11) التنقيح الرائع 2: 379.

ثم الوصيّة لها بعده (1)، ومنهم مَنْ حملها على أن المراد من العتق من الثلث العتق من الوصيّة وتعطى ما فضل منها على تقدير الزيادة (2).

وربما يرجح هذا الأخير كثرة إطلاق الثلث على الوصيّة.

ولا ينافيه إطلاق الحكم فيما بعد بأنّ لها الوصيّة؛ لقوة احتمال أن يراد بها ما زاد بعد العتق من الوصيّة، أو أنّ المراد منه تأكيد الحكم الأوّل من انعتاقها من الثلث.

وقد يرجح أيضاً بقرينة المقابلة في الرواية الأولى حيث قال فيها بعد قوله: «تعتق من الثلث ولها الوصيّة»: «وفي كتاب العباس» إلى آخره، وظاهر أنّه في الثانية يراد بها أُم الولد التي لم تعتق بالكلية، فيكون مورد الأولى أيضاً تلك الجارية؛ قضاء لحق المقابلة.

والشهيد (رَحمهُ اللّه) جعل الرواية حجّةً للقول الثاني، فقال بعد ذكره الحمل الأوّل وما يقرب منه: وكلاهما بعيد، إلّا أن الحكم بإعطائها الوصيّة كافٍ في المطلوب؛ إذ عتقها حينئذٍ من نصيب ولدها يستفاد من دليل صحيح، وما نقل عن كتاب العباس شاهد على المدعى(3).

وفيه - مضافاً إلى ما مضى - : أنّ اكتفاءه في الحكم فيها بإعطائها الوصيّة بضميمة الدليل الخارجي إنّما يصحّ حيث لا تحتمل الرواية كون وجه صرف الوصيّة إليها انعتاقها تبرّعاً قبل الموت، وأما لو احتملته ولو بعيداً كما اعترف به فلا يصحّ بلا شبهة.

وبالجملة، فأقوى الأقوال انعتاقها من الوصيّة؛ لما ذكرنا من الشواهد.

سادسها: حكم ما لو أعتق المريض عبداً عند موته وليس له سواه وعليه دين

سادسها: لو أعتق المريض عبداً عند موته وليس له سواه وعليه دين، فإن كان قيمته بقدر الدين مرتين صحّ العتق فيما يخصه من الثلث بعد الدين، ويستسعى في الخمسة الأسداس الباقية، ثلاثة منها للديّان والباقى للورثة، وإلا بطل من غير خلاف وإشكال في الأوّل وفي صحّة العتق في الجملة؛ للأصول السليمة عن المعارض بالكلية.

مضافاً إلى المعتبرة:

كالصحيح وهو طويل، وفيه قلت له: رجل ترك عبداً لم يترك مالاً غيره، وقيمة العبد


1) مختلف الشيعة 6 : 334، ضمن المسألة 110.

2) كما في التنقيح الرائع 2 : 379.

3) . مسالك الأفهام 6 : 230.

ستمائة ودينه خمسمائة، فأعتقه عند الموت كيف يصنع فيه؟ قال: «يباع فيأخذ الغرماء خمسمائة ويأخذ الورثة مائة إلى أن قال: قلت: وإن كانت قيمة العبد ستمائة ودينه أربعمائة؟ قال: «كذلك يباع فيأخذ الغرماء أربعمائة ويأخذ الورثة مائتين، ولا يكون للعبد شيء»، قلت: فإن كانت قيمة العبد ستمائة ودينه ثلاثمائة؟ قال: فضحك، فقال: «ومن ها هنا أُتي أصحابك، جعلوا الأشياء شيئاً واحداً، إذا كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتهم الرجل على وصيته، واجيزت الوصيّة على وجهها، فالآن يوقف هذا العبد فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلثه للورثة. ويكون له السدس» (1).

وفي الثاني: فيمن أعتق مملوكه عند موته وعليه دين، قال: «إن كان قيمة العبد مثل الذي عليه ومثله جاز عتقه وإلا لم يجز» (2).

وفي الثالث: «إذا ملك المملوك سدسه استسعى وأُجيز»(3).

وفي الرابع: رجل أعتق مملوكاً له وقد حضره الموت وأشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم، وعليه دين ثلاثمائة درهم ولم يترك شيئاً غيره، قال: «يعتق منه سدسه؛ لأنّه إنما له ثلاثمائة، وله السدس من الجميع» (4).

ويستفاد من صريح الأوّل وظاهر ما عدا الأخير مستند الحكم في الثاني.

خلافاً لجملة من المحقّقين (5)فكالأول؛ التفاتاً إلى الأصول. وهو حسن لو لم تكن الروايات صحيحة، ولم يجز التخصيص للعمومات بالخبر الواحد، ورجحان الأصول بالشهرة فرع ثبوتها، وهي غير متحققة تحصيلاً ولا نقلاً سوى شاذ.

وفي المقام وجه آخر، وهو نفوذ العتق من الأصل وسقوط الدين من رأس.

وهو ضعيف؛ لابتنائه على خروج المنجزات من الأصل ولا نقول به.

وحيث قد عرفت مخالفة النصوص للقواعد المقرّرة لزم الاقتصار على موردها من المنجز فلا يسري إلى الوصيّة.


1) وسائل الشيعة 19 : 354 - 356، الباب 39 من أبواب كتاب الوصايا، ح 5.

2) المصدر : 356، ح 6.

3) المصدر : 353، ح 1.

4) المصدر : 354، ح 4.

5) كالعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 331 المسألة 109؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 6 : 228.

ويدلّ عليه أيضاً الخبر المعتبر في الرجل يقول: إن متُ فعبدي حر، إلى أن قال: «إن توفّي وعليه دين قد أحاط بثمن العبد بيع العبد، وإن لم يكن أحاط بثمن العبد استسعى في قضاء دين مولاه وهو حُرٌّ إذا أوفى» (1).

ويظهر من عبائر جماعةٍ عموم الحكم للصورتين (2)، ويعضده إطلاق الصحيحة الأخيرة من الصحاح المتقدّمة (3)، مع قوة احتمال حمل قوله فيما عداها: «أعتقهم عند الموت» على المعنى الأعم من الإعتاق المنجز والمعلق؛ لصدق الإعتاق في الجملة وإن كان المتبادر إلى الذهن الأوّل؛ بقرينة إطلاق الوصيّة على الإعتاق المذكور في أواخر الصحيحة الأولى مرّتين، وسياقها ظاهر في اتحاد حكم المنجز والوصيّة، لكنّه يتوقف على جعل هذه القرينة صارفةً عن المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي الأعم من الوصيّة والمنجز وفي تعينه نظر؛ إذ كما يحتمل كونها صارفةً إلى المجاز الأعم يحتمل كونها صارفةٌ إلى المجاز الأخص، وهو الوصيّة.

وبهذا يظهر خروج تلك الصحيحة في المسألة الأولى عن الحجية؛ لاحتمال ورودها في الوصيّة، وتصير بذلك نصاً في مفروض المسألة.

ويمكن الدفع عنه: باتفاق الطائفة قديماً وحديثاً على عدم احتمالهم لهذا الاحتمال وإن اختلفوا في فهم الحقيقي منها خاصّة، كما فهم الشهيد (رَحمهُ اللّه) (4)، أو الأعم منه ومن الوصيّة، كما هو ظاهر جماعة (5).

وكيف كان، فيستفاد من الرواية التعدية إلى الوصيّة فلا يخلو عن قوة، مع أن ظواهر الصحاح على تقدير اختصاصها بالعتق المنجز تشمل الوصيّة بالأولوية؛ فإنّ بطلان العتق المنجز على تقدير قصور القيمة عن ضعف الدين مع قوّة المنجز يقضي ببطلانها في الوصيّة بطريق أولى.

وأما الصحيحة المعارضة فغايتها الإطلاق المحتمل للتقييد بالروايات السابقة بأن تُحمل


1) وسائل الشيعة 19: 353 الباب 39 من أبواب كتاب الوصايا. ح 3.

2) كما في رياض المسائل 10: 296 - 297.

3) تقدّم في ص 363.

4) راجع مسالك الأفهام 6 : 227 - 228.

5) كما في رياض المسائل 10 : 297.

على كون الدين نصف القيمة؛ بناءً على عموم بعضها أو أكثرها للوصيّة، مع احتماله للحمل على التقية؛ لأنّه مذهب للعامة في تلك الأزمنة.

سابعها: اشتراط تحقق شرائط الموصى له حين الوصيّة

سابعها: ما ذكرناه من شرائط الموصى له من الوجود والحُرّيّة والإسلام - على قول - يشترط تحققها حين الوصيّة، فلو أوصى لمعدوم فوجد بعد موته، أو مملوك أو كافر فانعتق أو أسلم بعد الوصيّة قبل موته أو بعد موته بطلت الوصيّة.

نعم، يجوز في الوصيّة بالمعنى المتعارف أن يوصى بتمليك المعدوم بعد وجوده، والعبد بعد حريته مع احتمال صحّة الوصيّة فيما إذا حصلت القابلية بعد الوصيّة قبل الموت.

ثامنها: في أن مقتضى الوصيّة التسوية بين الموصى له في قسمة الموصى به

ثامنها: مقتضى الوصيّة التسوية بين الموصى له في قسمة الموصى به الذكر والأنثى والخنثى سواء، والجمع والمفرد المتقابلان سواء؛ كلّ ذلك قضاء لمدلول إطلاق الوصيّة، ونظراً للعرف، وتفصياً من تبديل الوصيّة المنهي عن تبديلها (1)، وتبعاً لفتوى الأصحاب فيها. و

ما ورد في بعض الأخبار من أنّ الوصيّة للأعمام والأخوال يقتضي أن يكون للأعمام الثلثان وللأخوال الثلث (2)شاذ مطرح، أو محمول على فهم إرادة التفضيل من الموصي على نحو الميراث بقرينة حالية أو مقاليّة، أو لكونه متبادراً ذلك وقت الصدور؛ لعدم قابليته لمعارضة مقتضى القواعد المحكمة المؤيَّدة بفتوى المشهور، القاضية بلزوم حمل الخطاب على ظاهره و عدم جواز صرفه إلى غيره، ولزوم اتباع قصد الموصي سيما لو قصد الموصي التسوية، فإنّ الحكم عليه بالتفضيل وجعل ذلك من الأسباب القهرية الشرعيّة مخالف للبديهة، كما أن ما ورد من قسمة الوصيّة بين أولاده الذكور والإناث على كتاب اللّه تعالى (3)ضعيف سنداً ودلالة؛ لعدم ظهورها في الوصيّة، ومع ذلك فهي مكاتبة ومضمونها شاذ، وربما يدعى الإجماع على خلافه، فلا يقاوم ما قدمناه.

تاسعها: بيان المراد بالقرابة فيما لو أوصى لقرابته أو لأقاربه أو لذوي قرابته أو لأرحامه أو لذوي رحمه

تاسعها: لو أوصى لقرابته أو لأقاربه أو لذوي قرابته أو لأرحامه أو لذوي رحمه، كان


1) البقرة (2) : 181.

2) وسائل الشيعة 19 : 393، الباب 62 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

3) المصدر : 395، الباب 64 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

المراد به من يقرب إليه عرفاً ممّن يتصل به من الأنساب، سواء كان وارثاً أم لا، وسواء كان من الإناث أو الذكور، وسواء كان من الآباء والأمهات والأولاد أو غيرهم، دون من يبعد عرفاً عنه ممّن يتصل به كأولاد الجد الخامس أو السادس فما فوق.

وقد يختص اسم القرابة في العرف الحادث بما عدا الأبوين والأولاد الصلبيين، بل بما عدا الآباء وإن علوا مطلقاً، والأولاد وإن سفلوا، وقد تُحمل عليه الوصيّة في مثل هذا اليوم.

وقد يقال: إنّ لفظ «القرابة» بالنسبة إلى الجد والولد لا يلاحظ فيهما القرب والبغد، بل الجد وإن علا كنوح يُسمّى قرابةً كما يُسمّى جداً، والولد وإن نزل كذلك.

والظاهر خلافه كما يشهد به العرف، فالجد العالي يرث بالجدودة، ولا يرث بالقرابة وآية أولى الأرحام (1).

وقد يدل على أن المرجع في القرابة العرف ما ورد في الصحيح: فيمن أوصى لقرابته ما حد القرابة، أو لها حدّ تنتهي إليه ؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن لم يسم أعطاها قرابته» (2)لظهوره في إيكال معنى القرابة إلى العرف.

وقيل: إن القرابة مَنْ يتقرب إلى الرجل إلى آخر أب وأم له في الإسلام (3)، فلا يدخل الكافر ولا فروعه في القرابة.

وهو مخالف للعرف ولا شاهد له، وما استند إليه من قوله تعالى لنوح: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ) (4)، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قطع الإسلام أرحام الجاهلية» (5)لا شاهد فيه؛ لأنّ نفي الأهلية لا يدلّ على نفي القرابة والرحم، وربما يقال: إنّه ابن زوجته وليس ابنه حقيقة، وقطع الإسلام أرحام الجاهلية لا يدلّ على قطعه لأرحام الكفّار مطلقاً، ولا لأرحام فروعهم.

وقيل: إن القرابة مختص بكل ذي رحم محرم، كالآباء والأمهات والأولاد والإخوة والأخوات والعمات والخالات، دون مَنْ لم يكن كذلك كأولاد الأعمام والأخوال(6).


1) الأنفال (8) : 75.

2) وسائل الشيعة 19 : 401، الباب 68 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

3) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 675 والشيخ الطوسي في النهاية : 614 وابن زهرة في غنية النزوع 1: 308.

4) هود (11) : 46.

5) بحار الأنوار 71 : 109 – 110.

6) حكاه الشيخ الطوسي في المبسوط 4 : 40 عن قوم.

وهو شاذ مخالف للعرف.

وقيل: إن القرابة ما ينتهي إلى ولد الأب الرابع؛ لأنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يقسم الخمس الذي هو للقربي في ولد الأب الرابع(1).

وهو ضعيف؛ لعدم القطع بأنّ عدم إعطاء الخمس إنّما كان لعدم القرابة، بل لأن القرابة المعطى هو ذلك.

ولو أوصى لأهل بيته، دخل فيه الآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا قطعاً.

وقيل: يدخل معهم الأعمام والأخوال وأولادهم. وبالجملة، كلّ مَنْ يعرف بقرابته (2).

والظاهر ذلك؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنا أهل بيت لا تحلّ لنا الصدقة» (3)ولدخول عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أهل البيت إجماعاً في آية التطهير(4)، والظاهر من الاستعمال الحقيقة. ويقال في العرف: فلان من أهل بيت معروفين بالنسب.

وقد يطلق أهل البيت على الأتباع، ويطلق على الزوجة، ويطلق على مَنْ عال بهم الشخص في بيته، وتُستعمل هذه المعاني كثيراً في عرفنا اليوم، فينبغي ملاحظة حال الموصي وعرف بلده.

عاشرها: بيان مَنْ يدخل في الوصيّة فيما لو أوصى لأقارب أقاربه

عاشرها: لو أوصى لأقارب أقاربه، انصرف إلى مَنْ يقرب عرفاً لمن يقرب إليه عرفاً، ويدخل فيه مَنْ يقرب إليه عرفاً لو كان يقرب ممّن يقرب إليه على إشكال، ويدخل فيهم الآباء والأولاد، ولا يدخل فيهم نفس الأقارب، وإن كان بعضهم يقرب لبعض فهم أقاربه وأقارب أقاربه.

ولو أوصى لأجداده وجداته، دخل الأعلى والأسفل.

ولو أوصى لأعمامه وأخواله، لم يدخل فيهم أعمام أبيه وأخوال أُمه، وقد يدخلان في العرف.

ولو أوصى لبني شخص منحصرين، كان للذكور منهم، ويقتسمون بالسوية.

ولو أوصى لبني شخص غير منحصرين كبني هاشم وبني تميم، دخلت الذكور والإناث، وكانوا مصرفاً للوصيّة، فلا يجب التوزيع.


1) حكاه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 320، المسألة 102 عن ابن الجنيد.

2) قال به العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 2 : 477 (الطبعة الحجرية).

3) وسائل الشيعة 9: 270 الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 6.

4) الأحزاب (33) : 33.

وهل يجب إعطاء ثلاثة فما فوق ؟ الأحوط ذلك.

ولو أوصى للأرامل، انصرف لمن مات عنهن أزواجهن أو أبن عنهم.

ولو أوصى للأيتام، انصرف لغير البالغين، ودخل فيه الذكور والإناث.

ولو أوصى لورثة فلان ولم يكن سوى معتق أو ضامن جريرة، أعطوا على الأظهر، ولو لم يكن سوى الحاكم بطلت الوصيّة.

ولو أوصى للشيوخ، انصرف إلى مَنْ تجاوز الأربعين، وللكهول لمن بلغ الأربعين، والغلمان والصبيان لمن لم يبلغوا الأربعين وللشبّان لمن جاوز البلوغ إلى الثلاثين.

ولو أوصى للقراء، فهو لمن أحسن القراءة بالقراءات المتواترة، ولا يشترط الحفظ على القلب، وللعلماء فهو لعلماء الشريعة، وهُم الفقهاء، وقد يدخل فيهم علماء مقدمات الفقه وعلماء التفسير والكلام، ولا يدخل الأطباء والمنجمون والمهندسة.

ولو أوصى لزيد وللحائط أو للجن أو لجبرئيل، احتمل بطلان الوصيّة بالنصف، واحتمل صرفها أجمع في زيد، واحتمال بطلان الكل ضعيف.

ولو أوصى لزيد واللّه تعالى، احتمل صرفها لزيدٍ أجمع، واحتمل التنصيف بينه وبين وجوه البر.

هذا مع علم الموصي بالبطلان، وإلا فالوجه التنصيف.

ولو أوصى لأصناف الزكاة، وجب صرفها في الأصناف الثمانية، ولا يجب التوزيع في كلّ صنف.

ولو أوصى للفقراء، دخل فيهم المساكين، وكذا العكس، ولو جمعهما وجب التوزيع على الأظهر، سيّما لو قال: خمسة للفقراء، وخمسة للمساكين.

ولو أوصى للعبد بنفسه، صرف إلى تدبيره، واحتمل البطلان.

حادي عشرها: فيما لو مات الموصى له انتقل حكم الوصيّة إلى ورثته

حادي عشرها: لو مات الموصى له، انتقل حكم الوصيّة إلى ورثة الموصى له، فإن قلنا بعدم توقف ملك الموصى له على القبول، ملك الوارث بمجرد موت الموصي، وإن قلنا بتوقفه، ملك بالموت والقبول، ولو قلنا بكفاية قبول الموصى له حال حياة الموصي، ففي كفاية قبوله هنا حال حياة الموصى عن قبول الوارث فيملك الوارث بمجرّد الموت وجهان، ينشآن من الشكّ في وقوع القبول من أهله في محلّه، وعدمه، ومن الاكتفاء بقبول واحدٍ في ملك آخر.

وبالجملة، فالوارث يقوم مقام الموروث في تولّي القبول مطلقاً، فله أن يتولى القبول في حياة الموصي إذا لم يرجع الموصي في وصيته، ويكفي ذلك عن إعادته بعد موته، وله أن يتولى القبول بعد موت الموصي، ويملك بمجرد الموت لو صدر القبول من مورثه حال حياة الموصي، أو صدر القبول منه بعد موتهما.

وفي جملة من هذه الأحكام تأمل، كما أنّه ينبغي التأمل في قيام الحاكم مقام الموصى له في تولّي القبول، وفي الملك بعد موت الموصي لو قبل الموصى له حال الحياة، وقلنا: إنّ القبول حال حياة الموصي كافٍ ولو كان من الموروث بالنسبة إلى الوارث.

والذي يظهر من الأخبار وينساق الإطلاق إليه هو الوارث الخاص دون العام، مع احتمال شمول الوارث للعام في بعض الروايات (1).

وعلى كلّ حال، فلو قلنا بعدم شمول الوارث للحاكم ولم يخلّف الموصى له وارثاً، بطلت الوصيّة ورجعت إلى ورثة الموصي، وكان كما لو رجع الموصي عن وصيته.

ولو قلنا بصحّة قبول الموصى له حال حياة الموصي وتأثيرها بالنسبة إلى وارثه، قوي القول بانتقال الوصيّة إلى الحاكم، حيث قبل في حياة الموصي ولم يخلّف وارثاً سوى الحاكم. وما جاء في بعض الروايات من الصدقة بالوصيّة حيث لم يجد وارثاً (2)، محمول على حصول القبول من الموصى له في حال حياة الموصي أو بعد موته، أو على الاكتفاء بقبول الحاكم للوصيّة فيرجع إلى كونه مالاً للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فتصح الصدقة.

ثاني عشرها: صحّة الوصيّة بما لا يتموّل وبما لا يقدر على تسليمه على تقدير القدرة

ثاني عشرها: تصحّ الوصيّة بما لا يتموّل، وبما لا يقدر على تسليمه على تقدير القدرة، سواء كان غير مقدورٍ حال الوصيّة أو بعد الموت.

وتصحّ الوصيّة بما لا يملك إذا كان للموصي فيه حقّ يصحّ نقله، كما إذا اشتمل على نفع مقصود محلّل، كالوصيّة بالسنانير والفيل وغير كلب الهراش على القول بعدم صحّة تملك شيء منها.

ولا تصحّ الوصيّة بالمحرَّم، كالوصيّة بالخمر والخنزير وآلات اللّهو والعود والصنم وكتب الضلال.


1) وسائل الشيعة 19 : 334، الباب 30 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

2) وسائل الشيعة 19 : 334، الباب 30 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

وتنفذ الوصيّة بالثلث إجماعاً فتوى ونصّاً، كتاباً (1)، وسنة(2)، وهي وإن لم تكن متواترة فقريبة للتواتر.

ولا تنفذ فيما زاد على الثلث، كما هو فتوى المشهور بل كاد أن يكون إجماعاً، والإجماع منقول عليه (3)، والأخبار (4)به مستفيضة.

خلافاً لوالد الصدوق (رَحمهُ اللّه) فجوّز الوصيّة بكل المال (5)استناداً للرضوي (6).

وهو شاذ ضعيف، كضعف مستنده وإن أمكن تأييده بالإطلاقات وبعض الروايات، كالخبر: «الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح إن أوصى به كلّه فهو جائز» (7)، ونحوه أخبار أُخَر (8).

وذلك ؛ لضعف الإطلاقات بقوة المقيد، وبفتوى المشهور على خلافه، وبالأخبار الخاصّة، وضعف الخبر بضعف سنده وإجماله؛ لاحتماله إرادة ما له وليس له إلّا الثلث وبأنه لا يدلّ إلّا على الجواز، ولا بأس به؛ لأنّ الوصيّة بما زاد جائزة وإن لم تلزم إلّا مع إجازة الوارث وباحتمال حملها على مَنْ أوصى بما زاد على الثلث ولم يكن له وارث خاص على رأي لا يبعد القول به.

وما ورد في بعض الأخبار: فيمن أوصى بجميع ما خلف لأبي محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ) وقد خلّف بنتي أخ، فكتب: «بع ما خلف وابعث به إلَيَّ» فبعثتُ به إليه، فكتب إِلَيَّ: «قد وصل إلَيَّ» (9)، ونحوه خبران آخران تضمنا الوصيّة لأبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّه قد أجاز الوصيّة له بما زاد على الثلث (10)، شاذة مطرحة، ومع ضعفها بما ذكرنا معارضة بصريح أخبار أُخر معتبرة:


1) النساء (4) : 11 و 12.

2) وسائل الشيعة 19 : 271، الباب 10 من أبواب كتاب الوصايا.

3) تذكرة الفقهاء 2: 481 (الطبعة الحجرية).

4) وسائل الشيعة 19 : 275، الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا.

5) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 350، المسألة 125.

6) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 298.

7) وسائل الشيعة 19 : 281 - 282، الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا، ح 19.

8) راجع الهامش (9 و 10).

9) وسائل الشيعة 19 : 280 الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا، ح 16.

10) المصدر : 281، ج 17، 18.

منها الصحيح: كان لمحمد بن الحسن بن أبي خالد غلام لم يكن به بأس عارف يقال له: ميمون، فحضره الموت فأوصى إلى أبي الفضل العباس بجميع ميراثه وتركته أن اجعله دراهم وابعث بها إلى أبي جعفر الثاني (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وترك أهلاً حاملاً وإخوة قد دخلوا في الإسلام، وأُمّاً مجوسية، قال: ففعلت ما أوصى به وجمعت الدراهم ودفعتها إلى محمد بن الحسن... وأوصلتها إليه، فأمره أن يعزل منها الثلث يدفعها إليه، ويردّ الباقي إلى وصيه يردّها على الورثة (1).

ومنها غير ذلك ممّا تضمن عدم نفوذ الوصيّة بما زاد على الثلث فعلاً وقولاً، وهي كثيرة.

ويمكن حمل تلك الأخبار الضعيفة على اختصاص الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بذلك الحكم، أو على كون كلّ المال من المجهول المالك، أو من الخمس الذي في ذمته، أو على كونه منذوراً لهم حال الحياة، أو على كونها مع فقد الوارث ثمّ بان الوارث، أو على إرضاء الوارث، أو على كونه مخالفاً، بناءً على أن المخالف من النواصب.

ثالث عشرها: فيما يتعلّق بما إذا أجاز الوارث الوصيّة بمازاد على الثلث

ثالث عشرها: إذا أجاز الوارث الوصيّة بما زاد على الثلث، وكان قابلاً للإجازة عاقلاً مختاراً رشيداً بالغاً غير محجورٍ عليه بفلس ونحوه، وكانت الإجازة بلفظ دال على المقصود صريحاً، أو بالقرينة، أو بفعل قائم مقام القول، صحت إجازته إذا كانت بعد موت الموصي؛ للإجماع منقولاً (2)بل محصلاً، وللأخبار الدالّة على صحّة الإجازة فحوى وصريحاً (3).

ولو أجاز قبل الوفاة، نفذت الإجازة أيضاً؛ للأخبار (4)، ولأنّ المال حقّ من حقوقه فله إسقاطه.

وهل تلزم الإجازة قبل الموت بحيث لا يجوز للمجيز ردّها بعده؟ قولان:

قيل باللزوم (5)لإطلاق أدلّة الوصيّة كتاباً (6)وسنة (7)، خرج منه ما لم يجز الوارث وبقي


1) وسائل الشيعة 19 : 277 الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا، ح 7.

2) تذكرة الفقهاء 2: 481 (الطبعة الحجرية).

3) وسائل الشيعة 19 : 275، الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا.

4) المصدر : 283، الباب 13 من أبواب كتاب الوصايا.

5) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 608 - 609 والخلاف 144:4 المسألة 14؛ والعلامة الحلّى في مختلف الشيعة 6 304 المسألة 85 كما نقله عن الإسكافي أيضاً.

6) البقرة (2) : 180 و 181؛ النساء (4) : 11 و 12.

7) وسائل الشيعة 19 : 257 الباب 1 من أبواب كتاب الوصايا.

الباقي، ولأصالة صحّة عقد الوصيّة الصادر من المالك من غير معارض، سوى حقّ الوارث، فإذا سقط بإسقاطه عمل المقتضي عمله، وللإجماع المنقول (1)المعتضد بشهرة المتأخرين نقلاً (2)بل تحصيلاً.

وللأخبار المعتبرة، ففي الصحيح: رجل أوصى بوصيّة وورثته شهود فأجازوا ذلك، فلما مات الرجل نقضوا الوصيّة، هل لهم أن يردوا ما أقروا به؟ قال: «ليس لهم ذلك، والوصيّة جائزة عليهم» (3)ونحوه آخر (4).

وهذا أقوى، وعليه فيشترط استمرار الإجازة إلى موت الموصي، فلو ردّ ما أجازه بطلت الإجازة لتبعية الإجازة لعقد الوصيّة في الجواز فلا تزيد عليه، ولا يتفاوت الحال بين وقوع الإجازة حال صحّة الموصي أو حال مرضه.

وكما تصحّ الإجازة في الوصيّة كذلك تصحّ في المنجز، ويمضى من حينه على الأظهر.

وفي جواز الردّ بعد الإجازة قبل الموت في المنجز كلام، والأقرب عدمه.

ويشترط في المجيز جواز التصرّف كما تقدّم إلّا المفلس فإن كانت إجازته حال الحياة نفذت ؛ إذ لا ملك له حينئذٍ ؛ لأنّ إجازته تنفيذ لتصرّف الموصي على الأقوى.

وإن كانت إجازته بعد الموت، ففي صحتها وجهان مبنيان على أن التركة هل تنتقل إلى الوارث بالموت وبالإجازة تنتقل إلى الموصى له أم تكون الإجازة كاشفةً عن سبق ملكه من حين الموت؟ فعلى الأوّل لا تنفذ؛ لتعلّق حقّ الغرماء بالتركة، وعلى الثاني فوجهان.

ولو ردّ الورثة الوصيّة حال الحياة، لم يؤثر الردّ، فلهم أن يجيزوا بعدها؛ لأنّهم ردوا ما تعلّق بما لا يملكونه فلا يؤثر شيئاً، بخلاف ما إذا ردّوا بعد الوفاة، فإنّه ينقض الوصيّة، ولا تنفع الإجازه بعد ذلك.

والفرق بين الردّ والإجازة حال الحياة حيث إنّ الإجازة توجب استمرار الوصيّة وعدم جواز نقضها بعد الموت، وأنّ الردّ لا يوجب نقض الوصيّة قبل الموت، فلهم أن يجيز وا بعده


1) الخلاف 4 : 144 - 145، المسألة 14.

2) الحدائق الناضرة 22 : 424.

3) وسائل الشيعة 19 : 283 - 284 الباب 13 من أبواب كتاب الوصايا. ح 1.

4) المصدر : 284 - 285، ح 2.

وإن ردّوا حال الحياة أنّ الوصيّة مستمرة ببقاء الموصى عليها فيكون استدامتها كابتدائها بعد الردّ فلا يؤثر، بخلاف الردّ بعد الموت؛ لانقطاعها حينئذٍ، وبخلاف الإجازة حال الحياة؛ لأنّها حقّ الوارث وقد أسقطه، فلا جهة لاستمراره، ودوام الوصيّة يؤكدها، ويقوم إذن الوارث بالوصيّة أو المنجز مقام إجازته.

وقيل: إن الإجازة لا تلزم حال الحياة (1)، فللوارث الردّ بعد الموت بل لا تنفذ مطلقاً، فيفتقر ملك الموصى له إلى إجازة جديدة بعد الموت استناداً إلى أن الوارث أسقط حقه فيما لا يملك، كما لو أسقط الشفيع حقه من الشفعة قبل البيع، وأسقطت الامرأة صداقها قبل التزويج، وإلى أنّها حالة لا يؤثر فيها ردّ الوصيّة، فلا تؤثر فيها الإجازة.

وهو ضعيف؛ لأنّه اجتهاد في مقابلة الدليل، ولمنع عدم تعلق حقّ الورثة بما زاد، ومنع عدم الفرق بين الإجازة والردّ، وتوجيهه ما قدمنا.

وهل الإجازة تنفيذ أو ابتداء عطيّةٍ ؟ ظاهر أصحابنا الأوّل، ونقل عليه ظاهر الإجماع (2). وعليه فلا تفتقر إلى إيجاب ولا قبول، ولا توجب ولاء للمجيز إذا كانت الوصيّة في عتق.

ولا تعتبر في إجازة المريض خروجها من الثلث ولا تفتقر إلى قبض، ولا إلى تجديد هبة، ولا إلى قبول الموصى له بعد الإجازة لو تقدّم قبوله قبلها.

ولا يجوز الرجوع من الوارث بعدها وإن لم يحصل القبض.

ولا يشترط العلم بقدر الموصى به على الأوّل، ولا بقدر التركة بناءً على اشتراط معلومية الموهوب في الهبة وإن كان الظاهر خلافه.

ولا يجوز الرجوع بعدها سواء كانت لرحم أو غيره.

ولا تجب نفقة المملوك أو فطرته على الوارث قبل الإجازة على الأوّل، ونماؤه للموصى له لا للوارث، إلى غير ذلك من الأحكام.

وتنتفي هذه الأحكام قطعاً في جملة منها وظهوراً في جملةٍ أُخرى على الثاني.

ووجه كون الإجازة تنفيذاً - مضافاً إلى ظاهر الاتفاق - : أنّ الموصى به ملك للموص


1) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 670؛ والديلمي في المراسم : 203؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 194.

2) رياض المسائل 10 : 355.

لم يخرج عنه بمرضه فيصح تصرّفه فيه، وحق الوارث إنما يثبت في ثاني الحال، فأشبه بيع الشقص المشفوع وإرث الخيار حيث تترتب عليه إجازة البيع، فإنّها فيهما تنفيذ لا ابتداء عطية، وأن الوارث غير مالك، وليس له سوى حقّ أن يملك بعد الموت قد تعلّق بالموصى به. فإذا أسقط حقه فقد سقط حقه من حينه، وأنّ المريض لو نجز فأجاز الوارث نفذت منجزاته مع الإجازة، فدلّ على اعتبار ما وقع من الموصي لا على فساده، فكذلك لو أوصى؛ لحصول الجامع بينهما من اعتبار ما وقع منه.

وما استند إليه مَنْ ذهب إلى أنّها ابتداء عطية - من انتقال الحق إلى الوارث بالموت وزوال ملك الموصى عنه، ومن أن تصرّف الموصي بما زاد على الثلث منهي عنه [ لتعلّق ] (1)حقّ الوارث به، والنهي مقتض للفساد - مردود بمنع كون ما زاد على الثلث ملكاً للوارث حال الوصيّة، بل هو ملك للموصي، ومنع كون تصرّفه منهياً عنه؛ لأنّه تصرف في ملكه، وتعلّق حقّ الورثة به بأن يملكوا بعد الموت لا يقتضي حرمة التصرّف فيه؛ لعدم الحجر عليه حال الوصيّة من تلك الحيثية، ومنع كون النهي مقتضياً للفساد، ولو سُلّم فإنّما يقتضيه مع عدم الإجازة لا معها.

ثم إن الإجازة إن وقعت حال الحياة، ملك الموصى له الوصيّة بالموت والقبول، كما تقدم، وإن وقعت بعد الموت كانت كاشفةً عن ملك الموصى له بعد قبوله من حين الموت، ولا تكون ناقلة، كما القاعدة المطردة في الإجازات، ولو قلنا بالنقل قاربت ثمراتها ثمرات القول بأنّها ابتداء عطيّة، ولكن لم نعثر على قائل به.

وعليه، فلو وقع القبول بعد الإجازة كان كاشفاً عن ملك الموصى له من حين الإجازة لا من حين الموت.

ولو أجاز بعض الورثة دون بعض مضى في حصة المجيز دون غيره، وكذا لو أجاز الوارث لبعض الموصى به دون بعض؛ جرياً على القواعد.

رابع عشرها: وجوب العمل بما رسمه الموصي ممّا يتعلق بأمواله من المصالح الدنيوية أو الأخروية

رابع عشرها: يجب العمل بما رسمه الموصي ممّا يتعلق بأمواله - دون ما يتعلق


1) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

بالأفعال الراجعة إليه - من المصالح الدنيوية أو الأخروية عيناً إن كان له وصي، أو لم يكن وكان الحاكم موجوداً، أو كفايةً على سائر المسلمين إن لم يوجد الحاكم، ولا يجوز تبديل ما رسمه من أخذ أو دفع أو تفضيل أو مساواة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إثمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونه) (1).

ويعتبر في الوصيّة خروجها من الثلث عند الوفاة إن كانت معيّنةً عيناً أو منفعة وكانت من الأموال، وكذا إن كانت كلّيّةً بحكم المعيّن كألف درهم، وإن كانت كسراً كلياً كثلث ماله أو ربعه فإن ساوى ماله حال الوصيّة حال الوفاة أو نقص عنه حال الوفاة نفذت وصيته، وإن زاد ماله حال الوفاة على ماله حين الوصيّة، سيما لو كانت زيادة كليّةً، وسيّما لو لم يعلمها، ففي نفوذ وصيته كما أوصى إشكال ينشأ من شمول إطلاق اللفظ، ومن ظهور القرائن بعدم إرادته.

وقد يشكل إطلاق اعتبار حالة الموت أيضاً؛ لاحتمال زيادة التركة بالموت أو نقصانها به، كما إذا زادت في دية العمد، ونقصت بتلف بعضها قبل قبض الوارث، فيفضي إلى نقصان الوصيّة عمّا عينه الموصي في الأوّل، أو نفوذها على الوارث بغير اختياره في الثاني، فينبغي اعتبار الأقل إلى حين القبض في الثاني، والأكثر في الأوّل.

ولو أوصى ثمّ قتله قاتل أو جرحه، نفذت الوصيّة من ثلث تركته وجراحته وديته. وهي في دية الخطإ لا إشكال فيها.

ويشكل الحال في دية العمد لحصول موجبها بعد الموت، بناءً على أن الواجب في العمد القصاص، والدية إنما تقع صلحاً، وعلى القول بثبوت أحد الأمرين مخيّراً فيهما يضعف الإشكال.

وقد يقال في توجيه الأوّل: إنّ القصاص لمّا كان موروثاً للمجني عليه وبالجملة، ففي نفوذ الوصيّة في دية العمد نظر وتأمل.

خامس عشرها: صحّة الوصيّة بالمضاربة بثلثه دائماً أو في مدّة معيّنة

خامس عشرها: تصحّ الوصيّة بالمضاربة بثلثه دائماً أو في مدّة معينة على أن يكون الربح بينه وبين العامل متساوياً أو متفاضلاً، ويبقى الثلث في حكم مال الميت، فإذا لم تمكن المضاربة به عاد ميراثاً، ولو عيّنه بعد المضاربة لمصرف خاص تعيّن.


1) البقرة (2) : 181.

وتصحّ الوصيّة بمال الأولاد الأصاغر مضاربةً على أن يكون الربح بينهم وبين العامل متساوياً أو متفاضلاً زائداً عن أجرة المثل له أو ناقصاً عنها، ويلزم إمضاء الوصيّة ما داموا صغاراً، فإذا ارتفعت الولاية عنهم كان الأمر في فسخ المضاربة أو إمضائها إليهم.

وعلى ذلك فتوى أكثر المتأخرين (1)، قيل (2): بل عامتهم؛ للمعتبرين:

في أحدهما دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به، وخُذ نصف الربح وأعطهم النصف، وليس عليك ضمان - إلى أن قال -: دخلت على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقصصت عليه قصّتي ثمّ قلت له: ما ترى؟ فقال: «ليس عليك فيما بينك وبين اللّه عزّ وجلّ ضمان» (3).

وفي الثاني: عن رجلٍ أوصى لرجل بولده وبمال لهم وأذن له عند الوصيّة أن يعمل بالمال وأن يكون الربح بينه وبينهم، قال: «لا بأس به من أجل أنّ أباه قد أذن له في ذلك وهو حيّ» (4).

وقصور سندهما - بالجهالة - مجبور بالشهرة المحكية(5)بل المحصلة، مع وجود ابن أبي عمیر في سند الأوّل والسند إليه صحيح، وهو من أهل الإجماع فلا تضر جهالة من بعده، وكذا جهالة راوي الثاني فقد قيل في حقه: إنّه لا بأس به (6)، بل قيل بحسنه (7)، بل قيل بوثاقته (8).

مضافاً إلى إطلاق الكتاب والسنّة (9)بلزوم الوصيّة وعدم جواز تبديلها، السليم عمّا يصلح للمعارضة، فإنّ التكسب بمال الطفل غير واجب على الوصي، والحاصل من الربح زيادة فائدة، والتعرض للتلف غير قادح؛ لأن الواجب على العامل الحفظ وما فيه مصلحة المال، والعمل به على هذا الوجه راجح عند العقلاء.


1) كما في رياض المسائل 10: 356.

2) القائل هو الطباطبائي في رياض المسائل 10: 356.

3) وسائل الشيعة 19 : 427 - 428، الباب 92 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

4) المصدر : 427. ح 1.

5) رياض المسائل 10 : 356.

6) اختيار معرفة الرجال : 338، ح 623.

7) مرآة العقول 23 : 101.

8) الحدائق الناضرة 22: 432.

9) راجع الهامش (6 و 7) من ص 371.

ولا يلزم مراعاة المدّة التي شرطها الموصي، بل يصحّ ما دام الوارث طفلاً، فإذا بلغ كاملاً كان له فسخ المضاربة؛ لأنّها عقد مبني على الجواز، فلا يلزم تحديد الموصي لها. نعم، يفيد المنع من التصرّف بعد المدّة لا اللزوم فيها.

ولا يلزم من ذلك تبديل الوصيّة المنهي عنه؛ لأنّ تبديلها هو العمل بغير مقتضاها، والمضاربة بالمال مقتضاها جواز الفسخ للمالك والعامل متى شاء أحدهما، ففسخ الوارث لها بعد كماله لا ينافي مقتضاها؛ لبنائه على الجواز.

وظاهر الخبرين عدم الفرق بين زيادة حصة العامل على قدر أجرة المثل وبين عدمه.

ويؤيده: أنّه ليس فيه تفويت على الوارث من مال التركة أو من نمائها؛ لأنّ كلّ ما حصل للطفل فهو نفع يعود إليه، وكلّ ما يفوت من الربح لا يفوت من ماله؛ لأنّه بعد صحّة المضاربة يكون الربح للعامل ابتداء، والربح المقدّر لا يقيّد بفواته؛ لأنّه من أثر كسب العامل، وليس مثل نماء المال المتولّد؛ لأنّه ماله بالقوة القريبة من الفعل، وحينئذٍ فلا تخرج المحاباة بما زاد على الأجرة من الحصّة من ثلث الموصي، كما قيل (1)، كما لا يختص جواز الوصيّة بالمضاربة بثلث ماله فقط دون مال الأصاغر من ولده، كما خصه ابن إدريس (2).

وهل تصحّ الوصيّة بمال الأكابر بمعنى نفوذها عليهم أجازوا أو لم يجيزوا، ما لم يردوا الوصيّة أو ينقضوا عقد المضاربة، فيصح عمل العامل حينئذٍ ويملك الحصة من الربح من دون إذن من الوارث، بل بمجرد صدور عقد المضاربة من الوصي، أو بنفس الوصيّة إن قلنا بكفاية الوصيّة بالمضاربة عن تجديد عقدها، أو بمعنى نفوذها في صحّة الوصيّة وعدم جواز نقضها وإن جاز فسخ عقد المضاربة، أو بمعنى نفوذها مطلقاً فليس لهم الردّ ولا فسخ عقد المضاربة، أو لا تصحّ الوصيّة مطلقاً بمعنى بطلانها، وبمعنى وقوعها على جهة الفضولية، أو كالوصيّة بما زاد على الثلث؟ وجوه، أوجهها الأخير؛ لأنّ فيه تفويت مال على الوارث زائداً على الثلث، وفيه منع الوارث من التصرّف بماله من دون رضاه، وفيه مخالفة للأصول السليمة التي منها تصرف غير المالك بماله من دون إذنه، وعدم إلزام المالك بما تلف بفعل غيره حيث


1) قاله السيوري في التنقيح الرائع 2 : 403.

2) السرائر 3 : 192.

يقع، وكون الربح تابعاً للمال لا يستحق العامل منه شيئاً مطلقاً مع علمه، أو زائداً عن أُجرة المثل مع عدمه، وفيه لزوم وضع اليد على مال الغير من غير رضاه، وكلّ ذلك خارج عن الضوابط المقرّرة، وعمّا دلّت عليه الأدلّة من أنّ الميّت ليس له إلّا ثلث ماله والثلث كثير (1).

ودعوى أنّ تلف المال على الوارث لا يتحقق إلّا بالبناء على صحّة المضاربة، ومعها فالربح من آثار سعي العامل لا من نماء المال فعلاً ولا قوّةً، فلا يفوت على الوارث شيء من المال، ولو جعلنا فوات شيءٍ على الوارث علّةً في الفساد للزم من الفساد الصحّة؛ لأن الفساد إنما يجيء لتفويت ما زاد على الثلث تبرعاً، وهو إنما يكون على تقدير زيادة الحصة عن أجرة المثل عن الثلث وكونه من نماء التركة، وإنما يكون ذلك مع صحّة المضاربة فيكون الشراء نافذاً، فلو فسدت المضاربة لم ينفذ الشراء فلم يتحقق الربح، فينتفي التصرّف في الزائد عن الثلث فينتفي المقتضي للفساد، فيجب الحكم بالصحّة ضعيفة؛ لأن المقتضي للفساد هو التصرّف بمال الغير من غير إذنه، سواء اقتضى تفويت مال محقق أو مقدرٍ أو لم يقتض ذلك. غايته أنّه إذا لم يقتض تلف شيءٍ من التركة يكون التصرّف صحيحاً فيما يكون للموصي التصرّف فيه، كالمال الذي له الولاية عليه، على أنّ دعوى أنّ الفساد ملزوم للصحة لا وجه لها؛ لأنّ علّة الفساد حصول التلف على تقدير عدمه فلا بدّ من الحكم بتحققه.

ومما ذكر ظهر ضعف احتمال صحّة الوصيّة، بمعنى نفوذها في صحّة تصرّف الموصى له المال واستحقاقه الربح وإن جاز للوارث فسخ المضاربة، فإن فسخ ارتفع عقد المضاربة وفسد تصرّف الموصى له، وإن لم يفسخ بقي عقد المضاربة على ما أوصى به، وعود الضرر عليه منتف بأنّ له دفعه بفسخ العقد وإرجاع المال إليه فلا يفوت عليه شيء.

ووجه الضعف: أنّ التصرّف بالمال ضرر على المالك، ووضع اليد عليه أمر منهي عنه فلا يجوز الإقدام عليه من غير إذن المالك، ولا يجدي مجرد كون عقد المضاربة جائزاً وللمالك فسخه؛ لأنّ الشأن في صحّته والحال ما ذكرناه، على أنّه لعله لا يعلم بوقوعه أو لا يعلم بجوازه فيعود عليه الضرر بتصرّفه.

واعلم أنّ الوصيّة بالمضاربة قد تكون بالوصيّة بعقدها، وقد تكون بالوصيّة بأثرها، وقد تكون على جهة التنجيز وحكمه حكم الوصيّة عندنا على الأظهر.


1) وسائل الشيعة 19: 274 الباب 10 من أبواب كتاب الوصايا، ح 8.

سادس عشرها: فيما يتعلق بما لو أوصى بواجب مالي أو بدني من خمس أو زكاة

سادس عشرها: لو أوصى بواجب مالي من خمس أو زكاة، في عينٍ أو ذمّةٍ أو دين لمخلوق، أو مالي مشوب بالبدن كالحج، أخرج من أصل المال ما لم يقيده من الثلث، فإن قيده أخرج منه، فإن لم يسعه أخرج من الباقي من المال.

ولو أوصى بواجب مالي وغيره وقيده من الثلث، قدّم الواجب المالي على غيره، فإن وسعه الثلث وزاد أُخرج غيره من الزائد.

ولو أوصى بواجب بدني كالصلاة الفائتة، أخرجت من الثلث إن وسعها، ولا تخرج من الأصل؛ لعدم تعلّقها بالمال.

وهل تجب الوصيّة بالواجب البدني من الثلث؛ لأنّ في تركها تفريطاً بترك الواجب، ولأنّ ترك الوصيّة مظنة للضرر ودفع الضرر المظنون واجب، ولأنّ في الوصيّة احتمال رفع شغل الذمّة عن الموصي ورفع العقاب عنه، فيجب التوصل إليه مهما أمكن، وإن لم نوجب المقدمة الاحتمالية في بابها نوجبه هنا؛ لما ورد في الأخبار: «أنّ الوصيّة حقّ على كلّ مسلم» (1)أو لا تجب؛ لأنّ الواجب البدني إنّما يجب أداؤه على الحي، ووجوب إخراجه من ماله عليه بعد موته ممنوع، والأصل عدمه؟

ودعوى أنّ الوصيّة موصلة إلى رفع العقاب ودفع الضرر؛ لتأديتها إلى فعل ما يجب على المكلّف، ضعيفة؛ لمنع كون الفعل بعد الموت واجباً كي يجب التوصل إليه مهما أمكن.

نعم، لو قلنا: إنّ القضاء عن الميّت ممّا يسقط عنه العقاب، لا ممّا يزيد له الثواب، وقلنا: إن الوصيّة ممّا توصل إلى ذلك جزماً، أمكن القول بوجوب الوصيّة.

ولكن في المقدمتين منع ظاهر والركون إلى إطلاق الأخبار في الأمر بالوصيّة محمول على الوصيّة في الواجب المالي وشبهه ممّا يتساوى فيه الموت والحياة.

واحتمل بعض أصحابنا وجوب إخراج الواجب البدني من الأصل (2)كالواجب المالي.

وفيه منع؛ للفرق بين الواجب المالي والبدني من حيث تعلّق الأوّل بالمال فلا يتفاوت فيه الحياة والموت، وتعلّق الثاني بالبدن والتكليف قد انقطع عنه بعد الموت، فلزوم إخراجه عنه من ماله مفتقر إلى الدليل وليس فليس والأصل عدمه.


1) وسائل الشيعة 19 : 257 - 258، الباب 1 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2 - 4 و 6.

2) نسبه إلى القيل المحقق الكركي في جامع المقاصد 10: 120.

وقد ورد في الواجب المالي ما يدلّ على لزوم إخراجه من الثلث، كالصحيح: رجل توفّي وأوصى أن يحج عنه، قال: «إن كان صرورةٌ فمن جميع المال، إنّه بمنزلة الدين الواجب، وإن كان قد حجّ فمن ثلثه» (1)و نحوه غيره (2)، فيفتقر وجوب إخراج غيره من الأصل إلى الدليل.

ولو أوصى بواجب بدني وغيره من التبرعات، قدم الواجب البدني على التبرعي، سواء قدم التبرعي أو أخره، كما هو الظاهر من مشهور الأصحاب، ويؤيده الاعتبار أيضاً من حصول يقين البراءة في صرفه فيه دون صرفه في التبرعي وتقديم التبرعي عليه ليس نصاً من الموصي على تقديمه وإنما هو ظاهر، وهذا الظاهر يضعف بالقرينة الدالّة على خلافه، وهي أولوية تقديم الواجب البدني وأقربيّته لمقصود الموصي من إرادة حصول الثواب ورفع العقاب.

وربما كان في الصحيح في امرأةٍ أوصت بالحج والعتق والصدقة من ثلث مالها فلم يبلغ ذلك، قال: «ابدأ بالحج؛ فإنّه فريضة من فرائض اللّه تعالى» (3)دلالة عليه؛ لمكان التعليل بأنّه فريضة.

ولو رتب واجبات بدنية قدّم الأوّل فالأول.

ولو رتب الوصايا التبرعيّة قدّم الأوّل فالأوّل، سواء نص على الترتيب، أو عطفه بـ «الفاء» أو «ثمّ» أو «الواو» أو ذكرها بلا عطف ولغا ما زاد عن الثلث كلاً أو بعضاً، إلّا أن يجيز الوارث.

ولو جمعها كما يقول: أعطوا فلاناً وفلاناً ألفاً، فإن وسع الثلث عمل بالجميع، وإلا وزّع على الجميع.

وقد يشكل الفرق بين المرتب وغيره في كثيرٍ من الوصايا، فلا بدّ من التأمل، ومراجعة أهل العرف، وملاحظة حال قصد الموصي.

ولو شك في أن الوصيّة مرتبة أو غيرها، فالأصل عدم الترتيب.

ثم إنّه لا فرق في المرتب بين وقوع الترتيب متصلاً في وقت واحد عرفي أو وقوعه في وقتين في لزوم تقديم الأوّل فالأوّل، كما أنّه لا فرق بين كون ما أوصى به عتقاً وغيره، أو عتقاً فقط أو غير العتق كما هو المشهور بين الأصحاب، والموافق للضوابط، ودلّت عليه رواية حمران: في رجل أوصى عند موته وقال: اعتق فلاناً وفلاناً، وذكر خمسة، فنظرت في


1) وسائل الشيعة 11 : 67، الباب 25 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، ح 4.

2) المصدر، ح 5.

3) المصدر : 76، الباب 30 من أبواب الحج وشرائطه، ح 2.

ثلثه فلم يبلغ أثمان قيمة المماليك الخمسة، قال: «ينظر إلى الذين سمّاهم وبدأ بعتقهم فيقومون، وينظر إلى ثلثه فيعتق منه أوّل شيءٍ ذكر، ثمّ الثاني ثمّ الثالث ثمّ الرابع ثمّ الخامس، فإن عجز الثلث كان ذلك في الذين سمّاهم أخيراً؛ لأنّه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك» (1).

خلافاً للشيخ (رَحمهُ اللّه) وابن الجنيد؛ حيث قدموا الوصيّة بالعتق وإن تأخّرت (2)للصحيح: في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مماليكه في مرضه، فقال: «إن كان أكثر من الثلث ردّ إلى الثلث وجاز العتق» (3)وقريب منه الثاني (4).

وفي ثالث: رجل أوصى [ عند موته بمال ] لذوي قرابته وأعتق مملوكاً له وكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع في وصيته؟ فقال: «يبدأ بالعتق فينفذه» (5).

وفيه: أنّ الأخبار ظاهرة في المنجز دون الوصيّة، ولا كلام في تقديمه على الوصيّة، على أنّها مخالفة للقواعد وفتوى المشهور فيلزم طرحها، أو حملها على ذلك.

وخلافاً لا بن حمزة حيث جعل الوصيّة المتأخرة مع تباعد زمن ما بينهما نسخاً للأولى، إلّا أن يسعهما الثلث(6).

وهو ضعيف، إلّا أن يكون التباعد شاهداً بحسب العرف على الإعراض عن السابق ونسخه، فإنّه لا إشكال في لزوم الأخذ بالأخير، وعلى ذلك يُحمل ما ورد: في رجل أوصى بثلاث وصايا فبأ يهنّ آخذ ؟ قال: «خُذ بآخر هن قلت: فإنّها أقل، قال: «وإن قلت» (7).

سابع عشرها: فيما يتعلّق بما لو أوصى بعتق مماليكه بعد وفاته

سابع عشرها: لو أوصى بعتق مماليكه بعد وفاته، دخل فيهم الحاصل والمتجدد، سواء قل أو كثر، ودخل فيهم المختص والمشترك؛ قضاء للعرف.

وهل تقوم على الموصي حصة الشريك فتدفع إليه من الثلث مع سعته؛ للخبر: في رجلٍ


1) وسائل الشيعة 19 : 398، الباب 66 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

2) المبسوط 4 : 48: وحكاه عنه وعن ابن الجنيد العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 383، المسألة 167.

3) وسائل الشيعة 19 : 400 الباب 67 من أبواب كتاب الوصايا، ح 4.

4) المصدر : 399، ح 1.

5) المصدر : 400، ج 2، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

6) الوسيلة : 375 - 376.

7) وسائل الشيعة 19 : 305 الباب 18 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

له مماليك مختصة ومماليك مشتركة فيوصي: مماليكي أحرار، ما حال مماليكه الذين في الشركة؟ فقال: «يقومون عليه إن كان ماله يحتمل، ثمّ هم أحرار» (1)أو لا يسري، كما نُسب للمتأخرين (2)استناداً للأصل مع فقد شرط السراية وهو يسار المعتق؛ لأن الموصي لا مال له بعد موته؛ لزوال ملكه عنه، والرواية قاصرة السند، وضعيفة الدلالة، لظهور قوله: «مماليكي أحرار» في المنجز، ولا يعارضه قوله: «يوصي في وصيته» لأن إطلاق الوصيّة على المنجز كثير، ويرجحه فتوى المشهور، والأخبار الدالّة على اشتراط اليسار الظاهر في غير هذه الصورة، والاحتياط المانع عن التصرّف بمال الغير من دون إذنه؟

وقد يشكل دخول المتجدد في المماليك، ممّا مع كثرتها بعد الوصيّة، وعدم العلم بها.

ثامن عشرها: حكم ما لو أوصى لواحد بمعين ثمّ أوصى به لآخر

ثامن عشرها: لو أوصى لواحدٍ بمعين ثمّ أوصى به لآخر، كانت الثانية ناسخة للأولى. ولو أوصى لواحدٍ بكلّيّ من المال ثمّ أوصى لآخر بكلّي أيضاً، كانت الوصيّة الأولى نافذة، والثانية إن وسعها الثلث نفذت، وإلا وقفت على الإجازة.

ولو أوصى بكسر مشاع لواحدٍ ثمّ أوصى بكسر آخر لآخر، فإن وسعهما الثلث نفذا، وإلا فهل تكون الثانية ناسخةً للأولى مطلقاً إلّا مع القرينة الصارفة، أو أن الأولى نافذة مطلقاً إلّا مع القرينة الصارفة لها، أو أنّه إن أضاف الكسر لنفسه كأن يقول: ثلثي من مالي لفلان وثلثي الآخر لفلان كانت الثانية ناسخةً، وإن أضاف الأوّل فقط كانت الأولى نافذة دون الثانية، أو أضاف الثانية فقط كانت هي النافذة دون الأولى، أو أن المدار على القرائن في إرادة ثلثه الخاص الذى له التصرّف فيه بعد الموت وعدمها؟ وجوه.

ووجه الأوّل: أن الأصل في الوصايا النفوذ، ومتى كان كلّ منهما نافذاً ماضٍ تصرفه فيه حال الحياة نسخت الثانية الأولى، واستدل الشيخ (رَحمهُ اللّه) على ذلك بالإجماع والأخبار (3).

ووجه الثاني: أن الأصل في الوصايا الصحّة، وهي لا تستلزم النفوذ في حال الحياة وبعد الموت، فإذا كانت الأولى صحيحةً نفذت، ولزم تقديم الأوّل فالأول، فيستصحب حالها إلى


1) وسائل الشيعة 19 : 407 الباب 74 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

2) نسبه إليه الطباطبائي في رياض المسائل 10: 364.

3) الخلاف 4 : 154 - 155، المسألة 28.

أن يعلم المزيل، ولا يعلم بالمزيل إلّا بعد ثبوت كون الأخيرة ناسخة، ولم يثبت ذلك إلّا مع العلم بإرادة نفوذ كلّ من الوصايا من الموصي وأنّه يريد منها الثلث الذي له التصرّف فيه في الحياة والموت والمفروض عدم العلم؛ لأنّ الوصيّة أعم من النافذة وغيرها، والعام لا يدلّ على الخاص، والرجوع لا يثبت بالاحتمال.

ووجه الثالث: أن إضافة الثلث إلى نفسه قرينة على إرادة الثلث النافذ، فإذا ذكره ثانياً كان الثاني ناسخاً للأول.

ووجه [ الرابع ] (1): ظاهر.

ولا يتفاوت الحال في ذلك بين الوصيّة بالثلث أولاً ثمّ به ثانياً، وبين الوصيّة به أولاً ثمّ بغيره من الكسور الناقصة عنه من الربع أو الخمس، أو الزائدة عليه كالنصف والثلث، أو بغير الكسور من الأمور المعينة، أو الوصيّة بغير الثلث ولو بالمعين ثمّ بالثلث ثانياً.

وقد تختلف هذه الوصايا في الظهور في العدول وعدمه، كما تختلف قرائن الأحوال في ذلك أيضاً.

ولو أوصى بالسابق ثمّ أوصى بما يضادها للاحق أُخرج السابق واللاحق بالقرعة، فإن دخل معهما الشكّ في الاقتران أُقرع على الجميع.

ولو أوصى للأشخاص بشيءٍ فهي وصيّة واحدة، وإن أوصى لهم واحداً بعد واحد مع تكرير الفعل أو المتعلّق فهي وصايا متعدّدة.

وقس على ذلك ما شابهه، والمدار على المقامات الخطابية.

تاسع عشرها: حكم ما لو أوصى بنصف ماله لشخص وأجاز الوارث فادعى بعد ذلك أنّه ظنّ قلّة المال فأجاز فتبيّن كثرته

تاسع عشرها: لو أوصى بنصف ماله لشخص وأجاز الوارث فادعى بعد ذلك أنّه ظنّ قلة المال فأجاز فتبين كثرته، كان القول قوله مع يمينه، وقضي عليه بما ظنّه من القدر حين الإجازة، فإذا حلف قضي عليه بصحّة الإجازة في ثلث التركة وفيما ظنّه ممّا زاد عليها، كما إذا ظنّه خمسمائة فإنّه يمضي في ثلث الأصل وما زاد عليه ممّا ظنّه.

ووجه قبول قوله: أصالة عدم العلم بالزائد، ولأن المال ممّا يعسر الاطلاع عليه غالباً،


1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية : «الثالث». والمثبت هو الصحيح.

ولأنَّ الظَّنِّ لا يُعلم إلّا من قبله، فليس عليه إلّا اليمين؛ لعسر اطلاع البيّنة عليه غالباً، مع احتمال عدم تصديقه - أخذاً بالظاهر من خطاب الموصي - فالرجوع إلى قوله رجوع عن لفظ متعين الدلالة على معنى يشمل القليل والكثير إلى دعوى يجوز كذبه فيها، على أنّه قد أقدم عليه.

ولو أوصى لشخص بمعين فأجاز الورثة ثمّ ادعوا أنّهم ظنوا أن ذلك بقدر الثلث وزيادة قليلة فتبين كثرة الزيادة، فالمشهور عدم سماع دعواهم؛ لعلمهم بقدر المال المجاز وقد أقدموا عليه، بخلاف المشاع فإنّ العلم بقدره موقوف على العلم بجميع التركة، والأصل عدمه، فتسمع دعواهم فيه.

وقيل بالتسوية في سماع دعواهم في المقامين (1).

ووجهه: أنّ الإجازة وإن وقعت على معلوم للورثة إلّا أن كونه ممّا يقارب الثلث أو يزيد كثير ممّا لا يعلمونه، ولعلّهم إنّما أجازوا لزعمهم قلة المعين بالنسبة إلى مجموع التركة، والأصل عدم علمهم بقدرها، ولئن علموا قدرها فالأصل عدم علمهم بقدر النسبة، ولئن علموا قدر الأمرين فلعله ظهر بعد ذلك دين تبين نقصانها بسببه، فلزوم تصديقهم في دعواهم - للزوم الضرر عليهم بعدمه، ولأنّه أمر لا يُعلم إلّا من قبلهم - حاصل في كلّ من المقامين، كما أنّ أصالة عدم كثرة المال لا يخلّ بتصديق دعواهم وإن استند إلى تقصيرهم؛ لمعارضته بأصالة عدم العلم، وبغلبة الخط وظهور الزيادة والنقصان غالباً.

ويمكن الفرق بين ادعائهم الظنَّ بكثرة المال فأجازوا وبين معرفتهم بقدر المال ولكنّهم ادعوا الجهل بالنسبة للجهل بقيمة المجاز وقيمة المجموع فتسمع دعواهم في الأوّل دون الثاني ؛ لاستناد التقصير إليهم.

العشرون: حكم ما لو أوصى لشخص بمشاع أو بمعين

العشرون: لو أوصى لشخص بمشاع، سواء كان كسراً كثلث وربع، أو كلياً كألف هذه الدراهم أو رطلاً من صُبرةٍ، كان الموصى له شريكاً للورثة في المقامين، فالحاصل بينهم والتاوي منهم، ولا يختص الموصى له في الكلّي في الباقي، كما يختص بالبيع على بعض الوجوه.


1) راجع الدروس الشرعيّة 2 : 305.

وإن أوصى بمعين، كان المعين للموصى له ويختص به، ولكن بشرط أن يقبض الوارث قدر ثلثيه من غيره من التركة، فلو توي مال التركة جميعه ما عدا الموصى به قبل قبض الوارث له لم يكن للموصى له سوى ثلث المعين؛ لأنّه هو الذي يملكه على كلّ تقدير.

فحينئذٍ لو كان غير الموصى به من التركة غائباً أو بيد متغلب توقف استقرار ملك الموصى له لثلث الموصى به على تمكّن الوارث منه على قدر ثلثي الموصى به، فإن لم يتمكّن استقرّ ملكه على ثلثه وعاد للورثة الثلثان.

وهل ذلك فسخ من حينه أو من أصله؟ وجهان، والأظهر الأوّل.

وهل يجوز للموصى له التصرّف بالعين؛ قضاء لحق ظاهر الملك إلى أن ينكشف الحال أو ليس له؛ لتعلّق حقّ الغير به تعلّق حقّ المرتهن بالرهن ؟ وجهان، ثالثهما: الجواز إن قلنا: إنّه فسخ من حينه، والمنع إن قلنا: إنّه فسخ من أصله.

وعلى القول بالجواز فهل يسترد الوارث العين بعد نقلها من الموصى له، أو يغرم الموصى له م الموصى له المثل أو القيمة؟ وجهان، وهو بناء على أنّه فسخ من حينه قوي.

وهل يجب على الوارث تسليم العين للموصى له؛ لمكان ملكه لها ظاهراً، أو لا يجب؛ لتعلّق حقهم بها، فيتسلّمها الحاكم، أو توضع على يد عَدْلٍ فيكون حكمها حكم المال المشترك؟ والظاهر أن توقف استقرار ملك الموصى له على الوصيّة على حصول ما قابل ثلثيها للوارث وقبضه له إجماعي، وإن أمكن تطرّق المناقشة فيه؛ لحصول الملك للموصى له بالموت والقبول، فيفتقر انفساخ ملكه بتلف شيءٍ من التركة قبل القبض إلى الدليل.

الحادي والعشرون: حكم ما لو أوصى بثلث عبده فخرج ثلثاه مستحقاً

الحادي والعشرون: لو أوصى بثلث عبده فخرج ثلثاه مستحقاً نفذت الوصيّة في ثلثه؛ لأن الظاهر أنّ الموصي إنما يوصي بما يملك، وهو مالك للثلث فتنفذ فيه الوصيّة، فإن كان له غير العبد من التركة بحيث يكون ضعفي ثلث العبد نفذت الوصيّة في الثلث أجمع، وإلا نفذت على نسبة ما عنده، وإن لم يكن غيره مضى في ثلث الثلث.

وذهب بعض العامّة إلى نفوذ الوصيّة بثلث الثلث؛ بناءً على انصراف الوصيّة إلى الثلث المشاع فتصح في ثلثه؛ لأنّه هو الذي يملكه، كما يحكم بذلك في الإقرار قطعاً، وفي البيع في أحد الوجهين(1). وهو ضعيف.


1) راجع المهذب الشيرازي : 455؛ وحلية العلماء 6: 89.

الثاني والعشرون: حكم ما لو أوصى بمشترك معنوي أو لفظي

الثاني والعشرون: لو أوصى بمشترك معنوي، كان الخيار في التعيين إلى الوارث، إلّا أن يكون هناك فرد ظاهر ينصرف إليه الإطلاق.

وإن أوصى بمشترك لفظي وكان ظاهراً في فردٍ، أو نصب عليه قرينة، كان هو المراد، وكذلك إن قلنا: إنّه ظاهر فى الجميع عند التجرّد عن القرائن؛ بناءً على جواز استعمال المشترك في معانيه، وإن لم يكن له فرد ظاهر ولم توجد قرينة، فإن علم إرادة معيّن استخرج بالقرعة، وإن علم منه إرادة المسمّى عاد كالمشترك المعنوي، وإن لم يُعلم أشكل الحال، وسيجيء (1)- إن شاء اللّه تعالى حكم ذلك.

ولو كان المتواطئ أو المشترك ممّا يقع اسمه على المحلل والمحرم وكان كلّ منهما موجوداً عنده، فهل يكون المحلل قرينة على إرادته؛ حملاً للمسلم (2)على الصحّة، وقضاء لحق ظاهر الوصيّة، وأخذاً بالوصيّة بحسب الإمكان للنهي عن تبديلها (3)، ولا يجوز تبديلها إلّا مع العلم بإرادة المحرَّم ولم يُعلم ذلك، أو لا يكون قرينة؛ لأن اللفظ عام والتحليل والتحريم غير صالحين لكونهما قرينةً معيّنةً لأحد الفردين، فيشك حينئذٍ في حصول أصل الوصيّة ووقوعها فلا يلزم تبديل الوصيّة؛ لأنّ التبديل لا يكون إلّا مع التحقق وهو مشكوك فيه؟ وجهان، ولعلّ الأوّل أقوى.

ولو لم يكن عنده إلّا المحلَّل، صحت الوصيّة؛ لاقتران الوصيّة بالقرينة الحالية المؤيدة لما ذكرنا من القرينة المقالية.

ولو انعكس فلم يكن عنده سوى المحرّم، اتجه البطلان؛ لتساوي الاحتمالين فيقوى تساقطهما في البين، وصحة فعل المسلم لا تقضي على ظاهر الخطاب القاضي بالفساد، كما إذا انصرف اللفظ بحسب العرف إلى المحرَّم، فإنّ صحّة فعل المسلم لا تصرفه عن ظاهره إلى المحلل، بل يُحكم بفساد الوصيّة.

ولو أوصى بما كان أظهر منافعه محرَّم، بطلت الوصيّة وإن أمكن الانتفاع به في جهةٍ محلة في بعض الأحوال والأوقات.


1) سيأتي في ص 387.

2) الظاهر : «لفعل المسلم» بدل للمسلم».

3) البقرة (2) : 181.

ولو أوصى بما حرمت هيئة - كالطبل والعود - بطلت الوصيّة وإن أمكن كسره وملك مادته من الخشب والجلد.

ولو نص على كسره في الوصيّة جاز، سواء نص على كسره فأوصى به، أو أوصى به على أن يكسر، وإن كان الأخير لا يخلو من إشكال.

ويظهر من بعضهم تجويز الوصيّة بالمحرَّم إذا أمكن تغييره إلى المحلّل (1)، فيغيّر ويدفع إلى الموصى له.

وهو ضعيف؛ لأن تغييره تبديل للوصيّة، وإنفاذ الوصيّة على ما هو عليه غير جائز، ولزوم كسره ودفعه موقوف على صحّة الوصيّة، فلو توقفت صحّة الوصيّة عليها دار، وحينئذٍ فتبطل الوصيّة به.

الثالث والعشرون: في أنّ الأصل في الوصيّة أن يتّبع قصد الموصي

الثالث والعشرون: الأصل في الوصيّة أن يتبع فيها قصد الموصي، فإن علم بلفظ صريح أو بلفظ ظاهر أو بقرينة حالية أو مقالية أو عُرف أو عادة، لزم اتباعه، ولا يُعدل عن الظاهر إلى غيره.

ولو تعارضت الحقائق، قدم عُرف الموصي على غيره، سواء كان غيره من الحقائق الشرعيّة أم من غيرها.

ولو تعارضت الحقيقة والمجاز المشهور، فلا يبعد لزوم تقديم المجاز المشهور.

ولو أوصى بعام أو مطلق، لزم اتباعهما ما لم يتخصص العام، أو يتقيد المطلق بعُرف أو عادة. وقد خرج من هذا الأصل ألفاظ قضى الدليل بصرفها عن ظاهرها، وهي خاصّة بما إذا علّق الموصي الوصيّة بمطلق ولم يُعلم منه إرادة فرد خاص بقرينة عُرف أو عادة أو غيرهما، فإذا علم إرادة فرد خاص اتبع؛ اقتصاراً على اليقين في الخروج عن القواعد، فإنّ القاعدة تقضي ببقاء المطلق على إطلاقه، إلّا أنّ الشارع صرف هذا المطلق إلى فرد خاص منه حكماً شرعياً، فيكون من الأسباب الشرعيّة المؤثرة أمراً خاصاً، كالنذر ونحوه، أو أنّه كاشف عن إرادة الموصي حين الوصيّة ذلك على وجه.


1) راجع قواعد الأحكام 2 : 455.

واحتمال كون ذلك حقيقة شرعيّة، أو كونه كاشفاً عن العرف أو العادة بعيدان؛ لمنع كون الأوّل موجباً لصرف اللفظ عن ظاهره عرفاً، فلا يجدي كونه حقيقة شرعيّة، ولمنع كونه كاشفاً أبداً مع أن الوجدان على خلافه.

فمن الألفاظ: الوصيّة بالجزء، فإنّ القاعدة تقضي بالعمل بإطلاقه في نذرٍ أو عهد أو يمين أو أمرٍ أو نهي، إلّا أنّ النصوص المستفيضة قد قضت بأن الجزء هو العُشْر؛ وعُلّل بأنّ الأجزاء التي كانت مفرّقةً على الجبال كانت عشرة (1).

وفي الأخبار الصحيح وغيره، وقد رويت في الكتب الأربعة (2)وفي تفسير العياشي (3)ومعاني الأخبار (4)والفقه الرضوي (5)، وأفتى بذلك جمع من الأصحاب (6)، ويؤيده الأصل والاحتياط، وظاهر الجميع أنّه عُشر الأصل لا عُشر الثلث؛ لأنّه بحسب ما أُضيف إليه.

وفي بعض الأخبار أنّ الجزء هو السُّبع (7)، وظاهره سُبْع الأصل، ونُسب (8)للأكثر ونُقل عليه الإجماع (9)، والأخبار فيه مستفيضة، وفيها الصحيح وغيره، مروية في الكتب الأربعة (10)وغيرها كتفسير العياشي (11)، وهو قويٌّ إلّا أنّ الأوّل أحوط، ولا يبعد التخيير للوارث أو الوصي فيهما.


1) وسائل الشيعة 19 : 380 - 384، الباب 54 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1 - 5، و 7 - 10.

2) الكافي : 39 - 40، باب من أوصى بجزء من ماله، ح 1 - 3؛ الفقيه 4: 205، ح 5476؛ تهذيب الأحكام 9 : 208 - 209، ح 824 - 827؛ الاستبصار 4 : 131 - 132، ح 494 - 497.

3) تفسير العياشي 1: 143 - 144، ح 472 – 475.

4) معاني الأخبار : 217، ج 1، 2.

5) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 299.

6) المقنع : 478 مختلف الشيعة 6 : 310 المسألة 91؛ إيضاح الفوائد :2 : 533؛ الدروس الشرعيّة 2 : 312؛ جامع المقاصد 10 : 211.

7) وسائل الشيعة 19 : 384 الباب 54 من أبواب كتاب الوصايا، ح 11، 12.

8) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 365.

9) غنية النزوع 1 : 308.

10) الفقيه 4: 205، ح 5477؛ تهذيب الأحكام 9: 209 - 210، ج 828 - 831؛ الاستبصار 4 : 132 – 133، ح 498 - 501.

11) تفسير العياشي 2 : 244، ح 21.

وفي روايةٍ شاذة أنّه سُبْع الثلث (1)، ويساعدها الاحتياط.

والأظهر حملها على صورة الوصيّة بالشبع مضافاً إلى الثلث.

ومنها الوصيّة بالسهم، فإنّ الذي تقضي به القواعد أنّه على إطلاقه عرفاً، ولكن المشهور والذي دلّت عليه الأخبار (2)وقضى به الاحتياط أنّه الثمن، وعُلّل في بعض الأخبار بسهام الزكاة(3).

وقيل: إنّه السدس (4)، ونُقل عليه الإجماع (5)، وفيه رواية ضعيفة، وهي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أعطى السدس لمن أوصي له بسهم(6).

وهو ضعيف؛ لضعف الإجماع المنقول والرواية عن معارضة ما تقدّم من الروايات المعتضدة بفتوى المشهور كضعف ما دلّ على أنّه العُشر (7)، والرواية الدالّة على ذلك ضعيفة جداً قد أعرض عنها الأصحاب.

ومنها: لو أوصى بشيءٍ من ماله فالذي تقضي به القواعد حملها على الإطلاق، إلّا أنّ المشهور والمنقول عليه الإجماع (8)والذي استفاضت به الأخبار (9)أنّه السدس.

ومنها: لو أوصى بوجوه فنسي الوصي منها وجهاً أو أكثر، فالذي تقضي به القواعد أنّه إن كان مشتبهاً في محصور فالقرعة أو الصلح من الحاكم، أو يعود ميراثاً، وإن كان بغير المحصور فحكمه حكم مجهول المالك، أو يعود ميراثاً، إلّا أنّ مشهور الأصحاب أنّ المنسي يصرف في وجوه البر مطلقاً، ولا يخص الصدقة كالمجهول المالك؛ للرواية: في رجل أوصى بوصيّة فلم يحفظ الوصيّ إلّا باباً منها كيف يصنع بالباقي ؟ فوقّع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الأبواب الباقية اجعلها في البر» (10)ويؤيده: أنّ الموصى به خرج عن الورثة فلا يعود إليهم إلّا بدليل، ولوجوب


1) وسائل الشيعة 19 : 384 الباب 54 من أبواب كتاب الوصايا، ح 13.

2) المصدر : 385 و 388 الباب 55 من أبواب كتاب الوصايا. ح 1 - 3 و 7.

3) المصدر : 385 و 388 الباب 55 من أبواب كتاب الوصايا. ح 1 - 3 و 7.

4) قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 4 : 8 والخلاف 4: 140 المسألة 9 وابن زهرة في غنية النزوع 1: 308؛ ووالد الصدوق على ما في مختلف الشيعة 6: 311، المسألة 92.

5) الخلاف 4 : 140 - 141، المسألة 9؛ غنية النزوع 1: 308.

6) المعجم الأوسط 9 : 155، ح 8334؛ مجمع الزوائد 4 : 388، ح 7098، 7099.

7) وسائل الشيعة 19 : 387 الباب 55 من أبواب كتاب الوصايا، ح 4.

8) تذكرة الفقهاء 2 : 496 (الطبعة الحجرية).

9) وسائل الشيعة 19 : 388، الباب 56 من أبواب كتاب الوصايا.

10) المصدر : 393، الباب 61 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

العمل بالوصيّة وتحريم تبديلها بالكتاب (1)والسنّة (2)، ولا يمكن العمل بها إلّا بخروجها عن الورثة وصيرورتها للموصى له ولمّا كان مجهولاً كان حكمه حكم مجهول المالك، ولأنّ صرفها في وجوه البر عمل بالوصيّة بقدر الإمكان لإرادة القربة في الوصيّة غالباً، فإذا فات الخصوص بقي العموم، ولما ورد في نظائر الوصيّة المقاربة لها في الحكم بحسب الفحوى، كما ورد في المنذور للكعبة: أنّه يصرف في زوارها (3)، وفيمن أوصى بأن يحج عنه بما لا يفي به: أنّه يصرف في البر، أو يتصدق به عنه (4).

وقيل: يرجع ميراثاً؛ لبطلان الوصيّة بامتناع القيام بها، والأصل في المال كونه ميراثاً ما لم تنفذ فيه الوصيّة، والمفروض عدم نفوذها (5).

وفيه منع عدم نفوذ الوصيّة غاية ما في الباب بعد نفوذها جهل ما ينفذ فيه فيعود كالمجهول المالك، ومصرفه الصدقة.

نعم، لو كانت الوصيّة لشخص خاص فنسيه الوصيّ قبل قبوله، كان الحكم بأنّه ميراث متجهاً، إمّا لو كان الموصى به وجهاً عاماً أو خاصاً وقد نسيه الوصي بعد القبول فلا وجه للحكم بأنّه ميراث؛ لخروجه عن الوارث فلا يعود إليه، فيكون صرفه معلوماً ومصرفه غير معلوم، فيكون كالمجهول المالك، إلّا أن المجهول المالك يختص بالصدقة على الأظهر، بخلاف المقام ها هنا، فإنّه شامل لجميع أنواع البرّ، عملاً بالرواية (6)المعتبرة بفتوى المشهور.

ومنها: لو أوصى بسيف وهو في جَفْنٍ وعليه حلية من ذهب أو فضة، وصندوق وفيه مال، وسفينة وفيها طعام، وكان الموصى به معيّناً، فإنّ القواعد قاضية بنفوذ الموصى به وما يتبعه عرفاً، ويشمله اللفظ عادةً بحيث يعلم قصد الموصي أو يظن ظناً حاصلاً من ظاهر الخطاب.


1) البقرة (2) : 181.

2) راجع وسائل الشيعة 19 : 348 الباب 37 من أبواب كتاب الوصايا.

3) المصدر : 392، الباب 60 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

4) المصدر : 421، الباب 87 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

5) قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 208 - 209.

6) راجع الهامش (4).

ولكن الذي أفتى به المشهور أنّ الجفن والحلية داخلان فيه ما لم تقم قرينة على الخلاف، وهو في الجفن ممّا يقضي به العرف وأمّا في الحلية فمحل شكٍّ، إلّا أن الرواية (1)مجبورة بفتوى المشهور، بل بظاهر الإجماع المنقول على لسان جمع من الفحول (2)، مضافاً إلى صحتها إلى ابن أبي نصر، وهو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه.

وكذا في دخول المال في الصندوق، فإنّ المشهور على دخوله، وكذا الرواية (3)المعتبرة بفتواهم، وظاهرها دخوله مطلقاً.

ويمكن تقييده في عرف ذلك اليوم، أو في بعض البلدان، أو في بعض الصناديق الخاصّة المعدة لأخذ المال منها والعطاء فيها، بحيث تجعل كالمعيار.

وكذا في دخول الطعام في السفينة، فإنّ الرواية المجبورة بفتوى المشهور قاضية بدخوله ما لم تقم قرينة على عدمه، والرواية في رجل :قال هذه السفينة لفلان، ولم يسم ما فيها، وفيها طعام، أيعطيها الرجل وما فيها؟ قال: «هي للذي أوصى له بها إلّا أن يكون صاحبها متهماً وليس للورثة شيء» (4).

وضعف سندها ودلالتها من حيث احتمالها لما أفتى به المشهور، من إرجاع الضمير إلى

السفينة وما فيها؛ لإحراز مطابقة الجواب للسؤال، حيث إنّه قد وقع عنها وعمّا فيها، واحتمالها لإرجاع الضمير إلى نفس السفينة، فيكون المراد منه: أنّ المدفوع نفس السفينة دون ما فيها، إلّا أن الاحتمال الأوّل أظهر بقرينة فتوى المشهور، فإنّ الشهرة تجبر السند وتؤيد الدلالة وتُعيّن أحد الاحتمالين، بل تصرف الظاهر عن ظهوره، ومع ذلك فالحكم على إطلاقه مشكل، وحمل الرواية على العرف السابق أو على سفن تكون كالمقادير للطعام، أو على قيام القرينة على ذلك وجيه بل هو أوجه.

وعلى كلّ حال، فلا يسري الحكم لكلّ ظرف ومظروف: من جرابٍ أو آنية أو حوض أو حب أو كوز، ما لم يقض بدخول المظروف في الظرف العُرف العام أو الخاص، أو تقوم قرينة على ذلك ولو قلنا ذلك في السفينة للدليل.


1) وسائل الشيعة 19 : 389 الباب 57 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

2) تحرير الأحكام الشرعيّة 3: 361 الرقم 4796: المهذب البارع 3: 134؛ رياض المسائل 10: 369.

3) وسائل الشيعة 19 : 390 الباب 58 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

4) المصدر : 391 الباب 59 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

ولا فرق بين كون الموصي عدلاً أم لا، خلافاً لمن فرّق بينهما (1)، كما أشعرت به الرواية (2)، ولا بين كون الصندوق مقفولاً أم لا.

نعم، قد يقال: إنّه لو كان مقفولاً قد يكون القفل قرينة على إرادة الوصيّة بما فيه، فتحمل عليه الرواية.

ولا بدّ من الاقتصار في الحكم أيضاً على الوصيّة بسفينة معينة، أو صندوق كذلك، أو فردٍ من أفرادهما معيناً، فلو كانت الوصيّة بصندوق أو سفينة مطلقين لم يكونا مورداً للنص والفتوى. وفي دخول الجفن والحلية في الوصيّة بالسيف مطلقاً إشكال، والأظهر دخول الأوّل دون الثاني.

ومنها: ما لو أوصى في سبيل اللّه، فالمشهور بين المتأخرين أن السبيل هو الطريق إليه، وهو شامل لجميع أنواع البرّ، وتدلّ عليه جملة من الروايات:

ففي بعض الأخبار: فيمن أوصى في سبيل اللّه : أنّه شيعتنا (3).

وفي آخر: فيمن أوصى كذلك: أنّه يصرفه في الحجّ (4).

وفي ثالث: أنّه «إن شاء جعله لإمام المسلمين، وإن شاء جعله في الحج، أو فرّقه على قوم مؤمنين» (5).

إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على ذلك.

إلا أنّ الشيخ (رَحمهُ اللّه) خص السبيل بالمجاهدين والغزاة (6)لما ورد: فيمن أوصى في سبيل اللّه، وكان لا يعرف هذا الأمر: «أنّه ينظر إلى مَنْ يخرج إلى هذا الوجه - يعني بعض الثغور فابعثوا به إليه» (7).

وهو ضعيف فتوى وروايةً، فالأظهر ما عليه المتأخرون.

الرابع والعشرون: عدم صحّة الوصيّة فيما لو أوصى بإخراج الولد من الإرث

الرابع والعشرون: لو أوصى بإخراج الولد من الإرث، لم تصحّ الوصيّة ولو كان الموصي بذلك الأب، وفاقاً للمشهور؛ لمخالفة الوصيّة للكتاب والسنّة.


1) كالشيخ الطوسي في النهاية : 614.

2) راجع الهامش (4) من ص 391.

3) وسائل الشيعة 19 : 338 - 339 الباب 33 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

4) المصدر : 339، ح 2.

5) مستدرك الوسائل 14 : 117، الباب 30 من أبواب كتاب الوصايا، ح 3.

6) النهاية : 613: المبسوط 4 : 35.

7) وسائل الشيعة 19 : 341 الباب 33 من أبواب كتاب الوصايا، ح 4.

ونزلها العلامة (رَحمهُ اللّه) على الوصيّة بجميع المال لمن عداه، فإن أجاز مضى وإلا فلا، وقد تُنزّل على منعه ممّا يخصه من الثلث خاصّة، فتكون الوصيّة بالثلث لغيره (1).

وكلاهما ضعيف؛ لمخالفتهما لظاهر الخطاب وظاهر قصد الموصي.

وفي المعتبر: أنّ رجلاً كان له ابن يدعيه [ فنفاه ] ثمّ أخرجه من الميراث وأنا وصيه. فكيف أصنع؟ فقال: «لزمه الولد لإقراره بالمشهد لا يدفعه الوصيّ عن شيءٍ قد علمه» (2).

وفي المقام رواية تضمنت أنّ رجلاً وقع ابنه على أُمّ ولد له فأخرجه من الميراث، فسأله وصيه مولانا الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك، فقال: «أخرجه» (3).

ويظهر من الشيخ (رَحمهُ اللّه) العمل بها (4)، إمّا في الجملة؛ حيث جعلها قضيّةً في واقعةٍ، أو مطلقاً بشرط وقوع الحدث الذي في الرواية من الوارث الموصى بإخراجه.

وعلى كلّ حال فالعمل بها متروك بين الأصحاب؛ لضعفها سنداً ودلالة، فلا تعارض الأصول والقواعد وفتاوى الأصحاب والمفهوم من أخبار الوصيّة في الباب، ولو عملنا بها لاقتصرنا على مورد الرواية، من كونه ابناً، وكونه واقعاً على أُمّ ولد له، وغير ذلك ممّا هو مذكور في الرواية.

الخامس والعشرون: في الوصاية ومشروعيتها

الخامس والعشرون: في الوصاية - بكسر الواو وفتحها -

وهي استنابة على جهة الولاية من الموصي لآخر في التصرّف بماله من أخذ أو إعطاء أو وفاء دين، وفي التسليط على أطفاله ومن بحكمهم بفعل ما يصلحهم في أنفسهم وأموالهم إذا لم يكن لهم ولي آخر.

ويدل على مشروعيتها عموم الكتاب (5)والسنّة المستفيضة بل المتواترة الآتية إن شاء اللّه في محالها (6).


1) مختلف الشيعة 6 : 335 المسألة 111.

2) وسائل الشيعة 19 : 424 الباب 90 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1. وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

3) المصدر، ح 2.

4) تهذيب الأحكام 9: 235 ذيل الحديث 917؛ الاستبصار 4: 140، ذيل الحديث 521.

5) البقرة (2) : 180.

6) تأتي في ص 397 - 400.

وهي من قسم الإيقاعات لا العقود وإن جاز للوصي الردّ في بعض الأحوال.

وفيها أُمور:

أحدها: اشتراط العقل والبلوغ والرشد في الوصي

أحدها: يشترط في الوصي بحيث يتصرّف حال الوصيّة العقل والبلوغ، فلا تصحّ وصاية الطفل بحيث يتصرّف حال طفوليته، ولا إلى مجنون بحيث يتصرف حال جنونه، إجماعاً فيهما، أما لو أوصى إلى مجنون أدواري صحت الوصيّة، وانصرفت إلى حال الإفاقة في وجه.

ويشترط الرشد فيه إذا تعلّق بالمال؛ لقصور السفيه عن النظر في المصارف وتدبير المال، مع احتمال أنّه لو كان عدلاً ورعاً عارفاً بالتدبير جازت وصيته ومنعته تقواه عن التبذير، ولكن في قوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) (1)ما يمنع من استنابته في تدبير الأموال، ولو كانت الوصيّة غير مال جازت وصيّته من غير كلام.

وهل تنفسخ الوصاية بالجنون أم يبطل أثرها؟ وعلى الانفساخ فهل تعود أم لا؟ وجهان، ينشآن من انقطاعها فتستصحب، ومن أنّها تتجدد بموجب العقد الأوّل.

وهل يشترط في الوصيّ العدالة ابتداءً أو استدامة، أو هما معاً، أو لا يشترط مطلقاً، أو يشترط في الاستدامة لا في الابتداء، بمعنى أنّه لو أوصى إلى عدلٍ ففسق بطلت وصيته، دون ما لو أوصى لفاسق ابتداءً، أو يشترط العدالة ابتداءً ولا عبرة بالاستدامة على احتمال ضعيف، أو يشترط عدم ظهور الفسق لا ثبوت العدالة، فتصح الوصيّة لمجهول الحال؟

ثمّ على اشتراط العدالة فهل المدار على ثبوتها واقعاً، أم على نظر الموصي؟ وهل يكفي الاستئمان على اشتراط العدالة أم لا؟ وجوه واحتمالات، وفي كثير منها أقوال.

والقول باشتراطها ابتداءً منسوب للمشهور (2)، بل كادت أن تكون الشهرة عليه محققةً ومنقول عليها الإجماع (3).

ويؤيدها: أن الوصاية اسئتمان، والفاسق غير صالح لها؛ لوجوب التثبت عند خبره، وأنّ الوصاية ركون، والركون إلى الظالم منهي عنه (4)، والفاسق ظالم، والوصاية استنابة، ويشترط


1) النساء (4) : 5.

2) رياض المسائل 10 : 313.

3) غنية النزوع 306:1.

4) هود (11): 113.

في الاستنابة العدالة كوكيل الوكيل بل هي أولى في الاشتراط؛ لانجبار نظر وكيل الوكيل بنظر موكله، وبنظر الأصل دونها، وأنّ الوصاية استثمان على مال الغير من أطفال أو حقوق عامة، أو وفاء ديون ونحوها، ولا يجوز استئمان الفاسق.

ويؤيد ذلك أيضاً : ما يُفهم في بعض الأخبار من اشتراط عدالة وكيل الحاكم على الأيتام (1)، من حيث تساويهما في كون المال بعد الموت قد تعلّق به حقّ الغير وإن اختلفا في كون أحدهما من المالك والآخر من غيره.

وقيل بعدم الاشتراط (2)للأصل، ولإطلاق الأخبار (3)، ولأنّ المالك له أن يتصرف بملكه كيف يشاء، ولأن الوصاية كالوكالة والوديعة وللمالك أن يوكل من شاء ويودع ماله لمن شاء.

وفي الجميع نظر؛ لتخصيص الأولين بما قدمنا من الأدلّة، وبمنع عدم الفرق في الثالث؛ لتعلّق حقّ الغير في الموصى به غالباً في الوصاية دون الوكالة والوديعة، ولو كانت الوكالة والوديعة كذلك التزم باشتراط العدالة فيهما.

ومن هنا قد يتوجه الفرق بين ما تكون الوصاية بما يتعلّق بالغير من مال الأطفال أو إخراج حقوق عامة كخمس أو زكاة أو نذور أو كفارات فيشترط فيها العدالة. وبين ما تكون متعلقةً بأمور خاصّة راجعة إلى الموصي من أخذ أو عطاء مندوب أو مباح أو هبة لشخص أو نحو ذلك فلا تشترط؛ لتعلقها بمال الموصي، وللمالك التصرّف في ملكه كيف شاء. وهو جيد.

وهل العدالة شرط واقعاً، فلا تمضى تصرفات الوصي لو كان فاسقاً واقعاً، ولا يجوز له التصرّف لو علم من نفسه الفسق؛ أخذاً بإطلاق الفتوى والإجماع المنقول (4)، وببعض العلل، أم شرط ظاهراً لدى الموصي وإن لم تثبت واقعاً، فتمضى تصرفاته وإن كان فاسقاً في الواقع؛ أخذاً بانصراف اشتراط العدالة ونحوها من الملكات في الفتاوى والنصوص إلى ما كان عدلاً في الظاهر ؟ وجهان، ولا يبعد الأخير. وحينئذٍ فالعدالة شرط في الاستنابة لا في النيابة، ومثله النيابة في الحجّ.


1) وسائل الشيعة 19 : 422 الباب 88 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

2) ممّن قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 189؛ والمحقق الحلّي في المختصر النافع : 265؛ والعلامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 352، المسألة 126.

3) راجع وسائل الشيعة 19 : 271، الباب 10 من أبواب كتاب الوصايا.

4) راجع الهامش (3) من ص 394.

نعم، لا يبعد على هذا الوجه أن للحاكم عزله عند الاطلاع على فسقه أو منعه عن التصرف. وقد يقال بكفاية اشتراط الاستئمان على المال والتصرف فيه عن العدالة، وتنزيل الفتاوى والإجماع المنقول على اشتراط العدالة على إرادة الاستثمان؛ لتعسّر حصوله غالباً من دون العدالة.

وقد يقال: إنّ اشتراط العدالة بل الاستثمان إنّما هو بالنسبة إلى إمضاء تصرفات الوصي و عدم ضمانه بالنظر إلى الحاكم وعدول المسلمين، فإنّ عليهم أن لا يمضوا ما فعله الفاسق أو غير المأمون، وأما تصرفاته بالنظر إلى مال الوصيّ واقعاً فهي ماضية، فلو اطلع الحاكم أو عدول المؤمنين عليها وكانت موافقة للوصيّة نفذت، ولا يلزم الحاكم تجديدها أو تضمينها، وهو وجه، ويظهر من بعض المحقّقين الميل إليه (1)، وربما تساعده السيرة.

هذا كلّه في الوصيّة إلى العدل أو الفاسق ابتداء، إمّا لو أوصى إلى عدلٍ ففسق، فإن قلنا باشتراط العدالة انعزل؛ لفوات شرط الابتداء، وشرط الابتداء شرط في الاستدامة، كما هي القاعدة في الشروط، واحتمال العدم تمسكاً بالاستصحاب ضعيف، وإن لم نقل باشتراطها في الابتداء فالمشهور على انعزاله مطلقاً، سيما لو فهم أنّ الداعي للوصاية هو العدالة، ونقل عليه الإجماع (2). وظاهر جملة من الفتاوى والإجماع المنقول هو عدم التفاوت بين كون الداعي للوصاية هو العدالة أم لا (3)، وبين فسقه حال حياة الموصي أو بعد مماته، وبين علم الموصى بفسقه حال حياته أو علمه بأنّه يفسق بعد مماته، وبين عدم علمه.

وهو مشكل في كثير من الصور؛ لمنافاته الاستصحاب، وللزوم تبديل الوصيّة المنهي سيما مع العلم بفسقه حال حياته، أو لم يكن الداعي لنصبه عدالته ولم يعزله. وكذا لو كان يعلم بفسقه بعد مماته.

ولا يبعد عدم انعزاله في هذه الصورة ونحوها على القول بعدم اشتراط العدالة ابتداء، ويُصرف الإجماع المنقول وكذا فتوى المشهور إلى غيرها.

وهل تعود الوصاية بعود العدالة؛ لتجدّدها بتجدّدها، أو لا تعود؛ للاستصحاب؟ وقد يبنى ذلك على أنّ الفسق انعزال، أم إبطال لأثر التصرّف؟


1) راجع رياض المسائل 10 : 314 - 315.

2) المصدر : 315.

3) البقرة (2) : 181.

وهل يفتقر عزل الفاسق في الاستدامة إلى عزل الحاكم فينفذ تصرفه قبله، أو لا يفتقر؛ أخذاً بالإطلاق وبقواعد الاشتراط؟ وهذا الأخير أقوى.

وقد يتوجه القول بأنّ الفسق مانع ومبطل للوصاية، لا أن العدالة شرط.

وحينئذٍ فلو أوصى لمن لم تحصل له ملكة العدالة فالوصيّة نافذة.

ولو أوصى إلى مجهول الحال عند الموصي نفذت الوصيّة كذلك.

ولو كان الوصي مجهول الحال عند الحاكم لم يكن له عزله، وعليه أن يمضي تصرفاته، ويبني أمره على الصحّة.

ثانيها: عدم صحّة الوصيّة إلى المملوك لنفسه أو غيره

ثانيها: لا تصحّ الوصيّة إلى المملوك لنفسه أو غيره، قِناً أو مدبَّراً أو مكاتباً أو أُمَّ ولد أو مبعضاً للموصي أو لغيره؛ لعموم ما دلّ على الحجر عليه، وأنّه لا يقدر على شيءٍ (1)، وللنهي عن تصرفه بنفسه وتصرّف الغير به وللإجماع المنقول (2)وفتوى المشهور.

نعم، لو كان للغير وأذن له مولاه صحت الوصيّة، ولم يجز للمولى الرجوع في إذنه بعد ممات الموصي، أو عدم إمكان نصب وصي آخر.

ويمكن القول بجواز الوصاية لعبد نفسه بعد أن يخرج منفعة خدمته من ثلثه، وإلى مدبّره بناءً على أنّه يكون حُرّاً عند التزامه بالوصاية وإلى مكاتبه إذا لم تعارض الوصاية السعي في تحصيل مال الكتابة، وسيّما لو قلنا: إنّ للوصي أجرة المثل؛ فإنّ المكاتبة عقد لازم.

ومال إلى جواز الوصاية لمدبَّر الموصى بعض أصحابنا (3)، وإلى مكاتبه بعض آخر (4).

ثالثها: عدم صحّة الوصاية للصبي بحيث يتصرف حال صباه

ثالثها: لا تجوز الوصاية للصبي بحيث يتصرّف حال صباه - كما تقدّم (5)مطلقاً، منفرداً أو منضماً.

وهل تجوز الوصاية إليه بشرط تصرّفه بعد البلوغ منفرداً، أو الوصاية إليه على أن يكون وصيّاً بعد بلوغه؛ لإطلاق أدلّة الوصاية من غير معارض، أو لا تجوز؛ للأصل، وانصراف


1) النحل (16) : 75.

2) غنية النزوع 306:1.

3) الفاضل السيوري في التنقيح الرائع 2 : 386.

4) كالشيخ المفيد في المقنعة : 668.

5) تقدّم في ص 394.

أدلّة الوصاية للبالغين بالفعل ؟ وجهان، ولا يبعد الأوّل فيما لا يفوت الغرض منه لو انتظر به إلى بلوغ الصبي.

وتصحّ الوصيّة إلى الصبي منضماً إلى الكامل، فإن شرط عدم تصرّف البالغ إلى بلوغ الصبي لزم اتباع شرطه؛ لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (1)ولحرمة التصرّف بمال الغير من دون إذنه.

وإن أطلق الوصيّة لهما جاز للكامل التصرّف بنفسه من دون انضمام أحدٍ إليه من جهة الحاكم إلى أن يبلغ الصبي، فإن بلغ وقد بقي من الوصايا شيء شاركه الصبي، ولا يجوز لأحدهما الانفراد عن الآخر، ولا يجوز للصبي بعد بلوغه أن ينقض شيئاً ممّا فعله الكامل وكان موافقاً للمصلحة أو خالياً عن المفسدة، ولم يشتمل على تغيير أو تبديل في الوصيّة.

ويدلّ على كثيرٍ من هذه الأحكام الخبر في رجلٍ أوصى إلى امرأةٍ وشرك في الوصيّة معها صبياً؟ فقال: «يجوز ذلك وتمضي الامرأة الوصيّة ولا تنتظر بلوغ الصبي، فإذا بلغ الصبي فليس له أن لا يرضى إلّا ما كان من تبديل أو تغيير فإنّ له أن يرده إلى ما أوصى به الميّت» (2).

والآخر: رجل أوصى إلى ولده وفيهم كبار قد أدركوا وفيهم صغار، أيجوز للكبار أن ينفّذوا وصيته ويقضوا دينه لمن صحّ على الميّت بشهود عدول قبل أن يدرك الأوصياء الصغار ؟ فوقّع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نعم، على الأكابر من الولد أن يقضوا دين أبيهم ولا يحبسوه بذلك» (3).

وأفتى بمضمونهما مشهور الأصحاب، بل نُقل عليه الاتّفاق (4).

ويدل على جواز تصرّف الكامل قبل بلوغ الصبيّ - مضافاً إلى ما مرّ (5)- أنّه في تلك الحال حيث لم يشترط عدم تصرّفه قبل بلوغ الثاني أنّ الكامل وصي منفرد، كما قالوا فيمن قال لآخر: أنت وصيّي فإذا حضر فلان فهو وصيّي أيضاً، أو شاركك في الوصاية، ومن ثمّ لم يكن للحاكم أن يدخل معه في الوصيّة، ولا أن ينضم إليه آخر ليكون نائباً عن الصغير،


1) وسائل الشيعة 21 : 276، الباب 20 من أبواب المهور، ح 4.

2) المصدر 19 : 375 - 376، الباب 50 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

3) المصدر : 375، ح 1.

4) رياض المسائل 10 : 318.

5) من آنفاً.

فإذا بلغ الصغير لم يكن للكبير الانفراد؛ لصيرورته وصيّاً غير مستقل، فلا يجوز له التصرّف منفرداً جرياً على القواعد.

ولو مات الصبي أو بلغ فاسد العقل، فهل للكامل الانفراد بالتصرف، للاستصحاب، أم لا بدّ من مداخلة الحاكم؛ لأنّ الوصي إنّما فوّض إليه الاستقلال إلى حين بلوغ الصبي، فكأنه سوغ له الانفراد إلى مدّة معلومة فلا يصحّ له التصرّف بعدها ؟ وجهان، ونُسب الأوّل للأكثر (1).

ويمكن الفرق بين الموت فلا يلزم مداخلة الحاكم، وبين بلوغه فاسد العقل فيلزم.

ثمّ على تقدير امتناع تصرّفه بموته فهل يتصرف قدر زمان صباه إلى أن يفرض بلوغه لو كان حيّاً، فيمتنع عليه حينئذٍ تصرّفه منفرداً، أو يمتنع من أول وهلة؛ لأنّه مع حياته له أمد ينتظر فلعله بعد بلوغه يسدّد ما أخل البالغ، أو يدرك بعض ما تأخر من التصرفات دون ما إذا مات؛ لصدق أنّ الوصي البالغ غير منفرد بالوصاية في الجملة، فلا يجوز له الاستقلال بالتصرف؟

ولو بلغ الصبي فمات بعد بلوغه أو جُنّ أو امتنع، ضم الحاكم إلى البالغ مَنْ ينوب منابه قطعاً.

رابعها: عدم صحّة وصاية الكافر من المسلم على مسلم وكذا وصاية الكافر من الكافر على مسلم

رابعها: لا تصحّ وصاية الكافر من المسلم على مسلم من طفل أو مجنون؛ لأنّه لا سلطان له على مسلم ولا ولاية له عليه. ولا تصحّ وصايته على أداء الديون وقضاء الحقوق العامّة؛ لأنّه ليس من أهل الأمانة.

وهل تصحّ وصايته على ما لا يتعلّق بما تقدّم من هبات أو عطايا أو غيرهما؟ وجهان، ولا يبعد صحّة الوصيّة.

ولا تصحّ وصاية الكافر من الكافر على مسلم بطريق أولى. وتصحّ وصيّة الكافر من الكافر على الكافر وعلى ما يتعلّق بأموره المشروعة في دينهم، ويجب علينا تنفيذ وصيته إجراء لهم على مذهبهم، وإلزاماً لهم بدينهم، سواء اشترطنا العدالة في الوصي أم لا إذا لم تكن شرطاً عندهم، وسواء كان الوصي عدلاً بدينهم أم لا.

ويحتمل قوياً على اشتراط العدالة بطلان وصاية الكافر مطلقاً؛ لأنّه لا شيء أعظم فسقاً من الكفر، وحينئذٍ فإذا ترافعوا إلينا رددناهم إلى مذهبنا، وأبطلنا وصيّتهم.

ويحتمل الاكتفاء - على القول باشتراطها بعدالة الكافر في دينه؛ لحصول المقصود من


1) نسبه إلى المشهور السبزواري في كفاية الفقه 2 : 66 والبحراني في الحدائق الناضرة 22 : 565.

اشتراطها من حفظ المال ووضعه في مواضعه، وصيانة الأطفال وما لهم، فتصح وصيّة الكافر لكافر عدل في دينه دون الفاسق.

ويجري الكلام في وصيّة المخالف للمخالف، وكذا غيره من فرق الشيعة غير الاثني عشرية ما يجري في الكافر على القول باشتراط العدالة وعدمها.

وتصحّ وصيّة المختلفين في الاجتهاد أو التقليد.

وتصحّ الوصيّة إلى الامرأة من رجل أو امرأة اتفاقاً.

وما ورد من المنع (1)معلّلاً بقوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ) (2)متروك أو محمول على التقية.

خامسها: صحّة الوصاية لما فوق الواحد دفعة ومترتباً

خامسها: تصحّ الوصاية لما فوق الواحد دفعةً ومترتباً، سواء كان الترتيب في الأزمنة أو في الأحوال أو في الأمكنة، وسواء كان متعلّق الوصيّة واحداً كما يكونان وصيين على شيءٍ واحد، أو متعدداً كما يكون كلّ منهما وصيّاً على شيءٍ.

ولو أوصى لمتعدّد، فإن أطلق أو شرط الاجتماع لزمهما الاجتماع، ولا يجوز لهما الانفراد. بمعنى أنّه لا يصدر تصرّف من أحدهما من دون نظر الآخر واطلاعه ورأيه وإن اختص بالمباشرة، وإن شرط الانفراد لزمهما الانفراد، وإن شرط الاجتماع لأحدهما دون الآخر لزم المشروط عليه الاجتماع. ولو شرط الاجتماع لأحدهما والانفراد للآخر لغا الشرط إذا لم يمكن أن يفعل كلّ منهما ما شرط عليه.

ولزوم الاجتماع مع الإطلاق يقضي به الاحتياط، وعليه فتوى المشهور، بل ربما كان إجماعاً.

ويدل عليه الخبر: رجل مات وأوصى إلى رجلين أيجوز لأحدهما أن ينفرد بنصف التركة والآخر بالنصف؟ فوقّع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا ينبغي لهما أن يخالفا الميّت [ ويعملان ] على حسب ما أمرهما إن شاء اللّه تعالى» (3).

والآخر: الرضوي الصريح في النهي عن الانفراد فيما لو أوصى إلى رجلين (4).


1) وسائل الشيعة 19 : 379 الباب 53 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

2) النساء (4) : 5.

3) وسائل الشيعة 19 : 376 - 377، الباب 51 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

4) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 299.

وضعف دلالة الأوّل وسند الأخير مجبوران بالشهرة وبالاحتياط.

وربما يؤيدان بالعرف على ما قيل (1)، ولا أقل من التردد بين الأخذ بالاجتماع أو الانفراد، والأوّل متيقن الجواز دون الثاني، على أنّ «لا ينبغي» في الخبر الأوّل مشعر بإرادة التحريم منه؛ لتعلقه بمخالفة الميت، المنهي عنها وعن تبديل الوصيّة (2)، فيُفهم أن في الانفراد مخالفة لما أوصى به الميت، فيكون الاجتماع إمّا مفهوماً عرفاً أو من حال الموصي.

وقيل بجواز الانفراد مع الإطلاق (3)للأصل، والموثّق: إنّ رجلاً مات وأوصى إلى رجلين فقال أحدهما لصاحبه: خُذْ نصف ما ترك وأعطني النصف، فأبى عليه الآخر، فسألوا أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك، فقال: «ذلك له» (4).

وفيه - مع قصوره سنداً وعدداً واعتباراً عن مكافأة ما مرّ : كونه مجملاً؛ لتساوي احتمال رجوع الإشارة إلى القسمة والضمير المجرور إلى الطالب، واحتمال رجوع الإشارة إلى الإباء والضمير إلى المطلوب، بل لعلّ الأخير أولى؛ لقرب مرجع الإشارة.

وترجيح الأوّل باقتران «اللام» بالإشارة المشعرة بالبعد معارض بأنّه في نسخة أُخرى عار عن اللام وهي نسخة الكافي (5)[ والفقيه ] (6)وهي راجحة على نسخة التهذيب (7)لأنّها الأصل لها، سيّما مع تعدد الأولى ووحدة الأخيرة.

ولو أوصى لاثنين واحداً بعد واحد لم يكن الثاني ناسخاً بل كان شريكاً.

ولو أوصى لاثنين فرد واحد دون الآخر، استقلّ مَنْ لم يرد.

وفي جواز الاستقلال مع شرط الاجتماع إذا ردّ أحدهما وجه، والأوجه: خلافه.

سادسها: حكم ما إذا تشاح الوصيّان في صورة وجوب الاجتماع عليهما

سادسها: إذا تشاح الوصيّان في صورة وجوب الاجتماع عليهما، رجعا إلى الحاكم،


1) قاله الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 322.

2) البقرة (2) : 181.

3) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 606 وابن البراج في المهذب 2 : 116 - 117.

4) وسائل الشيعة 19 : 377 الباب 51 من أبواب كتاب الوصايا، ح 3.

5) راجع الكافي 13: 443، باب من أوصى إلى اثنين فينفرد كلّ واحد منهما...، ذيل الحديث 2/13269 (طبعة دار الحديث).

6) الفقيه 4 : 151، ح 524، وما بين المعقوفين أضفناه من رياض المسائل 10: 323، وكما يقتضيه السياق.

7) تهذيب الأحكام 9: 185، ح 746.

فإن وافق أحدهما ما أوصى به الموصي وخالفه الآخر جبر المخالف الحاكم، ورده للموافق، فإن أصرّ على المخالفة عزله الحاكم لفسقه، وأقام غيره مقامه.

وإن خالفا معاً، جبرهما الحاكم على الموافق، فإن أصرًا عز لهما الحاكم، وأقام مقامهما غيرهما.

وإن تشاحًا على أمرٍ ولم يكن في أحدهما مخالفة ما أوصى به الموصي، فإن كان الاختلاف بالاجتهاد في المصالح والمفاسد أو بالتقليد لمجتهدين مختلفين، جاز للحاكم أن يرد كلاً منهما إلى الآخر، ويلزم أحدهما متابعة الآخر؛ لعدم خروجهما عن الاجتهاد.

ويحتمل إرجاع الحاكم لهما إلى القرعة فيرد الممتنع إليها.

ويحتمل جواز أن ينصب الحاكم غيرهما عنهما موافقاً لنظره لئلا يلزم تعطيل الوصيّة.

وإن كان الاختلاف لمجرد التشهي فإن أصرًا بحيث أدى إلى تعطيل المال أو إلى فسقهما، عزلهما الحاكم وأقام غيرهما مقامهما. وإن كان للمصالح ونحوها ردّ أحدهما للآخر وجبرهما على الاتفاق، والخيار له في الردّ مع احتمال لزوم ردّ غير الأعلم والأعرف إلى الأعرف.

هذا كلّه إذا لم يفت وقت الحاجة بالرجوع إلى الحاكم واتفاقهما، إمّا لو فات وقت الحاجة بالتأخير جاز لأحدهما الانفراد ولا إثم عليه، ولا ضمان على المنفرد فيما انفرد فيه، كمؤونة اليتيم، ونفقة الرقيق والدواب، وإصلاح العقار، وشراء كفن الميت، وقضاء ديونه الحالة التي لا يمكن إمهال صاحبها، وقبول الهبة عن الصغير عند خوف فوتها، والخصومة عن الميّت وله عند خوف فوتها، وردّ الوديعة والمال المغصوب.

وهل له الانفراد من دون رجوع إلى الحاكم مطلقاً؛ لأنّ ما يفوت وقت الحاجة إليه ممّا تشهد القرائن بالإذن الفحوائية بفعله منفرداً، أو له ذلك في صورة الإطلاق دون اشتراط أو ليس له ذلك؟ وجوه، أوجهها: الوسط، وأحوطها الأخير.

ولو أوصى لاثنين وأجاز لهما الانفراد كان لكلّ واحدٍ منهما الانفراد بالكلّ وبالبعض، ولهما القسمة، فيستقلّ كلّ واحدٍ منهما بما صار إليه.

سابعها: حكم ما إذا عجز أحد الوصيين المفروض اجتماعهما

سابعها: إذا عجز أحد الوصيين المفروض اجتماعهما، ضمّ الحاكم إلى العاجز مَنْ يعينه ويقويه، بحيث يكون معه شخصاً واحداً، هذا إذا طراً العجز.

ولو أوصى إلى العاجز ابتداءً وكان عالماً بعجزه لم يحتج إلى ضمّ واحد إليه، ولو كان جاهلاً فلزوم الضمّ قوي.

وقيل: إن ضمّ الحاكم إنما يكون للقادر لا للعاجز (1).

وتظهر الثمرة أنّه على الأوّل لا يكفي الاثنان في النظر بل لا بدّ من نظر الوصيين وأمين الحاكم، وعلى الثاني يكفي نظر القادر وأمين الحاكم.

ولو عجز بالكليّة لجنون أو فسق، ضم الحاكم إلى القادر نائباً عنه؛ لعدم رضى الموصي برأي القادر منفرداً، فيقيم مَنْ يقوم مقام الآخر.

وقيل بجواز انفراد الآخر؛ لأنّه وصيّ ولا ولاية للحاكم مع وجود الوصي (2)، ونُسب للمشهور (3).

وفيه: أنّه وصيّ مجتمعاً لا منفرداً.

ولو أوصى إلى عاجز ابتداء غير عالم بعجزه، ضمّ إليه الحاكم آخر.

ولو أوصى إلى عاجز بالكلية أقام الحاكم مقامه آخر عالماً أو جاهلاً. لصيرورته بمنزلة مَنْ لا وصي له.

ولو أوصى إلى عاجزين بالكلّيّة، أقام الحاكم مقامهما ولو واحداً، ولا يجب التعدّد لانعز الهما، ولا يجب على الحاكم سوى نصب وصيّ لتنفيذ ما أوصى به الموصي، ولا يجب عليه اتباع ما أوصى به الموصي.

وهل يجوز للحاكم عند عجز أحد الوصيين أن ينصب الآخر مقامه، فيكون وصيّاً بالأصالة والنيابة ؟ وجهان: من اختلاف النظر باختلاف الجهة ومن أنّ الاختلاف اعتباري، والنظر واحد، ولم يرض الموصي بالنظر الواحد ابتداء، فلا يجدي تعدد الجهة.

ولو شرط الموصي انفراد كلّ من الوصيين عن الآخر، لم تجز مخالفته إذا كان الشرط من قبيل العزيمة، ولو كان من قبيل الرخصة جاز، ويُعرف ذلك من المقامات الخطابية.

وهل يضمن الوصي مع المخالفة لما فهم أنّه عزيمة ؟ الظاهر ذلك؛ لمكان التعدي، لجواز تأثير الانفراد غير تأثير الاجتماع.

وليس للحاكم أن ينصب وصيّاً عن أحد المنفردين؛ لأنّه لا ولاية للحاكم مع وجود الوصي.


1) قال به الشهيد في الدروس الشرعيّة 2 : 324.

2) نسبه إلى الأكثر الصيمري في غاية المرام 2: 442 والسبزواري في كفاية الفقه 2 : 68.

3) نسبه للمشهور البحراني في الحدائق الناضرة 22 : 574.

وكذا لو شرط على أحد الوصيين الاجتماع دون الآخر، كان للحاكم أن ينصب عن المنفرد لو انعزل دون مَنْ شرط عليه الاجتماع فلا ينصب عنه.

ثامنها : في أن للموصى إليه ردّ الوصيّة مادام الموصي حيّاً ويمكنه نصب وصي آخر

ثامنها: للموصى إليه ردّ الوصيّة وعدم قبولها ما دام الموصي حياً ويمكنه نصب وصيّ آخر بعد أن بلغه الخبر، وعلى ذلك الفتوى والنصوص (1)والإجماع المنقول (2).

ويجوز أيضاً من غير خلاف للموصي تغيير الأوصياء وعزلهم بالكلية.

ولا يتفاوت في الأوّل بين كون الموصي له أباً أو غيره، وبين كون الوصاية منحصرةً فيه أم لا؛ للأصل، والأخبار (3).

وقيل: إن كان الموصي أباً، لم يجز لولده ردّ الوصيّة عليه فإن ردّها أثم؛ لأنّه عقوق للوالدين (4)، وللخبر: فيمن أوصى إليه أبوه أله أن يمتنع ؟ فوقّع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ليس له أن يمتنع» (5).

وظاهر هذا القول والرواية أنّ الوصيّة تكون لازمة ليس له ردّها لا مجرد الإثم.

وفيه ضعف؛ لمنع كون الردّ عقوقاً؛ لأنّ العقوق إدخال الإيذاء عليه بفعل يؤدي إليه، لا مجرّد مخالفة هواه وعدم إطاعة أمره، ولئن سُلّم أنّه عقوق فلا نسلّم لزوم الوصاية وإن أثم بترك العمل بها وعدم قبولها، ولضعف الخبر بسهل.

وقيل: إن كان الوصي محصوراً لم يجز الامتناع؛ لوجوبه كفاية فلا يجوز ردّها (6).

وللخبر: في رجل يوصى إليه، فقال: «إذا بعث إليه من بلد فليس له ردّها، وإن كان في مصر يوجد فيه غيره فذلك إليه» (7).

والثاني: في رجل يوصي إلى رجلٍ بوصيّة فأبى أن يقبلها، فقال: «لا يخذله على هذه الحال» (8).


1) وسائل الشيعة 19 : 319 - 321، الباب 23 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1 - 3، 5.

2) الحدائق الناضرة 22: 574 رياض المسائل 10 : 329.

3) وسائل الشيعة 19 : 319 - 321، الباب 23 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1 - 3، 5.

4) قال به الصدوق في المقنع : 479.

5) وسائل الشيعة 19 : 322 الباب 24 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

6) حكاه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 361 و 362، المسألة 136 عن الصدوق ونفى عنه البأس.

7) وسائل الشيعة 19 : 320، الباب 23 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

8) المصدر : 321، ح 4.

وفيه ضعف؛ لمنع وجوب القبول كفاية؛ لقيام الحاكم بعد موت الموصي مقام الموصى له، ولضعف الخبرين دلالة.

ولو لم يبلغ الموصي خبر الردّ إلى أن مات لزمت الوصيّة، وليس للوصي بعد ذلك ردّها، سواء قبلها فردّها أو ردّها قبل القبول؛ للشهرة المحصلة، والإجماعات المنقولة في كلا القسمين (1)، وللأخبار.

منها: «إن أوصى رجل إلى رجل وهو غائب فليس له أن يردّ وصيته، وإن أوصى إليه [ وهو ] في البلد فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل» (2).

والثاني: «إذا أوصى الرجل إلى أخيه وهو غائب فليس له أن يردّ عليه وصيّته؛ لأنّه لو كان شاهداً فأبى أن يقبلها طلب غيره» (3).

والثالث: في الرجل يوصى إليه، قال: «إذا بعث بها من بلد إليه فليس له أن يردّها» (4).

والرابع: في رجل يوصى إليه، فقال: «إذا بعث بها إليه من بلد فليس له ردّها، وإن كان في مصر يوجد فيه غيره فذلك إليه» (5).

وظاهر هذه الأخبار بقرينة ضمّ بعضها إلى بعض أنّ المدار على بلوغ الخبر للموصي و عدمه، وليس للحضور والغيبة مدخليّة في ذلك، وعلى ذلك فهم المشهور وفتواهم، وحينئذٍ فالوصي ليس له الردّ بعد موت الموصي، سواء بلغه خبر الوصاية في حال حياة الموصي أو بعد وفاته، وسواء قبلها في حال الحياة أو لم يقبلها، أو سكت عن القبول وعدمه، وله الردّ في حياة الموصي سواء قبلها أم لا؛ لأنّها عقد جائز فلا يؤثر القبول بها لزوماً، ولكن بشرط بلوغ خبر الردّ للموصي مع إمكان نصب وصي آخر.

ولو أوصى لشخص فردّ الوصيّة عليه فبلغه الخبر ثمّ أوصاه كذلك فردّها فبلغه الخبر وهكذا، ثمّ أوصاه أخيراً فلم يبلغ الوصي خبر الوصيّة حتّى مات الموصي، فالأوجه: أنّه إن طال الفصل بين الوصايا لزمت الوصيّة، وإلا فهي وصيّة واحدة مردودة فلا تلزم.


1) الخلاف 4 : 148 - 149، المسألة :21؛ تذكرة الفقهاء 2: 512 (الطبعة الحجرية)؛ مسالك الأفهام 6 : 255 - 256.

2) وسائل الشيعة 19 : 319 الباب 23 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

3) المصدر : 320، ح 3.

4) المصدر : 321، ح 5.

5) المصدر : 320، ح 2.

ويظهر من العلامة (رَحمهُ اللّه) الفرق بين قبول الموصى له للوصاية في حال الحياة فلا يجوز له الردّ بعد الموت، وبين عدم قبوله لها فيجوز له الردّ بعد الموت، لا سيما لو لم يعلم بها إلّا بعد الموت؛ استناداً إلى الأصل، وإلى لزوم الحرج والضرر بتحمل مشقةٍ من دون سبب اختياري أو استحقاق، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (1)وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا ضرر ولا إضرار» (2)وحمل الروايات المتقدّمة على حصول القبول أو على الندب (3).

ووافقه بعض فضلاء المتأخرين، وطعن في دلالة الأخبار - كما قدّمنا - من حيث اشتمالها على دوران الحكم مدار الغيبة والحضور لا مدار بلوغ الخبر وعدمه، وما في بعضها من التعليل المومى إلى الحكم لا يصلح لإثبات مثل هذا الحكم المخالف للقواعد الشرعيّة، بإثبات حقّ الوصاية على الوصي من دون سبب شرعي بل على وجه القهر، حتّى أن الموصي له أن يوصي سراً فيكتم الشهود الوصاية إلى ما بعد موته فيلتزم بها الوصي فيدخل عليه الضرر والحرج (4).

وهو ضعيف؛ للإجماع منقولاً (5)بل محصلاً - كما يظهر - على خلافه، والأخبار بعد ضمّ بعضها إلى بعض والتأمل في المراد منها تشهد بما عليه المشهور قطعاً، وحملها على الندب أو على حصول القبول ضعيف؛ لعدم شاهد عليه سوى الجمع، والجمع فرع المكافأة، وليس فليس.

على أن دعوى الحرج والضرر ممنوعة؛ لأنّه إن أريد بهما المشقة في الجملة، فهو شامل من التكاليف الشرعيّة، كوجوب النفقة والتربية والولاية على الأيتام عند عدم الوصيّ وغيرها، وإن أريد بهما ما لا يتحمّل، فهو ممنوع في المقام، ولو فرضنا حصولها لبعض الأوصياء كتقيّة أو خوفٍ على مالٍ أو عرض أو نفس أو طرفٍ، فإنّا نلتزم عدم لزوم قبول الوصيّة بل حرمة قبولها؛ لمكان الضرر والضرار.

ويلحق بعدم بلوغ الموصي الرد: بلوغه له ولكن حال بينه وبين نصب وصي آخر حائل


1) الحج (22) : 78.

2) الفقيه 4 : 243، ح 777؛ مسند أحمد 1: 313؛ سنن الدارقطني 3 : 470، ح 84/4460 - 85/4461.

3) مختلف الشيعة 6 : 299 - 300 المسألة 82؛ تحرير الأحكام الشرعيّة : 379 - 380، الرقم 4841.

4) مسالك الأفهام 6 : 258.

5) غنية النزوع 306:1.

من غشيان، أو انعقاد لسان، أو عدم وجود وصي آخر، أو وجوده وعدم قبوله لوصيته، على إشكال في الأخير.

وبالجملة، فالمدار على إمكان نصب وصيّ آخر وعدمه. وإطلاق جملة من الفقهاء وإن خلا عن التقييد بذلك، إلّا في خبر هشام بن سالم، وقوله فيه: «لا يخذله على هذه الحال» (1)، حيث إن مفهومها - كما فهمه جملة من الأصحاب - هو عدم وجود غير الوصي للموصي، وفي صحيحة الفضيل بن يسار، وقوله فيها: «وإن كان في مصر يوجد [فيه] غيره فذاك إليه» (2)وفي صحيحة منصور بن حازم، وقوله فيها: «لأنه لو كان شاهداً فأبى أن يقبلها طلب غیره» (3)ممّا يدلّ على تعليق جواز الردّ على وجود الغير، فلو لم يوجد الغير لقبول الوصيّة لم يجز له الردّ.

تاسعها: في أنّ الوصي أمين لا يضمن ما وقع في يده إلّا مع التعدّي أو التفريط

تاسعها: الوصي أمين لا يضمن ما وقع في يده إلّا مع التعدّي أو التفريط.

وهل يضمن ما لم يصل إلى يده إذا فرّط في النظر إليه وحفظه بحيث أهمله؟ الظاهر : العدم؛ للأصل، ولعدم ثبوت اليد غايته حصول الإثم، ولا ملازمة بينه وبين الضمان.

وما ورد في الأخبار من إطلاق ضمانه محمول على ما إذا كان المال في يده وقد فرّط فيه أو تعدّى أو بدل الوصيّة، كما ورد فيمن أوصى إليه أن يعتق نسمة عنه بستمائة درهم، فدفعها في الحج، فقال: «أرى أن يغرم الوصيّ من ماله ستمائة درهم، ويجعل الستمائة فيما أوصى به الميّت من نسمته» (4).

وبالجملة، فحكم الوصيّ حكم الأمناء، لا يضمن ما لم يدخل تحت يده وإن وجب عليه حفظه، ولا ملازمة بين وجوب الحفظ وبين الضمان.

ويضمن ما فرّط فيه أو تعدى عمداً أو خطأ ما لم يكن الخطأ بعد الاجتهاد وبذل النظر، فإنّ الظاهر عدم الضمان والحال ذلك؛ للزوم العسر والحرج، ولعدم انصراف أدلّة الضمان لمثل ذلك.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (8) من ص 404.

2) تقدّم تخريجه في الهامش (7) من ص 404.

3) تقدّم تخريجه في الهامش (3) من ص 405.

4) وسائل الشيعة 19: 348 الباب 37 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

وعلى ذلك فالمدار في المصالح والمفاسد في مصرف الثلث ومال الأيتام على المصالح والمفاسد في نظر الوصي ما لم يقصر فيه، لا على الأمور الواقعية.

عاشرها: في انه يجوز للوصي استيفاء دينه ممّا في يده من مال الميت

عاشرها: يجوز للوصي أن يستوفي دينه ممّا في يده من مال الميت، سواء أمكنه إقامة البيّنة أم لا، وسواء أقامها عند الحاكم أم لا، وسواء أقرّ به الوارث أم أنكره.

نعم، لو كان الوارث مُقرّاً وقد عزم على أداء الدين من ماله لم يجز استيفاء الدين من التركة من دون إخباره؛ لأنّه أحق بالتركة من الديّان إذا وفى الدين من ماله ولم يقصر في الوفاء.

ولو اشترك مع الوصي الديّان وصي آخر لم يجز للديان الاستقلال بالوفاء دونه، إلّا إذا خاف منعه له عند إخباره.

وذهب بعض أصحابنا إلى عدم جواز استيفاء الوصي من دون البيّنة (1)استناداً للأصل، والموثّق: في رجلٍ أوصى إلى رجل فسأله الوصي أن يشرك معه ذا قرابة له ففعل، وذكر الموصي أن له قبل الذي شركه معي خمسين ومائة درهم وعنده رهن بها جام من فضة، فلما هلك الرجل أنشأ الوصيّ يدعي أنّه له قبله أكرار حنطة، قال: «إن أقام البيّنة، وإلا فلا شيء له» قال: قلت له: أيحل له أن يأخذ ممّا في يده شيئاً؟ قال: «لا يحل له» قلت: أرأيت لو أنّ رجلاً عدا عليه فأخذ ماله فقدر على أن يأخذ من ماله ما أخذ كان ذلك له؟ قال: «إن هذا ليس مثل هذا» (2).

وكلاهما ضعيف؛ لتخصيص الأصل بما دلّ على جواز المقاصة من الممتنع من كتاب، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) (3)أو سنّةٍ مستفيضة كالأخبار الدالّة على جواز أخذ مال مَنْ له عليه مال وقد جحده (4)إمّا مطلقاً أو مع عدم إمكان إقامة البيّنة على ماله.

على أن الوصي قائم مقام الموصي على وفاء دينه، وتوقف الوفاء على البيّنة إنما هو الجواز كذب المدعي، وعلمه بدينه أقوى من البيّنة التي يجوز عليها الخطأ، وأن الوصي محسن و ما (عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلِ) (5).


1) النهاية : 608: المهذب 2 : 118.

2) وسائل الشيعة 19 : 428 - 429. الباب 93 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

3) البقرة (2) : 194.

4) وسائل الشيعة 17 : 272، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به.

5) التوبة (9) : 91.

ولضعف الخبر عن مقاومة ما قدمنا من أخبار المقاصة، فلا يصلح للمعارضة.

على أن الخبر وارد في الوصيّين، وظاهره أنّ السؤال في جواز دفع الوصي الآخر للمدعي ما ادعاه من دون إقامة البيّنة، وهو مسلم لا كلام فيه، وهو المراد بالفرق في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنّ هذا ليس مثل ذلك» (1)وقوله: أيحلّ له أن يأخذ ممّا في يده شيئاً؟ ليس المراد به السؤال عن التحليل في الواقع، بل المراد به الظاهري الذي يجوز إقرار الوصي الآخر عليه.

وما قيل: إن وجه الفرق هو عدم إمكان المقاصة ها هنا من دون البيّنة، اتحد الوصي أم تعدّد؛ لحرمة التصرّف في مال الغير من دون إذنه أو إذن الحاكم، وأدلة المقاصة ظاهرة في صورة حياة الموصي خاصّة؛ لتقصيره في عدم الوفاء وعدم تقصير الورثة فيه، فيقتصر ها هنا على ما قامت عليه البيّنة (2)، ضعيف؛ لعموم أدلّة المقاصة، ولأنّ المال قبل وفاء الدين على حكم مال الميت، ولأن الوصيّ إذا كان وصيّاً على وفاء الدين كان استيفاؤه على جهة الوصاية لا على جهة المقاصة؛ لجواز وفاء الوصي دين الموصي المتحقق.

هذا لو كان منفرداً، ولو كان معه وصي آخر جاز كذلك، ويكون ممّا تدعو الضرورة بانفراد أحد الوصيين به من دون الآخر، أو يكون الأخذ من باب (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سبيل) (3)ونحوه من العمومات لا من باب الوصاية.

وفصل بعض المحقّقين (4)في الدين بين ما يمكن إثبات البيّنة عليه فلا يجوز للوصي الاستقلال به من دونها، وبين ما لا يمكن فيجوز؛ استناداً في الأوّل إلى حرمة التصرّف بمال الغير من غير إذنه أو إذن الحاكم؛ وفي الثاني إلى لزوم العسر والحرج والضرر والضرار لولا ذلك.

وهو حسن إن قلنا بذلك في باب المقاصة، وإلا فالحكم به ضعيف.

ولو علم الوصي بثبوت دَيْنٍ لآخر على الميّت إلى حين الوفاة لزمه وفاؤه إن كان متحداً، وإن كان متعدّداً فكذلك إن خاف امتناع الوصيّ الثاني عن وفائه، لعدم العلم به؛ لأنّه إحسان


1) في المصدر : «هذا» بدل «ذلك».

2) راجع رياض المسائل 10 : 336.

3) التوبة (9) : 91.

4) كابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 192؛ والمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 203؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 355 - 356، المسألة 131.

و (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) (1)ولأنّه من الضرورة المبيحة لاستقلال أحد الوصيين عن الآخر، وإن لم يخف ذلك لزمه الرجوع إلى الوصي الثاني والاتفاق معه على الوفاء.

ولو علم بدين عليه قبل موته واحتمل وفاءه أو فراغه منه بإبراء ونحوه، جاز وفاؤه بعد أن يحلف الديان على بقائه إن كان من أهل الاجتهاد، وإن لم يكن رجع به الحاكم ودعاه إلى قيام البيّنة واليمين معها، أو الواحد واليمينين ولو كان أحدهما أو الواحد الوصي.

وفي الاكتفاء بيمين الديان فقط مع ضميمة علم الموصي إشكال؛ للشكّ في جواز تحليف الحاكم للدّيّان، وإمضاء حكم اليمين عليه بمجرد قول الوصي، وكذا في جواز دفع الوصي المال باليمين المجرّد عن البيّنة.

حادي عشرها: في أنّه يجوز للوصي أن يقترض مال الطفل وإن لم تكن فيه مصلحة ما لم تكن فيه مفسدة

حادي عشرها: يجوز للوصي أن يقترض مال الطفل وإن لم تكن فيه مصلحة له ما لم تكن فيه مفسدة، ولا يجب عليه تنميته أو أن يأخذه بنفع. ولا يجب عليه أن يجعل رهناً عليه أو ضميناً، كما لا يجب الإشهاد عليه، إلّا إذا كان في ترك الإشهاد تعريض للتلف.

ولكنّ الأحوط والأولى أن يشهد ويرهن ويبين ذلك؛ لأنّه من «الأحسن» المستثنى من المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (2).

نعم، يشترط في الوصي الملاءة بأن يكون عنده ما يقابل الدين ممّا يزيد على مستثنيات الديون، أو يكون قادراً على أداء مال اليتيم من ماله أو كسبه.

والأخبار وإن كان جملة منها مطلق - كالخبر : في ولي مال يتيم أيستقرض منه؟ فقال: «إن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد كان يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره، فلا بأس بذلك» (3)، ونحوه آخران ولكن من دون نفي البأس (4)، وقصور سندهما منجبر بفتوى المشهور نقلاً (5)، بل تحصيلاً، مع اعتبار أحدهما بابن محبوب المجمع على تصحيح رواياته - إلّا أنّه يلزم تقييدها بحصول الملاءة؛ للآية(6)، وهي وإن كانت عامةً بالنسبة إلى الأخبار إلّا أنّها لقوتها حاكمة عليها.


1) التوبة (9): 91.

2) الأنعام (6) : 152.

3) وسائل الشيعة 17 : 258 - 259، الباب 76 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

4) المصدر : 259، ذيل الحديث 1.

5) رياض المسائل 10 : 339.

6) النساء (4) : 6.

وللمعتبرة المشتملة على ما هو صحيح أو كالصحيح في رجل كان عنده مال اليتيم، قال: «إن كان محتاجاً ليس له مال فلا يمس ماله، وإن هو اتجر به فالربح لليتيم وهو ضامن» (1).

والثاني : كان لي أخ هلك، فأوصى إلى أخ أكبر مني وأدخلني معه في الوصيّة، وترك ابناً له صغيراً وله مال أفيضرب به أخي فما كان من فضل سلّمه لليتيم، وضمن له ماله فقال: «إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف فلا بأس به، وإن لم يكن له مال فلا يعرّض مال اليتيم» (2)ونحوه آخر (3).

ثاني عشرها: في أنّه يجوز للوصي أن يقوم مال اليتيم لنفسه بثمن المثل أو أكثر ويشتريه بنفسه أو بوكيله

ثاني عشرها: يجوز للوصي أن يقوم مال اليتيم لنفسه بثمن المثل أو أكثر، ويشتريه بنفسه أو بوكيله؛ للأصل، والخبر المنجبر قصور سنده بعمل الأكثر: هل للوصي أن يشتري من مال الميّت إذا بيع فيمن زاد يزيد ويأخذ لنفسه؟ فقال: «يجوز إذا اشترى صحيحاً» (4)؛ هذا إن كان «صحيحاً» بيان للجواز، وإن كان قيداً للشراء كان من قبيل المجمل، ولأنّه عقد صدر من أهله في محلّه من دون مانع سوى كونه موجباً قابلاً، وهو لا بأس به؛ لأن الأسباب الشرعيّة معرّفات، وليست كالعلل العقلية لا يمكن اجتماعها في مورد واحد.

ولم يجوّزه بعضهم (5)لوجوب تغاير الموجب والقابل وقياسه على شراء الأب من مال ولده الصغير الجائز بالإجماع ممنوع؛ لمنع القياس، وحصول الفارق.

ولما روي: إنّ رجلاً أوصى إلى رجل ببيع فرس له فاشتراه الوصي لنفسه، واستفتى عبد اللّه ابن مسعود، فقال: ليس له (6)، قال في الخلاف ولا يعرف لابن مسعود مخالف (7).

وللأخبار المانعة عن شراء الوكيل لنفسه (8).

وفي الجميع نظر؛ لمنع لزوم تعدّد الموجب والقابل حسّاً؛ لكفاية الاعتباري فيه، كما ادعى الشيخ (رَحمهُ اللّه) الإجماع على جوازه في عقد النكاح(9)، فيكفي ها هنا بطريق أولى.


1) وسائل الشيعة 17 : 257 - 258، الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

2) المصدر : 257، ح 1.

3) المصدر : 258، ح 4.

4) المصدر 19 : 423 الباب 89 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

5) الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 346 - 347، المسألة 9؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 193.

6) الخلاف 3 : 347، ضمن المسألة 9.

7) الخلاف 3 : 347، ضمن المسألة 9.

8) وسائل الشيعة،17 : 391، الباب 6 من أبواب آداب التجارة.

9) الخلاف 4 : 288، المسألة 56.

ولمنع حرمة القياس هنا؛ لأنّه من باب اتحاد طريق المسألتين في الحكم، ونمنع وجود الفارق هنا؛ لوجود الولاية القاضية بصحّة العقد في كلّ منهما.

ولمنع صحّة سند الرواية ومنع حجيتها؛ لأنّ الأصل فيها ابن مسعود، ومنع صحّة إجماع الشيخ؛ لأكثرية المخالف، ولقوة الخبر الأوّل المؤيَّد بفتوى المشهور عليه فيضعف عن المقاومة. ولمنع العمل على الأخبار المانعة عن شراء الوكيل لنفسه؛ لقلة العامل عليها وإعراض الأكثر عنها؛ ولجواز كون المانع من شراء الوكيل لنفسه هو اشتراط اتباع المصلحة في البيع للموكل، وفي الشراء لنفسه اتهام له في ذلك، لا أنّ المانع هو كونه موجباً قابلاً، بل قد يقال ذلك في الوصي أيضاً، فلا بدّ حينئذٍ من رفع اتهامه بإحضار مقومين للمال غير متهمين. والأخذ بتقويمهم، أو الأخذ بالأحوط والأوثق بما في نفسه.

ثمّ إنّه لا يجب على الوكيل والوصيّ بعد دفع ثمن المثل لهما أن يعطّلا المال رجاء لباذل الزيادة، ولا يجب عليهما تتبع مظانّهما.

نعم، لو وجد الباذل للزيادة فالأحوط عدم العدول عنه إلى غيره.

وفي لزوم ذلك عليهما بحيث يقع البيع بثمن المثل مع الإعراض عن صاحب الزيادة باطلاً وجهان متكافئان.

ومثل شراء الوصى لنفسه من مال الطفل بيعه ماله عليه، وإيجاره واستئجاره كذلك.

وللوصي الشراء لنفسه بصيغةٍ أو بمعاطاةٍ، ولو قطع الوصي بقيمة المال جاز أن يأخذه بقيمته، ولا يجب عرضه على السوق.

ويجب على الوصيّ مراعاة المصلحة في البيع والشراء والإيجار والاستئجار بالنسبة إلى مال اليتيم، بل بالنسبة إلى الثلث أيضاً. وأما الاقتراض منه لنفسه فيصح مع عدم المفسدة، ولا يجب فيه مراعاة المصلحة أخذاً بإطلاق الأخبار (1).

ثالث عشرها: وجوب اتباع ما أوصى به الموصي عموماً وخصوصاً وإطلاقاً وتقييد

ثالث عشرها: يجب اتباع ما أوصى به الموصي عموماً وخصوصاً، وإطلاقاً وتقييداً، وزماناً ومكاناً ووصفاً، فتصح الوصاية على الدوام كـ«أنت وصي دائماً» ويكفي الإطلاق هنا عن قيد الدوام؛ تنزيلاً للمطلق منزلة العموم في الأزمنة، كما يقضي به العرف.


1) راجع وسائل الشيعة 17 : 258، الباب 76 من أبواب ما يكتسب به.

و تصحّ مفيدة بزمن خاص، ك« «إلى شهر» أو «سنة» أو «إلى يوم الدفن» أو «إلى خلاص التعزية» أو «إلى أن يولد «فلان» أو «إلى أن يقدم الغائب» أو «إلى أن يموت فلان». وتصحّ مقيّدة بمالٍ خاص.

وتصحّ عامةً لكلّ مالٍ. وتصحّ أن تتعلّق بالثلث فقط، وتصحّ بمال الأطفال فقط، وتصحّ بالديون فقط، وتصحّ متعلّقة بالجميع مع النصّ على الجميع.

وأما مع الإطلاق كما إذا قال: «أنت وصيّي» ففي صحّته وانصرافه للجميع؛ تنزيلاً للإطلاق منزلة العموم؛ تصحيحاً للوصيّة مهما أمكن؛ لأنّ الحمل على واحدٍ معين ترجيح من غير مرجّح، وعلى غير المعين لا معنى له إن أُريد به الإبهام؛ لأنّ المبهم لا وجود له في الخارج، وكذا إن ريد بها الفرد المنتشر، إلّا أن يراد به العموم فيعود كالأول، أو بطلانه رأساً؛ لمكان الإجمال وعدم انصرافه إلى فرد خاص فيبطل للجهل بإرادة الموصي، وتصحيح الوصيّة لا يصلح أن يكون قرينة على إرادة شيء معين، كما لا يصلح لأن يكون قرينة على صرف اللفظ القاضي بالفساد عن ظاهره وجهان، والأخير أقوى، كما نُسب (1)للأصحاب، ونُقل عليه عدم الخلاف (2)، إلّا أن يقوم عرف على إرادة شيءٍ خاص من تلث أو دين أو أيتام أو نحو ذلك.

وبالجملة، فحكم الوصاية كحكم الوكالة، فكما أنّ القائل لآخر: «أنت وكيلي» لا تصحّ وكالته، ولا تنصرف إلى معين ما لم تقم قرينة أو يقض بها العرف، ولا تنصرف إلى الكلي؛ لعدم الدليل عليه، ومجرّد تصحيح اللفظ لا يصلح أن يكون قرينة على تعيين الفرد الخاص كما تقدّم (3).

ولو صرّح بالوصاية على الأطفال، فإن صرّح بشيءٍ خاص من التصرّف بأموالهم أو حفظها اتبع، وإن أطلق فهل يبطل أو ينصرف إلى ما فيه غبطة من التصرّف فقط، أو إلى حفظ أموالهم فقط، أو إليهما معاً، أو إلى كلّ ما فيه مصلحة؟ وجوه، والأقوى الأخير؛ قضاءً لما يُفهم عرفاً.

وكذا لو صرّح بالوصاية على الثلث فهل يبطل، أو ينصرف إلى كلّ ما فيه مبرة وخير، أو ينصرف إلى إخراج الواجبات البدنية؟ وجهان، ولا يبعد البطلان ما لم ينصرف العرف إلى شيءٍ خاص، والظاهر أن الوصاية على الثلث تنصرف في مثل هذا المقام (4)إلى صرفه في جميع المبرات والخيرات.


1) الناسب هو السبزواري في كفاية الفقه 2 : 70.

2) إيضاح الفوائد 2 : 623.

3) كذا قوله : «فكما أن القائل... كما تقدّم» في النسخ الخطية.

4) في «ب» : «اليوم» بدل «المقام».

رابع عشرها: فيما يتعلق بما لو عين الموصي للوصي على الأيتام أو على الثلث أجرة على عمله

رابع عشرها: لو عين الموصي للوصي على الأيتام أو على الثلث أُجرةً على عمله الذي له أُجرة بحسب العادة، جاز، ولزمت الأجرة إن لم تزد على أجرة المثل من مال الأطفال إن كانت الوصيّة عليهم، ومن مال الثلث إن كانت الوصيّة عليه، وإن زادت على أُجرة المثل أُخرج الزائد من الثلث على كلّ حالٍ، فإن قصر الثلث عنها كان نفوذها موقوفاً على إجازة الوارث، فإن أجاز نفذت، وإلا فلا.

وللوصي أخذ أجرة المثل من مال الأيتام أو الثلث على عمله - فقيراً كان أو غنياً، وإن استحب للغني الاستعفاف - وإن لم يعين له الموصي أجرةً على عمله ما لم يكن الوصي متبرعاً بالعمل؛ وذلك لأنّه عمل محترم صدر عن أمر الموصي، فيستحق الأجرة عليه، ووجوبه بأمر الخالق تبعاً لأمر الموصي لا ينافي ثبوت الأجرة.

وللخبر المشهور بصحّته عمّن تولّى مال اليتيم أله أن يأكل منه؟ فقال: «ينظر إلى ماكان غيره يقوم به من الأجر لهم فليأكل بقدر ذلك» (1).

وللمنقول عن مجمع البيان: أنّه الظاهر من روايات أصحابنا (2).

وهو وإن اختص بالوصاية على الأطفال إلّا أنّه لا فرق بينهما؛ لاتحاد طريق المسألتين في الحكم.

وقيل: إنّه يأخذ قدر الكفاية (3)لقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) (4)، وهو ما لا إسراف فيه ولا تقتير.

وللمعتبرة المستفيضة:

منها: الصحيحان المفسّران للمعروف بالقوت (5)، ومنها: الموثّقان في تفسيره أيضاً، في أحدهما: «فلياً كلّ بقدرٍ ولا يسرف» (6)وفي الثاني: «أن يصيب من لبنها من غير نهك لضرع، ولا فساد لنسل» (7).


1) وسائل الشيعة 17 : 251، الباب 72 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

2) مجمع البيان 3 - 4 : 10 ذيل الآية 6 من سورة النساء (4).

3) النهاية : 361؛ السرائر 2: 211.

4) النساء (4) : 6.

5) وسائل الشيعة 17 : 250 الباب 72 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

6) المصدر : 251، ح 4.

7) المصدر : 250، ح 2.

وللخبر المروي عن تفسير العياشي: «فليشرب من ألبانها غير مجهد للحلاب، ولا مضر بالولد» (1).

وقيل: إن للوصي أقل الأمرين من أُجرة المثل وقدر الكفاية (2)، وهو أحوط.

واشترط بعضهم في جواز الأخذ احتياج الوصي وفقره (3)لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ) (4).

والموثّق: «مَنْ كان يلي شيئاً لليتامى وهو محتاج ليس له ما يقيمه... فليأكل بقدرٍ ولا يسرف، وإن كانت ضيعتهم لا تشغله عمّا يعالج لنفسه فلا يرزأن من أموالهم شيئاً» (5).

والأظهر عدم الاشتراط وإن كان الأخذ مكروهاً، ويدلّ عليه (فليستعفف) فإنّ العفّة قرينة ظاهرة على إرادة الندب؛ لاقتضاء مادتها ذلك وإن اقتضت صيغتها الوجوب، وإن كان الأحوط اشتراطه.

ومقتضى إطلاق الآية وجملة الأخبار: عدم الفرق بين كثرة المال وقلته. إلّا أن جملةً من الأخبار تقضي باشتراط الكثرة، ففي القريب من الصحيح الوارد في تفسير الآية: «ذلك الرجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم أموالهم، فإن كان قليلاً فلا يأكل منه شيئاً» (6)ونحوه المروي في تفسير العياشي(7).

ولا ريب أنّه أحوط، كما أنّ الأحوط اشتراط صرف العمل كلّه في مال اليتيم وفي مصالحه فلا يأخذ من مال اليتيم شيئاً لو عمل لنفسه شيئاً ولو قليلاً ما لم يكن مستهلكاً، كما يظهر من جملة من الأخبار (8).

وهل المراد بالكفاية كفاية نفسه فقط، أو نفسه وعياله الواجبي النفقة، أو ما يعول به عرفاً؟ والاحتياط يقضي بالأوّل فقط، بل الأحوط الاقتصار على مجرد القوت، دون الملبوس ونحوه مما يحتاجه الإنسان.


1) تفسير العياشي 1 : 221، ح 28.

2) الخلاف 3 : 179، المسألة 295.

3) السرائر 2 : 211.

4) النساء (4) : 6.

5) وسائل الشيعة 17 : 251 الباب 72 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

6) المصدر. ح 3.

7) تفسير العياشي 1 : 221، ح 29.

8) وسائل الشيعة 17 : 252 - 253 الباب 72 من أبواب ما يكتسب به، ح 1 و 2.

خامس عشرها: فيما إذا أذن الموصي للوصي بالوصاية على مال الأيتام أو الثلث جاز له الوصاية عليهما

خامس عشرها: إذا أذن الموصي للوصي بالوصاية على مال الأيتام أو الثلث، جاز له الوصاية عليهما، فإن نص على معيّن لزم الاقتصار عليه، وإن أطلق أو عمّم جاز له نصب مَنْ شاء، وإذا منع عن الوصاية لم يجز له أن يوصي.

وهو إجماعي في الثاني، والأصول والقواعد قاضية به أيضاً - وكذا في الأوّل على الظاهر، كما نقل عليه الإجماع (1)- وقضت به الرواية الصحيحة (2)مفهوماً بل منطوقاً.

وإذا لم يأذن ولم يمنع فقولان أشهر هما المنع للأصل، وللاقتصار في التصرّف بمال الغير من دون إذنه على مورد اليقين.

وقيل بالجواز(3)؛ للصحيح: في رجلٍ كان وصيّ رجل فمات وأوصى إلى رجل، هل يلزم الوصي وصيّة الرجل الذي كان وصيّه ؟ فكتب: «يلزمه بحقه إن كان له قبله حقّ إن شاء اللّه» (4)بناءً على أنّ المراد بالحق حقّ الإيمان، فكأنّه قال: يلزمه إن كان مؤمناً؛ لأنّ للمؤمن على المؤمن حقاً من قضاء حوائجه وإجابة التماسه ومعونته، ومن جملتها تنفيذ وصيته، ولأنّ الموصي الأوّل أقامه مقام نفسه فيثبت له من الولاية ما يثبت له، ولأن الولاية من جملة التصرفات المملوكة بالنص، ولأنّ الوصي له أن يوكل فله أن يوصي.

وفي الجميع ضعف؛ لضعف الرواية بكونها مكاتبةً، وبالإجمال في الدلالة؛ لاحتمال أن يراد بحقه الوصيّة إليه بأن يوصي، ويكون ضمير «حقّه» راجعاً إلى الموصي الأوّل، والمعنى حينئذٍ : أن الوصيّة تلزم الوصي الثاني بحق الأوّل إن كان له - أي للأول - قبله - أي الموصي الثاني - حقٌّ، بأن يكون قد أوصى إليه وأذن له أن يوصي، فقد صار له قبله حقّ الوصيّة، واحتمال أن يراد بالحق هو التصريح بالوصاية له عن الموصي؛ بناءً على أنّ السؤال إنما هو عن دخول الوصاية عن الغير بالوصاية عن النفس بعد كون الوصي مأذوناً في الوصيّة، فيكون السؤال عن أمر لفظي، والفرق بين الأوّل والأخير أن السؤال في الأوّل عن حكم شرعي من


1) رياض المسائل 10 : 346.

2) وسائل الشيعة 19 : 402 الباب 70 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

3) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 607 وابن البراج في المهذب 2: 117 وحكاه العلامة الحلي في مختلف الشيعة 6 : 354، ضمن المسألة 129 عن الإسكافي.

4) راجع الهامش (2).

دون نظر إلى دخول ذلك في اللفظ وعدمه، والسؤال في الثاني عن أمرٍ لفظي متعلق بالوصيّ الثاني، وعلى الثاني فإطلاق الرواية وإن كان شاملاً لمورد النزاع إلّا أنّه غير صالح للاستدلال به؛ لوروده لبيان حكم آخر لا للحكم على أفراد ذلك المطلق، ومع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال.

ويحتمل في الرواية: أن التعليق فيها من قبيل التعليق على أمر غير واقع، ومعناه: يلزمه بحقه إن كان له حقٌّ، ولا حقّ فلا يلزمه.

ولمنع كون الوصي قائماً مقام الموصي مطلقاً حتّى بالنسبة إلى مباشرة مال غيره بعد موته، وإنّما يقوم مقامه فيما يتعلّق بماله أو أطفاله أو فيما نص عليه به، على أن استنابة الغير خلاف الأصل فيلزم الاقتصار فيها على مورد اليقين.

ولمنع كون الاستنابة من التصرفات المملوكة بالنصّ؛ إذ المتيقن من النصّ هو خصوص الاستنابة فيما يتعلق بماله، ولعلّ الموصي إنّما رضي بنظر الوصي مباشرةً دون غيره.

وقياس الوكالة على الوصاية قياس مع الفارق؛ لأنّ الوكالة مجبورة بنظر الموكّل وهي على أمورٍ جزئية لا على ولاية عامة.

وبالجملة، فهنا مقامان

أحدهما: هل للوصي أن يوصي غيره بما هو وصي وإن لم يأذن له بالوصاية؟

والثاني: أنّه إذا أذن له فنصب وصيّاً فهل تدخل وصاية الأوّل فيها مع عدم التصريح بذلك، أم لا؟

والحقّ في كلا المقامين عدم ذلك، كما هو مقتضى الأصول والقواعد.

سادس عشرها: حكم ما لو مات ولا وصيّ له وقد أوصى بوصايا

سادس عشرها: مَنْ مات ولا وصيّ له وقد أوصى بوصايا أو كانت عليه ديون أو عنده أيتام، تولى الحاكم وصاياه وجوباً، وتولى أمر الأطفال أيضاً؛ لأنّه منصوب للمصالح العامّة، وولي مَنْ لا ولي له، وينوب مناب الحاكم الأصلي المجتهد الجامع للشرائط.

فإن لم يوجد الحاكم أو لم يمكن الوصول إليه قام مقامه عدول؛ لعموم ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) (1)و «المؤمنون بعضهم أولياء بعض» (2)و (تَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى) (3)ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيمن تولى أمر الأيتام: «إذا كان [ القيم به ] مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس» (4).


1) اقتباس من الآية 71 من سورة التوبة (9).

2) التوبة (9) : 91.

3) المائدة (5) : 2.

4) وسائل الشيعة 17: 363 الباب 16 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 2.

فإن لم يوجد عدل وكان الأمر ممّا يضطر إليه، تولاه المسلمون كافة؛ لوجوبه كفاية، عدلاً كان المتولّي أو فاسقاً، وذلك كنفقة اليتيم والحيوان، وينتظر فيما لا يضطر إليه العدل، كما ينتظر العدل الحاكم فيما لا يضطر إليه وكان غائباً أو بعيداً.

وربما يظهر من بعض الأخبار جواز تولّي أُمور الأطفال لعدول المسلمين وإن كان الحاكم موجوداً؛ لظاهر بعض الأخبار الدالّة على إمضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تصرّف بعض العدول في أموال الأيتام (1).

ولكنّه خلاف ظاهر الأصحاب، فلتُحمل الأخبار على أنّ ذلك إذن من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على وجه الخصوص.

ومنع ابن إدريس من جواز تولّي العدول لأموال الأيتام مع عدم إمكان الرجوع إلى الحاكم؛ لعدم الدليل (2).

وهو ضعيف؛ لوجود الدليل المعتضد بفتوى المشهور.

سابع عشرها: في أنّه لا ولاية لوصي الأب على الأطفال مع وجود الجد ولا لوصي الجد مع وجود الأب

سابع عشرها: لا ولاية لوصي الأب على الأطفال مع وجود الجد، ولا لوصي الجد مع وجود الأب، فلو أوصى أحدهما مع وجود الآخر كانت الوصيّة باطلة؛ لأن ولاية الأب والجد ثابتة بأصل الشرع، فلا يمكن نقضها والعدول إلى غيرها، ولا يمكن الشركة بها؛ ولأصالة عدم الولاية، وغاية ما ثبت من أدلة الوصاية هو ما لم يكن ولياً أصلياً، ومع وجوده فيشك في شمول أدلة الوصاية لمثله.

وقيل: تصحّ الوصيّة، وتنفذ بعد موت الولي الأصلي (3).

وفيه: أن صحّة الوصيّة ابتداء محلّ منع، وعلى تقدير بطلانها فعودها مفتقر للدليل.

وبالجملة، فصحة الوصاية ممّن ليس له قابلية للوصاية حال الوصيّة ممّا لا يدخل في إطلاق أدلّة الوصيّة عموماً وخصوصاً، واحتمال بقائها غير نافذة وأنها تنفذ بعد ذلك مفتقر إلى الدليل، وليس فليس.

وقيل بثبوت ولاية وصيّ الأب مع وجود الجد فيما يتعلق بالثلث (4)لأن للموصي إخراجه عن الوارث أصلاً، فيكون له إثبات ولاية غيره بطريق أولى.


1) وسائل الشيعة 17 : 362 - 363. الباب 16 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

2) السرائر 3: 193 - 194.

3) لم نعثر على قائله وقال الصيمري في غاية المرام 2: 444، وهو منقول عن بعض الأصحاب.

4) المبسوط 52:4.

وهو ضعيف؛ لأنّ إخراج الثلث عن الوارث لا يقضي إلّا بالولاية عليه، ولا يقضي بالولاية على الأطفال، وغاية ما في الباب أنّ الولاية على الثلث تقضي بملك الأطفال له، فيتولاه مَنْ يتولّى أموالهم.

ثامن عشرها: هل يعتبر وجود شرائط الموصي من حين الوصيّة أو عند الموت أو عند الوصيّة أو

ثامن عشرها: ما تقدّم من الشرائط من الكمال والإسلام والحرية والعدالة هل الاعتبار فيها عند الوصيّة، أو عند الموت أو من حين الوصيّة مستمرّةً إلى عند الموت، أو من حين الوصيّة إلى تنفيذها بعد الموت؟ أقوال وأظهرها وأشهرها الأول؛ قضاء لحق الشرطية المذكورة في عبائرهم، والظاهر أنّها شرط عندهم حال الوصيّة في الوصيّة المطلقة، وأما المقيدة بالكمال والحرّية كما يقول: فلان وصيّي إذا بلغ أو عقل أو صار حُرّاً، فلا بأس، ويكون وصيّاً بعد ذلك. ويخرج من ذلك ما دلّ عليه الدليل من الوصاية إلى الصبي منضماً لا منفرداً.

قيل: ولأن الوصي منهي عن وصاية من لم يكمل هذه الصفات، والنهي مقتض للفساد، ولأن الوصيّ يجب أن يكون بحيث لو مات الموصي كان نافذ التصرف، وإذا فقد الشرط حال الوصاية لم يكن نافذ التصرّف (1).

وفيهما نظر، والأقوى اشتراطها حال الوصيّة واستمرارها إلى الموت، بل إلى تنفيذ الوصي ما أُوصي به؛ للشكّ في شمول أدلة الوصاية لذلك، ولانفساخها بطروء ما يمنع من التصرف، فعودها مفتقر إلى الدليل واحتمال أنّ اختلال الشرائط مبطل لأثرها غير مبطل لها لنفسها فإذا زال المانع عمل المقتضي عمله بعيد.

وبالجملة، فالوصاية وإن لم تكن عقداً ولكن لها شبه بالعقد الجائز فينقضها ما ينقضه، سوى موت الموصي فإنّه مثبت لها لا فاسخ.

تاسع عشرها: في أُمور متفرقة:

أحدها: ثبوت الوصيّة بالمال بشهادة رجلين عدلين وبشهادة رجل ويمين و

أحدها: تثبت الوصيّة بالمال بشهادة رجلين عدلين للإجماع والنصوص بالعموم والخصوص، وبشهادة رجل ويمين وبشهادة رجل وامرأتين، وبشهادة امرأتين ويمين لو قلنا به في مقامه، وبشهادة الأربع من النساء كذلك؛ للنصوص (2)وللإجماع.


1) مسالك الأفهام 6 : 271.

2) راجع وسائل الشيعة 19 : 316، الباب 22 من أبواب كتاب الوصايا.

وتثبت بشهادة واحدة ربع الوصيّة، للإجماع المنقول (1)، والصحاح المستفيضة:

منها: في قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصيّة شهدها امرأة: «أن تجوز شهادة الامرأة في ربع الوصيّة إذا كانت مسلمة غير مريبة في دينها» (2).

والثاني: في شهادة امرأةٍ حضرت رجلاً يوصي ليس معها رجل، قال: «يجاز ربع ما أوصى بحساب شهادتها» (3)إلى غير ذلك من الأخبار المتكثرة.

ويفهم من قوله: «بحساب شهادتها»، ومن كلام الأصحاب أنّه كما تقبل شهادة الواحدة بالربع تقبل شهادة الاثنتين بالنصف، والثلاث بالثلاثة أرباع.

وظاهر إطلاق الفتوى والرواية: عدم توقف قبول شهادتهن على يمين المدعي؛ للأصل، ولأنّ مشروعية انضمام اليمين إلى البيئة إنّما هو لإثبات جميع الحق، لا لإثبات البعض بحسابه، فإثبات البعض لا يفتقر إلى شيءٍ، بل مقتضى إطلاق الفتوى: أن إثبات النصف بالاثنتين والثلاثة أرباع بالثلاث لا يتفاوت الحال فيه بين انضمام اليمين إليهن وبين عدمه، وإثبات جميع المشهود به بانضمام اليمين إلى الشاهد الواحد إنما جاء به الدليل، فلا يقاس عليه غيره، ولو قلنا بجواز انضمام اليمين إلى الامرأتين في غير الوصيّة لا نقول به فيها؛ لإطلاقهم ثبوت النصف بشهادة امرأتين من دون تفصيل.

ولو شهد واحد بالوصيّة فإن انضم إليه يمين المدّعي ثبت الجميع، وإلا ففي بطلان شهادته؛ لعدم الدليل، أو إمضائها في النصف لقيامها مقام شهادة اثنين أو في الربع؛ لعدم قصوره عن الواحدة إن لم يزد عليها وجوه، والأوّل أقرب بمقتضى الأدلّة؛ لأنّ المساواة والأولوية ممنوعتان والأخير أقرب بنظر الفقاهة.

ولا تثبت الوصاية إلّا بشاهدين، ولا تثبت بشاهد وامرأتين، أو بشاهد ويمين، أو بامرأتين ويمين، كما سيجيء تحقيقه في باب الشهادات إن شاء اللّه تعالى.

ثانيها: عدم قبول شهادة الكافر ولاغير المؤمن من الفِرَق

ثانيها: لا تقبل شهادة الكافر ولا غير المؤمن من الفرق، سوى شهادة أهل الذمّة في السفر


1) مسالك الأفهام 6 : 205.

2) وسائل الشيعة 19 : 317، الباب 22 من أبواب كتاب الوصايا، ح 3.

3) المصدر : 316، ح 1.

إذا كانوا عدولاً في دينهم، ويحلفان مع الريبة في شهادتهما بعد الصلاة قائلين: (لَا نَشتَرِى بِهِ ثَمَناً وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّه إِنَّا إِذا لَمِنَ الآثِمِينَ) (1)وأنّه متى ما عثر على بطلان شهادتهما فليس له نقضها حتّى يأتي بشاهدين يقومان مقام الشاهدين الأولين (فَيُقسِمَانِ بِاللّه لَشَهَادَتْنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَينَا إِنَّا إِذا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (2).

والأصل في هذه الأحكام بعد الكتاب السنة المستفيضة الدالّة على مشروعية ذلك(3). ولكن الذي يُفهم من مجموعها أنّه يشترط في قبول شهادتهم السفر، فلو لم يكن كذلك لم تقبل شهادتهم، سواء أمكن في الحضر وجود المسلم أو لم يمكن.

وما دلّ بإطلاقه على عدم الاشتراط - كموثقة هشام عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا كان الرجل في بلدٍ ليس فيها مسلم جازت شهادة مَنْ ليس بمسلم على الوصيّة (4)- مقيد بمفهوم أخبار عديدة فيها: «إذا مات الرجل في أرض غربة ولم يجد مسلمين» (5)كما في واحد، أو: «إذا كان في سفر ولم يجد مسلمين» (6)كما في ثاني، أو: «إذا مات الرجل بأرض غربة وطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيته فلم يجد مسلمين فليشهد على وصيته ذمّتين» (7)كما في ثالث.

وبذلك يظهر ضعف ما ذهب إليه الأكثر (8)من عدم اشتراط السفر، وتنزيل ما علّق الحكم عليه فيه على الغالب، فلا يصلح المفهوم للتقييد.

وذلك لكفاية مخالفة الحكم للأصل ولزوم الاقتصار فيه على مورد اليقين، كما في إثبات الاشتراط، وما ورد من الإطلاق مشكوك في شموله للحضور؛ لانصراف مطلقه إلى حال الغيبة؛ لأن الغالب في عدم وجدان المسلم للمسلم إنّما هو في حال الغيبة دون حال الحضور، فترجيح تنزيل التقييد على الغالب ليس بأولى من تنزيل المطلق على الفرد الظاهر.


1) المائدة (5) : 106.

2) المائدة (5) : 107.

3) وسائل الشيعة 19 : 309، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا.

4) المصدر : 310. ح. 4.

5) المصدر، ذيل الحديث 4.

6) المصدر : 314 - 315، الباب 21 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

7) المصدر : 312، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 7.

8) كما في رياض المسائل 10: 374.

وما يستند إليه ممّا ورد في بعض الأخبار من التعليل بأنّ قبول شهادة الكافر لئلا يضيع الحقّ (1)ضعيف؛ لإعراض الأصحاب عنها، بل للإجماع على عدم اطرادها.

وكذا يشترط الحلف تبعاً لما دلّت عليه الآية (2)والرواية (3).

خلافاً لكثيرين (4)، حيث لم يشترطوا الحلف.

وتردّهم الأخبار المتكثّرة، كخبر يحيى بن محمد (5)، ومرفوع عليّ بن إبراهيم (6)، وخبر المفضّل (7).

والأظهر اشتراط كون الحلف بعد الصلاة، والأحوط أن يكون بالكيفية المذكورة في الآية (8)كما أنّ الأحوط أن يكون بعد صلاة العصر، كما دلّ عليه مرفوع علي بن إبراهيم، ورواية يحيى بن محمد كما في بعض النسخ (9).

ويشترط عدالتهما في مذهبهما؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خبر حمزة بن حمران: «مرضيين عند أصحابهما» (10)ولأن الأصل في الشهادة العدالة.

ويحتمل القول بعدم الاشتراط أو باشتراط عدم معروفيتهما بالكذب بين أصحابهم؛ لإطلاق الآية (11)، ولانجبار شهادتهما باليمين إلّا أنّه قد نُقل على اشتراط العدالة عدم الخلاف (12)، فلا يمكن العدول عنه.

ويشترط عدم وجود مسلمين عدلين يمكن شهادتهما، ولو وجدا ولكن لم يمكن شهادتهما ففي كون مجرد الوجود مانعاً أم لا، وجهان.


1) وسائل الشيعة 19 : 309 - 311 الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1، 3، 5.

2) المائدة (5) : 106.

3) راجع الهامش (5 - 7).

4) كما في مسالك الأفهام 6: 203 - 204.

5) وسائل الشيعة 19 : 311 - 312، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 6.

6) المصدر : 314 - 315، الباب 21 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

7) المصدر : 313، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 8.

8) المائدة (5) : 106.

9) تفسير القمي 1 : 189؛ الفقيه 4 : 192، ح 5436.

10) وسائل الشيعة 19 : 312 الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 7.

11) المائدة (5) : 106.

12) . راجع إيضاح الفوائد 2 : 635.

وهل يمنع وجود مسلمين فاسقين أو مجهولي الحال وإن لم ينتفع بهما في الشهادة، أو يمنع وجودهما وينتفع بشهادتهما على نحو شهادة أهل الذمّة؛ للأولوية، أو لا يمنع وجودهما؛ لأن المانع هو وجود المسلمين العدلين، كما تشعر به الآية، وإطلاق الأخبار محمول عليه؛ لأنّ غير العدل بحكم العدم؟ واختار العلّامة (رَحمهُ اللّه) تقديم المسلمين الفاسقين إذا لم يكن فسقهما بالكذب والخيانة (1).

وهل يمنع وجود العدل الواحد إذا أمكنت شهادته من قبول شهادتهما ؟ الأقوى ذلك إذا أمكن انضمام اليمين إليه، وإلا فالأقوى القبول.

وهل تقبل شهادة الذميين بالولاية كما تقبل بالمال؟ الأقوى العدم؛ لاختصاص مورد الأدلّة بالمال فقط، فالتعدي مفتقر إلى الدليل.

وهل يلحق المجوس بأهل الكتاب؛ لما يُفهم من بعض النصوص من أن قبول شهادة الكافر إنّما هي لعدم تضييع حقّ المسلم (2)، وللخبر الدال على إلحاقهم بأهل الذمّة في قبول الشهادة (3)، أو لا يلحق؛ للأصل، ولضعف العلّة عن السريان، كما يُفهم من الأصحاب، وضعف الخبر عن المقاومة؟

ثالثها: فيما يتعلّق بما إذا أشهد الموصي عبدين له على أن حمل المملوكة له منه ثمّ ورثهما غير الحمل فأعتقا فشهدا للحمل بالنبوة للموصي

ثالثها: إذا أشهد الموصي عبدين له على أنّ حمل المملوكة له منه، ثمّ ورثهما غير الحمل فأعتقا فشهدا للحمل بالبنوّة للموصي صحت شهادتهما، ويثبت كون الحمل ابنا للموصي، وحكم له برقيتهما، وكذا لو شهد العبدان بذلك من دون إيصاء على الأظهر الأشهر.

أمّا مع الوصيّة فهو إجماعي على الظاهر، والإجماع منقول عليه (4)، والصحيح دال عليه: في رجل مات وترك جاريةً ومملوكين فورثهما أخ له فأعتق العبدين وولدت الجارية غلاماً فشهدا بعد العتق أنّ مولاهما كان أشهدهما أنّه كان يقع على الجارية، وأن الحبل منه، قال: «تجوز شهادتهما، ويردان عبدين» (5).


1) تذكرة الفقهاء 2: 522 (الطبعة الحجرية).

2) وسائل الشيعة 19 : 309، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

3) المصدر : 311، ح 6.

4) رياض المسالك 10 : 379.

5) وسائل الشيعة 19: 404 الباب 71 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

وأما من دون الوصيّة فيدلّ عليه إطلاق الخبر، وفتوى المشهور، وأن شهادة العبد مسموعة المولاه، بل يمكن خروج هذه الشهادة عن كونها شهادة للمولى وعلى المولى؛ لحريتهما ظاهراً وإن أثبتت الشهادة رقيتهما، وأنهما بعد العتق خرجا عن عبودية الوارث، فلا تكون الشهادة عليه.

وكذا الخبر الثاني: عن رجل كان في سفرٍ ومعه جارية له وغلامان مملوكان، فقال: «هما حُرّان لوجه اللّه تعالى، واشهدا أن ما في بطن جاريتي لي منّي فولدت غلاماً، فلما قدموا على الورثة أنكروا ذلك واسترقوهم، ثمّ إن الغلامين أعتقا بعد ذلك فشهدا بعدما أعتقا أن مولاهما الأوّل أشهدهما أن ما في بطنها منه، قال: «تجوز شهادتهما للغلام، فلا يسترقهما الغلام الذي شهدا له؛ لأنّهما أثبتاه» (1).

والنهي عن استرقاقهما للكراهة، كما هو المشهور بين الأصحاب، وقضت به الرواية الأُولى، وأشعر به التعليل أيضاً.

خلافاً لمن حرمه وأوجب العتق أخذاً بظاهر النهى (2).

رابعها: عدم قبول شهادة الوصي فيما هو وصيّ فيه ولا ما يجر نفعاً أو يستفيد به ولاية

رابعها: لا تقبل شهادة الوصي فيما هو وصي فيه، ولا ما يجرّ نفعاً أو يستفيد به ولاية.

والضابط: أنّه متى كان لنفسه حظ في الشهادة بطلت شهادته، كما إذا كان وصيّاً على مال معين فينازعه فيه منازع فيشهد به للموصي، أو كان وصيّاً في تفرقة ثلثه فشهد بمال للمورّث ليوفّر الثلث، أو كان وصيّاً على ولده الصغير فيشهد للولد بمال ليكون ولياً عليه، وكما إذا كان وصيّاً في إخراج مالٍ معيّن فشهد للميت بما يخرج به ذلك المال من الثلث، كما لو أوصى بإخراج ألف درهم والتركة ظاهراً ألفان، فشهد الوصي على أن للميت ديناً على فلان ألفاً، ففي جميع هذه ونحوها لا تقبل شهادة الوصي، كما هو فتوى المشهور، ولأنها ممّا تجرّ نفعاً غالباً، لاستحقاقه الأجرة على إعمال الوصيّة.

ويدلّ عليه الروايات الدالّة على عدم قبول شهادة المتهم(3).

وقيل بقبول شهادته (4)لأنّه لا يستفيد مالاً من الأموال المشهود بها، وقد لا يستحق أجرة لعدم ثبوت الأجرة، أو لإقدامه تبرّعاً.


1) وسائل الشيعة 19: 403 الباب 71 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

2) راجع رياض المسائل 10 : 380.

3) وسائل الشيعة 27: 373 الباب 30 من أبواب كتاب الشهادات.

4) قال به الإسكافي على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 543، المسألة 102.

وللمكاتبة: أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميّت صغيراً أو كبيراً بحق له على الميّت أو على غيره وهو القابض للوارث الصغير وليس للكبير بقابض ؟ فوقّع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نعم» (1).

ولأنّ العدل لا يُتهم على مال الغير باعتبار ولايته، بل الغالب أن العدل لا يستفيد سوى الضرر من لزوم الحفظ والإنفاق ونحو ذلك.

وفي الجميع نظر؛ لأن شهادة الوصي فيما هو وصي فيه من شأنها جرّ النفع والتهمة على مال أو ولايةٍ، فلا تُقبل وإن أمكن ارتفاعها في جملة من المقامات.

والرواية ضعيفة عن مقاومة الروايات المعتضدة بفتوى المشهور.

ومما ذكر ظهر أنّه لو شهد الوصي بما لا يجرّ نفعاً له، كما إذا شهد الوصي على دَيْنٍ لا يتعلق به ولاية، ولا يكون من الثلث الموصى عليه قبلت شهادته.

وما ورد في الخبر - في شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل، فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا شهد معه آخر عَدل فعلى المدّعي يمين» (2)بناء على كفاية شهادة الوصي إذا كان عدلاً مع اليمين فلا حاجة إلى عَدْلٍ آخر، فانضمامه إليه كناية عن عدم قبول شهادته - محمول على ما إذا جرّت الشهادة نفعاً لا مطلقاً.

خامسها: فيما إذا أوصى بعتق رقبة مطلقاً أجزأ الصغير والكبير والأنثى والذكر والمؤمن وغيره

خامسها : إذا أوصى بعتق رقبةٍ مطلقاً، أجزأ الصغير والكبير، والأنثى والذكر، والمؤمن وغير المؤمن، إلّا إذا انصرف الإطلاق في عرف خاص إلى المؤمنة، وإن قيدها بالإيمان لزم عتق المؤمنة بنظره واجتهاده، فإن تبيّن الخلاف بعد الاجتهاد فلا ضمان عليه، وإن قصر ضمن.

فإن لم يجد مؤمنةً أعتق من لا يعرف بنصب؛ لرواية [ علي بن أبي ] (3)حمزة (4)المنجبر ضعفها بالشهرة، وبالإجماع المحكي على قبول رواية علي بن [ أبي ] حمزة (5).

ولرواية ابن أبي عمير: عن رجلٍ أوصى بثلاثين ديناراً يعتق بها رجل من أصحابنا فلم يوجد بذلك، قال: «يشتري ذلك من الناس فيعتق» (6).


1) وسائل الشيعة 27 : 371 الباب 28 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

2) وسائل الشيعة 27 : 371 الباب 28 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

3) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

4) وسائل الشيعة 19: 405 الباب 73 من أبواب كتاب الوصايا. ح 2.

5) عدة الأصول 1: 150.

6) وسائل الشيعة 19 : 405 الباب 73 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

وهي وإن لم يكن فيها التقييد بعدم النصب إلّا أنّه مستفاد من الخارج؛ لكفر الناصب، وعدم جواز عتق الكافر، مع ظهوره من روايته الأخرى: عن رجل هلك فأوصى بعتق نسمةٍ مسلمة بثلاثين ديناراً فلم يوجد بالذي سمّى لهم، قال: «ما أرى لهم أن يزيدوا على الذي سمّى» قلت: فإن لم يجدوا؟ قال: «فيشترون من عرض الناس ما لم يكن ناصباً» (1).

خلافاً لجماعة، فلم يجوزوا ذلك وقالوا بلزوم توقع المكنة (2)للأصل والقاعدة، وللزوم تبديل الوصيّة المنهي عنه (3)، ومقتضاه: أنّ مع عدم الإمكان ينتقل إلى مَنْ لا يُعرف بنصب؛ لأنّه لا يُترك الميسور بالمعسور، أو أنّه يعود ميراثاً؛ لبطلان مصرف الوصيّة.

والناصب هو مَنْ نصب العداوة للأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أو من نصب لشيعتهم، والخارجي الذي قال في عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما قال، أو من نسب إلى أحد المعصومين(عَلَيهِم السَّلَامُ) ما يثلم العدالة، أو من إذا سمع فضيلة لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو لأحدٍ من المعصومين أنكرها، أو من اعتقد أفضلية غير عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو مَنْ إذا بلغه نص أو تواتر قطعي أو خبر يعتقد صحّته أنكره.

ولا يبعد أنّ ذلك كلّه من النصب؛ لإجمال الناصب في الأخبار، والمفروض أن عدمه شرط، فیلزم اجتناب الكلّ من باب المقدمة.

وحينئذٍ فيختص غير الناصب بمن قدم غير عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من إجماع أو مصلحة أو نحوها، أو مَنْ لا يعرف الحق ولا يعاند عليه، كما لا يستضعف وشبهه، أو مَنْ أقر بتقديم عليَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن أنكر غيره من الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ).

وبعض أصحابنا جعل الناصب كلّ مَنْ قدّم الجبت والطاغوت (4)لما ورد في الأخبار أنّ الناصب كذلك (5).

وهو ضعيف مخالف لما عليه الأصحاب، وعلى قوله فغير الناصب هو المستضعف، أو الجاحد غير عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الأئمّة.


1) وسائل الشيعة 19: 405 الباب 73 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

2) السرائر 3 : 213؛ مختلف الشيعة 6: 343 المسألة 119؛ الروضة البهية 5: 49؛ مسالك الأفهام 6 : 212.

3) البقرة (2) : 181.

4) كما في روض الجنان 1: 421.

5) وسائل الشيعة 9 : 490 - 491 الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 14.

ومَنْ أعتق غير مؤمنة بزعم أنّها مؤمنة، فإن كان عن اجتهاد أجزأ، وإن كان عن تقصير لم يجزئ وتعلّق به الضمان، مع احتمال أن الظنّ كافٍ، والأخذ بالظاهر كافٍ من غير حاجةٍ إلى الاجتهاد، وربما أشعر بذلك كلام الأصحاب، ودلّت عليه الرواية: فيمن أوصى بعتق نسمةٍ مؤمنة عارفة، فلمّا أعتقناه بان لنا أنّه لغير رشده - يعني ابن زني - قال: «قد أجزأت عنه، إنّما مثل ذلك مثل من اشترى أضحيّةً على أنّها سمينة فوجدها مهزولة فقد أجزأت عنه» (1).

سادسها: فيما يتعلّق بما إذا أوصى بعتق رقبة بثمن معين

سادسها: إذا أوصى بعتق رقبة بثمن معين وجب شراؤها، فإن لم توجد أو وُجدت ولكن بأزيد توقع المكنة ما لم يؤد إلى اليأس من الإمكان فيشتري البعض؛ لعموم «لا يُترك الميسور بالمعسور» (2)ويعتقه، فإن لم يتمكن من البعض صرف في وجوه البر، مع احتمال استواء شراء البعض والصرف في وجوه البرّ، واحتمال البطلان ضعيف.

وإن وجدها بأقلّ ممّا عيّن فإن توقع المكنة انتظرها، وإن يئس اشترى بالأقلّ، لعموم «لا يُترك الميسور بالمعسور» (3)ودفع إليها الباقي؛ لأنّه من مصارف الوصيّة عند تعذرها، ولأنّ الدفع إليها أقرب وجوه البرّ إلى الوصيّة، ولفتوى الأصحاب.

وللخبر عن رجل أوصى بعتق نسمةٍ بخمسمائة درهم من ثلثه، فاشترى الوصي نسمة بأقل من خمسمائة درهم وفضلت فضلةٌ، فما ترى؟ قال: «تُدفع الفضلة إلى النسمة من قبل أن تُعتق، ثمّ تُعتق عن الميت» (4).

وقصوره سنداً بسماعة، ودلالةً ؛ لعدم تقييده بعدم الإمكان مجبوران بفتوى الأصحاب، وبقاعدة عدم جواز العدول عن الوصيّة مع الإمكان، مع أن سماعة موثّق.

والخبر ممكن الحمل على صورة عدم الإمكان؛ حملاً لفعل المسلم على الصحّة مهما أمكن.

فما يظهر من بعض الأصحاب من إطلاق شراء الرقبة مع الإمكان وبدونه (5)لا يبعد تنزيله على إرادة التقييد بذلك.

وظاهر الرواية أن دفع الزائد قبل العتق ومقتضى كلام الأصحاب والقواعد عدم لزوم ذلك. بل لزوم تقديم العتق.


1) وسائل الشيعة 19: 431 - 432 الباب 95 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2 و 3.

2) عوالي اللآلي 4 : 58، ح 205.

3) عوالي اللآلي 4 : 58، ح 205.

4) وسائل الشيعة 410:19 الباب 77 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

5) راجع رياض المسائل 10 : 387.

سابعها: حكم ما إذا أوصى بعتق عبده أو أعتقه قبل الوفاة وليس سواه

سابعها: إذا أوصى بعتق عبده أو أعتقه قبل الوفاة وليس له سواه، انعتق ثلثه، وسعى في باقي قيمته للورثة، بلا خلاف فيه في الوصيّة؛ لأنّ القاعدة في كلّ مبعض لزوم السعي عليه في فك نفسه، ويبنى في المنجز على خروجه من الأصل أو من الثلث.

ولو أعتق ثلثه أو أوصى بعتقه وله مال غيره، فهل ينعتق الباقي من ثلث غيره من المال، أو يسعى فيه العبد أو ينعتق من الأصل في المنجز ؟ وجوه.

ولو أعتق مماليكه عند الوفاة أو أوصى بعتقهم وليس له مال سواهم، ولم يُجز الورثة، أُعتق ثلثهم بالقرعة بتعديلهم أثلاثاً بالقيمة وعتق ما أخرجته القرعة؛ للإجماع المنقول (1)، وللصحيح: «كان عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسهم بينهم» (2)والخبر: «إنّ أبي ترك ستين مملوكاً وأعتق ثلثهم، فأقرعت بينهم فأخرجت عشرين فأعتقتهم» (3).

ولو استلزم ذلك عتق جزء من أحدهم سعى في باقيه.

وإنما لا يعتق ثلث كلّ واحدٍ - مع أنّ كلّ واحد منهم بمنزلة الموصى له، وقد تقرر أن الوصايا إذا وقعت دفعةً قسط عليها الثلث بالنسبة - للزوم الإضرار بالورثة، ولما ورد من فعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في ستة أعبد أعتق ثلثهم عند الموت، فجزاهم أثلاثاً فأقرع بينهم (4).

ولو رتبهم في الإعتاق أو الوصيّة أُعتق الأوّل فالأوّل حتّى يستوفي الثلث، وبطل الزائد؛ للأصل، والإجماع المنقول (5).

والخبر: في رجل أوصى عند موته أعتق فلاناً وفلاناً وفلاناً وفلاناً وفلاناً، فنظرتُ في ثلثه فلم يبلغ أثمان قيمة المماليك الخمسة الذين أمر بعتقهم، قال: «ينظر إلى الذين سمّاهم وبدأ بعتقهم فيقومون، وينظر إلى ثلثه فيعتق منه أوّل شيءٍ، ثمّ الثاني ثمّ الثالث ثمّ الرابع ثمّ الخامس، فإن عجز عن الثلث كان في الذي سمّى أخيراً؛ لأنّه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك فلا يجوز له ذلك» (6).


1) رياض المسائل 10 : 382.

2) وسائل الشيعة 23 : 103، الباب 65 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

3) المصدر، ح 2.

4) السنن الكبرى البيهقي 6 : 445، ح 12592.

5) رياض المسائل 10 : 383.

6) وسائل الشيعة 19 : 398، الباب 66 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

ولو أوصى بعتق عدد خاص من عبيده، احتمل جعل التعيين بيد الوارث؛ لأنّه من المتواطئ الراجع تعيينه إلى الوارث، واحتمل رجوعه إلى القرعة؛ لأنّه حقّ للمعتق ولا ترجيح فيرجع التعيين إلى القرعة.

ثامنها: حكم ما إذا أوصى بلفظ مطلق صالح للقليل والكثير

ثامنها: إذا أوصى بلفظ مطلق صالح للقليل والكثير، كان الخيار في تعيينه إلى الوارث، ولو كان الوارث صغيراً أو مجنوناً أعطي الأقل؛ لأنّه المتيقن، والاحتياط ينفي الزائد.

ولو أراد بالمطلق معنى خاصاً، عاد مجملاً، وعاد تفسيره إلى الوارث، فإن ادّعى الوارث العلم به، اتبع مع يمينه أو مع عدم اليمين، فإن ادّعى الموصى له الزيادة، كان له على الوارث اليمين على نفي العلم بإرادة الزائد من الموصي، لا على نفي إرادة الزائد؛ لأنّه لا يحلف لإنسان على نفي فعل غيره على البتّ.

ولو لم يعلم الوارث تفسيره، فإن دار الأمر بين الزيادة والنقيصة كان للموصى له القدر الناقص دون ما زاد؛ لأنّه المتيقن وإن دار بين نوعين فالطريق إلى تعيينه القرعة، أو الصلح بين الوارث والموصى له مع احتمال أنّ النوعين لو كان بينهما زيادة ونقصان دفع الوارث الناقص دون الزائد.

ومثل المطلق المراد به فرد معين غير مبيّن المجمل اللفظي الدائر بين معانيه، إلّا أنّ ظاهر الأصحاب أنّ الخيار هنا بيد الوارث دون القرعة، وهو مشكل مع إرادة فرد معين، ويمكن حمله على عدم العلم بذلك، فيرجع إلى الحمل على إرادة المسمّى صوناً لكلام الحكيم عن الإجمال وهو أيضاً محلّ تأمل.

ولو قال الموصي : أعطوه قوساً من قسيّي وله قوس نشاب، وقوس نبل، وقوس حسبان، وقوس جلاهق، وقوس ندف، فإن قلنا: إن القوس مشترك بين الجميع كان مردداً بين الجميع، وإن قلنا: إنّه مشترك بين البعض دون البعض تردّد بين تلك الأبعاض.

وعلى كلّ حال فإن دلّت القرينة على معيّن اتبع، وكذا إن كان لتلك المعاني فرد ظاهر، أو لم يكن له سوى قوس واحد، فقال: أعطوه قوسي، وإلا فالقاعدة تقضي بالقرعة، إلّا أن الأصحاب ظاهرهم أن المشترك كالمتواطئ يرجع التخيير فيه في إعطاء أي فرد كان إلى الوارث، وکأنّه بناء منهم على عدم العلم بإرادة معيّن فيدور بين إرادة المجمل أو الجميع أو المسمّى، فيُحمل

على إرادة المسمى فيعود كالمطلق، كلّ ذلك صوناً لكلام الحكيم عن الإجمال، واقتصاراً على محلّ اليقين من عدم إرادة الجميع، ومع ذلك فلا يخلو المقام من التأمل.

وهل يدخل في القوس الوتر ؟ الظاهر ذلك؛ قضاء للعرف، لصيرورته بمنزلة الفص للخاتم.

ولو أوصى بعتق مماليكه ولم يوجد له مملوك بطلت الوصيّة، وإن وُجدت أعتق الصغير والكبير، والأُنثى والذكر، والواحد والمتعدّد.

وفي جواز دخول الأنثى في لفظ «العبيد» وجه، والمرجع فيه إلى العرف.

ولو ماتت مماليكه بعد الوصيّة أو بعد الموت بطلت الوصيّة، ولو قتلوا لم تبطل؛ لقيام القيمة مقام العين.

وهل المدار في الوصيّة بالمماليك والعبيد ونحوها على حالة الوصيّة، أم على حالة الموت؟ فلو لم يوجد له مملوك حالة الوصيّة ووُجد حالة الموت فهل تنفذ الوصيّة فيهم، أم لا؟ وجهان، والأظهر النفوذ؛ لأنّ الاعتبار بحالة الموت، كغيرها من الوصايا المتعلقة بالأموال؛ ووجه الاحتمال الأوّل هو ظهور الإضافة في الموجود حالة الوصيّة، كما هو الشأن في المشتقات والإضافات.

تاسعها: صحّة الوصيّة بالمنافع دون الأعيان وبالأعيان دون المنافع وبالنماءات

تاسعها: تصحّ الوصيّة بالمنافع دون الأعيان بعضاً أو كلاً، عامة أو خاصّة، وبالأعيان دون المنافع كذلك، وبالنماءات ونحوها، كلّ ذلك مدّة معينةً وعلى الدوام؛ للأصل، ولفتوى الأصحاب.

وللخبر: فيمن أوقف غلة له على قرابة من أبيه وقرابة من أُمه، وأوصى لرجل ولعقبه من تلك الغلة بثلاثمائة درهم في كلّ سنةٍ، ويقسّم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من أُمه، قال: «جائز للذي أوصى له بذلك» (1).

وفي الفقه الرضوي: «وإذا أوصى لرجل بسكنى دارٍ فلازم للورثة أن تمضي وصيته، وإذا مات الموصى له رجعت الدار ميراثاً» (2).

وفي ثالث: فيمن أوصى لرجل أن يعطي قرابته من ضيعته كذا وكذا جريباً من طعام(3).


1) وسائل الشيعة 19 : 190، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 8.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 299.

3) وسائل الشيعة 19: 342 الباب 96 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

وطريق تقويم المنفعة الموقتة بوقت لا يؤدي إلى خروج العين عن القيمة المعتبرة عادةً، أو إلى خروجها عن التموّل بأن تقوم المنفعة على الموصى له، وتقوم العين التي هي الأصل وما يبقى فيها من المنافع في باقي المدّة على الوارث، فإذا أوصى بمنفعة العبد خمس سنين قوم العبد بمنافعه كملاً بكذا درهماً، ثمّ قوم مسلوب المنفعة تلك المدّة بكذا درهماً، فيجمع بین القيمتين وينظر إلى التفاوت بينهما، ويؤخذ التفاوت من الثلث ويسلّم للوارث ضعفي التفاوت، ومنه العين الموصى بمنفعتها.

ولا يجوز أن تقوم المنفعة بنفسها مجرّدةً، وتقوم العين مسلوبة المنفعة تلك المدّة، ولا أن تقوم المنفعة مفردةً، والعين مع باقي المنافع مفردةً وينظر إلى التفاوت؛ للزوم التفاوت والاختلاف.

وأما المنفعة المؤيَّدة ففي خروجها من الثلث طرق:

أحدها: أن تقوم العين بمنافعها ويخرج مجموع القيمة من الثلث فإن خرجت من الثلث لزمت الوصيّة في منفعتها، وإن لم يخرج من الثلث وضاق الثلث عنها لزمت الوصيّة في القدر الذي يخرج منه، فيكون للموصى له من العبد بقدر ما يخرج من الثلث والباقي للورثة.

ووجهه: أنّ استحقاق المنفعة على الدوام بمنزلة إتلاف الرقبة؛ لأن الغرض من الأعيان إنما هو المنافع، فيجب أن تقوم الرقبة؛ ولأنّ تقويم المنفعة متعذر؛ لأنّها غير معلومة ولا محدودة، ولأن مدّة العمر غير معلومة، فتقويمها بتقويم العين.

وبالجملة، فإنّ الوصيّة بجميع المنافع يخرج العين عن التقويم أو التموّل، فكأن الوصيّة بالعين نفسها.

وثانيها: أن تقوم المنفعة من الثلث على الموصى له، والرقبة على الورثة.

وإن كانت مسلوبة المنافع فالمعتبر تفاوت ما بين قيمتها بمنافعها وقيمتها مسلوبة المنافع، فيحتسب على الوارث قيمة العين مسلوبة المنافع ومرجعه إلى الانتفاع بالعين وبقائها متقومةً ومتمولة؛ لصلاحيتها للعتق والانتفاع بآلات الدار وجذوع البستان ونحو ذلك، وعلى ذلك فلو لم تكن لها قيمة أصلاً، أو خرجت عن التموّل فالوجه الأوّل.

ثالثها: أنّ المنفعة تقوم على الموصى له بقيمتها، والعين لا تقوم على أحد، إمّا الموصى له فلعدم الوصيّة بها إليه، وأمّا الوارث فلكونها بمنزلة التالفة منه؛ لسلب منافعها منه وخروجها عن التموّل، وحيلولة الوصيّة بينه وبين العين.

عاشرها: إذا أوصى بخدمة عبده مدّة معيّنةً فنفقته على الورثة؛ لأنّها تابعة للملك، ولو أوصى بها مؤبداً ففيه وجوه:

أحدها: أنّها على الوارث بناءً على ملك العين له والنفقة تابعة للملك.

ثانيها: أنّها على الموصى له؛ لانتقال جميع المنافع إليه فكانت كنفقة الزوجة، ولأنّ جميع النفع له فيكون الضرر عليه؛ ولأنّ إيجابها على الورثة ضرر من دون مقابلته بنفع.

ثالثها: أنّها في بيت المال، بناءً على عدم انتقال العين لأحدٍ من الموصى له؛ لأنّه له المنافع، ومن الوارث؛ لخروجها عن التموّل، فيكون سائبة نفقتها على بيت المال. والكلام في نفقة الحيوان كنفقة العبد.

وأما عمارة الدار وسقي البستان فإن تطوّع بهما أحدهما لم يمنعه الآخر، وإن امتنع أحدهما لم يجبره الآخر.

ويمكن القول بوجوب جبر المالك على حفظ المال؛ بناءً على وجوب حفظ المال.

واعلم أن لكلِّ من الوارث والموصى له التصرّف بماله، فللوارث التصرّف بالعين بما لا ينافي انتفاع الموصى له من بيع وهبة وعتق وهكذا، وللموصى له الانتفاع بما لا ينافي بقاء العين من خدمة أو سكنى أو نماء أو غير ذلك.

وجواز بيع الوارث والمعاوضة على العين مبنيّة على جواز المعاوضة على العين الموصى بمنفعتها وعدمه، وهما مبنيان على بقاء المالية في العين المسلوبة المنافع وعدمه، وهو ممّا يختلف باختلاف الأعيان الموصى بمنافعها، فمنها ما يبقى لها مالية تصلح للمعاوضة، ومنها ما لا يبقى لها ذلك.

العشرون: في منجزات المريض

وهي ما تقع منه في المرض الذي يموت فيه، ولا يبرأ منه قبل الموت، وهو كلّ تصرف يشتمل على المحاباة في المعاوضات من النقل عنه بأدنى ثمن المثل أو الانتقال إليه بأزيد منه، أو يشتمل على النقل المجاني، كالهدية والهبة والإبراء والصدقة والعتق والوقف ونحوها.

وبالجملة، كلّ ما يستلزم تفويتاً على الوارث من المال الموروث ولم يكن مضطراً إليه المريض في أكله وشربه ولباسه ودوائه وصلاته وصومه وغسله وأُجرة طبيبه والداعي له

و خادمه إذا كان بثمن المثل فهو من المنجزات، فيخرج عنه ما لو آجر نفسه بدون ثمن المثل، أو أنكحت نفسها كذلك، أو أنفق على نفسه ممّا يحتاج إليه لتدبير بدنه أو حفظ صحته.

وربما يلحق به صدقاته الجزئية المتعارفة؛ لجريان السيرة بخروجها من الأصل.

وكذا كلّ ما يتعلق بمصالحه من قراطيس كتاباته وما يعرض عنه من أمواله؛ لعدم قابليته للانتفاع.

وكذلك ما يتلفه مباشرةً أو تسبيباً عمداً أو قهراً في وجه قوي.

وعلى كلّ حالٍ فالمشهور بين المتأخرين خروج المنجزات من ثلث مال الميت؛ للأخبار المتكثرة الدالّة على ذلك:

كخبر عليّ بن عقبة: فيمن أعتق مملوكاً عند الموت، قال: «ما يعتق منه إلّا ثلثه» (1).

والآخر: فيمن تبرئ زوجها في مرضها، قال: «لا» (2).

والثالث: «لا تبرئه ولكن تهبه من ثلثها» (3).

والرابع: ما للرجل عند موته؟ قال: «الثلث، والثلث كثير» (4).

والخامس: الرجل يموت ما له من ماله؟ قال: «ثلث ماله» (5).

والسادس: «للرجل عند موته ثلث ماله» (6).

وغير ذلك من الأخبار المتكثرة في الموارد المتكثّرة.

ويؤيد تلك الأخبار السيرة القطعية القاضية بعدم نفوذ عطايا المريض في مرض موته ومعاملتها معاملة الوصيّة، والاعتبار أيضاً قاض بذلك؛ لأنا لو نفذنا المنجزات من الأصل لزم الضرر على الوارث المأمور بعدم الإضرار به، والموصى بالرفق به، بل لزم انسداد أبواب المواريث والانتفاع بها، ويعضد تلك الأخبار أيضاً أخبار إقرار المريض وخروجه من الثلث (7)مطلقاً أو على بعض الوجوه.


1) وسائل الشيعة 19: 301، الباب 17 من أبواب كتاب الوصايا، ح 13.

2) المصدر، ح 15.

3) المصدر، ح 16.

4) المصدر : 274، الباب 10 من أبواب كتاب الوصايا، ح 8.

5) المصدر : 272، ح 2.

6) المصدر : 273، ح 7.

7) راجع المصدر : 291، الباب 16 من أبواب كتاب الوصايا.

وقيل بخروجها من الأصل (1)، ونُسب (2)للمشهور بين المتقدّمين؛ للأخبار المتكثّرة:

كالخبر عن عمار: «صاحب المال أحق بماله ما دام فيه شيء من الروح يضعه حيث يشاء»(3).

والآخر في الرجل يكون له الولد أيسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ قال: «هو ماله يصنع به ما يشاء إلى أن يأتيه الموت» (4).

والثالث: «الإنسان أحق بماله ما دامت الروح في بدنه» (5).

والرابع: «الميت أولى بماله ما دام فيه الروح» (6).

والخامس: في الرجل يعطي الشيء من ماله في مرضه، فقال: «إذا أبان فيه فهو جائز، وإن أوصى به فهو من الثلث» (7).

والسادس: «الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به فإن تعدى فليس له إلّا الثلث» (8).

والسابع: «الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح، إن أوصى به كلّه فهو جائز له» (9)حملاً للوصيّة على المنجز.

إلى غير ذلك من الأخبار المعتضدة بشهرة المتقدّمين المنقولة، وبالإجماع المنقول (10)، وبعمومات الكتاب (11)والسنّة الدالّة على أنّ الناس مسلّطون على أموالهم» (12)وبمخالفة العامّة؛ لأنّ الخروج من الثلث منسوب لهم (13)، والخروج من الأصل ممّا يختصّ به الإماميّة.


1) ممّن قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 199.

2) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 10 : 388.

3) وسائل الشيعة 19 : 297 - 298، الباب 17 من أبواب كتاب الوصايا، ح 4.

4) المصدر : 296، ح 1.

5) المصدر : 299، ح 8.

6) المصدر : 297، ج 3.

7) المصدر : 298، ح 6.

8) المصدر : 278، الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا، ح 12 و 299، الباب 17 من تلك الأبواب، ح 7.

9) المصدر : 298، الباب 17 من أبواب كتاب الوصايا، ح 5.

10) رياض المسائل 10 : 389.

11) البقرة (2) : 180.

12) راجع ص 62، الهامش (2).

13) كما في رياض المسائل 10 : 389.

وبموافقة القواعد الدالّة على صحّة العقود ولزومها ونفوذها، وعلى مضيّ الإبراء والهبة ونحوها، وبصراحة الأخبار القاضية بذلك في بعض وظهورها في بعض آخر، وقلة الإجمال في ثالث، بخلاف الأخبار الأوّلة، فإنّ منها ما هو مجمل أو كالمجمل، ومنها ما يمكن حمله على الاستحباب في عدم الوصيّة بما زاد على الثلث، ومنها ما يمكن حمله على الوصيّة بأن يراد بقوله: «عند الموت» ما بعد الموت، ويراد بنفي جواز عطية الوالد للولد وصيّته له، على أن فيها نفي الصلاحية مطلقاً ولا قائل به.

وقد يُطعن في الأخبار الدالّة على خروج المنجز من الأصل بحمل قوله: «بماله» على إرادة الذي له من الثلث، أو بحمل قوله: «أحق» على الأحقية في التصرّف لا في النفوذ، والأحقية في التصرّف لا نزاع فيها؛ لأنّ الإنسان له أن يتصرّف بماله كيف شاء، ولا يمنع منه كما يفعله جهلة العوام من منع المريض عن التصرف، بل قد يقال: إن تصرفه نافذ أيضاً، وإجازة الوارث كاشفة عن النفوذ، لا أنّه غير نافذ والإجازة مثبتة له، وربما أشار إلى ذلك بقوله: «إن أوصى به كلّه فهو جائز» بعد قوله: «الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح» (1).

وبالجملة، فالأدلّة متعارضة من الجانبين، والأخبار غير نقية من الطرفين، ولكلّ منهما مرجحات شرعيّة واعتبارات مرعيّة، إلّا أنّ عموم ما دلّ على الخروج من الأصل أو إطلاقه، وخصوص ما دلّ على الخروج من الثلث وتقييده، واقترانه بالشهرة المحكية (2)والمحصلة، واعتضاده بما جاء في كثيرٍ من الموارد ممّا يدلّ على ذلك، وتأييده بالاعتبار المفيد لترجيح الحكم ممّا يقوى فيه الظنّ بترجيح القول بالخروج من الثلث دون الأصل.

الواحد والعشرون: في حكم إقرار المريض

وهو يدور مدار المرض سواء مات فيه أو برأ منه كما يظهر من الأصحاب وإطلاقات الأخبار، بخلاف المنجز فإنّه يدور مدار المرض الذي يموت فيه.

وذهب جمع إلى مضيّ الإقرار في المرض الذي يبرأ صاحبه؛ تمسكاً بالقواعد في غير ما خرج بالدليل.


1) تقدّم تخريجه في الهامش (9) من ص 434.

2) الحدائق الناضرة 22 : 599.

وهو حسن، إلّا أن إطلاق كلام الأصحاب والروايات ينافيه.

ثمّ إنّ للأصحاب في إقرار المريض أقوالاً:

فقيل بنفوذه من الأصل مطلقاً، سواء مات فيه أم لا، وسواء كان الإقرار بعين أو بدين، وسواء كان المقرّ له الوارث أو الأجنبي، وسواء كان المُقرّ متهماً أم لا (1)تمسكاً بعموم «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (2)وبأنه لو لم يسمع الإقرار لما أمكن التوصل من المريض إلى فراغ ذمته، وهو مفسدة عليه.

وقيل بنفوذه من الأصل إن كان المُقرّ عدلاً وغير متهم، وإن لم يكن عدلاً أو كان متهماً فمن الثلث سواء كان المُقرّ له وارثاً أم أجنبياً (3)، ونُسب (4)، للأكثر.

ومستنده الخبر : عن رجلٍ أوصى لبعض ورثته أنّ [له] عليه ديناً، فقال: «إن كان الميّت مرضيّاً فأعطه الذي أوصى له» (5).

والآخر مثله (6).

والثالث في غير الوارث عن امرأة استودعت رجلاً مالاً، فلما حضرها الموت قالت له: إن المال الذي أودعته إليك لفلانة وماتت، وأتى أولياؤها الرجل فقالوا له: إنّه كان لصاحبتنا مال ولا نراه إلّا عندك فاحلف لنا مالنا قبلك شيء، أيحلف لهم؟ قال: «إن كانت مأمونةً فيحلف لهم، وإن كانت متهمةً فلا يحلف، ويضع الأمر على ما كان؛ فإنّ لها من مالها ثلثه» (7).

وهاتان الروايتان وإن لم تكونا صريحتين في الخروج من الثلث مع التهمة إلّا أنّه بقرينة كلام الأصحاب، وذيل الرواية الأخيرة، وأن الإقرار لا يقع باطلاً من أصله يُحكم بخروج المُقرّ به من الثلث.


1) المراسم : 201؛ السرائر 2 : 1506 و 3 : 217.

2) عوالي اللآلي 1: 223، ح 104.

3) قواعد الأحكام 2 : 531.

4) الناسب هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 11 : 95 .

5) وسائل الشيعة 19 : 291، الباب 16 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

6) المصدر : 294، ح 8.

7) المصدر : 291، ح 2.

وقيل بنفوذه من الأصل إن كان المُقرّ له أجنبياً غير متهم، وإن كان متهماً أو كان وارثاً فمن الثلث (1)استناداً في الأوّل إلى ما تقدّم وإلى كونه بالنسبة إلى الوارث من الثلث مطلقاً إلى صحيحة إسماعيل بن جابر عن رجلٍ أقرّ لوارث له وهو مريض بدين عليه، قال: «يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث» (2).

والمراد به الثلث فما دون، لا خصوص ما دون الثلث؛ جرياً على الغالب من عدم مساواة الوصيّة للثلث غالباً.

وخير الأقوال أوسطها؛ للحكم بتقييد الرواية الأخيرة بالرواية المتقدّمة الدالّة على الخروج من الأصل للوارث إذا كان مرضيّاً، وإلا فمن الثلث، كما يقيد الخبر الدال على خروج المُقرّ به من الأصل مطلقاً بالنسبة إلى الوارث بما دلّت عليه الرواية المتقدّمة المفصلة بین التهمة وعدمها، كقوله في صحيحة أبي ولاد: عن رجلٍ مريض أقرّ عند الموت لوارث بدَيْنٍ له عليه، قال: «يجوز ذلك» (3).

نعم، يبقى الكلام في أنّ اشتراط العدالة ليس له أثر في الأخبار سوى قوله: «إن كان مرضيّاً»، وقوله: «إن كانت مأمونةً»، وهما أعمّ من اشتراط العدالة، إلّا أن يقولوا بتلازمهما، وهو محلّ نظرٍ وتأمل. بل قد يقال: إن الاتهام مانع من النفوذ من الأصل، لا أن العدالة شرط.

وتظهر الثمرة في مجهول الحال وشبهه، فإنّه على القول باشتراط العدالة في الخروج من الأصل يكون خروجه من الثلث، وعلى القول بأنّ الاتهام مانع يكون خروجه من الأصل.

وعلى كلّ حالٍ فلا منافاة بين اشتراط العدالة واشتراط عدم الاتهام؛ لأن العدالة قد لا تنافي الاتهام؛ إذ ليس كلّ عدلٍ غير متهم، فكم قد يسرع الظن بتهمة العدل؛ لصدور بعض الأفعال منه كحرص على المال أو إصرار عليه أو حب زائد له، إلى غير ذلك.

ومن جميع ما قدمنا يظهر لك أنّ دوران الأمر مدار الاتهام وعدمه قوي، وأقوى منه دورانه مدار الاتهام منعاً من الأصل، والاطمئنان جوازاً. وحينئذٍ فمجهول الحال حكمه حكم المتهم.


1) المختصر النافع : 269.

2) وسائل الشيعة 19 : 292، الباب 16 من أبواب كتاب الوصايا، ح 3.

3) المصدر، ح 4.

والأحوط دورانه مدار العدالة وعدمها وجوداً وعدماً، وأحوط من ذلك دورانه مدار العدالة والاطمئنان معاً، وجوداً وعدماً فيهما معاً.

وفي المسألة أخبار أُخَر:

منها: صحيح الحلبي في الرجل يقرّ لوارث بدَيْنٍ، فقال: «يجوز إذا كان مليّاً» (1)ومثله آخر (2).

وهما محمولان على نفوذه من الثلث، وتكون الملاءة كنايةً عن توفية الثلث بالدين، أو محمولان على النفوذ من الأصل، وتكون ملاءة المُقرّ له قرينة على عدم التهمة إن رجع الضمير إلى المُقرّ له، وتكون ملاء ته كناية عن صدقه وأمانته إن رجع الضمير إلى المُقر نفسه.

ومنها: موثقة سماعة: فيمن أقرّ للورثة بدَيْنٍ عليه وهو مريض، قال: «يجوز عليه ما أقرّ به إذا كان قليلاً» (3).

وهي محمولة على كون القلة كناية عن الخروج من الثلث.

ومنها: صحيحة سعد: فيمن دفع مالاً إلى رجلٍ من التجار وقال له: إنّ هذا المال لفلان بن فلان ليس لي فيه قليل ولا كثير، قال: «يضعه حيث شاء» (4).

وهو محمول على الوصيّة إليه بصرف ذلك من غير تقييد عليه، كما يظهر ذلك من سياقها، أو على الخروج من الأصل؛ لعدم التهمة، أو على الخروج من الثلث.

ومنها: رواية أبي بصير: في رجلٍ معه مال مضاربة ومات وعليه دين وأوصى أن هذا الذي ترك لأهل المضاربة، أيجوز ذلك؟ قال: «نعم إذا كان مصدقاً» (5).

وهو محمول على إرادة كونه عدلاً مرضيّاً؛ لإشعار قوله: «مصدقاً».

ومنها: رواية السكوني عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنه كان يرد النحلة في الوصيّة، وما أقرّ به : موته بلا ثبت ولا بيّنة ردّه» (6).


1) وسائل الشيعة 19 : 292 - 293، الباب 16 من أبواب كتاب الوصايا، ح 5.

2) المصدر : 293، ح 7.

3) المصدر : 294، ح 9.

4) المصدر : 293، ح 6.

5) المصدر : 296، ح 14.

6) المصدر : 295، ح 12.

وهو محمول على إرادة عدم ثبوت الإقرار بنفسه من دون حجةٍ شرعيّة، أو محمول على عدم النفوذ من الأصل مع الاتهام من دون بينة.

ومنها: رواية مسعدة عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا وصيّة لوارث ولا إقرار له بدين» (1).

وهو محمول على خروجه من الأصل من دون اطمئنان.

ومنها: رواية طويلة في امرأةٍ أوصت لرجل وأقرت له بدين ثمانية آلاف درهم، وكذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف وشعرٍ وشبهه وصفرٍ ونحاس، إلى أن قال: فكتب بخطه: «إن كان الدين صحيحاً معروفاً مفهوماً فيخرج الدين من رأس المال إن شاء اللّه، وإن لم يكن الدَّيْن حقاً أُنفذ لها ما أوصت به من ثلثها، كفى أو لم يكف» (2).

وهو محمول على كونها متهمة في الإقرار، ولم يثبت الدَّين بغير إقرارها.

الثاني والعشرون: في أنّ مَنْ لا وارث له هل له أن يوصي بجميع ماله إلى مَنْ شاء أو ليس له ذلك ؟

الثاني والعشرون: من مات ولا وارث له فهل له أن يوصي بجميع ماله إلى مَنْ شاء، أو ليس له بل يكون ما زاد للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ قولان أظهرهما وأشهرهما والموافق للأخبار الدالّة على منع الوصيّة بما زاد على الثلث (3)، المستفيضة حدّ الاستفاضة المعتضدة بفتوى الأصحاب والاعتبار المنصوص في الباب هو الثاني.

وذهب بعض القدماء (4)- وتبعهم بعض متأخري المتأخرين (5)- إلى الأول؛ استناداً إلى ما ورد مستفيضاً من أنّ «الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح إن أوصى به كلّه فهو جائز له» (6)وإلى ما روى السكوني عن جعفر عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنّه سئل عن الرجل يموت ولا وارث له ولا عصبة، قال: «يوصي بماله حيث شاء في المسلمين والمساكين وابن السبيل» (7).

وهو ضعيف؛ لموافقة الرواية لمذهب أبي حنيفة وشريك (8)، ولضعف سندها ومخالفتها


1) وسائل الشيعة 19 : 295 - 296، الباب 16 من أبواب كتاب الوصايا، ح 13.

2) المصدر : 294 - 295، ح 10.

3) المصدر : 271 و 275، الباب 10 و 11 من أبواب كتاب الوصايا.

4) كالصدوق في المقنع: 486؛ وابن الجنيد على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 6: 337، المسألة 114.

5) كالبحراني في الحدائق الناضرة 22 : 624.

6) تقدّم تخريجه في الهامش (9) من ص 434.

7) وسائل الشيعة 19 : 282، الباب 12 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

8) كما في الخلاف 4 : 167، المسألة 52.

لفتوى المشهور، ولما ورد «أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وارث مَنْ لا وارث له» (1)فلا يصلح الاستناد إليها.

نعم، ذكر الشيخ (رَحمهُ اللّه) أن الوصيّة بجميع المال قد روي في أحاديثنا (2)، ولكنه مرسل ولم نعثر على مَنْ رواه.

الثالث والعشرون: حكم ما إذا كان على الموصي دَيْنٌ فعزله الوصي وأعطى الورثة الباقي فتلف المال المقابل للدين قبل دفعه

الثالث والعشرون: إذا كان على الموصي دَيْنُ فعزله الوصي وأعطى الورثة الباقي فتلف المال المقابل للدين قبل دفعه، فإن كان بتفريط من الوصي ولو بالتأخير ضمن الدين، ولزم عليه دفعه للديان.

وهل للديان الرجوع إلى الوارث؛ لعدم تعيّن الدين في المال الذي عينه الوصي قبل قبض الديان له أو ليس له؛ لتعيين الوصي له والمفروض بقاء عوضه في ذمة الوصي فيرجع الديّان إليه ؟ وجهان، ومقتضى القواعد الأوّل، فالديان بالخيار بين رجوعه إلى الوصي؛ لبقاء عوض التركة في ذمته، وبين رجوعه إلى الوارث؛ لأن عين التركة في يده.

إلا أنّه قد ورد في بعض الأخبار ما يدلّ بظاهره على تعين رجوع الديان إلى الوصي دون الوارث :

كالخبر: فيمن أوصى إلى رجل وعلى الرجل المتوفى دين، فعمد الذي أوصى إليه فعزل الدين فرفعه في بيته، وقسّم الذي بقي بين الورثة فسُرق الذي للغرماء من الليل، ممّن يؤخذ؟ قال: «هو ضامن حين عزله في بيته يؤدي من ماله» (3).

وفي آخر كذلك، وفيه: ممّن يؤخذ الدين، أمن الورثة، أم من الوصي؟ فقال: «لا يؤخذ من الورثة والوصي ضامن»(4).

والقول بهما لولا مخالفة القواعد لا بأس به.

وإن لم يكن التلف بتفريط من الوصي، رجع الديان إلى الوارث فأخذ منه؛ لبقاء


1) وسائل الشيعة 9 : 524، الباب 1 من أبواب الأنفال، ح 4 و 26 : 248 الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة، ح 5.

2) الخلاف 4 : 167، المسألة 52.

3) وسائل الشيعة 19 : 346 الباب 36 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

4) المصدر : 0347 ح 4.

التركة أو مقابلها في يده مع عدم تعيّن ما قبضه الوصي وفاءً له، ولا يضمن الوصي مع عدم التفريط شيئاً.

و ما دلّ على الضمان مطلقاً - كالأخبار المتقدّمة - محمول إطلاقه على صورة التفريط؛ جمعاً بينه وبين الأخبار الدالّة على عدم الضمان إلّا مع التفريط، والقواعد القاضية أيضاً بذلك.

وفي الصحيح أو الحسن: «أنّ الذي يوصى إليه يكون ضامناً فيما دفع إليه، إذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه إليه، فإن لم يجد فليس عليه ضمان» (1).

الرابع والعشرون: حكم ما إذا انتقل إلى المريض من ينعتق عليه

الرابع والعشرون: إذا انتقل إلى المريض مَنْ ينعتق عليه، فإما أن يكون بعقد مجاني كالوصيّة والهبة ونحوهما، فالأقوى خروجه من الأصل للإجماع المنقول على لسان بعض الفحول (2).

ومناقشة بعض المتأخرين فيه حيث إنّ الإجماع المنقول لا يكون حجةٌ إلّا مع العلم بدخول قول المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أقوال المجمعين، وفي مثل هذه المسألة لا يُعلم ذلك (3)، ضعيفة جداً؛ للزوم القدح على ذلك في جميع الإجماعات المنقولة التي لا يعلم دخول قول المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها، وهو لا يلتفت إليه ؛ ولأنّ الإجماع المنقول حجيته بنقله، لا بالعلم بدخول قول المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنما يفتقر إلى العلم بدخول قول المعصوم الناقل لا المنقول إليه.

ويضاف إلى الإجماع المتقدّم: أنّ المعتبر من الثلث على القول به في المنجزات هو ما يخرجه المريض عن ملكه بنفسه اختياراً بعد أن يدخل في ملكه، وها هنا لم يخرجه اختياراً، وإنما خرج قهراً، ولم يتقدّم الملك على خروجه عنه تقدماً زمانياً أيضاً، ولم يمكن انفكاك الملك عن خروجه عنه، فكان بمنزلة الإقدام على ملك زائل بنفسه متزلزل في حدّ ذاته، وذلك لا يخرج من الثلث، وإنّما يخرج من الأصل. جرياً على مقتضى الأصول والقواعد.


1) وسائل الشيعة 19: 346 الباب 36 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

2) المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 206.

3) راجع مسالك الأفهام 6 : 299.

خلافاً للعلامة (رَحمهُ اللّه) في التحرير، فجَعَله من الثلث (1)، لأنّ اختيار السبب - وهو قبول الوصيّة والهبة - اختيار للمسبب وهو العتق، فيكون العتق اختيارياً لا قهريّاً.

وهو ضعيف يظهر ضعفه ممّا قدمنا.

وإما أن يكون بغير عقد اختياري، كنذرٍ أو إرثٍ ونحوهما، فبالأولى هنا خروجه من الأصل، جرياً على مقتضى القواعد.

وربّما قيل بخروجه من الثلث؛ لتفويت المالية على الوارث فيه في الجملة فيكون من الثلث (2)، وضعفه ظاهر.

وإما أن يكون انتقاله بعقد معاوضةٍ بعوض موروث للمريض، كشراء بثمن المثل أو هبة معوّضة كذلك، والأقوى فيه هنا خروجه من الثلث؛ لأنّ تملكه باختياره سبب في عتقه، واختيار السبب اختيار للمسبّب، فيكون بمنزلة عتقه اختياراً وهو من الثلث.

وقيل بخروجه من الأصل (3)لأن الشراء بثمن المثل ليس من التبرعات المحضة، والعتق المترتّب عليه ليس من العتق الاختياري فيخرج من الثلث.

وهو ضعيف يظهر ضعفه ممّا تقدّم.

وإما أن يملكه بعقد اختياري ولكن بعوض غير موروث، كما إذا آجر نفسه بعبد ينعتق عليه، أو كان مهراً للامرأة، فهذا يخرج من الأصل؛ لعدم تفويت شيء على الوارث، ومثله ما لو نذر أن يملكه كذلك.

وإما أن يملكه بإيجاب الشارع عليه بنذرٍ، كما إذا نذر أن يشتري مَنْ ينعتق عليه في حال الصحّة، فهذا يخرج من الأصل.

وأما لو نذر أن يشتري مَنْ ينعتق عليه في حال المرض زجراً أو شكراً، ففي خروجه من الثلث؛ لأنّه من التبرعات في السبب فيكون منها في المسبب، أو من الأصل. بناء على أن النذر يخرج من الأصل وأن المسبب فهري، أو الفرق بين النذر في المرض وبين النذر في


1) تحرير الأحكام الشرعيّة 3 : 402، الرقم 4881.

2) احتمله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 6 : 299.

3) قواعد الأحكام 2 : 525.

حال الصحّة بأن يفعل ذلك في المرض، فيخرج الأوّل من الثلث والثاني من الأصل، وجوه، أقواها أنّ النذر في حال الصحّة أو مطلقاً أو لما يفعله في حال الصحّة يخرج من الأصل ولو فعله في المرض، وأنّ النذر في حال المرض لما يفعله تبرّعاً حال المرض يخرج من الثلث، وأنّ في ما نذره حال الصحّة لما يفعله في حال المرض وجهان، أقواهما الخروج من الثلث.

الخامس والعشرون: في أن خروج المنجز من الثلث خلاف القواعد ويقتصر فيه على مورد اليقين

الخامس والعشرون: خروج المنجز من الثلث خلاف القواعد، فيقتصر فيه على مورد اليقين ممّا يُسمّى مرضاً، فلا يجري الحكم لما لا يُسمّى كذلك، كالوقوف للحرب، أو الركوب بسفينة حال تلاطم الأمواج، أو حالة الحرق أو الغرق، أو حالة الخنق والصلب. وفي حالة ما لو قطع منه شيء يسري به إلى الموت إشكال، سيّما لو كان شيء لا تستقر بعده الحياة كقطع الحلقوم وشبهه.

ولا يتفاوت بين كون المرض مخوفاً، كالحميات الصعبة والاستسقاء والدق وذات الجنب والسل الغير المستمر، أو غير مخوف، كالزكام وحتى يوم والسلّ المستمر والفالج المزمن، ويشترط في الأخير قيام القرائن العادية باستناد الموت إليه، ويكفي في الأوّل وقوع الموت فيه مع عدم ظهور خلافه واستناده إلى مرض آخر، ولا يشترط العلم باستناد الموت إليه.

وخص بعضهم المرض في المرض المخوف (1)اقتصاراً على مورد اليقين، ولكن الإطلاق في الفتوى والرواية ينافيه.

ولو شك في استناد الموت إلى السبب وعدمه بنى على الظاهر في المرض المخوف دون غيره.

ولو تنجز أو أقرّ وشكّ في كون ذلك حال المرض أو الصحّة، ولم يعلم كونه مريضاً، فالأصل عدم المرض.

ولو علم المرض وشكّ في تأخر المنجز عنه أو المقارنة، فإن علم تأريخ أحدهما تأخر عنه المجهول، وإلا فيُحكم بالمقارنة.

ويحتمل الحكم في جميع الصُّور المشكوك فيها بالخروج من الأصل؛ لقضاء القواعد


1) الشيخ الطوسي في المبسوط 44:4.

بنفوذ المنجز من الأصل إلّا ما عُلم كونه في مرض الموت فيُخرج من الأصل (1).

ولو تداعيا في كون المنجز في مرض الموت أو في حال الصحّة مع العلم بوقوع المرض، كان القول قول مَنْ قال: إنّه في حال الصحّة، مع احتمال كون القول قول مَنْ قال: إنَّه في حال المرض.

ولو علم تأريخ المرض وتداعيا في زمن المنجّز، فالأقوى أن القول قول المدّعي أنّه في المرض.

والظاهر أن الجراحات من الأمراض والفتق ليس منها، مع احتمال أنّه منها، والعمى ليس من الأمراض.

والفصد يسيل حتّى يُميت لا يخلو من إشكال. ولو انتقل المرض من مرض إلى مرض فالمدار على مرض الموت، إلّا إذا كانت عادة ذلك المرض الانتقال.

والحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمّد وآله الطاهرين عليهم ألف ألف صلاة وألف ألف تحية أجمعين.

وقد تم كتاب الوصيّة، ويتلوه كتاب النكاح إن شاء اللّه، ونسأله التسهيل والتوفيق للإتمام إنّه خير موفّق ومعين.


تم الجزء السابع من أنوار الفقاهة - بحسب تجزئتنا -

ويليه في الجزء الثامن كتاب النكاح


1) الظاهر : «الثلث» بدل «الأصل».