أنوار الفقاهة کاشف الغطاء جلد 6

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

العنوان والمؤلّف: أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

مركز إحياء التراث الإسلامي.

بيانات النشر: طهران شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.

بيانات الوصف: 10ج.

ردمك: -(مسلسل) 0-180-195-600-978

(ج.)6-188-195-600-978

حالة الفهرسة : CIP

ملاحظات المجال المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش

ملاحظات المجال: الفهارس العامّة

المحتويات: ج. 8. كتاب النكاح - الخلع

الموضوع :فقه الإمامية - ق 13هـ.

المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة مركز إحياء التراث الإسلامي

تصنيف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3

تصنيف ديوي: 297/342

رقم الإيداع: 3698114

أنوار الفقاهة

حَسَن بن جَعْفَرَ كاشف الغطاء

1201 – 1262 هـ

الجزء السادس

القرض - المساقاة

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية

مركز إحياء التراث الإسلامي

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

أنوار الفقاهة

حسن بن جعفر كاشف الغطاء

(1201 – 1262 هـ)

الجزء السادس

كتاب القرض والرهن والحجر والضمان والصلح

والشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية

مركز إحياء التراث الإسلامي

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية

أنوار الفقاهة

الجزء السادس: كتاب القرض – المساقاة

مجموعة من المحققين

الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية

الإعداد والتحقيق: مركز إحياء التراث الإسلامي

الطبعة الأولى: 1436هـ / 2015م

الكمية: 1000 نسخة

العنوان: 301 : التسلسل: 496

حقوق الطبع محفوظة للناشر

العنوان: طهران، شارع الانقلاب، مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312

التلفون والفاكس: 6951534 +9821

ص. ب: 37185/3858، الرمز البريدي: 16439 - 37156

الموقع الإلكتروني : www.isca.ac.ir

البريد الالكتروني : nashr@isca.ac.ir

المدخل الرئيسي: کاشف الغطاء، حسن بن جعفر، 1201 - 1262هـ.

العنوان والمؤلّف: أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء؛ تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية، مركز إحياء التراث الإسلامي.

بيانات النشر: طهران، شارع الانقلاب، مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312 ، 1436هـ. = 2015م.

بيانات الوصف : 10ج.

ردمك: (مسلسل) (0-180-195-600-978

         (ج. 6)2-186-195-600-978 

حالة الفهرسة : CIP

ملاحظات المجال المصادر: ج. 10. : وأيضاً في الهامش

ملاحظات المجال : الفهارس العامة

المحتويات: ج. 6 . كتاب القرض - المساقاة

الموضوع: فقه الإمامية - ق 13هـ.

المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية، مركز إحياء التراث الإسلامي

تصنيف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك/ BP183/3

تصنيف ديوي: 297/342

رقم الإيداع :3698114

فهرس الموضوعات

كتاب القرض

معنى القرض لغةً وشرعاً ... 23

بحث: في أن القرض يكون بالقول وبالقول الإيجابي والفعل القبولي وبالعكس وبالفعليين إيجاباً وقبولاً... 23

بحث: في أنه هل يقوم عقد القرض في وقوع الملك أو الإباحة بدون القبض إما مطلقاً أو المأذون فيه؟...25

بحث: في أنّ القبض مملك وملزم في القرض من الطرفين ... 31

بحث: في أنّ القبض في القرض كالقبض في سائر العقود ... 31

بحث: في أن عقد القرض يقبل الشروط المتصلة به قبلاً أو بعداً ... 33

بحث: في لزوم الوفاء من الطرفين بالشرط...34

بحث: في أن اشتراط الزيادة من المقرض في عقد القرض ربا محرّم...36

بحث: حكم اشتراط القرض أو اشتراط بيع أو رهن في عقد القرض... 38

بحث: في أنّ النفع المحرم هو ما أخذ شرطاً صريحاً في عقد القرض أو غيره أو ضمناً مع بناء العقد عليه ... 39

بحث: حكم ما لو دفع المستقرض الزيادة إلى المقرض... 40

بحث في عدم جواز تأجيل الدين الحال بزيادة فيه أو بزيادة خارجية أو الصلح على تأجيله بالزيادة ...41

بحث: في جواز تعجيل المؤجل أو إرجاعه إلى أقل أجل بإسقاط بعضه أو بمال خارج...42

بحث: في حكم اشتراط الهبة والبيع المحاباتي والإجارة بالأقل في عقد القرض ...43

بحث: في بيان ما يصح إقراضه...44

بحث: في أن المال المقرض إما مثلي أو قيمي أو مشكوك...47

وهنا أُمور ...47

أحدها: في تعريف المثلي...47

ثانيها: حكم ما لو تعذر المثلي أو تعسر ...47

ثالثها: لزوم قيمة يوم القبض في قرض القيمي بل المشكوك فيه ...49

رابعها: جواز اقتراض الجواري ووطؤها بالقبض ... 52

بحث: حكم ما لو جهل الغريم بين محصور أو في غير محصور أو علم وغاب غيبة منقطعة ... 52

بحث: في وجوب الوصية بالدين عند ظهور أمارات الموت... 54

بحث: حكم ما لو حصل اليأس من وصول الدين إلى أهله أو إلى وارثه لو كان له وارث ... 55

بحث: في عدم صحة المضاربة بالدين... 59

بحث: حكم ما لو باع الديان ما في ذمّة المديون بأقل ... 61

بحث: حكم ما إذا باع الذمّي على مثله خمراً أو خنزيراً مع مراعاة شرائط الذمّة ... 62

بحث: فيما لو كان لاثنين مال مشترك في ذمّةٍ أو ذمّتين هل تجوز قسمة ما في الذمم أزماناً أو أشخاصاً... 65

بحث: فيه مسائل ... 71

أحدها: حكم ما لو استقرض دراهم أو دنانير مسكوكة ثمّ أسقطها السلطان أو سقطت المعاملة حتى صارت خارجيّة ... 71

ثانيها: جواز كلّ عقد بشرط القرض وعدم جواز اشتراط العقد المجاني ... 71

ثالثها: جواز القرض مع الإعسار مع نيّة الوفاء ... 72

رابعها: وجوب وفاء الدين في القيمي بنقد البلد... 72

خامسها: وجوب الوفاء على المديون من جميع ما يملك... 73

سادسها: فيما لو ضمن ضامن لغريم الميت فرضي بضمانه صح...74

سابعها : في أنّه يحلّ ما على الميت من الديون المؤجلة ... 74

ثامنها: في أنه إذا دفع المديون عروضاً عما في ذمته كانت وفاءً واحتسبت قيمتها يوم قبضها... 75

تاسعها: حكم ما لو تعلّق له حق بآخر خارج الحرم أو فيه فطلبه أو طالبه فالتجأ إلى الحرم أو كان غير ملتجئ إليه... 75

عاشرها: حكم ما لو قُتِل المديون خطاً ولا مال له ... 76

حادي عشرها: حكم ما لو مطل الغريم مع تمكنه ... 76

ثاني عشرها: في جواز اشتراط الوفاء في مكان خاص ... 77

بحث: في اختلاف المقترض والمقرض في صحة القرض وفساده ... 77

بحث: في دين المملوك وفيه مقامات: ... 81

أحدها: في أن العبد مملوك فلا يملك مالاً ولا تصرّفاً في مال ولا بغير مالٍ... 81

ثانيها: فيما لو أذن السيد للعبد في القرض للسيد التزم بوفائه السيد ... 82

ثالثها: لو تصرّف العبد بأموال سيده صح التناول منه ومعاملته من دون سؤال... 84

كتاب الرهن

معنى الرهن لغةً وشرعاً... 87

وفي المقام مباحث: ... 88

أحدها: في أنه يجري الفضولي في عقد الرهن ... 88

ثانيها: افتقار عقد الرهن إلى القبض ... 89

ثالثها: اشتراط كون الرهن عيناً مملوكاً ... 93

رابعها: حكم ما لو رهن رهناً فخيف ببقائه الفساد أو يسرع إليه الفساد قبل حلول أجل الدين ... 97

خامسها: حكم الرهن بالنسبة إلى الدين المقارن ... 97

سادسها: بیان شرائط الراهن ... 99

سابعها: في أن عقد الرهن من العقود القابلة للشرط... 100

ثامنها: حكم ما لو مات المرتهن ولم يعلم الرهن بعينه ... 102

تاسعها: في أنّ المرتهن أحق باستيفاء دينه من عين الرهن دون سائر الغرماء... 103

عاشرها: في أنّ الرهن أمانة بيد المرتهن أو وكيله لا يضمن الا مع التعدي أو التفريط ... 104

حادي عشرها: قضاء الأصول المحكمة والقواعد المتقنة بحرمة تصرف المرتهن بالرهن عيناً ومنفعة ونماء... 106

ثاني عشرها: في أنه يجوز للمرتهن أن يستوفي دينه من الرهن عند حلول الأجل إن كان الدين مؤجّلاً... 108

ثالث عشرها: حكم ما إذا وطئ المرتهن الأمة وكانت شبهة ... 111

رابع عشرها : حكم ما إذا امتنع الراهن من الوفاء ... 112

خامس عشرها: عدم قضاء عقد الرهن بوضعه عند المرتهن ولا الملك بوضعه عند الراهن ... 113

سادس عشرها: حكم ما لو باع المرتهن الرهن وكان وكيلاً في بيعه أو العدل لو كان كذلك فقبض المرتهن الثمن فوجد فيه عيباً... 115

سابع عشرها: فى أنّ الرهن وثيقة لدين المرتهن دون غير المرتهن ودون غيره من الأموال ... 116

ثامن عشرها: في أنه لا يجوز للراهن التصرف بالرهن بما ينقل العين... 117

تاسع عشرها : حكم ما لو تصرف الراهن بماله بنقل عين أو منفعةٍ... 118

العشرون: في أن عقد الرهن لازم من طرف الراهن وجائز من طرف المرتهن ... 119

الواحد والعشرون: في أنّ كلّ عقد صح الشرط فيه صح الرهن ... 120

الثاني والعشرون: في أن فوائد الرهن ونماءه وأروشه ومنافعه للراهن ... 122

الثالث والعشرون: حكم ما لو رهن المالك المغصوب عند الغاصب ... 124

الرابع والعشرون: فيما لا يدخل في رهن النخل أو الأرض ... 125

الخامس والعشرون: في أنّه يجوز أن يرهن مال نفسه لغيره تبرّعاً أو يرهنه بإذنه أو أن يرهن مال غيره بإذنه ... 126

السادس والعشرون: عدم جواز رهن المحرّم ... 128

السابع والعشرون: حكم ما إذا جنى العبد المرهون عمداً أو خطاً ... 128

الثامن والعشرون: في مسائل متفرّقة ... 130

أحدها: جواز جعل نصف المشاع رهناً... 130

ثانيها: عدم توقيت الرهن بوقت... 130

ثالثها: فيما لو أتلف الرهن متلف كان مثله أو قيمته رهناً... 131

رابعها: في أنه يضمن الرهن بمثله أو قيمته يوم تلفه إن تلف بغصب أو إتلافٍ من أجنبي أو تلف بتفريط من المرتهن ... 131

خامسها: حكم ما لو اختلف الراهن والمرتهن في جنس الدين أو في وصفه الزائد أو في تأجيله أو في قدر الدين ... 132

سادسها: حكم ما لو اختلفا في التعدّي والتفريط أو في صحة الرهن وفساده أو في ردّ الرهن وعدمه أو ... 134

سابعها: حكم ما لو اختلفا فيما بيد المرتهن من مال المالك، فقال المالك: هو وديعة وقال المرتهن: هو رهن... 134

ثامنها: حكم ما إذا أذن المرتهن للراهن في البيع فرجع ثم اختلفا في الرجوع قبل البيع وبعده ... 136

تاسعها: حكم ما إذا كان لشخص على آخر دينان وعلى أحدهما رهن وعلى كلّ منهما رهن غير رهن الآخر فدفع مالاً لوفائه ... 137

عاشرها: حكم ما إذا اختلفا فيما يباع به الرهن ... 137

حادي عشرها : حكم ما إذا ادعى المرتهن رهانة شيء فأنكر الراهن وادعى أنه آخر ... 138

ثاني عشرها: حكم ما لو تسالم الراهن والمرتهن على القبض بعد وقوع عقد الرهن فادعى المرتهن أنه بإذن من الراهن وأنكر الراهن ذلك ... 139

كتاب الحجر

تعريف الحجر لغةً وشرعاً ... 143

أسباب الحجر ... 143

والكلام هنا في مباحث: ... 144

أحدها في المفلّس... 144

وفيه مطالب: ... 144

أحدها من أسباب الحجر الفلس : ... 144

ثانيها: في مستلزمات حجر الحاكم على الغريم من أحكام كثيرة ... 145

منها: صدور الإنشاء بالتحجير من الحاكم ... 145

ومنها: الدلالة عليه بقول صريح أو كناية ... 145

ومنها: التماس الغرماء للحاكم بالتحجير عليه... 145

ومنها: كون المحجور عليه كاملاً وعدم صحة الحجر على غير الكامل ... 146

ومنها: كون الديون ثابتةً بإقراره أو البينة ... 146

ومنها: كونها حالة بإقراره أو البينة ... 146

ومنها: كون الديون الحاله أكثر من أعيان أمواله ... 146

ومنها: كون الحجر على نفس أعيان أمواله الموجودة ... 147

ومنها: وقوع تصرفاته باطلةً أو موقوفةً على الإجازة ... 147

ومنها: عدم جواز العدول عن التحجير وفسخه ... 147

ومنها جواز التحجير على بعض أمواله ... 147

ومنها: جواز التحجير من حاكمين وأكثر على اثنين وأكثر ... 147

ومنها: عدم منع المحجور عليه من غير التصرفات الابتدائية ... 148

ومنها: جواز التحجير على المال المتجدّد للمحجور عليه إذا التمس الغرماء ذلك ... 148

ومنها: تعلّق الحجر بالإقرار إذا كان بدين بعد الحجر وكان عن سبب اختياري ... 148

ومنها: أنّه لو أقرّ بعين لغيره على جهة الأمانة بعد الحجر أو قبله وكان الإقرار بعد الحجر لم يُسمع إقراره ... 149

ومنها: أنه لو جنى بعد الحجر أو أتلف مالاً شارك المجني عليه الغرماء ... 150

ومنها: كون المال بعد الحجر على المحجور عليه متعلّقاً به حق الغرماء... 150

ومنها: أنه يجوز للحاكم أن يحجر بنفسه على نفسه ويجوز أن يحجر من جهة الديون في الحقوق العامة ... 150

ثالثها: من جملة أحكام التحجير أنّه مَنْ وجد عين ماله بعد الحجر كان له أخذها ... 151

رابعها: في أن الأخذ للعين فسخ لعقدها الأول من حينه ... 151

خامسها: فيما لو حجر الحاكم على أمواله دخلت المنافع والديون... 152

سادسها: هل الخيار بين أخذ العين والضرب مع الغرماء فوري؟ ... 152

سابعها: النماء المنفصل والمتصل القابل للانفصال للمفلّس... 152

ثامنها: حكم ما لو وجد العين مستحيلة أو منتقلة بعقد لازم أو وجد العين ناقصةً في القيمة السوقية... 153

تاسعها: حكم ما لو اشترى المفلس شقصاً من شريك ثم حجر عليه قبل دفع الثمن ... 154

عاشرها: حكم ما لو أخذ الغريم عين ماله فوجده مزروعاً أو مغروساً أو فيه بناء بفعل المشتري ... 154

حادي عشرها: حكم ما لو وجد عين ماله مستهلكة في مالٍ آخر مماثل لها ... 155

ثاني عشرها: حكم ما إذا عمل المفلس في العين عملاً ... 156

ثالث عشرها: حكم ما اذا أسلف في مال فدفع الثمن وأسلف المسلم إليه عند حلول الأجل ... 157

رابع عشرها: في أنه يتولى حفظ مال المفلس وبيعه وأجرته من يرضى عنه المفلس والغرماء ... 158

خامس عشرها: في أنه يجوز للغرماء إثبات مال للمفلس عند غريمٍ أو عند ودعي ... 159

سادس عشرها: في أنه إذا مات المفلس وكلّ مديون حلّ ما عليه... 159

سابع عشرها: في أنّه يُنظَرُ المعسر ولا يجوز مؤاجرة المفلس ولا الاستخدام به لاستيفاء منافعه ... 160

ثامن عشرها: عدم جواز بيع الجارية ولا الدار في الدين ... 160

تاسع عشرها: حكم ما إذا ظهر غريم سابق بعد قسمة المال بين الغرماء ... 162

العشرون: حكم ما إذا تبين إعسار المفلس بالبينة أو بإقرار الغريم ... 162

ثانيها: من جملة أسباب الحجر الصغر ... 165

بیان علائم البلوغ في الذكر والأنثى: ... 166

أحدها: نبات الشعر الخشن على العانة في الذكر ... 166

ثانيها: خروج المني من الموضع المعتاد ... 167

ثالثها: الحيض والحمل علامتان على سبق البلوغ في الأنثى ... 169

رابعها: بلوغ الخمس عشرة تامة للرجال وتسع للنساء كذلك ... 170

ثالثها: من أسباب الحجر الجنون ... 174

رابعها من جملة أسباب الحجر عدم الرشد ... 174

خامسها من جملة أسباب الحجر السفه ... 175

والبحث هنا يتوقف على أمور: ... 175

أحدها: أن الرشد والسفه أمران متقابلان وضدّان... 175

ثانيها: هل تعتبر العدالة في الرشد؟ ... 177

ثالثها: في أنّ الرشد شرط في صحة المعاملة لا أن السفه مانع فقط ... 180

رابعها: ثبوت الرشد بشهادة عدلين ... 181

خامسها: في أن السفيه محجور عليه بالتصرف المالي ... 182

سادسها: حكم ما لو دفع أحد للسفيه مالاً بعقد مجاني أو بعقد ضمان ... 183

سابعها: في أنه يضمن السفيه الجنايات والمتلفات التي أتلفها من غير تسليط لأهلها عليها ... 185

ثامنها: حكم السفيه حكم الرشيد في خطاب العبادات البدنية والمالية ... 186

تاسعها في أنّه ترتب أحكام السفيه عليه وأحكام الرشيد بعد زوال سفهه عليه بمجرد ظهورهما وثبوتهما ... 187

عاشرها: في أنّ ولاية الطفل في النكاح والمال للأب والجدّ من قبله ... 189

سادسها: من جملة أسباب الحجر الملك وأن المملوك محجور عليه ... 190

سابعها: المريض محجور عليه بالتصرف فيما زاد على الثلث بالوصية ... 190

كتاب الضمان

وفيه أُمور: ... 195

الأول: في أنّ الأصل في الأشياء المشكوك في جواز نقلها وعدمه هو العدم ... 195

الثاني : في إطلاق الضمان على ما يشمل الحوالة والكفالة والضمان بالمعنى الأخص ... 195

الثالث: في أن الضمان من العقود اللازمة ... 196

الرابع: مشروعيّة الضمان بالمعنى الأخص ... 196

الخامس: بیان شرائط الضامن ... 197

السادس: في أن الضمان نقل ذمّة إلى أُخرى ... 198

السابع: عدم اشتراط علم الضامن بالمضمون عنه ولا بالمضمون له نسباً ولا وصفاً... 199

الثامن: عدم اشتراط رضى المضمون عنه واشتراط رضى المضمون له... 200

التاسع: صحة الضمان مع إيسار الضامن وإعساره ... 201

العاشر: عدم البأس بتأجيل الضمان ... 202

الحادي عشر: في أنّه لا يكون الضمان إلا بمال ... 204

الثاني عشر : عدم صحة الترديد في المال المضمون ... 206

القول في الحوالة ... 211

تعريف الحوالة شرعاً ... 211

والكلام في أمور: ... 211

أحدها: الحوالة عقد لازم بين المحيل والمحتال ... 211

ثانيها: في أنه مع تحقق الحوالة ينتقل المال من ذمّة المحيل إلى ذمة المحال عليه ... 212

ثالثها: عدم صحة الترديد في المحتال ولا في المحال عليه ولا في المال المحوّل... 215

رابعها: صحة الحوالة من المكاتب لسيّده ولغيره وكذا على المكاتب من سيّده وغيره ... 216

خامسها: حكم ما لو تداعى المحيل والمحتال فقال المحتال: حوّلتني وقال المحيل: وكلتك ... 216

سادسها: فيما إذا أحال المشتري البائع بالثمن ثمّ ردّ المبيع بخيار عيب أو غيره فهل تبطل الحوالة وتنفسخ بانفساخ عقد البيع ؟ ... 219

القول في الكفالة

بيان معنى الكفالة ومشروعيتها وأنها من العقود اللازمة وغير ذلك ... 222

وهنا أُمور: ... 223

أحدها: صحة الكفالة حالة ومؤجّلة... 223

ثانيها: في أنّه يلزم الكفيل إحضار المكفول للمكفول له وتسليمه تاماً... 224

ثالثها: في أنه ممّا يلحق بالكفالة الاختيارية شرعاً إطلاق من عليه الحق من صاحب الحق قهراً ... 226

رابعها: عدم صحة الكفالة معلقة على شرط أو صفة متوقعان أو شرط مجهول ... 227

خامسها: فيما لو اتفقا على الكفالة فقال الكفيل: لا حق لك عليَّ بإحضاره فالقول قول المكفول له ... 231

كتاب الصلح

تعريف الصلح وثبوته بالإجماع والأخبار ... 238

وهنا أُمور ... 238

أحدها: أن الصلح سائغ إلا ما أحلّ حراماً أو حرم حلالاً ... 238

ثانيها: في أنّ الصلح صالح لنقل العين بالعين والمنفعة والحق ... 238

ثالثها: الصلح من العقود اللازمة وصحة اشتراط الخيار فيه ... 241

رابعها: حكم ما لو كان درهمان أو أكثر بيد رجلين أو أكثر فادعى واحد من الرجال أو أكثر جميع ما تحت أيديهما وادعى واحد آخر واحداً معيناً مما في أيديهما ... 244

خامسها: حكم ما لو كان عند شخص درهمان أو أكثر وديعة لواحد و درهم أو أكثر وديعة لآخر فاختلطا واشتبها وتلف واحد منهما أو أكثر ... 245

سادسها: حكم ما لو كان لواحد ثوب اشتراه بعشرين ولآخر ثوب اشتراه بثلاثين فاشتبه أحدهما بالآخر... 246

كتاب الشركة

تعريف الشركة لغة وعرفاً ... 251

وهنا أُمور: ... 252

أحدها: في أن الشركة قد تكون في عين أو منفعةٍ أو حق وقد تكون بارث لأحدها وقد تكون بمزج العين ... 252

ثانيها: في أن شركة المزج تكون بمزج أحد المتماثلين جنساً ووصفاً بالآخر وقد تكون بمزج الشيئين اللذين لا يمكن تمييزهما ... 253

ثالثها: حكم ما إذا اختلطت القيميّات وحصلت فيها الشركة ... 255

رابعها: في أن الشركة من العقود الجائزة ... 255

خامسها: جواز شركة العنان وهي شركة الأموال الحاصلة من المزج ... 257

سادسها: في أن عقد الشركة عقد جائز ... 260

سابعها: الشركة من المملكات الناقلة لحصة من ملك كلُّ من الشريكين لصاحبه ... 261

ثامنها : حكم القسمة إذا تعلّق بها ضرر على أحد الشريكين معاً أو لم يتعلق ضرر عليهما أو يتعلق ضرر بأحدهما دون الآخر ... 261

تاسعها: حكم ما لو اشتملت القسمة على رد ... 263

عاشرها: حكم ما إذا حصلت القسمة بين المتقاسمين وعدّلت السهام من الجانبين واتفقا على اختصاص كلّ بسهمه ... 265

حادي عشرها: حكم ما لو كان المشترك وقفاً وملكاً ... 266

ثاني عشرها: فيما لو اشترك اثنان في دين على ثالث فإنّه يجوز لأحد الشريكين بيع حصته على الغريم أو غيره ... 267

ثالث عشرها : حكم ما إذا اشترك جماعة في حيازة المباح ... 272

رابع عشرها: حكم ما لو باع أحد الشريكين سلعة بينهما فادعى المشتري تسليم الثمن للبائع فصدقه الشريك وكان البائع وكيله ... 274

خامس عشرها: حكم الشركة فيما لو كان من واحدٍ دكان ومن آخر رحى ومن ثالث بغل ومن رابع عمل ... 276

خاتمة: في أنه يتولّى الولي القسمة مع الغبطة ... 276

كتاب المضاربة

معنى المضاربة وتسميتها عند أهل الحجاز قراضاً ... 281

والكلام يقع في مواضع ... 282

أحدها: في العقد وما يشترط فيه ... 282

ثانيها: في أن عقد المضاربة عقد قابل للشروط السائغة وهو من العقود الجائزة ... 286

ثالثها: في أن مبنى عقد المضاربة على المشاركة في الربح الحاصل من التجارة ... 289

رابعها: في الفرق بين المضاربة والوكالة ... 289

خامسها: جواز أخذ العامل نفقته سفراً من مال المضاربة ... 291

سادسها: موت المالك مبطل للمضاربة من حينه ... 295

سابعها: في أنه يثبت للعامل ما شرط له المالك من الربح ... 296

ثامنها: في بيان ما يشترط في مال المضاربة ... 298

تاسعها: اشتراط كون العمل متموّلاً مقدوراً على تسليمه ... 300

عاشرها: حكم ما لو ضارب المالك العامل على مالٍ مضمون عليه في يده ... 301

حادي عشرها : حكم ما لو اختلف العامل والمالك بعد الاتفاق على قدر الربح في قدر رأس المال ... 302

ثاني عشرها: حكم ما لو قال المالك: ضاربتك على أن الربح بيننا ولم يقيد ... 304

ثالث عشرها: في أنه يملك العامل حصته من الربح بظهوره في رأس المال ... 307

رابع عشرها : حكم ما إذا اشترى العامل من ينعتق على ربِّ المال ... 308

خامس عشرها: حكم ما إذا اشترى العامل من نذر المالك عتقه ... 311

سادس عشرها: حكم ما إذا فسد عقد المضاربة لشرط أو لتعليق ... 314

سابع عشرها: حكم ما إذا كانت أموال المضاربة بيد العامل لم يعلم بقاؤها ولا تلفها بعد موته ... 316

ثامن عشرها: في أنه لا يجوز للعامل وطء الجارية المشتراة من مال المضاربة بغير إذنه... 318

تاسع عشرها: فيما يتعلّق بما إذا انفسخ عقد المضاربة وكان فسخها من اختيار المالك أو العامل أو منهما ... 320

العشرون: في أن الربح وقاية لرأس المال ... 323

الواحد والعشرون: حكم التالف من مال التجارة قبل الدوران في التجارة أو بعده ... 325

الثاني والعشرون: في بيان أُمور : ... 326

أحدها: حكم ما لو ضارب المريض العامل بأزيد من أُجرة المثل ... 326

ثانيها: حكم ما لو شرط المالك على العامل بقاء المال في يده ... 327

ثالثها: عدم جواز أخذ مضاربة أُخرى للمضارب إذا تضرّر المالك الأول ... 327

رابعها : حكم ما لو ضارب اثنان واحداً فشرطا له النصف وتفاضلا في النصف الآخر مع تساوي مالهما ... 327

خامسها: صحة اشتراط مال معيّن خارج عن الربح من المالك على العامل أو بالعكس ... 328

سادسها: في أنه يضمن العامل مال القراض إذا أنكر الأمانة فأُقيمت عليه البينة فادعى تلفها بعد ذلك ... 329

سابعها: في أنه لا يصح أن يشتري ربّ المال من العامل شيئاً قبل ظهور الربح ... 329

ثامنها: حكم ما إذا أذن المالك للعامل في الشراء بالذمة ... 330

تاسعها: في أنه ليس للمضارب أن يضارب من غير إذن ... 331

خاتمة في أُمور ... 332

أحدها: حكم ما إذا ادعى المالك القراض والعامل القرض ... 332

ثانيها: حكم ما لو ادعى العامل القراض والمالك الإبضاع ... 333

ثالثها: حكم ما لو خسر المال ثم أخذ المالك منه شيئاً استرداداً له ... 334

رابعها: عدم افتقار ردّ رأس المال بعد إنضاضه إلى المالك إلى قسمةٍ ... 335

كتاب المزارعة

تعريف المزارعة ... 339

وهنا أُمور: ... 340

أحدها: المزارعة من العقود اللازمة وبيان ما يشترط فيها ... 340

ثانيها: وقوع عقد المزارعة من مالك الأرض أو ممن له حق الاختصاص بها ... 342

ثالثها: عقد المزارعة عقد قابل للشروط السائغة ... 344

رابعها: في أن الأصل تبعية النماء للبذر وثبوت أُجرة المثل للمالك والعامل ... 345

خامسها: في اشتراط اقتران عقد المزارعة بمدة معلومة قابلة للانطباق على المزروع أو تزيد عليه ... 347

سادسها: حكم ما لو ترك العامل المزارعة في المدة المعلومة ... 350

سابعها: في بيان ما يشترط في عقد المزارعة من القدرة على تسليم الأرض وكذا تسليم العمل وغيرهما ... 351

ثامنها: حكم ما إذا أطلق المزارعة مالك الأرض أو العامل أو عمّما أفراد الزرع ... 353

تاسعها: في أن للزارع أن يزرع الأرض بنفسه وبغيره وبنفسه مع غيره ... 356

عاشرها: اقتضاء عقد المزارعة إذا أُطلقت لزوم العمل على الزارع ... 357

حادي عشرها: حكم ما إذا شرط المالك الخراج على العامل ... 359

ثاني عشرها: في ذكر ما ورد في الأخبار في باب المزارعة مما يخالف ظاهره القواعد الشرعية ... 361

ثالث عشرها: فيما يتعلّق بما إذا استأجر شخص أرضاً للزرع ... 363

رابع عشرها: حكم إجارة الأرض بالحنطة والشعير ... 365

خامس عشرها: يجوز لمستاجر الأرض للزراعة أن يؤجرها بأكثر ممّا استأجرها به ... 367

خاتمة في التنازع والاختلاف ... 369

كتاب المساقاة

حقيقة المساقاة شرعاً وافتقارها إلى صيغة صريحة في الإيجاب والقبول ... 375

وهنا أُمور: ... 377

أحدها: عدم بطلان المساقاة بموت أحد المتساقيين أو كليهما ... 377

ثانيها: في أنّ المساقاة على خلاف الأصل ... 378

ثالثها: في أنه يشترط في المساقاة مقابلة الحصة بعمل تحصل به زيادة الثمرة ... 380

رابعها: في أنه يشترط في عقد المساقاة ذكر المدة المعلومة ... 382

خامسها: اشتراط كون العوض في المساقاة حصّةً من النماء دون شيءٍ آخر خارجي ... 384

سادسها: في أنه يملك العامل حصته من النماء عند ظهوره ملكاً تاماً ... 388

سابعها: في أن نماء الأصول للمالك في كلّ موضع يفسد فيه عقد المساقاة ... 389

ثامنها: في أنّ من العقود الباطلة المغارسة ... 390

تاسعها: في أن للعامل في المساقاة أن يساقي غيره ... 392

عاشرها: حكم ما لو ساقى شخص آخر على الأصول فبانت مستحقةً للغير ... 393

حادي عشرها: حكم ما إذا مات العامل ولم يشترط عليه المباشرة بنفسه ... 395

ثاني عشرها: حكم ما إذا ادعى المالك خيانة العامل أو سرقته أو تفريطه أو تعديه فأنكر العامل ... 398

ثالث عشرها: حكم ما لو اختلفا في قدر حصة العامل أو في الخارج عن الثمرة أو ... ... 399

خاتمة: في صحة الاستئجار على العمل في الأصول بجزء من الثمرة أو بكلها وعدم جوازه على مساقاة الأصول بنفس الأصول ... 399

كتاب القرض

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

كتاب القرض

معنى القرض لغةً وشرعاً

بفتح القاف وكسرها، وهو لغةً وشرعاً تمليك عين على وجه يثبت في الذمة مثلها أو قيمتها، أو تملكها كذلك أو تمليكها وتملّكها كذلك.

وبالجملة، فنقلها على وجه مضمون على المنتقل إليه مشغول الذمة به مطالب به، فهو معاوضة بمعنى ثبوت العوض فى ذمّة المنتقل إليه عند وقوعه، أو بمعنى كون المثل أو القيمة عوضاً عن العين المدفوعة.

فعلى الأوّل دفع العين التي يثبت عوضها وعلى الثاني دفع العين بالعوض. والأول أقرب إلى معناه العرفي، والثاني أقرب إلى طرف المعاوضات.

وقد يقال: إن القرض هو ما دلّ على ذلك قولاً أو فعلاً، فهو عبارة عن الدليل.

وقد يقال: إنّه مشترك، وقد يخص بالقول فيكون عبارة عن العقد الدال على ذلك، أو مشترك بينهما.

وقد يقال بأنه إباحة التصرّف بالعين المضمونة أو الإباحة على جهة الضمان، أو الدال على تلك الإباحة، أو العقد المخصوص الدال على ذلك، فيخرج عن حد المعاوضات التمليكية. وهو بعيد عن لفظه وعن طرف المعاوضات الباقية.

وهنا مباحث (1):

بحث: في أن القرض يكون بالقول وبالقول الإيجابي والفعل القبولي وبالعكس وبالفعليين إيجاباً وقبولاً

الأوّل (2): القرض يكون بالقول، وهو العقد المركب من الإيجاب والقبول اللفظيين، ويكون


1) كذا في النسخ والمناسب «أبحاث» لما يأتي في العناوين من قوله : «بحث، بحث، ... »إلى آخر القرض.

2) صدر المصنف (قدس سره) الأبحاث التالية بعنوان : «بحث» من دون ذكر الرقم.

بالقول الإيجابي والفعل القبولي، ويكون بالعكس، ويكون بالفعليين إيجاباً وقبولاً مع دلالتهما على ذلك بمعونة القرائن اللفظية أو الحالية، ويكون بمجموع القول والفعل في أحدهما أو كليهما حضور المركبات عديدة.

ولا يقع من الأفعال إيجاباً أو قبولاً سوى الدفع والأخذ، وهما المعاطاة. وتفيد ملكاً كما تفيده في البيع - ولا يفتقر في المعاطاة هنا إلى دفع عوضين بل هي الدفع والأخذ لواحد - أو إباحة لو قلنا بعدم إفادتها الملك، ولو أفادت ملكاً - كما هو الأظهر - كان متزلزلاً من الجانبين يجوز فسخه لكلّ منهما، ويلزم بالتصرف المتلف أو مطلقاً على كل من العاقدين، ولو أفادت إباحة أثمرت ملكاً : عند التصرف أو بعده.

والفرق بينها وبين العقد - على القول بإفادتها الملك - لزوم القرض بعد القبض من طرف المقرض بالنسبة إلى جواز إرجاع العين دونها. ولو قلنا بجواز العقد فيه بعد القبض لم يحصل بينهما فرقٌ قبل التصرّف وبعده وإن حصل الملك بالقبض بعد العقد، سوى أن القبض مع العقد متمم للملك، والقبض في المعاطاة مثبت للملك نفسه.

وقد يحتمل أن التصرف بعد القبض والعقد كاشف عن حصول الملك المستقر حين العقد، والتصرف في المعاطاة مثبت للزوم من حينه.

هذا إن أفادت المعاطاة ملكاً، وإن أفادت إباحةً إلى حين التصرف فالفرق بين العقد ومعاطاته ظاهر.

ولا يجدي غير المعاطاة من الأفعال في حصول الملك وإن أفادت الإباحة، كالإشارة والكتابة. ويجزئ في الألفاظ كلّ لفظ يدلّ على المقصود من الصريح كـ «أقرضتك» أو «داينتك» أو شبههما، وكذا «قبلت» و «استقرضت» و «استدنت» أو غيره مع حصول القرينة الدالة على القرض المفهمة لكلّ سامع أو المفهمة لخصوص المتعاقدين، ولو لم يكن معهما قرينة لم يحصل القرض ولو علما أنهما أراداه.

ولا يجزئ القبض المتأخر عنهما؛ لابتنائه على ذلك العقد، مع احتمال إجزاء القبض المتأخر عن كلّ صيغةٍ أو فعل فاسدين لا يتحقق بهما صيغة القرض.

وينبغي أن يقال: إن القبض الواقع مع عقد القرض أو بعده مبتنياً عليه غير القبض الصادر

من المتعاقدين المريدين لحصول الملك به صحة وفساداً؛ لأنه لو فسد العقد في الأول لم يحصل الملك به، وعلى القول بالإباحة لم تحصل الإباحة به، فلا يفيد القبض في الأوّل ثمرة، بخلاف الثاني فيفيد الملك أو الإباحة على الوجهين.

بحث: في أنه هل يقوم عقد القرض في وقوع الملك أو الإباحة بدون القبض إما مطلقاً أو المأذون فيه؟

بحث : القبض مع عدم تقدّم عقد القرض يقوم بنفسه في الملك والإباحة، ومع تقدم عقد القرض لا يقوم بنفسه كما تقدم.

وهل يقوم عقد القرض في وقوع الملك أو الإباحة بدون القبض إما مطلقاً أو المأذون فيه؟ الذي عليه أصحابنا ونُقل عليه الإجماع (1)أنه لا يقوم بدون القبض، بل القبض إما شرط متأخر كاشف عن صحة العقد ابتداء، أو علامة على صحته وإن لم يكن له تأثير، أو جزء السبب المؤثر فيكون ناقلاً من حينه لا من أصله.

والأظهر في كلامهم: الأخير، بل قد يدعى أن القبض فيه مفهوم من لفظ القرض، ولا بأس أن يركب العقد المؤثر من لفظ وفعل فيوضع اللفظ بإزائه.

ولو سلم أن القرض منصرف للعقد اللفظي المجرّد والأصل في اشتراط أمرٍ آخر العدم، فالإجماع دال على الاشتراط، والإطلاق موهون في مثل هذا المقام.

والأقوى أنه لا يتوقف بعد القبض في حصول الملك على شرطية التصرف الناقل للملك أو المخرج عنه أو المغيّر للعين أو للصفة أو غير ذلك؛ للأصل وإطلاق الأدلة - سواء في ذلك كونه كاشفاً أو ناقلاً - السالمين عن المعارض، ولعدم اشتراطه في الهبة المبتنية على المجان ، فهنا أولى كما قيل (2)، ولأن جواز التصرّف بعد القبض مقطوع به من الإجماع والسيرة من غير توقف على إذن، فلو لم يُفد القبض الملك بحيث يكون التصرف في ملك المتصرف للزم: إمّا جواز التصرف في مال الغير من غير إذنه المنفي عقلاً ونقلاً، أو ادعاء أن التصرف مثبت للملك قبله بآن ما زماني، أو أنه مثبت للملك معه دفعةً واحدة، ومنع حرمة التصرف بمال الغير عند مقارنة التصرّف له وتخصيصه بما يبقى مالاً للغير مع التصرف أو


1) السرائر :2 : 60 تذكرة الفقهاء 13: 43. المسألة 40.

2) تذكرة الفقهاء 13: 43 - 44، المسألة 40.

بعده؛ أو التزام الملك عند إرادة التصرّف أو عند ظهور أماراته؛ أو التزام حليّة هذا التصرف شرعاً وإن كان مالاً للغير لتحليل المالك الحقيقي له، أو التزام أن عقد القرض إذن في التصرف وكذا تقبيض العين.

والجميع منظور فيه:

أمّا الأخير فمنعه ظاهر؛ لأنّ عقد القرض دال على التمليك للعين والرجوع بمثلها أو قيمتها، وليس فيها دلالة على جواز التصرف وعدمه من حيثية نفس التصرف.

نعم، جواز التصرّف من لوازم الملك، فما لم يحصل بالعقد والقبض ملك لا يحصل الإذن بالتصرف لنفسه.

وبالجملة، فالدافع دفع لأن يملك فيتصرّف، لا لأن يتصرّف فيملك، على أن التصرفات الناقلة يلزم فيها خروج عن قواعد النقل؛ لأنه لو باع أو وقف أو أعتق فإما أن تقع هذه مع الملك دفعةً، أو بعده بآن [ما] زماني، أو معه وإن تقدّم عليه الملك تقدماً ذاتياً، والجميع لايوافق ما جاء أنه «لا بيع ولا عتق إلا في ملك» (1)الظاهر في تقدم الملك عليهما، والتزام التقدم الزماني عند الإرادة أو الشروع في المقدمات لا دليل عليه.

ولا يجدي في ذلك التزام كون التصرّف كاشفاً عن حصول الملك بالقبض، إلا إذا جعل كشفه بمعنى كونه علامةً، ولو جعل بمعنى كونه شرطاً متأخراً للزم منه توقف الشيء على نفسه وحصول الدور، وكذا يلزم جواز الوطء ونحوه بالإباحة، مع أن هذه التصرفات موقوفة على الملك أو التحليل، والتزام حلّيّة الوطء بهذه الإباحة مفتقر إلى الدليل.

وأما قبل الأخير فدعوى تقدم الملك آناً ما ممنوعة؛ لعدم الدليل عليها، وعدم المقتضي لها؛ إذ ما دلّ على مشروعية القرض كافٍ في حصول الملك بالقبض، فلا حاجة إلى التزام ملك يفرض من غير سببٍ أو بسبب متأخر مشكوك بسببيته للملك وكاشفيته، ولو قلنا في «أعتق عبدك عني» ذلك فلمكان الدليل وتعليل بعد الوقوع.

والقائل بأنّ التصرّف كاشف عن سبق الملك، يرد عليه أن التصرف الناقل - كالبيع والعتق - يشكل فيمن استقرض ولده فباعه، فإنّ صحة بيعه تكشف عن ملك ولده اللازم له انعتاقه عليه اللازم لبطلان بيعه فيلزم من وجود الشيء عدمه.


1) عوالي اللآلي 2 : 247، ح 16 و 299، ح 4 .

والحق أن القرض يملك بالقبض بعد العقد أو به نفسه لو كان معاطاة، لا بالعقد، ولا يتوقف على التصرّف بعد القبض ولا يملك بنفس التصرف من دون قبض.

وكذا يلزم بنفس القبض ولا يتوقف على التصرف، ناقلاً أم لا، مغيّراً أم لا، لازماً ذلك العقد أم لا، حراماً ذلك التصرف أم مباحاً.

ومعنى لزومه بنفس القبض من طرف المقرض : أنه لا يجوز له فسخ القرض بعد القبض والمطالبة بالعين ولا تجوز المطالبة بالعين وإن لم يفسخ عقد القرض، بل ولا يجوز للمقترض أيضاً ذلك بمعنى أنه يفسخ عقد القرض فيرجع العين.

نعم، له أن يرجعها وفاء؛ لأنها أحد أفراد المثلي في المثليات، أو لأنه مثل للمال المقترض في القيميات.

فالأقوى ملك القرض ولزومه من الطرفين بالقبض فقط.

أما عدم ملكه قبل القبض فللإجماع بقسميه (1)، ولظاهر لفظ القرض، وبهما يخص عموم العقود، ويقيّد إطلاقات القرض فعلى ذلك لا يجوز التصرّف في العين قبل قبضها؛ لحرمة التصرّف بمال الغير من دون إذنه.

ودعوى حصول الإذن بالتصرف بنفس العقد موهونة بأنّ العقد دال على التمليك والنقل، وإباحة التصرّف من لوازمهما، فلو لم يحصل به ذلك لم يحصل الإذن، فالإذن مقيّدة، فما لم يحصل لم يحصل.

وأما ملكه بالقبض فيراد به أنّه تمام السبب في الملك عند تقدم العقد عليه، فيكون شرطاً في النقل أو جزءاً من الناقل، أو كاشفاً عن الملك بالعقد في وجه.

ويدلّ على حصول الملك به إطلاق الأخبار الدالّة على أن زكاة المال الموضوع عند المقترض حولاً على المقترض دون المقرض (2).

وفي الصحيح: بعد الحكم بأن الزكاة على المقترض، قال: «إنّما المال في يد الآخذ، فمن كان المال بيده كانت الزكاة عليه» قال: قلت: أفيزكي مال غيره من ماله؟ قال: «إنّه ماله ما دام


1) راجع الهامش (1) من ص 25.

2) راجع وسائل الشيعة 9 : 100، باب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

في يده، وليس ذلك المال لأحد غيره» ثمّ قال: «يا زرارة، أرأيت وضيعة ذلك المال أو ربحه لمن هو وعلى مَنْ هو ؟» قلت: للمقترض، قال: «فله الفضل وعليه النقصان، وله أن ينكح ويلبس منه ويأكل منه» (1).

وفي آخر : فيمن ادعى القرض وادعى الآخر الوديعة، قال: «المال لازم له» (2)فيدل على كونه من ضمانه، وهو مشعر بملكيته المؤيدة بفتوى المشهور ، وبأصالة عدم مدخلية اشتراط شيء سوى القبض.

وللسيرة القطعية الدالة على صحة التصرف من المقترض بعد القبض بوطء وبيع وعتق، والوطء قبل الملك حرام ولاس سبب للتحليل هنا بوجه، والإباحة المقيدة بالملك لا تجدي في إباحة البضع، على أنها مرتبطة بالملك، وكذا البيع والعتق فإنّه لا بيع ولا عتق إلا في ملك.

وتكلّف القول بأن التصرف كاشف عن سبق الملك بأن حكمي قبل الوطء أو البيع أو العتق إما لأنّه تمام السبب أو لأنّه علامة على حصول الملك بالقبض، أو أنه جائز للدليل في الوطء، ومثبت ملكاً في العتق والبيع والوطء، أو أنّ الملك والتصرف يوجدان بوجود واحد (3)، كله خلاف الظاهر من الفتوى والأدلّة.

نعم، قد يقال: إنّ التصرّف شرط للزوم القرض، فبدونه يجوز رجوع المقرض بنفس العين، ولو تصرّف في العين بنقل لازم أو جائز أو بتلف أو بتغيير صفةٍ لزم.

ولكنه ضعيف؛ لأصالة اللزوم في العقود قاعدةً واستصحاباً.

وما يظهر من كلام الأصحاب في جواز عقد القرض محمول بل ظاهر في إرادة جواز المطالبة بعوضه متى شاء، لا أنّه يقهره على أخذ عينه، وكذا لا يقهره المقترض على ذلك إلا لكونها أحد الأمثال عند بقاء صحتها ووصفها، فلا يجوز إرجاعها معينةً مع دفع أرشها أو ناقصة الصفة مع دفع التفاوت.

وكذا لو كان القرض قيميّاً وأراد المقترض إرجاع نفس العين دون القيمة، فإنّه ليس له؛ بناءً على انتقال العوض - وهو القيمة - إلى ذمته.


1) وسائل الشيعة 9 : 100 - 101، باب 7 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة، ح 1.

2) المصدر 19 : 85 ، باب 7 من أبواب كتاب الوديعة ، ح 1.

3) الخلاف 3 : 177، المسألة 292 .

وقد يقال في خصوص المقام: وجوب قبول نفس العين في القيمي وفاء لا أنه فسخ؛ للإجماع المنقول عن الشيخ، ولبناء القرض على الإرفاق فيناسبه لزوم قبول نفس العين، ولأولوية نفس العين من المثل والقيمة، ولأنّ ثبوت القيمة في القيمي لتعذر المثل، ومع ردّ العين كان ردّاً لما هو أقوى من المثل، وهو جيد.

وقد يخص ذلك بما إذا كانت قيمة العين مساويةً للقيمة أو أزيد حال القرض، فلو كانت أنقص لم يجب القبول، ونُسب القول به للشهيد (1)، وهو قريب للاعتبار.

نعم، قد يتطرق الخيار لعقد القرض مع العيب، فيجوز الرد، ويجوز الإمساك من دون أرش.

نعم، لو رد المعيب وقد حدث عند المقترض عيب آخر، احتمل لزوم الأرش عليه عند ردّه، واحتمل عدمه، واحتمل جواز ردّ مثله معيباً ولزوم قبوله، أو قيمته معيباً، ولا يجوز ردّ المعيب نفسه بعد حدوث العيب.

والظاهر ثبوت خيار الوصف والرؤية والتدليس في القرض، وكذا الشركة ونحو ذلك مما يوجب الضرر بلزوم بقاء العين ودفع قيمتها في القيمي.

وقد يستدلّ على حصول الملك بنفس القبض بأن جواز التصرّف المعلوم قطعاً فرع الملك، فلا يكون مشروطاً به، فيلزم سبق الشيء على سابقه.

ودعوى استناد الجواز للإباحة التي في ضمن العقد في محلّ منع؛ لأن الإباحة على وجه الملك، فما لم يحصل الملك لا تحصل الإباحة.

ويستدلّ أيضاً: بأنّ الملك يحصل في الهبة بالقبض فهنا بطريق أولى.

وقد تُمنع الأولوية القطعية، وغيرها قياس ما لم يدلّ عليها لفظ.

وبأن هذا القبض يتعلّق به جواز التصرّف، فلا بد أن يتعلّق به الملك.

وفيه: أنه عائد للأول.

وذكر الشهيد (رحمه الله) ما مضمونه:

منع تبعية التصرّف للملك غايته توقفه على الإذن وهو حاصل هنا بالإيجاب المقترن بالقبول، وبالتصرّف يحصل تمام سبب الملك بعد إفادة الإيجاب والقبول له في الجملة،


1)

فإن كان التصرف غير ناقل فلا كلام، وإن كان ناقلاً أفاد الملك الضمني قبل التصرف بلحظة، كما في العبد المأمور بعتقه لغير المالك.

ونقل عن الدروس : أن التصرف كاشف عن سبق الملك له آناً ما (1)، وأيّد ذلك باستصحاب الملك، وأن هذا العقد ليس تبرعاً محضاً بل لا بد له من البدل، وليس كسائر المعاوضات، فيكون كالإباحة بشرط العوض لا يتحقق معه الملك إلا مع استقرار بدله، فهو كالمعاطاة (2).

وفيه: ما أشرنا إليه من تسليم عدم توقف التصرّف على الملك، وإنما يتوقف على الإباحة فيه، وهي هنا مفقودة؛ لأنّ ما تضمنه العقد من الإباحة كان على وجه الملك وليس فليس، ومن هنا اشترطنا الإذن في القبض في صحة التصرّف فلو قبض من دون إذن لم يملك.

ودعوى أن التصرف مملك قهراً حين التصرّف دفعة واحدة كاقتران العلة والمعلول، أو قبله بآن ما زماني [ممنوعة] (3)لمنع الاكتفاء بالتقدم الذاتي، على أن الوطء وشبهه لا يكفي فيه الإذن بالتصرّف بل لا بد من سبب خاص، وكذا العتق والبيع.

ودعوى تقدم الملك آناً ما مفتقرة إلى دليل، وليس فليس. وما حملناه في «أعتق عبدك عني» علة بعد الوقوع وورود الدليل به.

وكذا دعوى أنه بنفس البيع يكون منتقلاً إلى المشتري وثمنه للبائع غير المالك، أيضاً مفتقرة إلى دليل.

ولو سُلّم جميع ذلك ففرق بين إباحة التصرّف مطلقاً أو إباحة بيع الشيء أو عتقه عن المباح له، وبين عقد القرض؛ لأنا لا نفهم من عقد القرض سوى التمليك دون الإباحة، وكذا نقول في بيع المعاطاة، فإنّا لا نفهم منها سوى التمليك دون الإباحة، وهو دليلنا على كونها بيعاً أو عقداً مملكاً، على أنّ الإذن في البيع والعتق إذن في نقل المال عن المالك وإثبات عوضه في ذمته فيكون الناقل موجباً قابلاً، ولولا الدليل لما قلنا به؛ لأنّ ثبوت العوض


1) نسبه الشهيد في الدروس الشرعية 3 : 322 إلى القيل.

2) مسالك الأفهام 3 : 451.

3) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

يقضي بملك المعوّض للناقل، وملكه إما سابق أو مقارن، وكلاهما مفتقر إلى دليل.

وأما القول بأن التصرّف كاشف عن سبق الملك من حين القبض، فيرده: أنه إن أراد كونه علامةً على حصول الملك بالعقد والقبض، فهو منافٍ للأدلّة السابقة، وإن أراد أنه جزء السبب الكاشف فهو كالشرط المتأخر مع وصف التأخر، كان القول بأنه ناقل من حينه، فما يرده يردّه، وكلُّ منهما تمحل صرف، وينافيه ما تقدم من الأدلة.

بحث: في أنّ القبض مملك وملزم في القرض من الطرفين

بحث : القبض مملك وملزم في القرض من الطرفين، فلا يجوز للمقرض الفسخ والمطالبة بنفس العين، ولا للمقترض كذلك إلا أن يرجعها؛ لأنّها أحد الأمثال، ولو كان من القرض القيمي لم يجز إرجاع نفس العين.

ويتحمّل عقد القرض خيار الشرط، وشرط الخيار إلى مدّةٍ معلومة، وعند فوات الشرط يتخيّر المشترط منهما.

وأصالة اللزوم في العقد قاعدةً واستصحاباً يقضي بلزوم عقد القرض من الطرفين معاً، وهذا هو المشهور حتى كاد أن يدعى أنه إجماع من المتأخرين.

وقيل بجواز عقد القرض من الجانبين؛ لأنّه كالهبة، ولظاهر قول الأصحاب: إن القرض من العقود الجائزة (1).

وكلاهما ضعيف؛ لأن الأوّل قياس، والثاني ظاهر في إرادة جواز مطالبة المقرض للمقترض متى شاء بنفس العين أو القيمة، لا جواز إرجاع العين.

وقد يقال: إنّ الظاهر خلاف هذا الظاهر، بل ظاهر اللزوم والجواز في عقود المعاوضة هو اللزوم والجواز بالنسبة إلى العين لا بالنسبة إلى المطالبة بالعوض.

بحث: في أنّ القبض في القرض كالقبض في سائر العقود

بحث : القبض هنا - كالقبض في عقد الصرف والصلح (2)والهبة والرهن والبيع - عرفي. إذ لم يثبت له حقيقة شرعيّة، وهو متواطئ في معناه مختلف فيما وقع عليه، فهو استيلاء على


1) راجع المبسوط 2 : 161 والخلاف 3 : 177، المسألة 292؛ والحدائق الناضرة 20: 180.

2) في «ن» : «السلم» بدل «الصلح».

العين على نحو خاص، فيكفي فيما لا ينقل - كالأراضي والعقار، أي ما من شأنه ذلك وإن أمكن بعسر ومشقة، والظاهر دخول المراكب والسفن فيه، وكذلك الأشياء الصغار المثبتة في الجدران والأبنية - استيلاء المقترض على العين عند رفع الموانع من المقرض عنه، من غلق وحاجب وحارس وارتفاعها والإذن له في التصرف فيها والتخلية له عنها، وذلك يُسمّى قبضاً واستيلاء، من غير فرق بين البعيد والقريب حتى لو كان في الهند.

ولا حاجة إلى الوصول إلى الدار والعقار والدخول بنفسه أو وكيله فيهما، ولا إلى مضيّ زمان بقدر إمكان الوصول إليهما مع البعد وإن كان الوصول والدخول قبضاً قطعاً.

وقد يمنع كون التخلية على النحو المتقدّم قبضاً ما لم يصل إلى الدار ويقف على بابها أو يدخل إليها، ولكنّه خلاف ظاهر الأصحاب.

ويكفي في المنقول نقله من مكان إلى مكان ولو كان في مكان واحد، ويكفي فيه الاستيلاء عليه بركوب وأخذ زمام فيما لو كان حيواناً، فأيهما حصل كان قبضاً.

ويكفي في المقبوض باليد قبضه باليد، وربما كفى نقله وإدراجه من مكان إلى مكان آخر.

ويكفي في المكيل والموزون نقله ووضع اليد عليه كالذهب والفضة، وكيله ووزنه من المشتري أو من البائع بحضور المشتري أو بأمره.

ولا يكفي الكيل والوزن المتقدّم؛ لأجل صحة البيع ولو كان من المشتري، ولا العلم بقدره من المشتري قبل البيع بنحو من الأنحاء.

وبالجملة، فلو أقرضه شيئاً في ضمن قدر كلّي، فقبضه إما كيله ووزنه وتمييزه عما صاحبه، أو نقل الجميع، أو قبضه باليد.

وكذا لو أقرضه مكيلاً وموزوناً معلوماً عند المقترض، فقبضه كيله ووزنه منه، أو نقله، أو وضع اليد عليه.

ولا بد من الإذن في القبض من المقرض؛ لأنه جزء من العقد أو كالجزء.

ولو كان بيد المستقرض بغصب، توقف على الإذن الجديدة في قبضه إن لم يكن المقرض عالماً بغصبه، ولو كان عالماً فوجهان: من ظهور الإذن من عقد القرض، ومن أنه مفتقر إلى الصريح ولا تصريح في عقد القرض بالإذن في القبض.

ولو كان مقبوضاً قبل ذلك بعارية أو رهن أو وديعة، احتمل الاكتفاء به واحتمل العدم وتوقفه على إذن في القبض جديدة للقرض.

نعم، لو قبضه قبل القرض للقرض كفى في حصول الإذن ولا يفتقر إلى تجديدها، ولا يلزم تجديد القبض في المقبوض بعد الإذن به، فلا يلزم طرحه أو إرجاعه ثم قبضه، بل استمراره كافٍ؛ لأنّ الاستدامة كالابتداء، وهذا غير تجديد الإذن؛ لأن الإذن الأُولى كانت لغير القرض فلا استمرار فيها ولا استدامة.

وهل يكفي في القبض حصوله وإن زال، فلو كان مقبوضاً له قبل القرض باليد ثمّ طرحه في الأرض فاستقرضه، أو لا يكفي؟ الظاهر أنه لا يكفي.

نعم، لو وضعه بعد نقله بإذنه أو أمسكه باليد بإذنه في خزانته فاستقرضه، فلا يبعد الاكتفاء به وأنه عرفاً يُسمّى قبضاً له، أما لو قبضه وأرجعه إلى المالك فلا شك أنه لا بد له من قبض جديد.

وبالجملة، فالسيرة جارية على معاملة المقبوض بالإذن وطرحه في خزانة القابض أنه مقبوض له ما دام في خزانته وفي بيته، دون ما إذا أرجعه أو أضاعه أو وضعه في مكان آخر.

بحث: في أن عقد القرض يقبل الشروط المتصلة به قبلاً أو بعداً

بحث : عقد القرض يقبل الشروط المتصلة به قبلاً مع عدم الذهول عنه، أو بعداً مع الابتناء عليه في الابتداء، وفي المنفصل مع عدم الذهول عنه إشكال.

ولو بدا للمقترض بعد تمام الصيغة فاشترطه ففي لزومه إشكال. وفي لزوم قبول المقرض للشرط بعد صدوره من المقترض ابتداءً وجه.

ولا يبعد كفاية ما دلّ على الرضى بالشرط من المقرض.

والشرط سائغ فيه، إلا ما نافى مقتضى ذات عقد القرض من الملك أو الرجوع بالمثل أو القيمة على المقترض، أو ما نافی لوازمه، کاشتراط عدم التصرف من المقترض، أو أحكامه الشرعيّة، كاشتراط عدم وجوب تسليم المثل أو القيمة عند المطالبة، أو ما أحل حراماً، کاشتراط حلّية الخمر والخنزير أو اشتراط فعلهما فإنّ الفاعل يقال له عرفاً: قد استحلّ

الحرام أو حرم حلالاً. والمراد بها: اشتراط ترك الواجبات أو حليّة تركها، أو الأعم من الواجبات وكل مباح، فيراد به اشتراط التروك.

وهو الظاهر من لفظ الرواية (1)وكلام الفقهاء، ولذا منعوا اشتراط أن لا يعتق ولا يبيع ولا يتصرف مطلقاً أو بعض أنواع التصرف، وأجازوا اشتراط الأفعال جميعها إن أمكن أو أن يعتق أو يبيع أو يهب أو نحو ذلك.

وبالجملة، فيجوز اشتراط الشرائط المؤكدة أو المحللة حلالاً أو المحرمة حراماً، والمؤسسة ما لم تكن سفهاً أو غير مقدورة، ومنها اشتراط بعض الغايات، كاشتراط أن تكون زوجة أو مطلقة أو مبيعاً.

ويجوز اشتراط أن يكون مملوكاً ؛ لأنّ الملك أحد أسبابه الشرط ؛ لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (2).

ولا يجوز اشتراط ما لا يتموّل ولو مع الانضمام كالتراب والخنافس والديدان، ولو تعلّق للمشترط غرض فللصحة وجه.

ويصح اشتراط غير المقدور على تسليمه على الأظهر، واشتراط المجهول ما لم يتوغل في الإبهام ولا يؤول إلى العلم على الأظهر، وربما يصح ذلك في البيع فضلاً عن الصلح والقرض.

بحث: في لزوم الوفاء من الطرفين بالشرط

بحث : يلزم الشرط في عقد القرض بناءً على لزومه من الطرفين، ويلزم الوفاء به ما دام البناء عليه إن كان جائزاً.

والأظهر أنه عقد لازم تلزم فيه الشروط.

نعم، شرط الأجل فيه غير لازم، إلا أن يشترطه بعقد آخر لازم فالأظهر لزومه. ولولا شهرة القول بعدم لزوم شرط الأجل في عقد القرض - سواء أخذ بلفظ الشرط أو قيداً - حتى كادت أن تكون إجماعاً - وينضم إليها إطلاقات بعض الروايات الآمرة بلزوم الوفاء مطلقاً، والدالة على استحباب الإنظار للمقرض مطلقاً (3)- لكان القول بلزوم شرط


1) وسائل الشيعة 18 : 17، الباب 6 من أبواب الخيار، ح 5.

2) المصدر 21 : 276، الباب 20 من أبواب المهور، ح 4.

3) وسائل الشيعة 18 : 366 - 368 ، الباب 25 من أبواب الدين والقرض، ج 1، 3 - 9؛ وراجع الهامش (1).

الأجل في عقد القرض ولزوم التقييد به متوجه؛ لعموم أدلّة الشروط والعقود، ولقوله تعالى: «فَاكْتُبُوهُ» (1)إلى أجلٍ.

ولقوله (علیه السلام): «إذا مات المستقرض فقد حلّ مال القارض » (2).

وفي خبر آخر: «فيمن أقرض وضرب أجلاً ولم يؤت به عند الأجل كان له من الثواب في كل يوم يتأخر عن ذلك الأجل مثل صدقة دينار كل يوم» (3).

ولو اشترط تأخير مال قرض أو غيره في عقد قرض آخر، اتجه اللزوم.

ولو اشترط وفاءه في مكان خاص، فالظاهر لزومه عليهما، فليس للمقرض المطالبة في غيره وله الامتناع عن قبوله في غيره، ولو لم يشترط المكان، انصرف إلى بلد القرض، ولو لم يكونا في بلد، لزم الوفاء عند المطالبة.

ولو اختلف بلدهما عن بلد القرض احتمل الانصراف إلى بلد القارض، واحتمل انصرافه إلى بلد المستقرض، واحتمل حلوله بالمطالبة مطلقاً.

ولو وافق بلد القرض بلد أحدهما، انصرف إليه بطريق أولى.

ولو لزم من اشتراط المكان تأخير في الزمان لزم على وجه قوي؛ لأنه ليس صريحاً في التأجيل، ويحتمل أنه كالتأجيل، فلا يلزم بل يحلّ بالمطالبة مطلقاً، والأغلب ملازمة اشتراط تعيين المكان لتأخير الزمان عن التأدية.

هذا كله مع بقاء عقد القرض، ومع زواله بمعنى دفع مال القرض للمقرض وجواز مطالبة المقرض للمستقرض بالعوض في كلّ أن لا ينافي لزوم العقد بالنسبة إلى العين.

وثمرة الشرط في عقد القرض الإجبار على التأدية ولو استوفى؛ لأنه شرط في الابتداء لا في الاستدامة فيستحقه المشترط بتقبيضه العين، فإن لم يمكن المشترط استيفاء الشروط فسخ وأرجع العين نفسها مع وجودها، وإلا فمثلها أو قيمتها يوم القرض، أو يوم التلف، أو يوم الفسخ، أو يوم المطالبة أو التأدية.


1) البقرة (2) : 282 .

2) وسائل الشيعة 18 : 344، الباب 12 من أبواب الدين والقرض، ح 2.

3) المصدر : 329 – 330، الباب 6 من أبواب الدين والقرض، ذيل الحديث 1.

ولو شرط المقرض رهناً أو كفيلاً فاستوفى ماله ارتفع الإلزام؛ لانتفاء محله.

ولو شرط المستقرض مالاً على المقرض فلا يبعد لزومه.

وبالجملة، فالمشترط يلزم المشروط عليه بتأدية الشرط بمجرد عقد القرض وإن انفسخ القرض بتأدية المثل أو القيمة، إلا أن يرتبط الشرط باستمراره فحينئذ إن لم يستوف المقرض طالب بالشرط وكذا إن لم يف المستقرض.

بحث: في أن اشتراط الزيادة من المقرض في عقد القرض ربا محرّم

بحث : مما أجمع عليه الأصحاب ونطقت به روايات الباب (1)حتى كاد أن يكون ضرورياً أن اشتراط الزيادة من المقرض في عقد القرض ربا محرم وكبيرة موبقة، سواء اشترطه ليقرضه أو اشترطه ليتأخر عنه في المطالبة بعد استقراضه، وكذا اشتراطه بعد عقد القرض لتأخير المطالبة، وكذا في كلّ دَيْنِ لو أُجل بزيادة.

والفرق بين الابتداء والاستدامة هو بطلان عقد القرض في الابتداء؛ لبطلان الشرط ويكون التصرف في المال محرّماً، والمال مضمون على المستقرض.

خلافاً لمن جعل المال أمانةً (2)، ولمن أفسد الشرط وصحح عقد القرض (3).

ولا يتفاوت في اشتراط الزيادة بين العينية والحكميّة كالجودة والرداءة والصحة والعيب والمكسر والصحيح والموصوف والفاقد؛ لأنّ النهي يتعلّق بالنفع فيشمل العينية والحكمية، بخلاف ربا البيع، فإنّه متعلّق بالزيادة وهي منصرفة للعينيّة، سواء كانت من جنس أحد العوضين أم من غيره أو المنفعة أو العمل، ويلحق بها الأجل.

وبالجملة، فربا البيع يدور منعه مدار التفاضل والزيادة، وهما منصرفان للعيني أو العملي أو المنفعة، دون الحكمي، وربا القرض يدور مدار حصول النفع للمقرض، سواء شرط زيادةً في نفس العوض، أو زيادة وصف فيه من جودة وصحة وصياغة وحياكة


1) وسائل الشيعة 18 : 190 - 191، الباب 12 من أبواب الصرف، ح 1 و 357 و 359، الباب 19 من أبواب الدين والقرض، ح 11. 18.

2) ابن حمزة في الوسيلة : 273.

3) البحراني في الحدائق الناضرة 117:20.

وهيئة، أو أمراً خارجياً من عين أو منفعة أو عمل.

كل ذلك لظاهر فتوى المشهور الجابر للنبوي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم): «كل قرض يجرّ منفعةً فهو حرام» (1).

وللصحيح: «مَنْ أقرض رجلاً ورقاً فلا يشترط إلا مثلها» (2).

والآخر: «إذا أقرضت الدراهم ثم جاءك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط» (3).

وللإجماع المنقول (4)على حرمة اشتراط أن يردّ عليه خيراً مما أقرض وبطلانه، إلى غير ذلك.

فما يظهر من الأردبيلي (رحمه الله) من جواز اشتراط الزيادة الحكمية؛ للأصل السالم عن المعارض، وللشكّ في شمول دليل المنع لها لانصرافها إلى العينية أو العملية أو المنفعة، ولأن الأغلب في أخبار المنع استفادته من مفهوم نفي البأس، واختصاصه بالحرمة ممنوع، ولعموم أدلّة «خير القرض ما جرّ نفعاً » (5)(6)ضعيف جداً بعد تظافر الأخبار وفتوى المشهور والإجماع المنقول، كضعف ما عن الشيخ وأبي الصلاح وابني البراج وحمزة من جواز اشتراط الصحاح عوض المكسرة (7)للخبر: عن الرجل يقرض الدراهم الغلّة ويأخذ منه الدراهم الطازجيّة طيبةً بها نفسه؟ قال: «لا بأس» (8)وفى آخر يأخذ فضة تبر على أن يعطيني مضروبة وزناً بوزن سواء، هل يستقيم هذا؟ إلا أنّي لا أُسمي له تأخيراً إنّما أشهد لها عليه فيرضى، قال: «لا أُحبّه» (9)لعدم مقاومة الخبر لأخبار المنع؛ لعدم التصريح في الشرطية، ولضعفه عن المقاومة بين ما دلّ على حرمة النفع الشامل لذلك، وبين ما اشتمل عليه الخبر من الشمول للشرط وعدمه، فبينهما عموم من وجه، والترجيح لأخبار المنع.


1) السنن الكبرى، البيهقي 5 : 573، ح 10933 بتفاوت.

2) وسائل الشيعة 18 : 357، الباب 19 من أبواب الدين والقرض، ح 11.

3) المصدر : 360 ، الباب 20 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

4) مسالك الأفهام 3 : 443.

5) وسائل الشيعة 18 : 354 - 356 ، الباب 19 من أبواب الدين والقرض، ح 4 – 8،6.

6) راجع مجمع الفائدة والبرهان 9 : 62 - 66 .

7) النهاية : 312؛ الكافي في الفقه : 331؛ الوسيلة : 273؛ وحكاه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 407:5، المسألة 24 عن ابن البراج، ولم نجده في المهذب.

8) وسائل الشيعة 18 : 192، الباب 12 من أبواب الصرف، ح 5.

9) المصدر : 194، ح 9.

وأضعف من ذلك ما يظهر من بعض الأصحاب من اختصاص المنع من النفع بما كان فيه زيادة في العين التي استقرضها دون الزيادات الخارجية (1).

وهو عجيب؛ للزومه انفتاح باب الربا الذي قد أمر الشارع بسده (2).

بحث: حكم اشتراط القرض أو اشتراط بيع أو رهن في عقد القرض

بحث : جوّز جماعة من الأصحاب (3)اشتراط القرض في عقد القرض، أو اشتراط بيع كذلك إذا لم يكن فيه محاباة، أو اشتراط رهن أو ضمين، أو اشتراط وفائه في مكان خاص سواء كان فيه مصلحة للمقرض أو المستقرض لورود جملة من الأخبار المجوّزة لاشتراط دفع الدراهم في مكان خاص وفاءً لمن دفع دراهم لآخر سلفاً أو قرضاً (4).

والأظهر في هذا كله: أن الشرط إن كان لضبط التأدية كالرهن والضمين، أو لدفع ضرر عن المقرض كاشتراط مكان يأمن من الوفاء فيه النقصان أو تحمّل المؤن أو المشقة في حمله ونقله، جاز الشرط، ولم يكن ممّا جرّ منفعة.

والأظهر عدم لزوم القبول على المقرض فيما لو دفع المقترض القرض له في غير ما انصرف إليه الإطلاق من المكان، أو في غير المكان المشترط ولو كان في قبوله مصلحة له أو في بقائه مفسدة للمقترض، ويجب القبول في المكانين ولو كان في دفعه ضرر على المقرض أو عليهما، مع احتمال عدم وجوب القبول مع حصول الضرر على المقرض.

أما لو شرط قرضاً أو شرط بيعاً لا يشتمل على محاباة أو نحو ذلك، احتمل المنع؛ لأنه نفع، لأن التجارات من الانتفاعات، واحتمل الجواز؛ لعدم صدق النفع عرفاً.

ولو شرط النفع في عقد آخر، كما إذا باعه بشرط أن يعطيه ديناراً لتأخير قرضه، أو بشرط أن يقرضه بنفع، بطل الشرط والعقد.

وشرط القرض في العقد من دون نفع جائز ولازم.


1) راجع مجمع الفائدة والبرهان 66:9.

2) البقرة (2) : 275 .

3) منهم: ابن زهرة في غنية النزوع 1: 239؛ والعلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 13 : 42، المسألة 39؛ وقواعد الأحكام 2: 103 و 104؛ والشهيد في الدروس الشرعية 3 : 319؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 5 : 22 و 23.

4) وسائل الشيعة 18 : 196 ، الباب 14 من أبواب الصرف.

بحث: في أنّ النفع المحرم هو ما أخذ شرطاً صريحاً في عقد القرض أو غيره أو ضمناً مع بناء العقد عليه

بحث : النفع المحرَّم هو ما أُخذ شرطاً صريحاً في عقد القرض أو غيره، أو ضمناً مع بناء العقد عليه بحيث ذكر متقدماً موصولاً أو مفصولاً بفاصل غير معتد به، ولو ذكر بعده بدءاً وابتداءً فلا يبعد عدم صحته وعدم إفساده ولو قبله المقترض بعد ذكر المقرض له أو بالعكس.

والأحوط أنه مع قصدهما للنفع ترك الأخذ، وكذا مع قصد القرض.

نعم، لو لم يكن داعياً للقرض فدفعه المقترض جاز أخذه وإن علم المقرض أنه يدفعه إليه لحسن صنعه ومعاملته؛ لما ورد في الأخبار المتكثّرة: «إنّ خير القرض ما جرّ نفعاً» (1).

والأخبار في هذا المضمار أقسام:

فمنها ما دلّ على المنع من أخذ النفع مع الشرط، وبدونه لا بأس به (2).

ومنها: ما دلّ على جوازه مع طيب النفس وبدونه حرام (3).

ومنها: ما دلّ على جوازه إذا كان من المستقرض أخيراً من دون بيانه ابتداء (4).

ومنها: ما دلّ على جوازه إذا كان مقاولة من دون شرط؛ لأنّ الربا يجيء من الشروط (5).

ومنها: ما دلّ على جواز أخذ المعاوضة في عقد القرض ولو ابتداء (6).

ومنها: ما دلّ على جواز أخذ النفع وإن علم به المقرض والمستقرض ما لم يجعلاه شرطا (7).

ومنها: ما دلّ على أنه لا يصلح أخذ المقرض مالاً إذا كان إنما يقرضه ليصيب عليه (8).

ومنها: ما دلّ على أن القرض إذا كان يجرّ شيئاً فلا يصلح (9).


1) راجع ص 37 الهامش (5).

2) وسائل الشيعة 18 : 357 - 358، الباب 19 من أبواب الدين والقرض، ح 13.

3) المصدر : 354، ح 4.

4) المصدر : 360، الباب 20 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

5) المصدر : 190 - 191، الباب 12 من أبواب الصرف، ح 1.

6) المصدر : 54. الباب 9 من أبواب أحكام العقود، ح 1.

7) المصدر : 354، الباب 19 من أبواب الدين والقرض، ح 3.

8) المصدر : 356، ذيل الحديث 9 .

9) المصدر ، ح 9.

ومنها: ما دلّ بلفظ «لا أُحبّ» على أخذ النفع بعد القرض من مال الرهن (1).

ومنها ما دلّ على جواز أخذ المقرض من مال القرض إذا دفعه إليه المستقرض نفقة وحجّاً وصدقةً، سواء كان اتفاقاً أو كان بقصد النفع للمقترض (2).

ومنها ما دلّ على احتساب الهدية من المستقرض من دين المقرض (3).

ومنها ما دلّ على دفع المستقرض الزيادة وأنه من الفضل والإحسان (4).

والجمع بينها: أن الزيادة مع الشرط حرام وإن كان يطيب النفس، ومع كونه داعياً للمقرض مكروه، وكذا مع التواطي بينهما من غير شرط، وأن دفع المستقرض الزائد مندوب مع عدم التواطي عليه، وأن أخذ المقرض له جائز، ولكن يستحب احتسابه من الدين. بل قد يقال بكراهة أخذ المقرض مطلقاً واستحباب دفع المستقرض، ولا منافاة بينهما.

وكذا لا يبعد كراهة اشتراط القرض في عقد معاوضةٍ أُخرى؛ لأنّ العقد يكون داعياً للقرض فيكون القرض مسبّباً عن العقد، ولولا القرض لما وقع العقد، فكأن العقد حينئذ نفع جره القرض، وإن كان الأقوى جوازه وإن اشتمل على محاباة؛ لأنه لا يقال عرفاً: إنّه أقرض للنفع، وهو ظاهر.

نعم، لو اشتمل على محاباة وكان العقد شرطاً في القرض دون العكس أشكل ذلك.

بحث: حكم ما لو دفع المستقرض الزيادة إلى المقرض

بحث : لو دفع المستقرض الزيادة إلى المقرض، فإن كانت قيمية لزم قبولها؛ لما دلّ على وجوب القبول من المستقرض (5)لأنه غير حقه قد أدّاه.

وإن كانت زيادة صفة - تزيد بها القيمة أو لا تزيد بها الرغبة أو لا - قوي القول بلزوم القبول؛ لأنّ خيار الدفع بيد الدافع ولما ذكرناه، ويحتمل العدم؛ لما فيه من المنة.

وإن كانت الزيادة عينيّةً، فإما أن تكون منفصلةً حسّاً، فلا يجب قبولها، سواء نوى الزائد


1) وسائل الشيعة :18: 358 ، الباب 19 من أبواب الدين والقرض، ح 15.

2) المصدر : 353، ح 2.

3) المصدر : 352 - 353، ح 1.

4) المصدر : 193، الباب 12 من أبواب الصرف، ح 7.

5) المصدر : 190 - 192، ح 1 - 4.

هبة أو نوى الوفاء بمجموع المدفوع؛ لعدم وجوب قبول الهبة، ولأن نية الوفاء بالزائد لا يصيّره وفاء قهراً، إلا أن يكون الوفاء معاوضةٌ جديدة فيلزم حينئذ فيه ما يلزم في المعاوضة من لزوم التراضي ولزوم الربا في المتفاضل إذا تساويا جنساً وكانا ممّا يكال أو يوزن.

وإن لم تكن منفصلةً، احتمل لزوم القبول؛ لاشتماله على حقه، والزيادة غير مانعةٍ من لزوم القبول، وحينئذ فيحتمل ملك المدفوع إليه الجميع قهراً، ويحتمل أنه معاوضة فيشترط فيه ما يشترط في الأوّل من التراضي وعدم الربا، ويحتمل لزوم قبول العين وبقاء الزائد أمانةٌ بيد المدفوع إليه لا يضمنها إلا مع التعدي أو التفريط، ويرجع مثلها أو قيمتها، والأظهر عدم لزوم القبول.

بحث في عدم جواز تأجيل الدين الحال بزيادة فيه أو بزيادة خارجية أو الصلح على تأجيله بالزيادة

بحث : لا يجوز تأجيل الدين الحال بزيادة فيه أو بزيادة خارجية، أو الصلح على تأجيله بالزيادة؛ لأنه صلح على محرم، ولو قال: «صالحتك على تأخير أجل القرض بكذا» فقال: «قبلت» لم يلزم؛ لعدم كونه معاوضةً.

واحتمال أن الصلح كالنذر يقوم مقام الالتزام اللازم بعيد.

ولو صالحه على تأجيل قرضه عليه، بطل على الأظهر.

نعم، لو احتال فأجل القرض بعقد لازم وأخذ النفع في مقابلة عوض بعقد آخر، صح وله أن يجمعهما بعقد واحد فيقول: «بعتك مثقال فضّةٍ بألفٍ من ذهب وأشترط عليك تأجيل القرض الفلاني» فلا بأس وإن كان الداعي للمحاباة هو تأجيل القرض؛ لعدم صدق أنّ القرض بنفسه جرّ نفعاً، وإن كان في الحقيقة هو الباعث للانتفاع.

وقد دلّت على ذلك جملة من الأخبار وأنّه يبيعه اللؤلؤة تسوى مائةً بألف على أن يؤخر الدين إلى وقت، قال: «لا بأس» (1)أو يبيعه ما يسوى ألفاً بعشرة آلاف أو عشرين ألفاً (2)، وأنه يجوز على ذلك النحو «نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال» (3).


1) وسائل الشيعة 18 : 55، الباب 9 من أبواب أحكام العقود، ح 6.

2) المصدر، ح 4.

3) المصدر : 178، الباب 6 من أبواب الصرف، ح 1.

وما ورد في الخبر: أنّ الرجل يبيع البيع والبائع يعلم أنّه لا يسوى والمشتري يعلم أنه لا يسوى إلا أنه يعلم أنه سيرجع فيه ويشتريه منه، وفي آخر الرواية: «هذا الربا، فإن لم تشتره منه ردّه عليك؟» قال: فقلت: نعم، فقال: «لا تقربنه لا تقربنه بعد» (1)لا يعارض ما تقدم، أو يُحمل على عدم القصد في البيع، أو التقية، أو على أنّ صدور البيع حيلة، لا أنه حيلة في البيع كما يقع من الأعوام، ولا شكّ أنّ التنزه أجمل.

بحث: في جواز تعجيل المؤجل أو إرجاعه إلى أقل أجل بإسقاط بعضه أو بمال خارج

بحث : يجوز تعجيل المؤجل أو إرجاعه إلى أقلّ أجل بإسقاط بعضه أو بمال خارج، ويصح ذلك بصيغة «أسقطت أجل الألف بخمسمائة منها حالة» وبصيغة الصلح على الإسقاط بخمسمائة منها حالةً، أو بمال آخر، ولا ربا في هذه الصور؛ لأنّ المعاوضة على نفس الإسقاط. ويجوز على الأظهر جعل الخمسمائة حالةً عوض الألف المؤجلة، أو الصلح على ذلك. وإن لزم فيه الربا مع الاتفاق في الجنس والكيل والوزن فلا بد إما من الالتزام بجوازه؛ للدليل، أو جعل ذلك بمنزلة الإبراء لا المعاوضة، أو الالتزام باختصاص الربا بالبيع، أو إرجاع هذه المعاوضة على الإسقاط لا على المال بالمال وإن كانت صورته ذلك.

وعلى ذلك فلو صالحه على الألف بخمسمائة معينة أو خارجة لم يصح، وكذا لا يصح الصلح على ألف حالة بخمسمائة كذلك، أو على ألف حالة بخمسمائة مؤجلة.

وما جوزه الفقهاء من الصلح على قيمة ثوب متلف يقوم بعشرة بخمسة وكذا في كثير من الجنايات، محمول على الإبراء، أو للدليل.

وبالجملة، فالأخبار في هذا المضمار دالّة على جواز التعجيل بوضيعةٍ من المال.

ففي الصحيح: فيقول له قبل أن يحلّ الأجل: عجّل النصف من حقي على أن أضع عنك النصف، أيحلّ ذلك لواحد منهما؟ قال: «نعم» (2).

والصحيح الآخر: يقول: انقدني كذا وكذا وأضع عنك بقيته، أو يقول: انقدني بعضه وأمد لك في الأجل فيما بقي عليك، قال: «لا أرى بأساً» (3).


1) وسائل الشيعة 18 : 42، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، ح 5.

2) المصدر : 449، الباب 7 من أبواب كتاب الصلح، ح 2.

3) المصدر : 448، ح 1.

وظاهرها أنّ العوض نفس تعجيل البعض، والمعوّض نفس وضيعة الباقي، فيحتمل أنّ نفس قول الغريم ذلك ورضى المدين بذلك يكون عقداً لازماً، ويحتمل أنها مقاولة وتلزم بدفع النصف، ويحتمل أنّها مقاولة وتلزم بالدفع والإبراء من الغريم، ويحتمل أنها مقاولة وتلزم بالصلح القولي على التعجيل بالوضيعة، ويحتمل أنها مقاولة وتلزم بالصلح الفعلي على ذلك، ويحتمل أنها مقاولة وتلزم بالصلح على التعجيل بنفس الباقي من المال، ويحتمل أنها مقاولة وتلزم بالصلح على إسقاط حق الأجل بوضيعة الباقي أو بنفس المال الساقط، ويحتمل أنّه معاملة جديدة أو صلح قوليّ أو صلح فعليّ على مجموع المال المؤجل ببعضه حالاً.

ويخالف القواعد بأمرين، أحدهما: أنه صلح على الشيء ببعضه فيكون مما يتحد به العوض والمعوّض، والثاني: أنه لو كان ربويّاً يلزم فيه الربا، بناءً على شمول الربا لجميع المعاوضات.

فيمكن الجواب حينئذ عن الأمرين بخروج هذا بالدليل، ولكن يلزم فيه الاقتصار على نفس المورد وهو المؤجل بالحال، ولكن لا اختصاص له بالنصف أو غيره، فلا يسري إلى الحال بالحال، ولا إلى الحال بالمؤجل الناقص، ولا بالمؤجلين إذا لم يدخل تحت بيع الكالئ بالكالئ، ولا إلى أجل أقرب من الأجل الأول.

ولو قلنا: إنه إبراء بعوض أو إسقاط بعوض أو تعجيل بعوض أو إبراء بإسقاط، أو إبراء بتعجيل أو تعجيل بإبراء، لم يكن مخالفاً لقواعد الفقاهة.

بحث: في حكم اشتراط الهبة والبيع المحاباتي والإجارة بالأقل في عقد القرض

بحث : قدمنا أن الأظهر تحريم اشتراط الهبة والبيع المحاباتي والإجارة بالأقل ودفع الخمس والزكاة، أو غير ذلك في عقد القرض؛ لإطلاق الأدلة بحرمة النفع، وهذا مما يُسمّى نفعاً عرفاً، بخلاف ما لو شرط بيعاً مطلقاً أو تزويجاً أو إجارة بمهر المثل وقيمته.

وأجازه جمع (1)، واستند إلى «خير القرض ما جرّ نفعاً» (2)وإلى جواز زيادة الصفة، وإلى جواز دفع الصحيح عوض المكسّر ، وإلى جواز اشتراط الزيادة الخارجية، وإلى جواز الدفع


1) راجع مفتاح الكرامة 5: 38 وما بعدها.

2) راجع ص 37 الهامش (5)

في بلدٍ للمقرض نفع فيها وإلى جواز الصلح أو البيع بشرط القرض محاباة أو غيره، وإلى انصراف النفع للمجاني دون ما قابله عوض، وإلى ما جاء في تأجيل المعجل وبالعكس، وإلى جواز اشتراط الرهن والكفيل إلى غير ذلك.

والكلّ ضعيف يُعرف ضعفه ممّا مرّ.

بحث: في بيان ما يصح إقراضه

بحث : فيما يصح إقراضه

كل ما كان متموّلاً معلوماً وصفه وقدره يصح إقراضه، أما ما لا يُعدّ مالاً وإن صح ملكه كحبة الحنطة ففى جواز قرضه إشكال:

وأما ما لا يقبل الملك كالكلب الذي لا يقبله والحشرات والتراب فلا يصح قرضه، والأظهر أنه سواء قبل الاختصاص أم لا.

ولو كان المال منفعةً، فالأظهر عدم صحة قرضه، ولو استوفي ضمن بقيمته لا بنفسه، ولو صح قرضها فقبضها بقبض العين أو استيفاء العمل.

ولا يمكن قرض الحق باعتبار عدم إمكان قبضه وعدم انصراف أدلّة القرض إليه.

وأما ما لا يمكن ضبط وصفه ولا قدره فالمعروف عدم انعقاد عقد القرض فيه وإن آل إلى العلم، ويكون التصرف فيه حراماً، ولا تكفي فيه الإذن؛ لأنها خاصة مقيدة بالقرض، فإذا لم يقع القرض لم تقع الإذن.

ويضمن المتلف للعين حينئذ بمثلها وقيمتها لو تلفت فإن علمت بعد ذلك قدراً ووصفاً وعلمت القيمة بذلك أو علم المثل، أداه المتلف، وإن جهل الحال صولح أو أدى الأقل؛ لأصالة البراءة، أو الأكثر احتياطاً.

ولو جهل المثل لجهالة الوصف ابتداء، فليس إلا الصلح، أو الانتقال إلى القيمة، فيؤخذ بالأقل أو الأكثر أو التراضي بالصلح.

وقد يناقش بالالتزام بهذا الشرط بعد عموم أدلّة العقود وإطلاقات أدلّة القرض، واستضعافاً لعموم نهي النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) عن الغرر (1)، والمتيقن منه اختصاصه بعقد البيع، على أن القرض وإن كان


1) مستدرك الوسائل 13 : 283، الباب 33 من أبواب آداب التجارة، ح 1.

معاوضة إلا أنه أشبه شيء بالإباحة مع ضمان المباح فلا تنافيه الجهالة ولا تفسده، غاية ما في الباب أنّه يقال: إنّ الوفاء متوقف على العلم بالمال المستقرض، وما لم يتحقق الوفاء لا يثبت القرض.

وفيه: منع توقف الوفاء على العلم ابتداءً فيمكن العلم به بعد ذلك، ويمكن دفع ما يقطع بحصول القيمة في ضمنه أو ما يقطع بحصول القدر في ضمنه.

نعم، لو كان مجهول النوع أو الصنف ولا يمكن استعلام نوعه بعد ذلك ولا صنفه فلا بأس بالقول بمنع صحة قرضه؛ لابتناء عقده حينئذ على الغرر والضرر.

وبالجملة، فالأول إلى العلم بالجنس والوصف والقدر والقيمة بمقتضى القواعد لا بأس به، وسيما ما كان جهله من جهة عدم تقديره بميزان معلوم أو مكيال كذلك وإن كان معلوماً بالمشاهدة، وسيما لو كان معلوماً من كل وجه سوى قيمته فيما لو كان القرض للقيمي، وكفاية العلم به عن العلم بقيمته غير مجدية بعد أن يكون الغرض من قرضه أخذ قيمته.

ويظهر من كثيرٍ من أصحابنا (1)اشتراط العلم بالتقدير المتعارف، وعدم كفاية صنجةٍ (2)أو ميزان غير معلومين عادةً وإن دفع المقرض بهما وأخذ، بل تسرى بعضهم (3)إلى عدم كفاية المشاهدة فيما تكفي فيه المشاهدة في البيع كالجزاف بناءً على أنه كالسَّلَم؛ لتساويهما في كون العوض متأخراً غالباً في الذمة.

واستشكل بعضهم في قرض القيمي إذا لم تعرف قيمته وقت القرض (4).

ولكن المشهور جواز قرضه وإن لم تعرف له قيمة وقت القرض إذا كانت قيمته ممّا تؤول إلى العلم، وأما لو لم تؤول إلى العلم فلا يبعد منع قرضها والحال ذلك.

والظاهر أنه لا يشترط معرفة قيمة القيمي، ولا يشترط معرفة الوزن في المسكوك؛ لقيام السكة مقام الوزن؛ لأنّ السيرة على الاكتفاء بعد الدراهم قرضاً أو استيفاء. بل ربما


1) منهم : العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 105.

2) الصنجة = السنجة : سنجة الميزان : ما يوزن به كالرطل والأوقية، المعجم الوسيط : 453 و 525، «س ن ج» و «ص ن ج».

3) لم نتحققه.

4) راجع مفتاح الكرامة 5: 48.

أذنت السيرة بعدم حرمة ذلك في المعاوضة وإن احتمل فيه حصول الربا؛ لاحتمال التفاوت في الوزن.

واستثنى جماعة من أصحابنا (1)

مسالك الأفهام 3: 446؛ والطباطبائي في رياض المسائل 9 : 161 - 162.

من ضابطة اشتراط العلم: استقراض الخبز وإن شك في حصول التفاوت فيه، بل وإن قطع بالتفاوت فيه من طرف المقرض أو المستقرض زيادة أو نقصاناً. نعم، قد قيّده بعضهم بالتفاوت اليسير الذي يتسامح بمثله عادةً في المكاييل والموازين (2).

وظاهر بعض الأصحاب (3)وجملة من الأخبار أن اقتراض الخبز جائز مطلقاً حتى مع العلم بالتفاوت الذي لا يتسامح به عادة.

ففى الخبر عن استقراض الخبز فنرد أصغر منه أو أكبر ؟ فقال (علیه السلام): «نحن نستقرض الجوز الستين والسبعين عدداً فيه الصغير والكبير فلا بأس» (4).

وفي آخر: نفي البأس عن استقراض الرغيف صغيراً ويرد كبيراً وبالعكس (5).

نعم، لا بد من حصول التراضي والتسامح بين المقرض والمستقرض على الأظهر، مع احتمال لزوم قبول الأصغر تمسكاً بالرواية، بل وجواز أخذ الأكبر قهراً إذا انحصر الوفاء فيه.

ولا ربا ولو نوياه ابتداء؛ تمسكاً بالسيرة وإطلاق الرواية.

ولا يحتاج إلى المداقة في وصف الخبز أيضاً، مع احتمال لزوم المداقة فيه؛ لمنع الغرر، والتسامح في الكبر والصغر جاءت به الرواية واحتمال جواز المسامحة فيه للسيرة.

وقد يقال بسراية ذلك إلى كلّ معدود كالجوز والبيض ونحوها؛ استناداً إلى السيرة والرواية.

نعم، يخرج من ذلك ما لو جعل أخذ الأكبر شرطاً في ابتداء العقد، فإنّه داخل في عموم النهي عن اشتراط النفع من غير مخصص.

فظهر من ذلك أن جعل القرض في المعلومية كالبيع تعسّف، وتجويز الجهالة فيه . مطلقاً


1) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط :2 : 161؛ والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 13 : 37، المسألة 34؛ والشهيد الثاني في

2) راجع مسالك الأفهام 3 : 446؛ والحدائق الناضرة 136:20.

3) كابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 60.

4) وسائل الشيعة 18 : 361، الباب 21 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

5) المصدر، ح 2.

كذلك، فالأحرى: جعل الميزان في جواز القرض المعرفة الإجمالية والأول إلى العلم، وأمّا العوض فلا تجب معرفة أنه قيمته أو مثله، فيجوز قرض ما لا يعرف أنه مثلي أو قيميّ ويعرف بعد ذلك.

بحث: في أن المال المقرض إما مثلي أو قيمي أو مشكوك

بحث : المال المقرض إما أن يعلم أنه مثلي، أو يعلم أنه قيمي، أو يشكّ فيه، ولا واسطة واقعاً بينهما، فالمثليّ يُضمن مع وجود مثله بمثله، ومع التعذر بقيمة مثله، والقيمي بقيمته.

وهنا أُمور

الإشارة

فهنا أمور:

أحدها: في تعريف المثلي

أحدها: الأظهر في تعريف المثلي: أنه ما يُعدّ في العرف متماثلاً ومتشابهاً أجزاء وجزئياتٍ، وهو منطبق على قولهم: إنّه ما تقاربت صفاته بحيث كان بعضها مثل البعض الآخر من ذلك النوع أو الصنف، أو ما تساوت أجزاؤه في القيمة والمنفعة، بمعنى أن كل جزء من أجزائه المشاعة أو المعينة يساوي الجزء الآخر في المنفعة والقيمة، ويقوم مقامه في الانتفاع، ويُقوم بقيمته إذا قوبل كلّ جزء بمثله في القدر، أو هو ما تساوت أجزاؤه في المنفعة والقيمة وتقاربت صفاته، أو هو ما تشابهت أجزاؤه عرفاً بحيث كان كلّ جزءٍ يشابه الجزء الآخر وصفاً ورغبةً ونفعاً بحيث كانت الرغبات متساوية بالنسبة إلى أجزائه.

ولا يضرّ اختلاف أصناف نوعه كاختلاف أصناف الحنطة الحمراء والبيضاء، وصغيرة الحبّ وكبيرته، وكذا اختلاف أصناف سائر الحبوب والذهب والفضة والأدهان، فكلُّ من ذلك مثلي بالنسبة إلى نوعه كأدهان الحيوان، أو إلى صنفه كأصناف الحبوب.

والجودة والرداءة لا تغيّر المثلية، ولا زيادة القيمة لوصف ونقصانها لوصف آخر ممّا تخرج المثل عن المثليّة، وإن لزم دفع المساوي في باب القرض والغصب من كل وجه؛ لأنه لا يكفي في دفع العوض المضمون مجرد صدق المثلية، بل لا بد من جامعيته لجميع صفات العوض التي تختلف باختلافها القيم والرغبات، ولا يجب استغراق الأوصاف؛ لتعسّر ذلك.

ثانيها: حكم ما لو تعذر المثلي أو تعسر

ثانيها: لو تعذر المثل أو تعسّر بما يضر بالحال من الاعتبار والمال ضرراً لا يتحمّل انتقل إلى القيمة.

وهل ينتقل إلى قيمة يوم القرض، أو يوم القبض، أو يوم التعذر، أو يوم المطالبة، أو يوم الاستيفاء، أو الأعلى ما بين الكلّ، أو ما بين كلّ واحدٍ وآخر؟ والأظهر سقوط احتمال قيمة يوم القرض؛ بناءً على عدم الملك بنفس العقد، فلا بدّ من تخصيصه بيوم القبض.

وأقرب الوجوه هو قيمة يوم الاستيفاء؛ لأنه يوم المبادلة ويوم دفع المقترض العوض عما في ذمته، وذلك لأنّ اشتغال الذمة بالمثل مستمر إلى حين دفع قيمته، والتعذر لا ينافي الحكم الوضعي - كالعسر - فإنّه وإن لم يجب عليه الأداء ولكن ذمته مشغولة بالمال.

وقد يقال: إن الحكم الوضعي تابع للحكم الشرعي وهو وجوب الوفاء، والوفاء واجب في كل وقت، ومن الأوقات وقت التعذر، والتكليف معه تكليف ما لا يطاق، فيكون الخطاب عند التعذر بالقيمة ذلك اليوم فيستصحب الخطاب بها إلى وقت الأداء، فيكون المدار على قيمة يوم التعذر.

أو يقال: إن الخطاب الشرعي لا يتوجه إلا عند المطالبة، فالخطاب بالقيمة يوم الخطاب بالتأدية، ولما لم يمكن المثل صار الخطاب بقيمته، فيكون المدار على قيمة يوم المطالبة. أو يقال: إنّ التعذر قبل الدفع معلوم عند الله تعالى يوم القرض، فالخطاب بدفع القيمة عند تعذر المثل كان من يوم القرض فكان الدافع دفع العين بمثلها عند وجودها وبقيمتها حين الدفع عند فقد المثل.

والأقرب من هذه الوجوه ما عدا الأوّل هو يوم التلف، وللأعلى وجه مبني على تعلّق الخطاب بتأدية القيمة مستمرّاً، ومن جملة أوقات الاستمرار ارتقاء القيمة فيتعلق بها خطاب الدفع فيستصحب، ولا يخفى ضعفه.

والحق أن يقال: إنّ الخطاب التعليقي بالقيمة متحقق عند عقد القرض، ولا يجدي في ثبوتها تعييناً، وأما الخطاب التنجيزي فهو يوم المطالبة ولا منافاة بين كون الخطاب بدفع القيمة يوم المطالبة وبين كون القيمة هي قيمة يوم القبض أو يوم التعذر أو يوم المطالبة أو يوم الأداء أو الأعلى، أو مخيّراً ما بينها وبين الأقل أخذاً بالأصل، أو مخيّراً بين الجميع.

وبالجملة، فالخطاب بقيمة المثل عند الإعواز والانتقال إليها كي لا يضيع مال امرئ مسلم، ولأن العقد اقتضاه لا يقتضي قيمة خاصة، ونسبة قيم الأزمنة إلى الخطاب كنسبة قيم

الأمكنة، والمتيقن ضمان قيمةٍ ما عوض المثل، لا قيمة معينة، والأصل يقتضي الأقلّ، والاحتياط يقتضي الأعلى، والعدل يقتضي یوم التلف، والخطاب يقتضي يوم المطالبة ، وبناء العقد القرضي يقتضي يوم التأدية.

ولو شرط المقرض دفع القيمة عند الإعواز، لزم وكان مؤكداً ولو شرط أحد القيم المتقدمة، صح إن لم يلزم فيما لا نقول به الربا.

ولو شرط القيمة ولو وجد المثل لزم إن لم يدخله الربا بحيث يجرّ نفعاً.

ويحتمل الفرق بين التعذر فقيمة يومه، والتعسّر فقيمة يوم المطالبة. ولو رجع المثل قبل الأداء، فالظاهر لزوم دفعه، لا دفع قيمته على جميع الأقوال، ويكون الانتقال إلى القيمة مشروطاً بعدم إمكان دفع المثل قبل دفعها.

ثالثها: لزوم قيمة يوم القبض في قرض القيمي بل المشكوك فيه

ثالثها: قرض القيمي بل والمشكوك به يلزم فيه القيمة، مع احتمال لزوم مثل المشكوك فيه إذا صدق في العرف أنّ هذا مثل ذاك، والصلح أولى، وللقرعة وجه.

وثبوت القيمة في قرض القيمي لازم مع قصد المقرض أو المقترض أو هما معاً أو مع عدم قصدهما أو قصد أحدهما؛ لأنّ ثبوته حكم شرعي تابع لإطلاق العقد، إلّا إذا شرط المثل في القيمي، ففي لزومه مع عدم حصول الربا وجه والوجه الآخر: أنّه منافٍ لمقتضى العقد.

وعلى كلّ حالٍ، فالمشهور لزوم قيمة يوم القبض في القرض؛ لأنه لا يتحقق الملك إلا به.

وقيل: يوم القرض؛ بناءً على حصول الملك بنفس العقد (1).

ويحتمل إرجاعه إلى الأوّل؛ تنزيلاً ليوم القرض على يوم القبض؛ لتوقفه عليه واتصاله به وتحقق القبول به غالباً.

والدليل على لزوم القيمة في القيمي - مضافاً إلى فتوى المشهور : أن القرض ليس كالمعاوضات الصريحة في العوضية، بل هو شبيه بضمانات المتلفات، فالمقرض ملك المال على أن يثبت ضمانه في ذمّة المقترض وعلى أنّ عوضه هو ما يتحقق به ضمانه، ومن المتفق عليه: أن القيمي يضمن عند إتلافه بقيمته؛ لعسر حصول المثل له، وللاختلاف فيه المؤدي للنزاع، ولعدم انضباط المثل، فلا يجعل قانوناً يرجع إليه في الغرامات، بخلاف القيم المنصرفة


1) قاله العلامة الحلي في قواعد الأحكام 2 : 104.

إلى الأثمان من النقدين المضبوطين فإنّها أمر منضبط، ولأن استقراء أحكام الشارع في الجنايات والمتلفات وفي عتق السراية وفيمن ينعتق قهراً من المملوك يؤذن بضمانها بالقيمة، ولأن القيمة أعدل وأمثل خصوصاً فيما يدق معرفة مثله من الحيوان الموقوف على معرفة بواطنه وخوافيه ومزاجه وطبعه وصحته وسقمه واختلاف الرغبات فيه.

نعم، قد يقال بجواز دفع العين المقطوع بمماثلتها للمال المُقرَض عرفاً في أظهر صفاتها وأكثرها، المساوية لها في أفعالها وآثارها غالباً، ويجب على المقرض قبول ذلك من المقترض؛ لأنه قد زاده إحساناً.

ولكن الأظهر منع ذلك؛ لأنّه تفصيل من غير دليل، بل خرق للاتفاق ظاهراً، ولأنا بعد أن منعنا اقتضاء عقد القرض لذلك فالعدول إلى العين معاوضة جديدة مفتقرة إلى التراضي وزيادة الإحسان غير صالح لأن يكون دليلاً على جواز الدفع ولزوم القبول، فضلاً عن وجوب الدفع. واحتمال أن عقد القرض مبني على دفع المثل مهما أمكن في مثلي أو قيمي، وعلى لزوم قبوله وعلى دفع القيمة مع عدم الإمكان بعيد كل البعد لتأدية ذلك إلى النزاع والاختلاف، ولأنه قول بالفصل الذي لم نطلع على قائل به.

نعم، ذكر المحقق هنا: أن القيمي لو قيل: يثبت مثله، كان حسناً (1).

وفي التذكرة :

مال القرض إن كان مثليّاً وجب ردّ مثله إجماعاً ، وإن لم يكن مثليّاً ، فإن كان مما ينضبط بالوصف - وهو ما يصح السلف فيه كالحيوان والثياب فالأقرب : أنه يضمن بمثله من حيث الصورة ، وأما ما لا يُضبط بالوصف - كالجواهر والقسي وما لا يجوز السلف فيه - تثبت قيمته (2).

وظاهر هذه العبارة أنّ ها هنا مثليّاً يُسمّى بالعرف بذلك، وغير مثلي وإن أمكن له مثل صورة بل وُجد له مثل، فيكون الفرق بينهما : أن المثلي ما كان شأن نوعه متماثلاً وبناء خلقه على التماثل، بخلاف ما يوجد له مثل نادراً، فإنّه ليس مثليّاً وإن كان له مثل.


1) شرائع الإسلام 2 : 62.

2) تذكرة الفقهاء 13 : 30-31، المسألة 30 .

وجعل هذا القسم هو ما ينضبط بالوصف وجعل كلّاً منهما مضموناً بمثله، الأول لمكان الحقيقة، والآخر لمكان الصورة، وخص القسم الثالث من قسمي غير المثلي بضمان القيمة وهو ما لا ينضبط بالوصف.

وكلام المحقق (رحمه الله) وكذا كلام العلّامة (رحمه الله) خلاف المشهور وخلاف قواعد الضمان، سيما مع تصريح العلامة (رحمه الله) بالمماثلة الصورية وأنه ليست حقيقية، فمن البعيد إجراء الشارع عليها أحكام المثل الحقيقي، وكأن التفصيل خرق لظاهر الاتفاق؛ على أن العلامة له جعل ما لا ينضبط يصح إقراضه بالقيمة، وظاهر الأكثر أنّه لا يصح إقراضه؛ لعدم انضباط وصفه وإن كان معلوماً بالمشاهدة؛ لأنّ العلم بالمشاهدة غير كافٍ عن انضباط الوصف كما في السلم؛ لأنّ العمدة في القرض والسَّلَم هو الوفاء والاستيفاء، وهما موقوفان على انضباط الوصف. ولكن نحن قد بيّنا الفرق بين القرض والسَّلَم، ومنعنا اشتراط انضباط الوصف بالقرض، بل يصح القرض وتثبت القيمة؛ لمعلوميتها حين القرض أو فيما بَعْدُ بنحو من أنحاء العلم، أو لإجزاء دفع المقطوع به، أو دفع الأحوط أو الصلح، أو القرعة.

وعلى كل حال، فغاية ما استدلوا به هو أنّ المثل أقرب إلى الوفاء، ولما ورد عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أنّه حكم بدفع إناءٍ بمثله (1)وقصعة بمثلها (2)، واستقرض بكراً ورد بازلاً (3)، واستقرض بكراً وأمر برد مثله (4).

والكل ضعيف؛ لمنع الأقربية بعد العلم بالمماثلة الصورية، ووقوع الحقيقية على بعض الأطوار ليس عليه مدار، وضعف الأخبار، فحملها على التقية أو على التراضي أو على خصوص هذه الأفراد تعبداً غير بعيد.

على أنّ ما فيها ليس من المماثل الصوري ولا الحقيقي، ومعارض أيضاً بما جاء في العتق سرايةً من ضمانه بالقيمة (5)، والفرق بينهما لخصوصيّة في القرض دون غيره بعيد.


1) السنن الكبرى، البيهقي 6 : 159 ، ح 11521 .

2) المصدر : 159 - 160، ح 11523.

3) نقله الغزالي في الوجيز 1 : 158؛ والوسيط 3: 457؛ والرافعي في العزيز شرح الوجيز 4 : 429.

4) صحیح مسلم 3 : 1224، ح 1600؛ السنن الكبرى، البيهقي 5: 578، ح 10950 .

5) السنن الكبرى، البيهقي 10 : 468. ح 21344.

رابعها: جواز اقتراض الجواري ووطؤها بالقبض

رابعها: على ما ذكرنا يجوز اقتراض الجواري؛ لإمكان انضباطها بالوصف، ويجوز وطؤها بالقبض وإن لم يحصل التصرّف، بناءً على ما اخترناه من ملك القرض بالقبض، وبناءً على ملكه بالتصرف فيشكل، إلا أن يلتزم بأحد أُمورٍ بعيدة مخالفة للقواعد:

إما القول بجواز الوطء بمجرد الإذن في التصرف، وإما الملك قبله بأن ما حين الإرادة المتصلة أو الشروع في المقدّمات، وإمّا جواز ذلك بمجرد عقد القرض تعبداً.

على أن الأوّل ممنوع؛ لأنّ الإذن تابعة للملك، فما لم يملك لم يحصل إذن بالتصرف، ولا يجدي القول بكشف التصرّف عن الملك من حين القبض في جواز الإقدام على الوطء المنهى عنه صورة.

وهل يجوز إرجاعها بنفسها وفاء قبل الوطء أو بعده؟ الأوجه - بناء على ثبوت القيمة في القيمي -: العدم، إلا مع رضى المقرض.

ويحتمل مع ذلك أنّ له ذلك وإن لم يجز له إرجاع مثلها وفاء؛ للفرق بين إرجاع المثل في القيمي وبين إرجاع نفس عينه، فلا يجوز في الأول ويجوز في الثاني.

ولكنه بعيد بعد أن قلنا بثبوت القيمة في القيمي ابتداء؛ لأنه لا يكون للأقربية أثر بعد ذلك.

نعم، لو قلنا: إنّه يضمن بمثله لزم قبول العين؛ لأنّه أولى بالمثلية.

ولو عابت العين في المثلي، فهل يسقط جواز إرجاعها ويلزم غيرها، أو يجوز مع دفع الأرش؟ لا يبعد الأوّل. وكذا لو أخذها معيبة فعابت عنده.

ولو أخذ معيبة كان له ردّها، أو يردّ معيبةً مثل ذلك العيب، أو صحيحةً مع أخذ الأرش منه، أو ينتقل إلى القيمة، وجوه، والأوّل لا بأس به.

بحث: حكم ما لو جهل الغريم بين محصور أو في غير محصور أو علم وغاب غيبة منقطعة

بحث : لو جهل الغريم بين محصور لم يجب الدفع إلا مع التعيين، واحتمال القرعة أو لزوم الصلح وجه.

ولو جهل في غير محصورٍ أو عُلم وغاب غيبةً منقطعة، وجب السؤال عنه مقدمةً لفراغ الذمة، مع احتمال عدم وجوب الفحص إلى أن يظهر صاحبه فيطالب.

والأظهر وجوب الفحص، كما يظهر من الأخبار المشتملة على الأمر بالطلب (1).

وكذا الكلام في كلّ أمانة شرعية أو مالكية أمر المالك بردّها. ويجب في القرض وفي كلّ دَيْنٍ وفي كلّ أمانة شرعيّة نية الوفاء والردّ عند المطالبة بالدين والعين وتحرم نية العدم.

وقد يشكل القول بالوجوب فيجوز الخلق عن نية الوفاء أو العدم عند التذكر، بل لا يحرم التردد.

ودعوى: أنّ العزم على أداء الواجبات الموسعة من أحكام الإيمان، أو أنه بدل عن الفعل، أو أنّ تركه يؤدّي إلى التهاون وهو محرم، أو أن الخلو عن النية يُعدّ صاحبه غاصباً، كله منظور فيه.

نعم، العزم على العدم عزم على المحرَّم، فإن قلنا: إنّه حرام مطلقاً أو حرام لا عقاب عليه قلنا به ها هنا.

ولا شكّ في خصوص الدين من حرمة نية عدم الوفاء في الابتداء، وفي الاستدامة عند التذكر ؛ للأخبار (2)الدالّة على أنّ مَنْ كان نيته أن لا يؤدّي فهو اللص العادي، بل فيه دلالة على حرمة إبقاء المال ولو مع عدم المطالبة لكونه خائناً. وفيه دلالة على حرمة مال القرض ابتداء مع تلك النية.

ولكن ظاهر الفقهاء عدم العمل بذلك؛ لعدم عدّهم من مفسدات القرض عدم نية الوفاء.

وعلى كل حال، فالقول به لا بأس به، ولكنّه يخص القرض، دون غيره من العقود لو عزم العاقد فيها على عدم دفع الثمن، ومع ذلك فيختص الحكم بنية العدم لا عدم النية.

نعم، في بعض الأخبار ما يدلّ على لزوم النية:

كالصحيح: فيمن عليه دين ولا يقدر على صاحبه ولا يدري بأي أرض هو ؟ قال: «لا جناح عليه بعد أن يعلم الله منه نية الأداء» (3).

وفي آخر: «أحب للرجل يكون عليه دين ينوي قضاءه» (4).

وفي آخر: «فإن قصرت نيته عن الوفاء قصر عنه المعونة بقدر ما قصر من نيته» (5).


1) وسائل الشيعة 18 : 362، الباب 22 من أبواب الدين والقرض، ح 2، 3.

2) منها ما في المصدر : 329، الباب 5 من أبواب الدين والقرض، ح 5.

3) المصدر : 362، الباب 22 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

4) المصدر : 321، الباب 2 من أبواب الدين والقرض، ح 4.

5) المصدر : 328، الباب 5 من أبواب الدين والقرض، ح 3.

وفي نفي الجناح بعد العلم من الله تعالى أن نيته الأداء، وفي جملة من الأخبار: أن مَنْ كان عليه دين فلم يَنْوِ قضاءه فهو سارق (1)، دليل على لزوم نيته القضاء فضلاً عن حرمة نيته العدم، ولا بأس به في خصوص الدين وإن أشكل القول به في سائر الحقوق.

والظاهر أن المراد من لزوم نية الوفاء النية في الابتداء أو عند تذكر الوفاء، لا أن المراد لزوم عدم الغفلة، ولزوم التذكر مهما أمكن بمعنى جعله من همه، وإلا فالتذكر المضاد للسهو غير اختياري.

بحث: في وجوب الوصية بالدين عند ظهور أمارات الموت

بحث : يجب الوصية بالدين عند ظهور أمارات الموت تحصيلاً لفراغ الذمة مهما أمكن، ولظاهر إطلاقات وجوب الوصيّة بالحقوق التي أعظمها الدين، من غير تفاوت بين ما علم أهله وبين ما جهل، فيكون من باب مرد المظالم، وكذا كل حقٌّ من خمس وزكاة.

وهل يجب الإشهاد على الوصيّة ؟ لا يبعد ذلك، وربّما كفى الإشهاد عن الوصية، ولو علم به الوصي لزم إخراجه ولو الحاكم الشرعي، وصى به أم لا.

ولا يتفاوت بين كون الميت من الظُّلَمَة أو غيرهم.

نعم، قد يقال: إنّ ما يأخذه الظالم من الخراج والحقوق التي يتولاها الجائر بعد غيبة الإمام لا يخرج من صلب تركته؛ للسيرة الدالة على توريث ورثة الظلمة وعدم أخذ ذلك من أموالهم.

ولكنّه لا يخلو من إشكال.

وهل يجب عزل الدين بمعنى تشخيصه في عين شخصية عند ظهور أمارات الموت، وحينئذ يبرأ منه، ولو تلف برئ من ضمانه، أو أنّه مضمون عليه عند التلف استصحاباً لضمانه وإن وجب عزله، وقد يبنى ذلك على أنّ المعزول هل خرج من ملك العازل إلى ملك الغريم. ولو خرج إلى ملكه، فهل تلفه كاشف عن عدم الخروج، أو راد له من حينه إلى ملك عازله، أو يكون تلفه من مال الغريم، أو أنه لم يخرج من ملك العازل؟ وعليه فهل تلفه يكون من مال الغريم تعبداً، أو يكون تلفه كاشفاً عن دخوله في ملك الغريم، أو لا يكون تلفه من مال الغريم


1) وسائل الشيعة 18 : 327 - 328 ، الباب 5 من أبواب الدين والقرض، ح 1، 2.

ولا ينتقل إليه، بل الأمر به للاحتياط في فراغ الذمة، ولقربه من الوفاء وبعده عن تصرف الوارث به، أو لا يجب عزله ولا يفيد شيئاً وإن كان أولى وأحوط؟ ظاهر المشهور: وجوب العزل، ونُقل عليه الإجماع (1)، ونسب لظاهر كلام الأصحاب (2).

وربما أشعر به خبر هشام في أجير بقي له من أجره شيء ولا يعرفون له وارثاً فأمر الإمام (علیه السلام) بطلبه، فقال: قد طلبناه فلم نجده فقال: «مساكين» وحرّك يديه، قال: فأعاد عليه، قال: «اطلب واجهد، فإن قدرت وإلا فهو كسبيل مالك حتى يجيء له طالب، فإن حدث بك حدث فأوص به إن جاء له طالب أن يدفع إليه» (3)من حيث إن جعله كسبيل ماله والوصية به يؤذنان بالعزل.

ونحوه خبران آخران (4).

وضعف السند والدلالة يجبرهما فتوى المشهور.

ومنع ابن إدريس من وجوب العزل ونقل الإجماع على عدمه (5)، والأصل يقضي بذلك، والأوّل أقوى.

ويمكن الاقتصار في وجوب العزل على اليأس من حصول الملك، أو على حالة العلم أو الظنّ بأنه لا يحصل الوفاء مع عدم العزل، أو على حالة الوفاة.

وعلى كل حال، فلو عزله لزمت الوصية، بل الإشهاد عليه، وربما كان في الإشهاد كفاية.

بحث: حكم ما لو حصل اليأس من وصول الدين إلى أهله أو إلى وارثه لو كان له وارث

بحث : لو حصل اليأس من وصول الدين إلى أهله، عزل أم لا، وكذا من وصوله إلى وارثه لو كان له وارث، وكذا لو عجز وارث مَنْ عليه الدَّيْن عن تحصيل الغريم أو وارثه بحيث حصل القطع العادي أو الظنّ المتأخر بعدم العثور عليه، لزم التصدق به عن صاحبه.


1) جامع المقاصد 5 : 15.

2) مسالك الأفهام 3 : 457.

3) وسائل الشيعة 26 : 296 - 297 ، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى .... ح 1.

4) المصدر : 297 و 301، ح 2، 10.

5) السرائر 2 : 37.

وبيان المسألة: أنّ الدّيّان إمّا أن يكون معلوماً، فإن أمكن وفاؤه وإيصال المال إليه ولو بدسه سراً، فالظاهر لزوم إبقاء المال والوصيّة به ما دام إيصاله مرجوّاً، فإن حصل القطع واليأس من إيصاله فالظاهر لزوم دفعه إلى الحاكم واحتمال جواز الصدقة به عنه؛ لأنه نوع إيصال لا بأس به.

ولا يبعد أن يقال: إنه إن كان له وارث انتظر موته ويدفع إلى الوارث بعده، وإلا إذا لم يكن له وارث أو كان ولا يمكن إيصاله إليه، فالحكم كما تقدم.

وإما أن يكون مجهولاً في محصورٍ، فإن أمكن معرفته لزم ذلك؛ للأمر بطلب الغريم في الأخبار وإيجاب الفحص عنه (1)، إلا إذا توقفت معرفته على ما يضر بالحال سقط حكمه ذلك، وحكمه في الإيصال إما القرعة أو الصلح أو الدفع إلى الحاكم، أو الصدقة به.

وإن اشتبه في غير محصور، ففرضه دفعه إلى الحاكم؛ لعموم ولايته، فيتولى الأمور العامة، أو الصدقة.

ومن الأوّل: ما لو غاب غيبة منقطعة فقد خبره فيها، فإما أن يعلم موته أو لا، فإن علم موته، فإما أن يعلم له وارثاً يمكن الوصول إليه، أو يعلم أنه لا يمكن، أو لا يعلم أن له وارثاً أم لا، أو يعلم عدم الوارث.

فإن علم موته وعلم بعدم الوارث فهو من الأنفال للإمام (علیه السلام)، وإن علم أن له وارثاً وعلم موته وجب البحث عن وارثه كما دلّت عليه الأخبار (2)، ولأنّه مقدمة لأداء الدين ودفع الأمانة، فإن وجده فالمال له، وإلا جرى عليه حكم الموروث.

وإن لم يعلم موته وعلم أنّ له وارثاً فلا يبعد لزوم إبقاء المال إلى العلم بموته عادةً ودفع المال إلى وارثه. والوجه الآخر: الصدقة به، ولزوم السؤال عن الوارث في الأخبار محمول على حالة العلم بالموت.

وإن علم موته ولم يعلم أنه هل له وارث أم لا، لزم السؤال، فإن قطع بعدم الوارث كان من الأنفال. وإن شك بوجوده ولكن لم يعثر عليه احتمل كونه من الأنفال؛ لأصالة عدم الوارث، والأوجه لزوم الصدقة به عن الوارث .


1) راجع ص 55 الهامش (3 و 4).

2) راجع ص 55 الهامش (3 و 4).

ويجري الحكم في الوارث كما يجري في الموروث من كونه له وارثاً قطعاً أو ليس له قطعاً أو يشك في ذلك.

وفي الأخبار ما يؤذن بجملة مما قدمنا:

ففي الصحيح: في رجلٍ كان له على رجل حقٌّ ففقد ولا يدري أين يطلبه، ولا يدري أحيّ هو أم ميت، ولا يعرف له وارثاً ولا نسباً ولا ولداً؟ قال: «اطلبه» قال: إنّ ذلك قد طال، فأتصدق به؟ قال: «اطلبه» (1).

وفيه دلالة على لزوم الفحص والسؤال إذا لم يدر أحيّ هو أم ميت ولم يعرف له وارثاً، ومثله لو عرف أنه ميت وانتقل إلى وارثه.

وفي آخر: «إن لم تجد وارثاً والله علم منك الجهد فتصدق به» (2).

وفيه دلالة على لزوم الصدقة عند اليأس من معرفته ومعرفة وارثه ولو علمت حياته بعد اليأس من معرفته وملاقاته.

وفي الخبرين إشعار بأنه لو وجد له وارثاً أو ولداً لا يتصدق به، وحينئذ يدفع إليه إن علم موته، ويرفع إلى أن يعلم موته فيدفع إلى وارثه.

ويحتمل أنه يدفع إلى وارثه مع الشكّ في حياته وموته، وتبرأ ذمته؛ لإشعار مفهوم الشرط بذلك، بل ولو علمت حياته ولكن حصل اليأس من ملاقاته فكذلك، إلا أنه لا قائل بذلك.

ويحتمل لزوم الصدقة به وإن علم أنّ له وارثاً إذا لم يعلم انتقاله إليه قبل الصدقة؛ لأنه نوع إيصال إليه في حياته فلا ينتظر انتقاله عنه، ويُحمل الأمر بطلب الوارث على الرخصة، أو على حالة العلم بموته ، أو حالة القطع برضاه في إيصاله إلى وارثه.

وفي خبر آخر: في أجيرٍ له عنده دراهم وليس له وارث، فقال أبوعبد الله (علیه السلام): «تدفع إلى المساكين» (3)وهو محمول على اليأس منه والقطع بعدم الوارث.

وفي آخر الخبر: فأعاد عليه المسألة، فقال أبوعبد الله (علیه السلام): «تطلب له وارثاً، فإن وجدت له


1) وسائل الشيعة 18 : 362 ، الباب 22 من أبواب الدين والقرض، ح 2.

2) المصدر 26 : 301، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثي..... ح 11.

3) المصدر : 362 الباب 22 من أبواب الدين والقرض، ح 3.

وارثاً وإلا فهو كسبيل مالك» ثمّ قال له: «ما عسى أن نصنع بها» ثم قال: «توصي بها فإن جاء طالبها وإلا فهي كسبيل مالك».

وهو محمول على حالة احتمال الوارث، فإن وجد له وارثاً، يعني بعد موته، أو وارثاً يقطع برضاه بدفعه إليه دفع إليه، أو يراد منه أنّه يدفعه إليه تعبداً، وهو بعيد، أو يراد: أنه لو وجد له وارثاً بقي أمانة إلى أن يعلم موته فيدفع إلى الوارث.

وإن لم يجد له وارثاً محمول على القطع بعدمه فيكون من الأنفال، وجعله كسبيل ماله رخصة من الإمام ، أو يراد منه أنه يعزله عن أمواله مع احتمال الوارث أو احتمال العثور عليه، أو يراد: أن المال معين فيبقى أمانة إلى أن يقطع بعدم حصوله وبعدم وارثه، أو يراد منه: الصدقة به عند اليأس؛ لأنّ صاحب المال له أن يتصدق به فهو كسبيله في الصدقة، أو يراد: أنّها مع إبقائها أمانة لا ضمان عليك كسبيل مالك، ومال الأجير محتمل للدين والعين، وهو في الثاني أظهر، وقد يعود الدين عيناً مع العزل.

وقد يراد : إباحة أكلها إذا كانت عيناً مع الضمان لها إن جاء طالبها ويوصي بذلك.

وفي خبر هشام: سأل حفص الأعور أبا عبد الله - وأنا حاضر - في أجير لأبيه كان له عنده شيء، فهلك الأجير ولم يدع وارثاً ولا قرابةً كيف أصنع؟ فقال: «رأيك المساكين رأيك المساكين» فقلت: جعلت فداك، إنّي ضقت بذلك، فكيف أصنع؟ فقال: «هو كسبيل مالك، فإن جاء طالب أعطيته» (1).

[وهو] (2)محمول على اليأس والصدقة به على المساكين.

ويراد بآخره: إنّه كسبيل مالك في جواز الصدقة به، أو المراد: التخيير بين الصدقة به وبين التصرف به مع ضمانه، أو بين الصدقة به وإبقائه أمانة ويوصي به، أو أنّ الإمام فهم منه لزوم دفعها إلى المساكين فهون عليه بالرخصة في إبقائها عنده كسبيل ماله.

وفي خبر آخر كتبت إلى العبد الصالح وقد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم، فرأيك في إعلامي حالها وما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعاً؟ فكتب ال: «اعمل بها وأخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتى تخرج» (3).


1) وسائل الشيعة 26 : 301 ، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى.... ح 10.

2) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

3) وسائل الشيعة 26 : 297، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى..... ح 3.

وهو محمول على اليأس من معرفة الوارث.

والأمر بالصدقة قليلاً قليلاً إرشاداً لعدم المبادرة في الصدقة مخافة ظهور المالك فيكون ضامناً. ويراد بالعمل بها هو نفس التصدّق، أو العمل بها التجارة بها مصلحةً للمال وتنمية له، أو أن الإمام أراد الجمع بين الصدقة بها وتجويز التصرف بها كسبيل ماله، أو تحمل على القطع بعدم الوارث؛ لصدق عدم العلم على العلم بالعدم.

وبالجملة، فالأخبار متكثّرة في هذا الباب.

والأظهر في المجهول المالك ديناً وعيناً الصدقة به بعد اليأس، ولا يبعد جواز التصرف به مع ضمانه، أو إبقاؤه أمانة، إلا أن الأوّل أولى.

وأما الدفع إلى الحاكم - وإن خلت عنه الأخبار - فهو مفرّغ للذمة؛ لأنه إيصال إلى وليّ المال، ولا ضمان على الدافع إليه، إلا أن يجعله وكيلاً على الصدقة به فيضمن الدافع إن ظهر المالك، كما هي القاعدة في الصدقة بمجهول المالك على الأظهر.

ولو أخذه الحاكم بحسب الولاية فتصدق به ، برئ الدافع والحاكم من الضمان في ماله.

وهل يضمن في بيت المال؟ لا يبعد الضمان؛ جمعاً بين عدم ذهاب حق صاحب المال وبين ما هو الأقوى من عدم ضمان ما يصدر من الحاكم من الإحسان بحسب الولاية الشرعية، وما على المحسنين من سبيل.

بحث: في عدم صحة المضاربة بالدين

بحث : لا تصح المضاربة بالدين، سواء كانت المضاربة مع الغريم أو غيره، وسواء كان القصد في المضاربة على نفس ما في الذمة - كما إذا ضاربه على ما في ذمته فيبيع ما في ذمته على آخر فيربح به ثم يبيع ما بذمة الآخر على آخر أو على نفسه فيربح، وهكذا - أو كان القصد إلى المضاربة في العين بعد استيفائها، سواء جعله وكيلاً على استيفائها فضاربه على ما يستوفيه، أو أطلق المضاربة عليه من دون بيان الوكالة.

أما الأوّل: فلعدم صحة المضاربة على ما في الذمم كما سيجيء (1).


1) سيأتي في ص 298 - 300.

وأما الثاني: فلعدم حلول المال، فتشبه المضاربة على المعدوم، أو المضاربة المعلقة على الوجود هنا.

هذا مع الوكالة، وبدونها لا يتشخّص المال للمضارب فيشبه مع ذلك المضاربة على مال الغير. وعلى كل حال، فلو ضاربه على ما في الذمم كانت المضاربة باطلةً.

وهل يستحق العامل أُجرة المثل مطلقاً، أو لا يستحق مطلقاً؟ أو يستحق مع ظهور الربح ولا يستحق مع عدمه؛ لأنه مع ظهور الربح ضامن له بصحيح المضاربة فيضمن بفاسدها، ومع عدم ظهور الربح لا يضمن بصحيحها شيئاً فلا يضمن بفاسدها، أو يستحق مع جهل العامل لا مع علمه؟ وجوه، ولا يبعد الاستحقاق مطلقاً؛ لأن منافع الحر مضمونة بالاستيفاء المأمور به، وفي ثبوت قاعدة «ما لا يُضمن لا يُضمن» كلام وبحث.

وأما العقود المترتبة على ما في الذمة، فإن قلنا: إنّ الإذن في المضاربة الفاسدة باقية، فالتصرف صحيح عن المالك، وإلا توقفت على الإجازة، فإن لم يجز ففي استحقاق الأجرة وجهان.

ولو عمل بالعين بعد الوكالة في القبض صريحاً أو فهم من المضاربة ذلك، كان المال للديان وصحت العقود إن قلنا ببقاء الإذن في المضاربة الفاسدة، واستحق أُجرة المثل مع ظهور الربح، ومع عدمه في وجه قوي، وإلا كانت العقود موقوفةً على الإجازة، فإن لم يجز ففى استحقاقه أجرة العمل وجهان.

ولو لم يوكل في القبض بل أطلق عقد المضاربة، فالظاهر من أصحابنا: أنه إن كانت المضاربة مع نفس الغريم وكان هو العامل كان المال ماله وكان التصرف بماله، والعقود المترتبة كلها صحيحة ترجع إليه؛ لأصالة عدم انتقال ماله عنه، لعدم قبض الديان أو وكيله للمال، ولا يتعين المال للديان إلا بقبضه. ونيّة أنّ العقود للدّيان لاغية لا تثمر شيئاً؛ لأنا نمنع صحة بيع مال شخص عن آخر فينتقل عوضه للآخر.

وهل يستحق أجرةً؟ فيه وجهان: من قاعدة ما لا يُضمن، ومن أنه منفعة صدرت من العامل بأمره فعليه ضمانها. والأوّل أقوى؛ لأنّه لا يعود فيه نفع إلى المالك بوجه.

وإن كانت مع غيره (1)، فالمال يكون للدّيّان؛ لظهور المضاربة في الإذن بقبضه والإذن للغريم بدفعه إلى العامل فيكون المال مال الدّيان.


1) أي إن كانت المضاربة مع غير الغريم.

وهل يستحق أُجرةً على عمله مطلقاً أو مع ظهور الربح فقط؛ لأنّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده، أو لا يستحق؟ والأظهر الاستحقاق مطلقاً، والعقود المترتبة على ذلك صحيحة إن بقيت الإذن، وإلا فهي موقوفة على الإجازة، فإن لم يجز ففي استحقاق الأجرة وجه.

وأشكل على بعضهم الفرق بين كون المضارب هو نفس المديون (1)، وبين كونه غيره؛ لأنّ عقد المضاربة إن تضمّن صحة القبض عن المالك فيكون المال ماله في المقامين، فالعمل في مال الدّيّان؛ لأنه لو قبضه بنفسه كان القبض عن المالك لا عن نفسه، وإن لم تدلّ على الإذن في القبض فالمال مال المديون، سواء قبضه هو أو قبضه لغيره، فغيره عامل بمال المديون لا بمال الديان، وكذا لو كان القبض فاسداً؛ لأنّه تابع للإذن في المضاربة فبفسادها يفسد القبض التابع إذنه لإذنها.

وقد يفرق بينهما أن المضاربة مع غير المديون ظاهرة في الإذن في قبضه للمال كي يتجر به بعد تعيينه بخلاف المضاربة مع المديون فإنّها لا تدلّ على ذلك؛ إذ يمكن العمل بما في ذمته من المال من دون قبضه؛ لأنّ ما في ذمته كالمقبوض له، أو أن مضاربة غير المديون بالدين ظاهرة في الإذن بأخذ المال منه، بخلاف مضاربة المديون فإنّها لا ظهور فيها فلعله يشتري في الذمة ويضمن للمشتري كذلك، والفرق بين الشراء بالذمة وبينه بالعين: أنّ الشراء بالعين يكون لمالكها مطلقاً والشراء بالذمة يكون للمشتري، إلا إذا نوى غيره، وحينئذ فإن أجاز الغير كان له وإلا بطل، ولا يستحق العامل مع الإجازة أُجرة؛ لأنّها كاشفة عن ملك متقدم، لا عن أمر متقدم كي يستحق عليه أجرةً.

بحث: حكم ما لو باع الديان ما في ذمّة المديون بأقل

بحث : لو باع الديان ما في ذمّة المديون بأقلّ، لزم المديون دفع الدين بأجمعه للمشتري كما لو باعه بأكثر أو مساوي، وهذا هو الموافق للقواعد والأدلة وفتوى الأصحاب.

نعم، لا بد من ملاحظة شرائط البيع من عدم الربا وإحراز شرائط الصرف فيما لو كانا ربويين أو نقدين.


1) نقله عن حواشي القواعد في مفتاح الكرامة 5 : 20.

وقال الشيخ: إذا باع بأقل لم يلزم المديون أن يدفع إلى المشتري أكثر مما بذله (1)لرواية محمد بن الفضيل: فيمن اشترى ديناً على رجلٍ ثم ذهب إلى صاحب الدين فقال له: ادفع إلَيَّ ما لفلان عليك فقد اشتريته منه، قال: «يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين، وبرئ الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه » (2).

ورواية أبي حمزة مثل ذلك، وفيها : فقال أبو جعفر : «يرد الذي عليه الدين ماله الذي اشترى [به] من الرجل الذي له الدين» (3).

وفي الأخير إجمال، فيمكن حمله على المساوي، فلا بد من طرحهما أو حملهما على الضمان والتزام التجوز في لفظ فيه وإن كان بعيداً؛ لظهورهما في عدم علم المديون بذلك فلا رجوع عليه، ولعدم التصريح في الثاني بأنه أدى إلى صاحب الدين شيئاً كي يستحق الرجوع عليه، بل ظاهره أنه اشترى منه بعرض. وحمله على دفع العرض عروضاً فيطالب بالقيمة بعيد، وكذا حملها على الشراء الفاسد، أو على أنّ الشراء للمديون من باب صلح الحطيطة.

بحث: حكم ما إذا باع الذمّي على مثله خمراً أو خنزيراً مع مراعاة شرائط الذمّة

بحث : إذا باع الذمّي على مثله خمراً أو خنزيراً مع مراعاة شرائط الذمة، جاز للمسلم أخذه وفاء عن دَيْنٍ له واتهابه.

وعلى ذلك تدلّ الأخبار (4)

370، الباب 28 من أبواب الدين والقرض.

المتكثّرة، ومنها وإن كان مطلقاً شاملاً لبيع المسلم على ذمّي وبالعكس، بل المسلم على المسلم، والذمي على الحربي وبالعكس، والحربي على الحربي، وإن كان مال الحربي فيئاً للمسلمين، إلا أنه يراد به خصوص بيع الذمّي على مثله؛ لأصالة الحرمة.

ولعموم ما دلّ على أنّ «ثمن الخمر سحت» (5)و «أنّ الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» (6).


1) النهاية : 311.

2) وسائل الشيعة 18 : 348، الباب 15 من أبواب الدين والقرض، ح 3.

3) المصدر : 347، ح 2، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

4) المصدر 15 : 154، الباب 70 من أبواب جهاد العدو وما ينسابه؛ و 17 : 232، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به؛ و 18 :

5) المصدر 17 : 92 - 95، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، ح 1 - 3، 5 - 12،9.

6) مسند ابن الجعد : 479، ح 3319؛ المعجم الكبير، الطبراني، 12: 200 ، ح 2887؛ صحیح ابن حبان 7: 216، ح 4917.

ولخصوص الصحيح: فيمن ترك غلاماً له في كرم يبيعه عنباً أو عصيراً فأجابه: «قال رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم): إن الذي حرم شربها حرّم ثمنها» وقال: «إنّ أفضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدق بثمنها » (1).

والأمر فيها بالصدقة محمول - كالخبر الآخر (2)- على كونه مجهول المالك، لا على ملكه ويتصدق به؛ لمنافاة ذلك لصدوره.

وفي الخبر الآخر: في نصراني أسلم وعنده خمر وخنازير وعليه دين هل يبيع خمره وخنازيره ويقضي دينه؟ قال: «لا» (3)ويُفهم منه خروجهما عن ملكه بالإسلام.

خلافاً لمن ذهب إلى أنه يتولّى بيعهما غيره (4)للخبر الضعيف سنداً ودلالةً: فيمن أسلم وله خمر أو خنازير ثم مات وعليه دَيْنٌ، قال: «يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم خنازيره وخمره ويقضي دينه، وليس له أن يبيعه وهو حي ولا يمسكه» (5).

وهو محمول بل ظاهر في أن البائع دياناً أو وارثاً كافر.

ولمن ذهب إلى جواز استيفاء القرض من البائع ولو كان مسلماً (6)لإطلاق تلك الأخبار ولقوله (علیه السلام): «أما للمقتضي فحلال، وأما للبائع فحرام» (7).

[وهو] (8)لا يقاوم ما قدمناه بعد فتوى الأصحاب باختصاص ذلك بالذمي، فتقيد المطلقات به، بل الإطلاقات منصرفة إلى أهل الذمة؛ لأنّهم هم البائعون والمشترون للخمر والخنازير، والشهرة وإن لم تكن مقيدة للإطلاق فهي موهنة له.

وبالجملة، فالأخبار وظاهر اتفاق الأصحاب على عدم تملك الخمر والخنزير مطلقاً، وأن بيعهما على كلّ أحدٍ حرام باطل، وأن الثمن سحت وإن دفعه المشتري برضاه، وأن أخذ


1) وسائل الشيعة 17 : 223، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

2) المصدر : 223 - 224، ح 2.

3) المصدر : 226 - 227، الباب 57 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

4) الشيخ الطوسي في النهاية : 404.

5) وسائل الشيعة 17 : 227، الباب 57 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

6) راجع كفاية الفقه 1 : 534؛ والحدائق الناضرة 20 : 168.

7) وسائل الشيعة 17 : 232 ، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

8) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

المال والتصرف به أكل مال بالباطل، وأنّ مَنْ قبضه من البائع والمشتري غاصب عادي، فيلزم من ذلك حرمة أخذ المقرض ذلك المال، خرج من ذلك الذمي المتستر لإقراره على ذلك مع المتستر وبقي الباقي، ولا ينافي اطلاع المسلم على المتستر فكم من خفي يطلع عليه مَنْ لا يتجسّس فضلاً عن المتجسس.

وقد يحتمل أن التستر غير شرط كما احتمله صاحب الحدائق (1)استناداً إلى وقوع الاطلاع المنافي للتستّر، ولكنه بعيد. ويُعرف جوابه مما قدمنا.

وعلى ما ذكرنا فلو أقرض أو أسلم ذمّي لذمّي خمراً فأسلم أحدهما بطل القرض والسَّلَم، ولا يستحق المقرض شيئاً.

ويحتمل أنه يضمن قيمة الخمر عند مستحلّيه؛ لأنه قد أتلفه بإسلامه عليه بحيث تعذر مثله فينتقل إلى القيمة.

ولو أقرضه خنزيراً، كان له بعد إسلامه قيمته؛ لأنّه انتقل إلى القيمة حين القرض، مع احتمال العدم؛ لأنه ليس ملكاً حقيقياً.

وقد يفرّق في بيع الخمر بين إسلام المديون فيضمن وبين إسلام الديان فلا.

ثمّ إنّ أخذ الثمن من الذمّي هل يفيد ملكاً للآخذ بقبضه حكماً شرعياً؛ لأن الدافع لا يملكه والمالك غير دافع، أو لا يفيد ملكاً بل إباحة تصرّف، وليس لصاحبه الأول المطالبة به حتى لو أسلما؛ لأنّ الشارع أجرى عليه أحكام الأملاك فلا ضمان عليه ولا ضمان له؟

بل قد يقال: لولا ظاهر اتفاق الأصحاب على عدم إجراء هذه الأحكام على غير الذمّي لكان القول بجواز معاملة الكفّار معاملة المسلمين في الواقع بينهم من العقود والإيقاعات والأحكام الثابتة في شرعهم؛ إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم، وللسيرة القاضية بمعاملة المسلمين لهم بجميع أصنافهم معاملة الصحيح من العقود والإيقاعات، ولمكان الضرورة القاضية بذلك.

وبالجملة، فيحلّ علينا ما حكموا بصحته وإن حرم عليهم، بل ونملكه ونتملكه حكماً شرعيّاً ، فتحرم علينا متزوّجاتهم، وتحلّ لنا مطلقاتهم، ويحلّ لنا ملك أموالهم بمعاوضاتهم الفاسدة وهكذا.


1) الحدائق الناضرة 20 : 169.

نعم، لو كان أحد الطرفين مسلماً بطل العقد؛ لامتناع أن يصح ويفسد من جهتين، وكذا ما استحلوه من لحومهم وطعامهم فإنه لا يصح تناوله لنا؛ لأنّها معاملة بيننا وبينهم لا معاملة فيما بينهم قد أخذنا بأثرها، وفرق بين المعاملة الواقع أثرها عندهم ونحن نتبع الأثر، وبين ما يقع بيننا وبينهم لتحصيل ذلك الأثر.

نعم، لو ترافعوا إلينا كان لنا أن نُرجعهم إلى حكمهم وقضائهم وشرعهم وإن استلزم دفع لحم الميتة لمن يدعيها ودفع الخمر لمن يدعيه وأكل النجس وأخذ المال بالباطل.

وقد يقال: إنّ لحم الميتة وأكل النجس إنّما حرم على المسلم وإن حلّ في شرعهم؛ لصدق الميتة عليه والنجاسة بعد قبض المسلم له، بخلاف المعاملة الباطلة فإنّها لا يصدق عليها الغصب بعد دفع المال إلى المسلم ممّن أخذه بالمعاوضة منه.

نعم، لو غصبه الكافر لم يحلّ للمسلم قبضه؛ لبقاء صدق الغصب عليه، فحكمه كحكم دفع لحم الميتة من الكافر إلى المسلم.

بحث: فيما لو كان لاثنين مال مشترك في ذمّةٍ أو ذمّتين هل تجوز قسمة ما في الذمم أزماناً أو أشخاصاً

بحث : لو كان لاثنين مال مشترك في ذمّةٍ أو ذمتين، لم تجز قسمة ما في الذمم أزماناً وأشخاصاً ، بل ما يحصل لهما وما يتوى عليهما؛ للإجماع المنقول (1)والشهرة نقلاً (2)بل تحصيلاً، ولا نصراف أدلّة القسمة صريحاً وظهوراً في غير الديون، والأخبار المتكترة:

كالصحيح فيمن كان لهما مال بأيديهما وآخر غائب عنهما فاقتسما ما بأيديهما وما كان غائباً عنهما، فهلك نصيب أحدهما ممّا كان غائباً واستوفى الآخر نصيبه، عليه أن يردّ على صاحبه؟ قال: «نعم ما يذهب بماله » (3)والغائب شامل للدين والعين إن لم يكن ظاهراً في الدين.

وفي آخر: في خصوص الدين والعين فاقتسما العين والدين فتوى الذي كان لأحدهما من الدين أو بعضه وخرج الذي للآخر أيردّ على صاحبه؟ قال: «نعم، ما يذهب بماله» (4).


1) غنية النزوع 1 : 265.

2) مجمع الفائدة والبرهان 9 : 93؛ رياض المسائل 9: 180.

3) وسائل الشيعة 18 : 370 - 371، الباب 29 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

4) المصدر 19 : 12 - 13، الباب 6 من أبواب كتاب الشركة، ح 2.

وفي ثالث: منه بأيديهما ومنه غائب، فاقتسما الذي بأيديهما وأحال كلّ واحدٍ منهما بنصيبه من الغائب فاقتضى أحدهما ولم يقتض الآخر؟ قال: «ما اقتضى أحدهما فهو بينهما، ما يذهب بماله» (1).

وأنكر بعض المتأخرين بطلان القسمة (2)، وظاهره صحتها ولزومها بالقبض أو بنفس المقاولة والتراضي.

ويظهر من ابن إدريس جواز تخصيص الغريم لأيّ الشريكين كان، وجواز اختصاصه به، ويتعين بدفع الغريم لأحد الشريكين وقبضه له، سواء جرت بينهما قسمة أم لا (3).

واستند ذلك البعض إلى أدلّة لزوم الشرط، وإلى تسلّط الإنسان على مال نفسه، وإلى جواز الأكل مع التراضي، وإلى أنّ التعيين التام ليس بمعتبر في القسمة، بل يكفي في الجملة، كما في المعاوضات، وإلى أن الدين المشترك بمنزلة دينين لشخصين وللمالك أن يخص أحدهما دون الآخر، فلو كان [قائل] بتخصيص كلّ واحدٍ قبل القسمة لأمكن ذلك، فإنّ الثابت [في الذمة] أمر كلّيّ قابل للقسمة، وإنّما يتعين بتعيين المالك، فله أن يعين، ثم استضعف رواية غياث ولم ينقل غيرها، وقدح في حجيّة الشهرة (4).

وأما ابن إدريس فاستند إلى أنّ لكلّ واحدٍ من الشريكين على المديون قدراً مخصوصاً وحقاً غير حق شريكه، وله هبة الغريم وإبراؤه منه، فمتى أبرأه أحدهما من حقه برئ منه فقط، وبقي حق الآخر لم يبرأ منه بلا خلاف فإذا استوفاه وتقاضاه منه لم يشاركه شريكه الذي وهب وأبرأ، أو صالح منه على شيء بلا خلاف، فلو كان شريكاً بعد ذلك لكان في هذه الصور كلّها يشاركه من لم يهب ولم يبرئ ولم يصالح فيما يستوفيه ويقبضه.

ثمّ إنّ عين المال الذي كان شركة [بينهما] قد ذهبت فلم يستحقا في ذمة الغريم عيناً معينة، بل ديناً في ذمته، لكلّ واحدٍ منهما مطالبته بنصيبه، وإبراؤه منه وهبته، وإذا أخذه منه وتقاضاه فما أخذ عيناً من أعيان الشركة حتى يقاسمه شريكه فيها.


1) وسائل الشيعة 19 : 12، الباب 6 من أبواب كتاب الشركة، ح 1.

2) مجمع الفائدة والبرهان 9: 93 .

3) راجع ص 67، الهامش (1).

4) مجمع الفائدة والبرهان 9 : 93، وما بين المعقوفتين أثبتناه من المصدر.

وحَمَل جملة من الأخبار على استيفاء الشريك جميع الدين المشترك (1).

وقرب العلّامة كلام الشيخ (2)بحسب الاعتبار قال: وقول الشيخ ليس بعيداً عن الصواب، وقياس ابن إدريس القبض على الهبة والإبراء غلط؛ لأنّ ذلك إسقاط للحق بالكلية فينتفي حق الشريك ضرورة، أما في صورة القبض فليس كذلك؛ إذ المال مشترك، فإذا دفع إلى أحدهما فإنّما دفع عمّا في ذمته، والدفع إنّما هو للمال المشترك فلا يختص به القابض (3).

واستوجه بعض المتأخرين: إن المال المشترك في الذمة كالمعين في الشركة، وكليته لا تنافي ذلك، فكل منهما له نصف منه لا يمكن إفرازه قبل قبضه، ولا يمكن قسمته، ولا يتعين ملكاً لهما أو لأحدهما قبل قبضهما، فهما معاً كديّان واحد وقبض أحدهما نصف قبض، لا قبض للنصف، فقبض الواحد للنصف لا يفيد ملكاً له؛ لأصالة بقاء ملك الدافع إلى أن يتحقق قبضهما ولو بإذن أحدهما للآخر، فلا يملك أحدهما نصف ما قبضه ويبقى نصفه الآخر موقوفاً على إجازته، فإن أجاز شاركه، وإن لم يجز رجع إلى الدافع؛ لأنه موقوف على كون ما قبضه هو نفس المشترك المستحق لهما من ثمن أو غيره، والمفروض أنه لا يكون كذلك إلا بقبضهما (4).

وفيه: أن المدفوع هو الفرد المنطبق عليه ما في الذمة، فإذا رضي الدافع والمدفوع إليه بفرديّته وحصل القبض والإقباض كان بمنزلة عين مشتركة وقد دفع بعضها لأحدهما، فنصفها يعود إليه ونصفها الآخر يكون للشريك قهراً، وهو مضمون على الشريك يرجع إليه مع بقائها، ومع تلفها المثل أو القيمة، وله أن يرجع إلى الدافع؛ لأنه بمنزلة تعاقب الأيدي على المغصوب له الرجوع على الدافع له وعلى قابضه.

فإن قلت: مَنْ عيّن النصف الآخر للشريك الآخر وهو كلّي لا يتعيّن إلا بقبضه؟ والمفروض أنه لم يقبض ولم يأذن فكيف يكون شريكاً ويكون ماله مضموناً على القابض! بل مقتضى القاعدة: أنّ قبضه إن كان له مدخليّة في الملك فليكن جميعه له وليس للشريك شيء؛ لأنه


1) السرائر 2 : 402 - 403، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

2) راجع النهاية : 308؛ والمبسوط 2 : 358؛ والخلاف 3: 336، المسألة 15 .

3) مختلف الشيعة 6 : 199 ، المسألة 147 .

4) جواهر الكلام 25 : 57 .

قبض بنية أنه له، وكذا الدافع دفع له، وإن لم يكن له مدخلية فالجميع بعد على ملك الدافع ولا يملك هو.

ودعوى: أن نية ملكية الكلّ تؤثر في ملك النصف وفي ملك النصف للآخر قهراً على غير القواعد، بل لو نوى القبض عن نفسه وعن شريكه كان بمقتضى القاعدة كون النصف الآخر موقوفاً على الإجازة، فإن أجاز الشريك كان له، وإلا فهو للدافع.

قلت: قد يتجه ما ذكرناه مع عدم القسمة؛ لعدم الإذن من الشريك في القبض، وأما مع القسمة فالإذن من الشريك في القبض حاصلة، غايته أنّ القسمة باطلة، وبطلانها لا يرفع الإذن الحاصلة بالقبض عندها، وغايته أيضاً : أنّ الإذن في القبض إنما كان لقبض شريكه لنفسه لا لقبضه عنه، وهو غير مضر؛ لوقوع النية لاغية، فهو بمنزلة أن يقول: «اقبض ديني من زيد لك» فإنّه يكون للآمر لا للقابض، ومع عدم القسمة يمكن القول بذلك حكماً شرعياً للأخبار، فيملكه الشريك قهراً بقبض شريكه وإن لم ينوه له، لكنّه مضمون عليه وعلى الدافع.

وتوضيح المقام أنّ الشريكين أو أكثر إما أن يقتسما الدين أو لا، فإن لم يقتسماه فإما أن يقبض أحدهما جميع الدين أو يقبض ما يخصه، فإن قبض بقدر ما يخصه، فإما بنية أنه له، أو بنية أنه له ولشريكه ، أو بنية أنّه لشريكه، وكذا لو قبض الجميع.

ثمّ إنّهما لو اقتسما فهل القسمة صحيحة أم لا؟ وعلى الصحة فهل هي لازمة أم لا؟ ولو قلنا بفسادها فهل تفيد إذناً للشريك بقبض حصة الإذن أو لا تفيد؟ ولو أفادت فهل تُسقط الضمان عن القابض لو تلف ما أخذه من حصة شريكه أم لا؟ وهل يملك القابض مع القسمة على وجه إفادتها الملك ملكاً مستقراً أو مراعى بالدين الآخر، فإن استوفاه الشريك مضى ملكه وإلا انفسخ ؟ وهل للقابض التصرف فيما قبضه أم لا؟

ثمّ إنّ الأخبار منها ما يدلّ على صحة القسمة كخبر قرب الإسناد: في رجلين اشتركا في سلم يصلح لهما أن يقتسما قبل أن يقبضا؟ قال: «لا بأس» (1).

ومنها ما هو مجمل في الصحة والفساد، ولكن صريح ببطلانها إذا توى الدين الآخر (2)،


1) قرب الإسناد : 263، ح 1040؛ وعنه في وسائل الشيعة 18 : 371، الباب 29 من أبواب الدين والقرض، ح 2.

2) راجع ص 65 الهامش (4) .

فيحتمل إرادة البطلان من الابتداء، ويحتمل الصحة والانفساخ عند توى الدين الآخر، ويحتمل إبقاؤه موقوفاً فإما أن يستوفي الآخر فيصح، أو لا فيبطل.

والأصول والقواعد قاضية بعدم صحة قسمة الديون، والرواية ضعيفة.

نعم، قد يراد منها التصرف بحصة الآذن على وجه الإباحة، فإذا قبض كلُّ منهما حصة الآخر كان كبيع المعاطاة يلزم بالقبض والتصرف أو بالقبض فقط.

وفتاوى الأصحاب منها ما جوّزت القسمة؛ لمضمون الرواية المتقدمة، فيحتمل كلامهم الإباحة، ويحتمل الملك بالقبض.

ومنها ما منعت القسمة إلا على سبيل الوكالة في قبض حصة الشريك؛ لأن الغالب رضى الشركاء في قبض حصة بعضهم بعضاً.

ومنها ما جوزت الاستبداد والملك لمن قبض مقدار حصته إذا نوى هو والدافع أنه وفاء له.

ومنها ما جعلته مشتركاً بين الشريكين، سواء اقتسما أم لا، وسواء نوى الدافع والقابض أنه له أو أنه لهما.

وهو على ظاهره مخالف للقواعد؛ لاستلزامه ملك الشريك قهراً من دون نية الدافع والمدفوع له، وأنّ ذمّة الدافع إن برئت لزم الوفاء القهري، وإن بقيت مشغولة لزم أن لا يملك الشريك شيئاً والمال المقبوض مال الدافع.

وكذا لو قلنا: إنّه يملكه المدفوع إليه ملكاً متزلزلاً ، للشريك فسخه وعود المال إليه، وإلا بقي على ملك القابض وبرئ الدافع منه، ويرجع إليه مَنْ لم يقبض.

نعم، قد تُوجّه الأخبار بأنّ المال مال الدافع قد أباحه للمدفوع إليه، فإذا لم يستوف الشريك حصته أخذه من المدفوع إليه مقاصةً.

وكلّ هذا خلاف القواعد.

وبالجملة، كلام ابن إدريس يوافق القواعد؛ لبعده عن دخول مال في ملك آخر قهراً من دون رضى الدافع والمدفوع إليه والشريك ابتداء، ولولا الأخبار لما قلنا به.

والأولى الاقتصار على أنه يشاركه إذا نوى ماله انفساخاً من حينه، والنماء للقابض لا للشريك ولا للدافع.

وأضعف ما تقدّم: الحكم بأن المال كلّه بَعْدُ في ملك الدافع؛ إذ لا يساعده عقل ولا نقل. نعم، قد يؤيد كلام المشهور: أن الدين الكلّي قد انصب في الخارج على الفرد الوفائي المعين، فيكون عينه فيكون الفرد مشتركاً كأصله.

وفيه: أنّ الفرد لا ينصب عليه إلا برضى الشريكين؛ إذ لا يتعين فرد كلّي إلا بقبض الغريم، والمفروض أنّه لم يقبض، إلا أن يقال بكفاية نيّة الدافع في المال المشترك، فيكون الدافع والقابض ضامنين له، ودونه خرط القتاد.

على أنه قد يؤيد كلام ابن إدريس بصحة ضمان أحد الدينين لصاحبه دون الآخر، فيرجع الضامن مع الإذن بالضمان إلى المضمون عنه وهو الغريم، وبجواز تأجيل أحد الدينين دون الآخر، وبجواز إبراء أحدهما دون الآخر.

ومن أراد الإفراز فالتخلّص على فتوى المشهور، بأن يصالح كلُّ منهما الآخر عن نصيبه بنصيب الآخر، فيدخل نصيب كلٍّ منهما في ذمته منفرداً لا مشتركاً فيصح استيفاؤه منفرداً.

وربما يتخلّص من ذلك ببيع كلٍّ منهما حصته التي في ذمة أحد المديونين حين القبض أو قبله من كلٍّ منهما أو من أحدهما بحصة الآخر، فتنتقل حصة كلّ واحدٍ منهما إلى الآخر. ويمكن أن يضمن كلٌّ منهما حصة صاحبه التي في ذمة الغريم لشريكه بإذنه فيتهاترا، ويبقى كلٌّ من الدينين بلا شركة.

ويمكن أن يحيل كلٌّ منهما على نصيبه إن كان الغريم واحداً، وعلى أحد المديونين بقدر نصیبه، فیبقی نصیب شريكه في ذمة المديون.

ولو قلنا بجواز الحوالة من البريء لجاز أن يحيل كلٌّ منهما صاحبه بنصيبه الذي في ذمة أحد المديونين، ويجوز صلح أحد الشريكين الغريم عن حصته بشيءٍ فيأخذه أو يهبه بعوضها أو يحيل لها الدين عليه، وهكذا.

وعلى كل حال، فيجوز استيفاء أحد الشركاء دون الآخر بحوالة أو ضمان.

نعم ، يكون الضامن والمحتال وكذا المشتري شريكاً ، فيجري عليه الحكم السابق ، مع احتمال جواز الاختصاص؛ اقتصاراً فيما دلّ على الاشتراك في المستوفى على القدر اليقيني.

بحث : وفيه مسائل:

أحدها: حكم ما لو استقرض دراهم أو دنانير مسكوكة ثمّ أسقطها السلطان أو سقطت المعاملة حتى صارت خارجيّة

أحدها: لو استقرض دراهم أو دنانير مسكوكة بسكة المعاملة ثمّ أسقط السلطان أو سقطت المعاملة حتى صارت خارجيّة، فإن خرجت عن التموّل احتمل لزوم قبولها ما لم يكن دفعها محرّماً لمكان الغش واحتمل انتقالها إلى القيمة؛ لتنزيل ذلك منزلة تعذر المثل، وهكذا قرض كلّ مثليّ خرج عن التموّل، كما لو أقرضه ماءً في الحجاز وطالبه في شاطئ الفرات.

أما لو بقي متموّلاً ولكن تفاوتت قيمته تفاوتاً فاحشاً، فالأظهر الرجوع بالمثل، والدراهم المسكوكة من المثليات فيضمن بمثلها.

وقد ورد في الصحيح: أنه إذا أقرض دراهم فأسقطها السلطان وجاء بغيرها كان للمقرض الدراهم الأولية (1).

وهي محمولة بحسب الظاهر على أنّها باقية على التموّل غير مغشوشة.

وقد ورد أنّ له الدراهم الجديدة (2).

وفيه رواية (3)محمولة على تعذر تلك الأولية، أو على حصول الغش بها، أو على التراضي بين القابض والدافع ويحترز عن وقوع الربا.

ولا يتفاوت الحكم بين كون الدراهم الأولية قد دخلت في الذمة كثمن ومثله، أو عيناً قد انتقلت إلى الذمة لتلف ونحوه.

وإذا تعذر المثل في المثلي انتقل إلى القيمة يوم التعذر وهو يوم الإعواز، أو يوم القبض، أو يوم المطالبة، أو يوم التأدية، أو أعلى ما بين كل اثنين وبين الجميع، أقواها قيمة يوم المطالبة.

ثانيها: جواز كلّ عقد بشرط القرض وعدم جواز اشتراط العقد المجاني

ثانيها: يجوز كلّ عقد بشرط القرض ولا مانع ولو كان القرض داعياً؛ لأن الدواعي ليست من النفع شرعاً ولا عرفاً، وإنما يجيء الربا من الشروط.

ولا يجوز اشتراط العقد المجاني كالهبة والعارية أو المعاوضة مع المحاباة - على الأظهر - في عقد القرض؛ لأنه نفع فيدخل في عموم منع اشتراط النفع.


1) وسائل الشيعة 206:18 ، الباب 20 من أبواب الصرف، ح 2.

2) المصدر، ح 1.

3) المصدر : 207، ح 3.

خلافاً لمن أجازه (1)مستنداً إلى قوله: «خير القرض ما جرّ نفعاً» (2)، وإلى أن النفع ظاهر في زيادة العين عينية أو وصفيّة مشروطان في عقد القرض، وإلى أنّ هذا لا يُسمّى زيادةً ونفعاً في القرض، وإلى بعض ما يلوح من الأخبار (3)من جواز الانتفاع في الجملة.

والكل ضعيف.

ثالثها: جواز القرض مع الإعسار مع نيّة الوفاء

ثالثها: جواز القرض مع الإعسار مع نيّة الوفاء ثالثها: يجوز القرض مع الإعسار مع نية الوفاء لو أعطاه الله تعالى، ولا يشترط أن يكون عنده مقابل من مالٍ أو صنعةٍ أو حرفة، بل يكفي الاعتبار والسؤال.

نعم، لو علم أنه لا يقدر على شيءٍ فلا يبعد أنه بمنزلة من عزم على عدم الوفاء.

وفي الروايات: «مَنْ غلب عليه فليستدن على الله عزّ وجلّ وعلى رسوله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ما يقوت به عياله، فإن مات ولم يقضه كان على الإمام قضاؤه» (4).

وفي بعضها: كفاية أن يكون له وليّ يقضي عنه (5).

وفي بعضها: النهي عن القرض وأنّه لا يأكل أموال الناس بالباطل إلا أن يكون عنده وفاء ولو أداه احتياجه إلى سؤال اللقمة واللقمتين، إلا أن يكون له وليّ يؤدي عنه (6).

وهو محمول على الكراهة أو على الذل والمهانة في السؤال، والاحتياط لا يخفى، والسيرة والعمل قاضيان بجواز ذلك.

ولا يتفاوت بين كونه للقوت أو للطاعة كحج وزيارة أو صلة ونحوها.

رابعها: وجوب وفاء الدين في القيمي بنقد البلد

رابعها: يجب وفاء الدين في القيمي بنقد البلد.

وهل هو نقد بلد القرض أو المقرض أو المستقرض أو بلد الوفاء؟ الظاهر أنه نقد بلد القرض سيما لو جامع بلد المقرض، ومع الخلوّ عن بلدٍ يلاحظ بلد الوفاء، والأولى ملاحظة بلد المقرض، والأولى للمقرض ملاحظة بلد المستقرض مع بلده أو بلد الوفاء.


1) راجع ص 37 الهامش (6).

2) راجع ص 37، الهامش (5) .

3) راجع وسائل الشيعة 18 : 352، الباب 19 من أبواب الدين والقرض.

4) المصدر : 335 - 336، الباب 9 من أبواب الدين والقرض، ح 2.

5) المصدر : 321 الباب 2 من أبواب الدين والقرض، ح 5.

6) المصدر : 321، ح 5، و 325، الباب 4 من تلك الأبواب، ح 3.

وفي المثلي لا بدّ من مثله، ولا يجوز دفع غير الجنس، كما لا يجوز دفع غير النقد المعهود، إلا مع التراضي.

ولو كان كلٌّ من الغريمين مشغولاً لذمة صاحبه بمختلف الجنس لزم كل الأداء لما طلب به. وإن كان بمتفق فالمشهور أنه يقع التهاتر قهراً فيما لو ساواه في القدر أو في مساويه، وعلى ذلك فلا ينفع الإبراء بعد ذلك، ولا تجوز المطالبة، إلا أن يكون أحدهما مؤجلاً والآخر حالاً أو مؤجلاً بنقصان.

وفي ذلك إشكال؛ لعدم الدليل على وقوع التهاتر القهري، سوى ما يقال: إن المطالبة لكلٍّ منهما سفه وعبث؛ إذ كلٌّ منهما يريد من صاحبه مثل ما يؤدّيه، وأن الذمتين إذا تساويتا سقطتا.

وفيه: أنّ المطالبة غير لازمةٍ، فلعل أحدهما يبرئ، ولعلّ الثاني يؤجل، ولعله يبيع بغير جنس، ولعلّه يبيع وزنة بوزنةٍ ومناً بمن كي يدفع المن ولا يأخذه لرفع حياء الطالب، فإن انعقد إجماع فلا كلام، وإلا فمحل بحث.

خامسها: وجوب الوفاء على المديون من جميع ما يملك

خامسها: يجب الوفاء على المديون من جميع ما يملك، ولا تجب الاستدانة للوفاء؛ لأنه واجب مشروط، ولا يجب التكسب كذلك، فلا يجب أن يؤجر نفسه له ولا لغيره، ولا يجب عليه قبول الهبة والخمس والزكاة لوفاء دينه؛ لظهور أنه واجب مشروط في جميع ذلك.

نعم، لو كان صاحب صنعة كالحائك فالظاهر أنّه قادر ويلزم باستعمال صنعته لوفاء دينه، والواجب مطلق بالنسبة إلى ذلك.

نعم، يستثنى من ذلك الجارية والدار فلا يجب عليه بيعهما وإن جاز لمالكهما أن يبيع بنفسه ويفي؛ لورودهما في الأخبار المتكثرة (1).

ولا فرق على الظاهر بين الجارية والعبد وبين البعض والكلّ، وبين المنفعة والعين؛ لأنّ فيها «لا بد له من خادم يخدمه» (2).

ولا فرق في الدار بين الواسعة والضيقة، إلا إذا زادت على حاجته عادةً كمّاً أو كيفاً، و بين كونها مسقط رأسه قديماً أو حادثاً، وبين كونه دار بناء أو قصب أو بيت شعر أو خيمة.


1) وسائل الشيعة 18 : 339 - 341 و 343، الباب 11 من أبواب الدين والقرض، ح 1، 3 - 5، 8.

2) المصدر : 339 - 340، ح 1.

ومن فحوى ذلك يستفاد استثناء ما يحتاج إليه من قوت يوم وليلة له ولعياله الواجبي النفقة، ويلحق بالقوت ما يتوقف عليه فعله من رحى وقدر وآنية؛ إلا إذا أمكن استئجار ذلك فيقوم مقام العين.

وأمّا الكتب العلمية فيقوى القول باستثنائها؛ لأنّها أقوى حاجة من الدار والخادم.

ويستثنى ماء غسله الواجب عند الوقت، وكذا وضوئه، ويمكن استثناؤه قبل دخول الوقت في يومه وليلته.

ويلحق بالقوت قهوته وتنباكه في وجه.

وفي بعض الأخبار (1)ما ينبئ عن توسعة ذلك، فيستثنى ما يحتاج إليه من فرش وغطاء وحصير وإبريق للخلاء ونحو ذلك، ويؤيّده رفع العسر والحرج في الدين (2).

وقد يقال: لا تحديد شرعاً للإعسار، ولا في الروايات، ولا في الإجماعات، بل المدار على صدق قوله تعالى: «وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ » (3).

وبالجملة، فالأصل والأخبار موجبة وفاء الدين وناهية عن المطل، فتعمّ كلّ مال بل كلّ ما يتمكن منه الإنسان ممّا يملكه مقدّمة للواجب، خرج من ذلك المعسر.

ودعوى أنّه مَنْ لا يتمكن من شيءٍ سوى دار وجارية وقوت يوم وليلة، لا وجه له، ولا يُفهم منه ذلك عرفاً ولا شرعاً.

وخيال أن الإعسار مجمل فيخصص العموم بالمتيقن منه، محل بحث وكلام.

سادسها: فيما لو ضمن ضامن لغريم الميت فرضي بضمانه صح

سادسها: لو ضمن ضامن لغريم الميت فرضي بضمانه، صح وبرئت ذمة الميت.

ويدلّ على ذلك الأخبار (4)المتكثّرة، وظاهر بعضها أنّ الضمان صحيح وإن لم يرض المضمون له، وهو بعيد عن القواعد.

نعم، رضى الوليّ عن القاصر مع الغبطة لا بأس به.

سابعها : في أنّه يحلّ ما على الميت من الديون المؤجلة

سابعها: يحلّ ما على الميت من الديون المؤجلة؛ للإجماع والأخبار (5)


1) وسائل الشيعة 18 : 342، الباب 11 من أبواب الدين والقرض، ح 7.

2) البقرة (2) : 185؛ الحج (22) : 78 .

3) البقرة (2) : 280 .

4) وسائل الشيعة 18: 346 الباب 14 من أبواب الدين والقرض، و 422 و 423، الباب 2 و 3 من أبواب كتاب الضمان .

5) المصدر : 344، الباب 12 من أبواب الدين والقرض.

وهل يحلّ ما له؟ الأظهر والأشهر العدم؛ للأصل السالم عن المعارض، سوى رواية (1)ضعيفة السند أعرض المشهور عن الأخذ بها، فلا بد من حملها على المؤجل ممّا شرطه المباشرة كالسكنى والحبس ونحوهما، أو طرحها.

ثامنها: في أنه إذا دفع المديون عروضاً عما في ذمته كانت وفاءً واحتسبت قيمتها يوم قبضها

ثامنها: إذا دفع المديون عروضاً عما في ذمته وفاء، كانت وفاء، واحتسبت قيمتها يوم قبضها سواء وقعت دفعةً أو تفاريقاً.

وتدل على ذلك الأخبار (2)والاعتبار؛ لأنّ الوفاء معاوضة على ما في الذمة فيحتسب عليه يوم قبض تلك العروض.

وكذا لو دفع أثماناً غير نقد القرض فإنّه يحتسب بقيمته، ودلّت عليه الأخبار (3)وفتوى الأصحاب.

وما في بعض الأخبار ممّا يدلّ بظاهره على احتساب المدفوع يوم الاشتراط (4)، محمول على تساوي اليومين بالقيمة.

هذا كله إن كان الدفع منويّاً به الوفاء، فإن لم يكن منويّاً به الوفاء بل هو أمانة إلى وقت المحابسة كان الوفاء يوم المحابسة والاعتبار بنية الدافع والقابض؛ لأنه بمنزلة المعاوضة.

ويمكن أن يقال: إنّ ظاهر الدفع للغريم وقبوله له كونه وفاء.

ولو شرط المدفوع له حين وفائه أخذ زيادة القيمة يوم المحابسة ففي صحته إشكال.

تاسعها: حكم ما لو تعلّق له حق بآخر خارج الحرم أو فيه فطلبه أو طالبه فالتجأ إلى الحرم أو كان غير ملتجئ إليه

تاسعها: مَنْ تعلّق له حقٌّ بآخر خارج الحرم فطلبه، أو طالبه فالتجأ إلى الحرم، حرمت مطالبته وإراعته، وفي بعض الأخبار حتى السلام عليه (5). والحكم دلّ عليه الكتاب (6)والفتوى والرواية (7).

أما لو كان الحق في الحرم أو كان غير ملتجئ إليه بل صادفه اتفاقاً فلا يبعد الجواز؛ اقتصاراً في موضع المنع على المورد اليقيني، والسيرة القاضية بالمطالبة به، والقضاء بالحق،


1) وسائل الشيعة 18 : 344، الباب 12 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

2) المصدر : 84 و 85 ، الباب 26 من أبواب أحكام العقود، ح 4، 5.

3) المصدر : 183 ، الباب 9 من أبواب الصرف .

4) المصدر : 84 - 85 ، الباب 26 من أبواب أحكام العقود ، ح 4.

5) المصدر : 368، الباب 26 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

6) آل عمران (3) : 97 .

7) وسائل الشيعة 18 : 368، الباب 26 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

والأمر بدفعه، ولمكان لزوم الحرج على صاحب الحق، ولأنه المتيقن من حديث الأمان (1)، إذ الظاهر أنه من بعد خوف.

عاشرها: حكم ما لو قُتِل المديون خطاً ولا مال له

عاشرها: لو قتل المديون خطأً ولا مال له لزم أداء دينه من ديته. ولو قتل عمداً فأخذ أولياؤه الدية فكذلك.

وإن عفوا عن القصاص والدية، ففي لزوم ضمان الدين عنه قبل العفو رواية (2)ذهب إليها بعض (3).

وإن أرادوا القصاص، فهل لهم ذلك من غير ضمان الدين، أم ليس لهم القصاص إلا أن يضمنوا ؟ والموافق للقواعد وعموم الكتاب (4)والسنّة (5)الأوّل، ونُسب للمشهور (6)، ودلّت عليه بعض الروايات (7).

ومنها يظهر: أنه ليس لهم العفو إلا بمقدار نصيبهم، وأن للدّيّان مع عدم القصاص الرجوع للقاتل.

وقد يمنع عن الرجوع للقاتل للأصل، وعدم لزوم الضمان على الوليّ مع العفو وإن لزم وفاء الدين من الدية مع أخذها. وللمسألة محل آخر.

ونقل عن بعض أنه ذهب إلى أن القاتل عمداً يضمن دين المقتول، بل وكل حق وذنب عليه (8). وهو ضعيف، وإن ظهر من بعض الأدلة أنه يتحمّل إثمه (9).

حادي عشرها: حكم ما لو مطل الغريم مع تمكنه

حادي عشرها: لو مطل الغريم مع تمكنه كان عاصياً، ولو أصرّ فسق، ولزم أن يجبره الحاكم.

وهل تبطل عباداته المضادة لوفاء الدَّيْن؟ وجه مبني على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن الضد، ويشتد الإشكال فيما لو جعل الصلاة ونحوها داعياً لعدم الوفاء كما يفعله العوام اليوم ، يقال لهم: ادفعوا الدَّيْن، فيقولون: نريد أن نزور.


1) وسائل الشيعة 18 : 368، الباب 26 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

2) المصدر 29 : 122 - 123 ، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس ، ح 1.

3) هو أبو منصور الطبرسي على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 399، المسألة 15.

4) المائدة (5) : 45 .

5) وسائل الشيعة 29 : 52 ، الباب 19 من أبواب القصاص في النفس.

6) نسب الشهيد إلى المشهور في الدروس الشرعية 3 : 313 .

7) وسائل الشيعة 29 : 123، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، ح 2.

8) راجع الحدائق الناضرة 213:20.

9) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال : 328، ح 9.

نعم، لا يتضيّق الوفاء إلا مع المطالبة قولاً أو حالاً كحال اليتيم أو مَنْ لا لسان له أو مَنْ لا يعلم، ولا بد من تنبيهه أو الدفع إليه.

ولو أخر الطلب والمطالبة لم يسقط حقه، وإن ظهر من بعض أن الدار والعقار والأرض لو تُركت في يد الغير ولم يخاصم صاحبها عشر سنين فلا حق له (1).

ويظهر من بعض الأخبار (2)ذلك، ومن بعضها إلى ثلاث سنين (3).

والجميع لا يشمل الدين، ولا نقول بالأصل ولا المقيس عليه.

ثاني عشرها: في جواز اشتراط الوفاء في مكان خاص

ثاني عشرها: قد ورد في بعض الأخبار (4)جواز اشتراط الوفاء في مكان خاص، وأدلّة الشروط (5)تقتضيه وإن استلزم نفعاً بالأخرة للمشترط؛ لأنّه لا يُعد نفعاً شرعاً وإن آل إليه.

وهل يلزم بنفس عقد القرض؟ الظاهر لا.

ولو اشترطه بعقد لازم لزم، وفي الأخبار «لا بأس» (6)وهو لا ينافي الجواز.

وقد يقال : لولا إرادة اللزوم من نفي البأس وأنه على حد الشرائط لما كان فيه نفع يعود للمشترط، فلا يحتاج إلى التنبيه عليه، ويخرج هذا الشرط إلى اللزوم من شرائط القرض ؛ للدليل.

بحث: في اختلاف المقترض والمقرض في صحة القرض وفساده

بحث : لو اختلفا فقال المقترض: القرض صحيح، وقال المقرض بل هو فاسد؛ لاشتماله على ربا وشبهه فيحال إرجاع العين فالقول قول المقترض؛ لأصالة الصحة.

ولو قال المقترض: أقرضتني خمراً، فقال المقرض بل خلّا، فالقول قول المقرض لمثل ما ذكرناه.

وكذا لو قال: حُرّاً، فقال المقرض: عبداً.


1) الصدوق في المقنع : 368.

2) وسائل الشيعة 25 : 433 - 434 ، الباب 17 من كتاب إحياء الموات، ح 1.

3) المصدر : 434، ح 2.

4) راجع ص 38 الهامش (4) .

5) وسائل الشيعة 18 : 16 ، الباب 6 من أبواب الخيار.

6) راجع ص 38 الهامش (4).

وكذا لو ذكر ما لا يتموّل، فقال المقرض: هو مما يتموّل.

ويحتمل التداعي هنا؛ لأنّ كلّاً من الفردين الأصل عدمه فيتحالفان فيكون بمنزلة نفي القرض من أصله.

ويحتمل تقديم قول مدعي الفساد؛ لأصالة عدم الصحة وعدم ترتب الأثر.

وتحقيق المسألة: أن ها هنا أصولاً.

أحدها: أن الأصل فيما يشكّ في كونه عقداً أو إيقاعاً يترتب عليه الأثر عدم كونه كذلك، وهذا معنى قولهم: الأصل عدم الصحة في العقود والإيقاعات.

ثانيها: بعد ورود دليل الصحة في العقود والإيقاعات فعند الشك في اشتراط شيءٍ في عقد أو إيقاع أو مانعية مانع يُنفى شرطيته ومانعيته بالأصل المأخوذ من: فيقال: هذا عقد وكلّ عقد فالأصل صحته، والأصل عدم شرطيّة شيءٍ آخر لصحته وعدم مانعية شيءٍ آخر لتأثيره.

ثالثها: أن الأصل صحة العقد أو الإيقاع الواقعين بعد العلم بوجود عقد صحيح وعقدٍ فاسد وإيقاع صحيح وإيقاع فاسد في الخارج، فالجامع المانع صحيح، وغيره فاسد، فوقع فرد في الخارج فلم يُعلم أنه من أفراد الصحيح أو الفاسد، فالأصل صحة الواقع وأنه من أفراد الصحيح؛ لما دلّ على صحة فعل المسلم من استقراء الأخبار، ومن السيرة القطعية؛ لأنّ بناء سوق المسلمين ومعاملتهم على ذلك، ومن ظواهر الإجماعات المنقولة، بل ربما يدعى أنّها محصلة، ولأنّ ما دلّ على صحة العقود والإيقاعات يدلّ على صحة الفرد المشكوك فيه، إلا أن يعلم خلافه بأن يقال: هذا عقد وكلّ عقد يجب الوفاء به، إلا أن يُعلم أنه الفرد الآخر.

وعلى ما ذكرنا فلو تداعيا في الصحة والفساد، احتمل تقديم مدعي الصحة؛ لموافقته لأصالة الصحة، ولأنه يترك لو ترك؛ لأنّه يحاول انتزاع المال من يد مدعي الفساد، ولأنّه موافق لظاهر الصحة، فهو منكر بجميع المعاني.

واحتمل تقديم قول مدعي الفساد؛ لأنّه موافق لأصالة العدم، ولأنه لو ترك العقد على حاله ولا ينازع الآخر لترك الآخر معه الدعوى.

ويحتمل أنهما متداعيان: لتسمية كل منهما مدع ومنكر.

ويحتمل أن التداعي إن وقع في قابلية المتعاقدين - كوقوع القرض حال الصبا أو حال

البلوغ - كان القول قول مدّعي الفساد؛ لأنّ أصالة الصحة إنّما تكون بعد إحراز قابلية العاقد للعقد، فعند الشكّ في القابلية فالأصل الفساد.

ويحتمل بناء المسألة عند التداعي في البلوغ وعدمه على علم التأريخ وعدمه، فإن علم تأريخ البلوغ كان القول قول مدعي الصحة، وإن علم تاريخ العقد كان القول قول مدعي الفساد.

ويحتمل الفرق بين التداعي في نفس المال المقرض فالأصل الفساد، كما لو تداعيا بأنّ الثمن خمر أو خَلّ مثلاً، فإنّ الثمن أحد أركان العقد فما لم يكن محرزاً عند المتعاقدين لا يجري أصل الصحة.

وبالجملة، فأصل الصحة لا يتم إلا بعد إحراز المتعاقدين وإحراز المعقود عليه ثمناً ومثمناً بأن يذكراه، وإحراز قابليتهما للمعاوضة، وإحراز الإيجاب والقبول، ثمّ يقع الشكّ في وصف الصيغة لحناً أو عجميّة، أو في وصف الثمن من الجهالة والمعلومية، أو المثمن كلّاً، أو في وصف أجل معين أو غير معيّن، أو في وصف مثمن في السَّلَم أنه مؤجل أم لا، أو في الثمن والمثمن أنه كان مقدوراً على تسليمهما أم لا، أو في القصد وعدمه، أو في الإكراه وعدمه، فهناك يتمسك بأصل الصحة.

كلّ ذلك للشكّ في شمول دليل أصالة الصحة لما يقع الشكّ فيه في نفس العاقد أو المعقود عليه كذلك، أو نفس الإيجاب أو نفس القبول لو تنازعا في عدم ذكر أحدهما بعد الاتفاق على ذكر الآخر، ولأنّ أصل الصحة لا يثبت موضوعاً مختلف فيه، غايته: أن دليله ينهض فيما لو وقع الشكّ - بعد تمام أركان العقد من البائع والمشتري والثمن والمثمن والإيجاب والقبول - في أنه وقع على وصف صحيح أو فاسد، فأصل الصحة مثبت للوصف الصحيح.

وعلى هذا، فلو تداعيا في أنّ العقد هل هو بيع فاسد أو إجارة صحيحة، لا نحكم بأنّها إجارة لأصالة الصحة، بل الأوجه التداعي.

وينبعث من ذلك: أنّ مَنْ عقد شاكاً في كون العقد صحيحاً أو فاسداً فأقدم عليه وبعد ذلك حكم بصحة الصادر منه؛ لأنه يقول: هذا عقد صدر منّي ولو حالة الشك، وكل عقد يقع في الخارج فالأصل صحته.

وهذا مشكل؛ للشكّ في شمول دليل الصحة لمثل ذلك، بل المتيقن منه هو الحكم بصحة

الصادر عند الغفلة والنسيان وشبههما؛ لأنه في الحال الأوّل أذكر، ولقوله: «ما مضى فامضه» (1)وأما عند الإقدام على المشكوك فيه فالأصل فيه الفساد.

وقد يقال: إن السيرة القطعية جارية على معاملة المشكوك في رشده في أسواق المسلمين، بل معاملة المشكوك ببلوغه، وبعد الفراغ من العقد يجرون عليه أحكام الصحيح.

وقد يرد: بمنع السيرة على ذلك إن لم تكن لأهل الورع بعكس ذلك.

ويشترط في التمسك بأصل الصحة عدم معارضته لظاهر القول أو الفعل مما ظاهره الفساد أو الحرمة، كما إذا رأينا مَنْ يزني، فإنّا نحده وإن أمكن اشتباهه، وكذا اللائط، مع إمكان اشتباهه بزوجة له، وكمن يقذف شخصاً أو يجرحه أو يشتمه، فإنا نمنعه وإن احتملنا اشتباهه أو استحقاق المقابل لذلك، وكذا مَنْ سبّ النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) والأئمة (علیهم السلام)، فإنا نحكم بكفره وإن احتمل أنه غافل.

نعم، لو ادعى أمراً ممكناً في حقه ولم يكن له معارض صدق.

ومن شرائط أصل الصحة أن لا يتعدى لغير مورده، فلا يثبت في حق الغير حكماً مخالفاً للأصل، فلا يثبت وكالةً أو رضاً من المالك للمال أو البضع لو رأينا شخصاً عقد على مال آخر أو على بضع امرأة.

وكذا لو ثبت بأصل الصحة كون المبيع خَلاً أو عبداً أو ماء، لا بولاً، أو ما يتموّل في عقد خاص، لا يسري إلى جواز العقد عليه في كلّ عقد، وإجراء أحكام الخل أو العبد أو الماء عليه في كلّ شيءٍ، بل يقتصر على صحة ذلك العقد وثبوته في ذلك الحال دون غيره.

وهل يشترط موافقته للحكم الظاهر المعروف، أو يكفي مجرد احتمال موافقته لحكم من أحكام المجتهدين ؟ وجهان، مثاله : كمن باع وقفاً واحتمل أنه قلّد في بيعه مَنْ يجيز ذلك، فهل يُحكم بصحة بيعه لاحتمال الصحة في حقه، أو يُحكم بفساده حتى يثبت كونه باع بتقليد مجتهد يرى ذلك؟ فتأمل.

وكذلك لا يتمسك بأصالة الصحة في مقام التداعي ؛ لمعارضة أصالة صحة قول المعارض وفعله، غايته أنه يثبت أن القول قوله مع يمينه، فلا يكتفى فيه بمجرد القول، وإنما توجه عليه اليمين؛ لأن اليمين على مَنْ أنكر .


1) وسائل الشيعة 8 : 237 - 238، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 3.

فظهر مما ذكرنا أنه على القول بلزوم التمسك بأصل الصحة لا فرق بين إثبات كلي الثمن أو المثمن، كما لو تداعيا في أن الثمن خمر أو خَلّ، أو إثبات عين الخل دون عين الخمر فيما لو تداعيا أنه هذا أو هذا، أو إثبات نفس الخَلّيّة دون الخمرية لهذه العين المتنازع أنّها خمر أو خَلّ.

نعم، في الأخير يقتصر في الخلّ على ذلك العقد دون إجراء جميع الأحكام عليه.

نعم، لوكان بيد مسلم فأخبر أنه خل، جرى عليه أحكامه جميعاً؛ لمكان اليد، كما إذا شك بما في يده من الجلود أنه مذكى أم لا.

وبالجملة، فذاك يجيء من إخبار ذي اليد وأصالة صحة فعله، لا من حيث صحة العقد عليه، فتأمل.

بحث في دين المملوك وفيه مقامات:

أحدها: في أن العبد مملوك فلا يملك مالاً ولا تصرّفاً في مال ولا بغير مالٍ

أحدها: العبد مملوك لا يقدر على شيءٍ، فلا يملك مالاً، ولا يملك تصرفاً في مال لسيده أو لغيره، ولا تصرّفاً بغير مالٍ، ولا يملك آلة التصرف من جارحة أو لسان، ولا يملك بدناً، وكما لا يملك، لا يملك عليه لغير مولاه عيناً أو منفعة، فلا يملك ولا يملك.

نعم، له ذمة لا يتبعها خطاب شرعي فعلي بالأداء، بل إمّا خطاب تعليقي، يعني: إن أعتقت فأدّ، أو تنجيزي مؤخر وقت أدائه، يعني: أدّ بعد العتق، كخطاب المعسر بأداء الدين بعد يساره، ولا ملازمة بين شغل الذمة بالمال بمعنى كونها ظرفاً للكلّي لا يأمر بتأديته إلا بعد العتق، كضمان غير البالغ لما أتلف.

وعلى كل حال، فليس له ذمة اختيارية بحيث يملك عليها اختياراً قرضاً أو ثمن مبيع أو نذر أو ثمن جعالة أو إجارة، وله ذمّة قهرية لو أتلف مالاً أو نفساً أو منفعة، فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا قرضه ولا إجارته ولا جميع عقوده.

والقائلون بأنّه يملك يقولون بالحجر عليه، ويقولون بانتقال المال عنه عند بيعه وموته، ويقولون بفساد معاوضاته الاختيارية إذا لم يأذن مولاه.

وكذا ليس له أن يتوكل عن أحدٍ بفعل أو عقد، ولو صدر منه عقد للغير بوكالة الغير كانت وكالة فاسدة.

ولو باع عن الغير فأجاز الغير ولم يرضَ المولى، ففي صحته إشكال؛ لأنّه بيع بآلةٍ لا يملكها البائع وبتصرّفٍ لا يملكه المتصرف، إلا أن صحته أوجه؛ لأنه يكون بالنسبة إلى المولى كبيع المكره، فإن أجاز صح البيع، وإلا بطل.

ويحتمل الصحة مطلقاً؛ لتعلّق النهي بأمر خارج فتشمله عمومات العقود (1)، ويرشد إلى الصحة ما دلّ على صحة نكاحه مع إجازة المولى (2)، فاحتمال بطلان عقده مطلقاً ولو مع الإجازة - لأنّ إجازة العقد أن يملك صاحبه النطق ولا يملك المتصرف فيه فيجيز العقد صاحب المال على ذلك المال، وليست الإجازة لنفس التصرّف؛ لعدم إمكان انكشاف أنّ لسان العبد كان ملكاً للعبد أو ملكاً للموكل - ضعيف جداً؛ لما ذكرناه من الأخبار، ومن أنّ الإجازة كاشفة عن صحة العقد، لحصول الشرط المتأخر وهو رضى المولى، فيكون بمنزلة إذن المولى للعبد ابتداء، وتعلّق النهي به ابتداء لا ينافي صحة العقد.

وبالجملة، فتصرفات العبد العائدة لغيره ولنفسه من أفعال وعبادات وأكل وشرب لا تجوز إلا بإذن سيده، بل لا تجوز إباحة شيءٍ له من أكل وشرب ولا استخدام بقول، بل ولا بنية كالتماسه بأن يحبّ زيداً، وينوي خيراً أو شرّاً، ويدعو لأحدٍ، سوى ما جرت به السيرة من صدوره من دون إذن، فلو نهي حرم، إلا ما لزم منه العسر والحرج أو الضرورة، وسوى الواجبات، أو الاقتصار على سد الرمق في الأكل والشرب عند غير المولى.

ويمكن أن يقال بأنّ الأفعال القلبية والكلام بدعاء وصلاة لا يحرم وإن منع منه المالك؛ لمكان الضرورة، وللشك في شمول دليل المنع.

ثانيها: فيما لو أذن السيد للعبد في القرض للسيد التزم بوفائه السيد

ثانيها: لو أذن السيد للعبد في القرض للسيّد، التزم بوفائه السيد؛ لشغل ذمته به، وإن أذن له في الاستدانة لنفس العبد التزم به أيضاً لو باعه أو أبقاه، ولو أعتقه، ففيه قولان، والأقوى أنه على السيد أيضاً.


1) المائدة (5) : 1.

2) وسائل الشيعة 21 : 113، الباب 23 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ج 1، 2؛ و 22 : 101، الباب 45 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.

وتفصيل المسألة: أنّ السيّد لو أذن للعبد في القرض لنفس العبد والشراء له وفي قبول الهبة والصدقة والوقف عليه، فإن أراد بذلك تمليك العبد بتلك العقود بطلت الإذن؛ لتعلقها بالمحال، فلا يستبيح المال للعبد ولا المولى، ولأنّ العبد لا يملك ولا يملك، ولا ينتقل إليه، ولا ينقل إلا بوكالته عن الغير بإذن مولاه.

وإن أراد بذلك أنّ الشراء للمولى فيملك المال ولكنّ الثمن برقبة العبد يؤديها بعد العتق، بطلت أيضاً؛ لمنافاتها لظاهر الإذن، وللشك في صحة كون العوض من واحد والمعوض يكون ملكاً لآخر، ولعدم إقدام البائع على ذلك غالباً.

وإن أراد بذلك تمليك نفس المولى لأنّ ما يملكه يملكه المولى، بطلت أيضاً؛ لأن الملكين إن وقعا دفعةً أو كان المولى لاحقاً يلزم منه ملك العبد، وهو محال.

نعم، قد يقال بصحة الإذن والعقد من حيث إنّ الشراء لو وقع لنفس العبد ونواه كذلك دخل في ملك المولى قهراً، ولغت نيّة أنّه لنفس العبد كمن باع ماله بنية أنه لغيره أو مال غيره بنية أنه لنفسه، فإنّ البيع يتبع صاحب المال وتقع النية المخالفة لاغية، وكذا الإذن في الشراء يقع صحيحاً ونيّة أنّه لنفسه لاغية.

إلا أنه منظور فيه؛ لأنّ الإذن مقيّدة، فإذا فات القيد فاتت الإذن من أصلها فيقع عقداً غير مأذون فيه.

نعم، قد يصح هذا فيما لو أذن له في الشراء مطلقاً أو القرض فنوى العبد أنه لنفسه توجّه إلغاء القيد وبقاء المقيد، كما لو وكلت أحداً بشراء شيءٍ بمالي فاشترى الوكيل لنفسه، فإنّ القول ببطلان القيد قوي.

وعلى كلّ حالٍ، فلو صححنا القرض والشراء للمولى فهل يكون ذلك إباحة للعبد في تصرفه فيما اقترضه أو اشتراه؛ لفحوى قصد تمليكه فالتصرّف أولى، أو لا يكون؛ إذ العبد محجور عليه على كلّ حالٍ، فلا بد من جواز تصرّفه إلى إذن في التصرف فهو كسائر أمواله؟ إلا فهم من قوله: «أشتري لنفسك» يعني يعود نفع المشترى لنفسك.

ومع ذلك كله فالوطء يتوقف على صفة التحليل زيادة على ذلك، وحينئذ فالاستدلال على صحة ذلك بجواز وطء العبد لا وجه له.

ثالثها: لو تصرّف العبد بأموال سيده صح التناول منه ومعاملته من دون سؤال

ثالثها: الأظهر أنّ العبد لو تصرف بأموال سيّده بيعاً وهبة وقرضاً، صح التناول منه ومعاملته من دون سؤالٍ؛ لحمل أفعاله على الصحة إذا لم يكن معارض له.

ولو أخبر بالوكالة أو الإذن زيادةً صُدّق.

والسيرة القطعية دالة على جواز معاملته وقبول الهدية منه والضيافة عنده والضيافة له، ولم تزل الأخبار في كلّ الأعصار أمورهم بيد عبيدهم، وأخذهم ودفعهم وإنفاذ حوائجهم و حرفهم ترجع إلى عبيدهم.

وبالجملة، فيد العبد بالنسبة إلى مال مولاه كيد مدّعى الوكالة على أموال الموكل إذا لم يكن معارض، وإلى الآن ما رأينا مملوكاً يدعي شيئاً أو يتاجر أو يعمل غير ذلك لا يصدق إلا بعد لين يصحبا معه أين ما ذهب.

كتاب الرهن

إشارة:

كتاب الرهن

معنى الرهن لغةً وشرعاً

والرهن لغةً: الثبات والدوام والحبس (1)، وعليه قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» (2).

ونُقل من المعنى الثاني على الظاهر شرعاً؛ بناءً على الحقيقة الشرعية، ومتشرعاً بناءً على عدمها لحبس خاص إن أُريد به المعنى المصدري، أو لعين خاصة محبوسة على الوجه الشرعي إن أُريد منه نفس العين أو العقد الدال على المعنى المصدري، والاحتساب أنسب بمذاق الفقهاء، والأوسط أنسب بمذاق العرف والأوّل أنسب بمذاق النقل عن المعنى اللغوي. وعليهما فهو وثيقة لدين المرتهن.

ويراد بـ «الوثيقة» المصدر أو اسم المفعول، فالتاء فيها للنقل لا للتأنيث، فلا يرد عدم المطابقة. ويراد بالوثيقة ما يخص العين في مقابلة الدين والمنفعة والحق، ولا يحتاج إلى التصريح بها؛ لأنه من الأحكام. وقد يزاد في الحد ما يدلّ على ذلك.

وذكر «الدين» لإخراج الرهن على الأعيان المضمونة - كالمستام والمغصوب ونحوهما - فإنّها ليس بدَيْنِ محقق، والرهن عليه باعتبار أوّله عند تلفه ممّا يشكّ في مشروعيته، وشمول الإطلاقات له ممنوع؛ لانصرافه إلى غيره، ولورود الإطلاقات مسوقة لبيان حكم آخر، لا لبيان أفراد المطلق.

ويكفي في الدين حصوله في الواقع وإن لم يعلمه الراهن.


1) كما في القاموس المحيط 4 : 231 - 232، «ر هـ ن».

2) المدثر (74) : 38.

ويخرج عن الدين ما يكون ديناً بعد الرهن؛ لانصراف الدين للحال.

ويخرج بـ «دين المرتهن» ما كان على غير دينه لا على وجه الفضولية فإنّ الأظهر فيه عدم الصحة.

ولا يرد الدور على أخذ «المرتهن» في حد الرهن؛ لتوقف معرفته عليه؛ لإمكان تفسير «المرتهن» بصاحب الدين، ولإمكان إرادة بيان المعنى في الجملة لا الحد الجامع المانع.

وفي المقام مباحث

أحدها: في أنه يجري الفضولي في عقد الرهن

أحدها: يجري الفضولي في عقد الرهن، وفي صحة رهن غير المديون على دين شخص آخر على جهة التبرع إشكال، ولو رهن شخص مال آخر ثم ملكه ففي صحته إشكال.

وتكفي المعاطاة في الرهن ولا يكفي غيرها من الأفعال كالإشارة والكتابة، إلا مع العجز المستمر كالخرس وشبهه، وتكفي الإشارة، ولا يلزم التوكيل.

وهل تتعين الإشارة بعضو خاص كالرأس والعين والإصبع، أو يكفي كل عضو ؟ وجهان. :أحوطهما الأوّل، والاقتصار على الثلاثة.

ومع عدم استمرار العجز فالأظهر لزوم التوكيل.

وهل تقدّم الإشارة على الكتابة أم يتخيّر ؟ لا يبعد لزوم تقديمها، إلا مع عدم الإمكان فتصح الكتابة مع القرينة الدالة على المقصود.

ولا بد للمتمكن من النطق النطق إن عدل عن المعاطاة، ويكفي التمتام والأرتل ما تيسر له، ولا يلزم التوكيل.

وهل يشترط اللفظ العربي مطلقاً، أم لا يشترط مطلقاً، أو يشترط للعربي دون العجمي، أو يشترط مع الإمكان ولا يشترط مع عدمه فيصح من دون حاجة إلى التوكيل؟ وجوه، أقواها الصحة مطلقاً، وأحوطها العدم إلا مع عدم إمكان التوكيل.

وهل يشترط الصراحة في الدلالة على المطلوب بنفسه فلا يكفي المجاز البعيد مع القرينة، ويشترط الفعليّة في الصيغة والماضوية، والترتيب بين الإيجاب والقبول، وعدم الفصل، وعدم اللحن؛ لأصالة عدم ترتب المسبب من دون ذلك، وتغليباً لجانب اللزوم الحاصل من

طرف الرهن أو لا يشترط؛ للأصل، ولشمول الإطلاق لجميع ذلك، ولتغليب جانب الجواز الحاصل من طرف المرتهن، أو يشترط ذلك في الإيجاب وفيما تعلّق به كعدم الفصل بينه وبين القبول وعدم تأخره عن القبول، ولا يشترط في القبول شيء من ذلك مما اختص؛ إعطاء لكل حكمه؟ وجوه، أظهرها: الأخير.

وهل يكفي الرهن بصيغة الشرط؛ بناءً على كفاية اشتراط الغاية دون السبب، أو لا يكفي؛ للشك في حصول الأثر؟ وجهان، أحوطهما: العدم.

ولو رهن البائع المبيع على الثمن افتقر إلى إيجاب من المشتري بعد تمام الصيغة وقبول آخر من البائع بعد الإيجاب، ولا يكفي القبول الأوّل على الأحوط، مع احتمال كفاية القبول المتقدم أو جعله إيجاباً.

ثانيها: افتقار عقد الرهن إلى القبض

ثانيها: يفتقر عقد الرهن إلى القبض؛ للأخبار المعتبرة الدالة على أنه لا رهن إلا مقبوضاً (1)، وللإجماعات المنقولة (2)، وللآية (3)الدالة على اعتباره بمفهوم الوصف. وهو على نحو قبض البيع تخليةً ونقلاً وإمساكاً باليد.

وهل يكفي في المكيل والموزون ها هنا كيله ووزنه؛ لقيامهما مقام القبض مطلقاً كما يظهر من الأخبار (4)، أم لا يكفي؛ لورودها في البيع فيقتصر عليه ويحكم على غيره بما يحكم به العرف وجهان، أظهرهما الأول، وأحوطهما الأخير.

ويقوى التفصيل بين الطعام فيكفي كيله ووزنه مطلقاً، وبين الذهب والفضة وشبههما فلا بد من إمساكه أو نقله.

وهل القبض جزء من العقد؛ للشكّ في تمامه بدونه، ولنفيه في الأخبار (5)بدونه المحمول على نفي الذات، ولما نُقل عن بعض أهل اللغة (6)، أم شرط في الصحة إما ناقل لها من حينه أو


1) وسائل الشيعة 18 : 383، الباب 3 من أبواب كتاب الرهن.

2) غنية النزوع 1 : 243 مجمع البيان 1 - 2 : 400 ، ذيل الآية 283 من سورة البقرة (2).

3) البقرة (2) : 283 .

4) راجع وسائل الشيعة 18 : 65، الباب 16 من أبواب أحكام العقود.

5) راجع الهامش (1) .

6) كما في رياض المسائل 9 : 191 .

كاشف لها من أصله كالإجازة في العقد الفضولي، أو شرط في اللزوم فيصح عقد الرهن بدونه؟ وجوه، أحوطها الوسط؛ لعدم الشكّ المعتبر في الجزئية بعد شمول العمومات والإطلاقات لعقده المركب من الإيجاب والقبول، وبعد اتفاق الفقهاء ظاهراً على تمامية العقد بدون ذلك وإن اختلفوا في الشرطية وعدمها، وحينئذ فلا يُحكم بجزئيته، مضافاً إلى ظاهر مفهوم الوصف في الآية (1)، فإنّ ظاهرها أنّ الوصف مخصص لا موضح، وأما الخبر وإن كانت حقيقته نفي الذات إلّا أنّ نفى الصحة مجاز مشهور إن لم يغلب على الحقيقة فلا تغلب عليه.

ولضعف القول باشتراطه في اللزوم فقط بالإجماع المنقول (2)على اشتراطه في الصحة وردّ الإجماع المنقول (3)على اشتراطه في اللزوم إليه دون العكس؛ لضعف ناقل الإجماع على اللزوم، وإمكان صرفه إلى الأوّل دون العكس وبظاهر الآية؛ لظهورها في الإرشاد المنتفي عند نفي القبض، وهو المناسب لنفي الصحة عند نفيه دون اللزوم أو الكمال، وبظاهر الأخبار؛ لقربها إلى نفي الصحة من نفي اللزوم أو الكمال؛ لقرب نفي الصحة إلى نفي الذات دونهما.

وبهذا يظهر ضعف القول بعدم اشتراط القبض مطلقاً لا في الصحة ولا في اللزوم؛ استناداً للأصل، وشمول العمومات والإطلاقات لغير المقبوض ، ولظهور الآية في وقوع الرهن مقبوضاً وغير مقبوض؛ إذ لو لم يكن إلا مقبوضاً لكان وصفه به وصفاً زائداً كـ «رهان مقبولة» ونحوهما، ولأن الآية للإرشاد قطعاً، وكما أنّها إرشاد لأصلها فهى إرشاد إلى القبض للاحتياط بحفظ المال، ولضعف الرواية (4)الدالة على الاشتراط.

وذلك لتخصيص الأصل والعمومات بما ذكرنا من الأدلّة، وانصراف الإطلاقات لما هو مقبوض دون غيره، على أن المطلق مسوق لبيان أحكام أُخر لا لبيان الحكم على الماهية صحةً أو فساداً، ولأنّ الوصف في الآية مخصص لبيان الصحة؛ لأن لفظ «الرهن» أعم من الصحيح والفاسد، فلا يلزم من اشتراطه في الصحة وقوع الوصف لغواً، ولأن الظاهر من الإرشاد للرهن المقبوض كون القبض شرطاً في صحته أو لزومه، لا مجرد الإرشاد للاحتياط في الاستيثاق؛ لأنّ غرض الشارع بيان الشرعيات لا العرفيات.


1) البقرة (2) : 283 .

2) راجع مجمع البيان 1 - 2 : 400 ، ذيل الآية 283 من سورة البقرة (2).

3) راجع غنية النزوع 1: 243.

4) تقدم تخريجها في ص 89، الهامش (1).

ثمّ على ما ذكرناه من اشتراط القبض في الصحة لو اشترط الرهن في عقد لازم لزم تقبيضه؛ لانصراف الشرط إلى الصحيح.

وعلى القول باشتراطه في اللزوم فهل يكفي في الوفاء بالشرط حصوله من دون قبض؛ لإطلاق الشرط، فيفسخ الراهن بعد عقد الرهن قبل القبض ولا خيار للبائع، أو لا يكفي إلا أن يحصل القبض من الراهن؛ لانصراف الرهن في الشرط إلى اللازم دون الجائز؟ وجهان، وفي الأخير قوّة.

ولو مات الراهن أو المرتهن أو جنّ أحدهما قبل القبض، بطل العقد على القول باشتراط القبض في الصحة، أو بكونه جزءاً من العقد على الأظهر.

وقيل بجريان الخلاف على القول باشتراط القبض في الصحة بالنسبة إلى موت المرتهن وجنونه (1)، وهو ضعيف.

وعلى القول باشتراطه في اللزوم احتمل البطلان كما هو شأن العقود الجائزة، واحتملت الصحة؛ لأوّله إلى اللزوم، كبيع الخيار وبيع المعاطاة، وللاستصحاب، واحتمل الفرق بين موت الراهن فينفسخ العقد؛ لتعلّق حق الدّيّان والورثة به فلا يستأثر به أحد، وبين موت المرتهن فلا ينفسخ؛ لتبعيته للدين فيبقى ببقائه، وجوه، ولا يبعد الأخير.

واستدامة القبض ليس شرطا ، فلو عاد إلى الراهن لم يضر.

ويشترط الإذن في القبض ابتداءً، فلا يكفي القبض من دون إذن، وهو ظاهر الفقهاء؛ لانصراف أدلّة اشتراط القبض إلى القبض المأذون فيه.

وفي اشتراط كون القبض للرهن عند الإذن فيه كذلك وجهان.

وكذا لو أذن في القبض لغيره فقبض له، ففي إجزائه وجهان.

وهل يشترط إباحة القبض ؟ الظاهر العدم، فيكفي القبض المنهي عنه لنذر وشبهه. ولو قبض المال المشترك صح وإن فَعَل حراماً بالدفع؛ لاستلزامه التصرّف بمال الغیربغير إذنه، ولا يجدي تصرّفه بماله؛ لأنه تصرّف واحد بماله ومال غيره فهو حرام.

ولو كان قبضه نفس التخلية، فلا إشكال حينئذٍ في صحة القبض؛ لعدم التصرّف.


1) لم نعثر على قائله.

ولو رهن ما هو غائب، افتقر إلى إحضاره لتسليمه له، وإن كفت التخلية في قبضه لزم وصوله إليه بنفسه أو بوكيله أو مضيّ زمان يمكن وصوله إليه عادةً أو وصول وكيله على وجه قوي في الأخير.

ولو رهن ما هو مقبوض بيد المرتهن، احتمل الاكتفاء بالقبض السابق مطلقاً، واحتمل عدم الاكتفاء به مطلقاً، بل لا بد من الإذن الحادثة والقبض الجديد، أو مضيّ زمان يمكن فيه ذلك، واحتمل الفرق بين المقبوض بإذن فالأول، وبين المقبوض من دون إذن فالثاني، واحتمل الافتقار إلى الإذن دون تجديد القبض؛ للزوم تحصيل الحاصل، واحتمل الافتقار إلى مضيّ زمن يمكن فيه القبض دون القبض نفسه، واحتمل الافتقار إلى الإذن في المغصوب و نحوه دون المأذون فيه، واحتمل الفرق بين علم الراهن بقبض المرتهن له عند الرهن فلا يفتقر إلى إذن؛ لدلالة رضاه بالرهن على الإذن، وبين عدم علمه به.

وقد تبنى المسألة على أن المقبوض لغير الرهن هل يجزئ عن قبضه له أم لا؟ فإن قلنا به، صح في المقبوض بإذن مطلقاً دون المغصوب والمبيع بالبيع الفاسد، وإن لم نقل بالإجزاء، لم يصح إلا في صورة أن يقبضه للرهن أولاً ثمّ يوقع عقد الرهن.

والأظهر الإجزاء، كما أنّ الأظهر عدم الفرق بين الابتداء في القبض وبين الاستدامة؛ لصدق اسم المقبوض عرفاً، فلا حاجة إلى تجديد القبض للرهن أو مضيّ زمان يمكن فيه التجديد، ملاحظةً لكون الزمان من لوازم القبض، فلو لم يحصل نفس القبض كان لازمه مطلوباً؛ لكونه مقدّمةً له؛ لأنّ الزمان لازم له ومطلوب من جهة كونه مقدمةً، فإذا كان حاصلاً لم يتوقف عليه بوجه، فلا يكون لازماً، فالأظهر حينئذ: عدم توقف صحة الرهن في المقبوض بإذن ولو لغير الرهن على تجديد الإذن، وعدم توقف المقبوض مطلقاً على تجديد القبض ولا على مضي زمن يمكن فيه ذلك.

نعم، فيما يكون القبض فيه التخلية لا يبعد توقفه في الابتداء على مضي زمن يمكن الوصول إليه عادةً.

والإقرار بالرهن ليس إقراراً بالإقباض، مع احتمال كونه إقراراً به؛ لانصرافه إلى الرهن الصحيح.

ولو أقرّ بالقبض وأنكر الإذن، كان القول قوله.

ولو أقرّ بالإذن والقبض ثم أنكر، لم يُسمع قوله.

ولو ادعى علم المقر له بكذبه عند الإقرار، ففي أنّ له اليمين على نفي العلم من المقر له وجه.

ولو ادعى أمراً ممكناً صارفاً للإقرار عن معناه أو ادّعى الاشتباه عند الإقرار، كان له تحليف المقرّ له على نفي ذلك أو على نفي العلم بذلك.

ولو ادّعى المواطأة في الإقرار بالقبض قبل القبض ترويجاً للاستشهاد، كان له اليمين على المقرّ له على نفي ذلك أو نفي العلم به.

ولو ادعى في الإقرار أمراً ظاهراً يغلب على أصالة صحته، ففي سماع دعواه وجعل القول قوله مع يمينه وجه قوي.

ولو ادعى كذب إقراره، فليس له اليمين على نفي ذلك على المقر له، ولا تسمع دعواه، إلا إذا ادعى عليه العلم، ففي سماع ذلك وجه كما تقدم.

ثالثها: اشتراط كون الرهن عيناً مملوكاً

ثالثها: يشترط في الرهن كونه مملوكاً، فلا يصح رهن غير المملوك؛ لعدم الفائدة برهنه، وأن يكون مملوكاً للراهن، فلا يصح رهن مال غيره إلا على جهة الفضولية.

ويشترط كونه عيناً، فلا يصح رهن المعدوم قبل وجوده، ولا رهن المنفعة؛ لعدم انصراف أدلة الرهن إليها، ولا رهن الحق كذلك، وكونه عيناً مشخّصاً في الخارج، فلا يصح رهن الكلي ولا الدين؛ لعدم انصراف الأدلة إليهما.

وليس المانع كون الدين غير مقبوضٍ، فيجوز رهن الدين عند مَنْ لا يشترط القبض؛ لإمكان قبض الدين بعد رهنه بإذن الغريم؛ لأنّ ما في الذمة بمنزلة المقبوض، فيمكن جعله رهناً فيباع حين كونه ديناً أو بعد تعيينه في فردٍ للوفاء، ويكون فرده المعين للوفاء رهناً أيضاً كأصله.

فلا يرد حينئذ على القول برهنه: أنّ ما يكون رهناً فهو فرده الخارجي لا نفس الدين، والكلام في رهن الدين لا في رهن الفرد.

ولا يرد أيضاً: أن الرهن استيثاق للدين فلا يكون دَيْناً؛ لإخلاله بالمقصود؛ لجواز كونه ديناً على المرتهن فيحصل منه الوثوق وكونه على غيره ممن يوثق بوفائه.

ولا يرد أيضاً : أنّ الدين ليس مقبوضاً والفرد المعين للوفاء ليس نفسه، فلو قبض للرهن لم يكن الدين المرهون مقبوضاً؛ لأنّ قبض الفرد قبض لكلّيّه، فيصدق عرفاً أن الدين قد قبضه المرتهن إذا كان عليه أو على غيره وقد وكله على قبضه لنفسه عنه.

والحق ما تقدّم من أنّ مثل هذا القبض لا ينصرف إليه إطلاقات أدلّة القبض كتاباً (1)وسنةٌ (2)، بل لو قلنا بعدم اشتراط القبض في الرهن لا نقول بجواز رهن الدين؛ لعدم انصراف الأدلة لمثل هذا الذي لا يمكن قبضه ويندر الاستيثاق به، أو يمكن قبضه ولكن لا على حدّ غيره مما يقبض.

فلا عجب من العلامة (رحمه الله) حيث جمع بين عدم اشتراط القبض وبين المنع من رهن الدين (3)، كما تعجب منه الشهيدان (4)، ولا حاجة إلى الاعتذار عنه بالتزام اشتراط كون الرهن مما يمكن قبضه وإن لم يشترط قبضه بالفعل، والدين لا يمكن قبضه؛ لما تقدّم من بيان ضعفه.

وليس المانع من رهن المنفعة أيضاً عدم إمكان قبضها بقبض العين، كما إذا رهن عنده منفعة سنة مطلقة أو معيّنة فسلّمه العين فإذا أراد استيفاء الدين آجر العين واستوفى الدين منها، ولا المانع كونها مما تتلف شيئاً فشيئاً فلا يمكن قبضها؛ لأنّ قبضها إتلافها، ولا استيفاء الدين منها؛ لأنّ القبض ممكن بقبض العين لا بقبضها نفسها، والاستيفاء ممكن بإجارة العين وأخذ الثمن، أو باستيفاء نفس المنفعة أو بإجارة العين وجعل الأجرة رهناً، كرهن ما يتسارع إليه الفساد في وجه ربما يبنى عليه فيما أسرع الفساد إليه.

بل المانع من رهن المنافع هو الإجماع المنقول (5)وفتوى المشهور تحصيلاً، وعدم انصراف أدلة الرهن أو أدلّة القبض المشروط فيه إليها، من دون تفاوت بين القول باشتراط القبض في الرهن وبين عدمه.

ومما ذكر ظهر أنه لا يجوز رهن خدمة المدبَّر، والقول بجوازه؛ لصحة بيع خدمته، وكلّ


1) البقرة (2) : 283.

2) راجع ص 89، الهامش (1).

3) قواعد الأحكام 2 : 109 و 116.

4) الدروس الشرعية 3 : 387؛ الروضة البهية 4 : 66؛ مسالك الأفهام 4 : 20 - 21.

5) مسالك الأفهام 4 : 21.

ما صح بيعه صح رهنه، ضعيف؛ لمنع الأصل، سوى دعوى رواية لم نعثر عليها، ومنع الكلية سيما فيما استند جواز بيعه للرواية (1)، لا للقاعدة.

ولو دبّر العبد فرهنه، قيل: يصح التدبير والرهن فإن فك الرهن وقع التدبير وإلا فسد(2).

وبالجملة، فلا تمانع بينهما كي ينسخ أحدهما الآخر، فيبقى التدبير غير مستقر بل مراعي.

وقيل: يبطل التدبير (3). إما لأنه عتق بصفة فيزول تسليط المرتهن على بيعه، وإما لأنه وصيّة وهي عقد جائز تنفسخ بما ظاهره الإعراض عنها؛ وإمّا لتنافي موردهما؛ لأن الوصية بالعتق تنافي تسليط المرتهن على نقله على جهة الإطلاق في كل منهما، وتقييد الوصية بحالة الفك خلاف ظاهرها.

والأرجح الأخير، والقول ببطلان الرهن ضعيف جداً.

ولا يصح رهن الأرض المباحة، ولا الخراجية، ولا الوقف وإن جاز بيعه على بعض الوجوه؛ لعدم الاستيثاق ببيعه، إلا إذا حصل شرط البيع فلا يبعد جواز رهنه.

وهل يصح رهن غير المقدور على تسليمه؛ لجواز نقله بغير البيع أو مع الضميمة فيحصل منه الاستيثاق، أو لا يصح؛ لأنّ المعاوضة عليه سفه مطلقاً، أو يصح مع الضميمة لا مجرّداً، أو يختص بالآبق دون غيره؟ وجوه، والأخير قوي.

وهل يجوز رهن الخمر عند المسلم إذا وضع عند كافر ليبيعه الكافر بإذن صاحبه فيدفع ثمنه للمسلم؟ وهل يجوز رهن العبد المسلم عند الكافر إذا وضع عند مسلم ليبيعه ويدفع ثمنه للكافر، أو لا يجوز فيهما ؟ أو يجوز في الأول دون الثاني، أو بالعكس كما اختاره بعضهم (4)؟ وجوه، أقواها عدم الجواز مطلقاً؛ لأنّ يد الكافر في الأوّل بمنزلة يد المسلم؛ لنيابته عنه، ولحصول تعلّق له به في الجملة، لأن الحجر عليه بسببه، ويد المسلم في الثاني كيد الكافر فلا ترفع السبيل المنفي على المسلم من الكافر (5).


1) وسائل الشيعة 23 : 120، الباب 3 من أبواب التدبير، ح 4.

2) راجع المبسوط 2 : 213.

3) قال به المحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 67؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 5: 48.

4) شرائع الإسلام 2 : 68 .

5) النساء (4) : 141 .

وبالجملة، فللمرتهن على الرهن سلطنة وسبيل، وهما منفيان عن الكافر بالنسبة للمسلم، فتجويز الثاني دون الأوّل كما يظهر من المحقق (1)لا وجه له.

ويصح الرهن في زمن الخيار لعين تعلّق بها الخيار، فإن كان الراهن من له الخيار كان فسخاً، وإن كان غيره صح تصرّفه ولا يكون ممنوعاً عنه ولا فضولياً على الأظهر، وكان لذي الخيار عند الفسخ فسخ الرهن في وجه، أو إبقاؤه وأخذ مثله أو قيمته.

ويجوز رهن المرتد الملي؛ لبقاء المالية.

وهل يجوز رهن الفطري؛ لما ذكرناه، وكونه في معرض التلف لجواز قتله غير منافٍ؛ لاستصحاب بقائه فيحصل الاستيفاء من ثمنه، أو لا يجوز؛ لضعف الاستيثاق به وكونه في معرض الزوال ولو قلنا بعدم جواز نقله وبيعه؛ لأنه فاسد كالبيض الفاسد، ولأنه في معرض التلف لوجوب قتله، فلا إشكال لعدم جواز رهنه؟

ويجوز رهن الجاني عمداً؛ لبقاء المالية، ولا ينافيه تعلّق حق القصاص، لإمكان العفو عنه، فإن عفى المجني عليه أو رضي المولى بالفداء لزم الرهن، وإلا بطل من حينه، مع احتمال المنع من رهنه؛ لتعلّق حق الجناية به من قتل أو استرقاق قبل الرهن، فلا يصلح لتعلّق حق الرهانة به.

والأوّل أوجه؛ لأنّ حق الجناية لا يقضي بالتحجير، بل لصاحب الحق الفسخ عند اختيار أحد الأمرين.

وأما الجاني خطأ فلا إشكال ببقاء ماليته.

إنما الإشكال في صحة رهنه بعد سبق تعلق حق الجناية به، فيمكن القول بصحته واجتماع الحقين عليه، إلا أنّه يُقدّم حق الجناية لسبقها على حق الرهن، أو القول بصحته على أن يكون الرهن التزاماً للمجني عليه بالفداء بنفس الرهن.

ويمكن القول بفساده؛ لمنع حق المجني عليه من ورود حق آخر ينافي استيفاء حقه منه.

والأقوى عدم منافاة حق الجناية للرهن، فيصح الرهن ما لم يسترق الجاني أو يقتل، فإن استرق أو قتل بطل الرهن من حينه.

هذا في العمد، ويصح في الخطأ ما لم يمتنع المولى عن الفداء فيبطل من حينه.


1) شرائع الإسلام 2 : 68 .

رابعها: حكم ما لو رهن رهناً فخيف ببقائه الفساد أو يسرع إليه الفساد قبل حلول أجل الدين

رابعها: لو رهن رهناً فخيف ببقائه الفساد باعه المرتهن بإذن المالك، فإن لم يتمكن من إذنه بأن غاب أو امتنع باعه بإذن الحاكم، وجعل ثمنه رهناً؛ لأنه نماؤه وبدله، فيجري حكم المبدل منه على البدل، وهذا بخلاف ما لو باع الراهن الرهن بإذن المرتهن، فإنّه لا يكون رهناً قهراً، إلا إذا شرط في إذنه كون الثمن رهناً، فإنه قد يكون رهناً في وجه.

ولو رهن ما يسرع إليه الفساد قبل حلول أجل الدين، فإن أذن المالك ببيعه أو أطلق صح الرهن وباعه؛ لإذن المالك في الأول، أو بإذنه، فإن لم يمكن فبإذن الحاكم في الثاني إن امتنع أو غاب، وجعل ثمنه رهناً، فإن قصر في البيع بعد الإذن أو الاستئذان ضمن.

وإن نهاه المالك عن البيع أولاً فسد الرهن، وإن نهاه أخيراً كان له بيعه بإذن الحاكم، وجعل ثمنه رهناً، فإن لم يفعل فلا ضمان عليه عند تلفه وفساده.

واحتمل جواز بيعه قهراً بإذن الحاكم حتى لو شرط الراهن ابتداءً عدم بيعه.

ولو غصب الرهن كان عوضه رهناً.

ولو جني على العبد المرهون كان ثمن الجناية رهناً.

وبالجملة، كلّ ما كان بدلاً للرهن قهريّاً على الراهن كان مرهوناً، حتى لو أتلف الراهن رهنه ألزمه المرتهن بجعل عوضه مكانه، ولو كان المتلف المرتهن لزمه أداء المثل أو القيمة ويكونان رهناً.

وهذا كله إما حكم شرعي يدلّ عليه - على ما يظهر لي - الاتفاق، وكون الرهن للاستيثاق وهو ها هنا نفس المال لا خصوص العين الشخصية، وكون بدل العين تابعاً في سائر العقود على ما يظهر من الاستقراء، وإما حكم عقدي قضى به عقد الرهن من المالك حيث إنه استوثقه من ماله عوض ماله، وليس له غرض خاص في نفس العين الشخصية، والظاهر أن كلا منهما قاض بذلك.

خامسها: حكم الرهن بالنسبة إلى الدين المقارن

خامسها: لا شكّ في مشروعية الرهن بالنسبة إلى الدين السابق المستقر في الذمة ولو كان بسبب عقد متزلزل، وأمّا الدين المقارن كـ - «بعتك الدار بألف وأرهنتها عليها» أو «بشرط أن تكون رهناً على الثمن» - إن سوّغناه فيقول: «قبلت» فلا يخلو القول بصحتهما من إشكال، إلا أن يتأخر الرهن فيقول: «قبلت وأرهنت» فيقول البائع: «قبلت» فإنّ القول بالصحة هو الوجه.

فلا يجوز الرهن على حقٍّ غير مالي ولا على حقٍّ مالي لا يمكن استيفاؤه من الرهن، ولا على عين غير مضمونة؛ للإجماع المنقول (1)وفتوى الفحول، وعدم شمول دليل الرهن لمثلها.

وهل يصح على الأعيان المضمونة؛ لأولها إلى الدين عند تلفها أو امتناعها فيمكن استيفاء مثلها أو قيمتها من الرهن وإن لم يمكن استخلاص نفس العين منه، فتشمله إطلاقات أدلّة الرهن الدالّة على جواز رهن مالٍ على مالٍ، وعموم أدلّة العقود، وإطلاقات أدلة الرهن، ولشمول حكمة الرهن على الدين للرهن على الأعيان لاستدعاء الضرورة للاستيثاق عليها، ولعموم قوله «استوثق من مالك ما استطعت» (2)ووروده في السَّلَم لا ينافي عمومه، عمومه، ولتعلق الخطاب بالتأدية، وتعلّق سبب الضمان بالأعيان المغصوبة وشبهها أو لا يصح كما نُسب للأكثر (3)للأصل، وللشك في شمول عموم دليل العقود (4)لها وكذا إطلاقات الرهن؛ لعدم ثبوت كونه من العقود المتعارفة، وعدم ثبوت تسميته رهناً، وعدم ثبوت كونه من المتداول عرفاً ولاختصاص الآية (5)وأكثر أخبار الرهن بالدَّيْن دون غيره، ولمنع دليل الحكمة، ومنع كونه علةً بعد ثبوته، ولمنع دلالة قوله: «استوثق من مالك ما استطعت» على خصوص الرهن، وإنّما هو أمر بالاستيثاق بطرقه المعهودة، ولمنع شمول إطلاقات الأمر بالرهن على المال للأعيان المغصوبة؛ لانصرافها بحكم التبادر للديون، على أنها واردة كلاً أو جُلاً في حكايات الأحوال، ولمنع وجود سبب الضمان قبل التلف ومنع تعلّق الخطاب بأداء المثل أو القيمة قبله، وإنّما الخطاب متعلّق بأداء العين ما دامت موجودة، ولمنع كون الأول إلى الدين عند التلف مصححاً للرهن، وإلا لجاز الرهن على الأعيان الغير مضمونة لأولها إلى الدين عند التلف أيضاً مع التعدي أو التفريط أو الامتناع من الأداء، ولأنّ مقتضى الرهن استيفاء نفس المرهون عليه أو فرده المتحد به في الخارج وليس الأعيان المضمونة مما تستوفى من الرهن، ومثلها أو قيمتها أمر خارج عنها ؟ وجهان ، والأخير أقوى كما ظهر من الأدلة.


1) جامع المقاصد 5: 89؛ مسالك الأفهام 4 : 28.

2) وسائل الشيعة 18 : 380، الباب 1 من أبواب كتاب الرهن، ح 4.

3) نسبه للأكثر السيد الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 206.

4) المائدة (5) : 1.

5) البقرة (2) : 283 .

وهل يصح الرهن على الدين واقعاً، كرهن المال على ما يدعى عليه قبل ثبوته فيثبت بعد ذلك، والرهن على ثمن المبيع خوفاً من خروج استحقاقه، سواء كان باقياً إذا صححنا الرهن على الأعيان المضمونة له، أم تالفاً؟ وجهان، والجواز هو الأقوى.

ولا يصح الرهن على ما لم يثبت في الذمة كمال الجعالة قبل العمل، ولا على الدية قبل استقرار الجناية وإن حصل سبب وجوبها في الجملة أو علم أنها تأتي على النفس إلا أن تبلغ إلى الحد الذي يوجب الدية، ولا على دية الخطأ قبل حلول كلّ قسط منها؛ لعدم استقرارها على مَنْ هي عليه قبل ذلك وعدم تعينه.

وقد يقال بجواز أخذ الرهن على الدية التي استقر موجبها وإن لم تستقر هي، كقطع اليد فإن غايته الموت وهو لا يزيد عليه.

ويجوز أخذ الرهن على مال الجعالة، وعلى مال الكتابة مطلقة ومشروطة، وكونها في المشروطة جائزةً من طرف العبد لجواز تعجيزه نفسه غير منافٍ لثبوته في ذمته قبل التعجيز وكون الرهن من مال السيد فلا يستوفى ماله من ماله مدفوع بإمكان كونه عارية من غيره، وبأنه وإن كان من مال السيد إلا أن سلطانه بيد العبد.

ولا يصح على ما لم يمكن استيفاء المرهون عليه منه كالمنفعة الخاصة من الأجير الخاص وشبهها لبطلانها بامتناعها، وعدم جواز أخذ الرهن على قيمة مثلها عند امتناع الأجير عن الأداء؛ لأنه لم يثبت بعد، ولا يصحّح أخذ الرهن على ما لم يثبت.

سادسها: بیان شرائط الراهن

سادسها: يشترط في الراهن العقل والرشد والقصد والاختيار من غير خلاف يعرف.

ويجوز مع الإجازة بالنسبة إلى المكره إذا لم يرتفع قصده ويبلغ حد الإلجاء.

ويجوز للولي رهن مال الطفل للمصلحة والغبطة، كما يجوز له الإذن للسفيه بذلك أيضاً.

ويجوز جعل رهنين على مالٍ واحدٍ متعاقباً زائدين عليه أو ناقصين عنه أو مساويين له، ويجوز جعل رهن واحد على مالين لشخصين دفعة أو متعاقباً مع إذن الأوّل زائداً عليهما، أو ناقصاً عنهما أو مساوياً لهما، وعلى مالين لشخص واحد دفعة أو متعاقباً على نحو ما ذكر.

وهل يوزّع الرهن على المالين لشخصين دفعة أو متعاقباً على نسبة المال، أو على نسبة الرؤوس، أو على جهة البدلية فأيهما استبد به كان له؟ وجوه أقواها الأول، وأضعفها الأخير.

ويجوز للولي أن يستقرض مال الطفل مع الملاءة ولا يلزمه وضع رهن عنده ولا كون الاستقراض للمصلحة، كما يُفهم من الخبر الصحيح (1)وكلام المشهور من الفقهاء. نعم، يشترط عدم الإفساد قطعاً.

وقد يقال باشتراط المصلحة؛ للاحتياط، وينزل إطلاق الرواية عليها، وهو حسن.

ولا يجوز له أن يقرض غيره من دون مصلحة لليتيم في القرض؛ لحرمة التصرف بمال الغير في غير المقطوع به، ويلزمه أخذ رهن أو كفيل مخافة الإفساد من دونهما.

ومثله التصرف بمال المجنون؛ لعدم ورود دليل صالح على جوازه من دون مصلحة.

هذا كله في غير الولي الإجباري، وأما الإجباري فيصح تصرفه بمال المولّى عليه مطلقاً إلا مع الإفساد فلا يصح، مع احتمال الصحة وإن أثم.

وهل يجب على غير الإجباري تحرّي الطرف الأعلى من المصلحة، أو يكفي وجود مصلحة ما؟ وجهان، أظهر ما الأخير.

ولو وجدت في حال الإقراض مصلحتان أعلى وأسفل، فهل يجوز للولي الغير الإجباري العدول من الأولى إلى الثانية أو لا يجوز؟ وجهان، أحوطهما: الأخير.

وهل المدار على المصلحة الواقعية فيضمن بدونها ويقع العقد فاسداً، أو المصلحة بنظره فيصح العقد ولا ضمان لو وافقت المصلحة نظره دون الواقع، أو ينتفي الضمان ويفسد العقد؟ وجوه، ومقتضى دليل اليسر (2)وإنّ المرء متعبّد بظنّه : الصحة وعدم الضمان.

سابعها: في أن عقد الرهن من العقود القابلة للشرط

سابعها: عقد الرهن من العقود القابلة للشروط؛ لعموم دليلها (3)، إلا شرطاً خالف الكتاب والسنة، أو حرم حلالاً، أو أحلّ حراماً، أو عاد على العقد بالنقض كأن خالف مقتضاه؛ لأنه ممّا يخالف الكتاب والسنة فيقع باطلاً، إلا أن الشرط من قبل المرتهن جائز لجواز أصله، فله فك الأصل وفسخ الشرط.


1) وسائل الشيعة 17 : 258 - 259 ، الباب 76 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

2) البقرة (2): 185: صحيح البخاري 1: 38، ح 69: صحيح مسلم :3: 1395 . ح 1734؛ سنن أبي داوُد 4: 260، ح 4835.

3) راجع ص 77، الهامش (5).

وهل له فسخ الشرط دون الأصل ؟ الظاهر لا بل يلتزم بالشرط ما دام ملتزماً بالعقد. وأما من قبل الراهن فلازم، فيجبره المرتهن عليه، فإن لم يفعل كان للمرتهن الفسخ كما كان له في الأصل إلا أنه لا مصلحة له فيه.

ويجوز للراهن فسخ عقد الرهانة إن لم يأتِ المرتهن بما شرط عليه، وإن لم يكن له جبره، مع احتمال أن له جبره ما دام مقيماً على مقتضى العقد.

ويجوز للمشترط منهما إذا كان حق الشرط له عدم الإتيان بالشرط؛ لأنّ له ترك حقه مع احتمال جواز جبر الآخر له قضاءً لحقه الحاصل من الاشتراط.

ويجوز اشتراط جعل أحد المتعاقدين أو غيرهما وكيلاً في البيع في عقد الرهن، ويلزم الراهن الوفاء به، فإن كان المشروط عقد الوكالة ألزم الراهن بتوكيل المرتهن إن شرطا ذلك. فإن امتنع أجبر. ويحتمل تولّي الحاكم الإذن في التوكيل حينئذ.

فإذا وكل الراهن المرتهن وقبل ذلك، فهل له بعد صدور العقد أن يفسخ الوكالة؛ لأنها عقد جائز وقد أوقع الراهن ما شرط عليه في الجملة، أو ليس له؛ للشك في جواز عقد الوكالة المشروطة في عقد لازم، والأصل اللزوم، ولأنّ ظاهر الشرط أن يجعله وكيلاً دائماً فلا يصح له مخالفة الشرط؟ وجهان، والأوّل أقرب للقواعد، والثاني أقرب لمذاق الفقاهة.

وإن كان المشروط نفس الوكالة وقلنا: إنّ الشرط يقوم مقام عقدها، صار المرتهن وكيلاً بنفس الشرط.

وهل للراهن فسخ الوكالة؛ لأنّ الوكالة مبنيّة على الجواز، أو ليس له؛ لأنّها تثبت بالشرط في عقد لازم والاستصحاب يقضي بلزومها؟ وجهان، والأخير أقوى.

فظهر بذلك ضعف القول بأن للراهن فسخ الوكالة مطلقاً؛ لأنها من العقود الجائزة، أو لأنّ الشرط يجوز للمشروط عليه عدم الإتيان به وإن ثبت للمشترط الخيار، أو لأن الرهن عقد جائز فلا يلزم الشرط فيه؛ لأنّ الشرط في العقد الجائز جائز ؛ لمنع الأول في مثل الوكالة المشروطة، ومنع الثاني بدليل عموم أدلة الشروط (1)، ومنع الثالث ما دام ذو العقد باقياً عليه، أو منعه من جهة الراهن؛ للزومه من طرفه.


1) راجع ص 77 الهامش (5).

ولو مات المشروط وكالته انفسخت وكالته؛ لفقدان موجبها ، لأن الشرط كونه بنفسه وكيلاً، لا لانفساخها بالموت إلا إذا اشترط وكالة وارثه من بعده فيصح ذلك، كما يصح اشتراط توكيل أجنبي أو الوصية بها لغيره.

والقول بأنّ للمرتهن عدم القيام بما شرط عليه مطلقاً؛ لجواز العقد من قبله، ضعيف، وتقدم وجه ضعفه.

ويجوز للمرتهن إذا كان وكيلاً أن يبيع من نفسه على الظاهر، ولكن ينبغي له التأمل في مصلحة الراهن كي لا يغلب عليه هواه، وكذا يجوز له تولّي طرفي العقد على الأقوى.

ثامنها: حكم ما لو مات المرتهن ولم يعلم الرهن بعينه

ثامنها: لو مات المرتهن - ويلحق به الجنون أو الجهل به في وجه - ولم يعلم الرهن بعينه أو أنّه في ضمن أمواله الموجودة، كان كسبيل ماله؛ لأصل براءة ذمته من اشتغالها بقيمة الرهن عيناً أو قيمة؛ لتوقف اشتغالها بهما على إتلافه بنفسه، أو على تلفه مع تعد أو تفريط، وكلاهما منفي بالأصل، وكون عدم الوصيّة بها تفريطاً موقوف على تذكره لها وتمكنه من الوصية بها ووجودها والعلم بأنه لم يوص بها لأحدٍ ولم يبيّن الوصية بعد موته، وكله محلّ منع والأصل عدمه، ولأصل عدم كونها في أعيان أمواله الموجودة بعده؛ لقضاء ما كان يده عليه بالملكية له وانتقال جميع ما يُحكم بأنه له لوارثه، واستصحاب بقائها لا يقضي إلا بكونها موجودة في الخارج، لا في أعيان أمواله المحكوم بأنها له ولوارثه من بعده، وأصالة عدم كونه في مكانٍ آخر لا يُثبت كونها في أمواله؛ لأنه أصل مثبت، وعموم «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (1)مسلَّم في الأمانة مع بقاء عينها، أو مع تلفها بتعد أو تفريط، وبدونهما لا يشمل الأمانة قطعاً، والرهن ها هنا أمانة لا يعلم عينها كي يرجعها الوارث، ولا يعلم تلفها بوجه مضمون كي يؤدّي مثلها أو قيمتها، واستصحاب وجودها لا يقضي بدفع شيءٍ من مال الميت؛ لأصالة براءة ذمته، وأصالة عدم كونه شريكاً للوارث.

هذا كله، والأحوط دفع الوارث قدر الرهن من مال الميت، والأحوط للوصي المصالحة.

وعلى الاحتياط ففي كونه متعلّقاً بالتركة تعلّق الشركة فيحكم بكون عين الرهن في


1) سنن أبي داوُد 3 : 296، ح 3561؛ الجامع الصحيح 3 : 566، ح 1266.

أعيان المال فيكون بمنزلة الشريك فيقدّم على سائر الغرماء، أو تعلّق الدَّيْن فيُحكم بكون مثله أو قيمته ديناً على الميت فيكون صاحب الرهن أسوةً مع الغرماء؟ وجهان، ولا يبعد الأوّل، وهو الأحوط.

تاسعها: في أنّ المرتهن أحق باستيفاء دينه من عين الرهن دون سائر الغرماء

تاسعها: المرتهن أحق باستيفاء دينه من عين الرهن دون سائر الغرماء، لسبق تعلّق حقه به فيستصحب، ولأن فائدة الرهن عرفاً وشرعاً - كما يلوح من الأخبار وكلام الأصحاب - هو اختصاص المرتهن بالاستيفاء منه؛ لأنه وثيقة بيده دون غيره، فلا يعارضه حينئذ حق غريمٍ آخر.

ولا يتفاوت الحال في ذلك بين الحيّ والميت، والإجماع منقول على الأول (1)، بل قد يدعى أنه محصل. وأما الثاني فهو فتوى المشهور شهرة محصلة ومحكية (2)، بل قد نُقل عليه ظواهر جملةٍ من الإجماعات (3)وإن لم تكن صريحة.

وحينئذ فالقاعدة المتقدمة - المعتضدة بما ذكرنا من الشهرة المحكية والمحصلة وظواهر الإجماعات المنقولة على شمول القاعدة للحي والميت - لا ينبغي تركها، والرجوع إلى ما ورد من شواذ الأخبار ومهجورها - كما صرح به في الدروس (4)- كالروايتين الدالّتين على أنّ رجلاً أفلس وعليه دين لقوم وعند بعضهم رهون فمات ولا يحيط ماله بما عليه من الدين: أن ماله يقسم جميعه من رهن أو غيره على جميع الغرماء بالحصص (5)، وهما مع ذلك قاصرتا السند؛ لضعف إحداهما وجهالة الثانية وكونها مكاتبة.

ولو بقي للمرتهن دين بعد استيفاء الرهن شارك الغرماء في باقي التركة من غير خلاف؛ لظاهر الأدلّة عموماً وخصوصاً.


1) مجمع الفائدة والبرهان 9 : 155 .

2) المصدر : 156 : الحدائق الناضرة 20 : 259 رياض المسائل 9 : 218 .

3) الحدائق الناضرة 20 : 260؛ رياض المسائل 9 : 218 .

4) الدروس الشرعية 3 : 404 - 405.

5) وسائل الشيعة 18 : 405، الباب 19 من أبواب كتاب الرهن، ج 1، 2.

عاشرها: في أنّ الرهن أمانة بيد المرتهن أو وكيله لا يضمن الا مع التعدي أو التفريط

عاشرها: الرهن أمانة بيد المرتهن أو وكيله - ولو كان هو الراهن - لا يضمن إلا مع التعدي أو التفريط، سواء في ذلك صحيح الرهن أو فاسده؛ لأنّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده.

نعم، لو طرأ عليه سبب للضمان كقبضه من غير إذن المالك أو كان مقبوضاً قبض ضمانٍ كما إذا كان مغصوباً، ضمنه المرتهن مطلقاً، ومع ضمانه لا يسقط من دين المرتهن شيء مع اختلاف جنس الدين وجنس ما يضمن به الرهن إلا مع الرضى أو المقاصة أو المعاوضة الجديدة، ومع اتحاده يسقط بقدره لمكان التقاص القهري، مع احتمال عدمه.

ويدل على عدم ضمان الرهن على المرتهن وعلى عدم سقوط شيءٍ من حقه لو تلف من غير سبب ضمان ظواهر الإجماعات المنقولة (1)، والشهرة المحصلة، وقواعد الأمانات وجملة من الروايات:

ففي الصحيح: في رجل رهن عند رجل رهناً فضاع، قال: «هو من مال الراهن، ويرجع المرتهن عليه بماله» (2).

وفي آخر: : في رجل يرهن عند آخر فيصيبه شيء أو يضيع، قال: «يرجع عليه بماله» (3).

وفي ثالث: فيمن يرهن الغلام أو الدار فيصيبه الآفة، قال: «على مولاه» ثمّ قال: «أرأيت لو قتل قتيلاً على من يكون؟» قلت: هو في عنق العبد، قال: «ألا ترى فلم يذهب من مال هذا» ثمّ قال: «أرأيت لو كان ثمنه مائة دينار فزاد وبلغ مائتي دينار لمن كان يكون؟» قلت: لمولاه، قال: «وكذلك يكون عليه ما يكون له» (4).

ويدلّ على الحكم أيضاً الأخبار المتكثّرة الدالّة على أنّ نماء الرهن للراهن (5)، بضميمة الخبر المتقدّم (6)، والخبرين النبويين المستفيضين في أحدهما: «الرهن من صاحبه له غنمه


1) الخلاف 3 : 256، المسألة 66؛ غنية النزوع 1: 245؛ السرائر 2 : 419؛ تذكرة الفقهاء 13 : 247، المسألة 172؛ نهج الحق : 489، الرقم 3.

2) وسائل الشيعة 18 : 385 الباب 5 من أبواب كتاب الرهن، ح 1.

3) المصدر : 387 ، ح 5.

4) المصدر، ح 6.

5) المصدر : 394، الباب 10 من أبواب كتاب الرهن.

6) آنفاً، وهو الخبر الثالث.

وعليه غُرمه» (1)وفي آخر: «الخراج بالضمان» (2)وخراج الرهن للراهن إجماعاً فعليه ضمانه.

ومما ذكر ظهر أنّ ما ورد من الأخبار ممّا ظاهره خلاف ذلك - من ضمان المرتهن ما تلف من الرهن ومن سقوط حقه في مقابله - مأوّل، أو محمول على التقية، أو على حالة التفريط، أو الإتلاف أو على ما إذا كان مضموناً، كالخبر: «يترادان الفضل» فقال: «إن كان الرهن أفضل ممّا رهن به ثمّ عطب ردّ المرتهن الفضل على صاحبه، وإن كان لا يسوى ردّ الراهن ما ينقص من حق المرتهن» قال: «وكان ذلك قول علي (علیه السلام) » (3)وفيه إشعار بالتقية، وفي آخر مثله (4).

وفي ثالث: في الرهن إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع في حقه على الراهن فيأخذه، فإن استهلكه تراد الفضل بينهما (5)، وهو مشعر بالإتلاف لا التلف.

كما يشعر به الصحيح في الرجل يرهن الرهن بمائة درهم وهو يسوي ثلاثمائة درهم فهلك أعلى الرجل أن يردّ على صاحبه مائتي درهم؟ قال: «نعم؛ لأنه أخذ رهناً فيه فضل فضيعه» قلت: فهلك نصف [الرهن] قال: «على حساب ذلك» (6).

وكذا يشعر به الآخر: «إذا رهنت عبداً أو دابةٌ فماتا فلا شيء عليك، وإن هلكت الدابة أو أبق الغلام فأنت ضامن» (7)لتوقف ارتفاع المنافاة فيه بحمله على الإهلاك والتفريط في الإباق.

وبالجملة، فحمل الجميع على التقيّة لأنّه مذهب أبي حنيفة وجملة من العامة (8)، وللموثق حيث إنّه نسب القول بنقصان مال المرتهن إذا نقص من العبد شيء للناس (9)الظاهر في إرادة


1) سنن الدارقطني 2 : 616 - 620 ، ح 125/2882 - 133/2891 بتفاوت.

2) سنن ابن ماجة 2 : 754 ، ح 2243؛ سنن النسائي 7 : 254 - 255.

3) وسائل الشيعة 18 : 390 - 391 الباب 7 من أبواب كتاب الرهن، ح 1.

4) المصدر : 391، ح 3.

5) المصدر : 387 ، الباب 5 من أبواب كتاب الرهن، ح 7 .

6) المصدر : 391، الباب 7 من أبواب كتاب الرهن، ح 2.

7) المصدر : 388، الباب 5 من أبواب كتاب الرهن، ح 8.

8) المبسوط، السرخسي 21 : 64 - 65: بدائع الصنائع 6 : 160: حلية العلماء 4 : 458 و 459: العزيز شرح الوجيز 508:4: المغني المطبوع مع الشرح الكبير 4 : 478 – 479؛ الشرح الكبير المطبوع مع المغني 4 : 444 - 445.

9) وسائل الشيعة 18 : 386 ، الباب 5 من أبواب كتاب الرهن ، ح 4 .

العامة، لا يخلو من وجه، لولا أن المنسوب إليه (1)هو الضمان لأقل الأمرين من القيمة أو الدين، لا ضمان الزيادة، وهو خلاف ظاهر بعض الأخبار المتقدمة.

والظاهر أن نقصان القيمة السوقية لا تدخل تحت هذه الأخبار.

حادي عشرها: قضاء الأصول المحكمة والقواعد المتقنة بحرمة تصرف المرتهن بالرهن عيناً ومنفعة ونماء

حادي عشرها: الأصول المحكمة والقواعد المتقنة والإجماعات المحكية (2)والشهرة المحصلة والمنقولة (3)وعموم ما دلّ من النهي عن التصرف بمال الغير من دون إذنه (4)وأكل المال بالباطل (5)كلّها تقضي بحرمة تصرف المرتهن بالرهن عيناً ومنفعة ونماء، فلو تصرّف كان فضوليّاً وضامناً؛ لتعدّيه وتفريطه، وكلّ ما أتلفه من منفعةٍ أو أكله من نماء ضمن مثلها. وضمن مثل النماء أو قيمته، ولو آجر كان فضوليّاً، فإن سلّط المستأجر على العين المستأجرة كان متعدّياً ضامناً، ومع عدم التسليط ففي ضمانه إشكال، فإن مضت للعين مدة يعتد بها بيد المستأجر تخير الراهن بين إجازة الإجارة وأخذ المسمّى وبين أخذ أُجرة المثل منه.

فإن كان للرهن مؤونة يفتقر إليه في حفظه وبقائه كالإنفاق على الدابة ودوائها وكسوة الغلام وقوته، رجع إلى الراهن؛ فإن أذن له فيه على أن يرجع إليه به أنفق ورجع إليه، وكذا لو أطلق على الظاهر، وإن لم يأذن له - لامتناع أو لغيبة أو نحو ذلك - رجع إلى الحاكم، فإن دفع له من بيت المال فلا إشكال، وإن أذن له الحاكم بنية الرجوع إلى الراهن أنفق ورجع إليه، فإن لم يمكن الرجوع للحاكم رجع لعدول المسلمين فاستأذن منهم حسبةً، فإن لم يمكن رجع إلى نفسه فأنفق بنية الرجوع حسبةً ؛ لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل، ولوجوب حفظ المال على الراهن ووجوب حفظ الأمانة على المرتهن.

ويجب على الراهن عند الرجوع إليه في تلك الصور الوفاء، فإن امتنع أخذ المرتهن من الرهن أو من فوائده ونمائه وفاءً له مقاصةً، وله في الابتداء أن ينفق من منافع الرهن أو نمائه عليه مع استئذان الحاكم أو عدول المسلمين عند عدم الإمكان، أو يتولاه بنفسه إذا لم يمكن.


1) أي أبو حنيفة.

2) السرائر 2 : 425؛ تذكرة الفقهاء 13 : 239. المسألة 168؛ مفاتيح الشرائع 3 : 139 ، مفتاح 1020 .

3) المهذب البارع 2 : 495.

4) وسائل الشيعة 9 : 540 - 541، الباب 3 من أبواب الأنفال، ح 7.

5) البقرة (2) : 188؛ النساء (4) : 29 .

ويظهر من بعض الفقهاء (1)أنّ للمرتهن الإنفاق على ما يحتاج إلى الإنفاق بنية الرجوع من دون حاجةٍ لاستئذان الحاكم عند امتناع المالك، ويقاصه من النماء والمنافع من دون استئذان أيضاً.

ولا يبعد ذلك، كما يظهر من الأخبار الآتية، إلا أنه خلاف الاحتياط في مال الغير من دون تراض.

وربما يقال بجواز التصرّف من المرتهن بمنافع الرهن التي يخاف فوتها على المالك من دون حاجة إلى الاستئذان، ويضمن العوض حينئذ ؛ لأنه إحسان وما على المحسنين من سبيل.

وهو خلاف الاحتياط أيضاً، بل الأحوط الترك عند الامتناع والرجوع إلى الحاكم عند الغيبة.

وذهب الشيخ (رحمه الله) والحلبي (رحمه الله) في خصوص الدابة - والظاهر خصوص المركوبة أو المحلوبة - إلى جواز الركوب والحلب بعد الإنفاق، وأنّ هذه المنفعة بإزاء النفقة على الإطلاق (2)، سواء أذن المالك بالإنفاق أم لا، وسواء امتنع أم لا، وسواء رجع للحاكم أم لا، وسواء ساوت النفقة قيمة المنفعة أم لا؛ للروايتين الواردتين في الرهن.

ففي إحداهما : إنّ «الظهر يركب والدرّ يشرب، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» (3).

وفي أخرى: عن الرجل يأخذ الدابة أو البعير أله أن يركبه؟ فقال: «إن كان يعلفه فله أن يركبه» (4).

والأولى قاصرة السند وهي والثانية مخالفتان للقواعد من حرمة التصرف بمال الغير، ومن أنّ المضمون يُضمن بمثله أو قيمته، فطرحهما والرجوع إلى القواعد، أو تنزيلهما على الإذن من الراهن ومساواة الحقين، أو التراضي منهما أولى.

ويمكن تنزيلهما على حالة امتناع الراهن والمقاصة فيدل إطلاقهما على عدم الإلزام بالرجوع إلى الحاكم.

ويمكن تنزيلهما على ما إذا خاف المرتهن فوت المنافع على الراهن فيستوفيها حسبةً وينفق عليها منها.


1) راجع السرائر 2 : 425 .

2) النهاية : 435: الكافي في الفقه : 334.

3) وسائل الشيعة 18 : 398، الباب 12 من أبواب كتاب الرهن، ح 2.

4) المصدر : 397، ح 1.

وذكر بعض الأصحاب أنّ المرتهن لو تصرف بغلة الرهن وفوائده وجب عليه أن يحتسبها من دينه (1)، سواء كان التصرف بإذن الراهن أم لا؛ للأخبار الدالة على ذلك:

فمنها: الصحيح أو الحسن: «قضى أمير المؤمنين (علیه السلام) في كلّ رهن له غلة أن غلته تحسب لصاحب الرهن ممّا عليه » (2).

ومنها: الصحيح في الأرض البور يزرعها الرجل، وفيها: «ثمّ ينظر نصيب الأرض فيحتسب من ماله الذي ارتهن به الأرض حتى يستوفي ماله فإذا استوفى ماله فليدفع الأرض إلى صاحبها» (3).

ومنها: عن الرجل رهن بماله أرضاً أو داراً لها غلّة كثيرة، فقال: «على الذي ارتهن الأرض والدار بماله أن يحسب لصاحب الأرض والدار ما أخذ من الغلّة، ويطرحه عنه من الدين الذي له» (4).

ومنها: الصحيح: «إن رهن رجل أرضاً فيها ثمرة فإنّ ثمرتها من حساب ماله، وله حساب ما عمل فيها وأنفق منها، فإذا استوفى ماله فليدفع الأرض إلى صاحبها» (5).

وهو جيد على ظاهر الأخبار، إلّا أنّ تنزيلها على الغالب من مماثلة الدين لقيمة ما استوفاه فيقع التقاص القهري، أو على الرضى من الراهن والمرتهن بذلك كما هو الغالب، أولى من إبقائها على ظاهرها من إلزام المرتهن باحتساب ذلك من دينه قهراً ولو مع مخالفة الجنس، أو إلزام الراهن بالقبول كذلك؛ لمخالفتهما القواعد والضوابط المقتضية لرجوع كلٍّ منهما إلى ما يستحقه شرعاً مثلاً أو قيمة.

ثاني عشرها: في أنه يجوز للمرتهن أن يستوفي دينه من الرهن عند حلول الأجل إن كان الدين مؤجّلاً

ثاني عشرها: يجوز للمرتهن أن يستوفي دينه من الرهن عند حلول الأجل إن كان الدَّيْن مؤجلاً، وإلا ففى كلّ وقتٍ شاء إذا امتنع الراهن أو وارثه من الوفاء، أو خالف جحودهما خوفاً يعتد به عادة ولم تكن عنده بيّنة، أو كانت عنده وخشي جرحها، أو لم يخش ولكن كان الحاكم غائباً أو بعيداً، أو خشي عدم سماع قول الحاكم وأمره بأداء الدين، فإن كان الدين مجانساً لحقّه استوفاه منه، وإن كان مخالفاً جاز أخذه مقاصة، وجاز له بيعه والاستيفاء من ثمنه.


1) البحراني في الحدائق الناضرة 262:20.

2) وسائل الشيعة 18 : 394 - 395، الباب 10 من أبواب كتاب الرهن، ح 1.

3) المصدر : : 395، ح 2.

4) المصدر : 396، ح 5.

5) المصدر، ح 6.

وليس من خوف الجحود توقف الإثبات على اليمين، بل يلزم عليه ذلك احتياطاً للتصرف بمال الغير من دون إذنه.

ولو كان وكيلاً في البيع باع من غير مراجعة واستوفى من دون إذن من المالك أو الحاكم مع الخوف المتقدم.

وإن لم يخف من شيءٍ من ذلك باع، إن كان وكيلاً في البيع، وتوقف الاستيفاء على إذن المالك وإن كان مجانساً للحق على الأظهر، وتوقف البيع على إذنه إن لم يكن وكيلاً في البيع أيضاً، فإن لم يأذن المالك لامتناع أو بُعْد، استأذن الحاكم، فإن لم يمكن رجع لعدول المسلمين، فإن لم يمكن رجع لنفسه، وللحاكم أن يجبره على الإذن، فإن امتنع باع عنه أو أذن للمرتهن في البيع.

وبالجملة، فليس للمرتهن التصرف بعين الرهن من استيفاء أو بيع مع المجانسة أو عدمها؛ للعمومات (1)، وخصوص الأخبار الخاصة الناهية عن بيع الرهن للمرتهن (2)إلا إذا كان وكيلاً في البيع فإنه يبيع.

فإن باع قبل الحلول فليس له الاستيفاء قطعاً قبل الحلول.

وهل له الاستيفاء بعد الحلول - ومثله ما لو باع بعد الحلول - أو ليس له؟

والأقوى إنه ليس له إلا أن يفهم من الراهن الإذن.

وقيل بجواز الاستيفاء مطلقاً (3).

وقيل بجوازه مع مجانسة الثمن لدين المرتهن (4).

وكلّه منظور فيه، إلا أن ينعقد إجماع على ذلك، وهو ممنوع.

وما يستند إليه من الأخبار الدالة على جواز المقاصة في النفقة (5)والأخبار الدالة على أنّ ما استوفاه المرتهن يحسب من دينه (6)ضعيف؛ لمخالفتها الأصول والقواعد وفتوى الأصحاب


1) راجع الهامش (3 و 4) من ص 105 .

2) وسائل الشيعة 18 : 384، الباب 4 من أبواب كتاب الرهن.

3) قال به المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 73.

4) حكاه البحراني في الحدائق الناضرة 20 : 275 عن جماعة من الأصحاب.

5) وسائل الشيعة 18 : 397، الباب 12 من أبواب كتاب الرهن.

6) المصدر : 394 ، الباب 10 من أبواب كتاب الرهن.

في ذلك الباب والأخبار الخاصة، فلتحمل على الإذن الصريحة أو الفحوائية في التصرف، كما تحمل عليه الموثقة عن الرجل يكون عنده الرهن فلا يدري لمن هو من الناس؟ فقال: «لا أُحبّ أن يبيعه حتى يجيء صاحبه» ثم قال: «إن كان فيه نقصان فهو أهون لبيعه فيؤجر فيما نقص من ماله، وإن كان فيه فضل فهو أشدّهما عليه يبيعه ويمسك فضله حتى يجىء صاحبه» (1).

مع احتمال حمل «لا أُحبّ» على التحريم، ويكون ما بعده إرشاداً إلى العمل بعد أن يبيع فضولاً وحراماً فلا يتمكن من ردّه، فيكون مفادها مفاد الموثق في رجل رهن رهناً ثمّ انطلق فلا يقدر عليه أيباع الرهن؟ قال: «لا حتى يجيء صاحبه» (2)وفي آخر (3)قريب إليه في السند والمعنى.

ولولا أن الحاكم وليّ الممتنع لمكان الضرورة ولنفي العسر والحرج، ولقيامه مقام من هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وللخبر: «كان أمير المؤمنين (علیه السلام) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه ثم يأمر فيقسّم ماله بالحصص، فإن أبى باعه فقسمه فيهم» (4)لكان المنع من الرجوع إليه في التصرف في المال المنهي عن التصرف فيه متجهاً.

كما أنه لولا عمومات نفي العسر (5)والحرج (6)والضرار في الشريعة (7)، وعموم «مَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ» (8)وما جاء من أخبار المقاصة (9)، وما ورد في الخبر: في رجل مات وله ورثة فجاء رجل فادعى عليه مالاً وأن عنده رهناً، فكتب (علیه السلام): «إن كان له على الميت مال ولا بينة له عليه فليأخذ ماله ممّا في يده، وليرد الباقي على ورثته، ومتى أقر بما عنده أخذ به وطولب بالبينة على دعواه وأوفى حقه بعد اليمين ومتى لم يقم البينة والورثة ينكرون


1) وسائل الشيعة 18 : 384، الباب 4 من أبواب كتاب الرهن، ح 2.

2) المصدر : 385، ح 3.

3) المصدر : 384، ح 1.

4) المصدر : 416 ، الباب 6 من أبواب كتاب الحجر ، ح 1 وذيله.

5) البقرة (2) : 185.

6) الحج (22) : 78.

7) وسائل الشيعة 18 : 32، الباب 17 من أبواب الخيار، ح 3 - 5.

8) البقرة (2) : 194.

9) راجع ص 109، الهامش (5).

فله عليهم يمين علم، يحلفون بالله تعالى: ما يعلمون أن له على ميتهم حقاً» (1)لكان القول بالمنع من بيع الرهن والتصرف فيه عند امتناع الراهن وغيبته وعدم إمكان الوصول إلى الحاكم متجهاً.

وأما ما دلّ عليه الخبران المتقدمان (2)من المنع عن بيع الرهن ما دام الراهن غائباً فمحمولان على التصرف من دون رجوع إلى الحاكم، أو على الندب، أو على عدم حصول الغيبة الطويلة المضرّة بالتأخير، أو على غير الموقت احتياطاً في التأخير.

ثالث عشرها: حكم ما إذا وطئ المرتهن الأمة وكانت شبهة

ثالث عشرها: إذا وطئ المرتهن الأمة وكانت شبهةً كان الولد له، وعليها العدة، وعليه العشر من قيمتها يوم الوطء إن كانت بكراً، ونصفه إن كانت ثيّباً؛ للخبرين، الوارد أحدهما فيمن افتض الجارية وقد أحلّ له مولاها ما دون الفرج فغلبته الشهوة (3)، والوارد ثانيهما في تدليس الأمة من الولي (4)، وبتنقيح المناط وإلغاء الفارق يتم الحكم في سائر الصور.

ويحتمل أنّ عليه مهر أمثالها؛ جرياً على قواعد ضمان البضع.

ويحتمل التخيير بينهما.

ويحتمل إرجاع العُشر أو نصفه إلى مهر الأمثال كشفاً من الشارع عنه.

وعليه قيمة الولد يوم سقط حيّاً؛ لتفويته على المالك، وعليه أرش البكارة؛ لأنه جناية حدثت بفعله، والأصل عدم دخولها في العُشْر مع احتمال الدخول؛ أخذاً بالإطلاق فتوى ورواية.

وإن وطأها زناً فالولد للراهن، وعليه العُشر أو نصفه كما تقدّم؛ لإطلاق الفتوى والرواية، ولكونه أولى بالتغريم من الحلال، أو عليه مهر الأمثال على وجه تقدّم، وعلى كل حال فعليه أرش البكارة.

هذا كله إن لم تكن عالمةً مطاوعةً، وإلا ففي ثبوت المهر أو بدله على المرتهن وجهان: من إطلاق الروايتين المتقدّمتين (5)، وأنّه حقٌّ للمولى فلا يسقطه علمها، ومن قوله : «لا مهر لبغي» (6)والعُشر ونصف العشر مهر أو ما هو بمنزلته.


1) وسائل الشيعة 18 : 406، الباب 20 من أبواب كتاب الرهن، ح 1.

2) آنفاً .

3) وسائل الشيعة 21 : 132، الباب 35 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

4) المصدر : 185 - 186 ، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

5) آنفاً.

6) وسائل الشيعة 17 : 95-96، الباب 5 من أبواب ما يكتب به ، ح 14 بتفاوت يسير.

والأوّل أظهر؛ لظهور الرواية في الحرّة ذات المهر؛ لأنها هي التي تستحق المهر عوض بضعها، وهي التي تُسمّى المهيرة بخلاف الأمة فإنّها ليست من ذوات المهور.

ولو كانت عالمةً مطاوعة فلا تستحقه هي، وإنما يستحقه مولاها.

وفي المقام مسائل تقدم ذكرها في باب البيع (1).

رابع عشرها : حكم ما إذا امتنع الراهن من الوفاء

رابع عشرها: إذا تحقق امتناع الراهن من الوفاء جازت مقاصة قطعاً، وليس للرهن خصوصية، بل يسري الحكم لسائر الأمانات سوى ما أخرجه الدليل، بل في الرهن زيادة حق في الاستيفاء منه؛ لأنه وُضع على ذلك.

وفي اشتراط إذن الحاكم في المقاصة مطلقاً، أو عدمها مطلقاً، أو اشتراطها مع اختلاف الجنس دون متحده وجوه تقدمت في كتاب البيع، أظهرها وأحوطها: الاشتراط مطلقاً؛ لعموم حرمة التصرّف بمال الغير (2)، خرج منه ما أخذ بإذنه وبقي الباقي، وإطلاق أخبار المقاصة (3)لا يمكن الاستناد إليها، مع احتمال كونها إذناً من الإمام (علیه السلام)، وآية «مَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ» (4)، لا تنافي الرجوع مع إذن الحاكم، على أن الحاكم قد فرضناه ولي الممتنع، فالإذن منه إذن من صاحب المال، ولا يجوز التصرف بالمال من دون إذن صاحبه.

واحتمال جواز المقاصة مع عدم الرجوع إلى الحاكم؛ استناداً إلى إطلاق الأخبار ولاستبعاد كونها مسوقة سياق الإذن؛ لظهورها في سياق بيان الحكم مع خلوّها عن التعرّض للإذن قوي جداً، سيما في الرهن الموضوع على الاستيثاق.

وإذا غاب الراهن غيبةً يشق معها الانتظار من المرتهن فإنه لا شك في جواز استيفاء دينه منه، وليس للرهن خصوصية أيضاً بل الحكم شامل لجميع الأمانات، إلا أن الرجوع إلى الحاكم هنا أمر لازم؛ لأنه ولي الغائب في القيام بما وجب عليه، واحتمال الاستبداد بالاستيفاء ها هنا ضعيف.


1) راجع ج 5، ص 581 وما بعدها.

2) راجع ص 106، الهامش (4).

3) راجع ص 109، الهامش (5).

4) البقرة (2) : 194.

نعم، قد يقال بأن للرهن ها هنا خصوصيّةٌ في جواز الاستبداد مع الغيبة؛ لكونه موضوعاً للاستيثاق دون غيره، إلا أنه يبعده ما ورد من النهي عن بيع الرهن ما دام الراهن غائباً (1)، إلا أن ينزل على بيعه من دون إذن الحاكم.

وإذا غاب غيبةً ينتظر مجيئه فيها يوماً أو يومين، فالأظهر والأحوط لزوم انتظاره من دون تفاوت بين الرهن أو غيره.

نعم، قد ينفرد الرهن عن غيره من الأمانات في جواز الاستيفاء عند خوف جحود الوارث؛ للنص (2)والفتوى، وعند خوف جحود المالك إلحاقاً له بالوارث، وعند خوف امتناعهما إلحاقاً له بخوف الجحود، كلّ ذلك تنقيحاً للمناط، دون سائر الأمانات، فإنّه لا تجوز المقاصة فيها بمجرد الخوف.

ولا يبعد أيضاً اشتراط الرجوع إلى الحاكم في المقاصة مع الخوف؛ لعموم الأدلة، وللاحتياط، إلا إذا خاف من الإقرار بالرهن ثبوته عليه وعسر إثبات الدين عليه؛ لعدم البينة أو لعدم سماعها.

وقد يفرّق بين الرهن وبين سائر الأمانات أنّ الرهن إذا كان مجانساً للحق أو كان المرتهن وكيلاً في بيعه فباعه بالمجانس جاز له استيفاء حقه منه عند حلول الأجل وإن لم يمتنع الراهن أو يخشى جحوده، ولكنه بعيد.

خامس عشرها: عدم قضاء عقد الرهن بوضعه عند المرتهن ولا الملك بوضعه عند الراهن

خامس عشرها: لا يقضى عقد الرهن بوضعه عند المرتهن ولا الملك بوضعه عند الراهن؛ لتعلّق حق المرتهن بالاستيثاق منه، وتعلّق حق المالك باستثمان ملكه بموضع الاطمئنان، غاية ما في الباب: أنّ القبض في باب الرهن شرط لصحته، وليس لازماً للراهن، فحينئذ لو قبضه ابتداءً ولزم الرهن لم يكن على الراهن الالتزام بإبقائه عند المرتهن في الاستمرار، بل لا بد من الإذن في الوضع الاستدامي، فإن أذن المرتهن بوضعه عند الراهن أو أذن الراهن بوضعه عند المرتهن جاز، أو أذنا معاً في وضعه عند ثالث جاز، ولا يكون لازماً على الآذن أو المأذون، بل يجوز لكلٍّ منهما العدول إلى ما يتراضيان عليه، إلا إذا كانت الإذن بعقد لازم شرطاً أو جزءاً، أو بعقد الرهن؛ فإنّه يلزم على الآذن، ويلزم المأذون إذا اشترط عليه، وكان الاشتراط حقاً عليه، حتى لو اشترطا على أجنبي بعقد لازم لزم الوفاء به.


1) راجع ص 110، الهامش (2 و 3).

2) راجع ص 111، الهامش (1).

أما لو اشترطا بينهما وضعه عند عدلٍ لزم على الراهن وعلى المرتهن ما دام قائماً بالرهن، دون العدل؛ لأنّ العدل أمين ودعي فلا يلزم عليه إبقاء الأمانة عنده، وله ردّه عليهما، فإن امتنعا من قبضه ردّه إلى الحاكم؛ لأنه وليّ الممتنع، وكذا لو استترا عنه وأخفيا أنفسهما عليه.

ولو غابا غيبةً ينتظر رجوعهما على وجه السرعة انتظرهما، ولا يدفعه إلى الحاكم؛ لأنه ولي الغائب عند الاضطرار دون الاختيار، وذلك كالخوف عليه من التلف أو خوف الضرر ببقائه عند العدل على نفسه.

وإن غابا غيبة طويلة لم يقصداها في الابتداء ولم يُعلما بها العدل، أو خشي العدل الضرر ببقاء الرهن عنده، دفعه إلى الحاكم؛ لما في الأوّل من المشقة والضرر الناشئين من طول تحمّل الأمانة، وفي الثاني من الضرر المحقق المنفي كتاباً (1)وسنة (2)، مع احتمال أن الغيبة مطلقاً لا تسوّغ ردّه إلى الحاكم إلا مع خوف الضرر أو إرادة السفر.

وغيبة أحد الراهنين كغيبة أحدهما.

ولو اختلف الراهن والمرتهن في وضعه لم يرجح أحدهما، ووضع عند مَنْ يتفقان عليه، وإلّا رجعا للحاكم فأقرع بينهما، أو وضعه عند عدلٍ غيرهما.

ولو مات الراهن أو المرتهن وكان موضوعاً عند أحدهما بإذن أو بشرط، بطلت الإذن، ولزم اتفاق ورثة أحدهما مع الآخر أو ورثتيهما على بقائه عند أحدهما أو عند ثالث.

ولو تعاسرا رجعا إلى الحاكم فأقرع بينهما أو وضعه عند ثالث، إلا أن يشترطا في عقد الرهن وضعه عند الوارث بعد موت الموروث فإنّه يتبع شرطهما.

ولو خان العدل الذي وضعه الحاكم عنده انعزل، فإن رضي عليه الراهنان أو على غيره وضع عنده، وإلا وضعه عند آخر من الموثوق به عليه.

ولو وضع عند عدلين، فإن أذن لهما أو لأحدهما في الانفراد به جاز لهما أو له ذلك، وإن شرط عليهما أو على أحدهما ذلك لزم عليهما، وضمنا من دونه، وإن شرط الاجتماع أو أطلق لزمهما الاجتماع؛ لانصراف الإطلاق إلى اجتماعهما، فإن لم يجتمعا ضمنا معاً، واحد لتفريطه، والآخر لعدوانه باستيلاء يده عليه منفرداً.


1) البقرة (2) : 231 و 233 ؛ الطلاق (65) : 6 .

2) راجع ص 110، الهامش (7).

وهل يضمن كلٌّ منهما الجميع؛ لإيجاد كل منهما سبب ضمان الجميع فيتخير المالك في الرجوع إلى أيهما شاء، أو يضمن النصف فيرجع على كلّ واحدٍ منهما بالنصف؛ لأنهما بمنزلة أمين واحد؟ وجهان، أجودهما: الأول.

ويستقر الضمان على من استقر التلف بيده مع احتمال استقراره على من رجع إليه المالك.

سادس عشرها: حكم ما لو باع المرتهن الرهن وكان وكيلاً في بيعه أو العدل لو كان كذلك فقبض المرتهن الثمن فوجد فيه عيباً

سادس عشرها: لو باع المرتهن الرهن وكان وكيلاً في بيعه أو العدل لو كان كذلك فقبض المرتهن الثمن رهناً أو وفاءً فوجد فيه عيباً ، كان له فسخ بيع الرهن إذا اشتمل إطلاق وكالته ذلك، وللمالك فسخ ذلك فيعود المبيع رهناً، ولا يحتاج إلى تجديد صيغة؛ لاقتضاء عقد الرهن ذلك، مع احتمال عدم عوده إلا بعقد جديد؛ لانفساخ العقد الأول فلا يعود، وله أخذ الأرش إذا شمل إطلاق وكالته ذلك فيكون رهناً؛ لأنّه عوض جزء أو وصفٍ فائتين من نفس الرهن فيلحقه حكمه.

ولو وجد المشتري بالرهن عيباً، كان له أخذ الأرش من البائع إن لم يعلم أنه وكيل، وإن علم أخذه من المالك، وكان له الفسخ والرجوع بنفس الثمن إن لم يعلم أنه وكيل، وإن علم أنه وكيل وأنّه رهن لم يكن له الرجوع بالثمن على المرتهن؛ لصيرورته رهناً عنده أو وفاء له فلا يرجع به عليه، ويرجع على الراهن بمثل ثمنه أو قيمته؛ لتفويته على المشتري بجعله رهناً أو وفاء بأمره ووكالته في البيع وقبض الثمن رهناً أو وفاء.

ولو ظهر للمشتري استحقاق الرهن لغير المرتهن بطل البيع من أصله، فيطالب بثمنه مَنْ هو في يده من المرتهن أو العدل فيأخذه.

وإن وجده تالفاً فإن لم يعلم بوكالة العدل رجع إليه فغرمه مثله أو قيمته، ورجع العدل إلى الراهن؛ لغروره من قبله والمغرور يرجع على مَنْ غرّه. وإن علم بوكالته جاز أن يرجع إليه فيرجع هو على الراهن، وجاز أن يرجع على الراهن؛ لاستقرار الضمان عليه.

هذا كله لو جهل العدل بالغصب ولو لم يجهل كان استقرار الضمان عليه لو تلف في يده، وإن وجده تالفاً بيد المرتهن كان الحكم كذلك.

إلا أن بعضهم قال: في رجوع المرتهن إلى الراهن نظر، قال: ومقتضى قواعد الغصب رجوعه مع جهله وعلم الراهن بالاستحقاق؛ لغروره (1).

قلت: الظاهر عدم الفرق بينهما وعدم الحاجة إلى تقييده بعلم الراهن، بل يكفي في الرجوع جهل المرتهن. نعم، قد يفرق بينهما فيما إذا أخذه المرتهن وفاء لا أمانةً للاسترهان، فإنه قد يقال بعدم رجوعه؛ لإقدامه على ضمانه فيغرمه ويرجع على الراهن بدينه.

سابع عشرها: فى أنّ الرهن وثيقة لدين المرتهن دون غير المرتهن ودون غيره من الأموال

سابع عشرها: لا شكّ أنّ الرهن وثيقة لدين المرتهن فحقه متعلق به، دون غير المرتهن و دون غيره من الأموال، ولذا جاز بيعه لاستيفاء دينه منه كما تقدّم (2)فتوى، وأشرنا إليه روايةً كالأخبار الواردة بالأمر بالاستيثاق من المال في مقام أخذ الرهن عليها (3)، فإنها دالة على أنه وثيقة على المال فيؤخذ به عند فواته أو خوف فواته كالخبر المتقدم (4)، في خوف جحود الوارث، وكالخبر الوارد في منع بيعه ما دام الراهن غائباً (5)، فإنّ في السؤال عن بيعه والأمر بانتظاره حتى يجيء صاحبه إشعاراً بكونه وثيقةً على استيفاء ماله منه عند تعذره.

فمناقشة بعض المتأخرين (6)في دلالة الأدلة على جواز أخذه وبيعه عوض ماله ليس لها وجه يعتد به.

ومما ذكرنا ظهر أن الراهن لو وطأ الأمة المرهونة بإذن المرتهن أو بدونه - على وجه - يأثم فيه ويستحق التعزير، بناءً على عدم جواز وطئه لها كما هو الأصح، أو على غير ذلك الوجه فصارت أُمّ ولده، فهل تباع في الدين عند امتناعه أو تعذره، بناء على عدم انفساخ الرهن بذلك - كما هو الأقوى - لعدم المنافاة بينهما؛ استناداً لإطلاق أدلة الرهن وسبق حق


1) لم نعثر عليه.

2) تقدم في ص 108 .

3) وسائل الشيعة 18 : 379، الباب 1 من أبواب كتاب الرهن.

4) تقدم في ص 111.

5) راجع ص 110، الهامش (2 و 3).

6) لم نتحققه.

المرتهن، أو لا تباع؛ استناداً لإطلاق أخبار المنع عن بيع أُم الولد (1)، أو التفصيل بين إعسار الراهن فتباع، ويساره فلا تباع، بل يلزم بقيمتها فتكون رهناً؛ جمعاً بين الحقين، أو التفصيل بين الوطء بالإذن فلا تباع، وبين الوطء بغير إذنه فتباع؛ لسقوط حقه؟

والحق أنها لا تباع في الدين؛ ترجيحاً لأخبار النهي عن بيعها حيث إنّها متشبثة بالحرّية وهو أقوى من حق الرهانة فيسقطه.

نعم، لا ينفسخ الرهن؛ لعدم ثبوت أنّ الاستيلاد من فواسخه، واحتمال موت ولدها قائم، فتبقى رهناً حينئذ لا يجوز للراهن التصرف فيها بناقل ولا للمرتهن؛ جمعاً بين الأدلة.

ثامن عشرها: في أنه لا يجوز للراهن التصرف بالرهن بما ينقل العين

ثامن عشرها: لا يجوز للراهن التصرّف بالرهن بما ينقل العين كالبيع والهبة والوقف والعتق ، ولا بما ينقل المنفعة أو يوجب نقص العين كالإجارة والسكنى والتهديم والركوب والاستخدام المنقصين لقيمة العين؛ لفوات الرهن في الأوّل، ولدخول الضرر على المرتهن في الثاني، وللإجماعات المحكية (2)والشهرة المحصلة والمحكية (3)، وللرواية المعتضدة بما ذكرنا «الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف بالرهن» (4).

وأما ما لا يوجب أحد الأمرين، فإن كان لمصلحة الرهن كسقي الدابة وعلفها وكسوة العبد وإطعامه ونشر الثوب وطيّه فالظاهر جوازه؛ لعدم دليل صالح على منعه، و «الناس مسلّطون على أموالهم» (5)وإطلاقات أدلّة المنع منصرفة لغير تلك التصرفات قطعاً.

وإن كان لمصلحة الراهن، فإن كان فيه تعريض لإبطال الرهن - كوطء الأمة قبل يأسها - فهو ممنوع أيضاً؛ للإجماع المنقول (6)والشهرة المحكية (7)والمحصلة، ولمنافاته لوضع الرهن والاستيثاق منه.


1) وسائل الشيعة 18 : 278، الباب 24 من أبواب بيع الحيوان.

2) الخلاف 3 : 252 - 253، المسألة 59؛ المبسوط 2 : 206؛ رياض المسائل 9 : 209 - 210.

3) رياض المسائل 9: 210 و 211 .

4) أوردها العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 439، المسألة 70، ولم نعثر عليها في المصادر الحديثية.

5) عوالي اللآلي 1 : 222، ح 99.

6) المبسوط 206:2؛ الخلاف 3 : 231، المسألة 20.

7) ریاض المسائل 9: 210 .

فلا يعارض ذلك ما ورد من جواز وطئها في بعض أخبار (1)مهجورة شاذة في الفتوى - والشاذ مأمور بتركه ولو كان في الفتوى، كما يظهر من التعليل في الأمر بترك الشاذ النادر (2)- موافقة للتقية، لا يلتفت إليه وإن صح سنده، كالصحيح: في رجل رهن جارية عند قوم أيحل له أن يطأها؟ قال: «نعم، إن الذين ارتهنوها يحولون بينه وبينها» قلت: أرأيت إن قدر عليها خالياً؟ قال: «نعم، لا أرى هذا عليه حراماً» (3)والآخر مثله (4).

وتقويته بعمومات «الناس مسلّطون على أموالهم» (5)لا يقابل ضعفها بما قدمناه.

وإن لم يكن فيه تعريض لذلك - كوطء اليائس وتقبيل الأمة وركوب الدابة واستخدام العبد إذا لم يؤد شيء من ذلك إلى نقص في العين المرهونة - ففيه وجهان: أحدهما:

جواز التصرّف؛ لعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (6)وللأصل مع عدم ثبوت دليل المنع.

وثانيهما: المنع منه؛ لأنّ فائدة الرهن الاستيثاق لاستيفاء الدين، فلو جاز للراهن التصرّف بطل همه في الوفاء وقلت همته في العطاء.

والأوّل أقوى، إلا أنّه قد نُقل الإجماع على المنع من جميع التصرفات (7)، ومعه يكون القول به قوياً أيضاً، ويساعده الاحتياط.

تاسع عشرها : حكم ما لو تصرف الراهن بماله بنقل عين أو منفعةٍ

تاسع عشرها: لو تصرّف الراهن بماله بنقل عين أو منفعة كان آثماً ووقف عقده على الإجازة؛ لفحوى الأدلة الدالة على الفضولي (8)مساواة أو أولوية، فلو أجاز المرتهن صح. وهل إجازته ناقلة أو كاشفة؟ وجهان.


1) يأتي في الهامش (3 و 4).

2) وسائل الشيعة 27 : 106، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ...، ح 1 .

3) المصدر 18 : 397، الباب 11 من أبواب كتاب الرهن، ح 2.

4) المصدر : 396، ح 1.

5) راجع ص 117، الهامش (5).

6) راجع ص 117، الهامش (5).

7) راجع ص 117 الهامش (2) .

8) وسائل الشيعة 21 : 203 ، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1؛ مستدرك الوسائل 13 : 245، الباب 18 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

وليس تعلّق الرهن كتعلّق أرش الجناية أو الشفعة أو تركة الميت مع الدين؛ لعدم التحجير فيها ابتداء، بخلاف الرهن.

ولا يكون ثمن العين وأُجرة المنفعة رهناً قهراً إلا مع عقد جديد على الأقوى.

ولو تصرف فيه بما شرطه القربة كما إذا أخرجه زكاةً أو خمساً أو وقفه، ففي صحته مع تعقب الإجازة بحث وإشكال.

ويقوى الإشكال في العتق؛ لاشتراط التنجيز فيه واشتراط القربة عند صدور صيغته، ولعدم جريان الفضولي فيه وهذا منه أو شبهه، وللشكّ في شمول دليل العتق له فيشك في صحته، وللنهي عنه (1)لأنّه تصرّف ممنوع منه والنهي مقتض لفساده.

مع احتمال صحته كما نُسب للمشهور (2)تمسّكاً بعموم أدلة العتق (3). وبالمنع من مساواته للفضولي؛ لأنه فقدان للشرط، وهذا فقدان للمانع، فإذا ارتفع عمل عمله، وبالمنع من تعلّق النهي بنفس صدور الصيغة؛ إذ ليست تصرّفاً عرفاً، وبالمنع من منافاة إيقاع صيغة العتق للتحريم؛ لكونه لأمرٍ خارج، وبالمنع من اشتراط التنجيز في رفع المانع، وإنما يشترط ذلك في فقدان الشرط. والكل ضعيف.

ولو باع المالك أو وقف أو عتق أو نحو ذلك وفك الرهن أو انفك، كان كالإجازة من المرتهن، ويكون كمن باع شيئاً ثم ملكه.

وهل الفك ناقل أو كاشف؟ وجهان.

وهل يفتقر إلى إجازة من الراهن بعد الفك ؟ الظاهر لا.

واحتمال أنّ العقود والإيقاعات تؤثر أثرها حين صدورها ولكن للمرتهن حلّها، بعيد كلّ البُعد؛ لأنّه خلاف اتفاقهم على كون الرهن محجّراً عليه وعلى أنّ الحُرّ لا يعود رقاً.

العشرون: في أن عقد الرهن لازم من طرف الراهن وجائز من طرف المرتهن

العشرون: عقد الرهن لازم من طرف الراهن للأصل، ولأنّه حق عليه، وجائز من طرف المرتهن؛ لأنه حق له، فلا ينفسخ من جانب الراهن إلا بفسخ من المرتهن أو إبراء له من الدين، أو بوفاء من الراهن أو من غيره تبرّعاً أو بإذنه على وجه الدفع أو الضمان أو الحوالة أو نحو ذلك.


1) راجع ص 117 الهامش (4) .

2) نسبه الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 214 إلى الأكثر.

3) وسائل الشيعة 23 : 9 - 11، الباب 1 من أبواب كتاب العتق، ح 2، 4، 7، 8.

وبالجملة فهو وثيقة للدين فينتفي بانتفائه.

وهل هو وثيقة على مجموع الدين فلو وصل إليه بعضه انفك الرهن كله؛ لقوات المجموع، أو على الجميع فلو بقي بعض بقي كلّه، أو موزّعاً عليه فلو انفك من الدين بعض انفك من الرهن بنسبته إن ربعاً فربعاً وإن ثلثاً فثلثاً وإن نصفاً فنصفاً؟ وجوه، والأقرب لإطلاق العقد: الأول، والأقرب لما شرع له العقد من الاستيثاق الثاني، والأقرب لقواعد عقود المعاوضة أو ما شابهها الثالث، وخير الوجوه أوسطها، وربما ينصرف إليه الإطلاق، ونُقل عليه الإجماع (1)، وعليه سيرة الفقهاء.

ويلزم على الأخير أنه لو تلف بعض الرهن بطل الاستيثاق منه فيما قابله من الدين بنسبته، فلو تلف ثلث الرهن بقي ثلثاه رهناً على ثلثي الدين، لا على كلِّه، وهو خلاف ظاهر الفقهاء.

والأولى والأحوط ذكر أحد الأمور الثلاثة تفصياً من لزوم الإجمال المفسد للرهن.

هذا كله مع الإطلاق.

ولو اشترطا كونه رهناً على المجموع أو على الجميع أو على النسبة، اتبع شرطهما.

وعلى الأوّل فهل للمرتهن عدم قبول بعض الدين؛ لاستلزامه الضرر بانفكاك الرهن بقبوله، أو ليس له؛ لأنّ الغريم ليس له الامتناع من قبض بعض حقه إذا لم يدخله ضرر بالتبعيض، وانفكاك الرهن وإن كان ضرراً إلا أنه هو الذي أقدم عليه لعلمه بعاقبة أمره؟

وعلى كل حال، فلو انفك الرهن بقي في يد المرتهن أمانة مالكية موضوعة بإذن المالك ورضاه، فلا يجب ردّها على المالك إلا مع مطالبته، ولا يجب إعلامه بها بعد نسيانه، بخلاف الشرعيّة فإنّه يجب فوراً ردها إلى مالكها أو إعلامه بها.

نعم، لو نسي المالك الرهن نسياناً لا يرجى زواله أو لم يعلم بانفكاك الرهن كما إذا أبرأه المرتهن، لزم إعلامه في المقامين كي لا يضيع عليه حقه في العين.

الواحد والعشرون: في أنّ كلّ عقد صح الشرط فيه صح الرهن

الواحد والعشرون: ذكرنا أنّ عقد الرهن من العقود القابلة للشروط، فكلّ عقد صح الشرط فيه صح الرهن وكلّ عقد بطل الشرط فيه بطل الرهن؛ بناءً على عدم إمكان فساد الشرط وصحة العقد كما هو الأصح.


1) المبسوط 201:2 - 202 .

ثم إن كان الشرط ممّا يؤدي كون الرهن مضموناً ابتداء كرهن الشيء واشتراط كونه مبيعاً حالاً، أو بعد وقت خاص كاشتراط كونه مبيعاً بعد الوقت الخاص، كان الرهن مضموناً عند فساد عقده ابتداءً إن كان الشرط في الابتداء، وبعد الوقت إن كان الشرط بعد الوقت؛ لأنّ ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده.

وربما يلحق به اشتراط كون الرهن أمانةً مضمونةً على المرتهن؛ فإنه مما يفسد العقد به. ويلحق المشروط عليه الضمان بتلفه؛ لإقدامه على الضمان بالشرط.

وإن لم يؤد الشرط ذلك ابتداء أو بعد الوقت كان الرهن غير مضمون مطلقاً، وإن أدّى أنه مضمون بعد الوقت كان غير مضمون قبله.

كلّ ذلك للقاعدة المسلّمة أنّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

ويظهر من بعضهم (1)الاتفاق على صحة مضمون قاعدتي الإثبات المتقدمة وقاعدة النفي.

ويؤيد الأُولى عموم: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (2)وكون القابض قادماً على الضمان والدافع دفعه على هذا الوجه.

ويؤيد الثانية الأصل، وكون الدافع قادماً على عدم الضمان كالقابض، وأن أدلة الضمان منصرفة بحكم التبادر لغير ما فرض إقدام الدافع فيه على عدم الضمان، وهذا لا إشكال فيه مع جهلهما أو علمهما أو علم الدافع وجهل المدفوع إليه.

ويشكل مع جهل الدافع بالفساد وعلم المدفوع إليه، بل يشكل مع جهل الدافع مطلقاً؛ لتوهم الصحة منه حين الدفع، فكأنه دفع على الوجه الخاص ورضي به مقيّداً، فبدونه يكون مدفوعاً بغير حقٍّ، سيما مع علم المدفوع إليه وإقدامه على الباطل، فيشمله عموم دليل الضمان إلا أنّ ظاهرهم جعل الحكم في الكلّ واحداً وتمشية القاعدة المتقدمة في جميع الموارد.

ثم إن من الشروط الفاسدة اشتراط كون الرهن مبيعاً في الحال أو عند حلول الأجل فإنّه يفسد الشرط؛ لعدم وقوع البيع بنفس الشرط فيهما، وعدم التنجيز فيه في الأخير فيفسد الرهن بفساده؛ لفساد الشرط، وللزوم التوقيت في الرهن في الأخير، وقد نقل الإجماع (3)على الفساد بهذا الشرط أيضاً.


1) راجع مسالك الأفهام 4 : 56.

2) تقدم تخريجه في الهامش (1) من ص 102.

3) المبسوط 204:2.

ويلحق باشتراط كونه مبيعاً اشتراط ثمرة كثير من العقود اللازمة حالاً أو مؤجلاً. ومثلها لو شرط كونه مبيعاً له إن لم يؤد الدين على وجه الإطلاق، أو شرط كونه وفاء له إن لم يؤدّ مطلقاً أو في وقتٍ خاص؛ للجهالة في الأوّل، والتوقيت في الثاني، وهما باطلان.

الثاني والعشرون: في أن فوائد الرهن ونماءه وأروشه ومنافعه للراهن

الثاني والعشرون: فوائد الرهن ونماؤه وأُروشه ومنافعه كلها للراهن، موجودة حال العقد أو معدومة، متصلةً كانت النماءات أو منفصلةً، كان اتصالها اتصال الجزء كالصوف والشعر والوبر، أو كاتصال الجزء كالحمل والثمرة والحليب والبيضة، كان مما يقبل الانفصال كما قدمنا، أو ممّا لا يقبل كالطول والسمن.

وكلّ ذلك للاستصحاب، وفتوى الأصحاب، وظاهر الأخبار كقوله (علیه السلام): «غلة الرهن تحسب لصاحب الرهن مما عليه» (1)وفي آخر مثله (2)، وفي ثالث: فيمن رهن داراً لها غلة لمن الغلة؟ قال: «لصاحب الدار» (3)و في النبوي في الرهن «له غنمه وعليه غرمه» (4)وفي بعض أخبارنا ما يدلّ على أن هلاك الرهن منه فكذا نماؤه له (5).

وبعد الحكم بملكية الراهن لها فهل تدخل في الرهن دخولاً شرعياً أو دخولاً لفظياً عرفياً، أو لا تدخل؟ وجهان، بل قولان، بعد الاتفاق على عدم دخول المنفصل حالة الرهن، أو على دخول ما لا يقبل الانفصال مطلقاً حالة الرهن وبعده كالسمن والطول.

إنّما الكلام في المتصل القابل للانفصال حالة الرهن أو بعده، سواء كان كالجزء كالصوف ونحوه، أو ليس كذلك كالحمل، وفي المتجدد بعد حصول الرهن، انفصل أم لا، كان هو النماء أو عوضه كأرشه وأُجرته.

فقيل بدخول الكائن عند العقد والمتجدد بعده مطلقاً (6).


1) وسائل الشيعة 18 : 394، الباب 10 من أبواب كتاب الرهن، ح 1.

2) المصدر : 395، ح 4.

3) المصدر، ح 3.

4) تقدم تخريجه في ص 105، الهامش (1).

5) وسائل الشيعة 18 : 387، الباب 5 من أبواب كتاب الرهن، ح 6.

6) قال به ابن الجنيد على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 424، المسألتان 44 و 45.

وقيل بعدم دخول الحاصل وقت العقد والمتجدد مطلقاً (1).

وقيل بدخول الحاصل وقت العقد إن كان كالجزء كالصوف ونحوه، دون ما لم يكن كالجزء، كالحمل وشبهه، ودخول الحاصل بعده مطلقاً (2).

وقيل بدخول المتجدّد دون الحاصل وقت العقد مطلقاً (3).

والأظهر عدم دخول النماء الحاصل وقت العقد في الرهن مطلقاً؛ للأصل، وعدم دليل شرعي يحكم بدخوله ولا فهم عرفي من حاق العقد يقضي به، وقد نقل الإجماع على عدم دخول الحمل (4)، المشعر بعدم دخول ما شابهه.

نعم، ربما يدخل الصوف والشعر والقرن إذا كانت حالةً على الظهر حين العقد في العرف كثير من البلدان، ودخول المتجدد بعد العقد في الرهن مطلقاً، كما نُسب للمشهور (5)، ونقل عليه الإجماع عن جماعةٍ من أصحابنا (6).

ويؤيد بما جاء من تبعية ولد المدبّرة لها (7)، وبما جاء من تبعية النماء لأصله في كثير من المواضع، وبأنّ المنفعة لو لم تكن رهناً لجاز التصرّف بالعين، وهو ممنوع إجماعاً.

وهذه وإن تطرّق إليها الوهن من أنّ إلحاق الرهن بالمدبّرة قياس لا نقول به، وعلى تقديره فهو مع الفارق؛ لتغليب جانب الحُرّيّة في التدبير دون الرهن، ومنع الاستقراء القطعي في ذلك، وغيره ليس بحجة، ولأنّ المنع من التصرف بالمنفعة لاستلزامه التصرف بالعين، لكنّها لا تخلو من تأييد لما ذكرنا.

فظهر بذلك ضعف ما عليه جملة من أصحابنا من عدم الدخول (8)، استناداً لأصالتي عدم


1) قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 237؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 124؛ وفخر المحققين في إيضاح الفوائد 2 : 36.

2) كما في رياض المسائل 9 : 202 .

3) قال به السيد المرتضى في الانتصار : 474، المسألة 267؛ والشيخ المفيد في المقنعة : 623؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 423 - 424 .

4) الانتصار : 474 ، المسألة 267.

5) نسبه للمشهور الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 59.

6) منهم : السيد المرتضى في الانتصار : 474، المسألة 267؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 424.

7) وسائل الشيعة 23 : 122 - 123، الباب 5 من أبواب التدبير، ح 1 - 5.

8) راجع الهامش (1).

الدخول، وجواز تصرّف المالك بماله كيف شاء، وللأخبار القاضية بأن غلة الرهن للراهن (1)لانقطاع الأصل بما مرّ، وضعف دلالة الأخبار على عدم الدخول، وغايتها الدلالة على ملكية الراهن لها، وهو غير كونه ليس من توابع الرهن.

وعلى ما ذكرنا فيكون النماء المعدوم مرهوناً؛ لكونه من التوابع، ويغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل؛ لعدم صحة رهن المعدوم ابتداء.

ولو شرط رهن النماء تبعاً للأصل جاز؛ لعموم أدلّة الشروط (2). والوفاء بالعقود (3)، سواء ذلك النماء الموجود أو المتجدد.

وهذا كله - الذي ذكرناه - في النماء المتولد من الرهن عرفاً بحيث ينفصل عنه كانفصال الجزء من الكلّ، وأما غيره من أروش توجبها الجناية على الرهن أو ثمن الرهن إذا بيع اختياراً. أو أجرة منفعته، أو حيازة العبد وما يكتسبه، ففي دخولها في الرهن إشكال، بل الأقوى فيما عدا الأوّل العدم.

الثالث والعشرون: حكم ما لو رهن المالك المغصوب عند الغاصب

الثالث والعشرون: لو رهن المالك المغصوب عند الغاصب أو أودعه إياه أو ضاربه عليه، ويلحق بالمغصوب كلّ مضمون كالمأخوذ بالسوم والبيع الفاسد، فإن أذن له في قبضه للرهن فقبضه بوكالته عنه له قبضاً جديداً، برئ من ضمانه قطعاً، وكذا لو أسقط عنه بعد الرهن حكم الضمان المتقدّم وقلنا بصحة إسقاط الضمان عمّن تعلّق به قبل التلف، برئ أيضاً.

وإن لم يقبضه قبضاً جديداً بإذنه ولا أسقط ضمانه، كما إذا رهنه ولم يتعرّض للقبض وقلنا بكفاية الاستدامة فيه للرهن أو رهنه وأذن له في إبقائه عنده، فهل يبقى حكم الضمان؛ للاستصحاب، وعدم منافاة الرهن للضمان كما في صورة التعدي والتفريط؛ لأنّ ابتداء الشيء أضعف من استدامته؛ لاحتياج الابتداء إلى المؤثر دون الاستدامة، فإذا جاز استدامة الرهن مع ابتداء الضمان في صورة التعدّي جاز اجتماع ابتداء الرهن مع استدامة الضمان بالأولى، أو يزول حكم الضمان لزوال سببه؛ لأنّ سببه القبض الغصبي وقد زال بالرهن؛ لرضاه ببقائه


1) وسائل الشيعة 18 : 394، الباب 10 من أبواب كتاب الرهن.

2) راجع ص 77، الهامش (5).

3) المائدة (5) : 1.

عنده، وانصراف القبض في الاستدامة إليه، فيكون قبضه في الاستدامة للرهن فلا يكون غاصباً استدامة، وضمان الرهن مع العدوان إنما جاء بسببه لا بسبب آخر قد زال موجبه؟

نعم، لو بقي الرهن على غصبه ولم يرضَ المالك ببقائه عنده وقلنا بكفاية القبض الغيرمأذون به كان الرهن مضموناً قطعاً، ولا نزاع فيه.

ومثله ما لو نوى المرتهن بقبضه الغصب دون الرهن.

وفي الأخير قوة، إلا أنّ الأوّل أقوى.

الرابع والعشرون: فيما لا يدخل في رهن النخل أو الأرض

الرابع والعشرون: لو رهن النخل لم تدخل الثمرة وإن لم تؤبر. ودخول غير المؤبَّر في البيع للدليل.

وإذا رهن أرضاً لم يدخل الشجر والزرع فيها إلا مع الشرط.

وفي دخولهما لو قال بحقوقها، إشكال.

ولا يبعد عدم الدخول؛ لأنهما ليسا من حقوقها عرفاً.

ولا يدخل في الأرض المرهونة ما تنبته بعد الرهن ولو قلنا بدخول النماء، سواء في ذلك ما ينبت لنفسه أو ينبته المخلوق؛ لعدم كونه من نماء الأرض عرفاً، وإنّما هي بمنزلة الاناء له.

ويحتمل التفصيل بين ما ينبت من البذر الموضوع فيها وبين ما ينبت منها لنفسه، فيدخل الأخير في الرهن. وهو حسن بناء على دخول النماء المتجدد.

ولا يجوز للراهن الزرع أو الغرس في الأرض المرهونة، ولو زرع أو غرس كان للمرتهن قلعه إذا أضر بالأرض.

وهل له من دون الإضرار؟ لا يبعد ذلك؛ لأنّه ظالم وليس لعرق ظالم حق.

ولو نبت الزرع أو الغرس بنفسه، فإن كان مضراً فالأظهر أن له قلعه، وبدون الإضرار يقوى العدم.

وإذا رهنه بيضة فاحتضنها فصارت في يده فرخاً، أو رهنه حباً فزرعه، أو قصيلاً فغرسه، بقي ملك الراهن؛ لأنّه نماء ملكه، وبقي الرهن بناءً على ما تقدم.

ولو رهن عنده حيواناً فاستحال ملحاً ، أو حطباً فعاد فحماً، أو رماداً متموّلاً، أو ماء فانقلب بخاراً، بقي الملك والرهن؛ لأن الأصل مملوك مرهون فيستصحب حكمه، ولم يثبت أنّ هذه التغييرات للصفات وهذه الاستحالات للذوات مخرجة لها عن ذلك الحكم.

ودعوى انقطاع الاستصحاب بتبدل الموضوع مسلّمة لو علق الحكم على وصفه الخارجي و مشخصاته الخارجيّة، وهو في هذا المقام في حيّز المنع.

نعم، لو انتفى الحكم قطعاً بتبدل موضوعه كما لو رهن عنده عصيراً فصار خمراً ثم عاد خلاً، أو استحال المرهون إلى ما لا يملك ثم عاد إلى ما يملك احتاج عوده إلى الملك والرهن إلى دليل.

إلا أنّ ظاهر الفقهاء أن العصير لو استحال خمراً فعاد خلا بقي الملك والرهن، وكأنه بناء منهم على عدم زوال الملكيّة عن الخمر هنا بالكلية، بل يبقى للراهن عليها سلطنة وأولوية. فكأن الملك والرهن موجودان بالقوة القريبة من العقل لتوقع استحالتها خلّا، فكانت كالخمرة المحترمة المتخذة للتخليل، فإذا زال مانع الملك منها عمل المقتضي عمله.

ونظير ذلك زوجة الكافر إذا أسلمت فإنّها تخرج عن حكم العقد ما دامت في العدة خروجاً متزلزلاً ينتقض بإسلامه فيعود حكم العقد إليه.

ويجوز رهن الخرطة والجزة واللقطة؛ لإطلاقات الأدلة من دون معارض، فإن حل الحق قبل تجدد الثانية فلا كلام وإن تأخر صح الرهن ابتداءً أو استدامة؛ لعدم المانع، سوى ما يتخيّل من تعذر الاستيفاء بسبب عدم التمييز، ومن عدم إمكان البيع، وهما ضعيفان؛ لإمكان الاستيفاء بالصلح والتراضي أو القرعة، ولمنع شرطية إمكان البيع، ولو سلم فهو شرط في ابتداء الرهن لا في استدامته.

الخامس والعشرون: في أنّه يجوز أن يرهن مال نفسه لغيره تبرّعاً أو يرهنه بإذنه أو أن يرهن مال غيره بإذنه

الخامس والعشرون: يجوز أن يرهن مال نفسه لغيره تبرّعاً في وجه قوي، ويجوز أن يرهنه بإذنه فيكون من قبيل العارية، وأن يرهن مال غيره بإذنه ابتداء أو استدامة، كما إذا رهنه فضولاً فأجاز، ويكون استعارةً للرهن لا ضماناً من المعير لدين المرتهن في ماله، فيجري على المال حكم الإعارة، لا حكم المال المضمون تأدية الدَّيْن منه، إلا أنه حيث استعير للرهن غلب عليه جانب المستعار لأجله، فيلزم بعد رهنه وقبضه أو بعد رهنه فقط على وجه تقدّم.

ويجوز للمرتهن بيعه عند حلول الأجل مع الامتناع أو الغيبة إن كان وكيلاً، وإلا فبإذن الحاكم على نحو ما تقدم، وجاز له الاستيفاء منه مطلقاً أو بإذن المالك أو الحاكم.

ويضمنه المستعير بعد رهنه مثلاً أو قيمةً مع تلفه أو نقصانه؛ لإقدامه على ضمانه وعلى تعريضه للتلف والاستيفاء منه.

ويضمنه أيضاً بثمن ما بيع به إن بيع بأزيد من ثمن المثل، وبثمن المثل إن بيع بالمساوي أو الأنقص في صورة إمكان صدوره من الوكيل لقلة الراغب، أو لتسامحه فيما يتسامح به عادةً.

والمعتبر في القيمة يوم التلف، فإن اختلفت أُخذ بأعلاها احتياطاً، أو بأدناها؛ للأصل، وخير الأمور أوسطها.

ولو تعذرت العين، ضمن قيمتها يوم التعذر مع احتمال ضمانها يوم التلف، ولا يضمن المستعير زيادة القيمة ما دامت العين باقية.

وهل يضمن العين قبل رهنها؛ لإقدامه على أنّها مضمونة عليه، ولعموم دليل الضمان (1)، أو لا يضمن؛ تغليباً لحكم الأمانة، وأصالة عدم الضمان خرج من ذلك ما كان بعد الرهن وبقي الباقي ؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.

ويجوز للمعير أخذ العين قبل رهنها؛ لجوازه قبله، ويجوز له المطالبة بفك الرهن؛ لاستحقاقه ارتجاع العين، ويجب على المستعير فكها، ولا يجوز له أن يدفعها للمرتهن اختياراً عوض دينه، كما أن المعير ليس له الرجوع على المرتهن وأخذها منه، وليس للراهن أيضاً فكها؛ للزومها من قبلهما معاً.

نعم، للمعير في كلّ وقتٍ مطالبة المستعير بالفك أو تأدية المثل أو القيمة، وله أن يجبره على الفك ابتداء، فإن تعذر جبره على المثل أو القيمة، فإن أعسر فنظرة إلى ميسرة.

ولا يلزم على المرتهن الاستئذان من المعير بالبيع ولا الاستئذان بالاستيفاء. ولا يجوز للمستعير أن يتعدى ما عيّنه له المعير من شخص ووصف وقدر دين وحلوله وتأجيله وقدر الأجل.

وإن أطلق، احتمل جواز الأخذ بالإطلاق؛ واحتمل عدمه للجهالة، فيلزمه ذكر قدر الدين ووصفه وحلوله وتأجليه.


1) راجع ص 102، الهامش (1).

ولو بطل عقد العارية بطل عقد الرهن المترتب عليه، ويضمن الراهن بعد الرهن الفاسد؛ لضمانه بصحيحه. وفي ضمانه قبله وجهان:

وهذه العارية انعقد عليها الإجماع وقضت بها عمومات الأدلة، وليست على نحو العارية المشروعة للانتفاع بها مع بقاء عينها؛ لتعريض هذه للتلف والاستيفاء، ولأولها إلى اللزوم، ولتعلّق الضمان بها، وهذه كلها خلاف وضع العارية ولولا متابعة الفقهاء في الحكم بكونها عارية، لكان القول بأنّها عقد مستقل جاء به الإجماع لا بأس به.

واحتمال أنه ضمان في مال معين لا تشتغل به ذمة الضامن ولا تفرغ به ذمة المضمون عنه، ويجوز المطالبة بفكه قبل الأداء بعيد كل البعد؛ لمنافاته لقواعد ذاتيات الضمان ولكلام الأصحاب.

وهل تصلح الاستعارة المحدودة بحد للرهن؛ لأنّ التوقيت فيها لا ينافي الإطلاق في الرهن، أو لا تصلح؛ لاستلزامه التوقيت في الرهن وهو لا يتوقت إلا بالوفاء؟ وجهان، والأخير أوجه.

السادس والعشرون: عدم جواز رهن المحرّم

السادس والعشرون: لا يجوز رهن المحرَّم كالخمر والخنزير والكلب وآلة اللهو والخبائث والأعيان النجسة من المائعات وغيرها.

ولو رهن المحرَّم، بطل الرهن وكذا ما لا يتموّل كحبة حنطة. ولو رهن نجساً فاستحال إلى محلل - كما إذا رهن المسلم خمراً فصار خلا - بطل الرهن قطعاً، ولا يعود بعوده محلّلاً.

وهل يملكه الأول؛ لسبق يده فله حق الأولوية؛ أو يملكه الثاني؛ لأنه صار في يده قابلاً للملك وقد كان قبله غير مملوك، فهو كالمباح عند استيلاء يد المحيز عليه؟ وجهان، أقربهما: الثاني، فيملكه الثاني مع النية أو بدونها.

نعم، لو كانت الخمر محترمةً - وهي المتخذة للتخليل - فرهنها فعادت خلّا، قوي القول بعود الملك إلى الأوّل وإن بطل الرهن؛ لعدم جواز نقلها وإن حرم غصبها وإتلافها، وجاز ادخارها وجمعها.

السابع والعشرون: حكم ما إذا جنى العبد المرهون عمداً أو خطاً

السابع والعشرون: إذا جنى العبد المرهون عمداً أو خطأ، نفساً أو طرفاً، على مولاه أو على غيره، قدّم حق الجناية على حق الرهن وإن تأخرت عنه؛ لتعين حق الجناية برقبة

العبد الجاني من دون بدل بخلاف الرهن فإنّ بدله عند امتناعه ذمة الراهن، ولتقدم حق المجني عليه على المالك الأصلي فليتقدم على حق الراهن بطريق أولى، ولقوة حق المجني عليه على حق الراهن؛ لجواز استيفاء حقه من غير مراجعة المالك، بخلاف الراهن، ولأن حق الجناية متعلّق بسبب النفس وحق الرهن بسبب المال، فهي أقوى.

والعمدة في الباب قوّة دليل حق الجناية على دليل الرهن والظاهر اتفاقهم على ذلك.

وحينئذ فإن كانت الجناية على المولى وكانت عمداً، فإن أوجبت قصاصاً اقتص منه وبطل الرهن فيه كله إن كانت على نفس وإن كانت على طرف اقتص من الطرف وبقي الباقي رهناً، وإن أوجبت مالاً لعفو أو لغيره بقي رهناً؛ إذ لا يثبت للمولى على ماله مال، ولو كانت خطأ بقي رهناً كذلك؛ لعدم ثبوت شيء للمولى على عبده.

وإن كانت الجناية على غير المولى، فإما أن يرث المولى المجني عليه، أو لا يرثه، فإن ورثه وكانت عمداً، فللمولى قتله إن كانت على نفس، وبطل الرهن من أصله، ولو كانت على طرف اقتص منه طرفاً وبقي الباقي رهناً، وإن عفا عنه المولى من دون مال بقي رهناً، وإن عفا عنه بمال أو كانت الجناية خطاً وشاء الاسترقاق استرقه وبطل الرهن؛ لأن الحق إنما انتقل إلى المولى من الموروث المجني عليه. وكما لا يمتنع ثبوت مال المورّث المولى على عبده، فكذا لا يمتنع انتقاله عنه انتقاله عنه إليه فيفكه من الرهن؛ لأنّ حق الجناية محسوب من دية المجني عليه فتنفذ فيها وصاياه ويوفي منها دينه ثم تنتقل إلى الوارث. وهذا هو الفارق بين الجناية على نفس المولى وبين الجناية على مورّثه.

وأن لم يرث المولى المجني عليه، فإن كانت الجناية عمداً على نفس أو طرف فاقتص منه بطل الرهن فيما تعلّق به القصاص دون الباقي، وإن اختار المجني عليه الاسترقاق كلّاً أو بعضاً بطل فيما استرق منه وبقي الباقي أيضاً رهناً، وكذا إن بيع في الجناية كلاً أو بعضاً، وإن عفا المجني عليه بقي رهناً.

وإن كانت الجناية خطاً، فإن فكه المولى أو عفا عنه المجني عليه بقي رهناً، وإن استرقه كلاً أو بعضاً أو بيع كذلك على حسب الجناية بطل الرهن فيما استرق أو بيع وبقي الباقي رهناً، وإن كان الواجب دون قيمة العبد ولكن لا يمكن بيع البعض للتعذر أو لمكان الضرر، بيع الجميع وبقي الزائد رهناً.

ولا فرق في جناية العبد بين كونها منه ابتداء أو بأمر السيد على وجه الإكراه أو بدونه. نعم، لو كان مجنوناً أو غير مميز أو ملجاً سلب منه الاختيار، تعلق حق القصاص وأرش الجناية برقبة السيد وبقي العبد رهناً.

الثامن والعشرون: في مسائل متفرّقة

أحدها: جواز جعل نصف المشاع رهناً

أحدها: يجوز جعل نصف المشاع رهناً وينصرف الرهن إلى نصيب الراهن، ويجوز جعل المشاع بين اثنين رهناً على دينهما فينصرف كلُّ إلى نصيبه، ولا يكون بمنزلة مَنْ رهن ماله ومال غيره بإذنه، فإذا وفى أحدهما دينه صار نصيبه طلقاً.

ويجوز رهن المال عند ثلاثة، فيكون بينهم بالسوية، أو ينقسم على نسبة المال؟ وجهان، والأوّل أوجه.

ويجوز أن يرهن رهناً على المال ثمّ يرهنه على مالٍ آخر من دون فسخ للأوّل مع رضى المرتهن، وإذا فعل ذلك احتمل التنصيف، واحتمل الرهن على النسبة، واحتمل كون الفاضل من دَيْن الأول للثاني، واحتمل العكس، والأظهر لزوم البيان والإعلام في مثل هذا المقام.

وإذا رهن جزءاً من المشاع فلا يجوز تقبيضه للمرتهن، ولا وضعه عند أحدٍ خاص إلا برضى الشريك، فلو لم يرضَ بذلك رجع الراهن إلى الحاكم لينصب عدلاً لتقبيضه من الراهن والمرتهن مع رضاهما بذلك وإجازة المرتهن، وكذا لاستئمانه عنده، وسقط حق الشريك؛ للزوم الضرر والضرار وتعطيل المال، ولأنّ الحاكم منصوب لقطع الخصومة والنزاع.

وللحاكم أن يؤجره إذا رضي الراهن والمرتهن، ويقسم الأجرة بين الراهن والشريك.

وإذا مات المرتهن، انتقل حق الرهانة إلى الوارث، فإن امتنع الراهن من استئمانه كان له ذلك، فإن رضيا على واحدٍ لزم وضعه عنده، وإلا تولّى وضعه الحاكم عند أمين قطعاً للخصومة.

ثانيها: عدم توقيت الرهن بوقت

ثانيها: لا يتوقت الرهن بوقت كما يظهر من اتفاقهم ولو وُقت فسد؛ وذلك لأن وقته وفاء الدَّيْن؛ لأنّه وثيقة له، فلا يتوقت بغيره، على أنّ الرهن الموقت لا ينصرف إليه إطلاقات الرهن كتاباً (1)وسنة (2)، فيشك في صحته.


1) البقرة (2) : 283 .

2) وسائل الشيعة 18 : 379 - 381، الباب 1 من أبواب كتاب الرهن.

نعم، يجوز الرهن بشرط عدم التصرّف فيه مدة سابقة أو لاحقة، ولا يجوز اشتراط عدم التصرف فيه مطلقاً؛ لمنافاته لمقتضى العقد.

ثالثها: فيما لو أتلف الرهن متلف كان مثله أو قيمته رهناً

ثالثها: لو أتلف الرهن مُتلِفٌ، كان مثله أو قيمته رهناً.

وهل يكون نفس ما في الذمة رهناً؛ لأنّ الابتداء في رهن الدين غير الاستدامة فيه، أو فرده الخارجي؟ وجهان، وظاهرهم: الثاني، سواء في ذلك الراهن أم المرتهن أم الأجنبي.

ويشكل ذلك؛ حيث إنّ الرهن نفس العين، فالانتقال إلى قيمته مفتقر إلى دليل، وليس هناك ما يدلّ عليه شرعاً، ولا يقتضيه عقد الرهن عرفاً ، سيّما لو كان المتلف هو الراهن، فإنّه ليس عليه من ماله عوض، وإيجاب البدل عليه مفتقر إلى دليل.

وكذا لو كان المُتلف هو المرتهن اختياراً، فإنّ الحكم بتغريمه المثل أو القيمة وجعلهما رهناً مخالف للقواعد.

وكذا لو عاوض عليه الراهن برضى المرتهن ولم يشترط في إذنه كون العوض رهناً.

وكذا لو كان الرهن مستعاراً فتلف، فإنّ إيجاب مثله أو قيمته على الراهن وجعلهما رهناً لا معنى له. وإيجاب بدل على الراهن للمرتهن وعوض للمالك بعيد كل البعد.

ويجري الكلام في أعواض نماء الرهن وأرشه والجناية عليه.

وللتأمل في جميع ذلك مجال.

رابعها: في أنه يضمن الرهن بمثله أو قيمته يوم تلفه إن تلف بغصب أو إتلافٍ من أجنبي أو تلف بتفريط من المرتهن

رابعها: يضمن الرهن بمثله أو قيمته يوم تلفه إن تلف بغصبٍ أو إتلافٍ من أجنبي.

وإن تلف بتفريط من المرتهن، فالأظهر ضمانه بمثله أو قيمته يوم تلفه أيضاً؛ لأنه وقت تعلّق الخطاب بالضمان به ونُسب للأكثر (1)، وهو الموافق للعدل.

ويضمن ما نقص منه بهزال أو عيب بعد التفريط قبل التلف. ولا يضمن زيادة القيمة السوقية قبل التلف؛ لعدم دخولها تحت اليد.

ويضمن قيمة المثل عند تعذره يوم التعذر ، مع احتمال ضمانها يوم المطالبة، واحتمال ضمانها يوم الأداء، واحتمال ضمان أعلى القيم ما بين التعذر والمطالبة، أو التعذر والأداء، أو المطالبة والأداء، وكلّها احتمالات ضعيفة.


1) نسبه للأكثر الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 73.

وقيل : إنّ المرتهن يضمن قيمة الرهن إذا فرّط فيه يوم قبضه (1).

وقيل: أعلى القيم ما بين قبضه وتلفه (2)

2: 35 إلى الشيخ الطوسي في المبسوط، ولم نجده فيه.

.

ويظهر من بعضهم أنّه يضمن قيمته يوم تفریطه به (3)، ومن بعضهم أنه يضمن الأعلى ما بين تفريطه وتلفه (4)، ويظهر من آخرين أنه يضمن الأعلى ما بين التلف والحكم عليه بالقيمة (5).

وقد يحتمل أنه يضمن قيمة يوم الأداء، ويحتمل قيمة يوم المطالبة، ويحتمل الأعلى ما بين جميع ما تقدم، ويحتمل الأعلى ما بين الاثنين أو الثلاث أو الأربع أو الخمس. وكلها احتمالات بعيدة.

ولو اختلفت القيمة السوقية أُخذ بأدناها؛ للأصل، وأعلاها؛ للاحتياط، وخير الأُمور أوسطها.

وكذا لو اختلف المقوّمون.

ولو اختلف الراهن والمرتهن في القيمة، فالقول قول مدّعي النقيصة؛ للأصل، وعموم الأدلة.

والقول بتقديم قول الراهن؛ لأنّ المرتهن خائن كما نُسب للأكثر (6)، ونقل عليه الإجماع (7)، ضعيف لا يقاوم ما تقدم.

خامسها: حكم ما لو اختلف الراهن والمرتهن في جنس الدين أو في وصفه الزائد أو في تأجيله أو في قدر الدين

خامسها لو اختلف الراهن والمرتهن في جنس الدين كانا متداعيين، فيتحالفان مع عدم البينة، وإن اختلفا في وصفه الزائد أو في تأجيله أو في زيادة أجله، كان القول قول النافي.

وكذا لو اختلفا في قدر الدين، فإنّ القول قول الراهن؛ للأصل، وعموم الأدلة، والإجماع المنقول (8)المعتضد بفتوى الأكثر.


1) ممّن قال به المحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 75.

2) نسبه كل من السيوري في التنقيح الرائع 2 : 174؛ والصيمري في غاية المرام 2 : 158؛ وفخر المحققين في إيضاح الفوائد

3) لم نعثر على قائله.

4) العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 420، المسألة 39؛ وابن فهد الحلّي في المهذب البارع 502:2؛ والصيمري في غاية المرام 2 : 158.

5) هو قول ابن الجنيد على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 420، المسألة 39.

6) نسبه للأكثر الشهيد في الدروس الشرعية 3: 406؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 74.

7) غنية النزوع 246:1.

8) المصدر.

والصحيح: في الرهن، ادّعى الذي عنده الرهن أنه بألف درهم، وقال صاحب الرهن إنّه بمائة، قال: «البينة على الذي عنده الرهن أنّه بألف، فإن لم تكن بينة فعلى الراهن اليمين» (1).

وفي الموثق عن ابن أبي يعفور مثله (2).

وفي ثالث عن [عبيد بن] (3)زرارة مثلهما (4).

وقيل - ونُسب لابن الجنيد - : إن القول قول المرتهن ما لم تزد دعواه على قيمة الرهن، فلا تسمع في الزيادة وطلبت منه البينة (5).

وفي بعض العبارات ما لم تستغرق دعواه قيمة الرهن(6).

وفي ابتداء عبارته المنقولة ما يدل على ذلك حيث قال: «المرتهن يُصدق في دعواه حتى يحيط بالثمن» (7).

وفي رواية السكوني كذلك حيث قال فيها: يُصدَّق المرتهن حتى يحيط بالثمن؛ لأنه أمينه» (8).

إلا أن الظاهر أن مذهبه الأوّلُ؛ لقوله بعد ذلك: وإن زادت دعوى المرتهن على القيمة لا تقبل (9).

وكذا الظاهر من الرواية إرادة ذلك بمعنى أنه يحيط فيدعي الزيادة، بقرينة قوله (علیه السلام): «لأنّه أمينه» حيث إنّه أمين على الكل.

وعلى كل حال فقول ابن الجنيد ضعيف؛ لضعف الرواية سنداً، وشذوذها عملاً وفتوى، فاطراحها أو حملها على التقية أو الندب أولى.

واحتمال أن مَنْ بيده الرهن ذويد عليه فهو مصدق بما يدعيه في مقابله ، ضعيف جداً أيضاً.


1) وسائل الشيعة 18 : 402، الباب 17 من أبواب كتاب الرهن، ح 1.

2) المصدر : 403، ح 2.

3) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

4) وسائل الشيعة 18: 403، الباب 17 من أبواب كتاب الرهن، ح 3.

5) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 420:5، المسألة 40.

6) شرائع الإسلام 2 : 76 .

7) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 420، المسألة 40.

8) وسائل الشيعة 18: 403، الباب 17 من أبواب كتاب الرهن، ح 4.

9) راجع الهامش (5).

سادسها: حكم ما لو اختلفا في التعدّي والتفريط أو في صحة الرهن وفساده أو في ردّ الرهن وعدمه أو

سادسها: لو اختلفا في التعدي والتفريط، فالقول قول الراهن (1)للأصل، وعموم الأدلة، والإجماع المنقول (2)والشهرة المحصلة.

ولو اختلفا في صحة الرهن وفساده لفقدان شرط أو وجود مانع، فالقول قول مدعي الصحة. ولو اختلفا في ردّ الرهن وعدمه، فالقول قول الراهن، سواء تسالما على استيفاء الدين أو على عدمه؛ لأنّه مقبوض لمصلحة المرتهن ابتداءً فيستصحب حاله، ولا يُصدق المرتهن عليه، ويغرم المثل أو القيمة، ولا يلزم بنفس العين لئلا يلزم تخليده في الحبس.

ولو اختلفا في القبض، فالقول قول منكره؛ لأصالة عدمه، وأصالة الصحة لا تحكم على أصالة العدم فيما كانت صحته موقوفةً على شرط متأخر يشك في حصوله وعدمه.

نعم، تحكم على ما تحقق صدوره وشك في تحقق شرائطه وارتفاع موانعه حين العقد وعدمه.

ولو اختلفا في تماميّة العقد وعدمه، احتمل تمشية أصالة الصحة في الجزء الصادر، فيحكم بتمامه، واحتمل عدمها؛ لعدم الاتفاق على تمامية العقد.

ولو اختلفا في صدور العقد حالة الصبا أو حالة البلوغ، احتمل الحكم بالصحة؛ لأصالة صحة العقد الصادر بنفسه بعد تعارض أصلي : تأخر كلٌّ من العقد والبلوغ عن الآخر، واحتمل عدمه؛ لعدم تحقق صدور العقد ممّن شأنه الصحة.

ولو اختلفا في وفاء الدين وعدمه، فالقول قول المرتهن.

سابعها: حكم ما لو اختلفا فيما بيد المرتهن من مال المالك، فقال المالك: هو وديعة وقال المرتهن: هو رهن

سابعها: لو اختلفا فيما بيد المرتهن من مال المالك، فقال المالك: هو وديعة، وقال المرتهن هو رهن، فالقول قول المالك بيمينه كما نُسب للمشهور (3)، بل يظهر من بعضهم أن القول بغيره مهجور متروك (4).

ويدلّ عليه الأصل، وعموم دليل الدعاوي.

وخصوص الصحيح في رجل رهن عند صاحبه رهناً فقال الذي عنده الرهن: أرهنته عندي بكذا وكذا، وقال الآخر: إنّما هو عندك وديعة، فقال: «البينة على الذي عنده الرهن


1) كذا قوله : «الراهن» في النسخ الخطية، والظاهر : «المرتهن» بدليل الإجماع المنقول عليه.

2) غنية النزوع 246:1.

3) نسبه للمشهور الشهيد في الدروس الشرعية 3 : 406.

4) راجع المختصر النافع : 229.

أنه بكذا وكذا، فإن لم يكن له بيّنة فعلى الذي له الرهن اليمين » (1).

والآخر: في رجل قال لرجل: لي عليك ألف درهم، فقال الرجل: لا، ولكنها وديعة. فقال (علیه السلام): «القول قول صاحب المال مع يمينه» (2).

وفي ثالث مثله (3).

وفيها دلالة على تقديم قول المالك مع أصالة براءة ذمة الآخر، فهنا أولى؛ لأصالة براءة ذمة المالك.

وقيل: إن القول قول مدعي الرهانة (4)لأنه صاحب يدٍ فيُصدق قوله.

وللخبر في متاع بين رجلين، فقال أحدهما: استودعتكه، والآخر يقول: هو رهن، قال: فقال: «القول قول الذي يقول: هو رهن عندي إلا أن يأتي الذي ادعى أنه أودعه بشهود» (5).

وفي الآخر: «يسأل صاحب الوديعة البينة، فإن لم يكن بينة حلف صاحب الرهن» (6).

وفي ثالث مروي بطريق صحيح مثله (7).

وهو ضعيف لا يقاوم دليله تلك الأدلّة؛ لشذوذها وقلّة العامل بها فلتُطرح، أو تُحمل على التقيّة، أو على ما إذا اعترف بالمال وأنكر الرهن - على قول (8)- أو على ما إذا دلّت عليه القرائن.

وقيل بالتفصيل بين ما إذا اعترف المالك بالدين فالقول قول المرتهن، وبين عدمه فالقول قول الراهن (9).

وهو حسن؛ لموافقته للظاهر، وللجمع به بين الأخبار إلا أن الجمع والركون للظهور فرع المقاومة، وليس فليس.


1) وسائل الشيعة 18 : 400 - 401، الباب 16 من أبواب كتاب الرهن، ح 1.

2) المصدر : 404، الباب 18 من أبواب كتاب الرهن، ح 1.

3) راجع المصدر 19 : 85، الباب 7 من أبواب كتاب الوديعة، ح 1.

4) قال به الصدوق في المقنع : 384 – 385؛ والشيخ الطوسي في الاستبصار 3 : 123 - 124، ذيل الحديث 3.

5) وسائل الشيعة 18 : 401 - 402 ، الباب 16 من أبواب كتاب الرهن، ح 3.

6) راجع المصدر : 403، الباب 17 من أبواب كتاب الرهن، ح 2.

7) المصدر : 401، الباب 16 من أبواب كتاب الرهن، ح 2.

8) نسبه البحراني في الحدائق الناضرة 20 : 281 إلى محتمل بعض مشايخه.

9) قال به ابن حمزة في الوسيلة : 266.

وقيل بالتفصيل بين اعتراف القابض للمالك بكونه في يده على سبيل الأمانة ثم صار رهناً فالقول قول الراهن، وبين ادعائه إيّاه ابتداءً فالقول قول المرتهن (1).

وهو ضعيف وكونه وجه الجمع فرع المقاومة، وليس فليس.

واحتمال التداعي والتحالف لم نر مَنْ ذكره، فلا يعتمد عليه ها هنا.

ثامنها: حكم ما إذا أذن المرتهن للراهن في البيع فرجع ثم اختلفا في الرجوع قبل البيع وبعده

ثامنها: إذا أذن المرتهن للراهن في البيع فرجع ثم اختلفا فقال المرتهن: رجعت قبل البيع، وقال الراهن بعده تعارض أصلي : تأخر كلٌّ من الرجوع والبيع عن الآخر، فإن علم تأريخ أحدهما حكم بتقدّمه وتأخر المجهول عنه، وهو ما تداعيا بسبقه ولحوقه؛ لانقطاع المعلوم بتحقق وقوعه، فتبقى أصالة تأخر المجهول من غير معارض.

وإن لم يعلم، احتمل تقديم قول الراهن لاعتضاده بأصالة صحة البيع، أو لتعارض أصالة الصحة لأصالة بقاء الرهن فيتساقطان فيبقى عموم «الناس مسلّطون» (2)سليماً عن المعارض.

واحتمل تقديم قول المرتهن لاعتضاده باستصحاب بقاء الرهنية؛ للشك في انقطاعها بالبيع الواقع؛ للشك في صحته، وهذا ظاهر الأصحاب.

وقد يقال عليه: إن استصحاب الرهن قد انقطع بوقوع البيع المحكوم بصحته لأصل الصحة ما لم يقطع بفساده، وفساده موقوف على العلم بسبق الرجوع عليه، وهو منتف.

لا يقال: إن البيع تتوقف صحته على العلم بالإذن من المرتهن، ومع الشك ببقائها بطروء الرجوع قبله لا يحصل العلم بالإذن، فيقع الشكّ في صحة البيع، فلا يُحكم بقطعه لاستصحاب الرهن.

لأنا نقول: إن أصالة الصحة تحكم على أصالة عدم تحقق الشرط، فيحكم بوجوده حينه، على أن الشك في تحقق الرجوع شكّ في طروء المانع؛ لحصول الإذن من المرتهن الذي هو شرط، ومع الشك في طروء المانع فلا شكّ في أنّ الأصل عدمه، وتحكم عليه أصالة الصحة.

فظهر بذلك ضعف ما قيل: إنّ الرهن المانع للراهن من التصرّف لما كان متحققاً لم يمكن الحكم بصحة البيع الواقع من الراهن إلا بإذن معلوم من المرتهن حالة البيع، ولما حصل الشكّ في حصولها حالته وقع الشكّ في حصول الشرط نفسه، لا في وجود المانع، ومعلوم أن الشرط


1) قال به الإسكافي على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 422، ضمن المسألة 41.

2) راجع ص 117، الهامش (5).

لا يكفي فيه عدم العلم بانتفائه، بل لا بد من العلم بحصوله ليترتب عليه المشروط ولو بطريق الاستصحاب، فإنّ الرهن المانع من صحة البيع واقع يقيناً ويستصحب؛ لأن الشرط المقتضي لصحة البيع وإن كان معلوم الوقوع لكن في زمن (1)، لا باليقين ولا بالاستصحاب، فيرجح جانب الوثيقة (2).

وفي كلامه نظر في مواضع تعرف بالتأمل.

تاسعها: حكم ما إذا كان لشخص على آخر دينان وعلى أحدهما رهن وعلى كلّ منهما رهن غير رهن الآخر فدفع مالاً لوفائه

تاسعها : إذا كان لشخص على آخر دينان وعلى أحدهما رهن وعلى كلٍّ منهما رهن غير رهن الآخر فدفع مالاً لوفائه، فإن عينه لأحدهما تعيّن، وإن شركه لوفائهما كان وفاء عنهما، فإن خصّ كلّاً منهما بقدر تخصص، وإلا كان وفاءً على نسبة الدينين.

ومثله لو أطلق بنيته فدفعه وفاءً لما في ذمته فإنّ الظاهر وقوعه وفاء للدينين على نسبة قدر المالين.

ولا يُحكم بالتنصيف وشبهه فينقسم كانقسامه على الرؤوس؛ لبُعْده لفظاً ومعنى.

ولو نوى الدافع معيناً فقبض الآخر فاختلفا فيما نواه عند دفعه أو فيما أظهره بقول أو فعل من نيته، أو اختلفا في نية الإطلاق أو التعيين، فالظاهر أن القول قول الدافع؛ لأنه أبصر بنيته، ولأنه ادعى دعوة لا تُعرف إلا من قبله فيلزم تصديقه.

وهل يفتقر تصديقه إلى اليمين؛ لأصالة عدم تصديق المدعي، يخرج منه ما كان مقروناً باليمين ويبقى الباقي، أو لا يفتقر ؛ لأنه غير المنكر، واليمين على مَنْ أنكر؟ وجهان، والأخير أقرب.

ولو اتهمه بالكذب أو ادّعى عليه إقراراً بخلافه، فالأقوى جواز تحليفه.

عاشرها: حكم ما إذا اختلفا فيما يباع به الرهن

عاشرها: إذا اختلفا فيما يباع به الرهن بيع بالنقد الغالب وجبر الممتنع؛ لانصراف البيع إليه في العقود، ولحكم الشارع به في الضمانات والجنايات والغرامات، سواء كان المرهون عليه من النقد الغالب أم لا، مع احتمال أنّ المرهون عليه لو كان من غير الغالب ورضي الراهن به ليفي المرتهن من جنسه يلزم المرتهن بما يقوله الراهن؛ تقديماً لحق جانب المالك، وهو قوي.


1) في المصدر : «لكن لا في زمان البيع».

2) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 78.

وكذا لو انحصر وفاء الدين من جنسه بغير الغالب.

ولو أراد كلٌّ منهما نقداً غير نقد الغالب واختلفا فيه وتعاسرا، جبرهما الحاكم على الغالب وردّهما إليه؛ لأنه الذي يقتضيه الحكم اللفظي والشرعي.

وكذا لو شرطا غير الغالب، لزم عليهما، سواء تضرّر كلٌّ منهما بما يريده الآخر أم لا.

ولو تضرر أحدهما بما يريده الآخر، أو بالغالب أو بهما ولم يتضرّر الآخر، ففي إجابته وجه.

ولو كان للبلد نقدان غالبان بيع بأشبههما للحق، وإلا فبالأسهل صرفاً إليه، وإلا بأوفرهما حظاً، وإلا اقترعا، وإلا رفعا أمرهما إلى الحاكم، فيتعين عليهما ما يعينه لهما.

ولو اشترط المرتهن كونه وكيلاً ببيعه بأي نقد شاء، لزم عليه حتى من غير الغالب.

حادي عشرها : حكم ما إذا ادعى المرتهن رهانة شيء فأنكر الراهن وادعى أنه آخر

حادي عشرها: إذا ادعى المرتهن رهانة شيءٍ فأنكر الراهن وادعى أنه آخر، توجه اليمين على الراهن، فينتفي بيمينه على النفي، وينتفي الآخر بنفي المرتهن؛ لأنه جائز من قبله فينتفي بنفيه، ولأنّ الرهن لمحض حقه فإذا نفاه انتفى.

وهذا كله إذا لم تكن بيّنة، وإلّا فيلزم الأخذ بها، أو لم يكن الرهن أيضاً مشروطاً، فلو كان مشروطاً قام احتمال جريان حكم ما تقدّم عليه؛ لبقاء المعنى الذي أوجب ذلك الحكم، وهو انتفاء ما يدعيه المرتهن وقبول قول الراهن فيما ينكره، وقام احتمال عدمه ؛ لأن إنكار المرتهن هنا يتعلّق بحق الراهن؛ لادّعائه عدم الوفاء بالشرط، وهو من أركان لزوم ذلك العقد، فيرجع الاختلاف إلى تعيين الثمن؛ لأن الشرط من مكمّلاته ها هنا.

وحكم الاختلاف في الثمن هو التحالف وانفساخ العقد.

وقرّب في القواعد تقديم قول الراهن (1).

ويشكل معه بقاء العقد المشروط فيه الرهن مع انتفاء الشرط؛ حيث انتفى كلّ واحدٍ من الفردين المتنازع في رهنهما، أحدهما بنفي المرتهن، والآخر بإنكار الراهن، والحال أنهما متفقان على وقوع عقد بشرط ولم يحصل.

وكذلك يشكل فسخه في حق الراهن بمجرد نفي المرتهن اشتراط رهن ما ينفيه، مع إطلاق الأدلّة بوجوب الوفاء بالعقد الذي لم يدلّ على فسخه دليل.


1) قواعد الأحكام 2 : 128.

ثاني عشرها: حكم ما لو تسالم الراهن والمرتهن على القبض بعد وقوع عقد الرهن فادعى المرتهن أنه بإذن من الراهن وأنكر الراهن ذلك

ثاني عشرها: لو تسالم الراهن والمرتهن على القبض بعد وقوع عقد الرهن، فادعى المرتهن أنه بإذن من الراهن وأنكر الراهن ذلك، أو ادّعى أنه قبضه للرهن، فقال الراهن: قبضته وديعةً أو لتستأجره أو لتشتريه أو للعارية أو لغير ذلك ولم تكن قبضته لأجل الرهن، احتمل تقديم قول الراهن للأصل، واحتمل تقديم قول المرتهن؛ للظاهر، واحتمل التحالف في غير الصورة الأولى.

ولو ادعى الراهن بعد تقبيضه تعلّق الجناية بالعبد أو كون الأمة ذات ولد، أو كونها مكاتبة، أو كون الرهن منذوراً مطلقاً زجراً أو شكراً، أو منذوراً معلّقاً؛ بناءً على أن المنذور المعلق لا يجوز التصرف فيه قبل تبين حال المعلّق عليه من وقوع وعدمه كي ينفذ النذر أو يكون باطلاً، وأنكر المرتهن ذلك، كان القول قول المرتهن مع يمينه.

ولو ادعى الراهن ذلك قبل القبض، فالظاهر سماع قوله؛ بناءً على أن القبض جزء من عقد الرهن، أو شرط مكمّل له (1).

تم كتاب الرهن ويتلوه كتاب الحجر إن شاء الله تعالى وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


1) في «ن 2» : وقع الفراغ من كتابته يوم الاثنين لسبع وعشرين مضين من شوّال من شهور سنة ست وأربعين بعد الألف والمائتين من الهجرة النبوية (سنة 1246).

كتاب الحجر

كتاب الحجر

تعريف الحجر لغةً وشرعاً

وهو لغةً: التضييق والمنع (1)، ومنه سُمّي الحرام حجراً، و « حِجْرًا مَحْجُورًا» (2)أي حراماً محرماً. وسُمّي العقل حجراً؛ لمنع صاحبه عن ارتكاب ما يخالفه

، ومنه: «هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ» (3).

والحجر في عرف الشارع أو في عرف المتشرّعة هو: منع الإنسان من التصرف في ماله بحق، أو امتناعه كذلك.

ویراد بـ«التصرف» جنسه، فيشمل كل التصرفات كالتحجير على الصبي ونحوه، أو بعضها، كالتحجير على المريض في التصرّفات المجانية، أو المشتملة على محاباة فيما زاد على الثلاث.

وكذا يراد بـ«المال» جنسه، فيشمل الكلّ كمال الصبي وشبهه، والبعض، كثلثي مال المريض.

ويراد بـ «التصرف» التصرف الاختياري، والتصرف بالتجارة وشبهها، فلا يُمنع أحد من التصرف الاضطراري، أو التصرف بأكل وشرب على النحو المعتاد، ويخرج عن الحد ما كان ممنوعاً بغير حق، كغصب وشبهه.

أسباب الحجر

وللحجر أسباب:

منها ما يحجر على أهلها لمصلحتهم، كالجنون والسفه والصغر.


1) المصباح المنير : 121؛ لسان العرب 4 : 166، «ح ج ر».

2) الفرقان (25) : 22 .

3) الفجر (89) : 5.

ومنها: ما يحجر على أهلها لمصلحة غيرهم كالتحجير على العبد - بناء على ملكيته - لمصلحة مولاه، ولأنّ ماله إليه، وعلى المفلس لحق الغرماء، وعلى المريض لحق الورثة، وعلى المكاتب في غير الأداء والنفقة لحق السيد، وعلى الراهن لحق المرتهن، وعلى البائع والمشتري فيما انتقل إليهما قبل دفع العوض - على القول به - لحق الناقل، وعلى المرتد إذا ساغ عوده لحق الورثة، وعلى المولى في التصرّف في الجاني عمداً لحق المجني عليه، وعلى المولى في التصرف بأم الولد؛ مراعاةً لحق تعلّق الحرّية، وعلى الورثة في التصرف بالتركة - على القول به - مراعاة لحق الدُّيّان، وعلى المالك في التصرف بمال الزكاة - قبل ضمانها - لحق الفقراء، وعلى الناذر - مطلقاً أو معلّقاً له على شرط أو صيغةٍ متوقعين قبل انکشافهما - لحق تعلّق حق الله تعالى به، وعلى المال الذي فيه خيار لغيره قبل مضي زمان الخيار لحق ذي الخيار، وعلى المال الموصى به قبل ردّ الموصى له لحق الموصى له، وعلى المال المتعلق به شرط في عقد لازم قبل حصول الشرط لحق المشروط له، وعلى المال المضمون فيه التأدية لحق المضمون له وعلى المشروط عليه عدم التصرف بماله لحق المشروط له، إلى غير ذلك.

والكلام هنا في مباحث:

أحدها في المفلس [وأحكامه]

وفيه مطالب:
أحدها من أسباب الحجر الفلس :

أحدها: من أسباب الحجر الفلس - وهو بتحريكتين - ومثله الإفلاس، واسم فاعله المفلس: من أفلس أي صار إلى الفلس، وهو واحد الفلوس، وهو لغةً: ذهاب خيار المال وبقاء الفلوس (1)، وهو كناية عن رديئها، وقد يطلق على ذهاب المال أصلاً.

والمفلس - بالفتح والتشديد - هو مَنْ ذهب خيار ماله وبقي رديئه.

وقد يطلق المفلس شرعاً على مَنْ عليه ديون ولا مال له يفي بها، وقد يلاحظ فيه معنى اسم المفعولية بوقوعه عليه، وقد لا يلاحظ.


1) راجع لسان العرب 6 : 166، «ف ل س».

ويُطلق على مَنْ حكم عليه الحاكم بالحجر، يقال: فلَّسه القاضي تفليساً، أي حكم عليه بالحجر والمنع من التصرّف؛ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب أو على ما يؤول إليه، وهو حقيقة متشرعيّة بهذا المعنى إذا لم يثبت شيوع استعماله شرعاً في الكتاب والسنة.

ومشروعيته بهذا المعنى انعقد عليها الإجماع، وقضت بها ضرورة النظام والإصلاح.

وفي الأخبار الدالة على «أنّ علياً (علیه السلام) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر فيقسم ماله بينهم بالحصص فإن أبى باعه فيقسم بينهم» (1)إشعار بذلك؛ إذ لو جاز للحبيس التصرف في ماله بأن يهبه كلّه أو يفنيه لانتفت فائدة الحبس؛ لأنّ فائدته التوصل إلى المال، وشموله لمن عنده مال يفي بدينه ولمن لم يكن عنده كذلك غير مناف بعد خروج الأول بالإجماع.

وذكر «الالتواء» فيه غير منافٍ؛ إذ لو كان الفرض تعليق الحكم عليه لكفى الأمر عليه وإجباره على الوفاء، أو دفع ماله قهراً عنه، وفي الخبر: «أنّ عليّاً (علیه السلام) كان يفلّس الرجل إذا التوى على غرمائه» (2)أعظم شاهدٍ على إرادة هذا المعنى منه وإن كان مجازاً بقرينة فهم الأصحاب، على أنه يمكن أن يراد من «الحبس» في الأخبار (3)الحجر والمنع من التصرف، لا الحبس الحسي.

وعلى كل حال فالحكم في هذا الباب غير موافق لقواعد تسليط الإنسان على ماله؛ ولأصالة عدم منع المرء من التصرف في ماله فلا نحكم به إلا لدليل يقضي به، ولم يكن في المقام دليل يعتد به سوى الإجماع، فما انعقد عليه إجماع أو قضى به تنقيح مناط أولوية بينه وبين ما انعقد عليه الإجماع قلنا به، وإلا تركناه.

ثانيها: في مستلزمات حجر الحاكم على الغريم من أحكام كثيرة
إشارة

ثانيها: إذا حجر الحاكم على الغريم، لزم من ذلك أحكام كثيرة، وافتقر إلى أمور عديدة:

منها: صدور الإنشاء بالتحجير من الحاكم

الأوّل: صدور الإنشاء بالتحجير من الحاكم.

ومنها: الدلالة عليه بقول صريح أو كناية

الثاني: الدلالة عليه بقول صريح أو كناية، وفي الاكتفاء بالفعل وجه.

ومنها: التماس الغرماء للحاكم بالتحجير عليه

الثالث: التماس الغرماء للحاكم بالتحجير عليه كلّهم أو بعضهم، فإذا حجر عليه لالتماس بعضهم كان محجراً عليه بالنسبة إلى كلّهم.


1) وسائل الشيعة 18 : 416، الباب 6 من أبواب كتاب الحجر، ج 1.

2) وسائل الشيعة 18 : 416، الباب 6 من أبواب كتاب الحجر، ج 1.

3) المصدر : 418، الباب 7 من أبواب كتاب الحجر.

وهل يكفي لجواز التحجير التماس المديون؛ لتعلّق المصلحة فيه بفراغ ذمته وتخليصه من الإثم، ولما ورد أنّ النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قد حجر على معاذ بالتماسه (1)؟ وجه.

والأوجه خلافه؛ اقتصاراً على مورد اليقين، واستضعافاً للتعليل، والرواية؛ لأنها عامية.

ويقوم الولي في التماس التحجير مقام المولى عليه.

ومنها: كون المحجور عليه كاملاً وعدم صحة الحجر على غير الكامل

الرابع: كون المحجور عليه كاملاً، فلا يصح الحجر على غير الكامل، وتظهر فائدته أنه لو كمل منع من التصرف، وهذا لم يذكروه.

ومنها: كون الديون ثابتةً بإقراره أو البينة

الخامس: كون الديون ثابتة بإقراره أو البينة.

ومنها: كونها حالة بإقراره أو البينة

السادس: كونها حالة بإقراره أو البينة، أو لأصالة الحلول بعد ثبوت الدين، فلو كانت مؤجلةً لم يتحقق الحجر، ولو كان بعضها حالةً وبعضها مؤجلة كان التحجير لأهل الحلول، ولا يشاركهم أهل التأجيل، ولا يرفع لهم نصيباً من ماله.

نعم، لو حلّ المؤجل شارك صاحبه أهل الحلول الابتدائي، ولا ينفرد به أحدهم.

ومنها: كون الديون الحاله أكثر من أعيان أمواله

السابع: كون الديون الحالة أكثر من أعيان أمواله، فلو كانت مساويةً أو أقل لم يتحقق الحجر؛ للأصل من غير فرق بين مَنْ تكون نفقته من أمواله وبين من تكون نفقته من غيرها من كسبه أو من متبرع، وهو شرط في الابتداء لا في الاستدامة، فلو زادت لزيادة القيمة السوقية أو ساوت بعد ذلك فلا بأس، ولا يشترط كون دين كلّ واحدٍ منهم أكثر من أمواله.

نعم، لو التمس بعضهم دون بعض كان لاشتراط قصور ماله عن دين الملتمس خاصةً وجه غير بعيد.

وهل يشترط ثبوت هذا الشرط بالبينة أو الإقرار، أو يكفي فيه الظنّ وظهور أماراته؟ ولا يبعد كفاية الظنّ؛ لعدم تيسّر الاطلاع غالباً على قدر أمواله.

ولا تحلّ الديون بالحجر كما تحلّ بالموت؛ للأصل وعدم دليل على ذلك، وخلاف ابن الجنيد (2)ضعيف.

وتحسب من جملة أمواله معوّضات الديون - وإن كان لصاحبها أخذ أعيانها - كما تحسب من ديونه أعواضها.


1) راجع السنن الكبرى، البيهقي 6 : 80. ح 11260.

2) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 473، المسألة 135.

ومنها: كون الحجر على نفس أعيان أمواله الموجودة

الثامن: كون الحجر على نفس أعيان أمواله الموجودة، سواء كانت أعياناً أو ديوناً في ذمة الغير، إلا أنه لا يبعد أنه لا يحجر عليه في الاستيفاء، فله أن يستوفي دينه ثم لا يتصرّف فيه بعد ذلك.

ولا يتعلّق التحجير بذمته، فله أن يشتري ويتهب ويستقرض، ولا يتعلّق بمنافعه، فله أن يحتشي ويحتطب ويصيد ويلتقط ، بل لا يتعلّق بنقل منافعه، فله أن يؤجر نفسه؛ لأن المنفعة قبل الاستئجار ليست مالاً.

ومنها: وقوع تصرفاته باطلةً أو موقوفةً على الإجازة

التاسع: وقوع تصرفاته باطلة أو موقوفةً على الإجازة، ولا يبعد كونها موقوفةً على الإجازة؛ لعدم قصورها عن الفضولي وعن السفيه، ومع صحتها مع الإجازة فهل هي من الحاكم. أو من الغرماء، أو منهما؟ أوجه، أوجهها الوسط.

ومنها: عدم جواز العدول عن التحجير وفسخه

العاشر: إذا وقع التحجير فلا يجوز العدول عنه وفسخه من الحاكم ولا من الغرماء، ولو اتفق الحاكم والغرماء جاز ، مع احتمال جواز إسقاطه من الغرماء فقط؛ لأنه حق لهم.

ومنها جواز التحجير على بعض أمواله

الحادي عشر: يجوز التحجير على بعض أمواله دون بعض؛ تنقيحاً للمناط. وهل يجوز لبعض الديون دون بعض فلا يجوز له التصرف حتى يفي ذلك البعض؟ فيه وجه، ولكنه بعيد.

ومنها: جواز التحجير من حاكمين وأكثر على اثنين وأكثر

الثاني عشر: يجوز التحجير من حاكمين وأكثر على اثنين وأكثر، فإذا حصل التحجير منع المحجور عليه من سائر التصرفات الناقلة وغيرها اللازمة والجائزة، القولية والفعلية، المؤدية إلى نقص في عين أو منفعة، أو التي يخشى تأديتها إلى التلف كوطء المملوكة، ولو وطأها منع الديان من أخذها إذا صارت أُمّ ولد؛ ترجيحاً للدليل المانع من نقل أُمهات الأولاد (1).

وهل يجوز التحجير على أُمّ الولد بمعنى لو مات ولدها منع من التصرف فيها؟ فيه وجه لا يبعد البناء عليه.

ولو حجر على أمواله من دون ذكرها خصوصاً ثم مات ولدها، ففي شمول التحجير لها أو إبقائها طلقاً وجهان.

وهل يجوز التحجير على تصرف خاص من بيع وشبهه دون آخر؟ فيه وجه لا يبعد البناء عليه.


1) راجع وسائل الشيعة 18 : 278، الباب 24 من أبواب بيع الحيوان.

ومنها: عدم منع المحجور عليه من غير التصرفات الابتدائية

الثالث عشر: لا يُمنع المحجور عليه من غير التصرفات الابتدائية، كالفسخ بخيار أصلي أو مشترط أو بعيب؛ للأصل، وعدم الدليل على المنع، سواء في ذلك تعلّق الغبطة بفسخه أم لا.

والفرق بين الفسخ بالخيار الأصلي فلا يفتقر إلى حصول الغبطة، والفسخ بخيار العيب أو الغبن فيفتقر وجه قوي؛ لظهور مشروعيتهما للغبطة ودفع الضرر، واحتمال توقف جواز الفسخ في الخيار مطلقاً على الغبطة ليس بعيداً، ويمنع من الإقالة؛ لأنها تصرف جديد.

ومنها: جواز التحجير على المال المتجدّد للمحجور عليه إذا التمس الغرماء ذلك

الرابع عشر : يجوز التحجير على المال المتجدّد للمحجور عليه إذا التمس الغرماء ذلك.

وهل يجوز التحجير عليه قبل وجوده مطلقاً، أو لا يجوز مطلقاً، أو يجوز تبعاً للموجود ولا يجوز استقلالاً؟ وجوه، أقواها الأخير.

وهل يدخل المتجدد - بناء على جواز التحجير عليه قبل وجوده - في صيغة التحجير ابتداءً إذا كانت قابلة للشمول، أو لا يدخل ؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.

هذا كله في المال المتجدّد أصالة، فلو كان من مواليد الأعيان المحجور عليها كان في القول بدخولها في صيغة التحجير المطلق ابتداء وجه.

وهل يجوز التحجير عليها ابتداء استقلالاً؟ وجهان أيضاً.

والقول بالحجر عليها تبعاً قهراً بمجرّد الحجر على أصلها كتبعية نماء الرهن لأصله ضعيف.

ومنها: تعلّق الحجر بالإقرار إذا كان بدين بعد الحجر وكان عن سبب اختياري

الخامس عشر: يتعلّق الحجر بالإقرار إذا كان بدين بعد الحجر وكان عن سبب اختياري، فلا يُسمع إقراره، بمعنى أنه يشارك الغرماء في الأعيان المحجور عليها وإن سمع إقراره في نفسه واشتغلت ذمته به، وذلك لتبعية الإقرار ها هنا لأصله فلا يزيد عليه.

ولو أقرّ بدين لا عن سبب اختياري - كجناية أو إتلاف مال - سمع بعد الحجر إقراره، ويشارك المقرّ له الغرماء؛ للأصل، وعموم دليل لزوم سماع الإقرار (1)، ولأن الأصل صاحبه يشارك الغرماء فكذا الإقرار به.

ولو أقر بعد الحجر بدين عن سبب اختياري قبل الحجر، قيل: سمع (2)للأصل، وعموم دليل لزوم «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (3)ولاندفاع التهمة؛ لانتزاعه منه على كلّ حالٍ،


1) وسائل الشيعة 23 : 184، الباب 3 من أبواب كتاب الإقرار، ح 2.

2) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط :2: 272؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 78.

3) وسائل الشيعة 23 : 184 ، الباب 3 من أبواب كتاب الإقرار، ح 2.

ولأن الظاهر من الإنسان أن لا يقرّ بدَيْنٍ مع عدمه، ولأن الإقرار كالبينة، وحينئذ فيشارك المقرّ له الغرماء؛ لأنّ الغرماء شركاء في مال المفلس الملتمس منهم وغيره.

وقيل: لا يُسمع في حق الغرماء (1)لأنه إقرار في حق الغير لا في حق نفسه، فلا يشارك الغرماء وإن بقيت ذمته مشغولةً، ولا تندفع التهمة بالإقرار؛ لاحتمال المواطأة، ولمنع أنّ الإقرار ها هنا كالبينة، ومنع أن الظهور حجة.

والأقوى الأخير؛ لانتفاء فائدة التحجير غالباً لو سمع الإقرار وشارك المقر له الغرماء، كما لو أقر لزوجته ولولده.

ومنها: أنّه لو أقرّ بعين لغيره على جهة الأمانة بعد الحجر أو قبله وكان الإقرار بعد الحجر لم يُسمع إقراره

السادس عشر: لو أقر بعين لغيره على جهة الأمانة بعد الحجر أو قبله وكان الإقرار بعد الحجر، لم يُسمع إقراره؛ لتعلّق حق الغرماء بأعيان أمواله فيكون كالإقرار في حق الغير، وعدم سماعها في العين أولى من عدم سماعها في الدين.

والأقوال بالنسبة إلى العين والدين أربعة: السماع مطلقاً، وعدمه مطلقاً، وسماعها في الدين دون العين، وبالعكس.

ولو أقرّ بشراء العين أو اقتراضها من شخص بعينه، سمع، وكان أولى من غيره بعد البناء على سماع الإقرار بالدين أو كان الدين معلوماً ولكنّه أقر بأنه ثمن هذه العين.

وعلى القول بقبول إقراره فهل للغرماء تحليفه إذا اتهموه؟ الظاهر أنه ليس لهم، إلا إذا ادعوا عليه المواطأة فلا يبعد جواز تحليفه.

ولو أقرّ بدَيْنٍ أو بعين على وجه لا يقتضي خروجهما عن تعلق حق الغرماء، لم يسمع - على ما يظهر من الأصحاب - ولم يشارك المقرّ له الغرماء؛ لاحتمال كونهما بسبب لا يقضي بمشاركته للغرماء.

ولو التمس الكافر الحجر، فالظاهر جواز إجابته.

وهل يجب على الحاكم الحجر عند الالتماس؛ لأنه معدّ للمصالح؟ وجه لا يبعد البناء عليه.

ويجوز أن يحجر الكافر على نفسه ويجوز أن يوكل في التحجير، ولا يقع التحجير موقتاً، ولا معلقاً، فلو وقع كذلك بطل.


1) قال به الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 91 - 92.

ومنها: أنه لو جنى بعد الحجر أو أتلف مالاً شارك المجني عليه الغرماء

السابع عشر: لو جنى بعد الحجر أو أتلف مالاً، شارك المجني عليه الغرماء الذين التمسوا الحجر، وكذا يشارك الملتمس غير الملتمس؛ لعموم الأدلة القاضية بقسمة مال الغريم بين غرمائه (1)، ولأنّ الغرماء الملتمسين لم يملكوا أعيان أمواله قبل القسمة ولم تكن رهناً عندهم، بل غايته أنه منع من التصرف بسؤالهم، فيكون جميع الغرماء أُسوةً في ماله، كما هو مقتضى القواعد.

ولو اقترض من شخص مالاً بعد الحجر أو اشترى منه كذلك، فإن كان المقرض أو البائع عالمين بحاله لم يجز لهم أن يشاركوا الغرماء فيه ولا في غيره، ولا أن يختصوا بأعيان مالهم - على ما قطع به الأصحاب - لإقدامهم على ذهاب حرمة مالهم.

هذا بناءً على شمول التحجير للمتجدّد، أو للنصّ عليه وإلا كان المقرض والبائع حالهما كحال الغرماء الباقين في هذا المال المتجدّد، دون الأوّل فإنّهما لا يشاركان غيرهما فيه.

وإن كان المقرض والبائع جاهلين بحاله احتمل كونهما كسائر الغرماء فيشاركانهم، أو يختصان بأعيان أموالهما مع بقائها واحتمل كونهما كالعالمين لا يشاركان الغرماء في شيءٍ من أمواله ولا يختصّان بعين أموالهما، ولو كانت عين المبيع باقية كان للبائع الفسخ، ولو لم يفسخ عمداً كان كالعالم في وجه .قوي. وكذا كلّ مَنْ كان له خيار أصلي أو عارضي فحجر الحاكم على غريمه فلم يفسخ بخياره؛ فإنّه قد يحتمل في حقه عدم عده من الغرماء، ولكنّ الأقوى أنّ حكمه حكمهم إذا كان البيع قبل الحجر.

ومنها: كون المال بعد الحجر على المحجور عليه متعلّقاً به حق الغرماء

الثامن عشر : يكون المال بعد الحجر عليه متعلّقاً به حق الغرماء تعلّق أرش الجناية برقبة الجاني، فإذا تجدّد له مال آخر جاز فكه به، أو كتعلّق الرهن بيد المرتهن، وليس للغرماء فيه حق ملك أو انتقال مستقر أو متزلزل، أو رهن حقيقي بحيث لا يباع إلا بإذن المرتهن أو الحاكم.

ومنها: أنه يجوز للحاكم أن يحجر بنفسه على نفسه ويجوز أن يحجر من جهة الديون في الحقوق العامة

التاسع عشر: يجوز للحاكم أن يحجر بنفسه على نفسه، ويجوز أن يحجر من جهة الديون في الحقوق العامة كالخمس والزكاة، ولو حجر لالتماس أهل الديون الخاصة شاركهم في ماله أهل الديون العامة قطعاً.

وهل يجوز تولّي غير الحاكم للتحجير عند فقده؟ وجه، ولكنه بعيد.

وهل يجوز التحجير على العموم كالتحجير على أهل البلد؟ الظاهر ذلك.


1) راجع وسائل الشيعة 18 : 416، الباب 6 من أبواب كتاب الحجر.

ثالثها: من جملة أحكام التحجير أنّه مَنْ وجد عين ماله بعد الحجر كان له أخذها

ثالثها: من جملة أحكام التحجير: مَنْ وجد عين ماله بعد الحجر كان له أخذها؛ لما ورد من الأخبار المعتبرة الدالة على أن من وجد عين ماله فهو أحق بها (1)، وهي وإن لم ترد في خصوص المفلس ولكنّها وردت في المديون الشامل له ولغيره، ووردت في الدين على الميت، ولا قائل بالفرق ممّن يعتد به، سوى أنّ أخذ الغريم العين في دين الميت شرطه وفاء التركة بالدين؛ لأنّ الميّت لا يرجى وفاؤه بعد ذلك، ولدلالة الصحيحة (2)على اشتراط ذلك، بخلاف دَيْن المفلس فإنّه لا يشترط فيه الوفاء، خلافاً للشيخ (3).

وقياس المفلّس على الميت ضعيف، لا نقول به.

وبالجملة، فلو لم يجد صاحب العين إلا عينه أخذها، ولا شيء للغرماء سواه.

والذي يظهر من الأصحاب أنّ هذا رخصة له كالأمر بعد الحظر - لا عزيمة عليه، فله أن يتركها ويضرب مع الغرماء، وللأخبار الدالة على أنّ الغرماء يقسمون مال الغريم بالحصص (4)، ويكون الجمع بين الأخبار بالحمل على التخيير، أو أنّ الأصل هو الضرب مع الغرماء بالحصص وأخذ العين رخصة.

ولا يتفاوت الحال في بقاء التخيير بين رضى الغرماء وعدمه، وبين كون الضرب معهم يزيد على قيمة العين أو ينقص، وبين كون العين زائدة على دينه أو أنقص أو مساوية، كله لإطلاق الفتوى والنصوص.

رابعها: في أن الأخذ للعين فسخ لعقدها الأول من حينه

رابعها: الظاهر من الفتوى والنصّ هو أنّ الأخذ للعين فسخ لعقدها الأوّل من حينه ونماؤها للمفلس، لا أنّه فسخ من أصله، ولا أنّه حق اختصاص للاستيفاء منها فيأخذ دينه منها ويرد الزائد لو كان زائداً ويضرب بالناقص لو نقصت قيمتها عن دينه.

وبالجملة، فبفسخه العقد برئت ذمّة المفلّس من الدين، سواء ساوى قيمة العين أو نقص عنها أم زاد عليها.

ولو كان قد أخذ بعض ثمنها وبقي الباقي فله أخذ العين وإرجاع ما أخذ، وله أن يضرب


1) وسائل الشيعة 18 : 414 و 415، الباب 5 من أبواب كتاب الحجر، ج 1، 3.

2) المصدر : 415. ح 3.

3) المبسوط 2 : 250.

4) وسائل الشيعة 18 : 416، الباب 6 من أبواب كتاب الحجر.

مع الغرماء بما بقي من دينه، مع احتمال أنه لو كان قد أخذ البعض تعين عليه الضرب مع الغرماء، ولا يجوز له أخذ العين.

خامسها: فيما لو حجر الحاكم على أمواله دخلت المنافع والديون

خامسها: لو حجر الحاكم على أمواله دخلت المنافع والديون، فلو كان مستأجراً أرضاً تخير المؤجر إذا لم يدفع إليه الأجرة بين الإمضاء والضرب مع الغرماء، وبين الفسخ وأخذ المنفعة؛ لأنها بمنزلة العين.

ولو استوفى بعض المنفعة، تخيّر أيضاً بين أخذ الباقي والضرب بما بقي من أُجرته بالنسبة إلى الفائت مع الغرماء، وبين الإمضاء والضرب بالجميع.

ولو كان له دين على شخص كما إذا اشترى منه شيئاً ولم يقبض عوضه ذلك، جاز للشخص فسخ عقد ذلك الدين؛ لأنه بمنزلة العين التي هي للمفلّس إلا أنها في يده، ولكن لا يخلو الحكم بذلك من إشكال.

سادسها: هل الخيار بين أخذ العين والضرب مع الغرماء فوري؟

سادسها: هل الخيار بين أخذ العين وبين الضرب مع الغرماء فوري، فلو أخلّ به سقط أخذ العين؟ أو متراخي؛ للاستصحاب وعدم ثبوت المزيل ؟ وجهان، والأقوى الأخير؛ لثبوت جواز أخذ العين رخصة من الأخبار فيستصحب.

سابعها: النماء المنفصل والمتصل القابل للانفصال للمفلّس

سابعها: النماء المنفصل للمفلس فلا يجوز للغريم أخذه تبعاً للعين؛ لأنه فسخ من حينه. وكذا المتصل القابل للانفصال كالصوف والشعر على الأظهر. وفيه وجه آخر.

وأما المتصل الذي لا يقبل الانفصال كالسمن والطول والحسن، فالأظهر جواز أخذه تبعاً للعين مجاناً؛ لعموم: «مَنْ وجد عين ماله فهو أحق بها» (1)، ويكون حكمه حكم زيادة القيمة السوقية فلا عبرة بها.

والقول بسقوط أخذ العين حينئذ فيتعين عليه الضرب مع الغرماء، أو القول بجواز أخذها ورد قيمة الزيادة ضعيفان لا يُلتفت إليهما، وإن كان الاقتصار على مورد اليقين فيما خالف الأصل يقضي بهما.

والقول بجواز أخذها مع حصول الشركة بين الغريم والمفلس يرجع إلى القول الأخير على الظاهر.


1) سنن ابن ماجة 2 : 790، ح 2358؛ مسند أحمد 2 : 487.

ثامنها: حكم ما لو وجد العين مستحيلة أو منتقلة بعقد لازم أو وجد العين ناقصةً في القيمة السوقية

ثامنها: لو وجد العين مستحيلة أو منتقلة بعقد لازم - كما إذا استحالت البيضة فرخاً والحبّ زرعاً والحطب فحماً - بطل حكم جواز الرجوع بها؛ لعدم كونها عين ماله في الأخير، ولظهور اختصاص الحكم في جواز الرجوع بما إذا كانت من جملة أمواله لا ما إذا كانت داخلة في أموال غيره.

وإذا وجد العين ناقصةٌ في القيمة السوقية كان له أخذها ولا شيء له.

وإن وجدها ناقصةً نقصاناً كنقصان الأجزاء بحيث يتقسّط عليها الثمن ويجوز إفراد الناقص بالبيع، كان له الخيار بين أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف بأن يشاركهم بقدر ما يخصه من الثمن لو وزّع عليه، ولا يشاركهم بقيمته؛ لتأديته إلى الضرر والجمع بين العوض والمعوض في بعض الأحوال. فليس الحكم ها هنا كالحكم بالفسخ بالخيار.

وإن وجدها ناقصةً نقصاناً لا يتوزّع الثمن على الناقص كأكثر العيوب، فالمشهور أنه إن كان بآفة أو بفعل المشتري تخيّر بين أخذ العين وبين الضرب مع الغرماء بالثمن، وليس له الرجوع مع أخذ العين بالأرش؛ لعدم كون هذا النقصان مضموناً على المفلس؛ لأنه شيء قد حدث في ملكه فلا يكون ضمانه عليه، وإن كان بفعل أجنبي أو البائع تخيّر كذلك، إلا أنه مع أخذ العين يرجع بأرش الفائت على المفلس فيضرب به مع غرمائه.

والمراد بالأرش هو جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة قدر نقصان قيمة العين إلى قدر قيمتها، ولا يراد به نفس قدر نقصان العين؛ لأدائه إلى الضرر وإلى الجمع بين العوض والمعوض في بعض الأحوال، وإن كان شأن المعاوضة أخذ قدر النقصان.

والفرق بين فعل الأجنبي وفعل الآفة ونحوه كون ذلك مضموناً في الجملة على فاعله دون الآخر.

ومال جمع من المحققين إلى مساواة الجميع في استحقاق الرجوع بالأرش؛ لأنّ شأن عقود المعاوضة رجوع كلّ عوض إلى صاحبه عند فسخها على جهة التمام، فإن كان موجوداً رجع بنفسه وإلا رجع ببدله. وكون العين في يد المشتري غير مضمونة منقوض بما له قسط من الثمن؛ على أنّ الضمان يراد به كون التالف من مال المشتري فيحتسب عليه، ولو كان

المانع في صورة فعل الآفة السماوية هو كون العين في يد المشتري لا على جهةٍ مضمونة للبائع فلم يكن له أرش المتجدّد، لكان قاضياً بعدم الفرق بينه وبين فعل الأجنبي؛ لوجود العلة في المقامين.

ثمّ إنّه على القول بالفرق بين النقصان بالآفة أو بفعل المشتري، وبين النقصان بفعل البائع أو الأجنبي احتمل بعضهم إلحاق فعل المشتري بفعل الأجنبي؛ لأنه نقص قد استوفاه وصرفه إلى منفعة نفسه فعليه أرشه، وهو قوي.

تاسعها: حكم ما لو اشترى المفلس شقصاً من شريك ثم حجر عليه قبل دفع الثمن

تاسعها: لو اشترى المفلس شقصاً من شريك ثمّ حُجر عليه قبل دفع الثمن، كان للشفيع أخذه، وليس للبائع أخذ العين ولا أخذ الثمن مقدّماً على الغرماء مع وفاء أعيان الأموال بالدين ومع عدمه - خلافاً لمن احتملها - بل يضرب بثمنه مع الغرماء ويكون أسوةً معهم، وذلك؛ لسبق حق الشفيع على حق الغريم؛ لحصول حق الشفيع بالبيع وحصول حق الغريم بالتحجير؛ ولأنّ حق الشفيع لاحق لذات البيع، وحق الغريم لاحق له بواسطة الحجر، ولأنّ حق الشفيع متعلّق بالمشتري فيأخذ منه وإن ترتبت عليه عقود أُخر، وحق الغريم متعلّق بالبائع، فإذا انتقل منه بطل حقه، ولأنّ حق الشفيع باقٍ وإن زادت العين أو تغيّرت، وحق الغريم يبطل بالزيادة إما مطلقاً أو بالنسبة إليها.

عاشرها: حكم ما لو أخذ الغريم عين ماله فوجده مزروعاً أو مغروساً أو فيه بناء بفعل المشتري

عاشرها: لو أخذ الغريم عين ماله فوجده مزروعاً أو مغروساً أو فيه بناء بفعل المشتري، فإن كان الغريم مؤجراً وكانت الإجارة لذلك مع تعيين المدة ولم تنقص تلك المدة ولم يستحصد الزرع، لزم عليه إبقاؤه بأجرة المثل إذا طلب الغرماء إبقاءه، وإن طلب الغرماء قلعه ولم يكن فيه ضرر على مال المفلس لزم على الغريم قلعه، وتقدّم أُجرة المثل على حق الغرماء؛ لأنّه مصلحة لهم، وليس للمؤجر قلعه قهراً بالأرش وبدونه.

وإن كان الغريم بائعاً أو نحوه، فإن كان النابت زرعاً ونحوه فما له أمد يحصد به لزم على البائع إبقاؤه مجاناً، وليس له طلب الأجرة، كما يظهر من بعضهم نقل الإجماع عليه (1)، مع احتمال ذلك جمعاً بين الحقين، وإن لم يكن له أمد كان للبائع قلعه مع دفع الأرش للغرماء، مع احتمال أنه ليس له ذلك، بل يلزمه الإبقاء إمّا مجاناً؛ للأصل، ولكونها موضوعةً بحقٍّ،


1) راجع الحدائق الناضرة 406:20.

ولعدم الإقدام فيها على ضمان المنفعة، بخلاف العين المستأجرة حيث حكمنا بلزوم إبقائها مع الأجرة؛ للإقدام فيها على ضمان المنفعة للمستأجر، وإما مع الأجرة كما احتمل، وهو قوي، وفيه جمع بين الحقين، إلا أنه خلاف المعروف من أصحابنا.

وطريق تقدير الأرش أن يقوم الغرس أو البناء قائماً في ملك الغير إلى أن يفنى، ويقوم مقلوعاً عن ملك الغير، فالتفاوت بينهما هو الأرش.

ولو امتنع الغرماء من قلع الغرس والبناء، فإن اتفقا على بيعهما منضمين، بيعا كذلك. وطريق معرفة ما يخص كلّ منهما بأن تقوم الأرض بما فيها جملةً، ثم تقوم الأرض مشغولةٌ بغرس للغير مستحق للبقاء فيها إلى أن يفنى إما مجاناً أو بأجرةٍ - على الوجهين - ويُنظر فيما بين النسبتين، فيدفع من الثمن لصاحب الأرض بتلك النسبة ويدفع الباقي لصاحب الغرس؛ أو يقوم الغرس فقط بعد تقويمهما موضوعين بحق في أرض الغير، مجاناً أو بأجرة - على الوجهين - إلى أن يفنى، وينسب لقيمة المجموع يوماً، فيأخذ صاحب الغرس من الثمن بتلك النسبة، ويعطى الباقي لصاحب الأرض.

هذا إن لم يكن للهيئة الاجتماعية مدخليّة، وإلا دخلت في التقويم ووزّع ثمنها على نسبة مدخليتها بالنسبة.

وإن لم يتفقا على بيعهما منضمين، باع كل منهما ماله بانفراده، فتباع الأرض موصوفةً بالوصف المتقدّم، سواء أنقصها الانفراد أو زادها، ويباع الغرس موصوفاً بكونه موضوعاً في ملك الغير بحقٍّ إلى أن يفنى مجاناً أو بأجرة - على اختلاف الوجهين - سواء أنقصه الانفراد أم أزاده، فالثمن كلّه للبائع وسواء أزادهما الوصف أم أنقصهما، ولمشتري الغرس الدخول والخروج إلى الأرض؛ لأنه من حقوقه.

حادي عشرها: حكم ما لو وجد عين ماله مستهلكة في مالٍ آخر مماثل لها

حادي عشرها: لو وجد عين ماله مستهلكة في مال آخر مماثل لها، قام احتمال جواز الرجوع بها فيكون شريكاً للمشتري، وعدمه؛ للشك في تحقق قيام العين.

ولو وجدها ممزوجة بحيث لا تتميّز، فالأوجه: إن المزج إن كان بالمساوي أو الأدنى مع رضى البائع به جاز له الرجوع بالعين؛ لقيامها ووجودها، وغاية أثر الاختلاط رفع التميز، وهو غير ضائر، كما أنّ عدم إمكان أخذها بعينها غير ضائرٍ؛ لأنه مترتب على ملكه لها وقد

حصل، فيرجع به إلى قاعدة الشركة إما بقسمة العين أو بقسمة ثمنها بعد بيعها، وإن كان بالأجود، فقد قيل بامتناع الرجوع عليه (1)لتلف العين، ولعدم إمكان القسمة للإضرار بصاحب الأجود لو قسما على السوية، ولزوم الربا لو قسما على التفاوت.

والأقوى جواز الرجوع بالعين؛ للمنع من تلفها؛ لأنّ الخلط لا يؤثر تلفاً، وللمنع من عدم إمكان القسمة بالتفاوت؛ لمنع شمول الربا لجميع المعاوضات، ولو سُلّم فيمكن قسمة قيمتها بعد بيعها توصلاً لأخذ صاحب الأجود حقه، بل قد نقوله فيما لو خلط ذلك بالأرداً للتوصل إلى أخذ صاحب الأجود حقه إذا لم يرض بالأردأ.

وبالجملة، فلو اختلط رطل زيت جیّد قیمته درهمان برطل رديء قيمته درهم جازت قسمتهما بالسوية، وجازت قسمتهما بالقيمة بالتفاوت، فيأخذ صاحب الرديء ثلثاً وصاحب الجيد ثلثين، وجازت قسمتهما بالتفاوت عيناً إذا لم نقل بشمول الربا لجميع المعاوضات، فيأخذ صاحب الجيد ثلثين وهو رطل وثلث، ويأخذ صاحب الرديء ثلثاً وهو ثلثا رطل.

ثاني عشرها: حكم ما إذا عمل المفلس في العين عملاً

ثاني عشرها: إذا عمل المفلس في العين عملاً فإما أن يزيد فيه عيناً أو لا، فإن لم يزد فيه عيناً فإما أن يكون مزيداً لقيمته فقط كتعليم العبد الصنعة، أو لقيمته ووصفه كقصر الثوب وصقل الآنية والصلاح، أو مزيداً لقيمته وهيئته كنسج الغزل، أو مزيداً لقيمته وتغيّر الهيئة كطحن الحنطة أو جعلها خبزاً وغزل القطن وجعل الألواح باباً، وإن زاد فيه عيناً فإما أن تكون عيناً صرفة، أو تكون عيناً من وجه وصفةً من وجه آخر، كالصبغ والخياطة.

وعلى كل حال فإما أن تزيد به القيمة أو لا تزيد فالعمل المجرّد عن زيادة العين إذا لم يزد القيمة لم يمنع الرجوع بالعين ولا يوجب شيئاً على البائع ولا يقضي بحصول الشركة، وإن زاد في قيمة العين كان له الرجوع أيضاً. واحتمال عدمه ضعيف، وعلى البائع ردّ الزيادة، أو يكون شريكاً بالنسبة.

واحتمال جواز أخذ العين مجاناً من دون شيءٍ قوي لولا لزومه؛ لإدخال الضرر على المفلس، ولأنّ الصفة الزائدة أو الهيئة الموجبتين لزيادة القيمة يقضيان بحصول المالية عند صدورهما من المالك في ملكه ولا يقضيان بالمالية المحكوم برجوعهما إلى العامل إذا صدرا الغاصب، بل يكون ما قابلهما للمالك.


1) راجع المبسوط 2 : 263.

والعمل المصاحب لزيادة العين إن أمكن انفصال الزيادة عنها ردّها إلى أهلها، وإن أدّى إلى نقصان قيمة العين كالخياطة مثلاً، مع احتمال أنه لو تضرّر بالرد صار المشتري شريكاً له فيدفع له قيمة الزيادة وزيادة قيمة العين الحاصلة بسببها، أو يدفع الزيادة العينية ويأخذ أرش النقصان من غرماء المفلس.

وإن لم يمكن انفصالها كالصبغ صار المفلس شريكاً له بنسبة قيمة الثوب مصبوغاً وغير مصبوغ، فيدفع إليه من الثمن بتلك النسبة، ولا يلزمه دفع قيمة الصبغ؛ لأنه صار من قبيل الأعراض.

ولو لم يزد الصبغ قيمةٌ في الثوب، رجع به، ولا شيء للمفلس، سواء نقص أو ساوى.

ويحتمل أن قيمة الثوب مصبوغاً لو زادت على قيمة الصبغ والثوب أخذ الزيادة صاحب الثوب، ويحتمل أن قسمتها على نسبة المالين، والذي قدمنا أوجه.

وقيل: إنه لو زادت قيمته مصبوغاً على الثوب والصبغ كان كل عين محفوظة بقيمتها، و [إنما] الكلام في الزيادة، فإن كانت من الأعيان فهي للمفلس، وإن ألحقنا الأثر بالعين فهي للبائع، ويحتمل بسطها على نسبة المالين؛ لعدم الأولوية حيث إنّها تابعة للعين (1).

وهو لا يخلو من تأمل.

واعلم أن هذه المسألة تفارق مسألة الغاصب في حرمة مال المفلس ها هنا، دون مال الغاصب، فيجوز للمالك التصرّف بماله بعد عوده إليه وإن كان للغاصب فيه مال، سواء كان عيناً محضة لا يمكن تخليصها أو عيناً من وجه وصفةٌ من وجه آخر كالصبغ؛ لسقوط حرمة ماله بفعله، ولمؤاخذته بأشق الأحوال.

ولا ينافي ذلك كون الغاصب شريكاً للمالك، وأنه عند بيع العين أو نقلها بوجه من الوجوه يكون له قسط من ثمنها؛ لما ذكرناه من سقوط احترام ماله، كما ذكرنا من الفرق بين زيادة الصفة المزيدة للقيمة بصدورها من المالك، وبينها عند صدورها من الغاصب.

ثالث عشرها: حكم ما اذا أسلف في مال فدفع الثمن وأسلف المسلم إليه عند حلول الأجل

ثالث عشرها: إذا أسلف في مال فدفع الثمن وأفلس المسلم إليه عند حلول الأجل، تخيّر المسلم بين أخذ رأس ماله إن وجده، وبين الضرب مع الغرماء بدينه، وإن لم يجد رأس ماله، قيل: ليس له إلا الضرب مع الغرماء (2).


1) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 115 ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

2) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 266.

والأوجه أن يقال: إنّ له الإمضاء فيضرب مع الغرماء، وله فسخ عقد السلم عند تعذر المسلم فيه؛ لأنّ تعذر المسلم فيه يسلّط على خيار الفسخ، ومتى فسخ صار دينه هو نفس ثمن السَّلَّم فيضرب مع الغرماء بالثمن، وشرط هذا أن لا يوجد في تركة الغريم من جنس المسلم فيه ما يفي المسلم كلاً أو بعضاً إن قلنا بإلحاق البعض بالكل. ولا يمكن أن يشترى من تركة الميت ذلك فيدفع له كذلك.

ولو أولد الجارية ثم أفلس قيل: جاز لصاحبها انتزاعها وبيعها، ولو طالب بثمنها جاز بيعها في ثمن رقبتها (1).

وهو مبني على تقديم حق الغريم على حق الاستيلاد فيترتب عليه جواز بيعها في ثمن رقبتها عند إعسار مولاها، كما هو المشهور، وجواز الرجوع في عينها، وبناءً على عدمه مطلقاً أو تقييده بموت المالك لم يجز جميع ما تقدّم؛ لتشبثها بالحرية كما تقدم، بل لو وطأها بعد التحجير عليه وصارت أُمّ ولد له كان في جواز الرجوع بها أو بيعها في ثمن رقبتها إشكال.

ولو حجر على المفلس وأمواله مرهونة كلاً أو بعضاً، كان المرتهن أحق برهنه، وللغرماء ما زاد على دينه، وإن نقص ضرب مع الغرماء بالناقص ، كلّ ذلك تقديماً لحق الرهن المتقدم.

ولو جني على المفلس جانٍ تعلّق بديته حق الغرماء؛ بناءً على دخول المتجدد في التحجير المطلق أو مع النص عليه.

ولو كانت الجناية عمداً واختار القصاص، فله ذلك، ولا شيء عليه.

ولو كان للمفلس دار وقف أو جارية كذلك أو أم ولد أو دابة موقوفة أو موصى بها دائماً وكانت هذه زائدةً على مستثنيات الديون لزم إيجارها ودفع ثمنها للغرماء.

وإذا جنى عبد المفلس قبل التحجير أو بعده، قدّم حق المجني عليه على سائر الغرماء؛ لتعلّق حقه بالعين، وليس له سواها دون الغرماء فإنّ حقهم في الذمة، فكل ما يبقى لهم من بعد قسمة الأعيان يكون في الذمة.

رابع عشرها: في أنه يتولى حفظ مال المفلس وبيعه وأجرته من يرضى عنه المفلس والغرماء

رابع عشرها: يتولّى حفظ مال المفلس وبيعه وأُجرته مَنْ يرضى عنه المفلس والغرماء؛ لتعلّق حقهما به معاً، فإن تعاسرا عيّن الحاكم لذلك مَنْ يتولّى ذلك، مع احتمال أن ذلك


1) قاله المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 80.

للحاكم ابتداء؛ لأنّه كالولي للمفلس بعد التحجير عليه، وليس للغرماء إلا الاستيفاء من القيمة، وهي منوطة بنظر الحاكم.

ثم إن وجد متبرّعاً لذلك، كان الأمر له، وإلا دفع الحاكم الأجرة من بيت المال؛ لأنه معدّ للمصالح على جهة الجواز لا الوجوب، وإلا دفعت الأجرة من مال المفلس؛ لوجوبه عليه.

ولا بد من تقديم قبض الثمن قبل تقبيض المبيع من مال المفلس، فإن تعاسرا تقابضا. ولو اقتضت المصلحة تأخير القسمة جعل الحاكم المال وديعةً عند ثقة، ولا يلزم عليه استنماؤه.

وهل يلزم (1)عليه إقراضه من ثقة ؟ الظاهر لا، والأحوط ذلك.

ولو باع المأذون أو الحاكم مال المفلس ثم طلب بزيادة لم يجب الفسخ ولو رضي به المشتري، وتتبع المصلحة في نظره، فلو تبين الخطأ ففي الإجزاء وعدمه وجهان.

خامس عشرها: في أنه يجوز للغرماء إثبات مال للمفلس عند غريمٍ أو عند ودعي

خامس عشرها: يجوز للغرماء إثبات مال للمفلس عند غريم أو عند ودعي؛ لأنه حقٌّ لهم.

ولو حصل لهم شاهد بمالٍ عند أحدٍ فإن حلف المفلس أحدٍ فإن حلف المفلس معه ثبت المال، وإن لم يحلف فهل لهم أن يحلفوا؛ لتعلّق حقهم به فيشمله عموم انضمام اليمين للشاهد الواحد، أو ليس لهم ؛لأنه حلف لإثبات مال شخص آخر ولم تثبت مشروعيته؟ على أن الحلف إن كان من غريم واحد سهل الخطب، وإن كان من مجموع الغرماء، فإن حلف كلّ واحدٍ على الكلّ كان حلفاً. على إثبات مال الغير، وإن حلف على قسطه من نصيبه لم يثبت له القسط بل بعضه؛ لأنّه الذي يثبت أنه يملكه المفلس، وهذا هو المشهور، وهو الأقوى، إلا أن الظاهر أن الكل لهم أن يحلفوا على الكلّ ؛ لأنه هو الذي يثبت به الاستحقاق، وللبعض أن يحلفوا على الكل فيأخذون قدر نصيبهم فيشاركونهم مَنْ لم يحلفوا أو لهم أن يحلفوا على البعض المختص بهم فيشاركهم الباقون به.

سادس عشرها: في أنه إذا مات المفلس وكلّ مديون حلّ ما عليه

سادس عشرها: إذا مات المفلس وكلّ مديون، حلّ ما عليه، كما عليه الفتاوى والنص (2)والاعتبار؛ لأنّه إن تصرّف الوارث بالتركة قبل الوفاء تضرّر الديان، وإن ترك إلى الحلول تضرر الوارث .


1) في «ق» : «يجب» بدل «يلزم».

2) وسائل الشيعة 18 : 344، الباب 12 من أبواب الدين والقرض.

وقيل: إنّه يحلّ ما له (1)أيضاً؛ لرواية أبي بصير (2)الدالة على ذلك وهي مرسلة فلا تعارض الاستصحاب وفتوى مشهور الأصحاب وجملة أخبار الباب الدالة على التفصيل بين ما له وما عليه.

سابع عشرها: في أنّه يُنظَرُ المعسر ولا يجوز مؤاجرة المفلس ولا الاستخدام به لاستيفاء منافعه

سابع عشرها: يُنظر المعسر، ولا يجوز مؤاجرة المفلس ولا الاستخدام به لاستيفاء منافعه للأصل، وعدم انصراف وجوب الوفاء لغير المال، ولعموم « فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ» (3).

وقيل بوجوب مؤاجرته (4)لرواية السكوني عن عليّ (علیه السلام): «إن لم يكن له مال، دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم إن شئتم أجروه وإن شئتم استعملوه» (5).

وهي ضعيفة لا تعارض الأصل وفتوى المشهور وظواهر الأدلّة وما جرت عليه السيرة القطعية، وما دلّ على نفي العسر والحرج (6).

نعم، لو كان ذا حرفة وصنعة فلا يبعد لزوم احترافه بها؛ لأنّه يصدق عليه الميسرة والملاءة بل والغناء، فيكون مع عدم الوفاء مماطلاً.

وهل يلزمه قبول الهبة والوصية والوقف لتحصيل نمائه فيفي بذلك دينه، وكذا الاتجار؛ لأنه مقدمة للواجب، أو لا يجب؛ لأنّ الواجب مشروط بالنسبة إليها إذ يجب الوفاء على المالك، ولا يجب الوفاء مطلقاً كي يلزمه قبول ذلك؟ وفي وجوب قبول الحقوق العامة وعدمه وجهان.

والأحوط لزوم قبول جميع ما يناسب حاله لفراغ ذمته.

ثامن عشرها: عدم جواز بيع الجارية ولا الدار في الدين

ثامن عشرها: قد دلّت النصوص (7)ونطقت الفتاوى وقضى دليل العسر والحرج (8)على أنّه لا تباع الجارية ولا الدار في الدين، ويراد بذلك عين الجارية والدار الموجودتين، ولا يستثنى له أثمانهما إن لم يملكهما، ويراد بهما اللائقتين بحاله كمّاً وكيفاً، فلو زادتا كمّاً بيع الزائد، ولو زادتا كيفاً بيعتا واشتري له ما يناسب حاله.


1) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 310؛ وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : 333.

2) وسائل الشيعة 18 : 344، الباب 12 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

3) البقرة (2) : 280 .

4) قال به ابن حمزة في الوسيلة : 274.

5) وسائل الشيعة 18 : 418 - 419، الباب 7 من أبواب كتاب الحجر، ح 3.

6) البقرة (2) : 185؛ الحج (22) : 78.

7) وسائل الشيعة 18 : 339 الباب 11 من أبواب الدين والقرض.

8) راجع الهامش (6).

ويلحق بالدار بيت القصب والشعر.

ولو ملك منافعهما كان كحكم ملك أعيانهما.

ويلحق به ما تحتاجه عياله الواجبتي النفقة من السكني.

ولا يستثنى الجارية إلا أن يحتاج إليها للخدمة أو يكون من أهلها.

والعبد حكمه حكم الجارية.

ولو أمكنه بيع الدار والجارية والاكتفاء باستئجارهما لم يجب؛ لظاهر النص (1)والفتوى.

ولو احتاج إلى المتعدّد استثني له كالمتحد، كما هو ظاهر جملة من الأصحاب (2).

وألحق الأصحاب بالدار والجارية الكتب العلمية المحتاج إليها، ودابة الركوب ورحلها، وعصاه العكاز(3)وثيابه الواقية له من الحرّ والبرد، وثياب التجمّل وثياب عياله اللازمين له على ذلك النحو ، كلّ ذلك لفحوى ما دلّ على استثناء الجارية والدار.

وهل يراد بما يناسب حاله ما يناسبه حال اليسار أو ما يناسبه حال الإفلاس؟ وجهان، والأحوط الأخير.

ولا فرق في المستثنى بين كونه مال الغريم بعينه أو غيره.

ويؤخذ من مال المفلس نفقته من مطعوم ومشروب ولواحقهما من حطب وملح ومنفعة آنية.

وربما يستثنى له فراش يقيه من الأرض، وربما يلحق بالقوت تتنه وقهوته وترياقه.

ويستثنى دواؤه وإن غلت قيمته، وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم على حسب عادة الأمثال إلى يوم الوفاء، فيعطى هو وعياله نفقة ذلك اليوم وتلك الليلة المستقبلة أو الليلة وذلك اليوم المستقبل.

ولو مات أحدهم في أثنائها ففي ارتجاعها لأنها تمليك، أو عدمه لأنها إباحة ما لم تستكمل شرائط الملك وجهان.

واستثناء ذلك في الجملة لا إشكال فيه، وعليه اتفاق الأصحاب.

ويستثنى نصاً (4)وفتوى أيضاً كفنه الواجب، ويلحق به كفن مَنْ يجب عليه كفنه، ويعتبر فيه ما يليق بحاله على الأظهر.


1) راجع ص 156 ، الهامش (7).

2) كالشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 123؛ والسبزواري في كفاية الفقه 1 : 576 - 577.

3) العكازة : العنزة، وهي رمح بين العصا والرمح فيها زج. مجمع البحرين 4 : 27، «ع ك ز».

4) وسائل الشيعة 18 : 345 الباب 13 من أبواب الدين والقرض.

ويلحق بالكفن - على ما يظهر من الأصحاب - جميع مؤن التجهيز من سدر وكافور وأرض دفن وغيرها، وربما يشعر استثناء الكفن بذلك.

تاسع عشرها: حكم ما إذا ظهر غريم سابق بعد قسمة المال بين الغرماء

تاسع عشرها: إذا ظهر غريم سابق بعد قسمة المال بين الغرماء، فإن كان له عين مال بید أحد الغرماء أو كان قد باعها الحاكم وسلّم ثمنها لأحدهم كان له انتزاعها، فتنتقض القسمة حينئذ ؛ لخلق بعضهم عن الحصّة، وإن لم يكن له عين مالٍ أو كان له ولكن توزّعت على الغرماء بالحصص عيناً أو بيعت وتوزّع ثمنها بالحصص، شاركهم بنسبة ماله في الأُولى، وانتزعها من جميعهم وضرب معهم في الباقي على نسبة الحصص في الثانية، وانتزعها من المشتري وأرجع إليه ما أخذه الغرماء من ثمنها في الثالثة.

وهل تنتقض القسمة بذلك من الابتداء فيبيّن فسادها فلا يكون النماء لهم، ولا الزكاة عليهم، ولا يمضي تصرّف أحدهم بمقدار نصيبهم؛ لأنّهم بمنزلة الشركاء لا تصح القسمة عليهم إلا برضى جميعهم وها هنا منهم مَنْ لم يرضَ بالقسمة فلا تصح إلا مع إجازته، ولأنهم لو لم يكونوا كالشركاء مالكين للمال لكنّهم بحكمهم؛ حيث إنّ وفاءهم وملكهم الحصص مشروط ببسط المال على جميع الغرماء فلا يملك بعضهم دون بعض أو لا تنتقض؛ لصدورها من أهلها في محلّها سوى ما يختص به الغريم الغائب، ولأنّهم غير مالكين؛ لأن الملك للمفلس والوفاء بيده والحاكم وليه، وقد وصل المال لغرمائه فيملكونه بالقبض سوى ما يختص به الغائب فلا تنتقض القسمة حينئذ؟ وجهان، والأقرب للنظر: الثاني.

ولو حلّ المؤجل قبل القسمة شارك صاحبه باقي الغرماء، وكذا لو جنى المفلس على أحدٍ قبل القسمة شارك المجني عليه الغرماء.

ولو جنى عبده ، قدّم حق الجناية على حق الغرماء وبطلت القسمة إن كان اختص أحدهم بالجاني.

ولو كانت الجناية بعد أخذ البعض دون البعض، ضرب مع الآخذين وغيرهم، على تأمل في الأول من جهة ملكهم ظاهراً، ومن توقفه على تمام قبضهم واستقراره ولم يحصل.

العشرون: حكم ما إذا تبين إعسار المفلس بالبينة أو بإقرار الغريم

العشرون: إذا تبيّن إعسار المفلس بالبينة أو بإقرار الغريم، حرم حبسه، بل لم تجز مطالبته؛ لعدم النفع فيها، وإدخال الأذية على المؤمن بسببها.

نعم، يجوز حمله على الإقرار لمصلحة الغريم.

وإن لم يتبين إعساره، جاز حبسه وتهديده إلى أن يثبت إعساره أو يؤدي الدين، فإن ظهر عنده مال جاز حبسه وتهديده بالقول كي يدفع المال إلى غرمائه إن كان مساوياً للحق، وبيعه ودفع ثمنه إليهم إن لم يكن، وجاز للحاكم تولّي ذلك فيطلقه من الحبس حينئذ.

وهل يزول الحجر عن المفلس بمجرد الأداء؛ لانتفاء مقتضيه، أو لا يزول إلا بحكم الحاكم لصدوره منه فرفعه بيده؟ وجهان، والأوجه الأول.

وإذا لم ينفع القول جاز ضربه وإهانته؛ لأنه ظالم تحلّ عقوبته وعرضه، كما هو مورد الأخبار (1).

ثمّ إنّ مدّعي الإعسار إن لم يعلم أن له أصل مال ولا كان أصل الدعوى مالاً كارش جناية ونحوها، كان القول قوله مع يمينه؛ للأصل، ولعموم أن البينة على [المدعي] (2)وإن علم أن له مالاً. حبس إلى أن يفي أو يثبت إعساره. وفي افتقار حبسه إلى يمين الغرماء بعدم تلف المال وجه.

وإذا شهدت البينة بتلف أمواله قضي له بها ولا يمين عليه؛ لأنها شهادة على الإثبات، ولا تفتقر إلى الاطلاع على حاله وإلى الصحبة المؤكدة له والخلطة المتكثرة معه.

وإن شهدت بالإعسار مطلقاً ، افتقر قبولها إلى كثرة الخلطة وزيادة الصحبة المطلعة على باطن أمره؛ لأنّها بمنزلة شهادة النفي الغير مقبولة، ولكن بالصحبة وزيادة الخلطة تضمنت إثباتاً وهي الشهادة بالإعسار، وهو وصف يقتضي أن صاحبه عاجز عن وفاء دينه، وأنّ ماله قليل ومحصور بمستثنيات الديون ومقصور عليها.

ولو لم تكن مطلعةً على تفصيل حاله جاز استنادها للظاهر، أو لقبول قوله في ادعائه، ومع ذلك فللغرماء إحلافه؛ لأنه بمنزلة المنكر وبينته بمنزلة البينة على النفي فلهم جبرها باليمين .

واحتمل العلامة (رحمه الله) توجه اليمين عليه فيما إذا قامت البينة بتلف أمواله؛ لأن البينة إذا شهدت بالتلف كان كمن ثبت له أصل مال واعترف الغريم بتلفه وادّعى عليه مالاً آخر فإنّه يلزمه اليمين (3).

واحتمل في مقامٍ آخر عدم توجه اليمين عليه في المقامين؛ لأن البينة على المدعي


1) وسائل الشيعة 18: 333 - 334، الباب 8 من أبواب الدين والقرض، ح 4.

2) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية : «المنكر». وما أثبتناه من المصدر؛ راجع وسائل الشيعة 27 : 293، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم...، ح 3 ، وفيه : «... على من ادعى...».

3) تذكرة الفقهاء 14 : 75، ذيل المسألة 321.

واليمين على مَنْ أنكر، والتفصيل قاطع للشركة، والجمع بين البينة واليمين جمع بين المتناقضين (1).

والأظهر ما قدمناه.

ویراد باشتراط اطلاعهم معرفة ذلك عند الحاكم، أو ظهوره لديه بقرائن الأحوال، أو بيانهم ذلك له.

ويراد بعدم سماع بينة النفي عدم سماعها إذا تعلقت بالنفي الصرف، وأما لو كانت محصورةً بزمانٍ أو مكانٍ أو حال فشهدت البينة أنّه في ذلك الحال أو الزمان أو المكان لم يقع منه هذا، بل وقع منه هذا مما يضاده مكاناً أو زماناً أو حالاً، فالمتجه قبوله حينئذ ؛ لأنها تنزل منزلة بينة الإثبات.

واستشكل الشهيد (رحمه الله) في الحكم المتقدم وفي بناء الفرق بين المقامين من حيث إن شهود تلف المال إن شهدوا على الظاهر من دون اطلاع لهم على باطن الأمر أشكل ثبوت إعساره بذلك؛ لأنّ حاله بالنسبة إلى المال مجهول باطناً، وكان القول بثبوت اليمين عليه متوجهاً؛ لأنه بمنزلة مَنْ لم يعلم له أصل مالٍ مع احتماله، وإن شهدوا مع الاطلاع على باطن الأمر ومعرفة الحال توجه عدم الافتقار إلى انضمام اليمين؛ لأنه هو الممكن شرعاً فلا يفتقر إلى أمر آخر، فيلزم أن يكون بينة الإعسار كذلك لا يفتقر إلى اليمين أيضاً، وأن شهود الإعسار إن اعتبرنا في شهادتهم الاطلاع على باطن الأمر بالخلطة والصحبة توجه عدم اعتبار اليمين معهم، لأنه أقصى ما يمكن اعتباره شرعاً فلا يفتقر إلى أمرٍ آخر، وإن لم نعتبر أشكل سماعها حينئذ.

وإن أرادوا بسماع شهادة التلف سماعها من دون اطلاع الحاكم على اطلاعهم، وإلا فاطلاعهم معتبر في نفس الأمر، ولكن لما كانت عدالتهم تمنعهم عن الشهادة من دون اطلاع اكتفى الحاكم بمجرد سؤالهم من غير تفحص كان لا معنى للفرق بين الشهادة بالتلف والشهادة بالإعسار، فاشتراطهم فيه اطلاعهم على باطن الأمر لا وجه له؛ لأنّ عدالتهم تمنعهم في المقامين من الشهادة من دون الاطلاع.

ثم إنه ذكر أنه يمكن توجيه الحكم منهم بعدم الافتقار إلى الاطلاع الباطني في شهادة التلف دون شهادة الإعسار: بأن عدم الاحتياج إليه في الأولى بالنظر إلى الشهود وإلى الحاكم،


1) تذكرة الفقهاء 14 : 72، ضمن المسألة 318 .

وذلك لأن الدعوى حيث كانت على مالٍ أو على ما أصله مال افتقرت إلى بينة تدفع هذا الظاهر، فإذا شهدوا بتلف أمواله التي يطلعون عليها فقد علم الانتقال من ذلك الأصل الباقي في المال وإن أمكن بقاء بعضه، إلا أنه غير معلوم، فالتكليف بالظاهر حينئذ، وأما شهادة الإعسار فحيث لم يطلعوا على ماله بقي أصل بقاء المال محكماً، فافتقر إلى دفعه باشتراط الاطلاع على باطن أمره ليحصل الظنّ بارتفاعه من الشهادة، فتوجه الفرق بينهما باعتبار الافتقار إلى الاطلاع وعدمه، والافتقار إلى اليمين في الأولى دون الثانية؛ لأن الشهادة في الأولى لا تدفع المال باطناً يقيناً ولا ظنّاً؛ لعدم الاطلاع عليه بخلاف الثانية؛ لأنّ كثرة ملابسته ومجاورته والاطلاع على صبره المفيد للظنّ، أو العلم بعدم صبر ذي مالٍ على الاكتفاء بما يكتفي به يفيد الظنّ الغالب بعدم المال، فلا يتجه انضمام اليمين معها.

نعم، لو ادعى الغريم مالاً مخصوصاً واعترف بتلف غيره فشهد الشهود بتلفه، لم يعتبر اليمين وراء شهادة الشهود (1).

وفيما ذكر تأمل في بعض المقامات، والحق عدم الافتقار إلى اليمين في المقام؛ لظواهر الأدلة القاطعة للشركة، ولأنّ البينة في الإعسار وإن أفادت الظن واستندت إليه لكنه معتبر؛ لعدم إمكان غيره، ولأن طريق التوصل إلى الشهادة في نظائره من فقر واجتهاد وعدالة ونحوها إنّما هو ذلك، ولأنّ الشهادة بتلف المال شهادة بالقطع على تلف ما يدعيه المدعي؛ لأنّ دعواه إنّما هي على المال الظاهر، إما الثابت أولاً أو ما يمكن أن يطلع عليه الشاهد، فإذا وقعت الشهادة على طبق ما يدعيه المدعي أغنت عن اليمين.

نعم، لو ادعى عليه مالاً خفيّاً ولم يشهدوا بتلفه توجّه اليمين عليه من دون بينة، فلو اجتمع الدعويان احتاج إلى بينة للأولى ويمين للثانية.

ثانيها: من جملة أسباب الحجر الصغر

إشارة

ثانيها (2): من جملة أسباب الحجر الصغر

والصغير محجور عليه كتاباً، قال الله سبحانه: « «وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ» (3)،


1) مسالك الأفهام 4 : 131 - 132.

2) أي المبحث من المباحث الذي تقدم أحدها في ص 144.

3) النساء (4) : 6.

وسنة، كقوله: «قضى (علیه السلام) أن يحجر على الغلام حتى يعقل» (1)ولا فرق بينه وبين الجارية إجماعاً، وإجماعاً منقولاً (2)ومحصلاً، عدا ما وقع فيه الخلاف من وصيته وتدبيره وعتقه إذا بلغ عشراً، وفي الأخبار (3)ما يدلّ على صحة ذلك، إلا أنها خلاف فتوى المشهور وظواهر الأدلة، كما سيأتي في بابه (4)، إن شاء الله .

وهو مسلوب العبارة عقداً وإيقاعاً في الحقير والكثير بالنسبة إلى ماله وغير ماله، وما جرت عليه السيرة من المحقرات فهو من باب الإذن الفحوائية في التصرف بماله أو بمال الولي من الأولياء، فيكون كأن القابض البالغ موجب قابل، فيكون كالإباحة في المعاطاة بل هي من أنواعها.

وأما قبول هديته والأخذ بإذنه في دخول الدار، فهو إن قضت بهما السيرة القطعية فهو محمول على كونه طريقاً للإذن الفحوائية من الأولياء في التصرف في مالهم، ولو علم أنّ الهدية والدار للطفل أو شك فيه لم يجز.

وكلّ ذلك لمكان الحاجة الماسة إلى جعل الطفل رسولاً لمكان الضرورة والعسر والحرج.

ولا يزول الحجر عن الصبي من حيثية صغره إلا بالبلوغ، وهي حالة في الإنسان تقتضي الفحولة والامرأية وقابلية أن يطأ ويوطأ، كالبلوغ في غيره من الحيوانات بل في النباتات، وله في الذكر علائم دالّة عليه أيّها سبقت كانت دليلاً عليه، وكذا في الأُنثى.

بیان علائم البلوغ في الذكر والأنثى:
إشارة

وعلائمه في الذكر أُمور:

أحدها: نبات الشعر الخشن على العانة في الذكر

أحدها: نبات الشعر الخشن على العانة للإجماع بقسميه (5)، وللأخبار (6)الدالة على ذلك، إلا أنّه ليس فيها التقييد بالخشونة، وإنما جاء القيد من فتاوى الأصحاب إما لكونها حجّةً، أو لكونها موهنةً للإطلاق فيقتصر فيه على ما خلا القيد، أو من انصراف الإطلاق إلى الخشن؛ لغلبة غيره في غير البالغين.


1) وسائل الشيعة 27 : 247، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم.... ح 1.

2) تذكرة الفقهاء 14 : 185، الفصل الأول: الصغير.

3) وسائل الشيعة 19 : 361 - 363، الباب 44 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2 - 7.

4) سيأتي في ص 173.

5) تذكرة الفقهاء 14 : 187، المسألة 398 .

6) وسائل الشيعة 43:1 و 44، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 2، 8.

وتخصيص الشعر بالعانة هو الأظهر كما في الرواية (1)، ويظهر من بعضهم نقل الإجماع عليه (2)، بل هو المشهور تحصيلاً.

ولكن الحكم بإلحاق شعر الوجه به، كما في رواية أُخرى حيث فيها: «أو يشعر في وجهه» (3)ويساعده الاعتبار؛ لإفادته القطع بالبلوغ غالباً لا يخلو من قوّة.

وعلى القول به فالظاهر تخصيصه باللحية والشارب دون غيرهما لمكان العادة، ولا عبرة بشعر الصدر والإبطين والأُنثيين والدبر وإن أفاد القطع في بعض الأشخاص.

ولا فرق بين الذكر والأنثى فى ذلك، كما هو ظاهر الأصحاب، ولقضاء العادة بذلك.

ثانيها: خروج المني من الموضع المعتاد

ثانيها: خروج المني من الموضع المعتاد، سواء كان قابلاً لتولد الولد منه أم لا، على أنّ فرض انقسام المني إلى قسمين وتخصيص المتولد منه الولد بالدلالة على البلوغ لا نقول به؛ لمنع الانقسام أولاً، فيُحمل ما جاء من عباراتهم من هذا الوصف على التوضيح لا التخصيص، ومنع كون الخاص هو العلامة دون غيره ثانياً؛ لتأديته غالباً إلى عدم التمييز.

وما ذكره بعضٌ من المائز بين ما يطفو على الماء فلا يحصل منه الولد، وبين ما لا يطفو فيحصل منه (4)، غير مسلّم.

ويرد التفصيل أيضاً إطلاق الكتاب، قال سبحانه وتعالى: « «وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ» (5)، « وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ » (6)، « حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ» (7)، وإطلاق السنة:

ففي الخبر: «لا تغطّي الامرأة شعرها عنه حتى يحتلم» (8).

وفي الثاني: «انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام وهو أشدّه» (9).


1) وسائل الشيعة 1 : 44، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 8.

2) تذكرة الفقهاء 14 : 186 و 187، المسألة 397.

3) وسائل الشيعة 20 : 278، الباب 6 من أبواب عقد النكاح ... ، ح 9.

4) حكاه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 142 ، عن حاشية الشهيد على القواعد نقلاً عن بعض العلماء.

5) النور (24) : 59.

6) النور (24) : 58.

7) النساء (4) : 6.

8) وسائل الشيعة 21 : 460، الباب 74 من أبواب أحكام الأولاد، ح 1.

9) المصدر 18 : 409، الباب 1 من أبواب كتاب الحجر ، ح 1.

وفي الثالث: متى يجوز أمر اليتيم؟ قال: «حتى يبلغ أشده» قال: وما أشده؟ قال: «احتلامه» (1).

وفي رابع: متى يجب عليه الصوم والصلاة؟ قال: «إذا راهق الحلم» (2).

والحلم هو خروج المني قطعاً في نوم أو يقظة، كما صرح به المحققون (3)، والاحتلام بمعناه. وخصه بعض أهل اللغة بالخارج في النوم (4)، ويساعده العرف.

وعليه فهو مثال لعدم اختصاص الخارج بالنوم بالحكم، كما يظهر من اتفاق الأصحاب نقلاً (5)وتحصيلاً.

ولا فرق بين الذكر والأنثى في الحكم؛ لإطلاق الكتاب والسنة والفتاوى، بل الظاهر أنه اتفاق نقلاً (6)وتحصيلاً.

نعم، تقلّ ثمرته في النساء؛ لقلة خروج المني منهنّ قبل التسع، وتسترهنّ عن إظهاره غالباً قبل التسع وبعده، وعدم معرفتهنّ له.

وقيدنا بـ «الموضع المعتاد» تبعاً لجملة من فتاوى الأصحاب، وأخذاً بالاحتياط.

والأقوى عدم الاختصاص بالموضع المعتاد، بل يكفي خروجه من أي نحو اتفق، بل يكفي تحركه عن موضعه مع الشهوة؛ لإطلاق الأدلة، ولأن الغالب ذلك، وتنزيل إطلاقات الأدلة على الموضع المعتاد لا وجه له، مع أن الغالب تلازم تحرّكه من موضعه للبلوغ، بل المقطوع به.

ويُعرف المني كما يُعرف غيره من الموضوعات كالحيض وشبهه، فإن اشتبه عُرف بعلائمه الخاصة من القوة والدفع والشهوة بالنسبة إلى الصحيح والشهوة والفتور بالنسبة إلى المريض.

وهو علامة في الزمان المحتمل لحصوله، وأما الزمان المقطوع بعدمه فيه كالصغير في زمن الخمس والسبع، فإنّ الخارج فيه يلغى حكمه ولو جمع الصفات، ويُحكم بأنه فيه غير مني.


1) وسائل الشيعة 18 : 412، الباب 2 من أبواب كتاب الحجر ، ح 5.

2) المصدر 10 : 235، الباب 29 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 6.

3) منهم : العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 14: 191، المسألة 402؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 143.

4) الفيروزآبادي في القاموس المحيط 100:4، «ح ل م».

5) كفاية الفقه 1 : 581.

6) مسالك الأفهام 4 : 143.

وبالجملة، فالمقطوع بأنّه مني من علائم البلوغ، والجامع لصفاته على وجه الظن القوي به الأصل فيه أيضاً كونه من العلائم إلا أن يُقطع بعدمه.

وكذا نقول في الحيض بأنه علامة لبلوغ النساء، بمعنى أن المقطوع بكونه حيضاً هو علامة على سبق البلوغ، والجامع لصفاته فالأصل فيه أن يكون علامة، إلا إذا علم صدوره قبل أوانه.

وبهذا يرتفع شبهة لزوم الدور من توقف معرفة البلوغ على خروج المني والحيض، الموقوفة معرفتهما على سبق البلوغ فيدور.

ولا يتوقف البلوغ على خروج المني إلى خارج بل لو حبسه كفى في كونه علامة.

نعم، يتوقف عليه حصول الحدث.

ولا يتوقف على الجماع ولا على اقترانه بالشهوة كما هو ظاهر النص (1)والفتوى.

ولا يتوقف على خروجه يقظةً أو نوماً، وإن كان لفظ الحلم والاحتلام مأخوذاً من الأحلام في المنام.

والظاهر أنّ الاحتلام قد يتأخر عن البلوغ وقد يثبت به البلوغ فيقترنان.

وأما الإنبات ففي إمكان حصول البلوغ به أو كونه علامة على سبق البلوغ بحيث يتقدّم البلوغ عليه ثمّ يحصل الإنبات، وجهان، ولا يبعد الأخير، ونُسب للمشهور (2).

وخروج المني من الفرجين معاً في الخنثى دليل البلوغ قطعاً، مع احتمال أن خروجه من أحدهما كافٍ؛ لعدم اعتبار الاعتياد.

ولو بلغت الخنثى التسع فما فوق فأمنت من فرج الرجال، حكم ببلوغها على كلا التقديرين.

ثالثها: الحيض والحمل علامتان على سبق البلوغ في الأنثى

ثالثها: الحيض والحمل علامتان على سبق البلوغ بأن يعتد به بالنسبة إلى النساء، ولا يدلان على الاقتران، فلو أوقعت الامرأة عقداً قبلهما بآن متصل بهما صح العقد والإيقاع، وكون هذين علامة مقطوع به فتوى ونصّاً (3)، إلا أن المقطوع بكونه حيضاً علامة على البلوغ قطعاً، والجامع لصفاته علامة في زمن الجهل بحال الامرأة، فلو عُلم أنّها دون التسع حكم بعدم كونه حيضاً قطعاً.


1) راجع ص 167 ، الهامش (8).

2) مسالك الأفهام 4 : 141.

3) وسائل الشيعة 1 : 45، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 10، 12.

ولو بلغت الخنثى تسعاً ففاجأها دم بصفات الحيض من فرج النساء لم يُحكم ببلوغها؛ لاحتمال كونها ذكراً، ولأنّ الأصل في كون الجامع للصفات حيضاً إذا خرج من المقطوع بأنوثيته، وإن فاجأها حيض قطعي فهي امرأة بالغة؛ لعدم إمكان الحيض من الرجل، وكذا لو حملت.

ولو خرج من الخنثى المجهول سنّها مني من فرج الرجال ودم بصفات الحيض من فرج النساء واشترطنا خروج المني والحيض من الموضع المعتاد، حكم ببلوغها؛ لأنها إن كانت ذكراً فقد خرج المني من معتاده، وإن كانت أنثى فقد خرج الحيض من معتاده، مع احتمال أن لا يكون أحدهما علامةً؛ لأنّ المني دليل على كونه رجلاً والحيض دليل على كونه أُنثى، فيتعارضان فيتساقطان.

وفيه: أنّ الدلالة على الوجه المتقدّم مشروطة بالخروج من المعتاد ولم يتحقق.

رابعها: بلوغ الخمس عشرة تامة للرجال وتسع للنساء كذلك

رابعها: بلوغ الخمس عشرة تامة للرجال وتسع للنساء كذلك. ولا يكفي الطعن فيها؛ لأن المتبادر من النصوص (1)والفتاوى ذلك، وفي بعض النصوص (2)تنصيص على ذلك.

ويظهر من بعضهم نقل الاتفاق عليه (3)، والشهرة محصلة فيه، فاحتمال كفاية الطعن - كما احتمله بعضهم - (4)ضعيف.

والمنكسر من الزمان يلفّق مع احتمال عدم الاعتداد بالكسر القليل، واحتمال طرح المكسور مطلقاً واحتمال احتسابه مطلقاً.

والحكم بالبلوغ بذلك هو المشهور نقلاً (5)وتحصيلاً، ويظهر من جملة من الأصحاب نقل الاتفاق عليه، وأنّه مذهب أصحابنا، وأنه من شعار الشيعة (6).

ويدلّ عليه مع ذلك الاستصحاب، وجملة من أخبار الباب:

كالنبوي: «إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأُخذت منه الحدود» (7).


1) وسائل الشيعة 18 : 410 - 411، الباب 2 من أبواب كتاب الحجر، ح 1 - 3.

2) وهي رواية نبوية أوردها ابن زهرة في غنية النزوع 1: 251.

3) رياض المسائل 9 : 245 .

4) راجع مجمع الفائدة والبرهان 9: 190.

5) كفاية الفقه 1 : 581.

6) مجمع البيان 3 – 4 : 9، ذيل الآية 6 من سورة النساء (4) کنز العرفان 2 : 102 .

7) راجع الهامش (2) .

والمعتبرين:

في أحدهما: «الجارية إذا تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في البيع والشراء، والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج عن اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك» (1).

وفي آخر: «الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم وتزوجت ودفع إليها مالها وأُقيمت الحدود التامة عليها ولها» فقلت والغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: «الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان له الخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة» (2)إلى غير ذلك من الأخبار وفيها المعتبر سنده بابن محبوب المجمع على تصحيح ما يصح عنه كما نقل (3)، وهي معتضدة بالشهرة المحصلة والمنقولة (4)، وبالاستصحاب، وبمخالفة العامة على ما يظهر من بعض عبارات أصحابنا (5).

وبذلك يظهر ضعف ما ذهب إليه الإسكافي من حصول البلوغ بإكمال الأربع عشرة سنة في الذكر (6).

ويستدلّ له بالصحيح: في كم يؤخذ الصبي بالصيام؟ قال: «ما بينه وبين خمس عشرة سنة أو أربع عشرة سنة» (7).

وهو مجمل الدلالة، بل ظاهر فى الاستحباب لمكان «أو» المفيدة للتخيير فيما بينه وبين الخمس عشرة، ولا بد من حمله على الندب؛ لعدم القائل بغير الوجوب العيني، ولأنّ المراد بـ «ما بينه» ما بين صباه وتمييزه، ومن المعلوم أنّ ما بين تميزه وبين الأربع عشرة صيامه مندوب فكذا يراد بـ «ما بينه وبين الخمس عشرة» بقرينة السياق، ولأنّ ظاهر «يؤخذ» أن الفاعل فيه غيره في الدنيا، لا أنه يؤخذ عليه في الآخرة، فيكون المراد: أن الولي يحمله على الصوم ما بين ذلك؛ فيكون شاهداً لنا، ولأنّ في صدره: في كم يؤخذ الصبي بالصلاة؟


1) وسائل الشيعة 18 : 410، الباب 2 من أبواب كتاب الحجر، ح 1.

2) المصدر 20 : 278، الباب 16 من أبواب عقد النكاح...، ح 9.

3) نقله الكشي كما في اختيار معرفة الرجال : 556، ح 1050.

4) كفاية الفقه 1 : 581 .

5) رياض المسائل 9 : 241 .

6) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 451، المسألة 97.

7) وسائل الشيعة 10 : 233، الباب 29 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 1.

قال: «فيما بين سبع وست سنين» (1)ولا شكّ أنّ المراد به الندب، لا أنّ المراد ما بينهما إلى ما فوق، فيكون قرينة على إرادة الندب أيضاً من آخره كما يشهد به السوق.

وكذا يظهر ضعف ما دلّ على أنه عبارة عن إكمال الثلاث عشرة، كالمعتبر: «إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات وجاز أمره» (2).

وفي آخر: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب» (3).

و استجوده جملة من المتأخرين (4).

وكذا ضعف ما دلّ على أنّه «إذا أكمل الثلاث عشرة ودخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات، وجاز له كل شيء» كرواية الوشاء (5).

وكذا ضعف ما دلّ على أنه «من ثلاث عشرة إلى أربع عشرة» كرواية عبد الله بن جبلة (6). والكل ضعيف السند، غیر معمول به محتمل لوروده مورد التقية، أو لحدوث البلوغ عند إكمال ذلك العدد.

وفيه ما لا يخلو عن إجمال، ككونه ما بين الثلاث عشرة والأربع عشرة؛ لاحتمال أنه يتحقق بالإكمال للثلاث عشرة، واحتمال أنه يتحقق بالدخول في الأربع عشرة، واحتمال أنه مستمر أو موسع أمره فيما بينهما.

والكلّ ضعيف، والأخير غير معقول.

وكذا ضعف ما عن الإسكافي، حيث خص ارتفاع الحجر عن الأنثى بالتسع فيما إذا تزوجت وحملت (7)لشذوذه، ومخالفته ظواهر الأدلّة.


1) وسائل الشيعة 4 : 18، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، ح 1.

2) المصدر 19: 363، الباب 44 من أبواب كتاب الوصايا، ح 8.

3) المصدر : 365، ح 12.

4) منهم السبزواري في كفاية الفقه 1 : 582.

5) وسائل الشيعة 19 : 364 - 365 ، الباب 44 من أبواب كتاب الوصايا، ح 11 وذيله.

6) المصدر : 367 الباب 45 من أبواب كتاب الوصايا، ح 3.

7) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 452، المسألة 99، وليس فيه قيد الحمل.

وكذا ضعف ما عن الشيخ وابن حمزة بأنّ بلوغ الأُنثى بإكمالها العشر سنين (1)لشذوذه، وعدم دليل عليه. وأرسل فيها بعضهم رواية (2)، ولم تثبت.

وكذا ضعف ما في رواية عمّار من أنّ بلوغها بالثلاث عشرة سنة (3)لضعفها وشذوذها.

نعم، قد ورد في جملة من الأخبار (4): «أنّ مَنْ بلغ عشراً صح طلاقه» وفي بعضها: «صحت وصيته وتدبيره» وفي بعضها: «عتقه».

وهي ليست صريحةً في كون البلوغ بالعشر مطلقاً، ولا أن البلوغ بهذه الأمور الخاصة بالعشر؛ لعدم تجزيته قولاً واحداً، بل غاية ما تدلّ عليه صحة ذلك من ذي العشر، فيكون من جملة التصرفات الجائزة لغير البالغ، وهو غير ما نحن فيه، على أنه لا نقول بها؛ لضعفها، وشذوذها، وعدم مقاومتها لفتاوى الأصحاب وأخبارهم في تلك الأبواب.

وكذا ضعف ما مال إليه بعضهم (5)من الفرق بين المعاملات فالبلوغ بالخمس عشرة، والعبادات فبما دونها.

وكذا ضعف ما مال إليه آخرون (6)من تنزيل الأخبار على مراتب البلوغ بالنسبة إلى متعلقاته من الأحكام، أو تنزيلها على مراتبه بالنسبة إلى اختلاف الأشخاص فهماً وقوّةً وذكاوةً وتمييزاً ومعرفة.

نعم، قد تنزل الأخبار على اختلاف الأشخاص بتقدم البلوغ وتأخره كما نشاهده اليوم، وفي بعض الأخبار: أن اليتيم يمتحن برائحة إبطيه (7).

والظاهر أنها ظنّية، والخبر ضعيف.

نعم، لو اجتمعت عدة أمور من ظهور رائحة الإبط ونتوء الثدي ونتوء خرزة الرقبة وانخفاض طرف الأنف وغلظ الصوت والميل للنكاح، لربما أفادت القطع بالبلوغ.


1) المبسوط 1 : 266؛ الوسيلة : 137.

2) كالشيخ الطوسي في المبسوط :2 : 283 - 284 .

3) سائل الشيعة 1 : 45، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 2.

4) المصدر 22 : 77 و 78، الباب 32 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، ج 2، 6؛ و 19 : 362 - 363، الباب 44 من أبواب کتاب الوصايا، ح 3 - 7،5 .

5) لم نتحققه.

6) منهم الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1 : 14، مفتاح 2.

7) مستدرك الوسائل 13 : 428، الباب 2 من أبواب كتاب الحجر، ح 1.

ثالثها: من أسباب الحجر الجنون

ثالثها : من أسباب الحجر الجنون

نصاً (1)وفتوىً وإجماعاً محصلاً ومنقولاً (2)، والعقل شاهد عليه.

وهو فنون يعرفه أهل العرف وأهل الطب، وهو مطبق وأدواري.

ويلحق به هنا: الخبل والهبل والسكر إذا صدر من أهلها ما لا يوافق نظم أفعال عادة أهل العقل والرشد.

رابعها من جملة أسباب الحجر عدم الرشد

رابعها : من جملة أسباب الحجر عدم الرشد

بالنسبة للصغير إذا بلغ فإنّه محجور عليه ما لم يثبت رشده، و تظهر فائدته فيما لو جعلنا بين الرشد والسفه واسطةً، وإلا دخل غير الرشيد تحت السفيه وكان حكمه حكمه.

ويدلّ على اشتراط الرشد الكتاب، قال سبحانه وتعالى: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا» (3)والأخبار (4)، والإجماع بقسميه (5)، ومع الشك في حصوله ينفى بأصل الاستصحاب، ولا يثبت إلا بطرقه الآتية إن شاء الله.

هذا كله في المعلوم حاله قبل البلوغ أنه غير رشيد، وأما مَنْ لم يعلم حاله ورأيناه في سوق المسلمين يبيع ويشتري فلا يبعد أن الأصل بمعنى الظاهر أو الغالب رشده؛ لجريان السيرة القطعية على معاملة الناس بعضهم مع بعض في أسواق المسلمين ونحوها، من دون استفسار عن أحوالهم، ومن دون اطلاع على ما هم عليه، من غير نكير من أهل العلم والتقوى يداً بيد وخلفاً عن سلف.

نعم، لو كان في أوائل أزمنة البلوغ ولم يدخل تحت قسم الرجال، فالأحوط تجنبه.

وكذا الأحوط لمن عنده مال لطفل قد استولت يده عليه أن لا يسلّمه له ولو جاء إليه بعد البلوغ بسنين كثيرة وطالت لحيته ولم يعلم حاله ما بين صباه وشبابه، إلا أن يعلم رشده وتجوز له معاملته بغير ذلك من أنواع المعاملة؛ قضاء للسيرة والطريقة.


1) وسائل الشيعة :28 : 23 ، الباب 8 من أبواب مقدمات الحدود، ح 3؛ سنن أبي داوُد 4: 140 - 141، ح 4399 - 4403.

2) تذكرة الفقهاء 14 : 201، الفصل الثاني: الجنون.

3) النساء (4) : 6.

4) وسائل الشيعة 19 : 368 - 370 ، الباب 45 من أبواب كتاب الوصايا، ح 6، 10، 13.

5) تذكرة الفقهاء 14 : 207، المسألة 410 .

خامسها من جملة أسباب الحجر السفه

خامسها : من جملة أسباب الحجر السفه

كتاباً (1)وسنّةً (2)وإجماعاً بقسميه (3)فمن عُلم سفهه لا تجوز معاملته، ومَنْ شَكّ فيه وكان رجلاً يتولى البيع والشراء في أسواق المسلمين فالأصل رشده؛ لقضاء السيرة القطعية بذلك.

والبحث ها هنا يتوقف على بيان أُمور:

أحدها: أن الرشد والسفه أمران متقابلان وضدّان

أحدها: ظاهر جملةٍ من الأصحاب (4)أنّ الرشد والسفه أمران متقابلان وضدان لا واسطة بينهما، وأن الرشد من الأمور الوجودية، وأن السفه عدمه.

ويظهر من بعض (5)أنّ الرشد والسفه كلٌّ منهما أمر وجودي، فيكون بينهما واسطة، أو أنّ الرشد ملكة والسفه ملكة أيضاً فيكون بينهما واسطة.

ثمّ إنّهم عرفوا الرشد بأنّه كون الإنسان مصلحاً لماله غير مفسد له، بصرفه في الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء، فيظهر منهم أنّ الرشد كونه كذلك. ولم يكتف جماعة منهم بمجرد صدور ذلك منه ورؤيته على تلك الحال، بل جعلوه عبارةً عن ملكة ينبعث عنها إصلاح المال وعدم إفساده، سواء كان لقصور في نظره أو لتقصير في فعله، فما لم يكن ذا ملكة وكيفية راسخة في النفس لم يكن رشيداً (6).

وهو محلّ تأمّل؛ لأنّ الرشد من الموضوعات العرفية، ولا نعرف من أهل العرف إلا أنّ الرشد هو إصلاح المال من دون نظر إلى صيرورة ذلك من الملكات التي يعسر زوالها.

وعلى كل حال، فلا يضرّ صدور المنافي في بعض الأمرار، سواء قلنا بكونه ملكةً، أو قلنا هو نفس الفعل الصادر، فلا بد من التقييد بالغالبية؛ احترازاً عن عدم منافاة وقوع الإفساد نادراً، وإنّما أُخذ في الحدّ قيد «الإصلاح»، و «عدم الإفساد» معاً احترازاً عمن لا يفسد ولكنّه لا يعرف الإصلاح، وعمّن يصلح ماله ويجمعه ثمّ يفسد بعد ذلك فينفقه في


1) النساء (4) : 5 .

2) وسائل الشيعة 18 : 409 ، الباب 1 من أبواب كتاب الحجر.

3) راجع ص 170 الهامش (5).

4) كالشيخ الطوسي في المبسوط 2: 284؛ والخلاف 3: 283، المسألة 3؛ وابن زهرة في غنية النزوع 252:1؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام :2: 85 و 86؛ والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 9: 210 و 211؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4: 159.

5) راجع كفاية الفقه 1 : 582 و 584 ورياض المسائل 9 : 251.

6) راجع كفاية الفقه 1 : 582؛ ومسالك الأفهام 4 : 148؛ ورياض المسائل 9 : 245.

غير الوجوه اللائقة، وقد يكتفى بقيد «الإصلاح» عنه.

وعرّفوا السفه بأنه صرف الأموال في غير الأغراض الصحيحة، ولم يكتف جمع منهم بذلك، بل جعلوه عبارةٌ عن ملكةٍ تنبعث عنها تلك الأحوال (1)كما قالوه في الرشد.

وفيه: أنهم لو قيدوا ذلك بـ «الغالب» لكفى عن اشتراط الملكة؛ إذ لا يساعد عليها عرف ولا لغة.

والمراد بـ « [غير] الأغراض الصحيحة» ما لا يلائم تصرّفات العقلاء غالباً - إما لقصور نظره، أو لتقصير منه في فعله - كتضييع المال واحتمال الغبن في المعاملات دائماً، والإنفاق في المحرمات كثيراً التي لا تعود عليه بنفع عرفي.

وقد نقل العلّامة (رحمه الله) الإجماع على أنّ مَنْ أنفق ماله في المعاصي لم يكن رشيداً (2)، وهو محمول على ما ذكرناه.

وفي الأخبار: أن السفيه من يشتري الدرهم بأضعافه (3)، وفي بعضها: أن شارب الخمر سفيه (4).

وكعدم (5)إصلاح ماله وتنميته، وعدم التحفظ عليه، وعدم الاشتغال بما يكتسب به رزقاً له ولعياله، وصرف ماله في الأطعمة النفيسة التي لا تليق بحاله بحسب وقته وشرفه وبلده وضعته، وكذا صرفه باللباس الفاخر أو الأمتعة الفاخرة، أو صرفه فيما لا يحتاج إليه أو صرفه فيما يفسد غالباً أو يكسد، أو ينفقه بمجرّد الصحبة والملاعبة والضحك معه.

وفي عدّ جملة مما ذكرناه من السفه نظر وتأمل.

وأما الإنفاق لطلب السمعة أو لتحصيل الوقار والعزّ والرفعة أو لإكرام الضيوف - لكون الكرم في نفسه حسن إذا لم يتعد طوره وما يناسب حاله - أو لطلب الثواب وإن بالغ في الإنفاق - كالصدقات والهبات والصلاة والوقوف والنذور - فليس من السفه عرفاً، وقد أنفق الأئمة (صلوات الله عليهم) وجمع من أكابر الصحابة ما عندهم لوجه الله تعالى، وقد ورد «أنه لا سرف في الخير كما لا خير في السرف» (6).


1) راجع ص 171، الهامش (6).

2) تذكرة الفقهاء 14 : 204، ضمن المسألة 408 .

3) وسائل الشيعة 19 : 363 ، الباب 44 من أبواب كتاب الوصايا، ح 8.

4) المصدر : 370 - 371، الباب 46 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

5) عطف على قوله : «كتضييع المال...».

6) مستدرك الوسائل 15 : 264 - 265 الباب 20 من أبواب النفقات، ح 2.

وقيد بعضهم (1)السرف في الخير بأن لا يزيد على ما يليق به، وإلا كان تبذيراً منهياً عنه.

وفيه: منع كونه تبذيراً، ولو سُلّم كونه كذلك فالتبذير لا يلازم السفه.

وبالجملة، فما ورد من النهي عن التبذير (2)، وعن بسط اليد كل البسط (3)، وعن الإسراف (4)، وعن دفع جميع ما عنده (5)، وما ورد من أنّ من الإسراف الصدقة بجميع كفّيه (6)، وأن الله تعالى يقول: « إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا» (7)وأنه لا يستجاب دعاء من أنفق ماله لطلب الرزق (8)، إلى غير ذلك من الأخبار مخصوص بما لم يكن المصرف مصروفاً لوجه الله تعالى؛ لظاهر الأخبار (9)والكتاب (10)والسيرة القطعية القاضي كلّ واحدٍ منها باستحباب المواساة للفقراء، وبذل المال في القربات والإيثار على النفس والتصدق بما يملكه وغير ذلك، وليس لتلك الأدلة قوة لمعارضة هذه كي تحكم عليها، بل العكس أولى على أنّ موردهما مختلف فلا تعارض بينهما.

ويمكن الجمع بحمل ما دلّ على جواز الإنفاق على عدم مرجح لعدمه من نفقة عيال وأطفال أو بذله لقربات أُخر، وحمل ما دلّ على المنع على ما إذا حصل مرجح شرعي آخر.

ثانيها: هل تعتبر العدالة في الرشد؟

ثانيها: هل تعتبر العدالة في الرشد؛ لقوله تعالى: « «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ» (11)مع ما ورد أن شارب الخمر سفيه (12)، ولا قائل بالفرق، وما ورد أيضاً أن الرشد الوقار والحلم والعقل (13)، وللإجماع المنقول في الغنية (14)، وللاستصحاب إلى أن يتحقق ثبوت الرشد،


1) العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 208:14، المسألة 411.

2) الإسراء (17) : 26.

3)

4) الأنعام (6) : 141.

5) الإسراء (17) : 29.

6) وسائل الشيعة 9: 202 - 203، الباب 16 من أبواب زكاة الغلات، ح 1.

7) الفرقان (25) : 67 .

8) وسائل الشيعة 7 : 125، الباب 50 من أبواب الدعاء، ح 3.

9) المصدر 21 : 547 ، الباب 23 من أبواب النفقات.

10) البقرة (2) : 254.

11) النساء (4) : 5 .

12) راجع ص 176، الهامش (4).

13) أحكام القرآن الجصاص 2 : 63: تفسير ابن أبي حاتم 3 : 865.

14) غنية النزوع 1 : 252.

وللاحتياط كما ذكره الشيخ (رحمه الله) في بعض كتبه (1)أو لا تعتبر ؟ لا في الاسم؛ لصدق الرشد بدونها عرفاً ولغة، ولأصالة عدم مدخليّة شيءٍ آخر في اسمه، ولا في الحكم؛ لأصالة عدم مدخليتها في ثبوت السلطنة لأهل الأموال على أموالهم كتاباً (2)وسنة (3)، ولأن الحكم بدفع الأموال موقوف على الرشد، فلو توقف على أمرٍ آخر لما خفي بيانه في الكتاب والسنة، ولتوفّرت الدواعي إلى نقله، ولأنّ أهل العرف يعدّون أهل الفسق من أهل الرشد ولو صرفوا أموالهم في المحرمات، غايته أن يكون صرفهم فيها على وفق طريق أهل العقل، ولقلة العدول في المسلمين سيما في أوائل البلوغ وبعده إلى مدةٍ طويلة، ولقلة أهل العقائد الحقة في جميع الأعصار والأمصار، مع قطعنا باستمرار الفسق وسوء العقيدة لديهم من أوّل البلوغ إلى زمن الشك، ولأن الحكم باشتراط العدالة يؤدّي أن لا ينتظم للمسلمين سوق ولا معاملة؛ لأن الناس ما عدا النادر منهم إما فاسق أو مجهول الحال والجهل بالشرط يفضي إلى الجهل بالمشروط، ولأنه لم ينقل في الروايات وكلمات العلماء المعاصرين للأئمة (علیهم السلام) - مع عموم البلوى بالأيتام وأموالهم - المنع عن معاملاتهم ومناكحتهم من دون العدالة، بل قد ورد في النصوص الأمر بالمعاملة والمناكحة (4)من غير تقييد بالعدالة، وورد أيضاً جواز معاملة الفُسّاق وأهل السرقة (5)وأخذ جوائز الظلمة (6)، وجواز بيع الخشب على من يعمل صنما (7)والعنب لمن يعمل خمراً (8).

وما ذكروه في الاستدلال على اشتراطها ضعيف؛ لضعف الرواية الأولى، ولاحتمال اختصاصها بشارب الخمر، ولأنّ حملها على المجاز متعيّن، كما في كثير من أمثاله؛ لقضاء تبادر الغير وصحة السلب بالتجوّز، ولضعف الرواية الثانية، وعدم صراحتها بالمطلوب،


1) الخلاف 3 : 289، المسألة 8 .

2) النساء (4) : 6.

3) راجع ص 117 الهامش (5) .

4) راجع وسائل الشيعة 17: 9 الباب 1 من أبواب مقدمات التجارة؛ و 20 : 13، الباب 1 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه.

5) مستدرك الوسائل 13 : 229 ، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه ، ح 1.

6) وسائل الشيعة 17 : 213 ، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به.

7) لم نعثر عليه.

8) وسائل الشيعة 17 : 230، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

وإجمالها، وظهور حملها على التجوّز كما ذكرناه، ولضعف الإجماع المنقول بعد ما ذكرناه من الأدلة، فهو مردود إلى قائله، أو محمول على فسق يؤدّي إلى السفه، والاحتياط لا يعارض شيئاً مما قدمنا.

وعلى ما ذكرنا فلا فرق في الحكم بنفي اشتراط العدالة بين من استمر فسقه من الصغر وبين مَنْ صار عدلاً ثمّ فسق بعد ذلك؛ لعموم الأدلّة، بل قد يظهر من بعض الأصحاب (1)أنّ محل النزاع في اشتراطها في الابتداء لا في الاستدامة، وأنّ اشتراطها بالاستدامة ليس من محل الخلاف، بل متفق على عدمه. والظاهر أنه كذلك وإن احتاط به بعضهم (2).

وأما ما ذكره بعض المتأخرين (3)من المناقشة فيما قدمناه - بعد أن فرض النزاع في الابتداء - من أن سيرة المسلمين لا تدلّ على نفي الاشتراط، وغاية ما تدلّ عليه صحة التصرف، هو لازم أعمّ، فلعله لأصالة صحة فعل المسلم، كما صح أخذ اللحم من أسواق المسلمين مع اشتراط التذكية وأصالة عدمها، وحينئذ فإن أخذ المال من مجهول الحال حكم بصحة فعله وإن شككنا في إحرازه للشرط، كما في كثير من الشرائط، فإنّه يُلغى اعتبار أصالة العدم فيها، تغليباً لجانب أصالة الصحة، وإن أخذ من معلوم الفسق حمل أنه صار بعد بلوغه عدلاً ثم فسق؛ لعدم مانعية فسقه الطارئ، كلّ ذلك لأصالة صحة فعل المسلم، وحكم العدالة هنا حكم اشتراط أصل الرشد، فكما لا يضر الجهل به لأصالة الصحة فكذا لا يضر الجهل بها.

وفيه نظر؛ لأنّ بناء ما قدمنا كله إنما كان على جواز معاملة معلوم الفسق من الابتداء إلى الانتهاء، أو مجهوله جهلاً يقطع فيه عادة أنّه لم تعتره صفة العدالة قبل ذلك ولم يتغير عمّا كان عليه، ولأن أصالة الصحة إنّما تجري بعد إحراز شرائط صحة المعاملة بالنسبة إلى العاقد من البلوغ والرشد، ويشكّ في صحة الفعل الصادر من ذلك العاقد وفساده، ولا تحكم أصالة الصحة على اجتماع شرائط الفعل الصادر بالنسبة إلى فاعله، ولأن الرشد لما كان هو الغالب جرت السيرة على عدم التفحص عنه في المجهول الحال، بخلاف العدالة فإن الغالب في الناس عدمها، فلو كان وجودها شرطاً لما ساغ التسامح بها، ولأنا قد نمنع من كون الرشد


1) الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 149.

2) الشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 289، المسألة 8 .

3) الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 248 - 249.

شرطاً وإن قلنا بكون السفه مانعاً، بخلاف ما لو اشترطنا العدالة في الرشد فإنّ الأصل عدم حصول الشرط.

ثالثها: في أنّ الرشد شرط في صحة المعاملة لا أن السفه مانع فقط

ثالثها: الرشد شرط في صحة المعاملة، لا أن السفه مانع فقط، فعلى ذلك فالواسطة - لو قلنا به - لا تصح معاملته، ولا يكفي في جواز معاملة الصبي بعد بلوغه ارتفاع سفهه، بل لا بد من ثبوت رشده.

ويمكن الفرق بين الصبي فلا تصح معاملته إلا مع ثبوت رشده، وبين مَنْ بلغ رشيداً أو كان مجهول الحال إلى أن كبر فالسفه مانع.

ويدلّ على اشتراط الرشد الآيات (1)، والإجماعات، والأخبار (2)سيما في الأيتام إذا أُريد دفع أموالهم إليهم ومعاملتهم.

ويدلّ على مانعية السفه الآية (3)أيضاً، والأخبار، والإجماع، ففي الخبر: في تصرف الغلام: «إذا بلغ جاز أمره إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً» (4)، وفي الآخر مثله (5)، وفي ثالث: «إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهة وولده سفيه مفسد لا ينبغي أن يسلّط واحداً منهما على ماله» (6).

وظاهر إطلاق الأدلة التسوية بين السفه الثابت أولاً وبين الحادث بعد الرشد في كون كل منهما مانعاً بنفسه، وفي كونه غير محتاج لحكم الحاكم لا في ثبوته ولا في رفعه بعد ثبوته، خلافاً لما يظهر من بعضهم (7)من التفصيل بين الأوّل فيفتقر؛ وبين الثاني فلا، أو التفصيل بين الأول فلا يفتقر، وبين الثاني فيفتقر (8)استناداً إلى أن السفه من الأمور الخفية ومن المواضع الخلافية، فيناط بنظر الحاكم ورأيه وسداده، وكذا زواله بعد ثبوته، ولأن الأصل عدم ارتفاع الثابت إلا بيقين ولا يقين مع عدم حكم الحاكم.


1) النساء (4) : 6.

2) وسائل الشيعة 19 : 366 و 369 - 370. الباب 45 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1، 10، 12، 13.

3) النساء (4) : 5 .

4) وسائل الشيعة 19 : 370 - 371، الباب 46 من أبواب كتاب الوصايا، ح 2.

5) المصدر 18 : 412، الباب 2 من أبواب كتاب الحجر ، ح 5.

6) مستدرك الوسائل 13 : 241، الباب 11 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 5.

7) لم نتحققه.

8) قال به الشهيد في اللمعة الدمشقية : 82.

وفيهما نظر ظاهر يعرفه كلّ مَنْ نظر إلى الظواهر من الكتاب والسنة مفهوماً ومنطوقاً، إلا أن الأحوط الرجوع فيهما إلى الحاكم إثباتاً ورفعاً.

رابعها: ثبوت الرشد بشهادة عدلين

رابعها: يثبت الرشد بشهادة عدلين من الرجال في الرجال والنساء؛ لعموم الأدلة، أو الاستقراء، وبشهادة النساء منضمات أو منفردات في النساء دون الرجال؛ للنصوص المستفيضة الدالة على قبول شهادتهنّ فيما لا يمكن اطّلاع الرجال عليه غالباً (1)، وللزوم العسر والحرج لولا قبولهن في ذلك.

وتعتبر العدالة في الشهادة.

وهل يفتقر الثبوت بها إلى حكم الحاكم أو لا؟ وجهان، أظهر هما العدم في غير مقام التداعي، فيؤمر بالمعروف بمجرد البينة وينهي عن المنكر.

ويثبت رشدهن بشاهد وامرأتين بطريق أولى، وبأربع خناثي، ولا يثبت بشهادة الواحد على الأظهر.

وكذا يثبت السفه بعد الرشد بما قدمناه أيضاً، ويثبت كلٌّ من الرشد والسفه بالاختبار والمخالطة والاطلاع على حال الشخص، فإن كان قبل بلوغه اختبر اختباراً صورياً لا حقيقياً؛ لعدم نفوذ تصرفه، أو اختبر في مقدّمات المعاملة وما يحتاج إليه فيها، وفي مقدار العوض أو المعوّض، وفي مقام الغبن والعيب وشبههما.

ثمّ إنّ كلّ صبي يُختبر بما يلائمه من التصرفات والأعمال.

فمَنْ كان من أولاد التجار فوّض إليه البيع والشراء والمماكسة فيها والمساومة، فإذا أراد الولي بعد ذلك تولّي الصيغة بنفسه تولاها، فإذا سلم من الغبن والتضييع والقصور عن إدراك القيم وبذلها على غير وجهها بحيث كان منه على وجه الدوام كان رشيداً.

وإن كان من غيرهم سلّم إليه نفقة مدة لينفقها على أهله ويستوفي الحساب من معامليه، فإن أنفقها عليهم واستوفى الحساب على وجهه بحيث تكرّر منه ذلك وأنبأ عن الملكة كان رشيداً.

وإن كان من أولاد الملوك اختبر في إعطاء الخدّام وأهل المواجب وفي تقسيم الأموال على أهلها.


1) وسائل الشيعة 27 : 350، الباب 24 من أبواب كتاب الشهادات.

وإن كان من أهل الزراعة اختبر في أحوال المزارعات.

وإن كانت امرأة اختبرت في أحوال الصناعة من غزل أو نسج، أو في أحوال تدبير بيتها وسياسته وحفظه عن السارق والفأرة، وفي عطائها للداخلات عليها وعدمه على النحو المألوف.

وبالجملة فأحوال الاختبار لا يخفى على أهل المعرفة والتأمل، وربما يكون العامي فيها خيراً من الفقيه.

خامسها في أن السفيه محجور عليه بالتصرف المالي

خامسها: السفيه محجور عليه بالتصرّف المالي، فلا ينفذ تصرفه، سواء اشتمل على تبذير أم لا؛ لعموم النهي عن إتيانه المال (1)، وإنفاذ تصرّفه نوع إيتاء له، ولأنه لا يجوز أمره كما في الأخبار (2)، وإنفاذ تصرفه يستلزم جواز أمره.

ويحرم عليه التصرّف بماله إذا اشتمل على تبذيرٍ، وإن لم يشتمل ففي تحريمه عليه إشكال، ولا يبعد تحريمه؛ لاستبعاد أن ينهى الوليّ عن إيتائه المال ويؤذن له بالتصرّف.

وأما مَنْ تصرّف بماله معه من معاوضات أو مجانيات فالظاهر أنه في أخذه من مال السفيه ضامن وآثم في قبضه؛ لأنّه قد أسقط الشارع معاملته ورضاه وأسقط بذله لماله، فلا يجوز التناول من يده، إلا إذا أذن الولي له بالمعاملة مع المصلحة، أو بالإعطاء مجاناً مع المصلحة أيضاً، أو أجاز فعله بعد وقوعه؛ فإنّ الظاهر صحة فعله ومضيه؛ لأنه ليس مسلوب العبارة، فلا ينقص عن الفضولي. وكذا لو وكله الغير في عقد أو إيقاع بغير عوض، وإن كان بعوض بطلت الوكالة وفي بقاء الإذن، ويستحق أُجرة المثل.

ولا يجوز تسليم ماله إليه، فلو سلّمه شخص ماله الذي كان عنده بقرض أو أمانة أو عارية أو إجارة، ضمن الدافع إذا أتلفه السفيه، إلا أن يجيز الولي القبض، وإن لم يتلفه تولّى الولي قبضه وبرئ الدافع من ضمانه، مع احتمال القول بضمان الدافع لو تلف مال السفيه عنده بمتلف سماوي، لا ما إذا أتلفه.

وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الصغير والمجنون؛ فإنّ الدافع إليهما شيئاً من مالهما من دون إذن الولي ضامن مطلقاً، ولكنّه خلاف الظاهر.


1) النساء (4) : 5.

2) راجع ص 180، الهامش (4 و 5).

ولو عقد السفيه نكاحاً من دون إذن الولي بطل نكاحه؛ لشبهه بعقد المعاوضة، وصرّح به الفقهاء، وظاهرهم أنّه اتفاقي، مع احتمال صحة العقد وتوقف المهر على إذن الولي، أو يتعلّق بذمته إلى ما بعد الرشد سيما مع علم المرأة.

ويجوز للسفيه الاحتطاب والاحتشاش وحيازة المباحات، ولا يبعد أنّ له قبول الهبة والوصية والوقف ويملك ذلك، ولكن لا يسلّم بيده، ولا نسلم دخول هذا القسم في الإيتاء المنهي عنه.

سادسها: حكم ما لو دفع أحد للسفيه مالاً بعقد مجاني أو بعقد ضمان

سادسها: لو دفع أحد للسفيه مالاً بعقد مجاني - كهبةٍ ونحوها - لم يضمن السفيه قطعاً. سواء أتلفه بنفسه أو تلف بنفسه لتسليطه عليه.

وإن دفعه بعقد ضمان كثمن مبيع أو منفعة، فإما أن يكون عالماً بسفهه أو جاهلاً، وعلى كل حال فإما أن يتلف المال السفيه بنفسه أو يتلف المال بنفسه.

والظاهر أنّ الدافع لو كان عالماً بسفهه وعالماً بأن عقد السفيه باطل وتلف المال بنفسه، فلا ضمان على السفيه وإن علم السفيه بطلان العقد؛ لتسليطه عليه مع علمه بالحال، فكأنه سلطه على إتلافه وأذن له فيه.

وإن علم السفيه ببطلان عقده وجهل الدافع بذلك، ففي ضمان السفيه؛ لعموم دليل الضمان (1)، وعدمه؛ لحصول التقصير من الدافع بعدم السؤال وجهان.

وإن علم الدافع وعلم السفيه أو جهل فأتلف المال بنفسه، ففي ضمانه سيما مع العلم بالفساد وجهل السفيه وجه قويّ؛ لعموم أدلّة الضمان وعدمه؛ لتسليطه عليه مع العلم، فهو بمنزلة إباحة التلف، ولتقصيره مع الجهل فلا ضمان عليه.

وإن جهل الدافع بالسفه أو به وبالفساد وعلم السفيه، ضمن السفيه على الأقوى.

وفي ضمانه مع الجهل وجهان.

ونقل عن كثير من الأصحاب القول بعدم الضمان (2)لأنّه سلّطه على إتلافه بتقصيره عن عدم معرفة حاله.


1) راجع ص 102، الهامش (1).

2) لم نعثر على قائله.

وهو مع التلف بنفسه حسن، ومع إتلاف السفيه له مشكل جداً.

هذا كله إن قبضه الدافع للمبيع وشبهه ولو قبض العين السفيه من دون إذن البائع ضمن قطعاً.

ولو دفع أحد للسفيه مالاً على وجه الأمانة من وديعة أو عارية أو مضاربة فتلفت منه، فلا شيء عليه وإن كان العقد فاسداً.

وهل يأثم الدافع؛ لمكان النهي (1)، ولأن معاملة السفيه سفه، أو لا يأثم؛ للأصل، وعدم الدليل؟

ولو أتلفها السفيه فهل يضمن؛ لعموم دليل الضمان وهو بالغ عاقل مكلف بحفظ الأمانة، فلو أتلفها أو فرّط فيها فقد خان، ولأنّ المالك لم يسلّطه على الإتلاف وإنما سلطه على الحفظ ؟ أو لا يضمن؛ لأنه عرض ماله للإتلاف، حيث إنّه وضعه في موضع ليس أهلاً للحفظ ولا محلاً للأمانة فيكون بمنزلة من ألقى ماله في البحر، ولأنه وضعه في مكان نهى الله تعالى عن وضعه فيه، وظاهر النهي أنّه لحفظ المال عن فواته، ولو أن السفيه يكون ضامناً لما فات المال وكان كغيره.

وللخبر فيمن ائتمن شارب الخمر واستبضعه فهلك المال فدعا الله بالخلف، فنهاه الإمام (علیه السلام) عن الدعاء معلّلاً له بأنّ شارب الخمر سفيه، وأنّ من ائتمن السفيه ليس له على الله تعالى حجة، ولم يكن له أن يأجره ويخلف عليه (2)؟!

والأوّل أقوى، والثاني ضعيف؛ لمنع كونه بمنزلة مَنْ ألقى ماله في البحر، وإلا لزم عدم ضمان كل خائن، وهو باطل، على أنه لو سُلّم فهو بالنسبة إلى العالم بحاله دون الجاهل، وينبغي على ذلك أنّ من ائتمن خائناً عالماً بخيانته أو جاهلاً ولو لتقصير فلا ضمان لماله، ولأن النهي للإرشاد بمجرد خوف التلف وعسر الوفاء من المتلف، وهو لا ينافي الضمان، والخبر لا يدلّ إلا أنه ليس له على الله تعالى حق، لا أنه ليس له على السفيه ضمان.

ويحتمل القول بالتفصيل بين علم المودع بالسفه فلا ضمان على السفيه، وبين عدمه فعليه الضمان.

هذا كله بالنسبة إلى السفيه، وأما الصبي والمجنون إذا لم يميزا فلا ضمان عليهما مع دفع


1) النساء (4) : 5.

2) وسائل الشيعة 19 : 82 - 83، الباب 6 من أبواب كتاب الوديعة، ح 1.

صاحب المال مطلقاً، جاهلاً أو عالماً، أتلفا أو تلف بأيديهما؛ لارتفاع القلم عنهما، وأصالة عدم الضمان، ولتسليط صاحب المال لهما على تلف ماله.

وأمّا المميز منهما فكذلك، إلّا إذا باشر الإتلاف بأيديهما فإنّه من المحتمل ضمانهما؛ لعموم دليل الضمان (1)، والأوجه عدمه، ولو لم يباشر فلا ضمان وإن كان بتفريط وتعد؛ لأنهما غير مكلفين بعدم التعدي والتفريط.

سابعها: في أنه يضمن السفيه الجنايات والمتلفات التي أتلفها من غير تسليط لأهلها عليها

سابعها: يضمن السفيه الجنايات والمتلفات التي أتلفها من غير تسليط لأهلها عليها إجماعاً؛ لعموم دليل الضمان، بل الصبي والمجنون يضمنان ذلك؛ لعموم الأدلة، ورفع القلم عن المؤاخذة لا يستلزم رفع الضمان خلافاً لمن تخيّل ذلك (2).

ويصح إقراره بغير المال من قصاص ونسب وحدٍّ؛ لعموم الأدلة.

ويصح منه العقد الغير المالي والإيقاع، كالطلاق والخلع والظهار، وإنما جاز الخلع وهو بمعنى المعاوضة؛ لجواز صدور الطلاق منه بغير عوض، فليجز بعوض، ولكن لا يُسلَّم إليه.

وهل يشترط في صحة الخلع كونه بقدر مهر المثل؛ اقتصاراً على مورد اليقين، أو لا يشترط؛ لصحة الطلاق مجاناً فمع أيّ عوض يصح بطريق أولى.

ولا يصح إقراره بالمال لا عيناً ولا ديناً؛ لاستلزامه تضييع المال المنهي عن دفعه إليه فيكون.

وهل ينفذ إقراره لو ارتفع السفه عنه فيؤاخذ بإقراره حال السفه بعد السفه؟ ظاهر الأصحاب عدم النفوذ؛ لظاهر الأدلة الدالة على أن السفيه لا يجوز أمره، وأن الغلام لا يجوز أمره إلا إذا استرشد (3).

ولو أقرّ بما يترتب عليه مال من قرابة أو زوجة تجب نفقتهما، أو سرقة توجب القطع والمال، احتمل عدم سماعه مطلقاً، واحتمل سماعه مطلقاً؛ لأنه ليس بإقرار بالمال أصالة، واحتمل سماعه في غير المال وعدم سماعه في المال، وهو الوجه، وحينئذ فينفق على المقرّ له من بيت مال المسلمين؛ لأنّه معدّ لهذه المصالح، واحتمال لزوم الضرر عليهم مدفوع بابتنائه على ذلك.


1) راجع ص 102، الهامش (1) .

2) كالطبرسي على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 487 - 488 ، المسألة 158.

3) راجع ص 180 الهامش (4 و 5).

ولو أقرّ بقصاص، ففي جواز العفو عنه بماله؛ لأنّ حفظ النفس أهم، أو عدمه؛ لأنه تصرف مالي، ولاحتمال المواطأة لإتلاف ماله؟ والوجه الأول سيما مع ظهور أمارات القصاص.

ثامنها: حكم السفيه حكم الرشيد في خطاب العبادات البدنية والمالية

ثامنها: حكم السفيه حكم الرشيد في خطاب العبادات البدنية والمالية، إلا أنه إذا تعلق بالمال تولّى الإنفاق عليه الولي، ولو تولاه بنفسه جاز ولم يأثم إذا لم يكن تبذيراً، فله أن يتوضأ من ماله لصلواته، ويتستر بثيابه لها، ويحجّ إذا كان مستطيعاً أو ناذراً قبل السفه، فينفق على نفسه من دون إذن الولي، وليس للولي تسليم المال بيده، بل ينفق عليه بنفسه أو بوكيله.

ويجوز له العبادات البدنية المندوبة وإن استلزمت مالاً، كصرف المال لوضوء النافلة.

ويجوز له العبادات المالية المندوبة، كالحج المندوب والزيارة، ويمكنه الولي إذا لم تزد نفقة سفره على حضره، ومع الزيادة فهل للولي دفع ذلك إليه على جهة الإنفاق وإن لم يسلّطه عليه ؟ لا يبعد ذلك؛ لأنه عاقل مكلّف تجري عليه الأحكام، غايته أنه لا يسلط على المال، لا أنه يُمنع من صرفه في وجوه الخير، فعلى ذلك يصح له أن يتصدق ويوقف ويعتق ويبني مسجداً ولكن لا يمضى تصرّفه إلّا بنظر الوليّ.

وكذا يصح نذره ويمينه إذا تعلّق بالمال وكان بنظر الولي بحيث يوافق مقاصد العقلاء، سواء تعلق النذر بالعين أو تعلّق بالذمة، ولا ينتظر ما تعلّق بالذمة إلى ارتفاع السفه عنه.

وبالجملة، فالحكم بجواز ما يفعله من وجوه الخير والبرّ إذا وافق نظر العقلاء قوي ولكن الولي يتولّى صرفه وإنفاقه عليه، وليس له أن يمنعه عنه، سيما في مثل التربة والسبحة والمسواك وماء الغسل المندوب ونحوه.

ولو نذر أو عاهد على غير المال فحنث، جاز إخراج الكفّارة من ماله بنظر الولي، وليس للولي منعه من إخراجها، ولا يتعين عليه الصيام.

هذا كله بالنظر إلى القواعد، وأما بالنظر إلى ما يظهر من أصحابنا فالذي يظهر منهم أنه فيما عدا الواجب السابق - كحج واجب أو نذر متقدّم أو خمس أو زكاة - أنه محجور عليه به، فلا نذر له في مالٍ معين، ويتعلّق المطلق في ذمته فيؤديه بعد ارتفاع السفه، ويحلّله الوليّ في الحج المندوب بالصوم إذا زادت نفقة سفره على حضره ولم يمكنه اكتسابها بذلك السفر، ويمنعه عن الزيادات في الزيارات، وعن بذل المال المندوب في صدقةٍ أو وقف أو عتق، ولو

حنث فليس عليه إلا الصيام؛ لأنّه سبّبها باختياره، فلا يُدفع لأجلها المال؛ لإمكان كون ذلك الفعل وسيلة إلى ذهاب ماله.

ولولا فتوى الأصحاب لكان القول بالأوّل متوجهاً؛ لأنّ المتيقن من أدلّة الحجر على السفيه هو أن لا يدفع إليه المال مخافة أن ينفقه في غير وجهه، وأن لا تنفذ عقوده المتعلقة بالمال من دون إذن الولي.

وأما هو بنفسه فله أن ينفق من ماله على نفسه في زياراته وحجه، وعلى الوليّ أن يجيبه فيما يريده من النفقات اللائقة المناسبة لنظر العقلاء وإن لم يدفع إليه المال ويفوّضه إليه.

وقد يستدلّ على المنع من ذلك مطلقاً . بعموم النهي عن الإيتاء (1)لأن إجابته إلى ما يريده إيتاء له، وكذا الإنفاق عليه، إلا ما خرج بالإجماع.

ويستدلّ عليه أيضاً بما دلّ على أن السفيه لا يجوز أمره (2)، فإنّه بعمومه شامل للكل. وعلى السفيه أن يمتنع بمنع الولي له، بل تحرم عليه مخالفته.

ويجب على الولي ملاحظة مصلحته في المنع والوضع، بل الأحوط له أن لا ينفق من دون إذن الولي أصلاً ولو بالفحوى؛ لأنّه من البعيد أن يأمر الولي بالمنع ويجيز للسفيه الأخذ. ولا تختص مصالح السفيه بالدنيوية فقط، ولا إنفاقه في أمور دنياه، ومنع الولي له إنما كان لعلة خوف التبذير منه لو تسلّط على المال، فلو كان الوليّ لا يسلّطه عليه كفى في حصول الغرض بعد أن كان فعله بنظره وإذنه ومع ذلك يوافق المصلحة.

تاسعها في أنّه ترتب أحكام السفيه عليه وأحكام الرشيد بعد زوال سفهه عليه بمجرد ظهورهما وثبوتهما

تاسعها: الأظهر ترتب أحكام السفيه عليه وأحكام الرشيد بعد زوال سفهه عليه بمجرد ظهورهما وثبوتهما قطعاً أو شرعاً، ولا يفتقر إلى حكم الحاكم؛ لإطلاق الأدلة كتاباً (3)وسنةً (4)منطوقاً ومفهوماً، ولإطلاق الإجماعات المنقولة (5)سيما فيمن بلغ غير رشيد، فإن ثبوت الحجر عليه مستصحب، وربما يظهر من بعضهم نقل الاتفاق عليه (6)، وأنه ليس مورداً للخلاف


1) النساء (4) : 5.

2) راجع ص 180 ، الهامش (4 و 5).

3) النساء (4) : 5 .

4) راجع وسائل الشيعة 18 : 409 و 410، الباب 1 و 2 من أبواب كتاب الحجر.

5) منها ما في رياض المسائل 9 : 237 .

6) مسالك الأفهام 4 : 150 .

ومفهوم قوله تعالى: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا» (1)قاضية به، كما أن منطوق «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ » (2)دليل على الحجر على السفيه مطلقاً.

على أن الظاهر من الأدلة أنّ وصف السفه كوصف الجنون قاض بالحجر بنفسه وأنّ الحجر عليه حجر سماوي؛ لقصوره عن درجة الإطلاق في التصرّف.

وقد نُسب (3)للمشهور توقف الحجر على السفيه بعد أن كان رشيداً على حكم الحاكم للأصل، وعموم تسلّط الناس على أموالهم (4)، خرج ما كان بحكمه وبقي الباقي؛ ولدخول تصرّفات السفيه قبل الحجر في عموم الأدلة الدالة على صحتها ممن صدرت عنه، ولعدم الدليل من الكتاب والسنّة إلا على استصحاب السفه إلى أن يرشد، وأما الحادث بعده فلا، وللشريعة السمحة السهلة، فإنّه لو كان مجرّد السفه حجراً أشكلت المعاملات والأنكحة فإن غالب الناس مجهول الحال أو معلوم السفاهة.

ويؤيد أصل التوقف على حكم الحاكم توقف حجر المفلس عليه إجماعاً، مع أن أدلته مطلقة.

وفي الجميع نظر؛ لانقطاع الأصل بإطلاق الأدلّة، وكذا عمومات الأدلة الأولوية والواردة في أنواع العقود أيضاً، ولأنّ إطلاق الكتاب والسنة شامل للسفه المستمر، والمتجدّد منطوقاً ومفهوماً، وورود آية الرشد (5)في اليتامى لا يدلّ على تخصيصها بالمستمر بل هو عام له وللمتجدد، ولأن المراد الدفع إليه بعد بلوغه وإن كانت في الأوّل أظهر، على أنّ الظاهر من تعليق الدفع على الرشد أنّ الرشد هو المناط في الحكم وجوداً وعدماً، ولأنّ ترك معاملة السفيه المعلوم السفاهة لا تنافى الشريعة السهلة؛ لقلة السفهاء، ولو فرضنا كثرتهم فلا نسلّم كون السفيه بتلك المداقة التي ذكرها الفقهاء، بل هي ملكة يقل حصولها سيما لو قلنا: إنّ السفه مانع لا أنّ الرشد شرط، ولئن سلّمنا فأكثر معاملة الناس بالإذن الفحوائية من الأولياء.

وأما المجهول فلا تترك معاملته للسيرة القاضية بذلك، ولحمل فعله على الصحة في وجه، فلا منافاة بين كون السفه حجراً في نفسه وبين سهولة الشريعة.


1) النساء (4) : 6.

2) النساء (4) : 5.

3) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 252.

4) تقدم تخريجه في ص 117، الهامش (5).

5) النساء (4) : 6.

وأما ما يقال من أن السفه أمر خفي مفتقر إلى نظر وممارسة، وهو من الأُمور الاجتهادية فيتوقف على حكم الحاكم، فهو ضعيف، بل هو أمر ظاهر يعرفه كل أحدٍ، وكونه من الاجتهادات لا ينافي الاطلاع عليه والشهادة به كالعدالة والإعسار ويسأل الحاكم الشاهد عن السبب إن استراب في الشهادة.

وفرق بعضهم (1)بين السفه ثبوتاً وبينه نفياً وزوالاً بعد ثبوته، فحكم بعدم توقف الأول على حكم الحاكم دون الثاني، وكأنّه لأنّ زواله أيضاً من الأمور الخفية والمطالب الاجتهادية.

وجوابه ما تقدم.

والأحوط توقف الأمرين على حكم الحاكم، كما أنّ الأحوط عدمه في مقام آخر.

عاشرها: في أنّ ولاية الطفل في النكاح والمال للأب والجدّ من قبله

عاشرها: ولاية الطفل في النكاح والمال للأب والجدّ من قبله إجماعاً، ولا يشترط فيهما عدالة؛ للأصل، ولمكان الرقة، ولأنه هو وماله لأبيه.

وولاية المجنون المتصل جنونه بالصغر أيضاً لهما استصحاباً، ولمنقول الإجماع (2)وفتوى المشهور.

وفي ولاية السفيه المتصل سفهه بالصغر قولان، والأظهر بل الأشهر أنها للحاكم؛ لعموم ولاية الحاكم، وعدم الدليل على ثبوت ولايتهما على السفيه مطلقاً؛ لأنّ تولّي مال السفيه من وظائف الحاكم، واستصحاب ولاية الأب والجدّ مقطوع ببلوغه وعقله، ومَنْ نقل الإجماع على ولايتهما على السفيه المتصل سفهه فقد نُسب للخطأ، وما ورد من قوله: «أنت ومالك لأبيك» (3)فهي في مورد آخر.

وولاية من تجدّد جنونه للحاكم؛ لعموم الدليل في ولايته مع انقطاع ولاية الأب والجدّ عنه، فعودها مفتقر إلى الدليل، مع احتمال أنّ الولاية لهما خاصة، أو لهما وللحاكم على جهة الاجتماع، أو على جهة الانفراد بمعنى جواز انفراد كل منهما بها.

والأوجه: ما ذكرناه، والأحوط الاجتماع.

وولاية من تجدّد سفهه للحاكم؛ لأنّ له ولاية المتصل فالمنفصل بطريق أولى.


1) لم نتحققه.

2) تذكرة الفقهاء 14: 243، المسألة 441.

3) وسائل الشيعة 17 : 265 و 266، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، ح 8، 9.

ولو تعارض الأب والجد فأيهما تقدّم عقده كان هو الصحيح، وإن أوقعا دفعةً في غير النكاح احتمل البطلان؛ لاستحالة الترجيح من غير مرجّح، أو تقديم عقد الأب؛ لقربه وزيادة شفقته ووجوب طاعته، أو تقديم عقد الجدّ؛ لأنّ الأب ابنه فلا يعارضه وهو وماله لأبيه فلا يقدم عليه. واحتمال القرعة ضعيف.

ولو وقع عقدهما في النكاح دفعةً، فله حكم آخر يجيء (1)إن شاء الله تعالى.

والولاية بعد الأب والجد للأجداد وإن علوا، ثمّ لوصي أحدهما، وليس لوصي أحدهما مع وجود الآخر ولاية على الأظهر.

ولو تعارض وصيّ كلّ منهما كانا سواء، مع احتمال تقديم وصيّ الأب.

ويشترط في الوصي العدالة ابتداءً واستدامة على الأظهر؛ لأنها استثمان على مال الغير فلا بد من كونه أميناً، مع احتمال الفرق بين الابتداء فلا يعتبر وبين الاستدامة فيعتبر ولا والأحوط ضم الحاكم إلى غير العدل عدلاً.

والولاية بعد الوصيّ . للحاكم الشرعي المستجمع للشرائط، ومع عدمه فلعدول المسلمين حسبة.

سادسها: من جملة أسباب الحجر الملك وأن المملوك محجور عليه

سادسها : من جملة أسباب الحجر الملك

والمملوك محجور عليه كتاباً (2)وسنةٌ (3)وإجماعاً ، وليس بيده سوى الطلاق لغير أمة مولاه، ولا يتفاوت الحال بين القول بملكه وبين عدمه؛ لعموم الأدلة، ولكنه ليس مسلوب العبارة فإذا أجازه مولاه نفذ تصرّفه.

سابعها: المريض محجور عليه بالتصرف فيما زاد على الثلث بالوصية

سابعها :

المريض محجور عليه بالتصرّف فيما زاد على الثلث بالوصيّة؛ للأخبار (4)، والإجماع، والخلاف ضعيف.


1) سيأتي في ج 8، ص 74 - 75.

2) النحل (16) : 75 .

3) راجع وسائل الشيعة 18 : 413 الباب 4 من أبواب كتاب الحجر.

4) المصدر : 412 ، الباب 3 من أبواب كتاب الحجر.

وله التصرّف بالوصيّة فيما زاد مع إجازة الوارث.

والرواية الواردة في جواز الوصية بكل المال (1)ضعيفة في مقابلة ما دلّ على المنع (2)، فهي مطرحة أو مأوّلة.

وهل هو محجور عليه بالتصرّف فيما زاد منجزاً كما هو الأظهر؛ للأخبار (3)، والاعتبار. وفتوى المحققين من العلماء الأطهار، أو ليس كذلك فله التصرف بما شاء؛ لأن الناس مسلّطون على أموالهم (4)؟ قولان، أظهرهما الأول.

تم كتاب الحجر، ويتلوه إن شاء الله تعالى كتاب الضمان.


1) وسائل الشيعة 19 : 281 - 282، الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا، ح 19.

2) المصدر : 275 ، الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا.

3) المصدر : 275 ، الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا.

4) راجع ص 117 ، الهامش (5).

كتاب الضمان

:

كتاب الضمان

وفيه أمور:

الأول: في أنّ الأصل في الأشياء المشكوك في جواز نقلها وعدمه هو العدم

الأوّل: الأصل في الأشياء المشكوك في جواز نقلها وعدمه هو العدم؛ للأصل، ومنع شمول عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)و « أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ » (2)و « تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ» (3)للأفراد المشكوك في صحة نقلها وعدمه وإن عمّت أنواع الصيغ وأفرادها.

نعم، ما ثبتت ماليته وملكيته أمكن جريان جواز نقله؛ لقوله تعالى: « إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ» (4)، وأما المشكوك بهما فلا يصح إجراء حكم أصالة النقل عليه؛ لأصالة عدم المالية وعدم الملكية، وكما أن الأصل في نقل الأعيان ذلك كذلك الأصل في نقل الذمم ذلك أيضاً، فلو شك حينئذ في جواز نقل شيء من ذمّةٍ إلى أخرى - كالأعيان المضمونة وشبهها - لم يجز التمسك في جواز نقلها بعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (5)ولا بإطلاقات الضمان؛ لأنها ليست مسوقة لبيان أفراد المضمون، بل لبيان أفراد العقود وصيغ الضمان، وكثير منها جاء في موارد خاصة من الديون، فلا عموم فيها.

الثاني : في إطلاق الضمان على ما يشمل الحوالة والكفالة والضمان بالمعنى الأخص

الثاني: يطلق الضمان في لسان الفقهاء على ما يشمل الحوالة والكفالة والضمان بالمعنى الأخص، ويطلق إطلاقاً شائعاً في لسانهم وفي الأخبار على المعنى الأخص، وهو التعهد بالمال ممّن ليس في ذمته مال على الوجه الصحيح؛ بناءً على اختصاص اسمه أو اختصاص


1) المائدة (5) : 1.

2) البقرة (2) : 275 .

3) النساء (4) : 29 .

4) النساء (4) : 29 .

5) المائدة (5) : 1.

حده عند الفقهاء بالصحيح، أو الأعم - كما هو الظاهر - بناء على عدم الاختصاص.

والظاهر أنّ حقيقته الشرعية هو المعنى الأخصّ، وإطلاقه على الأعم في لسان المتشرّعة إما على وجه الحقيقة، أو المجاز المشهور.

هذا كله في لفظ «الضمان» المطلق الغير المقيد بشيءٍ أو المقيد بالإطلاق، وأما المقيد بما يضاف إليه من «نفس» أو «مال» من مشغول الذمة فقد قيل: إنه حقيقة قطعاً على نحو الوضع الثانوي التركيبي، فيكون كالماء مطلقه موضوع بوضع، ومقيده له وضع ثانوي (1)، وهو حسن.

بل ربما يقال على هذا: له أوضاع ثلاثة : الضمان المطلق المأخوذ فيه الإطلاق لفظاً ومعنى وهو حقيقة في المعنى الخاص والضمان مقيداً فيما أُضيف إليه، وبمطلق الضمان وهو شامل لهما، فتأمل.

الثالث: في أن الضمان من العقود اللازمة

الثالث: الضمان من العقود اللازمة فكان ينبغي اشتراط اللفظ فيه، والصيغة الصريحة العربية - مع الإمكان - الماضوية المترتبة الموصولة، الغير ملحونة، الصريحة في الإنشاء، الصريحة في الدلالة على المعنى المراد، كالمأخوذة من نفس المصدر، أو الأعم منه عموماً قريباً لا بعيداً، أو من الأخص منه بحيث يكون مجازاً مشهوراً، أو من لفظ مشترك لفظي يدلّ على صريح المعنى بالقرينة، وأنه لا يجوز غير ذلك إلا مع عدم الإمكان بنفسه كالأخرس، أو عدم الإمكان بنفسه أو بوكيله كغيره، ولكن ربما يظهر من الفقهاء هنا التسامح في العقود الضمانية بالنسبة إلى الألفاظ، فيجوز عندهم بالصريح وضعاً وغيره عند قيام القرينة عليه، وبالجملة الفعلية وغيرها.

والظاهر أنه ليس عدولاً عما اشترطوه في العقود اللازمة بل تخصيص لها بها، لما فهموه من الأخبار وسيرة العلماء الأبرار وهُمْ أعرف باللسان وبما جاء به من الشرع البيان.

والأحوط الاقتصار على ما ذكرناه من الشرائط.

الرابع: مشروعيّة الضمان بالمعنى الأخص

الرابع: الضمان بالمعنى الأخصّ - وهو التعهد بالمال من غير مشغول الذمة - نطق بمشروعيته الكتاب (2)، والسنة (3)، والإجماع بقسميه (4).


1) راجع مسالك الأفهام 4 : 173.

2) يوسف (12) : 72 .

3) وسائل الشيعة 18: 423 و 426 ، الباب 3 و 5 من أبواب كتاب الضمان .

4) تذكرة الفقهاء 14: 280، المسألة 473 .

ويجوز عقده بالجمل الفعلية والاسمية الصريحة في معناه وضعاً، وغير الصريحة مع قيام القرينة، كـ «ضمنت» وكـ «تحمّلت» و «تكفلت» و «أنا ضامن لك» وربما كان في الأخبار (1)إشارة إلى ذلك، والأحوط الاقتصار.

الخامس: بیان شرائط الضامن

الخامس: يشترط في الضامن البلوغ والعقل والرشد - إلا مع إذن الولي للسفيه - إجماعاً في الكل؛ وللشك في شمول عمومات الأدلة وإطلاقاتها لغير ذلك.

وهل يشترط الحرّية؛ لما ذكرنا من الشكّ في اندراجه تحت عمومات الأدلة وإطلاقاتها، ولأنه لا يقدر على شيء، وعمومه شامل لكلّ شيءٍ حتّى على إدخال شيءٍ في ذمته اختياراً ولو بعد العتق، أو لا يشترط؛ للمنع من عدم شمول الأدلة له، بل والشك في شمولها له؛ ولقبول ذمته بعد العتق للشغل فيصح الضمان ويلزم بالتأدية بعد العتق، ولظهور الآية (2)في التصرفات المالية المنجزة دون ما تأخر أثرها لما بعد العتق ؟ وجهان، والأقوى الأوّل؛ أخذاً بعموم الآية (3)وبأنّ ظاهر المملوكية عدم القدرة على شيءٍ، ونقل المال إلى ذمته شيء، فملكه لها ينافي مملوكيته؛ على أنه يشكّ في صحة نفس عقده؛ لتعلق النهي به، وهو وإن كان لأمر خارج إلّا أنّه لكونه بحركة لسانه المملوكة يشك في صحة ترتب أثر عليها.

وعلى القول بصحة ضمانه فهل يتعلّق به الخطاب بالتأدية بعد العتق وإلا فلا خطاب، أو يتعلّق به في الحال وما بعد العتق ظرف للتأدية؟ وجهان.

هذا كله في الضمان الاختياري، وأما الضمان القهري - كإتلافه المال من غير المولى - فلا شكّ في وجوب التأدية عليه بعد العتق.

وهل يتعلّق به الخطاب منجزاً ويكون ما بعد العتق ظرفاً للتأدية، أو يتعلّق به بعد العتق وقت التأدية، أو يفرّق بين إتلافه المغصوب عمداً فيتعلّق به خطاب التأدية منجزاً وتراد منه منجزاً وإن لم يتمكن منها؛ لأنّ ما بالاختيار (4)لا ينافي الاختيار، وبين إتلافه خطأ فالوجهان؟ وجوه، والأخير حسن.


1) وسائل الشيعة 18 : 426، الباب 5 من أبواب كتاب الضمان.

2) النحل (16) : 75 .

3) النحل (16) : 75 .

4) الظاهر : «ما بالامتناع» بدل «بالاختيار».

هذا كله إن لم يأذن المولى له في الضمان، وأما إذا أذن له على العموم بأن يقول له: «اضمن كيف شئت»، أو على الإطلاق، كـ «أنت مأذون في الضمان» أو على التقييد، كـ «أنت مأذون في الضمان في ذمتك» أو «في ذمّتي» أو «في كسبك» أو «في عينك» أو «في مالي الآخر» أو نحو ذلك، وعلى كل حال فالمضمون عنه إما المولى أو غيره، والمضمون له إمّا المولى أو غيره، فالصُّوَر كثيرة.

والظاهر أنه مع العموم أو التعيين يلزم ما ذكره العبد في ضمانه من التخصيص، ومع الإطلاق فهل ينصرف إلى ذمة العبد بعد العتق أو إلى ذمته من مال المولى مطلقاً، أو إلى ذمته من كسبه، أو إلى ذمته من عينه، أو إلى ذمّة المولى مطلقاً، أو إلى ذمته من عين العبد، أو من كسبه؟ وجوه، أوجهها بحسب ظاهر الخطاب الرجوع إلى ذمة العبد والتأدية من كسبه، فيكون من قبيل الضمان في مالٍ معيّن.

فإن قصر كسبه فهل يرجع إلى ذمّة العبد، أو كسبه بعد العتق، أو إلى عينه، أو إلى مال المولى الآخر، أو إلى ذمّة المولى مطلقاً، أو لا يرجع إلى شيء؛ لفوات متعلّق الضمان؟ وجوه.

ومثلها يأتي فيما لو أذن له في الضمان في كسبه خصوصاً فقصر الكسب.

والأوجه: الرجوع في الأوّل إلى الكسب ولو حال الحُرّيّة، لا لأن المولى له سلطان على ذلك، بل لأنه متعلّق بذمة العبد ولا سبيل إلى تأديته إلا الكسب المملوك للمولى حال الرقية والمملوك لنفسه حال الحُرّيّة، وفي الثاني عدم الرجوع إلى أحد؛ لقوات متعلّق الضمان، لظهور كون الكسب المأذون فيه هو ما كان مملوكاً للمولى.

وأما ضمان العبد عن المولى فلا يتصوّر إلا على وجه دخوله في ذمته يتبع به بعد العتق.

وأما ضمانه له فصحته في غاية الإشكال؛ لأنّ المالك لا يملك على مملوكه شيئاً.

السادس: في أن الضمان نقل ذمّة إلى أُخرى

السادس: الضمان نقل ذمّةٍ إلى أخرى، فلا يتعلق بمال من دون توسط ذمّةٍ، ولو شرط الضامن أو المضمون له التأدية من مالٍ معين لزم الشرط؛ لعموم الأدلة، وظاهر الاتفاق.

وهل يتعلق حق المضمون له بذلك المال تعلّق الرهانة فلو تلف أو نقص رجع إلى ذمّة الضامن، ويكون المطالب ببيعه ودفع المال المضمون هو الضامن أيضاً، ومع امتناعه يتولاه المضمون عنه بإذن الحاكم أو بدون إذنه، أو يتعلّق تعلّق أرش الجناية خطأ فإذا تلف أو

نقص فليس له الرجوع على الضامن بشيءٍ، بل إمّا أن يرجع إلى المضمون عنه؛ لاستبعاد ذهاب ماله من غير عوض، أو لا يرجع؛ لرضاه بفراغ ذمّة المضمون عنه على ذلك النحو فلا يرجع إلى أحدٍ، وإذا امتنع الضامن من فكه كان للمضمون له الاستبداد بأخذه وبيعه وأخذ حقه؟ مع احتمال أن تعلّقه به كتعلّق أرش الجناية عمداً، فله الاستبداد بأخذه وإن لم يمتنع الضامن من الأداء.

وقد يقال: إنه تعلّق خارج عن التعلقين قضى به الاشتراط، فيلزم أداؤه من المال ما دام موجوداً، فإذا نقص أخذ من الضامن، وكذا إذا تلف؛ لأنّه بمنزلة أمرين: نقله إلى ذمته، وكونه من مالٍ معين، فانتفاء الثاني لا ينافي ثبوت الأوّل، مع احتمال الفرق بين النقص فيعود للضامن، وبين التلف فلا يعود إلى أحد، أو يعود إلى المضمون عنه.

ويحتمل أن الشرط إن أخذه الضامن لمصلحته لم يرجع إليه، وإن أخذه المضمون له رجع على الضامن.

ويحتمل ثبوت الخيار للمضمون له فإن فسخ رجع للمضمون عنه وإلّا أخذ من الضامن.

والمال المشروط تأدية الضامن منه لا إشكال فيه إذا كان من ماله، وإن كان من مال المضمون عنه فلا يخلو من إشكال، وإن كان من مال أجنبي توقف على الإجازة.

السابع: عدم اشتراط علم الضامن بالمضمون عنه ولا بالمضمون له نسباً ولا وصفاً

السابع: لا يشترط علم الضامن بالمضمون عنه نسباً أو وصفاً ولا بالمضمون له كذلك؛ لعموم الأدلّة، فيقول: ضمنت عمّن عليه دَيْن، وضمنت لمن له عليك دين.

نعم، يشترط رضى المضمون له أو قبوله، وذلك شيء آخر.

ولا يصح الإبهام والترديد فيهما، كـ «ضمنت لأحدكما» أو «ضمنت عن أحدهما» ولا يصح العموم الكلي كـ «ضمنت عن كلّ غريم لكل غريم» ويصح تعلقه بأهل بلد واحد أو قريةٍ وإن لم يعرف عددهم، على إشكال.

ويصح الضمان لأهل الزكاة عن المطلوب بها شرعاً، وكذا الخمس، ويتولاه الحاكم؛ لأنه ولي الفقراء.

ويصح ضمان الولي عن الصبي وللصبي مع المصلحة.

ويصح الضمان فضولاً مع الإجازة.

والأوجه أن يقال - بحسب قواعد الفقاهة - صحة الضمان مع عدم معرفة المضمون له

أو المضمون عنه نسباً أو وصفاً، وفي الأخبار (1)ما ربما يشير إليه؛ وعدم صحته مع عدم معرفة عدد المضمون عنه أو المضمون له كـ «ضمنت عمّن دخل الدار» أو «لمن دخل الدار» أو «لمن في البلد عمّن في البلد»، إلا إذا عرف القدر المضمون فإنه لا يبعد الصحة وإن لم يعرف عدد المضمون له إذا أتى بصيغة العموم ونحوها.

الثامن: عدم اشتراط رضى المضمون عنه واشتراط رضى المضمون له

الثامن: لا يشترط رضى المضمون عنه؛ للأصل، والإجماع بقسميه (2)، ويشترط رضى المضمون له، بل يشترط قبوله اللفظي، بل يشترط فيه شرائط القبول في العقود اللازمة من الصراحة والعربية والأصل وغير ذلك؛ لأنّ المشكوك في كونه عقداً أو إيقاعاً نحكم بعقديته، والمشكوك في كونه لازماً أو جائزاً تجري عليه أحكام اللزوم مع الشكّ في الجزئية، فلا تسامح في حصول النقل به كيف اتفق؛ لرجوع الشك في الجزئية إلى الشك في الماهية التي يقضي الأصل بعدمها.

ويدلّ على اشتراط الرضى فتوى المشهور نقلاً (3)بل تحصيلاً، والإجماع المنقول (4)، وللزوم الغرر والضرر ؛ لاختلاف الناس في حسن المعاملة وسهولة القضاء، والصحيح الوارد في الميت المقيد براءة ذمته بما إذا رضي به الغرماء (5)، والرضوي (6)وخبر ضمان علي بن الحسين (علیه السّلام) (7)أيضاً يدلان عليه.

وقيل بعدم اشتراط رضى المضمون له (8)لخبر ضمان عليّ (علیه السلام) و [أبي] (9)قتادة عن الميت (10)مع عدم علم المضمون له فضلاً عن رضاه.


1) وسائل الشيعة 18 : 424، الباب 3 من أبواب كتاب الضمان، ح 2، 3.

2) مسالك الأفهام 4 : 181.

3) المصدر : 180.

4) غنية النزوع 1 : 261.

5) وسائل الشيعة 18 : 422 ، الباب 2 من أبواب كتاب الضمان، ح 1.

6) الفقه المنسوب للإمام الرضا (علیه السلام): 268؛ وعنه في مستدرك الوسائل 13 : 404، الباب 14 من أبواب الدين والقرض، ح 2.

7) وسائل الشيعة 18: 423 - 424 ، الباب 3 من أبواب كتاب الضمان، ح 1.

8) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 313، المسألة 2.

9) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

10) سنن أبي داود 3 : 247، ح 3343؛ سنن النسائي 4 : 65؛ سنن الدارقطني 2: 643. ح 194/2952.

وفيه: إنه قضيّة في واقعةٍ فلا تعمّ، وأنه محتمل لوقوع الرضى ولم يُنقل، وأنه محتمل لقيام الإذن الفحوائية بالرضى مقامه، ومثل علي (علیه السلام) ممّا يرضى المضمون له بضمانه.

وللموثق: في ولي ضمن دَيْن مَنْ حضره الموت قال: «يبرئه ذلك» (1).

وفيه - مع ضعفه عن المقاومة -: إن رضى المضمون له مسكوت عنه فيه فلا تصريح بنفيه.

والآخر: فيمن ضمن عن رجلٍ رضى غرمائه من أقاربه، قال له الإمام (علیه السلام): «أنت في حلّ وذلك في عنقه» (2).

وفيه - مع ضعفه -: إنّه لا يدلّ على عدم رضى المضمون له بل عدم قبوله، فلعلهم رضوا وقبلوا في مقام آخر ويكون مخبراً بذلك، وإن ظاهره مخالف للإجماع؛ لأنّ ضمان رضاهم غير ضمان المال، فانتقال المال من غير ناقل لا يقوله أحد.

والآخر في الوديعة يضمنها شخص فيتصرف الودعي بها، قال: «نعم» (3).

وفيه: إنه من ضمان العين ولا نحكم بجوازها فهو غير محلّ البحث، وإن كان الضمان بعد الاقتراض من قبيل الوعد والعهد فهو دالّ على جواز الاقتراض بالإذن الفحوائية، لحصول الوعد بالضمان ممّن يثق به.

التاسع: صحة الضمان مع إيسار الضامن وإعساره

التاسع: يصح الضمان مع إيسار الضامن وإعساره؛ لعموم الأدلّة، ومع علم المضمون له به وعدمه إلا أنه مع جهله بالإعسار يثبت له الخيار؛ لحديث نفي الضرار (4)، فإن فسخ فلا كلام، وإلا فعليه الانتظار، ولا يجوز له الأخذ من مستثنيات الدين؛ لأنّه دَيْن، إلا أن يكون الضمان في مال بعينه وكان المال من المستثنيات.

وهو شرط في الابتداء لا في الاستدامة، فلو أيسر حال العقد وأعسر بعد ذلك فلا خيار.

ويدلّ على أصل الخيار مع الحديث المتقدم (5)فتوى الأصحاب والإجماع المنقول (6)،


1) وسائل الشيعة 18 : 346، الباب 14 من أبواب الدين والقرض، ح 2.

2) المصدر : 425، الباب 4 من أبواب كتاب الضمان، ح 1.

3) المصدر 19 : 86، الباب 8 من أبواب كتاب الوديعة، ح 1.

4) راجع ص 110، الهامش (7).

5) تقدم آنفاً.

6) لم نتحققه.

وإشعار بعض الأخبار المعلّقة للضمان بالرضى (1)، ولا رضى حقيقة، فينبغي إما بطلانه من أصله أو بطلان لزومه، ولا قائل بالأوّل فيثبت الثاني.

وعلى الصحة واللزوم مع العلم حديث عليّ بن الحسين (علیه السلام) (2)، وعموم أدلة لزوم العقود (3).

والظاهر لحوق تعذر الاستيفاء من الضامن بوجه آخر غير الإعسار به؛ لتنقيح المناط، مع احتمال عدمه؛ لانجبار الضرر بإجبار الحاكم، واحتياج الخيار إلى دليل وليس فليس.

وهل الخيار فوري؟ لا يبعد ذلك؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل من لزوم العقد في جميع الأزمنة على مورد النص.

العاشر: عدم البأس بتأجيل الضمان

العاشر: تأجيل الضمان لا بأس به إجماعاً ، وهو تأجيل للتأدية لا للنقل.

والأقوى اشتراط معلومية الأجل؛ لمكان الغرر.

وهل يفسد عقد الضمان بفساده؟ وجهان.

ويصح الضمان الحال للدين الحال مع سؤال المضمون عنه وعدمه، وكذا الضمان الحال للدين المؤجل وبالعكس مع سؤال المضمون عنه وعدمه، ويصح ضمان المؤجل للمؤجل مع مساواة الأجل ونقصانه أو زيادته مع سؤال المضمون عنه وعدمه كله؛ لعموم الأدلة السليمة عن المعارض.

ومنع جمع (4)من الضمان الحال للدين المؤجّل؛ لأنّ ثبوته في ذمة الضامن فرع ثبوته في ذمة المضمون عنه، والفرع لا يزيد على أصله، ولأنّ الضمان مبني على الإرفاق وحلول المؤجل ينافيه، ولأنّ الضامن يطالب المضمون عنه عند التأدية فتنتفي فائدة الضمان؛ لأنّ ضمان الدَّيْن قبل حلول الأجل حالاً كضمان ما لم يجب.

وفي الجميع نظر ظاهر لا يعارض ما ذكرناه.

وهل إطلاق ضمان الدين المؤجل ينصرف إلى ضمانه إلى أجله، أو إلى الحلول؟ وجهان،


1) راجع ص 200 ، الهامش (5).

2) راجع ص 200، الهامش (7) .

3) المائدة (5) : 1 .

4) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 815؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 315؛ وابن حمزة في الوسيلة : 280؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1: 260؛ وفخر الإسلام في إيضاح الفوائد 2 : 81 - 82؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 310:5.

أقواهما انصرافه إلى الحلول، سواء علم الضامن بتأجيل الدين أم لم يعلم.

ولو أذن المضمون عنه في ضمان المؤجل إلى أجله لم يحلّ للضامن مطالبته بشيءٍ حتى يحلّ الأجل ويؤدي الدين، ولو أداه قبل الأجل لم يرجع على المضمون عنه بشيء.

ولو أذن له في ضمان المؤجل حالاً فضمن فدفع احتمل جواز الرجوع إلى المضمون عنه قبل الأجل؛ لوفاء دينه بإذنه فيرجع إليه، والأجل كان حقاً على غيره فلا يسري إليه، واحتمل عدمه ؛ اتباعاً لحق الأجل، واحتمل الفرق بين علم الضامن بالأجل فينتظر، وبين عدمه فيرجع في الحال.

ولو أذن له في الضمان حالاً على أن يرجع إليه حالاً فلا إشكال في الرجوع حالاً.

ولو أذن له في الضمان مطلقاً ، فالظاهر أنه كما إذا أذن له في الضمان حالاً، فيرجع إليه مع التأدية سيما مع عدم علمه بأنّ دَيْنه كان مؤجلاً؛ لأنّ الضمان مع السؤال بمنزلة وفاء الدين بإذن الغريم.

ولو ضمن شخص المال الحالّ مؤجّلاً عليه فأسقط الأجل باختياره وأدى المال، رجع للمضمون عنه؛ لأنّ دينه كان حالاً وقد أداه الضامن والتأجيل للضامن لا يجدي في عدم الرجوع للمضمون عنه.

وكذا لو مات الضامن فحلّ ضمانه المؤجّل بموته فأدّى الورثة رجعوا إلى المضمون عنه لحلول الدين عليه.

نعم، لو كان الدين مؤجّلاً على المضمون عنه وقد ضمن عنه إلى أجله فحلّ ما على الضامن لم يحلّ ما على المضمون عنه؛ لعدم التلازم بينهما، ويرجع الضامن على المضمون عنه فيما ضمنه بإذنه، سواء أداه بإذنه أم لا، ولا يرجع فيما ضمنه تبرّعاً، سواء أداه بإذنه أم لا.

وهذا كله لا كلام بين الأصاب فيه، وفي جملة من الأخبار (1)ما يشعر به والإجماعات محكية عليه (2).

ويرجع الضامن بما أداه، ولو لم يؤد الضامن الكلّ بل أدّى البعض رجع فيما أدى دون ما لم يؤده.


1) وسائل الشيعة 18 : 421 و 427 ، الباب 1 و 6 من أبواب كتاب الضمان.

2) غنية النزوع 1 : 261؛ السرائر 2 : 71؛ تذكرة الفقهاء 14: 353 - 357، المسائل 532 و 534 - 536؛ مسالك الأفهام 4: 189.

ولو أبرأ المضمون له الضامن لم يرجع على المضمون عنه، وكذا لو صالحه على بعض منه رجع بمقدار ما صالح عليه، ويدلّ على ذلك الأخبار (1)وكلام الأصحاب.

وهل الضمان عن الضامن تأدية عن الضامن فيرجع على المضمون عنه وإن لم يكن مستقراً إلا بتأدية الضامن الثاني، أو ليست بتأدية فلا يرجع بشيء؟

وبالجملة، فالضمان مع السؤال بمنزلة قول الشخص لغيره: «أد عنّي دَيني» سواء قال: «وارجع إلَيَّ» أو أطلق؛ لأن المفهوم من الإطلاق ذلك.

ومَنْ ناقش في وجوب الرجوع من المتأخرين (2)حتى لو كان الضمان والأداء بسؤال المضمون عنه من جهة عدم دلالة الأمر على الرجوع بإحدى الدلالات، فقد خالف النص والفتوى وظاهر الخطاب، والضمان مع عدمه بمنزلة المتبرع في وفاء الدين، حتى لو أمره بالتأدية بعد ضمانه كان بمنزلة أن يقول شخص لمديون: «أد ما عليك من الدين لفلان».

نعم، قد يشكل الحال فيما لو صرح له بعدم ضمانه تبرّعاً بالأمر بالتأدية وأنه يرجع عليه، أو شرط عليه عند ضمانه بسؤاله له عدم الرجوع عليه، فإنّه قد يحتمل الرجوع في الأول وعدمه في الثاني.

الحادي عشر: في أنّه لا يكون الضمان إلا بمال

الحادي عشر: لا يكون الضمان إلا بمال قد اشتغلت الذمة به، سواء كان مستقراً أو كان متزلزلاً؛ إما لكونه عقداً جائزاً أو لكونه مشتملاً على خيار، وما لم تشتغل الذمة - كمال الجعالة قبل العمل والسبق والرماية - فالأظهر عدم جواز ضمانها؛ لعدم الدليل عليه، وإطلاقات الضمان ليست مسوقةً لبيان المال المضمون.

والاستدلال على صحة ضمان مال الجعالة بآية يوسف (3)منظور فيه؛ لاحتمال الوعد ولكونها في غير شرعنا، واحتمال إرادة كونه المؤدّي من ماله في قوله: « وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ» (4)لا أنه ضامن، إلى غير ذلك.

ويصح ضمان مال الكتابة الجائزة، وينعتق العبد قهراً مع الضمان ولو كان من دون سؤاله؛ لأن الضمان إيصال والعبد قابل لشغل الذمة.


1) وسائل الشيعة 18 : 427 ، الباب 6 من أبواب كتاب الضمان.

2) راجع مجمع الفائدة والبرهان 9 : 291.

3) يوسف (12) : 72 .

4) يوسف (12) : 72 .

ويصح ضمان النفقة الماضية للزوجة والحالة في يومها وإن لم تكن مستقرة؛ لاحتمال النشوز في ذلك اليوم فيرتفع وجوب الإنفاق، دون المستقبلة ودون نفقة الأقارب؛ لعدم تعلقهما في الذمة، إلا الحال من نفقة الأقارب فلا يخلو من إشكال.

ويصح ضمان الثمن للبائع عن المشتري وضمان المبيع للمشتري عن البائع في مدة الخيار وفي غيرها، فيضمن الثمن للبائع بعد قبضه له فيما لو كان الثمن كليّاً إذا خرج المدفوع مستحقاً أو خرج معيباً، ولو كان معيّناً لم يصح ضمانه للبائع عند خروجه مستحقاً؛ لبطلان البيع مع عدم الإجازة ويضمن المبيع للمشتري فيما لو خرج المدفوع مستحقاً أو معيباً، سواء كان الثمن كلّيّاً أو معيّناً.

ويصح ضمان نفس عين المبيع أو الثمن، فيضمن عهدة المبيع للبائع فيما لو خرج الثمن مستحقاً أو معيباً، ويضمن مدة الثمن للمشتري أيضاً فيما لو خرج المبيع مستحقاً أو معيباً ويكون من الأعيان المضمونة.

ولا يصح ضمان الأعيان الغير مضمونة كالعارية والوديعة ومال القراض والعين المستأجرة قطعاً.

وهل يصح ضمان غيرها من المضمون كالأعيان المغصوبة والمقبوضة بالسوم والبيع الفاسد والأمانة المتعدّى بها أو المفرّط؛ لاشتغال ذمّة القابض لها بوجوب ردّ العين، ومع عدم الإمكان فالمثل والقيمة فيشملها إطلاق أدلّة الضمان؟ أو لا يصح؛ لمنع شمول الإطلاق؛ لأنه ليس مسوقاً لبيان أفراد المضمون، فالمتيقن من الأدلة هو ضمان المال المتعلّق بذمة آخر بحيث ينتقل بضمانه من ذمّةٍ إلى ذمّةٍ، والأعيان المضمونة ليست كذلك؛ لأن الضمان إن تعلّق بها نفسها كان محالاً؛ لعدم انتقالها، وإن تعلّق بوجوب دفعها لم يكن مالاً، وإن تعلّق بمثلها أو قيمتها كان من ضمان ما لم يجب على أنّ المضمون عنه فيها لا ينتقل عنه وجوب دفع العين أو المثل أو القيمة، بل الخطاب متعلّق به فيكون ضمانها أقرب شيءٍ لضمان العامة، وهو ضم ذمّةٍ إلى ذمّة.

نعم، يجوز ضمان عهدة الثمن للمشتري بعد قبض البائع له مع وجوده ومع تلفه عند خروج المبيع مستحقاً أو خروج العقد فاسداً، وكأنه مع وجود الثمن من أفراد ضمان الأعيان المضمونة، إلا أنّ ظاهرهم الاتفاق عليه لمكان الضرورة والحاجة إليه وقيام السيرة به، ويسمونه ضمان الدرك.

وهل يسري الحكم لضمان المبيع أيضاً؛ لاشتراكهما في مكان الحاجة، ولتنقيح المناط، أو لا يسري؛ للشك في ثبوت العلة وفي سريانها؟ وجهان.

وقد تبنى المسألة على أنّ العين المضمونة هل يتعلّق بها خطاب تأدية المثل والقيمة عند القبض منجزاً وإن كان مرتباً على تلفها، أو لا يتعلّق بها إلا بعد التلف؟ والظاهر الأخير، وحينئذ يكون ضمان الثمن على ذلك النحو خارج عن القاعدة، مستنده ما قدمنا.

ولا يصح ضمان الحقوق؛ للأصل، وعدم انصراف أدلّة الضمان إليها، سواء كانت من الحقوق الخالقية أو المخلوقية، وسواء تعلقت بالمال أم لا.

الثاني عشر : عدم صحة الترديد في المال المضمون

الثاني عشر : لا يصح الترديد في المال المضمون كـ «ضمنت أحد المالين من شخص واحد» أو «شخصين» ولا ضمان الكلّي كـ «ضمنت شيئاً» أو «مالاً» أو «كثيراً» أو «قليلاً»؛ للشك في شمول أدلّة الضمان له وانصرافه إلى أقلّ ما يصدق عليه الاسم من الشيئية أو القلة أو الكثرة فرع تحققه، ولأن الظاهر من الأخذ بالمسميات اختصاصها بالخطابات الشرعية، لا بالأسباب المملكة الاختيارية.

وهل يصح ضمان المعلوم واقعاً المجهول عند الضامن، كأن يقول: «ضمنت ما في ذمتك» الجهل به جنساً، أو معرفته جنساً ولكنّه جهله نوعاً أو معرفته نوعاً ولكن جهله قدراً؛ مع للأصل، وللآية (1)لأنّ الحِمْل المضمون مجهول، ولإطلاق بعض روايات ضمان الميت (2)، وإطلاق قوله : «الزعيم غارم» (3)وإطلاق قول النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم): «ومَنْ ترك دَيْناً فعلَيَّ دينه» مع قوله (علیه السلام): «إن كفالته ككفالته ميتاً» (4)، وضمان علي بن الحسين (علیهما السّلام) لجميع ما على المريض (5)، والإجماع المنقول (6)، أو لا يصح؛ للشك في شمول دليل الضمان له والأصل المنع، وضعف الإجماع المنقول بمخالفة الفحول، ومنع كون الآية من باب الضمان، ولو سُلّم فالحِمْل معلوم


1) يوسف (12): 72 .

2) راجع الهامش (10) من ص 200.

3) الجامع الصحيح 4 : 433، ح 2120؛ سنن الدارقطني 2 : 631 - 632 ، ح 166/2924؛ المعجم الكبير، الطبراني 8 : 160، ح 7615.

4) وسائل الشيعة 18 : 337 - 338، الباب 9 من أبواب الدين والقرض، ح 5.

5) راجع الهامش (7) من ص 200.

6) غنية النزوع 1: 260.

ذلك اليوم كهذا اليوم، وضعف الروايات سنداً ودلالةً، والمعتبر منها حكاية فعل لا عموم فيها، وللزوم الغرر (1)والضرر (2)المنهي عنهما، لجواز تبيّنه له عدم طاقته له ؟

وجهان متكافئان، أوجههما أن يقال: إن كان الجهل في الكم بعد معرفة الجنس فالأوجه: الجواز، والغرر والضرر لو كانا فهو المدخل لهما على نفسه، وأكثر أدلّة الضمان تشمله، وإن كان في الجنس فالأوجه المنع؛ لما ذكرنا من أدلة المانعين.

وعلى ما ذكرنا فلو ضمن مجهول العدد أدى ما قامت به البينة إن لم يقطع به من أمارة ونحوها، ولا يجب عليه أن يؤدّي ما كان في دفتر أو سجل أو ادّعاه المضمون له أو أقرّ به المضمون عنه بعد الضمان، لا قبله؛ لأنه إقرار في حق الغير، أو شهد به المضمون عنه إذا كان الضمان تبرّعاً؛ لأنها ربما جرت نفعاً في كثيرٍ من الصُّوَر.

نعم، يثبت بيمين المضمون له إذا ردّها الضامن عليه دون ما إذا ردّها المضمون عنه؛ لأنّه ردّ من غير الغريم المطالب بالتأدية فلا تثبت حقاً، سواء كان الرد برضى الضامن أو بدونه.

هذا إن قلنا: إن اليمين المردودة يمين مستقلّة يثبت على مَنْ ردّها الحق، أو قلنا: إنّها بمنزلة إقرار المنكر، ولو قلنا: إنّها بمنزلة البيئة، قام احتمال ثبوت الحق بها على الضامن، مع أنّ الأوجه عدمه؛ لأنا لو قلنا: إنّها بمنزلة البينة فهى بمنزلتها بالنسبة لرادها لا مطلقاً.

ويجوز تسلسل الضمان ودوره على مذهبنا والمخالف شاذ تردّه الفتوى والعمومات. ويصح ضمان الأرش مع المطالبة؛ لأنّه إما جزء من الثمن فهو من ضمان العهدة أو في الذمة فيصح ضمانه؛ لأنه مال مشغولة الذمة به.

وهل يصح ضمانه قبل اختياره؛ لأنّه أحد أفراد المخيّر بهما من الرد والأرش فله تعلّق بالذمة عند تعلق مسبّبه، أو لا يصح؛ لعدم تعلّقه عيناً فلم تكن الذمة مشغولة به، أو لعدم تعلقه حالاً بل مرتباً على اختياره، فقبل الاختيار لا تكون الذمة مشغولة به؟ وجوه، أقربها: صحة ضمانه؛ لتعلقه بعين الثمن إن كان جزءاً منه، أو بالذمة إن لم يكن جزءاً حين العقد، واختيار الردّ وفسخ العقد يكون مبطلاً له بعد ذلك، كالرضى بالمعيب من دون أرش، والتخيير بينه وبين الرد لا ينافي ثبوته في الذمة.


1) راجع ص 44 الهامش (1) .

2) راجع الهامش (7) من ص 110.

ولا يصح ضمان ما يثبت سبب ضمانه في العقد، فلو ضمن ضامن للمشتري عن البائع ما يلزمه من الغرامات في المبيع لو ظهر مستحقاً وكان مغروراً من قبله، أو درك ما يحدثه من بناء وغرس قد قلعهما المالك فحدث فيهما نقص لم يصح؛ للشك في شمول أدلّة الضمان له وكذا لو ضمنه البائع على الأظهر، وإن كان مضموناً عليه بعد ذلك فإنّ ضمانه بعد ذلك لا يستلزم جوازه ابتداء.

قيل: وتظهر الثمرة في إسقاط المشتري عنه حق الرجوع بسبب البيع، فيبقى عليه حق الرجوع بالضمان، وفي اشتراط ضمان صحيح، فإنّا لو صححناه كان وفاء بالشرط (1). وفيه ما فيه.

وكذا لا يصح ضمان الثمن كلّاً أو بعضاً؛ لانفساخ البيع بعد ذلك، كالتلف قبل القبض؛ بناءً على أنه فسخ من حينه كما هو الأظهر بل المقطوع به، أو لفسخه الخيار أو إقالة.

نعم، يصح ضمان الثمن كلاً أو بعضاً لو خرج المبيع مستحقاً كلاً أو بعضاً وقت العقد. ومع خروج استحقاق البعض فقط يتعلّق الضمان بمقدار ما قابل غير المستحق من الثمن. دون ما قابل المستحق.

ويصح ضمان كلّ واحدٍ عن آخر إذا كان كلٌّ منهما مشغول الذمة لثالث، وتظهر الفائدة في الحلول والتأجيل والإيسار والإعسار والقلّة والكثرة، فلو قال كل منهما: «ضمنت مالك على صاحبي» دفعةً، تحوّل دين كلّ واحدٍ إلى صاحبه، ولو قالاها متعاقباً استقرّ الجميع على الأخير، ولو أراد الأخير ضمان ماله من الدين كان كالصورة الأُولى.

وتظهر الفائدة بتعاكس الضمان مع التساوي فيما إذا أبرأ المضمون لهما أحدهما، فإنّه يبرأ الآخر من الرجوع إليه من صاحبه لا من المضمون له فيما ضمنه عن صاحبه، وفيما لو كان على الدين رهن، فإنّه ينفك بالضمان؛ لأنه وفاء.

ولو أبرأ المضمون له الضامن كلاً أو بعضاً أو صالحه على البعض لو دفع إليه الضامن عروضاً لا تقابل الدين فرضي بها، لم يكن للضامن الرجوع على المضمون عنه إلا بما أدّاه.

نعم، لو صالحه بمقدار الدين على شيءٍ قيمته أقلّ ممّا صالحه عليه فتساقطا بعد ذلك كان ذلك حيلة في عدم إسقاط الرجوع.


1) قاله البحراني في الحدائق الناضرة 21 : 42.

ولو صالح عن الفضة التي بذمته بذهب قدرها، فأعطى عوض الذهب شيئاً أقل من قیمته، ففي الرجوع بالجميع أو بقدر ما دفع عوض الذهب إشكال.

ولو دفع المضمون عنه مالاً إلى الضامن قبل أداء الضامن للمضمون له إذا كان الضمان بسؤاله، فإن صرّح بكونه أمانة إلى أن يدفع إلى المضمون له ما عليه فيستوفي منه، أو دين عليه إلى ذلك الوقت فيتقاصان، فلا كلام.

وإن دفعه بنيّة أنّه مال الضمان، فإن نوى أنه وفاء كان مضموناً على الضامن؛ لأن المضمون عنه إن كان مشغول الذمة شغلاً لا يجب الوفاء به إلا بعد أداء الضامن، فإن أدى وجب الوفاء وإن برئ سقط الشغل، كان المدفوع وفاء قبل وقت وجوب أدائه، فهو مضمون على الضامن ولكنه وفاء غير مستقر ؛ لوجوب إرجاعه عند إبراء المضمون وشبهه، وإن كان غير مشغول الذمة فقد دفعه لرفع شغلها المتجدّد، فهو بمنزلة المقبوض بالسوم فيشمله عموم «على اليد ما أخذت» (1).

واحتمال عدم الضمان إذا لم يتعد أو يفرّط لكونه بمنزلة الأمانة وجه.

ويجوز في كلتا الصورتين دفع هذا المال إلى المضمون له لظهور الإذن بذلك، ولا يجوز له التصرف فيه بغير ذلك في الصورة الأخيرة إلا مع الإذن الفحوائية، وفي جوازه في الصورة الأولى إشكال.

ولو دفع المضمون عنه للمضمون له وفاء، برئ كل من الضامن والمضمون عنه.

ولو دفع الضامن بالإذن للمضمون له المال فأنكره المضمون له، كان القول قوله بيمينه ولا يجب على المضمون عنه دفع ما قابله إلا مع بيّنة من الضامن على الدفع إليه.

ولو شهد على الدفع إلى المضمون له شاهدان أحدهما المضمون عنه، أو شاهد ويمين وكان هو المضمون عنه، قبلت شهادته مع انتفاء التهمة بحيث إنه يجر نفعاً إليه، وله صور عديدة، فإذا لم تقبل شهادة المضمون عنه فأدى الضامن المال مرّةً أُخرى رجع على المضمون عنه بما أدّاه أوّلاً؛ لاعترافه به، ولو لم يشهد المضمون عنه رجع إليه الضامن بما أداه أخيراً


1) راجع الهامش (1) من ص 102.

إذا لم يزد على ما ادعى دفعه أولاً ولا على الحق، وإلّا رجع بالأقل من الثلاثة؛ لأن الأقل إن كان ما غرمه أولاً فلا يستحق سواه بدعواه؛ لأنّ الثاني ظلم، وإن كان ما غرمه ثانياً فلأنه لم يثبت ظاهراً سواه إن لم يعترف المضمون عنه بالدفع الأول، وإن كان هو الحق فلأنه إنما يرجع بالأقل من المدفوع والحق.

وفي حكم شهادة المضمون عنه اعترافه به.

وضمان المريض تبرعاً في مرض الموت من الثلث على الأظهر.

القول في الحوالة

تعريف الحوالة شرعاً

وهي شرعاً نقل المال من ذمّةٍ إلى ذمّةٍ مشغولة بمثله، أو العقد الدال على ذلك بالصيغة المشروعة لذلك، فلا يدخل في حدّها الصلح بما في ذمّة المديون بما في ذمته لغريمه مع رضاه، وهي من العقود اللازمة. ولو صححنا الحوالة على البريء ولم نقل: إنّها من أفراد الضمان افتقر إلى تقييد الذمة الأولى بالشغل وإطلاق الثانية، ولا يرد الضمان؛ لأن المضمون له غير ناقل، بل الناقل الضامن وهو بريء.

والظاهر أنّ المماثلة مقوّمة لمعنى الحوالة كشغل الذمة؛ للأصل، وعدم إطلاق شامل للمشكوك في صحة الحوالة به بالنسبة إلى أفراد المحال به.

والكلام في أُمور:

أحدها: الحوالة عقد لازم بين المحيل والمحتال

أحدها: الحوالة عقد لازم بين المحيل والمحتال فيشترط رضاهما؛ لما دلّ على اشتراط الرضى في العقود (1)، ولأن المحيل مخيّر في جهات القضاء فلا يتعين عليه شيء، والمحتال حقه ثابت في ذمته فلا يلزمه نقله إلى ذمة أخرى، وللإجماع المنقول (2).

قيل: ويستثنى من رضى المحيل ما لو تبرع المحال عليه بالوفاء فقال: أحلتك على نفسي، فقال المحتال: قبلت (3).

وفيه: أن صحته بصيغة الحوالة محلّ إشكال.

نعم، لو لم نعتبر في الضمان صيغة خاصة كان ضماناً، والظاهر أنّ هذا ليس من العقود المتعارفة لا للحوالة ولا للضمان.


1) النساء (4) : 29 .

2) غنية النزوع 1 : 257؛ تذكرة الفقهاء 14 : 441 و 442، المسألتان 603 و 604.

3) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 214.

ويشترط مع الرضى أيضاً اللفظ العربي مع الإمكان، والصيغة الخاصة المترتبة المتواصلة، ويكفي الإشارة للأخرس، وفي الاكتفاء بالإشارة لغيره لمن لم يتمكن أو لزوم التوكيل عليه وجهان، وأمّا مَنْ لم يتمكن من التوكيل فالأظهر الاكتفاء بإشارته.

ولا يبعد الاكتفاء بالإيجاب بالجملة الاسمية المقصود بها الإنشاء، على إشكال.

وهل يشترط رضى المحال عليه؛ لاختلاف الناس في الاقتضاء والاستيفاء سهولة وصعوبة، وللمشهور نقلاً (1)بل تحصيلاً، وللإجماع المنقول (2)، ولاستصحاب بقاء الحق، أو لا يشترط للأصل والشكّ في ثبوت الإجماع المنقول؛ لأنّ منه ما هو منقول على صحة الحوالة مع رضى الثلاثة كإجماع الشيخ (3)، فلا يدلّ على عدمه عند عدمه، ومنه ما هو بلفظ «أصحابنا» و «عندنا» (4)وهو غير صريح بالإجماع، ولأن المحيل أقام المحتال مقام نفسه فلا وجه لرضاه، كالتوكيل عليه أو بيع ما في ذمته لآخر، والاستصحاب مقطوع، والاستدلال باختلاف الناس ممنوع، أو يشترط مع اختلاف الحقين جنساً؛ لأنه بمنزلة المعاوضة الجديدة، ولا يشترط مع الاتفاق؟ وجوه وأقوال أوجهها الوسط، إلا أن التعدي عن فتوى المشهور وظاهر الإجماع المنقول ممّا لا ينبغي.

هذا إن كانت الحوالة على مشغول، وإن كانت على بريء فلا بد من رضاه قطعاً.

وعلى كل حال، فلا يعتبر مع رضاه قبول لفظي ولا إيجاب يوجه إليه؛ للأصل، والعموم، وظاهر الفتاوى.

ثانيها: في أنه مع تحقق الحوالة ينتقل المال من ذمّة المحيل إلى ذمة المحال عليه

ثانيها: مع تحقق الحوالة ينتقل المال من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه من غير افتقار إلى إبراء من المحتال للمحيل.

وفي رواية أنه «إن لم يبرئه فله أن يرجع على مَنْ أحاله» (5)وأفتى بمضمونها جمع (6).


1) نقله العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 491، المسألة 164.

2) المبسوط 2: 312 .

3) المبسوط 2: 312 .

4) تذكرة الفقهاء 442:14 و 444، المسألة 605.

5) وسائل الشيعة 18 : 433، الباب 11 من أبواب كتاب الضمان، ح 2.

6) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 814 - 815؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 316؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 340؛ وابن الجنيد على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 492، المسألة 165.

وعمومات الأدلة مع فتوى الأصحاب ممّا يوهنها، فحملها على الندب، أو على إرادة رضى المحتال بالحوالة من لفظ الإبراء كناية عن اللزوم باللازم، أو على ما إذا ظهر إفلاس المحال عليه بعد ذلك حين الحوالة فإنّه لا يرجع عليه بعد الإبراء، أو على اشتراط المحيل على المحتال البراءة من الرجوع إذا ظهر ذلك أولى.

والحوالة من البريء على المشغول توكيل للبريء في الاستيفاء، فهو من باب عقد الوكالة الجائز ، والحوالة من المشغول ضمان وإن كان بصيغة الحوالة؛ لجوازه بها على الأظهر.

ودعوى صحتها حوالةً - لأصالة عدم الاشتراط - منظور فيها؛ لفقدان الإطلاق الشامل لهذه الصورة في باب الحوالة، وعدم شمول عموم « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)لها؛ لأنه لم يسق لبيان أفراد المعقود عليه.

نعم، لو قيل: إنه عقد جديد غير الضمان والحوالة لاتجه ذلك إن كان من الأفراد المتعارفة ولكنّه لا يخلو عن مناقشة.

واستند بعض المتأخرين (2)للصحة بإطلاق بعض أخبار الحوالة الدالة على أن مَنْ أحال شخصاً على آخر لا يرجع إليه إلا إذا تبين إعساره (3).

وهو ضعيف؛ لأنّ الإطلاق موقوف على تحقق صدقه، وصدقه مع عدم شغل ذمة المحال عليه مشكوك فيه، فلا يصلح الاستناد إليه.

وبنى المسألة بعض آخر على أن الحوالة هل هي اعتياض بعقد مستقل أو لدخولها في البيع، أو هي استيفاء، فعلى الأوّل لا تجوز على البريء؛ لعدم المقابل لأحد العوضين، وعلى الثاني تجوز (4).

وفيه: إنّ هذا البناء لم يثبت أصله؛ إذ ليس في الأخبار ولا في إجماع الأخيار منه عين ولا أثر، وليس في الروايات إلّا أنّ مشغول الذمة لشخص له أن يحيله على آخر مشغول الذمة له، ولا يدرى أنه كان على جهة العوضية أو الاستيفائية.


1) المائدة (5) : 1.

2) البحراني في الحدائق الناضرة 21 : 52.

3) وسائل الشيعة 18: 433 و 434، الباب 11 من أبواب كتاب الضمان، ح 3،1.

4) الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 215.

ولو تبين إعسار المحال عليه حين الحوالة كان للمحتال الخيار للفتوى والأخبار (1)، إلا إذا كان عالماً بذلك حين الحوالة فلا ضرر ولا ضرار.

ولو أيسر قبل الفسخ، احتمل سقوط الخيار؛ لاندفاع الضرر، واحتمل بقاؤه؛ للاستصحاب، والإعسار المتجدد لا يثبت خياراً.

ويصح ترامي الحوالة، ويصح دورها فترجع للمحيل الأول، إذا كان مديوناً للمحال عليه.

وإن تبرّع المحيل بوفاء المحال عليه؛ برئ المحتال ولا رجوع، وإن سأله ذلك رجع على المحتال، سواء قال له: «وارجع عليَّ» أو لا على الأظهر.

ولا يصح التحويل بالأعيان؛ للشكّ في شمول دليل الحوالة لها، ولا على ما لم يستقرّ في الذمة وإن ثبت سببه، كمال الجعالة ونحوه.

ويقبل عقد الحوالة الشروط ويقبل شرط الخيار ، كل ذلك لعموم أدلة الشروط (2).

ويشترط فيها ما يشترط في المتعاقدين في سائر العقود. ولو جوزنا الحوالة على البريء فقال: «أحلتك على بيت المال» فقبل الحاكم، صح حوالة أو ضماناً.

وعلى القول باشتراط رضى المحال فهل ردّه فاسخ من الأصل ولا يجدي رضاه بعد ذلك، أم لا ، إلا إذا استمر على الرد؟ وجهان.

والحوالة من البريء على البريء توكيل على القرض أو السؤال.

ولو قصد بالحوالة على البريء نفس الحوالة لا الضمان وقلنا بعدم صحتها حوالة، ففي صحته ضماناً؛ لعدم تأثير النيّة، أو فساده وجهان، أوجههما: الأول.

ولو شرط المحيل عدم الخيار عند الإعسار، قوي القول بسقوط الخيار، والمدار في الإعسار على حالة العقد بين المحيل والمحتال.

ولا عبرة بعدم رضى المحال عليه، فلو أيسر المحال عليه فرضي بالحوالة وكان من قبل حالته معسراً بقي الخيار؛ بناءً على استصحابه.


1) وسائل الشيعة 18: 433 و 434، الباب 11 من أبواب كتاب الضمان، ح 1، 3.

2) راجع الهامش (5) من ص 77.

وهل يصح اشتراط التأدية من مالٍ معيّن من أموال المحال عليه؟ لا يبعد ذلك، فيلتزم المحال عليه بذلك، وحينئذ فلو اشترط عليه التأدية من الدار جاز بيعها عند الإعسار ولم يكن للمحتال الخيار.

ثالثها: عدم صحة الترديد في المحتال ولا في المحال عليه ولا في المال المحوّل

ثالثها: لا يصح الترديد في المحتال ولا في المحال عليه ولا في المال المحوّل، ولا يجوز التعليق في الحوالة، ولا يجوز التحويل على مجهول بالجنس أو الوصف عند المحتال، ولا بالقدر إذا لم يؤول إلى العلم كأن يقول: «أحلتك على شيءٍ» والرجوع إلى أقلّ شيءٍ ليس بشيء.

وهل يجوز التحويل على ما يمكن استعلامه بالكتاب والحساب كأن يقول: «أحلتك على ما في ذمته لي» ولم يكن المحتال ولا المحال عليه عالمين به، بل ولا المحيل ساعة التحويل؛ لعموم الأدلّة، وإطلاق أدلّة الحوالة، ولأن الأصل عدم اشتراط المعلومية إلا إذا دل عليها الدليل، أو لا يجوز إذا كان المحتال غير عالم بالفعل؛ للغرر والضرر، ولأن الأصل المنع من الغرر في المعاوضة إلا إذا دلّ الدليل على الخلاف، وسيما لو كان المحيل جاهلاً أيضاً؟ وجهان.

وقد تبنى المسألة على أن الحوالة هل هي اعتياض أو استيفاء أو عقد مستقل غير معلوم حاله، فإن كان الأخير أو الوسط فالأصل عدم اشتراط المعلومية، وإن كان الأول، فإن كانت بيعاً فلا كلام في الاشتراط، وإلا فتبنى المسألة على أن الأصل في المعاوضات اشتراط العلم إلا ما أخرجه الدليل، أو العكس.

والأظهر وجوب تساوي المالين جنساً ووصفاً وقدراً، بمعنى أنه لا يجوز التحويل على الناقص أو الزائد على أن يكون هو حقه؛ للشك في شمول إطلاقات الحوالة لمثل هذه الأفراد؛ لأن نقل ما في ذمّة المحيل للمحتال من المخالف أو انتقال ما في ذمّة المحال عليه إلى المخالف قهراً من دون رضاهما لا قائل به، ومع رضاهما من دون عقد يوجب ذلك لا وجه له.

ولا يتفاوت الحال بين القول بأن الحوالة اعتياض أو استيفاء أو أمرٌ آخر.

نعم، لو قلنا بجواز الحوالة على البريء صح ذلك؛ لأن جوازها على مَنْ لا حق له يؤدّي إلى جوازها على مَنْ عليه حقٌّ مخالف بطريق أولى، ويكون ما عليه من المال مقابلاً لما

تحول به عليه، ولا يتفاوت الحال بين كون الحوالة استيفاء؛ لأنّ الاستيفاء يكون بالجنس وغيره مع الرضى من الجانبين، وإن كانت اعتياضاً فكذلك؛ لجواز المعاوضة بالجنسين المختلفين، ولا بدّ حينئذ من اشتراط الرضى من المحال عليه، والتفاوت بالحلول والتأجيل والزيادة في الأجل والنقصان لا بأس به.

وهذا فيما إذا أحال بما هو مشغول الذمة به للمحتال على المحال عليه بغير الجنس الذي له على المحال عليه، وأما لو أحال المحتال بغير الجنس المشغول الذمة له به فذلك لا ينعقد حوالة؛ لعدم دليل صالح على صحة ذلك.

ولو أحال شخص على آخر فأدى المال فرجع إليه بما أدى مدعياً عليه براءة ذمته وأنّ الحوالة على بريء؛ فإن قلنا بجواز الحوالة على البريء فالقول قوله بيمينه، وإلا احتمل تقديم قول المحال عليه؛ لأصالة براءة ذمته، واحتمل تقديم قول المحيل؛ لأصالة صحة العقد الموقوفة على شغل ذمّته.

وقد يقال: إنّ الأصلين تعارضا فتساقطا، وبقي أنّ المحال عليه قد أدى عنه مالاً بإذنه فيلتزم به، ولا يتفاوت الإذن بين كونه في عقد فاسد أو صحيح، والإذن العقدية في العقد الفاسد وإن انتفت تبعاً له لكنّ التسليط على تأدية المال عنه والتسبيب الواقع عنه لم ينتفِ والضمان تابع لهما.

رابعها: صحة الحوالة من المكاتب لسيّده ولغيره وكذا على المكاتب من سيّده وغيره

رابعها: تصح الحوالة من المكاتب لسيّده ولغيره، وإذا أحال سيّده تحرّر؛ لأنه إيصال، فلو باعه سيده مالاً وباعه أجنبي فأحالهما على مَنْ له في ذمته مال صحت الحوالة. وتصح الحوالة على المكاتب من سيّده ومن غيره؛ لأنه ذو ذمّة قد استقر فيها مال فتصح الحوالة عليه به حتى لو قلنا بجواز تعجيز نفسه؛ لأن جواز التعجيز لا ينافي ثبوت الشغل الذي تدور مداره الحوالة.

وهل إحالة السيد عليه بمالٍ نوع إيصال فيتحرّر بها، كإحالته للسيد على غيره، أم لا؛ لأنها كالوكالة في القبض؟ وجهان، والأقوى الأول.

خامسها: حكم ما لو تداعى المحيل والمحتال فقال المحتال: حوّلتني وقال المحيل: وكلتك

خامسها: لو تداعى المحيل والمحتال فقال المحتال: «حوّلتني فأنت مشغول الذمة لي»، وقال المحيل: «وكلتك فلست بمشغول»، فإن لم يتصادقا على وقوع عقد الحوالة، كان

القول قول المحيل، واحتمال التداعي فتسقط الدعويان باليمين فيرجع إلى أصالة براءة ذمة المحيل وجه.

وإن تصادقا على وقوع عقد الحوالة واختلفا فقال المحتال: «حوّلتني فأنت مشغول»، وقال المحيل: «وكلتك بصيغة الحوالة فلست بمشغول»، احتمل ها هنا تقديم قول المحيل؛ لأصالة براءة ذمته من الشغل، ولأصالة عدم التحويل واحتمل التداعي، واحتمل تقديم قول المحتال؛ لموافقته الظاهر؛ لاقتضاء عقد الحوالة التحويل والنقل من مشغول الذمة على مشغولها، فهي في الوكالة إما مجاز، أو أخفى فردي القدر المشترك، أو فردي المشترك اللفظي إن قلنا بالاشتراك اللفظي أو المعنوي بينهما، والقول قول مَنْ يوافق قوله الظاهر، ومدعي القصد بخلافه مدع؛ لأنّ الظاهر أن القصد تابع لظاهر الخطاب، فلا بد له من بينةٍ، أو يحلّف مَنْ أنكر ذلك على نفي العلم والاطلاع على قصده؛ لعدم إمكان تحليفه على نفي الفعل عن الغير، سيما فيما لم يُعلم إلا من قبله.

واحتمال سماع قول من ادعى قصد الخلاف؛ لأنّه أمر لا يُعلم إلا من قِبله فيسمع قوله فيه بيمينه قوي؛ لاعتضاده بأصل البراءة من الشغل، وأصل عدم التحويل والنقل.

ولو تصادقا على شغل ذمّة المحيل وعلى وقوع عقد الحوالة واختلفا في أنّ العقد هل كان حوالة أو وكالةً، احتمل تقديم قول المحيل في كونها وكالةً؛ لأصالة عدم النقل والانتقال واستصحاب بقاء المال في ذمّة كلٍّ منهما، ولأنّه أمر يتعلّق بقصده فلا يُعرف إلا من قِبَله، وتكليفه البيّنة أمر عسر عليه، فالقول قوله بيمينه واحتُمل تقديم قول المحتال؛ لموافقته ظاهر الخطاب من لفظ صيغة الحوالة لكونها مجازاً في الوكالة أو أخفى فردي المشترك المعنوي أو اللفظي، والقول قول من يوافق قوله الظاهر لغةً أو عرفاً أو شرعاً؛ للزوم العمل على ظاهر الألفاظ.

وهذا الأخير قوي، واحتمال التداعي ضعيف.

ولا يتفاوت الحال هنا بين أن يكون النزاع قبل قبض المحتال أو بعده، وإن كان قبض المحتال للمال ممّا يؤيّد قوله فى الحوالة؛ لصيرورته بمنزلة ذي اليد.

ودعوى بعض القطع بتقديم قول المحيل مع عدم قبض المحتال (1)بعيد.


1) المحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 95.

وتوجيهه بأن الحوالة استيفاء ولا يثمر الملك إلا بعد القبض، فالنزاع قبله نزاع فيما هو مملوك للمحيل حين الاختلاف، ضعيف؛ لأنا لو قلنا: إنّ الحوالة استيفاء فهي استيفاء بعقدها، لا أنها سبب للاستيفاء وبمنزلة التوكيل فيه.

وعلى كل تقدير، فإن قدمنا قول المحتال مع يمينه فحلف فإن قبض المال برئت ذمة المحال عليه قطعاً؛ لأن المال قد دفعه إما بالحوالة أو الوكالة، وذمة المحيل أيضاً؛ لأنّه رضي بما في يده عوضاً عنه فيكون ما في ذمّة المحيل عوضاً عنه قهراً أو مقاصةً بنيتها أو بغير نية، وإن لم يقبض بقيت ذمّة المحيل مشغولةً باعترافه، وذمة المحال عليه مشغولةً للمحتال إن صدقه، وللمحيل إن كذبه، فإن قبض بعد ذلك عاد الحكم الأوّل، وإن تعسّر عليه القبض لم يجز له الرجوع للمحيل؛ لاعترافه بفراغ ذمّته بالحوالة، وبقي المال في ذمة المحيل يدسّه في أمواله أو يجري عليه حكم مجهول المالك، وللمحيل إذا تمكن أن يأخذ ماله من المحال عليه إذا صدقه.

وإن نكل المحتال عن اليمين حلف المحيل، وبطلت الحوالة وبقي المال أمانة في يد المحتال إن قبضه، وإن قدمنا قول المحيل بطلت حوالته بيمين المحيل، ووكالته بإنكاره لها.

فإن لم يكن قد قبض المال، احتمل أن له مطالبة المحيل بماله؛ لاعتراف المحيل بأنّ ماله باقٍ في ذمته، واحتمل عدمه؛ لاعترافه هو بأنّ ماله صار في ذمة المحال عليه، وهذا أوجه، إلّا إذا أخذ المحيل من المحال عليه المال، فإنّه يتوجه جواز رجوعه على المحيل؛ لأن المحيل قد أخذ من المحال عليه مالاً إمّا هو للمحتال، وإما هو باقٍ على ملك المحال عليه الذي هو مشغول الذمة للمحتال، فيأخذ المحتال منه مالاً مقاصةً على ذلك على إشكال.

وإن قبض وكان المقبوض باقياً، لزم تسليمه للمحيل ويطالبه بقدره؛ لأنّه إما وكيل كما هو دعوى المحيل - فله عليه الرجوع؛ لبقاء المال في ذمته، أو محتال فله أن يأخذ عوض ماله المأخوذ منه ظلماً بعد قبضه، فإن تلف المقبوض من المحتال، فإن كان تلفه منه بتفريطه بذل للمحيل المثل أو القيمة ورجع عليه على نحو ما ذكرنا ، وإن كان من غير تفريط لم يكن للمحيل الرجوع عليه؛ لاعترافه بأنه وكيل فهو أمين لا يضمن من دون تفريط، وليس له الرجوع أيضاً على المحيل؛ لاعترافه بوصول حقه إليه.

نعم، على المحيل أن يدسه في أمواله، أو يبقى مجهول المالك في وجه، ويحتمل أن للمحيل الرجوع عليه؛ لأنه لم يقبضه بالوكالة بل قبضه لنفسه باعترافه فهو ضامن؛ لأن ذلك تعدي.

هذا كله لو أنكر المحيل الحوالة، أما لو أنكرها المحتال - لإفلاس المحال عليه أو لذهاب ما قبضه منه - فادعى الوكالة كان الكلام فيه على ما تقدّم من تقديم قوله؛ لأصالة بقاء الحقين، وأصالة عدم الحوالة، أو تقديم قول المحيل؛ لموافقته ظاهر الخطاب الحقيقي دون المجازي، أو للفرد الظاهر من معاني اللفظ الحقيقية دون الخفي، فيقدم قوله على من ادعى خلاف ذلك، فإن قدمنا قول المحتال بيمينه لم يكن له قبض المال إن لم يكن قبضه؛ لأنّ إنكار المحيل الوكالة عزل له، وله مطالبة المحيل بماله في ذمته، فإن أخذه منه فهل للمحيل الرجوع على المحال عليه بالمال؛ لاعتراف المحتال بأنه حق المحيل، ولإعراضه عنه، فكأنه رضي بكونه للمحيل لو كان محتالاً حقيقة، ولأنّ المحيل مظلوم على دعواه، وما في ذمة المحال عليه للمحتال بزعمه فيأخذه مقاصةً له عمّا أُخذ منه، أو ليس له؛ لاعترافه بفراغ ذمة المحال عليه من ماله واشتغالها للمحتال، فلا يجوز له أن يأخذ منه ما ليس له؟ والأوّل أوجه.

وإن كان قد قبضه فقد برئت ذمّة المحال عليه على التقديرين، فإن كان باقياً ردّه على المحيل إن قبله ودفع له المحيل ما شاء من ماله، وإن لم يقبله المحيل لدعواه أنه ليس ماله جاز أن يأخذه المحتال مقاصةً عن ماله في ذمة المحيل.

وإن تلف، فإن كان بتفريطه ضمنه، ووقع التهاتر قهراً، أو أرجع المثل أو القيمة وطالبه بحقه، فإن قبلهما ودفع إليه الحق فلا كلام، وإلّا أخذهما مقاصةً.

وإن كان من دون تفريط لم يضمن؛ لأنّ يده يد أمانة؛ لثبوت وكالته مع احتمال الضمان؛ لأن الثابت كونه غير محتال، لا كونه وكيلاً، والعام لا يدلّ على الخاص.

وإن قدمنا قول المحيل بيمينه برئ من دَيْن المحتال وكان للمحتال مطالبة المحال عليه، لا لكونه محتالاً؛ لإنكار الحوالة ولا لكونه وكيلاً؛ لانفساخ الوكالة بإنكار المحيل، بل لامتناع أخذ حقه من المحيل، وللمحيل على المحال عليه مال فيأخذه مقاصةً، أو لرضاه يكون ما في ذمّة المحال عليه له صريحاً أو فحوى.

سادسها: فيما إذا أحال المشتري البائع بالثمن ثمّ ردّ المبيع بخيار عيب أو غيره فهل تبطل الحوالة وتنفسخ بانفساخ عقد البيع ؟

سادسها : إذا أحال المشتري البائع بالثمن ثمّ ردّ المبيع بخيار عيب أو غيره من

الخيارات - سواء كان خيار العيب لحدوثه قبل القبض أو بعده في زمن الخيار أو قبل العقد - أو رده بإقالة أو نحو ذلك مما يفسخ البيع من حينه، فهل تبطل الحوالة وتنفسخ بانفساخ عقد البيع - سواء قبض البائع المال من المحال عليه أم لا - لأنّها تابعة والتابع حكمه حكم المتبوع، أو لأنّها استيفاء مبنيّ على الإرفاق كدفع الصحيح عوض دين من ثمن مبيع مكسر؛ فإنّه لو انفسخ البيع أخذ صاحب الثمن المدفوع من الصحاح دون ما وقع عليه العقد من المكسر، وها هنا قد جعل المحيل نفس ذمّة المحال عليه وفاء، فإذا فسخ البيع أخذ ما وفى به الثمن وهو الذمة فتعود إليه الذمة نفسها، فإن لم يقبض المحتال فلا كلام، وإلا عاد إليه ما تشخص به الكلّي الذي في الذمة فيأخذه إن كان موجوداً، ويأخذ مثله أو قيمته إن كان تالفاً، أو كان قد صالح عليه بمال وكان قد أحال عليه آخر على الأظهر في ذلك، مع احتمال جواز فسخ العقود المتأخرة أو انفساخها، أو لا تبطل ؟ للاستصحاب، ولانتقال المال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فلا يُبطله الفسخ الطارئ المتعلّق بغيره؛ لأنه فسخ من حينه لا من أصله، أو لأنّها اعتياض كما هو أحد الوجهين والمعاوضة على ثمن المبيع لا تنفسخ بانفساخ البيع، بل يرجع على المشتري بالمثل أو القيمة، وحينئذ فعلى البائع أداء الثمن، وليس للمشتري الرجوع على المحال عليه قبل قبض المحتال وبعده، ولا الرجوع على المحتال بنفس ما قبضه من المحال عليه، ولا بمثله وقيمته مع التلف، بل ليس له إلا الثمن الكلّي الذي وقع العقد عليه.

ولو أحال البائع أجنبياً بالثمن على المشتري فانفسخ البيع من حينه، لم تبطل الحوالة؛ للإجماع المنقول (1)، والاستصحاب، وفتوى الأصحاب، ولأن حوالة الأجنبي لم تتعلق بالمتبايعين كي يتسبب عن البيع فإذا بطل السبب بطل المسبب، بل تعلّقت بالخارج عنهما وقد ملك ما في ذمّة المحال عليه، وانفساخه محتاج إلى دليل وليس فليس.

واحتمال البطلان؛ لأن استحقاق المحتال فرع استحقاق المحيل فإذا بطل حق المحيل بطل تابعه، ضعيف؛ لأنّ التابعية حين العقد لا تستلزم دوامها.

ولو وقعت الحوالة فتبيّن فساد البيع من أصله، بطلت الحوالة قطعاً من غير إشكال، فإن


1) لم نتحققه.

لم يكن قبض المحتال حرم عليه القبض ولا إشكال، وإن قبض فليس للمشتري الرجوع على المحال عليه في المسألة الأولى؛ لأدائه المال للمحتال بإذنه حتى لو علم بالفساد، وله الرجوع على المحتال بما قبض، وللمشتري الرجوع في المسألة الثانية على البائع؛ لأنّه وفاء دينه بإذنه، أو دفع لشخص مالاً بإذنه فعليه ضمانه، وله الرجوع على الأجنبي؛ لدفعه إليه المال بعقد فاسد، فيكون مضموناً عليه.

والفرق بين علم المحال عليه بالفساد فيرجع على المحتال خاصةً، وبين جهله فله حق الرجوع عليهما وجه.

القول في الكفالة

بيان معنى الكفالة ومشروعيتها وأنها من العقود اللازمة وغير ذلك

وهي التعهد بالنفس إحضاراً وتسليماً، أو العقد الدال على ذلك.

ومشروعيتها ثابتة بالنص (1)والإجماع.

وقد ورد ما يدل على كراهتها و «أنّها خسارة غرامة ندامة» (2)و «أنها أهلكت القرون الأولى» (3).

وهي من العقود اللازمة المفتقرة إلى إيجاب وقبول عن رضى من طرفي الكفيل بمعنى الكافل، والمكفول له؛ لعدم إمكان إيجاب حقٍّ والتزامه من آخر من غير رضى الموجب والملتزم، والإجماع يدلّ عليه.

ولا بد لها من لفظ صريح في الإيجاب والقبول، وعدم الفصل بينهما بفاصل كثير، والأحوط اشتقاق اللفظ من نفس مادتها، وكونها ماضويةً، وكون القبول كذلك، أو بلفظ «قبلت».

ولا بد أن يكون متعلّقها النفس أو البدن أو ما يعبّر به عنهما، كرأس فلان ووجهه وعينه، ولو أُريد نفس العضو، فالأظهر عدم الانعقاد.

ومعنى لزومها من طرف المكفول له : أنّه لا يجوز له فسخ العقد وإن جاز له إسقاط حقه عن الكافل، كما أن المضمون له [له] حق إسقاط المال عن الضامن، أو بمعنى: أنّه لا يجوز له الفسخ؛ فيعود حق الإحضار إليه بعد انتقاله منه إلى الكافل بناءً على أن المكفول له ليس له بعد الكفالة حق الإحضار على المكفول، ولا يجب على المكفول إجابته، ولا على الكافل قبوله.

وهل يشترط رضى المكفول؛ لأنه مع عدم رضاه أو التزامه بها لم يلزمه الحضور مع الكافل فلم يتمكن من إحضاره فلا تصح كفالته؛ لأنّها تعلّقت بغير المقدور، أو لا يشترط،


1) يوسف (12) : 78 .

2) وسائل الشيعة 18 : 428، الباب 7 من أبواب كتاب الضمان، ح 2.

3) المصدر ، ح 1.

كما نُسب للمشهور (1)، بل كاد أن يكون مجمعاً عليه؛ للأصل، ولوجوب الحضور على المكفول مع طلب المكفول له بنفسه أو بوكيله، والكافل بمنزلة الوكيل في ذلك، غايته أنه التزم بعقد الكفالة؟

وعلى اشتراط الرضى فيكفي رضاه بأي دليل كان من لفظ وغيره مقارناً أو متأخراً.

ولو أتى الكفيل بلفظ ظاهر في غير النفس من الأُذُن واليد والرجل ولم ينصب قرينة على إرادة التجوّز بالكل، بطلت الكفالة، ولو أتى بلفظ محتمل فوجهان: من الحمل على الصحة مهما أمكن، ومن أصالة عدم وقوع أثر العقد.

وهنا أُمور:

أحدها: صحة الكفالة حالة ومؤجّلة

أحدها: تصح الكفالة حالة ومؤجلة، ولا بد من تعيين الأجل في صحتها على الأظهر؛ للزوم الغرر والضرر.

ولا بد من تعيين المكفول شخصه أو اسمه أو وصفه، فلا يصح الترديد فيه ولا في الكفيل ولا في المكفول.

ويصح فيها العموم، كأن يقول: «كفلت لك كلّ من تريد إحضاره».

ويصح تعينه واقعاً، كأن يقول: «كفلت لك مَنْ تطلبه» مع كونه واحداً، أو «أوّل مَنْ تطلبه» مع التعدّد، أو «مَنْ دخل الدار من غرمائك».

ولا تصح كفالة مَنْ يؤول إلى العلم كـ «كفلت لك من يدخل الدار» أو «مَنْ يقدم إلى البلد من غرمائك».

والكفالة المطلقة كالحالة في لزوم مطالبة المكفول بها.

ولو كانت مؤجلةً أو مشروطةً في مكان خاص لزم الكفيل إحضاره في الأجل أو المكان الخاص، ولو أحضره في غير المكان الخاص أو قبل الأجل، لم يبرأ حتى لو كان الأجل لمصلحة الكفيل لا المكفول له على الأظهر مع احتمال لزوم قبوله لو كان الأجل لمصلحة الكفيل.

وهل يجب - من باب المقدمة - تحصيل المكفول إذا كان غائباً قبل الأجل ليصادف تسليمه الأجل أخذاً بظاهر الإطلاق ؟ أو لا يجب؛ للأصل، والمقدمة لا تجب إلا بوجوب ذيها وقبل الأجل غير واجب؟


1) نسبه للمشهور الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 234.

وفيه: أن وجوبه عقلي.

وإطلاق العقد يقضي بتسليمه مكان العقد إذا وافق بلد الجميع، فلا يبرأ بالتسليم في غيره ولو كان في نقله كلفة.

ولو كان بلدهما غير بلد العقد، انصرف إلى بلدهما، وكذا لو كانا في خربة أو برية. ولو كان لكل منهما بلد، انصرف إلى البلد الموافق لبلد العقد.

فإن لم يوافق أحدهما، فهل يبطل العقد، أو ينصرف إلى بلد المكفول له، أو إلى بلد الكفيل، أو التخيير، أو القرعة بعد الحكم بصحة العقد، أو الموافق لبلد المكفول حيث لا بلد للعقد، أو الموافق لبلده وبلد العقد حيث يكون للعقد بلد، أو الموافق لبلده وبلد أحد المتعاقدين؟ وجوه.

ثانيها: في أنّه يلزم الكفيل إحضار المكفول للمكفول له وتسليمه تاماً

ثانيها: يلزم الكفيل إحضار المكفول للمكفول له وتسليمه تاماً بحيث يمكنه التسلّط عليه بنفسه أو بجنده أو بمعاون له، فلو عجز المكفول له عن الكل سقطت الكفالة، ولا يجب على الكفيل تقويته ورفع عجزه.

ولا يجوز أن يسلّمه في غير المكان اللازم أو الزمان كذلك، ولا يسلّمه وهو بيد ظالم أو هو قوي غير ضعيف، أو مستند إلى مانع يمنعه من مستند إلى مانع يمنعه من تسلّط المكفول، فإذا سلمه لزم على المكفول له قبوله فإن لم يقبله برئ، وينبغي له الإشهاد عليه ولا يجب.

وهل يجب على الكفيل الرجوع إلى الحاكم وتسليمه إيّاه مقدماً له على تسليمه إلى المكفول له والإشهاد؟ وجهان، أحوطهما ذلك.

هذا كله إن سلّمه الكفيل وأحضره، فإن امتنع من التسليم والإحضار من غير عذر حبسه الحاكم حتى يُحضره، كما في الأخبار (1)وفتوى الأخيار، فإن لم يؤثر الحبس عوقب إلى أن يُحضره من باب الأمر بالمعروف، كما في فتاوى الأصحاب.

ثم إن كانت الكفالة على غير مالٍ خُلّد في السجن إلى أن يخلّص من الحق الذي عليه، كالكفالة في حد أو قصاص أو زوجيّةٍ؛ بناء على جواز الكفالة في الحدود.

وإن كانت على مال، ففي فتاوى الأصحاب ما يدلّ على كفاية بذل ما على المكفول عن إحضاره، وليس للمكفول له المطالبة بإحضاره وعدم قبول المبذول له؛ لحصول الغرض من


1) وسائل الشيعة 18 : 430. الباب 9 من أبواب كتاب الضمان.

الكفالة، ولأنّه وفاء دَيْنٍ عنه، وبوفائه ينتفي موجب الكفالة، إلا أنّ ظاهر الأخبار الحبس إلى أن يتحقق الإحضار؛ لأنه هو المطلوب به أوّلاً؛ لوقوع العقد عليه، ولجواز تعلّق الغرض بالتأدية من نفس الشخص المكفول.

نعم، لو رضي المكفول له بالمال وأسقط حقه، فلا كلام في سقوطه.

ويمكن حمل كلام الأصحاب في قولهم: «يحبس حتى يُحضر المكفول أو يؤدّي عنه» على الغالب من أنّ الغرض تأدية المال، فإذا أداه أسقط حقه.

ثمّ إنّ الكفيل لو أدّى المال بإذن المكفول فلا كلام في الرجوع عليه، وكذا لو أداه عنه مع امتناعه من الحضور وكانت الكفالة بإذنه؛ لأنّه سبّب الغرامة عليه باستدعائه الكفالة.

وأما لو أدى المال بغير إذنه وكانت الكفالة من غير إذن أو كانت بإذنه ولكن لم يمتنع من الحضور فإنه لا يرجع إليه بما أدّى للأصل، وعدم موجب للرجوع عليه؛ لتبرعه في الدفع.

ويقوى القول برجوعه عليه بما أدّى إذا امتنع من الحضور وإن كانت الكفالة من دون إذنه؛ لأنه عقد صحيح لا يتوقف على رضاه، فيجب عليه الانقياد مع الكفيل، وحيث لم يؤدّ ما وجب عليه وقد التزم به الكفيل ضمن ما غرمه الكفيل بسببه.

ولو كانت الكفالة على أمر له بدل عن النفس - كالقصاص في العمد - فأدى الكفيل البدل، فإنّه لا يلزم المكفول الإجابة حتى على القول بأن تأدية ما على المكفول مسقطة للزوم الإحضار على الأظهر.

نعم، لو رضي المكفول له بالبدل، جاز.

ولو تعذر إحضار المكفول على الكفيل - لغيبة أو امتناع بحاكم أو مثله - لزم الكفيل تأدية المال إن كانت الكفالة على مالٍ مع احتمال عدم اللزوم وانفساخ عقد الكفالة، أو الانتظار إلى الإمكان.

وإن لم تكن على مالٍ، فإن كان للمكفول بدل من المال كالقصاص - ورضي به المكفول، ففي إلزامه به، أو سقوط الكفالة وجهان، ولا يبعد السقوط.

وإن لم يكن للمكفول بدل، سقط عنه وجوب الإحضار؛ للزوم تكليف ما لا يطاق، أو العسر والحرج، ولا ينفسخ العقد، بل ينتظر حصوله على الأظهر.

ولو توقف تحصيل المكفول على بذل مال يسير وجب، وإن توقف على كثيرٍ أو على ما يضر بالحال سقط وجوب الإحضار على الأظهر.

ثالثها: في أنه ممّا يلحق بالكفالة الاختيارية شرعاً إطلاق من عليه الحق من صاحب الحق قهراً

ثالثها: ممّا يلحق بالكفالة الاختيارية شرعاً إطلاق مَنْ عليه الحق من صاحب الحق قهراً، سواء كان الحق مالاً محققاً أو حقاً كحق الزوجية والدعوى، وسواء كان له بدل من المال كالقصاص أو لا بدل له كالحدّ وسواء أطلقه من يد الغريم أو من سجنه أو من بيته، وسواء أطلقه بيده أو أغرى به طفلاً أو مجنوناً أو كلباً، وسواء كان الإطلاق إلجاء أو كان تهديداً وتوعيداً، وسواء كان الإطلاق محلّلاً أو محرّماً ، بل لو كان واجباً، كأن أطلقه لينقذ غريقاً أو حريقاً ، أو أطلقه لرؤيته له على حال الصلب فيستغيث ولم يثبت عليه شيء فأغاثه، على إشكال في الأخير من جهة عدم انصراف النص والفتوى إليه.

ولا يلحق بالإطلاق المنع من قبض مَنْ عليه الحق لذي الحق؛ لعدم كونه من مورد المنع. ويدلّ على أصل الحكم في الجملة فتوى الأصحاب، وكونه بالإطلاق غاصباً ضامناً لمن غصبه؛ لاستيلاء يده على مَنْ تعلّق به حقٌّ للغير عدواناً، فيدخل تحت عموم « من أعْتَدى عَلَيْكُمْ» (1)وقوله (علیه السلام): «على اليد ما أخذت» (2)وللصحيح الدال على إلزام مَنْ أطلق القاتل من يد الأولياء وحبسه حتى يأتي به، فإن مات القاتل كان عليه الدية (3).

وظاهر الأصحاب: أن مَنْ أطلق الغريم قهراً وكان الحق مالاً التزم إما بنفسه أو بما عليه والتخيير إليه، فيجب على الغريم قبول المال حينئذ.

وظاهر الأخبار في الكفالة الاختيارية، وها هنا إنّ الكفيل ملتزم بالنفس أبداً، ولا يجب على المكفول له أو المأخوذ منه قهراً قبول المال إلا برضاه، فتكون من قبيل المعاوضة على إسقاط حقه.

وكذا لو كان الحق قصاصاً، فإنّه لا يلتزم إلا بالنفس، ولا يجب منه قبول الدية إذا بذلها، إلا إذا مات المكفول فإنّه يلتزم حينئذ بالدية كما هو مورد الرواية (4)، إلا أن ظاهر الأصحاب على لزوم القبول.


1) البقرة (2) : 194.

2) راجع ص 102، الهامش (1).

3) وسائل الشيعة 18 : 437 ، الباب 15 من أبواب كتاب الضمان، ح 1.

4) المصدر.

نعم، لو لم يكن الحق مالاً ولا بدل له من المال الزم بإحضار النفس ليس إلا.

ولو كان الحق دعوى، فإن ثبتت حقيتها التزم القاهر بإحضاره أو تأدية المال، وإن لم تثبت التزم بالإحضار.

وهل يلتزم بالمال قبل الإثبات؟ الظاهر العدم.

نعم، يقوم مقامه مَنْ أطلقه في الدعوى للإثبات عليه فإذا ثبت عليه أخذ منه، وإلا فلا.

ثمّ إنّ المطلق قهراً لو دفع المال لعدم إحضاره النفس لم يكن له الرجوع على مَنْ أطلقه؛ لتبرعه بالدفع.

ولو تمكن الغريم بعد قبض المال من القاهر من غريمه لم يكن له قبضه ولا إرجاع المال على القاهر، إلا في القصاص فإنّه لو تمكن منه لزمه إرجاع المال إلى القاهر؛ لأنّ أخذ المال إنما كان للحيلولة وقد زالت وعدم القتل إنما كان مستنداً إلى اختيار المستحق.

ويلحق بتخليص الغريم قهراً في الالتزام به تخليص المكفول من يد كفيله؛ لفتوى الأصحاب، والتنقيح القطعي في الباب وإن لم يرد به خبر من الأئمة الأطياب (علیهم السلام).

رابعها: عدم صحة الكفالة معلقة على شرط أو صفة متوقعان أو شرط مجهول

رابعها: لا تصح الكفالة معلّقةً على شرط أو صفةٍ متوقعان، ولا على شرط مجهول عند الكفيل أو المكفول؛ للشك في اندراج هذه الكفالة تحت إطلاقات الأدلة وعموماتها.

نعم، لو كان الوصف والشرط محققين حين العقد ومعلومين عند الكفيل والمكفول له جاز؛ لانتفاء معنى التعليق، كأن يقول: «كفلت لك هذا إن طلعت الشمس» وكانت طالعةً ومعلوم طلوعها.

ولا يصح الإبهام في الكفالة ولا في الكفيل ولا في المكفول له ولا في المكفول، ولا الجهالة بها وإن آلت بعد ذلك إلى العلم، كأن يقول: « [كفلت] لك مَنْ يدخل الدار من غرمائك» ويجوز لو كان معلوماً واقعاً ولو بوصفٍ متقدّم، كأن يقول: «كفلت لك من دخل دارك من غرمائك» على الأظهر.

ولو قال: «كفلت لك زيداً فإن لم أحضره فعمراً»، فإن قصد الخيار له في الإحضار وعدمه بطل عقد الكفالة أصلاً؛ للترديد، وإن قصد الجزم بالأوّل وعلّق الثاني على فرض عدم الإحضار بطل الثاني فقط.

ويجوز إطلاق الزمان والمكان في الكفالة، فينصرف في الأوّل إلى الحلول وفي الثاني إلى بلد العقد ما لم يصرفه عرف آخر، كأن يكون بلد العقد بلد غربة أو في طريق فينصرف إلى بلد المتعاقدين، فإن اختلف بلدهما وجب البيان، ومع الشرط يجب اتباع الشرط مكاناً وزماناً.

ويجوز التعيين فيهما، ومع التعيين فلا بد من التشخيص، فلو وقع فيهما ترديد بطل.

وقد ورد في روايتين معتبرتين: أن مَنْ كفل بآخر فقال: إن جئت به وإلا فعلَيَّ خمسمائة درهم - أو فعليك خمسمائة درهم، كما في نسخة الكافي (1)- فإنّه يلتزم بنفسه، ولا شيء عليه من المال، وإن قال: علَيَّ خمسمائة درهم إن لم أدفعه، فإنّه تلزمه الدراهم إن لم يدفعه، هكذا في واحدة (2).

وفي أُخرى: فيمن يكفل برجل فإن لم يأت به فعليه كذا وكذا درهماً، قال: «إن جاء به إلى الأجل فليس عليه مال، وهو كفيل بنفسه أبداً إلا أن يبدأ بالدراهم، فإن بدأ بها فهو له ضامن إن لم يأتِ به إلى الأجل الذي أجله» (3).

وهما مضطربتا المتن مجملتا الدلالة، مخالفتا القواعد من لزوم صراحة عقد الكفالة وصراحة عقد الضمان ولزوم عدم تعليقهما، ولزوم عدم جمعهما في عقد واحد؛ لتنافي موردهما بالنسبة إلى المكفول؛ لأنّ الضمان رافع لشغل الذمة، والكفالة مبنية على تحققه ولزوم اتحاد معنى الجملة الشرطية مع تأخر الجزاء وتقدّمه مع أن فيهما الفرق بينهما، ولزوم كون مال الجعالة إنّما يجعله الجاعل لمصلحته إن جعلنا المال فيهما جعالة لا مال الكفالة ولزوم كون الشرط في أثناء العقد إن جعلنا المال مالاً مشترطاً، ولزوم تأدية المال مع التأخير والتقدّم بل وعدم الذكر على كلّ حالٍ بعد الأجل إن جعلناه مال الكفالة، إلى غير ذلك، وحينئذ فطرحهما أحرى، والإعراض عنهما أجمل.

إلا أنّ أصحابنا منهم مَنْ أخذ بالروايتين تعبداً (4)، وإن خرجتا عن القواعد، فينبغي الاقتصار على المتيقن منهما في الخروج عنها إلا بتنقيح مناط أو شبهه، سيما لو قلنا: إنّ ما اشتملتا عليه من قبيل الأسباب الشرعيّة، كالوصية بالجزء والسهم.


1) الكافي 5 : 104 ، باب الكفالة والحوالة، ح 3.

2) وسائل الشيعة 18 : 432 . الباب 10 من أبواب كتاب الضمان، ح 1.

3) المصدر، ج 2.

4) كالطباطبائي في رياض المسائل 9 : 295 - 296.

والظاهر من هؤلاء كون المال الملتزم به خارجاً عن مال الكفالة ولا تعلّق له بمالها. ثم إن منهم مَنْ قيّد لزوم المال بما إذا لم يُحضره قبل الأجل (1).

ومنهم مَنْ أطلق لزومه (2).

ومنهم مَنْ أخذ بالروايتين؛ للإجماع على مضمونهما (3)ودون ثبوته خرط القتاد.

ومنهم مَنْ عدّل الأخذ بمضمونهما في الفرق المشتملتين عليه من التقديم والتأخر بأنه يضمن النفس إن بدأ بضمانها، ويضمن المال إن بدأ بضمانه (4).

وفيه: أنه عين الدعوى.

ومنهم مَنْ علّل الفرق بأنّ المال لو قدّم كان ضماناً فتفرغ ذمّة المضمون عنه فتمتنع الكفالة، وأنّ الكفالة لو قُدّمت كان الضمان المتعقب لها معلقاً على شرط فيبطل (5).

وفيه: أنه يلزم منه وقوع الكفالة بلفظ الشرط، ووقوع الضمان معلقاً، وكلاهما غريب وإن كان الكلام مبنياً على كفالة متقدمة مطوية - كما قد تشعر به الرواية - فلا معنى لقوله: إنّ المال لو قدّم امتنعت الكفالة؛ لظهوره في تأخرها، ويلزم منه أن المال لازم على كلّ حالٍ، مع أنّه مقيّد لزومه في الرواية بعدم إحضاره، على أنّ الرواية مشعرة على ذلك بصحة الكفالة وإن تأخرت، فلا معنى للحكم بفسادها مع التأخر.

وأيضاً الضمان مشروط في الرواية بعدم الإحضار، فلا معنى لبراءة ذمة المضمون عنه مطلقاً.

ويلزم منه أيضاً أنّ المال الملتزم به هو مال الكفالة نفسه لا مال آخر، وهو خلاف ظاهر الرواية.

ومنهم مَنْ علّل الفرق بأنه مع تقدم الشرط قد التزم بما ليس عليه، كأن يكون عليه دينار فالتزم بعشرة دراهم، ومع تأخره التزم بما عليه (6).


1) كالشيخ الطوسي في النهاية : 315؛ والمحقق الحلّي في المختصر النافع : 234 - 235؛ والعلامة الحلي في تحرير الأحكام الشرعية 2 : 569، الرقم 3971 .

2) كالمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 96؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 169.

3) كالمحقق الكركي في جامع المقاصد 5: 393.

4) كابن فهد الحلي في المهذب البارع 2 : 532.

5) كالمحقق الحلي في جامع المقاصد 5: 393.

6) حكاه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 242 عن فخر المحققين نقلاً عن والده العلامة الحلي.

وفيه: أنه بعيد عن الرواية لفظاً لظهور الدراهم فيها مع تأخر الشرط بالدراهم الأولية، وعن القواعد المتقدمة معنى.

ومنهم مَنْ عدّل الفرق بأنه مع تقدم الشرط تصح الكفالة، وتعقبها بذكر المال من باب التأكيد لمقتضاها، حيث إنّ تأدية المال مع عدم الإحضار من لوازم الكفالة، ومع تأخره يكون ضماناً؛ بناءً على صحة الضمان المعلّق، أو على أن التعليق لغو كما في الإقرار (1).

وفيه: أنه مبني على أن المال مال الكفالة، وهو غير ظاهر من الرواية، وأن الضمان المعلّق صحيح، أو أن التعليق في الضمان كالتعليق في الإقرار والإخبار، والكلّ غير صحیح، وأيضاً يلزم منه صحة الكفالة بغير اللفظ الصريح، أو حذف صيغة الكفالة إيجاباً وقبولاً، كما تشعر به الرواية، وكلاهما بعيد.

ومنهم مَنْ علّل الفرق بأنّ صيغة الكفالة قد وقعت مطويّةٌ، وأن المال إمّا أن يراد به نفس المال المتعلّق بالكفالة، فيكون مؤدّى الروايتين صحيحاً؛ لأنه ضامن له على كلّ حالٍ إن لم يُحضره، لأنه من لوازم الكفالة، فالرواية الأولى مثبتة للمال على كل حال، ولكنه جعل عليه نفسه دون المال في الفقرة الأولى فيما إذا كان قبل الأجل، وعليه الدراهم في الفقرة الثانية فيما إذا لم يُحضره بعد الأجل، وكذا الرواية الثانية مثبتة للمال أيضاً على كلّ حالٍ، إلا أنه في الفقرة الأولى بالمفهوم وفي الثانية بالمنطوق، والاستثناء فيهما منقطع، وإما أن يراد به المال الخارج عن الكفالة، فيكون من باب الجعالة الصحيحة، ويلتزم بالمال في المقامين مفهوماً في الأوّل ومنطوقاً في الثاني، فإن كانت الكفالة لا تتعلق بالمال فهو التزام وتبرع محض، وإن تعلّقت بالمال فينبغي الحكم باحتسابه منه عيناً إن كان مجانساً، وقيمة إن لم يكن (2).

وفيه: أنه تكلّف وخروج عن الظاهر والتزام ما لا يلتزم وتفكيك للروايتين.

ومنهم مَنْ بنى على نسخة الكافي وجعل المال إلزاماً من المكفول له لا التزاماً من الكفيل فلا ثمرة له، وجعله في الرواية الأولى تصريحاً وفي الثانية تلويحاً (3).

وفيه: أنه بعيد لفظاً ومعنى، وخبط بين الاشتراط والجعالة ومال الكفالة، وتجسّم بغير دليل.


1) الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 2 : 197 - 198.

2) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 244 – 245.

3) قاله البحراني في الحدائق الناضرة 21 : 70.

خامسها: فيما لو اتفقا على الكفالة فقال الكفيل: لا حق لك عليَّ بإحضاره فالقول قول المكفول له

خامسها: لو اتفقا على الكفالة فقال الكفيل: «لا حق لك علَيَّ بإحضاره» أو «لا حق لك عليه من دعوى أو مال ليجب عليَّ الإحضار» فالقول قول المكفول له؛ لأصالة صحة الكفالة وهي ملازمة لثبوت الحق.

نعم، لا تُثبت كون الحق خصوص المال؛ لأصل البراءة، فيكتفى فيها بمجرد الإحضار لدعوى وشبهها.

وكذا لو ادعى الكفيل سقوط الحق بعد ثبوته، كان القول قول المكفول له بيمينه.

ولو تكفّل رجلان برجل فسلّمه أحدهما أو سلّم المكفول نفسه للمكفول له أو سلّمه آخر، برئ الكفيل؛ لأنه كالدين إذا حصل وفاؤه من غير الغريم.

والظاهر عدم التفاوت بين تسليمه عن الكفيل أو عدمه، بل لو سلّمه عن نفسه لكفى وحصل المقصود، مع احتمال أنه لو سلّم نفسه أو سلّمه آخر لا عن الكفيل لم يجب على المكفول له قبوله، ولم يبرأ الكفيل من وجوب الإحضار عليه، وهو قوي؛ لأنّ الكفيل كفل إحضاره لا حضوره.

وتصح كفالة الزوجة لأداء حق الزوج، وكفالة العبد لأداء الخدمة، وكفالة المكاتب لأداء ما عليه؛ لأنّه مشغول الذمة.

ويصح ترامي الكفالة فيكفل الكفيل كفيل آخر، وهكذا؛ لأن أداء الكفالة حق تصح كفالة مَنْ هي عليه.

ولو أحضر الكفيل الأوّل مكفوله برئ الجميع، ولو أحضر الأخير مكفوله لم يبرأ إلا هو، ولو أحضر الوسط برئ ما بعده دون ما قبله.

ولو أبرأ المكفول له المكفول الأوّل من الحق برئ الجميع، ولو أبرأ غيره من حق الكفالة برئ وما بعده دون ما قبله.

ولو مات المكفول الأول برئ الجميع، وإن مات غيره برئ ما بعده، وكلّ كفيل مات برئ الذي بعده.

ولو ادعى الكفيل أن المكفول له أبرأ المكفول، كانت عليه البينة، واليمين على المكفول له، فإن حلف المكفول له لزمت عليه الكفالة وإن ردّ عليه اليمين بطلت الكفالة.

ولا تسقط مطالبة المكفول له للمكفول؛ لأنّها دعوى ثانية، وأما المكفول فله دعوى الإبراء، وله تحليف المكفول له على عدمه ثانياً، ولا يسقط حقه بيمينه للكفيل؛ لأنها دعوى ثانية.

نعم، لو تقدمت دعواه على دعوى الكفيل فردّ المكفول له اليمين عليه فحلف على الإبراء، برئ الكفيل من الكفالة؛ لانتفاء موجبها، بل ولو تأخرت وقد حلف المكفول له للكفيل على عدم الإبراء، فإنّ الكفالة تسقط أيضاً؛ لسقوط موردها، ولا ينفعه اليمين الأول.

ويظهر مما ذكرنا أيضاً حكم النكول من المكفول له والكفيل والمكفول.

ولو مات المكفول سقط حكم الكفالة، ولا تجب تأدية المال عنه؛ للأصل، وعدم الدلالة من منطوق أو مفهوم عليه، ولا يجب إحضار الميت؛ لأنه سفه وعبث حتى لو كان لفظ الكفالة «كفلت بدنه» وشبهها، إلا أن تكون الكفالة لأمر يتعلق ببدنه، كالشهادة على شيءٍ يتعلق بجسمه فيجب عليه إحضاره على الأظهر حتى لو قال كفلت نفسه، تحصيلاً للغاية مهما أمكن، ولو كان مدفوناً لزم نبشه لاغتفاره هنا مع احتمال عدم لزوم الإحضار؛ لانصراف الكفالة إلى الأحياء.

ولا تجوز كفالة الميت بعد موته، ولا الحيّ على أن يحضره بعد موته؛ للأصل، ولعدم انصراف أدلّة صحة الكفالة لمثله.

ويصح أن يعبّر عن المكفول باسمه، وبالإشارة إليه، وبوصفه، وبنفسه، وببدنه، وبجسمه، وبذاته، وبمادته، وبهيئته، وبرأسه ووجهه وعينه مريداً بها نفسه، وكذا كل جزء يعبر به عن نفسه مع قيام القرينة على إرادة نفسه، فإنّه لا بأس به، ومع عدم نصب القرينة، فإن كان من الأجزاء الشائع إطلاقها على الكلّ انصرف إلى الكلّ، وإن لم يكن معيّناً كقلبه وكبده، أو مشاعاً کنصفه وربعه، فهل ينصرف إلى الكلّ ؛ حملاً للعقد على الصحة مهما أمكن، أو لا ينصرف بل يبطل؛ تقديماً للظاهر، أو يفرّق بين ما يمكن الحياة بدونه فيبطل، وبين ما لا يمكن فيصح؟ وجوه، أوجهها الوسط.

وهذا كلّه بناءً على الظاهر من بطلان الكفالة مع قصد نفس الجزء؛ للشك في شمول ما دلّ على صحة الكفالة له من عموم أو إطلاق له، سواء كان الجزء مما يمكن بقاء الحياة معه أو لا على الأظهر.

ولو كفل لاثنين بواحدٍ، وجب تسليمه لهما معاً إن كانت الكفالة على حق متعدّد، وإن كانت على حقٍّ واحد لزم تسليمه لواحدٍ منهما، ولا يجب تسليمه لمجموعهما، مع احتمال ذلك سيما في الكفالة بحق القصاص وشبهه.

ومبنى المسألة على أنّ هذه الكفالة بمنزلة الواجب الكفائي، فهو للكلّ وسقط بفعل البعض، أو بمنزلة الواجب فلا بد من تسليمه بيد المجموع؟

هذا إن كفل دفعةً، وإن كفل تدريجاً صحت الأولى في حق القصاص، وفي صحة الثانية إشكال لعدم إمكانها بعد الوفاء بالأولى.

كتاب الصلح

كتاب الصلح

تعريف الصلح وثبوته بالإجماع والأخبار

وهو عقد يصلح لنقل العين والمنفعة والحق ثمناً ومثمناً، ولإسقاط الحق وما في الذمة من المال. ويمكن جعل هذا تعريفاً له؛ لاختصاصه بما ذكرنا.

وقد يُحدّ بأنّه عقد شُرّع لقطع التجاذب.

ولكنّه لا يسلم من شبهة الدور، ومن عدم تسليم كون مشروعيته لذلك؛ لعدم ثبوت دليل عليه، لا لأنه قد يصح من دون نزاع وشقاق، فلا يكون مشروعاً لذلك؛ لأنّ قطع التجاذب بناءً على مشروعيته له حكمة، لا علة كي يلزم اطرادها، فهي كالمشقة في السفر واستبراء الرحم في العدد.

ويمكن أن يحد بأنه عقد يدلّ على التراضي وينبئ عن صدور نزاع متقدم.

وهذا خاصة له؛ لأنّ غيره من العقود يدلّ على أثره المعد له، دون الصلح فإن معناه المصالحة وأثره النقل؛ وكما يطلق لفظ الصلح على العقد يطلق على الأثر أيضاً، وهو المراد بالصيغ المشتقة منه. واستعماله في العقد في لسان الفقهاء هو الشائع، كاستعماله في الأثر في العرف العام فإنّه هو الشائع.

وعقد الصلح ثابت بالإجماع والأخبار (1)خصوصاً وعموماً، وفي الكتاب العزيز (2)بمعونة فهم الفقهاء ما يدلّ عليه.


1) وسائل الشيعة 18 : 439 - 443 ، الأبواب 1 - 3 من كتاب الصلح.

2) النساء (4) : 128 ؛ الحجرات (49) : 9 .

وهو من العقود اللازمة؛ لظهور ذلك من عقده في العرف، فيدلّ عليه عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)وللإجماع وللأصل.

ويشترط فيه ما يشترط فيها من الصراحة، والعربية، والماضوية، والترتيب، وعدم الفصل المخلّ.

ولا يجزئ فيه الفعل ولا الإشارة ولا الكتابة.

وتجري فيه المعاطاة مع القصد بها إلى الصلح وإلا فهي منصرفة إلى البيع مهما أمكن.

وهنا أُمور:

أحدها: أن الصلح سائغ إلا ما أحلّ حراماً أو حرم حلالاً

أحدها: الصلح سائغ، إلا ما أحل حراماً أو حرم حلالاً، وذلك فإنّ في الشريعة محرّمات معلومة كالزنا والسرقة، ومحلّلاتٍ معلومةً كوطء الزوجة والمملوكة، لا يمكن تبديلها بالنواقل الاختيارية والصلح منها فلا يمكن تبديلها به.

وقد يراد بتحليل الحرام وتحريم الحلال هو ما إذا وقع الصلح على دعوى باطلة واقعاً، إما لبطلان دعوى المدعي، أو بطلان إنكار المنكر، فإنّه يحلّ حراماً في الأوّل، ويحرم حلالاً في الثاني؛ لتأديته فيهما لأكل المال بالباطل، وللتجارة عن غير التراضي، فإنّ الصلح فيها غير سائغ واقعاً، وإن كان بظاهر الشرع محكوماً بصحته فيكون الاستثناء كالمنقطع؛ لاختلاف المستثنى والمستثنى منه في الحكم.

ثانيها: في أنّ الصلح صالح لنقل العين بالعين والمنفعة والحق

ثانيها: مقتضى إطلاق النصّ والفتوى: أنّ الصلح بمنزلة الشرط صالح لنقل العين بالعين والمنفعة والحق، ولنقل المنفعة بالعين والمنفعة والحق، ولنقل الحق بالعين والمنفعة والحق، وصالح لنقل الحق وصالح لإسقاطه، وصالح لنقل المحقق من هذه الثلاثة ولنقل غير المحقق منها في مقام الدعوى؛ لصحته مع الإقرار ومع الإنكار، والمفروض أن الشيء المدعى به مع إنكاره غير محقق، وصالح في مقام الدعوى لأن يكون على نفس المدعى به وعلى نفس إسقاط الدعوى وعلى نفس إسقاط حق المدعي من اليمين على المنكر، وصالح لأن يكون عوض إسقاط الدعوى مالاً، وصالح لأن يكون هو نفس يمين المنكر عند غير الحاكم؛ لأنّ اليمين من المنكر عند غير الحاكم ممّا يملكه المنكر ويُقابَل بعوض، ولا يملكه المدعي، فيصح لأن يجعله المنكر عوضاً عن دعواه أو عمّا يدعيه المدعي على الأظهر، وصالح لأن


1) المائدة (5) : 1.

يكون العوض والمعوض فيه من مالك واحد، فيكون في الأعيان بمنزلة الهبة، وفي الديون بمنزلة الإبراء، وفي المنافع بمنزلة العارية، ويكون ذلك في الإقرار والإنكار مع سبق الدعوى، فلو ادعى عليه عبدين فأقر له بهما فصالحه عن أحدهما بالآخر كان بمنزلة الهبة، وكذا لو أنكر؛ لأن الواقع أن العبدين لأحدهما.

ولو ادعى عليه ديناً فصالحه عن بعضه، كان بمنزلة الإبراء مع الإقرار أو الإنكار.

ولو ادعى عليه داراً فصالحه عن سكناها شهراً، كان بمنزلة العارية مع الإقرار، وبمنزلتها مع الإنكار لو كانت من الجانب الآخر.

وهل يقوم مقام الهبة ابتداءً دون سبق دعوى، كأن يصالحه عن بعض ماله ببعض ماله؛ لإطلاق الفتوى بأنه بمنزلة الهبة مع الإقرار والإنكار، أو لا يصح؛ للشك في شمول أدلة العقود عموماً وخصوصاً لمثله؟

ويصح الصلح على معدوم مع وجود مادته بالفعل كبيع الثمر واللبن قبل وجودهما.

وفي صحته على ما ليس له مادة كالصلح على ما يتجدّد في ملكه أو ما تنبت الأرض إشكال.

ويصح الصلح على المعلوم بالكيل والوزن والعد، وعلى المجهول مع إمكان الاختبار ومع عدمه على الأظهر؛ لعدم الدليل على شرطيّة التقدير في جميع أنواع المعاوضات سيما الصلح، فالأصل يقضي بعدمها، وعموم النهي عن الغرر (1)لم يثبت، ودليل نفي الضرر (2)منصرف لغير ما أقدم عليه المتعاوضان برضاهما وطيب أنفسهما.

هذا مع إمكان الاختبار، وأما مع عدمه فالظاهر أنه لا إشكال في جوازه.

هذا كله مع مشاهدة المصالح عليه، وأمّا مع عدمها كـ «صالحتك على ما في البيت» ولم يعلم قدر ما في البيت ولا شاهده، ففي صحته إشكال.

وأشكل منه الصلح على المجهول جنساً أو نوعاً أو وصفاً، كـ «صالحتك على ما في الصندوق» مع عدم معلوميّة أنّه تبر أو تمر.

والأظهر في هذا عدم الصحة مع إمكان الاستعلام والصحة مع عدم إمكانه؛ للأصل، ولما يظهر من تتبع الأخبار عموماً وخصوصاً.


1) راجع ص 44 الهامش (1).

2) راجع ص 110، الهامش (7).

ولا يصح الصلح على المبهم ولا على الشيء مطلقاً، كـ «صالحتك على شيءٍ» أو «على طعام» ولا على ما لا يؤول إلى العلم مع عدم الضرورة إليه، كـ «صالحتك على قدر ما صالح عليه فلان» ولم يمكن استعلامه، أو «على قدر هذا الرمل عدداً من الطعام».

ولا يصح الصلح على المجهول عند أحد المتصالحين المعلوم عند الآخر إذا كان أحدهما غريماً للآخر أو مخاصماً له بحيث لو علم الجاهل بقدر حقه لما رضي بالصلح، فإن الصلح ها هنا باطل؛ لأنّه أكل مال بالباطل، وفي الأخبار ما يدلّ على بطلانه، وعلى لزوم إخبار العالم للجاهل (1)، وحينئذ فلو صالح المدعي العالم بالقدر المنكر الجاهل بما يزيد على حقه كان الصلح باطلاً من أصله.

ولا يصح فيما قابل ماله إلّا مقاصّةً مع الامتناع، ولو صالحه بالمساوي أو الناقص صح وإن ادعى أولاً الزيادة.

وكذا لو صالح المنكر العالم بالقدر المدعي الجاهل بما ينقص عن حقه، كان الصلح باطلاً من أصله، إلا أن يُعلمه بالقدر أو يعلم رضاه على كلّ حالٍ.

وإن صالحه بالمساوي أو الناقص، صح وإن لم يبين.

وكلّ مَنْ صالح غريمه على ما دون حقه لتقيّة أو لتعسّر تحصيله منه، ولم يمكنه الاستنقاذ منه إلا بطريق الصلح (2)، كان صلحه باطلاً، ولا يثمر تمليكاً، وليس من التجارة التي عن تراض، فإن كانت المنازعة على عين فصالحه على أُخرى، كانت العين باقيةً على غصبها، وكانت عينه المدفوعة لصاحب الحق غير مضمونة عليه، وله أخذها مقاصةً.

وكذا لو كان على دَيْنٍ فصالحه على غير جنسه، وإن صالحه على جنسه بنقصان عنه برئ بمقدار ما دفع، وبقي الباقي مطلوب به إلى يوم القيامة.

ولو كان جهل أحدهما دون الآخر في أمرٍ خارجي ليس لأحدهما تعلّق به من كونه ديناً أو أمانة عنده أو نحو ذلك، صح الصلح، وذلك كعين يعلمها أحد المتصالحين ولا يعلمها الآخر، سواء كانت بيد المصالِح أو المصالَح؛ إلا إذا علم أنّه مشتبه - كأن اعتقد المصالِح


1) وسائل الشيعة 18 : 445 – 446، الباب 5 من أبواب كتاب الصلح، ح 2.

2) في «ب» : «ولم يمكنه سوى الاستنقاذ منه بطريق الصلح».

نقصان ماله فصالح بالقليل ويعلم الآخر به - فإنّ الأحوطها هنا ترك الصلح، كصورة ما إذا تخيّل المصالِح زيادة المال فبذل الزيادة.

وفي الخبر: في الرجل يكون عليه الشيء فيصالح، قال: «إذا كان بطيب نفس من صاحبه فلا بأس» (1)دلالة على جواز جملةٍ من الصور المتقدمة، كما أنّ في خبر علي بن أبي حمزة من النهي عن صلح الورثة من دون إعلام لهم بقدر ما هو مطلوب لأبيهم (2)، وخبر عمر بن يزيد في مدين مات ديانه فصالح الورثة على شيءٍ: أنّ الذي يأخذ الورثة لهم وما بقي للميت يستوفيه منه في الآخرة (3)دلالة ظاهرة على المنع من الصلح في جملة من الصور المتقدمة.

ويصح الصلح على الشيء لمالك واحد ببعضه، ولا يضرّ اتحاد العوض والمعوض؛ لكفاية التغاير الصوري، ويكون هذا الصلح بمنزلة الهبة في الأعيان والإبراء في الذمم.

ثالثها: الصلح من العقود اللازمة وصحة اشتراط الخيار فيه

ثالثها: الصلح من العقود اللازمة إجماعاً، والأصل والأخبار (4)دالّة عليه، ويصح فيه اشتراط الخيار، ويجري فيه كلّ خيار مستنده خبر الضرار (5)، كالغبن والعيب والتصرية والشركة ونحوها إلا ما فهم منه أنّ سبب العدول إليه من غيره من العقود كان هو إسقاط الغبن أو العيب أو كلّ خيار منشؤه حدیث «لا ضرار» (6).

وتصح الفضولية فيه، وتصح فيه المعاطاة مع نصب قرينة على ذلك، وإلا فظاهر المعاطاة أنها بيع، ويجري عليها أحكامه على الأظهر.

ويجري فيه تحريم الربا؛ لحرمته في سائر المعاوضات على الأقوى.

ويقوم مقام البيع، ولا يجري عليه أحكامه من خيارٍ وصَرْفٍ وسَلَم، ومقام الهبة والإجارة والعارية والإبراء، ولا يجري عليه أحكامها من الجواز في جملة منها واشتراط التعيين في الإجارة ونحو ذلك.

والظاهر جواز قيامه مقام العقود المالية من مضاربة ومزارعة ومساقاة وجعالة، فيعود الجائز منها لازماً.


1) وسائل الشيعة 18 : 446 ، الباب 5 من أبواب كتاب الصلح، ح 3.

2) راجع ص 240، الهامش (1).

3) وسائل الشيعة 18 : 446، الباب 5 من أبواب كتاب الصلح، ح 4.

4) المصدر : 443، الباب 3 من أبواب كتاب الصلح.

5) راجع ص 110، الهامش (7) .

6) راجع ص 110، الهامش (7) .

ويصح الصلح على الإتيان بنفس العقد، كـ «صالحتك على أن تبيع، أو تأجر، أو تهب، أو تنكحني ابنتك، أو أن توقف كذا بكذا» ويكون بمنزلة الجعالة اللازمة.

ولا يصح الصلح على نفس أثر العقود، كـ «صالحتك على أن يكون هذا مبيعاً، أو موهوباً، أو مزارعاً عليه، أو موقوفاً، أو منكوحاً».

ولا يبعد صحة الصلح على إسقاط الدعوى بالقسم بغير الله تعالى، كالقسم برسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أو الكتاب أو الأوصياء بل والعلماء والأتقياء.

لا يقال: إن دليل الصلح كدليل البيع، هذا «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» (1)وذلك « وَالصُّلْحُ خَيْرٌ» (2)و «الصلح سائغ بين المسلمين» (3)فما وجه التسوية في الصلح دون البيع؟

لأنا نقول: إن دليل الصلح ليس مقصوراً على تلك العمومات، بل استقراء موارد الصلح الواردة في الأخبار والنظر في فتاوى العلماء الأبرار مما يدلان على عموم دليل الصلح لموارده ولكلّ مصالح عليه عوضاً ومعوّضاً، واستثناء ما حرم حلالاً أو أحلّ حراماً يدلّ أيضاً على أنّ العموم مسوق لبيان أفراد المصالح عليه، لا لبيان شرعيّة صيغته وكيفياته، على أن عقد الصلح في العرف صالح لكلّ ما قدّمنا، فتسويغه على وجه الإطلاق يؤذن بتسويغها.

وهل يصح وقوع الصلح بغير صورة العوض، كما إذا وقع مقام الهبة أو الإبراء أو السكني، کـ «صالحتك على جبنك» أو «على سكنى دارك» أو «على نصف دينك»؟ يظهر من بعض الفقهاء (4)جواز ذلك؛ لقولهم: «ويقوم مقام الهبة إذا وقع على عين بلا عوض، ومقام العارية إذا وقع على منفعة بغير العوض».

والأصل والقاعدة يقضيان بعدم الجواز.

ومن ذلك قالوا: «إنّه إذا اصطلح الشريكان بعد انتهاء الشركة وإرادة فسخها على أن يكون الربح لأحدهما والخسران عليه وللآخر رأس ماله صح» ونقل عليه الإجماع (5).


1) البقرة (2) : 275 .

2) النساء (4) : 128 .

3) وسائل الشيعة 18: 443. الباب 3 من أبواب كتاب الصلح، ح 2.

4) الشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 288.

5) رياض المسائل 9 : 307 .

قالوا: وتدلّ عليه المعتبرة، وفيها الصحيح في رجلين اشتركا فربحا فيه ربحاً وكان من المال دين وعين - وفي أخرى وكان المال دَيْناً وعيناً، وفي ثالثة: وكان من المال دين وعليهما دين، وفي رابعة : وكان المال ديناً، ولم يذكر العين ولا أنّ عليهما ديناً - فقال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال ولك الربح وعليك التوى، فقال: «لا بأس إذا اشترطا» (1).

وعلل ذلك: بأن الزيادة مع مَنْ هي معه بمنزلة الهبة والخسران على من هو عليه بمنزلة الإبراء.

وظاهر إطلاقهم أنّه لا يتفاوت الحال بين أن تكون الزيادة معلومةً أو مجهولةً، والخسران معلوماً أو مجهولاً ، وأنّه لا حاجة إلى صورة العوض كأن يجعل رأس المال عوضاً عن الربح والخسران.

وظاهرهم عدم صحة الصلح بهذا النحو في ابتداء الشركة ولا في أثنائها؛ لدخوله فيما حل حراماً لمنافاته لوضع الشركة من مساواتها في الربح والخسران.

وظاهر جملةٍ من المحققين (2)أيضاً : عدم صحة اشتراط هذا النحو بعقد الشركة في الابتداء أو في الأثناء فيقع الشرط فاسداً؛ لمنافاته لوضع الشركة، وكلّ ما نافى مقتضى العقد من الشرائط فهو باطل.

خلافاً لجمع من أصحابنا (3)فجوزوه في ابتداء الشركة.

ومنهم مَنْ جوّزه ولو في الأثناء (4)لعموم أدلة الشروط (5)، ولخصوص الرواية المتقدمة (6).

وفيه: أنّ عموم دليل الشروط مخصوص بما نافى مقتضى العقد؛ لأن المنافي لمقتضى العقد مخالف للكتاب والسنّة، وكلّ مخالف للكتاب والسنة باطل بالإجماع.

وأما خصوص الرواية فهي وإن كان فيها لفظ الشرط ولكن المراد منه الصلح والرضى


1) وسائل الشيعة 18 : 17، الباب 6 من أبواب الخيار، ح 4، و 444، الباب 4 من أبواب كتاب الصلح، ح 1 وذيله.

2) كالشهيد في الدروس الشرعية 3 : 333؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 5: 413؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4: 265؛ والطباطبائي في رياض المسائل 9 : 307 .

3) لم نتحققه.

4) نسبه الشهيد الثاني في الروضة البهية 4 : 177 إلى الشيخ وجماعة.

5) راجع ص 77، الهامش (5).

6) راجع الهامش (1) .

بذلك بقرينة وقوعه بعد أن ربحا فيه ربحاً، وتثنية ضمير «شرطا» وأنه لو كان المراد نفس الشرط في الابتداء لما كان لاختصاص نفي البأس به بل ثبوت البأس في غيره من جهة المفهوم معنى؛ إذ لا قائل به كذلك.

رابعها: حكم ما لو كان درهمان أو أكثر بيد رجلين أو أكثر فادعى واحد من الرجال أو أكثر جميع ما تحت أيديهما وادعى واحد آخر واحداً معيناً مما في أيديهما

رابعها: لو كان درهمان أو أكثر بيد رجلين أو أكثر، أو كان غير درهمين كثوبين أو عبدين أو غيرهما أو أكثر بيد رجلين أو أكثر، فادعى واحد من الرجال أو أكثر جميع ما تحت أيديهما، وادعى واحد آخر أو أكثر واحداً معيناً ممّا في أيديهما أو أكثر، وأقر بأنّ الباقي لمدعي الكلّ واحداً أو أكثر، فالقاعدة تقضي بأنّ ما أقرّ به الآخر للآخر، وما ادعاه لنفسه إن كان معيّناً واحداً أو متعدّداً فهو بينه وبين من ادعى الكلّ بالمناصفة إن كانوا اثنين وإن كانوا ثلاثةً فهو بينهم أثلاثاً، وهكذا، وذلك لخروج المقرّ به عن حكم يد المقرّ بالإقرار، فتبقى الدعوى على الباقي، ولما كانت أيديهما متساويةً قسم بينهما بموجب اليد؛ لاقتضائها التساوي في الملكية.

هذا إن كان مدّعي البعض ادّعاه معيّناً، وإن ادّعاه مشاعاً، احتمل كونه كذلك؛ لأنه قد رفع حكم يده عما أقرّ به وبقيت الدعوى بينهما في المشاع الباقي فيقسم بينهما بموجب اليد.

وللخبر الوارد فيمن ادعى درهمين وادعى الآخر أحدهما : أن لمدعي الدرهمين درهماً ونصفاً ولمدعي الدرهم نصفه (1)لإقراره بأنّ الواحد لمدّعي الواحد، وهو ظاهر في المشاع دون المعين.

واحتمل كونه بأجمعه لمدعيه، وربما ادعي أنه لا خلاف فيه في باب الدعاوي، وأنّ القاعدة تقضي به؛ لاقتضاء اليد التسوية، والإقرار مثبت لموجبها لا رافع له؛ لأنّ المقرّ إنّما أقر للآخر بما اقتضته يده من التنصيف أو غيره على وجه الإشاعة، بخلاف المعين فإنّ الإقرار به ليس تقريراً لموجب اليد؛ لأنّ اليد لا تقضي بالتنصيف على جهة التعيين، وإنما تقتضيه على جهة الإشاعة، فالإقرار بالمعين لا يمكن أن يكون تقريراً لموجب اليد، وهذا الأخير أقوى.

وعليه فلا بد من حمل الرواية على المعين، والأخذ بها مطلقاً في خصوص الدرهمين، لا غيرهما ولا الأزيد، وفي خصوص الرجلين دون غيرهما، إلا ما علم التسرية إليه بتنقيح


1) وسائل الشيعة 18 : 450، الباب 9 من أبواب كتاب الصلح، ح 1.

المناط القطعي وشبهه، كما أنّ التداعي لو كان على ما في يد أحدهما فإنّ القول قوله إلا مع بينة الآخر، ولو كان على ما ليس في أيديهما ولا في يد غيرهما أو كان على ما في يد غيرهما فإنّه يرجع إلى قواعد الدعاوي مع قيام البينة وعدمها ومع تساوي البينتين وعدمه، ومع حلف كلٍّ منهما وعدمه، ومع تصديق مَنْ في يده لأحدهما وعدمه.

ويجيء مع احتمال التعارض القرعة واحتمال التنصيف واحتمال الترجيح، ومع التساوي فالقرعة، إلى غير ذلك.

ثم إن ظاهر الرواية وفتاوى الكثير من الفقهاء: أنّ الحكم بتنصيف ما ادعى عليه حكم شرعي تقضي به اليد، ويكون من قبيل الصلح القهري، فلا يحتاج إلى طلب البينة منهما، ولا إلى اليمين من أحدهما أو منهما.

نعم، للحاكم ذلك، فيحكم بالبينة مع قيامها لأحدهما، ومع تعارضها يحكم بها كالحكم في باب الدعاوي، ويحكم باليمين من أحدهما مع نكول الآخر، ومع عدم نكوله وتقابل اليمينين يُحكم فيهما أيضاً ما يُحكم به في باب الدعاوي.

مع احتمال أنه ليس للحاكم ذلك، بل هو صلح قهري لا تجري عليه أحكام الدعاوي، ولكن يقتصر فيه على ما في الرواية أو ما علم أنه كذلك بتنقيح المناط.

خامسها: حكم ما لو كان عند شخص درهمان أو أكثر وديعة لواحد و درهم أو أكثر وديعة لآخر فاختلطا واشتبها وتلف واحد منهما أو أكثر

خامسها: لو كان عند شخص درهمان أو أكثر وديعةً لواحد ودرهم أو أكثر وديعةً لآخر، فاختلطا واشتبها وتلف واحد منهما أو أكثر، أو تلف الواحد أو الأكثر ثم اشتبها بعد ذلك، وكذا غير الدراهم من عروض أو نقود، فالذي تقتضيه القواعد أنّ الاختلاط والاشتباه إن أثر شركة بين المالين - لعدم التمييز بينهما وعدم إمكان استخراج أحدهما بالقرعة كالمائعات الممتزجة والحبوب المتماثلة والدراهم المتماثلة لو قلنا بتحقق الشركة فيها - ووقع التلف بعد الاختلاط، كان التالف موزّعاً على نسبة المالين، فلو تلف من قفيزين حنطة لواحد وقفيز لآخر قفيز، أو درهمين لواحدٍ ودرهم لآخر درهم - لو قلنا بحصول الشركة في امتزاجهما - كان لصاحب القفيزين والدرهمين واحد وثلث وثلثا واحدٍ لصاحب القفيز والدرهم.

وإن لم يؤثر الاختلاط الشركة، أو وقع الاختلاط بعد التلف، فالطريق إما الصلح الاختياري بينهما، أو الجبري بأمر الحاكم عليهما لرفع الشقاق والنزاع، وإما القرعة لاستخراج التالف على أسمائهما، أو استخراج الموجود لأيهما.

إلا أنه قد وردت رواية في طريقها من نقل الشيخ إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه (1)، وأفتى بمضمونها المشهور نقلاً (2)بل تحصيلاً فيمن استودعه رجل دينارين وآخر ديناراً فضاع دينار منهما، فقال: «يعطى صاحب الدينارين ديناراً ويقتسمان الدينار الباقي بينهما نصفين» (3).

وهي مخالفة للقواعد المتقدّمة، وليس فيها أنّ الاختلاط قبل تلف الدينار أو بعده، ولا يمكن انطباقها على الإشاعة؛ لمنع الإشاعة فيها بالمزج ؛ لإمكان استخراج المجهول بالقرعة، ولأنّ الإشاعة تقضي بالقسمة دينار وثلث لصاحب الدينارين وثلثي دينار لصاحب الدينار، كما لا يمكن انطباقها على المعين المجهول؛ لأنّ حكمه القرعة، كما قدمناه، فلا بد حينئذ إما من طرحها لو تجاسرنا على مخالفة الخبر المشتهر فتوى وعملاً، أو تنزيلها على الندب والصلح الاختياري، أو الأخذ بخصوص موردها جنساً وعدداً، وأن يكون وديعة عند غيرهما لا عند أحدهما، إلى غير ذلك، إلا ما يُعلم تنقيح المناط فيه، كالدرهم ونحوه.

على أنّ ظاهرها قاض بالصلح القهري على النحو المذكور مطلقاً حتى لو ادعى أحدهما أو كلاهما معرفة ماله، وحتى لو حلف عليه أحدهما أو كلاهما، وهو مخالف لقواعد الدعاوي أيضاً؛ لأنّ القاعدة تقضي بالقرعة لو حلف كلٌّ منهما، وللحالف لو حلف أحدهما دون الآخر.

والتنصيف هنا لا يجري على الأظهر للعلم القطعي بكون الدرهم كله لواحدٍ منهما وأنّ الآخر آكل للمال بالباطل.

ولو أقام أحدهما بيّنةً، قضي له بها، وإن أقاما معاً فالقرعة.

سادسها: حكم ما لو كان لواحد ثوب اشتراه بعشرين ولآخر ثوب اشتراه بثلاثين فاشتبه أحدهما بالآخر

سادسها: لو كان لواحدٍ ثوب أو غيره اشتراه بعشرين أو غيرها ولآخر ثوب أو غيره اشتراه بثلاثين أو غيرها فاشتبه أحدهما بالآخر، فإن خيّر أحدهما صاحبه فقد أنصفه، وإلا فإن قلنا: إن الاشتباه يوجب الشركة كانا شريكين فيهما بحسب تقويمهما، وإن كان الظاهر أن الأعلى قيمة للأعلى ثمناً.

وإن لم نقل بحصول الشركة عند الاشتباه كما هو الحق، فالطريق هو القرعة على استخراج كلٍّ منهما لصاحبه، إما بالاقتراع على أعيانهما، أو على أثمانهما بعد بيعهما إذا تفاوت الأثمان،


1) عدة الأصول 1 : 149.

2) الروضة البهية 4 : 183؛ مسالك الأفهام 4 : 266.

3) وسائل الشيعة 18 : 452، الباب 12 من أبواب كتاب الصلح، ح 1.

مع احتمال أن تفاوت أثمانهما بعد بيعهما يورث ظنّاً بتفاوته عند شرائهما، فيكون الكثير ثمناً عند بيعه للكثير ثمناً عند شرائه، ولكن في اعتبار هذا الظن وحجيته في هذا المقام إشكال بل منع.

نعم، لو امتزج المالان قبل الشراء على وجه يوجب الشركة فاشتري بهما الثوبان كانت القسمة عند بيعهما على نسبة المالين المشترى بهما.

وربما تحمل على ذلك الرواية الآمرة ببيع الثوبين المشتبهين إذا اشتري أحدهما بعشرين والآخر بثلاثين، وقسمة الثمن أخماساً (1)، أو تحمل على الاستحباب.

واعتبار مثل هذا الظنّ للاحتياط، وإلا فالأخذ بها تعبداً مع ضعفها ومخالفتها للقواعد من الأمر ببيع الثوبين ومن قسمتهما كذلك مع عدم العلم بأنّ الأزيد ثمناً عند بيعه للأزيد ثمناً عند شرائه والأنقص للأنقص مشكل جداً.

نعم، قد حكي عن بعض الشهرة على مضمونها (2)، ونُقل عن بعض صحتها سنداً (3)، للقواعد والضوابط، فيمكن الأخذ بها في موردها الخاص دون غيره جنساً وعدداً، إلا ما علم تنقيح المناط فيه، ويرجع في غير موردها للقواعد والضوابط.


1) وسائل الشيعة 18 : 451، الباب 11 من أبواب كتاب الصلح، ح 1.

2) مسالك الأفهام 4 : 67.

3) راجع رياض المسائل 9: 314.

كتاب الشركة

كتاب الشركة

تعريف الشركة لغة وعرفاً

وهي بكسر الشين وفتحها، أو بكسرها وسكون الراء من الاشتراك والمشاركة في الشيء.

وهي في اللغة والعرف مختلفة باختلاف المتعلّق، فقد تكون في اللفظ بالنسبة إلى معانيه، وقد تكون في المنافع بالنسبة إلى مُلّاكها أو بالنسبة إلى مستوفيها، وقد تكون في الحقوق كذلك، وقد تكون في الأعيان بالنسبة إلى الملك، أو بالنسبة إلى الاستحقاق، أو بالنسبة إلى توارد العملين عليها، أو بالنسبة إلى تماثلهما في الصفة القريبة أو البعيدة من اجتماعهما في مكان أو زمان أو حالٍ أو وصف.

والمعروف من معناها بين الفقهاء على وجه الحقيقة عندهم أو المجاز المشهور هو خصوصية اجتماع حق مالكين أو أكثر في شيء واحد على سبيل الشياع.

والاجتماع بمنزلة الجنس؛ لشموله الملك وغيره وللمتميز وغيره.

والمراد بالملك ما هو أعم من ملك العين أو المنفعة أو الحق.

وقد يراد بالملك الاستحقاق على وجه الحقيقة؛ لإطلاق الملك على الاستحقاق عرفاً فالمستحق مالك، أو على جهة المجاز المشهور أو المجاز المنصوب عليه قرينة، حيث إنّهم يدخلون الاجتماع في الاستحقاق في أقسام الشركة.

ويراد بالواحد الواحد بالشخص لا بالنوع أو الصنف، ويراد به الوحدة من حيث تعلّق الشركة به، فلا ينافيه التعدّد بالشخص.

ويخرج بقيد الشياع اجتماع الملك في واحدٍ على سبيل البدل، كملاك الخمس والزكاة

والنذور العامة والأراضي الخراجية والطرق النافذة والقناطر والمدارس، بناءً على كونها ملكاً لأربابها من الفقراء والمسلمين، ولو قلنا بعدم الملك فيها خرجت بقيد الملك إذا أُريد به المعنى الحقيقي.

ويخرج به أيضاً اجتماع الأملاك في واحدٍ شخصيّ مع تميز ملك كلّ واحدٍ عن صاحبه كالبيت إذا كان سقفه لواحد وأرضه لثان وحائطه لثالث.

ويدخل فيه شياع الكسر كالنصف والثلث وشياع الكلّي في المعين، كمن باع رطلاً من صبرة مشتملة عليه مع عدم العلم بقدرها، فإنّه شريك وإن لم ينقص منه شيء عند تلف بعض الصبرة.

ويمكن إدخال ملك المسلمين للأمور العامة في الشركة المقتضية للشياع، وجواز اختصاص الواحد منهم بالكلّ أو بالأكثر للدليل .

ويشكل دخول اجتماع مُلّاك الحق في قيد الشياع؛ لعدم معلومية حصول الشياع فيه، بل وعدم معقوليته، ولأنّ كلّ واحدٍ من المالكين للخيار والشفعة يجوز له رفع أصل الخيار، وله الأخذ بالشفعة من دون تقسيط وتوزيع، ومن دون حصول أحد الكسور فيه، فلو تعدّد أهل الشفعة كان لكلٍّ منهم الأخذ بكلّ الشفعة فيما يخصه من الشقص، لا أنّ لكلّ واحدٍ منهم كسراً مشاعاً منها.

وهنا أُمور:

أحدها: في أن الشركة قد تكون في عين أو منفعةٍ أو حق وقد تكون بارث لأحدها وقد تكون بمزج العين

أحدها: هذه الشركة قد تكون بعقد في عين، كما إذا اشتريا داراً، أو في منفعة، كما إذا استأجراها، أو في حقٍّ، كما إذا صالحا على حق شفعة أو خيار وقلنا بجواز انتقال الحق، كما يجوز إسقاطه بالصلح، وقد يمثل بما إذا اشتريا بخيار.

وقد تكون بإرث لعين أو منفعة أو حقٍّ، وهو ظاهر.

وقد تكون بمزج لعين فيحصل الاشتراك بها، أو بمزجها مع ملك منافعها فقط فيحصل الاشتراك في المنفعة فقط، وبمزجها مع ملك الحق فيها فيحصل الاشتراك في الحق فقط، كما إذا اشتريا شيئين وشرط كلٌّ منهما الخيار له مستمراً حتى ولو مع الامتزاج فامتزج كلٌّ منهما بالآخر، تحقق هناك الاشتراك في الحق بسبب الامتزاج.

وقد تكون بالحيازة للأعيان، كما إذا نصبا معاً حبالة أو رميا صيداً بسهم دفعة.

وعلى كل حال فالشركة الحاصلة من الامتزاج ناقلة لملك كلّ واحدٍ من الشريكين للمعين للمشاع، فيملك كلٌّ منهما شيئاً مشاعاً مما يملكه الآخر معيناً قبل الامتزاج، فهي من الأسباب المقتضية للملك الجديد، كما أنّ القسمة سبب لتمليك المعين ملكاً جديداً أيضاً. لا أنها كاشفة عن إفراز الملك المتقدم على الامتزاج قطعاً.

والظاهر أن التمليك الناشئ من الامتزاج تمليك واقعي لا ظاهري قضى به الجهل بالتعيين وعدم إمكان التميز، وأنه دائمي لا ينقطع بزوال المزج أو إمكان التعيين أو فرض حصوله بفعل نبي أو إمام.

نعم، لو انكشف أن المزج صوري لا حقيقي وكان الحكم به عن اشتباه، تبين بطلان الشركة رأساً وأصلاً، وكذا لو كان لإفراز الممزوج وتعيينه أمد ينتظر عادةً، فإنّه لا يمكن تحقق الشركة، وحينئذ، فاحتمال بقاء ملك كلٍّ منهما على حاله واقعاً - بحيث لو امتزجت الحنطة بمثلها كانت كلّ حبّةٍ لصاحبها إلا أنه حيث اختلطت ولم تتميز حكمنا باشتراك المجموع بينهما - بعيد عن ظواهر كلمات الفقهاء وعن مذاق الفقاهة.

وبالجملة، فالظاهر أن المال بعد الامتزاج كلّ جزءٍ منه يُفرض فهو مشترك بينهما إلى أن يبقى جزء لا يتجزأ لو قلنا به، فهناك إما لا ملك، أو يملكه كلٌّ منهما على البدل.

ولا يتفاوت الحال بين كون المزج قهريّاً أو اختيارياً على نحو التراضي أو الغصب.

ثانيها: في أن شركة المزج تكون بمزج أحد المتماثلين جنساً ووصفاً بالآخر وقد تكون بمزج الشيئين اللذين لا يمكن تمييزهما

ثانيها: شركة المزج تكون بمزج أحد المتماثلين جنساً ووصفاً بالآخر بحيث لا يمكن عادةً إفرازهما ومعرفتهما ولا تخليص أحدهما عن الآخر، كالأدهان والمياه والأدباس والعسل والدقيق وما أشبه ذلك، ولا يتفاوت في هذه بين كونه مثليّاً أو قيميّاً. والظاهر أن الحبوب الكثيرة المتماثلة المختلطة من ذلك القبيل كما يظهر من الفقهاء، لعسر تخليصها غالباً، وكذا الدراهم الكثيرة المتماثلة المختلطة، وكذا الدنانير وشبهها.

وقد تكون بمزج الشيئين اللذين لا يمكن تمييزهما وإن أمكن تخليصهما عادةً لو ميزا بإخبار غيب أو قرعة كاختلاط الحبوب الغير كثيرة بحيث لا يعسر تخليصها، أو اختلاط كثير من القيميات، كالجواهر والحيوان أو الأواني والسلاح.

وهذا مشروط بكون عدم التمييز إنما جاء من الخلط، فلو جاء عدم التمييز من جهة نسيان وصف ما يملكه كلّ واحدٍ منهما لم تتحقق الشركة، وكان الحكم القرعة، مع احتمال أن الأصل في هذه المقامات القرعة، فمتى أمكن التمييز بها لم تتحقق الشركة، فعلى ذلك لا تتحقق الشركة في اختلاط القليل من الحبوب أو القليل من الدراهم أو القليل من القيميات بل والكثير منها؛ لإمكان إفرازها بالقرعة غالباً، وكذا كلّ شبهةٍ محصورة قد جاء اشتباهها من الخلط.

وهذا الاحتمال قوي جداً، إلا أنه قد نُقل الإجماع (1)من الأمة على حصول الشركة باختلاط الدراهم من دون فرق بين الكثير والقليل وبين إمكان القرعة وعدمها، ونُقل على ذلك عمل المسلمين في سائر الأمصار وفي جميع الأعصار (2)، ونقل الإجماع (3)أيضاً على حصول الشركة بمجرد امتزاج المتماثلين جنساً وصفةً من دون فرق بين القليل والكثير، والأثمان والعروض، والقيمي وغيره، والممكن استخراجه بالقرعة وغيره حتى أنّ بعضهم (4)نسب للمحقق مخالفة الإجماع في فرقه بين المثلي والقيمي، حيث حكم - تبعاً للمبسوط (5)- بعدم حصول الشركة في القيمي بالمزج (6).

وظاهر هذه الإجماعات المنقولة أن الشركة تفيد ملكاً جديداً بالمزج، سواء لم يحصل التمييز واقعاً كاختلاط المياه، أو ظاهراً كاختلاط الدراهم والحبوب، بل لا يبعد أن يقال: إنّ عدم التمييز واقعاً لا يمكن حتى في مثل المياه والأدهان.

وبالجملة، فالشركة سبب لإشاعة الملك، لا لإشاعة المملوك وعدم تمييزه واقعاً كما تخيّله بعضهم (7).

وإن اختلط ما يمكن تمييزه بوصفه كحنطة بشعير، أو يمكن تمييزه بعد زمن معتاد، أو يمكن تمييزه عند بعض العارفين فلا تتحقق فيه شركة أصلاً.


1) رياض المسائل 9 : 318 .

2) المصدر : 320.

3) غنية النزوع 1: 263.

4) الطباطبائي في رياض المسائل 318:9 .

5) المبسوط 2 : 344.

6) شرائع الإسلام 2 : 105 .

7) راجع التنقيح الرائع 2 : 207 - 208 .

واحتمال بعض المتأخرين حصول الشركة به (1)ضعيف؛ للأصل وظاهر الأصحاب.

ويمكن مع ما ذكرناه الحكم بعدم الشركة في القيمي المختلط أو ما كان شبهه من الظروف والأواني والسلاح إذا أمكن استخراجه بالقرعة من دون عسر أو مشقة سيما لو كان قليلاً؛ للشكّ في شمول الإجماع المنقول لمثله، ولما يظهر من أخبار القرعة (2)لشمولها لذلك؛ وتخصيص أخبارها في المشتبه بغير سبب الاختلاط كنسيان وصفٍ أو شبهه، أو في التعيين والإفراز للمشاع لا لتمييزه الواقعي، بعيدان كل البعد.

ثالثها: حكم ما إذا اختلطت القيميّات وحصلت فيها الشركة

ثالثها: إذا اختلطت القيميّات وحصلت فيها الشركة، فإن علم قيمة ما لكلّ واحدٍ كان الاشتراك على نسبة القيمة، وإلا احتمل التساوي؛ للأصل، أو الصلح الاختياري؛ للاحتياط، أو القهري من الحاكم لرفع النزاع.

وإذا اختلطت المثليات وكان فيها أجود، احتمل حصول الاشتراك على نسبة القيمة، واحتمل على نسبة قدر العين ولكن لا يقتسمان العين متفاضلاً؛ للزوم الربا، ولا متساوياً؛ للضرر، فلا بد من بيع المال ودفع الثمن على نسبة القيمة.

وإن لم يكن فيها أجود كانت الشركة على نسبة قدر العين، ومع الجهل به فالحكم بالتساوي للأصل، أو الصلح، وجهان.

وكلّ ما لا تصح الشركة فيه بالمزج تصح بالعقد، كأن يبيع أحد المالكين حصّةً من ماله مشاعةٌ بحصة من مال الآخر كذلك، وتصح بغير البيع أيضاً.

رابعها: في أن الشركة من العقود الجائزة

رابعها: قد تجعل الشركة من العقود إلّا أنّها من العقود الجائزة، وفائدتها: إذن أحد الشريكين للآخر في التصرف والعمل بالمال المشترك، وجوازها إجماعي.

والظاهر كفاية كل ما دلّ على الإذن في الإيجاب صريحاً أو كناية، بل تكفي المعاطاة، وكذا في جانب القبول.

وربما يقال بعدم لزوم القبول؛ لشبهها بالإيقاع، إلا أنه خلاف ظاهر الفقهاء.

ويكفي في القبول المعاطاة، ولا يكفي غير المعاطاة من الأفعال، كالإشارة والكتابة في إيجاب ولا في قبول، ويكفي اللفظ العربي وغيره، ويبطل عقدها المتصل الطويل بين الإيجاب


1) راجع مجمع الفائدة والبرهان 10 : 197.

2) راجع على سبيل المثال : وسائل الشيعة 27 : 257، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى.

والقبول، وكذا التعليق والترديد. ويصح فيه الفضولية.

وهو مخالف للعقود في عدم أخذ صيغةٍ من لفظ الشركة؛ لعدم دلالة لفظ «تشاركنا» أو «شاركتك» على الإذن في التصرّف.

وهذا الإطلاق حقيقة متشرعية للشركة، وليس له وجود في الأخبار.

نعم، قد يفيد لفظ «شركتك» بيع حصّةٍ مشاعة بما يخصها من رأس المال، كما تقدّم في المرابحة، إلا أن ذلك صيغة أُخرى لباب آخر غير ما نحن فيه.

وكما لا تفيد صيغ الشركة الإذن بالتصرّف كذلك لا تفيد الإذن بالامتزاج، فلا تفيد لفظة «شاركتك» وشبهها جواز التصرّف ولا جواز المزج، ولا حصول نقل حصة مشاعة للموجب، إلا فيما تقدم في باب المرابحة خاصة.

ولا يصح عقد الشركة في غير ما ذكرنا، سواء كان بصيغتها أو بصيغةٍ أُخرى، فلو تعاقد اثنان - بأي صيغةٍ كانت - بأن يعملا ويشتركا في الحاصل لم يدخل في الشركة - لتمييز عملهما - لا اسماً ولا حكماً، سواء اتفق عملهما قدراً أو نوعاً، أو اختلف فيهما أو في أحدهما، وسواء عملا في مملوك أو في تحصيل مباح، فيستحق كلٌّ منهما أُجرة عمله إن تميّز أحد محصولهما عن الآخر، وإلا فالصلح أو القرعة، وإن امترجا فالشركة.

وكذا لو تعاقد اثنان وجيهان لا مال لهما - بأي صيغةٍ كانت - على أن يشتريا في الذمة ويكون ما يشتريانه بينهما فيبيعان ما يشتريان ويفيان ما عليهما والربح بينهما، أو يتعاقد وجيه وخامل فيشتري الوجيه في الذمة ويتولى البيع الخامل فيفي ويكون الربح بينهما، أو يتعاقد وجيه لا مال له وخامل ذو مال على أن يتولّى العمل الوجيه والمال بيد الخامل لا يسلّمه إليه والربح بينهما، أو يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح ليكون بعضه له.

وكذا لو تعاقد اثنان - بأي صيغةٍ كانت - على أن بينهما ما يغنمان وعليهما ما يغرمان، فلهما ما يكتسبان من تجارةٍ أو ميراث أو حيازة أو لقطةٍ أو هبة، وعليهما ما يغرمان من جناية أو غصبٍ أو إتلاف، ولا يستثنيان سوى قوت يوم وثياب بدن وجارية للتسري، فيبطل العقد في جميع تلك الأقسام.

وتُسمّى الأولى شركة الأعمال أو الأبدان، والثانية شركة الوجوه، والثالثة شركة المعاوضة.

وبطلان الجميع عليه الإجماع منقولاً (1)بل محصلاً، مضافاً إلى عدم الدليل على صحة تلك العقود كتاباً وسنّةٌ؛ لانصراف العموم والإطلاق - بحكم التبادر وفهم الأصحاب - إلى المعروفة المأثورة والمعهودة غير المهجورة، وهذه الثلاثة ليست منها.

وخلاف ابن الجنيد حيث صحح بعض هذه الأنواع (2)، وكذا احتمال بعض المتأخرين لصحتها (3)، رداً لها لبعض العقود الصحيحة، ضعيفان مسبوقان بالإجماع وملحوقان به، وحينئذ فلا يستباح المال بهذه العقود؛ لأنّها بمنزلة العقد الفاسد، سواء علما الفساد أو جهلاه، وسواء رضيا به واتخذاه ناقلاً أو لا.

والظاهر أن المال لا يباح به ولو علما الفساد ورضيا به؛ لأنّ تسليط العالم على ماله ليس بالإذن المطلقة كي يكون مباحاً، بل بإذن خاصة عقدية ولو رغماً، فما لم تسلم الإذن الخاصة لم تسلم الإذن المطلقة فيكون أكل مال بالباطل.

نعم، لو آجر اثنان أنفسهما على عمل متحد أو مختلف متفاوت أو متساو بأجرةٍ واحدة كانت الأجرة مشتركة بينهما على نسبة عملهما، ودخلت تحت الشركة المسببة عن العقد، كما إذا باعا شيئين بثمن واحد في صفقةٍ واحدة فإنّ الثمن يكون مشتركاً بينهما لمكان العقد.

خامسها: جواز شركة العنان وهي شركة الأموال الحاصلة من المزج

خامسها: الثابت جوازه عندنا من أقسام الشركة هي شركة الأموال المتقدمة الحاصلة من المزج، وتُسمى شركة العنان، وهو سير لجام الدابة، سُمّيت بذلك؛ لاستواء الشريكين في ولاية الفسخ والتصرّف واستحقاق الربح على قدر رأس المال، كاستواء طرفي العنان أو استواء الفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في المسير، أو لأنّ كلّ واحدٍ يمنع صاحبه عن التصرف كما يمنع الدابة العنانُ عن السير، أو لأنّ الشريك محبوس عن التصرف بمال الشركة دون سائر أمواله، فهو كقابض العنان بإحدى يديه ومطلق للأخرى.

وقيل: إنّ شركة العنان من «عن» إذا ظهر، وقد أظهر كلٌّ من الشريكين ماله للآخر، أو لأنّها أظهر أنواع الشركة (4).


1) رياض المسائل 9 : 322 .

2) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 195، المسألة 145.

3) راجع مجمع الفائدة والبرهان 10 : 193.

4) كما في تذكرة الفقهاء 16 : 311، المسألة 141 .

وقيل: من المعانة، وهي المعارضة، فإنّ كلّ واحدٍ منهما عارض بما أخرجه الآخر (1).

وعلى كلّ حالٍ، فإذا تحققت هذه الشركة لم يجز لأحد الشريكين التصرف بالمال من دون إذن صاحبه ولو كان ابتداء المزج اختيارياً؛ لأنّ نفس المزج لا دلالة له على الإذن إلا أن يقترن بلفظ يدلّ عليه، فإذا صدر الإذن بالتصرف بعد المزج أو قبله أو مقارناً له جاز التصرف، وكان الربح على نسبة المالين، وكذا النقصان على نسبتهما، ولا يستحق المأذون له أجرةً على عمله ما لم يشترطها؛ لظهور التبرع منه سيما إذا عمل كلٌّ منهما في المال بإذن صاحبه، فإنّ التبرع لا إشكال في ظهوره، سواء في ذلك التساوي في العمل وعدمه والتساوي في المال وعدمه.

ولا يستحق أحدهما زيادةً في الربح على ما يخص رأس ماله، ولا يختص بنقصان غير ما يخص رأس ماله، سواء زاد عمل أحدهما أو لم يزد، وسواء عملا معاً أو عمل أحدهما أو عمل لهما ثالث، إلا إذا كان العمل غير متبرع به، فإنّ العامل يستحق على عمله أو على زيادته مع أمر الآخر له أُجرة المثل.

ولو شرط العامل على غير العامل أو المزيد في عمله على غير المزيد شرطاً في ضمن الإذن في التصرف من زيادة ربح على رأس ماله في مقابلة عمله، سواء اشترط التفاوت فيه مع تساوي المالين أو التساوي فيه مع تفاوت المالين صح الشرط؛ لأنّ الإذن هذه بمنزلة العقد لافتقارها إلى إيجاب وقبول، فيصح الشرط لعموم دليل الشروط (2)، ويكون العقد بمنزلة عقد المضاربة أو هو بعينه إذا كان المال نقوداً.

أما لو شرط أحدهما الزيادة مع تساوي العملين، أو اشترطها على العامل غير العامل وكان مال المشترط مساوياً أو كان أنقص فاشترط المساواة، فهل يصح الشرط والعقد؟ لعموم الأمر بوفاء العقد (3)، وعموم دليل الشرط (4)، وإطلاق « تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ» (5)وللإجماع المنقول على لسان المرتضى (6). أو يفسد الشرط والعقد؟


1) كما في تذكرة الفقهاء 16 : 311. المسألة 141 .

2) راجع ص 77، الهامش (5) .

3) المائدة (5) : 1.

4) راجع ص 77، الهامش (5) .

5) النساء (4) : 29 .

6) الانتصار : 471، المسألة 265 .

أما الشرط: فللإجماع المنقول (1)، والشهرة المحكية (2)بل المحصلة، ولأن الزيادة في الربح لأحدهما ليس في مقابلها عوض، ولا منضمة إلى أحد العوضين؛ لوقوعها في غير عقد معاوضة، ولا اقتضى تملكها عقد هبة أو نحوه من المملكات والأسباب الشرعية معدودة وغيرها، وهذا ليس منها، وغيرها أكل مال بالباطل.

وأما العقد: فلابتنائه على صحة الشرط، ولاقتران الإذن فيه على ملكيته للمشترط، فما لم يصح ولا يملكه المشترط لم تقع الإذن، ويكون العقد باطلاً ويحرم التصرّف.

ويرد أدلّة القول الأول بقوة هذا الإجماع على الإجماع المتقدم؛ لاعتضاده بالشهرة، وبعدم شمول أدلة العقود والشروط لهذا الشرط؛ لظهورها في اللازم، وهذا العقد من العقود الجائزة، وبأنّ غاية إفادة آية التجارة عن تراض الإباحة، وهو غير اللزوم المطلوب، والإباحة لا نمنعها؛ على أنا قد نمنع كون هذا العقد من التجارة؛ لعدم اشتماله على المعاوضة.

وفي الجميع ما عدا الأوّل نظر؛ لشمول أدلّة لزوم الوفاء بالعقد والشرط للعقود الجائزة ما دام المتعاقدان مقيمين عليها، ولدخول هذا العقد تحت التجارة؛ لأنه تصرّف بماله حال امتزاجه بمال العامل وهو ممّا يثمر للعامل ويقابل بعوض؛ لأن الهيئة الاجتماعية لها في الربح مدخليّة، فلم يبقَ إلا الإجماع المنقول المعتضد بالشهرة المحكية، وهو لا يعارض الإجماع المعتضد بالعمومات كتاباً وسنة، فالقول الأول أقوى.

والقول بصحة العقد دون الشرط ضعيف جداً؛ لابتنائه عليه، فلو فسد الشرط فسد العقد وبطلت الإذن ولم تبق الإباحة حتى مع العلم بالفساد، ويستحق العامل أُجرة مثل عمله بعد وضع ما قابل عمله في ماله.

ولو شرط أحدهما على الآخر أن لا خسران عليه، فالظاهر بطلان الشرط، سواء كان الشرط من العامل على العامل كعمله، أو العامل أقل من عمله، أو على غير العامل، أو من غير العامل على العامل؛ لمنافاته لمقتضى العقد، وسريانه إلى أخذ جميع المال في بعض الأحوال، وقد ينزل هذا الشرط على القرض.


1) غنية النزوع 1: 264.

2) كما في رياض المسائل 9 : 324؛ نقلاً عن السرائر 2 : 400.

ولو اشترط أحدهما جميع الربح، بطل، أو كان قرضاً في وجه.

ولو اشترط جميع الربح له ولا خسران عليه، بطل أيضاً.

سادسها: في أن عقد الشركة عقد جائز

سادسها: عقد الشركة المؤذنة بجواز التصرف عقد جائز إجماعاً، ولكل منهما فسخه، ولكلٍّ منهما أيضاً بعد فسخه فسخ الشركة نفسها وطلب القسمة ما لم يكن الامتزاج لازماً بعقد لازم.

وينفسخ عقدها بالموت وبالجنون وبالسفه والفلس والإغماء، وبالعزل لشريكه ولنفسه؛ لأنه بمنزلة الوكيل فله عزل نفسه، وإذا مات فللورثة إبقاء المزج وطلب الإذن في التصرف، ولهم طلب القسمة، وكذا للوصي إلا أنه يلاحظ الغبطة.

ويجري على المأذون في التصرف ما يجري على الوكيل من اتباع الإذن عموماً وخصوصاً وإطلاقاً وتقييداً، ومراعاة الغبطة حتى مع صيغة العموم؛ لأنّه من قبيل المخصصات العرفية.

ولو أطلق له جاز أن يبيع ويشتري بأي أنواع البيع من مرابحة وتولية ومواضعة ونسيئة حيث تقتضيها المصلحة.

وليس له أن يقرض من المال أو يضارب عليه؛ لعدم دخوله تحت الإطلاق.

ولو تجاوز الإذن ضمن وأثم، وكان فضولياً، فإن أجاز المالك كان الربح له، وإلا بطلت العقود.

وما ورد من الأخبار (1)بصحة العقد مع مخالفة الشرط فهو مقصور على خصوص المضاربة، مع احتمال التسرية لمثل هذا المقام، ولكن يقتصر فيه على ما خالف الأمر أو الشرط، دون ما إذا خالف مقتضى الإطلاق، كالبيع نقداً بنقد البلد وبثمن المثل.

ولا يتناول إطلاق العقد السفر حيث شاء؛ لأنّه مظنّة الخطر، مع احتمال التناول.

ولو عيّن له جهة خاصة أو شراء شيء خاص فخالفه، ضمن وأثم.

وهل يكون فضوليّاً أو يصح ابتداء؟ وجهان: من إلحاقها بالمضاربة، وعدمه.

ويصح اشتراط الأجل فيها ولا يفسدها، خلافاً لما يظهر من بعضهم (2). وفائدة الأجل عدم جواز التصرف بعده فيقع فضولياً ، كما لو نهاه عن التصرف في بعض الأيام فتصرف، وقد يحتاج في الأوّل إلى تجديد عقد دون الثاني.


1) راجع وسائل الشيعة 19 : 15، الباب 2 من أبواب كتاب المضاربة.

2) كالشيخ المفيد في المقنعة : 633؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 427؛ والمحقق الحلي في المختصر النافع : 239.

والشريك أمين لا يضمن إلا مع التعدي أو التفريط.

ويُقبل قوله في التلف، سواء ادعى أمراً ظاهراً أو خفيّاً، كما هو الأظهر في كلّ الأمناء، ولا يُقبل قوله في الردّ، ويُقبل في كون ما بيده قد اشتراه من مال الشركة أو من غيرها.

سابعها: الشركة من المملكات الناقلة لحصة من ملك كلُّ من الشريكين لصاحبه

سابعها: من خواص الشركة القسمة بين الشريكين، وهي مع اجتماع شرائطها من المملكات الناقلة لحصّة من ملك كلٍّ من الشريكين لصاحبه، وليست كاشفةً عن ملك سابق، بل مثبتة للملك من حينه، ومَنْ عبّر بأنّها تمييز أحد النصيبين عن الآخر أراد به ذلك.

وليست بيعاً عندنا، سواء اشتملت على رد أم لا؛ لعدم افتقارها إلى صيغة، ولعدم تسميتها بذلك عرفاً، ولدخول الإجبار فيها في غير مقام يشرع الإجبار فيه، ولتقدير أحد النصيبين فيها بقدر الآخر من دون زيادة أو نقصان، إلى غير ذلك، واختلاف اللوازم يدلّ على اختلاف الملزومات، واشتراك كلّ جزء قبلها بين الشريكين واختصاص كلٍّ منهم بعدها بشيءٍ معيّن على سبيل المعاوضة مع التراضي لا يدلّ على أنها بيع وحينئذ فلا تترتب عليها لوازمه من خيار وصرف وسَلَمِ وشفعةٍ، ولا على أنها صلح أيضاً، فلا تترتب عليها لوازمه من لزوم الصيغة وعدم إجبار الممتنع عنه.

وتجري في المال المملوك المشترك إذا كان عيناً؛ للأخبار (1)والإجماع، ولا تجري في الدين ولا في المنافع.

وهل تجري في الأملاك العامة من خمس أو زكاةٍ أو نذر من المالك أو الحاكم؟ وجه لا يبعد قبوله.

وفي جريان الإقالة فيها وجه، وكذا شرط الخيار.

ثامنها : حكم القسمة إذا تعلّق بها ضرر على أحد الشريكين معاً أو لم يتعلق ضرر عليهما أو يتعلق ضرر بأحدهما دون الآخر

ثامنها: القسمة إما أن يتعلّق بها ضرر على الشريكين معاً ، أو لا يتعلّق عليهما ضرر معاً، أو يتعلّق ضرر بأحدهما دون الآخر، ثمّ إمّا أن يكون هو الطالب أو المطلوب منه، أو يتعلّق بعدمها ضرر عليهما معاً أو على أحدهما، ثمّ إمّا أن يكون هو الطالب أو المطلوب منه، ثمّ إذا لم يتعلق بها ضرر ولا بعدمها ضرر فإما أن يتعلّق بها نفع لهما أو لأحدهما أو لا يتعلّق، أو يتعلق بعدمها نفع لهما أو لأحدهما أو لا يتعلّق، فالأقسام كثيرة.


1) راجع وسائل الشيعة 19 : 12، الباب 6 من أبواب كتاب الشركة.

فإن تعلّق بها ضرر عليهما، لم يُجبر الممتنع عنها؛ لأنه سفه وتضييع للمال وهو منهي عنه.

وهل تصح مع تراضيهما عليهما فيملك كلٌّ منهما ما قسم له، أم لا؟ وجهان: من ظاهر إطلاق أدلة القسمة، وكونها تجارة عن تراض، ومن أصالة عدم النقل والانتقال في غير ما تيقن من الفتوى والرواية.

وإن لم يكن على أحدهما ضرر فالتمس أحدهما القسمة، أُجبر الممتنع عنها، والمتولّي للجبر هو الحاكم أو أمينه، فإن فقد فعدول المؤمنين حسبة، والأحوط اثنان، وفي الاكتفاء بالواحد قوة.

وإن لم يمكن العدول تولّى الطالب القسمة بنفسه مع احتمال الانتقال من الحاكم إليه سيما مع الإشهاد؛ لارتفاع التهمة، ولو لم يحضر الشريك نصب الحاكم مقامه.

ولو أراد غاصب غصب حصة الشريك فقط، فلا يبعد جواز مقاسمة الشريك الآخر مع الغاصب، ولا رجوع للمغصوب منه على ما بيد شريكه وإن كان غائباً.

وإن حصل ضرر على أحدهما فقط، فإن كان هو الطالب احتمل جواز جبر المطلوب؛ لوجوب إيصال ماله إليه و «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)واحتمل عدمه؛ لأنه سفه و تضييع مال، فلا يُجبر الممتنع عليه.

وإن كان المتضرّر هو المطلوب، لم يُجبر على القسمة؛ لحديث «لا ضرر ولا إضرار» (2). وإن تضرر الطالب بها والمطلوب بعدمها، تعارض الضرران، فيرجح الأشد ضرراً، وإن تساويا احتمل القرعة، واحتمل لزوم إجابة الطالب للزوم تخليص ماله؛ لأن في نفس الشركة ضرراً أو كالضرر؛ لأنّها عيب، ولا يبعد أن يكون منه ما لو جاء غاصب لحصة الشريك فقط، فإنّه تجب القسمة ويتولاها الحاضر؛ لحديث نفي الضرر (3)، فيعزل نصيب الآخر وإن أخذه الغاصب بعد القسمة.

وإن انتفعا بالقسمة، فلا إشكال في لزوم إجابة الطالب، وكذا إذا لم ينتفعا؛ لأن البقاء على الشركة لا يخلو من ضرر، واحتمال عدم لزوم الإجابة؛ لشبهه بالسفه بعيد جداً.


1) راجع ص 117. الهامش (5).

2) راجع ص 110، الهامش (7).

3) راجع ص 110، الهامش (7).

ولو انتفع الطالب ولم ينتفع المطلوب منه، لزم إجابة الطالب ولو انتفع بالعدم.

ولو انتفع الطالب وتضرّر المطلوب منه، قدّم جانب المتضرر.

وإن انتفعا بعدم القسمة، أُجبر الممتنع عنها أيضاً على الأظهر؛ للزوم إيصال حق الطالب إليه، والبقاء على الشركة ثقيل على مَنْ لا يريده واحتمل العدم؛ لشبهه بالسفه، فلا يجاب طالبه.

والضرر هو نقصان العين أو القيمة نقصاناً لا يتسامح به عادة؛ لأن فوات المالية ضرر في الأموال فينفيه حديث «لا ضرر ولا إضرار» (1).

وقيل: إنّه عبارة عن عدم الانتفاع المعتبر بالنصيب منفرداً؛ للزومه إضاعة المال المنهي عنه (2)، كالجوهرة الكبيرة إذا انقسمت صغاراً.

وقيل: إنه عبارة عن عدم الانتفاع بالنصيب منفرداً كما ينتفع به مشتركاً، كالدار الصغيرة لو قسمت فتناهت في الصغر فإنّه يقل الانتفاع بها عما كان أولاً (3).

والأولى أن يقال: إنّ الضرر أمر عرفي تدور مداره أحكام كثيرة، تدور مداره أحكام كثيرة، وورد النهي عنه في الكتاب (4)والسنة (5)، فما حكم به أهل العرف وسموه ضرراً ترتب عليه الحكم، وإلا فلا.

ولا يبعد أن في جميع ذلك ضرراً على الشركاء عرفاً، وعلى ذلك فلا تجوز قسمة السيف والرمح والسكين والسهم والقوس والآنية والثوب والجوهرة والعضائد الضيقة والدار الصغيرة والباب والفراش الواحد والسرير والحصير والرحى والحيوان المتحد والظرف الواحد.

أما ما يدخله الضرر لقلته - كما إذا اشتركا في حبوب أو أدهان - وكان سهم أحدهما قليلاً بحيث لا يتموّل أو بحيث ينقص قيمته بالانفراد، فهل يُجبر المتضرر مطلقاً؛ لإمكان أخذه والانتفاع به بخلطه بغيره، أو لا يُجبر مطلقاً؛ لمكان الضرار، أو يُجبر إذا نقص دون ما إذا خرج عن التموّل؟ وجوه، أقواها إنّه لا يُجبر إذا لم يمكن جبر ضرره، ويُجبر إذا أمكنه، وأطلق الفقهاء أن المثليات تقسم قسمة مطلقاً؛ لانتفاء الضرر فيها، والتفصيل أجود.

تاسعها: حكم ما لو اشتملت القسمة على رد

تاسعها: لو اشتملت القسمة على رد - وهو دفع شيءٍ من غير المال المقسوم منضماً إلى


1) راجع ص 110، الهامش (7).

2) كما في مسالك الأفهام 4 : 319.

3) كما في مسالك الأفهام 4 : 319.

4) البقرة (2) : 231 و 233؛ الطلاق (65) : 6.

5) راجع ص 110، الهامش (7) .

المقسوم في أحد الجانبين أو في كليهما، أو كان أحد الجانبين كله من غير المال المشترك - فإنّه لا يُجبر الممتنع عنها عليها، سواء تضررا معاً بالقسمة أو تضرّر أحدهما إما الطالب أو المطلوب منه، أو لم يتضررا أصلاً، وذلك لأنها معاوضة على جزء خارج من المال المشترك في مقابلة جزءٍ صوري أو مادي أو معنوي من المال المشترك، فلا يكون إلا تجارة عن تراض، ولا يثبت جواز الإجبار إلا بدليل.

وبالجملة، فالمثليات غالباً - كالحبوب والأدهان والدراهم والمياه - تقسم من دون حاجة إلى رد، وكذا جملة من القيميات المتساوية، كالثياب والحيوان والأواني فإنها قد تقسم على ذلك النحو، إلا أنّ منها ما تقسّم أعيانه على نسبة الحصص متساوية، ومنها ما تفتقر إلى التقويم فتعدل أجزاؤها على نسبة القيمة وتقسم على تلك النسبة، كالأراضي غالباً والدور، وعلى كلّ حالٍ فيدخلها الإجبار.

ولا تجوز قسمة مختلف الجنس قسمة إجبار بحيث يأخذ كل من الشريكين في الجنسين جنساً خاصاً في مقابلة ماله في الجنس الآخر، بل لا بد فيها من التراضي إما بعقد بيع أو معاطاةٍ أو بعقد صلح أو معاطاته.

ولو طلب أحد الشريكين فيما لا يمكن قسمته أو فيما يمكن قسمته قسمة إجبار أو تراض قسمة المنفعة بمعنى المهايأة فيها زماناً وزماناً لشريكه، لم تجب على الآخر إجابته، ولو تراضيا صح، ولكن لا يلزمهما التراضي بذلك، بل لهما فسخ ذلك، سواء استوفى أحدهما أو لم يستوف، وسواء كان الفاسخ المستوفي أو غيره، ومتى حصل ذلك لزم المستوفي أُجرة المثل لما استوفاه من حصة شريكه؛ لأنّ الظاهر أنّ المهايأة غير مملكة مع احتمال القول بأنها مملكة ولكن على سبيل الجواز، وحينئذ فإن كان الفسخ من أصله فالحكم كما تقدم، وإن كان من حينه فعلى المستوفي أُجرة مثل الزمن المتأخر الذي جعله عوضاً لغير المستوفي.

ومثل المهايأة في عدم اللزوم قسمة المنافع بحسب الأجزاء، فإنّها لا يُجبر عليها الممتنع، ولا تفيد ملكاً مع التراضي، ولو أفادت لا تكون لازمةً.

نعم، لو أخذت قسمة المنافع شرطاً في عقد لازم أو وقعت بعقد لازم لزمت ووجب الوفاء بها، سواء كانت قسمة في الزمان أو الأجزاء.

عاشرها: حكم ما إذا حصلت القسمة بين المتقاسمين وعدّلت السهام من الجانبين واتفقا على اختصاص كلّ بسهمه

عاشرها: إذا حصلت القسمة بين المتقاسمين وعدّلت السهام من الجانبين واتفقا على اختصاص كلٍّ بسهمه، ملكه بنفس القسمة؛ لأنّ الظاهر أن القسمة معاوضة مستقلة، كما يُفهم من إطلاق أخبارها، ولكن الظاهر أنّه يملكه ملكاً متزلزلاً يجوز الرجوع به، ولا يفتقر إلى قبض، والأحوط إضافة القبض إلى ذلك ليكون كالمعاطاة فتلزم بالتصرف، مع احتمال أن لزومها يكون بمجرد القبض؛ لأصالة اللزوم في المعاوضات، ولأن الفسخ خلاف الاستصحاب، واحتمال لزوم القسمة بمجرد الاتفاق كاحتمال افتقارها إلى عقد صلح أو بيع بعد الاتفاق بعيدان.

نعم، الأحوط في قسمة الرد أن لا يحكم بالملك إلا بعد القبض، بل الأحوط أن لا يحكم بذلك إلا بعد التصرف، بل الأحوط أن لا يحكم بذلك إلا بعد إجراء صيغة البيع أو الصلح أو نية معاطاتهما، بل قد يقال: إن استحلال المال في قسمة الرد بنفس القسمة أكل مال بالباطل، إلا أن يحصل القبض بل التصرف.

هذا كله إذا اتفقا على اختصاص كلٍّ بسهمه، فإن لم يتفقا أُقرع بينهما ومَلَك مَنْ أخرجته القرعة بنفس القرعة، ولا حاجة إلى التراضي أو القبض بعد ذلك، والأحوط إضافة التراضي، فيملك ملكاً مستقراً بعد القرعة فقط، أو هي مع التراضي بعدها، والأحوط إضافة القبض.

ويقوى الفرق بين قسمة الردّ فيشترط التراضي بعدها بل القبض وبين قسمة الإجبار فيملك بنفس القرعة.

وقد يفرّق بين القرعة الصادرة عن المتقاسمين فتفتقر إلى الرضى بعدها في قسمة الردّ، وبين الصادرة من منصوب الإمام (علیه السّلام) فيحصل الملك بها ولا حاجة إلى الرضى بعدها، وهو قوي أيضاً، بل نقل الإجماع بعضهم (1)على حصول الملك بالقرعة والرضى بعدها في قسمة الرد، وحصول الملك بنفس القرعة إذا كان المتولّي لها منصوب الإمام (علیه السلام)، وعليه فحصول الملك في غيرها بذلك بطريق أولى.

وحاصل القول: إنّ غاية ما فى الأخبار أنّ القسمة الصادرة من الشريكين جائزة وقد أقرها الإمام (علیه السلام) (2)، وليس فيها بيان كيفيتها ولا بيان متعلّقها ولا بيان شرائطها، فهي كالمجملة


1) لم نتحققه.

2) راجع وسائل الشيعة 19 : 12، الباب 6 من أبواب كتاب الشركة.

لا يصح التمسك فيها على العموم، وغاية ما يمكن أخذه منها أن الشركاء تصح القسمة فيما بينهم، ويملكون ما اقتسموه كما هو ظاهر الصحة لا أنه مجرد إباحة، وظاهرها أنه لا حاجة إلى القرعة.

ولكن الأصحاب ظاهرهم الافتقار إلى القرعة في التمييز إذا لم يتفقا عليه؛ أخذاً بما ورد من أنّها لكلّ أمرٍ مشكل (1)، وأنها تقطع الخصومة بين المتنازعين، وأنها تلزم بعد القرعة في قسمة الإجبار مطلقاً، وتلزم بعدها في قسمة الردّ إذا كانت من وسائل الشيعة 27 : 259 - 260، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم...، ح 11. منصوب الإمام (علیه السلام)، وتلزم أيضاً إذا وقع التراضي بعدها في قسمة الردّ، وكأنّه لأنّ الرد على منصوبه رد عليه (علیه السلام)، وأنّ التراضي لو وقع بعد القرعة كان بمنزلة الصلح اللازم؛ لأنه جمع بين الأخذ بأدلّة القرعة وأدلة القسمة وعموم «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ» (2).

ثمّ إنّ طريق القرعة أن تُكتب أسماء الشركاء أو السهام في كلّ رقعةٍ وتخفى ويؤمر مَنْ لم يطلع على الصورة بإخراج أحدهما على اسم أحد المتقاسمين أو أحد السهام. هذا إن اتفقت السهام قدراً، وإن اختلفت قسم على أقل السهام وجعل لها أوّل يعينه القاسم، وتكتب أسماؤهم لا أسماء السهام حذراً من التفريق فمَنْ خرج اسمه أولاً أخذ من الأول وأكمل نصيبه منها على الترتيب، ثمّ يخرج الثاني إن كانوا أكثر من اثنين، وهكذا.

ولا يشترط العدالة في القاسم إذا كان بإذن الشركاء ولا التعدد، وإن كان منصوباً من الحاكم فلا بد من العدالة، وأما التعدد فهو أحوط.

وكذا يشترط في المقوّم إذا افتقرت القسمة إلى التعديل بالقيمة وكان المقوم من قبل الحاكم، ويشترط في المقوم كونه من أهل الخبرة.

حادي عشرها: حكم ما لو كان المشترك وقفاً وملكاً

حادي عشرها : لو كان المشترك وقفاً وملكاً جازت القسمة بينهما، ويتولّى ناظر الوقف القسمة مع المالك، ويعود الوقف طلقاً والطلق وقفاً بالإجماع، ولولاه لما حكمنا به؛ لأنّ صيرورة الوقف طلقاً غير مشروع إجماعاً، وكذا صيرورة الطلق وقفاً من غير سبب شرعيّ ولا صيغة خاصة.


1)

2) النساء (4) : 29 .

هذا إن لم تشتمل على رد أو اشتملت وكان الردّ من الموقوف عليه؛ لأنه زيادة على الوقف، فلو انعكس وكان الردّ من المالك لم يصح؛ لأنّه يكون بمنزلة نقل جزء من الوقف، وهو غير جائز.

ثم على تقدير الردّ من الموقوف عليه فهل تصير جميع حصته وقفاً، أم يكون ما قابل الردّ من الحصة ملكاً له؛ لأنه معاوض عليها؟ وجهان، والثاني أوجه.

نعم، لو كان في مقابلة الردّ وصف محض – كالجودة - كان الجميع وقفاً؛ لعدم قبوله الانفصال، وكذا الهيئة والسمن والطول وشبهها.

ولو كان المشترك وقفاً عاماً أو خاصاً، لم تجز قسمته قسمة حقيقية بحيث يتعيّن كلّ سهم لصاحبه؛ لتعلّق حق البطون اللاحقة به، ولربما زاد نصيب بعض البطون اللاحقة أزيد مما يكون لمورثهم وربما نقص، ولأن الوقوف على ما يقفها أهلها، ولعدم انصراف أدلّة القسمة لمثل الوقف، والحكم موضع اتفاق على الظاهر.

نعم، لو تعدّد الوقف بحيث لا يُعد وقفاً واحداً جاز قسمته.

ويحصل التعدّد بتعدد الواقف والموقوف عليه والموقوف والصيغة، أو بتعدد الموقوف عليه والموقوف والصيغة وإن اتّحد الواقف، أو بتعدد الصيغة والموقوف عليه وإن اتحد الواقف والموقوف.

ولا يتفاوت الحال بين انحصار الوقف بين اثنين في الطبقة الأولى وبين عدمه.

ولو قسم الموقوف عليه لم تؤثر القسمة ملكاً ولا اختصاصاً، بل يجوز تصرف كلّ منهما فيما يخص الآخر. وكذا لو تهايؤوا بينهم لم تلزم المهايأة.

ولو تصالحوا على المنافع بعضاً ببعض اختصّ كلٌّ منهم بمنفعة خاصة لا بالعين.

ولا يمضي الصلح على البطون اللاحقة إلا إذا صالح ناظر الوقف للمصلحة.

ثاني عشرها: فيما لو اشترك اثنان في دين على ثالث فإنّه يجوز لأحد الشريكين بيع حصته على الغريم أو غيره

ثاني عشرها: لو اشترك اثنان فصاعداً في دَيْنٍ على ثالث بسبب إرثٍ أو ضمان لمال مشترك، أو نقل مال مشترك في صفقةٍ واحدة، أو غير مشترك في عقد واحد، أو اقتراض مال ممزوج، أو مال منذور في الذمة لاثنين، أو نحو ذلك مما يكون الدين فيه مشتركاً، فإنّه يجوز لأحد الشريكين أن يبيع حصته على الغريم أو على غيره ويستوفي منه الثمن ولا يشاركه الآخر.

ويجوز أن يصالح عليها كذلك.

ويجوز أن يبرئ الغريم.

ويجوز أن يحيل عليه أحداً فيستوفي المحتال ولا يشاركه الآخر.

ويجوز أن يضمن عنه ضامن فيؤدي ويستوفي الضامن منه، ولا يشاركه الآخر.

ويجوز للشريكين أن يصطلحا كلّ حصّةٍ بأخرى فيستوفيان، ولا يشارك أحدهما الآخر.

وكذا يجوز أن يحيل بعضهم بعضاً ويستوفيان كذلك.

وكذا يجوز أن يؤجل أحد الدينين بعقد لازم ويستوفي صاحب الحال، ولا يشاركه صاحب المؤجل.

ويجوز أن يفرّق الصفقة في المال المشترك فيبيع كلٌّ منهما نصيبه مستقلاً ويستوفي، ولا يشاركه الآخر.

ويجوز أن يستوفي أحدهما منه من غير إذن الشريك بنية أنه لهما، فيكون فضولياً موقوفاً على الإجازة.

ويجوز أن يستوفي له بنية أنه له خاصة ولا يكون آثماً، وليس كالتصرف بالمال المشترك كي يحرم الاستيفاء.

وهذا كله لا كلام فيه، إنّما الكلام أنّ الشريك لو استوفى بنية أنه له ودفع الغريم إليه ذلك بتلك النية، فهل للشريك مشاركته في ذلك إن شاء وله أن لا يشاركه فيرجع على المديون، أو ليس له بل ينفرد المستوفي بما استوفى؟ قولان، قيل بالأوّل (1)، ونُسب للمشهور (2)، ونُقل عليه الإجماع (3)، وهو الأقوى والأظهر والأشهر.

والظاهر أن ذلك فيما لم يؤخذ عدم المشاركة بعقد لازم أو شرط فيه. فلو أخذ كذلك لم يكن لأحدهم الرجوع.

وفى إسقاط حقه بنفس رضاه باختصاص الشريك فيه وجه.

وظاهرهم: عدم الفرق بين إمكان استيفاء شريكه من المديون وبين عدمه؛ لامتناع منه أو لعسر، وأن المقبوض يكون نصفه ملكاً تاماً للقابض فنماؤه له وتلفه عليه.


1) ممن قال به الشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 336، المسألة 15؛ والمبسوط 2 : 358.

2) نسبه للمشهور البحراني في الحدائق الناضرة 21 : 179.

3) غنية النزوع 1: 265.

وأما النصف الآخر فهل يملكه ملكاً متزلزلاً فإن رجع شريكه على المديون استقر ملكه عليه؟ وإن رجع عليه فسخ ملكه من حينه فنماؤه للقابض وعينه للشريك بعد الفسخ، أو أنه فسخ من أصله؟ أو أنّه لا يملكه القابض ابتداءً كالفضولي، فإن أجاز الشريك ورجع إلى المديون كانت كالإجازة، فإن قلنا: إنها كاشفة، فنماؤه للقابض، وإن قلنا: ناقلة، فنماؤه للشريك، وإن لم يجز كان نماؤه للقابض؛ لظهور عدم الملك من أصله؟ أو أنه لا يملكه القابض ولا الشريك، بل يبقى على حكم مال المديون ونماؤه له إلى أن يرجع الشريك عليه فيستقرّ للقابض، أو على القابض فيستقرّ للشريك ؟ وجوه، أوجهها بحسب القرب للقواعد: الأوّل، وبحسب ما يظهر من الفقهاء: الثاني.

وعلى كل حال، فلو تلف كان مضموناً على القابض؛ لعموم «على اليد» (1)ولأنه مقبوض على أنه مضمون على قابضه.

وهل يرجع الشريك عليه بعد التلف بالمثل أو القيمة أم لا؟ واحتمال بطلان الرجوع عليه بعد التلف قوي، وهو ظاهر الفقهاء على هذا المذهب، سواء كان الاختيار قبل التلف أو بعده.

وهل الاختيار فوري أو متراخي؟ وجهان.

ويدلّ على هذا القول - وهو رجوع الشريك على شريكه في الجملة -: الأخبار المتكثّرة المعتبرة المشتملة على الموثقات، كموثق عبد الله بن سنان (2)، وموثق محمد بن مسلم (3)، وموثق معاوية بن عمار (4)وعلى الصحيح، كصحيح سليمان بن خالد (5)، وعلى غيرها (6)، إلا أنّ موردها في شريكين بمال منه دين ومنه عين فاقتسما العين واستوفى أحدهما نصيبه من الدين ولم يستوف الآخر، وفي كثير منها : أن نصيب الآخر هلك وتوى، فقال الإمام (علیه السلام): «ما اقتضى أحدهما فهو بينهما، ما يذهب بماله» وفي جملةٍ منها : أيردّ على صاحبه؟ فقال (علیه السلام): «نعم، ما يذهب بماله فيمكن الاقتصار على موردها من الاثنينية، ومن كون المال دَيناً وعيناً، ومن


1) راجع ص 102، الهامش (1) .

2) وسائل الشيعة 19 : 12 - 13، الباب 6 من أبواب كتاب الشركة، ح 2.

3) المصدر : 12، ذيل الحديث 1.

4) المصدر : 12، ذيل الحديث 1.

5) المصدر 18 : 370 - 371، الباب 29 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

6) المصدر 19 : 12، الباب 6 من أبواب كتاب الشركة، ح 1.

كون دين الشريك لا يمكن استيفاؤه، إلا أنّ المشهور لم يفصلوا في ذلك، والإجماعات المنقولة مطلقة.

نعم، يمكن أن يقال: إن ظاهر هذه الأخبار أنّ المال للشريك لا يملكه القابض لإسناده إليه وإضافته له فيها، فعلى ذلك يكون القابض بمنزلة الفضولي، ويكون رجوع الشريك إليه فسخ من أصله.

وقد يؤيّد هذا القول بأن المال في الذمة كلّي مشترك والمدفوع فرد منه، فإذا دفع إلى أحدهما فإنّما دفع عمّا في ذمته من المال المشترك فيكون الفرد المدفوع أيضاً مشتركاً، واقتسام الكلّي في الذمة غير صحيح، واقتسام ما بين الفرد الخارج وبين الباقي في الذمة غير صحيح أيضاً؛ لعدم الدليل عليه.

وما ورد في الصحيح في رجلين اشتركا في السَّلَم أيصلح لهما أن يقتسما قبل أن يقبضا؟ قال: «لا بأس» (1)محمول على الصلح أو الحوالة، أو أخذ عدم رجوع كلٍّ منهما على الآخر بما استوفاه بعقد لازم أو بشرط فيه، أو بإسقاط حقه من الرجوع إليه لو قلنا بلزوم مثل هذا الإسقاط، مع احتمال صحة اقتسام ما في الذمة كما يظهر من هذا الخبر ومن غيره إلّا أنّها لا تستقر إلا بقبض الشريك كما يظهر من الأخبار.

وقيل بالثاني (2)، ونُسب إلى ابن إدريس (3)محتجاً بأنّ كلّ واحدٍ منهما له أن يبرئ الغريم ويهبه ويصالح على شيءٍ منه، فكما لا يشارك مَنْ وهب أو صالح الآخر فكذا لا يشاركه هو لو استوفى، وبأنّ متعلّق الشركة كان عيناً وقد ذهبت، ولم يبقَ إِلَّا دَيْنٌ في الذمة، فإذا أخذ أحدهما حقه منه لم يكن قد أخذ عيناً من أعيان الشركة، بل أخذ من أمر كلّي في الذمة لا يتعيّن إلا بقبض المالك أو وكيله ، وهنا ليس كذلك؛ لأنه إنما قبض لنفسه.

وأورد عليه: بضعف الملازمة في الأوّل؛ لسقوط حق الشريك من رأس في هذه الصور دون ما نحن فيه، وأنه قياس، وبأن الثاني وإن كان قوياً في نفسه، وله مؤيدات أُخر أيضاً - مثل: أن المقبوض إما أن يكون مالاً مشتركاً أو لا، فإن كان الأوّل لزم على تقدير تلفه أن يتلف


1) وسائل الشيعة 18: 371، الباب 29 من أبواب الدين والقرض، ح 2.

2) قواه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 338.

3) السرائر 2 : 402 - 403؛ ونسبه إليه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 335.

منهما وتبرأ ذمة الغريم منه، وإن كان الثاني لم يكن للشريك فيه حقٌّ، وأن الشريك لو نهى القابض عن قبض حقه فإن تمكن من المطالبة بحصته لزم أن لا يكون للشريك فيها حق. وإلا امتنع عليه قبض حقه لمنع الشريك إيّاه، وأنّ الشريك لو كان حقه بيد القابض لبرأ المديون من حقه؛ لاستحالة بقاء الدين في الذمة مع قبض عوضه، وأنه لو كان للشريك في المدفوع حق لزم وجه قبح، وهو تسلّط الشخص على قبض مال غيره من دون إذنه، وأنه لو وجب على المديون الأداء بمطالبة القابض - كما هو المفروض - لزم أن لا يكون للشريك فيه حقٌّ؛ لاستزام أدائه له استحقاق قبضه له فيمتنع أن يكون للشريك فيه حق؛ لاستلزامه المنع من الأداء له، وكلّ هذه اللوازم دالّة على اختصاص المستوفي بماله - إلا أنه مبني كمؤيداته على أنّ حق الشريك متعين في المقبوض على وجه الشركة، وليس كذلك؛ لأن القائل بجواز رجوع الشريك على المستوفي يقول: إن المستوفي مالك لما قبضه ملكاً تاماً بالنسبة إلى نصيبه ومتزلزلاً بالنسبة إلى النصيب الآخر؛ للإجماع على أنه له المطالبة بحقه وعلى المديون دفعه إليه ولا يجوز له الامتناع منه، وأنّ الشريك إذا لم يختر المشاركة اختص به، إلا أن ما في الذمة لما كان أمراً كلّيّاً وكان إذا طالب أحد الشركاء استحق الوفاء؛ لأن الديان له التسلّط على تحصيل دينه، فإذا أقبضه المديون شيئاً معيناً من ماله فقد تراضيا على حصر الكلّي في الفرد المقبوض وحيث كان أصل الدين كلّيّاً مشتركاً فللشريك إجازة هذا القبض للقابض فيشاركه فيه، وله أن لا يجيز ويرجع إلى المديون فيختص به.

واحتمال أن تعين الكلّى متوقف على رضى الشريكين فبدونه يبطل حق القابض فلا يملك أصلاً؛ لأنّ التعيين بالنسبة إلى واحدٍ دون آخر ترجيح من دون مرجح، مدفوع بأن القابض رضي بتعين حقه في المقبوض فيملكه، ويتوقف استقراره على عدم اختيار الشريك مشاركته، فإن اختار بطل التعيين؛ لعدم حصول الشرط، وإن لم يختر بقي ماله في ذمة المديون (1).

وفي هذا الكلام تأمل؛ لظهور نوع من التناقض عليه.

فالأوجه أن يقال: إن الاقتسام إن تعلّق بالذمم بطل؛ لعدم الدليل على صحة قسمة ما فيها، وما يظهر من بعض الأخبار (2)من جوازه محمول على القسمة العرفية لا الشرعية، وإن تعلّق بما بين ما في الذمم والأعيان فكذلك.


1) راجع مسالك الأفهام 4 : 335 - 337.

2) راجع ص 270.

وإن دفع المديون على وجه الشركة لغرمائه شيئاً على وجه الشركة اشتركا فيه.

وإن دفعه لواحدٍ على وجه الوفاء له بعينه - لا على وجه الاقتسام - بعد نية أنه مشترك، كان مقتضى القواعد صحة دفعه ولزومه، إلّا أنّ الأخبار (1)قد دلّت على جواز مشاركة الشريك له ما دامت العين باقية، ملاحظة لاشتراكهما في كلّيّ الذمة.

وعلى جواز رجوعه إلى الغريم، فإن رجع على الغريم بقي ملك القابض على حاله، وإن رجع على القابض أخذ منه بحكم الشارع فيكون فسخاً من حينه، وتنزل الأخبار الدالة على أنه ماله (2)على علاقة الأول، لا على أنّه ماله حقيقةً.

ثالث عشرها : حكم ما إذا اشترك جماعة في حيازة المباح

ثالث عشرها: إذا اشترك جماعة في حيازة المباح - كما إذا نصبوا شبكة أو رموا سهماً لطائر - اشتركوا فيه.

وإن انفرد أحدهما فإن نوى الحيازة له اختص به، وإن نوى أنه له ولغيره وكان وكيلاً عن الغير صحت حيازته عن الغير واشتركا أيضاً، وإن كان فضوليّاً احتملت الصحة وأنه يكون للغير، واحتمل أنه يكون له؛ لوضع يده عليه واليد قاضية بالملكية، وتكون نية أنه لغيره لاغية، واحتمل أنّه لا يكون لأحدٍ ؛ استصحاباً لإباحته، ولأن نية أنه لغيره مانعة من التملك.

وتحقيق المقام: إنّ مَنْ حاز شيئاً فنوى الحيازة لنفسه وأنّ المحاز له ملكه؛ لأدلّة الحيازة (3)القاضية بذلك، ولا نعني بنية التملك سوى نيّة أنّ الشيء له ويختص به؛ لأن نية التملك الشرعية لا يفهمها العوام غالباً.

وإن لم يَنْوِ الحيازة أصلاً - كالساهي والغافل والمجنون والطفل إذا لم يكن لهم تمييز - لم يملك المحاز؛ للأصل.

وإن نوى الحيازة ولكن لم يَنْوِ أنّ المحاز له، بل نوى أنّه لغيره أو أنه ينتفع به ما دام محتاجاً له ثم يبقى لمن يريده، أو أنه قبضه ليدفعه عن الطريق أو يرمي به شخصاً أو يدفع ضرره عن الناس، فالأقوى إنّه لا يملكه هو.


1) راجع ص 269، الهامش (2 و 6).

2) راجع وسائل الشيعة 19 : 12، الباب 6 من أبواب كتاب الشركة.

3) راجع المصدر 25 : 411، الباب 1 من أبواب كتاب إحياء الموات.

نعم، إن صحت الوكالة في مثل ذلك أو الفضولية فتعقبت الإجازة ملكه الغير، كما هو الأقوى، وإلا فلا يبقى مملوكاً لأحدٍ.

وإن نوى الحيازة فقط ولم يَنْوِ شيئاً غير ذلك، ففي ملكه له وعدمه وجهان: من قضاء اليد بالملك؛ لجواز الشهادة به بمجردها، وكونها سبباً في الجملة قطعاً، والأصل عدم مدخلية شيءٍ آخر من نية تملك أو غيرهما، ومن أصالة عدم الملك في غير المقطوع به من الحيازة والنية، ولأنّ الفقهاء حكموا بأنّ مَنْ صاد سمكةً فباعها فما وجد في بطنها فهو للمشتري مع تحقق حيازة البائع أولاً إلا أنه لم يَنْوِ التملك.

ودعوى أنه لم يَنْوِ الحيازة؛ لأنّ حيازة السمكة ليست حيازة لما في بطنها من الأجزاء الخارجية وإن كانت حيازة لما في بطنها من الأجزاء الداخلية كما يشهد العرف بذلك، ولأنّ المحاز لا بد من العلم به والقصد إليه إجمالاً ولو تبعاً، وما في بطن السمكة ليس كذلك، ممنوعة؛ لقضاء العرف بالحيازة في مثل ذلك؛ لأنّ المعقول منها عرفاً هو وضع اليد والاستيلاء على المحاز من دون افتقار إلى شيءٍ آخر، ولأن نية حيازة العين المشتملة على أُخرى نية لحيازة الأخرى إجمالاً، وإن لم يكن فليست نية لعدمها.

وقد يرد على الأخير بمنع كون تلك النية قاضية بنية حيازة العين الأخرى إجمالاً، وبمنع عدم اشتراط نية الحيازة، وكفاية عدم نيّة العدم؛ لما تقدّم من الأصل.

وعلى كل حال، فالحكم بما ذكرناه إنّما هو بالنسبة إلى الواقع، وأما بالنسبة إلى الظاهر فاليد بحسب الظاهر قاضية بالملكيّة ما لم يعلم الخلاف فمن علمنا أنه حاز شيئاً حكمنا بملكه له وصحة بيعه له وحرم علينا التصرّف فيه، وأما هو فيما بينه وبين الله تعالى فيرجع إلى الحكم المتقدم، والأظهر فيه التملك بمجرد نية الحيازة ووضع اليد؛ للسيرة القاضية بذلك، ولظاهر بعض الأخبار في إحياء الموات (1)، ما لم يعلم الخلاف، كالحيازة الصادرة من المجنون وغير المميز والناوي عدم الملك، وشبههم.

وعلى ما ذكرنا، فلو دفع شخص إلى سقاء وشبهه راويةً وشبهها ودفع آخر دابةٌ أو شبهها فحاز ماءً في الراوية، فإن نوى أنّه له أو لم يَنْوِ شيئاً أو نوى له ولهم وقلنا: إن نيته لاغية بل


1) راجع ص 272، الهامش (3) .

يكون له قهراً أو يبقى على الإباحة كان الماء له فيما عدا الصورة الأخيرة، وعليه في جميع الصور أجرة الراوية والدابة، ولا شركة لهم في الماء، وإن شرطوا الاشتراك في الحاصل وقع الشرط باطلاً.

وإن نوى أنه لهم وقلنا بصحة النية ووقوع المنوي، كان لهم، وعليهم أجرة مثل عمله، وعلى بعضهم بعضاً أجرة مثل ما له بالنسبة إلى حصة صاحبه.

وإن نوى أنه له ولهم، اشتركوا فيه جميعاً؛ بناءً على صحة النية ووقوع المنوي، وتكون الأُجرة عليهم أثلاثاً، فيرجع كلّ واحدٍ على كلّ واحدٍ منهما بثلث أُجرته، ويدفع كلّ واحدٍ لكلّ واحدٍ منهما ثلث أُجرته، ويسقط من كلّ واحدٍ ثلث أُجرته.

وكلّ من اشتركا شركة أبدان بطلت شركتهما، فإن اختلطت أُجرة أعمالهما كان لكلّ واحدٍ منهما أجرة مثل عمله، فلو زاد قسم بينهم بالسوية أو اقترعوا عليه أو تصالحوا عليه.

ويحتمل أنّ عليهما الصلح ابتداء عند الاشتباه.

ويحتمل انقسام الحاصل عليهم بالسويّة؛ لأصالة عدم زيادة مال أحدهم على صاحبه في العمل، وأصالة عدم الزيادة في الأجرة.

والأخير ضعيف.

رابع عشرها: حكم ما لو باع أحد الشريكين سلعة بينهما فادعى المشتري تسليم الثمن للبائع فصدقه الشريك وكان البائع وكيله

رابع عشرها: لو باع أحد الشريكين سلعةً بينهما فادعى المشتري تسليم الثمن للبائع فصدقه الشريك وكان البائع وكيله، برئ المشتري من حق الشريك؛ لاعترافه بالتسليم إلى وكيله، وقبلت شهادة الشريك للمشتري على البائع في القبض؛ لعدم التهمة؛ لأنه لم يشهد لنفسه بل على شريكه، والشهادة على الشريك مقبولة إذا لم يشاركه بها، كما إذا اختار الرجوع على المشتري وأخذه بطريق لا يستحق معه عليه شيئاً.

هذا إذا كانت شهادته على قبضه لحصته خاصة، أما لو كانت على قبض الجميع ففي قبولها إشكال؛ لعدم سماعها بالنسبة إلى حصة الشاهد فتتبعض الشهادة، وفي قبول الشهادة المبعضة وجهان.

ولو أقام الشريك بينة على البائع بقبض حصته رجع إليه، وليس له رجوع على المشتري؛ لإقراره بوصول الحق إلى وكيله. وإن لم يُقم بيّنةً على قبض حصته حلف البائع على عدم القبض وبطل رجوعه إليه؛ لمكان اليمين وإلى المشتري؛ لإقراره ببراءة ذمته.

وإن نكل البائع أو ردّ اليمين، حلف الشريك وأخذ الحق منه، وليس للبائع إذا أخذ الشريك حقه منه بيمينه المردودة أن يرجع إلى المشتري بقدره لاعترافه بأن الشريك ظالم له بادعائه إيصال حقه إليه من المشتري وبراءة المشتري منه ولانعزاله عن وكالة الشريك بفعل موجبها على مدعاه أيضاً، فليس له الأخذ من المشتري لا من جهة الوكالة ولا من جهة المقاصة، ولا من جهة أنّه قد وفى دين المشتري عنه فيعود إليه.

ولو أنكر البائع وصول الثمن إليه من المشتري وليس للمشتري بينة، حلف على عدم الوصول وأخذ منه حقه، ولا يشاركه الشريك إن أقرّ بوصول حقه إليه، وإلا شاركه فيما يستوفيه، وله عليه اليمين أنّه لم يستوف من المشتري على الأظهر.

وإن رد اليمين على المشتري فحلف، انقطعت عنه الخصومة.

وإن نكل، ألزم بنصيب البائع وإن لم نقض بالنكول؛ لأصالة بقاء حق البائع في ذمته. ومتى ثبت الأداء للبائع بالبينة كان للشريك الأخذ منه بظاهر الشرع، ومتى ثبت الأداء بشاهد ويمين أو باليمين المردودة، لم يكن للشريك الرجوع عليه ما لم يقطع بذلك؛ لأنّ الشاهد واليمين المردودة إنّما يثبتان ما بين المتخاصمين ولا يثبتان حقاً لغيرهما، ومثلهما نكول البائع.

ولو ادعى المشتري تسليم الثمن إلى الشريك، لم يبرأ المشتري من حقهما معاً، أما الشريك: فلإنكاره، وأما البائع: فلعدم إذنه له بقبضه، فإذا ادّعاه البائع فاستوفى منه حقه شاركه الشريك بنصف ما أخذ إن كان المال بينهما نصفين، وليس للبائع أن يرجع على المشتري بما أخذه الشريك؛ لاعترافه بظلم الشريك له، ولعدم كونه وكيلاً عنه؛ لانعزاله بقبض الشريك، ولعلمه ببراءة ذمة المشتري، وللشريك أن يستكمل حقه من المشتري، وله أن يأخذ تمام حقه منه.

وإن أقرّ الشريك بوصول حقه إليه فقط، كان للبائع مشاركته، وله أن يرجع للمشتري بجميع حقه.

وإن أقرّ بوصول الجميع إليه، كان للبائع الرجوع للمشتري؛ لأنه ليس وكيلاً عنه، وله أن يرجع إليه بإذن البائع، وربما كان الدفع إذناً.

وهل تقبل شهادة البائع على الشريك في قبض الثمن لبقاء حق البائع على المشتري فلا تهمة، وليس الشريك وكيلاً عنه ولا مأذوناً كي تتبعض الشهادة؟ أو لا تقبل؛ لأنها تجرّ نفعاً، وهو عدم مشاركة الشريك له لو استوفى حقه من المشتري ؟

ويمكن دفع هذه التهمة بإمكان انفراد الشريك بالاستيفاء كما تقدم، فلا يتوجه حينئذ رد شهادته.

ولو شهد البائع على الشريك بقبض حقه فقط احتمل عدم سماعها؛ لأنّها تجرّ نفعاً بالمشاركة له لو أرادها، واحتمل سماعها في الرفع دون غيره فلا يشاركه فيه.

خامس عشرها: حكم الشركة فيما لو كان من واحدٍ دكان ومن آخر رحى ومن ثالث بغل ومن رابع عمل

خامس عشرها: لو كان من واحدٍ دكان ومن آخر رحى ومن ثالث بغل ومن رابع عمل فاشتركوا في الحاصل بطلت الشركة، فإن كان المستأجر للطحن واحداً منهم كانت له الأجرة، ولهم عليه أجرة مثل ما لهم، وإن كانوا جميعهم ألزموا الطحن أرباعاً واستحقوا الأُجرة أرباعاً. وكان لكلّ واحدٍ الرجوع على الآخرين بربع أجرة مثل ماله، ولا فرق بين أن تكون أُجرة المثل لهذه الأشياء بقدر ربع المسمّى أو زائداً أو ناقصاً، فلو كان المسمّى عشرين كان لكلّ واحدٍ خمسة، فلو كانت أُجرة مثل مال كلّ واحدٍ منهم أربعة رجع بثلاثة دراهم على كلّ واحدٍ درهم.

ولو استأجر الدكان والبغل والرحى والعامل للطحن بقدر معين، كان لكلّ واحدٍ منهم أُجرة مثل عمله أو ماله، فإن زاد المسمّى قسم بالنسبة، وإن نقص نقص بالنسبة.

خاتمة: في أنه يتولّى الولي القسمة مع الغبطة

خاتمة: يتولى الولي القسمة مع الغبطة، فلو تبين عدمها بعد القسمة ففي فسادها وجهان.

ولو تبين الخطأ في القسمة بزيادة أحد النصيبين كان لهم إمضاؤها وإرجاع الزائد، ولهم إعادتها وفسخ القسمة الأُولى.

ولو كان في القسمة زيادة في أحد النصيبين لم تكن مملكةً إلا بعقد غيرها؛ لعدم ثبوت أنّها مملكة بنفسها والحال ذلك.

وفي دخول شرط الخيار فيها وجهان.

ولو كان أحد الشريكين مغبوناً، كان له فسخ القسمة.

ولو كان الشيئان معزولين، كانت قسمتهما اختصاص كلٍّ منهما بواحد.

ويكفي في القسمة كل ما دلّ على التراضي.

و تشرع فيها الإقالة على الأظهر.

ولو كان بينهما دار أو خان متسع، أجبر الممتنع على القسمة بأن يقسم كلٌّ منهما على حده، ولو طلب أحدهما قسمة الدار والخان على أن يكون لكلّ واحدٍ واحد لم يجبر الممتنع.

وكذا لو كان بين الشريكين دور أو عضائد فطلب أحدهم الاستقلال بواحدٍ منها وللآخر الباقي، لم يُجبر الممتنع، بل ربما يخرج ذلك عن مسمّى القسمة، ويكون الملك بالبيع أو الصلح أو نحوهما.

ولو كان بين اثنين دار أو نحوها فطلب أحدهما قسمة بعضها دون بعض أو قسمة العلوّ دون السفل أو بالعكس، لم يُجبر الممتنع؛ لأنّ القسمة لرفع الضرر، ومع بقاء الإشاعة في الشيء الواحد لا يرتفع.

ولو كان بين شريكين أرض فيها زرع فطلب أحدهما قسمة الأرض أو الزرع، أُجبر الممتنع، وإن طلب قسمتهما على أن يدخل الزرع في الأرض بالتعديل، لم يُجبر.

ولو كان في الأرض بناء أو غرس فطلب أحدهما القسمة بالتعديل حالة الانضمام، أجبر الممتنع؛ لأن البناء والغرس تابع لهما.

ولو ظهر عيب في أحد القسمين، فلصاحبه الخيار بين الفسخ والأرش.

ولو جاء غاصب لحصة أحد الشريكين دون الآخر وكان المغصوب منه حاضراً، أجبر على القسمة وإن أخذ حصة الغاصب بعدها، وإن كان غائباً فلا يبعد جواز تولّي المالك القسمة فيعزل سهمه وإن أخذه الغاصب بعد العزل كلّ ذلك لمكان الضرر والضرار.

لا يقال: إنّ في القسمة ها هنا ضرراً أيضاً فلا يُجبر الممتنع.

لأنا نقول: نريد بالضرر المانع هو الناشئ من نفس القيمة، لا من أمر خارج.

تم كتاب الشركة، ويتلوه كتاب المضاربة إن شاء الله والحمد لله أوّلاً وآخراً، وصلى الله على محمد وآله.

كتاب المضاربة

كتاب المضاربة

معنى المضاربة وتسميتها عند أهل الحجاز قراضاً

وهي مأخوذة من الضرب في الأرض، فالعامل يضرب فيها للسعي إلى التجارة غالباً وابتغاء الربح، وينزل طلب المالك له بمنزلة الضرب؛ لأنه سبب فيها، فتتحقق المشاركة في المبدأ، أو من ضرب كلٍّ منهما بسهم من الربح، أو من ضرب المال وتقليبه.

وتُسمّى عند أهل الحجاز قراضاً من القرض، وهو القطع، كأن المالك اقتطع قطعةً من ماله فسلّمها إلى عامله أو اقتطع له قطعةً من الربح في مقابلة عمله، أو من المقارضة وهى المساواة كقوله: قارض الناس ما قارضوك (1)، وتساويهما إما في أصل استحقاق الربح، أو في كون العمل من أحدهما والمال من آخر، ويقال على الأوّل للعامل: مضارب - بالكسر - ولم يشتق للمالك من المبدأ شيء. وعلى الثاني يقال للمالك: مقارِض - بالكسر - وللعامل مقارض - بالفتح -.

والظاهر أن المضاربة من المنقولات الشرعيّة، لاستعمالها في الأخبار (2)كثيراً.

وهي عبارة عن دفع المال لغيره ليعمل فيه بحصّةٍ من ربحه، أو العقد الدال على دفع المال بتلك الحصة، ويراد بالمال العين.

ولو أردنا حد الصحيح منها لقلنا: دفع مال شخصيّ من النقدين لغيره ليعمل فيه للاسترباح بحصة من ربحه معلومة الكسب.

وهو عقد من العقود المستقلة وإن أفاد ثمرات عقود أُخر إذا وقع صحيحاً أو فاسداً،


1) هو قول أبي الدرداء، كما في الزاهر : 304؛ ولسان العرب 7 : 217، «ق رض».

2) راجع ص 287.

فيثمر ثمرة الوديعة بالنسبة إلى قبض المال من العامل سيما مع عدم ظهور الربح وثمرة الشركة مع ظهوره، وثمرة الوكالة بالنسبة إلى تصرفه، وثمرة الإجارة مع فساده، وثمرة العقد المضمون مع تعديه أو تفريطه.

فالقول بأنّه عقد مركب من عقود كثيرة غير متجه.

والكلام يقع في مواضع:

أحدها: في العقد وما يشترط فيه

أحدها: في العقد، ولا بد فيه من إيجاب وقبول، ولا يكفي الإيجاب؛ للأصل، ولأنّ المشكوك بكونه عقداً أو لا، لا يحكم بعقديته.

ويجزئ في الإيجاب الصريح كـ «قارضتك» و «ضاربتك» وغير الصريح كـ «خذ هذا واتجر به والربح بيننا نصفين» ونحو ذلك.

وكذا يجزئ في القبول الصريح كـ «قبلت» و «رضیت» وغير الصريح كـ «نعم» و «أخذت» لأنّه من العقود الجائزة إجماعاً فيكتفى فيها بكلّ لفظ ؛ لثبوت التسامح فيها، كما يظهر من الفتاوى والأخبار.

ويجزئ في القبول الفعل الدال على الرضى.

وهل يكفي في الإيجاب؟ الظاهر ذلك إذا تضمن معاطاة؛ لجوازها في اللازم ففي الجائز بطريق أولى، وإن لم يتضمّن معاطاةً ولم يقترن بلفظ - كالإشارة والكتابة - فالظاهر عدم الاعتداد به .

وذكر بعضهم إن دفع مالاً لتاجر على أن يتجر به، فإن اشترط الربح بينهما فهو مضاربة، وإن اشترطا أنّ الربح للعامل فهو قرض، وإن اشترطاه للمالك فهو بضاعة، وإن لم يشترطا شيئاً فهو للمالك وعليه أجرة المثل (1).

وهو في الأوّل متجه؛ لأنّ القراض لا يفتقر إلى صيغةٍ خاصة، ويكفي فيه ما يدلّ عليه قولاً وفعلاً، والدفع مع الشرط دليلان عليه.

وفي الثاني مشكل كما استشكله بعض (2)؛ لأنّ القرض مفتقر إلى ما يدلّ عليه ولو بغير


1) العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 17 : 5، المسألة 191؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 343 - 344.

2) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 10 : 227 .

الصريح، والدفع مع اشتراط كون الربح له لا يدلّ على القرض وإن كان هذا من أحكامه؛ لاحتمال كون قصده بقاءه أمانةً عنده، ويكون الربح له عوض ذلك أو عطية منه أو نحو ذلك.

كما أنه قد يشكل ثبوت أجرة المثل في الثالث والرابع؛ لأصالة البراءة، وعدم دليل على شغلها سوى الأمر، وهو لا يُثبت شغل ذمّةٍ، إلا إذا كان للمأمور له أُجرة عادة على المأمور به سوى الأمر به عند صدور الأمر لأمثاله، وكونه هنا كذلك محل كلام، فإن كان فهو في بعض المقامات دون بعض.

وأجاب بعض المتأخرين عن الأوّل: بأنّ مرادهم أن اشتراط الربح للعامل لا يكون إلا بالقرض، لا أنّ اشتراط ذلك دليل على القرض، على أنه يمكن كونه قرضاً بنفس الشرط؛ لما ورد في الصحيح: «مَنْ ضمن تاجراً فليس له إلا رأس ماله» (1)وفي آخر قريب إليه: فيمن ضمن المضارب (2)، والتقريب فيهما أنه إذا كان مجرد التضمين قرضاً كان اشتراط الربح للعامل أيضاً كذلك؛ لأنه بمعناه، وكلٌّ منهما من لوازم القرض (3).

وفيه: أن التنزيل الأوّل خلاف الظاهر منهم والاستدلال بالرواية غير صالح؛ لاحتمال كونه من التعبديات، أو أنه في الصدر الأوّل كان مما يدل على القرض، أو أن الربح بقدر أجرة العمل عند فساد المضاربة.

وأجاب آخرون عن الثاني: بأن العمل ها هنا تثبت له أُجرة؛ لأنّ له في العادة ذلك، فقد أقدما في صورة الإطلاق على عمل لم يتبرع عامله به عادة، كالدلال والسمسار، ومَنْ كان كذلك فله أجرة، بل وفي صورة ما إذا صرّح بالبضاعة كذلك، إلا أن يقوم عرف أو قرينة على عدم الأجرة كأن يشترط عليه ذلك، أما لو صرّح بالأجرة فهو مع التعيين إجارة، ومع عدمه جعالة، ومع فساد أحدهما فله أجرة المثل.

ويشترط في عقدها التواصل بين الإيجاب والقبول على الأظهر لقيام احتمال الإعراض بدونه، فلا ينافيه كونه من العقود الجائزة فيغتفر فيه كلّ شيء.

ولا يشترط فيه تقديم الإيجاب على القبول ولا كونهما عربيّين، سواء كانا عربيين أو غيرهما، ولا كونهما على وفق العربية.


1) وسائل الشيعة 19 : 22، الباب 4 من أبواب كتاب المضاربة، ح 1.

2) المصدر : 23، ح 2.

3) الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 333.

ويكفي فيهما الجملة الاسمية والفعلية الماضوية وغيرها.

ولا يصح تعليق عقدها؛ لمنافاة التعليق لسائر العقود، فلا يكون من العقود المتعارفة ولا يتفاوت بين التعليق على شرط كـ «أنت مضارب إن جاء زيد» أو على وصف، فلا يصح التوقيت في مبدئها كما يقول: «أنت مضارب بعد شهر أو بعد مجيء زيد».

ويصح التعليق على المحقق الموجود كـ «أنت مضارب إن كنت موجوداً، أو إن كانت الشمس طالعة» مع العلم بها.

وتجويز التعليق لكونه من العقود الجائزة كما جوّزه بعضهم مطلقاً (1)لا وجه له.

ولا يصح فيها الترديد ولا إبهام المضارب كـ «من دخل الدار فهو مضارب» ولا الترديد في المال المضارب به.

ويصح إطلاقها وتقييدها في وقتٍ خاصّ، وفائدته منع التصرف بعده، ويجوز أن يقول: «ضاربتك إلى سنة» وله أن يقول: «ضاربتك بكذا» أو «لا تتصرف بعد سنة» إمّا مطلقاً أو يقيده بتصرف خاص فليس له أن يتصرّف.

وعقدها من العقود الجائزة لكلٍّ منهما فسخه قبل العمل وبعده قبل الإنضاض وبعده، إلا أن المالك لو فسخ بعد العمل قبل الإنضاض أو بعده ولم يظهر ربح فعليه للعامل أجرة المثل؛ لاحترام عمله ولم يكن في مقابله عوض، ولو فسخ بعد ظهور شيء من الربح وإن قلّ كان له شرطه منه كما إذا جاء الفسخ من غير المالك، مع احتمال أن الفسخ لو جاء من المالك مطلقاً قبل ظهور الربح لم يكن للعامل شيء؛ لإقدامه على عقد جائز محتمل لعدم سلامة شيء له، إما بفسخ المالك له أو بانفساخه أو بنقصان رأس المال بقدر الربح فيكون جابراً له، أو لغير ذلك من الاحتمالات فلا يستحق شيئاً.

ولو كان الفسخ من [طرف] المالك اضطراراً بجنون أو شبهه ففي استحقاق العامل أجرة المثل وعدمه وجهان.

ولو كان من طرف العامل بجنون أو شبهه فالأوجه أنه لا شيء له سيما إذا كان الفسخ بعد تقليب العامل وظهور خسرانه مرّةً ومرتين.


1) راجع الحدائق الناضرة 21: 204.

ويصح وقوع عقد المضاربة من المالك لنفسه.

وهل يجوز أن يضارب لغيره فيجيز الغير فيكون المال أو الربح له؟ فيه وجهان، والمنع قوي.

ويجوز أن يضارب الوكيل والولي في مال الموكل والمولّى عليه مع المصلحة لأنفسهما ولغيرهما؛ إلّا أنّ الأحوط في الوكيل الترك، سواء تولّى الإيجاب والقبول معاً بنفسه أو وكل غيره في أحدهما.

ويصح أن يضارب بمال الغير فضولاً عن الغير مع إجازته.

وهل يجوز أن يضارب بمال الغير عن نفسه فيجيز له الغير فيملك المال أو الحصة؟ وجهان، والمنع قوي.

ولا يكفي في عقدها الإشارة ولا الكتابة إلا مع العجز عن اللفظ فتكفي الإشارة، ومع العجز عنها فالكتابة.

ولا يجب التوكيل عند العجز عن اللفظ، أما من الأخرس وشبهه فلا إشكال، وأما من غيره ممن عرض له ما يمنع من الكلام ولكن يترقب زواله لدهش أو مرض فالأقوى أيضاً أنّ له الانتقال للإشارة مطلقاً، ولكن التوكيل أحوط.

ولا بد في عقدها من القصد إلى اللفظ والمعنى، فلا تصح من المجنون أو الطفل أو السكران أو المغمى عليه أو المدهوش أو الناسي أو الغافل أو الجاهل للمعنى أصلاً، أو الغالط أو الهازل أو المكره أو الملجأ.

ولا بد من اقتران القصد بصيغةٍ خاصة، فلو أتى بصيغ قاصداً حصول المضاربة بإحداها من دون تعيين بطلت، ولو قصد المضاربة بالجميع صح الأوّل وفسد الأخير، ولو قصدها بالمجموع ففي الصحة والبطلان وجهان.

ولو فكك الصيغة على وجه أخلّ بهيئتها فسد العقد، إلا إذا قصد المعاطاة.

ولو فعل حراماً بالنطق - كنطق الامرأة أو لأنه غناء أو لأنه تصرّف في ملك الغير كوقوعه من عبد الغير أو في دار الغير - صح العقد وإن أثم.

ويشترط وقوع الصيغة من البالغين، ويشترط إتمام الصيغة منهما جامعة للشرائط مستمرة من أوّلها إلى آخرها.

وهل يشترط سماع كلٍّ منهما صيغة الآخر، أو لا؟ والأقوى قيام العلم مقام السماع.

ويشترط في المتعاقدين عدم السفه، إلا مع إجازة الولي فالصحة أقرب.

والأظهر اشتراط قصد الاستماع من كلٍّ من المتعاقدين؛ لأؤله مع عدمه إلى عدم قصد التأثير أو الأثر.

ويكفي معرفة معنى العقد مجملاً وقصد أثره لو صدر من عجمي أو من بعض العوام.

ثانيها: في أن عقد المضاربة عقد قابل للشروط السائغة وهو من العقود الجائزة

ثانيها: عقد المضاربة عقد قابل للشروط السائغة المقدورة القابلة للانتفاع التي لا تنافي مقتضى العقد، إلا أنّها جائزة لجواز أصلها، فللمشروط عليه عدم القيام بأن يفسخ أصل العقد وللمشترط أن يُسقط حقه من الشرط، وليس للمشروط فسخ الشرط وإبقاء العقد، بل يحرم على العامل التصرّفُ بالمال من دون القيام بالشرط إذا تعلّق الشرط بالمال، ويحرم عليه عدم الوفاء بالشرط ما دام مقيماً على العقد، كما يحرم على المالك عدم الوفاء بالشرط ما دام مقيماً على العقد؛ لأنّ الظاهر من أدلة الشروط لزوم الوفاء بها ما دام مقيماً المشروط عليه على عقدها ، لا مجرّد ثبوت الخيار للمشترط عند عدم وفاء المشروط عليه بها.

وفائدة الشرط في العقد الجائز هو أنه لو فسخ العقد بفواته لم يكن للعامل في المضاربة شيء من الربح ويكون للمالك، وعليه أُجرة المثل للعامل.

وأما الشروط الغير سائغة وشبهها فإذا وقعت في العقد - كاشتراط لزوم الجائز أو لزوم المضاربة إلى وقتٍ خاص، أو اشتراط أمرٍ محرَّم أو غير مقدور أو أن لا يعمل، أو اشتراط أن لا ربح له أو غير ذلك - بطلت وأبطلت العقد؛ لارتباط الإذن في العقد بها فمتى بطلت بطلت الإذن التي في ضمن العقد.

ويستحق العامل أُجرة المثل لو عمل جاهلاً بالفساد، ومع علمه بالفساد فوجهان أقربهما: ثبوتها على المالك.

ولو كان عمل المضارب في غير ما عيّن له المالك مع فساد المضاربة فلا شيء له؛ لأنه لو تعدى مع صحة المضاربة ولم يظهر ربح ففسخ المالك لم يكن له شيء، فهنا بطريق أولى.

ولو شرط المضاربة في عقد لازم، فإن شرط في عقدها لزم الوفاء به، ولا يلزمه الاستمرار عليه، وإن اشترط أثرها فلا يبعد صحته ولزوم الاستمرار عليها.

ولو شرط المالك على العامل شرطاً صحيحاً كأن لا يشتري شيئاً معيناً أو لا يبيع كذلك لا يشتري من معين أو لا يبيع عليه أو لا يسافر إلى جهةٍ معينة أو أن لا يبيع ويشتري فيها، لزم العامل القيام به، ويأثم مع عدم اتباعه؛ لحرمة التصرف بمال الغير من دون إذنه، ويضمن المال لو تلف، ولا يستحق أُجرةً لو فسخ المالك قبل ظهور شيء من الربح، وكان ينبغي على مقتضى القواعد أن يكون الربح كله للمالك إذا أجاز؛ لأن التصرف فضولي، فإن لم يجز كان البيع باطلاً، إلا أنه قد وردت جملة من الأخبار تدل بظاهرها على خلاف ذلك:

كالصحيح فيمن يعطي المال مضاربةً وينهى العامل عن الخروج، قال: «يضمن المال، والربح بينهما» (1).

والآخر: فيمن يعطي الرجل المال ويقول له: ائتِ أرض كذا وكذا ولا تتجاوزها واشتر منها، قال: «فإن جاوزها وهلك المال فهو ضامن، وإن اشترى متاعاً فوضع فيه فهو عليه، وإن ربح فهو بينهما» (2).

وفي ثالث في مال المضاربة، قال: «له الربح، وليس عليه من الوضيعة شيء إلا أن يخالف عن شيء مما أمره صاحب المال» (3).

وفي رابع: في المضاربة وينهاه أن يخرج إلى أرض أُخرى فعصاه، قال: «هو له ضامن، والربح بينهما إذا خالف شرطه وعصاه » (4).

وفي خامس: في المضاربة يخرج إلى أرض وينهاه أن يخرج إلى غيرها فعصى فخرج إلى أرض غيرها فعطب المال قال: «هو ضامن، فإن سلم فربح فهو بينهما» (5).

وفي سادس: فيمن ضاربه بمالٍ يشتري به ضرباً من المتاع فاشتری غیره، قال: «هو ضامن والربح بينهما على ما شرط » (6)إلى غير ذلك.


1) وسائل الشيعة 19 : 15، الباب 1 من أبواب كتاب المضاربة، ح 1.

2) المصدر : 15 - 16، ح 2.

3) المصدر : 16، ح 3.

4) المصدر : 18، ح 10.

5) المصدر : 17 ، ح 6.

6) المصدر : 18 ، ح 9.

وهي أخبار معتبرة لا بد من قبولها في الجملة، إلا أنها قابلة للاقتصار فيها على مورد مخالفة الأمر والنهي الصادرين من المالك بعد حصول عقد المضاربة، لا مخالفة الشرط الداخل في ضمن العقد، وما يلوح من بعضها ذلك فهو منزل على مخالفة الأمر والنهي الخارجيين، وهذا التنزيل أقل مخالفة للقواعد من مخالفة الشرط؛ لإمكان كون الأمر والنهي من قبيل الإلزام الخارجي، لا من قبيل تخصيص الإذن السابقة الحاصلة من عقد المضاربة، وقابلة للاقتصار فيها على خصوص التعدي من أرض إلى أرض ومن شراء عين إلى غيرها. ويُحمل ما دلّ على العموم على خصوص تلك جمعاً بينها وتقليلاً لمخالفة القواعد، وقابلة للاقتصار على الأمرين معاً تقليلاً للمخالفة للضوابط وقابلة لتسريتها لجميع الشروط تنقيحاً للمناط؛ ولأنا نفهم أنّ الغرض الذاتي في هذه المعاملة إنّما هو الربح، وباقي التخصيصات عرضيّة لا تؤثر فساداً، وقابلة للاقتصار فيها على الشروط المصرح بها، كما هو في الروايات، فلا يتعدّى إلى ما يقتضيه الإطلاق من نقد أو نسيئة أو نقد بلدٍ أو ثمن مثل أو نحو ذلك، وقابلة للتعدي بطريق الأولى؛ لأنّ الحكم الثابت للشرط المصرح به ثابت لما يقتضيه الإطلاق ولما يقتضيه الشرط الضمني بطريق أولى، وقابلة للاقتصار فيها على نفس الشرط، وقابلة للتعدي عنه إلى القيود والصفات لتنقيح المناط أو الأولوية.

وحيث كانت تلك الأخبار قابلة للتعدي وقابلة للاقتصار كان الاقتصار فيها أولى وعدم التعدي أجمل؛ لعدم القطع بتنقيح المناط أو أولوية أو إجماع قطعي يقضي به، فلا بد أن نقتصر فيها على مخالفة الشرط الصادر بلفظ الأمر والنهي، كما يشعر به التعبير بالعصيان الواقع في الأخبار، وأن يكون بعد العقد وفي خصوص ذينك الأمرين، ولو أردنا التسرية فلا نتعدى إلا إلى نظائرهما من ذلك القبيل، وكأنّه لكون الأمر والنهي غير مخصصين للإذن الحاصلة من المضاربة؛ لأنّ القصد فيها أصالةً هو الربح، وأمر المالك ونهيه كان لأجله، فإذا ظهر ربح في غير ما أمر أو فيما نهى صح فعله تبعاً للقصد الأوّل، وهذا تعليل للنص لا علة مستقلة، وإلا لاقتضت العموم، ونحن لا نقول به.

ولو خالف العامل ما اشترطه عليه المالك وقد نصّ المال وظهر الربح فيه، كان للمالك فسخ العقد وأخذ الربح ودفع أجرة المثل للعامل على ما تقضي به القواعد.

ثالثها: في أن مبنى عقد المضاربة على المشاركة في الربح الحاصل من التجارة

ثالثها: مبنى عقد المضاربة على المشاركة في الربح الحاصل من التجارة بزيادة القيمة في ثمن أو مثمن، ولا يجوز أن يبنى عقد المضاربة على المشاركة في النماء الحاصل من الأعيان، فلا يجوز أن يقول له: ضاربتك على أن تتجر بأعيان بيني وبينك نماؤها نصفان على أن يكون ليس له إلا المشاركة في النماء؛ للشكّ في شمول اسم المضاربة لذلك وشمول دليلها له، ولا يتفاوت الحال بين أن يطلق له الاتجار وبين أن يقصره على مرة واحدة، كما يقول له: ضاربتك على أن تشتري أصلاً نشترك في نمائه نصفين.

نعم، يجوز أن يدخل النماء في العارض، بل لو أطلق المالك المناصفة في الربح دخل فيه النماء الحاصل؛ لأنه من أقسام الربح تبعاً، بل لو لم يحصل من مال المضاربة سواه للزم اقتسامه نصفين.

واحتمال أن النماء زيادة حصلت بسعي العامل فهي من جملة الاسترباح فيصح جعله عوضاً في المضاربة مردود بأنّ الحاصل في التجارة هو زيادة القيمة لا نماء العين مع بقاء الأصل، وبأن المضاربة أقل ما يقتضي عقدها معاوضتين، إحداهما: البيع، والأخرى الشراء وأقل ما يتحققان بالمرة، فيملك العامل ذلك من إطلاق العقد، فمنعه من إحداهما مخالف لمقتضاه فيفسد العقد، ولو فسد كان للعامل أُجرة المثل.

وفي صحة المعاملة وعدمها وجهان: من حصول الإذن المطلقة فيبقى أثرها، ومن انتفاء المطلق بانتفاء المقيد فتكون العقود فضولية.

وعلى ما ذكرنا فلو شرط المالك على العامل الشراء بالمال فقط وأنّه لا يبيع فسد شرطه وعقده، وكان كاشتراط عدم التصرّف على الأظهر ، وليس هذا كالتحديد بزمن معين أو اشتراط شيء معين أو الشراء من معيّن أو البيع على معيّن أو السفر إلى جهة خاصة؛ لأنّ هذه كلّها لم تنافِ مقتضاه نفسه، وإنّما نافت مقتضى إطلاقه، فالشرط مخرج لها عن الإطلاق لا عن نفس المصداق.

رابعها: في الفرق بين المضاربة والوكالة

رابعها: المضاربة وكالة في المعنى إلا أنّها تفارق الوكالة من حيث إن مبنى عقدها على الاسترباح، فكلّ ما كان فيه غبطة للاسترباح جاز تولّي العامل بذله، فله أن يشتري المعيب، وله أن يأخذ الأرش، وله أن يردّ بالعيب كلّ ذلك مع الغبطة، بخلاف الوكيل، وكذا له أن يشتري بثمن المثل وبغيره وبالنقد وبالنسيئة وبنقد البلد وبغيره مع الغبطة والمصلحة في ذلك.

والأحوط أن يقتصر على ما يقتصر عليه الوكيل إلا مع الإذن عموماً وخصوصاً، ومال إلى ذلك جمع من فقهائنا (رحمهم الله) (1).

والظاهر أنّ العرف بذلك يختلف بحسب الأزمان والبلدان فيلزم الاقتصار على ما يقتضيه.

وممّا يقتضيه إطلاق عقد المضاربة أنّه بعد تقبيض المال للعامل أن يتولّى ما يتولاه المالك من نشر القماش وطيّه وعرضه ووضعه في الصندوق وحمله وإحرازه وبيعه وقبض ثمنه والشراء به وحراسته وحفظه ودوائه لحفظه ولباسه ونفقته لو كان من الحيوان وهكذا، وكل ما لم تجر العادة بالاستئجار له لزمه فعله تبرّعاً، ولو استأجر له كانت أُجرته عليه وكلّ ما جرت العادة بالاستئجار له كحمل الثقيل ووزنه والحراسة والحفظ في الطريق كان له الاستئجار على المالك وله أن يتولاه ويأخذ الأجرة على الأظهر، وهذا أيضاً يختلف باختلاف الأشخاص والبلدان والأزمنة.

ولو خالف العامل ما أطلق له المالك كما إذا باع بغير ثمن المثل أو بغير نقد البلد من دون غبطه كان فضوليّاً، فإن أجاز المالك مضى البيع وكان عليه إرجاع الثمن بعينه، وإلا ضمنه بمثله أو قيمته؛ لمكان التعدي على مثمنه، وإن لم يُجز كان عليه ضمان المبيع بمثله أو قيمته لا الثمن المؤجل ولو كان أزيد ولا التفاوت مع النقيصة، وذلك لبطلان البيع، فيكون حكمه حكم الغاصب.

وقد يحتمل أنه مع الإجازة لا يضمن الثمن للأصل، وضمان المبيع قبل الإجازة لا يقضي بضمان الثمن بعدها.

وقد يحتمل أنه لو باع بأقل من ثمن المثل لزمه النقصان، ولو اشترى بأكثر لزمته الزيادة، وعقده يكون صحيحاً على الوجهين؛ لمكان الإذن المطلقة.

وهو ضعيف، كاحتمال لزوم الثمن المؤجّل على العامل وإن لم يجز المالك ملاحظة للإذن المطلقة.

ولا يخفى ضعف الجميع.

ومن مقتضى إطلاق العقد البيع بنفس العين دون الذمة، لما في الشراء بالذمة من الضرر


1) راجع الخلاف 3 : 462 - 463، المسألة 8: والوسيلة : 264؛ وشرائع الإسلام 2 : 111؛ ومسالك الأفهام 4 : 351.

على المالك بتلف الثمن قبل نقده فيبقى المالك مشغولاً به، ولأن المقصود من عقد المضاربة المشاركة في الربح ولا يكون إلا إذا اشترى بالعين؛ لأنّ ربح شراء ما في الذمة ليس ربحاً لهذا المال.

نعم، لو أذن المالك بالشراء في الذمة ودفع ما بيده من مال المضاربة عنه جاز ويستحق قدره من الربح؛ لأنّ دفع الفرد عن الكلي عمل من أعمال التجارة.

ولو اشترى في الذمة فضولاً فدفع عنه من أموال المضاربة فأجاز المالك، وقع الشراء له، وكان له الربح، وليس عليه للعامل أجرة مثل، ولو كان الشراء والدفع بعنوان المضاربة وأنّ الربح بينهما فأجاز المالك المضاربة، صحت مضاربته، وملك العامل الربح.

ثمّ إنّ العامل إن اشترى عن المالك لفظاً ونيّةٌ وقع الشراء عنه ظاهراً وباطناً، وإن اشترى عنه لفظاً لا نيّةً، وقع عنه ظاهراً لا باطناً، وكان في الباطن للعامل، وإن اشترى عنه نيّةً لا لفظاً، وقع عنه باطناً لا ظاهراً، وكان في الظاهر للعامل، ووجب عليه التخلّص، كل ذلك مع الفضولية وتعقب الإجازة أو مع الإذن، وإلا فيقع الشراء عن المالك باطلاً.

ولو اشترى العامل في الذمة شيئاً ولم يدفع ثمنه من مال المضاربة، ثم باعه وهو في الذمة فربح فيه، فإن اشتراه لنفسه كان الربح له، وإن اشتراه للمالك وباعه عنه ففي استحقاق حصته من الربح؛ لأنه من توابع عمل المضاربة، ولأنه يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في المتبوع، ولأنه من نيته الوفاء منها وإن لم يف، أو عدمه؛ لأنه ليس من ربح مال المضاربة ولا من آثار التصرف فيها، فحكمه حكم ما إذا ضاربه ابتداء على أن يشتري عنه في الذمة ويبيع، فإنه هناك ليس له إلا أُجرة المثل.

ويظهر من بعض المتأخرين أن المضارب له أن يشتري بالذمة ويفي من مال المضاربة؛ لقضاء العادة بذلك، ولعسر الشراء دائماً بالعين فيكون الشراء بالذمة من مقتضيات عقد المضاربة وممّا يقضي به إطلاق الإذن كما يقضي العقد بما فيه غبطة للربح في المضاربة.

خامسها: جواز أخذ العامل نفقته سفراً من مال المضاربة

خامسها: من أحكام إطلاق عقد المضاربة شرعاً جواز أخذ العامل نفقته سفراً من مال المضاربة وفاقاً للمشهور نقلاً (1)بل تحصيلاً؛ وللإجماع المنقول (2)، وللأخبار، كالصحيح: في


1) الحدائق الناضرة 21 : 210 .

2) الخلاف 3 : 461 - 462، المسألة 6.

المضارب «ما أنفق في سفره فهو من جميع المال، فإذا قدم بلده فما أنفق فهو من نصيبه» (1).

وفي آخر مثله (2)، وفي ثالث مثلهما (3).

والمراد بهذه الأخبار الرخصة قطعاً، لا الإلزام.

وظاهرها عدم الفرق بين مساواة نفقة سفر العامل لحضره وبين عدمها زيادة أو نقصاناً، وأنّ هذه النفقة كسائر النفقات تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص شرفاً وضعةً ومزاجاً من مأكول وملبوس ومشروب ومركوب وفراش وغطاء وشراب قهوة وتتن ونفقة دابة يركبها وعبد يخدمه وظروف وآلات سفر ونحو ذلك.

وفي إلحاق دوائه وإكرام ضيوفه ومهر زوجته المحتاج إليها في سفره وجه، والأوجه خلافه.

والأحوط الاقتصار على ما يحتاج إليه لنفسه ولدابته وخادمه من مأكول وملبوس وأُجرة مركوب ومسكن ونحوها، فإن قتر على نفسه كان عليه ولم يحتسب له ما زاد، وإن أسرف ضمن ما زاد.

وإنفاقه كنفقة الأقارب تؤخذ من المال ولا تكون دَيناً على المالك إذا لم يستوفها العامل كلاً أو بعضاً.

ولو زاد من النفقة شيء عيناً أو منفعة ردّه إلى مال المضاربة أو أبقاه لسفرٍ آخر إذا كان ممن يتكرّر سفره.

ولا يتفاوت الحال بين نفقة السفر ذهاباً وإياباً وبين السفر الشرعي والعرفي وبين قصر المدة وطولها، وبين نية الإقامة في أثناء السفر وعدمها.

نعم، أن يكون سفره مأذوناً فيه من المالك، فلو تعدّى إلى جهةٍ أُخرى بمال المضاربة من غير إذن لم يكن له شيء، وكذا لو أقام في مكانٍ لأمرٍ آخر غير المضاربة، أو أقام بعد تمام عمل المضاربة، وكذا لو تعدّى في عمله إذن المالك وإن لم يتعد في سفره.

ولو ضاق مال التجارة عن النفقة فالظاهر سقوطها، ويحرم عليه الأخذ مع احتمال جواز الإنفاق حتى ينفد المال؛ أخذاً بالإطلاق. ولكنّه بعيد.

وكذا لو كانت في الابتداء ولا تسع نفقته، فإنّه لا يجوز له الإنفاق؛ لمكان الضرر، وللقطع بعدم رضى المالك، وللشك في شمول الأخبار لمثل ذلك.


1) وسائل الشيعة 19 : 24، الباب 6 من أبواب كتاب المضاربة، ح 1 وذيله.

2) وسائل الشيعة 19 : 24، الباب 6 من أبواب كتاب المضاربة، ح 1 وذيله.

3) وسائل الشيعة 19 : 24، الباب 6 من أبواب كتاب المضاربة، ح 1 وذيله.

وجواز أخذ العامل النفقة حكم من الأحكام الشرعية اللاحقة لعقد المضاربة، لا من مقتضيات العقد إلا أنّه مشروط بعدم نهي المالك أو القطع بعدم رضاه، فلو نهى أو شرط عدمها لم يجز الإنفاق.

وليس اشتراط عدمها ممّا يخالف الكتاب والسنّة ؛ لأنّها ثابتة للعقد المطلق لا لمطلق العقد، ولاحقة للمضاربة من حيث رضى المتعاقدين لا من حيث هي هي، حتى لو كان المالك جاهلاً بالحكم والعامل عالم به لم يجز للعامل الإنفاق من دون إخباره.

ولو لم يعلم حاله، فالظاهر عدم لزوم السؤال؛ لأن الظاهر معرفته بذلك.

ولو شرط المالك على العامل أن لا ينفق من مال المضاربة لزم الشرط، فلو أجازه بعد ذلك كان تبرّعاً.

ولو شرط المالك على العامل النفقة كان شرطاً مؤكّداً ، وفائدته التزام المالك به وتسلّط العامل على الخيار عند منع المالك له فيكون له أجرة المثل، والربح كله للمالك.

وهل يشترط تعين النفقة عند أخذها شرطاً لدفع الغرر المنهي عنه (1)باليقين، ولأنّ الشرط من أجزاء العقد فتعود الجهالة للعقد، أو لا يشترط لثبوتها من دون الشرط إلا على جهة التعيين فلا يزيد الفرع على الأصل ؟ وجهان، ويضعف الأخير أن الحكم اللاحق للعقد غير الشرط المبني عليه العقد، فيغتفر في الأوّل ما لا يغتفر في الثاني.

ولو شرط المالك إنفاق شيء معين أو على جهة معينة لزم على حسب ما شرط، وتخرج النفقة من أصل المال، ظهر ربح أو لم يظهر، وقع بيع وشراء من العامل أو لم يقع، ولو ظهر ربح أخذ العامل النفقة أيضاً من مجموع المال، وتُقدّم على حق العامل والمالك، والأحوط عدم الإنفاق إلا من الربح.

ويجوز أن يشتري النفقة بذمته، ويفي من مال المضاربة إذا لم ينو التبرع عند الإنفاق.

ولو اشترى بالذمة فتلف المال قبل الوفاء من مال المضاربة، كان عليه، لا على المالك.

ولو كانت عنده مضاربتان لمالك واحد أو لمالكين أو مضاربة ومال لنفسه يتجر به فالنفقة موزّعة على نسبة المالين لا على نسبة العملين؛ لأنّ النفقة تابعة لمال المضاربة حكماً شرعياً لا للعمل والعمل يقابله الربح، كما هو مقتضى العقد.


1) راجع ص 44 الهامش (1) .

واحتمل بعضهم تبعية النفقة للعمل (1)، وهو بعيد.

ويحتمل سقوط النفقة لو اجتمع مع مال المضاربة مال لنفسه.

ويحتمل كون الكل من مال المضاربة.

والأقوى التقسيط.

ولا يتفاوت الحال في تقسيط ذلك على ما ذكرنا بين أن يشترط العامل على أهل المال النفقة وبين أن لا يشترط؛ لأنّه شرط مؤكد.

ويحتمل مع تعدد المضاربات التخيير في الإنفاق، ولكنه بعيد، كاحتمال تخصيصها بما كثرت مالاً وغلبت عملاً.

أما لو اشترط على أحدهما كمال النفقة من ماله - وكان عالماً بالمضاربات الأُخر أو كان جاهلاً ولكنّه أقدم على ذلك - كانت النفقة من ماله خاصة.

ولو اشترط على كلّ واحدٍ منهم مع علمهم أو إقدامهم، كان مخيراً بين إخراج النفقة من أي مال شاء، وبين التوزيع.

ولو شرط أحد المالكين أن لا ينفق من ماله وأطلق الآخر، كان للعامل من مال الآخر نصف النفقة والباقي عليه.

ويحتمل كون الكل من مال الآخر.

ولو شرط المُلّاك التفاوت في النفقة على حسب ما يريدون، لزم الشرط.

ولو مات العامل أو جُنّ أو عزله المالك أو عزل نفسه أو انتهى زمن المضاربة لا عملها، حرم الإنفاق من مال المضاربة؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل على مورد الدليل؛ ولإقدام العامل على عقد مبني على الجواز بحيث متى ما أراد المالك فَسْخَه فَسَخَه، وحينئذ فلو عزل المالك العامل في سفره كانت نفقة الرجوع على العامل حسب ولو بقي المال غير ناضٍّ على الظاهر.

ولو عزله أحد الملاك وبقي بيده مال الآخر، كانت نفقته كلها من مال الآخر حتى لو شرط عليه التنصيف في الابتداء؛ لعلمه بالمضاربة الأخرى.


1) راجع مسالك الأفهام 4 : 349؛ وكفاية الفقه 1 : 626؛ ورياض المسائل 9 : 342.

وذهب بعض إلى أنّ نفقة السفر كلّها على العامل (1)جرياً على مقتضى القواعد، وبعض آخر [إلى] أن النفقة عليه إذا كان بيده مال له ومال مضاربة لغيره (2)، وبعض ثالث إلى أنّ الزائد على نفقة الحضر على مال المضاربة، والمساوي لنفقة الحضر على العامل (3)اقتصاراً على مورد اليقين.

ولو كان العامل لا وطن له كالسائح أو كان قد توطن في أثناء سفره، ففي أخذه النفقة من مال المضاربة إشكال.

ولو كانت البلد واسعةً كإصفهان وافتقر المضارب إلى الدوران فيها، فكذلك لا يخلو الحكم بها من إشكال.

ولو كان المال لطفل أو مجنون، فالأحوط للعامل أن ينفق من ماله، ويجوز له أن يشتري نفقته من مال المضاربة في بلده وينقلها معه إذا كان ذلك أعود.

ولو ضارب شخص اثنين كانت نفقتهما معاً من مال المضاربة، وهذا الحكم خاص بالمضاربة فلا يسري للبضاعة ولا للإجارة ولا للشركة؛ اقتصاراً على مورد اليقين.

سادسها: موت المالك مبطل للمضاربة من حينه

سادسها: موت المالك أو العامل مبطل للمضاربة من حينه بلا خلاف؛ لأن المال بموت المالك ينتقل إلى الوارث، فلا أثر لإذن المالك السابق في مال غيره، ولأن العمل كان الإذن مقصوراً فيه على العامل فلا يتعدّى إلى غيره؛ ولأن المضاربة وكالة في المعنى.

ويلحق بالموت الجنون والسفه والإغماء وشبهه.

فإن مات المالك وكان المال ناضاً لا ربح فيه أخذه الوارث، وإن ظهر فيه ربح اقتسماه.

ويقدم حق العامل على الديون؛ لتعلقه بالعين تعلّق الشركة.

وإن كان المال عرضاً فللعامل إنضاضه إذا كان الربح مرجوّاً له، سواء رضي الوارث أم لا؛ لبناء المعاملة على ذلك، ولأنّ العمل محترم وقد كان رجاء لتحصيله، فمنعه عنه ضرر وإضرار، مع احتمال جواز منع الوارث له؛ لأصالة عدم الربح، وعموم: «الناس مسلطون


1) المبسوط 3 : 172 .

2) كما في كفاية الفقه 1 : 626.

3) كشف الرموز 2 : 14.

على أموالهم» (1)وعموم حرمة التصرّف بمال الغير (2)، وعدم ثبوت أن رجاء الربح مجوز لذلك. إلا أن ينعقد إجماع، وفي ثبوته بحث.

وقد يقال بلزوم الإنضاض على المالك ولو على يد غير العامل، فلا يلزم عليه تسليمه إلى العامل، بل يسلّمه إلى مَنْ يتفقان عليه أو إلى عَدْلٍ.

وهل للوارث مع ظهور الربح وعدمه إلزام العامل بإنضاض المال؛ لبناء العقد على ذلك، ولأنه حقٌّ للمالك فينتقل إلى وارثه أو ليس له؛ للأصل وعدم موجب له، ومنع كونه حقاً للمورّث كى ينتقل إلى وارثه ؟ وجهان، والأظهر الأول.

وإن مات العامل فإن كان المال ناضاً ولا ربح أخذه المالك، وإن كان فيه ربح اقتسمه بينه وبين الورثة، وإن كان عروضاً فيه ربح ظاهر اقتسموه أيضاً، وإن لم يكن كذلك وكان الربح مرجوّاً لزم على المالك دفعه إلى ورثة العامل أو إلى أمين ينضه، فإن ظهر فيه ربح قسمه بينهما، وإلا دفعه إلى المالك مع احتمال عدم لزوم الإنضاض على المالك؛ للأصل وعدم موجب لذلك.

ثمّ إنّ المالك له أن يجدد المضاربة مع الوارث عند اجتماع شرائطها في الابتداء.

سابعها: في أنه يثبت للعامل ما شرط له المالك من الربح

سابعها: يثبت للعامل ما شرط له المالك من الربح قليلاً كان أو كثيراً ما لم يكن غير متموّل في القلّة، وما لم يستغرق الربح بأجمعه في الكثرة؛ للإجماع منقوله (3)ومحصله، ولعموم أدلة العقود (4)والشروط (5)، ولخصوص أخبار المضاربة الحاكمة في الربح بالشركة وفي جملة منها التصريح بأنّ «الربح بينهما على حسب ما شرطاه» (6).

وما يتخيّل من أنّ ما ورد من الحكم بالشركة في الربح أعم من الاستحقاق منه بحسب الشرط فلعله بحسب ما يستحقه من الأجرة، والإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، لا وجه له؛


1) راجع ص 117 الهامش (5) .

2) راجع ص 106، الهامش (4).

3) الروضة البهية 4 : 219؛ مسالك الأفهام 4 : 363؛ رياض المسائل 9 : 339 .

4) المائدة (5) : 1.

5) راجع ص 77 الهامش (5) .

6) راجع الروايات في ص 287.

لأنّ استحقاق الأُجرة على المالك لا على الربح، فإضافتها إليه لا وجه لها أصلاً؛ ولأنّ سياق الأخبار وما يُفهم منها بحكم التبادر هو قسمة الربح على حسب الشرط دون أجرة المثل.

وقد يظهر من بعض أصحابنا عدم لزوم اشتراط حصة من الربح للعامل، بل له أجرة المثل (1)للزوم تبعية النماء لرأس المال، وللزوم الجهالة في اشتراط الحصة؛ لعدم العلم بقدر ما يوجد بعد ذلك، ولأنه الآن معدوم.

والكلّ ضعيف بعد انعقاد الإجماع وقيام السيرة القطعية من العامة والخاصة على صحة هذه المعاملة والعمل بها على هذا النحو المعهود، وما ذكروه من الدليل مسلّم لو لم يعارضه ما هو أقوى منه كما في المزارعة.

وبالجملة فكلامهم ينحل إلى بطلان هذه المعاملة وهو خلاف البديهة.

نعم، يشترط تعيين الحصة بكسر معلوم؛ للنهي عن الغرر (2)مطلقاً في غير ما قام عليه الدليل.

ويشترط كونها من الربح لا من النماء أصالة.

نعم، لو ظهر نماء في الأثناء، كان من الربح، وجرى عليه حكم الربح.

ويشترط كونها مشاعةً، فلو قال: «ضاربتك والربح لي» فسد، أو كان بضاعة على الوجهين.

وهل للعامل أُجرة المثل؟ وجهان.

ولو قال: «والربح لك» فسد، أو كان قرضاً على الوجهين، وللعامل أُجرة المثل.

ولو عيّن أحدهما شيئاً معيناً من الربح والباقي للآخر، أو عين معيناً والباقي بينهما، أو عين كل منهما حصّةً معينة منه والباقي بينهما أو مسكوت عنه، فسد عقد المضاربة، سواء أخذ المعيّن جزءاً من العقد أو شرطاً فيه.

كلّ ذلك للأصل وللاقتصار على مورد اليقين ولظهور الأخبار في الاشتراك في الربح للتقييد فيها بأنّ الربح بينهما، وظاهرها الاشتراك بجميع الربح، على أن المعين لا يوثق به غالباً فيلزم منه الغرر، وللشك في شمول إطلاقات أدلّة المضاربة لهذه الموارد المشكوك في شمولها لها؛ لورود أكثر الأخبار في موارد خاصة، ولسياقها مساق أحكام أُخر، فلا يصح


1) المقنعة : 633؛ المراسم : 182؛ الكافي في الفقه : 344.

2) راجع ص 44، الهامش (1).

التمسك بإطلاقها؛ لعدم ورود الإطلاق في بيان جواز المضاربة على الإطلاق كما ورد في الصلح: «أنه سائغ بين المسلمين» (1).

وأما عموم الأمر بالوفاء بالعقد (2)وعموم حلّيّة التجارة عن تراض (3)فهما كالمجمل؛ لكثرة الخارج وقلة الداخل، فينصرفان إلى المتعارف المعهود والفرد المشكوك به ليس من المعهود.

ويشترط كون الربح ربح مال هذه المضاربة، فلو ضاربه على أن له ربح مالٍ آخر لم يضاربه عليه بطل.

ويشترط كون الربح حاصلاً بالبيع والشراء، فلو نما المال قبل بيع العامل وشرائه لم يكن للمضارب فيه نصيب.

ولا يشترط في المضاربة قبض المال، فلو ضاربه على أن يتصرّف العامل والمال بيد المالك صح.

وهل يشترط في قبض العامل للمال الإذن - بعد عقد المضاربة - في قبضه، أو يكفي نفس عقدها في الإذن في القبض؟ وجهان.

ثامنها: في بيان ما يشترط في مال المضاربة

ثامنها: يشترط في مال المضاربة أن يكون عيناً دراهم أو دنانير؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول (4).

وللخبر في عدم صحة القراض بالدين: في رجل له على رجل مال فيتقاضاه ولا يكون عنده ما يقضيه فيقول: هو عندك مضاربة، قال: «لا يصح (5)حتى يقبضه» (6).

وللأصل القاضي بتبعية الربح للمال، وثبوت أُجرة المثل للعامل، ولا يُعدل عنه إلا بثبت، وليس هناك ما يدلّ على الصحة سوى عموم الوفاء بالعقد، وعموم الوقوف عند الشرط و شبههما، وهما كالمجمل لا يصح التمسك به في الفرد المشكوك لصحته؛ لكون الخارج فيهما أكثر من الداخل فينصر فان للعقود المتعارفة، وسوى إطلاقات المضاربة، وهي غير


1) وسائل الشيعة 18: 443، الباب 3 من أبواب كتاب الصلح، ح 2.

2) المائدة (5) : 1.

3) النساء (4) : 29 .

4) الروضة البهيّة 4 : 219؛ رياض المسائل 9 : 348 .

5) في المصدر : «لا يصلح».

6) وسائل الشيعة 19 : 23، الباب 5 من أبواب كتاب المضاربة، ح 1.

مسوقة لبيان مشروعيتها وصحتها كي يتمسك بها عند الشك، بل مسوقة لبيان أحكام أُخر غیر مورد الإطلاق، وواردة في مقامات خاصة، فلا يصح التمسك بها في العقد المشكوك بتأثيره وفي الفرد المشكوك في جواز المضاربة به وفي كيفية الربح وقدره وغير ذلك.

وليس المانع من التمسك بعموم الوفاء بالعقد أو الشرط هو منافاة مدلولهما القاضي بالوجوب للمضاربة القاضية بالجواز فلا يكونان شاملين لها كما تخيّله بعض الأعلام (1)لأنّ المراد بوجوبهما وجوب الوفاء بكلّ عقد بحسبه، فالجائز على جوازه من إجراء أحكام الجائز عليه ومن جواز فسخه ومن لزوم العمل بأحكامه ما دام قائماً عليه، واللازم على لزومه على نحو ما ذكرنا، وكذلك الأمر بالوفاء بالشروط ونحوها، فلا منافاة بين الأمرين.

فلا تصح المضاربة على كلّيّ في الذمة ولا على كلّيّ في ضمن أفراد مثلية غير مقصود به الإشاعة كرطل من كُر من ذهب معين، وقد يحتمل جوازه؛ لأنه كالمعين.

وأما الكلّي المشاع إذا كان معيّناً في عين خاصة معلومة فلا بأس بالمضاربة عليه قطعاً.

ولا يصح عقد المضاربة على الدين إلا أن يتعيّن فتتعلّق المضاربة بالمعين، ولا على عروض أو غير مسكوك وشبه المسكوك من ذهب أو فضة، ولا على مسكوك من غيرهما كالفلوس من صفر أو نحاس وإن تعومل بها.

والأظهر صحة المضاربة بالدراهم والدنانير الموضوعة على كيفية تصح المعاملة بها وإن لم تكن مسكوكةً بسكة خاصة، وصحة المعاملة بالمغشوش منهما إذا جرت العادة بالمعاملة به؛ لصدق اسم الدراهم والدنانير عليه ، ولجريان السيرة بذلك.

ويشترط العلم بمال المضاربة جنساً ونوعاً؛ للنهي عن الغرر (2).

وهل يشترط العلم به كيلاً ووزناً وعدداً؛ للغرر بدونه، أو لا يشترط، بل تكفي المشاهدة؛ لارتفاع معظم الغرر بها؟ وجهان، والأخير أقوى، والأوّل أحوط.

ويشترط عدم الترديد بين المالين فلو قال: «ضاربتك على أحد المالين» بطلت المضاربة، وتصح المضاربة على المال الغائب مع وصفه بما يرفع الجهالة.


1) لم نتحققه.

2) راجع ص 44، الهامش (1) .

ولو دفع شبكة للصيد على أنّ الصيد بينهما، لم تكن مضاربة ولا شركة، والصيد للصائد إن نواه له، وإن نواه لهما كان لهما، وعلى كلٍّ منهما أُجرة مال الآخر أو بدنه بالنسبة إلى نصيبه من الصيد.

وجوز الشيخ (رحمه الله) الجهالة برأس مال المضاربة حتى مع عدم المشاهدة (1)تمسكاً بالعمومات.

وهو ضعيف، ولو أجزناه كان القول قول العامل بيمينه في قدره.

ويشترط في مال المضاربة القدرة على تسليمه أو تسلّمه حين العقد، فلو ضاربه على ضائع أو محجور بطل عقد المضاربة؛ لمكان السفه.

ويشترط كونه متموّلاً حين العقد وأن يسوغ التصرف به، وأن يكون مملوكاً بالفعل إلا على جهة الفضولية، فلا تصح المضاربة على مرهون أو مال زكاة أو خمس قبل قبضها.

تاسعها: اشتراط كون العمل متموّلاً مقدوراً على تسليمه

تاسعها: يشترط في العمل أن يكون متموّلاً يعتد به بحيث يقابل بالربح، وأن يكون مقدوراً على تسليمه، فلو كان مملوكاً للغير - كالأجير الخاص - بطل عقد المضاربة، أو كان موقوفاً على الإجازة.

وكذا لو كان العامل يعجز عن العمل بنفسه فيما ظاهره المباشرة بنفسه أو بنفسه وبوكيله فيما يصح التوكيل فيه، فإنّه يفسد عقد المضاربة معه.

ولو ربح المال من دون عمل كان الربح للمالك، ويضمن المال مع علم المضارب بالفساد وجهل المالك؛ لعموم «على اليد ما أخذت» (2)ولا يضمن مع جهله؛ لأن ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده إلا إذا كان التلف بفعله أو بسببه فيضمن مطلقاً.

ولو عجز في الأثناء، لزمه رد المال، فإن قصر ضمن مع العلم قطعاً، ومع الجهل وجهان، والأقرب الضمان.

ولو كان المالك عالماً ، لا يضمن المضارب مطلقاً؛ لتسليطه عليه، فكأنه أذهب حرمة ماله إلا إذا كان التلف منه أو بسببه فيضمن مطلقاً ، كما إذا تصرّف العاجز فتلف منه لعجزه وتفريطه؛ لعدم قدرته مع احتمال عدم ضمان ما يتلف منه لعجزه، لعلم المالك به وإقدامه عليه.


1) المبسوط 3 : 199.

2) راجع ص 102 الهامش (1) .

ثم لو ضمن العامل فهل يضمن الجميع أو يضمن الزائد على مقدوره؟ وجهان أوجههما: ضمان الجميع؛ لعدم تميّز الزائد عن غيره، فيكون المجموع عاجزاً عنه فيضمنه.

ولا يتفاوت بين كون المال مدفوعاً دفعة أو تدريجاً بعد أن كان الجميع مال مضاربةٍ واحدة، مع احتمال الفرق بين الدفعي فيضمن الجميع، أو التدريجي فيضمن ما يعجز عنه فقط، وهو ضعيف؛ لأنه بعد قبض الجميع صار المجموع تحت يده مال مضاربة فاسدة فيضمنها على النحو المتقدم.

عاشرها: حكم ما لو ضارب المالك العامل على مالٍ مضمون عليه في يده

عاشرها: لو ضارب المالك العامل على مال مضمون عليه في يده بغصب أو قبض بسوم أو أمانة قد تعدى فيها، صحت المضاربة، ولكن هل يرتفع الضمان بمجرد العقد أو لا يرتفع إلا برده إلى صاحبه وقبضه قبضاً جديداً، أو إذن صاحبه بتجديد قبضه عن مال المضاربة فيقبضه بتلك النية، أو يدفعه لمن اشترى منه شيئاً به؛ لأنه وكيل وقد دفع المال إلى مالكه وقد وفى دين المالك بإذنه، وقد ملكه الآخر فبرئ من ضمانه، وضمان عوضه يحتاج إلى دليل؛ لأنه أمانة جاءت بسبب الإذن فلا تستعقب ضماناً؟ وجهان:

أحدهما: بقاء الضمان لاستصحابه وعدم القطع بمزيله سوى إطلاق عقد المضاربة، وهو يجامع عقد الضمان في الاستدامة كصورة التعدي والتفريط، فليجامعه ابتداء بطريق أولى؛ ولعموم «على اليد» (1)خرج منه ما ثبتت تأديته إلى المالك أو وكيله فيبقى الباقي، و مجرد رضى المالك ببقائه عنده لا ينافي الضمان إذا لم يقبضه قبضاً جديداً بنية أنه أمانة؛ لاستناد القبض الثاني إلى القبض الأوّل المضمون ولا منافاة بين عقد المضاربة وبين بقائه مضموناً أو مغصوباً؛ لجواز أن يضارب المالك على المال المغصوب منه، بأن يرضى بالتصرف فيه على جهة الشركة بالربح ولا يرضى ببقائه عنده، ولجواز أن يضارب على المال المقبوض على جهة الضمان فيبقى ضمانه ويصح العقد عليه، وإنّما المنافي للمضاربة هو ما إذا دفع المالك المال على جهة الأمانة والمضاربة ابتداء، فإنّه لا يجتمع معه ضمان ما دفع؛ لمنافاة الأمانة ابتداء للضمان.

والثاني: عدمه؛ لأن عقد القراض بمنزلة عقد الوكالة، فهو مقتض لكون المال المعقود


1) راجع ص 102، الهامش (1) .

عليه بيد العامل أمانة، ومن شأنها عدم الضمان، ولأنّ عقد المضاربة مقتض للإذن في قبض العامل، وهو لا يجامع الغصب؛ لأنّ مفهومه عدم الإذن، ومع زوال الغصب الذي هو علة للضمان يزول المعلول فينقطع الاستصحاب.

وبالجملة، فالغصب هو استيلاء اليد على مال الغير من غير رضاه، فمع رضاه بالقبض والتصرّف - كما يؤذن به عقد المضاربة - يزول الغصب فيزول معلوله وهو الضمان، وكذا المقبوض بالسوم فإنّ القبض بالسوم يزول بعد الإذن بقبضه للمضاربة فيزول الضمان المعلول بنفس القبض بالسوم للسوم .

والأوّل أقوى في النظر؛ لأنّ الإذن في بقاء المغصوب بيد الغاصب والرضى به من غير تجديد لقبضه بعد الإذن لا يزيل الضمان وإن أزال التحريم، وإنّما المزيل للضمان هو أن يقبض المال للمضاربة أو نحوها من عقود الأمانات، لا أن يجري عقد الأمانة على مال مقبوض سابقاً على جهة الضمان فقط، وأنّ بناء ذلك على الرضى بالبقاء، على أن عقد المضاربة لا يدلّ على الإذن في القبض وليس من ضروريّاته، وإنما يدلّ على الإذن بتصرف العامل بالمال، وأحدهما غير الآخر.

ولا يصح تعليق مال المضاربة، فلو قال: ضاربتك على الدين بعد استيفائه، أو على ثمن هذه السلعة بعد بيعها، أو على هذه الفضة بعد السكة عليها بطل.

حادي عشرها : حكم ما لو اختلف العامل والمالك بعد الاتفاق على قدر الربح في قدر رأس المال

حادي عشرها: لو اختلف العامل والمالك بعد الاتفاق على قدر الربح في قدر رأس المال، كان القول قول العامل مع بقاء مال المضاربة، ومع تلفها بتفريط أو تعد، وكذا لو اختلفا في قدر الربح بعد الاتفاق على قدر رأس المال كان القول قول العامل في النقصان؛ للأصل في المقامين.

ولو اختلفا في حصّةٍ من المال أنّها من رأس المال أو من الربح، فقال العامل: هي من الربح، وقال المالك: هي من رأس المال، فالقول قول المالك، مع احتمال أن القول قول العامل؛ لأنه ذويد.

ولو اختلفا في قدر رأس المال بعد ظهور الربح أو في قدر الربح ولم يتفقا على رأس المال، كان القول قول المالك لأصالة كون جميع المال له إلا ما أقرّ به من قدر الربح؛ ولأن

العامل بدعواه قلة رأس المال مدّع لزيادة الاستحقاق في مال المالك والمالك ينكره، وكذا بدعواه كثرة الربح، مع احتمال تقديم قول العامل مطلقاً فيما إذا اختلفا في قدر رأس المال؛ لأنه اختلاف في المقبوض والأصل عدم الزيادة.

واحتمال التفصيل بين بقاء العين فالقول قول المالك، وبين تلفها بتفريط فالقول قول العامل؛ لأصالة براءة ذمته من الغرامة بدعوى المالك قوي.

وكذا احتمال تقديم قول العامل بدعواه زيادة الربح؛ لأنه ذو يد لا يخلو من قوة.

ولو اختلفا في تلف المال، كان القول قول العامل؛ لفتوى الأصحاب والإجماع المنقول (1)وظاهر الأخبار (2).

ولا يتفاوت الحال بين دعوى التلف بأمرٍ ظاهرٍ أو خفي كالسرقة، وبين إمكانه إقامة البينة وبين عدمه؛ لأنه أمين على ذلك.

ولو اختلفا في الخسارة أو التفريط أو التعدي، فالقول قول العامل؛ لأنه أمين على ذلك.

ولا يضمن شيئاً من الوضيعة إذا لم يكن بتعد أو تفريط؛ للفتوى، والروايات الدالة على أن العامل ليس عليه شيء من الوضيعة إلا أن يخالف أمر صاحب المال (3).

ولا يقبل قول العامل في زيادة الربح إذا لم يتعرّضا لرأس المال، مع احتمال القبول؛ لأنه كذي اليد.

ولا يقبل قوله في الردة للأصل، ولأنه مدع.

وقيل بقبول قوله (4)لأنّه أمين كالودعي، واللزوم الضرر عليه في عدم قبول قوله في الرد؛ لاستلزامه التكليف بالدفع ثانياً، وهو ضرر محض.

وفيه منع كلية قبول قول الأمين مطلقاً حتى في الرد؛ لعدم الدليل المخصص لقاعدة «البينة على المدّعي» في خصوص هذا المقام، ومنع القياس على الودعي؛ لبطلانه، ولأنه مع الفارق؛ لقبض الودعي المال لمصلحة المالك فهو محسن وما على المحسنين من سبيل،


1) رياض المسائل 9 : 354 .

2) وسائل الشيعة 19 : 20 - 21 ، الباب 3 من أبواب كتاب المضاربة، ح 2 - 4.

3) المصدر : 16 - 17، الباب 1 من أبواب كتاب المضاربة، ح 3، 4، 7.

4) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 3 : 174 - 175.

وقبض العامل المال لمصلحة نفسه، ومنع تسويغ مثل هذا الضرر لتقديم قوله، وإلا لساغ قبول قول كلّ مَنْ يدعي الرد أو يدعي الوفاء، وهو باطل، ومنقوض أيضاً بأن قبول قوله من دون بيّنةٍ مع إمكانها له ضرر على المالك، فلا يُقدّم ضرر على ضرر.

ولو اختلفا فيما فرضه المالك من الحصة، فالقول قول المالك؛ للأصل، ولأن المتعين فعله فهو أبصر به؛ ولأن الأصل تبعية الربح لمال المالك إلا ما أقرّ على نفسه به.

واحتمل أنه مع ظهور الربح يحصل التداعي؛ لادعاء المالك استحقاق العمل الصادر من العامل بالحصة الدنيا والعامل ينكره، وقد كان العامل مدعياً أيضاً، فيحصل التداعي. وهو ضعيف.

ثاني عشرها: حكم ما لو قال المالك: ضاربتك على أن الربح بيننا ولم يقيد

ثاني عشرها: لو قال المالك: ضاربتك على أنّ الربح بيننا، ولم يقيد، انصرف الإطلاق للمناصفة، كما ينصرف لفظ المساواة والمشابهة والمثلية مع عدم القيد إلى العموم أو إلى الأفراد الظاهرة، والظاهر ها هنا من لفظ «بيننا» في إخبار أو إنشاء أنّ كلّ جزءٍ يُفرض هو بينهما فيفيد المناصفة؛ ولأنهما في باب المضاربة مستويان في السبب المقتضي للاستحقاق، فينصرف اللفظ إلى استوائهما في المسبّب.

وأما الاستناد لأصالة عدم التفاضل فهو ضعيف؛ لأنّ الأصل لا يصحح العقد لو فرضناه مجملاً.

ويظهر من بعضهم أن لفظ «بيننا» مجمل صالح للمناصفة وغيرها (1)، وربما أيده بالأخبار الواردة فيمن خالف أمر المالك أنّه ضامن والربح بينهما (2)، فإنّه ليس المراد به فيها التنصيف قطعاً، بل المراد مجرد الاشتراك.

وفيه: أنّ مطلق لفظ «بيننا» صالح للتنصيف وغيره، وأما إطلاقه فمنصرف للتنصيف، وما ورد في الأخبار محمول على مجرّد الاشتراك للقرينة الصارفة، وهي الحكم على العامل والمالك بعد التعدي وحصول الربح، وهما لا يكونان إلا بعد صدور المضاربة المشتملة على بيان القدر، وحينئذ فإرادة مجرّد الاشتراك فيه ظاهر لا يحتاج إلى بيان، ويساعده أن في بعض الأخبار أنّ الربح بينهما على ما شرط (3)، فالمراد من الأخبار بيان الاشتراك في الربح على حسب الشرط دفعاً لتوهّم أنّ الربح كله للمالك، وما قدمناه قرينة عليه.


1) راجع الحدائق الناضرة 21 : 233.

2) وسائل الشيعة 19 : 15، الباب 1 من أبواب كتاب المضاربة.

3) المصدر : 18، ح 9.

ولو ضارب المالك العامل على أن النصف له، صح.

ولو ضاربه على أن النصف للمالك، احتملت الصحة لقضاء العرف في مقام الخطاب أنّ النصف الآخر للعامل، ولمفهوم الذكر في مقام البيان، فإنه يقضي بأن الآخر للعامل، واحتمل البطلان؛ لبقاء النصف الآخر أيضاً على حكم مال المالك؛ لأن الأصل تبعية الربح للمال. و مجرد ذكر النصف العائد إلى المالك المؤكد للأصل لا يدلّ على كون النصف الآخر للعامل.

ودعوى دلالة العرف على ذلك ممنوعة، والاحتمال الأوّل أقوى؛ لأنّ منع قضاء العرف بذلك مكابرة.

ولو قال المالك: ضاربتك على أن الربح كله لي، احتمل كونه قراضاً فاسداً فيستحق العامل أُجرة المثل، واحتمل كونه كذلك ولا يستحق أُجرة؛ لإقدامه على أنها مضاربة فلا يستحق سوى الربح، وبإقدامه على أن الربح كله للمالك لا يستحق شيئاً فيكون كالمتبرع.

وفيه: أنّ المتبرع مبني على أنه مضارب ولم يحصل ذلك فلم يحصل التبرع فيكون عملاً مأذوناً فيه من المالك له أجرة عادةً فيضمنه الآذن.

واحتمل كونه بضاعةً قد استعمل فيه لفظ القراض مجازاً، أو يكون بضاعةً قهراً؛ لأنّ البضاعة لا تخصها صيغة خاصة، بل كلّ عمل بالمال قد تبرع صاحبه به سُمّي بضاعة.

ولو دار الأمر بين كونه قراضاً فاسداً فيستحق الأجرة، أو بضاعة على وجه المجاز، احتمل لزوم تقديم المجاز؛ لأصالة البراءة، ولأنّ الحمل على الصحة أولى، واحتمل تقديم جانب الفساد؛ لأصالة ثبوت الأجرة على عمل المسلم إلا ما أخرجه الدليل، ولظهور الخطاب في الفساد دون التجوّز والصحة.

ولو عرف قصد المالك، اتبع قصده، مع احتمال صيرورة الصيغة بضاعةً قهراً.

ولو قال له: «ضاربتك على أنّ الربح لك» احتمل كونه مضاربةً فاسدة، وعليه أجرة المثل، كما يقضي به ظاهر الخطاب، واحتمل كونه قرضاً إما لأن القرض لا يختص بلفظ، أو لأنّ المجاز خير من الحمل على الفساد.

هذا إن لم يعلم قصده، وإن علم قصده لأحدهما، اتبع قصده، وحكم بأنه قرض أو مضاربة فاسدة، واحتمل كونه قرضاً فاسداً. والفرق بين القرض الفاسد والمضاربة الفاسدة في الضمان وعدمه؛ لأنّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده في الثاني دون الأول.

ولو قال: «ضاربتك على النصف» احتملت الصحة حملاً على إرادة بيان نصف العامل؛ لأنه المحتاج إلى ذلك؛ ولأنّ الحمل على الصحة أولى، واحتمل البطلان؛ حملاً على إرادة بیان نصف المالك، وهو مبطل على الوجه المتقدّم، أو لأنه مجمل قد تردد بين الصحيح والفاسد فيبطل.

ولو قال: «ضاربتك على أنّ لي النصف ولك السدس» صح، وتعين السدس للعامل، وكان الثلث المسكوت عنه للمالك.

ولو قال: «على أنّ لك الربع وربع ما بقي أو الثلث وثلث ما بقي» صح، وكان للعامل ربع الأصل وربع الباقي وثلث الأصل وثلث الباقي إن كان عارفاً بالحساب، وإلا بطل؛ للجهالة. ويحتمل الصحة واغتفار مثل هذه الجهالة؛ لأنّ العلم بها محقق، والمعرفة الإجمالية حال العقد في العقد الجائز مغتفرة وإن لم تغتفر في العقد اللازم.

ولو كان له ألفان فضاربه على أن له ربح أحدهما، صح، وكذا على أن له نصف ربحهما أو ربح نصفهما.

هذا إن كانت الألفان ممزوجتين، وإن كانتا معزولتين بطل؛ لاحتمال اختصاص أحد الألفين بالربح دون الأخرى، ولا يجوز أن يكون ربح مال عوضاً في عمل مال آخر.

ولو ضاربه على أن يكون لغلامه حصّة من الربح جاز؛ لأنّ ما للغلام هو للمالك فيكون بمنزلة اشتراط أحدهما مالاً زائداً.

ولو اشترط حصة من الربح لأجنبي، فإن كان عاملاً صح، وإن لم يكن عاملاً فسد؛ للشك في صحة المضاربة مع هذا الشرط، لأن مبنى عقد المضاربة على الاشتراك بین المالك والعامل، فاشتراط حصّةٍ من الربح لمن لا يعمل منافٍ لمقتضى العقد.

ويحتمل الصحة؛ لعموم الوفاء بالعقد (1)والشرط (2)، والمناقشة لشمولهما لذلك محلّ نظر. ويحتمل الصحة إن كان المشترط المالك؛ لأنّه بمنزلة استثنائه شيئاً من الربح لم يشترطه للعامل، والبطلان إن اشترطه العامل؛ لمنافاته لعقد المضاربة.

والظاهر أن الأوّل هو المشهور.


1) المائدة (5) : 1.

2) راجع ص 77، الهامش (5).

ثالث عشرها: في أنه يملك العامل حصته من الربح بظهوره في رأس المال

ثالث عشرها: يملك العامل حصته من الربح بظهور الربح في رأس المال كما هو المشهور نقلاً (1)بل تحصيلاً، ونقل عليه ظواهر الإجماعات (2)، ودلّت عليه ظواهر الأخبار الحاكمة بأن الربح بينهما (3)القاضية بملك العامل بمجرد حصوله وصدقه عرفاً ولغةً.

وما ورد - في الصحيح - في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربةً فاشترى أباه وهو لا يعلم، قال: «يقوم فإن زاد درهماً واحداً انعتق واستسعى في مال الرجل» (4). يدلّ عليه أيضاً إذ لا عتق إلا في ملك.

وقيل: ولأن سبب الملك هو الشرط الواقع في العقد فيثبت مقتضاه عند ظهور الربح، ولأن حصة العامل لا يملكها صاحب المال اتفاقاً فيملكها العامل؛ لعدم بقاء الملك من غير مالك (5).

وعلى الملك فهو يملك ملكاً متزلزلاً لا يستقر إلا بإنضاض جميع المال أو قدر رأس المال مع الفسخ أو القسمة وقبل ذلك يبقى الملك موقوفاً، فإذا خسر المال شيئاً كان الربح وقاية له فيعود الملك إلى مالكه الأوّل ويزول ملك العامل عنه، ولا يتفاوت الحال بين كون الخسران والربح في صفقة أو صفقتين وفي مرّةٍ أو مرتين وفي سفرة أو سفرتين، كل ذلك لإطلاق فتوى الأصحاب والإجماع المنقول في الباب (6)، ولأنّ المفهوم من اشتراط الربح في عقد المضاربة ومن مشروعيته في الأخبار هو ما يفضل عن رأس المال حين العقد عند انتهاء المعاملة.

وحكي في المسألة أقوال أخر:

منها: توقف ملك العامل على الإنضاض؛ نظراً إلى عدم وجود الربح في الخارج قبله، وشرط الملك الوجود.

ومنها: توقفه على القسمة؛ لاستلزام التملك قبلها جريان أحكام الشركة من توزيع النقصان


1) مسالك الأفهام 4 : 371؛ ریاض المسائل 9 : 351.

2) تذكرة الفقهاء 17 : 106 ، المسألة 266؛ مسالك الأفهام 4 : 371.

3) وسائل الشيعة 19 : 15، الباب 1 من أبواب كتاب المضاربة.

4) المصدر : 25 - 26 ، الباب 8 من أبواب كتاب المضاربة، ح 1.

5) راجع تذكرة الفقهاء 106:17، المسألة 266.

6) إيضاح الفوائد 2 : 323.

عليها واختصاص العامل بحصته وإمضاء أثر العقود من العامل عليها، واللازم باطل، ولأنّ المضاربة معاملة جائزة والعمل فيها غير مضبوط فلا يستحق العامل فيها شيئاً إلا بعد تمام العمل كمال الجعالة، ولأنه لو مَلَك لاختصّ بربح حصته ونمائها.

ومنها: أنه يملك بالظهور إن تعقبته القسمة وإلا فلا على أن تكون القسمة كاشفةً عن الملك به لا ناقلة؛ لأنّ القسمة ليست من أسباب الملك المعدودة، ولانحصار المقتضي للملك ها هنا في العمل (1).

وفي الجميع نظر.

أما الأوّل: فلمنع عدم وجود الربح قبل الإنضاض؛ لعدم انحصار الملك في النقد، فالربح هنا قائم بالعروض، ولمنع شرطيّة الوجود للملك، كما يشهد به بيع الثمار والضمائم التابعة للموجود، وإن فسّر الموجود بالمتميز في الأعيان، فسند المنع بيع الكلّي وبيع الدين.

وأما الثاني: فلمنع الملازمة بين الملك والجبران به عند نقصان رأس المال أو خسرانه؛ لأنّ الملك فيه متزلزل، فإن استمر على حاله ثبت الملك كذلك، وإلا عاد إلى ملك مالك الأصل ويتبعه نماؤه وربحه ومنه يظهر عدم التلازم بين ملك الحصة وعدم ملك ربحها بسبب تزلزل الملك، ولأنه لو اختص بملك نصيبه لاستحق من الربح أكثر ممّا شرط له، ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه ، ومنع كون القسمة من تمام العمل كي لا يستحق العامل قبلها شيئاً، فإلحاقها بالجعالة قياس مع الفارق.

وأما الثالث: فلمنع توقف الحكم بالملك على القسمة بعد أن كان الموجب للملك هو العمل؛ لأصالة عدم مدخليّة غيره في النقل والكشف وبمنع كون القسمة ليست من الأسباب المملكة، فإن ادعي اختصاصها بما كان بين الشريكين، ولم تثبت الشركة ها هنا، منعنا كونها كاشفةً أيضاً ها هنا؛ لعدم ثبوت ذلك بدليل يدلّ عليه.

رابع عشرها : حكم ما إذا اشترى العامل من ينعتق على ربِّ المال

رابع عشرها: إذا اشترى العامل مَنْ ينعتق على ربّ المال بنسب أو سبب، أو ما يخرج عن ملكه بمجرد دخوله فيه لنذرٍ أو لغيره من الأسباب، فإن كان بإذن المالك صح الشراء وانعتق العبد، وخرج المال عن ملك المالك، وبطلت المضاربة في ثمنه، فإن بقي مال للمضاربة


1) راجع بشأن الأقوال إيضاح الفوائد 2 : 322 - 323.

غيره بقي على المضاربة، وإن لم يبق بطل عقد المضاربة من أصله.

وهل هذا الشراء من أعمال المضاربة بحيث يدخل فيها، أو خارج عنها؟ فإن قلنا بخروجه عنها؛ لاقتضاء المضاربة العمل القابل للتكرير والتقليب والبيع بعد الشراء مرّةً أو مرّات، وهذا لا يقبل ذلك، فهو عمل ليس له دَخْلٌ في المضاربة وقضى به إذن المالك المغايرة لعقد المضاربة، وحينئذٍ فلو شرط مثل هذا في ابتداء المضاربة بطلت، ولو أذن له فی أثنائها كان فسخاً للمضاربة بالنسبة إليه فلا يستحق العامل شيئاً من الربح لو ظهر فيه؛ لعدم وقوع المضاربة عليه ابتداء، وعدم دخوله تحت أعمالها في الأثناء.

وهل يستحق أجرةً؛ لأنه عمل محترم صدر عن إذن المالك فيستحق عليه الأجرة لو كان عليه أجرة عادةً، أو على مقدماته من السعي والمماكسة والترغيب في الشراء ونحو ذلك، أو لا يستحق؛ لأنه بعد خروجه عن المضاربة وأعمالها يكون بمنزلة الوكيل الظاهر عمله في التبرع كما هو شأن الوكالة؟ وجهان، أقواهما استحقاق الأجرة؛ لأنه لم يقدم على العمل بعقد الوكالة كي يكون عمله ظاهراً في التبرع وإن قلنا بدخوله في أعمال المضاربة بل وجواز شرطه ابتداء؛ لعدم تسليم اشتراط قبول كلّ شراء للمضاربة للبيع مرةً أو مرّات. وللتقليب والدوران في التجارة، كما يرشد إليه جواز الفسخ من المالك والعامل بعد الشراء من دون تعقيب بيع له، ويرشد إليه جواز تحديد المضاربة في زمن لا يسع إلا الشراء فقط، فهو عمل من أعمال المضاربة يتبعها في الحكم، وحينئذ فإن لم يظهر في العبد ربح انفسخت المضاربة بالنسبة إليه إن قلنا: إنّ الربح يملك بالظهور ، وكذا إن ظهر وقلنا: إن الربح يملك بالإنضاض أو القسمة.

وهل يستحق أُجرةً على عمله؛ لأنّه عمل محترم صدر بأمر المالك ولم يسلم له عوضه بسبب إذنه له، فكأنّ الفسخ جاء من قبله، ويكون بمنزلة ما إذا أتلف المالك مال المضاربة بعد سعي العامل، أو لا يستحق؛ لأنّ فسخ المضاربة جاء من فعله وإن كان بإذن المالك، فكأنّه المباشر والمباشر أقوى من السبب، ولأنّ عوض عمله الربح وقد أقدم عليه بعقد جائز، فإن سلم كان له، وإن لم يسلم له فلا شيء له سواه؟ وجهان، ولا يبعد الأول.

وإن ظهر ربح للعامل احتمل كون الربح للعامل لملكه له بالظهور، فإن كان المالك معسراً بقي نصيب العامل رقيقاً وإن كان موسراً، فإن قلنا بعدم السراية في الانعتاق القهري مطلقاً

حتى لو كان سببه أمراً اختيارياً بقى نصيبه أيضاً كذلك، وإن قلنا بالسراية فيما إذا كان السبب اختيارياً سرى العتق إلى نصيب العامل وكان على المالك قيمة نصيبه؛ لأنه قد أتلفه عليه، فهو بمنزلة ما إذا استرد المالك طائفة من المال بعد ظهور الربح فأتلفها.

واحتمل أنّ له الأجرة دون الربح، إما لأنّ الربح لا يملك إلا بالإنضاض أو القسمة، أو لأنّ مثل هذا العمل من أعمال المضاربة لا يستحق صاحبه الربح؛ لانفساخ المضاربة فيه من أول مرة، فلا يستحق سوى الأجرة؛ بناءً على وقوع عمل منه له أجرة عادةً.

ولا يخفى ضعف هذا الأخير؛ لأنّ الحكم بكونه من أعمال المضاربة ومع ذلك فلا يستحق الربح مخالف لظاهر الأدلّة، إلا أن يقال: إن أعمال المضاربة إنما تنصرف إلى ما يقبل الدوران والتقليب، فيعود إلى الوجه المتقدم من أنّه ليس من أعمال المضاربة، فلا يستحق سوى الأُجرة، أو لا يستحق شيئاً.

وإن اشترى العامل من غير إذن المالك، فإن كان عالماً بنسب من اشتراه للمالك، وعالماً بحكم الانعتاق واشترى بعين المال، كان آثماً وفضوليّاً يتوقف صحة عمله على الإجازة، ولا يقع باطلاً ابتداء، ومَنْ عبّر به أراد ذلك، فإن لم يجز المالك بطل الشراء، وإن أجاز مضى الشراء، وليس للعامل ربح ولا أجرة مثل؛ لصدور عمله منه تبرّعاً، فلا يستحق عليه شيئاً.

واحتمل بعضهم (1)ها هنا البطلان؛ لمكان النهي، فلا تؤثر الإجازة حينئذ. وهو ضعيف.

وأضعف منه احتمال صحة الشراء؛ لأنه مال متقوم قابل لجريان العقود عليه، ويكون العامل ضامناً؛ لتفريطه به، فكأنه أتلفه.

وإن كان جاهلاً بالحكم أو بالنسب أو بهما، قوي القول بكونه أيضاً كما قدمنا من توقفه على الإجازة وإن لم يضمن الثمن لو تلف؛ لعدم تعديه، ولم يأثم لمكان جهله.

وهل يستحق أُجرة مثل عمله؟ وجه لا يخلو من قوة.

ويحتمل صحة فعله ووقوع الشراء عن المالك وانعتاقه عليه؛ لأن تكليفه ما أدّى إليه نظره ولم يكن مقصراً فيه، كما إذا اشترى معيباً غير عالم بعيبه فإنه يكون للمالك، وكما إذا اشترى ما يظن فيه الربح فظهر لا ربح فيه، وكما إذا اشترى ما يتلف بعد شرائه فتلف، إلى غير


1) لم نتحققه.

ذلك، وسيما لو كان الجهل بالحكم والنسب أو بالنسب فقط؛ لأن الجهل بهما عذر، بخلاف الجهل بالحكم، فإن احتمال عدم عذره لمكان تفريطه بالتعلّم قوي.

وفي استحقاقه الربح أو الأجرة على هذا الاحتمال، أو عدم استحقاقه شيئاً وجوه، مبناها على دخول هذا العمل في المضاربة حقيقةً فيستحق الأوّل، أو حكماً لا اسماً فيستحق الثاني، أو لا يدخل أصلاً بل هو تبرّع، سببه الجهل لا أمر المالك فلا يستحق شيئاً، وأقواها الأخير.

وإن كان شراء العامل بالذمة، لم يقع الشراء للمضاربة قطعاً، إلا إذا أذن له في الشراء في الذمة، فيجيء في الصحة وجه كما تقدّم.

وإن لم يأذن له فإن ذكر المالك لفظاً ونواه معنى فهو فضولي عنه، وإن ذكره لفظاً ونوى نفسه كان له باطناً وفضوليّاً عن المالك ظاهراً، وإن نوى المالك باطناً ولم يذكره لفظاً كان للمالك باطناً وله ظاهراً، وكذا إذا ذكر نفسه ظاهراً، وإن أطلق النية واللفظ كان له ظاهراً وباطناً، ويجب عليه التخلّص على حسب ما نواه.

خامس عشرها: حكم ما إذا اشترى العامل من نذر المالك عتقه

خامس عشرها : إذا اشترى العامل مَنْ نذر المالك عتقه، فإن كان مع العلم بذلك فالحكم كما سبق، وإن لم يعلم العامل بالنذر صح الشراء وتعلّق به العتق وارتفع الضمان؛ لأن المنذور عتقه لا يعلم إلا من قبل المالك، وأمر البيع والشراء موكول إلى ما يظهر لدى العامل، ويدور مداره الحكم صحةً وفساداً، بخلاف النسب، فإنّه يمكن الاطلاع عليه.

ويحتمل التسوية بينه وبين مَنْ ينعتق على المالك؛ لعدم صلاحية ما ذكرنا للفرق.

ولو ظهر ربح في العبد المنذور، احتمل أن للعامل حصته وينفذ العتق فيها مع اليسار ويطالب بثمنها، واحتمل أنّ له الأجرة، واحتمل عدمهما.

ولو اشترى العامل زوجة المالك، فإن كان بإذنه فلا إشكال، وإن لم يكن بإذنه احتملت الصحة؛ لأنّه مال صالح للاكتساب وقد اشتراه بثمن المثل فيقع صحيحاً، وبطلان النكاح غير مخل بغرض المعاملة، والبطلان لاشتماله على ضرر المالك بالانفساخ لعقد النكاح اختياراً، ولزوم نصف الصداق لو كان قبل الدخول وجميعه لو كان بعده، إلا أن الصحة أقوى.

وعليها فلو كان الشراء قبل الدخول، ففي لزوم نصف المهر على الزوج وجهان، فإن قلنا به رجع إلى العامل؛ لأنّه سبب تقديره عليه، كما لو أرضعت الامرأة مَنْ يفسد نكاحها، ولو كان بعد الدخول لم يرجع به؛ لاستقراره بالدخول.

وهل للمضارب أن يبيع الزوجة بعد الشراء؛ لأنها بعد انفساخ النكاح صارت كسائر أموال المضاربة، أو لا يبيع؛ لما فيه من إبطال استباحة الوطء؟ وجهان، أوجههما الأول.

ولو اشترى عامل الامرأة زوجها، فإن كان بإذنها بطل النكاح؛ لامتناع اجتماع سببي النكاح على موردٍ واحد ، وإن كان بغير إذنها احتمل وقوع الشراء فضولاً لتضررها به، فإن لم تجزه بطل، وإن أجازته صح ولا ضمان عليه؛ لأن التفويت جاء من قبلها، واحتمل بطلانه من أصله واحتمل وقوعه صحيحاً لازماً؛ لحصول المقصود من المضاربة، ولكن يضمن العامل المهر؛ لحصول التفويت من قبله.

وهل يضمن النفقة على التدريج؛ لتفويتها من قبله، أو لا يضمن؛ لأن شرطها التمكين وهو غير ممكن في المستقبل؟ وجهان، أوجههما عدم ضمانها.

ولو اشترى العامل مَنْ للمالك في ذمته دين بالفعل كجناية الخطأ، أو بالقوة يتبع به بعد العتق كإتلاف المال، احتمل صحة الشراء؛ لوقوعه في محله من كونه مالاً قابلاً للاسترباح، واحتمل بطلانه من رأس؛ لمكان النهي عنه، واحتمل كونه فضوليّاً؛ لعدم دخوله في إذن المضاربة؛ لتضرّر المالك به بسقوط ماله، إذ لا يثبت للمولى على عبده مال.

وحكم الوكيل في هذه الأحكام غير حكم عامل المضاربة، ولا يبعد صحة شرائه في كثیر (1)من الصور المتقدمة، إلا إذا فهم من الوكالة غرض النماء والاسترباح.

ولو اشترى العامل أباه بإذن المالك، صح شراؤه، وكان من أعمال المضاربة، فإن لم يظهر ربح فلا كلام، وإن ظهر ربح فإن قلنا: إنه يملك بالإنضاض أو القسمة فلا كلام أيضاً، وإن قلنا: إنّه يملك بالظهور انعتق عليه ما يملكه، فإن قلنا بسراية العتق القهري مطلقاً أو بسرايته إذا كان سببه اختيارياً سرى إلى حصة المالك، وضمن قيمته له إذا كان موسراً، وإن قلنا بعدم السراية بقي مبعضاً، وكذا إذا كان العامل معسراً إلا أن العبد يستسعى في قيمته للمالك.

ويحتمل هنا بطلان المضاربة وثبوت أُجرة المثل للعامل؛ لفوات الغرض منها من قابلية بقاء المال وتقليبه فلا تتعلّق به المضاربة ولا يكون من أعمالها؛ لأنّ بناءها على العمل القابل للتقليب والدوران وهذا ليس كذلك.


1) فيما عدا «ب» من النسخ الخطية: «كل» بدل «كثير».

وأما مع عدم الإذن فالذي يظهر من مشهور الأصحاب ونُقل عليه الإجماع (1)، ودلّ عليه الصحيح: في رجل دفع إلى رجل [ألف درهم] مضاربة فاشترى أباه وهو لا يعلم، قال: «يقوم أباه فإن زاد درهماً واحداً عُتق واستسعى في مال الرجل» (2)أن البيع صحيح، وينعتق نصيب العامل، ولا يسري إلى نصيب المالك، بل يستسعى العبد في باقي قيمته، وظاهرها عدم الفرق بين ظهور الربح حال الشراء وبين تجدّده بعده وبين يسار العامل وبين إعساره في لزوم استسعاء العبد؛ لإطلاق الحكم بالاستسعاء في الرواية من غير سؤال عن حال العامل إعساراً أو يساراً؛ إذ ليس السؤال عن حال رجل معيّن ليحتمل كون الإمام (علیه السلام) عالماً بحاله، بل عن رجل مطلق، ومن غير السؤال عن حلول الربح أو تجدده.

وحينئذ فالفرق بين يساره فيسري العتق ويضمن القيمة للمالك، وبين إعساره فلا يسري ولا يضمن بل يستسعى بعيد عن ظواهر الأدلّة المتقدّمة، وتنزيل الرواية عليه أبعد؛ لأنّه خروج عن إطلاق النص من غير مقتض، كالفرق أيضاً بين ظهور الربح حال العقد وبين تجدده، فيسري لو كان الربح حالاً، ولا يسري لو كان متجدّداً؛ لكونه في الأوّل اختياراً للسبب القهري دون الثاني، فإنّ العتق إنما جاء لارتفاع السوق وهو غير مقدور، واختيار الشراء ليس اختياراً له فلا يكون اختيار الشراء الذي هو سبب السبب اختياراً للمسبب الذي هو العتق، فإنّه بعيد أيضاً؛ لمخالفته لظواهر الأدلّة المتقدمة، وتنزيل الرواية على الأخير أبعد؛ لعدم المقتضي للخروج عن ظاهرها من دون ثبت ودليل، بل الظاهر أن الأشهر - على ما نُقل (3)- عدم السراية في العتق القهري مطلقاً، ويدلّ عليه أصلَي عدم السراية وعدم شغل ذمة العامل.

وقد يحتمل بطلان الشراء من أصله، أو وقوعه فضوليّاً، إما لعدم انصراف إطلاق المضاربة إليه؛ لانصرافها إلى الشراء للتجارة الذي يقبل التقليب للاسترباح وهذا ليس منه، وإما لعدم دخوله تحت عقدها أصلاً؛ لأنّ مبنى عقدها على التصرّف فيما يقبل البيع والشراء مرّةً بعد أُخرى، فعلى ذلك لا يستحق العامل ربحاً ولا أجرةً، ولكنّه بعيد مخالف لفتوى مشهور الأصحاب ولظاهر الرواية (4).


1) غنية النزوع 1: 267.

2) تقدم تخريجه في ص 307 الهامش (4)، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

3) كما في رياض المسائل 9 : 356 .

4) راجع ص 307 الهامش (4) .

وقد يقال: إن مورد الرواية هو الشراء مع عدم علم العامل، فتختص الصحة ويترتب الربح حالة عدم العلم، وأمّا حالة العلم فيبقى احتمال البطلان فيه متجهاً.

قلنا: ذلك مسلّم لو كان الدليل منحصراً في الرواية والمفروض أنه غير منحصر؛ لإطلاق الفتاوى والإجماع المنقول، والرواية لا تصلح أن تكون مقيدة لهما؛ إذ [ليس] (1)فيها التنصيص على البطلان حالة العلم، وإنّما فيها بيان الحكم حالة الجهل فلا تصلح الرواية لتخصيص الإطلاقات المتقدمة.

واعلم أنه قد يستدلّ بهذه الرواية على صحة المضاربة فيما لا يتحقق فيه دوران وتقليب في التجارة، فيصح حينئذٍ شراء مَنْ ينعتق على المالك بالإذن منه، ويملك العامل حصته؛ لأنّه يكون من أعمال المضاربة، واشتراط الإذن فيه إنما يكون لرفع الفضولية لمكان حصول الضرر به، فلا يدخل في إطلاق عقد المضاربة.

سادس عشرها: حكم ما إذا فسد عقد المضاربة لشرط أو لتعليق

سادس عشرها: إذا فسد عقد المضاربة لشرط أو لتعليق، أو لاشتماله على شرط فاسد، أو لوقوعه على ما لا يصح المضاربة به، فالذي تقضي به القواعد بطلان تصرّف العامل، ووقوعه فضوليّاً؛ لفوات الإذن بفوات العقد؛ لأنه إنّما أذن على نحو خاص، فحيث لم يسلم ترتفع الإذن.

واحتمال بقائها، لأن فوات المقيد قد يكون بفوات القيد والمقيد به معاً، وقد يكون بفوات القيد فقط، وحيث احتمل الأمران كانت الإذن المطلقة مستصحبةً، ويكون الفائت نفس العقد، ضعيف؛ لأنّ الجنس المتحد بفصله لا قوام له بنفسه، فلا يمكن استصحابه بنفسه، وانضمام قيد آخر له خلاف الأصل، فيحتاج إلى دليل.

كما أن احتمال أن العقد الفاسد قد تضمّن شيئين أحدهما: الإذن بالتصرف، والثاني: استحقاق الحصة على الوجه المخصوص، فبطلان أحدهما لا يقضي ببطلان الآخر، ضعيف أيضاً؛ لاختصاص ظاهر هذا التعليل بفساد الشرط دون غيره أولاً، ولأن بطلان استحقاق الحصة رافع للإذن الحاصل من العقد؛ لأنّه إنّما وقع على هذا الوجه المخصوص فيرتفع بارتفاعه.


1) ما بين المعقوفين أثبتناه لأجل السياق.

ومع ذلك كله فظاهر الأصحاب نفوذ تصرّف العامل ووقوع عقوده صحيحةً غير محتاجةٍ إلى الإجازة.

وظاهرهم عدم الفرق بين علم المالك بالفساد وبين عدمه، فإن كان إجماع فلا كلام، وإلا فالإشكال متوجه كما يتوجه في البيع الفاسد وشبهه.

وعلى كل حال فليس للعامل من الربح شيء قطعاً؛ لعدم إمكان تملكه بالعقد الفاسد.

وهل له أجرة المثل؟ الظاهر ذلك، وهو ظاهر الأصحاب، سواء كان عالماً بالفساد أو جاهلاً به؛ لأنّه عمل محترم أتلفه المالك على عوض لم يسلم له، فهو مضمون عليه بقيمته.

واحتمال أن المشروط له هو الربح فحيث لم يحصل لا يستحق شيئاً، باطل؛ لأن العمل لم يقع تبرعاً، وإنما وقع على عوض، فحيث لم يسلم ذلك العوض صار مضموناً على المستوفي، كما في الإجارة الفاسدة.

وأما المال الذي بيد العامل فهو غير مضمون؛ لأنّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده، إلا إذا ضمّنه إيّاه أو اشترط ضمانه، ففي الضمان وجه.

كما أنه لو صرّح بإسقاط الربح في المضاربة الفاسدة فقال: «ضاربتك على أن لا ربح لك» ففي سقوط الأجرة عن المالك وجه قوي، ويزداد قوةً لو قال: «على أن لا عوض لك»؛ لظهور التبرع فيه.

ولو ضمن المالك العامل في عقد المضاربة، فسد عقد المضاربة ابتداء، وكان الربح كله للمالك، ولو ضمّنه في الأثناء، احتمل ذلك، واحتمل إلغاء الضمان وبقاء العقد على حاله.

وقد ورد في بعض الأخبار المعتبرة - وفيها الصحيح وغيره - أن: «مَنْ ضمن تاجراً فليس له إلا رأس ماله، وليس له من الربح شيء» (1)وأفتى بمضمونها جمع من الأصحاب (2).

فعلى ذلك فلو اشترط المالك الضمان في عقد القراض، صحت عقود العامل وكان الربح له، وهو مخالف للقواعد من كلتا الجهتين، فإن أخذنا بها تعبداً أشكل علينا في كون الربح للعامل، وفي كون المال هل يكون للمالك أو للعامل؟ وكلٌّ محتمل، إلا أن الأظهر كونه للعامل بمقتضى أن الربح له، وصيرورته كذلك من غير سبب ناقل مشكل.


1) وسائل الشيعة 19 : 22 - 23 ، الباب 4 من أبواب كتاب المضاربة، ح 1 و 2.

2) كالشيخ الطوسي في النهاية : 430؛ والمحقق الحلّي في المختصر النافع : 242؛ والسيوري في التنقيح الرائع 2 : 224؛ والطباطبائي في رياض المسائل 9 : 358 .

وإن أردنا تطبيقها على موجب القواعد أشكل الحال؛ لأنّ التضمين إما أن يصير المال قرضاً قهراً، وهو بعيد، أو يصيّره قرضاً ظاهراً ، فهو كذلك؛ لعدم صدور صيغة تدلّ عليه، كما إذا صدرت الصيغة بلفظ «ضاربتك» وشبهها. نعم ، لو صدرت الصيغة بلفظ «خذه واتجر به وعليك ضمانه» كان الحمل على القرض متجهاً بل نُقل عليه الإجماع (1)، أو يصيّره مضاربةً فاسدة، وحكمها كون الربح للمالك وعليه أجرة المثل للعامل، فصيرورة المال للعامل والربح له لا وجه له، فلا وجه حينئذٍ لتطبيقها على القواعد والضوابط سوى حملها على وقوع الصيغة بلفظ «خُذه واتجر به وعليك ضمانه» ولا بدّ حينئذ من تجريدها عمّا يدلّ على المضاربة. فلو قال بعدها: «والربح بيننا» أو «والربح لي» عاد الإشكال، لتكثر الاحتمال، فليس لنا مندوحة عن الأخذ بها في هذه الصورة خاصة حال تجريدها؛ صوناً لكلام المالك عن الهذر، وحملاً له على الصحة مهما أمكن حيث لم يعارضه ظاهر يقضي بخلافها.

وأمّا الأخذ بها على كلّ حال كما فعله بعضهم (2)فهو بعيد جداً.

سابع عشرها: حكم ما إذا كانت أموال المضاربة بيد العامل لم يعلم بقاؤها ولا تلفها بعد موته

سابع عشرها: إذا كانت بيد العامل أموال للمضاربة لم يُعلم بقاؤها ولا تلفها بعد موته، فالأظهر الحكم بكون التركة ميراثاً؛ لظاهر اليد، إلا أن يُعلم أنّها مضمونة عليه بتعد أو تفريط ولو بترك الوصية بها عند موته، ومع الجهل فالأصل براءة ذمّة العامل من الضمان، كما أنّ الأصل عدم وجودها في أمواله وهي أعيان التركة واستصحاب وجودها لا يقضي بكونها في هذه الأعيان، بل يقضي بأنّها موجودة في الخارج فقط، وعموم «على اليد» (3)لا يقضي بلزوم أخذها من أعيان التركة؛ لاختصاصها بغير الأمانة، أو بها مع التفريط، أو بها مع وجود العين، والمال هنا أمانة، والتفريط غير ثابت، ووجودها في أعيان التركة منفي بالأصل، ووجودها مطلقاً غير قاض بلزوم دفع شيءٍ من أعيان التركة - المحكوم بكونها للوارث - عنها.

نعم، لو علم أنّ مال المضاربة في جملة أمواله قبل موته ثم تجدد له بيع وشراء قبل موته فلم يُعلم تلفها بالخصوص أو بقاؤها في جملة أمواله، فالأظهر الحكم ببقائها؛ استصحاباً لمال المضاربة، ولأنّ وضع يده على المجموع لم يكن وضع ملك فيستصحب أيضاً.


1) المهذب البارع 2 : 561.

2) راجع رياض المسائل 9 : 359 .

3) راجع ص 102، الهامش (1) .

واحتمال العدم ضعيف.

ويحتمل جواز الاعتماد على القرائن في مثل هذا المقام ولو علم ببقاء مال المضاربة بعد موته في جملة أمواله بالقطع أو بشهادة عدلين أو بإقرار الورثة أو بالقرائن الظنّيّة الظاهرة في ذلك فيعتمد عليها؛ لمكان الظهور، جاز إخراجها من أعيان التركة.

وقد يلحق بالعلم ببقائها بعد الموت العلم بحصولها في جملة الأعيان قبل الموت ببينة أو إقرار أو قرائن ظاهرة في ذلك، فيستصحب حالها وإن احتمل تلفها.

ولكنّه لا يخلو من إشكال. وأما العلم بتفريطه بها ولو بترك الوصية فهو بحكم العلم ببقائها، كما أنّ العلم ببقائها في الجملة غير كافٍ في جواز الأخذ من التركة.

ومتى جاز إخراجها من التركة فإن عُلمت بعينها اختص بها صاحبها، كما إذا أقرّ بها العامل لواحدٍ بعينه، أو قامت البينة بذلك، وتقدّم على الدين؛ لتعلقه بالذمة، وتعلق مال المضاربة بالعين، فإن علم قدرها أخرج القدر المعلوم، وإلا أُخرج ما يُعلم كونه من مال المضاربة؛ لأصالة كون ما تركه الميت للوارث، إلا مع الدليل على عدمه.

وإن علم قدر مال كلٍّ من الميت والمضاربة وتلف منهما شيء، كان التالف على نسبة المالين، وإن تلف شيء ولم يُعلم من أيهما رجعا إلى الصلح، واحتمال كونه من مال المضاربة، أو القرعة ضعيف.

وإن اجتمعت عند العامل أموال مضاربة، فإن وسع المال مالهم فلا كلام، وإن ضاق تحاصوا فيه على نسبة أموالهم، كما تقضي به القاعدة، ويدل عليه الخبر: «فيمن يموت وعنده مال مضاربة، فإن سمّاه بعينه قبل موته فقال: هذا لفلان فهو له، وإن مات ولم يذكر فهو أُسوة الغرماء» (1)ويريد بالغرماء أهل المضاربة لا أهل الدين؛ لتقدم حق أهل المضاربة على الدين؛ لكونهم بمنزلة الشركاء، إلا إذا تعلّق مال المضاربة بالذمة لتلف بتعد أو تفريط ولو بترك الوصية؛ لأنها بمنزلة الحيلولة، فإنه يكون حكمه حكم الدين، وربما تنزل عليه الرواية.


1) وسائل الشيعة 19 : 29 ، الباب 13 من أبواب كتاب المضاربة، ح 1.

هذا إن كانت أموال المضاربة غير ممتزجة بمال الميت، فإن كانت ممتزجة وكان الجميع معلوماً ولكنه قصر، تحاص الورثة وأهل المضاربة على نسبة أموالهم، وإن كانت أموال المضاربة مجهولةً أُخرج ما يُعلم أنّه منها، واصطلحوا عليه، وكان الباقي ميراثاً.

وليس لأهل المضاربة مع قصور التركة عن مالهم واشتراك الورثة معهم الاختصاص بالتركة دون الوارث، إلا مع العلم بضمان الميت للتالف بتعد أو تفريط، فيكون ديناً في ذمته، وبدونه ليس لأهل المضاربة أخذ شيءٍ من مال الورثة؛ لأصالة عدم الضمان، واحتمال التعدي والتفريط لا يوجبه، وعموم «على اليد ما أخذت» (1)مخصوص بما دلّ على عدم ضمان الإمانة.

ثامن عشرها: في أنه لا يجوز للعامل وطء الجارية المشتراة من مال المضاربة بغير إذنه

ثامن عشرها : لا يجوز للعامل وطء الجارية المشتراة من مال المضاربة من غير إذنه؛ للنهي عنه كتاباً (2)وسنةً (3)وإجماعاً.

ولو أذن فإما أن يكون مع ظهور الربح وقلنا بملك العامل بنفس الظهور فالأقرب: عدم الجواز؛ للأدلة المانعة من وطء أحد الشريكين الجارية المشتركة مع تحليل الشريك الآخر له (4).

وربما استند إلى التفصيل القاطع للشركة في قوله تعالى: «إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ» (5).

وأما مع عدم ظهوره والقطع بعدمه فلا إشكال في الجواز.

وأما مع الشكّ في وجوده وعدمه فهنا يحتمل الجواز؛ لأصالة عدمه، ويحتمل المنع من باب المقدمة؛ لاحتمال حصول الشركة المانعة في نفس الأمر.

وفيه: أنّ المقدمة مع عدم العلم بترتب ذيها لا تجب في مقام الوجوب، ولا تحرم في مقام الحرمة.

وكذا يجوز الوطء بالإذن إذا ظهر ربح وقلنا: إنّ العامل يملك بالإنضاض أو القسمة.

هذا كله لو أذن بعد الشراء، أمّا لو أذن له قبله حين عقد المضاربة أو قبله فلا أثر لهذه


1) تقدم تخريجه في ص 102، الهامش (1).

2) المؤمنون (23) : 6.

3) وسائل الشيعة 142:21 ، الباب 41 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

4) المصدر.

5) المؤمنون (23) : 6.

الإذن في التحليل؛ لعدم كونها عقداً أو كونها ملك يمين، فلا يشملها الحصر في قوله تعالى: «إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ» ولو قلنا: إن التحليل إباحة للملك لا عقد، فهو لا يؤثر قبل تعلّق الملك، والإذن قبل الشراء إذن فيما لا يملك فلا يؤثر إباحة، سواء أطلقه أو قيّده بما بعد الشراء؛ لعدم انصراف أدلّة التحليل لمثله.

وقيل بجواز الوطء بالإذن السابقة (1)استناداً لرواية الكاهلي : في رجل سألني أن أسألك أنّ رجلاً أعطاه مالاً مضاربة يشتري له ما يرى من شيء وقال: اشتر جارية تكون معك، والجارية إنّما هي لصاحب المال إن كان فيها وضيعة فعليه وإن كان ربح فله فللمضارب أن يطأها؟ قال: «نعم» (2).

وهي شاذة متروكة حتى قيل: إنه لم يعمل بها أحد من قبل ومن بعد سوى الشيخ (رحمه الله) (3)ومخالفة للقواعد من رأس لتضمّنها جواز وطء العامل لها بمجرد إذن المالك في شرائها وكونها معه، وهو أعم من تحليله الوطء، ولا دلالة للعام على الخاص هنا، ومع ذلك فهي ظاهرة في كون الجارية ليست من مال المضاربة، بل هو طلب أمرٍ آخر من العامل، على أنّ سندها ليس من الصحيح؛ لاشتماله على الواقفية وعلى الممدوح من الإمامية من غير توثيق وعلى ما عد أنّه مشترك، فلا تعارض عمومات الأدلّة المعتضدة بفتوى المشهور والاحتياط في الفروج، فطرحها أو حملها على الجواز مع الإذن دفعاً لشبهة عدم تأثير إذن المالك حتى مع عدم اشتراك العامل معه في الربح أولى.

ولو وطئ العامل الأمة المشتراة من مال المضاربة من دون إذن المالك، حدّ حداً تاماً إن لم يظهر ربح، وإلا فعلى قدر نصيب المالك.

هذا إن كان عالماً بالتحريم وعليه المهر ، وإن كان جاهلاً سقط الحد وعليه المهر، وقيمة الولد على قدر نصيب المالك يوم سقط حياً، وعليه قيمة الجارية أيضاً؛ لصيرورتها أُمّ ولد.

ويلتزم بقيمتها مع الجهل والعلم.


1) قاله الشيخ الطوسي في النهاية : 430 .

2) وسائل الشيعة 19 : 27 - 28، الباب 11 من أبواب أحكام المضاربة، ح 1.

3) قاله الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 361 .

ولو وطئها المالك فلا حد لمكان الشبهة، ظهر ربح أم لا، بل يجوز له الوطء مع ظهور ربح؛ لأصالة عدمه.

وقيل بالمنع؛ لتعلق حق العامل بها، والوطء ينقصها وربما يؤدي إلى إتلافها أو إلى إحبالها (1).

وهو لا يخلو من قوة.

واستشكل بعض المحققين في سقوط الحدّ مع ظهور الربح؛ لمنع حصول الشبهة سوى احتمال كونه ملك العامل بالإنضاض أو القسمة، ولو كان ذلك موجباً للشبهة للزم أنّ كلّ مسألة خلافية شبهة يدرأ بها الحد وهو بعيد (2).

تاسع عشرها: فيما يتعلّق بما إذا انفسخ عقد المضاربة وكان فسخها من اختيار المالك أو العامل أو منهما

تاسع عشرها: إذا انفسخ عقد المضاربة ففسخها إما من اختيار المالك أو العامل أو منهما معاً، أو من سبب قهري من المالك أو العامل أو منهما، كجنون أو إغماء وشبههما.

ثم إن المال إما أن يكون ناضاً كله أو ناضاً بعضه، ثمّ البعض إما أن يكون قدر رأس المال أو أقل أو يكون غير ناض أصلاً.

ثمّ إنّ المال إما أن يظهر فيه ربح أم لا، والربح إما بالفعل كارتفاع القيمة السوقية، أو بالقوة كوجود زبون، وهو مَنْ يشتري بزيادة القيمة.

ثمّ إنّ العامل إما أن يملك بالظهور أو بالإنضاض أو القسمة.

فإن كان الفسخ من المالك باختياره وكان المال ناضاً ولا ربح فيه لا بالقوة ولا بالفعل، أخذه المالك، وعليه للعامل أجرة المثل؛ لاحترام عمله حيث إنّه أقدم به على عوض ولم يسلم له، وقد كان بتفويت المالك وحيلولته بينه وبينه.

ويشكل بأنه قد أقدم على عقد جائز للمالك فسخه في كل وقت ومن جملة الأوقات حالة عدم ظهور الربح، وبأنه لم يقدم إلا على عوض محتمل عدمه، وجائز للمالك رفعه فإن سلم ملكه، وإن لم يسلم فلا شيء له.

واحتمال أنّ المالك جعل له العوض من عمله الحصة المشروطة فيقتضي استمراره على العمل إلى أن تحصل فليس له عزله قبل حصولها فإذا عزله فقد فوّتها عليه فتلزمه أجرة


1) قاله العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 17 : 111، المسألة 270.

2) راجع جامع المقاصد 8 : 117.

المثل كما إذا فسخ الجاعل عقد الجعالة بعد الشروع في العمل، ضعيف؛ لتأدية ما ذكر إلى صيرورة الجائز لازماً، أو الالتزام بغير ما تراضى عليه المتعاقدان في العقد، وكلاهما لا نقول به.

والقياس على الجعالة منظور فيه؛ لأنّا نقول ذلك في المقيس عليه إن لم ينعقد إجماع أو مثله عليه، ولكن لما كان الحكم مشهوراً بين الأصحاب بل كاد أن يكون متفقاً عليه وموافقاً للاحتياط واحترام عمل المسلم كان القول به متجهاً، ولكنه يختص بصورة ما إذا لم ينض المال بعد تقليبه مراراً وطول زمن المضاربة؛ للزوم الضرر على المالك بإبقاء المضاربة، وكذا لو انتهى زمانها الذي عينه المالك.

وإن كان الفسخ من قبل المالك لكن من غير اختياره كجنونه وشبهه، فلا يبعد ثبوت الأجرة أيضاً، إلا أن الحكم بها هنا أضعف من سابقه.

ولو كان من قبل العامل باختياره فلا شيء له؛ لأنه أذهب حرمة عمله بنفسه حيث أقدم على الحصة في مقابلة العمل ثم فوتها على نفسه.

ولو كان لا باختياره، ففيه وجهان. واحتمال ثبوت الأجرة قوي.

هذا كله إن كان المال ناضاً، وإن لم يكن ناضاً ولا ربح فيه، جاء فيه الكلام المتقدم، إلا أنه هل للمالك جبر العامل على الإنضاض؛ لعموم «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (1)وقد أخذت نقداً فتجب تأديته نقداً، ولأنّ التغيير كان بفعل العامل فيلزمه إرجاعه إلى ما كان عليه، أو ليس له؛ للأصل، ولعدم موجب يقضي عليه بعمل لا عوض عليه بعد ارتفاع العقد، ولأن التغيير بإذن المالك ؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.

وهل للعامل إجبار المالك على الإنضاض؛ لاحتمال ظهور ربح أو وجود زبون، أو ليس له؛ للأصل، ولأصالة عدم ظهور ربح؟ وجهان، أجودهما: التفصيل بين كون الربح مرجواً فللعامل الإنضاض؛ لتعلّق حقه به، وبين عدمه فليس.

وأما التفصيل بين كون الفسخ من قبل المالك فالأول، وبين كونه من قبل العامل فالثاني، ضعيف. وحكم عدم إنضاض البعض كعدم إنضاض الكل.

وإن وقع الفسخ وفي المال ربح وكان ناضاً كلّه، فللعامل حصته من الربح قلت أو كثرت،


1) تقدم تخريجه في ص 102، الهامش (1).

وليس له سواها إلا إذا قلت بحيث كانت لا تتموّل عادة، وكلّ مَنْ طلب منهم القسمة أُجبر الممتنع عليها.

وإن لم يكن ناضاً كله وقلنا: إنّ الربح يُملك بالظهور، فإن اتفقا على القسمة قبل الإنضاض فلا بحث، وإلا فإن طلب المالك إنضاضه وجب على العامل؛ للزوم تأديته على العامل كما كان، ولأن استحقاقه الربح وإن كان بالظهور إلا أن استقراره مشروط بالإنضاض، فيحتمل عروض ما يقتضي سقوطه؛ ولأنّ الإنضاض من جملة أعمال المضاربة التي يملكها المالك على العامل في مقابلة الربح.

وإن طلب العامل، فهل يجب على المالك إجابته؛ لإمكان تمكين العامل من الوصول إلى غرضه الحاصل بالإذن، وربما لم يوجد راغب في شراء بعض العروض دون بعض، أو وجد ولكن بنقصان أو رجا وجود زبون يشتري بأزيد فيزيد الربح، وليس العامل كالشريك بل له مزية حيث إنّ حقه يظهر بالعمل والربح عوضه دون الشريك، أو لا يجب؛ لإمكان وصول العامل إلى حقه بقسمة العروض وإسقاط باقي العمل عنه تخفيف من المالك؛ لأنه حقه، فلا يكلّف الإجابة إلى بيع ماله بعد فسخ المضاربة، ولأنّ العامل كالشريك، ولا نسلّم أن له مزيةً عليه، والشريك ليس له تكليف شريكه بالبيع ؟ وجهان، أوجههما: التفصيل بين ما إذا حصل بالقسمة نقصان في الثمن أو ضرر على العامل ولو بفوات ما قابل الهيئة الاجتماعية لزم المالك إجابته، وبين ما إذا لم يكن كذلك فلا يلزم.

والتفصيل بين كون الفسخ من قِبَل المالك فتلزم الإجابة، وبين ما إذا كان من قبل العامل فلا يلزم الإجابة، ضعيف.

هذا كله لو طلب العامل الإنضاض بالفعل، ولو طلبه متأخراً لتوقع موسم له أو نحو ذلك لم تلزم إجابته.

ولو قلنا: بأنّ العامل لا يملك بظهور الربح وإنما يملك بالإنضاض أو القسمة، فالوجه، عدم وجوب إجابة المالك بعد فسخ المضاربة؛ لعدم حقٍّ للعامل في المال؛ إذ ليس له سوى أُجرة المثل أو الربح الموهوم الكائن بعد القسمة أو الإنضاض، مع احتمال أن له ذلك؛ لأنه مالك أن يملك بعد ذلك، ولا نسلّم أنّ حقه أجرة المثل، بل حقه الربح بعد الإنضاض أو القسمة.

ولو قلنا: إن العامل يملك بهما ولو حصلا بعد الفسخ اتجه لزوم إجابة المالك؛ للزوم تمكين العامل للتوصل إلى حقه.

ولو كان بعض المال ناضاً، فإن كان قدر رأس المال جاز للمالك الاختصاص به على الظاهر ؛ لأنّه عين ماله قد وصل إليه، فإن اختص به فهل له جبر العامل على إنضاض الباقي؛ لأنّه من أعمال المضاربة المستحق عليه عوض الربح، أو لا يجب؛ لوصول المالك إلى ماله الذي دفعه كما كان فلا حق له في إنضاض غيره؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.

ولو كان أكثر واختص به فأولى، وإن كان أقل فله (1)إجبار العامل على إتمام رأس المال.

وهل له الإجبار على الباقي ؟ وجهان.

وإن لم يختص به المالك جاز إجباره على إنضاض الباقي مطلقاً، مع احتمال أن العامل لا تلزمه الإجابة إذا رضي له بأخذ رأس المال.

ويجري هذا الحكم فيما إذا ألزمه بإنضاض الكلّ فنضّ منه قدر رأس المال فقط، فإنّه لا يبعد أنه ليس له إجباره على إنضاض.

ولو كان في مال المضاربة دَيْنٌ قد بقي بعد العزل لزم على العامل تقاضيه؛ لعموم «على اليد ما أخذت» (2)ولاقتضاء المضاربة ردّ رأس المال على صفته، ولأنّه أخذ المال ملكاً تاماً فليرده كذلك؛ لأن الدين ملك ناقص.

وقد يمنع ذلك؛ للأصل، ولأنّ الدين بإذن المالك، فلا يلزم بالرد من دون موجب، ولمنع دخول هذا الفرد تحت العموم، ومنع اقتضاء المضاربة ذلك.

ثم إن العامل لو عزله المالك ولم يبلغه خبر العزل، ففي إمضاء تصرفه كالوكيل؛ لأنّها وكالة في المعنى، أو لا يمضى تصرّفه فيه؛ لعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (3)؟ وجهان، أوجههما: الأول.

العشرون: في أن الربح وقاية لرأس المال

العشرون: الربح وقاية لرأس المال إجماعاً، وفي الخبر: عن مال المضاربة؟ قال:


1) في «ب» : «كان له» بدل «فله».

2) تقدم تخريجه في ص 102، الهامش (1).

3) تقدم تخريجه في ص 117، الهامش (5).

«الربح بينهما والوضيعة على المال» (1)ولا منافاة بين ملك العامل له بالظهور وبين كونه وقاية؛ لأنّ ملك العامل له ملك غير مستقر، وما دام غير مستقر هو وقاية لرأس المال، ومتى استقرّ خرج عن كونه وقاية له.

ويستقر قطعاً بالإنضاض مع فسخ تلك المضاربة والقسمة بعد الفسخ أو قبله، وكذا بالإنضاض والفسخ وإن لم تقع قسمة على الأظهر؛ لارتفاع العقد الرافع لحكم القراض، فيلزم صرف الربح إلى ما شرطاه ويبطل الجبران به.

واحتمال العدم؛ لأنّ القسمة من تتمة عمل العامل، ولأنّ المالك ما دام لم يقبض رأس المال كان بحيث لو تلف منه شيء انجبر بالربح؛ للاستصحاب، ولعموم «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» ضعيف، وذلك؛ لأنّ رأس المال إذا نض ووقع الفسخ للمضاربة كانا كالشريكين، فتشملهما قواعد الشركة، والمتيقن من كون الربح جبراناً لرأس المال هو ما كان قبل ذلك، والاستصحاب ينقطع بتبدل الموضوع، والموضوع قد تبدّل بانفساخ عقد القراض، فيبقى المال أمانةً غير مضمونة، فلا يجبر مال أحدهما مال الآخر، وعموم «على اليد» لا يقضي بجبران التالف من دون تقصير في باب الأمانات.

والظاهر أنّ إنضاض رأس المال كإنضاض الجميع بل هو أولى؛ لامتياز رأس المال حينئذ، ولزوم دفعه للمالك إذا طلبه، فهو بمنزلة القسمة.

ويستقر أيضاً بالفسخ والقسمة وإن لم ينض جميع المال أو قدر رأس مال المالك؛ لأنّ المضاربة قد زالت بزوال عقدها، والقسمة قد ميّزت كلّ ملك لصاحبه، فالحكم بالجبران مفتقر إلى دليل وليس فليس.

وقد تبنى المسألة على أنّ العامل هل يجبر على البيع والإنضاض؟ فإن قلنا به لم يحصل الاستقرار؛ لبقاء حكم القراض ببقاء العمل، وإن قلنا بعدم الجبر حصل الاستقراء.

ولو حصلت القسمة دون الفسخ، فالظاهر عدم الاستقرار، سواء كانت القسمة لرأس المال والربح، أو الانفراد بأخذ رأس المال فقط وقسمة الربح عروضاً، بل ليس لأحدهما إجبار الآخر على قسمة المال قبل الفسخ، أما المالك: فلأنّ الربح وقاية لرأس ماله فله الامتناع


1) وسائل الشيعة 19 : 21 - 22 ، الباب 3 من أبواب كتاب المضاربة، ح 5.

خوفاً من عدم سلامته له، وأما العامل فله الامتناع خوفاً من أن يخسر المال بعد خروج ما أخذه من يده، فيلتزم بالغرامة لتتميم رأس المال، وحينئذ فلو نقص رأس المال انتظر المالك الربح ليجبره به ما دام عقد المضاربة باقياً، سواء كان الربح في تلك الصفقة أو غيرها أو في تلك السفرة أو غيرها فكلّ ما يملكه العامل من الربح يبقى موقوفاً إذا كان زائداً على رأس المال، وإن كان مكملاً له بعد النقصان فلا يملك العامل شيئاً؛ لأنه لا يكون ربحاً إلا أن يفضل عن رأس المال.

ولو حصل الربح بعد الخسران أرجع العامل إلى رأس المال أقل الأمرين مما أخذه ومن خسرانه، فلو فرضنا أن رأس المال مائة فربح عشرين فاقتسماها عشرةً عشرةً ثم خسر المال عشرين أرجع العامل العشرة، ولو فرضنا الخسارة ثلاثين أرجعها فقط وكان الباقي على المالك، ولو فرضنا الخسارة عشرة أرجع الخمسة فقط وبقي له الباقي وأرجع المالك خمسة فقط وبقي له الباقي ؛ لأنّ النقصان موزّع على أصل الربح الكائن بين المالك والعامل.

الواحد والعشرون: حكم التالف من مال التجارة قبل الدوران في التجارة أو بعده

الواحد والعشرون: التالف من مال التجارة إما أن يكون قبل الدوران في التجارة بمعنى البيع والشراء به لا مجرّد السفر به أو يكون بعده ، وعلى كل حال فإما أن يكون الكل أو البعض، وعلى كل حال فإما أن يكون بطريقٍ غير مضمون كتلف بآفةٍ سماوية أو نقصان سوق أو بطريق مضمون كسرقة ونهب وشبههما.

فإن كان التلف قبل الدوران في التجارة، فالأوجه بطلان المضاربة مطلقاً؛ لأنّها إنما وقعت على مالٍ معيّن وقد ذهب ما وقعت عليه فتبطل، ولأنّ المتيقن من جبر رأس المال بالربح هو جبره بما كان بعد الدوران لا ما كان قبله.

ويحتمل عدم البطلان فيما إذا كان التالف مضموناً؛ لقيام العوض مقام المعوّض، وحينئذ فإذا استوفى العامل منه شيئاً فريح ذلك الشيء وتوى الباقي كان الربح جبراناً لذلك التالف.

وفيه: أن قيام العوض مقام المعوّض والبدل مقام المبدل في عقد المضاربة ونحوها مفتقر إلى الدليل، وهو مفقود في غير ما دلّ عليه الدليل، كأثمان الأعيان المبيعة في التجارة عند تقليب المال.

وقد يحتمل الصحة مطلقاً، كما إذا ضاربه على مالٍ معيّن وأذن له بالشراء في الذمة ليفي

منه فاشترى في الذمة فتلف عين المال قبل دفعه، فإنّه يلزم المالك حينئذ بنقد الثمن عنه، وتكون العين المشتراة من أموال المضاربة، وكلّما حصل فيها ربح يكون جبراً لرأس المال الذي قد تلف.

وفيه: أن صيرورة العين المشتراة من أموال المضاربة بمجرد نية الوفاء من رأس المال وإن لم يف منه مشكل جداً.

هذا إذا كان التالف جميع رأس المال، وإن كان بعضه، احتمل أيضاً بطلان المضاربة به مطلقاً، فلا يجبر ربح ما بقي لما تلف مطلقاً.

ويحتمل جبره مطلقاً؛ لأنّ الربح وقاية لرأس المال، ومتى صحت المضاربة في شيء منه كان ربح الباقي جبراً لما فات منه، والمقتضي للصحة هو نفس العقد دون الدوران في التجارة.

ويحتمل التفصيل بين التلف السماوي أو نقصان السوق فيجبر بربح الباقي، وبين التلف المضمون فلا يجبر ؛ لأنّ ضمانه بمنزلة بقائه ووجوده، فلا يلزم جبره.

ويحتمل العكس؛ لأنّ ضمانه مقتض لعدم بطلان المضاربة فيه؛ لصيرورته بمنزلة الموجود، والمفروض أنه قد تلف ولا يمكن استعادته فيلزم جبره بربح الباقي حينئذ.

وإن كان تلف رأس المال بعد الدوران كلّاً كما إذا تلف قدر رأس المال بعد الشراء به وبقي الربح، أو بعضاً، جبر بالربح قطعاً؛ لكونه وقايةً لرأس المال، سواء كان التلف بوجه مضمون أو غير مضمون.

واحتمال أنّ التالف بوجه مضمون لا يجبر بالربح؛ لأنه بمنزلة الموجود، ولأن الربح وقاية لما كان نقصانه بتصرّف العامل كنقصان السوق وشبهه لا مطلقاً، بعيد؛ لأنّ الفرض في الأوّل مع عدم تأدية ما على الضامن فيكون تالفاً، والتخصيص بالأخير مخالف لظواهر الفتاوى والنصوص.

الثاني والعشرون: في بيان أُمور :

أحدها: حكم ما لو ضارب المريض العامل بأزيد من أُجرة المثل

أحدها: لو ضارب المريض العامل بأزيد من أجرة مثله، صح، ولم يخرج الزائد من الثلث؛ لأنه لم يفوّت شيئاً على الوارث من أعيان التركة، وإنّما فوّت أمراً موهوماً لا تحقق له في الخارج، فكلّما تحقق شيء من الربح فهو ملك جديد للوارث يستغنمه.

ثانيها: حكم ما لو شرط المالك على العامل بقاء المال في يده

ثانيها: لو شرط المالك على العامل بقاء المال في يده وعدم تسليمه إليه، فلا يبعد صحة الشرط والعقد؛ لعموم دليل الشروط (1).

وكذا لو شرط المشاركة معه أو مراجعته في التصرف، أو أن لا يعمل إلا بنظره، صح ذلك كله؛ لوجود المقتضي وعدم المانع.

ويظهر من العلامة (رحمه الله) منع اشتراط بقاء المال في يد المالك على وجه الاستقلال؛ لمنافاته لوضع المضاربة (2).

وفيه: منع المنافاة لذلك شرعاً وعرفاً.

ولو خلط العامل المال بمال آخر، ضمن حتى لو كان بمال آخر للمالك ولو كان ذلك بمضاربة أُخرى.

ثالثها: عدم جواز أخذ مضاربة أُخرى للمضارب إذا تضرّر المالك الأول

ثالثها: لا يجوز للمضارب أن يأخذ مضاربةً أُخرى إذا تضرّر المالك الأول، ولا يجوز أن يتماهل في عمله أو يترك المال من دون عمل.

ولو أخذ مضاربةً أُخرى، كان الربح بينه وبين المالك الثاني، وليس للمالك الأول فيها شيء.

ولو ضارب اثنين فساواهما في الربح صح، تفاوتا في العمل أو تساويا، أو فاوتهما في الربح مع التساوي في العمل أو التفاوت.

رابعها : حكم ما لو ضارب اثنان واحداً فشرطا له النصف وتفاضلا في النصف الآخر مع تساوي مالهما

رابعها: لو ضارب اثنان واحداً فشرطا له النصف وتفاضلا في النصف الآخر مع تساوي مالهما، أو تساويا مع تفاوته، فالأظهر الصحة، سواء كان المالان ممتزجين أو معزولين، وسواء كانت حصة العامل مشروطةً من ربح مجموع المالين أو من ربح كلّ واحدٍ منهما بانفراده إذا كانا ممتزجين؛ لعموم دليل الشروط (3)والوفاء بالعقود (4)، ولكونه في المال الممتزج بمنزلة أخذ أحد المالكين من حصة العامل زيادة على ما أخذه الآخر، بمعنى أن شارط الزيادة يكون قد جعل للعامل أقل مما جعل له صاحب النقيصة.

هذا مع إطلاقهما شرط النصف له من غير تعيين لما يستحق على كلّ واحدٍ، فإنّه كما


1) راجع ص 77، الهامش (5).

2) راجع تذكرة الفقهاء 17 : 32، المسألة 209 .

3) راجع ص 77، الهامش (5).

4) المائدة (5) : 1.

يحتمل الصحة حملاً على ما ذكرنا يحتمل البطلان؛ بناءً على بطلان اشتراط التفاضل المال بين الشريكين مع عدم زيادة عمل المستزيد والحمل على الصحة أولى.

أما لو صرّحا باستحقاقه النصف من نصيب كلٍّ منهما بخصوصه، بطل؛ بناءً على بطلان الاشتراط المذكور، والأقوى هو القول بالصحة.

نعم، في غير المال الممتزج ليس في التفاضل بينهما مع التصريح باستحقاقه النصف من نصيب كل منهما وجه صحة.

خامسها: صحة اشتراط مال معيّن خارج عن الربح من المالك على العامل أو بالعكس

خامسها: يصح اشتراط مالٍ معيّن خارج عن الربح من المالك على العامل أو بالعكس؛ لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (1).

ويصح اشتراط عمل معيّن من كلٍّ منهما على كلٍّ منهما، سواء كان عمل بمال كاشتراط البضاعة من أحدهما على الآخر، أو اشتراط عمل آخر، كلّ ذلك لعموم الأدلة من غير معارض.

ثم يشترط تعيين المشروط عيناً وعملاً في الجملة بما هو المتعارف من التعيين لا من كل وجه حذراً من لزوم الغرر فيما لم يعيّن عادةً، وحينئذٍ فلو اشترط العامل على المالك أن يأخذ له بضاعة أو العكس صح. ولا يفسد الشرط ولا المشروط.

خلافاً للشيخ (رحمه الله) حيث أفسدهما فيما إذا شرط المالك على العامل البضاعة (2)، أما الشرط: فلمنافاته لمقتضى العقد؛ لأنّ وضع القراض على أن يكون للعامل في مقابلة عمله جزء من الربح، وعمل البضاعة ها هنا لا مقابل له فيفسد، وأمّا العقد فلابتنائه عليه، أو لأن الشرط له قسط من الربح إذا قوبل به، وإذا انضم إليه، بل هو بمنزلة الجزء منه، فإذا بطل بطل جزء مما قابله وهو غير معلوم فيتجهل الجميع؛ أو لأنّ عمل البضاعة مجهول فإذا جهل الشرط جهل المشروط.

والكلّ ضعيف؛ لمنع لزوم مقابلة كلّ عمل من أعمال المضارب بجزء من الربح، وإنما المسلَّم منه هو ما انصبّ عليه عقد المضاربة لا ما وقع شرطاً فيها من الأعمال الخارجة عن المال الذي وقعت المضاربة به، ولمنع أنّ عمل البضاعة مجهول من كل وجه، بل عمله تابع لعمل المضاربة عادةً فحكمه حكمه.


1) تقدم تخريجه في ص 34، الهامش (2).

2) المبسوط 3 : 197 .

نعم، الحكم بفساد العقد عند فساد الشرط مسلم؛ لابتنائه [عليه] فلا يُحكم بفساده مع صحة العقد.

ثم على القول بالصحة - كما هو المختار - يلزم العامل الوفاء به ما دام ملتزماً بعقد المضاربة، فلو خالف الشرط والحال ذلك أثم، وكان للمالك الخيار بين إمضاء العقد فللعامل حصته من الربح، وبين فسخه من أصله فله أُجرة المثل.

ويحتمل أنّه ليس له إلا الفسخ من حينه، فيملك العامل حصته من الربح استصحاباً لملكه السابق، ولإقدام المالك على دفع الحصّة له بشرط في عقد جائز لا يلزمه الوفاء به فيملكها مع الفسخ.

وفيه: منع عدم اللزوم على العامل ما دام مضارباً كما تقدّم.

ولو شرط المالك بضاعة مجهولة المال أو الزمان أو نحوهما، بطل العقد؛ للجهالة.

سادسها: في أنه يضمن العامل مال القراض إذا أنكر الأمانة فأُقيمت عليه البينة فادعى تلفها بعد ذلك

سادسها: يضمن العامل مال القراض وكلّ أمين إذا أنكر الأمانة فأقيمت عليه البينة فادعى تلفها بعد ذلك؛ لأنّ دعواه التلف مكذبة لإنكاره الأوّل، وإنكاره للأمانة تعدّ عليها فيضمنها؛ لعموم «على اليد ما أخذت» (1).

ولو أظهر لإنكاره شبهةً مسموعة لا يكذبها الظاهر، فلا يبعد قبول دعواه مع يمينه.

ولو قال عند الدعوى: لا يستحق عليَّ شيئاً، أو شبه ذلك، لم يضمن إذا أُقيمت عليه البينة؛ لعدم ظهور اللفظ بإنكار المال، وغايته أنه نفي لشغل الذمة، وهو أعم من ذلك، فإذا ادعى التلف سُمعت دعواه؛ لأنّه أمين فيصدق قوله بيمينه.

ولو أقرّ العامل بربح قدراً معيناً، حكم عليه بإقراره، ولا يُسمع دعواه الغلط والاشتباه بعد ذلك، إلا أن يظهر تأويلاً محتملاً لا يكذبه الظاهر فلا يبعد قبول قوله بيمينه.

ولو قال بعد الإقرار بالربح خسرت أو تلف، سُمع قوله بيمينه.

سابعها: في أنه لا يصح أن يشتري ربّ المال من العامل شيئاً قبل ظهور الربح

سابعها: لا يصح أن يشتري ربّ المال من العامل شيئاً قبل ظهور الربح، ولا أن يأخذ بالشفعة؛ لأن رأس المال ماله.

ولو ظهر ربح، فالأظهر جواز شراء حصة العامل منه كما يبيعها على غيره.


1) راجع ص 102، الهامش (1) .

فإن احتيج إليها للجبران احتمل الانفساخ من حينه، واحتمل الانفساخ من أصله، واحتمل مضي البيع والتزام العامل بالمثل أو القيمة.

وكذا للمالك الأخذُ بالشفعة أخذاً متزلزلاً، فإن استمر الربح استمر أخذه، وإلا بطل.

وفي رجوع نفس العين أو الرجوع بالقيمة وجهان.

وليس للمالك أن يشتري من عبده؛ لأنّه ماله وله أن يشتري من مكاتبه؛ لخروجه عن سلطنته، وعدم إجراء أحكام المُلاك عليه، سواء كانت جائزةً أو لازمةً، إلا أنّها في الجائزة لا تخلو من إشكال.

وللعامل أن يشتري من مال المضاربة لنفسه مع الوثوق بمراعاة الغبطة للمالك، أو مع الإذن له.

ويحتمل المنع؛ لانصراف الإطلاق في البيع والشراء لغير العامل.

ولو اشترى العامل فظهر سقط ربح منه نصيبه، فإن وقع خسران جبره بمجموع الربح من نصيبه ونصيب المالك.

ثامنها: حكم ما إذا أذن المالك للعامل في الشراء بالذمة

ثامنها: إذا أذن المالك للعامل في الشراء بالذمة، لزمه دفع الثمن إذا تلف المال ثانياً وثالثاً، وكان المال الذي اشتراه مال مضاربة؛ لأنّ الاستدامة غير الابتداء، فيصح كون العروض هنا من أموال المضاربة وإن لم تصح المضاربة عليها ابتداء.

وإن لم يأذن له، فإن ذكره لفظاً أو نواه معنى كان الشراء له إذا أجازه، وإلا بطل، ولا يستحق شيئاً على التقديرين، وإن اشتراه مطلقاً كان للعامل انصرافاً قهريّاً وإن لم يكن قصدياً.

وإن اشترى العامل المال بعين المال فهلك قبل قبضه انفسخ العقد إن كان ببيع وشبهه، وحيث يلزم المالك الثمن مرّةً أو مرتين يكون الجميع رأس ماله فيجبر بالربح.

ولأصحابنا وللعامة هنا خلاف:

فمنهم: مَنْ فرّق بين الشراء قبل التلف فيكون الثمن على ربِّ المال، وبين الشراء بعده فيكون على العامل.

ومنهم: مَنْ ألزم العامل بالثمن مطلقاً.

ومنهم: مَنْ ألزم المالك مطلقاً.

ومنهم: مَنْ جعل جميع المدفوع رأس المال.

ومنهم: مَنْ جعل الأخير هو ذلك.

ومنهم: مَنْ فرّق بين الشراء بالذمة وبين الشراء بالعين.

والكلّ غير ما ذكرنا ضعيف جداً.

تاسعها: في أنه ليس للمضارب أن يضارب من غير إذن

تاسعها: ليس من أعمال المضاربة أن يضارب غيره، فليس للمضارب أن يضارب من غير إذن، سواء ضارب بقدر حصته ليدفعها للمضارب الثاني أو بأقل أو بأكثر، وليست المضاربة كالإجارة المطلقة يجوز للأجير أن يستأجر غيره بأكثر أو أقل أو مساو.

ولو أذن المالك له في ذلك على جهة الوكالة، جاز، وكان الربح للمضارب الثاني، ولا يجوز له أخذ حصة من الربح؛ لعدم جواز اشتراط حصّةٍ لغير المالك والعامل.

ولو أذن له على جهة الاشتراك معه، جاز أيضاً، وكانا كالمضاربين.

ثمّ إنّه إن شرط كون حصته من حصة المالك فقط، أو من حصة المضارب الأوّل فقط، أو من حصتهما، اتبع شرطه.

وإن أطلق، احتمل كونها من المجموع، واحتمل إرادة اختصاص خروجها من حصة العامل فقط.

وإن لم يأذن المالك فضارب غيره بحصة خاصة، فإن أجاز المالك المضاربة، صحت، ومَلَك العامل الثاني حصته المشروطة على نحو ما شرط.

وإن لم يجز المضاربة ولكن أجاز العقود المترتبة على المال، صحت، وكان الربح بأجمعه له، وللعامل الثاني على الأوّل أُجرة المثل إن كان جاهلاً بأنه مال الغير، ولو كان عالماً فلا شيء له على الأظهر، وكذا لو تعدّى عما أمره به العامل الأول.

ولو تلف المال بيد الثاني، تخيّر المالك في الرجوع على أيهما شاء، فإن رجع على الأوّل رجع الأوّل على الثاني مع علمه واستقرار التلف في يده، ومع جهله أو عدم استقرار التلف في يده فلا رجوع، ولو رجع على الثاني رجع على الأوّل مع جهله، سواء استقر التلف في يده أم لا، لأنه مغرور من قبله وقد أقدم على عدم ضمان العين، والمغرور يرجع على مَنْ غره، ولا رجوع له مع العلم إلا إذا استقرّ التلف بيد الأول بعد ذلك فيرجع إليه.

هذا إذا كان الشراء بالعين، وإن كان بالذمة ونوى صاحب المال فدفع من أعيان المال

عوضاً عمّا اشتراه، فالحكم فيه كالشراء بالعين، ولو نوى العامل الأوّل كان الشراء له إن اجازه، وإلا وقع فضوليّاً، وإن نوى نفسه أو لم يَنْوِ شيئاً وقع الشراء له، وحيث يقع الشراء لنفسه أو يقع باطلاً؛ لعدم إذن المالك أو العامل الأوّل فيه أو يقع فضولياً فتتعقبه الإجازة، لم يكن للعامل الثاني شيء لا على المالك ولا على العامل الأول.

وذكر أصحابنا ها هنا أقوالاً:

أحدها: أنه إذا ضارب العامل آخر من دون إذن المالك فللمالك النصف، والنصف الآخر يستحقه العامل الأول؛ لوقوع العقد الصحيح معه وعليه فللثاني أُجرة المثل. والظاهر تقييده بما كان مع الجهل.

وفيه: أن المالك إن أجاز المضاربة الثانية، فللعامل الثاني ما شرطه من الربح، وإن لم يُجزها وإنّما أجاز نفس العقود المترتبة، كان الربح كلّه له، ولم يكن عليه للعامل الأول شيء؛ لأنّه لم يعمل ولا للثاني؛ لصدور العمل من دون إذنه.

وثانيها: أن النصف الآخر للمالك أيضاً، وهو حسن إلّا أنّه لا بد من تقييده بما ذكرناه.

وثالثها: أن النصف بين العاملين بالسوية؛ اتباعاً للشرط، خرج منه النصف الذي أخذه المالك؛ لأنّه كالتالف، فانحصر الربح في الباقي، وعلى هذا فيرجع العامل الثاني على الأوّل بنصف أجرته؛ لإقدامه على نصف الربح تامّاً، ولم يسلم له إلّا نصفه، ويحتمل عدم الرجوع هنا؛ لأن الشرط محمول على اشتراكهما فيما يحصل، ولم يحصل إلا النصف، وينبغي تقييد ذلك بجهل العامل الثاني.

ورابعها: أنّ جميع النصف للعامل الثاني؛ عملاً بالشرط، ولا شيء للأول؛ إذ لا ملك له ولا عمل.

وفي الجميع ضعف ظاهر، ومنه ما لا يجري على أُصول أصحابنا، فالإعراض عن هذه الأقوال أجمل.

خاتمة: في بيان أُمور:

أحدها: حكم ما إذا ادعى المالك القراض والعامل القرض

أحدها: إذا ادعى المالك القراضَ والعامل القرضَ، فإن كان قبل حصول ربح، فالقول قول المالك، بمعنى أنّه يُحكم على العامل بحرمة التصرّف فيه على غير وجه المضاربة وحرمة إتلافه.

ولو عمل به بعد الدعوى أو قبلها فظهر ربح فاختلفا في ذلك، احتمل تقديم قول المالك؛ لأصالة تبعية الربح للمال فمدعي خلافه عليه البينة.

ويحتمل التحالف؛ لأنّ كلّاً منهما مدع ومنكر، فالعامل يدعي خروج المال عن ملك المالك بالقرض، والمالك ينكره، والمالك يدعي استحقاق عمل العامل في مقابلة الحصة بعقد القراض، والعامل ينكره، فيحلف كلٌّ منهما لنفي ما يدعيه الآخر، ويجب على المالك أكثر الأمرين من أجرة المثل ومن الحصة التي يدعيها المالك؛ لأن الربح إن كان أكثر فربّ المال معترف به وهو يدعيه كلّه، وإن كانت الأجرة أكثر فالقول قوله بيمينه في عمله، كما أنّ القول قول ربّ المال في ماله، فإذا حلف ثبت أنه ما عمل بهذا الشرط، فإذا انتفى الشرط كان له أجرة المثل؛ لأنه لم يعمل مجاناً باتفاقهما.

وفيه: أن العامل لا أجرة له على مدّعاه؛ لأنّه عمل بماله فليس له أن يأخذ الأجرة إلا مقاصةً، فيشكل أخذ الأجرة حينئذ لو كانت أكثر من مجموع الربح.

ولو أقاما بيّنةً فعلى الأوّل تُقدّم بيّنة العامل لو قلنا بتقديم بينة الخارج، وعلى الثاني فهما متعارضان فيُقدّم الراجح، وعند التساوي يقرع بينهما أو يتساقطان ويتحالفان فيقسّم الربح بينهما.

ثانيها: حكم ما لو ادعى العامل القراض والمالك الإبضاع

ثانيها: لو ادعى العامل القراض والمالك الإبضاع، فإن كان بعد ظهور الربح قدم قول العامل؛ لأن عمله له فيكون قوله مقدّماً فيه.

والأقوى التحالف؛ لادعاء المالك كون عمل العامل مجاناً والعامل ينكره، وادعاء العامل استحقاق الحصة من الربح، والمالك ينكره، فإذا تحالفا ثبت للعامل أقل الأمرين من أُجرة المثل وما يدعيه؛ لأنّ الأجرة إن كانت أقلّ فالزيادة قد اندفعت بيمين المالك، وإن كان ما يدعيه أقل فلاعترافه بعدم استحقاق الزائد.

وإن كانت الدعوى قبل العمل وظهور الربح، رجع المال على أصله، وليس للعامل شيء.

وإن كانت بعد العمل وقبل ظهور الربح، فإن قلنا: إنّ فسخ المضاربة قبل ذلك يوجب أُجرة المثل، كان القول قول العامل؛ لأصالة احترام عمله، وإن لم نقل فلا شيء للعامل أصلاً.

ولو ادعى العامل القرضَ والمالك الإبضاع، تحالفا، فيحلف المالك لنفي ما يدعيه العامل من

الربح التابع لماله، ويحلف العامل للمالك لنفي استحقاق العمل بلا عوض، فيثبت على المالك أُجرة المثل.

ولو تلف المال أو خسر فادعى المالك القرضَ وادّعى العامل القراضَ أو الإبضاع، قدّم قول المالك بيمينه؛ لأصالة ضمان اليد إلّا ما أخرجه الدليل، ولا يعارضه أصالة براءة شغل ذمة العامل؛ لانقطاعها بعموم دليل الضمان.

ولو ادعى العامل الإنفاق في السفر من ماله ليرجع على مال المضاربة، كان القول قوله بيمينه؛ لأنه أبصر بنيته.

ولو شرطا شيئاً معلوماً واختلفا لمن هو، فإن كان شرطه لأحدهما قاضياً بالصحة وللآخر قاضياً بالفساد، قدّم جانب مدعي الصحة، وإن لم يكن كان الظاهر أنه للعامل؛ لأن العادة قاضية في المضاربة أن المالك ليس له سوى الربح.

ثالثها: حكم ما لو خسر المال ثم أخذ المالك منه شيئاً استرداداً له

ثالثها: لو خسر المال ثم أخذ المالك منه شيئاً استرداداً له، انفسخ العقد بالنسبة إليه، ثمّ ربح كان الخسران على المأخوذ وعلى الباقي، وكان الربح جبراناً للباقي بعد أخذ المالك، فلو كان رأس المال مائة فخسر عشرة ثمّ أخذ المالك عشرة فعمل بها الساعي فربح عشرة، كان ما أخذه المالك محسوباً من رأس المال، فيكون رأس المال تسعين، فإذا انبسط الخسران عليه وعلى الباقي عاد تسعة وثمانين إلا تُسع؛ لأنّ كلّ عشرة من التسعين يصيبها من الخسران درهم وتُسع، فيكون قد وصل إلى المالك أحد عشر وتُسع، وبقي تسعة وثمانون إلا تُسع، فإذا ربح عشرة كانت منها ثمانية وثمانية أتساع جبراً للخسران، فيعود بيد العامل تسعة وثمانون إلّا تُسع رأس المال وواحد وتسع ربح ذلك، وأما العامل فيلزمه إذا خسر المال أن يرد أقل الأمرين مما أصابه من الخسران بالنسبة إلى ما وصل إليه من الربح وممّا وصل إليه من الربح، فإن كان ما أصابه أقل بقي الباقي عنده ومقابله يبقى للمالك، وإن كان ما وصل إليه أقلّ دفعه جبراناً وليس عليه سواه.

ونقل عن الشهيد (رحمه الله) أن المردود من العامل أقل الأمرين مما أخذه العامل من رأس المال لا من الربح، فلو كان رأس المال مائة والربح عشرون فاقتسما الربح، فالعشرون مشاعة في الجميع ونسبتها إليه نسبة السدس فخمسة أسداس منها رأس المال وسدس منها ربح ذلك، فإذا

اقتسماها استقر نصيب العامل منها على سدسها وهو واحد وثلثان، ويبقى ثمانية وثلث من رأس المال يجبر بها الخسران لو كانت أقلّ ممّا يصيبه من الخسران أو مساوية له (1).

قيل: والحامل عليه في هذا التوجيه حكمهم على المالك إذا أخذ من المال شيئاً وقد ظهر ربحه أنّه يحسب ما أخذه منهما على هذه النسبة (2).

وهذا الحمل فاسد، وذلك لأنّ ما اخذه العامل وإن كان مشاعاً إلا أنه هو والمالك قد اتفقا على تخصيصه بالربح فيتخصص به؛ لانحصار الحق فيهما، ولو كان يدخل في ذلك من رأس المال شيء لحرم على العامل التصرف فيه؛ لعدم الإذن من المالك بالتصرف للعامل في غير الربح، وأيضاً لا وجه لاستقرار ملك العامل على ما بيده من الربح مع أن الربح وقاية لرأس المال وإن اقتسماه وأيضاً فتوقف ردّ العامل رأس المال على ظهور الخسران لا وجه له؛ لأنه لا يملك شيئاً منه، وإنّما حقه في الربح، والفرق بين العامل والمالك أنّ المالك لا يأخذ على وجه القسمة، وإنّما يأخذ ما يعده ملكه، فإذا كان فيه ربح وهو شائع دخل فيه جزء من الربح على نسبة المأخوذ فيحتسب رأس المال بعد ذلك على حساب ما يبقى بعد توزيع المأخوذ على الأصل والربح، بخلاف العامل فإنّه لا يستحق في غير الربح ولا يقاسم المالك إلا عليه خاصة.

ولو استرد المالك شيئاً بعد الربح، احتسب من رأس المال والربح، وبطلت المضاربة فيه، فلو كان رأس المال مائة وربح عشرين فأخذها المالك بقي رأس المال ثلاثة وثمانين وثلثاً؛ لأن المأخوذ سدس المال فينقص سدس رأس المال وهو ستة عشر وثلثان وحظها من الربح ثلاثة وثلث، فيستقر ملك العامل على نصف المأخوذ من الربح وهو درهم وثلثان، ولا يجبر به الخسران الحاصل للباقي ؛ لخروجه عن مال المضاربة.

رابعها: عدم افتقار ردّ رأس المال بعد إنضاضه إلى المالك إلى قسمةٍ

رابعها: لا يفتقر ردّ رأس المال بعد إنضاضه إلى المالك إلى قسمة، بل يكفي قبض المالك له بعد دفع العامل له؛ لأنه ماله قد أرجعه العامل إليه.

وإذا مات العامل قبل الإنضاض لا يخرج من تركته قدر أُجرة الإنضاض وإن لزمه لو كان حياً.


1) كما في مفتاح الكرامة 7 : 500.

2) قاله العاملي في مفتاح الكرامة 7 : 500 .

ولو قال: «ضاربتك والربح لي» كان للعامل أُجرة المثل؛ لاحترام عمله، بخلاف ما لو قال: «ولا شيء لك» فإنّه لا يستحق شيئاً؛ لانتفاء الأجرة بعموم نفي الاستحقاق.

ولو قارض المالك العامل على حرفة بالمال أو صناعة غير التجارة أو إنماء وكان ذلك مبنياً عليه العقد بطل العقد؛ لعدم وضعه على ذلك، ولو كان تبعاً فلا بأس.

تم كتاب المضاربة، ويتلوه كتاب المزارعة.

كتاب المزارعة

كتاب المزارعة

تعريف المزارعة

المزارعة مفاعلة من الزرع، وهو مصدر أو اسم عين، وهي تقتضي المشاركة في المبدأ، ولما كان الزرع من العامل والطلب من المالك تحققت المشاركة تنزيلاً للطلب منزلة الفعل ونُقلت شرعاً لمعاملة على الأرض بحصّةٍ من نمائها، أو للعقد الدال على ذلك، أو لمجموعهما، أو لكلّ واحدٍ منهما على الاشتراك اللفظي . ويخرج بقيد «على الأرض» غيرها من المعاملة على المال في المضاربة والمعاملة على الأصول في المساقاة، وبقيد «الحصة من نمائها» إجارة الأرض والصلح عليها بمالٍ آخر.

وقد يزاد في الحد: «إلى أجل معلوم» لخروج الفاسدة.

ويملك بها العامل منفعة الأرض والحصة المقدّرة، بمعنى أنه يملك أن يملك بها، ويملك بها المالك العمل على العامل، ويملك العامل الحصّة بعد ظهورها ملكاً حقيقياً.

ويدخل في نماء الأرض كلّ ما نبت فيها غير النخل والشجر، سواء سُمّي زرعاً عرفاً أم لا، كالخضروات والبقول، وسواء كان بذره من العامل أو أنبته الله تعالى ولكن بسبب عمل العامل، وما لم يكن بسببه فلا يدخل.

وتُطلق في الأخبار على ما يشمل المساقاة إطلاقاً مجازيّاً، وقد تُطلق على ما يشمل إجارة الأرض للزراعة فترادف القبالة، والظاهر أنه مجازي أيضاً.

وقد تُسمّى في لسان الشرع المخابرة من الخبارة، وهي الأرض الرخوة القابلة للزرع، أو من معاملة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) لأهل خيبر (1)، يقال: خابرهم، أي عاملهم في خيبر، أو من الخبير وهو الأكار.


1) وسائل الشيعة 19 : 45، الباب 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2.

وهنا أمور:

أحدها: المزارعة من العقود اللازمة وبيان ما يشترط فيها

أحدها: المزارعة من العقود اللازمة؛ للأصل والإجماع منقولاً (1)ومحصلاً، ولعموم الأدلة الدالة على لزوم الوفاء بالعقود (2)والشروط (3)، وللاستصحاب، ولظاهر مشروعية العقود.

ولا يبطلها ما يبطل الجائز من جنون وموتٍ وفسخ من أحدهما، ويبطلها التقابل من الطرفين، أو تلف أحد العوضين من منفعة الأرض، أو عدم إمكان عمل العامل بنفسه وبغيره إن كانت المزارعة مطلقةً ، وإن شرطت فيها المباشرة أبطلها عدم إمكان عمل العامل بنفسه، فإن ظهر نماء كان العامل شريكاً فيجري عليه بعد موته ما يجري على الشركاء.

ويشترط فيها الإيجاب والقبول اللفظتين أو الفعليين إذا كانا معاطاةً، ولا يجزئ غير المعاطاة من الأفعال للأصل بل للإجماع، ويجري فيها الفضولي.

ويشترط فيهما البلوغ والعقل والقصد والاختيار والرشد.

ويصح وقوع الإيجاب اللفظي من كلٍّ من المالك والعامل، وإن كان الأولى تولّي المالك للإيجاب والعامل للقبول، بل قد يظهر من بعض العبارات لزوم ذلك (4).

وهل يكفي تركب العقد من إيجاب لفظي وقبول فعليّ؟ الأظهر العدم؛ للأصل في محلّ الشك، سواء كان الفعل معاطاة أو غيرها.

ويظهر من بعض الفقهاء جواز القبول الفعلي مطلقاً (5).

وهو بعيد عن ضوابط العقود اللازمة.

ويشترط في اللفظ الإيجابي قصد الإنشاء، وكونه صريحاً في الدلالة إما بوضعه المطابقي کـ «زارعتك» أو بوضعه للأعمّ مع القرينة المعينة كـ «عاملتك» أو «قبلتك هذه الأرض وسلّمتها إليك» أو بوضعه للأخص مع القرينة أيضاً، أو بوضعه مشتركاً لفظياً مع قرينة التعيين أو مجازاً قريباً مأنوساً، ولا يكفي المجاز من دون قرينة، ولا المجاز البعيد؛ اقتصاراً على المورد الخاص.


1) مجمع الفائدة والبرهان 10 : 95.

2) المائدة (5) : 1.

3) راجع ص 77، الهامش (5) .

4) قواعد الأحكام 2 : 311.

5) قواعد الأحكام 2 : 311.

ويشترط متابعة القبول للإيجاب وعدم الفصل الطويل بينهما.

وفي اشتراط تقديم الإيجاب وجه.

ويشترط كونهما بصيغة الفعل، فلا تكفي الجملة الاسمية وإن جاز ذلك في الرهن؛ لقربه للعقد الجائز، كما هو ظاهر الفتوى

وفي اشتراط العربية للعربي وجه، والأولى كونها بالصيغة العربية للعربي والعجمي إذا تمكنا من العربية، ولو لم يتمكنا منها فلا بأس، وإن كان الأولى التوكيل مع عدم الإمكان.

وهل يشترط الصيغة الماضوية؛ اقتصاراً على مورد اليقين، أو لا يشترط فيكفي الأمر والمستقبل؟ وجهان.

ويدلّ على الثاني الأخبار:

فمنها الصحيح في المساقاة، يقول: استقِ هذا الماء أو عمره ولك نصف ما خرج، قال: «لا بأس» (1).

ومنها: رواية النضر بن سويد (2): « يقول: ازرع فيها كذا وكذا إن شئت نصفاً وإن شئت ثلثاً» (3).

ومنها: رواية أبي الربيع: « ولكن يقول لصاحب الأرض: أزرع أرضك ولك منها كذا وكذا نصف أو ثلث أو ما كان من شرط» (4).

وقد تضعف دلالة الأخبار: بأنها غير مسوقة لبيان حكم الصيغة أوّلاً وبالذات، فلعلّ بيانها موكول لمحل آخر، أو للعرف والعادة، كما يشعر به عدم ذكر القبول وغيره من شرائطها، على أنّ الأخيرين ضعيفا السند والأخير منهما محتمل للأمر والمستقبل.

فما يظهر من تجويز جمع من الأصحاب (5)، وقوع المزارعة بلفظ الأمر ضعيف.

ومع عدم إمكان اللفظي تكفي الإشارة كالأخرس.


1) وسائل الشيعة 19 : 44 ، الباب 9 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2 بتفاوت.

2) في المصدر زيادة : «عن عبد الله بن سنان».

3) المصدر : 41 ، الباب 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 5.

4) المصدر : 43، ح 10.

5) كالمحقق الحلّي في شرائع الإسلام :2 : 118 ؛ والعلامة الحلّي في تحرير الأحكام الشرعية 3: 137، الرقم 4313 ؛ والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 10 : 96؛ والسبزواري في كفاية الفقه 1 : 634.

ويجزئ لفظ الأرتل والتمتام والألثغ، والأحوط المحافظة على عدم اللحن في الإعراب، والأظهر لزوم المحافظة على عدم اللحن في البنية.

ويكفي في القبول كلّ لفظ يدلّ على الرضى عاماً أو خاصاً مع القرينة أو حقيقة متحدة أو متعدّدة مع قرينة التعيين. ولا يبعد الاكتفاء فيه بالجملة الاسمية، كما يقول: أنا قابل لذلك.

وفي انعقاد المزارعة بلفظ الإجارة مع نصب قرينة على إرادة المزارعة وجه؛ لأنه من المجازات القريبة الجائزة في العقود اللازمة، مع احتمال العدم. ولو قصد الإجارة نفسها بطل؛ لجهالة العوض.

ثانيها: وقوع عقد المزارعة من مالك الأرض أو ممن له حق الاختصاص بها

ثانيها: يقع عقد المزارعة من مالك الأرض أو ممن له حق الاختصاص بها لتحجير أو أولوية لسبق وشبهه، أو لإعطاء المتولّي لها كالأراضي المفتوحة عنوةً وشبهها، وذلك لأنّ المالك مالك للانتفاع فله أن يملكه الانتفاع ويملك عليه العمل بحصة من نمائها، كما يصح للمزارع أن يزارع، وكذا للمستأجر، وكما يصح لمن بيده الأرض الخراجية من والي المسلمين أن يؤاجرها ويصالح على منفعتها.

وقد ورد في الصحيح: عمّن له أرض الخراج فيدفعها إلى رجل يعمرها ويُصلحها ويؤدي خراجها وما كان من دخل فهو بينهما؟ قال: «لا بأس» (1).

وفي آخر: عن مزارعة أهل الخراج بالربع والنصف والثلث؟ قال: «لا بأس» (2).

وبالجملة، فالشرط في المزارعة ملك المنفعة أو الانتفاع ولا يشترط ملك الرقبة، فلا حاجة إلى ما ذكره الشهيد (رحمه الله) (3)من استعمال الحيل في صحة المزارعة في الأرض الخراجية ونحوها.

نعم، لو كانت الأرض غير مملوكة لأحدهما - كالمباحة من دون اختصاص بأحدهما، وكالمغصوبة - فطريق الحيلة في ملك النماء لهما أن يشتركا في البذر ويكون الحاصل لهما على نسبة مالهما ويكون عمل أحدهما تبرّعاً، فإن أرادا التفاضل فإن كان الفضل لصاحب العمل شرطاه ولا بأس، وإن كان الفضل لغيره فلا بد من الحيلة في الزيادة إذا قلنا بعدم صحة


1) وسائل الشيعة 19: 45، الباب 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2.

2) المصدر : 42، الباب 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 8.

3) مسالك الأفهام 5: 8 - 9.

هذا الشرط، بأن يصالح أحدهما الآخر على جميع بذره وعمله ببعض من بذر الآخر وبعض من عمله، أو بعض من عمل عوامله على وجه ضبط المدة في الجميع.

ولو كان البذر من واحد، صالحه على ثلثي بذره وعمله بعمله أو بعض من عمله أو عمل عوامله.

وإن أرادا مجرد ملك كلّ واحدٍ منهما العمل على الآخر أو عمل العوامل عليه، صالح كلٌّ منهما على عمله بعمله أو ببعض منه أو بعمل عوامله أو ببعض منه، أو اكترى كلٌّ منهما الآخر أو عوامل الآخر بقدرٍ معين، فيملك كلٌّ منهما على الآخر العمل.

ولا بد في جميع ذلك من تقييد عمل العامل في حصة صاحبه؛ إذ لا يمكن أن يملك أحدهما على الآخر العمل في ماله؛ إذ لا يستحق الإنسان على العمل في ماله مالاً. ثمّ إنّ صاحب الأرض يزارع مَنْ له العمل فقط، ومَنْ له العوامل فقط ، ومَنْ له كلاهما، ومَنْ له أحدهما مع البذر، ومَنْ له كلاهما معه.

وهل له أن يزارع مَنْ له البذر فقط، سواء كان العمل والعوامل من صاحب الأرض أو من غيره؛ لعموم أدلّة العقود (1)والشروط (2)، ولإطلاقات أدلّة المزارعة (3)، أو ليس له؛ اقتصاراً على مورد اليقين من مزارعة المالك مع العامل أو مع ذي العوامل، سواء كان البذر منه أو منهما؟ وجهان، ولا يبعد الجواز مطلقاً مع الاتحاد أو التعدّد، فيجوز للمالك أن يزارع صاحب البذر ولو كان العمل أو العوامل أو مجموعهما منه أو من غيره، فيملك عليه وضع البذر في الأرض والحصة من نماء بذره.

ولو كان لصاحب البذر حصّة مشروطة بين المالك والعامل، فلا إشكال في الجواز؛ لعموم أدلة الشروط (4)، ولأنه ليس أحد المتعاقدين، وإنما شرط له شرطاً.

وبالجملة، فتصح المزارعة من مالك الأرض فقط أو مالكها مع العوامل والبذر والعمل، أو مع أحدهما مع مالك العمل فقط، أو العوامل أو البذر فقط، أو المركب من الاثنين أو الثلاثة. و تصح من اثنين ومن ثلاثة ومن أربعة ولو كان الرابع هو صاحب البذر على الأظهر، ولو تبعض


1) المائدة (5) : 1.

2) راجع ص 77، الهامش (5) .

3) راجع وسائل الشيعة 19 : 32 ، الباب 3 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة.

4) راجع ص 77، الهامش (5).

الملك للأرض أو العمل أو العوامل أو البذر وضربت جميع الصور بعضها مع بعض ترقت إلى المئات، ولا يمتنع منها سوى ما إذا خلا كلا المتعاقدين من ملك الأرض منفعة، أو من حق اختصاص فيها أو أولوية، فإنّه لا تصح المزارعة بينهما بمجرد الاشتراك في العمل أو العوامل أو البذر، أو مع انفراد كل منهما بواحد مع الآخر.

ثالثها: عقد المزارعة عقد قابل للشروط السائغة

ثالثها: عقد المزارعة عقد قابل للشروط السائغة، فيلزم الشرط فيهم؛ لعموم دليل لزوم الشرط، ويصح اشتراط الخيار فيه، فإن فسخ العامل قبل ظهور النماء فلا شيء له، وإن فسخ بعده كان شريكاً.

وهل يلزم بالاستئجار على إتمام عمل المزارعة ؟ فيه كلام سيجيء (1)إن شاء الله .

وإن فسخ المالك قبل ظهور شيء، فهل للعامل أجرة المثل؟ فيه بحث.

وإن فسخ بعد ظهور النماء، صار العامل شريكاً له.

ولو شرط المالك على العامل شيئاً؛ لزمه القيام به، فإن امتنع جبره الحاكم، فإن لم يتمكن منه جاز للمالك الفسخ.

وهل للعامل قبل ظهور النماء أُجرة المثل؟ فيه بحث، ولا يبعد ثبوتها.

وبعد ظهور النماء فهل للعامل حصة منه فيكون شريكاً، أو له أُجرة المثل؛ لأنه فسخ للعقد من أصله فيعود النماء كلّه للمالك؟ وجهان، ولا يبعد الأول.

وعليه فهل يُلْزَم بالقيام بباقي العمل أم لا يُلْزَم؟ وجهان أيضاً.

ولو وقع في عقد المزارعة شرط فاسد؛ لتحريمه حلالاً أو تحليله حراماً، أو لكونه غير مقدورٍ أو منافياً لمقتضى العقد، أو لكونه سفها، أو لكونه غير متمول - على الأظهر فيهما - فسد وأفسد العقد، مع احتمال صحة العقد لو كان غير متمول أو كان عبثاً وسفهاً.

ويفسد العقد لو كان الشرط معلّقاً على أمر محتمل الوجود، أو كان مردّداً فيه بالنسبة إلى العامل أو إلى الحصة أو إلى الأرض أو إلى الشرط الذي تضمنه العقد، أو كان الشرط مجهولاً جهالة لا تغتفر ، كجهالة نوع المشروط أو وصفه أو قدره، ولا يبعد الاكتفاء بالمشاهدة في المكيل والموزون والمعدود.


1) سيأتي في ص 363 - 364.

فإذا فسد العقد تثبت أُجرة المثل لصاحب الأرض على العامل إن كان البذر من العامل وكان الزرع له، وتثبت أُجرة المثل للعامل من صاحب الأرض إن كان البذر منه وله الزرع. وتثبت أُجرة المثل للأرض وللعامل على صاحب البذر إن كان البذر من ثالث، ولو كان البذر بین مالك الأرض والعامل فالحاصل بينهما، ولكلٍّ منهما على الآخر أُجرة مثل عمله في مال الآخر دون مال نفسه، فيرجع كلٌّ منهما على كلٍّ منهما بالأجرة على نسبة ما للآخر من الحصة.

ولا يتفاوت الحال في ذلك بين العلم بالفساد وبين عدمه على الأظهر، مع احتمال أنّ العالم لا شيء له؛ لإقدامه على عوض يعلم أنه لا يسلم له.

ويجري الحكم في العوامل كما يجري في العامل.

والعين غير مضمونة هنا بالعقد الفاسد ؛ لعدم ضمانها بالصحيح، بخلاف المنفعة.

رابعها: في أن الأصل تبعية النماء للبذر وثبوت أُجرة المثل للمالك والعامل

رابعها: الأصل في هذا المقام تبعية النماء للبذر وثبوت أُجرة المثل للمالك والعامل، وغاية ما خرجنا عن ذلك في عقد المزارعة بما قام عليه الدليل من إجماع أو إطلاق شامل للمشكوك فيه بحيث إنّه مسوق لبيان حكمه خصوصاً أو عموماً، فلو كان مسوقاً لبيان حكم آخر لم يصح التمسك بإطلاقه لما لم يسق إليه، والاستناد إلى عموم « أَوْفُوا بِالعُقُودِ» (1)و «المؤمنون عند شروطهم» (2)عند الشكّ محلّ نظر وتأمل، كما سبق غير مرّةٍ.

وعلى ما ذكرناه فلا بد من معلومية قدر الربح بكسرٍ معين عند المتعاقدين غير مجملٍ أو موقوف على حساب لم يعرفه أحد المتعاقدين، وكونه غير مردّد فيه، وكونه متموّلاً، وكونه مقدوراً على تسليمه، وكونه غير معلّق، كما يشترط ذلك في الأرض والعمل، وكونه بينهما ولا يختص به أحدهما، وكونه بين صاحب الأرض والعامل أو صاحب البذر، لا بينه وبين أجنبي، ولو جعل المالك النماء بين العامل وبين أجنبي، فإن أجاز الأجنبي احتملت الصحة وتملك الأجنبي له، واحتمل الفساد، ومع عدم الإجازة فالفساد أقوى، مع احتمال صيرورته للمالك قهراً.

ويشترط كونه بينهما على وجه الإشاعة تفاضلا أو تساويا، وكونه على وجه إشاعة


1) المائدة (5) : 1.

2) راجع ص 34، الهامش (2).

الشركة، لا على نحو إشاعة الكلّي في قدرٍ من المال؛ لأنه المتيقن من الأخبار، كالصحيح وغيره: «لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس» (1)وفي آخر: «لا تقبل الأرض بحنطة مسماة، ولكن بالنصف والثلث والربع والخمس لا بأس به» (2).

ولو اشترطا شيئاً معيناً لهما أو لأحدهما من النماء فسد، سواء جعلا الباقي بينهما أو خصصاه بأحدهما، وعليه فلو شرط أحدهما البذر له خاصة وللآخر الباقي، أو أن الباقي بينهما، فسد، سواء كان الغالب زيادة النماء عليه أم لا.

خلافاً للمحكي عن الشيخ (رحمه الله) (3)وجماعة (4)من صحة استثناء قدر البذر، وللمحكي عن العلامة (رحمه الله) من صحة استثناء شيءٍ مطلقاً (5)، ورجّحه بعض المتأخرين (6)لأنها تجارة عن تراض.

وهو ضعيف؛ لمعارضته بفتوى المشهور والإجماع المنقول على لزوم الإشاعة (7)، وللزومه الغرر والضرر، ولأنه قد يعطب النماء فتقل بركته وإن لم يتلف منه شيء كي يسقط بحسابه، فلم يبق حينئذ سوى ما عيناه، فيبقى المالك أو العامل الذي لم يعيّن له من غير شيءٍ.

نعم، يجوز اشتراط مال خارج عن النماء لأحدهما أو لكل منهما، سواء كان بقدر البذر أو أكثر، وسواء كان نقداً أو عرضاً، وسواء كان طعاماً أو غيره؛ لعموم أدلة الشروط (8)، ولفتوى المشهور نقلاً (9)بل تحصيلاً، وربما يظهر من بعضهم نقل الاتفاق عليه (10).

ولا معارض له من دعوى لزوم الغرر والضرر، ودعوى منافاته لكون النماء على الإشاعة؛ لمنع حصول الغرر والضرر فيهما بعد بيانه والعلم بقدره، ومنع منافاته لإشاعة النماء بعد كونه شرطاً خارجاً عنه.


1) وسائل الشيعة 19 : 42، الباب 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 7.

2) المصدر : 41، ح 3.

3) النهاية : 440.

4) منهم : القاضي ابن البراج في المهذب 2 : 12؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 444.

5) مختلف الشيعة 6 : 155 ، المسألة 83.

6) السبزواري في كفاية الفقه 1 : 636.

7) غنية النزوع 1: 290.

8) راجع ص 77، الهامش (5).

9) مسالك الأفهام 5 : 12.

10) مسالك الأفهام 5 : 12.

وربما كان في بعض الأخبار إشعار بالجواز، ففي الخبر: عن الرجل يزرع له الحراث الزعفران ويضمن له أن يعطيه من كلّ جريب أرض يمسح عليه وزن كذا وكذا درهماً، فربما نقص وغرم وربما استفضل وزاد؟ قال: «لا بأس به إذا تراضيا» (1).

وحيث صح شرط شيءٍ معيّن كان قراره مشروطاً بالسلامة، كاستثناء أرطال معلومة من المبيع في الثمار، فلو تلف الكلّ لم يكن له شيء، ولو تلف البعض سقط من الشرط بحسابه؛ لأنه كالشريك وإن كانت حصته معيّنةً، مع احتمال أن لا يسقط شيء بتلف البعض ما دام قدر المشروط باقياً؛ تنزيلاً للشرط منزلة الكلّيّ المنحصر في قدرٍ معين، كبيع رطل من صبرةٍ مشتملة عليه.

وأما اشتراط الأمر الخارجي فالأظهر فيه بحسب القواعد التزام المشروط عليه به مطلقاً، تلف النماء كلاً أو بعضاً أو بقي، مع احتمال أنه كالأوّل، وهو الظاهر من كلام الفقهاء.

والظاهر أنّه يشترط في إشاعة الحصة بينهما كونها على وجه الشركة، ولا يجوز اشتراطها على نحو إشاعة الكلّيّ في قدرٍ من المال؛ لعدم تبادره من لفظ المزارعة، وللشك في شمول أدلّة صحة المزارعة له.

ويشترط كون الحصة مشاعةً في جميع المال الذي وقع عليه عقد المزارعة، فلو شرط أحدهم حصة في زرع خاص دون زرع آخر، أو شرط أحدهم نوعاً من الزرع له ونوعاً آخر لآخر، أو شرط المتقدم لواحدٍ والآخر للآخر، أو شرط ما يزرع على الجداول لواحد وما يزرع على غيرها للآخر بطل عقد المزارعة، وكذا لو شرط أحدهم للآخر حصّة مشاعة من بقعةٍ معينة من الأرض المزارع عليها على الأظهر.

خامسها: في اشتراط اقتران عقد المزارعة بمدة معلومة قابلة للانطباق على المزروع أو تزيد عليه

خامسها: ظاهر الأصحاب اشتراط اقتران عقد المزارعة بمدة معلومة قابلة للانطباق على المزروع أو تزيد عليه، ولا يكفي وكولها إلى العرف والعادة الغالبة في ذلك الزرع والمكان إقامة للعادة مقام التصريح بالمدة؛ لاختلاف العادة باختلاف السنين والمياه والأهوية، فيلزم الغرر وعدم الانضباط.


1) وسائل الشيعة 19 : 49، الباب 14 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 1.

ويظهر من بعضهم أنّ الحكم بذلك اتفاقي (1)، ويؤيّده عموم النهي عن الغرر (2)، وأصالة عدم صحة المزارعة في غير المورد اليقين.

ولو قرنت بمدة مجهولة، بطل العقد.

ولو قُرنت بمدةٍ زائدة على العمر الطبيعي، فلا بأس ما لم يكن سفها، كألف عام وشبهه.

ولو زارع على الأرض الخراجيّة مَنْ كانت تحت يده فوق السنة الواحدة، فالظاهر بطلان ما زاد على السنة ما لم يكن المزارع نفس السلطان أو مَنْ قام مقامه على الإطلاق، فإنّه يكون بحكم مالك الأرض.

وأمّا حُكّام الجور في هذه الأزمنة ومَنْ كانت تحت أيديهم، أو من كانت عطية منهم فإنّهم لا ولاية لهم على أرض الخراج سوى سنة واحدة، وهي السنة التي تقبلوها من السلطان، فلا تمضى مزارعتهم في غير تلك السنة.

ولو قُرنت بمدةٍ ناقصة عن إدراك الزرع المطلوب، احتملت صحة المزارعة؛ لجواز التراضي بعدها، وجواز القلع بدونه مهما أمكن الانتفاع به.

نعم، لو لم يمكن التراضي بعد المدة ولم يمكن الانتفاع بالمقلوع؛ لقصر المدة جداً، كان عقد المزارعة سفهاً وكان فاسداً.

واحتمل الفساد مطلقاً؛ لأنّ العوض في المزارعة هو الحصة مشاعاً من النماء، ولا يتحقق في المدة، فيبقى العقد من غير عوض حاصل عند انتهاء المدة، ولأنه خلاف المعهود من وضع المزارعة، وخلاف المتيقن من دليلها.

ولو ذكرا مدةً يقطعان أو يظنان عادةً إدراك الزرع فيها، صح عقد المزارعة؛ لإطلاق أدلتها المنصرف لمثل ذلك ونحوه، فإن أدرك الزرع فيها فلا كلام، وإلا فإن تأخر لنفسه بسبب قلة الماء أو تغيّر الهواء ونحو ذلك، فالأظهر أنّ للمالك الإزالة مع الأرش، وهو بذل تفاوت ما بين كونه قائماً بالأجرة وبين كونه مقلوعاً، وله التبقية مع أخذ الأجرة ولكن مع رضى العامل؛ لأن إيجاب عوض في ذمته لم يقتضه العقد غير ممكن من دون رضاه.


1) رياض المسائل 9: 370 .

2) راجع ص 44، الهامش (1) .

وقد يقدر الأرش بتفاوت ما بين كونه قائماً بالأجرة مستحقاً للقلع بالأرش، وبين كونه مقلوعاً.

ولكنه لا يسلم من شبهة الدور؛ لتوقف معرفة الأرش المدفوع على معرفة الأرش المستحق، ولا يجوز أن يلحظ فيه استحقاقه للقلع من دون أرش؛ لأن الفرض ثبوته فلا يفرض عدمه، ولأنّه يخلّ بتدارك فائته لصيرورته بمنزلة العلف حينئذ.

وقد يقال: إن للمالك الإزالة من دون أرش؛ لانقضاء المدة التي يستحق فيها التبقية، والأصل تسلّط المالك على ملكه كيف شاء، ولأنّ الزرع بعد المدة لا حق له فيكون إبقاؤه بدون رضى المالك ظلماً.

نعم، لو اتفقا على إبقائه بعوض أو غيره صح؛ لأنّ الحق لا يعدوهما، لكن لا يجبر أحدهما عليه، وهو قوي.

وقد يقال أيضاً بأن المالك ليس له الإزالة مطلقاً؛ لأنه وضع في الأرض بحق فلم يكن للمالك قلعه، ولأنّ للزرع أمداً معيناً غير دائم الثبات فإذا اتفق الخلل لا يسقط حق الزارع، كما لو استأجر مدة للزرع فانقضت قبل إدراكه.

وهل يستحق المالك أُجرة مطلقاً أو لا يستحق مطلقاً؟ وجهان، أقربهما: أنه يستحق أُجرة المثل توفيةٌ لحق المالك وجمعاً بين الحقين، وإن كان التأخير بتفريط الزارع فالأوجه: الوسط، لصدور التقصير بفعله فيسقط احترام ماله ولا يستحق شيئاً.

ولو كان بتفريط المالك فالأوجه : الأخير، ويضم إليه عدم استحقاقه أُجرة المثل؛ لإسقاط حرمة ماله بتفريطه.

ولو قيل فيه بالوجه الأوّل كان حسناً.

ولو كان بتفريط أجنبي، كان الوجه هو الأوّل، ويضم إليه ثبوت غرامة الأرش عليه؛ لحدوثها بفعله.

ثمّ إنّهما لو اتفقا على الإبقاء بأجرةٍ لزم بيانها كابتداء الإجارة، ولو تراضيا على دفع أجرة المثل جاز على تقدير القلع بالأرش أو بغيره، فالمقلوع لهما؛ بناء على أن الزارع يملك الحصة وإن لم ينعقد الحبّ، ولا أجرة للمالك على ما مضى من المدة إن لم ينتفع بالمقلوع؛ لأنّ مقتضى عقد المزارعة هو قصر الحق على الحصة الخاصة فلا يستحق غيرها، مع احتمال

وجوبها على الزارع لو كان التأخير بتفريطه؛ لتضييعه منفعة الأرض على المالك بتأخيره حيث لم ينتفع بالمقلوع، بل قد يتوجه ثبوت أكثر الأمرين من أُجرة المثل ومن الحصة لو فرض أن للمقلوع منفعةً ناقصةً عن المعتاد؛ لاستناد النقصان إلى تفريطه أيضاً.

ولا فرق في كون المقلوع بينهما بين كون البذر من مالك الأرض أو من الزارع أو منهما، فيتوجه للزارع الأرش على ما اخترناه، لاستحقاقه فيه الحصة كما لو كان البذر منه، ولو كان من ثالث ضمن الأرش لهما.

ولو لم يَنْمُ البذر فقلعه المالك، كان الأرش لصاحبه فقط؛ لعدم اشتراك غيره معه، وأمّا العامل فلا شيء له على كل تقدير، سواء كان التأخير بتفريطه أو لم يكن بتفريطه.

ويشكل فيما لو كان المقلوع لا قيمة له وحكمنا عليه بعدم الأرش؛ لخلق عمله عن العوض حينئذٍ مطلقاً وهو عمل محترم قد أذن فيه المالك.

ولو شرط الزارع تأخير الزرع إذا لم يدرك بعد المدة، بطل الشرط والعقد؛ لمكان الجهالة على القول باشتراط المدة المعلومة، وعلى القول بعدمها وجهان.

ويحتمل صحة الشرط والعقد؛ لأنّ أصل المدّة معلومة، واشتراط الزيادة تابع جيء به لاحتمال الحاجة إليه، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.

وفيه: أن المجموع يكون مدة واحدة فيلزم جهالة الجميع، أو صيرورته شرطاً معلقاً، وكلاهما فاسد مفسد.

سادسها: حكم ما لو ترك العامل المزارعة في المدة المعلومة

سادسها: لو ترك العامل المزارعة في المدّة فإن قبضها بالعقد الصحيح ضمن منفعتها؛ لتفويتها على المالك فعليه أجرة المثل.

واحتمال ضمانه لمثل الزرع المقدّر للمالك عادةً غير وجيه؛ لأنه لم يتحقق وجوده ليتعلّق بإتلافه ضمان.

ويلزم العامل الأرش وهو ضمان النقصان بترك الزرع، كما قد يتفق في بعض الأراضي.

وإن لم يقبضها فإن كان باختياره فحكمه كالأوّل، وإن كان بمنع المالك فلا شيء عليه لتفويت المالك ماله بنفسه.

وهل للعامل عليه شيء؛ لتفويته عليه الحصة المقدّرة، فيأخذ مثلها تخميناً أو يأخذ أُجرة مثله في تلك المدة، أو ليس له؟ وجوه، أقربها: الوسط.

وقد يقال بعدم لزوم أُجرة المثل على العامل لو ترك العمل اضطراراً لمانع منعه من ذلك؛ لعدم تقصيره حينئذ، فإيجاب شيء عليه لا يقتضيه العقد، بخلاف الإجارة؛ حيث إنّ الأُجرة ثابتة على المستأجر على كلّ حالٍ.

وإن قبضها بالعقد الفاسد، ضمن للمالك أجرة المثل مع جهل المالك ومع علمه على الأظهر، وإن لم يقبضها فلا يبعد ضمانه مع جهل المالك بالفساد؛ لأن التفويت صار بسببه، ومع العلم فلا ضمان؛ لعدم الموجب له وعدم دليل عليه.

سابعها: في بيان ما يشترط في عقد المزارعة من القدرة على تسليم الأرض وكذا تسليم العمل وغيرهما

سابعها: يشترط في عقد المزارعة القدرة على تسليم الأرض أو تسلّمها والقدرة على تسليم العمل بنفسه أو بغيره إن أطلق العقد فيها، وإن اشترطت المباشرة اشترطت القدرة على تسليمه بنفسه.

ويشترط أيضاً إمكان الانتفاع في الأرض بالزراعة بأن يكون لها ماء عادةً من عين أو نهر أو مطر أو بشر، وأن تكون الأرض لها قابلية الزرع بأن تكون رخوة غير صلبة كأرض الحجارة، وأن تكون مما تنبت الزرع ليست سبخة ولا مالحة. وهذه الشرائط واقعية لا علمية. ولو كان طرق الماء عليها نادراً غير معتاد، ففي صحة العقد نظر.

ولو عقد ابتداء على ما لا ماء لها فتجدّد لها ماء قبل فوات محلّ الزرع، احتملت الصحة والبطلان أوجه.

ويظهر من المحقق (رحمه الله) أنه لو زارع على ما لا ماء لها مع العلم بذلك، صح العقد ولا خيار، ومع الجهل يثبت له الخيار (1).

وهو مشكل جداً.

والأوجه: حمله على إرادة عدم الماء المعتاد في تلك الأرض على النحو المألوف في استخراجه، وحينئذ فلو زارعه وهو عالم بكون مائها ليس على النحو المعتاد ولا إخراجه


1) شرائع الإسلام 2 : 120 .

على النحو المألوف بل يحتاج إلى مؤن كثيرة وتعب عظيم، صح العقد، ولا خيار له، وإن لم يكن عالماً صح العقد، ويثبت له الخيار، ولا يمكن إبقاؤه على ظاهره؛ لأنّ العقد على تلك الحال سفه وعبث فلا وجه لصحته.

ولو انعكس الحال، كما إذا زارعه على أرض لها ماء ابتداءً فانقطع في الأثناء، فإن كان انقطاعاً بالكلية انفسخ العقد، وليس للمالك شيء في باب المزارعة، وله التقسيط في الأجرة في باب الإجارة، وإن لم يكن انقطاعاً بالكلية بل كان على غير المعتاد، أو احتاج إلى مؤن كثيرة لم تكن محتملةً سابقاً وأمكن الانتفاع في الأرض في الجملة، كان للعامل الخيار بين الإمضاء - وليس له إلا ما يمكن حصوله من حصته - وبين الفسخ وليس له شيء حينئذ.

ولو كانت الأرض مستأجرةً ففسخ كان للمالك أجرة ما سبق من المدة على سبيل التقسيط.

ويظهر من المحقق (رحمه الله) بقاء صحة العقد عند انقطاع الماء وثبوت الخيار للزارع؛ استصحاباً للصحة السابقة، وانجبار ضرره بالخيار (1).

وهو ضعيف، وحمله على ما قدمناه أوجه.

كما يظهر من آخرين (2)لزوم أُجرة المثل لما مضى من المدة عند فسخ العامل؛ لأنه قد استوفى منفعة أرض الغير من غير عوض.

وهو ضعيف؛ لأن المالك لا يستحق سوى الحصة، فإيجاب شيء آخر على العامل ممّا لا يقتضيه العقد منفي بالأصل، كما أن العامل لا يستحق شيئاً على المالك عوض عمله؛ لإقدامه على الحصّة في مقابلة عمله، وفواتها لم يكن بتفريط المالك.

ولو استأجر العامل أرضاً على وجه الإطلاق فلم يمكن الانتفاع بها للزراعة، لم يبطل العقد، ولا يثبت فيه خيار، إلا إذا انصرف للزراعة فيبطل، أو أخذت الزراعة شرطاً فيثبت الخيار للمستأجر.

ولو زارع على ما لا ينحسر عنه الماء وقت الزراعة أصلاً ، بطلت المزارعة، وكذا لو استأجرها


1) شرائع الإسلام 2 : 120 .

2) كالمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 120؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 312 - 313؛ والشهيد في اللمعة الدمشقية : 92؛ والشهيد الثاني في الروضة البهية 4 : 279.

للزراعة، ولو كان ينحسر عنها الماء قليلاً فإن علم المستأجر صح ولا خيار له، وإن جهل صح وكان له الخيار.

ولو زارع على ما ينحسر عنه الماء تدريجاً فإن كانت الأرض معلومةً في الجملة ولا يفوت من منافعها شيء على ما هو المعتاد، صح العقد، ولا خيار، وإن لم تكن معلومةً بطل في الإجارة قطعاً، وفي المزارعة على الأظهر، وإن كانت معلومة إلا أنه يفوت شيء من منافعها، فإن كان العامل عالماً بذلك فلا خيار له، وإلا تسلّط على الخيار.

ثامنها: حكم ما إذا أطلق المزارعة مالك الأرض أو العامل أو عمّما أفراد الزرع

ثامنها: إذا أطلق المزارعة مالك الأرض أو العامل أو عمما أفراد الزرع، جاز للعامل إذا كان البذر منه أن يزرع ما شاء، فليس للمالك منعه عن زرع دون آخر، ولا للعامل منع عامل آخر كذلك، إلا إذا كان البذر من أحدهما ففي رجوع التخيير إليه وجه قويّ.

وكذا لو اختلف المالك والعامل وكان البذر من المالك ففي رجوع التخيير إليه أو إلى العامل فيجبره على ما يريد من البذور وجهان، أوجههما (1)الأول.

والفرق بين التعميم فالخيار للعامل مطلقاً ولو كان البذر من المالك، وبين الإطلاق فللمالك إذا كان منه البذر وجه لا يخلو من قوة.

ولو تشاح العاملان أو العوامل مع ذي العوامل بعد أن زارعهما المالك مطلقاً أو عاماً، اقترعا.

وتنزيل المطلق منزلة العام هنا هو فتوى المشهور، وقد نُقل عليه الإجماع (2).

وقد يؤيَّد بأنّ المطلق دال على الماهية من حيث هي، فكلّ فردٍ صالح لحلول الماهية في ضمنه، وكذا لو كان مدلوله الفرد الشائع، وقد قالوا: إنّ المطلق يتحقق الامتثال به بكلّ جزئي من جزئياته، بل قالوا: إن الأمر به أمر بكل جزئي من جزئياته، ومع ذلك فلا يخلو عن مناقشة؛ لتوجه احتمال البطلان في المطلق باعتبار حصول الجهالة والغرر المنهي عنه (3)لاختلاف الزرع في تأثيره في الأرض نفعاً وضرراً، واختلافه بالنسبة إلى العمل ضعفاً


1) في «ب» : «أجودهما» بدل «أوجههما».

2) غنية النزوع 1: 291.

3) راجع ص 44، الهامش (1) .

وقوّةً، وتنزيل المطلق منزلة العام مع تفاوت أفراد المطلق تبادراً أو غلبة أو كثرة أو نفعاً للمالك أو للعامل أو ضرراً عليهما زيادة أو نقصاً ممنوع؛ لحصول الاختلاف غالباً بسبب ذلك.

ولو ادعى كلٌّ منهم تنزيل المطلق على ما ينصرف ذهنه إليه من حصول نفع فيه أو دفع ضرر، فيلزم الغرر والضرر، وذلك ممنوع، كما يمنع بيع الكلّي المتفاوت الأفراد، وإجارته كذلك.

وبالجملة، فالإطلاق إذا لم تتساو الأفراد بالنسبة إليه، بل متفاوتة شدّةً وضعفاً وخفاء وظهوراً، انساق إليه الغرر من دون تعيين صنفٍ منه أو فرد من أفراده، فلا تتحمله عقود المعاوضة وإن جاز استعماله في الأحكام والأوامر الشرعية؛ لابتنائها على العبودية والانقياد، لا على رفع مادة النزاع والشقاق والعناء.

وقد يتوجه أيضاً احتمال الصحة والانصراف إلى الزرع النافع للأرض أو الأقل ضرراً. كما ينصرف عقد الوكالة للبيع بثمن المثل أو أزيد والشراء به أو أنقص، وينصرف العمل في باب المضاربة لما كان أعود نفعاً للمال وأكثر ربحاً له.

ولكن قد يعارض ذلك احتمال انصراف الزرع إلى ما هو أعود للعامل وأكثر نفعاً له، سواء كان للأرض نفع فيه أو لا، وسواء دخلها منه ضرر أم لا، فيعود الإجمال.

وبالجملة، فالاحتمالات في صورة الإطلاق ثلاثة: الأخذ به مطلقاً، وبطلانه مطلقاً؛ لوقوع الغرر فيه، وانصرافه لما هو أعود للأرض، أو انصرافه إلى ما هو أعود للعامل، وأجودها: الحكم بالبطلان لولا الشهرة المحكية (1)والإجماع المنقول (2).

وإذا عين المالك على العامل نوعاً من الزرع أو صنفاً أو فرداً لزم اتباعه؛ لعموم لزوم الوفاء بالشرط (3)، ولحرمة التصرف بمال الغير من غير طيب نفس منه، إلا إذا فهم التعدي بلحن الخطاب أو بقرائن حالية أو مقاليّة، كما إذا عيّن له الأكثر ضرراً في الأرض والأقلّ نفعاً بنفسه، فإنّه يُفهم منه تسويغ الأقل ضرراً والأكثر نفعاً بطريق أولى، إلا أن يحتمل إرادة الخصوصية لأمرٍ آخر، كوفاء دين عليه من الجنس المزروع، أو بر نذر، وشبههما، فلا يجوز التعدي كذلك.


1) كفاية الفقه 1 : 637؛ رياض المسائل 9 : 374.

2) غنية النزوع 1: 291.

3) راجع ص 77، الهامش (5).

ولا يتفاوت الحال في ذلك بين أخذ المعين شرطاً أو أخذه ركناً في العقد، إلا أن أخذه شرطاً لا توجب مخالفته بطلان المزارعة، بل يقع عمله صحيحاً، وللمالك الخيار بين الإمضاء فيستحق الحصة مع ضمان العامل لأرش نقصان الأرض؛ لمكان التعدي عليها، وبين الفسخ فيأخذ من العامل أجرة المثل والزرع للعامل إن كان البذر منه، وللمالك إن كان كذلك، ولا يستحق العامل عليه شيئاً لمخالفته أمر المالك في نوع ما عمل، مع احتمال أن مخالفة الشرط هنا موجبة للبطلان؛ لتعلّقها بنفس العمل المتعلّق بركن المعاوضة، وليس كالشرط الخارجيّ يوجب الخيار فقط، وحينئذٍ فتبطل المزارعة بالنسبة إلى المزروع، ويستحق المالك عليه أُجرة المثل وأرش الأرض لو أحدث فيها نقصاً.

وأما أخذه ركناً في العقد فموجب لبطلان المزارعة في المخالف؛ لعدم وقوع العقد عليه، فيكون الزرع لصاحب البذر، وعلى العامل أجرة المثل للأرض، وليس له على المالك شيء.

هذا كله على موجب القواعد، ولكن يظهر من جملة من المحققين (1)تخيير المالك بين الفسخ فله الأجرة، وبين الإمضاء فله المسمّى والأرش، من غير فرق بين اتخاذه شرطاً أو شطراً؛ معلّلين ذلك بأنّ مقدار المنفعة المعقود عليها قد استوفيت بزيادة في ضمن زرع الآخر، فيتخيّر بين الفسخ لذلك، فله الأجرة؛ لوقوعه بغير إذنه؛ لأنه غير المعقود عليه، وبين الإمضاء وأخذ المسمّى في مقابلة مقدار المنفعة المعينة والأرش في مقابلة الزائد الموجب للضرر.

وهو ضعيف؛ لما قدمنا من أنّ وقوع الزرع المعين شطراً مما يخصص العقد به، فيكون غيره غير مأذون به ولا معقود عليه فيبطل.

نعم، قد يتجه ذلك في الشرط؛ لاحتمال أنه يكون بمنزلة الإلزام الخارجي، وإلا فالمقصود أولاً وبالذات هو نفس الزرع.

ولكنّه لا يخلو من إشكال أيضاً؛ لأنّ الشرط معيّن هنا أو كالمعين، فيعود كالأول.

ويظهر مما ذكرنا أيضاً ضعف ما ذكره جملة من الأصحاب (2)من أن للعامل زرع ما هو


1) كالمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 120؛ والعلامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 313؛ والسبزواري في كفاية الفقه .637:1

2) منهم المحقق الحلّي في شرائع الإسلام :2 120؛ والعلامة الحلّي في تحرير الأحكام الشرعية 3: 140، الرقم 4323؛ والشهيد في اللمعة الدمشقية : 92.

أقل ضرراً للأرض من دون إذن المالك فيستحق المسمّى من الحصة، ولا أرش عليه ولا خيار للمالك، لعدم الضرر عليه، ولدخوله تحت مفهوم الأولوية.

ووجه ضعفه: أن الأقل ضرراً غير معقودٍ عليه مع أنّ النماء تابع للبذر فلا يخرج عنه إلا بدليل، ولم يقم هنا ما يدلّ على خروجه.

ودعوى أن الرضى بزرع الأضر بالنسبة إلى الأرض يقتضي الرضى بالأقل ضرراً فحوى وبالمساوي مفهوماً مردودة بأن ذلك مسلَّم فيما لو كان غرض المالك محصوراً فيما يعود إلى الأرض نفعاً أو ضرراً، وهو ممنوع؛ لجواز تعلّق غرض المالك بنفس الزرع للاحتياج إليه بوفاء دين أو تزويج امرأةٍ أو مبرة يمين، وإن عاد على الأرض ضرر ينقصها أو إتلاف منفعتها فتبطل دلالة الفحوى والمفهوم حينئذ.

نعم، يتمشى ذلك في زراعة الأرض في الإجارة فيما إذا أذن صاحب الأرض للمستأجر بنوع خاص، فإنّ له التعدي بالنسبة إلى الأخف؛ لأن المقصود منها نفس الأجرة دون الزرع، ولا يتعلّق للمؤجر غرض به فكلّما خفّف المستأجر بالزرع عادت منفعته إلى الأرض من دون ضرر عليه بوجه من الوجوه.

فما أطلقه المحقق (رحمه الله) من أن الزارع له زرع الأخف (1)، وظاهره أن له الحصة ولا خيار له، وما أطلقه العلامة (رحمه الله) من أن المالك مخيّر بين أخذ الحصة مجاناً، وبين الفسخ وأخذ أُجرة المثل (2)لا يجريان على القواعد.

تاسعها: في أن للزارع أن يزرع الأرض بنفسه وبغيره وبنفسه مع غيره

تاسعها: للزارع أن يزرع الأرض بنفسه وبغيره وبنفسه مع غيره مع إذن المالك وعدمه ومع فعل ذلك بعنوان التوكيل أو الاستنابة أو نقل بعض الحصة بعقد ناقل بعنوان الشركة أو بعنوان المزارعة الثانية، كلّ ذلك لنقل منفعة الأرض إليه بعقد لازم وأنّ الناس مسلّطون على أموالهم، ولظاهر فتوى المشهور بل الإجماع المنقول (3).


1) شرائع الإسلام 2 : 120 .

2) قواعد الأحكام 2 : 313.

3) كما في رياض المسائل 9 : 374.

نعم، لا يبعد عدم جواز تسليم الأرض من دون إذن المالك للعامل الثاني؛ لحرمة التصرّف بمال الغير من دون إذنه، واقتضاء العقد جواز عمل الآخر معه أو مزارعته له لا يقضي بجواز تسليم الأرض.

واشترط بعضهم في جواز مشاركة الغير أو مزارعته أو العمل معه كون البذر منه ليكون تمليك الحصة منوطاً به، ولأنّ الأصل أن لا يتسلّط على البذر سوى المالك أو من أذن له، كما أن المساقاة ليس للعامل أن يساقي غيره؛ لأنّه لا يملك منها سوى الحصة من الثمرة بعد ظهورها، والأصل فيها للمالك، فهو كالبدر يعامل عليه مَنْ يملكه (1).

وهو جيد في مزارعة الغير وغير متجه في مشاركة غيره بالعقد بعد ملك الحصة أو مشاركته في العمل من دون مزارعة.

على أنه قد يقال: إن لزوم عقد المزارعة يقتضي تسلّط المزارع على العمل بنفسه وبغيره على جهة ملك ذلك على صاحب الأرض، ومن جملة العمل التصرف بالبذر في الزرع، فيجوز له نقله إلى الغير والاستنابة فيه إذا لم يشترط عليه المباشرة بنفسه، فلو اشترط عليه ذلك لزم الشرط؛ لعموم لزوم الشروط (2)، ولا يكون ذلك الشرط منافياً للعقد؛ لأدائه إلى منع تصرف الإنسان بماله؛ لأنّ انتقال العمل إليه وصيرورته ملكاً له كان على ذلك الوجه الخاص حيث إنه قد تعلّق بمال الغير فلا يحلّ له إلا بطيب نفسه، بل لو شرط عليه أن لا يشارك غيره وأن يختص بحصته لزم الشرط أيضاً على ما صرح به المحققون، ولم يكن محرّماً حلالاً، وهو تسلّط الناس على أموالهم؛ لأنّ للمالك اشتراط منع الغير عن شغل أرضه بزرعه وإن لزم من ذلك منع العامل عن نقل حصته من الزرع إلى غيره، وعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (3)مخصوص فيما لا يقتضي ضياع حق الآخر كالراهن، فإنّه محجور عليه في ملكه فيما ينافي حق المرتهن.

عاشرها: اقتضاء عقد المزارعة إذا أُطلقت لزوم العمل على الزارع

عاشرها: إذا أُطلقت المزارعة اقتضى عقدها لزوم العمل على الزارع، والمراد به ما تعلّق بنفس الزرع من نثر بذره وحرث الأرض له وما يتوقف عليه الحرث من منافع العوامل والآلات


1) كما في رياض المسائل 9 : 374 .

2) راجع ص 77، الهامش (5) .

3) راجع ص 117، الهامش (5).

وسقي الزرع وتنقية الأرض وجمع الزرع وإجراء السواقي له وتنقية النهر وحراسة الزرع، وقلع ما يضر بقاؤه منه أو من غيره، ولو اشترطها المالك كان الشرط مؤكداً، ولكن الأولى فيه حينئذ البيان حذراً من الوقوع في الجهالة في الشروط المصرحة بها.

ولو شرط الزارع على المالك شيئاً من ذلك، لزم عليه وسقط عن العامل، وكذا لو شرط على ثالث بعضاً من العمل أو بعضاً من العوامل أو الآلات لزم الثالث أيضاً.

وبالجملة، فالمرجع في ذلك إلى العرف والمعتاد من عمل الزارعين، فما دخل فيه قطعاً فهو داخل، وما خرج عنه قطعاً فهو خارج ولو كان مختلفاً بحسب البلدان والأراضي وأصناف الزرع، كما أن الدياس والقسمة ليست على العامل في كثيرٍ من البلدان، وما شكّ فيه فالأصل براءة ذمة العامل منه، وما كان يدخل مرةً ويخرج أخرى فالأولى بل اللازم بيان خروجه أو دخوله.

وما عدا العمل مما يتعلّق بمصالح الأرض من حفر أنهار كبار مبنية على الدوام أو بناء حائط أو حفر عين أو بئر أو بناء دولاب أو بناء قلعة لجلوس الحرسة بها يكون كله على المالك، ولا يبعد أنّ للعامل إلزامه بها فإن لم يفعل كان له الخيار، وللمالك أن يشترط من ذلك على العامل كلاً أو بعضاً، فيلزم العامل القيام به.

وعلى المالك أيضاً أُجرة الأرض وخراجها من مال وطسق ومقاسمة، سواء أُخذ على النحو المعتاد أو أزيد من ذلك.

وأما البذر فإن قضت العادة بكونه من الزارع كبعض المزارع لزم عليه، وإلا كان على المالك.

والأظهر أنه إذا لم تكن عادة تقضي بكونه على أحدهما أو اضطربت العادة لزم البيان، وإلا توجه الحكم بالبطلان.

وقد يستدلّ على لزوم كون البذر من العامل ما ورد في الصحيح: عن المزارعة؟ «النفقة منك والأرض لصاحبها» (1).

ولكنه ضعيف؛ لاحتمال وروده مورد الغالب، ولإجمال النفقة فيه؛ لأنّه إن أُريد منها العموم وأُريد كونها من العامل حكماً شرعياً لا يصبح خلافه فهو باطل لا نقول به، وإن أُريد منها الطبيعة فلا دلالة فيها على البذر بخصوصه، وإن أريد في الحكم الكشف عن ظاهر العرف في عقد المزارعة فهو مسلَّم إذا قضى العرف بذلك.


1) وسائل الشيعة 19 : 45، الباب 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2.

ولو أزاد السلطان زيادةً في الخراج ضربها على الزرع نفسه أو على المزارع لم يلتزم المالك بها، لأصالة البراءة، ولأنّ من ظُلم لا يظلم إلا مع اشتراطها على المالك مع التعيين الجهالة أو مطلقاً لو صححنا هذا الشرط مع الجهالة، إلا أنه قد ورد في الخبر: فيمن آجر قوماً أرضاً فزاد السلطان عليهم، فقال: «أعطهم فضل ما بينهما» قلت: أنا لم أظلمهم ولم أزد عليهم، قال: «إنّهم إنّما زادوا على أرضك» (1)وهو دالّ على غرامة صاحب الأرض لذلك، إلا أنّه لضعفه سنداً ومخالفته للقواعد ينبغي طرحه أو حمله على الشرط لذلك، أو على الندب، ولو قلنا بمضمونه لزم الاقتصار عليه، فلا يسري الحكم لسكنة الدور المستأجرة لو ضرب الظالم عليها مالاً غصباً بحيث كان ضرب المال عليها لا على ساكنيها، كما قد يتفق في مثل هذه الأزمنة، فإنّه لا يصح لساكن الدار الرجوع إلى مالكها فيما غرمه.

حادي عشرها: حكم ما إذا شرط المالك الخراج على العامل

حادي عشرها: إذا شرط المالك الخراج على العامل جاز مع العلم بقدره عادةً؛ لعموم أدلة الشروط (2)والعقود (3)، ولخصوص الأخبار الخاصة:

كخبر داود بن سرحان: في الرجل تكون له الأرض عليها الخراج وربما زاد وربما نقص فدفعها إلى الرجل [على] أن يكفيه خراجها ويعطيه مائتي درهم في السنة، قال: «لا بأس» (4).

وفي آخر مثله (5).

وفي ثالث في أرض الخراج يدفعها إلى الرجل على أن يعمرها ويصلحها ويؤدي خراجها وما كان من فضل فهو بينهما؟ قال: «لا بأس» (6).

وظاهر هذه الأخبار جواز اشتراط الخراج على العامل، سواء كان معلوم القدر أم لا، وسواء كان مما يزيد أو ينقص أم لا، حتى أنه لو شرط الخراج عليه فزاد السلطان فيه زيادةً كانت


1) وسائل الشيعة 19 : 56، الباب 16 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 10.

2) راجع ص 77، الهامش (5).

3) المائدة (5) : 1.

4) وسائل الشيعة 19 : 57، الباب 17 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 1 ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

5) المصدر : 57 - 58 ، ح 2.

6) المصدر : 45، الباب 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2 .

الزيادة على المشروط عليه ، وهو مشكل من حيثية الغرر والجهالة المؤديين إلى بطلان الشرط فينبغي أن [تكون] زيادة السلطان على المالك، وأنه لو اشترطها بطل العقد؛ لجهالته، كما صرّح به جملة من المحققين (1)، إلا أن التخطي عن هذه الأخبار المعتبرة من دون معارض قطعي أو شهرة محصلة منضمة إلى دليل ظنّي أشكل.

والمناقشة فيها بدلالتها على نفي البأس الدال على الجواز مع حصول التراضي دون اللزوم مردودة بأن الشرط ها هنا متى جاز وارتفعت منه شبهة الفساد والنهي من حيثية الجهالة لزم؛ لأنّه في عقد لازم، وشأن الشروط فيها ذلك، ولا شكّ أنّ ظاهر هذه الأخبار ورودها في المزارعة التي هي من العقود اللازمة لا أنها واردة في معاملة أخرى جائزة، أو في بيان أنّ مجرد حصول التراضي بين الشخصين على ذلك النحو جائز كما هو الظاهر من مساقها.

نعم، ورد في بعض الأخبار نظير ذلك، إلا أنه غير ظاهر في المزارعة، ولا يمكن حمله على الإجارة؛ للزوم المعلومية فيها إجماعاً، فلا بد من حملها على مجرد بيان جواز التراضي على دفع الخراج مطلقاً وأخذ الحاصل.

كخبر إبراهيم بن ميمون في قريةٍ لأُناس بأيديهم وعليها خراج فاعتدى عليهم السلطان فطلبوني فأعطوني أرضهم على أن أكفيهم السلطان ما قبض قال: «لا بأس بذلك لك ما كان من فضل» (2).

وخبر [أبي بردة بن رجاء] (3): عن قوم يدفعون أرضهم إلى رجل فيقولون: كلها وأدِّ خراجها، قال: «لا بأس به إذا شاؤوا أن يأخذوها أخذوها» (4).

وفي ثالث: في رجل يأتي لأهل قريةٍ قد اعتدى عليهم السلطان وضعفوا عن القيام بخراجها فيدفعونها إليه على أن يؤدي خراجها فيأخذها منهم ويؤدي خراجها، ويفضل بعد ذلك شيء كثير، قال: «لا بأس بذلك إذا كان الشرط عليهم ذلك» (5).

وحملها على ما ذكرنا خير من حملها على المعاملة الجديدة أو جواز الإجارة المجهولة.


1) منهم : الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 34؛ والطباطبائي في رياض المسائل 9 : 379 .

2) وسائل الشيعة 19 : 57 – 58، الباب 17 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2.

3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : «داوُد بن سرحان». والمثبت كما في المصدر.

4) وسائل الشيعة 19 : 58، الباب 17 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 3.

5) المصدر، ح 4.

ثاني عشرها: في ذكر ما ورد في الأخبار في باب المزارعة مما يخالف ظاهره القواعد الشرعية

ثاني عشرها: قد ورد في الأخبار في باب المزارعة ما يخالف ظاهره القواعد الشرعية.

فمنها ما تقدّم (1)من هذه الأخبار الدالة على جواز أخذ الأرض من مالكها على أن يؤدّي خراجها ويأكل حاصلها، فإنّها لو جعلناها عقداً جديداً جائزاً كما يظهر من بعضهم، أو لازماً؛ لأصالة اللزوم، أو إجارة جائزة أو لازمة أو جعالة لمن أدّى الخراج، أو صلحاً، كان كله مخالفاً للقواعد؛ لأنّ العقود محصورة وليس منها، ولاشتراط المعلومية في الإجارة وليس كذلك، ولأنّ الجعالة في مقابلة عمل لا في مقابلة دفع مال ولأن الصلح لا يتحمّل من الغرر ما لا طريق إلى معرفته بمشاهدة ونحوها، ولأنّه من العقود اللازمة، والأظهر ها هنا الجواز، فلا بد حينئذ من تأويلها، أو الاقتصار فيها على مورد النص في باب المزارعة دون غيرها؛ لمخالفتها القواعد على كلّ حالٍ.

ومنها ما ورد في الأخبار المتكثّرة أنّ للرجل أن يتقبل الأرض من الآخر على أن يعمرها وله حاصلها إلى وقت معلوم.

كالصحيح: عن الرجل يعطي الأرض ويقول: اعمرها وهي لك ثلاث سنين أو خمس سنين أو ما شاء الله، قال: «لا بأس» (2).

وفي آخر: «في قبالة الأرض من أهلها عشرين سنة أو أقل أو أكثر فيعمرها ويؤدي ما خرج عليها ولا يدخل العلوج في شيء من القبالة، فإنّه لا يحلّ» (3).

وفي ثالث: «في القبالة أن تأتي الأرض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة أو أقل أو أكثر وتؤدي ما خرج عليها فلا بأس به» (4).

وفي رابع: «في القبالة أن تأتي الأرض الخربة عشرين سنة فإن كانت عامرة فيها علوج فلا يحلّ قبالتها إلا أن يتقبل أرضها فيستأجرها من أهلها، ولا يدخل العلوج في شيءٍ من القبالة، فإنّ ذلك لا يحلّ» (5).


1) آنفاً.

2) وسائل الشيعة 19 : 46، الباب 11 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 1.

3) المصدر 17 : 295، الباب 93 من أبواب ما يكتسب به ، ح 3.

4) المصدر 19 : 46 - 47 ، الباب 11 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2.

5) المصدر : 59 - 60 ، الباب 18 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 3.

وفي خامس: في حلّ القبالة، قال: «يتقبل من أربابها بشيءٍ معلوم إلى سنين مسمّاة فيعمر ويؤدي الخراج، فإن كان فيها علوج فلا يدخل العلوج في قبالة الأرض، فإنّ ذلك لا يحلّ» (1).

وهذه الأخبار أيضاً خارجة عن مقتضى القواعد، سواء قلنا: إنها عقد مستقل بصيغة «قبلتك» وشبهه، أو إجارة يغتفر فيها الجهالة، أو جعالة على تعمير الأرض؛ لأن الأوّل مخالف للصيغ المعهودة في العقود، والثاني مخالف لقواعد الإجارة صيغةً ومعلومية، والثالث مخالف لقواعد الجعالة من حيثية اشتراط تأدية الخراج ولو حملناها على الصلح لكان أقرب، إلا أنها تخالفه في الصيغة وفي زيادة الجهالة، وكذا لو حملناها على الإجارة المطوي ذكر الأجرة فيها. والمشروط في عقدها الخراج على المستأجر ، فإنّه وإن قرب بوجه يبعد من وجه آخر.

ومنها: ما ورد في جملة من الأخبار من جواز خرص المالك على الزارع بعد انعقاد الحبّ أو ظهور الثمرة في النخل مقدار حصة تخميناً ويقبله إياه بخرصه بحب منه أو من غيره، فإذا قبله لزم عليه، زاد خرصه أو نقص، فإن زاد خرصه غرمه الزارع، وإن نقص كان عليه.

ومن الأخبار: الصحيح، وفيه: «فلما بلغت الثمرة أمر عبد الله بن رواحة فخرص عليهم النخل فلما فرغ منه خيرهم فقال: قد خرصنا هذا النخل بكذا وكذا صاعاً فإن شئتم فخذوه وردوا علينا نصف ذلك وإن شئتم أخذناه وأعطيناكم نصف ذلك، فقالت اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض» (2).

وفي آخر مثله (3).

وفي ثالث: إنّ لنا أكرة فنزارعهم فيقولون: قد حزرنا (4)هذا الزرع بكذا وكذا فأعطوناه ونحن نضمن لكم أن نعطيكم حصته على هذا الحزر، قال: «وقد بلغ؟» قلت: نعم، قال: لا بأس بهذا» قلت: فإنّه يجيء بعد ذلك فيقول: إن الحزر لم يجئ كما حزرت قد نقص، قال: «فإذا زاد يردّه عليكم؟» قلت: لا، قال: «فلكم أن تأخذوه بتمام الحزر كما أنه إذا زاد كان له، كذلك إذا نقص» (5).


1) وسائل الشيعة 19 : 60، الباب 18 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 5.

2) المصدر 18 : 233 – 234، الباب 10 من أبواب بيع الثمار، ح 5.

3) المصدر : 232 - 233، ح 3.

4) الحزر : التقدير والخرص. الصحاح 2 : 129، «ح زر».

5) وسائل الشيعة 19 : 50 - 51، الباب 14 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 4.

وفي رابع: عن الرجل يمضي ما خرص عليه في النخل ؟ قال: «نعم» قلت: أرأيت إن كان أكثر أفضل ممّا خرص عليه الخارص أيجزئه ذلك؟ قال: «نعم» (1).

وهذه الأخبار مخالفة للقواعد؛ لأنّها إن كانت عقداً مستقلاً خرجت عن العقود المحصورة المعهودة، وإن كانت بيعاً بطلت؛ لدخولها في المزابنة والمحاقلة، وإن كانت صلحاً فإن كانت بحب خارج عن نفس الزرع لزم إمضاؤه من اشتراط السلامة على ما صرحوا باشتراطها، وإن كانت بحبّ منه كان غرراً وضرراً لا يتحمّله عقد الصلح، ولكن لما كانت الأخبار في هذا المضمار معتبرةً وانعقد على مضمونها الإجماع لزم القول بها.

وإن خرجت عن تلك الضوابط فلنا الالتزام بأنّه عقد مستقل جاء به الدليل ينعقد بلفظ «قبلتك» وشبهه، ويفتقر إلى القبول بما دلّ عليه من قول أو فعل، ولا يكفي مجرد الإيجاب، لأصالة عدم الانتقال في غير المتيقن، وهذا هو الأقرب للأخبار، ولنا الالتزام بأنه بيع أو صلح قد دلّ الدليل على جوازهما على هذا النحو، بل ولا يبعد وقوعهما بصيغة «قبلتك» ونحوها. ثمّ إنّ الأصحاب قالوا: إنّ شرط استقرار هذه المعاوضة سلامة الزرع أو الثمرة من الآفة الإلهيّة، فإن تلف أجمع فلا شيء على الزارع ولو تلف البعض سقط منه بالنسبة، ولو أتلفه متلف ضامن لم تتغير المعاملة، ولو صدر العقد قبل بلوغ الثمرة أو انعقاد الحبّ بطل، والأخير مسلم وتدلّ عليه الأخبار (2)، والوسط على وفق ضوابط المعاملة، والأوّل مخالف لضوابط العقود، فإن انعقد عليها إجماع قلنا به، وإلا فمحل مناقشة.

و تطبيق ذلك على القواعد أنّ العوض فيها بمنزلة معاملة مشترطة بقبض العوض ووصوله إلى يد صاحبه، فلو لم يسلم إليه لم يحصل ذلك، كالمبيع إذا تلف قبل القبض، منظور فيه؛ لمنع عموم تلك القاعدة أوّلاً، ومنع كونه غير مقبوض بعد التخلية ثانياً، ولكن الحكم بعد كونه مشهوراً بل متفقاً عليه لا يمكن التعدي عنه.

ثالث عشرها: فيما يتعلّق بما إذا استأجر شخص أرضاً للزرع

ثالث عشرها: إذا استأجر شخص أرضاً للزرع، فإن نص على العموم جاز، وكذا إن


1) وسائل الشيعة 19 : 50، الباب 14 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 3.

2) منها ما تقدّم تخريجه في ص 358، الهامش (5)؛ والمصدر.

عين، وإن أطلق بطل؛ لتفاوت أفراد الزرع نفعاً وضرراً وابتداء وانتهاء، وكذا لو ردّد بين زرعين أو ثلاثة.

وإن استأجرها للزرع أو الغرس بطل أيضاً، وإن استأجرها لكلّ منهما صح مع تعيين المزروع والمغروس وتعيين مدتهما وتعيين أرضهما.

وكذا لو استأجرها لزرعين وغرسين، فإنه يشترط تعيينهما وتعيين مدتهما وتعيين قدر أرضهما.

ولو استأجرها لكلّ ما يريد من زرع أو غرس لأي زرع ولأي غرس صح؛ لارتفاع الجهالة بالعموم.

ولو شرط في المزارعة غرساً اشترط أيضاً تعينه وتعيين مدته وتعيين قدر أرضه، كما يشترط في الإجارة لو استأجر لزرع وغرس، فإنه يشترط تعيين قدر أرض كل منهما حذراً من الجهالة.

ولو أُطلق في استئجار الأرض لهما احتملت الصحة والحمل على التنصيف؛ لظهور التسوية في مقام التشريك بين شيئين في إخبار أو إنشاء، واحتمل البطلان؛ لوقوعها على التنصيف وغيره، والعام لا يدلّ على الخاص، والأقوى الأول.

ولو استأجر أرضاً لغرس يبقى فيها بعد المدّة غالباً ، قيل بأن للمالك إبقاءه بالأجرة، وله قلعه مع أرش النقصان الحادث من الإزالة (1). ووجه طلب الأجرة مع إبقائه: أنه شغل ملك له من غير إذن فيه فيستحق عليه الأجرة. ووجه الإزالة: أنه شغل ملك له من دون إذن فيه؛ لانتهاء المدة المأذون فيها بانتهاء مدة العقد الذي قد أقدم المستأجر على تعينها به. ووجه الأرش: أنه قد وضعه حين وضعه بحق؛ لأنه مالك والمالك يتصرف بملكه، ولأنه ليس بظالم حين الغرس فيشمله مفهوم «ليس لعرق ظالم حق» (2)، فيدفع الأرش له؛ جمعاً بين الحقين.

وقيل: إن له قلعه من دون أرش (3)لعدم ثبوت حقٍّ له بعد المدة، وإنما حقه قبلها، وسبب الاقتصار عليها إنما جاء من قبله، فلو حصل منه ضرر كان الضرر مسبّباً عن إقدامه فلا يلتزمه


1) كما في شرائع الإسلام 2 : 121 .

2) وسائل الشيعة 25 : 388، الباب 3 من أبواب كتاب الغصب، ح 1.

3) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 27.

المستأجر، بل قد يقال: إنه بعد المدة ظالم صرف فليس لعرقه حق، وكونه موضوعاً في المدة بحقٍّ لا يستلزم حقيّة الاستمرار عليه، والقول الثاني أقوى.

واحتمل بعضهم (1)بطلان العقد من أصله؛ للشكّ في شمول دليل الإجارة له؛ لاستلزامه الضرر على المؤجر والمستأجر في الإبقاء أو القلع.

وهو احتمال بعيد عن الصواب؛ لأنّها إجارة ينتفع بها لهما على كل حال، فلا تنافي مقصود العقلاء، واحتمال الضرر لأحدهما عند القلع غير منافٍ لصحتها.

رابع عشرها: حكم إجارة الأرض بالحنطة والشعير

رابع عشرها: تكره إجارة الأرض للزراعة دون غيرها بعقد الإجارة - لا الصلح على الأظهر - بالحنطة والشعير مطلقاً، زرعت كذلك أو زرعت غيرهما، كانت الحنطة والشعير منها في وجه قوي إذا كانت واسعةً بحيث يطمئن عادة خروجهما منها على قدر الأجرة، أو كانا من غيرها، كلّ ذلك للأصل والعمومات الدالة على الجواز، وللتفصي عن شبهة التحريم والنهي فتوى ورواية (2)بحملها على الكراهة.

نعم، ربما نُسب (3)للأشهر تحريم إجارتها بحنطة وشعير منها؛ لعدم الأمن بخروج ذلك القدر فيعود إلى الغرر، كما منع في السلف، وللخبرين عن إجارة الأرض بالطعام، قال: «إن كان من طعامها فلا خير فيه» (4)، ويظهر من بعضهم نقل الإجماع عليه (5).

وبالإجماع المنقول وبفتوى المشهور تتقوّى دلالة هذين الخبرين المشتملين على نفي الخير الغير صريح في الحرمة، وكذا سندهما أيضاً، مع أنّ سند أحدهما صحيح إلى صفوان، وهو ممن أجمع على تصحيح ما يصح عنه، بل قد يقال: إن دلالتهما مجبورة بالأخبار المعتبرة الناهية عن إجارة الأرض بالحنطة والشعير والتمر والنطاف، كما في الموثق (6)، والمشعرة بذمّ مَنْ يؤجر الأرض بالطعام. والنهي عن الأخذ من ماله كما هو ظاهر الصحيح (7)، والمعللة بمنع


1) لم نتحققه.

2) وسائل الشيعة 19: 55 - 56 ، الباب 16 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 5، 9.

3) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 382.

4) وسائل الشيعة 19: 55 - 56 ، الباب 16 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 5، 9.

5) الحدائق الناضرة 21 : 291 .

6) وسائل الشيعة 19 : 54 و 55، الباب 16 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 6،2.

7) المصدر : 55، ح 7.

إجارة الأرض بالطعام؛ لأنّ الذي يخرج من الأرض حنطة وشعير، ولا يجوز إجارة حنطة بحنطة وشعير بشعير، كما في خبر العلل (1)، والمعللة لجواز الاستئجار بالذهب والفضة؛ لأنهما مضمونان دون الطعام كما في جملة من الأخبار (2).

وهذه الأخبار إذا لم نقل بعمومها لمعارضتها لفتوى المشهور والأصول والقواعد نقول بدلالتها على تحريم خصوص الفرد الداخل فيها المحكي عليه الشهرة بل الإجماع، فالقول بالتحريم مما لا ينبغي العدول عنه إلا أنه يمكن صرفه إلى الأراضي الغير المتسعة التي لا يؤمن انقطاع غلتها؛ اقتصاراً على المتيقن في مورد التحريم، ولكن الخروج عن ظواهر الأدلة المتقدمة وصرفها إلى ما ذكرناه بعيد جداً.

وعلى ذلك فهل يخص الحكم الحنطة والشعير فقط، أو يشمل كل ما يخرج منها؟ ظاهر التعليل المتقدم وبعض الأدلة السابقة الأوّل، وكون الحكم مخالفاً للأصل فيقتصر فيه على مورد اليقين هو الثاني.

والأجود: التفصيل بين الأراضي المتسعة المأمون نماؤها فيصح في غير الحنطة والشعير، وبين ما لا يؤمن نماؤها فيفسد.

ومع ذلك فالأولى والأحوط عدم إجارة أرض الزراعة بجميع أنواع الطعام، كان منها أو من غيرها كلّيّاً أو معيّناً حنطة أو شعيراً أو غيرهما؛ لإطلاق جملة من الأخبار الناهية عن ذلك (3).

ولولا فتوى المشهور بخلافها ومعارضتها للعمومات القوية لكان الركون إليها متوجهاً.

ويشتد جانب الاحتياط زيادة فيما إذا استؤجرت بحنطة أو شعير لتزرع بجنس ما استؤجرت به؛ لفتوى بعض المحققين بالمنع من ذلك (4)، ولإشعار بعض الأخبار به بالخصوص، كخبر العلل (5)، وكالصحيح: «لا تستأجر الأرض بالحنطة ثمّ تزرعها حنطة» (6)بناءً على ظهور


1) علل الشرائع 2: 234، الباب 291، ح 1 ؛ وسائل الشيعة 19 : 56، الباب 16 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 11.

2) المصدر : 54 ، الباب 16 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2، و 127 - 129، الباب 21 من أبواب كتاب الإجارة ، ح 6،2.

3) راجع ص 365 ، الهامش (6).

4) ابن البراج في المهذب 2 : 10.

5) راجع الهامش (1).

6) وسائل الشيعة 19 : 54، الباب 16 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 3.

انصراف النهي للاستئجار لا للزرع بعده، وربما يؤيده الخبران الناهيان عن استئجار الأرض بما كان من طعامها (1)بناءً على إرادة الجنس بمعنى من جنس طعامها.

والجميع حيث إنه غير صالح لإثبات الحكم التحريمي في معارضة ما ذكرناه كان الاحتياط في العمل به قطعاً.

ثم إنه على القول بالتحريم فالظاهر عدم ملازمته للحكم بالفساد إلا فيما ذكرناه أولاً في غير المتسع فإنّه يلازم الفساد؛ لعدم صلاحه لوقوعه في مقابلة المنفعة، فيفسد العقد بفساده، وأما غيره فيصح وإن كان محرماً.

خامس عشرها: يجوز لمستاجر الأرض للزراعة أن يؤجرها بأكثر ممّا استأجرها به

خامس عشرها: يجوز لمستأجر الأرض للزراعة أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها به سواء اتحد الجنس أم اختلف.

ويجوز أن يزارع عليها بحصة يزيد نماؤها على قدر ما استأجر به، خالفه في الجنس أو وافقه.

ويجوز للمزارع أن يزارع بقدر ما زارع عليه ودفعه للمالك، وبأكثر منه فيكون الزائد له.

ولا يتفاوت الحال في ذلك كله بين أن يُحْدِث في الأرض حدثاً، وبين أن لا يُحدث، وبين أن يكون الحدث مقابلاً لما استزاده أو غير مقابل كلّ ذلك للأصل، والعمومات الدالة على أنّ الناس مسلّطون على أموالهم (2)، والدالة على صحة العقود (3)أجناساً وأنواعاً.

وخصوص خبر سهل (4)المعتبر على الظاهر في الرجل يستأجر الأرض ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها، قال: «لا بأس» (5).

وفي آخر مثله (6).

وفي ثالث: في المزارعة أتقبل الأرض بالثلث والربع وأقبلها بالنصف، قال: «لا بأس» (7).


1) راجع ص 365، الهامش (6) .

2) راجع ص 117، الهامش (5) .

3) المائدة (5) : 1.

4) في المصدر : «عن أبي المغرا».

5) وسائل الشيعة 19 : 125، الباب 20 من أبواب كتاب الإجارة، ح 4.

6) المصدر ، ح 2 و 3.

7) المصدر : 126، الباب 21 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

وفي رابع: «إذا تقبلت أرضاً بذهب أو فضةٍ لا تقبلها بأكثر مما تقبلتها، وإن تقبلتها بالنصف والثلث فلك أن تقبلها بأكثر مما تقبلتها به» (1).

والنهي عن تقبيلها بالأكثر إذا تقبلها بالذهب والفضة محمول على إرادة النهي عن أصل التقبيل بالذهب والفضة، وهي المزارعة بهما؛ لاشتراط الحصة المشاعة فيها، أو على الكراهة في الإجارة دون المزارعة.

ولو أحدث فيها حدثاً، فلا إشكال في الجواز، كما دلّ عليه النص (2)والفتوى في باب الإجارة، وكذا لو آجرها بغير الجنس الذي استأجر به كما هو ظاهر الأصحاب، وربما أشعرت به الأقلية والأكثرية، ومع ذلك فالاستئجار بالأكثر مكروه؛ لفتوى الكثير من الأصحاب به، وللتفصي عن شبهة التحريم فتوى وروايةً، ولظاهر النهي في بعض الأخبار (3)المحمول على الكراهة.

فظهر مما ذكرنا ضعف القول بتحريم استئجار الأرض بالأكثر حتى نقل بعضهم الإجماع عليه (4)، واستدلّ عليه بالخبر عن رجل استأجر من أرض الخراج بدراهم مسمّاة، أو بطعام مسمّى وشرط لمن يزرعها أن يقاسمه النصف أو أقل أو أكثر، وله في الأرض بعد ذلك فضل أيصلح له ذلك؟ قال: «نعم إذا حفر نهراً أو عمل لهم شيئاً يُعينهم بذلك فله ذلك» (5)وبالثاني النافي للبأس عن إجارة الأرض والدار والسفينة بالأكثر إذا أصلح فيها شيئاً (6).

والكلّ منظور فيه؛ لضعف الإجماع المنقول بمخالفته الشهرة المنقولة (7)والمحصلة بين المتأخرين، وتحصيلها بالنسبة إلى المتقدمين على التحريم لم يثبت، وضعف الروايتين سنداً ودلالةً؛ لاشتمالهما على لفظ «يصلح» وعلى نفي البأس، وكلٌّ منهما غير صريح في التحريم، واشتمالهما على المفهوم الضعيف الذي لا يصلح لمقابلة المنطوق الصريح المعتضد بالمرجحات العديدة والأصول والقواعد الدالة على الجواز، ومع ذلك فالاحتياط غير خفي.


1) وسائل الشيعة 19 : 127، الباب 21 من أبواب كتاب الإجارة، ح 2.

2) المصدر : 129، الباب 22 من أبواب كتاب الإجارة، ح 2.

3) المصدر : 125، الباب 20 من أبواب كتاب الإجارة، ذيل الحديث 2 و 3.

4) غنية النزوع 1 : 286 - 287.

5) وسائل الشيعة 19 : 127 ، الباب 21 من أبواب كتاب الإجارة، ح 3 و 4.

6) المصدر : 129، الباب 22 من أبواب كتاب الإجارة، ح 2.

7) رياض المسائل 9: 390 .

خاتمة في التنازع والاختلاف

لو اختلفا في أصل المزارعة وعدمها، كان القول قول منكرها.

ولو اختلفا في المدة قصراً أو طولاً، كان القول قول منكر الزيادة، إلا أن يدعي نقصانها عن أمد الزرع عادةً، فلا يبعد حينئذٍ تقديم قول مدّعي الزيادة إلى ذلك الأمد؛ لموافقته للظاهر.

ولو اختلفا في قدر الحصة، فالقول قول صاحب البذر؛ لأصالة تبعية النماء له، فمدعي الزيادة عليه البينة.

ولو تعارضت البينتان، قدمت بينة الخارج على الأظهر.

واحتمال القرعة - كما احتمله بعضهم (1)- بعيد؛ لأنّها لكلّ أمرٍ مشكل ولا إشكال.

ولو اخلتفا فقال المالك: إنّها في يدك مزارعة، وقال العامل: هي وديعة، فالقول قول العامل.

وكذا لو قال العامل: إنّها عارية ولم يكن متصرفاً بها، مع احتمال التداعي، فيحلف كلّ منهما للآخر، وتعود الأرض لصاحبها.

وهل للمالك تغريمه أجرة مثلها؛ لفوات المنفعة عليه وهي في يده وإن لم يتصرف؛ لأصالة ضمان منفعة مال الغير لمن استولت يده عليها وإن لم ينتفع بها، أو ليس له تغريمه؛ لأصالة البراءة من ضمان المنفعة الفائتة من دون تصرّفٍ، وللشكّ في شمول عموم «على اليد ما أخذت» (2)وللشك في تحقق الأخذ في هذه الصورة؟ وجهان، ولا يبعد الأول.

ولو اختلفا بعد التصرف في الأرض، كانا متداعيين، فيحلف كلٌّ منهما على نفي ما يدعيه الآخر، وتعود الأرض إلى المالك والزرع إلى العامل ويغرم العامل أجرة المثل للمالك إن كانت مساويةً لما يدعيه من الحصة أو المسمّى لو كانت الأرض مستأجرة أو أقل، وإن كانت أُجرة المثل أكثر غرم قدر الحصة أو المسمّى التي يدعيها المالك لا غير؛ لاعترافه بأنه لا يستحق سوى ذلك.

واحتمال القرعة هنا ضعيف جداً؛ لأنه ليس من الأمر المشكل.

ولو أقاما بيّنتين أخذنا بالراجح منهما، فإن تساويا فالقرعة.


1) راجع مفتاح الكرامة 7 : 340 .

2) راجع ص 102 ، الهامش (1) .

وأورد بعضهم (1)على الحكم بثبوت أقل الأمرين فيما لو كانت الحصة أقل: بأن الإقرار إنما يؤخذ به فيما لو كانت الدعوى مسموعةٌ ، والمفروض بطلان كل من الدعويين، فتبطل دعوى المالك، فيبطل إقراره بالحصة فتثبت أُجرة المثل مطلقاً.

ولا يخفى ضعفه؛ لأن بطلان الدعوى وعدم سماعها في حق الغير لا ينافي إلزامه بما تضمنته من الإقرار.

وذكر بعضهم هنا أنّ يمين الزارع لا فائدة لها بعد يمين المالك؛ لأن الزارع لو اعترف بما يدعيه لم يكن له أزيد من أقل الأمرين، وفائدة اليمين أنه لو لم يحلف لأقر أو نكل فيثبت عليه الحق.

نعم، لو كان ما يدعيه أزيد من أُجرة المثل، اتجهت فائدة يمين الزارع؛ لأنها تنفي الزائد مما يدعيه المالك على الأجرة (2). وهو حسن.

وقد يقال هنا: إنّ القول قول الزارع؛ لأصالة براءة ذمته من غير ما يدعيه المالك، وما يدعيه المالك قد سقط بيمين الزارع وليس للمالك استحقاق في غير ما يدعيه، وحينئذ فلا يحتاج إلى التحالف، بل يكفي يمين الزارع على نفي الحصة.

وفيه: أنّ ادّعاء العامل العارية إنّما هو لرفع الغرامة اللاحقة له من استيفاء منفعة مال الغير الذي حكم الشارع بضمانه إذا صدر من دون إذن المالك، وحينئذ فلو انتفت دعواه بيمين المالك لزم عليه دفع العوض؛ لصدور التصرف منه بغير إذن.

وعلى ما اخترناه فيبقى الزرع بعد التحالف ثابتاً في الأرض إلى أوانه بأجرة؛ لأنه قد وضع في الأرض بحق على كلا الدعويين، إلا إذا كانت دعوى الزراعة إلى أمد لم ينقص عن المعتاد وقد انتهى أمده، ففيه وجهان:

واحتمال أن للمالك قلعه بعد التحالف؛ لانفساخ كلٍ من العقدين اللذين يدعيانهما بيمين كل منهما على نفي ما يدعيه الآخر، فيبقى الزرع بعد ذلك لا حق له في الأرض، فللمالك


1) البحراني في الحدائق الناضرة 21 : 329.

2) الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 31.

قلعه، بعيد؛ لمنع الانفساخ الواقعي أولاً، وتسليمه ومنع كونه مما يزيل الحق الثابت من الوضع ابتداءً واستدامة ثانياً.

ولو اختلفا فقال العامل إنّ الأرض إعارة، وقال المالك: هي غصب، فالقول قوله؛ لأصالة عدم العارية، فيحلف المالك على نفي الإعارة فيأخذ من العامل أجرة المثل لما فات وأرش النقص للأرض لو كان وله قلع الزرع من دون أرش، وله طلب الأجرة مع الإبقاء.

واحتمال أن القول قول العامل في نفي الغصب بعيد جداً.

كتاب المساقاة

كتاب المساقاة

حقيقة المساقاة شرعاً وافتقارها إلى صيغة صريحة في الإيجاب والقبول

وهي مفاعلة من السقي، وتتحقق فيها المشاركة باعتبار صدور الفعل من أحدهما والطلب من الآخر تنزيلاً للطلب منزلة الفعل.

واشتهرت صيغة المساقاة دون باقي أعمال العامل؛ لأنّها الركن الأعظم من أعمال العامل الذي يستحق بسببه العوض، سيّما في بلد الحجاز وشبهه.

وحقيقتها شرعاً - بناءً على كونها لها حقيقة شرعيّة، أو على لسان المتشرعة، كما هو الأقرب؛ لعدم تداول هذا اللفظ في الأخبار الخاصة - هي المعاملة على الأصول النابتة الثابتة بحصة من ثمرتها، فيملك صاحب الأصول على العامل العمل، ويملك العامل عليه أن يعمل ويملك الحصّة بعد ظهورها ويملك أن يملك قبله، أو العقد الدال على ذلك أو مشتركاً بينهما.

ويخرج بالأصول المعاملة على الأرض أو المال، وبالنابتة الثابتة ما لم ينبت أو ينبت ولا يثبت عادة كالخضروات والبقول وبالحصّة من ثمرتها الإجارة لذلك بشيءٍ معلوم.

ويتولّى إيجابها العامل وقبولها مالك الأصول، والعكس لا بأس به على الظاهر.

ومشروعيتها ثابتة بالإجماع وعمومات الكتاب (1)والسنة (2)، وخصوص الأخبار الخاصة الواردة في إعطاء رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) خيبر بالنصف أرضها ونخلها (3)، وصحيح يعقوب بن شعيب:


1) المائدة (5) : 1: النساء (4) : 29 .

2) وسائل الشيعة 19 : 44. الباب 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة.

3) المصدر : 40 - 42. الباب 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 1، 2، 8.

عن الرجل يعطي الرجل أرضه وفيها الرمان والنخل والفاكهة ويقول: اسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما خرج قال: «لا بأس» (1)إلى غير ذلك.

وتفتقر إلى صيغة لفظية صريحة في الإيجاب والقبول على وجه الحقيقة أو المجاز المشهور أو غير المشهور، أو المشترك اللفظي أو المعنوي مع القرينة المعينة، ويشترط في غير المجاز المشهور كونه قريباً متداولاً غير منكورٍ في الاستعمال، فلا يصح بلفظ «الإجارة» لبعدها عن الاستعمال في المساقاة، مع احتمال جواز ذلك؛ لتقارب معناهما ووجود العلاقة.

ولا بد من فعليّة الصيغة وماضويتها وقصد الإنشاء بها وترتيبها، وعدم الفصل الطويل بين إيجابها وقبولها، وعربيتها للعربي مع الإمكان. وما ورد مما ظاهره وقوع الإيجاب بلفظ الأمر (2)محمول على أنّه من الكلام المتقدم على صدور الصيغة، لا أنه هو الصيغة نفسها.

وتكفي للأخرس الإشارة، وكذا غيره ممن لا يمكنه النطق، والأحوط التوكيل.

واكتفى بعضهم بالقبول الفعلي (3)، وهو بعيد.

ويصح الإيجاب بلفظ «ساقيتك» وهو الصريح بوضعه.

وفي صحتها مع عدم انضمام عمل السقي إلى الأعمال الأُخر إشكال.

والظاهر جواز استعمالها فيما يسقى من الأرض أو من السماء لنفسه.

ويصح بلفظ «عاملتك» و «عقدت معك عقد المساقاة» و «سلّمت إليك هذه الأصول» ونحو ذلك، ولكن بشرط انضمام القرينة المعينة.

ويصح القبول بكلّ لفظ يدلّ على ذلك صريحاً كـ «قبلت» و «رضيت» أو كناية مع القرينة كـ «تسلّمت» و «قبضت» و «أخذت».

وعقدها من العقود اللازمة للأصل والإجماع، فلا ينفسخ إلا بالتقايل أو بأحد أسباب الانفساخ، ولا تنفسخ بموت أحدهما، كما سيجيء (4)، كما سيجيء إن شاء الله .

ويصح فيها اشتراط الخيار، ويقع فيها خيار الغبن والعيب والوصف، ويلزم فيها الشرط


1) وسائل الشيعة 19 : 44، الباب 9 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2.

2) المصدر : 44. الباب 9 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2.

3) الحدائق الناضرة 353:21.

4) سيأتي في ص 377 و 395 وما بعدهما.

السائغ ويجبر المشروط عليه عليه، ويتسلّط المشترط على الخيار، فإن فسخ قبل ظهور الثمرة فلا شيء للعامل في وجه قوي، ويحتمل أن له أجرة المثل، وإن فسخ بعد الظهور احتمل عود الحصة إلى مالك الأصول، وللعامل حينئذ أُجرة المثل، واحتمل بقاء ملكه لها فيكون شريكاً.

ويشترط في المتعاقدين ما يشترط فيهما في العقود اللازمة من البلوغ والعقل والرشد.

ويشترط في العوضين القدرة على التسليم، وكونهما ممّا يتموّل، وكونهما مما لم يكن حراماً عمله أو العمل به، وكونهما مملوكين بالأصالة أو الولاية أو بالفضولية مع الإجازة.

ويشترط تنجيز عقدها، فلا يصح فيه التعليق، وكونه معيّناً، وكون العوضين معينين فلا يصح الترديد بين أصلين أو بين عملين، أو بين أصلين وعملين على التقديرين، أو ردّد بين الحصتين على تقديرين كما يقول: «إن سقيته سيحاً فلك النصف وإن سقيته بالنواضح فثلثان» وقياسه على الإجارة باطل؛ لبطلان القياس والمقيس عليه.

وهنا أُمور:

أحدها: إذا مات أحد المتساقيين أو كلاهما لم تبطل المساقاة، خلافاً لمن أبطلها بذلك

أحدها: إذا مات أحد المتساقيين أو كلاهما لم تبطل المساقاة، خلافاً لمن أبطلها بذلك (1)قياساً على الإجارة، وهو على ما لا نقول به في المقيس عليه. ويرده الإجماع بقسميه (2)وعموم الأدلة، إلا إذا اشترط المالك على العامل العمل بنفسه فإنه ينفسخ بموته قطعاً.

فإن كان قبل ظهور الثمرة فلا شيء لورثته.

واحتمال ثبوت أجرة المثل قوي جداً.

وإن كان بعد ظهور الثمرة، صار ورثة العامل شركاء للمالك؛ لثبوت ملك العامل للحصة والأصل بقاؤها.

واحتمال أن ملك العامل مشروط استقراره بتمام العمل، فما لم يتم العمل فينفسخ ملك العامل بعيد عن القواعد وعن ظواهر الفتاوى .

وإن مات المالك بقي العامل على عمله وإن مات العامل - ولم تشترط عليه المباشرة - أُخذ من تركته ما يستأجر به لإتمام العمل.


1) الشيخ الطوسي في المبسوط 3 : 216.

2) جامع المقاصد 7: 348.

ويتولّى ذلك الحاكم إن لم يكن له وصي، أو يؤخذ حصة من حصته فيساقي عليها شخص آخر، بناءً على جواز المساقاة لإتمام عمل العامل.

وإن لم يتمكن من الحاكم، استأجر شخصاً بنية الرجوع على ماله، ويقدم إخراج ذلك على حق الوارث.

ولو لم يتمكن المالك من الرجوع إلى التركة كان له الخيار في الفسخ، فإن فسخ قبل ظهور شيءٍ لم يكن لورثة العامل شيء، مع احتمال أن لهم أجرة مثل عمل مورّثهم.

وإن كان بعده، احتمل كون الفسخ من أصله، فلهم أجرة المثل، وكونه من حينه فهم شركاء.

والأظهر أنّ للمالك الإنفاق على تمام العمل، والرجوع على الحصة بعد ذلك.

وليس للمالك جبر الورثة على إتمام عمل مورّثهم؛ لأن الوارث يرث ما للميت لا ما كان عليه.

نعم، له حق في ماله فيتبعه حيث كان.

ولو مات العامل المشروط عليه المباشرة بنفسه في أثناء المدة وقد ظهر بعض الثمرة دون بعض، انفسخ العقد قطعاً، وسقط من حصة العامل قدر مثل أجرة العمل الباقي.

ويحتمل النظر في القدر الباقي ونسبته إلى مجموع العمل باعتبار الكم والنفع وإسقاط بعض من الحصّة نسبته إليها كنسبة الفائت من العمل إلى مجموع العمل.

ثانيها: في أنّ المساقاة على خلاف الأصل

ثانيها: المساقاة على خلاف الأصل؛ لاشتمالها على نقل حصة عن صاحب الأصل، والأصل تبعيّة النماء له ولاشتمالها على الجهالة فى الحصة والغرر، واحتمال ظهورها وعدمه، وهو أيضاً غرر وضرر، فلا نحكم بصحة ما شككنا في جواز المساقاة عليه وعدمه إلا بدليل من إطلاق أو عموم، وليس في أخبار المساقاة إطلاق أو عموم يشمل كلّ فردٍ مشكوك به، وعمومات «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)و « تِجارَةٌ عَنْ تَراضٍ» (2)و «المؤمنون عند شروطهم» (3)و «الناس مسلّطون على أموالهم» (4)، لا يصح التمسك بها في الفرد المشكوك به من دون أن


1) المائدة (5) : 1.

2) النساء (4) : 29 .

3) راجع ص 34، الهامش (2).

4) راجع ص 117، الهامش (5).

ينضم إليها قرينة أُخرى من شهرةٍ أو إجماع منقول أو قاعدة تقوى دلالتها عليه؛ لصيرورة هذه العمومات مجملةً أو كالمجملة.

وعلى ما ذكرناه فالقدر المتيقن من دليل المساقاة كونها على الأصول عرفاً، فلا تصح على زرع أو نوى تمر، وكونها ثابتةٌ في الأرض، فلا تصح على ودي (1)غير ثابت ونوى كذلك أو أصول مطروحة عليها، وكونها ثابتة عادة ينتفع بثمرها مع بقائها زماناً يعتد به، فلا تصح على الخضروات وإن بقي أصله لأخذ لقطةٍ منه ولقطات ولا على الباذنجان ولا على القطن وإن كان لأصلهما بقاء في الجملة، ولا على البقول وإن أخذ منها جزة وجزات، ولو ساقاه على ما ينبت بعد العقد بطلت المساقاة، وكونها ذات ثمر عرفاً قد اتخذ للأكل أو غيره، كورق الحنّاء أو التوت الذكر، وكذا ذكر النخل للقاح به أو شجر الورد المقصود منه الزهو إذا كان أصله ممّا يدوم كلّ ذلك تنقيحاً للعلة، ولما روي مرسلاً (2)، ولظاهر الأخبار الواردة في مساقاة أهل خيبر فيما يخرج من الشجر (3)، وهو عام لكلّ ذلك، ولاستبعاد عدم اشتمال أشجار أهل خيبر على جميع ما ذكرناه، بل ربما يدعى دخول ما يقصد غصنه أو يقصد أطرافه للانتفاع به لوقود النار وشبهه؛ لبعض ما ذكرناه.

والتفصيل بين المساقاة على كثير من ذلك ابتداءً منفرداً فلا تصح، وبين المساقاة عليها منضمةً وتبعاً فتصح وجه لا يخلو من قوة.

وكونها على الثمرة قبل ظهورها أو بعد ظهورها بشرط أن يبقى للعامل عمل به تستزاد الثمرة، فلا تصح عليها بعد ظهورها مع عدم بقاء عمل به تحصل زيادتها وإن بقي عمل يحصل به حفظها وحراستها.

والمنع من المساقاة بعد الظهور مع بقاء عمل تستزاد به الثمرة ضعيف جداً، مخالف للمشهور بل وللسيرة، ولأنه لو جازت المساقاة مع عدم ظهورها المشتمل على الغرر فمع الظهور أولى بالجواز.


1) الودي : فسيل النخل وصغاره. لسان العرب 15 : 386، «ودي».

2) راجع مسالك الأفهام 42:5 .

3) وسائل الشيعة 19 : 45، الباب 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2؛ مستدرك الوسائل 13 : 464 - 465، الباب 6 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 1، 5.

ولا تصح المساقاة ابتداءً على عمل لا تنمو به الثمرة ولا تستزاد، سواء قصد به الحفظ أو الحراسة أو غيرهما مما يمنعها من الآفات الأرضيّة، وأما ما يمنعها من الآفات السماوية كالبرد والأهوية ففي جواز المساقاة عليها فقط وجهان.

وتصح المساقاة على هذه الأعمال تبعاً لما يستزاد به الثمرة من غير إشكال.

ثالثها: في أنه يشترط في المساقاة مقابلة الحصة بعمل تحصل به زيادة الثمرة

ثالثها: يشترط في المساقاة مقابلة الحصة بعمل تحصل به زيادة الثمرة، سواء عمل بنفسه أو بغلامه أو بأجيره أو بمن التمسه عليه أو بعوامله أو بعوامل غيره.

ثم إنهما إن عيّنا العمل تعين على العامل، وجاز للمالك جبره عليه، وإن عينا بشرط تعين أيضاً، وجاز للمالك جبره، فإن لم يمكن كان له الخيار بين الفسخ وبين الإمضاء، فإن فسخ قبل ظهور الثمرة فلا شيء للعامل، ويقوى ثبوت أجرة المثل لعمله السابق.

وإن كان بعده ففي بقاء ملكه للحصة فيكون شريكاً، أو عدمه فيثبت له أجرة المثل وجهان ينشآن: من أنّ الفسخ جاء من قبل المالك، فلا يسقط احترام عمل العامل، ومن أنّ الفسخ أصالةً من قبل العامل؛ لتفويته الشرط.

وإن لم يعيّنا العمل، فإن كان هنالك إطلاق ينصرف إليه جنس العمل وقدره بالنسبة إلى العرف العام أو الخاص في خصوص تلك البلدة لزم اتباعه وجبر العامل عليه، وإلا لزم البيان حذراً من الجهالة.

ولو قضى العرف بتميّز ما على المالك وما على العامل فشرط المالك جميع ما عليه أو بعضه على العامل وكان معلوماً صح، وإن كان مجهولاً فسد العقد، كما لو شرط الخراج على العامل وكان معتاداً، ولو لم يكن معتاداً بحيث تعتريه الزيادة والنقصان كان شرطاً فاسداً، ولو عين له الخراج فزاد كانت الزيادة على المالك، إلا في وجه ضعيف تقدم في كتاب المزارعة (1).

ولو شرط العامل على المالك بعض ما عليه من العمل أو الآلات التي تلزمه للعمل عرفاً والعوامل صح الشرط؛ لعموم أدلته.

ولا يصح اشتراط جميع العمل عليه بحيث يخلو العامل عن العمل؛ لمنافاته لعقد المساقاة من مقابلة الحصّة بالعمل.


1) تقدم في ص 359 وما بعدها.

ولو كان من العامل العوامل فقط ومن المالك الأصول والعمل، ففي صحة المساقاة وجه، ولا يبعد عدم الصحة.

والذي يقتضيه العرف أنّ مع إطلاق المساقاة يجب على العامل كلّ ما له مدخلية في نماء الثمرة من الحرث تحت الأشجار والبقر الحارثة عيناً منه أو منفعة فقط، وآلات الحرث عينها منه أو منفعتها فقط من خشبة وسكة ومسحاة ومن السقي تحت الأشجار وإصلاح طرق السقي والأجاجين وفتح رأس الساقية وسدّها وتنقية الآبار والأنهار، واحتمال أنهما على المالك أو لا بد من بيانهما بعيد، ورفع غصون الكرم، وقطع رؤوس الأغصان المضرّة، وإظهار الثمرة للشمس، وتعديلها بين الغصون وتستير ما يضرّ إظهاره للشمس بحشيش ومثله واللقاط والجذاذ، وقطع ما يضر بقاؤه، وقص كلّ نوع بوقته، إلى غير ذلك، ويلزم على المالك الجدار والحائط وعمل ما يستسقى به من دولاب أو دالية.

وبالجملة، يلزم على المالك كلّ ما بني على الدوام والبقاء في سنين متعدّدة ولا يخص سنة واحدة أو زرع واحد فهو على المالك وإن عرض له التكرار في بعض الأحوال.

وهل للعامل إلزام المالك بما يلزمه ممّا يقتضيه العقد ؟ وجهان، ولا يبعد ذلك؛ قضاءً لحق لزوم العقد.

وألزم جماعة من أصحابنا (1)آلات السقي والدلاء والنواضح على المالك، وهو حسن، إلا أن الأظهر لزومها على العامل، كما اختاره الحلي (رحمه الله) (2).

وأما الكُش (3)للتنقيح والبقر التي تدير الدولاب والتسميد للأرض ونحو ذلك فإن اقتضى العرف لزومه على أحدهما اتبع، وإلا لزم البيان.

واحتمال كون كلّه على المالك كاحتمال كون كلّه على العامل؛ لكونه مقدمةً لعمله بعيدان.

ولو شرط العامل أن يعمل معه غلام المالك صح، وكذا لو شرط أن يعمل في ملكه خاصة أو شرط خدمته له؛ لعدم المانع، ونفقته حينئذٍ على مولاه، فإن اشترطها على العامل أو من الثمرة جاز بشرط تعيينها إن لم تكن معروفة بحسب العادة.


1) منهم الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 400.

2) السرائر 2 : 451.

3) الكُش : ما يُلقح به النخل لسان العرب 6 : 342، «ك ش ش».

ولو شرط العامل أنّ إجارة الأُجراء الذين يستعين بهم في بعض العمل لا في كلّه على المالك، صح مع تعيين الأجرة.

ولو شرط كونها عليهما، صح أيضاً ، وإن لم يشترط كانت على العامل.

ولو شرط العامل أن يستأجر لأعماله جميعاً من مال المالك، احتملت الصحة؛ لأنه نوع عمل يحصل بسببه نماء الثمرة ولو بوسائط.

والأقوى الفساد، للشك في دخول هذا القسم في أعمالها التي توجب انتقال الحصة إليه.

رابعها: في أنه يشترط في عقد المساقاة ذكر المدة المعلومة

رابعها: يشترط في عقد المساقاة ذكر المدة المعلومة المحروسة عن احتمال الزيادة والنقصان، فلا يصح تأجيلها بقدوم الحاج ولا بإدراك الغلة ولو كانت هي المساقى عليها، كما هو المشهور فتوى والموافق للقواعد المانعة من الغرر في العقود، وأن المساقاة مخالفة للأصل، فيقتصر فيها على مورد اليقين.

وربما قيل بجواز التأجيل إلى إدراك نفس الغلة الواقع عليها العقد؛ لكونها بمنزلة المعلوم عرفاً، ولأنّ المقصود من عقد المساقاة هو العمل إلى إدراكها وإكمالها، ولإطلاق الصحيح : فيمن قال: اسق هذه واعمره ولك نصف ما خرج قال: «لا بأس» (1).

وهو قوي، إلا أنه مخالف لإطلاق فتوى المشهور، فلا بد من حمل الرواية على مجرد بیان حكم المساقاة في الجملة، لا بيان المساقاة الصحيحة، وإلا لذكر كل شرائطها أو جُلّها، والمفروض عدمه.

ولو خلا عقد المساقاة عن ذكر المدّة مطلقاً وعن كونها نفس إدراك الغلّة، فلا شكّ في البطلان؛ للغرر الواضح؛ إذ لا معنى للزومها دائماً، ولا لأجل لا بعينه، ولا لأجل معين؛ للزوم الترجيح من دون مرجّح.

ثم إنه مع ذكر المدة لا بد من كونها ممّا يمكن حصول الثمرة فيها غالباً بحسب العادة أو الظنّ الغالب، فلا يصح ابتناء العقد على مدّةٍ قصيرة لا يحصل الظن بحصول الثمرة فيها، وتبطل المساقاة على الأظهر ؛ لعدم وضع عقد المساقاة على ذلك، ولأن الأصل فساد هذه


1) وسائل الشيعة 19 : 44، الباب 9 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 2.

المعاملة في غير ما أخرجه الدليل، ولأنّ أحد ركني هذه المعاملة هو الحصة، فما لم تسلم يسلم العوض، مع احتمال الصحة؛ لإمكان التراضي على الاستمرار بعد ذلك، ولكنه بعيد.

وتثبت للعامل أجرة المثل مع الحكم بالفساد، وهو مع الجهل لا إشكال فيه، ومع العلم لا يخلو من إشكال.

ولو ساقاه في مدةٍ طويلة يعلم حصول الثمرة قبل انتهائها، جاز.

ولا يشترط كون المساقاة لسنة واحدة، فلو ساقاه على سنين متعددة وثمرات متجددة، جاز وإن بلغت المدة العمر الطبيعي.

ولو قدر المدة بما تحصل به الثمرة غالباً فاتفق عدم حصولها فيه رأساً وأصلاً، انفسخ العقد بانتهاء مدته، ولا شيء للعامل حينئذ ؛ لقدومه على العمل مدة خاصة على عوض قد تحصل فيها وقد لا تحصل، فما لم يحصل شيء فلا شيء، كما إذا تلفت الثمار كلّها، أو أكلها الجراد أو غصبها غاصب.

ولا فرق بين ظهور الثمرة بعد ذلك وبين عدمه، وبين كون ظهورها بسبب عمله أو بنفسه، مع احتمال أنّ ظهورها بعد المدة لو كان بسبب عمله استحق الحصة؛ لأن تقدير المدة إنما كان للعمل لا لملك الحصة فيه، فيمكن أن يتأخر الملك.

نعم، لو ساقاه في مدة على أنّ نماء تلك المدّة بينهما، لم يكن لملك الحصة وجه.

وإن ظهرت الثمرة في المدّة، فله نصيبه منها قطعاً.

وهل يلزمه العمل بعد المدة إلى بلوغ غايته، يحتمل ذلك؛ لأنّ الحصّة من الثمرة في مقابل العمل إلى زمان بلوغ الثمرة، وتقدير المدة إنما كان باعتبار الغالب، فمع التخلّف لو ملك الحصة من دون العمل لزم تملك أحد العوضين بدون الآخر، ولأنّ المساقاة لو انفسخت قبل إكمال العمل لزم إتمامه، فكذا ها هنا.

ويحتمل عدم اللزوم؛ للأصل، ولأنّ فائدة المدة هو عدم تعلّق الحكم الثابت فيها في المدة الواقعة بعدها، ولأنّ المعاوضة تنفسخ بتلف أحد العوضين، وحينئذ لو انفسخت المساقاة بانتهاء المدة أو بتلف الثمار فقد تلف عوض عمل العامل، فلا يبقى العمل لازماً من غير عوض في مقابله، وهو قوي إلا أن الأول أقوى.

خامسها: اشتراط كون العوض في المساقاة حصّةً من النماء دون شيءٍ آخر خارجي

خامسها: يشترط كون العوض في المساقاة حصةً من النماء دون شيءٍ آخر خارجي.

ويشترط ذكر الحصّة؛ لأنّها عوض عمل العامل فيبطل بدون ذكرها العقد، ويثبت للعامل أُجرة المثل مع الجهل من غير إشكال، ومع العلم على إشكال.

ويشترط كونها بينهما، فلو شرط جميعها العامل لنفسه لم يكن له سوى أجرة المثل، وجميعها للمالك، ولو شرط جميعها المالك لنفسه، كانت له.

وهل للعامل أُجرة المثل؛ لاحترام عمله، وصدوره منه على وجه التبرع إنما كان على وجه خاص، وهو أنّه مملوك عليه بعقد المساقاة ولم يسلم ذلك الوجه الخاص فلا يكون متبرعاً، أو ليس له؛ لإقدامه على أن لا حصّة له وأن عمله لا مقابل له فهو تبرع منه بالعمل ولم يأخذ عقد المساقاة قيداً في التبرع فلا يستحق شيئاً؟

ويحتمل الفرق بين العالم بالفساد فلا شيء له، وبين الجاهل فله أُجرة المثل.

ولو شرط عليه المالك في عقد المساقاة أن لا شيء له لا من الحصة ولا من غيرها، فالظاهر أنه لا إشكال بأنه لا يستحق حينئذ شيئاً حتى أجرة المثل.

ويشترط العلم بقدر ما للعامل من الكسور، كالنصف والثلث؛ دفعاً للضرر المنهي عنه (1)، وأن يكون مما يعرفه المتعاقدان حين العقد، فلو افتقر إلى حساب وسؤال بعد ذلك بطل.

ويشترط أن لا يكون مردّداً فيه ولو على تقديرين، وما ورد في الإجارة (2)إن قلنا به فهو مقصور عليها.

ويشترط أن يكون ممّا يتموّل، وأن يكون مقدوراً على تسليمه، وأن يكون مشاعاً بينهما، فلو عينا لأحدهما شيئاً معيناً والباقي بينهما أو الباقي للآخر، أو عين كلٌّ منهما شيئاً معيناً والباقي بينهما فسد العقد، سواء كانت الثمرة ظاهرةً أم مستورةً، وكذا لو عينا لأحدهما ثمرةً نخلات وللآخر ثمرة نخلات أُخَر، أو لأحدهما ثمرة صنف وللآخر ثمرة صنفٍ آخر.

ولو فاءت في الحصة المشاعة بين النوعين أو الصنفين أو الفردين، لم يكن به بأس.

ولو جعلا شيئاً معيناً من الثمرة لأحدهما شرطاً لا ركناً في العقد، فالظاهر أيضاً عدم


1) راجع ص 110، الهامش (7) .

2) راجع وسائل الشيعة 19 : 111، الباب 8 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

الصحة؛ لمنافاته لوضع المساقاة، ولأنه خلاف المعهود من الأخبار القاضية بمشروعيتها كأخبار خيبر ونحوها (1).

وهل يشترط في النماء إشاعة جميع ما وقع عليه عقد المساقاة بحيث إنّ كلّ ما ساقی عليه المالك يكون نماؤه مشتركاً، أو يكفي الاشتراك في نماء بعض الأصول وإطلاق الباقي للمالك أو العامل فيقول: ساقيتك على هذا النخل على أنّ لك الثلث في هذا النوع أو هذا الفرد والباقي كله لي أو كله لك، أو على هذا البستان على أن يكون لك نماء شجرة دون نخلة أو نصف نماء نخلة في الجانب الغربي دون الشرقي؟ وجهان ينشآن: من عموم الأدلّة، ومن لزوم الاقتصار على مورد اليقين، والأوجه الأخير.

ولا يتفاوت الحال بين أخذ ذلك شرطاً أو ركناً بعد فرض وقوع عقد المساقاة على الجميع.

نعم، لو ساقاه على شيء معين بنصف نمائه مثلاً واشترط عليه أن يسقي له نخلاً آخر أو شجراً آخر صح.

وكذا لو شرط العامل على المالك نماء شجرٍ آخر ونخلٍ آخر على أنه يكون للعامل في عقد المساقاة فلا بأس به؛ لعموم دليل الشروط (2)من دون معارض حينئذ.

ولو أطلق النصف أو الثلث للعامل وسكت عن المالك فلا بأس؛ لكون الباقي نماء ملكه فهو له.

ولو عكس فإشكال، ينشأ من أن الغرض بيان ما للعامل، وليس في ذكر ما للمالك دلالة؛ لأن الأصل كون الجميع له.

والأظهر الصحة، وانصراف الباقي للعامل عرفاً.

ويشترط في الحصة كونها كسراً معلوماً ، فلا يصح جعلها قسطاً أو نصيباً وشبههما.

ويشترط أن تكون إشاعته كإشاعة الكلّي في الكلّي على جهة الاشتراك فلا تكفي إشاعة الكلّي في قدرٍ معيّن بحيث يكون لأحدهما الباقي عند تلف شيء من الحصة؛ لمنافاة ذلك لوضع المساقاة.

ولو شرط العامل على المالك ملك شيءٍ من الأصول في عقد المساقاة، احتملت الصحة؛


1) وسائل الشيعة 19 : 40، الباب 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة.

2) راجع ص 77، الهامش (5).

لعموم دليل الشروط (1)، فيكون بمنزلة اشتراط أمر خارجي، واحتمل الفساد؛ لمنافاته لوضع عقد المساقاة المتلقى عن صاحب الشريعة، ولدخول الحصة في ملك العامل، فلا يكون عمله في ملك المالك، بل في ملكه وملك نفسه، وحينئذ فإيجاب عمل على العامل في ملك نفسه في عقد المعاوضة غير معقول.

ويمكن أن يقال: إن اشتراط الحصة من الأصول كالاستثناء من العمل بجميع المال المملوك وكالبيان لاستحقاقه البعض في مقابلة العمل في ملك المالك والبعض الآخر لتبعيته للملك الحاصل بالشرط في العقد اللازم.

والأظهر والأشهر المنع مطلقاً.

ويجوز للمالك أن يشترط على العامل مالاً مضافاً إلى عمله، كما يجوز العكس؛ لعموم أدلة الشروط (2)والعقود (3)، إلا أنه يكره اشتراط المالك على العامل شيئاً من ذهب أو فضة، وظاهرهم الاتفاق على الكراهة، ويكفي فيها فتوى المشهور؛ للتسامح بأدلة السنن، ويلزم الوفاء على العامل بالشرط ما لم تتلف الثمرة بعد ظهورها قبل قبض العامل لها أو لم تخرج أصلاً فلا شيء للمالك، وظاهرهم الاتفاق على هذا الحكم وإن أمكن فيه المناقشة، فلا يجوز التعدي عنه.

وقد يؤيَّد أيضاً بأنه مع تلف أحد العوضين تبطل المعاوضة، فيُبطل الشرط المشتملة عليه، وبأنّه لولا ذلك لكان أكل المال بالباطل؛ لخلق عمل العامل عن العوض، فإلزامه بشيء آخر علاوةً على عمله ظلم، فلا أقل من خروجه رأساً برأس، وبأنه لو أخذ منه شيئاً بعد تلف عوض عمله كان من الضرر المنفي عقلاً وشرعاً (4)، بل من السفه في عقود المعاوضات، وبأنه بمنزلة الشرط الضمني وإن كان هو حكماً شرعياً، وهو جيد.

وجميع هذه العلل غير جاريةٍ في اشتراط العامل على المالك شيئاً فيتلف النماء؛ وذلك لحصول العمل من العامل في مقابلة شرط المالك فلا يخلو دفعه للمشروط عن مقابل.


1) راجع ص 77، الهامش (5).

2) راجع ص 77، الهامش (5).

3) المائدة (5) : 1.

4) راجع ص 110، الهامش (7)، وص 114، الهامش (1) .

ولو تلف من النماء بعض ، فهل يسقط من الشرط بنسبته؛ لمقابلة الأجزاء بالأجزاء حيث قوبلت الجملة بالجملة، أم لا يسقط شيء؛ للأصل، ولأنّ المعتبر حصول عوض العمل في الجملة ولا اعتبار بكثرته وقلته، ومن ثَمَّ لا يسقط من العمل شيء بتلف بعض الثمرة كثيراً أو قليلاً؟ وجهان، ولا يبعد الأخير حيث لا يكون الباقي من الثمرة يوازي العمل ولا يصلح لمقابلته؛ لقلته جداً، بناءً على انسحاب علّة السقوط في صورة تلف الثمرة بأجمعها هنا، إلّا أنّها لا تخلو من مناقشة من أصلها، وكأنّ العمدة في السقوط هو الإجماع دونها، فعدم التسوية والرجوع لقواعد لزوم الوفاء بالعقود هو الأقوى.

ولو وقعت المساقاة على النصف وقلنا بصحتها لو تعيّن للعامل وبطلانها لو تعين للمالك فاختلفا لمن هو، فالقول قول مدعي الصحة؛ ولأنّ الظاهر أنّ المفتقر للبيان هو حصة العامل دون المالك.

وقد يناقش في الظهور وفي تقديم قول مدعي الصحة؛ لاستلزامه ثبوت حكم على آخر، والأصل عدمه، وحينئذ فيتحالفان.

ولو ساقاه على بستانين أحدهما بالنصف والآخر بالثلث، صح، وكذا لو ساقاه على بستان بعينه بالنصف على أن يساقيه على غيره بعينه بالثلث صح، وأجبر المشروط عليه على ذلك.

ومنع الشيخ (رحمه الله) ذلك ها هنا وفي البيع معلّلاً بلزوم الجهالة عند امتناع الشرط (1)لعدم العلم بالنسبة ضعيف؛ لسريانه لسائر الشروط ولا يلتزمه أحد.

ولو شرط الغاية كأن شرط أن يكون ساقياً في الآخر بالثلث، ففي صحته وجهان، ولا يبعد الصحة.

ويصح تعدد الملاك واستواؤهم في قدر الحصة وتفاوتهم فيها مع العلم بقدر ما لكلّ واحد منهم.

وكذا يصح تعدّد العُمّال مع استوائهم وتفاوتهم فيها مع العلم بقدر ما لكلّ واحدٍ منهم.

ويصح اشتراط تفاوت الحصة بتفاوت السنين إذا ساقاه على سنين عديدة.


1) المبسوط 3 : 211 - 212 .

ويصح أن يساقي أحد الشريكين صاحبه مع جعل زيادة له على ما يستحقه من النماء في المال المشترك.

ويصح أن يساقي أحد الشريكين على ماله دون الآخر إذا خشي الضرر بترك السقي، فإن استأذن منه فلم يأذن سقط حقه.

وهل للشريك الرجوع عليه بأجرة العمل في ماله إذا نوى الرجوع مطلقاً، أو ليس له مطلقاً، أو له مع إذن الحاكم؟ وجوه أوجهها: الوسط، وفي الأخير قوة.

سادسها: في أنه يملك العامل حصته من النماء عند ظهوره ملكاً تاماً

سادسها: يملك العامل حصته من النماء عند ظهوره ملكاً تاماً، لظاهر الفتاوى والنصوص (1)حيث إنّها جعلت للعامل الحصة من النماء في مقابلة عمله، ويصدق عليه أنه كذلك عند ظهوره، وإطلاق العقد يقضي بذلك أيضاً.

هذا إن كانت المساقاة قبل الظهور، ولو كانت بعده ملكها من حين العقد والظاهر أن الحكم إجماعي عندنا. وعليه فتجب الزكاة على العامل إذا بلغ ملكه نصاباً وكان العقد قبل ظهور الثمرة؛ لظهورها في ملكه، فتجب عليه الزكاة، ولو كان العقد بعد الظهور تعلّق الوجوب بالمالك وانتقلت الحصة إلى العامل خالية عن حكم الزكاة فلا تجب عليه.

خلافاً لما يظهر من بعض الأصحاب حيث منع من تعلّق الزكاة بحصة العامل؛ لأنّها كالأُجرة (2)، فإن أراد به الأخير فله وجه، وإن أراد ذلك مطلقاً كان خلاف ظاهر الأخبار وفتاوى الأصحاب.

وتعليله بأنّه كالأجرة عليل جداً؛ لأنّ الأُجرة لا يسقط عنها فرض الزكاة عند حصول الشرائط، إلا إذا تأخر ملكها عن زمن تعلّق الوجوب، كما إذا قلنا هنا بأن العامل يملك بعد بدو الصلاح والقسمة، وهو متأخر عن زمن تعلّق الوجوب، ولكنّه خلاف ظاهر الاتفاق.

وكيف كان، فلا زكاة على المالك بالنسبة إلى حصة العامل؛ لأنّها بمنزلة المؤونة المستثناة.


1) راجع وسائل الشيعة 19 : 25، الباب 8 من أبواب كتاب المضاربة.

2) غنية النزوع 1: 291.

بل لا يبعد أنه لا يحتسب النصاب إلا بعدها فينثلم بها، ولأنه لا يملكها، بل يملكها العامل وإن لم تجب زكاتها عليه.

سابعها: في أن نماء الأصول للمالك في كلّ موضع يفسد فيه عقد المساقاة

سابعها: كلّ موضع يفسد فيه عقد المساقاة يُحكم بكون نماء الأصول للمالك؛ لأنه نماء ملكه.

وأمّا العامل فإما أن يكون عالماً بالفساد أو جاهلاً به، وعلى كلا التقديرين فإما أن يشترط عليه أن لا حصّة له أو يشترط عليه أن لا شيء له أو يشترط له الحصة ويجيء الفساد من وجه آخر، وعلى الأخير فإما أن تكون أُجرة المثل مساوية لها أو أنقص أو أزيد. والأظهر في جميع ما ذكرناه ثبوت أجرة المثل للعامل؛ لاحترام عمله الصادر منه على وجه خاص غير متبرع به ولم يسلم له الوجه الخاص، فيرجع إلى أجرة المثل، سواء في ذلك حصول النماء من الأصول وعدم حصوله؛ أخذاً بموجب القواعد.

نعم، يتجه سقوط أُجرة المثل فيما لو قال له على أن لا شيء لك؛ لظهوره في التبرع، وربما يلحق به اشتراط عدم الحصّة أيضاً؛ لأنّها لا تخلو من ظهور في التبرع.

وألحق بعضهم العالم بالفساد بهما؛ لأنه لمكان علمه بعدم استحقاقه يكون كالمتبرع بعمله (1)، ويظهر منه نقل عدم الخلاف فيه.

وهو ممنوع؛ لمنع كون العلم بالفساد بمنزلة المتبرع؛ لما ترى أن أكثر العوام يقدمون على المعاوضة الفاسدة ليكتسبوا بها الأموال وينالوا بها الغنی.

ثم على تقدير ثبوت أُجرة المثل فإن كانت مساويةً للحصة المذكورة فلا كلام، وإن كانت أنقص، فليس للعامل سواها؛ لأنّه هو العوض المقدّر له عند فساد المعاوضة، وإن كانت أزيد، احتمل ردّ العامل إلى قدر الحصة؛ لإقدامه على الرضى بقدر الحصة والإعراض عمّا زاد عليها، فتكون أخذ الزيادة تجارةً عن غير تراض.

وفيه: أنّ إقدامه على الحصة إنّما كان على وجه خاص من حصول الملك والتمليك في العقد الخاص ولم يسلم له، وكذا إعراضه كان على وجه خاص ، فحيث لم يسلم له رجعنا


1) راجع الحدائق الناضرة 21 : 375.

فيه إلى القواعد، على أنه غير قادم على التبرع بالزائد مطلقاً؛ لاحتماله المساواة والزيادة في أغلب الأحوال، فلا يُحكم عليه بنفى الزائد مطلقاً، مضافاً إلى أن هذا الإقدام لو يحكم عليه بالتبرع فيه لحكم عليه بنفي الأجرة أصلاً عند عدم ظهور ثمرة أصلاً؛ لإقدامه على أن لا شيء له مع عدم الظهور، وهو باطل قطعاً.

ثامنها: في أنّ من العقود الباطلة المغارسة

ثامنها: من العقود الباطلة: المغارسة، وهي دفع المالك الأرض ليغرسها العامل على أن يكون الغرس بينهما.

ولا إشكال في بطلانها؛ للأصل، والشكّ في مشروعيتها وسببيتها للنقل والانتقال، ولأنّ العقود محصورة في كتب الفقه وليس منها، ولانصراف عمومات الأدلة - كـ « أَوْفُوا بِالعُقُودِ» (1)و « تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ » (2)و «المؤمنون عند شروطهم» (3)و «الناس مسلّطون على أموالهم» (4)- إلى النحو المعهود من العقد والتجارة والشرط؛ لأنّ التعريف فيها للعهد، أو لأن العموم فيها كالمجمل يؤخذ منه المقطوع به والمعهود منه، أو لأنه ضعيف الدلالة ما لم يقترن بجابر من شهرة أو إجماع منقول أو نحوها، لكثرة الخارج منه وقلة الداخل فيه، على أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على بطلانها، فلا يصغى لكلام بعض من استقرب مشروعيتها وصحة المعاملة عليها (5).

ومع البطلان فالأرض لصاحبها والغرس لصاحبه، فإن كان مالكهما مختلفاً وطلب كلٌّ منهما تخليص ملكه عن ملك الآخر كان له.

ولا يجوز لصاحب الغرس جبر صاحب الأرض على الإبقاء جاهلاً كان أو عالماً، بأجرة أو بدونها، تضرّر الغرس بالقلع أم لا، ولا لصاحب الأرض أن يجبره على الإبقاء بأجرةٍ أو بدونها، مع الجهل أو العلم، تضرّرت الأرض بالقلع أو لم تتضرر، ولا أن يجبره


1) المائدة (5) : 1.

2) النساء (4) : 29 .

3) راجع ص 34، الهامش (2).

4) راجع ص 117 ، الهامش (5).

5) راجع كفاية الفقه 1 : 645؛ والحدائق الناضرة 144:10.

على شرائه منه كلّ ذلك للأصل السليم عن المعارض.

ثم إن كان الغرس لصاحب الأرض، كان للعامل أُجرة المثل مع علمه أو جهله، ومع زيادة ما فرضاه على أُجرة المثل نقيصته عنها أو مساواته لها على الأقوى والأظهر؛ لاحترام عمله، وعدم إقدامه على وجه التبرع، بل على عوض لم يسلم له، فيرجع فيه على أُجرة المثل، وعليه أرش نقصان الأرض بالعمل في وجه قويّ؛ لأنه تصرف غير مأذون فيه إلا على وجه فاسد لم يسلم، فعليه ضمان الجناية مع احتمال العدم لصدور العمل منه بإذن المالك في الجملة فلا يستعقب ضماناً.

ويقوى ذلك فيما إذا كان المالك عالماً بالفساد؛ حيث إنّه يكون من قبيل الإذن القطعية التصرف بملكه فلا يترتب عليه ضمان.

وإن كان الغرس للعامل، فلا شيء له؛ لأنه عمل في ملكه، واحتمال أن له أجرة المثل؛ لصدوره بإذن المالك، ضعيف، وعليه أجرة مثل الأرض، زادت على الحصة المسماة أو نقصت وعليه أرش نقصان الأرض وطم الحفر، وللمالك قلعه عن أرضه مع دفع أرش نقصان الغرس؛ لأنه موضوع بإذن المالك في الجملة، فليس من العرق الظالم.

والمراد بالأرش ها هنا هو تفاوت ما بين قيمته في حالتيه على الوضع الذي هو عليه، وهو كونه حال غرسه باقياً بأجرةٍ ومستحقاً للقلع بالأرش، وكونه مقلوعاً؛ لأن ذلك هو المعقول من أرش النقصان، لا تفاوت ما بين قيمته قائماً مطلقاً ومقلوعاً؛ إذ لا حق له في القيام كذلك ليقوم بتلك الحالة ولا تفاوت ما بين كونه قائماً بأجرة ومقلوعاً؛ لأن استحقاقه للقلع بالأرش من جملة أوصافه، ولا تفاوت ما بين كونه قائماً مستحقاً للقلع بالأرش ومقلوعاً، لتخلّف وصف القيام بالأُجرة.

وما يتخيل من لزوم الدور في الوجه الأوّل؛ لأخذ الأرش في تعريف الأرش سهل في التعاريف اللفظية.

وحيث حكمنا ببطلان هذه المعاملة وأنّ كلّ ذي حقٍّ يأخذ حقه فلا يتفاوت الحال بين كون الغرس من صاحب الأرض أو من العامل أو منهما معاً وإن اشتركا في نماء المشترك. ولا بين شراء العامل جزءاً من الأرض مع حصته من الغرس وبين عدمه.

ولو ركب العامل غرساً على غرس المالك، كان النماء للعامل، وكان عليه أُجرة المثل لغرس المالك، وكان للمالك قلعه مع أرشه.

ويمكن حصول المغارسة بحيل شرعية وعقود أُخر، كما إذا اشترك مالك الأرض والعامل في عين الغرس ثم صالح المالك العامل على وضع حصة من الأصول في الأرض خمسين سنة بأن يسقي حصة المالك من الغرس خمسين أيضاً، فإنه جائز، ونعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال.

تاسعها: في أن للعامل في المساقاة أن يساقي غيره

تاسعها: الذي يظهر من مقتضى القواعد والضوابط أنّ للعامل في المساقاة أن يساقي غيره؛ لأنه قد مَلَك الحصّة بعقد لازم فله نقلها لمن شاء، والناس مسلّطون على أموالهم، ولأنّه قد ملك المالك عليه عملاً كلّيّاً فله أداؤه بنفسه وبغيره نيابةً أو وكالة أو تبرّعاً أو مساقاةً أو صلحاً بنحو جائز أو غير ذلك، إلا إذا شرط المباشرة عليه بنفسه، فإنه لا يجوز له أن يستنيب أحداً في العمل عنه.

إلا أن ظاهر أصحابنا - وكأنهم على الاتفاق في ذلك - أنه لا يجوز للمساقي أن يساقي غيره، ويظهر من بعض تعليلاتهم أنّ المانع من ذلك نفس عقد المساقاة، وحينئذ فلا يجوز حتى مع إذنه، ويظهر من بعضها أنّ المانع حق المالك فيجوز أن يساقي بإذنه.

وكلاهما لولا ظاهر الاتفاق محلّ منع؛ لضعف التعليل الذي علّلوا به المنع من أن في المساقاة تسليطاً على أصول الغير وعملها، والناس مختلفون في ذلك اختلافاً كثيراً. فليس لمن رضي المالك بعمله وأمانته أن يولّي مَنْ لم يرضه المالك، ومن أن المساقاة معاملة على الأصول بحصة من نمائها، والعامل ليس له من الأصول شيء، وإنما يملك الحصة بعد ظهورها، ولأن المقصود في المساقاة للمالك ليس مجرد الثمرة، بل تنمية الأصول وإصلاحها أيضاً من أعظم المقاصد الأصلية، وهو ممّا يختلف باختلاف العاملين عملاً ونظراً.

وبما تقدّم يحصل الفرق بين المساقاة والمزارعة؛ لأنّ المقصود من المزارعة هو نفس

الحصة دون العمل في الأرض، وإنما يجيء القصد إليها تبعاً؛ ولأن الأرض لا يختلف حالها بعمل العاملين ولا يخشى عليها الضرر بزرع واحدٍ فيها دون آخر، ولأن البذر غالباً من العامل فيعامل عليه مَنْ يملكه، كما يعامل صاحب الأصول على ملكه، ومن هنا أنه لو كان البذر من صاحب الأرض لم يجز للمزارع المزارعة، ولأنّ الأرض يزارع عليها مالكها وغيره دون الأصول.

وفي الجميع مناقشة واضحة ومنع غير خفي، ومن هنا أشكل على بعض المحققين الحكم فيما لو ظهرت الثمرة وبقي فيها عمل تستزاد به، فإنّه جوّز المساقاة حينئذ؛ لصيرورة العامل شريكاً، فتسلّطه عليها بالعقد كتسلّط المزارع على الأرض، لكون المقصود بالذات في كلٍّ منهما نفس الثمرة حينئذ، وهي مملوكة للعامل؛ لأنه إذا ساقاه حينئذ لا يجعل الحصة إلا ممّا يملكه؛ إذ ليس له تصرّف في مال المالك، وعمله متعين عليه (1).

عاشرها: حكم ما لو ساقى شخص آخر على الأصول فبانت مستحقةً للغير

عاشرها: لو ساقی شخص آخر على الأصول فبانت مستحقة للغير، فإن كانت الأصول قائمةً والثمرة بعد غير ظاهرة، والعامل بعد لم يعمل، تخيّر المالك بين الإجازة فتنكشف صحة العقد من أول وهلة، وبين الفسخ فينفسخ من أصله ولا شيء له.

وإن تلفت الأصول كلّاً أو بعضاً تحت يد العامل، لأنّ العامل ذو يد إذا تصرف وكانت الأصول مخلّى بينه وبينها، إلا أن يده يد أمانة، ولا منافاة بين كون العامل ذا يد وكون الدافع كذلك، كان للمالك الرجوع على كلٍّ من الدافع والعامل؛ لدخول الأصول تحت يد كلّ منهما، فإن رجع على الدافع وكان هو المتلف أو استقرّ التلف في يده لم يرجع على العامل، وإن كان المتلف العامل أو استقرّ التلف في يده رجع الدافع عليه مع علمه بالغصب، ومع جهله لا يرجع إلا إذا أتلفها عمداً.

وإن رجع المالك على العامل وكان هو المتلف أو استقرّ التلف في يده وكان عالماً لم يرجع على الدافع، وإن كان المتلف الدافع أو استقرّ التلف في يده وكان العامل جاهلاً رجع إليه؛ لغروره، والمغرور يرجع إلى مَنْ غرّه.


1) الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 5 : 67.

وإن كانا عالمين وتلف تحت أيديهما، كان له تضمين كلٍّ منهما الكل، وله تضمين كلٍّ منهما النصف.

فإن ضمن كلاً منهما النصف وكان التلف بالآفة السماوية، لم يرجع أحدهما على الآخر. وإن ضمّن أحدهما الكلَّ فأخذه منه، كان للمأخوذ منه الرجوع إلى الآخر بالنصف؛ لاستوائهما في العدوان وفي يد الضمان مع احتمال العدم؛ لأنه قد أخذ منه بحق وقد وفي حق الغريم، فليس له الرجوع على الآخر؛ لأصالة براءة ذمة الآخر من رجوع الدافع إليه إذا لم يغرمه المالك، وإن كان العامل جاهلاً رجع بالنصف؛ لغروره.

وإن عمل العامل عملاً، كان للعامل أجرة المثل مع جهله على الدافع، وليس له مع العلم إلا على وجه ضعيف.

واستحقاقه الأجرة مع الجهل إنّما كان لاحترام عمله، حيث أقدم على عوض لم يسلم له بتفريط المالك وغروره، بخلاف ما لو هلكت الثمرة أو تلفت فإنّه لا شيء له؛ لإقدامه على أن يسلم أو لا يسلم على تلك الجهة الخاصة فليس له سواها.

وإن ظهرت الثمرة فأجاز المالك، صحت إجازته ولو بعد بلوغها بل وتمام العمل وملك العامل حصته، ولا تمنع صحة الإجازة عدم حصول النفع فيها ، لملك المالك الثمرة بعد تمام العمل؛ لعدم اشتراط النفع في الإجازة، ولعدم انحصار الفوائد في الثمرة خاصة.

وإن لم يجز المالك فلا يخلو الحال بين كون الثمرة ظاهرة باقية أو تالفة، وتلفها إما أن يكون بيد العامل أو الدافع أو بأيديهما معاً قبل القسمة أو بعدها، مع علمهما بالاستحقاق أو جهلهما أو علم الدافع دون العامل أو بالعكس، وأخذ العامل بظاهر اليد، وادعاء الملكية ملحق بجهله، فإن كانت الثمرة باقيةً أخذها المالك؛ لأنّها عين ماله، فإن كانت عند مَنْ طالبه بها أخذها، وإلا وجب على مَنْ طالبه الإتيان بها إن استولت يده عليها.

ومجرّد إيقاع صيغة المساقاة لا يقتضي ضماناً، ولا يجري عليه حكم اليد.

وإن كانت تالفةً فإن كانت بعد القسمة وقد تلفت كلّ حصّة في يد صاحبها بعد استيلائهما على الجميع، تخيّر المالك في الرجوع على كل منهما بالكلّ أو البعض، فإن رجع على أحدهما

بالكل رجع هو على الآخر بالنصف الذي تلف في يد الآخر، سواء أتلفه أو تلف بآفة سماوية، وسواء كان عالماً أو جاهلاً على الأظهر؛ لأنّ الحصّة لم يملكها من استولت يده عليها وقد دفع الغاصب للمالك عوضها، فكأنّه رضي بكونها للدافع، إذ لا يجمع بين العوض والمعوض، وللمالك على الغاصب الأُجرة.

هذا إن ثبت واقعاً، وإن ثبت بمجرد اعتراف الدافع فليس له رجوع على العامل لقبض الحصّة منه بوجه شرعي فلا تنتزع منه.

وكذا لو ثبت بالبينة فإنّه ليس للدافع أيضاً الرجوع عليه بعد إخباره له بأن الأصول في ملكه؛ لإقراره بملك الحصة للعامل، وأنه مظلوم بتضمينه الجميع، ومَنْ ظلم لا يظلم.

وكذا ليس للعامل الرجوع بأجرة المثل بعد اعترافه بأن الأصول للدافع؛ لأنه يعترف بعدم استحقاقه شيئاً غير الحصة.

نعم، لو كان اعترافه مبنيّاً على ظاهر اليد قبل رجوعه.

وإن رجع المالك على العامل بالجميع لاستيلاء يده عليه، رجع على الدافع بنصف الثمرة مع تلفها في يده مطلقاً أو مع إتلافها، ورجع بأجرة مثله مع الجهل، ولا يرجع بها مع العلم، وإن رجع على كلٍّ منهما بما تلف تحت يده لم يرجع على الآخر سوى أن العامل يرجع بأجرة مثله مع جهله لا مع علمه.

ولو تلف الجميع في يد العامل وكان أميناً من الدافع وكان جاهلاً، لم يكن عليه ضمان حصة المالك، لأنه مغرور من قبله، فإذا أُخذ منه والحال كذلك رجع إلى الدافع.

واحتمال عدم جواز الرجوع إليه بالكلّ ؛ لأنّه بالنسبة إلى نصيب المالك حافظ وراعٍ فيده ضعيفة أو ليست بيدٍ إلا إذا كان عالماً فيضمن الجميع حينئذ، ضعيف؛ لمنع عدم كونها يداً لغةً وعرفاً وشرعاً، غاية ما في الباب أنها لا يستقر الضمان عليها مطلقاً، بل لها الرجوع على الغار عند جهله جمعاً بين الأدلة.

حادي عشرها: حكم ما إذا مات العامل ولم يشترط عليه المباشرة بنفسه

حادي عشرها: إذا مات العامل ولم يشترط عليه المباشرة بنفسه، استأجر من تركته عنه ما يتم به العمل، فإن لم يكن تركة استأجر من حصته كذلك، أو سوقي على بعض حصته

إن جوزنا، فإن لم يمكن إلا استيفاؤها للإجارة أو المساقاة جاز، فإن لم يكن حصة كما إذا تلفت أو لم تخرج، سقط حكم المساقاة، ولا يجب على الوارث القيام بذلك؛ للأصل، ولأنه ليس على الوارث إلا دفع ما خلّفه الميت.

ولو عجز العامل عن العمل، فإن شرطت عليه المباشرة بنفسه انفسخ العقد.

وهل له أُجرة المثل عما مضى إذا لم يظهر ربح؟ وجهان، وإن ظهر ربح كان شريكاً.

وإن لم تشترط عليه المباشرة لزمه استئجار مَنْ ينوب عنه أو مساقاة غيره لو جوزنا ذلك.

ولو تبيّن عجز العامل في الابتداء، فإن اشترطت عليه المباشرة تبين بطلان العقد، وإلا كان للمالك الخيار بين الفسخ، وبين الإمضاء، فيلزمه استئجار شخص آخر، مع احتمال عدم ثبوت الخيار.

ولو حصل للعامل مانع عن العمل ولا يمكن الوصول إليه، فإن تبرع عنه المالك أو وجد متبرع فلا كلام، وإلا فإن أمكن المالك الرجوع إلى الحاكم فرجع إليه فأذن له بالاستئجار عنه من ماله أو من حصته استأجر عنه ورجع إليه، وإن لم يمكنه الرجوع جاز له ذلك بنفسه، فيأخذ من ماله أُجرة العمل، أو يستأجر بنية الرجوع عليه فيرجع إليه.

ولا يفتقر جواز رجوعه أو جواز أخذه من ماله للإشهاد؛ لأن العمدة في جواز ذلك دفع الضرر عن المالك والإحسان إلى العامل في تفريغ ذمّته، وما على المحسنين من سبيل؛ ولعدم مدخليّة الشهادة في جواز الرجوع بشهادة الاستقراء القطعي.

نعم، لها مدخليّة في إثبات الحق.

ولا يتفاوت الحال في ذلك بين إمكان الإشهاد وبين عدمه.

ويظهر من بعضهم أنّ الإشهاد مفتقر إليه في الرجوع مطلقاً كإذن الحاكم، قصراً للحكم المخالف للقواعد وللضوابط على الدليل (1).

وقيل بالفرق بين الإمكان جمعاً بين ما دلّ على عصمة مال الغير وما دلّ على نفي الضرر (2).


1) كما في الحدائق الناضرة 21 : 382.

2) المصدر : 383 .

والأقوى الأول.

ثمّ إنّ مدّعي الإنفاق بنية الرجوع هل يُقبل قوله فيه بيمينه؛ لأصالة أن لا يتبرع الإنسان بعمل غرامته على آخر، ولأنه أمر لا يُعلم إلا من قبله، أو لا يُقبل؛ لأصالة عدم تسلّطه على مال آخر بمجرد الدعوى، وأصالة عدم شغل ذمة الآخر، والإشهاد ممكن له فيتوقف سماع قوله على البينة ؟

وربما يُفرّق بين العلم بتمكنه من الإشهاد ولمّا يشهد فلا يقبل قوله، وبين العلم بعدم تمكنه؛ لنزوله في مكان ليس بقربه عدل أو ما يعرفه الحاكم.

ولو هرب العامل أو امتنع عن العمل، فإن تبرع المالك أو غيره بالعمل أو أجرته فلا كلام. وإلا رفع المالك أمره إلى الحاكم فيبعث في طلبه ويجبره على العمل، فإن لم يتمكن منه وكان عنده مال أخذ منه واستأجر به ولو كان المستأجر المالك، ولا يتفاوت بين كون المال هو الحصة أو غيرها، فإن لم يكن له مال، فإن أنفق من بيت المال عنه تبرّعاً؛ لوجود سعةٍ في بيت المال ودخول مثل هذا في مصالحه فلا كلام، وإلا جاز للحاكم أن يستقرض عنه. ويدفع إلى المالك ويرجع عليه، وجاز أن يستأجر عنه إلى أجل يتمكن به من وفائه من ماله وجاز أن يؤخذ من حصته للاستئجار ولو بعد حين ولا يتفاوت بين كون الأجرة بقدر الحصة أو أزيد، وبين كونها بقدر أُجرة المثل أو أزيد إذا لم يوجد أجير بأجرة المثل ولكن على إشكال.

ولو لم يتمكن المالك من الرجوع إلى الحاكم لبعده أو لعدمه، فلا يبعد قيام عدول المسلمين عنه بذلك، فإن لم يتمكن منهم لبعدهم أو لعدم ثبوت العقد عندهم أو لقصور أيديهم أو لعدم حصول مال لهم أو لغير [ذلك] كان للمالك الخيار بين الفسخ دفعاً للضرر عنه.

فإن فسخ قبل ظهور الثمرة أصلاً، كان عليه أجرة المثل لعمل العامل السابق؛ لاحترام عمله السابق وقد فات عوضه باختيار المالك، وإن فسخ بعدها، فالوجه: أنه فسخ من أصله فتعود الثمرة للمالك، وعليه للعامل أُجرة المثل.

والوجه الآخر : بقاؤه شريكاً، فيترتب عليه أحكام الشركة.

هذا كله إن لم يمكن بيع الثمرة كلّاً أو بعضاً والاستئجار بها أو الاستئجار بعينها أو المساقاة عليها، فإن أمكن سقط خياره.

فإن لم يتمكن من الفسخ أو لم يفسخ أنفق بنية الرجوع على المالك، ورجع إليه من دون افتقار إلى الإشهاد.

وفي سماع قوله من دون بينة للرجوع وجهان.

ثاني عشرها: حكم ما إذا ادعى المالك خيانة العامل أو سرقته أو تفريطه أو تعديه فأنكر العامل

ثاني عشرها: إذا ادعى المالك أن العامل قد خان أو سرق أو فرط أو تعدى فتلف المال في أصل أو ثمرةٍ أو أرض نابت فيها، فأنكر العامل، كان القول قوله مع يمينه؛ لأمانته، ولو أقام بينةً سمعت بينة المالك.

وهل تسمع دعوى المالك في تلك الأمور على جهة الإطلاق والإجمال؛ لأنه أمر قد يفتقر إليه المدعي ولا مندوحة عنه فيسمع قوله ويثبت عليه بالبينة ما يراه الحاكم، أو لا تسمع إلا مع البيان؛ للأصل؟ وجهان.

وإذا ثبتت خيانة العامل عند الحاكم، فإن ضمّ المالك إليه أميناً من مال المالك جاز ولا كلام، وإن لم يضمّ فأراد رفع يد العامل لحفظ ماله فهل يُلْزَم العامل بإجابته؛ لأنه لا طريق إلى حفظ مال المالك سوى رفع يده عن ماله، وما لا يتم به الشيء حكمه حكمه، أو لا يلزم؛ لأن الناس مسلّطون على أموالهم، وحصة المشاعة من ماله فلا يجوز رفع يده عنها، وترجيح حق المالك على حق العامل ترجيح من دون مرجح؟ والثاني أقوى.

وعلى الأوّل فهل للمالك بعد رفع يده الاستئجار من ماله خاصةً عاملاً يقوم مقامه في بقية الأعمال، أو من المال المشترك بينهما ؛ لكونه بعد رفع يده بمنزلة العاجز عن العمل، أو ليس له لا من الأصل ولا من المشترك؛ لأصالة عدم تسلّط الإنسان على مال غيره، والمالك عليه أن يحفظ ماله والعامل عليه الحفظ في عقد المساقاة عن غيره لا عن نفسه؟ مع احتمال أن المالك إذا لم يتمكن من الحفظ عنه ولو بوضع حافظ آخَر معه أو بوضع نفسه معه جاز له الأخذ من ماله والاستئجار عنه؛ لتعذر عمله حينئذ ؛ لانصراف عمل العامل إلى ما لا يفسد في عمله، فلو كان مفسداً في عمله كان بمنزلة العاجز. وهو جيد.

ثالث عشرها: حكم ما لو اختلفا في قدر حصة العامل أو في الخارج عن الثمرة أو

ثالث عشرها لو اختلفا في قدر حصة العامل، كان القول قول المالك بيمينه؛ لأصالة تبعية النماء لملكه سوى ما قطع بخروجه عنه.

ويحتمل التحالف؛ لادعاء كلٍّ منهما شيئاً خاصاً فينفيه الآخر، ولادعاء كلٍّ منهما ملكاً على الآخر من عمل على وجه خاص ومن حصة خاصة، والآخر ينفيه.

ولو اختلفا في الخارج عن الثمرة أنه لأيهما، فالقول قول المالك.

ولو اختلفا فيما يدخل في الثمرة أو في الثمرة نفسها ولم يذكرا قدر الحصة فيختلفا فيها، كان بينهما نصفين؛ لاستواء يدهما عليه، مع احتمال تقديم قول المالك؛ لأنّ يد العامل متفرعة على يده وعلى قدر شرطه.

ولو اختلفا في قدر ما سوقي عليه من الأصول، فالقول قول المالك.

ولو اختلفا في الصحة والفساد، فالقول قول مدّعي الصحة، إلا إذا أثبت مالاً أو حكماً شرعياً ينفيهما الأصل الاستصحابي، ففي تقديم قول مدعي الصحة وعدمه وجهان، ولا يبعد الأول.

ولو اختلفا في قدر العمل المشترك، كان القول قول العامل، مع احتمال التحالف، فإن أقام كلٌّ منهما بينةٌ قدمت بينة العامل، مع احتمال التعارض والترجيح أو القرعة.

ولو تعدّد العامل فشهد أحد المالكين على الآخر أو أحد العاملين كذلك، قبلت شهادته؛ لأن الشريك لا تُسمع شهادته لشريكه في مورد الشركة وتُسمع عليه.

خاتمة: في صحة الاستئجار على العمل في الأصول بجزء من الثمرة أو بكلها وعدم جوازه على مساقاة الأصول بنفس الأصول

خاتمة: يصح الاستئجار على العمل في الأصول بجزء من الثمرة أو بكلّها مع العلم بها ومعرفة قدر العمل؛ لأن المقصود هو العمل في الأصول وتنميتها، والثمرة من التوابع.

ولا يجوز الاستئجار على مساقاة الأصول بنفس الأصول، كما لا يصح الاستئجار على عمل الزرع بالزرع؛ لدخول تلك المعاملة في السفه، فلا يشملها دليل صحة الإجارة.

ولو ساقاه على شجر وزراعة على أرض كفى لهما قبول واحد، وإن أخذ أحدهما شرطاً في الآخر جاز.

وهل يقوم مقام عقد المساقاة وعقد المزارعة الصلح على عملهما بحصة من الحاصل؟ وجهان، وفي جوازه بحث؛ للشكّ في اغتفار مثل هذه الجهالة في الحصة والعمل، وكونها غير متحققة في الخارج في الصلح، وعموم دليله بحيث يشمل هذا الفرد لا يخلو من إشكال.

وهل تقوم مقامهما الجعالة؛ بناءً على اغتفار الجهالة فيها واغتفار عدم التحقق؟ وجهان أيضاً، والمنع أولى وأظهر.

تم الجزء السادس من أنوار الفقاهة - بحسب تجزئتنا -

ويليه في الجزء السابع كتاب الوديعة