أنوار الفقاهة کاشف الغطاء جلد 5

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

العنوان والمؤلّف: أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

مركز إحياء التراث الإسلامي.

بيانات النشر: طهران شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.

بيانات الوصف: 10ج.

ردمك: -(مسلسل) 0-180-195-600-978

(ج.)6-188-195-600-978

حالة الفهرسة : CIP

ملاحظات المجال المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش

ملاحظات المجال: الفهارس العامّة

المحتويات: ج. 8. كتاب النكاح - الخلع

الموضوع :فقه الإمامية - ق 13هـ.

المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة مركز إحياء التراث الإسلامي

تصنيف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3

تصنيف ديوي: 297/342

رقم الإيداع: 3698114

أنوار الفقاهة

الجزء الخامس : كتاب التجارة والبيع

مجموعة من المحقّقين

الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

الإعداد والتحقيق مركز إحياء التراث الإسلامي

الطبعة الأولى: 1436 هـ / 2015م

الكمية: 1000 نسخة

العنوان: 301؛ التسلسل: 492

محرّر الرقمي: محمّد رادمرد

أنوار الفقاهة

حَسَن بن جَعْفَرَ كاشف الغَطاء

1201-1262هـ

الجزء الخامس

كتاب التجارة والبيع

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

مركز إحياء التراث الإسلامي

اشارة

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أنوار الفقاهة

حسن بن جعفر كاشف الغطاء

(1201 - 1262هـ)

الجزء الخامس

كتاب التجارة والبيع

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

مركز إحياء التراث الإسلامي

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

أنوار الفقاهة

الجزء الخامس: كتاب التجارة والبيع

مجموعة من المحقّقين

الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

الإعداد والتحقيق مركز إحياء التراث الإسلامي

الطبعة الأولى: 1436 هـ / 2015م

الكمية: 1000 نسخة

العنوان: 301؛ التسلسل: 492

حقوق الطبع محفوظة للناشر

العنوان: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312

التلفون والفاكس: 982166951534+

ص. ب: 37185/3858، الرمز البريدي: 16439 - 37156

الموقع الإلكتروني: www.isca.ac.ir

البريد الالكتروني : nashr@isca.ac.ir

المدخل الرئيسي: کاشف الغطاء، حسن بن جعفر، 1201 - 1262هـ.

العنوان والمؤلّف أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء؛ تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة.

مركز إحياء التراث الإسلامي.

بيانات النشر: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.

بيانات الوصف: 10ج.

ردمك: -. (مسلسل) 0 – 180 – 195 – 600 – 978

(ج. 2) 4 – 182 – 195 – 600 - 978

حالة الفهرسة :CIP

ملاحظات المجال: المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش.

ملاحظات المجال : الفهارس العامّة

المحتويات: ج 5. كتاب التجارة والبيع

الموضوع :فقه الإماميّة - ق 13هـ.

المدخل الإضافي المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة. مركز إحياء التراث الإسلامي

تصنيف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3

تصنيف ديوي: 297/342

رقم الإيداع: 3698114

فهرس الموضوعات

الكلام في العقود...27

كتاب التجارة

تعريف العقد... 27

والكلام هنا يقع في مطالب:...27

المطلب الأوّل يشتمل على فصول:...28

أحدها: عدم تعلّق الأحكام الخمسة بالأعيان بل بفعل المكلّف...28

ثانيها: فيما إذا تعلق النهى بالمعاملة أو النهى بصيغته فالظاهر منه الفساد... 28

ثالثها: فيما يقال من أن تحريم الثمن في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن اللّه إذا حرم شيئاً فقد حرّم ثمنه» دليل على فساد المعاملة... 29

رابعها: في أنّ الأصل إباحة المشكوك في جواز استعماله والانتفاع به... 29

خامسها: في عدم الملازمة بين صفة الملك والمالية... 29

سادسها: في أن الأصل يقضي باختصاص ما كان تحت اليد بصاحبه... 30

سابعها: في جواز المعاوضة على رفع اليد عن الاختصاص بصلح وشبهه... 30

ثامنها: في عدم الملازمة بين الملك وبين جواز النقل والتمليك في المشكوك بجواز نقله وتمليكه...30

تاسعها: في عدم الملازمة بين جواز النقل مطلقاً وجواز المعاوضة عليه... 30

عاشرها: في عدم جواز استعمال الأعيان النجسة... 31

حادي عشرها: في أنّ كلّ ما يقبل التطهير يملك ويجوز نقله... 31

ثاني عشرها: في جواز استعمال المائع المتنجس بالعارض إن قبل التطهير... 31

ثالث عشرها: في أنّ الدهن لو أصابته نجاسة عارضيّة وأبطلت الانتفاع به خرج عن الملكية وجاز استعماله.. 32

رابع عشرها : حكم ما لو تقابل المجتهدان المختلفان في التقييد والإطلاق وكان الدهن لا قابلية له للاستصباح... 33

خامس عشرها: في عدم جواز تملك عذرة الإنسان وغيره من نجس العين.. 33

سادس عشرها: في جواز استعمال النجس تقيّةً أو لمرض أو اضطراراً... 34

سابع عشرها : في لزوم إعلام نجاسة المبيع للمشتري... 34

ثامن عشرها: في عدم جواز بيع النجس على مستحلّيه مطلقاً... 34

تاسع عشرها: في جواز الانتفاع بالأرواث والأبوال الطاهرة وبيعها... 35

العشرون: في الأصل تحريم الخبائث وتحليل الطيبات... 37

الحادي والعشرون: في أنّ النهي المتعلّق بالكل متعلّق بالأجزاء التزاماً عرفياً...37

الثاني والعشرون: في جواز ملك ما ينتفع به من ميتة غير ذي النفس السائلة وكذا بيعه وشراؤه... 37

الثالث والعشرون: في حرمة اللهو واقتناء الآلات المعدة له واستعمالها ونقلها وانتقالها بعوض وبدونه... 37

الرابع والعشرون: حكم كلّ ما يمكن الاكتساب به في جهتين محلّلة ومحرّمة... 39

الخامس والعشرون: في حرمة بيع السلاح لأعداء الدين... 41

السادس والعشرون: في عدم صحّة المعاوضة فيما لا نفع له يعتد به... 42

السابع والعشرون: في حرمة الاكتساب بعمل الصور المجسمة...46

الثامن والعشرون: في حرمة الغناء والاكتساب به... 48

التاسع والعشرون: فيما استثنى بعضهم من حرمة الغناء ما يقع في الا الأعراس... 54

الثلاثون: في حرمة الاكتساب بالنوح بالباطل وعلى الباطل... 56

الواحد والثلاثون: في حرمة التكسّب بمعونة الظالمين وحرمة إعانة الظالم... 58

الثاني والثلاثون: في حرمة التكسّب بكتب الضلال مطلقاً... 60

الثالث والثلاثون: في حرمة التكسّب بهجاء المؤمنين وأخذ الجعالة عليه وقبول العطايا لأجله... 64

الرابع والثلاثون: في بيان ما استثني من حرمة الهجاء... 65

الخامس والثلاثون: في حرمة التكسّب بالكذب...66

السادس والثلاثون: في حرمة التكسّب بسب المؤمنين وبيان ما استثني من حرمة سبّهم... 68

السابع والثلاثون: في حرمة التكسّب بالنميمة وبيان ما استثني منها... 69

الثامن والثلاثون: في حرمة التكسّب بالنفاق... 71

التاسع والثلاثون: في حرمة التكسّب بمدح المذموم وذمّ الممدوح... 71

الأربعون: في حرمة التكسّب بالاستهزاء وسخرية المؤمن... 71

الواحد والأربعون: في حرمة التكسّب بالدعاء على المؤمنين كلاً أو بعضاً... 72

الثاني والأربعون: في حرمة التكسّب بالمكر والخديعة والحيلة... 73

الثالث والأربعون: في حرمة التكسّب بفعل المنافي للمروءة...73

الرابع والأربعون: في حرمة التكسّب بالغيبة...74

بیان ما استثني من حرمة الغيبة...77

الخامس والأربعون: في حرمة التكسّب بعمل السحر... 82

السادس والأربعون: في بيان موضوع السحر... 83

السابع والأربعون: في تفسير السحر... 85

الثامن والأربعون: في أن أكثر السحر تخييل...91

التاسع والأربعون: في أنّه يُقتل المسلم المستحل للسحر... 93

الخمسون: فيما يستثنى أُمور من السحر اسماً وحكماً أو حكماً فقط... 94

الواحد والخمسون: حرمة التكسّب بالسيمياء... 97

الثاني والخمسون: حرمة التكسّب بالقيافة...97

الثالث والخمسون: حرمة التكسّب بالعمل ببعض بالعلوم التي يدّعي أهلها دلالتها على أحوال الشخص وصفاته... 98

الرابع والخمسون: حرمة التكسّب بالكهانة... 99

الخامس والخمسون: حرمة التكسّب بعلم النجوم وبذل المال لأجله... 101

السادس والخمسون: حرمة التكسّب بالقمار وبآلاته واقتناؤها...107

السابع والخمسون: حرمة التكسّب بما يشتمل على الغشّ...109

الثامن والخمسون: حرمة التكسّب بتزين الرجل بزينة المرأة...110

التاسع والخمسون: حرمة التكسّب بتدليس الماشطة للنساء... 111

الستّون: حرمة التكسّب بما يجب على الإنسان عيناً أو كفايةً... 112

الواحد والستّون: حرمة التكسّب بما يجب عليه على الأجير فعله عيناً أو كفايةً... 114

الثاني والستّون: حرمة التكسّب بما يندب على المستأجر أو الأجير عينا...118

الثالث والستّون: حرمة التكسّب بالإمامة والمأمومية الواجبتين في الجمعة والعيدين... 120

الرابع والستّون: جواز أخذ الأجرة على التوكيل في التزويج وعلى إجراء صيغة العقد أو الإيقاع أو الخطبة و... 121

الخامس والستّون: حرمة التكسّب بالقضاء...122

السادس والستّون: حرمة التكسّب بتشبيب المرأة المعلومة عند القائل والسامع... 124

السابع والستّون: حرمة التكسّب بالتطفيف...125

الثامن والستّون: حرمة التكسّب بالخيانة والسرقة...125

التاسع والستّون: حرمة التكسّب بكتابة القرآن وكتب الحديث و... مع وجوبها...128

السبعون: حرمة نقل ما دخل في رسم المصحف... 128

الحادي والسبعون: حرمة التكسّب عيناً ومنفعةً بغير الكلاب الأربعة من الكلاب... 131

الثاني والسبعون: حرمة التكسّب بطريق الرشوة في حكم قضائي أو إفتائي من المتخاصمين أو غيرهما...136

الثالث والسبعون: حرمة التكسّب بالمال المدفوع من موص أو موكل أو... على أن يدفعه لواحدٍ غير معيّن ولكنّه موصوف بوصف يشاركه المدفوع إليه فيه...140

الرابع والسبعون: حرمة التكسّب بالولايات من حكام الجور في غير ما استثنى... 145

الخامس والسبعون: حرمة التكسّب بجوائز الظالم وهباته المعلوم حرمتها... 154

السادس والسبعون: حرمة التكسّب بمال الخراج والزكاة والخمس على السلطان الباطل وعماله... 160

أحكام الأراضي الخراجية وفوائدها ومصارفها.... 163

السابع والسبعون: حرمة التكسّب بالمال الحلال المختلط بالحرام على نحو القبض والإقباض والتصرّف...170

الثامن والسبعون: حرمة التكسّب بمال الأرحام والأزواج و... من غير إذن... 173

التاسع والسبعون: حرمة التكسّب بما يأخذه الإنسان من ثمرة نخل أو شجر أو... إذا مرّ بها اتفاقاً... 175

الثمانون: حرمة التكسّب بمنافع الأجير الخاصّ... 176

الواحد والثمانون: حرمة التكسّب والأخذ والنقل بما يقدّم للضيف من الطعام والإكرام للأكل...178

الثاني والثمانون: في بيان جملةٍ ممّا يحرم التكسّب بها... 178

الثالث والثمانون: في مستثنيات حرمة التكسّب بمال الغير من غير إذنه... 180

المطلب الثاني في قواعد تشترك فيها أكثر العقود... 182

القاعدة الأولى: في أن العقود تتبع القصود... 182

القاعدة الثانية: في اشتراط التراضي في العقود... 182

القاعدة الثالثة: في أنّه كلّ ما تصحّ فيه النيابة تصحّ فيه الولاية...183

القاعدة الرابعة: في عدم استبعاد نفوذ إجازة من تصرف بشيء ثم ملكه بعد ذلك... 184

القاعدة الخامسة: في اشتراط البلوغ والعقل في صحّة العقود من الموجب والقابل... 184

القاعدة السادسة: في اشتراط اتفاق القصدين والرضاءين من الموجب والقابل... 185

القاعدة السابعة: في اشتراط اتفاق قصد الاسم والإشارة في المعقود عليه... 186

القاعدة الثامنة: في الأصل في العقود هو اللفظ الخاص بالصيغة الخاصة الصريحة... 186

القاعدة التاسعة في جواز المعاطاة في العقود اللازمة والجائزة... 187

القاعدة العاشرة: في قيام الإشارة مقام اللفظ للأخرس وأمثاله... 188

القاعدة الإحدى عشرة في عدم صحّة عقد المعاوضة على ما لا يتموّل عيناً أو منفعة... 188

القاعدة الثانية عشرة: في عدم صحّة عقد المعاوضة على ما لا يقدر على تسليمه وتسلّمه... 189

القاعدة الثالثة عشر : في عدم الإثم والضمان على المحسنين...189

القاعدة الرابعة عشر : بيان الفرق بين قاعدة العدوان وقاعدة المحرمات... 190

القاعدة الخامسة عشر : لزوم جزاء فاعل الإحسان إن لم ينو التبرع... 191

القاعدة السادسة عشر : الأصل في العقود التنجيز... 192

القاعدة السابعة عشر : الأصل في العقود الحلول... 192

القاعدة الثامنة عشر : الأصل في العقود حلول تسليم متعلّق الملك... 192

القاعدة التاسعة عشر : الأصل وجود المملوك في العقود إلّا ما خرج بالدليل... 192

القاعدة العشرون: الأصل في العقود قبولها للشروط... 193

القاعدة الإحدى والعشرون: الأصل في العقود الجزم... 193

القاعدة الثانية والعشرون: قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» وعكسها وبيان المراد من الضمان فيها...193

القاعدة الثالثة والعشرون: قاعدة «المغرور يرجع على من غرّه»... 194

القاعدة الرابعة والعشرون: عموم على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»... 195

القاعدة الخامسة والعشرون: حديث لا ضرر ولا ضرار... 195

القاعدة السادسة والعشرون : قاعدة «التعاون على البرّ»... 196

القاعدة السابعة والعشرون: الأصل في العقود الصحّة عند وقوعها والشك في أنّها صحيحة أو فاسدة...197

القاعدة الثامنة والعشرون: الأصل في العقود اللزوم... 198

القاعدة التاسعة والعشرون: عدم سلطنة الكافرين على المؤمنين وبيان ما يترتب عليها... 199

القاعدة الثلاثون: العقد يتولاه المالك أو وكيله أو وليه الإجباري... 199

القاعدة الإحدى والثلاثون: الأصل في نواقل الأعيان البيع... 201

القاعدة الثانية والثلاثون: الأصل في الأسباب الشرعيَّة تغاير تأثيرها... 201

القاعدة الثالثة والثلاثون الأصل مساواة الكلّي للفرد في النقل والانتقال... 202

القاعدة الرابعة والثلاثون: الأصل في نواقل الأعيان والمنافع أنّه لو وقع العقد على القابل وغير القابل صح في القابل وبطل في غيره... 203

القاعدة الخامسة والثلاثون: الأصل في كلّ عقد جائز تابع للإذن أن ينتفي بانتفائه... 203

القاعدة السادسة والثلاثون: الأصل في شرائط العقود أن تكون واقعية... 204

القاعدة السابعة والثلاثون: الأصل في العقد أن لا يصح من جانب ويفسد من جانب آخر...204

القاعدة الثامنة والثلاثون: الأصل في العقود مغايرة أركانها الستة من حيث الذات... 205

القاعدة التاسعة والثلاثون: الأصل في البيع أن يتعلّق مبيعه بالأعيان وفي الإجارة بالمنافع... 206

القاعدة الأربعون: الأصل جواز جعل الثمن في المبيع وكذا الأجرة عيناً ومنفعةً وحقاً... 207

القاعدة الإحدى والأربعون: جواز استعمال الحيل الشرعيَّة في العقود... 207

القاعدة الثانية والأربعون: الأصل بطلان العقود الواقعة على غير النهج الشرعي... 208

القاعدة الثالثة والأربعون: الأصل عدم تأثير العقد إلا أن يقع باللفظ... 209

القاعدة الرابعة والأربعون: الاجتهاد والتقليد ليسا شرطاً في صحّة العقد... 210

القاعدة الخامسة والأربعون: قيام الحاكم مقام الممتنع في قبض حقه...210

القاعدة السادسة والأربعون: الأصل شمول الربا لجميع عقود المعاوضة...210

القاعدة السابعة والأربعون: الأصل في العقود عدم الإلتفات بالشك اللاحق لها...211

القاعدة الثامنة والأربعون: الأصل في كثير الشكّ عدم الالتفات إلى شكه في جميع أنواع العقود...211

القاعدة التاسعة والأربعون: الأصل في مَنْ ادّعى مالاً تصديق قوله... 212

القاعدة الخمسون: جواز اختراع العقود لِمَنْ بَعُدَ عن ديار الشرع... 212

القاعدة الإحدى والخمسون: الأصل في العقود التطابق صورةً... 212

القاعدة الثانية والخمسون: للحاكم الشرعي التصرّف بمال الفقراء مع الغبطة... 213

القاعدة الثالثة والخمسون: الأصل في ألفاظ العقود أن يكون التلفظ بها مملوكاً للافظ بها... 213

المطلب الثالث: في الآداب... 215

وفيه أُمور :...215

الأمر الأوّل: في مندوبات التجارة... 215

الأمر الثاني : في بيان مكروهات التجارة...217

الأمر الثالث: في الاحتكار وتلقي الركبان...220

كتاب البيع

وفيه مطالب:... 227

المطلب الأول: في الصيغة وما يتعلّق بها... 227

وفيه أمور:...227

أحدها: الأصل في كلّ صيغة من صيغ العقود أخذها من مبدئها المسمّى به...227

ثانيها: هل لفظ «البيع» يقال على نقل الأعيان فقط أم لا ؟...228

ثالثها: في أن اختلاف الفقهاء في الحدود ليس للاختلاف في المحدود... 228

رابعها: في أنّه قد يكون للبيع صيغة خاصة ولا يكفي كلّ صيغة...229

خامسها: في أنّه قد يقع البيع بالفعل لا بالقول...230

سادسها: في أنّ إفادة المعاطاة للنقل وأنها بيع هو الأظهر من الدليل...231

سابعها: فساد العقد فيما لو حصل النقل بغير الصيغة الخاصة أو المعاطاة أو غيرهما مع عدم إمكانهما...235

المطلب الثاني: في المتعاقدين...239

وفيه أمور:...239

أحدها: اشتراط التغاير ولو حكماً بين المتعاقدين...239

ثانيها: عدم اشتراط الإسلام ولا الإيمان في المتعاقدين... 242

ثالثها: اشتراط كون العاقد مالكاً...248

رابعها: في قيام الفضولي مقام الملك في نفوذ عقده إذا أجاز المالك...253

خامسها: في بيان أمور تتعلق بعقد الفضولي والإجازة اللاحقة له.... 259

سادسها : في حكم ما لو باع المالك ما يملكه وما لا يملكه...272

القول في شرائط المعقود عليه من العوضين... 275

فيه أمور:... 275

أحدها: اشتراط مغايرة العوضين للمتعاقدين... 275

ثانيهما: اشتراط كون العوضين ممّا يمكن الانتفاع بهما... 275

ثالثها: اشتراط القدرة عقلاً وعرفاً وعادةً على تسليم العوضين... 277

رابعها: اشتراط عدم كون أحد العوضين أُمّ ولد لمالكها قد علقت منه...281

خامسها: اشتراط استقلال الملكية في العوضين... 284

سادسها: اشتراط عدم كون العوضين أو أحدهما مباحاً لم يدخل في ملك أحدٍ...290

سابعها: اشتراط عدم كون العوضين أو أحدهما مملوكاً لكافة المسلمين...291

أحكام الأراضي المفتوحة عنوةً وخراجها وبيعها ومصارف عوائدها... 292

ثامنها: اشتراط عدم كون العوضين مجهولاً... 305

بيان أحكام بيع المجهول والجزاف والمكيل والموزون واجتماع بعضها مع بعض...306

القول في الخيارات...323

وفي الخيارات مباحث:...324

أحدها: خيار المجلس وما يتعلّق به... 324

ثانيها: خيار الحيوان وما يتعلق به...329

ثالثها: خيار الشرط وما يتعلق به...331

رابعها: خيار الغبن وما يتعلّق به...336

خامسها: خيار التأخير وما يتعلّق به... 341

سادسها: خيار ما يفسد من يومه وما يتعلّق به...344

سابعها: خيار كذب الوصف حين العقد أو خلاف الرؤية المتقدّمة على العقد... 345

ثامنها: في أن الخيار يورث... 347

تاسعها: في أن التصرف مسقط لخيار الحيوان والشرط...348

عاشرها: في أنّه يملك المبيع للمشتري والثمن للبائع بنفس العقد...349

حادي عشرها: حكم ما لو تلف المبيع في البيع قبل قبضه بآفةٍ سماوية أو أرضية أو بقصاص...351

ثاني عشرها: حكم ما لو تلف المبيع بآفةٍ سماوية ونحوها بعد قبضه في زمن الخيار المختص... 353

ثالث عشرها: حصول الفسخ من ذي الخيار بالقول والفعل... 354

رابع عشرها: خيار تبعيض الصفقة وما يتعلق به... 355

القول في النقد والنسيئة... 356

وفيهما أمور:... 356

أحدها: حكم بيع الثمن والمثمن كلّ منهما بالآخر إن كانا شخصيين أو كليين أو دينين في ذمتين قبل العقد أو... 356

ثانيها: في أن إطلاق العقد يقضي بالتعجيل... 357

ثالثها: اشتراط تعيين الثمن والمثمن والجزم في البيع... 357

رابعها: حكم شراء ماباعه نسيئةً قبل حلول الأجل نسيئةً ونقداً... 359

خامسها: عدم وجوب دفع الثمن والمبيع قبل الأجل إن كان مؤجلاً... 361

القول فيما يدخل في المبيع وفي كلّ منقول بعقد معاوضةٍ أو مجاني كالهبة والوقف والوصية... 364

في أنّ ما يدخل في المبيع إما أن يكون بحكم الشرع أو بحكم العرف واللغة...364

وهنا أمور:... 366

أحدها: في أنّه لا يدخل في بيع الأرض وما في معناها ما كان مثبتاً فيها... 366

ثانيها: عدم دخول الثمر في بيع الشجر والنخل وكذا الورد قبل تفتحه... 367

ثالثها: في أنّه لا تدخل في بيع الأرض الأحجار الموضوعة فيها ولا الكنوز والخبايا... 368

رابعها: في أنّه يجوز لصاحب الأصل ولصاحب الثمرة سقي النخل لمصلحته إذا لم يتضرّر الآخر بالسقي...369

القول في التسليم...371

اشتراك التسليم بين معان متعدّدة... 371

وهنا أُمور :...372

أحدها: التقبيض فيما لا يُنقل هو التخلية...372

ثانيها: في أنّه يجب على كلّ من المتعاقدين تسليم الآخر ما ملكه إياه...375

ثالثها: فيما يتعلّق بما لو حدث في المبيع عيب قبل القبض... 376

رابعها: هل يكفي قبض المشتري بدون تقبيض البائع أو إذنه في قبضه في رفع الضمان عن البائع ؟... 376

خامسها: حكم ما إذا اختلط المبيع بغيره اختلاطاً لا يمكن تميزه أو يمكن ولكن لا يمكن فصله قبل القبض أو بعده... 376

سادسها: وجوب تفريغ المبيع عن مال البائع... 378

سابعها: عدم فسخ البيع بتعذر التسليم ما بين العقد و القبض... 378

ثامنها: تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه إذا كان التلف من غير البائع أو أجنبي... 379

تاسعها: عدم حرمة بيع ما لم يقبض من ثمن أو مثمن... 380

عاشرها: حكم ما لو أنكر المشتري وصول المبيع إليه كلّاً أو بعضاً... 384

حادي عشرها: حكم ما لو أسلفه طعاماً في بلد خاص وكان موافقاً لبلد أحدهما... 385

القول في اختلاف المتبايعين... 388

وفيه أمور:... 388

أولها: انصراف لفظ النقد والكيل والوزن إلى المتعارف المعهود في بلد المتعاقدين... 388

ثانيها: حكم ما لو اختلف المتبايعان في قدر الثمن أو قدر المثمن أو قدر الأجل أو قدر المشروط... 388

ثالثها: حكم ما لو تلف أحد العوضين قبل التحالف... 392

القول في الشرائط وفيه أُمور:... 394

أحدها: في أن الشرط المقصود به التعليق مفسد للعقد... 394

ثانيها: وجوب الوفاء بمقتضى الشرط... 395

ثالثها: عدم جواز التمسك بعموم أدلّة الشروط كالمجملات... 395

رابعها : هل يفسد العقد لو وقع فيه شرط فاسد؟...396

خامسها: فيما ورد أن الشرط المخالف للكتاب والسنّة باطل... 397

بيان أنواع الشرائط وأحكامها...398

سادسها: في أنّه يجوز في عقد البيع اشتراط أن يرهن عنده رهناً على دين سابق أو على ثمن المبيع الواقع في ذلك العقد...401

سابعها :جواز اشتراط عدم الانتفاع بأحد العوضين مدّةً معيّنةً... 403

ثامنها: جواز اشتراط البائع على المشتري قصر انتفاعه على جهة مخصوصة...404

تاسعها: في أنّ العبد المشروط عتقه أو المال المشروط وقفه إذا كان ثمناً أو مثمناً ولم يف المشروط عليه بالشرط كان للمشترط الخيار... 406

عاشرها: هل يجوز تصرّف المشروط عليه في المال المتعلّق به شرط؟...406

حادي عشرها: فيما لو امتنع المشروط عليه من القيام بالشرط كان للمشترط الفسخ... 407

ثاني عشرها: هل اشتراط العقد الجائز في العقد اللازم يصيّره لازماً أم لا؟...408

القول في أحكام العيوب... 410

وفيه أُمور:... 410

أحدها: في أن الأصل في الأعيان السلامة من العيوب... 410

ثانيها : حكم ما لو خرج المبيع معيباً حال العقد قبل تمامه... 411

ثالثها: سقوط خيار العيب ردّاً وأرشاً باشتراط سقوطهما وباشتراط سقوط خيار العيب... 413

رابعها: حكم ما إذا أحدث من انتقل إليه أحد العوضين به حدثاً أثر فيه تغييراً... 416

خامسها: سقوط الردّ بحدوث العيب فيما انتقل لأحد المتعاقدين إذا كان ذلك العيب مضموناً على المنتقل إليه...419

سادسها: عدم حرمة نقل المعيب مع علم الناقل بعيبه وعدم علم المنتقل إليه به... 420

سابعها: جواز نقل شيئين متغايرين بإيجاب واحد إن أمكن جمعهما به مع اتحاد ثمنهما... 420

ثامنها: جواز نقل متمایزين مع اتحاد الناقل وتعدّده والمنقول إليه كذلك... 421

تاسعها: في أنّ كلّ عيب مضمون يوجب الخيار... 423

عاشرها: حكم ما لو تصرّف مشتري الجارية بها بعد العقد بغير الوطء فظهر بها عيب حمل... 424

حادي عشرها: في تعريف العيب لغةً وعرفاً عاماً وشرعاً...427

ثاني عشرها: في تعريف الأرش وما يتعلق به من الأحكام... 430

القول في التدليس والتصرية وبعض أحكام العيوب...434

وفيه أمور:...434

أحدها: في تعريف التدليس لغةً وعرفاً وشرعاً وبيان ما يتعلق به من الأحكام... 434

ثانيها: في تعريف التصرية وبيان ما يتعلّق بها من الأحكام... 435

ثالثها: في بيان العيوب الموجبة لرد الأمة والعبد في البيع وغيره... 442

رابعها: في أن الانعتاق على المشتري ليس بعيب ولا يوجب ردّاً ولا أرشاً...443

خامسها: في أن تكرّر الجناية من العبد عيب...444

سادسها: في أن الحمل عيب في الإماء يردّ به ويبطل الرد به عند حدوثه عند المشتري ما لم يكن في زمان الخيار المختص... 445

سابعها: حكم ما لو اشترى أحد النقدين بمثله فظهر فيه عيب قاض بجواز رده... 445

ثامنها: حكم ما لو ادعى البائع التبرّي من العيوب بعد ما تصادقا عليه... 446

تاسعها: حكم ما لو ادعى المشتري الثيبوبة بعد اشتراط البكارة... 448

عاشرها: حكم ما لو باع الوكيل معيباً فظهر العيب وصدّقه المشتري في الوكالة... 448

القول في المرابحة وتوابعها... 450

وفيه أُمور:...450

أحدها: في تعريف المرابحة والمواضعة وما يتعلّق بهما من الأحكام... 450

ثانيها: في تعريف المساومة... 451

ثالثها: في تعريف التولية... 451

رابعها: في تعريف التشريك...451

خامسها : اشتراط العلم برأس المال في جميع الأقسام المذكورة... 453

سادسها: وجوب الصدق في الإخبار وعدم الكذب والتورية... 453

سابعها: حكم ما لو ظهر كذب البائع في إخباره برأس المال...454

ثامنها: فيما لو اشترى البائع شيئاً أو أشياء بثمن واحد فليس له الإخبار بشراء الأبعاض بقسطها من الثمن... 456

تاسعها: حكم ما لو ادعى البائع زيادة الثمن على ما أخبر به... 457

عاشرها: جواز شراء المتاع البائعه من مشتريه منه ومن غيره حالاً ومؤجلاً بزيادة مرابحة أو غيرها أو بنقيصة مواضعة أو غيرها أو بمساومة أو بتولية... 457

حادي عشرها: في أن أفضل الأنواع المتقدّمة: المساومة...458

ثاني عشرها: إضافة الربح والوضيعة إلى رأس المال يتبع الفهم العرفي في قدره المحصل بعد الضمّ أو الوضع... 460

فائدة: في أنّه لا يجوز للدلال الإخبار بشراء ما قومه عليه التاجر ليبيعه بتلك القيمة...460

القول في الربا... 462

تعريف الربا لغةً وشرعاً... 462

والكلام في الربا يتم بأمور:... 463

أحدها شمول الربا لكلّ معاوضة... 463

ثانيها: حرمة البيع المشتمل على الربا على العالم به... 465

ثالثها: عدم حرمة الربا بين الوالد وولده والزوج وزوجته والمالك ومملوكه... 469

رابعها: في أنّه لا ربا بين المسلم والحربي من فرق الكفّار...471

خامسها: في أنّه مما يدخل في مفهوم الربا اتحاد الجنس... 472

سادسها: في أنّه من متفق الجنس في باب الربا حكماً، أصل الشيء وفرعه... 474

سابعها: من شرائط تحقق الرباكون العوضين مقدّرين بالكيل أو الوزن... 475

ثامنها : مدار حكم الربا في المكيل والموزون مدار العادة... 476

تاسعها: شمول حرمة الربا للمبيع أصالة وللمبيع تبعاً... 477

عاشرها: تحقق الربا بالزيادة العينية وبزيادة الأجل...477

حادي عشرها : حكم ما إذا اختلفت الأجناس في العوضين المقدرين... 478

ثاني عشرها: فيما إذا انتفى التقدير بالكيل والوزن جاز التفاضل في متحد الجنس نقداً ونسيئة... 479

ثالث عشرها: جواز بيع اليابس بمثله متساوياً وكذا الرطب. بالرطب... 481

رابع عشرها : لا يجوز بيع اللحم بالحيوان المذبوح المماثل له... 483

خامس عشرها: جواز الاحتيال في التخلّص من الربا... 484

القول في الصرف... 487

تعريف الصرف لغةً وشرعاً... 487

والكلام في الصرف يقع في أمور:...488

أحدها: في أنّه يشترط في صحّة الصرف التقابض قبل التفرّق من المتعاقدين بأبدانهما...488

ثانيها: في بيان المراد باشتراط التقابض قبل التفرّق... 489

ثالثها: حكم ما لو تقابضا في البعض خاصة... 490

رابعها: في بيان المدار في التفرق المبطل للصرف... 491

خامسها: حكم ما لو اشترى دراهم بدنانير أو بالعكس ثم اشترى بها جنساً آخر قبل القبض في الشراء الأوّل...491

سادسها: حكم ما لو كان لشخص على شخص آخر أحد النقدين وأراد تحويله إلى نقد آخر...492

سابعها : حكم ما لو كان في أحد النقدين غش متموّل غير مستهلك بحيث لا يصدق عليه اسم المغشوش...494

ثامنها: عدم جواز بيع تراب أحد النقدين بتراب آخر من جنسه ولا بنقد آخر من جنسه مع الجهل بوزنهما أو بوزن أحدهما...495

تاسعها: حرمة نقل المغشوش من النقدين وغيرهما... 496

عاشرها: جواز بيع الأواني المصوغة من النقدين مع معرفة قدر الجملة... 497

حادي عاشرها: في أنّ المحلّى بأحد النقدين تباع الحلّيّة تبعاً للمحلى... 499

ثاني عشرها: عدم جواز إبدال نقد على جهة المعاوضة مطلقاً بنقد آخر مع تساوي الجنس... 500

ثالث عشرها: تراب الصياغة المجتمع من النقدين يباع بهما وبغيرهما... 502

رابع عشرها: عدم وجوب إعادة الزيادات المتعارفة في الموازين بالنسبة إلى النقود المبيعة بعضها ببعض...505

خامس عشرها: حكم ما لو ظهر في المبيع أو الثمن في الصرف وغيره من غير الجنس... 507

سادس عشرها: حكم ما لو تلف أحد العوضين من النقدين أو كلّ منهما ثم ظهر من غير الجنس...511

سابع عشرها: في أنّه يجوز لمن عليه نقد لآخر وكذا للآخر عليه نقد لصاحبه أن يتبايعا ما في ذممهما نقداً بنقد... 512

القول في بيع الثمار... 513

الكلام فيه يقع في أمور:...513

أحدها: عدم صحّة بيع المعدوم من الثمار مع عدم وجود أصله. مع عدم وجود أصله ومادته مطلقا.....513

ثانيها: حكم بيع الثمار مع الضميمة سنةً واحدةً... 516

ثالثها: حكم بيع الثمر أزيد من عام واحد بمعنى أزيد من ثمرة واحدة... 517

رابعها: جواز بیع ما بدا صلاحه بلا شرط... 518

خامسها: جواز بيع ثمر النخل وغيره بعد الظهور مع انضمام شيء إليها... 521

سادسها: فيما لو أدرك بعض ثمرة النخلة أو بعض ثمرة بستان واحد جاز بيعها أجمع... 523

سابعها: عدم الفرق بين ثمر النخل وغيره من ثمر الشجر أو الخضر في المنع من بیعه قبل ظهوره...524

ثامنها: جواز بيع حب الزرع بعد ظهوره وبيع الزرع نفسه وبيعه بعد ظهوره... 524

تاسعها: عدم جواز بيع الخضر قبل ظهورها وجوازه بعده... 526

عاشرها: في بيان حق المارّة... 527

حادي عشرها: حرمة المحاقلة والمزابنة وتفسيرهما... 530

ثاني عشرها: جواز العرية... 533

ثالث عشرها : حكم ما إذا كان بين اثنين أو جماعة ثمرة نخل أو شجر فتقبل أحدهما بحصة صاحبه بثمن معلوم القدر منها أو من غيرها...534

رابع عشرها: حكم ما لو اشترى ثمرة أو زرعاً بشرط القطع... 535

خامس عشرها: فيما يتعلّق بمشتري الثمرة وصاحب الأصل من سقي الشجرة وغيره من الأحكام... 537

سادس عشرها: جواز بيع الثمرة كسراً مشاعاً...538

سابع عشرها: حكم ما إذا باع الثمرة فتلفت قبل التخلية كلاً أو بعضاً... 538

القول في بيع الحيوان... 540

والكلام فيه في مباحث:... 540

أحدها: جواز ملك الكافر أصالة أو تبعاً إذا كان خالياً عن ذمام أو عهد أو أمان وكذا استرقاقه...540

ثانيها: صحه تملك كلّ من الزوجين الآخر دواماً ومتعة وكذا المحلل له ما لم يختلفا في الإسلام وعدمه...543

ثالثها: جواز تملك الرجل كلّ قريب وبعيد له بعلقة النسب وانعتاقه عليه بعد ملكه آناً مّا... 544

رابعها: في أنّ ما يؤخذ من مال الحربيين بغير إذن الإمام أو منصوبه فهو لآخذه وفيه الخمس...547

خامسها: جواز ابتیاع بعض الحيوان الحي بشرط الإشاعة... 549

سادسها: حكم ما لو اشترك شخصان في شراء حيوان مع شرط وشرط أحدهما الرأس والجلد دون الآخر...552

سابعها: حكم ما لو قال شخص لآخر : اشتر حيواناً أو هذا الحيوان بشركتي معك فاشتراه لهما...553

ثامنها: جواز النظر إلى وجه المملوكة ومحاسنها إذا أراد شراءها من غير تلذذ ولا ريبة...555

تاسعها: في أنّ العبد بجميع أصنافه لا يملك شيئاً مطلقاً... 555

عاشرها: في أنّه لو باع العبد مالكه أو نقله مطلقاً وكان بيده مال كان المال للبائع إلا أن يشترطه المشتري...561

حادي عشرها: عدم صحّة جعالة العبد لو جعل لغيره جغلاً على شرائه... 562

ثاني عشرها: حكم ما إذا تجدّد في الحيوان عيب بعد العقد وقبل القبض... 563

ثالث عشرها: حمل الحيوان للبائع مع اشتراطه... 566

رابع عشرها: حرمة بيع الأمة الموطوءة قبل استبرائها بحيضة تامة... 567

خامس عشرها: حرمة وطء الأمة الحامل من غيره...574

سادس عشرها: كراهة التفرقة بين الأطفال وأُمهاتهم النسبية...579

سابع عشرها: حكم ما إذا ظهر استحقاق الأمة الموطوءة لغير الواطئ... 581

ثامن عشرها: في أنّ كلّ مالٍ اشتري فظهر أنّه مسروق وجب على المشتري ردّه فوراً إلى أهله...585

تاسع عشرها: عدم صحّة بيع عبد من عبدين أو من عبيد...587

العشرون: حكم ما إذا وطئ أحد الشركاء في الأمةِ الأمةَ... 589

الواحد والعشرون: حكم ما إذا اشترى كلّ من العبدين المأذون لهما بالتصرف صاحبه من مولاه لنفسه...594

الثاني والعشرون: فيما يتعلق بما ورد من رجل دفع إلى عبد لقوم مأذون له في التجارة ألف درهم فقال له: اشتر بهما نسمةً فأعتقها عني وحج عنّي بالباقي... 596

القول في السَّلَم... 600

معنى السَّلَم لغةً وشرعاً... 600

الكلام في السلم يفتقر إلى بيان أُمور:...603

أولها: اشتراط المعلومية بالجنس والوصف في السلم...603

ثانيها: عدم صحّة السلم في كلّ ما لا ينضبط وصفه... 605

ثالثها: اشتراط الحلول في ثمن السلم...611

رابعها: اشتراط قبض ثمن السلم في المجلس... 612

خامسها: اشتراط كون المسلم فيه كلّيّاً... 614

سادسها: اشتراط كون ثمن السلم معلوماً بالنوع والوصف والقدر... 614

سابعها: اشتراط الضبط بالكيل أو الوزن في المسلّم فيه... 615

ثامنها: اشتراط التأجيل إلى أجل معلوم مضبوط في المسلم فيه... 617

تاسعها: في أنّه لابد من حراسة الأجل من الجهالة...618

عاشرها : اشتراط إمكان وجود المسلم فيه عند حلول الأجل... 621

حادي عشرها: وجود المسلم فيه عند حلول الأجل شرط للسلم حين العقد وإن تأخر حصوله...622

ثاني عشرها: جواز اشتراط السائغ في عقد السلم... 625

ثالث عشرها : حكم ما إذا دفع المسلم إليه المبيع قبل الحلول...626

رابع عشرها: فيما إذا حلّ الأجل وجب على المسلم إليه الدفع عند المطالبة... 627

خامس عشرها : حكم ما إذا دفع المسلم إليه من غير الجنس بنيّة الوفاء...628

سادس عشرها: حكم ما لو أسلم في كيل وشرط مكيالاً معيناً...629

سابع عشرها: عدم جواز بيع السلم قبل حلول أجله على من هو عليه أو على غيره... 629

ثامن عشرها: جواز بيع السلم بعد حلول أجله يسري لكل دين مؤجل قد أحل أجله... 633

تاسع عشرها: جواز بیع مال السلم قبل قبضه بعين حاضرة... 634

العشرون: عدم وجوب ذكر موضع التسليم في غير السلم من العقود الحالة أو المؤجلة... 634

الحادي والعشرون: حكم ما إذا وجد المسلم في المسلم فيه عيباً من غير الجنس بعد قبضه... 636

الثاني والعشرون: حكم ما لو اختلف المسلم والمسلم إليه في أصل القبض أو في كونه قبل التفرّق أو بعده.... 638

الثالث والعشرون: حكم ما لو أسلم مسلم إلى مسلم في عبد مسلم فارتد المسلم أو المسلم إليه... 639

كتاب التجارة

كتاب التجارة

الكلام في العقود

إشارة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم وبه نستعين

العقد في الأصل: العهد الموثق من الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال بينهما، والمراد بها هنا كما هو عند الشارع أو المتشرّعة -: صيغ خاصة - بجعل الشارع أو تقريره - لها آثار خاصة لفظية أو ما قام مقامها صادرة من طرفين حقيقة أو حكماً، مقرونة برضاهما وقصدهما حقيقة أو حكماً.

والمعروف إطلاقها على الألفاظ دون الأفعال ودون مدلولات الألفاظ، بل إطلاقها على غير الألفاظ يكون مجازاً وإن أُطلقت أسماء أفرادها على غير الألفاظ حقيقةً، ولا ملازمة.

ومن العقود كتاب التجارة، ويراد بها هنا النقل بالبيع، أو بنفس الصيغة وتوابعه، وذكر غيره فيه استطراداً.

ولا يراد بها ما هو المعنى المعروف لها من المعاوضة مطلقاً بطلب الربح وزائداً على رأس المال، كما هو ظاهر الكتاب والسنّة، ولا المعاوضة مطلقاً، ولا المعاوضة على الأعيان مطلقاً أو مع طلب الربح، ولا البيع المقيد بذلك، ولا الصناعة والحرفة، ولا نفس الأعيان كما تطلق عليها مجازاً، ولا الاكتساب بالملك والتمليك مطلقاً، ولا مع ملاحظة الربح، وإن كان في كثير منها يمكن القول بالاشتراك.

والكلام هنا يقع في مطالب تشترك فيها جملة من العقود أو أكثرها أو كلها، ثم الكلام على البيع إن شاء اللّه تعالى.

المطلب الأوّل

إشارة:

يشتمل على فصول:

أحدها: عدم تعلّق الأحكام الخمسة بالأعيان بل بفعل المكلّف

أحدها: الأحكام الخمسة لا تتعلّق بالأعيان، بل بفعل المكلف، وما تعلّق به الحكم من الأعيان فهو من باب المجاز.

والفعل المتعلّق بالاكتساب ينقسم باعتبار جهاته إلى الأحكام الخمسة، إلا أن تعلق الواجب والمندوب بالمكاسب بمجرد الجهة المقتضية لوجوب التكسّب أو ندبه، كوفاء دَيْنٍ أو نفقة واجبة أو للتوسعة على عياله، أو لطلب الرزق، وتعلّق الثلاثة الباقية لخصوصية في نفس النقل أو المنقول، كالنهي عن بيع المنابذة (1)، والنهي عن بيع النجس، والنهي عن بيع المزابنة (2)والمحاقلة (3)، وكراهة بيع الطفل دون أُمه، وكراهة البيع في أوقات معلومة أو أحوال معلومة.

ثانيها: فيما إذا تعلق النهى بالمعاملة أو النهى بصيغته فالظاهر منه الفساد

ثانيها: إذا تعلق لفظ التحريم بالمعاملة أو النهي بصيغته وكان بنفسها أو بجزئها أو بثمنها، فالظاهر منه الفساد؛ للاستقراء، أو للإجماع المنقول، أو لظهوره في الإرشاد إلى فساده، أو لظهوره من حال الناهي الغني، أو لخلوه بعد النهي عن دليل الصحّة والأصل عدمها، وليس النهي مستعملاً في التحريم وفساد المنهي عنه أو الإرشاد إلى فساده؛ لعدم معهودية استعمال اللفظ في معنييه الحقيقيَّين أو الحقيقي والمجازي، بل هو مستعمل في تحريم. الفاسد، لا بمعنى دخول الفاسد في معناه، بل بمعنى أنّه كاشف عن فساده، فليس استعماله في فساد المحرم ولا في التحريم وفساد المحرم بوجه.


1) هي قولك : إذا نبذت متاعك، أو نبذتُ متاعي فقد وجب البيع. مجمع البحرين 3 : 190، «ن ب ذ».

2) هي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر. مجمع البحرين 6 : 260، «ز ب ن».

3) هي بيع الزرع في سنبله بحب من جنسه. مجمع البحرين 5 : 351، «ح ق ل».

ثالثها: فيما يقال من أن تحريم الثمن في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن اللّه إذا حرم شيئاً فقد حرّم ثمنه» دليل على فساد المعاملة

ثالثها: قد يقال: إنّ هنا أصلاً من الأخبار وهو «إنّ اللّه إذا حرم شيئاً فقد حرم ثمنه» (1)و تحريم الثمن دليل على فساد المعاملة؛ لأنّ تحريمه لمكان أنّه لم ينتقل عن صاحبه، لا أنّه حرام على المشتري تعبداً.

ولكن لا يخلو من تأمل؛ فإن كان المراد من تحريم الشيء تحريمه في الجملة، لزم تحريم بيع أكثر الأشياء.

وإن أُريد تحريم المنفعة الظاهرة له - كتحريم الشرب للخمر والأكل للميتة والدم والخنزير - أو جميع المنافع لتسليطه على العين نفسها – كـ«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير» (2)- كان له وجه باستلزام تحريم منفعته الظاهرة أو جميع المنافع لعدم صحّة انتقاله؛ لعود المعاوضة عليه سفها؛ إلا أنّ الرواية غير صحيحة، وهي مبنية على القاعدة المتقدّمة، وهي دلالة التحريم على فساد المنهيّ عنه.

رابعها في أنّ الأصل إباحة المشكوك في جواز استعماله والانتفاع به

رابعها: المشكوك في جواز استعماله والانتفاع به فالأصل إباحته، والمشكوك في ملكيته بعد كونه موضوعاً تحت اليد فيه وجهان:

من أصالة عدم الملك؛ لأنّه حكم شرعي مفتقر إلى الدليل، ولم يثبت أن مجرد دخول الشيء تحت اليد - وكان من المباح دخوله - مملك، غاية ما في الباب أن اليد كاشفة عن ملك ما يملك أو مملكة ما يملك، لا أنّها مثبتة لملك المشكوك في إمكان ملكه أم لا.

ومن أنا لا نعني من الملك إلا السلطنة على ما جاز وضع اليد عليه، وجواز التصرف فيه على كلّ حال، فيجري على ما كان كذلك حكم الأملاك.

والأوّل أقوى.

خامسها: في عدم الملازمة بين صفة الملك والمالية

خامسها: لا ملازمة بين صفة الملك والمالية، فربّ شيء يُعدّ مالاً ولا يملك، وربّ شيء يُعدّ ملكاً ولا يُعدّ مالاً، فعلى ذلك ما كان تحت اليد لا نحكم بمجرد ذلك بالملكية فيه وإن عُدّ مالاً عرفاً، ولا يُحكم بما لا يُعد مالاً بعدم الملك لأجل ذلك.


1) سنن الدارقطني 3 : 7، ح 20.

2) المائدة (5) : 3.

سادسها: في أن الأصل يقضي باختصاص ما كان تحت اليد بصاحبه

سادسها: ما كان تحت اليد فالأصل يقضي باختصاصه بصاحبه، ولا تجوز مزاحمته عليه، سواء عُد مالاً أم لا، وسواء قلنا بملكه أم لا.

أما على القول بملكه فظاهر.

وأما على القول بعدمه: فلأنّ مزاحمته ظلم وعدوان، ولأنّ للسابق حقاً فلا يجوز دفعه عنه، ولكل امرئ ما سعى.

سابعها: في جواز المعاوضة على رفع اليد عن الاختصاص بصلح وشبهه

سابعها: أن المعاوضة على رفع اليد عن الاختصاص جائزة بصلح وشبهه؛ لعموم أدلته، ولعدم عده سفها، سواء في ذلك ما يتموّل وغيره.

ثامنها: في عدم الملازمة بين الملك وبين جواز النقل والتمليك في المشكوك بجواز نقله وتمليكه

ثامنها: لا ملازمة بين الملك وبين جواز النقل والتمليك فى المشكوك بجواز نقله وتمليكه؛ لأصالة العدم، سواء كان النقل بمعاوضةٍ أو مجاناً؛ لأنّ النقل بأسباب شرعية، فلا بد من القطع بحصول السبب، وعمومات الصلح والبيع لا تدلّ إلا على أنّ القابل للنقل يجوز أن ينقل بالبيع والصلح، وأنهما سببان للنقل، وليس مساق أدلتهما كـ(أحَلَّ اللّه البَيْعَ) (1)و «الصلح جائز» (2)قاضياً بجواز بيع كلّ شيء مشكوك بنقله وانتقاله.

وبالجملة، فهما مبنيّان للنقل، لا قاضيان ببيان ما يُنقل وما لا يُنقل. وقد يحتمل ذلك، كما استدل بعض الفقهاء (3)على جواز نقل المشكوك بانتقاله بعمومات (أوْفُوا بِالعُقُودِ) (4)وبـ(أحَلَّ اللّه البَيْعَ﴾ (5)إِلَّا أَنَّ الأوّل أوجه.

تاسعها: في عدم الملازمة بين جواز النقل مطلقاً وجواز المعاوضة عليه

تاسعها: لا ملازمة بين جواز النقل مطلقاً وبين جواز المعاوضة عليه؛ لتوقفه على عدم ما لا يقابل بالعوض، والأصل في المشكوك به عدم المالية وعدم التموّل، والاستناد لعموم الأدلّة منظور فيه كما قدمنا.


1) البقرة (2) : 275.

2) وسائل الشيعة 18 : 432، الباب 3 من أبواب كتاب الصلح، ح 1، 2.

3) مثل العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 42، المسألة 4.

4) المائدة (5) : 1.

5) البقرة (2) : 275.

عاشرها: في عدم جواز استعمال الأعيان النجسة

عاشرها: الأعيان النجسة أصالةً - كالخمر والنبيذ والفقاع والخنزير والميتة والدم مما لا يقبل التطهير - لا يجوز استعمالها فيما يُعدّ استعمالاً وانتفاعاً يعود للمنتفع؛ لعموم الأدلّة كتاباً (1)وسنّة (2).

نعم، يجوز الانتفاع بها في المنافع الخارجة التي تؤدّي إلى إتلافها كإحراقها بالنار فينتفع بتلك النار، أو يدهن بها بعض الحيوانات، أو يصلح بها بعض المزارع والنخل، مع احتمال المنع مطلقاً سيّما في الميتة؛ لخصوص الأخبار الدالة على حرمة الانتفاع بشيءٍ منها (3).

وهل يجري عليها حكم الاختصاص ؟ الوجه : نعم فيما جاز اقتناؤه وجاز الانتفاع به بوجه من الوجوه، وإلا فلا اختصاص.

وأما صفة الملك والتمليك فلا يتعلّق بهما مطلقاً؛ لعموم الأدلّة والإجماع.

حادي عشرها: في أنّ كلّ ما يقبل التطهير يملك ويجوز نقله

حادي عشرها: كلّ ما يقبل التطهير يملك ويجوز نقله؛ لعدم شمول أدلّة المنع له، كالكافر بالإسلام والعصير بالنقص، بل قد يدعى أنّ العبد المرتد الفطري يجوز تملكه وتمليكه وإن كان نجساً عيناً ولا تقبل توبته ظاهراً ولا باطناً؛ لانصراف دليل المنع من ملك الأعيان النجسة وتمليكها لما كانت نجاسته تمنع الانتفاع به مطلقاً أو المنفعة الظاهرة، أو العبد الكافر لا تمنع النجاسة منفعة من منافعه الظاهرة وجواز قتله لا يلزم منه كون المعاوضة عليه سفها. ولكن الأوجه الأوّل.

ثاني عشرها: في جواز استعمال المائع المتنجس بالعارض إن قبل التطهير

ثاني عشرها: المائع المتنجس بالعارض إن قبل التطهير قبل جموده بالاتصال كالماء المطلق وبعض المائعات على قول - أو بعد جموده ولو ظاهراً - كالذهب والفضة والقير، والطين لو صار خزفاً، والعجين لو جفّف وكذا الطين ووضعا في ماء كثير - جاز استعماله وملكه وتمليكه بعوض وبدونه؛ لعدم انصراف أدلة المنع لمثله.

واحتمل المنع من ذلك مطلقاً؛ أخذاً بالإطلاق، وهو بعيد.


1) المائدة (5) : 3.

2) وسائل الشيعة 17 : 84، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

3) المصدر 24 : 184، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

وإن لم يقبل التطهير، فإن لم تمنع نجاسته الانتفاع به في الجهة المقصودة منه جاز استعماله وملكه والمعاوضة عليه؛ لعدم انصراف دليل المنع إلى ذلك؛ لأنّه ليس تعبداً محضاً، وعموم أدلة الجواز شاملة له، والإجماعات المنقولة منصرفة إلى المائع الذي تبطل النجاسة منفعته المقصودة أو جميع منافعه.

فحينئذٍ لا بأس ببيع الأصباغ لو طرأت عليها نجاسة عارضيّة، وكذا الصابون مائعاً أو جمد بعد ذلك؛ لاستصحاب ملكها السابق وعدم القطع بالمزيل، وشمول أدلة العقود والبيوع لها، وانصراف أدلّة المنع لغيرها ممّا يمنع الانتفاع به مع نجاسته.

ثالث عشرها: في أنّ الدهن لو أصابته نجاسة عارضيّة وأبطلت الانتفاع به خرج عن الملكية وجاز استعماله

ثالث عشرها: الدهن - ويلحق به الشحم المذاب والشمع والنفط - لو أصابته نجاسة عارضيّة، فإن أبطلت الانتفاع به بالاستصباح مطلقاً أو تحت السماء خرج عن الملكية، وإن لم يخرج عن الاختصاص وجواز الاستعمال والانتفاع فلا تصحّ المعاوضة عليه ولا تمليكه مجاناً، وجاز استعماله؛ للأصل، وانصراف أدلّة المنع للاستعمال الباعث على عدم الاكتراث بالنجس وعدم المبالاة به أو المؤدّي إلى معاملته معاملة الأملاك.

نعم، يستثنى من ذلك دهن الميتة المتخذ من شحمها، فإنّ استعماله والانتفاع به ممنوع كتاباً (1)وسنّةً (2)وإجماعاً، سوى ما لا يعدّ عرفاً استعمالاً وانتفاعاً.

ولا يشترط في الاستصباح به كونه تحت السماء؛ للأصل، ولعدم زوال منفعته بالنجاسة، ولإطلاق الأخبار (3)المتكثّرة في مقام البيان، فلا يقيدها الضعيف من المراسيل (4)، والإجماع المنقول على لسان بعض (5)، وكذا الشهرة المنقولة على لسان جماعة (6)، وكان ذلك محمولاً على الندب.

والتعليل بنجاسة السقف بعيد والتعبد مفتقر إلى ما يقاوم تلك الأخبار، وليس فليس.


1) البقرة (2) : 173: المائدة (5) : 3: النحل (16) : 115.

2) وسائل الشيعة 24 : 71، الباب 30 من أبواب الذبائح، ح 1، 2 و 184 الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة، ح 1.

3) المصدر،17 : 97، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به و 24 : 195، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة، ح 3 - 5.

4) المبسوط 6: 283.

5) ابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 222.

6) منهم : الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 120.

وعلى التقييد بذلك فالظاهر إرادة أنّ الضياء تحت السماء لا المستضيئين.

والظاهر أنّ الشبابيك من الحائل، وكذا الثوب.

ولو استضاؤوا به تحت السقف فَعَل مَنْ أناره أو وضعه حراماً، وأما مَنْ كان مستضيئاً فوجهان.

ولو اشتبه الدهنان ترك الجميع من باب المقدّمة.

ولا يشترط بعد حصول منفعة الاستصباح جعله غايةً للبيع لفظاً أو قصداً من البائع أو المشتري أو كليهما، فلو تركاها بل لو قصد غيرها من المحللات جاز، وإن قصد المحرم ففي الصحّة وعدمها وجهان.

وهل يشترط في الاستصباح الاحتياج إليه ؟ فلو استصبح به نهاراً ففي الجواز وجهان. وكذا لو استغنى بالتعذر من ضوء أو بإشراق البدر.

ويجوز استعماله عند الاستصباح بالطبخ عليه وتسخين البدن به.

رابع عشرها : حكم ما لو تقابل المجتهدان المختلفان في التقييد والإطلاق وكان الدهن لا قابلية له للاستصباح

رابع عشرها: لو تقابل المجتهدان المختلفان في التقييد والإطلاق، وكان الدهن لا قابلية له للاستصباح تحت السماء بطل العقد بينهما على الأظهر.

وكذا الحكم في كلّ مختلفين في الاجتهاد؛ لأنّ العقد لا يصح من جانب ويبطل من الآخر، مع احتمال صحّة من أفتى بصحته، والأصل الصحّة، فيكون العقد كلّه صحيحاً من جانب وكله باطلاً من جانب آخر، ولا بأس بذلك.

خامس عشرها: في عدم جواز تملك عذرة الإنسان وغيره من نجس العين

خامس عشرها: لا تملك عذرة الإنسان ولا كلّ عذرة نجس العين، فلا تصحّ المعاوضة عليها ولا نقلها.

نعم، يتعلّق بها حق الاختصاص لو كان لها منفعة تصرف إليها.

ويجوز استعمالها والانتفاع بها لتسخين الحمّامات وتسميد الخضر والزرع.

نعم، تُمنع الاستعمالات المؤدية إلى عدم الاعتناء بالدين وعدم المبالاة بالنجاسة أو ما يعود للبدن منها.

وما دلّ على جواز بيع العذرة (1)محمول على عذرة ما يؤكل لحمه، والميل إليه بعيد.


1) وسائل الشيعة 17 : 175، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، ح 2، 3.

نعم، يجوز الصلح على رفع حق الاختصاص منها لو كانت تحت يد مَنْ له غرض بالانتفاع بها، وأما صاحبها من حيث إنّه صاحبها فالظاهر أنّه لا اختصاص له بها.

سادس عشرها: في جواز استعمال النجس تقيّةً أو لمرض أو اضطراراً

سادس عشرها: يجوز استعمال النجس في الجهة المنهي عنها لمكان تقية أو مرض أو اضطرار، كأكل الميتة في المخمصة وكشرب الخمر للتداوي به، ونحو ذلك؛ لأنّ حفظ النفس أهم من اجتناب المنهي عنه، كما يشعر به الكتاب (1)والسنّة (2).

ويشترط في التداوي به انحصار الدواء به، والقطع أو الظنّ العادي أو المأخوذ من خبر عدلين أو طبيب حاذق مأمون بنفعه، وحصول البرء به، وكون المرض مضراً ضرراً لا يتحمّل عادةً.

و «ما جعل اللّه في محرّم شفاءً» (3)متروك، ولا محرّم عند التداوي به باقٍ على تحريمه.

سابع عشرها : في لزوم إعلام نجاسة المبيع للمشتري

سابع عشرها: بيع النجس المائع أو الجامد في مقام جوازه إذا كان مأكولاً أو مشروباً يجب الإعلام بنجاسته للمشتري، ويجب على المشتري لو كان ذا يد وكيلاً أو أصيلاً؛ لحصول الضرر منه على مشتريه إما واقعاً إن قلنا: إنّ في النجاسة سمية واقعية، وإما لخوف العاقبة من الأذية الحاصلة منه بعد العلم به، وللأخبار الآمرة بالإعلام الواردة في الدهن النجس (4).

ولا يجوز دفع النجس للأكل والشرب لعياله وأطفاله وأضيافه؛ لأنّه من المنكر والإغراء بالقبيح.

وما ورد من النهي عن الإخبار بنجاسة البدن أو الثوب (5)محمول على ما لا يؤدي إلى استعماله في الأكل والشرب، أو إلى ما لا يدفعه الإنسان لغيره مما ظاهره الطهارة.

ثامن عشرها في عدم جواز بيع النجس على مستحلّيه مطلقاً

ثامن عشرها: لا يجوز النجس على مستحلّيه مطلقاً. وما ورد من الجواز (6)غير بيع معمول به.


1) الأنعام (6) : 119.

2) وسائل الشيعة 24 : 99، الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة.

3) المصدر 25 : 349، الباب 21 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 1.

4) المصدر 7: 98، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، ح 3 - 5.

5) المصدر 3 : 487، الباب 47 من أبواب النجاسات.

6) المصدر 17 : 100، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

ولا يجوز بيع المخلوط من المذكى والميتة ولا من جلودها، وما ورد من الجواز (1)متروك أو محمول على التقيّة.

تاسع عشرها: في جواز الانتفاع بالأرواث والأبوال الطاهرة وبيعها

تاسع عشرها: يجوز الانتفاع بالأروات الطاهرة وبيعها؛ لحصول النفع بها من غير معارض، فتشملها أدلّة العقود والبيوع.

وما ورد من النهي (2)محمول على النجس منها، وخصوص الأدلّة تقضي بها أيضاً.

وأما الأبوال الطاهرة فيجوز الانتفاع بها؛ للأصل من غير معارض، بل يجوز بيعها إذا كانت لها منافع مقصودة؛ لعموم الأدلّة.

وما لم تكن له منفعة ظاهرة لا يجوز نقله وانتقاله وإن جرى حكم الاختصاص عليه.

وهل تتعلّق به صفة الملك ؟ وجهان.

وفي جواز شربها اختياراً قولان، أرجحهما العدم؛ لاستخبائها عرفاً، إلا بول الإبل فلا يبعد جواز شربه؛ لعدم استخباثه عند أهله، ولخصوص الروايات (3)الواردة فيه من غير معارض.

وقد يخص جواز شربه بالاستشفاء وإن لم ينحصر فيه الدواء، فيجوز بيعه لتلك الجهة أو مطلقاً.

بل قد يقال: إن بيع غير بول الإبل غير جائز وإن حصلت معه منفعة؛ لأنّ منافعه نادرة، والمنافع النادرة لا تبيح الاكتساب، فيدخل تحت ما لا نفع فيه، ولأن منفعته الظاهرة منهي عنها كما تقدم، و «إنّ اللّه إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» (4).

ولا يرد أنّ منفعة العقاقير نادرة فلا ينبغي أن تباع.

لأنا نقول في العقاقير: إنّ منفعتها نادرة الوجود والوقوع بعد كونها منفعةً، وهذه نفعها نادر الوجود والوقوع لقلة الانتفاع بها مع الحاجة لا لقلة الحاجة إلى الانتفاع بها، والفرق ظاهر.


1) وسائل الشيعة :17: 99، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، ح 201.

2) المصدر : 175، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1.

3) المصدر 25: 113 - 115، الباب 59 من أبواب الأطعمة المباحة، ح 1 - 3، 7.

4) تقدَّم تخريجه في الهامش (1) من ص 29.

ومن الفقهاء مَنْ مَنَع بيع الأبوال مطلقاً (1).

ومنهم مَنْ أجازه مطلقاً وأجاز شربها، ومنع الاستخباث المدعى فيها (2)استناداً إلى الأخبار المجوّزة لشربها (3).

ومنهم من أجاز بيع العذرة مطلقاً (4)للأخبار المجوّزة (5)، ولأنّ لها نفعاً في الجملة.

ومنهم مَنْ مَنَعها مطلقاً (6)للأخبار المانعة (7).

ومنهم مَنْ حمل الأخبار المانعة على اختلاف البلدان، أو التقيّة (8).

ومنهم مَنْ فرّق بين عذرة الإنسان فمَنَعها، وبين غيرها [ فأجازها ] مطلقاً(9).

ومنهم مَنْ فرّق بين عذرة غير مأكول اللحم فمَنَعها مطلقاً، وبين غيرها فأجازها مطلقاً(10)للأخبار الدالة على جواز بيع العذرة (11).

ومنهم مَنْ مَنَع من بيع الأرواث مطلقاً (12)لأنّ اللّه إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، والأرواث محرمة الأكل كالطحال والذكر.

ومنهم مَنْ خصّ المنع بالنجس (13)لأنّ الروث لا يستلزم حرمة أكله حرمة بيعه؛ لأنّه ليس معدّاً للأكل.

واستند في المنع في كثير مما تقدَّم إلى عدم المالية عرفاً، وقد عرفت أن عدمها لا ينافي الملك والتمليك وإن نافى المعاوضة والضمان بالقيمة أو المثل.

وبعد التأمل والنظر لا يمكن المحيص عمّا بنينا عليه.


1) المقنعة : 587: المراسم : 170.

2) السرائر 2 : 219.

3) وسائل الشيعة 3 : 410، الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 15 17 و 25 : 113 الباب 59 من أبواب الأطعمة المباحة.

4) راجع الهامش (2).

5) وسائل الشيعة 17 : 175، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، ح 2. 3.

6) راجع الهامش (1).

7) وسائل الشيعة 17 : 175، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، ح 1، 2.

8) حكاه المجلسي عن والده في ملاذ الأخيار 10: 379، ذیل الحدیث 202.

9) تهذيب الأحكام 6 : 372، ذيل الحديث 1080؛ الاستبصار 3 : 560، ذيل الحديث 182.

10) الخلاف 3 : 185، المسألة 310؛ السرائر 2 : 219؛ مختلف الشيعة 5: 38، المسألة 2.

11) راجع الهامش (5).

12) راجع الهامش (1).

13) راجع شرائع الإسلام 2 : 3 ومسالك الأفهام 3 : 121 - 122.

العشرون: في الأصل تحريم الخبائث وتحليل الطيبات

العشرون: الأصل تحريم الخبائث وتحليل الطيبات، فالمعلوم من أحدهما بالرجوع لأهل العرف فلا كلام فيه، والمشكوك فيه يرجع إلى أصل الحل؛ لتعارض أصلي العدم في كلّ منهما، سواء كان المشتبه ابتداءً أو كان مشتبهاً في غير محصورٍ.

وهل بين الطيب والخبيث واسطة، أو كلّ ما ليس بخبيث فهو طيب، أو بالعكس ؟ ويترتب على ذلك أحكام:

منها: أنّ كلّ ما أُعد للأكل والشرب وكان خبيثاً حرم ثمنه؛ لأن اللّه إذا حرم شيئاً حرّم

ثمنه، فيلزم تحريم المعاملة اللازم لفسادها شرعاً.

الحادي والعشرون: في أنّ النهي المتعلّق بالكل متعلّق بالأجزاء التزاماً عرفياً

الحادي والعشرون: النهي المتعلّق بالكل متعلّق بالأجزاء التزاماً عرفياً ما لم يتبين أنّ المراد الكلّ بشرط الانضمام والاجتماع، فالنهي عن بيع الميتة نهي عن جميع ما حلّه الموت من الأجزاء، وكذا النهي عن بيع الكلب والخنزير، إلا أن الفرق بينهما أن ما لا تحلّه الحياة من الميتة لا يدخل تحت إطلاق الميتة؛ لأنّ الظاهر منه هو مجموع ما لا تحلّه الحياة منها، أو المراد جميعها وخرج ما لا تحلّه الحياة بالدليل الدال على طهارته وجواز الانتفاع به.

فعلى ذلك لا يخرج عن الملك ما ينتفع به من الميتة من عظم وشبهه، ويجوز نقله إذا كان فيه نفع يُعتد به، بل لو باع الميتة أجمع تبعضت الصفقة على المشتري بالنسبة إلى ما لا يملك منها وما يملك.

وأما ما لا تحلّه الحياة من الكلب والخنزير فحكمه حكم ما حلّته الحياة.

الثاني والعشرون: في جواز ملك ما ينتفع به من ميتة غير ذي النفس السائلة وكذا بيعه وشراؤه

الثاني والعشرون ميتة غير ذي النفس السائلة يجوز ملك ما ينتفع به منها وبيعه وشراؤه كدهن السمك والضفادع وبعض لحومها للأدوية، وتحريم أكله للاستخباث لا يستلزم حرمة بيعه؛ لعدم انحصار منفعته الظاهرة في الأكل.

الثالث والعشرون: في حرمة اللهو واقتناء الآلات المعدة له واستعمالها ونقلها وانتقالها بعوض وبدونه

الثالث والعشرون: اللهو - الذي من شأنه أن ينسي ذكر اللّه تعالى وعبادته، ويلهي عن اكتساب الخير والرزق - حرام، سواء كان بآلةٍ أو بدونها، كالرقص وبعض أنواع الصفق، واقتناء

بعض الطيور واللعب بها، وصيد اللهو، وما هو المفهوم من ذم اللهو واللعب في الكتاب (1)والسنّة (2)، ولأنّه لو وزن الحقّ والباطل لكان من الباطل.

ويحرم اقتناء الآلات المعدة له المختصة منافعها الظاهرة به وإن أمكن الانتفاع نادراً بها بغيره، كالطبل في غير الضرورة ومقام الحرب، والمزامير والرباب والسنطور والناقوس، بل ربما يلحق بها المراصع والشاخات والطربة والقلل، بل الكعاب المعمولة للّهو.

ويحرم استعمالها ونقلها وانتقالها بعوض وبدونه؛ للأخبار (3)والإجماع المنجبرين بالشهرة المحصلة.

ويلحق بذلك آلات الخمر والقمار والشطرنج والنرد والأربعة عشر، بل أواني الذهب والفضّة، والدراهم الزيوف والدنانير كذلك، والجواهر المغشوشة ونحو ذلك.

ولو باع المادة مجرّدةً عن الصورة لم يصحّ.

ولو شرط على المشتري أن يكسرها هو قبل الإقباض، أو أن يكسرها المشتري لو كان عدلاً، أو يتلفها لم يصحّ؛ لتعلّق النهي ببيعها على جهة الإطلاق، مع احتمال الصحّة سيّما لو علم أن المشتري يكسرها فوراً.

والأقرب فورية وجوب كسرها.

ويجب على مَنْ تمكن من إتلاف صورتها وإرجاع المادة لمالكها أو عدم منعه منها وبذله لها ذلك.

ولو أتلف المادّة: فإن كان لعدم إمكان إتلاف الصورة بدونها لم يضمن، وإن أمكنه إتلاف الصورة بدون المادة فأتلف المادة فالأقوى ضمانها بالمثل أو القيمة مجرّدةً عن الصورة.

ولو باع الصورة والمادة باسمها بطل البيع، ولم تتبعّض الصفقة. وكذا لو باعهما منفردين. ولا يدخل ملك الصورة في ملك كافر، إلّا المستحل ففيه وجهان.

ولو كانت الآلة ذات جهتين - كبعض الآلات القابلة للهو وظرفية المآكل والمشارب


1) لقمان (31) : 6.

2) وسائل الشيعة 17 : 312 - 326، الأبواب 100 - 103 من أبواب ما يكتسب به.

3) المصدر.

والقابلة للخمر ولغيره - اتبع القصد في الحرمة والحلّ، وفي الصحّة والفساد كلام سيجيء إن شاء اللّه تعالى (1).

الرابع والعشرون: حكم كلّ ما يمكن الاكتساب به في جهتين محلّلة ومحرّمة

الرابع والعشرون: كلّ ما يمكن الاكتساب به في جهتين: محللة ومحرمة اتبع في التحريم والتحليل قصد الناقل أو المنقول إليه أو هما معاً.

وأما الفساد فما تعلّق به نهي أصلي نفسي أو انعقد إجماع على فساده فهو فاسد، وإلا فلا دليل على فساده؛ لأنّ النهي في المعاملة إذا لم يكن أصليّاً نفسياً لا يدلّ شرعاً ولا عرفاً على فساد المعاملة، ولم يقم إجماع على فساد ما نهي عنه لغيره.

فعلى ذلك لو باع الطعام فقصد بائعه أو مشتريه القوة به على الزني، وكذلك اللباس لتحسين الأولاد والزانيات كان حراماً؛ لما فيه من الإعانة على الإثم والعزم على المحرم، ولم يكن فاسداً؛ لعدم الدليل على فساده، حتّى لو أخذ شرطاً لم يفسد لتحريمه، وإنما يفسد لفساد الشرط المحرّم، وفساد الشرط يقضي بفساد المشروط.

وتحرير المسألة: أن المحرّم إما أن يكون معلوماً وقوعه بعد النقل والانتقال ولكنه غير مقصودٍ لهما على سبيل العليّة المصرحة أو المضمرة أو الشرطية كذلك - نعم، يعلم البائع أو أنّه يصنع العنب خمراً بعد انتقاله، أو يعلم المشتري كذلك ولكنه قصده السلطان والملك. نعم، يعلم أنّه لو ملك لوقع منه ذلك فالظاهر أن هذا صحيح، ولا حرمة في نفس النقل والانتقال، ولا يدخل تحت الإعانة المحرّمة؛ لأنّ الظاهر أنّ الإعانات في المشتركات تتوقف على النية، سيّما لو كان الحرام المترتب بعيداً ترتبه، كما إذا باع أرضاً يعلم أن صاحبها يكري لها نهراً أو يغرس فيها عنباً ثمّ يصنع منه خمراً، والسيرة القطعية قاضية بعدم المنع عن ذلك، وإلا لما بيع على الفسقة أكل وشرب وخشب وثياب، وعلى الظلمة دور وفرش وعقار.

وفي الخبر: فيمن يؤجر سفينته ودابته لمن يحمل عليها الخمر والخنازير ؟ قال: «لا بأس» (2).

وفي الآخر : يبيع الخشب ممّن يتخذه برابط ؟ قال: «لا بأس» (3).


1) يأتي في ص 182.

2) وسائل الشيعة 17 : 174، الباب 39 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

3) المصدر : 176، الباب 41 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

وفي ثالث: عن بيع عصير العنب ممّن يجعله خمراً ؟ قال: «تبيعه حلالاً ويجعله ذلك حراماً» (1).

وفي رابع نحو ذلك (2).

وفي خامس: يبيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً ؟ قال: «لا بأس ببيعه» (3).

وفي سادس: «إنا نبيع تمرنا ممن نعلم أنّه يصنعه خمراً» (4).

وفي سابع: «بعه إذا كان عصيراً» قال: إنّه يشتريه منّي عصيراً فيجعله خمراً ؟ قال: «بعته حلالاً فجعله حراماً، أبعده اللّه» (5).

واحتمال طرح هذه الأخبار وحملها على صورة عدم العلم فيما ليس فيها علم، أو حمل العلم على الظنّ فيما فيها ذلك، أو حملها على الجبر، أو على أهل الذمة الذين يرون حلّية ذلك، أو إرادة الخمر المحرّمة، أو غير ذلك كلّه تعسّف وخلاف الظاهر.

وإما أن يكون مظنوناً بالظنّ الشرعي أو العادي، فهما أولى بالجواز من العلم.

نعم، قد يقال بتحريم ما علم بتأديته إلى تلف النفوس وهتك الأعراض، لأنّه مصدر الفساد، ولا يدخل في أدلّة الجواز.

وإما أن يكون مأخوذاً شرطاً منهما أو من أحدهما، فالأقوى هنا: الحرمة والبطلان؛ لأنّ المشروط باطل ببطلان شرطه.

وإما أن يكون شرطاً مضمراً مبنياً عليه العقد، فهو كذلك.

وإما أن يكون داعياً وعلّةً منهما، مصرحاً بها منهما، أو مطوية بينهما لفظاً لا قصداً، أو علة مصرحة من المشتري أو علة مطوية من البائع، فالظاهر الحرمة في جميع هذه؛ لأنّه من المعاونة عرفاً على الإثم أو من التعاون عليه مع اتفاقهما، سيّما في القريب من الفعل كبيع العنب أو العصير أو التمر للخمر أو الخشب للصليب والمباشر هنا وإن كان أقوى من السبب إلا أن الإعانة عرفاً حاصلة.


1) وسائل الشيعة 17 : 230، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

2) المصدر : 231، ح 8.

3) المصدر : 230، ح 5.

4) المصدر: 231، ح 6.

5) وسائل الشيعة 17 : 231 - 232، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به، ح 10.

ولا يرد: أنّ اللّه خلق قوّة المعصية وآلاتها ومقتضياتها وشرائطها ومع ذلك فليس بمعين. قلنا : نعم لو خُلق تلك لمجرّد المعصية لكان معيناً، ولكن خُلق تلك للطاعة، وإن علم صرفها بمعصية فصرفها عبده بسوء اختياره في المعصية، فهو ليس بمعين إلا على الخير والطاعة، فتأمل.

وعلى الشرطية أو العلية المصرح بها منهما أو من البائع أو من المطوية من البائع تُنزّل الأخبار المانعة من بيع الخشب لمن يعمله صليباً (1)، ومن أُجرة البيت فيباع فيه الخمر (2)، أو تحمل على الكراهة، أو على تحريم الأُجرة؛ لأنّها من ثمن الخمر؛ لعدم تصريح الرواية بأنّه باعه لمن يعلم أنّه يبيع فيه الخمر.

وأما الفساد في ذلك فهو قريب مع التصريح بالعلية من البائع أو منهما؛ لظاهر فتوى المشهور والإجماع المنقول (3)وبعض النواهي الأصلية (4).

وأما مع نية البائع فقط فيشكل الحكم بالفساد؛ لعدم تحقق الإجماع، ولعدم التصريح بالنهي في خصوص الصورة الخاصة.

وأما مع نية المشتري فقط فالظاهر أنّه لا تحريم أصلاً؛ للسيرة، وللأخبار المتقدّمة (5)الظاهرة في حصول قصد المشتري للحرام.

الخامس والعشرون: في حرمة بيع السلاح لأعداء الدين

الخامس والعشرون: من جملة مشترك الجهتين بيع السلاح لأعداء الدين - والظاهر أن لهذا خصوصيّةً زائدة على ما تقدَّم من جهة تكثر الأخبار بالنهي عنه (6)- فيحرم، سواء علم أن السلاح يعينهم على المقاتلة أو لم يعلم، بل لو علم بعدم المقاتلة به على إشكال، وسواء كانت الحرب قائمة أم لا، وسواء قصد المشتري ذلك أم لا، وسواء قصد البائع ذلك أم لا.


1) وسائل الشيعة 17: 176، الباب 41 من أبواب ما يكتسب به.

2) المصدر : 174، الباب 39 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

3) رياض المسائل 144:8.

4) أي حرمة الإعانة على الإثم والعدوان.

5) تقدّمت في ص 40.

6) وسائل الشيعة 17 : 101 - 102، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

نعم، لا يبعد أنّه لو كانت هدنة بيننا وبين أعدائنا مرجوّة البقاء مدة يعتد بها، أمكن أن يدور التحريم مدار قصد الإعانة وعدمه من البائع أو منهما معاً.

والأقوى أنّه يفسد مع ذلك؛ لتكثر النواهي الأصلية عنه، وإن ظهر احتمال أنّه لمكان تقويتهم وإعانتهم على الإثم.

وظاهر الأصحاب والإجماع المنقول (1)الفساد.

ويشمل التحريم كلّ سلاح من حديد أو غيره من خشب كالقوس، أو صوف كالذي يصنع لرمي الحجارة، أو عصي معدة للسلاح كالجناة.

وما كان مشتركاً - ككثير من الخشب - اتّبع فيه القصد.

ولا فرق بين النقل المجاني أو بعوض في التحريم والفساد، كما لا فرق بين الأعداء من المسلمين أو الكفّار، بل لو بغى فريق على فريق من الإمامية كان كذلك على إشكال؛ لخروجه عن مورد النصوص.

ولا يشمل لفظ السلاح ما يتقى به من الدرع والبيضة، ولا يجري لما يكون سلاحاً كقوالب الحديد وما يُعد بالفعل من السلاح، ولا يلحق ظروف الأسلحة، في الأسلحة ولو تجرّدت الأسلحة عن ظروفها شملها الحكم، وربما يلحق السرج بالسلاح في رواية (2)، وربما يقيد الحكم بوقت الفتنة كما في رواية أخرى(3)، وهو غير بعيد، إلا أن العمل بالإطلاق وحمل الرواية على تأكد التحريم أظهر.

ولا يبعد كون المعونة للظالمين علمية لا،واقعية، فلو لم يعلمها لم يترتب تحريم ولا فساد، بل لا يبعد أنّ كلّ ما كان تحريمه لنهي مفارق يجتمع معه في الوجود الخارجي يتوقف فساده وحرمته على العلم، بل ربما يدعى أنّه لا يفيد فساداً إلا مع ورود النهي في الأخبار بحيث يعود معه كالنهي الأصلي.

السادس والعشرون: في عدم صحة المعاوضة فيما لا نفع له يعتد به

السادس والعشرون: كلّ ما لا نفع له يعتد به في المعاوضة لذاته أو لخسته أو لقلته - كحبة


1) رياض المسائل 8 : 141.

2) وسائل الشيعة 17 : 101، الباب من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

3) المصدر : 102، ح 4.

حنطة في الأعيان وعمل قليل في المنافع - لا تصحّ المعاوضة عليه؛ لأنّ بذل العوض في مقابله سفه، ومنه ما لا يصح للنقل مطلقاً ولو مجاناً، ومنه ما لا يتعلق به ملك أصلاً، ومنه ما لا يتعلّق به اختصاص، وربما يختلف في اختلاف البلدان والأزمان والأحوال.

ولا بدّ من التأمّل في ذلك، والتمييز بين ما لا نفع فيه أصلاً ورأساً، وبين ما فيه منفعة لكنها غير معتد بها؛ لعدم الاعتناء بها، وبين ما له منفعة ظاهرة، وبين ما له منفعة خفية، وبين ما له منفعة نادرة يندر وقوعها وحكمها حكم المنفعة الظاهرة كمنافع بعض الأدوية.

والفرق بين نادرة الوقوع وبين ما لا يعتد بها ظاهر، والمنفعة الغير المعتد بها حكمها حكم ما ليس له منفعة.

ولا يدور الحكم هنا مدار الحشرات والسباع أو المسوخ أو الفضلات أو نحو ذلك، فيجوز بيع كثير من الطير المشتمل على نفع، والعلق من الدود وزنبور العسل، ودود القز وعظام الفيل، ودهن السمك.

وبالجملة، فالشيء إمّا أن لا تكون له في حدّ ذاته منفعة إلا نادرة لا يعتد بها، كالدود والقمل والبرغوث والبقّ.

وإما أن تكون له منفعة ولكنه مستغنى عن منفعته كبيع الماء على مَنْ هو فيه، والطين على مَنْ هو في محلّه.

أو تكون له منفعة ولكن عرض له عارض عن الانتفاع، كماء البحر لملوحته أو بعض المياه كذلك.

أو تكون له منفعة ولكن لا طريق إلى الوصول إليها، كدار لا طريق لها في الدخول إليها أو بستان كذلك.

أو تكون له منفعة بعد عمله، كالتراب بعد صيرورته أجراً، أو بعد هيئته كوضع الطين على هيئة اللبن أو التربة الحسينية المشرّفة، وعلى غيرها من الهيئات المطلوبة.

أو يكون له نفع ببلد دون آخر أو قوم دون آخرين. وبالجملة، فما لا نفع فيه لا تصحّ المعاوضة عليه إذا كان مسلوب المنفعة بحد ذاته؛ لأنّ شرع العقود لمصالح العباد ولتكسبهم وحصول النفع لهم، ولأنّ بذل العوض به من السفه المرغوب عنه، وأخذه من أكل المال بالباطل.

نعم، يتعلّق به حق الاختصاص ما لم يمنع مانع من جواز اقتنائه، كما قيل في بعض السباع المؤذية، والسموم القاتلة الخالية عن النفع بغير ذلك، والدرياق المركب من خمر ولحم الأفاعي، بل ويتعلّق حق الملك في الكثير من ذلك الأجزاء حكم الأملاك على كثير منها، بل والتمليك المجاني، سوى المعاوضة عليه.

ومن ذلك ما لا تصحّ المعاوضة عليه؛ لقلته، أو لعدم الوصول إليه، مع احتمال أن القليل تصلح المعاوضة عليه بالمثل وإن لم تصلح بالقيمة، كما يصلح نقله وانتقاله مجاناً.

وقد ذكروا هنا المسوخ والسباع والحشرات وبعض الحيوانات الصغار، فمنع جماعة (1)من بيع السباع كلها، وجوّز آخرون (2)بيعها كلها، وثالث (3)جعل الأمر دائراً مدار النفع، ورابع (4)استثنى الفهود و خامس (5)ما يصاد به وسادس(6)الهرّة وجوارح الطير.

وفي جملة من الأخبار تجويز بيع الهرة والفهد وسباع الطير وجلود السباع والسباع وجلد النمر (7)، وهو دليل على جواز بيع ما اشتمل على نفع في جلده أو صوفه أو عظمه، والانتفاع به بجلده دليل على طهارته وجواز بيعه.

وأما المسوخ فهو الحيوان المبدل من صورة إلى أقبح منها، ويقال: إنّه لا يبقى أكثر من ثلاثة أيام، فالموجود اليوم إمّا مواليدها إن كان لها مواليد، أو الحيوان الذي على صورتها المتقدم عليها خلقاً كما هو الظاهر أو المتأخر عنها خلقاً، فذهب الشيخ إلى تحريم بيعها مطلقاً (8)، بناءً على نجاستها.

وهو ضعيف؛ لضعف المبني عليه، وإجماعه المنقول (9)معارض بما هو أقوى منه.

وفي الأخبار ما يدلّ على جواز بيع عظم الفيل مشطاً (10)، وهو دليل على جواز بيعه حيّاً لمكان عظمه، أو الصلح على عظمه وهو حيّ.


1) منهم : سلار في المراسم : 170.

2) منهم : ابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 220؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 42، المسألة 4.

3) كالشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 166.

4) أيضاً كالشيخ الطوسي في النهاية : 364.

5) كالشيخ المفيد في المقنعة : 589.

6) هو ابن البراج على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 41، المسألة 4، ولم نعثر عليه في المهذب.

7) وسائل الشيعة 17 : 170 و 172 – 173، الباب 37 من أبواب ما يكتسب به، ح 1، 5؛ والباب 38 من تلك الأبواب، ح 1، 2.

8) الخلاف : 184، المسألة 308.

9) الخلاف : 184، المسألة 308.

10) وسائل الشيعة 17 : 171، الباب 37 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

وما يدلّ على جواز استعمال جلود الثعالب والأرانب (1)، وهو دليل على جواز بيعه؛ لأنّه لم يحرم لبسه فلا يحرم ثمنه؛ إذ لا يراد بما إذا حرم اللّه شيئاً حرّم ثمنه بتحريمه ولو من جهةٍ واحدةٍ بديهةً، بل إمّا من كلّ جهةٍ أو من جهة ما حرّم، فعلى ذلك يجوز بيعهما لمكان جلدهما أو الصلح على جلدهما حيّين.

وبالجملة، فما أمكن الانتفاع به من المسوخ يشمله عمومات الأدلّة من العقود والبيوع والإجارات، ونُقل عن العلامة (رَحمهُ اللّه) أنّه يقول: إنّ (أَحَلَّ اللّه البَيْعَ) (2)شامل لجميع أنواع المبيع عند الفقهاء في جميع الأعصار (3)، ويدخل تحت الملك لتحقق السلطان عليه مع وجود نفع يعود لمن تحت يده ولا تجوز مزاحمته ولا رفع يده فهو إما ملك أو اختصاص شبيه الملك.

وربما يقال: إنّه لا فرق مع وجود وجود المنفعة بين حيوان دون آخر اتفاقاً.

فما في بعض الأخبار من النهي عن بيع القرد وشرائه (4)، إما خاص، أو [ محمول] على الكراهة، أو على نيّة اللهو به، أو كاشف عن أنّه لا ينتفع به.

وأما الحشرات: فهي التي لا تحتاج إلى الماء ولا إلى شم الهواء، مثل الحيوانات الصغار كالسلبوح والذباب وما شاكلها، فحكمها كما قدمنا من جواز التكسّب بها مع حصول النفع المعتد به، وعدمه مع عدمه، وتعلّق الاختصاص به بعد وضع اليد عليه؛ لأنّ مزاحمة الواضع ظلم.

وأما الملك فيشكل الحكم فيه؛ لعدم كونه مالاً أو مقتطعاً من مال أو يؤول إلى مال أو يعتدّ به بحيث يعده أهل العرف عداد المملوكات.

ولو شككنا في حيوان أنّه مما ينتفع به أم لا، فالأصل عدم الانتفاع به.

وممّا يعدّ هنا فضلات الإنسان أيضاً من شعره وعرقه وبصاقه، وكذا فضلات غيره من الحيوان ممّا لا نفع له عادةً وإن أمكن الانتفاع نادراً في بعض الفضلات لخاصية فيها عند بعض أهل الخواص أو عند بعض أطباء الحيوان أو أهل الأسرار، أو انتفعت امرأة بشعر أخرى، فإنّ هذه المنافع لا يسوغ معها النقل والانتقال بالعوض، بل ولا التمليك المجاني.


1) وسائل الشيعة 4 : 352، الباب 5 من أبواب لباس المصلي، ح 1.

2) البقرة (2) : 275.

3) مختلف الشيعة 42:5، المسألة 4.

4) وسائل الشيعة 17 : 171، الباب 37 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

وفي حصول الملك في بعضها وجه، كما أنّ الاختصاص في كثير منها لا محيص عنه.

وأما التراب فالظاهر أنّه مما لا يحتاج إليه، فيدخل تحت دليل السفه في وجه، وليس مما لا ينتفع فيه، بل أكثر النفع فيه في عبادات ومعاملات. وكذلك الرمل.

ويجوز بيع النوى وكثير من قشور الفواكه والخضروات والجوز والبندق وإن استغني عنها ما لم يدخل تحت دليل السفه.

وأما بيع الدخان المتصاعد من المملوك حطباً كان أو غيره، أو بيع البخار المتصاعد من الماء المملوك ونحو ذلك فلا يخلو من إشكال ولو أمكن قبضه؛ للشك في دخوله في الملك وحصول الانتفاع به نفعاً يقابل بالعوض.

وقد يقال بمنع بيع الهرّة؛ لعدم قضاء سيرة المسلمين على بيعها مع حاجتهم للتكسب وكثرة تداولها.

وما ورد من جواز بيعها (1)محمول على رفع حق الاختصاص عنها.

ومَنْ ذهب إلى التصدق بثمنها (2)يشير إلى عدم لزوم نقلها وانتقالها.

ويجوز بيع لبن المرأة؛ لأنّه يشتمل على نفع معتدٍّ به، وهو مملوك لها على الأظهر؛ لأنّ الحر يملك منافعه وفوائده.

وهل يجوز نقل لبن الكافرة لتغذية الطفل متصلاً أو منفصلاً لجواز استرضاع الذميّة ؟ وجهان من حصول النفع المعتد به، ومن كونه من المائعات النجسة والأقرب: جوازه تبعاً لا أصالة.

ويجوز بيع لبن الأتان (3)للتداوي به بل كلّ لبن ينتفع به نفعاً يعتد به ولو كان لبن غير مأكول اللحم.

السابع والعشرون: في حرمة الاكتساب بعمل الصور المجسمة

السابع والعشرون: ممّا يحرم الاكتساب به عمل الصور المجسَّمة ذوات الظلّ على شكل حيوان وإنسان أو غيره، صغير أو كبير، حي أو ميت، معيّن بنفسه أو على شكل رجلٍ أو ولد أو بنت أو امرأة كلّيّة؛ للأخبار (4)، والإجماع.


1) وسائل الشيعة 17: 119، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

2) حكاه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 45 المسألة 7 عن ابن البراج، ولم نعثر عليه في المهذب.

3) الأتان : الأنثى من الحمير مجمع البحرين 6 : 197، «أت ن».

4) وسائل الشيعة 17 : 297 - 298، الباب 94 من أبواب ما يكتسب به، ح 6 - 9.

وظاهر المنع فيها مخصوص بالصور ذوات الجسم الذي يمكن أن يقوم بنفسه، فلا اعتبار في الصور الحاصلة الحاصلة من البناء أو الحياكة من مقابلة بعض الأحجار لبعض أو مقابلة بعض المنسوج لبعض، وكذا لا اعتبار بالأصباغ.

وأما الصبغ الذي يشتمل على أجزاء تلصق بالورق أو الحجارة فوجهان: من أنّها لا تقوم بنفسها والأصل الحلّ، ومن أنّها جسم لاصق بجسم وإن خف ولطف، وله ظلّ لو فرضنا قوامه بنفسه.

والمدار على تمام الصورة، فإن نوى عملها حرم عليه ابتداء العمل، وإن نوى الأبعاض بشرط عدم غيرها لم يحرم عليه ابتداء العمل، وإن فعل متردداً في الإتمام وعدمه فوجهان، ولا يبعد التحريم.

وإن اشترك اثنان حرم عليهما معاً عند اجتماعهما، ولو ترتبا احتمل تحريم فعل الأخير فقط، واحتمل تحريم المبتدئ أيضاً إذا كان من نيته أن يبتدئ لعامل آخر يتم العمل.

ولو وجد شخص صورة ناقصة فأتمها، تعلّق التحريم به.

والظاهر أن المدار على ما ظهر من الصورة، فلا اعتبار بالبواطن، فلو لم يكن لها قلب وكرشة أو مصران أو طحال لم يسقط به حكم التحريم.

ولو كانت ناقصة جزء لا ينافي صدق اسم الحيوان عليه، فالظاهر عدم سقوط حكم التحريم.

وكذا لو كان موضوعاً على شكل النادر من الإنسان كالموضوع على ذي حقوين أو ذي رأسين أو نحو ذلك.

وكذا لو كان على شكل أعور أو أعرج أو أعمى على الأظهر.

ولو كان موضوعاً على شكل مبدإ الإنسان كعلقة أو مضغة فوجهان.

ولو عمل أجزاء مفرّقة، فإن نوى تواصلها أو يواصلها الغير حرم الابتداء، وإن لم ينو تعلقت الحرمة بالمواصل.

ولو توهم شكل حيوان ليس على طرزه شيء من الحيوانات الخارجة فصوّره بهذه النية، فلا تحريم على الأظهر.

ولو ركب حيواناً من حيوانين نصفاً ونصفاً أو غيره من الكسور، فإن كان مما وقع في الوجود أو مما يمكن عادةً وجوده حرم، وإلا فوجهان.

ولا اعتبار بالشعر وجوداً وعدماً، ولا بالقرن والأظفار.

ولا يحرم تصوير الأشجار بمجسّم أو غيره، وكذا غير الحيوان مطلقاً؛ لظهور الأخبار في تحريم تصوير ذوات الأرواح.

نعم، لا يبعد تحريم تصوير الجنّ إذا كانت صورهم معلومة، أو الملائكة، أما إذا لم تكن معلومةً ولكنّها مخترعة، كبعض ما يخترعونه من صور السعالي ونحوها من الصور المهولة التي يقرّب الوهم أنّها صورهم، فوجهان. والحلّ قوي بحسب النظر والفقاهة.

وبالجملة، فلا بأس بصورة غير مجسّم لمجسّم أو غيره، سواء كان الجسم حيواناً أو غيره، ولا بأس بصورة مجسمة لغير مجسّم أو لمجسّم ما لم يكن حيواناً.

والأقوى جواز اقتناء الصور مطلقاً، بل استعمالها، بل والتكسب بها بعد عملها لو كان لها نفع يعتد به ما لم تدخل في اسم الملاهي وغيرها من المحرمات، والصور والنقوش في الدور والفرش ممّا جرت عليه سيرة المسلمين.

ولو اشتركت الصورة بين الحيوان وغيره اتبع القصد.

ولا يجب منع الصبيان عن التصوير؛ لعدم كونه مثاراً للفساد.

ويجوز النظر إلى صورة المرأة من غير لذةٍ ولو كانت معيّنة، بل يجوز النظر إلى صورتها المعكوسة في مرآة ونحوها؛ للأصل.

الثامن والعشرون: في حرمة الغناء والاكتساب به

الثامن والعشرون: مما يحرم فعله والاكتساب به الغناء إجماعاً كتاباً (1)وسنّة (2)، بل وعقلاً؛ لأنّه منبع الفساد الذي نهى عنه ربّ العباد.

وهو - كالزنى - حرام لنفسه لا للعوارض اللاحقة له الباعثة على الفساد، كدخول الرجال على النساء، واجتماع الأولاد وحدوث العشق واللواط، أو لاستعمال الملاهي من الرقص وآلات اللهو والضرب بالعود والرباب ونحو ذلك، كما قد يتخيّل، وهو خيال واه مخالف لظواهر الأدلّة بل الإجماع المحصل.


1) الحج (22) : 30: الفرقان (25) : 72: لقمان (31) : 6.

2) وسائل الشيعة 17 : 303، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به.

نعم، ربما يكون ذلك حكمة للحكم لا علة.

والاستناد في جوازه بنفسه إلى بعض الأخبار (1)الضعيفة الموافقة للعامة المخالفة للشهرة بل الإجماع محصّلة ومنقولة (2)، بل الأخبار (3)المتواترة الدالة على النهي عنه بقول مطلق، لا وجه له بالكلية، سواء أراد أن تحريمه مقصور على اقترانه بذلك، أو أراد أن موضوعه موقوف صدقه على ذلك، وكلاهما بديهى البطلان أعاذنا الرحمن من وساوس الشيطان، و من أن حب الشيء يعمي ويصمّ.

ومثل ذلك من قصر تحريمه أو موضوعه - في احتمال - على ما لم يكن في قرآن أو تعزية (4)لأخبار (5)ضعيفة غير قابلة للتخصيص، بل لا تقوم بنفسها في الحجية موافقة في الكتاب للعامة، وفي تعزية الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الطمع الدراهم من القارئين أو شهوة النفس من المستمعين.

ودعوى العموم من وجه بين أدلّة استحباب قراءة القرآن وتعزية الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتقديم أدلة الاستحباب لموافقتها الأصل من الأغلاط الواضحة؛ لمنع تعارض الأدلّة أوّلاً؛ لأنّ الغناء من كيفيات الأصوات، فالمنهي عنه أخص من المأمور به وهو القراءة، غاية ما في الباب دخول الكيفيات في إطلاق القراءة، وهو لا يعارض النهي العام عن الغناء قطعاً.

وثانياً: من المعتبر الوارد قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما اجتمع حلال وحرام إلا وغلب الحرام» (6).

وثالثاً : أن موارد أدلّة الاحتياط اللازم هي هذه الموارد وشبهها.

ورابعاً : أنّ هذا التخصيص خلاف العرف والشرع، ولو ساغ ذلك لحلّت جميع المحرمات عند دخول المستحبات فيها من إجابة التماس أو سرور مؤمن أو غيره، وهو خلاف البديهة، بل لا يفهم أهل العرف إلا تخصيص المندوبات بالمحرمات على أن المطلقات من المثبتات تخصصها النواهي؛ لأنّ عمومها كالنصّ بالنسبة إلى الظاهر، وهو ظاهر.


1) وسائل الشيعة 6 : 211 - 212، الباب 24 من أبواب قراءة القرآن، ج 2، 5 و 17 : 122 - 123، الباب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 2.

2) الخلاف 6 : 305 - 306، المسألة 54.

3) راجع الهامش (2) من ص 48.

4) استثناء القرآن عن تحريم الغناء قول السبزواري في كفاية الفقه 1 : 432؛ واستثناء التعزية قد حكاه المحقق الكركي في جامع المقاصد 4 : 23 عن بعضهم.

5) وسائل الشيعة 6 : 311 - 312، الباب 24 من أبواب قراءة القرآن، ح 3 - 7.

6) مستدرك الوسائل 13 : 68، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

وخامساً: أنّه قد ورد: «إيَّاكم ولحون أهل الفسوق، فإنّه سيجيء قوم يرجعون القرآن ترجيع الغناء» (1).

نعم، العوام من الناس - الذين لا يعرفون العرف لقلة تمييزهم وإدراكهم سوى ماكان مستعملاً عندهم - لا يسمون المؤذن والداعي والقارئ والنائح على الحسين مغنياً؛ لاشمئزاز طباعهم عن انتساب هذه الصفة لهؤلاء الفاعلين.

وبالجملة، فالغناء لا يزيل حكمه ولا يرفع اسمه كونه في مندوبٍ أو واجبٍ، ولاكونه في قريض أو شعر اليوم من البدو والمعدان.

وكذلك لا يثبت حكمه ولا يحقق اسمه بعد أن كان من مقولات الأصوات الغير المشروطة اسماً وحكماً بشرط من الأمور الخارجة كونه يشتمل على الباطل من الكلام، أو كونه مثالاً للفساد، أو دخول الرجال على النساء، أو كونه مصاحباً لآلات اللهو؛ للقطع بأنّه من مقولة الأصوات أو كيفياتها كما هو عند أهل اللغة والعرف فلا مدخلية لمصاحبته لشيءٍ خارج عنه، ولا يتوقف تحريمه على شيءٍ خارج عنه؛ لأنّه هو اللغو واللهو وقول الزور.

نعم، لو اتحد مع آلة اللهو صوت المغنية كان حراماً من جهتين.

وما ورد في خبر علي بن جعفر عن الغناء هل يصلح في الفطر والأضحى؟ قال: «لا بأس به ما لم يعص به» (2)فهو محمول على التقيّة، أو مطروح، أو يراد به المشارف على تسميته غناء، وهو استعمال شائع، أو على الغناء في العرس - إن قلنا به - المقارن للعيدين. ومثله في الحمل ما يقرب إليه ممّا يؤدي ذلك الحكم.

نعم، قد اضطرب كلام اللغويّين والفقهاء في بيان معناه، وكذلك أهل العرف بما حصل لهم الاشتباه فيه لاشتباهه عندهم، فإما أن نرميه بالإجمال أو نبيّنه.

فإن رميناه بالإجمال قلنا: لا شكّ أنّ للغناء معنىً واحداً لغةً وعرفاً وشرعاً، وليس له معانٍ متعدّدة حتّى نحمل الأخبار على اللغة أو على العرف العام إن قدمناه عليها، أو على المعنى الشرعي إن وُجد بل هو المقدّم عليهما، وذلك المعنى الواحد اشتبهت ماهيته علينا


1) وسائل الشيعة 6 : 210، الباب 24 من أبواب قراءة القرآن، ح 1.

2) المصدر :17 : 122، الباب 15 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

فيجب علينا تجنّب الجميع من باب المقدمة، بناءً على أنّ المحصور عند الاشتباه حكمه حكم الواجب، فيجب ترك الجميع، كما يجب الإتيان بالجميع.

ولا يتفاوت في لزوم الاجتناب بين شبهة الموضوع الراجعة إلى شبهة الحكم، أو الراجعة إلى الموضوع نفسه كما قد يتخيل.

لا يقال: إن هذه الشبهة في غير المحصور فلا يلزم اجتنابها؛ للإجماع والعسر والحرج. لأنا نقول: ذلك حق لو كان الاشتباه في أفراد الأصوات، أما لو كان الاشتباه في الأنواع كان من قبيل المحصور، ولا يلزم من الاجتناب عنه العسر والحرج؛ لأنّه من المعلوم أن كلامنا وأصواتنا المعتادة ليست غناء، ووقع الشك في أنواع أخر وكيفيات خاصة مضبوطة ولو أنّها من غير معتاد الكلام والأصوات فيلزم اجتنابها ولا عسر ولا حرج بوجه من الوجوه، بل لو قلنا: إنّ الشكّ في الأفراد للزم اجتنابها ولا عسر ولا حرج.

بل قد يقال: إن المقامات والألحان المشكوك في دخول الغناء فيهن أمر مضبوط عند المغنّين، بل كتبوا فيه كتباً ورسائل، فيجتنب ذلك المشكوك به ويرتكب ذلك المقطوع بعدمه.

لا يقال: إنا نتمسك بالأصل؛ لأنّه كالتكليف المجمل لا التكليف بالمجمل، فنأخذ فرداً مقطوعاً بأنّه غناء ونتمسك في غيره بالأصل.

قلنا: من المقطوع به أنّ هذا تكليف بالمجمل، ولا يجري فيه الأصل على الأقوى؛ لانقطاعه بمثله.

ودعوى أنّه يؤخذ فيه بالفرد المقطوع بأنّه غناء ويتمسك في الباقي بالأصل مسلّمة، لكنّه ليس فرض المسألة؛ لأنّ الفرض إجمال هذا الموضوع بحيث لم يحصل تمييز لبعض أفراده، أو أنّه حصل تمييز لبعض أفراده لكنا قطعنا أنّ له بَعْد أفراداً قد اشتبهت في غيره، أمّا لو ظهر نوع أو فرد من المحرّم وشككنا بعد ذلك في حرمة غيره، فلا شك أن الأصل حلّ الباقي ؛ لعدم المقتضي لتحريمه؛ لأنّ المقتضي الإجمال الذي دفعه ظهور فرد ينطبق على ذلك المجمل، فيبقى الباقي مشكوكاً في أصل تعلّق الخطاب به، فالأصل الإباحة.

نعم، قد يقال: إن الأصوات المتجددة ليست كالموجودات الخارجية في وجوب الاجتناب عنها في الشبهة؛ لأنّ المتجدّد إذا اجتمع مع الأصوات المتجدّدة المفروضة وهماً ليس حكمها كحكم الموجودات الخارجية بحيث يتعلّق بها خطاب المقدمة.

ومثل ذلك ما لو علمت أنّ فيما يصنعه الكواز إلى شهر إناء نجساً فقام يصنع ويبيع، أترى يجب علينا تجنّب ما يعمله الكوّاز إلى شهر أو أكثر ؟ أو يقال: إن هذه البئر تنزف كلّ شهرٍ يوماً ماءً من بالوعةٍ نجسة، ولكن لم يدر أي يوم من أيام الشهر، إلى غير ذلك. و

لكنّ الأظهر في النظر عدم الفرق بين المتجدد والموجود؛ لأنّه موجود بحسب الإمكان في أحد الأزمنة، فيُجعل حكم الموجود، ويجري حكم الشبهة في النوع إلى الشبهة في الفرد بعد العلم بأنّ الغناء هو الكيفية الخاصة، فقرأ شخص أو قرأ القارئ نفسه بلحن شك في دخوله تحت العنوان وعدمه، فله أن يتمسك بأصل الإباحة، وله أن يمتنع؛ للاحتياط، لكونه كالشبهة المحصورة في الموجودات الخارجية، وله أن يتمسك بالأصل بعد العلم بدخول فرد تحت الغناء غير هذا، فإن لم يعلم فلا بد من الاحتياط.

وإن بيناه فبيانه - بعد العلم بأن معناه واحد -: إما بالرجوع إلى أهل اللغة النقلة أو الفقهاء الناقلين، والرجوع إليهم يقضي بأخذ إثبات كلّ منهم وطرح ما نفاه، أو بأخذ المتفق عليه منهم وطرح ما انفرد به كلّ واحدٍ أو ننظر في الترجيح بين النقل من الأكثرية والأعدلية والأضبطيّة؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم مثبت لما نفاه الآخر، ولأنّ ظاهر النقل أن التفسير هو تمام المفسّر ينطبق عليه، لا أقلّ أنّه خاصة أو جنس أو عرض عام فلا يمكن جعله رسماً بما يلحقه مرة من الصفات ومرّة لا يلحقه؛ لأنّ الذين يقولون: إنّه رسم يدعون أن تفاسيرهم كلّها تشير إلى المعنى العرفي كـ«السعدانة نبت»، وهو ضعيف لأنّ «النبت» بالنسبة إلى «السعدانة» جنس، بخلاف مَنْ فسّر الغناء بـ«الترجيع» والآخر بـ «المد المطرب» فإنّه على الأوّل قد ينفك عن الثاني، بل الثاني قد ينفك عن الأوَّل، فلا يصلح تفسير الشيء بما يلحقه مرّةً وأُخرى لا يلحقه، فكيف يمكن أن جميعهم يريدون معنى واحداً يعرفه الجميع ؟ !

نعم، الجميع يحاولون بيان المعنى العرفي، وكلُّ منهم بنظره أن المعنى العرفي هو ما فسره به؛ لأنّه في مقام البيان؛ لأنّ الغناء من المحتاج إلى معرفة موضوعه، لعدم التساهل بحكمه.

فظهر عدم إمكان القول بأن التعاريف لفظية ولا معارضة فيها، وكلّهم متفقون على معنى واحد، يشيرون إليه بذلك التفسير إشارة وإن لم يكن المفسّر به ملازماً له لمخالفة الظاهر تمام المخالفة.

وعلى ما ذكرنا فلا بد من الترجيح أو الطرح أو الرجوع إلى العرف؛ لإمكان اشتباههم في العرف، فلعلنا نفهم غير ما فهموه، أو طرح البعض لمصادقته دون الآخر، أو جعل الجميع غناء عندهم على سبيل الاشتراك المعنوي أو اللفظي وإن كان بعيداً؛ لظهور وحدة معناه، أو جعل ما ذكروا غناءً وما حكم به العرف أيضاً كذلك إن خالفهم.

ولا يمكن حمل المطلق على المقيد في كلامهم أو حمل العام على الخاص؛ لأن شرط حمل المطلق والعام على المقيد والخاص كونهما من متكلّم واحد أو شبهه ككلام الأئمّة على أنّ ذلك في التفاسير والحدود غير موافق للضوابط.

وعلى كلّ حال فالمعروف في تفسيره والأقرب إلى العرف: هو الصوت الممدود، أو مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، أي الذي من شأنه الإطراب لفاعله أو لمستمعه.

وإليه يرجع: أنّه ترجيع الصوت أو مده، أو أنّه من الأصوات ما طُرب (1)به، أو أنّه تحسين الصوت وترقيقه أو أنّه مد الصوت وموالاته، أو أنّه الصوت المطرب، أو أنّه مد الصوت؛ ضرورة إرادة مده على نحو غير نحو النداء والصراخ.

وأما العرف فمن المعلوم عندهم أنّه ليس كلّ من مد صوتاً في كلامه غنّى سواء صرخ أو نادى، ولا كلّ مَنْ رجع غنّى ولو بالترجيع المنكر ولو مرّة، ولا كلّ من اعتنى بصوته وحسّن غنّى؛ لأنّ كلّ الداعين والقارئين والزائرين كذلك، ولا كلّ مَنْ أطرب نفس صوته لحسنه غنّى، كما يُنقل عن سيد الساجدين وعن الأنبياء الماضين (2)، ولا كلّ مَنْ رَقّق غنّى ولو كان لضعف أو لأمر آخر أو لغنج كما يفعله النساء.

وهل المراد بالترجيع المرّة أو المرّتين أو المرار ؟ وهل الطرب خفّة في النفس، أو لذة وميل للصوت ؟ وهل يراد بالمد المد العربي أو الصرفي ؟ وربما عاد الإجمال في تفاسيرهم. والأظهر أنّه كيفية للصوت يعرفها أهل العرف لا نفس الصورة، وله لوازم تبعث عنه، ككونه مطرباً محدثاً لخفّة النفس عند استماعه مهيجاً لذكر المعشوق عند سماعه، وفعله محرّكاً للشهوة الحيوانية، وهذه كلها تلحقه من حيث نفسه ما لم يمنع مانع من السامع له من تقوى أو حزن أو هم مانع، أو ما لم يمنع مانع من فاعله لكراهته وقبح صورته وخشونة صوته،


1) في «ف» : «يطرب».

2) الكافي 2: 616، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، ح 10: وسائل الشيعة 6: 211، الباب 24 من أبواب قراءة القرآن، ح 2.

ويعرفه أهل العرف، كما يعرفون الفرق بين حركة الرقص اللهوي المطرب، وبين حركة اللاطم الحزين وبين حركة الذي يسمونه ب- «هوس» في الحرب، وكما يفرقون بين المهلهلة وبين المغنية وإن اشتملت الهلاهل على صوت ممدود وترجيع.

وبالجملة، فاللغويون حاولوا كشف معناه عرفاً، وكلُّ منهم تخيل وصوله إلى العرف، ولكن العرف بمعزل عنهم.

ويمكن القول بتعليق التحريم بما هو عند العرف دون ما هو عند اللغة وإن كان كله معنى واحداً.

والظاهر أنّه لو اجتمع في الصوت المد والترجيع والتحسين والموالاة والإطراب المتتالي والترقيق على نحو خاص كان غناءً عرفاً، فالهلاهل غناء، والحوراب الذي يصنع في الحرب كذلك.

ويمكن أن يقال: إن الغناء يتبع القصد عند اجتماع هذه الأوصاف، فإن قصد به القارئ والمستمع الطرب واللهو وتذكر المعشوق كان غناء، وإن قصد حزناً وبكاء أو مدحاً أو قدحاً لم يكن غناء، وربّما يساعد ذلك العرف اليوم، ولكنه بعيد عن مذاق الفقهاء.

التاسع والعشرون: فيما استثنى بعضهم من حرمة الغناء ما يقع في الا الأعراس

التاسع والعشرون: قد استثنى بعضهم (1)من حرمة الغناء ما يقع في الأعراس؛ للصحيح: «أجر المغّنية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال» (2)والآخر: عن كسب المغنيات ؟ «التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى للأعراس ليس به بأس» (3)بناءً على أنّ تحليل الأُجرة يلازم تحليل المستأجر عليه؛ لأنّ اللّه إذا حرم شيئاً حرّم ثمنه وإضافة الأُجرة إليها ظاهر في أنّ الأجرة على الغناء، وظاهر في شموله للدوام والمتعة.

ولكن لا بد من الاقتصار على المغنية دون المغنّي والاقتصار على حالة الزفاف من المرأة إليه لا من الرجل إليها حين الزفاف، لا يومه كلّه، مع احتمال ذلك مع دخول الليل.

وقيدها بعضهم (4)بما إذا لم يدخل عليها الرجال ولا بدّ من تقييده بالأجانب لمكان حرمة صوتها، واحتمال العموم،ضعيف، ولم تتكلّم بالباطل، ولم تلعب بالملاهي.


1) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 367؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 126؛ والسبزواري في كفاية الفقه 1 : 434؛ والطباطبائي في رياض المسائل 8 : 156.

2) وسائل الشيعة 17 : 121، الباب 15 من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

3) المصدر : 120، ح 1.

4) كالشيخ الطوسي في النهاية : 367.

والقيد الأوّل قد تشعر به الرواية، وإن كان ظاهر الأخيرة المقابلة وأن الذي للأعراس لا بأس به مطلقاً؛ لأنّ استعدادها للعرس والفرح لا لدخول الرجال، فيختص التحريم بمن استعدت لدخول الرجال، إلا أنّ إشعارها بعموم التحريم عند دخول الرجال عليها ظاهر لا يُنكر.

وأما التكلّم بالباطل فهو حرام بنفسه لا يجوز أخذ الأجرة عليه، فلو قلنا: إنّ الغناء نفس الصوت، حرمت أُجرته؛ لاتحاده مع الكلام بالباطل، وإن قلنا: إنّه كيفية الصوت، احتمل وجهان: التحريم لمكان اتحاده، وحلّيته لكونه كالمقدمة له.

وأما اللعب بالملاهي فهو حرام لا ينافي أخذ الأجرة على الغناء المصاحب له، إلا مع فرض اتحاد صوت آلة اللهو معه.

وقد نقل بعضهم (1)الشهرة على الحكم حتّى تسرى بعضهم (2)إلى جواز الدق معه العاري عن الصنج والجلاجل.

ولكن الحقّ خلاف جميع ذلك؛ لعموم النهي عن اللهو وعن قول الزور، وأنّه لو ميز الحقّ من الباطل لكان الغناء منه، وأنّه الباعث على الفسوق والفجور وعلى إتيان الفساد والأحوال التي لا يرضى بها ربّ العباد فكان تحريمه كتحريم القبيح العقلي الذي لا يقبل التخصيص.

ودعوى بعضهم: أنّ العقل لا يقتح ذلك وإلا لقبح الالتذاذ بتقبيل النساء ومجالستهنّ بل وجماعهنّ، فإنّ ذلك مما يفيد طرباً ولذةٌ وخفّةٌ مع أنّه مرغوب إليه (3)، دعوى لا محصل لها؛ لأن العقل يقبح مثار الفساد الباعث على معاصي ربّ العباد، والمانع من الحلال الداعي إلى الحرام [ و ] لا يقبح ما شرعه ربّ العدل من اللذة الحافظة للنسل، الموافق حسنها لكمال العقل المبتني عليها نظام العالم، والذي صدر عنها سلسلة بني آدم، وقد بنيت الشرائع على حفظ الأصول الخمس الذي هذا منها.

وقد يستثنى الحداء؛ لرواية عبد اللّه بن رواحة حيث أمره النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالارتجاز (4)، وكان جيد الحداء.


1) كالبحراني في الحدائق الناضرة 18 : 116.

2) الشهيد الثاني في الروضة البهية 3: 213.

3) راجع جواهر الكلام 22 : 50.

4) السنن الكبرى البيهقي 10 : 384 - 385. ح 21035.

وهو ضعيف إن دخل الحداء في مصداق الغناء؛ لعدم القابلية للتخصيص، وإن لم يدخل كما هو الظاهر فلا بأس بالقول بتحليله، ولو قلنا بدخوله في اسم الغناء دون حكمه لزم الاقتصار على القدر المتيقن من السفر، وسير الإبل، والحثّ على سرعة سيرها، وكونه رجلاً، ونحو ذلك.

وأما أصوات الطيور المعلّمة فحكمها حكم الجمادات ليست أصواتها غناء وإن زادت طرباً ومداً وترجيعاً.

نعم، تدخل في آلات اللهو الواجب إتلافها الحرام التكسّب بها.

والمدار في الغناء على صوت الإنسان، بل قيل على ألفاظه وحروفه (1)، ولكنه بعيد عن حدودهم وإن كان قريباً للعرف.

والمحرم من الغناء هو استماعه وفعله وأمّا سماعه فالأصل براءة الذمة عن لزوم سدّ الآذان والاشتغال عنه بذكر الرحمن.

ولو حدث غناء بين صوتين حرم عليهما أجمع إن قصداه، وإلا حرم على القاصد، مع احتمال عدم التحريم واختصاصه بالصوت الواحد.

الثلاثون: في حرمة الاكتساب بالنوح بالباطل وعلى الباطل

الثلاثون: ممّا يحرم التكسّب به النوح من رجل أو امرأة بالباطل وعلى باطل، أو النوح الباطل، سواء اشتمل على الغناء أم لم يشتمل.

والنوح إما من مقولة الأصوات أو كيفيّاتها كالغناء، إلا أنّ كيفية الغناء تهيج الأشواق و تذكر المعشوقين للعشاق وتطرب القلوب وتدعو المحب لمسامرة المحبوب، وكيفية النوح تهيج الأحزان وتذكر مصائب الزمان وانفجاع القلوب بتذكر فقدان المحبوب، هذا يوحش النفس وذلك يؤنسها، وهذا يكدر القلب وذاك يطربه.

صحا قلب الخليّ فقال غنّى*** وبرّح بالشجي فقال ناحا (2)

أيقاس صوت البلابل الواقفة على الأغصان بصوت البوم الساكنة بالخرابات والوديان ؟ فما مَنْ تباكى كمَنْ قد بكي، ودمع الأسى غير دمع الدلال ألحان الغناء غير ألحان العزاء وألحان المفتون غير ألحان المغبون.


1) لم نعثر على قائله.

2) بغية الطلب في تاريخ حلب 3 : 1285.

وقد يراد بالنوح نفس الكلام المشجي المشتمل على الرثاء ويكون في القريض، وفي الأغلب يكون بما يسمّى «نواعي» اليوم وفي الموال.

وقد يراد بالنوح الصراخ والعويل والأنين من الحزين على فقد الأحبّة.

والكل لو وقع على جهة محرّمة،حرم، كما لو وقع على فقد دين النصاري أو فقد كنائسهم أو فقد علمائهم، وكما لو وقع الرثاء بالشعر على عالمهم، أو على الظالم مطلقاً على ظلمه، أو وقع المدح والرثاء بالصفات الكاذبة التي لم يقصد بها المبالغة، بحيث إن العادة والقرائن العرفية أخرجته عن الكذب كما يفعله اليوم ومن قبل الشعراء في المدح والمراثي، أو وقع فيها غلوّ وسوء أدب، أو اشتمل الشعر والتعداد على صفات ترفعه في الدنيا وتضعه في الآخرة، أو ترفعه وتضع غيره، أو كانت النائحة أجنبيةً ويسمع صوتها الأجانب، بناءً على تحريمه، وهذا يجيئه التحريم من أمر خارجي.

وبالجملة، فالنوح بنفسه من كيفيات الأصوات فإذا برز بكلام أو شعر أو لحن باطل فهو النوح بالباطل، وكذا لو كان المنوح عليه من أهل الباطل، أو لأوصافه الباطلة، أو كان لإظهار الباطل فهو كذلك.

وأما الهذر والهجر في الكلام فهو منهي عنه في الخبر (1)، فيمكن إدخاله في النوح بالباطل؛ لعموم الأدلّة الدالة على تحريم النوح مطلقاً، وأنّه يؤذي الملائكة (2)، والإجماع المنقول (3)على تحريمه مطلقاً، يخرج منه النوح بالحق ويبقى الباقي.

ونعني بالنوح بالحق: النوح على الأنبياء والأولياء والعلماء والدين وأهل الدين وأعراض المؤمنين. كما ورد في نوح فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) (4)، وكما أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالنوح على حمزة (5)، وكما أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بدفع المال من ثلثه لنوادب يندبنه بمنى عشر سنين(6).

وأما النوح على سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو من أفضل طاعات جبار السماوات.


1) وسائل الشيعة 3 : 342، الباب 71 من أبواب الدفن، ح 1.

2) المصدر :17 : 127 الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ح 6، وراجع الهامش السابق.

3) رياض المسائل 8: 159.

4) الخصال : 272، باب الخمسة، ح 15.

5) راجع وسائل الشيعة 3 : 284، الباب 88 من أبواب الدفن، ح 3.

6) المصدر 17 : 125، الباب 17 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

والكل بحق ما لم يؤد إلى الغلوّ.

وأما النوح على الآباء والأولاد والمأتم على سائر الأرحام والأحباء فالسيرة القطعية اليوم على جوازه ما لم يصل إلى حد يُنكر بحيث يضر بالنفس والمال، ويكون النائح كالخنساء على صخر.

وبالجملة، فالمداومة على الكآبة والحزن والجزع والهلع على غير الشهداء والأنبياء والاستمرار عليها ممّا لا يرضي ربّ السماء، وممّا يؤذي الملائكة الأصفياء.

الواحد والثلاثون: في حرمة التكسّب بمعونة الظالمين وحرمة إعانة الظالم

الواحد والثلاثون: يحرم التكسّب بمعونة الظالمين؛ لحرمتها لنفسها بما يُسمّى إعانة عرفاً، سواء بعدت مقدماتها أو قربت.

وتحرم إعانة الظالم لنفسه على معصيته، والظالم لغيره في ماله أو نفسه أو عرضه أو دينه،

ظلمه أو لأجل ظلمه أو على ظلمه؛ لقوله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) (1)ولقوله: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ) (2)ومفهوم قوله تعالى: (وَكَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ) (3).

وللأخبار المتواترة الناهية عن الميل إلى الظُّلَمَة وخدمتهم والكتابة لهم وبناء مسجد لهم وقضاء حوائجهم والسعي في مصالحهم وحُبّ بقائهم ولقائهم ووطء فراشهم وطلب معاشهم (4).

ولكن كلّ ذلك مخصوص بما قصد المعونة لهم على ظلمهم فيحرم لتحريم ما قصد له، أو على الميل القلبي لهم من حيثية مناصبهم وارتفاع كلمتهم، أو على تقويم أمرهم وإعلاء شأنهم وتقوية جندهم، أو جرّ النفع لهم في رئاستهم وبقاء منصبهم، أو ربط المودّة معهم الباعث على تقوية كلمتهم، أو الميل إليهم بسبب ظلمهم وجبروتهم وتكثير سوادهم، أو إهدائهم إلى معالي الظلم، أو إعانتهم في النظر والمشورة، أو إعداد الملابس لجندهم، أو جمع الأطعمة لعساكرهم، أو غير ذلك مما اختص وجهه من المحرم، أو مما كان مشتركاً ولكن قصدت به جهة الحرام.


1) هود (11) : 113.

2) المائدة (5) : 2.

3) المائدة (5) : 79.

4) وسائل الشيعة 17 : 177، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به و 185 - 186، الباب 44 من تلك الأبواب، ح 1، 5، و 194، الباب 46 من تلك الأبواب، ح 9.

نعم، يكره ما كان عبثاً لا لقصد محرّم ولا لقصد مندوب من الأمور المشتركة.

أما لو كان في المشتركات عود النفع للعامل من المباحات، فلا بأس به من طبخ الزاد لهم، وخياطة ثيابهم، وحمل الأطعمة لهم وبيعها عليهم وبيع الملابس والدور والبساتين عليهم، وإكرام ضيفهم ودفع اللقمة لسائلهم، ودفع الماء عند العطش لعطشانهم، والهدية لهم، وحجامتهم وفصدهم وطبابتهم، والبيطرة لدوابهم، فلا بأس به؛ للسيرة القطعية من قديم الزمان إلى الآن على معاملتهم ومزارعتهم، وأخذ المضاربات منهم، والبيع عليهم، والشراء منهم، واستئجار أراضيهم وإجارتهم، وأخذ الدواب منهم وبيعها عليهم، إلى غير ذلك.

ويشعر بذلك: ما ورد عن أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ): من عود مرضاهم، وتشييع جنائزهم، والصلاة معهم وإظهار المودة لهم (1)، فإنّ ذلك من لوازم هذا وآثاره؛ لأنّ ترك معاملتهم مما تنفّر طباعهم وتبعد الرحمة من قلوبهم وتوحش أنفسهم، بل قارنت نية مخالطتهم ومعاملتهم والقرب إليهم تفريج الكربة عن المؤمنين ودفع الشدّة عن المتقين وقضاء حوائج الفقراء والمساكين، وكانت مرتبة علي بن يقطين من أعظم القربات ومن أعلى المندوبات ومن أجلّ ما يرضي ربّ السماوات، وهو الذي يظهر من الأخبار والسير والآثار والسيرة القطعية ورفع العسر والحرج والشريعة السمحة السهلة.

والجمع بين ذلك: أن سلاطين الملل الخارجة عن فرقة الحقّ لا تجوز إعانتهم في المباحات الراجعة إلى تقوية شوكتهم وإعلاء كلمتهم واجتماع جندهم وتكثير سوادهم، ولا في المباحات المشتركة بين ذلك وبين غيرها ممّا يباح مع قصد إعانتهم على ظلمهم وتقوية كلمتهم.

ويكره إعانتهم في المباحات الراجعة إلى خدمة أشخاصهم وصحة أبدانهم وتقوية أمزجتهم وخياطة لباسهم وجلب طعامهم وتضييفهم وعطائهم، لا بنيّة إعانتهم على الظلم، بل تكره محبّة أشخاصهم ولو لمكارم أخلاقهم وحسن سجاياهم.

وتستحبّ إعانتهم والقرب إليهم لقصد دفع أذاهم وتقليل ظلمهم وفك الحبس منهم وإطلاق الأسير من أيديهم وحفظ الأموال المقتصمة منهم فتندب معاشرتهم والسلوك معهم وإظهار مودتهم كي يقولوا: رحم اللّه جعفر بن محمّد ما أحسن ما كان يؤدب به أصحابه.


1) وسائل الشيعة 16 : 219، الباب 26 من أبواب الأمر والنهي، ح 2.

وهذا يعم سائر الفرق، ولكن تختص فرقة المخالفين بندب تقيتهم ومخالطتهم بالمعروف والإحسان إليهم وإن لم تكن التقيّة قائمة في الحال.

وأمّا ظَلَمة أهل المناصب من الإمامية فيحرم القسمان الأولان بالنسبة إليهم، ويندب الأخير، ويباح الثالث، وحكمهم كحكم غيرهم من العصاة في مخالطة ومعاملة، إلا أن تنجرّ مخالطتهم ومعاملتهم إلى ارتكاب الشبهات وأكل المال المشتبه، والوقوع في المحرمات، فإنّ مَنْ طاف حول الحمى أوشك أن يقع فيه، أو يؤول إلى تكثير سوادهم وتقوية جندهم والاستعداد لكونه من أتباعهم، فإنّ ذلك بين محرّم ومكروه.

وأما المعاملة التي تعلّق بها التحريم لدخولها تحت المعونة المحرمة، فالظاهر صحتها؛ لعدم تعلّق النهي الأصلي عنه، والنهي عن الوصف المفارق لا يقضي بالفساد وإن اتحد في الوجود الخارجي مع فرد المعاملة؛ لعدم قيام إجماع أو قضاء عرف بالفساد.

نعم، ما تعلّق به النهي الأصلي - كبيع السلاح لأعداء الدين ونحو ذلك - يقضي بالفساد - كما قدمنا - ما لم يعلم أن نهيه غيرياً كالنهي عن البيع وقت النداء. والمقام لا يخلو من تأمّلٍ وإشكالٍ.

الثاني والثلاثون: في حرمة التكسّب بكتب الضلال مطلقاً

الثاني والثلاثون: يحرم التكسّب بكتب الضلال، نسخاً وبيعاً وتعليماً وحفظاً على الصدور أو حفظاً من التلف، ويحرم اقتناؤها وتلاوتها وهبتها وعاريتها واستيداعها، بل ولا يجوز ميراثها، ولا يمكن ملك صورتها، كلّ ذلك لظاهر فتوى الأصحاب حتّى كاد أن يكون في الجملة إجماعاً محصلاً، ولنفي الخلاف عن حرمة حفظها ونسخها لغير النقض كما عن العلّامة(1)، ولأنّها أولى بالإتلاف من هياكل العبادة وآلات اللهو، ولأنها من قول الزور واللغو ولهو الحديث المأمور بالاجتناب عنهنّ (2)، ولدخول جملة منها في ذم اللّه تعالى الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند اللّه ليشتروا به ثمناً قليلاً (3)، ولأنها أولى بالإتلاف من إتلاف الكفّار والمخالفين وجهادهم؛ لأنّ إتلافهم لسوء اعتقادهم فما هو سبب الاعتقاد


1) منتهى المطلب 15: 383

2) راجع وسائل الشيعة 17 : 303، الباب 9 من أبواب ما يكتسب به.

3) مقتبس من الآية 79 من سورة البقرة (2).

أحرى بالإتلاف، ولرواية تحف العقول الناهية عن بيع وشراء وإمساك وملك وهبة وعارية وجميع تقلبات ما فيه وجه من وجوه المعاصي أو باب يوهن به الحقّ (1).

وإتلافها يكون بإتلافها أجمع، وبإتلاف موضع الضلال منها، وبالنقض عليها؛ لأنّه نوع إتلاف لما تضمنته من القضايا الفاسدة، لأنّ إتلاف بعض آحادها لا يقضي بإتلاف أصلها، والرد عليها قاض بإتلاف أصل قضاياها.

نعم، لو لم يكن إلا كتاب واحد فلا يبعد أن إتلافه بحيث لا تظهر مفاسده خير من نسخه والرد عليه.

ولا يبعد أن نسخه للنقض على هيئة الأصل والشرح خير من نسخه منفرداً؛ لإمكان ذهاب النقض والرد وبقائه.

والظاهر أنّه لا يدخل الضلال الكتب المشتملة على التواريخ الكاذبة والأحاديث المضحكة كمقامات الحريري وبديع الزمان والسلوفات؛ لأنّ الظاهر إرادة ما فيه إضلال، لا أنّه ضلال بنفسه.

نعم، لو اشتمل الكتاب على كذب في اللغة أو القواعد العربية أو الصرفية أو التفسير كان من كتب الضلال.

وأمّا الكتب الباعثة على الإضلال في الأعمال والإسراف في الأموال، ككتب الكيمياء الكاذبة غالباً وكتب الجفر والفال ما لم يدخل تحت عنوان السحر، فلا يبعد أيضاً أنّه مما يبنى على الفساد فيحرم التكسّب به.

ومثلها الكتب المصوّرة للنجوم والعوالم مع العلم بعدم معرفة صاحبها ذلك فكذلك.

والواجب إتلاف ما كان يرجى أو يحتمل احتمالاً عادياً إضلاله، فلو كان بخط يُعلم أنّه لا تعرف كتابته، أو كان موضوعاً، أو وضع بموضع لا يمكن الوصول إليه عادة، لم يلزم إتلافه تعبداً.

وقد يناقش في حرمة حفظ الضلال على الصدر لمن يعتقد ضلالها فحَفَظها مَنْ قال لها أو حفظ معانيها لمجرد أنّ العلم بالشيء خير من الجهل به، وحينئذٍ فدعوى حرمة حفظها


1) تحف العقول: 242 - 243؛ وسائل الشيعة 17 : 84 - 85، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

على الصدر كما أطلقه جماعة (1)- لا أرى لها دليلاً شافياً؛ لضعف رواية تحف العقول (2). وعموم (اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ) (3)لتفسيرها بغيره.

ويدخل في كتب الضلال الكتب السماوية المحرفة، والمشتملة على الحجج في العقائد الفاسدة، ككتب الفلاسفة، وكتب النصارى، وكتب القائلين بالجبر، وكتب المستدلّين على خلافة القوم، والكتب المشتملة على إنكار أحوال المعاد الجسماني من الصراط والميزان والجنّة والنار، والكتب المشتملة على الغلو أو إنكار الضروريّات، ككتب الغلاة والمجسمة وبعض كتب ما يسمّونهم اليوم كشفية، والكتب المشتملة على جمع الشبهات على العقائد الحقة وإيقاع الشبه في تلك العقائد، والكتب المعدة لبيان الأصول الفاسدة المعلومة البطلان المترتبة عليها الأحكام الشرعيَّة، ككتب القياس والاستدلال عليه وتصحيحه.

وكذا بعض كتب الأخبارية المعدة لسبّ المجتهدين وبيان بطلان مذاهبهم والطعن فيهم وفي مذاهبهم.

وكذا كتب الصوفية المشتملة على الاحتجاج لمذاهبهم أو على بيان طرائقهم ومقاماتهم وطرق رياضاتهم.

وكذا الكتب المشتملة على بيان وحدة الوجود وقِدَم العالم وبيان الحديدة المحمية والعقول العشرة، أو بيان ما لا يفهمونه من خلق الملائكة والجن على غير طريقة المتكلمين أو الأخبار.

وكذا الكتب المزخرفة لسياسة الجند تعليماً لهم لقتال المسلمين ونهب أموالهم واستيلاء بلادهم.

وكذا الكتب الكاذبة في طب الأبدان المؤدية إلى إهلاك النفوس.

وكذا الكتب المشتملة على الأحاديث الباطلة والروايات الكاذبة.

ولا بأس بكتب فروع العامة، لأنّ طرحها من ضروريات مذهب الشيعة وحالها معلوم، فلا تكون ممّا شأنها الإضلال، ويجوز بيعها وشراؤها ونسخها للاطلاع على مذهبهم؛ دفعاً


1) منهم : المحقق الكركي في جامع المقاصد 4: 26 والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 127؛ والسبزواري في كفاية الفقه 1 : 435: والطباطبائي في رياض المسائل 8 : 164.

2) راجع الهامش (1) من ص 61.

3) الحج (22) : 30.

للتقيّة، أو للأخذ بما خالفهم، أو للتنبيه على فروع المسائل، أو للردّ عليهم، ولا بكتب أحاديثهم؛ لأن الضلال منه معلوم نقضه عندنا ومعروف لدينا، فيجوز بيعها ونسخها للأغراض المتقدّمة. وما كان منه من شأنه الضلال فحكمه حكم كتبه.

ولا بأس أيضاً بكتب أهل الضلال المشتملة على بيان المقدمات الاجتهادية من كتب الأوليات والأصول والمنطق وإن اشتملت على جملة من الضلال؛ لأنّ ضلالها معلوم، ونقضه لدى كلّ أحد مفهوم.

ولا بأس بكتب الأنبياء وإن علم أنّها منسوخة، فيجوز نقلها وانتقالها لاكتساب مواعظها والاطلاع على أخبارها وآثارها.

ولا بأس بكتب تفسير القرآن من العامة والخاصة، وإن علم أنّه بالرأي والاجتهاد إذا كان ممّا يمكن استخراجه من منطوق الألفاظ أو معانيها.

ومن كتب الضلال: كتب الكذب على الأنبياء ونفي عصمتهم ونقل المثالب فيهم ونسبته ما لا يرضى لهم، فلا يجوز استعمالها إلا مع النقض عليها، ولا يجوز نقلها ولا تعليمها ولا نسخها. ولا فرق في وجوب إتلاف قضايا الضلال بين كون الكتاب كله كذلك أو أكثره من ذلك أو بعض منه.

ويجوز سرقته من أهله لإتلافه إذا لم تكن تقية.

ويجب إنكاره على المعير له، وله أن يحلف ويورّي.

ويجب الإنكار على من كان عنده بالقلب واللسان واليد ما لم يصل إلى جرح أو قتل. ويُصدق من ادعى استعماله لغرض صحيح حملاً لفعل المسلم على الصحّة.

وألحق جماعة من الأصحاب (1)بكتب الضلال الكتب المنسوخة السماوية وإن لم تكن محرّفةً، كالتوراة والإنجيل والزبور.

وهو على إطلاقه مشكل؛ لأنّ الإضلال بها مع معلومية حالها بين المسلمين بعيد؛ بل لا يكاد يوجد. واستعمالها لغرض صحيح لا بأس به.

ولو كان الاطلاع عليها لإبطال مذهب اليهود بما فيها، وللردّ عليهم والإنكار على مذهبهم


1) منهم : الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 2 : 12؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 4 : 26.

الذي لم يوافق الكتب السماوية؛ لتحريفهم إياها وتبديلهم ما فيها، فلاشك في رجحانه، كما يفعله اليوم علماؤنا، كما أنّ الردّ على المحرّف منه من أعظم الطاعات.

الثالث والثلاثون: في حرمة التكسّب بهجاء المؤمنين وأخذ الجعالة عليه وقبول العطايا لأجله

الثالث والثلاثون: يحرم التكسّب بهجاء المؤمنين وأخذ الجعالة عليه وقبول العطايا لأجله؛ لحرمته في نفسه؛ للإجماع بقسميه (1)، ولأنّه من إشاعة الفاحشة المنهي عنها كتاباً (2)وسنّةٌ (3)، ولما دلّ على لزوم تعظيم شعائر اللّه وتحريم هتك حرماته (4)، وما دلّ على حرمة إيذاء المؤمن (5)، وما دلّ على حرمة الظلم والفحش وإدخال النقص على المؤمن (6)، وما دلّ على حرمة نفسه وماله وعرضه (7)، وما دلّ على حرمة غيبته (8)، وما دلّ على النهي عن الباطل (9)، ولو وزن الحقّ والباطل لكان من الباطل، والنهي عن الاستهزاء به والغمز عليه (10)، ولأنّه غالباً من لهو الحديث وقول الزور.

والمراد بالمؤمنين: الاثنا عشرية الذين لم يخالفوا ضروريّاً إسلامياً ولا ضروريّاً إيمانياً، ولم يكونوا من أهل البدع والأهواء والخروج عن آراء العلماء.

ويلحق مستضعفوهم بهم، وأولادهم المميزون، بل ومجانينهم أيضاً كذلك.

ولا فرق بين هجاء النوع والعشيرة والصنف والشخص، ولا بين الميت والحيّ.

وهل يختص لفظ الهجاء بالشعر القريض وغيره حتّى ما يُسمّى اليوم بنداً ولو شطراً واحداً (11)، أو يعم حتّى النثر ؟ ظاهر جملة من كلام أهل اللغة (12)اختصاصه بالشعر، وربما يساعده العرف.


1) منتهى المطلب 15: 382.

2) النور (24) : 19.

3) وسائل الشيعة 12 : 280، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح 6.

4) الحج (22) : 30 و 32.

5) وسائل الشيعة 12 : 264، الباب 145 من أبواب أحكام العشرة.

6) المصدر : 280 - 281، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح 9.

7) المصدر : 297، الباب 158 من أبواب أحكام العشرة.

8) الحجرات (49) : 12؛ وسائل الشيعة 12 : 278، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة.

9) مستدرك الوسائل 11 : 145 الباب 2 من أبواب جهاد النفس...، ح 4.

10) المصدر 12 : 17، الباب 55 من أبواب جهاد النفس...، ح 3.

11) في «ب» : «بشطر واحد».

12) منهم : الفيروزآبادي في القاموس المحيط 4 : 405 وابن منظور في لسان العرب 15: 353؛ والفيومي في المصباح المنير :635، «ه ج و».

وقد يلحق بالشعر المسجّع من الكلام النثري القابل رسمه في الدواوين والكتب، بل يُسمّى هجاء في عرفنا اليوم.

ولو هجا شخصاً معيناً عنده غير معين عند السامعين حرم، لكنه أقلّ وِزْراً من المعيّن.

ولو هجا شخصاً موهوماً وواحداً لا بعينه فلا بأس.

ولو هجا غير المؤمن من المشركين والمستضعفين منهم جاز، وقد ورد أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حساناً بهجوهم وقال: «إنّه أشدّ عليهم من رشق النبال» (1).

وكذا يجوز سبّهم وشتمهم ولعنهم ما لم يكن فحشاً أو قذفاً غير جامع لشرائط الجواز.

ولو هجا كافراً فآمن، ففي وجوب محوه وجوب محوه كفايةً، أو على الفاعل أو العدم وجوه وفي الأخير قوة، والأوّل أحوط.

ولو هجا مؤمناً فكفر جاز إبقاؤه، ومع بقائه مؤمناً يجب محوه على الفاعل، وفي وجوبه كفاية وجه.

والهجاء هو ذكر المعايب الواقعية، ولا يبعد شموله للكاذبة، وعلى كلّ حال فهي أعظم وِزْراً؛ لزيادة الكذب المحرَّم على المحرَّم الأوّل.

وأما هجو الفرق الضالة فمن العبادة؛ لمساواتهم للمشركين في عاقبة الأمر، وللسيرة القطعية في صدور ذلك زمن خلفاء بني أُميّة والعباسيين وأتباعهم، وتقرير الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) للشعراء الهاجين لهم، ولو لم يكن إلا ما صدر من علي والحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) على معاوية وأتباعه وجلسائه مما هو أعظم من الهجو وأبسط لكفي، وما ورد من شتمهم وسبهم وأنّهم أنجس من الكلاب وأنّهم مجوس هذه الأمة (2)، أصرح شاهد على ذلك.

ويلحق بالفِرق الضالة مَنْ تدين بدينهم وارتكب طريقهم واحتذا حذوهم من غير أو داع وإن اعتقد الحقّ بقلبه، وأولئك هم المنافقون الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم.

الرابع والثلاثون: في بيان ما استثني من حرمة الهجاء

الرابع والثلاثون: قد يستثنى من حرمة الهجاء ما كان رافعاً للمنكر المصرّ عليه صاحبه؛ لما دلّ على لزوم النهي عن المنكر، ولأنّه إحسان لرفعه عن الضرر الأُخروي بجزئي من الضرر الدنيوي.


1) كنز العمال 11 : 672. ح 33251.

2) بحار الأنوار 5: 9. ح 113 و 73 : 71 - 72، ح 5.

وهو كما ترى موقوف على ترجيح أحد العامين من وجه - وهو ما دلّ على النهي عن المنكر - على الآخر، وهو ما دلّ على حرمة الهجاء.

وكذا يستثنى ما كان لرفع ضرر دنيوي عن نفس أو عرض أو مال.

ولا بأس به في الأوّل والثاني، وأما الثالث فإشكال وإن رضي به المهجو؛ لأنّه حق إلهي لا يسقط برضاه.

وقد يستثنى المتجاهر بالفسق، ولا يبعد جواز ذلك فيما تجاهر به، أما ما لم يتجاهر به فعموم تحريم الهجاء أقوى من دليل جواز غيبة المتجاهر.

ولا يستثنى الإنشاد بل لو نوى بإنشاده هجو معيّن كان كإنشائه. وفي لزوم محوه وجه.

وظنّي أن الهجو فيه معنى إنشائي يزيد على الغيبة، كالإنشاء الحاصل من اللعن والسبّ والشتم والقذف.

وقد يستثنى الظلمة الغاصبون لمنصب الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأتباعهم من حرمة هجاء المؤمنين وإن كانوا مؤمنين.

ولكنه بعيد، لا يدين به مَنْ خاف مقام ربه.

وقد يستثنى هجو الهاجي من المهجو؛ لقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةُ مِثْلُها) (1)، ومن غيره تأديباً له.

وقد يستثنى الهاجي نفسه؛ للشكّ في دخوله تحت أدلة تحريم الهجو.

الخامس والثلاثون: في حرمة التكسّب بالكذب

الخامس والثلاثون: ممّا يحرم التكسّب به لحرمته في نفسه الكذب، فلا تجوز المعاملة ولا العطاء لأجله، ولا بذل المال للكاذب من جهة كذبه، وحرمته من البديهيات والضروريات الشرعيَّة.

وهو على اللّه ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمّة في الأحكام الشرعيَّة من أعظم المعاصي، وكذا عليهم في غيرها وإن كان الأوّل أشد.

وكذا الكذب على العلماء في الأحكام الشرعيَّة وفي غيرها، وإن كان في الأوّل أشد. وكلّ كذب حرام، وقد يتضاعف إثمه بتضاعف المكذوب والكاذب والمكذوب به.


1) الشورى (42) : 40.

ولا بدّ في الكذب من مخاطب عاقل، فلو ألقى كلاماً لنفسه من دون مخاطب، أو خاطب مَنْ لا يعقل فلا بأس، إلا إذا قصد بذلك إفهام مَنْ يعقل وإغراءه بالجهل، فلا يبعد أن حكمه حكم الكذب.

وليست الكتابة من الكذب بل حكمها حكمه للإغراء بالجهل، ولو كانت موضوعةً على الدوام كانت أعظم ذنباً من الكلام.

والمبالغة من الكذب، إلا إذا ظهرت قرينتها لدى المخاطب، أو كان الشيء من شأنه المبالغة، كالمدح والقدح في الشعر والنثر.

ولا يجب إظهار قرينة المبالغة بعد العلم بحسب العادة أن المقام مقامها:

علي نظم القوافي من معادنها ***وما عليَّ إذا لم تفهم البقر (1)

ومَنْ ألقى كلاماً له ظاهر ولكن المخاطب يفهم غيره لم يكن كذباً، ويمكن تعلّق الإثم به؛ لمكان الإغراء بالجهل، ويمكن أنّه لم يُغرِه وإنّما أغرى هو بنفسه.

ومَنْ خاطب شخصاً كذباً يعلم المخاطب كذبه ليسمع غيره فيعتقد الظاهر ليس كذباً، ولكن لا يخلو من الإغراء.

ومَنْ أخبر بالظاهر عازماً على القرينة فنسأها لا إثم عليه.

ومَنْ عمد على عدم القرينة كان كاذباً وإن استدركها بعد ذلك، ومن عزم على القرينة في مقام كلامه فلا إثم عليه. ومن عزم على القرينة بعد الخطاب بمدة كان كاذباً.

ومَنْ أنشأ كلاماً إنشائياً يتضمن خبراً كاذباً دخل في الكذب حكماً لا رسماً.

ومَنْ قال: يا زيد، فإن قصد بيان أن زيداً موجود وليس كذلك وكان موجهاً لإفهام المعين، كان بحكم الكذب.

والأفعال الظاهرة في شيءٍ غير مطابق للواقع بحكم الكذب، ولا تدخل في اسمه، فمَنْ لبس عمامة خضراء لبيان أنّه سيّد، أو تحنّك لإظهار تقدّسه، أو لزم السبحة، أو وضع كتاباً في يده لإظهار أنّه عالم، أو لبس ثياباً فاخرة لإظهار أنّه غني، أو بالعكس لإظهار فقره، وكان على خلاف، دخل في حكم الكذب حكماً لا رسماً.


1) يتيمة الدهر 3 : 102.

ومَنْ أتى بظاهر وأراد ظاهره ولم يكن مطابقاً للواقع فهو كذب قطعاً، وإن لم يرد ظاهره ولم ينصب قرينة فهو إما كذب أو حكمه حكمه، ولو دار الأمر بين الأوّل والأخير للضرورة أو التقيّة لزم إرادة الأخير، وقد يُسمّى ذلك بالتورية، وقد تكون التورية في إرادة أحد معنيي المشترك من دون بيانه، ولا إثم في ذلك.

وكلّ مجمل أُريد به أحد معانيه فليس من الكذب، إلا أن يكون له ظاهر وأُريد خلاف ظاهره.

ولو اضطر للكذب لحفظ نفس أو مال أو عرض جاز، ولا يبعد لزوم التورية وإرادة المجاز ولو لأبعد العلائق؛ لأنّها أقلّ قبحاً.

ولو مزح كاذباً ولم ينصب قرينة كان كاذباً.

ولو قال: كلّ ما أتكلّم به اليوم كذب، فتكلّم صادقاً، كذب في الأوّل ولا إثم على كذبه.

ولو قال: كلامي اليوم صدق وكذب، فلا يبعد عدم الإثم بكذبه؛ لعدم الإغراء بالجهل.

ولو نقل عمن نقل عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كاذباً، لم يكن كاذباً على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإن لم يبين ذلك.

ولو قال: قال فلان: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فهل كذب على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أو على فلان؟ وجهان، والأوجه: الأوّل حكماً، بل قد يقال: واسماً.

ولا يجوز على سيد الشهداء للبكاء ونحوه، ولا على الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) والنبي للتعظيم وإظهار الشعائر.

ومَنْ حدّث نفسه حديثاً كذباً فليس كاذباً حكماً ولا اسماً.

وإظهار قضاء الحاجة للعيال وتفريحهم ووعدهم بالجميل ليس من الكذب حكماً؛ لجريان العادة به، بل ولا اسماً.

والمخبر عن شكٍّ كاذب، وعن ظن وجهان. ولو قال: أظنّ ذلك، وهو ليس كذلك، كان كاذباً في قوله: «أظنّ» لا في نفس الخبر. وكذا مَنْ قال: أحتمل أو أشكّ.

السادس والثلاثون: في حرمة التكسّب بسب المؤمنين وبيان ما استثني من حرمة سبّهم

السادس والثلاثون ممّا يحرم التكسّب به سبُّ المؤمنين، كما يفعل بعض العصاة لأخذ الأموال من المخالفين والأعداء والظالمين، وهو حرام لنفسه كتاباً (1)وسنة (2)وإجماعاً؛ لاشتماله على الظلم وإيذاء المؤمن وهتك حرمته وإفشاء الفاحشة عليه، وورد أنّ «سباب المؤمن فسوق» (3).


1) النور (24) : 19.

2) وسائل الشيعة 12 : 297، الباب 158 من أبواب أحكام العشرة.

3) المصدر، ح 3.

ولا يتفاوت بين التقيّ منهم والفاسق.

نعم، قد يستثنى المتجاهر منهم بالمعاصي الكبائر والظالم لغيره، سيّما الغاصبين لمنصب الشارع، والتابعين لهم؛ لجريان السيرة على لعنهم، ولأنهم قد أسقطوا حرمتهم بفعلهم وظلمهم وتجاهرهم، ولأنّ الكتاب والسنّة مشحونان بلعن الظالمين والغاصبين لحق الأئمّة، وأشياعهم وأتباعهم، ويدخل المستضعفون منهم فيهم، وكذا أولادهم المميزون، بل وغيرهم.

نعم، يستثنى ماكان لمصلحة دنيوية أو أُخروية ترجح على قبح فعله، من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، أو حفظ نفس المسبوب أو عرضه أو ماله، أو حفظ نفس محترمة أُخرى.

ومَنْ كان أبوه كافراً جاز سبّ الأب منفرداً بحيث لا يكون سباً للولد وإهانة له، فلو قال لمن كان أبوه كافراً: لعن اللّه أباك، جاز، وإن قال له: «يا ملعون الأب» أو «يا خبيث الأصل» حرم.

والمراد بالسب كلّ ما يقضي بالإهانة من قول أو إشارة بغمز، بل وكتابة مع القصد إليها في وجه، من لعن أو تقبيح أو ذكر عيب، قاصداً به إنشاء الإهانة به كي يفارق الغيبة، كما يقول: يا أعور، يا دني يا أقرع، وكذا لو أبرزه بصورة دعاء عليه كـ«أبعدك اللّه» و «قبحك الله» و «أدخلك النار» و «غضب عليك» وقد يكون بخطاب وقد يكون بغيبةٍ.

وكذا لو شبهه بالحمار أو بالكلب أو أطلق عليه الكلب أو الكافر أو الشيطان، أو بعض الكفرة كفرعون ويزيد والشمر، أو أطلق عليه أوصافاً رديئة كـ«يا مغنّي» و «يا طبلكي» و «یا لئيم» و «یا بخیل» و «يا شحيح» و «يا حبّاب الأولاد» و «يا خائن» ما لم يدخل في حد القذف فيكون قذفاً وسبّاً، أو نفى عنه الأوصاف الحسنة، كقليل الحياء والمروءة والعفّة والديانة والأمانة، وكثيراً ما يطلق عليه لفظ الشتم له أو لأبيه من هذا القبيل.

وقد يختص لفظ الشتم بنسبة القبيح لأبيه المنسوب إليه، أو اللعن ومثله حين نسبته إليه.

وحكم الشتم كحكم السبّ.

السابع والثلاثون: في حرمة التكسّب بالنميمة وبيان ما استثني منها

السابع والثلاثون: ممّا يحرم التكسّب به النميمة، كما يفعله الأسافل لتحصيل المال من جهتها ولها جعالة أو مواطأة.

وهي حرام كتاباً (1)وسنة (2)وإجماعاً بقسميه (3)، وورد أنّ «النمام أشرّ مَنْ وطئ الأرض بقدمه» (4).

وغالباً هي مثار الفتنة التي تحريمها نطق به الكتاب حيث قال: (وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ) (5)وفي الرواية: أنّها من السحر الذي يفرّق بها بين المتحابين، ويعادى بها بين المتصافين، ويسفك بها الدماء، ويهدم بها الدور، ويكشف بها الستور (6).

ويستثنى منها ما كان بين المشركين أو لإطفاء نائرة المخالفين أو اشتغالهم عن محاربة المؤمنين - يشغل اللّه الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين - أو ما كان لتخليص نفسه أو عرضه أو ماله أو نفس محترمة أو عرض محترم.

والمراد بالنميمة حمل ما يسيء ولو كان صدقاً من شخص لآخر، ليوقع بينهما الشحناء والعداوة بقول أو فعل أو بكتابةٍ، سواء كان نقل أحوال أو نقل أفعال لآخر ليترتب عليه ما ذكر، كمن يذكر أفعال زوج مع إحدى زوجاته من المحاسن لضرتها (7)كي تقع الفتنة بين الزوج وزوجته أو الزوجتين.

وكذا نقل ما يفعله أحد الإخوة أو المتحابين بعضاً مع بعض لآخر كي يفتتنا.

وكذا لو نقل ما تكلّم به شخص على آخر بوجه من الوجوه المكدرة، أو أخبره أنّه استغابه أو أعاب عليه، أو أنّه يكرهه أو يحسده أو نحو ذلك صادقاً أو كاذباً.

نعم، لو كان كاذباً يزيد ذنبه؛ لمكان الكذب.

وقد يدخل فيها ذكر المعايب المنفّرة بين المتحابين والمؤدّية للكراهة بين المتوادين.

وليس من النميمة نصح المستشير، بل نصح المؤمن إذا خيف عليه من الآخر فأنذره وحذره، وكان قصده ذلك من أفضل الطاعات.

ولا بدّ من تجريد النفس من مخايل الشيطان في مثل هذه وأمثالها.


1) البقرة (2) : 217.

2) مستدرك الوسائل 9 : 149 الباب 144 من أبواب أحكام العشرة.

3) تذكرة الفقهاء 12 : 144، ذيل المسألة 649.

4) مستدرك الوسائل 9 : 151، الباب 144 من أبواب أحكام العشرة، ح 7.

5) راجع الهامش (1).

6) راجع الهامش (4).

7) ضرّة المرأة : امرأة زوجها الصحاح 2 : 720، «ض ر ر».

وقد يدخل فيها كشف السرّ الذي ينبغي صونه وكتمانه على المؤمن؛ لأنّه قد يترتّب عليه قتل النفوس وهتك الأعراض، كما يقول: «فلان تمتع بفلانة» وأهلها ممّن يشينهم ذلك، أو يقول : فلان معشوق لفلان، أو فلانة معشوقة لفلان.

وظهر مما ذكرنا حكم الفتنة التي هي أكبر من القتل، وهي غالباً من الكبائر الموبقة.

الثامن والثلاثون: في حرمة التكسّب بالنفاق

الثامن والثلاثون: ممّا يحرم التكسّب به النفاق، وهو أخذ المال ممّن يريه المودة والصداقة والنصح لتلك الغاية وهو من الأعداء المبغضين له والمريدين به السوء، والنفاق حرام لنفسه كتاباً (1)وسنة (2)وإجماعاً.

ويلحق به ذو اللسانين والوجهين الذي يتردّد بين متخاصمين فيري كلاً منهم المودّة وبغض الآخر وهو ليس منهما في شيء، وفي الخبر أنّه شر عباد الله، ويوم القيامة يجعل اللّه له لسانين من نار أحدهما من قدامه والآخر من قفاه (3).

وقد يكون من حسن السلوك، ولا بأس به إذا لم ينافق ولم يذكر الآخر بسوء، ولم يُبطن غير ما يظهر.

ويزيد إثماً لو اشتمل على الكذب وأكل المال بالباطل.

التاسع والثلاثون في حرمة التكسّب بمدح المذموم وذمّ الممدوح

التاسع والثلاثون: ممّا يحرم التكسّب به مدح المذموم وذم الممدوح، ولو اشتمل على الغيبة زاد الإثم، وكذا لو اشتمل على الكذب.

والظاهر أن تحريمه من حيثية أن تعظيم من لا يستحق التعظيم قبيح كإهانة من لا يستحق الإهانة. وفي إلحاق الفعل بالقول وجه.

الأربعون: في حرمة التكسّب بالاستهزاء وسخرية المؤمن

الأربعون: يحرم التكسّب بالاستهزاء والسخرية بالمؤمن لإضحاك الخلق عليه وإحطاط


1) الآيات الواردة في ذمّ النفاق والمنافقين كثيرة، ومنها الآيات 7 - 20 من سورة البقرة (2).

2) وسائل الشيعة 12 : 256، الباب 143 من أبواب أحكام العشرة.

3) المصدر : 258 - 259، ح 0506

قدره وإذهاب هيبته ورفعته، وهو حرام في نفسه كتاباً (1)وسنّةٌ (2)وإجماعاً. وفيه إيذاء المؤمن وعدم احترامه المأمور به وإهانته المنهي عنها.

ويكون بالقول بأن يضرب له أمثالاً مضحكة وتشابيه دنيئة، وبالفعل بأن يمدّ له لسانه، أو يفعل فعله الدنيء، ويغمض عينيه لو كان أعمى أو أعور، ويعوّج فمه أو يطلع لسانه لو كان مؤوفهما، أو يمشي مشيه، أو يحكي حكيه، أو يصيح صياحه، أو يأكل أكله، أو يشكل شكله، أو يتشكل كشكله. وقد يكون بالغمز عليه والرمز، وقد يكون بضربه بالنجاسة والخرقة، وقد يكون بقطع كلامه بالمضحكات، ويكون بإظهار عدم الاعتناء به على وجه يسخر به المجلس، ويكون بحمل المهزو به على كلام أو فعل إذا صدر منه ضحك الجالسون عليه لغباوة أو بلادة أو فهاهة، ويكون بكثرة الضحك عليه عند مواجهته، إلى غير ذلك مما يُسمّى عرفاً استهزاء أو سخرية؛ فيدخل في عموم النهي عن الاستهزاء وذمّ المستهزئين، وفي عموم النهي عن السخرية، وفي أنّ «الرجل ليقول الكلمة ليضحك بها المجلس فيهوى من السماء إلى الأرض» (3).

ويحرم التكسّب بالفحش قولاً وفعلاً.

والفحش في الكلام كما يقول العوام: «إير الحمار بفرج كذا» أو «بدبر كذا»، يريد فيه أو في أرحامه، وما شابه ذلك من الفحش والفحشاء والمنكر، المنهي عنه كتاباً (4)وسنة (5).

والظاهر أن لفظ الفرج لو انفرد لم يكن فحشاً ولا حراماً، وكذا لو لم يحمل عليه لفظ يؤدي به إلى الفحش فلو قال الزوج لزوجته: أُحبّ منكِ كذا، لم يكن حراماً، أو لا يتجنّب عن ذلك، وتسميته فحشاً لا اعتبار به قط.

الواحد والأربعون: في حرمة التكسّب بالدعاء على المؤمنين كلاً أو بعضاً

الواحد والأربعون: يحرم التكسّب بالدعاء على المؤمنين كلاً أو بعضاً، ما عدا دعاء المظلوم لرفع ظلمه.


1) الحجرات (49) : 11.

2) بحار الأنوار 22 : 197، ح 12.

3) وسائل الشيعة 12 : 251، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة، ح 4.

4) راجع الهامش (1) من ص 68.

5) راجع الهامش (2) من ص 68.

وهو حرام؛ لما فيه من الإيذاء وقصد إيصال الضرر لغير مستحقه، ولما فيه من الظلم والحنق والحقد وحبّ السوء في أخيه المؤمن والفجيعة والقطيعة، وتشتد في العلماء والأرحام والمحسنين.

الثاني والأربعون: في حرمة التكسّب بالمكر والخديعة والحيلة

الثاني والأربعون: يحرم التكسّب بالمكر والخديعة والحيلة، كما لو دفع مالاً لآخر ليمكر له بأخيه المؤمن فيريه القبيح حسناً فيقدم عليه، والحسن قبيحاً فينفر منه، ويوقعه بالمهلكات من حيث لا يشعر بها. وربما يتفق معه في أمرٍ وبعد أن يقدمه عليه يتنحى عنه بما ينال به الضرر والفضيحة ونهب المال.

وقد تكون الحِيَل بالكذب فتشتد حرمتها من جهتين.

والحيلة والمكر والخدع والخديعة جاءت بحرمتها عمومات الكتاب (1)والسنّة (2).

نعم، لا بأس بالحيل الشرعيَّة المباحة للتوصل بها إلى مباح من تصحيح عقد أو إيقاع والفرار من الحرام إلى الحلال.

وبالجملة، فالحِيَل الجالبة للضرر على الغير بمكر وكذب غير الحيل الشرعيَّة التي يقصد بها الفرار من موضوعٍ شرعيٍّ إلى آخر، ومن حكم إلى آخر. ونعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال، وكثير من أهل النفاق هم أهل الحِيَل.

وقد تجب الحيلة (3)لتخليص نفس محترمة من القتل، وتجوز لتخليص المؤمن والمال، وتجوز لإدخال الضرر على المحاربين والمخالفين بتشتيت شملهم وتفريق جمعهم وإضعاف كلمتهم.

الثالث والأربعون في حرمة التكسّب بفعل المنافي للمروءة

الثالث والأربعون: ممّا يحرم التكسّب به وأخذ المال عليه أو لأجله أو شرطه الضمني أو المصرح به فعل منافيات المروءة، ويُسمّى اليوم بالتشمّر، فيلعب ويهزأ بنفسه، ويهز رأسه وأعطافه، ويخرج الصوت من دبره وفمه وإبطيه، ويتقلب ويتكلم بالفحش من الكلام الغير اللائق بأهل المروءات.


1) فاطر (35) : 10 و 43.

2) وسائل الشيعة 12 : 241، الباب 137 من أبواب أحكام العشرة.

3) في «ف» : «المكر والخديعة» بدل «الحيلة».

ويدلّ على تحريمه ما دلّ على حرمة الفواحش ما ظهر وما بطن(1)، ويشعر به ما جاء في الصمت والسكينة والوقار (2)المشعر بالنهي عن منافيات المرؤة والأمر بما وافقها، وهو كثير، وإنّ الرجل ليأتي بالكلمة ليضحك بها المجلس فيهوى من السماء إلى الأرض(3).

الرابع والأربعون: في حرمة التكسّب بالغيبة
إشارة:

الرابع والأربعون: ممّا يحرم التكسّب به لحرمة فعله كتاباً (4)وسنة (5)وإجماعاً بقسميه (6)الغيبة، فيحرم أخذ المال لأجلها أو شرطها المصرح به أو الضمني، وورد أنّها «أشدّ من الزنى» (7). وجعلها في الكتاب كأكل لحم الأخ ميتاً (8)، وجعلها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كأكل لحم الكلب المنتن (9).

وفي الآية إشعار باختصاصها بالمؤمنين الاثني عشرية؛ لتصديرها بـ(الذين آمنوا) وتشبيهها بأكل لحم الأخ، والإشعار لا يُنكر وإن لم يلزم من التشبيه بلحم الأخ كون المستغاب أخاً.

وفي بعض الأخبار تعليق الحكم على لفظ المؤمن (10)، وهو لا يخلو من إشعار بالمؤمن من لفظ الناس والمسلم وإن لم يحمل العام على الخاص في المثبتين. كلّ ذلك لما دلّ على جواز سبّهم ولعنهم وإظهار معايبهم فعلاً وتقريراً من أئمّتنا وأنهم كالكلاب الممطورة، وأنّ من قدّم الجبت والطاغوت ناصبي، وأنّه أشدّ وأنجس من الكلب (11).

وما وقع بين عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) والحسن والحسين وبين كثير من الصحابة مع مَنْ قابلهم وأخذ منصبهم ما فيه بلاغ.


1) الأنعام (6) : 151؛ الأعراف (7) : (33) الشورى (42) : 37: النجم (53) : 32.

2) وسائل الشيعة 12 : 182، الباب 117 من أبواب أحكام العشرة.

3) راجع ص 72، الهامش (3).

4) الحجرات (49) : 12.

5) وسائل الشيعة 12 : 278، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة.

6) منتهى المطلب 15: 382.

7) وسائل الشيعة 12 : 280 - 281 و 284 و 285، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح 9، 18، 19.

8) الحجرات (49) : 12.

9) راجع وسائل الشيعة 12 : 282، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح 13.

10) المصدر : 285، ح 20.

11) المصدر 16 : 267، الباب 39 من أبواب الأمر والنهي، ح 1؛ و 9 : 490 - 491، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 14؛ و 1 : 220، الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل، ح 5.

فما مال إليه المقدّس الأردبيلي ومَنْ تبعه من عموم حرمة الغيبة لغير الفرقة الاثني عشرية من المسلمين (1)لا وجه له.

وموضوع الغيبة معروف بالعرف واللغة، وليس من الموضوعات التي تطرقها الإجمال.

وحاصل معناها: أن تقول أو تفعل فعلاً في أخيك يكرهه ويشينه ويسوؤه وينقصه بمعنى أن يكون من شأنه ذلك.

وعلى ذلك تنطبق عبارات اللغويين والرواية الواردة عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «أن تذكر أخاك بما يكره» (2)وإن قرئ بالمبني للمجهول أيضاً كان معناه: أن من شأنه أن يكره، وكذا مَنْ فسره بذكر العيوب وما شابهه.

ومن قيد الشأنية تبين أنّه لو لم يكره المستغاب الغيبة ولم يؤثر فيه نقصاً - لجلالته وعدم مبالاته، وعدم تأثير الغيبة فيه شيئاً من الأحوال التي هو فيها - لم تكن غيبة.

وكذا لو كره إظهار ماله أو عزّة قدره وعلو شأنه وانتسابه للتقوى والصلاح والعفاف فذكر بذلك لم يكن غيبة وإن كره بيان ذلك.

نعم الظاهر من العرف واللغة قيد الغيبة في الغيبة، فالحاضر يلحقه في الحكم لا في الاسم، ومَنْ فارقت روحه الدنيا كان كالغائب وإن كان قبل نقله لقبره، ومَنْ لا يسمع ولا يعقل كالمجنون فالظاهر أنّه مشارك للغائب اسماً وحكماً، ومَنْ كان وراء جدار أو ستر كان غائباً وإن سمع في وجه.

وكذا الظاهر منها عمومها للقول والفعل، وفي الرواية المعتبرة: أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لعائشة لما أشارت إلى قصر امرأة بإيمائها بيدها: «اغتبتيها» (3)مع احتمال الاقتصار بها على القول، ومشاركة الفعل لها كتابةً أو إشارة بالحكم لا بالاسم.

نعم، يدخل في القول التنبيه والتعريض والمفهوم والفحوى ونحوها من دلالات الألفاظ الالتزاميّة.


1) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 76 و 78: كفاية الفقه 1 : 436.

2) وسائل الشيعة 12 : 280 - 281، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح 9.

3) مسند أحمد 7: 197، ح 24528 بتفاوت.

والظاهر دخول تحقق العيب فيه، فلو لم يكن فيه كان كذباً وبهتاناً، كما تدلّ عليه الرواية، بل ويقضي به كلام بعض أهل اللغة (1)والعرف.

وكذا دخول وجود السامع لها وفهمه الخطاب، فلو لم يكن سامعاً ولا فاهماً فالظاهر عدم الدخول في الحكم والاسم.

وكذا دخول التعيين في اسمها وحكمها مع احتمال الدخول في الاسم والخروج عن الحكم، فلو ذكر لفظاً مجملاً بين محصور أو غيره لم يكن غيبة أو لم يكن محرّماً وإن أمكن للسامع بعد السؤال معرفته، وكذا لو قال رجل، أو أحد مَنْ في الدار، أو أحد أولاد فلان، والأحوط في المحصور التجنّب.

أما لو عينه باسمه الخاص أو لقبه أو كنيته أو بوصفه من دخول أو خروج أو مال أو حال بحيث لا يشاركه أحد، كانت غيبةٌ حكماً واسماً وإن لم يعرفه السامع ولم يشاهده ولا يصل إليه ولا يلاقيه إلى يوم القيامة.

ولو علّقه على مستقبل كما يقول: مَنْ دخل الدار هذا اليوم فهو فاسق، أو: مَنْ يجلس معي هذا المجلس فهو مغنّي، كان غيبة حكماً واسماً.

ولو ذم أهل قريةٍ، فإن أراد العموم كان غيبةً، وإن أراد الأكثر - كما هو الظاهر - فالظاهر عدم دخوله في الاسم والحكم، فلو ذكر أهل القرية فقال: كلّهم فسقة إلا واحد، كان غيبةً حكماً واسماً على الظاهر، والفرق بين هذا و وبين ما تقدَّم ظاهر.

وتكون الغيبة بذكر الوصف الرديء، والخلق الرديء، والتخلق الرديء، والأفعال الرديئة والآثار الرديئة، فكلّ ما يفيد شيئاً ونقصاً وعيباً ومهانة بنفي صفة حسنٍ أو إثبات صفة قبح فهو غيبة.

وقد يستثنى مما ذكر من موضوع الغيبة وحكمها أو اسمها فقط أو حكمها فقط أُمور، وما يُشكّ في دخوله تحت الاسم أهون ممّا يُشكّ في دخوله تحت الحكم، لتمسك ذلك بأصل البراءة، وافتقار هذا إلى تخصيص أدلّة تحريم الغيبة، فيحتاج إلى قوة المخصص.

ومبنى المسألة في التخصيص إما على قوة دليل المخصص فيحكم على العام، أو يكون


1) كالجوهري في الصحاح 1 : 196؛ وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر 3 : 399، «غ ي ب».

بين الدليلين عموم من وجه ولكن يقوى العام الآخر بالمرجحات الخارجية على عموم النهي عن الغيبة.

بیان ما استثني من حرمة الغيبة

والأمور منها: المتجاهر في الفسق، وهو فيما إذا تجاهر بجميع أنواع الفسق بحيث لا يتخفّى في واحدٍ منها ككثير من الفسقة - وإن لم يستعمل الجميع فعلاً لكنه أعد نفسه لها، وكذا فيما تجاهر فيه لا كلام فيه؛ لفتوى الأصحاب، وأخبار الباب، كقوله: «لا غيبة لفاسق» (1)فإن الظاهر منه من حيثية ما فسق فيه.

ولأنّ المتيقن من تخصيص أدلّة تحريم الغيبة هو المتجاهر فيما تجاهر فيه، وحمله على النهي لا قائل به.

ولما ورد من أن تارك صلاة الجماعة يحلّ غيبته (2)، بناءً على حملها على صلاة الجمعة، وأن المراد هنا فيما يتعلق بترك الصلاة.

ولما ورد أنّ «مَنْ ألقى جلباب الحياء عن نفسه فلا غيبة له» (3)بناء على إرادة أنّه من حيثية ما خلع.

وأما لو تجاهر في كبيرةٍ وتخفّى في غيرها من المعاصي - كاتباع الظلمة وكذا العيوب - فهل تجوز غيبته فيما تخفّى فيه ؟ حكم بذلك جماعة (4)أخذاً بعموم تلك الأدلّة، فيخص بها أدلّة تحريم الغيبة. وهو قوي، إلّا أنّ الأوّل أقوى وأحوط؛ لضعف العمومات سنداً وصراحةً في العموم، فلا يقاوم عمومات التحريم.

ومنها : المتجاهر في عيب يعود نقصاً عليه كالجبن والبخل، والتلاعب، والمزح، وسوء المنطق، وإحداث الأصوات من فمه ومن دبره، فإنّه يجوز استغابته بهنّ؛ لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «مَنْ ألقى جلباب الحياء عن نفسه فلا غيبة له» (5).

وأما ما تخفّى فيه فالأظهر عدم الجواز؛ لعموم أدلّة التحريم.

ومنها : ما كان فيه نهي عن منكر إذا كانت الغيبة باعثةً على انتهائه إذا وصل إليه الخبر.


1) مستدرك الوسائل 9 : 129، الباب 134 من أبواب أحكام العشرة، ح 6.

2) وسائل الشيعة 27 : 392، الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

3) مستدرك الوسائل 9 : 129، الباب 134 من أبواب أحكام العشرة، ح 3.

4) منهم : الشيخ جعفر النجفي في شرح القواعد 1 : 228.

5) راجع الهامش (3).

ومنها : ما كان كذلك إلا أنّه لأجل أن ينهاه السامعون عن منكره ويردعوه عنه، وهو مبني على تقديم عمومات النهي عن المنكر على أدلّة تحريم الغيبة؛ لأنّه بمنكره كأنه أسقط احترامه كما أسقط احترامه في الزجر والضرب والإهانة، وليس ممّا جاز فيه الحرام لرفع حرام آخر،، كما قد يشتبه؛ لأنّ اللّه تعالى لا يطاع من حيث يعصى، فلا يجوز لشخص أن يفعل حراماً لدفع منكر يفعله شخص آخر قطعاً.

ومنها : ما كان لحفظ نفس المستغاب وعرضه وماله، فإنّه يجوز؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.

ومنها : ما يكون تقيّةً على نفسه وعرضه وماله؛ لجواز هتك الأعراض ونهب الأموال في الضرورة والتقيّة، فالاستغابة بطريق أولى.

ومنها : ما تكون الاستغابة لنفسه؛ للشك في شمول أدلّة التحريم، وإن اشترطنا الغيبة في الغيبة فهذا خارج عنها لنفسه.

ومنها : جرح الشهود عند الحاكم.

ومنها : جرح الرواة في كتب الرجال.

ومنها : الشهادة على السرقة والقذف والزنى ونحوها عند الحاكم.

وهذه الثلاثة دلّ عليها الإجماع والأخبار (1)والسيرة القطعيّة.

ومنها : الشكاية من المظلوم إلى مَنْ يرجو رفع ظلمه به فيما ظلمه، وقد دلّ عليه الكتاب (2)والسنّة (3)والإجماع.

ومنها : الشكاية عند مَنْ لا يرجى لرفع الظلم.

ومنها : ذكر المظلوم معايب الظالم ولو في غير ما ظلم به.

وفي هذين بحث، وعموم الأدلّة كقوله تعالى: (إلَّا مَنْ ظُلِمَ) (4)، وبعض الأخبار (5)ظاهرة في الاختصاص بما ظُلم فيه عند مَنْ يرجو رفع ظلمه به، ولا أقلّ أنّها ليست صريحةً في العموم.


1) راجع وسائل الشيعة 27 : 408، الباب 49 من أبواب كتاب الشهادات؛ و 28 : 124، الباب 25 من أبواب حد الزني، ح 1.

2) النساء (4) : 148.

3) تفسير القمي 1 : 157.

4) النساء (4) : 148.

5) تفسير القمي 1 : 157.

ومنها : الاستفتاء عن حال مَنْ صدر منه منافٍ يحتاج السائل إلى معرفة حكمه، كما تقول: فلان غصب مالي فهل لي أن أقاصه؟ أو قذفني، أو: فلان صدرت منه كلمة فهل هي كفر ؟ أو: فلان قال كذا، فهل هي كبيرة؟ ويدلّ عليه فتوى الأصحاب، ورواية شكوى هند عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (1).

والأظهر لزوم الاقتصار هنا على المجمل مهما أمكن، فيقول: شخص فعل كذا معي، أو: وقع منه كذا فما حكمه؟ نعم، لو توقف بيان الحكم على التعيين جاز.

ومنها : نصح المؤمن عن آخر مخالطة أو مكالمة أو معاملة، فيذكر عيوبه له، والظاهر لو أمكن النصح بدون ذكر العيوب لزم، وإن أطلق جماعة (2)ذلك.

ومنها : نصح المستشير لو كان مؤمناً بذكر معايب من استشير فيه صحّة أو معاملة.

ويدلّ عليهما ما دلّ على نصح المستشير (3)، بضميمة فتوى الأصحاب والسيرة القطعية، وللنبوي في مشورة فاطمة بنت قيس في خُطابها، فقال لها: «معاوية صعلوك لا مال له، وأبو الجهم لا يضع العصا عن عاتقه» (4).

وفي غير المؤمن وجه قويٌّ.

ومنها : الكلام على المضيف إذا لم يحسن الضيافة فيما لم يحسن فيه؛ لبعض الأخبار (5).

والأظهر المنع، ويُحمل على المتجاهر في سوء الضيافة.

ومنها : تحذير المؤمن عن الوقوع في الهلكة دنياً أو ديناً، كتحذير الناس عن الرجوع إلى صاحب الطريقة الفاسدة، كالأخباري، ومَنْ ليس له قابلية الفتوى، ومَنْ يجمع مزخرفات من بعض العلوم فيكون مقداماً لأقوام يتبعونه في مزخرفاته وخرافاته.

ودليله ما جاء في حق المؤمن على المؤمن من نصح ومودة، وأنّه يحب لأخيه كما يحبّ لنفسه (6)، والسيرة قاضية بالجواز.


1) صحيح مسلم :3 : 1338، ح 1714؛ مستدرك الوسائل 9 : 129، الباب 134 من أبواب أحكام العشرة، ح 4.

2) راجع جواهر الكلام 22 : 67.

3) وسائل الشيعة 12: 43، الباب 23 من أبواب أحكام العشرة.

4) صحيح مسلم 2 : 1114، ح 1480.

5) تفسير العياشي 1: 283، ح 296.

6) وسائل الشيعة 12 : 205 - 208 و 210 - 212، الباب 122 من أبواب أحكام العشرة، ح 7 - 11، 13، 19، 21 - 24.

ومنها : ذكر شخص بوصف مشهور معروف به كفلان الأعرج أو الأعمى، بل ولو لم يكن معروفاً به إذا كان لضرورة التعريف، لكنه لا يخلو عن إشكال، إلا أن يدخل تحت الضرورات المبيحة للمحظورات.

ومنها : ذكر عيوب شخص للعالم بها؛ لعدم دخول النقص عليه به.

وفيه إشكال؛ لعدم دليل صالح لتقييد عموم النهي عن الغيبة بالنسبة إلى العالم.

ومنها : نفي نسب من انتسب إلى غير نسبه سيّما كبعض السادة لتحصيل الخمس، أو لأنّه لا يعلم؛ للزوم الخلل بترك البيان بالنسبة إلى الأموال والمواريث والنفقات والأنكحة.

ومنها : تفضيل بعض العلماء على بعض وإن استلزم نقص المفضول لجلالة قدره وعظم منزلته.

نعم، قد تكون غيبةً فيما إذا كان الغرض إحطاط قدر المفضول وإبانة حاله للناس.

ومنها : ذكر ما لا عقل له ولا تمييز بما هو فيه كذكر المجانين وأطفال المؤمنين.

ويشكل ذكر عيوب الطفل فيما لا يتعلّق بالطفولية من الأوصاف الذميمة، وكذا المجنون، وأشكل منه فيما لو ذكره بوصف منقص له بعد بلوغه وعقله؛ لأنّ أطفال المؤمنين يلحقون بهم في الاحترام والغيبة هي ما من شأنها أن يسوء وينقص وإن لم يمكن من الطفل والمجنون إدراك الإساءة والنقصان.

ومنها : فعل الحسن من شخص فيدلّ على عيب الآخر بتركه له، أو قول القبيح منه فيدلّ على فعل الآخر، ودليله ظاهر إذا لم يكن القصد إلى ذلك، ولو كان القصد إليه فالأحوط التخفّي في إظهاره.

أما لو صلّى منفرداً عن جماعةِ شخص لإظهار أنّي لا أثق به، أو معرض عن كلامه ورأيه أو تقليده فهو غيبة، وليته أخفى ما أظهر؛ إذ ليس داعيه إلا استغابته المنهي عنها.

ومنها : ذكر بعض عياله وأولاده وأتباعه ببعض صفات ذميمة تأديباً لهم منها، أو يعود نقصها عليه، أو يعود بقاؤها إلى ضررٍ عليه ديناً أو دنياً فيحاول زجرهم بذلك وردعهم عما هم فيه، والسيرة قاضية به، وفي بعض الأخبار كخبر أُمّ إسماعيل (1)دليل عليه، وللتخلّص من الضرر العائد إليهم وإليه.


1) وسائل الشيعة 2 : 237، الباب 29 من أبواب الجنابة، ح 1.

ومنها : ذكر عيوب المملوك لمشتريه.

ومنها : ذكر عيوب المرأة لمن أراد نكاحها، فإنّه جائز للبائع وجائز للمشتري، وجائز للمستشار وجائز للمخطوب منه، ودليله يعرف مما تقدم.

ومنها : ذكر عيوب شخص وقد تاب منها أو ذهبت، فيقال: كان فبان وتبدلت بأحسن منها، وفي كتب الرجال كثير من ذلك.

ومنها : ذكر معايب معلومة معروفة بقصد إبطالها وإرادة أنّ ربّ مشهور لا أصل له.

ومنها : أن يخبر من استغاب فيقول: قال فلان: إن فلاناً كذا. نعم، هو غيبة للقائل لا المقول فيه.

ولو أجمل المخبر فقال: قيل في فلان كذا، أو قال: مَنْ لا أُسمّيه أو أعرفه كذا وكذا في فلان، لم يكن غيبة لهما إلا إذا استلزم هذا القيل نقصاً في المقول فيه؛ لأنه:

قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباً ***فما اعتذارك من شيءٍ إذا قيلا (1)

ومنها : تعليق الدم بطائفة يعلم أنّه لم يرد الجميع وإنما أراد الأغلب.

ومنها : لو أرسل شخص شخصاً في أمرٍ إلى ثالث فأعابه بفحش أو كلام محرَّم أو أبدى له ما يحرم نقله ابتداء، جاز للرسول أن ينقل إليه الجواب وإن كان الجواب فسقاً وغيبة.

ومنها : الرد على المستغيب لو استلزم قدحاً فيه (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) (2).

ومنها : ما يقع في مقام المناظرة ونقل الأقوال، فيقول: قال فلان كذا، وأفتى بكذا، كان للآخر أن يقول: أخطأ وغلط وما أصاب.

وعلى الأمرين جرت السيرة من العلماء وغيرهم، إلا أن ابن إدريس أفرط، حيث إنّه يقول: «للشيخ كلام يضحك الثكلى» (3)كما أن الفاضل كذلك في رده حيث يقول: «جاهل مغرور معجب بنفسه لا يدري أين يذهب» (4)، وهذان معاً إفراط، وخير الأمور أوسطها.

ومنها : كلام بعض مع بعض في مقام المناظرة فيخطئ بعضهم بعضاً وينسب كلامه إلى الخطأ والزلل، وهذا جرت عليه السيرة، ولا يدخل في اسم الغيبة لمكان الحضور.


1) البيت لنعمان بن المنذر. راجع كتاب سيبويه 1 : 260.

2) البقرة (2) : 194.

3) السرائر 2 : 56.

4) مختلف الشيعة 5 : 389 و 390، المسألة 6.

ويجب الاستغفار عن المستغيب فوراً؛ لأنّ التوبة عن المعصية واجب فوري، والإصرار عليها كبيرة موبقة.

وهل يجب الاستغفار للمستغاب؟ في بعض الأخبار ما يدل على وجوبه، وأنّه كفارة للمستغيب كلّما ذكر المستغاب (1). وهو مندوب؛ لعدم العمل عليه.

وهل يجب طلب العفو من المستغاب وبراءة ذمة المستغيب؟ وجه، ولكن الأوجه ندبه؛ لأنّ الظاهر أنّ حق الغيبة من الحقوق الإلهية.

ويحرم استماعها والإصغاء إليها؛ لما فيه من المعاونة على الإثم، وللأخبار الدالّة على ذلك (2)، وفيها أنّه أعظم وزراً من المستغيب إذا لم يرد سبعين مرّةً(3).

ويجب الرد على المستغيب للنهي عن المنكر، وللأخبار الخاصة الآمرة بذلك (4)، فإن لم يسمع الردّكان ندباً، والأولى القيام عن ذلك المجلس.

الخامس والأربعون: في حرمة التكسّب بعمل السحر

الخامس والأربعون: ممّا يحرم التكسّب به وأخذ المال بجهته أو بشرطه الضمني أو المصرح به أو الدفع لقلته عمل السحر ولو لتعلّمه وتعليمه بالعمل، غير ما يستثنى، وتعلّم السحر وتعليمه للعمل به غير ما يستثنى لحرمته كذلك في نفسه ضرورة من المسلمين.

وفي الكتاب والسنّة ما يقضي بكفر فاعله ومعلّمه لفعله، وأن ساحر المسلمين يُقتل (5)، وقال سيد الساجدين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا قابل السحرة اقبلني» (6)وفيه إشعار بأنّه أعظم من الكفر، وقال سبحانه وتعالى: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (7)فقد نفى عنه الفلاح على وجه العموم.

وليس له في الشرع حقيقة شرعيّة، ولم يبيّنه الشارع تمام البيان، فالمرجع فيه إلى العرف واللغة، فإن عرفناه منهما فلا كلام، وإلّا أمكن الأخذ بجميع تفاسيرهم على وجه الاشتراك اللفظي أو المعنوي، حيث لا يمكن حمل مطلقها على مقيدها؛ لأنّهم ليسوا بحكم متكلّم واحد.


1) وسائل الشيعة 12 : 290، الباب 155 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

2) المصدر : 291، الباب 156 من أبواب أحكام العشرة.

3) المصدر : 282، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح 13.

4) تقدّمت آنفاً.

5) البقرة (2) : 102: وسائل الشيعة 17 : 146، الباب 25 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

6) الصحيفة السجادية: الدعاء 90.

7) طه (20) : 69.

والأقرب: لزوم الترجيح بينها بأنواع التراجيح إن أمكن، فإن لم يمكن الترجيح عاد كالمجمل؛ لأنّ الحقّ لا يعدو الجميع ولا يخص بواحد، وقد حصل الاختلاف بينهم بأنّ كلّ واحدٍ منهم يدعي أنّ ما فسّره به هو معناه، كما هو ظاهر التفسير، أو لأنّ كلّ واحدٍ منهم أشار إلى بعض لوازمه، فالجميع يريدون معنى واحداً قد عبّروا عنه بتفاسير مختلفة، ولكن خفي علينا ما أراده الجميع فعاد كالمجمل أيضاً.

وحكم المجمل هنا : إما التمسك بأصل البراءة حتّى يعلم تحقق الموضوع، إما لأن نوعه غير محصور فيلزم من التجنّب العسر والحرج، وإما لأن فرده غير محصورٍ فيلزم ذلك؛ لأنّ الأفعال لا حصر لها، وإما لأنّ ما يتجدد من الأفعال والأقوال لا يجري فيه حكم الشبهة المحصورة ؛ لاختصاصها بالموجودات الخارجيّة، وإما لأنّ المجمل إذا بان فرد منه على وجه اليقين - وهو ما اتفق عليه - جاز التمسك في الباقي بالأصل؛ لأنّه يعود للشك في التكليف لا في المكلف به. وأما حكمه فلزوم التجنّب؛ لأنّه من الشبهة المحصورة أنواعها، ولا عسر ولاحرج في تجنّب المشتبه؛ إذ لا ضرورة تدعو إليه. ودليل الاحتياط يحكم في هذا وأمثاله بعد العلم بأنّ ما يحتاج إليه ليس منه.

السادس والأربعون: في بيان موضوع السحر

السادس والأربعون: في بيان موضوعه لا شكّ أنّ كلّ ما كان عادياً فعله وعادياً تأثيره، وليس من الأمور الغريبة ولا من الأحوال العجيبة، ولم يكن مبنياً على إخفاء العمل واستعمال الحيل لم يكن من السحر.

وذلك: كالاستشفاء بالدعاء وبملامسة جسد بعض الصلحاء، وبالتربة الحسينيّة، أو التعوّذ والتحصن بالحروف وبالتربة الشريفة، وبقضاء المطالب بحسن التوكل على اللّه والانقطاع، والدعاء، والمناجاة، وبطاعة ربّ السماوات «يا عبدي أطعني تكن مثلي» (1)والاستعانة على أمور الدنيا بنافلة الليل، وبالتهجد في الأسحار، وكثرة الاستغفار والتعقيب بعد الفرائض، وجلب الرزق البعيد حصوله بأدعية الرزق والطلب في أوقات معلومة من ربّ الخلق


1) نحوه في مشارق أنوار اليقين : 129.

وتحصيل الجاه والعزّ والاعتبار بمجرّد الانقياد للملك الجبّار «مَنْ خاف اللّه خافته الناس» (1)وتيسير العسير من جهة التعلّق بالعليم القدير والانقطاع إليه، والالتفات عند الشدائد إليه والهيبة في عيون الخلق لمداومته على تهذيب النفس والوقار والصمت وحسن الخلق.

وكذلك آيات الكتاب المجيد كتابةً وقراءةً للشفاء والحفظ ولقضاء الحوائج، بل وللعزّ والهيبة والمحبّة؛ لقوله: «خُذ من القرآن ما شئت لما شئت» (2)وقوله سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (3).)وكذلك خواص بعض الأسماء الحسنى وبعض الأوراد، وكذا خواص جملة من طلسمات الأعداد، وكذا خواص بعض الحروف التي لم يكن تأثيرها من عجائب المواقعات ولا فعلها من غرائب الحادثات.وكذا خواص بعض الأحجار العادية التأثير في نحو ذلك المضمار، كحجر الياقوت والمغناطيس، وكذا بعض المعادن كالذهب.وكذا خواص بعض الأدوية من المفردات والمركبات فيما كان التأثير من العاديات کالاستشفاء أو التمريض أو القتل كالسموم، أو الأدوية المفرحة أو المنشطة أو المبهية ولو كانت إفراطاً، أو النافعة للشعر أو القامعة أو المغيرة للون أو المبقية.وكذا ما استند إلى علوم النجوم من الإخبار بحوادث العالم، أو استند إلى قوة الحدس أو جلاء الفكر، أو استند إلى علم الجفر من ترتيب الحروف واستنطاقها، أو استند إلى علم الرمل. وكذا ما يستند إلى التفأل بالكتاب المجيد، وكذا الاستخارة الكاشفة - كما جربناه - عن المغيّبات التي يخبر اللّه لعبده فيها.وكذا فراسة المؤمن وحدسه، سيّما الذين تجردوا عن العلائق الدنيوية وعن الانغماس في الشهوات، واستعملوا الرياضات الشرعيَّة بالمداومة على الطاعة وتجنّب المعصية، خمص البطون عمش العيون، قد شدّوا حجر المجاعة على بطونهم، وقد تعلّقوا بالعالم الأعلى، فإنّ لهؤلاء حدساً صائباً وفكراً ثاقباً، وتسهيلاً لما أرادوا من الأمور العسيرة، وتيسيراً لما حاولوا من الأُمور الخطيرة.


1) نحوه في الأمالي، الطوسي: 140، المجلس (5)، ح 228 - 41، و 202، المجلس (7)، ح 344 - 46.

2) مقامات السالكين: 72.

3) الإسراء (17) : 82.

وكذا ليس منه الأعمال العادية وإن دقت وخفيت على غير أهلها، كبعض النساجة والحياكة، وعمل الساعات والصُّور الفاعلة للأعمال بالحركات والتركيبات والمسامير والبراغي والمراكب الدخانية والمشي السريع بآلاته وتركيباته وغير ذلك.وعلى ما ذكرنا فالظاهر أنّه يرجع إلى عرف أهله؛ لأنّهم أعرف من غيرهم يعرفونه كما يعرف الطبيب الصحّة والمرض، وعامة الخلق لعدم استعمالهم إيّاه لا يميزونه تمام التمييز كما يرجع بمعرفة المعادن إلى أهلها ومعرفة العلماء إلى أهل الخبرة بالعلم، وبالصناعات إلى أهلها، فيميزون صنعةً عن أُخرى، فيعرفون أنّ هذا نساجة، وهذا تطريز، وهذا شبكة. وهذا عمل الحدادين، وهذا عمل الصائغين، وهذا عمل النجارين، ويعرفون أهل الخمر الخمر من غيره، وأهل الأواني الصيني من غيره.وبالجملة، فأهل العرف إن دار الأمر بينهم كلّاً أو جُلاً رجع إليهم، وإن اختص به قوم دون قوم (1رجع إلى من اختص بذلك منهم، وكان مستعملاً فيما بينهم ومعروفاً لديهم.)##### السابع والأربعون: في تفسير السحرالسابع والأربعون: للّغويّين والفقهاء اختلاف في تفسير السحر.فمنهم مَنْ فسّره بـ«ما لطف مأخذه ودقّ» (2.)ومنهم مَنْ فسّره بـ«صرف الشيء عن وجهه» (3.)ومنهم بـ«إخراج الباطل بصورة الحقّ» (4.)ومنهم بـ «الخديعة» (5.)ومنهم بأنّه «كلام يتكلّم به أو يكتبه أو رقية، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من دون مباشرة» (6.)وزاد بعضهم فقال: «كلام أو عقد» (7.)


1) في «ب» : «آخرین» بدل «قوم».

2) الصحاح 2 : 679، «س ح ر».

3) النهاية في غريب الحديث والأثر 2 : 346، «س ح ر».

4) كما في مجمل اللغة 1 1 : 488، «س ح ر».

5) كما في مجمل اللغة 1 1 : 488، «س ح ر».

6) قواعد الأحكام 2 : 9.

7) منتهى المطلب 15: 385.

وزاد آخر فقال: «أقسام و عزائم ثمّ قال: «يحدث بسببها ضرر» (1.)ومنهم من قال:السحر بالكلام والكتابة والرقية والدخنة بعقاقير الكواكب وتصفية النفس والتصوير والعقد والنفث والأقسام والعزائم بما لا يفهم معناه ويضر بالغير فعله.و من السحر : استخدام الملائكة والجن واستنزال الشياطين في كشف حال الغائب وعلاج المصاب.ومنه: الاستحضار بتلبس الروح ببدن منفعل كالصبي والمرأة، وكشف حال الغائب عن لسانه.ومنه: النيرنجات، وهي إظهار غرائب خواص الامتزاجات وأسرار النيرين. ويلحق به الطلسمات.ومنه : تمزيج القوى العالية الفاعلة بالقوى السافلة المنفعلة ليحدث عنها فعل الغرائب (2.)ومنهم: من ادعى أن السحر عمل يحدث منه ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة وأسباب خفيّة (3.)ومنهم: مَنْ يدعي أنّه استحداث الخوارق بمجرد التأثيرات النفسانية (4.)ومنهم: مَنْ يدعي أن العزم على المصروع وإحضار الجن من الخرافات الباطلة ولا أصل لها (5.)ومنهم: مَنْ يدعي أن الاستخدام من الكهانة لا من السحر (6.)ومنهم: مَنْ يدعي أن إحداث الخوارق بالاستعانة بالفلكيات فقط - التي هي دعوة الكواكب - ليست من السحر، وكذا الاستعانة بتمزيج القوى السماويّة بالقوى الأرضيّة وهو الطلسمات، وكذا الاستعانة بالأرواح الساذجة هو العزائم، ويدخل فيه النير نجات، وكذا الاستعانة بخواصّ الأجسام السفليّة هو علم الخواص، وكذا الاستعانة بالنسب الرياضية هو علم الحيل وجرّ الأثقال (7.)


1) مسالك الأفهام 3 : 128.

2) الدروس الشرعيَّة 3: 163 - 164.

3) حكاه الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 2 : 12 عن بعضهم.

4) إيضاح الفوائد 1 : 405.

5) منتهى المطلب 389:10.

6) مسالك الأفهام 3 : 128.

7) إيضاح الفوائد 405:1.

ومنهم كالوالد أعلى اللّه مقامه - أرجعه إلى العرف، وفهم من العرف:أنه عبارة عن إيجاد شيءٍ تترتب عليه آثار غريبة وأحوال عجيبة بالنسبة إلى العادات، بحيث إنّها تشبه الكرامات، وتوهم أنّها من المعجزات من غير استناد إلى الشرعيات من حروز ودعوات ونحوها من المأثورات، وما أخذ من الشارع كالعُوذ والهياكل والطلسمات فليست منه. وغرض الشارع بحسم مادته : المنع من التدليس والتلبيس في الأسباب، كالمنع منهما في المسبّبات، وأن حدوث الأفعال من دون سبب يبين مخصوص برب العالمين (1.)وهو راجع إلى ما ذكرنا من الرجوع إلى عرف أهل الصناعة الذين يميزونه ويعرفونه، كما يعرف أهل الصنائع موضوعات صنائعهم.ورد عليه بعضهم:أنه لا محصل لذلك ؛ لطول هذا العلم وكثرة أبوابه وشعبه، فلا يفهمه أهل العرف، ولأنّ كثيراً من علوم الجفر والهيئة والترارجية يحدث من عالمها آثار عجيبة وأفعال غريبة، ويكفيك ما يصنعه الإفرنج من الغرائب (2.)وهو كما ترى بعدما بينا أنّ الرجوع إلى أهله وأهل المعرفة به وكونه طويلاً عريضاً لا ينافي ضبطه بضبط موضوعه هَبْ أنّه كعلم الفقه وعمله، ودخول جملة من أفراده في علم آخر لا ينافي دخوله فيه بعد قضاء العرف به، ونلتزمه، ولا بأس به.وأما أعمال الإفرنج: فهي أعمال ذوات أسباب معلومة عادية وتأثيرات ومسببات عرفية، كإحداث البناء العجيب، والسرير الغريب، والحديد القاطع، والبارود، وبعض الأسلحة، وإذا ظهر حال الأسباب وأنها من جهة زيادة الأستادية والمعرفة بالأمور العملية بطل العجاب في جميع هذه الصنائع العادية، وقد رأينا أهل الطبخ يصنعون ألواناً في المآكل تحدث من تركيب المفردات بعضاً مع بعض لا يهتدي إليها أكثر الناس، وقد يترك الأوّل للآخر ما لا يصل إليه، وأعمال الإفرنج لو عملناها واستعملناها لكانت عندنا من سائر الأعمال العادية، ولكن البلاد غير البلاد والاستعداد غير الاستعداد، وأعمال الصين من الجيني ونحوه ممّا يشابه ذلك، فلا وجه لهذا الإيراد.


1) شرح القواعد 1: 243.

2) جواهر الکلام 22 : 81.

ومنهم: مَنْ جعل الخواص حتّى خواص الحروف وما يحصل من رياضة النفس الذي يعد مثله كرامة؛ لدخوله تحت «يا عبدي أطعني تكن مثلي» (1وما يرجع منه إلى تركيب الأجسام على النسب الهندسية أو غيرها لم يثبت كونه سحراً، والأصل البراءة، ولو استلزم منها ضرر الغير وادعاء نبوّة حرم لذلك (2).)وهو كما ترى لا يطرد ولا ينعكس.ومنهم: مَنْ فصل فصلاً طويلاً حاصله أنّه أقسام ثمانية:القسم الأوّل: سحر الكذّابين (3، وهُمْ عَبَدة الكواكب، ويزعمون أنّها المدبّرة للعالم، وهُمْ ثلاث فرق :)الأولى : تزعم أن الكواكب واجبة الوجود لذاتها، وأنها الخالقة والمدبّرة لهذا العالم.والثانية : أنّها قديمة : لقدم العلّة التامة المؤثرة فيها.والثالثة : أنّها حادثة، إلا أنّ خالقها خلقها عاقلة مختارة قد فوّض أمر العالم إليها.والساحر عند هذه الفرق هو مَنْ عرف القوى العالية الفعّالة بسائطها ومركباتها، ويعرف ما يليق بالعالم السفلي، ويعرف معداتها ليعدها وعوائقها ليرفعها بحسب الطاقة البشرية، فيكون متمكناً من استجذاب ما يخرق العادة.القسم الثاني: سحر أهل الأوهام والنفوس القوية، وهو يكون بتجريد النفس عن الشواغل البدنية ومخالطة الخلق، فيحصل ما تريده النفس، وتوجد صورته في ذهنها، ويقتدر بها على خوارق العادة، وهي مختلفة:فمنها: قويّة منجذبة بنفسها إلى العالم السماوي حتّى كأنها من الأرواح السماوية، فلا يحتاج في تأثيرها إلى آلة وأداة.ومنها: ما تحتاج إلى تصفية وعلاج، وقد تحتاج إلى الاستعانة على ذلك بالرقى والعزائم المعلومة ألفاظها، بل وغير المعلومة ؛ لحصول دهشة للنفس وحيرة، وقد يستعين في ذلك بالدخن الموضوعة للكواكب.


1) راجع ص 83، الهامش (1).

2) جواهر الكلام 22 : 85.

3) في المصدر : «سحر الكلدانيين والكسدانيّين».

وبالجملة، فتأثير النفس إذا صفت تفعل خوارق العادة، إما لأنّها مخلوقة كذلك، وإمّا لأنّها تصير قابلةً لفيض الأنوار من الأرواح السماوية والنفوس الفلكية، فتتقوى بها على إحداث الأُمور الغريبة لانجذاب ما يشبهها إليها.القسم الثالث: يحصل بالاستعانة بالأرواح السفلية، وهُم،الجن، ويكون بالتصفية والتجريد وبالدخن والعزائم.القسم الرابع: يحصل بالتخييلات والأخذ بالعيون، وبسببها الخفّة وسرعة الحركة في فعل يشتغل الناظر إليه، فينتقل إلى غيره كذلك، فيريهم العجب حيث وقع هذا الأمر الغريب بلا سبب.القسم الخامس: يحصل من تركيب آلاتٍ على النسب الهندسية، أو على ضرورة الخلاء، فيحصل من ذلك آثار عجيبة، كتصوير فارسين يقتل أحدهما الآخر، وتصاوير الروم التي تصوّرها ضاحكة وباكية، وتصاوير صندوق الساعات.قيل: ومنه جرّ الأثقال بآلة خفيفة.القسم السادس: خواص الأدوية المزيلة للعقل، والدخن المسكرة.القسم السابع: تعليق القلب بالأكاذيب، كما يُري الناس أنّه يعرف الاسم الأعظم، وأن الجنّ تطيعه وتنقاد إليه الأمور، فيجذب إليه القلوب الضعيفة والعقول السخيفة.القسم الثامن: السعي بالنميمة والتضرير بالوجوه الخفية (1.)وهذا كله كما ترى منه ما لا محصل له وما له محصل لا يدخل في السحر.وفي الخبر: «إن السحر على وجوه شتّى: منها بمنزلة الطب، كما أن الأطباء وضعوا لكلّ داء دواء، فكذلك علماء السحر احتالوا لكلّ صحّة آفةً، ولكلّ عافيةٍ سُقْماً وعاهة، ولكلّ معنى حيلة، ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخاريق وخفّة، ونوع آخر منه ما يأخذ أولياء الشياطين عنهم» قال : فمن أين علم الشياطين السحر؟ قال: «من حيث عرف الأطباء الطبّ، بعضه بتجربة، وبعضه بعلاج» إلى أن قال له: أيقدر الساحر أن يحوّل الإنسان بسحره في صورة الكلب والحمار ؟ قال: «هو أعجز من ذلك، وأضعف من أن يغيّر خلق اللّه [إِنَّ] مَنْ


1) التفسير الكبير، الرازي 2 : 224 - 231.

أبطل ما ركّبه اللّه وصوّره فغيّره فهو شريك اللّه تعالى في خلقه، ولو قدر الساحر على ما وصفت، لدفع عن نفسه الهرم والآفة، ولنفى البياض عن رأسه والفقر عن ساحته» (1.)وذكر بعضهم (2: أنّ من السحر ما يؤثر المحبة والبغضاء، ويربط الرجل عن زوجته، كما صنع في عمارة بن الوليد، حيث نفخوا الزئبق في إحليله فصار مع الوحوش، فلمّا قبضوا عليه اضطرب حتّى مات (3).)قلت: وقد يذكر في كتب السحر وعند أهله الاختفاء عن الأعين، والطي والطيران، والدخول في الأرض والحائط، والمسخ بحسب الصورة لا الحقيقة، والدخول في النار، والمشي على الماء والدخول في الإبريق وفي الحيوان، وذبح الإنسان، وجرّ الأثقال، والمشي على الحبال، وأخذ عقول النساء والرجال واتباعهم لهم أبداً من غير شعور، وقلع الحصون والقصور بما لا يعلم سببه كي يبطل عجبه، وإدخال الحديد في البدن وإخراجه، والضرب بالسلاح منه وقيء الإبر، وإخراج الضوال، وجذب ما في البحر، وتجفيف النهر، والإضحاك والإبكاء، وتغير الألوان، وزرع الساعة، وبناء المدن دفعةً والدخول إليها فجأة، وإخراج الخيوط من بطنه، وإحراق ثياب صاحبه وجليسه، وإماتته مَنْ شاء على ما وقته من الأوقات، وتسخير السباع والوحوش والطيور، وتسخير الملوك، وإخراج الماء من الحصى، ووضع البيض تحت الإنسان، وجلب الدراهم وإحضار مَنْ يريد، وتشتيت الشمل من الإنسان، وابتلاع الجسيم وإخراج الفواكه من تحت الفراش وعمل الترْج وعمل الدخن، وقلب المعادن، وإجماد الماء، إلى غير ذلك، وإن كان أكثره - كما سيجيء (4إن شاء اللّه تعالى - لا حقيقة له.)وهذا كله ينبغي التأمل في الداخل منه في السحر والخارج عنه، ولو وُجد عندنا علماؤهم وأهل الخبرة منهم لميزوا بينه وبين غيره، كما يميّز أهل الصناعات صناعاتهم وأهل الحِرَف أعمالهم.ولا عبرة بما دق ولطف من الأعمال وتراكيب الأغذية، ولا بما دق ولطف من مبتكرات دقائق الصناعات كالكيمياء وشبهها ولا بما دق ولطف من مبتكرات المسائل في العلوم


1) الاحتجاج : 339 - 340، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

2) منهم صاحب جواهر الكلام 22 : 84.

3) تفسير القمي 1 : 178.

4) سيأتي في ص 91 و ما بعدها.

ولا بما دق ولطف من ألسنة بعض الناس إذا تكلّموا في أمرٍ أنتجوه بحسن الكلام واللطائف بحيث لا يدرك منْ إليه الحاجة إلا قضاءها، وكم مَنْ يدركه الأسى بعد ذلك فيقول: سحرني كلامه فقضيت له الأمر من غير شعورٍ ولا بما دق ولطف من الحيل في جلب الرزق.وهذا كله لا كلام فيه، ولعلنا نقول: إن كثيراً مما قدمنا يشارك السحر في الحكم لا في الاسم؛ لترتب الفساد عليه باعتبار خرق العادة بالفعل المشابه للمعجزة، الذي أراد اللّه تعالى رفعه وقطع مادته؛ لتأثير الخلل في النبوات وإظهار المعجزات، وربما يطلق على كثير مما تقدَّم لفظ السحر للمشابهة.##### الثامن والأربعون: في أن أكثر السحر تخييلالثامن والأربعون: الأقرب أنّ السحر أكثره تخييل، بمعنى أن العين تراه على غير الواقع، وهو الأغلب بين الناس، كما يدلّ عليه عجزهم عما هو أضعف مما فعلوه من الغناء والاعتبار والقوة وحفظ أنفسهم من الغرق والقتل والضرب فدل على أن الأقوى فيه أنّه تخييل لا حاصل له.ويدلّ عليه قوله: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (1)وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ) (2)وقوله تعالى: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ) (3)لظهوره في نفي الفلاح في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: (كَيْدُ سَاحِرٍ) (4)، وظاهر المكيدة أنّها تخييل لاحاصل لها، وقوله تعالى: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) (5)لظهوره في أنّ السحر مؤثر في العين لا في الواقع.)ومنه تحقيق، ويشير إليه بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللّه (6)بمعنى أنّ المضرّ منه إنّما يضر إذا لم يُبطل اللّه أثره، كما أبطل اللّه آثار نار إبراهيم، فمعناه: أنّ اللّه لو ترك السبب والمسبب على مقتضى السببية لأثر السبب أثره.)ويدلّ عليه ما ورد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أنّه سُحر عليه فأثر في بدنه فأنزل اللّه المعوّذتين (7)،)


1) طه (20) : 66.

2) البقرة (2) : 102.

3) طه (20) : 69.

4) طه (20) : 69.

5) الأعراف (7) : 116.

6) البقرة (2) : 102.

7) صحیح مسلم 4 : 1719 - 1720، ح 2189؛ مستدرك الوسائل 13 : 107 - 108، الباب 22 من أبواب ما يكتسب به، ح 7.

وفيها: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِى العُقَدِ (1)وهي ظاهرة في السحر. وكذا قوله: ﴿وَمِنْ شَرٌّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) (2)بناء على أنّ من السحر تأثير النفوس الشريرة.)ومن ادعى أن تأثير السحر منافٍ لمنصب النبوة، وأنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ عنده دعوات وأحراز لا يمكن تسلّط السحر عليه معها، وأن النفس الشريرة لا يمكن أن تفعل بنفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؛ لخلوصها وتجردها، وإنما تفعل في النفوس القابلة للانفعال. رددناه: أن تأثير السحر ما لم يكن في العقل وفي شيء تنفر الطباع منه لا بأس به.)ودعوى أن تأثير السحر فيه تنفر الطباع منه مطلقاً؛ لأنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ منزه عن تسلّط الساحر عليه، حيث إن تسلّطه عليه ممّا يجوز تسلّطه على عقله ودينه، وتنفر عنه الطباع، ويقال فيه: (إنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً) (3)ممنوعة عند سلامة عقله ودينه وسمعه وبصره وحواسّه المضرّ فقدانها بنبوّته، فهو كتأثير السم والمرض والحديد.)وأما الأحراز والأدعية فقد تقتضي المصلحة بعدم استعمالها، أو استعمالها وعدم تأثيرها؛ لعدم إذن اللّه تعالى بذلك، كما وقع على الأوصياء من القتل والسم والحبس، مع أنّهم أهل علم الجفر والجامعة، وهم أهل الدعوات المستجابات.وأما تأثير النفس الشريرة فمسلّم لو كان يخلّ بدين النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ كتسليط الشياطين أو ما يقضي بنقص نبوّته، وأما تأثيره بنفس جسمه فلا مانع منه.)وبالجملة، فكون أنّ بعضه تحقيقيّ مشاهد بالوجدان والعيان، وربّما يشير إليه قوله تعالى: (إنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً (4).)ودعوى أن السحر كله تخييل؛ لتأثيره بالوهم المنفعل، ظاهرة البطلان؛ لأنّه يؤثر فيمن لا يعلم كدعوى أن آثار الجنّ حقيقة قطعاً؛ لإمكان كون الجنّ وفعلهم كله تخييلاً، ولا أثر لذلك، كما قال العلّامة: إنّه من الخرافات (5، ولو سلمنا لكان ما يرى الجنّ تخييلاً لهم.)والظاهر أنّ المسألة قليلة الثمرة، وإن أمكن ظهورها في القصاص؛ لأنّه على التخييل


1) الفلق (113) : 4.

2) الفلق (113) : 5.

3) الإسراء (17) : 47: الفرقان (25) : 8.

4) الإسراء (17) : 47: الفرقان (25) : 8.

5) منتهى المطلب 15: 389.

لا قتل واقعاً، وإنّما يتراءى للناظر، فلو بطل السحر لعاد حيّاً، بل ولا دية، مع احتمال أن القتل الذي يقاربه ويؤخذ عليه الدية هو ما تراه العين ويترتب عليه آثار الموت.وبالجملة، فالتخييل في المؤثر لا ينافي القود بعد تحقق القتل بذلك التخييل، وأما التخييل في الموت وفي الأثر فلا قود فيه.وكذا لو أقرّ أنّي قتلته بالسحر عمداً، أو أنّي قتلته خطاً، مع احتمال أنّه يؤخذ بإقراره مطلقاً.وتظهر الثمرة في المقاصة في المال، وتظهر في إمكان إبطاله بعد القتل وتلف الشيء، فعلى التحقيق لا يتدارك، وعلى التخييل له جهة انتظار.##### التاسع والأربعون: في أنّه يُقتل المسلم المستحل للسحرالتاسع والأربعون: يُقتل المسلم المستحلّ للسحر؛ لأنّه مستحلّ له ولو اجتمع معه كفر آخر، كاعتقاد ربوبية الكواكب أو خلقها وتدبيرها على سبيل الاختيار، وكذا لو اجتمع معه إهانة القرآن كوضعه في قاذورة، أو إهانة عظم نبي، أو سب الأنبياء، أو ذكر ما لا ينسب إلى جبار السماء.ولا يُقتل الكافر الأصلي به.ولو تفرّد للعمل فهل حدّه القتل أم لا؟ ظاهر الأخبار (1الأوّل؛ لإطلاق الكفر عليه، ولأنّه لو توقف القتل على الاستحلال لساوى بقيّة المعاصي، ولأنّ الساحر كآلة اللهو يلزم إتلافه؛ لمنافاته لمعاجز الأنبياء، وعود الفساد فيه لأرباب الشرع، ولما يظهر من بعض الأخبار (2)ومن آية هاروت وماروت (3)ومن كلام بعض العلماء (4): أنّه كفر مطلقاً.)وقد يقال: إنّ الأخبار والآية تُحمل على المبالغة، كما ورد في تارك الصلاة (5وفي كثيرٍ من المعاصي، وإعراض الأصحاب عن ذلك أقوى شاهد على ذلك.)و قول هاروت وماروت: ﴿فَلا تَكْفُرْ لا يستدل به على الكفر؛ لعدم ثبوت كونهما معصومين؛)


1) وسائل الشيعة 17 : 146 و 148، الباب 25 من أبواب ما يكتسب به، ح،2، 7 و 28 : 366، الباب 1 من أبواب الحدود والتعزيرات، ح 3، و 367، الباب 3 من تلك الأبواب.

2) المصدر : 148، الباب 25 من أبواب ما يكتسب به، ح 7.

3) البقرة (2) : 102.

4) راجع جواهر الكلام 22 : 86.

5) وسائل الشيعة 4 : 41، الباب 11 من أبواب أعداد الفرائض.

لما ورد: أنّهما خرجا عن العصمة لتغيّر خلقهما، حيث جعل اللّه فيهما القوة الشهوية فعشقا امرأةً وراوداها، فرفعها اللّه ومسخها الزهرة، وأنّهما أخذا في تعليم الناس السحر ببابل، وهما معلقان منكوسين بين السماء والأرض (1، أو يراد بـ(لا تَكْفُرْ) بما استلزم الكفر من السحر.)والأظهر في هاروت وماروت أنّهما ملكان نزلا لتعلّم الناس السحر والنهي عنه؛ ولذا قالا: (نَحْنُ فِتْنَةٌ (2)ففعلهما كان للاختبار، أو كانا يميزان للناس السحر من غيره لمّا فشى السحر ببابل؛ لضعف الخبر الأول؛ لاشتماله على المسخ إلى نجم في السماء وبقاء الممسوخ على الدوام، ونسبة المعصية للملائكة، وكله خلاف الظاهر.)وقد يقال: إن السحر إن اتخذ صنعةً وديدناً أو ادّعى صاحبه ولايةً وسلطاناً شرعياً، كان حده القتل، وإلا فلا؛ جمعاً بين الأخبار.أو يقال: إنّه إن أضر به قتل، وإلا فلا، درءاً للحدّ بالشبهة، ويختص القتل بالعمل لا بالعلم مطلقاً؛ للأصل.##### الخمسون: فيما يستثنى أُمور من السحر اسماً وحكماً أو حكماً فقطالخمسون: قد يستثنى من السحر اسماً وحكماً أو حكماً فقط أُمور:منها : تعلّمه وتعليمه لا بقصد العمل، بل بقصد أنّ العلم بالشيء خير من الجهل به، أو كان القصد لأصالة البراءة من حرمة تعلّمه وتعليمه وعلمه لمجرد الاطلاع، ولفظ صحيح؛ الساحر ينصرف إلى فاعله كالمغنّي وكذا سائر الصنائع بخلاف العلوم كالنحو والصرفي.ومنها : عمله لحل المعقود أو لإبطاله، فيُبطل سحراً بسحر ويداوي سحراً بسحر، وفي الأخبار ما يشعر بذلك:ففي خبر عيسى بن شقفي الساحر أنّه قال له أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «حلّ ولا تعقد» (3).)وفي علل الصدوق: «توبة الساحر أن يحلَّ ولا يعقد» (4.)والحل في الأخبار إن أُريد به حلّ السحر كان دليلاً على حلية الإبطال، وإن أُريد به حل المربوط كان خاصاً.


1) بحار الأنوار 305:56.

2) البقرة (2) : 102.

3) وسائل الشيعة 17 : 145 - 146، الباب 25 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

4) علل الشرائع 2 : 266 الباب 338 ذيل الحدیث 1.

وفي ثالث: «إنّ اللّه بعث ملكين إلى نبي ذلك الزمان يذكرا ما يسحر به السحرة، وما يردّ به سحرهم ويبطل كيدهم، فتلقاه النبيّ عن الملكين وأدّاه إلى عباد الله، فأمر اللّه تعالى أن يتقوا به السحر ويبطلوا، ونهاهم عن أن يسحروا به» (1.)وفي رابع: «أما هاروت وماروت كانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به من سحر السحرة، ويبطلوا كيدهم» (2.)وفي خامس: عن المرأة يحلّون السحر عنها؟ قال: «لا أرى بذلك بأساً» (3.)ويؤيد ذلك أن الظاهر من تحريم السحر السحر المقصود به الضرر أو أُمور أُخر لا يرضى بها ربّ البشر، لدعوى نبوة، أو ردّ على نبي، أو تحصيل المال، أو التوصل إلى المحارم من نساء أو أولاد، أو كشف أسرار الخلق، أو الميل عليهم من غير حق، فلو قصد به الردّ على المتنبئ، أو إبطال سحر الساحر أو التوقي به أو رفع السحر عن المسحور بل ومجرّد العمل، لم يكن به بأس.والحق أن يقال: إنّ عمل السحر بنفسه حرام وكبيرة موبقة ولو خلا عن المقاصد الرديئة؛ العموم الأدلّة، ولكن لو اشتمل على مقصدٍ صحيح جاز؛ لإشعار تلك الأخبار - المجبورة بعمل الأكثر نقلاً (4- بجوازه عند دفع الضرر به.)نعم، لا يجوز لتحصيل نفع أو مجاناً؛ لأنّ فيه قبحاً نفسياً باعتبار التمويه والإغراء بالجهل، وربّما أورث الشكّ في آيات الله، وفي التصديق بأنبيائه أو أوصيائه، بل ربما كان فيه إظهار للشركة مع واجب الوجود في قدرته وصنعه وإماتته وإحيائه.ومن أصحابنا مَنْ مَنَع منه مطلقاً (5لعموم أدلّة تحريمه، إلا إذا كان فيه رفع مفسدة أعظم من مفسدته، كإبطال نبوّة متنبئ، أو إحياء نفس محترمة، أو رفع شبهةٍ تقع في الإسلام أو الإيمان، وحمل الأخبار على الحلّ بغير السحر من القرآن والذكر، وأخبار الملكين على اختصاصهما أو اختصاص تلك الشريعة بذلك الحكم.)


1) وسائل الشيعة 17 : 147، الباب 25 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

2) المصدر : 147 - 148، ح 5.

3) نحوه في مستدرك الوسائل 13 : 109، الباب 22 من أبواب ما يكتسب به، ح 10.

4) شرح القواعد لكاشف الغطاء 1: 250.

5) العلامة الحلّي في تحرير الأحكام الشرعيَّة 2 : 261، الرقم 3020؛ ومنتهى المطلب 15: 388.

وهو حسن إن أمكن الإبطال والحلّ بغير السحر، فإن لم يمكن فالأوجه: الجواز.وصرف الأخبار عن ظاهرها المقتضي أن الحل والإبطال به لا داعي له.بل ربما يقال بتحريمه النفسي مطلقاً حتّى في نقض نبوّة المتنبي، لأن اللّه تعالى تعهد بإبطاله حيث قال: (إِنَّ اللّه سَيُبْطِلُهُ (1)(وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ) (2).)وكذا في دفع الضرر، لأن الحرام لا يدفع بحرام آخر ولو قوي المدفوع حرمة على الدافع، ولا تتفاوت بالضرر المدفوع بين كونه سحراً أو غيره.ويحمل فعل الملكين على التعليم لا على العمل كما ورد: أن تسبيحهما اليوم: لو فعل الإنسان كذا وكذا لكان كذا، ولو يعالج بكذا وكذا لكان كذا (3.)عوى أنّ إبطال السحر بالسحر واجب كفايةً ممنوعة، وإلا لوجب على الناس تعلّم السحر بل وعمله، ولا قائل بهنعم، قد يقال بوجوب التعلم والتعليم لو توقف عليه بيان النبيّ من المتنبئ كفاية بل عيناً؛ لتجدد وعمل السحر وتكثره في البلدان والأزمان، إلا أنّه لطفاً وكرماً منه تعالى قد أوضح الأمر، وضعف كيد الساحر وفضحه، وأردى كلمته وحقره في الأعين، فلا يجب الاستعداد له من فضل اللّه تعالى.وأما علمه وتعليمه وتعلّمه لعمله السائغ شرعاً فلا بأس به، ويشعر به أخبار الملكين (4بناءً على انسحاب الحكم إلى شرعنا، بل ربما يجب إذا كان في تعلمه معرفة الفرق بين النبيّ والمتنبئ بل مجرّد العلم به إن لم يستلزم محرّماً من المحرّمات من المراتب العلية؛ لأن الأنبياء عالمون به وبأسراره وأطواره، وما ورد من النهي عن تعلمه (5)محمول على إرادة العمل به، واستلزام تعلّمه للوقوع في المحرّم ممنوع قطعاً، وجميع ما جاء في ذم الساحر والسحرة منصرف للعاملين لا العالمين، كما لا بأس بالعلم بطرق الغناء واللهو وغيرها مع عدم العمل بها.)


1) يونس (10) : 81.

2) طه (20) : 69.

3) الاحتجاج : 340.

4) وسائل الشيعة 17 : 147، الباب 25 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

5) المصدر: 148، ح 7.

وربما يدخل في السحر بعض أعمال القمار والمغالبة مما يدق ويخفي كالشطرنج واستخراج الدفين.##### الواحد والخمسون: حرمة التكسّب بالسيمياءالواحد والخمسون: مما يحرم التكسّب به وأخذ المال به السيمياء، وهي إحداث خيالات لا وجود لها في الحس للتأثير في شيءٍ آخر، وهي محرمة لذاتها؛ لأنّها إن لم تدخل في السحر اسماً فهى مثله حكماً ؛ لاشتمالها على التعمية والدقة والتدليس والتلبيس والحيلة والخديعة.وكذا يحرم التكسّب بالشعبذة؛ لدخولها في السحر اسماً، أو لأنّها مثله حكماً لظهور دخولها في الباطل فيشملها دليله، ولاشتمالها على الحيلة والتدليس والتلبيس، وللإجماع محصلاً فضلاً عن منقوله (1، وفي الخبر ما يدل على أنّها من السحر (2).)وقد تدخل في اللعب واللهو فيكون كاللعب بالآلات الخفية أسبابها في حصول آثارها.وهي على الظاهر سرعة الحركة أو الحركة السريعة بحيث يخفى على الحسّ انتقالاتها من شيءٍ إلى شبهه أو مغايره فيخفى على الرائي الفرق بين المنتقل عنه والمنتقل إليه.##### الثاني والخمسون: حرمة التكسّب بالقيافةالثاني والخمسون: ممّا يحرم التكسّب به القيافة وهي الاستناد إلى علامات وتقادير يترتب عليها إلحاق بعض الناس ببعض، وقد تكون لبعض الناس ملكة فيها، وهي من العلوم الحدسية.واعتقادها والعمل بها والركون إليها حرام بالإجماع المنقول (3، بل قد يدعى تحصيله؛ لأنّها تشتمل على ما ينافي شريعة سيّد المرسلين من لحوق الولد بالفراش مع الوطء، وعدم الاعتناء بمشابهة الخَلْق والخُلْق، والإعراض عن ذلك؛ لتأديته إلى الفضيحة واختلال الأنساب والأنكحة والمواريث، وإلى إظهار الفاحشة؛ لعود القريب بعيداً أو البعيد قريباً.)نعم، استعمالها في غير الإنسان من الحيوان قد يقال بجوازه ما لم يعارض دليلاً شرعياً. كالملك ونحوه، أو يكون استعمالها على سبيل الحدس من دون ترتب أثر فيصرح صاحبها بالحدس، ولكن ما لم يؤد إلى فضيحة أو فاحشة أو غيبة أو بيان عورة.


1) منتهى المطلب 15 : 390.

2) لم نعثر عليه في المصادر الروائية.

3) التنقيح الرائع 2 : 13.

ولا يبعد أنّها إذا اتخذت صناعة لجلب الدراهم حرمت وإن أظهر صاحبها الحدس فيها.وقد تجوز لإظهار حق أو دفع باطل، وقد تجب.وعلى ذلك تُحمل الرواية الواردة في رجوع الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى القافة في إلحاق أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) به (1)، أو على أنّه فَعَله إخوته ولم ينههم خوفاً من التهمة، أو على أن الأمر لما كان مقطوعاً به لم يجب نهي القافة عنه.)وما في الخبر من نسبة القضاء بها إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ (2)لم يثبت أنّه من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). وتعلمها أو علمها مع عدم قصد العمل بها أو الاعتقاد بها لا بأس به، والعلم خير من الجهل.)وأخذ العوض على تعليمها مع ذلك القصد محرَّم؛ لأنّ اللّه إذا حرم شيئاً حرم ثمنه ومقدمة الحرام وإن لم تكن من الموصلات إليها على سبيل الجزم؛ لجواز أن يفعل المقدمات وعند إرادة فعل الحرام يتركها، ولكنّ المقدّمة المنوي بها التوصل إلى الحرام تحرم من جهة تلك النية وإن لم يترتب عليها الإيصال.##### الثالث والخمسون: حرمة التكسّب بالعمل ببعض بالعلوم التي يدّعي أهلها دلالتها على أحوال الشخص وصفاتهالثالث والخمسون: يحرم التكسّب بالعمل ببعض العلوم التي يدعي أهلها أنّها تدلّ على أحوال الشخص وصفاته، وما يطرأ عليه من مستقبلاته من الأعراض والأمراض والتزويج والأولاد والأحفاد والغنى والفقر، وما أكن بنفسه وما انتقش في صحيفة خاطره، يخبر بذلك على سبيل القطع أو على سبيل الحدس ليكون مكسباً له.نعم، لو علم ذلك من دون عمل أو لا بقصد العمل كان مباحاً.وكذا لو أخبر مصرحاً بأنّه حدس قد استفاده من هذه العلوم فلا بأس. وكذا لو أخبر عن الملاحم أو عن محيي الدين بن عربي إن لم يكن كتبه كتب الضلال فلا بأس به.وبالجملة، فلا يعلم الغيب إلا اللّه تعالى، ولا يعلم ما في بطون الأرحام وما ينزل الغيث وما يقع في المستقبل غير اللّه تعالى، أو مَنْ خصّه بعلم الغيب من الأنبياء والأوصياء، فالاستعداد لذلك والتزيي بزي الأنبياء مما لا يرضى به ربّ السماء.


1) الكافي 1 : 322، باب الإشارة والنصّ على أبي جعفر الثاني (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ح 14.

2) الكافي 1 : 322، باب الإشارة والنصّ على أبي جعفر الثاني (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ح 14.

نعم، قد ينكشف للأولياء بعض المغيبات فيخبرون بها، وتكون من الكرامات التي لا تنكر لأهل الطاعات.فعلى ما ذكرنا يحرم التكسّب والعمل على نحو الصناعة أو الإخبار عن القطع في جملة من العلوم، كعلم الكفّ، وعلم هيئة تركيب الأعضاء بالإنسان، وعلم نفس الأعضاء باعتبار تركيبها وكبرها وصغرها، وكذا علم الدفّة الذي يدعون أنّهم يعرفون به أحوال السنة، وكذا علم ضرب الحصى وشبهه، وكذا علم التفوّل بالغراب ونحوه من الطيور، وكذا التفوّل بما يقع عند السؤال أو إرادة قضاء أمر من الأمور من سفر وغيره، وكذا التفوّل بما يقع من بعض الكلمات أو بعض السطور في كتب أو رسائل - ما عدا المنصوص في الكتاب المجيد - إن لم يعتقده أو يتخذه مكسباً وصنعةً، ولا بدّ أن يسنده بحيث يرتفع الكذب عن إخباره، وكذا التفوّل بالاستخارة والإخبار بما يستشعر منها إلا إذا بان أنّه حدس ولم يتخذه مكسباً وصنعة، وكذا الاستناد إلى عالم الرؤيا فيخبر بالغيب من جهته سواء رآه ابتداءً أو عمل أعمالاً ليرى أحوالاً :غني في يد الأحلام لا أستفيده*** ودَيْناً على الأيام لا أتقاضاه (1)وكذا ما يستخرجونه بالأشبار، وباستنطاق بعض قاصري العقول كأهل الخبل والأطفال الصغار.##### الرابع والخمسون: حرمة التكسّب بالكهانةالرابع والخمسون: ممّا يحرم التكسّب به الكهانة، وهي إما قسم من السحر، كما أُطلق عليها ذلك في الأخبار، وأن الكاهن ساحر (2، أو قسيم له.)وحكمها حكمه إجماعاً بقسميه (3، والأخبار (4)ناطقة به، ويُقتل صاحبه من دون توقف على الاستحلال؛ لأنّه ساحر أو بحكمه فتوى ونصاً (5)، ولو توقف على الاستحلال لم يكن فرق بينه وبين المعاصي الأُخر، والكاهن آلة للمحرّم كآلة اللهو - يجب إتلافها وكسرها.)ويجوز تعليمها وتعلّمها لا بقصد العمل، قيل: وقلّما ينفكّ العلم هنا عن العمل (6، والمنع في الأخبار منصرف إلى العمل أو العلم بقصده، فيبقى مجرّد العلم داخلاً في أصل البراءة.)


1) لم نهتد إلى مظانه.

2) وسائل الشيعة 17 : 143، الباب 24 من أبواب ما يكتسب به، ح 8.

3) رياض المسائل 8 : 167.

4) وسائل الشيعة 17: 143، الباب 24 من أبواب ما يكتسب به، ح 11، و 149 - 150، الباب 26 من تلك الأبواب، ح 2، 3.

5) راجع الهامش (2).

6) قاله كاشف الغطاء في شرح القواعد 1 : 252.

والكهانة بالكسر، قيل: هو عمل يقتضي طاعة بعض الجان (1، وبالفتح صناعة.)وقيل: هي تعاطي الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان (2.)وقيل: إن الكهانة في العرب يروى: أنّ الشياطين كانت تسترق السمع فتلقيه إليهم (3.)وقيل: إنّ الكاهن مَنْ كان له رئى (4من الجن يأتيه بالأخبار (5).)وقيل: إن الكهنة منهم مَنْ يزعم أنّ له تابعاً من الجنّ يُلقي إليه الأخبار، ومنهم من يعرف الأمور بمقدّمات أسباب يستدلّ بها على مواقعها من كلام مَنْ يسأله أو فعله أو حاله(6.)قيل: وعند الحكماء: أن من النفوس ما تقوى على الاطلاع بما سيكون من الأمور، فإن كانت خيرةً فاضلةً فتلك نفوس الأنبياء والأولياء، وإن كانت شريرةً فهي نفوس الكهنة (7.)وذكر مَنْ له دِرْية بعلوم الأسرار والشريعة: أنّ من المعاصي المنصوص عليها الإخبار بالمغيبات بغير قول نبي أو وصيّ نبي، سواء كان بالتنجيم أو بالكهانة أو القيافة أو غير ذلك، قال: وإن كان الإخبار على سبيل التفوّل من غير جزم فالظاهر جوازه؛ لأنّ أصل هذه العلوم حق ولكن الإحاطة بها لا تتيسر لكلّ أحدٍ، والحكم بها لا يوافق المصلحة (8.)ويريد بجواز ذلك على سبيل التفوّل هو ما ذكرنا من أنّ الحدس إذا بينه أنّه حدس ولم يعتمد عليه ولم يتخذه صناعةً واكتساباً ولم يكن يداخله شيء من المحارم من سحرٍ وتسخير واستخدام كان جائزاً، ومتى كان عن صاحب من الجن كان الإخبار به حراماً.نعم، لو فرض أنّ جنّيّاً صاحب إنسياً قهراً فأخبره بالمغيبات جاز للإنسي أن يخبر عنه مصرحاً بذلك غير قاطع بقوله ولا معتمداً على صدقه وحقية قوله.وقد يُنقل في هذه الأعصار أن بعض الناس يتزوّجون من الجن ويكلمونهم ويطؤون الزوجة ويولّدونها.


1) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 128.

2) قاله ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث و الأثر 4 : 214، «ك ه ن».

3) كما في المُغرِب في ترتيب المغرب: 418، «ك ه ن».

4) يقال للتابع من الجنّ : رئيّ. النهاية في غريب الحديث والأثر 2 : 178، «راي».

5) قاله العلّامة الحلي في قواعد الأحكام 2 : 9.

6) قاله ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث و الأثر 4 : 214 - 215، «ك هن».

7) قاله الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 2 : 13.

8) الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 2 : 23 - 24، مفتاح 467.

ولَسْتُ أُحقق ذلك، فإن كذبوا فقد أثموا، وإن صدقوا فقد غنموا لو جوزنا نكاح الجن وإمكان وطئهم وولادتهم منّا، ودون إثبات ذلك خرط القتاد.وقد يقال: إنّ الإخبار عن الرائد الجنّي - ولو مع إسناد الأمر إلى قوله ولو مع الاعتماد عليه - والإخبار عن الغيب - ولو كان عن قطع ببعض العلوم كعلم الرمل - غير جائز إذا جعله الإنسان دَيْدَناً له وصنعةً؛ لتأديته إلى الشكّ في النبوات وعصمة المعصومين، فيؤدي إلى اختلال عقائد العوام سيّما الطغام الذين ينعقون خلف كلّ ناعق.نعم، لو فعله الإنسان أحياناً لم يكن به بأس، كما يصنعه العلماء في بعض حساب من الغالب والمغلوب ومن ذكر أسمائهما وعددهما، أو من قراءة «الرحمن» على السيفين إلى «يلتقيان» ومن استخراج بعض أعداد الحروف مع التصريح بها.وبالجملة، لا بد من التأمل التام في مثل هذا المقام سيّما في مثل خرافات محيي الدين - بل مميته - وزخاريفه ونفئاته ووساوسه وخدعه ومكره، والله أعلم.##### الخامس والخمسون: حرمة التكسّب بعلم النجوم وبذل المال لأجلهالخامس والخمسون: يحرم التكسّب بعلم النجوم وبذل المال لأجله تعلّماً وتعليماً وعملاً وعلماً غير مستند إلى تعليم وتعلّم مع اعتقاد تأثيرها؛ لأنّ العلم والتعلم والتعليم على ذلك الاعتقاد مما لا يرضى به ربّ العباد، سواء في ذلك علم تركيبها وهيئتها أو علم تأثيرها وأحكامها، أو العمل بأحكامها بسبب صدور الأفعال المقارنة للطوالع والمقارنات والمقابلات.ولو قارن علمها تعلّماً أو تعليماً، أو علمها اعتقاد قدمها لذاتها، كان كفراً إنكارياً أو إشراكاً، أو اعتقاد قدمها لقِدَم علّتها أو حدوثها متصفةٌ بالعلوم والإدراكات والاختيار في خلق الكائنات، كان من كفر إنكار الضروريات.ولو قارن اعتقاد تأثيرها بالاستقلال وإن كانت مخلوقةً لربّ العزة والجلال - كتأثير الإحراق للنار والضوء للشمس في رابعة النهار - أو اعتقاد أنّها جزء سبب التأثير وإن كان بأمر البصير القدير، أو اعتقاد أنّها علامات قطعية وآثارها يقينية لاظنية ولا حدسية في غير ما كانت الآثار منها بديهيةً كان فسقاً؛ لمكان النهي عنه (1.)


1) وسائل الشيعة 17 : 142 و 143، الباب 24 من أبواب ما يكتسب به، ح 5، 9.

وتفصيل الحال: أنّ علم الهيئة المبتني على معرفة تراكيب الفلك وسير النجوم ومعرفة البروج والمنازل والطوالع ومقادير السير ومعرفة الثوابت وصور النجوم وتشريح العالم العلوي ومعرفة الأرض وأقاليمها، وكذا العلم بالجواهر والأعراض في كتب الكلام من مادة العناصر وكيفية تراكيبها وتراكيب المواليد الثلاثة وما يحدث في العالم من الأمطار والزلازل، علمان معروفان مستعملان بين علماء الإسلام، يعلمونهما ويتعلمونهما من قديم الأزمنة من غير نكير.وفيهما ما هو قطعي مرجعه إلى الحسّ وفيهما ما يرجع إلى الحدس، وفيهما ما يرجع إلى الشرع ببيان الأنبياء والأوصياء، وفيهما ما لا نعلمه ولا نصل إليه ولا يصل إلينا، كما يقولون:هي الشمس مسكنها في السماء*** فعزّ الفؤاد عزاء جميلافلن تستطيع إليها الصعود*** ولن تستطيع إليك النزولا (1)وفيهما ما ورد من الشارع خلافه، كما يقول الحكماء وأهل الهيئة في حقيقة السماوات والأرض وفي الشرع خلافه، ويقولون في حقيقة الغيوم والأمطار والرعد والبرق وفي الشرع خلافه، ويقولون في الخسوف والكسوف وفي الشرع خلافه.والكل يجوز علمه وتعليمه وأخذ الأجرة على تعليمه غير أن ما كان حدسياً لا يجوز القطع به والاخبار على البت به، وما خالف الشريعة المعلومة يُترك ويُعرض عنه، وما لم يُعلم حاله يؤخذ به على سبيل الاطلاع أو التقليد دون الاعتقاد والتصديق، وما أمكن فيه التوفيق بين الأخبار وما في كتبهم والجمع بينهما من دون خروج عن من دون خروج عن الظاهر فلا بأس به.وأما علم النجوم فما تعلّق منه بمعرفة الأهلة والطوالع والسوانح والمسير والمقابلة والمقارنة والسعود والنحوس والخسوف والكسوف وخروج نجم وغروب آخر والصعود والنزول ودخول القمر أو الشمس في البروج والخروج منها ودرجات الشمس والقمر والسيارة، حكمه كحكم علم الهيئة، جملة منها منه، وجملة منه منها، فيؤخذ بالمقطوع به، والحدسي منه يعود إلى الحدس، وما لم يعلم حاله يؤخذ به على سبيل الاطلاع أو التقليد، لا الإذعان والتصديق. وما عارض ما ورد من الشارع ردّ إليه أو العكس.


1) الإيضاح في علوم البلاغة : 310.

وما تعلّق بالأحكام المترتبة على تلك الموضوعات من الأعمال كالأسفار وابتداء الأمور والنكاح وقضاء الحوائج وملاقاة الملوك والنقل والتحويل، أو من الحوادث كالأمطار وزيادة الأنهار والرخص والغلاء والفتن والأمراض والأعراض، فهذه إن وافقت الشريعة - كما جاء في القمر في العقرب (1وفي بعض الطوالع السعيدة والنحسة - أو ما وافقت التجربة عمل عليها، وما لم توافق الشرع ولم يُعلم حالها، فإن أخذ بها على سبيل التقليد والاحتياط، لا الإذعان والتصديق، فإن يك صاحبها كاذباً فعليه كذبه، وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم كان حسناً، وعلى ذلك جرت سيرة العلماء وطريقتهم وتقرير الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في زمانهم وفعل أصحابهم وكثير ممن كان من العلماء في زمانهم ومن أتباعهم والمشاهير من خواصهم وكثير ممن بعدهم يتعاطون علم النجوم ويسكنون إليه، ويعملون بكثير من أحكامه، ويبشرون بكثير من آثاره، ولكن لا يذعنون به تصديقاً ولا يركنون إليه تحقيقاً.)وورد في كثير من الأخبار جواز تعلّم هذا العلم وبيان أنّه من علوم الأنبياء، وأنّه يجوز الأخذ به والاعتماد عليه في كثير من الأحكام، وأن الأئمّة كانوا عالمين به وبأحكامه وبمواقعه، بل ربما يرجع إليه كثير من الأخبار الواردة في الأيام النحسة والسعيدة والكوامل وأيام السنة (2.)وعلى ما ذكرنا لا ينبغي التأمل في جواز تعلّمه وتعليمه وأخذ المال عوض ذلك ولأجله، كما هي سيرة كثير من عدول الإمامية وتقريرهم عليها من العلماء الأعلام على مرور السنين والأيام.وكذا يجوز العمل به وأخذ الأجرة عليه، بأن ينظر على النحو المتقدم فيعمل بما هو حاصل من الزيج والدور الدائم والتقويم والروزنامه، ويخبر عن حدس مسند إلى ذلك العلم في الحدس بالحوادث والمواليد ما لم يتخذ الإخبار عن المغيبات صنعة له أو يجعل ذلك سنداً قاطعاً، كما يفعله أهل الملل الخارجة من اليهود ونحوهم من الاطلاع على الخفايا ومعرفة البلايا.وعلى هذا يُحمل ما ورد في الأخبار (3عن المعصومين الأطهار من ذم علم النجوم)


1) وسائل الشيعة 11 : 266، الباب 11 من أبواب آداب السفر؛ و 20 : 80، الباب 54 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه.

2) راجع بحار الأنوار 55: 219 وما بعدها.

3) راجع وسائل الشيعة 11 : 370، الباب 14 من أبواب آداب السفر؛ و 17 : 141، الباب 24 من أبواب ما يكتسب به؛ والاحتجاج : 239 - 240.

والنهي عنه والاستهزاء به وعدم الركون إليه والإعراض عنه، وأنّه لا أصل له كما وقع لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ مع اليهود وغيرهم من المنجمين على أن كثيراً مما ورد عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) كان لبيان علمهم وقرب منزلتهم من حضرة ذي الجلال وأنّ علمهم من علمه، وأنّ علم النجوم من علم المحو والإثبات الذي قد يظهر في عالم الشهادة، ويكون في غيره في علم الغيب وفي اللوح المحفوظ. وقد قال اللّه تعالى (يَمْحُو اللّه مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ) (1). وكثير من الأخبار (2)فيها تخطئة المنجمين في معرفة الموضوعات، وتخطئتهم في أحكامهم إما من جهة عدم وصولهم، وإما من جهة المحو والإثبات من حيث إن اقتضاءها ليست لا بدّيّة لا يعتريها محو وإثبات.)وبالجملة، فالرجوع إلى المنجمين في المقطوع به من الموضوعات كمعرفة بروج الشمس والقمر ومعرفة منازلهما في الجملة، أو ما كان كالمقطوع به بحسب جريان السيرة عليه كمعرفة الأهلة والخسوفين، ومعرفة بعض المقارنات والمقابلات، ومعرفة منازل باقي السيارات ومقابلاتها ومقارناتها، ومعرفة بعض الأحكام المترتبة على تلك الموضوعات من سعدٍ ونحس وخير وشر فيما يتعلق بالأفعال الصادرة من نوع الإنسان، وكذا الأمور العادية من زيادة المياه ووقوع البرد وحدوث الأمطار ووقوع بعض الأمراض، كلّ ذلك لا بأس به إذا لم يكن الإخبار به على سبيل القطع في المظنون أو الموهوم، أو على سبيل الاعتقاد الفاسد، أو إظهار أنّه من الغيب الذي وصل إليه غير مستند إلى ذلك العلم ولو بقرينة أنّه منجم، أو اتخاذه صنعةً وحرفةً لأخذ الأعواض في غير ما جاء من الشرع أو شهدت به التجارب.وأما ما كان من أحدهما فإنّه يجوز أخذ الجعالة على إخباره بما يمكن أن يعود نفعاً للطالب في بعض الأحكام الثابتة شرعاً أو عرفاً بالتجارب كما ذكرنا وإن ترتب على ظنّي وكانت ظنّية، كما وجدناهم يخطؤون في الهلال وفي الخسوفين وفي الأمطار وفي البرد والحرّ وفي كثيرٍ من الحوادث وفي كثير من الأحكام، لكن لابأس بذلك الخطأ، كما يخطأ الطبيب في علم الطبّ، وكثير من الأمور المبنية على الظن، أو أن الخطأ في الأحكام إنما يجيء من المحو والإثبات كما في الدعاء والصدقة، وما يرد في الأخبار من ترتب كثير من الأحكام على بعض الموضوعات ويقع خلافها.


1) الرعد (13): 39.

2) منها ما في وسائل الشيعة 11 : 371، الباب 14 من أبواب آداب السفر، ح 4.

وبالجملة، فالأخبار الدالة على حرمته (1متكاثرة، بل حكم بعض الأساطين أنّها متواترة(2)، وفي بعضها عده من الآثام (3)، وفي بعض من منافيات الإسلام (4)، والإجماع منقوله في كلام بعض الأساطين (5)ومحصله، بل في كلام بعض الأساطين أنّ مجموعه عرف بين المسلمين حتّى عُدّ من ضروريات المذهب بل الدين (6).)والأخبار الدالة على حلّينه متكثرة (7، حتّى ورد عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) مدحه وكثير من أصحاب الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) العظام كانوا منجمين (8)ولم ينكر الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) عليهم، وكذا كثير من الفقهاء المتبحرين من المتقدمين والمتأخرين (9)، وكذا كثير من عظماء الشيعة العاملين بأحكام الشريعة، ولم تزل العلماء ترجع إليهم بالسؤال عن أحوال القمر والنحس والسعد والطوالع فيما يتعلّق بالسفر والتزويج والانتقال وكثير من مهمات الأعمال، وورد أنّه علم إدريس وذو القرنين (10)، وورد في الكتاب المجيد ما يؤذن بحليته، كقوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةٌ فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ) (11)، وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) (12).)وورد عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في رواية سعد اليماني ما يؤذن بجوازه، حيث إنّه أقره على علم النجوم لما ادعى أنّه أعلم علماء اليمن به، فبين له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أموراً لا يعلمها في النجوم ولا سمعها، فتعجب من ذلك، والحديث طويل لا يخلو من اشتماله على الإعجاز، وقال فيه: «ما ظننت أن أحداً يعلم هذا وما يدري ماكنهه» ثمّ قام اليماني (13).)


1) وسائل الشيعة 11: 370 - 374 الباب 14 من أبواب آداب السفر، ح 1، 4، 6 - 8 و 17: 142 - 144، الباب 24 من أبواب ما يكتسب به، ح 5: 12.

2) شرح القواعد 1 : 258.

3) وسائل الشيعة 11 : 372 - 373، الباب 14 من أبواب آداب السفر، ح 6.

4) المصدر : 373 - 374، ح 8، 10.

5) شرح القواعد 1 : 258.

6) شرح القواعد 1 : 259.

7) وسائل الشيعة 17 : 141 - 142 الباب 24 من أبواب ما يكتسب به، ح 1 - 4.

8) راجع المصدر 11: 376، الباب 15 من أبواب آداب السفر؛ ح 3؛ و 17: 141-142، الباب 24 من أبواب ما يكتسب به، ح 1، 2.

9) ذكر السيد ابن طاوس طائفة منهم، نقل كلامه المجلسي في بحار الأنوار 55: 299 وما بعدها.

10) مستدرك الوسائل 13 : 100 و 102 - 103، الباب 21 من أبواب ما يكتسب به، ح 2، 10.

11) الصافات (37) : 88 و 89.

12) الواقعة (56) : 75.

13) الاحتجاج : 352 - 353.

وكذا في رواية الدهقان مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ حيث منعه عن الحرب وقال: إذا كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء، وذكر بعض الأحكام، فأجابه عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببيان أحكام لا يعرفها ولا سمعها وكان فيها سبب موت جاسوس الخوارج (1)، ولا شك أن علم عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) به وعدم إنكاره علیه دليل على جوازه.)وورد عن قيس بن سعد هذا بطريق آخر، وأنّ الذي منعه دهقان من دهاقين اليمن (2.)وورد بطريق ثالث عن الأصبغ بن نباتة(3.)وورد عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: أن علم النجوم من علم الأنبياء، وكان عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أعلم الناس به (4).)وفي آخر: عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ أنّه علم نبي اللّه نوح (5).)وفي آخر: أنّ علم النجوم علم علمه اللّه لنبي من الأنبياء ليعلمه قومه، وأنهم عرفوه بالنظر إلى الماء الصافي النازل من المطر (6.)وفي آخر: أنّه النبيّ يوشع بن نون، وأنّ اللّه بعد ذلك خلط الليل والنهار عليهم فجهلوا ما علموا (7.)وفي آخر: أنّ آزر كان منجماً لنمرود، وقضية وقوعه على أهله وولادة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ رويت بطرق عديدة (8).)وفي آخر: عن عبد الرحمن بن سيابة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في النجوم والعمل بها، قال: «لا تضر بدينك» والحديث طويل، وفيه : أنّ الإمام بين له أحكاماً لا يعرفها (9).)وفي آخر : أنّ علم النجوم صحيح لولا رد الشمس ليوشع ولعليٍّ (10.)وفي آخر : بيان أحكام كثيرة لهشام الخفاف من دون إنكار عليه (11.)


1) الاحتجاج : 239 - 240.

2) بحار الأنوار 55: 229 - 232، ح 13، وفيه : «دهقان من دهاقين المدائن».

3) المصدر : 232، ح 14.

4) المصدر : : 235، ح 15.

5) المصدر، ح 16.

6) المصدر : 236، ح 17.

7) المصدر، ح 18.

8) المصدر : 237 - 238، ح 19 وذيله.

9) الكافي 8 : 195 - 196، ح 233.

10) بحار الأنوار 55 : 242 - 243، ح 22.

11) المصدر : 243 - 244، ح 24.

وفي آخر: عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: هل النجوم حق؟ قال: «نعم» (1).)وعن الرضا : أنّه أصل صحيح (2، إلى غير ذلك.)والجمع بين ما دلّ على المنع وما دلّ على الجواز هو أن تُحمل أدلة المنع على العمل به مع اعتقاد التأثير، أو اعتقاد الأحكام الغير المقطوع بها بحسب العادات، أوالإخبار بجميع أحكامه عن علم، أو التحدّي به واتخاذه معجزاً لصاحبه، أو حمل الناس على العمل به لحقيته وصدقه، أو تكذيب الأنبياء والأوصياء به، أو إنكار «أنّ اللّه يمحو ويثبت وعنده يمحو ويثبت وعنده أُمّ الكتاب» به، أو العمل بالأحكام الشرعيَّة به، كإخراج السارق وولد الزنى والحلال والحرام، أو استخراج الأحكام منه، أو غير ذلك كما ذكرنا (3.)##### السادس والخمسون: حرمة التكسّب بالقمار وبآلاته واقتناؤهاالسادس والخمسون: يحرم التكسّب بالقمار، وتعلّمه وتعليمه للعمل به، ويحرم التكسّب بآلاته، واقتناؤها وإبقاؤها، كلّ ذلك لحرمته عقلاً وشرعاً، كتاباً (4، وسنة (5)وإجماعاً؛ لأنّه من اللهو واللعب بالباطل، والميسر الذي هو رجس من عمل الشيطان.)وله آلات معلومة معتادة يلعب بها كالشطرنج والنرد، ولعبة الأمير، والثلاثة، والأربعة عشر، والجوز، والبيض، والكعاب، والخاتم.وفي الخبر: «بيع الشطرنج حرام، وأكل ثمنه سحت واتخاذه كفر، واللعب به شرك، والسلام على اللاهي بها معصية وكبيرة،موبقة والخائض فيها يده كالخائض يده في لحم الخنزير لا صلاة له حتّى يغسل يده كما يغسلها من مس لحم الخنزير، والناظر إليها كالناظر إلى فرج أُمّه، والناظر إليها والمسلّم على اللاهي بها سواء معه في الإثم والجالس على اللعب بها يتبوّاً مقعده من النار، ومجلسها من المجالس التي باء أهلها بسخط من اللّه تعالى، يتوقعونه في كلّ ساعة فيعمك معهم» (6.)


1) بحار الأنوار 55: 249، ح 30..

2) المصدر : 245، ح 26.

3) راجع ص 101 و ما بعدها.

4) المائدة (5) : 90.

5) وسائل الشيعة 17 : 164، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به.

6) المصدر : 323، الباب 103 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

ولا قائل بالفصل بين الشطرنج وبين غيره مما اعتيدت المقامرة به.وأكثر ما في هذا الخبر محمول على المبالغة والتشديد في عظم معصيتها، أو كناية عن النجاسة المعنوية، والغسل عن التوبة وبطلان الصلاة عن ضعف ثوابها، والشرك والكفر عن شدة الذنب، والسلام على اللاعب مع إرادة اللعب، أو الرضى بفعله والجلوس معه بنيّة اللهو معه، أو اللعب معه حرام كذلك.أما لو جلس منكراً لذلك بقلبه فلا بأس، مع احتمال لزوم القيام من ذلك المجلس ما لم يكن للضرورة.ولو جلس للتفرّج أو التنزه فالظاهر الحرمة؛ لأنّه من اللهو واللعب المنهي عنه؛ لأنّ اللاهي بالملاهي لو لم يعقد مجلسه بالسامعين والمريدين والباذلين لما صدر منه اللهو، فالجالس للهو هو أوّل اللاهين والمتلاهين عمّا هو نافع في الدنيا وفي يوم الدين.ثمّ إنّ القمار إما أن يتخلّص للمغالبة بالآلات المعهودة من دون التواطؤ على مال وبذله في الحال أو المآل، وإما أن يكون مع التواطؤ على المال وبذله في الحال أو المآل، والظاهر تحريم كلا القسمين، وأشدّهما ما اشتمل على المال فيجب ردّه على مالكه المعلوم ولو ببذل مال لا يضر بالحال، أو مع ما يضر في وجه قويّ.فإن لم يمكن إيصاله لتقيّة أو بُعْد، دفع إلى الحاكم الشرعي؛ لولايته على مثل ذلك، فإن أمكن الحاكم إيصاله وإلا فالصدقة به إن كان مؤمناً، وإن كان غير مؤمن احتملت الصدقة والإبقاء أمانةً، وعوده إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ.)فإن لم يعلم مالكه في محصور كان مجهول المالك، فرضه الصدقة به إذا كان مؤمناً أو مجهول الحال، وفي الكافر بحث كما تقدم.وإن كان في محصور، احتملت القرعة، وكونه مجهول المالك، والتوزيع، والصلح بما يراه الحاكم. ولو أكله المقامر وجب قيئه إن بقيت ماليته بعد قيئه، وإلا سقط وجوب القيء على الأظهر؛ لانتقاله إلى البدل ولزوم ذلك تعبداً بعيد، نعم، هو أحوط.وفي الرواية: أنّ أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ أكل من مال المقامرة شيئاً، فلمّا علم تقيأه (1)، فيُحمل على الاحتياط إن جوزنا أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأكل الحرام من غير علمٍ.)


1) وسائل الشيعة 17 : 165، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

وما لم يشتمل على المال فهو من اللهو واللعب الموجب للوبال.وأما اللعب بالآلات الغير المعهودة: فإن دخل عرفاً باللهو واللعب المعتادين اللذين يلزم منهما الفساد على كافة العباد، حرم، سواء اشتملت المغالبة به على مالٍ أو لم تشتمل.وإن لم يدخل عرفاً باللهو الذي ما من شأنه الفساد العامّ - كالعراص والطراح والشباك وكسر الخشبة وخرق البساط وإظهار النشاط والسرعة في الذهاب والإياب وجودة ضرب السلاح وأبعاد الرمي وجودة الصنعة، أو الجدل فكلُّ يقول: الحقّ معي ووقع ذلك أو سيقع ذلك - جاز فعله، والسيرة على ذلك، وعن الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ (1)فعل نظير ذلك، وأصالة البراءة تشهد به، وليس كلّ لعب حرام، وإلا لم يستقم نظام، وتنصرف النواهي للمعتاد من اللهو واللعب بالآلات المعتادة، أو بغيرها كالرقص والصفق بالإصبعين والدق بالرّجلين على النحو المعهود.)نعم، لو قرنت هذه المغالبة بمال على وجه الشرطية أو العلّيّة، كان من أكل المال بالباطل. وحرم تناوله وحرم النذر عليه؛ لخروجه عن نذر الزجر والشكر، ودخوله في النذر المحرم. نعم، لو وقع وعداً ومزحاً فدفع عطية وكانت المغالبة داعية من الدواعي أمكن جوازه، إلّا أنّ الأقوى المنع؛ للنهي عن الميسر (2المفسر بأنّه أكل المال بيسر (3)، ولأنّه لا يُعد من التجارة عن تراض، بل يُعدّ من السفه والباطل، فما يضعه من الرهن والنذر عند المغالبة في عمل أو في بعض أمر، أو عدمه، أو في إحقاق مسألة وغير ذلك، كله لو دفع بعنوان أنّه يقضيه ولأجله حرام، ويدخل تحته «اليادست» الذي يفعله الأعاجم: لو نذر الغالب للمغلوب أن يدفع للمغلوب أمكن أن يكون نذر شكرٍ.)##### السابع والخمسون: حرمة التكسّب بما يشتمل على الغشّالسابع والخمسون: ممّا يحرم التكسّب به التكسّب المشتمل على غش، وحرمته إجماعيّة، والكتاب (4والسنّة (5)قاضيان به لاشتماله على الظلم والإغراء بالجهل والخديعة والمنكر، ومَنْ غش المسلمين فليس منهم.)


1) راجع مستدرك الوسائل 14 : 81 - 82 الباب 4 من أبواب كتاب السبق والرماية، ح 1.

2) المائدة (5) : 90.

3) راجع مجمع البحرين 3 : 520، «ي س ر».

4) البقرة (2) : 188.

5) وسائل الشيعة 17 : 279، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به.

ولكن تحريمه لغيره؛ لأنّه لأمرٍ خارج مفارق، وهو الغش، فلا يقضى بفساد المعاملة المشتملة عليه، كما تقدَّم من أنّ النهي إذا لم يكن لذات المعاملة أو جزئها أو وصفها اللازم لم يقض بالفساد؛ لعدم الدليل.ودعوى أن المغشوش لم يقصد وأنّ العقود تتبع القصود، ظاهرة الضعف؛ لحصول القصد قطعاً من المتعاملين كدعوى أنّه من تعارض الاسم والإشارة فالمنقول الاسم الظاهر في غير المغشوش والمدفوع هو المشار إليه فالعقد واقع على غير المعين؛ ضرورة أنّ الاسم والإشارة هنا واردان على واحدٍ، وإنّما وقع الاشتباه في وصفه.نعم لو أخرج الغش المشار إليه عن حقيقة الاسم - كما ذكروا أن من العيوب ما يخرج به المعيب عن حقيقة البيع - اتجه ذلك.وما ورد في بعض الأخبار من النهي الصريح عن العقد المشتمل عليه (1فهو من الأصلي الغيري لا الأصلي النفسي، أو يُحمل على الكراهة.)وما قيل: إنّ المغشوش نقله سفه مع عدم العلم، غلط واضح، إلا إذا خرج بالغش عن التموّل. نعم، يثبت الخيار فيه؛ لمكان الضرار: خيار عيب، أو شرط ضمني، أو وصف، أو غبن، أو تدليس، وثبوت الخيار في العيب والوصف والتدليس دليل على صحّة بيع المغشوش.والغش قد يكون بفعل كمزج اللبن بالماء والشحم بالملح، وقد يكون بإخفاء عيب، وقد يكون بإظهار صفة حسن وإخفاء صفة قبح، وقد يكون بترك، كعدم إخراج الشيء من ظرفه لإخفاء عيبه، أو عدم بيانه في مقام يفتقر المشتري إلى بيانه، وفي حكم ذلك عرضه في زمانٍ كالليل أو مكان مظلم لأجل الإخفاء.ولو كان الشيء مما لا يخفى في حد ذاته جاز مزجه وإن خفي على المشتري لغفلة أو غباوة أو بلادة؛ لأن الإرشاد غير واجب.ومثله العيب الخفي، فإنّه لا يجب الإخبار به إذا خلا عن قصد الغش ومحاولة إخفائه.##### الثامن والخمسون: حرمة التكسّب بتزين الرجل بزينة المرأةالثامن والخمسون: مما يحرم التكسّب به تزين الرجل بزينة المرأة من ثياب وحلي وتحميرٍ


1) وسائل الشيعة 17 : 280 - 281، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

و تخطيط ونتف ووشم وصبغ ولباس خاص ونحو ذلك؛ للأخبار الناهية عن لباس الشهرة (1. وبتنقيح المناط يشمل غير اللباس، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لعن اللّه المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال» (2)ويعضده الشهرة المنقولة (3)بل المحصلة، بل ربما يدعى نقل الإجماع عليه (4).)وقد يدخل في ذلك التأنيث للرجل باللسان والأطوار والحالات والصفات من المشي والقيام والتغنّج ووضع الشعر على هيئة وضع النساء وترخيم الأصوات وفعل ما يثير الشهوات.ولو وقع التشبيه بلبس المحرّم من الحرير والذهب تضاعفت الحرمة واشتدت الخطيئة.ولو وقع التشبيه في مقام الحزن والكآبة لا في مقام الزينة، احتمل المنع؛ لدخوله تحت لباس الشهرة. واحتمل الجواز؛ لانصراف أدلّة المنع للزينة وما شابهها.والأحوط ترك ما يفعلونه في التعزية من التشبيه بالفاطميات ونحوه.وهل المحرم استعماله على سبيل الدوام أو الغالب ولو مرّةً واحدة ولو لغرض صحيح؟ وجهان، أحوطهما المنع.والظاهر أنّه لا يجب منع الولي للطفل عن ذلك.ويلحق بذلك تشبيه المرأة بالرجل من هيئته ولباسه وسلاحه، بل وكلامه وأفعاله؛ لعموم اللعن المتقدم (5والشهرة المنقولة (6).)وتُمنع الخنثى عن الأمرين معاً اجتناباً؛ للشبهة المحصورة.ويختلف التشبيه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال.##### التاسع والخمسون حرمة التكسّب بتدليس الماشطة للنساءالتاسع والخمسون: ممّا يحرم التكسّب به تدليس الماشطة للنساء بفعل ما يظهر حسنها ويخفي قبحها ليرغب مشتريها ويهواها خاطبها، وكذا يحرم تدليسها نفسها؛ لدخول الجميع


1) وسائل الشيعة 5 : 24 الباب 12 من أبواب أحكام الملابس.

2) المصدر 17 : 284 و 285، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، ح 1، 2.

3) مفتاح الكرامة 4 : 60.

4) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 85.

5) تقدَّم آنفاً.

6) تقدَّم في الهامش (3).

تحت الغشّ والخدع والغبن، بل والكذب على بعض الوجوه، وللإجماع المحكي على حرمته (1، فيحرم أخذ المال على فعل ذلك؛ لأنّ اللّه إذا حرم شيئاً حرّم ثمنه.)نعم، بيع المدلّس وتزويجه صحيح كما تقدم.والأخبار الخاصة الناهية عن وصل الشعر بالشعر (2المحمول على حالة التدليس.)ودعوى حرمته لنفسه - ولو كان معلوماً للخاطب أو مفهوماً للزوج - لحرمة الصلاة فيه، أو لحرمة النظر إليه، ممنوعة؛ لعدم تسليم حرمة الصلاة بشعر الإنسان، وحرمة النظر إلى الشعر مع الفصل؛ على أنّ ذلك مخصوص بشعر الأجنبية، فلا يعم شعر المحارم، فما دلّ على النهي عن وصل الشعر بالشعر (3محمول على الكراهة، كما دلّ على النهي عن جلي الوجه بالخرقة (4).)وفي الخبر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أنّه «لعن النامصة والمنتمصة، والواشرة والموتشرة، والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة» (5)أي التي تنتف الشعر، وتنشر أسنان المرأة وتحدّدها، وتصل شعر المرأة بشعر غيرها، وتغرز بدن المرأة بالابرة وتحشوه بالكحل أو النورة فيخضرّ.)وهذا إن كان للتدليس حرم، وإن كان للزوج أو خلا عن التدليس كان مكروهاً، إلا إذا استلزم ألماً وأذيّةً للأطفال، أو نقصاً في المحاسن بعد ذلك، كانهدام الأسنان وتغير الألوان، فالظاهر لزوم استئذان الزوج به.##### الستّون: حرمة التكسّب بما يجب على الإنسان عيناً أو كفايةًالستّون: ممّا يحرم التكسّب به الواجب على الإنسان عيناً أو كفاية، أو ما يندب كذلك مما لا يقبل النيابة؛ لأنّ وجوب المباشرة يمنع من الاستئجار والملك؛ لحرمة الفعل من غير المباشر نيابةً، وإذا حرم اللّه شيئاً حرّم ثمنه.وتحقيق القول في ذلك: أنّ ظاهر الخطاب بإيجاد شيءٍ واجب أو مندوب إرادة فعله من الفاعل مباشرةً، سواء كان خالقيّاً أو مخلوقيّاً، ومنه الإجارة على الأعمال والأفعال، وسواء كان عبادة أم غيرها، ما لم يظهر من الخطاب إرادة مجرد وجوده في الخارج من أي مباشرٍ


1) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 84.

2) وسائل الشيعة 17 : 131 - 133، الباب 19 من أبواب ما يكتسب به، ح 2، 04 6.

3) وسائل الشيعة 17 : 131 - 133، الباب 19 من أبواب ما يكتسب به، ح 2، 04 6.

4) المصدر : 131، ح 2.

5) المصدر : 133، ح 7.

كان وأنّه مكلف بإيجاده لا بمباشرته، أو تقوم قرينة على ذلك؛ لعدم إمكان صدوره منه بنفسه، ولا تمنع المباشرة الاستعانة بغير فعل المختار كالحيوان أو الآلات، ومَنْ يصدر الفعل منه بغير اختيار ؛ لأنّ المقصود بالمباشرة أن يقال عرفاً: إنّه هو الفاعل.ويشتد اشتراط المباشرة في العبادات التي تمخضت للعبودية ولم يعلم لها جهة مصلحة دنيوية، ويضاف إلى ذلك الظهور في العبادة المحضة: أنّ ما شك في شرطيته شرط.وعلى ما ذكرناه فكلّ خطاب مطلق أو مشروط به المباشرة لا يصح التكسّب به؛ لعدم صحة نقله وانتقاله.وكلّ خطاب دلّ الدليل على عدم اشتراط المباشرة فيه وصحة النيابة وإجزائها عن المخاطب به صح الاستئجار عليه؛ لأنّ الإجارة ملزمة للنيابة، فتصح الإجارة عن الأحياء في الحج الواجب عن المعضوب؛ لقيام الدليل على لزوم استنابته عند عدم تمكنه، ويتبعه صلاة الطواف الواجبة.وكذا ما دلّ على جواز أن يوضئه غيره عند عدم قدرته، أو يطوف به غيره ويسعى به.وكذا ما دلّ على جواز النيابة عن الأحياء في بعض المندوبات كالزيارة، ويتبعها ركعتاها والدعاء والطواف المندوب.وكذا ما دلّ على جواز النيابة عن الأموات في قضاء الصلوات والصيام والحج المندوب والواجب، وكذا الصلوات المندوبة عنه والتسبيحات وقراءة القرآن والأدعية والأذكار وغير ذلك مما دلّ على جواز النيابة عنه. وليس منه ما دلّ على جواز إهداء الثواب بعد أن يكون العمل على العامل لنفسه لا بنيّة النيابة وإن توقفت صحته على الدليل.ويمكن أن يقال: إنّ النيابة عن الأموات ليست من هذا المقام؛ لعدم تعلّق الخطاب بالميت بعد موته كي يكون الفاعل نائباً عنه، بل ما يفعله الحيّ حكم شرعي تعلّق بالحي بعد موت الميت، ولكنّه نظيره وقريب إليه.وبالجملة، فهذا كله يصح الاستئجار عليه؛ لدلالة الدليل على جواز النيابة فيه، لا لما قيل من أنّ عموم أدلّة الإجارة تشمله (1، فما ظهر من المباشرة في الخطاب يحكم عليها عموم)


1) قاله الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 8: 91.

دليل الإجارة، أو منع ظهور الخطاب في المباشرة؛ لأنّ أدلّة الإجارة مسوقة لبيان لزوم الإجارة والأجرة عند صحّة النيابة، وليست مسوقة لبيان كلّ عمل يصح الاستئجار عليه، وأين هذا من ذاك؟كما أنّ القول بأنّ الاستئجار على العمل المشروط بالقربة لا يصح؛ لمنافاة الإجارة للقربة؛ لصيرورة العمل في مقابلة الأُجرة المنافي للخلوص، ضعيف جداً لا يُلتفت إليه:أولاً من جهة ورود النصّ به في بعض العبادات (1، وانعقاد الإجماع على صحّة النيابة عن الأموات في الصلوات والصيام.)وثانياً : أن الاستئجار مما يؤكد القربة من حيثية الالتزام فيتضاعف بها أمر العلّام، لا مما ينافيها، ومن المعلوم أن العمل ليس للأجرة كعمل الأجير في الأعمال المباحة، بل العمل اللّه ولكن الأجرة ملزمة، فليست هي من الغايات المنوية، بل من الأسباب الشرعيَّة، كالنذر وشبهه، فالتقرّب بالعمل الموصل إليها، لا أنّ التقرّب بالتوصل إليها، فالعبد متقرب اللّه تعالى بسبب أجرته، وأجرته الملزمة له، لا أنّه متقرب لأجرته بحيث إن عمله لها.وعلى كلّ حال فما تعلّق الخطاب به ولم يعلم صحّة النيابة فيه أو التبرع لا يصح الاستئجار عليه، ومنه ردّ السلام والمعارف والعقائد والعلم الواجب بخلاف دفع الزكاة، وبر الوالدين، وبذل النفقة الواجبة، وأداء الدين، ووجوب قضاء الولد عن أبيه، والمستأجر لأمر يُفهم منه إرادة مجرد وجوده، فإنّ جميع ذلك مما يُفهم منه عدم اشتراط المباشرة.وقد يُعدّ منه الواجب الكفائي على قوم لم يشترط فيه المباشرة ولو بظاهر الخطاب، فإنّه يجوز استئجار مَنْ لم يجب عليه ذلك.##### الواحد والستّون: حرمة التكسّب بما يجب عليه على الأجير فعله عيناً أو كفايةًالواحد والستون : يحرم التكسّب بما يجب على الأجير فعله عيناً أو كفاية، سواء اشترك المستأجر معه في الكفاية أم لا.أما الواجب العيني فهو إجماعي نقلاً(2وتحصيلاً، ولأن الاستئجار سفه وعبث؛ لعود النفع فيه للأجير لا للمستأجر.)


1) وسائل الشيعة 11: 163، الباب 1 من أبواب النيابة في الحج، ح 1.

2) مجمع الفائدة والبرهان 8: 89.

ولو فرضنا عود نفع للمستأجر في الجملة - كمَن استأجره على صلاته ليتعلم الصلاة بسبب ذلك أو التجويد أو الأفعال الواجبة أو المندوبة أو ليصلى خلفه، أو يصوم ليشتغل بخدمته فلا يزاحمه أكل ولا شرب - فهو نفع لا يُعتد به في باب المعاوضة، ولا يصلح مصححاً للمعاوضة، ولعدم القدرة على تسليم المستأجر ما فعله من الواجب عليه؛ لأن الواجب فعله عليه يعود نفعه إليه ويحتسب له لا للمستأجر، ولو وقع التسليم بنيّة أن الفعل له أو عنه، بطل العمل وفسدت الإجارة.ولأنّ شأن الملك والتمليك قبوله للإبراء والتأجيل والإقالة والإعراض والنقل لغيره بحيث يترتب على ذلك فائدة، ولا يجري ذلك هنا؛ لأنّ الواجب مملوك اللّه سبحانه ومستحق له، فلا يمكن تمليكه لغيره ونقله إليه وإن أمكن تضاعف الالتزام به بنذر وشبهه، والفرق بين تضاعف الالتزام والملك والتمليك ظاهر.وبالجملة، فآثار التمليك الشرعي ولوازمه التي لا تنفك عنه شرعاً تنافي كونه واجباً خالقياً عليه، فإنّ العبد يملك مولاه جميع منافعه ولا يملك ما فرضه اللّه عليه، وكذا الأجير الخاص، فإنّه من البديهي استثناء ما فرضه اللّه عليه؛ ضرورة أن التمليك سلطنة وولاية وليس للإنسان سلطنة وولاية على ما وجب عليه، فالمنافاة بين الواجب وبين جواز نقله وتمليكه ذاتيّة شرعية.وليست منافاة عقلية كمنافاة الزوج والفرد كي يستغرب ذلك ويقال: إن الواجب قد تتعدد أسبابه كالواجب المنذور، وقد تجتمع الجهات الشرعيَّة على واحد كتعدد جهات الخيار، وأنّه لا منافاة بين الوجوب والعوض؛ لاحترام عمل المسلم وماله، كإرضاع الأُمّ اللَّبأ (1الواجب عليها، وبذل الطعام للمضطر، وأخذ الوصيّ الجُغل على ما وجب عليه، وأخذ أهل الصنائع الأعواض والاستئجار للجهاد؛ لأنّ الفرق بين ما ذكرناه وهذه الأمثلة واضح بديهي؛ ضرورة أنّ جميع هذه الأشياء نفعها يعود للغير، وليس للواجب عليه نفع يعود له، فأمكن الجمع بين احترام عمل المسلم وبين الوجوب عليه بأنّه يلزمه الفعل ويطالب بعوضه بخلاف ما ذكرنا من الواجبات العينية العائد نفعها للمكلّف، على أن مرجع الوجوب يعود في هذه أنّه مشروط بالعوض ولو من جهة ظهور الخطاب بذلك أو من جهة الجمع المزبور.)


1) اللبأ : أوّل اللبن عند الولادة قبل أن يرق. المعجم الوسيط : 811، «ل ب أ».

ودعوى أنّها وجبت مطلقاً فيملكها الغير بعد وجوبها بعوض يجب عليه دفعه، ليس له وجه يُعتد به على أنّ محلّ المسألة أن الواجب على شخص هل له أن يكتسب به بالاستئجار عليه أم لا ؟ وليس محلّها أنّه هل يوجب اللّه شيئاً ويجوز أخذ العوض عليه إذا عاد نفعه للغير، على أنّه من المعلوم البديهي أن أكثر هذه الواجبات مشروطة بالعوض، كما يدلّ عليه كلام الأصحاب والسيرة القطعية، وإلا لوجب على الإنسان الفعل أولاً ثم المطالبة بالعوض. ولا قائل بذلك في الصنائع وشبهها.وبالجملة، فما جاء من الواجب مشروطاً بالعوض أو ظهر ذلك من الخطاب به - كالعائد نفعه لغيره - لا كلام فيه إنّما الكلام فيما عُلم إطلاقه أو شُكٍّ في إطلاقه فإنّه يُحمل على المطلق - خلافاً للمرتضى (1- فهل يجوز التكسّب به أم لا؟)وأما الكفائي الذي يراد مجرّد إيجاده فيجوز لمن لم يجب عليه التكسّب به، وأمّا مَنْ وجب عليه فيمكن أن يقال بعدم الممانعة الذاتية؛ لجواز صدوره من الواجب عليه على نحوين و جهتين جهة أنّها فعله ويؤدّي عن نفسه امتثالاً لخطابه، وجهة أنّه يؤدّيه عن غيره؛ لعدم اشتراط المباشرة فيه، فإن لاحظ الجهة الأولى حرم عليه أن يؤجر نفسه لذلك، وإن لاحظ الجهة الثانية جاز ويكون مسقطاً عنه وعن غيره بعد صدور الفعل منه.ويمكن أن يقال بالممانعة أيضاً؛ إذ كلّ ما يصدر عنه من ذلك الفعل فهو له ونفعه يعود إليه، والنية لا تؤثر المغايرة، فيكون بمنزلة إجارة الإنسان نفسه على أن يملك المنفعة العائدة إليه فيأخذ عوضاً على منفعة لنفسه.وعلى كلّ حال فالإجماع منعقد على المنع وأدلّة الإجارة والعقود لا تنصرف إلى مثل هذا، وما جاء من أخذ الأعواض في الصناعات والضروريات في المعاش لنوع الإنسان كله من الواجب المشروط بالعوض لا من الواجب المطلق الجائز أخذ الأجرة عليه. والإجارة للجهاد إنّما تصحّ عند قيام الغير بما يجب كفاية، أو أن أصل وجوبه متعلق بالبدن أو المال، فيفهم منه جواز أخذ الأجرة عليه، والخطاب الشرعي في الحقيقة هو الملك الشرعي؛ لأنّ الملك معناه السلطنة على الأداء والإلزام به ووجوب التأدية في الأعمال والحقوق المتعلقة بالذمم، فيعود إلى اجتماع المالكين على مملوك واحد.


1) لم نعثر عليه.

والفرق بينه وبين الخطاب الشرعي التابع المخلوقي : أن الخطاب هنا تابع للملك المخلوقي على وجه الحكم التكليفي المجرّد، بخلاف الخطاب الأصلي فإنّه يشابه الملك، فكأنه قد تضمّن حكماً وضعيّاً لا يجتمع مع ملك آخر، على أنّ الخطاب الشرعي إن استحق الشارع به التأدية أوّلاً وكان سابقاً لم يمكن طروء الملك المخلوقي؛ لقوة الأوّل وضعف الثاني، وإن تعقب الملك المخلوقي أمكن اجتماعه معه؛ لأنّه تابع له والاستحقاق صار بسببه، ولأن الشارع يملك على الأجير أن يؤدّي الملك إلى أهله، لا يملك نفس العمل؛ لعدم تعلّق غرض للشارع به إلا تبعاً لحق المخلوق.وما قيل من أن الأمر الخالقي لا ينافي الضمان المخلوقي (1، مسلم فيما كان الفعل واصلاً للآمر وعائداً إليه وقد تسلّمه، فيُجمع حينئذٍ بين ما دلّ على الضمان وبين ما دلّ على وجوب الفعل من الخطاب الشرعي، ولكن محلّ المسألة هو الفعل الواجب على الشخص الذي قد أداه لخطاب الشارع به العائد إليه نفعه، وهو فراغ الذمة منه، فكلّ ما يفعله فهو له، وليس للمستأجر فيه نصيب، فهل مثل هذا يقبل النيابة ويقبل النقل إلى غيره أم لا؟ وقد قلنا: إن الظاهر أنّه لا يقبل ذلك.)وبالجملة، فمحل البحث هو المعاوضة على الواجب، لا وجوب المعاوضة على العمل المتوقف عليه النظام، وإلا لزم الضمان مع بذل العمل والمال، فما يكون تعلق الأمر أو الإباحة به للغير من مال أو عمل - كالإباحة في المارة، وبذل المال للمضطر، وإرضاع اللبأ، وعمل الوصي. وعمل الصنائع المحتاج إليها - فمحل البحث فيها هو أنّ الأمر الشرعي والإباحة الشرعيَّة في المال والأعمال هل يظهر منهما رفع الضمان والمجان فلا يستحق الفاعل شيئاً، أو أنّه لا منافاة بين إباحة أخذ المال وضمانه وبين لزوم دفعه وأخذ العوض عليه فيستحق العامل وصاحب المال؟ وهذا ظاهر.وأما الواجب الكفائي فلا شكّ في جواز استئجار مَنْ وجب عليه إذا لم يفهم المباشرة مَنْ لا يجب عليه الكلام في استئجار من وجب عليه، والظاهر أنّه لا يخلو من ممانعة ذاتية أيضاً؛ لأنّ الواجب كفايةً واحد، وقد وجب على الموجر والمستأجر معاً، فكل ما فعله المؤجر


1) راجع جواهر الکلام 22 : 117 - 118.

هو نفس ما وجب عليه، وليس الواجب اثنين، أحدهما فعله المؤجر عن المستأجر، والآخر: ما وجب عليه، وأنّه قد سقط ما وجب عليه بفعل ما كان نائباً فيه. وهذا لا يخفى على المتأمل.ويكفي في الواجب الكفائي الإجماع على عدم جواز الاستئجار فيه محصلاً ومنقولاً (1على ما يظهر. وعلى ما ذكرناه من جواز الاستئجار فيه ليس ممّا وجب فجاز الاستئجار عليه، بل هو مما جاز الاستئجار عليه (2)، فهذا يجب بعد الاستئجار والضمان، أو أنّهما شرعاً وقعا على النحو المعهود.)##### الثاني والستّون: حرمة التكسّب بما يندب على المستأجر أو الأجير عيناالثاني والستّون: ممّا يحرم التكسّب به المندوب على المستأجر عيناً الذي لا يقبل المباشرة، والمندوب على الأجير عيناً الذي لا يعود للمستأجر نفع يُعتد به، والمندوب الكفائي الذي لا يعود للمستأجر نفع يُعتد به، أما ما عاد نفعه للمستأجر فإنّه يصح الاستئجار عليه وأخذ الجعالة فيه وبذل المال لأجله.وإن كان الأجير مخاطباً بالمندوب والعمل من أعماله والفعل يقع امتثالاً لما خوطب به، إلا أنّه لما كان نفعه ممّا يعود للمستأجر ولا لزوم على الأجير شرعاً ولا استحقاق للشارع عليه بالتأدية حتماً، جاز أن يلزمه المستأجر بالعمل بطريق الإجارة وبذل المال فيؤديه فيصل نفعه للمستأجر وإن كان الخطاب والنفع عائداً للأجير أصالة.فعلى ما ذكرنا يجوز الاستئجار على المندوب الكفائي إذا عاد النفع للمستأجر فيه وإن تضمنه الواجب، كالزائد الذي في تغسيل الأموات ودفنهم وتكفينهم والصلاة عليهم.ولا يجوز استئجار المأمومين الإمام على الإمامة في صلاة الجماعة غير الجمعة، وكذا العكس؛ لأنّ نفع الإمامة لا يصل إلى المأمومين ولا نفع المأمومية يصل إلى الإمام وإن انتفع المأموم بإمامة الإمام لأن يقتدي به والإمام بمأمومية المأموم لأن يقتدى به.ولا يجوز التكسّب على الأذان وإن عاد نفع للمستأجر فيه؛ لمكان النصّ من الأخبار (3)


1) رياض المسائل 8 : 180.

2) كذا قوله : «ليس ممّا وجب... الاستئجار عليه» في النسخ، وهو كما ترى.

3) وسائل الشيعة 5 : 447، الباب 38 من أبواب الأذان والإقامة.

المؤيّدة بفتوى المشهور نقلاً (1بل تحصيلاً - قيل (2): وفيها الصحيح (3)- والإجماع المنقول على لسان الفحول (4).)وإنكار دلالة الأخبار لا وجه له، كما أنّ اشتمالها على ما لا نقول به من تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن لا يقدح فيها.وظاهر الأدلّة تعميم الحكم للأذان الإعلامي مع قصد الأذانية، والصلاتي، سواء كان في صلاة جماعة أو غيرها، وسواء عاد نفع للمستأجر فيه من الاجتزاء به عند سماعه، أو كان مما يقبل النيابة تبرّعاً أم لا، وسواء نواه لنفسه أو نواه عن غيره.نعم، يخرج عن الحكم ما دخل في الاستئجار على الصلاة تبعاً من الأذان الصلاتي في إجارة الصلاة عن الأموات، ويخرج منه الأذان في أذن مَنْ لم يأكل اللحم أربعين يوماً، والأذان للصبي والمسافر، وقول: «الصلاة» ثلاثاً بدله في محلّه.ولا يفسد الأذان مع أخذ الأجرة المحرَّمة إذا خلصت القربة من المستأجر، كباقي العبادات التي يحرم أخذ الأجرة عليها.ومَنْ حَكَم بالفساد أراد به عدم نية الخلوص وأن العمل في مقابلة الأُجرة.وأمّا الأُجرة على الإقامة فمع صحّة النيابة فيها بحيث يعود نفعها للمستأجر فالأقوى: الصحّة؛ لعموم الأدلّة من غير معارض، والأولوية في التحريم ممنوعة.ولا يتفاوت في الأجرة بين كونها من مال المستأجر، أو من بيت المال، أو من سهم «في سبيل اللّه»، أو من الأوقاف العامة للخيرات والمبرات.نعم، لا بأس بالارتزاق من بيت المال أو من غيره معونةً على الطاعة، لا على جهة المعاوضة. ولا يتفاوت مع القصد إلى أنّه من معونة الدين والتشييد لأحكام سيد المرسلين بين توقف الأذان عليه وعدمه.


1) مختلف الشيعة 2 : 148، المسألة 81.

2) القائل هو الشيخ جعفر في شرح القواعد 1 : 287.

3) وسائل الشيعة 27 : 378 - 379 الباب 32 من أبواب كتاب الشهادات، ح 6.

4) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف 1 : 290 - 291، المسألة 36؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 4 : 36.

##### الثالث والستّون: حرمة التكسّب بالإمامة والمأمومية الواجبتين في الجمعة والعيدينالثالث والستّون: يحرم التكسّب في الإمامة والمأمومية الواجبتين في الجمعة والعيدين؛ للإجماع بقسميه (1على الظاهر، وللشكّ في شمول أدلّة العقود لمثله، وكذا الإمامة والمأمومية المندوبتين؛ لظاهر الإجماع (2)، ولإطلاق النصّ (3)الشامل للواجب والمندوب، وللشك في شمول الأدلّة لمثله، سواء وقع التكسّب في صلاة الجماعة أو في تقدمه للإمامة أو تأخره للمأمومية.)ويؤيد ذلك ما يظهر من الأخبار من أنّ الإمامة رتبة الإمام (4اللازم عليه اجتناب جميع المنفّرات ليزيد الاعتماد عليه والركون إليه، ولأنّ الجماعة من العبادات المطلوبة لنفس العامل كما تقدم.)ويحرم الاكتساب في تحمّل الشهادة وأدائها؛ لوجوب الأوّل كفاية أو عيناً مع الانحصار أو إذا دعي إليها، مع الحاجة إليها من الطالب في مقام الدعوى أو خوف الوقوع في الضرر دنيوي أو أخروي، بل من ترك حرفاً من الشهادة أحوجه اللّه إليه بل لا يبعد وجوب التحمّل مع الاستدعاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا (5)المفسر في الصحيح بالتحمّل(6).)فلو تحمّل الواحد، ففي ارتفاع الكفاية به لانضمام اليمين إليه في الأموال فيصح أخذ الأجرة للباقين وجه، ولو تحمّل اثنان في غير الأموال أو أربعة في مقام الأربعة، كفى في ارتفاع الوجوب.ويحتمل الوجوب مع الاستدعاء مطلقاً؛ لخوف الفوت والموت.وأما أداؤها فهو واجب كفايةً قطعاً، وعيناً مع الانحصار؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (7).)ولو قام بالأداء مَنْ ثبت الحقّ به ولكن أراد المدعي زيادة التأكيد أو أقر المدعي بذلك ارتفع الوجوب.وفي ارتفاعه بقيام واحدٍ لكفاية المدعي به مع يمينه وجه في الأموال.


1) شرح القواعد 1 : 294.

2) شرح القواعد 1 : 294.

3) راجع ص 119، الهامش (3).

4) وسائل الشيعة 8 : 347 - 348، الباب 26 من أبواب صلاة الجماعة، ح 4، 5.

5) البقرة (2) : 282.

6) وسائل الشيعة 27 : 309، الباب 1 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

7) البقرة (2) : 283.

ويجب الانتقال مع طالب الشهادة ما لم يتوقف على بذل مال يضر بالحال، ولو بذله الطالب لزم الانتقال معه ما لم يمنعه خوف أو تقيّة، ولو أمكن شاهد الفرع فلايبعد عدم وجوب شاهد الأصل.##### الرابع والستّون: جواز أخذ الأجرة على التوكيل في التزويج وعلى إجراء صيغة العقد أو الإيقاع أو الخطبة والرابع والستّون: يجوز أخذ الأجرة على التوكيل في التزويج، وعلى إجراء صيغة العقد أو الإيقاع أو الخطبة، وعلى السعاية في التزويج، أو الرجعة، أو التطليق، أو صيغة العتق لو بذلها العبد قبل عتقه في وجه، أو الكتابة أو التدبير، ولو بذلها المولى فلا كلام، سواء قلنا بوجوب ذلك مع الاحتياج كفاية أم لا، لأنّ وجوبها مشروط بالعوضين.وأما الأجرة على تعليم العقد والإيقاع ففي منقول الإجماع (1المنع، واستدلّ عليه بوجوبه كفايةً. ويجوز الاستئجار على تعليم الأذكار والدعوات والزيارات والتعزيات، وعلى قراءة القرآن، بل على تعليم القرآن مطلقاً؛ لحصول الكفاية في العارفين به ومعلميه ومتعلّميه.)نعم، ما يجب فعله في الصلاة من الفاتحة والسورة فإنّه يجب كفاية تعليمه للجاهل، ومع الانحصار عيناً، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه.وكذا تعليم الأفعال الواجبة من الصلاة والصوم حين احتياج الجاهل إليها؛ فإنّها واجبة كفاية بل عيناً مع الانحصار، فلا يجوز التكسّب بها.وأما تعليم غير البالغ فلا بأس بأخذ الأجرة عليه؛ لعدم وجوبه على المتعلم والمعلّم.ولا يجوز أخذ الأجرة على تعليم العقائد للمكلفين، ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لوجوب ذلك كفاية.ولا يجوز أخذ الأجرة على تعليم الاستدلال للوصول إلى مرتبة الاجتهاد؛ لوجوب الاجتهاد كفايةً، ووجوب تعليم الطرق الموصلة إليها وتعلّمها، وليس في الموجودين ما يحصل الكفاية بهم.وبالجملة، فكلّ ما وجب على الجاهل تعلّمه من الغايات أو المقدمات كفايةً أو عيناً وجب على العالم تعليمه؛ لأنّ اللّه تعالى ما أوجب على الجُهّال التعلّم إلا أوجب على العلماء


1) شرح القواعد 1 : 293.

التعليم، وحينئذٍ فيحرم التكسّب في التعليم الواجب مطلقاً، ولكن الفقيه لا بد له من التأمل في ذلك وتمييز الواجب من غيره، وتمييز ما وجب مطلقاً وما وجب مشروطاً بالعوض، وما شكّ فيه هل هو من المشروط أو من المطلق ؟##### الخامس والستّون: حرمة التكسّب بالقضاءالخامس والستّون: يحرم التكسّب بالقضاء الحقّ فضلاً عن الباطل، وكذا الإفتاء، وكذا قطع الخصومة بالصلح ما بين الخصمين أو بإحضار الشهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد شهادتهما أو بالصلح بيمين المنكر أو المدعي إذا لم يكن هناك قاض، فوجب على عدول المسلمين قطع الخصومة.ولا تفاوت في تحريم العوض بين دفعه من المتخاصمين جُعْلاً أو شرطاً أو إجارة أو من بيت مال المسلمين أو من سهم «في سبيل اللّه» أو من متبرع، كلّ ذلك لوجوب ما ذكر عيناً مع الانحصار، أو كفايةً مع عدمه مع الحاجة وعدمها، وليس من الواجبات المشروطة ببذل العوض، كما هو ظاهر الأخبار (1والكتاب (2)الآمرين بالحكم بين الناس والقضاء فيهم، الظاهرين في الوجوب المطلق.)ولقوله تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى (3)ويجب التأسي بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولو لعلو المنصب.)والإجماع المنقول (4على المنع من بذل الجغل من المتخاصمين أو الأجرة، أو الأعم من المتخاصمين.)والأخبار الناهية عن ذلك (5، المؤيَّدة بفتوى الفحول والاعتبار، وأنّه من الواجبات المشكوك في شمول أدلة العقود والتكسب لمثلها، فيبقى على أصل المنع وعدم السببية في)النقل والانتقال.


1) وسائل الشيعة 27 : 136، الباب 11 من أبواب صفات القاضي....

2) سورة ص (38): 26.

3) الشورى (42) : 23.

4) الخلاف 6: 233 - 234 المسألة 31؛ جامع المقاصد 36:4.

5) وسائل الشيعة 27 : 221 و 223، الباب 8 من أبواب آداب القاضي، ح 1، 5.

وما دلّ على تحريم الرشوة - كما سيجيء (1إن شاء اللّه تعالى - يؤذن بذلك.)وللصحيح الدال على أنّ أخذ الرزق من السلطان سحت (2، فالأجرة بطريق أولى، أو أن المعنى الحقيقي إذا صرف كان أقرب مجازاته الأجرة.)هذا إن جوّزنا الرزق مع الاحتياج أو مع الكفاية وتعينه للقضاء.والتكسب بمقدّمات القضاء كالتكسب به كسماع الشهادة والإقرار واليمين والتزكية والجرح.نعم، ليس منه الأخذ على كتابة الحكم والرشم (3، بل والإشهاد على حكمه، والخروج إلى منزل غير منزله، وبذل القرطاس والمداد والقلم وغير ذلك إلا أن هناك ما تنفر النفوس من استعمالها وما لا تنفر كطلب القرطاس والكاتب ونحوهما من العمال والخدام المباشرين لإتقان الحكم.)ولو سقط وجوب الحكم، كما لو حكم القاضي فطلب تنفيذ الأجرة، فلا يبعد جواز الأُجرة على تنفيذه.ومثله لو حكم فأريد التأكيد منه والتكرير مرةً أُخرى.ويجوز للقاضي والمفتي والمعلم والواعظ الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أخذ الرزق من بيت المال لا على جهة المعاوضة، مع التعيين وعدمه مع الحاجة وعدمها، وكذا من سهم سبيل الله، أو من متبرّع.ويجوز قبول الهدية والوليمة، بل قد يجب الارتزاق عليه لحاجته وتوقف القضاء عليه. وما دلّ من الأخبار على منع الارتزاق (4- كما نطق به بعض الأصحاب (5)- محمول على أخذه بنيّة المعاوضة والأجرة، وكثيراً ما يُطلق على ذلك، كما أن مَنْ أجاز الأجرة من بيت المال أراد الارتزاق.)ولو عدل الحاكم من القضاء إلى الصلح، ففي جواز أخذ الأجرة - من عدم وجوبه، ومن أنّه أحد الفردين المخيّر فيهما بين القضاء وبين الصلح - وجهان.


1) يأتي في ص 136 و ما بعدها.

2) وسائل الشيعة 27 : 221، الباب 8 من أبواب آداب القاضي، ح 1.

3) الرشم : مصدر رشمت الطعام أرشمه : إذا ختمته الصحاح 5 : 1933، «رش م».

4) راجع الهامش (2).

5) تحرير الأحكام الشرعيَّة 5: 114، الرقم 6421.

وفي الحكم والقضاء في الأمور العامة - كالهلال والكسوف والخسوف كالحكم في الأمور الخاصة في جهة المنع.##### السادس والستّون: حرمة التكسّب بتشبيب المرأة المعلومة عند القائل والسامعالسادس والستّون: ممّا يحرم التكسّب به لحرمته في نفسه التشبيب بالمرأة المعلومة عند القائل والسامع، أو عند السامع فقط، أو عند القائل فقط في وجه قوي.ويكفي في المعلومية الاسم أو الكنية المختصة بها، أو الإشارة في شعرٍ أو في نثر مسجع على الأظهر.ولما كان التحريم مخالفاً للأصل لزم الاقتصار على المؤمنة، فلا بأس بباقي الفرق من المسلمين والكفّار من أهل الذمة وغيرهم المعتصمين وغيرهم.ودعوى قبحه بالذات فيعم جميع الإناث ممنوعة، وإن كان الأحوط التجنّب؛ لما فيه من منافيات المروءة وإغراء الفسقة وإدخال الفضيحة في بعض الأحوال.ولزم الاقتصار على البالغة، ولزم الاقتصار على الأنثى، دون الخنثى والرجل بل والأولاد المُرد (1، وإن كان التشبيب بهم منافياً للمروءة ومبعداً عن الله، ويلهي عن الطاعات سيّما لو جامعه تعشق وتشوّق حقيقي، وربما دخل في الفحش والسوء الذي لا يرضى اللّه بالجهر به.)وأما التشبيب بالمبهم - ويُسمّى اليوم غزلاً - فلا بأس به، سواء وقع على مذكّر أو مؤنث، وإن كان التعمق به مكروهاً، بل ربما ينافي المروءة لأهل الصلاح والعفة، وما لم يتعمق به فلا بأس به، بل هو في الشعر من الكمالات والآداب.والمراد بالتشبيب: التعريض بحبّ المشبب به وعشقه وأنّه أهل للعشق والحبّ، سواء جامعه ذكر الصفات المهيجة للعشق الباعثة عليه أم لا.ولو تجرّد ذكر الصفات عن بيان العشق والحبّ جاز، إلا أن يشتمل على فحش أو هتك حرمة، كما يقع في شعر العرب كثيراً.ولو تشبّب فالأظهر: عدم لزوم محوه.وكتابته حرام كإنشائه، وأما إنشاده فلا حرمة فيه، إلّا إذا نواه لمن تشبّب فيها، أو استلزم فضيحة للمشبب فيها، أو فحشاً.


1) المُرد جمع أمرد : الشاب الذي لا شعر على وجهه. مجمع البحرين 3 : 145، «م ر د».

ولو تشبب بامرأةٍ بذكر أخلاقها الجميلة وسجاياها وجعل علة المحبة والشوق ذلك، احتمل الجواز كاحتمال جوازه بالمعلنات بالفجور وذوات الأعلام.##### السابع والستّون: حرمة التكسّب بالتطفيفالسابع والستّون: يحرم التكسّب بالتطفيف، وهو كبيرة (وَيْلٌ للمُطفّفين (1).)وهو تنقيص الكيل والوزن في باب المعاوضة، أو تنقيص كلّ مقدر مع جهل القابض بنقصانه نقصاناً يخلّ في باب المعاوضة.هذا إذا أعطى، أما لو أخذ ورضي فلا بأس.والخيار يثبت للمدفوع إليه، وهو خيار تبعيض الصفقة.##### الثامن والستّون: حرمة التكسّب بالخيانة والسرقةالثامن والستّون: يحرم التكسّب بالخيانة والسرقة فيما لا يجوز فيه ذلك ثمناً ومثمناً. فإن جعل المخان فيه أو المسروق أحد ركني المعاوضة بطلت المعاملة، وكان حراماً مع قصد النقل أو الانتقال والتصرف، ولو تجرّد العقد من ذلك لم يحرم مجرّد اللفظ ؛ لأنّه ليس بتصرف.ويضمن السارق السرقة ضماناً لا رجوع فيه بعد التأدية، وقبلها بالمثل إن كانت من المثليّات، أو القيمة إن كانت من القيميات قيمة يوم التلف على الأقوى، وضماناً يرجع فيه لو وصلت إليه من الغير بوجهٍ لا إقدام فيه على الضمان كهبة ونحوها، أو بوجه مضمونة عليه بنفسها دون ما يتبعها، كعارية مضمونة أو بيع أو شراء مع جهله بكونها مال الغير، فإنّه يرجع في الأوّل بجميع ما غرم من مثل العين وقيمتها وغيرها، وفي الثاني بما عدا مثل العين وقيمتها، دون نفس قيمة العين ومثلها فلا يرجع بهما، وفي الثالث مع جهل الدافع أيضاً بالثمن المدفوع لو دفعه إليه، وبما زاد على الثمن ممّا غرمه من قيمة العين وغيرها، سواء حصل له نفع في مقابلته أم لا.أما ما لم يرجع فيه: فلإقدامه على الضمان فلا يكون مغروراً من جهته، فتبقى الأصول سليمة عن المعارض.والقول بأنّ الإقدام على ضمان المبيع بالثمن في صحيح البيع إقدام على ضمان مطلق القيمة فلا يرجع بالزائد، وأنّ النفع المستوفى مال محترم وصل إليه فيضمن عوضه، ضعيف لا يعارض القاعدة المحكمة المنجبرة بفتوى الأصحاب وبعض الأخبار (2.)


1) المطففين (83): 1.

2) وسائل الشيعة 17 : 340، الباب 3 من أبواب عقد البيع وشروطه.

وأما ما يرجع فيه: فلأنه مغرور قد اعتدي عليه، والمغرور يرجع إلى مَنْ غره، و (مَنِ أعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ (1).)ولو أخذ عليه الضمان من دون رجوع على تقدير ظهور المالك، قوي عدم الرجوع؛ لعدم الغرور.هذا كله مع الجهل، أما مع العلم فلا رجوع له بغير ما دفع إليه من العوض؛ لاستقرار الضمان عليه، وليس بمغرور من قبله، وما جاءه الغرر إلا من قبله والمباشر أقوى من السبب، وللإجماع بقسميه (2.)وأما ما دفعه من العوض فلا رجوع مع تلفه على الأظهر الأقوى، في ثمن أو مثمن، في بيع أو إجارة أو غيرهما على الأظهر للإجماع المنقول في ثمن بيع المغصوب (3قيل: «والمحصل والمنقول منه فى الغصب والفضولى مبنى على المثال» (4)، ولتسليطه على إتلاف ماله ولهتك حرمته.)وأما مع بقائه فإن كان في غصب أو فضولي فقد قيل بعدم الرجوع فيه - غرمه المالك أم لا - للإجماع المنقول فيهما عن جماعةٍ (5، فيقتصر فيما خالف الأصل عليهما.)ويؤيد الإجماع المنقول فيهما فتوى المشهور نقلاً (6أو تحصيلاً، والاعتبار بموافقة اللطف من سد باب الفساد على العباد، وعدم التجري على أموال الناس.)وقيل بتسرية الحكم إلى غيرهما؛ لأنّه كالهبة لدفعه بلا عوض، وكالتبرع بالعمل الذي لا يستحق صاحبه عوضاً، ولأنّه كالمال المعرض عنه يملكه قابضه؛ لخروجه عن ملك الأوّل بالإعراض ودخوله في ملك الثاني بحيازته وقبضه (7.)وهو ضعيف؛ لمنع كونه بمنزلة الهبة بعد بذله بالعوض الصوري من ظهور المجانية فيه، ومنع لزوم الهبة من غير الرحم أو المعوّضة حقيقة، ومنع حصول الإعراض من الدافع بعد أن كان الدفع على جهة المعاوضة الصورية، ومنع اللزوم في المال المعرض عنه.


1) البقرة (2) : 194.

2) تذكرة الفقهاء 10 : 18، ذيل المسألة 5.

3) تذكرة الفقهاء 10 : 18، ذيل المسألة 5.

4) قاله الشيخ جعفر في شرح القواعد 1 : 271.

5) كما في شرح القواعد 1 : 272؛ وراجع تذكرة الفقهاء 10 : 18 ذيل المسألة 5؛ ونهاية الإحكام 2 : 473؛ وإيضاح الفوائد 1 : 421: وجامع المقاصد 4 : 71.

6) مسالك الأفهام 3 : 160: شرح القواعد 1 : 272.

7) راجع مسالك الأفهام 12 : 224.

وعلى تقدير عدم الرجوع فلا يخلو المقام من وجوه:أحدها: الخروج عن ملك الدافع والدخول في ملك المدفوع إليه، فيكون حلالاً عليه وحراماً على الدافع.ثانيها: البقاء على ملك الدافع ولا سلطان له عليه، ولكنّه حلال على المدفوع إليه، وإن فعل حراماً بأخذه ابتداءً ولكن المالك الأصلى حله له.وثالثها: أنّه حرام على المدفوع إليه لا يترتب عليه ضمان، وحرام على الدافع المطالبة به.رابعها: الخروج عن ملك الأوّل وعدم الدخول في ملك الثاني، فيكون كمال حجبه الشارع عن مالكه، فيرجع أمره إلى الحاكم، أو يكون بمنزلة المباحات.والأقوى الرجوع إلى القواعد المحكمة شرعاً وعقلاً من تسليط الناس على أموالهم، وأصالة بقاء الملك لمالكه، وأصالة عدم النقل والانتقال وتبعيّة العقود للقصود، والتجارة عن التراضي، فيُحكم ببقاء الملك وحرمة التصرّف من المدفوع إليه، بل وضمانه له مع المطالبة به قبل تلفه، ويجب التخلية بينه وبين مالكه وإن لم يجب ردّه كرد المغصوب الذي يؤخذ بأشق الأحوال.وقد يُحمل منقول الإجماع على عدم جواز المطالبة بردّه، وأخذ مال عوضه مع بقائهوعدم الوصول إليه لمكان الحيلولة.وقد روي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في الرجل توجد عنده سرقة: «أنّه غارم ما لم يأتِ على بائعها بشهود» (1)وأفتى بمضمونها في النهاية (2).)والمراد بها أنّه لو ادعى المالك سرقتها، وادعى الآخر شراءها منه أو عدم الضمان، فلا رجوع من المالك إليه إذا أتى بالشهود على شرائها منه، أو أتى بالشهود على شرائها من غيره، فإنّه لا يغرم غرامة مستقرّة للمالك فيما لم يقدم على ضمانه؛ لضعف المباشر بعد أن أتى بالشهود على شرائها ممن غرّه، وكلُّ منهما ظاهر.ومَنْ غصب مالاً فاشترى في الذمة فدفع المغصوب عوضاً لما في ذمته صح بيعه، وبقي مشغول الذمة ومطلوباً بالمغصوب، إلا إذا أجاز المالك دفعه.


1) وسائل الشيعة 17 : 337 - 338، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 10.

2) نهاية الإحكام 2 : 473.

ولو نوى المشتري في شرائه أنّه يدفع المغصوب عوض الثمن الكلي في ذمته ابتداء، فالأقوى: الصحّة، والأحوط البطلان.##### التاسع والستّون: حرمة التكسّب بكتابة القرآن وكتب الحديث و... مع وجوبهاالتاسع والستّون : لا يجوز التكسّب بكتابة القرآن وكتب الحديث والفقه والمقدمات المتوقف عليها علم الفقه وكتب العقائد والردّ على أهل الباطل مع وجوبها لو آلت إلى الاضمحلال والزوال والعياذ بالله تعالى؛ لوجوبها كفايةً حينئذٍ، فلا يجوز أخذ الأُجرة عليها.واحتمال أن وجوبها مشروط بالعوض ساقط لا نرتضيه.نعم، لو كانت الكفاية حاصلة بالموجود الآن - كما هو كذلك - كانت مندوبة، ويصح التكسب بها، بل هي من أعظم القربات لجبار السماوات.ومع الاضطرار إليها واحتياج الشريعة لنسخها فلا يبعد وجوب بذل المال لها للقادر على ذلك من مداد وقلم وقرطاس؛ لأنّ ذلك في معنى الجهاد الواجب.ولا يجوز التكسّب بتصحيحها لو توقفت الأحكام الشرعيَّة والمعارف عليه ولم يكن في الموجود كفاية، ولا توقف الآن من منن الرحمن.ومثل ذلك تصحيح الكتاب المجيد إذا خيف عليه من التحريف والنقص، ومع عدم ذلك فلا يجب.نعم، يندب عيناً لكلّ ناظر؛ لموافقته التعظيم والاحترام.##### السبعون: حرمة نقل ما دخل في رسم المصحفالسبعون: يحرم نقل ما دخل في رسم المصحف للأخبار المتكثرة المعتبرة في ذاتها، والمعتبرة بموافقة الكتاب ممّا جاء في حرمته وتعظيمه، وبفتوى الأصحاب وعدم نقل المخالف والإسناد إلى الصحابة في نهاية الإحكام (1.)ففي الخبر: «إنّ المصاحف لن تشترى فإذا اشتريت فقل: إنّما أشتري منك الورق وما فيه من الأدم وحليته وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا» (2.)وفي آخر: «لا تشتر كتاب الله، ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين» (3.)


1) نهاية الإحكام 2 : 472.

2) وسائل الشيعة 17 : 158، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

3) المصدر، ح 2.

وفي ثالث: «لا تبع الكتاب ولا تشتره وبع الورق والأديم والحديد» (1.)وفي رابع: «لا تبيعوا المصاحف، إن بيعها حرام، واشتر منه الدفتين والحديد والغلاف، وإياك أن تشتري منه الورق وفيه القرآن مكتوب فيكون عليك حراماً وعلى مَنْ باعه حراماً» (2.إلى غير ذلك، وظاهرها تعلّق المنع بنفس الكتابة جوهرية كانت أو عرضيّةً، كلمات أو حروف أو شدّات أو مدات مجتمعات أو متفرقات مستقلات أو منضمات إلى جلد أو ورق أو غيرهما.ويلحق به لفظ الجلالة منفرداً أو منضمّاً إلى الأسماء العَلَميّة.نعم، يخرج منه ما دخل في غيره من الكتب بحيث يصدق عليه وعلى غيره کتاب آخر كلفظ المغني، مع احتمال أنّه لو بيعت كتابة المغني لتبعضت الصفقة، وكذا كتب التفسير، ولو بيعت كتابتها لكان التبعيض فيها أقوى. ولو بيع الجلد والورق وغيرهما مع الكتابة، تبعضت الصفقة.ولا يتفاوت في حرمة نقل الرسم والكتابة بين البيع وغيره من الصلح، وشبهه المعاوضات حتّى لو أخذ شرطاً لفسد وأفسد.وأما النواقل المجانية - كالهبة والنذر والإعراض والقبض - فالأصل يقضي بجوازها، فدخول الكتابة في ملك المشتري بعد أن ملكها كاتبها بالكتابة ونحوها إما تبعاً قصدياً غير مصرح احتراماً أو حكماً شرعياً، أو بالإعراض من البائع والقبض من المشتري، أو هبة ضمنية.وقد يقال: إنّ التحريم المتعلق ببيع القرآن أو كتابته منفردةً أو منضمّةً إلى غيرها أو منضمّاً غيرها إليها صوري.والمراد به التجنّب عن جعل المعوّض ذلك لفظاً ؛ احتراماً للفظ القرآن وكتاب اللّه وكتابته، وإن كان المقصود أصالة بيع الكتابة والرسم، فيراد بما عداه من الألفاظ دخول الرسم فيه والقرينة من المتعاقدين ظاهرة.ولا يجب في المبيع ذكر اسمه بعد أن عُرفت إرادته وقصده في لفظ آخر أو ألفاظ أُخَر ضمناً، وهو نوع من الاستعمال ليس من الحقيقة ولا من المجاز.


1) وسائل الشيعة 17 : 159، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به، ح 7.

2) المصدر : 160 - 161. ح 11.)

وعلى الحرمة فالبيع فاسد؛ لتعلّق النهي بنفس المعاملة، بل لا يبعد فساد البيع مطلقاً لو اشتمل المبيع على الكتابة وغيرها، ولا تتبعض الصفقة، ولقول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إياك أن تشتري الورق وفيه القرآن فيكون حراماً عليك وعلى مَنْ باعه» (1).)حكم جمع (2بكراهة بيع الرسم دون الحرمة؛ مستنداً للسيرة القاطعة، ولإطلاق الأدلّة وعموماتها، ولإطلاق المنع من بيعه على الكافر المؤذن بجواز بيعه على المسلم مطلقاً، ولقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أن أشتري أحبّ إليَّ من أن أبيعه» (3)ولو كان البيع محرماً لما حلّ الشراء، وظاهر «أحبّ» الجواز، فالسؤال في الرواية عن المصاحف من دون استفصالٍ.)وفي آخر عن شراء المصاحف، فأجابه بذلك (4.)ويؤيده أن العقود تتبع القصود فلو حرم بيع الرسم حرم بيع غيره؛ إذ المقصود هو والباقي آلة أو ظرف له تابع له، وأنّه لو لم يدخل في البيع أصالة وصريحاً لما ثبت الخيار مع ظهور عيب في الرسم أو غبن أو خلاف رؤيةٍ أو وصف أو تدليس، ولما استحق الأرش المشتري، ولما رجع للبائع عند إقالة البيع أو الفسخ؛ لعدم دخوله في ملكه بذلك العقد، ولكان أمانة في يد المشتري مع عدم الإعراض، ولما صح بيع كتب الحديث والتفسير والنحو المشتملة على الآيات.ودعوى: أن دخولها في الاسم الآخر أخرجها عن الحكم بعيدة، إلا أن الأوّل أقوى؛ لقوة دليله، وعليه فالمشترك يدور مدار القصد، ولو وقع من غير قصد فإن كان من المختص بالقرآن لحقه حكمه، وإلا فيلحق بغيره.وعلى كلّ حال فالرسم بنفسه إذا كان معمولاً من الأجسام فيصح بيعه منفرداً ومنضماً، ويقدر على تسليمه بتسليم الورق، وكذا العكس، فيبقى الورق على ملك مالكه والكتابة لمشتريها، ويكون حكمه كحكم الشركاء في المهايأة وفي قسمته عند بيع الجميع بالنسبة، فيقوم حينئذٍ الرسم مكتوباً بورق فيه ملك الغير لا تجوز إزالته، وورق مكتوب فيه رسم للغير لا تجوز إزالته.


1) راجع ص 129، الهامش (2).

2) منهم : العلّامة الطباطبائي في مصابيحه (مخطوط) والنجفي في جواهر الكلام 22 : 128.

3) وسائل الشيعة 17 : 158 - 159، الباب 31 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

4) المصدر : 160، ح 8.

وكذا يقسم مقابل الهيئة الاجتماعية على النسبة.ولو كان الرسم عرضاً في القرطاس كما إذا كان النقش منه به لم يصح بيعه.ولا يبعد أنّه يندب التجنّب عن اسم الرسم واسم ما اشتمل على الرسم في كتب الأدعية والأحاديث و نهج البلاغة، بل وكتب الفقهاء المعتبرة، فيعبّر عنه بالجلد والورق والحديد وما عملته اليد مريداً غير نفس النقوش من الزوائد والأعمال، كماهو المراد بالرواية المتقدّمة (1على الظاهر.)هذا كله في البيع على المسلم، وأما بيع المصحف على الكافر فغير جائز، وهو باطل، سواء كان المبيع نفس الرسم أو المجموع أو الجلد والورق منفردات؛ لعدم القدرة على التسليم. أو منضمات؛ للزوم الإهانة ومنافاة الحرمة، من غير فرق بين أقسام الكفّار، ولو كانوا معتقدين صحّة نزوله وثبوت نبوة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏.)ولو كفر المسلم زال حكم الملك عنه على الأظهر، ولا يجري عليه حكم العبد المسلم في قهر الكافر على بيعه؛ لثبوت ملكه له.ولا يبعد إلحاق كتب الأدعية والأحاديث بل والفقه في عدم جواز بيعها على الكافر، بل ولا يبعد عدم جواز بیع ما يستهان به عند غيرنا من الفرق كبيع التربة الحسينيّة والسُّبحة (2، وعاشوراء وأمثالها.)ولا فرق بين البيع وجميع النواقل معاوضة أو مجانية.ولو باع على الكافر كتاباً وفيه آيات من القرآن بطل البيع أو تبعضت الصفقة.ويلحق بالقرآن أسماء اللّه تعالى الخاصة به؛ لأنّ تسليط الكافر على مسها وسلطانه عليها - وهو رجس نجس - إهانة.وهل يجوز للكافر استئجار المسلم على كتابة القرآن؟ الأقرب: العدم إن كان له لا لمسلم آخر، وأما العكس فجائز إن لم يستلزم الإهانة.##### الحادي والسبعون: حرمة التكسّب عيناً ومنفعةً بغير الكلاب الأربعة من الكلابالحادي والسبعون: يحرم التكسّب عيناً ومنفعةً - فيما لا يدخل في رفع اليد من جهة


1) تقدمت في ص 129.

2) السبحة : خرزات منظومة للتسبيح. المعجم الوسيط : 412، «س ب ح».

الاختصاص - بغير الكلاب الأربعة الآتية إن شاء الله؛ للإجماع المنقول (1بل ومحصله على الظاهر، وللأخبار الدالّة على تحريمها خصوصاً، وعلى تحريم بيع ما لا نفع فيه، وعلى بيع النجس، وعلى بيع السباع (2)، ولأنّ مقابلته بالعوض سفه عرفاً.)نعم، يجوز اقتناؤها بل ويجوز المعاوضة على رفع اليد عنها.وأما الأربعة: فأحدها: كلب الصيد المعلم القابل له بالفعل، فإنّه لا كلام في جواز المعاوضة عليه وإجارته؛ لشمول أدلة العقود من غير معارض من جهة عدم الانتفاع به انتفاعاً يعتد به؛ ضرورة تحقق النفع التام فيه عادة، ولا مانع من جهة كونه نجساً عيناً؛ إذ النجاسة مع حصول الانتفاع الشرعي أو العادي فيه غير مانعةٍ في النقل والانتقال؛ لعدم منافاة النجاسة لمنفعته المعدة لها من الصيد، وإنّما تنافيها فيما اتَّخذ للأكل والشرب، أو الاستعمال المؤدي إلى الاستقدار والتنجيس، ولخصوص الروايات الدالّة على أنّ ثمن الكلب سحت إلا كلب الصيد وأن ثمن كلب الصيد لا بأس به (3، وللإجماعات المنقولة (4)الدالة على جواز بيعه والشهرة المحصلة، بل ربما يدعى الإجماع المحصل على ذلك.)وصفة الصيدية به لا يشترط فيها النية، فلو غفل عن القصد أو قصد عدمها جاز بيعه. وهل يلحق بالصائد فعلاً القابل ؟ له وجه والأوجه خلافه؛ بناءً على أن مبدأ الاشتقاق الفعل والقابلية بالفعل، لا أنّه يكون أو قابلاً لأن يكون، فلا يجري الحكم على الصغير.ولو علم أنّه لا يكون لحقه حكم كلب الهراش من جواز اقتنائه واحترامه وعدمهما، والاختصاص به وعدمه.وكذا لو زال عنه قابلية الصيد لكبر أو مرض لا يرجى عوده أو تغير طبيعةٍ فيه.نعم، يجوز اقتناء المأمول للصيد، ولصاحبه الاختصاص به زيادةً على كلب الهراش.ولو انتفى الصيد لعدم الحيوان الذي يصاد به فالظاهر بقاء حكم الصيد له.ولا فرق في كلب الصيد بين السلوقي وغيره، وبين البهيم الأسود وغيره - والسلوقي


1) تحرير الأحكام الشرعيَّة 2: 258، الرقم 3007.

2) وسائل الشيعة 17 : 118، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به؛ و 83 84، الباب 2 من تلك الأبواب.

3) المصدر : 118 - 120، ح 1 – 3، 5 – 8.

4) الخلاف 3 : 181 - 182، المسألة 302؛ غنية النزوع 1: 213؛ إيضاح الفوائد 1 : 402؛ الدروس الشرعيَّة 3: 168.

منسوب إلى قرية سلوق باليمن - لعموم الأدلّة (1، وفتاوى الأصحاب، فالقول باختصاص السلوقي بالمنع كالقول بالمنع في البهيم الأسود، ضعيف، وحينئذٍ فلا يتفاوت بين كلب الصيد السلوقي والبوجي أو غيرهما بعد أن يكون معلماً أو في أثناء التعليم، بل لا يبعد أنّه لو كان من صنف معروف بقابلية الصيد وقوته قريبة من الفعل كبعض الأصناف المعروفة عند أهلها - لحقه حكم كلب الصيد المعلّم بالفعل.)وثانيها: كلب الماشية غنماً أو غيرها.وثالثها: كلب الزرع في حائط أو لا.ورابعها: كلب الحائط الدائر على الزرع أو لا.ويلحق به كلب الدار والبيوت كبيوت العرب، وكلب الخان والسوق.وقد يجعل المدار في الكلّ واحداً، وهو الكلب الحارس لما أُعد له من دار أو بستان أو زرع أو ماشية أو خان أو نفس محترمة كنفس صاحبه أو عرضه أو ماله، سواء حرس من حيوان أو إنسان أو كلب آخر، وسواء حرس بصوته أو بنهشه أو بنبحه.وقد يجعل المدار على الكلب المنتفع به نفعاً يُعتد به فيشمل كلب الصيد، ولكن لما كان كلب الصيد مما لا كلام في جواز نقله وقع البحث في الباقي، ولذا عبر بعضهم بكلب الماشية (2. و بعضهم بكلب الزرع (3)، وبعضهم زاد (4)، وبعضهم نقص (5).)وحينئذٍ فيخرج عن محلّ البحث الكلابُ السائبة التي لا نفع فيها، بل لا يحصل منها سوى الضرر، ولا يترتب على اقتنائها نفع يعتد به ولو لبطلان منفعتها لعارض من العوارض، سوى أن الماشية لو هلكت والزرع لو تلف لم يتغيّر الحكم؛ استصحاباً للحكم والاسم، والفرق بين زوال الأثر وبين عدم وجود ما يؤثر فيه ظاهر.وعلى كلّ حال فهذه الكلاب الثلاثة وما يتبعها في الاسم أو الحكم ولو بتنقيح المناط


1) وسائل الشيعة 17 : 118 - 120، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، ح 1، 5، 7.

2) المبسوط 2 : 166.

3) مختلف الشيعة 5: 43. المسألة 5 نقلاً عن ابن الجنيد الإسكافي.

4) المصدر نقلاً عن ابن البراج.

5) السرائر 2 : 220.

هي التي وقع البحث في جواز بيعها وعدمه بعد الاتفاق على جواز اقتنائها وجواز المعاوضة على رفع يد المختص بها عنها، بل ويظهر من العلّامة وجماعة أنّه لا كلام في جواز إجارتها (1، بل ويظهر من بعض آخر (2)أنّه لا كلام في ملكها واحترامها؛ لثبوت الدية على متلفها، وجواز نقلها مجاناً وبهبة ونحوها، ولا كلام في المعاوضة عليها بغير البيع والصلح، كجعلها مهراً في النكاح بقسميه، أو ثمن خلع، أو عوض منفعة، أو أنّه يجوز وقفها والوصية بها، بل ويجوز جعلها ثمن مبيع قد تسلّط البيع على غيرها؛ لأنّ الممنوع أن تكون مبيعاً لا أن تكون ثمناً له.)وكأن هذا القائل غفل عن قاعدة مساواة الثمن للمثمن في الأحكام، وغفل عن أن نواقل العين متساوية في المنع في هذه المقامات المعللة بالنجاسة والخبث، وغفل عن أن الإجارة لا تستلزم جواز نقل العين كأم الولد والحُرّ، وغفل عن أنّ الملك لا يستلزم جواز التمليك. كالوقف الخاص وما لا يتموّل.وعلى كلّ حال فقيل بالمنع عن بيع هذه الكلاب بل نقلها مطلقاً (3استناداً إلى عموم ما جاء أن ثمن الكلب سحت عدا ما استثني (4)، وإلى عموم ما دلّ على منع بيع النجاسات وخصوص السباع (5)، خرج الكلب الصيود وبقي الباقي، ورداً على القول بالجواز بأن رواية الجواز (6)مردودة بالإرسال، وأصلهم مقطوع، وعموماتهم مخصصة بما مرّ من الاستدلال، وتضعف الشهرة بوقوع الاختلاف في عباراتهم؛ لأنّها بين جامع للثلاثة (7)، وبين مقتصر على الحائط والماشية (8)، وبين مقتصر عليهما مع الزرع(9).)والاحتجاج بثبوت الدية لها مردود بأنّه غير ظاهر في الملك إن لم يكن ظاهراً في عدمه. وثبوت الغرامة أعم من الدية فلعلها عقوبة، وجواز الإجارة محلّ بحث، وجوازها لا يدلّ


1) مختلف الشيعة 5 : 44 المسألة 5؛ إيضاح الفوائد 403:1؛ جامع المقاصد 4 : 14؛ مجمع الفائدة والبرهان 8: 95.

2) راجع جواهر الكلام 22 : 140.

3) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 589؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 364؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 5 - 6.

4) وسائل الشيعة 17 : 118، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به.

5) المصدر : 83 - 84، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

6) المصدر : 120، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، ح 9.

7) السرائر 2 : 220؛ قواعد الأحكام 2 : 6.

8) وسائل الشيعة 17 : 118، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به.

9) تقدَّم في ص 133، الهامش (3).

على ملك العين فضلاً عن جواز بيعه وتمليكه، وملك المنفعة لا يلزم منه جواز تمليكها فضلاً عن ملك العين وجواز تمليكه.وقيل بجواز بيعها (1استناداً للشهرة المنقولة (2)والمحصلة، وإلى ظاهر بعض ما يؤذن بالإجماع نقلاً (3)، وإلى جواز إجارتها كما هو ظاهر الأصحاب، وإذا جازت جاز بيعها كما هو ظاهر الأصحاب من الملازمة بينهما، وإلى الرواية الدالة على جواز بيع كلب الماشية والحائط (4)، والفرق بينه وبين كلب الزرع منفي بظواهر الأدلّة العامة الدالة على التسوية وفتوى المشهور، وإلى «أنّ اللّه إذا حرم شيئاً حرّم ثمنه» (5)بأنّ مفهومه إن لم يحرّم لم يحرم، والانتفاع بهذه الكلاب في الجهة المعدة لها واقتناؤها حلال فثمنها حلال من تلك الجهة، وإلى العمومات الدالة على صحّة التكسّب بما فيه نفع للعباد (6)، والنهي عن التكسّب بنجس العين (7)خاص بغيرها؛ لاشتمالها على نفع يعتد به عادة، ولا ينافيه نجاسة عينها، ولو نافى ذلك لنافي إجارتها وهبتها وإعارتها وديتها واحترامها ونقلها بعوض خلع أو مهر.)وأما عموم ما دلّ على أن ثمن الكلب سحت (8فمنه ضعيف لا يستند إليه، ومنه مخصوص بما ذكرنا من الأدلّة، ومنه ما يراد به الكراهة كما عبّر بذلك في باب مكروهات الصنائع.)وقد يستند أيضاً إلى ظواهر بعض كلمات أصحابنا، الدالّة على التسوية بين كلب الصيد وغيره، وأنّ من أجاز بيع ذلك أجاز بيع هذه، وإلى ظواهر بعض إجماعات منقولة على أنّ كلّ ما فيه نفع يعتد به محلّل يصح التكسّب به (9، وإلى ظاهر خبر تحف العقول: أن ما فيه مصلحة من مصالح العباد يجوز التكسّب به (10).)


1) ممن قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 220؛ وابن حمزة في الوسيلة : 248؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 43، المسألة 5.

2) مفتاح الكرامة 4 : 29.

3) التنقيح الرائع 2 : 7.

4) راجع ص 134، الهامش (6).

5) مستدرك الوسائل 13 : 73، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، ح 8.

6) وسائل الشيعة 17 : 83 - 84، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

7) وسائل الشيعة 17 : 83 - 84، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

8) المصدر : 118 و 120، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، ح 2. 8.

9) راجع المبسوط 2 : 166؛ وغنية النزوع 1: 213؛ ومجمع الفائدة والبرهان 8: 52.

10) راجع الهامش (6 و 7).

وبعض القائلين بالجواز من المتأخرين قد أفرط بالتشنيع على القائلين بالمنع، وذكر جملة من عبائر الفقهاء المجوّزين وجملة مما ذكرنا من الأدلّة الدالة على الجواز (1.)وهو معذور؛ حيث غلبت عليه عبارات الفقهاء وعمومات أدلة الجواز، فحسب أنّهم لم يطلعوا عليها، وكيف لم يطلعوا وهي بمرأى منهم ومسمع وبيانها لهم كناقل التمر إلى هجر، ولكنهم غلبت عليهم متانة الفقاهة المأخوذة من قواعد المنع وعموماته وخصوصاته المخصصة لأدلة الجواز، والقادحة في ظواهر بعض الإجماعات وظاهر الشهرة.ويكفي في دليل المنع جريان سيرة المسلمين على عدم بيعها، كما لا يبيعون السنور ونحوه، ولو كان لبان ولتداولوا به؛ لعظم نفعه وكثرة تداوله وزيادة محصوله، فلا شك أن دليل المنع أقوى وأحوط، وهو شاهد قوي للمتأمل الذكي، وإن كان القول بالجواز قوياً أيضاً.وذكر الفقهاء أنّ لكلب الصيد ديةً عند قتله أربعون درهماً، وللثلاثة الباقية عشرون، وتخيّل بعضهم أنّها قيم لها (2.)ولو جنى عليها جان، احتمل الرجوع لتقسيط الدية، واحتمل الرجوع لتفاوت القيمة مطلقاً وإن لم تزد على الدية، ويجيء الكلام في ذلك إن شاء اللّه.##### الثاني والسبعون: حرمة التكسّب بطريق الرشوة في حكم قضائي أو إفتائي من المتخاصمين أو غيرهماالثاني والسبعون: يحرم التكسّب بطريق الرشوة في حكم قضائي أو إفتائي، من المتخاصمين أو من غيرهما على أن يقضي لأحدهما على كلّ تقدير باطل أو حق، أو يفتي لأحدهما كذلك، أو يقضي لأحدهما بالباطل، أو يفتي كذلك.ولا يتفاوت بين أن يكون المدفوع مالاً أو عملاً له قيمة.والقول والتبسّم والملاطفة وتقبيل اليد والتواضع والمواعيد الحسنة لا تدخل في اسمها وإن شاركتها كثيراً في حكمها، والمراعاة في القرض وبيع المحاباة ونحوها منها.والفرق بينها وبين الأجرة أنّ الأجرة: ما تُدفع للحكم بالحق بعد معرفة أنّه الحق، سواء دفعها المحكوم له أو المحكوم عليه أو هما معاً أو أجنبي من بيت المال.


1) راجع جواهر الكلام 22 : 137 وما بعدها.

2) الخلاف 3 : 181، المسألة 302.

وفرق آخر: أنّ الرشوة لا تُدفع بنيّة المعاوضة، بل بنيّة استجلاب الحكم من الحاكم وبعثه عليه، فهي كالداعي المحرّك وكالعوض الملزم.وفرق آخَر: أنّها لا تنافي الأجرة بعد استجلاب القاضي، فتدفع للقاضي لأن يحكم بالأجرة أو مجاناً، وقد تجتمع معها، فتكون رشوة بالأُجرة وأُجرة بالرشوة.وفرق آخَر: أنّ الأجرة مقاطعة بقدرٍ معلوم ملزم من الطرفين، بخلاف الرشوة.وفرق آخر وهو أنّ الأجرة يستدعيها الحاكم غالباً، والرشوة يبذلها الخصم.وفرق آخر : وهو أن الأجرة يحكم الحاكم بها، وهي محرمة على الدافع بتلك النية، سواء أثر ما نواه فتابعه الحاكم على مقتضى نيته، أم لم يؤثر، كما إذا لم يحكم له، أو حكم بالحق على خلاف غرضه، وكذا على المدفوع له لو علم بنيّة الدافع وإن كان عزمه لا يحكم إلا بالحق.ولو لم يعلم المدفوع له فأخذها بعنوان الهدية فلا ضمان عليه ولا إثم.ولو أخذها بنيّة الرشوة حرمت عليه وضمن وإن كانت نية الدافع أنّها هدية.واحتمال عدم الضمان هنا قوي، بل احتمال عدم الضمان مطلقاً - لتسليط الدافع المدفوع له على ماله مجاناً، ولأنّها شبه المعاوضة، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده - غير بعيد.نعم، قد يقال: إن ظاهر دفع المال عن المتخاصمين عند الخصومة هو الرشوة (1، لا الهدية سيما ممن ليست عادته الهدية.)والأحوط تجنّب الهدية أيضاً في مقام الخصومة؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «هدايا العُمّال غلول» (2)وفي أُخرى: «سحت» (3)وهذا أسوأ حالاً من العُمّال.)أما ما يُدفع بنيّة الرشوة لدعوة مستقبلة فهو كما يدفع للحالة.وأما ما يُدفع مصانعة بتلك النية لاحتمال وقوعه في دعوى ورجوعه إلى ذلك فيستجلبه من الآن فالأقوى: إلحاقه بالرشوة إن لم يكن اسماً فحكماً.وأما الهدايا لحكّام الشرع لأجل المثوبة، أو لاستجلاب دعائهم، أو لتحصيل الرئاسة والوجاهة بالقرب إليهم، أو لدفع المظالم من الظلمة بالدنو إليهم وبالسعي في حوائجهم


1) كنز العمال 6: 113 - 114، ح 15077 - 15080.

2) المصدر : 111. ح 15067.

3) كما في المبسوط 8: 151.

وإنفاذ مطالبهم، فلا بأس به. والأوّل من أعظم القربات وأفضل الطاعات حتّى لو كان بنيّة الرشوة لا بنيّة الهدية.وأما الرشوة لقُضاة الجور فهي من الحرام المتضاعف مرتين، إلا إذا كانت بحق وتوقف عليها استخلاص الحقّ فتدفع بنيّة الاستخلاص لا بنيّة أنّها مصانعة على الحكم، كما تدفع للعشار وقاطعى الطريق ومَنْ لهم قوانين على المتردّدين ظلماً وعدواناً، ولا شك أن الفرار من دفع المضار بالحلال مهما أمكن يلزم تقديمه على الحرام.وتحريم الرشوة دلّ عليه الإجماع والأخبار (1، وقد لعن الراشي والمرتشي (2)، وأنّها سحت (3)وكفر (4).)وكلام أهل اللغة فيها مضطرب، وليس لها حقيقة شرعيّة، فلا بد فيها من الرجوع إلى العرف، وأهل الشرع أعرف به.وظنّى أنّها تكون محرّمةً ومحلّلةً، وتكون للحكم والقضاء، وتكون للإفتاء، وتكون لجلب نصرة الظالم على المظلوم، وبالعكس، وتكون للحكم بالحق، وتكون للحكم بالباطل، وتكون لما هو أعم، وتكون لجلب التزويج وتكون لجلب الأموال، وتكون لجلب العز والوقار، وتكون لدفع المضار، كرشوة الوزراء والأمراء، وتكون بين الزوجين، وتكون بين الأخوين، وتكون لجلب الحرام كاللواط والزنى، وتكون للاستقامة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكون بعكس ذلك.وبالجملة، فهي المصانعة بمال ونحوه لاستجلاب ما يريده من غيره.ولكن المتداول من معناها في لسان الشرع والمتشرّعة وأهل العرف أنّه ما يعطى للحكم باطلاً، أو حقاً وباطلاً، أو حقاً فقط في مقام يحكم المدفوع إليه بالحق، ولكن لا يبديه إلا برشوة.وهذه الثلاثة محرمة، أما الأولان فظاهر، وأمّا الثالث: فلأنه واجب كفائي لا يؤخذ عليه عوض، ولا يفعل لأجل العوض، ولا يجوز أن يدفع له عوض أو شبه العوض بحيث يكون هو الداعي لفعله كما تقدم.


1) راجع الهوامش الثلاثة التالية.

2) مستدرك الوسائل 17 : 355، الباب 8 من أبواب آداب القاضي، ح 8.

3) وسائل الشيعة 17: 93 و 94 و 96، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، ح 9،5،4، 15.

4) المصدر : 92 و 94 - 960، ح 1، 2، 8، 12، 16.

وقد أخرج الثالث عن معناها بعض الأساطين (1.)ويدلّ على ما حرّرناه أن بعض أهل اللغة قال: هي الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، والراشي: مَنْ يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي : الآخذ والرائش: الذي يسعى بينهما، يستزيد لهذا وينقص لهذا (2.)وعن بعض أهل اللغة: أنّها قلّما تُستعمل إلا فيما يتوصل به إلى إبطال حقٍّ أو تمشية باطل(3.)وعن بعض آخر: أنّها ما يعطيه الشخص للحاكم وغيره ليحكم [ له ] أو يحمله على ما يريد(4.)وعن آخر: أنّها الجعل (5.)وعن بعض الفقهاء: ما يعطى للحكم حقاً أو باطلاً(6.)ومن الأساطين مَنْ قال: إنّها ما تُدفع للحكم الباطل، أو الحكم من حيث هو صدر حقاً أو باطلاً (7.)ويظهر من مجموع ما ذكر ما ذكرناه من معناها.نعم، إن توصل بها إلى محرّم كالرشوة عليه، أو كانت هي محرمةً، كالرشوة على الواجب عيناً أو كفائياً، حرمت، وإن توصل بها إلى محلّل حلّت، ويبقى شك في بعض أفرادها، كهدايا القُضاة ممّن ليست عادته الهدية وكانت العلة هي مظنّة الرجوع إليه في القضاء والفتوى، فهل هي حلال؟ للأصل، ولعموم دليل الهديّة (8، أو حرام؟ لما دلّ على أن هدايا العُمّال سحت (9)والباعث للمهدي هو عمل القاضي وهو من العُمّال أو أعرف منهم، وما يبذل لمن يسعى بالصلح بين المتخاصمين ليجبر واحداً ويكسر آخر، أو ما يبذل لتأكيد الحكم وإنفاذه بعد صدوره؟ وما يبذل لتعجيله والاهتمام به وغير ذلك من أصالة الجواز، ومن عموم النهي عن الرشوة (10))


1) الشيخ جعفر في شرح القواعد 1 : 277 - 278.

2) النهاية في غريب الحديث والأثر 2 : 226.

3) مجمع البحرین 1 : 184، «رشا».

4) المصباح المنير : 228، «رش و»، وما بين المعقوفين أضفناء من المصدر.

5) القاموس المحيط 4 : 336، «رش و».

6) مفتاح الكرامة 4 : 91 – 92.

7) الشيخ جعفر في شرح القواعد 1 : 278.

8) وسائل الشيعة 17 : 285، الباب 88 من أبواب ما يكتسب به.

9) راجع ص 137، الهامش (3).

10) راجع الهامش (86).

إلا ما خرج بالدليل إن لم نقل: إنّ العموم مصروف للقُضاة، أو للقُضاة والولاة الذين يتوصل بهم الراشي إلى ما لا يرضي جبار السماوات.ولو كانت الرشوة عقداً كبيع أو تزويج أو إجارة ففي فسادها وجهان لمكان النهي، وأنّه لأمر خارج.##### الثالث والسبعون: حرمة التكسّب بالمال المدفوع من موص أو موكل أو... على أن يدفعه لواحدٍ غير معيّن ولكنّه موصوف بوصف يشاركه المدفوع إليه فيهالثالث والسبعون: مما يحرم أخذه والتكسب به المال المدفوع من موص أو موكل أو وليّ أمرٍ أو ملتمس لآخر على أن يدفعه لواحدٍ غير معين، ولكنه موصوف بوصف يشاركه المدفوع إليه فيه، كما يقول: «ادفع هذا لعالم أو صالح أو لآحاد» غير معينين محصورين ليشاركهم المدفوع إليه، كـ«ادفع هذا لمن في الدار» أو غير محصورين، كـ«ادفع هذا للعلماء» معرفاً، أو منكراً، كـ«ادفعه لعلماء» وكان المدفوع إليه منهم، أو لطائفة كـ«ادفع هذا لبني هاشم» وكان المدفوع إليه منهم غير محصورين، أو محصورين، كـ«ادفع هذا لأولاد فلان» وكان المدفوع إليه منهم، ومثله أمر الآمر بالدفع بأن يفرّقه، أو يضعه، أو يقسمه، أو يصله، أو يعطيه، أو يبيعه، أو يوقفه، أو يتصدق به، أو يزوّجها، أو يعطيه عبادات من زيارات وصيام وصلوات ومبرّات، ففي جميع ذلك لا يجوز أن يأخذ لنفسه ويملكه ويكتسب به ما لم يكن الخطاب عاماً صريحاً بحيث يشمله أو تقوم قرينة حالية أو مقالية على إرادة دخوله ولو لظهور إرادة صرفه لمستحقه على أي طريقٍ من غير ملاحظة الخصوصية؛ كلّ ذلك للأصل، وحرمة التصرّف بمال الغير من دون إذنه.ودخول المدفوع إليه في صنف المأمور به لغةً لا يجدي بعد حكم العرف بخروج المأمور عمّا أُمر به؛ لظهور الخطاب بالمغايرة، وأنّ الموجب غير القابل؛ لأنّ الظاهر أن الوكيل بمنزلة الموكل، فلا يدفع إليه شيئاً مما دفعه إلى وكيله وإن كان متصفاً ذلك الموكل بذلك الوصف وكان الأخذ له جائزاً، كما إذا كانت زكاة مولّى عليه، أو من حقوق لا تخص الدافع.ولصحيحة عبد الرحمن - المسندة في التحرير (1، المضمرة في غيره (2)- الناهية لمن أُعطي مالاً ليقسمه في محاويج أو مساكين وهو محتاج أن يأخذ لنفسه شيئاً حتّى يأذن له صاحبه.)


1) تحرير الأحكام الشرعيَّة 2: 267، الرقم 3042.

2) تهذيب الأحكام 6 : 352، ح 1000؛ وعنه في وسائل الشيعة 17: 277، الباب 84 من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

وعلى ما ذكرنا فلا يجوز أخذ الكلّ في مقام الإطلاق، ولا أخذ الأكثر لو فرق ذلك بنظره، ولا المساوي ولا الأقلّ، وكذا لو عين الدافع له المقدار، على أن الدافع إذا لم يعيّن المقدار له كان أخذه مثل ما يعطي مشكلاً؛ لأنّه قد يفرّق الألف على مائة عشرة عشرة فيأخذ مثلها، وقد يعطي واحداً خمسمائةً فيأخذ هو مثله، وبناءً على جواز أخذ الأكثر له أن يفرّق عشرةً على تسعة وتسعين ويأخذ الباقي، وحينئذٍ فالقول بأنّه يأخذ مثلهم أو أزيد منهم لا بد أن يُحمل على أنّه ينظر إلى المال فيرى كيف يقسمه لو كان غير داخل فيدخل نفسهعوض واحدٍ منهم. وطريق تقسيم المال مرجعه إلى فهم المأمور من جهة قدر المال زيادةً ونقصاً، كما أن التفاضل بحسب الفقر وزيادة العيلولة ممّا يلاحظه الدافع غالباً، فيعمل المأمور على ما يفهمه، وإلا فالأصل التسوية، كالإقرار.وذهب الأكثر أو المشهور نقلاً (1بل تحصيلاً إلى الجواز؛ استناداً إلى أن الوكالة مطلقة والشمول مستفاد من الإطلاق ولا مقيّد لها وإلى الروايات الصحيحة المشتملة في بعضها على الإذن في الأخذ لمن أعطي الزكاة ليقسمها (2)، وفي بعضها الإذن لمن أُعطي مالاً يفرّقه فيمن يحلّ له أن يأخذ منه مثل ما يعطي غيره (3)، وفي بعضها الإذن لمن أعطي الدراهم ليقسمها ويضعها مواضعها وهو ممن تحلّ له الصدقة أن يأخذ لنفسه كما يعطي غيره (4).)ويمكن أن يجاب عن هذه الروايات بأنّ الصادر عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ إذن منه للسائل في ذلك؛ لعود الحقوق إليه من دون ملاحظة المالك.)ويمكن أن يُحمل على فهم العموم والدخول في الزمن السابق من قرائن لفظية أو حالية أو من نفس الخطاب يومئذ.ويمكن أن يكون حكماً شرعيّاً بالنسبة إلى مطلقات هذه الخطابات، لا انصرافياً خطابياً، والنزاع في الثاني لا في الأوّل.


1) الدروس الشرعيَّة 3 : 171؛ الحدائق الناضرة 18: 237.

2) وسائل الشيعة 9 : 287 - 288، الباب 40 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1.

3) المصدر : 288، ح 2.

4) المصدر، ح 3.

ويمكن تقييدها بالإذن من المالك صريحاً أو ضمناً، كما دلّت عليه الصحيحة (1.)ويمكن الجمود على ما في هذه الأخبار من غير سريانٍ إلى غيرها، فيقتصر فيها على العموم ودخول المأمور فيه، دون المطلق بحيث يأخذه كله.ودعوى إلغاء الفارق ممنوعة.ويمكن ظهور الإذن في هذه الأخبار من الدافع باعتبار كونها زكاة وصدقةً وأنّه يريد أن يضعها في مواضعها، ونحو ذلك.ويمكن أن يكون الجواز فيها لبيان قدر المأخوذ وأنّه مثل ما يعطي غيره، وأما بيان أصل الجواز فقد كان بالإذن من الدافع صريحاً أو فحوى كما يجاب عن الإطلاق: أنّه مقيد بحسب التركيب الخطابي بخروج المأمور عن مقتضى الأمر خروج الآمر وإن دخل في الصنف أو الوصف أو القبيلة، فلا يدخل في الأمر بالدفع إليهم، ولا أقل من أنّه لا يدخل ولا يخرج، والأصل المنع.ويؤيد الخروج أنا لا نفهم من أوامر اللّه تعالى بدفع المال للفقراء أو التصدق عليهم سوى خروج المأمور عن مقتضى الأمر، سواء كان الأمر بدفع ماله أو بدفع مال الغير، فالأوّل كالزكاة والخمس، والثانى كالصدقة بمجهول المالك واللقطة.نعم، في الأوّل يتساوى أمر الخالق والمخلوق فلو أمر شخص شخصاً بأن يدفع من ماله - لا من مال الآمر - لغيره مالاً لم يدخل المأمور قطعاً.وقد يقال بالفرق بين قول الآمر : «ادفع هذا للفقراء» أو «قسمه وفرّقه» ونحوها، وبين أن يقول: «هذا للفقراء» أو «مصرفه الفقراء» كما يقول: «عليَّ مردّ مظالم كذا» و «علَيَّ نذر للفقراء كذا» و «علَيَّ زكاة أو خمس كذا» و «أريد ثلث مالي للفقراء» على معنى أن الفقراء مصرف لثلثه، أو «أُريد ثلث مالي في وجوه الخير والمبرات» أو «أُريده عبادات».وبالجملة، ففي جميع هذا يُفهم عدم الخصوصيّة، وعدم إرادة التقسيم والتفريق، فيجوز للوصي أن يكون مصرفاً لجميعه أو لبعضه.وعلى القول بالجواز فإن قلنا للإذن الشرعي بالأخذ عند عدم نهي المالك، فلا بد من


1) راجع ص 141، الهامش (4).

الاقتصار على التسوية لما قدره المالك أو قدّره الوكيل بنظره، ولا يجوز أخذ الزائد؛ لحرمة التصرف بمال الغير في غير المقطوع به شرعاً، ولنقل إجماع المجوّزين (1في الاقتصار على ذلك، ولظاهر الرواية المتقدّمة (2)، فالمدفوع إليه إن كان محصوراً أو فهم منه الأفراد اقتضى إعطاء الجميع، وإلا اقتضى الدفع بما يفهم من حال الدافع بحسب قدر المال، فـ«الألف» الظاهر توزيعها - مثلاً - على خمسين والخمسون توزيعها على خمسة أو ستة، والزيادة والنقصان الجزئي يكون بنظر الدافع، ولا يجوز أن يعطي الجميع من مال واحد أو اثنين.)وإن قلنا للإذن المالكية والأخبار كاشفة عن العرف في فهم الخطاب، فالظاهر عدم وجوب المساواة إذا تعلقت الوكالة فى تقسيم المصارف كخمس وزكاة؛ لأنّ الظاهر من غرض المُلّاك براءة الذمة مما تعلّق التكليف لهم به، وإن لم يكن من المصارف كتقسيم الرجل على أرحامه وأقاربه فالظاهر التسوية.ومع عدم الحصر، فإن تعدّد المالك فلا كلام، وإلا فالإطلاق يقضي بجواز التفاضل له ولغيره كثيراً أو قليلاً، بل يقضي بجواز أخذ الكلّ لو قال: ضعه أو ادفعه لمستحقيه، ولم يقل: فرّقه ونحوها، وإن كان الاحتياط يقضي بعدمه. إلا أنّ مثل هذا اليوم في خصوص المدفوع للحاكم أن أمره إليه لا يُقيّد بشيءٍ.ودعوى أن أخذ الزائد منهي عنه بالرواية ممنوعة؛ لأنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «مثل ما يعطي» (3)أو «كما يعطي غيره» (4)يحتمل أن يراد به التشبيه في أصل الأخذ، أو يراد به أن لا يزيد على الجميع، لا أن لا يزيد على أفراد السهام، أو يراد بالتشبيه إقامة الدليل على جواز الأخذ؛ لدخول الجميع تحت المطلق، فلا دلالة فيه على منع الزائد.)وبعض القائلين بالجواز (5حملوا رواية عبد الرحمن الدالة على المنع (6)على الكراهة في الأخذ والاحتياط بعدمه؛ استضعافاً للرواية، فلا تصلح للمعارضة لرواية راويها الجواز في)


1) شرح القواعد 1 : 327.

2) تقدمت في ص 141.

3) راجع ص 141، الهامش (3).

4) راجع ص 141 الهامش (4).

5) كالشيخ الطوسي في الاستبصار 3 : 54، ذيل الحديث 176.

6) راجع ص 140 الهامش (2).

رواية أخرى (1، ولإضمارها في غير التحرير، ولقوة روايات الجواز (2)لتعددها وانجبارها بفتوى المشهور، أو على المنع به؛ لظهور المنع من المالك في الرواية، ويفيد ذلك أن الظاهر من تنكير «مساكين» إرادة مساكين خاصة، ولكن الراوي حسب أن مع ذلك يجوز له الأخذ لأنّه بصفتهم، فسأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمَنَعه، أو على المنع من أخذ الزائد، كما تفيده روايات الجواز، ونفوا القدح من روايات الجواز من حيث الضعف بانجبارها بالشهرة وأنّ محمّد بن عيسى ويونس ثقتان معتبران، فلا ينافي حديثهما الصحّة؛ وأن قوله في رواية سعيد بن يسار: «يقسمها في أصحابه» (3)الظاهرة في خروج المدفوع إليه منهم، فلا بد من طرحها، أو يراد به ما يشمله معنى المحتاجين، أو ممن هو محلّ لها فهم كناية عن ذلك فتعود شاهداً على الجواز.)ونحن نقول مع ذلك كله : إن ظواهر الخطابات لا تقضي بدخول المأمور في الأمر، كالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ المأمور في تبليغ الأحكام للناس، إلا بالإجماع، وعموم ما دلّ على التسوية في حلال محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحرامه، ولا تقضي بدخول الوكيل أو الوليّ أو الوصي فيما أُمروا به لصنفٍ أو وصف يشملهم. إلا بقرائن قطعيّة، أو بدلالة لفظ ولو ظنّية، أو بشاهد الحال من الأفعال والأحوال المفيدة للظنّ التي جرت السيرة على جواز العمل بها في ملك أو تمليك أو نقل أو انتقال، ولا يشترط في صحّة النقل والانتقال في مال الغير بعد القطع برضاه بنقله له أو للناقل توكيله في ذلك، بل القطع بالرضى أقوى منه، ولا يتفاوت بين كون الرضى تحقيقيّاً أو تقديرياً، مع احتمال أنّ القطع بالرضى يبيح التصرفات الخالية من النقل والانتقال، كالأكل والشرب والإتلاف مع عدم الضمان، دون ما اشتملت على النقل والانتقال؛ لتوقفهما على الكلام في صيغتهما وفي)صحتهما لو وقعا عن الغير كلفظ الوكالة والاستنابة والإجازة ونحو ذلك، وهو احتمال قوي يحسن البناء عليه، ونرى أهل العرف ينكرون على مَنْ وُكِّل على عمل على الإطلاق فأقدم على أخذ الأموال كلّاً أو بعضاً محتجاً بذلك، وينفون عنه صفة الأمانة، ويتوقفون على الإذن من المالك، ولو كان غائباً كاتبوه، ولم يزل المتفقهون يخصون المرسول إليه أو يأذنوا له بالأخذ مطلقاً أو قدراً خاصاً، ولو كانت هناك إذن شرعيّة غير تلك الروايات - التي لا يبعد


1) راجع ص 140، الهامش (2).

2) راجع ص 141، الهامش (2 - 4).

3) راجع ص 141، الهامش (2).

أنها إذن من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ في خصوص المقام، أو إذن مالكية تظهر من الخطاب - لما خفيت؛ لشدّة الاحتياج إليها، ولكانت من الواضحات ولما احتاج عُمّال الزكاة إلى سهم مخصوص، ولما فرّق أحد مالاً أوكل أمره إليه إلا مع النصّ بخروجه لزيادة الطمع في الإنسان على الورع، ولجرى ذلك في خطابات الأمراء والوزراء، بل خطابات جبار السماء، والكل كما ترى.)وروايات الجواز منها ما لا يصلح للاستدلال كالموثق (1، ومنه ما لا يقاوم دليل المنع، فلا بدّ أن يكون كاشفاً عن العرف في زمن الصدور.)ولو دفع إنسان مالاً لآخر يريد دفعه للفقراء ملاحظةً لجهة الفقر، ولكنه زعم أن المدفوع إليه غنيّ فأخرجه بزعمه، جاز للمدفوع إليه أن يأخذ؛ لأنّه خطأ في الزعم، لا تخصيص في القصد، وهذا باب واسع يدخل فيه المنع لجهةٍ أخطأ صاحبها، والدفع لجهةٍ أخطأ صاحبها، فينفى الجواز في الأوّل والمنع في الثاني، إلا أنّه يشكل فيما يقع غالباً من الدفع والإكرام لمن يُظهر لآخر المودة والصداقة وهو ليس كذلك، وكثيراً ما يقع ذلك منا مع أعدائنا ديناً أو دنياً، فينبغي التجنّب والاحتياط عن قبول ذلك ممّن نكرهه وننافقه، إلا أن السيرة على خلاف ذلك، فيحصل من جهتها الفرق بين المنع والدفع، أو أنّه في الحالة الأولى يصاحب الرضى الباطني التقديري فيصح الأخذ، وفي الثانية يصاحب الكراهة التقديرية ولا اعتبار فيها، بل الاعتبار على الرضى الظاهري؛ لصدق أن نفسه قد طابت ظاهراً، كما أنّه في الأولى طابت باطناً، والعمدة السيرة، ولزوم العسر والحرج لولا ذلك.ولو عين المالك قوماً فدفع إلى غيرهم ولو خطأ ضمن ولا يضمن المدفوع إليه مع جهله ضماناً مستقراً، بل لو رجع إليه رجع إلى الدافع؛ لأنّه مغرور من قبله.ولو دفع الوكيل لعياله وأولاده جاز ما لم يفهم إرادة التوزيع على الأنفس المعيلة وأنّه مما لا يرضى بذلك، كما جرت العادة بأنّ الموكل لا يرضى أن يجعل المال كله في أولاد رجل واحد وعياله، فيكون في الحيل التي يلزم تجنّبها وتُسمّى خيانةً فلا يجوز ذلك.##### الرابع والسبعون: حرمة التكسّب بالولايات من حكام الجور في غير ما استثنىالرابع والسبعون: يحرم التكسّب بالولايات من حُكّام الجور في غير ما استثني ممّا


1) وسائل الشيعة 17 : 277، الباب 84 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

تحلّ فيه الولايات، كما يجوز التكسّب بالولايات من حاكم العدل في غير ما وجب كفاية مطلقاً غير ملاحظ فيه العوض.وتفصيل القول في الولاية: أن الولاية - في القضاء والأمور العامة العائدة إلى مصالح الأيتام والمجانين والقاصرين والغائبين والسياسات ومجاهدة الكفار والمخالفين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخذ السبي، وأموال الزكاة والخمس والخراج ومجهول المالك كلها - إذا كانت من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أو من نائبه الخاص والعام فلا بأس بها، والغالب ندبها، وربما تجب عيناً مع طلب إمام الأصل شخصاً خاصاً لخصوصيّةٍ فيه، أو انحصر تأدية المأمور به في شخص خاص فإنّها تجب عيناً، ويجب السعي في تحصيل مقدماتها؛ لأنّها من الواجب المطلق، لا المشروط الذي لا يجب السعي فيه.)وبالجملة، فوجوب آثارها مطلق كالأمر بالمعروف والقضاء ونحوه فيجب مقدمة لتلك، لا أن تلك لا تجب إلا على المتولّي، فبدون الولاية لا يجب عليه شيء، فالولاية كالقدرة لا يجب تحصيلها؛ لأنّ الظاهر أنّ تلك واجبة مطلقة، فلو توقفت على الولاية لوجبت تحصيلاً لها، فهي مقدمة وجود لا وجوب، وإن لم يتمكن منها إلا بها.ويجوز للناصب أن يعزل المنصوب، سواء نصبه عن نفسه أو عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ.)نعم، لو نصبه عن الإمام لم ينعزل بموت الناصب.ويجوز للحاكم أن يعزل منصوب حاكم آخر قد نصبه عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، ولو نصبه عن نفسه فوجد الآخر فيه فساداً جاز عزله مطلقاً.)والفرق بين الولاية والوكالة: أنّ الولاية منصب ينبئ عن سلطنة التصرف والتفويض واستبداده بالأمر والنهي، بخلاف الوكالة في الجميع.وأما الولاية عن الحاكم الجائر عموماً أو خصوصاً بحيث يتعلّق في خاص محلّل، وكقبض بعض الحقوق، أو في خصوص الأيتام، أو الخراج أو القضاء لأهله، أو الأمر بالمعروف، أو خاص محرّم، أو خاص محرم ومحلّل، أو عام بحيث يختص بالمحلل، أو عام بحيث يشمل المحرم والمحلل معاً، أو بحيث لا يتعلّق في أمرٍ من الأمور بل مجرد اسم لتحصيل السمعة والاعتبار من غير إصدار أثرٍ من الآثار، فلأصحابنا فيه اضطراب؛ لاضطراب الأخبار وما صدر من الأئمّة الأطهار.

فمنهم مَنْ يرى أنّ الولاية محرمة بنفسها ذاتاً، سواء صدرت عنها آثار محللة أو محرمة، سوى ما أوجبها الاضطرار من تقيّة، أو كانت هناك مصلحة تزيد على ما فيها من القبح الذاتي (1.)ومنهم مَنْ جَعَلها محلّلةً فيما لو كانت في محلّل ومحرّمةً لو كانت في محرّم(2.)ومنهم مَنْ جَعَلها محرّمةً فيما لو اشتملت على محرّم ومحلّل(3.)ويظهر من بعضهم أنّها محرّمة من جهة ومحللة من جهة أخرى.ويظهر من بعض أنّها تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة، فتجب لو توقف عليها الواجب، و تندب لو كانت لآثار مندوبة، وتباح لو كانت لآثار،مباحة، وتكره لو ترتبت عليها آثار مكروهة، وتحرم لو ترتبت عليها آثار محرّمة.ويظهر من بعضهم أنّها مكروهة في المباح والمكروه.ومنهم مَنْ جَعَلها مندوبةً فيما لو توقف عليها واجب؛ لسقوط الوجوب قبلها؛ لأنّه واجب مشروط بها، فهي مندوبة للترغيب عليها، وبعد حصولها يجب أداء الواجبات.ويظهر من بعض أنّها مباحة إذا أمن المحرم، وحرام إذا لم يأمن ارتكاب الحرمة، ومكروهة عند عدم الظن بالوجود والعدم.ويظهر من بعض أنّها مندوبة إذا أمن الدخول في المحرم وقدر على الأمر بالمعروف؛ لوجوبها بحسب القاعدة، ولكن رفع الوجوب نواهي الدخول في أعمالهم والركون إليهم فلا أقل من الندب.وبعض (4احتمل أن الندب جاء من تعارض نواهي الدخول في أعمالهم والأمر بالبعد عنهم، ومن وجوب الأمر بالمعروف فيُحكم بالتخيير، ويدلّ على الندب ما جاء في الترغيب لها في جملة من الأخبار (5).)وأما الأخبار فمنها ما يدلّ على الحرمة الذاتية للولاية (6المنجبرة بظاهر الآية الناهية)


1) شرح القواعد 1 : 331.

2) راجع منتهى المطلب 15: 380.

3) جواهر الكلام 22 : 156.

4) راجع جواهر الكلام 22 : 164.

5) منها ما يأتي تخريجه في ص 150، الهامش (1).

6) راجع ص 148 الهامش (3).

عن الركون إليهم (1والناهية عن الموادة لمن حاد اللّه (2)، والمؤيّدة بالاعتبار؛ لاشتمالها على التذلل والخشوع والخضوع والتبعية والركون والتقويم وإعلاء الشأن والرفعة والتبعية لمن يجب نفي ذلك عنه مع الإمكان.)نعم، يتضاعف الإثم بتضمنها ظلم الرعية في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم وإدخال الرعب عليهم.فمن الأخبار: خبر تحف العقول المتضمّن لحرمة الولاية من الوالي الجائر، وولاية الرئيس منهم وأتباع الوالي، والعمل لهم، والكسب معهم بجهة الولاية منهم؛ لأنّ كلّ شيء له جهة المعونة معصية كبيرة من الكبائر، وذلك لأنّ في ولاية الوالي الجائر دروس الحقّ كله، وإحياء الباطل كله، وإظهار الظلم والجور والفساد وإبطال الكتب، وقتل الأنبياء، وهدم المساجد، و تبديل سنن اللّه تعالى وشرائعه، فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم، إلا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة (3.)والخبر الآخر: «مَنْ سوّد اسمه في ديوان ولد سابع (4حشره اللّه تعالى خنزيراً» (5).)والخبر الثالث: «يا زياد، لأن أسقط من حالق فأتقطع قطعةً قطعةً أحبّ إليَّ من أن أتولّى لأحدٍ منهم عملاً أو أطأ بساط رجلٍ منهم» وفيه: «إلّا لتفريج كربة مؤمن أو فك أسره أو قضاء دَيْنه، يا زياد، إنّ أهون ما يصنع اللّه عزّ وجلّ بمن تولّى عملاً أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ اللّه من حساب الخلائق» (6.)وهو عام لجميع الأعمال ولو من غير الولاية، كقضاء حوائجهم والسعي في أُمورهم.والخبر الرابع: فيمن طلب من أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ أن يسعى له في الولاية من بعض هؤلاء طلباً للمعاش وقد حلف له بالطلاق والعتاق أنّه لا يظلم أحداً وأنّه يعدل، فأجابه: «تناول السماء أيسر عليك من ذلك» (7).)


1) هود (11) : 113.

2) المجادلة (58) : 22.

3) تحف العقول : 332.

4) في هامش نسخة «ب» : «كناية عن ولد العباس» و «سابع» مقلوب «عباس».

5) وسائل الشيعة 17 : 180، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ح 9.

6) المصدر : 194، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به ح 9.

7) المصدر : 188 - 189، الباب 45 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

والخبر الخامس: المتضمن للنهي عن الدخول في أعمالهم وأن أحداً لا يصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينه مثله (1.)وما دلّ على أنّ المنصب منصبهم والولاية لهم، وأنّ غيرهم قد غصبهم حقهم ووضع نفسه في مواضعهم ومراتبهم التي رتبهم اللّه فيها (2.)وهذه الأخبار بعمومها تدلّ على حرمة الولاية بنفسها وعلى حرمتها ولو اقتصر المتولّي على الأعمال المحللة، فيُفهم منها بطريق أولى حرمة ما لو كانت محرّمةً أو مختلطةً، كالذين (خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً (3)وتدلّ على حرمة الولاية لمن لم يأمن على نفسه من الوقوع في المحرَّم بطريق أولى أيضاً.)ومنها: ما يدلّ على جواز الولاية لتفريج كربة المؤمن أو فك أسره أو قضاء دينه (4، بناءً على رجوع القيد في الخبر المتقدّم (5)لـ«أتولّى» وما بعده، وفيه دلالة على جوازها مطلقاً؛ لاستبعاد أن تكون محرّمة الذات فتحلّ لقضاء دَيْن المؤمن.)ومنها: ما يدلّ على جوازها مطلقاً كالخبر: «ما يمنع ابن أبي السماك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس، ويعطيهم ما يعطي الناس» (6.)وأخبار الاعتذار عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ وقبول العهد بولاية يوسف حيث قال: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزائِنِ الأَرْضِ) (7)و (8).)ونقل الإجماع عن الراوندي أنّ الولاية جائزة إذا تمكن المتولي من إيصال الحقّ إلى مستحقّيه (9.)


1) وسائل الشيعة 17 : 179، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

2) راجع الكافي 1 : 192؛ باب أن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولاة أمر اللّه...؛ و 7 : 406، باب أن الحكومة إنما هي للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3) التوبة (9) : 102.

4) راجع ص 148 الهامش (6).

5) في ص 148.

6) وسائل الشيعة 17 : 214، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

7) يوسف (12) : 55.

8) وسائل الشيعة 17 : 202 و 203 و 206، الباب 48 من أبواب ما يكتسب به، ح 4، 10،5.

9) فقه القرآن 2 : 24 وحكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة 4 : 114.

ومنها: ما يدلّ على الحثّ والترغيب فيها إذا كان فيها دفع مظلمة أو إصلاح شيء من أمور المسلمين وإدخال السرور على المؤمن، وأنّ الولاة وشبههم من الداخلين معهم أمناء اللّه في أرضه، وهم المؤمنون حقاً ويزهر نورهم لأهل السماوات كما تزهر الكواكب الدرية لأهل الأرض، تضيء منهم القيامة، وخُلقوا للجنة وخُلقت الجنّة لهم (1.)ومنها ما يدل على أن الدخول في أمرهم مكروه، وقليله خير من كثيره، وفيه: أنّه لو دخل لإدخال المكروه على عدوّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ لكان أجراً ثواباً (2).)وخلاصة القول في ذلك: أن الولاية في نفسها اختياراً من غير اضطرار وإكراه وإجبار - وإن لم يترتب عليها أثر عام أو خاص - بحيث تُسمّى ولايةً عرفاً بحيث يلبس عليها خلعة أو يدفع له خرجاً محرّمةً على فاعلها؛ لأنّها من أعظم الركون وأشدّ شيء في القرب وتعظيم الشعائر لهم وتكثير السواد، وكلّه ممنوع عقلاً ونقلاً كتاباً (3وسنةً (4)، وإجماعاً.)وتشتد حرمتها لو كان القصد بإظهار الولاية جلب الدراهم والرشا من الخلق؛ لأنّهم لو عرفوا ذلك منه دفعوا إليه أموالهم رغبةً ورهبةً وأكرموه وعظموه.وأشدّ من ذلك حرمةً ما لو قصد بها الوصول إلى المحرّمات من قتل ونهب وسبي ونحو ذلك، سواء تخلّص قصده لذلك أو قصد معها بعض المباحات والطاعات.واحتمال أنّها تكون بمنزلة ولايتين مستقلتين: محرّمة ومحللة فيجري على كلّ حكمها، ضعيف؛ لأنّها واحدة وقد نهي عنها لدخول المحرم فيها، فلا تكون مأذوناً فيها.ويلحق بذلك مَنْ لم يقصد المحرَّم ولكن لم يعتمد على نفسه بتركه ولم يأمن من نفسه الوقوع فيه لو عرض له ذلك.والظاهر أنّ حكمه حكم من قصد المحرَّم؛ لأنّه بمنزلة مَنْ أعد نفسه لفعله.هذا كله في ولايته، وأما في العمل الصادر منه فإن كان حراماً فلا كلام في اشتداد حرمته؛ حيث إنّه قد أسنده لولايته، فهو إن اعتقد شرعيته فهو مشرع حقيقةً، وإلا فهو مشرع صورة؛


1) وسائل الشيعة 17 : 192، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به رجال النجاشي : 331 - 332، الرقم 893.

2) المصدر : 190، الباب 45 من أبواب ما يكتسب به ح 9.

3) هود (11) : 113.

4) وسائل الشيعة 17 : 187، الباب 45 من أبواب ما يكتسب به.

لأنه قادم على أنّ الفعل له سلطنة عليه وله سلطان فيه، وإن كان حلالاً فإن نوى أن ذلك سلطانه وولايته كان مشرّعاً أيضاً إما حقيقة أو صورةً، وإن كان لا بنيّة ذلك كان حلالاً ما لم يكن ذلك الحلال لا سلطان له على فعله، كقبض مجهول المالك ومال الغائب واليتيم، ومثله الخراج على الأظهر؛ لأنّ الخراج وإن وجب دفعه لكنّه يحرم على المدفوع إليه ما لم يكن حاكماً شرعياً ووكيلاً عنه، بل يحرم على الوكيل الجائر قبض الخراج ما لم يكن بطيب نفس الدافع.نعم، لو أجاز الحاكم الشرعي هذه الأفعال بعد صدورها موافقةً لرأيه صحت وارتفع ضمان الفاعل لها.وبالجملة، إنّ المتولّى لو فعل الحلال بنيّة أنّه عن الولاية كالقضاء والأمر بالمعروف وسياسة المسلمين ونظام أمور الدين كان مشرعاً ومنهياً عما فعل وإن كان صحيحاً في غير العبادات، مع احتمال أنّ النهي إنّما يتسلّط على الولاية دون الفعل، ونية أن الفعل منها تكون لاغية، فلا تؤثر تحريماً فيه.وهذا كله فيما لو كان الفاعل مختاراً في ولايته ابتداءً واستدامة، أما لو كان مختاراً في الابتداء مقهوراً في الاستدامة فوجهان من أنّ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار؛ لأنّه باختياره صار منهم وملك ذمامه لهم، ومن أنّه الآن مقهور لا يستطيع الترك فالله أولى بعذره.أما مَنْ كان مجبوراً على الولاية نفسها، أو عليها وعلى أعمالها محللة أو محرّمة، فهي جائزة له بل وقد تكون واجبةً.ويدلّ على ذلك العقل والنقل كتاباً (1وسنةٌ (2)وإجماعاً، وأدلّة نفي الضرر (3)ونفي العسر والحرج (4)، وأخبار التقيّة (5).)وخصوص رواية أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ: عن عمل بني العباس وأخذ ما يتمكن من أموالهم، فقال: «ما كان المدخل فيه بالجبر والقهر فاللّه قابل العذر» (6).)


1) آل عمران (3) : 28: النحل (16) : 106.

2) وسائل الشيعة 17 : 201، الباب 48 من أبواب ما يكتسب به.

3) سنن الدارقطني 3 : 469 - 470. ح 83/4459 - 85/4461.

4) البقرة (2) : 185: الحج (22) : 78.

5) وسائل الشيعة 16 : 203 الباب 24 من أبواب الأمر والنهي.

6) المصدر 17 : 190، الباب 45 من أبواب ما يكتسب به، ح 9.

والمراد بالتقيّة هنا ما تعمّ المخالف والموافق وجميع أهل الأديان، وهو ما يخشى على نفسه أو عرضه أو ماله مالاً يعتد به إن لم يفعل ما ألزم به من الولاية أو من آثارها المحرمة، بحيث لا يقدر على التخلّص من دون ضرر عليه فيما تقدم، ومن دون مشقةٍ لا تُتحمّل عادةً بنقل نفسه أو عياله من بلد إلى بلد أو اختفائه خفاء يضر بحاله.ويمكن الفرق بين الجبر على الولاية فقط فتجوز للخوف على اليسير من المال ولأدنى مشقة تلحقه في التخلّص والفرار، بخلاف الأعمال العائدة إلى الخلق فلا تجوز إلا مع الخوف والضرر الكثير والمشقة التي لا تتحمّل عادةً بحيث يصدق عليها عدم القدرة على التخلّص.وهو وجيه وإن كان الأظهر في الأدلّة الأوّل.أما إذا لم يصدر من الجائر إلزام بالفعل الذي يخشى من تركه الضرر المتقدم فذلك ليس من التقيّة، كمن يعلم أن الجائر يأخذ ماله أو عرضه أو يقتله ولكن يدري أنّه لو سرق له مال زيد أو أعطاه امرأة زيد لعفى عنه، فإنّه لا يجوز له أن يفعل ذلك؛ لأن الضرر لا يندفع بضررٍ آخر عليه لم تنبئ نصوص التقيّة عنه، ولم يظهر من الأخبار جوازه.ومثله ما لو علمتُ أنّ السارق يسرق مالي إن لم أفده بمال غيري، أو علمتُ أنّ الأسد يقتل فرسي إن لم أفدها بفرس الغير، وهكذا في غير الأُناسين من جميع من جميع المؤذيات.وبالجملة، لا يجوز للإنسان أن يفدي ماله بمال غيره، ولا نفسه ولا عرضه من دون أن يأمر بالشيء نفسه فيخاف إن لم يفعله على نفسه أو ماله أو عرضه، فلو فعل المأمور به كان الضمان على المكره.نعم، قد يحتمل أنّه مع الخوف على النفس خوفاً يُعتد به يسوغ تناول مال الغير مع ضمانه له ودفعه فداء، كتناول المضطر في المخمصة فيأكله مع ضمانه.وعلى كلّ حال فتسويغ المحرّم للتقيّة على سبيل الوجوب إن كان الخوف على النفس، وعلى سبيل الجواز إن كان الخوف على المال؛ لأنّه مسلّط على ماله فله أن يبذله لمن يتقيه وفي العرض وجهان.ويحتمل أنّه يلحظ المعادلة، فإن كان عرضاً بعرض جاز ولم يجب، وإن كان عرضاً بمال وجب حفظ العرض وجاز نهب المال، بل الأحوط ملاحظة المعادلة من باب الإكراه مطلقاً، مالاً بمال أو مالاً بعرض أو عرضاً بمال، كثرة وقلة، نوعاً وصنفاً.

هذا كله إن تعلّق بنفس المُكرَه أو عرضه أو ماله أو ما يعود إليه من أهله وولده وزوجته، فلو تعلّق بغيره من الأجانب فخاف على نفسه أو ماله أو عرضه، فإن افتدى به ودخل في شيمته ومروءته جاز على الأظهر، وإلا ففي جواز ذلك نظر ظاهر؛ لأنّ ضرر شخص لا يُجبر بضرر شخص آخر، سواء تعادلا أم لا.نعم، قد يحتمل في النفوس ذلك، فيجوز لو خيف على دماء المؤمنين أن تؤخذ أموال الآخرين، بل وهتك أعراضهم، وإن خيف من هتك أعراض المؤمنين جاز نهب أموال آخرين، وأما غير المؤمن فيضعف الاحتمال فيه نفساً ومالاً وعرضاً.وقد استثنى أصحابنا من التقيّة المبيحة لفعل المحرَّم الدماء؛ لما ورد من الأخبار المتكثّرة أنّه لا تقيّة في الدماء، وأنّه إذا بلغ الدم فلا تقيّة (1لأنّها شُرّعت لحفظه، فعلى ذلك لا يجوز قتل النفس للخوف على نفس أو عرض أو مال؛ إجماعاً في المؤمن، عدا نفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والإمام فهناك كلام، وفي المخالف وجهان بل قولان أوجههما: سقوطها لو كانت نفساً بنفس؛ لحرمة نفس المؤمن، وهوان نفس المخالف، وعدمه لو كانت نفساً بعرض أو مال سيّما الأخير.)ولو كان المؤمن مستحقاً للقتل بحد، احتمل جواز قتله للتقيّة على النفس؛ لقلة احترامها حينئذٍ، وأما المستحق قصاصاً فلا.ولا فرق بين الصغير والكبير والصحيح والمريض ما لم يكن قبل ولوج الروح فيه؛ فإنّ الأقوى عدم دخوله في حديث «لا تقيّة في الدماء» سيّما لو كانت نفساً بنفس، أما لو كان بمال فلا يبعد عدم إجراء حكم التقيّة فيه، وفي العرض وجهان.وفي إلحاق الجرح بالقتل وجهان من شمول الدماء له، ولأنّه لا يأمن السراية فينفتح باب القتل؛ ومن انصراف الدماء للقتل، والاقتصار في تخصيص أدلّة التقيّة على المقطوع بمنعه؛ مع احتمال ملاحظة المعادلة فيسوغ جرحاً بقتل وبجرح دون عرض ومال، ويحتمل إلحاق العرض بالأوّل دون الثاني، والاحتياط في هذه الموارد لازم، والركون إلى ما جاز تحمله أقرب للتقوى.هذا كله في الولاية لنفسها أو المنضم إليها ما يحرم فقط أو ما يحرم ويحل أو مباح غير راجح،


1) وسائل الشيعة 16 : 234، الباب 31 من أبواب الأمر والنهي.

وأما الولاية المقصود بها غاية راجحة، كنشر الحقّ في القضاء والأمر بالمعروف وتشييد دين الإمامية، أو كان المقصود منها التوصل إلى أمواله المغصوبة وحقوقه الفائتة، أو التوصل إلى استخلاص الشيعة من ربقة الذلّ، أو استخلاص المؤمنين من التخفي في الدين، أو إعلاء كلمة المؤمنين وإظهار عزّهم وإعلاء شأنهم، أو تفريج كربهم وإعانة مظلومهم وإغاثة ملهوفهم، أو نشر العلم وإظهار الفتاوى، أو قبض حقوق الفقراء من خمس أو زكاة، أو خراج أرض من أراضي المسلمين ينفقها بنظره أو بنظر الحاكم الشرعي، فالولاية في جميع ذلك راجحة وقد تجب عند الخوف على ذهاب كلمة الإمامية ودين الشيعة وظهور المنكر وخفاء المعروف، وتسلّط أرباب الفساد على الأخيار من العباد، وقد تكون مندوبة في أعلى مراتب الندب وأرفع درجات القرب فيما لو اشتمل على تفريج الكرب وإغاثة الملهوف وإعانة الضعيف وقضاء حوائج الشيعة، ونحو ذلك مما جاءت به الأخبار (1وجرت عليه سيرة الإمامية من العلماء والأخيار.)ومثل الولاية باقي الأعمال من الاتصال بهم، والقرب إليهم، والمودة لهم، والأخذ منهم، والدفع إليهم، وإكرامهم، والركون إليهم، والتملّق والمصانعة معهم في الدخول والخروج، حتّى بتقبيل أيديهم والقول لهم: نفسي لكم الفداء، وبأبي أنتم وأُمِّي.وأما الدخول في أعمالهم الراجعة إلى معاشهم كتحسينهم، وغسل ثيابهم، وخدمة أبدانهم، والخياطة، والحياكة، والصباغة، والطبخ، وإيجار نفسه لخدمتهم، وإيجارهم دواب أو دوراً، والاستئجار منهم، فكلّ ذلك لا بأس به، إلا أنّه مكروه في حد ذاته، وقد يرجح للحاجة وبعض العوارض، وقد يحرم إذا قصد به المعونة لهم من حيثيّة ظلمهم وخروجهم عن الحق.##### الخامس والسبعون: حرمة التكسّب بجوائز الظالم وهباته المعلوم حرمتهاالخامس والسبعون: جوائز الظالم وهباته ومبيعاته وأثمانه إذا علم أنّها حرام مغصوبة حرم التكسّب بها وقبضها وتقبيضها، وأمّا المجرّد عن القبض والإقباض فلا يحرم إلا من جهة التشريع لو اعتقد صحّة النقل والانتقال منه.ولا يتفاوت في الظالم بين أن يكون سلطاناً جائراً أو عاملاً له أو والياً من قبله أو تابعاً له. وبين أن يكون مرتياً أو مرتشياً أو سارقاً أو ناهباً أو خائناً.


1) راجع وسائل الشيعة 17 : 192، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به.

ووجب إرجاع المال على من استولت يده عليه إلى أهله مع العلم بأهله بأعيانهم، مع علمه قبل القبض وجهله.ويجب بذل الأجرة على إيصاله مطلقاً على الأظهر، سوى أنّه مع الجهل يرجع بالأجرة على مَنْ غرّه، ويضمنها مع التلف أو غصب غاصب لها بالمثل في المثلي وبالقيمة في القيمي، مع جهله وعلمه لو كان القبض باختياره؛ لأنّه من الأيدي المتعاقبة على المغصوب، وإن كان له الرجوع على مَنْ غرّه مع جهله فيما لم يقدم على ضمانه، وكذا لو كان القبض من دون اختياره ولكنه قصر استدامة بالتعدي عليها أو التفريط بها.نعم، لو لم يأخذها من يد غاصب، كما إذا أطارت الريح ثوباً مغصوباً إليه أو ألقاه أحد عليه، فإنّه لا ضمان عليه؛ لعدم صدق أنّ يده أخذت، ولعدم تلقيها عن يد حكم الشرع بضمانها، وحينئذٍ فالقول بعدم ضمان القابض لو قبضها جاهلاً من الغاصب مع التلف أو غصبها منه ضعيف.هذا إن أمكنه إيصالها إلى أهلها، وإن لم يمكن لبُعْدِ أو تقيّةٍ بحيث يئس من ذلك، دفعها إلى الحاكم، أو تصدق بها في وجه، أو لزمه حفظها والإيصاء بها في وجه آخر.وإن لم يعلم بأهله، فإن اشتبهوا في محصور دفعه إليهم إن تصالحوا عليه اختياراً، أو إلى الحاكم فيصالحهم قهراً، أو يرجع أمره إلى القرعة. واحتمال التوزيع ضعيف.وإن اشتبهوا في غير محصور، تخيّر بين دفعه للحاكم وبين الصدقة بها وضمانه لو خرج أهله ولم يرضوا به، والصدقة نوع إيصال لهم؛ لأنّها عنهم.ويحتمل لزوم حفظها وإبقائها والوصية بها، ولكنه ضعيف.ولا ضمان عليه لو دفعها إلى الحاكم بعنوان الولاية، لا بعنوان الوكالة عنه.ويحتمل أنّها لو كانت لكافرٍ أو مخالف تعين دفعها للحاكم؛ لعدم وصول الصدقة إليه.ويحتمل لزوم إبقائها والوصية بها.ويحتمل جواز نيّة التصدق بها تعبداً.ويحتمل جواز الصدقة بها عن المؤمنين.ويحتمل الفرق في أصل المجهول بين كونه عيناً فالصدقة به، وبين صيرورته ديناً فيسلّم إلى الحاكم؛ لأن الدين لا يتعيّن لصاحبه إلا بعد قبضه أو قبض وكيله أو وليه.

وأما الحاكم فإن أبقاه بقي عنده أمانة، وإن تصدق به فظهر صاحبه فلاضمان عليه؛ لولايته.ويحتمل ضمانه من بيت المال.ويحتمل الصدقة بعد اليأس.ولا يجري هنا حكم اللقطة؛ للأخبار الدالة على الأمر بالصدقة (1من دون تعريف في مجهول المالك، ولفتوى الأصحاب، فلا فرق بين قليله وكثيره في حرمة التصرف به إلى حدّ اليأس طال أم قصر.)وضمان المتصدق للصدقة لو ظهر أهلها لا يجري حكم الدين في حياته، ولا يجب أن يوصي به ويعزل عند وفاته.نعم، لو ظهر أهلها بعد موته وقبل تلف التركة، قوي جواز الرجوع إلى التركة والأخذ منها، وأمّا بعد التلف فلا يبعد سقوط حق الرجوع بها.وأما الظالم نفسه فيرجع عليه بما أخذه عيناً مع وجود أهله، ولو أتلفه رجعوا عليه بمثله أو قيمته حيّاً أو ميتاً، ويكون دَيْناً عليه كسائر الديون وإن كان مجهولاً رجع الحاكم عليه في حياته، وأما بعد موته فالأظهر أنّه لا يؤخذ من تركته، ولا يحسب كديونه الخاصة بحيث تقدَّم على وصاياه ومواريثه، بل لو أوصى بها خرجت من الثلث.و احتمال تسرية هذا الحكم حتّى للمعلوم أهله؛ للسيرة الدالة على ذلك مطلقاً بعيد کاحتمال الرجوع مطلقاً؛ فإنّه أبعد.ولو قبض قابض من الغاصب شيئاً بنيّة إرجاعه إلى أهله كان محسناً، ولاضمان عليه.ولو دفع شيئاً لاستخلاصه بنيّة الرجوع لمالكه مع عدم حضوره، فإن كان بإذن الحاكم قوي الرجوع عليه، وإلا فوجهان.وإن لم يعلم المدفوع إليه بحرمة الجوائز بعينها بل علم أنّ في ماله حراماً وحلالاً وقد اشتبه، فإن علم أنّه مشتبه عند الجائر أيضاً وأتى به مشتبهاً ودفعه على اشتباهه، قوي القول بحرمته أيضاً مطلقاً من جائرٍ أو غيره.


1) وسائل الشيعة 17 : 199، الباب 47 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

واحتمل أنّه من الجائر حلال؛ لإطلاق الأخبار في حلّيّة جوائزه (1، دون ما كان من غيره؛ لوجوب التجنّب عن الشبهة المحصورة.)واحتمل الفرق بين دخول المحرّم في جنس المدفوع كظروف دهن دخل فيها محرم فأجاز ظرفاً منها، وبين ما لم يعلم أنّه ذلك الجنس، كما إذا علم بدخول مأكول محرم في بيته لا يعلمه الدافع ولا المدفوع إليه أو لا يعلمه المدفوع إليه فقط.وإن علم أنّ المدفوع ممتزج بالحرام، فالأقوى حرمته، كالمعلوم حرمته بعينه.واحتمل أنّه من الجائر حلال لنا المهنا، وعليه الوزر، وربما يظهر من بعض الأخبار (2وبعض فتاوى الفقهاء (3)ذلك، فيظهر الفرق بين الجائر وغيره بذلك.)ويحتمل في المشتبه والممزوج إذا دفعهما الجائر الفرق بين ما يعلم صاحبه فيحرم، وبين ما يجهل صاحبه فيحل؛ أخذاً بإطلاق الأخبار، واقتصاراً في المنع على المقطوع به.وإن لم يعلم أنّه ممزوج ولا مشتبه عند صاحبه، فإن أخبر بحليته، فالأقوى والأظهر حليته من غير كلام، وكذا لو ناوله بيده، أو باعه فأذن في قبضه، أو أذن بقبضه لمن أجازه وأعطاه، أو كان متصرفاً فيه بحيث دخل تحت يده فأدخله في خزانته، فإنّ الذي وردت به الأخبار (4المتكاثرة ونُقل عليه الإجماع (5)وجرت به السيرة القطعية ودار عليه أمر النظام والمعاش وصدر من الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) و فعله هو الحل وجواز الأخذ ولا يجب السؤال، بل لنا المهنا وعليه الوزر.)وحكم غير الجائر هنا كحكمه؛ لظهور بعض الأخبار (6في ذلك، وجريان السيرة والعسر والحرج بتركه في الجميع، حتّى ادعى بعضهم أنّ ذلك من الشبهة الغير المحصورة (7)نظراً إلى أن جميع أفراد الغاصبين وجميع أموالهم المختلطة وجميع غيرهم وغير الأموال المختلطة مما لا ينحصر المخلوط فيه، بل ويستهلك، فتكون الأموال المختلطة بالحرام غير منحصرة.)


1) راجع وسائل الشيعة 17 : 213، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به.

2) المصدر، ح 1.

3) راجع الحدائق الناضرة 18 : 261.

4) راجع وسائل الشيعة 17 : 213، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به.

5) رياض المسائل 8 : 206.

6) راجع وسائل الشيعة 17 : 214، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

7) راجع جواهر الکلام 22 : 172.

ولكنه ضعيف؛ لأنّه يؤدّي إلى اضمحلال حكم الشبهة المحصورة بفرض جمع باقي المشتبه معها فيعود غير محصور، ولا قائل به بل المدار هنا على كلّ مالٍ متميز مفروزِ عند أهله قد اختلط معه محرم فيشتبه الفرد المحرَّم مع تلك الأفراد المحصورة، وهذا هو الظاهر من الشبهة المحصورة.نعم، لو فسرنا غير المحصور بما لزم من اجتنابه العسر والحرج، اتجه ذلك، أو قلنا: إنّ محل المسألة في الأموال الخارجة عن أيدي الظلمة في البلدان بحيث نعلم أنّ في الأسواق والخانات كثيراً من دراهمهم وغلاتهم وفيها الحرام قطعاً، فإنّ ذلك لا يلزم اجتنابه، وإلا لم يبقَ للمسلمين سوق ولا بيع ولا شراء.وأما لو كان المال المشتبه في دار الجائر أو خانه ولم يأذن فيه أو دفعه بيده، فهل يجري عليه حكم الحلال فتجوز المقاصة منه، والأكل من مرفوع الجناح منه (1، والأخذ بإذن الفحوى أو بالمارّة، أو لا يجري عليه ذلك اقتصاراً في الجائر على المقطوع به؟)ولا يبعد الفرق هنا بين كونه من مال الجائر فيجري عليه أحكام الحل؛ لإطلاق الأخبار (2في الجائر، وامتيازه عن غيره في لسان الفقهاء، وبين غيره فيجري عليه حكم المشتبه.)ويحتمل الفرق بين كونه قد دخل بخزانته بإذنه وبدون إذنه.ولو دفع الجائر مالاً دائراً بين كونه حراماً على المدفوع إليه أو حلالاً بعد العلم بأنّه محرم على الدافع قطعاً؛ لأنّه إما من مال الخراج أو من المغصوب، فالأقوى: جواز تناوله.ولو كان في يد الجائر مال علم أنّه قد أتى به من غير أمواله المختلطة بل ومن خارج فلا كلام حليته، سواء أخبر بها أم لا، وسواء دفعه بيده أم لا، وجرى عليه حكم الفحوى والمارة.وكذا إن لم يعلم أنّه أتى به من أمواله المختلطة أم غيرها على الأظهر.وكذا كلّ مَنْ في خزانته وبيته أموال مختلطة وجاء بمالٍ آخر لم يعلم حاله.ودعوى أنّ هذا المال بضمه إلى المختلط يكون مختلطاً فيجري حكم الشبهة المحصورةعلى جميعه، بعيدة؛ لعدم تسليم أنّه بالانضمام يكون الجميع من المشتبه المحصور.


1) ورد في هامش «ق»: إلمام منه بالآية الشريفة، وهي قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا) [النور (24): 61] منه (قدّس سِرُّه).

2) وسائل الشيعة 17 : 213، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به.

ولو سلمنا، فلا شكّ أنّ يد المسلمين تقضي بالحلّ، وفعلهم يقضي بالصحّة إجماعاً. ومجرّد كون المسلم لا يبالي بالحرام لا يترتب عليه حكم الحرمة قطعاً، ولهذا خصصنا محلّ الكلام فيما لو أتى الجائر بمال من المخلوط في بيته أو خزانته أو عند عماله فدفعه أو باعه أو أذن فيه أو وهبه فإنّه حلال تغليباً لجانب الصحّة والأخبار، فيبطل حكم الشبهة المحصورة.بل ويلحق به كلّ مَنْ جمع حلالاً وحراماً فدفع فرداً من المجموع، وليس للجائر خصوصية، إلا فيما لو لم يدفع هو بل أخذ منه بإذن الفحوى وشبهها، فإنّه يمكن أن يكون للجائر خصوصية، فيحلّ ما كان عنده ويحرم غيره، أو في الممتزج فإنّه من الجائر يجوز تناوله من دون إخراج الخمس، وإن ندب ذلك كما تشعر به بعض الروايات (1، ومن غيره يجب إخراج الخمس منه كي يحلّ الباقي، أو في المخلوط المشتبه إذا علم أنّ في المخلوط ما يحرم؛ فإنّه يمكن تحليله من دون إخراج الخمس لو كان من الجائر، ومع إخراج الخمس أو الصدقة بما يتيقنه لو كان من غيره. ولكن الحكم بهذين مشكل غاية.)وغاية ما دلّت عليه الأخبار هنا كصحيح أبي ولاد: فيمن يلي أعمال السلطان وليس له مكسب سوى أعمالهم، فيأمر له بالدراهم والكسوة؟ فقال: «خُذ وكُل، لك المهنا وعليه الوزر» (2.)والصحيح الآخر في العامل يجيزني بالدراهم آخذها؟ قال: «نعم وحج بها» (3.)والصحيح الثالث: «جوائز السلطان ليس بها بأس» (4.)وغيرها ممّا دلّ على أنّ «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (5وما جاء من قبول الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) جوائز معاوية والرشيد(6). وإن كان في بعض آخر: أنّه ردّها (7).)والموثق في عمل السلطان قال: «لا، فإن صار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت» (8.)


1) يأتي بعيد هذا في الموثق.

2) وسائل الشيعة 17: 213، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

3) المصدر، ح 2 وذيله.

4) المصدر : 214، ح 5 بتفاوت يسير.

5) المصدر : 87 - 88، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

6) المصدر : 214 و 216 - 217، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ح 4، 11 - 13.

7) المصدر : 216، ح 10.

8) المصدر : 202، الباب 48 من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

والآخر فيمن استحلّ من مال الوقف الذي بيده لا يتورع من أخذه فيحضر طعامه فيدعوني إليه فإن لم آكل من طعامه عاداني، فهل يجوز لي أن أكل وأتصدق بصدقة؟ فأجاب: «إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل بره، وإلا فلا» (1.)والأخبار دالّة بعمومها وإطلاقها على حلّيّة ما يؤخذ من الجائر، من دون تفصيل بين الإتيان به من المخلوط في خزائنه أو وكلائه أو داره أو بيته، وبين الإتيان به من خارج، وبين ما لم يعلم وجهه، بل وبين الممزوج بالحرام المجهول وبين ما لم يعلم - لولا الإجماع إن ثبت إجماع على المنع - وبين دفعه بيده وبين كونه مطروحاً، وبين كونه من الجائر وبين كونه من غيره، كما تدلّ عليه رواية «كلّ شيء فيه حرام وحلال» (2وإشعار «لك المهنا وعليه الوزر» (3)بذلك.)وحينئذٍ فيكون مورد الشبهة المحصورة غير هذا ممّا يختلط عند صاحبه أو يشتبه، ولم يكن بيد جائر أو غاصب جامع للمال بين الحرام والحلال، وأما ما كان منهم فلا بأس. وتُحمل الأخبار الأخيرة على الكراهة، ومع ذلك فالأقوى تجنّب المجتمع من الحلال والحرام مطلقاً ما لم يدفعه الجامع بيده أو يخبر بأنّه حلال. وتشتد القوة في اجتناب الممزوج.ولو كان مجهولاً مالكه فيجري عليه حكم مجهول المالك، بل الاحتياط والورع يقضي بتجنّب ما يدفعه بيده أو يأذن فيه، بل الاحتياط تجنّب الأخذ ممن لا يتورع وإن أتى به من بلدٍ آخر ولم يعلم أنّه دفعه من خزائنه؛ للأمر بالاحتياط وتجنب موارد الشبهات (4.)##### السادس والسبعون: حرمة التكسّب بمال الخراج والزكاة والخمس على السلطان الباطل وعماله###### إشارة:السادس والسبعون: يحرم على السلطان وعُمّاله وكلّ متغلب على مال الخراج - ما عدا سلطان الحقّ - التكسّب بمال الخراج والتصرّف فيه وقبضه ودفعه، وكذا كلّ ما يأخذه باسم الزكاة والخمس وميراث مَنْ لا وارث له والجزية على الرؤوس ومجهول المالك، وكلّ ما يقبضه بالولاية الشرعيَّة زاعماً أن الولاية وأُمور المسلمين راجعة إليه.


1) وسائل الشيعة،17 : 217، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ح 15.

2) المصدر : 87 - 88، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

3) تقدَّم تخريجه في ص 159، الهامش (2).

4) راجع مستدرك الوسائل 17 : 321، الباب 12 من أبواب صفات القاضي.

ولو تصرف فيه فباعه على مؤمن أو وهبه إيّاه أو أحاله به ولم يكن من عُمّاله وأتباعه. حرم التصرّف من قبله، وكان باطلاً نقله وانتقاله، وحلّ بالنسبة إلى المشتري، وصح نقله وانتقاله.وليس معنى ذلك أنّ الإيجاب محرّم باطل والقبول حلال صحيح؛ لأن العقد لا يتبعض، بل معناه أن العقد كلّه صحيح بالنسبة إلى المشتري فيملك المبيع الذي هو مال الخراج، وينتقل عنه الثمن، ويجب عليه دفعه للبائع، وكلّه فاسد بالنسبة إلى البائع الجائر فلا ينتقل المبيع عنه؛ لأنّه ليس له، ولا بيع إلا في ملك أو ولاية ولا ينتقل إليه الثمن، فالعقد يكون من قبيل الأسباب الشرعيَّة المملكة للمشتري والناقلة عنه الثمن للمسلمين المالكين للمبيع، فيكون قبض الثمن للبائع الجائر حراماً كالمثمن.أو يقال: إن البائع الجائر هنا فضولي عن المسلمين في البيع وقبض الثمن، والإجازة حاصلة من جانب الشرع بنقله إلى المشتري، كما أن دفع الثمن الذي هو للمسلمين جائز دفعه للبائع الجائر، ومبرئ لذمة المشتري بإذن الشارع بذلك وأمره، بل يقوى القول بحرمة سرقة مال الخراج وخيانته، والامتناع من تسليمه أو تسلّم ثمنه بعد شرائه إما له خاصة أو مخيّراً بينه وبين حاكم العدل، وإن حرم على الجائر قبضها أو التصرف فيها؛ لأنّه غاصب لمنصب أهل الحقّ وآثم، والدفع إليه إعانة على إثمه.ولكن جملة من النصوص (1والإجماع المنقول (2)بل والشهرة المحصلة دالة على لزوم ذلك، وكأنّه لحكمة رفع الفساد عن العباد، وحفظ الطرق، ودفع الناس بعضهم عن بعض، وحفظ بيضة الإسلام؛ لأنّه مع غيبة الإمام لو لم يقم الجائر بهذا النظام ويستمد من مال الخراج وشبهه لجنده وعساكره لاقتتل الأنام، وعلا الأشرار على الأخيار واللئام على الكرام، ولما بقي حرم ولا حرمة ولا احترام للعزيز العلام، ولكان كلّ فردٍ غاصباً لمنصب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأقل القبيحين هو الترتيب الباطل، فصر فهم أموال المسلمين صرفاً في مصالح المسلمين صدقاً، وإن لم يكن على يد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حقاً الذي أمرنا باتباعه (3)تعبداً ورقاً.)


1) راجع وسائل الشيعة 17 : 218، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به.

2) التنقيح الرائع 2 : 19؛ جامع المقاصد 4 : 45: مسالك الأفهام 3 : 142؛ الحدائق الناضرة 18: 243.

3) النساء (4) : 59.

والمراد بالجائر والسلطان هنا: المتغلب بجنوده وأتباعه، ذا طبل أو جمعة أو عيد أو لا، تحت يد سلطانٍ آخر أم لا، وولاته حكمهم حكمه مؤمناً أو مخالفاً، مستحلاً أم لا، كان من مذهبه أخذ الخراج أم لا؛ لعموم جملةٍ من الروايات (1وبعض منقول الإجماعات (2).)ولو استولى الكفّار على بلاد المسلمين فعاملوهم معاملة سلاطين المسلمين لم يجر الحكم عليهم كذلك؛ لعدم سلطان الكافر على المسلم ونفي السبيل عنه؛ مع احتمال إمضاء تصرفاته وهباته، سوى أنّه لا يجب دفع الخراج له إلّا خوفاً، ويكون المرجع الحاكم الشرعي أو عدول المسلمين.ولا يتفاوت فيما يأخذه السلطان الجائر وأتباعه بين كونه من حاصل الأرض باسم المقاسمة من غلات أو غيرها، أو باسم الخراج من نقود أو عروض عن حق الأرض بتوزيع النقود عليها أو على زرعها أو أشجارها، في أرض خراجية أو أرض صولح أهلها عليها، جرياً على العادة في الأخذ وإن أكثر مرّةً وأنقص أخرى بحسب المعاملة والمراعاة، ما لم يفرّط بالتعدي، فإن أفرط احتمل جريان حكم المعتاد عليه مطلقاً، واحتمل لزوم تجنّبه مطلقاً، واحتمل جريان حكم المعتاد عليه إلى أن يبقى قدر الزيادة معيّناً أو مشاعاً فيبقى من المشاع ما علمت زيادته، ولو شكّ في التعدي وعدمه فالأصل،عدمه، أو يأخذه باسم الزكاة من الأنعام مما يتعلق به الزكاة في مذهبهم - إن كان منهم - وإن لم يوافق مذهب الحق، دون العكس في وجه، أو يأخذه من الدميين جزيةً على رؤوسهم، أو من غيرهم من محترمي المال باسم الشروط أو ما يأخذه من الأرض العائدة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ من الأنفال في وجه قوي.)والأقوى خلافه؛ لانصراف أدلّة الخراج وحلّيّته ودفعه وقبضه إلى الأرض التي يضرب عليها الخراج عادة من ولاة المسلمين، كالمفتوحة عنوة والمصالح عليها.وأمّا الأنفال - كالموات - فهى لمن أحياها حتّى لا يجب الرجوع فيها إلى سلطان الحقّ فضلاً عن سلطان الجور، وحينئذٍ فالاستدلال بإطلاقات الأخبار وعموماتها الشاملة لكلّ ما يأخذه الجائر من أيّ أرض بعنوان الخراج ضعيف.


1) وسائل الشيعة 17 : 219، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به ح 4 و 221 الباب 53 من تلك الأبواب، ح 2، 3.

2) راجع ص 161، الهامش (2).

###### أحكام الأراضي الخراجية وفوائدها ومصارفهاوخلاصة القول: أنّ هنا أُموراً:منها: أنّ الأرض الخراجية من المفتوحة عنوةً وغيرها يجب دفع خراجها في حال غيبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، ولا يجوز الامتناع من دفعه ولو كان المخاطب به مصرفاً من مصارفه، كما إذا كان مؤمناً عالماً محتاجاً.)وما ورد من أخبار التحليل (1خاصة بالمناكح والمساكن والمتاجر مما يؤخذ ممن لا يخمس؛ إذ لا قائل بعمومها، أو بأرض الأنفال العائدة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حال الغيبة، أو متروك، أو منزل على حلّيّة مال الخراج، كقوله: «مَنْ أحللنا له شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرمنا من ذلك فهو حرام (2)» و «الناس يعيشون في فضل مظلمتنا، إلّا أنا أحللنا شيعتنا ذلك» (3)أو منزّل على الولاية والتصرّف وأنّ أمر الأرض راجع إليهم، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في آخر حيث سأله عمّا لكم من الأرض؟ فتبسم وذكر «أن جبرئيل خرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض، وعد: جيحون وسيحون وصيحان والخشوع ومهران ونيل مصر ودجلة والفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا، وما كان لنا فهو لشيعتنا، وليس لعدوّنا منه شيء» (4)أو على ما يؤخذ من دار الحرب وما يكون من الأنفال وما يعامل به المخالف، كقوله: «هلك الناس في بطونهم وفروجهم؛ لأنّهم لم يؤدوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا وآباءهم من ذلك في حل» (5).)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ فيمن سأله عن خادم يشتريه، أو امرأة يتزوجها أو ميراث يصيبه، أو تجارة أو شيء أعطيه؟ فقال: «هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحي، وما تولّد منهم إلى يوم القيامة، فهو لهم حلال» (6).)والأخبار كثيرة بذلك، حتّى أن بعضهم أسقط من جهتها الخمس مطلقاً (7، ومنهم مَنْ أسقط نصيب الإمام فقط (8)، ولكنا لا نقول بهما.)


1) وسائل الشيعة 9 : 543 الباب 4 من أبواب الأنفال.

2) المصدر : 539، الباب 3 من أبواب الأنفال، ح 4.

3) المصدر : 546، الباب 4 من أبواب الأنفال، ح 7.

4) المصدر : 550 - 551، ح 17.

5) المصدر : 0543 ح 1.

6) المصدر : 0544 ح 4.

7) حكاه الشيخ المفيد في المقنعة : 285 عن بعض الأصحاب.

8) منهم العلامة الحلّي كما في تحرير الأحكام الشرعيَّة 444:1، الرقم 1541.

وكما لا يجوز الامتناع من دفعه لا يجوز أن يتولّى مصارفه بنفسه إلا على سبيل الفضولي؛ للأمر بدفعه لغيره.ومنها: أنّه يجزئ دفعه للجائر ويبرأ ذمته منه، أما مع التقيّة الفعلية فلا كلام، وبدونها كذلك على الأقوى؛ للأخبار (1وكلام الأصحاب حتّى كاد أن يكون إجماعاً.)ولا يتفاوت بين كونه مؤمناً أو مخالفاً من أيّ فِرَق المسلمين ما عدا الكافر؛ لإطلاق الأخبار (2ومنقول الإجماع (3)، ولأن الغالب إيمان ولاة السلاطين كسلاطين العجم، وكذلك أتباعهم والمتولين منهم.)وقيل: باختصاص ذلك بالمخالفين؛ نظراً إلى حلّيّة الخراج لهم في معتقدهم، بخلاف المؤمن فإنّه يعتقد أنّه ظالم غاصب، فيعامل الأوّل على معتقده ويلزم بما ألزم به نفسه، ونظراً إلى الاقتصار في لزوم دفع الخراج على المقطوع به يومئذ وهو المخالف، ونظراً إلى أنّ حلّيّة أخذه من غير مَنْ يعتقد حلّيّة قبضه ودفعه موقوف على المقطوع به وهو المخالف، ونظراً إلى أنّ السؤال في الأخبار عنهم إما تصريحاً أو تلويحاً بقرائن الأزمنة والأحوال، فيبتني عموم الجواب عليه (4.)والكلّ ضعيف بعد البناء على أنّ لزوم دفع الخراج للجائر إنما كان لإيصاله إلى أهله بحسب الإمكان؛ لأنّهم أقرب مجاز للحقيقة بعد الغيبة وعدم بسط يد الحاكم الشرعي لتكفّلهم بحفظ الطرق وسد الثغور ومنع السُّرّاق والعُصاة وإن كانوا منهم، وأن جواز أخذه للمؤمنين منهم أيضاً إنما كان توصلاً إلى حقهم مهما أمكن، ولاستقامة النظام بذلك، وللزوم الحرج على المؤمنين لو تجنبوا عن ذلك، ولا مدخل هنا للاعتقاد وعدمه؛ إذ ليس هذا من أموالهم كالميراث بالعصبة ونحوه، حيث يؤخذ منهم إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم، وأمّا خصوص السؤال فلا يحكم على عموم الجواب على أنّ دعوى القرائن ممنوعة غاية المنع.ومنها: أنّه لو فقد الجائر أجزاً دفعه لسلطان الحق؛ لأنّه أهله، ولو لم يكن حاضراً رفع إلى النائب العام، فلو لم يكن دفع إلى عدول المؤمنين المسلمين، بل يقوى القول بجواز الدفع


1) راجع ص 161 الهامش (1).

2) راجع ص 161 الهامش (1).

3) راجع ص 161، الهامش (2).

4) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 144.

إلى الحاكم الشرعي مع وجود الجائر إذا لم يتق منه؛ لما دلّ على عموم ولايته (1من غير معارض، سوی ما دلّ على لزوم دفعه للجائر، وهو منزّل على عدم التمكن يومئذ من إيصاله إلى السلطان الشرعي للتقيّة، فلو تمكن حينئذٍ كان مخيراً في دفعه بين هذا وبين هذا، ولا منافاة بين جواز دفعه للجائر وإن تمكّن من دفعه لسلطان الحقّ عند بسط يده.)نعم، لو بسطت يد سلطان الحقّ بالجنود والعساكر وتصدّى لمصالح المسلمين، لزم دفعه إليه بلا كلام.ومنها: أن الجائر هو المتسلّط على الأرض تسلّط السلطنة العرفية، لا كسلطنة الخوارج التي كالفيء الزائل، ولا كسلطنة المتشخصين بنسبهم بحيث لم يبق لهم سوى رسم أو اسم بلا حقيقة ولا سلطان آخر في مملكة أخرى بحيث يدفع خراج خراسان لسلطان الروم وإن لم يتق من سلطان الفرس؛ اقتصاراً على المقطوع به.ومنها: أنّه لو لم يدفع الخراج صاحبه بقي دَيناً عليه يؤديه، فإن مات ففي إجراء حكم الديون عليه بحيث يخرج من تركته،إشكال والسيرة على عدم معاملته معاملة الدين.ومنها: أنّه يجوز للجائر إسقاط الخراج عن صاحبه وتخفيفه؛ لما يظهر من الأخبار أنّ أمره يعود إليه، فكما يجوز إعطاؤه يجوز إسقاطه.ومنها: أنّه يحلّ لنا في زمن الغيبة أن نأخذه من يد الجائر هبةً وشراء وأُجرةً وتحويلاً على مشغول الذمة به من غير تفاوت بين فقيرنا وغنيّنا وبين مَنْ كان من مصارفه وبين مَنْ لم يكن حتّى الزكاة على ما سيجيء (2إن شاء الله، كلّ ذلك لإطلاق الأخبار (3)المتكاثرة بل المتواترة، والإجماعات المنقولة (4)، والسيرة القطعية.)فما في بعض الأخبار من الإشعار بأنّ الآخذ إنّما يأخذ نصيبه من بيت المال (5، فما لم يكن له نصيب ولا حق له فيه لم يشمله دليل الإذن القاطع لدليل المنع؛ لعدم مقاومته لتلك الأدلّة، محمول على أنّ بيت المال للمؤمنين ولهم النصيب فيه وقد منعوهم عنه.)


1) وسائل الشيعة 27 : 136 و 140، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.... ح 1، 9.

2) سيأتي في ص 297 وما بعدها.

3) راجع ص 161، الهامش (1).

4) راجع ص 161 الهامش (2).

5) وسائل الشيعة 17 : 214، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

هذا، والأحوط اقتصار الآخذ على ما جاز أخذه له لو كان بيد سلطان الحق؛ اقتصاراً في الجواز على المقطوع به.ومنها: أنّ زكاة الأنعام والطعام يجب دفعها مع مطالبة الجائر والتقيّة منه، وبعد دفعها يحلّ أخذها منه ولا يجب دفعها إلى أربابها، ويصح شراؤها واتهابها.إلا أن الفرق بينهما بأمورٍ:أحدها: أنّه لو لم يتق ويخشى الضرر لم يجب الدفع للجائر، بل ولا يندب من حيث إنّها زكاة، بل يدفعها بنفسه، أو إلى سلطان الحق.ثانيها: أنّ في إجزائها عن زكاته وجهين: الإجزاء؛ لأنّ امتثال الأمر يقضي به، وللزوم الضرر على المالك بدفعها مرتين، فهي كالخراج لا يؤدى إلا مرّةً واحدة، ولأن أخذ الجائر لها بمنزلة عزل المالك لها ثمّ تُغصب بعد ذلك فإنّ ذلك مجزئ، ولأن الجائر بمنزلة الغاصب لحصة الشريك فيكون ما قبضه متعيّناً للزكاة، وللأخبار الدالة على أن «ما أخذه منكم بنو أُمية فاحتسبوا به، فإنّ المال لا يبقى على هذا أن تزكيه مرتين» (1وعلى أن صدقة المال يأخذها السلطان، فقال: «لا أمرك أن تعيد» (2)وأن المال لا يزكّى في عام مرتين (3)، وعدمه؛ لاستصحاب شغل الذمة، ولاحتمال حمل الأخبار على حالة عزلها وأخذها بعد ذلك، أو على التقيّة، أو على إجازة الإمام، أو على وصولها لأهلها ومستحقيها مع علم المالك وبنية القربة، وللخبر الصحيح: إنّ هؤلاء المصدّقين يأتونا فيأخذون منا الصدقة فنعطيهم إياها، أتجزئ؟ قال: «لا، إنّما هؤلاء قوم،غصبوكم، أو ظلموكم، وإنّما الصدقة لأهلها» (4). ولا يبعد قوة الأخير.)ثالثها: أنّه لو قلنا بإجزائها زكاةً يشترط فيها كون الآخذ مخالفاً، وكونه لا يزيد عليها في مذهبه، فلو زادت احتسب المساوي زكاة، إلا أنّه يحرم أخذها وشراؤها لمكان الإشاعة، وأن يصرفها في أهلها على مذهبه مع احتمال منع الاشتراط في جميع ذلك، إلا في الزيادة المتميزة؛ لأنّها ظلم ظاهر.وهل يشترط فيها نيّة القربة عند دفعها للجائر ؟ وجه.


1) وسائل الشيعة 9 : 252، الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 3.

2) المصدر : 253، ح 5.

3) المصدر : 100، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، ح 1.

4) المصدر : 253، الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 6.

ولو أعادها الجائر إليه بهبة، ففى وجوب دفعها مرّةً أُخرى على القول بإجزائها وجه.ومنها أنّ بعض أصحابنا (1حرموا تناول الخراج على المؤمنين؛ استناداً إلى حرمة التصرف بمالٍ أُخذ من أهله ظلماً من غير حقٌّ ولم يأذن أهله فيه ولم يعرضوا عنه.)ويردهم الإجماع والسيرة القطعية، ولزوم العسر والحرج، والأخبار المتكثّرة:كخبر الحذاء: فيمن يشتري من السلطان إبل الصدقة وغنمها وهو يعلم أنّهم يأخذون أكثر من الحقّ الذي عليهم؟ قال: «ما الإبل والغنم إلا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتّى تعرف الحرام بعينه» (2.)والظاهر أنّ المراد بالحنطة والشعير هو مال المقاسمة.والظاهر أن الزيادة المشاعة لا تمنع الشراء حتّى يعلم الحرام بعينه مفصولاً معزولاً.والخبر الآخر: «ما منع ابن أبي سماك أن يبعث إليك بعطائك، أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً؟» (3.)والآخر فيمن يشتري من العامل وهو يظلم؟ فقال: «يشتري منه ما لم يظلم فيه أحداً» (4.)والرابع: أشتري من العامل الشيء وأنا أعلم أنّه يظلم؟ قال: «اشتر منه» (5.)والخامس: أشتري الطعام فيجيئني مَنْ يتظلم؟ قال: «اشتره»(6.)والسادس: فيمن يتقبّل بخراج الرجال وجزية رؤوسهم، وخراج النخل والشجر والآجام والمصائد والسمك والطير ؟ قال : «إذا علمت أنّ من ذلك شيئاً واحداً قد أدرك فاشتره وتقبل منه» (7.)والسابع: قريب إليه (8.)


1) كالأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 8 : 99؛ والبحراني في الحدائق الناضرة 18 : 253.

2) وسائل الشيعة 17 : 219، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

3) المصدر : 214، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

4) المصدر : 221، الاب 53 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

5) المصدر : 219، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

6) المصدر، ح 3.

7) المصدر : 355، الباب 12 من أبواب عقد البيع...؛ ح 4 وذيله.

8) المصدر : 355 الباب 12 من أبواب عقد البيع...؛ ح 4 وذيله.

والثامن: لا بأس أن يتقبل الرجل الأرض وأهلها من السلطان ومزارعة أهل الخراج بالربع والنصف والثلث؟ قال: «لا بأس» (1.)والتاسع: فيمن استأجر من السلطان أرض الخراج بدراهم مسمّاة أو بطعام مسمّى ثم آجرها؟ قال: «نعم، إذا حفر لهم نهراً أو عمل لهم شيئاً يعينهم بذلك فله ذلك» (2.)والعاشر: فيمن يتقبل الأرض ثمّ يؤاجرها؟ قال: «لا بأس» (3. وإجارتها بعد استئجارها بمنزلة أخذ الخراج من الجائر.)ومثل هذه الأخبار كثير، كأخبار قبول الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ جوائز أهل الجور (4)، ومن المعلوم أنّ غالب دفعهم من الخراج وشبهه، وقبول جوائز الخلفاء الثلاثة والأمويين والعباسيين لأصحاب الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) مما لا يكاد يُنكر ولا يُحصر.)وفي الخبرين: من شراء الخيانة والسرقة ؟ فقال في أحدهما: «إلا أن يكون من متاع السلطان» (5وفي الثاني: «إذا عرفت أنّه كذلك فلا إلا أن يكون شيئاً اشتريته من العامل» (6).)نعم، يندب إرجاع مال الخراج إلى مستحقيه من المؤمنين كما كان يفعل علي بن يقطين.وقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ: «اتق أموال الشيعة» (7)محمول على الندب، أو على ما أُخذ حراماً أو ظلماً من الزيادات، وغيرها.)ومنها: أن أخذ الخراج من علمائهم والتابعين لهم وأهل الجرايات والوظائف حكمهم حكمهم؛ للسيرة، وإطلاق جملة من الأخبار (8.)ومنها: أن أخذ المخالف من المخالف كأخذ الموافق ما لم يكن عاملاً وفي تملكه؛ لأنّ الخراج للمسلمين، فيصح تناوله للمخالف ولو كان من الموافق.


1) وسائل الشيعة 19 : 42 الباب 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 8.

2) المصدر : 127، الباب 21 من أبواب كتاب الإجارة، ح 3 و 4.

3) المصدر : 128، ح 5.

4) المصدر 17 : 214 - 217، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ح 4، 9، 11 - 14.

5) المصدر : 335 الباب 1 من أبواب عقد البيع.... ح 4.

6) المصدر : 336. ح 6.

7) المصدر : 193، الباب 46 من أبواب ما يكتسب به ح 8.

8) راجع المصدر : 218 و 220، الباب 52 و 53 من من أبواب ما يكتسب به.

و [ يحتمل ] (1عدمه؛ لأنّه لأهل الحقّ وليسوا من أهله، ولأنّ تحليله إرفاقاً بالشيعة للزوم الحرج عليهم، ولامتناع وصولهم إلى حقوقهم، فأذن الشارع بتناوله لهم دفعاً للمشقة وإيصالاً لهم لما يستحقونه مهما أمكن.)ويحتمل الفرق بين أخذ المخالف من المخالف فيجري عليه حكم الخراج للمؤمنين وبين أخذه من الموافق فلا يجري؛ لأنّه دفعه بخلاف معتقده.ومنها: أنّ مصرف الخراج على مصالح المسلمين العامة عند تمكن الحاكم الشرعي، كبناء القناطر والمساجد وتعمير الأوقاف وكتابة الكتب وإعانة أهل العلم لطلب العلم، وللفقراء، وللمجاهدين، ولبناء المدارس والقلاع عند خوف هجوم العدوّ على المسلمين.وأما دفعه للفقراء من حيثية الفقر ففي بعض الأخبار (2ما يشعر به، ولكن الأظهر خلافه.)وفي زمن الغيبة لو دفعه الجائر للفقراء فلا يبعد جواز قبوله، سيّما لو لم يصرف في المصالح ولم يمكن أو لم يكن محلّ حاجة.ومنها: أنّ ضرب الخراج بنظر سلطان الحقّ على ما يراه مما يكون عوضا عن منافع الأرض، وهو يختلف زماناً ومكاناً وعملاً وعاملاً، كما تدلّ عليه بعض الروايات (3.)وكذا ضربه من الحاكم الجور، ما لم يرد في الظلم بحيث يتجاوز العادات بالنسبة للمعاوضات.ولو أقطع سلطاناً جاز لمن بعده نقضه، وكذا لو زاد أو نقص.ولو آجر سنين متعدّدة، ففي مضيّها على الذي بعده وانتهائها بعزل الأوّل أو موته وجهان، ولا يبعد أن للثاني نقض الإجارة وإمضاءها.وأما مَنْ كانت ولايته من السلطان سنة، فالظاهر عدم مضيّ إجارته في الزائد عليها، إلا مع إجازة الثاني؛ لأنّ الظاهر أنّ السنة الأولى ظرف للولاية والتصرف، لا ظرف للولاية وإن زاد التصرّف على سنة.ومنها: أن ضرب الخراج لا يفتقر إلى رضى المضروب عليه، بل يكفي ضرب السلطان في شغل الذمة بالقدر ووجوب أدائه.


1) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

2) وسائل الشيعة 17 : 214، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

3) المصدر 15 : 110 - 111، الباب 41 من أبواب جهاد العدو.... ح 2.

والخراج إذا لم يتعيّن جنسه انصرف إلى الدراهم والدنانير.وأما المقاسمة فهي من حاصل الأرض فيكون شريكاً.ومنها: أن الخراج والمقاسمة والزكاة من مؤن المال، فيحسب ما سواها ويدفع زكاته إن بلغ النصاب، أو إن لم يبلغ احتياطاً.ومنها: أنّ المتقبلين للأرض من الجائر قد يكونون مستأجرين أو مشترين، وقد يكونون ولاة يُسمّون باسم المستأجرين ولكنّهم رأس الظالمين والمعتدين، فيحرم عليهم حينئذٍ التصرّف بالأرض وأخذ خراجها من الفلاحين والزراعين، وقد يكونون ذوي جهتين، فهم قادمون على إجارة الأرض وقبالتها، وقادمون على الولاية والرئاسة والنهب والغصب والإعانة للسلطان وتقويته كباقي جنوده، والغالب في هذا الزمان جمعهما بولاية واحدة والتزامهما بقول واحد، فيدخلون حينئذٍ في حكم الجائرين، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم، حتّى لو اشترى وال من وال أو عامل له منه ففي صحّة الشراء إشكال؛ لأنّ المتيقن في الانتقال هو ما لم يكن منهم ويصرفه في مصارفهم.نعم، لو جرد نفسه عن الولاية فاشترى لقوته ولعياله جاز.ولو كان جائران فوهب أحدهما شخصاً ومَنَع الآخر فلا يبعد تقديم الواهب.##### السابع والسبعون: حرمة التكسّب بالمال الحلال المختلط بالحرام على نحو القبض والإقباض والتصرّفالسابع والسبعون: يحرم التكسّب بالمال المختلط حلاله بحرامه على نحو القبض والإقباض والتصرف، وإن تبعضت الصفقة بالنسبة إلى العقد فيصح في الحلال ويفسد في الحرام، بل يحرم العقد لو نوى السلطنة في النقل والانتقال؛ لمكان التشريع.وتفصيل القول في ذلك: أنّ الاختلاط إما أن يكون على وجه المزج الذي يدخل بعضه في بعض فلا يتميّز، كماء وماء، ودبس ودبس وعسل وعسل، ودهن ودهن، أو على وجه الاشتباه، مثل الحبوب المتشابهة كالحنطة والشعير والدراهم والدنانير المتماثلة إذا اختلطت ولم يمكن تمييزها إذا اختلط نوع بمثله، ويلحق به الظروف والأواني إذا تشابهت واختلطت ولم تتميّز، أو على وجه الجهالة به، كما إذا دخل محرم للدار لم أعرفه ما هو، ولو عرفته لم يشتبه بغيره من جهة المماثلة إذ لا مماثل له يختلط به بخلاف الحبوب فإنّك لو عرفتها قبل الخلط لم تعرفها بعده.

والأول من هذه الأقسام موجب للشركة على نسبة قيمة المال، والقسم الثاني إن أمكن تمييزه بالقرعة لم يوجب الشركة وإلا أوجبها والقسم الثالث إن لم يمكن استخراجه بالقرعة فالطريق إلى الخلاص منه بالصلح.ثم إن المختلط : إما أن يعلم أهله كلاً أو بعضاً، أو لا يعلم، ثمّ إمّا أن يعلم قدره أم لا، ومعلوم القدر إما في الجملة أو على التحقيق، والمجهول أهله إمّا فيما لا ينحصر أو فيما ينحصر.فالمختلط بالحرام إذا كان أهله مجهولين أصلاً ولا يمكن استعلامهم ما دام المال باقياً ولا يرجى ذلك ولم يعلم قدره أصلاً، أخرج خمسه للإجماع المنقول (1، والأخبار الدالة على الخمس (2)، ودفع لبني هاشم؛ لظاهر لفظ الخمس وخلطه مع المعادن والغنيمة والغوص والاقتصار على المتيقن كلّها تقضي أنّه لبني هاشم، ولفظ التصدق (3)وإن ظهر منه أنّه لغيرهم لا يحكم على ما هو أظهر منه، وحلّ الباقي لصاحبه.)وإن علم قدره في الجملة، فإن علم زيادته على الخمس احتمل أن إخراج الخمس محلل للباقي أيضاً؛ أخذاً بالإطلاق، وإن علم نقصه أخرج الخمس تعبداً كذلك؛ للإطلاق.واحتمل لزوم الصلح مع الحاكم فى مقام الزيادة، ثمّ التصدق به، أو التصدق بكل المحتمل من دون صلح أو بالمتيقن، أو إخراج الخمس والتصدق بما يحتمل زيادته أو بالمتيقن زيادته.وفي مقام النقيصة احتمل الصدقة بجميع المحتمل، والصدقة بالمتيقن، أو الصلح مع الحاكم ثم الصدقة.وفي مقام معلومية الخمس احتمل التصدّق به، واحتمل كونه خمساً.ولو علم قدر الزيادة على الخمس بطل الصلح، وجاءت الوجوه المتقدّمة، وكذا إن علم قدر النقصان.وإن كان أهله معلومين احتمل لزوم دفع ما تيقن فراغ،ذمته، واحتمل لزوم دفع ما تيقن شغل ذمته به واحتمل التنصيف إن كان الحرام لواحد والتثليث إن كان الحرام لاثنين، لا لليد؛ لأن اليد واحدة كما هو مفروض المسألة، بل لأصالة عدم التفاضل.


1) غنية النزوع 1: 129.

2) وسائل الشيعة 9 : 505، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

3) الوارد في المصدر : 506، ح 4.

والأقوى أن ما تحت اليد ملك لأهله إلا المتيقن.واحتمل لزوم الصلح مع التراضي أو القهري مع عدمه؛ لأن دفع يقين البراءة إجحاف بالدافع، ودفع المتيقن إجحاف بالمدفوع إليه، والصلح قاطع للنزاع، فيقهر من طلب الزيادة والإجحاف إلى ما يراه الحاكم.ولو اجتمعت أموال محرّمة لأفراد معلومين احتمل التسوية لما ذكر، واحتمل لزوم الصلح مع الرضى أو القهري لو امتنع أحدهم فطلب الزيادة.ولو كان المال تحت يد أهله فاشتبه قدره تساووا فيه؛ لموجب اليد، وأصالة عدم التفاضل. وإن كان أهل المال مشتبهين في محصور قوي استخراج صاحبه بالقرعة، واحتمل التوزيع، واحتمل كونه كالمجهول من غير المحصور يعود للحاكم، وفي منع الجميع دفع المستحق عن استحقاقه، وفي التوزيع دفع مال شخص إلى آخر، وفي القرعة وصول الحقّ إلى أهله بطريق شرعيّ، والعلم بجهة الحرام كخمس وزكاة علم بالأرباب، والمتولي لجميع تلك المالك، وإلا فوليه، وإلا فالحاكم.وفي صورة الامتزاج بالوقف يتعيّن الصلح ويجعل وقفاً. ولو كان المشتبه به وقفاً وغيره جرى على كلّ حكمه.ولو دخل مَنْ ينعتق على صاحب المال في الحرام، فإن أخرج خمسه حلّ الباقي ولا ينعتق عليه أحد؛ لاحتمال أنّه في المدفوع، والأصل في الانعتاق العدم، واحتمل تحكيم القرعة قبل الخمس واحتمل بعده، فإن حكمها قبل فعرف نقصان الحرام عن الخمس جاء الحكم المتقدم.وإن اجتمعت أموال محرّمة مختلطة فعُرف صاحب لبعضها، كان من الحلال المختلط بالنسبة إليه.وكذا لو ملك بعضها أحدٌ مشاعاً بصلح مع الحاكم ونحوه.ولو اشتبه الحلال باللقطة، صولح عليها الحاكم وعرّف إن أمكن، وإن لم يمكن التعريف رجع إلى حكم دفع الخمس.ولو دفع خمس المال فتبين صاحبه، ضمن لصاحبه، ولا يضمن المدفوع إليه. وكذا لو تصدق.

نعم، لو دفع الخمس إلى الحاكم أو صالح الحاكم فدفع إليه مال الصلح أو دفع إليه مال الصدقة لولايته، لم يضمن الدافع ولا المدفوع إليه ولا الحاكم، ويحتمل عود الضمان على بيت المال.ولو كان المختلط وقفاً عاماً وخاصاً مختلف أهله وجهته فاختلط بوقف عام أو خاص حلال، احتمل إجزاء دفع الخمس فيحلّ له الباقي فيكون وقفاً، وينفسخ الوقف بالنسبة إلى الخمس، واحتمل هنا لزوم الصلح وإعطاء كلّ حكمه.ولو اجتمع عند شخص أموال مختلطة من وجوه وقف متعدد لا يعرف أهلها ولا يميّز مصرفها ولا يميز بعضها عن بعض، احتمل انفساخ الوقف، وتكون صدقةً، وبقاؤه وقفاً في الجملة، والصدقة بنمائه مطلقاً، أو الفرق بين العام فالصدقة بنمائه، والخاص فالصدقة بعينه، ويصالح الحاكم على تعيين العام من الخاص عند الاشتباه.وكلّ مَنْ بيده مجهول المالك لا يجوز له دفعه لمن ادعاه إلا ببينة، فإن لم يكن بيد أحد فلا تجوز معارضة مَنْ يدعيه ويؤخذ منه.ولو اختلط في الزكاة أو الخمس أموال محرّمة مجهولة القدر والصاحب، احتمل إخراج خمسها، ويحلّ الباقي زكاة، واحتمل لزوم الصدقة بجميعها، وفي الخمس يحتمل لزوم الصلح، ويحتمل عوده خمساً كله.ولو اجتمع في ذمته أموال من قرض أو غصبٍ لا يعرف أهلها ولا قدرها صالح الحاكم ودفعها إليه، ويحتمل جواز الدفع بيده وإن كان ما يقطع بفراغ به أحوط، وما تيقن شغل ذمّته به أقوى. ولو كان منها معلوم أهله صالحهم، أو دفع المقطوع بالفراغ به، أو المقطوع بشغل الذمة به.##### الثامن والسبعون: حرمة التكسّب بمال الأرحام والأزواج و... من غير إذنالثامن والسبعون: يحرم على الإنسان التكسّب بمال أبيه وأُمه وولده وأخيه وأخته وأصدقائه وأزواجها وزوجاته وأعمامه وعمّاته وأخواله وخالاته وسائر أرحامه، سوى ما استثني من البيوت من الأكل فيها ما لم يظهر من المالك نهي صريح أو فحوى أو ظنّ قويّ بعدم الرضى من الأمارات والفرق بين المستثنى وبين غيره توقف غيره على الإذن الصريحة أو الظن الحاصل من دلالة قول أو فعل على الرضى بالأكل أو الأخذ أو التكسّب به؛ لحرمة مال الغير عقلاً ونقلاً (1إلا ما دلّ الدليل على حلّيته.)


1) النساء (4) : 29.

نعم، يستثنى من ذلك الضرورة في المخمصة، فإنّه يجوز التناول قرضاً وإن لم يرض المالك لمن لا يتمكن من دفع العوض في الحال، والأحوط الإذن من الحاكم، وإذا أمكن دفع العوض في الحال وجب، وإن لم يمكن الأمران جاز مجاناً.ويستثنى من ذلك واجب النفقة، فإنّه يتناول مقدار نفقته عند الامتناع، والأحوط الرجوع للحاكم مهما أمكن.ويستثنى من ذلك الزوجة الدائمة، دون المتعة والرجعية - على الظاهر - الراجع أمر الرجل إليها في بيته، بأن لا يكون لها بيت آخر، أو ناشزة في المأدوم من ملح أو خَلٌّ أو دهن أو لحم على إشكال في الأخيرين، كالإشكال في الخبز والفاكهة، بأن تتصدق به بشرط كونه يسيراً، وليس من المقومات عند أهل الأموال، ولا قليلاً سواه، ويشترط أن يكون جامعاً لشرائط الصدقة، وأن لا ينهاها صريحاً أو فحوى.ومن اتجر بمال الطفل ولم يكن أباً وإن علا كان الربح لليتيم إن لم يكن ولياً وإن نواه لنفسه، وكذا لو كان ولياً ولكنّه غير ملي، فإن لم يربح المال بطل العقد من غير الولي وغير الولي الملي؛ لحصول الإجازة السماوية في الأوّل دون الثاني.ويجوز للولي الملي أن يتجر مع الملاءة بمال اليتيم لنفسه، ويكون قرضاً عليه، ولا يشترط الرهن عليه والضمين.نعم، يشترط ذلك في الأجنبي، ويشترط الغبطة في التصرف من الأجنبي بل ومن الولي في الجملة.أما الأب والجد للأب فيجوز له التكسّب بمال ابنه الصغير لنفسه وللصغير، ولا يشترط فيه الملاءة ولا الغبطة ولا الاقتراض مع العسر واليسر وله أن يشتري من مال ولده الصغير والمجنون والسفيه المستمرّ سفهه نقداً ونسيئةً فيكون موجباً قابلاً وأن يقوم جارية ولده عليه فيطأها معاطاة، أو بلفظ البيع ونحوه، أو بلفظ التقويم وله أن يتناول نفقته مع عسره من ماله من دون استئذان أحدٍ.وأما الكبير الذي لا ولاية له عليه فيجوز له الأكل من بيته مع عدم النهي، ويجوز له تناول نفقته منه إن كان معسراً والولد موسر مع عدم حضوره، ولا يفتقر إلى الرجوع إلى الحاكم، بل ربما يقال: إنّ له الأخذ ولو مع حضوره مقتصراً على ما يجب على الولد بذله.

وأما بدون ذلك فلا يجوز للأب التصرف والتكسب بمال ولده، إلا مع الضرورة أو الإذن؛ للأصل وعمومات الأدلّة، وخصوص الأخبار (1.)وما ورد «أنت ومالك لأبيك» (2مصروف عن حقيقته، وقيل: إنّه قضية في واقعة (3).)والقول بجواز تصرّف الوالد بمال ولده الكبير مطلقاً (4، أو في خصوص حج الإسلام (5)، أو في خصوص وطء الجارية (6)؛ للأخبار (7)الواردة في ذلك، ضعيف لا يقاوم ما قدمنا، فتطرح أو تحمل على الاضطرار، أو الإذن الفحوائية، أو على الأخذ من النفقة في بعض، أو على القرض من مال الطفل في بعض آخر، أو على الإرشاد إلى الندب لإذن الولد في ذلك لو فعل الأب ذلك.)ويكره للزوج لو دفعت إليه الزوجة مالاً ليتجر به لنفسه أن يفعل ما فيه غضاضة عليها، فيجعله مهراً لامرأةٍ أخرى، أو عطيّة لضرتها، أو يشتري جاريةٌ ليطأها، وربما يسري الحكم لكلّ مدفوع إليه إذا فعل فيه ما يشين الدافع.##### التاسع والسبعون: حرمة التكسّب بما يأخذه الإنسان من ثمرة نخل أو شجر أو... إذا مرّ بها اتفاقاًالتاسع والسبعون: يحرم التكسّب بما يأخذه الإنسان من ثمرة نخل أو شجر أو زرع أو خضر إذا مر بها اتفاقاً من دون قصد، فلا يجوز له نقل ما يأخذه إلا للأكل، ولا يجوز بيعه على أهله، ولا على مَنْ مرّ مثله، ولا على آخر ثالث سواء كان المبيع قدر أكله أو زائداً عليه.نعم، يباح الأكل له مع شاهد الحال من وضع البساتين، أو من عادة أهلها في البساتين المنصوبة في الطرق ونحو ذلك. بل لا يبعد الجواز ما لم يعلم النهي ؛ للأخبار (8والإجماعات المنقولة (9)،)


1) وسائل الشيعة 5 : 120، الباب 3 من أبواب مكان المصلي، ح 1، 3؛ و 9 : 540 - 541، الباب 3 من أبواب الأنفال، ح 7؛ و 12 : 297، الباب 158 من أبواب أحكام العشرة، ح 3.

2) المصدر 17 : 262 - 263 و 265 و 266، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، ح 1، 2، 8، 9.

3) قاله الشيخ جعفر في شرح القواعد 1 : 368.

4) قال به الصدوق في المقنع : 371؛ وأبوه في الرسالة على ما حكاه عنهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 62 (تذنيب) ذيل المسألة 24.

5) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 204 و 360؛ والقاضي ابن البراج في المهذب 1 : 349.

6) قال به الصدوق على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 62، المسألة 25 نقلاً عن المقنع، ولم نعثر عليه فيه.

7) وسائل الشيعة 17: 262، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، ح 1؛ و 268، الباب 79 من تلك الأبواب، ح 2.

8) المصدر 18 : 226، الباب 8 من أبواب بيع الثمار.

9) منها ما في الخلاف 6 : 98 المسألة 28؛ والسرائر 2 : 226؛ و 3 : 126.

ولكن بشرط أن لا يقصد المرور للأكل، ولا يفسد بالأكل أو بالمرور فيهدم حائطاً أو يكسر شجرة أو يلقي ثمرها إلى الأرض، ولا يجحف ولو بعد أكل الغير منه، كما إذا بقي ما إن أكله لم يبق شيء منه، وقد ذكرنا المسألة في محلّ آخر.##### الثمانون: حرمة التكسّب بمنافع الأجير الخاصّالثمانون: يحرم التكسّب بمنافع الأجير الخاص، وهو المأخوذ عليه المباشرة لعمل مطلق أو معين في وقت معين منطبق على العمل بتمامه وقتاً أو فوريةً أو في أوّله أو وسطه أو آخره، بأن يكون أجيراً لغير المستأجر في ذلك الوقت بعمل مشروط عليه مباشرته بنفسه ينافي العمل الأوّل ويضاده؛ لعدم سلطانه على نفسه، ولعدم القدرة على تسليم منافعه المملوكة للغير، وللزوم اجتماع مالكين على مملوك واحد، أو تكليف ما لا يطاق.ومثله مَنْ خُوطب بعمل معيّن في وقت معين، كصوم شهر رمضان أو نذر أو حج استؤجر في وقت خاص، فإنّه لا يجوز له إجارة نفسه على عمل يضاده، ولا أن يفعله تبرّعاً.ويفسد حيث يكون عبادة؛ لعدم إمكان توجه الأمر بعد حرمة الاستيفاء، ولامتناع تعلّق الإجارة الثانية بالمحال، ولاستحالة التكليف بالمحال، وللزوم التشريع، ولتعلّق النهي؛ بناءً على أنّ الأمر بالشيء يقضي بالنهي عن ضدّه.ولا يحلّ في غير العبادة؛ لأنّه ظلم وعدوان لاستيفاء مال الغير ومنفعته، وباستعمال الجوارح التي تعلّق بها حق الأوّل تعلّق الرهانة.قيل: وللإجماع محصلاً ومنقولاً، والأخبار في بعض الموارد، وتعمّ بتنقيح المناط (1.)والإجارة المطلقة لا تقضي بالفورية على الأظهر بالنسبة إلى العمل وإن اقتضت الحلول في النقل والانتقال.وللقول باقتضاء الفورية عرفاً للطالب وجه غير بعيد.ولا تقضي بالمباشرة ما لم يظهر من الخطاب ذلك أو من قرائن الأحوال؛ لأن المقصود في الإجارة مجرّد إيقاع ما استؤجر عليه في الخارج من دون ملاحظة المباشرة، فالمقصود في الإجارة أن يملك عليه العمل بحيث يوجده في الخارج بنفسه أو بوكيله أو بأجير له،


1) قاله الشيخ جعفر في شرح القواعد 1 : 352؛ وراجع غنية النزوع 1 : 288 - 289 ووسائل الشيعة 19 : 112، الباب 9 من أبواب كتاب الإجارة.

بخلاف أوامر الشارع في العبادات المقصود منها مجرد العبودية والخضوع؛ فإنّ الأصل فيها المباشرة، ولذلك ينعكس الحكم في أمر الشارع به وفهمنا منه إرادة مجرد وجوده في الخارج.ثمّ إنّ الأجير الخاص لو عمل لغيره فإما أن يكون بأجرةٍ مسمّاة أو تبرّعاً، أو بأجرة المثل من دون ملاحظة المسمّى، والعمل إما عبادة أو غيرها، والجميع إما مجانس أو مخالف، والجميع وقوعه إما عمداً أو سهواً، فإن تماثل العملان أو دخل أحدهما في الآخر وأجاز المستأجر الأوّل الإجارة الثانية استحق المسمّى في الثانية وأعطى الأجير أجرته، وإن لم يجزها، أو لم يكن مسمّى، أو كانت مطلقةً وقد استوفى الثاني تمام المدة، تخيّر بين الرجوع على الأجير أو المستوفي بأجرة مثل العمل المستوفى أو الفائت، أو الفسخ، ومع الرجوع على المستوفي بأجرة الفائت يرجع المستوفي على الأجير بالتفاوت إن كان مغروراً من قبله.ولو رجع على الأجير بأجرة المستوفي رجع الأجير إليه مع عدم غروره بالتفاوت.ولو فسخ فأجاز الأجير الثانية بعده - بناءً على صحّة إجازة مَنْ نقل شيئاً ثمّ مَلَكه - صحت الثانية ولزم المسمّى للآخر، وإن لم يُجِزْ أو لم يَجُز ذلك فليس للأجير على الثاني سوى أُجرة المستوفى دون المسمّى مع عدم غروره، ومع غروره أقل الأمرين.ولو شرك في العمل بين المستأجر وغيره تسلّط المستأجر على الفسخ؛ لتبعيض الصفقة أو الإمضاء، فيرجع بأجرة المستوفى على مَنْ شاء من الأجير وغيره، أو أجرة المدة المعلومة.ولو ترك الأجير العمل لهما انفسخت الإجارة و الكلام في الرجوع بالمقبوض من مال الإجارة مبني على تعيين من استحقه كما تقدم. ولو تضادت الإجارتان فسدت الأولى مع الإجازة، وصحت الثانية وعاد مسمّاها للأجير؛ لأنّ الثانية لا مانع من صحتها سوى تعلّق حق المستأجر الأوَّل، فإذا أجاز صحت الثانية وبطلت الأولى؛ لعدم إمكان الاجتماع.ولو كانت الثانية عبادةً، احتمل صحتها؛ لأنّ النهي عن الضد لا يقضي بالفساد، واحتمل فسادها؛ لأنّه تصرف بملك الغير في الجملة، وله فيها تعلّق الرهانة.ومع عدم الإجازة فللأوّل الرجوع على مَنْ شاء منهما بالفائت، فإن رجع على المستأجر رجع المستأجر على الأجير بالتفاوت مع غروره، وليس للأجير مع الرجوع إليه سوى الأقل من أجرة المستوفى أو المسمّى.

ويحتمل صحّة الثانية وإن لم يجز، غايته انه منهي عنه والنهي لا يقضي بالفساد؛ لأنّه من النهي عن الضد، وحينئذٍ لا رجوع للمستأجر الأوّل على الثاني.نعم، يرجع للأجير؛ لمكان التفويت.ويجوز إجارة الأجير المطلق مطلقاً وخاصاً وإجارة الخاص مطلقاً، ولو فهمنا من إجارة العبادات الفورية امتنعت المطلقتان والمطلقة في الوقت الخاص، إلا أن يكون من باب المطلق والمقيد.ولو تضيقت المطلقة، لم تجز الإجارة الخاصة وقت التضيق على الأظهر.ولو تضيقت المطلقتان اختار المستأجر أيهما شاء، وضمن الثانية بأجرة المثل.ولو استأجر على مضيقتين دفعةً بطل العقد، وإلا لزم الترجيح من دون مرجح.##### الواحد والثمانون: حرمة التكسّب والأخذ والنقل بما يقدّم للضيف من الطعام والإكرام للأكلالواحد والثمانون: يحرم التكسّب والأخذ والنقل بما يقدّم للضيف من الطعام والإكرام للأكل، إلّا إذا قضت العادة بجواز حمله ونقله وإباحة التصرّف فيه، فيكون أخذه والتصرف فيه بالإذن الفحوائية ولو ظنّيّة؛ لقيام السيرة على ذلك، وحينئذٍ لو حمله فباعه صح بيعه؛ لإباحة التصرف فيه، ويملك الثمن ناقله بتمام صيغة البيع أو معاطاته، فيملك المبيع آناً ما بصيغة البيع فيملك الثمن، ويمكن أن لا يكون بين الملكين تقدَّم زماني، بل تقدَّم ذاتي كتقدم العلة على المعلول.وبما ذكرنا يحلّ أخذ ما ينثر أو يقدم في الأعراس أو يرمى للنهب أو نحو ذلك.##### الثاني والثمانون: في بيان جملةٍ ممّا يحرم التكسّب بهاالثاني والثمانون: يحرم التكسّب بعين الحُرّ في جميع المعاوضات، ويحرم نقله في جميع المجانيات.ويحرم التكسّب بعين أُمّ الولد في جميع عقود المعاوضات، سوى ما استثني، وكذا يحرم نقلها بجميع المجانيات.وكذا يحرم التكسّب بعين الوقف العام أو الخاص سوى ما استثني، وكذا نقله بجميع المجانيات.

ويحرم التكسّب في نقل المصحف إلى الكافر، وكذا نقله في العقود المجانيات.ويحرم التكسّب بالأرض الخراجيّة عيناً أو منفعة لغير الحاكم الشرعي أو الجائر، إلا ما ملك فيها تبعاً لآثار التصرّف.وكذا يحرم التكسّب عيناً ومنفعةٌ في المباحات قبل ملكها أو حيازتها أو الاختصاص بها. وكذا نقلها بالنواقل المجانية.وكذا يحرم التكسّب في عقود المعاوضات في غير المقدور على تسليمه عيناً أو منفعةً، حتى الصلح في أقوى الوجهين، وحتى في المهور وعوض الخلع.وكذا يحرم التكسّب فيما لا يتموّل في عقود المعاوضات حتّى في الصلح والمهر وعوض الخلع، والظاهر أن العين والمنفعة سواء، ولا يلحق بها هنا العقود المجانية.ويحرم التكسّب فيما تعلّق اللّه فيه حقٌّ من نذر أو عهد أو يمين زجراً أو شكراً، وكذا العقود المجانية.وكذا يحرم التكسّب بما تعلّق فيه للميت حقٌّ وإن بقي على الملك كالكفن وشبهه، وكذا العقود المجانية.وكذا يحرم التكسّب بالمال المتعلّق به حق الغير من دون إذنه، كالرهن وتركة الميت المستغرقة في الدين من دون إذن الغريم أو إيفائه من الوارث.وكذا يحرم التكسّب بمال الزكاة والخمس لغير الحاكم قبل قبضه وملكه لمستحقه وغيره إلا للمالك مع ضمانه.وكذا يحرم التكسّب بالمعدوم في غير ما استثني من البيع والإجارة في وجه، وفي الصلح كلام.وكذا يحرم التكسّب بالمبهم الذي لا وجود له، كأحد الأشياء، وكلّ ما لا يؤول إلى العلم واقعاً ولا ظاهراً.وكذا يحرم التكسّب بالمجهول في خصوص البيع وإن آل إلى العلم، وكذا الإجارة.وهذه جميعها ويلحقها جملة أُخرى تركنا الكلام عليها؛ لأنّها تذكر في كتاب البيع والإجارة وفي كتاب القرض وغيرها، ويأتي جملة منها في الشرائط، ومنها في الصرف، ومنها في السلم وفي الخيارات(1.)


1) سيأتي في ص 323 وما بعدها.

##### الثالث والثمانون: في مستثنيات حرمة التكسّب بمال الغير من غير إذنهالثالث والثمانون: ذكرنا حرمة التكسّب بمال الغير من غير إذنه، ونذكر هنا بعض المستثنيات منها : المال المعرض عنه من مالكه، فإنّه يحلّ أخذه لمن تسلّط عليه وقبضه بنيّة التملك أو بدونها، إلا أنّه مع نية التملك يملكه.وهل يخرج عن ملك الأوّل بالإعراض ويدخل في ملك الثاني عند. تملكه له، أو أنّه يخرج عن ملك الأوّل ويدخل في ملك الثاني بتملكه؟ وجهان.ولو أعرض عن ماله لجهة خاصة أو لقوم خاصين ففي تحقق الإعراض وجهان.والإعراض عن الوقف لا يُخرجه عن الوقفية.ولو وجد المعرض ماله فهل هو أحق به؟ وجه.ولا يفتقر الإعراض إلى نيّة، بل لو كان حال المال ممّا يعرض عنه تحقق الإعراض.نعم لو قال: إني لا أعرض عن هذا المال، ففي نفوذه وجه.وحلّيّة المال المعرض عنه يشهد لها قوله: «إلّا بطيب نفسه» (1وإنّه من قبيل إباحة المالك فحوى، وما جاء في البعير «لو وجد في غير كلأ وماء وكان مريضاً» (2).)ومنها : لقطة ما دون الدرهم في غير الحرم، فإنّه يصح أخذها وتملكها والتكسب بها، وكذا اللقطة مطلقاً بعد التعريف سنةً، فإنّه له كذلك وإن ضمن لصاحبها في المقامين على الأظهر.وكذا الضالة لو وُجدت في الفلاة من جهد في غير كلاً ومرعى فإنّه يجوز تملكها والتكسب بها، ولا ضمان على الأقوى.وفي وجوب إرجاع عينها لو طالبها المالك بحث.والظاهر أنّ البعير والفرس والحمار سواء، وكذا الشاة.وصغار تلك الحيوانات لو وجدت في الفلاة فإنّه يجوز تملكها والتكسب بها، سواء كانت في كلأ ومرعى أم لا، وفي ضمانها وجهان.ويحتمل إجراء حكم المال الصامت على غير الشاة مطلقاً حتّى الدجاج، وكذا كلّ حيوان لا يمتنع بنفسه من السباع لضعفه أو صغره، والأحوط إجراء حكم لقطة الصامت عليه.


1) سنن الدراقطني 3 : 26، ح 91.

2) وسائل الشيعة 25 : 458، الباب 13 من أبواب كتاب اللقطة، ح 2.

ولا يجوز التقاط الحيوان مطلقاً في العمران، كما سيجيء في اللقطة إن شاء اللّه تعالى، فلو التقطه عرّف به سنةً إذا بلغ الدرهم، وفيما لا يبلغ وجهان إلا الشاة، فإنّه يحبسها ثلاثة أيام، فإن ظهر صاحبها وإلا باعها وتصدق بثمنها وضمن.ولا يجوز تملك الشاة ولا غيرها ولو بعد التعريف سنةً على الأظهر؛ لحرمة التقاطها، مع احتمال إجراء حكم لقطة المال الصامت عليه.ومنها : الأرض المحياة لشخص لو ملكها بالإحياء ثمّ ترك عمارتها حتّى خربت فإنّه يجوز التصرف بها للثاني والتكسب بها وإن لم يرضَ الأوّل.نعم، عليه أن يؤدّي للأوّل طسقها، ولو قلنا بملكية الثاني لها خرجت عن موضوع المسألة.ومنها : مياه الأنهار المملوكة في طريق المسلمين، فإنّه يجوز التصرف بها بوضوء وغُسل وغسل، بل والاكتساب بما أخذ منه ما لم يمنع المالك.ومنها : الأواني المتسعة التي يلزم من اجتنابها العسر والحرج، فإنّه يجوز لغير غاصبها التصرف بها وإن لم يجز التكسّب بها.ومنها : المقاصة لمن له عليه دين فامتنع عن وفائه، فإنّه يجوز أخذه وتملكه والتكسب به مقاصةً عمّا عليه، وأحكامه كثيرة في باب الدين.ومنها : الودعي لو علم تعلق الحج برقبة المستودع فمات جاز له أن يأخذ من الوديعة ما يستأجر به للحج من الميقات لنفسه أو غيره مع علمه بمنع الوارث، واستئذان الحاكم أحوط. ومنها : أنّه يجوز أن يؤخذ ممّن امتنع من دفع زكاة أو خمس أو نذر أو كفارة بإذن الحاكم مهما أمكن، ويجوز أن يتملكه إذا كان من أهله ويكتسب به.ومنها : أنّه يجوز للمحسن أن يأخذ ويتصرف في مال المحسن إليه لعموم (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل (1)وذلك في مواضع، وسيجيء جملة منها.)


1) التوبة (9) : 91.

#### المطلب الثاني: في قواعد تشترك فيها أكثر العقود##### القاعدة الأولى: في أن العقود تتبع القصودالقاعدة الأولى: إنّ العقود تتبع القصود؛ لأنّ القصد هو المقوم للعقد وهو المتبادر منه لغةٌ وشرعاً، فينصرف إليه لفظ العقد ولفظ أنواعه من بيع وإجارة وغيرهما، ويدخل تحت قوله: «لا عمل إلا بنيّة» (1وهو الذي يبتني عليه التراضي الذي هو شرط في التجارة، فلو خلا عن قصد اللافظ - كالغالط - أو قصد المعنى - كالهازل والعابث والنائم والسكران والمغلوب على اختياره كالغضبان - بطل العقد.)ولا بدّ من استمرار القصد من ابتداء الإيجاب إلى تمام القبول للموجب ومن ابتداء الإيجاب إلى تمام القبول للقابل، فلو لم يسمع القابل الإيجاب أو لم يعقله - لسكر أو إغماء لم ينفعه القبول بعد ذلك، ولو سمع الإيجاب غير عازم على القبول أو ردّ الإيجاب، ففي صحّة القبول إشكال. وهذا الأخير في العقود اللازمة، وأما الجائزة فقد يتسامح فيها ما لا يتسامح في غيرها.##### القاعدة الثانية: في اشتراط التراضي في العقودالقاعدة الثانية: التراضي شرط في العقود؛ لانصراف العقد إليه لغة وشرعاً، ولأنّه «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (2ولقوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراضٍ) (3).)ولا يشترط هنا استمرار الرضى من ابتداء الإيجاب إلى تمام القبول، وكذا القابل، بل لو أوقع الإيجاب مكرهاً عند القبول أو بعده، أو أوقع القابل القبول راضياً بعد الإكراه حين الإيجاب صح العقد؛ لأنّ الرضى الواقع بعد الصيغة كالمقارن؛ استناداً إلى دخول العقد بعد حصول الرضى تحت أدلة العقود وأنواعها. وليس من الأفراد التي يشكّ في شمولها له؛ لفهم


1) وسائل الشيعة 1 : 46، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، ح 1.

2) راجع ص 180، الهامش (1).

3) النساء (4) : 29.

الفقهاء دخوله فيها وهم أعرف بمداليل الألفاظ الشرعيَّة، ولعدم ندرته كي ينصرف الإطلاق إلى غيره، وللإجماع المنقول (1على صحته، والشهرة المحصلة على نفوذه.)فما ذهب إليه بعض (2من عدم تأثير الرضى المتأخر؛ للأصل والشك في شمول دليل العقد له، والإجماع المنقول، ضعيف لا يقاوم ما قدمناه.)ويلزم على ما اخترناه في حق المختار ولا يجوز له الفسخ حتّى يرضى المكره أو يرد بعد زوال جبره. ولو طال الزمان احتمل لزوم الوقف؛ لأن الضرر أدخله المختار على نفسه. واحتمل جواز الفسخ، واحتمل الرجوع إلى الحاكم ولو طال زمن الجبر لزم الوقف فإن تعقبه الرضى جاز.##### القاعدة الثالثة: في أنّه كلّ ما تصح فيه النيابة تصح فيه الولايةالقاعدة الثالثة: كلّ ما تصحّ فيه النيابة تصحّ فيه الولاية في مقام الولاية الإجبارية وفي ولاية الحاكم وتصح فيه الوكالة. وكلّ ما تصحّ فيه الوكالة تصحّ فيه الفضولية لو تعقبها الإجازة وهو الرضى المتأخر، فيصح العقد الفضولي مع تعقب الإجازة، ويوقف حتّى يدّ المالك أو يجيز، ويلزم من طرف الأصيل، وعليه الانتظار وإن طال الزمان.وهل الإجازة كاشفة أو ناقلة؟ بحث يأتي في محله (3إن شاء الله.)ويشمل الفضولي العقود اللازمة والجائزة، والمعاوضة وغيرها المنوي بها القربة وغيرها؛ لشمول دليله لجميع ذلك، وما جاء في فضولي البيع والنكاح (4من الأخبار الدالة على الصحّة يدلّ على غيرها بالأولوية أو بتنقيح المناط، ولأنّ العقد الفضولي مشمول للأدلة جنساً ونوعاً، وجامع للشرائط بعد حصول الرضى.)ولا فرق بين المقارن والمتأخر، وشرطيّة المقارنة الأصل،عدمها، وليس من النادر الذي لا ينصرف إليه إطلاق العقد، بل السيرة القطعية تؤذن باستعماله في الجملة، ونقل الإجماع على عدم القول بالفرق (5، وكثير من الأبواب المتفرّقة تشعر بصحته، ذكرناها في بحث الفضولي(6).)


1) الحدائق الناضرة 18 : 377.

2) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 8 : 156.

3) سيأتي في ص 260.

4) مستدرك الوسائل 13 : 245، الباب 18 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1؛ وسائل الشيعة 20 : 280 - 281، الباب 7 من أبواب عقد النكاح...، ح 3 و 21 : 203 الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

5) راجع رياض المسائل 8 : 223.

6) سيأتي في ص 248 وما بعدها.

ولا فرق في الفضولي بين أن ينقل ناوياً لنفسه أو لغيره أو للمالك، فإن أجاز المالك لنفسه عاد له ولغت نية الخلاف، وإن أجاز على طبق ما نوى صح، وينتقل إلى غير المالك بنفس الصيغة فيملك الثمن، كـ«أعتق عبدك عنّي» وينبعث من ذلك جواز بيع الإنسان مال نفسه لغيره فيجيز الغير ويملكه.##### القاعدة الرابعة: في عدم استبعاد نفوذ إجازة من تصرف بشيء ثم ملكه بعد ذلكالقاعدة الرابعة: لا يبعد نفوذ إجازة من تصرف بشيءٍ من نقل أو انتقال أو مضاربة أو عارية أو رهن أو إجارة، ثمّ ملكه بعد ذلك على القول بأن الإجازة ناقلة، وعلى القول بالكشف يشكل من لزوم صحته عدمها؛ لأنّه لو صح النقل الأوّل لما انتقل، فلو أثر انتقاله بصحة الأوّل للزم عدم انتقاله، وهو محال.نعم، لو اشترطنا في الإجازة مطلقاً قابليّة المجيز للإجازة في الحال لم يكن لذلك وجه صحة، ولكن لا نشترط؛ لما يرشد إليه الفضولي عن الصغيرين.ويلحق بذلك ما لو باع الفضولي مال كامل فنقص الكامل، فصار وليه أو مات فكان وارثه، أو غاب فتولاه الحاكم الشرعي، أو آجر نفسه مملوكاً فصار حُراً، أو أجيراً خاصاً بإجارةٍ خاصة، أو باع مرهوناً ففكّ الرهن فتقايل مع الأوّل وهكذا.##### القاعدة الخامسة: في اشتراط البلوغ والعقل في صحة العقود من الموجب والقابلالقاعدة الخامسة: يشترط في صحّة العقود البلوغ من الموجب، وكذا القابل حين قبوله. وهل يشترط بلوغ القابل عند إيجاب الموجب؟ الظاهر جوازه إذا كان مميزاً للإيجاب حين صدوره.ويشترط العقل من الموجب إلى تمام الصيغة والقبض فيما شرطه القبض، ومن القابل من ابتداء الإيجاب إلى تمام الصيغة وشرطها، فلا عبرة بعقد الصبي - وإن بلغ عشراً - في معاطاة أو غيرها، قليلاً أو كثيراً، ولا عبرة بإذنه وإباحته.نعم، لو ظنّ إذن الولي له جازت معاملته في الحقير، ويكون من قبيل الإباحة من الأولياء أو من الشارع؛ لقيام السيرة على ذلك، كما إذا أذن الصبي بدخول الدار أو أوصل الهدية بيده.وبالجملة، فتصرف الصبي وعقده وإيقاعه لا يفيد ملكاً ولا تمليكاً؛ لعدم دخوله في

المخاطبين، ولعدم دخول عقده في العقود جنساً ونوعاً، ولعدم ترتب الحكم الشرعي اللازم للمالك والتمليك عليه؛ لرفع القلم عنه، وللإجماع المنقول (1والأخبار (2)المتكثّرة على عدم صحّة عقوده، والشهرة محصلة فضلاً عن أن تكون منقولةٌ (3)مؤيدة للأخبار وكلام الأصحاب.)وأما قبول شهادته في الجراح ووصيته وإسلامه وإحرامه وتدبيره لو قلنا به فللدليل. وأخبار (4«مَنْ بلغ عشراً» محمولة على بلوغه عندها أو على الإناث، أو مطرحة. وآية: (وَابْتَلُوا اليَتَامَى) (5)يراد بها الصور والحقائق من الولي، أو اختبار نفس البلوغ، أو الاختبار بعد البلوغ، أو الاختبار بغير أموالهم على صورة ولو أتلفوها، أو وعلى ما يصح منهم كالوصية والحيازة، أو بالسؤال والبحث أو بالأمانة فيدفع لهم المال لأن يكونوا خُزاناً له.)##### القاعدة السادسة: في اشتراط اتفاق القصدين والرضاءين من الموجب والقابلالقاعدة السادسة : يشترط اتفاق القصدين والرضاءين من الموجب والقابل، فلو اختلف قصدهما، كما إذا قصد أحدهما تمليك البيع فقصد بالقبول أنّه قبول صلح، أو قصد الموجب (6وقصد القابل الإطلاق أو بالعكس، أو قصد الموجب الخيار وقصد القابل اللزوم، أو قصد الموجب شرطاً فقصد القابل خلافه (7).)نعم، لو قرن القابل قبوله بخيار أو شرط أو أجل فرضي به الموجب بعد قبول القابل بلا فصل، فلا يبعد الصحّة واللزوم.ولو اختلف قصدهما فيما لا يقوم المعاوضة فلا بأس، كما إذا قصد أحدهما أنّه مرابحة والآخر مواضعة، أو أحدهما البيع المطلق والآخر السلمية بعد فرض ذكر الأجل.وكذا لو اختلف رضاهما، كما إذا رضي الموجب بالمطلق وأكره على الشرط ورضي القابل بهما، بطل العقد من غير إجازة.


1) تذكرة الفقهاء 14 : 185، الفصل الأول: الصغير.

2) منها : ما في وسائل الشيعة 18 : 410 - 412، الباب 2 من أبواب كتاب الحجر، ح 1، 5.

3) نقلها البحراني في الحدائق الناضرة 18 : 372.

4) منها ما في المبسوط 2: 163.

5) النساء (4) : 6.

6) كذا قوله : «قصد الموجب» بدون ذكر المفعول.

7) كذا قوله : «فلو اختلف قصدهما... خلافه» بدون الجواب.

ولو أُجبر الموجب على الشرط فرضي القابل بالمطلق صحّ.والمجبور على أحد الأشياء مجبور، والمجبور على معيّن فعدل إلى غيره صحيح، والمجبور على أحد الأمرين من الواجب عليه والمباح ليس مجبوراً، كما إذا أُجبر على أن ينفق أو يطلق أو يصلّي أو يبيع ونحو ذلك، والمجبور على أنّه لو باع لا يبيع إلا بعشر ليس مجبوراً على الأظهر.##### القاعدة السابعة: في اشتراط اتفاق قصد الاسم والإشارة في المعقود عليهالقاعدة السابعة : يشترط اتفاق قصد الاسم والإشارة في المعقود عليه، فلو قصد العقد على ذهب وأشار إلى فضة قاصداً العقد عليها أيضاً زاعماً أنّها الذهب، أو عقد على مشار إليه زاعماً أنّه ذهب وسمّاه به فتبيّن أنّه فضة فلا يبعد،البطلان، مع احتمال تقديم أقوى القصدين، واحتمال تقديم الاسم مطلقاً، واحتمال الإشارة مطلقاً، واحتمال البناء على ما تواطئا عليه أوّلاً بحيث كان هو المقصود أصالة، وغيره إنّما جاء به الاشتباه تبعاً، وهو قوي.ولو اختلف قصد الموجب والقابل بطل العقد.##### القاعدة الثامنة: في الأصل في العقود هو اللفظ الخاص بالصيغة الخاصة الصريحةالقاعدة الثامنة : الأصل في العقد سيّما اللازم هو اللفظ الخاص بالصيغة الخاصة الصريحة؛ للأصل، ولانصراف العقد إليه، بل لانصراف أدلّة أنواع العقود إليه.خلافاً لمن زعم أن خلق الأخبار عن الصيغ دليل على عدم لزوم ذكرها حال الصدور، فلا تكون هي الشائعة، بل ترك البيان بيان العدم (1.)وهو ضعيف؛ لأنا نقطع باستعمال الصيغ يومئذ، كما هو المجزوم به عند الفقهاء إذا أرادوا التدقيق، وإن كفتهم المعاطاة في كثير عند المسامحة، والفقهاء أدرى بذلك؛ لأنّ أهل مكة أدرى بشعابها، وترك بيانها في الأخبار استغناء عنه بظهورها، فهي المتعارفة من العقد جنساً ونوعاً.والصيغ الخاصة الصريحة هي الدالة على الإيجاب المأخوذة من مصدر ذلك النوع الماضوية العربية من العربي، ويقوم مقامها العجميّة من العجمي عند عدم قدرته على العربية، وعلى توكيل العربي أو مطلقاً في وجه والدالة على الرضى أو القبول لذلك الإيجاب من «رضیت» و «قبلت» وشبههما.


1) قاله الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 8 : 140.

ويقوى هنا جواز العجمية وإن تمكن من العربية، بل جوازها للعربي.ولا بدّ من تقارنهما عرفاً بحيث لا يفصل بينهما فاصل طويل.فلا ينعقد العقد بالأفعال الخالية عن الأقوال أو المجامعة ولكن كان المقصود منها الانتقال دون الأقوال (1، كالإشارة والكتابة وغيرهما؛ لما ذكرنا ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام» (2).)ولو قصد بمجموع الفعل واللفظ الانتقال أشكل الحال من أصالة العدم، ومن أن المركب من الداخل والخارج خارج، ومن حصول السبب فتلغى الضميمة.ولا ينعقد بغير الصريح من الحقائق المهجورة والمجازات البعيدة والكنايات.وينعقد بالمشترك المعنوي، والمجاز القريب المعروف والمشترك اللفظي مع مصاحبته للقرينة.ولا يخلّ اللحن بالإعراب، ويخلّ بالبنية المغيرة لهيئة الكلمة.ولا يشترط تقديم الإيجاب على القبول وإن كان أولى، إلا في «قبلت» و«رضيت» ونحوهما مما هو غير تام عند تقديمه، بخلاف «اشتریت» و «ابتعت».ولمانع أن يمنع التقديم بنيّة القبول؛ لأنّ قبول ما لا يقع لا يقع، فيشك في شمول العقد له، ولأن الانفعال لا يتقدّم الفعل إلا إذا عاد القبول متضمناً معنى الإيجاب للثمن ونقله له، فيكون كلّ منهما موجباً قابلاً، فالمشتري ناقل للثمن بدارٍ قابلها عند انتقالها إليه، والبائع ناقل داراً بثمن قابله عند انتقاله إليه.##### القاعدة التاسعة: في جواز المعاطاة في العقود اللازمة والجائزةالقاعدة التاسعة: يخرج عمّا ذكرنا - من عدم صلاحية الأفعال للنقل والانتقال - المعاطاة في العقود اللازمة والجائزة المعاوضة وغيرها، ما عدا ما خرج بالدليل، كالنكاح والوقف وشبههما.وهى قائمة مقام العقود اللفظيَّة، شاملة أنواعها لها في التسمية العرفية، متعارفة في المعاملة من قديم الزمان إلى هذا الآن، جارية عليها السيرة في جميع الأقطار والأمصار من


1) في «ق» : «الأفعال».

2) وسائل الشيعة 18 : 50 الباب 8 من أبواب أحكام العقود، ح 4.

غير إنكار، وتفيد فائدة العقود اللفظيَّة القائمة مقامها، وتعطي جميع أحكامها، سوى اللزوم؛ حيث إنّها جائزة فيما لزم العقد فيه بلفظه ؛ لأصالة عدم اللزوم، وللإجماع، ولانصراف دليل (أوْفُوا بِالعُقُودِ (1)للعقود اللفظيَّة، والاستصحاب لا يفيد اللزوم؛ لأنّه من استصحاب المجمل بعد العلم أن العقود نوعان.)ويمكن القول بأنّها عقد مستقلّ يقوم مقام العقود، فلا يشترط فيه شرائطها من العلم والصرف والسَّلَم وغيرها، ويكون عمدة دليلها السيرة القاضية بالملك والتمليك في الأعيان والمنافع حيث إنّهم يجرون عليها آثارهما بديهة والأثر دليل المؤثر.فالقول بأنها تفيد إباحة التصرّف بعيد مخالف لضرورة المعاملة الجارية بين المسلمين منذ بعث النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، حيث إنّهم لا يقصدون سوى الملك، ولا يرتبون أثراً سوى أثره، ولا يلاحظون الإباحة، فكيف يقع غير ما قصدوا وخلاف ما سلكوا، هل هذا إلا مجازفة؟)نعم، اتفق الجميع على لزومها بالتلف والتصرّف الناقل والمتغيّر تغيّراً بيناً.ويكفي في المعاطاة الدفع من جانب واحد كما عليه السيرة، وتلزم بتلف البعض.والكلام في المعاطاة ذكرناه في موضعه.##### القاعدة العاشرة: في قيام الإشارة مقام اللفظ للأخرس وأمثالهالقاعدة العاشرة: يقوم مقام القول الإشارة لمن لا يمكنه اللفظ، كالأخرس وشبهه؛ للأخبار (2والإجماع، ويكتفى من التمتام والفأفاء والألتغ والألثغ بما تيسر منهما، ولا تجزئ الإشارة، والأحوط التوكيل.)ولو اصطلح المتعاقدان على لفظ يفيد البيع حتّى يفهم بينهما من دون قرينة، ففي إجزائه نظر.##### القاعدة الإحدى عشرة في عدم صحة عقد المعاوضة على ما لا يتموّل عيناً أو منفعةالقاعدة الإحدى عشر : لا يصح عقد المعاوضة على ما لا يتموّل عيناً أو منفعةً؛ لأنّه سفه، ولعدم انصراف لفظ المال والعقد المطلق إلى العقد عليه ثمناً أو مثمناً، ولخروجه عن دليل التكسب، كما في خبر تحف العقول (3.)نعم لو نقل بشرط الانضمام إلى ما يتموّل أو إلى مثله حتّى يصير الجميع متمولاً صح.


1) المائدة (5) : 1.

2) لم نهتد إليها.

3) تحف العقول: 241؛ و راجع وسائل الشيعة 17 : 83، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

##### القاعدة الثانية عشرة: في عدم صحة عقد المعاوضة على ما لا يقدر على تسليمه وتسلّمهالقاعدة الثانية عشرة: لا يصح عقد المعاوضة على ما لا يقدر على تسليمه وتسلّمه ولا يرجى القدرة عليه بعد ذلك ولا ينتفع به وهو بحاله؛ لدخولها تحت السفه و تحت نهي خبر تحف العقول (1، ولعدم انصراف المطلق إلى العقد المشتمل عليه.)ولو رجى القدرة عليه، أو انتفع به في موضعه، أو كان ضميمة غير مقصودة أصالة في المعاوضة صح نقله على بعض الوجوه، وامتنع على بعض آخر، ويأتي الكلام عليه في محلّه إن شاء اللّه تعالى.##### القاعدة الثالثة عشر : في عدم الإثم والضمان على المحسنينالقاعدة الثالثة عشر: قاعدة الإحسان جاء بها الدليل على أنّ (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (2)وظاهره نفي الإثم والضمان.)ويدور الإحسان مدار الواقع وإن كان رافعاً للإثم لو كان بحسب نظر المحسن فقط، كما يظهر من قوله تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (3)وقال: (إنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ) (4)، وقال: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللّه إِلَيْكَ) (5)، إلا أن بينها وبين عموم «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (6)و «مَنْ أتلف مال غيره فهو ضامن» (7)عموماً من وجه، فلا بد للفقيه من النظر في العمومين عند اجتماعهما في موردٍ واحد كي ينظر إلى ترجيح أحد العامين على الآخر إما بالأخبار، أو بالإجماع، أو بفتوى المشهور، أو بإخراج المتلف عن وصف الإحسان الواقعي فيشمله دليل الضمان من غير معارض. ويترتب على ذلك أمور:

منها: أنّ مَنْ تولّى مال الأيتام والمجانين مع بعد الحاكم، وتولّى حفظها وتنميتها بنيّة الرجوع بالأُجرة على مالهم جاز له ذلك ونفذت تصرفاته، وأخذ الأجرة وأكل بالمعروف، ولو تلف شيء تحت يده فلا ضمان عليه، ولو أتلفه بيده من غير تعد فوجهان.


1) تقدَّم آنفاً.

2) التوبة (9) : 91.

3) البقرة (2) : 195.

4) الإسراء (17) : 7.

5) القصص (28) : 77.

6) مستدرك الوسائل 17 : 88، الباب 1 من أبواب كتاب الغصب، ح 4.

7) راجع وسائل الشيعة 27 : 327، الباب 11 من أبواب كتاب الشهادات.

ومنها: لو خيف على مال الغائب من التلف ولم يمكن الرجوع إلى الحاكم، جاز حفظه وإصلاحه ولو بنقل بعض عينه أو كلّها منفعة أو عيناً، ونفذت تصرفاته، ولو نوى الأجرة جاز له أخذها، ولو تلف تحت يده فلا ضمان ولو أتلفه بيده من غير تعد فوجهان.

ومنها: أن الودعي لو ادعى الردّ قبل قوله فيه على الأظهر؛ لأنّه محسن بقبوله الوديعة.

ومنها: أنّه لو أكره على واجب أو ترك محرم فتسبب من ذلك تلف مال أو نفس، لم يكن المكره فاعلهما، فلا ضمان عليه.

ومنها: أنّه لو بنى مسجداً أو قنطرةً أو حفر بئراً للمسلمين فتسبب عن ذلك تلف نفس أو مال بوقوع حائط أو سقف، لم يضمن.

ومنها: أنّه لو تصدق بمجهول المالك، لم يضمن لو لم يظهر صاحبه، وكذا اللقطة، وإن ظهر ضمن إن لم يرض بالصدقة؛ للنص (1).

ومنها: أن اللقطة لو قبضها للتعريف - وكذا إحدى الأمانات الشرعيَّة - لا يضمنها إذا تلفت بيده من غير تعد ولا تفريط.

ومنها: أنّه لو دفع بنيّة الرجوع مالاً لتخليص مال الغائب من يد الغاصب، كان له الرجوع عليه في وجه؛ لقوله : (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ) (2).

ومنها: أنّه لو أنقذ غريقاً بمال حيث لا يمكن مباشرته، جاز له الرجوع عليه به في وجه.

القاعدة الرابعة عشر : بيان الفرق بين قاعدة العدوان وقاعدة المحرمات

القاعدة الرابعة عشر: قاعدة العدوان (مَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (3)﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (4)، وبين هذه القاعدة وقاعدة المحرمات عموم) من وجه، فلا بد من الترجيح فيما تقدَّم فيه القاعدة المقاصة في الأموال، والقصاص في الأنفس والجروح، ويلزم الاقتصار على المثل، إلا إذا توقف التوصل إليه على إتلاف شيءٍ أو قبض زائد فيأخذ حقه ويرد الزائد.


1) راجع وسائل الشيعة 25 : 463، الباب 17 من أبواب اللقطة، ح 2.

2) الرحمن (55) : 60.

3) البقرة (2) : 194.

4) الشورى (42) : 40.

ولا تجري القاعدة فيما قوي عليه من المحرمات، فلا يسبّ مَنْ سبّه، أو يزني بمن زنى به، أو يستغيب مَنْ يستغيبه أو يهجوه.

والذي يظهر أن الإحسان والعدوان واقعيان.

نعم، لو فعل الإحسان بزعم العدوان لم يترتب عليه أحكام الإحسان ولا العدوان، ولو فعل العدوان بنيّة الإحسان لم يترتب عليه أحكام العدوان ولاالإحسان.

القاعدة الخامسة عشر : لزوم جزاء فاعل الإحسان إن لم ينو التبرع

القاعدة الخامسة عشر : (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ) (1)يترتب عليه: أنّ الفاعل للإحسان يلزم جزاؤه لو كان عمله مما له قيمة ما لم ينو التبرع، سواء نوى الرجوع بأجرة العمل أم لم ينو.

وقد يقال: إن ناوي الرجوع بالأجرة ليس محسناً؛ لمقابلة عمله بالأُجرة.

قلنا: فرق بين الفعل مع نية الرجوع بالأجرة لو حصلت من المحسن إليه، وبين الفعل للأجرة المتقدّمة، فربّما يُعدّ ذلك إحساناً ولا يُعدّ هذا.

أما دفع المال في المخمصة أو دفع المال لتخليص نفس من القتل فلا شك أنّه إحسان؛ لأن القرض كلّه إحسان.

وقد يُفرّق بين المتلف إذا كان أجيراً فيضمن، كالقصار والطبيب والحجام وغيرهم، وبين مَنْ كان ملتمساً قادماً إما متبرعاً أو غير شارطٍ للأجرة فلا يضمن الأجير وإن دفعت إليه الأجرة. ولو أتلف المحسن مالاً للمحسن إليه في طريق الإحسان، احتمل تحكيم قاعدة الإحسان، واحتمل تحكيم قاعدة «مَنْ أتلف فعليه الضمان».

ولو أتلف مالاً لغير المحسن إليه، كان ضمانه على المحسن، مع احتمال أن ضمانه على مَنْ أُحسن إليه، وكذا لو كان المتلوف مال المحسن احتمل عوده إلى المحسن إليه، ولكن الأظهر هنا تقديم قاعدة الضمان.

وبالجملة، فقاعدة الإحسان شاملة لنفي الإثم والضمان، سواء كان ضمان يد أو ضمان مباشرة أو ضمان تسبيب وغاية ما يخصص بها دليل ضمان اليد أو التسبيب، وأما ضمان المباشرة، فظاهر الفقهاء أنّه أقوى.


1) لرحمن (55) : 60.

ولو نته جاهلاً أو غافلاً أو أيقظ نائماً أو هدى ضالاً أو ذكر ناسياً قاصداً للإحسان للزوم الضرر عليه في غفلته أو نومه أو جهله أو نسيانه، فإن ترتب الفساد عليه بعد ذلك فلا ضمان؛ لبطلان حكم السببية، وإن وقع الفساد بنفس ذلك الفعل قوي دليل الضمان كمن ضرب أسداً لتخليص إنسان فوقعت الضربة بالإنسان، فإنّه لا تسقط عنه الدية.

نعم، لو طلب الفاعل لتلك أُجرةً على ما عمل احتمل دخوله تحت قوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ) (1).

القاعدة السادسة عشر : الأصل في العقود التنجيز

القاعدة السادسة عشر: الأصل في العقود التنجيز، فلا تقبل التعليق، ولو علقت فسدت؛ لأنّ الإنشاء لا يعلّق، ولعدم انصراف أدلّة العقود جنساً ونوعاً للمعلق، فلا يعلق النقل ولا الانتقال في عين أو منفعة.

القاعدة السابعة عشر : الأصل في العقود الحلول

القاعدة السابعة عشر : الأصل في العقود الحلول، بمعنى حلول أثر النقل والانتقال وهو الملك، إلا ما خرج بالدليل، كتأخير الملك في الوصية إلى ما بعد الموت، وتأخير الملك في الوقف إلى ظهور البطن الثاني فيتلقى من الواقف، وبالجملة، فالملك لا يتأخر عن سببه إلا بدليل يدلّ عليه.

القاعدة الثامنة عشر: الأصل في العقود حلول تسليم متعلّق الملك

القاعدة الثامنة عشر: الأصل في العقود حلول تسليم متعلّق الملك من ثمن أو مثمن، إلا ما أُجل بدليل كالنسيئة والسَّلَم.

القاعدة التاسعة عشر : الأصل وجود المملوك في العقود إلّا ما خرج بالدليل

القاعدة التاسعة عشر: الأصل وجود المملوك في العقود، إلا ما خرج بالدليل، كبيع المعدوم، وإجارة العمل أو المنفعة المتأخرة، مع أنّ الجميع موجودة بالقوة؛ لقيام الأوّل بأصله، وقيام الثاني بالأجير، والثالث بالعين المستأجرة.

وقد يدعى أن المعدوم لا يملك ولكنّه يملك أن يملك بعد وجوده، فصفة الملك ليست قائمةً به، بل بملكيته بعد ذلك.


1) الرحمن (55) : 60.

القاعدة العشرون: الأصل في العقود قبولها للشروط

القاعدة العشرون: الأصل في العقود قبولها للشروط؛ لعموم أدلة الشروط، ولأنها من مواردها المقطوع بها.

والشرط في اللازم لازم، وفي الجائز جائز، وفائدته في اللازم الإلزام به مطلقاً، فإن لم يمكن حصوله تسلّط المشتري على الفسخ وفائدته في الجائز: لزومه ما لم يفسخ الجائز أو ينفسخ، وأيضاً لو لزم الجائز جاز من جهة الشرط.

ويفسد العقد لو كان الشرط حراماً، أو غير مقدور، أو مخالفاً لكتاب اللّه تعالى وسنة نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أو حرم حلالاً، أو غير حكماً شرعياً، أو منافياً لمقتضى ذات العقد ووضعه، فسد وفسد العقد بفساده، ولو كان سفهاً أو لغواً فلا يبعد عدم الفساد، ولو نافى مقتضى إطلاقه فلا بأس.

واشتراط الخيار في العقد اللازم قضى به الإجماع والدليل، والكلام فيه يأتي في محلّه (1)إن شاء اللّه تعالى.

القاعدة الإحدى والعشرون: الأصل في العقود الجزم

القاعدة الإحدى والعشرون: الأصل في العقود الجزم؛ لعدم انصراف العقد إلى غير المجزوم به، ولظاهر الإجماع، فلو ردّد بين «بعتك» أو «صالحتك» أو «آجرتك» أو «أعرتك» أو ردد بين «بعتك» و«بعت غيرك» أو «بعتك أنا» أو «موكلي» أو ردّد بين كون البيع هذا وهذا أو أحدهما، أو بين هذا الثمن أو هذا أو أحدهما (2).

نعم، لو صالح على مشاهد وردّد في كيله أو وزنه، أو على معين فردّد في اسمه فلا بأس.

القاعدة الثانية والعشرون: قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» وعكسها وبيان المراد من الضمان فيها

القاعدة الثانية والعشرون: اشتهر أنّ «ما يُضمن بصحيحه من العقود يُضمن بفاسده» وقد يعكس في لسان جمع من الفقهاء بأنّ «ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده» ويراد بالضمان في مبدأ الفقرة هو الإقدام على العوض من طرف الموجب ثمناً ومن طرف القابل مثمناً، ويراد به بآخر الفقرة الضمان بالمثل أو القيمة لا المسمّى.

ويساعد الفقرة الأولى أدلّة الضمان الشاملة للعلم والجهل متفقين أو مختلفين.


1) سيأتي في ص 331 وما بعدها.

2) كذا قوله : «فلو ردّد... أو أحدهما» بدون الجواب.

ويشكل في الفقرة الثانية المنافع فإنّها غير مضمونة في صحيح العقد، مع أنّها مضمونة بفاسده.

وقد يجاب: بأنها مضمونة تبعاً؛ لأنّها ملحوظة في معاوضة الأعيان تبعاً.

ويشكل أيضاً في بيع المحاباة، فإنّ الزائد لم يقابل بالعوض مع أنّه مضمون على قابضه.

وقد يجاب: بأن العوض كان على المجموع، فالمنتقل إليه قادم على ضمانه في الجملة.

وقد يشكل في المغصوب في العين المستأجرة فإنّ صحيح الإجارة لا يضمن العين فيها من دون تعد أو تفريط، وكذا في العقود المجانية، كالوقف والهبة والعارية والوديعة والمضاربة، فإنّ الغاصب يأخذ المثل أو القيمة ممن استولت يده عليه مع أن صحيحها لا ضمان فيه.

ويجاب بأنّ عدم الضمان للعاقد لا ينافي الضمان لغيره لو كان مالكاً، فالمضون له غير العاقد والعاقد غير مضمون له.

أو يجاب: بأن الضمان يستقر على الغار في صورة جهل المتعاقدين أو جهل المدفوع له، فالرجوع على المغرور موجب لرجوعه على الغار، ومع الرجوع على الغار يعود ضمانه كلا ضمان، وأما مع العلم فضمانه لغير العاقد، فلا يقدح أنّ ما لا يضمن بصحيحه للعاقد لا يُضمن بفاسده.

القاعدة الثالثة والعشرون: قاعدة «المغرور يرجع على من غرّه»

القاعدة الثالثة والعشرون: اشتهر بين الفقهاء أنّ «المغرور يرجع على مَنْ غرّه» ويكفي في الدليل عليه حديث الضرر (1)المنجبر بفتوى الأصحاب، و «رفع عن أمتي... ما لا يعلمون» (2)فيرجع على الغار كي لا يذهب مال امرئ مسلم و «من حفر لأخيه بئراً وقع فيها» (3)و (إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ) (4)والرجوع إلى الغار من العدل، ولأنّ الغار عادٍ فيشمله دليل العدوان.

ويترتب على ذلك: أنّ المغرور في العقود المجانية بانتقال مال الغير ولم يقدم على ضمانه لو أدى لمالكه رجع إلى الغار، وكذا الزائد على المسمّى في عقود المعاوضة في وجهِ قوي، وكذا الغرامات المبذولة على المال التي لا يقابلها نفع وصل للمغرور.


1) وسائل الشيعة 18 : 32، الباب 11 من أبواب الخيار، ح 3 - 5.

2) المصدر 15 : 369، الباب 56 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، ح 1.

3) مستدرك الوسائل 12 : 102، الباب 77 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، ح 12.

4) النحل (16) : 90.

القاعدة الرابعة والعشرون: عموم «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي»

القاعدة الرابعة والعشرون: عموم «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» (1)من القواعد المسلّمة المنجبرة بالفتوى والعمل.

والأخذ يعمّ التلف فيدخل فيها «مَنْ أتلف مال غيره فهو ضامن» (2).

والتأدية تعم المثل والقيمة لو تلفت؛ لأنّه نوع تأدية وإيصال.

ولا منافاة بينها وبين قاعدة الغرور، كما أنّها قد تقدَّم على قاعدة الإحسان إذا قويت عليها بفتوى الأصحاب أو بأخبار خاصة، أو إذا ضعف الإحسان، وكذا قاعدة «ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده» بناءً على اعتبارها واشتهارها فيترتب عليها ضمان المقبوض بالسوم وشبهه، وضمان الأمانات مع التعدي والتفريط، وضمان العارية المضمونة أو المشروط ضمانها أو المأخوذة للرهن، وضمان المقبوض بالعقد الفاسد مع علم المتعاقدين بالفساد أو مع جهلهما أو علم أحدهما وجهل الآخر.

ودعوى أنّه في حالة العلم لا ضمان على الجاهل؛ لأنّ العالم قد سلّط الجاهل على ماله. فهو شبيه بالإعراض، ضعيفة؛ لأنّ العالم قد قصد المعاوضة الصورية وإنه لم يدفعه مجاناً ولو تشريعاً وابتداعاً، والجاهل هنا لا يجري عليه حكم المغرور؛ لأن الجهل هنا في الحكم لا في الموضوع كي يعذر صاحبه ويجري عليه أحكام المغرور، وتمام الكلام يأتي - إن شاء اللّه - في محله (3).

القاعدة الخامسة والعشرون: حديث لا ضرر ولا ضرار

القاعدة الخامسة والعشرون: اشتهر من الأخبار حديث «لا ضرر ولا ضرار» (4)، وهو مجبور بالفتوى والعمل في الجملة عند الأصحاب، ولم يزل يستدلون به في كثير من الأبواب. ومعناه الظاهر في العقود أنّ وضعها الشرعي مبني على كونها حداً يقطع الخصومة والنزاع، ويرفع التشاجر والفساد بين العباد، فلا تبني على الضرر والضرار، ولا على النزاع والغر، فكل عقد يبتني على ذلك فهو فاسد إن لحقه ذلك لذاته، وإن لحقه لوصفه من اللزوم كان اللزوم باطلاً، وهو معنى انجباره بالخيار.


1) راجع ص 189، الهامش (6).

2) راجع ص 189، الهامش (7).

3) سيأتي في ص 236.

4) راجع ص 151 الهامش (3).

ويترتب على ذلك أنّ العقود المبنية على الغرر كبيع المعدوم والمجهول وإجارتهما وغير المقدور على تسليمه كذلك.

ويترتب على ذلك: ثبوت الخيار للمغبون، ولما خرج خلاف الرؤية والوصف، ولما اشتمل على العيب أو على التدليس أو على الشركة أو على الشرط أو على ظهور الكذب في الإخبار في باب المرابحة أو على ظهور الإعسار في الضامن في عقد الضمان.

ويترتب على ذلك: فوات شرط الاختيار، فيقوم مقامه الإجبار فيما لو امتنع الشريك من القسمة، أو امتنع من المهايأة في وجه، أو امتنع من الصلح الاختياري في مقام الاشتباه، فإنّ الحاكم يصالحه قهراً، أو امتنع من الإنفاق فإنّ الحاكم يبيع ماله لنفقة عياله، وكذا لو امتنع من بيع الطعام عند اضطرار الناس إليه احتكاراً منه يطلب فيه الغلاء، وكذلك بيع كلّ ما يضطرّ إليه عامة الناس، وكذا بيع مال الغائب الذي يخشى تلفه، وكذلك بيع مال الودعي إذا خشي عليه من الفساد، وكذا كلّ أمانة، ودخوله في قاعدة الإحسان لا ينافي دخوله في قاعدة أُخرى.

ولو تقابل الضرران فلا يجبر ضرر واحد بضررٍ آخر، إلا إذا عاد إلى موضوع واحد، فهناك ينظر إلى الترجيح فيقدم أزيدهما ضرراً.

وإذا توقف النظام على الأعمال التي لها أُجرة، قام الحاكم مقامهم وآجرهم أو جبرهم عند امتناعهم، وقد يكون دليلاً على لزوم الجائز كالعارية للدفن وللصلاة الواجبة، ومثله عارية الرهن فإنّها تلزم بالرهن بل ربما يتسرّى فيه لكلّ مستعار بني على الدوام ويضرّ قلعه، وكذا تزويج الولي الصغيرة بغير مهر المثل فإنّه لا يبعد تسليطها على فسخ المسمّى، وكذا المزوّجة بالمدلّس أو المزوّج بالمدلّسة، وكذا الخيار في عيوب النكاح، وكذا لو تزوجها على أنّها بنت مهيرة (1)فبانت بنت أمة، وكذا لو أُعتقت تحت عبد أو نُقلت.

القاعدة السادسة والعشرون : قاعدة «التعاون على البرّ»

القاعدة السادسة والعشرون: قاعدة (تَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَان) (2)يترتب عليها: أنّ كلّ عقد صدق عرفاً عليه أنّه معاونة على إثم أو أنّه


1) المهيرة : المرأة الغالية المهر المعجم الوسيط : 890، «م هر».

2) المائدة (5) : 2.

كان القصد فيه الضرر - كما تقدَّم في الأُولى - فاسد لا يترتب عليه أثره، بناءً على أنّ النهي الحاصل من اجتماع جهتين تقييديتين في المعاملة يبطلها، فعلى ذلك لو قصد بيع السلاح معونة للظالمين على الحرب، وكذا كلّ ما يعان به عرفاً، أو قصد بالإجارة الإعانة على فعل الحرام كإجارة البيوت للزواني وللخمر وللقمار، أو قصد ببيع السموم ضرر المسلمين أو بإجارة المساكن للجند ضرر المؤمنين ولو كانت المعونة غير واقعية بل مجرّد أن الناقل زعمها، فهي حرام لا تقضي بالفساد قطعاً، ولو كان بالعكس فلا يبعد الفساد دون التحريم ولو كان صدق المعونة بعيداً، كبيع الطعام أو اللباس لمن يتقوى به على الحرب، وبيع الآجر أو الجص لمن يعمل بيتاً فيؤجره للحرام على إشكال في الأخير، إلا إذا صرّح بالشرطية أو العلية فلايبعد الفساد.

القاعدة السابعة والعشرون: الأصل في العقود الصحة عند وقوعها والشك في أنّها صحيحة أو فاسدة

القاعدة السابعة والعشرون: الأصل في العقود الصحّة عند وقوعها والشكّ في أنّها صحيحة أو فاسدة؛ لأصالة [ صحّة ] (1)فعل المسلم، إلّا إذا توقفت على شرط يشك في حصوله وقت العقد، كمن عقد ولم يعلم بلوغه أو عقله بعد جنونه، فإنّ أصل الصحّة لا يثبت حصول الشرط مع الشكّ في تحققه إلى زمن الشكّ وإلا لجاز أن آمر الصبي بعقد فبعد تمامه أقول: الأصل صحته فهو بالغ، ولا يقول به أحد.

نعم، لو طرأ عليه وصف الصبا ووصف البلوغ وقد صدر منه عقد لا يعلم أنّه قارن أيّ الوصفين، صح التمسك بأصالة صحّة العقد.

وكذا لو وقع الشكّ في طروء المانع على العقد وعدمه.

وكذا لو حصل الشكّ في اجتماع شرائطه وعدمها بعد وقوعه، أما لو وقع الشكّ في حصول الشرط قبل العقد كالشكّ في القدرة على التسليم فإنّه لا يصح أن يقول: نوقع البيع والأصل صحته فيثبت أنا قادرون على التسليم.

نعم، لو أوقعوه فثبت بعد ذلك حصول الشرط من البلوغ والقدرة وشكّ في اقترانها أو تقدَّم العقد أو تأخره يحكم بالصحّة.

نعم، لو علم تأريخ العقد وشكّ في تأريخ البلوغ كان القول بالبطلان قوياً، وليس ذلك


1) زيادة يقتضيها السياق.

من الترديد المنافي للجزم، بل لا يبعد ذلك في الطلاق مع الشك في حصول الشرائط، فإنّه لا يبعد صحّة الطلاق لو أوقعه فتبين اجتماع الشرائط فيه.

وأما الشك في صحّة أصل العقد بمعنى أنا شككنا في عقد بعد شمول لفظ العقد له ودخوله تحت العموم هل هو موقوف على شرط أو رفع مانع أم لا؟ فلا شك أيضاً أن الأصل صحته، والأصل عدم توقفه على شرط أو رفع مانع.

نعم، لو وقع الشكّ في صحّة عقد للشك في سببيته ودخوله تحت دليل الصحّة، فلا شك أن الأصل عدم السببية وعدم النقل والانتقال، والأصل عدم الصحّة في العقود حتّى تثبت صحتها بدليل شرعي.

وحينئذٍ فالأصل في كلّ عقدٍ متعارف جارٍ على قوانين العقود المتعارفة - من الألفاظ العربية، أو ما قام مقامها الفعلية، أو ما قام مقامها الماضوية، أو ما قام مقامها المرتبة في وجه قوي، الغير مفصولة بفاصل مُخلّ المشتملة على القصد والرضى والبلوغ والعقل - صحته، حتى يقوم شاهد على الفساد.

وجمع العقود في العقود في الآية (1)وإن أفاد العموم لكنّه عموم العقود المتعارفة؛ للإجماع على عدم حصول النقل والانتقال بغيرها، ولأنّها لو شملت الجميع لكان الخارج أكثر من الداخل، ولأن الشهرة وإن لم تخصص العام ولكنها توهن دلالته على العموم.

القاعدة الثامنة والعشرون الأصل في العقود اللزوم

القاعدة الثامنة والعشرون: الأصل في العقود اللزوم؛ للاستصحاب في وجه؛ وللأمر بالوفاء بها (2).

ويمكن منع الاستصحاب؛ لأنّه من استصحاب المجمل؛ لعدم العلم بكيفية ثبوت العقد من الجواز أو الوجوب واللزوم كي يستصحب لزومه.

نعم، لو ثبت لزومه وطرأ عليه ما يُشكّ ببقاء اللزوم معه وعدمه، كان الاستصحاب في محله.


1) المائدة (5) : 1.

2) المائدة (5) : 1.

ومنع دلالة الأمر على اللزوم؛ إذ الوفاء بالعقد يكون على ما هو عليه من اللزوم والجواز، فيجب الوفاء به، إن كان لازماً فعلى لزومه، وإن كان جائزاً فعلى جوازه.

ولكن الأظهر أنّه لو شكّ في لزوم عقد وجوازه يُحكم بلزومه؛ لظهور ذلك من العقد، فإنّ الظاهر من مشروعية العقد ليس مجرّد الإذن في التصرّف، بل الملك والسلطنة، وهما ظاهران الدوام والبقاء، إلا أن يظهر منه أن المقصود رفع الحجر والمنع في التصرف، كالوكالة والعارية والمضاربة، أو المقصود منه طلب الإحسان كالوديعة، أما البيع فأصالة اللزوم فيه مما لا كلام في ظهوره من الأدلّة.

القاعدة التاسعة والعشرون: عدم سلطنة الكافرين على المؤمنين وبيان ما يترتب عليها

القاعدة التاسعة والعشرون من القواعد قوله تعالى: (لَنْ يَجْعَلَ اللّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)(1).

ويترتب عليها: عدم صحّة تزويج المؤمن بالكافر، وعدم صحّة بيعه عليه، وجبره على بیعه لو ملكه قبل كفره.

وفي إلحاق المخالف للحق بالكافر وجه.

ويجوز استئجار المسلم للكافر؛ للأخبار (2)والسيرة، وللشك في كونه من السبيل المنفي. ويجوز أن يستودع الكافر المسلم،ويعيره، ويجوز العكس. ويجوز أن يجعل المسلم وديعةً وعارية عند الكافر في وجه قوي. ويأتي الكلام عليه في محله (3)إن شاء اللّه.

القاعدة الثلاثون: العقد يتولاه المالك أو وكيله أو وليه الإجباري

القاعدة الثلاثون: العقد يتولاه المالك أو وكيله، أو وليه الإجباري وهو الأب والجدّ له مع وجوده ومع عدمه.

وهل هما في الولاية سواء مطلقاً، فيبطل الإيجابان لو اتحد القابل والثمن؛ لأن اجتماع علتين على معلول واحد غير ممكن، وترجيح أحدهما على الآخر لا معنى له من غير مرجّح،


1) النساء (4) : 141.

2) منها ما في بحار الأنوار 35 : 237، ج 1، و 243، ح، 4 و 245، ح 16 و 41 : 144.

3) سيأتي في ص 245.

أو يصح الإيجاب والقبول؛ لأن مجموع الإيجابين بمنزلة إيجاب واحد، ولأن أحدهما صحيح، إما الأب أو الجد؛ إذ لا تمانع بينهما ؟

والأظهر الصحّة هنا مطلقاً؛ حيث إنّ عِلل الشرع علائم ومعرفات، فلا يمتنع اجتماع علّتين على معلول واحد، ونظائره في الفقه كثيرة جداً.

ولو اختلف العقدان احتمل البطلان واحتمل تقديم عقد الأب، واحتمل عقد الجد. واحتمل التخيير للمولى عليه بعد ذلك؛ لأنّ العقدين صارا بمنزلة الفضولي فيما إذا اتحد المعقود معه واختلف المعقود عليه، واحتمل القرعة، واحتمل التنصيف عملاً بكلا العقدين.

والأظهر تقديم عقد الجدّ؛ لأنّ الولد وماله لأبيه، ولتقديمه في النكاح فغيره أولى بالتقديم، ولما دلّ على أن ولي النكاح وليّ المال؛ أو أنّ الأب مقدّم في الولاية فاختياره مقدم على اختيار الجد، أو أنّ الجدّ مقدّم فاختياره مقدّم على اختيار الأب، والأظهر تقديم ولاية الجد.

نعم، لو لم يتشاحًا في الاختيار فالعقد للسابق منهما قطعاً.

والولاية من بعد الجد والأب لوصي أحدهما، ومن بعده للحاكم أو قيم الحاكم، ومن بعده لعدول المسلمين.

وقد تثبت الولاية شرعاً للمقاص والأمين عند خوف التلف، وللمتصدق باللقطة ومجهول المالك.

والأب والجد يليان الصغير والكبير المستمر جنونه أو سفهه من صغره إلى حين العقد.

ولو بلغ الصغير عاقلاً رشيداً زالت ولايتهما، فلو عاد الجنون عادت على الأظهر، ولو عاد السفه لم تعد ورجعت إلى الحاكم على الأقوى.

ولهما أن يتوليا طرفي العقد على الأظهر.

والحاكم وأمينه والمحتسب - مع عدم وجودهما - يلون المحجور عليه مع عدم الأب والجد والوصيّ لأحدهما لصغر أو جنون أو سفه، مستمرين أم لا، ومع وجودهما يليان مَنْ تجدّد سفهه ويليان الغائب مع خوف الضرر، والممتنع والعاجز.

والوصي يلي الصغير والمجنون مطلقاً إذا كان متصفاً بالوصفين حين الوصاية، وبدونه إشكال، ويلي من استمرّ سفهه كذلك دون مَنْ تجدّد، ولو زال النقص بعد الموت فعاد، عادت وصايته على إشكال.

وللأوصياء والوكلاء والحاكم وعدول المسلمين تولّي طرفي العقد، والكلام في هذا قد ذكرناه في محلّه.

القاعدة الإحدى والثلاثون: الأصل في نواقل الأعيان البيع

القاعدة الإحدى والثلاثون: الأصل في نواقل الأعيان البيع، بمعنى أنّه لو عقد على عين وشككنا في الواقع أنّه بيع أو صلح أو هبة فالغالب والراجح كونه بيعاً، فتجري عليه أحكامه.

وقد يقال: إنّ الأصول متعارضة وليس إلا القرعة أو يُحكم بالنقل فقط، دون الأحكام الزائدة؛ لانتفائها بالأصل.

وعلى الأوّل فالقول قول مدعي البيع، وعلى الثاني يقع التحالف وينفسخ العقد.

وقد يقال: بأصالة البيع فيما لو وقع العقد بصيغة «ملكتك» أو وقع معاطاةً ولم نعلم بقصد العاقد فإنّه يُحمل على البيع؛ لظهوره، ولأنّه الغالب.

وكذا لو اختلفا في القصد فقال الموجب: قصدت البيع، فالقول قوله. وقد يقال: بأصالة البيع فيما لو لم يقع قصد من أحدهما، كما إذا وقعت معاطاة بينهما، أو عقدا بلفظ «ملكتك» ولم يقصدا سوى النقل، غفلةٌ عن قصد الخصوصية أو تعمّداً، فإنّه يُحمل على البيع، وتجري عليه أحكامه؛ لانصراف العقد إليه؛ لأنّه المحروز في الأذهان عند الغفلة والسهو والنسيان.

القاعدة الثانية والثلاثون: الأصل في الأسباب الشرعيَّة تغاير تأثيرها

القاعدة الثانية والثلاثون: الأصل في الأسباب الشرعيَّة تغاير تأثيرها وإن كانت كالمعرفات، والأصل عدم تداخلها سوى ما دلّ الدليل على صحته من إجماع وشبهه، كإجزاء قبول واحد لإيجاباتٍ متعدّدة من نوع واحد أو متعدّدة كبيع وإجارة، وعلى إجزاء إيجاب واحدٍ لبيوع متعددة وقبولات متعدّدة.

هذا لو تعدّد المنقول، أما لو اتحد فتكرّرت صيغة البيع على مبيع واحد وقبل القابل للجميع، فإن نوى القبول لواحد معين كان له وجرت عليه أحكامه، وإن نوى لغير معين فالأظهر: البطلان، وإن نوى قبول المجموع فالأظهر الصحّة، ويكون بمنزلة نقل واحد، ويختلف فيما لو قصد الموجب التأسيس أو التأكيد، وكذا تختلف الأحكام بالنسبة إلى تقييد أحدهما وإطلاق الآخر، أو تقييده بقيد منافٍ لقيد الآخر.

أما لو تكرّرت صيغة بيع وصلح، فإن نوى القابل قبول معين جرت أحكامه، وإن نوى أحدهما بطلت، وإن نوى المجموع احتملت الصحّة وإجراء أحكام البيع؛ لأنّه أصل، واحتمل إجراء أحكام الصلح؛ لأنّه مسقط لأحكام البيع، فيكون بيعاً بالذات جارية عليه أحكام المصالحة.

ومثل ذلك ما لو باع أحد الوكيلين وصالح الآخر دفعةً، فقبلهما القابل دفعة وكان المبيع والثمن والشرائط متحدةً.

وكذا الوليان لو صالح أحدهما فباع الآخر فقبل المشتري دفعةً.

ولو باع أحد الوكيلين مطلقاً وباع الآخر بشرط أو خيار فقبلهما معاً، احتمل الصحّة وإجراء حكم الشرط والخيار واحتمل البطلان، والأوّل أوجه.

ويحتمل مع تعدّد الإيجاب بطلان القبول بهما؛ لأنهما كالعلتين في النقل، فلايتواردان على معلول واحد وهو الانتقال، إلا أن يكون المقصود تأكيد النقل الأوّل.

والأظهر أن العلّة كالمعرّف ليست علةً حقيقية.

القاعدة الثالثة والثلاثون: الأصل مساواة الكلّي للفرد في النقل والانتقال

القاعدة الثالثة والثلاثون: الأصل مساواة الكلّي للفرد في النقل والانتقال؛ لعموم الأدلّة، ولظاهر الاتفاق، إلا ما أخرجه الدليل في خصوص الهبة والوقف والعارية والمضاربة، فيصح بيع الكلّي الموصوف بوصف رافع للجهالة، مؤجّلاً أو غير مؤجل، ويصح جعله ثمناً مؤجلاً أو غير مؤجل، إلا ما خرج بالدليل كبيع الكالي بالكالئ.

نعم، يشترط القدرة على تسليمه حالاً في الحال، وعند حلول الأجل في المؤجّل.

وليس بيع الكلّي من بيع المعدوم؛ لأنّه موجود لوجود أفراده، ولأن ملكه في الذمة والفرد مشخّص له.

وهل دفع الفرد كاشف عن كونه نفس المبيع ابتداء، أو ناقل للفرد عوض الكلي فهو بمنزلة الوفاء للدين ؟ وجهان، والأخير أوجه؛ لأنّ الفرد غالب أحواله يكون مملوكاً لغير العاقد حين العقد، فلا ينكشف أنّه مملوك لأحد المتعاقدين، وأنّه نقله للآخر.

ولا يقال: إنّ الكلّي لا يملكه البائع ولا بيع إلا في ملك؛ لأنّ الكلّي في الذمة مملوك للبائع، فهي ظرف للكلّيّات المملوكة، كما أنّ الخارج ظرف للأفراد الخارجة.

ومن بيع الكلّي: بيع القدر المشتمل عليه العين كبيع رطل من صبرة وطن من قصب، فلو تلف في يد البائع الجميع سوى قدر ما بيع كان للمشتري، مع احتمال أن حكمه حكم الإشاعة.

ومن بيع الكلّي في وجه بيع الكسر المشاع؛ لدورانه بين ما فوق الواحد.

وقد يقصد بالمشاع قصد بيع الكلّي المحصور في معيّن، كما أنّه قد يقصد بالكلّي الإشاعة. والتفرقة في القصد تظهر من المقامات الخطابية.

القاعدة الرابعة والثلاثون: الأصل في نواقل الأعيان والمنافع أنّه لو وقع العقد على القابل وغير القابل صح في القابل وبطل في غيره

القاعدة الرابعة والثلاثون: الأصل في نواقل الأعيان والمنافع أنّه لو وقع العقد على القابل وغير القابل صح في القابل وبطل في غيره، ويقسّط في نواقل المعاوضة ما قابل الجميع على القابل وغير القابل فيسقط منه بحساب غير القابل إذا كان متموّلاً ولو عند مستحليه كالخمر والخنزير.

وما لا يتموّل يحتمل جعل الجميع بإزاء القابل، ويحتمل تقديره مالاً متصفاً بصفته فيقوم فيسقط منه ذلك، ويحتمل الفرق بين العلم والجهل، ويحتمل البطلان هنا وفي كلّ ما بيع وفيه غير القابل؛ لأنّ العقد لا يتبعض، ولعدم حصول النقل المقصود، فما وقع لم يقصد، ولارتباط الرضى بالنقل بعضه ببعض.

والكلّ ضعيف كما ترى؛ لمنع تبعض العقد، بل هو انصباب على القابل دون غير القابل، فغير القابل منصرف عنه، لا أنّه بطل بقدره، ولمنع عدم القصد؛ لأنّ القصد إلى الجميع حاصل، فالقابل مقصود بالنقل بما قابله ولمنع الشرطية في الارتباط، غايته أنّه وقع على ذلك الحال، لا أن ذلك الحال شرط في نقله، فهو نقل بصفة لاشرط لوصفٍ.

القاعدة الخامسة والثلاثون: الأصل في كل عقد جائز تابع للإذن أن ينتفي بانتفائه

القاعدة الخامسة والثلاثون: الأصل في كلّ عقد جائز تابع للإذن أن ينتفي بانتفائها، فلأحدهما فسخه متى شاء، بقول أو فعل دال على الفسخ أو منافٍ للإذن، وينفسخ بالموت والجنون والإغماء.

والأصل في العقد الجائز الناقل للملك كالمعاطاة والهبة والجعالة في بعض الأحوال أنّها لا تنفسخ إلا بفاسخ من أحدهما، وكذا الجائز من جهة واللازم من أُخرى كالرهن، حيث إنّه يشبه النواقل التي لا تنفسخ، إلا أن يفسخه المرتهن.

والأصل في اللازم دوام لزومه ولا ينفسخ إلا بالتقايل.

وهل الإقالة على الأصل حيث إن إرجاع كلّ من العوضين إلى صاحبه بطريق المعاوضة الجديدة فيبقى العقد على لزومه، فيشملها أدلّة العقود والشروط، أو أنّها فسخ من حينه للعقد - كما هو الظاهر - فلا تكون على القاعدة، بل خروج المعاوضات الصرفة للدليل الدال على مشروعيته فيها، ويبقى الوقف والنكاح على القاعدة؟

وقد يراد باللازم هو ما لم يكن لأحدهما فقط فسخه، ومع الاتفاق يكون مشمولاً للتجارة عن تراض.

وأما الجائز بالعارض لخيار أصلي أو مشترط فالأصل فيه أن لا ينفسخ إلا أن يفسخه أحد المتعاقدين.

القاعدة السادسة والثلاثون: الأصل في شرائط العقود أن تكون واقعية

القاعدة السادسة والثلاثون: الأصل في شرائط العقود أن تكون واقعيةً، فلا يؤثر العذر فيها أثراً شرعياً، فلو باع تقيّةً كبيع العامة على الموافق أو على مَنْ كان منهم، أو نكح نكاحاً مشروعاً عن عند المخالفين وليس مشروعاً عندنا، أو غير ذلك، فالأصل بطلانه.

واحتمال أن التقيّة دين يجري في العبادات والمعاملات، يرده الأصول والقواعد، وخصوص ما جاء من الأدلّة في الشرائط والموانع التي تدور مدار الواقع.

نعم، لو وقع العقد بينهم أجريناه مجرى الصحيح؛ لأنا نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم، ووجوب العمل تقيّةً لا يقضي بصحته في العبادات فضلاً عن المعاملات؛ لأصالة عدم الصحّة وعدم لإجزاء، إلا ما دلّ الدليل على قيامه مقام الصحيح كوضوء التقيّة وصلاتها، والتقيّة وإن كانت ديناً ولكن أثر أسبابها ليس ديناً ولا يلزم من أحدهما الآخر.

القاعدة السابعة والثلاثون: الأصل في العقد أن لا يصح من جانب ويفسد من جانب آخر

القاعدة السابعة والثلاثون: الأصل في العقد أن لا يصح من جانب ويفسد من جانب آخر، سواء كان بالحكم الواقعي أو الظاهري، فلو تبايع مجتهدان أو مقلدان لمجتهدين مختلفين في بيع المعاطاة صحّة وفساداً، أو مختلفين في صحّة بيع الكلب وفساده، أو في صحّة بيع الدهن النجس وفساده، أو في صحّة العقد بغير العربي وفساده، إلى غير ذلك من صيغ العقود

أو ممّا عليه معقود، كان العقد باطلاً كلّه؛ للأصل؛ لأنّ النتيجة تتبع أخس المقدمتين - واحتمال أنّه يصح كله من جانب ويفسد كله من جانب - ومحال أنّه يصح أحد ركنيه من جانب ويفسد الركن الآخر من جانب آخر؛ لارتباط ركنية بعضه ببعض.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ العقد كلّه صحيح بالنظر لمن يرى صحته، وكله باطل بالنظر لمن يرى بطلانه، ولا يضر اختلاف الحكم الشرعي بالنظر إلى اختلاف رأي المجتهدين، فلو كان دافع الثمن يرى صحّة العقد لوجب عليه دفعه، وكان قبض المبيع حلالاً عنده؛ لأنّه ماله بنظره ولوكان دافع المبيع يرى البطلان كان دفعه له حراماً وقبضه للثمن كذلك، ولزم عليه ردّه، وله المطالبة بمبيعه، ولما لم يكن لصاحب الثمن أن يأخذه لأنّه برأيه مال غيره، كان له أن يمتنع من رد المبيع، ويبقى الثمن مالاً لا يدعيه أحد، فيرجع إلى الحاكم الشرعي.

ولو تداعيا عند مَنْ يرى صحّة العقد فحكم عليهما بالصحّة، لزمهما ذلك ظاهراً، وكان تكليفهما واقعاً ما ذكرنا.

ويحتمل جريان الحكم عليهما ظاهراً وواقعاً.

وكذا لو تداعيا عند مَنْ يرى فساده فحكم عليهما بالفساد، لزمهما ذلك.

ولو تداعيا عند مَنْ يرى أن كلا منهما يمضي على ما يراه، لزمهما ذلك، إلا أنّه قد يؤدي إلى النزاع والشقاق، فلا بد للحاكم من نهي مَنْ يرى الفساد أن لا يتعرّض مَنْ يرى الصحّة وإن لزمه طرح ماله عليه؛ لأنّ الحاكم منصوب لتلك المصالح.

ولو عقد مخالف مع موافق عقد مزابنة أو عقد على ما لا يصح تملكه عند الموافق، كان ما أخذه الموافق سحتاً على الأظهر، وإلزامهما بما ألزموا به أنفسهم خاص فيما إذا وقع العقد بينهم، ويحتمل حليته؛ لظاهر الخبر (1).

وأما ما أخذه المخالف، فالظاهر حلّيته بالنسبة إلى مَنْ يتناوله منه؛ إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم، وأنّ لكلّ قوم عقداً، وأما بالنسبة إليه فسحت.

القاعدة الثامنة والثلاثون: الأصل في العقود مغايرة أركانها الستة من حيث الذات

القاعدة الثامنة والثلاثون: الأصل في العقود مغايرة أركانها الستة من حيث الذات:


1) وسائل الشيعة 26 : 158، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 5.

الموجب والقابل،والثمن، والمثمن والإيجاب والقبول، هذا في المعاوضة، وفي غيرها الأربعة؛ لانصراف أدلة العقود نوعاً وجنساً لذلك.

ولا بأس بالاتحاد بالعارض كوكيل في ركن أصيل في آخر، أو وكيل أو ولي عن اثنين. وكذا لو قام اللفظ الواحد مقام قبول وإيجاب؛ لأنّ القابل لا يقدر على شيء كـ«زوجتك» و«أعتقتك» و «جعلت عتقك صداقك».

ولا يجوز أن يكون الثمن بعض المثمن وبالعكس كالمزابنة والمحاقلة على بعض تفاسيرهما، إلا ما استثني كبيع العرايا في وجه، والصلح على الدين ببعضه، فيكون بمنزلة الإبراء، وكالصلح على المؤجل ببعضه حالاً، فيكون الباقي بمنزلة مقابلة الأجل، وكالصلح عن الشيء المعيّن ببعضه، فيكون بمنزلة الهبة.

ولا يجوز أن يكون الثمن والمثمن من مالك واحد.

ويمكن صحته في الصلح کـ«صالحتك عن دارك ببستانك» فيكون بمنزلة الهبة في وجه، وفي جواز الإذن بأن يصالح عن ماله بماله فيملك المصالح مال الصلح بالمصالحة ثم ينتقل إلى المالك الآذن فيعود له ملك الثمن.

وهل يملكه كالهبة أو كالقرض؟ إشكال في إشكال.

ويجري ذلك في البيع، كما يقول: «بع مالي لك عَلَيَّ» كما يقول: «بع مالك لي وأعتق عبدك عليَّ».

وقد يقال: إن تقويم الأب جارية ولده للوطء قائم مقام الموجب والقابل والإيجاب والقبول من دون ملاحظة التغاير الاعتباري

القاعدة التاسعة والثلاثون: الأصل في البيع أن يتعلّق مبيعه بالأعيان وفي الإجارة بالمنافع

القاعدة التاسعة والثلاثون: الأصل في البيع أن يتعلّق مبيعه بالأعيان، وفي الإجارة بالمنافع.

وقد يدخل أحدهما في الآخر تبعاً؛ لأنّه يغتفر في الثواني والتوابع ما لا يغتفر في الأوائل والمتبوعات، وهي قاعدة استقرائية مأخوذة من تتبع مظان العقود، وحينئذٍ فالمنافع تدخل في بيع الأعيان تبعاً.

وهل يقسّط عليها الثمن بفواتها أو لا يقسّط فيكون فواتها كفوات الشرط المسلّط على الخيار؟ وجهان، والأقوى الأخير.

وبالجملة، فللتوابع حكم غير حكم المتبوع من الجهالة والعلم والقدرة على التسليم وعدمه، وأما بالنسبة إلى توزيع الثمن عليها وعدمه فمختلف؛ لأنّ منها ما هو كالشرائط الضمنية، ومنها ما هو كالشرائط المصرح بها، ومنها ما هو كالأجزاء، ومنها ما يكون مقصوداً في العقد، ومنها ما لا يقصده العاقد ولكنّه من قبيل الأحكام الشرعيَّة اللاحقة.

القاعدة الأربعون: الأصل جواز جعل الثمن في المبيع وكذا الأجرة عيناً ومنفعةً وحقاً

القاعدة الأربعون: الأصل جواز جعل الثمن في المبيع عيناً ومنفعة وحقاً، وكذلك الأصل في الأجرة جواز كونها عيناً ومنفعةً وحقاً.

ولو أريد نقل الحقّ وانتقاله أو إسقاطه جاز جعله في الصلح عوضاً ومعوّضاً، وكلاهما معاً، فيجوز الصلح حقاً بحق وإسقاط حقٌّ بإسقاط حقٌّ، وانتقال حق بإسقاط حقٌّ، وبالعكس. نعم، لا بد من النظر في الحقوق المالية كحق الخيار وحق الشفعة وغيرها، والحقوق الغير المالية، والحقوق المالية المفيدة اختصاصاً بذي الحق، وحق المسجد والطريق، والحقوق القابلة للإسقاط والحقوق الغير القابلة والحقوق القابلة للانتقال والحقوق الغير القابلة، وهو باب واسع ذكرنا جملةً منها في الصلح (1).

ويترتب على ذلك حق المضاجعة للزوجة والوطء، وحق الطلاق، وحق الرجعة، وحق السبق إلى المشتركات بين المسلمين وحق المارّة، وحق الاختصاص باليد في الموضوعة على ما لا يملك إلى غير ذلك.

ولا بدّ من النظر إلى عموم دليل الصلح، وعموم أدلّة المعاوضة وكيفية دخول المشكوك به وخروجه.

القاعدة الإحدى والأربعون: جواز استعمال الحيل الشرعيَّة في العقود

القاعدة الإحدى والأربعون: يجوز استعمال الحِيَل الشرعيَّة في العقود، ولا منافاة فيها للقصد المشترط، فيجوز فى التخلّص من الزكاة والخمس والحج والربا وحرمة الاحتكار بأن يبيع أو يهب أو يرهن ماله في أثناء السنة، أو يبيع أو يهب ما يراد من النفع في القرض، أو


1) راجع ج 6، كتاب الصلح.

يضم إلى المتماثلين ضميمة تخرجهما عن الربا أو يرهن أمواله في أثناء السنة على دين يستدينه حيلة، أو يبيع بخيار، أو يبيع على فقير بأضعاف الثمن شيئاً، أو على سيد من دون مواطأة ابتداء ثم يحتسبه من الزكاة أو الخمس، ومع المواطأة إشكال؛ لتأديته إلى ذهاب الحقوق.

وبالجملة، فيجوز التوصل بالعقود إلى تحليل ما لولاه لحرم حيلة، ما لم يؤد في المواطأة إلى إذهاب الحقوق العامة، فإنّ الأظهر والأحوط عدم صحتها، وكذا يجوز التوصل إلى تحريم ما يحلّ لولاها. وهو باب واسع للفقيه لا بد من النظر فيه.

القاعدة الثانية والأربعون: الأصل بطلان العقود الواقعة على غير النهج الشرعي

القاعدة الثانية والأربعون: الأصل بطلان العقود الواقعة على غير النهج الشرعي في مذهبنا، سواء كان الخلل من صيغة أو ثمن أو مثمن أو شرط أو مانع؛ لأصالة عدم السببية، وعدم ترتب الأثر في غير ما جاء فيه الأثر.

نعم، يخرج من ذلك ما جاء «أنّ لكلّ قوم عقداً» (1)وما جاء من قوله: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم» (2)، ومن رفع العسر والحرج (3)، والسيرة القاطعة أنّ ما جرى بين الكفار أو بين سائر الفرق من أهل المذاهب يجري عليهم فيه حكم الصحيح، فيحلّ لنا ثمن خمرهم وإن رأينا فساد بيعهم، ولكن بشرط أن يجروه على وفق مذهبهم، ويحلّ لنا أخذ ما فيه الخمس منهم وما فيه الزكاة لو دفعه الكافر، أو غير الكافر لو دفعها على مذهبه، ولو لم يدفعها فوجه الحلّ ضعيف.

ويجوز لنا تناول ما ورثوه بالعصبة حتّى للوارث الإمامي لو دفعه له الوصي أو الوارث.

ويجوز لنا تزويج المطلقة بمذهبهم، ويحرم نكاح مَنْ تزوجت بعقدهم.

ولو وقفوا أجرينا عليه حكم الوقف.

نعم، لو شرطوا في الوقف العام خروجنا لم يلزم؛ لأنا أحق منهم بما هو للمسلمين.

ولو باعوا وقفاً بينهم حلّ لنا ثمنه إن رأوا صحّة بيع الوقف ولا يبعد جواز شرائه منهم إن كان الواقفون له هُمْ.


1) راجع وسائل الشيعة 21 : 199 - 200، الباب 83 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2.

2) راجع ص 205، الهامش (1).

3) البقرة (2) : 185: الحج (22) : 78.

وكذا مَنْ أسلم وآمن وقد اشتملت أمواله ونساؤه على ما كان صحيحاً في مذهبهم باطلاً في مذهبنا، فإنّه يجري حكم ما تقدَّم منهما عليهما؛ إلزاماً لأنفسهم في الزمن الأوّل بما ألزموا به أنفسهم.

نعم، ما كان أثره في الدوام كأثره في الابتداء، لم يجز البقاء عليه، فلو أسلم المجوسي على المحارم من النساء، أو أسلم الكافر على مدخول بها في عدتها أو على موطوءة الأخ قبل العقد عليها، أو شبه الكافر من أهل المذاهب الفاسدة، فالأظهر: البينونة.

وفي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لغيلان: «أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ» (1)ما يدلّ على إمضاء عقد الأربعة على أي نحو وقع، وعلى بينونة الباقي وإن حل الزائد في مذهبهم سابقاً.

وكلّ ما فعلوه على مذهبنا لا بأس به، وكلّ ما لم يفعلوه على مذهبهم لم يَجْرِ عليه حكم الصحيح، كما إذا غصبوا مالاً أو فرجاً ونحو ذلك.

ويمكن أن يكون حلّية الخراج المأخوذ من بعضهم بعضاً من هذا القبيل، وكذا الزكاة، وإن عممنا الحكم في البحث الأوّل.

القاعدة الثالثة والأربعون: الأصل عدم تأثير العقد إلا أن يقع باللفظ

القاعدة الثالثة والأربعون: الأصل في العقد وتوابعه أن لا يؤثر إلا ما وقع التلفظ به؛ لأنّه «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» (2)وعلى ذلك فيشكل الالتزام بالشرائط المضمرة الغير المصرّح بها، ويشكل عدم ذكر المبيع كما يقول: «بعتك» فيحذف الثمن والمثمن وإن عرفاهما.

نعم، لو أشار إليهما فلا يبعد صحّة العقد.

وكذا يشكل لو خالف الهيئة المعتادة فقال: باع أنا أو زيد عمراً كذا، وكذا لو صدر العقد منه بصورة الغناء في مزمار.

وكذا يشكل لو وجه البيع لواحدٍ فأجاب آخر، فرضي البائع بعده بنقله إليه.

نعم، الاشتباه بالبائع لا بأس به.

ولو قال: «بعت داري لمن يقول لي: قبلت» أو «لمن يسمع إيجابي» فأجابه مَنْ لم يعينه، ففي صحته إشكال.


1) مستدرك الوسائل 14 : 428 الباب 4 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، ح 3.

2) راجع ص 187، الهامش (2).

القاعدة الرابعة والأربعون: الاجتهاد والتقليد ليسا شرطاً في صحة العقد

القاعدة الرابعة والأربعون: الاجتهاد والتقليد ليسا شرطاً في صحّة العقد.

نعم، يكتفى فيه بالمطابقة لفتوى المجتهد الذي يرجع إليه في الفتوى.

نعم، يشكل ذلك فيما شرطه القربة، كالوقف.

ولو كان الجهل منافياً للجزم، فلا يبعد فساد العقد.

وكذا الجهل بالموضوع لا ينافي صحّة العقد، فلو عقد على مال أبيه بزعم حياته فاتفق موته حين العقد صح، وكذا لو تزوج امرأة بزعم أنّها ذات بعل فظهر أنّها خليّة، أو بزعم أن في عدتها فتبين فراغها، فإنّ الأظهر في الجميع الصحّة، وليس هذا من باب مَنْ باع شيئاً ثمّ ملكه، بل من باب مَنْ باع شيئاً وقد مَلَكه.

القاعدة الخامسة والأربعون: قيام الحاكم مقام الممتنع في قبض حقه

القاعدة الخامسة والأربعون: يقوم الحاكم مقام الممتنع في قبض حقه من ثمن أو مثمن أو وفاء دَيْنٍ؛ لعموم ولايته، فإن لم يكن فعدول المسلمين.

ولا يبعد الاكتفاء بطرحه عليه والتخلية بينه وبينه وحينئذٍ فينتقل ضمانه إلى المشتري. ولو تلف الثمن أو المثمن في عقود المعاوضة قبل القبض أو ما يقوم مقامه فلا يبعد انفساخ المعاوضة مطلقاً، ولا يختص ذلك بتلف المبيع.

القاعدة السادسة والأربعون: الأصل شمول الربا لجميع عقود المعاوضة

القاعدة السادسة والأربعون: الأصل شمول الربا لجميع عقود المعاوضة، إلا ما أخرجه الدليل، كالصلح على الدين ببعضه أو عن الشيء ببعضه، حيث إنّه بمنزلة الإبراء أو الهبة. ولا يتفاوت في القرض في حرمة الربا بين ابتداء العقد في القرض، وبين اشتراطه بعده لبقاء الدين، وبين كونه في عقد القرض، وبين كونه في عقدٍ آخر قبل القرض، كما يقول: بعتك هذا بشرط أن تعطيني كذا نفعاً لما تستقرضه منّي، أو بعد القرض نفعاً لما استقرضته مني قبل العقد.

نعم، لو دخل في عقدٍ آخر حيلةٌ بحيث إنّه لم يصرح بكونه نفعاً للقرض صحّ.

ولا يتفاوت هنا بين كون النفع عيناً، أو منفعةً، أو عملاً، أو حقاً، أو صفةً زائدة، كاشتراط الصحاح عوض المكسور، كلّ ذلك لتحريم النفع والانتفاع.

نعم، في ربا المعاوضة لا يشترط المساواة في الوصف، بل يشترط المساواة بالكيل

والوزن؛ لأن الواجب فيها المثل بالمثل المنصرف للزيادة في القدر في الوزن والكيل، أو الزيادة الخارجة.

وليس من اشتراط النفع اشتراط الرهن والكفيل لحفظ ماله.

ولا يتفاوت في ربا العقد بين كون الزيادة جزءاً أو شرطاً، عيناً أو منفعة، أو عملاً، أو حقاً؛ لحصول الزيادة في الجميع وعدم كونها مثلاً بمثل. ويجوز اشتراط ما لا يعود نفعه للمقرض، كأن يشترط عليه أن يصوم أو يصلّى حقاً له عليهما.

وليس نفس الشرط زيادةً إذا لم يزد المشروط.

ويجوز اشتراط القرض في عقد آخر.

وأما اشتراط عقد خالٍ عن المحاباة في العقد الربوي أو في عقد القرض ففي صحته إشكال.

ولا يجوز اشتراط الأجل في أحد الربويين؛ لأنّه زيادة، كما لا تجوز الزيادة في مقابلة الأجل. وليس من الربا اشتراط تعجيل المؤجل من الدَّيْن في عقد آخر؛ لأن الحلول ليس ممّا ينصرف إليه المنع من النفع، كما لو باع دَيناً مؤجلاً بدَيْنٍ حلّ أجله، وفرق بين بيع المؤجل بالحال وبين تأجيل أحد العوضين.

القاعدة السابعة والأربعون: الأصل في العقود عدم الإلتفات بالشك اللاحق لها

القاعدة السابعة والأربعون: الأصل في كلّ عقدٍ وقع الفراغ منه أنّه لا يلتفت إلى الشك بعده؛ لعموم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا شككت في شيء وقد فرغت منه، أو دخلت في غيره» (1)فلو وقع التقابض في الصرف وشكّ في وقوع العقد قبله بنى على وقوعه.

ولو حصل شكّ في الإيجاب بعد قبول القابل احتمل لزوم الإعادة مطلقاً، واحتمل لزومها على الموجب فقط، وأما القابل فكأنّه فرغ من الإيجاب ودخل في غيره وإن كان الإيجاب فعل غيره، واحتمل البناء على قبوله مطلقاً.

ولو قبض الهبة أو الرهن أو الوقف وشكّ في صدور العقد، يبني على صدوره.

القاعدة الثامنة والأربعون: الأصل في كثير الشكّ عدم الالتفات إلى شكه في جميع أنواع العقود

القاعدة الثامنة والأربعون: الأصل في كثير الشكّ عدم الالتفات إلى شكه في جميع


1) راجع وسائل الشيعة 8: 237، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 1.

أنواع العقود، فيبني على الصحّة، وكذا كلّ مَنْ خرج عن الاعتدال في إدراكاته وهماً وظنّاً وقطعاً، وكذا كثير السهو والنسيان في وجه قوي.

القاعدة التاسعة والأربعون: الأصل في مَنْ ادّعى مالاً تصديق قوله

القاعدة التاسعة والأربعون: الأصل فيمن ادعى مالاً - بأصالة أو ولاية أو وكالة - فباعه أو وهبه أو أجره تصديق قوله إذا لم يكن له معارض، سواء كان تحت حت يده أم لا، والأصل في تصرفاته الصحّة، وسواء عُلم سبق مالك لهذا المال أم لم يُعلم، معلوماً كان أو مجهولاً، عبداً كان أو حُراً.

ولو ادعى العبد أنّه مأذون من مولاه، صح أن يعامل معاملة من ادعى الوكالة من الأحرار.

ومن ادعى الاجتهاد وتصرّف في أموال الأيتام وكلّ حق عام فالأقرب مضي عقوده، وإن كان الاحتياط في التفحص عن أحواله.

نعم، لا يجوز دفع مال اليتيم إليه، وإن جاز الأخذ منه ودفع الثمن إليه عوض ما يأخذ منه، وكذا من ادعى أنّه وكيل المجتهد المطلق.

القاعدة الخمسون: جواز اختراع العقود لِمَنْ بَعُدَ عن ديار الشرع

القاعدة الخمسون: مَنْ بَعُدوا عن ديار الشرع فلم يعرفوا عقداً ولم يتمكنوا من الوصول إلى الحاكم الشرعي جاز لهم أن يخترعوا عقوداً تكون ماضيةً عليهم بمنزلة العقود الصحيحة، ولا يلزم تجديدها.

القاعدة الإحدى والخمسون: الأصل في العقود التطابق صورةً

القاعدة الإحدى والخمسون: الأصل في العقود التطابق صورةً، فلو اختلفا أشكل الحال، فلو باعه الدار بألف، فقيل ربعها بمائتين وخمسين وسكت بطل، وإن قبل الربع الآخر والربع الآخر كلّ ربع بمائتين وخمسين ففي صحته إشكال. ولو وزّع الموجب فجمع القابل فلا يبعد الصحّة، ولو كان للمبيع هيئة اجتماعية لم يصح إفرادها بالبيع، ولا ذكرها صريحاً.

نعم، يوزّع الثمن عليها لو كانت لمالكين وقد لزم البيع.

وإن كانت لمالكين فأجاز أحدهما ورد الآخر، كان للمجيز قيمة ماله منفرداً؛ إذ لا يملك من الهيئة الاجتماعية بعد فوتها شيئاً، ولو باع ما يملك وما لا يملك كان كذلك.

وبالجملة، فالهيئة الاجتماعية إن انتقلت تبعاً صار حكمها حكم المتبوع، وإلا فلا يستحق الناقل منها شيئاً؛ لأنّ أخذ عوضها ظلم لا يستحقه صاحب العين، ولا بدّ من انتفائها بانتفاء أحد الجزءين.

القاعدة الثانية والخمسون: للحاكم الشرعي التصرّف بمال الفقراء مع الغبطة

القاعدة الثانية والخمسون: للحاكم الشرعي أن يتصرف بمال الفقراء مع الغبطة وتنميته لهم، ويضارب به وكذا الخمس ومجهول المالك، وله أن يصالح على الأقل مع الغبطة، ويكون صلحاً حقيقياً لا استنقاذاً.

وله أن يدفع للفقراء والسادة مالاً بنيّة القرض على الجهة الخاصة وإن لم يخبرهم، أو يتوكل عنهم فيقبض من مالهم وفاء للقرض لتلك الجهة.

وله أن ينوي القربة حين الدفع لو دفع المال إليه على سبيل الولاية فقبضه، وله أن لا ينوي القربة، وله أن يقبض الحقّ ويرجعه إلى أهله إن كانوا من أهله، وله أن يستقرض الحقّ من دون رهن وضمين، وله أن يحتسبه على نفسه لو كان من أهله، وله أن يأخذه له إذا قبضه بالولاية لا بالوكالة.

القاعدة الثالثة والخمسون: الأصل في ألفاظ العقود أن يكون التلفظ بها مملوكاً للافظ بها

القاعدة الثالثة والخمسون: الأصل فى ألفاظ العقود أن يكون التلفظ بها مملوكاً للافظ بها، فلو كان اللفظ مملوكاً لغيره كالعبد فإنّ لسانه ولفظه مملوكان للمولى، وكذا مَنْ آجر منافع لسانه مدةً لغيره، وحينئذٍ، فلو وقع عقد من مملوك على مال مولاه أو على مال شخص أمره بأن يعقد عنه بيعاً أو إجارة أو نكاحاً كان باطلاً؛ لأنّه تصرف بمال غيره من دون إذنه فلا يصلح للسببية، والأصل عدمها.

نعم، لو أجاز المولى وقوع اللفظ منه قوي القول بالصحّة؛ إلحاقاً له بالفضولي، مع احتمال المنع؛ لأن الفضولي هو عقد المالك بلفظه على مال غيره لا العاقد بلفظ غيره.

ويحتمل القول بالصحّة مطلقاً؛ لمنع عدم السببية والتأثير وإن كان مملوكاً للغير؛ لعموم الأدلّة.

نعم، للمالك أجرة المثل، ويشير إليه صحّة عقد العبد لو أجاز السيد، فإن الظاهر أنّ الإجازة لنفس النكاح لا للتصرّف الحاصل من لفظ العبد.

ويحتمل القول بالبطلان مطلقاً؛ لعدم دخوله تحت الفضولي.

ويمكن القول بالصحّة بنحو آخر، وهو المنع من ملك اللفظ للمولى إذا لم يلزم منه تصرف زائد بل غايته أنّه إيجاب بلفظ لا ينافي ملكية العبد ومنافعه للمولى؛ لعدم كونه من التصرفات الراجعة للمولى؛ بل قد يدعى أن السيرة قاضية بجواز ذلك، وإن أمكن حمل السيرة على الإذن الفحوائية غالباً من المولى، ولا بدّ من التأمل في المقام.

المطلب الثالث في الآداب

وفيه أُمور:
الأمر الأوّل: في مندوبات التجارة

[الأمر] الأوّل: يندب في التجارة أُمور:

أحدها : التفقه اجتهاداً أو تقليداً، أو العمل بالاحتياط الجامع الذي يتيقن معه حصول السبب الشرعي، بشرط أن لا يتزلزل في قصده فيفوته القصد، ولا يشرع فيفعل حراماً.

الثاني : الإقالة للمستقيل؛ للخبر (1)المشتهر.

الثالث : أخذ الناقص ودفع الراجح، ومع التنازع فالقرعة.

الرابع : التسوية بين المعاملين، إلا بترجيح أهل الدين.

الخامس : ترك الربح للموعود بالإحسان وللمؤمن، إلّا اليسير مع الحاجة.

السادس : التسامح في البيع والشراء والقضاء والاقتضاء.

السابع : الدعاء بالبركة عند دخول السوق.

الثامن : التكبير والشهادتان عند الشراء.

التاسع : الإجمال في الطلب.

العاشر : مباشرة الأعمال باليد.

الحادي عشر : إصلاح المال.

الثاني عشر : إحراز القوت.

الثالث عشر : البيع عند الربح.

الرابع عشر : المماكسة إلا في الأضحية والنسمة والكفن والكراء لمكة.


1) وسائل الشيعة 17 : 386 و 387، الباب 3 من أبواب آداب التجارة، ح 2، 4.

الخامس عشر : البكور في طلب الرزق.

السادس عشر : زيادة التوكّل.

السابع عشر : نصح المستشير وقبول نصح المشير وطلب النصيحة.

الثامن عشر : مشاركة أرباب الحظوظ.

التاسع عشر : تبديل الصنائع.

العشرون : التعرّض [ للرزق ] (1).

الحادي والعشرون : كتمان المال سيّما الذهب.

الثاني والعشرون : مهارة العمل.

الثالث والعشرون : ابتداء صاحب السلعة بالسوم.

الرابع والعشرون : الرجوع في طريق لم يجئ منه.

الخامس والعشرون : الرفق بالمعيشة.

السادس والعشرون : أكل الشعير بالغلاء ليساوي الفقراء.

السابع والعشرون : شراء القوت يوماً فيوماً ليساوي الفقراء في الغلاء.

الثامن والعشرون : شراء الحنطة.

التاسع والعشرون : وضع كلّ شيء في سوقه.

الثلاثون : المعاملة مع مَنْ نشأ في الخير.

الحادي والثلاثون : المكافأة على الهدية.

الثاني والثلاثون : اتخاذ الحرف الرفيعة.

الثالث والثلاثون : إعلام الإخوان بالإعسار والخروج عن البلد.

الرابع والثلاثون : الإحسان إلى الإخوان.

الخامس والثلاثون : الكسب فيما يحصل به تقوية الدين.

السادس والثلاثون : الإتيان بجيد السلعة وترك رديئها.


1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : «للزروع». والظاهر ما أثبتناه كما في الرواية. راجع وسائل الشيعة 17 : 55، الباب 15 من أبواب مقدمات التجارة، ح 3.

السابع والثلاثون : طرح الدينار المغشوش بعد كسره في البالوعة.

الثامن والثلاثون : تفريق ماله في تجارات متعددة كي لا يتلف جميعه.

التاسع والثلاثون : تولّي العقد على العظيم من التجارة بنفسه.

الأربعون : عمل الرجل في بيته، والامرأة أولى.

الحادي والأربعون : مساواة الفقراء فيما يأكلون ويلبسون.

الثاني والأربعون : الاستعانة بدعاء المؤمنين.

الثالث والأربعون : كيل الطعام إذا أُخرج أو أُحرز للبركة.

الرابع والأربعون : التعقيب إلى ما بعد طلوع الشمس فإنّه جالب للرزق.

الخامس والأربعون : استعمال مكارم الأخلاق مع العاملين.

السادس والأربعون : التوكيل فيما لا ينبغي مباشرته.

السابع والأربعون : إنظار المديون.

الثامن والأربعون : اتخاذ الغزل للمرأة صنعة.

التاسع والأربعون : التطهر لقضاء حوائجه، والتحنّك.

الخمسون : قبول الهدايا وتعجيل ردّ ظروفها.

إلى غير ذلك مما يتأكد به استحباب التجارة، ويكون نوراً على نور، ولو نوى بأكثره القربة تضاعف الثواب.

الأمر الثاني : في بيان مكروهات التجارة

[الأمر] الثاني: المكروه، وهو بالنسبة إلى الواجب كمكروه العبادة، وهي ما وجب على الإنسان لضرورة النظام، وكذا بالنسبة إلى المنذور بالدليل الخاص، وأما ما لم يندب بدليل خاص ولا يجب فلا يبعد أنّ الكراهة فيه على حقيقتها.

ودعوى أن كلّ تجارة مندوبة مشكلة، ولو سُلّم ذلك كان كمكروه العبادة، مع احتمال أنّه إن نوى بها القربة كانت كمكروه العبادة، وإن لم ينو القربة تخلّصت للكراهة.

والمكروه أُمور:

أحدها : السبق إلى دخول السوق قبل كلّ أحدٍ، والتأخر عن كلّ أحد، ويلحق السوق مواضع المعاملة، ولا يبعد ارتفاع الكراهة لو دخلوا جميعاً.

الثاني : مدح البائع السلعة وذم المشتري لها، وبالعكس.

الثالث : كتمان العيب من غير غش وتدليس، وإلا فيحرم. الرابع : اليمين الصادقة.

الخامس : السوم والمعاملة بين الطلوعين. السادس : تزيين المتاع ما لم يكن غشاً، فيحرم.

السابع : التعرّض للكيل والوزن مع عدم المعرفة.

الثامن : الاستحطاط بعد العقد زمن الخيار وبعده على الأظهر.

التاسع : الزيادة وقت النداء عند امتداد الصوت، أو بين الصوتين المتلاحقين.

العاشر : الدخول في السوم سوم المؤمن.

الحادي عشر : بذل الزائد لصاحب الخيار ليفسخ، بل قيل بتحريمه (1)لما فيه من الضرر والكدر.

الثاني عشر : أن يتوكل حاضر لباد، بل كلّ ذكي لغبي؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «دعوا الناس على غفلاتها يرتزق بعضهم من بعض» (2).

وقد يقال بارتفاع الكراهة مع التماس المؤمن وحاجته (3).

الثالث عشر : بيع الوكيل من نفسه ونحوه.

الرابع عشر : تعاطي الصناعات والمعاملات الدنيئة الرذيلة.

الخامس عشر : المداقة في المعاملة على الحج والكفن والأضحية والنسمة.

السادس عشر : سلوك طريق يفوت به قبل الوقت بعض الواجبات والمندوبات مطلقاً.

السابع عشر : الاتجار بمكة لغير أهلها.

الثامن عشر : الشكاية في غير ما استثني، واستقلال قليل الرزق.

التاسع عشر : وضع المال في الكُم.

العشرون : كثرة النوم والكسل.


1) قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 159 وابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 235.

2) وسائل الشيعة،17 : 445 الباب 37 من أبواب آداب التجارة، ح 3 مستدرك الوسائل 13 : 282، الباب 30 من أبواب آداب التجارة، ح 3.

3) قال به الشيخ جعفر في شرح القواعد 1 : 390 – 391.

الحادي والعشرون : شراء الطحين والخبز.

الثاني والعشرون : بيع آلات العبادة والعقارات، إلا لشراء خير منها.

الثالث والعشرون : استئصال خفض الجواري ومسح الماشطة الوجه بالخرقة.

الرابع والعشرون : أن يؤجر نفسه أجيراً خاصاً.

الخامس والعشرون : استعمال الأجير بلا شرط.

السادس والعشرون : استخدام مَنْ يستحق الإكرام لعلم أو سيادة أو كبر سنً.

السابع والعشرون : إنزاء حمار على عتيقة.

الثامن والعشرون : ضراب الناقة وولدها طفل.

التاسع والعشرون : إخراج ردى السلعة وترك جيّدها.

الثلاثون : تمليك الأمة دون ولدها وبالعكس.

الحادي والثلاثون : أخذ الوصي [ شيئاً ] (1)في مقابلة عمله.

الثاني والثلاثون : بيع المكيل والموزون قبل قبضه.

الثالث والثلاثون : إجارة الأجير أجيراً بأقلّ ممّا استؤجر به ولم يعمل شيئاً.

الرابع والثلاثون : استكثار الرزق على غيره، فإن حسده حرم.

الخامس والثلاثون : الاكتساب بالسؤال سيّما بالكفّ.

السادس والثلاثون : الاكتساب بالمدح وإعطاء المادح.

السابع والثلاثون : إيجار الأرض بأكثر ممّا استأجرها به.

الثامن والثلاثون : استئجارها بحنطة أو شعير.

التاسع والثلاثون : المقاصة من الوديعة. الأربعون : معاملة الشريك لنفسه.

الواحد والأربعون : تفضيل معلّم الصبيان بعضاً على بعض، وكذا تفضيل المستأجرين بعضاً على بعض إلا لوصف زائد.

الثاني والأربعون : زخرفة المساجد وتزويقها.


1) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

الثالث والأربعون : الانهماك في علم النحو.

الرابع والأربعون : مدح الظالم والتواضع له من غير علة.

الخامس والأربعون : ردّ الهدايا.

السادس والأربعون : صحبة الظالمين ما لم يبعث على محرّم فيحرم.

السابع والأربعون : طلب الحاجة من مستجدّ النعمة.

الثامن والأربعون : طلب الحوائج بالليل.

التاسع والأربعون : استعمال الأماني.

الخمسون : الإكثار من حفظ الشعر بغير حقّ.

الحادي والخمسون : معاملة الرجال الأجانب النساء.

الثاني والخمسون : أكل الحجام من أُجرته المأخوذة بالشرط.

الثالث والخمسون : الإسراف.

الرابع والخمسون : فعل الشبهات في المعاملات.

الخامس والخمسون : الرجوع في الهبة.

السادس والخمسون : شدة السعي في الطلب.

الأمر الثالث: في الاحتكار وتلقي الركبان

[الأمر] الثالث: في مقامين:

أحدهما : في الاحتكار.

يحرم حبس ما يحتاجه الناس ويضطرون إليه بحيث يؤدي إلى ضرر بالأنفس والأعراض، فيجبره الحاكم على البيع، ويستر عليه بما يمكن دفعه لعامة الناس.

ومع عدم الاضطرار وعدم الحاجة فلا بأس به، إلا إذا قصد الإضرار بحصول الغلاء. وأما مع الحاجة وعدم الاضطرار، فقيل: يحرم حبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن (1)، وزاد بعض (2)الملح، وبعض (3)الزيت.


1) ممن قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 374؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 238.

2) كالشيخ الطوسي في المبسوط 2: 195؛ وابن حمزة في الوسيلة : 260؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 11.

3) كالصدوق على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 71، ضمن المسألة 32.

وعُدّ الخمسة الأوّل معقد الإجماع بشرطين، أحدهما: الاستبقاء للزيادة، والثاني: تعذر غيره. والظاهر أنّه ولو من غير المجانس.

واستندوا إلى قبحه العقلي؛ لأدائه إلى ضرر المسلمين وظلمهم بمنع ما يحتاجون إليه عليهم، وإلى منافاته المروءة، وإلى أنّه من الحرص المذموم، ومن قساوة القلب، وإلى الأخبار الناهية عنه، والآمرة بالبيع والإخراج (1)، وفيها: أنّه لو تصدق بثمن ما باعه لم يكن كفارة لما صنع (2).

وقيل بكراهته (3)استضعافاً لجملة من الأخبار وحمل الباقي على قصد الإضرار، أو على حصول الاضطرار المؤدي إلى التلف والبوار، والإجبار على البيع لا يلازم التحريم، كزيارة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحضور الجماعة في زمنه فلا تصلح مخصصةً للأصل، وعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (4)، وما دلّ على التجارة والمغابنة فيها والحزم في الكسب (5). وفي بعض الأخبار (6)ما يشعر بالكراهة وأن مناط الحرمة الضرر.

وهو حسن، والأول أحوط.

وعلى كلّ حال فيجبره الحاكم على البيع بنفسه، وإن لم يمكن الحاكم فعدول المسلمين، فإن لم يبع بنفسه أو أخفى نفسه قام الحاكم مقامه في البيع.

ولا يسعر الحاكم عليه هنا، بل الثمن أمره إليه إلّا إذا طلب ما يؤدي إلى عدم إمكان شراء عامة الناس منه، فإنّه يقصره عنه لئلا يفوت الغرض من الإجبار على البيع.

[المقام ] الثاني : في تلقي الركبان وما يشبههم من الوافدين.

والمعاملة معهم جائزة ومكروهة.

أما الجواز: فللأصل، وعمومات الأمر بالتجارة وطلب الرزق، والسعي في مناكبها (7)، وما دلّ


1) وسائل الشيعة 17 : 429، الباب 29 من أبواب آداب التجارة، و 430، الباب 30 من تلك الأبواب، ح 1.

2) المصدر : 425. الباب 27 من أبواب آداب التجارة، ح 6.

3) ممن قال بها الشيخ المفيد في المقنعة : 616؛ والشيخ الطوسي في المبسوط 2: 195؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 15؛ والعلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 69. المسألة 31.

4) عوالي اللآلي 1 : 222، ح 99.

5) راجع وسائل الشيعة 17 : 1 - 24 و 58 و 61، الأبواب 1 - 5 و 18 و 19 من أبواب مقدمات التجارة.

6) المصدر : 424، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، ح 2.

7) المصدر : 9، الباب 1 من أبواب مقدّمات التجارة؛ سورة الملك (67) : 15.

على التحريم من الأخبار (1)لا يقاوم تلك الأدلّة؛ لمخالفتها للمشهور وموافقتها العامة، ولإعراض قدماء الأصحاب عنها مع أنّها بمرأى منهم ومسمع، فطرحها وحملها على الكراهة هو الوجه.

وأما الكراهة: فللإجماع المنقول (2)وفتوى الفحول والأخبار المحمولة على ذلك، وللتسامح في أدلة السنن ولدخوله في طلب الحريص، ولعدم خلوّه غالباً عن الخدع والمغالبة والحيلة.

والتلقّي المكروه: هو الخروج إلى ما دون المسافة - وهي الأربعة فراسخ للمعاملة مع الوافدين من التجار على أعيان أموالهم بقصد ذلك، لا مع الخلو عن القصد أو قصد غيره، من غير اطلاع على شعورهم بسعر البلد ولا بناء على إخبارهم بحقيقة الحال، ولا على اشتراط الخيار لهم، ولا على التماس صدر منهم لداع لهم، كلّ ذلك اقتصاراً على المتيقن من دليل التحريم أو الكراهة، وتمسكاً بما تشعر به العلة في ذلك.

وعلى كلّ حال فالعقد الصادر بين المتلقين والوافدين صحيح، أما على الكراهة: فظاهر، وأما على التحريم: فللإجماع المنقول (3)وفتوى الفحول.

والنهي وإن تعلّق بنفس الشراء والأكل في الأخبار (4)إلا أن الإجماع المتقدم والفتوى والسيرة أخرجت اقتضاءه الفساد من ظاهر الخطاب.

والنهي عن الأكل يُحمل على الأكل قبل الشراء، كما إذا قدّم لهم ليشتروا، أو على الكراهة وإن لزم التفكيك بين الفقرتين على القول بالتحريم؛ لأنّ في كثير مثل ذلك.

ويتخير المغبون من البائع والمشتري - ومَنْ خصّه بالبائع (5)جرى مجرى الغالب - حيث لا يكون عالماً ولا مسقطاً لخياره قبل العقد أو بعده، ولا عاقداً عقد مسامحة، بين الفسخ أو الإمضاء مجاناً؛ لحديث الضرار(6)المنجبر بالفتوى والعمل المحمول على الانجبار بالخيار؛ لعدم إرادة النهي ؛ لبُعدها عن ظاهر اللفظ وفهم الفقهاء، ولانفي الحقيقة؛ للزومه خلاف الواقع، بل المراد نفيه في الشريعة المستلزم ثبوت الخيار عند حصول الإضرار، ولما ورد أن الركب


1) وسائل الشيعة 17 : 442 - 444، الباب 36 من أبواب آداب التجارة، ح 1 - 03 5.

2) شرح القواعد 1 : 297.

3) المصدر : 299 - 300.

4) وسائل الشيعة 17: 443. الباب 36 من أبواب آداب التجارة، ح 2، 3.

5) كالشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 172، المسألة 282؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 14.

6) راجع ص 194، الهامش (1).

لهم الخيار بعد وصولهم (1)، ولما نُقل من الإجماع على ثبوت الخيار في المغبون مطلقاً، وهنا خصوصاً في البائع (2)، والعلة منقحة في غيره.

وهل هو على التراخي؛ للاستصحاب، أو على الفور كما نُقل أنّه مشهور الأصحاب (3)؟ وجهان.

والأقوى الأخير؛ لعموم دليل اللزوم في الأزمنة(4)، فيقتصر في تخصيصها على الزمان المتيقن من الإجماع وحديث الضرار(5)، والاستصحاب لا يخصص العام ولا يعارض الدليل، فحكمه حكم ما جاء للاضطرار من تناول الحرام للتقيّة والمخمصة وشبه ذلك من تناول بعض أشياء للمحرم والصائم للضرورة، ولعدم جريانه في التابع بعد زوال المتبوع، والمقيد بعد زوال القيد.

نعم، لو تعلّق الحكم بالذوات جرى الاستصحاب؛ لعدم معارضته للدليل، كما يجري مع بقاء سببه، كما لو كان المغبون جاهلاً في الحكم أو الموضوع أو غافلاً أو ناسياً، فإنّ الضرار متحقق في ذلك كله، بخلاف ما لو علم فإنّ انتظاره ضرر آخر، ولأن نفس ثبوت الخيار له رافع للضرر، فتراخيه حينئذٍ جالب للضرر على نفسه وإرجاع للعقد على أصله.

نعم، يراد بالفور العرفي لا العقلي؛ لأنّ المدار غالباً في الشرعيّات على العرفيات دون العقليات. تم كتاب التجارة بحمد اللّه وتوفيقه، ويتلوه كتاب البيع، والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً (6).


1) صحيح مسلم 3 : 1157، ح 17؛ سنن أبي داؤد 3 : 269، ح 3437: الجامع الصحيح 3 : 524، ح 1221.

2) الخلاف 3 : 172، المسألة 282؛ تذکرة الفقهاء 12 : 171، ضمن المسألة 674؛ مختلف الشيعة 5 : 75، المسألة 37.

3) شرح القواعد 1 : 302.

4) المائدة (5) : 1؛ وسائل الشيعة 18 : 5 - 7، الباب 1 من أبواب الخيار، ح 1 - 6.

5) راجع ص 194، الهامش (1).

6) ورد في نسخة «ب» : تم كتاب التجارة بحمد اللّه وتوفيقه في نهار الجمعة سابع عشر شوّال المكرم - على نسخة المصنف سلّمه اللّه تعالى - من شهور السنة الثانية والستين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية المصطفوية على المهاجر وآله الطاهرين وأبنائه الأئمّة الغر المحجلين ألف ألف ألف صلاة وسلام وألف ألف ألف تحية وإكرام يا ربّ العالمين. ويتلوه القول في الصيغة.

كتاب البيع

بسم اللّه الرحمن الرحيم، وبه نستعين وعليه نتوكل

كتاب البيع

إشارة:

وهو ثابت كتاباً (1)وسنّةً (2)وإجماعاً، وهو الأصل في نقل الأعيان، وإليه يرجع عند صدور الصيغة أو الفعل القابلين له ولغيره، مع عدم تعيين المراد منهما.

وفيه مطالب:

[المطلب] الأوّل : في الصيغة وما يتعلق بها

وفيه أمور:

أحدها: الأصل في كلّ صيغة من صيغ العقود أخذها من مبدئها المسمّى به

أحدها: الأصل في كلّ صيغةٍ من صيغ العقود أن تأخذ من مبدئها المسمّى به لصراحتها في الدلالة عليه؛ لأن المقصود من شرع العقود قطع النزاع وحسم مادة الاختلاف ولا يحصلان إلا بما هو صريح الدلالة، ولو خرج من ذلك شيء لكان لدليل آخر، أو لبلوغه في الصراحة لتلك المرتبة.

ولا يشترط في الاشتقاق تساوي المشتق والمشتق منه في المعنى، بل يكفي دوران أحد المعاني من المشتق منه في المشتق، كما يكفي في بعتك» إرادة النقل، مع أن البيع مشترك بين معان متعدّدة.

نعم، يكتفى في القبول بلفظ «قبلت» في سائر العقود؛ للإجماع والصراحة.


1) البقرة (2) : 275.

2) وسائل الشيعة،17 : 83 الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

ثانيها: هل لفظ «البيع» يقال على نقل الأعيان فقط أم لا ؟

ثانيها: لفظ «البيع» يقال على نقل الأعيان فقط أو نقلها وانتقالها معاً، وقد يقال على الإيجاب فقط، وهذا هو الشائع في اللغة والعرف العام، وقد يقال على مجموع العقد الدال عليه المركب من الإيجاب والقبول وهو الشائع في ألسنة الفقهاء بل في لسان الشارع.

والظاهر أنّه حقيقة عرفية، بل لغوية في الجميع على وجه الاشتراك، ولم يثبت له حقيقة شرعيّة جديدة على الأظهر.

وهل يختص في اللغة والعرف بالنقل الخاص المأخوذ من اللفظ الخاص، أو الإيجاب الخاص أو ما يقوم مقامه من إشارة أو أخذ وإعطاء أو لا يختص بل يكون ما زاد على نقل الأعيان من الشرائط والأحكام ؟ وجهان، أوجههما: الأخير.

وهل يختص بالصحيح من النقل، أو بما هو أعم منه ومن الفاسد ؟ وجهان، أوجههما: الأخير.

وإطلاق البيع على الانتقال مطلقاً، أو مقيداً بلفظ خاص وعلى ما دلّ عليه مجاز لا ينصرف لفظ «البيع» إليه، ولا يناسبه تعديته بنفسه.

والأنسب صدق لفظ «الشراء» عليه، وقد يطلق لفظ «الشراء» على البيع، إلا أنّه أقل من إطلاق لفظ «البيع» عليه.

ثالثها: في أن اختلاف الفقهاء في الحدود ليس للاختلاف في المحدود

ثالثها: اختلاف الفقهاء في الحدود ليس للاختلاف في المحدود، كما قد يتخيل في بادئ النظر، بل الغالب في الاختلاف إنما يكون في التأدية عن المعنى الواحد بحسب الكثرة والقلة في الأوصاف والأحكام؛ لأنّ غرضهم بيان المعنى برسمه والإشارة إليه بحيث يعرف عن غيره، فمنهم مَنْ يقتصر على ما يكتفي به الفقيه، ومنهم من يطيل؛ لزيادة التنبيه (1).

وأجود ما يقال: إن البيع نقل بلفظ خاص أو ما يقوم مقامه من معاطاة أو إشارة مع عدم التمكن، لعين - لا لمنفعة ولا لحقِّ - متميزة في الخارج، أو دين في الذمة، أو كلّيّ، مملوكة فعلاً أو قوّةً - كالكليات - أو تقديراً بعد البيع - كمن باع ثم ملك في وجه - للمالك العاقد أو وكيله، أو فضوليه، معلومة بالمشاهدة أو التقدير، مقدور على تسليمها، بعوض عين أو منفعة - لا حق على الأظهر - معلوم بالمشاهدة أو التقدير، من شخص إلى غيره، تحقيقاً أو تقديراً على وجه التراضي أو الجبر القائم مقامه من الحاكم ونحوه.


1) راجع جواهر الكلام 22 : 203 وما بعدها.

فلا يصح بيع المنفعة ولا الحق؛ لعدم صدق البيع وللأصل والإجماع، مع الشك في شمول الدليل. نعم، يجوز جعل المنفعة ثمناً؛ لعموم الأدلّة، دون الحقّ على الأظهر، ولا بيع ما لا يملك، أو ما لا يملك إلا مع إجازة المالك أو المالك الحقيقي، ولا بيع ما خلا عن العوض أو ما كان عوضه غير قابل للملك، ولا بيع المجهول، ولا الممتنع تسليمه أو تسلّمه، ولا بيع الإكراه بدون إذن المالك الحقيقي، إلى غير ذلك مما يخرج البيع عن اسمه أو يخرج عن حكمه.

رابعها: في أنّه قد يكون للبيع صيغة خاصة ولا يكفي كلّ صيغة

رابعها: قد يكون البيع بالصيغة الخاصة، ولا يكفي كلّ صيغة، كما ذهب إليه بعض الأعلام (1)لخلوّ الأخبار عن بيانها وعدم التعرّض لها، وهو مردود بأن الاكتفاء عن ذكرها إنّما هو لشيوع المعاطاة وقيامها مقامها، لا للاكتفاء بكلّ لفظ دلّ على ذلك بحيث يكون الناقل نفس اللفظ دونها.

ويشترط فيها الصراحة بدلالتها عليه وضعاً مطابقة، أو على الأعم منه، أو الأخصّ على أن يكون مجازاً مشهوراً متعارفاً، أو مشتركاً لفظياً أو معنوياً تخصصهما القرينة.

ولا يجزئ غير الصريح وإن دخل في الاشتراك المعنوي، كـ«بدلت» و «نقلت» و «عوّضت» ولا المجاز الغير مشهور كـ«وهبت» ولا الكناية كـ«انصرفت» و «ردعت» ويجزئ «بعتُ» و «أسلمت» و «ملکت» و «شریت».

ولا يصح في القبول «أذعنت» و «تحمّلت» ويجزئ «قبلت» لصراحتها، وللإجماع، وكذا «تملکت» و «ابتعت» و «اشتريت» ولا يبعد الاكتفاء بما كان كـ«قبلت» مثل «رضيت» ونحوها.

والمنع في ذلك كله؛ للشكّ في شمول دليل العقود والبيوع لغير الصيغ المتعارفة، بل الظن بعدم شمولها، لفتوى الأصحاب، وظواهر الإجماعات المنقولة (2)في الباب على عدم إجزاء كلّ لفظ، وإبقاء الأدلّة على عمومها يلزم منه كون الخارج أكثر من الداخل، وحينئذٍ فيدخل في العام شوب الإجمال، ويسقط به الاستدلال.

ويشترط فعليّة الصيغة وماضويتها وعربيتها مع إمكان مباشرة العربية بنفسه، وموافقتها للقواعد النحوية والصرفية مع إمكان مباشرة ذلك بنفسه، وترتيبها، سواء وقع القبول بلفظ «قبلت» أو بغيرها، وإن كان المنع في الأوّل أظهر.


1) كالشيخ المفيد في المقنعة : 591.

2) لم نتحقّقها.

ويشترط المطابقة بين الإيجاب والقبول ثمناً ومثمناً، وعدم الفصل الطويل بينهما.

كلّ ذلك اقتصاراً على مورد اليقين في السببية من العقود المتعارفة في العرف العام والدائرة على ألسنة الأعلام.

والأظهر سقوط جملةٍ من هذه الشرائط مع عدم الإمكان بنفسه.

والأحوط مراعاة عدم التمكن من التوكيل أيضاً، وعدم التمكن من عقد آخر أيضاً يقوم مقامه. ويشترط أيضاً تنجيزها، فلا يصح في العقد التعليق؛ لظهور العقد في المنجز، والشكّ في سببية المعلّق.

ويشترط التعيين فيها، فلا يصح الترديد فيها بين صيغتين أو بين ثمنين أو مبيعين؛ لما ذكرنا.

وهل يشترط ذكر المعقود عليه لفظاً، أو يكفي الإشارة إليه أو إضماره ؟ وجهان، أحوطهما عدم كفاية الإضمار.

خامسها: في أنّه قد يقع البيع بالفعل لا بالقول

خامسها: قد يقع البيع بالفعل دون القول، وهو مختص بمعاطاة العوضين أو أحدهما مع قصد النقل بها مطلقاً فينصرف للبيع؛ لأنّه الظاهر من الإطلاق اللفظي أو الفعلي، أو مع قصد البيع بالخصوص مصاحبة لقرينة دالة على ذلك من الألفاظ العامة أو الخاصة الغير مستجمعة للشرائط، أو غير مصاحبة، ولا بدّ مع مصاحبة ما لا يستجمع الشرائط معها من عدم قصد النقل به منفرداً عنها أو منضماً، وإلا فسد البيع قطعاً في الأوَّل، وعلى الأظهر في الثاني.

ولا يكفي غير المعاطاة في النقل من الأفعال كالإشارة والكتابة والملامسة والمنابذة؛ للإجماع والأصل مع الشكّ في الاندراج في العموم؛ ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المعتبرة المستفيضة المعمول عليها: «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» (1).

ولا تفاوت بين وقوعها بنفسها أو بمصاحبة اللفظ غير صالح للنقل، أو صالح غير مقصود به ذلك، ولو كان كلّ منهما مقصوداً بالنقل به فإشكال.

وهل يصح النقل بغير المعاطاة مع العجز عن مباشرة الصيغة والمعاطاة، أو لا يصح؟ والوجه: الصحّة مع العجز عن المباشرة وعن التوكيل أيضاً، وعن مباشرة صيغةٍ أُخرى من


1) راجع ص 187، الهامش (2).

النواقل؛ لمكان الضرورة، وتنزيل مراتب العقود منزلة العبادات، مع احتمال عدم مشروعية الضرورة لذلك إلا في الأخرس وشبهه؛ لقيام الدليل.

سادسها: في أنّ إفادة المعاطاة للنقل وأنها بيع هو الأظهر من الدليل

سادسها: ما ذكرناه من إفادة المعاطاة النقل وأنّها بيع هو الأظهر من الدليل؛ لصدق البيع عليها لغةً وعرفاً، وصدق التجارة عن تراض عليها أيضاً، وأظهر أفراد التجارة في الأعيان هو البيع، بل ربما يقال بشمول (أوفوا بالعقود) (1)لها، بناءً على شمول العقد للقول والفعل المقصود به الربط والظاهر من العقد الناقل للأعيان هو البيع وللسيرة القطعية القاضية بجريان حكم النقل للأعيان عليها من دون نكير من الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)وأصحابهم من مواريث ووصايا وأخماس وزكوات ونفقات وأوقاف وعتق، ولأنّ المعلوم بديهةً قصد الملك بها حين صدورها، فلو لم يحصل كان أكل المال بها أكل مال بالباطل، بل المعلوم بديهةً إجراء حكم البيع عليها وصدق أنّه باع واشترى عند المعاملة بها، فظهر حينئذٍ أنّها عقد تفيد التمليك، وأنها بيع لا عقد مستقل، ويدل على ذلك حصر الفقهاء للنواقل في أنواع محصورة ولم يذكروا المعاطاة منها.

نعم، هي من أقسام البيع الجائز بالأصل؛ للأصل والإجماع بقسميه (2)، ولأن المعهود من السيرة والطريقة إجراء حكم الجواز عليها - حتّى لو أريد اللزوم عدلوا عنها إلى الصيغ الخاصة - ويجب الوفاء بالعقد على ما هو عليه.

فالقول بلزومها (3)استناداً إلى أصالة اللزوم في البيع ضعيف، كما أن القول بفسادها وعدم ترتب أثر عليها (4)لا يُعوّل عليه، بل هو مخالف للإجماع بقسميه على الظاهر، ومخالف للسيرة القطعية من لدن سيّد البرية.

نعم، لو قرنت المعاطاة بغير الصيغة الخاصة، وقصد النقل بتلك الصيغة لا بها، كان العقد فاسداً؛ للأصل وعدم دليل عليه.

خلافاً لمن أجاز كلّ صيغة دالّة على المطلوب(5)؛ لخلق الأخبار عن الصيغ الخاصة.


1) المائدة (5) : 1.

2) رياض المسائل 8: 212.

3) هو ظاهر الشيخ المفيد في المقنعة : 591.

4) هو قول العلامة الحلّي في نهاية الإحكام 2 : 449.

5) حكاه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 147 عن شيخه السيد حسن بن السيد جعفر.

وهو ضعيف؛ لأنّ خلق الأخبار إنّما كان للاكتفاء عن الصيغة الخاصة بالمعاطاة، والألفاظ العامة يؤتى بها معها للدلالة على ذلك لا لقصد النقل، وليس خلوّها للاكتفاء بكل لفظ دال على المراد كما يشهد به الوجدان.

وذهب. جمع من أصحابنا (1)إلى أن المعاطاة إنّما تفيد إباحة التصرف، لا تمليكاً للعين، ولا نقلاً لها.

نعم، تفيد نقلاً وتمليكاً ولزوماً عند التلف أو التصرف على وجه البيع أو غيره.

ونُسب ذلك للمشهور (2)، ونُقل عليه الإجماع (3).

وهو بعيد عن مذاق الفقاهة، مردود باستلزامه أموراً تنافي القواعد الفقهية والأصول الشرعيَّة، كاستلزامه عدم تبعية العقود للقصود؛ لأنّ القصد الملك مع أن الأثر الإباحة، واستلزامه كون التصرف مملكاً قهراً لكلِّ من الجانبين من دون نية، وهو بعيد، سيّما مع عدم إذن المالك فيه؛ لأنّ قصده الإباحة، واستلزامه كون التلف مملكاً مع أنّه قبله لا ملك؛ لعدم حصول سببه وبعده ملك معدوم ومعه بعيد عن موارد المملكات الشرعيَّة، ولاستلزامه الحكم بعدم الملك قبل التصرّف أو التلف المقطوع بهما؛ لاستصحاب البقاء مع الشك، مع قضاء الضرورة بجريان حكم الأملاك، ولاستلزامه كون التصرف من جانب والتلف منه ناقلا للجانب الآخر قهراً، وهو بعيد، ولاستلزامه كون واطئ الجارية عاصياً؛ لأنّه إن ملك قبل الوطء بنيّة التصرّف كان خارجاً عن قواعد النقل، وإن ملك معه أو بعده كان واطئاً لغير المملوك من غير تحليل، ولاستلزامه كون النماء عند حدوثه إما مملكاً لنفسه دون العين، أو مملكاً لهما، أو غير مملوك حتّى يتصرّف بالعين فيملكها ويملكه تبعاً، أو لا يملك أصلاً، وكلّها خلاف القواعد وخلاف البديهة من إجراء حكم الأملاك ابتداء، وملكه بالتصرف فيه على نحو العين بعيد؛ لخفاء شمول الإذن له، ولاستلزامه أنّ العين لو تلفت أو تصرف بها


1) منهم: ابن زهرة في غنية النزوع 1: 214؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 147؛ والروضة البهية 3 : 222؛ والطباطبائي في رياض المسائل 8 : 213.

2) نسبه للمشهور كلّ من الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 147؛ والسبزواري في كفاية الفقه 1 : 449؛ والبحراني في الحدائق الناضرة 18 : 356؛ والطباطبائي في رياض المسائل 8: 213.

3) نقله ابن زهرة في غنية النزوع 1 214؛ والتراقي في مستند الشيعة 14 : 259.

الغاصب، فإن ملك تصرّف الغاصب لأحد الجانبين أو كليهما كان عجيباً من أن تصرف الغاصب مملك له، وإن لم يملك كان بمقتضى القواعد أنّ على القابض المثل أو القيمة دون المسمّى وهو خلاف ما عليه الفتوى والعمل.

وقد يُنزّل في كلامهم لفظ «الإباحة» على إرادة الملك دون اللزوم؛ لظاهر قولهم: إنّها تفيد إباحة وتلزم بالتصرّف، ويكون على نحو قولهم بإباحة المساكن والمتاجر.

وينبغي أن يعلم أنّه على ما اخترناه من كونها بيعاً أنّها تجري عليها أحكام البيع من خيار وشفعة وصرف وسَلّم، وعدم جواز الربا، وعدم كون العوض مجهولاً، وغير ذلك، سوى ما خرج بالدليل من الجواز وعدم اللزوم.

ويمكن إلحاق جواز الجهالة بالعوض بذلك؛ لما نُقل من أن سيرة المسلمين على ذلك (1).

وثبوت الخيار يمكن الحكم به مع الجواز؛ إذ لا بأس باجتماع علل الجواز في موردٍ واحد؛ لأنّ العلل الشرعيَّة معرّفات.

ويمكن الحكم به بعد التصرّف واللزوم، ولكن يكون مثبتاً للجانب الآخر، فإنّ التصرف من جانب المتصرف مسقط لخياره.

وكما يجري عليها أحكام البيع ها هنا، يجري عليها أحكام العقود الأخر إذا قامت مقامها؛ لأنّها فرد من أفرادها.

والقول بأنّها عقد مستقل كالصلح يقوم مقام العقود، كقيام الصلح مقامها، ولا يشترط فيها شرائط العقود؛ للأصل (2)، بعيد عن مقتضى الأدلّة.

وعلى ما اخترناه فانصرافه لكلّ عقد إما بالنية أو بالظاهر القائم مقامها من أن الأصل في نواقل العين البيع، وفي نواقل المنافع الإجارة.

ولا فرق في جريان أحكام البيع بين كون الدفع من الجانبين أو من جانب واحد؛ لقضاء السيرة بذلك.

وعلى القول بالإباحة فلا شك أنّها قبل التصرّف - على ظاهر قولهم - أمانة بيد قابضها،


1) راجع شرح القواعد 2 : 32.

2) قال به الشيخ جعفر في شرح القواعد 2 : 32.

وأنها تلزم من الجانبين بعد التصرّف والتلف ولو من جانب واحد، وأنها تلزم بالمسمّى المأخوذ فيها، ولكن لم يعلم أنّها تعود بيعاً حينئذٍ، أو عقداً مستقلاً، أو حكماً شرعياً ثبت للتصرّف والتلف ؟ وجوه خالية عن المأخذ.

وعلى البيع فهل تجري أحكامه حينئذٍ عند التصرّف أو من ابتداء المعاطاة فيكون التصرّف كجزء السبب ؟ وجهان، وإن كان على القول بالإباحة أوجههما: الأوّل.

ثم لو ترادًا قبل اللزوم - على كلا القولين - رجع كلّ مالٍ إلى صاحبه، ووجبت التخلية، ولا يلزم أحدهما الآخر بمؤونة الردّ.

ولو فسخ أحدهما فادعى الآخر اللزوم قبل ذلك بسبب خاص أو مطلق، فالقول قول منكره.

ثم إن التصرف الملزم - على كلا القولين - يراد به ما ينافي الردّ على وجه التمامية قطعاً، كنقصان في عين أو صفةٍ، أو تغيير لهيئة، أو خلط أو مزج لعين بأخرى، أو غير ذلك مما يؤثر تغييراً، وما لم يؤثر تغييراً، كبعض الانتفاعات والتصرّفات، فإن كانت ناقلة بناقل شرعي لازم فكذلك على ظاهر الفتوى وإن كانت جائزة كالتصرفات الغير مؤثرة كالمقصود منها النفقة أو الحفظ أو المزيدة حسناً - فلا يبعد عدم اللزوم بسببها؛ لاستصحاب الجواز، مع احتمال أن الأصل اللزوم عند الشكّ في بقاء الجواز، أو أنّ التصرف كله بمنزلة الرضى فيفيد اللزوم، كما في التصرف في زمن الخيار.

ولكنهما لا يخلوان من نظرٍ وتأمل؛ لإطلاق الدليل بأنّ الحدث مسقط للخيار، بخلافه ها هنا؛ لبنائه على حديث الضرار (1)، ولأن الرضى هناك مسقط للخيار، بخلافه في المعاطاة. فإن الرضى والإسقاط لا يفيدها لزوماً على الأظهر، ولأنّ استصحاب الجواز لا يعارضه ها هنا دليل لزوم البيع، فظهر ضعف الأوّل أيضاً.

ومثل التصرّف بالعين التصرّف بالنماء في حصول اللزوم به بالنسبة إلى العين نفسها وبالنسبة إليه، ويجري فيه الإشكال المتقدم على القول بالإباحة. والتصرف بالمنافع والنماء جائز على كلا القولين، إلا أنّهما إن كانا متصلين كان حكمهما حكم العين، وإن كانا منفصلين، فإن تلفا فلا ضمان على كلا القولين، سواء فسخا عقد الإباحة والتمليك أو أبقياه؛ لتسليط


1) راجع ص 194، الهامش (1).

المالك غيره عليهما، وإن كانا باقيين فليس للدافع الرجوع به على القول بالملك؛ لملك القابض له، سواء فسخ العقد الصادر على العين نفسها أو أمضاه، وله الرجوع به على القول بالإباحة قبل لزومها قطعاً، وبعده على إشكال.

وتلف بعض العين كتلف جميعه في تأثيره في اللزوم، واحتمال اللزوم فيما قابله فقط ضعيف؛ لحصول الضرر بالرد في البعض دون البعض.

ولو وقع تلف وفسخ واختلفا في السابق واللاحق، فإن عُلم تأريخ أحدهما حكم بتأخير الآخر، وإلا اتجه القول بتقديم مدعي الفسخ أوّلاً؛ لأصالة صحته، واستصحاب الجواز إليه. واحتمل تقديم قول مدعي التلف والتصرف؛ لأصالة صحته وحلّيته وأصالة اللزوم.

وتصرّف أحد المتعاقدين فيما انتقل منه لا يؤثر على القول بالإباحة أثراً، وعلى القول بالملك فهل هو فسخ ؟ وجهان.

ولو شرط أحدهما على الآخر عدم اللزوم بالتصرّف كان منافياً لمقتضى العقد على القول بالملك، فيتجه الفساد، وعلى القول بالإباحة ففي بقاء الإباحة وجهان.

وكذا لو شرط أحدهما على الآخر عدم التصرّف بوقت خاص أو حال خاص، فعلى القول بالملك يبطل الشرط، وعلى القول بالإباحة ففي بقائها بالنسبة إلى غيره واللزوم به وجهان.

سابعها: فساد العقد فيما لو حصل النقل بغير الصيغة الخاصة أو المعاطاة أو غيرهما مع عدم إمكانهما

سابعها: لو حصل النقل بغير الصيغة الخاصة أو المعاطاة أو غيرهما مع عدم إمكانهما، كان العقد فاسداً لا يترتب عليه آثار العقد الصحيح، وكان المقبوض مضموناً على قابضه؛ للإجماع نقلاً (1)بل تحصيلاً، وللمشهور نقلاً(2)وتحصيلاً، وللخبر المستفيض المنجبر بالفتوى والعمل، وهو «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (3).

والبحث في دلالته على الوجوب أو على العموم في الآخذ والمأخوذ، أو على العموم للعين والمثل والقيمة، أو على العموم للمأخوذ بنفس اليد وغيره، أو على العموم للمأخوذ


1) كفاية الفقه 2 : 654.

2) مجمع الفائدة والبرهان 8: 193.

3) راجع ص 189، الهامش (6).

بالقهر وغيره، ضعيف بعد فهم الأصحاب والإجماع المنقول في الباب، وللقاعدة المشهورة فتوى والمعمول عليها والمنقول عليها الإجماع (1): أنّ ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده، وظاهرها الضمان بالقيمة، لا بما أقدم عليه من المسمّى كما قد يتخيل.

و «ما» إن جعلت عبارةً عن العقد أفادت العموم بالنسبة إليه، وكانت بالنسبة لأفراد المضمون قضيّةً مهملة، وإن جعلت عبارةً عن المعقود عليه أفادت العموم بالنسبة إليه، وكانت بالنسبة للأفراد الغير المعقود عليها - كالنماء وشبهه - قضيّةً مهملة، وإن جعلت عبارةً عمّا يتعلق به العقد أصالة أو تبعاً أفادت العموم للجميع، وكانت دليلاً على ضمانه، إلا أن في دلالتها على ذلك نظراً وتأملاً.

وعلى كلّ حالٍ فالمقبوض من العوضين ونمائهما المتصل والمنفصل ومنافعهما المستوفاة وغيرها كلّها مضمونة على القابض سواء أتلفها بنفسه أو لا، وإن كان تضمينه النماء الذي لم يدخل تحت يده - لحصوله بعد ذهاب العين منه بيد غاصب آخر أو بلا وضع يد عليه - لا يخلو من إشكال.

ولا يتفاوت الضمان بين كون العقد بين عالمين أو جاهلين أو مختلفين مع قصد المعاوضة وعدم تسليط أحدهما الآخر مجاناً، فيجب ردّ العين ولو مع الأجرة مع الغرور، وتجب التخلية مع عدمه مع توابعها الجوهرية والعرضيّة ما لم تكن من ماله وكان مغروراً(2)، فإنّه يضرب بنسبتها إن بقيت، ويدفع مثلها أو قيمتها إن تلفت بعد الرد.

ويجب مع تلف العين من القابض ردّ المثل عرفاً إن كانت تُسمّى مثليّة عرفاً، إما لتساوي أجزائها في الحقيقة النوعية، كما في قول (3)، أو لتساوي قيمة أجزائها، كما في قول آخر (4)، أو لتساوي أجزائها وجزئياتها، كما في وجه ثالث (5)، أو لتساوي أجزائها ومنفعتها وتقارب


1) شرح القواعد 2 : 33.

2) في «ب» : «معذوراً».

3) وهو قول الشهيد في غاية المراد 2 : 398.

4) وهو قول الشيخ الطوسي في المبسوط 3 : 59 و 60 وابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 1480 والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 3 : 188.

5) وهو المذكور في شرح القواعد 2 : 35.

صفاتها، كما في قول رابع (1)، أو لكونها ممّا يُقدّر بالكيل والوزن، كما في قول خامس (2)، أو لكونها إذا جمعت بعد التفريق أو فُرقت بعد الجمع عادت الأُولى، كما في وجه سادس(3).

وقد يقال بوجوب رد المثل فيما له مثل عرفاً وإن سُمّي قيميّاً في لسان الفقهاء، ومع تعذر المثل وجبت قيمته وقت القبض، أو التلف أو الإعواز، أو الأداء، وهو الأقرب هنا للقواعد، أو التخيير بين الكلّ، أو أعلى القيم بين كلّ واحدٍ وآخر، أو بين الأوّل والأخير.

ويجب ردّ القيمة إن كانت قيمية، وهي ما قابلت المثلية.

وهل القيمة وقت القبض أو التلف، وهو الأوفق بالقواعد؛ لأنّه وقت تعلّق الخطاب بالأداء، أو وقت الأداء، أو وقت المطالبة، أو التخيير بين الكل أو بين كلّ واحدٍ وآخر، أو أعلى القيم كذلك ؟

والمراد بالقيمة القيمة السوقية، ولو اختلفت أخذ بالأغلب، ولو تساوت أُخذ بالأقلّ، مع احتمال الأخذ بالأكثر، أو القرعة، أو الصلح القهري، أو الانتزاع من القيم لرفع النزاع.

وتقوم الصفة مع تلفها منفردة إن كانت لها قيمة منفردة، وإلا قومت مع العين، وقومت العين منفردةً وأُخذ التفاوت.

وكذا العينان يقومان منفردين إن لم يكن للاجتماع مدخليّة، وإلا قوما مجتمعين إن ذهبا معاً، وإن ذهبت واحدة قوما مجتمعين ومنفردين وأخذ التفاوت على تفصيل سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

ولا يرجع القابض على الدافع مع عدم الغرور بغرامة أو نفقة أو شبههما، ويرجع مع الغرور؛ لقاعدة المغرور، ويرجع على مَنْ غرّه وجهله، وعلم الدافع ليس غروراً له، كما هو ظاهر الفتوى.


1) وهو قول الشهيد في الدروس الشرعيَّة 3: 113.

2) نسبه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 12 : 183 إلى بعضهم.

3) وهو المذكور في شرح القواعد 2 : 36.

المطلب الثاني : في المتعاقدين

وفيه أُمور:

أحدها: اشتراط التغاير ولو حكماً بين المتعاقدين

أحدها: يشترط في المتعاقدين التغاير بينهما ولو حكماً، كالوكيل عن اثنين أو الوليّ عليهما أو الفضولي عنهما أو الأصل والوكيل أو الولي، فلا يكفي الواحد، ولا يضر التعدد الاعتباري؛ لعموم الأدلّة وفتوى الأصحاب.

واستدعاء العقد فعلاً وانفعالاً وفاعلاً وقابلاً وتضايفاً لا يوجب التعدد الحقيقي كما توهم، بل يكفي فيه الاعتباري، وكذا يكفي التغاير الاعتباري بين العاقد والمعقود عليه، كما لو باع العبد نفسه؛ لعموم الأدلّة من غير معارض.

ويشترط فيهما البلوغ، وهو الحال الذي يعتري الإنسان بحيث يخرج به عن الصبا وتتعلّق به التكاليف وله علامات عرفيّة وشرعيّة، منها ما تخص الرجال، ومنها ما تخص النساء ومنها ما تكون مشتركةً كالمنى، وكذا العقل، وكذا القصد، وكذا الاختيار مقارناً أو متأخراً، كلّ ذلك للإجماع بقسميه (1)، وللشكّ في شمول أدلّة العقود خطاباً ووضعاً لها لعدم القابلية للخطاب التكليفي، وعدم انصراف الخطاب الوضعي إليها، فتبقى على حكم الأصل، ولا تؤثر الإجازة اللاحقة لها صحّة بعد الحكم ببطلانها في غير ما يستثنى إن شاء اللّه تعالى.

وعلى ذلك فلا عقد لصبي أو مجنون أو غافل أو ساءٍ أو سكران أو نائم أو مغمى عليه أو غير قاصد للمعنى أصلاً، كالهازل والغالط.


1) غنية النزوع 1: 210.

ومَنْ جوّز عقد الصبي إذا كان مميزاً (1)أو إذا بلغ عشراً (2)أو في المحقرات (3)مع إذن الآباء أو بدونه فقد خالف الأصحاب والأخبار (4)الخاصة في الباب الدالة على عدم نفوذ تصرفاته، المؤيَّدة بالأصول والقواعد والاحتياط والإجماع.

وغاية ما يستدل به من شمول العمومات له، ومن آية (وَابْتَلُوا اليَتامى) (5)حيث إنّ الابتلاء موقوف على معاملته وممّا دلّ على صحّة سلامه وإسلامه وإحرامه وتدبيره ووصيته وعباداته (6)، ومن جريان السيرة على العمل بإذنه في دخول الدار، وتوليه ضروب المعاملات، وقبول الهدايا منه عند إيصالها من وليه لأهلها، مردود بالمنع من شمول العمومات له، والسند ما تقدم، وبمنع ظهور الآية في ذلك، بل لا يبعد إرادة الاختبار بنفس الصور دون الحقائق، أو اختبار نفس البلوغ، أو الاختبار بعد البلوغ لاستئناس الرشد، أو الاختبار بغير أموالهم، أو الاختبار بالإباحة، أو بالسؤال والبحث أو بما جاز لهم تولّيه أو غير ذلك؛ والحكم بالعموم للكلّ لإطلاق الأمر ضعيف، وبمنع دلالة صحّة ما قام عليه الدليل على صحّة عقوده؛ لأنّه قياس ومع الفارق، على أنّه منظور في كثير أنّه منظور في كثير منه؛ لضعف دليله، كضعف ما دلّ على جواز تصرّف الغلام إذا بلغ عشراً (7)سنداً وعملاً،وفتوى، فحمله على مقارنة العشر للبلوغ الحقيقي أو على غير الذكر (8)أو طرحه أولى من العمل به وبمنع جريان السيرة على توليه ضروب المعاملات، سواء كانت من المحقرات أو من غيرها، ولو قضت بذلك سيرة قاطعة لكان محمولاً على جواز العمل بشاهد الحال من إباحة الأولياء للأخذ منهم والدفع إليهم، لا على وجه النقل والانتقال.


1) راجع مجمع الفائدة والبرهان 8: 152 – 153.

2) هو قول الشيخ الطوسي على ما في مفاتيح الشرائع 3: 46 مفتاح 895 وراجع المبسوط 2 : 163.

3) هو قول الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 3 : 46، مفتاح 895.

4) منها ما في وسائل الشيعة 17 : 360 الباب 14 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

5) النساء (4) : 6.

6) راجع وسائل الشيعة 12 : 73 الباب 45 من أبواب أحكام العشرة، ح 1 و 11 : 55، الباب 20 من أبواب وجوب الحج وشروطه، ح 2 و 19 : 360، الباب 44 من أبواب كتاب الوصايا؛ و 4 : 18، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض.

7) المبسوط 2 : 163.

8) في «ب» : «الذكي» بدل «الذكر».

وأما جريان السيرة على قبول قوله في الإذن بدخول الدار أو إيصال الهدية فلو قلنا بها وكانت قاطعةً، فلا تفيد سوى جواز العمل بالمظنة الحاصلة من قول الصبي بدخول الدار، وكون الهدية من الولي، فيقتصر فيهما على موردهما، ولا يقاس على ذلك باقي ضروب المعاملات.

والظاهر أنّ هذا الشرط يلزم استمراره من مبدإ الإيجاب إلى تمام القبول بالنسبة إلى الموجب والقابل، فلو كان الإيجاب مع صبي أو مجنون فقبل بعد بلوغه وعقله بطل العقد، وهكذا.

ويستثنى من ذلك عقد المكره الذي لم يبلغ إكراهه إلى ارتفاع قصده، كالخائف بتهديد أو توعيد أو ضرب أو شتم أو نحو ذلك، فإنّه يصح مع الإجازة عند الاختيار إذا استكمل سائر الشروط عدا الرضى المقارن؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول(1)، ولاحتساب الفقهاء عقده من العقود المأمور بها، وهُمْ أدرى بدليل الألفاظ، فيرتفع الشك في شمولها له ودخوله تحتها، فالحكم ببطلانه؛ للأصل والشك في الاندراج ضعيف.

وهل يلزم غير المجبور بانتظاره، أو له الفسخ ؟ وجهان، أوجههما: الأول؛ لإدخاله الضرر على نفسه، سواء استمر الجبر زمناً طويلاً أم لا.

وهل يُلزم عند ارتفاع الإكراه بأحد الأمرين: إما الفسخ أو الإجازة لمكان الضرر، أم لا ؟ وجهان، أقواهما الأوّل.

وهل الإجازة كاشفة أو ناقلة ؟ وجهان، أقواهما الأوَّل، إما بمعنى توقف صحته على حصول الشرط المتأخر واقعاً، فلمّا علم بحصوله علمت صحته قبل ذلك عند علام الغيوب، أو بمعنى تأثير الإجازة لصحته عند وقوعه لا عند الإجازة والمعنى الأوّل أظهر من كلمات الفقهاء. ولا بدّ من مطابقة الإجازة للعقد، فلو غيّر شرطاً أو مكاناً أو زماناً لم تؤثر الإجازة شيئاً. ولا بدّ في الجبر من كونه على معيّن أو مردّدٍ، وليس للجابر فيه حقٌّ، فلو جبره على البيع فصالح لم يكن مجبوراً.

ولو جبره على أحدهما لا بعينه ففَعَل أحدهما معيناً، كان مجبوراً.

ولو جبره على مردّد له فيه حق الجبر، كأن جبره على البيع أو الإنفاق على زوجته أو على عبده، أو على خُمسه أو زكاته فباع، لم يكن مجبوراً.


1) الحدائق الناضرة :18 : 373 رياض المسائل 8 : 218.

والحياء ليس من الجبر ؛ للسيرة القطعية، فالاحتياط منه لا معنى له.

ولو وقع عقد بين ناقصين فتعقبه قبض وكان بإذن الوليين ضمن الوليان، بل لو علما ولم يمنعا من دون مانع ضمنا كذلك، وإن لم يعلما أو كانا ممنوعين ضمن الناقصان.

ولو وقع العقد بين كامل وناقص، ضمن الكامل بقبضه حتّى لو أرجعه إليه كان مضموناً حتى يصل إلى وليه.

ولو أذن المالك بدفع شيء إلى الناقص فدفعه المأذون، لم يضمن الدافع.

ولو أذن الغريم للمدين في دفع ما في ذمّته للناقص وفاء، لم تبرأ ذمته على الأظهر، إلا إذا كان على وجه توكيله في قبضه وفاءً ثم دفعه للناقص.

ولو جهل الوكيل نقص المدفوع إليه، كان الضمان عليه مع التقصير. ولو تنازعا في أنّ القبض هل كان على حالة الكمال أو النقص، فإن علم تأريخ أحدهما

تأخر عنه المجهول، وإلا ففي الضمان؛ لعموم «على اليد» (1)أو عدمه؛ للأصل إشكال.

ثانيها: عدم اشتراط الإسلام ولا الإيمان في المتعاقدين

ثانيها: لا يشترط في المتعاقدين الإسلام ولا الإيمان؛ للأصل، والعموم (2)، والإجماع أكثر الموارد، فيصح بيع الكافرين والمسلمين والمختلفين من جميع أنواع الكفّار وجميع أصناف المسلمين، إلا أنّ في بيع الحربي لشبهة عدم ملكه - لكونه فيئاً ومملوكاً - وبيع المرتد الفطري كذلك - لكونه موروثاً دائماً - إشكالاً.

وصحة عقد كلّ قوم بالنسبة إليهم فقط، إلا العقد الجامع للشرائط الحقة فإنّه صحيح بالنسبة إلى الجميع.

ولو تعاقد ذو الشرائط الحقة مع ذي الشرائط الفاسدة، فسد العقد؛ لأن الصحّة لا تتبعض.

ولو تعاقد أهل الشرائط الفاسدة بينهم أجرينا عليهم حكم الصحّة وآثارها للأخبار (3)والسيرة القطعية وفتوى الأصحاب، وإن لم تكن صحيحة واقعاً.


1) راجع الهامش (6) من ص 189.

2) المائدة (5) : 1.

3) وسائل الشيعة 22 : 73، الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، ح 5، 16 و 26 : 158، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 5.

والأقوى اشتراط إسلام المشتري وكلّ من انتقل إليه بأي صنفٍ دخل من أصناف الإسلام - سوى ما خرج عنه إلى الكفر بإنكار ضروري أو هتك حرمةٍ أو سبٍّ - إذا اشترى مسلماً من أي أصناف الإسلام حتّى ما خرج عنه بما ذكرنا في وجه يؤيده الاحترام والاحتياط.

ويدلّ على الاشتراط في الصحّة وعدم الحرمة الشهرة بقسميها (1)، والإجماع المنقول (2). وما جاء في إعزاز المؤمن واحترامه والنهي عن إذلاله والأمر برفعته وتعظيمه (3)، وأنّ «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (4)وما ورد في الكتاب من نفي السبيل (5)العام، ولا يخصصه مورده؛ لأن المورد لا يخصص الوارد.

والمراد بالسبيل: إما المعنى الأعم فيدخل فيه الملك ولا يرد نقضاً عليه تسليط الكفار على المؤمنين الأخيار؛ لأنّ ذلك سبيل الشيطان لم يسده الرحمن لمصلحة الامتحان أو الحجة - كما في الرواية (6)- فيدخل فيه أيضاً؛ لأنّ في سلطان الملك أعظم الحجج على المملوك، إلا إذا أريد به الحجة في إبطال الدين ونقض شريعة سيّد المرسلين، فإنّه يخص مورده، ويكون في دليلنا الأوّل كفاية.

والحكم لمخالفته الأصل يقتصر فيه على مورد الدليل، فلا يبطل نقل المؤمن إلى غيره من المخالفين أو الفرق الباقية، إلا في الجارية فالأحوط ذلك؛ لأنّها تأخذ من دين مواليها كما تأخذ المرأة من دين زوجها.

ولا يبطل الملك القهري من ميراث ونحوه، ولا الملك الاختياري السابق على الإسلام وإن أُجبر الكافر على بيعه بعد إسلامه، كما يأتي (7)إن شاء الله، ولا الملك الغير المنافي للاحترام كالملك الغير مستقر إما بعتق كمن يشتري أباه، أو بشرط الحرّية له بعد الصيغة، أو بإقرار له


1) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 161.

2) غنية النزوع 1 : 210.

3) وسائل الشيعة 12 : 97 و 265 و 269، الأبواب 67 و 146 و 147 من أبواب أحكام العشرة.

4) المصدر 26 : 14، الباب 1 من أبواب موانع الإرث...، ح 11.

5) النساء (4) : 141.

6) بحار الأنوار 44 : 271 - 272، ح 4.

7) يأتي في ص 246.

بها قبل ذلك، أو ببيعه على مرتد فطري فيرثه المسلم، فإنّ الظاهر في ذلك كله الصحّة؛ للشكّ في دخوله تحت دليل المنع ونفي السبيل (1)، بل ربما كان فيه تعجيل نفع وإعزاز وإثبات سبيل له على الكافر لا العكس.

وأما النقل مع اشتراط أسباب الحُرّية - كالعتق أو البيع على مسلم أو وقفه - ففي كونه رافعاً للمنع ومخرجاً له عن دليل البطلان إشكال.

ويشترط أيضاً في الصحّة وعدم الحرمة أن لا يكون المنقول مصحفاً أو أبعاضه إذا كان المنقول إليه كافراً؛ لفحوى ما تقدَّم من الأدلّة إن لم تكن هي في القرآن أولى، سواء تعلق البيع به أو بجلده صورةً، وسواء كان منسوخ الحكم أو لا.

والأحوط إلحاق منسوخ التلاوة والمكتوب بغير الخط العربي والمكتوب حروفاً مقطعة والمكتوب رقوماً والمكتوب بالبياض المخرّق والمكتوب بالحفر والمكتوب بلا قصد إذا كان مختصاً بالقرآن بل ولو كان مشتركاً لم يقصد به غير القرآن بالقرآن (2)في الفساد والتحريم، وإن كان بعضها أشدّ من بعض في الاحتياط كما أنّ الأحوط إلحاق كتب الأدعية والأخبار والمواعظ والكتب الفقهية وآلات العبادة كالتربة الحسينية والسبحة بالقرآن (3)في الفساد والحرمة.

والأظهر ها هنا مساواة الاستدامة للابتداء في منع التملك، ومساواة الاضطرار للاختيار كما أنّ الأظهر مع اشتراط الوقف على المسلم أو التملك له بنفس الشرط، أو الإقرار بأنّه ملك للمسلمين أو وقف عليهم الحكم بالصحّة وعدم الإثم، وأما مع اشتراط الوقف والتمليك الاختياريين فالحكم بالصحّة وجه لا يخلو من قوة.

وهل يصح تمليك منافع العبد أو الحُرّ المسلمين على نحو الإجارة الخاصة أو على نحو الإجارة المطلقة المتعلقة بالذمة على أن يستوفيها بنفسه أو بمثله، أو على أن يستوفيها مسلم، أو على أن تكون مصروفةً بمصالح المسلمين من بناء قنطرة أو مسجد أو نحوهما؛ للأصل، والشك في دخولها في دليل المنع، أو لا يصح؛ لاستلزامه السلطنة على المسلم والسبيل المنفي (4)،


1) النساء (4) : 141.

2) قوله : «بالقرآن» متعلق بقوله : «إلحاق».

3) قوله : «بالقرآن» متعلق بقوله : «إلحاق».

4) النساء (4) : 141.

أو يفرّق بين إجارة الحُرّ نفسه؛ لانتفاء السلطنة عنه عرفاً، وللسيرة القاضية بذلك، وللأخبار الواردة عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والبتول الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) من إيجارهما أنفسهما لغير المسلمين (1)، وللعسر والحرج، وبين إجارة العبد؛ لاستلزامها السبيل المنفي لدخوله تحت اليد، أو يفرّق بين الأجير الخاص فيمنع، وبين الإجارة المطلقة فتصح؛ للشكّ في دخولها تحت السبيل ؟ وجوه، أقواها منع إيجار العبد إجارة خاصة تقضي بملك جميع منافعه ودخوله تحت اليد.

وكذا الكلام في صحّة إيجار المصحف له لانتفاع محلّل كالاستشفاء، او ليقرأ به مسلم أو غير ذلك، والأوجه فيه: صحّة الإيجار إذا لم يدخل تحت يده، كأن يشترط عليه تسليمه لمسلم يقرأ فيه، أو يشترط عليه وضعه عند المسلم إذا أراد الانتفاع به.

وهل يصح رهن العبد المسلم والمصحف عند الكافر؛ للأصل والعمومات، أو لا يصح؛ لأنّه من أفراد السبيل، أو يصح بشرط وضعه عند مسلم وتولّي بيعه عند تعذر وفاء الدين ؟ وجوه، أوجهها: الأخير.

والأحوط عدم إعارة الكافر العبد المسلم أو المصحف للانتفاع، وأما إيداعه فلا بأس به.

ويجوز أن يكون كلّ من المسلم والكافر ودعياً ومعيراً للآخر في غير العبد والمصحف، ويجوز قرض كلّ منهما للآخر ومطالبته له، ويجوز مطالبة الكافر بالإنفاق من زوجة أو قرابة أو عبد، ويجوز تعليم كلّ منهما الآخر، ويجوز مقاصة كلّ منهما للآخر، والأكل منه في المارة أو في البيوت المستثناة، كلّ ذلك للشكّ في الدخول تحت السبيل المنفي.

نعم، في جواز وصايته على المسلمين وجهان، أقواهما المنع؛ لشبهها بالولاية.

ولو أسلم عبد الكافر أو كفر مولى المسلم لم تنفسخ الملكية؛ للاستصحاب، وظاهر الفتوى، والنصّ الوارد في العبد إذا أسلم (2)، والإجماع المنقول (3)، ويجبر على بيعه بعقد لازم أو جائز فيؤول إلى اللزوم على وجه قوي، أو عتقه من الحاكم أو عدول المسلمين إن يوجد، وإن لم يتمكنوا من جبره قام الحاكم أو عدول المسلمين بتولّي بيعه أو عتقه أو وقفه مقامه.


1) بحار الأنوار 35 : 237، ج 1، و 243، ح 4 و 245، ح 16 و 41 : 144.

2) وسائل الشيعة 17 : 380، الباب 28 من أبواب عقد البيع وشروطه.

3) كما في شرح القواعد 2 : 56.

وفي إجراء هذا الحكم للمصحف إذا كفر مالكه وجه، ولكن لا يبعد انفساخ الملكية فيه قهراً؛ لظاهر الأدلّة من دون معارض:

ويملك سيّد العبد الكافر الثمن والنماء المتجدّد قبل بيعه أو وقفه أو عتقه، ولو اشتبه النماء بين أنّه من قبل النقل أو بعده، فإن علم التأريخ بني على تأخير المجهول عن المعلوم، وإلّا بني على أنّه لذي اليد المتأخرة على الأظهر.

ولو بيع العبد أو المصحف بثمن كلّي فدفع له فرداً معيباً عنه، جاز له الردّ والإبدال، وليس له فسخ العقد، وإن كان بمعين جاز له أخذ الأرش.

وهل يجوز له الفسخ ؟ وإذا فسخ فهل له أن يسترد العبد والمصحف؛ لعدم كون ذلك ملكاً ابتدائياً بل بسبب متقدم، أو يتعين عليه أخذ قيمتهما؛ للمنع عن ملكهما بسبب اختياري مطلقاً فيكون بمنزلة التلف ؟ وجوه أقواها تعيّن الأرش؛ جمعاً بين قاعدة نفي الضرر وبين نفى السبيل.

وكذا الحكم فيما لو وجد مشتري العبد أو المصحف فيهما عيباً.

ويجزئ نقل العبد والمصحف بأي ناقل كان للعين لازم أو جائز، فيعود الجائز لازماً.

ولا يكفي نقل المنفعة عنه إلا المنفعة المستدامة ففي الاكتفاء بنقلها عنه وجه.

هذا كله إن جاز نقل عينه، فإن لم يجز، كما إذا كان موقوفاً على الكافر - على القول بجواز الوقف عليه وعدم جواز بیع الوقف اكتفي بالحيلولة بينه وبينه، أو بنقل منافعه لغيره دائماً.

وكذا لا يكفي التزويج ولا التحليل ولا الرهن ولا الكتابة المشروطة، وفي المطلقة وجهان: من انقطاع سلطنة التصرف، ومن بقاء سلطنة الملك فيدخل تحت نفي السبيل، والأخير أقوى، إلا إذا ترتب فك الملك عليها فوراً من متبرع بالبذل أو من بيت المال فالاكتفاء أقوى.

ولو أُجبر الكافر على نقل المسلم أو المصحف فاشترى بهما مبيعاً فتلف قبل قبضه أو في زمن الخيار المختص إن قلنا بثبوت (1)الخيار له احتمل رجوعهما إليه؛ لأنّه بمنزلة الملك القهري، واحتمل استثناء هذه من قاعدة: إنّ تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه، بل يكون من مال المشتري، واحتمل أن له على البائع المثل أو القيمة.


1) في «ب» : «بإمكان ثبوت» بدل «بثبوت».

و احتمال بقاء العبد بلا مالك؛ لخروجه عن ملك البائع بالانفساخ وعدم دخوله في ملك المشتري، ضعيف لا يقوله أحد.

ولو أسلم عبد الكافر بعد أن باعه على مسلم بخيار له أو بمعاطاة، لزم البيع على الأظهر.

ولو أسلم بعد أن باعه فضولاً على مسلم، قهر المالك على الإجازة أو البيع من آخر.

ولو أسلم عبد الكافر بعد أن اشتراه من كافر فأسلم البائع وكان له خيار فيه، قهر على بيعه ولا ينتظر خيار المسلم مع احتمال انتظاره واستئذانه احتراماً لحقه.

ولو أسلم عبد الكافر بعد أن اشتراه الكافر فضولاً، انفسخ العقد؛ بناء على النقل، وعلى الكشف قهر المالك على بيعه أو الإجازة، فإن أجاز أقهر الثاني.

ولو أسلمت أم ولده، لم يُجبر على العتق والوقف على المسلمين مجاناً، ولا مع دفع قيمتها من بيت المال للأصل، وعدم الدليل

وهل يُجبر على بيعها على مسلم أو على بيت المال؛ تقديماً لدليل نفي السبيل، والأخذ بما دلّ على احترام المسلم (1)، أو لا يُجبر؛ تقديماً لدليل المنع من بيع أُمهات الأولاد (2)؟ وجهان.

والظاهر أنّ الأقوى بحسب الدليل هو الأوَّل، بل ربما نُقل عليه الإجماع، وساعده الاعتبار؛ لأنّه حقٌّ من شعائر الدين فلا تعارضه حقوق المخلوقين.

وعلى الثاني فهل يحال بينها وبينه فتوضع على يد مسلم فيصل إليه نفعها ويصل إليها نفقتها إلى أن تموت أو يموت الولد، أو تستسعى في فك رقبتها فإذا دفعت قيمتها تحرّرت، أو يُجبر على المكاتبة معها مع بقائها في يده، أو مع عدمه، أو تكتسب لنفسها في نفقتها وتردّ عليه الزائد ؟ وجوه، أوجهها: الأوّل.

وهل يلحق الطفل المملوك للكافر بإسلام أبويه بالمسلم الأصلي، فيقهر على بيعه قضاءً لحق التبعية الثابتة بالنص (3)والإجماع، أو لا يلحق للأصل والشكّ في دخوله تحت دليل المنع، ولأنّ علقة الملك أقوى من علقة النسب، إلا مع الاجتماع في يد واحدة فهناك يجبر


1) راجع الهامش (3) من ص 243.

2) وسائل الشيعة 18 : 278، الباب 24 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

3) المصدر 15 : 125، الباب 48 من أبواب جهاد العدو...، ح 3.

على بيعهما ؟ وجهان، والأوّل أقوى؛ لأن دليل شرف الإسلام (1)والتبعية (2)فيه يقوى على دليل أن الناس مسلّطون على أموالهم.

وأما إسلام الجد القريب مع وجود الأب ومع عدمه أو الجد البعيد فالإشكال فيه أقوى؛ لضعف التبعية، وعدم قوة دليلها سيّما البعيد مع وجود الأب.

ثالثها: اشتراط كون العاقد مالكاً

ثالثها: يشترط في العاقد صحّة أو لزوماً كونه مالكاً، فلا يصح تصرّف العبد؛ لعدم ملكه. نعم، لو أذن له مولاه صح في مال المولى.

والأظهر صحّة عقده لو وكله الغير على بيع شيء أو شرائه من الغير، أو على شراء نفسه وإن لم يأذن المولى، بل ولو منع والحرمة لا تستلزم الفساد ها هنا؛ لأنّ حرمة تصرفه بلسانه إنما جاء من أمر خارج فلا يفيد فساداً، ووكالة الغير له وإن كانت فاسدة لكن عقده بها يصححها إذن المالك.

وبحكم المالك الأب النسبي، دون الرضاعي ودون المخلوق من ماء الزني، والجد للأب قريباً أو بعيداً مع وجود الأب ومع عدمه، فإنّ لهما معاً ولاية العقد على الصبي مميزاً أم لا، وعلى السفيه والمجنون المستمرين من قبل البلوغ إلى ما بعده على تلك الحالتين ولاية إجبارية لا تراعى بالمصلحة.

نعم، لو أفسدا بطل تصرّفهما فيما أفسدا به، ولا ينعزلان.

ولو بلغ الصبي عاقلاً رشيداً، زالت ولايتهما عنه، فلو عاد له الجنون عادت ولايتهما عليه على الأقوى، مع احتمال استصحاب زوالها فتكون للحاكم، واحتمال الاشتراك بينهما وبين الحاكم. وأما السفه ففي عودها وجهان، والأحوط اجتماعهما مع الحاكم في التصرّف.

ولهما أن يتولّيا طرفي العقد ولايةً أو أصالةً منهما وولاية؛ لعموم الأدلّة، وفتوى الأصحاب من غير معارض سوى ما يتخيل من استدعاء العقد فعلاً وانفعالاً وفاعلاً وقابلاً وهو غير متحقق، وهو مردود بأن الاختلاف من جهة الحيثية، والمغايرة الاعتبارية كافية في المقام.


1) راجع الهامش (4) من ص 243.

2) وسائل الشيعة 15 : 125، الباب 48 من أبواب جهاد العدو...، ح 3.

وهل يقدم الأب على الجد مطلقاً، أو العكس مطلقاً، أو تساويهما، ومع الاقتران يبطل العقدان أو بشرط عدم التعارض، أما معه فيقدم الأب أو يقدّم الجد؟ وجوه، أقواها ثبوت ولايتهما، وتقديم الجد عند التعارض.

أما الأوّل: فلعموم الأدلّة.

وأما الثاني: فلمّا دلّ على تقديمه في النكاح مستنداً لقوله: «أنت ومالك لأبيك» (1)وبتنقيح المناط وعموم العلة في الخبر وبما دلّ على أن ولي النكاح هو ولي المال (2)يثبت تقديمه في كل عقد.

ولا يعارض ذلك قوة ولاية الأب في كثير من المواضع لقصرها على موردها، كالعقوق وشبهه، ولا آية أُولى الأرحام (3)لتخصيصها بما قدمنا، أو محمولة على أنّ من أسباب الأولوية القدم، أو الولاية على الولي.

ولو تعارضت الجدود، فهل الأقرب أولى؛ لآية أُولي الأرحام، أو الأعلى؛ لعموم تقديم الجد على الأب (4)؟ وجهان.

ولا حكم لوصي أحدهما مع الآخر.

ومع عدمه فهل ينزل وصيّ كلّ واحدٍ منزلته، أو يقدم وصيّ الأب ؟ وجهان.

وبحكم الأب والجد الوصيُّ عن أحدهما الجامع لشرائط الوصاية، أو وصي الوصي مع الإذن فيهما له بالوصاية، فإنّه ينفذ تصرّفه بنقل أو انتقال، بل بالفسخ والإقالة والتغيير والتبديل؛ لأن الوصاية ولاية لا وكالة على الأظهر، في مال الطفل أو المجنون المستمر جنونه من الصبا إلى البلوغ، أو سفهه كذلك.

ولو زال الجنون وعاد، ففي عود ولايته إشكال.

وأشكل منه ما إذا زال السفه فعاد.

والأحوط الجمع بينه وبين الحاكم في التصرّف.


1) وسائل الشيعة 20 : 290 - 291، الباب 11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح 5.

2) المصدر : 283، الباب 8 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح 4.

3) الأنفال (8) : 75.

4) وسائل الشيعة 20 : 289، الباب 11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد.

ولو فقد الوصي كان الحاكم المنصوب نصباً عاماً أو خاصاً أو أمينه قائماً مقام المالك، فإن فقد قام مقامه عدول المسلمين، فإن فقدوا قام مقامهم فسقتهم إذا عرفوا من أنفسهم الأمانة.

ولهؤلاء التصرف بمال الصغير والمجنون استمرّ جنونه أو انقطع فعاد، وكذلك السفيه، وبمال الغائب عند خوف الفساد عليه بنظر أهل الخبرة، وبمال الممتنع عن أداء الحقّ المخلوقي أو الخالقي.

وفي إلحاق العاجز عنه وجه قوي.

ويشترط في جواز تصرّف الوصي وما بعده إما خوف الفساد، أو جلب المصلحة؛ اقتصاراً على المورد اليقين في ثبوت ولايتهما، بخلاف الولي الإجباري، فإنّه يكفي في تصرفه عدم الإفساد.

والظاهر الاكتفاء بالمصلحة التي أدى إليها النظر، ولو أخطأ واقعاً لم يضمن المخطئ، إلا إذا قصر بالنظر.

نعم، يستثنى من اشتراط المصلحة جواز اقتراض وليّ الأطفال - دون غيرهم على الظاهر - من مالهم لنفسه دون غيره مع الملاءة بأن يملك وفاء القرض زائداً على المستثناة في الدين، متمكناً منه عند الوفاء، واثقاً بحصوله: للنص (1)وفتوى الأصحاب.

وظاهر إطلاقهما عدم اشتراط شيءٍ آخر، إلا أنّ الأحوط لزوم الإشهاد خوف الفساد، أو جعل رهن على المال أو ضامن يضمنه في الحال.

ولو اقترض من دون الشرط المتقدّم، لم يخرج المال عن ملك المولى عليه، وضمنه، و تصحّ العقود المترتبة عليه إذا كان فيها ربح، ويكون الربح للمولى عليه، بل تصحّ مطلقاً وإن لم يترتب عليها ربح، إما لأنّه ولي فينفذ تصرفه، أو لأنّه فضولي تكفي فيه الإجازة الإلهية، أو تعبداً؛ للنصوص(2).

والظاهر أن للولي أن يقوم على نفسه مال المولّى عليه إذا كان من أهل الخبرة من دون إحضار مقوّم، ويملكه من دون صيغةٍ ناقلة أو قبض بنيّة المعاطاة، وإن كان الأحوط إجراء الصيغة أو المعاطاة.


1) وسائل الشيعة 17: 258 - 259، الباب 76 من أبواب ما يكتسب به، ح 1 و 19 : 86، الباب 8 من أبواب كتاب الوديعة، ح 2.

2) راجع المصدر : 257 و 258 الباب 75 و 76 من أبواب ما يكتسب به.

ويقوم الوكيل مقام موكله في التصرف، فإن عيّن له جهة اتبعها، وإلا وجب عليه مراعاة الغبطة والمصلحة، ولا يكفيه عدم المفسدة.

ولا يجوز له الاقتراض مع الملاءة، والقياس على الولي باطل.

ويجوز له تولّي طرفي العقد وكالة عن اثنين، أو أصالة ووكالة؛ لعموم الأدلّة، وفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول (1).

والشك في شمول الأدلّة له بعد فهم الأصحاب وحكمهم بدخوله في ذلك الباب لا وجه له عند أولي الألباب، وإن كان الأحوط لمن يريد أن يعقد عن اثنين توكيل غيره عن نفسه أو عن غيره وإيقاع العقد معه.

والأظهر أن يقال: إنّ الوكيل لا يدخل في إطلاق أمر الموكل ببيع أو شراء أو عطاء أو تفريق على غيره ما لم ينص الموكّل على ذلك؛ لأنّ غرض الموكل المماكسة والمغابنة، وفعلهما من الوكيل مع نفسه ممّا يستبعده الموكل من النفس الأمارة، وفي الأخبار ما يدلّ على المنع (2)، وفي بعضها: «لا يدنّس عرضه» (3)و (4)، وفي بعض آخر: المنع من أخذ الوكيل على التفريق فيمن يعمه اللفظ المأمور به سهماً لنفسه إلا مع الإذن له (5).

وبالجملة، فظاهر الخطابات بالنسبة إلى أهل العرف والعادات خروج المتكلم والمخاطب عن إطلاق المأمورين بالنقل إليهم أو إعطائهم بل وعمومهم.

وينعزل الوصي والوكيل والحاكم ونحوهم عن الولاية بالموت والجنون والسفه والإغماء، ولا ينعزل الولي الإجباري، وإن بطل تصرّفه فوليّه الولي يكون هو الوليّ مع احتمال العزل فيه.

وعلى كلّ حال فالولي الإجباري تعود ولايته عند ارتفاع مانعها، وكذا الحاكم ومَنْ قام مقامه، ولا تعود ولاية الوصاية ولا الوكالة؛ للإجماع المنقول (6)وفتوى الفحول، ولأن عقد


1) كما في شرح القواعد 2 : 143.

2) وسائل الشيعة 17 : 390، الباب 5 من أبواب آداب التجارة، ح 4.

3) في المصدر : «نفسه» بدل «عرضه».

4) المصدر : 389 - 390، ح 2.

5) المصدر 9 : 288، الباب 40 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 3.

6) كما في شرح القواعد 2 : 141.

الوصاية والوكالة لا يقضيان بالعموم في الأزمان كي يخرج منه ما يقطع بخروجه ويبقى الباقي كما تخيله جمع (1)، بل الظاهر أنّهما يتعلقان بزمن الوقوع وينجر فيما بعده بالاستصحاب، فإذا انقطع الاستصحاب استصحب القاطع إلى أن يثبت مزيله.

والظاهر أن فسق الوصيّ والوكيل فيما تؤخذ في وكالته العدالة مبطل للوصاية والوكالة، ولا تعودان بالتوبة؛ لما قدمنا.

وكذا ما علّق على صفة فزالت ثم عادت.

نعم، لو حصل مانع عن إيقاع موجب الوكالة وقضى به الحكم الشرعي - كالإحرام العارض لمن وكل على النكاح، والاعتكاف العارض لمن وكل على البيع وغير ذلك - لم يزل موجب الوكالة، ويصح التصرف عند زوال المانع.

وقد يحصل الشكّ في بقاء موجب الولاية أو الوكالة فيما لو وكل شخص في تزويج امرأةٍ مطلقاً، فتزوجت وعادت خليّة، أو في تطليقها كذلك، أو كان وصيّاً لأحد الأبوين مع وجود الآخر الناقص، فكمل فزالت وصاية الوصى ثم عاد النقص، فهل تعود وصايته ؟

والأظهر في هذه الصور عدم العود، ويضاف إلى الأوّل أن المانع فيه أيضاً لفظي.

ولو وقع عقد الوليين أو الوكيلين في زمانٍ واحد بأن اتحد زمان آخر القبول منهما أو ممن عقدا معه وكانا مختلفين في جهة العقد لا يمكن الجمع بينهما، بطلا للتضاد بينهما وعدم إمكان الجمع، وعدم ترجيح أحدهما من غير مرجح في غير ما دلّ عليه الدليل.

ويحتمل صحتهما موقوفةً على الإجازة من الأصيل بالنسبة إلى الوكيل، ومن أحد الوليين بالنسبة إلى عقد الولي الآخر؛ تنزيلاً لعقدهما منزلة الفضولي، لصدوره من أهله في محله، ولا مانع سوى التضاد، فبارتفاعه بالإجازة وإبطال الآخر يؤثر العقد أثره.

وأمّا احتمال القرعة أو التنصيف بينهما جمعاً بين العقدين كالجمع بين الدليلين، فضعيف جداً؛ لأنّ القرعة إنما تخرج المشتبه ظاهراً المعلوم واقعاً وليس كذلك، والتنصيف يؤدي إلى إبطال مقتضى العقد لا إلى إعماله.

ولو وقع العقدان وجهل تأريخهما، فالأظهر أنّهما بمنزلة معلوم الاتحاد. ولو علم تأريخ


1) راجع شرح القواعد 2 : 141.

أحدهما، تأخر عنه المجهول على الأقوى. ولو علم السبق واللحوق وشك في السابق، فليس إلا الصلح أو القرعة.

ولو وقع عقد الأصيل والوكيل دفعةً مع اختلافهما، رجّح جانب الأصيل؛ لأنّه كالعزل له، مع احتمال البطلان أيضاً.

ولو أمكن الجمع بين العقدين المختلفين - كما إذا عقد وكيل عن شخص على واحد فعقد وكيله الآخر على آخر وكان وكيلاً ذلك الآخر عن المشتري أيضاً - فإنّه يمكن هنا - مع عدم اعتبار النية - أن يصح العقدان أو الأوّل فقط، ولكن الحكم بذلك لا يخلو من إشكال.

ويتحقق الاختلاف باختلاف المشتري، أو باختلاف الثمن وإن اتحد المشتري، أو باختلاف الحلول والأجل، أو باختلاف الخيار وعدمه، أو نقصانه، أو أجله، أو زيادته، أو باختلاف الاشتراط لشيء واشتراط عدمه.

واحتمال صحتهما في القدر المشترك، وصحة مشترط الزيادة من خيار أو أجل أو شرط فيما إذا وقع أحدهما مطلقاً والآخر مقيّداً، أو كان كلّ منهما مطلقاً من جهةٍ ومقيداً من أُخرى لا ينافي قيد أحدهما الآخر أوجه، والأوجه: البطلان.

ومن الاختلاف الاختلاف في العقد، كصلح وبيع أو إجارة وجعالة وإن اتحد أثر هما، مع احتمال الصحّة، وكونهما بمنزلة العقد الواحد الصادر من الوليين، فإن الأقوى فيه الصحّة.

وليست الأسباب الشرعيَّة بمنزلة العلل الحقيقية لا يجري فيها التعدّد، فلا بأس بتعدد الإيجاب من واحدٍ أو من آحاد من الأولياء واتحاد القبول، أو تعدّدهما من المتعدّدين إيجاباً وقبولاً دفعةً واحدة من الأولياء من الطرفين إذا كان جنس العقد واحداً والمعقود عليه واحداً والمولّى عليه واحداً.

رابعها: في قيام الفضولي مقام الملك في نفوذ عقده إذا أجاز المالك

رابعها: من جملة ما يقوم مقام المالك في نفوذ عقده : الفضولي إذا عقد على مال الغير فأجاز المالك، غاصباً كان أم لا، عالماً بأنّه مال غيره أو مشتبهاً، قاصداً البيع للمالك أو لنفسه أو لهما معاً أو لغيرهما، فإنّه متى ما أجاز المالك بنيّة أنّ البيع له أو من دون نية وقع البيع له، وليس تعيّن المالك من شرائط الصحّة.

نعم، لو نوى الفضولي البيع لنفسه فأجاز المالك كذلك، احتمل وقوعه للمالك قهراً، أو بطلانه وصحته، ويكون للفضولي بمنزلة هبة وبيع، كـ«اشتر بمالي لنفسك كذا».

ونظيره ما لو باع مال نفسه بنيّة أنّه لغيره فأجاز الغير، فإنّه من المحتمل أنّه بمنزلة هبة وبيع، أو بمنزلة «أعتق عبدك عنّي».

وليس من الفضولي ما لو باع مالاً زاعماً أنّه للغير فضولاً فبان أنّه له سابقاً أو متجدّداً بميراث وشبهه، فإنّه يمضي البيع له من دون افتقار إلى إجازته بعد ذلك، ومن دون ثبوت خيار له - كما احتمله بعضهم (1)- لعدم موجبه.

والحكم بالبطلان كما احتمله آخَرون (2)- لعدم القصد أو للتردّد فيه، منظور فيه.

وربما يجري ذلك للوكلاء والأولياء أيضاً فيما إذا باعوا مال المولّى عليهم أو الموكلين لهم بزعم أنّه مالهم أو أنّه مال غيرهم فضولاً، أو أنكحوا المولى عليهم أو المملوكين على جهة الفضولية للجهل بالولاية والمملوكية، فتبين لهم بعد ذلك أن المبيع مال المولّى عليه، وأنّ النكاح كان للمولّى عليه أو المملوك، فإنّ الصحّة فيه هي الأوجه من دون افتقار للإجازة.

كذا مع العلم بالولاية والملك، ولكن وقع الاشتباه بين الفرد المملوك أو المولّى عليه وبين غيره فزعمه أنّه غيره.

ولا يتفاوت الحال في الفضولي بين علم المشتري بالغصب حين دفع الثمن وبين عدمه واحتمال أنّه مع العلم مُعرضُ عن ماله فيدخل في ملك الفضولي بالإعراض، أو أنّه يخرج عن ملكه وإن لم يدخل في ملك أحدٍ فلا تؤثر إجازة المالك سيّما على النقل، أو أنّه خالٍ عن القصد فلا تؤثر إجازة المالك مع عدم قصد القابل ضعيف لا يُلتفت إليه - سواء كان الثمن كلياً أو معيناً، وسواء كان موجوداً أو تالفاً.

والدليل على صحّة الفضولي مع الإجازة بجميع ضروبه ظواهر الإجماعات المنقولة (3)المعتضدة بنقل الشهرة (4)، بل بتحصيلها.


1) الشيخ جعفر في شرح القواعد 2 : 98.

2) منهم : العلامة الحلي في نهاية الإحكام 2 : 477 وولده فخر المحققين في إيضاح الفوائد 1 : 420؛ والشهيد الأوّل في القواعد والفوائد 2 : 238 ذيل القاعدة 238.

3) تذكرة الفقهاء 10 : 15 و 18 - 19، الفرع «ب» و «یب» من المسألة 5، و 215 و 217 - 218، المسألة 110، والفرع «ب» منها.

4) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 157؛ كفاية الفقه 1 : 449.

ويدلّ عليه عمومات أدلّة العقود (1)أجناساً وأنواعاً؛ لدخوله تحتها، لكونه من العقود المتعارفة المأنوسة.

وتشهد بذلك السيرة المأنوسة والطريقة المألوفة الحاصلة من تصرف الأصدقاء وأهل الميانات والوكلاء والمأذونين في غير الوجه الذي أُذن لهم فيه.

ولا تختص أدلّة العقود فيما باشره المُلّاك قطعاً، وإلا لخرج عقد الولي والوكيل، بل يراد منها ما يرتضونها الملاك أو أولياؤهم سابقاً أو لاحقاً، فيدخل تحت (تجارةً عن تراض) (2)ويخرج ما لا يرتضونه ويجيزونه بالإجماع.

ويدلّ عليه أيضاً ما جاء في النكاح من إجماع (3)أو أخبار (4)، فإنّه يثبت في غيره بالأولوية؛ لأنّ أمر الفروج أشدّ، ولجواز جعل البيع والإجارة ونحوهما صداقاً فيه فيعتها فضوليّه.

ويدلّ عليه حديث بيع عقيل دور النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمكة وإجازته له (5).

وحديث عروة البارقي - المستفيض المعتضد بالشهرة نقلاً(6)وفتوى - من أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمره بشراء شاة بدينار فاشترى شاتين ثم باع إحداهما بدينار فجاء بالشاة والدينار فأجازه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (7).

وصدره وإن أمكن فيه المناقشة بأنّه من مفهوم الأولوية للوكيل إلا أن عجزه ظاهر في الفضولية.

والمناقشة فيه باستبعاد تصرّفه من دون إذن، وبعدم العموم في حكايات الأفعال، وباحتمال حصول الوكالة ولم تنقل، وباحتمال فهم الإذن الفحوائية له، وباحتمال أن عروة لم يوقع بيعاً بل إباحة، وباحتمال أنّه فهم من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إرادة الشاة الواحدة فبيع إحداهما مما يتوقف عليه المراد خلاف ظاهر الفتوى والرواية.

ويدلّ عليه أيضاً : قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في وليدة باعها ابن سيدها في غيبة أبيه


1) البقرة (2) : 275؛ النساء (4) : 29: المائدة (5) : 1.

2) النساء (4) : 29.

3) المسائل الناصريات : 330، المسألة 154؛ السرائر 2 : 565.

4) وسائل الشيعة 20 : 280 - 281، الباب 7 من أبواب عقد النكاح...، ح 3 و 26 : 219، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ح 1.

5) المغازي، الواقدي 2 : 829؛ مجمع البيان 9 - 10: 147، ذيل الآية 30 من سورة «ق» (50).

6) رياض المسائل 8: 223 – 224.

7) جامع الأصول 12 : 289، ح 9231 وذيله؛ مستدرك الوسائل 13 : 245، الباب 18 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

فولدت من المشتري فلمّا رجع طالب بجاريته - : أنّها تُردّ مع الولد إليه، فردّت، وأشار على المشتري أن يقبض ولد المالك فقبضه فأجاز بيع الوليدة وردّها مع ولدها (1)، وتنزيلها على الفضولي أظهر من تنزيلها على غيره من الأمور الغيبيّة.

والقدح فيه باشتماله على ردّ ولد المشتري مع أنّه حُرٌّ للشبهة، وعلى قبض ولد المالك مع أنّه حُرٌّ وليس عليه إلا الغرامة، وعلى تأثير الإجازة بعد الرد والفسخ، وهو خلاف الإجماع، مردود بتنزيل الردّ على تقويمه وتسليمه للحق وتنزيل قبض الولد على حبسه ليؤدي ما عليه من الغرامة؛ لأنّ المشتري مغرور من قبله وتنزيل منع المالك على المنع الصوري لا الحقيقي، وهذا كله مفهوم من الخبر لمن له خبر ونظر.

ويدل عليه ما ورد عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيمن ربح أربعة آلاف درهم في وديعة غير مأذونٍ بالتصرف فيها: أن الربح لصاحب المال (2).

وما ورد من أنّه لا يجوز لمن باع ثوباً أن يأخذ من المشتري بوضيعة، فإن [ أخذه جهلاً ] (3)فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد (4).

ويؤيد جواز الفضولي ما جاء في اقتراض مال الصبي مع عدم الإذن الشرعي ليتجر به أن الربح للصبي (5)، بتنزيلها على إجازة من له أهلية الإجازة، أو على الإجازة الإلهية؛ لأولويته من طرحها أو الجمود عليها، فتكون مشعرةً بصحته.

وما جاء من أخبار الخمس من تحليل المناكح والمساكن(6)، وما صرّح فيه بالشراء من مال الخمس من الجواري وإجازة الإمام ذلك لأهل الحق (7).


1) وسائل الشيعة 21 : 203 الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

2) المصدر 19 : 89، الباب 10 من أبواب كتاب الوديعة.

3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية : «أجل له أجلاً». وذلك تصحيف، والمثبت كما في شرح القواعد 2 : 79، وهو الموافق لما في المصدر.

4) وسائل الشيعة 18 : 71 - 72، الباب 17 من أبواب أحكام العقود، ح 1.

5) المصدر 9 : 87 و 89 الباب 2 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة، ج 2، 7، 8 و 17 : 257 - 258، الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، ح 2، 3، 5.

6) المصدر : 543، الباب 4 من أبواب الأنفال.

7) المصدر : 544، ح 4.

وما جاء في إجازة السيّد عقد العبد (1)، وإجازة الوارث الوصية فيما زاد على الثلث (2).

وما جاء في الصدقة بمجهول المالك أنّها تمضي مع إجازة المالك، وإلا غرم المتصدق (3).

وبمجموع ما ذكرنا يحصل للفقيه الظنّ بل القطع بجوازه في كلّ عقد من كلّ عاقد غاصب أو لا، قصد لنفسه أو لا.

ونقل بعض الفضلاء أنّه لا قائل بالفرق بين النكاح والبيع وبين غيرهما من العقود (4).

نعم، قد يشكل الحكم بجريانه في الإيقاعات والعقود المشترطة بالقربة كالوقف، وفي دفع الماليات التي هي من أقسام العبادات، كالخمس والزكاة.

والأظهر جريانه في الجميع غير ما قام الدليل على عدمه، والأحوط العدم.

وذهب جمع من أصحابنا (5)إلى المنع من صحّة الفضولي مع الإجازة مطلقاً؛ لإطلاق الأكثر اشتراط الملك في البيع.

وهو مردود بعدم دلالته على بطلان نفس العقد بدونه، بل المراد أن نفس الأثر موقوف عليه، أو أنّ الملك شرط في مقابلة عقد غير المالك الخالي عن إجازة المالك، وإلا فالمصاحب لها يصدق عليه أنّه بيع في ملك.

وللإجماع المنقول (6).

وهو مردود بمقابله، وبفتوى المشهور - نقلاً (7)بل تحصيلاً - بخلافه.

ولقوله : «لا بيع إلا في ملك» أو «فيما يملك» (8)بناءً على أنّ «يملك» مبني للفاعل.

وهو مردود بظهور إرادة أنّ البيع لا يتم بدون مالك أو ما هو كالمالك كالولي والوكيل.


1) وسائل الشيعة 21 : 114 و 115 الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ج 1، 2.

2) المصدر 19 : 275، الباب 11 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

3) المصدر 25 : 464، الباب 18 من أبواب كتاب اللقطة.

4) السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4 : 189.

5) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 168، المسألة 275؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1: 207؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 274.

6) الخلاف 3 : 168 المسألة 275؛ غنية النزوع 207:1.

7) راجع الهامش (4) من ص 248.

8) سنن الدارقطني 4 : 014 ح 42؛ مستدرك الوسائل 13 : 230، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 3.

في مقابلة تمامه من دون رضى المالك وإجازته، لا أنّ المراد أن صورة البيع لا تقع إلا من المالك؛ لبطلانه بالضرورة، أو يراد بنفي البيع نفي لزومه، وهو من المجازات المشهورة المساوقة للحقيقة أو المقدمة عليها.

ولقوله تعالى: (تجارةً عن تراض) (1)ولا تراضي في الفضولي.

وهو مردود بأن التجارة هي النقل والانتقال لا مجرد إيقاع نفس العقد، وهما لا يتمان إلا برضی المالك وإجازته، ونحن نقول بصحته موقوفاً على رضاه وإجازته اللاحقة، كالوكيل بالنسبة إلى رضاه وإجازته السابقة.

ولتوجه النهى (2)إليه، فيقضي بفساده.

وهو مردود بمنع توجه النهي إليه في غير الغاصب؛ لأنّه لا يُعد تصرفاً، بل وفي الغاصب إذا قصد أنّ البيع للمالك، بل وفيه لو قصد لنفسه؛ لعدم كونه تصرّفاً وإن أثم بالاستيلاء عليه وبنقله وبدفعه إلى غيره، ولو سُلّم توجّه النهي فهو لأمر خارج لا يفيد فساداً في المعاملة لو تعلّق صورةً بها فكيف ولم يتعلّق صورةً بها.

ولفقدان شرط القدرة على التسليم.

وهو مردود بإمكانها من المالك عند الإجازة، وهو كافٍ، ولا يشترط إمكانها من العاقد صورةً للأصل وعدم الدليل على أنّ المقدور بواسطة المالك عند رضاه مقدور بالذات، وذلك كافٍ.

ولعدم تحقق قصد النقل من الفضولي، وهو شرط.

و مردود بأنّ قصد النقل العرفي كافٍ، وقصد النقل الشرعي غير شرط؛ للأصل، وعدم الدليل، وبأنه يمكن القصد للنقل شرعاً في غير الغاصب بضميمة قصد لحوق الإجازة للعقد. ولما ورد من النهي عن بيع ما ليس عنده في عدة أخبار (3).

وهو مردود بأن المراد منها بيع المعدوم، أو الغير مقدور على تسليمه مطلقاً، وهذا مقدور


1) النساء (4) : 29.

2) وسائل الشيعة 18 : 47 و 48 الباب 7 من أبواب أحكام العقود. ح 502 سنن أبي داود 3 : 283، ح 3503؛ الجامع الصحيح 3 : 534، ح 1232 و 1233؛ سنن ابن ماجة 2 : 737، ح 2187؛ مسند أحمد 3 : 402.

3) وسائل الشيعة 18 : 47 و 48 الباب 7 من أبواب أحكام العقود. ح 502 سنن أبي داود 3 : 283، ح 3503؛ الجامع الصحيح 3 : 534، ح 1232 و 1233؛ سنن ابن ماجة 2 : 737، ح 2187؛ مسند أحمد 3 : 402.

على تسليمه ولو بواسطة رضى المالك وإجازته، على أنّه قد ورد في بعض الأخبار تجويز بيع ما ليس عنده (1)وفيها ما يشعر بأن المنع فتوى العامة (2).

وللأخبار الواردة في النهي عن شراء السرقة والخيانة (3)، وفي امرأة باعت أرضاً ليست لها، قال: «يمنعها أشدّ المنع فإنّها باعت ما لا تملكه» (4).

وهو مردود بأن النهي لا يقضي بالفساد أولاً، وبأنه متعلّق فيمن باع لنفسه وهو أخص من الدعوى ثانياً، وبأنه متعلق بما يترتب على البيع من القبض والنقل ثالثاً، وبأنه منزل على ما هو الغالب من عدم إجازة المالك مطلقاً، وإلا فلو أجاز أو علم أنّه يجيز كان شراء من المالك لا من غيره رابعاً.

هذا كله، والأحوط الحكم بالبطلان في صورة ما إذا باع الفضولي لنفسه وسيما لو كان غاصباً؛ لفتوى جمع من الفقهاء (5)بالفساد فيه، ولنقل الإجماع عليه(6)، ولانطباق أدلّة المنع عليه، ولشبهة أنّ العقود تتبع القصود

خامسها: في بيان أمور تتعلق بعقد الفضولي والإجازة اللاحقة له

خامسها: بعد الحكم بصحة الفضولي مع تعقبه بالإجازة من مالك أو ولي أو نحوهما لا بد من التنبيه على أُمور:

منها: أنّ الإجازة هل لا بدّ لها من لفظ يدلّ عليها أو ما يقوم مقامه عند عدم التمكن منه، أو يكفى الفعل الدال عليها عند التمكن من اللفظ ؛ لأنّ المقصود الرضى وقد حصل، أو لا يكفي؛ لحديث «إنّما يحلّل الكلام» (7)وللشكّ في حصول النقل بالعقد الأوّل ؟ وجهان، أحوطهما الأخير.


1) وسائل الشيعة 18 : 46 - 48، الباب 7 من أبواب أحكام العقود، ح 1، 3، 4.

2) المصدر : 46 و 47، ح 3،1.

3) المصدر 17 : 335 و 336، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 70604.

4) المصدر : 333 - 334، ح 2.

5) راجع الهامش (5) من ص 257.

6) راجع الهامش (6) من ص 257.

7) راجع الهامش (2) من ص 187.

وكذا لا يكفي السكوت وإن دلّ على الرضى على الأظهر مع احتمال الاكتفاء به؛ لما ورد في النكاح أن سكوت المولى بعد علمه إجازة لعقد عبده (1)، فيكتفى في غيره بمفهوم الأولى.

ومنها: أنّ الإجازة هل يشترط فيها الفورية لحديث نفي الضرار (2)، فلو لم يُجز فوراً بطل العقد الأوَّل، أو لا يشترط؛ للأصل، ولظاهر الأدلّة المتقدّمة ؟ وجهان، أقواهما الثاني.

ومنها: أنّ الإجازة ناقلة من حينها فالنماء قبلها لمُلّاكه، أو كاشفة عن الصحّة المتقدّمة. بمعنى أن الصحّة الثابتة من قبل انكشفت بها؛ لأنّها موقوفة على حصول الشرط وهو الرضى في أحد الأزمنة ولو متأخراً فبالإجازة بان حصوله، أو بمعنى أن الإجازة أثرت صحّة في العقد الماضي حين صدوره فيها انكشف أنّ العقد الأوّل كان صحيحاً من حينه ؟ وجوه، أقواها الوسط، وربما كان هو المشهور.

ويشعر به حديث إجازة الصبي بعد موت البالغ (3)، فإنّه على النقل لا محلّ لها، وحديث عروة حيث بارك في صفقة يمينه (4)، فإنّه مشعر بوقوعها وتمامها سابقاً.

وكذا حديث الوليدة (5)، حيث لم يرجع السيّد عليه بشيءٍ بعد الإمضاء، كما ربما ظهر من الرواية. واستناد أهل النقل لظاهر الجزئية والأصل ضعيف.

وهل بناء النقل والكشف على مقتضى ظاهر الإجازة وحال المُجيز، فيجوز الانصراف عن مقتضاهما مع تصريح المجيز بالنقل عند الإجازة أو الكشف إلى ما صرح به، أو على الحكم الذاتي اللاحق للفضولية، فبناءً على أحدهما يكون عدول المُجيز عنه مبطلاً لإجازته ؟ وجهان، أقواهما الأوّل.

ويترتب على الكشف والنقل حكم نماء الثمن والمثمن، وحكم ابتداء خيارهما، وحكم مجلس الصرف والسَّلَم، وحكم ما لو انسلخت قابلية الملك من أحدهما بموته، أو قابلية النقل بجنونه وسفهه قبل إجازة الآخر، وحكم ما لو انسلخت قابلية المنقول للنقل قبل الإجازة


1) وسائل الشيعة 21 : 117، الباب 26 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

2) راجع الهامش (1) من ص 194.

3) وسائل الشيعة 26 : 219، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ح 1.

4) راجع الهامش (7) من ص 255.

5) راجع الهامش (1) من ص 256.

بتلفه، أو انقلابه إلى النجس، أو للمنع من نقله كأم الولد أو انسلخت قابلية المنقول إليه للنقل، كما إذا ارتد المشتري عبداً مسلماً أو مصحفاً قبل الإجازة، وحكم ما لو تجددت القابلية بعد انعدامها وقت العقد قبل الإجازة، إلى غير ذلك للمتأمل، فإنّ العقد يتم بالإجازة على القول بالنقل، فتجري أحكامه عند حصولها، ويتمّ عند صدوره على القول بالكشف، فتجري عليه أحكامه عند صدوره.

ومنها: أنّه ليس للأصيل فسخ لا قبل إجازة المالك ولا بعدها، إلا إذا قلنا بعدم الفورية في الإجازة فأبى المالك عن إظهار الإجازة وعن إظهار المنع إلى أن تضرر الأصيل بالتأخير، فلا يبعد حينئذٍ جواز الفسخ منه ؛ لحديث نفي الضرار (1)، سيّما مع جهله بالفضولية.

ومنها: أنّه لو باع الفضولي شيئين عن شخصين بثمن واحد فأجاز أحدهما، صح فيما أجاز، وبطل بالنسبة إلى مَنْ لم يُجز، وثبت خيار التبعيض.

ومنها: أنّه يشترط تعيّن المجاز واقعاً، فلو أجاز أحدهما مبهماً بطل، ولو أجاز المالك ما فعل الفضولي وإن لم يعلم فعله من زيادة في الثمن أو نقيصة أو حلولٍ أو تأجيل صحت الإجازة، ولا يشترط فيها العلم الفعلي.

ومنها: أنّه يشترط المطابقة بين العقد الواقع ومتعلّق الإجازة في جنس الثمن والمثمن والمكان والزمان والخيار؛ للشك في حصول النقل مع عدمه.

ويحتمل جواز التبعيض في قدر الثمن أو المثمن سيّما لو كان الثمن عيناً ومنفعةً فأجاز أحدهما بما يخصه من الثمن، فإنّه لا يبعد، ويكون للأصيل خيار التبعيض.

ومنها: أنّه لو تعدّدت العقود، فإن لم تكن متضادة كبيع دار وإجارتها، فأجازهما دفعةً، صحا معاً، وكان للمشتري الخيار لفوات المنفعة، وإن أجاز البيع أولاً بطلت الإجارة، وإن أجاز الإجارة أولاً صح له أن يجيز البيع، وللمشتري الخيار.

وإن كانت متضادةً، فإن أجازه أوّلاً صح وفسد ما بعده، وإن أجازها دفعةً بطل الجميع على النقل، وصح السابق على الكشف، وإن كانت مقترنة بطل الجميع عليه.

ومنها: أنّه لو أجاز المالك بزعم أنّ المال له فظهر للمولّى عليه أو لموكله، أو أجاز

بزعم أنّه للمولّى عليه أو لموكله فظهر أنّه له، ففي نفوذ الإجازة إشكال.


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

ومنها: أنّه يصح تعلّق الإجازة بالإجازة الفضولية، ولكنّه على النقل لا يخلو من إشكال.

ومنها: أنّه لو أجاز عقداً معلوماً فجهل، أو أجاز أوّل عقد فجهل الأوّل قبل الإجازة أو بعدها قوي احتمال استخراجه بالقرعة.

ومنها: أنّه لو كثرت تصرّفات الفضولي في ثمن أو مثمن، فللمالك تتبع العقود ورعاية مصلحته، فإن كانت مترتبة على عين واحدة ثمناً أو مثمناً أو هما معاً فإجازة العالي تقضي بصحة السافل؛ لوقوعها من أهلها في محلّها، هذا على الكشف، وعلى النقل يقوم احتمال البطلان في الأسافل؛ لعدم مصادفة الملك، والصحّة؛ نظراً إلى أن حدوث الملك بمنزلة الإجازة، والتوقف على الإجازة في صحتها، وجوه، أوسطها الوسط، وأما إجازة السافل فلا تقضي بصحة العالي؛ لعدم ارتباطه به.

وإن كانت مترتبة على أعيان متغايرة، كأن يبيع شيئاً ثمّ يتصرف بثمنه ثم يتصرف بمثمنه وهكذا، فإجازة السافل تقضي بإجازة العالي تبعاً من باب المقدمة؛ لعدم تأثيرها من دون وقوعه، وأما إجازة العالي فلا تقضي بإجازة السافل؛ لأنّ العوض صار ملكاً للمجيز، فلا ينقل عنه إلا بإجازة أُخرى.

ومنها: أنّه هل لا بدّ في الإجازة من وجود المجيز حالة العقد إلى تمامه ولو تم بالقبض كالصرف، أو لا يشترط ؟ وعلى الاشتراط فهل يشترط قابليّة المُجيز بالفعل للإجازة حين العقد إلى تمامه، أو لا يشترط ؟ وجهان.

والأقوى عدم الاشتراط على القول بالنقل، والأظهر عدمه على القول بالكشف أيضاً؛ للأصل، وعموم الأدلّة، ولما ورد في نكاح الفضوليين للصبيين ثم مات أحدهما وبقي الآخر حتّى بلغ: أن إجازة البالغ ماضية (1).

وقد يقال: إن اشتراط وجود مُجيز حالة العقد من اشتراط تحصيل الحاصل؛ لعدم خلوّ المال من مالك أو ولي ولو الحاكم أو عدول المسلمين.

وقد يجاب بإرادة المالك أو ولي غير الحاكم وغير عدول المسلمين، أو يجاب بإمكان ذلك مع العقد من دون مصلحة على مال اليتيم، فإنّه لا يتولى الحاكم أو العدول للإجازة


1) راجع الهامش (3) من ص 260.

حينئذٍ، فإذا بلغ لم تؤثر إجازته شيئاً على القول بالمنع؛ لعدم كون العقد له مجيز وقت صدوره، ولعدم قابلية المجيز بعد البلوغ للإجازة حين العقد.

وقد يقال: إن الشرط قابلية المعقود عليه للإجازة من العاقد حين العقد من إحراز شرط أو ارتفاع مانع، فلو اشترى مسلم من كافر فضولاً عبداً مسلماً أو مصحفاً ثمّ أسلم الكافر لم تؤثر إجازته أو عقد عن محرم نكاحاً فأجازه محلاً، أو عقد عنه على صيد كذلك أو عقد المسلم عن مسلم على خمرٍ فأجازه مرتداً.

والأقوى في هذه كلها: الفساد على القول بالكشف، والصحّة على النقل.

ومنها أنّه هل تؤثر الإجازة ممّن باع شيئاً فضولاً فمَلَكه قهراً أو اختياراً؛ لصدور كلّ من العقد والإجازة من أهله في محلّه، أو لا تؤثر؛ لأنّها إنّما تكون من المالك، ولا يكون مالكاً إذا أجاز؛ لكشفها عن ملك المعقود عليه سابقاً، فيلزم من وجودها عدمها ومن صحتها بطلانها، ويلزم اجتماع المالكين على مملوك واحد ؟ فالحق صحّة ذلك على القول بالنقل وعدمه على الكشف.

ويلحق بهذا ما لو باع الفضولي فعاد وليّاً؛ لجنون أو سفه أو لموت ولي آخر أو لبلوغه رتبة الولاية، أو أجر المملوك نفسه فعاد حُرِّاً أو مَلَكه آخر.

ومنها: أنّه لو فسخ المالك عقد الفضولي بطل العقد، ولا تصحّ إجازته بعد ذلك، ويرجع على البائع لو استولت يده على العين دون المشتري، وعلى المشتري لو استولت دون البائع. ولو استوليا معاً تخيّر بالرجوع، فإن رجع على البائع وجب عليه الرد ولو من المشتري ولو بمال كثير حتّى لو كان فوق قيمته وكان مجحفاً بالحال، ولكنّه في ذلك على إشكال، وإن رجع على المشتري، وجب عليه الردّ ولو من البائع وإن كان بما يضر بالحال، ولكن على إشكال.

ويرجع المشتري مع الرجوع على البائع، ومع عدمه مع جهله وغروره من طرف البائع - بادعاء وكالة أو ولاية، أو إظهار سلطان ملك أو ولاية على البائع متحداً أو متعدداً كان مجموعهم سبباً للغرور أو كلّ منهم سبباً مستقلاً به اختلفت جهة غرورهم للمشتري أو اتحدت - بثمنه المدفوع إليه عيناً، ومع عدمه مثلاً أو قيمةً، وبما غرمه على النحو المعتاد من نفقة أو أجرة منفعةٍ لم يصل إليه في مقابلها نفع، أو نماء تالف أو متلف، أو أرش جناية مملوك، أو قيمة شجر أفسده القلع، أو زرع، أو غرامة على شق أنهار أو حفر آبار أو طم حفر أو بناء جدارٍ.

وما زاد على المعتاد من الغرامات أو ما وصل إليه في مقابله نفع، كاستيفاء منفعة من سكنى دار أو ركوب حمار، أو انتفاع بنماء، أو كان من التوابع البعيدة أو الأعمال المسنونة، ففي الرجوع وجهان، أقواهما الرجوع؛ لأدلّة نفي الغرر (1)والضرر (2)والعدوان (3)، وفي خبر جميل (4)دلالة عليه، وقضيّة العدل تشير إليه.

ومع عدم جهل المشتري لا يرجع على البائع بما غرمه، كعوض ما أتلفه من نماء أو غيره من منافع أو غيرها، وصل إليه في مقابله نفع أم لا، ولا بما أنفقه، ولا بالثمن إذا أتلفه البائع؛ للإجماع بقسميه (5)، ولأنّه بتسليطه عليه مع علمه قد هتك حرمة ماله، فكأنه أذن له في إتلافه وأعرض عنه، وإن أثم البائع في أخذه والتصرف فيه، وكان ضامناً له ومشغول الذمة في وجه قوي، ولا ملازمة بين شغل الذمة وحرمة الرجوع به والمقاصة فيه كما تذهب اليمين بما فيها.

والحكم بعدم الرجوع مخالف للقواعد، فيقتصر فيه على المورد اليقين في بيع المغصوب، فلا يجري للبيع الفاسد، بل يضمن كلّ من المتعاقدين فيه مال صاحبه بالمثل أو القيمة حتّى لو كان فساده لكون العوض غير قابل أو لعدم المقابل شرعاً وعرفاً.

ولو قيل بعدم الضمان في خصوص هذين إلحاقاً له بالمغصوب، كان وجهاً.

ويقتصر فيه على ما لو أطلق المتعاقدان البيع، دون ما لو شرط المشتري بقاء ثمنه مدةً فأتلفه قبلها، أو شرط الرجوع عليه عند الرجوع عليه بالمبيع، أو شرط له خياراً، ونحو ذلك، كأن باعه مغصوباً فدفع عوضه من ماله، فإنّ الأظهر أن المدار على المدفوع، أو باعه المغصوب فقبض الثمن فأتلفه قبل تقبيض العين المغصوبة له، فإنّ الحكم بالضمان ها هنا أقوى.

ويرجع بالثمن مع وجوده على مقتضى الأصول والقواعد واستصحاب الملك؛ لعدم حصول ما يقطعه من الإعراض الحقيقي أو الهبة أو أحد الأسباب الشرعيَّة، ولأن الدافع لم يدفعه إلا في مقابلة عوض صورةً وإن شك أو علم أنّه لا يسلم له.


1) صحیح مسلم 3 : 1153، ح 1513؛ سنن ابن ماجة 2 : 739، ح 2194 و 2195؛ سنن أبي داؤد 3 : 254، ح 3376.

2) راجع الهامش (3) من ص 151.

3) المائدة (5) : 2.

4) وسائل الشيعة 21 : 205، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 5.

5) تذكرة الفقهاء 10 : 18، الفرع «ط» من المسألة (5).

ويلحق بوجوده إتلافه من أجنبي قابل للضمان؛ للشكّ في تخصيص القواعد بإتلافه، وغاية ما يتيقن من تخصيص القواعد الشرعيَّة والضوابط المرعيّة هو ما إذا كان المتلف البائع أو كان بآفة سماوية.

وقيل بعدم جواز الرجوع مع بقاء العين أيضاً (1)، وربما نقل عليه الإجماع (2).

والحكم به كالإجماع المنقول عليه ضعيفان.

وعليه فهل هو باقٍ على ملكيّة المشتري مع تحريم المطالبة به، أو مع تحريمه مطلقاً عليه، أو ينتقل إلى ملك البائع مع تحريم التصرف به، أو مع عدمه ومع وجوب رده للمشتري ومع عدمه، أو يخرج عن ملك المشتري ولا يدخل في ملك البائع؛ جمعاً بين ما دلّ على حرمة الرجوع من المشتري، وعلى توقف الملك على الأسباب الشرعيَّة ؟

ومنها: أن المالك لو لم يجز ورجع لماله فوجده تالفاً أخذ قيمته يوم التلف؛ لأنّه يوم تعلق الخطاب واستقرار الضمان ونُسب للأشهر والأكثر (3).

وقيل: يوم القبض (4)استناداً للأصل، ولأنّ القبض سبب لتعلّق الخطاب برد العين مع وجودها وقيمتها عند تلفها، ولإشعار رواية البغل (5)به، حيث أوجب عليه قيمته إذ تلف يوم المخالفة والتعدي.

وفيه: أن الأصل مقطوع بموجب القواعد، وقد يكون مقلوباً، والقبض سبب لتعلّق الخطاب تعليقاً لا تنجيزاً، فلا يترتب عليه من حينه،ضمان والرواية دالة على ضمان القيمة في يوم الغصب، وهو أعم من القبض، إلا أن يريد من «اليوم» نفس الساعة التي تحقق القبض فيها؛ لبعد الاختلاف بينهما، كما نريد بإطلاق «اليوم» الساعة في هذه الموارد.

وقيل: أعلى القيم ما بين القبض والتلف (6)للاحتياط، ولأن الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال


1) راجع الهامش (5) من ص 264.

2) راجع الهامش (5) من ص 264.

3) نسبه للأشهر السيد الطباطبائي في رياض المسائل 8 : 253 وللأكثر الشهيد في الدروس الشرعيَّة 3: 113.

4) ممن قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 607؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 402.

5) وسائل الشيعة 19 : 119، الباب 17 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

6) ممن قال به الشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 415، المسألة :29؛ والمبسوط 3 : 75؛ وابن حمزة في الوسيلة : 276؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 481.

بمقتضى الحكمة، ولأنّه مخاطب على الاستمرار بدفع العين أو القيمة، فجميع القيم تعلّق بها الخطاب، فلا بد من قيمة تأتي على الجميع.

ونُسب (1)القول به للأشهر، وربما ظهر من بعضهم نقل الإجماع عليه (2).

وقيل: أعلاها ما بين القبض والتسليم (3)استناداً لجملةٍ مما قدمنا، وللجمع في رواية البغل (4)بين الأمر بالقيمة الأمر بالقيمة يوم الغصب، كما يظهر من قوله: «يوم خالفته» والأمر بها يوم الردّ بحملهما على إرادة الأعلى.

وفيه: أن نقصان القيمة إن كان لنقص في عين - كالهزال ونحوه - أو صفة أو هيئة فضمانه لا إشكال فيه؛ لدخوله تحت اليد وإن كان لارتفاع سوق ونحوه فمنظور فيه؛ للمنع من إيجاب دليل الاحتياط لذلك، والمنع من حجّيّة قاعدة أنّ الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال، والمنع من تعلّق الخطاب بوجوب دفع القيمة تنجيزاً والتعلّق التعليقي لا يترتب عليه ضمان، والمنع من دلالة الرواية على لزوم أعلى القيم؛ لأنّه سأله عن بغل استأجره إلى مكان فتعدّى به إلى آخر فإذا تلف ما يلزمه ؟ قال: «قيمة البغل يوم خالفته» ثمّ سأله أنّه إن أصابه عيب ما يلزمه ؟ قال: «قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه» ثمّ سأله عن مقدار ما يلزمه من القيمة ؟ قال: «يأتي بشهود يشهدون بقدر قيمته يوم أكرى فيلزمه ذلك» فذيله قاض بيوم الأمانة، ووسطه قاض بيوم الردّ إن تعلّق الظرف بالقيمة لا بوجوبها ولزومها، وأوله بيوم الغصب إن تعلّق بالقيمة أيضاً لا بلزومها، فاستنباط أعلى القيم منه بعيد لا يصلح أن يكون سنداً.

وقيل: قيمته يوم التسليم (5)؛ استناداً لرواية البغل(6).

ويحتمل قيمته يوم المطالبة؛ لأنّه به يتضيّق وجوب تفريغ الذمة.

ويحتمل التخيير بين الكلّ، أو بين يوم التلف والقبض، أو بينهما وبين يوم التسليم.


1) الناسب هو العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 81، المسألة 67.

2) العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 88، المقام الثاني من المسألة 48.

3) هو أحد قولي المحقق الحلّي على ما في الروضة البهية 7 : 40.

4) راجع الهامش (5) من ص 265.

5) لم نعثر على قائله.

6) راجع الهامش (5) من ص 265.

والأقرب للقواعد: الأوَّل، والأظهر من الرواية الثاني، والأوفق بالاحتياط: الثالث.

والقول بالتخيير ما بين يوم الغصب ويوم الرد - للجمع بين فقرتي الرواية - أيضاً لا بأس به.

واحتمال لزوم أقلّ القِيَم؛ للأصل، أو لزوم أعلاها إن كانت العين باقية [ و ] لم يتمكن من إرجاعها، ولزوم قيمة يوم التلف إن كانت تالفة لا بأس بهما أيضاً.

هذا إن كان قيميّاً، وإن كان مثليّاً عرفاً - على نحو ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى - أخذ مثله، فإن تعذر المثل لزمه قيمة ما تعذر مثله يوم التعذر؛ لأنّه يوم تعلّق الخطاب بالقيمة، أو يوم الأداء؛ لأنّه يوم استقرارها، مع احتمال لزوم قيمته يوم القبض، أو قيمته يوم التلف، أو قيمته يوم المطالبة، أو أعلى القيم ما بين الكلّ، أو ما بين اثنين منها أو الثلاثة، أو التخيير بين الكلّ، أو بين اثنين منها أو ثلاثة.

ويرجع المالك أيضاً بقيمة النماء المتلوف تحت يد البائع أو المشتري، وبقيمة المنافع المستوفاة، وفي النماء المتلوف لنفسه كأن ولدت الدابة بعد أن ذهبت إلى مكان آخر عنه لا يتسلّط الغاصب عليه فذهب ولدها - إشكال.

ومنها: أنّه إذا أجاز المالك البيع صار المبيع ملكاً للمشتري ودخل في ضمانه، سواء دفعه الفضولي إليه أو لا، فإن تلف قبل قبضه انفسخ البيع، وعاد مضموناً على الفضولي الغاصب على الأظهر، وكذا لو تلف المبيع في زمن خيار المشتري فكذلك في ضمانه على الغاصب، إلا إذا دفعه الغاصب إلى المشتري بإذن المالك، فإنّه يبرأ من ضمانه حينئذٍ، كما إذا أذن له بالقبض فيما يتوقف على القبض كالصرف مثلاً - فإنّ الضمان يكون على المالك إذا أذن للغاصب بدفعه فتلف زمن خيار المشتري خاصة.

وأما الثمن فالمشتري مطلوب فيه للمالك، فإن كان البائع قد قبضه وأجاز القبض المالك برى المشتري من ضمانه، وإن لم يُجز المالك قبضه، فإن كان كلّيّاً وجب عليه تأديته للمالك مرّةً أُخرى، وإن كان معيّناً وجب عليه تخليصه من البائع الفضولي ودفعه إلى المالك، وكان المالك مخيّراً بين الرجوع إلى المشتري فيرجع إلى البائع وبين الرجوع على البائع ابتداءً فيأخذ. منه العين مع وجودها، وإلا فالمثل أو القيمة.

ومنها: أن المالك لو لم يُجز وغرم المشتري المبيع وكان تلفه عنده لم يرجع على البائع

بشيء مع علمه بالغصب، ومع جهله لا يرجع عليه بقدر ما قابل ما دفعه من الثمن؛ لإقدامه على ضمانه إذا تساوى جنس المبيع والثمن.

وهل يرجع إليه بالزائد عمّا قابل الثمن وبجنس ما دفعه إن كان مغايراً؛ لأنّه مغرور من البائع وقد أقدم على أنّه سالم له، أو لا يرجع؛ لإقدامه في العقد على الضمان في الجملة. والأصل البراءة ؟ وجهان، أقواهما الثاني، سيّما لو شرط البائع عليه عدم الرجوع إليه لو ظهر مستحقاً فرجع المالك عليه.

ولو غرّم المالك البائع وكان التلف مستقراً عند المشتري، رجع البائع على المشتري بمقدار ما غرم للمالك، فيؤخذ منه من مال المالك مقاصةً؛ لأنّه رضي بعوض ماله من البائع، فكأنه سلطه على أخذه من المشتري، إلا في الزائد عمّا قابل الثمن مع جهل المشتري فالوجهان، وللبائع أن يأخذ ثمن المشتري مقاصةً عند امتناعه.

ولا يجوز للمشتري مع علمه احتساب ما على البائع من ثمنه بعد تلفه عليه في مقابلة ما غرمه البائع، وكان له الرجوع عليه؛ لاستقرار التلف عنده على إشكال.

ومنها: أنّه لو باع ما يملك وما لا يملك، صح فيما يملك أو ما كان سلطانه عليه ما لم يمنع منه مانع آخر للإجماع المنقول (1)وفتوى الفحول، ولأنّ الأسباب الشرعيَّة كالعقلية تؤثر في القابل دون غيره، والأول إلى الجهالة بعد التقسيط غير ضائر بعد العلم ابتداء بمقابلة الجملة للجملة، وعدم القصد إلى المجموع شرعاً لا ينافي القصد إلى البعض أو الكلّ عرفاً.

وأما ما لا يملك، فإن فسخ مالكه بطل العقد بالنسبة إليه وصح في الباقي، وتبعضت الصفقة على المشتري، فله الخيار بين الفسخ وبين قبوله بما قابله من الثمن، ولا خيار للبائع؛ لإقدامه على الضرر، إلا مع جهله فالأوجه ثبوته له.

ولا يفسد العقد من أصله؛ لعموم أدلة العقود (2)وللشهرة والإجماع المنقول (3)، وللزوم الوفاء بالعقد بالمقدار الممكن، ولأنّ العقد بمنزلة السبب العقلي يؤثر في القابل دون غيره.

وقيل بفساده من أصله (4)في وجه أو من حينه في وجه آخر؛ لأصالة عدم الانتقال إلا


1) غنية النزوع 1 : 209.

2) البقرة (2) : 275؛ المائدة (5) : 1.

3) غنية النزوع 1 : 209.

4) احتمله الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 8: 162.

في المقطوع به ولتبعية العقود للقصود، والقصد الجميع فلم يحصل، وللغرر؛ لأن القدر المستحق مجهول، ولأن صيغة العقد واحدة فلا تتبعض، ولأنّه كتزويج الأُختين في عقد واحد، ولأن الكل والبعض مختلف الجنس فيفسد، كبيع الذهب فيظهر نحاساً.

والكل ضعيف؛ لأنّ الأصل مقطوع بالعموم، ولأنّ القصد قبل الإجازة متحقق، على أنّ الضمني كافٍ، ولأن الغرر ممنوع عند الابتداء؛ لكفاية معلومية مقابلة الجملة للجملة، ولا اعتبار بالغاية بعدها، ولأنّ التبعيض في المتعلّق لا يقتضي تبعيض العقد المتعلّق، ولأنّ المقتضي للبطلان في تزويج الأختين هو لزوم الترجيح بلا مرجّح لو حكمنا بالصحّة، ولأن القياس على الذهب والنحاس من القياس الباطل؛ لأنّ المبيع ليس هو الكلية، بل كلّ واحدٍ، فالواحد فرده لا مغاير له.

وإن لم يفسخ مالكه فأجاز، نفذ البيع ولزم، ولا خيار للمشتري، إلا على القول بالنقل ففي الخيار وجه.

وعلى أي تقدير من الفسخ والإمضاء فالثمن يقسّط بالنسبة إلى المالين، فمع الإجازة يأخذ كلّ من المالكين حصته، ومع عدمها يأخذ المالك حصته وينفسخ البيع بالنسبة إلى الباقي. وطريق التقسيط: أن يوزّع الثمن على أجزاء المبيع إن كان متماثلاً في الأجزاء متساوياً في القيمة، ككثير من المثليات وبعض القيميّات كالأرض والثوب، وكذا لو كان المبيع مشاعاً مشتركاً بين اثنين، وإلا قوما جميعاً منفردين أو مجتمعين إذا لم تكن للهيئة الاجتماعية مدخلية ثم قوم أحدهما، فيؤخذ من الثمن على نحو التقويم مع توافق التقويم والثمن، وإلا أُخذ من الثمن بنسبة قيمة أحدهما لقيمة المجموع.

وإن كان للهيئة الاجتماعية مدخليّة، دخلت في التقويم؛ لأنّها مال تولّد من مالهما يستحقان عليه عوضاً، فيقوما مجتمعين ثم يقوم كلّ واحدٍ منضماً إلى الآخر فيؤخذ كلّ منهما بنسبة ذلك من الثمن.

ودعوى أنّها ليست ملكاً لأحدهما؛ لأنهما ملكا منفردين، وصفة الاجتماع جاءت من الغيب ولم تدخل تحت يد أحدهما، مدفوعة بأنّ ما جاء من الغيب ودخل في المملوك دخول جزء أو وصف تبعه، وهل يتجدد ملك إلا وهو من الغيب ؟

وحينئذٍ فإن أثرت زيادة قيمةٍ من الجانبين بالسوية اقتسمهما المالكان بالسوية، ولم يرجع ما قابلها للمشتري، وإن كان بالتفاوت أُعطي كلّ منهم بنسبة التفاوت، وإن أثرت من جانب واحد، أخذ ما قابلها صاحبه، ولم يأخذ الآخر شيئاً.

وإن أثرت نقصاً من الجانبين بالسوية، أخذ كلّ منهما بنسبة نقصه بالسوية، وإن كان بالتفاوت فبالتفاوت.

وإن أثرت نقصاً من جانب وزيادة من آخر، أخذ مالك الزائد بنسبته ومالك الناقص بنسبته.

هذا إن تساوت قيمة الانفراد، ولو تفاوتت قيمة الانفراد لوحظا منفردين نقصاً وزيادة ومجتمعين، فيؤخذ كلّ منهما بنسبة ذلك نقصاً وزيادة.

والتقويم على الكشف من حين العقد، وعلى النقل من حين الإجازة.

ولو فسخ المالك فذهبت الهيئة الاجتماعية، ردّ الفضولي على المشتري ما قابلها.

وهل يقومان منفردين ثمّ يقوم أحدهما منفرداً، فيأخذ البائع من الثمن بنسبة قيمته منفرداً إلى قيمتهما منفردين، ويبطل فيما سوى ذلك؛ لدفع الضرر عن البائع، للزوم الحيف عليه بنقصان ثمن مبيعه عن نسبة قيمته منفرداً إلى منفردين، أو يقومان مجتمعين ثم يقوم أحدهما منفرداً، فيأخذ البائع من الثمن بنسبة قيمته منفرداً إلى قيمتها مجتمعين، لدفع الضرر عن المشتري ؛ لإقدامه على الهيئة الاجتماعية ولم تسلم له ؟ وجهان والأقوى الأخير، كما يرشد إليه ما سيجيء - إن شاء اللّه - فيمن باع ما يملك وما لا يملك كالخنزير، وكان للهيئة الاجتماعية فيه مدخلية (1).

ولو كانت الهيئة الاجتماعية مؤثرةً نقصاً، انعكس الأمر، ولزم الحيف على المشتري لو دفع بنسبة قيمة أحدهما منفرداً إلى قيمتهما مجتمعين، والحيف على البائع لو أخذ بنسبة قيمة أحدهما منفرداً إلى المنفردين، وترجيح جانب المشتري لا يخلو عن قوة.

ومنها: أنّه لا يبعد أنّ العقد إذا وافق المصلحة الإلهيّة مع فقد المجيز الخاص كفى عن الإجازة الفعليّة كالعقد على مال اليتيم مع المصلحة، وعلى مال الغائب عند خوف الفساد والعقد على مال الزكاة والخمس وكلّ شيءٍ يملكه الفقراء، ولا يحتاج إلى إجازة الحاكم؛ لرضى المالك الحقيقي بالعقد بعد صدوره وإن لم يسوّغه في ابتدائه لوجود الولي، كالحاكم ونائبه.


1) يأتي في ص 272.

فلو باع شخص مال الزكاة في جملة أمواله بنيّة الفضولية، صح مع المصلحة، والأحوط إجازة الحاكم.

ولو باعها غاصباً من دون مصلحةٍ، توقف على إجازة الحاكم، فإذا أجاز تبع المشتري بالثمن إن أمكنه أخذه منه، وإن لم يمكنه لم يجز له أن يجيز، فيبقى كلّ من المشتري والبائع مشغول الذمة له.

ولو باعها ضامناً لها، صح البيع له، سواء أظهر الضمان أو أضمره، وسواء كان معسراً أو موسراً؛ للسيرة وأدلّة نفي الحرج (1)وما جاء في الخرص(2).

وهل الضمان ناقل [ مطلقاً ] (3)فلو امتنع عن الأداء بعده تعلّق المال بذمته، أو موقوفاً على الأداء، فبدونه يرجع الحاكم إلى نفس العين أو يجيز البيع فيأخذ الثمن من المشتري ؟ وجهان.

وهل ينتقل مال الزكاة إلى المالك بنفس نية الضمان، أو بنفس تصرفه فيه بأكل أو بيع أو غير ذلك ؟ وجهان.

ولو باع غافلاً عن الضمان،وعدمه، ففي مضيّ البيع والضمان أو كونه فضوليّاً وجهان.

ولو باع ما يملكه واستثنى حصة الفقراء ولم تكن معلومة، بطل البيع؛ للجهالة.

ولو باع الكفّار أو المخالفون مال الزكاة أو مال الخمس، فالظاهر صحّة الشراء منهم، وليس من الفضولي، ولا يتوقف على إجازة الحاكم، ولا يجب دفع شيءٍ للفقراء من الثمن؛ للسيرة القطعية، وللأخبار (4)الخاصة في الخمس، ولتقرير الأئمّة على ذلك.

ويمكن إدخال ذلك في الإجازة الإلهية؛ للموافقة للمصالح الدنيوية والأخروية وإن لم يؤدّ من ثمنها المشتري شيئاً بالكلية.

هذا كله إن قلنا بتعلّق الزكاة بالعين تعلّق شركة أو رهانة، وإلا فلا يجري جميع ذلك.

وكذا الكلام في أكثر أنواع الخمس في جواز التصرف به مع الضمان فيما جرت السيرة به، كالأرباح والغوص والمعادن، وفي عدمه مع عدم الضمان إلا على جهة الفضولية.


1) الحج (22) : 78: وسائل الشيعة 1 : 464، الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 5.

2) الجامع الصحيح 3: 36، ح 644 ؛ سنن ابن ماجة 1 : 582، ح 1819.

3) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

4) منها : ما في وسائل الشيعة 9 : 528 الباب 1 من أبواب الأنفال، ح 13.

وكذا لا يجوز التصرف في كلّ مال تعلّق به حق - كالمرهون، وكتركة الميت مع قصورها عن الدين - إلا مع إذن من تعلّق له الحقّ أو إجازته، فيصح العقد حينئذٍ.

ويجوز التصرف فيما تعلّق به حقٌّ كحق أرش جناية الخطأ، وينفذ نفوذاً متزلزلاً، فإن وفى عنه مضى تصرفه، وإلا كان لذي الحقّ فسخه، وذلك كثمرة النخل والأشجار والمزارع إذا تعلق بها حق الخراج.

سادسها : في حكم ما لو باع المالك ما يملكه وما لا يملكه

سادسها: لو باع أو نقل ما يملكه أو ما هو بحكمه وما لا يملكه المسلم أو مالك مطلقاً. صح فيما يملكه، سواء كان قصد البيع إليه أصالة والآخر تبعاً، أو العكس، أو كانا أصالتين؛ لعموم الأدلّة وإطلاقاتها، ولا مانع سوى ما يتخيل من الغرر، وهو مدفوع بصورة المقابلة ابتداء، ولا ينافيه الأوّل إلى التقسيط فى الغاية، ولأنّ العقد كعقودٍ متعدّدة يتعلّق بعضها بالقابل وبعضها بغيره، ولأنّ الأسباب الشرعيَّة كالعقليّة تؤثر في القابل دون غيره، ولا يتفاوت الحال بين الجاهل والعالم.

ودعوى الفساد في حق العالم؛ لتعلق النهي به، أو لأنّ إقدامه على ما لم يسلم معه مع علمه جهل في حقه بمقابله في الثمن فيلزم الغرر، مدفوعة بأن ما تعلّق النهي به أصالة نقول بفساده، وما تعلّق به من حيث اجتماعه معه لو قلنا به فهو لأمر خارج، وبأن الغرر مرتفع بمقابلة الجملة للجملة.

نعم، ما لم يكن له قيمة عرفاً وشرعاً - كالفضلات والتراب والحشرات - لا يبعد القول بلزوم الجهالة فيه للعالم مع قصده أصالةً فيفسد مع احتمال الصحّة وانصراف الثمن كله إلى ما يملكه، ويكون ذكره لغواً حينئذٍ، ويبطل العقد بالنسبة إلى الباقي.

ويتخيّر المشتري مع الجهل؛ لتبعيض الصفقة، ويقسّط الثمن، فيؤخذ ما قابل المملوك ويسترد الباقي، ومع علم المشتري بعدم المملوكية ودفعه الثمن وتلفه من البائع لا يسترد شيئاً - كثمن المغصوب - في وجه قوي.

وطريق التقسيط: أن يقوم - إن كان محرَّماً علينا وله قيمة عند مستحليه - بقيمته عند مستحلّيه أو عند بائعيه أو مشتريه من العصاة كالخمر والخنزير والأرنب وغيرها، فيرد من الثمن ما قابله، ويأخذ ما قابل المملوك، ولو اختلف تقويمها قدّمت قيمة مستحلّيه على

الأظهر مع احتمال القرعة والتخيير، وتثبت القيمة بشهادة عدلين مخالطين لهم، وإلا فثقتين منهم، وإلا فالمأمون من أهل الخبرة منهم، وبالشياع، ومع عدم إمكان الاستعلام يؤخذ بالأقلّ، ويقوم لو كان حُرّاً بقيمته لو كان عبداً، مراعياً لخلقه وخُلقه.

وما لا يكون له قيمة عند مستحلّيه وكانت له قيمة عرفية قوم كذلك، فيفرض أنّه يباع ويشترى، فما تكون قيمته عند ذلك فهي قيمته.

وأما ما لا قيمة له أصلاً ورأساً فلا يبعد بطلان البيع فيه من أصله، مع احتمال الصحّة وصيرورة الثمن في مقابلة المملوك، واحتمال الفرق بين العلم فيفسد، وبين الجهل فيقوم على زعمه حين العقد.

ولو باع المملوك بزعم أنّه غير مملوك فظهر مملوكاً، توجه الحكم بالبطلان؛ لمغايرة الجنس.

ولو عاد المملوك غير مملوك بعد العقد والقبض، فلا عبرة به، ولو انعكس فلا عبرة به أيضاً في عدم الفساد، ويكون مباحاً للمشتري، كما إذا انقلب الخمر خَلاً.

ويجري في التقويم هنا - من اجتماع وانفراد من حيث الزيادة والنقيصة، أو الزيادة والنقيصة معاً بحسبهما من تأثير الهيئة الاجتماعية وعدمه - ما قدمناه سابقاً (1).


1) سبق في ص 270.

القول في شرائط المعقود عليه من العوضين

وفيه أمور:

أحدها: اشتراط مغايرة العوضين للمتعاقدين

أحدها: يشترط في العوضين مغايرتهما للمتعاقدين ولو كمغايرة الجزء للكلّ وشبهها، كبيع الإنسان شعره أو لبنه، أو كمغايرة الذات للمنفعة، كإجارته نفسه.

ولا يصح مع الاتحاد في غير ما قام عليه الدليل كالكتابة، فلا يجوز للعبد أن يشتري نفسه من مولاه؛ للشك في اندراج هذه المعاملة تحت عموم أدلة العقد وخصوصها، فيحصل الشك فى ترتب أثر هذا العقد عليه، والأصل،عدمه، ولظاهر الاتفاق، ولولا هذان لأمكن القول بجوازه، والاكتفاء بالمغايرة الاعتبارية، وجواز أن يملك المولى عليه الثمن حالاً ويملك هو نفسه أيضاً كذلك دفعةً؛ لأنّ ذمّته قابلة للشغل، فيقع الملكان دفعةً من باب دور المعيّة الذي لا بأس به، كما إذا تزوّج أمةً فجعل عتقها صداقها، أو يملكه مؤجلاً، كعقد الكتابة، فتتأخر الملكية أو التأدية إلى حين الحرية.

وكذا لا يجوز إيجار العبد نفسه لمولاه؛ لما ذكرناه، ولأنّ العبد لا يملك المولى عليه شيئاً غير ملكه له.

ثانيهما: اشتراط كون العوضين ممّا يمكن الانتفاع بهما

ثانيها: يشترط في العوضين أن يكونا ممّا يمكن الانتفاع بهما للنوع الإنساني عادةً، فلا يصح على ما لا يمكن الوصول إليه عادةً ولا على ما لا يمكن الوصول إلى منفعته ولا على ما أسقط الشارع منفعته كآلات اللهو، ولا على ما لا منفعة فيه كالفضلات من الإنسان

وكثير من الحيوانات، عدا لبن الإنسان وشعره في وجه.

وقد يعقل في بعض هذه الملك، وفي بعضها التمليك المجاني، وفي بعضها حق الاختصاص، إلا أنّها لا تقابل بعوض، ولا يضمن غاصبها أو متلفها مالاً.

ويشترط فيهما أن يكونا ممّا يصلح لمقابلة المال والمعاوضة عليه عرفاً، ولا تُعدّ المعاوضة عليه في العرف سفها إما لقلته كحبة حنطة إما بشرط الانفراد، أو مطلقاً، أو بشرط الاجتماع مع مماثلها، أو مع غيره، على الأظهر في الجميع، أو لخسته لطريان وصف رديء عليه يخرجه عن ذلك، كلّ ذلك للشك في اندراج جميع ذلك تحت أدلّة العقود عموماً وخصوصاً، ولمنافاته للحكمة التي شُرّعت عليها العقود المنبئ عنها الفتوى وحديث التحف (1)وغيره، وللزوم العبث والسفه في المعاوضة عليها.

والظاهر: جواز تمليكها مجاناً؛ لعدم القطع بكونه سفها، وجواز تملكها بإرث ونحوه؛ الجواز ملكها ابتداءً منفردةً أو منضمّةً فعادت منفردةً، فيحرم غصبها، ويضمن بالمثل عند تلفها، ويجب ردّها مع بقاء عينها وإن لم يمكن ضمانها بالقيمة؛ إذ لا قيمة يُعتد بها لها، ولا شك في تعلق حق الاختصاص بها، وعدم جواز مزاحمة من هي في يده عليها.

وفي جواز الاعتياض على رفع الاختصاص بها وجه.

ويشترط فيهما الطهارة فعلاً أو قوّةً بحيث يمكن تطهيره مع بقاء عينه من دون استحالة أو انقلاب، إما بماء أو بنارٍ أو شمس أو بنقص كالعصير، أو إسلام أو تبعية أو نحو ذلك، فلا تجوز المعاوضة على ما لا يقبلها كالمائعات النجسة أصالة والميتة، أو المائعات النجسة بالعارض التي لا تقبل التطهير؛ للإجماع بقسميه (2)، وللشك في الاندراج تحت دليل الصحّة، ولظاهر حديث التحف (3)وغيره، سوى ما أخرجه الدليل ممّا تقدَّم كالكلب والدهن النجس مع الشرائط المتقدّمة.

ولا يجوز ملكه وتمليكه مجاناً أيضاً؛ لعدم قابليته للملك أصلاً، ويتبع ملك عينه ملك منفعته، فلا يصح ملكها وتمليكها مطلقاً.


1) تحف العقول: 241؛ وسائل الشيعة 17 : 83، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

2) غنية النزوع 1: 213.

3) راجع الهامش (1).

نعم، قد يقال بثبوت حق الاختصاص لمن هي في يده فيجوز الصلح على رفعه، ويكون ذلك طريقاً لجواز أخذ المال بسببها، كما يفعلونه اليوم في العذرات النجسة وشبهها، وما لا يجوز الانتفاع به كالميتة - ففي جواز ذلك فيها إشكال.

ويشترط فيهما أيضاً الوجود، فلا تصحّ المعاوضة على معدوم بالفعل من كانت له مادة موجودة، كالزرع أو الثمرة الموجود أصلهما، إلا ما قام عليه الدليل.

وتصح المعاوضة على الكلّيّات وإن لم يوجد فردها بالفعل أو وُجد ولكن لا يملك فردها أحد المتعاقدين؛ اكتفاء في ملكية ما في الذمة بالقدرة على شغلها به، كما تدلّ عليه السيرة والطريقة، وينطق به الإجماع، وتؤذن به الأخبار، ولا يدخل في بيع المعدوم، أو في بيع ما لا يملك، أو في بيع شيء ثم يملكه.

ثالثها: اشتراط القدرة عقلاً وعرفاً وعادةً على تسليم العوضين

ثالثها: مما يشترط في العوضين أيضاً القدرة عقلاً وعرفاً وعادة على تسليمهما من المتعاقدين بأنفسهما أو بوكيلهما، ببذل مال أو بدونه، حين العقد أو بعده بزمن غير متراخ أو متراخ في وجه، أو تسلّمهما منهما كذلك، ويكتفى به عن القدرة على التسليم؛ للزوم السفه والعبث والغرر بدونهما، ولمنافاته لحكمة شرع عقود المعاوضة وإن لم يناف العقود المجانية، وللإجماعات المنقولة (1)بل المحصلة، وللأخبار الناهية عن بيع ما ليس عنده أو ما ليس له وجود (2)، وغير ذلك، بل ربما يظهر من جملة من الفتاوى والإجماعات المنقولة اشتراط خصوص القدرة على التسليم، وعدم كفاية القدرة على التسلّم عنه، إلا أن تعليلهم ولزوم الاقتصار على اليقين من دليل المنع بعد شمول أدلّة العقود عموماً وخصوص العقود عموماً وخصوصاً كلّها يقضي بعدم الخصوصية باشتراط عدم القدرة على التسليم تعبداً، بل لكونه مانعاً من تسلّمه والانتفاع به، فإذا أمكن تسلّمه جازت المعاوضة عليه.

والقدرة على البعض دون البعض في العقد الواحد تصححه في المقدور وتبطله في غيره ويتسلّط المنقول إليه على الخيار مع الجهل والقدرة في الزمن المتراخي تسلّط على الخيار، ولا تقضي بالبطلان على الأظهر.


1) راجع مفتاح الكرامة 4 : 222؛ وجواهر الكلام 22 : 384.

2) راجع الهامش (3) من ص 258.

وعدم القدرة على تسليم المبيع قبل قبضه بعد أن كان قادراً وقت العقد تسلّط على الخيار؛ لحديث نفي الضرار (1)، ولا تقضي بالانفساخ على الأظهر.

والقدرة بالواسطة من شفيع أو بذل مالٍ أو توسط حاكم كالقدرة بالأصالة.

والقدرة في مكان دون مكانٍ أو حال دون حالٍ كالقدرة المطلقة، إلا إذا كان المكان مشروطاً فيه التسليم فلم يقدر أن يسلّم فيه وقدر في غيره، ففي بطلان العقد أو التسلّط على الخيار وجهان، أقواهما الأخير.

ولو قدر في المؤجل قبل الأجل ولم يقدر بعده، ففي بطلان العقد أو التسلّط على الخيار وجهان، ولو انعكس صح ولا خيار.

وهو شرط واقعي، فلو زعم القدرة فتبين خلافها فسد، وإن زعم عدمها فأوقع العقد فتبين حصولها صح على الأظهر.

ولو قدر بطريق محرّم خاصةً، فالظاهر دخوله تحت عدم القدرة، سيّما فيما لو لم يقدر سوى المشتري على تسلمه بطريقٍ محرَّمٍ.

ولو توقفت القدرة على انقلاب غير المقدور إلى نوع آخر، كان من غير المقدور.

ومن غير المقدور الطائر المملوك في الهواء إذا لم يرج عوده، ومع الرجاء عادةً من المقدور، وكذا لو كان في مكان لا يصطاد فيه عادة، أما لو كان في الهواء أو في مكان يصطاد فيه عادة فهو من المقدور على الأظهر.

وكذا لا يصح بيع السمك وهو في الماء بحيث لا يمكن صيده عادة؛ لعدم محصوريته، أو لعدم صفاء الماء، أو لعدم انحصار الماء، ولا بيع الآبق، وهو الذاهب عن مولاه عصياناً من غير خوف أو كدّ عمل، ولا الشارد من خوف أو كدّ عمل، ولا الضائع والضال إذا لم يرج عودها ولا يرجى تحصيلها عادةً، إلّا الآبق، فالظاهر المنع فيه وإن كان عوده وتحصيله مرجوّاً؛ لإطلاق الأخبار (2)وفتاوى الأصحاب في المنع من بيعه مطلقاً، مع احتمال تنزيلها على الغالب، وهو ما لا يرجى عوده وتحصيله، كما يظهر من جملةٍ أُخرى منهم(3).


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

2) وسائل الشيعة 17 : 353، الباب 11 من أبواب عقد البيع وشروطه.

3) كالعلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 10 : 51، المسألة 28؛ والشهيد الأوّل في اللمعة الدمشقية : 63؛ والشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 249: والبحراني في الحدائق الناضرة 18 : 434.

وفي جميع ما قدمناه لو قدر المشتري على التسلّم جاز، كما أفتى به جملة من الأصحاب (1)، ونقل عليه ظاهر الإجماع في الآبق (2)، وبتنقيح المناط يسري الحكم لغيره، على أنّه مع القدرة على التسلّم يشك في شمول دليل المنع، فتشمله أدلة الجواز من غير معارض.

ولا تصحح بيع غير المقدور على تسليمه الضميمة؛ لإطلاق دليل المنع، سواء كانت ممّا تقابل بمال أو لا، وسواء كان القصد إليه أو إليها أو إليهما معاً.

ويظهر من بعضهم (3)أنّه لو كان القصد إلى الضميمة وكان قصده تبعاً صح بيعه؛ لأنّه المتيقن من دليل المنع، ولإشعار ما جاء في الآبق (4)به، وهو جيد.

هذا كله في غير الآبق وما شابهه من الضال والشارد والذاهب ونحوها، وأما فيها: فأما الآبق فلا إشكال في عدم جواز بيعه منفرداً، وظاهر النصّ والفتوى أنّه ممنوع منه ولو كان مقدوراً على تسليمه، وأن له خصوصية في المقام.

ولا إشكال أيضاً في جواز بيعه مع الضميمة؛ للنصوص (5)والفتاوى، سواء تعذر تسليمه وتسلّمه أم لا، وسواء كانت ديناً أو عيناً، وسواء كانت الضميمة هي المقصودة أولاً وبالذات، أو الآبق، أو هما معاً؛ لإطلاق الدليل.

نعم، يشترط في الضميمة كونها مما تصلح للمعاوضة بانفرادها، كما يظهر من الفتوى والنصّ المعلّل للصحة بأنه: إن لم يقدر على العبد كان الثمن في مقابلة الضميمة(6)، والآخر الناص على شراء ثوب أو متاع (7)الظاهرين في التموّل، وكونها انضمام شطور وأجزاء للمبيع، لا انضمام شروط، كما هو الظاهر من النص، وكونها غير آبي آخر، أو غير مقدور على تسليمه، أو منفعة آبي آخر.

ولا يشترط وحدة الآبق المبيع، ولا كون الضميمة عيناً، بل لو كانت منفعةً أو حقاً جاز.


1) منهم : العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 10 : 49؛ والسيوري في التنقيح الرائع 2: 35؛ والشهيد الأوّل في اللمعة الدمشقية : 63؛ والشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 250.

2) الانتصار : 435، المسألة 247.

3) لم نتحقّقه.

4) راجع الهامش (2) من ص 278.

5) راجع الهامش (2) من ص 278.

6) وسائل الشيعة 17 : 353، الباب 11 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 2.

7) المصدر، ح 1.

ويؤدى ذلك بصيغة الصلح؛ لعدم جواز جريان البيع على المنفعة.

وفي إلحاق ضمّ المنفعة بصيغة الإجارة مع صيغة بيع الآبق إذا كان ثمنهما وقبولهما متحدين وجه.

ولا يشترط كونه بصيغة البيع؛ بناءً على أنّ القدرة على التسليم شرط في جميع المعاوضات،

وأن الإباق مانع في جميعها، فيصح الصلح عليه أو الهبة المعوّضة مع الضميمة. ولا يشترط اتحاد مالك الضميمة والآبق؛ لإطلاق الدليل.

ولا يشترط قدرة المشتري عليه بعد ذلك، بل لو تلف قبل قبضه كان الثمن في مقابلة الضميمة ولم ينفسخ البيع ؛ لبناء المعاملة على ذلك، كما يظهر من النصّ والفتوى، وهذا مما يستثنى من تلف المبيع قبل قبضه.

وقد يشكل ذلك فيما إذا كانت الضميمة لمالك والآبق لآخر فتلف الآبق، فإنّ في صيرورة الثمن بإزاء الضميمة كلاماً.

هذا إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فله الخيار بين الفسخ وبين الإمضاء بجميع الثمن، فإن قدر على تحصيل الآبق ازداد خيراً، وإلا كان الثمن في مقابلة الضميمة، ولا ينفسخ البيع بالنسبة إلى الآبق؛ لصحة بيعه مع الضميمة.

ولا يشترط في الضميمة استمرار ملكها للمشتري، بل لو جعل له الخيار في فسخها جاز، فإن فسخ فيها ردّ من الثمن ما قابلها عند التوزيع، ولا يردّ الثمن كله؛ لأنّه إنما يكون بإزاء الضميمة إذا تلف الآبق، ومقابلته بالثمن لا تصحّ في الابتداء لا في الاستدامة؛ لأنّ حكمها غير حكم الابتداء.

وكذا لو تلفت الضميمة قبل قبضها، سقط من الثمن ما قابلها.

نعم، قد يشكل الحال فيما لو فسخ المشتري الضميمة فتلف الآبق قبل قبضه، فإنّه

لم تسلم له الضميمة كي يكون الثمن فيما قابلها، ولم يسلم له الآبق كي يوزّع عليه الثمن. ويشترط في بيع الآبق ما يشترط في غيره من كونه معلوماً وموجوداً عند العقد، فلو كان مجهولاً فسد العقد من أصله، أو تالفاً وقت العقد فسد العقد بالنسبة إليه، وردّ ما قابله من الثمن ولا يكون الثمن ها هنا بمقابلة الضميمة فقط؛ لأنّها إنما تكون في مقابلته إذا تلف بعد العقد.

ولو ظهر عيب أو خلاف وصفٍ أو غبن فيه أو في الضميمة، كان للمشتري الخيار بين الفسخ أو الأخذ بجميع الثمن مع الأرش.

وأما ما شابه الآبق من الضال والذاهب والمسروق فيحتمل إلحاقها بالآبق فيصح بيعه مع الضميمة وتجري عليه أحكامه.

ويحتمل صحّة بيعه مطلقاً؛ لإمكان الانتفاع به من عتق أو وقف أو بيع مع الضميمة.

ويحتمل بطلان بيعه مطلقاً؛ لعدم القدرة على التسليم فيه، وخروج الإباق للدليل لا يسري إلى غيره، وتنقيح المناط لم يثبت.

ويصح بيع المال المغصوب من المالك على غاصبه وعلى غيره إذا قدر المالك على تخليصه بواسطة مال أو سؤال أو قهر، وكذا إذا قدر المشتري على ذلك.

ولو لم يقدرا معاً، كان من غير المقدور على تسليمه، فيبطل البيع فيه؛ للزوم السفه والعبث، والإجماع المنقول (1).

وفي صحته مع الضميمة وجه، والأوجه خلافه.

ويحتمل اختصاص الصحّة فيما لو كان عبداً دون غيره.

ومَنْ أطلق المنع من بيع المغصوب يُحمل كلامه على ما قدمناه من عدم القدرة على التسليم أو التسلّم.

والتلف والعيب قبل القبض مضمونان على الغاصب، ولا ينفسخ البيع بتلفه بيده، بل يرجع عليه المشتري بالمثل أو القيمة.

وليس من غير المقدور على تسليمه بيع الفضولي؛ لأنّه مقدور من المالك بعد إجازته، ومقدور من الفضولى عرفاً بواسطة مال أو شفاعة ونحوهما لو كان كذلك، ولا بيع المرهون والمحجر عليه أيضاً؛ للقدرة على تسليمهما مع إجازة الراهن وذي الحجر.

رابعها: اشتراط عدم كون أحد العوضين أُمّ ولد لمالكها قد علقت منه

رابعها: مما يشترط في العوضين أن لا يكون أحدهما أُمّ ولد لمالكها قد علقت منه وهو مالك لها كلاً أو مالك لها بعضاً، كالأمة المشتركة أو المبعضة، سواء نقلها كلّاً أو بعضاً، وسواء


1) راجع الهامش (1) من ص 277.

كان الولد بارزاً أو حملاً، وسواء كان من وطءٍ محرَّم في حيض أو محلّل، وسواء علم به الناقل أو جهل، كلّ ذلك للإجماع المنقول (1)وفتاوى الأصحاب، بل الظاهر أن الإجماع محصل في جميع ما قدمناه وللأخبار الناهية عن بيع أمهات الأولاد(2)، القاضية بالفساد؛ لتعلّقها بذات المعاملة.

وما ورد في بعض الأخبار من أنّ حدّها حدّ الأمة (3)مطرح أو مؤوّل أو منزل على موت الولد سُمّيت بذلك لعلاقة ما كان.

ولو علقت أُمّ الولد منه وهي غير مملوكة له ثمّ ملكها لم يحرم بيعها؛ اقتصاراً على المورد اليقين من النصّ والفتوى وأخذاً بما ينصرف إليه الإطلاق منهما، وبما جاء من الأخبار المتكثرة ي مقام البيان وغيره، الدالة على ترتب الولادة على شرائها وانتقالها، الظاهرة في أنّ العلوق كان في ملكه.

وكذا لا يحرم بيعها لو مات ولدها في حياة أبيه؛ للنص (4)والفتوى، بل الإجماع على الظاهر.

هذا إن لم يخلّف ولداً، فإن خلف ولداً احتمل المنع من بيعها مطلقاً؛ لصدق أمهات الأولاد عليها، وجوازه مطلقاً؛ لانصرافهنّ إلى أمهات الولد الصلبي، ولأنّه مورد اليقين، ولتصريح الأخبار برجوعها إلى الرق المحض عند موت ولدها (5)من غير تفصيل، واحتمل التفصيل بين كون ولد الولد وارثاً فيحرم بيعها؛ لمكان ميراثه، وبين أن لا يكون فيجوز، وجوه، أقواها الوسط؛ لعدم ثبوت أنّ الحكم معلل بأنها تعتق من نصيب وارثها.

واستثنى الأصحاب وجملة من الأخبار من دليل المنع من بيعها جوازه في ثمن رقبتها مع إعسار المولى عنه (6)بأن لا يكون عنده ما يفي به ثمنها زائداً عن مستثنيات الديون.

والظاهر أن الحكم بالجواز عام لإعساره عن كلّ الثمن وعن بعضه، وعام لبيعها كلها إذا


1) الانتصار : 383 - 384، المسألة 226: الخلاف 6: 423 - 424، المسألة 1؛ غنية النزوع 208:1.

2) راجع وسائل الشيعة 18 : 278، الباب 24 من أبواب بيع الحيوان.

3) المصدر : 279، ح 3.

4) المصدر، ح 4.

5) المصدر 23 : 172، الباب 5 من أبواب الاستيلاد.

6) المصدر 18 : 278، الباب 24 من أبواب بيع الحيوان، ح 1، 2.

توقف الوفاء عليه، ولبعضها إذا حصل الوفاء به، وعام لما استمر استحقاق البائع له بنفسه أو كان منتقلاً عنه بضمان وشبهه، وعام للدين الحال أو المؤجل قبل حلول أجله، وإن كان في الاقتصار على الدين الحال قوّة، وعام لحياة سيّدها ومماته؛ لشمول إطلاق رواية عمر بن يزيد (1)لهما، وللإجماع المنقول (2)على الشمول، والشهرة المحصلة والمنقولة (3)، فلا التفات إلى القول بعدم جواز البيع بعد موت سيّدها، بل توقف إلى بلوغ الولد بعد تقويمها فإذا بلغ جبر على ثمنها، وإذا مات قبل ذلك بيعت في ثمنها (4)، ولا إلى القول بهذا بشرط وجود دَيْنِ آخر (5)، ولا إلى القول بعودها بولدها رقاً، وبقاء ثمنها في ذمة سيّدها إن لم يكن له مال سواها(6). ولا إلى القول بالفرق بين حياته ومماته فلا تباع في الأوّل وتباع في الثاني، كما اختاره جملة من الأفاضل (7).

وقد يستثنى من دليل المنع صور أخرى مبنية على عدم كون دليل المنع تعبدياً، بل إمّا من جهة حق المولى، فإذا غلب عليه حق آخر مقدّماً على حقه قبل علوقها - كحق رهانة، أو حَجْر فَلَسٍ، أو حق جناية على الغير، أو شفعة لو جرت على المملوك أو نذر وشبهه، أو اشتراط تمليك أو ضمان متعلّق بها أو خيار، أو استطاعة منحصرة بها - أو بعد علوقها كأسرها بعد خروج المالك عن الذمة، أو لحوقها بدار الحرب فاسترقت.

وربما يلحق بالأوّل لو وطأها المالك قبل قسمة الميراث فكانت بالقسمة نصيب غيره، أو وطأها بعد أن بيعت فضولاً فأجاز بعد الوطء، بناءً على الكشف فيهما.

وإما من جهة احترامه فيجوز بيعها لكفنه وحنوطه ومؤن تجهيزه مع عدم الباذل، ولدواء مرضه، وللإنفاق على من وجبت عليه نفقته، ولبقاء كفره مع تجدد إسلامها أو إسلام أحد أبويها مع نقصها، ولقتلها له أو جنايتها عليه عمداً.


1) وسائل الشيعة 18 : 278، الباب 24 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

2) غنية النزوع 1: 208.

3) شرح القواعد 2 : 230.

4) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 547.

5) قال به ابن حمزة في الوسيلة : 343.

6) قال به ابن حمزة في الوسيلة : 343.

7) منهم : الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 8: 170 – 171؛ والعاملي في نهاية 2 : 316؛ والسبزواري في كفاية الفقه 2 : 473.

وإما من جهة احترامها، فيجوز بيعها بعد إباقها أو ردّتها، أو لنفقتها، أو لكلّ ما يدفع الضرر عنها، أو لتعجيل عتقها بالبيع على مَنْ تنعتق عليه أو بشرط عتقها، أو لانحصار وارث المشتري بها.

وإما من جهة رجاء عتقها من نصيب ولدها، فيجوز لانقطاع الرجاء من النصيب لاستغراق دين، أو لعدم قابليته للإرث من قتل أو كفر أو غير ذلك.

وهذه كلها محلّ تأمل وإن كان القول في بعضها قريباً؛ لقوة دليله فيرجح على دليل المنع؛ لأنّ ما بينهما العموم من وجه، أو ينصرف دليل المنع إلى غيره، ولكن التعدي عمّا عليه إطلاق الأخبار وفتوى المشهور لا يخلو عن القصور.

وأما ترجيح عمومات حفظ دماء المسلمين أو أعراضهم، أو حفظ بيضة الإسلام وشعائره والأماكن المحترمة على دليل المنع فيجوز بيعها لذلك، لا وجه له قطعاً؛ لأنا لو حكمنا هذه العمومات لخربنا في الفقه تخريبات، ولجاز بيع الأحرار بل وجميع ما أفسدت بيعه الأخبار وفتاوى الأخيار.

وفي جواز شرائها ممن يرى جوازه وجه، سيّما من كافر أو مخالف، إلا أن الأوجه خلافه، سيما من المجتهدين المتخالفين في الفتوى.

خامسها: اشتراط استقلال الملكية في العوضين

خامسها: يشترط في العوضين أيضاً الاستقلال في الملكية، فلا تصحّ المعاوضة على ما للبطون اللاحقة حق فيه، كالوقف عامة وخاصة إذا كان مؤبداً؛ للإجماع المنقول (1)وفتوى المحققين من الفحول، وللأصل المقطوع بأصله، ولمنافاة النقل لحقيقة الوقف المتلقى عن الشارع لأخذ الدوام فيه، وكونه حبساً للعين المنافي لنقلها، فيكون كالتحرير للمملوك، ولتعلق حق الأعقاب به، فنقله أكل مال بالباطل، ولإقدام الواقف على تأبيده واشتراك الذراري به وعدم نقله، وقد نقل مستفيضاً أن الوقوف على ما يقفها أهلها (2)، وللأخبار الواردة في وقوف الأئمّة الناهية عن البيع والشراء والهبة(3).


1) جواهر الكلام 22 : 358.

2) وسائل الشيعة 19 : 175 - 176، الباب 2 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ج 1، 2.

3) المصدر : 186 - 187، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 2 - 4.

قيل: ولظهور منعه بين الناس حتّى النساء والأطفال كاد أن يلحق بالضروريات (1).

ولخصوص بعض المعتبرة فيمن شرى وقفاً بجهالة، قال: «لا يجوز شراء الوقف، ولا تدخل الغلة في ملكك ادفعها إلى مَنْ وُقف عليه» قلت: لا أعرف لها رباً، قال: «تصدق بغلتها» (2).

فعلى ما ذكرناه لا يجوز بيع الوقف العام أرضاً أو غيرها؛ لتعلّق حق جميع الموقوف عليهم من الموجودين والمعدومين،به ولشبهه بالعتق إن قلنا بخروجه عن ملك الواقف ودخوله في ملك اللّه تعالى، إلا في بعض الصور على وجه سيأتي إن شاء الله.

فإن كان الموقوف أرضاً، وجب إبقاؤها بحالها مهما أمكن الانتفاع بها على تلك الحال الموقوفة عليها من دار أو حمّام أو مسجد.

وإن عرض لها عدم الإمكان بحيث حصل اليأس من الانتفاع بها بتلك الجهة، آجرها المتولي في جهةٍ أخرى، متحرّياً للأقرب فالأقرب، كالانتقال من الدار إلى الخان ومنه إلى الحمام ومنه إلى الزراعة محافظاً على الآداب اللازمة للمسجدية لو كانت مسجداً، فينتقل منه إلى إيجارها للأعمال المشابهة للعبادة الخالية عن تلويثها بالنجاسة، وتُصرف أُجرتها ونماؤها فيما ماثلها من الأوقاف، فإن تعذر المماثل صُرفت في غيره، فإن تعذر غيره من الموقوفات العامة صُرفت في مصالح المسلمين.

هذا إن كانت الأرض من غير المفتوحة عنوةً أو منها وبقيت آثار التصرف، وإلا عادت عند خرابها للمسلمين كافة.

وإن كان الموقوف غير أرض، فإن بقي على حاله وأمكن الانتفاع به في خصوص المحل الذي أُعد له لزم الانتفاع به كذلك، وإن لم يبق على حاله بحيث لم يمكن الانتفاع به بوجه، كرضاض الحصير والبارية الموقوفين في المساجد وغيرها وبعض أجزاء الخشب والفراش، جاز نقله بعوض وشراء ما ينتفع به في ذلك المحلّ الموقوف، وإن لم يمكن ففي غيره مقدماً للأقرب فالأقرب؛ لأنّ المنع من بيعه هنا مع اضمحلاله يوجب العبث والسفه، مع احتمال الرجوع في ذلك إلى حكم الإباحة، كالملك بعد إعراض المالك عنه، أو الرجوع إلى


1) قاله الشيخ جعفر في شرح القواعد 2 : 224.

2) وسائل الشيعة 19 : 185، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 1.

ملك المسلمين كافة تُصرف في مصالحهم، أو الرجوع إلى المالك الأوَّل، ومع عدم معرفته يكون مجهول المالك.

وما ذكرناه أولاً أقوى، إلا مع عدم إمكان البيع أيضاً، فاحتمال الرجوع إلى المسلمين كافة هو الأقوى.

وإن بقي على حاله أو على حالة ينتفع به إلا أنّه لا يمكن الانتفاع به في الجهة المعدّ لها، فهناك يلزم الانتفاع بها في المماثل مقدّماً الأقرب فالأقرب، وإلا فغير المماثل، وإلا ففي منافع المسلمين كافة.

فإن تعطل نفعها بجميع الجهات، فإن خشي عليها من التلف جاز بيعها وشراء وقف آخر عوضها مقدماً الأقرب فالأقرب، فإن لم يمكن الشراء صُرفت في وجوه البر عيناً أو قيمة.

وإن لم يخش عليها، قوي القول بجواز بيعها أيضاً كذلك، إلا أن القول ببقائها في مكانها وعدم التعرّض لها إلى أن يحكم ولي الأمر فيها بحكمه هو الأسلم.

ولا يجوز أيضاً بيع الوقف الخاص مطلقاً، سواء خرب خراباً لا يرجى عوده أو كان يرجى، وسواء وُجد مَنْ يراعيه بعمارة أم لم يوجد وسواء حصلت ضرورة من الموقوف عليه إلى ثمنه أو لم تحصل، شديدة كانت أو غير شديدة، وسواء حصلت فتنة بين أربابه من جهته أم لم تحصل، وسواء أمكن تداركها أم لم يمكن، وسواء اجتمع فيه خلف الأرباب وخوف الخراب الناشئ عنه أم لا، أو اجتمع فيه خوف الخراب والحاجة الشديدة بالأرباب أو لا، أو اجتمع فيه خوف الخراب للخُلف بين الأرباب وكون البيع أعود لهم أو لا، وسواء حصلت من الموقوف عليه بسببه فتنة مثيرة للفساد أو لم تحصل، وسواء حصلت ضرورة منه أو ضرورة إليه، أو أعودية أو أنفعيّة للموقوف عليه ببيعه أو لا، وسواء تولّى بيعه الموقوف عليهم أو الواقف أو الحاكم الشرعي، وسواء صرف ثمنه على الموجودين من الموقوف عليهم أو اشتري به شيء يجعل وقفاً يسري نفعه للأعقاب ملاحظاً فيه الأقرب فالأقرب إلى مراد الواقف، كلّ ذلك للأدلة المحكمة المتقدّمة.

ولا يعارضها مذهب المُجوّز للبيع عند خوف الخراب، أو الحاجة الشديدة بالأرباب (1).


1) المبسوط 3 : 287؛ غنية النزوع 1 : 298؛ الوسيلة : 370.

حتى نقل عليه الإجماع (1)، ولا مذهب مَنْ جوّزه عند الخراب الذي لا يرجى عوده وكونه لا يجدي نفعاً، ونقل عليه الإجماع (2)، ولا مذهب مَنْ جوّزه عند خوف الخراب الناشئ عن الخُلف بين الأرباب، ونُقل عليه الشهرة (3)، ولا مذهب مَنْ جوّزه عند الخلف بين الأرباب المؤدي إلى الفساد والخراب (4)للصحيح فيمن وقف أرضاً وجعل للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها الخمس: أنّه يبيع ذلك ويصل الثمن إليه (5)، وفيما إذا كان بين الموقوف عليهم من هذه الضيعة اختلاف شديد، فإن كان ترى أن يبيع هذا الوقف ويدفع إلى كلّ إنسان منهم ما كان وقف له ؟ فكتب: «إن كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أن يبيع الوقف أمثل، فإنّه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس» (6)وربما يستند إلى أنّ المقصود من الوقف استيفاء المنفعة، فإذا تعذر جاز بيعه تحصيلاً للغرض، وأنّ الجمود على العين مع ذلك تعطيل للمال وتضييع لغرض الواقف، ولا مذهب من اكتفى بالأعودية والأنفعية في جواز البيع بل مجرد الحاجة (7)، كما في الخبر: عن بيع الوقف إذا احتاج إليه الموقوف عليهم ولم يكفهم ما يخرج من الغلة، قال: «نعم إذا رضوا كلّهم وكان البيع خيراً لهم باعوا» (8)ولا غير هذه المذاهب ممّا نقلها الأصحاب؛ لضعف دليلها عن مقاومة ما ذكرناه.

أما الإجماع المنقول: فمعارض بإجماع مثله أوّلاً وبأنه قابل للحمل على غير الوقف المؤبد من الأوقاف المنحصرة أهلها ثانياً، كما نزل الحلّي كلام القوم وأخبارهم عليه (9)، وربما أشعر به ذكر الخُلف بين الأرباب والقسمة عليهم.

وأما الشهرة المنقولة والمحصلة: فإن أرادوا بها البسيطة فهي ممنوعة؛ لعدم تحققها على


1) غنية النزوع 1 : 298.

2) الانتصار : 468 - 469، المسألة 264.

3) كما في اللمعة الدمشقية : 63.

4) راجع المختصر النافع : 182.

5) وسائل الشيعة 19: 187 - 188، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 5.

6) المصدر : 188. ح 6.

7) المقنعة : 652: النهاية : 599 - 600.

8) وسائل الشيعة 19 : 190 - 191، الباب 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، ح 8.

9) السرائر 3 : 150.

قول خاص، وإن أرادوا بها المركبة من أقوال المجوّزين فهي غير حجةٍ أولاً، بل إن المشهور بل المجمع عليه على عدم الأخذ بها ها هنا ثانياً؛ لعدم إفادتها حكماً سوى الجواز المشترك بين كلّ الأقوال ولا يقول به أحد.

وأما الأخبار: ففي سند بعضها ضعف، وهي مشتركة في عدم أخذ قيد الدوام في الوقف، وفي ظهور الانحصار في الموقوف عليهم، فلا يكون من المؤبد.

ويختص الأوّل منها باشتمال صدره على جواز بيع حصة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من غير داع. ولا يقول أحد بجواز بيع الوقف من دون داعٍ، فلا بد من حمله على كون الوقف عليه فقط لا الوقف الدائم، أو على عدم كون الحصة موقوفة عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويراد بـ«موقوفة» في كلام السائل حيث قال: «أو يدعها موقوفة» الثبوت والاستقرار، لا الوقف بمعناه، أو على عدم قبضه لها أولى.

ويختص أيضاً باشتمال عجزه على بيع الواقف له وإعطاء الموقوف عليهم الثمن.

وكلاهما بعيد جداً؛ لأن القائل بجواز البيع إنّما يجوزه للموقوف عليهم لا للواقف، ولأنّ بيعه وشراء وقف آخر مكانه - كما حكم به جمع من أصحابنا (1)- أولى من تفرقة ثمنه كما في الرواية (2)، ولأنّ القواعد تقضي بخلافها من التنزل على مراتب الاضطرار عند خوف الفتنة وحصول الاختلاف، من إيجار بعضهم من بعض أو من خارج، أو المهايأة مع القرعة، أو الصلح على منفعة مدةً بمدةٍ، أو الصلح على منفعة بعض ببعض، ولأنّ الخُلف لا زال ولا يزال واقعاً بين أرباب الوقف، فتجويز بيعه لذلك مفض إلى جواز بيع الأوقاف في جميع الأعصار وسائر الأمصار، وهو بعيد عن الاعتبار وظواهر الأخبار، فحمل هذه الرواية على بيعه قبل قبضه بقرينة أنّ المتولّي للبيع هو الواقف أولى.

ويختص الثاني بعدم القائل ممّن يُعتد به - سوى المفيد (رَحمهُ اللّه) (3)- بمضمونه من تجويز بيع الوقف إذا حصل الرضى من أهله وكان خيراً لهم، أو كانت لهم ببيعه حاجة؛ إذ قلّما يخلو


1) راجع تحرير الأحكام الشرعيَّة 3: 316، الرقم 4703؛ وإيضاح الفوائد 2 : 407؛ وحاشية إرشاد الأذهان الشهيد الثاني : 168.

2) راجع الهامش (6) من ص 287.

3) المقنعة : 652.

وقف عن ذلك، ولم يزل أهل الأوقاف مديونين ومحتاجين، والبيع بالنسبة إلى الموجود منهم خير له من بقائه؛ لقلة الانتفاع، أو لنقل خراجه.

ومذهب المفيد (رَحمهُ اللّه) شاذ لا يلتفت إليه.

وأيضاً فهو دالّ على كون الثمن لأهل الوقف ينفقونه عليهم، مع أن الأوفق بالقواعد شراء وقف آخر بثمنه وجعله مكانه؛ جمعاً بين الحقين.

وحينئذٍ فحمل الروايتين على كون البيع قبل القبض أو على كون الوقف محصوراً بطائفة أو أشخاص معلومين، فيكون من المنقطع الأوّل فيعود حبساً، أو على كونه من قبيل وقف المعاطاة الخالي عن الصيغة، أو على كونه من الوقف المحدود بأجل أو عمر الواقف أو الموقوف عليه فيعود حبساً أيضاً، أو على كونه من المنعقد بصيغة الحبس وشبهها وإن لم يكن محصوراً، هو الأوجه؛ لأنّ طرح الصحيحة الأولى بالكلية بعد فتوى كثير من الأصحاب بمضمونها وبعد نقل الإجماع على مضمونها لا معنى له.

والأقرب إلى العمل بها حملها على الحبس، كما فهمه كثير من أصحابنا؛ لإطلاق الوقف عليه سيّما لو كان بصيغته، فإن كان على محصورين ولم يقرن بمدة كان جواز بيعه على مقتضى القواعد؛ لجواز عقده، وإن كان على جهة قربة عامة أو مقروناً بمدةٍ كان جواز بيعه خارجاً عن مقتضى القواعد، إلا أنّه في صورة الاختلاف المؤدي إلى الخراب أو كونه لا يجدي نفعاً يجوز؛ للرواية الصحيحة (1)وفتوى الكثير والإجماع المنقول (2).

ويتولى الواقف البيع والصرف على المحبوس عليهم كما هو مورد الرواية (3).

والأظهر أن الوقف الخاص كالعام في جواز بيعه حيث لا يمكن الانتفاع به بجهته أو بغيرها كالرضاض، ويشترى بثمنه ما يقرب إليه فيكون وقفاً، مع احتمال جواز صرف حاصله على الموجودين من أربابه على وجوه البر.

أما لو أمكن الانتفاع به في غير تلك الجهة لم يجز بيعه، وانتفع به بجهة أُخرى مع ملاحظة الأقرب فالأقرب.


1) راجع الهامش (6) من ص 287.

2) راجع الهامش (2) من ص 287.

3) راجع الهامش (6) من ص 287.

ولو وقف على قوم غير منحصرين ولكنهم متصفون بوصف خاص فانقرضوا، قام احتمال رجوعه إلى الواقف، وعوده وقفاً على المسلمين كافة، وجواز بيعه وصرفه في وجوه البرّ، والاحتمال الأوسط أوجه.

سادسها: اشتراط عدم كون العوضين أو أحدهما مباحاً لم يدخل في ملك أحدٍ

سادسها: ويشترط في العوضين أن لا يكونا أو أحدهما مباحاً لم يدخل في ملك أحدٍ، كالكلاً والماء والسمك والوحش، سواء كانت في أرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو المسلمين، أو لبعضهم مع عدم المحصورية أو مع المحصورية ولم يكن الماء من نمائها، كالبئر وشبهه، وفي الحشيش إشكال.

ويلحق بالكلأ القصب والبردي (1)وكلّ ما نبت على الأظهر.

ويدخل في المباح ما كان مملوكاً فأعرض عنه صاحبه.

ولو طرأت على المباح الحيازة صار مملوكاً وجاز بيعه.

وأما طرق المسلمين وأسواقهم ومقابرهم وحريم بلدانهم وقراهم وسورهم ومطرح ترابهم فلا يبعد إلحاقها بمباح الأصل وإن كان للمسلمين فيها حق الاختصاص ما دام لهم فيها حاجة، فإذا بطلت حاجتهم زال حق الاختصاص عنها.

ويمكن الحكم بملكيتهم لها.

فإذا بطل الانتفاع بها في الوجه الخاص بهم صُرفت منافعها الجديدة في مصالح المسلمين.

ويحتمل رجوعها كأرض الموات.

ولو عمر أحد شيئاً من أطرافها حيث لا يضاد منفعتها المطلوبة، ملكه تبعاً لآثار التصرف، فإذا زالت زال الملك.

ويحتمل بقاء ملكها دائماً.

ويملك ماء البئر إذا كان في ملك خاص، ويتبع الأرض في الحكم إذا كانت وقفاً عاماً أو خاصاً، سواء وصل المالك إلى الماء بالحفر أو لم يصل؛ لأنّ الأسفل يتبع الأعلى في الملكية.

وكل ما يتجدد من الماء يملكه مالك الأرض؛ لحيازته له بإعداده الموضع القابل لحيازته له مع قصده ذلك.


1) البردي : نبات معروف القاموس المحيط 1 : 287، «ب رد».

ولو حفر حافر بئراً في أرض مباحة بالأصل أو في طرق المسلمين أو في أراضيهم المشتركة مع عدم تضرّر المسلمين به ملك ماءها مع نية التملك، ومع عدمه لا يملك.

نعم، له حق الاختصاص مع عدم النية والقصد.

وكذا مَنْ حفر نهراً في أرض مملوكة أو مباحة بنيّة حيازة الماء ملك الماء الداخل فيه وإن لم يعمل لسدّه من آخره، عملاً بفتوى المشهور، وللسيرة القطعية، والمنع من الملك مطلقاً أو مع عدم السدّ ضعيف، وآبار النجف الآن من هذا القبيل.

نعم، الخارج عنهنّ إلى غير هنّ بمنزلة المال المعرض عنه.

وكلّ ما يلزم من الامتناع عنه العسر والحرج من المياه التي في الطرق من الأراضي المتسعة يجوز التصرّف فيه واستعماله على نحو ما جرت العادة به وإن كان مملوكاً، سواء أذن المالك أو لم يأذن، بل ولو منع؛ للسيرة الدالة على رضى المالك الأصلي.

ويملك المعدن في الأرض المملوكة تبعاً لها ولو تناهى في الثمن على الأظهر، ويملك في الأرض المباحة مع النية.

سابعها: اشتراط عدم كون العوضين أو أحدهما مملوكاً لكافة المسلمين

سابعها: ويشترط في العوضين أن لا يكونا أو أحدهما من المملوك لكافة المسلمين، سواء قلنا: إنّ الملك على وجه الشركة وإن جاز أخذ الزيادة أو الكل من بعضهم؛ للدليل، أو قلنا: إنّ الكلّ يملكون للكلّ أو الأبعاض على وجه التناول ولا مانع منه عقلاً، أو قلنا: إنّ الكلّ يملكون أن يملكوا ولا يملكون نفس العين.

فلا يجوز نقل الزكاة قبل قبضها، أو نقل الخمس أو المنذور للفقراء أو الكفارات من أعيان أو ديون قبل قبضها؛ للأصل والإجماع، وعدم دخوله فيما يملك.

ولا يجوز نقل الأرض المفتوحة عنوةً قبل التصرّف فيها بإيجاد أثر من آثار التصرف فيها، سواء كان الأثر ممّا يقبل النقل مستقلاً أو لا يقبله إلّا منضماً، بل ولو لم يقبله مطلقاً؛ لأن الظاهر أنّ أثر التصرف مملك لها ومجوّز لنقلها، سواء قصد بالنقل نفس الأرض والتصرف تابع، أو العكس، أو تساويا في القصد؛ لأصالة عدم النقل والانتقال، ولما دلّ على منع نقل

المال المشترك (1)مع عدم معرفة ما للناقل؛ لاشتراك الموجودين من سائر فرق المسلمين - على الظاهر - بل والمعدومين معه، ولعدم قدرة الناقل على التسليم والحال كذلك، ولإعدادها لمصالح المسلمين كما يظهر من الفتاوى والنصوص (2)- والنقل منافٍ لذلك، وللإجماع المنقول (3)، والشهرة المحصلة، وللأخبار (4)الدالة على ذلك، المعتضدة بما قدمنا، فلا وجه لتخصيص المنع بالحضور؛ لمخالفة الإجماع فضلاً عن المشهور.

نعم، قد يقال بجواز نقلها من والي المسلمين إذا رأى مصلحتهم في النقل؛ لقيامه مقام سائرهم.

وربما ينزل عليه ما ورد عن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من شرائه أربعة أميال من كلّ جهة مما يلي قبره الشريف وتصدّق بها على أهلها مع اشتراط ضيافة الزوّار عليهم (5)، مع احتمال أنّها كانت مواتاً حين الفتح، أو أنّها مشتملة على آثار التصرف، كما جاء في بعض الأخبار(6)مما يؤذن بجواز الشراء ممّن بيده أرض الخراج فإنها محمولة على ذلك.

ويدلّ على جواز نقلها مع آثار التصرّف السيرة القطعية من إجراء حكم الأملاك والأوقاف عليها ما دامت مصاحبة للآثار، ولا بأس باتصاف شيءٍ بالملك أو الوقف في حال دون حالٍ إذا جاء به الدليل، وقد روي ذلك في أرض النيل (7)، وفي بيع دار عقيل (8)، فملكها حينئذٍ تابع لآثار التصرف الحادثة، ويملكها بتصرفه فيها، وأما القديمة وقت الفتح فحالها حال الأرض.

أحكام الأراضي المفتوحة عنوةً وخراجها وبيعها ومصارف عوائدها

وهنا أُمور:

منها: أن الحكم بكون الأرض المفتوحة عنوةً للمسلمين خاص بما كان معموراً حين


1) وسائل الشيعة 15 : 155، الباب 71 من أبواب جهاد العدو...، ح 1 و 17 : 369 الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 4، 5.

2) وسائل الشيعة 15 : 155، الباب 71 من أبواب جهاد العدو...، ح 1 و 17 : 369 الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 4، 5.

3) غنية النزوع 204:1 - 205.

4) راجع الهامش (1 و 2).

5) نسبه العاملي في مفتاح الكرامة 4 : 245 إلى المشتهر في الأفواه.

6) وسائل الشيعة 17 : 370، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 9.

7) المصدر : 334، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 3.

8) كما في شرح القواعد 2 : 206.

الفتح، كما هو ظاهر الفتوى والنصّ، خلافاً لما يظهر من بعض الأخبار (1)والفتاوى من أنّها للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويصرف مصالحها في المسلمين، فإنّها لا تعارض تلك الأدلّة.

وأما ما كان خراباً فبين ما دلّ على أن الموات للإمام (2)وبين ما دلّ على أن المفتوحة عنوةً للمسلمين (3)عموم من وجه، فيمكن ترجيح جانب أنّه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنّ يده أقوى، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ ولعموم «مَنْ أحيى أرضاً ميتة فهي له» (4)فإنّ إبقاءه على عمومه غير ممكن إلا على القول بأن الموات كله للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولعدم ملك الكفّار للموات قبل الفتح، فيكون للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سابقاً، فيستصحب حاله إلى ما بعد الفتح، بل لو ملكه الكفار لكان من الصفايا وهو للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ويمكن ترجيح أنّه للمسلمين؛ لعمومات أنّ المفتوحة عنوةً للمسلمين وإطلاقات أكثر العبارات، ولأصالة عدم الاختصاص، وللسيرة المستمرة على ضرب الخراج على المفتوحة عنوةً من غير سؤال، بل مع العلم بكونها مواتاً وقت الفتح.

وفيه نظر؛ لمعارضة العمومات وإطلاق العبارات بما هو أقوى من أن الموات للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولمعارضة أصالة عدم الاختصاص بأصالة عدم الاشتراك مع الاتفاق على كون الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مالكاً في الجملة والشكّ في غيره، ولعدم حجيّة السيرة مع العلم بكون الآخذ ليس من أهل الحق، وأنّه مبطل في أخذه.

ودعوى القطع من السيرة بتقرير الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) على جواز أخذ الخراج من أيديهم مع الشك. ممنوعة أوّلاً، ولو سلمناها فلعل الخراج يجوز أخذه من يد القاهر ولو ضربه على غير الخراجية ثانياً، فالأوّل أقوى.

وعليه فلو وقع الشكّ في كون الأرض معمورةً وقت الفتح أو خراباً، فإن كان عليها يد مسلم أو طائفة من المسلمين يدعون ملكيتها قضي عليها بالملكية لحق اليد.

وإن لم يكن عليها يد مسلم أو عليها ولا يدعي ملكيتها لعدم العلم بحالها، فإن كانت


1) وسائل الشيعة 15 : 157 - 158، الباب 72 من أبواب جهاد العدو...، ج 1، 2.

2) المصدر 9 : 524 و 534، الباب 1 من أبواب الأنفال، ح 32،4.

3) المصدر : 523 و 524 و 526 - 527 و 529 و 1530 - 534، ج 1، 4، 8، 10، 12، 17، 20، 22، 27، 32.

4) المصدر 25 : 412، الباب 1 من أبواب كتاب إحياء الموات، ح 5.

معمورة ويضرب عليها الخراج، أو كانت شبه المعمورة للقرب إليها، أو للعلم بتعميرها في كثير من الأزمنة - ككثيرٍ من أراضي الكوفة - فالظاهر الحكم بعمارتها وقت الفتح؛ لحصول الظن بذلك من أخذ الخراج؛ لأنّه يفيد الظنّ بذلك غالباً، لا لأصالة الصحّة؛ لعدم جريانها مع العلم بكون الآخذ غير محقِّ، مع احتمال ذلك؛ حملاً للمسلم على أقل القبيحين من فعله، ولحصول الظنّ بتعميره سابقاً؛ لعلو الهمم السابقة في التعمير حتّى أنّه قلما يوجد موضع لم يكن معموراً سابقاً.

والظاهر كفاية الظنّ في هذا المقام؛ لعدم إمكان الوصول إلى العلم، ولزوم عدم إجراء حكم المفتوحة عنوةً في جميع الأراضي إلا ما قلّ منها؛ لعدم اليقين بعمارتها وقت الفتح، وهذا خلاف الإجماع كما قيل (1).

وحينئذٍ فالحكم بخرابها وقت الفتح؛ لأصالة تأخر التعمير، ولأصالة عدم الاشتراك في الملك، ولأصالة عدم وجوب دفع الخراج، ولأصالة أنّ ما تحت اليد بعد دخوله تحتها الملكية وإن لم يعلم السببية، ضعيف لا يعارض ما قدمناه.

وإن لم تكن معمورةً أو شبه المعمورة - ككثير من أراضي العراق البعيدة عن السكني والخالية من الآثار المفيدة للظنّ بسبق،عمارتها كدور خربة أو قرية كذلك قريبة إليها؛ أو أنهار عتيقة أو آبار كذلك - فالحكم بكونها مواتاً وقت الفتح؛ للاستصحاب، وكونها للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لأصالة عدم الاشتراك هو الأقوى.

وكذا الحكم في كلّ ما عُلم عمارته في الأزمنة المتأخرة وأن لا أثر له له باقٍ من الزمن المتقدم إلى حين التعمير، أما ما عُلم خرابه وعمارته سابقاً وشُكّ في السابق منهما فهو ملحق بالمعمور حينه وإن كان الآن خراباً.

ومنها : أنّ المراد بالمفتوحة عنوةً هو ما فتحها سلطان الحقّ أو نائبه العام أو الخاص، أو ما كان مأذوناً به منه - ولو بالفحوى - إمّا ابتداء أو انتهاء، لموافقة الفتح للمصلحة الإلهية؛ لأنّ إظهار كلمة الإسلام أمر مطلوب لدى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعند الملك العلام كفتوحات الأ ات الأُمويين والعباسيين والسلاطين من الموافقين والمخالفين.


1) قاله الشيخ جعفر في شرح القواعد 2 : 209.

ويدلّ على ذلك السيرة القطعية بأخذ الخراج من سائر المفتوح للخلفاء ومعاملة خراجها كخراج المفتوح بإذن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من دون نكير.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في الصحيح - : إنّ جميع ما فتح عنوةً بعد النبيّ(عَلَيهِ السَّلَامُ) حكمه حكم أرض العراق، فإنّ أرض العراق إمام الأراضي يُفعل في جميعها ما فعل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها (1).

وقوله في بشرى النبيّ للصحابة حيث برقت برقة من ضربه الصخرة فأشرقت بها أطراف بلاد المسلمين بأنهم يملكونها (2).

وفي عد خراسان والشام منها تأييد لما ذكرنا.

وقد يقال بالاقتصار في المفتوحة عنوةً على ما فتح بالإذن الابتدائية خاصةً بل الصريحة؛ اقتصاراً على مورد اليقين في دخول الأرض في ملك المسلمين، وتحكيماً لما دلّ على أنّ المأخوذ بغير إذن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قهراً وغلبة فهو له من الأنفال (3)، والتزام تنزيل المتيقن من أنّه فتح عنوة - كأرض العراق - على إذن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو على أنّ في الجيش كان الحسنان صلوات اللّه عليهما، كما في بعض السير والآثار (4).

وهو قوي، إلا أن الأوّل أقوى؛ لما قدمنا، ولإمكان تخصيص قاعدة «كلّ ما أُخذ بغير إذن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو له» بغير الأراضي أخذاً بعموم أنّ ما أُخذ بالقهر من أراضي الكفار فهو للمسلمين (5)، أو ظهور تلك القاعدة في غير الأراضي.

وعلى كلّ حال فلا يبعد جواز إجراء حكم الخراج الصحيح على الخراج المأخوذ من يد الجائر من جميع تلك الأراضي وإن لم يعلم الإذن فيها؛ للسيرة الدالة على معاملة خراج جميعها معاملة المأخوذة بالإذن، بل لا يبعد القول بجواز أخذ حاكم الشرع الآن الخراج منها؛ لدلالة تلك السيرة على جواز أخذ الخراج منها للحاكم المحق.


1) وسائل الشيعة 15: 153 - 154، الباب 69 من أبواب جهاد العدو...، ح 2.

2) الخرائج والجرائح 1 : 152 الرقم 241؛ وعنه في بحار الأنوار 18 : 32 - 33، ح 25.

3) وسائل الشيعة 9 : 529، الباب 1 من أبواب الأنفال، ح 16.

4) تاريخ الطبري 3 : 323؛ الكامل في التاريخ 3: 6 (حوادث سنة ثلاثين).

5) وسائل الشيعة 15 : 155، الباب 71 من أبواب جهاد العدو...، ح 1؛ و 17 : 369 و 370، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 4، 905.

ومنها: أن الأرض المفتوحة عنوةً كما لا يجوز التصرف بعينها لا يجوز التصرف بمنافعها ولا نقلها؛ لعدم اختصاص واحدٍ دون آخر بها، إلا ما جرت به السيرة ودلّ عليه نفي العسر والحرج من السير وحفر الآبار ونصب الخيام، وكذلك بناء الدور والقرى إذا لم يكن مفوّتاً لمصلحة من مصالح المسلمين.

ولا يجوز التصرف بها بزرع أو غرس يُعتد به من دون إذن من حاكم الجور في حال الغيبة، أو حاكم الحقّ في حال الحضور؛ اقتصاراً فيما خرج عن قاعدة حرمة التصرف بمال الغير من دون إذن على المورد اليقيني.

ولا يبعد التخيير بين ما دلّ على جواز الرجوع إلى حاكم الجور من الأخبار (1)والسيرة القطعية، ومن أنّها ملك للمسلمين فتصرف في مصالحهم من حفظ الطرق وقطع مواد الفساد ومحاربة الأعداء من الكفّار والبغاة، والمتصدّي لذلك في حال الغيبة هو حاكم الجور، وبين ما دلّ من الاستقراء القطعي، وأشارت إليه جملة من الأخبار من قيام المجتهد المطلق الجامع للشرائط مقام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)فنحكم بالتخيير في الدفع إلى أيهما شاء، فإن لم يوجدا معاً استأذن المتصرّف فيها عدول المسلمين، فإن لم يكونوا تولّى التصرّف بنفسه، وقام بما يلزمه صرفه بنفسه أيضاً.

ولما كان الرجوع إلى حاكم الجور مخالفاً للقواعد والضوابط ومنافياً لما دلّ على البعد من حُكّام الجور وحرمة إعانتهم والتحبّب لهم والركون إليهم (3)لزم الاقتصار فيه على المورد اليقيني من السلطان المتغلب على ذلك المكان بجنوده وعسكره، المعد نفسه لحفظ ذلك الثغر من الأعداء وقُطَّاع الطرق، بحيث يُعدّ المتصرّف أنّه من رعيته ومن المشمولين لدولته، ولا عبرة بغيره ممّن بعد سلطانه أو ضعف حاله بحيث لم يبقَ له من رسم السلطنة إلا الاسم، كبعض أولاد العلماء المتصدين لدرك الفتوى.

ولا يشترط فيه أن يكون متصدياً لما يراد من إمام الحق، وكونه ذا جماعات وأعياد ورايات وطبل وقضاة وعُمّال، ولا أن يكون من العامة المخالفين، ولا أن يكون ممن يرى أن أمر


1) راجع وسائل الشيعة 17 : 213، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به.

2) المصدر 27 : 136 - 137 و 139 و 140، الباب 11 من أبواب صفات القاضي...، ح 1، 6، 7، 9.

3) راجع المصدر 17: 177 و 158 و 187، الأبواب 42 و 44 و 45 من أبواب ما يكتسب به.

الأراضي ومصالح المسلمين بيده؛ لإطلاق الدليل، وللزوم الحرج والضيق وفساد نظام أكثر العالم لو اقتصرنا على ذلك، فإنّ أكثر أهل الأطراف متغلبون، كخراسان والهند وكثير من بلاد الإسلام، ولزوم الخراج المتعدّد وتحريم المعاملة على ما يدخلهم من جهة التسلّط حرج عظيم، ولأنّ اسم الجائر في الأخبار وكلام الأصحاب يعمّ كلّ متغلّب طلب الاستقلال لنفسه، وكذا لفظ السلطان، كما يظهر من كلام أهل اللغة أيضاً.

وفي إسناد المقاسمة والأخذ في الروايات (1)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لو لم يأخذه لأخذه غيره» (2)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ويصنع بخراج المسلمين ماذا ؟» (3)ما يدل على عموم الحكم لكل سلطان.

ومع ذلك فالجائر غاصب ظالم في أخذه، ضامن للمال ولا يحلّ التصرف له بشيءٍ من الأرض من خراج أو مقاسمة أو إقطاع أو إحالة أو إعطاء شيء مما يأخذه من نمائها؛ لأنّه غاصب لمنصب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن لزم الرجوع إليه وجاز الأخذ منه إقطاعاً وخراجاً، ولا منافاة بين حرمة تصرّفه ووجوب الرجوع إليه؛ اقتصاراً في حرمة التصرف بمال الغير من دون إذنه على مورد اليقين.

وجوّز بعض المتأخرين التصرّف للشيعة فقط في الأرض الخراجية في حال الغيبة من دون رجوع إلى حاكم الجور أو إلى حاكم الشرع؛ استناداً إلى الأخبار المتكثرة الدالة على أن الأرض لهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأن شيعتهم في حل ورخصة من التصرف فيها عند عدم تمكنهم، وأن ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم حرام حتّى يقوم قائمهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صغرةً (4)، ولا معارض لها ممّا يدلّ على حرمة التصرف بها حال الغيبة، فيخص ما ورد من التوقف على إذنهم بزمان وجودهم وبسط يدهم (5).

وهو جيد، إلا أن ظهور الأخبار في أرض الموات بعد فهم الأصحاب لها ذلك مما لا يمكن المحيص عنه.


1) وسائل الشيعة 17 : 219 - 220، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به ح 5 و 19 : 127، الباب 21 من أبواب كتاب الإجارة، ح 3 و 4.

2) المصدر : 220 - 221، الباب 53 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

3) المصدر 15 : 155 - 156، الباب 171 من أبواب جهاد العدو...، ح 1.

4) المصدر 548:9، الباب 4 من أبواب الأنفال، ح 12.

5) البحراني في الحدائق الناضرة 18 : 301 - 304.

ومنها: أنا بعد أن قلنا: إن المفتوحة عنوةً تُملك تبعاً لآثار التصرف المتجددة لا القديمة؛ لأنّ حالها حالها إذا كانت في زمن الفتح، وإنّها تُنقل تبعاً للملك، فهل يراد بالآثار ما يعم الزراعة، أو يختص بغيرها ؟ ظاهر الفتوى وجملةٍ من الأدلّة اختصاصها بغيرها، وظاهر بعض الأخبار (1)وفتوى بعض الأخيار (2)عموم ذلك للزراعة أيضاً مع قيام المشتري بخراجها، وحمل ما جاء من المنع على صورة البيع مع عدم قيام المشتري بخراجها.

والأقوى الأوّل؛ لانصراف العموم في الفتوى والرواية لغير الزراعة، ولقيام السيرة على المنع من بيع أراضي المزارع وإجراء حكم الأملاك عليها.

ويحتمل القول بإجراء حكم الأملاك عليها ونقلها ما دام الزرع فيها على أن يكون ملكها ونقلها كذلك محدودين بذلك الحد، لا على أنّ الزرع مملك لها دائماً والنقل مملك له دائماً. ويكون عودها لملك المسلمين بعد ذهاب آثار التصرف حكماً شرعياً، وعليه تنزل الأخبار المجوّزة للشراء (3)، ولا بأس بذلك وإن كان بعيداً عن ظواهر النصوص والفتاوى.

وهل يجب في التصرّف المملك أن يستند إلى إذن حاكم الجور أو الشرع إذا كان في أرض الزراعة أو الغرس؛ لأنّه بدونه منهي عنه، أو لا يشترط؛ لأنّ حرمة التصرف لا تنافي الملك؛ لأنّه من الأسباب الشرعيَّة والأحكام الوضعية، فلا تنافيه الحرمة العارضية بل والذاتية ؟ وجهان، والأوّل أظهر.

ويظهر من بعضهم جواز بيع المفتوحة عنوةً وإن لم يكن للبائع فيها أثر إذا قام المشتري بخراجها؛ لما يظهر من بعض الأخبار (4)ذلك، وحمل أخبار النهي على صورة ما لم يقم بذلك، ويظهر منه أيضاً أن البيع جائز من دون توقف على إذن حاكم الجور أو الشرع حال الغيبة (5).

وهو ضعيف مخالف لظاهر كافة فقهائنا رضوان اللّه عليهم.

ومنها: أنّه لو اشتبهت الأرض المفتوحة عنوةً بغيرها، فالأصل أن لا تكون منها وضعاً


1) راجع وسائل الشيعة 17 : 399، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 4.

2) الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3: 56.

3) وسائل الشيعة 15 : 155، الباب 71 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه.

4) المصدر : 155 و 157، ح 1، 6.

5) راجع الحدائق الناضرة 18 : 304 - 305.

وشرعاً، إلا أن الظاهر الاكتفاء بالظن في الحكم بها كذلك، فيجوز لحاكم الشرع أخذ الخراج منها بمجرد الظنّ الناشئ عن قول المؤرّخين، أو الناشئ عن استمرار أخذ الخراج منها؛ لإفادته للظنّ، لا لأصالة الصحّة، أو الناشئ من اشتهار كونها كذلك، أو الناشئ من قدم عهدها وقربها للمسلمين وكونها في أيديهم بعد أن كانت في أيدي الكفّار، أو الناشئ من أصالة عدم الاختصاص بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيره، مع قوّة القول بالرجوع عند الشك إلى كونها للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لأصالة عدم الاشتراك، وأصالة كون كلّ الأراضي للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا ما أخرجه الدليل.

هذا إن وقع الشك بين كونها مفتوحةً عنوةً أو كونها للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ولو وقع الشكّ بينها وبين المقطوع به أنّه ليس للإمام من سائر الأراضي - كالشك بينها وبين أرض الصلح إذا عقد الحاكم الشرعي أو الجائر معهم على أن الأرض لهم كلّهم أو لبعض دون بعض أو على سبيل التوزيع أو على أنّها لنفسه، أو بينها وبين أرض الأمان إذا عقد الأمان لهم أنّ الأرض لهم أو لغيرهم معيّناً، أو بينها وبين أرض مَنْ أسلم أهلها عليها طوعاً فإنّها لهم ما داموا قائمين بعمارتها - احتمل هناك الحكم بتقديم المفتوحة عنوة؛ لأصالة عدم الاختصاص، واحتمل عدمه؛ لأصالة عدم الاشتراك، سيّما فيما كانت تحت يد أهلها، فإنّ اليد قاضية بالاختصاص.

وعلى كلّ تقدير فالظاهر جواز الأخذ من خراجها لو أخذه الجائر حتّى مع العلم بحالها؛ لإطلاق الأدلّة.

وأما أرض الصلح والأمان إذا عقد الحاكم الشرعي أو حاكم الجور - في وجه قوي - معهم على أنّ الأرض للمسلمين فحكمها حكم المفتوحة عنوة.

وأما إذا عقد الحاكم معهم على أن الأرض له (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو كانت الأرض مما انجلى عنها أهلها، أو كانت ممّا سلّموها طوعاً من دون أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب، أو كانت ممّا لا يُعلم مالكها، أو كانت من الموات عرفاً؛ لانقطاع الماء عنها أو لاستيلائه عليها أو لاستيجامها أو لاندراس رسومها لاضمحلال أهلها أو لغير ذلك، فإنّ ذلك كله للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يجوز التصرف فيه حال الحضور، ويجوز حال الغيبة للشيعة خاصةً التصرّف فيه مجاناً من دون لزوم دفع خراج، وإحياؤه، ويملكه المُحيي بما يُسمّى إحياء عرفاً ما لم يسبق عليه تحجير أو كان حريماً لعامرٍ إلى أن يظهر صاحبه، له نفس النماء، فيعود الملك لأهله.

وكذا الحكم فيما استعد للعمارة بنفسه؛ لانقطاع الماء عنه أو لزوال آجامه في كونه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويجري فيه الكلام السابق.

ولو أخذ الجائر خراجاً من هذه الأراضي، فالأظهر إجراء حكم الخراج عليه من جواز أخذه منه، ولا يجوز للحاكم الشرعي أخذ الخراج منها بعد العلم بحالها.

ومنها: أنّ الأظهر أنّ مكة مفتوحة عنوةً بشهادة السير والتواريخ بفتحها وإطلاق أهلها وتسميتهم الطلقاء، وللإجماع المنقول (1)، ولما ورد من إمضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيع دارعقيل (2)ومن بيع جماعة من الصحابة وعدم الإنكار عليهم (3).

وحينئذٍ فيجوز بيع دورها المتجددة أو المصاحبة لآثار متجددة، سواء كانت في أرض موات أو معمورة، ولا يجوز بيع دورها الباقية على حال وقت الفتح؛ لأنّها للمسلمين كافة.

ومَنْعُ الشيخ من جواز بيع دورها؛ لتحريم منع الحاج من سكناها المنقول عليه الإجماع بلفظ «لا ينبغي» (4)، والوارد فيه الأخبار المتكثرة (5)، ضعيف لا يعارض ما قدمنا.

ولا منافاة بين جواز ملكها ووجوب إيواء الوافدين من الحجاج والزائرين احتراماً لهم وإعظاماً لحقهم، بل ربما يكون ذلك شاهداً على الملك؛ إذ لو لم يتعلّق بها حق الملك لما كان لتحريم منع الحاج خصوصيّة، ولتساوى المسلمون فيه على مقتضى القواعد.

ودعوى منع بيعها؛ لكونها مسجداً؛ استناداً للآية(6)لأنّه أُسري به من بيت أُم هانئ، ولبعض الأخبار (7)الضعيفة، ضعيفة لا تعارض ما قدمناه، مع أنّه يلزم إما كونها مسجداً مع انتفاء لوازمه وعدم احترامه، أو كونها مسجداً مع إجراء حكم المساجد عليه، وكلاهما بعيد ومفتقر إلى دليل قوي، وليس فليس.


1) الخلاف 5 : 527، المسألة 13.

2) كما في شرح القواعد 2 : 213.

3) كما في تذكرة الفقهاء 10 : 40، ذيل المسألة 20.

4) السرائر 1 : 644.

5) الخلاف 3 : 188 - 190، المسألة 316.

6) الإسراء (17) : 1.

7) سنن الدارقطني :3 : 57، ح:223 كنز العمال 12 : 206، ح 34683.

ومنها: أن المأخوذ من المفتوحة عنوةً أو غيرها من المشتركات حتّى الأوقاف العامة من طين أو لبن أو أجر أو حجر يملكه الآخذ بنيّة الملك؛ للسيرة القاضية بإجراء حكم الأملاك عليه، سواء كان عليه أثر التصرّف أو زال عنه، ولا يعود بزوال أثر التصرّف إلى أصله، وحينئذٍ فالأحجار المأخوذة من الأرض المفتوحة عنوةً والمصنوعة منها والطين المأخوذ للبناء كله مما يجري عليه حكم الملك، فإذا وضع في الأرض ملكت الأرض تبعاً له، ويجوز بیعه مستقلاً ومنضماً، معمولاً أو غير معمول، كتراب بلد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشبهه.

ومنها: أنّ الأظهر لزوم الخمس في الأرض المفتوحة عنوةً؛ لعموم الغنيمة لها، وربما ظهر من بعضهم نقل الاتفاق عليه (1)، إلا أنّ الظاهر سقوطه في زمن الغيبة، وتحليله للشيعة؛ للأخبار الدالّة على تحليل الأراضي التي هي لهم لشيعتهم (2)، وللسيرة المستمرة على عدم إخراج خمسها في الحضور والغيبة مع عدم الإنكار من العلماء الأخيار.

ومنها: أنّه يجب دفع الخراج في الأرض المفتوحة عنوةً وما في حكمها إذا تصرف بها أحد بزرع أو غرس إلى حاكم الجور - سواء خاف منه بعدم الدفع أم لا، وسواء كان مؤمناً أو مخالفاً، وسواء كان ذا طبل ورايات أم لا - إذا كان متغلباً للإجماع محصلاً - وندرة المخالف لا تنافيه – ومنقولاً (3)، والروايات المعتبرة (4)، مع انجبارها بالإجماع والشهرة، والقدح في دلالتها يردّه التأمل في عباراتها وفهم الفقهاء ذلك منها.

وحرمته على الجائر وعُمّاله وعدم دخوله في ملكهم لا ينافي ذلك بعد إذن المالك الأصلي؛ لما فيه من مصالح المسلمين وتقوية الدين وحفظ بيضة الإسلام وحقن الدماء والأعراض وقطع مواد الفساد من الرعيّة بتقوية شوكة السلطان المعد نفسه لجلب المنافع والأمان واطمئنان أهل البلدان فلا يجوز حينئذٍ الامتناع من دفع الحصة من الخراج أو المقاسمة إليه، وتحرم سرقتها وخيانتها، ويجب دفع ثمنها بعد شرائها إلى الجائر.

ويجوز للجائر أن يبيع مال الخراج والمقاسمة وأن يحيل عليهما، ويجوز لغيره قبضه منه؛


1) الحدائق الناضرة 18 : 312.

2) وسائل الشيعة 9 : 548 و 550 - 551، الباب 4 من أبواب الأنفال، ح 12، 16.

3) راجع مسالك الأفهام 3 : 142.

4) راجع وسائل الشيعة 17 : 218، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به.

للإجماع - والمخالف شاذ – وللأخبار (1)، ولفعل الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وتقريرهم، إلا إذا كان الأخذ من أعوانه وعُمّاله أو دفعه لتقوية شوكته، فإنّه هناك يحرم على آخذه.

والخراج يتعلّق بالذمة، وله تعلّق بالعين تعلّق أرش الجناية في الخطأ بالجاني، والمقاسمة تتعلق بالعين نفسها.

وهل يضمن الخراج مَنْ عطّل من غير أن ينتفع بها ؟ وجهان، ولا يبعد الضمان.

ولو كان على الأرض متغلّبان، احتمل التخيير في الدفع، واحتمل التوزيع.

ولو ضرب الخراج جائر فجاء آخر، لزم الدفع إليه ولو بعد الفراغ من الزراعة، بل لو كان على صاحب الأرض خراج من سنين متقدمة جاز دفعها للجائر الجديد، إلا إذا كان الخراج قد صالح الحاكم عليه شخصاً وأخذ،عوضه، فإنّه يجب تسليمه لمن صالحه الحاكم الأوّل كلّ سنة لسنتها.

ويجوز التوكيل عن حاكم الجور في قبض الخراج، ولا تجوز الولاية عنه.

ويجوز له إسقاط الخراج ورفعه عن صنفٍ أو شخص سنة واحدة إن اختصت ولايته بتلك السنة، وسنين متعدّدة إن لم تختص كالسلطان، مع احتمال أن للأوّل ذلك؛ لأنّ اختصاص الولاية بسنةٍ واحدة لا يقضي باختصاص أثرها في تلك السنة.

ويختص جواز أخذ الخراج من يده وشرائه وتقبيله والتوكل عليه بما إذا كان معتاداً أخذه لحكام الجور، فإذا تجاوز المعتاد حرم أخذ الزائد من كلّ وجه، ولا يجب بل يحرم دفعه إليه مع إمكان الامتناع؛ لأنّه إعانة على الإثم.

وكلّ مَنْ تقبّل سهم مقاسمة أو خراج جاز له ولا تحلّ خيانته، وهو حلال بالنسبة إليه ما لم يكن والياً أو آخذاً على غير المعتاد.

ولا يجب على مَنْ تقبله - خراجاً أو تملكه بأي نحو كان - إرجاعه إلى أهله ولو عرفهم. ومع عدم التمكن من الرجوع إلى الجائر - لعارض أو لعدمه - رجع إلى الحاكم الشرعي؛ لولايته على مصالح المسلمين.

ويقوى القول بجواز الرجوع إليه ابتداءً على وجه التخيير، سيّما مع عدم طلب حاكم الجور ذلك منه، ومع عدم التقيّة.


1) راجع الهامش (4) من ص 301.

واحتمال تعيّن الرجوع لحاكم الجور - لكون الخراج لتقوية الجنود والعساكر المعدة لحفظ الطرق ورفع الفساد، فيتولاه الجائر المعد لذلك، وليس من أموال الفقراء والمؤمنين كي يتولاه ولي المساكين الذي لا طاقة له في زمن الغيبة على الخروج بالسيف ورفع الفساد قهراً - هو الأقوى. واحتمال تعيّن الرجوع لحاكم الشرع ضعيف.

ومع عدم التمكن من الحاكمين رجع إلى عدول المسلمين المتولين لمصالحهم، فإن لم يكن، عزله وصرفه في مصالح المسلمين، مع احتمال سقوطه عنه؛ لأصالة البراءة مع عدم دليل على ذلك.

ويجوز استئجار الأرض المفتوحة عنوةً من حاكم الجور والمزارعة عليها من المستأجر، كما يجوز التصرف بها بإذنه مع دفع خراجها.

ويجوز خرص حصة السلطان من المقاسمة والخراج وتقبلها بقدر معيّن بصيغة الصلح أو القبالة بلفظ «قبلتك» كما يظهر من الأخبار.

ولا يجوز دفع الخراج من المفتوحة عنوةً إلى غير المتغلّب عليها من المتغلبين على بلدان أُخَر؛ للأصل، ولزوم الاقتصار على المورد اليقيني.

وبالجملة، فحلّيّة أخذ الخراج من الحاكم وعُمّاله إذا كان على النحو المعتاد أو على النحو الذي لو كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حاضراً لأخذه بديهي تقضي به السيرة القطعية قولاً وعملاً من غير تفاوت بين كون الآخذ من الفقراء المحتاجين، أو ممن يدخل عطاؤه تحت مصالح المسلمين أو لا يدخل، وبين ما يكون قبل قبض الجائر أو يكون بعده.

وتدلّ على ذلك الأخبار الدالة على جواز القبالة في الخراج والجزية وجواز شرائهما من حاكم الجور، وجواز استئجار الأرض منه، وجواز قبول جوائز الظلمة وعُمّالهم وأنها حلال لآخذه وأنّ له المهنا وعليهم الوزر (1)، وجواز قبول العطاء من بيت المال، كما في خبر أبي بكر الحضرمي (2)، وجواز الشراء من القاسم، كما في خبر الحذاء(3)، وجواز شراء تمر عين أبي زياد، والظاهر أنّه من الخراج، كما في خبر جميل (4)، وغير ذلك من الأخبار.


1) وسائل الشيعة 17 : 213، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ج 1، و 355، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 4: و 19 : 42، الباب 9 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، ح 8، و 127، الباب 21 من أبواب كتاب الإجارة، ح 3 و 4.

2) المصدر : 214، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

3) المصدر : 219، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

4) راجع الهامش (2) من ص 297.

وأما لو لم يكن على المعتاد، حرم جميعه للقاعدة، والأخبار إن أخذه دفعةً واحدة، وإن أخذه تدريجاً، احتمل حلّيّة الأوّل إلى أن يصل إلى القدر المعتاد.

وكذلك لا إشكال في براءة الذمة من الخراج مع الدفع إلى حاكم الجور، للسيرة والأخبار (1).

نعم، ربما يستشكل في ظهور الدليل على وجوب دفعه إلى حاكم الجور وحرمة سرقته وغصبه، سيّما مع عدم التقيّة، وإجراء جميع أحكام الخراج الصحيح عليه قبل قبضه وبعد قبضه.

والظاهر أنّه بعد الإجماع المنقول وفتوى الفحول وما يظهر من بعض الأخبار كقوله: «ويصنع بخراج المسلمين ماذا» (2)- لا إشكال في إجراء حكم الخراج الصحيح عليه.

ولا يتفاوت بين كون الجائر مؤمناً أو مخالفاً، وإن كانت الأدلّة في المخالف أظهر.

ويجري حكم الخراج للزكاة المأخوذة بحكم الجائر، فيجوز شراؤها وقبولها وقبالتها؛ للنصوص (3)والفتاوى، وكذا شراء ما فيه الخمس ممّن لا يخمس على الأقوى.

وهذا المقام ممّا يستثنى من قاعدة أنّ المعاوضة لو فسد أحد أركانها فسد جميعها، فتجري على حاكم الجور أحكام البيع الفاسد بالنسبة إليه وإلى عُمّاله، وتجري على المشتري أحكام البيع الصحيح بالنسبة إلينا ثمناً أو مثمناً.

ولو أباح أحد الجائرين الخراج وطلبه الآخر، احتمل وجوب الدفع إليه، واحتمل عدمه، وهو قوى.

والظاهر أنّ الخراج المأخوذ من غير المفتوحة عنوةً لا يجب دفعه إلا تقيّة، وتجوز سرقته، ولكنّه يعامل معاملة الخراج الصحيح بعد دفعه إلى حاكم الجور وقبضه له، بل وقبل قبضه له؛ لإطلاق النصوص الواردة في حكم الخراج فجميع العقود المترتبة على الخراج يجوز لنا التصرف فيها، ولا يجوز له التصرف بشيءٍ منها.

ولو عاد الجائر مؤمناً بعد قبض الخراج، لم يكن له التصرف فيه، ويرجع أمره إلى الجائر الآخر.


1) راجع الهامش (2) من ص 301.

2) وسائل الشيعة 15 : 155 - 156، الباب 71 من أبواب جهاد العدو...، ح 1.

3) المصدر 17 : 218 و 220، الباب 52 و 53 من أبواب ما يكتسب به.

ولو كان قد تصرّف فيه فباعه على شخص بقي ثمنه في حكم الخراج، وكانت عينه ملك المشتري، فيجوز له التصرّف فيها ما دام جائراً وبعد ذلك.

ثامنها: اشتراط عدم كون العوضين مجهولاً

ثامنها: ويشترط في العوضين أن لا يكون أحدهما مجهولاً في كلّ عقد لم يبن على المسامحة، كالبيع والإجارة؛ للإجماع المنقول (1)، وفتوى الفحول، ولورود النهي عنه في بعض المواضع (2)، وبالإجماع المركب على عدم الفرق يتم به المطلوب.

ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخبر المعتبر المروي عن سيد البشر: «نهى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن بيع الغرر» (3)وهو معتضد بالفتوى والعمل، فلا يضرّ ضعف سنده، ولا دلالته من جهة أصل النهي، أو من جهة صيغته، أو من جهة عموم البيع، أو عموم الغرر، أو معنى الغرر؛ لظهوره بالتدليس، أو من جهة اقتضائه الفساد، أو غير ذلك.

وللنهي - في الصحيح - عن بيع المكيل جزافاً (4)، وهو وإن كان بلفظ الكراهة إلا أن المراد منها التحريم بقرينة الفتوى والإجماع.

وكذا الآخر: «لا يصلح أن يبيع بصاع غير صاع المصر» (5).

وفي آخر: «لا يحلّ» مع المنع فيه عن صاع البيت(6).

وفي آخر : عن شراء ما يكال ويوزن بغير كيل ووزن؟ فأجاب بنفي البأس إذا كاله البائع وأخبر به (7).

وفي آخر عن الجص يكيل بعضه دون بعض ؟ فقال: «إمّا أن يأخذ كلّه بتصديقه، وإمّا أن يكيله كلّه» (8).


1) غنية النزوع 1 : 211؛ تذكرة الفقهاء 53:10، المسألة 31.

2) صحيح مسلم 3: 1151، ح 1511، و 1153، ح 1513؛ سنن ابن ماجة :2 : 733، ح 2170، و 739، ح 2194؛ سنن أبي داؤد 3 : 267، ح 3429: الجامع الصحيح 3 : 572، ح 1273؛ سنن الدارقطني 3 : 14 و 47، ح 40 - 42، 195؛ المعجم الكبير، الطبراني 11 : 230، ح 11581.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) 2 : 50، ح 168؛ صحیح مسلم 3: 1153، ح 1513؛ سنن أبي داود 3: 254، ح 3376.

4) وسائل الشيعة 17 : 341 - 342 الباب 4 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1، 2.

5) المصدر : 377، الباب 26 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

6) المصدر، ح 2.

7) المصدر : 345 - 346، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 7.

8) المصدر : 344، ح 3.

فلا يجوز شراء المجهول جنساً أو نوعاً أو وصفاً أو كمّاً أو كيلاً أو وزناً أو عداً أو زماناً أو مكاناً أو شرطاً فيما يدخله الزمان والمكان والشرط.

وتجويز البيع بحكم المشتري؛ للرواية (1)الدالة على صحّة ذلك، وأنّه إن لم يرض به البائع قومت فأعطي الزيادة إن كانت القيمة أزيد، وإن كانت أقلّ أُعطي الزائد بالحكم، وكذا تجویز بیع المشاهد فقط وإن كان مكيلاً أو موزوناً للأصل، وعموم الأدلّة، وعدم دليل صالح للمنع، ولخصوص ما ورد من جواز البيع بمجرد إخبار البائع بالقدر (2)، وما ورد من جوازه بمجرد اعتباره بمكيال وأخذ الباقي بحسابه (3)، كله ضعيف؛ لإجمال الرواية الأولى، ومخالفتها للفتوى والإجماع المنقول وعدم انطباقها على صحّة البيع، وإلا لما أكمل الناقص عن القيمة، فلابد من طرحها أو الأخذ بها تعبداً، مقتصرين على نفس مضمونها غير متعدين إلى غيره.

وأما الأصل وعموم الأدلّة: فهما مقطوعان بما تقدَّم من الأدلّة.

وأما الأخبار الأخيرة: فنحن نقول بها، ولا تنافي اشتراط العلم.

فظهر بذلك ضعف ما ذهب إليه المرتضى من جواز كون مال السلم مشاهداً وإن لم يكن معلوماً بالتقدير (4)، وما ذهب إليه الشيخ من صحّة بيع الجزاف (5)، وما ذهب إليه ابن الجنيد من صحة بيع الجزاف إذا كان صبرة ثمناً أو مثمناً (6)، وما ذهب إليه أيضاً من صحّة ما لو قال: «بسعر ما بعت» مع جهالة المشتري فيكون له الخيار (7)، إلى غير ذلك من المذاهب.

بيان أحكام بيع المجهول والجزاف والمكيل والموزون واجتماع بعضها مع بعض

وهنا أُمور:

أحدها: لا يجوز البيع بالمعادلة كمعادلة شيء بشيء أو بربعه، وإن جرت عليه المعاملة؛ لأنّه ليس من الكيل والوزن.


1) وسائل الشيعة 17 : 364، الباب 18 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

2) المصدر : 345 الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 4.

3) المصدر : 348 الباب 7 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

4) المسائل الناصريات : 369 - 370، المسألة 175.

5) المبسوط 3: 223.

6) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 267، المسألة 235.

7) المصدر : 266، المسألة 234.

والظاهر عدم الجواز حتّى في المعاطاة، بناءً على أنّها بيع، مع احتمال اغتفار ذلك فيها وإن كانت بيعاً؛ لبنائها على المسامحة، لكونها من العقود الجائزة لا اللازمة، فيغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها.

ولا يجوز البيع أيضاً برائج المعاملة كقرش وبارة وربع رومي؛ لصدقه على أفراد مختلفة جنساً ونوعاً، إلا أن يثبت له عرف خاص في شيء خاص.

ولا يجوز بيع الذهب والفضة إلا موزونين ما عدا المسكوك بسكة المعاملة المتعارفة، فإنّه يجوز جَعْله ثمناً ومثمناً وإن لم يُعرف وزنه إمّا لإلغاء الوزن فيه عادة ما دام على حال السكة، وإما لقيام السكة مقام الوزن في المعلومية؛ لأنّ المدار على ارتفاع الغرر، وبها يرتفع الغرر عرفاً، وإما لخروج المسكوك عن حكم الوزن؛ للدليل من جهة السيرة القطعية على المعاوضة عليه من غير،وزن وإما من جهة قيام معلوميّة وزنه بين الناس ومعرفة مقداره عند الصيارفة مقام العلم به حين المعاوضة.

ثانيها: يجب أن يعتبر كلّ مقدر من مكيل أو موزون أو معدود بما يناسبه مما اعتيد له في العادة العامة أو في عادة تلك البلد، وأن يكون بالكيل المعتاد عامة أو في تلك البلد، والوزن كذلك.

فلا يجوز الاعتبار بكيل مجهول قدره بالنسبة إلى الكيل المعلوم وإن اصطلح عليه المتعاقدان ورضيا به؛ للإجماع المنقول (1)، وفتوى الفحول، وللخبر الناهي عن ذلك (2)، ولا بالوزن المجهول بالنسبة إلى الوزن المعتاد؛ لما ذكرناه، ومثلهما العدد المجهول عند المتعاقدين، كأن يبيعه عدداً من الجوز له نصف ولنصفه نصف أو أقل عدد له، ذلك لمن لا يعرف الحساب؛ للزوم الغرر.

ويلزم البيان عند اشتراك لفظ الكيل بين أفراد كما إذا تعددت الصيعان، أو اشتراك لفظ الوزن، كما إذا تعدد مصداق الرطل؛ للزوم الغرر بدون ذلك.


1) كما في شرح القواعد 2 : 175.

2) وسائل الشيعة 17 : 377، الباب 26 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

وهل يشترط لمن لم يكن من أهل بلد خاص أن يعرف عند الشراء منهم قدر نسبة كيلهم لكيله ووزنهم للوزن الذي هو في بلده؛ للزوم الغرر لولاه، أو لا يشترط؛ لأنّه رجوع للوزن المعتاد وإن لم يكن من أهله، أو يفرّق بين مشاهدة المبيع فيكتفى به وبين عدمها فلا يكتفى به ؟ وجوه أقواها الأخير.

والأحوط توكيل المشتري لصاحب البلد في الشراء.

هذا كله إن اشترى المشتري بكيل تلك البلد أو وزنها، كما هو المعتاد والمنصرف إليه إطلاق العقد، وإلا لزمه البيان، وبدونه يلزم البطلان.

ومثله ما لو اختلف الوزن أو الكيل في بلادهما وكانا في بريةٍ أو طريق وعلما الاختلاف، فإنّه يبطل العقد مع عدم البيان وقصد المعين، وكذا مع الجهل واختلاف القصد.

نعم، لو أوقعاه في بلدٍ انصرف إلى التقدير بكيله أو وزنه ما لم يقصدا خلافه، سيّما مع موافقة البلد لأحدهما.

ولو عرف كلّ منهما كيل بلد الآخر ووزنه وأطلقا من غير قصد، احتمل البطلان؛ للإجمال، والصحّة؛ حملاً له على بلد العقد مع الموافقة، أو على ما كان أقرب إليها، أو ما كان أشهر وأعظم، أو على بلد البائع في مبيعه والمشتري في ثمنه، أو الأخذ بالأقل؛ للأصل، أو بالزائد؛ للاحتياط، أو القرعة أو التخيير.

ومثله ما لو قصدا معيناً فجهلا ما قصداه.

والوجوه الأربعة الأخيرة أوفق بالاحتمال هنا من احتمالها هناك.

ثالثها: يجوز بيع الجزاف مكيلاً وموزوناً مع المشاهدة؛ لعدم الغرر، وبدون المشاهدة لا يجوز؛ للزوم الغرر؛ لأنّ ما جرت العادة بمشاهدته كالحطب والتبن والماء - لا يرتفع الغرر ببيعه إلا بها؛ لعدم العلم بقدر الرطل أو المن منه.

ولا يجوز بيع ما جرت العادة بكيله أو وزنه أو عده جزافاً كما تقدَّم (1)إلا إذا كان يباع في العادة بكلِّ منهما فالتخيير.


1) تقدَّم في ص 307.

ولو اختلفت البلدان، فالمدار على بلد العقد مع اتفاقها مع بلد المتعاقدين أو أحدهما، ومع اختلافها مع بلد المتعاقدين معاً فلا يبعد تقديم يبعد تقديم بلدهما.

ولو اختلفت بلدان العقد، فلكل بلد حكمه.

ولو اختلف بلد المتعاقدين في البرية وشبهها لزم الاعتبار؛ ترجيحاً لجانب المقدّر في بلده مخافة الجهالة، مع احتمال التخيير بين اتباع كلّ منهما لبلد الآخر، أو القرعة، أو ترجيح الأقرب أو الأعظم من البلدين أو اتباع بلد البائع في مبيعه والمشتري في ثمنه.

ولو أطلقا لفظاً - كلفظ الحمل وشبهه - مشتركاً بين الجزاف والمقدر، وكان كلّ منهما من بلد في أحدهما الجزاف وفي الآخر المقدّر، احتمل البطلان، واحتمل ترجيح المقدر مع علمهما بالاختلاف، واحتمل الأخذ بالأقلّ، واحتمل الأخذ بالأكثر، واحتمل الترجيح بالأقربية والأعظمية واحتمل ترجيح البائع في مبيعه والمشتري في ثمنه.

وكذا لو عينا فاشتبه ما عيناه، احتمل القرعة والوجوه الباقية، وفيها البعض المقدّم على البعض.

ولو اختلفت العادة بحسب الزمان، جرى على كلّ زمن حكمه؛ أخذاً بالقواعد، وعموم الأدلّة، وإطلاق لفظ المشتق وصدقه، إلّا أنّه قد نُقل الإجماع (1)على لزوم اتباع ما كان في عصر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الجواز واللزوم، فما جاز بيعه جزافاً جاز جزافاً وإن جرت العادة بكيله أو وزنه، وما لزم تقديره لزم تقديره ولا يباع جزافاً، ولزم تقديره أيضاً على نحو ما قدر وإن جرت العادة على تقديره بخلافه، فيكون البيع تبعاً للعادة باطلاً، إلا الحنطة والشعير، فيجوز بيعهما وزناً وإن كانا في عهده مكيلين؛ للإجماع المنقول (2)أيضاً فيخص به الإجماع المتقدم، ولولا الإجماع المنقول والإذعان له من الفحول لمنعناه في الأوّل من جهة لزوم الغرر في أكثر الموارد، وعلى الأخذ به فالرجوع للعادة إنّما يصح في مقام جهل حاله في زمن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أصلاً، أو في مقام يعلم تقديره ولكن يشكّ في الخصوصية، مع احتمال أنّه مع الجهل بالخصوصية يقدّم الوزن لأصالته واحتمال أن يقدّم الكيل لغلبته واحتمال التخيير، واحتمال القرعة لاستخراجه.


1) كما في شرح القواعد 2 : 173.

2) جامع المقاصد 4 : 272.

وهل يراد بما كان في زمن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بلاده خاصة، أو فيما أقر أهله عليه كلّ في بلده، فكل بلد يتبعها حكمها، أو أنّه إذا اختلفت في زمنه البلدان وقد أقرّ الجميع ممن باع جزافاً وباع مقدّراً جاء التخيير، أو المدار على العادة العامة في زمنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ وجوه، أقواها الأوّل والأخير.

هذا كله فى الجزاف والمقدّر، وأمّا المقدّر نفسه فهل يقوم بعضه مقام بعض؛ لحصول العلم في الجملة، واندفاع الغرر بالتقدير في الجملة، أو لا يقوم؛ لأن العدول عما جرت به العادة على نحو خاص إلى غيره غرر عظيم ؟ وجهان، أقواهما الأخير.

وفي السرائر: عدم الخلاف في منع بيع الموزون كيلاً (1)، فيلزمه منعه عداً، بل منع المكيل كذلك بالأولى، إلا أن يعرف أحدهما من الآخر وينتقل إليه، كما إذا عرف وزن الموزون بكيله بالكيلة الخاصة لغيره، أو كيله بوزنه بالوزن الخاص بغيره، أو عده بوزنه، أو كيله بالوزن أو الكيل الخاصين بغيره، ويكون التفاوت اليسير مغتفراً، كاغتفار التفاوت اليسير في الموازين والمكاييل، كما ورد في الأخبار من جواز أخذ ما تعذر وزنه أو عده باعتباره في إناء واحد وأخذ الباقي بحسابه (2).

والظاهر أنّ المناط في هذه الأخبار هو ارتفاع الغرر، فيجوز أخذ المكيل والموزون عداً أيضاً بحسابه، وليس المناط هو التعذر أو التعسّر، كما يظهر من كلام جملة منهم (3)، فيلزم الاقتصار على موردها.

ويظهر من بعض أصحابنا (4): جواز بيع المكيل والمعدود وزناً؛ لأنّه الأصل في التقدير. فيندفع الغرر به، ولرواية وهب (5)الدالة على جواز سلم ما يكال فيما يوزن وبالعكس، ومن بعض آخر: جواز بيع الموزون كيلاً (6)لرواية وهب.


1) السرائر 2 : 321.

2) راجع الهامش (2) من ص 306.

3) كابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 321؛ والمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 12؛ والعلامة الحلي في قواعد الأحكام 2 : 22؛ والشهيد في الدروس الشرعيَّة 3 : 198.

4) الشهيد في الدروس الشرعيَّة 3 : 253.

5) وسائل الشيعة 18 : 296، الباب 7 من أبواب السلف، ح 1.

6) الشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 266.

وكلاهما ضعيف؛ لعدم اندفاع الغرر وللإجماع المنقول على منع الأخير (1)، ولعدم دلالة الرواية على جواز العدول وإنّما موردها جواز سلم شيءٍ في شيء، لا العدول عن شيءٍ إلى شيء.

رابعها: يجوز الاعتماد على خبر البائع في الكيل والوزن ولو كان فاسقاً؛ للأخبار (2)الدالة بإطلاقها على ذلك.

ويجوز الاعتماد على شهادة العدلين وفي الاكتفاء بالعدل الواحد الأجنبي قوّة، وأمّا غير العدل فإشكال.

وإذا تعذر التقدير؛ لعدم إمكانه لعارض، فهل يحرم البيع ويجب الرجوع إلى الصلح والهبة المعوّضة، أو يجوز؛ لعموم «ما لا يدرك» (3)ولأنّ الضرورات تبيح المحظورات ؟ والأقوى الأوّل.

وقد يستنبط مما قدمنا من جواز أخذ الموزون والمعدود كيلاً بعد اعتبارهما بمكيال وأخذ الباقي بحسابه: أنّ الضرورة مما تجوّز بيع المجهول، فيكون أصلاً في المقام، إلّا أنا بعدما ذكرنا أن ذلك طريق من طرق العلم بالمقدّر بنيّة الشارع للتخفيف، والتفاوت اليسير مغتفر لم تبق للروايتين دلالة على ما ذكرناه. ويجوز التعويل على خير العدل في بيان أنّ الكيل المتعارف بهذا المقدار وأن هذه هي

الكيلة المتعارفة، أو أن معيار الوزن المتعارف هذا.

وفي قبول [ خبر ] (4)الفاسق مع الاطمئنان وجه قوي.

ولو جعل حاكم الوقت للكيل أو الوزن معياراً جديداً، ففي جواز الأخذ به قبل شيوعه وقبل معرفة نسبته للمعيار الأوّل إشكال.

ولو اختلف حال الشيء باختلاف محاله بحسب العادة من الجزاف والتقدير كالثمرة قبل الجذاذ وبعده - اختلف حكمها.


1) راجع ص 310، الهامش (1).

2) وسائل الشيعة 17: 343، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه.

3) عوالي اللآلي 4 : 058 ح 207.

4) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

وكذا لو اختلف باعتبار وضعه كقطع الحديد الكبار التي يمكن في العادة وزنها، أو كالصغار جداً لو ساغ بيعها لغرض، اختلف حكم التقدير وعدمه باختلافه.

ولو وقع عقد صالح للبيع وللصلح إلا أنّه في البيع أظهر وكان على مجهول، فهل يُقدّم الظاهر ويُحكم بالفساد، أو يُقدّم أصل الصحّة فيحكم بصحته صلحاً ؟ وجهان، والأظهر الأوّل.

ويخرج المقدّر عن لزوم التقدير في الذهب والفضة والصفر بخروجها عن كيفيتها، و صيرورتها حليةً لسيف أو طلاءً أو نقشاً للباس، ونحو ذلك.

خامسها: إذا اجتمعت عدة أشياء موزونة أو عدة مكيلة، فهل يجوز بيعها بمعيار واحد، نظراً إلى أن المجموع معلوم القدر، أو لا يجوز، نظراً إلى الجهالة بالنسبة إلى كلّ فردٍ فردٍ ؟ والأقوى الأوّل فيما إذا كانت الموزونات متقاربة في القيمة وشبهها، وأما لو لم تكن كذلك - كجمع ذهب وملح بميزان واحد وبيعه جملةً - فيقوى الإشكال فيه.

ولو اجتمع موزون وغير موزون فهل يجوز بيع الجميع بوزنه، كبيع الظرف والسمن، والطعام وإنائه بأن يوزن الجميع فيباع، أو لا يجوز ؟ والأظهر العدم؛ لمكان الغرر.

هذا إذا كان المنضمّ ممّا يتقوم عادة، وأما ما لا يتقوم كالتراب والذهب فوزنه معه لا فائدة فيه، فلا إشكال في عدم الاكتفاء بوزنه معه، كما أنّه لا إشكال في جواز وزن الظرف المظروف إذا صار كالجزء له أصالة - كقشر الجوز وشبهه - أو عارضاً ممّا صار معه مع كالشيء الواحد.

ويجوز الإندار للظروف بما تجري العادة بقدره قبل العقد فيوقع العقد على قدر المظروف حدساً بعد حط قدر الظرف كذلك منه.

ويختص ذلك فيما يحتمل الزيادة والنقصان والموافقة بعد الإندار، فلو قطع بالزيادة أو النقيصة بطل البيع ابتداء، وتوقف على التراضي إذا كان وفاءً لبيع متقدّم.

ولا يختص الإندار بما إذا تقدَّم العقد على معيّن مشتمل عليه قطعاً، أو كلّي وكان هو وفاءه، بل يعم المتقدم والمتأخر، خلافاً لمن خصّه باللاحق للعقد تفصياً عن الوقوع في الغرر دون السابق، فإنّه لا يصح إلا بعقد صلح وشبهه مما لا تفسده الجهالة.

وجواز الإندار وإن وردت به الأخبار في مقامات خاصة - كموثقة حنان في زقاق

الزيت (1)، ورواية البطائني فيها وفي ظروف السمن (2)، ورواية قرب الإسناد في الجوالق والناسية (3)، وفيهما اشتراط التراضي - إلّا أنّه بتنقيح المناط وباندفاع الغر عرفا يسري الحكم إلى كلّ ظرف ومظروف عادة من مائع أو جامد متصل به اتصال الجزء أو لا ما لم تكن ظرفيته له غير معتادة، كوضع الطعام في حبّ ووزنه، أو وضع ما لا يظرف في ظرف غير معتاد وزنه كذلك، بل قد يسري الحكم إلى إندار مظروفات تعلّق القصد بظروفها، وإلى إندار خليط أو وسخ أو شبههما.

ولا يتوقف الإندار على التراضي؛ لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم، وإن كان أحوط؛ لظاهر بعض الأخبار (4).

وإن كان الإندار للزائد فلا شك في لزوم التراضي للنصّ (5)والفتوى إذا كان الإندار من المشتري.

ولو كان للناقص، فظاهر جملةٍ من أصحابنا (6)عدم التوقف على التراضي ؛ لأن الإندار حق للمشتري، فله إسقاطه وإن أضرّ به.

وهو حق لو كان الإندار بيد المشتري، وأما لو كان بيد البائع أو مشتركاً بينهما كان حكمه حكم إندار الزائد.

والظاهر أن الزائد والناقص سواء في كون أحدهما مضراً بالبائع والآخر بالمشتري، وفي كون كلّ منهما إذا أراد إسقاط حقه أسقطه، وفي كون الآخر لا يسقط حق صاحبه إلا برضاه.

سادسها: لو كان المقصود من أحد العوضين الشمّ أو الذوق أو اللمس أو الطعم وكانت أفراده مختلفةً اختلافاً بيناً من الاتصاف به وعدمه ومن الاتصاف بقليله وكثيره، وجب اختباره قبل البيع بما يرفع الجهالة من ذوق ولمس وشم وطعم، أو بما يرفعها من وصفه على لسان أحد المتعاقدين أو غيرهما، عدلاً أو لا على إشكال، فإن طابق الوصف فلا كلام، وإلا ثبت خيار الوصف.


1) وسائل الشيعة 17 : 367 الباب 20 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 4.

2) المصدر : 366 - 367، ح 1.

3) عنه في المصدر : 367، ح 3.

4) راجع الهامش (2 و 3).

5) راجع الهامش (2 و 3).

6) مثل : المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 13؛ والعلامة الحلي في قواعد الأحكام 2 : 26.

ولو كان المقصود منه ما قدمنا لا يختلف غالباً، وإنّما يحصل الاختلاف له لحصول العوارض من طول البقاء أو قرب النداوة أو وقوعه في الماء أو شبه ذلك، فالأظهر عدم وجوب الاختبار ولا لزوم الوصف، بل يجوز الإقدام على مقتضى أصل الصحّة ويصح البيع، فإن ظهر على خلاف المعتاد من الاتصاف بالعيب أو الرداءة المورثة غبناً كان له الخيار، وإلا لزم البيع، وعلى ذلك السيرة في جميع أنواع البيوع من جميع أفراد المبيع، ولولا ذلك لما صح بيع.

والخبر المشتمل على سؤال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّن يشتري ما يذاق، يذوقه قبل أن يشتري ؟ والجواب بـ «نعم فليذقه ولا يذوقن ما لا يشتري» (1)مع الإغماض عن سنده ظاهر في بيان المنع من ذوق مال الغير بغير إذنه، إلا مع قرينة الفحوى، كإرادة الشراء.

ومَنْ حكم من الأصحاب بالفساد مع عدم الاختبار أراد به عدم اللزوم بقرينة تذييله في كلام مَنْ يُعتد به (2)- بأنّه مع عدم انطباق الوصف يثبت الخيار (3)، ومن حكم بالفساد حقيقة مطلقاً (4)، أو بالفساد مع عدم المشاهدة (5)أو بالفساد مع إمكان الاختبار، دون ما كان مع عدمه (6)، فقد خالف المشهور نقلاً (7)بل تحصيلاً، وخرج عن القواعد فتوى ودليلاً.

وهذا الكلام كله فيما يمكن فيه الاختبار وأما ما لا يمكن فيه الاختبار من جهة المختبر أو من جهة المختبر فالظاهر: سقوط الخلاف المتقدم فيه رأساً.

ولو أدّى اختباره إلى فساده كالبيض- وكثير ممّا له قشر يفسد بنزعه عنه - جاز أخذه نقلاً وانتقالاً من دون اختبار، بناءً على أصالة الصحّة ولزوم البيع فيه؛ لعموم الأدلّة، وفتوى المشهور، خلافاً لمن اشترط في صحّة النقل اشتراط الصحّة ناقلاً عليه الإجماع (8)، أو مع


1) وسائل الشيعة 17 : 375 - 376 الباب 25 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

2) الشيخ جعفر في شرح القواعد 2 : 184.

3) الشيخ المفيد في المقنعة : 609؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 404.

4) أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : 354؛ وسلار في المراسم : 180.

5) المحقق الكركي في جامع المقاصد 4 : 94 والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 179.

6) ابن حمزة في الوسيلة : 246.

7) جامع المقاصد 94:4.

8) ابن فهد الحلّي في المقتصر : 166.

اشتراط البراءة من العيوب (1)، أو اشتراط أحدهما لا بعينه مطلقاً (2)أو في خصوص الأعمى(3). لعدم الدليل على ذلك كله، سوى احتمال ظهور فساد المبيع بالمرّة فينتفي أحد ركني المعاوضة، وذلك باعث على عدم قصد المعاوضة ابتداء، أو ظهور عيب فيه فيلزم الجهالة، وهما ضعيفان كما لا يخفى.

والظاهر أن ترتب الضرر ليس علةٌ تامّةً في تسويغ البيع من دون اختبار؛ لإمكان اندفاعه بالصلح ونحوه، فيقتصر فيه على ما جرت العادة ببيعه كذلك وما أفتى به المشهور وجرت عليه السيرة، فلا يسري لما أدى اختباره إلى مشقةٍ أو إلى بذل مالٍ أو إلى خلاف تقيّة أو إلى تفاوت رغبة بل هناك من العدول من البيع إلى غيره، ولا يؤثر اشتراط الصحّة أثراً في الصحّة بعد أن يكون المبيع مجهولاً ابتداء؛ لأنّ الغرر لا يدفعه الشرط.

ثم إنّه لو أخذه المشتري فكسره فخرج معيباً قبل العقد أو بعده قبل القبض سقط خيار الردّ؛ للتصرّف وكان له الأرش - على الأظهر - فيهما إن كان لمكسوره قيمة ولم يشترط عليه البائع البراءة من العيب، ولا تقدَّم علم المشتري به، وإن لم يكن لمكسوره قيمة سقط الأرش أيضاً، ولزم إرجاع الثمن؛ لأنّه أكل مال بالباطل، سواء اشترط البراءة من العيب أو لم يشترط.

والتردد فيه من بعضهم (4)، من جهة بذل الثمن على كلّ حالٍ، ضعيف جداً، سواء اشترط البراءة أو لم يشترط.

وهل ينكشف فساد العقد من أصله فالنماء للبائع وعليه مؤونة حمل الرضاض؛ لأنّه ماله وقد أدخل على غيره الضرر فيه ؟ أو من حينه ؟ لصحة البيع ظاهراً قبل الكسر، فالنماء للمشتري وعليه مؤونة حمل الرضاض؛ لأنّه ماله إلى حين الكسر، وبعد الكسر إنما صار للبائع بفعل المشتري لا بتقصير البائع، أو لأنّه بعد الكسر ليس لأحد؛ لعدم ملكه لأحد، وإخراجه عن الملك أيضاً بفعل المشتري، مع احتمال أنّه على المشتري على كلّ حالٍ؛ لأنّ الحمل لمصلحته لا بأمر البائع ولا بغروره، أو احتمال أنّه على البائع مطلقاً؛ لأن الحمل إنّما


1) ابن حمزة في الوسيلة : 247.

2) حكاه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 283 - 284، المسألة 253 عن القاضي ابن البراج.

3) سلار في المراسم : 180.

4) السبزواري في كفاية الفقه 1 : 459.

جاء من غروره، والضرر من قبله، والمغرور يرجع على مَنْ غرّه، إلا إذا اشترط البائع عدم مؤونة النقل.

ويجوز بيع المسك بعد الفتق؛ للأصل والعموم، والإجماع بقسميه (1)، ولأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يتطيب به (2)، وللسيرة والنصّ (3)الدال على ذلك.

وما يتوهم من القول بتنجيسه؛ لإبانته من حي، ولكونه دماً، مردود بمنع كونه قطعةً مبانة، وإنّما يلقيه الغزال كما يلقي الطائر، ولو سُلّم فلا نسلّم نجاسة ما في نفس الجلد إلا بعد ثبوت ملاقاتها للمسك بعد الاستحالة برطوبة، وهو ممنوع، وبمنع كونه دماً بعد الاستحالة، وقبلها لا يضر.

ويجوز بيعه في فأره وإن لم يفتق، ولا تضر جهالته لجهالة وزن الجلد بعد وزنه معه، ولا عدم العلم بالصحّة والفساد؛ للأصل، وارتفاع الغرر بالبناء على أصل الصحّة، وللسيرة القاضية بذلك، ولدخوله تحت ما يفسده الاختبار، ولدخول الجلد معه دخول الجزء في المبيع، فيصح وزنه معه.

ونُسب (4)الجواز ها هنا إلى المشهور، بل نقل أنّه لا خلاف فيه (5)، ومع ذلك فاختباره بالشم أحوط، ويكون ذلك بإدخال خيط فيه ونحوه وشمه.

وقد يجري حكم المسك لصدف اللؤلؤ، إلّا أنّ الأحوط كسره قبل البيع، أو العدول إلى الصلح وشبهه.

سابعها: رؤية بعض المبيع أو ذوقه أو شمّه أو وصفه بما يرفع الجهالة كافية في اندفاع الغرر وصحة البيع؛ للسيرة، ولزوم العسر والحرج لولا ذلك، ولدلالة الجزء على الكل والظاهر على الباطن غالباً، فيرتفع الغرر المنهي عنه، فيصح بيع المائعات مع رؤية ظاهرها، وكذا الأرض والدار والعقار والحنطة والشعير وكلّ ما تعذر أو تعسّر اختبار باطنه،


1) كما في شرح القواعد 2 : 190.

2) وسائل الشيعة 2 : 149، الباب 95 من أبواب آداب الحمام، ح 4.

3) المصدر : 148 الباب 95 من أبواب آداب الحمام.

4) الناسب هو البحراني في الحدائق الناضرة 18 : 485.

5) نقله الطباطبائي في رياض المسائل 8 : 246.

كالبناءات والمركبات والحبوب والأدهان المجتمعات.

ثم بعد معرفة الظاهر فإن طابقه الباطن فلا كلام، وإلا فإن خرج عن التمول تبعضت الصفقة، وإن خرج عن المطابقة بزيادة كان للبائع الخيار مع جهله، وإن خرج بنقيصة كان للمشتري الخيار كذلك، وإن خرج معيباً كان له خيار العيب فلو اشترط شيئاً فخرج خلافه، كان له خيار الشرط، وهكذا.

ومثل ذلك ما لم يشاهد المشتري أو البائع ما انتقل إليهما، فإنّه يكتفى بالوصف الرافع للجهالة من بيان نوعه وصنفه وكلّ وصفٍ تختلف القيم والرغبات باختلافه من غير خلاف يُعرف، فإن وجده المنتقل إليه بعد ما قبضه مطابقاً للوصف فلا كلام، وإلا ثبت له الخيار مع الجهل، ويثبت للمنتقل عنه أيضاً الخيار مع ظهور الزيادة والجهل بها.

ويأتي تمام الكلام في خيار الرؤية (1)إن شاء اللّه تعالى.

وكلّ ما لا يدلّ جزؤه على كله ولا ظاهره على باطنه - كصبرة البطيخ والخيار وسلّة العنب ونحوها - لم يجز الاكتفاء برؤية جزئه ولا ظاهره؛ للزوم الغرر.

ولو أرى البائع المشتري كفّاً من حنطة فباعه وزنةٌ منها على أن يكون المرئي داخلاً صح. وإن باعه على أن يكون المبيع مثله، احتمل الصحّة؛ لأنّه نوع طريق إلى معرفة المبيع، فيندفع به الغرر عرفاً، واحتمل الفساد؛ لأنّه باع بلا وصف ولا رؤية للمبيع لا كلّاً ولا جزءاً، فيكون داخلاً في قسم المجهول، مشمولاً لأدلة الغرر، واحتمل الفرق بين ما يطمئن بوجوده للرجوع إليه عند النزاع فيصح، وبين ما لا يطمئن فيفسد، واحتمل الفرق بين كون المبيع كلّيّاً قد مثله بما في كفّه فيفسد، وبين كونه شخصياً فيصح، وهذا الأخير أقوى.

ثامنها: لو باع فرداً من أفراد القيمي مردّداً بين فردين أو أكثر، بطل للغرر، وللشكّ في شمول أدلّة البيع عموماً وخصوصاً له وتنزيله على الإشاعة غير معقول، لا من جهة العقد ولا من جهة المعقود عليه، وعلى الفرد المردّد لا يدفع الغرر، نعم، يجوز ذلك في التكليف، والفرق بينهما ظاهر.

نعم، يمكن تنزيله على الكلّيّة في غير المحصور مع انضباط وصفه، وأما المحصور


1) يأتي في ص 345 - 346.

فإرادة الكلية. منه تؤول إلى الغرر أيضاً.

وأما المثليات فلا يصح بيع فردٍ منها مردّداً، كبيع أحد الأصواع، سواء اجتمعت أو تفرقت؛ للإبهام والغرر عرفاً، ويصح بيع كلّي منها، كبيع صاع كلّيّ من هذه الأصواع، سواء كانت مجتمعة أو متفرّقةً؛ لارتفاع الإبهام عرفاً فيها دون القيميات.

والمسألة تدور مدار العرف فيما لم يقم عليه دليل خاص من الشرع.

وهل ينزل بيع الكلّي على الإشاعة، فيكون بمنزلة الكسر المعلوم، فلو تلف من المجموع شيء سقط بحسابه، أو ينزل على الفرد المضمون، فيبقى المبيع ما بقي صاع، إلا أن ينقص عنه فيكون من تلف المبيع قبل قبضه ؟ وجهان، والأقوى الأخير؛ لحكم العرف بذلك، ولفتوى الأكثر (1)، ولأصالة الوجوب على البائع في وجه ولخبر الأطنان (2)، الدال على أن الباقي بعد الحرق للبائع ويسري لغيره بتنقيح المناط.

هذا مع الإطلاق وأمّا مع التصريح فالحكم تابع لما وقع التصريح به. ويصح بيع المشاع - كالربع والخمس - تساوت أجزاء المبيع أو اختلفت إذا كان المجموع معلوماً لئلا يتجهل المبيع؛ للأصل والإجماع بقسميه (3).

ويُنزل على الإشاعة مع الإطلاق؛ قضاء لحق العرف إلا مع التصريح بإرادة الفرد المضمون منه فيعود كالكلّي المراد منه فرداً مضموناً، ويجري عليه حكمه.

ولو كان المشاع مما يفتقر إلى حساب لا يعرفه أحدهما، بطل؛ للجهالة.

وهل يشترط في بيع الكلّي من شيءٍ مشتمل عليه - كالصاع من الصبرة - العلم باشتمالها عليه كما يظهر من بعضهم (4)، أو لا يشترط، أو يشترط مع قصد الإشاعة دون قصد الفرد المضمون ؟ وجوه، أوجهها الوسط؛ للأصل، وعموم الأدلّة. قيل: وللإجماع منقولاً على الإطلاق، ومحصلاً مع عدم البناء على الإشاعة (5).


1) كالمحقق الكركي في جامع المقاصد 4 : 105: والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3: 176؛ والسبزواري في كفاية الفقه 1 : 457؛ والبحراني في الحدائق الناضرة 18 : 479.

2) وسائل الشيعة 17 : 365 - 366، الباب 19 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

3) رياض المسائل 8 : 238.

4) الشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 268.

5) قاله الشيخ جعفر في شرح القواعد 2 : 254.

ولا تفاوت بين ظنّ الاشتمال أو الشكّ أو ظنّ عدمه، على إشكال في الأخيرين.

ولا تفاوت أيضاً بين ظهور الاشتمال بعد ذلك على الصاع وبين عدمه، فيثبت للمشتري خيار التبعيض على الأظهر.

ولا يصح بيع صبرة مشتملة على صيعان مجهولة، ولا بيع صيعانها كلّ صاع بكذا مع جهالة مقدارها؛ للغرر.

ويصح بيعها مع العلم جملةً، وكلّ صاع منها بكذا، وصاع واحد منها على سبيل الإشاعة أو الفرد المضمون، وكقفيز منها مشاعاً معلوماً.

ولا يصح بيع كلّ قفيز منها بكذا مع عدم ضبط قدر الأقفزة.

ولو باع ذراعاً من أرض أو ثوب يعلمان قدرهما مع قصد الإشاعة - اختلفت أجزاؤهما أو تماثلت - جاز، ومع الإطلاق يُنزل على الإشاعة على الظاهر.

ولو قصدا معيناً من غير تعيين أو كلياً مضموناً منها، بطل؛ للإبهام في الأوَّل، ولاختلاف الأغراض في الثاني، وللإجماع المنقول (1).

ولو عين الذراع مبدأ أو آخراً أو وسطاً، أو كونه من أول الثوب أو آخره أو وسطه، جاز؛ لعدم الغرر، ولفتوى المشهور بل نُسب (2)للأصحاب.

وفي الفرق بينه وبين الكلّي إشكال؛ لأنّ تعيّن الذراع في مبدإ الثوب قبل ذرعه لا يعلم قدره منه حين البيع فيعود كالكلّي.

تاسعها: لا يصح البيع مع إبهام السلوك والشرب وسائر الحقوق اللازمة ما لم ينصرف إليها إطلاق البيع، أو يقول: بعتكها بحقوقها، فإنّه يصح؛ للأصل، وارتفاع الغرر الناشئ من الجهالة، ويثبت للمشتري السلوك للاستطراق والشرب من جميع الجوانب.

ويقوى القول: إن الإبهام إن كان بترديد لفظي أو قصدي بطل، وإن كان للإطلاق صح، ويدخل ما يتوقف عليه منفعة الاستطراق تبعاً، ويكون الخيار للبائع في تعيينه، فيكون الفرق بين المطلق والعام هو كون الخيار للبائع في الأوَّل، والمشتري في الثاني.


1) كما في شرح القواعد 2 : 251.

2) لم نتحقق الناسب.

عاشرها: لا يصحح بيع المجهول انضمامه إلى المعلوم جزءاً أو شرطاً، مقصوداً أصالة أو تبعاً إذا جيء به بلفظه ولم يكن من توابع المبيع الداخلة فيه تبعاً عرفاً أو من الشرائط الخارجة عمّا يتعلق بالعوضين وليست مقصودة أوّلاً وبالذات، فلا يصح بيع الصوف والجلد على ظهر الغنم منضمين، ولا بيع الجلد منضماً إلى غيره، ولا بيع ما تحت الجلد من لحم أو شحم أو عظم منضماً إلى ما على الظهر أو إلى غيره من الأعيان أو المنافع الخارجة، إلا إذا انضم إلى الحيوان نفسه، فإنّه لا بأس به؛ لعوده مبيعاً واحداً، ولا بيع الحمل منضماً إلى غير أمه ويجوز منضمّاً إلى أُمّه على وجه الشرطية أو الجزئية التابعة؛ لمكان الضرورة، والإجماع المنقول (1).

وما ورد من جواز بيع الحمل منضماً إلى الصوف (2)ضعيف جداً.

وهل يجوز بيع الصوف والشعر على الظهر منفردين مطلقاً للأصل، والعمومات، والخبر المجوّز لبيع الصوف منضمّاً إلى الحمل (3)فبدونه بطريق أولى، وللإجماع المنقول (4)، أو لا يجوز مطلقاً؛ لدليل الغرر (5)، وضعف الإجماع والخبر ؛ لمخالفتهما - على ما نُقل (6)- لما اشتهر، وقياسه على الثمرة فوق الشجرة من القياس الغير المعتبر، أو يجوز مع اشتراط الجز أو بلوغ أوانه، ولا يجوز مع عدمه؛ لاستلزامه اختلاط المالين فيؤول إلى النزاع؟ أقوال، وفي الأوّل قوة.

ولا يجوز بيع السمك مع عدم مشاهدته وجهالته ولو منضماً إلى غيره من قصب الآجام أو غيره من سمك أو غيره، ولا بيع اللبن في الضرع ولو منضماً إلى لبن محلوب أو إلى غيره، سواء في ذلك أصالة القصد إليهما، أو تبعية أحدهما وأصالة الآخر، كله لدليل نفي الغرر (7)، وفتوى الأشهر، والإجماع المنقول على منع بيع السمك في الماء (8)على جهة الإطلاق، وللزوم جواز بيع كلّ مجهول ضمّ إلى معلوم، وهو منافٍ للنصوص والفتاوى، وليس للسمك واللبن خصوصية.


1) تذكرة الفقهاء 10 : 66، المسألة 38 (تذنيب).

2) وسائل الشيعة 17 : 351 - 352، الباب 10 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

3) وسائل الشيعة 17 : 351 - 352، الباب 10 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

4) لم تعثر عليه، بل الإجماع على عدم الجواز منقول فى الخلاف 3 : 169، المسألة 276.

5) راجع الهامش (1) من ص 264.

6) الناقل هو البحراني في الحدائق الناضرة 18 : 490.

7) راجع الهامش (1) من ص 264.

8) تذكرة الفقهاء : 10 :50، المسألة 27.

وقيل بالجواز (1)، استناداً إلى أخبار (2)ضعيفة سنداً، وجملة منها غير صريحة الدلالة، وإلى إجماعات منقولة (3)لا يعتمد عليها، مع فتوى المشهور بخلافها، فالأخذ بها أو تنزيلها على ما إذا كانت الضميمة مقصودةً بالأصالة لا معنى له مع وجود معارض أقوى لها، ومع ضعفها سنداً، وورود بعضها في بيع الأجمة (4)لا السمك، والصحيح (5)منها مرمي بالإجمال؛ لقيام الاحتمال، والموثق (6)منها قابل للحمل على الوعد والمساومة، لا يصلح لإثبات حكم يخالف فتوى المشهور والقواعد المحكمة والأصول المتقنة.

حادي عشرها: حيث حكمنا بالبطلان في بيع المجهول لزم على كلّ من المتعاقدين الضمان، فيضمن العين كلّ منهما مع تلفها أو امتناعها أو حجبها بقبضه أو قبض وكيله الجاهل، عالماً كان أو جاهلاً، قبض بإذن من الناقل أو بدونها؛ للإجماع المنقول (7)، ولقاعدة «ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده» ولاحترام مال المسلم، وإقدام كلّ منهما على طبيعة الضمان لا بقصد المجان، وللزوم أكل المال بالباطل لولاه.

ويجب ردّ العين مع الإمكان، وردّ البدل مع عدمه؛ لعموم «لا يسقط الميسور» (8)وللإجماع بقسميه (9)، ولدخوله تحت على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (10)لكونه تأدية عرفاً.

ودعوى ظهورها في ردّ العين أو في خصوص الغصب ممنوعة.

فيضمن المنقول إليه مع عدم غروره من جهة الناقل المثل؛ لأنّه الأقرب في البدلية إذا كان مثليّاً عرفاً، أو إذا كان له مثل ولو كان قيميّاً في وجه مع عدم التفاحش بين قيمة المثل


1) قاله الشيخ الطوسي في النهاية : 401.

2) راجع الهامش (64).

3) الخلاف 3: 155، المسألة 245: غنية النزوع 212:1.

4) وسائل الشيعة 17 : 356، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 6.

5) المصدر : 348 - 349، الباب 8 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1.

6) المصدر : 349، ح 2.

7) كما في شرح القواعد 2 : 260.

8) عوالي اللآلي 4 : 58، ح 205.

9) شرح القواعد 2 : 261.

10) مستدرك الوسائل 17 : 88، الباب 1 من أبواب كتاب الغصب، ح 4.

وقت الإتلاف وقيمته وقت الاستيفاء، ومع التفاحش فالرجوع إلى القيمة؛ لنفي الضرار (1)وجه قوي.

فإن لم يوجد المثل، انتقل إلى القيمة حين الإعواز، أو حين المطالبة، أو حين الاستيفاء وهو الأظهر، والأعلى ما بينها هو الأحوط.

ويضمن القيمة إذا كان قيميّاً وقت التلف وهو الأظهر الأشهر؛ لأنّه زمن الانتقال إليها، أو وقت القبض؛ لتعلّق الخطاب بالقيمة مرتبة على العين حينه؛ ولحديث البغل (2)ونُسب (3)للأكثر، وهو قويّ، إلّا أنّ الأوّل أظهر، أو يضمن أعلى القيم ما بين القبض والتلف؛ لانتقال القيمة باختلاف أحوالها إلى المالك فيملك أعلاها، ولحديث البغل (4)، وللاحتياط، ونسب (5)للأشهر، وهو ضعيف؛ لمنع ضمان القيم مع وجود العين، ومنع دلالة حديث البغل، والاحتياط لا يفيد لزوماً، أو أعلاها ما بين القبض والاستيفاء، أو أعلاها ما بين التلف والاستيفاء، أو يضمن قيمة وقت الاستيفاء، أقوال ووجوه أكثرها سيّما الأخيرة ضعيفة.

وعليه مع ردّ العين أرش نقصها وضمان منافعها ونمائها وبذل أُجرة الرد.

ولو زادها عيناً أو صفة كالعين كانت له، وفي مقام يمكن فيه الشركة يكون شريكاً، ولو كانت بفعل اللّه تعالى فللمالك.

ولا يرجع على المالك بغراماته على العين أو إتلافاته أو إنفاقه مع عدم كونه مغروراً من قبله بتدليس وشبهه؛ للأصل، وعلم المالك وجهل القابض ليس من الغرور؛ لتفريطه بجهله، فليس مغروراً من قبله.


1) راجع ص 194، الهامش (1).

2) المصدر 19 : 119 - 120، الباب 17 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

3) الناسب هو المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 3 : 189.

4) راجع الهامش (2).

5) الناسب هو العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 81، المسألة 67.

القول في الخيارات

إشارة:

الخيار حقيقة شرعية أو متشرعيّة في ملك إقرار العقد أو إزالته بعد وقوعه في مدة معلومة الوصف أو القدر، أو في وقتٍ تسبّب عن وصفٍ متقدم، فخرج بالأوّل الانفساخ لتلف مبيع، أو رضاع أو إسلام في النكاح، وخرج بالقيود الأخيرة الطلاق والإقالة والجواز في العقود الجائزة.

وأقسامه كثيرة ذكر منها الشهيد (رَحمهُ اللّه) أربعة عشر (1).

وتذكر في مظان الفقه خيارات كثيرة لم يعنونها الفقهاء، كخيار من ابتاع ما فيه خيار، وخيار المرابحة لو ظهر كذب المخبر، وخيار مشتري الجارية مع العلم بوطئ مولاها قبل استبرائها، وخيار العبد إذا ظهرت عليه جناية أو حد، وخيار الجلال أو الموطوء من الحيوان وخيار المكاتب لو أجزنا بيعه، وخيار فساد العقيدة وخيار خوف التلف إذا كان العبد في حرب أو بلد طاعون، وغير ذلك.

ويمكن إرجاع الجميع للخيارات المعنونة، كالعيب وشبهه. وليعلم أن وصف الخيار خلاف الأصل؛ لأنّ الأصل في العقد اللزوم، بمعنى المستصحب، أو بمعنى الظاهر فيما لم يكن مبنياً على الجواز كالعارية وشبهها، أو بمعنى الدليل والقاعدة الشرعيَّة المأخوذة من قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (2)فإنّه أوجب الوفاء بمقتضاها.


1) اللمعة الدمشقية : 72.

2) المائدة (5) : 1.

و مقتضى العقود اللزوم والدوام فيما عدا ما بني على الجواز، فيجب الوفاء بها على نحو ذلك ويزداد عقد البيع بأصالة اللزوم على سائر العقود قوةً، ظهوراً ودليلاً؛ لزيادة ظهوره في ذلك، ولخصوص الأدلّة الدالة على ذلك.

ولا ينافي استصحاب اللزوم فيه ثبوت خيار المجلس؛ لتعلّق الاستصحاب بغير جهته أو لتعلقه به بعد انتهائه أو سقوطه.

وكما تثبت أصالة اللزوم للعقود بالنسبة إلى الأفراد على جهة العموم تثبت كذلك بالنسبة إلى الأزمنة؛ لأنّ مقتضى العقود اللزوم في جميع الأزمنة، وإلا فلا ثمرة يُعتد بها في كثيرٍ منها، فيجب بمقتضى الدليل العمل على مقتضاها، ولأنّ المفهوم من شرع ال- العقود هو اللزوم في الأفراد والأزمنة، لأنّها شرعت لقطع مادة النزاع وحسم مفاسد الاختلاف.

وفي الخيارات مباحث:

أحدها: خيار المجلس وما يتعلّق به

أحدها: خيار المجلس، وإضافته من قبيل إضافة الحال للمحلّ، فيراد به إما المجلس حقيقة؛ لأغلبية الاجتماع فيه، ويلحق غيره من موارد الاجتماع به، أو يراد به كناية عن عدم التفرّق؛ لما بينهما من التناسب، أو أنّه حقيقة عرفية سُمّي به هذا الخيار.

ويدلّ على ثبوته السنة (1)والإجماع.

وأنكره أبو حنيفة (2)، ورد به على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ويكفي في ردِّه ردُّه.

وخيار المجلس خاص بالبيع؛ للأصل والإجماع، ويعمّ جميع أفراد البيع اللازمة والجائزة بالأصل والعارض، وتوارد علل الجواز على معلول واحد لا بأس به، مع احتمال الفرق بين الجائز بالأصل والعارض فينتفي في الأوّل ويثبت في الثاني.

ويحتمل ثبوت الخيار في الجائز بالأصل عند لزومه بالعارض، كالتصرف بالمعاطاة من


1) صحيح مسلم :3 : 1164، ح 1532؛ سنن ابن ماجة 2 : 736، ح 2182 و 2183؛ سنن أبي داود 3 : 273 - 274، ح 3459: الجامع الصحيح 3 : 550، ح 1247؛ وسائل الشيعة 18 : 5 الباب 1 من أبواب الخيار.

2) الاستذكار، ابن عبد البر 20 : 227، الرقم :29942؛ الحاوي الكبير 5 : 30؛ حلية العلماء 4 : 15 - 16؛ التهذيب للبغوي 3 : 290؛ العزيز شرح الوجيز 4 : 169؛ المجموع 9 : 184؛ بداية المجتهد 2 : 170.

جانب غير المتصرّف وإلا فالتصرف من جانبه التزام أو فسخ كما سيأتي.

ويحتمل عدم ثبوت الخيار أصلاً؛ للشك في شمول أدلته له.

وغاية خيار المجلس الافتراق بالأبدان، لا بالأرواح ولا بالعقول؛ لتعليق حكم الخيار على عدم التفرّق (1)الظاهر في ذلك، كما أنّ الظاهر في الافتراق هو الافتراق العرفي، سواء كان بمشي أو بجثو أو بغير ذلك، ولا يراد الافتراق الحكمي قطعاً؛ لعدم انصراف إطلاق اللفظ إليه مع أصالة بقاء الخيار.

ويكفي في العرفي الخطوة، كما فهم الأصحاب ونُقل عليه الإجماع (2)، مع احتمال لزوم تعدّد الخطا؛ لأنّه المتيقن في حصول الافتراق وللخبر: «مشيت خُطأ» (3)ولو لا الاحتياج إلى التعدد لما صدر من الإمام، وهو أحوط.

ويكفي في التفرّق ذهاب واحدٍ وبقاء آخر اختياراً، كما هو المفهوم من الفتوى والرواية المتقدّمة (4).

ولو تناديا من مكان بعيد بحيث يُعدّ أنّهما متفرّقان عرفاً، احتمل سقوط الخيار، وبقاؤه إلى أن يتباعدا عنه أو يسقطاه، وبقاؤه دائماً، ولو تدانيا بعضاً إلى بعض لم يؤثر التداني شيئاً غير ما كانا عليه حالة العقد، وخير الوجوه: أوسطها. ولو جنّ المتعاقدان فتفرّقا أو سهوا أو غير ذلك من نوم أو شبهه، فالأقوى القول بسقوط خيارهما؛ أخذاً بظاهر النصّ والفتوى مع احتمال بقاء الخيار لهما. ويتولاه الولي كما لو لم يتفرّقا، إما لاحتمال أن تفرّق العقول بمنزلة تفرّق الأبدان، أو لانصراف لفظ التفرّق للمقصود، ولكنه ضعيف جداً.

ولو جنّ أحدهما فافترق عن الآخر، فإن تبعه الآخر لم يسقط خيارهما، وإن لم يتبعه سقط خياره قطعاً وسقط خيار المجنون إلا على الوجه الضعيف فيبقى خياره فقط.

والمُكرهين لو بلغ إكراههما إلى حدّ الإلجاء، لم يسقط خيارهما؛ لفتوى الأصحاب،


1) راجع الهامش (1) من ص 324.

2) غنية النزوع 1 : 217؛ ریاض المسائل 8: 292.

3) وسائل الشيعة 18 : 8 الباب 2 من أبواب الخيار، ح 2.

4) تقدمت آنفاً.

ولاستناد التفرّق للملجئ حقيقةً فلا عبرة بتفرّقهما، وبهذا يحصل الفرق بين الإلجاء وبين الإكراه بتهديد أو توعيد أو تقيّة، وكذا النوم والسهو وشبههما، فإنّه لا يسقط في الأوّل ويسقط في الباقي.

ويشترط في بقاء الخيار مع التفرّق كرهاً عدم تمكنهما من الفسخ لو أراداه، فلو تمكنا فلم يفعلا قدّم الظاهر هنا وعمل به، وسقط خيارهما.

ولو أكره أحدهما على التفرّق والآخر على الجلوس مع عدم تمكنهما من الفسخ، كان كالأول.

ولو أكره أحدهما على التفرّق ولم يتمكن من الفسخ ولم يكره الآخر على الجلوس، سقط خياره؛ حيث إنّه لم يتبعه، وبقي خيار المكره؛ استصحاباً للحكم السابق، وعليه ظاهر الفتوى.

وكذا لو أكره على الجلوس دون عدم الفسخ.

وبالجملة، فيتحقق بقاء الخيار لهما بإكراه الاثنين على الأربع، وإلا سقط منهما أو من بعضٍ دون بعضٍ.

ولو مات العاقدان، بقي خيارهما، وينتقل إلى الوارث.

واحتمال السقوط؛ لأنّ مفارقة الدنيا أولى من مفارقة المجلس، ضعيف.

وهل يبقى دائماً؛ لعدم إمكان الافتراق منهما اختياراً، أو يبقى إلى أن يُحملا من ذلك المجلس؛ تنزيلاً لذلك منزلة التفرّق، أو يبقى إلى أن يفترقا بحملهما، فإن لم يفترقا بحملهما - كما إذا دفنا بمكان واحد - فلا سقوط ؟ وجوه.

ولو مات أحدهما احتمل أيضاً سقوط الخيار أصلاً، واحتمل بقاؤه ما دام مع الآخر في ذلك المجلس، واحتمل بقاؤه إلى أن يفارقه الآخر ولو عند الإقبار، واحتمل سقوطه بالنسبة إلى الحي إذا أمكنه المتابعة فلم يتابع أو أمكنه الفسخ فلم يفسخ بعد نقل الميت، وبقاؤه بالنسبة إلى الميت فينتقل إلى الوارث.

ثم إنا لو لم نعتبر اجتماع الميت وافتراقه وقلنا بانتقال الخيار إلى الوارث، احتمل بقاؤه دائماً، واحتمل ثبوته فوراً، واحتمل امتداده بامتداد مجلس الوارث مع الحي أو الوارثين إن كان الوارث حاضراً، وإن كان غائباً امتد بامتداد مجلس وصول الخبر إليهما أو إليه، والأظهر هو الاحتمال الثاني.

وكذا لو ارتفع الإكراه من المكره عن التفرّق، احتمل ثبوته لهما دائماً، واحتمل فوراً واحتمل امتداده بامتداد مجلس ارتفاع الإكراه فإن تدانيا معاً أو دنا أحدهما ولم يبعد الآخر بقي الخيار، وإن تباعدا عنه سقط الخيار، والأظهر الثاني.

ثم لو تعاقد الأصيلان فلا إشكال بأن الخيار لهما، وغايته تفرقهما.

ولو تعاقد الوكيلان، فهل يكون الخيار لهما قهراً؛ لأنهما بيعان، أو يكون لهما مع تفويض أمره لهما من الموكل، أو لا يكون لهما أصلاً إلا بمجرّد الوكالة في الفسخ أو الإمضاء ؟ وعلى تقديره فهل للأصيل خيار حينئذٍ معهما أو لا معهما أو ليس له ؟ وجوه مبنية على تحقيق المراد من قوله: «البيعان» (1)فهل هو مَنْ صدر منهما العقد، أو مَنْ كان لهما العقد، أو الأعم، وعلى كلّ التقادير فهل الغاية التي هي التفرّق تدور مدار من له الخيار، فإن كان الوكيلين كان العبرة بتفرقهما، وإن كان الأصيلين فكذلك، وإن كان الجميع فالعبرة بتفرق الأربع أو الست بإضافة تفرّق الأصيل عن الوكيل أيضاً ؟ وجوه مبنيّة على تحقيق مرجع الضمير في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يتفرقا» (2).

والحق أن المدار في التفرّق وعدمه على مباشر العقد، والخيار وعدمه على من كان له العقد، وهو المنطبق على القواعد الفقهيّة ومذاق الفقهاء، وإن احتاج استخراجه من الرواية إلى تكلّف.

وإن تعاقد الوليّان، فالخيار لهما مع الغبطة، وبدونها تعبداً إشكال. وإن تعاقد الفضوليان فأجاز المالك، فإن كانت كاشفةً فهل المدار على تفرقهما أو تفرّق الأصيلين أو الجميع ؟ كما تقدَّم في الوكيلين.

وإن كانت ناقلة، احتمل ذلك، واحتمل دوران الأمر مدار تفرّق المجيزين أو أحدهما مع الآخر المجاز له واحتمل دورانه مدار قيامه عن مجلس الإجازة.

والعاقد عن اثنين له الخيار ما دام في مجلس العقد، مع احتمال بقائه دائماً؛ لعدم حصول الغاية له مع ثبوت المغيّى، واحتمل عدم تعلّق الخيار به أصلاً؛ لعدم صدق «البيعان» عليه، أو لعدم حصول الغاية له التي هي بمنزلة الوصف، فينتفي الموصوف بانتفائها.


1) راجع الهامش (1) من ص 324.

2) راجع الهامش (1) من ص 324.

والاثنان على عقد واحد تجري فيهما جملة من هذه الوجوه، وأظهر الوجوه فيهما: الوسط، وفي الأوّل قوة.

ويسقط هذا الخيار من المتعاقدين معاً أو من أحدهما في جميع العوضين أو في أبعاضهما باشتراط سقوطه على حسب ما يشترطانه في متن العقد أو قبله من غير فاصل يُعتد به بحيث یبنی العقد عليه، أخذاً بالمتيقن من عموم أدلّة الشروط (1)، خلافاً لمن أجاز الشرط مطلقاً (2).

ويسقط بالصلح على إسقاطه، لعموم أدلّته (3).

وهل يصح نقله بالصلح ؟ وجه، والأظهر خلافه.

ويسقط بإسقاطه بعد العقد، أو الالتزام بالعقد بعده؛ لأنّه حق مالي يصح إسقاطه كما يصح إبراؤه.

ويسقط بتصرّف أحدهما فيما انتقل إليه؛ لدلالته على الرضى ظاهراً، وللضرار لولاه.

ولو علم أنّ التصرّف ليس للرضى بل لغرض آخر أو لا لغرض، فوجهان.

ويسقط أيضاً بشراء مَنْ ينعتق عليه؛ لتقديم جانب الحُرّيّة، والحُرّ لا يعود رقاً.

ويحتمل بقاؤه، ويكون العتق كالتلف، فيعود عليه بالمثل أو القيمة.

واحتمال عوده رقاً مطلقاً أو فيما إذا فسخ البائع، ضعيف.

ولو اختلفا في التفرّق وعدمه، كان القولُ قول منكره؛ لأصالة عدمه، طال الزمان أو قصر.

واحتمال أنّه مع طول الزمان يغلب جانب الظاهر فيكون القول قول مدعيه احتمال لا عبرة فيه.

وكذا لو اتفقا على عدم التفرق وادعى أحدهما الفسخ بسبب أمرٍ آخر.

واحتمال أنّه شيء لا يعلم إلا من قبله فيُقبل قول مدعيه فيه، ضعيف أيضاً.

ولو اتفقا على وقوع التفرّق والفسخ واختلفا في تقدَّم الفسخ عليه وتأخره، احتمل التعارض فيكونان كالمتداعيين، واحتمل تقديم مدعي التفرّق قبله؛ لأصالة لزوم البيع، واحتمل تقديم قول مدعي الفسخ؛ لأصالة صحّة وقوع لفظه.

هذا إن جهل تأريخهما، وإلا فتقديم ما تقدَّم هو الأوجه.


1) وسائل الشيعة 21 : 276، الباب 20 من أبواب المهور، ح 4.

2) الشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 21، المسألة 28.

3) وسائل الشيعة 18: 443، الباب 3 من أبواب كتاب الصلح، ح 1، 2.

ثانيها: خيار الحيوان وما يتعلق به

ثانيها: خيار الحيوان، صغيراً أو كبيراً، كلاً لا بعضاً معيناً، حياً لا ميتاً، والظاهر أن البعض المشاع حكمه حكم الكلّ، ثلاثة أيام تدخل فيها الليلتان إن لم تنكسر، والثلاثة إن انكسرت.

وفي احتساب المكسور يوماً، أو عدم احتسابه، أو احتسابه إذا قلّ كسره لا إذا كثر، أو احتسابه ملفقاً من اليوم الرابع، وجوه، أقواها الأخير؛ لأنّ المفهوم عرفاً من المحدود إذا انكسر ذلك، ومن المستبعد لزوم العقد في المنكسر وجوازه بعد ذلك.

ودخول الليل يقضي به ظاهر الخطاب على وجه الحقيقة لهذا التركيب عرفاً، أو المجاز، وفهم الأصحاب.

ومبدؤها من حين العقد، خلافاً لمن جعله انقضاء خيار المجلس (1)، حذراً من اجتماع العلل والأمثال.

وهو ضعيف في نفسه، ومخالف لظاهر النصوص والفتاوى الظاهرة في أن المبدأ من حين تمام العقد، على أنّه يلزم سقوط هذا الخيار بامتداد الاجتماع إلى ثلاثة أيام، وهو بعيد.

ولو كان المبيع حيواناً وغيره، يثبت الخيار فيه دون غيره، وكان للبائع الفسخ عند فسخ المشتري. والخيار ثابت للمشتري فقط؛ للأصل والنصوص الظاهرة في ذلك، المقيدة له بالمشتري في مقابلة خيار المجلس الشامل لهما، كما في جملةٍ منها (2)، والمعبّرة عنه بصاحب الحيوان (3)الظاهر فيمن انتقل إليه بنفس اللفظ، أو بمعونة تقيده في آخر: «صاحب الحيوان المشتري» كما في جملةٍ أُخرى (4)، والحاكمة بأنّ ضمان الحيوان على البائع في الثلاثة، ومن المعلوم أنّ الضمان على مَنْ لا خيار له، كما في جملةٍ ثالثة (5)، مضافاً إلى خصوص ما ورد في الجواب بعد السؤال عمّن له الخيار من البائع أو المشتري ؟ قال: «الخيار لمن اشترى نظرة ثلاثة أيام» (6)وإلى خصوص فتوى المشهور والإجماع المنقول (7)، فتسوية المرتضى بين البائع


1) الشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 85.

2) وسائل الشيعة 18 : 11 و 12، الباب 3 من أبواب الخيار، ح 5، 8.

3) المصدر : 5، الباب 1 من أبواب الخيار، ح 1 و 11، الباب 3 من تلك الأبواب، ح 6.

4) المصدر : 10، الباب 3 من أبواب الخيار، ح 2.

5) المصدر : 14 - 15، الباب 5 من أبواب الخيار، ح 3،2، 5.

6) المصدر : 12، الباب 3 من أبواب الخيار، ح 9.

7) غنية النزوع 1 : 219: السرائر 2 : 244.

والمشتري في ثبوت الخيار (1)استناداً إلى ضعيف من الأخبار (2)عن مقاومة تلك الأخبار المؤيدة بالانجبار ضعيفة جداً، وخبره مطرح أو مؤوّل بإرادة ثبوت الحكم للمجموع باعتبار ثبوته لفرد.

وحمله على ما إذا كان البيع لحيوان بحيوان؛ جمعاً بين الأخبار، وقضاء لحق حكمة الخيار من خفاء عيبه على من انتقل إليه، بعيد أيضاً؛ لأن الجمع فرع المقاومة، وليس فليس، على أن ثبوت الخيار للبائع للحيوان بحيوان إن كان من جهة ما انتقل منه فلا دليل عليه، ولا يجري فيه دليل الحكمة، وإن كان من جهة ما انتقل إليه فله وجه، إلا أنّه لا يخص بائع الحيوان بالحيوان أوّلاً بل لو باع دراهم بحيوان لكان كذلك، ولا دليل عليه يعارض ما قدمناه ثانياً؛ إذ العلة مستنبطة وليست حجةً.

ودعوى أن ذكر المشتري في الأخبار وارد مورد الغالب، وإلا فالمراد به ما انتقل إليه المعبر عنه بصاحب الحيوان في جملة من الأخبار (3)، أو أنّه ذكر من باب المثال، دعوى غير مسموعةٍ في مقابلة التنصيص عليه في النصّ والفتوى، سيّما بعد ذكر صاحب الحيوان الذي يراد به صاحبه المنتقل إليه، على أنّه يكفي في نفي الخيار الشكّ في تعلقه به؛ لأصالة لزوم البيع.

ولو تبادلا حيواناً بحيوان بحيث لم يتميّز البائع من المشتري، احتمل تعلّق الخيار بهما؛ لأنّ كلاً منهما بائع ومشتري واحتمل نفيه؛ للشك في تعلقه، واحتمل القرعة.

ويسقط باشتراط سقوطه في متن العقد أو قبله متصلاً به من البائع أو بعده متصلاً به من المشتري ؛ لعموم أدلّة الشروط (4)وفتوى الأصحاب.

ودعوى أنّه منافٍ لمقتضى العقد ضعيفة؛ لأنّه منافٍ للعقد المطلق لا المشروط، على أن الخيار من أحكام العقد المطلق لا من مقتضياته، فهو من الحقوق المشروع إسقاطها بالأسباب الشرعيَّة.

ويسقط بإسقاطه بعد العقد، وبالصلح على إسقاطه، لا على انتقاله.

وفي الأخبار ما يدلّ على أن الالتزام به والرضى مسقط (5).


1) الانتصار : 433، المسألة 245.

2) وسائل الشيعة 18 : 10، الباب 3 من أبواب الخيار، ح 3.

3) راجع الهامش (3) من ص 329.

4) راجع الهامش (1) من ص 328.

5) وسائل الشيعة 18 : 13، الباب 4 من أبواب الخيار، ح 1.

ويصح اشتراط إسقاطه في بعض الزمان دون بعض، وكذا إسقاطه والالتزام به على إشكال في تبعيض ذلك.

ويسقط بتصرّف المشتري فيه، أو إحداث حدث من فعل - متلف أو لا، مغيّر للحيوان أم لا - أو قول - ناقل أو لا، لازم أو لا - بعد تسميته حدثاً وتصرفاً؛ للنص (1)والفتوى المعلقين السقوط على الحدث، فالمدار على ما يُسمّى به عرفاً. ولا خصوصية لحدث دون آخر وإن ورد في بعض النصوص (2)ذكر بعض دون بعض، فذكر بعض الخصوصيات في الأخبار من قبيل المثال، فلا يقيد ما ورد من سقوط الخيار بالحدث مطلقاً؛ لأنّ المفهوم منها بعد ضم بعض إلى بعض والذي فهمه الأصحاب وأفتوا به هو ذلك. نعم، قد يقال: إنّ المفهوم منه عرفاً هو التصرف في المبيع تصرفاً نافذاً بقول أو فعل، فلا تُعد الوصية والهبة قبل القبض منه، ولا يُعدّ اللمس والقُبلة للغلام منه، ولا تُعدّ المحاورة والخطاب منه، ولا يُعد الانتفاع بالضياء والاستظلال بالحائط منه، وإن عد النظر إلى الجارية واللمس منه.

وهل إسقاطه تعبّدي؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وذلك رضى منه» (3)بحمله على إرادة أنّه بمنزلته، أو لكشفه عن الرضى بحمله على إرادة التعليل؛ اقتصاراً على مورد اليقين، فعلى ذلك فلو علم أن تصرفه للاختبار أو بلا قصد، لم يكن مسقطاً.

وفي بعض الأخبار إشعار به حيث أمر برد الشاة مع الأمداد إذا شرب لبنها (4)، وهو متجه. والتصرف بالإكراه، أو التصرّف لضرورة التعيش، أو التصرّف لكونه مالكاً سابقاً كالمستأجر لا يفيد سقوطاً على الأظهر؛ لعدم تبادره من النص.

ثالثها: خيار الشرط وما يتعلق به

ثالثها: خيار الشرط الثابت به لا الثابت بفواته، وهو بحسب ما يشترط لهما أو لأحدهما أو لأجنبي عنهما، أو لهما ولأجنبي أو لأحدهما ولأجنبي، سواء كان الأجنبي عنهما أو عن


1) وسائل الشيعة 18 : 13، الباب 4 من أبواب الخيار، ح 1.

2) المصدر : 13 و 14، ح 301.

3) المصدر، ح 1.

4) المصدر : 26، الباب 13 من أبواب الخيار، ح 1.

أحدهما، كلّ ذلك لعموم النصّ في العقود والشروط (1)وللفتوى والإجماع بقسميه (2)على الظاهر، والأخبار الخاصة (3)الواردة في اشتراط الفسخ على المشتري عند ردّ الثمن بزمن معين، فإنّها بضميمة تنقيح المناط وعدم القول بالفصل وفهم الفقهاء منها: أنّها اشتراط للخيار من البائع، لا اشتراط للفسخ على المشتري فيلزمه خيار البائع عند عدم الوفاء بالشرط يتم المطلوب.

والمناقشة بعموم أدلة الشروط (4)وشمولها لاشتراط الخيار؛ لأنّه منافٍ لمقتضى العقد من اللزوم ويحلّل حراماً غير مسموعةٍ بعد فتوى الأصحاب، وانصراف المحرم والمحلل لغير ما في الباب من المحرمات الأصلية المذكورة في الكتب الفقهية، ومنع منافاة الخيار للعقد مطلقاً لمشروعية الإقالة فيه وهي شبيهة له أو قريبة إليه، أو منع منافاته لمطلق العقد حتّى للمشروط، فلا إشكال حينئذٍ.

ولا بدّ من وقوع الشرط بين الإيجاب والقبول، أو متقدّماً أو متأخراً على وجه الاتصال والبناء عليه.

ويجوز اشتراط الخيار في كلّ من العوضين وفي أحدهما وفي بعض منهما؛ لعموم الأدلّة (5).

ويصح اشتراطه في زمن موصول بالعقد ومفصول عنه طويل أو قصير، أو مفصول وموصول معاً.

ويجوز اشتراط الاجتماع في اشتراط الخيار بالنسبة إلى المتعاقدين والأجنبي، واشتراط الافتراق، ولو ضربت صور اشتراط الخيار بالنسبة إلى الأشخاص والأحوال والأزمنة والأوصاف والكلّ والبعض لانتهت إلى الألوف.

ولا يجوز اقترانه بمدةٍ مجهولة، أو تعليقه بوصف غير منضبط.

وهل يصح إطلاق الاشتراط فيه ؟ فينصرف إلى الثلاثة بحكم الشرع؛ للإجماع المنقول(6)، والشهرة المحكية من القدماء (7)، وبعض الروايات المرسلة في الخلاف (8)، ومفهوم الصحيح


1) المائدة (5) : 1؛ وسائل الشيعة 18 : 16، الباب 6 من أبواب الخيار.

2) تذكرة الفقهاء 11 : 37، المسألة 233.

3) وسائل الشيعة 18 : 18، الباب 7 من أبواب الخيار، ح 1 و 19 و 20، الباب 8 من تلك الأبواب، ح 3،1.

4) راجع ص 328 الهامش (1).

5) وسائل الشيعة 18 : 16، الباب 6 من أبواب الخيار.

6) الانتصار : 434، المسألة 246 الخلاف 20:3، المسألة 25.

7) رياض المسائل 8: 301.

8) الخلاف 3 : 20، المسألة 25.

الوارد في خيار الحيوان (1)على ما قيل (2)، أو ينصرف إلى الثلاثة بحكم العرف، والشرع كاشف عن ذلك، أو يفسد؛ لأدلة الغرر (3)، وشهرة المتأخرين، وضعف الأدلّة المتقدّمة سنداً في الأوَّل، ودلالةً في الأخير ؟ وهذا الأخير أقوى، وتُنزّل الأخبار والإجماعات على إرادة ظهور الثلاث من الإطلاق عرفاً زمن الصدور وزمن نقل الإجماع وفتواهم به.

وهل اشتراط الخيار منهما أو من أحدهما للأجنبي توكيل منهما، فينحل الشرط له إلى كون الخيار لمشترطه، والوكيل على الفسخ هو الأجنبي، فعلى ذلك يصح اجتماع المشترط مع الأجنبي في الخيار، وينعزل الأجنبي بما ينعزل به الوكيل، ويلزم عليه مراعاة المصلحة، أو تمليك له، فلا يشاركه المشترط، ولا يصح عزله، ولا ينعزل بما ينعزل به الوكيل، وترثه ورثته، ويصح الصلح على إسقاطه ولا يلزم عليه مراعاة المصلحة ؟ وجهان.

والأوجه أن يقال: إنّه لا توكيل ولا تمليك؛ لما يظهر من مطاوي كلمات الفقهاء أنّه لا تجري عليه جميع أحكام الوكالة ولا أحكام التمليك، بل هو تحكيم له من المشترط، فلا يصح عزله، ولا ينعزل، ولا يجب فيه القبول منه، ولا يصح الصلح عليه، ولا يورث، إلى غير ذلك مما هو المتيقن من ثبوته ونفي تلك اللوازم، ولو ردّ الأجنبي الشرط لم ينفسخ الشرط، وجازت له المباشرة بعد ذلك.

ويشترط تعينهما لأجنبي، فلا يجوز جعله لواحدٍ مردّد، ولا لواحد من أهل البلد، أو عقلائهم، أو غير ذلك؛ للزوم الغرر.

وعلى أي تقدير فهل يختصّ تحكيمه بمشيئته الفسخ فقط فليس له الالتزام، أو يعتهما حتى لو التزم لم يمكنه الفسخ بعد ذلك ؟ وجهان، وظاهر اشتراط الخيار الأخير.

ويصح اشتراط المؤامرة، وهي الرجوع لأمر مَنْ شاؤوا من المتعاقدين أو أجنبي أو أحدهما معه أو كلاهما كذلك، مجتمعين أو متفرقين أو مختلفين في الكل أو البعض إلى غير ذلك من الصور؛ لعموم الشروط.


1) وسائل الشيعة 18 : 10، الباب 3 من أبواب الخيار، ح 1.

2) راجع مفتاح الكرامة 4 : 561.

3) راجع الهامش (1) من ص 264.

وهل يشترط عليه اعتماد المصلحة في الأمر لشبهه بالتوكيل ؟ الظاهر لا.

وهل إطلاق الرجوع لأمره شامل لما إذا أمر بالالتزام، أو يخص ما إذا أمر بالفسخ فقط ؟ والظاهر أنّه لا يتوقف الالتزام على الرجوع لأمره، بل يتوقف الفسخ فقط، ولا يجوز للمأمور الاستبداد بالفسخ.

ولا يجب عليه الفسخ عند الأمر به، إلا بعد اشتراط الفسخ عند د الأمر، وأما لو اشترط الخيار عند أمره فلا.

ولو أمر بما فيه مفسدة لم يسمع أمره، ولا تجوز متابعته إلا مع التصريح بالمتابعة حتّى مع المفسدة.

ولا بدّ من تعيين المدة وضبطها، كما مر في الخيار المشترط (1).

والظاهر أنّ الأمر مثال، فيشمل الإباحة والإذن والمشورة، بل كلّ وصف وحال من أحوال المتعاقدين أو غيرهما إذا قيد بها الخيار في مدة مضبوطة.

والأولى في جميعها ترك ذكر ما يوهم التعليق، كلفظ «إذا» ونحوها، بل يؤتى بلفظ «عند» وما ضاهاها.

ولا يجب الفسخ عند الأمر فوراً، بل لو تأخر ثمّ فسخ جاز على إشكال.

والظاهر أنّه لا تفاوت في جواز الفسخ بين ابتداء الأمر، وبين كونه بعد الاستثمار. ولو تعدّد المستأمرون، فإن شرط الاجتماع لم يجز الفسخ حتّى يجتمعوا، ولو لم يشترط ذلك فأمر أحدهما دون الآخر، اتبع الأمر بالفسخ ولو أمر الباقون بعدمه.

والأظهر جواز جعل الاستثمار لأحد الشخصين أو لواحدٍ من قرية، أو من العقلاء أو غير ذلك؛ لعدم الغرر فيه، بخلاف شرط الخيار فإنّه غير جائز.

وتجوز المؤامرة في غير البيع من العقود على الأظهر.

ويجوز أن يشترط البائع ردّ المبيع في مدةٍ معينة يردّ فيها الثمن؛ للإجماع والأخبار (2)وعموم الأدلّة.


1) مر في ص 332.

2) وسائل الشيعة 18 : 18، الباب 7 من أبواب الخيار، ح 10 و 19 و 20، الباب 8 من تلك الأبواب، ح 1، 3.

ويلحق بذلك - لعموم الأدلّة وتنقيح المناط - اشتراط المشتري رد الثمن عند ردّ المبيع، من غير تفاوت فيهما بين ردّ الكلّ بالكلّ أو البعض بالبعض أو الاختلاف، ولكن مع ضبط المدة في الجميع خوفاً من حصول الضرر، سواء كانت مفصولةً أو موصولة، أو مفصولةً وموصولة.

ويجوز إطلاق مدة الرد بإطلاق مدة الخيار.

ويجوز تقييد الخيار بعد الردّ شهراً أو نحوه في ضمن تلك السنة، ولا يجوز تقييد مدة الرد وإطلاق مدة الخيار بعدها؛ للجهالة.

وهل يجوز اشتراط ردّ المبيع بردّ عين الثمن، أو برد ثمن آخر لمبيع آخر أو برد ثمن مبيع الغير ونحو ذلك مع ضبط المدة ؟ وجهان، أوجههما الجواز.

وأشكل منه ما إذا اشترط ذلك بوصفٍ آخر أو حالٍ آخر أو غير ذلك. وقد تبنى المسألة على أن اشتراط الردّ بالردّ هل هو على وفق قواعد الشروط وعموماتها فيعم سائر الصور، وذكر الفقهاء للأوّل بخصوصه؛ لأنّه مورد الأخبار، أو أنّه جاء به الدليل بخصوصه، لكونه تعليقاً للخيار أو ما يشبه التعليق فيقتصر فيه على مورد اليقين، أو يفرّق بين تقييده بأداة التعليق فلا يوافق القواعد، وبين تقييده بظرف ونحوه فيوافق ؟ ولا يبعد ترجيح الوجه الأخير من هذه الوجوه.

وليعلم: أن المذكور في الرواية (1)وجملة من الفتاوى (2)هو اشتراط الردّ عند الردّ، وظاهره أنّه اشتراط للغاية، فينفسخ البيع حينئذٍ بمجرد الردّ من دون احتياج إلى أمر، ولكن ظاهر جملة من الفقهاء (3)أنّ هذا نوع اشتراط للخيار، وأنّ التعبير بالرد في الأخبار تعبير باللازم؛ لتوقف الردّ على الانفساخ الموقوف على الفسخ الموقوف على ثبوت الخيار، أو أنّه بنفسه فسخ لدلالته عليه، ولا يحتاج الفسخ للفظ، والظاهر ذلك؛ لاستبعاد كون دفع الثمن بنفسه فاسخاً، وحينئذٍ فيثبت الخيار بعد الردّ، ويكون تلف المبيع ممن لا خيار له بعد ذلك، ولا يجب الفسخ فوراً على الأظهر.


1) راجع الهامش (2) من ص 334.

2) الخلاف 3 : 19، المسألة 22؛ المختصر النافع : 202.

3) راجع الحدائق الناضرة 19 : 35؛ ورياض المسائل 303:8.

336 أنوار الفقاهة / ج 5

هذا كله لو وقع الاشتراط بلفظ الردّ عند الردّ، أما لو وقع بلفظ الخيار فلا شك في توقفه على الفسخ.

ولا يسقط هذا الخيار بالتصرّف قبل الرد؛ لعدم حصوله قبله كالتصرف في المؤامرة قبل الرجوع إلى الأمر على الأظهر في المقامين.

والظاهر من إطلاق اشتراط ردّ المبيع هو ردّ نفس العين لا مثلها ولا قيمتها، إلا إذا تلفت العين أو حال دونها حائل فإنّه ينتقل إلى المثل أو القيمة.

والظاهر من ردّ الثمن المشروط به هو ردّ عينه أو مثله أو قيمته، سيّما لو كان من النقدين؛ لأنّ الظاهر بل المقطوع به هو التصرف به وإتلافه لمكان الحاجة إليه غالباً بل لو كان موجوداً لا يلزم رده بعينه على الأظهر.

ولو شرطا عين الثمن نفسه أو مثله أو قيمته، اتبع الشرط قطعاً.

ولو رد الثمن فوجد المشتري غائباً، قام مقامه الحاكم، وإلا فعدول المسلمين على الأظهر. وليعلم أيضاً: أنّ التصرف مسقط لخيار الشرط والخيار الرد بعد الرد؛ للرواية الدالة على سقوط الشرط بإقامة الثوب في السوق للبيع وإن لم يبعه (1)، ولظاهر التعليل في الأخبار (2)، والإجماع المنقول (3)وفتوى الفحول.

ولو اشترط عدم سقوط خيار الشرط بالتصرف بل كلّ خيار، ففي صحّة ذلك الشرط إشكال.

والأصل جريان خيار الشرط في سائر العقود حتّى الصرف والضمان، خلافاً لمن منعه فيهما (4)، إلا ما دلّ عليه الدليل كالنكاح والوقف.

وأما الإيقاعات فالأصل عدم الجريان إلا فيما دلّ الدليل عليه.

رابعها: خيار الغبن وما يتعلّق به

رابعها: خيار الغبن، وهو الخديعة، وفي عرف المتشرّعة هو زيادة أحد العوضين على

الآخر بما لا يتسامح به عادةً مع الجهل بذلك، أو العقد الموجب لتلك الزيادة.


1) وسائل الشيعة 18 : 25، الباب 12 من أبواب الخيار، ح 1.

2) المصدر : 13 - 14. الباب 4 من أبواب الخيار، ح 1، 3.

3) غنية النزوع 1: 222.

4) منعه ابن إدريس في الصرف كما في السرائر 2 : 244 وكذا الشافعي فيهما، كما في المهذب الشيرازي 1 : 304 و 348: والتهذيب للبغوي 3 : 292.

وهو ثابت بالإجماع المنقول (1)، وفتوى المشهور، وحديث الضرار (2)لإشعاره بالانجبار، ولا شيء ها هنا سوى الخيار حتّى بذل التفاوت، كما هو المشهور بين العلماء الأبرار، وحديث تلقي الركبان (3)المشتمل على الخيار المسبب عن الغبن كما هو الظاهر من الأخبار وفتوى الأخيار. وقد يستدلّ بما جاء من تحريم الغبن والنهي عنه (4)، وقوله تعالى: (تجارةً عن تراض) (5)و «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (6).

وفيه أوّلاً: أن النهي للتنزيه لا للتحريم؛ لمعارضته العمومات الدالة على جواز البيع وغيره، وهو مبني على المغالبة والمغابنة.

وثانياً : أنّه لو كان للتحريم لكان مخصوصاً بما فيه خدع وغرور وتدليس؛ لحرمتها قطعاً، وظهور ذلك منها.

وثالثاً: أنّه لو كان للتحريم لكان متعلقاً بأمرٍ خارج، فلا يفيد شيئاً.

ورابعاً : أنّه لو تعلّق بنفس المعاملة لأفاد فسادها، لا عدم لزومها.

وخامساً: أنّه إن أُريد الرضى صورةً، صح ولزم، وإن أُريد حقيقةً، فسد وحرم، وكذا طيب النفس.

ودعوى انضمام الصوري للحقيقي بعده يفيد لزوماً، وعدمه يفيد صحّة وجوازاً، تحكم. وهو ثابت للبائع بالنسبة إلى الثمن زيادةً، وللمشتري بالنسبة للمبيع نقصاناً، وشمل سائر العقود.

وشرطه الجهل بالقيمة وقت العقد ولو بسهو أو بنسيان، سواء كان مغروراً من قبل البائع أو لا.

ولو تنازعا في العلم وعدمه، فإن كان من أهل الخبرة كان القول قول من ادعي عليه العلم؛ لأصالة اللزوم، ولتقديم الظاهر، وإلا كان القولُ قولَ مَنْ نفى العلم للأصل، ولأنّه أمر لا يُعلم إلا من قبله.


1) غنية النزوع 1 : 224 تذكرة الفقهاء 11 : 68، المسألة 252.

2) راجع الهامش (1) من ص 194.

3) صحيح مسلم 3 : 1157، ح 17؛ سنن أبي داؤد 3 : 269، ح 3437: الجامع الصحيح 3 : 524، ح 1221.

4) وسائل الشيعة 18 : 32، الباب 17 من أبواب الخيار، ح 2 و 17 : 385، الباب 2 من أبواب آداب التجارة، ح 7.

5) النساء (4) : 29.

6) سنن الدارقطني 3 : 26، ح 91.

ولو اتفقا على العلم سابقاً فادعى المغبون طرق الجهل أو النسيان، لم يُسمع قوله، مع احتمال السماع؛ لأنّه أمر لا يُعرف إلا من قبله، وتكليفه البينة عسر، وتكليف منكره اليمين قد لا يمكن؛ لعدم اطلاعه ولكنه مع يمينه لإثبات دعواه.

ولو عرف المغبون القيمة السوقية وعرف ثمن المبيع المدفوع ولكن لم يعرف كونه مغبوناً بالتفاوت، لم يجر عليه حكم المغبون.

ولو تسالما على ترقّي القيمة السوقية واختلفا أنّه هل كان قبل العقد أو بعده، رجع للمعلوم تأريخه فيحكم بتقديمه، ومع الجهل فالأصل لزوم البيع.

وشرطه أيضاً: حصول التفاوت بالقيمة بما لا يتسامح بمثله عادة، ويُسمّى غبناً فاحشاً، وإلا فالبيع مبني على المغابنة، ولا ميزان له من تحديده بنقصان خُمس أو ربع أو ثلث أو غير ذلك.

وتثبت القيمة بالشياع على الأظهر، وبالبينة، وكذا الغبن يثبت أيضاً بالبينة، ومع تعارض البينتين فالترجيح، وحيث لا ترجيح فالأظهر عدم ثبوت الغبن.

وتعتبر قيمة بلد العقد والمتعاقدين والتسليم، فإن اتفقا فلا كلام، وإلا فهل المدار على بلد العقد، أو المتعاقدين، أو التسليم، أو العقد إذا اجتمع مع التسليم، أو المتعاقدين كذلك ؟

ولو لم يكونا عند العقد في بلد، ولا كان التسليم في بلدٍ، فهل المدار على بلد المتعاقدين أو يسقط الغبن ؟

ولو اختلف بلد المتعاقدين، فهل يسقط الغبن، أو يرجح المغبون في بلاده؛ لنفي الضرر (1)، أو غير المغبون؛ لأصالة اللزوم ؟ وجوه تحتاج إلى تأمل وترجيح.

ويعتبر في الغبن زمن العقد ما بين الإيجاب والقبول، فلو ترقى قبل تمام القبول بزيادة أو نقصان بالنسبة إلى البائع أو المشتري كان غبناً، ولو ترقى بعد القبول فلا عبرة به، إلّا فيما يتوقف على القبض فإنّه لا يبعد أنّه لو ترقى فيما بين القبول والقبض يجيئه حكم الغبن كالصرف.

ولا يتفاوت ذلك بين ثمن أو مثمن، في بيع أو في سائر العقود.

ولا يسقط ببذل التفاوت؛ لما فيه من المنّة، فلا يُجبر الضرر بالضرر، وللاستصحاب، مع احتمال السقوط؛ لمقابلة المبذول بعوضه فلا منّة، وللشكّ في الجواز، والأصل اللزوم، ولشبه المبذول بالأرش، والأوّل أقوى.


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

وهل خياره مع العلم فوري؛ اقتصاراً فيما خالف أصالة اللزوم في جميع الأزمان على مورد اليقين من زمن الفور، أو متراخ للاستصحاب، ومنع العموم في اللزوم للأزمان؟ والأول أقوى. والجهل بالخيار عذر.

وهل الجهل بالفورية عذر أم لا ؟ وجهان، والأوجه العدم.

وهل مبدأ الخيار من حين العقد، أو حين العلم بالغبن ؟ وجهان، أوجههما الأوَّل، ويترتب على ذلك أحكام الخيار من التلف وشبهه.

ويسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه، وبالرضى بعد العلم بالغين.

ويسقط بتصرف المغبون فيما انتقل إليه بعد العلم بالغبن تصرفاً منبئاً عن رضاه به، كأن يتصرف فيه من غير إكراه أو نسيان، ومن غير قصد للحفظ أو الإنفاق أو الاختبار؛ لأنّ ظاهر التصرّف - على ما ذكرناه - هو الرضى، كما أشعرت به الأخبار (1).

وأما لو كان تصرّفه فيما انتقل إليه غير منبئ عن ذلك، جاز له الفسخ على الأقوى حتّى مع التلف، أو مع ما يمنع من الرد كالاستيلاد والعتق والنقل بعقد لازم، فيرد العين مع بقائها، والمثل أو القيمة مع تلفها، أو ما هو بمنزلة ذلك؛ جمعاً بين حقى المغبون والمالك.

وما نُسب للأشهر من سقوط الخيار مع التلف وشبهه؛ لأنّ إرجاع غير العين ضرر أيضاً، ولا يقابله ضرر المغبون؛ لإقدامه عليه بسوء اختياره لتقصيره في السؤال وعدم معرفة الحال منظور فيه؛ لأنّ الإقدام بأمر الملك العلّام لا يُسقط حق ضرره المتقدم على حق ضرر غيره، الممكن جبره بالمثل أو القيمة.

ولو كانت العين بتصرّفه ناقصةً أو معيبةً، ردّها مع أرش النقصان والعيب، ولو عمل بها عملاً لا يرجع بأجرة عمله؛ لأنّه في ماله، ولو زادها عيناً تزيد قيمتها بها كان شريكاً.

ولو شغلها بزرع، لزم قلعه عليه، ولا أرش له لو نقص، ولو رضي مالك الأرض ببقائه بأجرةٍ كان له، ولو أراد المغبون قلعه وأراد المالك إبقاءه خوفاً على الأرض من عيبٍ ونحوه، لم تجب إجابته، وكان له قلعه، وعليه أرش الأرض.

ولو كان آجرها، دفع إليه قيمة المنفعة.


1) وسائل الشيعة 18 : 13، الباب 4 من أبواب الخيار.

وأما تصرّف المغبون فيما انتقل إليه قبل العلم بالغبن فلا دلالة له على شيء، وخياره باق.

وأما تصرّفه فيما انتقل عنه قبل العلم بالغبن فلا شيء فيه، ولا يدلّ على شيء.

وأما تصرّفه بعد العلم بالغبن، فإن علم قصده أو علم أنّه ساءٍ أو غافل فلا يدلّ على شيء، وإلا فلا يبعد أن ظاهر التصرّف فيما انتقل عنه فسخ؛ ولأن حمل [ فعل ] (1)المسلم على الصحّة مهما أمكن أولى.

ولا يسقط خيار المغبون بتصرّف الغابن فيما انتقل إليه، بل له الفسخ والرجوع بالعين مع بقائها، وبها مع أرشها مع نقصها وعيبها، ولا يغرم أجرةً لو عمل بها ما يقضي بالأُجرة، والرجوع بالمثل والقيمة مع تلفها ومع ما يمنع من ردّها كالاستيلاد والعتق.

ولو ارتفع المانع، فإن كان قبل قبض المثل والقيمة ردّها بعينها، وإن كان بعده فوجهان: من ردّ نفس العين؛ لأنّها الأصل، ومن إبقاء المثل والقيمة؛ لأنّهما عوضها.

ولو وجدها منتقلةً بعقد لازم، احتمل أنّه كالمانع من الرد، فيرجع بالمثل أو القيمة، واحتمل أن له فسخه؛ لتعلّق حقه بالعين.

ولو عادت إليه بعد النقل، فإن دفع العوض فلا رجوع بالعين، وإلا فالوجهان.

ولو وجدها منتقلةً بعقد جائز، كان له إجبار الغابن على فسخه، وإلا رجع للحاكم، وإلا فسخه هو في وجه.

وإن وجدها مستأجرةً، انتظر فراغها، وأخذ قيمة المنفعة من المغبون؛ لتفويته لها عليه، مع احتمال أن له فسخ الإجارة، أو أن له المسمى.

وإن وجدها مشغولة بزرع، كان له قلعه رضي الغابن أم لا، ولا أرش عليه لو نقص الزرع بقلعه مع احتمال ذلك.

ولو طلب الغابن إبقاء الزرع بأجرة، لم تجب إجابته.

ولو أفسد الأرض بقلعه، لم تجب إجابته للإبقاء.

ولو ادّعى كلّ منهما الغبن وأقام بينةً، احتمل سقوط الغبن عنهما، وبقاؤه لهما معاً، فيكون كلٌّ منهما غابناً ومغبوناً، كما لو كانا من بلدين كلّ منهما مغبون في بلده.


1) أضفت لاقتضاء السياق.

خامسها: خيار التأخير وما يتعلّق به

خامسها: خيار التأخير، وهو تأخير الثمن عن ثلاثة أيام، بأن لا يدفعه إلى البائع لا لغرض أو سهواً أو نسياناً، أو لغرض يعود إليه حتّى لو كان للمقاصة؛ لعدم تسليم البائع له المبيع على إشكال، فإنّ البائع له الخيار بعد الثلاثة أيّام التامة الداخلة فيها الليلتان المتوسطتان مع عدم الانكسار والثلاث مع الانكسار، كما هو المفهوم من هذه التراكيب عرفاً أو شرعاً، يثبت بفهم الأصحاب واتفاقهم واستقراء الموارد الفقهية لما كان معلّقاً على الأيام من حيض أو إقامة أو خيار أو أجل في بيع أو نكاح وشبه ذلك.

ويحتسب المنكسر يوماً تاماً إن كان الكسر قليلاً، ويسقط حكمه إن كان كثيراً، والتلفيق منه ومن اليوم الرابع قل أو كثر هو الأوجه.

فهنا دعويان:

إحداهما: لزوم البيع في الثلاثة، ويدلّ عليها العموم (1)والإجماع، وفي أخبار الجواز بعد الثلاثة (2)دلالة على اللزوم فيها أيضاً.

ويراد بمبدئها تمام العقد، أو العقد والقبض فيما يتوقف على القبض، إلا في الفضولي فيحتسب فيه من حين الإجازة ولو على الكشف على الأظهر مع احتمال احتساب المبدأ

ر، في خيار المجلس من حين التفرّق، لا لأنّ لزوم البيع لا يجامع الخيار؛ لضعفه باختلاف الجهة، بل لإشعار قوله: «فإن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع له» (3)به؛ لأن المجيء مؤذن بالتفرّق، وفي آخر: «فمضت ثلاثة أيام ولم يجى فلا بيع له» وهو حسن. (4).

وثانيتهما: جوازه بعد الثلاثة، ويدلّ عليه الإجماع المنقول (5)بل المحصل؛ لعدم اعتبار ما رواه الصدوق من الانتظار في الجارية إلى شهر وإلا فلا بيع له (6)لشذوذه.

ويدلّ عليه الأخبار الخاصة النافية للبيع ما بين البائع والمشتري أو عن المشتري (7)المحمول على نفي اللزوم بقرينة فهم الأصحاب.


1) المائدة (5) : 1.

2) وسائل الشيعة 18 : 21 - 22، الباب 9 من أبواب الخيار، ح 1 - 4.

3) المصدر، ح 1.

4) المصدر : 22، ح 4.

5) تذكرة الفقهاء 11 : 71، المسألة 256.

6) الفقيه 3 : 203، ضمن الحديث 3767.

7) وسائل الشيعة 18 : 21 و 22، الباب 9 من أبواب الخيار، ح 1 - 3.

ونفي البيع عن المشتري خاصةً في بعضها - ولو أُريد نفي الصحّة لما صحّ - ونفيه عنهما بعض غير مضر؛ لجواز انتفاء الشيء عن المجموع بانتفائه عن واحد، وأن اللزوم قيد ظاهر في البيع فيتسلّط عليه النفي، فهو أقرب من نفي الصحّة، وأن الظاهر من هذا الخيار أنّه إرفاق بالبائع لا إضرار، ومع الفساد ينتقض،الغرض وأن كثيراً ما يستعمل نفي البيع بنفي اللزوم، وإثباته بإثباته، وقد ورد في خيار المجلس التعبير بـ «يجب البيع» (1)أي يلزم، وفي خيار الردّ «وإلا فالبيع لك» (2)وأن سوق الروايات مسوق لدفع توهم لزوم المعاملة لا صحتها، كما يظهر بالتأمل.

ويختص هذا الخيار بالبيع وبالبائع دون المشتري لو لم يدفع الثمن ولم يقبض المبيع؛ لمخالفته الأصل، فيقتصر على مورد النصّ والفتوى.

والضرر الحاصل بالتأخر فى غير ما ورد به الدليل مجبور بالمقاصة وشبهها، فدعوى ثبوت الخيار لمن تعذر عليه قبض الثمن مطلقاً ولو في الثلاثة، غير مسموعة.

ويشترط في هذا الخيار كون المبيع عيناً؛ اقتصاراً على الظاهر من مورد الرواية، فلو كان دَيْناً أو كلّيّاً فلا خيار على الأظهر، مع احتمال عدمه.

وأن لا يكون مؤجلاً ثمناً على الأظهر أو مثمناً في وجه، أو هما معاً في أقل من ثلاثة أيام أو أكثر على الأظهر، مع احتمال احتساب الثلاثة من بعد الأجل بالنسبة إلى الثمن في وجه.

وأن لا يكون صرفاً، وإلا فسد.

وأن لا يكون قد سلّم المبيع تاماً، بل بقي عنده لسهو أو نسيان، أو لقصد المقاصة حيث يسلّمه المشتري الثمن لامتناع أو لغير قصد أو لقصد المقاصة حيث لم يسلّمه المبيع على إشكال.

وتسليم بعض المبيع لا يُسقط الخيار، أخذاً بإطلاق الفتوى والنص، ولانصراف المبيع في الفتوى إلى كله لا إلى أبعاضه.

وفي الصحيح (3)وفتاوى الفقهاء حتّى كاد أن يكون إجماعاً ما يدلّ على اشتراط هذا، فلا يضر خلوّ أكثر الأخبار عنه.


1) وسائل الشيعة 18 : 8، الباب 2 من أبواب الخيار، ح 2.

2) المصدر : 18 - 19، الباب 7 من أبواب الخيار، ح 2.

3) المصدر : 22، الباب 9 من أبواب الخيار، ح 3.

وقبض المبيع بغير إذن كلا قبض؛ لصدق أنّه ما قبض.

و أن لا يكون قد تسلّم الثمن كلّه تامّاً على نحو ما ذكرناه في المبيع، ويدلّ عليه النصّ والإجماع ورواية المحمل (1)، إلا أنّ قبضه هنا من غير إذن مسقط للخيار؛ لصدق أنّه قبض الثمن.

وأن لا يكون قد عرض عليه الثمن فلم يقبله، أو قبله فطلب منه المبيع فلم يدفعه فحبس عنه الثمن لمكان حبس المبيع على الأظهر من الأخبار؛ لظهورها في غير هذه الصورة.

وأن لا يكون قد رضي للمشتري بتأخيره إلى ثلاثة أو أدون ولو إلى ساعة واحدة في وجه؛ اقتصاراً على مورد اليقين نصاً وفتوى.

وأن لا يكون قد أحضر المشتري الثمن بعد الثلاثة قبل الفسخ في وجه قوي.

وأن لا يكون قد اشترط سقوطه في العقد.

وأن لا يكون قد أسقطه البائع بعد الثلاثة أو في أثنائها في وجه.

وأن لا يكون البائع قد طلب الثمن بعد الثلاثة؛ لدلالته على الرضى في وجه قوي.

وأن لا يكون قد تصرّف البائع في الثمن بعد الثلاثة وإن لم يقبضه.

وأن لا يكون قد قبضه بعد الثلاثة وإن لم يتصرّف فيه.

وأن لا يكون له خيار في الثلاثة من أيّ أنواع الخيارات في وجه؛ للاقتصار على مورد اليقين من الصورة الواردة في الأخبار.

واشتراط أن لا يكون للمشتري خيار في الثلاثة أيضاً ضعيف.

وأن لا يكون بعض الثمن أو المثمن مؤجلاً.

ووجه كثير مما قدمنا من سقوط الخيار به هو الاقتصار فيما خالف الأصل على الصورة الواردة في النصّ والمجمع عليها في الفتوى والشكّ في شمول الإطلاق له؛ لانصرافه في السؤال أو الجواب لغيره.

ووجه العدم: شمول كثيرٍ من إطلاقات الأخبار وترك الاستفصال فيها في ثبوت الخيار مما قدمنا ورسمنا، فلا بد من التأمل التام في مثل هذا المقام.


1) وسائل الشيعة 18 : 21 - 22، الباب 9 من أبواب الخيار، ح 2.

ولو تلف المبيع في الثلاثة فمن البائع؛ للأخبار (1)عموماً وخصوصاً؛ وللإجماع المنقول (2)والشهرة المحصلة.

والقول بأنّه من المبتاع (3)ضعيف المأخذ وقليل الاتباع.

نعم، لو عرضه البائع على المشتري فلم يقبله وامتنع من أخذه قوي ذلك؛ لقيام الامتناع مقام القبض.

وكذا لو تلف بعد الثلاثة؛ ترجيحاً لدليل ضمان المبيع قبل قبضه من بائعه على دليل أن ما تلف في زمن الخيار فممن لا خيار له وإن كان مالكاً، كالمشتري في هذا المقام.

لا يشترط الفورية في هذا الخيار لثبوته بالنص، لا بعموم لا ضرر ولا ضرار» (4).

سادسها: خيار ما يفسد من يومه وما يتعلّق به

سادسها: خيار ما يفسد من يومه، فإنّه ينتظر به إلى الليل، فإن جاء بالثمن وإلا فلا بيع له، هكذا مضمون ما ورد فيه (5).

والظاهر أن المراد بذلك - بقرينة نفي الضرار وفتوى الأخيار - نفي اللزوم، لا نفي الصحّة، وأنّ فساده بالمبيت لا بنفس اليوم، وإلا لزم تأخير الخيار عن الفساد أو مقارنته له، ولا ثمرة فيه، بل لا يبعد إرادة أنّ ما يفسده البقاء، سواء بيع ليلاً أو نهاراً، وسواء كان البقاء يوماً أو ليلةً أو بعضهما ولو ساعةً على حسب اختلاف جنس المبيع وزمانه ومكانه، فإنّ لبائعه الخيار في الفسخ فيعود إليه، وفي الإبقاء عنده أمانة إلى أن يفسد فيكون ضمانه من مال البائع للقاعدة المعلومة، إلّا إذا عرضه عليه فلم يقبله فلا يبعد أنّه بمنزلة قبضه حينئذٍ.

وقد يلحق به ما يفسده بقاؤه يومين في ثبوت الخيار في اليوم الثاني، وبقاؤه ثلاثة في ثبوت الخيار في اليوم الثالث.


1) وسائل الشيعة 18 : 23 - 24 الباب 10 من أبواب الخيار، ح 1 : مستدرك الوسائل 13 : 303، الباب 9 من أبواب الخيار. ح 1.

2) الخلاف 20:3، المسألة 24.

3) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 592؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 353.

4) راجع الهامش (1) من ص 194.

5) وسائل الشيعة 18 : 24، الباب 11 من أبواب الخيار، ح 1.

ويلحق بما يخشى عليه من الفساد كلّاً ما يخشى الفساد على بعضه وما يخشى عليه من نقصان عين أو تغيير صفة أو قلّة راغب أو غصب أو سارق أو حرق أو فوات سوق فيؤدي إلى تعطيله.

ويلحق بالمبيع الثمن؛ لأنّه مثله، وبالبيع غيره من أنواع العقود، كلّ ذلك لحصول الضرر بالتأخير وعدم الجابر لذهاب المبيع من مال بائعه.

إلا أنّه قد يناقش في جواز التمسك بعموم نفي الضرار (1)من دون اعتضاده بشهرة أو إجماع؛ لتأديته إلى انفتاح أبواب في الفقه لا تُعدّ ولا تُحصى، ويناقش في تسريته إلى غير البيع؛ لأنّ المتلوف قبل قبضه فيه ليس من ضمان ناقله، ويناقش في تسريته إلى غير ما يخشى تلفه لجواز إبقائه أمانة عنده، أمانة عنده، أو يرجع به إلى الحاكم فيأخذه مقاصةً.

وهل المدار في هذا الخيار نفس الخوف من الفساد ولو لم يترتب عليه، أو الخوف المترتب عليه الفساد، فلو لم يترتب تبيّن أن لا خيار ؟ وجهان، أجودهما الأول؛ لأنّه أنسب بحديث نفي الضرار (2).

ويشترط فيه ما يشترط في خيار التأخير، ويختص بالبيع، ويجبر ضره في غيره بالمقاصة، وتلف المبيع فيه من مال البائع؛ لقاعدة كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من بائعه.

ويختص خيار ما يفسد ليومه بالمعين، ولا يجري حكمه للكلّي، إلا إذا شرطا كون الكلي من فرد بعينه، فلا يبعد هناك ثبوت الخيار أيضاً.

سابعها: خيار كذب الوصف حين العقد أو خلاف الرؤية المتقدمة على العقد

سابعها: خيار كذب الوصف حين العقد، أو خلاف الرؤية المتقدّمة على العقد لا المقارنة له، فإنّهما يوجبان الخيار؛ لحديث الضرار (3)وفتوى الأخيار، ولخصوص بعض الأخبار الواردة في المرئي بعضه دون بعض المثبتة للخيار فيه (4)، وظاهرها وإن كان لا يخلو عن مناقشة مجبور بفهم الأصحاب.

وهو خاص بالمعين دون الكلي، فإنّه يلزم فيه الإبدال دون الخيار، إلا مع اشتراط كون الكلي من فردٍ معيّن موصوف فخرج خلاف الوصف.


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

2) راجع الهامش (1) من ص 194.

3) راجع الهامش (1) من ص 194.

4) وسائل الشيعة 18 : 28 - 29، الباب 15 من أبواب الخيار، ح 1.

وهو يعم البيع وغيره، والبائع والمشتري بالنسبة إلى المنقول إليه والمنقول عنه، كما إذا باع ماله بوصف غيره، أو برؤية قديمة فخرج زائداً على ذلك مما لا يتسامح بمثله.

وقد يجتمع على البائع والمشتري الخيار فيما إذا وصف المبيع لهما ثالث فخرج زائداً من طرف البائع وناقصاً من طرف المشتري، ويُقدّم الفاسخ على المثبت. ولو ظهر خلاف الوصف في بعض دون بعض، ثبت الخيار في فسخ الكلّ أو إبقائه، ولا يجوز التبعيض؛ لحصول الضرر به فلا يجبر الضرر بالضرر والتغيير الجزئي لا عبرة به.

ولا يشترط في هذا الخيار انحطاط القيمة بالتغيير أو قلة الرغبة، بل لو زادت القيمة في ظهور خلاف الوصف كان الخيار ثابتاً على الأظهر.

نعم، لا عبرة بالتغيير الجزئي؛ للتسامح به عادة.

وهل يسقط باشتراط سقوطه في ابتداء العقد ؟ وجهان.

وهل هو فوري أو على التراخي ؟ وجهان، أقواهما الأخير.

ولو شك في تغيّره قبل العقد أو بعده، فإن علم تاريخ أحدهما أخر عنه المجهول، وإلا فالأصل في البيع اللزوم.

ولو وصف له الأدنى فظهر الأعلى، فإن لم يكن له غرض في الوصف فلا خيار له.

ولو اشتراه برؤية مشتبهة عليه باختياره، فلا خيار له على الأظهر.

ويلحق بالرؤية المسموع والمشموم والملموس إذا اختبر قديماً فظهر تغيّره حال العقد. ويشترط في المبيع بالوصف ذكر الأوصاف التي يحصل ضرر وغرر للمنقول إليه بتركها، ولا يجب الاستقصاء؛ لعدم الحاجة إليه، بل ربما يعسر وجوده.

ولو ظهر كذب الوصف أو الرؤية في بعض المبيع، كان له الخيار في الكلّ دون البعض، لا لعدم تبعيض موجب الخيار؛ للزومه تجزئة العقد الممنوعة شرعاً، لورود المنع عليه بجواز التبعيض (1)، وعدم لزوم تجزئة العقد بل المعقود عليه وأحدهما غير الآخر، بل لحصول الضرر كما تقدم.


1) راجع الهامش (4) من ص 345.

ثامنها: في أن الخيار يورث

ثامنها الخيار يورث؛ لعموم الأدلّة (1)، وخصوص ما ورد في إرث الحق(2)، المنجبر بفتوى الأصحاب.

وهل يختص إرثه بوارث المال المتعلّق به الخيار، فلا ترث الزوجة غير ذات الولد خيار الأرض المشتراة لمورثها أو المبيعة بأرض أُخرى، وترث خيار الأرض المبيعة بغيرها؛ لكونها مالاً موروثاً لها وإن لم يترتب لها إرث فيها عند الفسخ أو لا يختص ؛ لأنّه حق موروث ولا تلازم بينه وبين إرث المال ؟ وجهان أظهرهما الأوَّل، بل لا يبعد القول بعدم إرث الخيار المتعلّق بالأرض المبيعة بغيرها؛ لعدم الثمرة المترتبة عليه عند الفسخ، فيشك في شمول دليل الخيار له.

وهل يرث الخيار مجموع الورّاث فلا يصح الفسخ من أحدهم إلا أن يجتمعوا عليه، أو أحدهم حتّى أنّ كلّ واحدٍ له الفسخ؛ لأنّ له الخيار مستقلاً، أو يتوزّع على نسبة رؤوسهم فيتعلق بالمال كذلك، أو على نسبة سهامهم فيتعلّق بالمال كذلك بنسبة سهمه ؟ وجوه، أقواها الثاني.

وعليه فهل يصح لأحدهم فسخ القدر الموروث له فقط دون غيره؛ لأن الخيار بيده، أو لا يجوز؛ لضرر التبعيض على الناقل ؟ وجهان، أجودهما: الأخير.

ولو اختلفوا، قدم الفاسخ على الملتزم، مع احتمال جواز تبعيض المفسوخ ها هنا، وينفذ بحصته دون حصة من التزم.

وخيار الأجنبي لا يرثه وارثه؛ لعدم تحقق كونه تمليكاً.

والعبد المجعول له الخيار ينتقل الخيار إلى مولاه في وجه؛ لأنّ ما يملك لمولاه، مع احتمال عدم الانتقال؛ لشبهه بالتوكيل.

والفرق بين عبد أحد المتعاقدين فينتقل، وبين عبد الأجنبي فلا ينتقل، ضعيف.

ولا يتوقف جعل الخيار للعبد أو فسخه بعد جعل الخيار له على رضى مولاه وإن قلنا: إن فسخه تصرّف فهو منهي عنه؛ لأنّ النهي لا يقضي بالفساد ها هنا.


1) النساء (4) : 7، وسائل الشيعة 26 : 68، الباب 2 من أبواب موجبات الإرث.

2) و هو قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «ما ترك الميت من حق فهو لوارثه» كما في رياض المسائل 8 318 ولم نعثر عليه في مظانها من كتب الأحاديث للعامة والخاصة.

تاسعها: في أن التصرف مسقط لخيار الحيوان والشرط

تاسعها: التصرّف مسقط لخيار الحيوان والشرط بالنص (1)والفتوى، وظاهر إطلاقهما فيهما أنّه مسقط مع ظهور قصد الرضى بالبيع والإسقاط به، ومع عدم ظهور ذلك منه، كالتصرف نسياناً وغفلةً، بل ومع ظهور عدمه كأن يعلم أنّه قصد الحفظ أو الاستخبار أو نحو ذلك.

وقد يمنع في غير الصورة الأولى؛ استصحاباً للخيار بعد تحققه، سيّما في الصورة الأخيرة؛ لعدم انصراف الأخبار إليهما، ولإشعار قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خيار الحيوان فيمن أحدث بالحيوان حدثاً: «فذلك رضى منه» (2)بالتعليل بالرضى في السقوط وعدمه.

ولكن فيه: أنّه في الخبرية وبيان المساواة في الأحكام أظهر، فلا أقل من دخول الصورة الثانية في التصرف المانع، فيكون الأصل السقوط بالتصرف، إلا إذا علم قصد الخلاف.

وعلى احتمال تخصیصه بالاحتمال الأوّل فهل الأصل والظاهر من التصرف هو الرضى حتى يقوم دليل على الخلاف أو أنّ الفعل مجمل لا دلالة فيه ؟ وجهان، أظهرهما الأوّل.

وقد يُحمل الحديث على ذلك، ويراد منه بيان أنّ الأصل والظاهر من التصرف هو الرضى.

وهل التصرّف المسقط في خيار الشرط على الإطلاق حتّى قبل تحقق الخيار فيما لو كان خياره متأخراً، أو خاص فيما بعد حصوله، فلا يُسقط التصرف الخيار المتأخر فيما إذا اشترط تأخره، أو في خيار الردّ، أو في فوات الشرط، أو في المؤامرة إلا بعد حلول وقته وحصول الردّ وفوات الشرط ووقوع الأمر ؟ وجهان، أوجههما: الأخير؛ اقتصاراً على مورد اليقين في سقوط الخيار بعد تحققه، ولم يقم دليل يشمل جميع أزمنة التصرف بإطلاقه.

وجعل الشارع له في خيار الحيوان بمنزلة الرضى فيكون بمنزلة الإسقاط فلا يختص بوقت، لا يعم جميع أنواع الخيار؛ لورود ذلك في الحيوان سؤالاً وجواباً، ولاختصاص سياقه به فلا يعم الجميع، فارتفع ما يحتمل أن يقال: إنّ خصوص المورد لا يخصص الوارد.

ولا يشترط في سقوط الخيار بالتصرف العلم بالخيار من المتصرف؛ لإطلاق الفتوى والنص.

وهل يصح إسقاط سقوط الخيار به باشتراط عدم سقوط الخيار به ؟ وجهان. وهل التصرف فيما انتقل من ذي الخيار فسخ تعبداً، أو إذا دلّ الدليل على ذلك، أو


1) وسائل الشيعة 18 : 13، الباب 4 من أبواب الخيار و 25، الباب 12 من تلك الأبواب، ح 1.

2) المصدر، ح 1.

يُحكم بأنّه فاسخ ما لم يعلم عدم القصد به، أو قصد خلافه ؟ وجوه، أوجهها: أنّه فسخ إذا ظهر منه ذلك بقرائن الأحوال أو الأقوال، أو قضاء عادةٍ أو عرف.

وأما التصرف في باقي أنواع الخيار فلم يدلّ دليل يشمل بإطلاقه جميع أنواعه في سائر أزمنته، فيقتصر فيه على مورد اليقين من إجماع أو حديث نفي الضرار (1)، أو غير ذلك، فلا يكون التصرف مسقطاً في خيار التأخير إلا بعد الثلاثة، ولا في خيار فوات الشرط إلا بعد فواته، ولا في خيار الغبن والعيب والرؤية إلا بعد الاطلاع على الغبن والعيب وحصول الرؤية المخالفة إن قلنا بعدم تحقق الخيار إلا بعد الاطلاع وحصول الرؤية، وإلا فلا.

ولا يكون مسقطاً أيضاً إلا إذا كان في التصرف نوع تغيير للمتصرف فيه، وما لم يكن فيه تغيير فلا عبرة به؛ لأن العمدة في سقوط الخيار به إما الإجماع أو حديث نفي الضرار (2)، والمتيقن منهما هو ما حصل منه نوع تغيير للصورة أو المادة أو الصفة أو القيمة أو الرغبة، إلا في خيار العيب ففيه كلام.

ولا يكون مسقطاً أيضاً إلا إذا دلّ على الرضى أو لم يدلّ على شيء؛ بناءً على أن الأصل والظاهر منه الرضى، إلا أن يقوم دليل على خلافه، وأما لو دلّ على قصد غيره من حفظ أو استخبار أو اتفاق أو وقع سهواً أو غفلةً فلا عبرة به.

ولا يكون مسقطاً في خيار الغبن إلا مع العلم به، وبدون العلم به لا يكون مسقطاً حتّى مع تلف العين أو ذهابها على الأظهر.

وكذا في خيار العيب في وجه قوي.

وكذا في خيار الرؤية أيضاً، فإنّه لا يكون مسقطاً إلا مع العلم بحصول المخالفة على الأظهر.

عاشرها: في أنّه يملك المبيع للمشتري والثمن للبائع بنفس العقد

عاشرها: يُملك المبيع للمشتري والثمن للبائع بنفس العقد؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول (3)، لتعليق إباحة التصرّف كتاباً (4)، وسنّةً (5)على وقوع العقد وحصول الرضى وقد وقعا،


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

2) راجع الهامش (1) من ص 194.

3) رياض المسائل 8 : 318.

4) النساء (4) : 29.

5) عوالي اللآلي 3: 473، ح 3.

ولأنه لو لم يتصف بالصحّة حال وقوعه لما اتصف بتعلّق الخيار؛ لأنّه لاحق للعقد الصحيح، ولأن العقد سبب شرعي في الملك والتمليك كتاباً (1)وسنة(2)، فتوقفه على أمر آخر يحتاج إلى دليل، وليس فليس ولأنّه لو لم ينتقل إلى المتعاقدين لبقي موقوفاً كالفضولي، واللازم باطل.

وللأخبار الدالة على جواز بيع المتاع قبل قبضه (3)مطلقاً من دون تفصيل، والدالة على أن كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه (4)من دون تقييد بمضي زمن الخيار، والدالة على أنّ مال العبد للمشتري (5)مطلقاً أو مع علم البائع من غير تقييد، والدالة على أن النماء والتلف في زمن خيار الشرط من المشتري (6)خاصة، والدالة على أن البيع بعد الشراء(7)من دون تفصيل، أو بعد الملك كما في الصحيح (8).

ولأن قصد البائع الملك ابتداء، فبدونه ينبغي البطلان من رأس، وللسيرة القطعية الحاكمة بجواز التصرف من المتعاقدين زمن الخيار.

فالقول بتوقف الملك على العقد وانقضاء مدة الخيار أو الالتزام بالعقد إما مطلقاً - كالمحكي عن ابن الجنيد (9)- أو إذا كان الخيار للبائع أو لهما - كالمحكي عن الشيخ (10)- أو أنّه يخرج عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري إلا بعد انقضاء مدة الخيار -كما نقل عن الشيخ (11)- ضعيف، وموافق لفتوى العامة بأي معنى كان سواء كان انقضاء مدة الخيار ناقلاً من حينه، أو ناقلاً من أصله، أو كاشفاً له كذلك؛ لضعف دليله.

وما يمكن الاستناد إليه من الأصل وظواهر بعض الأخبار كالتعبير في خيار المجلس


1) المائدة (5) : 1.

2) وسائل الشيعة 18 : 50، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، ح 4.

3) المصدر : 65، الباب 16 من أبواب أحكام العقود.

4) المصدر : 23، الباب 10 من أبواب الخيار.

5) المصدر : 253، الباب 7 من أبواب بيع الحيوان، ج 2، 3.

6) المصدر : 19 - 20، الباب 8 من أبواب الخيار، ح 1، 3.

7) المصدر : 50، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، ح 6.

8) المصدر : 51، ح 8.

9) حكاه عنه ابن فهد الحلي في المهذب البارع 2 : 385.

10) الخلاف 3 : 22، المسألة :29؛ وحكاه عنه في مختلف الشيعة 5: 93، المسألة 54.

11) الخلاف 3 : 22، المسألة :29؛ وحكاه عنه في مختلف الشيعة 5: 93، المسألة 54.

بوجوب البيع (1)والتعبير في غيره بنفيه (2)كخيار التأخير، وكالأخبار الدالة على أن تلف المبيع في زمن خيار المشتري من البائع (3)- لا يعارض ما ذكرنا؛ لما قدمنا من أن التعبير بذلك أمر معلوم وشائع مفهوم في نفي اللزوم، والقاعدة الأخيرة مسلّمة كتلف المبيع قبل قبضه مطلقاً لا مخالف فيهما، فيخصص بهما العموم.

وعلى هذا القول الأخير فلا يصح التصرّف من ذي الخيار ولا من غيره فيما انتقل إليهما، ويكون التصرف ممّن انتقل إليه، كمن باع شيئاً ثم ملكه، ويكون نماء المنتقل للناقل وتكون النفقة عليه، ويكون احتسابه من أمواله في خمس أو زكاة إلى غير ذلك.

وعلى الأوّل يصح التصرف من المنتقل إليه مطلقاً، وتمضى عقوده.

نعم، لو فسخ ذو الخيار احتمل أن له فسخها؛ لأنّها في معرض الجواز، واحتمل بقاؤها والرجوع إليه بالمثل أو القيمة؛ لأنّها بمنزلة التلف واحتمل فوات الخيار منه فليس له الفسخ، واحتُمل بطلان أصل العقود لا لعدم الملك، بل لتعلّق حق الغير فلا ينفذ العقد حينئذٍ، وجوه، أوجهها: الثاني.

وهل التصرف مملك على القول الأخير، كما أنّه ملزم على القول الأوّل ؟ وجهان.

وهل الخيار المؤخّر في بطلان العقد به كخيار التأخير كالمقدم ؟ وجهان. وهذا مما يبعد القول الأخير.

حادي عشرها: حكم ما لو تلف المبيع في البيع قبل قبضه بآفةٍ سماوية أو أرضية أو بقصاص

حادي عشرها: لو تلف المبيع في البيع - دون غيره من العقود؛ اقتصاراً على مورد اليقين، ودون الثمن في وجه قوي، وتنقيح المناط بينهما لم يثبت كمنقول الإجماع (4)- قبل قبضه - المعتبر في باب القبض كلّ بحسبه - بآفةٍ سماوية أو أرضيّة أو بقصاص، أو أتلف نفسه بقتل ونحوه، أو حد أو شبههما مما فرضه الشارع - لا بتلف إنساني من أحد المتعاقدين أو غيرهما - وكان معيّناً لا كلّيّاً، فانتفت أفراده وارتفع وجوده فإنّه يثبت به الخيار بين الصبر والفسخ أو


1) وسائل الشيعة 18 : 6، الباب 1 من أبواب الخيار، ح 4.

2) المصدر : 21، الباب 9 من أبواب الخيار، ح 1.

3) المصدر : 14 - 15 الباب 5 من أبواب الخيار، ح 2، 5.

4) رياض المسائل 8 : 324.

أخذ القيمة، وكان المشتري غير ممتنع من قبضه بعد عرضه عليه فتلفه من مال بائعه، بمعنى انفساخه من حينه، اقتصاراً على مورد اليقين بعد الحكم بصحة العقد والملك، لا من أصله كما احتمله بعضهم (1)، ولا بمعنى ضمانه للمشتري المثل أو القيمة، كما قد يظهر من معنى الضمان.

والدليل على الانفساخ فتوى المشهور، والإجماع المنقول (2)، والرواية العامية(3)، وجملة من الروايات الخاصة (4).

ولو كان التلف من أجنبي سارق أو غاصب مجهول أو معلوم، لم ينفسخ البيع، ورجع المشتري عليه بالمثل أو القيمة، مع احتمال الفرق بين المجهول فينفسخ البيع؛ تنزيلاً له منزلة التلف، وللخبر الدال على أنّ المبيع إذا سرق من البائع كان من ماله (5)، والمعلوم فيرجع عليه.

ويحتمل أنّه يثبت للمشتري الخيار بين الفسخ؛ لحديث الضرار(6)، وبين عدمه فيرجع على المتلف، فإن كان معلوماً أخذ منه، وإن كان مجهولاً انتظر ظهوره.

وكذا لو كان المتلف هو البائع، فإنّ الحكم بالخيار أولى من الحكم بالانفساخ.

ولو أتلفه المشتري قبل قبضه، فالظاهر أنّه بمنزلة قبضه فيذهب من ماله؛ لاستبعاد انفساخ العقد مع ضمان المثل أو القيمة للبائع مع كونه هو المتلف.

ولو شارك الآفة السماوية في التلف الأجنبي أو أحد المتعاقدين، فإن استند الفعل إليها فالحكم بالانفساخ واضح وإن استند إليهما فالحكم بعدمه، وإن استند إلى الكل مجتمعاً أو كان كلّ سبباً مستقلاً لو انفرد، فالظاهر عدم الانفساخ أيضاً؛ اقتصاراً في الحكم المخالف للأصل على مورد اليقين.

ومع الانفساخ يسترجع المشتري الثمن إن دفعه وكان موجوداً، فإن تلف فالمثل أو القيمة.


1) العلّامة الحلي في تذكرة الفقهاء 114:10، المسألة 63.

2) الروضة البهية 3 : 459.

3) مستدرك الوسائل 13 : 303، الباب 9 من أبواب الخيار، ح 1.

4) وسائل الشيعة 17 : 365، الباب 19 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 1 و 18 : 23 - 24، الباب 10 من أبواب الخيار، ح 1.

5) المصدر 18 : 23 - 24، الباب 10 من أبواب الخيار، ح 1.

6) راجع الهامش (1) من ص 194.

ويلحق بالتلف بيعه أو عتقه أو صيرورتها أُمّ ولد للبائع، مع احتمال عودها للمشتري؛ لأنّه بمنزلة الملك القهري.

واحتمال عدم الانفساخ هنا للشكّ في شمول دليله لهذه الصورة، أو احتمال خروجها عن ملك الأوّل وعدم دخولها في ملك المشتري فتبقى بلا مالك، ضعيفان جداً.

ثاني عشرها: حكم ما لو تلف المبيع بآفةٍ سماوية ونحوها بعد قبضه في زمن الخيار المختص

ثاني عشرها: لو تلف المبيع بآفةٍ سماوية ونحوها في عقد البيع دون غيره - بعد قبضه في زمن الخيار المختص، كان التلف ممن لا خيار له، فلو تلف والخيار للبائع فلا كلام أنّه من المشتري؛ لموافقته القاعدة، ولو تلف والخيار للمشتري خاصةً بأصل الشرع كخيار الحيوان - أو بالشرط، كان التلف من البائع للأخبار الواردة في خيار الحيوان وخيار الشرط (1)، والإجماع المنقول (2)، على عدم الفرق بينهما وبين غيرهما، ولفهم العلة من الأصحاب على ما يظهر منهم.

والمراد بتلفه من مال البائع: انفساخ العقد من حينه ورجوع كلّ إلى ماله على ما فهم الأصحاب.

ولا يبعد إلحاق الخيار المشترك بين المشتري والأجنبي وخيار الأجنبي إذا كان باشتراط المشتري خاصةً وخيار عبد المشتري خاصةً بخيار المشتري خاصةً.

ولكن لا يخلو من إشكال؛ لمخالفة الحكم للقاعدة، فيقتصر على موردها.

وكذا إلحاق الثمن بالمبيع إذا كان الخيار للبائع خاصةً، بمعنى انفساخ البيع حينئذٍ، ويكون الثمن من المشتري، فإنّه لا يبعد بل هو الظاهر من الأصحاب، إلا أنّه لا يخلو من إشكال.

هذا إن كان التلف بآفة سماوية ونحوها كما تقدّم، أما لو كان المتلف المشتري فلا ينفسخ العقد بل يذهب المبيع من ماله؛ لأنّه أقوى من التصرّف، ولو كان المتلف البائع أو الأجنبي بقي له الخيار بين الفسخ وذهاب المبيع من مال البائع وبين الإمضاء فيرجع على المتلف بالمثل أو القيمة.

والتالف قبل مدة الخيار - كخيار التأخير - تلفه من مالكه على وفق القاعدة، كما أنّ التالف في الخيار المشترك بين البائع والمشتري أو التالف إذا كان مبيعاً في زمن خيار البائع


1) وسائل الشيعة 18 : 14 و 19، الباب 5 و 8 من أبواب الخيار.

2) رياض المسائل 8 : 324.

خاصة والتالف في الخيار المشترك بينه وبين الأجنبي أو المشترك بين الثلاثة أو المشروط لأجنبي منهما أو من البائع خاصةً أو من المشتري في وجه قوي على وفق القواعد.

ثالث عشرها: حصول الفسخ من ذي الخيار بالقول والفعل

ثالث عشرها: يحصل الفسخ من ذي الخيار بالقول وبالفعل، والظاهر أنّه يحصل بالوطء وبالعقد الناقل أو العتق، ولا يتوقفان على فسخ متقدّم؛ لحلّية الوطء أو نفوذ العقود أو العتق لعدم تسليم حرمة الوطء المحصل للفسخ، وعدم نفوذ العقد المقارن له، مع احتمال تقدير تقدَّم الفسخ والملك آناً ما عند إرادة الفسخ بهما فيقع الوطء والعقد موقعهما.

وكذا الإجازة تحصل بالقول والفعل أيضاً إذا كانا ظاهرين في ذلك.

ولو تصرف غير ذي الخيار بما انتقل إليه، فالظاهر جوازه؛ للأصل، مع احتمال الحرمة؛ لتعلّق حق الغير به، ولكنّه مخالف لظاهر النصّ والفتوى.

ولو رتب عليه عقوداً، قوي القول بنفوذها، ويلتزم بالمثل أو القيمة عند فسخ ذي الخيار.

ويحتمل عدم نفوذها إلا مع الإجازة؛ لتعلّق حق الغير بها.

ويحتمل نفوذها متزلزلاً، فلذي الخيار فسخها، إلا إذا كان مما بني على التغليب كالعتق وشبهه؛ لأنّ الحُرّ لا يعود عبداً.

ولو فعل ذو الخيار فعلاً دالاً على الإجازة والفسخ كما إذا اشترى عبداً بجارية وله الخيار فأعتقهما، احتمل تقديم ما دلّ على الفسخ؛ لقوته، فيصح عتق الجارية، واحتمل تقديم ما دلّ على الإجازة؛ استصحاباً لبقاء عقده، فيصح عتق العبد، واحتمل بطلان العتقين وبقاء العقد على الصحّة والخيار؛ لعدم تحقق ما يوجب الفسخ، وامتناع الحكم بأحد العتقين دون الآخر؛ للترجيح من دون مرجّح، واحتمل صحّة عتق أحدهما واستخراجه بالقرعة.

وإذا فسخ ذو الخيار، فالأظهر كون العين التي في يده أمانة، وكذا عينه التي في يد مَنْ لا خيار له، لا تُضمن إلا بالتعدي والتفريط؛ للأصل، والشكّ في شمول دليل الضمان.

والظاهر أنّه هو المشهور في الصورتين، مع احتمال الضمان في الصورة الأولى؛ لعموم «على اليد» (1)، ولأنّ الفسخ جاء من قبله، فلا يسقط حق غيره، ولشبهه بالمقبوض بالسوم، ولإقدامه على ضمانه، وهو أحوط.


1) مستدرك الوسائل 17 : 88، الباب 1 من أبواب كتاب الغصب، ح 4.

رابع عشرها خيار تبعيض الصفقة، وهو ثابت بالإجماع، والنص، والأخبار (1)، وحديث نفي الضرار (2).

فمن اشترى أشياء على أنّها معدودة أو مذروعة أو مكيلة أو موزونة على نحو خاص فتبين نقصانها، أو كان رآها كذلك فتبين نقصانها، أو كان رآها بالمشاهدة فيما تكفي فيه المشاهدة على نحو فتبين نقصانه عنه، كان له الخيار بين الرد للباقي وأخذ ثمنه، وبين جميع الإمضاء وأخذ الباقي بمقابله من الثمن واسترجاعه الباقي، كما في الخبر (3)، وهو فتوى الأكثر (4)، ويؤيده حديث نفي الضرار (5).

خلافاً للشيخ حيث خير بين الردّ وبين الإمضاء بجميع الثمن(6). وهو قول موهن.

ولا يتفاوت الحال في هذا القسم بين أن يكون النقصان قد وقع قبل العقد أو بعده قبل القبض؛ لأنّ ما قبل القبض مضمون على البائع بمعنى تلفه منه، فيساوي ما قبل العقد في الحكم.

وكذا لا يتفاوت الحال بين بذل البائع النقصان ممّا يساوي الناقص وبين عدمه؛ لإطلاق الفتوى، وحديث نفى الضرار (7).

خلافاً للشيخ فأسقط الخيار بالإتمام بالأرض لو اشتراها على أنّها جربان معينة فظهرت ناقصة، فإنّه إذا أتمها من أرض أُخرى بجنبها مثلها لزم البيع (8)للخبر (9)الدال على ذلك.

وهو ضعيف محمول على عدم التعيين عند الشراء.

ويجري هذا الخيار في جميع العقود، ويتعلّق فيما اتحد ثمنه، تعدد المبيع فيه أو اتحد، بل لو تعدد العقد إيجاباً ومبيعاً واتحد الثمن، أو تعدّد إيجاباً واختلف متعلّقه كبيع وإجارة أو غيرهما مع اتحاد الثمن، لكان كذلك، ولا يدور مدار تعدد القبول وعدمه حكم بعد ما كان الثمن متحداً.


1) منها : ما في وسائل الشيعة 18 : 27 - 28، الباب 14 من أبواب الخيار، ح 1.

2) راجع الهامش (1) من ص 194.

3) راجع الهامش (1).

4) كما في رياض المسائل 8 : 326.

5) راجع الهامش (1) من ص 194.

6) المبسوط 2 : 154.

7) راجع الهامش (1) من ص 194.

8) النهاية : 420.

9) راجع الهامش (1).

القول في النقد والنسيئة

إشارة:

والنقد: هو البيع حالاً بثمن حال، من نقدتُه إذا أعطيته وقبضته، سُمّي به الحال؛ لكونه كالمقبوض بالفعل.

والنسيئة: هو البيع بتأخير الثمن، من النسيء، وهو التأخير.

والظاهر أنّهما حقيقتان شرعيّتان في ذلك، والظاهر اختصاصهما في بيع الكلّي، فلا يجري في الشخصي المتأخر تسليم ثمنه أو الحال.

وفيهما أُمور:

أحدها: حكم بيع الثمن والمثمن كلّ منهما بالآخر إن كانا شخصيين أو كليين أو دينين في ذمتين قبل العقد أو

أحدها: الثمن والمثمن إن كانا شخصيين جاز بيع كلّ منهما بالآخر مع حلول التسليم فيهما ومع تأجيله، ومع الاختلاف، فتجوز الصور الأربع، والظاهر أنّه من غير خلاف.

وإن كانا كلّيين، جاز بيع أحدهما بالآخر حالين، ولم يجز مؤجلين؛ لأنّه من بيع الكالي بالكالئ، وهو ممنوع عند الأصحاب، وورد النهى عنه (1)، وجاز تأجيل الثمن فقط، وجاز تأجيل المثمن، وهو السَّلَم، فهذه صور أربع أيضاً.

وإن كانا دينين في ذمتين قبل العقد حالين أو مؤجلين قبل العقد أو بعده، فهل يصح بيعها بصورها الست؛ للأصل، وعدم دليل مثبتٍ للمنع، أو لا يصح مطلقاً؛ لأنّه بيع دَيْنٍ بدَيْنٍ وهو منهي عنه، أو لا يصح في المؤجلين قبل العقد أو المؤجلين بعده دون الحالين؛ لشبه المؤجلين سيّما بعد العقد ببيع الكالي بالكالئ دون الحالين ؟ وجوه، أحوطها المنع مطلقاً. وسيأتي الكلام عليها (2)إن شاء اللّه.

وإن كانا مختلفين بالكلية والتشخيص، جاز بيع كلّ منهما بالآخر؛ للأصل، سواء في


1) مستدرك الوسائل 13 : 405، الباب 15 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

2) سيأتي في ص 390 وما بعدها.

ذلك المؤجلين أو الحالين أو المختلفين في الصُّور الأربع.

وإن كانا مختلفين بالتشخيص والدينية، جاز أيضاً بيع كلّ منهما بالآخر، سواء في ذلك التأجيل أو التعجيل والتأجيل السابق للدين أو المتأخر بالصُّور الست.

وإن كانا مختلفين بالدينية والكلّيّة، جاز البيع من صوره الست في ثلاث، وهي ما إذا كان أحدهما كلّيّاً حالاً، وامتنع في ثلاث، وهو ما إذا كان أحدهما كليّاً مؤجلاً وكان الثاني دَيْناً حالاً أو مؤجّلاً قبل العقد أو بعده على الأظهر، فهذه ثلاثون صورة ينبغي التأمل فيها.

ثانيها: في أن إطلاق العقد يقضي بالتعجيل

ثانيها: إطلاق العقد يقضي بالتعجيل؛ لاقتضائه الملك المقتضي لدفعه للمالك، وشرطه مؤكد، إلا أن فائدته التسلّط على الخيار عند تأخيره، سواء اشترط التعجيل مطلقاً أو التعجيل في وقت خاص فأخره عن ذلك الوقت.

ويجوز اشتراط التأجيل إذا كان مضبوطاً آخره بما لا يحتمل الزيادة والنقصان من جهة وقوعه كقدوم الحاج، أو من جهة عدم العلم به كظهور الصاحب وقيام الساعة، أو من جهة اشتباه لفظه لكونه قدراً مشتركاً كيوم جمعة أو شهر رجب، أو لكونه مشتركاً لفظياً كربيع وجمادى وطلوع الشعراء، كلّ ذلك لمكان الغرر، من غير فرق بين التحديد بحرف الجرّ أو التحديد بالشرط، إلا إذا انصرف ظاهر الخطاب إلى أوّل جمعة وأول رجب، كما هو الظاهر من تعريف أيام الأسبوع، أو إلى أوّل الربيعين وجماديين.

ولا فرق بين المدة القصيرة والطويلة ولو زادت على العمر، فلو مات مَنْ عليه الأجل حلّ ما عليه، ويكون لوارثه الخيار؛ لأنّ للأجل قسطاً من الثمن، فيكون كتبعيض الصفقة وجه قوي.

ولو أجل لقيام الساعة احتمل بطلان العقد، وصحته معجّلاً؛ لكونه من الشرائط الملغاة. وهل تأجيل الثمن حقٌّ للمشتري فقط، فلا يجوز للبائع مطالبته قبله، وإلا فلو دفعه إليه قبله وجب قبوله، أو حق لهما، فلا يجب على البائع القبول ؟ وجهان، أوجههما: الأخير.

ثالثها: اشتراط تعيين الثمن والمثمن والجزم في البيع

ثالثها: يشترط في البيع الجزم والتعيين في ثمن أو مثمن، فلو باع شيئاً بأحد الثمنين مطلقاً، أو بأحدهما على تقدير دفعه في زمان أو مكان أو حال أو وصف وبالآخر على

تقدير آخر، أو اشترى بشيء أحد المبيعين مطلقاً، أو أحدهما على تقدير والآخر على تقدير آخر، أو باع أحد الشيئين بأحد الثمنين على تقدير والآخر بالآخر على تقدير آخر، بطل البيع؛ للأصل، وعدم انصراف أدلة العقود جنساً ونوعاً لما اشتمل على ذلك، وللغرر والجهالة، ولما ورد من النهي عن شرطين في بيع طين في بيع (1)وعن بيعين في بيع (2)، الشامل لمفروض المسألة، المؤيَّد بفتوى المشهور، وبقاعدة الجزم في العقود المسلمة عندهم، وبظاهر الاتفاق على بطلان تأثير المردّد فيه على أنّ أثره التخيير فيه، كما هو المفهوم منه.

فعلى ما ذكرناه لا يصح بيع شيء بثمنين أقل أو أكثر الأقل في مقابلة الحلول والأكثر في مقابلة التأجيل، أو الأقل في مقابلة الأجل الناقص والأكثر في مقابلة الزائد؛ لما ذكر.

وذهب الشيخ إلى أنّ للبائع أقل الثمنين إلى أبعد الأجلين(3)استناداً لرواية النوفلي عن السكوني (4).

وهو ضعيف لا يعارض ما قدمنا؛ لضعفه سنداً، ولاشتماله على ما لا تقتضيه القواعد؛ لأن العقد إن صح فالمذهب التخيير، وإن فسد كان الثمن سحتاً، فدفع أقلّ الثمنين في أبعد الأجلين تجارة عن غير تراض وأكل مال بالباطل، والاستناد إلى الصحيح الآتي (5)غير صالح؛ لإجماله، وعدم وضوح دلالته.

ودعوى أنّه من باب الأسباب الشرعيَّة والأحكام القهرية جاء به الدليل، لا من باب تأثيرات العقود الاختيارية والنواقل الوصفية، لا وجه لها؛ لافتقار الحكم بها إلى دليل واضح وبرهان لائح.

ولا يتفاوت الحال في هذا الحكم بين بقاء العين أو تلفها.

ويجب مع تلفها رد المثل أو القيمة.

خلافاً لجمع من أصحابنا (6)، فأوجبوا أقلّ الثمنين في أبعد الأجلين، زاد عن قيمته أو نقص عنها، واستندوا للإجماع المنقول (7).


1) وسائل الشيعة 18 : 58، الباب 10 من أبواب أحكام العقود، ح 6.

2) المصدر : 37 - 38 الباب 2 من أبواب أحكام العقود، ح 54.

3) النهاية : 388.

4) وسائل الشيعة 18 : 37، الباب 2 من أبواب أحكام العقود، ح 2.

5) يأتي بعيد هذا.

6) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة : 595؛ والشيخ الطوسي في النهاية: 387 - 388؛ وابن الجنيد الإسكافي والقاضي ابن البراج على ما حكاه عنهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 151 - 152. المسألة 113.

7) رياض المسائل 8: 332، الهامش (3).

وهو ضعيف بمخالفته القواعد، ولفتوى المشهور.

وللصحيح «مَنْ باع سلعةً فقال: إنّ ثمنها كذا وكذا يداً بيد، وكذا وكذا نظرة، فخُذ بأيّ ثمنٍ شئت، وجعل صفقتهما واحدةً، فليس له إلّا أقلهما وإن كان نظرة» (1).

وفيه: أنّه مجمل الدلالة يخالف طرفاه وسطه، وظاهره مشعر بما قاله الشيخ سابقاً، وليس فيه دلالة على التلف بوجه، وليس فيه تصريح بوقوع الإيجاب على ذلك النحو عند التزام صيغة البيع، ولا وقوع القبول، فليطرح أو يُحمل على وقوع الترديد بالمقاولة قبل البيع وعلى إرادة الإرشاد إلى الأخذ بالأقل من النفي وما بعده، أو يُحمل على الأمر بأخذ ثمن معين ونفي جواز الترديد وأنّه ليس له حينئذٍ إلا الأقل فتأمل، أو يُحمل على أن الأقل هی قیمته بعد التلف أو غير ذلك.

وعلى القول الأوّل أو الأخير فالحكم مخالف للقواعد، فيقتصر فيه على مورد الروايات من البيع والترديد بين ثمنين وأن أحدهما حال والآخر مؤجل، فلا يسري للمؤجلين قريباً وبعيداً - كما نسبه بعض (2)للأصحاب - لخروجه عن مورد الرواية.

رابعها: حكم شراء ماباعه نسيئةً قبل حلول الأجل نسيئةً ونقداً

رابعها: يجوز شراء ما باعه نسيئةً قبل حلول الأجل نسيئة ونقداً، بنقصان وبزيادة بجنس الثمن وبغيره؛ للعمومات (3)، ولخصوص ما جاء في ذلك (4)، ولفتوى الأصحاب.

وفي بعض الأخبار ما يدلّ على النهي عن البيع نسيئة على من كان مطلوباً له بطعام أو بقر أو غنم (5).

وهو مجمل لا تصريح فيه بالنهي عمّا نحن فيه مع أنّه مخالف للفتوى والرواية فليحمل على الكراهة.

هذا كله إذا لم يشترط الشراء حين البيع، وإلا لم يجز الشراء ثانياً، قيل: بلا خلاف(6).


1) وسائل الشيعة 18 : 36 - 37، الباب 2 من أبواب أحكام العقود، ح 1.

2) السيد الطباطبائي في رياض المسائل 8: 333.

3) البقرة (2) : 275، النساء (4) : 29.

4) وسائل الشيعة 18 : 40 و 41 الباب 5 من أبواب أحكام العقود، ج 1، 3.

5) المصدر : 45، الباب 6 من أبواب أحكام العقود، ح 8.

6) قاله الطباطبائي في رياض المسائل 8 : 334.

وتدلّ عليه رواية قرب الإسناد: فيمن باع ثوباً بعشرة فأراد شراءه بخمسة، قال: «إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس» (1).

وظاهرهم أن الشراء الثاني ليس ممنوعاً مع الشرط تعبداً مع صحّة البيع الأوَّل، بل ممنوع؛ لفساد العقد الأوّل أيضاً، بل ظاهرهم شمول ذلك لبيع النسيئة وغيره بل شموله لسائر العقود؛ لأنّهم علّلوا المنع بأن بيعه ثانياً عليه موقوف على ملكيته له الموقوفة على بيعه، وبعدم القصد إلى نقله إلى المشتري مع الشرط.

وهما ضعيفان:

أما الأوّل: فلأن التوقف على حصول الشرط هو لزوم البيع لا صحته، غايته أن تملك البائع موقوف على تملك المشتري، وأمّا تملك المشتري فلا يتوقف على شيء؛ ولأنّ هذا جارٍ في سائر الشروط كشرط العتق وشرط بيعه للغير، ولا قائل ببطلان البيع فيها قطعاً، على أن اشتراط بيعه بعد الأجل ممّا يوجب تخلّل ملك المشتري، فلا وجه لمنعه.

نعم، لو شرط في بيعه أنّه بعد بيعه يكون مبيعاً عليه، كان من البيعين في بيع، وهو ممنوع. وأما الثاني: فلأن اشتراط بيعه منه ثانياً ممّا يؤكد القصد إلى البيع الأوّل لا مما ينافيه.

والحق جواز البيع الأوَّل، وصحة الشرط، وجواز البيع الثاني، إلا أن ينعقد إجماع على عدم جواز البيع الثاني أو بطلان البيع الأوَّل، فلا تسوغ مخالفته.

وما استند إليه بعض المتأخرين (2)مما ورد فيمن يشتري المتاع ثم يبيعه ثم يشتريه مكانه، فقال: «إذا كان بالخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع، وكنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر فلا بأس» (3)مجمل لا يصلح أن يكون شاهداً لدعوى البطلان مع الشرط. وغايته تحريم الشراء ثانياً وهو غير المراد.

وأما شراء ما باعه نسيئة بعد حلول الأجل فجائز بجميع صوره؛ لعموم الأدلّة وخصوصها (4)، إلا فيما إذا شراه بجنس ثمنه الذي باع به أوّلاً بزيادة أو نقصان ففي جوازه قولان وروايتان،


1) قرب الإسناد : 267، ح 1062.

2) السبزواري في كفاية الفقه 1 : 480 - 481.

3) وسائل الشيعة 18 : 41 - 42، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، ح 4.

4) البقرة (2) : 275؛ النساء (4) : 29؛ وسائل الشيعة 18 : 40 و 41، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، ح 3،1.

أشهرهما رواية (1)وفتوى الجواز، وجملة منها وإن كان ظاهرها الاستيفاء من المشتري لما عليه لا الشراء منه إلا أنّها بإطلاقها شاملة للوفاء والشراء.

والأُخرى - وأفتى بها الشيخ (2)-: المنع، وهي ضعيفة عن مقاومة الأخبار سنداً وعدداً ودلالة؛ لأن في إحداهما النهي عن الشراء بعد الأجل مطلقاً، وأنّه لا خير فيه (3)، وفي الثانية الأمر بالأخذ بسعر بسعر يومه (4)، فمضمون الأولى لا يقوله أحد، فحملها على الكراهة سيّما بضميمة قرينة قوله: «لا خير فيه» خير من حملها على النهي عن فرد خاص والاستدلال به على المطلوب والمجاز هنا خير من التخصيص، ومضمون الثانية لا دلالة فيه على النهي عن الأخذ بزيادة أو نقيصة، والأمر بالأخذ بسعر يومه أعمّ، والعام لا يدلّ على الخاص، على أنّ موردهما الطعام، فلا تعمّ سائر أفراد المقام.

خامسها: عدم وجوب دفع الثمن والمبيع قبل الأجل إن كان مؤجلاً

خامسها: لا يجب على المشتري دفع الثمن قبل الأجل ولا على البائع دفع المبيع كذلك لو كان مؤجلاً، ولا يجب القبول على البائع لو دفع إليه الثمن قبل أجله، وكذلك المشتري بالنسبة إلى المثمن على ما نُقل عليه الإجماع (5)ونطق به ظاهر الأصحاب، ولولا ذلك لأمكن القول بالوجوب، سيّما لو كان الاشتراط من المديون لغرض التوسعة عليه وللإرفاق بنفسه، أو منهما مراعاةً لحال الغريم، لا تحديداً لابتداء التأدية.

ولو اشترط المديون عليه القبول إذا جاء به قبل الأجل، صح الشرط، ولزمه القبول، والتأجيل ليس تعليقاً للإنشاء؛ لامتناع التعليق فيه ولا تعليقاً أو تأخيراً للملك؛ لأن أثر العقد لا يؤثر، وإنّما هو تحديد للتأدية، فقبل الأجل لا يجب الأداء وإن تحقق الشغل وصح ضمانه. والأجل حق يصح الصلح على إسقاطه، فيطالب فوراً.

وهل يسقط بالإسقاط من دون صلح كسائر الحقوق ؟ يحتمل ذلك، والأوجه خلافه، حتى أنّه لو أسقطه جاز أن يعود إليه.


1) وسائل الشيعة 18 : 306 - 308، الباب 11 من أبواب السلف، ح 8، 10، 11.

2) النهاية : 388.

3) وسائل الشيعة 18 : 311 - 312، الباب 12 من أبواب السلف، ح 3.

4) المصدر : 312، ح 5.

5) رياض المسائل 8 : 336.

ويجوز الصلح على الدين ببعضه حالاً، كما دلّ على ذلك النصّ (1)والفتوى، ويكون بمنزلة الإبراء، ولا يحتاج إلى صيغة الصلح على الأظهر في الأخبار.

وربما يقال: إنّه عقد مستقل جاء به الدليل.

ولا يجري لسائر المعاوضات؛ لاتحاد العوض والمعوّض، فيقتصر فيه على مورد اليقين، كما لا يجوز تأجيل الحال أو زيادة المؤجل بأزيد منه؛ للزوم الربا في القرض إن شرط في عقد القرض والربا في المعاوضة إن اجتمعت فيه شرائط الربا، ويجوز إن لم يشترط في القرض، أو يكون فيه مانع الربا.

ولو دفع الغريم الدين بعد حلوله للديان فأبى أن يقبله، دفعه للحاكم وبرئ من ضمانه، ولا يبعد أنّ له ذلك إذا كان الدّيّان غائباً؛ لأنّ شغل الذمة ثقيل.

وربما يقال بعدم الاحتياج للرجوع إلى الحاكم، بل له تعيينه عند الامتناع وطرحه عليه، أو إبقاؤه عنده أمانةً، ويبرأ من ضمانه ما دام لم يتصرف فيه، كما إذا لم يمكنه الرجوع إلى الحاكم.

وهل مع تعيينه وإبقائه عنده أو طرحه عليه يكون للديان ونماؤه له، أو هو باق على ملك المديون ولكن ذمّة المديون تفرغ بعزله وطرحه عليه إبقائه عنده أمانةً، فإن تلف كان مال البائع، عقوبةً له على امتناعه ؟ وجهان.

ومن باع أو نقل مرابحة أو مواضعة أو تولية من دون ذكر أجل بعد أن انتقل إليه بأجل. صح البيع؛ لعموم الأدلّة (2)والإجماع، وكان له الخيار؛ لحديث نفي الضرار(3)، ولفتوى المشهور من الأخيار.

وقيل: إن للمشتري من الأجل مثل ما كان له قهراً بحكم الشارع (4)، سواء قصد المشتري الحلول أو قصد شراء المبيع على نحو شرائه سابقاً؛ للأخبار (5)المعتبرة، وفيها الصحيح، وفيها مَنْ أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه(6).


1) وسائل الشيعة 18: 448، الباب 7 من أبواب كتاب الصلح.

2) البقرة (2) : 275: النساء (4) : 29.

3) راجع الهامش (1) من ص 194.

4) ممن قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 389.

5) وسائل الشيعة 18 : 82 - 83، الباب 25 من أبواب أحكام العقود، ح 1 - 3.

6) وهما صفوان والحسن بن محبوب راجع اختيار معرفة الرجال : 556، ح 1050.

والقول به لا بأس به من جهة الأخبار المعتبرة الصريحة المعمول بها في الجملة، وحملها على استحباب التأخير عن المطالبة من البائع بعيد.

وعليه فهو حكم شرعي يختص بالبيع ثانياً، ولا يجري إلى غيره؛ اقتصاراً على ما في الأخبار، ويختص بالمرابحة أيضاً؛ لذلك، ويختص بالبيع الحال، فلو باعه بأجل - مساوٍ للأجل الأوَّل، أو ناقص، أو زائد - لم يكن عليه مثل ذلك الأجل، ويختص بما إذا لم يشترط عليه أنّه إذا تبين لك الأجل فليس لك علَيَّ أقل.

ويجوز تأجيل القرض الحالّ بعقد لازم فيلزم التأجيل، ولا يلزم لو كان التأجيل بنفس عقد القرض.

وكما يجوز التأجيل بالعقد اللازم يجوز جعل مال عوض التأجيل بذلك العقد أيضاً في مقابلة غير الأجل حيلةً، ويشترط التأجيل فيه، فيجوز أن يقول في الأوّل: «بعتك كذا بكذا على أن لا تطالبني بدينك إلى سنةٍ» ويقول في الثاني: «بعتك هذا - وهو يسوى عشرة - بمائة على أن أؤجل لك الدين إلى سنة» ويكون هذا حيلة في تأجيل الدين بربح.

ويدل على جوازه عموم الأدلّة (1)، والشك في شمول أدلة المنع من الربا له، وخصوص الأخبار (2)المتكثّرة المعتبرة الدالة على جواز بيع ما يسوى قليلاً من المال بكثير على أن يؤجل له الدين، فالحكم لا شبهة فيه.

ولا يجوز جعل مال عوض التأجيل بحيث يكون هو العوض، لا بصلح ولا بغيره، وحكمه كحكم جعل مالٍ في عقد القرض في مقابلة الأجل في كون كلّ منهما رباً ونفعاً في نفس القرض.


1) البقرة (2) : 275؛ النساء (4) : 29.

2) وسائل الشيعة 18 : 54 - 55، الباب 9 من أبواب أحكام العقود، ح 1 - 6.

القول فيما يدخل في المبيع وفي كلّ منقول بعقد معاوضةٍ أو مجاني كالهبة والوقف والوصية

في أنّ ما يدخل في المبيع إما أن يكون بحكم الشرع أو بحكم العرف واللغة

وهو قسمان:

أحدهما: ما يدخل بحكم الشرع إما تعبداً كالوصية بالسهم والجزء مثلاً، وإما لكونه من الأسباب الشرعيَّة لذلك، وهو قريب لذلك، وإما لكونه كاشفاً عن العرف.

وضابطه: كلّ شيءٍ حكم الشارع بدخوله، ولم يدلّ عليه عرف أو لغة، أو كان مقصوداً للمتعاقدين. ويمكن تنزيل غير المؤبر من ثمر النخل في بيع النخل على ذلك، وكذا تنزيل ما جاء من تبعية الحمل للحامل في بعض الموارد (1)، وما جاء من أنّ من اشترى نخلة أو استثناها من بيع البستان كان له المرور دخولاً إليها وخروجاً منها ومدى جرائدها من الأرض (2)على ذلك على ما ذكرناه.

وثانيهما: ما يدخل بحكم العرف واللغة، ومعناه: أنّه يدخل في بيع شيء مذكور بلفظه أو بالإشارة إليه بقرينة أو إضمار أو فعل بيع شيء آخر معه، فيكونان مبيعين في بيع واحد، كما أنّ الأمر بشيءٍ أمر بمقدمته، أو نهي عن ضدّه.

وليس المراد أنّه يدخل بنفس لفظ المبيع؛ ضرورة خروج كثير مما يدخل في بيع شيءٍ عن مصداقه، كنعل الدابة وثياب العبد، ولا المراد أنّه يلزم المبيع عقلاً أو عرفاً؛ ضرورة أنّ المكان من لوازم المبيع ولا يدخل في بيعه، والحائط من لوازم السقف ولا يدخل في بيعه. نعم، ما يدلّ عليه المبيع مطابقة أو تضمّناً لا ريب في دخوله؛ لأنّه نفس بيعه، وحينئذٍ،


1) وسائل الشيعة 23 : 106، الباب 69 من أبواب كتاب العتق و 123، الباب 5 من أبواب كتاب التدبير... ح 3.

2) المصدر 18 : 90 - 91، الباب 30 من أبواب أحكام العقود.

فالضابط إما صدق المبيع عليه لغةً أو عرفاً، أو كونه مدلولاً له تضمّناً، أو كونه مما يحكم العرف ببيعه عند بيع ذلك الشيء إما على سبيل القصد التفصيلي وملاحظته من غير إجمال، أو على سبيل القصد الإجمالي بحيث لو سئل عمّا باع لقال: بعت هذا وهذا.

وهذا لو خُلّينا والقواعد لمنعنا بيع ما لا يدخل في لفظ المبيع؛ لعدم وقوع لفظ البيع عليه، لعدم استعمال لفظ المبيع فيه قطعاً، وعدم تقديره ونصب قرينة عليه وقت البيع، بل قد لا يستحضره حين العقد، فلم يتعلّق به بيع إلا ضمناً على جهة الإجمال، وكون مثل هذا الإجمال في قصد النقل والانتقال ممّا يكفي محلّ نظر وسؤال، إلا أن ظاهر بعض الأخبار (1)وفتوى الأخيار والسيرة القطعية في الباب ممّا حكمت بصحة هذا النقل وترتب أثره عليه، فلا محيص عن الحكم بذلك، وكما دلّت على أصل الحكم دلّت على اغتفار الجهالة فيه، والاكتفاء بالقصد الإجمالي إليه حتّى لو صُرّح به وأخذ شرطاً أو جزءاً، كما يظهر من السيرة وفتوى الأصحاب، وهذا معنى قولهم: يغتفر في الثواني والتوابع ما لا يغتفر في الأوائل والمتبوعات، فلا يشترط العلم به قدراً أو مشاهدة أو عدداً.

ولا يشترط كونه عيناً، بل يدخل ولو كان منفعةً أو انتفاعاً، فينتقلان بعقد البيع وإن لم يصح إجراء صيغة البيع عليهما، كما يملك مشتري الثمرة إبقاءها على النخلة بعقد بيعها وشرائها، وكذا مشتري الزرع ومشتري الأشجار، ويكون ذلك من قبيل الشرائط الضمنية، إلا أنّ الفرق بينها وبين الشرائط الابتدائية: أنّ الابتدائية لا تلزم إلا بالتصريح بها، بخلاف هذه التابعة لعقد البيع فإنّها تلزم وإن لم يصرح بها.

والمدار في كشف قصد المتعاقدين كون هذا مما يدخل في بيعه بحسب عرفهما الخاص، وهو مقدم على غيره؛ لأنّ الظاهر أنّ المتكلّم يتكلّم بعرفه، والحقيقة الشرعيَّة من العرف الخاص عند أهل الشرع، فإن لم يكن لهما عرف خاص كان المدار على العرف العام؛ لأنّه الظاهر عند فقد الخاص، فإن لم يكن فاللغة؛ لما ذكرنا.

هذا إذا علّقا البيع على نفس الاسم من دون ملاحظة، أو قصدا الإجمال، أو شكا بقصدهما. أو لم يعلم الغير قصدهما، وإن عُلم أنّهما قصدا خلاف ذلك، كأن قصدا خروج ما هو داخل


1) وسائل الشيعة 18 : 90، الباب 29 من أبواب أحكام العقود، ح 1.

عرفاً، اتبع قصدهما قطعاً، وإن انعكس الأمر فعلم أنّهما قصدا دخول ما كان خارجاً عند أهل العرف على وجه أنّهما يدخلاه تبعاً، لا على أنّ اللفظ المذكور مستعملاً فيه وفي معناه مجازاً، ففي صحّة البيع إشكال، وإن كان الأوجه الصحّة، ويكون كالبيع المضمر.

ولو اختلف اصطلاحهما في الداخل والخارج وجب البيان، وإلا بطل البيع؛ للجهالة، سواء علما اختلاف الاصطلاح أو لم يعلما.

وهنا أُمور:

أحدها: في أنّه لا يدخل في بيع الأرض وما في معناها ما كان مثبتاً فيها

أحدها: لا يدخل في بيع الأرض وما في معناها ما كان مثبتاً فيها من زرع ونخل أو شجر، كان بقاؤه زمناً طويلاً أو قصيراً، كان فوق الأرض أو كان كائناً فيها؛ للأصل وقضاء العرف، سواء قال «بحقوقها» أو لم يقل؛ لأنّ أهل العرف لا يريدون بالحقوق إلا مجرى ماء الأرض وممرها ونحو ذلك، خلافاً لمن قال بالشمول إذا قال: «بحقوقها» (1)استناداً لما لا يصلح سنداً (2).

نعم، لو قال: «ما دار عليه سورها أو أُغلق عليه بابها» دخل؛ المكان العرف والعموم.

ويشترط معلوميته إن كان ظاهراً، وإن كان مستوراً من شأنه ذلك -ككثير من الأحجار وجملة من المزارع - كفى رؤية ما ظهر، وبه يندفع عرفاً الغرر سيّما في التوابع والثواني.

ومع عدم دخول ذلك فلو وُجد وعلم به المشتري فلا خيار ويجب عليه إبقاؤه مدة بقائه عرفاً، فالزرع له مدّة، والشجر له مدة، والنخل له مدة، ولا يجبر المشتري البائع على القلع، سواء تضرّر البائع بالقلع أم لا، وسواء تضرّر المشتري بالإبقاء أم لا، بل لو تضرر البائع بالإبقاء لكان له الإبقاء أيضاً، كلّ ذلك لأنّه حق من حقوقه قضى به عقد البيع ضمناً، فيكون كالشرائط الضمنية عرفاً الصادرة من البائع على المشتري، أو الصادرة من المشتري على البائع، كما إذا اشترى ثمرةً أو اشترى زرعاً أو اشترى نخلاً أو شجراً، فإنّ للمشتري الإبقاء في ملك البائع قضاءً لحق العرف وتنزيلاً لهذا الشرط الضمني منزلة المصرح به، بل لو صرح به كان مؤكداً.


1) كالشيخ الطوسي في المبسوط 2: 105؛ وابن زهرة في غنية النزوع :1 : 231 وابن البراج في المهذب 1 : 376؛ وابن حمزة في الوسيلة : 240.

2) راجع ص 365 الهامش (1).

ويغتفر في هذا الشرط الجهالة في المدة؛ لكونه تابعاً عرفاً فيغتفر فيه ما لا يغتفر في المتبوع. ويملك البائع والمشتري الانتفاع لا المنفعة؛ لأنّه مورد اليقين، فلو قلعه أحدهما أو انقلع بآفةٍ سماوية لم يكن لأحدهما على الآخر شيء.

نعم، لو قلع أحدهما قبل أوانه كان للآخر إرجاعه إن أمكن، وتجب تبقيته إلى أوان حصاده ودياسته وتصفيته ونقله، ولا يجوز له قلعه وإن لم يحصل بالقلع ضرر، أو دفع أرش النقصان.

ولو خرج الزرع الخاص عن معتاد الزرع المتعارف، فالظاهر جواز قلعه لمالك الأرض، ولا يجب إبقاؤه ولو دفع إليه أجرة على الإبقاء، وكذا لو تضرّر البائع بالقلع ولم يتضرّر المشتري، مع احتمال وجوب الإبقاء على المشتري مع تضرّر البائع وعدم تضرره وبذل الأجرة.

ومع عدم علم المشتري فله الخيار بين الفسخ وبين الإبقاء مجاناً، وليس له الأرش؛ لاختصاصه بالعيب، ولا أُجرة له لو طلبها أيضاً، مع احتمال لزوم الأجرة في هذه الصورة؛ لعدم علمه ابتداء بكون الأرض مشغولةً.

ولو بذل البائع الزرع للمشتري أو قلعه بسرعة، فالأظهر عدم سقوط الخيار؛ لاستصحابه.

ولو أراد البائع القلع قبل المدة، كان له، سواء تضرّر المشتري بالقلع أو لا؛ لأنّه حقٌّ له.

نعم، لو تعيّبت الأرض بقلعه قبل المدة احتمل أنّ للمشتري الأرش، ولو تعيبت الأرض بقلعه بعد المدة ففي ثبوت الأرش وجهان.

ثانيها: عدم دخول الثمر في بيع الشجر والنخل وكذا الورد قبل تفتحه

ثانيها: لا يدخل الثمر في بيع الشجر ولا النخل بعد الانعقاد، ولا الورد قبل تفتحه؛ للأصل، ولعدم حكم العرف بذلك، ولظاهر الإجماع، إلا ثمر النخل قبل تأبيره فيدخل بحكم الشارع تعبداً ولكشفه عن العرف؛ لمفهوم الأخبار (1)المعتضدة بالإجماع المنقول (2)وفتوى الأخيار.

والحكم لمخالفته القاعدة يقتصر فيه على مورد اليقين من النخل دون غيره، ومن إناثه دون ذكوره؛ لأنّه الفرد المتعارف، وعلى البيع دون غيره من عقود المعاوضة وغيرها على الأقوى.

ولو أبر بعض البستان دون بعض، لحق كلّ حكمه.

وفي النخلة الواحدة يحتمل كونها للمشتري؛ لصدق عدم تأبير النخلة واحتمل كونها للبائع؛ لصدق أنّها مؤبّرة عرفاً، ويحتمل لحوق كلّ حكمه، وهو الأظهر.


1) وسائل الشيعة 18 : 92، الباب 23 من أبواب أحكام العقود.

2) الخلاف 3 : 78 - 79، المسألة 129.

ويجب على المشتري إبقاء الثمرة إلى أوان صلاحها عرفاً وعادةً، كما يجب على البائع لو باع ثمرة.

ولو اختلفت العادة في الإبقاء لزم البيان للزوم الغرر، مع احتمال الأخذ بأقل العادتين؛ للأصل، أو أكثر هما؛ للاستصحاب، أو القرعة بعد صدور العقد.

ولو كان لكلِّ من المتعاقدين عادة، احتمل تقديم الناقل، والمنقول إليه، والبطلان.

ولو كانت في وقت العقد عادة فزادت، احتمل لزوم الإبقاء إليها مع الأجرة، واحتمل لزومه مجاناً، واحتمل جواز القطع مجاناً، واحتمل مع الأرش.

ويجب الإبقاء على مالك الأصول مجاناً بحكم الشارع، سواء تضرر بالإبقاء أم لا، وسواء تضرّر مالك الثمرة بالقلع أم لا، بل لو تضرر بالإبقاء لم يجز (1)إجباره على القلع، مع احتمال ذلك؛ لأنّ الإبقاء كان لمصلحته، وحيث يلزمه الفساد بالإبقاء يسقط حقه.

وقيل: إن لمالك الأصول القلع مع تضرره بالإبقاء حتّى لو تضرّر صاحب الثمرة بالقلع، ترجيحاً لجانب الأُصول، إلا أنّ على صاحب الأصول الأرش على إشكال (2). وهذا لا نقول به.

ويجوز لمالك الثمرة القلع أي وقت أراد؛ لأنّ الإبقاء حق له، سواء تضرر بالقلع أم لا، وسواء تضرّر صاحب الأصول بها أم لا، لإقدام صاحب الأصول على ذلك، مع احتمال ثبوت الأرش على صاحب الثمرة لو تعيبت الأصول بالقلع؛ جمعاً بين الحقين.

وربما يقال: إن صاحب الثمرة إذا لم يتضرّر وتضرّر صاحب الأصول ضرراً لا يتحمّل عادة لزم القطع إن تضرّر بالإبقاء، والإبقاء إن تضرّر بالقطع.

ويحتمل تقديم حق المشتري مطلقاً، سواء اشترى الأصول أو اشترى الثمرة.

ويحتمل تقديم حق البائع مطلقاً كذلك.

والثمرة قبل الانعقاد والورد قبل تفتحه للمشتري؛ قضاء لحق العرف.

ثالثها: في أنّه لا تدخل في بيع الأرض الأحجار الموضوعة فيها ولا الكنوز والخبايا

ثالثها: لا تدخل في بيع الأرض الأحجار الموضوعة فيها ولا الكنوز ولا الخبايا، إلا إذا كانت أرض دارٍ معمورة فخربت فوقعت أحجارها فيها فإنّها تدخل كما تدخل في بيع الدار.


1) في «ب» : «لم يجب».

2) راجع قواعد الأحكام 2 : 84.

ولو اشترى أرضاً فيها أحجار عالماً بها، لزم البيع وله إجبار البائع على نقلها لتفريغ المبيع، ولا يستحق أُجرة على مدة القلع المتعارف، ويستحق على المدة الزائدة في وجه.

ولو أثر القلع حفراً، وجب على البائع تسوية الحفر وطمه.

وقد يقال بوجوب الأرش؛ لأنّها جناية تضمن بالقيمة.

ولو لم يكن المشتري عالماً بالأحجار، فإن كانت يسيرةً يعتاد وجودها في الأرض فلا خيار، وإن كانت كثيرةً لا يضر إبقاؤها ولا يؤثر قلعها ضرراً ولا يفوت بسببها منفعة على المشتري ولا يفتقر قلعها إلى زمن كثير، فلا خيار أيضاً، وإن كانت متصفة بأحد ما ذكرناه، ثبت للمشتري الخيار على الأظهر؛ لحديث نفي الضرار (1)، فإن فسخ فلا كلام، وإن أمضى فلا أرش له، إلا إذا كانت عيباً، وله جبر البائع على القلع، ولا أجرة له على مدة القلع المتعارف، وله على الزائد في وجه.

ولو بذل البائع الحجارة للمشتري أو أعرض عنها له أو ملكه إياها بعقد معاوضة، فالظاهر عدم سقوط الخيار؛ للاستصحاب، مع احتمال السقوط.

ولو بذل البائع الأجرة على الإبقاء، لم تجب إجابته، سواء تضررت أحجاره بالقلع أم لم تتضرر، وسواء كان الإبقاء مضرّاً بالمشتري أم لا، بل لو تضرر بالقلع أيضاً لم يجب عليه إجابة البائع؛ لأنّه حقٌّ له، فلا يجب عليه لدفع ضرره أو ضرر غيره.

ولا يجب على المشتري دفع الأرش لو نقصت الحجارة أو تعيبت أيضاً؛ للأصل، ولإقدام البائع على ذلك.

والأحجار المتخلّقة في الأرض تدخل فيها إذا كانت صغاراً وليس لها قيمة يُعتد بها، وتخرج عن بيعها وإن دخلت فيها إذا كانت كباراً ولها قيمة يُعتد بها؛ لمكان العرف.

وكذا المعادن تخرج عنها إذا كانت منطبقةً أو كانت كالياقوت والزمرد والعقيق، وتدخل فيها إذا كانت شيئاً لا يُعتد به لقلته.

ويدخل ما فوق المعدن وما تحته قطعاً.

رابعها: في أنّه يجوز لصاحب الأصل ولصاحب الثمرة سقي النخل لمصلحته إذا لم يتضرّر الآخر بالسقي

رابعها: يجوز لصاحب الأصل ولصاحب الثمرة سقي النخل لمصلحته إذا لم يتضرر


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

الآخر بالسقي، فإن امتنع أحدهما أجبر الممتنع الحاكم أو العدول حسبةً أو صاحب المال مرتباً على الأظهر.

ولو لم تكن مصلحة لأحدهما ولا ضرر يعود عليهما بالسقي وعدمه، ففي جواز إجبار الممتنع، أو حرمة التصرّف إلا بالإذن من الآخر، أو ترجيح جانب الأصول وجوه، أحوطها الوسط.

ولو أضر بأحدهما ولم تكن فيه مصلحة للآخر، فالأقوى عدم جواز جبر المضرور؛ ولدليل نفي الضرار.

ولو أضرّ السقي بواحدٍ وفوّت عدمه للآخر مصلحةً فقط ولم يضره الترك، فالظاهر أنّ حكمه كحكم الأوّل.

ولو أضرّ السقي بأحدهما وأضرّ عدمه بالآخر، احتمل أنّ لهما الخيار في فسخ العقد حينئذٍ؛ لعدم إمكان الجمع ولحديث نفي الضرار (1)، واحتمل القرعة فمن وقعت عليه تحمّل الضرر.

وهل يتحمّله مجاناً أو مع الأرش؟ وجهان.

ويشكل الأرش فيما لو أحاط بقيمة ما للآخر من الأصول إن ملكها، أو الثمرة كذلك.

واحتمل تقديم حق البائع؛ لسبق حقه إن وقع بينهما بيع، سواء باع الثمرة أو الأصول، واحتمل تقديم حق المشتري مطلقاً؛ لإقدام البائع على تسليط المشتري عليه، والمشهور هو الأخير.

وعليه فهل يقدم حقه مجاناً حتّى لو أتلف به جميع حق البائع وحتى لو كان ضرره يسيراً، أو يقدم حقه مع الأرش حتّى لو أحاط بجميع ما يملكه البائع قيمة، أو يفرّق بين الضرر الكثير واليسير، أو بين ضمان الكثير المحاط بقيمة ماله وعدمه ؟ وجوه.

والظاهر أن الرجوع للتراجيح في تحمّل الضرر قلةً وكثرةً وفي الجبران كذلك هو الأقوى.

وبقيت مسائل كثيرة ذكرناها في شرح القواعد.


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

القول في التسليم

اشتراك التسليم بين معان متعدّدة

وهو مشترك بين معان متعدّدة، أحدها: التقبيض، وهو المراد ها هنا، وعبر جمع بالقبض، كما هو كثير في الأخبار، والمراد به التقبيض الذي هو من فعل البائع. لدوران جُلّ الأحكام عليه دون القبض الذي هو من فعل المشتري، ويؤيده تفسيرهم له ب- «التخلية» التي هي من فعل البائع مع احتمال إرادة القبض نفسه الذي هو من فعل المشتري؛ لتلازمهما غالباً، فتدور الأحكام مدارهما كذلك.

ولما كان القبض والتقبيض والتسليم من الموضوعات العرفية أو الشرعيَّة التي تدور مدارها أحكام كثيرة - من التلف قبل القبض في البيع، ومن جواز بيعه قبله فيه وعدمه، ومن لزومه في بيع الصرف والسَّلَم، ومن ثبوت الخيار قبله إلى ثلاثة أيام، ومن اشتراطه في الرهن والهبة والوقف وغير ذلك - لزم بيان المعنى العرفي فيه أو المعنى الشرعي إن كان له حقيقة شرعية مطلقاً أو في شيءٍ خاص، كالكيل والوزن فيما يكال أو يوزن.

والظاهر أن العرف والشرع متطابقان في معناه، وما ورد من بيانه في لسان الشرع كاشف عن العرف، وليس مثبتاً لمعنى جديد.

ومعنى التقبيض على الظاهر قدر مشترك بين جميع أفراده، وهو رفع المالك المنع عن ملكه، واستيلاء الآخر عليه بالتخلّي بينه وبينه، أو بنقل، أو كيل أو وزن، أو بقبض بيد أو شبهها.

ويحتمل فيه الاشتراك اللفظي، ويحتمل كونه بمعنى الكيل والوزن معنى شرعي لا عرفي، ويحتمل أن الكيل والوزن تقبيض حكماً لا اسماً.

وأما القبض فهو فيما لا يُنقل بمعنى السلطنة والتخلّي للمشتري، وفيما يُنقل نفس النقل، وكذا فيما يكال ويوزن نفس الكيل والوزن، وفيما يُقبض باليد نفس القبض، فيكون مشتركاً لفظياً، أو نفس السلطنة على ذلك، فيكون مشتركاً معنوياً.

ولا يبعد أن الكيل والوزن معنى شرعي له، أو داخل فيه بالحكم لا بالاسم.

وهنا أمور:

أحدها: التقبيض فيما لا يُنقل هو التخلية

أحدها: التقبيض فيما لا يُنقل هو التخلية ورفع البائع سلطنته عن ملكه، وتسليط المشتري عليها بقول أو فعل؛ للعرف والإجماع بقسميه (1)على الظاهر.

ويكتفى بكلّ ما دلّ على رفع السلطنة، ولا يفتقر إلى الإذن، كما قد يتوهم من أن التخلية لو لم تكن هي الإذن لم تكن تقبيضاً؛ لأنّه أمر وجودي والتخلية من دون الإذن أمر عدمي؛ لمنع لزوم كون التقبيض أمراً وجودياً أولاً، ومنع كون التخلية أمراً عدميّاً بعد أن تكون عبارة عن رفع السلطنة ثانياً.

نعم، لا يبعد القول بافتقارها إلى تجديد نيّةٍ من البائع لتحقق صدقها، وافتقارها لمضيّ زمن يمكن وصول المشتري وشبهه إلى المبيع بنفسه أو بوكيله، وبدون ذلك لا تُسمّى تقبيضاً عرفاً، إلا أن الأقوى عدم الاشتراط.

والظاهر أنّه لا يتفاوت في أن التقبيض هو التخلية بين ما لا يُنقل وغيره من منقول أو مكيل أو موزون أو مقبوض باليد، مع احتمال أنّه لا يتحقق في المنقول إلا بعد نقله منه، وفي المكيل والموزون إلا بعد كيل المشتري له أو وزنه، وفي المقبوض باليد إلا بعد وضعه في اليد، إلا أن الأقوى ما ذكرنا.

هذا في التقبيض والتسليم، وأما نفس القبض والتسليم فالظاهر أنّه التخلّي للمشتري والسلطنة منه فيما لا يُنقل، وأما فيما يُنقل فلا يبعد أنّه كذلك مطلقاً، إلا أن الأقوى لما قيل من أن العرف يأباه والأخبار تدفعه (2).

نعم، قد يقال: إن التخلّي رافع لحكم الضمان فهي بحكم القبض، إلا أنّه لم يقم دليل صالح على ذلك.

نعم، الامتناع من المشتري رافع لحكمه، وقد يُفرّق بينهما.

وقد يرد القول برفع الضمان مع التخلّي خبر عقبة الدال على ضمان البائع للمتاع حتّى يخرج المبتاع المتاع من بيته (3).


1) غنية النزوع 1: 229.

2) قاله الشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 524.

3) وسائل الشيعة 18 : 23 - 24، الباب 10 من أبواب الخيار، ح 1.

وفيه: أنّه من المحتمل أنّ البائع لم يخل بينه وبين المشتري، ولو خلى لما تركه المشتري عنده، ويكون حكمه بالضمان حتّى يخرجه من بيته مبنياً على الغالب من التلازم بين التخلية من البائع وإخراج المشتري له.

وعلى كلّ حال، فالأقوى في المنقول من الحيوان وشبهه - ممّا لا يكال أو يوزن ولا يقبض باليد - هو نقله؛ للإجماع المنقول (1)، والعرف.

وخبر عقبة الظاهر في ذلك؛ حيث قال فيه: «إنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه» (2)وظاهر ترك المشتري المتاع أنّه بعد التخلية والتخلّي فقوله: «لم يقبضه» دليل على كون التخلّي ليس قبضاً.

ثمّ إنّه حكم بالضمان على البائع حتّى يقبض المشتري المتاع ويخرجه من بيته، فدلّ على أن القبض شيء آخر غير التخلية، بل إمّا القبض أو الإخراج من بيته، ولكنه لما عطف عليه قوله: «ويخرجه من بيته» وقال بعد ذلك: «فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه» دلّ على أنّ القبض هو الإخراج، وأنّ العطف من باب التفسير؛ لتعليقه ضمان المشتري على الإخراج، ولو كان موقوفاً على غيره لبيّنه.

وقد يستدلّ بهذا على كون القبض هو النقل مطلقاً، حتّى فيما يُقبض باليد أو يكال ويوزن.

وهو في الثاني قوي؛ للعرف والإجماع المنقول؛ ولعدم تعرّض الخبر للكيل والوزن، إلا أنّه في الأوّل منظور فيه؛ للعرف الحاكم بأنّ ما يُقبض باليد قبضه إمساكه، ولعدم دلالة الرواية على نفيه؛ لأن تعليق ضمان المبتاع على إخراجه من بيته مبني على الغالب من أنّ الإخراج من البيت لما يُقبض باليد إنما يكون بعد إمساكه، بل ربما كان في قوله أوّلاً: «حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته» إشعار بأنّ ما لا يُقبض باليد يكفي في قبضه الإخراج، وما يُقبض لا يكفي، وقرينته العطف، فالأقوى أنّ ما يُقبض باليد قبضه إمساكه باليد وشبهها.

وجملة من أصحابنا (3)بنوا على أنّ القبض في المكيل والموزون كيله ووزنه؛ للأخبار


1) غنية النزوع 1: 229.

2) راجع الهامش (3)، من ص 372.

3) كالشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 120؛ وابن البراج في المهذب 1 : 385 - 386 وابن حمزة في الوسيلة : 252.

الدالة على عدم جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه إلا أن يكال ويوزن (1)، فدلّت على أنّهما قبض.

وفيه: أنّه لعلّ الكيل والوزن يقومان مقام القبض في رفع الكراهة والتحريم، لا أنّهما هو، فلا يباع المكيل والموزون قبل قبضهما إلا أن يقدّرا أو يقبضا؛ لأن الكيل والوزن لما كانا ملازمين للنقل أو الإمساك باليد عبّر بهما عنه، أو أنّ الكيل والوزن شرطان في قبض المكيل والموزون، لا أنّهما نفسه.

ودعوى الإجماع على عدم ارتفاع التحريم والكراهة إلا بالقبض، فإذا كان الكيل والوزن رافعين كانا قبضاً، ممنوعة؛ لعدم تحققها، بل لتحقق عدمها، وغاية ما يُسلّم من الإجماع هو كون القبض رافعاً للمنع، لا أنّ الرفع محصور به، وذلك لا يجدي.

نعم، ورد في بعض الأخبار المنع عن بيع الطعام قبل قبضه (2)، فيمكن بعد ضمها للأخبار الأولى تحصيل أن القبض هو الكيل والوزن كما حصل من آيتي الحمل والفصال (3)كون الحمل ستة أشهر، إلّا أنّه غير مظنون؛ لاحتمال أنّ كلّاً منهما رافع على سبيل التخيير، وأن الرافع أولاً وبالذات هو القبض، ولكن يقوم مقامه الكيل حكماً لا اسماً، أو أنّه يعبر عن القبض بهما؛ لتلازمهما، فمع قيام هذه الاحتمالات يضعف الظنّ بذلك.

واحتمال أنّ كلّاً من النقل والكيل والوزن قبض؛ جمعاً بين الأخبار بعيد عن العرف.

وهل يلحق بالمكيل والموزون المعدود والمذروع فلا بد من الاعتبار بهما؛ لتساويهما في التقدير، أو لا يلحق؛ للأصل، وعدم دليل شرعي أو قضاء عرفي عليه ؟ وجهان، أوجههما: الأخير.

وهل يعتبر الكيل والوزن في المكيل والموزون فيما لو لم يعتبره المشتري سابقاً؛ لأنّه المورد اليقيني بأن أخذ كلّيّاً فعين للبائع الكلّيَّ في صبرة، أو أخذه بقول البائع مع الشكّ بصدقه وكذبه، فلو اعتبره المشتري قبل العقد أو اعتبره البائع بحضوره أو أخبره البائع بقدره فصدقه، صار حكمها حكم باقي المنقولات وسقط لزوم الكيل والوزن، أو لا بدّ منهما مطلقاً بعد العقد؛ لأجل تحقق التقبيض والقبض ؟ وجهان.


1) وسائل الشيعة 18 : 68، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 11 - 14.

2) المصدر : 69 و 70، ج 17، 21.

3) الأحقاف (46) : 15: لقمان (31) : 14.

ويؤيد الأخير ما ورد - في الصحيح - من جواز بيع المكيل والموزون تولية قبل كيله أو وزنه (1)، فلو كان مخصوصاً بما لم يعتبر لما جاز توليةً وغيرها؛للجهالة، والخبر المانع من بيع

الطعام قبل كيله بعد أن أخذه المشتري بإخبار البائع له بالكيل وصدقه أيضاً كذلك (2).

وهل يكفي فيما يُنقل عادةً إمساكه باليد عن نقله ؟ الظاهر: العدم، كما لا يكفي فيما يُمسك عادةً باليد نقله إلى مكان آخر من دون إمساك.

وكذا الكلام في المكيل والموزون على القول به.

ويمكن القول بأنّ القبض لاختلاف النصّ والفتوى فيه يعود مجملاً، فيؤخذ باليقين من معناه فيما تعلّق على اسمه حكم شرعي.

ثانيها: في أنّه يجب على كل من المتعاقدين تسليم الآخر ما ملكه إياه

ثانيها: يجب على كلّ من المتعاقدين تسليم الآخر ما ملكه إياه، كتاباً (3)وسنّةً (4)و إجماعاً، ولا يجوز امتناع أحدهما أصلاً، إلا لأجل المقاصة عند امتناع الآخر، ولا يجوز له أن يمتنع من جهة امتناع صاحبه من غير جهة المقاصة؛ لأنّ مَنْ ظلم لا يظلم، مع احتمال ذلك؛ لقوله تعالى: (من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) (5)فيكون العاصي هو من امتنع أولاً، ويتعلّق به جبر الحاكم، وهذا هو ظاهر الأصحاب، وجعلوه من أحكام المعاوضة، أو من مقتضيات لفظها، وللبحث فيه مجال.

ولو لم يمتنعا ولكن تشاحًا في التقدم والتأخر، فالظاهر تساويهما في الحق، فيقترعا، أو يدفعا معاً بأيديهما أو بيد ثالث، فإن امتنع أحدهما من القرعة أو المساواة أجبر الحاكم الممتنع، وإن امتنعا معاً أجبرهما الحاكم على دفعه لرفع النزاع والخصومة، مع احتمال تقديم المبيع أوّلاً؛ لأن الثمن تابع للمبيع، ولكن الأوّل أقوى.

ويحتمل أنّه لو امتنع كلّ منهما من التقدّم لم يعص أحدهما ولا يضمن إلى أن يتفقا ويرجعا إلى الحاكم ولكن لا يجبرهما.


1) وسائل الشيعة 18 : 68، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 12.

2) المصدر :17 : 345 الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 4.

3) المائدة (5) : 1.

4) راجع الهامش (1) من ص 328.

5) البقرة (2) : 194.

نعم، إذا تقدَّم أحدهما بالدفع عصى الآخر وضمن وجبره الحاكم.

هذا كله إن أطلقا في معيّن أو كلّيّ، وأما لو شرطا التأجيل أو شرط أحدهما وجب الدفع فوراً على مَنْ لم يشترط، وفوراً بعد الأجل على من اشترط.

ولو اشترطا التعجيل، فالوجوب فوراً أشد.

والظاهر سقوط جواز التمانع بينهما من التسليم إذا تشاحا في التقدم والتأخر؛ لمكان الشرط، فتأمل.

ثالثها: فيما يتعلّق بما لو حدث في المبيع عيب قبل القبض

ثالثها: لو حدث في المبيع عيب قبل القبض، فلا إشكال في الخيار.

وهل يثبت به أرش مع الإمساك ؟ لأنّ العيب نقص في المبيع، وهو مضمون على البائع

قبل قبضه، ويقابله جزء من الثمن فهو مردود على المشتري في مقابلة ما نقص، وليس الأرش إلا ذلك، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا ضمان على المبتاع حتّى ينقضي الشرط ويصير المبيع له» (1)ومعنى «له» أنّه يكون من ضمانه؛ لأنّه مالكه سابقاً فمفهومه حصول الضمان على البائع وعلى ذلك فتوى المشهور، أو لا يثبت ؟ للأصل، والإجماع المنقول (2).

وهو ضعيف؛ لانقطاع الأصل، ووهن الإجماع بمخالفة المشهور له.

رابعها: هل يكفي قبض المشتري بدون تقبيض البائع أو إذنه في قبضه في رفع الضمان عن البائع ؟

رابعها: هل يكفي قبض المشتري بدون تقبيض البائع أو إذنه في قبضه في رفع الضمان عن البائع، ورفع الكراهة أو التحريم في بيعه عن المشتري؛ لحصول القبض المعلّق عليه تلك الأحكام في النصّ والفتوى، أو لا يكفي؛ لانصرافه إلى القبض المعتبر عند الشارع، وهو ما يكون بالإذن، أو يكفي في رفع الضمان دون التحريم والكراهة ؟ وجوه، أوجهها الأخير.

ولو كان المبيع مقبوضاً قبل العقد من غير إذن، جاءت فيه تلك الوجوه.

وإن كان مقبوضاً بإذن البائع، فإن كان لأجل البيع فهو كالتقبيض والقبض بعد العقد، ولا يحتاج إلى تجديد إذن من البائع ولا إلى تجديد نية من المشتري.

وإن كان لغير البيع - كما إذا كان مستعيراً له أو مرهوناً عنده - احتمل الاكتفاء به في التقبيض والقبض، واحتمل توقفه على الإذن الجديدة من البائع؛ لأن المأذون به سابقاً غير


1) وسائل الشيعة 18 : 14 - 15، الباب 5 من أبواب الخيار، ح 2.

2) ریاض المسائل 400:8.

المقصود لاحقاً، سيّما مع عدم علم البائع بأنّه عنده.

وعلى كلا التقديرين فهل يشترط تجديد النية من المشتري للقبض الجديد كي يتحقق صدق قبض البيع، أو لا يشترط؛ لأنّ الاستدامة كالابتداء ؟ وجهان، والأخير أقوى.

ولو كان المبيع مشغولاً بأمتعة البائع، فإن كان القبض مما يكفي فيه التخلية، حصل وإن لم يفرّغه، وإن كان من المنقول والمقبوض باليد فأذن له في نقل الجميع، فلا كلام، وإن أذن له في نقل المبيع دون ما فيه فنقلهما معاً، ففيه إشكال، والأوجه: أنّه قبض.

ولو كان المبيع مشتركاً، فإن كان ممّا يكفي فيه التخلية كفت التخلية في قبضه.

والإشكال فيه بأنّ التخلية مع الشركة لا تتم؛ لعدم إمكان التسلّط على التصرف، ضعيف.

وإن كان من المنقول أو الممسك باليد، احتمل الاكتفاء بنقله ولو من دون إذن الشريك، والنهي ها هنا لا يقضي بالفساد؛ لتعلقه بأمرٍ خارج، واحتمل توقف صحّة القبض على إذن الشريك، فلو امتنع أجبره الحاكم، وإلّا نصب مَنْ يقبضه بعضه أمانة وبعضه لأجل البيع، ويحتمل الاكتفاء بالتخلية في المنقول عند حصول الشركة سيّما مع امتناع الشريك.

والنقل كاف في القبض بما يُسمّى عرفاً نقلاً ولو كان من مكان يملكه البائع إلى آخر، ولا يفتقر إلى نقله إلى ما لا يملكه البائع.

خامسها: حكم ما إذا اختلط المبيع بغيره اختلاطاً لا يمكن تميزه أو يمكن ولكن لا يمكن فصله قبل القبض أو بعده

خامسها: إذا اختلط المبيع بغيره اختلاطاً لا يمكن تميزه، أو يمكن ولكن لا يمكن فصله قبل القبض أو بعد القبض، صار المشتري شريكاً فيما لا يتميّز ومالكاً لخصوص ماله فيما يتميز. ويثبت له الخيار لو كان الاختلاط قبل القبض ولم يكن قادماً عليه، فلو كان قادماً عليه عالماً به بعد ذلك - كما إذا اشترى لقطة عالماً بحدوث أخرى وقادماً على ذلك - سقط خياره، ولا يسقط خياره ببذل البائع له ماله على الأظهر.

ولا فرق في الاختلاط بين كونه بالأدنى أو الأجود أو المساوي؛ لأن الشركة عيب أو كالعيب.

ويثبت للبائع الخيار مع جهله بالاختلاط إذا كان بالأجود حين العقد؛ لنفي الضرار.

ولو كان اختلاطه بالمساوي أو الأدنى أو كان بعد العقد مطلقاً قبل القبض، ففي ثبوت الخيار للبائع إشكال.

ثم إن المشتري إن لم يفسخ ورضي بقبضه مشتركاً ورضي البائع أيضاً فلا كلام، وإن

لم يرض أحدهما فطلب القسمة مع الاختلاط المزجي أو عزل حصته عن الآخر، أجيب إليها، وأجبر الممتنع، وكانت مؤونة القسمة والتخليص على البائع؛ للزوم تسليم المبيع مفرغاً إلى البائع، فضمان ما يحدث قبله عليه.

ولو باع جملةً فتلف بعضها قبل القبض وكان للمتلوف قيمة، كان ضمانه على البائع، وكان المشتري بالخيار بين الردّ وبين أخذ الباقي بحصته من الثمن، إلا في مسألة الآبق فإنّ الثمن يكون بإزاء الضميمة لو ظهر تلفه.

وكذا لو تلف جزء منها بحيث كان نقصان ذلك الجزء عيباً، كيد العبد، كما تقدم.

وإن لم يكن للمتلوف قيمة بانفراده - كفوات وصف قبل القبض من علم أو كتابة - فلا أرش، والخيار بين الرد أو الإمساك مجاناً.

ومثله لو كان المتلوف عيناً لا تقابل بمالٍ مع صحّة بيعها مع الانضمام.

سادسها: وجوب تفريغ المبيع عن مال البائع

سادسها: يجب تفريغ المبيع من مال البائع؛ لأنّه في إبقائه ظالم معتد، فلو لم يفتقر التفريغ إلى زمانٍ يُعتد به ولا إلى نقص في المبيع أو تغيّر هيئة له، لم يكن للمشتري خيار، ولو افتقر إلى مدةٍ أو أثر في المبيع نقصاً أو تغيّر هيئة كان للمشتري الخيار، ومع عدم الفسخ فمؤونة النقل على البائع، وأرش النقص الحاصل في المبيع عليه.

هذا إن لم يكن الشاغل زرعاً أو غرساً مما بني على الإبقاء، فلو كان كذلك لزم على المشتري إبقاؤه مع العلم وكان له الخيار بين الفسخ وبين الرضى به والصبر إلى مدة قلعه؛ جمعاً بين حقى البائع والمشتري، وليس له إلزام البائع بالأجرة على

سابعها: عدم فسخ البيع بتعذر التسليم ما بين العقد و القبض

سابعها: تعذر التسليم ما بين العقد والقبض لا يفسخ البيع، بل يسلّط المشتري على الخيار ما لم يشترط البائع سقوطه حين العقد على الأظهر، فإن فسخ المشتري عند التعذر فلا كلام، وإن رضي صبر إلى أن يحصل له المبيع أو يتحقق تلفه، ومتى تلف كان من مال البائع.

ولا يتفاوت الحال - في ثبوت الخيار وكون التلف من مال البائع قبل القبض - بين قدرة المشتري على تسلّمه وبين عدمها؛ لأنّ مناطها عدم إمكان التسليم من البائع، لا عدم إمكان التسلّم من المشتري.

ولو غصب المبيع غاصب، فإن أمكن استعادته من البائع بسرعةٍ فلا خيار للمشتري، وإن لم يمكن استعادته كذلك - سواء لم يمكن أصلاً أو أمكن بطولٍ كان له الخيار بين الفسخ وبين الإمضاء ومطالبة البائع أو مطالبة،الغاصب، فإن طالب الغاصب لزم الغاصب دفعه إليه، ولا يجوز دفعه إلى البائع، وإن طالب البائع لزم فكه من الغاصب مهما أمكن.

وهل يجوز للغاصب دفعه إليه ؟ إشكال.

وعلى الجواز فالظاهر بقاء ضمانه عليه إلى أن يدفعه البائع إلى المشتري، فإن لم يمكن البائع فكه من الغاصب فالظاهر أنّه لا شيء عليه للمشتري من ضمان مثل أو قيمةٍ ما لم يكن مفرّطاً فيه.

وهل خيار المشتري فوري أم على التراخي ؟ وجهان، أقربهما: الأخير.

الصبر فهل له الفسخ بعد ذلك ؟ الظاهر أنّه له ما لم يسقط خياره، أو يكون الصبر ومع دليلاً على إسقاطه الخيار.

ولو تلف المبيع في يد الغاصب مع رضاه ببقاء العقد قبل التلف، احتمل انفساخ العقد، واحتمل ثبوت الخيار فيرجع إليه - مع عدم الفسخ - بالمثل أو القيمة، واحتمل كون التلف من ماله تنزيلاً لرضاه منزلة القبض، فيرجع إلى الغاصب بالمثل أو القيمة من غير خيار.

والأوجه الوسط ما لم يكن أسقطه.

ولا يلزم البائع أجرة مدة الغصب للأصل، وعدم كونها من أجزاء المبيع المضمونة عليه قبل القبض.

نعم، ضمانها على الغاصب، إلا أن يكون البائع غاصباً فإنّه يضمن المنفعة بالتفويت والاستيفاء، ويضمن العين أيضاً لو تلفت بيده، ولا ينفسخ العقد على الأظهر.

وهل للمشتري الخيار بين الفسخ وبين الإمضاء والرجوع إليه بالمثل أو القيمة؛ تنزيلاً لمنعه منزلة الغاصب، أو لا خيار له؛ لقيام جبر الحاكم للممتنع مقام الخيار في دفع الضرار ؟ وجهان، أقواهما الأخير.

هذا إن لم يكن حبس البائع بحقِّ، أما لو كان بحقِّ فلا يضمن المنفعة إلا بالاستيفاء على الأظهر، ولا يلزم بالنفقة، بل تؤخذ من المشتري فإن أداها فلا كلام، وإلا رجع إلى الحاكم ليجبره عليها، أو يأذن للبائع بالإنفاق ثم الرجوع على المشتري.

ثامنها: تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه إذا كان التلف من غير البائع أو أجنبي

ثامنها: تلف المبيع قبل قبضه - ويلحق به الثمن على الأظهر - من مال بائعه إذا كان التلف

من غير البائع أو أجنبي، فلو كان منهما كان للمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف بالمثل أو القيمة على الأقوى فيهما، مع احتمال انفساخ العقد بإتلافهما أيضاً.

ولو أتلف المبيع المشتري، كان بمنزلة القبض في كون ضمانه عليه، وفي كونه بمنزلة القبض في الصرف والسلم إشكال.

ولو كان المتلف بآفة سماوية بيد البائع بعد امتناعه من التسليم وغصبه للمبيع، احتمل الانفساخ لإطلاق الدليل واحتمل كون الخيار للمشتري، فإن أمضى أخذ منه المثل أو القيمة.

ولو شارك الآفة السماوية غيرها من بائع أو أجنبي أو مشتري، فالأظهر عدم انفساخ العقد مع احتمال التقسيط.

ولو تعيّب المعيب بجناية جانٍ قبل القبض كان للمشتري الخيار بين الفسخ وبين الإمضاء ومطالبة الجاني بالأرش إن لم يكن هو البائع، وإن كان هو البائع طالب البائع.

وهل له أن يطالب البائع بأرش جناية الأجنبي؛ لأنّ المبيع مضمون عليه، أو لا ؟ والأوجه: العدم.

ولو تلف المبيع بعد أن تصرف البائع بالثمن فباعه، احتمل انفساخ بيعه الثاني، والأوجه: الصحّة ودفع المثل أو القيمة.

وهل القيمة يوم تلف المبيع وانفساخ العقد، أو يوم البيع ؟ وجهان، والأقوى الأوّل.

تاسعها: عدم حرمة بيع ما لم يقبض من ثمن أو مثمن

تاسعها: لا يحرم بيع ما لم يقبض من ثمن أو مثمن كلّيّ أو عين إذا لم يكن الكلّي مؤجلاً فإنّ له حكماً آخر، مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً أو غيرها، طعاماً أو غيره، توليةً كان البيع أو غيرها، وضيعةً كان أو غيرها، انتقل إلى البائع ببيع أو غيره من ميراث أو صدقةٍ أو صلح أو صداق أو غيرها، توسط بين البيع الأوّل والثاني غير البيع من ميراث أو صداق ونحوهماً أو لم يتوسط، كلّ ذلك للأصل، وعمومات العقود وإطلاقات أنواعها كتاباً (1)وسنة (2).

وللأخبار المتكثّرة الدالة على أنّ البيع بعد الشراء (3)، أو أنّ الشراء بعدما يملكه (4)، وفيهما ظهور بالجواز قبل القبض، وأنّه لا بأس ببيع الثمرة قبل أخذها (5)، وأن من اشترى طعاماً قبل


1) البقرة (2) : (275؛ النساء (4) : 29: المائدة (5) : 1.

2) وسائل الشيعة 17 : 83، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

3) المصدر 18 : 50، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، ح 6.

4) المصدر : 51، ح 8.

5) المصدر : 65 - 66، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 4.

أن يكيله، قال: «لا يعجبني» (1)وهو ظاهر في الجواز، وأن من اشترى طعاماً فطلبه التجار قبل أن يقبضه، قال: «لا بأس» (2)وأنّ من اشترى طعاماً فلا بأس أن يبيعه قبل أن يقبضه (3)، وهي لكثرتها واعتضادها بالشهرة المنقولة (4)بل المحصلة لا محيص عنها.

والحكم في غير المكيل والموزون حتّى المعدود في غير الطعام - مكيلاً وموزوناً أو لا كالزرع القائم ونحوه - لا إشكال فيه فتوى ونصّاً، ولما دلّ على نفي البأس عن بيع ما لا يكال ويوزن قبل قبضه، كرواية البرّ، وفيها التعليل: «بأنّه ليس بمنزلة الطعام، لأنّ الطعام يكال» (5)وكالصحيح: «فإن لم يكن فيه كيل ووزن فبعه» (6)إلى غير ذلك.

وكذا لا إشكال أيضاً فيما انتقل بغير بيع ولو كان أصله بيعاً على الأظهر، وكذا فيما أُريد نقله بغير بيع أيضاً.

خلافاً للشيخ في إلحاق الإجارة؛ معللاً بأنها ضرب من البيوع، وفي الكتابة؛ لأنّها بيع العبد من نفسه (7).

وكلاهما باطل، مضافاً إلى أن العبد لا يكال ولا يوزن.

وإنما وقع الإشكال والخلاف فيما يكال ويوزن وفي الطعام إما لكونه ممّا يكال ويوزن أو لكونه طعاماً، فذهب جمع من أصحابنا (8)إلى تحريم بيع ما يكال ويوزن قبل قبضه مطلقاً؛ للأخبار الناهية عنه قبل قبضه في بعضها (9)، وقبل كيله أو وزنه في بعض آخر (10)، وقبل قبضه أو كيله في ثالث (11)، بناءً على أن الكيل والوزن في الأخبار هو القبض حكماً أو اسماً كما تقدّم.


1) وسائل الشيعة 18 : 69، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 16.

2) المصدر : 69 - 70، ح 19.

3) المصدر : 66، ح 6.

4) الحدائق الناضرة 19 : 168.

5) وسائل الشيعة 18 : 67 - 68، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 10.

6) المصدر : 68، ح 12.

7) المبسوط 1 : 120.

8) كابن أبي عقيل على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة،5 : 303، ضمن المسألة 279؛ والشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 301؛ والبحراني في الحدائق الناضرة 19 : 178.

9) وسائل الشيعة 18 : 67، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 9.

10) المصدر : 69 و 70، ح 16، 22.

11) المصدر : 69، ح 17.

وذهب جمع آخر (1)إلى تحريمه إذا كان طعاماً؛ للأخبار الدالة على النهي عن بيعه قبل كيله(2)، والدالة على النهي عن بيعه قبل قبضه (3)، وهي متكثّرة، وقد نقل على مضمونها الإجماع غير واحدٍ (4)، والدالة على النهي عن بيع المكيل والموزون قبل قبضه (5)، بناء على تبادر الطعام منه، وإلا فالعام من وجه إذا كان كلّ منهما منهياً عنه أخذ بكل منهما ولا تعارض.

والظاهر أنّهم يحكمون بالفساد أيضاً؛ لمكان النهي المتعلّق بنفس المعاملة، مع احتمال العدم؛ لاحتمال أن النهي لا يقضي بالفساد ها هنا.

وذهب جمع ثالث (6)إلى اختصاص التحريم بغير التولية؛ للصحيح الدال على جوازه في التولية (7).

ويظهر من رابع (8)إلحاق الوضيعة بالتولية؛ لمفهوم الصحيح «إذا ربح لم يصلح حتّى يقبض» (9).

وما دلّ على مساواة الوضيعة للمرابحة في عدم الجواز (10)لا يعارض مفهوم الصحيح؛ لضعفه عن مقاومته.

وجميع هذه المذاهب ضعيفة؛ لضعف دليلها بوهن الإجماع بمخالفة المشهور وعمومات الأدلّة، وضعف الأخبار باشتمالها على «ما لا يصلح» و «لا يعجبني» ومفهوم «لا بأس» وكلّها ليست صريحةً في التحريم.

ولئن سلّمنا فغاية ما تدلّ عليه النهي عن البيع قبل القبض أو الكيل أو الوزن.

ودعوى أن الكيل والوزن قبض محل كلام.


1) كالصدوق في المقنع : 367؛ والشيخ الطوسي في المبسوط 2: 119؛ وابن البراج في المهذب 1 : 385؛ وابن زهرة في غنية النزوع 228:1.

2) وسائل الشيعة 18 : 68، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 13، 14.

3) المصدر : 65 و 67 و 69، ج 1، 9، 17.

4) كالشيخ الطوسي في المبسوط :2 : 119 وابن زهرة في غنية النزوع :1 228 وكما في رياض المسائل 8: 365.

5) وسائل الشيعة 18 : 68، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 11، 12.

6) مثل العلامة الحلّي في تحرير الأحكام الشرعيَّة 2 : 338، الرقم :3273؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 248.

7) وسائل الشيعة 18 : 65، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 1.

8) راجع رياض المسائل 8: 366.

9) وسائل الشيعة 18 : 67، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 9.

10) راجع الهامش (1) من ص 381.

ولئن سلّمنا فاستثناء التولية لا بد منه للخبر الصحيح (1)، مع أن المشهور بين القائلين بالتحريم عدم الاستثناء.

ولئن سلّمنا فحمل النهي على الكراهة أولى من الأخذ به في معارضة ما هو أقوى منه، وأولى من طرحه بعد شيوع استعمال النهي في الكراهة وتكثره في الأخبار، فالظاهر حينئذٍ كراهة بيع ما يكال ويوزن قبل قبضه أو كيله ووزنه، فإن نقل وقلنا: إن النقل كافٍ في قبضه فلا كراهة، وإن كيل أو وزن وإن لم يقبض - بناء على أنّ الكيل والوزن ليسا قبضاً - فلا كراهة أيضاً.

والظاهر أنّ كراهة الطعام لكونه من المكيل والموزون كما تشعر به الأخبار، فلو كان على حالٍ لا يكال ولا يوزن فلا كراهة.

وهل المراد بالطعام الحنطة والشعير، أو كلّ الحبوب، أو كلّ ما أُعد للأكل ؟ وجوه. أوجهها: الوسط، ومع ذلك فالأحوط في الطعام - التي هي الحبوب - عدم بيعها مع عدم كيلها أو وزنها من المشتري الأوَّل، كما إذا أخذها بتصديق البائع، أو أخذ قدراً من صبرة يعلم اشتمالها عليه، أو أخذ كليّاً غير معين في قدرٍ مخصوص فباعه قبل قبضه، بل الأحوط عدم بيعها إلا مع نقلها قبل الكيل أو الوزن أو بعده كي يتحقق القبض الشرعي أو العرفي.

والحوالة ليست بيعاً، بل هى إما معاوضة برأسها أو استيفاء، فلا بأس باحتيال من له عليه طعام على مَنْ له عليه طعام ولو كان قد مَلَك الأوّل ببيعٍ.

وفي الموثق (2)ما يدل على جوازه.

وربما قيل بالكراهة (3)، ولا بأس بالعمل بها تسامحاً بأدلّة السنن.

ولو اشترى طعاماً ثم أمر البائع أن يدفعه وفاء عنه لغريمه قبل قبضه، جاز ولا بأس به؛ لأنّه ليس بيعاً.

أما لو باع شخصاً طعاماً كلّيّاً فأمر المشتري أن يقبض عوض الكلي طعاماً آخر من شخص قد اشترى منه طعاماً كلّيّاً أيضاً ولم يقبضه، ففي دخوله في بيع الطعام قبل قبضه؛ لتشخص الكلّى فى الفرد فكأنه هو، أو عدمه؛ لوقوع العقد على الكلّي، والفرد وفاء لا مبيع ؟ وجهان.


1) راجع الهامش (7) من ص 382.

2) وسائل الشيعة 18 : 65، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 2.

3) ممن قال بها المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 25؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 86 - 87.

والأظهر الجواز والصحّة على جميع الأقوال؛ لعدم وقوع البيعين على الطعام الشخصي ابتداء، بل هو إما وفاء للكلّي أو محال به، والجزئي ليس هو عين الكلي.

نعم، قد يشكل الحال في أنّه لو لم يكن حوالة وكان نفس الفرد وفاء، لزم منه صيرورة الفرد عوض الكلي الذي في الذمة وفاء بمجرد دفعه من الغريم من دون قبض من الديان.

ولو كان لشخص على آخر طعام فأعطى المطلوب الطالب دراهم ليشتري بها طعامه الذي يطلب به، فإن كان نوى التوكيل له في الشراء ثم القبض عنه ثم القبض مرةً أخرى لنفسه وفاء، صح من غير إشكال.

وكذا إن نوى أنّ نفس الدراهم وفاء له ويكون الأمر بالشراء للإرشاد.

ومثله: ما لو نوى أنّ الدراهم قرض عليه، فيشتري بها لنفسه طعاماً ثم يقع الحساب بعد ذلك.

أما لو قصد أن الدراهم تبقى في ملك المطلوب إلى أن يشتري الطعام، فينوي أن الشراء له كي يكون الطعام وفاءً له فيملك الطعام حين الشراء، ففي صحته إشكال؛ لأنّ انتقال الطعام إليه بنيّة الشراء لنفسه والحال أن الثمن مال الغير وإن أذن الدافع له بذلك مما يشكل تصوّره، ويشكل دخوله في الفضولي مع الإجازة، وكذا صيرورة الطعام وفاء له بنفس الشراء أو بعد الشراء من دون توكيل له في القبض والاستيفاء.

وقد ورد في عدة أخبار (1)ما يدلّ على المنع من شراء الطالب بالدراهم المرفوعة إليه من المطلوب طعاماً لوفائه، بل يولّي ذلك غيره، وهو إما محمول على ما قلناه من الصورتين الأخيرتين، أو محمول على الكراهة أو الإرشاد إلى تجنّب ذلك خوف الاتهام له.

ولو كاتب العبد بعد شرائه قبل قبضه جاز، وليس من موضع الخلاف، خلافاً للشيخ (رَحمهُ اللّه)(2).

ولو باع الثمن قبل قبضه، ففي إلحاقه بالمبيع تنقيحاً للمناط، أو عدمه لمنع قطعيته وجهان، أوجههما: الأخير.

وكذا لو جعله ثمناً لا مبيعاً، ويقوى الوجه الأخير فيه.

عاشرها: حكم ما لو أنكر المشتري وصول المبيع إليه كلّاً أو بعضاً

عاشرها: لو أنكر المشتري وصول المبيع إليه كلاً أو بعضاً، فالقول قوله بيمينه، سواء حضر الكيل أو الوزن أو العد أو المشاهدة ونحوها.


1) وسائل الشيعة 18 : 310 - 312، الباب 12 من أبواب السلف، ح 1 - 3.

2) راجع المبسوط 2 : 120.

ولو ادعى النقصان بعد ما ظهر من حاله القبض التام بقول أو فعل كما إذا حضر الكيل والوزن ولم ينكرهما حالة الحضور، فالمشهور - ونقل عليه الإجماع (1)- أن القول قول البائع بيمينه.

خلافاً لمن أنكر ذلك؛ مستنداً لقواعد الدعاوي، ومستضعفاً للإجماع المنقول.

وفيه: أنّه منجبر بالشهرة المحصلة فلا يمكن المحيص عنه.

وعلى ذلك فيلزم الاقتصار على مورد اليقين من كونه مبيعاً لا ثمناً، مع احتمال تنقيح المناط، ومن كونه بيعاً دون غيره من العقود، ومن كونه كيلاً أو وزناً دون المعدود والمذروع والمشاهد.

وقد يحكم بموافقة قول البائع للقواعد ؛ لأن الظاهر احتياط المشتري عند حضوره وعدم غفلته وأخذه الشيء تاماً فيوافق قوله الظاهر، ولأنّ أخذه المال بعد حضوره وعدم إنكاره بمنزلة اعترافه بوصول حقه إليه، فدعواه بعد ذلك بمنزلة الإنكار بعد الإقرار، ولأصالة براءة ذمة البائع من الحقّ بعد اعتراف المشتري بقبضه والفرق بين حضوره وعدمه في أن الأصل عدم وصول حق المشتري في الثاني دون الأوّل: هو كون الحضور بمنزلة الإقرار.

والكل لا يخلو من نظر.

والفرق بين ادعاء النقص القليل فلا يُسمع قول البائع؛ لإمكانه، وبين الكثير فيسمع؛ لبعد خفائه عن المشتري، ضعيف أيضاً.

نعم، لو استلزم ادعاء المشتري النقصان فساد مجموع العقد وعدم صحته في القابل الناقص كبيع صرف أو سَلَم - اتجه تقديم قول البائع؛ لأصالة الصحّة، على تأمل في المقام.

حادي عشرها: حكم ما لو أسلفه طعاماً في بلد خاص وكان موافقاً لبلد أحدهما

حادي عشرها: لو أسلفه طعاماً فى بلدٍ خاص وكان موافقاً لبلد أحدهما، أو كان أحدهما أو كلّ منهما مقيماً به، انصرف إلى تسليمه في ذلك البلد من طعام ذلك البلد. وإن أسلفه في بلد غربة مستطرقين فيه أو برّية، انصرف إلى التأدية في بلدها إن كانا من أهل بلد واحد. وإن كان كلّ منهما من بلد، لزم البيان، وإلا لزم البطلان مع احتمال انصرافه للأقرب، واحتمال انصرافه لبلد المسلم، واحتمال انصرافه لبلد المسلم إليه.

ولو شرط تسليمه في بلد خاص، اتبع شرطه. وعلى كلّ منهما فلا يجب على المسلم دفعه في غير البلد المنصرف إليه الإطلاق أو بلد


1) رياض المسائل 8 : 366.

الاشتراط، ولا يجوز للمسلم إليه جبره على الوفاء، سواء تساوت قيمة المسلم فيه في البلدين أو تفاوتت وسواء حصل على المسلم إليه ضرر بالتأخير أم لا.

ولا يجب على المسلم إليه القبول لو دفعه إليه إلا برضاه ولو تضرّر المسلم بالتأخير.

ويجوز للمسلم إليه أن يأخذ القيمة برضاه، وليس من بيع المبيع قبل قبضه، بل هو وفاء، والأصل والأخبار (1)الخاصة دالة على جوازه.

وذهب بعض أصحابنا (2)إلى لزوم دفع قيمة بلد السَّلَم في غير بلد السلم وبلد الاشتراط لو طلبها المسلم إليه؛ لحلول الأجل، ولزوم الضرر بالتأخير، ولتعذر المثل؛ لأن الواجب طعام بلد العقد وهو متعسّر أو متعذر.

وذهب بعض آخر (3)إلى جواز مطالبة المسلم إليه بالمثل مع مساواة قيمة بلد المطالبة لبلد العقد أو نقصانها عنها، والمطالبة بقيمة بلد العقد مع الزيادة، وذلك للزوم الضرر بالتأخير، ولأنّه ربما لا يريد العود إلى بلد السَّلَم، أو لا يوثق بعود المسلم إلى البلد أو بدفعه فيها أو بالظفر به فيها، فيعود الضرر على المسلم إليه مع حلول حقه.

وفي الجميع تأمل سيّما مع اتفاقهما على اشتراط الدفع في مكان معين، فإن الإقدام على الشرط رافع للضرر الحاصل من التأخير.

نعم، قد يحتمل ذلك في صورة الإطلاق مع حصول الضرر بالتأخير على المسلم عليه، وعدم حصول ضرر على المسلم بالتعجيل بل قد يقوى القول به، فيُجبر المسلم حينئذٍ على الدفع عيناً مع الإمكان وتساوي الأمثال وصفاً وقيمة وإلا فقيمة جمعاً بين الحقين.

ولو كان ما في ذمة الغريم قرضاً، فإن لم يشترط مكاناً خاصاً لوفائه بعقد لازم ولا انصرف عقد القرض عرفاً إلى أدائه في بلد القرض، فلا إشكال في جواز مطالبة القرض للمقترض بالمثل مهما أمكن، وإلا فبالقيمة يوم تعذر المثل أو يوم المطالبة أو يوم الاستيفاء.

وإن شرطا بلداً خاصاً، لم يجب على المقترض الوفاء إلا بها إلا إذا كان تأخيره عن


1) وسائل الشيعة 18 : 305 و 306، الباب 11 من أبواب السلف، ح 5، 8.

2) العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 11 : 374، المسألة 529.

3) المحقق الكركي في جامع المقاصد 408:4.

الرواح لها لا لعذر، بل لمطل (1)الغريم وتأخيره، فإنّه يُجبر حينئذٍ على الرواح إليها، أو الوفاء في بلد المطالبة بالمثل أو بالقيمة قيمة بلد الاشتراط.

وكذا لو انصرف إطلاق عقد القرض إلى مكان خاص.

ونُسب (2)للمشهور أنّ له القيمة قيمة بلد القرض لا المثل نفسه؛ لانصراف العقد إلى طعام ذلك البلد، وهو متعذر أو متعسّر.

والظاهر أنّ حكم الإطلاق إذا انصرف إلى مكان خاص حكم المكان المشترط، فلا يجب دفع المثل في مكان المطالبة؛ لعدم استحقاقه سوى طعام بلد القرض، ولا قيمته؛ لأنّها عوض ولا يجب مع عدم وجوب دفع المعوّض.

نعم، ورد في بعض الأخبار ما يقضي بجواز مطالبة الغريم مطلقاً ما لم يكن في الحرم(3). وهو قاض بعموم الحكم لحال الاشتراط وعدمه، ولما إذا انصرف العقد لبلد خاص وعدمه، ولكن حمله على غير صورتي الاشتراط وانصراف الإطلاق هو الأوجه.

ولو كان ما في ذمة الغريم غصباً فله المطالبة بالمثل في كلّ مكان وزمان، ويجب نقله إليه ولو بمؤونةٍ من بلدٍ آخر، فإن لم يمكن المثل فالقيمة، إمّا قيمة بلد الغصب، أو قيمة بلد الدفع، أو قيمة قيمة بلد المطالبة، أو الأعلى منها، ويلاحظ التقويم حين الإعواز، أو حين المطالبة، أو الأعلى ما بينها أجمع، أو ما بين الاثنين والثلاثة، وجوه واحتمالات، أقواها قيمة بلد الوفاء وقيمة حين الإعواز، وأحوطها الأعلى من القيم بالنسبة إلى البلدان وبالنسبة إلى الأزمان.


1) مطل فلاناً حقه وبحقه : أجل موعد الوفاء به مرّةً بعد الأخرى. المعجم الوسيط : 876، «م ط ل».

2) لم نتحقق الناسب.

3) وسائل الشيعة 18 : 368. الباب 26 من أبواب الدين والقرض، ح 1.

القول في اختلاف المتبايعين

وفيه أُمور:

أولها: انصراف لفظ النقد والكيل والوزن إلى المتعارف المعهود في بلد المتعاقدين

أولها: ينصرف لفظ النقد والكيل والوزن إلى المتعارف المعهود في بلد المتعاقدين، فلو أطلقا انصرف قصدهما إليه وإن لم يتصوّراه حين العقد على سبيل الإخطار.

ولو اختلفا فيما قصداه، كان القول قول مَنْ يدعي القصد إلى النقد الغالب؛ لأنّه الظاهر.

ولو تعدّدت النقود ولم يكن فيها متعارف غالباً، لزم البيان، وإلا جاء البطلان.

ولو اختلف بلد المتعاقدين مع بلد العقد ولم يكونا مقيمين فيه بل مستطرقين، فلا يبعد انصرافه إلى المتعارف في بلدهما، سيّما مع عدم علمهما بما في بلد العقد أو علما وشرطا تأدية المبيع في بلدهما، وكذا لو كان العقد في البرية وشبهها.

ولو اختلف بلد المتعاقدين، فإن لم يعلما الاختلاف بطل العقد؛ لاختلاف قصدهما، وإن علما احتمل قوياً البطلان، واحتمل تقديم عرف البائع مطلقاً، واحتمل تقديم عرف المشتري مطلقاً، واحتمل تقديم عرف البائع في مبيعه والمشتري في ثمنه.

ولو ذكرا نقداً معيناً فاختلفا فيه، احتمل كونهما متداعيين واحتمل ترجيح من ادعى الغالب؛ لأنّه الظاهر، فالقول قول مَنْ يوافقه.

ثمّ إنّ الأغلب استعمالاً إن أدت غلبته إلى انصراف إطلاق اللفظ إليه صح العقد وانصرف إليه، وإلا فلا عبرة به.

ثانيها: حكم ما لو اختلف المتبايعان في قدر الثمن أو قدر المثمن أو قدر الأجل أو قدر المشروط

ثانيها: لو اختلف المتبايعان في قدر الثمن وكان الأقل لا يخالف أجزاء الأكثر، أو اختلفا في قدر المثمن، أو في قدر الأجل، أو في قدر المشروط وقلته، كان بمقتضى القواعد لزوم تقديم قول من ادعى النقصان؛ لا تفاقهما عليه وعلى وقوع العقد الناقل للعوضين، وإنّما حصل الاختلاف في الزيادة، فمن ادعاها فعليه البينة، ومَنْ نفاها فعليه اليمين، إلا أنّه قد ورد في

الخبر - المعتبر بإرسال البزنطي له؛ لأنّه من أهل الإجماع على تصحيح ما يصح عنه، ولنقل المعتبرين أنّه لا يروي إلا عن ثقةٍ، وأنّ الأصحاب عملوا بمراسيله (1)، ووجود سهل في بعض طرق الرواية سهل؛ لأنّه من مشايخ الإجازة، كوجود معاوية بن حكيم لوثاقته غير مضر بالخبر المنجبر بفتوى المشهور نقلاً (2)بل تحصيلاً، وبالإجماع المنقول (3)، وبشهادة المعتبرين بشهرة مضمونها روايةً وفتوى - أنّ «القول قول البائع إذا كان الشيء قائماً بعينه» (4)والمؤيد بما ورد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع» (5)وبالصحيح: «فإن اختلفا فالقول قول ربّ السلعة أو يتتاركا» (6)وظاهر التتارك بقاء العين، ومعناه أن يترك المشتري السلعة والبائع الثمن، فالأخذ بما في مضمونه متعيّن.

ومقتضى ظاهر النصّ والاقتصار على مورد اليقين هو تقديم قول البائع إذا كان المبيع قائماً بعينه كلّه، فلو تلف بعضه لزم الرجوع للقواعد في تقديم قول المشتري بیمینه، مع احتمال تقديم قول البائع تنزيلاً لقيام البعض مقام قيام الكل، واحتمال رجوع كلّ جزءٍ إلى أصله، واحتمال الفرق بين قلة التالف فيقدم قول البائع، وكثرته فقول المشتري.

والظاهر أن نقل العين بلازم أو جائز لا ينافي قيامها بعينها، مع احتمال الفرق بين اللازم فينزَّل منزلة التالف، والجائز فينزل منزلة القائم.

ولو امتزجت بغيرها امتزاجاً يخفى عن الحسّ تميزها عنه، فالأظهر أنّه بمنزلة التلف؛ لعدم صدق قيام العين.

ولو كان الامتزاج لا يخفى عن الحسّ فإن لم يعسر التخليص فلا إشكال في صدق قيام العين، وإن عسر فوجهان.


1) العدة في أُصول الفقه 1 : 154.

2) الحدائق الناضرة 19 : 191.

3) الخلاف : 147 - 148، المسألة 336.

4) وسائل الشيعة 18 : 59، الباب 11 من أبواب أحكام العقود، ح 1.

5) الجامع الصحيح 3 : 570، 1270؛ المعجم الكبير، الطبراني 10 : 219، ح 10377؛ سنن الدارقطني 3 : 20، ح 66.

6) وسائل الشيعة 18 : 59، الباب 11 من أبواب أحكام العقود، ح 2.

وعلى ما ذكرنا فالحكم خاص بالبيع وبالمبيع، وخاص بنفس البائع دون ورثته، ومع المشتري دون ورثته على وجه.

وقيل: إن القول قول مدعي النقصان (1)، سواء كان المشتري أو البائع كما لو تعلّق له غرض بادعاء النقصان عند تلف المبيع قبل قبضه فادعى المشتري الزيادة ليغرمه وادعى البائع النقصان.

وهو الأقرب للقواعد والضوابط، إلّا أنّ مخالفة المشهور والخبر المجبور في تقديم قول البائع مع قيام العين مما لا يسوغ طرحه.

وقيل: القول قول مَنْ كانت العين في يده؛ لأنّ الآخر خارج عنه، فالقول قول البائع إن كانت العين فى يده؛ لأنّ المشتري يحاول انتزاعها منه بما ادعاه، والقول قول المشتري إن كانت العين في يده، أو أحدث فيها حدثاً؛ لدلالة الحدث على السلطنة (2).

وفيه: أنّ العبرة باليد في ادعاء الملكية وعدمها، لا في عوض المملوك بعد الاعتراف من كلّ منهما بملكيته.

وقيل بلزوم التحالف؛ لأنّ كلّاً منهما يدعي قدراً خاصاً قد تشخص العقد به وينفيه الآخر، فكل منهما مثبت وناف(3).

وفيه: أنّهما قد اتفقا على وقوع عقد خاص بقدر خاص، واختلفا في زيادته ونقصانه، فليس إلا مثبت وناف.

وضابطة التحالف إنما تكون عند عدم اتفاقهما على أمرٍ واحد في ثمن أو مثمن أو شرط أو وصف أو في أصل العقد، كأن يختلفا في المبيع جنساً أو نوعاً أو وصفاً أو فرداً وإن اتفقا في الثمن، أو في المثمن كذلك وإن اتفقا في المبيع، أو يختلفا فيهما معاً، أو يختلفا في نفس العقد كأن يدعى أحدهما صلحاً والآخر بيعاً، ولا يجري التحالف مع الاتفاق على قدر خاص والاختلاف فيما زاد قدراً أو وصفاً أو شرطاً أو نحوها.

وعلى كلّ تقدير فعلى القول بالتحالف وعلى الإلزام به في موضع يكون الحكم عليهما


1) راجع مختلف الشيعة 5 : 316، المسألة 292.

2) قال به ابن الجنيد على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 315، المسألة 292.

3) ممن قال به فخر المحققين في إيضاح الفوائد 1 : 520.

بالتحالف، فإن وقع الاختلاف في تعيين نفس العقد أو في تعيين نفس المثمن أو في نفس الثمن تحالفا بأن يحلف كلّ منهما على نفي ما يدعيه الآخر، فينفسخ العقد المتفق على صدوره ويبطل أثره، فيبطل القدر الجامع المعترفين به من ملكية البائع للثمن والمشتري للمثمن فيما لو وقع الاختلاف في أن العقد صلح أو بيع، ومن ملكية البائع للثمن فيما إذا اختلفا في المبيع؛ لاعترافهما بانتقال الثمن إلى البائع وإنّما اختلفا فيما،باعه، ومن ملكية المشتري للمبيع فيما إذا اختلفا في الثمن؛ لاعترافهما بانتقال المبيع إلى المشتري.

والأقوى أنّ العقد ينفسخ لنفسه من جهة تقابل اليمينين وعدم إمكان الجمع بينهما، ولا يحتاج بعد ذلك إلى فسخ من أحد المتعاقدين مع رضى الآخر به، ولا إلى فسخ من الحاكم؛ لأنّ ذلك من المصالح التي يتولاها الحاكم مع التعاسر بين أهلها.

كما أنّ الأقوى أنّ الفسخ من حينه لا من أصله، فنماء الثمن للبائع قبل التحالف، ونماء المبيع للمشتري كذلك؛ لا تفاقهما على ملكيّة كلّ منهما لكلِّ منهما إلى حين التحالف.

والقول بأنّه ينفسخ من أصله؛ لتنزيله منزلة التداعي في بيع الشيء ونفيه وشراء الشي ونفيه، فإنّه مع اليمين تبطل الدعوى من أصلها، بعيد، وقياس مع الفارق.

وهل الفسخ واقعي بأمر الشارع؛ لتنزيل الرضى بالتحالف منزلة إقالة كلّ منهما صاحبه حيث رضي بحلف الآخر في إسقاط دعواه أو ظاهري؛ لعدم التصريح بالإقالة، وعدم القطع بالرضى، بل القطع بعدمه، وعدم الدليل على انقطاع الملك المستصحب واقعاً ؟

وغاية ما ثبت من ظواهر قواعد الدعاوي والنصوص والفتاوى أنّه ينفسخ ظاهراً بحكم الحاكم بعد صدور اليمينين من كلّ منهما، لا أنّه ينفسخ واقعاً.

وعلى ذلك فيأخذ المشتري ثمنه الذي أقرّ به للبائع عند الاختلاف في المبيع، وكذا البائع مبيعه الذي أقر بأنّه للمشتري عند الاختلاف في الثمن مقاصةً عن ماله الذي يدعيه أنّه عند الآخر.

وبالجملة، فيأخذ كلّ منهما ما بيده من مال الآخر بإقراره عوض ما أخذه من الآخر، ويدس الزائد في أموال المالك، أو يبقى حكمه حكم مجهول المالك وكان ينبغي أن لا يأخذه ها هنا؛ لأن اليمين تذهب بما فيها إلّا أنّه لمّا أخذه بتسليط الآخر عليه وإقرار يده عليه بعد

التداعي جازت فيه المقاصة، أو لأنّه لما كان اليمين على نفي العقد لا على نفي المال جازت المقاصة بالمال؛ لأنّه ليس مورد اليمين النفي وإن كان من اللوازم.

ويمكن القول بحرمة المقاصة ها هنا مطلقاً، ويمكن الفرق بين كون التداعي على عينٍ فتجوز المقاصة، وبين كونه على دَيْنٍ فلا تجوز، إلا أنّهما ضعيفان مخالفان لظاهر الأصحاب.

والظاهر أنّ الاختلاف بينهما لو وقع في الشرط لم ينفسخ العقد، بل ينفسخ الشرط، وكذا في الأجل وشبهه.

ولو وقع الاختلاف بينهما في عقد جائز، لم ينفسخ العقد بمجرده من دون التحالف.

ولا يحرم تصرّف كلّ منهما فيما اتفقا على نقله للآخر زمن الاختلاف قبل التحالف وإن كان عرضة للزوال، ويلزم كلّ منهما عند التحالف يمين نفي لما يدعيه الآخر، ولا يلزمهما يمين إثبات على ما يدعيه هو، ولا يمين جامعة بين النفي والإثبات.

ولو حلف أحدهما ونكل الآخر، فإن قضينا بالنكول حكم بقول الحالف، وإلا رُدّت على الحالف يمين إثباتٍ أُخرى، ولا تكفي يمينه الأولى لو كانت جامعة بين النفي والإثبات أو كانت مصاحبة ليمين الإثبات؛ لأنّ يمين الإثبات بعد النكول فلا تتقدم عليه.

ولو نكل الحالف ليمين النفي عن يمين الإثبات بعد نكول صاحبه، احتمل أن نكوله كحلف صاحبه فينفسخ العقد، واحتمل عدمه؛ استصحاباً لصحة العقد وبقائه.

ثالثها: حكم ما لو تلف أحد العوضين قبل التحالف

ثالثها: لو تلف أحد العوضين قبل التحالف وجبت القيمة يوم التحالف، أو يوم التلف، أو يوم القبض، أو الأعلى ما بينها، أو ما بين الأوّل والثاني، وجوه، أقواها الأول؛ بناءً على أنّ الفسخ من حينه لا من أصله.

ولو حال بينها وبين ردّها حائل لزم دفع القيمة بدلها.

وهل الدفع للحيلولة معاوضة لازمة لا تنفسخ بارتفاع الحائل ولا يجوز للمالك فسخها أو ليست معاوضةً بالكلية، أو معاوضة ليست بلازمةٍ بعد ارتفاع الحائل بل تنفسخ بنفسها، أو أنّ للمالك فسخها ؟ وجوه، ولا يبعد الوسط؛ لاستلزام الأوّل كون المدفوع أمانة بيد قابضه، وكون نمائه لمالكه، واستلزام الثاني ثبوت خيار من غير دليل.

والكل ضعيف.

والأظهر عدم وجوب ابتداء أحدهما باليمين لعدم دليل صالح على الوجوب، وإن كان الأولى الإقراع، أو تقديم مَنْ يتفقان عليه، أو مَن ادّعي عليه أوّلاً، فإن لم يمكن الجميع فالبائع.

ولو تداعيا على مبيعين أو ثمنين وكان أحدهما مما لا يصح نقله - كخمرٍ وخَلٌّ وعبدٍ وحُرِّ - فالأقوى تقديم قول مدّعي الصحّة؛ للاستقراء القطعي الدال على صحّة أفعال المسلمين.

ويمكن أن يقال: إن تقديم قول مدعي الصحّة لا يثبت بأصالة صحّة فعل المسلم سوى كون فعله صحيحاً، ولا يثبت نفس الفرد المتنازع فيه؛ لأصالة عدمه.

ودعوى قيام أصالة الصحّة بثبوته محلّ كلام، إلا أن يدعى أنّه من اللوازم التي تثبت بالأصل، ولولا ثبوتها به لعرى الأصل عن الفائدة، وهو مع ذلك محلّ مناقشة.

القول في الشرائط

وفيه أمور:

أحدها: في أن الشرط المقصود به التعليق مفسد للعقد

أحدها: الشرط المقصود به التعليق مفسد للعقد؛ لمنافاته للجزم المشترط في العقد، لانصراف أدلة العقود للمجزوم بها فيخلو المعلّق عن الدليل، ولأن التعليق إن كان للإنشاء عاد العقد جملةً خبرية، وإن كان للملك لزم تأخر المسبب عن سببه والأصل في العقود الحلول، وإن كان للمملوك فغير معقول، إلا أن ينحل لتأجيل التأدية أو الاستيفاء، وهو ممنوع من جهة الجهالة غالباً.

وليس من التعليق: المعلَّق صورةً على وصف محقق معلوم تحققه عند المتعاقدين على الأظهر.

والشرط المقصود منه الإلزام والالتزام صحيح قطعاً لبعده عن شبهة التعليق، ولدخوله تحت عمومات أدلّة العقود (1)أجناساً وأنواعاً، وللإجماع بقسميه (2)، وللأدلة الخاصة الدالة على صحّة الشروط في بيع ونكاح وشبههما (3)، وللأدلة العامة الدالة على صحّة الشروط ولزومها، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «المؤمنون عند شروطهم» (4).

والفرق بين الشرط التعليقي والالتزامي معنوي ولفظي.

أما الأوّل: فإنّ التعليقي ينافي الجزم، ويقلب العقد المجزوم به مردداً، والالتزامي يؤكد الجزم به والقصد إليه.

وأما الثاني: فإنّ التعليقي ظاهر في حروف الشرط وما قام مقامها، والالتزامي ظاهر في لفظ «على» و «عليك» و «ألزمك» و «شرطت عليك» و«أشترط عليك» ونحوها.


1) المائدة (5) : 1.

2) رياض المسائل 8 : 368.

3) وسائل الشيعة 18 : 16، الباب 6 من أبواب الخيار؛ و 21 : 45 الباب 19 من أبواب المتعة، و 299، الباب 40 من أبواب المهور.

4) المصدر 21 : 276، الباب 20 من أبواب المهور، ح 4.

نعم، قد يتردد في ظهور لفظ بشرط كذا أنّه تعليقي أو التزامي فيكون كالمجمل، ولكنّ الحمل على الالتزامي لمكان أصالة الصحّة عند صدور اللفظ أظهر.

ثانيها: وجوب الوفاء بمقتضى الشرط

ثانيها: يجب الوفاء بمقتضى الشرط؛ لعموم أدلّة العقود والشروط الظاهرة في وجوب الوفاء بها كتاباً (1)وسنّةٌ (2)، وللإجماع المنقول (3)، فإن كان الشرط في عقد لازم وجب الوفاء؛ لمكان وجوب الوفاء بالشرط والعقد، وإن كان في عقد جائز لزم الوفاء به ما دام راضياً ببقاء العقد غير فاسخ له، فيكون وجوبه مشروطاً لا مطلقاً، فإن امتنع المشترط عليه جبره الحاكم.

وقيل بعدم وجوب الوفاء بالشرط (4)استضعافاً لأدلة الوجوب، وهو ضعيف.

وعلى كلا القولين فعند امتناع المشروط عليه بالوفاء بالشرط يثبت الخيار للمشترط بين الفسخ والإمضاء؛ للإجماع بقسميه (5)، ولحديث نفي الضرار (6)، ولكونه بمنزلة تبعيض الصفقة، ولأن الظاهر اقتران لزوم العقد بوقوع الشرط، كما أنّ الظاهر اقتران تمليكه بملكية الشرط.

وذهب بعض المحققين إلى أن الشرط الواقع في العقد إن كان العقد كافياً في تحققه كاشتراط الوكالة في العقد اللازم بحيث لا يحتاج بعده إلى صيغةٍ أُخرى، فهو لازم لا يجوز الإخلال به، وإن احتاج إلى أمرٍ آخر كاشتراط العتق فليس بلازم، بل يقلب اللازم جائزاً.

وجعل السرّ فيه أنّ اشتراط ما العقد كافٍ في تحققه يكون كجزء من الإيجاب والقبول فهو تابع لهما، واشتراط ما يتوقف على أمرٍ آخر أمر منفصل عن العقد وقد علّق عليه العقد، والمعلّق على الممكن ممكن، وهو معنى قلب اللازم جائزاً (7).

وهو ضعيف لا يعارض ما قدمنا، وفي تحقيق المراد منه نظر وتأمل.

ثالثها: عدم جواز التمسك بعموم أدلّة الشروط كالمجملات

ثالثها: عموم أدلّة الشروط كالمجملات لا يجوز التمسّك بها؛ لضعف الظن بها من


1) المائدة (5) : 1.

2) وسائل الشيعة 18 : 17، الباب 6 من أبواب الخيار، ح 5.

3) السرائر 2 : 326.

4) قال به الشهيد في اللمعة الدمشقية : 74.

5) غنية النزوع 1: 218.

6) راجع الهامش (1) من ص 194.

7) حكاه الشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 507 - 508 عن الشهيد الأوّل في بعض تحقيقاته.

إعراض الأصحاب عن الأخذ بعمومها، ومن كثرة الخارج منها، فيقتصر على مورد اليقين من الشرائط الواقعة في أثناء العقد أو فى طرفيه متصلة به اتصال الجزء بالكل، فلا عبرة بالمنفصلة عنه انفصالاً طويلاً، أو قصيراً إلا مع استحضارها حال العقد وابتناء العقد عليها وقصد اقتران الإنشاء بها، فتكون مأخوذة في ضمنه وإن لم تكن مصرحاً بها.

ولا عبرة أيضاً بالشرائط المضمرة ما لم تدلّ عليها قرائن حالية أو مقالية ولو بذكرها قبل العقد وابتناء العقد عليها على الأظهر.

وفي فحوى ما دلّ على عدم لزوم الشرط الواقع في طرفي عقد المتعة من النصّ (1)والفتوى دلالة على عدم لزومه في كلّ عقد عند وقوعه في طرفيه، كذا قرره بعضهم(2).

ولا عبرة بالشرط المستقلّ لنفسه وإن وقع بصورة الإيجاب والقبول؛ لعدم انصراف أدلّة العقود والشروط لمثله.

رابعها : هل يفسد العقد لو وقع فيه شرط فاسد؟

رابعها: لو وقع في العقد شرط فاسد فسد العقد بفساده، كما نُسب لمشهور المتأخرين (3)لأنّ التمليك في العقد إنّما وقع على أن يملك الشرط، فما لم يملك الشرط لم يقع التمليك في العقد؛ لأن العقود تتبع القصود، ولا يلزم من توقف ملكيّة أحدهما على ملكيته دور؛ لأنّه من دور المعيّة المفتقر في الأحكام الشرعيَّة، ولأن النقل في العقد وقع على وجه خاص وهو ملكية الشرط، ومع انتفاء الخاص ينتفي العام، ولأنّ التراضي وقع على المجموع مرتبطاً أحدهما بالآخر، وما لم يحصل المجموع لم يحصل البعض ؛ لمكان الارتباط، بخلاف تبعيض الصفقة فإنّه لا ارتباط فيه، ولتأدية فساد الشرط إلى الجهالة في العقد ثمناً أو مثمناً فيبطل العقد أيضاً عند بطلانه.

وذهب بعض من أصحابنا إلى بطلان الشرط وصحة العقد (4)، ونقل عليه الإجماع (5).

واستدلّ له بالأصل، وعموم الأدلّة الدالّة على صحّة العقود (6)جنساً ونوعاً، وبأخبار


1) راجع وسائل الشيعة 21 : 45، الباب 19 من أبواب المتعة.

2) لم نهتد إليه.

3) نسبه السيد الطباطبائي في رياض المسائل :: 375 إلى أكثر الأصحاب.

4) كالشيخ الطوسي في الخلاف 3 157 المسألة 249؛ والمبسوط 2: 148 - 149: وابن زهرة في غنية النزوع 1 : 216.

5) غنية النزوع 1: 216.

6) البقرة (2) : 275.

النكاح الدالة على فساد الشرط دون عقد النكاح (1)، وبخبر بريرة: أن مولاتها اشترطت على عائشة حين اشترتها أن يكون ولاؤها بعد عتقها لها، فأجاز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) البيع وأفسد الشرط وقال: «الولاء لمن أعتق» (2)وله أثر فى طرقنا (3)أيضاً.

وهذا القول قوي بالنسبة إلى الشرائط الفاسدة الغير المقصودة في العقود، كاشتراط حفنة (4)من تراب، أو رفع، أو وضع لا لغرض، أو اشتراط بعض محرمات لا ينصب العقد عليها، وأما بالنسبة إلى الشرائط المقصودة في العقد الواقعة كالجزء من الثمن أو المثمن فهو ضعيف؛ لمنع الإجماع فيه في محلّ النزاع، ومخالفة مشهور المتأخرين، ومنع شمول أدلة العقود جنساً ونوعاً لمثلها، وشروط النكاح جاء بها الدليل، فقياس غيرها عليها قياس مع الفارق، وخبر بريرة عامّيّ، والأخبار الخاصة محمولة على التقيّة، ومع ذلك فالمقام محتاج إلى التأمل التام.

خامسها: فيما ورد أن الشرط المخالف للكتاب والسنّة باطل
إشارة:

خامسها: ورد في الأخبار (5)واتفقت عليه كلمات الفقهاء الأخيار أن الشرط المخالف للكتاب والسنّة باطل، وكذا ما حرم حلالاً أو أحلّ حراماً، واشتهر فيما بينهم أيضاً أن المنافي لمقتضى العقد باطل، ونُقل عليه الإجماع (6)، وأدخله جملة منهم (7)فيما خالف الكتاب والسنّة.

وكذا كلّ ما أدى إلى جهالة الثمن أو المثمن أو هما معاً، فإنّه باطل ويبطل العقد ببطلانه.

وقيل: إنّ في النصّ والفتوى إجمالاً فلا يدرى ما المراد بالمشروع وبالحلال والحرام، أهو ما كان كذلك بأصل الشرع من دون توسّط العقد، أو ما يعم ذلك ؟ وقضية اتفاقهم على صحّة اشتراط إسقاط خيار المجلس والحيوان: الأول؛ لأنّ مقتضى العقد حلّية الردّ في زمن


1) وسائل الشيعة 21 : 275، الباب 20 من أبواب المهور.

2) صحیح مسلم 2 : 1142 - 1143، ح 8.

3) وسائل الشيعة 21 : 161 - 162، الباب 52 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2.

4) الحفنة ملء الكفّ من شيء. المعجم الوسيط : 186، ح ف ن».

5) وسائل الشيعة 18 : 16، الباب 6 من أبواب الخيار.

6) رياض المسائل 8 : 368.

7) كالشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 157 المسألة 249؛ والفاضل الآبي في كشف الرموز 1 : 474؛ والسبزواري في كفاية الفقه 1: 493.

الخيار، وقد حرم الشرط ما كان حلالاً بتوسط العقد، وقضيّة نصّهم على عدم جواز اشتراط أن لا يهب هو يهب هو الثاني، لأنّ للإنسان شرعاً أن لا يهب ماله لكن إطلاق العقد قضى بكل تصرّف (1).

وفيه ضعف؛ لأنّ المراد بقولهم: «ما نافى المشروع» هو الأوَّل، وبقولهم: «ما نافى مقتضى العقد» هو الثاني، وكلا القاعدتين نقول بهما، إلا ما دلّ الدليل على خلافه، كاشتراط الخيار بالنسبة إلى الثاني، وإسقاطه بعد ثبوته بالنسبة إلى الأوّل.

ونمنع الإجمال المدعى في النصوص والفتاوى، ولئن سلّمناه فلا نسلّم سريانه للعام الوارد بإباحة الشروط وتسويغها؛ للقطع بإرادة بعض الأفراد من المخصص، والشك في الباقي، فيشمله عموم العام المخصوص والمستثنى منه في مقام الاستثناء.

وبالجملة، فلا إجمال في النصّ والفتوى بعد استقراء كلمات الأصحاب والنظر التام في الأخبار الواردة في الشروط في جميع الأبواب، ولو سلمنا الإجمال فلا نسلّم سريانه لجميع المحال.

بيان أنواع الشرائط وأحكامها

و بيان ذلك: أنّ الشرائط منها ما هو مؤكّد لمقتضى ذات العقد الواقعة فيه، كاشتراط أن تملك وشبهه.

ومنها: ما هو مؤكد لمقتضى إطلاق ذلك العقد، كاشتراط الحلول والتسليم وشبههما.

ومنها: ما هو مؤكد لمقتضى ذات عقد آخر وإطلاقه.

ومنها: ما كان ملزماً لواجب أو مندوب شرعيين على المشروط عليه إذا تعلق للمشترط غرض بهما.

ومنها: ما كان ملزماً لأمرٍ يُباح لهما فعله من دون توسط الشرط، كعمل شيءٍ أو دفع شيءٍ من المال ونحو ذلك.

فجميع هذه الشرائط سائغة، ويلتزم بها المشروط عليه؛ لعموم أدلة الشروط (2)من غير معارض؛ لأنّ المفهوم من أدلّة الشروط أنّها بمنزلة النذر تلزم ما كان سائغاً فعله بدونه، وتوجب على المشروط عليه أداءه، ولا إجمال في أدلّة الشروط بالنسبة إلى تناولها لذلك.

ومنها: ما تتعلق بفعل محرَّم معلوم من الشرع عدم استحلاله بالأسباب الاختيارية، كأكل


1) قاله السيد الطباطبائي في رياض المسائل 8 : 370.

2) راجع الهامش (1) من ص 328.

الميتة، ولحم الخنزير واللواط والزنى والغناء والسرقة، وقتل النفس بغير حق، أو بترك واجب معلوم عدم استحلاله بالأسباب الاختيارية، كالصلاة والصوم، والحج، وطاعة الوالدين، والأمر بالمعروف ونحو ذلك، فهذه ونحوها من المقطوع بدخولها تحت المخصص وبإرادتها ممّا حرم حلالاً أو أحلّ حراماً إن لم ينصرف إطلاق ذلك إليها.

ومنها: ما تنافي مقتضى ذات العقد المشروط وأصل مشروعيته، أو ذات عقد آخر ومشروعيته، کاشتراط أن لا يملك بالبيع، أو يملك بالرهن والعارية والوديعة، فهذه من المقطوع ببطلانها، ودخولها تحت ما خالف الكتاب والسنّة، لأنّ الكتاب والسنّة دالان على وجوب الوفاء بالعقد، فإبطال مقتضاه مخالف لهما.

لا يقال: إن وجوب الوفاء بالعقد إنّما هو على حسب مقتضاه، فالمطلق على إطلاقه والمشروط على حسب شرطه فلا مخالفة.

لأنا نمنع شمول أدلّة الوفاء بالعقود للعقد المشترط بشرط يعود عليه بالنقض، وذلك ظاهر.

ومنها: ما تنافي مقتضى إطلاق العقد، كاشتراط تأجيل أحد العوضين، أو تأخير التسليم أو كونه في غير بلد العقد، ونحو ذلك، وهذه سائغة مشمولة لأدلة العقود والشروط، ولا تدخل فيما أحلّ حراماً أو خالف الكتاب والسنّة؛ لأنّ المأمور بالوفاء بهما شامل للمقيد والمطلق، والشرط قيد في العقد، وقد شرع التقييد فيه به وبغيره.

ومنها: ما تنافي مقتضاه من الأحكام اللاحقة له شرعاً، كاشتراط الخيار بعد الحكم بلزومه، واشتراط إسقاطه بعد الحكم بثبوته شرعاً، وهذه يمكن إدراجها فيما خالف الكتاب والسنّة، إلا أن الحكم بصحتها جاء به الدليل، ويمكن جعلها من أحكام العقد المطلق، لا مطلق العقد حتّى المشروط بها، فلا مخالفة فيها للكتاب أو السنة.

ومنها: ما تنافي لوازمه الشرعيَّة التي شُرّع العقد لها، كاشتراط منعه عن التصرف بالبيع مطلقاً؛ لأنّ من لوازم الملك الشرعي جواز تصرّف المالك بملكه كيف شاء، والظاهر دخول هذا فيما خالف الكتاب والسنّة.

وأما اشتراط منعه عن بعض التصرفات فقط كاشتراط أن لا يبيع أو لا يهب أو لا يعتق مطلقاً أو في وقت دون وقت فالظاهر أنّه لا يدخل تحت دليل المنع، ولا تحت ما خالف

الكتاب والسنّة؛ لعدم دلالتهما على جواز التصرف بكل نحو وفي كلّ وقت، بل المقطوع به هو جواز التصرف في الجملة، ولو سلمنا فالمقطوع به هو جواز كلّ تصرف في العقد المطلق، لا في مطلق العقد حتّى المشروط بتصرف دون آخر، فاشتراط ذلك لا يخالف الكتاب والسنّة، إلا أنّ ظاهر الفقهاء منعه وبطلانه إلا ما خرج،بالدليل، كاشتراط عدم الانتفاع مدةً معينة، أو اشتراط أن لا يهب ولا يبيع؛ لورود الروايات (1)بهما.

ومنها: الشرائط الغير المقدورة عقلاً وعرفاً، ولا كلام في بطلانها.

وهل يبطل العقد ببطلانها سيّما مع العلم بعدم القدرة عليها ؟ وجهان، أوجههما البطلان.

ومنها: الشرائط السفهية التي لا تقابل بعوض ولا يعود بها نفع لأحد المتعاقدين، ولا كلام في بطلانها؛ لعدم شمول أدلة العقود والشروط لها.

وهل يبطل العقد ببطلانها ؟ وجهان، أجودهما: عدم البطلان.

ومنها: الشرائط الغير المقدورة شرعاً، كاشتراط غايات العقود المعلوم من استقراء الأدلّة عدم وقوعها بغير أسبابها المعدة لها، كاشتراط كون فلانة زوجةً، وكون المال موقوفاً، وكونه مبيعاً، وكون الزوجة مطلقةً، فهذه لا كلام في بطلانها؛ لأنّها مما تخالف الكتاب والسنّة.

ومنها: الشرائط المؤدية إلى جهالة الثمن أو المثمن فيما تفسده الجهالة، فإنّها باطلة؛ لمخالفتها ما دلّ على اشتراط المعلومية (2)، ويبطل العقد ببطلانها.

ومنها: الشرائط المجهولة بنفسها، فهذه إن أدّى الجهل بها إلى الغرر بحيث يصير العقد مجهولاً بسببها بطلت وأبطلت العقد، وإلا فالظاهر صحتها، كاشتراط قدرٍ من طعام بكيلةٍ مجهولة أو معيار مجهول مع مشاهدتهما.

ومنها: الشرائط المتعلقة بالأسباب الشرعيَّة من بيع وإجارة ورهن وغيرها، أو المتعلقة بالمسببات الغير متوقفة على أسباب خاصة، أو المتعلقة بمالٍ من عين أو منفعة، أو المتعلقة بحقِّ من الحقوق المالية أو غيرها.

وبالجملة، كلّ ما لا يتوقف في نقله أو إسقاطه أو الاختصاص به على صيغة شرعية


1) وسائل الشيعة 18 : 267 - 268، الباب 15 من أبواب بيع الحيوان، ح 1، 2.

2) راجع المصدر 17 : 341، الباب 4 من أبواب عقد البيع وشروطه.

متلقاة من الشارع فإنّه يصح اشتراطه، ويلزم العمل به؛ لأنّ الشرط ملزم لمن التزم به فيما يسوع التزامه مما لا يخالف الكتاب والسنّة.

ومنها: الشرائط القاصرة للمشروط عليه على بعض التصرّفات دون بعض، کاشتراط العتق أو البيع أو غيرهما، وظاهر الفقهاء صحتها، وأنها لا تدخل فيما خالف الكتاب والسنّة وإن استلزمت المنع عن بعض التصرّفات أيضاً؛ لأنّ القصد أوّلاً وبالذات هو الإلزام بتصرّف. لا المنع من تصرّف آخر، والأوّل لا ينافي مقتضى العقد إن لم يؤكده.

فتبين مما ذكرنا أنّه لا إجمال في أدلة الشروط وأنّها أخص من دليل «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)وشبهه، وأنّه لا معارضة بينها وبين أدلة العقود إذا لم يناف أصل وضعها أو أحكامها اللاحقة لذات العقد شرعاً؛ لأنّ الأمر بها على حسبها من التقييد والإطلاق.

نعم، لو عادت على أصل العقد بالنقض أو على أحكامه ولوازمه الأصلية لكانت ممّا تخالف الكتاب والسنّة.

سادسها: في أنّه يجوز في عقد البيع اشتراط أن يرهن عنده رهناً على دين سابق أو على ثمن المبيع الواقع في ذلك العقد

سادسها: يجوز في عقد البيع وغيره من العقود اللازمة اشتراط أن يرهن عنده رهناً على دَيْنِ سابق أو على ثمن المبيع الواقع في ذلك العقد؛ لأنّه اشتراط لسبب شرعي، وهو سائغ. ولو اشترط أن يكون المال رهناً عنده على دين سابق، بُنيت صحته على صحّة وقوع الرهن بنفس الشرط وعدمها، ولا يبعد جوازه.

وعلى تقدير صحته فهل يصح جعل المبيع رهناً على الثمن في صيغة البيع أو مالٍ آخر غير المبيع كذلك؛ لعموم الأدلّة، أو لا يصح؛ لأنّه رهن على ما لم يثبت في الذمة ؟ وجهان، ولا يبعد الصحّة، فيقع ملك الثمن والرهن دفعة واحدة، ولا يبعد جوازه، أو يقدر ملك الثمن آناً ما قبل الرهن، ولكنّه محل إشكال.

ومثله ما لو صرّح البائع بالرهن فقال: بعتك هذا بكذا وارتهنته عندي فقال المشتري: «قبلت وأرهنت» دفعة واحدة، كأن يقول هو واحد أو وكيله الآخر، وأشكل منه لو قدّم لفظ الرهن على قبول البيع.

أما لو قدّم القبول على إيجاب الرهن قوي القول بالصحّة؛ لتقدم الملك، بناءً على


1) عوالي اللآلي 3 : 208، ح 49.

صحة القبول المتقدم والإيجاب المتأخر.

هذا إذا قدم الموجب لفظ البيع على لفظ الرهن، أما لو قدّم لفظ الرهن - كأن يقول: أرهنته وبعتك - ففى صحته كلام.

والأقوى عدم اشتراط تعيين الرهن بجنسه ووصفه وكيله ووزنه، بل يكفي أن يشرط رهناً على الثمن، ولو قلنا باشتراط تعيين الرهن عند الارتهان لزم التعيين فيما إذا وقع الرهن بالشرط، ولم يلزم فيما إذا كان شرطاً لرهن متأخر.

نعم، لا يبعد وجوب اشتراط تعيين قدر الرهن من أنّه على كلّ المال أو بعضه، وأنّه ممّا يقابل كلّ المال أو ينقص عنه؛ للزوم الجهالة التي لا تغتفر في الشرط، ولا سيّما لو كان الشرط في البيع وشبهه ممّا بني على حرمة الغرر فيه.

والأولى في عقد البيع تعيين الرهن نوعاً ووصفاً وقدراً وأنّه على كلّ المال أو بعضه، وقد تكفي المشاهدة عن كثير مما قدمنا.

ونقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه) أنّه جوّز قول البائع: «بعتك هذا بألف وأرهنته على الثمن» فيقول: «قبلت وأرهنت» (1)مع أنّ فيه تقديم القبول وتأخير الإيجاب، ووقوع القبول في زمن عدم الملك وعدم تحقق الدين.

و مَنَع من اشتراط رهن المبيع على الثمن (2)، وظاهره حتّى لو كان فيه الشرط بأن يرهنه كما يظهر من بعض أذلّته، حيث إنّه استدلّ على المنع بلزوم اشتراط رهن ما لا يملك، وباقتضاء البيع لإيفاء الثمن من غير المبيع واقتضاء الرهن الإيفاء منه، وهو متناقض، وباقتضاء البيع كون المبيع مضموناً على البائع واقتضاء الرهن كونه غير مضمون، وهو متناقض أيضاً(3).

والكلّ ضعيف، كضعف ما احتج به غيره من أنّ المشتري لا يملك رهن المبيع إلا مع صحّة البيع المتوقفة على ملك رهن المبيع فيدور، وأنّ لزوم التصرفات معلولة للزوم البيع، فلو كانت عله له جاء الدور (4).

وذلك لأنّ الممنوع منه رهن ما لا يملك لا اشتراط رهنه بعد ملكه، ولمنع اقتضاء البيع


1) المبسوط 2 : 198.

2) المصدر : 235.

3) المصدر : 235.

4) كما في مفتاح الكرامة 4 : 737.

كون إيفاء الثمن من غير المبيع لا عرفاً ولا شرعاً، ولأنّ اقتضاء البيع ضمان المبيع والرهن عدمه لا يقضيان بمنع الرهن.

نعم، عند وقوع ذلك يتعارض الدليلان فيمكن ترجيح الضمان؛ لأنّه انفساخ، لا ضمان بالمثل أو القيمة كي ينافي عدم ضمان الأمانة.

ويمكن ترجيح عدمه؛ لأنّ رهنه كإذن المشتري له بالقبض، فيكون من الأمانات المقبوضة، ولأن توقف صحّة البيع على الرهن ممنوعة.

نعم، تتوقف على صحّة الرهن الموقوفة على صحّة البيع، وهو دور معية لا بأس به.

ولأنه لا استبعاد في كون المعلول - وهي التصرفات - علةً لصفة علّته وهو اللزوم، وليس هو علةً له، فلا دور.

ويصح اشتراط الكفيل والضامن على الثمن أو المثمن، واشتراط الشهود، ولا يلزم تعيين الكفيل باسمه أو شخصه، ولا تعيين الشهود.

نعم، ينصرف في الأوّل إلى الملي، وفي الثاني إلى العدلين.

ولو عين كفيلاً تعيّن، وفي تعيّن الشهود بالتعيين وجه يقوى البناء عليه.

سابعها :جواز اشتراط عدم الانتفاع بأحد العوضين مدّةً معيّنةً

سابعها: نُقل الاتفاق على جواز اشتراط عدم الانتفاع بأحد العوضين مدة معينة (1)، وأجاز جمع من أصحابنا (2)اشتراط أن لا يعتق ولا يطأ الأمة، وجماعة أُخرى (3)أجازوا اشتراط بائع الأمة على المشتري بأنّه لا يبيع ولا يهب، وفيه روايات مستفيضة دالة على الجواز أيضاً (4).

واستند بعضهم (5)في جواز الجميع للعمومات والإطلاقات في العقود والشروط السليمة عما يصلح للمعارضة، سوى كون هذه الشرائط منافية لمقتضى العقد، فتدخل فيما خالف الكتاب والسنّة.

وهو ممنوع؛ لمنع منافاتها لمطلق العقد حتّى العقد المقيد بالشرط، وإنما تنافي العقد


1) رياض المسائل 8 : 370.

2) منهم : السيّد الطباطبائي في رياض المسائل 8 : 374.

3) منهم : المصدر : 376 - 377.

4) وسائل الشيعة 18 : 267، الباب 15 من أبواب بيع الحيوان.

5) لم نهتد إليه.

المطلق، وما نافي العقد المطلق لا يدخل تحت ما خالف الكتاب والسنّة.

وهذا القول قوي في النظر.

فعلى ذلك يجوز اشتراط عدم انتفاع المشتري بالمبيع في زمن دون زمن، أو فرد دون فرد، أو حال دون حال.

ولكن الحكم بعد ذلك لا يخلو من مقالٍ وإشكال، سيّما فيما لم يرد به نص من الآل (عَلَيهِم السَّلَامُ).

ثامنها: جواز اشتراط البائع على المشتري قصر انتفاعه على جهة مخصوصة

ثامنها: يجوز اشتراط البائع على المشتري قصر انتفاعه على جهة مخصوصة من بيع أو عتق، أو تدبير أو كتابة، والعتق إجماعي لا كلام فيه.

والظاهر أن الجميع على وفق القاعدة؛ لعدم منافاة هذا الشرط لمقتضى العقد وإن لزم من القصر على مورد خاص منعه عن غيره، لأن اللوازم لا اعتبار بها.

ويجوز اشتراط العتق مطلقاً، أو عن البائع، أو عن المشتري، أو عن أجنبي، أو عن اثنين أو ثلاثة منهم.

واحتمال البطلان فيما لو عتق عن البائع أو الأجنبي؛ لأنّه لا عتق إلا في ملك، في محلّ البطلان؛ لأنّ المعتق مالك وإن كان العتق عن غيره، لأنّ وصول نفعه إلى الغير لا ينافي مباشرته بنفسه، وقد تقدّر ملكيته آناً ما بعد صيغة العتق قبل حصوله أو عند إجراء الصيغة، أو يكتفى بالتقدم الذاتي.

ويصح اشتراط عتقه مطلقاً، وعن سبب خاص من نذر أو كفارة، عن كلّ واحدٍ مما قدمنا.

ويصح اشتراط عتقه تبرّعاً، ويصح اشتراطه مع العوض.

نعم، ينصرف إطلاق اشتراط عتقه إلى ما يكون تبرّعاً ويكون اختيارياً بسبب الصيغة الخاصة، دون ما يكون بتنكيل وشبهه.

وهل يصح مع اشتراط عتقه مطلقاً أن يعتق عن سبب خاص من كفارة أو نذرٍ أو نحوهما؛ لأن اشتراط المطلق يجامع وقوعه مع القيد ؟

ويحتمل عدم الصحّة؛ لتغاير الأسباب بتغاير المسبّبات.

وقد تبنى المسألة على أن العتق المشروط هل هو حقٌّ اللّه تعالى؛ لما فيه من معنى القربة والعبودية، أو للبائع؛ لأنّه الملزم به، ولأنّ الشروط من جملة العوضين، أو للمشتري؛ لأنّه

التزم به ويعود بفعله ثواب إليه، أو للأجنبي لو كان الشرط عتقه عنه؛ لعود نفعه إليه بعد التزامه، أو للعبد؛ لاستلزامه زوال الحجر عنه وتحريره به أو للمركب من الاثنين أو الثلاثة أو الأربعة، أو للكل؛ لاجتماع جميع الجهات فيه؟

فإن كان الحقّ اللّه تعالى فيكون كالمنذور، أو للبائع ولم يسقط حقه، أو للعبد ولم يسقط حقه، أو للأجنبي ولم يسقط حقه، لم يجز عتقه عن السبب الخاص، وإن كان للمشتري أو لأحد الثلاثة مع إسقاط حقهم جاز.

وصور المركبات تتبع صور المفردات وما دخل فيها المنع رجح جانب المنع.

ويجري الحكم في ذلك لغير شرط العتق ممّا شابهه، كشرط الوقف.

ويجري أيضاً لغير عتقه عن السبب الخاص كبيعه مثلاً، فإنّ المنع فيه لتعلّق حق اللّه تعالى فيه أو حق غيره مع عدم إسقاطه متوجه.

والأظهر تعلق حق البائع به على كلّ حالٍ، وتعلّق حق المشروط له عتقه عنه سواء كان المشتري أو غيره مع البائع على سبيل الاشتراك.

واحتمال تعلق حق اللّه تعالى به مع اشتراط عتقه مطلقاً أو عن شخص خاص كاحتمال تعلق حق المشتري به، ضعيف.

ويتفرّع على تلك الوجوه حق المطالبة به، فإن كان اللّه فللحاكم، وإن كان للعبد فله أو للحاكم، وإن كان لغيرهما فلصاحبه.

ولو أعتقه المشتري بعوض مع اشتراط البائع عدم العوض أو الإطلاق صح عتقه وتسلّط البائع على الخيار، فإن فسخ كانت له القيمة؛ لتنزيل العتق منزلة التلف، وليس للبائع فسخ العتق.

ويحتمل بطلان العتق المعوّض وعدم نفوذه؛ لتعلق حق الغير به بالشرط. وكذا الكلام فيما لو أعتقه بسبب غير السبب المشروط عليه.

ومثلهما فيما لو باعه بشرط العتق فأعتقه المشتري الآخر، فإنّه يُحكم بصحة العتق، ويُحكم بفوات الشرط وضمان القيمة عند الفسخ ؛ لأنّ ظاهر الشرط مباشرة العتق ولو بالوكالة لا بواسطة البيع وشبهه.

وكذا لو مات العبد المشروط عتقه أو نكل به حتّى عاد حراً، لزم المشتري تأدية قيمته عند فسخ البائع.

ولو أحبل الجارية ولم يف بالشرط، فالأقوى إلزامه بالقيمة إذا فسخ البائع، ولا يرجع بالعين، مع احتمال ذلك.

تاسعها: في أنّ العبد المشروط عتقه أو المال المشروط وقفه إذا كان ثمناً أو مثمناً ولم يف المشروط عليه بالشرط كان للمشترط الخيار

تاسعها: العبد المشروط عتقه أو المال المشروط وقفه إذا كان ثمناً أو مثمناً ولم يف المشروط عليه بالشرط - بأن نقله ببيع أو غيره من العقود الناقلة كان للمشترط الخيار، فإن أمضى فلا كلام، وإن فسخ احتمل انفساخ العقود المترتبة عليه من حينها تبعاً لفسخه، واحتمل توقفها على فسخه فإن فسخها،انفسخت، وإلا مضت على حالها وكان للمشترط القيمة، واحتمل مضيّها قهراً والرجوع إلى القيمة؛ لاستصحاب بقائها وعدم ثبوت فاسخ لها، واحتمل بطلان العقود من أصلها؛ لتعلّق حق اللّه تعالى بها فلا ينفذ مقتضاها، أو لتعلّق حق البائع بها أو المشتري أو الأجنبي فلا يصح التصرف بها إلا مع إسقاط حقهم، مع احتمال عدم تأثير إسقاط حقهم في العتق أو الوقف؛ لتعلّق حق اللّه تعالى بهما.

ولو ترتبت العقود على المشروط بشرط غير شرط الوقف والعتق وما ضاهاهما ممّا يتعلّق به حق اللّه تعالى، فالأوجه: صحّة العقود المترتبة عليه، ولزومها أيضاً، وعدم جواز فسخ المشترط لها إذا فسخ العقد، بل له القيمة وتنزل منزلة التلف.

ولو كانت المترتبة عقوداً جائزة، فالأقوى انفساخها من دون فاسخ، مع احتمال توقف الانفساخ على الفسخ.

عاشرها: هل يجوز تصرّف المشروط عليه في المال المتعلّق به شرط؟

عاشرها: المال المتعلّق به شرط في البيع أو غيره كاشتراط إعطائه أو تمليكه أو بيعه ولم يكن من أحد العوضين فهل يجوز تصرّف المشروط عليه به ونقله وإتلافه مطلقاً؛ لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم، أو لا يجوز؛ لتعلّق حق الغير به، ولوجوب الوفاء بالشرط، فيجب عدم نقله وإتلافه من باب المقدمة ؟ ولعل الأخير أوجه.

وقد يُفرّق بين تعلّق ما لله تعالى فيه حق - كاشتراط الوقف والعتق أو إخراجه خمساً أو زكاةً أو صدقةً - فيحرم التصرّف فيه، وبين ما لم يتعلّق فيجوز.

وقد يُفرّق بين تعلّق الشرط بأحد العوضين فيحرم على المشروط عليه التصرف فيه، وبين تعلقه بأمر خارج فلا يحرم.

وعلى التحريم فهل تبطل العقود المترتبة على ما تعلّق به الشرط؛ لمكان النهي، أو تصح؛

لتعلقه بأمر خارج ؟ وجهان، أوجههما: الأخير.

وعلى الصحّة فهل للمشترط بعد فسخه أن يفسخ تلك العقود المترتبة على ما له؛ لتعلّق حقه بها فله الخيار، أو ليس له ؟ ولا يبعد الأوّل.

ويحتمل انفساخها بنفسها على وجه أنّ استدامتها موقوفة على استدامة البيع الأوّل.

وقد يفرّق بين ما يتعلق به حق اللّه تعالى فلا تصحّ العقود المترتبة عليه، وبين ما لم يتعلّق فتصح، ويجيء احتمال الانفساخ أو جواز الفسخ.

أو يُفرّق بين تعلّق الشرط بأحد العوضين فتبطل العقود، وبين تعلقه بأمرٍ خارج فتصح، ويجيء حينئذٍ احتمال الانفساخ واحتمال جواز الفسخ.

حادي عشرها فيما لو امتنع المشروط عليه من القيام بالشرط كان للمشترط الفسخ

حادي عشرها: لو امتنع المشروط عليه من القيام بالشرط - إما لامتناعه بنفسه أو لامتناع الشرط كان للمشترط الفسخ كما تقدم.

وهل هو فوري؛ لأصالة لزوم العقد بعد خروج زمان الفورية المجمع على ثبوت الخيار فيه، أو متراخي ؛ لثبوته مع عدم العلم بالمزيل، وما ثبت دام؟

والأوّل أقرب وأحوط على كلّ تقدير. فإن فسخ المشترط ووجد العين قائمة استردّها، وإن وجدها تالفة أو شبه التالفة - من حصول عتق أو استيلاد أو وقف أو عقد لازم في وجه قوي - رجع بمثله إن كان مثليّاً، وبقيمته إن كان قيميّاً.

والرجوع في القيمة لقيمة بلد العقد. ويحتمل الرجوع لقيمة بلد الفسخ، ويحتمل الرجوع إلى قيمة بلد المتعاقدين، ومع اختلاف المتعاقدين يرجع إلى قيمة بلد الناقل، ويحتمل الرجوع إلى أقل القيم؛ للأصل، والرجوع في وقتها إلى قيمة يوم التلف؛ لأنّه يوم الانتقال إلى القيمة، ويحتمل يوم القبض؛ لأنّه أوّل دخوله في ضمان المشتري، أو أعلى القيم ما بين القبض والتلف، ويحتمل قيمة يوم الفسخ، ولعلّه الأقرب ويحتمل أدناها؛ للأصل.

ثمّ إنّ القيمة تنصرف - بحكم الشارع - للنقدين المسكوكين من الذهب والفضة، على ما هو الظاهر من الأصحاب في جميع الغرامات، بل وظاهر الأمر بها في الأخبار (1)أيضاً ذلك.


1) وسائل الشيعة 19 : 119 - 120، الباب 17 من أبواب كتاب الإجارة، ح 1.

وهل تعتبر قيمته مشروطاً فيقوم عبداً مشروطاً بعتق وشبهه، فيأخذ البائع قيمته، أو غير مشروط فيقوم سليماً من الشرط فيأخذ قيمته ؟

ووجه الأول: كونه قد دخل في ضمان المشتري كذلك.

ووجه الثاني: أن الشرط لم يأتِ به المشتري ففواته عليه، وعند الفسخ يصير العبد مضموناً عليه مجرّداً عن البيع والشرط.

ولعل الأوّل أوجه.

وإن أمضى المشترط للعقد عند فوات الشرط ولم يفسخ فهل له الرجوع بما نقصه الشرط، فيأخذ البائع زائداً على ثمنه إن كان المشترط هو البائع وقد فاته الشرط، ويرجع المشتري شيئاً من الثمن إن كان المشترط هو المشترى وقد فاته الشرط، وذلك لأن الشرط محسوب من الثمن أو المثمن، ففواته يقضي بفوات مالٍ من المشترط ونقصان من أحد العوضين، فيقوم العوض مشروطاً وغير مشروط، ويُنظر إلى التفاوت بينهما زيادةً ونقصاناً، فيأخذ المشترط على نسبة التفاوت من المشروط عليه؛ لمكان انتفاء الشرط، فيزيد البائع على الثمن ذلك القدر أو ينقص المشتري منه، أو ليس له الرجوع بشيء؛ لأنّ الشروط لا توزّع عليها الأثمان كتبعيض الصفقة، ولا تقابل بأرش كالعيوب؛ لعدم دليل يدلّ على أحدهما،

وثبوت الأرش في العيب إنما جاء به الدليل، وضرر فوات الشرط مجبور بالخيار ؟

وهذا الأخير أقوى، ويؤيده أن فوات وصف الحسن أو الوصف مطلقاً أولى بأخذ ما قابلهما، سيّما فيما اشتمل على تدليس مع أنّه لا قائل به على أن ظاهر الفقهاء أنّ هذا التوزيع خاص بفوات شرط العتق لا بفوات الشرط مطلقاً، مع أنّه ليس لشرط العتق خصوصيّة.

ثاني عشرها: هل اشتراط العقد الجائز في العقد اللازم يصيّره لازماً أم لا؟

ثاني عشرها: اشتراط العقد الجائز في العقد اللازم كاشتراط الوكالة أو الوصية أو التدبير أو المضاربة، أو اشتراط ثمراتها كصيرورته وكيلاً أو وصيّاً أو مدبّراً أو غير ذلك، فهل يقلب الجائز لازماً ويلزم الاستمرار عليه مطلقاً، أو يبقى على جوازه مطلقاً، أو يفرق بين اشتراط نفس العقد الجائز فيبقى على جوازه و بین اشتراط غايته فيلزم ؟ وجوه، أوجهها الأخير.

وعلى الجواز، فلو فسخ المشروط عليه بعد تلبسه بمقتضى العقد الجائز فهل للمشترط

خيار الفسخ حينئذٍ؛ لظهور الشرط في الاستمرار عليه، أو ليس له؛ لأن الشرط مجرد حصول مقتضاه وقد حصل ؟ وجهان.

ولا يبعد ها هنا الرجوع إلى مقتضى العرف من القصد إلى الاشتراط بإرادة الدوام وعدمه.

وعلى كلّ حالٍ فللمشترط إسقاط حقه من الاشتراط؛ لجواز إسقاط الحقوق من أهلها، إلا شرط العتق فقد استثناه طائفة من أصحابنا (1)لتعلّق حق اللّه تعالى به فلا يجوز إسقاطه، وربما يجري الحكم لكلّ ما تعلق اللّه تعالى فيه حقٌّ، والحكم بعد ذلك محتاج إلى نظرٍ وتأمل.

وهل يجب الوفاء بالشرط على المشروط عليه إذا كان من غير أحد المتعاقدين وقد رضي به؛ لعموم أدلة الشروط (2)، أو لا يجب؛ للأصل، وانصرافها لما كان بين المتعاقدين ؟ وجهان، وفي الأخير قوة. وبقيت مسائل كثيرة ذكرناها في شرح القواعد للعلامة (رَحمهُ اللّه).


1) منهم : فخر المحققين في إيضاح الفوائد 1 : 514؛ والشهيد في الدروس الشرعيَّة 3 : 216.

2) راجع الهامش (1) من ص 328.

القول في أحكام العيوب

وفيه أمور:

أحدها: في أن الأصل في الأعيان السلامة من العيوب

أحدها: الأصل في الأعيان السلامة من العيوب، إما بمعنى الاستصحاب فيما ثبت صحته سابقاً، أو بمعنى الظاهر أو الغالب، أو بمعنى القاعدة الشرعيَّة المأخوذة من استقراء الأخبار وكلام الفقهاء الأبرار.

ولكن هذا الأصل لا يصرف إطلاق اللفظ في الأوامر والنواهي والنذور والأيمان والزكوات وغيرها إلى الصحيح، بحيث يكون المعيب لا يدخل تحت إطلاق اللفظ ولا يجزئ عن الصحيح؛ لأن المعيب فرد غير نادر للمطلق لا وجوداً ولا إطلاقاً ولا مصداقاً، فيدخل في إطلاق اللفظ.

نعم، قد يشكل الحال في عقود المعاوضة، فهل ينصرف اللفظ فيها إلى الصحيح؛ لأنّ الظاهر من حال المتعاقدين عند الاعتياض إرادة الصحيح، كما ينصرف المطلق إلى نقد البلد والتسليم ببلد العقد، فعلى هذا لو باع الكلّي فدفع معيباً لم يملكه المدفوع إليه إلا بعقد جديد؛ لعدم دخول المعيب تحت إطلاق العقد، أو لا ينصرف إليه كما أنّه لا ينصرف في الأوامر والنواهي والنذور والصدقات لعدم ثبوت ظهور في اللفظ يصرفه إلى الصحيح ؟ وهذا هو الحق؛ للقطع بدخول الفرد المعيب في بيع الكلّي وإجزائه عنه وملك المشتري له، ولو كان الإطلاق ينصرف إلى غيره لما جاز ذلك كله.

نعم، لمن انتقل إليه الخيار إذا خرج المدفوع معيباً ؛ لكون الصحّة كالشرط الضمني المترتب عليه اللزوم، ففواته يسلّط على الخيار، أو كالوصف الضمني بين المتعاقدين، فإنّه إذا فات الوصف الذي أقدم عليه المنتقل إليه كان له عند فواته الخيار.

لا يقال: إن الصحّة لو كانت شرطاً في المبيع الكلّي أو وصفاً له لكانت منوعة له، كما

تقول: بعتك عبداً صحيحاً، أو بعتك عبداً على أنّه صحيح، فإنّه يتعين هنا تعلق البيع بالصحيح ولا يجزئ المعيب.

قلنا: لا نسلّم أولاً أن شرط الصحّة ووصفها هنا منوّعان، بل هما مؤكدان لما اقتضاه العقد، ولئن سلّمناه في الوصف وقلنا: إنّ وصف الصحّة كباقي أوصاف الكلي منوع له، لا نسلّم في الشرط؛ لمنع أن الشرط منوّع في الكلّي، سواء كان شرطاً للصحة أو لغيرها، ولئن سلّمناه في غيرها فلا نسلّمه فيها.

ولا نسلّم ثانياً مساواة الوصف الضمني والشرط الضمني للمصرّح بهما، بل الظاهر من حاق العقود أن الشرائط الضمنية والأوصاف بمنزلة إلزام والتزام مستقلين، سيّما فيما إذا تعلقا بالصحّة، وأن العقد واقع على الكلّي من حيث هو هو، فالكلّي بالنسبة إليهما كالفرد بالنسبة إلى وصف الصحّة وغيرها، وشرط الصحّة وغيرها فكما أن الفرد مقصود بالبيع أولاً وبالذات والوصف والشرط خارجان عنه ولا يفيدان سوى التسلّط على الخيار، فكذا الكلّي بالنسبة إلى شرط الصحّة.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ مَنْ باع كلّيّاً على وجه الإطلاق، أو اشترط الصحّة، أو أخذها وصفاً في وجه فدفع معيباً ملك المشتري المدفوع إليه بمجرد الدفع من دون احتياج إلى معاوضةٍ جديدة، فإن كان عالماً فلا شيء له، وإن كان جاهلاً كان له الخيار في فسخ المدفوع إليه عوض الكلي، وأخذه بدله، وله الرضى به مجاناً، وله الرضى به مع الأرش، كما سيأتي دليله (1)إن شاء اللّه تعالى.

وهل له فسخ أصل عقد الكلّي؛ لتشخّص الكلّي بالفرد المدفوع وانصبابه عليه فكأنه هو المعقود عليه أوّلاً، أو ليس له؛ لاستصحاب بقاء ملك الكلّي والشك في جواز فسخه بما ذكر من التعليل؛ لعدم خلوّه من الوهن الظاهر لدى كلّ ماهر ؟

ثانيها : حكم ما لو خرج المبيع معيباً حال العقد قبل تمامه

ثانيها: إذا خرج المبيع معيباً حال العقد قبل تمامه ولو بالقبض فيما شرطه القبض أو قبل العقد ولم يكن المنقول إليه عالماً بالعيب كان له الخيار في فسخ العقد إذا كان على


1) يأتي في ص 418.

معين، أو فسخ الفرد إذا كان على كلّي؛ للأخبار عموماً، كحديث نفي الضرار (1)، وخصوصاً في موارد متعدّدة (2)لا كلام في قبولها، وللإجماع بقسميه (3).

وكان له الإمضاء مجاناً؛ لأنّه حقه فله إسقاطه.

وهل يحتاج إلى الإبراء عن الأرش المستحق عند الرضى بالمعيب ؟ لا يبعد ذلك، مع احتمال أن نفس الرضى به معيباً مع عدم المطالبة بالأرش إسقاط.

وكان له الإمضاء مع أخذ الأرش؛ للإجماع المنقول (4)، وفتوى الفحول، ولأن العيب بمنزلة نقص الأجزاء فيوزّع عليها الثمن كتبعيض الصفقة، والرضوي (5)المنجبر بما تقدَّم ولما روى الشيخ مرسلاً، حيث إنّه نسب الأرش إلى روايات أصحابنا(6)، فالحكم أيضاً لا إشكال فيه.

والظاهر أنّه لا يشترط في ثبوت الخيار استمرار العيب إلى حين الرد أو الأرش، بل لو طرأ العيب فزال بقى الخيار.

ولا يتفاوت الحال بين العلم به قبل الزوال، أو الجهل؛ لأنّ خيار العيب بثبوت العيب لا بالعلم به، وتجري أحكام خيار العيب على المعيب وإن لم يعلم المنتقل إليه بالعيب.

ويجري خيار العيب لجميع عقود المعاوضة، سوى ما ظهر أن العدول إليه كان للإسقاط لا لمجرد التمليك، كالصلح في كثيرٍ من المقامات، فإنّ الظاهر من العدول إليه إرادة إسقاط الخيارات.

وهل خيار العيب فوري فلو تراخى عن الفسخ مع العلم بالعيب سقط الرد؛ للإجماع المنقول (7)، وللاحتياط، ولعموم أدلّة اللزوم في العقود (8)في جميع الأزمنة خرج زمن الفورية وبقي الباقي، أو متراخ؛ للاستصحاب، والشهرة المنقولة (9)بل المحصلة في الباب، ولمنع اقتضاء اللزوم في العقود في جميع الأزمنة لعدم الدليل عليه ؟ قولان، ويقوى الأخير.


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

2) وسائل الشيعة 18 : 30، الباب 16 من أبواب الخيار، ح 3 و 101 - 108، الأبواب 3 - 6 من أبواب أحكام العيوب.

3) رياض المسائل 8: 380.

4) رياض المسائل 8: 380.

5) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 253.

6) المبسوط 2: 129.

7) غنية النزوع 1 : 222.

8) المائدة (5) : 1.

9) راجع الحدائق الناضرة 19 : 117.

وعلى القول بالفورية فالجهل بحكم الخيار أو بوجود العيب عذر قطعاً.

وهل الجهل بالفورية عذر أم لا ؟ وجهان.

ثالثها: سقوط خيار العيب ردّاً وأرشاً باشتراط سقوطهما وباشتراط سقوط خيار العيب

ثالثها: يسقط خيار العيب ردّاً وأرشاً باشتراط سقوطهما صريحاً، وباشتراط سقوط خيار العيب، فإنّ الظاهر منه إرادتهما؛ لعموم الأدلّة وظاهر الاتفاق.

ولو اشترط سقوط الردّ فقط أو سقوط الأرش فقط، جاز.

ولا يتفاوت الحال في سقوط الخيار باشتراط السقوط بين العيب الحاصل وقت العقد، أو المتجدد بعده إذا كان مضموناً على البائع كالعيب قبل القبض أو زمن الخيار المختص بالمشتري، أو كان من عيوب السنة؛ لظاهر عموم أدلة الشروط والفتاوي.

والتوقف في سقوط خيار العيب المتجدد باشتراط سقوطه؛ لعدم تحققه حين الشرط فيكون بمنزلة اشتراط سقوط أمرٍ غير ثابت فلا يكون لازماً، كما إذا اشترط في عقد البيع سقوط الدَّيْن المتجدّد بعقد آخر بعد البيع، ضعيف؛ للفرق بين المتجدد الذي لم يوجد سببه كالمثال المتقدم، وبين ما وُجد سببه ولكن تأخر أثره كالخيار اللاحق للعيب المتجدد، فإنّ سببه نفس العقد، وهو حاصل حين اشتراط السقوط فيسقط باشتراط سقوطه؛ لعموم الأدلّة.

نعم، هنا مقام آخر، وهو أنّه لو لم ينص على إسقاط العيوب المتجددة فهل تدخل في اشتراط إسقاط خيار العيب مطلقاً، أو لا تدخل مطلقاً؛ لانصرافه إلى الحاصل وقت العقد، أو تدخل فيما إذا صرّح بالعموم دون الإطلاق، كما إذا اشترط سقوط خيار العيب على وجه الإطلاق ؟ وجوه، أوجهها الأخير؛ لأنّ الظاهر مع الإطلاق - سواء عين العيب كأن قال: بشرط سقوط خيار عيب الجذام، أو أطلق فقال: بشرط سقوط خيار العيب - هو إرادة العيب الحاصل وقت العقد دون المتجدد.

ويقوم مقام اشتراط إسقاط خيار العيب التبرّي من العيوب حالة العقد متصلاً به أو بين الإيجاب والقبول؛ لأنّه بمنزلة الشرط في المعنى فتشمله أدلّة الشروط، وللإجماع المنقول (1)بل المحصّل على الظاهر، وللأخبار الخاصة الدالة على أن البيع مع التبري من العيوب مسقط لخيار العيب (2).


1) غنية النزوع 1: 221.

2) وسائل الشيعة 18 : 30، الباب 16 من أبواب الخيار، ح 2 و 111، الباب 8 من أبواب أحكام العيوب.

ويحصل التبرّي من العيب بكلّ صيغةٍ تدلّ عليه، وحكمه حكم اشتراط الإسقاط، فإن تعلق بمعين اختص التبرّي به، وإن تعلّق بعام أفاد التبرّي من كلّ عيب، ويكون بمنزلة ذكرها مفصلة، وإن تعلّق بمطلق أفاد مفاد العموم، فيكون بمنزلة الماهية الواقعة بعد النفي، وإن تعلّق بواحدٍ لا بعينه بطل؛ لمكان الإجمال والإبهام.

وهل يبطل العقد ببطلانه؛ لكونه بمنزلة الشرط الباطل يبطل ببطلانه العقد، أو لا يبطل؛ لعدم تعلقه بأحد العوضين أو بمال مكمّل لهما ؟ ولا يبعد الأوّل.

وأبطل بعض أصحابنا (1)التبرّي من العيوب مجملاً؛ لمكان الجهالة.

وفيه أنّه إن أراد المبهم الذي ذكرناه أو أراد التبرّي من واحدٍ معلوم عند البائع مجهول عند المشتري لعدم بيانه له نسلّم، وإن أراد المطلق فممنوع؛ لأنّ تنزيل المطلق على العموم أظهر وأقرب من تنزيله على الإجمال.

وهل تدخل العيوب المتجدّدة في التبرّي من العيوب مطلقاً، أو لا تدخل مطلقاً، أو يفرّق بين العام فتدخل فيه وبين غيره فلا تدخل ؟ وجوه أقربها الأخير، وتنزيل المطلق منزلة العام لا يلزم منه سريان أحكام العام إليه من كلّ وجه.

أما لو نص على التبرّي من العيوب المتجدّدة فلا إشكال في سقوطها؛ لأنّ ثبوت سببها حالة العقد بمنزلة ثبوتها فلا تكون كضمان ما لم يجب.

والذي يدلّ على سقوط الخيار بالتبرّي الإجماع المنقول (2)المعتضد بفتوى الفحول ودخوله تحت عموم أدلة الشروط، وذلك كافٍ في الاستدلال، وأما الأخبار (3)الخاصة فهي خاصة بالعيوب الحاصلة وقت العقد.

ويشمل التبرّي من العيب العيب الظاهر والخفي في الحيوان وغيره؛ لعموم الدليل ويشمل التبرّي منه للردّ والأرش، إلا إذا قصره على أحدهما فإنّه يختص به؛ لشبهه باشتراط سقوط أحدهما دون الآخر.


1) هو ابن الجنيد على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 198، المسألة 157.

2) راجع الهامش (1) من ص 413.

3) راجع الهامش (2) من ص 413.

ويسقط خيار العيب ردّاً وأرشاً بالعلم به حالة العقد، ولا كلام فيه؛ لأنّه أسقط حقه بالإقدام عليه، وعليه فتوى الأعلام.

ولو علمه فنسيه أو جهله وقت العقد، كان بحكم الجاهل.

ولو علم بالعيب فاشترط الردّ به، فإن كان في مدةٍ معيّنة فلا كلام في جوازه، وإن لم يكن في مدة معينة ففي صحته إشكال.

ولو اشترط بقاء الأرش فإن كان معلوماً فلا إشكال في صحته، ومع عدم العلم فلا يخلو الحكم به من إشكال.

ويسقط أيضاً بإسقاطه بعد العقد فيسقط ما تعلّق به الإسقاط من ردٍّ أو أرش، فإن أسقط خيار العيب على وجه الإطلاق سقط الردّ قطعاً، وفي سقوط الأرش أيضاً وجه قويّ؛ لأنّه من توابع الخيار فينتفي التابع بانتفاء المتبوع.

ولا يفتقر الإسقاط إلى صيغةٍ خاصة، بل يكتفى بكلّ ما يدلّ عليه من قول أو فعل.

ولو أسقط عيباً معيناً، سقط دون غيره.

وفي انصرافه لإسقاط العيب الحاصل وقت العقد خاصةً دون المتجدّد مطلقاً، أو العيوب الحاصلة والمتجدّدة مطلقاً، أو الفرق بين العام فيشمل الجميع، وبين غيره فلا يشمله وجوه تقدَّم أن أوجهها الأخير.

والرضى بالبيع بمنزلة الإسقاط، إلا أنّ في دلالته على سقوط الأرش كلاماً، وفي كفاية العلم به من دون لفظ أو فعل يدلّ عليه أيضاً بحث وتأمل.

ويسقط الردّ فقط في البيع على مَنْ ينعتق عليه لقرابة أو شرط، وبالتصرف في المبيع على ما يجيء (1)إن شاء اللّه تعالى، وبحدوث عيب فيه أيضاً على ما يجيء (2)إن شاء اللّه تعالى.

ويسقط الأرش فقط فيما إذا لم يكن العيب موجباً له كالخصى وعدم شعر الركبة (3).

ويسقط أيضاً فيما إذا استلزم أخذه الربا، لزيادة أحد العوضين الربويين على الآخر.


1) يأتي في ص 416.

2) يأتي في ص 417.

3) الركب - بالتحريك - : منبت العانة الصحاح 1 : 39، «ر ك ب».

رابعها: حكم ما إذا أحدث من انتقل إليه أحد العوضين به حدثاً أثر فيه تغييراً

رابعها: إذا أحدث من انتقل إليه أحد العوضين به حدثاً بحيث أثر فيه تغييراً بزيادة أو نقص في عين أو صفة، أو تغيير هيئة من قطع ثوب أو خياطته أو نعل دابة، أو خلطه بما لا يتميّز، أو نحو ذلك مما لا يصدق عليه أنّ الشيء بقي قائماً بعينه، فلا كلام في سقوط الردّ به؛ للأخبار (1)وفتوى الأصحاب، وللزوم الضرر بالرد ولا يجبر الضرر بالضرر.

وفي رواية جميل: «إن كان الثوب قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ رجع بنقصان العيب» (2).

وفي رواية زرارة: في المبيع «فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئاً وعلم بذلك العيب وذلك العوار: أنّه يمضي عليه البيع ويردّ عليه بقدر ما ينقص» (3)تصريح بما ذكرناه.

وظاهر النصّ والفتوى شمول الحدث لما صدر قبل العلم بالعيب كما تشعر به رواية زرارة - ولما صدر بعده، ولما كان الحدث مانعاً من الرد كالاستيلاد، ولما لم يكن مانعاً، ولما كان صدوره بالاختيار، ولما كان بغيره من سهو واضطرار أو غفلةٍ أو نوم، ولما قصد به الحفظ أو الاستخبار، ولما لم يقصد به ذلك، ولما توقف الردّ عليه، ولما لم يتوقف، مع احتمال أنّ الصادر عن غير شعورٍ لا يُسقط حكم الرد؛ لانصراف إطلاق الحدث لما كان عن اختيار، ولكن الأقوى السقوط ولا أقل من الشك في بقاء جواز الرد، فأصالة اللزوم تحكم على استصحاب الخيار في وجه قوي، كما تقدَّم غير مرّةٍ.

ويلحق بإحداث الحدث التصرف في أحد العوضين بوطء أو لبس أو استخدام أو ركوب أو غيرها مما يُعد تصرفاً عرفاً، ويلحق به نقله بعقد لازم أو عتق أو جائز أو نقل المنفعة، كلّ ذلك للإجماعات المنقولة (4)، والشهرة المحصلة، والأخبار الواردة بوطء الجارية من أنّه مانع للردّ ومثبت للأرش (5)، ولا فارق بين الوطء وغيره في المنع ممن يُعتد به، ولأنّ التصرف بعد العلم بالعيب دليل على الرضى وإسقاط الخيار.


1) وسائل الشيعة 18 : 29، الباب 16 من أبواب الخيار.

2) المصدر : 30، ح 3.

3) المصدر، ح 2.

4) غنية النزوع 1: 222؛ مختلف الشيعة 5 : 210، المسألة 172؛ رياض المسائل 8 : 384.

5) وسائل الشيعة 18 : 102 الباب 4 من أبواب أحكام العيوب.

وظاهر إطلاق الدليل: عدم الفرق بين التصرف الاختياري وغيره، كصدوره بجنون أو سهو أو نسيان أو شبه ذلك، وبين المانع من الرد كالاستيلاد وغيره، وبين ما قصد الحفظ والاستخبار وغيره، وبين ما كان قبل القبض وما كان بعده وبين ما توقف عليه الردّ وما لم يتوقف، وبين ما كان قبل العلم بالعيب وما كان بعده وبين ما كان قبل العلم بالخيار وما كان بعده، وإن كان التصرف بعد العلم بالعيب والخيار أقوى في سقوط الرد؛ لدلالته على الرضى.

ولا يسقط الردّ بما لم يُعدّ تصرّفاً عرفاً، سواء عُدّ انتفاعاً له، كالاستظلال بالحائط، أو المسير على ضوء النار، أو التلذذ بسماع الصوت، أو النظر لغير الجارية من الحيوانات أو غيرها، أو التلذذ بالرقص واللعب إذا لم يكن هو الحامل عليهما، أو شم الطيب إذا لم يكن بفعله، أو نحو ذلك، أو لم يُعدّ انتفاعاً له، كأكل الجارية من بيته، والنظر إلى ما يحلّ النظر إليه منها من غير لذة، وسقي الدابة وعلفها على النحو المعهود، وأخذ المعيب إلى بيته وردّه إلى صاحبه بعد ظهور العيب، وهذه الأخيرة وإن قلنا بصدق التصرف عليها لا تمنع أيضاً من الردّ قطعاً للسيرة، والعسر والحرج، وظاهر الأخبار.

وقد يقال: إن كشف الثوب عن الجارية أو الرحل عن الدابة أو الاستخدام بالجارية أو تمشية الدابة إذا كان للاختبار لا يسقط الردّ؛ لأنّ الاطلاع على العيب لا يحصل غالباً إلا بفعل هذه بهما، فلو سقط بهذه الخيارُ انتفت ثمرة الردّ غالباً في خيار العيب ولزم الضرر؛ بل قد يقال ذلك في جميع ما كان للاختبار وكان غير مضر بالمبيع ولا مغيّر للهيئة أو الصفة.

وما وقع الشكّ في كونه تصرفاً أم لا - كإلقاء القرادة (1)عن الدابة وتقبيلها أو تقبيل الغلام ولمسهما، أو إزالة بعض القذارات عنهما وشبه ذلك - فالاستصحاب يقضي ببقاء الخيار.

وأما العقود الجائزة، فإن كانت ناقلةً للملك فالظاهر أنّها كاللازمة، وإن لم تكن ناقلةً فلا تُعدّ في العرف تصرفاً، كالسكنى والعارية.

وعود المنتقل إلى الملك لا يبطل حكم التصرف بعد إبطاله الرد.

وقد يقال: إن المانع هو تصرف كلّ شيءٍ بحسبه المُعدّ له، فركوب العبد ليس بتصرف،


1) القراد : دويبة متطفلة ذات أرجل كثيرة، تعيش على الدواب والطيور الواحدة : قرادة المعجم الوسيط : 724، «ق رد».

وتقبيل الدابة ليس بتصرّفٍ، وركوب الدابة تصرّف فيها، وكذا تقبيل الجارية، إلا أنّه محتاج إلى تأمل ونظر في الفرق بين موارد التصرفات، ولا يخلو من بُعْد أيضاً.

ونُقل عن الشيخ في المبسوط : أنّ التصرف قبل العلم لا يسقط به الردّ (1)، وكأنه استند إلى أن تحقق الخيار إنما يكون بعد العلم بالعيب لا قبله، فالتصرّف ليس في زمن الخيار، وإلى أنّه مع عدم العلم بالعيب لا يدلّ على الرضى والإسقاط دائر،مداره، وإلى رواية زرارة المتقدّمة (2)، حيث جعل العلم قبل الحدث شرطاً لمضيّ البيع عليه.

وفي الجميع نظر ؛ لمنع عدم تحقق الخيار إلا بعد العلم بالعيب، بل هو متحقق حين العقد ولو مع الجهل، ومنع كون التصرّف لا يكون مسقطاً إلا في زمن الخيار أيضاً، ومنع دوران إسقاط التصرّف مدار الرضى ومنع دلالة رواية زرارة على ما ذكره إن لم تكن على خلاف مدّعاه أدلّ.

نعم، قد يستثنى من إسقاط التصرّف للردّ ما سيجيء (3)إن شاء اللّه تعالى من الردّ بعيوب السنة، والرد للجارية التي لا تحيض إلى ستة أشهر، والرد للشاة المصراة، والرد لاشتراط أن التصرّف لا يسقط الردّ على الأظهر.

ولا يسقط الأرش بسقوط الردّ بالتصرف؛ للأصل، ولحديث نفي الضرار (4)، سواء كان التصرف بعد العلم بالعيب أو قبله.

خلافاً لابن حمزة حيث أسقط الأرش مع التصرّف بعد العلم بالعيب (5)؛ لدلالته على الرضى.

وفيه: أن الرضى بالمبيع أعم من إسقاط الأرش، غايته أنّه يدلّ على قبوله له، وهو ظاهر في إسقاط الردّدون الأرش.

وهذا كله فيما لو كان المتصرّف هو من انتقل إليه، أما لو كان غيره، فإن كان بإذنه فالظاهر أن حكمه حكمه، وإن لم يكن بإذنه، فإن أحدث فيه حدثاً فالظاهر أنّه مانع من الرد؛ لمكان


1) المبسوط 2 : 131.

2) تقدمت في ص 416.

3) يأتي في ص 424.

4) راجع الهامش (1) من ص 194.

5) الوسيلة : 257.

التغيير المؤدي إلى الضرر برده مغيّراً عن حالته، وإن لم يحدث حدثاً فالظاهر أنّه لا عبرة به؛ اقتصاراً فيما خالف استصحاب الخيار على مورد اليقين في النصّ والفتوى من تصرّف من انتقل إليه.

خامسها: سقوط الردّ بحدوث العيب فيما انتقل لأحد المتعاقدين إذا كان ذلك العيب مضموناً على المنتقل إليه

خامسها: ممّا يسقط به الردّ خاصّةً حدوث عيب فيما انتقل لأحد المتعاقدين، وكان ذلك العيب مضموناً على المنتقل إليه، كالعيب الذي أحدثه بنفسه في حيوان أو غيره، قبل الثلاثة أو بعدها قبل القبض أو بعده؛ فإنّه مضمون عليه لا على الناقل، وكذا العيب الحادث من غيره بآفة سماوية أو غيرها، إذا كان بعد القبض في غير الحيوان مطلقاً، أو في الحيوان بعد الثلاثة أو في الثلاثة مع إسقاط خيارها - ما عدا العيب الحادث من البائع نفسه فإنّه لا يسقط به الردّ وإن كان قبل القبض؛ لأنّه مضمون عليه - ففي جميع ذلك يسقط الردّ؛ للإجماعات المنقولة (1)، والشهرة المحصلة، والرواية المتقدّمة (2)الدالة على دوران الردّ مدار كون الشيء قائماً بعينه، وللزوم الضرر على البائع مع ردّه بلا أرش، وعلى المشتري لو ردّه مع الأرش؛ لأنّها غرامة لم يقابلها نفع.

ولو رضي البائع برده مجاناً أو مع الأرش للعيب الحادث عند المشتري جاز.

ولو قبل البائع ردّه من دون تصريح بالمجانية أو الأرش، فهل له الأرش على المشتري؛ لأنّه مضمون عليه فهي غرامة شرعيّة لا تزول إلا بالإسقاط أو الإبراء، أو ليس له؛ لأنّ الظاهر من الرد من دون تصريح إسقاطه ؟ مع احتمال أن يقال: إن البائع لا يستحق الأرش ابتداء؛ لأنّها غرامة على المشتري لا يقابلها نفع، وليس عليها دليل صالح.

وأما لو كان العيب مضموناً على الناقل، كالحادث من غير جهة المنتقل إليه قبل القبض، أو الحادث في زمن الخيار المختص بالمنتقل إليه، فإنّه لا يسقط حكم جواز الرد؛ للاستصحاب، ولأن ضمانه عليه فلا يتحقق به إسقاط الردّ عليه، مع احتمال السقوط به؛ لمفهوم الرواية المتقدّمة (3)، وللشكّ في الاستصحاب مع معارضة دليل اللزوم.


1) منها : ما في غنية النزوع 1: 222 ورياض المسائل 8 : 383.

2) راجع ص 416 الهامش (1).

3) راجع ص 416، الهامش (2).

نعم، حدوثه مما يوجب خياراً جديداً فهو مسقط للخيار الأوّل ومثبت لخيار جديد؛ لمكان كونه مضموناً على المنتقل إليه، فله الردّ به لا بالأوّل وله الإمضاء فيأخذ أرش العيبين للأول والثاني؛ لكونهما مضمونين عليه، ولو لم يمكن أخذ الأرش لعدم إمكانه - إما لعدم حصوله أو للزوم الربا فيه - سقط الأرش، ولم يسقط الردّ بالثاني، وسقط الرد في الأوّل على ما قلناه، وعلى المشهور لا يسقط الردّ بهما معاً.

ويسقط الردّدون الأرش فيما لو تراخى من انتقل إليه المعيب بالرد على القول بأن خيار العيب فوري.

سادسها: عدم حرمة نقل المعيب مع علم الناقل بعيبه وعدم علم المنتقل إليه به

سادسها: لا يحرم نقل المعيب مع علم الناقل بعيبه وعدم علم المنتقل إليه به، ظاهراً كان العيب أم خفيّاً، خفي على المنتقل إليه بنفسه أو بعارض من المنتقل إليه لعمى وشبهه، كلّ ذلك لعموم الأدلّة، وللأصل السالم عمّا يصلح للمعارضة من دليل خاص أو عام؛ لعدم دخوله تحت محرَّم من المحرمات الذاتية والعارضية، مضافاً للإجماع المنقول على الجواز في العيب الظاهر (1)ولو خفى على المنتقل إليه لعمى على الظاهر.

نعم، لو أخفى العيب أو أخبر بعدمه، أو دلّسه بحيث أظهر الحسن وأبطن القبيح، حرم ذلك قطعاً؛ لتحريم الغش والتدليس وحرم أيضاً نفس العقد؛ لاتحاده مع تلك المحرمات في الوجود الخارجي في وجه قويّ، ولا يبطل العقد على كلّ حالٍ؛ لأن النهي لأمر خارج.

والأحوط الإعلام بنفس العيب إذا كان خفيّاً؛ لاحتمال أنّه غش للمنتقل إليه.

ويستحب الإعلام بالعيب مطلقاً، فإن لم يعلم استحب له أن يتبرأ من العيب مفصلاً، فإن لم يفصل اكتفى بالإجمال وهو آخر المراتب.

سابعها: جواز نقل شيئين متغايرين بإيجاب واحد إن أمكن جمعهما به مع اتحاد ثمنهما

سابعها: يجوز نقل شيئين متمايزين بإيجاب واحد إن أمكن جمعهما به، أو بإيجابات متعدّدة مع اتحاد ثمنهما واتحاد القبول، متوافقةً كانت المتعددة كبيع وبيع، أو مختلفةً كبيع وصلح، أو بيع وإجارة، أو أحدهما ونكاح دائم أو منقطع، أو غير ذلك، ويوزّع الثمن حينئذٍ


1) راجع رياض المسائل 8 : 385.

على نسبتهما، فيقومان منفردين أو مجتمعين، ويُنظر إلى نسبة قيمة كلّ منهما إلى الآخر فيؤخذ بحسابه.

ولا يتفاوت في ذلك الحال بين كون كلّ منهما عيناً أو منفعة، أو أحدهما عيناً والآخر منفعة، أو أحدهما منهما والآخر حقاً أو بضعاً، ويقسط الثمن كما قلنا - على قيمة المبيع وأُجرة المثل ومهر المثل أو مهر السنة في مقام ترد إليه المفوضة إن جعلنا مثل ذلك تفويضاً.

وجواز ما ذكرنا تقضي به عمومات الأدلّة جنساً وأنواعاً؛ لدخول العقد المركب من بيع وإجارةٍ ونكاح في البيع والإجارة والنكاح، فتشمله أدلتها.

وخيال أن المركب من الداخل والخارج خارج فلا يكون مشمولاً لأدلّتها، منعه ظاهر عرفاً وشرعاً، كمنع من استند في المنع إلى الشكّ في حصول النقل بمثل هذا الجامع، أو إلى لزوم الغرر والجهالة في العوض، وإلى الاحتياط في النكاح عصمةً للفروج، وإلى ما ورد من النهي عن بيعين في بيع، وعن سلفٍ وبيع، وعن شرطين في بيع (1)لضعف الجميع عن مقاومة ما ذكرناه؛ لمنع حصول الشكّ في النقل بعد قضاء العمومات به، ومنع الغرر والجهالة حال العقد؛ لمقابلة المجموع بالمجموع، ومنع لزوم الاحتياط فيما جاء به الدليل وحكم به أهل التأويل والتنزيل، ومنع شمول مدلول الأخبار لما أفتى بصحته العلماء الأبرار وجرت عليه سيرة الأخيار وشملته عمومات الكتاب والأخبار، بل موردها ما حكمنا بفساده من الشرائط الفاسدة والبيوع الكاسدة التي يراد منها النقل والانتقال من دون صيغة أو مقال، بل بمجرد اشتراط كونه مبيعاً أو كونه سلفاً في الحال.

ثامنها: جواز نقل متمایزين مع اتحاد الناقل وتعدّده والمنقول إليه كذلك

ثامنها: بعدما ذكرنا من جواز نقل شيئين متعددين متفقين أو مختلفين بإيجاب أو إيجابين قضاءً لعمومات الأدلّة جنساً ونوعاً، جاز أيضاً ذلك لذلك مع اتحاد الناقل وتعدّده، ومع اتحاد المنقول إليه وتعدّده، ومع اتحاد الثمن وتعدّده، ومع اتحاد القبول وتعدّده، وتنتهي الصُّور مع ضرب بعض ببعض إلى صور عديدة كلّها جائزة، إلا أن يتطرقها مانع آخر.

وعلى جميع تلك الصُّور فإن كان المال المنتقل صحيحاً فلا كلام، وإن خرج معيباً كلّه


1) وسائل الشيعة،18 : 37، الباب 2 من أبواب أحكام العقود، ح 2، و 47، الباب 7 من تلك الأبواب، ح 2.

أو بعضه، فإن كان الناقل والمنقول إليه والثمن متحداً، لم يجز توزيع الرد على الناقل كأن يرد المنقول إليه بعضاً ويُبقى بعضاً مجاناً أو بالأرش؛ للزوم الضرر على الناقل، وللشك في تحقق الخيار في مثل هذه الصورة، وللإجماع المنقول (1)، والأخبار المرسلة (2)، بل حكمها حكم ما لو اتحد المنقول في لزوم ردّ الجميع أو أخذ الجميع مع الأرش أو بدونه، سواء كان المتعدّد عينين أو منفعتين أو حقين أو ملفقين على الأظهر مع احتمال جواز التفريق مع الاختلاف بالعين والمنفعة سيّما فيما تعدّد إيجابهما كـ «بعتك كذا وآجرتك كذا بمائة» فيقول: «قبلت» إلّا أنّه بعيد.

وعلى ما ذكرناه فلو تصرّف في أحد المنقولين إليه بطل الردّ في الجميع، سواء كان المتصرَّف فيه هو المعيب أو الصحيح.

وإن تعدد المنقول إليه مع اتحاد المبيع أو تعدّده ولكن بحيث يكون كمبيع واحد يشتركان فيه، ومع اتحاد الثمن واتحاد الناقل، فليس لأحد المنقول إليهما الرد وللآخر الإمضاء مع الأرش أو بدونه على الأظهر أيضاً؛ للزوم الضرر بالتبعيض على البائع وبحصول الشركة بينه وبين مَنْ لم يفسخ، ولمخالفة الخيار للقواعد، فيقتصر فيه على مورد اليقين، مع احتمال أن لهما التفريق مطلقاً؛ لتعدد الصفقة بتعدد المشتري واحتمل أن لهما ذلك مع علم البائع بتعددهما؛ لإقدامه على ضرر التشقيص والتبعيض عليه عند وقوعه.

أما لو ورثا خيار عيب، فلا إشكال في لزوم التوافق وعدم جواز التفريق؛ لاتحاد المشتري ابتداء، وتعدّده بالعارض لا يجدي ثمرةً في رفع الضرر عن البائع، واحتمال تنزيل العارض منزلة الأصلي بعيد.

ولو كان المبيع متعدداً وليس بمنزلة المتحد وكان الثمن واحداً، كما إذا باع كلّ من المتعدّد بعينه على واحدٍ بعينه، فإنّ الظاهر ها هنا جواز التفريق؛ لكونهما بمنزلة الصفقة المتعدّدة وإن اتحد فيها الثمن، فيجوز فسخ أحدهما وإمضاء الآخر إذا كان العيب في مجموع العينين، ويجوز فسخ من انتقل إليه المعيب وإمضاء الآخر إذا اختص بأحدهما.

وهل يجوز فسخ من انتقل إليه غير المعيب؛ لمكان العيب الحاصل في العين الأُخرى


1) الخلاف 3 : 110، المسألة 180.

2) الخلاف 3 : 110، المسألة 180.

فيصدق أن مجموع المبيع معيب، أو لا يجوز؛ لأنّ ما انتقل إليه صحيح فلا يتعلّق به خيار ؟ والأخير أوجه.

ويحتمل عدم جواز التفريق هنا أصلاً؛ لمكان التشقيص في المبيع الواقع بعقد واحد.

وإن تعدد البائع - اتحد المبيع صورةً واشتركا فيه أو تعدّد صورةً، اتحد المشتري أو تعدّد، اتحد الثمن أو تعدّد - فظهر في المبيع عيب، جاز للمشتري أن يردّ ما يخص أحد البائعين ويمضي ما يخص الآخر بأرشه؛ لعدم ضرر التشقيص عليهما؛ لرجوع مال كلّ إليه عند تعلق الفسخ به تاماً.

هذا إن كان الجميع معيباً، وإن كان أحدهما ردّ المعيب على صاحبه وأبقى الآخر.

وكل موضع يرد بعض المبيع على بائعه يكون له خيار التبعيض إذا كان جاهلاً باستحقاق ردّ المشتري، كما إذا جهل تعدّد المشتري فباع فظهر أنّهما اثنان فرد أحدهما عليه المعيب، وهكذا.

والكلام كما يجري في المبيع يجري في الثمن بالنسبة إلى التعدد والاتحاد، وجواز الردّ وعدمه، ووحدة باذل الثمن وتعدّده.

وإن تعدد الثمن والمثمن ووُزّع كلّ منهما على كلّ منهما فلا إشكال في التفريق، تعدّد البائع أو لا، تعدّد المشتري أم لا، تعدّد الإيجاب أم لا تعدّد القبول أم لا، تعدّد العقد أم لا، وعند التأمل تعرف كثيراً من الصُّوَر المتقدّمة.

تاسعها: في أنّ كلّ عيب مضمون يوجب الخيار

تاسعها: كلّ عيبٍ مضمون يوجب الخيار على الأظهر، سواء كان قبل العقد أو بعده، قبل القبض فيما شرطه القبض أو قبل القبض مطلقاً أو بعد القبض وكان في زمن الخيار المختص الذي لم يعتريه إسقاط، فيجتمع حينئذٍ خياران: خيار الاختصاص وخيار العيب، وثمرة الاجتماع تظهر في إسقاط أحدهما أو في سقوطه وانتهاء مدته.

والقول بأن ظهور العيب في الثلاثة لا يسقط خيار الثلاثة فقط، وإلا فلا يثبت لنفسه خيار، بعيد؛ لأنّ عدم إسقاطه الخيار إنما كان لكونه مضموناً على البائع، والمفروض أنّ ضمانه قاض بالخيار رداً وأرشاً، كما يظهر من الفتاوى وكثير من الأدلّة، فالقول بضمانه مع عدم ثبوت الخيار به بعید.

عاشرها: حكم ما لو تصرّف مشتري الجارية بها بعد العقد بغير الوطء فظهر بها عيب حمل

عاشرها: لو تصرف مشتري الجارية بها بعد العقد بغير الوطء أو مقدماته السابقة عليه الواقع بعدها - بأي تصرّف كان حتّى النظر واللمس والتقبيل والتفخيذ المجرّد عن وقوع الوطء بعدهما على وجه قوي - فظهر بها عيب حملٍ من المولى أو غيره، أو تصرف بها بالوطء ومقدماته فظهر عيب غير الحمل من المولى أو عيب هو الحمل إلا أنّه قد اشترط إسقاطه، سقط الرد في جميع ذلك؛ لقاعدة أن التصرف مسقط للردّ بالعيب وأنّ الشرط مسقط لخياره أيضاً.

وكذا لو تصرف بها بالوطء فظهر الحمل من غير المولى وكان الانتقال في عقد البيع في وجه قويّ؛ لمنع مساواة غير عقد البيع لعقده، فتشمله قاعدة إسقاط التصرف للعيب.

ولو تصرف بها بالوطء بعد شرائها فظهر بها حمل من المولى، بطل البيع من أصله؛ لعدم صحة نقل أُمّهات الأولاد، ولزم عليه ردّها.

وهل يردّ معها ما وظفه الشارع من غرامة العُشر للمولى إذا كانت بكراً، ونصفه إذا كانت ثيباً؛ للقاعدة الثابتة بالاستقراء في وطء جارية الغير، أو يرد مهر أمثالها لو خالف ذلك، أو لا يردّ شيئاً؛ لأنّه مغرور من قبله في شرائها منه فلا يستحق عليه شيئاً، أو يرد على المولى مع جهله بالحمل لا مع علمه، أو يردّ عليه مع جهل الجارية لا مع علمها بالتحريم ؟ وجوه، ومقتضى القواعد: عدم لزوم الردّ مطلقاً؛ لكونه مغروراً من قبله، فلا يستحق عليه شيء سيّما مع علم المولى وجهل المشتري.

ولكن قيل إنّ الأخبار وكلمات الأصحاب على لزوم الردّ(1).

والظاهر أنّه لو سُلّم ذلك فإنّما يُسلّم مع جهل المولى لا مع علمه.

ولو تصرف مشتري الجارية بها بالوطء في القُبُل أو في الدبر على وجه قوي؛ لإطلاق لفظ الوطء عليه - فظهر بها حمل من غير المولى، وكان العقد بيعاً ولم يشترط فيه سقوط العيب، فالقواعد تقضي ببطلان الردّ؛ لقاعدة أنّ التصرف مسقط للرد في العيب، بناءً على أنّ الحمل في الإماء عيب، لأنّه معرّض للهلاك وإن زادت به القيمة من وجه آخر، إلا أنّه قد ورد أخبار (2)مستفيضة معمول عليها وقد أفتى المشهور بمضمونها ونُقل الإجماع عليه (3): أنّ


1) لم نهتد إلى قائله.

2) وسائل الشيعة 18 : 105 - 108، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب، ح 1، 2، 8، 9.

3) الانتصار : 439 - 440، المسألة 251.

للمشتري ردّها وردّ نصف عُشر قيمتها، فيلزم العمل بها في تخصيص قاعدة أن التصرف مسقط للردّ في العيب، وأنّ الإنسان لا يغرم على ماله شيئاً؛ لأنّ المفروض أن المشتري وطأ الجارية وهي في ملكه، والردّ فاسخ من حينه لا من أصله، كما هي القاعدة في الفسخ، وأنّ غرامة وطء الجارية العشر إن كانت بكراً، ونصفه إن كانت ثيباً، لا نصفه مطلقاً.

وهل يراد بنصف عشر قيمتها في الأخبار تقويمها حين الرد كما هو ظاهر الأمر، أو حين الوطء؛ لأنّه سبب دخول الجارية في ضمانه لولا الدليل، أو حين العقد؛ لأنّه سبب لضمان المشتري، أو الأعلى ما بينهما ؟ وجوه، وأخيرهما يوافق الاحتياط.

وعلى مضمون تلك الأخبار يُحمل ما جاء من الأمر برد شيء على وجه الإطلاق في رواية (1)، ومن الأمر بكسوتها في أُخرى(2)، بحمل الكسوة قيمة على نصف العشر، أو على التراضي بذلك، والحمل على التخيير بينهما وجه، إلا أنّه بعيد عن فتوى الأصحاب.

وما ورد في بعض الأخبار من الأمر بردّ العُشر (3)محمول على الندب، أو مطرح، أو على سقوط النصف من الراوي، أو على الوطء مع العلم بالحمل، فيكون إكمال العشر عقوبةً، كما حملها الشيخ (4).

والأخذ بها وتنزيلها على البكر، وتنزيل الروايات المتكثّرة الأولية على النيب جمعاً بينهما مهما أمكن، ولورود التفصيل في بعض الأخبار بين البكر فالعشر وبين الثيب فنصفه (5)، فتكون قرينة على الجمع بذلك، ولأن الثيبوبة في الحوامل هي الغالب، فتنزل الأخبار المتكثرة على الغالب - وإن كان ممكناً بل ربما كان قريباً للنظر في وجه الجمع بين الأخبار إلا أنّه فرع المقاومة، وليس لرواية العُشر والرواية المفصلة مقاومة للأخبار المتكثرة المعمول عليها المتداولة فتوى ورواية كي يحسن الجمع بينهما بما ذكرنا، فطرحها أو تنزيلها أولى.

ومقتضى إطلاق النصوص برد نصف العُشْر: شموله للوطء في القبل والدبر وإن أمكن


1) وسائل الشيعة 18 : 106، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب، ح 5.

2) المصدر : 107. ح 6.

3) المصدر، ح 7.

4) تهذيب الأحكام 7 : 63، ذيل الحديث 272.

5) وسائل الشيعة 18 : 106، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب، ح 4.

بطلان الردّ بالوطء بالدبر ؛ لانصراف الإطلاق إلى الوطء في القبل، وشموله للبكر والشيب كما ذكرنا، ولا منافاة بين البكارة والحمل؛ لإمكانه بالمساحقة ونحوها، وشموله لما كان قبل العقد أو بعده قبل القبض.

والبكارة قد تذهب بالوطء وقد تذهب بالنزوة وغيرها، ويراد بها في المقام ما ذهبت بالوطء. ومقتضى الأمر بردها وردّ نصف العشر معها إرادة الإباحة؛ لأنّه في مقام توهم الحظر لا الوجوب؛ لأنّه لا يجب على الشخص أن يرد ماله من غير سبب موجب لذلك.

ولا بدّ من تقييد إطلاقها أيضاً بما إذا لم يحدث في الجارية عيب مبطل للرد، أو يتصرف بها بغير الوطء تصرفاً آخر مع العلم أو الجهل، أو يتراخى عن الرد بناءً على فورية خيار العيب.

ومن أصحابنا (1)من حمل الروايات المتقدّمة المتكثّرة على كون الحمل من المولى، وأبقى الأمر بالرد على ظاهره من الوجوب بزعم أن الحمل على ذلك أقرب لمقتضى القواعد.

وهو ضعيف؛ لمخالفته الفتوى وظواهر النصوص أوّلاً، ومخالفته قواعد الغرامة في الأمة؛ لأنّها إما أن تسقط عن المشتري لغروره، وإما أن يثبت العشر مع البكارة ونصفه مع الثيبوبة، ثانياً، على أن الحمل لو كان على الحمل من المولى لما كان للتقييد بالتصرف بالوطء خاصةً معنى؛ إذ وجوب الردّ لازم على كلّ حالٍ، ولكان السؤال عن حكم وجدانها حبلى، لا عن حكمه بعد وطئها أو عن حكم الوطء كما هو ظاهر الروايات.

واحتمال أن ذكر الوطء كان مبنيّاً على الغالب من عدم معرفة الحمل إلا به، بعيد؛ لمعرفته بغيره من مقدماته وغيرها.

ولو وطأ غير المالك بتحليل منه، سقط الردّ على الظاهر، ولو وطأ بعد العلم بالحمل سقط الرد.

ولو علم بالحمل بعد سقوطه ووطئه، كان له الردّ.

ولو وطأ بعد سقوط الحمل فعلم بحصوله قبل ذلك، ففي سقوط الردّ وجهان.

والمضغة حمل ولو سقطت، وكذا العلقة.

وأما النطفة لو تبينت بعد سقوطها وبعد الوطء، ففي ثبوت الردّ بها إشكال.


1) كما في الحدائق الناضرة 19 : 87.

حادي عشرها: في تعريف العيب لغةً وعرفاً عاماً وشرعاً

حادي عشرها: العيب لغةً هو الوصمة والعار (1)، وعرفاً عاماً وشرعاً بمعنى واحد، فقد يراد منه المعنى المصدري، وهو الخروج عن المجرى الطبيعي المعتاد للنوع الخاص من زيادة جزء أو وصف أو حالٍ أو نقصان شيءٍ من ذلك، بحيث يؤثر بُعْداً عن المحاسن المرغوبة للنفوس وقُرباً للمساوئ المنفّرة لها. وقد يراد به اسم العين، وهو نفس الشيء الخارج عن ذلك المجرى الطبيعي المعتاد من الجزء الزائد أو الوصف أو الحال أو الناقص منها المؤثر بُعْداً عن المحاسن وقُرباً للمساوئ.

ويخرج بالقيد الأخير على كلا التقديرين زيادة الحسن على النحو المعتاد - كحسن يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشبهه - فإنّه ليس بعيبٍ قطعاً، وكذا كلّ ما زاد من المحاسن خلقاً أو خُلقاً من كرم أو شجاعة أو عفّة أو عدالة، ما لم يستلزم أمر آخر يُعدّ من العيوب كسفاهة ونحوها، ويدخل فيه ما كان من المساوئ عرفاً، إلا أنّه مما تزيد به القيمة لأمر آخر أو لغرض خاص يلائم بعض المقتضيات كالخصي.

وقد ورد «أنّ كلّ ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب» (2)وهو محتمل لإرادة تحديد العيب عرفاً وشرعاً على معنى: كلّ ما زاد أو نقص في أصل الخلقة فهو عيب على طريق القلب والتقديم والتأخير، والظاهر أنّه يستعمل في الفصيح كثيراً، أو على معنى: أنّ كلّ ما وُجد في أصل الخلقة فزاد أو نقص بحسب المعتاد فالزائد والناقص عيب، ويعرف مرجع الضمير من السياق، ومحتمل لإرادة بيان أن ما كان موجوداً في أصل الخلقة النوعية فزاد - كاليد الزائدة أو العين أو الإصبع أو الرأس أو الفرج - أو نقص - كنقصان شيءٍ من هذه - فهو عيب، وليس فيه دلالة على أن غيره ليس بعيبٍ.

وقد يشمل على هذا الاحتمال أيضاً زيادة الوصف الرديء، ونقصان الجيد، وطروء ما ليس لأهل ذلك الصنف غالباً كاللحية للمرأة، وزيادة الذكر لمن له فرج أو فرج لمن له ذكر، وزيادة الشعر على غير المعتاد ونقصانه أو المعتاد ونقصانه أو عدمه مطلقاً، وظهور الحب في الوجه وتأثيره، كالجدري والأمراض المزمنة وغيرها ما لم يكن يسيراً، كحمق ساعة أو ألم ساعة معتادين للأبدان.


1) لسان العرب 1: 633، «ع ي ب».

2) وسائل الشيعة 18 : 97 - 98، الباب 1 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

والأظهر في هذا المقام الرجوع للعرف في معرفة موضوع العيب؛ لعدم وفاء الأخبار ببيانه، وما ورد فيها مما قدمنا لا يخلو من إجمال، بل قد يقال: إنّه مجمل في غير ما يتيقن دخوله فيه من نقصان جزء أو زيادته أو شبه ذلك.

ولا شك أنّ جملة من الأشياء لا تُعدّ في العرف عيباً وإن اشتملت على إدخال ضررٍ على المنقول إليه، إذ لا ملازمة بين كونه مضراً وبين كونه عيباً في العرف كالصيام والإحرام وظهور العين مستأجرةً والاعتداد والتزويج وعدم المعرفة بالطبخ والخبز.

ومنها ما تُعدّ عيباً وإن لم تشتمل على ضررٍ في القيمة والانتفاع، بل تشتمل على نفع كالخصى وسلّ الأُنثيين وفقدان شعر الركب، وقد ورد في خبر ابن أبي ليلى (1)ما يدلّ على كون الأخير عيباً.

وربما يلحق بهما كون العبد خنثى فإنّ الظاهر زيادة نفعه وقيمته بذلك.

ومنها ما تُعدّ عيباً مع اشتمالها على الغضاضة والضرر كالجنون والبلاهة والحمق والغباوة والسفه والخبل والجُذام والبَرَص، والعمى والعور والحول والعمش والشرح والعرج والقرن والأحديداب والفتق والرتق والخرس والصمم ولكنة اللسان، كالتمتام والأليغ والألثغ والفأفاء، والقرع والقصر المفرط أو الطول كذلك أو الغلظ كذلك، والحبل في الأمة وكبر البطن وتحتّت الشعر وسيلان الريق ونقصان جزء أو زيادة جزء أو كبره أو صغره على غير المعتاد، والمرض ولو حتّى يوم، والنواسير والبواسير والغدد والقوبا وكثرة الثآليل وأثر الجدري والخوص في العين والسبل والجهر والعشا والخفش والجحظ والغشا والتخنيث كأن يميل إلى الرجال عادة، والظاهر أن اللواط به مرّةً ليس بعيبٍ، واعتياد الزنى والسرقة والخيانة وشرب الخمر، والظاهر أن وقوعها مرّةً ليس بعيب ولو مع عدم التوبة.

والإصرار على ترك الصلاة والصوم وعدم المبالاة في النجاسة على الظاهر في هذه الثلاثة. واعتياد البول في الفراش للكبير وكذا الغائط، وكراهة الرائحة على غير النحو المعتاد، كالصنان والبخر، وكثرة عرق الرّجل واليدين، وتحلّت الأسنان وشدة البياض وعدم الختان في الكبير دون الصغير ودون الجارية؛ لأنّ وجود الغلفة عيب، وإزالتها في الكبير مظنة للضرر، إلا المجلوب جديداً فإنّ المعتاد عدم ختانه.


1) راجع ص 427، الهامش (2).

والثفل الخارج عن العادة في دهن الزيت أو البزر أو السمسم أو اللبن في دهن الحيوان. وفي الرواية ما يدلّ على جواز ردّ الزيت والبزر إذا وجد فيهما درديّاً (1).

وكون الضيعة منزلاً للجنود، وكونها ثقيلة الخراج وكونها معدناً للقذارات والجيف من أهل البلد.

وانقطاع الحيض على غير النحو المعتاد للنساء بالنسبة إلى السن والأقران، أو كونها حاملاً أو مرضعاً أو غير ذلك، فإنّه يدلّ على سوء المزاج.

وفي الرواية المعتبرة أن الجارية تُردّ عند انقطاع الحيض ستة أشهر (2).

والظاهر عدم الخصوصية في ذلك المقدار.

والاستحاضة الكثيرة أو القليلة إذا خرجت عن الحدّ المعتاد، فإنها من جملة الأمراض.

والنجاسة في المائع؛ لأنّه لا يقبل التطهير، وكذا النجاسة فيما عسر تطهيره، والوسخ الخارج عن المعتاد إذا عسرت إزالته.

والعسر وهو قوة اليد اليسرى دون اليمنى، ولو قويا معاً لم يكن عيباً.

واعتبار الإباق للعبد، والشرادة والحلالة للدابة وكثرة العناد في المملوك بحيث يكون عادة.

وفي الروايات ما يدلّ على جواز الردّ بالإباق (3)على وجه الإطلاق، وفي بعضها ما يدلّ على عدمه (4).

ويمكن الجمع بينهما بحمل الأوّل على المتكرر، والثاني على غيره.

ويمكن القول بأن ماهيته عيب؛ تقديماً لما دلّ على ذلك لمساعدة العرف له، وما دلّ على عدمه يُحمل على ما إذا كان لتعب أو لخوف أو لجوع، أو كان في زمن قليل لا يُعتد به.

والتغذّي بالعذرات لبعض الحيوانات والثيبوبة للأطفال من الجواري، وأما كبارهن فالثيبوبة ليست عيباً فيها لاعتياد ذلك فيهنّ، وفي الأخبار (5)إشارة إليه، ولا يتفاوت الحال بين كون ذهاب البكارة فيهن لوطء أو لغيره كنزوة وطفرة.


1) وسائل الشيعة 18 : 109 - 110، الباب 7 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

2) المصدر : 101، الباب 3 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

3) المصدر : 98 - 99، الباب 2 من أبواب أحكام العيوب، ح 2.

4) المصدر : 114، الباب 10 من أبواب أحكام العيوب، ج 1، 2.

5) المصدر : 108 - 109، الباب 6 من أبواب أحكام العيوب، ح 2.

والمتولد من الزنى سيّما في الجواري؛ لأنّه قد يطلب منهنّ النسل، وفي العبيد احتمال.

والكفر الارتدادي الذي لا يقبل التطهير بإسلام ولا بتوبة.

وقد يقال: إنّ المرتد لا يصح نقله أصلاً؛ لأنّه نجس لا يقبل التطهير، كالبيض الفاسد.

ولوجوب إتلافه وقتله، فلا يصح نقله؛ لتأديته إلى السفه، فهو كالدرهم الزيوف، إلا أن الأوّل أقوى.

وأما الكفر الغير الارتدادي، فإن لم يقرّ أهله عليه فالظاهر أنّه عيب؛ لأنّ الصبر عليه من المولى ضرر، وحمله على الإسلام ربما يؤدي إلى إباقه أو امتناعه وتلفه.

ولا يبعد إلحاق خروجه مخالفاً أو من باقي الفرق غير الاثني عشرية بذلك؛ لاشمئزاز النفس منه، ونفور الطبع عن مباشرته، وعدم ملائمة النفس لأخلاقه وفروع دينه.

وإن أقرّ أهله عليه، احتمل كونه عيباً ؛ لنجاسته وقذارته ونفرة الطبع له، ولأنّه كلّ مولود يولد على الفطرة، فيكون الكفر خارجاً عن المجرى الطبيعي، واحتمل عدمه؛ لعدم صدق أنّه معيب عرفاً واحتمل التفصيل بين ما أمكن إسلامه بسهولةٍ فلا عيب، وبين ما لم يمكن فهو عيب.

وتعلّق الحدّ شرعاً بالعبد أو القصاص بنفس أو طرفٍ؛ لأنهما مقتضيان لكونه في معرض التلف، بل قد يقال: إنّ فعل ما يوجب القصاص - كالقتل والجرح - عيب وإن حصل له الفك من الحق، ولو تكرّر منه القتل والجرح فالظاهر ثبوت العيب به.

والتهور بالنسبة إلى العبد، والجبن المفرط، والسخاء الخارج عن الحد المتعارف، وكثرة الحيل واللعب والشعبذة وعمل السحر إذا تكرّر منه.

وأما معرفة علم الكهانة والسحر والشعبذة والغناء والنوح فليس من العيب بلا ريب.

وكلّ ما شكّ في كونه عيباً فالأصل يقضي بعدمه وبلزوم البيع، وكلّ ما شكّ في ثبوت أرش له وعدمه فالأصل يقضى بعدمه أيضاً.

وبقيت مباحث كثيرة ذكرناها في شرحنا على القواعد.

ثاني عشرها: في تعريف الأرش وما يتعلق به من الأحكام

ثاني عشرها: الأرش أصله الفساد، ويستعمل في الرشوة، والخدش، وثمن التالف، وما نقص العيب، وأكثر الأمرين من المقدّر، ونقصان القيمة، وجزء من الثمن لو ظهر في

المثمن عيب أو من المثمن لو ظهر في الثمن كذلك، يسترجعه صاحبه في مقابلة العيب، وهذا هو المقصود هنا.

والكلام فيه في أمور:

منها: في طريق تعلّقه، فهل يتعلّق بناقل المعيب من حين العقد وإن لم يختره المنقول إليه، بل وإن لم يعلم بالعيب فعلى هذا يكون حكمه كحكم الدين أو الأمانة، فيجب على ناقل المعيب مع جهل المنقول إليه إعلامه ودفع الأرش إليه، أو طلب الإبراء منه، أو لا يتعلّق حتّى يعلم المنقول إليه بالعيب ويختار الأرش؟ وجهان، والأوّل أقرب للقواعد، والثاني أقرب للسيرة.

ومنها: أنّه بعد تعلّقه بالناقل فهل هو تكملة للمعيب قضى بها يردها ناقلها في مقابلة الصحيح، أو جزء من الصحيح يسترده ناقله في مقابلة فقدان الصحّة التي هي كجزءٍ من العوض فيكون كتبعيض الصفقة، أو غرامة خارجة عنهما وجبت على ناقل المعيب بالدليل الشرعي ؟ وجوه، أقربها للقواعد والسيرة الأخير؛ لأنّه لو كان جزءاً من أحد العوضين للزم الدفع منهما ولزم جريان الصرف عليهما فيما لو كان العيب في البيع، فيبطل بالتفرّق قبل قبضه فيما لو كان الأرش للمبيع، ولزم جريان الربا فيه، ولزم منه الجهالة حين العقد فيما لا يفتقر فيه الجهالة، فيبطل العقد رأساً وأصلاً، ولزم أن مَنْ دفع الأرش تكملة للمعيب أن تجري عليه أحكام البيع وأن يصدق عليه أنّه باع فلو نذر البيع لجاز دفع الأرش وفاء إلى غير ذلك من اللوازم التي لا نقول بكلّها أو جُلّها.

وعلى ما اخترناه من أنّه غرامة خارجة جاءت بحكم الشارع، فهل تتعلّق بعين أحد العوضين - بناءً على أنّه جزء منهما - تعلّق الشركة أو تتعلّق تعلّق الرهانة أو تعلّق أرش الجناية أو تتعلّق بالذمة ويلزم دفعها من أحد النقدين كسائر الغرامات، أو يتخير بين دفعها من أحد العوضين أو من أحد النقدين، أو أنّه إن قلنا: إنّه جزء من الصحيح تعلّق به تعلّق الشركة، وإن قلنا: إنّه تكملة للمعيب تعلّق بالذمة، وعلى ذلك ينزل قولهم: إنّ الأرش جزء من الثمن؛ لكون الثمن في الغالب يكون من النقدين وأن يكون صحيحاً ؟ وهذا الأخير أقرب للنظر.

ومنها: أنّ طريق أخذ الأرش أن يُقوّم المبيع صحيحاً ويُقوّم معيباً ويُنظر إلى التفاوت بينهما، فيرجع من الصحيح من أحد العوضين جزء نسبته إليه بقدر نسبة نقص قيمة المعيب عن الصحيح من النسبة الكسرية، فلو كان ما بين القيمتين تفاوت النصف رجع بالنصف من الثمن الصحيح، أو الثلث رجع بالثلث، وهكذا، ولا يرجع بنفس قدر ما بين القيمتين؛ للزومه استيعاب الثمن، ونحوه فيما إذا كانت القيمة أزيد من الثمن؛ لأنّه قد يساوي الثمن قيمة المعيب أو ينقص عنه.

وما جاء من إطلاق الفتاوى والنصوص بأنّ الشيء يقوم صحيحاً ومعيباً ويؤخذ بقدر ما بين القيمتين، منزل على الغالب من تساوي الثمن والقيمة، أو على التسامح في التعبير.

هذا كله إن كانت القيمة معلومة.

ولو اختلفت لاختلاف السوق والرغبات احتمل التخيير واحتمل القرعة، واحتمل جمع القيم وأخذ نصفهما إن كانتا،ثنتين وثلثيهما إن كانت ثلاثة، وهكذا.

ولو اختلفت لاختلاف المقوّمين، كان مقتضى القواعد تقديم الأكثر أو الأعدل أو الأضبط، فإن تساوت من كلّ وجه أخذ بأدناها؛ للأصل، أو أعلاها؛ للاحتياط، أو أوسطها؛ لأنّ خير الأمور أوسطها، أو التخيير، أو القرعة، أو الصلح القهري، ولكن ظاهر كثير من الفقهاء أنّه تؤخذ عند الاختلاف قيمة منتزعة من مجموع القيم، بأن تجمع فيؤخذ نصف المجموع إن كانت اثنتين وثلثه إن كانت ثلاثة.

فإن كان الاختلاف في قيم الصحيح والمعيب معاً، جمعنا القيم الصحاح وأخذنا منها القيمة المنتزعة، وجمعنا قيم المعيبة وأخذنا منها ذلك أيضاً، ونسبنا قيمة المعيب المنتزعة إلى قيمة الصحيح المنتزعة وأرجعنا من الثمن بتلك النسبة.

وإن كان الاختلاف في قيم الصحيح فقط أو المعيب فقط، جمعنا ما اختلف فيه وأخذنا منه القيمة المنتزعة، وكرّرنا المتفق عليه بقدره وأخذنا منه القيمة المنتزعة، ونسبنا إحدى القيمتين إلى الأخرى وأخذنا من الثمن بتلك النسبة، وقد لا يحتاج إلى تكرير المتفق عليها، بل تنسب بنفسها إلى القيمة المنتزعة من اختلاف القيم.

وقد يُنسب للشهيد طريق آخر (1)، وهو أن تُجمع الكسور الحاصلة من تفاوت قيم ما بين


1) كما في الروضة البهية 3 : 478.

الصحيح والمعيب ويؤخذ منها الكسر الحاصل من اجتماعها، فيؤخذ من القيمتين النصف من تفاوتهما، ومن الثلاث الثلث، وهكذا، ويحطّ من الثمن ذلك الكسر بالنسبة إلى مجموعه.

فقد يحصل التفاوت بين الطريقين في مثل ما إذا قوم الصحيح باثني عشر وقوم أيضاً بثمانية، وقوم المعيب بعشرة وقوم بخمسة أيضاً، وكان الثمن اثني عشر، فعلى الطريق الأوّل يؤخذ نصف القيم الصحيحة وهو عشرة، ونصف المعيبة وهو سبعة ونصف، والتفاوت بينهما الربع، فيرجع من الثمن بربعه وهو ثلاثة، وعلى الطريق الآخر يؤخذ تفاوت ما بين قيمتي الصحيح والمعيب الأولتين وهو السدس وتفاوت قيمتهما الأخيرتين وهو ثلاثة أثمان، ويرجع من الثمن نصف الكسرين، وهو نصف السدس واحد ونصف الثلاثة أثمان، وهو اثنان وربع؛ لأنّ ثلاثة أثمان الاثني عشر أربعة ونصف، فيكون المجموع ثلاثة وربع، فيزيد الطريق الأخير على الأوّل ربعاً، وعلى كلّ حالٍ فلا يخلو أخذ الأرش عند تعارض البينات بهذه الطرق من إشكال؛ لعدم الدليل عليه، وقد أعرض عنه الفقهاء في أبواب الضمانات والغرامات.

ولا يمكن أن يقال: إنّه وجه جمع بين البينات؛ لأنّه طرح لهن، إلا أن يقال: إن القيمة العرفية عند التعارض ذلك، أو إنّ الأخذ بها جهة جامعة بين أصالة البراءة من الزائد وبين الأخذ بالاحتياط بما فوق الناقص، ولأنّ البينات قد أبطلت بعضها بعضاً، فلا يمكن الأخذ بواحدةٍ معينة، فأقرب الطرق للرجوع إليها في الجملة هو ما ذكرنا.

ويمكن الفرق بين ما إذا كان اختلاف البينة لتحقيق ما في السوق من القيم فالرجوع للقواعد، وبين ما إذا كانت منشئة تقويماً فالرجوع لما ذكرنا.

ومنها: أنّه لو احتاج الصحيح والمعيب إلى التقويم لمعرفة قدر ما يرجع به من الثمن، فإن عرف المتعاقدان القيمة فلا كلام، وإن لم يعرفا رجعا إلى غيرهما من أهل الخبرة.

وهل هي شهادة يشترط فيها التعدد والعدالة؛ للأصل والاحتياط، أو إخبار فيكفي العدل الواحد؛ لعموم الأدلّة؛ أو من باب الظنون الموضوعية فيكتفى بما يحصل به الظنّ من أهل الخبرة ولو كان فاسقاً أو امرأة إذا كان مأموناً من الكذب والتزوير ؟ وجوه، أحوطها الأوَّل، وأقواها الوسط.

وهل يقوم الصحيح والمعيب بقيمتهما وقت العقد؛ لأنّه سبب دخول المبيع في ملك المشتري وزمن استحقاقه له، أو وقت القبض؛ لأنّه زمن دخول المبيع في ضمان المشتري، أو أدنى ما بينهما؛ للأصل ؟ وجوه، أوجهها: الأوّل.

القول في التدليس والتصرية وبعض أحكام العيوب

وفيه أمور:

أحدها: في تعريف التدليس لغةً وعرفاً وشرعاً وبيان ما يتعلق به من الأحكام

أحدها: التدليس - عرفاً وشرعاً - : إظهار ما يوجب الكمال مع عدمه وإخفاء ما يوجب النقص مع وجوده، ولو أخفى الكمال وأبدى النقص لم يكن تدليساً.

وهو حرام بالنصّ (1)والإجماع.

وقد يتعلق بالعيب، وقد يتعلّق بغيره من الصفات الرديئة والأحوال الرذيلة والأنساب المذمومة، وكذا الآجال والإمكنة ورؤوس المال إذا كانت مكروهةً عند المنقول إليه.

وخصه بعضهم بكتمان العيب عن المشتري (2).

وهو بعيد، ولعله أراد بالعيب الشيء الرديء.

ويشترط فيه أن يكون الشيء بنفسه مشتملاً على التدليس، فلا يدخل فيه ما إذا اغتر المشتري لنفسه لغباوة أو لظلمة أو لحسن ظنٍّ بالبائع، أو لقلة تأمل وكان الشيء مما يعتاد تزيّنه وصقالته كالسيوف.

ويشترط في تحريمه أيضاً أن يكون بقصد التدليس والتمويه على المشتري، فلو كان لا بقصد أو كان بقصد آخر لم يكن حراماً.

وعلى كلّ حال فالتدليس ممّا يوجب الخيار بين الردّ والإمساك مجاناً، ولا أرش له إلا إذا تضمن تدليس عيب فالأرش للعيب، وإن تضمّن تدليس شرط أو وصف اجتمعت الخيارات وكان للمشتري الرد بأيها شاء وإسقاط أيها شاء، ولا أرش له أيضاً مع الإمساك، كما إذا اجتمع معها خيار حيوان أو مجلس أو اشتراط أو تأخير أو غبن أو نحو ذلك.


1) وسائل الشيعة 17: 279، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به.

2) الجوهري في الصحاح 3 : 930، «دل س».

ويسقط الردّ بالتصرف مع العلم بالتدليس؛ لما تشعر به الأخبار، ويؤذن به حديث الضرار (1).

وهل يسقط مع الجهل ؟ لما يُفهم من بعض الأخبار من أن التصرف بمنزلة الرضى (2)على الإطلاق، من دون تفصيل بين أنواع الخيارات وبين حالتي العلم والجهل، ولشمول حديث لا ضرار» له، أو لا يسقط ؟ لمنع الشمول في تلك الأخبار لجميع أنواع الخيار ولحالتي العلم والجهل؛ لورودها في موارد خاصة فيشكّ في شمولها لغيرها، ومنع شمول حديث نفي الضرار لما إذا وقع التصرّف جهلاً؛ لمعارضته بضرر المشتري من دون جابر له من أرش وغيره، و ترجيحه على ضرر البائع لابتداء البائع بالضرر وإقدامه عليه.

ثانيها: في تعريف التصرية وبيان ما يتعلّق بها من الأحكام

ثانيها: التصرية من الصري، وهو الجمع مطلقاً، أو جمع الماء. ويراد بها في لسان الفقهاء: جمع اللبن في الضرع بشدّ أخلاف الشاة أو البقرة أو الناقة أو كلّ ما كان الغرض منه اللبن، أو بإمساك الأخلاف بطريق غير الشدّ وإبقائها اليوم واليومين والثلاثة من دون حلب، فيعرضها على المشتري فيظن كثرة اللبن فيرغب في شرائها، وتسمّى المصراة محفّلةً من الحفل وهو الجمع، ويُسمّى المجمع محفلاً.

وهي تدليس على الأظهر لا عيب وإن ذكروها في أحكام العيوب.

نعم، قد يجتمع معها العيب بأن يكون لبنها قليلاً خارجاً عن عادة لبن نوع ذلك الحيوان.

وتحريمها ثابت بالنصّ والفتوى والاعتبار إذا وقعت بالقصد والاختيار، ويثبت بها الخيار على كلّ حالٍ؛ لدليل نفي الضرار (3)، وللخبر الخاص - المجبور ضعفه بفتوى الأصحاب والإجماع المنقول (4)، أو المحصل في الباب - الناهي عن تصرية الإبل والغنم، وأنّه خداع، وأن مَن اشترى مصرّاةٌ كان له ردّها ويرد معها صاعاً من تمر (5)، وعجزه وإن لم نقل به لا ينافي الاستدلال بصدره.


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

2) وسائل الشيعة 18 : 13، الباب 4 من أبواب الخيار، ح 1.

3) راجع الهامش (1) من ص 194.

4) الخلاف 3 : 102 المسألة 167؛ رياض المسائل 8 : 388.

5) وسائل الشيعة 18 : 27، الباب 13 من أبواب الخيار، ح 2 وراجع الحدائق الناضرة 19: 93.

وتحريمها لا ينافي صحّة المعاوضة؛ لتعلّق النهي بأمر خارج، ولفتوى الأصحاب.

ويجري حكم التصرية تحريماً وخياراً - وإن لم يصدق الاسم - على كلّ جمع قصد به التدليس، كجمع الماء في العين ليرى كثرة مائها فيرغب في شرائها، أو جمع فواكه البستان في موضع خاص ليرغب في شرائه، أو جمع المحزوز من الصوف ليرغب في شراء الشاة، أو جمع لبن سائر الحيوانات وإن لم تكن من الثلاثة المذكورة.

وأما حكم التصرية غير التحريم والخيار من الأحكام اللاحقة لها: من جواز ردّها مع التصرف بلبنها أو تلفه، ومن ردّ شيءٍ معها على قول (1)، ومن رد المتجدد على قول(2)، ومن التحديد بالثلاثة فهو خاص بالثلاثة فقط، وهى الشاة والبقرة والناقة؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل على مورد اليقين، للإجماع المحصل في الشاة في الجملة، والإجماع المنقول (3). وفتوى جمهور من الأصحاب في الأخيرين.

وألحق بعضهم (4)الأتان والأمة بالثلاثة المذكورة؛ تنقيحاً للمناط، وربما يلحق بها كلّ ما كان المقصد منه إلى اللبن.

ولكنه لا يخلو من نظر.

وللتصرية في الثلاثة المذكورة أحكام:

منها: أن المصراة يردّها المشتري ولو تصرّف فيها بحلبها وبأخذ لبنها أو تغييره، كما يظهر من دليلها، فيكون هذا التصرّف مستثنى من قاعدة إسقاط التصرّف للردّ في خيار العيب إن قلنا بدخولها في خيار العيب، وفي خيار التدليس إن قلنا بسقوطه بالتصرف وقلنا: إنها من خيار التدليس.

ولو تصرف فيها بغير الحلب من ركوب أو بيع، سقط الرد على القاعدة، عالماً كان أو جاهلاً، إلا إذا قلنا: إنّ خيار التدليس لا يُسقطه التصرف مع الجهل، فإنّه على ذلك يصح الردّ وإن تصرّف بالشاة أو أتلفها، ولكنّه يردّ القيمة؛ لعدم إمكان ردّ العين.


1) راجع ص 437، الهامش (4 و 5).

2) راجع ص 437، الهامش (2).

3) الخلاف : 105، المسألة 170.

4) هو ابن الجنيد على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 205، المسألة 164.

ومنها : أنّه يردّ معها اللبن الموجود حالة العقد بعينه إن كان موجوداً؛ لأنّه جزء من المبيع، فإذا ردّ الشاة ردّه لئلا تتبعض الصفقة، ويردّ مثله مع تلفه، ومع تعذر مثله يردّ قيمة المثل عند الإعواز في وجه قوي، أو عند الدفع في وجه آخر.

هذا إن تأخر الإعواز عن الفسخ، ولو تقدَّم عليه فالأظهر قيمة يوم الدفع، وتراعي قيمة مكان الدفع، فإن لم يكن فيه قيمة لوحظ قيمة مكان الدافع في وجه، أو مكان المدفوع إليه في وجه آخر، أو أدناهما في وجه ثالث للأصل، أو أعلاها في وجه رابع؛ للاحتياط.

واللازم أخذ القيمة من النقدين؛ لأنّها اللازمة في الغرامات، ومع تعذرهما أخذ الأقرب نفعاً من العروض فالأقرب.

ولو زال وصف اللبن باستحالة فكالتالف، ولو تغيّر وكانت عينه موجودةً فإن كان مزجاً كان المازج شريكاً، وإن لم يكن مزجاً فإن زادت قيمته بالتغيير رده، ولا شيء له، وإن نقصت ردّه مع الأرش، وإن زادت عينه كالصبغ صار شريكاً على الأظهر، وإن نقصت ضمن النقص بالمثل أو القيمة.

قيل: وإن زادت قيمته بعمل فإن كان بأجرةٍ أخذها من البائع، وإن لم يكن كما إذا عمل بنفسه، فوجهان (1).

وأما اللبن المتجدّد بعد العقد فالأظهر عدم وجوب ردّه؛ لحدوثه في ملك المشتري فلا يضمنه عيناً ولا قيمة.

وقيل بلزوم ردّه (2)للنص (3)، ولاحتمال أن الفسخ من أصله.

وهو ضعيف؛ لمنع النص، ومنع كون الفسخ من أصله، بل من حينه.

وذهب الشيخ إلى لزوم إرجاع صاع من يُر مع الشاة في أحد قوليه (4)، وفي قوله الآخر: صاعاً من تمر (5).


1) لم نهتد إلى قائله.

2) قاله الشهيد في اللمعة الدمشقية : 74.

3) وسائل الشيعة 18 : 26، الباب 13 من أبواب الخيار، ح 1.

4) المبسوط 2: 125؛ الخلاف 3 : 104، المسألة 169.

5) غنية النزوع 1: 223.

وخيّر بينهما في الغنية، مدعياً عليه الإجماع (1)جمعاً بين النبويين الدالين على ثبوت الخيار في الشاة المصراة إلى ثلاثة أيام وأنّه إن ردّها ردّ معها صاعاً من تمر، كما في أحدهما (2). أو «بر» كما في آخر(3).

والكلّ ضعيف المستند ومخالف لفتوى المشهور ومنافٍ لمقتضى القواعد من ثبوت غرامة على المشتري من غير سبب شرعي إن ردّ الصاع مع اللبن، ومن لزوم قبول مال على البائع عوض ماله من غير تراضٍ.

ونقل عن الشيخ وجوب ردّ ثلاثة أمداد (4)، وظاهره مع شرب اللبن.

واحتمل بعضهم (5)أن مستند الشيخ رواية الحلبي الآتية (6)إن شاء اللّه تعالى.

وهو ضعيف في ضعيف.

ومنها: أنّ التصرية لو ثبتت حال العقد بالبينة أو الإقرار أو قرائن الأحوال ولم يتبرأ البائع من خيارها، كان للمشتري الخيار بين الرد أو الإمساك من دون أرش حال العلم بذلك، وإن تراخى زمن العلم عن زمن العقد ما لم يتصرف بها بغير الحلب، فإن تصرف ففي الردّ وعدمه وجهان.

ولا يتفاوت الحال في ثبوت الخيار بين زوال التصرية وتجدد اللبن منحةً من اللّه تعالى، وبين عدمه على الأظهر.

وهل خيارها فوري؛ بناءً على أنّه تدليس وخياره فوري على الأظهر، فلا يلزم الانتظار ثلاثة أيام؛ لاحتمال تجدّد اللبن منحةً من اللّه تعالى، بل يجوز الفسخ مطلقاً وإن تجدّد اللبن؛ لأصالة اللزوم في العقد على سبيل الدوام، وغايته ما خرج زمن الفور فيبقى الباقي، أو متراخ؛ بناءً على أنّه خيار عيب وهو متراخ على الأظهر، أو يمتد إلى ثلاثة أيام؛ إما بناءً على أنَّه


1) المبسوط 2: 125؛ الخلاف 3 : 104، المسألة 169.

2) السنن الكبرى البيهقي 5 : 518 - 520، ح 10713 - 10719.

3) المصدر : 520 - 521، ح 10723.

4) نقله السيوري في التنقيح الرائع 2 : 80 عنه في النهاية ولم نجده فيها.

5) راجع جواهر الكلام 23 : 265.

6) يأتي في ص 439.

خيار مستقل، وتحديده الثلاثة عملاً بالرواية النبوية (1)الدالة على ذلك، أو على أنّه خيار حيوان لا يسقط بالتصرّف عملاً بموجب الدليل ؟ وفي الأخير قوة، إلا أنّه يشكل أنّه لو كان خیار حيوان لما ثبت بعد الثلاثة إذا لم يعلم المشتري بالتصرية قبلها، والتزامه بعيد.

وعلى امتداده إلى الثلاثة بناءً على أنّه خيار مستقل، فهل يمتد متراخياً، أو يمتد فوراً متى ما علم إلى أن تنتهي الثلاثة فينقطع، أو يمتد في الثلاثة متراخياً، علم بالتصرية أم لم يعلم، ويمتد بعدها مع الجهل على سبيل الفور ؟ وجوه واحتمالات مبنيّة على تحقيق اندراج خيار التصرية في أي الخيارات، وعلى فوريّة الفسخ في الخيار وعدمه، وليس في أخبارنا الخاصة كشف لذلك سوى رواية الحلبي في رجل اشترى شاةً فأمسكها ثلاثة أيام وردّها ؟ قال: «إن كان في تلك الأيام يشرب لبنها ردّ معها ثلاثة أمداد، وإن لم يكن لها لبن فليس عليه شيء» (2).

وهي ضعيفة المعنى والمبنى؛ لأنّها إن حملت على المصرّاة ناقض عجزها صدرها؛ لدلالتها على أن لا شيء عليه مع عدم اللبن ولا تكون مصرّاةً من غير لبن، وخالفت القواعد من ضمان المثلي بالأمداد، وغرامته بمثله لا بالأمداد، ومن كون الأمداد مجهولة، ومن غرامة المالك ما أتلفه في ملكه لغيره، لعدم تقييد اللبن بالسابق فيدخل فيه الحادث، ومن أنّ الردّ بعد الثلاثة على ما يظهر منها وظاهر الأكثر لزوم الردّ في الثلاثة. وإن حملت على غيرها، خالفت القواعد أيضاً من جهة عدم إسقاط التصرف للخيار، ومن جهة جواز الرد بعد الثلاثة، وهو منافٍ لخيار الحيوان، كما هو الظاهر من الرد أنّه لمكان خيار الحيوان، ومن جهة جملة مما قدمنا، فاطراحها أولى وأحرى، كما أنّ الأولى والأقرب في النظر ردّ خيار التصرية لخيار التدليس وجريان أحكامه عليها.

ومنها: أن خيار التصرية شامل لكل العقود الناقلة، إلا إذا جعلناه خيار حيوان لا يسقط بالتصرف فيخص البيع.

ومنها : أنّه لو ظهر عيب في الشاة المصراة لم يبطل الردّ إن كان في الثلاثة وكان خيارها باقياً، أما لو كان بعدها أو مع سقوطه فيها بطل الردّ إن أرجعنا خيار التصرية لخيار العيب، كما يظهر من بعضهم (3)، وإن جعلناه خياراً مستقلاً أو خيار تدليس فوجهان.


1) السنن الكبرى البيهقي 5 : 520 - 521، ح 10721 - 10723.

2) وسائل الشيعة 18 : 26، الباب 13 من أبواب الخيار، ح 1.

3) لاحظ تذكرة الفقهاء 11 : 94 - 95، المسألة 285.

ولا يبعد جواز الرد مع ضمان أرش العيب للبائع؛ لأنّ العيب هنا مضمون على المشتري، مع احتمال كونه مضموناً على البائع؛ لأنهتفي زمن الخيار المختص بالمشتري، والضمان فيه على مَنْ لا خيار له.

وكذا لو تلفت الشاة أو ماتت في غير الثلاثة أو بعد سقوطها، احتمل سقوط الفسخ وبقاء الأرش، واحتمل بقاء الخيار فيأخذ الثمن ويدفع قيمة الشاة، واحتمل الانفساخ ويكون التلف من مال البائع؛ لأنّه في زمن الخيار المختصّ.

ومنها: أن التصرية لو لم تثبت حال العقد ببينة أو إقرار، اختبرها المشتري ثلاثة أيام. ويكمل المنكسر من اليوم الرابع، قليلاً كان الكسر أو كثيراً - والظاهر دخول الليالي فيها - بحلبها على النحو المتعارف بالوقت المتعارف، فإن تساوت حلباتها أو زادت اللاحقة على السابقة أو حصل بينها تفاوت جزئي لا يُعتد به سقط الخيار، سواء في ذلك تقدَّم الشك في التصرية أو تقدَّم الظنّ بها.

أما لو علم بها حال العقد فاختبرها لاحتمال زوالها فظهر زوالها ولم ينقص اللبن منحةً اللّه تعالى، ففي سقوط الخيار - لعدم ظهور أثر التدليس - وعدمه وجهان.

وإن نقصت الحلبات كلّ لاحقة عن سابقتها ثبتت بذلك التصرية، وثبت الخيار بعد الثلاثة فوراً، كذا ذكر الأصحاب.

والظاهر أنّه بناءً منهم على الفورية في خيار التدليس والتصرية، وعلى أن الاختبار لا يحصل إلا بالثلاث.

وفي الأوّل نظر، وفي الثاني منع؛ لجواز حصول الاختبار فيما هو أقل من ذلك فتكون الثلاث ظرفاً للاختبار وللخيار، وجواز عدم حصوله في الثلاث وإن تحقق النقصان؛ للشكّ في عروض عارض للشاة بعد العقد اقتضى ذلك من تغيير زمانٍ أو تغيير مرعى أو مرض أو نحو ذلك.

نعم، لو لم يشك في عروض عارض، كان الظاهر استناد النقصان إلى التصرية لا لعروض عارض، ويؤيده أصالة عدمه، ويكتفى بمثل هذا الظهور في هذا المقام، كما ينبئ عنه كلام العلماء الأعلام، كما أنّه لا عبرة بظهور النقصان بعد الثلاثة؛ لاحتمال كونه من عروض عارض، فيلزم الاقتصار على مورد اليقين من ثبوت الخيار.

وهل يشترط في الثلاثة اتصال اليوم الأوّل بالعقد، أو لا يشترط مطلقاً ولو حصل فصل طويل بين العقد وبينها، أو يفرّق بين اليوم واليومين فلا تنافي الاختبار، أو بين الأكثر فتنافيه؟ وجوه، أوجهها الأول؛ اقتصاراً على مورد اليقين.

وهل يشترط استيعاب الأيام الثلاثة في الاختبار، أم لا يشترط ؟ والظاهر عدم اشتراط ذلك، بل المدار على ما يحصل به يقين التصرية.

وهل يشترط تكرّر الحلبة في كلّ يوم كما هو المعتاد ؟ والظاهر أنّه لا يشترط ذلك، كما أنّه لا يشترط على الظاهر نقصان الحلبات بعضها عن بعض، بل يكفي نقصان الجميع عن الأولى مع مساواة الباقي بعضه لبعض، أو مع زيادة بعض على بعض.

نعم، لو نقصت الحلبة الثانية وزادت الثالثة حتّى ساوت الأولى ثمّ نقصت الرابعة حتّى ساوت الثانية، ففي حصول التصرية إشكال وأشكل منه ما لو زادت الثالثة على الأُولى ثمّ نقصت الرابعة عن الثانية، من احتمال كون الزيادة هبةً من اللّه تعالى فلا تنافي ثبوت التصرية، و من لزوم الاقتصار على المورد اليقيني في ثبوت الخيار.

ولو تساوت الحلبات في جميع الأيام سوى الحلبة الأخيرة في اليوم الثالث فنقصت عن الجميع، ففي ثبوت التصرية بذلك وعدمه وجهان من إطلاق جعلهم الاختبار في الثلاثة والظاهر شموله لمثل ذلك، ومن عدم الظنّ القوي بحصول التصرية بذلك.

وبالجملة، فحكم خيار التصرية لخلوه من الأخبار وإجماع الفقهاء الأخيار مما يحتاج إلى تأمل ونظرٍ من حيث كونه خيار عيب، أو خيار تدليس، أو خيار حيوان، أو خيار مستقل، ومن حيث امتداده في الثلاثة فوراً أو متراخياً، ومن حيث كونه ما بعد الثلاثة ممّا يثبت أم لا؟ وبعد ثبوته فهل يثبت فوراً أو متراخياً ؟ ومن حيث إنّ الثلاثة ظرف للخيار مطلقاً، أو ظرف له إذا ثبتت التصرية بالإقرار دون الاختبار ؟ ولو ثبتت بالاختبار كان الخيار ما بعد الثلاث.

ثم إن الاختبار هل يشترط فيه القطع، أو يكفي الظن بحصولها من جهته ؟

ثم إنّه هل يشترط فيه الاستيعاب في الثلاثة، أو لا يشترط ؟

ثم إنّه هل يشترط مساواة الجميع المتأخرة عن الأُولى في النقصان عنها أو نقصان بعض عن بعض، أو لا يشترط ؟

ثم إن ثبوت الخيار بعد الثلاثة هل هو من حينه، أو كاشف عن ثبوته من الابتداء كي يترتب عليه أحكام الخيار المختص ؟ إلى غير ذلك من الفروع المتكثرة المذكورة ها هنا والتي لم تذكر.

ثالثها: في بيان العيوب الموجبة لرد الأمة والعبد في البيع وغيره

ثالثها: تُردّ الأمة والعبد في البيع وغيره من عيوب ثلاث: الجنون، والجذام، والبرص، بما يُسمّى ذلك عرفاً، وبما يحكم به أهل الخبرة والمعرفة.

وهل يشترط فيهما التعدّد والعدالة؛ لأنّها شهادة، أو يشترط العدالة فقط؛ لأنّها خبر واحد، أو يشترط التعدد فقط؛ لأنّها شهادة لا يتيسر لمعرفتها العدول غالباً، أو لا يشترط سوى كون المخبر أميناً بصيراً عارفاً؛ لأنّها من الظنون الموضوعية ؟ وجوه، أقواها الأخير.

ويجوز الردّ بهذه العيوب - سواء قارن العقد ظهورها أو تأخر عنه، قبل القبض أو بعده - إلى سنة من حين العقد أو من حين القبض؛ لضمان المبيع على البائع قبله، عددية إن انكسر الشهر، وهلاليّة إن لم ينكسر، مع احتمال كونها هلاليةً مع الانكسار أيضاً، واحتمال التلفيق من شهر عددي وهلالية الباقي، فإن وقع أحد العيوب في أثناء السنة كان الخيار فيها فوراً أو متراخياً على الوجهين، وإن وقع في آخر جزء من السنة كان الخيار بعدها على الوجهين أيضاً.

ويدلّ على الحكم المذكور في الجملة الأخبار (1)المستفيضة والإجماعات المحكية (2)وفتاوى الأصحاب.

وأُلحق بهذه الثلاثة في جملة من الأخبار (3)وفي كلام الأصحاب حتّى نُقل عليه الشهرة (4)القرن على ما هو المعروف من معناه؛ لأصالة عدم النقل.

فما في الكافي من أنّ «القرن هو الحدبة تكون في الصدر تدخل الظهر وتخرج الصدر» (5)لم يثبت أنّه من كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولو ثبت فهو منزل على تشبيه القرن في الفرج بالحدبة.


1) وسائل الشيعة 18 : 98، الباب 2 من أبواب أحكام العيوب.

2) غنية النزوع 1 : 222 - 223؛ السرائر 2 : 301 - 302؛ تذكرة الفقهاء 11 : 202، المسألتان 364 و 365.

3) وسائل الشيعة 18 : 98 - 100، الباب 2 من أبواب أحكام العيوب، ح 1، 4، 7.

4) مسالك الأفهام 3 : 305.

5) الكافي 5 : 216، باب من يشترى الرقيق فيظهر به عيب...، ذيل الحديث 15.

وقد يشكل الردّ في الجذام؛ لأنّه إن كان الأمر دائراً مدار مبدإه - كما قيل من أنّه يكمن سنة ثمّ يظهر (1)- فقد انعتق على البائع، وبطل البيع بالنسبة إليه، فينبغي لزوم رجوع المشتري بالثمن، وإن كان دائراً مدار،ظهوره فقد انعتق على المشترى وليس له ردّه.

نعم، له عند الفسخ إرجاع قيمته إلى البائع وأخذ الثمن منه.

وقد يجاب بمنع الانعتاق على البائع؛ لتوقفه على ظهوره وليس فليس، ولا على المشتري؛ لسبق تعلّق حق الخيار فلا ينفذ العتق.

وفيه: أنّ العتق لا يمنع نفوذه سبق الحقّ المتقدّم بعد تحقق الملك، ولا فرق بين الملك المستقر والمتزلزل؛ لعموم الأدلّة.

أو يجاب بحمل الردّ على ردّ القيمة دون العين. وهو قريب إلى القواعد بعيد عن الظواهر.

أو يجاب بتخصيص ما دلّ على الانعتاق بالجذام (2)بما دلّ على الرد، فلا ينعتق على المشتري حينئذٍ إلا إذا أمضى البيع ولا ينعتق على البائع إلا بعد الردّ عليه. وهو وجه قريب للجمع بين الأخبار وكلمات الفقهاء الأخيار.

وهل يسقط هذا الخيار بالتصرّف قبل ظهور العيب، أو بعده قبل العلم به مطلقاً، أو لا يسقط مطلقاً؛ لاستبعاد عدم تصرّف المشتري في هذه المدّة في المبيع مع إطلاق الأمر في الرد في الأخبار، أو يفرّق بين التصرّف المغيّر للعين أو الصفة فيمنع الردّ، وبين ما لم يغيّر فلا يمنع الردّ، وهو قوي، لولا نقل الإجماع من ابن إدريس لله على إسقاط التصرف للردّ (3).

وأما لو حدث عيب بعد الثلاثة، فالظاهر سقوط الردّ به، وثبوت الأرش للبائع على الأقوى والأظهر.

رابعها: في أن الانعتاق على المشتري ليس بعيب ولا يوجب ردّاً ولا أرشاً

رابعها: الانعتاق على المشتري ليس بعيب، فلا يوجب رداً ولا أرشاً، مع احتمال جواز الرد لكن لا للعين؛ لعدم عود الحُرّ رقاً، بل للقيمة، واحتمال ثبوت الأرش، وهو تفاوت ما بين كونه عبداً يلزم عتقه وبين،عدمه، كلّ ذلك لحديث نفي الضرار (4).


1) كما في مسالك الأفهام 3: 305.

2) وسائل الشيعة 23 : 45. الباب 23 من أبواب كتاب العتق، ح 2.

3) السرائر 301:2.

4) راجع الهامش (1) من ص 194.

وكذا خروج الأمة زوجته سابقاً فينفسخ عقدها ليس بعيب. وكذا خروجها مما تحرم عليه مؤبداً بنسبٍ أو رضاع ليس بعيبٍ، فلا يثبت بها ردّ ولا أرش، مع احتمال جواز الردّ لمثل ما ذكرناه.

وتعلق حق الرهانة ليس بعيب أيضاً، وظهور كون العين مستأجرة كذلك وإن أوجبت الخيار للمشتري.

خامسها: في أن تكرّر الجناية من العبد عيب

خامسها: تكرّر الجناية عمداً من العبد عيب، بل وتكرّرها خطأ كذلك، وللمشتري الخيار بين الردّ وبين أخذ تفاوت ما بين كونه جناياً وغير جنّاي (1).

وأما نفس تعلق حق الجناية به فهل هو عيب ؟ الظاهر ذلك، إلا أن الأرش يكون بأخذ تفاوت ما بين كونه جناياً قد تعلّق به حق الجناية وبين كونه غير جنّاي ولا يتعلّق به حق الجناية، وقد ينفرد كونه جنّاياً عن كونه قد تعلّق به حق الجناية كالعكس.

وعلى كلّ حال فبيع العبد الجاني جائز، خطأ كانت الجناية أو عمداً، إلا أن بيعه في جناية الخطأ التزام بالفداء بأقل الأمرين من قيمة العبد ومن أرش الجناية؛ لأن الجاني لا يجني على أكثر من نفسه.

نعم، ما زاد على قيمته يتعلّق بذمة العبد بعد عتقه في وجه قوي، فإن فداه فليس للمجني عليه حقٌّ، وإن لم يُفده لإعسار أو امتناع، كان للمجني عليه فسخ عقد المولى والرجوع برقبة الجاني؛ لسبق تعلّق حقه به وكان له الإمضاء، وأما المشتري فله الفسخ لعيب الجناية، وله الإمضاء مع الأرش.

هذا إن لم يدفع المولى أرش الجناية للمجني عليه، وإن دفعها، فإن كان قبل العقد وقلنا: إن نفس الجناية مع التكرار أو بدونه عيب كان له الخيار، وإلا فليس له؛ لزوال حق الجناية قبل العقد، وإن كان دفعها بعد العقد بنيت المسألة على ما تقدَّم وعلى أن زوال العيب قبل العلم به ممّا يُسقط الخيار أم لا ؟ فإن قلنا بأنّه ممّا يُسقط، سقط خياره من حيثية عدم تعلّق حق المجنى عليه به.

وأما بيعه في جناية العمد فهو جائز أيضاً؛ لعموم الأدلّة، إلا أنّه موقوف على إجازة المجني


1) كذا قوله : «جناياً وغير جناي» هنا وفيما يأتي في النسخ الخطية.

عليه، فإن أجاز هو أو وارثه لزم والتزم المولى بأقل الأمرين من أرش الجناية وقيمة العبد.

وهل الإجازة ناقلة أو كاشفة ؟ وجهان، أوجههما: الأخير.

وأما المشتري فله الخيار إن علم بالجناية قبل إجازة المجني عليه أو العفو عنه، وإلا بنيت المسألة على أنّ نفس الجناية مطلقاً أو مع التكرّر عيب أم لا ؟ وعلى أن زوال حق المجني عليه قبل العلم به مسقط للخيار أم لا ؟ والحق ثبوت الخيار بهما، وعلى أن الإجازة من المجني عليه كاشفة أو ناقلة ؟ ويتوجه على الكشف عدم ثبوت الخيار للمشتري، من جهة تعلّق حق الجناية به لكشفها عن رضاه وقت العقد.

ولو اقتص من العبد الجاني عند المشتري في غير زمن الخيار المختص به فلا ردّ؛ لحدوث العيب عنده وله الأرش، مع احتمال أنّ الردّ جائز مطلقاً؛ لأن القصاص مما ثبت سببه حال العقد فكأنه ثابت حالته.

وطريق أخذ أرش الجاني عمداً هو أن يأخذ تفاوت ما بين كونه جانياً عمداً قد تعلّق برقبته قصاص نفس أو طرف ولم يعلم من المجني عليه العفو عنه وعدمه، فربما كان الأرش على ذلك مستوعباً لقيمته أو لثمنه، ويقوى أخذ الأرش بذلك النحو على القول بأنّ الإجازة ناقلة.

سادسها: في أن الحمل عيب في الإماء يردّ به ويبطل الرد به عند حدوثه عند المشتري ما لم يكن في زمان الخيار المختص

سادسها: الحمل عيب في الإماء يُردّ به ويبطل الردّ به عند حدوثه عند المشتري ما لم يكن في زمن الخيار المختص، وفي غير الإماء ليس بعيبٍ فلا يُردّ به، ولا يبطل الردّ به والوضع ليس بعيبٍ فلا يُردّ به، ولا يبطل الردّ بالعيب بعد حدوثه.

ونسيان الصنعة عند المشتري ليس بعيب فلا يبطل الردّ به بالعيب به عند حدوثه عند المشتري.

والارتداد عيب، لا مبطل للبيع على الأظهر، فيُردّ به، ويمسك مع أخذ الأرش، وقد يستوعب الأرش ها هنا الثمن؛ لضعف ماليته عند تقويمه كافراً لا حرمة لدمه.

والزيادة في المبيع المتصلة به ليست عيباً، وتُردّ على البائع مع المبيع، ولا يملكها المشتري إلّا إذا كانت من مال المشتري قد أحدثها من دون تصرف فإنّه يكون شريكاً، ولو أحدثها بما يُسمّى تصرّفاً، سقط الردّ، والزيادة المنفصلة للمشتري، ولا يسقط بها الرد.

سابعها: حكم ما لو اشترى أحد النقدين بمثله فظهر فيه عيب قاض بجواز رده

سابعها: لو اشترى أحد النقدين بمثله فظهر فيه عيب قاض بجواز رده فله رده ما

لم يتصرّف أو يحدث عنده عيب آخر، فإن تصرف أو حدث عنده عيب سقط الرد، ولم يجز أخذ الأرش؛ بناءً على أنّ الأرش زيادة في أحد العوضين فيلزم الربا، ولا يجوز الرد على البائع مع رد أرش العيب أو أُجرة التصرف؛ للزوم الربا في وجه ضعيف، أو لسقوط الرد مطلقاً. ولا يلزمه الصبر على العيب مجاناً؛ للزوم الضرر.

فالأوجه في الجمع بين الحقوق أن يفسخ المشتري ويرجع مثل المبيع معيباً بالقديم سليماً من الجديد، أو يرجع قيمته من غير جنسه أو مساويةً للثمن، وطريق تقويمه أن يقوم المبيع معيباً بالقديم سليماً من الجديد.

وهذا الجمع وإن كان قريباً إلا أنّه مخالف للقواعد: من لزوم فرض الموجود معدوماً، ولزوم المعاوضة القهرية على البائع، ولزوم ردّ القيمة مع وجود العين، ولزوم الفسخ من غير رد، ولزوم جواز الفسخ بعد حصول العيب، فالأحوط الرضى به مجاناً، أو رضى البائع بالرد مجاناً.

ولو تلف المعيب عند المشتري، فلا يبعد على ما ذكرنا جواز الفسخ وإرجاع المثل على نحو ما ذكرنا، أو القيمة من غير الجنس؛ لامتناع أخذ الأرش، فيكون ذلك طريق الجمع.

ثامنها: حكم ما لو ادعى البائع التبرّي من العيوب بعد ما تصادقا عليه

ثامنها: لو ادعى البائع التبرّي من العيوب بعد ما تصادقا على حصوله، فالقول قول المشتري مع يمينه على البتّ إن قال: ما سمعتُ التبري؛ لصحة اليمين القاطعة على نفي فعل المنكر نفسه وهو السماع، ومع يمينه على نفي العلم إن قال: لا أعلم بالتبرئة، وليس له أن يحلف على عدم التبري؛ لأنّه يمين على نفي فعل الغير فلا يقع على البت، وفي قبوله مع صدوره للقطع به وجه قوي.

ولو أقام البائع بينةً على صدور التبرّي منه مع سماع المشتري لها، سمعت بينته، وتسقط اليمين عن المنكر. ولو أقام بيّنةً على مجرد حصول التبرّي منه من دون اقترانه بسماع المشتري، قبلت على الظاهر إذا كان ظاهره السماع لعدم العارض من صمم ونحوه، إلا إذا ادعى عدم السماع فلا بد من إقامة البينة على سماعه، وللمدعي ترك البينة وتكليف المشتري باليمين وليس للمشتري تكليف البائع بالبينة مع وجودها وترك اليمين مع طلب البائع منه اليمين، على ما سيجيء - إن شاء اللّه تعالى - في قواعد القضاء.

وما ورد في آخر كتاب جعفر بن عيسى إلى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيقول له المنادي: قد برئت

منها، فيقول المشتري : لم أسمع البراءة منها، أيُصدَّق فلا يجب عليه الثمن، أو لا يُصدق فيجب عليه الثمن ؟ فكتب: «عليه الثمن» (1)ضعيف سنداً، مع احتماله؛ لوقوع الإنكار من المشتري مدالسة لعدم رغبته في المبيع، وإلا فهو عالم بوقوع التبرّي من البائع كما يلوح من صدرها، أو لإرادة أن الثمن عليه ظاهراً قبل اليمين؛ لحصول البيع الموجب لذلك.

ولو ادعى البائع على المشتري الإسقاط كان القول قول المشتري في نفيه مع يمينه.

ولو اتفقا على حصول العيب واختلفا في زمن ذلك، فقال المشتري قبل العقد أو القبض، وقال البائع بعدهما، أو اختلفا في المقارنة، فالقول قول البائع بيمينه؛ للشك في عروض الخيار له عند معارضة الأصلين، وأصالة عدم الاقتران، فيرجع إلى أصل اللزوم، مع احتمال الحكم بتأخير مجهول التأريخ عن معلومه واحتمال التداعي، ولكنه ضعيف جداً.

هذا كله إن لم تقم قرائن قطعية تقضي بتقديم قول المشتري، أو قرائن ظنّية تقضي بظهور صدق مقالته، كما يحصل الظنّ في تقدَّم كثير من العيوب ويظهر ذلك من حالها، فلا يبعد حينئذٍ تقديم قول المشتري؛ لرجحان قوله بموافقة الظاهر، ويحلف البائع على القطع بعدم تقدَّم العيب إن كان مما يمارس أحوال المبيع ويطلع عليه، فإن لم يكن من أهل ذلك ولا يعلم بتأخر العيب أو تقدّمه احتمل الاكتفاء منه باليمين على نفي العلم، واحتمل سقوط اليمين عنه وردّه على المشتري، فيحلف على تقدَّم العيب فيكون عدم العلم منه بمنزلة النكول، واحتمل تكليفه بالحلف على نفي العيب؛ تمسكاً بأصل الصحّة، فإن لم يحلف قضي عليه بالنكول، أو يردّ اليمين على المشتري واحتمل تصديق قول المشتري؛ لعدم حصول ما يعارضه من البائع سنوى عدم العلم، وهو لا يصلح للمعارضة، واحتمل تحليفه على نفي العلم، وبعده يرد اليمين على المشتري، أو ينتظر عثوره على بينة، وهذا الأخير أحوط.

ولو أبرز المشتري دعواه على البائع العلم بذلك فأنكر البائع، فلا شك أنّه ليس له على البائع سوى تحليفه على نفي العلم.

ولو ادعى المشتري على البائع أصل العيب أو استحقاق الرد، فلا شك أن القول قول البائع، كما أن البائع لو ادعى عليه حدوث عيب عنده أو تصرّف بالمبيع ليبطل خياره بعد ثبوته، فالقول قول المشتري مع يمينه.


1) وسائل الشيعة 18 : 111، الباب 8 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

تاسعها: حكم ما لو ادعى المشتري الثيبوبة بعد اشتراط البكارة

تاسعها: لو ادعى الثيبوبة بعد اشتراط البكارة حكم عليه بشهادة أربع نساء جامعات لشرائط الشهادة يعرفن ذلك من حالها.

وفي جواز نظر هنّ إلى الفرج إشكال، والأحوط عدمه.

وفي سماع قول المأمونة الواحدة أو سماع قول الجارية نفسها إذا حصل الظنّ بقولهنّ وجه؛ لمكان التعسر فيكتفى بكلّ ظنّ، ولأنّهنّ مصدقات على فروجهن.

ولو رد المشتري السلعة بعيب قديم فأنكر البائع أنّها سلعته، كان القول قوله بيمينه، وكذا لو ردّها بعيب متفق على ثبوت الخيار فيه بينهما إلا أن البائع أنكر كونها سلعته، فإنّ القول قوله بيمينه أيضاً؛ لأصالة البراءة من لزوم دفع الثمن، ولاستصحاب بقاء ملكه، ولأصالة عدم الفسخ بنفس الردّ، ولأصالة عدم كون هذا المال له.

ولو فسخ المشتري أولاً فرد سلعةً أنكر البائع كونها له، فالقول قوله كذلك، إلا أنّه يجب عليه دفع الثمن، إلا أن يأخذه مقاصةً عن ماله وله جبر المشتري على إحضار سلعته بعد اليمين على أن المأتى به ليس له.

ويحتمل أن القول قول المشتري ؛ لادعاء البائع عليه الخيانة وهو ينكرها، وادعائه عليه سقوط الخيار بعد اتفاقهم على ثبوته وهو ينكره.

وهذا الاحتمال ضعيف؛ لعدم تعلّق الدعوى أوّلاً وبالذات في الخيانة وعدمها، ولا في بقاء الخيار وسقوطه ليتوجه تقديم قول المشتري.

عاشرها: حكم ما لو باع الوكيل معيباً فظهر العيب وصدّقه المشتري في الوكالة

عاشرها: لو باع الوكيل معيباً فظهر العيب وصدقه المشتري في الوكالة، كان للمشتري الرد على الموكل وليس له على الوكيل شيء، ولا يُسمع إقرار الوكيل بالعيب على الموكل عند التداعي؛ لأنّه إقرار في حق الغير، وله الردّ على الوكيل إذا كان وكيلاً على قبض المعيب بعد فسخه إذا قلنا بصحة هذه الوكالة، وله مطالبة الموكل بالثمن إذا كان الوكيل وكيلاً على قبضه فقبضه عنه، سواء أوصله الوكيل للموكل أم لا؛ لأنّ يده يده، وله مطالبة الوكيل به ما دام باقياً لم يوصله إلى الموكل.

ولو لم يكن الوكيل وكيلاً على قبض الثمن، طالب الوكيل به خاصة، إلا إذا وكله في دفعه للبائع، فإنّه ليس له مطالبته به بعد دفعه له.

وإن لم يصدّق المشتري الوكيل بالوكالة فردّ المعيب عليه، فإن صدقه بثبوت العيب ردّه

الوكيل على الموكل فإن أنكر الموكل حدوث العيب عنده لم يملك الوكيل ردّه عليه، وله على الموكل اليمين على عدم حدوث العيب وقت ضمانه عليه لرفع الظلامة من المشتري عنه؛ لاحتمال إقراره عند طلب اليمين منه، فإن حلف على عدم حدوث العيب عنده سلم من رده عليه، لبراءته باليمين، وغرم الوكيل الثمن؛ لعلمه بسبق العيب.

وهل يرجع به مقاصةً أم لا ؟ وجهان: من عدم شغل ذمّتهم له؛ لأنّهم أخذوا بظاهر الشرع فليس له المقاصة، ومن ضمانهم واقعاً فله ذلك، وهو الأقوى، ويبقى المبيع كالمال المعرض عنه أمانةٌ، أو يتملكه الوكيل؛ لأنّه مال لا طالب له.

ولو رد الموكل على الوكيل اليمين فحلف على سبق العيب الزم بالحق، وكذا إن أقام الوكيل بينةً على ذلك.

ولو لم يصدقه بثبوت العيب - كأن أنكر الوكيل حدوث العيب عند البائع كما أنكره الموكل - كان له تحليف المشتري مع عدم علمه بالوكالة، فإن حلف المشتري كان للمشتري تحليف الوكيل على عدم تقدّمه ليرفع عنه الظلامة، لا لنفي ذلك عن الموكل.

وهل يملك المشتري تحليف الموكل؛ لإمكان إقراره كي يستحق الرد، أم لا ؟ وجهان: العدم؛ لأنّ دعواه على أحدهما تنافي دعواه على الآخر.

ونعم. مؤاخذة له بإقراره. وإن لم يحلف الوكيل بأن نكل أو ردّ اليمين على المشتري بسبق العيب فحلف المشتري اليمين المردودة فردّ المعيب عليه دون الموكل؛ لجهالته بالوكالة، فعند ردّه عليه احتمل بقاؤه عنده وعدم ردّه على الموكل؛ لإجراء اليمين المردودة مجرى الإقرار، وإقرار الوكيل لا يثبت على الموكل شيئاً، على أنّه يعلم أنّه مظلوم فلا يظلم غيره، فحينئذٍ يبقى المبيع عنده أمانة، أو يملكه؛ لشبهه بالإعراض، ويغرم الثمن.

واحتمل أنّ له الردّ على الموكل ؛ لإجراء اليمين مجرى البينة لقيامها مقامها فتعطى أحكامها، فكما أن للوكيل أن يرد المعيب على الموكل بالبينة فكذا له أن يردّه باليمين.

وقد يقال: إن اليمين المردودة قسم برأسه، فلا يصح التفريع المتقدم، بل لو جعلنا اليمين المردودة بمنزلة البيّنة أيضاً لا يمكن ردّ المعيب على الموكل لاعتراف الوكيل بعدم سبق العيب وأنّه مظلوم ومَنْ ظلم لا يظلم، إلا أن يكون قد استند في إنكاره لغير القطع، بل لاستصحاب الصحّة وشبهها، ولأنّها لو كانت بمنزلة البينة فهى بمنزلة البينة على المنكر وهو الوكيل، لا مطلقاً.

القول في المرابحة وتوابعها

وفيه أُمور:

أحدها: في تعريف المرابحة والمواضعة وما يتعلّق بهما من الأحكام

أحدها: المرابحة مفاعلة من الربح، وهي تقتضي المشاركة، ولا مشاركة ها هنا حقيقةً إلا أنّه نُزِّل قبول أحدهما ورضاه بمنزلة دفع الآخر، ونُزِّل تسببه عنهما بمنزلة وقوعه منهما. وكذا المواضعة مفاعلة من الوضع، ونُزِّل تسبّبه عنهما ووقوعه من أحدهما ورضى الآخر به بمنزلة صدوره منهما.

والظاهر خروجهما عن المعنى الأصلي إلى معنى شرعي أو متشرعي.

وهو في المرابحة: النقل برأس المال وزيادة عليه بعد الإخبار به، أو عليه وعلى مؤن المبيع بعد الإخبار به وبها بعقد البيع. وفي المواضعة هو النقل بنقصان عن رأس المال بعد الإخبار به، أو نقصان عنه وعن المؤن بعد الإخبار بهما بعقد البيع، ففي المرابحة هو نفس البيع بذلك النحو، وفي المواضعة نفس البيع بالنحو الآخر.

وحينئذٍ فلا بد في المرابحة والمواضعة من نقل متقدّم ليتحقق فيهما رأس المال، فلا يكفي الانتقال بغير عقد معاوضة متقدّم، كميرات وحيازة وشبههما.

نعم، لا يشترط في ذلك النقل أن يكون بالبيع على الظاهر من الفتوى والرواية.

ولا بدّ فيهما من نقل متأخر والظاهر اشتراط كونه بيعاً اصطلاحاً منهم على ذلك، وإلا فكثير من أحكامهما - كحرمة الكذب، وثبوت الخيار للمكذوب عليه، ولزوم تعيين الصرف والجنس والأجل - عامة للنقل بالبيع وغيره.

ولا بدّ فيهما من إخبار البائع أو مَنْ يأمره برأس المال ليربح عليه أو يضع، فلا يكفي في الاسم أو الحكم إخبار غيره أو إخباره لا ليربح أو يضع، وقد يضمّ إلى رأس المال غيره من المؤن كلاً أو بعضاً، وقد لا يضمّ.

وقد يقال: إنّ المرابحة والمواضعة هما الزيادة على رأس المال أو ما يتبعه، أو النقيصة عنهما في البيع مع الإخبار به أو بهما، فعلى ذلك فهما وصفان من صفات البيع، لا نوعان من أنواعه.

و على كلّ حال فلا ينعقد البيع بما اشتق منهما كـ«رابحتك» أو «واضعتك» أو غير ذلك؛ لعدم المعهودية عرفاً وشرعاً.

ثانيها: في تعريف المساومة

ثانيها: البيع من دون إخبار من البائع برأس المال ليبنى عليه العقد أو به وبما غرمه على المبيع من المُؤن يُسمّى مساومةً، والظاهر أنّها أيضاً من خواص البيع، وأنّه لا بد فيها من تقدَّم معاوضة على المبيع.

والظاهر أنّه لو أخبر برأس المال لا ليبنى عليه البيع كان مساومة أيضاً. و

قد يقال: إن المساومة من صفات البيع، وهي عدم ذكر رأس المال فيه، لا من أنواعه. وعلى كلّ حال فلا ينعقد البيع بما اشتق من لفظها؛ لعدم المعهودية.

ثالثها: في تعريف التولية

ثالثها: البيع برأس المال مع ذكره أو برأس المال مع المُؤن من دون زيادة مع ذكرهما يُسمى شرعاً أو متشرعاً تولية.

وقد يقال: إن التولية من صفات البيع لا من أنواعه، وهي عدم الزيادة على رأس المال في البيع مع الإخبار به أو عدم الزيادة عليه وعلى ما يذكره من المؤن في البيع.

والظاهر أنّه يشترط فيها تقدَّم معاوضةٍ وذكر رأس المال فقط، أو هو وما يتبعه ليبنى عليه البيع، وكون العقد الثاني بيعاً.

وظاهر الأصحاب جواز انعقاد البيع بلفظها وجواز جعل مفعولها نفس السلعة، كأن يقول: «ولّيتك هذا المال بما قام عليَّ» بعد بيانه، وجواز جعل مفعولها نفس العقد المتقدّم، كأن يقول: «ولّيتك العقد المتقدّم» فيقبل المشتري.

ولا يلزم ذكر الثمن في العقد وإن اشترط تقدَّم العلم به لهما.

وعلى هذا الأخير لا يكون معنى التولية هو نفس البيع؛ إذ لا يتعلّق البيع بالبيع.

وهل يشترط في هذه الأربعة المتقدّمة في تحقق الاسم كون المبيع عيناً، أو لا يشترط بل يكفي كونه كليّاً أو دَيْناً ؟ وجهان.

رابعها: في تعريف التشريك

رابعها: أزاد بعضُهم (1)التشريك، وذكر أنّ في الأخبار (2)ما يدل عليه، وهو بيع جزء مشاع من المبيع بما يخصه من الثمن، وهو رأس المال فقط، أو الثمن والمؤن مع الإخبار بالقدر من البائع.


1) الشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 425.

2) وسائل الشيعة 19 : 7، الباب 1 من أبواب كتاب الشركة، ح 6.

ويقع بلفظ البيع ولفظ التشريك، كأن يقول: «شركتك بنصف المبيع» بما يخصه من الثمن بالنسبة بعد معرفة قدره لهما، فيقبل الآخر.

والمراد برأس المال والثمن في هذه الخمسة هو ما كان مثله جنساً ونوعاً ووصفاً وقدراً، ولا يقع ذلك غالباً إلا في المثليات، وقد يقع في القيميات قليلاً، فعلى ذلك قلما تقع المرابحة وأخواتها فيما يكون رأس ماله قيميّاً.

وعلى كلّ حال فالحصر في هذه الأقسام الخمسة اصطلاحي نقلي جاءت به الأخبار وكلمات الأخيار، لا عقلي دائر بين النفي والإثبات؛ لبقاء جملة من الأقسام ممّا يدور عليها بعض الأحكام مما لا تدخل في الأقسام الخمسة، أو ممّا يشكل دخولها فيها، كبيع جزءٍ معين من المبيع بما يخصه من رأس المال بعد تقسيطه عليه وبعد ذكره، أو بيعه بما يزيد على ذلك، أو بيعه بما ينقص عنه، أو بيعه بكلّ رأس المال، أو بيع جزء مشاع من المبيع بما يزيد على ما يقابله بالنسبة أو بما ينقص عنه أو بكلّ الثمن أو بكلّه وزيادة، أو بيع غير ما انتقل إليه بالبيع وشبهه كحيازة ونحوها، أو بيع ما انتقل إليه بغير البيع ولكنه لوحظ فيه البيع الأوّل فاعتبر رأس المال فيه من زيادة ونقيصةٍ ومساواة، إلى غير ذلك، ولو لم يعتبر في الأقسام الأولية تعلق البيع بجميع السلعة وملاحظة جميع رأس المال بالزيادة والنقصان أو المساواة لدخلت جملة من هذه الأقسام في الأقسام الأولية.

خامسها : اشتراط العلم برأس المال في جميع الأقسام المذكورة

خامسها: يشترط في جميع الأقسام المتقدّمة العلم برأس المال باطلاع المشتري أو بإخبار البائع أو غيره بأمره فيما إذا كان البيع برأس المال، وبه وبالمؤن وبالغرامات وجميع ما يراد انضمامه إليه إذا كان البيع به وبها مع المساواة أو الزيادة عليها أو النقصان عنها، فلو جهل شيئاً مما ذكر مع إدخاله في الثمن والتعبير عنه برأس المال وبالمؤن وبالغرامة ونحو ذلك بطل البيع للجهالة.

فاللازم في ذلك العلم بجنس الثمن ونوعه وصنفه ونقده وصرفه الخاص ووزنه، وقد تقوم السكة مقام الوزن فيلزم بيان السكة، وكذا جنس ما يريد انضمامه إليه من المؤن إما ببیان نفس العين أو بيان قيمته، كما إذا عمل فيه عملاً له قيمة.

وللبائع أن يضم إلى رأس المال كلّ مؤونة يقصد بالتزامها الاسترباح، كأجرة الحمل

والكيل والحفظ والبيت والدلالة وإعطاء العشور والكمرك والخراج، وقيمة الصبغ والقصر والنشر والطي وغير ذلك، فيبيع حينئذٍ بمساوي ذلك أو زيادة عليه أو نقيصة عنه مع البيان وعدم الجهالة.

وله أن يضمّ أيضاً ما لم يقصد بالتزامها الاسترباح بل النفقة، كعلف الدابة، ونفقة العبد وكسوته، ورحل الدابة، وأجرة الطبيب عند المرض، ونحو ذلك، فيبيع على ذلك النحو المتقدم.

ولكنه هل يخرج عن الأقسام المتقدّمة اصطلاحاً أو يدخل فيها ؟ وجهان.

أما لو ضمّ أُموراً خارجة عن ذلك كنفقة البائع وعطائه وزياراته وهباته - فباع بعد ضمها على نحو الأقسام المتقدّمة، فهو جائز، إلّا أنّ الظاهر خروجه عن الأقسام المتقدّمة اصطلاحاً.

والأقسام المتقدّمة تدور مدار ما يُخبر به البائع فيزيد عليه أو ينقص عنه أو يبيع به، فإن شاء ذكر رأس المال وترك المُؤن وربح عليه، فتكون مرابحةً برأس المال، وإن شاء ذكرهما وربح عليهما، فتكون مرابحة بالمؤن وبرأس المال والمؤن جميعاً، وعلى ذلك النحو باقي الأقسام.

ولو ذكر رأس المال بقصد الربح عليه وذكر المؤن بقصد الوضيعة، قام احتمال أنّها وضيعة وأنها مرابحة ومواضعة.

سادسها: وجوب الصدق في الإخبار وعدم الكذب والتورية

سادسها: يجب على البائع شرعاً ويلزمه شرطاً لتحقيق صدق المرابحة الصدقُ في الإخبار وعدم الكذب والتورية، فإن كان الإخبار عن رأس المال، قال: «رأس ماله كذا» أو ثمنه كذا» أو «اشتريته بكذا» ونحو ذلك، وإن كان الإخبار عنه وعن مُؤنه، قال: «قام علَيَّ بكذا» أو «تقوّم عليَّ بكذا». وإن عمل فيه عملاً قال: «وعملتُ فيه كذا» وله أن يعبر بالأعمّ عن الأخص، وليس له أن يعبّر بالأخص عن الأعم.

ولا يجب ذكر الغبن لو كان مغبوناً، ولو أخذ مالاً عوض غبنه لم يجب ذكره.

نعم، لو كان معيباً فأخذ الأرش فالأظهر إمّا لزوم إسقاط الأرش والإخبار بالباقي ؛ لأنّه إما جزء من الثمن أو كالجزء منه وقد رجع إليه، وإما الإخبار بصورة الحال، ولكن لو أسقط الأرش وأخبر بالباقي لزمه أن يقول: «قام علَيَّ بكذا ولا يقول: «اشتريته بكذا» لظهوره في الشراء الأوّل لا في المحصل بعد ذلك.

ويحتمل جواز الإخبار بأصل الثمن من دون ذكر الأرش؛ لانصراف الخطاب للشراء الأول وهو صادق فيه.

ولا يجب على البائع ذكر ما وهبه المشتري من الثمن أو أبرأه منه إلا مع المواطأة فيحرم؛ لمكان التدليس.

ولا يجب ذكر ما أخذه من نماء، أو أرش جنايةٍ على مملوكه، كما أن مملوكه لو جنى ففداه ليس له أن يضمّ الفداء من غير تصريح، فيقول: «قام عليَّ بكذا».

ولو اشترى معيباً فاستحق الأرش ولكن لم يأخذه، ففي وجوب الإخبار بصورة الحال وجه يوافقه الاحتياط.

وهل يجب الإخبار بما طرأ بعد البيع ممّا ينقص القيمة من حدوث عيب أو ظهور وصفٍ رديء أو عروض فعل قبيح كجناية ونحوها، أو لا يجب ؟ وجهان، أحوطهما لزوم ذلك؛ لبناء المرابحة على الصدق والبيان فيما يلزم فيه الربح والخسران.

ويلزم البائع ذكر الأجل؛ لأنّ له قسطاً من الثمن، سواء باع مؤجلاً أو حالاً، فلو أطلق في إخباره برأس المال انصرف للحلول. والأحوط له ذكر نفس المدة.

ويحرم على البائع الإخبار بما فعله مواطأةً مع المشتري من زيادة ثمن أو حلول مع تأخيره بنذرٍ أو يمين، دون تأخيره بنفس العقد.

سابعها: حكم ما لو ظهر كذب البائع في إخباره برأس المال

سابعها: لو ظهر كذب البائع في إخباره برأس المال للمشتري أو زيادة المؤن أو الأجل أو نحو ذلك مما تتفاوت به الرغبات والقيم، كان للمشتري الخيار بين الردّ والإمساك مجاناً؛ لحديث نفي الضرار (1)، ولفتوى العلماء الأخيار، ولدخوله في التدليس المحرم والغش الممنوع منه، ويجري الحكم في جميع الأقسام المتقدّمة؛ لاشتراكها في العلة.

وهل يخص هذا الخيار عقد البيع أو يعم سائر العقود ؟ وجهان: من لزوم الاقتصار على مورد اليقين من الإجماع، ومن ظهور جريان العلة.

وهل هو فوري أم لا ؟ وجهان.

وهل يسقط ببذل الزيادة أم لا ؟ وجهان، أقواهما العدم.

ويسقط باشتراط سقوطه وبإسقاطه بعد العقد.

وفي سقوطه بتلف المبيع أو حدوث سبب فيه أو بإحداث حدث ناقل أو مغيّر نظر وتأمل. وقد يبنى الحكم على أنّ هذا الخيار خيار مستقل، أو خيار تدليس، أو خيار وصف، أو


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

خيار شرط، ولا يبعد الأوَّل، وعليه ففي ثبوت الخيار بظهور كذبه في الشراء من مكان خاص أو زمان خاص أو قوم خاصين، أو غير ذلك مما يورث رغبة للمشتري في شرائه ويحته على إقدامه على السلعة إشكال.

وخيال فساد العقد من أصله فيما لو ظهر كذب البائع في إخباره برأس المال أو بالمؤن ونحوها - لأنّها تجارة عن غير تراض؛ لوقوع الرضى من المشتري على ما أخبر به البائع. فما لم يحصل لم يحصل، ولعدم تحقق القصد إلى البيع مع عدم وقوع ما أخبر به البائع والبيع من دون قصد باطل - ضعيف مخالف لظواهر الأدلّة وفتوى الأصحاب؛ إذ لا يزيد الكذب في الإخبار على التدليس وفوات الشرط والوصف الذي قد بني البيع على عدمه في الأوّل ووجودهما في الأخيرين؛ لأنّ الرضى الصوري عند وقوع العقد كافٍ في الصحّة، ولا نعني بالتجارة عن تراض سوى ذلك، ومدّعي الزيادة عليه الدليل؛ لمنافاة قوله للأصل.

ونقل عن أبي علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن للمشتري قدر التفاوت من ثمنه لو تبين كذب البائع، فيرجع من الثمن بقدر ما أزاده عليه كذباً (1).

وعن الشيخ (رَحمهُ اللّه): أنّ له ذلك إن تبين له الخطأ أو الغلط دون غيرهما (2).

ونُقل عن غيره أنّ للمشتري ذلك إن تبين الخلاف بقوله، وله الخيار إن تبين بغير قوله (3).

والكلّ ضعيف؛ لضعف مستنده.

والكذب في الحلول - تصريحاً أو إطلاقاً فينصرف إليه - أو في قدر الأجل يسلّط على الخيار أيضاً؛ لما ذكرناه.

وذهب جمع (4)، إلى أن الكذب في الحلول - والظاهر أنّه مع التصريح أو الإطلاق المنصرف إليه - يوجب أن للمشتري من الأجل مثل ما للبائع؛ استناداً لما ورد في عدة أخبار من أنّ للمشتري من الأجل مثل ما للبائع (5).


1) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 193، المسألة 150.

2) المبسوط 2 : 142.

3) نسبه الشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 143 إلى القيل.

4) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 389؛ وابن حمزة في الوسيلة : 243؛ وابن البراج على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 188، المسألة 145.

5) وسائل الشيعة 18 : 82، الباب 25 من أبواب أحكام العقود.

ولكن ظاهرها أن ذلك مع الإطلاق المنصرف للحلول لا مع التصريح به، كما أفتى به بعض الأساطين(1).

وعلى كلّ حال فهو مذهب ضعيف؛ لإعراض الأكثر عن الأخذ بأخباره، ومخالفتها للقواعد الدالة على لزوم الوفاء بالعقد والأخذ بمضمونه واتباع ما قصد منه؛ إذ لا شكّ أنّ صيرورة الثمن مؤجلاً قهراً على البائع مخالف لجميع ذلك، واحتمال كونه سبباً شرعياً عقوبة لكذبه، بعيد جداً بعد إعراض الأصحاب عن الحكم به، وحينئذٍ فحملها على الاستحباب أو طرحها أولى.

ويمكن تنزيل الأخبار على صورة ما إذا اشتراه الثاني بمثل ما اشتراه الأوّل وكان عالماً بأجله ولم يعلم البائع به، ولكنه بعيد.

وهل يسري الحكم على هذا المذهب إلى الكذب في قصر الأجل فتبين طوله في أنّ للمشتري بقدره أيضاً أم لا ؟ وجهان.

والأظهر أنّ للمشتري الخيار أيضاً إذا ظهر كذب البائع في ثمن الثمن وإن تصاعد؛ تنقيحاً للعلّة القطعية في ثبوت الحكم، وإن كان الأظهر اختصاص اسم المرابحة وأخواتها بالإخبار عن الثمن ومتعلقاته، لا الإخبار عن ثمن الثمن ومتعلقاته.

ثامنها: فيما لو اشترى البائع شيئاً أو أشياء بثمن واحد فليس له الإخبار بشراء الأبعاض بقسطها من الثمن

ثامنها: لو اشترى البائع شيئاً أو أشياء بثمن واحد، اتحد البائع أو تعدد، اتحد الإيجاب أو تعدّد، كانت الأشياء متصلة - كالحمل والصوف - أو متفرّقةٌ، فليس له الإخبار بشراء الأبعاض بقسطها من الثمن من دون الإخبار بصورة الحال في جميع الأقسام، سواء قسط الثمن بنظره، أو كان معلوماً عنده للزوم الكذب في الإخبار، لظهوره في الشراء المنفرد، وللإجماعات المنقولة على المنع (2)، وللأخبار (3)المعتبرة الدالة على ذلك.

ولو باع كذلك صح البيع وفَعَل حراماً، وكان للمشتري الخيار.

وهل تدخل في اسم المرابحة اصطلاحاً ؟ وجهان، ودخولها في اسم المرابحة وفي حكمها قريب.


1) راجع مجمع الفائدة والبرهان 8: 376.

2) الخلاف 3 : 144 المسألة 231 رياض المسائل 8 : 344؛ جواهر الکلام 23 : 321.

3) وسائل الشيعة 18: 77 - 79، الباب 21 من أبواب أحكام العقود، ح 1، 5.

ولو أخبر بصورة الحال، كان البيع جائزاً صحيحاً، ويقوى دخولها في اسم المرابحة وحكمها أيضاً.

ولا يتفاوت الحال فيما ذكرناه بين المتفق فى الحقيقة النوعية وبين المختلف، وبين أن يساوي بينها بالقيمة وبين أن يفرّق، وبين أن يبيع خيارها بالأقل أو أدناها بالأكثر وبين عدمه.

نعم، لو تلف بعض المبيع قبل قبضه أو في مدة الخيار المختص أو تبعضت الصفقة على المشتري لظهور عدم ملك بعض أجزاء المبيع فقسط الثمن على ما اشتراه، ففي وجوب الإخبار بصورة الحال إشكال والأحوط ذلك.

تاسعها: حكم ما لو ادعى البائع زيادة الثمن على ما أخبر به

تاسعها: لو ادعى البائع زيادة الثمن على ما أخبر به، فإن كان عن علم مضى عليه البيع ولا شيء له ولا تُسمع دعواه ولو كانت لأمر دعاه، وإن كان عن سهو أو غلط أو خطا في الحساب بحيث أظهر لتكذيب إقراره أمراً محتملاً، قوي القول بجواز سماع دعواه والأخذ ببينته؛ للزوم العسر والحرج والضرر والضرار المنفيّين (1)لولا ذلك، واحتمل عدم سماعها؛ لمكان إقراره الأوّل فهو مكذب لبيئته، واحتمل أنّه إن استند إلى الجهل بالكثرة لم تسمع دعواه، وإن استند للغلط أو لخطإ وكيله في إخباره له بالمقدار سمع قوله.

وعلى كلّ حال فلو ثبت ذلك بالبينة أو بتصديق المشتري ثبت للبائع الخيار في الفسخ أو الإمضاء للزوم الضرر عليه من دون ذلك.

ولو ادعى البائع على المشتري العلم بالكثرة والعلم بجهل البائع بها، كان له إحلافه على نفي ذلك؛ لحصول نفع له بتوجيه اليمين عليه من احتمال إقرار أو نكول، فيقضى للبائع بما ادّعاه.

ولو ردّ عليه اليمين فحلف البائع اليمين المردودة، ثبت الحقّ له إن قلنا: إن اليمين المردودة قسم برأسه مثبت للحق، أو قلنا: إنّها بمنزلة إقرار المنكر، وإن قلنا: إنها بمنزلة البينة، قام احتمال عدم ثبوت الحقّ بها؛ لعدم سماع ما هي بمنزلته، لتكذيبها بإقراره.

عاشرها: جواز شراء المتاع البائعه من مشتريه منه ومن غيره حالاً ومؤجلاً بزيادة مرابحة أو غيرها أو بنقيصة مواضعة أو غيرها أو بمساومة أو بتولية

عاشرها: يجوز شراء المتاع لبائعه من مشتريه منه ومن غيره، حالاً ومؤجلاً على وجه الحلول أو التأجيل بزيادة مرابحة أو غيرها، أو بنقيصة مواضعة أو غيرها، أو بمساومة أو


1) البقرة (2) : 185 : الحج (22) : 78؛ وراجع الهامش (3) من ص 151.

بتولية، قبل الأجل أو بعده، قبل القبض أو بعده، مكيلاً أو موزوناً، أو غيرهما - نعم، يكره بيع المكيل أو الموزون إذا كان طعاماً أو مطلقاً قبل قبضه، أو قبل كيله أو وزنه إن لم نقل بأنّ الكيل والوزن قبض - للأخبار (1)الدالة على ذلك، ولفتوى الفقهاء به، وللجمع بين ما دلّ على الجواز (2)وبين ما دلّ على النهي (3)، يحمل النهي على الكراهة؛ لأنّها أقرب المجازات وأظهرها، ولفتوى المشهور بها، ولدلالة بعض الألفاظ كلفظ «لا يصلح» (4)، وشبهها - عليها، فالقول بالتحريم (5)ضعيف. والأظهر استثناء التولية من حكم الكراهة وشبهة القول؛ لدلالة بعض الأخبار (6)المعتبرة على استثنائها.

هذا كله إن لم يشترط البائع على المشتري شراءه منه في نفس عقد البيع، فلو شرط ذلك بطل البيع، لا للزوم الدور كما قيل (7)، ولا لعدم القصد كما قد يتخيل؛ لظهور ضعفهما، بل للإجماع المنقول (8)، والشهرة المحصلة، والأخبار الدالة على ذلك على ما تقدَّم في أحكام النسيئة، وعلى ذلك فالحكم يخص البيع دون غيره.

وهل يخص بيع النسيئة أم لا ؟ وجهان.

هذا إن صرّح بالشرط، فلو لم يصرح به بل كان من قصدهما ذلك، كان البيع مكروهاً. لفتوى الفقهاء فضلاً عن فقيه واحد وللتفصي عن شبهة الاشتراط وعن عدم قصد النقل، ولا يحرم ولا يفسد؛ للأصل، ولعموم الأدلّة (9)وخيال الفساد فاسد.

حادي عشرها: في أن أفضل الأنواع المتقدّمة: المساومة

حادي عشرها: أفضل الأنواع المتقدّمة المساومة؛ لفتوى الأصحاب، ولما أشعرت به أخبار الباب (10)، ولبُعدها عن الكذب والتورية والخطا.


1) وسائل الشيعة 18 : 40 و 41، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، ج 1، 3.

2) وسائل الشيعة 18 : 40 و 41، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، ج 1، 3.

3) المصدر : 45، الباب 6 من أبواب أحكام العقود، ح 8.

4) المصدر : 66، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 5.

5) كما في الحدائق الناضرة 19 : 125.

6) وسائل الشيعة 18 : 68 و 69، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 12، 16.

7) قاله العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 11: 253 - 254، المسألة 417.

8) كفاية الفقه 1 : 481.

9) البقرة (2) : 275؛ المائدة (5) : 1.

10) وسائل الشيعة 18 : 61 - 63، الباب 14 من أبواب أحكام العقود، ح 1 - 4.

ولا تكره المرابحة كما أفتى به المشهور، ونفى عنها البأسَ خبر ابن سعيد (1)الظاهر في نفى الكراهة؛ لمعلومية عدم التحريم يومئذ.

نعم، ورد في عدةٍ من الأخبار (2)ما يظهر منه ذلك، وإنكار ظهوره غير ظاهر، وأفتى بمضمونها بعض المتأخرين (3)، فالأخذ بها - لولا إعراض الأصحاب عن العمل بظاهرها، وتنزيلها عندهم على نوع خاص من المرابحة، وهو ما نُسب الربح فيه لرأس المال، وتنزيل بعضها على بيان أفضلية المساومة دون كراهة المرابحة - قوي جداً، سيّما فيما كان من السنن والمكروهات.

ويكره نسبة الربح إلى رأس المال وجعلهما ثمناً؛ لفتوى الأصحاب، وأخبار الباب (4)المفيدة لذلك قطعاً إن لم يستفد منها كراهة أصل المرابحة وللإجماع المنقول (5)على لسان الفحول، ولشبهه بالربا، وللتسامح بأدلّة السنن وللتفصي عن شبهة القول بالتحريم، أخذاً بظاهر تلك الأخبار الغير المعمول عليها في ذلك بين الأصحاب، وشبهة القول بالفساد، أخذاً بظاهر روايةٍ (6)دلّت على ذلك، ولكنّها أيضاً غير معمول عليها، فلا يراد بالفاسد فيها معناه، بل المراد منه ما لم يكن صالحاً لكراهته.

ومعنى نسبة الربح إلى رأس المال هو أن يجعل الثمن رأس المال بأي لفظ دلّ عليه مع ربحه المنسوب إليه بلفظ «أنه ربحه» أو «أنّه زيادة عليه» وما أشبه ذلك.

وطريق التخلّص: أن يجمع رأس المال والربح جملةً فيبيع بها، كما نطقت بذلك الأخبار (7)حتّى أطلق على ذلك في بعضها لفظ المساومة (8)لشبهها بها وبعدها عن التصريح بالمرابحة.

وحكم جمع (9)بكراهة نسبة الوضيعة إلى رأس المال أيضاً كما قلناه في المرابحة، ولا بأس به تسامحاً بأدلّة السنن، وتباعداً عن شبهة الربا.


1) وسائل الشيعة 18 : 60، الباب 12 من أبواب أحكام العقود، ح 1.

2) المصدر : 62 و 63، الباب 14 من أبواب أحكام العقود، ح 2، 4.

3) كالبحراني في الحدائق الناضرة 19 : 199 و 206.

4) راجع الهامش (2).

5) الخلاف 3 : 134، المسألة 223.

6) وسائل الشيعة 18: 63، الباب 14 من أبواب أحكام العقود، ح 3.

7) المصدر، ح 5.

8) المصدر : 61 - 62، ح 1.

9) منهم : الشهيد في غاية المراد 2 : 93.

ثاني عشرها: إضافة الربح والوضيعة إلى رأس المال يتبع الفهم العرفي في قدره المحصل بعد الضمّ أو الوضع

ثاني عشرها: إضافة الربح والوضيعة إلى رأس المال يتبع الفهم العرفي في قدره المحصل بعد الضمّ أو الوضع، فالظاهر من قول القائل: بعتك بمائة وربح كلّ عشرة درهم» أن المجموع مائة وعشرة، فنسبة الربح إلى رأس المال يكون واحداً من أحد عشر، وكذا لو قال: والربح في كلّ عشرة، أو قال: والربح لكل عشرة.

والظاهر من قول القائل: «بعتك بمائة ووضيعة كلّ عشرة درهم» أن المحصل تسعون وأن الإضافة للتبعيض كما هو المفهوم عرفاً.

وإنكار بعضهم مجيء الإضافة بمعنى من التبعيضية (1)، مردود بنقل الفحول له من معانيها، وبفهم أهل العرف منها في كثير من المقامات ذلك، واحتمال كون الإضافة بمعنى اللام أو كونها مجملةً في مثل هذا المقام بعيد عن فهم أهل العرف العام.

والظاهر من قول القائل: «ووضيعة درهم من كلّ عشرة» في المثال المذكور أنّ «من» للتبعيض، فيكون المحصل تسعين.

واحتمال كون «من» لابتداء الغاية فيكون المحصل واحداً وتسعين إلا جزءاً من أحد عشر جزءاً على أن يكون الحطّ من كلّ عشرة تسلّم له، فتنحط تسعة من تسعة وتسعين وجزء من أحد عشر جزءاً من درهم، بعيد.

وأبعد منه كونها كذلك، ويكون المحصل تسعين إلا جزءاً من اثني عشر جزءاً.

والظاهر من قول القائل: «و وضيعة درهم لكلّ عشرة» في المثال المتقدم: أن المحصل واحد وتسعون درهماً إلا جزءاً من أحد عشر جزءاً، فتنحط تسعة من تسعة وتسعين وجزء من أحد عشر جزءاً.

واحتمال كون المحصل واحداً وتسعين؛ لأنا نحطّ تسعة لتسع عشرات، فلم يبق إلا واحد وليس هو بعشرة فلا ينحط له شيء، بعيد أيضاً.

فائدة: لا يجوز للدلال الإخبار بشراء ما قومه عليه التاجر ليبيعه بتلك القيمة؛ للزوم الكذب، ولو كذب وباعه مرابحةً صح البيع ولا مرابحة، وكان للمشتري الخيار.

ولو أخبر بصورة الحال فباعه كذلك صح، ولم يكن بيعه مرابحة أيضاً.


1) راجع الروضة البهية 3 : 435 ومسالك الأفهام 3: 315.

وهذا كله لا إشكال فيه، إلا أنّه قد ورد في الأخبار المعتبرة جواز أن يعطي شخص شخصاً مالاً ليبيعه له بقيمة، وما زاد عليها فهو له (1).

ولا بأس بالأخذ بها تعبداً، أو حملها على الجعالة؛ بناءً على صحّة الجغل المجهول القدر، وصحة كونه غير محقق الوقوع.

ولا يجوز جغلها إجارة؛ لفسادها، فيثبت للدلال أُجرة المثل، ولا بيعاً؛ لأنّ الأمر بالبيع ليس بيعاً.

ويمكن حملها على الوعد ورجحان الوفاء به، وحينئذٍ فإما أن يستحق الدلال أُجرة المثل ؛ لكونه عملاً مأموراً به، وإمّا أن لا يستحق لظهور كونه متبرّعاً وراضياً بالوعد.

ويمكن الحكم بطرحها والرجوع للقواعد.

واستقصاء الكلام في أمثال هذا المقام مذكور في شرحنا على القواعد.


1) وسائل الشيعة 18 : 56 - 58، الباب 10 من أبواب أحكام العقود، ح 1 - 4.

القول في الربا

تعريف الربا لغةً وشرعاً

وهو في اللغة: الزيادة (1)، والظاهر عدم بقائه على المعنى اللغوي، بل نقل شرعاً - على الظاهر - أو متشرعاً لبيع أحد المتماثلين - شرعاً أو عرفاً - المقدرين بالكيل أو الوزن بالآخر مع التفاضل حسّاً أو حكماً، أو اقتراض الشيء مع اشتراط الزيادة في الوفاء كذلك، فيكون مشتركاً لفظياً بين المعنيين، واحتمال المعنوي بعيد، أو نُقل لنفس الزيادة الحاصلة في البيع أو القرض على الوجه المتقدم، فيكون مشتركاً معنوياً.

ويحتمل نقله لنفس البيع في الأوَّل، والزيادة في الثاني، ولكنه بعيد.

وأبعد منه احتمال العكس، وكذا احتمال أنّه نفس الأخذ، فيكون من الأفعال.

وعلى الاحتمالات الأخيرة فيكون مشتركاً لفظياً.

وقد يبدل البيع في الحد الأوّل بمطلق المعاوضة.

وقد يزاد فيه: «أو العد» بعد الكيل والوزن.

وقد يقيدان بما كانا في عهد صاحب الشرع أو في العادة مطلقاً، أو مع قيد ما كان في عهده بالمعلوم، وما كان بالعادة فبالمجهول، أو بما لا تقدير له في عهده.

وقد يحذف أصل القيد بـ «المقدّرين» وقد يحذف «أو حكماً».

وقد يزاد في كلا الحدين قيد «ما إذا لم يكن بين الولد ووالده، أو الزوج وزوجته، أو السيد وعبده، ولم يكن باذل الزيادة حربيّاً» بناء على خروج ذلك من اسم الربا وحكمه؛ لدخول التحريم في اسمه، ولما يظهر من الأخبار (2)من نفي نفس الربا عنها، أو بناء على دخوله في اسمه، ولكن يختص الحد بما كان محرَّماً منه، ويُحمل النفي في الأخبار (3)على نفي الحكم. كما هو الظاهر في مثل هذه المقامات.


1) المعجم الوسيط : 326؛ القاموس المحيط 4 : 333 - 334، «ر ب و».

2) وسائل الشيعة 18 : 135 - 136، الباب 7 من أبواب الربا، ح 1 - 5.

3) وسائل الشيعة 18 : 135 - 136، الباب 7 من أبواب الربا، ح 1 - 5.

وعلى كلّ حال فالظاهر أنّ هذا الاختلاف لاختلاف آرائهم في بيان المعنى الشرعي للربا، أو في بيان ما يتعلّق به التحريم منه فهم مجتهدون في ذلك لا نقلة لذلك، فلا يجوز الأخذ بجميع أقوالهم وجعل الربا مشتركاً، ولا الجمع بينها بالإطلاق والتقييد، ولا لزوم الترجيح عند التعارض بالأكثريّة والأعدليّة وشبهها، أو لزوم تقديم قول المثبت على النافي كالشهادة، كما لا يجوز حمل الاختلاف على تعدد الاصطلاح منهم؛ لظهور أنّ اختلافهم في الكشف عن معنى واحد لا إثبات لما اصطلحوا عليه.

والكلام في الربا يتم بأمور:

أحدها: شمول الربا لكلّ معاوضة

أحدها: الأظهر عدم اختصاص الربا حكماً واسماً في البيع بل هو شامل لكلّ معاوضة؛ لإطلاق الكتاب (1)والسنّة (2)، ولدلالة جملة من الأخبار على العموم

كالصحيح: «الحنطة والشعير رأساً برأس، لا يزداد واحد منهما على الآخر» (3).

وفيه: «الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثلاً بمثل لا بأس به» (4).

وفى آخر: «يكره أن يستبدل وسقين من تمر المدينة بوسق من تمر خيبر» (5).

وفي ثالث: أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير ؟ قال: «لا يجوز إلا مثلاً بمِثْلِ» (6).

وفي رابع: فيمن يدفع إلى الطحان [ الطعام ] على أن يعطي لكل عشرة [ أرطال ] اثني عشر دقيقاً، قال: «لا» (7).

وفي خامس : قلت : وما الربا ؟ قال : «دراهم بدراهم مثلين بمثل، وحنطة بحنطة مثلين بمثل» (8).


1) البقرة (2) : 275 و 276.

2) وسائل الشيعة 18 : 117، الباب 1 من أبواب الربا.

3) المصدر : 138، الباب 8 من أبواب الربا، ح 3.

4) المصدر : 142، الباب 9 من أبواب الربا، ح 4.

5) المصدر : 152، الباب 15 من أبواب الربا، ح 3.

6) المصدر : 138، الباب 8 من أبواب الربا، ح 2.

7) المصدر : 141، الباب 9 من أبواب الربا، ح 3، وما بين المعقوفين أضفناء من المصدر.

8) المصدر : 133، الباب 6 من أبواب الربا، ح 2.

وفي سادس: «إذا اختلف الشيئان فلا بأس مِثْلين بمثل» (1).

إلى غير ذلك من الأخبار المؤيدة بالاعتبار ؛ لظهور التحريم الذاتي فيه الذي لا يختلف فيه عقد عن عقد، وبما دلّ على أن في الربا تضييع المعروف بين الناس(2)، وظاهره التعليل، وهو سارٍ في كلّ عقد.

وممّا يؤيّدها أنّه لو شُرّع الربا في غير البيع من العقود لاشتهر تحليله فيها؛ لشدة احتياج عامة الناس (3)إليه.

وذهب جمع (4)، إلى اختصاصه بالبيع فقط للأصل؛ وللعمومات (5)الدالّة على عموم لزوم الوفاء بالعقود، والتجارة (6)عن تراض، و «الناس (7)مسلّطون على أموالهم» ولإجمال لفظ الربا فيؤخذ بما تيقن دخوله فيه، وللشك في وضعه فيؤخذ بما تيقّن وضعه له، ولانصراف إطلاقات تحريم المعاوضة فيه إلى البيع؛ لأنّه الفرد الظاهر، وللمقابلة في قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللّه البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (8)ولورود تحريم بيع الربا في الأخبار (9)، فيُحمل المطلق على المقيد؛ ولصحة الصلح على المؤجّل ببعضه حالاً، وصحة الصلح على قيمة المتلف بأنقص من قيمته، ولصحة التفاضل في الهبة المعوّضة.

وفي الجميع نظر ؛ لانقطاع الأصل والعمومات بما ذكرنا، ولمنع الإجمال بما ذكرناه من البيان، ولمنع ثبوت الوضع بالطريق الفعلي المتيقن من انتفاء كلّ من الوضعين بالأصل، ولمنع انصراف الأدلّة للبيع؛ لعدم ندرة الإطلاق في غيره، وندرة الوجود لا اعتبار بها في الانصراف،


1) وسائل الشيعة 18 : 144، الباب 13 من أبواب الربا، ح 1.

2) المصدر : 120 و 121، الباب 1 من أبواب الربا، ح 9 - 11.

3) في «ب» : «الخلق» بدل «الناس».

4) كابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 253 و 486؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 37؛ والعلامة الحلي في إرشاد الأذهان 1 : 377.

5) المائدة (5) : 1 النساء (4) : 29.

6) في النسخ الخطية : «بالتجارة». والظاهر ما أثبتناه.

7) في النسخ الخطية : «بالناس». والظاهر ما أثبتناه.

8) البقرة (2) : 275.

9) وسائل الشيعة 18 : 133، الباب 6 من أبواب الربا، ح 2.

ولمنع دلالة المقابلة على ما ذكروه بديهة، ولمنع حمل المطلقات على المقيد مع ضعف المقاومة بل استهلاكه في جنبها، ولخروج صلح الحطيطة بالدليل لو قلنا: إنّه من المعاوضة وليس من الإبراء، ولمنع صحّة الصلح على قيمة المتلف ببعضها، ولو قلنا به فهو من الإبراء أو للدليل، ولمنع جواز التفاضل في الهبة المعوّضة، بل هو أول الكلام، إلا أن ينعقد إجماع، وفي ثبوته بحث، ولئن جوزناه فلا بد من التزام أنّها ليست من المعاوضات الصرفة، فيغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها.

ثانيها: حرمة البيع المشتمل على الربا على العالم به

ثانيها: يحرم البيع المشتمل على الربا على العالم به كتاباً (1)وسنة (2)وإجماعاً، والدرهم منه أعظم من سبعين زنيةً بذات محرم.

ويتعلّق التحريم بنفس المعاملة إن قلنا: إنّ الربا هو نفس المعاوضة المزيد فيها، فتفسد لمكان النهي.

ويتعلّق بجزئها إن قلنا: إنّ الربا نفس الزيادة؛ لأن الزيادة مشاعة في العوض المزيد فيه، سواء كانت موافقة أو مخالفة؛ للزوم الترجيح من دون مرجح مع الاختلاف، فتفسد أيضاً؛ لمكان تعلّق النهي بجزئها.

ويتعلّق بشرطها إن كانت الزيادة شرطاً، فيفسد الشرط ويفسد المشروط بفساده؛ لأنّ العقد المشتمل على الفاسد فاسد.

وبالجملة، فدخول الربا في المعاوضة مفسد لها كدخول الرياء في العبادة، فلا يمكن أن يحكم بتبعيض الصفقة في البيع الربوي فيصح في المقابل ويفسد في الباقي؛ لما قلناه، وللإجماع على منعه.

ومع الحكم بفساد البيع يجب ردّ عين المال إلى أهله فوراً، وعليه مؤونة الرد؛ لكونه بمنزلة الغاصب.

فإن تلفت العين، رد المثل أو قيمته عند التعذر في المثليات، والقيمة وقت التلف على


1) البقرة (2) : 275 و 276.

2) راجع الهامش (2) من ص 463.

الأظهر في القيميات، وله أن يأخذ ما قابل ثمنه مقاصةً لو دفعه للمشتري فتلف عنده وامتنع من تأديته.

هذا إن علم القدر والمالك، فلو جهل القدر صالح المالك بالصلح الاختياري، أو الصلح القهري من الحاكم، أو دفع ما يتيقن به فراغ الذمة؛ للاحتياط، أو دفع ما تيقن شغلها به؛ للأصل، أو يدفع الخمس إن لم يعلم بزيادته عليه أو نقصانه؛ لأنّ دفعه مطهر للمال، فإن علم بزيادته أو نقصانه فالوجوه السابقة، وجوه واحتمالات، أوجهها: الرابع.

ولو اشتبه المال في محصورٍ من أموال المشتري، فالصلح الاختياري أو القهري أو القرعة، ولو امتزج كذلك فلا بد من القسمة؛ لتحقق الشركة.

ولو علم القدر وجهل المالك بحيث يئس من معرفته كان كالمجهول المالك حكمه الصدقة على الفقراء والمساكين؛ لظهور الصدقة في ذلك ما لم يكن المتصدق عنه كافراً، وفي الكافر إشكال.

فإن ظهر المالك ورضي بالصدقة فلا كلام وكان كالإجازة في العقد الفضولي، وإن لم يرضَ ضمن المتصدق.

ولو دفعه للحاكم فتصدق به، فالظاهر انتفاء الضمان عنه وعن الحاكم، مع احتمال ثبوته في بيت المال.

هذا إذا لم يتعلّق له به حق مقاصة ولم يكن مخلوطاً بماله، فلو تعلّق به حق المقاصة جاز له أخذه مقاصةً، وإن كان مخلوطاً بماله خلطاً لا يتميّز كان شريكاً، وله القيمة بإذن الحاكم، ويفعل به ما مرّ.

ولو جهل المالك والقدر، تصدّق بما يتيقن شغل ذمّته به؛ للأصل، وبما يتيقن فراغها به؛ للاحتياط. ه

ذا إذا لم يكن مخلوطاً بماله، فإن كان مخلوطاً ولم يعلم أنّه يزيد على الخمس أو ينقص عنه، تصدّق بخمس المال على السادة من فقراء بني هاشم، وحلّ الباقي، كما مر في باب الخمس (1).

وإن علم زيادته على الخمس تصدق بالخمس على السادة، وبالزائد المقطوع به على الأظهر أو المحتمل على وجه على غيرهم.


1) تقدَّم في ج 3، ص 227.

ويحتمل رجوعه صدقةً على غيرهم من أصله.

وإن علم نقصانه، تصدق به على غيرهم.

ولو جهل المالك في قوم محصورين، احتمل جواز استخراجه بالقرعة، وكونه بمنزلة المجهول المالك، ولزوم صلح جميع الأفراد المحصورة، وهو الأحوط.

هذا كله في العالم، وأما الجاهل بحكم الربا فلا يتعلّق به نهي؛ لمكان الجهل، ولكنه يشترك مع العالم في ترتب أحكام العقد الفاسد؛ لأنّ الجهل ليس بعذر في الأحكام الوضعية، فإذا علم وعرف بعد ذلك تعلّق به الخطاب أمراً ونهياً؛ لصيرورته بعد العلم به آكل مال بالباطل.

ويدلّ على اتحاد العالم والجاهل في الأحكام الوضعية وعلى وجوب رد الجاهل المال بعد علمه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أمْوَالِكُمْ) (1)ومفهوم الشرط ملغى قطعاً. فليحمل على إرادة الإرشاد للتوبة للعالم ابتداء أو بعد جهله.

ودعوى اختصاص سياقها بالعالم مسلّمة، ولكنه أعم من العالم ابتداءً أو بعد جهله، فيتم المطلوب.

والأخبار الآمرة بردّ مال الربا إذا كان معزولاً معلوماً أهله (2)من دون تفصيل بين العالم والجاهل، والأخبار المطلقة الدالّة على فساد الربا وحرمة أكله وبيعه وشرائه (3)، القوية المعتضدة بالقواعد وفتوى مشهور الأصحاب، فلا يقاومها إلا ما قوي عليها، وليس فليس.

والظاهر عدم التفاوت هنا بين الجاهل الكافر والمسلم، وحديث «إنّ الإسلام يجب ما قبله» (4)، مشكوك في شموله لحلّيّة أموال الناس الدال على تحريمها العقل والنقل.

وذهب بعض أصحابنا (5)إلى تحليل الربا المأخوذ زمن الجهل، وعدم وجوب رده بعد العلم، إما لتحليل المالك الحقيقي له وإن كان مال الغير، أو لتصحيح عقود الجاهل على الربا من الشارع لطفاً منه وكرماً ؛ لظهور اختصاص أدلّة التحريم بصورة العلم دون الجهل، ولاستصحاب حكم الجهل إلى حالة المعرفة والعلم بعده.


1) البقرة (2) : 279.

2) وسائل الشيعة 18 : 128 - 129، الباب 5 من أبواب الربا، ح 2، 3.

3) المصدر : 118، الباب 1 من أبواب الربا، ح 2 و 125 و 126، الباب 2 و 4 من تلك الأبواب.

4) عوالي اللآلي 2 : 224، ح :38؛ كنز العمال 1 : 66، ح 243.

5) كالشيخ الطوسي في النهاية : 376.

ولظاهر قوله تعالى: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ) (1)المفسر في كلام بعضهم ب«ما أخذ وأكل من الربا قبل النهي، ولا يلزمه ردّه» (2).

ولبعض النصوص:

منها: فيمن أراد الخروج من الربا: «مخرجك من كتاب اللّه عزّ وجلّ: (فَمَنْ جَاءَهُ) الآية» وفيه: «والموعظة التوبة» (3)ونحوه غيره (4)، وغيره (5).

ومنها: عن الرجل يأكل الربا وهو يرى أنّه حلال ؟ قال: «لا يضره حتّى يصيبه متعمداً، فإذا أصابه متعمّداً فهو بمنزلة الذي قال اللّه عزّ وجلّ» (6).

وفي الجميع نظر ظاهر ؛ لمنع الملازمة بين اختصاص أدلة التحريم بالعالم، وبين اختصاص الفساد وترتب آثار الأحكام الوضعيّة به؛ ضرورة أنّ أكثر الأحكام الوضعية استفيدت من الأوامر والنواهي مع شمولها للجاهل والعامد، واختصاص الأوامر والنواهي بخصوص العامد، ولمنع حجيّة الاستصحاب ها هنا بعد تبدل الموضوع من الجهل إلى العلم.

ولظهور الآية في سقوط الذنب بالتوبة للعالم، لا سقوط الضمان بالبيان للجاهل؛ لظهور الموعظة في ذلك، ولتفسيرها بها لا به ولدلالة قوله تعالى: (فَانتَهَى) عليه، إذ لا قائل بتعليق الحلّ على الانتهاء بعد البيان للجاهل.

ولمنع دلالة الأخبار على حلّيّة الربا وعدم لزوم ردّه، وغاية ما تدلّ عليه هو العفو عمّا صدر حال الجهل أو حال الجاهلية، فيكون مفادها كمفاد ما دلّ على عذر الجاهل.

وقد تُحمل الأخبار على حلّية المال المختلط المجهول صاحبه وقدره، كما تدلّ عليه أخبار أخر (7)، ولكن لا بد من تقييدها بما بعد إخراج الخمس منه؛ جمعاً بينها وبين الأخبار الدالة على ذلك، المعتضدة بكلام الأصحاب، كما تُحمل الأخبار الأُخر الدالة على حلية


1) البقرة (2) : 275.

2) مجمع البيان 1 - 2 : 390، ذيل الآية 275 من سورة البقرة (2).

3) وسائل الشيعة 18 : 130 - 131، الباب 5 من أبواب الربا، ح 7.

4) المصدر : 131، ح 10.

5) المصدر : 132، ح 12.

6) المصدر : 130، ح 6.

7) منها ما في المصدر : 129، الباب 5 من أبواب الربا، ح 3.

الربا مع اختلاطه بماله بحيث لا يعرفه، أو ورث مالاً يعرف أن فيه الربا ولكن لا يميزه بعينه، على ما ذكرناه من حليته من حيث إخراج الخمس منه بعد الجهل بالقدر والصاحب.

والأخذ بظاهرها والحكم بحلّيّة الربا من حيثية الاختلاط - كما ذهب إليه ابن الجنيد (1)- ضعيف جداً، مخالف لما استقرّت عليه الفتوى وقضت به القواعد، وإن كان في المعتبرة ما يدلّ عليه:

كرواية الحلبي فيمن ورث مالاً قد علم أن صاحبه كان يربي واعترف بذلك، فقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن كنت تعلم أنّ فيه مالاً معروفاً ربا وتعرف أهله فخُذ رأس مالك وردّ ما سوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً مريئاً» (2).

وفي أُخرى: «إن كنت تعرف شيئاً معزولاً وتعرف أهله فخُذ رأس مالك ودَعْ ما سواه، وإن كان المال مختلطاً فكله هنيئاً مريئاً فإنّ المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبك» (3).

إلا أنّها مطرحة أو منزلة على ما ذكرنا، سواء كان مفادها حلية الربا من حيثية الاختلاط فقط كما قد يُفهم منها، أو من حيثية الاختلاط وجهل الصاحب معاً كما يُفهم أيضاً؛ لإعراض الأصحاب عن العمل بمضمونها على التقديرين؛ ولمخالفتها الأصول الشرعيَّة والضوابط المرعية.

ثالثها: عدم حرمة الربا بين الوالد وولده والزوج وزوجته والمالك ومملوكه

ثالثها: لا ربا اسماً وحكماً إن قلنا: إنّ التحريم داخل في ماهيته، أو لا ربا حكماً إن قلنا: إنّ التحريم من أحكامه بين الوالد وولده، والزوج وزوجته، والمالك ومملوكه، فلكلَّ منهما أخذ الفضل من الآخر؛ للإجماع المنقول (4)، بل المحصل، وللأخبار (5)الخاصة النافية للربا بين ما قدمناه بعضاً مع بعض الظاهرة في نفي ماهيته أو نفي أظهر أحكامه، وهو التحريم.

وحملها على إرادة النهي عن الربا، کـ(لا رفث ولا فسوق) (6)بعيد عن سياقها، ومخالف


1) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 109:5، المسألة 74.

2) تقدَّم تخريجها في ص 468، الهامش (7).

3) وسائل الشيعة 18 : 130، الباب 5 من أبواب الربا، ح 4.

4) غنية النزوع 1: 226.

5) وسائل الشيعة 18 : 135 الباب 7 من أبواب الربا.

6) البقرة (2) : 197.

لما انعقد عليه الإجماع ولما يقضي به ظهور الخطاب؛ لأقربية التجوز بنفي الشيء عن نفي لازمه من التجوّز بالجملة الخبرية عن إرادة النهي.

والمراد من نفي الربا بين ما ذكرنا هو نفيه من كلّ من الطرفين، كما هو المفهوم لفظاً والمتفق عليه فتوى.

خلافاً للإسكافي فخص جواز أخذ الفضل بالوالد من الولد دون العكس، ومع ذلك اشترط عدم وارث له وعدم غريم (1).

وهو ضعيف جداً وإن استأنس له بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنت ومالك لأبيك» (2).

والظاهر أن الاقتصار على المورد اليقيني في الخروج عمّا دلّ على تحريم الربا هو الاقتصار على الولد والوالد الصلبيين؛ لتبادرهما من الفتوى والرواية.

والاقتصار على الولد النسبي؛ لأنّه المتبادر، دون الرضاعي، وللشك في شمول «الرضاع لحمة كلحمة النسب» لمثل هذا المقام سيّما بعد إعراض الأصحاب عن التسرية.

والاقتصار على الولد المحلّل دون الزنى؛ لانصراف الولد إليه عرفاً، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (3).

والاقتصار على الأب دون الأُمّ.

والاقتصار في الزوجة على الدائمة دون المتمتع بها؛ لانصراف الإطلاق إليها سيّما زمن الصدور.

قيل (4): وفي الروايات ما يؤذن بخصوص الدائمة كتفويض الزوجة بأن تأخذ من مال الرجل المأدوم وكتسلّط الزوج على مالها بحيث لا يجوز لها عتق عبدها من دون إذنه، وبضميمة ما ورد: «إنّما الربا فيما [ بينك وبين ما ] لا تملك» (5)والمتمتع بها كأنها مما لا يملك دون الدائمة يقوى القول بالاقتصار على الدائمة.

ويحتمل القول بشمول الحكم للمتمتع بها؛ لشمول لفظ الزوجة والأهل لها، ولا يخلو عن قوة.


1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 110:5، المسألة 75.

2) وسائل الشيعة 17 : 262 - 263، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

3) المصدر 26 : 274 الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة...، ح 1.

4) لم نعثر عليه.

5) وسائل الشيعة 18 : 135 - 136، الباب 7 من أبواب الربا، ح 3، وما بين المعقوفين من المصدر.

والاقتصار في العبد على المختص دون المشترك إلا بقدر حصته منه، مع احتمال عدم الجواز مطلقاً حتّى بقدر حصته؛ للخبر في المشركين بيني وبينهم ربا ؟ قال: «نعم» قلت: فإنّهم مماليك، فقال: «أنت لست تملكهم إنّما تملكهم مع غيرك، أنت وغيرك فيهم سواء» ثمّ قال: «لأنّ عبدك ليس مثل عبدك وعبد غيرك» (1).

والولد شامل للذكر والأنثى والخنثى.

والمطلقة الرجعية بحكم الزوجة.

والولد المشتبه والزوجة المشتبهة يحرم عليهما الربا إلى أن يُستخرجا بالقرعة، وعند استخراجهما فهل القرعة كاشفة أو ناقلة ؟ وجهان، ويجري الحكم على كلّ منهما بما يقتضيه.

والعبد شامل لجميع أقسامه، سوى المكاتب، فإنّ في دخوله تحت ما دلّ على نفي الربا بين السيد ومملوكه (2)إشكالاً؛ لأنّ المكاتب كأنه قد انقطعت سلطنته عن سيّده.

رابعها: في أنّه لا ربا بين المسلم والحربي من فرق الكفّار

رابعها: لا ربا بين المسلم والحربي من فِرَق الكفّار على أن يأخذ المسلم الفضل دون الحربي، وفاقاً للأكثر (3)، واقتصاراً على المورد اليقيني من الخروج عن أدلّة تحريم الربا، وللخبر: «ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا نأخذ منهم ألف درهم بدرهم ونأخذ منهم ولا نعطيهم» (4)فالقول بنفيه عن كلا الطرفين ضعيف.

ويمكن أن يقال: إن نفي الربا بين المسلم والحربي كنفيه بين السيد وعبده؛ لأن الحربيين وأموالهم ملك للمسلمين، فأخذ المسلم منهم من قبيل استنقاذ ماله إن قلنا بعدم ملكهم لمالهم وإنّه يملكه المسلمون، ويكون العقد عليه عقداً صوريّاً، أو من قبيل حيازة المباح إن قلنا: إنّهم يملكون أموالهم ويملكون الثمن المنتقل إليهم، إلا أنّه مباح بالنسبة إلى المسلمين يملكونه بالحيازة وشبهها، فيكون العقد معهم أيضاً عقداً صوريّاً لمكان إباحة أحد العوضين.

وعلى كلّ حال، فأخذ الربا منهم جارٍ على القواعد، فلا يحتاج إلى دليل خاص.


1) وسائل الشيعة 18 : 135 - 136، الباب 7 من أبواب الربا، ح 3.

2) المصدر : 135، ح 1.

3) كما في رياض المسائل 8 : 434.

4) وسائل الشيعة 18 : 135، الباب 7 من أبواب الربا، ح 2.

والمراد بالحربي ما كان محارباً بالقوة ومن شأنه ذلك، ولا يشترط كونه محارباً بالفعل.

وفي دخول الحربي الداخل بأمان أو عهد أو شبههما في بلاد المسلمين تحت أدلة جواز أخذ الربا منه إشكال، سيّما لو كان العهد والأمان على نفسه وماله.

وأما غير الحربي من أهل الذمة فيحرم أخذ الربا منه على الأقوى والأشهر؛ لعموم الأدلّة (1)والاحتياط، فحكمه كحكم المخالفين وباقي فرق المسلمين.

وقيل بجواز أخذ الربا منه (2)، ونُقل عليه الإجماع (3)، واستند له برواية الصدوق: «ليس بين المسلم والذمي ربا» (4).

وهو ضعيف؛ لمعارضة الإجماع بإجماع أقوى منه معتضد بفتوى المشهور وعموم الأدلّة، ومعارضة الرواية برواية الكافي: المشركون بيني وبينهم رباً؟ قال: «نعم» (5)وخروج الحربي غير ضائرٍ ؛ لأنّ العام المخصوص حجّة في الباقي، وهذه الرواية أقوى، فلتحمل النافية على النهي، أو على ما إذا لم يقوموا بشرائط الذمة.

خامسها: في أنّه مما يدخل في مفهوم الربا اتحاد الجنس

خامسها: مما يدخل في مفهوم الربا اسماً أو يشترط في تحريمه حكماً اتحاد الجنس، وهو الاتفاق في الحقيقة النوعية بحيث يُعدّ في العرف أنّ العوضين ماهية واحدة، كالحنطة والرز وشبههما.

ولا اعتبار باتحاد الاسم وتغايره، فقد يتحد الاسم وتتغاير الماهية كاسم اللحم والدهن، وقد يتغاير الاسم والماهية واحدة، كما اختص بعض أفراد الماهية باسم على حدة.

وما شكّ فيه وحدةً وتعدّداً فالأصل يقضي بجواز بيعه متفاضلاً؛ لتعارض أصلي عدم التعدد وعدم الاتحاد، فيبقى الأصل الحكمي سليماً عن المعارض.

والظاهر أنّ من المشكوك فيه السلت والعلس، فيجوز بيعهما بالحنطة والشعير متفاضلاً،


1) البقرة (2) : 275 و 276 وسائل الشيعة 18 : 117. الباب 1 من أبواب الربا.

2) قال به السيد المرتضى في الانتصار : 441 - 442، المسألة 253؛ والصدوق في المقنع : 374.

3) الانتصار : 441 - 442، المسألة 253.

4) الفقيه 3 : 278، ح 4002.

5) الكافي 5 : 147، باب أنّه ليس بين الرجل وبين ولده وما يملكه رباً، ح 3.

والأحوط التجنّب والاحتياط عن بيعه كذلك؛ تغليباً لجانب حرمة الربا، كما يستفاد ذلك من عدة مقامات.

ويدخل في متحد الجنس شرعاً الحنطة والشعير في خصوص باب الربا، فإنّه قد دلّت الأخبار (1)وكلمات الأصحاب - شهرة كادت أن تكون إجماعاً - والإجماع المنقول (2)وفتوى الفحول على أنّهما بحكم جنس واحد، فلا يجوز التفاضل بينهما.

وهل هو حكم تعبدي جاء به الدليل في باب الربا، فيبقى ما عداه في الزكاة ونحوها على قواعد اختلاف الجنس، أو أنّه كاشف عن اتحادهما في النوع الواحد، وقد خرجا في غير باب الربا من احتسابهما اثنين للدليل أو أنّ لهما ملاحظتين ؟

إحداهما : ملاحظة أن أصلهما واحد ومبدأهما متحد، كما تدلّ عليه الأخبار، ففي الخبر المعتبر في الحنطة والشعير أيصلح أن يأخذ اثنين بواحد ؟ قال: «لا، إنّما أصلهما واحد» (3)وفي آخر: «لا يصلح لأنّ أصل الشعير من الحنطة» (4)، وفي ثالث: «إنّ الشعير من الحنطة» (5)وفي رابع: «بعد بعد أن جاء جبرئيل لآدم بالحنطة فزرعاها فما زرعه آدم جاء حنطة وما زرعته حوّاء جاء شعيراً» (6)فبهذه الملاحظة جرى عليهما حكم الجنس الواحد في الربا.

وثانيتهما: ملاحظة اختلافهما في الصورة ظاهراً وفي الخواص وفي الاسم والثمرات وفي العرف، فبملاحظة هذه جرى عليهما حكم الاختلاف في باقي الأحكام.

ومَنْ ذهب إلى جواز بيع كلّ منهما بالآخر متفاضلاً ؛ لاختلاف جنسيهما عرفاً (7)، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «البر بالشعير والشعير بالبر، كيف شئتم يداً بيد» (8)فهو ضعيف المستند لا يعارض ما قدّمنا.


1) وسائل الشيعة 18 : 137، الباب 8 من أبواب الربا.

2) غنية النزوع 1: 224.

3) وسائل الشيعة 18 : 138 - 139، الباب 8 من أبواب الربا، ح 4.

4) المصدر : 137، ح 1.

5) المصدر : 138، ح 2.

6) مستدرك الوسائل 13 : 344 الباب 17 من أبواب الربا، ح 2.

7) ذهب إليه ابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 254 - 255، وحكاه فيه أيضاً عن ابن الجنيد وابن أبي عقيل.

8) راجع سنن ابن ماجة 2 : 757، 758، ح 2254.

سادسها: في أنّه من متفق الجنس في باب الربا حكماً، أصل الشيء وفرعه

سادسها: من متفق الجنس في باب الربا حكماً - وإن اختلف صورة وثمرة وشكلاً واسماً - أصل الشيء وفرعه المتكوّن منه كاللحم والصوف والدم والحليب، أو المعمول منه كالحليب والجبن والسمن، وكذا فروع الأصل الواحد المتغايرة بالتكوّن، كأفراد ثمرات النخل أو ثمرات العنب، أو بالعمل كالدبس من التمر والخَلّ منه والسمن من الحليب والجبن منه.

ولا بدّ من صدق الفرعية والاقتطاع في كلا القسمين فلا يدخل فيها الاستحالة كاستحالة الدقيق ملحاً، فإنّه يخرج عن الدقيقية ها هنا ويلحق بالملحية.

وفروع كلّ أصل تتبعه في الاختلاف مع أصل آخر، فلحم البقر ودهنها ولبنها يتبعه، ويغاير لحم الغنم ودهنها ولبنها، ويغاير دهن السمسم، وهما معاً يغايران دهن الزيت، ودبس التمر يغاير دبس العنب، وكذا خَلّ كلّ واحدٍ منهما.

ويبقى الإشكال في لحوم السمك والحمام والوحش من كلّ جنس مع إنسيه في أنّها جنس واحد أو أجناس متعدّدة، وطريق الاحتياط التجنّب.

ويدل على ما ذكرنا - من اتحاد أصل الشيء وفرعه واتحاد فروع الأصل الواحد - الإجماعات المنقولة (1)والشهرة المحصلة، والتعليل في أخبار المنع عن التفاضل بين الحنطة والشعير (2).

قيل (3): والاستقراء القطعي الحاصل لمن تتبع موارد المنع في جملة مما ذكرنا من الأخبار الخاصة المتكترة.

ويدلّ على ما ذكرنا رواية علي بن إبراهيم، وفيها: «وما كيل أو وزن ممّا أصله واحد فليس لبعضه فضل على بعض كيل بكيل أو وزن بوزن» (4).

وناقش بعض المحقّقين (5)في الحكم المذكور؛ استناداً للأصل والعمومات، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» (6)وللصحيح عن بيع الغزل بالثياب المنسوجة والغزل أكثر وزناً من الثياب ؟ قال: «لا بأس» (7).


1) منها : ما في تذكرة الفقهاء 10: 163 - 164، المسألة 84.

2) وسائل الشيعة 18 : 137 - 139، الباب 8 من أبواب الربا، ح 1، 2، 4.

3) لم نهتد إلى قائله.

4) وسائل الشيعة 18 : 158، الباب 17 من أبواب الربا، ح 12.

5) لم نهتد إليه.

6) أورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 86:10.

7) وسائل الشيعة 18 : 161، الباب 19 من أبواب الربا، ح 1.

وفيه نظر؛ لانقطاع الأصل، وتخصيص العمومات بما ذكرنا من الأدلّة، ولضعف مقاومة الرواية لها أيضاً، ولو سُلّم فلا نسلّم اختلاف الجنس في أصل الشيء وفرعه وفروع الأصل الواحد؛ إذ لعله متحد كما كشف الشارع لنا عن اتحاده، واختلافها بالصور والأسماء لا يدلّ إلا على اختلافها ظاهراً، والربا يدور أمره مدار الواقع كما يُفهم من الأخبار، لا مدار الظاهر كما في غيره من الأحكام حيث تدور مدار العرف والظهور، ولأنّ تجويز التفاضل إنما كان فی الصحيحة بين الغزل والثياب غير مكيلة ولا موزونة، فتخرج عن محلّ البحث.

ولا يتفاوت الحال في حرمة التفاضل وجواز التساوي بين الأصل والفروع أو الفروع للأصل الواحد بين ما يزيد أحدهما على الآخر بعد البيع بعمل كطحين بحنطة، أو ينقص كصوف بغزل وقطن بثوب ونحو ذلك.

وفي الأخبار ما يدل على جواز بيع أحدهما بالآخر متساوياً، كالصحيح المجوّز لبيع البر بالسويق وإن كان فيه ريع فضل (1).

والأصول والقواعد، وظاهر الفتاوى تقضي به أيضاً.

فمن استشكل في جواز بيع ما ينقص ويزيد متساوياً لمكان الربا المقدر فيكون كبيع الجاف بالرطب إذا نقص عند جفافه، لا يصغى لإشكاله، ومنع الجاف بالرطب مخصوص بمورده، فلا يُحمل عليه ما شابهه.

سابعها: من شرائط تحقق الرباكون العوضين مقدّرين بالكيل أو الوزن

سابعها: يشترط في تحقق اسم الربا أو حكمه من التحريم كون العوضين فيه مقدرين بالكيل أو الوزن على وجه الاتحاد أو الاختلاف؛ للإجماع بقسميه (2)، ولانصراف أدلة تحريم الربا إليه ؛ وللأخبار الخاصة المتكثّرة الدالّة على أنّه «لا ربا إلّا فيما يكال أو يوزن، وأن ما لا يكال ولا يوزن فلا بأس به متفاضلاً» (3).

والظاهر أن المراد بالمكيل والموزون ما من شأنه ذلك، فلو منع من كيله أو وزنه مانع


1) وسائل الشيعة 18 : 140 - 141، الباب 9 من أبواب الربا، ح 1.

2) غنية النزوع 1: 224 مختلف الشيعة 5 : 114، المسألة 77.

3) وسائل الشيعة 18 : 131 - 132، الباب 5 من أبواب الربا، ح 11؛ و 132 - 133، الباب 6 من تلك الأبواب، ح 1، 3؛ و 152 - 153، الباب 16 من تلك الأبواب، ح 1 - 3.

لقلته كالحبّة والحبتين من الطعام، أو كبره كالقطع الكبار، أو عدم إمكان تخليصه كالبيوت المموهة بالذهب والسيوف المحلاة به، لم يخرج في جميع ذلك عن الكيل والوزن.

نعم، لو خرج المقدر بالصنعة أو العمل عن التقدير حتّى عاد جزافاً كالثياب من القطن أو الإبريسم وكالسلاح من أنواع الحديد وكبعض الأواني من الصفر والحديد، فلا بأس ببيعه بعضاً ببعض متفاضلاً.

وقد يلحق به في وجه كلّ مسكوك من النقدين بحيث يسقط حكم الوزن عنه وتقوم السكة مقامه.

ثامنها : مدار حكم الربا في المكيل والموزون مدار العادة

ثامنها: مقتضى تعليق حكم الربا بما يكال أو يوزن أنّ المدار فيه مدار العادة وجوداً وعدماً، كما في سائر ذوات المبادئ ممّا علّق الحكم فيها على المشتق، كالمأكول والملبوس في السجود ونحو ذلك، إلا أنّه قد نُقل الإجماع (1)وأفتى الأصحاب بأن المقدر في عهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يجري. عليه حكم التقدير وحرمة الربا دائماً، فيكون الإجماع المنقول وفتوى الفحول قرينةً على تقيّد إطلاق تعليق الحكم على نفس المشتق بما كان في عهده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أو قرينة على استعمال لفظ المشتق في المعنى الوصفي وفي ذوات مخصوصة كانت مكيلة وموزونة في عهده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أو قرينة على استعماله في المتلبس بالمبدأ، وفيما كان متلبساً في عهده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإن انقضى.

وأما غير المقدر في زمنه قطعاً، فقد قيل: إنّه لا يجري عليه حكم التقدير (2)وإن قدر بالعادة، واستظهر بعضهم (3)نقل الإجماع عليه.

ولكنه ضعيف؛ لعموم أخبار جريان الربا في المكيل والموزون، فتخصيصها بما يعلم عدم تقديره في زمنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يحتاج إلى دليل مقاوم، وليس إلا ظاهر الإجماع، وليس له أهلية المقاومة.

نعم، قد يقع الإشكال فيما علم تقديره في زمنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مرّة وعدم تقديره أُخرى، فيباع في زمنه جزافاً ومقدّراً، وفيما عُلم تقديره ابتداءً ثمّ عوده جزافاً، وفيما عُلم تقديره في غير بلده


1) التنقيح الرائع 2 : 91.

2) لم نهتد إلى القائل به.

3) لم نتحقّقه.

مما أقر أهله عليه مع عدم تقديره في بلده، وفيما عُلم تقديره في بلد لم يعلم إقرار أهله منه عليه مع الجهل بحاله ببلده، وفيما عُلم تقديره ببلده دون باقي البلدان مع إقرار أهلها منه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وفي الرجوع للأصل في جميع ذلك قوة، وفي الأخذ بالاحتياط سلامة في الدنيا والآخرة.

ثمّ إنّه يجيء الكلام عند الرجوع في التقدير إلى العادة مع الجهل بحال المقدّر عادةً في زمن الصدور من أنّ المراد بالعادة هي العادة العامة في كلّ البلدان أو الغالبة، فإن كان الغالب التقدير جرى عليه حكمه، وإن كان الجزاف جرى عليه حكم الجزاف، أو لكل بلد عادة يتبعها أهلها أو مَنْ حلّ فيها، أو يكفي في التقدير حصوله في الجملة؛ لصدق أنّه مكيل أو موزون في الجملة فيغلب عليه جانب الاحتياط، ومن أنّ العادة لو جرت بالتقدير مرّةً والجزاف أُخرى، فهل يلاحظ الأخير؛ للأصل، أو الأوّل؛ لصدق المشتق في الجملة والاحتياط ؟ ومن أنّ العادة لو تبدلت بعد التقدير إلى الجزاف فهل يلاحظ الأخير للأصل، أو الأوّل؛ للاحتياط ؟

ثم إنا لو قلنا مع اختلاف البلدان: إنّ لكلّ بلدٍ حكم نفسه، فلو كان كلّ من المتعاقدين من بلد وقد تعاقدا مع التفاضل في بريّة أو صحراء وكان أحدهما من بلد التقدير والآخر من بلد الجزاف، فهل يرجح جانب ذي بلد الجزاف فيحكم بالصحّة، أو يرجح جانب ذي بلد التقدير فيحكم بالفساد ؟ وجهان، أوجههما: الأخير.

تاسعها: شمول حرمة الربا للمبيع أصالة وللمبيع تبعاً

تاسعها: الذي يظهر من إطلاق الفتاوى والنصوص شمول حرمة الربا للمبيع أصالة وللمبيع تبعاً كبيع الدور المموهة بالذهب: إلّا أنّه يظهر من بعضهم (1)خروج ما لم يقصد في المعاوضة أصالةً عن حرمة الربا، ويؤيده انصراف أدلّة التحريم للمقصود أصالة دون ما قصد تبعاً، إلا أن الاحتياط ينافيه.

عاشرها: تحقق الربا بالزيادة العينية وبزيادة الأجل

عاشرها: يتحقق الربا بالزيادة العينية قطعاً ؛ لظهور الأدلّة فيها، سواء كانت عيناً أو منفعة.

ويتحقق بزيادة الأجل أيضاً؛ لأنّ للأجل قسطاً من الثمن، فيكون محسوباً منه، ولفتوى الأصحاب، وللخبر المشتهر نقلاً(2)والمنجبر فتوىً وعملاً: «إنّما الربا في النسيئة» (3).


1) لم نتحقّقه.

2) نقله العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 117، المسألة 78.

3) صحيح مسلم 3 : 1218، ح 102 و 104؛ سنن ابن ماجة : 758 – 759، ح 2257.

ويتحقق بزيادة الحقّ وباشتراط شيء زائد من عين أو منفعة أو حقٍّ.

ولا يتحقق الربا بزيادة وصفٍ من صحّة أو صنعةٍ في مقابلة المعيب والمكسور وغير المصنوع، أو جودة في مقابلة الرديء.

وهل يتحقق بزيادة الشرط المجرّد عن زيادة المشروط، كاشتراط بيع شيءٍ بمثله، أو إجارة شيءٍ بأجرة المثل، أو ارتهان شيءٍ على ثمن أو مثمن أو غير ذلك ؟ وجهان، ينشآن: من كون نفس الشرط زيادة وهي منهي عنها؛ ولعدم صدق بيع المثل بالمثل وهو لازم في الربوي، ومن انصراف النهي عن الزيادة، والأمر ببيع المثل بالمثل إلى زيادة العين أو الأجل أو المنفعة أو الحقّ وإلى المماثلة بهما دون الصفات والحالات.

حادي عشرها : حكم ما إذا اختلفت الأجناس في العوضين المقدرين

حادي عشرها: إذا اختلفت الأجناس في العوضين المقدرين، فإن كان كلّ منهما من النقدين جاز التفاضل فيهما نقداً؛ للأصل وعموم الأدلّة (1)، ولا يجوز التفاضل بينهما نسيئة؛ لمنع النسيئة في الصرف مطلقاً حتّى مع التساوي، كما دلّ على ذلك الأخبار (2)وفتوى الأصحاب.

وإن كان أحدهما من النقد والآخر من العروض، جاز التفاضل نقداً ونسيئة؛ لأنّه من السَّلَم والنسيئة المجمع على جوازهما مطلقاً.

وإن كان كلّ منهما من العروض، جاز التفاضل فيهما نقداً، وفي جوازه نسيئة قولان:

أحدهما: الجواز مع الكراهة، كما هو المشهور نقلاً (3)وتحصيلاً، والمجمع عليه نقلاً (4)، والمروي عموماً، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» (5)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)- عن الطعام والتمر والزبيب -: «لا يصلح شيء منها اثنان بواحد إلا أن تصرفه إلى نوع آخر، فإذا صرفته فلا بأس به» (6)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كلّ شيء يكال ويوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس


1) البقرة (2) : 275: المائدة (5) : 1.

2) وسائل الشيعة 18 : 207 - 208، الباب 21 من أبواب الصرف، ح 1، 2.

3) نقله السبزواري في كفاية الفقه 1 : 497.

4) نقله ابن زهرة في غنية النزوع 1: 225.

5) تقدَّم تخريجه في ص 474، الهامش (6).

6) وسائل الشيعة 18 : 146، الباب 13 من أبواب الرباء ح 5.

واحد» (1)وخصوصاً، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): صاع من حنطة بصاعين من تمر وصاع من تمر بصاعين من زبيب» (2).

وإطلاق الجميع شامل للنقد والنسيئة، ولم يقم دليل صالح لتقييده سوى ما جاء «إنّما الربا في النسيئة» (3)والصحيح في الطعام المختلف أو المتاع أو شيء من الأشياء: «لا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً بيد فأما نظرة فإنّه لا يصلح» (4)؛ ومثله خبران آخران (5).

والجميع لا يصلح للتقييد؛ لعدم المقاومة، فلا بدّ إما من حملها على التقيّة، أو على الكراهة، والثاني أقرب؛ لفتوى المشهور بذلك، ولظهور «لا يصلح» فيها، إلا أن الظاهر أن الكراهة خاصة بالزيادة العينية دون الحكمية.

وثانيهما: المنع استناداً إلى ما ذكرناه من الأخبار المانعة.

وهو ضعيف؛ لضعف المستند متناً في الأكثر ودلالةً، ولموافقته لمذهب العامة، ولمخالفته المشهور بين الأصحاب.

ثاني عشرها: فيما إذا انتفى التقدير بالكيل والوزن جاز التفاضل في متحد الجنس نقداً ونسيئة

ثاني عشرها: إذا انتفى التقدير بالكيل والوزن جاز التفاضل في متحد الجنس نقداً ونسيئةً، سواء كان معدوداً أو كان غير معدود؛ للأصل، وعموم الأدلّة (6)وخصوصها الوارد في نفي الربا عمّا لا يكال أو يوزن (7).

ولخصوص الخبر المنجبر بفتوى المشهور نقلاً (8)وتحصيلاً بل كاد أن يكون مجمعاً عليه بين المتأخرين، قال: «وما عد عداً ولم يكل ولم يوزن فلا بأس به اثنان بواحد يداً بيد» (9).


1) وسائل الشيعة 18: 153، الباب 16 من أبواب الربا، ح 3.

2) المصدر : 146، الباب 13 من أبواب الربا، ح 3.

3) راجع ص 477 الهامش (3).

4) وسائل الشيعة 18 : 145، الباب 13 من أبواب الربا، ح 2.

5) المصدر : 157 و 159، الباب 17 من أبواب الربا، ح 9، 14.

6) البقرة (2) : 275.

7) وسائل الشيعة 18 : 132 و 133، الباب 6 من أبواب الربا، ح 1، 3.

8) راجع الحدائق الناضرة 19 : 251.

9) وسائل الشيعة 18: 153، الباب 16 من أبواب الربا، ح 2.

وللإجماع المنقول (1)على لسان الفحول.

وخالف جمع من أصحابنا (2)[ فمنعوا ] (3)الربا في المعدود مطلقاً، وكأنه استناداً لعموم النهي عن الربا، وهي الزيادة مطلقاً، خرج ما خرج وبقي الباقي، ولبعض الأخبار المانعة عن بيع الثوب بالثوبين والعبد بالعبدين (4)، ولكون العد نوع تقدير فيحرم التفاضل فيه.

وهو ضعيف؛ للمنع عن بقاء الربا على المعنى اللغوي، فهو إما مجمل فيؤخذ بالمتيقن من مصاديقه في تعلّق التحريم به، وينفى المشكوك به بالأصل، وإما مبين فلا بيان أعظم ممّا دلّ على ثبوته في المقدر بالكيل والوزن دون غيره، وما يعارضه فهو ضعيف لا يُلتفت إليه، ولمنع كون أخبار الثوب والعبد من المعدود، والتمسك بتسريتها إليه بالأولوية مردود بمنع الأولوية أولاً، وبمنع الأصل ثانياً؛ لأنّهم لا يقولون به، ومتى امتنع الأصل بطل القياس، ولمنع كون العد نوع تقدير في هذا الباب، ولو سلمناه فلا نسلّم ثبوت الحكم لكل تقدير إلا على وجه القياس ولا نقول به.

وخالف جمع آخر (5)أيضاً فمنعوا التفاضل فيما لم يكن مقدراً نسيئة لا نقداً إذا كان متحد الجنس، وكأنه استناداً لعموم النهي عن الربا، وقد تقدَّم جوابه.

ولبعض أخبار:

منها: ما هو دالّ على نفي البأس عن البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين وعن الحيوان كله يداً بيد (6)، فيدلّ بمفهومه على ثبوت البأس مع النسيئة.

ومنها: ما هو دالّ على كراهة الثوب بالثوبين والبعير بالبعيرين والدابة بالدابتين (7)على وجه الإطلاق.


1) الخلاف 3 : 50 - 51، المسألة 72 السرائر 2 : 262؛ مجمع البيان 1 - 2 : 390.

2) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 605؛ وسلّار في المراسم : 179؛ وابن الجنيد على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 114، المسألة 77.

3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية : «فمنع»، والصحيح ما اثبتناه.

4) وسائل الشيعة 18 : 154، الباب 16 من أبواب الربا، ح 7، و 159، الباب 17 من تلك الأبواب، ح 15.

5) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 604؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 377؛ وابن الجنيد وابن أبي عقيل على ما حكاه عنهما العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 118، ضمن المسألة 78.

6) وسائل الشيعة 18 : 155 و 156، الباب 17 من أبواب الربا، ح 4، 6.

7) المصدر : 154، الباب 16 من أبواب الربا، ح 7.

وهو مردود بضعف دلالة الأخبار أوّلاً؛ لاشتمالها على المفهوم الضعيف الشامل للحرمة والكراهة بالمعنى الأخص وعلى لفظ الكراهة الشاملة لهما أو الظاهرة بالمعنى الأخص.

وثانياً: بعدم مقاومتها الأخبار المتكثّرة المستفيضة الخاصة المجوّزة لذلك بإطلاقها، المعتضدة بالأصول والعمومات والشهرة المحصلة والإجماع المنقول (1)وفتوى الفحول ومخالفتها للعامة، وأدلّة نفي العسر والحرج (2)، فلا بد من طرحها وحملها على التقيّة، أو الأخذ بها وحملها على الكراهة، كما أفتى به جملة من الأصحاب (3)، ولا بأس بالقول بها بعد فتوى الأصحاب وظاهر بعض أخبار الباب (4).

ثالث عشرها: جواز بيع اليابس بمثله متساوياً وكذا الرطب. بالرطب

ثالث عشرها: يجوز بيع اليابس بمثله كالحنطة بالحنطة والتمر بالتمر والعنب بالعنب متساوياً. ولو صاحب أحدهما أو كلّ منهما خليط آخر من زُؤان (5)أو تراب ممّا يتموّل أو لا، بحيث لم يعلم زيادة الخالص أو نقصه، ولكنّهما على حسب العادة، فيصح البيع أيضاً؛ للسيرة ونفي العسر والحرج، ولحصول المماثلة عرفاً.

ولو علم نقص المغشوش وكان الغش ممّا لا يتموّل وكان أيضاً من المعتاد، ففى الجواز - لصدق المماثلة عرفاً لاتحاد الاسم - وعدمه - لمنع إرادة صدق المماثلة في الجملة بل المماثلة في كلّ شيءٍ إلا ما أخرجه الدليل، وهنا لم يتماثلا في الخالص - وجهان، والأخير هو الأحوط.

ويجوز بيع الرطب بالرطب كالخبز بالخبز والخَلّ بالخَلّ وإن تفاوتا بالأجزاء المائية؛ للسيرة، ورفع العسر والحرج، ولصدق المماثلة عرفاً.

وكلّ ما له حالتان من رطوبة وجفاف فلا يجوز بيع رطبه بيابسه لا متفاضلاً؛ لمكان الربا المتحقق، ولا متساوياً؛ لمكان الربا المقدّر، أو لمكان الدليل الخاص الدال على منع بيع


1) راجع الهامش (1) من ص 480.

2) البقرة (2) : 185: الحج (22) : 78.

3) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 89؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 256.

4) راجع ص 473.

5) الزؤان : عشب ينبت بين أعواد الحنطة غالباً حبّه كحتها إلا أنّه أسود وأصفر. المعجم الوسيط : 387.

التمر بالرطب، المعلّل بنقصانه إذا جفّ (1)، المؤيَّد بالشهرة نقلاً (2)وتحصيلاً، وبالإجماع المنقول (3). فينجبر بهما ضعف السند والدلالة.

ويسري بموجب التعليل إلى كلّ رطب ويابس أصليين وعارضيين.

وفي سريان الحكم لغير البيع من أنواع العقود، ولغير الجاف والرطب من الرطبين اللذين أحدهما أخفّ من الآخر، أو اليابسين اللذين ينقص أحدهما عن الآخر لطول المكث، أو للعوضين اللذين يزيد أحدهما على الآخر فيما بعد ذلك، إشكال ينشأ: من أنّ النهي لمكان

الربا المقدّر وهو عام، والاحتياط فيه مطلوب، ومن منع كونه للربا، ومنع كون الربا المقدر مما ينهى عنه أو يطلب فيه الاحتياط، فلا يكون حكم التحريم فيهشاملاً، فيقتصر فيه على المورد اليقيني من التعليل ومن موارد العلة، فلا يشمل ما ذكرناه سيّما الجافين أو اللذين يزيد أحدهما على الآخر، فإنّهما ليسا من موارد العلة.

كما أنّ الظاهر من الأخبار وفتوى الأصحاب أنّ الحكم مخصوص بالمقدر بالكيل والوزن، دون ما لم يقدر كالثمر على النخل أو الشجر، وأنّ المنع للدليل لا لكونه من الرباء فلا تصححه الضميمة.

وحكم جمع من الأصحاب (4)، بكراهة بيع التمر بالرطب وما أشبهه؛ استناداً للأصل والعموم، والموثق عن العنب بالزبيب: «لا يصلح إلا مثلاً بمِثْلِ» قلت: والرطب بالتمر ؟ قال: «مثلاً بمِثْلِ» (5)والآخر: التمر والبسر الأحمر مثلاً بمِثْلِ ؟ قال: «لا بأس به» (6)، واستضعافاً للرواية النبوية (7)لاشتمالها على الاستفهام المنزّه عنه قدر رسول اللّه العلّام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وفيه ضعف؛ لانقطاع الأصل والعموم بما ذكرنا، ولضعف مقاومة الموثق وما بعده لما


1) مستدرك الوسائل 13 : 341 - 342، الباب 13 من أبواب الربا، ح 1.

2) المختصر النافع : 212.

3) الخلاف 3 : 64، المسألة 105؛ غنية النزوع 226:1.

4) منهم : الشيخ الطوسي في الاستبصار 3: 93، ذيل الحديث 316.

5) وسائل الشيعة 18 : 149، الباب 14 من أبواب الربا، ح 3.

6) المصدر : 150، ح 5.

7) عوالي اللآلي 2 : 254، ح 28.

ذكرناه، مع إمكان حملهما على المماثلة حتّى بالجفاف فيكون المعنى: لا يباع العنب بالزبيب حتّى يجف، ولمنع ضعف النبوي بالاستفهام؛ لوقوعه كثيراً في الكلام مراداً به البيان والإعلام لوجه الحلال والحرام.

نعم، قد يقال بالفرق بين التمر والرطب فيحرم بيع بعضه ببعض؛ لما ذكرناه، وبين غيره ممّا يشاركه في العلة؛ استضعافاً للعلة، كما اختاره جمع (1)، إلا أنّ ما ذكرناه أقوى.

رابع عشرها : لا يجوز بيع اللحم بالحيوان المذبوح المماثل له

رابع عشرها: لا يباع اللحم - مجرّداً أو مع عظم لعدم انفكاكهما غالباً - بالحيوان المذبوح المماثل له للفتوى والرواية (2)ولشبهة الربا، ولا بالحيّ المماثل له أيضاً على الأظهر؛ لإطلاق الإجماع المنقول (3)المؤيَّد بفتوى الفحول والموثق المعتبر: «أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كره اللحم بالحيوان» (4)، وضعف سنده مجبور بالشهرة نقلاً (5)وتحصيلاً، وكذا ضعف دلالة الكراهة على التحريم مجبور بما ذكرنا، وبما ورد: «أنّ الأمير (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان لا يكره الحلال» (6)و «لا يكره إلا الحرام» (7).

والأحوط سريان الحكم لغير البيع؛ أخذاً بإطلاق الموثّق، وتحرّزاً عن شبهة الخلاف، واحتياطاً عن شبهة الربا.

هذا إن قلنا: إن المذبوح مما لا تقدير فيه كالحي، ولو قلنا بتقديره فسريان المنع فيه لكلّ معاوضة ظاهر.

وكذلك الأحوط سريان المنع للحيوان المماثل وغيره؛ أخذاً بالإطلاق، وإن كان الأقوى انصرافه للمماثل فقط.


1) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 64 المسألة 105؛ والمبسوط :2 : 93؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1: 226: والمحقق الحلي في المختصر النافع : 212.

2) المصنّف العبد الرزاق 8 : 27، ح 1462.

3) الخلاف 3: 76، المسألة 126؛ غنية النزوع 1: 225.

4) وسائل الشيعة 18 : 143، الباب 11 من أبواب الربا، ح 1.

5) رياض المسائل 8 : 438.

6) وسائل الشيعة 18 : 151، الباب 15 من أبواب الربا، ح 1.

7) أورده الطباطبائي في رياض المسائل 8 : 438، ولم نعثر عليه في المجامع الحديثية.

وكذا الأحوط إلحاق ما كان كاللحم من مصران وكلية وكرشة، دون العظم المجرد؛ لعدم صدق اللحم عليه قطعاً.

خامس عشرها: جواز الاحتيال في التخلّص من الربا

خامس عشرها: يجوز الاحتيال في التخلّص من الربا؛ للأصل والأخبار وفتوى الأصحاب.

وقد ورد فيمن اشترى ألف درهم وديناراً بألفي درهم أنّه «لا بأس به» وأنّه «نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال» (1).

وفي آخر: «لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين إذا دخل فيهما ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس به» (2).

وفي ثالث: عن الدراهم بالدراهم وعن فضل ما بينهما، فقال: «إذا كان بينهما نحاس أو ذهب فلا بأس» (3).

وفي رابع: في أخذ الربا على القرض، قال: أبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم، فأقول له: أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أؤخّرك بثمنها وبمالي عليك كذا وكذا شهراً. قال: «لا بأس» (4).

وفي خامس: لي على الرجل دراهم فيقول: أخّرني بها وأنا أُربحك، فأبيعه جبة تقوم علَيَّ بألف درهم بعشرة آلاف درهم، أو قال: بعشرين ألف درهم وأُوخره بالمال، قال: «لا بأس به» (5).

وبعد ورود هذه الأخبار الخاصة وشمول إطلاقات أدلّة العقود لما كانت غايته الحيلة أو غيرها، لم يبق شكٍّ في جواز استعمال الحيل في التخلّص عن الربا.

ولا يصغى لشبهة بطلان هذه العقود من جهة عدم القصد، والعقود تابعة للقصود؛ وذلك لتحقق القصد للنقل والانتقال، وهو الذي يراد تحققه في العقود، فلا يضر اختلاف القصد في


1) وسائل الشيعة 18 : 178، الباب 6 من أبواب الصرف، ح 1.

2) المصدر : 180، ح 4.

3) المصدر : 181، ح 7.

4) المصدر : 55، الباب 9 من أبواب أحكام العقود، ح 5.

5) المصدر. ح 4.

الغايات المترتبة على النقل والانتقال من كون المطلوب نفس القنية أو نفس التجارة لطلب الربح، أو نفس الحيلة ليترتب أمر آخر مع تحقق القصد إلى النقل والانتقال.

وطرق التخلّص كثيرة يعرفها صاحب البصيرة، فقد تكون بعقد معاوضة وقد تكون بعقد مجاني.

وعلى كلّ حال فقد تتعلّق بأصل العوضين، وقد تتعلّق بنفس الزيادة، وقد تكون بضميمة ما يتموّل إلى الناقص من غير جنسه فتقابل الضميمة في أحدهما الزائد في الجانب الآخر، وقد تكون بضميمة ما يتموّل إلى كلّ من الجانبين مع العلم بالناقص منهما أو مع الجهل به فينصرف كلّ منهما إلى مخالفه؛ تصحيحاً للعقد مهما أمكن، لا لجريان الأحكام عليه من صرف وشبهه؛ لمخالفته للقواعد القاضية بتوزيع الثمن على المثمن، فيجوز حينئذٍ بيع درهم ومد من تمر بعشرة دراهم وعشرة أمداد، وينصرف كلّ منهما إلى مخالفه انصر افاً قهرياً.

ولو نوى الناقل الانصراف إلى الموافق، قام احتمال الصحّة؛ لأنّه قهري جاء بحكم الشرع، واحتمال البطلان؛ لتبعية العقود للقصود.

ولو كان الدرهم لواحدٍ والمُدّ لآخر، احتمل أخذ كلّ واحدٍ منهما ما انصرف إليه ماله، واحتمل البطلان؛ للشكّ في الانصراف القهري في هذه الصورة، واحتمل الصحّة والتوزيع بالنسبة، أما الصحّة: فلظاهر إطلاق الفتوى وبعض الأخبار (1)، وأما التوزيع: فلقاعدة توزيع من العوضين على الآخر في جميع عقود المعاوضات.

ولو باع مداً ودرهماً بمدين ودرهمين فتلف المد أو الدرهم قبل القبض أو استحق ولم يُجز المالك، احتمل البطلان في الجميع؛ لمكان التوزيع؛ لأن الباقي منهما يقابل مُداً ودرهماً من المدين والدرهمين وهو الربا.

واحتمل الصحّة مطلقاً؛ لصحة العقد أوّلاً؛ لمكان الانصراف إلى المخالف، ولزوم الربا بعد التقسيط غير مضر ؛ لأنّ المنهي عنه هو الربا الابتدائي عند صدور العقد.

واحتمل الصحّة والتقسيط على وجه لا يلزم منه الربا؛ بناءً على أن أجزاء المبيع لما قوبلت بأجزاء الثمن على طريق الشيوع لم يجب أن يقع التقسيط على وجه يلزم منه الربا صيانةً للعقد عن الفساد مهما أمكن.


1) راجع وسائل الشيعة 18 : 179 و 180، الباب 6 من أبواب الصرف، ح 2 و 4.

واحتمل الفساد إن تبيّن أنّ أحدهما مال الغير؛ لعدم حصول الصحّة في المجموع عند ابتداء العقد؛ لعدم رضى المالك به، والشرط في حصول النقل رضى المالك به في الابتداء أو في الأثناء، والصحّة إن تلف قبل القبض؛ لأنّ التلف قبله فاسخ من حينه لا من أصله.

واحتمل البطلان في المخالف؛ لانصرافه إليه والمفروض أنّه قد تلف قبل قبضه، أو تبين أنّه للغير فينفسخ العقد بالنسبة إليه، ويصح بالنسبة إلى مخالف الباقي.

ولو باع مُداً ودرهماً بعشرة دراهم، فإن انكشف أنّ المُدِّ للغير ولم يُجز فالأقوى البطلان، واحتمال الصحّة والتوزيع ضعيف.

وإن تلف المُدّ قبل قبضه، فاحتمال الصحّة والتوزيع واحتمال البطلان كفرسي رهان.

القول في الصرف

تعريف الصرف لغةً وشرعاً

وهو لغةً: الصوت (1)، وورد لمعان كثيرة غير ذلك قد استعمل فيها في الكتاب والسنّة، وشرعاً - حقيقة شرعية على الظاهر -: بيع الأثمان بالأثمان متجانسة أو مختلفة، مسكوكة أو لا.

وهو مختص بالبيع، فلا يسري إلى غيره حكماً ولا اسماً؛ اقتصاراً على اليقين من الفتوى والرواية، واستناداً للظاهر ممّا علّق على نقل الأعيان كالأثمان: أن المراد به البيع دون غيره من العقود.

ومع اختصاصه بالبيع فالظاهر أنّ اختصاصه ليس كاختصاص السلم، فلا يجوز النقل بما اشتق منه كـ «صارفتك» ونحوها، كما يجوز البيع فى مقام السلم، بلفظ «أسلمتك».

والمراد بالأثمان ها هنا النقدان، سُمّيا بذلك؛ لوقوعهما ثمناً غالباً.

والثمن في الأصل: ما استحق به الشيء أو قيمة الشيء، وفي لسان الفقهاء: ما كان مدخولاً للباء، أو ما بذله القابل للموجب، أو ما قصد بالإبدال لا بالأصالة، أو ما لم يناد عليه، أو ما كان في المرتبة الثالثة بحسب القصد أو بحسب إيجاب العقد، أو الثانية بالنسبة إلى المبيع.

وجميع هذه الحدود صادقة غالباً عليهما، بل نقل عن العلّامة: أنّهما ثمن مطلقاً وإن اقترنت الباء بغيرهما، حتّى لو باعه ديناراً بحيوان ثبت للبائع الخيار، وادعى على ذلك الإجماع (2).

وفيه نظر؛ لدوران الخيار مدار المشتري لا مدار الثمن والمثمن، والمشتري قد اشترى ديناراً فلا خيار.

وقد يشكل على جميع الحدود المتقدّمة ما لو تعاطيا حيواناً بحيوان من دون صيغةٍ، ومن دون ظهور قصد الأصالة أو الإبدال من أحدهما من دون الآخر، ومن دون أن ينادي أحدهما عليه دون الآخر، ولعله يسقط اسم الثمن ها هنا، أو يكون كلّ منهما ثمناً ومثمناً بالاعتبارين.


1) المعجم الوسيط : 513، «ص رف».

2) نقله عنه تلميذه قطب الدين الرازي كما في مسالك الأفهام 3 : 333.

والكلام في الصرف يقع في أُمور:

أحدها: في أنّه يشترط في صحة الصرف التقابض قبل التفرّق من المتعاقدين بأبدانهما

أحدها: يشترط في صحّة الصرف - زيادة على ما يشترط في أصل البيع ويشترط في الربا - التقابض قبل التفرّق من المتعاقدين بأبدانهما تفرّقاً عرفيّاً لا حكميّاً.

ويكفي في التفرّق العرفي الخطوة بينهما، وفي الأقل منها إشكال ينشأ من الشكّ في صدق التفرّق عرفاً واستصحاب عدمه، وظهور تحديد الفقهاء له بالخطوة فما فوق، ومن منع حصول الشكّ في الصدق ومعارضة استصحاب عدمه باستصحاب عدم حصول الشرط، وهو التقابض قبل التفرّق الواقعي، ومنع تحديد الفقهاء له بذلك، وفي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وإذا نزا حائطاً فانز معه» (1)دون أن يقول: «بعده» إشارة إلى ذلك.

ولو فارقا المجلس مصطحبين فلا بأس، والتعبير عن عدم التفرّق بـ «التقابض في المجلس» إنّما وقع توسعاً وكناية عنه؛ لتلازمهما غالباً، فكأنه صار حقيقة عرفية في التعبير عنه.

ويراد بالتقابض: القبض على النحو المتقدّم في باب القبض من التخلية إن قلنا بها مطلقاً، أو النقل في المنقول إن قلنا به مطلقاً، أو الوزن في الموزون كالنقدين إن اشترطناه واكتفينا به مطلقاً، أو الإمساك باليد إن اشترطناه فيما يمسك به.

ويشترط فيه الإذن من كلّ من المتعاقدين، إلا إذا قضت به الإذن الفحوائيّة.

ولو كان مقبوضاً للمتعاقدين قبل العقد، فإن كان بنحو الغصب افتقر إلى الإذن في الاستدامة ولو فحوى، وفي احتياجه لتجديد نية القبض وجه يوافقه الاحتياط، وإن كان بنحو الأمانة ففي احتياجه للإذن في قبضه استدامة بعد وقوع الصيغة وجه قوي، سيّما مع الجهل بكونه بيد صاحبه أمانة، وفي احتياجه لتجديد نية القبض وجه يوافقه الاحتياط أيضاً.

وهل يقوم مقام القبض التصرّف المجرّد عنه أو إتلافه ؟ الظاهر العدم.

وهل يشترط في تقبيض المال المشترك إذن الشريك ؟ وجهان، أقواهما العدم؛ لعدم

استلزام الحرمة للبطلان، كالإقباض بمكان أو كف مغصوبين، وأحوطهما نعم. والدين على الغريم بمنزلة المقبوض له؛ لمساواته له أو قوّته عليه.

ويشترط في القبض ما يشترط في العقد من الكمال والاختيار والرشد، فلا بد من حصولها


1) وسائل الشيعة 18 : 169، الباب 2 من أبواب الصرف، ح 8.

إلى تمام القبض من الطرفين؛ لأنّ المملك هو التقبيض من الجانبين للجانبين، لا أنّ كلّ قبض

مملك لصاحبه. ويجري فيه الفضولية كما يجري في العقد.

ثانيها: في بيان المراد باشتراط التقابض قبل التفرّق

ثانيها: نريد باشتراط التقابض قبل التفرّق كون القبض أحد أجزاء سبب الملك، فلا يتحقق الملك إلا به، فحصوله مثبت للملك من حينه، لا كاشف عنه من أصله.

واحتمال أنّه كذلك، أو احتمال أنّه شرط في اللزوم على وجه الإثبات أو على وجه الكشف احتمالات لا وجه لها.

ولا نريد أيضاً باشتراط التقابض بيان كون التفرّق مبطلاً من حينه بعد الحكم بصحة العقد، أو كاشفاً عن البطلان من أصله بعد الحكم بصحته ظاهراً؛ لمخالفة القول بذلك لظاهر الأصحاب؛ إذ الظاهر منهم كون التقابض نفسه شرطاً للملك، لا أن التفرّق نفسه مبطل.

نعم، يلزم القول بشرطيّة التقابض قبل التفرّق القول بالبطلان بالتفرّق قبله، فمن عبّر بالبطلان بالتفرّق قبل القبض - ونُسب القول به إلى المشهور (1)ونُقل عليه الإجماع (2)- إنما أراد بيان الشرطية المذكورة تعبيراً بالملزوم عن لازمه.

ويدلّ على ما ذكرناه من الشرطيّة الإجماعات المنقولة على البطلان بالتفرّق قبل القبض (3)والشهرة المحكية (4)والمحصلة على ذلك، بضميمة أنّ الظاهر من عبارات الأصحاب وفتواهم أن ذلك لمكان شرطية التقابض تصريحاً في مقام وتلويحاً في آخر.

ويدلّ عليه أيضاً الصحيح الناهي عن المفارقة وأنه: «إذا نزا حائطاً فانز معه» (5)فإنّ الظاهر من النهي في سياق هذا المقام أنّه إرشاد لبيان بطلان البيع بالتفرق، وبضميمة فهم الفقهاء وفتاواهم من أنّ البطلان لمكان فوات الشرط يكون دليلاً على ثبوت الشرطية.


1) نسبه إليه السبزواري في كفاية الفقه 1 : 502.

2) غنية النزوع 1 : 224.

3) السرائر 2 : 265 - 266؛ كشف الرموز 1 : 497؛ مسالك الأفهام 3 : 333.

4) شرائع الإسلام 2 : 42: المختصر النافع : 212.

5) تقدَّم تخريجه في ص 488، الهامش (1).

ويدلّ عليه أيضاً الأخبار الآمرة ببيع النقدين يداً بيد (1)الظاهرة بمعونة سياقها وفتوى الأصحاب أنّ ذلك إرشاد للشرطيّة، لا أنّه حكم شرعي.

وذهب جمع من أصحابنا (2)إلى وجوب التقابض شرعاً؛ أخذاً بظاهر الأوامر بذلك.

وفيه: أن الوجوب الشرعى فى أمثال هذه المقامات مصروف للإرشاد بقرينة السياق والفتاوى، ولو أريد به بيان الحكم الشرعي من الوجوب فقط لكان مخالفاً للإجماع المحصل - على ما قيل (3)- فضلاً عن المنقول، وإن أُريد به بيان الحكم الشرعي والوضعي معاً لكان مخالفاً لظاهر الاستعمال في الأوامر والنواهي؛ لأنّ استعمال الأمر في الوجوب والشرطية واستعمال النهي في التحريم والبطلان بالتفرّق ممنوع عنه لغةً، ومُعرَض عنه بين الأصحاب.

وذهب الصدوق (رَحمهُ اللّه) إلى عدم اشتراط التقابض في الصرف (4)للخبرين الدال أحدهما على جواز الإسلاف في النقدين (5)، والآخر على جواز النسيئة فيهما (6).

وهما ضعيفان سنداً ودلالةً ؛ لأنّ موردهما جواز النسيئة والسَّلم فيهما، وجوازهما لا يستلزم عدم اشتراط التقابض قبل التفرّق؛ لجواز القول بجواز الأولين ومنع الثاني، والقول بعدم الثاني وعدم جواز الأوّلين، والقول بمنعهما معاً؛ استضعافاً للخبرين كما هو الأقوى، ويأتي في محله (7)إن شاء اللّه تعالى.

ثالثها: حكم ما لو تقابضا في البعض خاصة

ثالثها: لو تقابضا في البعض خاصةً، صح فيه دون ما لم يتقابضا فيه، وتخيّرا فيما صح فيه بين الفسخ - لتبعيض الصفقة - وبين الإمساك ما لم يكن تأخير الإقباض عن التفرّق بتفريط منهما أو من أحدهما، فيسقط خيارهما في الأوّل وخيار المفرط منهما في الثاني؛


1) وسائل الشيعة 18 : 168 و 169، الباب 2 من أبواب الصرف، ح 3، 7،6.

2) منهم : العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 416:10، الفرع «ط» من المسألة 202؛ والشهيد في الدروس الشرعيَّة 3 : 299.

3) لم نهتد إلى قائله.

4) حكاه عنه الفاضل الآبي في كشف الرموز 1 : 497.

5) وسائل الشيعة 18 : 171، الباب 2 من أبواب الصرف، ح 14.

6) المصدر : 170، ح 12.

7) سيأتي في ص 511.

كل ذلك لوجود الشرط المصحح للبيع في الأوّل فيدخل في العمومات، ولفقده فيبطل في الثاني، ولتبعيض الصفقة الموجب للخيار في الثالث ولإدخال الضرر على نفسه بتفريطه في التأخير فيسقط خياره في الرابع.

وما ورد مما ظاهره البطلان رأساً في مثل ما ذكرناه - كالصحيح: في رجل يبتاع من رجل بدينار، هل يصلح له أن يأخذ بنصفه ورقاً أو بيعاً ويترك نصفه حتّى يأتي بعد فيأخذه منه ورقاً أو بيعاً ؟ قال: «ما أُحبّ أن أترك شيئاً حتّى آخذه جميعاً، فلا تفعله» (1)- ضعيف الدلالة أوّلاً، ومحتمل لانصرافه إلى المنع من صحّة المجموع من حيث المجموع ثانياً.

رابعها: في بيان المدار في التفرق المبطل للصرف

رابعها: المدار في التفرّق المبطل للصرف هو تفرّق المتعاقدين المباشرين للصيغة، أصليين أو ولتين أو وكيلين أو فضولتين أو ملفّقين، فلا عبرة ببقاء غيرهما مجتمعين ولو كانا هما المالكين.

نعم، لا يشترط وقوع التقبيض من المتعاقدين بل لو تقابض الأصيلان مع عدم افتراق الوكيلين صح القبض.

وكذا لو تقابض الفضوليان بعد صدور العقد عنهما فضولاً، صح الصرف مع الإجازة وعدم افتراق فضولي العقد إلى صدور فضولي القبض.

والوكيل عن اثنين والوليّ عنهما والاثنان على حَقَّرٍ واحد لا يتحقق بينهما افتراق، فيصح لهما الصرف متى تقابضا مع احتمال أنّ القيام من مجلس العقد بحكم التفرّق.

خامسها: حكم ما لو اشترى دراهم بدنانير أو بالعكس ثم اشترى بها جنساً آخر قبل القبض في الشراء الأوّل

خامسها: لو اشتری دراهم بدنانير أو بالعكس كلّيّة أو معيّنة ثم اشترى بها جنساً آخر قبل القبض في الشراء الأوَّل، بطل الشراء الثاني مطلقاً؛ لوقوعه في غير الملك، لتوقف صحّة البيع الثاني على صحّة البيع الأوّل الموقوف صحته على التقابض قبل التفرق، وهو غير حاصل قبل البيع الثاني.

وربما علّل المنع بكونه من بيع ما يوزن قبل قبضه.

وفي منعه وفي كونه منه نظر.


1) وسائل الشيعة 18 : 169، الباب 2 من أبواب الصرف، ح 9.

قيل (1): وروى العلّامة (رَحمهُ اللّه) في المختلف رواية تشعر بالمنع (2).

وصح الأوّل إن حصل منهما التقابض، وبطل الشراء ان إن تفرّقا قبل التقابض بعد وقوع العقدين؛ لانتفاء شرط صحّة الصرف فيهما معاً.

وصحح الأوّل جمع من أصحابنا (3)مع حصول التقابض قبل التفرّق؛ لحصول الشرط في الأوَّل، وتنزيل الثانى منزلة مَنْ باع شيئاً ثم ملكه، فهو إمّا كالفضولي يفتقر للإجازة، أو يصح بدونها.

وهو حسن في النقد المعيّن قبل قبضه، ويشكل في الكلي، إلا احتمال تشخص الكلّي في فرده وانصبابه عليه.

وفرّق الحلّي بين بين ما إذا وقع العقد على معيّن وحصل فيه التقابض في المجلس فصححه، وبين ما إذا وقع على كلّي فأفسده؛ لأنّه من بيع الدَّين بالدَّين (4).

وفيه: أنّه ليس منه؛ إذ الكلّي الحال ليس من أقسام الدَّين.

نعم، يمكن له الاستناد للشبهة المتقدّمة، وقد تقدَّم تخريجها (5).

ولو أجاز البائع الأوّل شراء المشتري الثاني وقبضه المبيع، صح الصرف بينهما؛ لعدم الفرق في الفضولي بين الشراء لنفسه أو للمُجيز، وعدم الفرق في الإجازة بين كونها لنفسه أو للفضولي، إلا أنّ بعض هذه الصُّور الأربع لا يخلو من إشكال.

هذا إن لم يفترق المتعاقدان بالعقد الثاني، ومع افتراقهما يبطل الصرف، ولا تصححه الإجازة.

سادسها: حكم ما لو كان لشخص على شخص آخر أحد النقدين وأراد تحويله إلى نقد آخر

سادسها: لو كان لشخص على شخص آخر أحد النقدين وأراد تحويله إلى نقد آخر، جاز أن يأمر الشخص بتحويل ما في ذمته من النقد إلى نقد آخر بزيادة أم لا إذا كان مختلف الجنس، أو بغير زيادةٍ مطلقاً إذا ساعره على ذلك وعرف كلّ منهما قدر العوضين.

والأمر بالتحويل قد يكون مصرحاً بطريقه كأن يقول: «حوله بصيغة الصلح» فيتولّى


1) لم نهتد إلى قائله.

2) مختلف الشيعة 5 : 138، المسألة 97؛ وراجع وسائل الشيعة 18: 176 - 177، الباب 5 من أبواب الصرف، ح 3.

3) منهم : المحقق الكركي في جامع المقاصد 4 : 182؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 335.

4) السرائر 2 : 267 - 268.

5) تقدَّم في ص 356.

الإيجاب والقبول بنفسه إن جاز، أو بنفسه وغيره إن لم يجز، أو يقول: «حوله بصيغة البيع وأفرز ما أنت مشغول لي به وأفرز عوضه واقبضهما» فيتولى الجميع من الإيجاب والقبول والقبض والإقباض بنفسه أو بنفسه وبغيره على ما تقدّم.

وقد يكون مطلقاً، ومع الإطلاق فإما أن يأمره بالتحويل فقط، والظاهر انصرافه للبيع؛ لظهور الأمر بالمعاوضة فيه، والظاهر إرادة البيع الصحيح منه، وحينئذٍ فيلزم منه - لزوماً بيناً - توكيله في عقد البيع بنفسه إن قلنا بجواز تولّي طرفي العقد لواحد، أو بنفسه وغيره إن لم نقل، وتوكيله أيضاً - لزوماً بيناً - في القبض؛ لتوقف صحّة البيع عليه: إما بأن يُفرز ما في ذمته ويقبضه بوكالته عن صاحبه ويُفرز عوضه فيقبضه لنفسه أيضاً بوكالته عنه و عنه، وإما بأن يجدّد نيّة القبض فقط، بناءً على أنّ ما للغير الذي في ذمته بمنزلة المقبوض له، وكذا ينوي قبض عوضه؛ لأنّه بحكم ما في ذمته، أو لأنّ النقدين من واحد كما أشارت إليه الرواية حيث قال فيها: «أليس الدراهم من عندك والدنانير من عندك ؟» فقلت: نعم، قال: «لا بأس» (1)فيكون ذلك مستثنى من اشتراط التقابض في الصرف وإما أن يأمره بالتحويل على جهة البيع، فيلزم منه - لزوماً بيناً - إرادة البيع الصحيح المشتمل على القبض والإقباض الصحيحين على نحو ما ذكرناه، فيدل على إرادة تولّي العقد بنفسه أو بنفسه وغيره، وعلى تولّي طرفي القبض على جهة الإفراز أو على جهة تجديد نيته إن قلنا: إنّ ما في الذمة بمنزلة المقبوض وأنّ عوضه بمنزلته؛ لأن النقدين من واحدٍ.

وعلى جميع ما ذكرناه فلا منافاة بين ما ذكرناه وبين القواعد، إلا في كون ما في الذمة بمنزلة المقبوض وكون عوضه بمنزلته، فإنّهما وإن خالفا القواعد معاً أو الأخير منهما لكن ظاهر الروايتين المعتبرتين المشتهرتين فتوى وروايةً يدلّ عليه:

ففي أحدهما عن الرجل تكون عنده دراهم فآتيه فأقول: حوّلها دنانير، من غير أن أقبض شيئاً، قال: «لا بأس» قلت: يكون لي عنده دنانير فآتيه فأقول: حوّلها دراهم وأثبتها لي عندك ولم أقبض منه شيئاً ؟ قال: «لا بأس» (2).


1) وسائل الشيعة 18 : 174 - 175 الباب 4 من أبواب الصرف، ح 1.

2) المصدر : 175، ح 2.

وفي الآخر ما يدل على ذلك مع زيادة: «أليس الدراهم من عندك والدنانير من عندك ؟» فقلت: نعم، قال: «لا بأس بذلك» (1).

ويظهر من بعض أصحابنا (2)الأخذ بظاهر الرواية والجمود على مدلولها وإن خالفت القواعد بظاهرها : من حصول النقل بلفظ التحويل، ومن أنّه من صيغ بيع الصرف أو عقد مستقل، ومن أنّه يحصل النقل به بلا قبول، ومن أنّ التفرّق قبل القبض غير مانع، ومن أنّه يصح وقوع الإيجاب بلفظ الأمر، ومن أنّ ما في الذمة بمنزلة المقبوض ومن أن عوضه بمنزلته، وخالفت الاحتياط من جواز بيع الدين بما يكون ديناً، ومن جواز بيع ما لم يقبض على مَنْ هو عليه، وهُما لا يخلوان من إشكال، وعلى ذلك فينبغي الاقتصار على الدراهم والدنانير دون غيرهما، ومع ذلك فهو بعيد جداً، كما أن طرحها أو حملها على بيع ذمّةٍ بدمةٍ بناءً على أنّ كلّاً منهما غريم للآخر، أو حملها على العزم على الوفاء بوقته من دون إجراء عقد معاوضة، أو حملها على أنّ النقد كان أمانةٌ عند البائع كله بعيد أيضاً، فإرجاعها للقواعد وتطبيقها عليها إلا فيما لا يمكن فيها أولى وأحرى.

سابعها: إذا كان في أحد النقدين غشٌّ متموّل غير مستهلك بحيث لا يصدق عليه الاسم المغشوش جاز بيعه بالمخالف مطلقاً؛ للأصل وعدم المانع.

وللصحيح عن شراء الفضة فيها الرصاص بالورق وإذا خلصت نقصت من كلّ عشرة در همان أو ثلاثة ؟ قال: «لا يصلح إلا بالذهب» وعن شراء الذهب فيه الفضة والزئبق والتراب بالدنانير والورق، فقال: «لا تصارفه إلا بالورق» (3).

وما فيه من حصر بيع المغشوش بالمخالف مبني على الغالب من نقص الخالص عن المغشوش بحسب المقدار، فإنّ بناء البيع على المماكسة والمغابنة فالمشتري لا يبذل فضةً أو ذهباً خالصين في مقابلة الغش وتعسر معرفة مقدار المغشوش وإلا فلو تحقق خلاف الغالب من زيادة الخالص على الغش أو حصول معرفة المقدار لجاز، كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.


1) وسائل الشيعة 18 : 174 - 175، الباب 4 من أبواب الصرف، ح 1.

2) كالشيخ الطوسي في النهاية : 380؛ وابن الجنيد على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 136. المسألة 95.

3) وسائل الشيعة 18 : 188 - 189، الباب 11 من أبواب الصرف، ح 1.

وجاز بيعه بجنسه مع مساواة المغشوش للصافي في الوزن، فيكون الزائد من الصافي في مقابلة المغشوش إذا كان متموّلاً.

وكذا يجوز مع العلم بزيادة الصافي المنفرد على صافي المغشوش في الجملة وإن لم يعلم قدره ولم يكونا متساويين، فتقابل زيادة الصافي زيادة الغش في المغشوش.

ويجوز بيع المغشوش بالمغشوش علم قدر الصافي فيهما أم لم يعلم بعد أن يعلم قدر المجموع، والعلم بقدر المجموع يرفع الجهالة، كما أن الغش - كالضميمة إلى الطرفين - يرفع شبهة الربا.

ولا يجوز بيع الخالص بالخالص من جنسه مع العلم بزيادة أحدهما أو مع الجهل بها؛ لأن الجهل في باب الربا كالعلم بالزيادة.

ولا يجوز بيع الخالص بالمغشوش أيضاً مع عدم العلم بقدرهما، مخافة لزوم الربا، كبيع الربية الآن بالشامي مع عدم العلم بوزنهما، إلا إذا علم زيادة الخالص على خالص المغشوش في مقابلة الغش أو قلنا: إنّ المسكوك قد خرج عن الموزونية بالسكة، وإنّها كما تقوم مقام الوزن بالنسبة إلى العلم بالتقدير، كذلك تخرج الموزون عن حكمه اللازم له على تقدير وزنه.

ولا عبرة بالغش المستهلك عرفاً، فيباع جوهر الرصاص والنحاس بالفضة والذهب وإن كان فيهما يسير من ذلك.

ويدل على ذلك ظواهر الخطاب المعلق على نفس الاسم واتفاق فتوى الأصحاب ظاهراً، والسيرة تشهد بذلك أيضاً، والأخبار المتكثرة، كالصحيح: في الأسرب يشترى بالفضة ؟ فقال: «إن كان الغالب عليه الأسرب فلا بأس» (1)ونحوه غيره (2).

سابعها : حكم ما لو كان في أحد النقدين غش متموّل غير مستهلك بحيث لا يصدق عليه اسم المغشوش

ثامنها: لا يجوز بيع تراب أحد النقدين بتراب آخر من جنسه، ولا بنقد آخر من جنسه مع الجهل بوزنهما أو بوزن أحدهما، ويجوز مع العلم بتساوي النقدين.

ولا عبرة هنا بالتراب، فلا يصلح كونه ضميمةٌ كي يصح البيع مع كونه في كلّ من الطرفين مطلقاً، أو في طرفٍ مع زيادة النقد الآخر على ما اشتمل عليه من النقد.


1) وسائل الشيعة 18: 203، الباب 17 من أبواب الصرف، ح 1.

2) المصدر، ح 2.

نعم، يصح بيعه بغير جنسه مطلقاً.

ويصح بيع التراب المجتمع من تراب النقدين بهما معاً وبأحدهما مع زيادته على مقابله من جنسه.

وفي الخبر عن الجوهر الذي يخرج من المعدن وفيه ذهب وفضة وصفر جميعاً كيف نشتريه ؟ فقال: «تشتريه بالذهب والفضة» (1)ما يدلّ على ما ذكرناه.

تاسعها: حرمة نقل المغشوش من النقدين وغيرهما

تاسعها: يحرم نقل المغشوش من النقدين وغيرهما من المسكوك أو من غيره؛ للنص الدال على حرمة الغش (2)والإجماع بقسميه (3)على الظاهر.

وللخير - المنجبر سنده بابن أبي عمير - في الستوق، فقال: «وما الستوق ؟» قلت: طبقتين من فضّة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة، فقال: «اكسر هذا فإنّه لا يحلّ بيع هذا ولا إنفاقه» (4).

وفي الخبر دلالة على وجوب كسر المغشوش وإتلافه؛ لما فيه من الفساد، ولا ضمان عليه لو كان للغير ولو تلف مادةً وهيئةً على الظاهر.

ويصح البيع به وبيعه وإن حرم؛ لعدم منافاة التحريم للصحة.

نعم، يتسلّط الجاهل على الخيار.

وهذا كله فيما كان مغشوشاً، أما ما كان زيوفاً وقلباً فإنّ البيع به فاسد ومحرم، ويجب إتلافه من غير كلام على الظاهر.

والظاهر أنّ المغشوش لو بيع بشرط الكسر مع إبانة حاله للمنتقل إليه جاز.

وكذا يجوز إنفاقه وصرفه لو كان معلوم الصرف بين عامة الناس أو بين أهل بلد الصرف، سواء علموا أنّه مغشوش أم لا، وسواء علموا وزن ما فيه من الصافي أم لا، وسواء علموا وزن المجموع أم لا، على الظاهر في الجميع؛ للسيرة القاضية بجواز جميع ذلك، ولعموم الأدلّة(5)،


1) وسائل الشيعة 18 : 189 - 190، الباب 11 من أبواب الصرف، ح 5.

2) المصدر،17 : 279، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به.

3) رياض المسائل 8 : 455.

4) وسائل الشيعة 18 : 186 الباب 10 من أبواب الصرف، ح 5.

5) البقرة (2) : 175: المائدة (5) : 1.

ولنفي العسر والحرج (1)، ولقيام السكة المعتادة مقام الوزن في المقدار ومقام البيان في النوع، كما يظهر من الطريقة المألوفة من قديم الزمان إلى هذا الأوان من صرف المسكوك مع عدم معرفة قدره ونوعه المركب منه على التحقيق، والمساهلة في ذلك مع عدم السؤال.

وفي الأخبار ما يدل على ذلك أيضاً، كالصحيح في الدراهم تحمل على الدرهم دانقين، فقال: «لا بأس إذا كان يجوز بين الناس» (2).

وفي آخر: «إذا أنفقت ما يجوز بين أهل المدينة والبلد فلا بأس»(3).

وفي ثالث: «إذا أنفقت ما يجوز» (4).

وفي رابع عن الدراهم المحمول عليها: «إذا جازت الفضة الثلثين فلا بأس» (5).

وفي خامس: جوازها إذا كانت الفضة الغالبة (6).

وهما محمولان على إرادة المعتاد من الدراهم؛ لأن الغالب في المعتاد منها ذلك. وفي قيام سكة السلطان في بدئها بالمعتاد إشكال.

عاشرها: جواز بيع الأواني المصوغة من النقدين مع معرفة قدر الجملة

عاشرها: الأواني المصوغة من النقدين وكل مجتمع منهما يجوز بيعها مع معرفة قدر الجملة، ولا يحتاج إلى معرفة قدر كلّ واحدٍ على الأظهر.

ويجوز بيعها بالمصوغ منهما معاً، وبالمصوغ من أحدهما مع زيادة فيه تقابل النقد الآخر وإن قلت بعد أن تكون متموّلةً.

ولا يتفاوت الحال بعد العلم بوزن المجموع بين علم مقدار ما فيهما من كلّ واحدٍ من النقدين أم لا، وبين إمكان تخليصهما أم لا، وبين كون الثمن من جنس النقد الأقل في المصوغ أو من جنس الأكثر.


1) البقرة (2) : 185: الحج (22) : 78.

2) وسائل الشيعة 18 : 187، الباب 10 من أبواب الصرف، ح 6 بتفاوت يسير.

3) المصدر : 188، ح 9.

4) راجع المصدر 9 : 153 الباب 7 من أبواب زكاة الذهب والفضة، ح 1.

5) المصدر 18 : 186، الباب 10 من أبواب الصرف، ح 3.

6) المصدر. ح 4.

وهل يكفي الظن بالزيادة المقابلة للجنس الآخر؛ لعسر العلم اليقيني بقدره غالباً، ومشقة التخليص الموجب له، ولأنّ المرء متعبّد بظنّه، أو يعتبر القطع؛ لأنّه الأصل، وتعسّره لا يوجب جواز الانتقال إلى الظن إلا حيث لا يمكن التخلّص من ضرر عدم العلم إلا به، وهنا ليس كذلك؛ لإمكان العدول إلى البيع بغير الجنس، أو نحوه مما يرفع شبهة الربا ؟

نعم، لو اضطر إلى البيع وانحصر الطريق في ذلك وتعسّر العلم، لكان الجواز متجهاً؛ لنفي العسر والحرج المعلوم ثبوته في الشريعة.

وأما الظنّ الشرعى فلا إشكال في قيامه مقام العلم.

وحكي عن جمع من أصحابنا (1): أن المصوغ من النقدين إن كان كلّ واحدٍ منهما معلوماً جاز بيعه بجنسه من غير زيادةٍ وبغير الجنس وإن زاد وإن لم يعلم وأمكن تخليصهما لم يُبع بأحدهما، وبيع بهما وبغيرهما وإن تعذر التخليص وكان الأغلب أحدهما بيعت بالأقلّ منهما خاصةً، وإن تساويا مقداراً بيعت بهما وبغيرهما.

وفيه ضعف؛ لعدم المانع من بيع المعلوم بجنسه مع زيادة تقابل الجنس الآخر، وبهما معاً مع الزيادة والنقيصة، ومن بيع ما لم يعلم إذا أمكن تخليصه بأحدهما مع العلم بزيادته على جنسه زيادة تقابل الجنس الآخر، ومن بيع ما لم يعلم إذا تعذر التخليص وكان الأغلب أحدهما بالأكثر منهما؛ لعدم الفرق بين الأكثر والأقلّ بعد فرض الزيادة في ذلك الجنس في مقابلة الآخر، ومن بيعه عند التساوي مقداراً بأحدهما مع زيادته لمقابلة الجنس الآخر.

وربما كان مستندهم في المنع من بيعه بأحدهما مع إمكان التخليص بعض النصوص: في جام فيه ذهب وفضة أشتريه بذهب أو فضة، فقال: «إن كان تقدر على تخليصه فلا، وإن لم تقدر على تخليصه فلا بأس» (2).

وفيه قصور سنداً بجهالة جمع من رواته، ومنافاة إطلاقه الجواز أخيراً ومنعاً أوّلاً بإمكان التخليص وعدمه لما فصلوه.

ويمكن حمل كلامهم والنصّ على إرادة الإرشاد للطريق الأسهل والندب إليه.


1) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 383؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 271؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2: 44.

2) وسائل الشيعة 18 : 200، الباب 15 من أبواب الصرف، ح 5.

حادي عاشرها: في أنّ المحلّى بأحد النقدين تباع الحلّيّة تبعاً للمحلى

حادي عشرها: المحلّى بأحد النقدين - من سيوف وظروف وبيوت - تباع الحلية تبعاً للمحلى من غير احتياج إلى وزن على الظاهر؛ لمكان الضرورة والتبعية، وعدم إمكان التخليص، ولا يغتفر فيها الربا؛ لعدم خروجها عن الوزن أصالة.

ويجوز بيعها بمجموع النقدين وبالنقد المخالف وبالمماثل مع زيادة تصلح لمقابلة المحلّى، كما تدلّ على ذلك القواعد والفتاوى والإجماع المنقول (1)والأخبار الخاصة المنجبرة بفتوى الأصحاب وقواعد الباب.

كرواية صفوان: عن السيف المفضّض يباع بالدراهم، قال: «إذا كانت الفضة أقل من النقد فلا بأس، وإن كانت أكثر فلا يصلح» (2).

والآخر: عن السيف المحلّى والسيف الحديد المموه بالفضة يبيعه بالدراهم، فقال: «نعم» كما في الكافي (3)، أو «بع بالذهب» كما في التهذيب (4)، وقال: «يكره أن يبيعه نسيئة» وقال: «إذا كان الثمن أكثر من الفضة فلا بأس» (5).

وما ورد في الروايات الصحيحة من نفي البأس عن بيع السيف المحلّى بالنقد (6)على وجه الإطلاق مقيد بما ذكرناه من اشتراط الزيادة، كما أنّ ما ورد في الصحيح: عن السيف المحلى بالفضة يباع بالذهب إلى أجل مسمّى، فقال: «إنّ الناس لم يختلفوا في النسأ أنّه الربا، إنما اختلفوا في اليد باليد» فقلت له: نبيعه بالدراهم بنقد، فقال: «كان أبي يقول: معه عَرَض أحبّ إِلَيَّ» فقلت: إنّه إذا كانت الدراهم التي تعطى أكثر من الفضة التي فيه، فقال: وكيف لهم بالاحتياط بذلك ؟» فقلت: يزعمون أنّهم يعرفون، فقال: «إن كانوا يعرفون ذلك فلا بأس، وإلا فإنّهم يجعلون معه العرض أحبّ إليَّ» (7)يستفاد منه اشتراط المعرفة في بيع المحلّى بجنس الحلية وعدم الاكتفاء فيه بالمظنّة وكفاية الزيادة الحكمية في حرمة الربا،


1) الخلاف 3 : 71، المسألة 118.

2) وسائل الشيعة 18 : 200، الباب 15 من أبواب الصرف، ح 7.

3) الکافی 5 : 250 باب الصروف، ح 25.

4) تهذيب الأحكام 7 : 114، ح 492.

5) وسائل الشيعة 18 : 199، الباب 15 من أبواب الصرف، ح 4.

6) المصدر، ح 3.

7) المصدر : 198، ح 1.

ولا تتوقف على الزيادة العينية، وجواز بيع المحلّى بجنس الحلية مع انضمام عرض إليه، تساويا قدراً أو اختلفا علم قدرهما أو جهل؛ وذلك لرجوع ضمير «معه عَرَض» في الرواية إلى الثمن المفهوم منها أو إلى النقد، لا إلى السيوف كما قد يتوهم من بعض عبارات الأصحاب؛ لمنافاته القواعد اللفظيَّة والشرعيَّة.

ولو بيع المحلى نسيئة، نقد ما قابل الحلية ولزم فيه التقابض وإن وقعت نسيئة الثمن صورة في مقابلة المجموع؛ وذلك لعدم جواز النسيئة في الصرف كما في الأخبار (1)وفتاوى الأصحاب. وفي الصحيحين: «لا بأس ببيع السيف المحلّى بالفضة بنسا إذا نقد ثمن الفضة، وإلا فاجعل ثمنه طعاماً» (2)ونحوه الثاني (3).

وقريب إليهما الموثق المتقدم (4)بحمل الكراهة فيه على الحرمة، كما يؤذن به المقام.

وما ورد من جواز بيع السيف المحلّى بالفضة نسيئةً لأنّ فيه الحديد والسير (5)قاصر عن معارضة ما قدمنا سنداً، وصالح للتقييد بما ذكرناه.

ولا يبعد لزوم استثناء ما قابل الحلية من النقد من إطلاق النسيئة؛ لإطلاق المنع من النسيئة في بيع الصرف كإطلاق المنع من التفرّق قبل القبض ولا يجدي القبض قبل التفرّق مع اشتراط الأجل في الصرف؛ لبطلانه بنفس اشتراط الأجل.

ويتشخّص النقد المقابل للحلية بنيته من الدافع له.

وهل يتشخّص بنفسه عند وقوع الدفع بقدر المقابل تصحيحاً للعقد مهما أمكن ولو قهراً، ولإطلاق الرواية، أو لا يتشخّص؛ لاستبعاد تشخّص العمل من دون نية، ولظهور الرواية بذلك ؟ ولا يبعد الأخير.

ثاني عشرها: عدم جواز إبدال نقد على جهة المعاوضة مطلقاً بنقد آخر مع تساوي الجنس

ثاني عشرها : لا يجوز إبدال نقد على جهة المعاوضة مطلقاً - بيعاً أو غيره - بنقد آخر مع تساوي الجنس، واشتراط شيء مع أحدهما دون الآخر صالح لمقابلته بعوض، إلا أن


1) وسائل الشيعة 18 : 168 و 169، الباب 2 من أبواب الصرف، ح 3، 7،6.

2) المصدر : 200، الباب 15 من أبواب الصرف، ح 6.

3) المصدر : 199، ح 3.

4) تقدَّم تخريجه في ص 499، الهامش (6).

5) وسائل الشيعة 18 : 201، الباب 15 من أبواب الصرف، ح 10.

يكون الشرط ممّا لا يتموّل ولا يعتد به، أو يقابله شرط آخر في العوض المقابل، أو زيادة فيه تصلح للمقابلة؛ كلّ ذلك لما قدمنا من حصول الربا بالزيادة، عينيّة كانت أو حكميةً، شطريّةً كانت أو شرطيّةً، خلافاً لمن خصها بالعينيّة، وتردّه الأخبار وفتاوى الأصحاب.

ويجوز انضمام الشرط إلى الخالص إذا بيع بمغشوش ليقابل الغش إذا ساوى الخالص خالص المغشوش أو نقص عنه، كما يجوز جعل إبدال نقد بنقد آخر مع التساوي شرطاً في عقد آخر من بيع أو إجارة، ولا يلزم منه الربا؛ لأنّ اشتراط شيء في عقد الربويين غير اشتراط عقد الربويين في غيره مع مساواتهما؛ للزوم الربا في الأوّل دون الأخير.

وكذا يجوز جعل الإبدال جزء معاوضة من ثمن الإجارة أو من مال جعالة، كما يقول: «صغ لي الخاتم على أن أبدل لك درهماً بدرهم متساويين» فيقول: «قبلت» على وجه الإجارة أو الجعالة، أو على أنّ الأُجرة ومال الجعالة مطويّ ذكره موكول إلى العرف، والإبدال شرط في أحد العقدين.

وهذا كله جارٍ على نهج القواعد والضوابط، إلا أنّه قد ورد عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمن يقول للصائغ صغ لي هذا الخاتم وأبدل لك درهماً طازجياً بدرهم غلة. قال: «لا بأس» (1)وقد فهم منها الجمهور من الأصحاب أنّ اشتراط الصياغة وقع في عقد الإبدال، لا العكس كما ينادي به ظاهرها؛ إذ الظاهر منها عكس ما فهموه.

وحينئذٍ فإن أخذنا بظاهرها وافقت القواعد المعلومة المتقدّمة ولا إشكال حينئذٍ، ويكون الإبدال عوض العمل أو مال الجعالة أو وعداً، وتكون الأجرة متروكة اتكالاً على أجرة المثل، وإن أخذنا بما فهم منها الجمهور لزم الاقتصار على موردها الخاص من الصياغة دون غيرها من الشرائط، ومن إبدال درهم بدرهم دون غيرهما، بل طازجي بغلة دون غيرهما، إلا ما يعلم منه تنقيح المناط الفارق، ولا يجوز التعدّي عن موردها إلى غيره؛ لمخالفتها القواعد الحاكمة بمساواة الزيادة الحكمية للعينيّة في لزوم الربا، خلافاً لمن منع ذلك(2)، وخلافاً لمن تسرى بها لكلّ شرط وثمن ومثمن (3).


1) وسائل الشيعة 18 : 195، الباب 13 من أبواب الصرف، ح 1.

2) السيّد الطباطبائي في رياض المسائل 8 : 459 - 460.

3) البحراني في الحدائق الناضرة 306:19.

ولولا ما يظهر من الأصحاب من العمل بها على نحو ما فهموه حتّى قال في كشف الرموز: إنّ الرواية مقبولة غير مطعون بها (1)، وأن المشايخ اعتمدوا عليها، وأن العمل بها أظهر بين الأصحاب ومستثنى من الآية (2)وعموم الرواية (3)، لكان اللازم الأخذ بظاهرها دون ما فهموه، أو طرحها، أو حملها على الدرهم الطازج وهو الخالص، والغلة وهو المغشوش فيكون الشرط في مقابلة الغش.

ثالث عشرها: تراب الصياغة المجتمع من النقدين يباع بهما وبغيرهما

ثالث عشرها: تراب الصياغة المجتمع من النقدين يباع بهما وبغيرهما، وبأحدهما مع الزيادة فيه لمقابلة النقد الآخر على وجه العلم دون الظنّ، ولا يجوز مع الجهل بالقدر؛ احتياطاً من الربا.

وورد في بعض الأخبار الأمر ببيعه بالطعام (4)، وهي لمخالفتها القواعد والأخبار القاضية بجواز بيعه بغيره على نحو ما قدمنا، ولإعراض الأصحاب عن الحكم بها، لزم تنزيلها على الندب والإرشاد إلى ما هو أحوط في التجنّب عن الربا.

وورد أيضاً الأمر بالتصدق به بعد بيعه على وجه الإطلاق في روايةٍ (5)، وورد في أُخرى الأمر بالتصدق به عند خوف اتهام صاحبه له إذا أخبره به (6).

وكلاهما على خلاف القواعد؛ لعموم الأولى للمعلوم أهله والمجهول، ولا قائل به في المعلوم بل يجب إرجاعه إليه، ولظهور الثانية في المعلوم عند خوف اتهامه له، والقاعدة تقضي بدسه في أمواله، أو إبقائه عنده أمانة، أو إيصاله إلى الحاكم على وجه التخيير أو الترتيب، فالأولى تنزيل الروايتين على حال جهل المالك، ويراد بقوله في الثانية: «إذا أخبرته اتهمني» الاستخبار؛ لاحتمال أنّه مالكه، فأسقط عنه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لزوم الاستخبار لمكان الخوف رأفةً به، فعاد مجهول المالك.


1) كشف الرموز 1 : 500.

2) البقرة (2) : 275.

3) وسائل الشيعة 18 : 117، الباب 1 من أبواب الربا.

4) المصدر : 202، الباب 16 من أبواب الصرف، ح 1، 2.

5) المصدر، ح 1.

6) المصدر، ح 2.

واحتمال أن المال الذي يخشى قابضه من إرجاعه إلى مالكه يعود كالمجهول المالك فيتصدق به عنه لمكان هذه الرواية، بعيد كلّ البعد.

وفقه المسألة: أن تراب الصياغة إن أعرض عنه أهله عاد مباحاً للصائغ وغيره، ولا يبعد أولوية الصائغ من غيره بتملكه له، وإن لم يعرضوا عنه وجب إرجاعه لأهله وإخبارهم، سواء كان مما يتموّل أو لا يتموّل لقلّته؛ لأنّ غصبه على كلّ تقدير محرم، ويضمن بالمثل مع عدم التموّل، فإن كان أهله معلومين دفعه إليهم إن لم يخش ضرراً، وإلا دسه في أموالهم، أو دفعه إلى الحاكم، أو أبقاه أمانة.

وإن اشترك فيه جماعة ولم يعرف كلّ واحدٍ قدر ماله تصالحوا عليه صلحاً قهريّاً أو اختيارياً، أو اقترعوا على إخراج القدر، وإن علم أهله في محصورين، أقرع على أهله، أو تصالحوا عليه صلحاً قهريّاً أو اختيارياً، ولو أمكن الأخير قدم على الأولين، أو يعود كالمجهول الأصلي فيتصدق به.

هذا إن أقروا بأن المال لهم، وإن أنكروه دسه في أموالهم، وإلا دفعه إلى الحاكم، وإلا تصدق به عنهم.

وإن جهل أهله، لزمه الفحص، فإن أيس من الاطلاع عليهم وكان مختلطاً بماله اختلاطاً لا يتميّز، فإن كان مجهول القدر أصلاً دفع خمس الجميع عيناً أو قيمةً - مخيّراً على الأظهر - للهاشميين دون غيرهم على الأظهر، وحلّ له الباقي، وإن كان مجهولاً ولكن يعلم بنقصانه عن الخمس تصدّق بما يتيقن به الشغل والأحوط بما يتيقن به البراءة، وإن كان يعلم بزيادته عليه دفع الخمس للهاشميين وتصدق بما زاد عليه على نحو ما مرّ، مع احتمال لزوم الصدقة بالجميع على غير الهاشميين.

وإن لم يكن مختلطاً بماله تصدّق بجميعه؛ للأمر بذلك في هذا المقام، وفي مقام مجهول المالك (1)، وفاقاً للمشهور، وخلافاً لمن أوجب جعل مجهول المالك (2)أمانة ولمن أجاز أكله؛ فإنّ ضعف دليلهما عن مقاومته لما ذكرنا يمنع الأخذ بهما.


1) راجع ص 502 الهامش (4).

2) وسائل الشيعة 25 : 441 - 442، الباب 2 من أبواب كتاب اللقطة، ح 2 و 448، الباب 5 من تلك الأبواب، ح 3.

ويلزم عليه التصدق عن المالك.

ولو كان مخالفاً أو كافراً أو نص على عدم التصدّق عنه قبل الجهل به، ففي وجوب الصدقة عنه تعبداً، أو الرجوع به إلى الحاكم، أو جواز تملكه وجوه، أحوطها الوسط.

وتجب الصدقة بنفس العين مهما أمكن، إلا إذا كان التصدق بالقيمة أعود، ففي جواز الانتقال إليها وجه، وربما أشعر به الأمر ببيعه بطعام في الرواية المتقدّمة (1)مع احتمال أن ذلك إذن من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالبيع ؛ لأنّه الولي الحقيقي، لا بيان للحكم.

وهل يلزم الرجوع إلى الحاكم في التصدق اقتصاراً على مورد اليقين من التصرف بمال الغير، ولأنّه الولي على مال الغائب؛ لعموم ولايته، وجعله حاكماً في الرواية، ولولايته على ما هو أشد، ولضرورة النظام القاضية بها، أو لا يلزم لإطلاق الأمر في الأخبار بالتصدق من دون اشتراط أمر آخر ؟ وهو الأقوى.

ودعوى أنّ الأمر إذن من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلاف الظاهر؛ لأن الظاهر أنّها بصدد بيان الأحكام لا بصدد الرخصة في الفعل كما فهمه بعض الأقوام.

و مصرف هذه الصدقة المساكين؛ لظهور لفظها في ذلك، ولاقتضاء استقراء مواردها القطع بذلك.

وفي جواز إعطائها الهاشميين؛ لعدم وجوبها أصالة على المتصدق من ماله عنه فليست من المفروضة الممنوع عنها، وعدمه؛ لدخولها في إطلاق المفروضة في الجملة فيشملها دليل المنع، وجهان، والوجه الأوّل.

ويجوز دفعها لواجبي النفقة للتوسعة لا للإنفاق.

والظاهر وجوب الصدقة فوراً عرفياً، ولو أخرها لا لعذر ضمن، ولو أتلف العين تصدق بالمثل أو القيمة.

وتجب الوصية بها عند ظهور أمارات الموت، فإن مات تولّى إخراجها الوصي، وكذا التصدق بها، وإلا فالحاكم.

والأحوط للوصي: تسليمها إلى الحاكم، كما أن الوارث الأحوط له ذلك أيضاً.

وإن كانت متلوفةً وقد كانت مضمونةً عليه أخرج من تركته مثلها أو قيمتها كسائر الديون، و احتمال العدم في حكم العدم.


1) تقدمت في ص 502، الهامش (4).

ولو ظهر صاحبها بعد التصدق بها، فإن أجاز الصدقة فلا كلام، وإن لم يُجز رجع بالعين ما دامت باقية.

وهل هو فسخ من حينه فالنماء للمتصدّق عليه، أو من أصله فالنماء لمالكها ؟ وجهان.

وإن كانت العين متلوفة ضمنها للمالك واحتسبت الصدقة له؛ لعموم أدلّة الضمان (1). وعلى ذلك ينزل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إمّا لك أو لأهله» (2)بمعنى أنّه لك إن لم يجز؛ لاحتساب الشارع الصدقة له قهراً، ولأهله إن أجازوا.

وحملها على المعاني الأُخر بعيد إما عن ظاهرها أو عن القواعد الفقهية، كحملها على الترديد في النية، أو على حالة الإعراض وعدمه، أو على حالة ظهورهم وعدمه.

ولو دفعها إلى الحاكم فتصدق بها الحاكم أو تلفت منه، فلا ضمان على الدافع؛ لإيصالها إلى الولي بإذن الشارع، ولا على الحاكم.

و احتمال أنّ ضمانه مع التصدّق يكون من بيت المال ضعيف.

وربما يقال بعدم الضمان مع التصدّق مطلقاً؛ لعموم نفي السبيل عن المحسنين(3)، وللأصل، ولأمر الشارع بالتصدق فلا تستعقبه غرامة.

وفي الجميع ضعف؛ لترجيح أدلة الضمان لقوتها على أدلة نفي السبيل عن أهل الإحسان وإن كان بين الدليلين عموم من وجه؛ لتنزيل الأخير منزلة القواعد العامة، فيسرع إليها ظنّ التخصيص، بخلاف دليل الضمان.

ويجري الكلام لغير تراب الصياغة ممّا شاكلها من المجتمع من خشب النجارين أو طحين الطحانين أو خِرَق الخياطين وشبه ذلك.

رابع عشرها: عدم وجوب إعادة الزيادات المتعارفة في الموازين بالنسبة إلى النقود المبيعة بعضها ببعض

رابع عشرها: لا تجب إعادة الزيادات المتعارفة في الموازين بالنسبة إلى النقود المبيعة بعضها ببعض مسكوكة أم لا، ولا يلزم ردّها، ولا يمتنع بيعها كذلك من جهة الربا، بل تملك


1) مستدرك الوسائل 17 : 88، الباب 1 من أبواب كتاب الغصب، ح 4.

2) وسائل الشيعة 18 : 202، الباب 16 من أبواب الصرف، ح 1.

3) التوبة (9) : 91.

بالعقد للمنقول إليه، كلّ ذلك للإجماع المنقول (1)، وفتوى الأصحاب، والسيرة الكاشفة عن تقرير آل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وفي الصحيح عن فضول الكيل والموازين، فقال: «إذا لم يكن تعدياً فلا بأس» (2)إلى غير ذلك من الأخبار (3).

وإن لم تكن معتادةً، حرم بيعها كذلك؛ لمكان الربا.

فإن باع كلّيّاً ودفع ما فيه زيادة بنيّة الوفاء من غير الزائد، أو باع معيناً من جملة مشتملة عليه فدفع المعين مع الزائد عليه، أو باع معيّناً فدفع معه زيادة على وجه السهو أو الجهل والنسيان ولم يقصد بيع الجميع، صح البيع في جميع ما ذكرناه.

واحتمال البطلان في الأوّل؛ لمكان تشخّص الكلّي المبيع بالفرد المدفوع فيلزم الربا، بعيد جداً.

ثم إن الزيادة المدفوعة إن كانت عن عمدٍ من الدافع، فلا إشكال على الظاهر في كونها أمانةٌ مالكية لا تُضمن إلا بتعد أو تفريط، ونقل على ذلك الاتفاق (4).

وإن كانت عن سهو منه، ففي كونها مضمونةً على القابض؛ لعموم «على اليد ما أخذت» (5)ولأنها أولى من ضمان المقبوض بالسوم، ولأنّها مقبوضة على أنّها أحد العوضين الجاري عليهما عقد المعاوضة فيتعلّق بها الضمان، وعدمه للأصل، ولكونها مقبوضةً بإذن المالك فتكون كسائر الأمانات المالكية، وللشكّ فى شمول دليل الضمان لها، ولإجمال «على اليد» فلعل المراد به الحفظ دون الضمان ولأنّ حملها على المقبوض بالسوم قياس مع عدم القطع بثبوت المقيس عليه، والمساواة ممنوعة فضلاً عن الأولوية، ولأنّ القبض على نية العوضية غير موجب للضمان بعد ظهور الخلاف، وجهان، أحوطهما الضمان؛ لعموم الخبر (6)، وتنزيله على الحفظ أو رميه بالإجمال خلاف ظاهره وظاهر ما عليه الأصحاب، ومنع الأولوية من المقبوض بالسوم في الضمان ظاهر المنع وثبوت الأصل ممّا نسلّمه (7)في محلّه إن شاء اللّه تعالى.


1) رياض المسائل 8 : 459.

2) وسائل الشيعة 18 : 87، الباب 27 من أبواب أحكام العقود، ح 3.

3) المصدر : 86، ح 1.

4) مسالك الأفهام 3 : 344.

5) راجع الهامش (6) من ص 189.

6) راجع الهامش (6) من ص 189.

7) سيأتي في ص 511.

وهل هي أمانة شرعيّة فيجب ردّها فوراً وإعلام المالك بها، أو مالكية فلا يجب إلا حفظها ؟ وجهان.

ولا يبعد الأول؛ اقتصاراً على المورد اليقيني من جواز الاستيلاء على مال الغير.

خامس عشرها: حكم ما لو ظهر في المبيع أو الثمن في الصرف وغيره من غير الجنس

خامس عشرها: لو ظهر المبيع أو الثمن المعينين في الصرف وغيره في البيع وغيره من غير الجنس بطل كلّاً إن ظهر الكلّ كذلك، وبعضاً إن ظهر البعض، ويتسلّط على الخيار؛ لمكان تبعيض الصفقة.

ولا ترجح الإشارة على الاسم ها هنا كي يصح العقد فيتسلّط المنقول إليه على الخيار كما يتسلّط عند فوات الوصف؛ لأنّ الاسم قد أخذ عنواناً في المعقود عليه ها هنا فيذهب أثر العقد بذهابه، بخلاف الوصف.

نعم، لو صالحه على شيءٍ واشترط عليه كونه الشيء الفلاني فظهر غيره وقلنا باغتفار الجهالة في عقد الصلح لكان للصحة وثبوت الخيار وجه.

ولو ظهر في المعقود عليه عيب من الجنس كسواد الفضّة وخشونتها - ثبت للمنقول إليه الخيار بين الردّ للكل، وبين الإمساك مجاناً - وفي الاحتياج معه إلى الإبراء عن الأرش وجهان - وبين الإمساك مع الأرش إذا اختلف الجنسان.

ولو اتحدا بطل أخذ الأرش حذراً من لزوم الربا في المعاوضة، مع احتمال جوازه؛ لأنّه غرامة مستقلة، وليس له تبعيض المردود؛ للزوم الضرر على المردود عليه، إلا إذا تعددت الصفقة.

وهل له التفرق في الصرف قبل أخذ الأرش فيصح له أخذ الأرش بعده ؟ الأقوى ذلك؛ لأنّ المدفوع أرشاً إما أنّه غرامة مستقلة سببها العقد على المعيب، أو العيب الكائن في أحد العوضين، أو الاطلاع عليه، أو اختياره من المنقول إليه، دون الفسخ والرد، أو المركب من اثنين أو ثلاثة، وإمّا أنّه عوض وصف فائت من أحد العوضين؛ لأن العيب مفوّت لوصف الصحّة، وإما أنّه جزء من الصحيح يسترد في مقابلة فوات جزء صوري من المعيب أو ماكان كالجزء منه، وإمّا أنّه تكملة للمعيب في مقابلة زيادة الجزء من الصحيح.

وعلى الأوّل فليس من بيع الصرف المشترط فيه التقابض قبل التفرّق، فيصح قبضه بعد التفرّق.

وكذا على الثاني؛ لأنّ المشترط فيه التقابض قبل التفرّق هو ما كان من عين أحد العوضين، لا ما كان من أعواض أوصافه وعوارضه.

وعلى الثالث فاسترداد جزء من الصحيح ليس من المعاوضة في شيءٍ فضلاً عن أن يكون بيعاً أو يدخل في البيع، فيصح القبض أيضاً بعد التفرق فيه، ويلزم بطلانه لو كان ربوياً ابتداء. وعلى الرابع فإن أريد كونه تكملة للمعيب أنّه جبر لفوات الوصف منه وليس في الصحيح زيادة حقيقية، فلا إشكال أيضاً في جواز أخذه بعد التفرّق؛ لأنّه ليس من الصرف في شيء، إلا أنّه لا يخلو من إشكال من جهة الربا.

وإن أُريد أن في الصحيح زيادة حقيقية وفي المعيب نقصان حقيقي، كان لعدم جواز أخذ الأرش بعد التفرّق وجه إلّا أنّ الأصل فيه ممنوع؛ ضرورة أنّ الصحيح يقابل المعيب على طريق التمامية من غير حاجةٍ إلى هبة الزيادة في الصحيح لمن انتقل إليه ممن انتقل إليه المعيب إذا رضي به مجاناً، وأنّ التصرف لا يحرم ممّن انتقل إليه الصحيح فيه لمكان الشركة، وأنّه لا يحتاج من انتقل إليه الصحيح إلى إبراء ممّن انتقل إليه المعيب، وأنّه لا يفتقر عند أخذ الأرش إلى بيان قدر الزائد فراراً من الجهالة في المعاوضة التابعة للبيع، وأنّه لا تفسد المعاوضة في الصحيح بالمعيب لمكان الربا في متساوي الجنس، وأنّه لا يجري حكم بيع الحيوان والثمار عليه لو كان الأرش على عيب فيهما، ولا حكم المنافع أو أعواضها لو كان المعيب والصحيح منهما، ولا حكم الصرف فيما لو كان المبيع غير نقد ولكن كان ثمنه نقداً؛ لانصراف الأرش للنقد، فيكون بيع نقد بنقد إلى غير ذلك من اللوازم القاضية بعدم كون الأرش جزءاً من الصحيح، وعدم كونه تكملة للمعيب، وعدم دخوله في عقد المعاوضة ابتداء، وعدم كونه من أركانها وإن سببه العقد على المعيب بنفسه أو بواسطة الاختيار. مع احتمال أن الاختيار له هو المثبت دون الرد أو العفو عنه، وأنّ العقد إنما سبب أمراً كلّيّاً وهو التخيير بينه وبين الرد.

ودعوى أن الاختيار كاشف عن أن ابتداء تعلّقه قد كان وقت العقد، فإن أُريد تخييراً فممكن، وإن أريد عيناً فممنوع، والحكم به تحكم.

ويظهر من بعض أصحابنا أنّ المشتري إن أخذ الأرش من جنس السليم من النقدين بعد

التفرّق بطل أخذه (1)لأنّ السليم قابل المعيب وأرشه، فإذا تفرّقا بطل فيما قابل الأرش، فلا يصح أخذ الأرش بعد التفرّق؛ لأنّ أخذه من السليم كاشف عن إرادة مقابلة الصحيح للمعيب وأرشه، وإن أخذه من غير السليم صح؛ لانكشاف إرادة مقابلة نفس الصحيح بنفس المعيب، ويكون الأرش في مقابلة فوات وصف الصحّة.

ويظهر من بعض آخر أنّه إن أخذ الأرش من جنس النقدين بعد التفرّق بطل؛ لدخوله في بيع نقد بنقد، وإن أخذه من غير جنسهما صحّ (2)لأنّه يكون صرفاً وغيره، فالصرف ما حصل به التقابض قبل التفرّق، وغيره ما حصل به ذلك بعده.

وفي كلّ منهما نظر ظاهر.

أما الأوّل: فلأن الفرق بين الأخذ من السليم والأخذ من المعيب بعد أن كان كلّ منهما من النقد الممنوع من التفرّق قبل التقابض فيه ليس له وجه معلوم ولا أمر مفهوم.

وأما الثاني : فيرد عليه أوّلاً: أنّه خلاف ما صرحوا به من أن الأرش جزء من الثمن، وظاهرهم أنّه جزء من الصحيح. وثانياً : أنّه يستلزم الرجوع إلى غير النقدين في الغرامات المالية، والقاعدة تقضي بالرجوع إليهما سيّما فيما يتعلق بهما، وحينئذٍ فالرجوع إلى غيرهما معاوضة جديدة على النقد الثابت بالذمة، والمفروض أنّه قد بطل بالتفرّق فتبطل المعاوضة عليه.

إلا أن يقال: إن الثابت وإن كان هو النقد لكنّه لم يتعيّن إلّا باختيار الأرش، فابتداء تعلّقه بالذمة هو اختيار الأرش، فلو أخذ عوضه في مجلس الاختيار قبل التفرّق عنه صح.

ولكنه أيضاً لا يتم للزومه؛ لجواز أخذه من النقدين كذلك أولاً، ولمنع كون المثبت للأرش هو نفس الاختيار ثانياً، بل المثبت له نفس العقد أو هو مع الاختيار. نعم، قد يكون الاختيار معيناً للأرش بعد ثبوته كلّيّاً مخيّراً بينه وبين الردّ، وهو أمر غير الإثبات به ابتداء، ولخروجه عن بيع الصرف الممنوع فيه التفرّق قبل القبض على أي تقدير ثالثاً.

هذا كله إن كان العوضان معيّنين، وإن كانا كلّيّين أو أحدهما، فإن خرجا من غير الجنس بطل الصرف فيهما وكان لهما إبدالهما قبل التفرّق، فإن تفرّقا قبل الإبدال بطل الصرف، ولو رضيا كان معاوضةً جديدة على كلّ حالٍ.


1) هو صريح العلّامة الحلي في قواعد الأحكام 2 : 39.

2) هو أيضاً صريح العلامة الحلّي في تحرير الأحكام الشرعيَّة 2 : 317، الرقم 3216.

وإن خرج فيهما عيب من الجنس كان لهما الرضى بالمعيب؛ لأنّه فرد من الكلي، وكان لهما فسخ الفرد والمطالبة بالفرد الصحيح؛ لبقاء موجب العقد على الكلي وإن تعلّق الفسخ بفرديّة المعيب له؛ لأنّه بمنزلة معاوضة ثانية.

وهل له فسخ أصل العقد؛ لانصباب الكلّي على الفرد واتحاده به فيتسلّط على فسخه فيكون فسخاً للعقد من أصله، أو ليس له ذلك؛ لأنّ قبض الفرد عن الكلي بمنزلة معاوضة جديدة، فلا يقضي فسخ الفرد بانفساخ الكلّي، ولا يؤدي إلى جوازه ؟ وهذا هو الأقوى.

ودعوى أنّ الكلّي نفس الفرد؛ لانصبابه عليه واتحاده،به، ممنوعة؛ ضرورة أن المعقود عليه نفس الكلي لا الفرد، وإلا لزم تعلّق البيع بالمعدوم أو بما لا يملكه العاقد، فيكون من باب الفضولي، أو من باب مَنْ باع شيئاً ثمّ مَلَكه، وكلاهما بعيد عن مذاق الفقهاء والفقاهة.

وكان لهما الرضى بالمعيب مجاناً مع تساوي الجنس حذراً من لزوم الربا، والرضى به مع الأرش مع الاختلاف.

ولو دفع البائع الصحيح عن المعيب وأرشه، ففي وجوب قبوله على المشتري وانتفاء لزوم الأرش على البائع قوّة.

هذا كله إن لم يتفرّقا، فإن تفرّقا ففي جواز أخذ الأرش وعدمه وجهان، أقواهما الجواز كما تقدم.

وفي جواز فسخ الفرد وأخذ البدل وجهان أيضاً ينشآن: من صحّة المعاوضة الأولى بقبض فردها وعدم المانع من فسخها، بمعنى فسخ فردها المعيب ثانياً من جهة حصول العيب في الفرد، ومتى فسخ الفرد عاد الحقّ إلى الذمة سليماً؛ لبقاء الكلّي ببقاء موجب العقد الأوَّل، فيجوز العمل بمقتضاه، وهو قبض الفرد الصحيح عن الكلّي المعقود عليه ابتداء، وكون الأوّل عوضاً في المعاوضة لا ينافي عوضيّة غيره عند انفساخ عوضيته، ومن أن الإبدال يقتضي عدم الرضى بالمقبوض أوّلاً، فيتعيّن المقبوض ثانياً للفرديّة، وقد حصل التفرّق قبله فيفسد، وأن جواز الإبدال يستلزم عدمه؛ لأنّ ردّ الأوّل يرفع تعيّن المبيع فيه، وهو لازم لعدم كون المردود مبيعاً، فإذا حصل التفرّق قبل قبض بدله فقد حصل التفرّق قبل قبض المبيع في الصرف، فإنّ الردّ کاشف عن عدم صحّة المعاوضة ابتداءً وعدم تعيّن المقبوض فيبطل الصرف فيه، والأول أقوى.

وفي جميع الوجوه إلا الوجه الأخير نظر ظاهر يُعلم ممّا قدمناه من أن الفرد ليس هو نفس الكلي ولا منصب عليه، فيجوز فسخ فرديته له وبقاء الكلّي مورداً للعقد فيقوم مقامه فرد آخر.

وعلى جواز أخذ البدل بعد التفرّق فهل يشترط فيه كونه في مجلس الرد؛ لرجوع الصرف إلى كلّيين لم يحصل التقابض في فرديهما، فيلزم فيهما التقابض قبل التفرّق، والتفرق الأوّل لا أثر له في البطلان لمصادفته لتمامية اجتماع أجزاء العقد وشرائطه، وعند عوده إلى ما كان قبل القبض عاد له نقصان الشرط، فعاد له اشتراط إتمامه وهو عدم التفرّق قبل القبض أو لا يشترط لصحة العقد بحصول القبض أوّلاً، والردّ والإبدال ليس بمعاوضةٍ جديدة ولا عين المعاوضة الأولى، بل حكم شرعيّ جاء بسبب العيب الحادث حالة العقد، فيكفي في صحّة الصرف حصول القبض الأوَّل، وردّ المعيب وأخذ بدله حكم حادث لم يدل دليل على اشتراط التقابض فيه في مجلس واحد ؟ وجهان، والأوّل أقوى.

ويظهر ضعف الأخير مما قدمناه من أنّ الردّ فسخ للفردية فيعود الكلّي مورداً للعقد، فلا بد من التقابض في فرده، وليس من الأحكام الشرعيَّة المسببة عن العقد والخارجة عن موارده، ولا من معاوضات الأفراد صحيحها بمعيبها كي يلزم التقابض في المعيب أيضاً بالنسبة إلى المردود إليه قبل التفرّق، بل يجوز تقبيض الصحيح والتفرّق قبل قبض المبيع ممن هو في يده.

سادس عشرها: حكم ما لو تلف أحد العوضين من النقدين أو كلّ منهما ثم ظهر من غير الجنس

سادس عشرها: لو تلف أحد العوضين من النقدين أو كلّ منهما فظهر من غير الجنس بعد ذلك، ضمنه القابض له بمثله أو قيمته؛ لعموم دليل الضمان (1)، ولأن ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده، ولأنّه أولى من ضمان المقبوض بالسوم. وإن ظهر معيباً بعد ذلك، كان له الأرش إن كان غير متحد الجنس.

وهل له الفسخ فيدفع مثله أو قيمته ويرجع بثمنه؛ استصحاباً للخيار، ولحديث لا ضرار (2)،


1) راجع الهامش (1) من ص 505.

2) راجع الهامش (1) من ص 194.

أو ليس له؛ لضمان العيب الحادث على المشتري فيبطل الردّ به فالتلف أولى، ولانقطاع الاستصحاب بتغير الموضوع، ولعدم جواز جبر الضرر بالضرر ؟ والأخير أقوى، فليس للمشتري حينئذٍ سوى الأرش، ومع اتحاد الجنس فلا ردّ ولا أرش.

سابع عشرها: في أنّه يجوز لمن عليه نقد لآخر وكذا للآخر عليه نقد لصاحبه أن يتبايعا ما في ذممهما نقداً بنقد

سابع عشرها: يجوز لمن عليه نقد لآخر وكذا للآخر عليه نقد لصاحبه أن يتبايعا ما في ذممهما نقداً بنقد، ولا يفتقر إلى إفرازهما والتوكيل من كلّ منهما في قبض ماله، بل يكفي كونهما في ذممهما؛ لأنّ ما في الذمة بمنزلة المقبوض.

نعم، لا يبعد الاحتياج إلى تجديد نية القبض لما في ذمّة كلّ منهما مع الإذن من صاحبه، وهو أحوط. وفي صحيحة عبيد بن زرارة (1)ما يدلّ على جواز ذلك، ومع ذلك فالحكم به لا يخلو من إشكال؛ لأنّه بيع دين بدين والأظهر منعه فلتُحمل الرواية على الصلح وشبهه.

ويجوز أيضاً من غير إشكال بيع الدين على مَنْ هو عليه بنقد فيقبضه قبل التفرّق، ويكفي في قبض الدين كونه في ذمته؛ لكونه بمنزلة المقبوض وفي الأخبار (2)ما يدلّ بإطلاقه على جواز ذلك.

ويكفي البيع على مَنْ عنده الأمانة من النقدين - ولو كانت في داره دون يده - بنقد آخر وقبضه منه، ولا يفتقر إلى تقبيض الأمانة جديداً.

نعم، لا يبعد الافتقار إلى الإذن في القبض من المالك وتجديد النية ممن عنده الأمانة.


1) وسائل الشيعة 18 : 175، الباب 4 من أبواب الصرف، ح 3.

2) راجع المصدر : 172، الباب 3 من أبواب الصرف، ح 201.

القول في بيع الثمار

إشارة:

وهي ثمرة النخل والشجر،حقيقةً، وقد يدخل في اسمها الخضر، وقد يلحق بها إلحاقاً كما يلحق بها أحكام الزرع والبقول وغيرهما.

وإضافة البيع إليها بمعنى اللام، وخصت الثمار - كما خص الحيوان والنقدان بانفرادها - لتعلّق أحكام خاصة بها دون سائر المبيعات.

والكلام فيه يقع في أُمور:

أحدها: عدم صحة بيع المعدوم من الثمار مع عدم وجود أصله. مع عدم وجود أصله ومادته مطلقا

أحدها: لا يصح بيع المعدوم من الثمار مع عدم وجود أصله ومادته مطلقاً؛ للإجماع وظواهر الأخبار (1)، وللشك في شمول أدلة العقود وإطلاق أدلة البيوع له؛ لأنّ الظاهر كون البيع مقتضياً للملك حين صدور العقد، فهو صفة وجودية تقتضي محلّاً موجوداً، وهو حين العقد محال؛ لعدم تعلّق الموجود بالمعدوم، وتأخره إلى حين الوجود فيتعلّق به بعده منافٍ لظاهر إطلاق العقد ومشروعية وضعه كتاباً (2)وسنّةً (3)بل وإجماعاً؛ وللزوم الضرر المنهي عنه (4)في كلّ العقود أو في خصوص البيع؛ ضرورة أن غرر المعدوم أقوى من غرر الموجود الغير معلوم.

وفي جواز الصلح على مثل ذلك وجهان، ينشآن من عموم دليله (5)فيملك بعد وجوده، أو يملك إن يملك، ومن الشك في انصرافه لمثل هذه الصورة، وعموم النهي عن الغرر مطلقاً كما في بعض الأخبار (6).


1) وسائل الشيعة 18 : 212 - 214، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 7، 1009.

2) البقرة (2) : 275 : المائدة (5) : 1.

3) وسائل الشيعة 17 : 83، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

4) راجع الهامش (1) من ص 194.

5) النساء (4) : 128؛ وسائل الشيعة 18 : 443. الباب 3 من أبواب كتاب الصلح، ح 1.

6) الذي عثرنا عليه في وسائل الشيعة 17 : 448، الباب 40 من أبواب آداب التجارة، ح 3، هو النهي عن بيع الغرر.

وأما مع وجود أصله ومادته من شجرة أو بذر أو عرق فالظاهر جواز الصلح عليه مطلقاً ؛ لعموم دليله (1)، وارتفاع الغرر في الجملة، وعدم جواز بيعه سنةً واحدة مع عدم الضميمة إليه، سواء في ذلك ثمرة النخل وغيره.

والمراد بالعام الواحد الثمرة الواحدة وإن خرجت في أقل من عام.

وذلك لما قدمناه، وللإجماعات المستفيضة النقل (2)بل الإجماع المحصل، وللشهرة المحققة.

ولجملة من الأخبار الدالّة عليه فحوى، كالأخبار الناهية عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح،

ومنها: «لا تشتر النخل حولاً واحداً حتّى يطعم، وإن شئت أن تبتاعه سنتين فافعل» (3).

ومنها: «إذا بيع الحائط فيه النخل والشجر سنة واحدة فلا يباعن حتّى تبلغ ثمرته» (4).

ومنها: «الصحيح لا تباع الثمرة حتّى يبدو صلاحها» (5).

والموثق عن الفاكهة، قال: «إذا كانت فاكهة كثيرة في موضع واحد فأطعم بعضها فقد حلّ بيع الفاكهة كلّها، فإذا كان نوعاً واحداً فلا يحل بيعه حتّى يطعم» (6).

ومنها: الصحيح: «إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعاً» (7).

ومنها: الخبر: عن بيع الثمرة قبل أن تدرك، فقال: «إذا كان في تلك الأرض بيع له غلّة قد أدركت فبيع ذلك [ كلّه ] حلال» (8).

والدالة صريحاً، كالخبر المعتبر عن بيع الثمرة هل يصلح [ شراؤها ] قبل أن يخرج طلعها ؟ قال: «لا، إلا أن يشتري معها غيرها رطبة أو بقلاً - قال: - فإن لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقلة» (9).


1) النساء (4) : 128؛ وسائل الشيعة 18: 443، الباب 3 من أبواب كتاب الصلح، ح 1.

2) السرائر 2 : 359؛ مختلف الشيعة 5 : 223، المسألة 192؛ غاية المرام 2 : 91.

3) وسائل الشيعة 18 : 213، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 9.

4) المصدر : 212 - 213، ج 7.

5) المصدر : 211، ح 4.

6) المصدر : 218، الباب 2 من أبواب بيع الثمار، ح 5.

7) المصدر : 217، الباب 2 من أبواب بيع الثمار، ح 1.

8) المصدر، ج 2، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

9) المصدر : 219، الباب 3 من أبواب بيع الثمار، ج 1، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

وفي آخر: عن بيع النخل أيحل إذا كان زهواً ؟ قال: «إذا استبان البسر من الشيص (1)حلّ بيعه وشراؤه» وعن السلم في النخل قبل أن يطلع، قال: «لا يصلح السلم في النخل» وعن شراء النخل سنة واحدة أيصلح ؟ قال: «لا يشترى حتّى يبلغ» (2).

وفي ثالث: عن شراء النخل، فقال: «كان أبي يكره شراء النخل قبل أن تطلع [ ثمرة ] السنة ولكن السنتين والثلاث وعن الرجل يبتاع النخل والفاكهة قبل أن يطلع فيشتري سنتين أو ثلاث سنين أو أربعاً، قال: «لا بأس إنّما يكره شراء سنة واحدة قبل أن يطلع مخافة الآفة حتّى يستبين» (3)إلى غير ذلك.

وبمعونة ضمّ الأخبار بعضاً إلى بعض وفتوى الأصحاب [ يستفاد ] إرادة الحرمة من لفظ الكراهة.

وذهب بعض أصحابنا (4)إلى كراهة بيع الثمار سنةً واحدة مع عدم وجودها؛ لبعض الأخبار الدالة على ذلك، فمنها ما تقدَّم الآن من الخبر المشتمل على لفظ الكراهة.

ومنها ما ورد عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): إذا تبايع الناس بالنخل فقعد النخل ذلك العام، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «أما إذا فعلوا فلا تشتروا النخل العام حتّى يطلع فيه شيء، ولم يحرمه» (5).

ومنها: «أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لمّا رآهم لا يدعون [ الخصومة ] نهاهم عن ذلك البيع حتّى تبلغ الثمرة، ولم يحرمه، ولكن إنّما فعل ذلك من أجل خصومتهم» (6).

وربما يستند لعمومات أدلّة البيوع (7).

وفي الجميع ضعف.

أما الأخير: فلمنع ثبوت عموم شامل للمقام على وجه التحقيق، وليس إلا الإطلاق، وهو منصرف لغيره قطعاً، ولو سلمنا العموم فهو مخصوص بما تقدَّم من الأدلّة.


1) الشيص : التمر الذي لا يشتد نواه، وإنما يتشيّص إذا لم تُلقح النخل الصحاح 3 : 1044، «ش ي ص».

2) وسائل الشيعة 18 : 216 - 218، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 17، 18، 22.

3) المصدر : 213، ج 8، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

4) هو الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام 7 : 88، ذيل الحديث 375؛ والاستبصار 3 : 88، ذيل الحديث 301.

5) وسائل الشيعة 18 : 209 - 210، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 1.

6) المصدر : 210، ج 2، وما بين المعقوفين أضفناء من المصدر.

7) راجع الهامش (2 و 3) من ص 513.

وأمّا الأخبار الأول: فهي شاذة فتوى وعملاً، وما نُسب (1)للشيخ من الفتوى بها (2)غير معلوم؛ إذ لعلّ حكمه بالكراهة كان لمجرد الجمع بين الأخبار، كما هي قاعدته في كثير من المواضع، أو كان الحكم بالكراهة متعلّقاً بما ظهر قبل بدو صلاحه، كما تشعر به عبارته بعد ضم بعضها إلى بعض كما قيل (3)ولو نسب إليه الأصحاب الحكم بالكراهة بهذا دون ذلك.

وعلى كلّ حال، فهذه الأخبار لا تقاوم الأدلّة المتقدّمة المحكمة المعتضدة بما ذكرناه، على أنّ الخبر الأوّل محتمل لإرادة الحرمة من لفظ الكراهة بمعونة فتوى الأصحاب، كما يستعمل كثيراً في الأخبار، أو لإرادة بدو الصلاح من لفظ «يطلع» و «يستبين» وهو وإن بَعد إلا أنّه لا بأس في الجمع المقدم على الطرح، والأخيرين أيضاً محتملان لإرادة بدو الصلاح من لفظ «يطلع» و «يبلغ» بل هو ظاهر من الأخير.

ثانيها: حكم بيع الثمار مع الضميمة سنةً واحدةً

ثانيها: في جواز بيعه سنةً واحدة مع الضميمة قولان:

المنع؛ لإطلاق الأخبار المانعة (4)والإجماعات المنقولة (5)المعتضدة بالشهرة المحصلة والمنقولة (6).

والجواز؛ للموثقة المتقدّمة (7)الدالة عليه مع ضميمة الرطبة والبقل، ولإشعار جملة من الروايات (8)- في تصحيح الضمائم لما هو ممنوع من حيثية الجهالة، أو عدم القدرة على التسليم، أو غير ذلك - بذلك.

وقد يفرّق بين التابعة والمعادلة وبين المتبوعة فيصح في الأخير؛ للاقتصار على مورد اليقين، ولإشعار الموثقة بذلك، حيث علل ذلك بصيرورة رأس مال المشتري فيها، دون الأوّلين فيفسد؛ أخذاً بالأخبار المانعة وكلام الأصحاب.


1) الناسب هو العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 221، المسألة 191.

2) راجع الهامش (4) من ص 515.

3) القائل هو الطباطبائي في رياض المسائل 8:9.

4) راجع الهوامش (3 - 6) من ص 514.

5) راجع الهامش (2) من ص 514.

6) مسالك الأفهام 3: 353.

7) تقدمت في ص 514.

8) وسائل الشيعة 18 : 219، الباب 3 من أبواب بيع الثمار.

وهل يصح بيع المعدوم إذا كان ممّا يتجدد في تلك السنة بانضمامه إلى الموجود؛ قضاء للسيرة، ولدليل نفي الحرج (1)، أو لا يصح؛ لاختصاص جواز ضمّ المعدوم في السنة اللاحقة للموجود في السنة السابقة دون غيرها ؟

والحق هو البناء على الأوَّل، كما اختاره العلّامة (رَحمهُ اللّه) (2)وغيره (3).

ثالثها: حكم بيع الثمر أزيد من عام واحد بمعنى أزيد من ثمرة واحدة

ثالثها: وفي جواز بيعه أزيد من عام واحد بمعنى أزيد من ثمرة واحدة قولان:

المنع؛ لما قدمنا من القاعدة، وللإجماع المنقول (4)، والشهرة المحصلة والمنقولة بلفظ الأشهر والأكثر (5).

ولإطلاق الموثقة (6)المانعة مطلقاً إلا مع الضميمة، ومفهوم المعتبرة: «فإذا أثمرت فابتعها أربعة أعوام إن شئت مع ذلك العام أو أكثر من ذلك أو أقلّ» (7).

والجواز، ونُسب (8)للصدوق (رَحمهُ اللّه) (9)والعلّامة في بعض كتبه (10)للأصل والعمومات.

والصحيح - بعد الحكم بكراهة السنة الواحدة - قال: «ولكنّ السنتين والثلاث كأن يقول: إن لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الأخرى» وعن الرجل يبتاع النخل والفاكهة قبل أن يطلع فيشتري سنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، فقال: «لا بأس» (11).

وللصحيح المجوّز للبيع قبل البلوغ ثلاث سنين (12).


1) الحج (22) : 78.

2) تذكرة الفقهاء 363:10، المسألة 170.

3) الحدائق الناضرة 19: 331.

4) السرائر 2 : 359 - 360.

5) رياض المسائل 9: 9 مفاتيح الشرائع 3: 55 مفتاح 903.

6) راجع ص 513 الهامش (6).

7) وسائل الشيعة 18 : 214، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 12.

8) الناسب هو العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 223، المسألة 192؛ والبحراني في الحدائق الناضرة 19: 331.

9) المقنع : 366.

10) تذكرة الفقهاء 10: 363، المسألة 170.

11) راجع الهامش (3) من ص 515.

12) وسائل الشيعة 18 : 210، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 2.

وللمعتبرين الناصين على المنع في الحول الواحد قبل أن يطعم (1)، المشعر بجوازه فيما فوقه.

وفي الجميع نظر للزوم تخصيص الأصل والعموم بما قدمنا من الأدلّة، ولضعف الأخبار عن المقاومة لما تقدّم، فلا بد من طرحها، أو حملها على التقيّة، أو حمل الطلوع في الأوّل على بدو الصلاح، ويكون المراد بقوله: «إن لم يحمل» إن خاست (2).

وربما يستأنس له بملاحظة الصحيح المشترط في نفي البأس عن الشراء ثلاث سنين كونه قبل البلوغ الظاهر في بدو الصلاح، وجعله المعيار له دون غيره، مع تضمّن صدره تعليل الجواز بأنّه «إن لم يخرج في هذه السنة أُخرج من قابل» (3)ولو كان المعيار هو الظهور لكان عدم تبديله بالبلوغ أولى.

ومما ذكر يظهر الجواب عنه وعمّا بعده من حيث جعلهما المعيار في الجواز مع تعدد السنين والمنع مع الاتحاد هو ما قبل الإطعام الظاهر في بدو الصلاح، كما يشهد به كلام أهل اللغة (4)، حيث فسروه بالإطعام.

ونقل عن بعض المتأخرين جواز بيع الثمار قبل ظهورها بشرط القطع (5).

وتردّه الأخبار السابقة والإجماعات المنقولة وعدم دليل يدلّ عليه.

ويظهر مما ذكرنا - من عدم جواز البيع مطلقاً مع كلّ واحدٍ من الأمور المذكورة - عدم جوازه مع اجتماع الأمور المتقدّمة من الضميمة وما فوق الواحدة ومع اشتراط القطع؛ لحصول المانع، وعدم وجود دليل يدلّ على الجواز.

رابعها: جواز بیع ما بدا صلاحه بلا شرط

رابعها: لا يشترط فيما بدا صلاحه شيء مما تقدم، بل يجوز بيعه بلا شرط؛ للأخبار (6)عموماً وخصوصاً، وللإجماع محصلاً ومنقولاً (7)، ولا يتفاوت الحال بين اشتراط القطع وعدمه،


1) وسائل الشيعة 18 : 213 و 214، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ج 9، 10.

2) خاس الشيء : تغيّر وفسد لسان العرب 6 : 74، «خ يس».

3) راجع الهامش (12) من ص 517.

4) منهم : الجوهري في الصحاح 4 : 1975. «طع م».

5) الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 3: 56. مفتاح 903.

6) وسائل الشيعة 18 : 209، الباب 1 من أبواب بيع الثمار.

7) السرائر 2 : 361 رياض المسائل 9 : 24.

ولا جهالة فيه؛ لأنّه ممّا يباع جزافاً قبل القطع، ويرتفع الغرر عنه بمجرد الرؤية والخرص، وجهالة مدة المكث في رؤوس النخل والشجر غير ضارّة؛ لعدم باعثيّتها على الضرر والغرر عرفاً، ولكونها مستفادةً تبعاً ولم يتعلّق العقد بها أصالةً، فيغتفر فيها ما لا يغتفر فيما تعلّق به أصالة، ولأن بقاءها المدة الحاكمة بها العادة والقاضي بها العرف بمنزلة المعلوم كما هو معلوم.

والمراد ببدو الصلاح في النخل في النصوص والفتاوى هو الاحمرار والاصفرار الطبيعيين على ما هو المشهور نقلاً (1)بل تحصيلاً، وربما نُسب (2)الأصحابنا، ويلحق بهما باقي الألوان من الاخضرار والسواد تنقيحاً للعلة.

ويدل على أن المراد ببدو الصلاح ذلك كثير من النصوص ظهوراً في بعض، كالتعبير عنه بالإطعام في بعض (3)، والبلوغ في بعض (4)، والإدراك في ثالث (5)، وصريحاً في آخر، كالتعبير بـ«الزهو» في الخبرين (6)المفسّر فيهما وفي كلام أهل اللغة (7): بالتلوّن أو الاحمرار والاصفرار، والتعبير بـ «التشقيح» في خبر آخر المفسّر فيه بالاحمرار والاصفرار (8)، فيحمل الظاهر الأوّل على النصّ الصريح؛ لقوته وانجباره بفتوى المشهور، ويكون التعبير عن التلوّن بغيره إما مجازاً باعتبار علاقة المقاربة، وإمّا مستعمل في معناه، فيُفهم منه التلوّن لمكان التلازم، بناءً على وقوع تلك الأمور مصاحبة للتلوّن دفعةً.

وقد يحتمل أن بدو الصلاح عبارة عن وصوله إلى حالة معنوية وهي البلوغ والإدراك، ولكن تنبعث عنها تلك الأمور من الإطعام والتلوّن والزهو، ويكون التعبير عنه بتلك الأمور لبيان علائمه.

ويحتمل أنّ كلّ واحدٍ ممّا هو مذكور في الأخبار يصدق عليه بدو الصلاح، فأيها سبق تحقق بدو الصلاح به، إلا أن الأوجه ما ذكرناه أولاً.


1) جامع المقاصد 4 : 161 - 162.

2) الناسب هو الشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 114.

3) وسائل الشيعة 18 : 213، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 9.

4) المصدر : 210، ح 2.

5) المصدر : 217، الباب 2 من أبواب بيع الثمار، ح 1، 2.

6) المصدر : 211 و 212، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ج 3، 5.

7) منهم : الجوهري في الصحاح 6 : 2369 - 2370؛ وابن منظور في لسان العرب 14: 363 «ز ها».

8) صحيح البخاري 2 : 0766 ح 2084: صحیح مسلم 3 : 1175، ح 84؛ سنن أبي داود 3 : 253، ح 3370.

والمراد ببدو الصلاح في غير النخل هو انعقاد الحب - كما نُسب (1)للمشهور - وإن كان في غطاء، وهو كمام الثمرة، أو كمامين كالجوز واللوز.

وقد يُفسر بتناثر الزهر والورد كما نُسب (2)للمشهور أو لمشهور المتأخرين، ودلّ عليه الخبر في [ ثمر ] الشجر: «لا بأس بشرائها إذا صلحت ثمرته» فقيل له: وما صلاح ثمرته؟ فقال: «إذا عقد بعد سقوط ورده» (3)أو تلوّن الثمرة، أو صفاء لونها، أو انعقاد الحضرم في مثل العنب، أو الحلاوة وطيب الأكل في مثل التفاح، أو النضج في مثل البطيخ، أو تناهي عظم بعضه في مثل القنّاء؛ للأخبار المعلّقة للبيع على الإدراك (4)، أو البلوغ (5)أو الطعم (6)أو انعقاد العنب حصرماً (7).

والأقوى الوسط؛ للعمومات وفتوى المشهور والأصول والقواعد، ويُنزّل ما دلّ على البلوغ والإدراك والتلوّن على الاستحباب، أو على إرادة الظهور وانعقاد الحب من جميع تلك الألفاظ، لعلاقة المقاربة ونحوها.

ونقل عن بعضهم أن بدو الصلاح عبارة عن الأمن من حصول الفساد وعروض الآفة (8)للخبر في بيع الثمر، فقال: «لا، حتّى تثمر وتأمن ثمرتها من الآفة» (9)ونحوه غيره (10).

وعن بعضهم أنّه عبارة عمّا طلعت عليه الثريا (11)لرواية عامية (12).

وكلاهما ضعيفان شاذان لا يقاومان ما دلّت عليه الأخبار المعتضدة بالشهرة والإجماع المنقول، فتنزيلها على المشهور أولى وأرجح، وإلا فلتطرح.


1) الناسب هو الشهيد في غاية المراد 2 : 45.

2) الناسب هو السيوري في التنقيح الرائع 2 : 107.

3) وسائل الشيعة 18 : 214 - 215، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ج 13، وما بين المعقوفين أضفناء من المصدر.

4) راجع الهامش (5) من ص 519.

5) راجع الهامش (4) من ص 519.

6) راجع الهامش (3) من ص 519.

7) وسائل الشيعة 18 : 212، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 6.

8) المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 46؛ والعلّامة الحلّي في إرشاد الأذهان 1: 363.

9) وسائل الشيعة،18 : 214، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 12.

10) سنن أبي داؤد 3 : 252، ح 3368.

11) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 88، المسألة 143 عن بعض الناس.

12) مسند أحمد 2 : 133، ح 4992.

خامسها: جواز بيع ثمر النخل وغيره بعد الظهور مع انضمام شيء إليها

خامسها: يجوز بيع ثمر النخل وغيره بعد الظهور مع انضمام شيء إليها تابعاً أو متبوعاً، ولكن بحيث يجوز بيعه منفرداً ومع اشتراط القطع في الحال وإن لم يقطع بعد تراضيهما على اشتراطه، أو مع البيع أزيد من سنة، أو مع الجميع بلا خلاف منقول (1)بل الإجماع محصل عليه، وللأخبار العامة (2)والأصول والقواعد من غير معارض سوى ما يتوهم من إطلاق الأخبار المانعة، وهو ضعيف؛ لانصرافها لغير ما جمع أحد الأمور المذكورة.

مضافاً إلى ما ورد من جواز البيع مع الضميمة قبل الظهور(3)، فيسري لما بعده بالطريق الأولى إن جوّزنا الأولوية مع عدم ثبوت حكم الأصل، وإن أريد بالطلوع بدو الصلاح كان نصاً في المطلوب، وإلى ما ورد من جواز البيع سنتين قبل البلوغ كما في بعضها (4)، أو الطلوع كما في آخر (5)، أو بشرط القطع كما في ثالث على ما قيل(6).

والأظهر الاشتراط في اشتراط القطع هو كونه مما ينتفع به بعده في العادة، وإلا عُد سفهاً عرفاً.

ولا يلحق بالمجمع عليه بيع الثمرة على مالك الأصل، أو بيع الأصل مع استثناء الثمرة؛ لعدم دليل عليه في الأوَّل، وعدم دخوله في بيع الثمار في الثاني.

نعم، لو بيعت الثمرة مع الأصل، كان من موارد الإجماع؛ لدخوله في الضميمة. وأما بيع الثمرة بعد الظهور قبل بدو الصلاح بدون أحد الأمور المذكورة ففيه قولان: المنع؛ للإجماع المنقول (7)وفتوى المشهور ولاحتمال الضرر، وخوف النزاع والشقاق؛ لأن المقصود بالأصالة معدوم فيشبه بيع المعدوم.

وللأخبار الخاصة المتكثّرة، كالصحيح: «لا تباع الثمرة حتّى يبدو صلاحها» (8).


1) جواهر الكلام 24 : 77.

2) راجع وسائل الشيعة 17 : 83، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

3) المصدر 18 : 219، الباب 3 من أبواب بيع الثمار.

4) المصدر : 212 - 213، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 7 و 8.

5) راجع الهامش (5) من ص 515.

6) كما في رياض المسائل 16:9.

7) غنية النزوع 212:1.

8) راجع الهامش (5) من ص 514.

والموثق عن الفاكهة متى يحلّ بيعها ؟ قال: «إذا كانت فاكهة كثيرة في موضع واحد فأطعم بعضها فقد حلّ بيع الفاكهة كلّها» (1).

والمرسل: «إذا كان في تلك الأرض بيع له غلّة قد أدركت فبيع ذلك [كله ] حلال» (2).

والصحيح: «إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعاً» (3).

والخبر فى النخل وفيه البسر الأخضر، قال: «لا، حتّى يزهو» قلت: وما الزهو ؟ قال: «حتى يتلوّن» (4).

والخبر أيضاً: «لا تشتره حتّى يتبين صلاحه» (5).

والآخر: عن شراء النخل: «لا يشترى حتّى يبلغ» (6).

والآخر أيضاً: «نهى أن تباع الثمار حتّى تزهو» (7).

والآخر أيضاً : حتّى يزهو قلت وما الزهو ؟ قال: «يحمر ويصفر» (8).

إلى غير ذلك مما دلّ على أنّ المجوّز للبيع هو بدو الصلاح وإن اختلف التعبير عنه بلوازمه.

والجواز على كراهية؛ للأصل وعمومات الأدلّة، ولجواز بيع الخضر والفواكه قبل التلوّن وبدو الصلاح، والظاهر اتحادهما في الحكم.

ولخصوص الصحيح المصرّح بالكراهة في بيعها عاماً واحداً قبل ظهورها (9)، وظاهر

الكراهة هى لا الكراهة المصطلحة بقرينة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخبر الآخر: «فنهاهم عن ذلك ولم يحرمه» (10).

وهذا القول الأخير ضعيف لا يقاوم الأوّل؛ لقوته عليه، والأصل مقطوع، والعمومات


1) راجع الهامش (6) من ص 514.

2) راجع الهامش (8) من ص 514.

3) راجع الهامش (7) من ص 514.

4) وسائل الشيعة 18 : 212، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 5.

5) راجع الهامش (3) من ص 520.

6) وسائل الشيعة 18 : 217، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 22.

7) المصدر : 215، ح 14.

8) المصدر : 211. ح 3.

9) راجع الهامش (3) من ص 515.

10) راجع الهامش (6) من ص 515.

مخصصة، والخبر متروك الظاهر إن أُريد من الطلوع مجرد الظهور، ومحمول على إرادة الحرمة من لفظ الكراهة؛ جمعاً بينه وبين ظواهر باقي الأخبار ومشهور الأصحاب إن أُريد من الطلوع البلوغ.

و ما جعل قرينةً على إرادة الكراهة بالمعنى المصطلح محمول على البيع سنتين بقرينة أن الممنوع منه عند العامة هو ذلك.

والقول بالتفصيل بين السلامة إلى أوان البلوغ فالصحّة على وجه الكشف أو النقل، وبين عدمها فالفساد على وجه الكشف أو النقل خال عن الدليل وشاذ بين الأصحاب، ومعارض للأدلة المتقدّمة، فلا يلتفت إليه.

سادسها: فيما لو أدرك بعض ثمرة النخلة أو بعض ثمرة بستان واحد جاز بيعها أجمع

سادسها: لو أدرك بعض ثمرة النخلة أو بعض ثمرة بستان واحد جاز بيعها أجمع، اتحد جنس ما أدرك مع ما لم يدرك أم اختلف؛ للإجماع بقسميه (1)على الظاهر، ولمكان الضميمة المتقدم حكمها.

وللأخبار، ومنها: «إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعاً» (2)ومنها: «إذا كان في تلك الأرض بيع له غلّة قد أدركت فبيع ذلك كله حلال» (3).

والظاهر عدم التفاوت بين أن يكون ما أدرك مقصوداً أصالة أو تبعاً أو معادلاً؛ لإطلاق النصّ والفتوى، ولقضاء العموم بجواز بيع ما لم يدرك كما أدرك، خرج عنه المجرّد عن الضميمة وبقي الباقي.

نعم، يشترط كون الضميمة مما يتموّل عادةً ويقابل بعوض عرفاً.

والأظهر جواز ضم ثمرة بستان آخر لم يدرك إلى بعض ثمرة بستان قد أدرك مع الاتحاد والاختلاف؛ تمسكاً بالأصل وقاعدة الجواز، مع عدم المعارض من غرر وجهالة محققين، سوى الأخبار المانعة عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح (4)، وهي منصرفة بحكم التبادر لغير ما ضم إليه ضميمة من ثمر مدرك أو غيره.

واحتمال المنع؛ تمسكاً بإطلاق أخبار المنع خرج منها ضميمة البستان الواحد وبقي


1) مسالك الأفهام 3: 356؛ رياض المسائل 9 : 21.

2) راجع الهامش (7) من ص 514.

3) راجع الهامش (8) من ص 514.

4) راجع الهامش (3 - 6) من ص 514.

الباقي، وللموثق: «إذا كانت فاكهة كثيرة في موضع واحد فأطعم بعضها فقد حلّ بيع الفاكهة كلّها» وفيه: «وإن كان أنواعاً متفرّقة فلا يباع منها شيء حتّى يطعم كلّ نوع منها واحدة» (1)لا يخلو من ضعفٍ؛ لانصراف أدلّة المنع لما ذكرنا، ولضعف الموثقة سنداً ودلالة؛ لاشتمالها على ما لا نقول به من اشتراط اتحاد الأنواع، فلا تقاوم ما قدمناه من إطلاق الروايتين المتقدمتين القاضي ثانيهما بالجواز مطلقاً ولو مع تعدد البستان.

سابعها: عدم الفرق بين ثمر النخل وغيره من ثمر الشجر أو الخضر في المنع من بیعه قبل ظهوره

سابعها: ظهر مما ذكرناه في مطاوي المباحث المتقدّمة أنّه لا فرق بين ثمر النخل وغيره من ثمر الشجر بل والخضر في الأحكام المتقدّمة من المنع من بيعه قبل ظهوره مطلقاً، ومن جوازه بعد بدو صلاحه مطلقاً، ومن عدم جوازه ما بين الظهور وبدو الصلاح إلا مع اجتماع أحد الأمور المتقدّمة، فلو خلا من أحدها لم يجز بيعه، إلا أن الفرق بينهما إنما يتحقق فيما يتحقق به بدوّ الصلاح في غير النخل، فإن قلنا بتحققه بالظهور نفسه لم تتحقق حينئذٍ واسطة بينهما يتحقق بها المنع من بيعه إلا مع اجتماع أحد الأمور المتقدّمة. وإن قلنا: إنّه انعقاد الحبّ وسقوط الورد - كما هو الأظهر والأحوط - تحققت الواسطة وجرى الكلام السابق. وإن قلنا: إنّ بدو الصلاح أمر وراء ذلك من البلوغ والإطعام والتموه والزهو والتلوّن والنضج وتناهي عظم بعضه - كما يُفهم من كلام بعض أصحابنا (2)، وتشعر بجملة منها جملة من رواياتنا (3)- تحققت الواسطة البعيدة، إلا أنّ في جريان الحكم السابق عليه لو سُلّم نظراً وتأمّلاً، وذلك لاختصاص الكثير من الروايات المانعة من بيع الثمرة قبل بدو الصلاح على ذلك النحو بثمر النخل، واختصاص فتوى الفقهاء بالمنع، وما نُسب لمشهورهم بها أيضاً، وحينئذٍ فتسريته لغيرها - مع ضعف الروايات الحاكمة بالعموم، ومع فتوى المشهور على خلاف ذلك؛ لتصريحهم بجواز البيع في غير ثمر النخل بمجرّد الظهور كما في كلام بعض (4)أو بمجرد انعقاد الحبّ وتناثر الورد كما في كلام بعض آخر (5)، ومع عمومات الأدلّة القاضية


1) راجع الهامش (6) من ص 514.

2) الشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 114.

3) راجع ص 519، الهامش (3 - 5).

4) المحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 46؛ والعلامة الحلي في قواعد الأحكام 2 : 33.

5) الشيخ الطوسي في النهاية : 414: وابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 361.

بجواز البيع مطلقاً وكذا الأصول والقواعد - لا وجه لها، وبعيدة عن الصواب، فليحمل ما دلّ على تسرية الحكم وتساويه من الأخبار على الاستحباب، لا على جهة الإيجاب.

فظهر ممّا ذكرنا جواز بيع الخضر وما شابهها بعد ظهورها وانعقادها مطلقاً، ولا يفتقر فيها إلى تناثر الورد؛ لورود الرواية به في ثمرة الشجر (1)، ولا يجوز بيعها قبل ظهورها مطلقاً، ظهرت الأصول أم لا، ظهر الورد فيها أم لا، إلا إذا كانت الثمرة هي نفس الورد، كلّ ذلك لأدلة نفي الضرر والغرر (2)، ولزوم بيع المعدوم، ولا تضر جهالة الثمرة ما دامت في الكمام؛ لأصالة الصحّة وابتناء بيعها على ذلك، كبيع فأرة المسك.

ثامنها: جواز بيع حب الزرع بعد ظهوره وبيع الزرع نفسه وبيعه بعد ظهوره

ثامنها: يجوز بيع حبّ الزرع بعد ظهوره مطلقاً؛ لعموم الأدلّة، وأصالة عدم اشتراطه بما اشترطنا به بيع الثمر، ولا يجوز قبله؛ لما قدمنا من الأدلّة المانعة.

ويجوز بيع الزرع نفسه ولو كان تحت الأرض في وجه قوي، وأما الصلح عليه فلا إشكال فيه، وقبل خروجه من البذر لا يصح بيعه. وفي جواز الصلح عليه وجه.

ويجوز بيعه بعد ظهوره سنبلاً أم لا، انعقد فيه الحب أم لا، دخل بيع الحبّ فيه أم لا، اشترط قطعه أم لا، قائماً أو حصيداً، متفرّقاً أو كديساً، بيدراً أو مديساً، مفصولاً من التبن أو مختلطاً، مستوراً حبّه أو ظاهراً، إلى غير ذلك. إلّا أنّه مع الانفصال عن التبن يعود إلى حكم المكيل والموزون، كلّ ذلك لعموم الأدلّة جنساً ونوعاً، ولفتوى الأصحاب.

ولأخبار الباب النافية للبأس عن شراء الزرع الأخضر في الصحيحين، وفي أحدهما: «حتّى تحصده إن شئت أو تعلفه قبل أن يسنبل وهو حشيش» (3)وفي ثالث: «إن شئت تركته حتّى تحصده وإن شئت بعته حشيشاً» (4)، وفي رابع: عن بيع حصيد الحنطة والشعير وسائر الحصائد، قال: «حلال بيعه فليبعه بما شاء» (5)إلى غير ذلك من الأخبار (6).


1) راجع الهامش (3) من ص 520.

2) راجع الهامش (3) من ص 151 والهامش (1) من ص 264.

3) وسائل الشيعة 18 : 234، الباب 11 من أبواب بيع الثمار، ح 1، 2.

4) المصدر : 235، ح 6.

5) المصدر 25 : 423، الباب 9 من أبواب كتاب إحياء الموات، ح 2.

6) المصدر 18 : 236، الباب 11 من أبواب بيع الثمار، ح 7.

وعن المقنع اشتراط بيع الزرع سنبلاً أو كونه للقصيل (1)، للخبر: عن الحنطة والشعير أشتري زرعه قبل أن يسنبل وهو حشيش ؟ قال: «لا، إلا أن يشتريه لقصيل يعلفه الدواب ثمّ يتركه إن شاء حتّى يسنبل» (2).

وهو ضعيف؛ لضعف سنده و شذوذه، فلا يقاوم ما تقدم.

وما ورد في الموثق: «لا تشتر الزرع ما لم يسنبل، فإذا كنت تشتري أصله فلا بأس» (3)یراد به الحب قبل ظهوره كما هو ظاهر سياقه.

وظاهر النصوص والفتاوى هو استحقاق المشتري الصبر على البائع في إبقائه إلى أوان قطعه، أطلق أو اشترط، ما لم يشترط القطع، ولا تضر الجهالة؛ لعدم الغرر عرفاً لمكان العادة، ولكون ذلك من التوابع العقدية أو الأحكام الشرعيَّة، فلا يلزم فيها العلم بكل وجه.

إلا أنّه قد ورد في الموثق عن شراء القصيل: «إن كان اشترط عليه الإبقاء حين اشتراه إن شاء [قطعه] قصيلاً، وإن شاء تركه كما هو حتّى يكون سنبلاً، وإلا فلا ينبغي له أن يتركه حتّى يسنبل» (4)، وهو منافٍ لما قدمناه، فلا بد من حمله على الكراهة أو استحباب القطع كما يشعر به لفظ «لا ينبغي».

وحمله على شرائه بشرط القصل بعيد عن سياقه، ولا دلالة في شرائه قصيلاً على ذلك؛ للفرق بين شرائه قصيلاً وشرائه بشرط القصل.

تاسعها: عدم جواز بيع الخضر قبل ظهورها وجوازه بعده

تاسعها: لا يجوز بيع الخضر قبل ظهورها، ويجوز بعده على وجه الإطلاق على الأظهر، فإن كان مما يلتقط جاز بيعه لقطة ولقطات متعدّدة، ولكن يشترط علم العدد فيها، وإن كان مما يجز جاز بيعه - كالرطبة ونحوها، وهو نبت خاص - جزة وجزات، وإن كان مما يخرط جاز بيعه كذلك خرطة وخرطات - كالحنّاء ونحوها - مع ضبط العدد في ذلك كله، ويكون المعدوم منها بمنزلة المعدوم في الثمار يسوغ بيعه بانضمامه إلى الموجود حالة البيع، ولا يتفاوت


1) المقنع 392.

2) وسائل الشيعة 18 : 237، الباب 11 من أبواب بيع الثمار، ح 10.

3) المصدر : 220، الباب 3 من أبواب بيع الثمار، ح 3.

4) راجع الهامش (2).

بين كون المتجددة من جنس الخارجة أم من غيره، والمرجع في اللقطة إلى العرف، فما دلّ على صلاحيته للقطع يقطع، وما دلّ على عدمه لصغره أو شكّ فيه بقي إلى أن يصلح للقطع إن دخل في البيع عرفاً، وإن اختص البيع بما يُقطع عرفاً حين العقد بقي ما لم يصلح للقطع على ملك مالكه كلّ ذلك للإجماع، والأخبار الخاصة، فمنها عن ورق الشجر هل يصلح شراؤه ثلاث خرطات أو أربع خرطات، قال: «إذا رأيت الورق في شجر فاشتر ما شئت منه من خرطة» (1)ومنها غير ذلك.

ولا يجوز بيعها خرطات أو جزات ونحوها قبل ظهور الأولى، ولا بيع الخرطات المتأخرة من دون ضميمة الخرطة الموجودة إليها في البيع؛ لمكان الغرر والضرر، ولأنّه بيع معدوم.

خلافاً لمن جوّز ذلك(2)، وهو محجوج بما قدمناه.

وما ورد في الموثق عن الرطبة يبيعها هذه الجزة وكذا وكذا جزة بعدها، قال: «لا بأس به» قال: «كان أبي يبيع الحنّاء كذا وكذا خرطة» (3)محمول على ما ذكرنا، بل ظاهره ذلك، فلا يصلح الاستناد إليه في مخالفة ما قدمناه.

والأحوط اشتراط قابلية الخرط والجز للخرطة الأولى والجزة الأولى ونحوها.

ولو اختلطت خرطات المشتري مع خرطات البائع ولم يمكن التمييز، فالصلح الاختياري أو القهري، والقرعة على احتمال.

ولو وقع النزاع في دخول شيءٍ من مال البائع في مال المشتري، كان القول قول المشتري.

عاشرها: في بيان حق المارّة

عاشرها: إذا مر مار بثمرة النخل والفواكه جاز له أن يأكل منها ما لم يضر بها ويقصد، كأن يأكل منها كثيراً بحيث يؤثر فيها أثراً بيناً فيحصل مسمّى الإضرار عرفاً وهو يختلف بكثرة الثمرة وقلتها وكثرة المارّة وقلّتها، وذلك لفتوى المشهور نقلاً (4)، بل تحصيلاً، وللإجماعات المنقولة (5).


1) وسائل الشيعة 18 : 221، الباب 4 من أبواب بيع الثمار، ح 2.

2) حكاه الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 28 عن ظاهر ابن حمزة: راجع الوسيلة : 253.

3) وسائل الشيعة 18 : 221، الباب 4 من أبواب بيع الثمار، ح 3.

4) كفاية الفقه 1 : 512.

5) الخلاف 6 : 98، المسألة 28 السرائر 3: 126.

والأخبار المستفيضة المنجبرة بفتوى المشهور.

ومنها: المرسل كالصحيح عن الرجل يمر بالنخل والسنبل والثمرة، أفيجوز له أن يأكل منها من غير إذن صاحبها في ضرورة أو من غير ضرورة ؟ قال: «لا بأس» (1).

ومنها: عن الرجل يمرّ بالبستان وقد حيط عليه أو لم يحط، هل يجوز له أن يأكل من ثمره وليس يحمله على الأكل من ثمره إلّا الشهوة له وله ما يغنيه عن الأكل من ثمره ؟ وهل له أن يأكل من جوع ؟ قال: «لا بأس أن يأكل، ولا يحمله ولا يفسده» (2).

ومنها: أمر بالثمرة فآكل منها ؟ قال: «كُل ولا تحمل» (3).

ومنها: لا بأس أن يمرّ على الثمرة ويأكل منها ولا يفسد» (4).

وألحق بثمرة النخل والشجر الزرعُ والخضر؛ لعموم الأدلّة، وربما نُسب (5)للمشهور، ونُقل عليه الإجماع (6)أيضاً. وتردّد في الإلحاق قوم آخرون (7).

وعلى الجواز فلا ضمان على الأكل قطعاً؛ لظاهر نفي البأس في الأخبار، ولظاهر الإذن الشرعيَّة فيه من دون ذكر الضمان في مقام البيان في الأخبار.

نعم، لو أفسد ضمن ما حصل [به] الإفساد مع ضمان الكل، واحتمال أنّه إن نوى في الابتداء الإفساد حرم عليه الكلّ وضمنه وإن لم يَنْوِ وحصل بالعارض ضمن ما حصل به الفساد وحرم، وهذا هو الأقوى، بل لو نوى الإفساد ابتداءً حرم عليه التصرف وضمن ما أكله وإن لم يتحقق به الإفساد على الأظهر.

ولما كان الحكم مخالفاً للقواعد لزم الاقتصار على المورد اليقيني من الأخبار وفتاوى الأخيار، فلا يحل له إلا أن يكون المرور اتفاقيّاً لا بقصد الأكل كما يظهر من الأخبار (8).


1) وسائل الشيعة 18 : 226 - 227، الباب 8 من أبواب بيع الثمار، ح 3.

2) المصدر : 227، ح 5.

3) المصدر، ح 4.

4) المصدر : 229 - 230، ح 12.

5) الناسب هو السبزواري في كفاية الفقه 1 : 512.

6) راجع مفتاح الكرامة 4 : 125.

7) منهم المحقق الحلّي في المختصر النافع : 216.

8) راجع الهامش (1 - 4).

ولا أن يكون القصد مشتركاً بين الأكل والمرور، وأن يكون المقصد ما فوق مكان الثمرة كما يظهر من لفظ المرور، ولا يكون المقصد بمكانها، وإلا فلا يحلّ، وأن لا يعلم نهى المالك بل ولا يظنّه، وإنّما يظنّ الرخصة أو يشكّ فيها، وأن تكون الثمرة على الشجرة وما شابهها، فلو اقتطعت لم يحلّ، وأن لا يحمل منها شيئاً ليخرج به فيأكل ما حمله. نعم، لو أكل فحمل حلّ له الأكل وحرم الحمل وضمنه، وأن يكون الأكل مسلماً إذا كان صاحب الثمرة كذلك في وجه، وأن يكون مكان الثمرة له باب الدخول والخروج أو بغير حائط، فلو كان محيطاً عليه وقد سدت بابه فلا يجوز أن ينزو الحائط، ولا ينافي ذلك الخبر المتقدم (1)، وأن لا يأكل زائداً عن شبعه، وأن لا ينوب غيره منابه، وأن لا يفسد قبل الأكل فيحرم بعده، ويضمن في وجه، وأن لا يعلم حصول الإفساد بأكله قبل أكله بكسر غصن أو قلع زرع أو إتلافه، ولو أكل كذلك ضمن.

ولو أكل فحصل الإفساد بأكله قهراً، ففي ضمانه لما أكل ولما أفسده وجه توافقه القواعد.

ولو تعدّدت المارة فحصل الإفساد بالأخير حرم عليه دون الأولين، ولو حصل الإفساد بمجموعهم دون انفرادهم، اقترعوا بينهم مع المشاحة، ولو دخل الجميع فأكلوا ضمن الجميع.

والأحوط المنع على الإطلاق؛ لقضاء العقل والنقل (2)بحرمة التصرّف بمال الغير والجور والسرقة والخيانة، ولتأدية ذلك إلى اضمحلال أموال الناس من الثمار الموضوعة في الطرق، واضمحلال الأخماس والزكوات الحاصلة منها.

ولبعض الأخبار الخاصة، ومنها الصحيح عن الرجل يمرّ بالثمرة من الزرع والنخل والكرم والشجر والمباطخ وغير ذلك من الثمر، أيحل له أن يتناول منه شيئاً ويأكل بغير إذن صاحبه ؟ وكيف حاله إن نهاه صاحب الثمرة ؟ وكم الحد الذي يسعه أن يتناول منه ؟ قال: «لا يحلّ له أن يأخذ منه شيئاً» (3).

ومنها: المرسل: فيمن يمرّ بالسنبل فيأخذ منه ؟ قال: «لا» وقال: «لو كان كلّ مَنْ يمرّ يأخذ سنبلة كان لا يبقى شيء» (4).


1) تقدَّم في ص 528 الهامش (2).

2) المائدة (5) : 38؛ الأنفال (8) : 58: وسائل الشيعة 14 : 572، آخر الباب 90 من أبواب المزار.

3) وسائل الشيعة 18 : 228، الباب 8 من أبواب بيع الثمار، ح 7.

4) المصدر : 227 - 228، ح 6.

وهذه وإن أمكن حملها على الكراهة أو الإفساد أو حالة القطع بعدم الرضى إلا أنّها بضميمة الأصول والقواعد وبضميمة التوقف من تخصيص أدلّة المنع بأخبار الجواز يكون الاحتياط التام التجنّب عن أموال الناس في هذا المقام.

نعم، لو حصلت الإذن الفحوائية ممّا يفيد الظنّ بها عادة - من وضعها في الطريق وعدم التسوّر والتحفظ عليها، وعدم جعل ناطور لها، وغير ذلك مما يفيد المظنة بالرخصة كوضع الأبيات للضيوف والدور الخارجة للمستطرقين - وكان الاذن ممّن له أهلية الإذن، فجواز الأكل مع الشرائط المتقدّمة لا بأس به.

حادي عشرها حرمة المحاقلة والمزابنة وتفسيرهما

حادي عشرها: المحاقلة، وهي بيع ثمرة النخل مطلقاً بثمر مطلق منه، أو مطلقاً كما في بعض الأخبار (1)، أو بيع السنبل بحبّ منه أو مطلقاً كما في بعض الأخبار (2)، وعبّر به الفقهاء الأخيار، والمزابنة هي الأوّل على ما في بعض الأخبار (3)وعبّر به الفقهاء الأخيار، أو الثاني على ما في بعض آخر من الأخبار (4)، ولا يبعد صحّة إطلاق كلّ منهما على كلّ منهما؛ جمعاً بين ما في الأخبار وما فسره به الأصحاب.

وعلى كلّ حال فهما محرَّمان نصاً (5)وفتوى وإجماعاً إذا كان عوض ثمر النخل ثمراً منه، أو كان عوض السنبل حبّاً منه حنطة أو غيرها.

والظاهر عدم الفرق بين أن يكون العوض تمراً أو غيره من ثمر النخل؛ لظاهر الفتوى والإجماع المنقول (6)، وإن اختص ذكر التمر في الأخبار (7)دون غيره، وهو إما منزل على الغالب أو على إطلاق التمر على سائر ثمرة النخل.


1) وسائل الشيعة 18 : 239، الباب 13 من أبواب بيع الثمار، ح 2.

2) المصدر : 240، ح 5.

3) المصدر ذيل الحديث 5.

4) راجع الهامش (1).

5) وسائل الشيعة 18 : 239، الباب 13 من أبواب بيع الثمار.

6) لم نتحقّقه.

7) وسائل الشيعة 18 : 239 - 240، الباب 13 من أبواب بيع الثمار، ح 1، 2، 5.

وكذا لا فرق في السنبل بين الحنطة وغيرها، وإن ظهر من كثير من الأخبار (1)تخصيص الحنطة.

وكذا يراد بالزرع في الأخبار (2)هو السنبل؛ لأنّه قبله حشيش يباع بكل شيء.

وأما إذا كان عوض الثمر ثمراً أو تمراً من غيره، وعوض السنبل حبّاً من غيره مجانساً له ففي دخولهما في اسم المزابنة والمحاقلة وتحريمهما، أو تحريمهما وإن لم يدخلا في اسمهما، أو عدم دخولهما وعدم تحريمهما قولان: الأول؛ للإجماع المنقول (3)، والشهرة المنقولة (4)والأخبار (5)المعتبرة الدالة على أنّهما بيع الزرع وهو في سنبله بالبر، وبيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر، والخبر الآمر بشراء الزرع بالورق معلّلاً بأنّ أصله [ طعام ](6)المشعر بعدم جواز بيعه بطعام، والخبر: «في العرية للرجل تكون في دار رجل آخر فيجوز له أن يبيعها بخرصها تمراً ولا يجوز ذلك في غيره» (7)وهو نص في المطلوب ولو منعنا بيع العرية بتمر منها، وهذا القول هو الأقوى.

ولو باع الثمر بتمر واشترط كونه منها فهل يدخل في المتفق على منعه أو في المختلف فيه ؟ وجهان.

والقول الثاني؛ استناداً للأصل والعمومات، وهي مخصصة بما ذكرنا.

وللأخبار الدالة على الجواز، ومنها: «لا بأس أن يشتري زرعاً قد سنبل وبلغ بحنطة» (8).

وفيه ضعف عن مقاومة ما قدّمنا، مع شموله لما أجمع على خلافه من البيع بحب منه، فحمله على اختلاف الجنس أولى.

ومنها: عن بيع حصائد الحنطة والشعير وسائر الحصائد ؟ قال: «فليبعه بما شاء» (9).


1) وسائل الشيعة 18 : 239، الباب 13 من أبواب بيع الثمار، ح 201.

2) المصدر : 239 و 240، ح 1، 5.

3) رياض المسائل 9 : 32.

4) رياض المسائل 9 : 32.

5) منها : ما في وسائل الشيعة 18 : 240 الباب 13 من أبواب بيع الثمار، ح 5.

6) المصدر : 238، الباب 12 من أبواب بيع الثمار، ج 3، 4، وما بين المعقوفين من المصدر.

7) المصدر : 241، الباب 14 من أبواب بيع الثمار، ح 1.

8) المصدر : 237. الباب 12 من أبواب بيع الثمار، ح 1.

9) تقدَّم تخريجه في الهامش (5) من ص 525.

وفيه - مع ضعف سنده و شموله للمُجمع على منعه - : اختصاصه بالحصائد وهي غير الزرع، فلعلنا نجوزه فيها دون الزرع.

والحق عدم جوازه مطلقاً، فيكون من قبيل العام المخصوص.

ومنها: عن رجل اشترى [من رجل] أرضاً على أن يعطيه من الأرض؟ قال: «حرام» قلت: جعلت فداك فإنّي أشتري منه الأرض بكيل معلوم وحنطة من غيرها ؟ قال: «لا بأس» (1).

وفيه - مع ما قدمنا - : أنّ مورده بيع الأرض لا الزرع، والتجوز فيها عنه لا داعي إليه.

ومنها: في رجل قال لآخر : بعني ثمرة نخلك هذا الذي فيها بقفيزين من تمر أو أكثر أو أقل، يُسمّى ما شاء فباعه، فقال: «لا بأس به». وقال: «التمر والبسر من نخلة واحدة لا بأس به» (2).

وفيه: أنّه - وإن صح سنده - قد اشتمل على ما أجمع على بطلانه، سيّما مع التصريح في آخره به، وذلك ممّا يوهنه ويضعفه عن مقاومة ما قدمناه من الأدلّة.

ومنها: «في رجل كان له على رجل خمسة عشر وسقاً من تمر وكان له نخل، فقال له: خُذ ما في نخلي بتمرك، فأبى، فأتى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فبعث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال له: خُذْ ما في نخله بتمرك» (3)الحديث.

وفيه ضعف سنداً ودلالةً؛ لعدم التصريح به بالبيع، فلعله كان وفاءً أو صلحاً، ولا شكّ أنّ الممنوع منه في النصّ والفتوى هو البيع دون غيره، كما أنّ الممنوع منه هو ثمرة النخل والزرع دون باقي ثمرات الأشجار، وما لم يُسم زرعاً له سنبل كالبقول والخضروات ونحوها، إلا أن يجيء المنع من جهة اتحاد العوض والمعوّض فيما لو كان البيع بشيءٍ منه، وهو خلاف قواعد المعاوضة.

وأما احتمال أن المانع من ذلك هو لزوم الربا بين المتجانسين، أو المانع هو بيع الرطب باليابس فيما كان أحدهما رطباً وكان الآخر يابساً ؛ قضاءً للعلة في منع بيع الرطب بالتمر، فهو مردود بما تقدَّم في باب الربا من أنّ الممنوع منه في باب الربا وفي باب بيع الرطب باليابس هو ما كان مقدّراً بالكيل والوزن فعلاً، ولا شكّ أنّ الثمرة على الشجرة والحبّ على الأصول لا يدخله التقدير بوجه من الوجوه.


1) وسائل الشيعة 18 : 237 - 238، الباب 12 من أبواب بيع الثمار، ح 2.

2) المصدر : 223 الباب 6 من أبواب بيع الثمار، ح 1.

3) المصدر : 224، ح 3.

ثاني عشرها: جواز العرية

ثاني عشرها: يستثنى من حكم المزابنة العرية بالنصّ والإجماع، فيجوز شراؤها بخرصها تمراً، أي بقدرها المخروص.

وفي المعتبرة: «رخص رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في العرايا بأن تشتريها بخرصها تمراً» (1).

والقدر المتيقن جوازه من النصوص والفتاوى: أنّ العريّة هي النخلة - دون غيرها من الأشجار - الواحدة دون المتعدّدة، كالكائنة في غير دار المالك فيشتريها صاحب الدار من المالك، وهل يشترط ملك الأصل مع الثمرة، أو يكفي ملك ثمرتها لصاحبها ؟ وجهان، ولا يبعد الأخير، وأن يكون بخرصها دون ما زاد وما نقص تمراً دون غيره، وأن يكون التمر من غيرها لا منها.

والأقوى تعدية الحكم للبستان؛ لظاهر فتوى الأصحاب، والإجماع المنقول (2)في الباب، وإطلاق بعض الأخبار (3)، ولما نُقل (4)، عن أهل اللغة من العموم لذلك، ويلحق بالبستان الخان ونحوه؛ لبعض ما ذكرنا.

وكذا الأقوى تعديته لغير مالك عين الدار من المستأجر وشبهه؛ لبعض ما ذكرنا، وتنقيحاً للعلة. وفي تعديته للشجر إشكال.

ولا يشترط فيها مطابقة ثمرتها جافة لثمنها في الواقع، بل يكفي المطابقة في ظنّ الخارص، كما هو المفهوم من النصّ والفتوى فلو زادت عند الجفاف عليه أو نقصت عنه لم يقدح في الصحّة، خلافاً لمن اعتبر المطابقة، وعليه فيحرم التصرّف بالنخلة بالأكل ونحوه قبل الاستعلام وهو خلاف ظاهر الأدلّة.

وكذا لا يشترط فيها التقابض في المجلس، خلافاً لمن اشترطه، وهو ضعيف.

وهل يشترط المماثلة بين ثمرة النخلة عند صيرورتها تمراً وبين التمر الذي هو ثمنها، أو المماثلة بين ما عليها رطباً وبين التمر؛ وذلك لاستلزام عدمه بيع الرطب بالتمر متساوياً وهو ممنوع، أو لا يشترط؛ لإطلاق النص، ولأن الممنوع يشترط؛ لإطلاق النص، ولأنّ الممنوع منه هو المقدر كيلاً ووزناً، لا ما كان


1) وسائل الشيعة 18 : 241، الباب 14 من أبواب بيع الثمار، ح 1.

2) غنية النزوع 1 : 226.

3) وسائل الشيعة 18 : 241، الباب 14 من أبواب بيع الثمار، ح 2.

4) الناقل هو الشهيد في الدروس الشرعيَّة 3 : 238.

على رؤوس النخل ؟ والأخير هو الأقوى، إلّا أنّ الأوّل نُسب للأكثر (1)بل للكل(2)، فالتعدي عما هم عليه مشكل.

وهل بيع جزء مشاع منها كبيع كلّها، تنقيحاً للمناط، أو لا اقتصاراً على المنصوص ؟ وهل يشترط اتحاد صاحب الدار ؟ الظاهر ذلك. وهل يشترط حلول الثمن ؟ ظاهر الأصحاب ذلك.

ولا يجوز بيع ما زاد على الواحدة؛ لظهور الحكم في الواحدة.

وهل يجوز بيعها بتمر منها ؟ الظاهر عدم الجواز؛ أخذاً بالقواعد من لزوم تغاير الثمن والمثمن، ونُسب للأصحاب(3).

ثالث عشرها : حكم ما إذا كان بين اثنين أو جماعة ثمرة نخل أو شجر فتقبل أحدهما بحصة صاحبه بثمن معلوم القدر منها أو من غيرها

ثالث عشرها: إذا كان بين اثنين أو جماعة ثمرة نخل أو ثمرة شجر، ملكا الأصول معها أم لا - وألحق بهما الزرع، ولا يخلو من كلام - فتقبل أحدهما بحصة صاحبه بثمن معلوم القدر منها أو من غيرها، جاز؛ لفتوى المشهور، وظاهر الاتفاق المحصل والمنقول (4)، عدا الشاذ الذي لا يُعتد به، كابن إدريس (5).

وللأخبار، ومنها: عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول أحدهما لصاحبه: اختر إما أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا - كيلاً مسمّى - وتعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص، وإما أن آخذه أنا بذلك وأردّ عليك، قال: «لا بأس بذلك» (6).

ومنها: ما روي عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنّه قبل أهل خيبر ثمارهم كذلك (7).

والحكم لا إشكال فيه، إنما الإشكال أنّ العقد بذلك النحو هل هو بيع مستثنى من حكم المزابنة والمحاقلة، أو صلح مستثنى من لزوم تغاير الثمن والمثمن لو لزم ذلك في الصلح، ومستثنى من حرمة الربا لو قلنا بجريانه في مثل هذا المقام، أو معاملة جديدة جاء بها الدليل؟


1) كما في رياض المسائل 9 : 39.

2) نسبه إلى ظاهر الكلّ الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 39.

3) نسبه إلى أكثر الأصحاب الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 39.

4) رياض المسائل 9 : 43.

5) السرائر 2 : 371 – 372.

6) وسائل الشيعة 18 : 231 - 232، الباب 10 من أبواب بيع الثمار، ح 1.

7) المصدر : 232، ح 2.

والأظهر الثالث؛ لأنّه الظاهر من أخبارها، ولأنّ الحكم بالاستثناء متوقف على التصريح بما يستثنى من حكم التحريم الثابت بالسنة والإجماع، وليس فليس.

وعلى ما اخترناه فالظاهر أنّه عقد لازم؛ لأنّ الأصل في العقود المشكوك فيها ذلك، ويفتقر إلى صيغة جامعة كـ «قبلتك» وشبهها وإن خلت عنها الأخبار، ويصح فيها المعاطاة فيكفي أي قول دلّ على ذلك، وعلى الاكتفاء بذلك تحمل الأخبار من حيث خلوها عن ذكر الصيغة.

ويجوز أن يجعل الثمن نفس الثمرة المعينة منها، ويجوز جعله كلياً، ويشترط أن يؤدي منها، ويجوز جعله كلياً بلا شرط.

وعلى الأخير فيلتزم القابل بالثمن، تلفت الثمرة كلّاً أم بعضاً أم بقيت، زادت على ما تقبل أو نقصت.

وعلى الأوّلين يلتزم القابل بالثمن نقصت أو زادت فالنقصان عليه والزيادة له إن كان النقصان والزيادة لخطا في الخرص وإن كان النقصان لتلفٍ سماوي فإن تلفت رأساً فلا شيء على القابل، وإن تلف بعضها نقص من الثمن بحسابه.

وتوجيه ذلك هو أنّه لما كان العوض من المعوّض به وقد رضي به المقبل فقد رضي بكون حقه في العين لا في الذمة، فإذا تلف من دون تفريط احتاج انتقاله إلى الذمة إلى دليل، وليس فليس.

وقد يفرق بين ما إذا كان الثمن من نفس العين فلا شيء عليه، وبين ما كان كلياً ولكن اشترط تأديته من نفس العين فيلتزم به، وهو وجيه.

فظهر مما ذكرنا ضعف ما أورده ابن إدريس على أصل الحكم بأن هذا التقبيل إن كان بيعاً فسد؛ لأنّه مزابنة، وإن كان صلحاً فسد؛ لمكان الغرر، لكون العوض من نفس الثمرة، وإن كان في الذمة لزم، سواء بقيت الثمرة أو تلفت (1).

والجواب: أنّها معاملة خاصة، أو بيع مستثنى بالدليل، أو صلح مغتفر فيه الغرر؛ للدليل. وإذا تلف من المعوّض شيء لزم تلف بعض العوض لمكان الإشاعة بينهما، وإذا لم يتحقق ضمانه لم يجب أداء شيءٍ منه.

رابع عشرها: حكم ما لو اشترى ثمرة أو زرعاً بشرط القطع

رابع عشرها: لو اشترى ثمرة أو زرعاً بشرط القطع أو قضت العادة بقطعه، وجب على


1) راجع الهامش (5) من ص 534.

المشتري قطعه، فإن لم يفعل تولّى البائع قطعه بعد الاستئذان من الحاكم أو بدونه، والأوّل أحوط إن أمكن الرجوع إلى الحاكم، وإلا فلا إشكال في جواز تولّي القطع بنفسه، وله أُجرة المثل على بقائه زائداً على المدة إذا لم ينو التبرع، وله أرش فساد الأرض إن حصل ببقائه فيها، ويرجع إليه بأجرة حمله ونقله.

ولو لم يشترط القطع أو تجري العادة به فليس للبائع تكليف مشتري الثمرة بقطعها، كما أنّه ليس لمشتري الأصول تكليف البائع بقطع الثمرة، بل يلزم عليهما إبقاؤها إلى حين قطعها عادة؛ قضاء للشرط الضمني والحكم الشرعي، ولا يترتب عليه فساد من جهة الجهالة؛ للعلم به في الجملة، ولأنّه من الشرائط الضمنية فلا يعتبر فيها العلم تفصيلاً، ولأنّه من الأحكام الشرعيَّة التابعة للمعاوضة بعد وقوعها صحيحة، وليس من أركان المعاوضة ولا داخلة فيها، فلا تؤثر الجهالة فيها ضرراً.

ولو اضطربت العادة في الرجوع إليها فالأغلب، ومع التساوي لزم التعيين.

فإن أطلق احتمل البطلان، واحتمل التنزيل على أقلّ المراتب؛ لأنّه المتيقن، واحتمل على أعلاها صيانةً لمال المشتري، واحتمل على أوسطها، واحتمل القرعة، على ضعف في الأخيرين. ولو اختلف البائع والمشتري في الوقت، رجعا لأهل الخبرة، فإن اختلفوا رجعا إلى الأعدل ثم الأكثر، ثمّ الأبصر، وقد يقوى الأخير ويضعف الأوّل فيقدم عليه، ومع التعادل يقرع، أو يقدم قول المشتري؛ لشدّة تعلّق حقه، أو البائع؛ لسبقه، وجوه، أوجهها: الوسط.

ولو دخل وقت قطع بعض الثمرة دون بعض، جرى على كلّ حكمه.

ولو تأخر بلوغ الثمرة عن الوقت المعتاد بحيث يتضرّر المشتري بقطعها، جاز للبائع قطعها، وإبقاؤها بالأجرة، واحتمال لزوم إبقائها على البائع بأجرة وجة لا يبعد الركون إليه.

ولو اختلفت البلدان بالعادة كان لكل بلد حكم نفسه.

ولو عينا وقتاً اتبع ولو خالف العادة.

ولو كان لكلّ واحدٍ منهما عادة تخصه، احتمل لزوم البيان، وإلا فالبطلان، واحتمل الاقتراع، واحتمل تقديم عرف البائع، واحتمل تقديم عرف المشتري.

ولو اتفقا على وحدة العادة واختلفا في صفة الثمار لتعذر الاختبار، قوي تقديم قول الناقل، مع احتمال تقديم قول المنقول إليه.

ولو كانت العادة على حال فتغيّرت قبل الاستواء، فالمدار على وقت العقد فيرجع صاحب الأصل بالأجرة والأرش، ويحتمل اختصاص الرجوع بالبائع، ويحتمل إلغاء العادة فلا رجوع.

ولو حكما بعادةٍ فظهر تقدّمها أو تأخرها احتمل الأجرة والأرش لمن عليه التفاوت. واحتمل العدم، واحتمل الفرق بين الحكم على نفسه وبين حكم الآخر عليه.

ولو تضرّر صاحب الأصل بالاقتطاف بعد حصول الوقت لم يلزم صاحب الثمرة الإبقاء تضرّر به أم لا. ولو تضرّر به قبل حصول وقته، احتمل لزوم إبقائها عليه إذا لم يتضرر بإبقائها.

خامس عشرها: فيما يتعلّق بمشتري الثمرة وصاحب الأصل من سقي الشجرة وغيره من الأحكام

خامس عشرها: لكلِّ من مشتري الثمرة وصاحب الأصل سقي الشجرة وما بحكمها إذا تضرّر بعدم السقي ولم يتضرّر الآخر به، أو إذا انتفع به ولم يتضرّر الآخر، انتفع به أم لا، وإذا تضررا معاً منع أحدهما الآخر بنفسه أو بالحاكم. وإذا تضرّر أحدهما ولم ينتفع الآخر ولم يتضرر كان للمضرور منع الآخر. وإذا تضرّر أحدهما بالسقي وانتفع الآخر، منعه المتضرر. وإذا تضرّر أحدهما بالسقي وتضرّر الآخر بعدمه، لزم ترجيح الأشد ضرراً، فإن تساويا لزم ترجيح المنقول إليه على الناقل ؛ لإقدامه على ضرر نفسه بنقله، قيل (1): ولعله قول الأكثر، ويحتمل الاقتراع. ولو تعارض نفعهما، قوي تقديم نفع المنقول إليه، ويحتمل تقديم الأشد. وقيل (2): لو تقابل ضرر أحدهما ونفع الآخر، لزم ترجيح مصلحة المنقول إليه أيضاً إن قابلت ما فات على الآخر أو مطلقاً. قيل (3): ولعله قول الأكثر.

ولو اختلف الناقل والمنقول إليه في ترتب الضرر، رجعا إلى أهل الخبرة، فإن تعذر قدّم مدعيه؛ لأنّه مانع عن الضرر بماله ويحتمل تقديم قول المنقول إليه، ويحتمل تقديم قول صاحب الأصل، ولا ضمان على المأذون فيما يترتب على صاحبه شرعاً، ويضمن غيره مقدار ما أصابه من الضرر، بل ما فاته من النفع على إشكال.

ولو توقف السقي على إجراء ماء ضارّ بما يمر به فلا بأس إن كان الإجراء مستحقاً له


1) لم نهتد إلى قائله.

2) القائل هو العلامة الحلي في قواعد الأحكام 2 : 34.

3) لم نهتد إلى قائله.

قبل تعلق حق الغير، ويلزم الإجراء على قدر الحاجة حينئذٍ، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة، فإن اختلفوا فالأعدل ثم الأكثر، ومع التساوي قدّم احتمال الضرر، مع احتمال تقديم احتمال عدمه؛ للأصل.

ولو انقطع الماء أو امتنع السقي به لم يجب قطع الثمرة وإن تضرّر الأصل بمص الرطوبة، سواء تضرّر صاحب الثمرة بالإبقاء أم لا.

ولو أدى الضرر إلى إتلاف الأصل، ففي عدم وجوب القطع إشكال. وحيث يلزمه القطع فلا يبعد أن له الأرش وأجرة المدة.

ولو أخر القطع بعد الوجوب، ضمن ما فات على صاحب الأصل بسبب البقاء.

سادس عشرها: جواز بيع الثمرة كسراً مشاعاً

سادس عشرها: يجوز بيع الثمرة كسراً مشاعاً، وبيعها واستثناء ثمرة نخلة بعينها، أو استثناء قدر معين من أرطال معينة ونحوها، واستثناء قدر مشاع، وإذا خاست الثمرة سقط من المشاع المستثنى بحسابه.

وفي إلحاق استثناء الأرطال بالمشاع فيسقط بحسابه أيضاً كأن تخرص الثمرة ويخرص ما خاس منها ثلثاً أو ربعاً فيسقط من الأرطال بذلك الحساب، أو ينزل على الكلى فللبائع ما استثناه بما بقي من الثمرة حتّى لو لم يبق إلا قدر ما استثناه كان له، وجهان، وظاهر الأصحاب على الأوَّل، وربما يساعده فهم العرف، إلا مع التصريح بالثاني.

ويشترط في استثناء القدر المعيّن العلم باشتمال الثمرة عليه وزيادة كي يصح البيع.

وفي الخبر: إنّ لي نخلاً بالبصرة فأبيعه وأُسمّي الثمن وأستثني الكر من التمر أو أكثر أو العدد من النخل ؟ قال: «لا بأس» (1).

وفي آخر في الرجل يبيع الثمرة ثم يستثني كيلاً وتمراً ؟ قال: «لا بأس» (2).

سابع عشرها: حكم ما إذا باع الثمرة فتلفت قبل التخلية كلاً أو بعضاً

سابع عشرها: إذا باع الثمرة فتلفت قبل التخلية كلاً أو بعضاً كانت من مال البائع، وإن


1) وسائل الشيعة 18 : 211، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 4.

2) المصدر : 242 الباب 15 من أبواب بيع الثمار، ح 1.

أتلفها المشتري كان بمنزلة القبض بل هو أقوى، واحتمال انفساخ العقد وضمان المثل والقيمة للبائع بعيد.

وإن أتلفها أجنبي تخيّر المشتري بين الفسخ وبين الإمضاء والرجوع عليه بالمثل والقيمة.

و احتمال جواز رجوعه على البائع بهما غير بعيد؛ لضمانه عليه.

وإن أتلفها البائع، قيل: انفسخ البيع (1).

وقيل: كان للمشتري الخيار بين الفسخ وبين الإمضاء والرجوع على البائع (2)، وهو الأقرب. ولو تلفت بعد التخلية كان تلفها من مال المشتري؛ لأنّها دخلت في ضمانه، والقبض ها هنا هو التخلية، ولا تفتقر إلى كيل ولا وزن في تحقق القبض وإن قلنا: إن القبض في المكيل والموزون كيله ووزنه؛ لعدم كون الثمرة على رؤوس النخل ممّا يكال ويوزن.

ويجوز أن يبيع ما ابتاعه من الثمرة قبل التخلية وبعدها بزيادة عمّا ابتاعه أو نقصان؛ للأصل، والنصّ (3)والفتوى، ولا يحرم بل ولا يكره قبل القبض؛ لأنّ حكم التحريم والكراهة في بيع المكيل والموزون قبل قبضه أو كيله ووزنه، لا مطلق البيع، ولا مطلق الطعام على الأظهر الأشهر.


1) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 117.

2) قاله العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 35.

3) وسائل الشيعة 18 : 225، الباب 7 من أبواب بيع الثمار.

القول في بيع الحيوان

إشارة:

خص بالذكر كبيع الثمار؛ لكونه ذا أحكام خاصة.

والكلام فيه في مباحث:

أحدها: جواز ملك الكافر أصالة أو تبعاً إذا كان خالياً عن ذمام أو عهد أو أمان وكذا استرقاقه

أحدها: من اتصف بصفة الكفر أصالة - عن إنكار أو جحود أو عناد أو شرك أو شكّ في ربوبية أو نبوة أو معاد في أصلها أو في ضروري من ضرورياتها كاشف عن حصول الشكّ فيها - أو تبعاً لذلك الكافر الأصلي، وكان المتصف بأحد الوصفين خالياً عن ذمام أو عهد أو أمان ممّا يعتصم به عن أهل الإسلام يجوز ملكه واسترقاقه إذا أُسر قهراً أو أخذ سرقة أو غيلة، ملك بنيّة التملك أو بدونه ما لم ينو الآخذ الخلاف، كالرد إلى وطنه أو حفظه، سواء كان الأخذ بإذن الإمام أو بدونه بجهاد أو بدونه، علم نسب المأسور أم لا، أمكن تولّده من مسلم أم لا؛ عملاً بظاهر الحال حيث إنّه أخذ من ديار الكفار.

وهل هو قبل الأخذ حُرِّ من الأحرار، أو مباح من المباحات، أو ملك للمسلمين كافة ؟ وجوه، أوجهها الوسط.

هذا إذا كان قابلاً للملك، كما إذا كان طفلاً أو امرأةً أو بالغاً قد استرقه الإمام حالة الحرب.

ومَنْ لم يتصف بالكفر الأصلي، بل كان مرتداً فطرياً أو مليّاً أو منتحلاً للإسلام، وكذا مَنْ

لم يكن قابلاً للأسر لا يجوز تملكه بوجه من الوجوه.

ويسري الرق في عقب المملوك وإن أسلم أو آمن، كلّ ذلك للأخبار (1)والإجماع.

وإذا أُخذ أخذ لقيط دار الحرب ملك مع نيّة التملك أو بدونها على الوجهين، إذا علم عدم اشتمال الدار على مسلم يمكن تولّده منه ولو احتمالاً، ذكراً كان أو أنثى، أو على معتصم بأحد العواصم يمكن تولّده منه أيضاً على الأظهر فى ذلك؛ أخذاً بالأخبار الناصة على أنّ «المنبوذ


1) راجع وسائل الشيعة 18 : 244 و 246، الباب 2 و 3 من أبواب بيع الحيوان.

حُرٌّ» (1)كما في أحدها وثانيها، وأنّ «اللقيط لا يشترى ولا يباع» (2)كما في ثالث، و «لا يباع ولا يشترى ولا يوهب» (3)كما في رابعها وإطلاقها وإن كان شاملاً لإمكان تولّده من مسلم وعدمه إلا أن فهم الأصحاب وفتاواهم وظهور الإطلاق في غير المقطوع به أنّه من أهل الحرب مما يقيد ذلك الإطلاق، بل لولا إطباق الأصحاب على حُرّيّة اللقيط مع إمكان التولد من مسلم في دار الحرب لأمكن صرف تلك الأخبار إلى لقيط دار الإسلام، كما تُصرف أخبار لقطة المال إليها، وكان حكم لقيط دار الحرب كحكم أسيره؛ لضعف إجراء حكم اللقيط للأسير قطعاً.

ويُقبل إقرار اللقيط بعد الحكم عليه بالحُريّة كلّاً أو بعضاً، مسلماً أو كافراً، أو بما يلزمها بعد جمعه لشرائط صحّة الإقرار لمالك معيّن مسلم أو كافر، وإن لزم بيعه عليه أو مطلقاً، كذب إقراره المقر له أو صدقه أو سكت؛ لأنّ الإقرار حجّة على المقرّ صدقه المقرّ أم لا؛ عملاً بعموم الأدلّة (4).

فإن كان الإقرار لمعيّن دفع إليه، وإن كذبه دسّ في أمواله أو دفع إلى الحاكم، وإن كان لمجهول جرى عليه حكم مجهول المالك وتولاه الحاكم.

هذا كله إذا لم يكن معروفاً بالحُرّية بنسبه واستناده لأبويه وعشيرته، فإنّه لا يُقبل؛ لضعف إقراره بمعارضته لما هو أقوى منه. والظاهر أنّه لا خلاف فيه.

ولا فرق بين اللقيط وبين كلّ مجهول النسب إذا أقرّ على نفسه بالرقيّة، فإنّه يُقبل منه مع کماله ورشده؛ لعموم دليل الإقرار (5)، وللشهرة المنقولة (6)بل المحصلة، ولظاهر نقل الإجماع كما عن بعض (7)، وللصحيحة أو الحسنة: «الناس كلّهم أحرار إلَّا مَنْ أُقرّ على نفسه بالعبودية وهو مدرك» (8)وللخبر عن رجلٍ حُرّ أقرّ أنّه عبد، قال: «يؤخذ بما أقرّ به» (9)ونحوه غيره (10)،


1) وسائل الشيعة 25 : 467، الباب 22 من أبواب كتاب اللقطة، ح 2، 3.

2) المصدر، ح 1.

3) المصدر : 468، ح 5، وفيه : «حُر لا يباع ولا يوهب».

4) المصدر 23 : 184، الباب 3 من أبواب كتاب اللقطة ح 2.

5) المصدر 23 : 184، ح 2.

6) الحدائق الناضرة 19 : 387.

7) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 236.

8) وسائل الشيعة 23 : 54 الباب 29 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

9) المصدر : 54 – 55، ح 2.

10) المصدر : 55، ح 3.

فمَنْعُ ابن إدريس من قبول إقراره؛ لحكم الشارع عليه بالحرية (1)، فلا ينتقض، أو لتوقف صحّة الإقرار على الحرّية حتّى لا يكون إقراراً في حق الغير، المستلزمة لبطلانه، ضعيف لا يقاوم ما قدمناه، كضعف مَنْ لم يشترط الرشد في إقراره؛ استناداً لعموم الأدلّة.

وفيه: أنّ الأدلّة منصرفة للرشيد، بل في قوله: «وهو مدرك» إشارة إليه، على أن الإقرار بالرقية إما إقرار بمال أو يستلزم مالاً غالباً كما إذا كان في يده مال أو هو أقوى من المال.

والإقرار لا يمضى إلا في حق المقر دون غيره، فإقرار المرأة لا يُسمع في حق الزوج، وكذا إقرار من عقد عقداً لازماً أو عمل متبرعاً أو أباح شيئاً فتلف.

ولو استلزم الإقرار رفع حد أو تخفيفه، أو رفع وجوب نفقة، قبل فيما له لا فيما عليه، وفي اندفاع الحدّ عنه لمكان الشبهة وجه.

ولا تُسمع بينة المقرّ على خلاف ما أقرّ به؛ لتكذيبه إيّاها بإقراره، إلا إذا أقام البينة على أمر محتمل في إقراره كدعوى شبهة مسموعة في حقه، أو غلط بحكم شرعي أو نسب أو نحو ذلك، بل قد تُسمع دعواه من غير بيّنةٍ ولكن مع يمينه في وجه قوي، سيّما مع عدم المنازع له فعلاً.

وللإنسان أن يشتري ما يُباع في الأسواق من المماليك، أقروا بالرقية أو سكتوا، صغاراً أو كباراً، مميّزين أم لا للإجماع، والأخبار (2)، والسيرة القطعية.

فإن ادعوا الحرّية، فإن كان بعد الإقرار أو بعد البيع مع حضورهم ومشاهدتهم لم تسمع دعواهم في الأوّل ولا بينتهم إلا إذا أظهروا للإقرار وجهاً محتملاً، وتُسمع دعواهم مع البينة في الأخير.

وإن كان قبل الإقرار وقبل البيع، فإن كانوا مشهورين في الرقية مع بلوغ حد الشياع أو عدمه على الأظهر، أو كان قد جرت عليه أحكام الرقية من قبل، أو استقرت عليه اليد القاضية بالملكيّة من تصرّف وسلطنة أمر ونهي حكم برقيته، ولا تسمع دعواه الحُرّية إلا ببينة، وإن لم يكن شيء مما ذكرنا وإنما كانت مجرد دعوى شخص برقية آخر لم تسمع دعوى مدعي الرقّيّة إلا بالبيّنة.


1) السرائر 2 : 354.

2) وسائل الشيعة 18 : 250، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان.

وهذا كله يمكن أخذه من السيرة القطعية ومن قواعد اليد ومن حمل فعل المسلم على الصحّة مع عدم المعارض والممانع ومن أصالة الحُرّيّة مع عدم ما يقطعها ومن ظواهر الأخبار، كالصحيح: سألته عن مملوك ادعى أنّه حُرٌّ ولم يأتِ ببينةٍ على ذلك أشتريه ؟ قال: «نعم» (1)وفي آخر: أدخل السوق فأريد أشتري جاريةٌ، فتقول: إني حرة ؟ فقال: «اشترها إلا أن يكون لها بينة» (2)فإنّ ترك الاستفصال فيها مع قيام الاحتمال دليل على جملة مما ذكرنا من الأحكام المتقدّمة.

ثانيها: صحه تملك كلِّ من الزوجين الآخر دواماً ومتعة وكذا المحلل له ما لم يختلفا في الإسلام وعدمه

ثانيها: يصح أن يملك كلّ من الزوجين الآخر دواماً أو متعةً، وكذا المحلل له ما لم يختلفا في الإسلام وعدمه، فتبطل الزوجية ويبقى الملك؛ إجماعاً محصلاً ومنقولاً(3)، صريحاً في الزوجية وضمناً، وعلى وجه العموم في التحليل على ما قيل (4)، ولامتناع اشتراك الأسباب المسوّغة للوطء؛ لظاهر الإجماع والكتاب (5)لأنّ التفصيل فيه قاطع للشركة، وظاهره منع الجمع، وللسنة (6)، قيل (7): ولتضاد اللوازم والتوابع فيبطل اللاحق السابق، وللزوم اجتماع سببين على مسبب واحد.

وللأخبار الخاصة:

منها: عن امرأةٍ حُرّة تكون تحت المملوك فتشتريه هل يبطل نكاحه ؟ قال: «نعم، لأنّه عبد مملوك لا يقدر على شيء» (8).

وفي آخر: امرأة لها زوج مملوك فمات مولاه فورثته ؟ قال: «ليس بينهما نكاح» (9).


1) وسائل الشيعة 18 : 250، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

2) المصدر، ح 2.

3) مسالك الأفهام 3 : 376.

4) لم نهتد إلى القائل.

5) المؤمنون (23) : 6.

6) وسائل الشيعة 21 : 157 - 158، الباب 49 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

7) راجع : جواهر الكلام 24 : 147.

8) وسائل الشيعة 21 : 158، الباب 49 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2.

9) المصدر : 0159 ح 4.

وفي ثالث: فيمن زوج أم ولد له مملوكة فمات فورت الولد نصيباً في زوج أمه، ثم مات الولد فورثته أمه كيف تصنع وهو زوجها ؟ فقال: «تفارقه، وليس له عليها سبيل» (1).

وفي رابع: في زوجة لمملوك قد ملكته بالميراث فأتت إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقالت: هل يصلح له أن يطأني ؟ فقال لها (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هل جامعك منذ صار عبدك وأنت طائعة ؟» قالت: لا، قال: «لو كنتِ فعلتِ لرجمتك» (2)الحديث طويل.

ويدخل فى الملك الوقف الخاص، دون العام ودون الأملاك العامة كالمشترى من مال الزكاة، أو المحبوس على المسلمين ونحو ذلك؛ اقتصاراً على المورد اليقيني من الملك.

والمنقول إليه من أحد الزوجين فضولاً لا يتوقف عن الوطء قبل الإجازة إن قلنا: إنّها ناقلة وإن قلنا: إنّها كاشفة، فلا يبعد لزوم ترك الوطء حتّى يتبيّن أحد الأمرين من الرد أو الإجازة ممّن وقع العقد فضوليّاً.

وملك البعض كملك الكلّ، كما دلّت عليه بعض الأخبار المتقدّمة (3)وكلام الأصحاب.

ثالثها: جواز تملك الرجل كلّ قريب وبعيد له بعلقة النسب وانعتاقه عليه بعد ملكه آناً مّا

ثالثها: يجوز أن يملك الرجل ومَنْ بحكمه - دون الأنثى والخنثى - كلّ قريب وبعيد بعلقة النسب الصحيح والشبهة، ولا عبرة بعلقة الزنى؛ كتاباً (4)، وسنةً (5)، وللإجماع، والأخبار الخاصة(6)، إلا أنّه لا يستقر ملكه على أصوله، كالآباء وإن علوا، أو الأُمهات وإن علون، وفروعه كالأولاد وإن سفلوا، والمحارم كالعمة والخالة وإن علتا؛ لأنّهنّ من المحارم، والأخت وبنات الأخت وبنات الأخ.

ومتى ملك أحداً مما ذكرنا انعتق عليه بعد ملكه آناً ما من غير فرق بين الملك الاختياري أو القهري، مع احتمال انفساخه بمجرّد إجراء الصيغة الناقلة في الاختياري وبمجرد الملك القهري بحيث يقعان،دفعة إلا أنّه خلاف الظاهر؛ لأنّ الشراء سبب للملك لا للعتق،


1) وسائل الشيعة 21 : 157 - 158، الباب 49 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

2) المصدر : 158، ح 3.

3) آنفاً في الخبر الثالث.

4) البقرة (2) : 275.

5) راجع وسائل الشيعة 17 : 83 الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

6) المصدر 18 : 247 - 249، الباب 4 من أبواب بيع الحيوان، ح 1، 4.

والملك سبب للعتق في القهري والاختياري، فلا يتقدّم السبب على المسبب، والتزام تقدَّم السبب ذاتاً لا خارجاً لا حاجة إليه على أنّ في الأخبار ما يدل على التقدم، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمّته أو خالته أو بنت أُخته - وذكر أهل هذه الآية من النساء - عتقوا جميعاً» (1)وفي آخر: «إذا ملك الرجل والديه أو أُخته أو عمته أو خالته عتقوا عليه»(2).

وما دلّ على نفى الملك - كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يملك الرجل والديه ولا ولده ولا عمته ولا خالته» (3)وفي آخر: «لا يملك والديه ولا أُخته ولا ابنة أخيه ولا ابنة أُخته ولا عمّته ولا خالته» (4)- محمول على نفى الملك المستقرّ.

وتملك الأنثى والخنثى كلّ قريب وبعيد إلا أنّه لا يستقر ملكها على العمودين من الآباء والأُمهات وإن علوا، وعلى الأولاد وأولادهم وإن نزلوا كلّ ذلك للإجماع بقسميه (5)، وللأخبار الخاصة. فإلحاق البعض لبعض المحارم في المنع لا وجه له.

وفي الخبر: عن الامرأة ما تملك من قرابتها ؟ قال: «كلّ أحدٍ إلا خمساً: أبوها وأُمّها وابنها وبنتها وزوجها» (6).

وما جاء من الأخبار بخلاف ما قدمنا من عدم جواز تملك غير ما ذكرنا فهو محمول على الكراهة.

وهل يلحق الرضاع بالنسب ؟ لفتوى المشهور نقلاً (7)بل تحصيلاً، وللإجماع المنقول (8)، ولعموم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (9)ولا اختصاص لها بالنكاح بعد فهم الفقهاء لها الشمول في مثل هذا المقام، والتحريم هنا يلازمه الفساد. وللأخبار الخاصة:

منها : «لا يملك أُمّه من الرضاعة، ولا أُخته ولا عمّته ولا خالته، إذا مل-كن عتقن»


1) وسائل الشيعة 18 : 247، الباب 4 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

2) المصدر 23 : 19، الباب 7 من أبواب كتاب العتق، ح 3.

3) المصدر، ح 2.

4) المصدر، ح 4.

5) مجمع الفائدة والبرهان 8: 231.

6) وسائل الشيعة 23 : 24، الباب 9 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

7) الحدائق الناضرة 19 : 375.

8) الخلاف 6 : 367، المسألة 5.

9) وسائل الشيعة 18 : 248، الباب 4 من أبواب بيع الحيوان، ح 2.

وقال: «يملك الذكور ما خلا والداً أو ولداً، ولا من النساء ذات رحم محرم» قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك ؟ قال: «نعم» (1).

وفي آخر عن امرأة أرضعت ابن جاريتها ؟ قال: «تعتقه» (2).

وفي ثالث: امرأة أرضعت غلاماً مملوكاً لها حتّى فطمته هل لها أن تبيعه ؟ قال: «لا، هو ابنها من الرضاعة، حرم عليها بيعه وأكل ثمنه» ثمّ قال: «أليس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (3).

وفي رابع (4). مثله. وفي خامس (5)قريب إليه.

وفي سادس: «لا يملك أُمّه من الرضاعة»(6).

وفي سابع وثامن وتاسع وعاشر انعتاق الولد الرضاعي (7).

و خصوص ذكر بعض الأفراد دون بعض يتم بالقول بعدم الفصل.

أو لا يلحق مطلقاً ؟ كما ذهب إليه جمع (8)للأصل المنقوض بناقضه، وللصحيح: «إذا اشترى من الرجل أباه أو أخاه فهو حر، إلا ما كان من قبل الرضاع» (9).

وهو ضعيف عن مقاومة دليل المشهور، فهو يُحمل على التقيّة، أو العطف بـ«إلّا» أو على الوصف بها، أو رضاع غير محرّم.

أو أن ما علق بالرضاع يملك إلا أنّه لا يجوز بيعه إلا مع الضرورة، وهو آخر ما يباع في الدَّين؛ للصحيح في بيع الأُمّ الرضاعية، قال: «لا بأس بذلك إذا احتاج» (10).

وهو ضعيف أيضاً عن المقاومة، فليطرح أو يُحمل على رضاع غير محرم، أو على التقيّة.


1) وسائل الشيعة 18 : 247 - 248 الباب 4 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

2) المصدر : 248، ح 3.

3) المصدر 405:20، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1 وذيله.

4) المصدر 405:20، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 1 وذيله.

5) المصدر 23 : 22 - 23، الباب 8 من أبواب كتاب العتق، ح 3.

6) المصدر : 20، الباب 7 من أبواب كتاب العتق، ح 7.

7) المصدر 406:20، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح،2، 4 و 23 : 22، الباب 7 من أبواب كتاب العتق، ح 1، 2.

8) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 544 - 545 و 599؛ وسلار في المراسم : 176؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 343.

9) تهذيب الأحكام 8 : 245، ح 885.

10) المصدر، ح 886.

رابعها: في أنّ ما يؤخذ من مال الحربيّين - بغير إذن الإمام أو منصوبه فهو لآخذه وفيه الخمس

رابعها: ما يؤخذ من مال الحربيين - من دراهم أو من غيرها - بغير إذن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو منصوبه الخاص أو العام في زمن الحضور أو الغيبة - بسرقةٍ أو خيانة أو خدع أو أسرٍ أو قهرٍ من غير جيش أو بجيش من غير قهر - فهو لآخذه، وفيه الخمس؛ لشمول الغنيمة له، ولا يتفاوت بين كون الآخذ مؤمناً أم لا، حتّى لو كان كافراً حربياً؛ لما دلّ بإطلاقه على جواز أخذ مال المحاربين وسبيهم (1)، ولأنّه غير معتصم، فهو كالمال المباح يملك بالاستيلاء، وتملك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)له خاصةً بحيازة الغير مخالف للأصل وظواهر الأدلّة، وما أُخذ بإذن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكذلك. لذلك، وأمّا ما أُخذ بالقهر والغلبة بجيش أو سرية فهو للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وليس للغانمين وغيرهم ولا لبيت [ مال ] (2)المسلمين فيه نصيب؛ للإجماع المنقول (3)والشهرة المنقولة (4)، بل المحصّلة، والنصّ (5)المعتبر المجبور بما اشتهر إلا إذا لحقت إجازة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو مَن هو بحكمه له، فلا يبعد عوده إليه.

ومدّعي الأخذ بالإذن يُصدَّق بدعواه من غير يمين؛ عملاً بظاهر يده.

ثم إن مقتضى حرمة التصرّف بمال الغير وحرمة الغصب والعدوان وأكل المال بالباطل: أن ما للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلّاً - كمال الأنفال - أو بعضاً - كالمال الذي فيه الخمس - يجب حفظه والإيصاء به، فإن خيف عليه أُلقي في البحر.

ولا يجوز دفعه إلا لمن دلّت الإذن الفحوائية القطعية على جواز دفعه إليه، أو جاء به الدليل، كما جاء في جواز دفع حصّةٍ من الخمس إلى المحتاجين من بني هاشم (6)، وما جاء من تحليل المساكن والمتاجر والمناكح بالنسبة إلى حصّته (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحصّة غيره لولايته عليه (7)، وكذا قد جاءت عنهم الرخصة في حال الحضور وكفّ اليد وفي حال الغيبة للشيعة دون غيرهم ؛(8)قصراً على المورد المتيقّن.


1) راجع وسائل الشيعة 9 : 488، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 8.

2) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

3) لم نتحقّقه.

4) جامع المقاصد 4 : 129.

5) وسائل الشيعة 9 : 529. الباب 1 من أبواب الأنفال، ح 16.

6) المصدر : 514 - 515، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، ح 9.

7) المصدر : 543، الباب 4 من أبواب الأنفال.

8) المصدر : 544، ح 4.

والأحوط الاختصاص بالفرقة الاثني عشرية في حال الغيبة فيما كان كله لهم خاصة، أو كان لهم ولغيرهم من الغنائم المأخوذة في حال الغيبة بالقهر وغلبة الجنود والعساكر أن يتملكه الشيعة بالحيازة وقصد التملك إن كان هم الغانمين وبالأخذ من يد الغانمين بعقد هبة أو معاوضة، بل واستنقاذ من يد غيرهم لو كان الغانمون من غيرهم في وجه قوي، وأن يطأوا الموطوءات بتملك لهنّ بالاغتنام أو بعقد معاوضة أو بنكاح أو بتحليل لهنّ من المغتنم وإن لم يكن من الشيعة؛ جرياً له على مذهبه، أو بتحليل ممّن انتقل منه إليه.

وبعد حصول الرخصة منهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) - الثابتة بالإجماع بقسميه (1)في الجملة، وبالسيرة القطعية في كثير مما تقدم، وبالأخبار الخاصة الدالة على جملة مما ذكرنا - بضميمة عدم القول بالفصل بينه وبين غيره يتمّ المطلوب، ولا يحتاج إلى البحث عن كون الحكم هل هو على القاعدة فيتولّى الغانم أو المتلقى عنه الإيجاب والقبول بعد إذن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حصته أصالة وفي حصة غيره ولايةً، أو على غير القاعدة بحصول الملك والتحليل حقيقةً من غير عقد، أو بإجراء حكم المملوك على غير المالك تعبداً ؟

ومن الأخبار الدالة على جملة مما قدمنا رواية إبراهيم عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شراء الروميات، قال: «اشترهن وبعهن» (2).

ورواية زكريا بن آدم عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): وسألته عن سبي الديلم يسرق بعضهم من بعض ويغير المسلمون عليهم بلا إمام أيحلّ شراؤهم ؟ قال: «إذا أقروا لهم بالعبودية فلا بأس» (3).

وثالثة: عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): في رجل يشتري من أهل الشرك ابنته فيتخذها، قال: «لا بأس» (4).

ورابعة: في الروم يغيرون على الصقالبة والروم فيسرقون الجواري والغلمان ويبعثون بهم إلى بغداد، قال: «لا بأس بشرائهم» (5)والحديث طويل.


1) منتهى المطلب : 583.

2) وسائل الشيعة 18 : 245، الباب 2 من أبواب بيع الحيوان، ح 2.

3) المصدر، ح 3.

4) المصدر : 246، الباب 3 من أبواب بيع الحيوان، ح 2.

5) المصدر : 244 - 245، الباب 2 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

والروايات الدالة على تحليل ما هو لهم لشيعتهم (1)، ونحو ذلك. ولو قهر مسلم أو غيره ذمّيّاً أو معتصماً فباعه لم يصح شراؤه مطلقاً، مع احتمال جوازه مع كفر القاهر والجواز في مذهبه أو مذهب المشهور أو مذهبهما؛ لأن المتيقن من الاعتصام ما يحصل ابتداء من أهل الإسلام.

وأما استيهاب ثمنه وأخذه فيما لو تبايع الكافران الجائز في مذهبهما ذلك فلا إشكال فيه.

ولو قهر مسلم أو غيره حربيّاً، ملكه وصح بيعه، فإن كان ممن ينعتق عليه انعتق عليه ولا يجوز بيعه، ولو جاز بيعه في مذهبه ففي جواز شرائه منه وجه.

نعم، لو كان القاهر حربيّاً، قوي القول بجواز شرائه؛ لدوام القهر القاضي بدوام الملك المبطل للعتق؛ لأنّه لم يزل حربيّاً مقهوراً، وكلّ ما كان كذلك فهو مملوك؛ لعدم دخوله في حكم غيره تبعاً.

ولا يعارضه دوام القرابة المقتضية لرفع الملك بالقهر؛ لأنّ القرابة إنما ترفع الملك حيث لا يصاحبها مقتضي الملك ولو بعد فرضه معتقاً،وقد أُطلق في الأخبار عليه لفظ الشراء، كما جاء فيمن باع ابنته من أهل الشرك (2)، ولكن الأولى حمل الشراء على الاستنقاذ فيكون الملك بالاستيلاء على الحربي والسلطنة، فلا تجري عليه أحكام البيع حينئذٍ.

خامسها: جواز ابتیاع بعض الحيوان الحي بشرط الإشاعة

خامسها: يجوز ابتياع بعض الحيوان الحي - ممّا يؤكل لحمه أم لا - بشرط الإشاعة المقصود منها الكسر، وعلم النسبة؛ للإجماع بقسميه (3)، ولعمومات الأدلّة (4)، وللسيرة القطعيّة.

فلو باع جزءاً منه معيّناً، أو باع جزءاً مشاعاً بقصد الكلّي الحاصل في الجملة، كما إذا منه يعلم باشتماله عليه، أو باع كلّيّاً مشاعاً غير معلوم النسبة كما إذا باعه قسطاً أو نصيباً أو شيئاً، أو باع كسراً معلوماً - كنصفه وثلثه - بقصد الكلّيّة لا الإشاعة، بطل في باعه صاعاً.


1) راجع الهامش (8) من ص 547.

2) راجع الهامش (4) من ص 548.

3) جامع المقاصد 4 : 135.

4) البقرة (2) : 275؛ المائدة (5) : 1؛ وسائل الشيعة 17 : 83، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

الأوّل؛ للإجماع بقسميه (1)، وللغرر والجهالة وتعذر التسليم في الأبعاض لاشتباه موضع القطع فيها، ولحصول السفاهة فيما لا يراد ذبحه، وكذا في الثالث.

وأما الثاني والرابع فإنّه وإن أمكن لهما وجه صحةٍ، إلا أنّ ظاهر الفقهاء - حيث خصوا الجواز بالإشاعة مع علم النسبة - منعه مع أنّهما في مثل الحيوان لا يخلوان من الغرر سيّما فيما لم يرد ذبحه.

وأما الحيوان المذبوح فلا يجوز بيع معين منه؛ لمكان الغرر، والإجماع المنقول (2)، وظاهر فتوى الأصحاب، وكذا كسراً مجهولاً.

والكسر المعلوم النسبة مع معرفة وزنه إن قلنا باشتراط الوزن فيه، أو بدونها إن لم نقل، أو بيع كلّي منه يعلم باشتماله عليه، أو بيع كسر منه على جهة الكلية فلا أرى وجهاً للمنع منه، إلا أن ينعقد إجماع على المنع في بعض الصور.

ولو باع الحيوان واستثنى الرأس أو الجلد أو هما معاً أو غيرهما من الأجزاء المعينة - سواء كان بحرف الاستثناء أو بلفظ الشرط - فالأقوى بطلان البيع لمكان الغرر والجهالة؛ إذ لا فرق بين بيع الرأس وبين بيع الكلّ واستثنائه إلا بمجرد الصورة على أنّه لا يخلو من شبهة تعدّر التسليم فيما لم يكن مذبوحاً أو يراد ذبحه، ولتأديته إلى النزاع والخصومة فيما إذا أراد البائع ذبحه وأراد المشتري بقاءه، أو العكس كما في بعض الموارد.

وقيل: إنّ البائع يكون شريكاً للمشتري بنسبة القيمة فيما إذا استثنى الرأس والجلد (3): إما بأن يقوم الحيوان كلّه ويقوّماهما وينظر إلى نسبة القيمتين فيكون شريكاً بقدر تلك النسبة، أو بأن يقوم الحيوان واجد الرأس والجلد ومسلوبهما وينظر لنسبة التفاوت فيكون شريكاً بتلك النسبة؛ استناداً إلى أن تعذر العين يوجب الشركة بحسب القيمة؛ إذ «لا يسقط الميسور بالمعسور» (4)و «ما لا يدرك كله لا يترك كلّه» (5)و «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما


1) رياض المسائل 9 : 50.

2) راجع مجمع الفائدة والبرهان 8 : 226.

3) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : 413؛ والمبسوط 2 : 116؛ والخلاف 3 : 92 المسألة 149؛ والقاضي ابن البراج في المهذب 1 : 382.

4) عوالي اللآلي 4 : 058 ح 205.

5) المصدر، ح 207.

استطعتم» (1)وإلى الروايتين الدالّتين على أنّ البائع يكون شريكاً على قدر الرأس والجلد فيمن باع بعيراً واستثنى الرأس والجلد (2).

وفي الروايتين ضعف سنداً بل ودلالةً؛ لاحتمال إرادة استحقاق عينهما أو قيمتهما، ومع ذلك فهما مخالفان لفتوى المشهور وأُصول المذهب والقواعد الجارية بين فقهاء الإمامية، ومنافيان لما دلّ على تبعية العقود للقصود (3)، وعلى المنع من التجارة من غير تراض وأكل المال بالباطل (4)، ولا بدّ من اطراحهما أو تأويلهما بما ذكرنا، ولو أخذنا بهما لاقتصرنا - لمخالفتهما القواعد - على خصوص البعير، وخصوص استثناء البائع، وخصوص استثنائهما تامين، وخصوص وقوع الاستثناء قبل الذبح كما يظهر منهما.

وقيل: إن البائع يملك نفس الرأس والجلد (5)- ونُسب (6)لجمع من أصحابنا (7)، ونُقل عليه الإجماع (8)لعموم أدلّة صحّة العقود (9)جنساً ونوعاً، ولاندفاع الغرر بتميّز المستثنى ومعرفة الحدود.

وفيه: منع اندفاع الغرر عرفاً، ولو اندفع لصح تعلّق البيع بهما؛ إذ الفرق بين بيعهما واستثنائهما من المبيع غير معقول.

وقد يقال بالصحّة في المذبوح؛ لاندفاع الغرر بذبحه عرفاً، دون الحيّ؛ للزوم الغر الناشئ من وجود الحياة الباعثة على ملاحظة الجملة.

وفيه ما مرّ من عدم المحيص عن الغرر.

وقد يقال - أيضاً - بالصحّة في المذبوح والضرب بالنسبة في غيره مع عدم اشتراط الذبح، ومع اشتراطه فإن وقع فلا بحث وإلا تخيّر بين الفسخ والقيمة.


1) السنن الكبرى البيهقي :1 : 571، ج 1823؛ و 4 : 423، ح 82214.

2) وسائل الشيعة 18 : 275 - 276، الباب 22 من أبواب بيع الحيوان، ح 2، 3.

3) وهي قاعدة تبعيّة العقد للقصد.

4) النساء (4) : 29.

5) قال به السيد المرتضى في الانتصار : 440، المسألة 252.

6) الناسب هو العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 259 - 260، المسألة 227.

7) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 608: وسلار في المراسم : 178؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 354؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 355؛ والإسكافي على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 295، المسألة 227.

8) الانتصار : 441، المسألة 252.

9) راجع الهامش (4) من ص 549.

وفيه: ما مرّ، مع أنّه لا يخلو من تحكم.

وقد يقال بجواز العمل بالروايتين في خصوص الجلد؛ لاختلافه دقةٌ وغلظاً، فتعلق الاستثناء به موجب للغرر، فيتعيّن الحمل على إرادة القيمة والضرب بالنسبة دون غيره من الرأس؛ لمعرفة حدودها فيصح استثناء عينها.

قيل (1): ومن الوجوه المتخيلة تخصيص الغرر بالرأس؛ لجهالة حده، بخلاف الجلد، فيصح استثناء الثاني دون الأوّل.

ومنها: الجمود على مدلول الروايتين لا غير.

ومنها: تخصيص المنع بالمذبوح؛ لدخوله تحت الموزون فيلزم فيه الغرر، ووزن الرأس والجلد معه لا يرفع الغرر.

ومنها: تخصيص المنع بالمسلوخ فقط مع بقاء الرأس مطلقاً، ومع عدمه بشرط عدم الوزن؛ لدخوله تحت الموزون.

ومنها: قصر المنع على ما يؤكل لحمه.

والكلّ منظور فيه، ويظهر ضعفه مما تقدّم.

سادسها: حكم ما لو اشترك شخصان في شراء حيوان مع شرط وشرط أحدهما الرأس والجلد دون الآخر

سادسها: لو اشترك شخصان في شراء حيوان وشرط أحدهما الرأس والجلد دون الآخر، فالاشتراط إما أن يكون على البائع فيرجع إلى شراء أحدهما النصف مستثنى منه نصفهما، وشراء الآخر النصف مع نصفهما الآخر فيرجع إلى شبه شراء الكلّ مع استثنائهما، وإما أن يكون شراء الكلّ لأحدهما ثمّ باع النصف الآخر للآخر مستثنى منه الرأس والجلد، فيكون من قبيل استثناء الكلّ منهما في بيع الكلّ، وإما أن يكون كذلك ولكن يشترطهما للمشتري، فيكون من بيع الأعضاء؛ لأنّه باعه النصف المشتمل على تمام الرأس والجلد بأن يكون مالكاً لهما، وإما أن يكون قد اشترى أحدهما الكلّ واشترى الآخر منه الرأس والجلد، أو اشترى أحدهما الكل غير الرأس والجلد والآخر الرأس والجلد فقط حتّى يكون داخلاً في مدلول الرواية ويكون من بيع الأعضاء والاستثناء.


1) القائل هو صاحب جواهر الكلام 24 : 162.

وعلى كلّ حال فالشرط فاسد؛ لمكان الجهالة، فيفسد العقد بفساده.

وقيل بتنزيل هذا الشرط على الإشاعة، فيكون له من الحيوان بقدر ماله بالإضافة أو ماله من قيمة مشروطة منسوبة إلى قيمته (1)؛ للخبر: في رجل شهد بعيراً مريضاً يباع فاشتراه بعشرة دراهم، فجاء واشترك فيه رجل آخر بدرهمين بالرأس والجلد، فبرئ البعير وبلغ ثمانية دنانير، فقال: «لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فإن قال: أُريد الرأس والجلد، فليس له ذلك، هذا الضرار وقد أعطي حقه إذا أُعطي الخمس» (2).

وفيه ضعف؛ لضعف دلالة الرواية، ومخالفتها الأصول والقواعد الشرعيَّة وإلغاء ظاهر العقد وعدم تبعية العقد للقصد، وحصول الضرر التام على أحد المتعاقدين، مع احتمال أن يراد منها الاشتراك بنسبة الدرهمين ثمّ طلب منه الرأس والجلد، أو إنّما اشترك لأجل الرأس والجلد معلاً لا مشترطاً، وفي قوله: «وقد أُعطي حقه إذا أُعطي الخمس» ما يرشد إلى ذلك، أو أنّه قد سبق الوعد بإعطائه، فمطالبته من جهته لا من جهة الاستحقاق، أو أن إعطاء الخمس له لتطيب نفسه فيهون أمر النزاع والشقاق، وحينئذٍ فطرح الرواية أو تنزيلها على أحد الاحتمالات المتقدّمة أولى من الأخذ بها على النحو المتقدم.

ولو أخذنا بها على ذلك النحو - كما نُسب العمل بها للأصحاب (3)- فلا بد من الجمود على ما فيها، ولا يجوز التعدّي عنه إلى غيره من الحيوان، أو غيرهما من الأجزاء، أو غير الشريكين من الشركاء، أو غير دفع الدرهمين من النقود، إلى غير ذلك؛ إلا ما علم فيه تنقيح المناط أو إلغاء الفارق.

ولا بدّ من تخصيص الحيوان فيها بما يراد ذبحه كما هو الظاهر دون غيره.

سابعها: حكم ما لو قال شخص لآخر : اشتر حيواناً أو هذا الحيوان بشركتي معك فاشتراه لهما

سابعها: لو قال شخص لآخر : اشترِ حيواناً، أو هذا الحيوان بشركتي معك، فاشتراه لهما صح الشراء؛ لأنّ الأمر بالشراء توكيل فإن صرّح بمقدار الشركة اتبع تصريحه، وإلا فظاهر


1) قاله المحقق الحلّي في المختصر النافع : 217.

2) وسائل الشيعة 18 : 275، الباب 22 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

3) نسب العمل بها لجماعة من الأصحاب العاملي في مفتاح الكرامة 4 : 324.

الأمر والشراء المناصفة، فإن نقد المأمور الثمن عنه بإذنه التزم بوفائه؛ لصيرورته ديناً عليه، ولو لم يكن بإذنه كان متبرّعاً.

وإن قبض الحيوان بإذنه كان ضمانه عليهما لو تلف بعد القبض، ولو لم يكن بإذنه لم يضمن المأمور.

ولو أمره على أن يكون الربح لهما ولا خسران عليه، فإن كان بعنوان الوعد فلا بأس ولا التزام، وإن كان بعنوان الشرط في الوكالة أو في بيعه عند شرائه من صاحبه بطل الشرط، وفاقاً لجمع من أصحابنا (1)، لمخالفته للقواعد الشرعيَّة المقررة في الشركة، وللمذهب، أو أُصول المذهب كما قيل (2)، وللإجماع المنقول (3)، والأخبار (4)المعتبرة في باب الشركة القاضية باستواء الشريكين فى رأس المال ربحاً وخسراناً؛ لجعلها الخسران على رؤوس الأموال ومتى بطل الشرط بطل العقد المشتمل عليه، ويضعف القول بصحة العقد دون الشرط كما تقدّم.

وقيل بصحة الشرط (5)؛ لعموم أدلة الشروط (6)والإجماع المنقول (7)، ولدخوله تحت التجارة عن تراض (8).

وللصحيح : إذا شارك رجل في جارية له وشرط للشريك الربح دون الخسارة جاز إذا طابت نفس صاحب الجارية (9).

وفي أُخرى: فيمن شارك رجلاً في جارية فقال له: إن ربحت فلك وإن وضعت فليس عليك شيء، فقال: «لا بأس بذلك إذا كانت الجارية للقائل» (10).


1) منهم : ابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 349؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 380 - 381؛ والسيوري في التنقيح الرائع 120:2.

2) القائل هو ابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 349.

3) غنية النزوع 1: 264.

4) وسائل الشيعة 19 : 5 الباب 1 من أبواب كتاب الشركة.

5) ممن قال بها السيد المرتضى في الانتصار : 470 - 471، المسألة 265؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 411؛ والشهيد في الدروس الشرعيَّة 3 : 223 - 224 والطباطبائي في رياض المسائل 9 : 55.

6) راجع الهامش (1) من ص 328.

7) الانتصار : 471، المسألة 265.

8) النساء (4) : 29.

9) وسائل الشيعة 18 : 265 - 266، الباب 14 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

10) المصدر : 266، ح 2.

ونمنع شمول عموم كون الخسارة على رأس المال لمفروض المسألة المشترط فيها ذلك. والأوّل أقوى؛ لقوّة تلك القواعد المقرّرة، وضعف أدلّة الشروط عن مقاومتها، ومعارضة الإجماع المنقول بمثله، وإمكان حمل الروايتين على الاستحباب بعد ظهور الخسران من باب الإحسان.

ثامنها: جواز النظر إلى وجه المملوكة ومحاسنها إذا أراد شراءها من غير تلذذ ولا ريبة

ثامنها: يجوز النظر إلى وجه المملوكة ومحاسنها إذا أراد شراءها لنفسه أو لغيره - على إشكال - من غير تلذذ ولا ريبة لمكان الضرورة، وللإجماع المنقول (1)، وللأخبار (2)المعتبرة. وفي جواز النظر إلى جميع الجسد ما عدا العورة، وفي جواز التوكيل فيه إشكال، والأحوط تركه.

ويستحب تغيير اسم المملوك بعد شرائه أو انتقاله إليه مطلقاً، وأن يُطعمه شيئاً حلواً، وأن يتصدق عنه بأربعة دراهم،شرعيّة، ويكره أن يريه ثمنه في الميزان بل مطلقاً، كلّ ذلك للنصوص (3)والفتاوى.

تاسعها: في أنّ العبد بجميع أصنافه لا يملك شيئاً مطلقاً

تاسعها: العبد بجميع أصنافه لا يملك مطلقاً - عيناً أو منفعةً مستقراً أو متزلزلاً - لفاضل ضريبة، أو أرش جنايةٍ، أو ما ملكه مولاه، أو ما ملكه أو كان وقفاً عليه حال الحرّية قبل الاسترقاق، أو ما جعل له من صدقة أو نذر أو زكاة أو غير ذلك، كلّ ذلك للشهرة المحصلة والمنقولة (4)، وللإجماع المنقول على لسان الفحول (5)صريحاً أو ضمناً، كـ«مذهب الإمامية» و «مذهب أصحابنا» و «عندنا» وللأصل بمعنى الاستصحاب وبمعنى أصالة العدم، ولأنّه ليس كسائر المملوكات من الحيوانات فيفتقر ملكه إلى دليل، وما دلّ على ثبوت الأملاك للمالكين (6)منصرف إلى الأحرار، ولعدم معقولية ملك المملوك بعد أن تكون ذاته وصفاته


1) مسالك الأفهام 7: 42.

2) وسائل الشيعة 18 : 273، الباب 20 من أبواب بيع الحيوان.

3) المصدر : 251، الباب 6 من أبواب بيع الحيوان.

4) مفاتيح الشرائع 3: 43 مفتاح 891.

5) الخلاف 2 : 42 - 43 المسألة 45 المبسوط 6 : 217؛ السرائر :3: 6 منتهى المطلب : : 31: نهج الحقّ : 16/484.

6) عوالي اللآلي 3 : 208، ح 49.

• ومن جملتها سلطانه - مملوكة لغيره، ولانتفاء لوازم الملكية عنه فينتفي ملزومها، كجواز أخذ السيد ما في يده قهراً بالإجماع محصلاً ومنقولاً (1)، ومنعه من التصرف فيه من غير إذن السيد إجماعاً، و «الناس مسلّطون على أموالهم» (2)وعدم بقاء ما في يده له مع بيعه أو إعتاقه إجماعاً، وعدم ضمانه لمتلفاته بماله إلا بعد عتقه، وتعلّق جناياته برقبته أو بكسبه، وعدم استحقاقه للإرث إلا بعد عتقه، وعدم جواز الوصية له أو الوقف عليه، وجواز تصرف المولى بأمواله، و «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (3).

ولتعلّق أحكام به يستفاد من مجموعها عدم الملك، فتكون كالخاصة المركبة، كعدم مشروعية الزكاة في ماله مع مشروعيتها في مال الطفل، وعدم تعلّق الزكاة والخمس والحجّ بماله، وكذا الكفارات والنفقات، وعدم إجراء حكم الأمانات والولايات والوكالات عليه، وكاستبعاد تملك المولى فوائد بدنه ونمائه كالحمل واللبن وأعواض الجناية عليه وعوض بضعه، ولا يتملك ما خرج عنه واجتماع المالكين على مملوك واحد محال، ولزوم تأدية القول بالملك إلى تملك كلّ من العبدين صاحبه، وهو إما بعيد أو محال، إلى غير ذلك.

ولقوله تعالى: (عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) (4)الظاهر في عموم العبد لوصفه بالمملوكية الظاهر في العليّة، وفي عموم القدرة والشيء الشاملين للملك والتمليك، على أنّ الظاهر إرادة الكشف في صفة عدم القدرة كظهورها منه في صفة المملوكية، ولأنّ قصد التقييد لم يبق للمملوكية خصوصية، على أن الاقتضاء الذاتي أدخل في ضرب المثل وأوفق بإرادة البرهان على عدم القدرة.

ولقوله تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ) (5)فإنّه ليس المراد «فيما خصصناكم به» وإلا فلا يبقى للمملوك خصوصية، بل المراد الرزق العام فيفيد المطلوب، على أنّ فيها إشارة إلى الامتناع العقلي في تملك المماليك.


1) راجع رياض المسائل 9 : 58 - 59.

2) عوالي اللآلي 3: 208، ح 49.

3) سنن الدارقطني 2 : 605، ح 91/2849 - 92/2850.

4) النحل (16) : 75.

5) الروم (30) : 28.

وللصحيح في المملوك ما دام عبداً: «فإنّه وماله لأهله» (1).

وفي آخر: «لا وصيّة له إنّ ماله لمواليه» (2).

وتنزيل الإضافة في «ماله» على أنّها لأدنى ملابسة أولى من صرف اللام عن حقيقتها المفيدة للملك والاختصاص إما لكون الإضافة بذلك النحو حقيقة، أو لكونها أقرب المجازات، أو لأنّ التجوّز باللام بالنسبة إلى «ماله» يقضي باستعمالها في حقيقتها ومجازها؛ لأنّها بالنسبة إلى العبد حقيقة، وارتكاب عموم المجاز مجاز بعيد.

وللصحيح الوارد في الوصية للمكاتب: «إنّه تجوز له الوصية بحساب ما أُعتق منه» (3).

ولما دلّ على أن ما في يد العبد لمالكه إذا،باعه إلا إذا اشترطه المشتري فإنّه يكون له (4).

ولما دلّ على عدم ميراثه إلا بحساب ما أُعتق منه (5).

ولما ورد من جواز أن يأخذ المولى ممّا وهبه لأم ولده من دون طيب نفس منها (6).

ولما دلّ على أن وصيّة المولى لمملوكه بثلث ماله أنّه يعتق بحسابه (7)، وهو ظاهر في عدم إعطائه الثلث.

وذهب جمع من أصحابنا (8)إلى أنّ العبد يملك مطلقاً؛ استناداً للعمومات في باب المملكات من التقاط واصطياد وحيازة وقبول هبة وكلّ سببٍ شرعي اختياري أو قهري إلا ما خرج بالدليل.

وفيه منع انصراف العموم للعبد، ولو سُلّم من حيثية إنّ العام لا ينصرف إلى فرد دون آخر فهو مخصوص بالعبد؛ لما ذكرنا من قوّة المخصص وضعف العام.


1) وسائل الشيعة 19 : 410، الباب 78 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

2) المصدر : 354 - 355، الباب 39 من أبواب كتاب الوصايا، ح 5.

3) المصدر : 413، الباب 80 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

4) المصدر 18 : 252 - 254، الباب 7 من أبواب بيع الحيوان، ح 1، 4، 5.

5) المصدر 19: 413، الباب 80 من أبواب كتاب الوصايا.

6) المصدر 23 : 169 - 170، الباب 1 من أبواب الاستيلاد، ح 2.

7) المصدر 19 : 415، الباب 82 من أبواب كتاب الوصايا.

8) منهم : الصدوق في المقنع : 472 - 473: وذهب إليه الأكثر كما في الدروس الشرعيَّة 3 : 226.

ولقوله تعالى: (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ) إلى قوله تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللّه مِنْ فَضْلِهِ) (1)فإنّ الغنى عبارة عن ملك قوت السنة.

وفيه: أنّ الغنى يتحقق بالعيلولة ووجوب الإنفاق من آخر عليه، أو يراد الغنى بالإعتاق ثم الارتزاق، أو يراد من الغنى الكفاية كما هو المعنى العرفي.

ولما روي عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه أعتق عبداً فقال: «إن ملكك لي ولك (2)وقد تركته لك» (3).

وفيه - مع ضعفه سنداً وكونه مفيداً للملك في الجملة : أن بين «ملكك لي» و «لك» منافاة، وحمل «ملكك» على الاختصاص بقرينة سياق الأخبار الأُخر وفتوى من تقدَّم وتأخر أولى من حمل اللام في «لي» على الاختصاص بالتصرّف.

وإلى أنّ إباحة النكاح والتحليل له يستلزم الملك.

وفيه: أنا لا نسلّم أن البضع من المملوكات، بل هو سلطان آخر قضی به ذو السلطان، وقد جعلوا لاستباحة البضع سببين: الملك والعقد، فأحدهما غير الآخر.

وإلى قول أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): في رجل قال المملوكه: أنت حر ولي مالك: «لا يبدأ بالحرية قبل المال، بل يقول: لي مالك وأنت حرٌّ» (4).

وفيه - مع ضعف السند -: أنّه لا يوافق القواعد الشرعيَّة، ومعارض بالمعتبرة الدالة على كون مال المُعتق للمالك إذا كان جاهلاً به مطلقاً ولو لم يستثن (5)، ولا يدلّ أيضاً إلا على الملك في الجملة، فطرحه أو حمله على التقيّة أولى.

وذهب جمع آخر من أصحابنا (6)إلى ملكه لفاضل الضريبة، وهو فاضل الخراج الذي يضربه عليه المالك؛ استناداً إلى أن المولى لا يستحق على العبد إلا ما فرضه عليه إجماعاً، فلو لم يملك العبد الفاضل لبقي بلا مالك.


1) النور (24) : 32.

2) «ولك» لم ترد في المصدر.

3) وسائل الشيعة 23 : 49، الباب 24 من أبواب كتاب العتق، ح 7.

4) المصدر : 48 - 49، ح 5.

5) المصدر : 48 - 049 ح 2 – 604.

6) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 543؛ وابن البراج في المهذب 2 : 359؛ والمحقق الحلي في المختصر النافع : 218.

وفيه ضعف؛ لعدم منافاة ملك المولى للفاضل والتحجّر عليه بالتصرف فيه بعد تمام الأداء أو بعد تأدية البعض.

وإلى الصحيح الدال على أنّ ما اكتسب بعد الفريضة له، وأن له أن يتصدق وأن يعتق (1).

وفيه ضعف؛ لتضمنه ما لا يقول به أصحابنا من جواز تصرف العبد بماله، وحمله على الواقع بإذن المولى خلاف الظاهر، فلا يقاوم أدلّة المنع مطلقاً كي تقبل لتقيدها؛ لأنّ حمل العام على الخاص مشروط بالمقاومة، وليس،فليس، فلا بد من طرحه أو حمله على التقيّة أو على جواز التصرف بالإذن الفحوائيّة.

وذهب جمع (2)إلى ملكه لأرش الجناية؛ استناداً إلى أن المولى لا يملك إلا الانتفاع به، وأمّا نفسه فهى ملكه؛ لتعلق التكاليف به، فأرشها له.

وفيه أنّه مخالف للإجماع والكتاب (3)والسنّة (4)، من أنّ العبد مملوك كسائر المملوكات.

وإلى ما روي من أنّ العبد إذا ضربه المولى ثمّ استحلّه بألف درهم لا يجوز للمولى أخذها، وزكاتها على العبد، ولا يعطى من الزكاة شيئاً (5)، فإذا مَلَك عوض ضرب المولى ملك عوض ضرب غيره بالأولى، وكذا إذا مَلَك عوض الضرب مَلَك عوض ما هو أقوى منه من الجنايات بالأولى.

وفيه - مع ضعف السند - : اشتمالها على ما لا يقول به أحد من منع المولى من التصرف بمال العبد وثبوت الزكاة في ماله، فلتُطرح أو تُحمل على التقيّة بقرينة ثبوت الزكاة في ماله، أو تحمل على الندب والتنزه.

وهذه الأقوال المعروفة.

وربما يقال بملكه لما ملكه مولاه أو أذن له في ملكه؛ استناداً إلى أن العبد له ذمة وله قابلية للضمان، ولتعلّق الخطابات، ولا مانع من ملكه سوى منع المولى، فإذا ملكه أو أذن له في الملك ارتفع المانع.


1) وسائل الشيعة 18 : 255، الباب 9 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

2) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 543: وابن البراج في المهذب 2 : 359، الهامش (2).

3) النحل (16) : 75.

4) راجع الهامش (1 و 2) من ص 557.

5) وسائل الشيعة 18 : 256 - 257، الباب 9 من أبواب بيع الحيوان، ح 3 ؛ و 9 : 92، الباب 4 من أبواب مَن تجب عليه الزكاة، ح 6.

وفيه: أنّه ليس المانع من تمليكه منع المولى بل المانع كونه مملوكاً، وهو من الموانع الذاتية له كما ذكرناه من الأدلّة، والفرق بين كونه له ذمّة فيملك عليه وتتعلّق به الخطابات. وبين كونه له قابلية الملك ظاهر.

وإلى رواية تمليك السيّد له ما قابل ضربه له (1)، وفيه ما قدمنا.

وربما يقال بملكه ملكاً غير تام؛ للجمع بين ما دلّ على ملكه وما دلّ على عدمه بحمل الأوّل على المتزلزل والثاني على المستقر.

وفيه: أن الجمع فرع المقاومة وليس فليس على أنّه رجوع للقول بالملكية، لأن القائلين بها يقولون بتزلزلها بالنسبة إليه وإنّ أمرها إلى السيد إبقاء وفسخاً.

وربما يقال - أيضاً - بملك التصرف خاصةً دون العين؛ استناداً للإجماع على جواز تصرف العبد بإذن المولى، وهو معنى الملكيّة، وإلى جواز نكاحه.

وفيه: أن المتيقن من الإجماع والأخبار هو إباحة التصرف لا ملكيته، وأن للنكاح حكماً آخر غير أحكام الأملاك.

و تترتب على القول بالملكيّة وعدمها ثمرات متعدّدة:

منها: ما لو كان بيد العبد المسلم عبد مسلم وكان مولى الأوّل كافراً، بيع عليه على جميع الأقوال؛ للزوم بيع الأوّل وعدم جواز تملك الثاني، ولو انعكس الحال، بيع على القول بملكية العبد وللمولى تملكه.

ومنها: لو وطأ العبد جاريته، حدّ على القول بعدم الملك، وعُزّر على القول به.

ومنها: أنّه لا يحل للمولى وطء جارية العبد إلا بتملكها على القول بملكه، وعلى القول بعدمه يحلّ ذلك، واحتمال أنّ نفس الوطء مملك للمولى فيحلّ مخالف للاحتياط.

ومنها: لو وهب كلّ من السيدين عبده لعبد الآخر بطلت الهبة إن كان دفعةً، وصح السابق إن سبقت هبة أحدهما أو شك وكان أحدهما معلوم التأريخ؛ لامتناع تملك العبد سيّده.

ومنها: سقوط الاستطاعة والزكاة ونحوهما من الحقوق عن السيد على القول بملكية العبد، وعدم السقوط على القول الآخر.


1) راجع الهامش (5) من ص 559.

ومنها: ترتب ثمرات الإحلال والإحرام فيما لو كان السيد مُحرِماً والعبد مُحِلّاً أو بالعكس في الصيد وشبهه ممّا يزول الملك عنه بالإحرام، إلى غير ذلك.

عاشرها: في أنّه لو باع العبد مالكه أو نقله مطلقاً وكان بيده مال كان المال للبائع إلا أن يشترطه المشتري

عاشرها: لو باع العبد مالكه أو نقله مطلقاً وكان بيده مال، كان المال للبائع، إلا أن يشترطه المشتري، أو تقوم قرينة على تبعيته له في عقد البيع، ولا يتفاوت الحال في ذلك بين القول بملكية العبد وبين عدمه، وهذا من الشواهد على عدم تملكه، ولا بين علم البائع بالمال وجهله به في كونه له مع عدم شرط المشتري، كلّ ذلك للإجماع على عدم تملك العبد له، وللأخبار (1)الدالة على ذلك، ولفتوى المشهور بكونه للبائع مع عدم شرط المشتري من غير فرق بين الجاهل والعالم.

وللأخبار، ومنها الصحيح فيمن باع مملوكاً فوجد له مالاً، فقال: «المال للبائع لأنّه إنما باع نفسه، إلا أن يكون شرط عليه أن ما كان له من مال أو متاع فهو له» (2).

والمراد بالمشترط هو المشتري دون العبد؛ بقرينة الخبرين الآخرين الدالين على أنّه للبائع إلا أن يشترطه المشتري (3).

وقيل: إنّ المال للبائع مع جهله به وللمشتري مع علمه (4)استناداً للصحيح: فيمن يشتري المملوك وله مال، فقال: «إن كان علم البائع أنّ له مالاً فهو للمشتري، وإن لم يكن له علم فهو للبائع» (5).

وفيه أنّه ضعيف لا يقاوم ما تقدّم؛ لاعتضاد الأوّل بفتوى المشهور وعملهم، وبكثرة العدد وبالأصل والاستصحاب من غير معارض من قرينةٍ خارجة أو داخلة تقضي بانتقاله عن البائع، فلا يصلح لتقييد الأخبار المتقدّمة، فلا بدّ إما من طرحه، أو تنزيله على حصول الشرط من المشتري، أو قضاء العادة.


1) وسائل الشيعة 18: 252، الباب 7 من أبواب بيع الحيوان.

2) المصدر، ح 1.

3) المصدر : 253 و 254، ح 4، 5.

4) قال به ابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 5: 243، المسألة 212.

5) وسائل الشيعة 18: 253، الباب 7 من أبواب بيع الحيوان، ح 2.

ثمّ إنّه مع انتقال مال العبد للمشتري - إما ببيعه معه صريحاً أو ببيعه تبعاً أو باشتراط أنّه له - يشترط فيه أنّه إذا كان ربويّاً وكان الثمن كذلك وكانا جنساً واحداً أن يزيد الثمن عليه مقابلة العبد، أو يضم إليه ضميمة، أو يضم إلى كلّ منهما ضميمة، أو يكون مما يغتفر في حقه الربا.

ويشترط قبض ما قابله إن كانا من النقدين في المجلس، وأن لا يدخلهما الأجل وأن لا يبيع بالمجانس مع الجهل بالقدر، إلى غير ذلك.

واحتمال أن الشرط فيما لو اشترط مال العبد لا يدخله الربا؛ لأنّه ليس من أحد العوضين فلا بأس بأن يقابله مثله ويزيد العبد عليه، لا وجه له؛ لمخالفته ظواهر الفتاوى والنصوص (1)الدالة على عموم الربا لكلّ معاوضةٍ ولكلّ ما يتعلّق بها أصالة أو تبعاً شرطاً أو غيره.

نعم، قد يقال باغتفار الجهالة فيما لو وقع شرطاً فيه في الجملة إذا لم تكن مؤدية إلى الغرر الذي لا يتحمّل؛ لعموم دليل الشروط (2)، ولأنّه قد يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في المتبوعات.

ولو ظهر عيب في العبد أو ماله فله ردّ الكلّ أو إمساكه، وليس له التفريق بين العبد والمال. والمال المستجد بعد العقد قبل القبض المملك للبائع والمستجد في زمن العقد الفضولي مع الإجازة مبني على كشفها أو نقلها.

ويلحق بالعبد المنتقل العبد المعتق؛ فإنّ ماله لسيّده؛ للأصل والنصوص والفتاوى، سواء كان الانعتاق قهريّاً أو اختيارياً.

حادي عشرها: عدم صحة جعالة العبد لو جعل لغيره جغلاً على شرائه

حادي عشرها: لو جعل العبد لغيره جُعْلاً على شرائه له لم تصحّ جعالته حتّى على القول بملكيته؛ لعدم جواز شغل ذمّته بالسبب الاختياري، إلا أن يأذن له المولى فيلتزم المولى بما أذن به على الأظهر، ولأنّه لا يقدر على شيء فلا يملك العمل في ذمة المجعول له فلا يملك عليه مال الجعالة.

نعم، لو كان المأمور مغروراً في غير هذا المقام لاشتغلت ذمته قهراً بأجرة المثل فيتبع بها بعد العتق.


1) راجع وسائل الشيعة 18 : 137 و 140، الباب 8 و 9 من أبواب الربا.

2) راجع الهامش (1) من ص 328.

ولو جعل لمولاه جغلاً على بيعه فعدم صحّة الجعالة ها هنا أولى؛ لأنّ صاحب المال لا يكون له على ماله مال ولأنّه يلزم على القول بالصحّة على كلا التقديرين إما اشتغال ذمته بالعوض بعد العتق فتكون معاملة سفهيّة، أو اشتغال ذمته قبل انتقاله فيلزم ملك المال عليه قبل العمل، أو بعد انتقاله فيلزم الاستحقاق عليه بعد ذهاب ماله؛ لأنّ ما في يده إما يعود للبائع أو للمشتري.

ولو قال العبد للمولى: «أعتقني على كذا» لم يكن لازماً، ولا يستحق المولى عليه شيئاً لا قبل عتقه ولا بعده، أما قبله : فلعدم إمكان ملك كلّ منهما على الآخر مالاً، والكتابة لها حكم آخر جاء به الدليل (1)، وأما بعده فإنّه وإن أمكن إلا أنّه موقوف على صحّة العقد قبله، وهي موقوفة على قابليته لشغل الذمة اختياراً، وهي موقوفة على عتقه، فيبطل الاستحقاق.

ثاني عشرها: حكم ما إذا تجدّد في الحيوان عيب بعد العقد وقبل القبض

ثاني عشرها: إذا تجدد في الحيوان عيب بعد العقد وقبل القبض ولم يكن ساقطاً حكمه بأحد مسقطات العيوب كان للمنقول إليه الخيار بين الفسخ وإرجاع ثمنه؛ لانفساخ العقد بتلف الجميع فينفسخ بتلف البعض بعض المعقود عليه فتتبعض الصفقة فيثبت له خيار الفسخ، وبين إمساكه مجاناً فيبرأ الناقل بمجرد اختيار المجانية من غرامة الأرش، أو يفتقر إلى الإبراء، وجهان، والأقرب للقواعد الأخير؛ وبين الإمساك بالأرش، وهو أن يسترجع من الثمن بنسبة ما بين قيمة الصحيح والمعيب وقت حدوث العيب، لأنّه زمن الانتقال إلى العوض، ولا يسترجع نفس التفاوت ما بين القيمتين؛ لأنّه ربما جمع بين العوض والمعوض، إلا إذا كان العيب من جهة البائع أو الأجنبي فيضمنان نفس التفاوت.

واعتبار تفاوت القيمتين حين العقد، أو حين الإقباض، أو حين التقويم، أو الأعلى منهما، أو الأعلى مما بينهما بعيد كلّ البعد.

ويدلّ على ثبوت الأرش فتوى المشهور نقلاً (2)وتحصيلاً، وكونه جزء فائتٍ من جملة مضمونة فيكون مضموناً فيلزم إرجاع ما قابله، وأنّ الالتزام بفسخ الجميع أو قبوله مجاناً من


1) وسائل الشيعة 23 : 47، الباب 24 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

2) الحدائق الناضرة 406:19.

الضرار المنفي (1)، وأنّ استحقاق الأرش في العيب السابق أو المقارن بسبب المضمونية جارٍ فيما نحن فيه. قيل: وفي الأخبار ما يرشد إليه (2).

وحينئذٍ فالاستناد للأصل في نفي الأرش، وللإجماع المنقول (3)بعد ما ذكرنا ضعيف لا يقاوم ما تقدم.

ولا خيار للبائع في الفسخ لو طولب بالأرش، خلافاً لمن زعم ذلك (4).

ولا يسقط خيار العيب الحادث قبل حدوثه على الأظهر، إلا مع اشتراطه في العقد فالأظهر السقوط، ويسقط بعد حدوثه بالإسقاط.

ولو شكّ في حدوث العيب قبل القبض أو بعده ولم يعلم التأريخ أو علم تأريخ القبض فلا خيار، ولو علم تأريخ العيب فلا يبعد الحكم بتأخير القبض عنه.

ولو زال العيب بعد تحققه لم يزل حكم الخيار على الأظهر.

وإذا تلف الحيوان جملةً قبل القبض انفسخ البيع وردّ الثمن - للأخبار (5)وللإجماع - إن كان التلف بآفةٍ سماوية، وإلا تخيّر المشتري بين الفسخ والرجوع بالثمن وبين الإمضاء والرجوع على المتلف بالقيمة، سواء كان المتلف البائع أو أجنبياً وإن كان المتلف المشتري، كان ضمانه عليه بمنزلة القبض، وإن تشارك الجميع في الإتلاف أو الاثنان منهم أو الثلاث فلكل حكمه بنسبة الإتلاف للمال.

ولو تلف الحيوان في الثلاثة أو غيرها بعد القبض وكان الخيار فيها للبائع أو الأجنبي أو لهما مع مشاركة المشتري وبدونها، فالضمان على المشتري للأصل، وظواهر الأخبار الموافقة للمشهور بل المجمع عليه، وفي إلحاق المؤامرة بالخيار وجه.

وإن كان الخيار مختصاً بالمشتري أصالةً كخيار الحيوان، أو عارضاً كخيار الشرط، فالضمان على البائع ما لم يحدث المشتري فيه حدثاً يقضي بضمانه عليه، أو يسقط خياره بأحد


1) راجع الهامش (1) من ص 194.

2) لم نتحقق القائل بذلك.

3) راجع رياض المسائل 400:8.

4) لم نتحقّقه.

5) راجع وسائل الشيعة 18 : 23، الباب 23 من أبواب الخيار.

المسقطات. كلّ ذلك للإجماع وظواهر الأخبار، واختصاصها ببعض الموارد لا يمنع التعدي إلى غيرها؛ لعدم القول بالفصل، ولإلغاء الخصوصية، وللعلة المستفادة منها.

هذا إن كان التلف بآفة سماوية، وإن كان من المشتري فضمانه عليه، وإن كان من البائع أو الأجنبي، فله الخيار بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف بالقيمة.

ولو اختلفا في أصل الخيار أو في التلف أو في وقته مع جهل التاريخ أو مع العلم بوقت انقضاء الخيار، فالقول قول البائع.

ولو اختلفا في اشتراك الخيار وعدمه أو في سقوطه أو في حصول أسباب تقضي بضمانه على المنقول إليه، فالقول قول المشتري.

ولو حصل سبب التلف في الخيار المختص، فالظاهر أنّه كالتلف، وتعذر تحصيله، وامتناع الوصول إليه عادة وامتناع تملكه شرعاً لاستحالته إلى محرم - مثلاً - بمنزلة التلف.

والعيب الحادث في زمن الخيار المختصّ مضمون على مَنْ لم يكن له خيار، فيثبت فيه الخيار بين الردّ والإمضاء مع الأرش على الأظهر ما لم يكن من جهة المختص به؛ لاقتضاء ضمان الجملة ضمان الأجزاء.

ولو كان العيب من المشتري سقط خياره المختص به.

والظاهر عدم التفاوت بين الخيار الأصلي كخيار الحيوان، والعارضي كالغبن، وبين الحاصل وقت العقد، وبين الحادث بعده قبل القبض ولكن على إشكال فيما عدا الأوّل.

ومتى كان مضموناً على مَنْ لا خيار له لم يكن مسقطاً للخيار الأوّل وكان مثبتاً لخيارٍ جديد، ولا بأس باجتماع خيارين مع تعدد سببهما، فلا يسقط الخيار الثاني بسقوط الأوّل ولا بانتهاء مدته، ولا يسقط الأوّل بسقوط الثاني، إلا أن يكون الخيار الأوّل من جهة العيب فإنّه يسقط الردّ بهما، ولكن لا يسقط أرشهما، فله أخذ أرش الأوّل قطعاً، وكذا أخذ أرش الثاني على الأظهر؛ لضمان الجملة على مَنْ ليس له خيار، وقاعدة ضمان العيب تقتضيه، ويؤخذ ممّن لا خيار له إن كان العيب منه أو من السماء، ومخيّراً بينه وبين الأجنبي إن كان العيب من الأجنبي.

ولو رجع على البائع، كان له الرجوع على الأجنبي، إلا أنّه مع الرجوع على الأجنبي له تفاوت ما بين قيمتي كونه صحيحاً ومعيباً، ومع الرجوع على البائع له من الثمن بنسبة ذلك التفاوت.

ثم إن البائع يرجع على الأجنبي بأقل الأمرين مما أخذ منه ومن تفاوت قيمتي الصحيح والمعيب، فلو نقص ما على الأجنبي عمّا دفعه البائع لم يكن له مطالبة الأجنبي بشيء، ولو زاد كانت الزيادة للمنقول إليه ولو كان العيب لا يوجب نقصاً فلا أرش، ولو أوجب زيادةً كانت الزيادة للمنقول إليه، وليس له إلا خيار الردّ إن لم يكن الخيار الأوّل عيباً.

ولو شك في أن حدوث العيب في زمن الخيار المختص أو بعده، فالأصل تأخره، والأصل اللزوم إلا مع علم التأريخ في حدوث العيب، والشك في انقضاء الخيار ودفع الأرش من الناقل لا يزيل خيار الردّ من المنقول إليه.

ولو حدث العيب بعد انقضاء زمن الخيار المختص، لم يجز الرد به، ولا أرش له، ويسقط الرد للعيب السابق للزوم الضرر على الناقل بردّه إليه معيباً، ولظاهر الاتفاق، ولا يسقط الأرش للعيب السابق؛ لعدم طروء ما يزيله.

ثالث عشرها: حمل الحيوان للبائع مع اشتراطه

ثالث عشرها: حمل الحيوان للبائع مع اشتراطه؛ للإجماع وعموم الأدلّة، وخيال أنّه كاستثناء الجزء في بيع الحيوان ظاهر البطلان، وكذا مع الإطلاق؛ لفتوى المشهور، وظاهر الإجماع المنقول (1)، وعمومات الأدلّة. وادّعاء الجزئية فينتقل بنقل الحامل؛ تردّه المغايرة العرفية والعقلية، وتغايرهما في الأحكام الشرعيَّة وعدم دخوله في بيع الحامل ولا في لفظها بجميع أنواع الدلالات الوضعية إلا أن تقوم قرينة على دخوله كحمل صغار الحيوان، أو يصرح بدخوله في البيع فيدخل حينئذٍ تبعاً ولا تضرّ فيه الجهالة لمكان السيرة بل والإجماع، حتّى لو قلنا باشتراط العلم في توابع المبيع في غير الحمل، أو يشترطه المشتري فإنّه يدخل في بيع الحامل لمكان الشرط، ويغتفر فيه الجهالة كما قدمناه أيضاً؛ للسيرة القطعية وإن قلنا باشتراط العلم في شرائط البيع.

نعم، لو بيع منفرداً، اشترط فيه العلم، وكذا لو كان المقصود بالبيع هو والحامل تبعاً في وجه قويّ، فإن لم يمكن العلم فلا يبعد المصير إلى الصلح مع احتمال جواز بيعه مطلقاً ولو كان مجهولاً؛ لعدم إمكان استعلامه واغتفار أهل العرف الغرر فيه لوضعه على ذلك.

ويظهر الفرق بين دخوله في البيع وبين اشتراطه في البيع في ظهور العدم، فإنّ له الخيار


1) السرائر 2 : 336 و 344.

في الأوّل بين الفسخ وبين الإمضاء مع استرداد ما قابل الحمل من الثمن، وله الخيار في الثاني أيضاً إلا أن الإمضاء يكون مجاناً، وكذا في انكشاف موته، ولو شك في زمن موته بعد الإقباض فالأصل تأخر موته، والأصل الصحّة.

ولو شك في زمن حدوث الحمل، كان للمشتري، إلا أن يعلم تأريخ الحمل ويشكّ في تأريخ العقد.

ولو حدث بين العقد والإجازة كان للناقل على النقل، وللمنقول إليه على الكشف، ولو حدث بعد العقد قبل الملك فهو للناقل.

ويتحقق الحمل بالعلقة وما بعدها. وفي تحققه بالنطفة مع العلم بكونها مبدأ حيوان إشكال، ولا يبعد ذلك.

فإن سقط الحمل قبل قبضه أو في الثلاثة من غير فعل المشتري، كان مضموناً على البائع، فله الفسخ، وله الإمضاء فيرد من الثمن بنسبة تفاوت قيمتي كونها حاملاً ومجهضاً، ويراعى التقويم حين العقد، مع احتمال ملاحظة نفس الحمل لا صفة الحاملية، فيسترد من الثمن بنسبة قيمته إلى قيمتهما وقت العقد.

ولو جنى عليه جناية أعابته أخذ منه أرش يوم الجناية مع اختيار الإمضاء.

ولو اختلفا في دخول الحمل هل هو على وجه الشرطيّة أو الشطرية، فالوجه: التداعي. ولو قبض الحامل دون الحمل بحسب القصد أو جعل لأحدهما خيار دون الآخر، كان لكل منهما حكمه.

رابع عشرها: حرمة بيع الأمة الموطوءة قبل استبرائها بحيضة تامة

رابع عشرها: يحرم بيع الأمة الموطوءة للمالك بعد بلوغه قبلاً مع الإنزال إذا كانت بالغةً وغير حاملةٍ قبل استبرائها بحيضة تامة إن كانت ممن تحيض، أو بخمسة وأربعين يوماً تامة مع خروج الليلتين الأولى والأخيرة إن لم تنكسر الأيام، ومع دخولهما لو انكسرت واحتسبت الأيام ملفّقةً، وكذا يحرم وطؤها على المشتري إذا لم يعلم باستبراء البائع، سواء علم بوطئه لها أم لم يعلم كلّ ذلك للإجماعات المنقولة (1)بل المحصلة والأخبار (2)المستفيضة المتكثّرة.


1) الخلاف 3 : 131 - 132، المسألة :219؛ غنية النزوع 1: 360؛ رياض المسائل 9 : 68.

2) وسائل الشيعة 18 : 257، الباب 10 من أبواب بيع الحيوان.

وإنّما يقع الكلام في أُمور:

منها: أنّ هذا التحريم هل يقضي بفساد البيع؛ لإشعار التحريم في المعاملات بالفساد، أو لا يقضي؛ لأنّه ليس من المحرمات الأصلية، بل إنما جاء لمكان الأمر بالاستبراء وهو ضده والأمر بالشيء نهي عن ضدّه والنهي التبعي لا يقضي بالفساد، على أنّه قد يمنع اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن الضدّ؛ لمنع توقف المأمور به على ترك ضده ؟

ومنها: أنّه هل يختص التحريم بالبيع ؟ كما اختاره الحلّي (1)استناداً للأصل، وظهور الأخبار في البيع، وشكاً في سريان الحكمة المدعاة؛ لعدم كونها منصوصةً أو لا يختص ؟ للأمر باستبراء السبايا بحيضة في الأخبار (2)المعتبرة المنجبرة، ولا قائل بالفرق ممن يعتد به، ولظاهر جملةٍ من الأخبار المعتبرة المؤذنة بكون الاستبراء لمخافة الحمل المؤدي لاختلاط الأنساب.

ففي الصحيح فيمن ابتاع جارية لم تطمث: «إن كانت صغيرة لا يتخوّف عليها الحبل (3)فليس عليها عدة، وليطأها إن شاء» (4).

والآخر عن الجارية التي لا يخاف عليها الحبل، قال: «ليس عليها عدّة» (5).

ولظهور تنقيح المناط القطعي في المقام.

ولا فرق بين الناقل الجائز أو اللازم.

وفي الفضولي يدور التحريم مدار الإجازة إن كانت ناقلةً، وإن كانت كاشفةً فإن أجاز بعد الاستبراء فلا شيء عليه ولا على الفضولي، وإن أجاز قبله فعل حراماً بالإجازة، مع احتمال عدم الحرمة، كاحتمال الحرمة في مبدأ العقد.

ومنها: أن وطء غير البالغ كوطء غير البالغة لا اعتبار به؛ للأصل، وللعلة المفهومة من الأخبار وهو خوف الحمل، وللإجماع بقسميه (6).


1) السرائر 2 : 346.

2) وسائل الشيعة 21 : 104، الباب 17 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

3) في بعض النسخ: «الحمل» بدل «الحبل».

4) المصدر : 83 الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

5) المصدر، ح 2.

6) رياض المسائل 9 : 73.

وكذا وطء اليائسة لا اعتبار به؛ لما قدّمنا وللخبر المعتبر في الجارية المشتراة، قال: «إذا قعدت عن المحيض أو لم تحض فلا عدة لها» (1).

ومنها: أن وطء الدبر كوطء القُبُل موجب للاستبراء على البائع والمشتري؛ لشمول لفظ الوطء له في الأخبار (2)المانعة للمشتري عن وطء المشتراة، وشمول لفظ المس له في الأخبار (3)الناهية عن مسها كذلك، وشمول الأخبار (4)المانعة عن وطء المشتري للأمة إذا لم يعلم أنّ البائع لم يطأها أو لم يمسها إذ لم يخبره للوطء في الدُّبُر، ولشمول علة المنع له من حيث احتمال سبق المني إلى جهة القُبُل فيتحقق الحمل، فلا يجوز حينئذٍ للبائع بيع الموطوءة دبراً قبل الاستبراء، ولا يجوز للمشتري أن يطأ دبراً قبل الاستبراء.

وقيل بعدم وجوب استبراء البائع للموطوءة دبراً (5)للأصل، وانصراف الأدلّة الناهية للوطء في القبل.

وفيه ضعف يظهر مما قدمناه.

ومنها: أن الوطء مع الإنزال وبدونه حرام على المشتري، وأما الوطء بدون إنزال على جهة القطع فهل يؤثر حرمة؛ لإطلاق الأخبار بالوطء والمسّ (6)، أو لا يؤثر؛ لعدم شمول العلة المفهومة من الأخبار له ؟ والأول أحوط.

ومنها: أن المقطوع بعدم وطئها للمالك لكبر أو مرض أو عننٍ أو جب أو صغر أو مسح لا يجب استبراؤها لا على البائع ولا على المشتري للأصل، وعدم انصراف الأخبار المانعة للبائع عن البيع والمشتري عن الوطء لذلك، واحتمال وطء الوليّ في جارية الصغير لا عبرة به.

ومنها: أنّه لو فَعَل البائع حراماً فباع قبل الاستبراء وجب تسليمها للبائع؛ لوجوب دفع المال إلى أهله، وحرمة التصرّف بمال الغير، والناس مسلّطون على أموالهم، فاحتمال وجوب إبقائها عنده أو وضعها على يد عدل ضعيف.


1) وسائل الشيعة 21 : 84، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 4.

2) راجع المصدر : 83، ح 1 و 89 - 90، الباب 6 من تلك الأبواب، ح 1، 2، 6.

3) راجع المصدر : 83، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1 و 84، الباب 4 من تلك الأبواب.

4) المصدر : 89، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

5) نسبه الطباطبائي في رياض المسائل 9: 73 إلى بعض المحققين.

6) راجع الهامش (2) و (3).

ومنها: أنّه لا يلحق بالوطء سائر الاستمتاعات بالنسبة إلى وجوب الاستبراء على البائع قطعاً.

وهل تلحق به بالنسبة إلى المشتري ؟ للموثق فيمن يشتري الجارية وهي حبلى أيطأها ؟ قال: «لا» قلت: فدون الفرج ؟ قال: «لا يقربها» (1)أو لا تلحق به ؟ للأصل، وفتوى المشهور، ومفهوم العلة، والخبر يحلّ للمشتري ملامستها ؟ قال: «نعم، ولا يقرب فرجها» (2)والموثق: أيحل له أن يأتيها فيما دون فرجها ؟ قال: «نعم» (3)وفي ثالث: «لا بأس بالتفخيذ لها حتى يستبرئها» (4).

ومنها: أنّه لا شكّ في كفاية الحيضة الواحدة في الاستبراء للبائع والمشتري، ومثله النفاس؛ لأنّه حيض في المعنى، فما دلّ على اعتبار الحيضتين - كما في الصحيح (5)- مطرح أو محمول على الاستحباب.

وهل يشترط تمام الحيضة أو يكفي التلبس بها ؟ والظاهر عدم كفاية التلبس بالنسبة إلى البائع؛ لإطلاق الأخبار الآمرة باستبرائها حيضة (6)، وكفايته بالنسبة إلى المشتري لو وقع البيع في الأثناء؛ للإجماع المنقول (7).

والصحيح فيمن اشترى جارية وهي حائض، قال: «إذا طهرت فليمسها» (8).

وفي آخر: فيمن اشترى جاريةً وهي طامث أيستبرئ رحمها بحيضة أُخرى أم تكفيه هذه الحيضة ؟ قال: «لا، بل تكفيه هذه الحيضة» (9).

وإن وقع البيع في حال الطهر فلا بد من الإتمام؛ أخذاً بإطلاق الأخبار والاستصحاب، مع احتمال الاكتفاء بالتلبس، ولكنّه بعيد.


1) وسائل الشيعة 21 : 88، الباب 5 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 5.

2) المصدر : 90، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 5.

3) المصدر : 105، الباب 18 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 5.

4) المصدر : 87، الباب 5 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

5) المصدر : 90، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 5.

6) المصدر 18 : 261، الباب 11 من أبواب بيع الحيوان، ح 4، 5.

7) الخلاف 3 : 133 - 134، المسألة 222.

8) وسائل الشيعة 21 : 83، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

9) المصدر : 096 ح 2.

ومنها: أن الخمسة والأربعين يوماً لمن لا تحيض وهي في سنّ مَنْ تحيض، دلّ عليها فتوى المشهور، والإجماع المنقول (1)، والخبر المعتبر (2)، وأصالة البراءة من الزائد، وفي جملة من الأخبار خمس وأربعون ليلة (3)، وهو كناية عن إرادة الأيام، كما يعبّر عنه في العرف غالباً بقرينة فهم الأصحاب، والخبر المعتبر في الباب، أو محمول على الأيام المنكسرة، كما هو الغالب.

واحتمال التخيير بين الليالي والأيام فيؤخذ بالسابق منهما بعيد.

وأبعد منه ما ذهب إليه المفيد (رَحمهُ اللّه) من جعل قدر الاستبراء ثلاثة أشهر (4)قياساً على المطلقة فيمن لا تحيض وهي في سنّ مَنْ تحيض.

وهو قياس ممنوع لا دليل على صحته.

ومنها: أنّ الظاهر من الأخبار أنّ المشتري يجب عليه استبراء الأمة مع احتمال وطء المالك لها فضلاً عن قطعه، أو مع قطعه بوطء غيره لها وطاً محترماً بتحليل أو عقد أو شبهه، فلو قطع بعدم وطء المالك لم يجب عليه الاستبراء تعبداً ولو احتمل وطء غيره.

نعم، لو كان احتمال وطء غيره احتمالاً ظاهراً، كما إذا كانت محلّلةً لغيره ولم يعلم أنّه قد وطأها المحلل له ولكنه احتمال ظاهر، أو كان احتمال وطء المالك احتمالاً بعيداً كما إذا كانت محلّلة للغير وشكّ في وطء الغير لها واحتمل وطء المالك لشبهة أو نسيان، فإنّه لا يبعد وجوب الاستبراء؛ لإطلاق الأخبار (5)، وحصول خوف اختلاط الأنساب.

أما لو علم بوطء المالك لها على جهة التحريم لكونها محلّلةً للغير، ويعلم بعدم وطء الغير لها أو احتمل وطأه المحرّم، ففي وجوب الاستبراء حينئذٍ إشكال، والأحوط الاستبراء. ولو تعدّد المالكون دفعةً، فالمدار على العلم بعدم وطء كلّ واحدٍ منهم ولو شبهةً بل ولو حراماً على إشكال.

ولو تعاقبوا وعلم بعدم وطء الأخير، كأن اشترى وباع في المجلس أو اشترى غائبةً


1) الخلاف 5 : 80، المسألة 37.

2) وسائل الشيعة 18 : 259، الباب 10 من أبواب بيع الحيوان، ح 6.

3) المصدر 21 : 84 - 85 الباب 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 5 - 7.

4) المقنعة : 600.

5) وسائل الشيعة 18 : 257، الباب 10 من أبواب بيع الحيوان.

فباعها، فهل هو كافٍ في سقوط الاستبراء، أو لا بد من العلم بعدم وطء كلّ واحدٍ منهم بعد حيضها ؟ وجهان، والأحوط بل الأظهر الأخير؛ لمكان التعليل في الأخبار (1)، وعدم ظهور التعبد فيها.

ومنها: أنّ المشتري يسقط عنه الاستبراء فيما لو كان البائع امرأة مع عدم القطع بسبق وطء محرّم لها؛ لإطلاق الفتوى والنصّ، ففي الصحيح عن الأمة تكون لامرأة فتبيعها، قال: «لا بأس أن يطأها من غير أن يستبرئها» (2)وكذا غيره من الأخبار(3)، ولا يتوقف جواز الوطء على إخبارها بعدم وطء محرّم لها، ولا يلزم سؤالها؛ لإطلاق الأخبار، فلو لم يسألها أو سألها ولم تجبه فلا بأس، إلا أنّ بالسؤال والوطء بعد الإخبار، كما يشعر به حكاية فعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث إنّه يظهر من بعض الروايات أنّه سألها (4).

ومنها: أنّه يسقط الاستبراء عن المشتري بشهادة عدلين؛ لعموم دليل حجيتها، وبإخبار المالك إذا كان عدلاً؛ لفتوى المشهور بقبول خبر العدل ها هنا ولو كان واحداً، ولظاهر الإجماع المنقول (5).

وللأخبار المعتبرة فيمن يشتري الجارية فيخبره سيدها بعدم وطئها، ففي بعضها: «إن وثق به فلا بأس» (6)وفي بعضها: «إن ائتمنته فمسّها» (7)وفي بعضها قيد الأمانة والصدق (8).

وبهذا يظهر ضعف قول مَنْ ذهب إلى لزوم الاستبراء ها هنا أيضاً (9)لإطلاق الأخبار بوجوبه (10)، وللأمر به في بعض الأخبار ولو مع الإخبار.


1) راجع الهامش (3 و 4) من ص 568.

2) وسائل الشيعة 21 : 91 الباب 7 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

3) المصدر، ح 2.

4) المصدر.

5) ریاض المسائل 9 : 76.

6) وسائل الشيعة 21 : 89، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

7) المصدر : 090 ح 4.

8) المصدر : 89، ح 2، 6.

9) ابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 346.

10) راجع الهامش (5) من ص 571.

ففي الخبر أشتري الجارية من الرجل المأمون، فيخبرني أنّه لم يمسها مذ طمثت، قال: «ليس بجائز أن تأتيها حتّى تستبرئها بحيضة» (1).

وفي الثاني: عمّن يشتري الجارية من الرجل المسلم يزعم أنّه قد استبرأها، قال: «استبرئها بحيضتين» (2).

وفي الثالث: فيمن اشترى جارية ولم يكن صاحبها يطؤها أيستبرئ رحمها ؟ قال: «نعم» (3).

وذلك لضعف سند الأوَّل، واشتمال الأخيرين على ما أُجمع على خلافه، وعدم التصريح بأمانة المُخبر في الثاني، وعدم التصريح بالإخبار في الثالث، فليطرح الجميع، أو يُحمل على الندب كما يشعر به أخبار أُخر.

وهل يلحق الموثوق به المأمون في صدقه بإخبار العدل كما يظهر من الأخبار وإطلاق الفتاوى، أو لا بد من العدالة؛ قصراً للحكم على مورد اليقين من الجواز، ولانصراف الأمانة والوثاقة إليها في الأخبار (4)؟ وفي الأوّل قوة.

والظاهر أن العدل مقبول وإن لم يكن مالكاً؛ لعموم دليل حجيته، ولأنّه أبعد عن التهمة من المالك، ولإشعار أخبار قبول قول المالك المأمون بذلك.

ولو اختلف الثقتان فالترجيح لقول المالك، مع احتمال ترجيح قول المثبت.

ولو أخبر عدل ففسق قبل الوطء لم يلتفت إلى فسقه، ولو كانت الأمة ثقةً فالأقوى قبول قولها، والأحوط عدمه.

ومنها: أن المشتري لو عصى ووطئ قبل الاستبراء فالظاهر عدم سقوط لزوم الاستبراء ذلك، كما إذا وطئ نسياناً وغفلةً، مع احتمال السقوط؛ لفوات محلّ تدارك الحكمة التي لأجلها يشرع الاستبراء.

ومنها: أن الوطء الممنوع منه هو ما يُسمّى وطأ ولو بدون إدخال الحشفة إذا صاحب الإنزال، وإن لم يصاحبه فكذلك ولكن على إشكال؛ لانصراف الوطء غالباً إلى الموجب للغسل.


1) وسائل الشيعة 18 : 261، الباب 11 من أبواب بيع الحيوان، ح 5.

2) المصدر 21 : 90، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 5.

3) المصدر 18 : 257، الباب 10 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

4) المصدر 21 : 89 - 90. الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1، 2، 4.

ومنها: أنّه لا يصح بيع الأمة على امرأة أو مَنْ كان بحكمها ثمّ شراؤها للاحتيال في جواز الوطء بعد الشراء؛ لظهور الأخبار المعللة بخوف الحبل (1)بمنعه، وليس الحكم من التعبديات الصرفة.

خامس عشرها: حرمة وطء الأمة الحامل من غيره

خامس عشرها: يحرم وطء الأمة الحامل من غيره - بما يُسمّى وطاً مع الإنزال، وبإدخال الحشفة مع عدمه ولكن على إشكال ؛ لانصراف الوطء غالباً للموجب للغسل، كما أن الإنزال من غير إدخال لا يخلو من هذا - إذا كان الوطء قبل مضي الأربعة أشهر من حال الحمل، إمّا هلالية تامة إن انعقد الحمل في مبدئها، وإمّا هلاليين تامين وهلالي منكسر، أو هلاليين تامين وعددي منكسر، أو الكلّ عددية إن انعقد الحمل في أثناء الشهر، ويلفّق اليوم المنكسر من اليوم الأخير أو يسقط احتسابه أو يحتسب يوماً تاماً أو يفرّق بين قلة الانكسار فالثاني وكثرته فالأوَّل، وجوه، أوجهها الوسط في الانكسار الأوَّل، والأوّل في الانكسار الأخير.

والدليل على ذلك الإجماع المحكي (2)، والأخبار (3)العامة الشاملة لما دون الأربعة ولما فوق الأربعة المستفيضة القريبة من التواتر، بل ربما ادعي تواترها المعتضدة بالكتاب (4)وبالاحتياط في الفروج وبكونه من الباطل إذا اعتبر ميزان الحقّ والباطل، وبتأديته لاختلاط الأنساب، لأنّ التغذّي بالنطفة له مدخلية بالنسب، كما تومئ إلى ذلك الأخبار (5)من الأمر له بعزل نصيب من الميراث والأمر بعتقه والنهي عن بيعه وبتأديته إلى ذهاب حق صاحب الحمل لاشتغال الرحم بحقه في تلك المدة، وبالاستصحاب للحرمة السابقة، وبفتوى المشهور نقلاً (6)بل تحصيلاً.

فمن الأخبار الصحيح في الأمة الحبلى يشتريها الرجل، فقال: «أحلتها آية وحرمتها


1) راجع الهامش (3 و 4) من ص 568.

2) ریاض المسائل 9 : 78.

3) راجع وسائل الشيعة 21 : 91، الباب 8 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

4) الطلاق (65) : 4.

5) وسائل الشيعة 21 : 94، الباب 9 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

6) رياض المسائل 9 : 78.

آية، فأنا أنهى عنها نفسي وولدي» (1)والنهي حقيقة في التحريم، وتخصيصه نفسه وولده إنّما كان للتقيّة لا للكراهة؛ لأن الترجيح في جانب الحرمة قطعاً.

والآخر: الرجل يشتري الجارية وهي حامل، ما يحلّ منها ؟ قال: «ما دون الفرج» (2).

والثالث: الجارية يشتريها [ الرجل ] وهي حبلى أيطؤها ؟ قال: «لا» (3).

والرابع: في الجارية الحبلى يشتريها الرجل فيصيب منها دون الفرج، قال: «لا بأس» قلت: فيصيب منها في ذلك ؟ قال: «تريد تغرّه (4)» (5).

والخامس: عشر لا يحلّ نكاحهنّ، وعدّ منها «أمتك وهي حبلى من غيرك» (6).

والسادس: فيمن اشترى حبلى فوطئها، فقال: «بئس ما صنع» (7).

إلى غير ذلك من الأخبار الدالة بإطلاقها على المنع مطلقاً، فيدخل فيها ما دون الأربعة أشهر قطعاً.

ولخصوص الصحيح: قلت: وإن كانت حبلى فما لي منها ؟ قال: «لك ما دون الفرج إلى أن تبلغ في حبلها أربعة أشهر وعشرة أيام» (8).

ومن خصوص هذا الصحيح يتجه القول بالحرمة إلى مدة عشرة أيام زيادةً على الأربعة أشهر أيضاً، وتدخل الليالي المتوسطة بها وتخرج الأخيرة، والمنكسر يلفّق على ما هو أظهر، ويحتمل إسقاطه، ويحتمل احتسابه يوماً تاماً.

وكذا يتجه القول بحرمة الوطء قبلاً ودبراً؛ لإطلاق لفظ الفرج عليهما، وإطلاق لفظ الوطء على وطئه، إلا أنّ ظاهر المشهور وأصالة البراءة وظهور القُبل من إطلاق لفظ الوطء والفرج وإشعار علة المنع من خوف اختلاط الأنساب وتضييع حق صاحب الحمل مما يوجب اختصاص الحكم بالقُبُل فالقول باختصاصه به أقوى وإن كان الأوّل أحوط.


1) وسائل الشيعة 21 : 92 الباب 8 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2.

2) المصدر : 87 - 88، الباب 5 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 3.

3) المصدر : 88، ح 5.

4) التغرة : حمل النفس على الغرر الصحاح 2 : 769، «غ ر ر».

5) وسائل الشيعة 21 : 88، الباب 5 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 4.

6) المصدر : 106 - 107، الباب 19 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 2.

7) المصدر : 94 الباب 9 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

8) المصدر : 92. الباب 8 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 3.

كما أنّه يتجه الحكم بالتحريم مطلقاً إلى حين الوضع ولو كانا توأمين إلى حين وضعهما؛

أخذاً بإطلاق تلك الأخبار وشمولها جميع الأزمنة إلى حين الوضع، المنجبرة بالكتاب (1)والاحتياط والاعتبار، وخصوص الأخبار المصرحة بالحرمة إلى حين الوضع، كالصحيح: في الوليدة يشتريها الرجل وهي حبلى، قال: «لا يقربها حتّى تضع ولدها»(2)والآخر: «نهى عن وطء الحبالي حتّى يضعن» (3)فليس للصحيح قابلية لتقييد أدلة التحريم؛ لأنّ الجمع فرع المقاومة، وحينئذٍ فالقول بالجواز مطلقاً ضعيف.

والاستناد إلى الإجماع المنقول على الجواز (4)معارض بإجماع آخر، وموهون بمصير الأكثر إلى خلافه.

وإلى الآية الدالة على جواز نكاح ملك اليمين (5)، وهو معارض بما هو أقوى منها، وهي آية أُولات الأحمال(6)لكون الأولى بمنزلة القاعدة الدالة على جواز تصرف الإنسان بماله، بخلاف الثانية فإنها بمنزلة حكم جديد.

وإلى الخبر: «ما أُحبّ للرجل المسلم أن يأتي الجارية حبلى قد حبلت من غيره حتّى يأتيه فيخبره» (7)وهو معارض بما هو أقوى منه، ومع ذلك فهو ضعيف سنداً ودلالةً.

وكذا القول بالتحريم فيه إلى الأربعة أشهر، أو إلى الأربعة أشهر وعشرة، أو الكراهة فيما فوقه إلى حين الوضع؛ استناداً في التحريم إلى ما دلّ عليه عموماً وخصوصاً كما ذكرنا، وفي الجواز إلى الأصول والعمومات المجوّزة، والروايات المتقدّمة المقيدة لعمومات المنع بالأربعة أشهر وعشرة فما دونها، وفي الكراهة إلى التخلّص من شبهة التحريم نصاً وفتوى.

وذلك لعدم قابلية الصحيح لتقييد تلك الأدلّة، ولظهوره في التقيّة حيث إنّ في آخره: «إنّ


1) الطلاق (65) : 4.

2) وسائل الشيعة 21 : 91 - 92، الباب 8 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

3) المصدر : 93، ح 7.

4) الخلاف 5 : 85، المسألة 46.

5) النساء (4) : 3.

6) الطلاق (65) : 4.

7) وسائل الشيعة 21 : 87، الباب 5 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

المنع من الوطء إلى الوضع من أفعال اليهود» (1)، ولعدم ذكر التقييد بالأربعة أشهر وعشرة في رواية الكافي(2)، ولأنّ ظهور الحمل إنّما يحصل غالباً بالأربعة أشهر، فيكون في الحقيقة معارضاً لروايات المنع لا مقيداً لها.

وكذا القول بالتحريم إلى حين الوضع في الحامل من الحلال ولو لشبهة أو كان مجهولاً، والجواز لو كان الحمل من زنى مع الكراهة وبدونها، أو القول بإلحاق المجهول بالزني، أو القول بالتحريم إلى الوضع في غير الزنى وبالتحريم إلى الأشهر في الزنى، أو القول بالتحريم إلى الأشهر في الحلال والجواز مطلقاً في الزنى، كلّ ذلك للجمع بين الأخبار مهما أمكن، ولما دلّ على أن الزاني لا حرمة لمائه، وأنّ الشارع قد ألغى اعتباره في العدد والاستبراء(3).

ووجه ضعفه أنّ الأخبار على كثرتها خالية عن التعرّض للزنى والتفصيل بينه وبين غيره، مع أن المقام مقام بيان؛ لكثرة وقوع الزنى في الجواري، وأن ما دلّ على أن الزاني لا حرمة لمائه غير صالح لتقييد الأدلّة المتقدّمة؛ لضعفه وقوتها، وأن الحكم بعدم العدة لماء الزاني قد يناقش فيه وإن كان مشهوراً بين الفقهاء؛ لورود عدة من الأخبار بالأمر من الاعتداد،عموماً، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «العدّة من الماء» (4)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا أدخله فقد وجبت العدة» (5)وبعضها خصوصاً، ففي رواية: «حتى يستبرئها من نطفته ونطفة غيره» (6)وفي آخر: «إذا هو اجتنبها حتّى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور» (7).

والظاهر أنّ النزاع مختص فيما كان الحمل سابقاً على الملك، وأما لو كان لاحقاً، فإن كان عن حلال فالظاهر تحريمه مطلقاً؛ لمكان لزوم الاستبراء والاعتداد، وإن كان زني فالظاهر جوازه مطلقاً؛ لعدم احترام مائه من غير معارض وما قدمنا خاص في المقدم على

الملك، ولأن الحرام لا يحرم الحلال.


1) راجع الهامش (8) من ص 575.

2) الكافي 5 : 475، ح 2.

3) راجع الحدائق الناضرة 19 : 448 - 449.

4) وسائل الشيعة 22 : 266، الباب 44 من أبواب العدد، ح 4.

5) المصدر، ح 3.

6) المصدر : 265 - 266، ح 2.

7) المصدر : 265، ح 1.

وإن كان مجهولاً، ففي تحريمه ؛ لحمل فعل المسلم على الصحّة، ولإطلاق الآية بأولات الأحمال (1)، أو عدم تحريمه للأصل، وإطلاق الآيات الدالة على جواز التصرف بالملك (2)مطلقاً، وجهان، والأوّل أظهر وأحوط.

ولو وطئ الحامل في محلّ الجواز أو فَعَل حراماً، استحب له العزل عنها؛ لفتوى المشهور، وإشعار الأخبار (3)به.

وأوجبه بعضهم قبل مضي أربعة أشهر مدعياً عليه الإجماع، وهو أحوط (4).

فإن لم يعزل كره له بيع ولدها؛ لتشبته بالحُريّة، وعلّته البنوة، كما تشعر به الأخبار (5).

وحرمه بعضهم حيث يكون الوطء قبل أربعة أشهر، ونقل فيه الإجماع(6)، وبعضهم مع إضافة العشرة أيام (7)، وحرمه بعضهم مطلقاً (8).

ويستحب أن يعزل له من ميراثه قسطاً.

وأوجبه بعضهم بما كان الوطء قبل أربعة أشهر ناقلاً عليه الإجماع (9)، وبعضهم بذلك مع زيادة العشرة أيام (10).

وليس للقسط حد في النصّ والفتوى.

نعم، فيها ما يدلّ على كثرته في الجملة؛ لأنّ في بعضها اعتبار الوصية بما يعيش به (11)، والأولى جعله نصيب ولد.


1) النساء (4) : 3.

2) النساء (4) : 3 و 24 و 25: المؤمنون (23) : 6.

3) منها : ما في وسائل الشيعة 21 : 94، الباب 9 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

4) ابن زهرة في غنية النزوع 360:1.

5) وسائل الشيعة 21 : 94، الباب 9 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

6) ابن زهرة في غنية النزوع 1: 360.

7) الشيخ الطوسي في النهاية : 507 وابن حمزة في الوسيلة : 308.

8) الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 83.

9) ابن زهرة في غنية النزوع 1: 360.

10) الشيخ الطوسي في النهاية : 507.

11) راجع الهامش (3).

وأوجب بعضهم (1)عتقه فيما لو كان الوطء متقدماً على الأربعة أشهر وعشرة أيام مدعياً عليه الإجماع.

ولولا شهرة القول بالندب فيما ذكرناه - شهرة محصلة ومنقولة (2)- ومنقول الإجماع والأصول والقواعد القاضية بالجواز لكان القول بالوجوب متجهاً للأمر بعدم بيع الولد. وعتقه، وجعل شيء له من ماله يعيش به في الأخبار (3)، ومنقول الإجماع.

قيل (4): ويستحب للواطئ وأرحامه الإنفاق عليه والقيام بحقوقه ومعاملة الواطئ له معاملة الأب، وأولاده معاملة الإخوة له.

ولو شكّ في الإنزال أو العزل، انتفت الأحكام من الأصل.

والقسط يخرج من الثلث بعد المنجزات والحقوق الواجبات ولو تأخر على إشكال.

سادس عشرها: كراهة التفرقة بين الأطفال وأُمهاتهم النسبية

سادس عشرها: يكره التفرقة بين الأطفال وأُمهاتهم النسبية تفرقة حسية في مكانين متباعدين عرفاً، أو نقليّة إذا كانت مقدمةً للتفرقة الحسية.

وفي إلحاق الأُمّ الرضاعيّة بالنسبية، وإلحاق باقي المحارم بالأم مع تحقق العلقة، بل غير المحارم من المربية وجه يقتضيه التعليل، ومع خوف الضرر والتلف يحرم.

ومع محبّة التفرقة منهما أو عدم المبالاة من كلّ منهما بفرقته عن الآخر يرتفع حكم الكراهة.

وحدّ الكراهة الاستغناء عنهنّ.

واختلفوا في أنّه هل هو بلوغ سبع سنين تحقيق في تقريب، أو أن يستغني عن الرضاع، أو التفصيل بين الأنثى فالأول ويلحق بها الخنثى، أو الذكر فالثاني، أو أن يتمكن من الاستقلال في التعيش بنفسه بحيث يقال عرفاً : إنّه غير محتاج وإنه استغنى عنها ؟ كما نُسب (5)لظاهر


1) لم نتحقّقه.

2) راجع رياض المسائل 9 : 84.

3) راجع الهامش (3) من ص 578.

4) لم نتحقق القائل.

5) الناسب هو السيوري في التنقيح الرائع 2 : 126.

الأصحاب، وهو الأقوى؛ لعدم دليل خاص يدلّ على ما تقدَّم من الأقوال.

وقيل بالحرمة (1)، ونُقل على ذلك الشهرة (2)والإجماع (3)، ويؤيّده حرمة الظلم وقساوة القلب وعدم المروءة، وأن مَنْ لا يُرحم لا يُرحم.

ويدل عليه الأخبار الخاصّة:

كقوله في الموثق عن أخوين مملوكين هل يفرّق بينهما، وبين الامرأة وولدها ؟ فقال: «لا، هو حرام، إلا أن يريدوا ذلك» (4).

وفي الصحيح: عن الغلام والجارية وله أخ أو أخت أو أب أو أُمّ بمصر من الأمصار، قال: «لا يخرجه إلى مصر آخر، ولا تشتره، وإن كان له أمّ فطابت نفسها ونفسه فاشتره إن شئت» (5).

وفيه: «بيعوهما جميعاً أو أمسكوهما جميعاً» (6).

وفي آخر: الجارية الصغيرة يشتريها الرجل، فقال: «إن كانت قد استغنت عن أبويها فلا بأس» (7).

فالقول بالتحريم قوي لولا الأصول والقواعد وفتوى المشهور نقلا (8)بل تحصيلاً والإجماع المنقول على الكراهة (9).

وعلى القول بالتحريم تعمّ الحرمة للبائع والمشتري، ولكن لا يفسد العقد بها؛ للأصل وفتوى الأصحاب.

وما ورد من رد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجارية التي قالت: «يا أُمّاه» (10)محمول على الندب ورضى البائع.


1) ممن قال بها : الشيخ المفيد في المقنعة : 545؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 410.

2) تذكرة الفقهاء 10 : 335، الفرع «هـ» من المسألة 150.

3) الخلاف 5 : 531 - 532، المسألة 18.

4) وسائل الشيعة 18 : 265، الباب 13 من أبواب بيع الحيوان، ح 4.

5) المصدر : 263 - 264، ح 1.

6) المصدر : 264، ح 2.

7) المصدر : 265، ح 5.

8) لم نتحقق الناقل له.

9) ریاض المسائل 9 : 84.

10) وسائل الشيعة 18 : 264، الباب 13 من أبواب بيع الحيوان، ح 3.

وهل يختص حكم التحريم - على القول به - بما هو مذكور في الأخبار؛ لمخالفة الحكم للأصل فيقتصر فيه على مورد اليقين، أو يسري - بتنقيح المناط - لكلّ من احتاجت إليه الأطفال ولم تستغن عنه وتعلّق قلبها به ؟ وجهان، والأظهر الأخير لولا نقل بعضهم الإجماع على جواز تفرقة الأم الرضاعيّة ومَنْ تعلّق بالرضاع من غيرها، والإجماع على جواز تفرقة غير الأُمّ من الأرحام (1).

ولو حصلا في الملك متفرّقين لم يلزم جمعهما وإن ندب.

ولو حصل ضرر على الطفل بعدم التفرقة سقط حكم الكراهة والتحريم.

ولا يسري الحكم لغير الإنسان من الحيوان وإن كانت الرحمة والرقة والبر من المحاسن.

وزعم بعضهم أنّه يحرم التفرقة قطعاً قبل شرب اللبأ في ضمن الثلاثة أيام؛ لأنّ تركه ممّا يؤدي للهلاك، فلا نزاع فيه (2).

وهو ممنوع، والتجارب تقضي بخلافه سيّما لو أُريد عموم ذلك لغير الإنسان.

سابع عشرها: حكم ما إذا ظهر استحقاق الأمة الموطوءة لغير الواطئ

سابع عشرها: إذا ظهر استحقاق الأمة - بالبينة أو بحكم الحاكم أو غيرهما - الموطوءة لغير الواطئ بإدخال الحشفة في قبل أو دبرٍ، عن علمٍ أو جهل، بنكاح أو تحليل أو ملك يمين ببيع أو غيره، أو شبهة؛ لفساد عقد أو غيره، مع علم الموطوءة وجهلها، ومع قدرتها على الامتناع وعدمه استردّها المستحق لها؛ للإجماع بقسميه (3)، وللأصول والقواعد، وللأخبار الخاصة ففي الصحيح في وليدة باعها ابن سيدها واستولدها الذي اشتراها، قال: «الحكم أن يأخذ وليدته وابنها» (4)، ونحوه غيره (5).

وغرم له الواطئ عُشر قيمتها إن كانت بكراً لم تطأها الرجال قبلاً أو دبراً وإن ذهبت عُذرتها بنزوةٍ أو غيرها على وجه، أو ما ذهبت منها الغشاوة على وجه آخر، ولا يبعد أنّ


1) تحرير الأحكام الشرعيَّة 2 : 165 - 166، الرقم 2748.

2) العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 10: 335، ضمن الفرع «هـ» من المسألة 150.

3) ریاض المسائل 9 : 88.

4) وسائل الشيعة 21 : 203، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

5) المصدر : 205، ح 5.

المفهوم عرفاً هو الأخير، ونصف العُشْر إن كانت ثيبةً بأن وطأها الرجال قبلاً أو دبراً وإن بقيت عُذرتها على تأمل في ذلك.

و تقوم حين الوطء، لا حين التقويم، ولا الأعلى ما بينهما.

وهل تقوم موطوءةً فتدخل زيادة القيمة بالوطء لو زادت ونقصانها لو نقصت، أو غير موطوءة ؟ وجهان.

والأحوط تقويمها موطوءةً مع الزيادة، وغير موطوءة مع النقصان بالوطء.

نعم، له أرش النقصان؛ لحصوله بوطئه ومباشرته.

وهل يدخل أرش البكارة في العُشْر؛ للأصل وظاهر الأدلّة الباقية، أو لا يدخل؛ لأصالة عدم التداخل ؟ وجهان، والثاني أحوط.

وهل يحتسب الوطء المتعدّد كالواحد مطلقاً، أو يحتسب متعدداً مطلقاً فلمالكها العشر في أوّل وطأة إذا كانت بكراً ثمّ له نصف العشر في كلّ وطأة، أو يحتسب واحداً مع اتحاد الوقت ومتعدّداً مع تعدّده عرفاً، أو يحتسب واحداً مع عدم تخلّل غرامة الواطئ ومتعدداً مع تخلّلها، أو يحتسب واحداً مع عدم اختلاف الوصف من البكارة والثيبوبة ومتعدداً مع اختلافه ؟ وجوه، أظهرها من الأخبار: الأوّل.

ولو كانت مبعضةً فالوجه: التوزيع.

والرجوع لمهر المثل بعيد.

ولو كانت عالمةً مطاوعةً، فلمالكها ذلك؛ أخذاً بإطلاق الرواية (1)، ولأنّه حق للمولى. وليس من المهر كي يدخل في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا مهر لبغيٍّ» (2)على أنّه لو كان مهراً شرعاً، أو كاشف عن أنّه مهر أمثالها لكان للمولى أخذه لانصراف المهر المنفي للحرّة؛ لمكان اللام المفيدة للاستحقاق، ومكان لفظ المهر؛ لأنّه من خصائص الحُرّة.

ولو اختلفا في الوطء وعدمه، فالقول قول النافي.

ولو اختلفا في البكارة وعدمها، احتمل الوجهان؛ لأصالة البراءة من الغرامة الزائدة، وللاستصحاب، ولا يبعد الأخير.


1) وسائل الشيعة 21 : 132، الباب 35 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

2) صحیح مسلم 3 : 1198، ح 1567؛ سنن ابن ماجة 2 : 730، ح 1259.

والدليل على ثبوت العُشر ونصف العُشر - دون مهر الأمثال - في جميع المقامات المتقدّمة: فتوى المشهور والإجماع المنقول (1)، وللاستقراء الحاصل من ثبوته في المقامات المتعدّدة بالأخبار أو بفتوى الأصحاب.

ولكن في قطعيته إشكال.

ولتنقيح المناط بعد وروده في موارد خاصة:

كالصحيح في الأمة المحلّلة لما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضها، قال: «يغرم لصاحبها عُشر قيمتها إن كانت بكراً، وإن لم تكن بكراً فنصف عشر قيمتها» (2).

وفي آخر في المدلّسة مثله، وفيه: «بما استحلّ من فرجها» فإن جاءت منه بولد ؟ قال: «أولادها منه أحرار» (3).

ولكن في قطعيته إشكال.

نعم، في التعليل باستحلال الفرج إيماء لشمول الحكم لجميع ما تقدم، ومع ذلك فالقول بثبوت مهر الأمثال لا يخلو من قوة.

كما أنّ إلحاق الموطوءة في الدبر بالموطوءة في القُبُل - بالنسبة لغرامة العقر، وبالنسبة لثبوت الثيبوبة، وإدخال أرش البكارة في العقر، وتعيين أن البكارة ما هي، وتعميم الحكم للجاهلة والعالمة، وكيفية التقويم وغير ذلك مما قدمنا ممّا ليس فيه تصريح في الأخبار ولم ينعقد عليه إجماع الأصحاب - لا يخلو من إشكال.

ويستحق المالك على الواطئ - إذا لم يكن الواطئ مغروراً من قبل المالك بل من قِبَل غيره - أُجرة المنافع المستوفاة له والفائتة تحت يده، وقيم النماءات المتلفات بعد وضع يده عليها، فإن أحبلها فالولد له حُرٌّ إن لم يكن زانياً؛ لأصالة الحرية، ولأن الولد يتبع أشرف الأبوين - كما دلّت عليها الأخبار (4)- إلا الزاني، فإنّه لا حرمة لمائه.

وعليه دفع قيمة الولد يوم سقوطه حيّاً، بأن يقومه اثنان قيمة عادلة على ما هو عليه من


1) الخلاف : 158 - 159، المسألة 251.

2) راجع الهامش (1) من ص 582.

3) وسائل الشيعة 21 : 185 – 186، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

4) المصدر : 121، الباب 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

الصفات المزيدة للقيمة أو المنفعة لها، باقياً على رقيّته غير عائد إلى الحرية - والأظهر اشتراط العدالة فيهما، وفي الاكتفاء بالعدل الواحد وجه - فيدفع قيمة الولد لمالك الأمة.

والظاهر اشتراط كونها من النقدين؛ لانصراف القيمة في الأخبار (1)والفتاوى إليهما.

ويدلّ على دفع القيمة مع الحياة الإجماع، والأخبار الخاصة:

كالموثّق فيمن اشترى جارية فأولدها ثم يجيء مستحق الجارية، قال: «يأخذ الجارية المستحق، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد ويرجع على مَنْ باعه بثمن الجارية وقيمة الولد» (2).

والآخر في جاريةٍ كذلك، قال: «يأخذ الجارية صاحبها ويأخذ الرجل ولده بقيمته» (3).

والثالث: في جارية كذلك، قال: «يقبض ولده ويدفع إليه الجارية، ويعوّضه من قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها» (4).

فالقول برقية الولد ضعيف جداً.

ولو سقط الولد ميتاً أو سقطاً لا حياة مستقرة فيه فليس على الواطئ شيء.

وقوى بعضهم تغريمه دية جنين (5).

وهو ضعيف؛ لعدم العثور على دليل عليه.

ويشترط في تغريم المالك للواطئ المنافع وقيمة الولد أن لا يكون هو الغار والمدلس.

ويرجع الواطئ على الدافع بالثمن مع بقاء عينه عالماً أو جاهلاً، ولا يرجع مع تلفه إذا كان عالماً، بل يرجع مع الجهل بمثله أو قيمته، ويرجع مع جهله على الدافع بما غرم للمالك من قيمة منافع مستوفاة أم لا، وكذا قيمة نماءات وصل نفعها إليه أم لا؛ لإقدامه على صيرورتها له مجاناً، وبقيمة الولد، كما نُقل على خصوصها الإجماع (6)ونطقت بها الأخبار كما تقدم (7)، ويرجع بالعقر مطلقاً زاد على مهر المثل أو نقص عنه وإن حصل له في مقابله نفع؛


1) راجع الهامش (1) من ص 582.

2) وسائل الشيعة 21 : 205 الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 5.

3) المصدر : 204، ح 3.

4) المصدر : 204 – 205. ح 4.

5) المحقق الكركي في جامع المقاصد 6: 313.

6) تذكرة الفقهاء 10 : 340 - 341، المسألة 152؛ التنقيح الرائع 2 : 127.

7) تقدَّم آنفاً من الموثق.

لما قدمنا من إقدامه عليه مجاناً، فهو مغرور من قبل البائع والمغرور يرجع على مَنْ غرّه، ولفحوى ما دلّ على الرجوع بقيمة الولد (1).

ثامن عشرها: في أنّ كلّ مالٍ اشتري فظهر أنّه مسروق وجب على المشتري ردّه فوراً إلى أهله

ثامن عشرها: كلّ مال اشتري فظهر أنّه مسروق من معتصم المال وجب على المشتري رده فوراً مهما أمكن لأهله، لا إلى السارق؛ لأنّه تفريط به وعدوان عليه.

فإن جهل أهله مطلقاً، تصدق به عنهم مع نيّة الضمان، أو أوصله الحاكم، والأولى له ذلك سيّما لو كان أهله كفّاراً، فإن التصدق عنهم مشكل.

وإن علم أهله في محصورين صالحهم صلحاً اختيارياً أو قهرياً بأمر الحاكم، أو أقرع بينهم.

وإن علمهم بأعيانهم ولكن عجز عن الوصول إليهم بقي عنده أمانة، أو تصدق به، أو دفعه إلى الحاكم؛ لأنّه ولي مال الغائب، والأحوط الأخير.

ولا يتفاوت الحال في ذلك بين الجارية وغيرها، وبين كونها من أرض المسلمين أو من غيرهم، إلا أنّه قد ورد بخصوص الجارية المسروقة من أرض الصلح من أهلها - لا من غيرها ولو من أهلها، ولا من غير أهلها ولو فيها - أنّ من اشتراها ردّها على البائع إن كان حيّاً، واستعاد ثمنها - باقياً أم لا بمقتضى إطلاق الرواية - وإن مات البائع ولا وارث له سعت في ثمن رقبتها (2)، وأفتى بها الشيخ (3)وجمع من أصحابنا (4).

وفيها مخالفة للقواعد من جهة الإرجاع للبائع، وهو ظلم.

والجواب عنه بأنّه ذويد و مخاطب بالرد فيرد إليه، مردود بأن يده إن لم تثبت كونها يد عدوان فلا يجوز الرد عليه، ولا الفسخ قهراً، وظاهر الرواية جوازه قهراً، على أنّه غير مفروض المسألة، وإن ثبت كونها يد عدوان فلا يجوز الردّ عليه، وكما أنّه مخاطب بالرد فكذلك المشتري مخاطب بالرد والجواب عليه امتثال خطابه لا خطاب غيره.


1) راجع الهامش (2) من ص 584.

2) وسائل الشيعة 18 : 277، الباب 23 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

3) النهاية : 414.

4) منهم : الشهيد في الدروس الشرعيَّة 3 : 232؛ وابن البراج على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 262، المسألة 229.

نعم، قد يحمل على أن الردّ عليه لمكان التقيّة، ولكنه بعيد.

ومن جهة أنّ استسعاءها ظلم أيضاً؛ لأنّ منافعها مملوكة للغير فلا يصح استيفاؤها.

والجواب عنه بأن مال الحربي فيء للمسلمين، واحترامه بالصلح إنما كان عارضيّاً، فيجوز أن يجبر به ما كان احتراماً أصلياً، مردود بعدم الفرق بين الاحترامين، ومَنْ ظُلم لا يظلم، والظالم له غير الحربي.

ومن جهة الحكم فيها بإرجاع الثمن من دون تفصيل بين العلم والجهل، وتلفه وعدمه، وهو لا نقول به مطلقاً.

ومن جهة الحكم فيها بالفرق بين موت البائع وعقبه وخلافه من دون فرق بين وارث لهم سواهم أو لا، وبقاء مال لهم أم لا.

ومن جهة أنّها لا تخلو من ظهور في أنّ المشتري إذا لم يمكنه الرد على البائع وكان البائع معسراً - أو المشتري في وجه - فلا ردّ، وتكون له عوض الثمن، على أنّها ليس فيها بيان حالها بعد الاستسعاء هل هو التحرير دفعةً أو التحرير شيئاً فشيئاً بتسليم شيءٍ فشيء ؟ وهل هو تحرير بنفسه أو بفعل الحاكم، أو أنّه يجري عليها بعد الاستسعاء حكم اللقطة أو تسلّم إلى الحاكم، أو غير ذلك ؟

وعلى كلّ حال فالرواية لا بد من اطراحها والرجوع إلى القواعد المحكمة، ولا يجوز الأخذ بها ولو مع الاقتصار على موضع مدلولها، إلا ما علم منه تنقيح المناط.

ومتى رجع بها إلى القواعد كان للمشتري تسليمها للحاكم مع جهل صاحبها أو عدم إمكان الوصول إليه، وللحاكم التصدق بها مع نية الضمان من بيت المال أو مع عدمه أو مع نية الضمان عن دافعها في وجه، وله وضعها أمانة عنده أو في بيت المال.

هذا إذا لم يمكن ردّها لأهلها، وإلا ردّها لأهلها، ومؤونة الرد على البائع أو المشتري، ومستقرّ على المشتري إذا لم يكن مغروراً، والنفقة على بيت المال إن قبضها لأهله، وعلى صاحبها من كسبها أو قرضاً عليه إن قبضها لصاحبها مع احتمال كونها على ذي العدوان إن قبضها لصاحبها أمانة.

والمسروقة من أرض الحرب أو مما بين الحدين يتبع كلاً حكمه.

ولو اختلف البائع والمشتري في كونها مسروقةً من أرض الحرب أو الصلح، فالقول قول مدعي الصحّة.

تاسع عشرها: عدم صحة بيع عبد من عبدين أو من عبيد

تاسع عشرها: لا يصح بيع عبد من عبدين أو من عبيد، وكذا غيره مما تساويا في الصفات والقيمة أو اختلفا لا على وجه الكلّيّة المنحصرة في تلك الأفراد المضمونة فيما بقي، ولا على وجه الكلية المشاعة فيها، ولا على وجه الإبهام. لحصول الغرر عرفا في القيميات، ولظاهر فتوى المشهور، والإجماع المنقول (1)بل المحقق فيما لو أريد الإبهام.

ونقل عن الشيخ جواز بيع عبد من عبدين معينين على وجه الكلية، وأنّه ادعى الإجماع على ذلك، واستدلّ بالرواية (2)، وعموم «المؤمنون عند شروطهم» (3)و (4).

والكل ضعيف؛ لمعارضة الإجماع بمثله، وبفتوى الأصحاب على خلافه حتّى أنّه خالفه بنفسه في مقام آخر (5)، ولضعف الرواية؛ لأنّ الظاهر أنّها الآتية إن شاء اللّه تعالى، على أن موردها غير محلّ المسألة، ولضعف العموم أوّلاً، وتخصيصه بأدلة الغرراً (6)ثانياً.

ولو باع رجل رجلاً عبداً كلياً موصوفاً بالذمة فدفع إليه عبدين على أن يكون وفاؤه فيهما، لم يصح على الأظهر؛ لمكان الغرر، وشموله لجميع المعاوضات، سواء نوى بوفائه الأحد المبهم أو الكلّي المشاع أو المضمون، وصحة دفع الكلّي في المثليات وفاء لا تستلزم صحته في القيميات؛ لحصول الفرق بينهما عرفاً ولو تساوت القيميات في الصفات.

وإن دفع العبدين له ليتخيّر منهما واحداً مطابقاً لذلك الكلي، كانا في يد المدفوع إليه أمانةً مضمونة، كضمان المقبوض بالسوم، كما هو الأشهر؛ لعموم على اليد ما أخذت (7)ولإقدامه على أوّله إلى الضمان.


1) السرائر 2 : 350.

2) وسائل الشيعة 18 : 268، الباب 16 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

3) تقدَّم تخريجه في ص 394، الهامش (4).

4) الخلاف : 38 - 39، المسألة 54.

5) المصدر : 217، المسألة 38.

6) راجع الهامش (1) من ص 264.

7) راجع الهامش (6) من ص 189.

والقول بعدم الضمان هنا وإن قلنا به في المقبوض بالسوم؛ لأن المقبوض بالسوم مبيع بالقوة أو مجازاً لما يؤول إليه، وصحيح المبيع و فاسده مضمون به، بخلافه هنا؛ لأنّ المقبوض به محض استيفاء حقّ، والبيع سابق عليه، مردود بأنّ المبيع هنا أمر كلّيّ، وكلّ فردٍ من المقبوض صالح لكونه فرداً له، والكلّي منصب على فرده، فالمقبوض حينئذٍ إما بيع بالقوة أو مجازاً لما يؤول إليه، بل هو أقوى من المقبوض بالسوم؛ لأنّ دفعهما له حصر لحقه فيهما، فيكون بمنزلة المبيع بالفعل.

وعلى ما ذكرنا فإن تلف أحدهما أو أبق وكان مطابقاً للكلّي وقع الاستيفاء قهراً؛ لمكان التهاتر، ورد الآخر، وإن لم يكن التالف مطابقاً وكان الباقي مطابقاً أخذ الباقي وضمن التالف، ولو كانا معاً مطابقين وقع التالف وفاءً قهراً وردّ الآخر، ولو كانا معاً غير مطابقين ضمن التالف ورد الباقي وطالب بحقه، إلا أن يرضى به مخالفاً لحقه.

ويمكن القول بعدم لزوم التهاتر القهري، فيبقى على خياره بين التالف والباقي.

وعلى كلّ حال فما عن الطوسي والقاضي - من أن المشتري عبداً إذا دفع له البائع عبدين ليتخيّر أحدهما فأبق واحد منهما من يده من دون تفريط ردّ الذي عنده ويرتجع بنصف الثمن من البائع ويأخذ في الفحص عن الآبق، فإن وجده ردّ نصف الثمن وتخيّر بينهما، وإن لا يجده كان العبد الموجود بينهما نصفين (1)لرواية النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)- ضعيف؛ لضعف الرواية سنداً، وشذوذها، ومخالفتها لأصول المذهب من لزوم ردّ الموجود بقول مطلق، ومن لزوم ردّ نصف الثمن مع أنّ البيع وقع صحيحاً، ومن عدم ضمان التالف، و من صيرورة الموجود بينهما نصفين إذا لم يحصل التالف مع إمكان كون الموجود. مطابقاً فله أخذه، وإمكان إبقاء الثمن إلى أن يأخذ المبيع المطابق؛ لعدم مطابقتهما، ومنع عدم ضمان التالف؛ لما قدمناه، وامتناع صيرورة الموجود نصفين لعدم إمكان تنزيل الدفع على الإشاعة كما قدمنا، فالأولى طرح الرواية والرجوع للقواعد دون تنزيلها على الوجوه التي لا نقول بها، أو البعيدة جدّاً.


1) النهاية : 411؛ وحكاه عن القاضي العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 252، المسألة 221.

2) راجع الهامش (2) من ص 587.

العشرون: حكم ما إذا وطئ أحد الشركاء في الأمةِ الأمةَ

العشرون: إذا وطئ أحد الشركاء في الأمة الأمة - قبلاً أو دبراً مع إدخال الحشفة - فَعَل حراماً إذا كان من دون إذن، وعُزّر لتقصيره بالسؤال إن كان من المقصرين، وسقط عنه الحد إن كان الوطء لشبهةٍ ؛ للإجماع، ولدرء الحدود بالشبهات، وإن كان مع انتفاء الشبهة سقط عنه الحد على قدر نصيبه وعلى قدر نصيب مَنْ لا يُحدّ بوطء ملكه كجارية الولد لو كان الولد شریکه؛ لأنّه بالنسبة إلى نصيب نفسه لا يصدق عليه الزنى ولا هتك الحرمة، ويصدق عليه معنى الشبهة في الجملة، ولأنّ الظاهر من استقراء الموارد تبعض الأحكام بتبعض الأسباب.

والعمدة في ذلك فتوى المشهور نقلاً (1)وتحصيلاً، والإجماع المنقول (2)، والأخبار المعتبرة المنجبرة بما قدمنا:

ففي أحدها: «يدرأ عنه الحد بقدر حصته منها ويضرب ما سوى [ ذلك ]» (3).

وفي الثاني : في الجارية المشتركة نكحها أحدهما: «يضرب نصف الحد ويغرم نصف القيمة إذا أحبل» (4).

وفي الثالث مثله (5)، إلى غير ذلك.

ولا يسقط عنه الحدّ بالنسبة إلى حصة غيره ؛ لحصول معنى الزنى فينبغي له تمام الحدّ خرج نصيبه فيبقى الباقي، وللإجماع المنقول (6)، والشهرة المحصلة، والأخبار المتكثرة المعتبرة والمنجبرة، وقد تقدَّم (7)جملة منها.

وطريق التقسيط مع عدم الاحتياج إلى تبعيض الجلدة الواحدة لا كلام فيه، ومع الاحتياج أُخذ من من السوط بقدر ما له، وضُرب بالباقي ؛ للصحيح: في نصف الجلدة وثلثها، قال: «يؤخذ بنصف السوط وثلثي السوط» (8).


1) لم نعثر على مصدر ينسبه إلى المشهور.

2) رياض المسائل 9 : 104.

3) وسائل الشيعة 28 : 119، الباب 22 من أبواب حد الزنى، ح 3، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

4) المصدر : 121، ح 8.

5) المصدر، ح 7.

6) مجمع الفائدة والبرهان 8: 292.

7) تقدَّم آنفاً.

8) وسائل الشيعة 28 : 16، الباب 3 من أبواب مقدمات الحدود...، ح 1.

ويحتمل - على بُعْد كون التقسيط على قدر قوّة الضرب أو ضعفه، أو على دقته وغلظه.

ولو ادعى زيادة حصة على شريكه فلا يبعد سقوط الحدّ عنه بقدرها وإن كذبه الشريك؛ لمكان الشبهة.

ويتعين هنا الجلد دون الرجم والقتل؛ لعدم إمكان تبعضهما.

فإن أحبلها الشريك قومت عليه حصص الشركاء وأخذت منه خاصةً إن ثبت كون الإحبال منه أو أقر به؛ لصيرورتها بالجزء المملوك له أُمّ ولده، لا من أولاد الزنى.

ولا شك في كفاية العدلين في التقويم، وفي العدل الواحد وجه، كما أن قبول غير العدلين من أهل الخبرة إذا كانا مأمونين وجه لا يبعد البناء عليه.

وتقوم بنفس الإحبال، لا بالوطء كما ذهب إليه بعضُ الأصحاب (1)- للأصل، والإجماع المنقول (2)، قيل : والمحصّل (3)، والمخالف مسبوق ملحوق به، ولأن الوطء لا إتلاف فيه ولا إشراف على التلف، ومجرّد الاحتمال لا اعتبار به ولبعض الأخبار المنجبرة بما قدمنا كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رواية: «ويغرم نصف القيمة إذا أحبل» (4)وفي أُخرى معللاً لتغريمه: «بأنه قد أفسد على شركائه» (5)ولا يكون الفساد إلا بالإحبال.

وما استند إليه القائل بالتقويم بنفس الوطء - من الخبر في الجارية المشتركة فوطئها مَنْ عنده، قال: «تقوم الأمة عليه بقيمة ويلزمها فإن كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتريت به الجارية ألزم ثمنها الأوَّل، وإن كانت قيمتها في ذلك اليوم الذي قدّمت فيه أكثر من ثمنها الزم ذلك الثمن وهو صاغر، لأنّه استفرشها» (6)والآخر: فيمن وطأ جاريةٌ من الفيء قبل أن يقسم، قال: «تقوم الجارية وتدفع إليه بالقيمة» إلى أن قال: «لأنّه وطأها ولا يؤمن أن يكون ثُمَّ حبل» (7)- ضعيف لا يقاوم ما قدمناه والروايتان محمولتان على إرادة الاستعداد للتقويم وإعطاء القيمة؛


1) الشيخ الطوسي في النهاية : 411 - 412.

2) الحدائق الناضرة 19 : 478.

3) راجع رياض المسائل 9 : 107.

4) راجع الهامش (4) من ص 589.

5) وسائل الشيعة 28 : 119 - 120، الباب 22 من أبواب حد الزنى، ح 4.

6) المصدر 18 : 269 - 270، الباب 17 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

7) المصدر 28 : 120، الباب 22 من أبواب حد الزنى، ح 6.

لأن الوطء غالباً مظنّة للحبل، فيكون الأمر به للإرشاد، فإن تبيّن الحبل استقر ذلك، ووقع الدفع للقيمة وأخذها، وإلا بطل ذلك الاستعداد.

وحمل هذين الخبرين على ذلك أولى من حمل الأخبار المتقدّمة على إرادة الوطء من لفظ «الحبل» تسميةً للسبب باسم المسبب؛ لقوة تلك الأخبار بما ذكرناه، فيبعد عنها التجوّز والصارف، بخلاف هذه؛ لاحتياجها إلى التأويل.

وأولى منه حمل «استفرشها» و «وطأها» في الخبرين على إرادة الحمل مجازاً؛ لبغد الأوّل بما في ذيله: قلت: فإن أراد بعض الشركاء شراءها دون الرجل ؟ قال: «ذلك له، وليس له أن يشتريها حتّى يستبرئها» وهو ظاهر في عدم إرادة الحمل من لفظ الاستفراش، وبعد الثاني بما في قوله: «ولا يؤمن أن يكون ثَمَّ حبل» فإنّه ظاهر في عدم تحققه، فإشعاره بما حملناه عليه أقرب.

وهل تقوم حاملاً مطلقاً، أو بحر، أو حائلاً، أو الأعلى منهما ؟ وجوه، أوجهها الوسط.

ثم إن الظاهر أن الاعتبار في وقت التقويم هو زمن الإحبال؛ لأنّه سبب الإتلاف، دون زمان الوطء، أو زمن التقويم، أو الأكثر منهما، أو أعلى القيم من حين الحمل إلى حين التقويم، أو أعلاها من زمن الحمل إلى زمن الانتقال بدفع القيمة، أو قيمة زمن نفس الانتقال، أو الأعلى من زمن التقويم إلى زمن الانتقال، أو الأعلى من زمن الوطء إلى زمن الحمل، أو الأعلى من زمن الوطء إلى زمن التقويم، أو الأعلى من زمن الوطء إلى زمن الانتقال، أو الأعلى من زمن الانعقاد إلى حين الولادة، أو ما يختاره المظلوم من الشريكين، أو الأعلى من الثمن المدفوع عند شرائها وقيمتها يوم الوطء كما دلّ عليه الخبر (1)، وجوه، أوجهها بالقواعد الأوَّل، ثمّ من بعده اعتبار زمن التقويم والمدلول عليه بالأخبار هو الأخير، وهو محمول على أن الوطء إذا تعقبه حمل انكشف أنّه سبب الإتلاف من يومه، ويكون دفع ما زاد من ثمنها محمولاً على الندب لا الإيجاب.

ولكلِّ من من الوجوه الباقية مدرك عند التأمل، إلا أنّه ضعيف.

ويلزم الواطئ العُشر ونصف العُشر؛ لأصالة عدم التداخل، ولأنّه عوض المهر أو هو المهر فلا يسقط، وخلوّ الأخبار عن بيانه ليس بياناً لعدمه.


1) راجع الهامش (6) من ص 590.

نعم، يسقط عنه بقدر حصته.

فالقول بسقوط العقر مطلقاً، أو عقر الثيب، لخلق الأخبار الخاصة عنه، كالقول بلزوم مهر المثل، ضعيف.

ويلزم الواطئ أرش البكارة لو كانت للأصل، مع احتمال دخوله بالعقر.

ولا تدخل في ملك الواطئ بمجرد الوطء كما هو ظاهر الأصحاب، ولا بالحمل؛ للأصل، فنماؤها ومنافعها على الشركة.

نعم، يملكها بعد التقويم ودفع القيمة أو ضمانها مع رضاهم.

ولو سقط الولد قبل ذلك أو مات، عادت للشركاء؛ للأصل والاستصحاب.

ولا يفتقر التقويم إلى لفظ خاص، بل ما يدلّ عليه، ويكفي فيه المعاطاة على الأظهر، ويمكن كونه كاستحقاق العوض بالتلف.

ثم إن التقويم عليه لا بد منه في حال حياته وموته، إلا أنّه ليس فورياً، ولكن لا يسوغ به الإهمال الباعث على التعطيل، ومتى طلبه أحدهما أجابه الآخر، ولو امتنع أحد الطرفين منه جبره الحاكم، فإن لم يتمكن قام مقامه.

ولا تجري عليه أحكام البيع. نعم، تجري فيه أحكام الغين والعيب، فيجوز له أخذ الأرش وعوض النقصان، وفي جواز الردّ إشكال من جهة صيرورتها أُمَّ ولد له.

ولو كان الإحبال من شريك كافر وهي مسلمة أو أسلمت بعد الإحبال، جرى عليها ما تقدَّم في حكم أُمهات الأولاد.

ولو اشترك الشريكان في الإحبال، قومت عليهما واشتركا في الغرامة، مع احتمال استخراج الأب بالقرعة.

ولو وطئها قبل الشركة فحملت ثم صار شريكاً لم تقوم عليه.

ولو فسخها بعد الوطء بخيار، قوم عليه جميع الحصص.

ولو ظهر فساد شركته، لم تقوم عليه، وكان عليه الغرامات الثابتة على من وطأ أمة الغير.

والظاهر أنّه لا فرق بين الوطء قبلاً أو دبراً - مع الإنزال أو عدمه بعد تحقق الوطء شرعاً الذي هو التقاء الختانين - على القول بتقويمها بمجرد الوطء.

ولا بدّ من العلم بكون الموطوءة أمةً والواطئ ذكراً على هذا القول، بخلاف الأُنثى؛ لاحتمال العكس.

ولو وطأ بعد بعد نقل الحصة إلى الشريك بعقد جائز أو مع اشتراط الخيار، ففي كونه فسخاً فتجري عليه الأحكام المتقدّمة، أم لا ؟ وجهان.

ولو حرم عليه وطؤها - كأن وطأ أُمها قبل ذلك - سقطت عنه بعض الأحكام المتقدّمة.

ولا يفرّق في لزوم العقر بين علمها بالتحريم وجهلها، وبين مطاوعتها وعدمه على الأظهر كما تقدم.

وهل يتكرّر العقر بتكرّر الوطء مطلقاً، أو لا يتكرّر مطلقاً، أو يتكرر مع تكرّر الشبهة دون ما عداه ؟ وجوه، ولا يبعد الأخير.

وفي كون البكارة عبارة عن الغشاوة، أو عن عدم سبق وطء لها، وجهان.

ولو كان الواطئ صغيراً والموطوءة كذلك، لم تقوم بالوطء على القول بتقويمها به.

وينعقد الولد حُرّاً ولو كان الواطئ زانياً عالماً؛ لظاهر النصوص المتقدّمة (1)الآمرة بالتقويم لمكان الحمل الصريحة في كونه عن زنى؛ لمكان الأمر فيها بالحد اللازم له، ولولا أنّه حُرٌّ لما حصل بحمله استيلاد موجب للفساد باعث على التقويم وكأنه لملك بعضها الموجب لحصول الفراش لم يجر على الولد حكم ولد الزنى وللإجماع المنقول (2)، ولأصالة الحرّية عند اشتباه الحال والثمرة ظاهرة بين الحكم بحُرّيّته والحكم برقينه، وبين الحكم بحريته عند الانعقاد والحكم بحريته بعد التقويم.

وعلى أبيه قيمة حصة الشريك منه يوم الولادة؛ للإجماع المنقول (3)، ولتوفيه حق الشركاء من النماء، ولظاهر الأخبار المعتبرة الواردة في وطء الشركاء للأمة المشتركة مع تداعيهم الولد، منها: الصحيح: «إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جاريةً في طهر واحد فولدت وادعوه جميعاً أقرع الوالي بينهم، فمن خرج كان الولد ولده، ويردّ قيمة الولد على صاحب الجارية» (4)و نحوه آخر(5)، ونحوه غيرهما(6).


1) تقدمت في ص 589.

2) رياض المسائل 9 : 108.

3) المصدر : 109.

4) وسائل الشيعة 21 : 171، الباب 57 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

5) المصدر، ح 2.

6) المصدر : 171 - 172، ح 3.

ولو ولدت متعدّداً، قوم الجميع.

ومعلوم الحال من ذكورةٍ وأنوثةٍ يُقوّم على ما هو عليه من الصفات زيادة ونقصاً، والمجهول كالخنثى يقوم بما عليه من صورته، ويحتمل تقويمه أنثى؛ للاحتياط، لزيادة قيمتها، وذكراً؛ للأصل، ويحتمل أخذ نصف القيمتين، ويحتمل القرعة.

ومع اختلاف المقومين يؤخذ بالراجح، ويحتمل القرعة، ويحتمل الأكثر؛ للاحتياط.

قيل: ولو خرج ميتاً فرض حيّاً وقوم، وكذا لو خرج مريضاً أو معيباً قوم صحيحاً (1).

وفيه: أنّه لو خرج ميتاً لا قيمة له فلا يفوت على المالك شيء.

ويحتمل اعتبار أعلى القيم من حين الحمل إلى حين الولادة، أو إلى حين التقويم، ولو تراضيا على التقويم حال الحمل، سقط اعتبار يوم الولادة.

ولو قومت حاملاً على الشريك، دخل في تقويمها قيمة الولد على ما ذكره بعض الأصحاب (2).

وهو لا يخلو من نظر؛ لحصول الاختلاف في ذلك، إلا أن تقوم حاملاً مع الحمل وصفة الحاملية.

الواحد والعشرون: حكم ما إذا اشترى كلّ من العبدين المأذون لهما بالتصرف صاحبه من مولاه لنفسه

الواحد والعشرون: إن الذي تقضي به القواعد فيما لو اشترى كلّ من العبدين المأذون لهما بالتصرف صاحبَه من مولاه لنفسه - بناءً على أنّ العبد يملك - أن شراءهما إن وقع دفعةً قطعاً بطل ؛ لامتناع كون الواحد مالكاً للآخر ومملوكاً له، وإن علم سبق أحدهما بتقدم قبوله على قبول الآخر حُكم للسابق، وإن عُلم السبق واللحوق وشك في تعيين السابق استخرج بالقرعة، أو يرجع إلى تقديم معلوم التأريخ، وإن شُكٍّ في السبق والتقارن احتمل الحكم بالتقارن والبطلان، واحتمل القرعة، واحتمل الرجوع إلى تقديم معلوم التأريخ إن علم تأريخ أحدهما، وإلا فالتقارن أو القرعة.

وإن اشترى كلّ واحدٍ منهما الآخر لمولاه وكانا مأذونين على جهة الوكالة - تصريحاً أو تلويحاً - صح كلّ من العقدين، ومَلَك كلّ من الموليين عبد الآخر.

وإن اشترى كلّ واحدٍ صاحبه وكانا مأذونين - لا على جهة الوكالة، بل على جهة الإذن


1) قال به كاشف الغطاء في شرح القواعد على ما حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 24 : 254.

2) الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 109.

بالتصرّف التابعة للملك كما هو مفهوم منها عرفاً بالنسبة إلى المماليك، أو صرّح بها المالك - صح كلّ من العقدين أيضاً إن تعقبتهما الإجازة من المالكين، والأصح ما علم سبقه وبطل اللاحق ولو بمجرد تأخر قبوله، وإن اقترنا احتمل بطلانهما معاً إلا مع إجازتهما أو إجازة أحدهما، واحتمل صحتهما؛ لبقاء الإذن لكل منهما إلى تمام العقد، والعقد بعد تمامه يؤثر أثره، فارتفاع الإذن يقارن الملك، وإن شُكّ في السابق واللاحق مع العلم بسبق أحدهما فالقرعة، واحتمال الرجوع إلى تقديم معلوم التأريخ ضعيف، وإن شك في السبق واللحوق والاقتران احتمل الحكم بالاقتران واحتمل الحكم بالقرعة، واحتمل الحكم بالرجوع إلى تقديم معلوم التأريخ، وهو قوي.

ويلحق بالشراء كلّ ناقل للعين، أو فاك للملك كالعتق؛ لزوال الإذن بحدوثه، دون ناقل المنفعة كالإجارة ونحوها؛ فإنّ كلّاً من العقدين يحكم بصحته بالنسبة إليهما معاً.

وذهب بعض أصحابنا إلى أنّه عند اشتباه السبق واللحوق أو اشتباه السابق يمسح الطريق بينهما ويُحكم بالسبق للأقرب طريقاً (1)للخبر: في مأذونين عدا كلّ منهما فاشترى الآخر من مولاه فتداعيا، فقال كلّ منهما للآخر: أنت عبدي قد اشتريتك من سيدك، فقال: يُحكم بينهما من حيث افترقا بذرع الطريق فأيهما كان أقرب فهو الذي سبق الذي هو أبعد، وإن كانا سواءً فهما ردا على مولاهما» (2).

وهو ضعيف؛ لضعف الخبر سنداً، ومخالفته لفتوى المشهور والقواعد المحكمة، فليحمل على ما إذا كان قرب المكان والمسافة ممّا يفيد قطعاً أو ظنّاً بالسبق.

وذهب بعض أصحابنا إلى الرجوع إلى القرعة حتّى مع العلم بالاقتران (3)، استناداً لمرسلة فيها: «إن كانت المسافة سواء أقرع بينهما» (4).

وهو ضعيف؛ لضعف الرواية سنداً، ومخالفتها للقواعد وفتوى المشهور، فلتحمل على صورة ما لم يعلم من استواء المسافة تساويهما، على أنّ المتيقن من مشروعية القرعة هو ما يستكشف بها المشتبه واقعاً.


1) المحقق الحلّي في المختصر النافع : 220.

2) وسائل الشيعة 18 : 271، الباب 18 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

3) الشيخ الطوسي في النهاية : 412؛ وابن البراج على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 256، المسألة 223.

4) وسائل الشيعة 18 : 272، الباب 18 من أبواب بيع الحيوان، ح 2.

وما يقال من جواز ترجيح أحدهما بنظر الشارع فالقرعة لاستخراجه، لا وجه له؛ لأنّ التكليف منوط بأسبابه الشرعيَّة الظاهرية الدالّ عليها الدليل الشرعي عموماً وخصوصاً، وليست القرعة منه قطعاً.

ثم إن للقرعة طرقاً متعددة مذكورة في مظانّها، ويجوز هنا مع اشتباه السابق أن يستخرج برقعتين في إحداهما «السابق» وفي الأخرى «اللاحق» ولو اشتبه كتب في الثالثة «الاقتران» ليحكم بالوقوف معه أو البطلان.

الثاني والعشرون: فيما يتعلق بما ورد من رجل دفع إلى عبد لقوم مأذون له في التجارة ألف درهم فقال له: اشتر بهما نسمةً فأعتقها عني وحج عنّي بالباقي

الثاني والعشرون: ورد في عبد لقومٍ مأذون له في التجارة دفع إليه رجل ألف درهم فقال له: اشتر بها نسمةً فأعتقها عنّي وحج عنّي بالباقي، ثم مات صاحب الألف درهم، فانطلق العبد واشترى أباه وأعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي ليحج عن الميت فحج عنه، وبلغ ذلك إلى أبيه ومواليه وورثة الميت جميعاً فاختصموا جميعاً في الألف، فقال موالي العبد المعتق: إنّما اشتريت أباك بمالنا، وقال الورثة: إنّما اشتريت أباك بمالنا، وقال موالى العبد: إنّما اشتريت أباك بمالنا، فقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أما الحجّة فقد مضت بما فيها لا تردّ، وأما المعتق فهو ردّ في الرق لمواليه، وأيّ الفريقين بعد أقاموا البينة على أنّه اشترى أباه من أموالهم كان لهم رقاً» (1).

وقد عمل بمضمونها الشيخ (رَحمهُ اللّه) في النهاية (2)ومن تبعه (3).

وردّها الأكثر (4)لضعف السند بجهالة الراوي أو غلوّه، ومخالفة الخبر لأُصول المذهب بوجوه :

منها: الحكم برد العبد إلى مولاه مع اعترافه ببيعه، وادعائه فساده، ومدعي الصحّة مقدم على مدعي الفساد.

ومنها: حكمه بمضيّ الحَجّة مع أنّ ظاهر الأمر حجة بنفسه وقد استناب فيها. ومنها: مجامعة صحّة الحجّ لعوده رقاً، مع أنّه حج بغير إذن سيده.


1) وسائل الشيعة 18 : 280 - 281، الباب 25 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

2) النهاية : 414.

3) كالقاضي ابن البراج على ما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 263، المسألة 230.

4) كالمحقق الكركي في جامع المقاصد 4 : 144؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 394: والطباطبائي في رياض المسائل 9 : 96.

ومنها: أنّه كيف يدعي مولى الأب شراءه بماله ولم يكن له عند العبد المأذون مال.

ومنها: أنّ ظاهر الإذن في التجارة كونها للمولى، فلا تصحّ معاملته لغيره كي يترتب عليها صحّة الحج.

ومنها: أن أمر الدافع وكالة في الشراء والعتق وقد مات والوكالة تبطل بالموت فلا يصح التصرف.

ومنها: أنّها لو كانت وصاية لبطلت أيضاً؛ لعدم دخولها في التجارة المأذون بها. فلم يأخذوا بمدلولها، ولم يعملوا بمضمونها، فمنهم - وهم الأكثر (1)- حكموا بأن المعتق لمولى المأذون؛ لأنّ يد المأذون يده وقد اشتراه وإقراره لا يمضى على سيده؛ لأنّه إقرار في حق الغير.

وما يقال: إنّه وكيل فقوله مصدق، مردود بأن الظاهر أنّه مأذون أوّلاً، وبأنه لو كان وكيلاً أيضاً لا يصدق على سيّده؛ لأنّ اليديد سيده، وليس العبد كالحر في التوكيل.

وعلى ما ذكره هؤلاء لا فرق بين كون العبد المعتق أبَ المأذون أم لا، وإن تضمّنت الرواية الأوّل؛ لاشتراكها في مقتضي ترجيح قول ذي اليد، ولا بين دعوى مولى الأب شراءه من ماله لو كان قد دفع له مالاً، وبين عدمه؛ لأنّه في الأوّل مدّع للفساد ومدعي الصحّة مقدّم، وفي الثاني خارج والداخل مقدّم عليه، والرواية تضمّنت الأوَّل، ولا بين استئجاره على الحج وعدمه؛ لعدم مدخليّة ذلك في الترجيح وإن تضمّنت الرواية الأوّل.

ومنهم من حكم بصحة البيع والعتق والحج (2)لأنّ المراد من الحج وقوعه لا من مباشر معين، وذلك لأنّه ذويد، فما ادعاه مسموع كالوكيل، وهو مبني على أن للعبد يداً كالحر، وأنّه لو كان وكيلاً شمع قوله ولو في معارضة مولاه، ولا يخلوان من قوة، كما لا يخلوان من إشكال.

ومنهم مَنْ حكم بذلك أيضاً ولكن بشرط عموم إذن المولى له (3)، ليكون إقراره مسموعاً على مولاه وفعله ماضياً بالنسبة إلى الدافع ومولى الأب بعد ثبوت الفرض، وهذا أقوى مما تقدمه.


1) منهم : ابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 357؛ والمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 2 : 54؛ والعلامة الحلي في قواعد الأحكام 2 : 31؛ ومختلف الشيعة 5: 263، المسألة 230؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 4 : 143؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 394 - 395.

2) المحقق الحلّي في المختصر النافع : 219؛ وابن فهد الحلّي في المهذب البارع 2 : 464.

3) حكاه العاملي في مفتاح الكرامة 4 : 344 عن إيضاح النافع.

وقد يقال بأنّ مولى الأب إن اعترف بمأذونيته على وجه يعم الشراء لغيره لم يُسمع قوله، وإلا سمع، أو يقال بأنّ ورثة الدافع إن أقروا بتوكيل مورّثهم المأذون على البيع والعتق والحج لزم الجميع، وإن أقروا بالبعض لزم ذلك البعض، وإن أنكروا الجميع أو البيع وحده فلا بيع إلا مع الإجازة.

وقد اعتذر بعض (1)عن بعض مما ذكرناه - من مخالفة الرواية للقاعدة من تقديم قول مولى الأب وهو مدعي الفساد ومدعي الصحّة مقدّم - بأن مولى الأب منكر لوقوع البيع، لا مفسد له.

وفيه ضعف؛ لمنافاته النصّ والفتوى

وبأن المأذون بيده مال لمولى الأب وغيره، ومع تصادم الدعاوي يرجع إلى أصالة بقاء الملك على مالكه ولا يعارضه تقديم دعوى الصحّة على الفساد ؛ لأنّها مشتركة بين متقابلين متكافئين هما مولى المأذون وورثة الآمر، فيتساقطان.

وفيه منع تكافؤهما، مع كون مَنْ عدا مولاه خارجاً والداخل متقدم، فسقطا دونه، ولم يتمّ الأصل، وهو بقاء الملك.

ومنه يظهر عدم تكافؤ الدعويين الأخريين؛ لخروج الآمر وورثته عمّا في يد المأذون التي هي بمنزلة يد سيّده، والخارجة لا تكافئ الداخلة فتقدم.

وإقرار المأذون بما في يده لغير المولى غير مسموع في الوجه القوي.

وفقه المسألة أن يقال: إنّ المأذون إن قصرت إذنه على التجارة لمولاه فهو عاد في فعله باطل عمله، ولا يد له فيصدق قوله، بل اليد لمولاه وهو مصدق بما يدعيه، فيبطل العقد ويرجع المال إلى المولى.

وإن عمّت إذنه التجارة له ولغيره وكان الشراء بالوكالة مع حياة الدافع - وإن كان خلاف ظاهر الرواية - صح الشراء، وكان القول قول المأذون في أنّه للدافع ولورثته مع يمينه، وتسقط دعوى مولاه و دعوى مولى الأب بعد الإقرار ببيعه، ويُحكم بفساد العتق والحج.

وإن كانت عامةً للتجارة ولغيرها له ولغيره، كان القول قول المأذون في ملكية الدافع


1) العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 10 : 323 المسألة 142؛ والشهيد في الدروس الشرعيَّة 3 : 233.

للرقبة وعتقها وحجها مع اعتراف الوارث بما ادعاه على مورّثهم، وإن اعترفوا بالتوكيل على الشراء فقط كان الملك لهم، ولا عتق ولا حجّ، فيرجع الباقي إليهم، وإن اعترفوا بالعتق دون الحج صح العتق وطُولب بما بقي للحج، وإن أنكروا الجميع فالعبد على حاله، فيبقى الأب ملكاً لصاحبه. وأما دعوى مولى الأب فلا تُسمع بعد إقراره وعمله الدالين على صحّة فعله.

هذا كله مع عدم البينة، ومعها فإن أقام مولى الأب أو الدافع بينةً حكم له ببينته؛ لأنّ كلّاً منهما خارج، وإن أقاماها معاً، احتمل رجوع حكم المسألة إلى مسألة التداعي، واحتمل تقديم بينة مولى الأب؛ لادعائه الفساد بخلاف ورثة الدافع مع الإقرار، وتقديم الورثة مع الإنكار.

ولو أقام الآذن مع أحدهما أو مع كلّ منهما بيّنةً، فإن رجحنا بينة الداخل قدمت بينته على بينتهما، وإلا فالترجيح لبيّنة ورثة الدافع؛ عملاً بمقتضى أصالة البيع، مع احتمال تقديم بينة مولى الأب؛ لادعائه ما ينافي الأصل وهو الفساد، فيكون كالخارج، ولأن الأصل بقاء الأب على ملكه، مع احتمال الرجوع إلى حكم التداعي وتصادم البينات، والأخذ بما هو الأحوط هو الأحرى في هذه المقامات.

القول في السلم

معنى السَّلَم لغةً وشرعاً

والسلف بمعناه وإن لم يَجْرِ على لسان الفقهاء كما في التذكرة (1).

وهُما في اللغة لمعانٍ لا تنضبط، ذكرنا جملةً منها في شرح القواعد.

وفي الشرع حقيقة شرعيّة أو متشرعية، بعد كونه مجازاً شرعياً مشهوراً استعماله في الأخبار. وفي كلام القدماء الأخيار عبارة عن نقل كلّي بصيغةٍ خاصة أو معاطاة، أو انتقال كلّي كذلك، مضبوط مقدر مضمون في الذمة، لا في الخارج كصاع من صبرة مؤجل بأجل معلوم، بثمن حال مقبوض قبضاً حقيقياً أو ما هو بحكمه مما كان في الذمة فينزل منزلة المقبوض قبل التفرّق عن مجلس العقد، معلوم مقدّر إن كان ممّا يجري عليه التقدير، أو عبارة عن الصيغة الدالة على ذلك النقل أو الانتقال.

والأقرب إلى المعنى العرفي وما هو في الأخبار هو المعنى الأوَّل، والأقرب إلى اصطلاح الفقهاء هو المعنى الثاني.

وصيغته قد تقع على نفس المبيع كـ «بعت» وما شابهها، وقد تقع على نفس الثمن كـ «أسلمت» وما ضاهاها، فيقع القبول من البائع. وقد يقع مقام «بعت» «أسلمت» مع اجتماع الشرائط؛ لأنّه من المجازات القريبة المعهودة، كما يقع مقام «أسلمت» «بعت» وإن تعلّق بالثمن ولكن مع كونه عيناً لا منفعةً وشبهها.

واسمه يقع على الصحيح والفاسد كسائر ألفاظ العقود.

ويشترط فيه ما يشترط في العقود اللازمة من لزوم الصيغ الخاصة في لازمه، والمعاطاة في جائزه.

ولا بدّ في الصيغة من إيجاب وقبول لفظيين، والأحوط ترتيبهما، والأظهر لزومه لو كان


1) تذكرة الفقهاء 11 : 258، المسألة 423.

بلفظ «قبلت» إلّا أنّ إيجابه ها هنا قد يصدر من البائع بلفظ «بعتك» فيكون مفعوله المبيع وشبهه، وقد يصدر من المشتري بلفظ «أسلمت وشبهه، فيكون مفعوله الثمن، ويكون مدخول الجار المبيع، ويتولى القبول البائع.

وصيغته المعهودة: «بعت» و «ملکت» و «شریت» عند صدور ذلك من البائع، و «أسلمت» و أسلفت» و «سلّفت» و «سلّمت» والقبول «قبلت» و «رضیت» و «تملکت» و «اشتریت» و «تسلّمت» و «تسلّفت» و «استسلمت» و «استسلفت».

ولا يجزئ الفعل غير المعاطاة إلا في إشارة الأخرس ولو لم يتمكن من اللفظ والمعاطاة غير الأخرس وكل غيره.

ولا يجزئ اللفظ العجمي للعربي، ويجزئ للعجمي سيّما مع عدم تمكنه من العربي، والتوكيل أحوط.

ولا يكفي الملحون بنيته، ولا غير الماضي المقصود منه الإنشاء، ولا بأس باللحن العربي. ويشترط فيه شرائط البيع بالنسبة إلى المتعاقدين حال إجراء الصيغة.

ويشترط صراحة المعنى الإنشائي المستعمل فيه إما بالوضع أو لكونه مجازاً مشهوراً معهوداً كما ذكرناه.

ولا ينعقد بالمجاز البعيد ولا بالعام البعيد کـ«نقلت» و «أعطيت» اقتصاراً على المورد اليقينى من حصول النقل والانتقال؛ لأنّ الأمر بالوفاء بالعقود ينصرف إلى المعهود شرعاً وعرفاً، وخلق الأخبار عن بيان الصيغ - اتكالاً على المعهود من الطريقة المألوفة من أنّهم إن أرادوا المسامحة اكتفوا بالمعاطاة، وإن أرادوا اللزوم جاؤوا بالصيغ الخاصة - لا يدلّ على عدم لزومها بين المتعاقدين، كما ذهب إلى ذلك بعض الأعلام (1)، على أنّ عموم (أوفوا بالعقود) (2)بعد انعقاد الإجماع على تخصيصه في الجملة وأنّ الخارج منه أكثر من الداخل عاد كالمجمل، فلا يصح التمسك به.

وينعقد العقد بالمشترك اللفظي إذا استعمل في معنىً واحد مع القرينة، وبالمشترك المعنوي القريب لفرده.


1) راجع الحدائق الناضرة 3:20.

2) المائدة (5) : 1.

ولا ينعقد السَّلَم بلفظ الهبة؛ لكونه من المجازات البعيدة.

ولو قال شخص لآخر: «بعتك» أو «أسلمت إليك» ولم يذكر الثمن بطل وكان البيع مضموناً. ولو نصب قرينة على إرادة الهبة وقلنا بصحة الهبة بكلّ لفظ كانت هبة، وإن قلنا باشتراط اللفظ الصريح فيها كانت هبةً فاسدة، ولكنها غير مضمونة؛ لأنّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده.

وكذا لو قال: «بعتك بلا ثمن» مع نصب قرينة على الهبة.

ولو قال ذلك بقصد البيع بطل، وكان المبيع مضموناً، ولو قال لا بقصد احتملت الصحّة. وانصرافه للهبة قهراً لوجود معنى الهبة وتغليباً لجانب الصحّة، واحتمل البطلان نظراً إلى جانب اللفظ.

وهل يكون مضموناً؛ لأنّ ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده، أو لا يكون مضموناً؛ لدلالة اللفظ على إسقاط الضمان والإقدام على عدمه فيكون كاشتراط عدمه والأصل البراءة ؟ وجهان، والأظهر الأوّل.

ويصح وقوع البيع موقع السَّلَم، فيتسلّط على الثمن لو كان عيناً ولا تجوز فيه.

ولو وقع على منفعة، ففي صحّة العقد؛ لكونه من المجازات القريبة، أو بطلانه؛ لعدم كونه معهوداً إشكال.

ولا يصح وقوع السَّلَم موقع البيع مع قصد السَّلميّة وعدم اجتماع الشرائط؛ لأنّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، واحتمال صحّة العقد ووقوع وصف السلمية لاغياً لا وجه له؛ لأنّ وصف السَّلَميّة منوّع، لا وصف زائد ملحوظ بعد قصد الكلّي كي يصح القصد إليه ويلغى الوصف الزائد، على أنّ السَّلَم مأخوذ في ماهيته الأجل، فلو قصد ولم يذكر الأجل كان كمن ذكر أجلاً ولم يبينه.

وهل يصح وقوعه موقعه مع قصد البيع المطلق لكونه مجازاً قريباً من باب استعمال الجزء في الكلّ ؛ لأنّ البيع المطلق جزؤه، أو استعمال الخاص في العام؛ لأنَّ السَّلَم جزؤه، أو لا يجوز؛ لمنع جواز الانعقاد بهذه المجازات وإن كانت قريبة؛ للشكّ في معهوديتها في الصيغ اللازمة ؟ وجهان.

أما لو أطلق فلم يقصد شيئاً، احتمل انصرافه للبيع المطلق لو جوزنا استعماله فيه؛ تصحيحاً للعقد مهما أمكن، واحتمل البطلان أخذاً بالظاهر.

نعم، لو قلنا باشتراك صيغة السَّلَم معنى بين المؤجّل والحال فأطلقها ولم يذكر الأجل، لكان الحكم بانصرافها إلى المطلق له وجه ظاهر كانصراف إطلاق عقد المتعة مع عدم ذكر الأجل للدائم وصحته نكاحاً دائماً.

وكذا لو أتى بصيغة البيع المطلق قاصداً للسَّلَميّة فاتفق عدم اجتماع شرائطه، فإنّ في القول بالصحّة ووقوع نيّة السَّلَميّة لغواً - لعدم كونها مقومةً للعقد، ولمصادفة الصيغة محلّها فيكون بمنزلة من قصد أجلاً قصداً ولم يذكره فأطلق العقد - وجهاً قوياً.

والكلام في السلم يفتقر إلى بيان أمور:

أولها: اشتراط المعلومية بالجنس والوصف في السلم

أولها: يشترط فى السَّلَم المعلومية بالجنس والوصف والمراد بالجنس اللفظ الدال على الحقيقة النوعية كالحنطة والشعير والدخن والعبد والحمار والمراد بالوصف هو العرض الفارق بين أصناف ذلك النوع بحيث يُعدّ بسببه صنفاً، وهو الذي تختلف القيمة باختلافه غالباً، وتختلف الرغبات باختلافه أيضاً، وهو أمر موكول بيانه إلى العرف، وربما كان العامي أعرف بها من الفقيه.

ولا بدّ من ذكر الوصف بلفظ ظاهر الدلالة بين المتعاقدين، وتكفي الإشارة إليه، ولا يشترط ظهور دلالته في العرف واللغة كي يرجع إليه عند الاختلاف كما قيل (1)لعدم الدليل.

قيل : وليس المراد مطلق الوصف، بل الوصف الذي يختلف لأجله الثمن اختلافاً ظاهراً لا يتسامح بمثله في خصوص السلم عادةً، فلا يكفي مجرّد الوصف الدافع للجهالة عرفاً كباقي المبيعات من الكليات وغيرها، ولا يقدح اليسير المتسامح به فيه (2).

وظاهر هذا أن للسَّلَم خصوصيّةً زائدة في ذكر الأوصاف الزائدة - دون باقي الكليات المؤجلة كالنسيّة، ودون الكلّي الحال - لشدّة حصول الغرر فيه باعتبار تأجيله وعدم المشاهدة فيه.

وفيه: أنا لو سلّمنا أن للسَّلَم خصوصيّةً فهي عن بيع الأعيان دون الكليات، ولو سلمنا أنّ له خصوصيّةً عن الكليات فهى عن الحالات لا المؤجلات؛ لاتحاد المدرك في الحكم.


1) القائل هو الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 116.

2) القائل هو الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 116.

وظاهر الأصحاب أن المعتبر من الأوصاف ما كان معتاداً بين عامة الناس ذكره في رفع الغرر والاختلاف، ولا يلزم الاستقصاء، بل لو استقصى فآل إلى عزّة الوجود أو عسر التسليم بطل، ونُقل على ذلك الإجماع (1).

وعُلّل ذلك بأن عقد السَّلَم لما اشتمل على الغرر لأنّه كبيع المعدوم وبيع ما ليس بمرئي فلا يناسبه ما كان مقتضياً لحصول النزاع والاختلاف مع ذلك؛ لأنّ بناء شرع العقود على التخفيف وقطع النزاع.

وظاهر هذا أيضاً أنّ لعقد السلم خصوصيّةً دون العقد على الكلّي المؤجل أو العقد على الكلّي مطلقاً.

وقد يظهر من الأخبار أنّ ذلك شرط في بيع الكلّي مطلقاً، وسيجيء فيه الكلام (2)إن شاء اللّه.

ولو قلنا بعدم شرطيته في بيع الكلّي مطلقاً فالظاهر أنّه شرط للمؤجل منه، وليس لتأجيل السلم خصوصية.

والذي يدلّ على اشتراط ذكر النوع والوصف الرافعين للجهالة في الجملة - مضافاً إلى ظاهر اتفاق الفتوى وعموم النهي عن بيع الغرر (3)- الأخبار الخاصة:

كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا بأس في السَّلَم في المتاع إذا سمّيت الطول والعرض» (4).

وفي آخر: «وصفت» (5).

وفي ثالث: عن السَّلَم في الحيوان إذا وصفته إلى أجل معلوم، فقال «لا بأس به» (6).

وفي رابع: «وفي الحيوان إذا وصفت أسنانها» (7).

وفي خامس: «لا بأس بالسَّلَم بالحيوان إذا وصفت أسنانها» (8).


1) رياض المسائل 9 : 116.

2) سيأتي في ص 614.

3) راجع الهامش (3) من ص 305.

4) الكافي 5 : 199، باب السلف في المتاع، ح 3.

5) وسائل الشيعة 18 : 283، الباب 1 من أبواب السلف، ح 1.

6) المصدر : 290 - 291، الباب 3 من أبواب السلف، ح 8.

7) المصدر : 286، الباب 1 من أبواب السلف، ح 10.

8) المصدر : 284، ح 3.

وفي سادس: «إذا سمّيت سنّاً (1)معلوماً» (2).

وفي سابع: في السَّلَم في الحيوان، قال «أسنان معلومة وأسنان معدودة إلى أجل معلوم لا بأس» (3).

وفي ثامن: «من اشترى من طعامٍ موصوف ولم يُسمّ فيه قريةً ولا موضعاً فعلى صاحبه أن يؤديه» (4).

وورودها في مقامات خاصة لا يمنع التعدي إلى غيرها؛ لعدم القائل بالفرق، ولتنقيح المناط. ولو اختلف المسلم والمسلم إليه في الأوصاف فكلُّ ادعى وصفاً، كانا متداعيين، ولو ادعى أحدهما وصفاً زائداً، كان القول قول منكره، ولو تسالما عليه ونسياه فالصلح أو القرعة، ولو اختلفا في صدقه على المدفوع لزم الرجوع إلى العرف أو البينة، أو قول العدل الواحد على وجه، وإلا فالقول قول النافي بيمينه.

ثانيها: عدم صحة السلم في كل ما لا ينضبط وصفه

ثانيها: كلّ ما لا ينضبط وصفه لا يصح السَّلَم فيه؛ لظاهر الاتفاق، ولعموم النهي عن الغرر (5)، ولإشعار جملة من الأخبار (6)الخاصة به، ومرجع ذلك إلى العرف، وهو المحكم فيما لم يجعل له الشارع ضابطاً.

فمن ناقش فيما لا ينضبط، وأشكل عليه معرفته والفرق بين ما ينضبط وما لا ينضبط، وجعل الأصل في المشكوك فيه الجواز إلا ما علم عدم إمكان وصفه أصلاً أو جاء الدليل بمنعه، رددناه: بأنّ ذلك تشكيك في مقابلة العيان؛ لحكم العرف بالفرق بينهما بالوجدان.

ودعوى أن الأصل في المشكوك به الجواز، مردودة بأنّه شك في حصول الشرط لا في طروء المانع، والأصل عدم حصول الشرط، والمشروط عدم عند عدم شرطه، والتمسك بأدلّة عموم الجواز إلا فيما يقطع بجهالته منقوض بالتمسك باشتراط المعلومية فلا بد من إحرازه.


1) في وسائل الشيعة 18 : 284، الباب 1 من أبواب السلف، ج 3، «شيئاً» بدل «سناً».

2) المصدر : 285، ح 6.

3) المصدر، ح 7.

4) المصدر : 314، الباب 13 من أبواب السلف، ح 2.

5) راجع الهامش (3) من ص 305.

6) راجع وسائل الشيعة 18 : 287، الباب 2 من أبواب السلف.

ومما لا يضبطه الوصف فلا يصح السَّلَم فيه : اللحم والخبز، ونُقل عليهما الإجماع (1).

وفي الخبر النهي عن السلف في اللحم معللاً فيه: «أنه يعطيك مرة السمين، ومرة التاوي، ومرة المهزول، واشتره معاينة يداً بيد» (2).

والتعليل بذلك ظاهر في أنّ المنع سببه أنّ دفع الموصوف غير ممكن؛ لعدم انضباط الوصف، لا مجرد عدم وفاء البائع بما باع.

وفي الخبر دلالة على مساواة الكلي الحال للمؤجل في المنع.

وكذا لا يجوز في روايا الماء؛ لعدم انضباط الراوية مع الإطلاق، وعدم عموم الوجود مع تقييدها براوية معينة.

وفي الخبر النهي عن ذلك معلّلاً: «أنّه يعطيك مرّةً ناقصة ومرة كاملة، ولكن اشتره معاينة فهو أسلم لك» (3).

ويمكن منع عدم الانضباط وحمل الرواية على الاستحباب.

وكذا السَّلَم في النخل قبل أن يطلع لعدم انضباطه، وللخبرين: في أحدهما: «لا يصح» (4)وفي الآخر: «لا يصلح» (5).

وكذا السلم في الجواهر واللآلئ الكبار؛ لعدم إمكان ضبطها، ولو أُريد ضبطها لأدّى إلى عزّة الوجود، بخلاف الصغار الموزونة المطلوبة للتداوي.

وكذا لا يجوز السَّلّم في الجلود على ظهر الدابة؛ لعدم انضباط وصفها من خفّةٍ ونعومة وقوّة وأضدادها، ومع مشاهدتها تخرج عن وضع السَّلَم، على أن مشاهدتها على ظهر الدابة لا ترفع جهالةً.

ومع مشاهدة جملة منها يشتمل على المسلم فيه قيل بالجواز (6).

والأظهر المنع أيضاً؛ لعدم ارتفاع الجهالة، ولعدم عموم الوجود المشترط في السلم كما هو المشهور.


1) غنية النزوع 1 : 227.

2) وسائل الشيعة 18 : 287، الباب 2 من أبواب السلف، ح 1.

3) وسائل الشيعة 18 : 287، الباب 2 من أبواب السلف، ح 1.

4) لم نعثر عليه.

5) وسائل الشيعة 18 : 216، الباب 1 من أبواب بيع الثمار، ح 18، 20.

6) قال به الشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 406.

وذهب الشيخ إلى جواز السلم في الجلود مع المشاهدة (1).

وفيه ما قدمنا.

واستند إلى الخبرين:

في أحدهما : رجل اشترى الجلود من القصاب فيعطيه كلّ يوم شيئاً معلوماً، فقال : «لا بأس» (2).

وفيه - مع ضعف السند -: عدم الدلالة على جواز السلم، ولا على شراء الكلّي مطلقاً، وعدم الدلالة على كونها على الظهر، فلعله اشترى معيّناً على الظهر أو مطروحاً ثم دفع إليه كلّ يوم شيئاً معيناً.

وفي الثاني: إنّي رجل قصاب أبيع المسوك قبل أن أذبح الغنم، فقال: «ليس به بأس، ولكن انسبها غنم أرض كذا وكذا» (3).

وفيه - مع ضعف السند : عدم الدلالة على خصوص السلم.

والاعتذار عن الشيخ بحمل المشاهدة على مشاهدة جملةٍ يدخل فيها المبيع، فيه ما قدمنا. والظاهر أنّه لا فرق في الجلد بين أن يسلم ما على الظهر منه وبين المسلوخ؛ للغرر، ولإطلاق الفقهاء.

ولا يصح السَّلم في النبال المعلومة والسرير المعمول، وأكثر الثياب المخيطة، وأكثر الأدوية المركبة والدور المبنية، والصفر والحديد المعمولة أوانياً وسلاحاً؛ لتعسّر ضبطها ووصفها، وكذا جملة من الأراضي المقصودة للزراعة، ويجوز في جملةٍ أُخرى مع انضباط وصفها، كما يصح إجارتها، وكذا الأواني والثياب، والميزان العرف.

وينضبط وصف الجيد والرديء، ولا ينضبط وصف الأجود والأردأ مع إرادة الفرد المتناهي؛ للزوم ندرة الوجود لو أمكن ضبطه.

ولو أُريد بالأجود والأردأ المعنى الإضافي عرفاً، عاد كالجيد والرديء. ولو أُريد المعنى الإضافي حقيقة عاد مجهولاً؛ لعدم انحصاره.


1) النهاية : 397؛ الخلاف 3 : 210، المسألة 21.

2) وسائل الشيعة 18 : 290، الباب 3 من أبواب السلف، ح 7.

3) المصدر : 293، الباب 5 من أبواب السلف، ح 4.

وما يتخيل من صحّة وصف الأردأ حقيقة لأنّه إن دفع حقيقة حصل المطلوب، وإلا كفى دفع الأعلى منه ويجب القبول، مردود بأن الكلام في صحته ابتداء، لا في كفاية دفع الأعلى عنه بعد صحته، وأحدهما غير الآخر.

وكلّ ما ينضبط وصفه عرفاً يجوز السَّلم فيه، وهو أكثر الأشياء من حبوب وفواكه وأدهان وحيوان ونبات وتمر وخلول وأدباس؛ لعموم الأدلّة وخصوصها.

نعم، يشترط في كلّ نوع ذكر أوصاف صنفه الخاص التي تختلف به القيم والرغبات، كأن يذكر في [ الرقيق ] (1)الأنوثة والذكورة والنوع واللون والسن والقد كالطول والقصر والربع، ولا يصح تقديره بالأشبار؛ لأدائه إلى عزّة الوجود إلا على وجه التقريبية، والبكارة والثيبوبة وكونها حاملاً أو حائلاً والكحل والدعج (2)والزجج (3)وتكلثم الوجه والضعف والغلظ ونعومة الملمس وثقل الردف، وطول الشعر، وأضدادها، وهذه قد يلزم ذكرها وقد يكون أولى.

ويذكر في الإبل : السن والذكورة والأنوثة واللون والصنف كالعرابي والنجاتي، والنتاج إذا كان معروفاً عامّ الوجود، والأرض الساكنة فيها، ونحو ذلك.

ويذكر في الخيل: الذكورة والأنوثة والسن والنوع والعربي والتركي والنتاج والنسب إلى صنف معلوم، وهكذا.

ويذكر في البقر والبغل والحمير: النوع والذكورة والأنوثة والسن واللون والنسبة إلى أرض مخصوصة أو نتاج مخصوص إن كان، وهكذا.

ويذكر في الطير: النوع وكبر الجنة وصغرها وهكذا.

ويذكر في السمن والجبن وما ماثلهما النوع والجدة والعتق والمرعى والزمان والصفا، ونحوها.

ويذكر في الصوف والشعر : النوع والزمان والطول والقصر والنعومة والخشونة والذكورة والأنوثة إن كان لهما مدخلية.

ويذكر في الثياب النوع والبلد والعرض والصفاقة والغلظ والخشونة والنعومة وكونه


1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : «العبد». والمثبت يقتضيه السياق.

2) الدعج : شدة سواد العين مع سعتها. الصحاح 1 : 314، «دع ج».

3) الزجج : دقةٌ في الحاجبين وطولٌ. الصحاح 1 : 319، «زج ج».

مقصوراً أم لا، وذكر بلد القصارة مع الاختلاف، ومع تعدد الألوان أو الصبغ لا بد من ذكر اللون وما يصبغ به وعدد خيوط سداه لو افتقر في بعض الأجناس لذلك.

ويذكر فى الحرير والكتان البلد واللون والنعومة والخشونة والغلظ والدقة والقوة والضعف.

ويذكر في دود القرّ اللون والطراوة واليبس والبلد.

ويذكر في الغزل: الغلظ والدقة والقوة والضعف وشدّة اللفت وعدمها، والنعومة وشبهها، والزمان إذا افتقر إليه.

ويذكر في الحنطة والشعير وما شابههما البلد والحداثة والعتق واللون والكبر والصغر والصرابة، ونحو ذلك.

ويذكر في التمر: البلد والنوع واللون والكبر والصغر والحداثة والعتق والطعم، وكذا في الزبيب.

ويذكر في الفواكه البلد والنوع والطراوة والطعم والرائحة فيما له ذلك.

ويذكر في الجوز: الكبر والصغر والحداثة والعتق والبلد والضعف، وكذا اللوز، وللمسلم إليه منزوع القشر الأعلى منهما.

ويذكر في الطلاء البلد واللون والحداثة والعتق والنوع والصفا والقوام، ويجب كونه قد ذهب ثلثاه.

ويذكر في الدبس البلد واللون والقوام وما يذهب منه، ونحو ذلك.

ويذكر في العسل البلد والزمان واللون، ويُحمل الإطلاق على المصفى.

ويذكر في الحطب والخشب: النوع واليبس والرطوبة والغلظ والدقة، وفي الحطب شدّة النار، وفي الخشب السماحة والطول والثخن والقوة، وأضدادها.

ويذكر في الآجر والحجر واللبن: النوع والقدر والسمك والثقل والخفّة والبلد والنشاط. وطريقة الفخر في الحجر، واللون.

ويذكر في الآنية: النوع والشكل والقدر والطول والسمك والسعة، وكونه مضروباً أو مصبوباً.

ويذكر في القرطاس: السَّمْك واللون والسعة وعدم انتشار المداد به، إلى غير ذلك مما لم يُذكر.

وإنما ذكرنا ذلك تنبيهاً على طريقة الوصف وإلا فقد لا يحتاج إلى جملة مما ذكرنا، وقد يحتاج إليها، وقد يكون في بعض الأزمنة ذكرها مفسداً.

والظاهر أنّ هذه الأمور لا تخص السَّلَم، بل تعمه وكلّ كلّي مؤجل؛ لمكان زيادة الغرر بالتأجيل، بل تعمّ كلّ كلّيّ ولو حالاً؛ لعدم المشاهدة فيه الرافعة للغرر، إلا أنّ ظاهر الفقهاء أنّ الكلي الحال يتسامح فيه ما لا يتسامح في السلم.

ويثبت الوصف بشهادة عدلين، بل العدل الواحد على الأظهر، ومع عدم ذلك فالرجوع إلى أهل الخبرة مع الأمانة.

وكذا يرجع في السن إلى العدول، فإن لم يكن فإلى ظنّ أهل الخبرة، وإلا صدق سيّده بما يدعيه، أو أخذ بقول العبد إذا كان مأموناً.

ومنهم مَنْ قدم قول العبد على ظنّ أهل الخبرة وعلى قول السيد، وقول السيد على ظنّ أهل الخبرة (1).

ولا يخلو من وجه، والأظهر ما قدمناه.

وينبغي على ما ذكرناه من الضابطة المتقدّمة صحّة السَّلَم في الجوز عداً مع ذكر الأوصاف المحتاج إليها في ارتفاع الغرر، ولا حاجة إلى ضبطها بالوزن كما نقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه) (2).

ويصح السَّلَم في جوز القرّ مع ضبطه؛ لعموم الأدلّة من غير معارض، سوى ما نقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه) من منعه؛ لاشتماله على دود إن بقي حيّاً أفسده، وإن مات فيه كان ميتة (3).

وهو غير صالح للمنع؛ لأن المقصود بالبيع قابل للسَّلَم، والدود غير مقصود كالنوى، فإن مات لا ضرر فيه، وإن أفسد ضمن فساده البائع إن كان قبل القبض.

ويصح السَّلَم في شاةٍ معها ولدها، وفي جارية حامل؛ لعموم الأدلّة من دون معارض.

خلافاً للشيخ فمنع الأوّل: لعزّة الوجود، والثاني ؛ للجهالة (4).

وهو ضعيف؛ لمنع العزّة في الأوَّل، واغتفار الجهالة في الثاني؛ لأنّه من التوابع.

ويجوز السلم في جارية حسناء مع ولدها.


1) راجع قواعد الأحكام 2 : 46.

2) الخلاف 3 : 209 المسألة 19؛ المبسوط 2 : 189.

3) المبسوط 2 : 182.

4) المصدر : 177.

ومَنَعه العلّامة؛ لعزّة الوجود (1)، وهو حسن.

ويجوز في شاة لبون بمعنى أنّها من شأنها أن تحلب الحلب المعتاد.

ثالثها: اشتراط الحلول في ثمن السلم

ثالثها: يشترط في ثمن السَّلَم الحلول، فلا يجوز تأجيله؛ لأنّه من بيع الكالي بالكالي. ولو أجل بعضاً دون بعض صح فيما لم يؤجله وبطل في المؤجل، مع احتمال بطلان أصل العقد؛ لمكان الجهالة وأنّه عقد واحد.

ويجوز إسلاف الأعراض في الأعراض مطلقاً ما لم يكونا ربويين متحدين في الجنس فلا يجوز إجماعاً؛ لأنّ النسيء من الربا، ومع اختلاف الجنس لا بأس به؛ لعموم الأدلّة، وخصوص الخبر: «لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن» (2).

خلافاً لابن الجنيد فمنع من إسلاف العرض في العرض إذا كانا مقدرين(3)، وهو ضعيف شاذ.

وما ورد في الصحيح من إسلاف الزيت في السمن فقال: «لا يصلح» (4)والآخر فيه: «لا ينبغي» (5)لا يعارضان ما قدمنا على أنّهما أخصّ من المدعى، ولفظهما ظاهر في الكراهة.

ويجوز إسلاف الأثمان بالعروض وهو المتعارف والمعتاد، ولا يجوز إسلاف الأثمان بالأثمان ولو حصل القبض في المجلس؛ للإجماع بقسميه (6)على الظاهر، ولظاهر الأخبار في بيع الصرف أنّه «يداً بيد» (7)الشامل للحلول والقبض في المجلس.

فما ورد من الأخبار المجوّزة للدنانير بالدراهم نسيئة والنافية للبأس (8)عن ذلك مطرحة، أو محمولة على التقيّة.


1) تذكرة الفقهاء 11 : 284، المسألة 439.

2) وسائل الشيعة 18 : 296، الباب 7 من أبواب السلف، ح 1.

3) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5 : 171، المسألة 124.

4) وسائل الشيعة 18 : 297، الباب 7 من أبواب السلف، ح 2.

5) المصدر، ح 3.

6) مسالك الأفهام 3: 406.

7) وسائل الشيعة 18 : 169، الباب 2 من أبواب الصرف، ح 7،6.

8) المصدر : 170 - 171، ح 11 - 14.

ويجوز إسلاف المنافع بالأعيان، وكذا الحقوق والأعمال، إلا أنّه يلزم دفع العين المشتملة على المنفعة في المجلس كما سيجيء (1)إن شاء اللّه تعالى، وكذا يلزم تأدية العمل في المجلس، وكذا توفية الحقّ وتفويضه إليه؛ لعدم إمكان قبضه.

رابعها: اشتراط قبض ثمن السلم في المجلس

رابعها: ويشترط في ثمن السَّلم قبضه في المجلس؛ للإجماع بقسميه (2).

والظاهر أنّه شرط للصحة كما يلوح من عباراتهم، لا أنّه كاشف عنها عند حصوله، ولا أنّ التفرّق فاسخ للعقد من حينه أو من أصله بعد حصوله، ولا أنّه شرط في اللزوم، ولا أنّه واجب شرعي كما ذكروا في الصرف لعدم دليل عليه.

ولا يحتاج للمقبوض سابقاً تجديد نية القبض مع الإذن فيه، وإن كان الأحوط تجديد النية.

والمقبوض بلا إذن سابقاً لا يجزئ إلا مع الإذن اللاحقة.

والمال المودع أو المعار بمنزلة المقبوض مع الإذن، وإن كان في البيت لا يحتاج إلى إمساكه باليد جديداً.

وتكفي التخلية فيما لا يمكن نقله وقبضه باليد، كالعقار والحقوق ومنافع الغير المستأجرة، ولا يتوقف على استيفائها.

ولو قبض بعضاً فقط، صح السَّلم فيه، وبطل في الباقي، وكان للمسلم الخيار فيما قبض؛ لتبعيض الصفقة، إلا إذا كان التبعيض بتفريطه.

ويجوز كون ثمن السَّلَم كليّاً، كما يجوز أن يكون عيناً مشخصة، ولكن يجب دفع فردها

قبل التفرق، ويجوز تعين الفرد في عين مشخصة، ويجوز تعينها في دَيْنٍ على المسلم إليه فينوي قبضه عن الكلي، ولا يقع التهاتر قهراً مع اتحاد الجنس كما قيل(3)لعدم اشتغال ذمة المسلم بشيء للمسلم إليه على الأقوى والأظهر.


1) سيأتي في ص 634.

2) غنية النزوع 1 : 227؛ تذكرة الفقهاء 11 : 335، المسألة 494.

3) قال به الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3: 413؛ والبحراني في الحدائق الناضرة 20 : 17؛ والطباطبائي في رياض المسائل 9 : 122.

ويجوز تعينه في دَيْنٍ للمسلم على آخر، فينوي الغريم قبضه عن المسلم إليه مع رضاه بذلك، ولا يجب على المدين إفرازه ثمّ قبضه عن المسلم إليه في المجلس؛ لأنّ ما في الذمة بمنزلة المقبوض.

وكذا لا يجب على المسلم إليه قبضه في المجلس، بل لو رضي به صار ثمناً، وإن كان الأحوط قبضه في المجلس؛ لأنّ تشخيص الكلّي في غير العين من الدين سيّما فيما ليس في ذمة المسلم إليه محلّ نظرٍ وتأمل، على أنّه لا يخلو من شبهة بيع الدين بالدين؛ لتشخص الكلي بالدين وانصبابه عليه فيكون منه، إلا أن تعلّق العقد بالكلّي أولاً وبالذات ثم احتساب الدین فرده صيّره بمنزلة الاستيفاء به، لا معاوضة جديدة عليه.

وممّا ذكرنا يظهر أنّ المسلم لو أحال المسلم إليه بدين له على آخر في المجلس فإن قبضه فيه فلا إشكال؛ لأنّه كالتوكيل في القبض، وإن لم يقبضه في المجلس كان الحكم بالصحّة لا يخلو من إشكال، إلا إذا قلنا بملك المسلم إليه كلّي الثمن حين العقد، والتفرّق فاسخ له من حينه، فهناك تصحّ الحوالة وتكون بمنزلة القبض أو قلنا: إن الحوالة من البريء تفيد النقل والانتقال، وكلاهما لا نقول به.

ولو أحال المسلم إليه على المسلم غريماً له في المجلس، احتملت الصحّة على القول بصحة الحوالة على البريء وإنّها بمنزلة الضمان، والحكم بالفساد مطلقاً أوجه.

وهل يجوز جعل الثمن دَيناً له في ذمة البائع ؟ لعموم الأدلّة، ولأنّ ما في ذمته بمنزلة المقبوض ولأنّ دليل شرط القبض قبل التفرّق هو الإجماع، والمتيقن من انعقاده على الأعيان، فيدخل غيره في عموم دليل الصحّة.

وللخبر: في رجل كان له على رجل دراهم فعرض عليه أن يبيعه بها طعاماً إلى أجل مسمى، فقال: «لا بأس بذلك» (1)وفي ذيله ما يدل على النهي عنه إلا أنّه بحسب سياقه ظاهر في التقيّة.

وللآخر: سألته عن السَّلَم في الدَّيْن، قال: «إذا قال: اشتريت منك كذا وكذا بكذا وكذا فلا بأس» (2).


1) وسائل الشيعة 18 : 298، الباب 8 من أبواب السلف، ح 1.

2) المصدر : 299، ح 3.

أو لا يجوز ؟ لعموم النهي عن بيع الدَّيْن بالدَّيْن (1)، المنجبر بفتوى المشهور، بل الاتفاق ظاهراً على ما قيل (2). والدين عام للحال والمؤجل، فيشمل ثمن السَّلَم لو كان دَيْناً حالاً أو مؤجلاً، وعام لما كان قبل العقد، ولما يكون بعده مجاز مشهور أو حقيقة عرفية.

وفي الخبر: عن الرجل يكون عليه طعام أو بقر أو غنم فأتى الطالب المطلوب يبتاع منه شيئاً، قال: «لا يبيعه نسيئةً، وأمّا نقداً فليبعه بما شاء» (3)إشعار بالمنع أيضاً.

والأخير أحوط إن لم يكن أظهر.

ولا بأس بالسَّلَم بكلّيّ واشتراط أدائه من الدين؛ لعدم دخوله في بيع الدين بالدين قطعاً.

خامسها: اشتراط كون المسلم فيه كلّيّاً

خامسها: يشترط في المسلم فيه أن يكون كلّيّاً، فلا يصح السلم في عين؛ للإجماع ظاهراً من فتاوى الفقهاء، ولأنّه موضوع لفظ السَّلَم لغةً وشرعاً، والمنقول عن السلف كما قيل (4)، والذي شهدت به السيرة.

ويلحق بالعين الدين الذي يراد تأجيله فيبيعه مؤجلاً على شخص بثمن حال.

ولو أسلم في عينٍ أو دَيْنٍ، فإن قصد البيع المطلق صح، وإن قصد خصوص السلم فالأوجه البطلان.

سادسها: اشتراط كون ثمن السلم معلوماً بالنوع والوصف والقدر

سادسها: يشترط في ثمن السَّلَم أن يكون معلوماً بالنوع والوصف، والقدر بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع إذا كان مقدراً بأحد هذه، ولا تكفي المشاهدة في المقدر مطلقاً؛ لتنقيح المناط بين السلم وغيره من أنواع البيوع، ولعموم أدلّة النهي عن الغرر (5)، ولظاهر الاتفاق.

وللصحيح: عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أن أباه لم يكن يرى بأساً في السلم في الحيوان بشيءٍ معلوم إلى أجل معلوم» (6).


1) وسائل الشيعة 18 : 298، الباب 8 من أبواب السلف، ح 2.

2) لم نهتد إلى القائل.

3) وسائل الشيعة 18 : 45، الباب 6 من أبواب أحكام العقود، ح 8.

4) راجع الدروس الشرعيَّة 3 : 254.

5) راجع الهامش (3) من ص 305.

6) وسائل الشيعة 18 : 288 - 289، الباب 3 من أبواب السلف، ح 2.

وخالف المرتضى في ذلك (1)، وهو ضعيف بما ذكرنا، وفي إيضاح النافع: إن قوله متروك (2).

وخالف جمع (3)في المذروع فاكتفوا فيه بالمشاهدة؛ لاندفاع الغرر بها.

وهو ضعيف؛ لمنع اندفاع الغرر والجهالة عرفاً بذلك، ولأنّه عقد لا يؤمن انفساخه أو تبعض الصفقة فيه أو التنازع فيه، فلزم معرفة قدره لرفع الاختلاف والتشاجر.

سابعها: اشتراط الضبط بالكيل أو الوزن في المسلّم فيه

سابعها: يشترط فى المسلم فيه الضبط بالكيل أو الوزن، سواء كان مما يكال أو يوزن أو كان مما تكفي فيه المشاهدة والمعاينة إذا بيع مشاهدةً ومعاينة، وذلك لعدم جواز السَّلَم في المشاهد والمعاين، إلا إذا كان المشاهد في ضمن جملة فيسلم في بعضها في وجه، والمنع منه أقرب كما سيجيء (4)إن شاء اللّه تعالى.

وسواء كان من المعدود - خلافاً للإسكافي (5)- إذا كان مما يكثر فيه التفاوت كالرمان والباذنجان والبيض والبطيخ، وإن كان ممّا يقلّ - كالجوز واللوز والبندق وأشباهها - فلا يبعد الجواز في ذلك لارتفاع الغرر به دون القسم الأول؛ أو كان من غيره.

وأطلق بعضهم (6)المنع في المعدود؛ لمكان الغرر في المعدود مطلقاً مع عدم مشاهدته، وهو يوافق الاحتياط.

وعلى ما ذكرنا فلا يجوز السَّلَم في الحطب حمولاً، ولا في التبن كذلك، ولا في الماء قرباً، ولا في الخشب حزماً، ولا في القصب أطناناً، ولا في البطيخ والرمان وشبههما عداً، ولا بالمكيل أو الموزون جزافاً، كلّ ذلك للإجماع في جملةٍ منها، ولعموم النهي عن بيع الغرر (7)، وللأخبار الخاصة:


1) المسائل الناصريات : 369، المسألة 175.

2) حكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة 4 : 454.

3) منهم : الشهيد في الدروس الشرعيَّة 3 : 258؛ وصاحب إيضاح النافع على ما في مفتاح الكرامة 4 : 454.

4) سيأتي في ص 617.

5) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 179، المسألة 132.

6) كالشيخ الطوسي في المبسوط 2 : 188؛ والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 11 : 329. المسألة 488.

7) راجع الهامش (3) من ص 305.

كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ أسلف فليسلف في كيل معلوم [ ووزن معلوم ] إلى أجل معلوم» (1).

والآخر: «لا بأس بالسَّلَم كيلاً معلوماً إلى أجل معلوم» (2)إلى غير ذلك.

ويُفهم منها ومن حديث الغرر (3): اشتراط كون المكيل معلوماً معتاداً بين عامة أهل ذلك البلد، وكذا الوزن.

ولا يكفي الاتفاق على كيلةٍ أو قدر صخرة بين المتعاقدين ليسا بمعتادين؛ لظاهر الإجماع، ولحديث الغرر (4).

وللخبر: «لا يجوز (5)للرجل أن يبيع بصاع غير صاع المصر» (6).

وفي آخر : عمّن يصغّرون القفزان يبيعون بها : «أُولئك الذين يبخسون الناس أشياءهم» (7).

ولو عين المتعاقدان ظرفاً للكيل معيّناً فيما يباع جزافاً كقربة خاصة أو آنية يكال فيها التبن مثلاً، أو حملاً خاصاً، أو عيّنا كيلةً خاصة مما يكال معتاداً وكانت من أفراد الكيل المعتاد ولكن شرطا أنّ الكيل بها، بطل السَّلَم في وجه قويّ؛ لعدم مأمونية الانقطاع، وعموم الوجود، كما سيجيء بيانه (8)إن شاء اللّه تعالى.

ويجوز رد الكيل للوزن والسلم فيه موزوناً؛ لاندفاع الغرر به.

وفي جواز العكس وجه؛ لاندفاع الغرر، ورواية (9)وهب.

وفي اندفاع الغرر تأمل، وفي دلالة رواية وهب على ذلك منع، وقد يحصل من ردّ الجزاف إلى الكيل والوزن مع عدم مشاهدتهما غرر كثير في بعض الموارد، فالحكم بجواز الرد مطلقاً محتاج إلى تأمل، والاحتياط غير خفيٍّ.


1) صحيح مسلم 3: 1226-1227، ح 1604؛ سنن أبي داود :3: 275، ح 3463، وما بين المعقوفين أضفناء من المصدر.

2) وسائل الشيعة 18 : 289، الباب 3 من أبواب السلف، ح 5.

3) راجع الهامش (3) من ص 305.

4) راجع الهامش (3) من ص 305.

5) في المصدر : «لا يصلح» بدل «لا يجوز».

6) وسائل الشيعة 17 : 347، الباب 6 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 2.

7) المصدر، ج 1.

8) سيأتي في ص 623.

9) تقدَّم تخريجها في ص 611، الهامش (2).

والظاهر أنّ هذا الحكم شامل لكلّ كلّيّ مؤجّل، بل وللحال أيضاً تنقيحاً للعلة المانعة من لزوم الجهالة والغرر، فلا يخص السلم وإن اختص بذكره فيه.

ثامنها: اشتراط التأجيل إلى أجل معلوم مضبوط في المسلم فيه

ثامنها: يشترط في المسلم فيه التأجيل إلى أجل معلوم مضبوط واقعاً وعند المتعاقدين بحيث يعرفانه معاً.

أما الأجل فتدلّ عليه ظواهر الأخبار المتكثّرة في باب السلم المقيدة فيه كونه إلى أجل معلوم (1)، وظاهرها أنّ الأجل - كالكيل والوزن - له مدخلية في السلم.

ودعوى أنّها مسوقة لبيان اشتراط المعلومية في الأجل بعد الإتيان لا لبيان اشتراطه نفسه خلاف الظاهر.

وكذا تدلّ عليه ظواهر الفتاوى، قيل: وظواهر الإجماعات المنقولة (2)وكلام الأصحاب متسالم عليه، وعن الشيخ أنّه احتج بإجماع الفرقة على الصحّة مع الأجل، وما عداه لا دليل عليه (3)، بل ربما يقال: إنّ الأجل داخل في موضوع لفظ السلم عرفاً وشرعاً.

فالقول بعدم اشتراط الأجل فيه ضعيف.

والاستناد إلى الأصل وإلى رواية عبد الرحمن عمّن يشتري الطعام ممن ليس عنده فيشتري [ منه ] حالاً ؟ قال: «ليس به بأس» قلت: إنّهم يفسدونه عندنا، قال: «وأيّ شيء يقولون في السلم ؟» قلت: لا يرون به بأساً، يقولون: هذا إلى أجل، فإذا كان إلى غير أجلٍ وليس هو عند صاحبه فلا يصلح، فقال: «إذا لم يكن أجل كان أجود» ثمّ قال: «لا بأس بأن يشتري الطعام وليس هو عند صاحبه إلى أجل وحالاً لا يُسمّي له أجلاً» (4)، لا وجه له؛ لانقطاع الأصل إن لم يكن مغلوباً، ولعدم دلالة الرواية على صحّة السلم حالاً، بل غاية ما تدلّ عليه جواز بيع الكلّي حالاً ومؤجلاً، وهو أمر معلوم، بل قد يقال: إنّها لا تخلو من إشعار باشتراط الأجل في السَّلَم، كما يلوح من صدرها.


1) وسائل الشيعة 18 : 288، الباب 3 من أبواب السلف.

2) لم نتحقّقها.

3) الخلاف 3: 196 - 197، المسألة 3.

4) وسائل الشيعة 18 : 46، الباب 7 من أبواب أحكام العقود، ج 1، وما بين المعقوفين أضفناء من المصدر.

نعم، ها هنا مسألة ثانية، وهي جواز استعمال صيغة السَّلَم في المبيع الحال بقصد البيع المطلق، أو مع الخلوّ عن قصد ذلك، أو مع قصد السلمية.

ولا يبعد جواز الأولين بناءً على أنّه من المجازات المتعارفة القريبة الصريحة في إنشاء البيع، ويجوز استعمال ما هو كذلك من المجازات في الصيغ الخاصة، ويحصل بها النقل والانتقال، ولا يتفاوت بين وقوعه على المبيع نفسه أو على ثمنه، عيناً كان الثمن أو منفعة، وإن كان الحكم بصحة الأخير مشكل جداً.

وأما الأخير فالأقوى والأظهر عدم جوازه؛ لأنّ قصد السَّلَمية ملازم لقصد الأجل، وقصده ينافي قصد البيع المطلق، والعقود تابعة للقصود، فلو وقع البيع المطلق كان بمنزلة ما وقع لم يُقصد وما قصد لم يقع، وهو باطل.

تاسعها: في أنّه لابد من حراسة الأجل من الجهالة

تاسعها: لا بد من حراسة الأجل من الجهالة لمكان الغرر، ولأن للأجل قسطاً من الثمن وللإجماع، وللأخبار الخاصة المقيدة للأجل بالمعلومية (1)، فلا يجوز السلم إلى وقت مجهول عند المتعاقدين، كظهور الصاحب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقدوم الحاج، وإدراك الغلة، وإلى حصاد ودياس، ويكفي إلى هلال الشهر أو آخره وإن احتمل زيادته ونقصه بالهلال؛ لانضباطه عرفاً، والتسامح به عادةً.

ويجوز التوقيت بشهور الفرس والروم، وبيوم النيروز والمهرجان، وفصح النصارى أو فطير اليهود مع معرفة المتعاقدين بتلك الاصطلاحات.

ولو ذكر الأجل بلفظ مشترك لفظي بين زمانين متأخر ومتقدم كربيع وجمادي، أو بين فعلين في زمانٍ متقدّم ومتأخر، أو مشترك معنوي كذلك، كالجمعة والسبت ورجب وشعبان ونفر الحجيج.

فإن عيّن أحد الأفراد وذكر ما عيّن فلا كلام، وإن نسيه جاء احتمال القرعة، والأخذ بالأزيد؛ للاستصحاب، وبالأقل؛ للأصل.

وإن لم يعيّن جاء احتمال البطلان واحتمال الصحّة؛ لأن الحمل عليها مهما أمكن أولى فيُحمل على أوّل جزءٍ من أوّل معاني المشترك؛ لأنّ الحكم عليه بإرادة معيّن لم يبينه منافٍ للحكمة، وإرادة معيّن بعينه ترجيح بلا مرجّح، وبإرادة المبهم لا محصل لها، وبإرادة كلّ من


1) راجع الهامش (1) من ص 617.

المعنيين لا وجه لها، فليس إلا أنّه أراد المفهوم الكلّي، وهو المسمى في المشترك اللفظي، والطبيعة في المشترك المعنوي، والمفهوم الكلّي يحصل بحصول جزء منه، فيكون هو الأجل.

وقد يقال بالصحّة، والحمل على أوّل شهرٍ، لا لما ذكرنا، بل لحكم العرف بالانصراف إليه ؛ لظهوره في مثل هذا المقام وأقربيته من المعنى الأخير.

وهو حسن؛ لأن انصراف الإطلاق إليه في الآجال ممّا لا ينكر سيّما في المشترك المعنوي في الأشهر وأيام الأسبوع.

وقد يفرّق بين تعريف أيام الأسبوع فينصرف إلى الأوَّل، وتكون اللام فيه عهديةً، وبين تنكيرها فيبطل؛ للجهالة، وهو قريب لفهم أهل العرف.

وعلى كلّ حال فالأجل المعلّق على يوم أو شهرٍ أو غدٍ أو نحو ذلك يحلّ بحصول أوله؛ لأنّه المفهوم عرفاً، ولأنّ المتيقن من انتهاء تأخير التسليم الانتهاء إلى أوّل جزء منه.

ولو قصد أنّ محلّ التأدية جميع اليوم أو الشهر، أو قال: ومحلّه يوم الجمعة أو رمضان، احتمل البطلان؛ للجهالة، واحتملت الصحّة، وتكون جميع المدة ظرفاً للأداء، فيتخيّر البائع في إجرائها في التأدية، ويجب القبول منه متى أدى، واحتملت الصحّة وتكون الغاية هي الآخر، وتلحق توسعة ما قبل الآخر بما قبل المدة.

ولو صرّح بالأول والآخر من يوم أو شهر، احتمل البطلان؛ لجهالة الأوّل والآخر، واحتملت الصحّة وانصرافه إلى الأوّل حقيقة، والأخرى كذلك، واحتملت الصحّة وانصرافه إلى الأوّل والآخر العرفيين، وتكون مدتهما ظرفاً للأداء مخيّراً فيها.

ولو علّق الأجل بوسط الشهر احتمل البطلان؛ لجهالة الوسط؛ لعدم العلم بانتهائه في التاسع والعشرين أو الثلاثين، واحتملت الصحّة بالحمل على اليوم الخامس عشر، أو الوسط العرفي، وعليهما فهل يكون جميع الوسط ظرفاً للأداء، أو يتعيّن بأوّل الوسط، أو يتعيّن بوسط الوسط الحقيقي ؟ وجوه، أوجهها الوسط.

وتحمل السنون والأشهر في باب الآجال على الهلالية، فتعتبر بالأهلة ما لم يكن فيها منكسر، كأن وقع العقد مقارناً للهلال، ولا يضر تفاوت الساعة والساعتين، وإن كان في الشهر منكسر، كأن وقع العقد في خلال الشهر، صار وقوعه قرينة على عدم إرادة الهلالي؛ لأن الظاهر دخول الكسر واتصاله بالعقد، فلا يمكن كونه هلالياً.

وهل يتم هذا المنكسر بشهرٍ عددي أو يتم بشهرٍ هلالي، كأن يُكمل أيامه بعد انتهائه بقدر ما فات منه من الهلال إلى حين العقد ؟ وجهان، والأوجه الأوّل.

ولو علّق الأجل إلى ثلاثة أشهر وكان الأوّل منكسراً، أكمل الأوّل من الرابع عدديّاً لا هلاليّاً، واحتسبت الباقية هلالية.

واحتمال انكسار الجميع واحتسابها عدديةٌ أو هلالية بعيد؛ لعدم الاحتياج إليه، ولصدق مضي ثلاثة أشهر حينئذٍ، وصدق مضي شهرين ونصف لو مضى شهران هلاليان ونصف عددي، فلا يفتقر إلا إلى تكملته نصف شهر عددي.

واليوم المنكسر منه يلفّق من يومٍ آخر بعد تمام العدة، ولا يسقط احتسابه مطلقاً، كما لا يجوز احتسابه يوماً تاماً مطلقاً، قليلاً كان الكسر أو كثيراً، مع احتمال احتسابه يوماً تاماً مع قلة الكسر، وسقوطه مع كثرته، وتلفيقه مع توسّطه.

والذي يفهمه أهل العرف في الأيام المنكسرة هو الأوَّل، فكأنه صار مجازاً مشهوراً في أمثال هذه المقامات، فيقدم على إرادة الحقيقة.

ولو قال: إلى شهر، فإن قارن الهلال كان الأجل آخره، وإلا فالأجل إلى ثلاثين يوماً.

ولو عين الشهر - كرجب ومثله - فالأجل أوّله، ولو بقي منه يوم قارن التأجيل أوله كان قرينة على إرادة آخره وحملاً للعقد على الصحّة مهما أمكن.

واحتمال الصحّة وسقوط الأجل فيكون ذكره لغواً بعيد، والعمدة في الحكم بذلك فهم العرف، ولأنّ المبهم لو أُريد به أوّله لخلا الأجل عن الفائدة؛ لتحقق أوّله بعد تمام العقد، ولو أريد : ريد به كلّ هلالي، يقع بعد العقد؛ لمنافاة فهم أهل العرف؛ لأنّهم يفهمون إرادة تمام العدة، وإلا لعدلوا إلى المعين، ولا احتياج إلى تعليل ذلك بأنّ المغيّى في المبهم مسمّى المدة وهو لا يصدق إلا بالمجموع، وفي المعيّن مسمّاه وهو يحصل بأوّل جزءٍ منه، ولا إلى أنّ الغاية في المعيّن مفصولة بمفصل محسوس فتخرج، وفي المبهم غير مفصولة فتدخل؛ لإمكان توجه النظر إلى ذلك كله.

واعلم أنّ لفظ اليوم حقيقة في التام، واستعماله في الملفّق مجاز مشهور تقضي به قرائن الأحوال، ومع جمعه يكون من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه إن سوّغناه، أو من باب

عموم المجاز، كما أن الشهر حقيقة في الهلالي دون العددي، أو مشترك لفظي أظهر فرديه الهلالي، أو معنوي وهو عدة من أيام لا يتأخر عنها الهلال تحقيقاً كالهلالي، أو تقديراً كالعددي، وأظهر فرديه الهلالي أيضاً، ولكن قرائن الأحوال تصرفه إلى العددي أو إلى المعنى العام لهما، كما إذا جمع أو ثنّى، وقد يظهر من العرف فيمن نذر صوم شهر أو استأجر على عمل شهر، أو نذر صوم سنة أو استأجر على عمل سنة إرادة العددي دون الهلالي؛ وكأنه لغلبة الانكسار وإرادة العمل في المنكسر فيكون ذلك.

عاشرها : اشتراط إمكان وجود المسلم فيه عند حلول الأجل

عاشرها: يشترط في السلم إمكان وجود المسلم فيه عند حلول الأجل ليصح التسليم، ولا يضر امتناعه قبله وعبّر بعضهم (1)عن ذلك باشتراط القدرة على التسليم ذلك الوقت، وآخر (2)عبر بغلبة الوجود عند الحلول، وثالث (3)عبر بعموم الوجود، ورابع (4)، عبر بمأمونية الانقطاع، ونُقل الإجماع على هذا الشرط (5)، مع التعبير عنه بالعبارات الأخيرة ونحوها.

وظاهر ذلك أنّ هذا الشرط أمر زائد على اشتراط القدرة على التسليم التي هي شرط في أصل البيع، بل هو شرط لخصوص السَّلَم، فلا يسري لبيع كلّ كلّي، ولا لبيع كلّ كلّي مؤجل أيضاً؛ لأصالة عدم اشتراط أمر زائد على إمكان التسليم والقدرة عليه فيهما، سواء ندر وجوده أو كثر، وسواء تيسّر تحصيله بسهولةٍ أو كان مما يصعب تحصيله؛ لوجوده في مكانٍ آخر يعسر نقله إلّا بمشقّةٍ، على أنّه يمكن تنزيل العبارات الأولية على العبارات الأخيرة بقرينة إفرادهم لهذا الشرط عن اشتراط القدرة على التسليم وعدم اكتفائهم ها هنا بها وبقرينة أنّ جُلّ الذاكرين لهذا الشرط صرّحوا في مقامٍ آخر ببطلان السَّلَم إذا أدى إلى عزة الوجود وندرته، وظاهر ذلك أنّه أمر وراء القدرة على التسليم وإمكانها.

فما يظهر من بعض من المتأخرين من الاكتفاء بوجوده والقدرة على تسليمه ولو بظنّ


1) كالشهيد في الدروس الشرعيَّة 3 : 256.

2) كالمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 58.

3) كالعلامة الحلّي في تحرير الأحكام الشرعيَّة 2 : 428، الرقم 3546.

4) كالشيخ الطوسي في المبسوط 2: 172؛ والخلاف 3: 195، المسألة 1.

5) الخلاف 3: 195، المسألة 1.

البائع؛ للموثق: «لا بأس بأن يشتري الطعام وليس هو عند صاحبه إلى أجل وحالاً لا يُسمّي [له] أجلاً إلا أن يكون بيعاً لا يوجد مثل العنب والبطيخ في غير زمانه» (1)وللصحيح: فيمن اشترى طعام قرية بعينها، قال: «لا بأس» (2)وفي آخر: «في الرجل يشتري طعام قرية بعينها، وإن لم يُسمّ له قريةٍ بعينها أعطاه [ من ] حيث شاء» (3)والمشترطون لعموم الوجود لا يجوزون السَّلَم في طعام قريةٍ بعينها (4)، ضعيف لا يعارض ما قدمنا من الإجماع المحكي والشهرة المحصلة والمنقولة (5)، على أنّه يمكن حمل «لا يوجد» في الرواية الأُولى على ما لا يوجد غالباً، ونلتزم منع بيع ما لا يوجد غالباً حتّى في الحال، أو يبقى على معناه ويكون قيداً للحال، فيكون المؤجل مسكوتاً عنه، فلا ينافي اشتراط الزيادة فيه، أو يكون قيداً لهما، فيكون دلالته على اتحادهما في الشرطيّة بالمفهوم الضعيف فلا يلتفت إليه.

وأما الروايتان الأخيرتان فتحملان (6)على القرية الكبيرة المقطوع بحصول الغلة فيها عادة؛ جمعاً بينهما وبين كلام الأصحاب أولى من إبقائهما على إطلاقهما، ولو سلمنا إبقاءهما فلا نسلّم أن موردهما السّلم، بل الظاهر منهما إرادة غيره.

ثم إن الظاهر من إطلاق الفتوى والإجماع المنقول هو اشتراط عمومية الوجود ذاتاً ووصفاً ومكاناً وظرفاً ومكيالاً ومتعلّقاً، وأن يكون عام الوجود في محلّ أداء المسلم فيه المشروط أو المنصرف إليه الإطلاق أو فيما يقرب إليه بحيث يعتاد نقله إليه، ولا يكفي وجوده في قطرٍ آخر.

والظاهر أنّه شرط،واقعيّ، فلو عقدا بزعمهما عموم الوجود فبان العكس تبين بطلان البيع، ولو زعما الندرة فبان الخلاف صح.

حادي عشرها: وجود المسلم فيه عند حلول الأجل شرط للسلم حين العقد وإن تأخر حصوله

حادي عشرها : لا شكّ أنّ هذا الشرط شرط للسَّلم حين العقد وإن تأخر حصوله، فلو


1) تقدَّم تخريجه في ص 617، الهامش (4) وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

2) وسائل الشيعة 18 : 313، الباب 13 من أبواب السلف، ح 1.

3) المصدر : 314، ج 3، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

4) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 8: 352 – 353.

5) رياض المسائل 9 : 126.

6) الظاهر : «فحملهما» بدل «فتحملان».

كان حين العقد ممّا يعتاد حصوله عند الحلول فاتفق أنّه ندر فلم يحصل صح العقد، وإن انعكس الحال فسد، إلا أن للمشتري الخيار في الأوّل بين الفسخ والصبر، كما إذا انقطع المسلم فيه بعد عموم الوجود لجائحة أو وُجد فأخّر المسلم [ إليه ] (1)التسليم إلى أن انقطع بعد ذلك العام، فإنّ الحكم في الجميع الخيار، ولا ينفسخ العقد.

أما عدم الانفساخ فنقل عليه الإجماع (2)، وتدلّ عليه ظواهر الأخبار.

وأما الحكم بالخيار فمستنده حديث لا ضرار (3)، وخصوص الأخبار الخاصة المنجبرة بفتوى المشهور، بل وبما نُقل من ظواهر الإجماع المنقول (4).

كالموثق فيمن أسلف وذهب زمان ما أسلف فيه من الثمار ولم يستوف سلفه، قال: «فليأخذ رأس ماله أو ينظره» (5).

والآخر، وفيه: «وإن لم يجد شرطه فلا يأخذ إلا رأس ماله، لا تظلمون ولا تظلمون» (6)وهو كناية عن جواز الفسخ.

وهل يجوز له أن لا يفسخ ولا يصبر بل يأخذ القيمة؛ لأنّها الضابطة عند تعذر الأمثال. ولإشعار بعض الأخبار - الواردة في بيع السلف بعد حلول الأجل - به، الآمرة بأخذ القيمة إذا لم يجد المسلم إليه المسلم فيه (7)؟ وجهان.

والأظهر أنّ له ذلك، فيتخيّر بين الثلاث ويلزم البائع بالقيمة إن أرادها، وليس للبائع إلزامه بالقيمة قهراً؛ لأنّها حقه عند تعذر المثل كما نُقل عن العميدي(8)؛ لأنّه خلاف ظاهر الفتوى والنص.

نعم، قد يقال فيما لو قطع المسلم بعدم التمكن أبداً: إنّ له الخيار بين الفسخ وأخذ القيمة. ويزول حق الصبر عنه؛ لعدم الفائدة فيه، وربما تنزل عليه بعض الأخبار الواردة في بيع


1) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

2) مفتاح الكرامة 4 : 466.

3) راجع الهامش (1) من ص 194.

4) رياض المسائل 9 : 140.

5) وسائل الشيعة،18 : 309، الباب 11 من أبواب السلف، ح 14.

6) المصدر، ح 15.

7) المصدر : 305، ح 5.

8) كما في مفتاح الكرامة 4 : 467.

السلف بعد حلوله. مع احتمال انفساخ البيع فيه من أصله أو من حينه، وربما تنزل عليه الأخبار الآمرة بأخذ رأس المال (1)من دون تعرّض للصبر.

وبما قدمناه يظهر ضعف ما ذهب إليه ابن إدريس من لزوم الصبر على المسلم عند تعذر المسلم فيه، وعدم جواز الفسخ (2)لمخالفته النصّ والفتوى.

وهل يلحق بانقطاع المسلم فيه في ثبوت الخيار عدم التمكن منه لفقر أو مرحم فر أو مرض أو بُعْدِ أو خوفٍ أو عجز أو مشقةٍ منه لا تتحمّل، أو عدم تمكن المشتري من قبضه لخوف أو عجز أو نحو ذلك، كلّ ذلك لحديث الضرار (3)، ولما تشعر به مفاهيم بعض الأخبار (4)، أو لا يلحق؛ للأصل، ولزوم الصبر ؟ وجهان.

والأوجه: الأوّل فيما لو كان المانع من قبل البائع، والثاني فيما لو كان من طرف المشتري. والظاهر: إلحاق الحلول بالموت بالحلول عند انتهاء المدة؛ لعدم الفارق بين الحلولين ولشمول حديث «لا ضرار» (5)لهما.

وهل للمشتري الخيار قبل حلول الأجل إذا علم التعدّر بعده؛ لحصول العلم بالسبب فلا فائدة بالتأخير، أو ليس له؛ اقتصاراً على مورد اليقين في الحكم المخالف للأصل في ثبوت الخيار المعلّق على وجود السبب، لا العلم به ؟

وهل هو فوري؛ اقتصاراً على مورد اليقين من الخروج عن عموم دليل لزوم البيع في الأزمان، أو متراخ؛ للاستصحاب ؟ وجهان، وفي الأوّل قوة.

ويسقط هذا الخيار بإسقاطه، وببذل البائع له ورضاه بالتأخير ثم حصل الانقطاع بعد ذلك؛ للشكّ في شمول دليل الخيار لمثل هذه الصورة.

ولو قبض المشتري البعض وتأخر الباقي، تخيّر بين الصبر وفسخ الجميع؛ للقواعد المتقدّمة، ولمكان تبعيض الصفقة عليه، أو فسخ الباقي فقط فيسترد ما قابله من الثمن؛ لأنّه المتصف بالتعذر الموجب للخيار.


1) راجع الهامش (6) من ص 623.

2) السرائر 2 : 316 - 317.

3) راجع الهامش (1) من ص 194.

4) راجع وسائل الشيعة 18 : 304 - 306، الباب 11 من أبواب السلف، ج 2، 7.

5) راجع الهامش (1) من ص 194.

وللصحيح: أرأيت إن وفاني بعضاً وعجز عن بعض أيجوز أن آخذ بالباقي رأس مالي ؟ قال: «نعم، ما أحسن ذلك» (1).

والآخر: «لا بأس إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه أن يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها أو ثلثيها ويأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم» (2).

وفي احتمال عدم ثبوت الخيار له في البعض لتبعيض الصفقة على البائع ولا يُجبر الضرر بالضرر، وتُحمل الرواية على أخذ القيمة مقاصةً أو استيفاء قوّة إلا أنّه خلاف ظاهر الأصحاب.

ولو فسخ المشتري البعض دون البعض، كان للبائع الفسخ ؛ لمكان تبعيض الصفقة عليه، وجمعاً بين القواعد ما لم يكن التأخير بتفريطه فيسقط خياره.

ثاني عشرها: جواز اشتراط السائغ في عقد السلم

ثاني عشرها: يجوز اشتراط السائغ في عقد السلم، وهو ما لم يكن محلّلاً حراماً أو محرّماً حلالاً، أو منافياً لمقتضى عقده أو عقدٍ آخر، أو غير مقدور، أو معدوداً من السفه، أو مجهولاً لا يؤول إلى العلم أو يؤدّي إلى جهالة أحد العوضين.

ولا بدّ أن يكون في أثناء العقد أو مبتنياً عليه العقد متأخراً أو متقدماً، فيجوز اشتراط آخر أو سلف أو ضمين أو رهن أو قرض واشتراط القرض في السلف غير مضر كاشتراط السلف في القرض، واشتراط البيع والسلف اشتراط لعقده، ولا يصح اشتراط غايته كاشتراط كون هذا مبيعاً.

وفي صحّة اشتراط كونه رهناً من دون اشتراط الصيغة وجهان، ولو قلنا بالصحّة فالأولى أن يقول البائع: استسلمت وأرهنت.

وكذا لو صرّح بصيغة الرهن كأن يقول البائع: بعت وأرهنت، فالأولى أن يؤخر صيغة الرهن عن صيغة البيع ويؤخر القابل قبول الرهن عن قبول البيع، بل الأظهر لزوم ذلك.

وما ورد من النهي عن سلف وبيع وعن بيعين في بيع (3)ضعيف لا يقاوم ما ذكرنا، فليحمل على اشتراط نفس الغاية، أو على تعلّق السَّلَم والبيع بشيءٍ واحد على تقدير ثمنين مختلفين.


1) وسائل الشيعة 18 : 304، الباب 11 من أبواب السلف، ح 2.

2) المصدر : 303 - 304، ح 1.

3) المصدر : 47، الباب 7 من أبواب أحكام العقود، ح 2.

ثالث عشرها : حكم ما إذا دفع المسلم إليه المبيع قبل الحلول

ثالث عشرها: إذا دفع المسلم إليه المبيع قبل الحلول لم يجب القبول مطلقاً؛ لأن التأخير حق لهما وإن كان أصل مشروعيته إرفاقاً بالبائع.

وإذا دفعه بعد الحلول، فإن طابق الوصف وجب القبول إذا كان على الحد الوسط من الأوصاف المشترطة، وكذا لو كان متصفاً بالوصف الأعلى منها، وأما لو كان متصفاً بالوصف الأدنى منها فالظاهر عدم لزوم القبول إلا برضاه؛ لانصراف الأوصاف إلى الحد الوسط، ولا يلزم مثله في الأعلى؛ لأنّه وسط وزيادة، إلا إذا اشترط الوسط.

وإن لم يطابق الوصف لم يجب القبول، سواء كانت تلك الأوصاف أعلى أو أدنى، كما إذا اشترط سناً معلوماً فدفع ما هو أجود منه، أو صفة معلومة فدفع ما هو أعلى منها؛ لعدم المطابقة، ولجواز تعلّق الغرض بوصف خاص، ولعدم لزوم قبول الإحسان.

وللأخبار الخاصة، في أحدها فيمن يُسلم في وصفاء بأسنان معلومة ولون معلوم ثمّ يعطي دون شرطه أو فوقه، قال: «إذا كان عن طيبة نفس منك ومنه فلا بأس» (1).

وفي آخر: أرأيت إن أسلم في أسنان معلومة أو شيء معلوم من الرقيق فأعطاه دون شرطه أو فوقه بطيبة النفس منهم ؟ قال: «لا بأس» (2).

وفي ثالث: في الرجل يسلف في وصف أسنان ولون معلوم ثمّ يعطي فوق شرطه ؟ فقال: «إذا كان على طيبة نفس منك ومنه فلا بأس» (3).

ونُسب (4)للمشهور وجوب القبول فيما إذا دفع الأعلى؛ لأنّه إحسان ويجب قبوله.

وفيه منع وجوب قبول الإحسان أوّلاً، ومنافاته لظواهر الأخبار المتقدّمة ثانياً.

وحمل جملة من الأخبار المتقدّمة على إرادة طيب نفس من المشتري في قبول الأدنى وطيبة نفس من البائع في دفع الأعلى؛ لأنّه لو أراد اشتراط طيبة نفس كلّ منهما في كلّ منهما لقال : بطيبة نفس كلّ منهما فالعدول عن ذلك إيذان بذلك، بعيد عن السياق وعن ظاهر الأخبار الأخر.


1) وسائل الشيعة 18 : 299، الباب 9 من أبواب السلف، ح 1.

2) المصدر : 299 - 300، ح 2.

3) المصدر : 302، ح 8.

4) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 139.

ويمكن حمل كلام المشهور في وجوب قبول الأعلى على ما إذا طابق الوصف ولكن كان أعلاها ولم يشترط الوسط إلا على الأعلى المخالف.

وأما ما ورد في بعض الأخبار من الأمر بأخذ ما دون الشرط ولا يأخذ ما فوقه (1)، فمحمول على الندب والإرشاد لتنزيه النفس لا على الحتم والإيجاب؛ لمخالفتها الفتاوى والنصوص.

ولو دفع المسلم إليه الأكثر قدراً، لم يجب القبول قطعاً؛ لعدم وجوب قبول الهبة.

رابع عشرها: فيما إذا حلّ الأجل وجب على المسلم إليه الدفع عند المطالبة

رابع عشرها: إذا حلّ الأجل وجب على المسلم إليه الدفع عند المطالبة، فلو لم يطالبه ولم يكن عدم المطالبة لعذر أو نسيان لم يجب الدفع، وإذا دفع وجب القبول على المسلم.

فلو كان لحمله مؤونة لم تجب على الدافع، إلا باشتراط أو قضاء عرف بذلك، بل لا يجب على الدافع النقل إلا مع الاشتراط أو قضاء العرف بذلك.

نعم، يجب عليه التخلية والتسليم عند إرادة المسلم للقبض. ولو دفع المسلم إليه فلم يقبل المسلم، وضعه بين يديه أو أدخله في بيته تحت يده وبرئ من ضمانه.

فإن لم يتمكن رفع أمره إلى الحاكم ليجبره على القبض أو الإبراء؛ لما في تحمّل الذمة من الضرر المنفي والحاكم منصوب لقطع مواد النزاع والاختلاف.

وقدم بعضهم هذه المرتبة الأخيرة على الأُولى(2).

وهو لا يخلو من قوّة؛ لعدم تعيين الفرد الموضوع بين يديه وفاءً له من دون قبضه له، فيقوم الحاكم مقامه في الجبر أو مقامه في القبض فيقبض عنه؛ لولايته على الممتنع.

وإن لم يمكن الرجوع للحاكم في الجبر أو القبض عنه، استأذن منه في تعيينه بالعزل وإبقائه أمانةً عنده أو عند غيره من العدول فإن لم يمكن استئذانه عزله بنفسه؛ لمكان الضرر بإبقائه، وأبقاه أمانةً عنده أو عند غيره، وبرئ من ضمانه لو تلف.

هل ينتقل عند العزل إلى ملك المسلم فنماؤه له ولا يجوز للمسلم إليه التصرف فيه، أو


1) راجع الهامش (2) من ص 625.

2) راجع رياض المسائل 9 : 138 - 139.

يبقى على ملك المسلم إليه، وفائدته فراغ ذمّته وارتفاع الضمان عند تلفه ؟ وجهان، أظهرهما الأوَّل، وأحوطهما الأخير، والأحوط منه إبقاؤه دَيناً عليه فيوصي به بطناً بعد بطن مع عزل مقابله للوفاء به.

خامس عشرها : حكم ما إذا دفع المسلم إليه من غير الجنس بنية الوفاء

خامس عشرها: إذا دفع المسلم إليه من غير الجنس بنيّة الوفاء - لا بنيّة الأمانة والاحتساب بعد ذلك - فإن رضي الغريم بذلك كان وفاء، فإن ساعره على قيمته كان قدرها وفاء، وإلا احتسب عليه بقيمته يوم الإقباض؛ لظاهر الفتاوى والنصوص والإجماعات المنقولة (1).

وفي الخبر في رجل كان له على رجل مال فلمّا حلّ عليه المال أعطاه به طعاماً أو قطناً أو زعفراناً ولم يقاطعه على السعر، فلمّا كان بعد شهرين أو ثلاثة ارتفع الطعام والزعفران والقطن أو نقص بأي السعرين يحسبه ؟ هل لصاحب الدين سعر يومه الذي أعطاه، أو السعر الثاني بعد شهرين أو ثلاثة يوم حاسبه ؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس له إلا على حسب سعر وقت ما دفع الطعام» (2).

وفي آخر: عن الرجل يكون لي عليه المال فيعطيني بعضاً دنانير وبعضاً دراهم، فإذا جاء يحاسبني ليوفيني يكون قد تغيّر سعر الدنانير، أي السعرين أحسب له، الذي يوم أعطاني الدنانير، أو سعر يوم الذي أُحاسبه ؟ قال: «سعر يوم الذي أعطاك الدنانير»(3).

وفي ثالث: في الرجل يكون له على رجل دراهم فيعطيه دنانير ولا يصارفه، فتتغيّر الدنانير بزيادة أو نقصان، فقال: «له سعر يوم أعطاه» (4)، إلى غير ذلك من الأخبار.

وظاهرها أن المدفوع يكون وفاء بقيمته بمجرد الدفع ونية الوفاء، ولا يحتاج إلى أمرٍ آخر من بيع أو صلح أو تصريح بذلك، بل ظاهرها شامل للمدفوع بنيّة الوفاء وعدمه ولما ساعره عليه وعدمه، ولكن الظاهر اختصاصها بالأوّل وبما لم يساعره عليه حين الدفع؛ جمعاً بين هذه الأخبار وبين القواعد.

نعم، لو وقع الدفع من المسلم إليه ولم يعلم وجهه، كان الظاهر حمله على الوفاء، فيحتسب وفاء بقيمته يوم الدفع.


1) مسالك الأفهام 3 : 432؛ كفاية الفقه 1 : 535: رياض المسائل 9 : 142.

2) وسائل الشيعة 18 : 85، الباب 26 من أبواب أحكام العقود، ح 5.

3) المصدر : 183 - 184، الباب 9 من أبواب الصرف، ح 2.

4) المصدر : 185، ح 5.

سادس عشرها: حكم ما لو أسلم في كيل وشرط مكيالاً معيناً

سادس عشرها: لو أسلم في كيل وشرط مكيالاً معيناً، أو في طعام وشرط كونه من أرض محصورة معينة، أو في غزل امرأةٍ معينة، أو في ثوب حائك معين، أو في عسل زنبورٍ معين، أو في تمر بستان معيّن قالوا: بطل؛ لمنافاته لوضع السلم؛ لابتنائه على عموم الوجود في شطوره وشرائطه وصفاته وأحواله، فلو انحصر كان غير مأمون بقاؤه أو حصوله عند حلول الأجل قطعاً أو ظناً معتاداً، إلا ما يقضى به الاستصحاب في بعض الأحوال وهو لا يفيد الظنّ القوي المطلوب في باب السَّلَم، وما ورد في بعض الأخبار من جواز السلم في طعام قرية بعينها (1)محمول على الكبيرة كالبصرة ونجد والأحساء ونحو ذلك.

وقد يناقش في ذلك، إلا أن متابعة المشهور أحرى.

ولو أسلف وشرط شيئاً معيناً أو كلياً، محصوراً أو غير محصور، عام الوجود أو لا، صح؛ لعدم دخول هذا الشرط في المسلم فيه، وعلى ذلك، فلو أسلم في غنم وشرط أصواف نعجات بعينها أو أصواف نعجات كلّيّة يمكن العلم بها وبوصفها بحيث لا يؤدي إلى جهالة الشرط، صح؛ لعدم كون الأصواف داخلةً في السَّلَم، وعدم كونها مبيعةً أصالة كي يجيء المنع من منع بيع الأصواف على ظهر الغنم؛ لجهالته، ولأنّ الشروط قد يغتفر فيها ما لا يغتفر في المشروط.

نعم، لو كان الصوف غير مشاهد ولا يمكن انضباطه بالوصف بطل الشرط، وبطل العقد تبعاً لبطلانه قطعاً.

سابع عشرها: عدم جواز بيع السلم قبل حلول أجله على من هو عليه أو على غيره

سابع عشرها: لا يجوز بيع السَّلَم قبل حلول أجله حالاً أو مؤجلاً على مَنْ هو عليه أو على غيره؛ للإجماع المنقول (2)، والشهرة المحصلة، لا لعدم ملكية المشتري له؛ لأنّ الأجل تحديد للأداء دون الملك، كما هو الظاهر من الآجال في مثل هذه المحال، ولأن العقد ممّا لا يتأخر أثره في غير ما دلّ عليه الدليل، ولأن الميت إذا مات يحلّ ما عليه لا يملك بموته، ولأنّ المسلم إذا مات ورث ورثته المال واحتسب تركة له فيجري عليه ما يجري على سائر الأملاك، فبطل احتمال عدم الملكيّة، ولا لعدم القدرة على التسليم، لمنعه فيما إذا بيع على


1) وسائل الشيعة 18 : 313، الباب 13 من أبواب السلف، ح 1.

2) غنية النزوع 1 : 228؛ التنقيح الرائع 2 : 145: مجمع الفائدة والبرهان 8 : 360.

مَنْ هو عليه؛ لأنّ ما في ذمته مقبوض له، ولأنّه مقدور له تسليمه بعد الأجل كالمال الغائب إذا قدر على تسليمه بعد حضوره، وذلك كافٍ في صحّة البيع وارتفاع السفه، ولأنّه مقدور له عند تحصيله من الغريم بإحدى الوسائل، وما كان مقدوراً بالواسطة كما كان مقدوراً بالذات ويكفي في القدرة على التسليم ذلك.

وعلى ما ذكرنا فالحكم خاص بالبيع دون غيره من المعاوضات.

ويجوز بيع السلم بعد حلوله وقبضه؛ للأصل، والإجماع، والأخبار (1).

وهل يجوز بيعه قبل قبضه مطلقاً؟ الأشهر والأظهر ذلك ما لم يجئه مانع من ربا ونحوه؛ للأصل، والعمومات، والصحاح (2)المستفيضة وغيرها، ومواردها وإن اختصت بالبيع على مَنْ هو عليه إلا أنّه قد نُقل عدم الخلاف بنفي الفرق بينه وبين غير مَنْ هو عليه (3).

ويدلّ على الجواز أيضاً ما دلّ من الأخبار على جواز بيع ما لم يقبض (4)، بقول مطلق من غير فرق بين مال السَّلَم أو غيره، وبين كونه على مَنْ هو عليه أو على غيره، وبين الطعام وغيره، وبين المكيل والموزون وغيره، وبين التولية وغيرها، وإن كان الأحوط تركه إذا كان مكيلاً أو موزوناً وكان البيع غير تولية؛ للأخبار الناهية عن ذلك (5)، الشاملة للسلم وغيره، ومن البعيد افتراق حكم السَّلم عن حكم تلك المسألة في الجواز فيه والمنع فيها مع كونه أولى بالمنع منها.

ومن الأخبار الدالة على الجوازة مرسلة أبان بن عثمان: في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى أجل فيحلّ الأجل فيقول : ليس عندي طعام وخُذ منّي ثمنه، قال: «لا بأس بذلك» (6).

والخبر: في الرجل يسلفني الطعام فيجيء الوقت وليس عندي طعام، أعطيه بقيمته دراهم؟ قال: «نعم» (7).


1) لم نتحقّقه.

2) وسائل الشيعة 18 : 305 و 306 و 308 الباب 11 من أبواب السلف، ح 5، 11،8،6.

3) نقله الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 129.

4) وسائل الشيعة 18 : 65 - 66، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، ح 4، 6.

5) المصدر : 65 و 66 و 68 - 69. ح 1، 5، 12، 15.

6) المصدر : 305 الباب 11 من أبواب السلف، ح 5.

7) المصدر : 306، ح 8.

وفي ثالث: عن رجل أسلف رجلاً دراهم بحنطة حتّى إذا حضر الأجل لم يكن عنده طعام ووجد عنده دواباً ورقيقاً ومتاعاً يحل له أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه ؟ قال: «نعم» (1).

وفي رابع: رجل له على رجل تمر أو حنطة أو شعير [ أو قطن ] فلمّا تقاضاه قال: خُذْ بقيمة ما لك عندي دراهم أيجوز ذلك أم لا ؟ فكتب: «يجوز عن تراض منهما» (2).

وإطلاقها شامل للبيع وغيره بمعونة فهم المشهور وفتواهم وإجماعاتهم المنقولة، وإلا فقد يُمنع إرادة البيع من تلك الأخبار، وتُحمل على الوفاء كما هو الظاهر منها في أمثال هذه المقامات كالدفع إلى الغريم وشبهه، أو تُحمل على الصلح وإن كان بعيداً؛ لأن الظاهر في معاوضة الأعيان هو البيع حتّى يقوم دليل على الخلاف، وهذه الأخبار وإن اختصت بموارد خاصة إلّا أنّه بضميمة نقل الاتفاق على عدم الفصل يتمّ المطلوب.

وبذلك يظهر ضعف ما نُسب (3)للشيخ (رَحمهُ اللّه) عن منع بيع السَّلَم بدراهم إذا كان الثمن الأوّل دراهم (4)للخبر: عن الرجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أيأخذ بقيمته دراهم ؟ قال: «إذا قومه دراهم فسد، لأنّ الأصل الذي اشترى به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم» (5)لضعف الخبر عن مقاومة ما قدمنا.

وأما ما ذهب إليه الشيخ من منع بيع السَّلَم قبل قبضه مع التفاوت بالزيادة إذا كان الثمن من جنس ما أسلمه سواء كان على مَنْ هو عليه أو على غيره(6)، وتبعه على ذلك جمع من الأصحاب (7)، ونُقل عليه الإجماع (8)، واختاره جمع من المتأخرين (9)استناداً لجملة من الأخبار - كالصحيح: فيمن أعطى رجلاً ورقاً بوصيفٍ إلى أجل مسمى، فقال له صاحبه: لا أجد لك وصيفاً، خُذ منّي قيمة وصيفك اليوم ورقاً، قال: «لا يأخذ إلا وصيفه أو ورقه الذي أعطاه أوّل مرة لا يزداد عليه شيئاً» (10)وفي آخر: «لا بأس بالسلم في الحيوان إذا سميت


1) وسائل الشيعة 18 : 305، الباب 11 من أبواب السلف، ح 6.

2) المصدر : 308، ح 11، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

3) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 9 : 129.

4) تهذيب الأحكام 7 : 30، ذیل الحدیث 129.

5) وسائل الشيعة،18 : 308، الباب 11 من أبواب السلف، ح 12.

6) راجع النهاية : 397.

7) كما في رياض المسائل 9: 130.

8) كما في رياض المسائل 9: 130.

9) كما في رياض المسائل 9: 130.

10) وسائل الشيعة 18 : 307، الباب 11 من أبواب السلف، ح 9.

الذي تسلم فيه فوصفته، فإن وفّيته وإلا فأنت أحق بدراهمك» (1)وفي ثالث: «من اشترى طعاماً أو علفاً إلى أجل فلم يجد صاحبه وليس شرطه إلا الورق، فإن قال خُذ مني بسعر اليوم ورقاً، فلا يأخذ إلا شرطه طعامه أو علفه، فإن لم يجد شرطه فلا يأخذ إلا رأس ماله لا تظلمون ولا تُظلمون» (2)وفي رابع: فيمن يسلم في الغنم، قال: «لا بأس به إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه أن يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها أو ثلثيها ويأخذ رأس [مال] ما بقي من الغنم دراهم» (3)وفي خامس: فيمن يسلم في التمر والحنطة بمائة درهم فيأتي صاحبه حين يحلّ الذي له فيقول: والله ما عندي إلا نصف الذي لك فخُذْ منّي إن شئت بنصف الذي لك حنطة وبنصفه ورقاً، فقال: «لا بأس إذا أخذ منه الورق كما أعطاه» (4)- فهو وإن كان قوياً بحسب الدليل إلا أنّ دليله لا يقوى على معارضة القواعد والعمومات وإطلاق الأخبار المتقدّمة المنجبرة بما ذكرنا وبفتوى المشهور نقلاً (5)بل تحصيلاً، فليحمل على الكراهة أو على صورة ما إذا لم يجد المسلم إليه المبيع وقت الحلول، فيفسخ حينئذٍ فلا يكون له إلا رأس ماله؛ لأنّ أخذ الزيادة عليه حرام؛ لعدم مشروعية أخذها من دون سبب ناقل؛ على أنّه لا يخلو من شبهة الربا.

وأما الأخبار الدالّة على عدم جواز الشراء بالدراهم المرسلة إلا أن يكون معه آخر - كالخبر: فيمن أسلف دراهم بطعام فلمّا حلّ الطعام بعث إليه بدراهم فقال: اشتر لنفسك طعاماً فاستوفِ حقك، فقال: «أرى أن تولّي ذلك غيرك وتقوم معه حتّى تقبض الذي لك، ولا تتولّى أنت شراءه» (6)، والآخر نحوه، وفيه: «يكون معه غيره يوفّيه» (7)- فمحمولة على الندب والإرشاد إلى التنزه عن التهمة؛ إذ لا قائل بما دلّ عليه ظاهرها.


1) وسائل الشيعة 18 : 310، الباب 11 من أبواب السلف، ح 17.

2) المصدر : 309، ح 15.

3) المصدر : 303 - 304. ج 1، وما بين المعقوفين أضفناء من المصدر.

4) المصدر : 309 - 310، ح 16.

5) الحدائق الناضرة 20 : 36 رياض المسائل 9 : 131.

6) وسائل الشيعة 18 : 310 - 311، الباب 12 من أبواب السلف، ح 1.

7) المصدر : 311، ح 2.

وهل يكره بيع السلم قبل قبضه إذا كان مكيلاً أو موزوناً؛ لفتوى جملة من فقهائنا (1)، ولا تحاد هذه المسألة مع مسألة البيع قبل قبض المبيع، أو لا يكره؛ لعدم الدليل على الكراهة ولاختلاف المسألتين؛ لكثرة الأخبار بالجواز (2)هنا دونها هناك، أو يكره إذا بيع على غير مَنْ هو عليه؛ عملاً بتلك الأخبار في باب القبض، ولا يكره إذا بيع على مَنْ هو عليه؛ للأخبار المجوّزة ها هنا من دون معارض؛ إذ هي مع كثرتها مخصوصة بالبيع على مَنْ هو عليه ؟ وجوه، أقواها الأخير.

ثامن عشرها: جواز بيع السلم بعد حلول أجله يسري لكل دين مؤجل قد أحل أجله

ثامن عشرها: ما ذكرناه من جواز بيع السَّلَم بعد حلول أجله مطلقاً يسري لكلّ دَيْنِ مؤجل قد حلّ أجله، سواء في ذلك بيعه على مَنْ هو عليه أو على غيره.

خلافاً لا بن إدريس حيث منع من بيعه على غير مَنْ هو عليه ناقلاً عليه الإجماع (3).

وهو ضعيف عن معارضة الأصل والعمومات والشهرة المحكية (4)، بل المحصّلة.

وأما بيع الدين قبل حلول أجله فقيل بالجواز فيه (5)للأصل من دون معارض، سوى احتمال إلحاقه بمال السلم المجمع على منعه، وهو قياس ممنوع؛ لاختصاص مورد الإجماع به.

وقيل بالمنع(6)، وكأنه استناد لشبهة عدم الملك قبل حلول الأجل، أو شبهة عدم القدرة على التسليم.

وقد مرّ الجواب عنهما بمنع تأخر الملك عن سببه شرعاً، وأن الأجل تأخير للأداء. وبمنع عدم القدرة على التسليم شرعاً وعرفاً، ويزيد هنا أنّ تأخر الملك لا يجري في الدين المحقق من قرض أو غرامة ونحوهما إذا وقع تأجيلها بعقد لازم؛ ضرورة تقدَّم الملك على الأجل فلا يزول، فالقول بالجواز أقوى، والاحتياط لا يخفى.


1) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 596؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 398؛ والمحقق الحلّي في المختصر النافع : 222.

2) وسائل الشيعة 18 : 65، الباب 16 من أبواب أحكام العقود.

3) السرائر 2 : 55.

4) كفاية الفقه 1 : 535 رياض المسائل 9 : 134.

5) قال به العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 13 : 20، المسألة :18؛ والشهيد الثاني في الروضة البهية 4 : 19؛ والسبزواري في كفاية الفقه 1 : 535.

6) قال به الشهيد في الدروس الشرعيَّة 3: 313.

تاسع عشرها: جواز بیع مال السلم قبل قبضه بعين حاضرة

تاسع عشرها: لا شكّ في جواز بيع مال السَّلَم قبل قبضه - بناء على القول به - بعين حاضرة مشخّصة، وبكلّي حال غير مؤجل لم تشتغل به الذمة سابقاً.

وهل يجوز بيعه بكلّيّ مؤجّل لم تشتغل به الذمة؛ للأصل والعمومات، أو لا يجوز كما هو الأقوى؛ لأنّه دَيْن عرفاً بعلاقة الأوَّل، فهو مجاز مشهور أو حقيقة عرفية، وهذا بخلاف الحال فإنّه لا يُسمّى دَيْناً عرفاً، وإن كان ما دام في الذمة بعد وقوع العقد يُسمّى ديناً ولكن لا يُسمّى دَيْناً قبله، ولمّا كان مال السَّلَم دَيْناً قطعاً دخل بيعه بالكلّي المؤجل تحت بيع الدين بالدين الممنوع منه فتوى وروايةً (1).

ودعوى أن مال السلم بعد حلوله لا يدخل في الدين؛ لأنّ الدين ما كان مؤجلاً، ممنوعة بمنع دخول الأجل في مصداق الدين أوّلاً، وبتسليمه وكفاية الأجل السابق فيه، ولا يحتاج إلى استمرار الأجل في صدق الاسم ثانياً.

وعلى ما ذكرنا فلا يجوز بيعه بدَيْنٍ آخر للمشتري في ذمة آخر أو في ذمته، مؤجلاً كان الدين أو حالاً، حلّ أجله بعد تأجيله أم لا؛ كلّ ذلك لمكان النهي عن بيع الدين بالدين(2)، وهو مشتهر معتبر منجبر شامل للمؤجّل والحال؛ لصدق لفظ الدين بعد شغل الذمة بالمال عليه عرفاً.

العشرون: عدم وجوب ذكر موضع التسليم في غير السلم من العقود الحالة أو المؤجلة

العشرون: لا يجب ذكر موضع التسليم في غير السَّلَم من العقود الحالة أو المؤجلة، كلّيّاً كان المبيع أو عيناً؛ للأصل، ولخلوّ الأخبار عن ذكر هذا الشرط، ولتسالم الفقهاء على عدمه. فعلى ذلك فيتبع حكم العرف، فما حكم به العرف - من التسليم في بلد العقد، أو بلد أحد المتعاقدين من البائع والمشتري، أو بلد الحلول في المؤجل، أو بلد المطالبة، أو بلد أحد المتعاقدين مع موافقته لبلد العقد - حكم الشارع بلزومه فيه؛ لكونه من مقتضيات العقد حينئذٍ، ولا جهالة في عدم ذكره؛ للاكتفاء بدلالة اللفظ عليه، وما لم يحكم العرف به - لمانع يصرف انصراف اللفظ إلى ما هو المعهود فالظاهر وجوب تأديته عند المطالبة به، كما هي القاعدة في الحقوق المخلوقية، مع أنّ في احتمال لزوم ذكر الموضع لرفع الجهالة وبطلان البيع مع عدمه قوّةً.


1) وسائل الشيعة،18 : 298، الباب 8 من أبواب السلف، ح 2.

2) راجع الهامش (1).

ثم إن العرف مختلف، فمنه ما يقضي بنقل البائع له إلى البيت كالماء مثلاً، ومنه ما يقضي بطرحه في السوق، ومنه ما يقضي بذهاب المشتري إليه ليأخذه.

وعلى كلّ حال فاللازم على البائع تسليمه للمشتري عند إرادة المشتري قبضه بنفسه أو بوكيله وعدم الامتناع عليه، ولا يلزم عليه نقله وحمله ومؤونة نقله ما لم يقض العرف بذلك.

هذا في غير السَّلَم، وأمّا فيه فقيل بوجوب ذكر موضع التسليم فيه(1)؛ لأن الأين من الأوصاف الذاتية للمسلم فيه فيجب ذكره كما يجب ذكرها، ولاختلاف الرغبات والقيم باختلاف مواضع التسليم، ولحصول النزاع والشقاق في تعيينه ولا بدّ من قطعهما في العقود اللازمة.

والظاهر أنّ هذا القائل يلتزم بذلك في كلّ كلّيّ مؤجّل كالنسيئة إن لم يلتزم في الحال أيضاً لوحدة المدرك.

واحتمال أن في السَّلَم خصوصيّةً؛ لشدّة الاعتناء بضبطه وعدم تطرّق الغرر إليه بعيد.

وقيل بعدم لزوم ذكر الموضع (2)للأصل، ولمساواة السَّلَم لغيره، ولارتفاع الغرر بالعرف، وللإجماع المنقول على عدم اللزوم(3)، ولعمومات الأدلّة (4)، وخلق الأخبار الخاصة عن بيان حكمه مع بيان ما هو أقلّ احتياجاً منه.

وخيال أنّه داخل فيما دلّ على لزوم بيان الوصف ظاهر المنع؛ لظهور الوصف (5)في النصوص والفتاوى فيما يعتري الذات من غير زمانها ومكانها، إلا إذا أحدث المكان وصفاً فهناك يجب ذكره لمكان الوصف لا لكونه مكاناً.

وقيل: إن كان في حمله مؤونة وجب ذكر موضع التسليم (6)لأن الأغراض إنّما تختلف لاختلاف المؤن، وبدون ذلك لا يجب؛ لاستواء أمكنة التسليم في نظرهما.


1) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 3 : 202 المسألة 9.

2) قال به ابن إدريس الحلي في السرائر 2 : 317 - 318؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2 : 58؛ والعلامة الحلي في تحرير الأحكام الشرعيَّة 2 : 430، الرقم 3554.

3) السرائر 2 : 318.

4) البقرة (2) : 275؛ المائدة (5) : 1.

5) وسائل الشيعة 18 : 283 و 284 و 286، الباب 1 من أبواب السلف، ح 1، 3، 10، و 290 - 291، الباب 3 من تلك الأبواب، ح 8.

6) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط :2 : 173 وابن حمزة في الوسيلة : 241.

وقيل: إن كانا في برّيّةٍ أو بلد غربةٍ يريدان مفارقته ولا يجتمعان فيه وجب ذكر الموضع؛ لعدم إمكان التسليم ببلد العقد حينئذٍ، وغيره متساو بالنسبة إلى التسليم؛ لعدم ما يقضي بترجيح واحدٍ على الآخر، والأغراض تختلف بالنسبة إليها، فيفضي عدم البيان إلى حصول النزاع والشقاق (1).

وقيل: إن كان لحمله مؤونة أو لم يكن المحلّ صالحاً للتسليم اشترط ذكر الموضع، وإلا فلا(2). ووجهه يُعلم مما تقدم.

ثمّ مع القول بعدم وجوب ذكر الموضع قيل بانصرافه إلى بلد العقد (3)، وهو المشهور إن لم يكن مجمعاً عليه. وقيل بانصرافه إلى بلد الحلول؛ لأنّه موضع وجوب الدفع (4)، إلا أن ينعقد إجماع على الانصراف إلى بلد العقد، أو تقوم قرينة على عدم إرادته.

وربما يقال بانصرافه إلى بلد المطالبة؛ لأنّه الذي لا يجوز تأخير الأداء عنه، إلا مع قيام القرينة على عدم إرادته.

وقد يقال بانصرافه إلى بلد المتعاقدين إن كانا معاً من بلد واحد، أو يقال بانصرافه إلى بلد العقد مع موافقته لبلد أحد المتعاقدين، أو يقال بانصرافه إلى بلد المسلم إليه إذا منع مانع من انصرافه إلى بلد العقد واختلفا في البلد؛ لأنّ مالك المال عليه اتباع ماله، أو يقال بانصرافه إلى بلد المسلم؛ للزوم تسليم المال إلى أهله.

والحق أن العرف إن قضى بانصراف العقد إلى موضع خاص كفى عن بيانه واشتراطه، وإلا فإن لم تختلف الأغراض باختلافه ولا تتفاوت القيم بتفاوته ولا مؤونة لحمله أو كان موجوداً بكل مكان، لم يلزم على المتعاقدين ذكر المكان، وإلا لزم عليهم البيان.

الحادي والعشرون: حكم ما إذا وجد المسلم في المسلم فيه عيباً من غير الجنس بعد قبضه

الحادي والعشرون: إذا وجد المسلم في المسلم فيه عيباً من غير الجنس بعد قبضه، لزم البائع إبداله؛ لأنّه ليس من أفراد المعقود عليه، وإن وجد فيه عيباً من الجنس، كان له


1) قاله العلامة الحلّي في قواعد الأحكام 2 : 53؛ ومختلف الشيعة 5: 178، المسألة 130.

2) قال به العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 11: 343 - 344، ضمن المسألة 502.

3) قال به الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 423.

4) قال به الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 8: 360.

فسخ فرديته وإرجاعه، فيعود الحقّ إلى ذمّة المسلم إليه فيلزمه دفع بدله صحيحاً، وله الرضى به مجاناً، ولا كلام في المقامين؛ لأنّ المعيب فرد من أفراد المبيع يجوز دفعه عنه، فيملكه المدفوع له ملكاً متزلزلاً له فسخه والرجوع على البائع بالبدل، وانصراف المبيع للصحيح لا يقضي بكون المعيب ليس من أفراده؛ لأنّ انصرافه ليس انصراف تنويع وذاتية، بل انصراف إلزام وشرطيّة، فلا منافاة بين ملك المشتري له وجواز فسخه.

وعلى ذلك فالنماء للمشتري إذا كان منفصلاً، والنفقة عليه، فلا معنى للقول بأن المشتري يملكه ملكاً ظاهرياً قبل العلم بالعيب، ثمّ بعد العلم به يزول ذلك الملك الظاهري عنه ويكون الرضى بمنزلة المعاوضة الجديدة؛ لكونه صالحاً لأن يكون من جملة أفراده.

نعم، لو ظهر عند المشتري فيه عيب بطل الردّ وكان له الأرش، مع احتمال أن له الردّها هنا أيضاً ؛ لعدم تعيّن المعيب له، بخلاف المعين فإنّ المعيب معيّن له ومانع عن الردّكما هو مورد الأخبار، إلا أنّه بعيد.

وهل للمشتري فسخ أصل العقد ؟ الظاهر عدمه مع احتمال ذلك؛ لانصباب الكلّي على الفرد المعين واتحاده به، فله فسخ أصل عقده.

وهل للمشتري إمساكه مع الأرش قهراً على البائع؛ لأنّه ملكه فلا يجبر على فسخ ملكه، والعيب مضمون على البائع فيأخذ أرشه ؟ الظاهر ذلك، وإن ظهر من جملة من الفقهاء ها هنا أنّه ليس له الأرش وإنما له الإمساك مجاناً.

وإن ظهر عيب في ثمن السَّلَم فإن كان من غير الجنس وكان معيناً بطل العقد مطلقاً، وإن كان كلّيّاً فإن كان قبل التفرّق كان له البدل، وإن كان بعد التفرّق بطل العقد أيضاً؛ لتفرقهما قبل قبض الثمن.

هذا إذا ظهر العيب في الكلّ، فلو ظهر في البعض جرى على البعض ما يجري على الكل و تبعضت الصفقة في غير المعيب.

وإن كان من الجنس وكان معيناً فله الفسخ وله الإمضاء مع الأرش قبل التفرق وبعده؛ لأنّ الأرش غرامة مستقلة لا يتبعض به الثمن كي تتبعض به الصفقة، وإن كان كلياً كان له فسخ الفرد والإبدال قبل التفرق وبعده؛ لأنّ الفرد المعيب فرد للكلّيّ يصح قبضه عنه وإن كان

متزلزلاً، وله الرضى به مجاناً، وإذا فسخ الفرد فلا يبعد لزوم أخذ البدل في مجلس العقد؛ لعود الحقّ إلى ذمّة المسلم سليماً، فعليه إقباضه له قبل التفرّق.

وهل له فسخ أصل العقد ؟ وجه تقدَّم بيانه.

وهل له الرضى به مع الأرش على المسلم ؟ وجه قريب لمقتضى القواعد، وإن ظهر من جملة من الفقهاء خلافه، والحكم في البعض كالحكم في الكلّ.

الثاني والعشرون: حكم ما لو اختلف المسلم والمسلم إليه في أصل القبض أو في كونه قبل التفرّق أو بعده

الثاني والعشرون: لو اختلف المسلم والمسلم إليه في أصل القبض، كان القول قول منكره، وأصالة الصحّة لا تثبت قبضاً.

ولو اختلفا في كونه قبل التفرّق أو بعده بعد اتفاقهما على حصوله، كان القول قول مدعي الصحّة؛ لتعارض أصلي عدم تقدَّم كلّ منهما على الآخر، فيبقى أصل الصحّة سليماً عن المعارض.

واحتمال الرجوع إلى معلوم التأريخ ومجهوله قوي أيضاً، إلا أن الأوّل أقوى.

ويمكن أن يقال: إنّ النزاع الواقع في القبض وعدمه نزاع في تحقق الشرط وعدمه، والنزاع الواقع في كونه قبل التفرّق أو بعده نزاع في طروء المانع وعدمه، فيكون كما لو وقع عقد وقبض واختلفا في وقوع التفرّق بينهما وعدمه.

ولو أقام كلّ من المتداعيين على تقدَّم القبض على التفرّق أو تأخره بينةً، حكم لبينة مدعي الفساد؛ لأنّه خارج وبيّنته مقدّمة، مع احتمال تقديم بينة مدعي الصحّة؛ لقوة جانبه طروء المفسد، ولأنّ دعواه مثبتة والأخرى نافية والمثبتة مقدمة.

بأصالة عدم ولو اتفقا على كون الثمن في ذمة المشتري أو عنده فقال البائع: قبضته قبل التفرق ورددته إليك، قوي القول بتقديم قول البائع؛ ترجيحاً لأصل الصحّة، ولتعارض الأصلين، فيحصل الشكّ في طروء المفسد والأصل عدمه، واحتمل تقديم قول المشتري ؛ لأصالة عدم القبض، ولاستصحاب عدم صحّة العقد، والأوّل أقوى.

ثم إن ادعاء البائع الردّ بعد القبض لو خُلّي ونفسه غير مسموع؛ لأنّ سماع قوله في القبض إنما جاء به أصالة الصحّة، ودعواه الرد لا شاهد لها، فمقتضى سماع دعواه في القبض وعدم سماعها في الرد أنّه ليس له مطالبة المشتري بالثمن، إلا أنّ اعتراف المشتري ببقاء الثمن في ذمته مع الحكم بصحة قول البائع يقضيان بكونه مقبوضاً مردوداً.

وقد يقال: إن المشتري لا يعترف بكون الثمن في ذمته؛ لاعترافه بفساد البيع، فلا يسلّم أن في ذمته شيء كي يتعلق به دعوى البائع، فالبائع حينئذٍ مدّع للقبض والردّ، فتسمع دعواه الأولى تصحيحاً للعقد، وتُردّ الثانية عليه، فلا وجه لمطالبة المشتري به.

ولو اختلفا في المسلم فيه، فقال أحدهما في حنطة، والآخر: في شعير، تحالفا وانفسخ العقد.

ولو اختلفا في وصفين مختلفين، فكذلك.

ولو اختلفا في اشتراط وصفٍ وعدمه، كان القول قول نافيه.

ولو اختلفا في أن البيع الواقع بصيغة البيع هل اشترط له أجلاً أم لا، فالقول قول منكره.

ولو اختلفا فيما لو وقع البيع بلفظ السلم قدّم قول مدعي الأجل؛ لأصالة الصحّة.

واحتمال تقديم قول النافي والحمل على التجوز في البيع المطلق؛ جمعاً بين أصالة عدم الأجل وبين أصالة الصحّة، بعيد وخروج عن ظاهر الخطابات من دون قرينة، وأصالة الصحّة لا تصلح لصرف ظاهر الخطاب.

ولو اتفقا على الأجل فاختلفا في زيادته ونقصه، فالقول قول مَنْ نفى الزيادة.

ولو اختلفا في أجل معلوم أو مجهول، فالقول قول مَنْ يدعي المعلومية.

ولو اختلفا في دفع المسلم فيه وعدمه، فالقول قول مَنْ ينكره.

ولو اختلفا في حلول الأجل بعد الاتفاق على الأجل، فالقول قول مَنْ ينكره؛ استصحاباً لبقائه، كما إذا اتفقا على كون الأجل شهراً واختلفا فى مبدا العقد أنّه منذ عشرين أو ثلاثين.

الثالث والعشرون: حكم ما لو أسلم مسلم إلى مسلم في عبد مسلم فارتد المسلم أو المسلم إليه

الثالث والعشرون: لو أسلم مسلم إلى مسلم في عبد مسلم فارتد المسلم، سلّمه المسلم إليه إلى الحاكم فيبيعه على المسلم قهراً؛ لأنّ الكافر لا يستقر له ملك المسلم.

ولو ارتد المسلم إليه احتمل انفساخ العقد؛ لتعذر التسليم، واحتمل بقاؤه وأخذ قيمته منه؛ لأنّه بمنزلة مَنْ أتلف المبيع بتفريطه واحتمل ثبوت الخيار بين الفسخ وأخذ الثمن، وبين الإمضاء وأخذ القيمة.

ولو أسلم رجل إلى رجل شيئاً ذا قيمة عالية وقت العقد فنزل وقت الحلول كثيراً، أو كان عالياً في مكان العقد - لكونهما في غربةٍ أو برّيّةٍ يريدان مفارقتهما - فوجداه في بلدهما

سافلاً في القيمة جداً، فالأقوى أنّه ليس للمسلم سوى المسلم فيه، مع احتمال أخذ القيمة العليا، أو ثبوت الخيار له؛ لحديث «لا ضرار» (1).

أما لو عاد المسلم فيه لا قيمة له فالأوجه: انفساخ العقد؛ لأنّه بمنزلة التلف قبل القبض.

ولو أسلم كافر إلى كافر في خمرٍ أو خنزير فأسلم المسلم، احتمل بطلان العقد والرجوع بثمنه، واحتمل صحته ولا رجوع له بشيءٍ؛ لأنّه فوت المسلم فيه باختياره، واحتمل أن له قيمته عند مستحلّيه كما إذا تعذر المثل.

ولو أسلم المسلم إليه، احتمل انفساخ العقد والرجوع بالثمن، واحتمل أخذ القيمة منه؛ لتفويت العين على المسلم باختياره.

ويجري هذا الحكم إلى ما يكون بين مسلم ومؤمن، أو مؤمنين مختلفين في الاجتهاد إذا تجدّد لأحدهما ما يحرم عليه تسلّمه وتسليمه، فتأمل(2).


تم الجزء الخامس من أنوار الفقاهة - بحسب تجزئتنا - ويليه في الجزء السادس كتاب القرض


1) تقدَّم تخريجه في ص 194، الهامش (1).

2) جاء في نسخة «ب» : تمّ كتاب البيع بحمد اللّه وتوفيقه، ويتلوه كتاب القرض إن شاء اللّه تعالى، وقد فرغ من تسويد هذه النسخة على نسخة المصنّف كتاب هذه الأحرف ليلة الاثنين ليلة الرابعة والعشرين من شهر ربيع الأوّل عام الاثنين والستين بعد المائتين من الهجرة.