ghaemiyeh.com
العنوان والمؤلّف: أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة
مركز إحياء التراث الإسلامي.
بيانات النشر: طهران شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.
بيانات الوصف: 10ج.
ردمك: -(مسلسل) 0-180-195-600-978
(ج.)6-188-195-600-978
حالة الفهرسة : CIP
ملاحظات المجال المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش
ملاحظات المجال: الفهارس العامّة
المحتويات: ج. 8. كتاب النكاح - الخلع
الموضوع :فقه الإمامية - ق 13هـ.
المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة مركز إحياء التراث الإسلامي
تصنيف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3
تصنيف ديوي: 297/342
رقم الإيداع: 3698114
أنوار الفقاهة
حَسَن بن جَعْفَرَ كاشف الغطاء
1201-1262ه
الجزء الثالث
الزكاة - الاعتكاف
المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية مركز إحياء التراث الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أنوار الفقاهة
حَسَن بن جَعْفَرَ كاشف الغطاء
1201-1262ه
الجزء الثالث
الزكاة - الاعتكاف
المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية مركز إحياء التراث الإسلامي
المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية
أنوار الفقاهة
الجزء الثالث: كتاب الزكاة - الصوم
مجموعة من المحققين
الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة
الإعداد والتحقيق: مركز إحياء التراث الإسلامي
الطبعة الأولى: 1436ه- / 2015م
الكميّة : 1000 نسخة العنوان: 301 : التسلسل: 493
حقوق الطبع محفوظة للناشر
العنوان: طهران، شارع الانقلاب، مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة، فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312 التلفون والفاكس: 982166951534+ ص. ب: 37185/3858، الرمز البريدي: 16439 - 37156
الموقع الإلكتروني : www.isca.ac.ir
البريد الالكتروني: nashr@isca.ac.ir
المدخل الرئيسي: کاشف الغطاء، حسن بن جعفر، 1201 - 1262هـ.
العنوان والمؤلّف: أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء؛ تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية، مركز إحياء التراث الإسلامي.
بيانات النشر: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436ه-. = 2015م.
بيانات الوصف: 10 ج .
ردمك: (مسلسل) 0-180-195-600-978 (ج. 3)1-183-195-600-978
حالة الفهرسة: CIP
ملاحظات المجال: المصادر: ج. 10.؛ وأيضاً في الهامش.
ملاحظات المجال : الفهارس العامة
المحتويات: ج. 3. كتاب الزكاة - الصوم
الموضوع : فقه الإماميّة - ق 13هـ .
المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية مركز إحياء التراث الإسلامي
تصنيف مكتبة الكونجرس: 81393 الف 2 ك /BP183/3
تصنيف ديوي: 297/342
رقم الإيداع: 3698114
كتاب الزكاة
تعريف الزكاة لغة واصطلاحاً ... 25
وجوب الزكاة كتاباً وسُنّةً ... 26
بحث في أنّ الزكاة ليست من الأحكام الوضعيّة ... 28
في بيان أُمور: ... 29
أحدها: حكم الزكاة فيما لو اتّجر الوليّ بمال الصبيّ ... 29
ثانيها: في بيان صُور عديدة للتجارة بمال الصبيّ وأحكامها... 31
ثالثها: في استحباب الزكاة في غلّات الطفل ومواشيه ... 36
رابعها: فيما قيل من مساواة المجنون للطفل في جميع الأحكام ... 37
خامسها: في أنّ الأقوى إلحاق الحمل بالطفل ... 38
سادسها: في أنّ المخاطب بالإخراج من مال الطفل والمجنون هو الوليّ ... 38
سابعها: عدم اشتراط إذن الوليّ في دفع السفيه الزكاة الواجبة عليه ... 39
بحث: في عدم وجوب الزكاة على المملوك ... 39
فائدة: في عدم جواز قبض الزكاة للعبد إذا كان مولاه غنيّاً ... 41
بحث: في اشتراط الملك في تعلّق الزكاة بالمال ... 42
فوائد ... 44
الأولى: فيما لو وُهب له نصاب لم يَجْرِ في الحول إلّا بعد القبض ... 44
الثانية: فيما لو أُوصي له لم يَجرِ في الحول بعد موت الموصي إلّا بعد القبول ... 45
الثالثة: فيما لو باع وكان لأحدهما خيار لم يمنع الخيار لكلٍّ منهما من جريان الحول من حين العقد ... 45
الرابعة: في أنّه لا يجري مال القرض في الحول إلّا بعد القبض ولا مال الغنائم فيه قبل القسمة ... 45
الخامسة: في عدم تعلّق الزكاة بالنصاب المتعلّق به النذر إذا كان تعلّق النذر به قبل تعلّق الزكاة به ... 46
السادسة: في عدم تعلّق الزكاة بالحقوق العامّة ... 48
السابعة: في أنّه لا زكاة في جميع الأجناس على المغصوب ... 48
الثامنة: في أنّه لا زكاة على المشروط عليه عدم التصرّف بعقدٍ لازم ... 49
التاسعة: في أنّه لا زكاة على المجحود مع عدم البيّنة ... 49 العاشرة: في أنّه لا زكاة على الغائب ... 49
الحادية عشرة: في أنّه لا زكاة على المرهون ... 50
الثانية عشرة: في أنّه لا زكاة على الدَّيْن لا من الدُّيان ولا من المديون ... 51
الثالثة عشرة: في وجوب زكاة القرض على المقترض دون المُقرض ... 53
الرابعة عشرة: في بيان المراد بالتمكّن من التصرّف ... 54
الخامسة عشرة: في أنّ المتمكّن من التصرّف منه بواسطة أمرٍ آخرَ لا يدخل تحت التمكّن من التصرّف فيه ... 55
السادسة عشرة: في أنّ عدم إمكان الأداء لا يعتبر في التمكّن من التصرّف ... 55
السابعة عشرة: في أنّ الكفر ليس من موانع التصرّف ولا من موانع تعلّق وجوب الزكاة ... 55
الثامنة عشرة: في سقوط الزكاة عن المريض فيما زاد على الثلث إذا مات بمرضه ذلك ...57
فائدة: في حكم ما لو تعلّق به وجوب الزكاة ففرّط فيها أو أهمل إخراجها ...57
بحث: في بيان ما يتعلّق به الزكاة ... 57
بحث في زكاة الحيوان ... 61
شروط زكاة الحيوان : ... 61
أحدها: النصاب ... 61
في بيان نصاب الإبل الإثني عشر وما يجب فيها ... 61
فوائد: ... 63
الأولى: في أنّه لا يتفاوت في النصاب بين ملك القدر المذكور صحيحاً أو مكسّراً ... 63
الثانية: في إجزاء ابن اللبون عن ابنة المخاض ... 63
الثالثة: في حكم ما لو لم يكن مالكاً للفريضة وعنده سنٌّ أعلى منها أو أدنى ... 64
الرابعة: في بيان المراد من قولهم: إذا تكثّرت الإبل كان في كلّ أربعين بنت لبون وفي كلّ خمسين حقّة ... 67
الخامسة: في أنّ الواحدة في المائة والإحدى والعشرين هل هي جزء من النصاب أو هي شرط للوجوب؟ ... 68
بحث: في بيان نصاب البقر وما يجب فيه ... 68
بحث: في بيان نصاب الغنم وما يجب فيه ... 69
الثاني من شرائط وجوب الزكاة في الأنعام: كونها سائمةً ... 73
وهنا فوائد: 73
الأولى: في أنّه هل يعتبر في السوم استمراره طول الحول؟ ... 73
الثانية: في أنّ العلف المانع من صدق اسم السوم شامل لما وقع من المالك ومن غيره ... 74
الثالثة: في أنّ تقديم العلف إليها أو وقوعها عليه ممّا يخرجها عن صدق اسم السوم عرفاً ... 75
الرابعة: في أنّ صغار الأنعام الثلاثة لا تُحتسب في الحول قبل النتاج ... 75
الثالث من شرائط الزكاة في الأنعام: عدم كونها عوامل... 76
الرابع من شرائط وجوب الزكاة في الأنعام: الحول ... 77
ها هنا مسائل: ... 81
الأولى: فيما لو ولد النصاب نصاباً آخَر كان لكلِّ منهما حول مستقلّ ... 81
الثانية: فيما لو مَلَك خمساً من الإبل إلى ستّة أشهر فملك أُخرى كان لكلٍّ حول... 83
الثالثة: حكم ما لو مَلَك نصاباً واحداً ولم يُخرج زكاته أو أخرجها من عينه أو من غيره ... 84
الرابعة: حكم ما لو أمهر امرأةٌ فحال الحول على مهرها فطلقها قبل الدخول ... 84
الخامسة: في أنّه لا يجمع بين متفرّقٍ في الملك ولا يفرّق بين مجتمعٍ فيه في النصاب الواحد ... 84
بحث: في جواز الإخراج بالقيمة في الغلّات والنقدين 86
بحث: في بيان أقلّ الفريضة المخرجة في الزكاة من الغنم ... 88
بحث: في جواز دفع الأُنثى عن الذكر في الغنم وبالعكس ... 91
بحث: في أنّه لا تؤخذ الفريضة مريضة أو هرمة أو ذات عوار ... 91
بحث: في أنّه لا تؤخذ الرُّبّى من الغنم ولا الأكولة ولا الوالدة ... 93
بحث: في عدم جواز أخذ الأكولة ولا فحل الضراب وثمرته في الغنم ... 94
بحث: في أنّه هل يعدّ الأكولة وفحل الضراب من النصاب إذا لم يكن كلّه أو أغلبه كذلك؟... 94
بحث: في حكم ما إذا اختلفت أفراد النصاب في الجودة والرداءة وعلوّ القيمة ودنوّها ... 95
بحث: فيما إذا تساوى الأفراد فهل الخيار للمالك أم لا بدّ من القرعة أم للساعي الأخذ بغيرها؟ ... 96
بحث: في أنّه تتعلّق الزكاة بالعين على وجه الاستحقاق لا على طريق الاستيثاق... 97
القول في زكاة النقدين ... 101
في أنّ لكلّ واحدٍ من النقدين نصابين ... 101
هنا مسائل: ... 103
الأولى: اشتراط النصاب في زكاة النقدين وعدم وجوب الزكاة فيما لو علم بعدم النصاب ... 103
الثانية: اشتراط الحول في زكاة النقدين ... 104
الثالثة: في أنّه يشترط في النصاب المشترط حول الحول عليه بلوغ النقد الواحد ذلك القدر ... 105
الرابعة: في أنّه يشترط في وجوب الزكاة في النقدين كونهما مسكوكين بسكّة المعاملة بالفعل ... 105
الخامسة: في عدم منع الدَّيْن من وجوب الزكاة في النقدين ... 106
السادسة : حكم ما إذا اختلف جوهر النقدين في الجودة والرداءة وعلوّ القيمة ودنوّها قدراً لا يتسامح به عادةً ... 106
السابعة : حكم ما إذا خلّف نفقةً لعياله فغاب وحال عليها الحول ... 107
القول في زكاة الغلّات ... 109
هنا مسائل: ... 111
الأولى: في وقت إخراج الفريضة في الزرع والتمر والزبيب ... 111
الثانية: في وجوب الزكاة إذا ملك النصاب قبل تعلّق الوجوب... 115
الثالثة: في استثناء المؤن كلّها ... 115
فروع: ... 118
أحدها: في أنّه بعد استثناء المؤن هل يعتبر النصاب بعدها أو قبلها؟ ... 118
ثانيها: في أنّ الخراج من المؤن قطعاً ... 119
ثالثها: في احتساب الخراج والمقاسمة المأخوذة في غير الأرض ظلماً أو في الأرض ... 120
رابعها: في بيان المراد بالمؤن ممّا يبنى على دوامه ... 120خامسها: في وجوب العُشر فيما يسقى من دون آلةٍ ونصف العُشر فيما يسقى بالآلة ... 121
سادسها: في أنّه تضمّ الزروع المتباعدة والثمار المتفرّقة ... 123
سابعها: في أنّه يؤخذ الفرض من الجيّد جيّداً ومن الردئ رديئاً و ... منهما معاً على النسبة ... 123
ثامنها: في أنّه لا يُضمّ الشعير بالحنطة وبالعكس وهل العلس والسلت هُما حنطة؟ ... 124
تاسعها: في إجزاء أخذ العنب عن العنب والرطب من الرطب وعدم إجزائهما عن التمر والزبيب إلّا بالقيمة ... 124 عاشرها: في جواز الخرص من الإمام أو مَن قام مقامه في الكرم والبشر والرطب ... 125
بحث: حكم مالومات وعليه زكاة مستقرّة في حياته وعليه دَين مستوعب للتركة أو عليه دَین مستغرق قبل ظهور الثمرة فظهرت بعد ذلك ... 127
القول في مستحقّ الزكاة ... 129
أصناف المستحقّين للزكاة: ... 129
الصنف الأوّل: الفقراء والمساكين ... 129
وفيه مسائل: ... 129
الأولى: في أنّ الفقير والمسكين ليسا مترادفين مطلقاً ... 129
الثانية: في أنّ الفقر والمسكنة يجمعهما عدم الغنى ... 131
الثالثة: حكم ما لو كانت عنده غلّة يستنميها أو دراهم يديرها لينتفع بربحها ولم يكفه الاستنماء والربح لمؤونة السنة ... 133
الرابعة: في أنّ ذا الصنعة والحرفة والعمل إذا قامت صنعته وحرفته وعمله بمؤونته على الاستمرار أو في سنته كان غنيّاً ... 134
الخامسة: في أنّه إذا قصر كسب صاحب الكسب أو حرفته أو عمله أو قوته عن مؤونة سنة جاز له أخذ الزكاة ... 135
السادسة: في أنّ دار السكنى والخادم إذا كان من أهله لا ينافيان صدق الفقر... 135 السابعة: في أنّه يُصدَّق قول مدّعي الفقر بلا بينةٍ ولا يمينٍ ... 136
الثامنة: في عدم إعلام المجتهد أو الساعي أو الفقير بأنّ المدفوع إليه زكاة ... 137
التاسعة: حكم ما لو دفع الزكاة لغير أهلها خطاً ثمّ بان خلافه ... 138
الصنف الثاني: العاملون عليها ... 141
شرائط العاملين على الزكاة وسهامهم منها ... 141
الصنف الثالث: المؤلّفة قلوبهم وتعريفهم ... 142
الصنف الرابع: الرقاب ... 144
تعريف الرقاب وأقسامهم وما يشترط في دفع الزكاة إليهم ... 145
فوائد تتعلّق بالمقام ... 148
الصنف الخامس الغارمون ... 149
هنا فوائد: ... 150
الأُولى: في أنّه يشترط في الغارمين أن لا تكون استدانتهم في معصيةٍ ... 150
الثانية: في أنّه يعتبر في الغارم أن لا يكون متمكّناً من الأداء ... 151
الثالثة: في أنّ المضطرّ إلى ما استدانه في المعصية والمجبور والناسي والجاهل لا يدخلون تحت عنوان المعصية ... 152
الرابعة : حكم دفع الزكاة إلى الغارم لمصلحة نفسه أو لمصلحة ذات البين بين شخصين أو قبيلتين ... 153
الخامسة: فيما لو كان له دَيْنٌ على الفقير جاز له مقاصته به من الزكاة ... 154
السادسة: في جواز دفع الزكاة في دين الميت واحتسابه عليه منها ... 155
السابعة: في جواز وفاء دَين القريب، واجب النفقة أم لا ... 156
الثامنة: في أنّه يُصدَّق مدّعي الغرم ... 156
التاسعة: حكم ما لو دفع إلى الغارم من سهم الغارمين ما يفي به دَينه فاتفق أن أبرأه الغريم أو وفاه شخص آخَر ... 156
الصنف السادس: سبيل الله تعالى ... 157
في بيان أُمور مرتبطة بسبيل الله تعالى ... 157
الصنف السابع: ابن السبيل وبيان ما يشترط فيه ... 159
القول في أوصاف المستحقّين ... 161
وفيه أُمور: ... 161
أحدها: الإيمان ... 161
فوائد: ... 162
الأولى : حكم ما لو فُقد المؤمن ... 162
الثانية: فيما لو كان في طريق النظر وكان طالباً للحق جاز أن يُدفع له من سهم سبيل الله ... 164
الثالثة: في أنّ أطفال المؤمنين يُعطون من الزكاة دون أطفال غيرهم ... 164
ثانيها: العدالة وتعريفها ... 165
ثالثها: أن لا يكون واجب النفقة ... 167
فوائد: ... 168
الأولى: في أنّه يجوز للعاجز عن الإنفاق دفع الزكاة منه ومن غيره لواجب النفقة ... 168
الثانية: في عدم جواز الدفع في الإنفاق للزكاة الواجبة والمندوبة ... 168
الثالثة: في أنّه يجوز لغير مَنْ وجبت نفقته عليه أن يدفع لواجب النفقة على آخَر من مال الزكاة للتوسعة والإنفاق ... 169
الرابعة: في أنّه يجوز الدفع للزوجة المتمتّع بها للتوسعة والإنفاق ... 169
الخامسة: في عدم جواز الدفع إلى الناشزة من الزوج ... 170
السادسة: في عدم البأس بدفع زكاة الزوجة لزوجها ... 170
السابعة: في أنّ الدفع للمملوك للتوسعة أو للإنفاق إذا كان المالك معسراً يتوقّف على إذن سيّده ... 170
رابعها: أن لا يكون المدفوع إليه هاشميّاً من غير هاشميّ ... 170
فوائد: ... 171
الأولى: عدم حرمة الصدقة المندوبة وكذا الصدقات الواجبة بنذر وشبهه على بني هاشم ... 171
الثانية: عدم حرمة الزكاة على موالي بني هاشم ... 171
الثالثة: جواز دفع الزكاة للهاشمي إذا اضطرّ إليها ... 172
الرابعة : حكم دفع الزكاة على جهة الاستئجار على العمل بها والجعالة لا على أّنها من سهم العاملين ... 173
الخامسة: عدم جواز دفع الزكاة لعبد الهاشمي الغني إلّا من سهم سبيل الله ... 174
السادسة: بيان المراد بالهاشمي وبني هاشم ... 174
القول في كيفية الإخراج والمتولّي له والنيّة وما يتعلّق بذلك ... 175
فهنا مسائل ... 175
الأولى: جواز الإخراج من المالك بنفسه أو وليّه ... 175
الثانية: عدم وجوب البسط على الأصناف السبعة وجواز دفعها لواحدٍ من أهل صنفٍ واحد ... 177
الثالثة: فيما لو تلفت الزكاة بيد الإمام علیه السلام أو المجتهد أو الساعي لم يضمن المالك ... 179
الرابعة: في أنّه ليس على الفقير الدعاء عند تناول الزكاة لربّ المال ... 179
الخامسة: في أنّ الزكاة من العبادات لا يجوز تقديمها قبل وقتها ... 179
السادسة: جواز القرض على الزكاة قبل حلول الوقت ... 181
السابعة: عدم جواز تأخير الزكاة عن وقت الوجوب ... 182
الثامنة: عدم سقوط الزكاة عن العاصي بالتأخير ... 183
التاسعة: بيان المراد بالفوريّة في الزكاة ... 183
العاشرة: سقوط الضمان بالتأخير فيما إذا لم يتمكّن من المستحقّ ... 184
الحادية عشرة: تحقّق الوجوب الفوري عند هلال الثاني عشر ... 184
الثانية عشرة: فيما جوزه ابن إدريس من تأخير دفع الزكاة مطلقاً والشيخ من تأخيرها إلى شهر و شهرين مع عزلها ... 184
الثالثة عشرة: جواز دفع الزكاة في غير بلدها لو اتفقت في عينها أو مثلها أو قيمتها وعدم جواز نقلها من بلد إلى آخَر ... 186
الرابعة عشرة: في أن للمالك ولاية عزل الزكاة ... 187
الخامسة عشرة: ميراث العبد المشترى من الزكاة لأرباب الزكاة ... 189
السادسة عشرة: في أنّه لا يجب على الدافع في الزكاة قدر خاصّ من المال ... 190السابعة عشرة : جواز تملّك ما دفعه من الزكاة من المدفوع إليه ... 193
الثامنة عشرة: جواز دفع الزكاة لوكيل الفقير أو الغارم وشبههما ... 193
التاسعة عشرة: فيما لو دفع المالك للإمام أو نائبه وجبت عليه النية عند الدفع إليهما ... 194
العشرون: وجوب النيّة في دفع الزكاة وتعيين المنوي إذا كان مشتركاً ... 194
قول في زكاة الفطرة ... 197
بحث: في اشتراط التكليف والحرّيّة في زكاة الفطرة ... 197
بحث: أنّ الغنى من شرائط الوجوب ... 199
بحث: في وجوب الزكاة على الإنسان وعلى من يعول به ... 201
في المقام مسائل: ... 202
الأولى: عدم وجوب الفطرة على من لم يدخل في مسمّى العيال عرفاً ... 202
الثانية: في أنّه لا يكفي في العيلولة مجرّد النيّة في الإدخال في العيال ... 202
الثالثة: وجوب إخراج الفطرة عن الضيف في الجملة ... 202
الرابعة : حكم ما لو امتنع المضيف مع يساره عن الإخراج ... 204
الخامسة: في أنّ وجوب فطرة الزوجة دائر مدار العيلولة ... 204
السادسة : حكم فطرة المملوك إن عال به مولاه أو غيره أو لم يعل به أحد أو كان غائباً أو أبقاً أو مغصوباً لا يُعلم حاله ... 206
السابعة: حكم فطرة المملوك بين الشريكين إن لم يعل به أحدهما أو عالا به معاً ... 206
الثامنة: وجوب فطرة زكاة المملوك الغائب وكلّ واجب النفقة الغائب ... 207
التاسعة: هل تسقط فطرة من تجب عليه الفطرة لو انفرد ... 207
العاشرة: اعتبار استكمال الشرائط قبل هلال شوّال في وجوب الفطرة ... 208
بحث في جنس المُخرَج وقدره ... 210
وفيه مسائل: ... 210
الأُولى في بيان ما يجزئ في زكاة الفطرة ... 210
الثانية: إجزاء القيمة بدلاً عمّا يجزئ في الفطرة ... 212
الثالثة: في وجوب صاع في القدر المُخرج ... 214
القول في مصرفها ... 215
القول في وقت وجوبها ... 218
وفيه مسائل: ... 218
الأولى: في أنّ أول وقت وجوب الفطرة هلال شوّال ... 218
الثانية: في جواز دفع زكاة الفطرة من أوّل يومٍ من شهر رمضان ندباً ... 220
الثالثة: في بيان آخر وقت الفطرة ... 221
الرابعة: في أنّه لو خرج وقتها الفعليّ أو الزمانيّ لم يجب قضاؤها ... 223
الخامسة: جواز عزل الفطرة بمعنى تعيّنها في مالٍ خاصّ من أمواله ... 223
السادسة: في أنّه إذا عُزلت زكاة الفطرة كانت أمانةً بيد الدافع لا يضمنها إلّا بالتعدّي أو التفريط ... 223
كتاب الخمس
بحث: في أنّ الخُمْس حقٌّ مالي فرضه الله تعالى لبني هاشم عوض الزكاة وهو من العبادات الماليّة ... 227
تعلّق الخمس بسبعة أشياء: ... 227
الأوّل: الغنائم ... 228
الثاني: المعادن ... 229
الثالث: الكنز ... 231
الرابع: الغوص ... 233
الخامس: الحلال المختلط بالحرام ... 235
السادس: أرض الذمّي إذا اشتراها من مسلمٍ مطلقاً ... 236
السابع: أرباح التجارات ... 237
بحث في قسمة الخُمْس ... 240
بحث: في أنّه تُصرف حصّة الذرّية العلويّة إليهم وكذلك يُصرف النصف الآخَر إليهم أيضاً .. 243
بحث: فيما ذهب جمع إلى تحليل الخمس مطلقاً في جميع الأموال زمن الغيبة ... 245
بحث: فيما ورد عنهم علیهم السلام من تحليل الخمس في الجملة وكذا جملة من الأنفال ... 247
بحث: في أنّ الأنفال للإمام علیه السلام ... 248
كتاب الصوم
بحث في النيّة ... 253
وفيه أمور...253
أحدها: في أنّ النيّة شرط في الصوم لا جزء منه ... 253
ثانيها: في ذكر أُمور أربعة تتعلّق بالنيّة ... 254
ثانيها: في ذكر أُمور أربعة تتعلّق بالنيّة ... 254
ثالثها: في أنّه لا يقع في شهر رمضان صوم غيره ... 259
رابعها: حكم ما إذا أوقع المكلّف صوم غير شهر رمضان فيه ... 259
خامسها: في استحباب صيام يوم الشكّ وأنّ صومه يجزئ عن شهر رمضان ... 261
سادسها: حكم ما لو صام يوم الشكّ بنيّة شهر رمضان عمداً ... 263
سابعها: في أنّ الأظهر في البطلان توقّفه على نيّة أنّه من رمضان ... 264
ثامنها: حكم إذا أصبح يوم الشكّ ناوياً للإفطار ... 264
تاسعها: حكم ما إذا ترك النية في يوم الشك بعد صومه ندباً ولم ينقلها إلى رمضان ... 265
بحث في المفطرات ... 266
وهي أُمور: ... 266
أحدها: الأكل والشرب عمداً ... 266
ثانيها: الجنابة عمداً في النهار اختياراً بالإنزال ... 270
ثالثها: الكذب على الله تعالى ورسوله والأئمّة علیهم السلام ... 271
رابعها: الارتماس عمداً للرأس فقط أو كلّ البدن معه ... 272
خامسها: إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق ... 274
سادسها: البقاء على الجنابة عامداً إلى الفجر ... 276
فوائد ... 277
الأُولى: في أنّ البقاء على الجنابة مفطر للصوم مطلقاً في شهر رمضان أو غيره ... 277
الثانية: في أنّ تعمّد الجنابة عند ضيق الوقت عن الغسل أو التيمّم بمنزلة مَنْ أصبح جنباً ... 277
الثالثة: فيما إذا ترك الغسل عمداً حتّى ضاق الوقت عنه وجب عليه التيمّم ... 277
الرابعة : حكم ما إذا بنى على الغسل فنام فغلبته النومة إلى الفجر أو استصحب بقاء الليل مع المراعاة حتّى طلع الفجر ... 278
الخامسة: حكم مَنْ نسي الغسل حتى أصبح ولم يبق له وقت للتيمّم ... 278
السادسة: حكم ما إذا عزم على الغسل فنام فانتبه فنام ... 278
السابعة: حكم ما إذا أجنب فنام فانتبه فنام فانتبه فنام للمرّة الثالثة ... 279
الثامنة: هل تحرم النومة الأُولى مطلقاً بعد الجنابة؟ ... 279
التاسعة: حكم ما إذا أجنب في النهار نسياناً أو اضطراراً ... 280
العاشرة: في أنّ البقاء على حدث الحيض كالبقاء على حدث الجنابة ... 281
الحادية عشرة: في أنّ ترك المستحاضة ما يجب عليها من الأغسال النهاريّة كلّاً أو بعضاً مفسد لصومها ... 281
الثانية عشرة: وجوب التيمّم عند فقدان الماء لجميع هذه الأحداث ... 282
سابعها: الحقنة بالمائع ... 282
ثامنها: القيء بما يُسمّى قيئاً عرفاً ... 283
تاسعها: فعل ما يتعقّبه الإنزال عادة ... 284
القول في القضاء والكفّارة ... 286
بحث: في وجوب الكفّارة مع القضاء على جميع مَن أقدم على المفطر عمداً ... 286
بحث: في عدم وجوب الكفّارة في صوم النذر المطلق، أو صوم المندوب، أو صوم الكفّارة ... 288
وهاهنا أُمور: ... 289
أحدها: جواز إفطار قضاء صوم شهر رمضان قبل الزوال ما لم يتعيّن بنذرٍ أو ضيق وقتٍ ... 289
ثانيها: وجوب الكفّارة في صوم شهر رمضان لمن أفطر عمداً ... 290
ثالثها: في أنّ كفّارة شهر رمضان: عتق رقبة، أو إطعام ستّين مسكيناً، أو صيام شهرين متتابعين مخيّراً ... 290
رابعها: حكم مَن قدر على واحدةٍ من الخصال الثلاث أو على بعض من واحدة وتمام أُخرى أو على أبعاض كلّ واحدةٍ ... 292
خامسها: جواز التبرّع بالكفّارة بجميع أنواعها عن الأموات وعن الحي ما عدا الصوم... 293
سادسها: تعدّد الكفّارة بفعل المفطر بتعدّد الأيّام وهل تتكرّر بتكرّره في اليوم الواحد؟ ... 294
سابعها: حكم ما لو فَعَل موجب الكفّارة ثمّ سقط فرض الصوم لعارضٍ ... 295
ثامنها : حكم ما لو أكره امرأته على الوطء وهي صائمة وهو صائم ... 296
تاسعها: وجوب الكفّارة على مَنْ أفطر بعد الزوال عمداً في قضاء شهر رمضان ... 297
عاشرها: فيما لو أفطر يوماً منذوراً معيّناً وجب قضاؤه والكفّارة ... 298
بحث: في أحكام قضاء الصوم ... 299
وجوب القضاء دون الكفّارة بأُمور: ... 299
أحدها: فيما لو استعمل المفطر والفجر طالع من دون مراعاة الفجر مع القدرة على المراعاة له بنفسه ... 299
في ذكر الأُمور الستّة المتعلّقة بمن استعمل المفطر والفجر طالع ... 299
ثانيها: فيما لو استعمل المفطر تقليداً بدخول الليل فتبيّن بقاء النهار ... 301
ثالثها: فيما إذا اعتقد دخول الليل في الصحو فتبيّن خطوه ... 302
رابعها: فيما لو تمضمض فدخل الماء حلقه من غير قصدٍ وكانت مضمضته عبثاً أو تبرّداً ... 304
بحث: في أنّ الأحوط للصائم القضاء بأُمور ... 307
بحث: في عدم صحّة الصوم بأنواعه ليلاً لا كلّاً ولا بعضاً ... 308
بحث: فيمن لا يصحّ منه الصوم ... 310
وفيه مسائل: ... 310
الأولى: عدم صحّة الصوم من الكافر حتّى يسلم ... 310
الثانية: عدم صحّة الصوم من المجنون ... 310
الثالثة: في أنّه لا يصحّ الصوم ولا يجب من المغمى عليه ولو لحظةً ... 311
الرابعة: عدم صحّة الصوم من الحائض والنفساء ولو في جزءٍ من النهار ... 311
الخامسة : عدم صحّة الصوم من الصبيّ ولا يجب عليه ... 311
السادسة: فيما لو بلغ الصبيّ في الأثناء أتمّ صومه ندباً لا وجوباً ... 312
السابعة: في بيان ما يُعرف به البلوغ ... 313
الثامنة: عدم صحّة الصوم المنهي عنه لتقيّةٍ أو خوفٍ على نفسٍ أو عرضٍ أو مالٍ ... 316
التاسعة : عدم صحّة الصوم من المسافر ما لم يُقم عشرة أو ... 317
بحث في أقسام الصوم الواجب ... 321
أحدها: صوم شهر رمضان ... 321
وفيه مسائل: ... 321
الأولى: وجوب الصوم على مَنْ رأى الهلال قطعاً وعلى مَنْ عدّ لشعبان ثلاثين يوماً ...321
رسم أُمور: ... 322
الأوّل: هل يثبت الهلال بالشياع المفيد للظنّ؟ ... 322
الثاني : هل يثبت الهلال بشهادة العدل الواحد، أم لا؟ ... 322
الثالث: هل يثبت الهلال بشاهدين عدلين أم لا؟ ... 324
الرابع: هل يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة؟ ... 327
الخامس: عدم ثبوت الهلال مع اختلاف شهادة الشاهدين في صفة الهلال أو مكانه ... 327
السادس: هل يكفي حكم الحاكم بالبيّنة؟ ... 328
السابع: هل يكفي حكم الحاكم مطلقاً ما لم يُعلم خطوه ... 328
الثامن: هل يشترط في سريان شهادة الشاهدين أو حكم الحاكم في مكان إلى مكانٍ آخر تقارب المكانين؟ ... 329
التاسع: عدم ثبوت الهلال بشهادة النساء، لا منفردات ولا منضمات وكذا بالجدول وعدّ شعبان ناقصاً أبداً ... 330
عدم ثبوت الهلال بغيبوبته بعد الشفق وبعدّ خمسةٍ من هلال السنة الماضية وإثباته في الليلة الخامسة ... 332
عدم ثبوت الشهر برؤية الهلال قبل الزوال ... 333
الثانية: المحبوس والأسير يتوخّى شهراً يغلب على ظنّه أنّه رمضان فيصومه ... 335
الثالثة: اشتراط البلوغ وكمال العقل قبل طلوع الفجر في صوم شهر رمضان ... 336
الثاني من الصوم الواجب صوم قضاء شهر رمضان ... 338
وفيه مسائل: ... 338
الأولى: عدم وجوب القضاء عمّا فات لصغرٍ أو جنونٍ وكذا على الكافر ... 338
الثانية: في أنّ الأقوى عدم وجوب القضاء على المغمى عليه ... 339
الثالثة: وجوب القضاء على المريض والمسافر والحائض والنفساء ... 340
الرابعة: وجوب القضاء وجوب موسّع ... 341
الخامسة: حكم ما لو فاته شهر رمضان لمرض أو لحيض أو نفاس فمات قبل البرء والتمكّن من الأداء ... 342
السادسة: حكم ما لو استمرّ به المرض من رمضان إلى آخَر ... 344
يبقى الكلام في أُمور: ... 346
أحدها: حكم ما لو فاته رمضان بغير مرض فاستمر به المرض أو فاته بمرضٍ أو غير مرضٍ واستمرّ به غير المرض من الموانع ... 346
ثانيها: في أنّ الواجب في الكفّارة مُدُّ لا أزيد ... 346
ثالثها: في أنّه لا يجزئ مَنْ كان فرضه التكفير فعل القضاء ... 347
رابعها: حكم ما لو برئ من مرضه بين الرمضانين ولم يقضِ تهاوناً وتفسير التهاون ... 348
خامسها: في أنّه يلحق بالفوات بالمرض الفوات بغيره ... 349
سادسها: حكم ما لو فاته من رمضان شيء وسافر واتصل سفره من رمضان إلى آخر ولم يمكنه نيّة الإقامة ... 349
الثالث: في القضاء عن الميّت ... 350
وفيه مسائل ... 350
الأولى: قضاء ما فات عن الميت من صيام واجب مطلقاً ... 350
الثانية: جواز القضاء عن الميّت من كلّ أحد مستأجر أو متبرّع ... 350
الثالثة: فيما إذا لم يحصل مَنْ يقضي عن الميّت صومه وجب على الولي قضاء ما فات عن الميّت إذا كان الولىّ رجلاً ... 351
الرابعة: فيما قيل من وجوب الصدقة من الوليّ بمُدِّ من طعام عمّن فاته قضاء شهر رمضان فمات قبل أن يقضيه ... 351
الخامسة: في أنّ الولي الذي يجب عليه الصوم هو الذكر دون الأُنثى ... 352
السادسة: في أنّ الوليّ هو أكبر الأولاد لا الأكبر من الرجال ... 354
السابعة: في أنّ المراد بأكبر الولد مَن ليس أكبر منه وإن لم يكن له ولد متعدّدين ... 354
الثامنة: حكم ما إذا تعدّد الأولياء المتساوون في السنّ ... 355
التاسعة: فيما إذا أوصى الميّت بالقضاء سقط عن الوليّ ... 355
العاشرة: فيما نُسب للمشهور من قولهم: إذا لم يكن وليّ من الرجال تصدّق من التركة عن كلّ يوم بمُدٍّ ... 355
الحادية عشرة : حكم ما إذا كان عليه شهران متتابعان فمات ... 355
الثانية عشرة : عدم وجوب القضاء من الوليّ عن الامرأة ... 356
القول في الصوم المحرَّم ... 357
وفيه مسائل: ... 357
الأولى: في بيان مَن يحرم عليه الصوم ... 357
الثانية: في بيان الصوم المحرَّم ... 359
الثالثة: في حرمة كلّ صومٍ يؤدّي إلى ضررٍ في النفس أو العرض أو المال المحترم أو إلى الضعف ... 361
الرابعة: يحرم صوم الدهر ... 361
بحث في اللواحق ... 362
وفيه مسائل: ... 362
الأولى: في أنّ الشرائط المعتبرة في قصر الصلاة معتبرة في قصر الصوم ... 362
الثانية: في حكم الشيخ والشيخة إذا لم يقدرا على الصوم ... 366
الثالثة: في حكم ذي العطاش ... 369
الرابعة: في حكم الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن ... 370
الخامسة: في أنّ صوم الكفّارة إمّا أن يجب مع غيره جمعاً أو بعد العجز عن غيره ... 372
السادسة: فيما قيل من أنّ كلّ صومٍ يجب فيه التتابع عدا ما استثني ... 373
السابعة: في أنّ كلّ ما يشترط فيه التتابع إذا أفطر لعذر في أثنائه بنى عليه عند زواله فوراً ... 374
الثامنة: في استحباب صوم ثلاثة أيّامٍ من الشهر: أول خميس وآخر خميس وأوّل أربعاء من العشر الأوسط ... 377
استحباب صوم أيّام البيض ... 377
القول في الاعتكاف ... 379
وفيه مسائل: ... 379
الأولى: تعريف الاعتكاف لغةً وشرعاً ... 379
الثانية: في اشتراط النية في الاعتكاف ... 379
الثالثة: في وجوب الصوم في الاعتكاف وجوباً شرطيّاً ... 381
الرابعة: في كون زمان الاعتكاف ثلاثة أيّام فما فوق ... 382
الخامسة: في أنّه لا يكون الاعتكاف إلّا بلبث كلّه أو أغلب بدنه في مسجد جامع ... 384
السادسة: في استدامة ذلك اللبث وعدم الخروج بجميع البدن أو أغلبه عن المسجد ... 387
السابعة في إباحة الجلوس للاعتكاف ... 390
الثامنة: في عدم صحّة الاعتكاف من المملوك والزوجة بدون إذن المالك والزوج ... 390
التاسعة: في حرمة الاستمتاع بالنساء على المعتكف قبل الوجوب أو بعده ... 391
العاشرة: في حرمة شمّ الطيب، والبيع والشراء والمماراة على المعتكف ... 393
الحادية عشرة: في أنّ كلّ مَنْ أفسد اعتكافه بعد وجوبه أو فسد لنفسه وجب عليه قضاؤه ... 394
الثانية عشرة: في حكم الاعتكاف إذا كان واجباً معيّناً أو موسّعاً ... 395
الثالثة عشرة: في استحباب الشرط في الاعتكاف عند ابتدائه ونيّته ... 396
الرابعة عشرة: في أنّ كلّ ما يحرم على المعتكف نهاراً يحرم ليلاً عدا الإفطار ... 399
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين. وبعد؛ فيقول الحقير الأحقر حسن بن الشيخ جعفر : إنّه قد التمسني بعض الأخوان الكرام أن أكتب نبذة من مسائل الحلال والحرام، فأجبتهم إلى ذلك مستعيناً بالله، عليه توكّلت وإليه أُنيب.
وهي لغةً : النموّ والطهارة (1). قيل : والعمل الصالح(2).
ونُقلت شرعاً - بالوضع التعيّني أو التعييني ملحوظاً به كلا المعنيين أو أحدهما، بناءً على ثبوت الحقيقة الشرعيّة، أو استُعملت مجازاً لمناسبة بين المعنيين أو أحدهما، بناءً على عدمها - في معنى شرعيّ جديد وماهيّة مجملة لم يصل إلينا جميع بيانها، صحيحة تلك الماهيّة بمعنى أنّها لو وقعت لوقعت صحيحةً وكانت متّصفةً بها، فالتقييد بالصحّة داخل والقيد خارج.
وحدّها الجامع المانع متعذّر أو متعسّر، ورسمها لتمييزها عن غيرها من العبادات ممكن بأن يقال: هي حقٌّ في المال، أو ماليّ في الذمّة، واجب أو مندوب، وواجبه من ضروريّات الدين مقدّر بالأصالة لا بالعارض من نذر وشبهه، يعتبر فيه النصاب أصالةً، ممنوع عن بني هاشم من غيرهم اختياراً، ينمي المال بالبركة، ويطهّر الإنسان من المعاصي أو يحفظه من الفوت.
والغالب إطلاقها على نفس القدر المخرج، وقد تطلق على نفس الإخراج لذلك القدر كثيراً أيضاً، وهو أنسب بالنقل وبقولهم: يجب ويندب، وأقرب لسائر المنقولات في أبواب العبادات.
وهي من العبادات الماليّة، والمراد بها ما تعلّق التكليف بها للتصرّف بالمال أوّلاً وبالذات
ویجیء التصرّف بالبدن ثانياً وبالعرض، بخلاف العبادات البدنيّة فإنّها ما تعلّق التكليف بالتصرّف بها بالبدن أوّلاً وبالذات وبالمال ثانياً وبالعرض، كالتصرّف بالماء في الطهارة والساتر في الصلاة والمكان وشبههما.
ومن شأن العبادات البدنيّة اشتراط المباشرة وعدم إجزاء النيابة والفضوليّة والتوكيل فيها، ومن شأن العبادات الماليّة جواز النيابة والتوكيل والفضوليّة فيها؛ لأنّ المراد منها مجرّد الإيجاد في الخارج، على ما يُفهم من أدلّة القسمين، إلّا ما خرج بالدليل منهما. وما كان مركّباً من الأمرين معاً كالحجّ لُو حظ بالاعتبارين.
ووجوبها ثابت بالكتاب (1)مقرون بالصلاة حتّى سُمّيت أختها، وبالسنّة حتّى ورد: أنّ مَنْ لم يزكّ لا صلاة له، وأنّ صلاته موقوفة (2)، وورد أنّ الصلاة عمود الأعمال، إن قُبلت قبل ما سواها(3)، فبمجموعها يحصل أنّ الزكاة أيضاً تُقبل بقبولها الأعمال وتُردّ بردّها.
وورد: أنّ مانع الزكاة ليس بمؤمن ولا مسلم (4)، وأنّه ليمت إن شاء يهوديّاً وإن شاء نصرانيّاً (5)، وأنّ مانع الزكاة يطوّق بحيّة قَرْعاء (6)تأكل من دماغه (7). إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة الدالّة على ثواب فاعلها وعقاب تاركها.
وبالإجماع (8)بقسميه (9)، وبالضرورة من الدين، وفيها الكفاية عن كلّ دليلٍ.
فمَنْ أنكرها عن شبهةٍ أو جهلٍ وعُلم منه ذلك فلا شيء عليه على الأظهر، ومَنْ أنكرها وهو بين أظهر المسلمين عناداً أو لا يعلم حاله قُتل من أوّل وهلةٍ إن كان فطريّاً، واستتيب ثلاثاً وقُتل بالرابعة إن كان غيرَ فطريٍّ.
ولا يجب حقٌّ بالأصالة في المال غيرها وغير الخمس؛ للأصل، والإجماع بقسميه (10)، والأخبار
1) البقرة (2) : 43: التوبة (9) : 103.
2) وسائل الشيعة 9 : 27، الباب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة... ، ح 17.
3) المصدر 4 : 27، الباب 6 من أبواب أعداد الفرائض .... ح 12 و 108، الباب 1 من أبواب المواقيت، ح 2.
4) المصدر 9 : 32 و 34 الباب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، ح 3، 7، 8.
5) المصدر : 33، ح 5.
6) الحيّة الأقرع : الذي يتمعّط شعر رأسه، زعموا لجمعه السمّ فيه. الصحاح 3 : 1262، «ق رع».
7) وسائل الشيعة 9 : 23 الباب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.... ح 5.
8) عطف على قوله : «بالكتاب... وبالسنّة».
9) تذكرة الفقهاء 5 : 7
10) الانتصار : 206 - 207، المسألة 100؛ غنية النزوع 1: 115.
المشعرة بأنّ الله تعالى لو علم عدم سدّ حاجة الفقراء بالزكاة لفرض غيرها وأنّ فيها الكفاية لهم(1). حتّى الضغث (2)بعد الضغث والحفنة (3)بعد الحفنة، فإنّ الأقوى عدم وجوبهما أيضاً؛ للأصل، والإجماع، والسيرة، وعدم ظهور الوجوب مع توفّر الدواعي إليه أقوى شاهدٍ على عدمه.
وفي الأخبار ما يدلّ على الاستحباب، كما ستمرّ بك إن شاء الله تعالى.
ونُقل عن الشيخ رحمه الله وجوب الضغت بعد الضغث يوم الحصاد والحفنة بعد الحفنة يوم الجذاذ (4)استناداً لإجماع الفرقة وأخبارهم، وقوله تعالى: «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ»(5).
والكلّ ممنوع:
أمّا الإجماع: فلثبوت عدمه.
وأمّا الأخبار: فلظهورها في الاستحباب، كما ورد في خبر معاوية: «في الزرع حقّان: حقٌّ تؤخذ به، وحقٌّ تعطيه، أمّا الذي تؤخذ به فالعُشْر ونصف العُشْر، وأمّا الذي تعطيه فقول الله عزّ وجلّ: «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ»(6).
وفي حسن ابن مسلم وزرارة وأبي بصير في قوله عزّ وجلّ: «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ» «هذا من الصدقة تعطي المسكين القبضة بعد القبضة، ومن الجذاذ الحفنة بعد الحفنة حتّى يفرغ» (7)لمكان «تعطيه» في الأوّل و «الصدقة» في الثاني، وما ظاهره الوجوب مصروف عنه بالدليل.
وأمّا الآية فمحمولة على الاستحباب، كما أشعرت به الأخبار (8)، أو على إرادة الزكاة منها، ويكون التقييد بيوم الحصاد للاهتمام بها والبناء عليها والتأهّب لدفعها. والأظهر الأوّل، كما دلّت عليه الأخبار (9)عن السادة الأطهار، ودلّ عليه قوله تعالى :
1) وسائل الشيعة 9 : 10 و 12 و 13، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، ح 2، 3، 6، 9.
2) الضغث : قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس. الصحاح 1 : 285، «ض غ ث»
3) الحفنة : ملء الكفّين من طعام الصحاح 5 : 2102، «ح ف ن».
4) جذذت الشيء : كسرته وقطّعته، والجذاذ : ما تقطّع منه. الصحاح 2 : 561، «ج ذ ذ».
5) الأنعام ( 6) : 141.الخلاف 2 : 5، المسألة 1.
6) وسائل الشيعة 9 : 196، الباب 13 من أبواب زكاة الغلات، ح 2.
7) المصدر : 195، ح 1.
8) راجع الهامش السابق والهامش (7)
9) وسائل الشيعة 9 : 202 الباب 16 من أبواب زكاة الغلّات.
«وَلا تُسْرِفُوا»(1)فإنّ السرف لا يكون مناسباً إلّا لما لا يقدّر، وقوله تعالى: «يَوْمَ حَصَادِهِ»(2).
و على كلا تقديري الوجوب والاستحباب وقت الحصاد والجذاذ فهل المراد به دفع طبيعة الضغث بعد الضغث ولو مرّةً، أو تكريرها مستمرّةً إلى أن يفرغ، أو تكريرها في كلّ يوم، أو تكريرها في أغلب الأوقات، أو إيجاد مسمّى التكرير؟ وجوه، أقواها رابعها.
ويسقط عند عدم حصول الفقير وقت الحصاد.
والظاهر أنّه لا يبقى له تعلّق في العين والذمّة عند الامتناع من الدفع، بل يسقط بفوات وقته. وورد أنّه من السرف أن يتصدّق الرجل بكفّيه جميعاً، والأمر بالإعطاء بكفٍّ واحدة للضغث بعد الضغث والقبضة بعد القبضة (3).
ويستحبّ أن يلزم الإنسان نفسه بشيء معلوم على حسب طاقته، ينفقه في كلّ يومٍ أو في كلّ أُسبوعٍ أو في كلّ شهرٍ، كما ورد: «عليكم في أموالكم غير الزكاة» فقلت: وما علينا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال: «سبحان الله، أما تسمع الله عزّ وجلّ يقول في كتابه: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ»(4)قلت : فماذا الحقّ المعلوم؟ فقال: «هو الشيء يعمله الرجل في ماله فيعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قلّ أو كثر غير أنّه يدوم عليه»(5)ونحوه غيره(6).
ويستحبّ إن لم يفعل ذلك أن يُخرج شيئاً من ماله على حسب الإمكان في القدر والزمان، إن شاء أكثر وإن شاء أقلّ على قدر ما يملك يصل به رحماً أو يقوّي به ضعيفاً أو يحمل به كَلّاً أو يصل به أخاً في الله في نائبةٍ تنوبه، كما وردت به الرواية(7).
بحث :
ليست الزكاة من الأحكام الوضعيّة والشركة الجعليّة بحيث تعمّ البالغ وغيره والعاقل وغيره وإن ظهر من كثير من أخبارها ذلك، حيث إنّها اشتملت على إثبات شيءٍ في شيءٍ كقوله علیه السلام : «في الغنم السائمة زكاة»(8)و «في كلّ أربعين شاة شاة»(9)وهكذا - لكنّها مصروفة عن ظاهرها
1) الأنعام (6) : 141.
2) الأنعام (6) : 141.
3) وسائل الشيعة 9 : 202 - 203، الباب 16 من أبواب زكاة الغلات، ح 1.
4) المعارج (70) : 24 و 25
5) وسائل الشيعة 9 47 الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.... ح 3.
6) المصدر: 49. ح 6.
7) المصدر: 49. ح 6.
8) تهذيب الأحكام 1 : 224، ح 643.
9) وسائل الشيعة 9 : 116، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
إلى الخطاب التكليفي، كما يُفهم من الأصحاب ومن كثير من أخبار الباب وممّا جاء في الكتاب من الأمر بها (1)، فالأظهر أنّها من الخطابات الشرعيّة، لا من الأحكام الوضعيّة الملزومة للأحكام الشرعيّة تنجيزاً كما في البالغين والعقلاء وتعليقاً في غيرهم، فهي مختصّة وجوباً بالبالغين العقلاء؛ لما قدّمنا، وللإجماع بقسميه (2). وللأخبار المستفيضة المعتبرة الدالّة على أنّه ليس في مال اليتيم زكاة (3)، ولا خصوصيّة لليتيم قطعاً، وإنّما ذكر لأنّه الأغلب في ملك المال.
ولخصوص ما ورد في الصَبية الذين بيد أبيهم أو أخيهم مال لهم أنّه لا يجب في مالهم [زكاة] حتّى يعمل به فإذا عمل به وجبت الزكاة (4).
ويعتبر البلوغ والعقل في الوجوب حين تعلّقه، لا حين استقراره في غير أُمّهات الأحوال، وفي أُمّهات الأحوال يُعتبران طول الحول وحين مبدأ الوجوب، كما يظهر من الأصحاب في اشتراط التمكّن من التصرّف في جميع الحول والإخلال به ولو يوماً واحداً أو ساعةً واحدةً عند فقده.
وفي الخبر ما يدلّ عليه أيضاً، وفيه: «وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه لما يستقبل حتّى يدرك، فإذا أدرك فإنّما عليه زكاة واحدة، ثمّ كان عليه مثل ما كان على غيره من الناس» (5)بحمله على إرادة إدراك الحول لا الرشد.
والحقّ أنّه للإجمال أقرب.
وكما لا تجب الزكاة في مال الطفل والمجنون، لا تندب أيضاً في الذهب والفضّة إجماعاً.
وأمّا غيرهما فيقع الكلام فيه في مواضع:
أحدها: إذا اتّجر الوليّ بمال الصبيّ له بحيث كان المال للصبيّ، فالأقوى استحباب الزكاة
فيه، والمباشر لإخراجها الوليّ حينئذٍ للأخبار الدالّة على ثبوتها (1)، وهي وإن كان ظاهرها الإيجاب لكنّها مصروفة إلى الاستحباب؛ لعدم القول به ممّا عدا الشاذّ من الأصحاب (2)، ولمعارضتها للأخبار المتكثّرة النافية للزكاة عن مال اليتيم (3)، والإجماعات المحكية (4)، في الباب، وإذا صرفت الحقيقة حملت الكلمة على أقرب المجازات والأقرب للإيجاب هو إرادة الاستحباب.
فمَنْ ذهب إلى التحريم - كابن إدريس (5) ومَنْ تبعه (6)- ردّته الأخبار وكلمات الأخيار وإجماعات الباب المخصّصة لتحريم التصرّف بمال الغير من غير إذنٍ شرعيّة أو مالكيّة.
ومَنْ ذهب للوجوب - كما نُقل عن جماعةٍ من الأصحاب (7)، استناداً للأخبار الظاهرة فی الإيجاب (8)- ردّته الأخبار النافية (9)والإجماعات المحكيّة (10)المؤيَّدة بفتوى المشهور وعمل الجمهور، فلا بدّ من حملها على التقيّة أو الندب، ولكنّ الثاني أقرب؛ لاستحباب زكاة التجارة في مال البالغ فغيره أولى منه.
وما تضمّنته الأخبار من لفظ «في» و «على» (11)قابل لإرادة الثبوت الذي هو أعمّ من الاستحباب والإيجاب، وكذا ما اشتمل على لفظ الإيجاب (12)منها.
وقد يقال: إنّ الأخبار لا يمتنع اجتماع إرادة الندب منها والتقيّة بظاهرها، فتكون التقيّة للعدول من التصريح في الندب إلى الكناية عنه بما ظاهره الوجوب.
ولا بأس به؛ جمعاً بين ما فهم الأصحاب من الاستحباب، وبين ما جاء في بعض الأخبار
1) وسائل الشيعة -9 : 87 - 89 الباب 2 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة... . ح 1 - 4، 8.
2) كما في مفاتيح الشرائع 1 : 191 مفتاح 216
3) راجع الهامش (3) من ص 29
4) المعتبر 2 : 487: نهاية الإحكام 2 : 299: ریاض المسائل 5: 8.
5) السرائر 1: 441، و 2 : 212
6) كالعاملي في مدارك الأحكام 5: 18
7) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 238.
8) راجع الهامش 2
9) منها : ما في وسائل الشيعة 9 : 88 - 89 الباب 2 من أبواب مَن تجب عليه الزكاة.... ح 5
10) راجع الهامش (4).
11) وسائل الشيعة 9 : 87 - 88، الباب 2 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة...، ، ح 1، 2، 4.
12) المصدر : 85 الباب 1 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة ... ح 5.
المشعرة بأنّ القول بثبوت الزكاة من التقيّة، ففي الخبر كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم ليس عليه زكاة».(1)
ثانيها: المتّجر بمال الصبيّ إمّا أن يكون وليّاً أو غير وليّ.
والأوّل إمّا أن يتّجر به لنفسه أو للصبيّ.
والأوّل إمّا أن يكون على وجه الاستقراض أوّلاً ثمّ الاتّجار، أو لا يكون كذلك، بل على وجه العدوان ابتداءً.
والأوّل إمّا أن يكون مع الملاءة أو بدونها.
والمتّجر للصبيّ إمّا أن يكون مع المفسدة أو مع المصلحة أو بدونهما.
ثمّ إنّ الوليّ إمّا أن يكون إجباريّاً كالأب والجدّ له، أو لا يكون كذلك، وغير الولي إمّا أن يتّجر لنفسه أو للصبيّ، وعلى كلّ حال فإمّا أن يشتري بالعين من مال الصبيّ أو بالذمّة مع نيّة الدفع منه، فهنا صُور عديدة:
الأُولى: أن يتّجر الوليّ بمال الصبيّ للصبيّ مع الغبطة له في الاتّجار، ولا شكّ هنا في كون(2)المال والربح للصبيّ، والزكاة في المال يخرجها الوليّ، ولا ضمان على الوليّ.
الثانية: أن يتّجر الوليّ بمال الصبيّ لنفسه على جهة استقراضه أوّلاً ثمّ الاتّجار به، وكان وليّاً إجباريّاً مليّاً، وكان في الاستقراض مصلحة للصبيّ.
والمليّ: مَن يملك بالفعل مالاً غير مستثناة الديون مقابلاً لمال الصبيّ، ولا يكفي الجاه والاعتبار.
ولا شكّ هنا في كون المال للوليّ والربح له وزكاته منه وضمانه عليه، والظاهر أنّ ذلك مورد إجماعٍ محصَّل.
الثالثة: الصورة بعينها ولكن مع عدم المصلحة للصبيّ ولا المفسدة فالظاهر أنّ الحكم فيها ما تقدّم؛ لأنّ اشتراط المصلحة في تصرّف الوليّ الإجباريّ بمال المولّى عليه لم يثبت، بل ثبت عدمها، كما يُفهم من مطاوي الأخبار عن السادة الأطهار.
الرابعة: الصورة بحالها ولكن مع عدم الملاءة، والظاهر أنّ الحكم فيها ما تقدّم، ويظهر من بعضهم أنّه مورد إجماعٍ، لظهور الأخبار في عدم اشتراط الملاءة في تصرّف الأب في مال ولده، كما ورد من تقويم الأب جارية ولده على نفسه ووطئها(1).
وما ورد من جواز حجّ الوالد حجّة الإسلام من مال ولده، وفيه: «أنّ مال الولد لوالده»(2).
وما ورد أنّ الوالد يأخذ من مال ولده إن أحبّ (3).
وما ورد من «أنت ومالك لأبيك».(4)
وما ورد من جواز الأكل من مال الولد (5)ممّا ظاهره جوازه من دون استقراضٍ فمعه بالطريق الأولى.
وتقييدها بما إذا اضطرّ إليه لا ينافي جواز الاستقراض مطلقاً؛ لأنّ الاضطرار لا يختصّ بالنفقة.
والأخبار وإن كان موردها الأب دون الجدّ وشمولها للجدّ ممنوع، إلّا أنّي لم أعثر على قائلٍ بالفرق بينهما في أحكام الولاية التي من جملتها هذه.
ولا فرق بين وجود الأب وفقده وإن كان الأحوط مع فقد الأب عدم تصرّف الجدّ بمال الصبيّ إلّا مع الملاءة بل والمصلحة؛ لصيرورته يتيماً، وقد قال سبحانه وتعالى: «وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»(6).
الخامسة: الصورة بحالها ولكنّ الاستقراض يشتمل على مفسدةٍ ظاهرةٍ في المال غير اقتراضه، والظاهر هنا بطلان الاقتراض، وتقع التجارة المترتّبة للصبيّ قهراً إذا لم تشتمل على مفسدةٍ واشترى بعين مال الصبيّ؛ لوقوع العقد من أهله في محلّه، فيصحّ لصاحب المال، ونيّة أنّه له لا تصرف العقد الواقع ممّن له التصرّف في المال بالولاية، وتكون الزكاة في مال الصبيّ على الأظهر.
السادسة: الصورة بحالها ولكن كانت مفسدة في التجارة، والظاهر هنا فساد العقود. وقد يقال ببقاء العقود فضوليّةً إلى أن يبلغ الصبيّ في وجهٍ قويّ.
السابعة: الصورة بحالها ولكنّ الشراء كان بالذمة، وهنا إن لم يشتمل على مفسدة صحّ الدفع، وإلّا كان الدفع فضوليّاً أو فاسداً، وما وقع عليه العقد يكون للوليّ، وزكاته عليه.
الثامنة: الصورة بحالها ولكن كان تصرّف الوليّ الإجباريّ من دون استقراضٍ، بل بنيّة الغصب له، والظاهر أنّه إن اشتمل على مفسدةٍ كان فضوليّاً أو فاسداً، وإلّا وقع للصبيّ قهراً؛ لصدوره من أهله في محلّه، ونيّة كونه له لا تنافي وقوع العقد على مالٍ له التصرّف فيه بالولاية، فيصحّ، ويلزم لصاحب المال.
هذا إن كان الشراء بالعين، وإن كان بالذمّة كان ما وقع عليه العقد له، وكان الدفع فضوليّاً أو فاسداً.
التاسعة: أن يتّجر الوليّ الإجباريّ للصبيّ مع المفسدة وكان بعين ماله، والظاهر أنّه يعود فضوليّاً أو فاسداً.
العاشرة: أن يتّجر بالذمّة، والظاهر حرمة الدفع، ويصحّ العقد في الذمّة له؛ لعدم تشخّص النيّة للعقد.
الحادية عشرة: أن يتّجر غير الوليّ الإجباريّ بمال الصبيّ لنفسه باستقراضه ثمّ الاتّجار به مع المصلحة للصبيّ، والملاءة من الوليّ، ولا شكّ في جوازه؛ لولايته ووجود المصلحة.
ولما ورد في الخبر: أخي أمرني أسألك عن مال يتيمٍ في حجره يتّجر به، قال: «إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شيء غرمه، وإلّا فلا يتعرّض لمال اليتيم»(1).
وفي آخَر: في رجل عنده مال اليتيم، فقال: «إن كان محتاجاً ليس له مال فلا يمسّ ماله وإن هو اتّجر به فالربح لليتيم وهو ضامن».(2)
وفي آخَر عن مال اليتيم يُعمل به، فقال: «إذا كان عندك مالٌ وضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال، وإن كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن للمال»(3).
الثانية عشرة: أن لا تكون في الاستقراض مصلحة، والأظهر هنا عدم صحّة الاستقراض، وبقاء المال على ملك الصبيّ، وضمان الوليّ له، وصحّة العقود المترتّبة على المال للصبيّ
قهراً إذا وافقت المصلحة وظهر فيها ربح والزكاة على مال الصبيّ، ولا تحتاج العقود المترتّبة إلى الإجازة منه بعد ذلك؛ لأنّ نيّة أنّها له لا تؤثّر فساداً كما تقدّم.(1)
الثالثة عشرة: أن لا يكون مليّاً وقد اشترى بالعين، والظاهر هنا عدم جواز استقراضه، وضمان المال، وصحّة العقود المترتّبة على المال للصبيّ، والربح يكون للصبيّ، والزكاة تكون على ماله؛ لما قدّمناه من صدور العقود من أهلها في محلّها، وعدم تأثير النيّة في انقلاب الأمر الواقعي بعد فرض كونه وليّاً.
واحتمال أنّ الخيانة تخرجه عن الولاية لو سُلّمت فإنّما تُسلّم مع العمد لا مع الجهل وعدم التفطّن، وللأخبار المتقدّمة (2)الدالّة على أنّ الربح لليتيم، فإنّ الظاهر أنّ أُولئك كانوا أوصياء على الأيتام؛ لعدم إنكار الإمام علیه السلام على السائل في التصرّف بمال اليتيم منهم، ولاشتمالها على ما يقضي برفع الضمان إذا كان العامل لا يتصرّف بالمال، وهو لا يتمّ إلّا في الولي؛ لأنّ غيره ضامن على كلّ حال؛ لاستيلاء يده، ولاشتمالها على كون الربح للعامل إذا كان عنده مال وهو لا يتمّ أيضاً إلا في الولي.
هذا كلّه مع اقتران المصلحة بظهور الربح في العقود، ولو لم يقارن المصلحة أو قارن المفسدة كانت عقوده فاسدة أو فضوليّة.
ولو أقدم على المفسدة فتبيّن خطوه وأنّها مصلحة، صحّ عقده.
ولو أقدم على المفسدة أوّلاً فظهرت مصلحة أخيراً، قوي القول ببقاء الفساد، مع احتمال الحكم بالصحّة من باب الانكشاف فتكون من باب الشرائط المتأخّرة. ويحتمل الصحّة عند إجازة الوليّ بعد ظهور المصلحة؛ لوقوع الأوّل كالفضولي، والزكاة تكون هنا على مال الصبيّ؛ لصيرورة المال والربح له.
ويحتمل العدم؛ لعدم مقارنة نيّة الاكتساب للصبيّ للعقود المترتّبة حيث إنّه نواها لنفسه ولو تعقّبتها الإجازة. وهو ضعيف.
الرابعة عشرة: الصورة بحالها ولكنّ الشراء بالذمّة مع نيّة الدفع من مال الصبيّ، والظاهر
هنا صيرورة الاتّجار له والربح له، ودفع مال الصبيّ عمّا في ذمّته لا يصيّر المال مال الصبيّ، ولا يصرف إليه.
ودعوى شمول الأخبار لهذا الفرد؛ لأنّه الغالب، ولصدق الشراء بمال الطفل لا تعارض القواعد الفقهيّة المحكمة.
الخامسة عشرة: أن يكون المتّجر غير وليّ ولا مليّ، ولا تترتّب على عقوده مصلحة وقد اتّجر لنفسه، فلا شكّ حينئذٍ في فساد تجارته وتصرّفه، أو وقوعه فضوليّاً. السادسة عشرة: الصورة بحالها، ولكن كان مليّاً وكان في استقراضه مصلحة، والأظهر هنا كونه فضوليّاً يصحّ ما فعله مع الإجازة من الوليّ لاستقراضه، ويكون الربح معها له والزكاة عليه.
السابعة عشرة: أن لا تكون في استقراضه مصلحة فيفسد، وتكون في عقوده مصلحة بظهور ریحٍ وشبهه، وقد اشترى بعين مال الصبيّ، فالأظهر صيرورة العقود فضوليّةً، فإذا أجازها الوليّ عادت للطفل وكان الربح له، ونيّة فعلها لنفسه لا تنافي صحّة الإجازة من الوليّ على أنّها للطفل؛ لأنّ النيّة لا تؤثّر انقلاباً.
وهل تجب الإجازة على الوليّ؟ الظاهر لا؛ لعدم وجوب التنمية عليه وإن وجب عليه اتّباع المصلحة إذا عمل بماله.
الثامنة عشرة: أن لا يكون مليّاً وقد صادفت عقوده المصلحة وقد اشترى بعين المال، والأظهر كونها فضوليّةً موقوفةً على إجازة الوليّ، فإذا أجاز كان الربح للصبيّ، وعلى العامل ضمان المال، ولا تجب على الوليّ الإجازة على الأظهر وإن وجب عليه اتّباع المصلحة إذا عمل بالمال.
ويظهر من جماعةٍ أنّ الربح في هذه الصورة الأخيرة للطفل قهراً من دون توقّفٍ على إجازةٍ من الوليّ، إمّا لإطلاق الأخبار المتقدّمة الدالّة على كون المال لليتيم إذا لم يكن مليّاً، الشاملة للوليّ ولغيره، وإمّا لحصول الإجازة الإلهيّة في التصرّف؛ لمصادفته المصلحة في العقود المترتّبة، وإمّا للقطع بإذن الفحوى من الوليّ عند ظهور الربح.
والكلّ بعيد؛ لاختصاص الأخبار بالوليّ، ولعدم تسليم تأثير الإجازة الإلهيّة، ولعدم القطع بإذن الفحوى، أو لمنع صحّة تأثيرها إذا لم تكن مقارنةً للعقد.
ومع إجازة الوليّ تكون الزكاة في مال الصبيّ؛ لأنّ الربح له بعود العقود له، مع احتمال العدم؛ لعدم مقارنة نيّة أنّه له للاكتساب بالمال، سيّما لو قلنا: إنّ الإجازة كاشفة.
نعم، لو قلنا: إنّها ناقلة اتّجه قصد الاكتساب له حين النقل من المجيز.
ولأنّ العمدة في ثبوت الزكاة بمال الطفل على الاستحباب الإجماع، والمشهور بين الأصحاب، وكلاهما في هذه الصورة موضع نزاعٍ.
ثالثها: تندب الزكاة في غلّات الطفل ومواشيه، ولا تجب وفاقاً للمشهور نقلاً (1)وتحصيلاً.
ونُسب لأصحابنا (2)وللإمامية (3)ولاتّفاق المتأخّرين (4)، ولما ورد من نفي الزكاة عن مال اليتيم(5)، الذي منه الصامت وغيره.
ودعوى انصرافه للنقدين أو للصامت فقط، لا وجه لها؛ لأنّ أكثر أموال العرب كانت من النَّعَم الثلاث.
ولخصوص موثّق أبي بصير الذي فيه: «وليس على جميع غلّاته من نخل أو زرع زكاة»(6).
وحمله على نفي العموم بعيد؛ لعدم الفرق بين البالغ وغيره فيه. وضعفه مجبور بالشهرة والأصل والإجماع المحكيّ.(7)
وحَكَم جمعٌ من أصحابنا(8)بالوجوب فيهما؛ لإطلاقات الأدلّة الدالّة على ثبوت الزكاة فيهما، الظاهرة في الوضع الشامل للبالغ وغيره.
وللصحيح: «ليس على مال اليتيم في الدِّين والمال الصامت شيء، أمّا الغلّات فعليها الصدقة واجبة».(9)
1) الحدائق الناضرة 12 : 18
2) الناسب هو الصيمري في تلخيص الخلاف 1 : 276، المسألة 36.
3) نسبه إليهم العلّامة الحلّي في نهج الحق وكشف الصدق: 456.
4) نسبه إليهم العاملي في مدارك الأحكام 5 : 22
5) راجع الهامش (3) من ص 29
6) وسائل الشيعة 9 : 86 الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، ح 11.
7) راجع الهامش (4).
8) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 238؛ والشيخ الطوسي في الخلاف 2 : 40 المسألة 42 وابن البراج في المهذب 1 : 168.
9) وسائل الشيعة 9 : 83 الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة... ح 2.
وللإجماع المركّب المنقول على مساواة الغلّات للمواشي(1).
والكلّ ضعيف؛ لانصراف جميع الأدلّة إلى الحكم الوضعي المتعلّق بالبالغ؛ لأنّ الزكاة تكليف لا تتعلّق بغير المكلّف، ولتلازم الصلاة والزكاة على ما يُفهم من الأخبار (2)، ولموافقة الصحيح لفتوى جمهور العامّة(3)، ولما دلّ من العمومات النافية للزكاة عن الطفل (4)، فلا يعارض ما يقوّى بفتوى المشهور، فيُحمل الصحيح على تأكّد الاستحباب وإن اشتمل على لفظ الوجوب؛ لكثرة استعمال لفظه فيه كما قيل (5)، ولضعف الإجماع المنقول على عدم الفرق بين المسألتين؛ لعدم ثبوت الإجماع المركّب في البين، فضعف القول بالوجوب فيهما غير خفيٍّ، بل الحكم بالاستحباب في المواشي ليس عليه دليل صالح، والأصل في المقام الحرمة، فالأحوط الاجتناب عنه، والرواية(6)المصروفة إلى الندب مخصوصة بالغلّات، والإجماع المنقول لم يثبت على المساواة، ولذلك حكم بعض المتأخّرين بتحريم إخراج الزكاة من المواشي(7).
رابعها: نُسب للأكثر (8)مساواة المجنون للطفل في جميع الأحكام المتقدّمة.
ولم يثبت دليله، وجامع عدم التكليف أو عدم التمييز غالباً لا يثبت به حكم؛ لعوده قياساً ممنوعاً منه سيّما فيما لو ثبت للطفل تعبّداً من كون الربح له لو اتّجر به غير الوليّ أو غير المليّ على القول به، فإنّ إلحاق المجنون به في غاية الضعف.
نعم، لو اتّجر بماله استحبّ إخراج الزكاة منه؛ لرواية عبد الرحمن بن الحجّاج: في امرأة مختلطة، فقال: «إن كان عمل به فعليها زكاة وإن لم يعمل به فلا»(9).
1) نقله ابن حمزة على ما في إيضاح الفوائد 1 : 167.
2) وسائل الشيعة 9 : 85 الباب 1 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة ... ح 5.
3) بداية المجتهد 1 : 245؛ المدوّنة الكبرى 1 : 249؛ حلية العلماء 3 : 9؛ المجموع 5 : 329 و 331؛ المغني المطبوع مع الشرح الكبير 2 : 488: الشرح الكبير المطبوع مع المغني 2 : 670.
4) راجع الهامش (3) من ص 29.
5) قاله الطباطبائي في رياض المسائل 14:5.
6) راجع الهامش (9) من ص 36.
7) حكاه صاحب جواهر الكلام فيها 15 : 26 عن السيد بحر العلوم في مصابيحه، وهو مخطوط.
8) الناسب هو صاحب جواهر الكلام فيها 15 : 28.
9) وسائل الشيعة 9: 90 الباب 3 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة... ، ح 1.
وقريب منه آخَر مشتمل على المصابة (1).
والظاهر أنّ المراد منهما الجنون، بقرينة السياق وفهم الأصحاب.
ولا فرق في الجنون بين المطبق والأدواري إذا صادف أدواره ساعة تعلّق الوجوب أو اعتراه في الحول ولو ساعة واحدة على الأظهر من لزوم استمرار الشرائط طول الحول فی أمّهات الأحوال، فيجب استئناف الحول من ساعة الإفاقة؛ لما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من اشتراط التمكّن من التصرّف طول الحول، ومن اشتراط العقل بقولٍ مطلق، ومن أصالة البراءة المحكّمة من وجوب الزكاة؛ لأنّ إطلاقها كالمجمل لا يتمسّك بعمومه.
و أمّا المصروع والسكران والمغمى عليه فإن قارنت هذه الأشياء وقت الوجوب، قوي القول بسقوط الزكاة فيها؛ لعدم توجّه الخطاب معها، والنوم والسهو والغفلة وإن كانت مثلها في عدم توجّه الخطاب إلّا أنّها لمّا كانت معتادة الوقوع وكانت كالطبيعة الثانية للإنسان أسقط الشارع اعتبارها دون الأوّل.
وإن لم تقارن وقت الوجوب، بل عرضت له في أثناء الحول، فالظاهر عدم سقوط الحول بها إن لم يثبت إجماع مركّب على التلازم بين الأمرين.
والأحوط دفع الزكاة منهم بعد الإفاقة؛ للإطلاقات والعمومات، وعدم ذكر غير البلوغ والعقل في الأخبار وكلام الأخيار.
خامسها: يقوى القول بعدم إلحاق الحمل بالطفل؛ للأصل، ولعدم شمول أخبار اليتيم والطفل له، ومنع تنقيح المناط بينهما، وللإجماع المنقول على عدم الزكاة في ماله قبل الانفصال(2).
واحتمال بقاء زكاة ماله إلى الانفصال؛ لانكشاف ملكه حينئذٍ إذا انفصل حيّاً دون ما لم ينفصل كذلك، لا وجه له ولا دليل عليه.
سادسها المخاطب بالإخراج من مال الطفل والمجنون هو الوليّ، فلا يجزئّ دفع الصبيّ ولا نيّته، ولو لم يوجد أو امتنع الوليّ فلا يبعد قيام الحاكم مقامه أو عدول المسلمين، والأحوط تركه
ويقوى القول ببقاء المال موقوفاً حتّى يحضر الوليّ أو يبلغ الطفل أو يفيق المجنون؛ لكونها كالشركة الندبيّة، فيكون دفعها ابتداءً وضمانها مستمرّاً ودفعها مندوبين أيضاً.
وإذا تعدّد الأولياء جاز لكلٍّ منهم، فإن تشاحّوا وزّع بينهم أو أُقرع بينهم.
ولو فرّط الوليّ في الإخراج ضمن في ماله لا في مال الطفل والمجنون، وجوباً في الواجب وندياً في المندوب.
ولو فرّط الوليّ في حفظ مالهما فأخرجاهُما، الزكاة احتسبها على المدفوع إليه إن أمكن، وإلّا ضمن لهما مالهما في ماله وإن باشر التلف.
سابعها: يقوى القول بعدم اشتراط إذن الوليّ في دفع السفيه الزكاة الواجبة عليه؛ لأنّه إبراء ذمّةٍ من خطابٍ شرعيّ واجب، فلا يدخل في الحجر ، ولصدور النيّة من أهلها في محلّها، فلا يتوقّف على شيء.
والأحوط استئذانه والرجوع لنظره إذا تمكّن من الوليّ، وإلّا فإلى الحاكم.
بحث :
لا تجب على المملوك زكاة مطلقاً، مَلَك أم لا؛ وفاقاً للمشهور، والإجماع المنقول (1)، وللصحيح النافي لها ولو كان له ألف درهم (2)، والحسن النافي لها ولو كان له ألف ألف (3)، ولظهور الخطابات عموماً وخصوصاً في الأحرار لتعلّقها بالمال، وهو إمّا لا يملك كما هو الأقوى، أو محجور عليه في ملكه ولا يقدر على شيء، كما هو المعلوم فتوىً ونصّاً، والزكاة كما لا تجب على غير المالك لا تجب على غير القادر على التصرّف بماله.
نعم، تظهر الثمرة في أنّه على القول بعدم الملك - كما هو الأشهر والأظهر والأقوى - تكون زكاة المال على السيّد، وعلى القول بالحجر والملك للعبد لا تجب الزكاة على أحدهما؛ لعدم الملك من السيّد، وعدم التمكّن من التصرّف من العبد.
وقد ورد في الصحيح نفي الزكاة عمّا في يد المملوك من المال عنه وعن السيّد لأنّه لم يصل إلى السيّد وليس مملوكاً للمملوك(1)، فيحتمل حمله على الأخير، وهو كون العبد ممّن يملك، وتكون الواو للحال، فالمراد إثبات الملك له بمعنى نفي الوصول إلى السيّد والحال أنّه ليس مملوكاً لعبده.
ويُحتمل - وهو الأظهر - أنّ ما بعد الواو علّة لنفي الزكاة عن العبد، ونفي الوصول للسيّد بمعنى عدم تمكّن السيّد منه بعدم الوصول إليه؛ لغيبةٍ أو بُعْدٍ أو حجبٍ علّةً لنفي الزكاة عن السيّد، أو بمعنى أنّ دفع المال للعبد على وجه العطيّة من السيّد مما ينفي الزكاة عنهما؛ لعدم ملكيّة العبد، وعدم تمكّن السيّد عرفاً من المال؛ لأنّ أخذه منه مهانة عليه ومنقصة عند أرباب المروءات.
وعلى ذلك يُحمل ما ورد من عدم جواز أخذ السيّد من المال المدفوع منه للعبد لتحليله من ضربه وتخويفه وترهيبه(2).
ولكنّه بعيد، والاحتياط يقضي بخلافه؛ لشمول أدلّة الزكاة للسيّد، وضعف إدخاله تحت عدم التمكّن من التصرّف، وللإجماع المنقول على ثبوت الزكاة على السيّد (3)المعتضد بفتوى المشهور.
و خلوّ الأخبار النافية للزكاة عن العبد عن ثبوتها للسيّد لا يدلّ على نفيها عنهما؛ إذ لعلّ البيان حينئذٍ يكون من بيان الواضحات.
وليعلم أنّه قد أوجب جماعة من أصحابنا - على القول بملكيّة العبد الزكاة في ماله (4)، والمخاطب بإخراجها حينئذٍ إمّا العبد أو السيّد لولايته، فيكون كوليّ المجنون والطفل.
ولكنّه بعيد؛ لما قدّمناه.
وكذا أثبتَ الزكاةَ بعضُهم على العبد المأذون له في التصرّف مطلقاً(5)لما ورد من ثبوت الزكاة عليه إذا أذن له مولاه(6).
1) وسائل الشيعة 9 : 92 الباب 4 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة... ، ح 4.
2) المصدر 18 : 256 - 257، الباب 9 من أبواب بيع الحيوان، ح 3.
3) الخلاف 2 : 42 - 43، المسألة 45.
4) نسبه المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1 : 128 - 129.
5) كما في الحدائق الناضرة 12 : 28
6) وسائل الشيعة 9 : 91، الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، ح 2.
وهو ضعيف مخالف لظاهر الاتفاق.
ويستثنى من إيجاب الزكاة على السيّد فيما في يد العبد مال المكاتب مطلقاً مشروطاً أو مطلقاً لم يؤدّ شيئاً فإنّها لا تجب على العبد سواء قلنا بملكه لمال الكتابة أم لا وإن كان الأقوى عدم ملكه لها مطلقاً؛ لما قدّمنا من إطلاق الأدلّة ومن الإجماع المنقول بالخصوص ها هنا المؤيّد بفتوى المشهور والخبر: «ليس في مال المكاتب زكاة»(1).
ولا تجب أيضاً على السيّد؛ لأنّه ممنوع من التصرّف فيه قبل العجز وإن عاد إليه بعد العجز على وجه النقل لو قلنا بملكيّة العبد أو الانكشاف أو على بقائه على ملكه والدخول فی ملك العبد عند الوفاء، أو انكشافه كذلك عنده لو قلنا بملكية العبد.
ولو أدّى المكاتب المطلق من مال الكتابة فتحرّر منه شيء، وجبت الزكاة على نسبة الحُريّة إذا بلغت النصاب لشمول أدلّة الزكاة لها.
واحتمال عدم الوجوب لما إذا قلّ الجزء؛ لصدق العبوديّة بالأغلبيّة فتنتفي الزكاة حينئذٍ، بعيد كلّ البُعد مخالف لإطلاق الأدلّة وعموماتها.
واشتراط الحُرّيّة يعتبر في مبدأ الوجوب وطول الحول، كباقي الشرائط.
فائدة: لا يجوز للعبد قبض الزكاة إذا كان مولاه غنيّاً، أذن له أم لا، سواء قلنا بملكيّته أم لا؛ لإطلاق الرواية (2)، والاحتياط. وكذا لو كان فقيراً ولم يأذن له المولى. أمّا لو وكلّه مولاه على القبض فقبض عن المولى وكان فقيراً، كان للمولى إن اتّحد، وإن تعدّد صار لهم جميعاً بنسبة الرؤوس.
ولو أذن له في القبض جاز أيضاً، ويكون للمولى إن اتّحد، وإن تعدّد كان بينهم على نسبة السهام.
ولا يبعد جواز أن يعطى العبد من سهم السبيل إذا كان محتاجاً، أذن له المولى أم لم يأذن لكنّه مع عدم الإذن لا يملكه المولى ولا العبد، بل يبقى على ملك الفقراء، ويكون له حقّ الاختصاص، وتُصرف الأخبار الناهية (3)لغير مفروض المسألة.
بحث :
يشترط في تعلّق الزكاة بالمال الملكُ، فلا زكاة في مباحٍ وما كان كالمباح من وقفٍ عامّ أو حقٍّ يتعلّق بجهةٍ عامّة، كمال الزكاة والخمس، ودفع الوليّ من مال الطفل؛ لقيامه مقامه.
وكونُه تاماً، بمعنى عدم تزلزله، وعدم ثبوت الخيار فيه بالأصل أو بالعارض فيه، كبيع المعاطاة والهبة قبل التصرّف بعد القبض، والبيع المشتمل على خيارٍ بالأصل أو بالعارض، أو بمعنى التمكّن من التصرّف معه شرعاً، فلا تجب في المرهون والمنذور التصدّق به والمحجور عليه وأشباهها، أو عادةً، كالغائب والضالّ والمغصوب والمسروق والمجحود والمبيع بالبيع الفضولي مع الإجازة الكاشفة، أو بمعنى حصول تمام السبب المملّك، كالقبض في بيع الصرف، والقبض في الهبة والقبول في الوصيّة والإجازة على النقل.
وهو بالمعنى الأخير مسلّم ولا خلاف فيه، وبالمعنى الوسط أيضاً كذلك في الجملة؛ لدلالة الأخبار - على كثيرٍ من جزئياته المستفاد منها حكم كلّي - على أنّ المراد والمدار على التمكّن من التصرّف.
و أمّا هو بالمعنى الأوّل فلا يبعد منعه؛ لعدم دليلّ عليه يعارض الإطلاقات والعمومات الدالّة على ثبوت الزكاة على المالك.
نعم، لو قلنا: إنّ مَنْ كان عليه حقّ الخيار مطلقاً لغيره أو إذا شرط عليه الخيار، لا يجوز له التصرّف بالمال وإتلافه ونقله قضاءً لحقّ الخيار، اتّجه القول بعدم وجوب الزكاة على المال المتعلّق به حقّ الخيار للغير؛ لكون المنتقل إليه ممنوعاً من التصرّف حينئذٍ.
ولكنّا لا نقول بذلك؛ لعدم دليلٍ عليه سوى أمور اعتباريّة لا تصلح لإثبات أحكامٍ شرعيّة، فلا نقول بسقوط الزكاة.
على أنّ ذلك لو قلنا به فإنّما نقوله في الخيار المختصّ بالنسبة إلى مَن ليس له خيار مطلقاً أو المشترط، ولا نقوله في كلّ عقدٍ جائز من معاطاة أو خيار المجلس المشترك أو الهبة قبل التصرّف أو غير ذلك؛ لعدم دليلٍ على ذلك، سوى ما يتخيّل من أنّ ثبوت الزكاة على المنتقل إليه ضرر وضرار؛ لاجتماع وجوب دفع الزكاة عليه من المال، ووجوب دفعه لصاحب الخيار إذا فسخ تامّاً، وهُما منفيّان.
وهو ضعيف؛ لاندفاع الضرر بالإقدام على ما فيه الخيار، فتترتّب عليه حينئذٍ الآثار. والدليل على اشتراط التمكّن من التصرّف الإجماعاتُ المنقولة، والشهرة المحصّلة: فمنهم مَنْ نسبه إلى القطع به في كلام الأصحاب(1).
ومنهم مَنْ نفى الخلاف فيه(2).
ومنهم مَن ادّعى الإجماع على اعتبار الملك والتصرّف فيه(3).
ومنهم مَن ادّعاه على نفي الزكاة عن المغصوب والمجحود والمسروق والفريق والمدفون في موضعٍ نسيه فيه(4).
ومنهم مَن ادّعاه على نفيها عن المغصوب والضالّ والمجحود بغير بيّنةٍ والمسروق والمدفون مع جهل موضعه (5).
ومنهم مَن ادّعاه على نفيها عن المغصوب والمسروق والمجحود والضالّ والموروث عن غائبٍ حتّى يصل إلى الوارث أو وكيله، والساقط في البحر حتّى يعود إلى مالكه(6).
وكلّ من ادّعاه على الخصوصيّة أراد المثال كما يظهر من سياق كلامهم من غير إشكالٍ.
والأخبارُ المتكثّرة:
ومنها: خبر سدير، وفيه نفى الزكاة عن المال المدفون المجهول موضعه(7).
ومنها: موثّق إسحاق، وفيه نفي الزكاة عن مال الميراث إذا كان الوارث غائباً حتّى يجيء(8).
ومنها: الآخَر، ومضمونه كذلك (9).
ومنها: موثّق زرارة، وفيه نفي الزكاة عن المال الغائب عن صاحبه وكان صاحبه لا يقدر على أخذه(10).
1) العاملي في مدارك الأحكام 5 : 32
2) البحراني في الحدائق الناضرة 12 : 31.
3) ابن زهرة في غنية النزوع 1 : 118.
4) الشيخ الطوسي في الخلاف 2 : 31، المسألة 30.
5) العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 5: 18، المسألة 11.
6) العلّامة الحلّي في منتهى المطلب 50:8.
7) وسائل الشيعة 9 :93 الباب 5 من أبواب مَن تجب عليه الزكاة... ، ح 1.
8) المصدر : 93 - 94، ح 2.
9) المصدر : 094 ح 3.
10) المصدر : 095 ح 7.
ومنها: صحيح عبد الله بن سنان: «لا صدقة على الدِّين ولا على المال الغائب عنك حتّى يقع في يديك»(1).
ومنها: صحيح إبراهيم، وفيه نفي الزكاة عن الوديعة والدِّين التي لا يمكن الوصول إليهما(2).
ومنها: صحيح زرارة المستفاد منه أنّ الزكاة على مَنْ في يده المال (3).
وهي ظاهرة في أنّ ذكر هذه الخصوصيّات من قبيل المثال، كما يومئ إليه قوله علیه السّلام فيما تقدّم: «لأنّه لم يصل إليه»(4).
على أنّ المناط منقّح بين جميع الأفراد الداخلة تحت عنوان عدم التمكّن من التصرّف، وأنّ القول بالفرق بين بعض الأفراد دون بعضٍ لم نعثر عليه ممن يُعتدّ به. ومَنْ ناقش في صحّة هذا الشرط مطلقاً وأنّ غاية ما يمكن اعتباره في هذا الشرط مقارنته لوقت الوجوب لا إجراؤه في جميع الحول؛ لأنّ عدمه في الأوّل يؤدّي إلى إخراج الزكاة من غير العين وهو معلوم البطلان؛ لتعلّقها بالعين، فقد خالف الأخبار وكلام الأخيار وما هو المسلَّم في جميع ا الأعصار.
نعم، هنا كلام آخَر، وهو أنّ التمكّن من التصرف هل هو من الشرائط المجملة فلا يتحقّق الوجوب عند الشكّ في حصوله، أو من المبيّنات العرفيّة كمّاً وكيفاً؟ وجهان، والأقوى الأخير.
فوائد:
الأولى: لو وُهب له نصاب لم يَجْرِ في الحول إلّا بعد القبض؛ لأنّه إمّا متمّم للملك إن كان جزءاً من أجزاء العقد، أو شرط للصحّة متأخّر عنه، وإمّا كاشف عن صحّته سابقاً حين وقوعه إمّا بمعنى تأثيره عند حصوله في صحّته سابقاً عند وقوعه، وإمّا بمعنى كشفه عن وقوعه صحيحاً عند حصوله.
وعلى كلّ حال فلا زكاة قبله؛ لعدم الملك على الأوّل، ولعدم التمكّن من التصرّف على الثاني.
واحتمال أنّ القبض شرط للّزوم فيجري في الحول بعد تمام العقد وإن لم يحصل القبض، بعيد عن ظاهر كلام الأصحاب؛ إذ الظاهر بقاء جواز العقد إلى حين التصرّف وإن حصل القبض.
فلو رجع الواهب بما وهب بعد تعلّق الزكاة، لم يرجع بمقدارها على المتّهب، سواء أخرجها المتّهب من العين، أو أخرجها من عين أُخرى، أو لم يخرجها مطلقاً؛ لأنّها بمنزلة التالفة فلا رجوع له بها.
ويحتمل عدم جواز رجوع الواهب بالهبة بعد تعلّق الزكاة بالمتّهب؛ لأنّه بمنزلة تلف البعض، وخصوصاً لو أخرج الزكاة من العين؛ لأنّه تصرف بها، وهو مسقط للرجوع. الثانية: لو أوصي له لم يَجْرِ في الحول بعد موت الموصي إلّا بعد القبول؛ لأنّه كذلك إمّا متمّم للملك، أو كاشف عنه، وعلى الأوّل فلا يجري؛ لعدم الملك، وعلى الثاني للمنع من التصرّف، سواء فسّر الكشف بتأثيره للصحّة فيما سبق، أو ببيانه للصحّة المتقدّمة.
الثالثة: لو باع وكان لأحدهما خيار، لم يمنع الخيار لكلٍّ منهما من جريان الحول من حين العقد مطلقاً مشروطاً أو أصليّاً على الأظهر الأشهر من كون المبيع زمن الخيار مملوكاً غير ممنوعٍ من التصرّف فيه على الأقوى.
وما ذهب إليه الشيخ رحمه الله من أنّ المبيع يملك بالعقد وبانقضاء زمن الخيار (1)، ضعيف لا نقوله.
الرابعة: لا يجري مال القرض في الحول إلّا بعد القبض لا قبله؛ لعدم الملك، ولا يتوقّف الملك على التصرّف على الأقوى.
ولا يجري مال الغنائم في الحول قبل القسمة؛ لأنّ الغانم قبلها إمّا غير مالك والمال باقٍ على الإباحة، أو ملك للمسلمين كافّة أو للغانمين لا على وجه الشركة، بل على وجه المصرف والاختصاص، أو مالك غير متمكّن من التصرّف قبل القسمة، لا لمكان الشركة - وإلّا لكان لا زكاة في كلّ مالٍ مشترك، ولا قائل به - بل لمكان الشركة الخاصّة، كما يُفهم من الأصحاب. وعلى كلّ حال فلا زكاة فيه.
ويؤيّد الأوّل جواز اختصاص بعض الغانمين بإسقاط الباقي وإعراض بعضٍ عن نصيبه فيكون للباقي، وجواز قسمة التحكّم من الإمام علیه السّلام عليهم إذا كانت الأجناس مختلفةً.
1) الخلاف 3 : 22 المسألة 29
ويؤيّد الثاني عمومات الأدلّة الظاهرة في ملك الغانم من دون معارضٍ، ومنع اختصاص بعض الغانمين بالإسقاط، وعدم منافاة الملكية لزوالها بالإعراض وعدم منافاة جواز قسمة التحكّم للملك؛ لأنّ الإمام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهذا الأخير أقوى.
ولولا فتوى الأصحاب بأنّ شركة الغنيمة ليست على حدّ الشركات الغير مانعة من التصرّف لإمكان القسمة لأمكن المناقشة في كونها مانعةً عن التصرّف قبل القسمة وإن كان للإمام أن يقسّم قسمة تحكّمٍ سيّما في متّحد الجنس؛ لأنّ الإمام ليس له أن يقسّم كذلك.
وهل تكفي القسمة وحدها، أم لا بدّ من قبض الغانم أو وكيله أو وليّه أو الإمام علیه السلام؟ وجهان.
والأقوى - بناءً على عدم التمكّن من التصرّف قبلها - توقّفه على القبض من أحد مَن ذكرناه.
الخامسة: النصاب المتعلّق به النذر لا تتعلّق به زكاة إذا تحقّق تعلّق النذر به قبل تعلّق الزكاة به؛ لعدم تمامية الملك، عامّاً كان النذر أو خاصّاً. وكذا العهد واليمين، وفي الوعد من بعض الناس احتمال وكذا لو نذره صدقة؛ بناءً على تأثير النذر للغاية بصيرورتها كذلك، بل هو أولى؛ لخروجه عن ملك الناذر.
ولو كان مورد النذر معلّقاً على ما لم يحصل وكان مشكوكاً بحصوله، فلا زكاة عليه؛ لعدم التمكّن من التصرّف فيه، لتعلّق حقّ النذر به على الأقوى.
ودعوى وجوب إخراج الزكاة منه وإيفاء النذر من باقي النصاب، ضعيفة جدّاً.
و تفصيل الأقسام: أنّ النذر إمّا أن يتعلّق بنصاب أُمّهات الأحوال أو بغيرها، وهو إمّا مطلق أو موقّت، وعلى التقديرين فإمّا أن يتعلّق بنفس الغاية والمسبّب أو بنفس المؤثّر والمسبّب وعلى التقادير فإمّا أن يتعلّق بجميع النصاب أو ببعضه، وعلى الجميع فإمّا أن يكون معلّقاً على شرط أو مطلقاً، والشرط إمّا أن يقيّد فى الحول أو بما بعده أو مقارناً له، والموقّت من النذر أيضاً إمّا أن يكون في الحول أو بعده أو مقارناً له. وكذا في غير أُمّهات الأحوال إمّا أن يكون مقارناً لتعلّق الوجوب أو قبله أو بعده.
وتفصيل أحكامها أنّ النذر متى تعلّق مطلقاً غير موقّت بنصاب سواء كان نذراً للسبب أو للمسبّب دفع وجوب الزكاة إذا وقع قبل الخطاب بها.
أمّا في أُمّهات الأحوال فلا إشكال؛ لعدم جريان النصاب في الحول إلّا مع التمكّن
من التصرّف، ولا يمكن هنا إمّا لعدم تماميّة الملك، وإمّا للحجر عليه من جهة تعلّق حقّ المنذور به وإن كان ملك الناذر باقياً عليه.
وأمّا في غيرها فعلى الأقوى، تقديماً لحقّ النذر؛ لتقدّم سببه، ومعه يكون المال ممنوعاً من التصرّف فيه، فلا تتعلّق به زكاة؛ لاشتراط وجوب الزكاة بكونه سالماً عن ذلك، ولم يسلم قبل تعلّق الخطاب بها، وبعده تعلّق بغير السالم، فلا يؤثّر.
وإذا تعلّق النذر موقّتاً في أثناء الحول، فإن أوقع مقتضاه فلا إشكال، وإن لم يوقع الناذر ذلك وأوجبنا عليه القضاء فكذلك، وإن لم نوجب القضاء احتُمل احتساب الحول من حين فوات وقته؛ لكونه ممنوعاً من التصرّف قبل ذلك، واحتُمل جريانه في الحول واحتسابه منه، والأوّل أقوى.
وإن كان موقّتاً بعد الحول في أُمّهات الأحوال، فالأظهر أيضاً نفي الزكاة عنه، وعدم جواز التصرّف فيه قبل ذلك؛ لتعلّق النذر به وإن تأخّر الفعل، وليس هو كالواجبات المعلّقة المتأخّرة؛ لتأخّر وقت وجوبها بالنسبة لمقدّماتها السابقة على وقت الوجوب كما قد يتخيّل، بل الوجوب قد تعلّق وقت النذر على الأقوى.
وكذا في غير أُمّهات الأحوال كأن يقول : الله علَيَّ إن ملكت النصاب لأتصدّق به، أو إن احمرّ النخل أو اصفرّ لأتصدّق به، فيكون النذر حينئذٍ واجباً منجّزاً مؤخّراً أداؤه، لا واجباً معلّقاً.
وإذا تعلق النذر مشروطاً حصوله بما يترقّب، فإن وقع الشرط في أثناء الحول فلا كلام، وكذا لو وقع قبل وقت الوجوب في غير أُمّهات الأحوال.
وإن تأخّر عن الحول وعن وقت الوجوب أو وقع مقارناً لهما أو كان مشروطاً تأخّره عنهما، فالأظهر أيضاً ما نعيّته للزكاة، وعدم جريانه في الحول، وعدم جواز التصرّف بعينه، ولو تصرّف ضمن مِثلاً أو قيمةً.
واحتُمل تعلّق الزكاة به وجريانه في الحول، وعند حصول الشرط لا يضمن قدر الزكاة، بل يفي بنذره في الباقي بعد دفع حقّ الفقراء؛ لصيرورة قدر الزكاة بمنزلة التالف، وعلى ذلك يكون إتلافه جائزاً.
ومع الجواز فهل يضمن العين أو المثل والقيمة؟ وجهان.
ويحتمل القرعة في المقام.
وهو بعيد؛ لأنّ استخراج القرعة للأحكام لا نرتضيه.
هذا كلّه لو نذر السبب، ولو نذر نفس الغاية كالصدقة والأُضحيّة، كان محجوراً عليه بالطريق الأولى؛ لخروجه عن ملكه.
ولو نذر أحد النصب، سقطت الزكاة عن أحدها، والتعيين على الناذر.
ولو تعلّق النذر بالذمّة، لم يسقط فرض الزكاة.
ولو استطاع بنصابٍ فأخّر الحجّ حتى حال عليه الحول، وجبت الزكاة والحجّ.
ولو سبق الحول مسير القافلة، وجبت الزكاة فإن لم يبق قدر الاستطاعة سقط الحجّ.
وهل يكون سقوطه من حينه، أو كاشف عنه من أصله؟ وجهان، أقواهما: الثاني.
ولو استطاع بأرباح التجارة، وجب الحجّ وسقط الخمس إذا لم يَبقَ قدر الاستطاعة إذا دفع الخمس؛ لأنّ الحجّ من المؤن.
نعم، لو وجب الحجّ سابقاً فحصلت له أرباح، وجب الحجّ والخمس.
ولو اجتمعت الزكاة أو الخمس مع ديون أُخَر قُدّما؛ لتعلقهما بالعين، ولو عادا في الذمة وُزّع المال عليهما وعلى الديون، ولا يُقدِّمان على الديون، خلافاً للعامّة. السادسة: لا يتعلّق بالحقوق العامّة - كالأوقاف ومال الزكاة والخمس ومال بيت المال - زكاة؛ لعدم تماميّة الملك، وعدم انصراف أدلّة الزكاة لها.
وكذا لا يتعلّق بالوقف الخاصّ؛ لعدم تماميّة الملك.
نعم، تتعلّق بنمائه المملوك للمعيّن إذا بلغ نصاباً.
السابعة: لا زكاة في جميع الأجناس على المغصوب، ولا يجري في الحول ما دام مغصوباً، خلافاً لمَنْ خصه بأُمّهات الأحوال (1)وإطلاق الإجماع يردّه.
ويشترط في المغصوب عدم التمكّن من ردّه مجّاناً أو بعوضٍ يسير من دون مهانةٍ أو ذلَّةٍ أو مصانعةٍ أو تحمّل تعبٍ أو كذبٍ أو أيمان وشبهها أو غير ذلك.
ولو أمكنه ردّه ببعضه وكان البعض الباقي نصاباً، لم تجب أيضاً على الأظهر.
1) كالعاملي في مدارك الأحكام 5 : 34
ولو توقّف تحصيله على الاستعانة بظالمٍ أو عادلٍ، فالأحوط الزكاة.
ولو أمكنه الغاصب من التصرّف وهو في يده، لم يخرج عن كونه مغصوباً.
الثامنة: لا زكاة على المشروط عليه عدم التصرّف بعقدٍ لازم؛ لعدم تمكّنه منه على الأظهر، وكذا لا يجري في الحول.
التاسعة: لا زكاة على المجحود مع عدم البيّنة، ولا يجري في الحول كذلك. وأمّا معها وكان إقامتها ممكناً، فالأحوط الزكاة فيه. ولو احتاج إلى ضمّ يمينٍ فلا يبعد عدم الوجوب؛ لأنّ اليمين ثقيل على النفس.
العاشرة: لا زكاة على الغائب، ولا يجري في الحول ما دام غائباً؛ للأخبار (1)الدالّة على ذلك، والإجماع المنقول (2).
ونفي الزكاة عنه على الإطلاق في الفتوى والرواية مخصوص بما إذا لم يتمكّن صاحبه من قبضه والتصرّف فيه، وعدم الوصول إليه بنفسه أو وكيله أو وليّه؛ اقتصاراً على مورد اليقين من إطلاق لفظ الغائب، وعلى المورد المتيقّن من تخصيص عمومات الكتاب والسنّة الواردة في وجوب الزكاة (3)، ولقوله علیه السّلام في المال الغائب في موثّقة زرارة: «وإن كان يدعه متعمّداً وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين»(4).
ولو مضت على الغائب أحوال زكّاه لسنة واحدة استحباباً؛ للأمر به في الأخبار (5)المحمولة على الاستحباب؛ لفتوى المشهور، وإطلاق نفي الزكاة عن المال الغائب(6)، وللإجماع المنقول على الاستحباب (7).
ويُلحق بذلك المدفونُ الذي لم يعلم موضعه؛ لأنّه غائب في الحقيقة، فلا تجب فيه الزكاة فتوىً ونصّاً(8).
1) وسائل الشيعة 9 : 95-96، الباب 5 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة... . ح 6 والباب 6 من تلك الأبواب، ح 3.1.
2) رياض المسائل 20:5
3) راجع الهامش (1 - 5 و 7) من ص 26.
4) وسائل الشيعة 9 95 ، الباب 5 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة، ح 7.
5) المصدر : 93 - 95 ، الأحاديث 7.4.1
6) المصدر : 95 ، ح 6.
7) مدارك الأحكام 5 : 37.
8) وسائل الشيعة 9 : 93 الباب 5 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة ... ح 1.
وتستحبّ زكاته لسنةٍ واحدة إذا مرّت عليه أحوال؛ للرواية الآمرة بزكاته لسنةٍ بعد أن فقده ثلاث سنين(1).
ولا يبعد تخصيص الاستحباب بما إذا مرّت عليه أحوال متعدّدة، فلا يثبت بالحول بل والحولين.
والضالّ والمفقود من الحيوان وغيره حكمهما حكم الغائب معنىً ولفظاً، ويجري عليهما ما يجري على المال الغائب من سقوط الزكاة واستحبابها لسنةٍ واحدة إذا مرّت به أحوال.
ولا يبعد الاستحباب في الجميع إذا مرّ به حول أو حولان؛ أخذاً بإطلاق بعض الروايات (2)، واستناداً لفتوى بعض الفقهاء(3)تسامحاً بأدلة السنن.
ولو تمكّن المالك من الوصول إلى المال الغائب من دون مشقّةٍ أو بُعْدٍ أو أمكنه التصرّف به بتوكيلٍ وشبهه، أو كان له وكيل على التصرّف بأمواله في غيبته، وجبت عليه الزكاة، وجرى في الحول إذا بلغ النصاب، ولو ترك التوكيل فغاب حتّى وصل لموضعٍ لم يتمكّن من الغائب عرفاً، سقط عنه تعلّق الزكاة.
الحادية عشرة: المرهون لا زكاة عليه، ولا يجري في الحول ما دام مرهوناً، سواء تمكّن من فكّه من دون عسر أو لم يتمكّن؛ لاشتراط التمكّن من التصرّف، والرهن ما دام مرهوناً لا يتمكّن الراهن من التصرّف فيه، والتمكّن من فكّه لا يصيّره من المتمكّن من التصرّف فيه على الأظهر.
خلافاً للشيخ فأوجب الزكاة على المرهون مطلقاً في موضعٍ (4)، وفرّق بين المقدور على فكّه فأوجبها فيه، وبين غير المقدور فلا في موضعٍ آخَر(5).
ويردّه المفهوم من الروايات (6)والمعروف من كلام الأصحاب من اشتراط التمكّن من التصرّف.
1) وسائل الشيعة 9 93 الباب 5 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة ... ح 1.
2) راجع الهامش (4) من ص 49.
3) مثل العلّامة الحلّي في منتهى المطلب :8 51؛ والشهيد في البيان : 279؛ والمحقّق الكركي في جامع المقاصد 3 : 7؛ والفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1 : 191، مفتاح 216
4) المبسوط 208:1.
5) المصدر : 225 - 226.
6) راجع وسائل الشيعة 9 : 93 الباب 5 من أبواب مَن تجب عليه الزكاة...
ولو استعار للرهن، فلا زكاة على المستعير ولا على المعير وإن تمكّن المستعير من فكّه أو تمكّن المعير من حمل المستعير على الفكّ.
فائدة: لا يبعد الحكم في الاكتفاء بعروض ما تقدّم لحظةً واحدة في أثناء الحول من غيبةٍ أو ضلالٍ أو فقد أو غصبٍ أو جحدٍ أو رهن أو شبهها.
ولكنّ الأقوى أنّ ما لم يصدق عليه عرفاً أنّه ممنوع من التصرّف في ملكه لا يجري عليه الحكم، فالمجحود لحظةً، أو المسروق زمناً لا يُعتدّ به، أو الضائع دقيقةً من الزمان، أو المحجوب بقفل وشبهه آناً قليلاً لا يجري عليه الحكم على الأظهر، وإلّا لم تبق زكاة متعلّقة بسائر الأموال؛ لأنّه قلّما ينفكّ مال عن عروض هذه العوارض ساعةً فما دونها من الزمان اليسير الذي لا يعتدّ به.
وقد يُفرّق بين الرهن وغيره، فيعتبر اليسير في الأوّل، ولا يعتبر في الثاني.
الثانية عشرة : لا زكاة على الدَّيْن لا من الدُّيّان ولا من المديون؛ لأنّه ليس من المال المعيّن المملوك للمديون، ولا من المعيّن للدُّيّان قبل قبضه له أو قبض مَنْ هو بمنزلته، بل هو من الكلّيّات المتعلّقة بالذمم، ولأنّه ممنوع من الوصول إليه وإن أمكن تصرّفه به ببيعٍ وشبهه ما دام في الذمّة.
وقدرته عليه بعد الوفاء ليس تصرّفاً بما في الذمّة، بل فيما وقع وفاءً له.
ولا فرق بين قدرة الدُّيّان على الاستيفاء وعدمها؛ لإطلاق الأخبار (1)الناطقة بأنّه ليس فی الدَّين زكاة، ومنها: «لا، حتّى يقبضه» قلت: فإذا قبضه أيزكّيه؟ قال: «لا حتّى يحول الحول في يده»(2).
ولإطلاق الإجماعات المنقولة (3)ولانعقاد الشهرة المحكيّة (4)والمحصّلة عليه، وللروايات النافية للزكاة عن مال القرض عن المُقرض (5)، وموردها وإن كان غير مفروض المسألة لكنّها تصلح للتأييد
وذهب بعض أصحابنا (1)إلى وجوب الزكاة على الدُّيّان إذا قدر على تحصيله فأخّره باختياره؛ لتمكّنه من التصرّف فيه.
ولما ورد في الصحيح في مال الغائب من أنّه «إن كان يدعه متعمّداً وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين»(2).
وللصحيح «ولا يزكّي ما عليه من الدَّيْن، إنّما الزكاة على صاحب المال»(3).
ولخبر عبد العزيز: عن الرجل يكون له الدَّيْن، قال: «كلّ ديَن يدعه هو إذا أراد أخذه فعليه زكاته وما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة»(4).
وفي آخَر: «ليس في الدِّين زكاة إلّا أن يكون صاحب الدِّين هو الذي يؤخّره»(5).
ولأنّ ما بين أخبار نفي الزكاة عن الدِّين مطلقاً ونفيها بخصوص ما إذا لم يتمكّن منه عموماً مطلقاً، والخاصّ يحكم على العامّ.
والكلّ ضعيف؛ لظهور الصحيح الأوّل في المال المعيّن الغائب، وهو غير الدِّين، ولضعف دلالة الثاني؛ لعدم تصريحه بخصوص الديِّن، ولضعف الأخبار الأخيرة عن تخصيص العمومات النافية المعتبرة المنجبرة بفتوى المشهور والأصل المحكّم، فحملها على الاستحباب بعد عدم قابليّتها للتخصيص أولى من طرحها، كما أفتى به جماعة من الأصحاب (6)، أو تُحمل على التقيّة؛ لأنّ فتوى العامّة على ثبوت الزكاة في الدِّين على الدُّيّان مطلقاً (7)، فالتفصيل أقرب لمذهبهم وإن لم ينقل عنهم.
ويؤيّد المشهور أيضاً أنّ إطلاقات وجوب الزكاة كلّها منصرفة للمال المملوك المعيّن، وما في الذمم لا ينصرف إليه إطلاقات أدلّة الزكاة التكليفيّة والوضعيّة، كقوله: في الغنم كذا، وفي كلّ مائتين درهم كذا، وكذا العنوانات الوضعيّة من السوم وشبهه وإن أمكن إدخال الموصوف
1) كالشيخ المفيد في المقنعة : 239؛ والشيخ الطوسي في الجُمل والعقود (ضمن الرسائل العشر) : 205.
2) راجع الهامش (4) من ص 49
3) وسائل الشيعة 103:9، الباب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة.... ح 1.
4) المصدر : 96 - 97، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة .... ح 5. .
5) المصدر : 97، ح 7.
6) منهم : العاملي في مفتاح الكرامة (كتاب الزكاة (3 : 18؛ والطباطبائي في رياض المسائل 5 : 24.
7) المغني المطبوع مع الشرح الكبير 2 : 637: الشرح الكبير المطبوع مع المغني 2 : 444 حلية العلماء 3 : 92؛ العزيز في شرح الوجيز 2 : 543.
بالسوم والعلف بالذمّة كما في باب السلم، لكنّه خلاف الظاهر.
الثالثة عشرة: تجب زكاة القرض على المُقترض دون المُقرض؛ لملك المُقترض له دونه، وللأخبار(1)، وفتوى الأخيار، والإجماع المنقول(2)بل المحصّل.
وفي الصحيح على مَن الزكاة على المُقرض أو على المُقترض؟ قال: «على المُقترض»(3).
وفي آخَر: رجل دفع إلى رجل مالاً قرضاً، على مَنْ زكاته، على المُقرض أو على المُقترض؟ قال: «لا، بل زكاتها إن كانت موضوعةً عنده حولاً على المُقترض» قال: قلت: فليس على المُقرض زكاتها؟ قال: «لا يزكّى المال من وجهين في عام واحد»(4).
ولو دفع المُقرض عن المقترض الزكاة من ماله تبرّعاً، أو دفعها من ماله بإذنه، أو دفعها لاشتراط الزكاة عليه بعقدٍ لازم أو جائز كالقرض، أجزأت عن المُقترض، وبرئت ذمّته؛ لأنّ الزكاة وإن تعلّقت بالعين فهي أشبه شيء بالدِّين؛ لجواز إخراج المالك الحقَّ من غير العين بالقيمة، ومن خصائص الدِّين وما شابهه جواز وفاء الغير عن المديون وإجزاؤه عنه تبرّعاً عنه وبإذنه، فكما أنّ للمالك أن يدفع من غير العين للفقراء، فكذا لغير المالك أن يدفع عنه من غير العين لهم أيضاً، ولا مانع متخيّل سوى أنّ الزكاة عبادة في مالٍ معيّن على شخصٍ معيّن، والأصل فيها عدم السقوط بفعل الغير وعدم حصول الإبراء بمال الغير.
والأظهر أنّ هذا في العبادات الماليّة غير مانعٍ؛ لأنّ الغرض منها مجرّد إيجادها في الوجود الخارجي، ولهذا يجوز فيها التوكيل والفضوليّة من مال المالك ومن مال الفضولي.
ويدلّ على ذلك أيضاً ما ورد - في الصحيح - : في رجل استقرض مالاً وحال عليه الحول وهو عنده، فقال: «إن كان الذي أقرضه يؤدّي زكاته فلا زكاة عليه، وإن كان لا يؤدّي أدّى المستقرض»(5).
وما ورد في صحّة اشتراط الزكاة من المشتري على البائع، فإنّه يدلّ بمفهومه على الاجتزاء به عند وفائه بالشرط:
ففي الصحيح: سمعتُ الصادقَ علیه السلام يقول: «باع أبي من هشام بن عبد الملك أرضاً بكذا وكذا ألف دينار، واشترط عليه زكاة ذلك المال عشر سنين»(1).
وفي آخَر: « [باع أبي أرضاً] من سليمان بن عبد الملك بمال واشترط عليه في بيعه أن يزكّى هذا المال من عنده لستّ سنين»(2).
ويدلّ على صحّة هذا الشرط عمومات أدلّة الشروط والعقود، وأنّ التبرّع إذا صحّ بشيء صحّ اشتراطه بطريق أولى، فلا وجه لمن منع صحّة هذا الشرط، أو منع جواز دفع زكاة شخص من غير ماله من غيره.
نعم، هنا مسألة أخرى وهي: أنّه هل بالشرط تنتقل الزكاة من ذمّة المشترط إلى ذمّة المشروط عليه، أو لا تنتقل إلّا بالدفع منه، وإلّا فذمّته مشغولة وإن وجب الدفع على المشروط عليه؟ والأقوى عدم الانتقال إلّا بالدفع.
ولا منافاة بين التزام المشروط عليه بالدفع عن المشترط، وبين بقاء ذمّته مشغولةٌ بالزكاة إلى حين الدفع، فيكون شبه الواجب الكفائي؛ جمعاً بين الأدلّة الدالّة على صحّة كلِّ منهما والعمومات القاضية بكلِّ منهما، حتّى أنّه لو شرط المقترض انتقال الزكاة إليك وفراغ ذمّتي منها على المُقرض كان شرطاً فاسداً ومُفسداً على الأظهر؛ للفرق بين اشتراط التأدية وبين اشتراط الانتقال.
ولو لم يعلم المقترض بالتأدية، فالظاهر أنّه لا يجب عليه السؤال، لكن على إشكالٍ؛ لثبوت شغل الذمّة، فيحتاج إلى الفراغ اليقيني، بخلاف ما لو علم بالعدم، فإنّه يجبره على التأدية مهما أمكن، فإن أدّى لسقطت عنه، وإلّا أدّى هو وبقي المشروط عليه مطالباً بالمثل أو القيمة على الأظهر.
ويحتمل فراغ ذمّة المشروط عليه، ولا يطالب بشيء من المثل أو القيمة؛ لفوات محلّ التأدية. نعم، يبقى للمشترط الخيار.
الرابعة عشرة: لا يراد بالتمكّن من التصرّف التمكّن من جميع التصرّفات وإلّا لخرج
كثير من الزكويّات، ولا التمكّن من البعض وإلّا لدخل المغصوب والمجحود والضالّ؛ لجواز الصلح عليها وبيعها مع الضميمة في وجهٍ، بل يراد التمكّن العرفيّ الأغلبيّ الذي يدخل فيه القدرة على إخراج الزكاة منه حين التعلّق وحين حول الحول.
وقد يرمى معناه بالإجمال فلا زكاة حينئذٍ إلّا مع القطع بتحقّقه؛ لأنّ الشكّ بالشرط شكّ فی المشروط، فالمفروض أنّه شرط إجماعاً.
الخامسة عشرة: المتمكّن من التصرّف منه بواسطة أمرٍ آخَر لا يدخل تحت التمكّن من التصرّف فيه وإن كان المقدور بالواسطة مقدوراً بالذات، فلا يدخل المرهون المقدور على فكّه، والمغصوب المقدور على ردّه، والضالّ المقدور على وجدانه، والمجحود المقدور على إثباته في المتمكّن من التصرّف فيه، بل يدخل في التمكّن من التمكّن من التصرّف فيه، وأحدهما غير الآخَر، ولا يلزم إحراز الشرط للوجوب، بل لو حصل ثبت الوجوب، كسائر شرائط الوجوب.
وعدم العلم بالملك أو الذهول أو الغفلة لا يدخل تحت غير المتمكّن من التصرّف على الأظهر؛ لأنّه من الشرائط الواقعيّة، فهو بالواقع متمكّن من التصرّف.
السادسة عشرة: عدم إمكان الأداء لا يعتبر في التمكّن من التصرّف وإن اعتبر في تعلّق الضمان وعدمه، فلو لم يمكن التأدية بعد تعلّق الوجوب لعارضٍ لم يكن مانعاً من وجوب الزكاة قطعاً.
نعم، لو تلف النصاب بغير تفريطٍ من جهةٍ أُخرى لم يكن ضامناً.
السابعة عشرة: الكفر ليس من موانع التصرّف، ولا من موانع تعلّق وجوب الزكاة؛ لأنّ الكفّار مخاطبون بالفروع وإن لم يصحّ منهم ما كان مشروطاً بالقربة إلّا بالإسلام؛ لأنّ الإسلام من مقدّمات الواجب المطلق، فيجب الإتيان به عند الخطاب بمقدّمته إذا كان مقدوراً، فجميع الخطابات شاملة للكفّار والمسلمين، وترتّب الويل والذمّ على الكفّار الغير العاملين أقوى شاهدٍ على خطابهم، فمَنْ خصّ الخطابات بالمسلمين لشبهة أنّ أكثرها مصدّر بلفظهم وبالمؤمنين فيُحمل المطلق على المقيّد، فقد خالف الإجماع بل الضرورة.
نعم، قد يقع الإشكال في المرتدّ الفطري؛ لعدم قبول توبته، فيكون تكليفه في الفروع من قبيل تكليف ما لا يطاق.
فيجاب عنه : إمّا بالتزام ارتفاع الخطاب عنه، وإمّا بتوجيهه إليه وإنّ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، وإمّا بالتزام قبول توبته باطناً وإن لم تُقبل ظاهراً.
والأقوى أنّ الكافر الأصلي دون المرتدّ الملّي على الأظهر وإن تعلّق به خطاب الزكاة، لكنّه بإسلامه يسقط عنه، سواء أسلم بعد التعلّق بلحظة أو بعد الحول بلحظة، أو أسلم في أثناء الحول، فإنّه يبطل احتساب ما تقدّم على الإسلام من الحول، واستأنف الحول من حين إسلامه؛ لما ورد أنّ «الإسلام يجبّ ما قبله»(1).
وسنده ودلالته مجبوران بفتوى المشهور وعمل الجمهور، بل كاد أن يكون مضمونه إجماعاً محصّلاً ومنقولاً.
فلا وجه لتوقّف جماعةٍ (2)في هذا الحكم، فألحقوا الكافر بالمخالف في وجوب الدفع عليه بعد فوات وقت الوجوب واحتساب الحول عليه وإن كان في زمن خلافه؛ لضعف التوقّف؛ لظهور الفرق بين الكافر والمخالف من جهة الدليل المسقط للوجوب في الكافر والمثبت له المخالف، علاوةً على الأصل وعمومات الأدلّة.
وقد ورد أنّ المخالف لا يعيد شيئاً من عباداته الفائتة سوى الزكاة؛ لأنّه وضعها في غير موضعها (3)، فإلحاق الكافر بالمخالف قياس لا نقول به.
ويجوز للساعي قهر الكافر على أخذ الزكاة منه ما دامت موجودة، فلو أتلفها فالقاعدة تقضي بجواز تضمينه إيّاها.
وقيل: لا ضمان عليه بعد إتلافها(4).
وليس للساعي أخذها منه مِثلاً أو قيمةً، بل ليس له قهره على أدائها مطلقاً.
ويؤيّده أنّ الكفّار لا يُجبرون على فعل الفروع، وأنّهم يُقرّون على مذهبهم سيّما وقت المهادنة.
ولكنّه يبعّده أنّها من الحقوق الماليّة المتعلّقة بالمخلوق، فلا يقرّ الكافر عليها، وأنّها من الأموال المشتركة.
وأمّا المرتدّ الملّي فيقهره الحاكم على الدفع، ولا يقرّ على دينه بوجهٍ من الوجوه على الأظهر.
الثامنة عشرة: لا يبعد سقوط الزكاة عن المريض فيما زاد على الثلث إذا مات بمرضه ذلك؛ لأنّه محجّر عليه فيه، وكذا عن المال المختلط بالحرام إذا لم يعلم قدره وصاحبه قبل إخراج خمسه؛ لحرمة التصرّف فيه قبل إخراج الخمس.
ولكنّ الأقوى والأحوط الزكاة فيهما؛ لعموم الدليل، وعدم رجحان دخولهما تحت التمكّن من التصرّف.
فائدة : مَنْ تعلّق به وجوب الزكاة ففرّط فيها أو أهمل إخراجها مع مطالبة الساعي له أو الفقراء أو عدمها ضمن ولو تلفت من دون ذلك لم يضمن.
ولو تعلّق به الوجوب ولم يمكنه التأدية فمات، وجب على الوليّ إخراجها، فإن تلفت فلا ضمان، بل يسقط من النصاب بحسابه.
ولا يضمّ العفو إلى النصاب بحسابه، ولا يسقط من الفريضة بسببه شيء على الأقوى وعلى الأظهر.
ويحتمل أنّ كلّ ما بقي من المال بعد التلف يكون للفقراء على وجه تعلّقها بالذمّة، وكون العين رهناً عند الفقراء، أو على وجه أنّ إشاعتها كإشاعة الصاع في الصبرة إذا باعه صاعاً من صبرة، فإنّ ما بقي منها يكون للمشتري.
بحث :
لا تجب الزكاة إلا في تسعة أشياء: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذهب والفضّة والإبل والبقر والغنم؛ للإجماع محصّلاً ومنقولاً(1)، وللأخبار المتكاثرة الدالّة على ثبوتها في التسع، ونفيها عمّا سوى ذلك حتّى السلت والعلس:
ففي الصحيح في منادي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ : «ونادى فيهم بذلك في شهر رمضان، وعفا عمّا سوى ذلك»(2).
وفي آخَر: «وسنّها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ في تسعة أشياء، وعفا عمّا سواهنّ»(1).
وفي صحيحٍ آخَر : «وليس فيما أنبتت الأرض شيء إلّا في هذه الأربعة أشياء»(2).
وفي آخَر: «الزكاة على تسعة»(3)وعدّدها. إلى غير ذلك من الأخبار.
فظهر بذلك ضعف ما ذهب إليه ابن الجنيد من وجوبها في سائر الحبوب وفيما يدخله الكيل والوزن ممّا أنبتت الأرض عدا الخضر والقتّ والباذنجان والخيار وما شاكلها (4)استناداً لرواياتٍ دلّت على ذلك لا تصلح لمعارضة ما ذكرناه.
كما ورد: سألته عن الحرث ممّا يزكّى؟ فقال: «البُرّ والشعير والذرة والأرز والسلت والعدس، كلّ هذا ممّا يزكّى». وقال: «كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة» (5).
وفي آخَر: بعد عدّ البرّ والشعير والذرة والدخن والأرز والسلت والعدس والسمسم، قال: « كلّ هذا يزكّى وأشباهه»(6).
وفي آخَر: «جعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض إلّا ما كان من الخضر والبقول وكلّ شيء يفسد من يومه»(7)إلى غير ذلك من الأخبار.
وحملها على الاستحباب خير من اطّراحها في الباب، كما أفتى به جمهور الأصحاب.
ولا يمكن الأخذ بظاهرها؛ لمعارضتها بما هو أقوى منها عموماً وخصوصاً من الأخبار النافية للزكاة عن الأرز والذرة والحمّص والعدس وسائر الحبوب والفواكه غير هذه الأربعة أصناف وإن كثر(8).
وحملها بعض أصحابنا على التقية (9)لفتوى جمعٍ من العامّة بذلک (10)، ولا يبعد ذلك.
1) وسائل الشيعة 9 : 55 الباب من أبواب ما تجب فيه الزكاة.... ح 4.
2) المصدر : 63، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة .... ح 1.
3) المصدر : 54 الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.... ح 2.
4) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 70، المسألة 45.
5) وسائل الشيعة 9 : 62 الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.... ح 3.
6) المصدر ، ح 4.
7) المصدر : 63 ، ح 6.
8) المصدر : 62 - 64، ح 908
9) السبزواري في ذخيرة المعاد : 430
10) المجموع 5: 456؛ المغني المطبوع مع الشرح الكبير 2: 548.
ويمكن حملها على التقيّة مع استفادة الاستحباب منها، كما عليه فتوى الأصحاب. وضعفُ(1)مذهب مَنْ أدخل السلت في الشعير والعلس في الحنطة(2)لمخالفته كلام بعض أهل اللغة (3)وأهل العرف وكلام الأصحاب وأخبار الباب وإن وافق كلام بعض أهل اللغة (4).
وحكم ما تستحبّ فيه الزكاة حكم ما تجب من الشرائط والموانع والقدر المخرج وغير ذلك.
وتستحبّ الزكاة على الخيل الإناث - لمنقول الإجماع (5)وللأخبار(6)- إذا كانت سائمةً وحال عليها الحول.
والقدر على العتيق - وهو كريم الأصل، وفُسّر بما كان أبواه عربييّن(7)- ديناران، وعلى البرذون - وهو بخلافه - دينار كما ورد في الصحيح عن محمّد بن مسلم وزرارة (8). وأفتى به الأصحاب.
وتستحبّ أيضاً الزكاة في مال التجارة - وهو الذي يملك بعقد معاوضةٍ بنيّة الاكتساب - للإجماع والأخبار (9)وفتوى مشهور الأخيار.
وقيل بالوجوب(10)، ونُسب (11)لابني بابويه؛ تمسّكاً بظاهر الأخبار المثبتة للزكاة فيها؛ لتضمّنها ما ظاهره الوجوب:
كقوله علیه السلام : «كلّ ما عملت به فعليك فيه الزكاة إذا حال عليه الحول»(12).
وفي آخَر : «إن كان أمسكه ليلتمس الفضل على رأس المال فعليه الزكاة(13).
1) عطف على قوله : «فظهر بذلك ضعف...» في ص 58.
2) الشيخ الطوسي في المبسوط 1 : 217.
3) لسان العرب :2 45 - 46، س ل ت»، و 6: 146، «ع ل س».
4) لسان العرب :2 45 - 46، س ل ت»، و 6: 146، «ع ل س».
5) تذكرة الفقهاء 5 : 232، المسألة 159
6) وسائل الشيعة 9 : 77، الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة
7) فسّره العاملي في مدارك الأحكام 5 : 186
8) وسائل الشيعة 9: 77 الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة .... ح 1.
9) المصدر : 70، الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة....
10) كما في شرائع الإسلام 1 : 130
11) الناسب هو العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 67 ، المسألة 42؛ وراجع الفقيه 2 : 20؛ والمقنع : 168.
12) وسائل الشيعة 9 : 72 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ... . ح 8.
13) المصدر : 71، ح 4.
وفي آخَر: «وإن كان حبسه بعدما يجد رأس ماله فعليه الزكاة»(1).
وفي آخَر: «فإذا صار ذهباً أو فضّة فزكّه للسنة التي تتّجر فيها»(2).
وفي آخَر: «إذا حال الحول فليزكّها»(3)إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على الوجوب.
وهو ضعيفٌ؛ لعدم معارضة هذه الأخبار للأخبار المتكاثرة المتظافرة المنجبرة بالأصول والقواعد وفتوى المشهور والإجماعات المنقولة (4)الدالّة على عدم وجوب الزكاة في غير التسع، ولخصوص ما ورد من نفيها ها هنا في الأخبار المتكاثرة.
ومنها: ما ورد في نزاع أبي ذرّ وعثمان حيث قال أبو ذرّ : أما ما اتّجر به أو دِير وعُمل به فليس فيه زكاة، فخالفه في ذلك عثمان، فرجعا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ فقال: «القول ما قال أبو ذر» (5)إلى غير ذلك من الأخبار، فلتُحمل تلك الأخبار على الاستحباب؛ لئلًا تُطرح في الباب، أو تُحمل على الاستحباب والتقيّة، كما نُسب القول به إلى العامّة (6)، فيكون ظاهره للتقيّة، ويراد به الاستحباب أيضاً، ولا ممانعة بينهما، وحملها على التقيّة فقط بعيد عن فتوى الأصحاب بالاستحباب لهذه الأخبار.
وهي الأنعام الثلاثة، ولو تولّد حيوان منها ومن غيرها روعي فيه الاسم، وكذا لو تولّد منها بعضها مع بعضٍ أو من غيرها كذلك ولو كان من محلَّلٍ ومحرَّمٍ.
أمّا لو تولّد من محرَّمين ودخل تحت اسمٍ زكويّ، قام احتمال تحليله ووجوب الزكاة عليه، وتحريمه ونفي الزكاة عنه، وهو الأحوط.
وكذا لو لم يدخل تحت اسم حيوان مطلقاً.
ويعتبر في زكاة الحيوان شروط:
أحدها : النصاب
وهو في الإبل اثنا عشر نصاباً؛ للإجماع بقسميه (1)، وللأخبار (2)المتكاثرة الدالّة على ذلك، سواء كان ذكوراً أو إناثاً أو ملفّقةً منهما، وسواء كانت عرابيّةً أو بخاتيّةً أو ملفّقةً منهما.
الأوّل: خمس وفيها شاة، وليس فيما دونها شيء.
وثانيها عشر، وفيها شاتان.
وثالثها: خمسة عشر، وفيها ثلاث شياه.
ورابعها: عشرون، وفيها أربع شياه.
وخامسها: خمس وعشرون، وفيها خمس شياه.
وسادسها: ستّ وعشرون، وفيها بنت مخاض، وهي ما دخلت في الثانية.
وبنت المخاض معناه بنت ما من شأنها أن تكون ما خضاً - أي حاملاً - وإن لم تكن كذلك بالفعل.
وسابعها: ستّ وثلاثون، وفيها بنت لبون، أي ذات لبن ولو بالصلاحية، وهي ما دخلت فی السنة الثالثة.
وثامنها: ستّ وأربعون، وفيها حقّة، وهي ما دخلت في السنة الرابعة واستحقّت الحمل أو الفحل.
وتاسعها: إحدى وستّون، بزيادة خمسة عشر، وفيها جذعة، وهي ما دخلت في الخامسة، وهي ما تجذع مقدّم أسنانها، أي تسقطه.
وعاشرها: ستّ وسبعون بزيادة خمسة عشر أيضاً، وفيها بنتا لبون.
حادي عشرها: إحدى وتسعون بزيادة خمسة عشر أيضاً، وفيها حقّتان.
ثاني عشرها: مائة وإحدى وعشرون بزيادة ثلاثين وفيها في كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة.
وخالف بعض أصحابنا(1)في النصاب السادس فأسقطه وأثبت بنت مخاض في خمس وعشرين إلى الستّة والثلاثين وبعضٌ آخر (2)فبدّلوا النصاب العاشر بالإحدى والثمانين، ففيها ثنيّ، وبعضٌ آخر (3) فجعلوا النصاب الأخير مائةً وثلاثين، وفيها حقّة وبنتا لبون.
والكلّ ضعيف مخالف للأخبار المستفيضة المعتبرة والإجماعات (4)، المنقولة المتكثّرة، ليس له سند يعتمد عليه ولا دليل يعوّل عليه سوى ما ورد للأوّل في الصحيح المشتمل على أنّها إذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، وأنّه ليس فيها شيء حتّى تبلغ خمساً وثلاثين، فإذا بلغت ذلك ففيها بنت لبون، إلى أن تبلغ خمساً وأربعين ففيها حقّة، إلى أن تبلغ ستّين ففيها جذعة، إلى أن تبلغ خمساً وسبعين ففيها ابنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين ففيها حقّتان، إلى أن تبلغ مائة وإحدى وعشرين ففي كلّ أربعين بنت لبون وفي كلّ خمسين حقّة (5).
1) كابن أبي عقيل وابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 3 : 43 - 44، المسألة 13.
2) كالصدوق في الهداية : 172.
3) كالسيّد المرتضى في الانتصار : 215، المسألة 104.
4) منها : ما في المسائل الناصريّات : 277 - 278، المسألة 119؛ والسرائر 1 : 449.
5) وسائل الشيعة 9 : 111 - 112، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، ح 6.
وهو لا يقاوم ما قدّمناه، فإمّا أن يُحمل على التقيّة وإن اشتمل على ما أفتى به أصحابنا ولم يُفتِ به العامّة، أو يؤوّل على إرادة إذا بلغت خمساً وعشرين وزادت واحدة ففيها بنت مخاض، ويدلّ عليه لزوم التقدير في جميع الرواية كذلك؛ لعدم القائل بلزوم بنت اللبون في خمس وثلاثين، والحقّة في خمس وأربعين، وهكذا، ويشهد لذلك أنّها مرويّة في معاني الأخبار (1)بما يوافق المعتبرة المستفيضة الموافقة للمشهور، أو يؤوّل على إرادة القيمة من بنت المخاض للشياه الخمس.
وما ورد في الفقه الرضوي (2)للثاني، وما نقل الإجماع (3)عليه في الثالث.
وضعفهما عن المقاومة لا يحتاج إلى بيان ولا يفتقر إلى برهان.
فوائد:
الأُولى: لا يتفاوت في النصاب بين ملك القدر المذكور صحيحاً أو مكسّراً مشاعاً مع غيره، كأن يكون له عشرة أنصاف في عشرة أو خمسة عشر ثلث في خمسة عشر؛ لصدق أنّ له خمسةً من الإبل عرفاً.
وأمّا الفريضة فالأقرب أنّه لا يجزئ دفع الكسور فيها عن الصحاح، فلا يجزئ دفع نصفي بنت مخاضٍ عنها، ودفعها عن الكسور في النصاب لا يبعد جوازه وإن كان الأحوط تركه.
الثانية: يجزئ ابن اللبون عن ابنة المخاض - إذا لم توجد عند المالك - على أنّه فريضة، لا على أنّه قيمة، فلا عبرة بنقصان قيمته عنها أو زيادته؛ وفاقاً للمشهور، والإجماع المنقول (4)، والأخبار (5)المستفيضة.
وكذا إذا لم يوجدا معاً عند المالك فإنّه يتخيّر في شراء أيّهما كان على الأظهر أيضاً؛ لما قدّمناه، ولأنّه بشرائه له كان واجداً له فاقداً لها فيجزئ، وعليه فتوى المشهور وظاهر
الإجماع المنقول (1)، والأخبار المستفيضة الصحيحة مختصّة بالصورة الأولى؛ لقولهم علیهم السلام فيها : فإن لم تكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر (2)، فالاحتياط يقضي بشرائها دونه.
ولو وُجدا معاً، فلا يبعد الإجزاء لفتوى المشهور وظاهر الإجماع المنقول (3)، والأحوط خلافه.
فعلى ذلك فلو كانت عنده بنت لبون وابن لبون تخير بين دفع الثاني مع الجبران أو الأوّل من دونه.
ولو كان الدفع لا على وجه أنّه فريضة بل على أنّه قيمة، جاز دفع كلّ صنف إلى أن توفّى قيمة الفريضة.
الثالثة: مَنْ لم يكن مالكاً للفريضة أو كان مالكاً فباعها بعد الحول أو أتلفها فبقي خالٍ عنها - على إشكالٍ - وعنده سنٌّ أعلى منها أو أدنى، جاز له أن يدفع بالقيمة، وأن يشتري الفريضة نفسها، وأن يدفع الأعلى ويأخذ من العامل أو الفقير على الأظهر شاتين أو عشرين درهماً، أو يدفع الأدنى ويضيف إليه شاتين أو عشرين درهماً، وفاقاً للمشهور والإجماع المنقول (4)، وللخبر المعتبر بالانجبار بما عليه فتوى الأخيار، وفيه: «مَنْ بلغت عنده من إبل الصدقة الجذعة وليس عنده جذعة وعنده حقّة فإنّه يقبل منه الحقّة ويجعل معها شاتين أو عشرين درهماً، ومَنْ بلغت عنده الحقّة وليس عنده حقّة وعنده جذعة دفعها وأخذ من المصدّق شاتين أو عشرين درهماً» (5)، وذكر فيه باقي الفرائض من الحقّة وابنة اللبون وهي وابنة المخاض.
وفي الصحيح (6)ما يقضي بذلك أيضاً.
ومقتضاهما ومقتضى الفتوى والاقتصار على مورد اليقين : عدم إجزاء شاة وعشرة دراهم وإن أمكن القول به لتنقيح المناط، وعدم تسرية الحكم لغير الإبل من الأنعام، وعدم تسرية الحكم للأعلى بمرتبتين أو مراتب أو للأدنى كذلك، فلا يصحّ دفع حقّة عن بنت مخاض.
وأخذ أربع شياه أو أربعين درهماً، ولا دفع بنت مخاض عنها مع ضمّ ذلك، وهكذا؛ اقتصاراً على مورد اليقين في العبادة.
وأجاز الشيخ رحمه الله ذلك (1)، واستدلّ له العلّامة رحمه الله بأنّ بنت المخاض وأحد الأمرين مساوٍ شرعاً لابنة اللبون، وابنة اللبون وأحدهما مساوٍ للحقّة، ومساوي المساوي مساوٍ فتكون بنت المخاض مع أربع شياه أو أربعين درهماً مساوية للحقّة (2).
ولا يخفى ضعفه؛ لمنع المساواة من كلّ وجهٍ.
وكذا لا يصحّ دفع ما فوق الجذع كالثني - وهو ما دخل في السادسة - والرباع - وهو ما دخل في السابعة - عن الجذع، أو ما دونه من الفرائض مع أخذ الجبران وعدمه، زاد في القيمة عن الفريضة أو ساواها أو نقص عنها، وكذا ما دون ابنة المخاض؛ اقتصاراً على مورد اليقين.
نعم، الإخراج بالقيمة لا بأس به.
ولا يصحّ دفع بنت مخاض عن خمس شياه في الخمسة والعشرين مطلقاً إلّا بالقيمة السوقيّة.
وتجويز بعضهم (3)ذلك لإجزائه عن النصاب الأعلى فيجزئ عن الأدنى ضعيف. وكذا لا يصحّ دفعها عن شاة واحدة في خمس من الإبل؛ لخروجها عن مورد النصّ، والأولويّة ممنوعة.
ويحتمل قويّاً إجزاء الأعلى من الفريضة عنها مع المساواة في القيمة والزيادة على وجه الأصالة؛ لأنّ المفهوم من الأخبار ثبوت قدر قيمة شاة أو أكثر في الإبل على وجه الإشاعة. وكذا بنت المخاض وغيرها، فالمدفوع حينئذٍ يكون بدلاً عن ذلك القدر؛ لضرر الشركة، فلا يتفاوت بين ما جعله الفقهاء فريضة وغيره.
ولكنّ المفهوم منهم خلاف ذلك، وإيجاب نفس ما في الأخبار، وظاهرها وجوب شرائها إذا لم تكن عنده فكأنّهم فهموا الحكم الوضعي والتكليفي منها، إلّا أن يعدل إلى القيمة. ومعها تقلّ الثمرة؛ لعدم وجوب نيّة الأصالة والبدليّة.
واعلم أنّ ظاهر النصّ (1)والفتوى الاجتزاء بدفع الأعلى وأخذ الجبران وإن اقتضى إجزاءه مع مساواة المدفوع للمأخوذ أو نقصانه عنه.
ولكنّه مشكل جدّاً؛ لتأديته إلى إذهاب الزكاة وعدم عود نفع للفقراء، بل إدخال الضرر عليهم، على أنّ دخول مثل هذا الفرد في الإطلاق ممّا يبعد غاية البُعد، فالأقوى اشتراط الزيادة ولو في الجملة في الفريضة المدفوعة على المأخوذ من العامل.
ولا يشترط مساواة الزائد لقيمة الفريضة؛ لأنّ الظاهر أنّ المسألة ليست تعبّديّةً صرفة، فيجزئ المساوي للمدفوع وجبر الناقص لا من جهة القيمة، فتلاحظ فيها القِيَم، وتكون الرواية (2)كاشفةً عن القيمة، بل أمرٌ بين أمرين، فهو تعبّديّ يقتصر فيه على مورد النصّ، ولكن بحيث يصل منه نفع للفقراء في الجملة.
ولو دفع المالك الأدنى مع الجبران، تولّى النيّة وعلّقها بالمجموع.
ولو دفع الأعلى، فالظاهر تعلّق النيّة بمجموعه، لكن بشرط الجبران من المدفوع إليه، فتكون نيّة وشرطاً، لا نيّة بشرط.
والخيار في الدفع إلى المالك بين الأعلى والأدنى، وبين الشياه والعشرين درهماً، وبين قدر الشاة قدراً وقيمةً على إشكالّ.
ومنع بعضهم (3)مباشرة دفع الجبران لغير الإمام أو وكيله؛ لأنّها معاوضة أو شبه المعاوضة، وهو بعيد.
والأحوط فيما إذا كان الآخذ هو المالك: أن يتولّى الدفع المجتهد الجامع للشرائط، بل الأحوط الرجوع للمجتهد مطلقاً. وخيال أنّ المجتهد لا وظيفة له بذلك ضعيف جدّاً.
والظاهر أنّه يجب على الساعي قبول الأعلى ودفع الجبران كما يظهر من الرواية(4).
ولو خلا النصاب عن الفريضة الواجبة وجب شراؤها، ولا تجزئ واحدة من النصاب مطلقاً، خلافاً لما يظهر من الشهيد الله في البيان (5)، ووفاقاً لما يظهر من الأصحاب، ومن ظاهر الخطاب، إلّا أن تحتسب بالقيمة فلا بأس به، ومعها فتقلّ الثمرة حينئذٍ.
ويحتمل إجزاء الأعلى؛ بناءً على أنّ التحديد تحديد لأوّل سنّ الفرائض فيجزئ الأعلى.
ولكنّه بعيدٌ في الإبل والبقر وإن كان قريباً في فريضة الغنم.
الرابعة: قلنا: إذا تكثّرت الإبل كان في كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة. ونريد بذلك ثبوتهما على وجه التخيير مطلقاً، أو على وجه الاستيعاب والتوزيع مهما أمكن، وإلّا فالتخيير.
ولا يجوز إرادة ثبوتهما معاً على سبيل الاجتماع؛ لمخالفته الإجماع.
وقد يرجّح التخيير مطلقاً بالروايات الدالّة على أنّه إذا زادت على العشرين والمائة واحدة ففي كلّ خمسين حقّة، وفي كلّ أربعين بنت لبون (1)، وظاهرها التخيير في العدد الخاصّ، وهو لا ينطبق إلّا على الأربعين؛ لأنّه إذا استخرج منه الحقق بقيت إحدى وعشرين، وبالروايات الدالّة على العدّ بالخمسين فقط؛ لقوله علیه السلام في الصحيحين: «فإذا كثرت الإبل كان في كلّ خمسين حقّة» بعد ذكر المائة والإحدى والعشرين (2)، فلو لم يكن التقدير بالخمسين معتبراً لما اقتصر عليه في مقام البيان.
وقد يرجّح وجوب التوزيع على ما يحصل به الاستيعاب بالاحتياط، وبأنّه أعود للفقراء؛ لأنّه لا يبقَ عفو في النصاب حينئذٍ، وبأنّ الحقّتين تجبان فيما دون المائة والإحدى والعشرين، فلا فائدة في وجوبهما بها أيضاً، وبما جاء في نصاب البقر فتوىً ونصّاً.
وفي هذه ضعف؛ لمعارضة الاحتياط بظاهر الأخبار وفتوى الأخيار، ولمنع أعوديّة ذلك للفقراء، فلعلّ استخراج الحقق أعود وإن قلّ عددها عن بنات اللبون، ولمنع عدم الفائدة؛ لجواز كونها كالفائدة المشهورة في نصاب الغنم، أو كونها لجواز العدول منها إلى ثلاث بنات لبون على وجه الفريضة لا القيمة، والتخيير بينها ، ولمنع مساواة الإبل للبقر.
ومع ذلك فالاحتياط يقضي بالاستيعاب أو ما قاربه فيقضي في مائة وإحدى وعشرين بإخراج ثلاث بنات لبون، وبالمائة وخمسة وستّين - لأقلّيّة العفو - بأربع منها، وفي المائة والخمسين بالخمسين، وفي المائة والسبعين بهما فيخرج حقّة وثلاث بنات لبون، ويتخيّر
في المائتين بين خمس بنات لبون وبين أربع حقق، ويتخيّر في الأربعمائة بين أيّ واحدٍ منهما وبين كلّ منهما، فله إخراج عشر بنات لبون، وله إخراج ثمان حقق، وله إخراج خمس بنات لبون وأربع حقق.
ولا يجوز على كلا القولين في المائتين إخراج حقّتين وبنتي لبون ونصف؛ لخروج ذلك عن المنصوص.
الخامسة: الواحدة في المائة والإحدى والعشرين هل هي جزء من النصاب، فلو تلفت بعد الحول سقط من الفريضة بحسابها إذا لم يكن بتفريط أو إهمال، فيسقط من الفريضة جزء من مائة وإحدى وعشرين جزءاً، أو هي شرط للوجوب، فلا يسقط بتلفها شيء؟ وجهان.
ويؤيّد الجزئيّة تغيّر الواجب بها واعتبارها في العدد نصّاً وفتوىً.
ويؤيد الشرطيّة شهرة الفتوى به على ما نُسب (1)إليهم، ووجوب الفريضة في الأربعين والخمسين الخارجة عنهما الواحدة.
والظاهر الثاني؛ تمسّكاً بإطلاق الأخبار والاحتياط.
بحث: نصاب البقر ثلاثون أو أربعون، ففي كلّ ثلاثين تبيع حوليّ، وفي كلّ أربعين مسنّة، فالنصاب أحدهما لا بعينه.
والتبيع هو الذي تمّ له حول، وهو ما يتبع أُمّه بالرعي، أو ما يتبع قرنه أُذنه.
والمسنّة هي الثنيّة التي كملت لها سنتان ودخلت في الثالثة.
ويدلّ على أصل الحكم الإجماع بقسميه (2)والأخبار (3)المستفيضة النقل.
وظاهر النصّ والفتوى والإجماعات المحكيّة تحرّي ما طابق العدد، ففي الستّين تبيعان، وفي الثمانين مسنّتان، وفي السبعين مسنّة وحوليّ، ويتخيّر في المائة والعشرين؛ لحصول المطابقة بهما معاً.
وفي الرواية(1)ما يدلّ على اشتراط الحوليّة في التبيع وفي الإجماع المنقول (2)ما يدلّ على اشتراط إكمال سنتين والدخول في الثالثة في المسنّة.
وأفتى المشهور بإجزاء التبيعة عن التبيع، وعليه ظاهر الإجماع المنقول (3)، وتقضي به الأولويّة أيضاً، وربما دخلت تحت التبيع لغةٌ على نقل بعضهم عن بعضهم (4)، وتدلّ عليه رواية الفضلاء على ما في المعتبر (5)، دون نسختها المشهورة(6).
ولا يجزئ المسنّ عن المسنّة؛ للأصل، وفتوى الأصحاب.
وهل تجزئ المسنّة عن التبيع على وجه الفريضة؟ نقل بعضهم الإجماع على ذلك (7)، وكذا المسنّ عن التبيع، والأحوط خلافه إلّا بالقيمة.
ولا يجزئ التبيعتان ولا التبيعان عن المسنّة إلّا بالقيمة.
ولا يجزئ الأعلى عن الأدنى مع الجبران من المدفوع إليه، ولا الأدنى عن الأعلى مع الجبران من الدافع.
ويحتمل قويّاً إجزاء ما ساوى الفريضة بالقيمة إذا لم توجد عند المالك أصالةً؛ لعدم ثيوت وجوب شرائها، ولأنّ الواجب حينئذٍ قدر قيمتها مشاعاً ، فيدفع عنه ما يشاء، والأحوط خلافه.
وحكم جماعة من الأصحاب (8)بخروج البقر الوحشيّ عن صدق البقر عرفاً بحسب ظاهر الإطلاق ولا يبعد ذلك، وأمّا الجاموس فداخل في البقر نصّاً (9)وفتوىً.
بحث: نصاب الغنم أربعون وفيها شاة، وإحدى وعشرون ومائة وفيها شاتان، وواحدة
ومائتان وفيها ثلاث شياه، وواحدة وثلاثمائة وفيها أربع شياه، وأربعمائة وفيها في كلّ مائة شاة، إلى ما فوق، وفاقاً للمشهور والإجماع المنقول (1)والاحتياط والأخبار:
ففی صحیح الفضلاء: «في كلّ أربعين شاةً شاةٌ، وليس فيما دون الأربعين شيء، ثمّ ليس فيها شيء حتّى تبلغ عشرين ومائة فإذا بلغت عشرين ومائة ففيها مثل ذلك شاة واحدة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان، وليس فيها أكثر من شاتين حتّى تبلغ مائتين فإذا بلغت المائتين ففيها مثل ذلك، فإذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه، ثمّ ليس فيها أكثر من ذلك حتّى تبلغ ثلاثمائة فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه، فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتّى تبلغ أربعمائة فإذا تمّت أربعمائة كان على كلّ مائة شاة وسقط الأمر الأوّل، وليس على ما دون المائة بعد ذلك شيء».(2)
وخالف الصدوق في الأوّل فجعله أربعين وواحدة (3)للرضوي (4).
وهو ضعيف؛ لضعف ،سنده، وعدم مقاومته، ولندرة قوله.
وخالف المرتضى (5)وجماعة من القدماء (6) فأثبتوا في ثلاثمائة وواحدة ما هو في المائتين والواحدة من الثلاث شياه، إلّا أنّه في المائتين والواحدة يعتبر من حيثيّة كونه نصاباً تامّاً وفي الثلاثمائة والواحدة يعتبر من حيثيّة كونه نصاباً آخَر مستقلاً، وهو كونه في كلّ مائة حينئذٍ شاة، فعلى قولهم يسقط النصاب الخامس المتقدّم؛ استناداً لرواية محمّد بن قيس وفيها: «ففيها ثلاث شياه من الغنم إلى ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كلّ مائة شاة»(7).
وفي صحّتها مناقشة؛ لاشتراك محمّد بن قيس بين أربعةٍ(8)أحدهم ضعيف.
1) تذكرة الفقهاء 5 : 81 و 84، المسألة 52.
2) وسائل الشيعة 9 : 116، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
3) الفقيه 2 : 26 - 27، ذيل الحديث 1607: المقنع : 160؛ الهداية : 173 - 174.
4) الفقه المنسوب للإمام الرضا علیه السلام: 196.
5) جُمل العلم والعمل : 126.
6) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 238 ؛ وسلّار في المراسم : 131 ؛ وابن أبي عقيل على ما في مختلف الشيعة 3: 053 المسألة 20.
7) وسائل الشيعة 9 : 116 - 117، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام ، ح 2.
8) وهُم محمّد بن قيس الأسدي أبو عبد الله، ومحمّد بن قيس الأسدي، ومحمّد بن قيس البجلي، ومحمد بن قيس بن أحمد، راجع خلاصة الأقوال: 236 ، الرقم 805 و 252 ، الرقم 859 - 861
ولئن قلنا: إنّ الراوي عن الصادق علیه السلام غير مشتركٍ بين الضعيف وغيره وإنّما ذلك هو الراوي عن الباقر علیه السلام، نقول: إنّه مشترك بين الممدوح والموثّق، فتدور الرواية بين الصحيح والحسن، غاية ما في الباب أنّ رواية عاصم بن حميد عنه تفيد ظنّاً بكونه البجليّ الثقة.
وقد يناقش في حجيّة ذلك الظنّ، كما قد يناقش في عليّ بن إبراهيم في رواية الفضلاء (1)، إلّا أنّها أرجح وإن وافقت الأصل؛ لموافقتها للمشهور، وبُعدها عن العامّة وفتوى الفقهاء الأربعة (2). وموافقتها للاحتياط والإجماع المنقول (3)، فلا بدّ من حمل رواية محمّد بن قيس على التقيّة؛ لموافقتها فتوى الأئمّة الأربعة على ما نُقل(4)، أو على حمل «كثرت» في قوله علیه السلام : «فإذا كثرت الغنم ففي كلّ مائة شاة» على بلوغ الأربعمائة، ويكون حكم الثلاثمائة والواحدة فيها مهملاً.
ويؤيّده ترك ذكر الواحدة، وظهور «كثرت» بعد ذكر الثلاثمائة في الأربعمائة فما فوق، وإلّا فالكثرة حاصلة قبل ذلك قطعاً .
وطعن بعض الأصحاب (5)برواية الفضلاء باشتمالها على ما لا نقول به من وجوب الشاتين في العشرين والمائة من دون زيادة الواحدة على ما روي في التهذيب (6)، وأيّد رواية محمّد ابن قيس بصحيحة زرارة المرويّة في المنتهى (7)عن ابن بابويه (8)، المشتملة على ما في رواية محمّد بن قيس من حذف النصاب الخامس، وبمخالفتها للعامّة زمن الصدور.
والكلّ ضعيف؛ لرجحان رواية الكافي (9)الموافقة لما يقوله الأصحاب، المؤيَّدة برواية الاستبصار (10)المقدَّمة في الضبط على رواية التهذيب ؛ لكثرة ما فيها من الاضطراب، فلتُحمل .
1) راجع الهامش (2) من ص 70
2) بدائع الصنائع 2 : 28؛ المبسوط السرخسي 2 : 182؛ بداية المجتهد 1 : 262؛ حلية العلماء 3 : 52: العزيز في شرح الوجيز 2 : 473 : المجموع 5 : 417 - 418.
3) تذكرة الفقهاء 5 : 81، المسألة 52
4) نقله العاملي في مدارك الأحكام 5: 63.
5) المصدر.
6) تهذيب الأحكام 4 : 25، ح 58
7) منتهى المطلب 8 : 141
8) الفقيه 2 : 26 - 27، ذيل الحديث 1607.
9) الكافي 3 : 534 - 535، باب صدقة الغنم، ح 1.
10) الاستبصار 2 : 22 - 23، ح 61
على سهو قلم الشيخ رحمه الله، و لعدم ثبوت رواية زرارة كما بنى عليه الأساطين من أصحابنا حتّى نسبوا العلّامة رحمه الله للسهو في النقل، وأثبتوا أنّ الزيادة من كلام ابن بابويه بعد رواية زرارة، كما يشعر به أوّل الكلام وآخره (1)، ولعدم ثبوت مخالفتها للعامّة زمن الصدور مع تصريح الأصحاب بموافقتها لهم بقولٍ مطلق.
واعلم أنّ الفائدة في جعل ثلاثمائة وواحدة وأربعمائة نصابين مع اتّحادهما في الفريضة، وكذا جعل المائتين والواحدة وثلاثمائة وواحدة نصابين على القول الآخَر تظهر في الوجوب؛ لأنّ محلّه يكون في مجموع الأربعمائة في نصابها، وفي مجموع الثلاثمائة وواحدة فقط في نصابها، ويكون في الباقي عفواً، وفي الزمان أيضاً كما لو سقط من الأربعمائة واحدة بتلفٍ و شبهه سقط جزء من مائة جزء مائة جزء في نصابها، ولو سقط من فوق الثلاثمائة وواحدة إلى ما دون الخمسمائة بتلفٍ وشبهه واحدة لم يسقط جزء منها؛ لأنّها عفو، والعفو لا يسقط بتلفه شيء من الفريضة إذا لم تكن الأربعمائة نصاباً مستقلّاً، ولو تلفت شاة من ثلاثمائة وواحدة سقط من الفريضة جزء من خمسة وسبعين جزءاً من شاة وربع جزء إن كانت الواحدة جزءاً من النصاب، وإلّا سقط جزء من خمسة وسبعين جزءاً من شاة، فظهرت الفائدة في كثرة الفريضة للفقير في قلّة الغاية، وللمتصدّق بالعكس.
وأُورد على ذلك بأنّ العفو مشترك أيضاً مع النصاب المشترك مع الفريضة، فيسقط بسقوطه جزء بحسبه، ولا خصوصيّة للنصاب كما هي قواعد الشركة، وبأنّ الضمان متفرّع على الوجوب، فلا معنى لجعلهما فائدتين وبأنّ ما تلف من الأربعمائة - قلّ أو كثر - كيف يسقط معه شيء من الأربع شياه مع بقاء موجبها وهو الثلاثمائة وواحدة !؟
وفي الجميع نظر، وذلك لأنّ شركة الزكاة ليست على نحو الشركات الباقية، لأنّ المتيقّن منها إشاعة الفريضة في النصاب، لا فيه وفي العفو أيضاً، ويدلّ على ذلك جواز التصرّف فيما زاد على النصاب من دون ضمانٍ، بخلاف التصرّف بالنصاب، فإنّه لا يجوز إلّا مع الضمان، ولأنّ ترتّب ثمرةٍ على ثمرةٍ أُخرى لا ينافي جعلهما ثمرتين، ولأنّ بقاء النصاب الأدنى لا يثبت موجبه إلّا مع عدم الغاية بطروء نصابٍ آخر، والنصاب الآخَرها هنا متحقّق، فلا أثر له، ويسقط من التالف بنسبته حينئذٍ.
1) مدارك الأحكام 5 : 62: الحدائق الناضرة 12: 63.
وقد تُذكر ثمرات أُخَر، كجواز التصرّف فيما زاد على الثلاثمائة وواحدة من غير ضمانٍ بخلاف الأربعمائة، وكما لو كان بعضها مراضاً أو ضعافاً ، فإن كان منها ثلاثمائة وواحدة صحاحاً وإن لم تبلغ الأربعمائة وجب الإعطاء من الصحاح، وإن بلغ وزّع، وكما لو رجع الفقراء على الغاصب ونحوه فيما زاد على الثلاثمائة وواحدة وفيما كان في الأربعمائة، وكما لو نذر نوعاً أو حلف أن يؤدّي زكاة نصاب رابع أو خامس من الغنم.
وهل الواحدة في ثلاثمائة وواحدة شرط في الوجوب أو جزء من النصاب؟ وجهان، أظهرهما أنّه جزء من النصاب ها هنا.
الثاني من شرائط وجوب الزكاة في الأنعام
كونها سائمةً، فلا تجب في غيرها من المعلوفة؛ للإجماع بقسميه (1)، والأخبار:
ففي الصحيح: «إنّما الصدقات على السائمة الراعية» (2).
وفي آخر: «إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل».(3)
والمرج مرعى الدوابّ.
وفي آخَر في حكم الإبل والبقر والغنم السائمة: «وهي الراعية»(4).
وعموم الحكم وعدم القول بالفصل يقضيان بعدم الفرق بين جميع الأنعام، فلا يضرّ ورود بعض الأخبار في بعضها بالخصوص (5).
وهنا فوائد:
الأولى: هل يعتبر في السوم استمراره طول الحول تحقيقاً فتخلّ به حتّى اللحظة الواحدة، أو يعتبر استمراره في أغلب الحول فلا تخلّ به اللحظة ولا اليوم أو الأيّام، أو يعتبر عدم غلبة
العلف عليه، فيكفي التساوي بينهما في الحول، أو المرجع فيه إلى العرف فما صدق عليه الوصف جرى عليه الحكم، ولا يخلّ به ما لم يخلّ بصدق الاسم؟ وجوه، أقواها الأخير؛ لأنّ الحكم الدائر مدار الأسماء والأوصاف يدور مدارها بحسب الصدق العرفي وجوداً وعدماً.
ودعوى أنّ العرف غير منضبط فلا تدور مداره الأحكام الشرعيّة دعوى مخالفة لما عليه فتوى الأصحاب وعمل العلماء في جميع الأبواب.
ونعني بالرجوع إلى العرف في صدق الاسم هو صدقه طول الحول في طول الحول، فلا يخلّ بصدق اسم السوم طول الحول في طول الحول الرعي لحظةً أو لحظتين والساعة والساعتين، فهو من قبيل التحقيق في تقريبٍ.
ولا ينافي الصدق العرفي أيضاً قوله علیه السّلام : «المرسلة في مرجها عامها» (1)لأنّ الزمان اليسير لا يضرّ بصدق أنّها مرسلة في مرجها عامها.
نعم، اليوم واليومان ممّا يشكل أمره في العرف إذا كانا في السنة، ولا يبعد الإخلال بهما في العرف، فمن اعتبر الأغلب أو اكتفى باللحظة في زوال اسم السوم فقد خالف ظواهر الأخبار، و بَعُدَ عن مظانّ أهل العرف وما يقضي به الاعتبار، ومَنْ لم يعتدّ باليوم ولو في شهر وشهر ولو في سنة إذا كانت أيّامه متفرّقةً عليها فقد أفرط في تسوية الصدق العرفي للسوم في الحول، كما هو ظاهر.
فالحقّ ما قدّمنا من عدم إخلال اليسير وإخلال الكثير، والإشكال في اليوم واليومين واستقراب الإخلال بهما في البين.
ومع الشكّ في حصول السوم في الصدق؛ لاختلاف العرف أو في تحقّقه في الخارج لم تجب الزكاة؛ لأنّ الشكّ في الشرط شكّ في المشروط، إلّا مع استصحاب السوم فلا ينفع الشك حينئذٍ.
الثانية: العلف المانع من صدق اسم السوم شامل لما وقع من المالك اختياراً أو اضطراراً أو سهواً أو خوفاً على الدابّة، أو من غير المالك كذلك بإذن المالك أم لا، من مال المالك أو من ماله تبرّعاً أو من الدابة بنفسها.
1) تقدّم تخريجه في الهامش (3) من ص 73.
واستشكل الشهيد رحمه الله فيما لو علفها غير المالك من ماله؛ نظراً إلى المعنى المقصود والحكمة المقتضية لسقوط الزكاة معه، وهي المؤونة على المالك الموجبة للتخفيف، كما اقتضته في الغلات عند سقيها بالدوالي من غير المالك(1).
وهو بعيد؛ لمنع العلّة المستنبطة في الحكم، وإلّا لسقطت الزكاة عن السائمة إذا كان في السوم مؤونة على المالك، ولا أظنّ قائلاً به.
الثالثة: لا شكّ في كون تقديم العلف إليها ممّا يخرجها عن صدق اسم السوم عرفاً، وكذا لو وقعت هي عليه.
وأمّا لو رعت في أرض يملك المالك نماءها بشراءٍ أو نحوه أو يملكه غير المالك، فيحتمل بقاؤها على السوم؛ لأنّه الرعي لغةً وهذا منه، ولا يدور مدار عدم الغرامة ولا عدم المؤونة، ولا عدم الملك للمالك أو غيره.
ويحتمل خروجها عنه؛ لظهور السوم في الرعي بما لا يملكه المالك.
ويحتمل الفرق بين المكان المحصور وغيره.
ويحتمل الفرق بين كون النماء زرعاً تستنميه الناس وبين غيره.
وأقوى الاحتمالات الأخير.
ولو أكلت طعاماً معرضاً عنه في الأرض المباحة أو نوىً مطروحين فيها، فالأقوى أنّها سائمة.
أمّا لو استأجر أرضاً لإطلاق الحيوان فيها فتأكل من نمائها، أو صانع عليها ظالماً، أو أدّى بدلها دراهم مصانعة أو غيرها، فالأقوى في ذلك عدم خروجها عن السوم.
ولو أكلت غير المعتاد من عذرةٍ وشبهها، ففي كونها سائمةً إشكال.
الرابعة: صغار الأنعام الثلاثة لا تُحتسب في الحول قبل النتاج إجماعاً، كما أنّها تدخل في أُمّهات الأحوال إذا استغنت بالرعي قطعاً، إنّما الكلام في أنّها إذا نتجت ولم تستغنِ بالرعي، فهل يُحتسب الحول من حين نتاجها مطلقاً، أو من حين استغنائها مطلقاً، أو من حين نتاجها إن كان لبنها من سائمة وإلّا فمن حين استغنائها ؟ أقوال:
1) مسالك الأفهام 1 : 370.
للأول: إطلاق الأخبار الدالّة على احتساب الحول من حين النتاج:
كقوله علیه السّلام - في الصحيح : «ليس في صغار الإبل شيء حتّى يحول الحول عليها من يوم تنتج»(1).
وفي آخَر في الإبل والبقر والغنم: «فليس فيها شيء حتّى يحول عليه الحول من يوم ينتج (2).
وفي ثالثة: فليس فيها شيء حتّى يحول عليها الحول منذ يوم تنتج (3).
ويؤيدها فتوى المشهور والإجماع المنقول (4).
وللثاني : التمسّك بإطلاق أخبار اشتراط السوم (5)، وتقييد أخبار النتاج بها. وللثالث: الجمع بين الإطلاقين بحمل أخبار السوم على ما يشمل ما ارتضعت من سائمةٍ؛ لأنّها كالسائمة عرفاً، وحمل أخبار النتاج على ما ارتضعت من معلوفةٍ؛ لأنّها كالمعلوفة عرفاً، ولعدم دخولها في الأخبار الدالّة على احتساب حولها من حين النتاج؛ لانصراف اللفظ فيها لصغار الأنعام الزكويّة المتّصفة بالسوم دون المعلوفة، ولاستبعاد ثبوت الزكاة على الأولاد دون الأُمهات، ولظهور فتوى المشهور والإجماع المنقول على احتساب الحول من حين النتاج في خصوص ما ارتضع من سائمةٍ، فيبقى ما ارتضع من معلوفةٍ داخلاً تحت أخبار اشتراط السوم في الأنعام مطلقاً، فأقوى الأقوال ثالثها.
الثالث من شرائط الزكاة في الأنعام
أن لا تكون عوامل فيما لها قابليّة العمل كالابل والبقر للإجماع بقسميه (6)والأخبار (7)، فما ليس له قابليّة العمل وإن عمل لا يدخل تحت العوامل.
والظاهر أنّ العمل فيما لا يعتاد عمله لا يدخلها تحت اسم العوامل، وكذا العمل لحظةً أو لحظتين ما لم يكن زماناً معتدّاً به.
1) وسائل الشيعة 9 : 122 - 123، الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
2) راجع الهامش (4) من ص 73 .
3) وسائل الشيعة 9 : 123، الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام، ح 4.
4) راجع جواهر الكلام 15 : 92 - 93
5) راجع الهامش (1 - 4 ) من ص 73.
6) مدارك الأحكام 5: 79 رياض المسائل 5: 49
7) وسائل الشيعة 9 : 118 - 120 ، الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1، 2، 6.5.
ولو استُعيرت للعمل دخلت تحت العوامل.
ولو غصبها غاصب فعمل عليها، قوي إدخالها تحت العوامل والأحوط إخراج الزكاة منها.
وكذا لو عملت في محرَّمٍ، فالأظهر عدم وجوب الزكاة عليها، والأحوط إخراج الزكاة منها.
وما ورد في الموثّقين والضعيف من ثبوت الزكاة على العوامل (1)محمول على الاستحباب، أو على التقيّة، أو على غير ذلك.
الرابع من شرائط وجوب الزكاة في الأنعام
الحول؛ للإجماع بقسميه (2)، وللأخبار الدالّة على أنّ ما لم يحل الحول عند ربّه فلا شيء عليه(3).
والحول لغةً (4)وعرفاً هو اثنا عشر شهراً هلاليّة تامّة إن ملك النصاب في أوّلها، وأحد عشر هلاليّة وشهراً ملفقاً عدديّاً لا هلاليّة إن ملك في أثناء الشهر الهلالي وكان الكسر معتدّاً به، ولو كان يسيراً احتُمل إسقاطه، واحتُمل إتمامه بمثله أو بيومٍ تامّ وليلةٍ تامّة.
ويراد بالحول ها هنا وضعاً شرعيّاً أو مجازاً كذلك اثنا عشر هلالاً وإن لم يتمّ الثاني عشر، فيكتفى بأحد عشر شهراً هلاليّاً وهلال الثاني عشر ؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول (5)، وقوله علیه السّلام- في الصحيح : «إذا دخل الثاني عشر فقد حال عليها الحول ووجبت عليه فيها الزكاة»(6).
إنّما الكلام في أنّ هلال الثاني عشر عليها هل يستقرّ به الوجوب، ويعتبر اجتماع الشرائط المشروط استمرارها في طول الحول به فيتمّ به حينئذٍ الحول الأوّل ويكون بقيّة الثاني عشر مما بعد الهلال داخلاً في الحول الثاني، أو أنّ هلاله سببٌ لتعلّق الخطاب وصحّة الأداء على وجه التزلزل، فإن استمرّ الثاني عشر جامعاً لشرائط الحول والعين باقية إلى تمامه تبيّن تعلّق الوجوب واقعاً وظاهراً، وإلّا - بأن انخرم شرط من الشرائط في ضمن الثاني عشر - تبيّن
1) وسائل الشيعة 9 : 120 - 121، الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، ح 7 وذيله، و ح 8.
2) منتهى المطلب :8: 122 رياض المسائل 5: 43.
3) وسائل الشيعة 9 : 116، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1 و 121، الباب 8 من تلك الأبواب، ح 1.
4) الصحاح 4 : 1679، «ح و ل».
5) منتهى المطلب 8 : 124
6) وسائل الشيعة 9: 163 - 164، الباب 12 من أبواب زكاة الذهب والفضة، ح 2.
عدم الوجوب من أصله؛ لفقد شرطه المتأخّر، كحدوث الحيض في أثناء النهار للصائمة، وكذا الموت فى أثناء الصلاة والصيام، ويكون طريق تبيّنه على أحد وجهين: إمّا على وجه الانكشاف أو على وجه التأثير في رفع الوجوب المتقدّم؟ قولان:
قيل بالأوّل (1)استناداً للصحيح: «إذا دخل الثاني عشر فقد حال عليها الحول ووجبت عليه فيها الزكاة» (2)ومورده وإن كان الفرار من الزكاة لكنّه غير مخصوصٍ بحكمه اتّفاقاً، خلافاً لبعض المتأخّرين (3)حيث طعن في دلالته، ووهنه بديهي. ووجه الدلالة على كون الحول أحد عشر وجزءاً من الثاني عشر هو أنّ الفاء فيه للتعقيب بلا مهلة، فيصدق الحول بأوّل جزءٍ منه.
والمناقشة بعدم إفادة الفاء الجزائيّة التعقيب لا تفيد ؛ لكفاية اشتراط تحقّق الدخول في الثاني عشر لتحقّق حول الحول، ولأنّ «حال» فعل ماضٍ لا يصدق إلّا بتمام مبدئه، فإذا كان تمام الأحد عشر والدخول في الثاني عشر حولاً على وجه الحقيقة الشرعيّة أو المجاز الشرعيّ كان جميع ما دلّ على استمرار الشرائط في الحول واشتراطه في الوجوب مراداً به ذلك، ولأنّ وجوب الزكاة في الخبر (4)، بدخول الثاني عشر دليل على أنّه بدخوله يحول الحول؛ إذ من المعلوم أنّ الوجوب مشروط بحول الحول على المال متّصفاً بالشرائط، فيلزم منه كون دخول الثاني عشر حولاً، ولأنّ ظاهر الوجوب هو الوجوب التامّ المستقرّ، ولأنّ فتوى الأصحاب والإجماع المنقول (5)على تحقّق الوجوب بمجرّد دخول الثاني عشر ظاهر في انقضاء الحول به واحتساب ما بعد ذلك من الحول الثاني.
وعلى هذا القول فلا يجدي الفرار، ولا انخرام أحد الشرائط بعد هلال الثاني عشر، ويُحتسب باقيه من الحول الثاني، خلافاً للأردبيلي حيث ألحقه بالأوّل في الاحتساب فقط(6).
وقيل بالثاني (1)استناداً لإطلاق الأخبار (2)المشتملة على اشتراط الحول والعام والسنة التي هي حقيقة في الاثني عشر شهراً تامّة لاكسر فيها، فيكون الشرط تمامها، فتُحتسب جميع أيّام الشهر الثاني عشر من الحول الأوّل، وغاية ما يلزمنا من جهة ورود الرواية(3)المعوَّل عليها بين الأصحاب والمنقول الإجماع (4)على العمل بمضمونها الحكم بالوجوب بعد هلال الثاني عشر، وهو أعمّ من المستقرّ والمتزلزل، فليُحمل على المتزلزل؛ لمعارضته بما هو أقوى منه من إطلاقات الحول والعام وشبهها الواردة في الشرائط، وهي وإن اقتضت عدم الوجوب أصلاً؛ لأنّ المشروط عدم عند عدم شرطه، لكنّها تقيّد بعدم استقراره؛ جمعاً بينها وبين الصحيحة والإجماع المنقول وإطلاق فتوى المشهور والتجوّز بلفظ الوجوب في الرواية. وحمل الحول فيها - المحكوم به بدخول الثاني عشر - على المجاز أيضاً من باب المقاربة والمشارفة خيرٌ من حمل لفظ الحول وما شابهه في الأخبار المتكثّرة على المجاز الشرعي؛ لبُعده في لفظ الحول.
ودعوى ثبوت حقيقة شرعيّة للفظ الحول، فتُقدّم على غيرها من المعاني في الأخبار من المستبعد جدّاً في الأخبار وكلام الأصحاب؛ لأنّ ثبوت الحقيقة الشرعيّة على القول بها إنّما هو فيما ثبت كونه حقيقةً الآن ولم يُعلم حاله قبل ذلك، والحول ليس كذلك.
ومع البناء على التجوّز في لفظ الحول لا بدّ أن يقتصر فيه على ما دلّت عليه القرينة واستُفيد اللفظ على الوجه المقطوع به والمتيقّن منه وهو تعلّق الخطاب بدخوله، وأمّا استقراره واحتساب الباقي منه من الحول الثاني فلا يدلّ عليه اللفظ.
على أنّ الحكم باستقرار الوجوب بعد هلال الثاني عشر يستلزم إمّا ضيق وقت الوجوب إن جعلناه لحظة ومثلها، وهو بعيد، وإمّا أخذ كلّ حولٍ ممّا بعده بعد هلال الثاني عشر قدر زمان يُعتدّ به كنصف يومٍ أو شبهه، وهذا لا يقولون به، وإمّا جواز التأخير عن وقت الأداء اختياراً إلى وقت القضاء لصيرورتها بعد اللحظة قضاءً، وهذا لا يلتزمون به، وإمّا بقاء
الوجوب موسّعاً إلى تمام الشهر - كما يظهر من جماعةٍ منهم - واحتساب الحول من بعد تمامه من السنة الأُولى، وهذا خلاف ظاهر أقوالهم وفتاواهم سوى المحقّق الأردبيلي حيث التزم باستقرار الوجوب بدخول الثاني عشر، ومع ذلك احتسب باقيه من الحول الأوّل (1)، وكأنّه تمسّك بإطلاق أدلّة الحول في الاحتساب وبقولهم: فإذا تمّ الثاني عشر استأنف الحول، وبأنّ الظاهر أنّ وقت وجوب الفريضة لا يحتسب من غيرها.
ولكنّه ضعيف؛ لمخالفته لفتوى كلا الفريقين كذا أشار إلى ذلك بعض المتأخّرين(2).
وفيه نظر؛ لجواز كون الوجوب موسّعاً إلى تمام الثاني عشر ومع ذلك يحتسب من الحول الثاني، وجواز كونه فوريّاً واحتسابه كذلك وجواز توقيته باللحظة واحتسابها من الثاني عشر.
وبالجملة فما جاء به في الأخبار - من قوله علیه السّلام : «فإذا خرج زكّاه لعام واحد، وإن كان يدعه متعمّداً وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين» (3)وقوله علیه السّلام في المال الذي لا يقلب: «تلزمه الزكاة كلّ سنة»(4)، وقوله علیه السّلام : «في كلّ فرس في كلّ عام ديناران» (5)وقوله علیه السّلام : «الزكاة من سنةٍ إلى سنةٍ» (6)وقوله علیه السّلام : «فإذا دخل الشهر فانظر ما نصّ فزكّه، فإذا حال الحول من الشهر الذي زكّيت فيه فاستقبل بمثل ما صنعت» (7)- منها ما هو ظاهر في اعتبار تمام الاثني عشر، ومنها ما هو صريح في ذلك، وإخراجها عن معناها من غير داعٍ لا وجه له.
والحكم بحول الحول في الصحيح (8)لا يصرف هذه الإطلاقات عن معناها بعد عدم ثبوت حقيقة شرعيّة له بهذا المعنى بل ثبوت عدمها؛ لمجازيّته الآن فيه، فيقتصر فيه على مورده من لفظ الحول دون ما في معناه، وعلى إرادة المشارفة والمقاربة، أو على بيان المشابهة في تحقّق الوجوب.
1) مجمع الفائدة والبرهان 4 : 31 و 45.
2) لم نتحقّقه.
3) وسائل الشيعة :9 95 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة .... ح7
4) المصدر : 155، الباب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة، ح 4.
5) المصدر : 77، الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة... ، ح 1.
6) المصدر : 233، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 7
7) المصدر : 166 ، الباب 13 من أبواب زكاة الذهب والفضة، ح 2.
8) راجع الهامش (6) من ص 78
وكذا الحكم بوجوب الزكاة بدخول الثاني عشر لا يدلّ على إخراج تلك الإطلاقات عن حقائقها؛ لصحّة الجمع بينها بحمل الوجوب على تحقّقه في الجملة عند اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع، فيكون عدم الشرط فاسخاً للوجوب من حينه، فإذا دفع لم يستردّ، وإذا لم يدفع لم يجب الدفع، ويجوز الفرار حينئذٍ في أيّام الثاني عشر، أو فاسخاً له من أصله على سبيل الكشف، ويجوز الفرار أيضاً في الثاني عشر على الأقوى، إلّا أن يمنع من جهة الرواية (1)لظهورها في المنع منه بعد دخول الثاني عشر.
واشتراط الوجوب بالشرائط المتأخّرة أو المقارنة لا بأس به وإن جاءت الشرائط من أدلّة أُخَر، كما جاء وجوب الصلاة والصوم والحجّ في أوقاتها المخصوصة وجاءت شرائط صحّتها من أدلّة أُخَر، كعدم الحيض والجنون، والطهارة والستر.
وكذا الشرائط المتأخّرة التي لا يُعلم وقوعها، كبقاء الحياة والعقل وشبههما إلى تمام الفعل، فإنّه يحكم بوجوب الفعل ظاهراً، فإن تمّ الفعل جامعاً للشرائط تبيّن وجوبه واقعاً، وإلّا انكشف وجوبه ظاهراً وعدمه واقعاً، فإيجاب الفعل مطلقاً لا ينافي اشتراطه بشرائط أُخَر يرتفع الوجوب عند فقدها.
ولو سُلّمت المنافاة فهي من باب الإطلاق والتقييد، والمقيّد حاكم على المطلق، وأكثر الأحكام الفقهيّة بالنسبة إلى شرائطها كذلك؛ لأنّ الشرائط منها ما هو لنفس الوجوب واقعاً كالحيض وشبهه، ومنها ما هو شرط للخطاب به ظاهراً كانقضاء العادة مع انقطاع الدم وشبهه، ودخول الثاني عشر لا يتيقّن منه سوى أنّه موجب للخطاب به ظاهراً، فيكون من قبيل الواجب المتزلزل، فالقول الثاني لا يخلو من قوّةٍ، ومع هذا كلّه فالأوّل أحوط.
وها هنا مسائل :
الأولى: لو ولد النصاب نصاباً آخَر مستقلّاً سواء انضمّ إلى الأوّل أو لا، كان لكلٍّ من الأمّهات والأولاد حول مستقلّ؛ لعموم الأدلّة.
ولو ولد النصاب نصاباً آخَر لو استقلّ بنفسه ولو انضمّ كان عفواً كأن ولدت الأربعون
1) راجع الهامش (6) من ص 77 82 أنوار الفقاهة / ج 3
شاةً أربعين أُخرى، فالأقوى ثبوت شاة واحدة للأمّهات، وجعل الزائد عفواً؛ للأصل، وظهور الأخبار المثبتة في كلّ أربعين شاةً شاةً (1)للنصاب المبتدأ الذي لا يكون عفواً إذا انضمّ، ولعموم ما دلّ على أنّ الزائد عفو (2)، وللإجماع المنقول(3).
ولو ولد النصاب نصاباً آخَر لو استقلّ ولو انضمّ، عاد مع الأوّل نصاباً ثانياً، كأن ولدت إحدى وثمانون شاة إحدى وأربعين شاة.
ومثله ما لو ولد ما يكون به نصاباً ثانياً لو انضمّ إليه بعدما يخرج منه ما يجب في الأوّل ولكن لو استقلّ كان عفواً، كأن ولدت ثلاثون من البقر إحدى عشرة أو تسعون شاة اثنتين وثلاثين، فهل يجب إخراج الفريضة عند حول الحول على الأُمّهات منها وبعد إخراجها يستأنف حولاً للجميع، أو يخرجها عند حول الحول على الأُمّهات ثمّ يخرج فريضة النصاب الثاني عند حول الحول عليها من حين الولادة عليها وعلى الأُمّهات تماماً، أو يخرج ما يخصّ الزائد من الفريضة فقط، كأن يخرج تبيعاً عند حول الحول على ثلاثين وربع مسنّة عند حول الحول على إحدى عشرة قد تجدّدت معها، وهكذا في كلّ سنة، أو يخرج أوّلاً تبيعاً ثمّ ربع مسنّة ثم ثلاث أرباع مسنّة في الحول الآخَر، وهكذا في باقي الأحوال ثلاث أرباع مسنّة وربع مسنّة، أو أنّه يلغي ما مضى من حول الأُمّهات ويعتبر النصاب الثاني من حين الولادة ؟
وجوه، أوجهها: الأوّل؛ لوجوب إخراج زكاة الأُمّهات عند تمام حولها؛ لوجود المقتضي وانتفاء المانع، ومتى وجب إخراج زكاته منفرداً امتنع اعتباره منضمّاً إلى غيره في ذلك الحول؛ للأصل، وقوله علیه السّلام : «لا ثنى في صدقة» (4)وقول أبي جعفر علیه السّلام (5)في حسنة زرارة: «لا يزكّى ال المال من وجهين في عام واحد» (6)فلا زكاة على الزائد منفرداً بما يخصّه؛ لعدم دليلٍ عليه، ولا مجتمعاً؛ للزوم تكرار الزكاة فيه، وهو ممنوع. ولا معنى أيضاً لإلغاء الحول الأوّل وعدم الإخراج؛ لمخالفته لإطلاقات عمومات أدلّة الزكاة.
ويجري الحكم لجميع النصب المتعدّدة في الأنعام، ولا يجري في النقدين والغلّات بل يخرج منه مطلقاً.
ويجري حكم الولادة لكلّ ملكٍ متجدّدٍ زائدٍ على النصاب الأوّل.
الثانية: لو مَلَك خمساً من الإبل إلى ستّة أشهر فمَلَك أُخرى، كان لكلٍّ حول، وفي كلٍّ شاة. ولو مَلَك خمساً إلى ستّة أشهر فمَلَك إحدى وعشرين، فالأظهر أنّ لكلٍّ حولاً، فتجب شاة للنصاب الأوّل، وأربع للنصب الأربعة الباقية، ولا تضمّ للنصاب الأوّل؛ لنقصانها عن النصاب السادس الموجب لبنت المخاض قدر شاة من الخمسة الأوّل.
خلافاً للقواعد، فأوجب شاةٌ عند حول نصابها وأحد وعشرين جزءاً من ستّة وعشرين جزءاً من بنت مخاض عند حول الزيادة (1).
وهو عجيب، وكأنّه بناه على تعلّق الزكاة بالذمّة.
أما لو مَلَك خمساً من الإبل واثنتين وعشرين بعد ستّة أشهر، كان في الأوّل شاة عند تمام حولها، وفي المجموع بنت مخاض عند حول الزيادة تامّة أو ناقصة قدر ما زكّاه.
والأظهر وجوبها عند الحول على المجموع بعد إخراج الفريضة من النصاب الأوّل، فيكون الحول مستأنفاً بعد الحول الأوّل.
ولو مَلَك ثلاثين بقرة ثمّ بعد ستّة أشهر مَلَك عشراً ، كان في النصاب الأوّل تبيع عند حوله، ولا شيء عليه عند حول الزيادة؛ لنقصانها عن الأربعين، إلّا أن يحتسب الحول بعد إخراج الفريضة إلى الحول المقبل، فيجب عليه تبيع حينئذٍ، أو تكون الزيادة إحدى عشرة، فتجب عليه مسنّة تامّة أو ربع مسنّة.
وأوجب العلّامة رحمه الله له في القواعد ربع مسنّة بعد تمام حول العشر الزائدة، وثلاث أرباع مسنة إذا تمّ حولٌ آخَر على الثلاثين، وربع ، مسنّة إذا حال الحول عليها، وهكذا(2).
وهو عجيب؛ لأنّ هدم ثلاث أرباع المسنّة واحتساب الحول من حين الزيادة للأربعين مع نقصانها بالتبيع ممّا لا يلتزمه أحد.
ويمكن حمله على بعض الوجوه، كما قدّمنا، على أنّه قد يقال: إنّ الواجب مسنّة إلّا قيمة تبيع وبنت مخاض إلّا قدر ما أُخرج من الشياه، لا ربع مسنّة وجزء من كذا جزء من بنت مخاض.
الثالثة: لو مَلَك نصاباً واحداً فإن لم يخرج زكاته أو أخرجها من عينه، لم يكن عليه زكاة وإن مرّت عليه أحوال، وإن أخرجها من غيره وجبت زكاته لكلّ عام، فمن مَلَك سنّاً وعشرين من الإبل وحال عليها أحوال ولم يزكِّ، وجب عليه إخراج بنت مخاضٍ في الحول الأوّل، وفي الثاني خمس شياه؛ لنقصانها عن الستّة والعشرين في الحول الأوّل، وفي الثالث أربع؛ لنقصانها قيمة شاة عن الخمس والعشرين، وفي الرابع ثلاث، وهكذا.
الرابعة: لو أمهر امرأةً فحال الحول على مهرها فطلّقها قبل الدخول، استرجع النصف موفّراً عليه بعينه، وكان عليها إخراج الزكاة من غيره.
ولا يبعد أنّ لها إخراج الزكاة من عين المال، فتعطيه نصف الباقي، وتغرم له نصف المخرج؛ جمعاً بين الحقّين، وتقديماً لحقّ الفقراء؛ لسبق تعلّقه.
وللساعي - إذا أخذ الزوج النصف موفّراً وامتنعت المرأة من الدفع - الرجوع على العين: لتعلّق حقّ الفقراء به، وللزوج الرجوع إليها بقيمة ما دفع إليها.
ولو طلّقها قبل التمكّن من الأداء، احتُمل عدم وجوب الضمان عليها؛ تنزيلاً له منزلة التلف، واحتُمل الضمان؛ لرجوع العوض إليها وكذا لو رجع جميع المهر إليه بفسخٍ أو شبهه، فإنّ الحكم فيهما متّحد.
الخامسة: لا يجمع بين متفرّق في الملك في النصاب الواحد وإن ملكا على وجه الشركة أو اختلطا في مكانٍ واحد، ولا يفرّق بين مجتمعٍ في الملك وإن تباعد مكانهما إجماعاً منّا المقامين معاً.
نعم، لو اختلّ أحد الشروط في أثناء الحول بفعل المالك أو بغير فعله - كأن عاوض على النصاب بآخَر، أو صاغ الدراهم والدنانير حُليّاً، أو علف الدابّة زماناً، أو أخرج نفسه عن ربقة التكليف آناً - بطل الحول، واستأنف الحول جديداً، سواءٌ قصد غير الفرار أو لم يقصد شيئاً أو قصد الفرار على الأقوى، وسواء عارض المال بجنسه أو بغير جنسه،
وفاقاً لفتوى المشهور والإجماع المنقول (1)وعموم الأخبار بأنّ ما لم يحل الحول عليه عند ربّه فلا زكاة عليه(2).
وخصوص الصحيح فيما لم يكن ركازاً، قال: «إذا أردت ذلك فاسبكه فإنّه ليس في سبائك الذهب ونقار الفضّة شيء من الزكاة»(3).
والحسن: رجل فرّ بماله من الزكاة فاشترى به أرضاً أو داراً عليه فيه شيء؟ قال: «لا، ولو جعله حُليّاً أو نقرأ فلا شيء عليه فيه»(4).
والحسن أيضاً: فيمن كانت عنده مائتا درهم فقلت له: فإن أحدث فيها قبل الحول؟ قال: جاز ذلك له» قلت: إنّه فرّ بها من الزكاة؟ قال: «ما أدخله على نفسه أعظم ممّا منع من زكاتها»(5).
وهي ظاهرة في جواز الفرار وإسقاط الزكاة به وإن ظهر من بعضها كراهة ذلك. وظهر من روايات أُخَر ثبوت الزكاة على الفارّ:
كقوله علیه السّلام : عن الحُليّ فيه زكاة؟ قال: «لا، إلّا ما فرّ به من الزكاة»(6).
وفي آخَر : عمّن يجعل لأهله الحُليّ، قال: قلت: فإنّه فرّ به من الزكاة؟ قال: «إن كان فرّ به من الزكاة فعليه الزكاة»(7).
وموردهما وإن كان الحُليّ لكنّه لا قائل بالفصل.
ولكنّها محمولة على الاستحباب كما عليه طائفة من الأصحاب (8)، أو على التقيّة وإن اختلف العامّة في حكمه؛ لموافقته لفتوى غير أبي حنيفة والشافعي(9).
وخالف الشيخ فأوجب الزكاة فيما لو عاوضها بجنسها؛ لصدق الاسم طول الحول في.
1) رياض المسائل 5: 48
2) راجع الهامش (3) من ص 77
3) وسائل الشيعة 9 : 154 - 155 ، الباب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة، ح 2.
4) المصدر : 159، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 1.
5) المصدر : 163 - 164، الباب 12 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 2.
6) المصدر : 162 ، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 7.
7) المصدر. ح 6.
8) كما في رياض المسائل 5 : 75
9) كما في منتهى المطلب 8: 182.
أنّه مَلَك النصاب المعيّن (1)، والمرتضى رحمه الله فيما إذا قصد الفرار (2)استناداً للمتقدّم من الأخبار مع عدم القول بالفصل، وتبعه جماعة من الأخيار (3)، ونُسب (4)للمشهور، ونُقل عليه الإجماع (5).
ومع ذلك فهُما ضعيفان لا يقاوم دليلهما ما تقدّم لهم، وهُما معارضان بما هو أقوى منهما، والأحوط مع قصد الفرار إخراج الزكاة.
بحث: يجوز الإخراج بالقيمة في الغلّات والنقدين؛ للإجماع بقسميه (6)، والأخبار: ففي الصحيح: هل يجوز أن أُخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة والشعير وما يجب على الذهب دراهم بقيمة ما يسوى، أم لا يجوز؟ فأجاب: «أيّما تيسر يُخرج»(7).
وفي الصحيح الآخَر: عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير وعن الدنانير دراهم بالقيمة أيحلّ ذلك؟ قال: «لا بأس»(8).
ولا يتفاوت في القيمة بين النقدين وغيرهما؛ لإشعار قوله علیه السّلام : «أيّما تيسّر» بذلك، ولتنقيح المناط بل الأولويّة إذا كان غير النقدين أعود منهما، ولرواية قرب الإسناد: عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثياباً وطعاماً، وأرى أنّ ذلك خير لهم؟ فقال: لا بأس»(9).
والأحوط الاقتصار على النقدين؛ لانصراف لفظ القيمة - بالنصّ والفتوى إليهما، ولرواية سعيد بن عمر، المشتملة على النهي عن إعطاء غير الدراهم من السويق والدقيق والثياب والعنب والبطّيخ (10)وإن كان حملها على الاستحباب أولى.
1) راجع المبسوط 206:1.
2) الانتصار : 219، المسألة 108؛ جُمل العلم والعمل : 124.
3) منهم : الصدوق في المقنع : 163؛ والشيخ الطوسي في الخلاف 2: 77 المسألة 90 وابن زهرة في غنية النزوع 1: 118.
4) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 77.
5) الانتصار : : 219، المسألة 108.
6) تذكرة الفقهاء 5 : 196، المسألة 131.
7) وسائل الشيعة 9 : 167. الباب 14 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 1.
8) المصدر ، ح 2.
9) قرب الإسناد : 49، ح 159
10) وسائل الشيعة 9 : 168 الباب 14 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 3.
وعلى ما ذكرنا يكون إخراج القيمة والفريضة من الواجب التخييري، ولا يحتاج إلى نيّة الأصالة والبدليّة، ويكون ذكر الفرائض في لسان الفقهاء لكونها أفضل، وتُنزّل أخبار الفرائض في الأنعام على إرادة القدر أو الفريضة الخاصّة على الاستحباب.
وعلى اعتبار القيمة فتعتبر القيمة وقت الإخراج؛ لأنّه وقت الانتقال إليها، سواء انخفض السوق أم ارتفع.
هذا إذا لم يقوّمه (1)على نفسه، ولو قوّمها على نفسه وضمن القيمة وتصرّف بالعين أو لم يتصرّف، ضمن قدر ما قوّمه دون الزائد والناقص؛ لانتقال حقّ الفقراء للذمّة على قدر قيمة العين.
وقد يناقش في الانتقال مع عدم التصرّف بالعين أو مطلقاً، ولكنّ الأقوى ثبوته. والأقوى عدم الفرق بين كون القيمة عيناً أو منفعةً كسكني دار، ولا فرق بين المنفعة الثابتة في العين أو المستقرّة في الذمّة، كأن يملك على الفقير منفعةً فيحتسبها عليه.
ويجوز احتساب الدِّين من طرف الزكاة مطلقاً.
ومتولّي التقويم المالك إذا كان خبيراً أو ثقة غيره، والأحوط اعتبار العدلين.
وأمّا إخراج القيمة من الأنعام فالمشهور جوازه أيضاً، ونُسب للمتأخّرين (2)، ونُقل عليه الإجماع (3)متكرّراً.
والأخبار (4)المعتبرة في شرعيّة الزكاة وملاحظة العلّة فيها، وملاحظة أنّ الساعي مأمور ببيع الأنعام ممّن يريد، وملاحظة أنّ الغرض من الزكاة دفع حاجة الفقير وسدّ خلّته، وغالباً القيمة أعود للفقراء؛ لما في العين من التكلّف فيها من المؤن والنفقة، وملاحظة أنّ المالك منظور إليه بالإرفاق بالدفع حيث إنّ له التعيين وبيده التخيير، وملاحظة تنقيح المناط بين الأنعام وغيرها إن لم يكن إخراج القيمة في الأنعام أولى، وملاحظة جواز إخراج القيمة في الفطرة مع وجوب الأعيان وملاحظة جواز احتساب ما على الفقير من الدِّين، وملاحظة رواية(5)
1) كذا قوله : «لم يقوّمه». والظاهر «لم يقوّمها».
2) نسبه العاملي في مدارك الأحكام 5 : 91 إلى أكثر المتأخَرين.
3) الخلاف 2 : 50. المسألة 59
4) وسائل الشيعة 9 : 10 - 13، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ... . ح 4، 6، 7، و 131 - 132، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، ح 3 ، و 295 - 296 ، الباب 46 من أبواب المستحقين للزكاة، ح ،2 و 349 الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، ح 13.
5) تقدّم تخريجها في الهامش (9) من ص 86
قرب الإسناد كلّها أمارات على جواز دفع القيمة في الأنعام الثلاثة، فمن أنكر ذلك كالمفيد حيث منع إخراج القيمة إلّا مع فقد الأسنان المخصوصة عند المالك أو مطلقاً (1)، كان مردوداً بما ذكرناه.
بحث: الفريضة المخرجة في الزكاة من الغنم أقلّها الجذع من الضأن والثني من المعز؛ للخبر المنجبر بفتوى الأكثر(2)والإجماع المنقول (3)، والاحتياط.
قال : أتانا مصّدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ و قال : نُهينا أن نأخذ المراضع وأُمرنا أن نأخذ الجذعة والثنيّة (4).
وللمرسل في الغوالي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ أنّه أمر عامله أن يأخذ الجذع من الضأن والثني من المعز (5).
ولرواية إسحاق بن عمّار عن السخل متى تجب فيه الصدقة؟ قال: «إذا أجذع» (6)بحملها على الأخذ لا العدّ؛ لترك اشتراط الدخول في الثاني عشر فيه، وهو قرينة على ذلك.
ولتوقّف يقين البراءة على ذلك، ولانصراف إطلاق اللفظ من الشاة في النصّ والفتوى للجذع فما فوق.
وقيل: يكفي فيها إخراج ما يُسمّى شاة (7)، والقول به نادر وإن استحسنه بعض المتأخّرين (8)استناداً لإطلاق الروايات الآمرة بإخراج شاة (9)مطلقاً من دون تفصيلٍ.
وفيه: أنّ الإطلاق مقيّد بما عرفت، بل لا ينصرف إلّا لهذا الفرد عند الإطلاق، على أنّه لو كفى مسمّاه لاشتهر غاية الاشتهار، ولما خفي أمره.
1) المقنعة : 253
2) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف 2 : 24، المسألة 20 وابن زهرة في غنية النزوع 1 : 123؛ والمحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 512؛ وشرائع الإسلام 1 : 135؛ والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 5 : 107، المسألة 58.
3) الخلاف 2 : 24 المسألة 20؛ غنية النزوع 1: 123.
4) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 2 : 24 - 25، المسألة 20.
5) عوالى اللآلي 2 : 230، ج 10
6) وسائل الشيعة 9 : 123 ، الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام ، ح 3.
7) نسبه إلى القيل المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1 : 135.
8) راجع مجمع الفائدة والبرهان 4 : 77؛ وذخيرة المعاد : 436: ومدارك الأحكام 5 : 92 - 93؛ والحدائق الناضرة 12 : 66.
9) وسائل الشيعة 9 : 108، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام.
ويؤيّد ذلك المنع من أخذ الهرمة والمريضة(1)، فالصغيرة بطريق أولى.
وقد يستأنس له بجعل بنت المخاض أدنى فرائض الإبل، فيكون الجذع أدنى فرائض الغنم.
والجذع من الضأن كالبلوغ في الرجال.
قيل: إنّه ما كمل له سبعة أشهر (2)، ونُسب للمشهور (3)، ونُقل عليه الإجماع (4).
وقيل: ما له سنة كاملة (5)، ونُسب (6)للصحيح من مذهب أصحابنا.
وقيل: ما كمل له ستّة أشهر (7).
وقيل: ماكمل له تسعة (8).
وقيل: ما دخل في الثانية (9)، ونُسب (10)للمشهور.
والفرق بينه وبين القول الثاني يظهر بزمانٍ يسيرٍ لا يُعتدّ به.
وقيل: إذا كملت له ثمانية أشهر(11).
وقيل: الضأن إذا كان بين شابّين جذع لستّة أشهر إلى سبعة، وإذا كان بين هرمين جذع من الثمانية إلى عشرة(12).
والأقوى الأوّل، والأحوط الثاني.
1) وسائل الشيعة 9 : 125 ، الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام، ح 3.
2) ممن قال به العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 5 : 107، ذيل المسألة 57؛ والشهيد في الدروس الشرعية 1 : 235.
3) نسبه إلى المشهور الصيمري في غاية المرام 1 : 246.
4) مفتاح الكرامة 3 : 72 (كتاب الزكاة).
5) قاله ابن الأعرابي على ما في لسان العرب 44:8
6) لم نعثر على الناسب له وقد ذكر العاملي في مفتاح الكرامة 3 : 72 (كتاب الزكاة) ؛ والطباطبائي في رياض المسائل 50:5 عن الطريحي في مجمع البحرين 4 : 310 نسبته إلى الصحيح بين أصحابنا والنسبة فيه من كلام الدميري الشافعي في حياة الحيوان 1: 263.
7) كما في حياة الحيوان 1: 263.
8) لم نتحقّق القائل به.
9) قاله الجوهري في الصحاح :3: 1194؛ والفيروز آبادي في القاموس المحيط 3: 12؛ والفيومي في المصباح المنير: 94، «ج ذع».
10) الناسب هو الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1: 353 مفتاح 395
11) كما في حياة الحيوان 1: 263.
12) قاله ابن الأعرابي على ما في المصباح المنير : 94، «ج ذع».
والثني من المعز ما كملت له سنة، ونُسب (1)للمشهور، ونُقل عليه الإجماع (2).
وقيل: ما كملت له سنتان ودخل في الثالثة (3).
والأوّل أقوى، والثاني أحوط.
ومنع بعض المتأخّرين (4)من إجزاء ما له سبعة أشهر في فريضة الغنم، وكذا ما فوقها إلى السنة؛ لأنّ شركة الفقراء مع المالك في النصاب واشتراط الحول على النصاب جامعاً للشرائط يلزم منهما أن تكون الفريضة ممّا يحول عليها الحول أو أكثر، ولأنّه لو انحصر حقّ الفقراء في السبعة أشهر لا غير للزم على الفقير ردّ ما زاد على المالك أو استيها به منه، وهو خلاف الفتوى والنصّ من جواز القسمة بين المالك والعامل وصدع المال صدعين، بل لو جاز للمالك أن يعطي الجذع لم تكن للقسمة فائدة أصلاً، ومن البعيد عن ظواهر الأخبار وقوع المعاوضة بعد تقويم أهل الخبرة والرضى من الطرفين وأبعد منه وقوعها بين ما له سبعة أشهر وبين ما له سنة كاملة، ولأنّه لو تلفت شاة من الأربعين قسّط التالف عليها؛ بناءً على أنّ واحدة منها للفقراء، ولم يقسّطوه على ما له سبعة أشهر.
وحمل كلام الأصحاب على إرادة إخراج ما له سبعة أشهر على القيمة لا وجه له؛ لأنّ القيمة ليس لها خصوصيّة بنوعٍ خاصّ ولا عددٍ خاصّ.
وفي هذا كلّه نظر؛ وذلك لعدم المنافاة بين تعلّق الزكاة بالعين وبين كون الفريضة جذعاً سنّه سبعة أشهر؛ لأنّ المراد بالشركة شركة بجزءٍ في الأربعين قيمته جذع من سبعة أشهر إلى ما فوق. والخيار للمالك عند الصدع والقسمة في دفع السنّ من غير النصاب أو ما فوقه منه، وهو الأولى، فيجتمع حينئذٍ النصاب الحائل عليه الحول مع وجوب الفريضة بذلك القدر على وجه الشركة، ولا بأس به. أو يلتزم أنّ الفقير شريك في شاة من النصاب، لكنّ الشارع رخّص المالك في دفع ما له من السنّ سبعة أشهر بدلاً عنها وجعله مجزئاً، والخيار حينئذٍ للمالك عند القسمة بين دفع ما فوق من نفس النصاب وبين دفع ما له سبعة أشهر من غيره.
وبما ذكرنا يمكن أن يجيب مَن اجتزاً بمسمّى الشاة في فريضة الغنم ولو كانت صغيرةً إذا أورد عليه أنّ المال مشترك بعد حول الحول، فللفقير واحدة ممّا حال عليها الحول، فكيف يجزئ عنها الصغيرة مطلقاً!؟ ويتخلّص عن الإشكال بما قدّمناه.
ولو اجتمع النصاب من ضأن ومعز، أخذ بالنسبة من القيمة.
ويحتمل إجزاء ما يُسمّى شاةً.
ويحتمل التخيير بين إخراج واحدةٍ من الضأن أو واحدة من المعز.
والأقوى الأوّل.
والجذع من الضأن والثني من المعز مبدأ لحدّ أوّل سنّ الفريضة، بمعنى أنّه لا يجزئ أقلّ من ذلك، وليس لآخر سنّها حدّ على الأظهر، فيجزئ الكبير عن الجذع على أنّه فريضة، وهل يجزئ على أنّه قيمة شاتين لو كانت قيمته ذلك؟ لا يبعد ذلك ولكن على إشكالٍ.
بحث: يجوز دفع الأُنثى عن الذكر في الغنم وبالعكس؛ لإطلاق الأخبار (1)، وكلام الأصحاب، سواء كان النصاب كلّه ذكوراً أو كلّه إناثاً أو ملفّقاً منهما، إبلاً كان أو غنماً، اختلفت قيمة الذكر والأُنثى أو اتّحدت، في جميع النصاب أو في بعضه؛ لأنّ الأظهر أنّ شركة الزكاة ليست على نحو باقي الشركات، بل هي شركة بقدر شاة في جميع النصاب.
ويجب دفع شاة مطلقة عنها متوسّطة الحال بين الجودة والرداءة.
ولا تعتبر الأنوثيّة والذكوريّة وإن كان الأحوط اعتبارها عيناً أو قيمةً، سيّما عند الاختلاف في القيمة؛ لشبهة تعلّق الزكاة في العين.
بحث: لا تؤخذ الفريضة مريضة أو هرمة أو ذات عوار.
والهرمة: الكبيرة المسنّة عرفاً، وهي لا تكون في فرائض الإبل إلّا بالقيمة، فتقلّ ثمرة البحث فيها في الإبل.
1) وسائل الشيعة 9 : 116 - 117، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1 - 3.
وذات العوار: ذات العيب.
والدليل على ذلك الإجماع المنقول (1)مستفيضاً بل والمحصّل على الظاهر، والصحيح (2)وغيره (3)الواردان في الأخيرين، ولا قائل بالفرق بينهما وبين الأوّل، أو لدخول الأوّل في الأخير، ولقوله تعالى: «وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ»(4).
ولا يتفاوت الحال بين انحصار السنّ الواجب فيها وبين عدمه، بل يجب عليه شراء غيرها أو دفع القيمة.
نعم، لو كان النصاب كلّه متّصفاً بذلك لم يكلّف شراء صحيح أو فتيّ أو سليم؛ لظاهر الإجماع المنقول (5)وفتوى المشهور.
ولو اختلط النصاب مريضاً بصحيحٍ، احتُمل وجوب دفع الصحيح مطلقاً؛ لإطلاق الأخبار(6). واحتُمل دفع القيمة أو صحيحاً بالنسبة؛ قضاءً لقواعد الشركة، كما إذا كان عنده أربعون شاةً نصفها صحيح ونصفها مريض، وقيمة الصحيح عشرون والمعيب عشرة، أخرج خمسة عشر بالقيمة أو صحيحاً قيمته كذلك.
ولو أخرج صحيحاً قيمته ربع عشر الأربعين كفى في التقسيط وكان أسهل، ونُقل عليه الإجماع (7).
ولو كانت المريضة بقيمة الصحيحة أو أعلى، وكذا ما بعدها، فالأقوى عدم جواز دفعها؛ لإطلاق الأخبار (8).
نعم، ورد في الأخبار: «إلّا أن يشاء المصدّق»(9)وظاهرها أنّه مع رضاه يجوز له أخذ الهرمة وذات العوار.
1) منتهى المطلب :8 : 114؛ الحدائق الناضرة 12 : 65.
2) وسائل الشيعة 9 : 125، الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام ، ح 3.
3) تهذيب الأحكام 4 : 25، ح 59؛ الاستبصار 2 : 23، ح 62.
4) البقرة (2): 267 .
5) منتهى المطلب 8 : 115
6) وسائل الشيعة 9 : 108 و 116 الباب 2 و 6 من أبواب زكاة الأنعام.
7) لم نتحقّقه.
8) راجع الهامش (6)
9) راجع الهامش (2).
وفيه بُعد؛ لأنّ إساءة المصدّق لا ترفع ضرر الفقراء والنقص عليهم، والأخذ به تعبّداً خلاف ظاهر الفتوى، فلا بدّ من حملها على ما إذا كانت المريضة أعود للفقراء، أو شاءها لنفسه، أو أخذها بالقيمة ليبيعها بالفعل.
ولو كان عنده نصاب صحيح وعفو مريض اعتبر النصاب الصحيح، ولا يوزّع على العفو شيء.
بحث: لا تؤخذ الرُّبّى من الغنم - بتشديد الباء وضمّ الراء والظاهر الاتّفاق عليه، إلّا إذا كان النصاب كلّه رُباب، فلا يكلّف غيرها؛ للإجماع المنقول (1)بل له أن يدفع منها، وله أن يدفع بالقيمة.
وهل المنع تعبّدي؛ لإطلاق النصّ (2)والفتوى، أو للزوم الإضرار بولدها، أو لمراعاة حال المالك، فإذا رضى المالك جاز، أو لمراعاة حال الفقراء؛ لأنّها مريضة كالنفساء، فإذا وجد المصدّق مصلحة جاز؟ وجوه أقواها الوسط، وأحوطها الأوّل.
والربّى هي ما ربّت اثنين، كما في الصحيح (3)، ولكنّه لا قائل به، أو هي ما ربّت في البيت لأجل اللبن كما فسّره بعضهم (4)، وهو لا قائل به أيضاً ممن يُعتدّ به، أو ما قرب عهدها بالولادة عرفاً، أو كان بينها وبين الولادة خمسة عشر يوماً أو عشر أو عشرون أو خمسون يوماً أو شهران.
والأقرب أنّها الوالدة عرفاً؛ للموثّق (5).
ولا تؤخذ الأكولة ولا الوالدة، وحكمها حكم النفساء في النساء. وتجري في المعز والضأن.
وخصّها بعضهم بالمعز(6)، وبعضهم بالضأن (7).
ويجوز أخذها عند امتناع المالك مقاصّة.
وهل يجوز دفعها قيمةً على احتمال أنّ المنع تعبّدي؟ لا يبعد ذلك.
والأحوط التجنّب عن جميع ما فُسّرت به الربّى من باب المقدّمة؛ لمكان النهي والاشتباه في المحصور.
1) رياض المسائل 54:5
2) وسائل الشيعة 9 : 124، الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
3) وسائل الشيعة 9 : 124، الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
4) كما في مجمع البحرين 2 : 65، «ر ب ب».
5) وسائل الشيعة 9 : 125، الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام، ح 2.
6) كما في مجمع البحرين 2 : 65، «ر ب ب».
7) كما في مجمع البحرين 2 : 65، «ر ب ب».
بحث: لا يجوز أخذ الأكولة ولا فحل الضراب وثمرته في الغنم؛ للموثّق الدالّ على النهي عن أخذهما(1)، ولأنّهما من كرائم الأموال فيلزم الضرر على المالك بدفعهما.
وهل عدم الجواز تعبّديّ؛ لإطلاق النصّ (2)والفتوى، أو إرفاق بالمالك، فلو تطوّع وأخرج ذلك جاز؟ وجهان، أقواهما الثاني، ونُقل عليه الإجماع (3)، والأحوط الأوّل، سيّما إذا لم يكن فحل ضراب غيره، إلّا إذا أخرجهما على أنّهما قيمة فيقوى القول بالجواز.
وتظهر الثمرة على الوجه الأخير فيما إذا امتنع المالك فجبره الحاكم على الأخذ، ولم يكن منحصراً فيهما، فالأظهر حينئذٍ عدم جواز أخذ الساعي شيئاً منهما مطلقاً بدون إذنه.
والأحوط عدم أخذ الحامل، إلّا إذا كان النصاب كلّه حوامل؛ لأنّ النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ نهى أن يأخذ شافعاً (4)، أي حاملاً.
وهل يجب دفع الحامل - إذا كان النصاب كلّه حوامل - عينها أو قيمتها، ودفع القيمة على النسبة أو العين إذا كان النصاب بعضه حوامل وبعضه لا، أم لا يجب؟ وجهان، أقواهما الثاني، والأحوط الأوّل.
بحث: يقوى القول بعدم عدّ الأكولة وفحل الضراب من النصاب إذا لم يكن كلّه كذلك أو أغلبه كذلك، أو كان النصاب متساوياً فيهما؛ للصحيح الدالّ على أنّه ليس في الأكيلة ولا فحل الغنم صدقة (5)، الظاهر في نفيهما في العدّ لا في الأخذ كغيره من الأخبار النافية للصدقة عن كثير من الأشياء، ولرواية السرائر بعدم عدّ الفحل (6)، مع عدم القول بالفصل.
نعم، يختصّ الحكم بما إذا كان قليلاً في النصاب؛ اقتصاراً على المتيقّن في النصّ والفتوى، ولأنّه الغالب في الوجود، وبما إذا لم يرضَ المالك للإجماع المنقول (7)على عدّهما إذا رضي.
وذهب جمع من أصحابنا (1)- ونُسب (2)للأكثر - إلى وجوب عدّهما؛ لإطلاق النصّ والفتوى في ثبوت الزكاة في مطلق الغنم، وعدم صراحة الصحيح في نفي العدّ، فلعلّه يراد به نفي الأخذ بقرينة عدّ الربّى وشاة اللبن؛ لأنّ حمل النفي فيهما على نفي العدّ مخالف للإجماع المحصّل والمنقول (3)واستعمال النفي في الأمرين بالنسبة إلى الصنفين لا نرتضيه في استعمال الألفاظ، والأخذ ببعض الرواية دون بعض وإن كان جائزاً لكنّه يوهنها عند المعارضة، ورواية ابن إدريس ضعيفة بالإرسال فلا تصلح للاستدلال.
بحث: إذا اختلفت أفراد النصاب في الجودة والرداءة وعلوّ القيمة ودنوّها، فهل يجزئ المسمّى من الرديء والأدنى، أم يجب الإخراج على نسبة النصاب جودةً ورداءةً وعلوّاً ودنواً؟ وجهان، أقواهما الثاني؛ لقوله تعالى: «وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ»(4)ولأنّ الزكاة تتعلّق بالعين فتوجب الشركة، ومن موجباتها الأخذ بالنسبة، كما أنّ الفقير ليس له أن يأخذ الأعلى، ولقوله تعالى: «فَلَكُمْ رُؤُوسُ أمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ»(5).
وقيل بالأوّل(6)تمسّكاً بالإطلاق، واستناداً للأصل، ولكثرة الإرفاق بالمالك، ولرواية مصدّق أمير المؤمنين علیه السّلام حيث أمره بتخيير المالك بعد صدع المال صدعين (7).
وفي الجميع ضعف؛ لانصراف الإطلاق في المقام الخاصّ للمتوسّط من الأفراد المتعارفة، ولانقطاع الأصل بدليل الشركة، ولمعارضة إرفاق المالك بما دلّ على مراعاة حال الفقراء، ولأنّ الصدع والتقسيم وجعل الخيار للمالك لا يدلّ على جواز دفع الرديء عن الجيّد، فظهرت قوّة الأوّل، وعليه فلا يجوز دفع الرديء عن الجيّد إذا كان النصاب كلّه جيّداً، ولا قيمة الرديء عنه في باب القيمة، ولا الذكر عن الأنثى إذا كان الذكر
1) منهم : ابن إدريس الحلّي في السرائر 1: 437؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3: 55، المسألة 22.
2) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 55.
3) مدارك الأحكام 5 : 107.
4) البقرة (2) : 267.
5) البقرة (2) : 279
6) قال به العاملي في مدارك الأحكام 5 : 96
7) وسائل الشيعة 9 : 129 - 130، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
رديئاً، لا من حيثية الذكورة والأنوثة، ولا المنخفض قيمةٌ بدل الأعلى أو المتوسّط عيناً أو قيمةً.
بحث: عند تساوي الأفراد فهل الخيار للمالك، أم لا بدّ من القرعة، أم للساعي الأخذ بغيرها وله أن ينازعه حتى يقترعا؟ وجوه، أوجهها الأوّل؛ لما يُفهم من الأخبار من جعل الخيار بيد المالك في دفع العين أو القيمة والدفع من نفس النصاب أو من غيره، ومن جواز النصاب والتصرّف فيه بنيّة ضمان الفريضة، ومن جعل الخيار إليه في رواية أمير المؤمنين علیه السلام (1)، ومن ظهور الأخبار بمراعاة حال المالك والإرفاق به، ولخلوّ الأخبار عن ذكر القرعة في مقام البيان، ولجريان السيرة القطعيّة على دفع المال للفقير من دون مشاحّةٍ وقرعةٍ، ولو شُرّعا لبانَ ذلك، ولاستحباب دفع الزكاة سرّاً، بل دفعها من دون أن يبيّن أنّها زكاة، وظاهرهما ينافي لزوم القرعة، ولأنّ لزوم القرعة في غير الأنعام بديهيّ البطلان، ففيها كذلك؛ لعدم الفرق الظاهر، سوى أنّهما من ذوات القِيَم المختلفة وتلك من المثليّات، وهو لا يصلح للفرق؛ ضرورة اختلاف المثليّات اختلافاً فاحشاً بحسب القيمة والرغبات كاختلاف القيميّات المؤدّي للنزاع بين الشركاء، فلو وجبت لوجبت هنالك أيضاً. ودعوى لزوم القرعة؛ لاشتراك المال، ولا يتميّز إلّا بمميّزٍ شرعيّ متيقّن، والقرعة مميّز متيقّن قطعاً، فبدونها لا يحصل التميّز ولا الملك، وغاية ما يحصل بالقسمة بدونها إباحة تصرّف كلٍّ من الشريكين بمال الآخَر، ولا يحصل تعيّن المشترك بالملك إلّا بالقرعة، ضعيفة الملاك جدّاً؛ لأنّ توقّف الملك في المشتركات على القرعة إنّما هو في الأملاك الخاصّة بين الملّاک المخصوصين، كما خصّها به الأصحاب فتوىً وروايةً، وأمّا الحقوق العامّة من خمس أو زكاة أو غيرهما فما دلّ على أنّ أمره بيد المالك حاكم على ذلك، ومخرجه عن شبهة التوقّف على القرعة إلى القطع بكون الأمر إلى المالك.
فعلى ما ذكرناه لو كان في النصاب ما تتفاوت القيمة أو الرغبات فيه، كان الخيار للمالك، يفعل فيه كيف يشاء ويعطي كيف يشاء، ولا يجب التقسيط عند اختلاف القِيَم المتعارفة عادة.
1) راجع الهامش (7) من ص 95.
نعم، يجب التقسيط إذا اختلفت اختلافاً فاحشاً من جهة عرضٍ، كالعيب والسلامة، أو من جهة تغاير الجنس، كالبقر والجاموس والإبل العربيّة والخراسانيّة، أو من جهة نفسها لزيادة حسنٍ في بعضها وزيادة قبحٍ في آخَر.
بحث: تتعلّق الزكاة بالعين على وجه (1)الاستحقاق لا على طريق الاستيثاق، فالفقير شريك في النصاب بقدر ما فرضه الله تعالى له مع المالك على وجه (2)الإشاعة، لا على وجه (3)حلول الكلّي في النصاب كبيع صاع من صبرةٍ، ولا على أنّه مستر هن ذلك القدر من مال المالك إلى حين الدفع منه، ولا على أنّه مستوثق منه كاستيثاق المجنيّ عليه للعبد الجاني في أرش الجناية، ولا تتعلّق بالذمّة، ولا تتعلّق بهما معاً، ولا تتعلّق في غير المجانس بالذمّة، ك «في خمس من الإبل شاة»(4)، وفي المجانس ،بالعين كالغلّات ونحوها، كما تخيّله بعضهم.
والدليل على تعلّقها بالعين دون الذمّة فتوى المشهور، والإجماعات المحكيّة (5)، والنصوص الواردة في النقدين، كقوله علیه السّلام: «في عشرين ديناراً نصف دينار، وفي كلّ أربعة دنانير [عُشر] دينار، وفي كلّ مائتي درهم خمس دراهم» (6)وفي الغلّات، كقوله علیه السّلام: «فيما سقت السماء العُشْر، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»(7)، وفي الأنعام، كقوله علیه السّلام: «في كلّ أربعين شاةً شاةٌ»(8)ونحو ذلك ممّا استُفيد منه الحكم الشرعيّ، وهو وجوب الزكاة، والوضعيّ، وهو دخول الفريضة في العين؛ لمكان «في» الظاهرة في الظرفيّة دون السببيّة؛ لأنّ استعمالها في السببيّة مجاز لا يصار إليه إلّا بدليلٍ كقولهم: «في العين الدية»(9)وقولهم: «دخلت النار في هرّةٍ»(10).
1) في «ق» : «جهة» بدل «وجه».
2) في «ق» : «جهة» بدل «وجه».
3) في «ق» : «جهة» بدل «وجه».
4) وسائل الشيعة 9 : 111 - 112، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، ح 6.
5) منها : ما في منتهى المطلب 8 : 244.
6) وسائل الشيعة 9 : 63 - 64، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة...، ج 9، و 139، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 6، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
7) المصدر : 62، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة... ، ح 2 ، و 176 - 177، الباب 1 من أبواب زكاة الغلات، ح 5، 6
8) المصدر : 116، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
9) المصدر 29 : 285، الباب 1 من أبواب ديات الأعضاء، ح 5، وفيه : «نصف الدية».
10) مستدرك الوسائل 8 : 303 ، الباب 44 من أبواب أحكام الدواب في السفر وغيره، ح 4.
ودعوى عدم إمكان الظرفيّة في مثل قولهم: «في خمس من الإبل شاة»(1)لا وجه لها؛ لعدم إرادة نفس الشاة، بل إرادة قدرها قيمةً مشاعاً فيها، وتكون الشاة بدلاً عنها، فتكون الظرفيّة ممكنةً حينئذٍ.
وتقديم التجوّز في الشاة دون التجوّز ب- «في» ها هنا إنّما كان لمكان عدم القول بالفصل، ولقوّة قرينته على قرينة التجوّز ب- «في» كما يظهر ممّا تقدّم وما يأتي إن شاء الله تعالى.
ويدلّ عليه أيضاً قوله علیه السّلام : «إنّ الله شرّك بين الأغنياء والفقراء»(2)وقوله علیه السّلام : «إنّ الله جعل في أموال الأغنياء للفقراء ما يكتفون به»(3)والأخبار الواردة في آداب المصدّق وصدع المال بينه وبين المالك(4).
ويدلّ على ذلك أنّها لو تعلّقت بالذمّة لتكرّرت في النصاب الواحد إذا حالت عليه أحوال متعدّدة ولم تقدّم على الدَّين إذا قصرت الشركة مع بقاء عين النصاب ولم تسقط بتلف النصاب من غير تفريطٍ ولم يجز للساعي تتبّع العين لو باعها المالك، واللوازم باطلة اتّفاقاً منهم منقولاً (5)بل ومحصّلاً، فالملزوم مثله.
وما استند إليه أهل الذمّة من عدم جواز إلزام المالك بالأداء من العين، بل له الإخراج بالقيمة ومن عين أُخرى، وعدم منعه من التصرّف بالنصاب قبل الإخراج مع الضمان، ومن قياسها على زكاة الفطرة، ضعيف؛ لأنّ الأوّلين تخفيف على المالك وإرفاق به، كما يرشد إليه خبر أمير المؤمنين علیه السّلام (6)وسماع دعوى الإخراج من المالك وتصديقه في الأحكام المتعلّقة بالزكاة نفياً وإثباتاً، والأخير قياس لا نقول به على أنّه لو كان التخلّف في خاصّيةٍ موجباً للمنع من التعلّق بالعين لكان منع التعلّق بالذمّة أولى؛ لكثرة التخلّف في خواصّه.
ويتفرّع على الأقوال أنّه لو باع - بعد تعلّق الوجوب - النصاب نفذ في قدر نصيبه قولاً واحداً، وأمّا في قدر الفرض فبناءً على الشركة يبطل البيع فيه إلّا مع الضمان والاستمرار
عليه أو إجازة الحاكم فيكون الثمن للفقراء، ويتخيّر المشتري الجاهل؛ لتبعيض الصفقة عليه، فإن أخرج البائع القدر من غير النصاب بعد البيع احتُمل نفوذ البيع؛ لكونه كالإجازة من الساعي لولاية المالك، واحتُمل العدم، والأوّل أقوى.
وعلى القول بالذمّة يصحّ البيع قطعاً، فإن أدّى المالك لزم، وإلّا كان للساعي تتبّع العين، فينفسخ البيع من حينه لا من حينه لا من أصله حكماً شرعيّاً، ويتخيّر المشتري أيضاً، وعلى الرهن يبطل البيع، إلّا أن يتقدّم الضمان ويخرج من غيره، وعلى الجناية يكون البيع التزاماً من المالك بالزكاة، فإن أدّاها نفذ البيع، وإن امتنع تتبّع الساعي العين.
ولو تتبّع الساعي فأخرج البائع الزكاة، احتُمل لزوم البيع حينئذٍ من جهة المشتري، وهو الأقوى، واحتُمل عدمه؛ استصحاباً للخيار، ولاحتمال استحقاق المدفوع، فتعود مطالبة الساعي.
وهل يجب على القول بتعلّقها بالعين إخراج زكاة ما انتقل إلينا من الكفّار والمخالفين، أم لا؟ وجهان: من أصالة الوجوب واستصحاب الشركة، ومن جواز إقرارهم على مذهبهم والسيرة القاضية بالعدم، ولا يبعد أنّه الأقوى.
وفي تعلّق الزكاة بالعين في الزكاة المندوبة على وجه الشركة تأمّلٌ ونظرٌ، وكذا في نمائها سيّما مع عزمه على الدفع.
ويتفرّع على تعلّقها بالعين لزوم تقديمها على الدَّين، وعدم تكرّرها ببقاء ما ينطبق على النصاب أحوالاً، وعدم الضمان لو تلف المال أو بعضه من دون تفريطٍ، وجواز أن يبيت الإمام ليلته قبل إخراجها لو عملنا برواية «أنّ الإمام لا يبيت وفي ذمّته حقٌّ» (1)، وتقديمها على زكاة الفطرة عند التعارض واشتراكها مع الخمس في الإخراج عند التعارض، وعدم استثناء ما يستثنى للمديون في إخراجها، واتّباع الساعي العين أو عوضها مع التلف بتفريطٍ، وحرمة التصرّف بما تعلّقت به من دون ضمانٍ، وعدم تعلّق النذر وشبهه بقدرها لو نذر التصرّف بماله من دون ضمانٍ، واستحقاق السهم من الأرباح والنماء لو أجاز المجتهد نقل العين من المالك، وتبعيّة حصّة الفقراء لمال المالك لو أعرض عن بعض المتساقط من حبٍّ وشبهه، أو وهب بعض ما يعتاد هبته كقبضة سنبلٍ أو كفّ طعامٍ أو تمرٍ، والشركة فيما لم يعرض عنه من
1) الكافي 1 : 408 - 409، باب أن الأرض كلها للإمام علیه السّلام، ح 4: الفقيه 2 : 39، ح 1643.
بزر متخلّف أو تمر فصار نخلاً، وعدم جواز التصرّف بها على القول بالرهن، وعدم تعلّق أحكام المدنييّن بمن وجبت عليه لو نذر لهم ناذر أو وقف عليهم واقف، وعدم لزوم الإعطاء بحساب الأصل لو تبدّلت من دون تفريطٍ لمصلحة الحفظ ونحوه من دون ضمانٍ، ولزوم قيمة المثل لما تبدّلت إليه مع الإعواز لا الأصل، وإجراء حكم الوديعة عليها، فلا يسافر إلّا مع الضمان أو التأدية أو الوضع عند أمينٍ، وإعطاء المؤن المصروفة عليها بعد التعلّق، وجواز التأخير وعدم الضمان لو أبقاها من دون اختيارٍ، وتخصيص الفقراء دون الغرماء بها في مال المفلّس والميّت، وعدم دخولهم في التقسيط مع القصور، وعدم دخولها في الميراث والوصيّة، وعدم لزوم محذورٍ مع عدم إخراجها لو التزم بعدم شغل الذمّة، وعدم جواز أخذ الرهن على ما في الذمّة مع وجودها، وعدم جواز ضمان مَنْ طُلبت منه قبل ضمانه وطلب عوض النفقة والمصرف لو صرف عليها، ووجوب الحفظ لها كالوديعة، وعدم لزوم الحلف على مَنْ حلف معلّقاً على ملك أربعين شاة وليس عنده سواها، وجواز بيعها بحالٌّ ومؤجَّلٍ، بخلاف الدِّين، وجواز الصرف عليها لجواز التقابض بها دون الدِّين، وجواز المضاربة عليها باقية على حالها، وجواز دعوى الفقراء بها مع الغاصب، وجواز الصرف عليها من مال الفقراء، وجواز أخذ الأرش عن عيبها، وجواز أن يأخذ المالك من الساعي أُجرةً لو تأخّر عن القبض وبالعكس؛ لتفويت المنفعة على الفقراء، ولزوم الحنث لو قال: ليس عندي من مال الفقراء شيء، وعدمه لو قال: ليس في ذمّتي شيء.
وفي كلّ واحدٍ منهما ،نصابان، فللذهب نصاب أوّلي، وهو عشرون ديناراً أو عشرون مثقالاً شرعيّاً، وهُما سواء في الأخبار (1)وكلام الأصحاب؛ لأنّ الدينار في لسانهم مثقال، وفيه ربع العُشر نصف دينار عشر قراريط، ثمّ ليس فيه شيء حتّى يزيد أربعة، وهو النصاب الثانوي، وفيها ربع العُشر أيضاً قيراطان، وهكذا، وفاقاً للمشهور، بل كاد أن يكون إجماعاً، والإجماعات عليه متكثّرة النقل (2)، والأخبار المعتبرة به مستفيضة متكثّرة، بل قيل: إنّها تبلغ حدّ التواتر(3).
ومنها: الصحيح: «ليس على الذهب حتّى يبلغ عشرين مثقالاً ففيه نصف مثقال إلى أن يبلغ أربعة وعشرين ففيه نصف دينار وعُشر دينار، ثمّ على هذا الحساب متى زاد على عشرين أربعة أربعة، ففي كلّ أربعةٍ عُشر إلى أن يبلغ أربعين مثقالاً ففيه مثقال»(4).
والموثّق (5)وغيره: «إذا جازت الزكاة العشرين ديناراً ففي كلّ أربعة دنانير عُشر دينار»(6).
وخالف والد الصدوق في ذلك فجعل النصاب الأوّل أربعين مثقالاً وفيه مثقال، وليس
1) راجع وسائل الشيعة 9 : 138 - 142، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 3 - 8،6 - 12، 15.
2) الخلاف 2 : 83 - 84، المسألة 99؛ غنية النزوع 1 : 119 و 120؛ السرائر 1 : 447 تذكرة الفقهاء 5: 119 و 124، المسألتان 63 و 68.
3) قاله الطباطبائي في رياض المسائل 5: 68
4) الظاهر أن الصحيح المذكور من كلام الصدوق ذكره ذيل صحيحة ابن سنان في الفقيه 2 : 14، ذيل الحديث 1600؛ وجعله العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 57 - 58، المسألة 25 من تتمّة الصحيحة.
5) وسائل الشيعة ،9 : 138 ، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، مع 4.
6) المصدر : 139، ح 6.
فيما دون الأربعين شيء (1)استناداً للموثّق: «في الذهب في أربعين مثقالاً مثقال، وليس في أقلّ من أربعين مثقالاً شيء»(2).
وللصحيح: فيمن عنده تسعة وثلاثون ديناراً قال: «ولا في الدنانير حتّى تتمّ أربعين»(3).
والموثّق شاذّ نادر ضعيف المستند؛ لشذوذه ووحدته وقصور سنده، وعدم معارضته للأخبار المتكثّرة المعتضدة بالإجماع وعمومات أدلّة الزكاة وإطلاقاتها، خرج ما دون العشرين فيبقى الباقي، فلا بدّ من طرحه، أو حمله على التقيّة وإن لم يكن مذهباً لكلّ العامّة؛ إذ ليس الشرط في الحمل على مذهبهم اتّفاق جميعهم على الفتوى، أو حمله على تخصيص الشيء المنفي على الدينار (4)الكامل.
والصحيح وإن كان مرويّاً في التهذيب (5)كذلك لكنّه في الفقيه (6)مرويّ بدل تسعة وثلاثون تسعة عشر ديناراً في السؤال، وفي الجواب نفى الزكاة فيهما حتّى تتمّ.
وما في الفقيه أضبط وأرجح وأوفق بأخبارنا، فيكون الاعتماد عليها.
وللفضّة أيضاً نصاب أوّلي، وهو مائتا درهم، وليس فيما دونها شيء، وفيها ربع العُشر خمسة دراهم، ثمّ ليس بعدها شيء حتّى تزيد أربعين، ففيها كذلك درهم، وهو النصاب الثانوي، وليس ما بين الأربعين والأربعين شيء.
وكلّ ذلك يدلّ عليه الإجماع بقسميه (7)، بل كاد أن يكون ضروريّاً بين العلماء، والأخبار المستفيضة المتكثّرة :
كالصحيح: عن الذهب والفضّة ما أقلّ ما تكون فيه الزكاة؟ قال: «مائتا درهم وعدلها من الذهب».(8)
1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 57، المسألة 25
2) وسائل الشيعة 9 : 141 الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، ح 13.
3) المصدر، ح 14.
4) الظاهر «بالدينار» بدل «على الدينار».
5) تهذيب الأحكام 4 : 092 ح 267.
6) الفقيه 2 : 22، ح 1605.
7) منتهى المطلب 8 : 163 و 166.
8) وسائل الشيعة ،9 : 137 الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 1.
والموثّق: «وليس في مائتي درهم إلّا خمسة دراهم، فإذا بلغت أربعين ومائتي درهم ففيها ستّ دراهم، فإذا بلغت ثمانين ومائتين ففيها سبعة دراهم وما زاد فعلى هذا الحساب» (1)إلى غير ذلك.
والدرهم: ستّ دوانيق، كما عليه كافّة الأصحاب، وهو المعروف زمن الصدور، وصرّح به جماعة من أهل اللغة(2).
والدائق: وزن ثمان شعيرات من الشعير المتوسّط، كما نُسب(3)إلى كافّة الأصحاب أيضاً.
وقد كان الدرهم قبل زمن الصدور بغليّاً، وهو ثمانية دوانيق، وطبريّاً وهو أربعة، وجمعهما عبد الملك وصيّر الدرهم ستّ دوانيق، واستقرّت سكّة الإسلام عليه.
وعلى هذا فالدرهم نصف الدينار وخمسه، والدينار درهم وثلاثة أسباعه، فكلّ عشرة دراهم سبعة دنانير، والدينار ثلاثة أرباع المثقال الصيرفيّ، فالمثقال الصيرفيّ مثقال شرعيّ وثلث.
وقد ورد في الخبر: «أنّ الدرهم [وزن] ستّ دوانيق، والدانق [وزن] ستّ حبّات والحبّة وزن حبّتي شعير من أوسط الحبّ لا من صغاره ولا من كباره».(4)
وهو شاذّ لا عامل به ممّن يُعتدّ به، ومع ذلك ضعيف السند، فالرجوع في الموضوعات إلى أهل اللغة والعرف لازم.
وهنا مسائل:
الأولى: يشترط في زكاة النقدين النصاب كما تقدّم(5)، فلو علم بعدمه لم يجب قولاً واحداً.
ولو شكّ في بلوغ ماله النصاب، كان له عدم اختباره، ويتمسّك بأصل البراءة وأصل عدم بلوغه نصاباً، فلا يزكّيه إلى أن يعلم بلوغه ذلك. وربما ظهر من بعضهم(6)نقل الإجماع على ذلك.
1) وسائل الشيعة 9 : 145 ، الباب 2 من أبواب زكاة الذهب والفضة، ح 10 بتفاوت.
2) منهم : الجوهري في الصحاح 4 : 1609. «م ك ك»؛ والفيروزآبادي في القاموس المحيط 3 : 330، «م ك ه»؛ والفيّومي في المصباح المنير : 193، «در ه».
3) الناسب هو العاملي في مدارك الأحكام 5 : 114.
4) وسائل الشيعة 1 : 481 - 482 ، الباب 50 من أبواب الوضوء، ح 3، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
5) تقدّم في ص 101 و 102.
6) لم نتحقّقه.
وادّعى بعضهم وجوب الاختبار؛ لتعلّق وجوب الزكاة بالنصاب الواقعي، فيجب تحصيل العلم به من باب المقدّمة(1).
وهو ضعيف؛ لأنّ وجوب المقدّمة بعد وجوب ذيها ولم يثبت فلم يثبت وجوبها.
ولو علم أنّ له مالاً يبلغ النصاب وشكّ في قدره هل أنّه يتجاوز إلى النصاب الثاني أو الثالث، أم لا؟ وهل يزيد كثيراً أو قليلاً؟ فالأقوى أنّه كالأوّل، فيدفع ما يتيقّن معه شغل الذمّة، وينفى الزائد بالأصل.
ودعوى أنّه ها هنا مشغول الذمّة قطعاً، فيتوقّف على فراغها قطعاً، فيحب عليه الاختبار أو دفع ما يعلم فراغ ذمّته به، لا وجه لها للمنع من القطع بشغل الذمّة بغير المعلوم عنده من قدر النصاب، والزائد يكون مشكوكاً به كالشكّ في البلوغ نصاباً ابتداءً، فيجري فيه الأصل، كما يجري فيه.
نعم، الأحوط له الاختبار؛ لدليل الاحتياط، ولما ورد في بعض النصوص في الدراهم المغشوشة، قال: «إن كنت تعرف أنّ فيها من الفضّة الخالصة ما تجب عليك فيه الزكاة فزكّ ماكان لك فيها من الفضّة الخالصة، ودَعْ ما سوى ذلك من الخبث» قلت: وإن كنت لا أعلم ما فيها من الفضّة الخالصة إلّا أنّي أعلم أنّ فيها ما تجب فيه الزكاة؟ قال: «فاسبكهما حتّى تخلص الفضّة ويحترق الخبث، ثمّ تزكّي ما خلص من الفضّة لسنة واحدة»(2).
ولو علم أنّ عليه الزكوات لا يعلم قدرها، أعطى ما تيقّنه، وتمسّك في نفي الزائد بالأصل.
ولو علم أنّ عليه زكوات معلومة ولم يَدْرِ بتأديتها، أو أنّه أدّى بعضاً ولم يَدْرِ بقدره، وجب عليه ها هنا الاحتياط والدفع إلى أن يعلم بفراغ ذمّته.
الثانية: يشترط في زكاة النقدين الحول، فلو انخرم شرط من الشرائط فيه لم تجب ولو كان انخرام الشرط بالاختيار بقصد الفرار أو لا بقصد الفرار، سواء كان المفرّ إليه سبكه حُليّاً، أو غيره على صفة محلّلة كحُليّ الامرأة، أو محرّمة كحُليّ الرجل وأواني الذهب والفضّة على الأقوى في جميع ذلك؛ لعمومات الأدلّة ولخصوصاتها كما تقدّم، وإن كان الأحوط إخراج
الزكاة ممّا قصد الفرار فيه، سيّما لو كان التخلّص بسبكٍ أو بوضعه حُليّاً تخلصاً من شبهة خلاف المرتضى (1)والرواية(2).
الثالثة : يشترط في النصاب المشترط حول الحول عليه بلوغ النقد الواحد ذلك القدر، فلا يكفي بلوغ المجتمع من النقدين قدر نصابٍ، ولا قدر المجتمع من النقد والغشّ ذلك.
خلافاً للعلّامة في الأوّل.(3)
وهو ضعيف؛ لمخالفته لعمومات الأدلّة وخصوص الإجماع المحكيّ (4)، وفي الرواية المتقدّمة(5)ما يدلّ على عدم الاعتداد بالغشّ.
الرابعة: يشترط في وجوب الزكاة في النقدين كونهما مسكوكين بسكّة المعاملة بالفعل أغلب البلدان كتابةً أو غيرها؛ للأخبار (6)، والإجماع بقسميه (7)، ولانصراف الدراهم والدنانير بل والذهب والفضّة إلى ذلك، فلا زكاة في السبائك ولا في الحليّ ولا في تراب الذهب؛ للإجماع (8)والأخبار، وفيها الصحيح: «كلّ ما لم يكن ركازاً فليس عليك فيه شيء» قال: قلت: وما الركاز؟ قال: «الصامت المنقوش» ثمّ قال: «إذا أردت ذلك فاسبكه فإنّه ليس في سبائك الذهب ونقار الفضّة شيء من الزكاة»(9).
وفي الصحاح وغيرها: عن الحُليّ فيه زكاة؟ قال: «لا»(10)وزيد في بعضها: «ولو بلغ مائة ألف»(11).
وفي الخبرين: «ليس في التبر زكاة إنّما هي على الدنانير والدراهم»(12).
1) الانتصار : 219، المسألة 108
2) وسائل الشيعة 9 : 151، الباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 3، و 162 ، الباب 11 من تلك الأبواب، ح 7،6.
3) لم نعثر عليه في كتبه.
4) رياض المسائل 5 : 78
5) تقدّم تخريجها في الهامش (2) من ص 104.
6) وسائل الشيعة 9 : 154 ، الباب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضّة.
7) الانتصار : 214، المسألة 102؛ مدارك الأحكام 5 : 116
8) رياض المسائل 5 : 72
9) وسائل الشيعة 9 : 154 - 155، الباب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة، ح 2.
10) المصدر : 156 - 158، الباب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 3، 5، 8.
11) المصدر : 157، ح 4.
12) المصدر : 155 و 156 ، الباب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 3، 5.
نعم، قد يقع الإشكال فيما كان مسكوكاً بسكّة المعاملة القديمة وقد هجر التعامل فيها أو ما كان مسكوكاً للتعامل ولكن لم يتعامل بها بعد ولم تَدُر في أقطار المعاملة أو ما كان مسكوكاً بسكّة قرية صغيرة أو بين أفراد محصورين، أو ما كان مسكوكاً بسكّة غير السلطان في بعض البلدان، أو ما كان متعاملاً به لكنّه غير مسكوكٍ، أو ما كان مسكوكاً فتكسّر أنصافاً أو أرباعاً بحيث لا يتعامل به، أو ما كان مسكوكاً بسكّة المعاملة ولكنّها وضعت وضع الحُليّ.
والأظهر وجوب الزكاة في الأول والأخير إذا لم يكن جزءاً من الحُليّ بحيث صدق عليه اسمه، ولا يجب في البواقي.
والأحوط الإخراج في الجميع سيّما فيما سكّه السلطان للمعاملة ولم يتعامل به؛ لشمول بعض الأخبار (1)للجميع منطوقاً أو مفهوماً.
الخامسة : لا يمنع الدَّين من وجوب الزكاة في النقدين؛ لعموم الأخبار (2)، وفتوى الأخيار، وخصوص ما ورد أنّه يزكّي ما في يده وإن كان عليه من الدِّين مثله أو أكثر منه (3).
وبهذا ظهر ضعف توقف مَنْ(4)توقّف في ذلك؛ لما ورد عن أمير المؤمنين علیه السّلام أنّه «مَنْ كان له مال وعليه مال فليحسب ما له و [ما] عليه، فإن كان [ما له] فضل [على] مائتي درهم فليعطِ خمسة [دراهم]» (5)وهي لا تقاوم - لضعفها - ما تقدّم.
السادسة: إذا اختلف جوهر النقدين في الجودة والرداءة وعلوّ القيمة ودنوّها قدراً لا يتسامح به عادةً، كان بمقتضى قواعد الشركة وجوب إخراج الفريضة بالنسبة، فلو كان الجيّد ثلثاً والردي ثلثين أخرج الفريضة كذلك عيناً أو قيمة ذلك قيمةً، ولو دفع الأجود أو الأعلى عيناً أو قيمةً لزاد خيراً.
واحتمل جماعة (6)إجزاء الرديء عن الجيّد والأدنى قيمةً عن الأعلى؛ لحصول المسمّى في إيجاد المأمور به في الأخبار من الأمر بإخراج الدراهم والدنانير(7).
1) وسائل الشيعة 9 : 155 و 156 ، الباب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 03 5.
2) المصدر : 137، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضّة.
3) المصدر : 104 - 105، الباب 10 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة... ح 1.
4) كالشهيد في البيان : 309
5) مستدرك الوسائل 7 : 54 الباب 8 من أبواب مَنْ تجب عليه الزكاة.... ح 1، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
6) منهم : العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 5 : 128 - 129، الفرع «ي» من المسألة 69.
7) راجع الهامش (2)
وفيه: أنّ الفقير شريك بقدر الفريضة في مجموع النصاب، فالواجب التوزيع.
نعم، يجوز إخراج الأدنى بالقيمة عن الأعلى وعن المركّب منهما.
وهل يجوز إخراج الأعلى قيمةً عن الأدنى بالقيمة فيخرج ثلث دينار من الأعلى عوض دينار من الرديء، أم لا يجوز؟ لا يبعد القول بالجواز؛ لجواز الإخراج بالقيمة، والمفروض مساواة القيمتين.
وقد يمنع؛ لأنّ الواجب إخراج نصف دينار عن عشرين، فلا يجزئ الربع، وهو الأحوط. فظهر ممّا ذكر أنّه يكمّل الجيّد بالرديء، والصحيح بالمكسور، والعالي بالدنيء، والناعم بالخشن، فإذا بلغ الجميع نصاباً أخرج منه بالنسبة عيناً، وأخرج ما يريد قيمةً، رديئاً كان المخرج في القيمة أم جيّداً وإن كان الأحوط في الأخير تركه.
والمغشوش تجب فيه الزكاة قطعاً، ولا يخرجه الغشّ عن إطلاق اسم الدراهم والدنانير قطعاً، فإذا بلغ صافيه نصاباً - كما دلّت عليه الرواية فيما لو كان ثلث فضّةً وثلث مسّاً وثلث رصاصاً (1)- وجب إخراج الفريضة منه على نسبة الصافي، ولا عبرة بالغشّ.
ويجوز له إخراج الفريضة من الصافي وإخراجها من المغشوش على نسبة الصافي، وله احتساب الغشّ بالقيمة لو كان للغشّ قيمة.
السابعة: مَنْ خلّف نفقةً لعياله فغاب وحال عليها الحول، فإن كان متمكّناً من التصرّف فيها وجبت عليه فيها الزكاة؛ لعدم منع الغيبوبة للزكاة، وإلّا سقطت عنه.
وفي الموثّق (2)والمرسل (3) كالصحيح: عدم وجوب الزكاة على الغائب ما دام غائباً، وإن كان شاهداً فعليه الزكاة، وأفتى بمضمونهما جماعة (4)، وعلّل أيضاً بأنّها في معرض التلف، والقول بها قويّ.
ولكنّ الأقوى والأحوط تقديم ما دلّ على وجوب الزكاة مع التمكّن من التصرّف، وعدمه
1) وسائل الشيعة 9 : 153 الباب 7 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 1.
2) المصدر : 173 ، الباب 17 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، ح 3.
3) المصدر، ح 2.
4) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 258؛ والشيخ الطوسي في النهاية: 178؛ والمبسوط 1: 213؛ والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 1: 140؛ والمعتبر 2: 530؛ والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 5 : 31 - 32، المسألة :19؛ والشهيد في الدروس الشرعية 1: 230.
عند عدمه؛ لاعتضاده بالمرجّحات العديدة، وبعموم الأدلّة، فيجب حمل الروايتين على حالة عدم تمكّن الغائب من التصرّف في المال وإن كان بين الروايتين وبين ما دلّ على اشتراط التمكّن من التصرّف عموم من وجه؛ لأنّ الأقوى يقدَّم فيه أيضاً.
وليس فيها إلّا نصاب واحد فما فوقه قلّ أو كثر، وما دون النصاب عفو وهو إجماعيّ، ونصابها خمسة أوسق، وكلّ وسق ستّون صاعاً؛ للإجماع بقسميه(1)، والأخبار المستفيضة:
ففي الصحيح: «ليس فيما دون خمسة أوساق شيء، والوسق ستّون صاعاً»(2). والصحيح الآخَر: «ما أنبتت الأرض من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ما بلغ خمسة أوساق، والوسق ستّون صاعاً» (3)وغير ذلك من الأخبار(4).
والصاع ستّة أرطال بالمدني وتسعة بالعراقي؛ للرواية عن أبي الحسن علیه السّلام أنّه كتب إلَيَّ: «الصاع ستّة أرطال بالمدني وتسعة بالعراقي»(5).
وللصحيح عن أيّوب بن نوح أنّه كتب إلى أبي الحسن علیه السّلام : وقد بعثت لك العام عن كلّ رأس من عيالي بدرهم على قيمة تسعة أرطال بدرهم، فكتب إليه جواباً محصّله: التقرير على ذلك(6).
والمراد بها الأرطال العراقيّة بقرينة السائل؛ لكونه عراقيّاً، وبقرينة السؤال والسياق؛ لعدم القول بأنّ التسعة غير عراقيّة.
1) المسائل الناصريّات : 284 و 285، المسألة 123؛ الخلاف ،2 : 58 المسألة 69؛ غنية النزوع 1: 121.
2) وسائل الشيعة 9 : 177، الباب 1 من أبواب زكاة الغلّات، ح 6.
3) المصدر : 176 - 177، ح 5
4) راجع المصدر : 175 و 177 - 179، ج 1، 8، 11،9 - 13.
5) المصدر : 340 الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، ح 1.
6) المصدر : 346، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، ح 3.
وللصحيح أيضاً : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ يتوضأ بمُدِّ ويغتسل بصاع، والمُدّ رطل ونصف، والصاع ستّة أرطال»(1)يعني أرطال المدينة، فيكون تسعة أرطال بالعراقي.
والظاهر أنّ هذا من تتمة الرواية؛ لإلحاقها به في الرواية في نقل الشيخ لها عن كتاب الحسين بن سعيد(2)، ونقل العلّامة لها في التذكرة عن الباقر علیه السّلام كذلك (3)، وللإجماع المنقول(4)على ذلك، وظاهر الاتّفاق عليه، والمسألة من الموضوعات فيكفي فيها أقلّ من ذلك.
فما ورد ممّا يخالف ذلك في أصل النصاب من إيجاب الزكاة في القليل والكثير (5)- مع قصور سنده وندرته - محمول على التقيّة، أو مطّرح، أو مؤوّل بحمله على نفي النصاب بعد النصاب الأوّل، ومن كون النصاب وسقاً أو وسقين(6)أيضاً مطرح، أو محمول على التقيّة أو على الاستحباب، كما حمله الشيخ رحمه الله (7)، ولا بأس به؛ تسامحاً بأدلّة السنن، ومن كون ربع الصاع - الذي هو مُدٌّ بالإجماع والأخبار (8)- رطلاً وربعاً، فيكون الصاع خمسة أرطال، كما ورد في الموثّق (9)، وأفتى به البزنطي (10)أيضاً، ضعيف لا يقاوم ما تقدّم سنداً وعدداً ومشهوراً وإجماعاً منقولاً (11)والأصلّ القاضي بالبراءة من المشروط حتّى يثبت الشرط، والمفروض أنّ النصاب شرط والمتيقّن منه هو ما ذكرناه، وغيره مشكوك في حصوله به والشكّ في الشرط شكّ في المشروط.
والأشهر في الرطل العراقي أنّه مائة وثلاثون درهماً: أحد وتسعون مثقالاً، وهو الأظهر؛
1) وسائل الشيعة 1 : 481، الباب 50 من أبواب الوضوء، ح 1.
2) تهذيب الأحكام 1 : 136 - 137 . ح 379 .
3) تذكرة الفقهاء 5 : 144، ضمن المسألة 79
4) المسائل الناصريّات : 286 ، المسألة 123؛ الخلاف 2 : 58 ، المسألة 69؛ غنية النزوع 1: 121
5) وسائل الشيعة 9 : 181، الباب 3 من أبواب زكاة الغلّات، ح 2.
6) المصدر، ح 3، 4.
7) تهذيب الأحكام 4 : 18 ، ذيل الحديث 45 الاستبصار 2 : 18، ذيل الحديث 51
8) وسائل الشيعة 9 : 64 - 65 ، الباب 10 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.... ح 1؛ و 179، الباب 1 من أبواب زكاة الغلّات، ح 13، و 336، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، ح 12.
9) المصدر 1 : 482، الباب 50 من أبواب الوضوء، ح 4.
10) كما في المعتبر 2 : 533.
11) الخلاف 59:2، المسألة 70
للخبرين، في أحدهما: «الصاع ستّة أرطال بالمدني وتسعة بالعراقي» قال: وأخبرني أنّه يكون بالوزن ألفاً ومائة وسبعين وزنة(1).
والمراد بالوزنة الدرهم، كما في ثانيهما: «ستّة أرطال برطل المدينة، والرطل مائة وخمسة وتسعون درهماً تكون الفطرة ألفاً ومائة وسبعين درهماً»(2).
خلافاً للعلّامة رحمه الله في أنّ وزنه مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم(3).
ومستنده غير واضح، فالركون إليه لا معنى له.
ويقدّر الصاع بأربعة أمداد بالإجماع والأخبار (4)والمُدّ رطلان وربع بالعراقي ورطل ونصف بالمدني، كما دلّت عليه الأخبار المتقدّمة(5)لزوماً بيّناً، وكلمات الأصحاب.
ويعتبر النصاب بالوزن؛ لظاهر الأخبار(6).
وكذا لو اعتبر بالكيل ولم يعلم وزنه، فإنّ الأقرب أيضاً: وجوب الزكاة؛ لأصالة عدم التفاضل.
ولو علم نقصان وزنه، فالأقرب عدم وجوب الزكاة، والأحوط ذلك.
وهذا التقدير تحقيق في تقريبٍ، لرجوع المكائيل والموازين والشعيرات فيه إلى المتعارف في الوزن والقدر، فليس تحقيقاً في تحقيقٍ؛ للزوم المحال، ولا تقريباً في تقريبٍ كي يسهل أمره ويغتفر فيه القليل ويتسامح بالجزئي.
وهنا مسائل :
الأولى: وقت إخراج الفريضة بعد التصفية في الزرع، وبعد الاختراف والاقتطاف في التمر والزبيب من غير خلافٍ يُعتدّ به.
والمراد به: الوقت الذي لو أخّر عنه ضمن إذا كان التأخير من دون عذرٍ، أو الوقت الذي يجوز للساعي مطالبة المالك بالزكاة فيه؛ لأنّ ما قبله وقت للإخراج قطعاً، كما يرشد إليه
قوله علیه السّلام : «إذا خرصه أخرج زكاته» (1)وتجويز هم إخراج الواجب والتمر على رؤوس النخل، وجواز مقاسمة الساعي للمالك قبل الجذاذ، وغير ذلك.
وأمّا وقت مبدأ الوجوب والتعلّق الذي لو فرّط المالك بالمال قبله لم يضمن للفقراء شيئاً، ولو أدّى قبله لم يكن مؤدّياً شيئاً، فقد قيل: هو بلوغ الغلّة مبلغاً يصدق عليه اسم الحنطة والشعير والتمر والزبيب(2)لتعليق الحكم في الأخبار (3)وفتوى الأصحاب على هذه الأسماء، فيدور الحكم مدار صدق الاسم وجوداً وعدماً، ولا تصدق هذه الأسماء حقيقة - بحيث يعلم ذلك ويقطع به أصل البراءة - في التمر والزبيب إلّا إذا جفّت ثمرة النخل وانتقلت عن صدق اسم الرطب عليها، وجفّت ثمرة الكرم وانتقلت عن اسم العنب، كما نصّ عليه اللغويّون وشهد به العرف.
وقال في المصباح المنير : التمر ثمر النخل كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغات(4).
وفي الصحاح والمجمع وغيرهما (5)أيضاً ما يقضي بذلك.
وما يوهم خلافه من كلام صاحب القاموس (6)لا يعارض ما ذكرناه.
وفي الحبّ (7)إلا إذا اشتدّ وانعقد وجفٌ بحيث كان حبّاً متميّزاً متماسكاً جافّاً.
وقيل: هو بدوّ الصلاح، ففي الحبّ اشتداده وانعقاده - والفرق بينه وبين معناه الأوّل دقيق جدّاً لا يكاد يميّزه إلّا أوحديّ الناس في زمانٍ يسير - وفي التمر احمراره واصفراره، وفي العنب صيرورته حِصرماً (8).
وهذا القول منسوب للأكثر والأشهر(9)، والظاهر أنّ الشهرة عليه محصّلة.
1) وسائل الشيعة 9: 175 ، الباب 1 من أبواب زكاة الغلّات، ح 1.
2) قاله المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1 : 141؛ والمختصر النافع : 116؛ والمعتبر 2 : 534: وحكاه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 60 ، المسألة 28 عن ابن الجنيد.
3) وسائل الشيعة 9 : 176 - 179 ، الباب 1 من أبواب زكاة الغلات، ح 5، 8، 10، 12، 13.
4) المصباح المنير : 76، «ت م ر».
5) الصحاح 2 : 601 - 602؛ مجمع البحرين 3 : 233؛ المُغرِب : 40، «ت م ر».
6) القاموس المحيط 1 : 394، «ت م ر».
7) قوله : «وفي الحبّ» عطف على قوله : «في التمر والزبيب».
8) 8. قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 1 : 214؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 1: 453.
9) نسبه للأكثر العاملي في مدارك الأحكام 5 : 137؛ وللأشهر في الميسيّة على ما في مفتاح الكرامة 3: 43 (كتاب الزكاة).
ويظهر من المنتهى نقل الإجماع عليه حيث نفى الزكاة بإجماع العلماء عمّن ابتاع أو استوهب أو ورث بعد بدوّ الصلاح .(1)
وهو الأقوى؛ للشهرة والإجماع المتقدّمين (2)، ولعمومات وجوب الزكاة في المال، ووجوبها فيما سقت السماء أو أنبتت الأرض ممّا يكال ويوزن (3)، خرج ما قبل ذلك ويبقى الباقي.
ولأنّ الزكاة لو لم تجب إلّا بعد التمريّة والعنبيّة لاشتهر غاية الاشتهار؛ لتوفّر الدواعي لاشتهاره، كيف! وقد اشتهر خلافه فتوىً وعملاً وسيرةً مأخوذة يداً بيد في كثير من المقامات، ولما خفي على الناس وجه التخلّص من الزكاة قبل صدق التمريّة والعنبيّة بجعلهما دبساً أو نقلهما أو رهنهما، ولصدق الحنطة والشعير عند الانعقاد عرفاً، وكذا صدق التمر على البُشر عرفاً، فيلحق بهما العنب وإن لم يصدق عليه الزبيب؛ لعدم القول بالفصل، ولنصّ بعض أهل اللغة على تسمية البُشر تمراً (4)، والأصل في الاستعمال الحقيقة ولا قائل بالفصل بينه وبين العنب في الحكم.
ومنع الصدق العرفي أو تسليمه وجعله منصرفاً للفرد الظاهر منه وهو اليابس، لا نسلّمه؛ لصدق التمر اليوم على الرطب والبُسر، وكذلك لا نسلّم انصرافه للفرد الخاصّ دون غيره وإن كان الفرد الخاصّ أظهر وأشهر.
والمعارضة بأقوال اللغويّين النافين لصدق التمر على الرطب والبُسر لا تصلح لرفع ما عليه العرف؛ لأنّ العرف مقدّم على اللغة، ولا تصلح لرفع ما أثبته الآخَرون؛ لأنّ المثبت مقدّم على النافي، والوضع للقدر المشترك خير من الحقيقة والمجاز.
ويدلّ على هذا أيضاً الأخبار:
فمنها الصحيح: «ليس في النخل صدقة حتّى يبلغ خمسة أوساق، والعنب مثل ذلك
حتّى يكون خمسة أوساق زبيباً»(1)فإنّ عدوله عن التمر إلى النخل - الظاهر في جميع أفراده مجازاً ما عدا ما قبل البُسر - دليل على إرادة جميع الأفراد ما عدا ما قبل البُسر.
وكذا قوله: «والعنب مثل ذلك» يعني فيه الزكاة إذا قدّر بعد صيرورته زبيباً خمسة أوساق.
ولكنّه لا يخلو من إجمالٍ أوّلاً من جهة أنّ اشتراطه بذاك القدر عند عروض وصف الزبيبيّة يُفهم منه أنّ بلوغه ذلك قبلها حين وصفه بالعنبيّة لا يوجب الزكاة، وهو لا يخلو من إشكالٍ.
وثانياً : أنّ احتمال إرادة أنّ العنب عند صيرورته زبيباً تجب فيه الزكاة إذا بلغ خمسة أوساق قائم بل مساوٍ للأوّل؛ لأنّ إطلاق العنب على ما يؤول إليه مجاز شائع، ومع هذا الاحتمال يقوم الإجمال.
ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السّلام : «لا يكون في الحبّ ولا في النخل ولا في العنب طلا زكاة حتّى يبلغ وسقين، والوسق ستّون صاعاً»(2).
ويضعّفه اشتماله على ما لا نقول به.
ومنها: صحيحة سعد بن سعد، وفيها: فقلت: فهل على العنب زكاة أو إنّما تجب عليه إذا صيّره زبيباً؟ قال: «نعم، إذا خرصه أخرج زكاته»(3)فسؤاله عن العنب بعد ذكر الزبيب سابقاً نصٌّ في ثبوت الزكاة عليه، وكذا تعليق الإخراج على الخرص، وهو على ما هو المشهور إنّما يكون في حال البُسريّة والعنبيّة؛ لانحصار ثمرته في ذلك الوقت؛ لأنّ فائدته على المشهور جواز التصرّف من المالك إذا عرف الخارص قدره تمراً أو زبيباً وضمّنهم حصّة الفقراء، أو جعلها في أيديهم أمانةً، وبعد صيرورة الثمرة تمراً أو زبيباً يحلّ وقت جذاذها فلا معنى لخرصها. على أنّ تأخير الخرص إلى ذلك الحال يؤدّي إلى تساقط الثمرة من هبوب الرياح وغبار الأهوية فتقلّ فائدته، ولأنّ الزبيب لا يكون زبيباً إلّا بعد أن يصرم ويقع على الأرض، ومع ذلك يكون مكيلاً أو موزوناً فلا يجوز خرصه.
ودعوى أنّ فائدة الخرص مجرّد معرفة ما يؤخذ من المخروص بعد صيرورته تمراً
وزبيباً، فلو لم يصر لم يؤخذ منه لا جواز التصرّف، لا وجه لها؛ لأنّ جواز تصرّف المالك ممّا يمنع جواز الأخذ بالخرص، ويوجب الرجوع إلى قول المالك، ومعه تقلّ الفائدة حينئذٍ، على أنّ الرواية صريحة في وجوب الإخراج عند الخرص، فلا معنى لردّها.
ومنها: الصحيحة الأُخرى: عن الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب متى تجب على صاحبها؟ قال: «إذا صرم وإذا خرص» (1)بحمل وقت الصرم على وقت الخرص على غير المعتاد؛ لعدم إمكان اتّحاد وقتهما لما بين الصرم والخرص من المدّة، بناء على أنّ الخرص حالة البُسريّة والعنبيّة.
وقد يُحمل وقت الخرص على وقت الصرم عند صيرورة الثمرة عنباً وتمراً على رؤوس الأشجار والنخل بقرينة ذكره بعده، ولا أقلّ من الإجمال، فيسقط معه الاستدلال.
وبالجملة، فالاستناد إلى الروايات لا يخلو من قصورٍ، والعمدة اعتضادها بالاحتياط وفتوى المشهور.
الثانية: تجب الزكاة إذا ملك النصاب قبل تعلّق الوجوب بأيّ نحوٍ كان من أنواع التمليكات، ولا يشترط التملّك بالزراعة، كما يظهر من المحقّق رحمه الله(2)، لأنّه خلاف الإجماع، فلا بدّ من تنزيل كلامه على ذلك.
ولو تقارن الملك مع زمن الوجوب، قوي القول بنفي الزكاة عن المنتقل إليه والمنتقل منه، ولكنّ الأحوط ثبوتها على المنتقل إليه، وتقلّ فيه الثمرة؛ لقلّة وقوعه. الثالثة: الأظهر استثناء المؤن كلّها من مقاسمةٍ وخراجِ أرضٍ، وبذرٍ وثمنه وثمن ثمره، وأُجرة أرضِ أو أُجرة حفر أنهار صغار أو تنظيف كبار، أو ما يصرف على تلقيحٍ أو تركيسٍ أو تجفيفٍ أو تشميسٍ، أو قيمة عوامل وآلات وماء وأُجرة ناطور وقاسم وكيّال وكاتب وحيوان للعامل والحافظ، وما يبذل لدفع المضارّ والمفاسد والحفظ من سارقٍ وظالمٍ وغاصبٍ، ومقدار ما يخصّ تلك السنة من أُجرة حفر قنوات ومن قيمة آلات مستمرّة ومن بناء سور ومن وضع سلاح ودوابّ وغيرها، وفاقاً للمشهور، بل كاد أن يكون متّفقاً عليه في أغلب ما تقدّم، سيّما
المقاسمة فإنّه قد نقل عليها الإجماع(1)، ونطق فيها الصحيح من الأخبار، وفيه: «كلّ أرضٍ دفعها إليك السلطان فتاجرته فيها فعليك فيما أخرجه الله تعالى منها الذي قاطعك عليه، وليس على جميع ما أخرج الله تعالى منها العُشر، إنّما عليك العُشر فيما حصل في يدك بعد مقاسمته لك»(2).
وفي آخَر: «وقد قبّل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ خيبر وعليهم في حصصهم العُشر ونصف العُشْر»(3).
ويدلّ على إخراج المؤن - مع فتوى المشهور، وكون النصاب مشتركاً فيقتضي توزيع الخسارة على الشريكين كما هي قاعدة الشركة، وكون وجوب الزكاة تابعاً للنماء والفائدة، وهو لا يتناول المؤونة - ما ورد في الفقه الرضوي في النصاب، وفيه: «فإذا بلغ ذلك وحصل بعد خراج السلطان ومؤونة العمارة والقرية أُخرج منه العُشر إن كان سقي بماء المطر أو كان بعلاً، وإن كان سقي بالدلاء ففيه نصف العُشر»(4).
وما ورد - في الصحيح -: «يترك للحارس يكون في الحائط العذق والعذقان والثلاثة لحفظه إيَّاه»(5)وعموم التعليل وعدم القول بالفصل يؤذنان بالعموم لكلّ المؤن.
وما نُقل عن ظاهر الغنية من الإجماع على إخراجها(6)، وما حكم به جماعة(7)من أنّ عدم استثناء البذر يؤدّي إلى تكرير الزكاة في الغلّات، ولا قائل بالفرق.
وقد يناقش فيما ذكرناه:
ففي الأوّل: بمنع حجّية الشهرة لنفسها.
وفي الثاني بمنع كون شركة الزكاة كسائر المشتركات كي تساويها في الحكم؛ لجواز إخراج المالك الفريضة من غير النصاب، وجواز التصرّف به مع الضمان، ولو سُلّم فإنّما يُسلَّم في المؤن المتأخّرة لا المتقدّمة.
1) المعتبر 2 : 540؛ منتهى المطلب 8 : 210
2) وسائل الشيعة 9 : 188، الباب 7 من أبواب زكاة الغلّات، ح 1.
3) المصدر : 189، الباب 7 من أبواب زكاة الغلّات، ح 3.
4) الفقه المنسوب للإمام الرضا : 197.
5) وسائل الشيعة 9 : 191، الباب 8 من أبواب زكاة الغلّات، ح 4.
6) غنية النزوع :1- 121 - 120
7) منهم : العلّامة الحلّي في منتهى المطلب :8 210 والطباطبائي في رياض المسائل 96:5.
وفي الثالث بمنع تبعيّة الزكاة للنماء والفائدة، بل هي متعلّقة بما يخرج من الأرض، وهو شامل لما قابل المؤونة وغيرها.
وفي الرابع: بضعف الفقه الرضوي، وعدم ثبوت كونه روايةً كي تجبره الشهرة.
وفي الخامس: بمنع الإجماع المركّب على عدم الفصل، وبعدم صراحة الدلالة على المطلوب.
وفي السادس بمنع الإجماع عند وجود النزاع.
وفي السابع: بمنع التأدية إلى ذلك؛ لأنّ البذر غير نمائه، وبمنع عدم القول بالفصل. وقيل بعدم استثنائها كلّها ما عدا حصّة السلطان(1)للاتّفاق على خروجها، وألحق بعضهم(2)بها الخراج مطلقاً الذي يؤخذ في الأرض الخراجيّة، ويتولّى أخذه حُكّام المخالفين، وادّعي الإجماع على خروجه، فيدفع ربّ المال المؤن حينئذٍ من ماله، ولا ينقص على الفقراء شيء.
واستدلّوا على ذلك بالإجماع المنقول في الخلاف (3)، وبإطلاق الأخبار (4)المتكثّرة الدالّة على العُشر ونصف العُشر من دون استثناء المؤونة في مقام البيان، وبخصوص حسنة أبي بصير ومحمّد عن الباقر علیه السّلام المتقدمة (5)في المقاسمة، فإنّ فيها: «إنّما العشر عليك فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك» وبما دلّ على قلّة الفريضة مع كثرة المؤونة وكثرتها مع قلّتها، كما جاء العُشر ونصف العُشر(6).
وفي الجميع نظر:
أمّا في الإجماع فلفتوى المشهور بخلافه، وعدم وجوده في نُسخ الخلاف سوى إسناده لفتوى الفقهاء(7)وظاهر سياقه إرادة فقهاء العامّة.
وأمّا في مطلقات الأخبار: فلأنّها إنّما ذُكرت لسياق بيان قدر الفريضة، لا لبيان جميع الأحكام وذكر الشرائط، وإلّا لذكر فيها إخراج المقاسمة وإخراج الخراج ممّا نقل على خروجهما الأخبار والإجماع، وكذا العذق والعذقان للحارس ممّا دلّت عليه الرواية(1)، وكذا الحسنة(2)أيضاً على نحو باقي الأخبار لم يذكر فيها شرط أو استثناء، على أنّ قوله: «يبقى في يدك بعد مقاسمته لك»(3)ظاهر في إخراج المؤن؛ لأنّ الباقي في اليد بعد المقاسمة هو ما بعد المؤن؛ لما هو المعتاد من إخراج المؤن قبل حصّة السلطان، كما هو المعتاد اليوم.
وأمّا فيما دلّ على كثرة الفريضة مع قلّة المؤونة وقلّتها مع كثرة المؤونة: فلأنّه أوّلاً قد يعارض بأنّ المؤونة لو كانت على ربّ المال لما توجّه تنصيف العشر فيما كثرت فيه. والجواب بخروج هذه المؤونة بالنصّ معارض بالمثل.
وثانياً: لعلّ العُشر ونصفه من جهة التعب لا من جهة المؤونة.
وثالثاً: إنّ العُشْر ونصفه لا ينطبقان على المؤونة كي يُفهم منها العلّيّة.
فالأولى أن يقال: إنّ هذه النصوص لا شهادة لها على أحد القولين؛ لكونها متّفقاً على مضمونها من الطرفين مخصصاً بها عموم أدلّة الطرفين.
وعلى كلّ تقديرٍ فالقول باستثناء المؤن هو الأقوى؛ للشهرة ولمخالفة العامّة، ولأنّ المفهوم من أخبار الزكاة ملاحظة المالك بالتخفيف عليه، كإسقاطه عن المعلوفة وعن العاملة وأشباههما الزكاة، ولما جاء من عدم احتساب المؤن في الخمس من غوص وكنزٍ ومعدنٍ (4)، والخمس زكاة في المعنى، ولأنّ لفظ الشركة والاشتراك يقضي به، ولأنّ إخراج المؤن من ربّ المال مع دفع الزكاة يؤدّي إلى الضرر والخسارة غالباً، ولا ضرر ولا إضرار.
فروع:
أحدها: على القول باستثناء المؤن فهل يعتبر النصاب بعدها، فيزكّى ما بقي بعدها إن بلغ
نصاباً، وإن لم يبلغ فلا زكاة عليه؟ أو يعتبر النصاب قبلها والفريضة بعدها، فيزكّى الباقي بعدها قلّ أو كثر؟ أو إن كانت مؤناً لما قبل الوجوب كالسقى والحرث والحفر اعتبر النصاب بعدها، وإلّا بأن كانت مؤناً بعد تعلّق الوجوب اعتبر النصاب قبلها والفريضة بعدها؟ وجوه، أظهرها الأوّل؛ وفاقاً لفتوى المشهور، ولظاهر الإجماع المنقول عن الغنية(1)، ولظاهر الإجماعات المحكيّة(2)على إخراج الخراج وحصّة السلطان واحتساب النصاب بعدها، ولظاهر الفقه الرضوي(3).
وأحوطها الثاني ؛ لأنّ فيه جمعاً بين أخبار الزكاة في قدر النصاب، وبين ما دلّ على استثناء المؤونة؛ اقتصاراً فيما دلّ على استثنائها على مورد اليقين.
وأقربها لقواعد الشركة : الثالث، والاحتياط فيه أشدّ.
ثانيها: الخراج من المؤن قطعاً، والظاهر أنّه ما يؤخذ من الأرض الخراجيّة من نقدٍ أو عروضٍ خارج عن حاصلها، ولو كان حصّةٌ من حاصلها سُمّي مقاسمةً.
ولا تسقط الزكاة بأخذ الخراج في الأرض الخراجيّة، كما دلّت عليه أخبار(4)متكثّرة؛ لا طّراحها من جهة شذوذها، وعدم العامل بها ممّن يُعتدّ به، وفتوى المشهور بل الإجماع على خلافها، ومع ذلك فهي موافقة لفتوى العامّة مخالفة للأصحاب، فلتُحمل على التقيّة أو تُطرح، أو يُحمل الخراج فيها على ما أُخذ بعنوان الزكاة قهراً كما يصنعونه وُلاة الجور.
ولكنّه لا يخلو من إشكالٍ أيضاً؛ لأنّ إجزاء ما يأخذونه بعنوان الزكاة عن الزكاة المفروضة أيضاً لا نقول به؛ لما ورد فيمن يأخذ الصدقة قهراً في صحيحة الشحّام: «إنّما هؤلاء قوم غصبوكم، وإنّما الصدقة لأهلها»(5)وللاحتياط، ولعمومات الأدلّة.
وما ورد في الأخبار من الإجزاء(6)شاذّ غير معمولٍ عليه ممن يُعتدّ به، ومنقول الإجماع (7)على خلافه.
1) غنية النزوع 1 : 120 - 121
2) منها : ما في المعتبر 2 : 540؛ ومنتهى المطلب 8 : 210.
3) تقدّم تخريجه في الهامش (4) من ص 116.
4) وسائل الشيعة 9 : 192 ، الباب 10 من أبواب زكاة الغلّات.
5) المصدر : 253، الباب 20 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 6.
6) المصدر : 252 - 253، ح 4.
7) تذكرة الفقهاء 5 : 155، ضمن المسألة 90 .
ثالثها: الخراج والمقاسمة المأخوذة في غير الأرض ظلماً أو في الأرض الخراجيّة من غير حُكّام أهل الخلاف أو منهم على وجه الظلم والزيادة لا على نحو المعتاد، وكذا ما يصانعون به من غير الخراج لحفظ الزرع يقوى القول باحتسابه من المؤن وخروجه قبل النصاب، وكذا ما يؤخذ على وجه الزكاة ظلماً وعدواناً.
والأحوط في جميع هذه الأقسام عدم استثنائها.
رابعها: المراد بالمؤن ممّا يبنى على دوامه - كالقنوات الكبار وحفر الأنهار وبناء الجدران ونصب المساند وبناء القلاع للحفظ - مقدار أُجرة الانتفاع بها في تلك السنة، أو مقدار ما يخصّ تلك السنة إذا عرف مقدار دوامها من السنين الآتية.
ولو كانت هذه لزكويٍّ وغيره وزّع على نسبة كلٍّ منهما.
وأمّا ما لا يبنى على دوامه ممّا يتكرّر كلّ سنةٍ وإن كان قبل عامه فالمراد به إخراج نفسه، كأُجرة الفلّاح والحرث والسقي والحفظ، وأُجرة الأرض وإن كانت غصباً وإن لم يَنوِ إعطاء مالكها أُجرتها، ومؤونة الأجير، وأُجرة النجارين والحدّادين والحلّاقين، وما يأكله الضيوف لمصلحة الزرع، وما نقص من الآلات والعوامل حتّى ثياب المالك ونحوها، ولو كان سبب النقص مشتركاً بين الزكويّ وغيره وزّع عليهما، وعين البذر إذا لم يكن مشتريه، ولو اشتراه تخیّر بین استثناء عينه وقيمته.
وكذا مؤونة العامل المثليّة والقيميّة قيمتها التلف.
ولو عمل معه متبرّع أو عمل بنفسه، فلا يحتسب قيمة عملهما من المؤونة.
ولو زرع مع الزكويّ غيره، وزّع عليهما بالنسبة ولو زاد في الحرث لزرع غير الزكويّ لم يحتسب.
ولو قصد في الحرث غير الزكويّ فزرع زكويّاً، احتسب من المؤن على الأظهر ولا اعتبار بالقصد.
ولو اشترى زرعاً احتسب ثمنه وما يغرمه بعد ذلك عليه ، ولو اشترى نخلاً لم يحتسب ثمنه من المؤن، وعمل المالك وأُجرة ثيابه لا تحتسب من المؤونة، وما بقي من الآلات من حديد أو خشب أو غير ذلك يسقط من المؤونة بحسابها.
خامسها: يجب فيما يسقى من دون آلةٍ - وإن توقّف على عمل كحفر السواقي والأنهار - العُشر، سواء سقي سيحاً أو عِذياً(1)بماء المطر أو بعلاً كأن تشرب عروقه من الأرض، ونصف العُشر فيما يسقى بالآلة كالدوالي - وهو الدولاب تديره البقر - والنواضح والسواني - جمع سانية، وهي الناقة - والناعورة وكلّ آلةٍ كذلك من رشا وغرب؛ للإجماع بقسميه(2)، والأخبار المستفيضة المتكثّرة:
ففي الصحيح: «وما كان منه يسقى بالرشا والدوالي والنواضح ففيه نصف العشر، وما سقت السماء أو السيح أو ما كان بعلاً ففيه العشر تامّاً»(3)إلى غير ذلك من الأخبار(4).
ويلحق به ما لو سقي زرع بالآلة فجرى لغيره من دونها، أو دبّ في الأرض حتّى سقي عروق أُخَر.
وإن اجتمعا كان الحكم للأكثر والأغلب، ومع التساوي يؤخذ من نصفه العُشر ومن نصفه الآخَر نصف العُشر.
ولا كلام في ذلك في الجملة؛ للإجماعات المحكية(5)المستفيضة.
وللخبر المعتبر، وفيه قلت له: فالأرض تكون عندنا تسقى بالدوالي ثمّ يزيد الماء فتسقى سيحاً؟ قال: «إنّ ذلك ليكون عندكم كذلك؟ قلت: نعم، قال: «النصف والنصف، نصف بنصف العُشر، ونصف بالعُشر» فقلت: الأرض تسقى بالدوالي ثمّ يزيد الماء فتسقى السقية والسقيتين سيحاً؟ قال: «كم تسقى السقية والسقيتين سيحاً؟» قلت: في ثلاثين وأربعين ليلة وقد مكث قبل ذلك في الأرض ستّة أشهر سبعة أشهر، قال: «نصف العُشْر»(6).
إنّما الكلام في أنّ الاعتبار بالأكثريّة عدداً، كما ادّعي أنّه ظاهر الأكثر، ولأنّ المؤونة إنّما تكثر بسببه، ولعلّ المؤونة هي الحكم في اختلاف الواجب ولظاهر الرواية المتقدّمة(7)
1) العِذي من النبات والنخل والزرع : ما لا يشرب إلا من السماء. المصباح المنير : 399 - 400، «عذي».
2) المعتبر 2 : 539؛ منتهى المطلب 8 : 197؛ تذكرة الفقهاء 5: 149 - 150، المسألة 87.
3) وسائل الشيعة 9 : 176 - 177، الباب 1 من أبواب زكاة الغلات، ح 5.
4) راجع المصدر : 182، الباب 4 من أبواب زكاة الغلّات.
5) الخلاف 2 : 67، المسألة 79 المعتبر 2 : 539؛ منتهى المطلب 8 : 200.
6) وسائل الشيعة 9 : 187 - 188، الباب 6 من أبواب زكاة الغلّات، ح 1.
7) أنفاً
من جهة أنّ الزمان الأكثر يحتاج إلى عدد أكثر، ولأنّ الظاهر من لفظ «الأكثريّة» في نصو الفقهاء هي الكمّ المنفصل، لاكثرة الزمان ولا كثرة النفع، أو الأكثريّة زماناً، كما مال إليه بعضهم، وادّعى أنّ الرواية بإطلاقها أو عمومها دالّة عليه(1)، أو الأكثريّة نفعاً؛ لدوران الحكم مدار النفع، فقد تساوي السقية الواحدة بالسيح عشر سقيات بالنواضح، ويساوى السقي في يوم وليلة بالسيح سقي شهر بالنواضح؛ لشدّة غمره وتأثيره وعذوبته، وجعله بعضهم(2)مدلولاً للخبر المتقدّم (3)، من حيث إنّ الإمام لم يستفصل في السؤال الأوّل عن الأغلبيّة والمساواة حتّى أجاب بثلاثة أرباع العُشْر؛ لظهور المساواة من كلام السائل، ثمّ إنّه استفصل - بعد أن ذكر السائل السقية والسقيتين - عن قدر زمانهما، وبعد أن حقّقه ثلاثين أو أربعين ليلة أجابه بنصف العُشر، فيُفهم منه أنّ الاعتبار بالنفع والنموّ، لا بالعدد ولا بالزمان؛ لأنّ قلّة زمان السيح مفهوم من قوله: «تسقى» الدالّة على الاستمرار، ومن قوله: «السقية والسقيتين فلا فائدة في الاستفصال حينئذٍ، ولأنّ المفهوم من الأخبار كقوله علیه السّلام: «فيما سقت السماء العُشر، وفيما سقي بالنواضح ففيه نصف العُشر، وما سقي بهما ففيه ثلاثة أرباع العُشْر»(4)هو السقى المعتدّ به الذي يحصل به النماء دون مجرّد إيصال الماء إلى الزرع ولو كان غير نافعٍ له، أو كان نافعاً نفعاً لا يُعتدّ به، أو كان مضرّاً للزرع، فإذا دار الأمر مدار النفع في صدق السقي، كان المعتبر في الأغلبيّة أيضاً هو الانتفاع به؟ وجوه (5)ثلاثة أقواها الأوّل فيما إذا حصل منه نفع يُعتدّ به على الطريق المعتاد، دون ما إذا لم يحصل منه نفع يُعتدّ به، أو حصل ضرر أو لم يحصل شيء، فإنّه حينئذٍ يلحظ النفع.
وقد يقال: إنّه عند إلغاء الأكثريّة؛ لعدم حصول النفع يجب الرجوع للزمان إذا لم يلغ؛ لعدم حصول نفعٍ فيه، فيقدّم على النفع في الأغلبيّة، وإلّا فليلاحظ النفع حينئذٍ، وحينئذٍ فيقدّم
1) الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 92
2) العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 5: 153، الفرع «ج» من المسألة 88.
3) آنفاً.
4) وسائل الشيعة 9 : 183 - 185، الباب 4 من أبواب زكاة الغلّات، ح 2، 3، 5 - 9، و 186، الباب 5 من تلك الأبواب، ح 1، و 187، الباب 6 من تلك الأبواب.
5) قوله : «وجوه ... » جواب لقوله : «إنّما الكلام في أن الاعتبار...».
اعتبار كثرة العدد على اعتبار الزمان إذا تساويا بالنفع أو إذا زاد نفع الزمان، وعلى اعتبار النفع واعتبار كثرة الزمان على اعتبار النفع لا على اعتبار كثرة العدد.
ومنه يُعرف الكلام في المساواة، فهل المراد المساواة في العدد أو الزمان أو النفع؟ وحكم اتّحاد زمان السقي - كما إذا سقي بنهرٍ واحد سيحاً وبالآلة - حكم التعاقب في القلّة والكثرة والمساواة.
ثمّ إنّ المساواة في العدد والزمان ظاهرة، وأمّا في النفع فإن أمكن العلم به فلا إشكال، وإلّا فالأحوط العُشر، والأقوى ثلاثة أرباعه؛ لأصالة عدم زيادة كلٌّ منهما على الآخَر.
ويحتمل نصف العُشر؛ لأصالة البراءة.
وكذا الكلام مع الشكّ في العدد والزمان.
سادسها: تضمّ الزروع المتباعدة والثمار المتفرّقة تباعد ما بينها أم نمت دفعةً أو تدريجاً، كان بين نموّ زرعٍ وزرعٍ آخر وبستانٍ وبستانٍ أُخرى زمان يُعتدّ به أم لا. وهل يضمّ سابق ما يطلع في الحول الواحد إلى لاحقه في ذلك الحول، أم لا؟ الأقرب الأوّل؛ لإطلاق الأخبار(1)، وللشهرة المنقولة (2)والاحتياط.
وقد يقال بالثاني؛ للأصل، ولأنّ ذلك بمنزلة ثمرة حولين.
ولو كان الزرع مشتركاً واختلف الشركاء في كيفيّة السقي فمنهم بالآلة ومنهم بدونها، كان كحكم الزرع الواحد.
وقد يحتمل توزيع الفريضة على نسبة السقى، فالعُشْر على مَنْ سقى سيحاً، ونصفه على مَنْ سقى بالآلة؛ تنزيلاً له منزلة الزرع المتعدّد. ولكنّه بعيد.
سابعها: يؤخذ الفرض من الجيّد جيّداً، ومن الرديء رديئاً، ومنهما معاً منهما معاً على النسبة.
وهل يجوز دفع الجيّد عن الرديء أو عن المخلوط بالقيمة، أم لا يجوز؟ وجهان، أحوطهما العدم.
ولا يسقط العُشْر في الأرض الخراجيّة؛ للأصل والعموم.
خلافاً لمن أسقطه فيها؛ لورود بعض الأخبار (1)بذلك.
وهي شاذّة لا عامل بها ممن يُعتدّ به سوى الشيخ في مقام الجمع(2)فلتُطرح أو تُحمل على التقيّة.
ثامنها: لا يُضمّ الشعير إلى الحنطة ولا العكس؛ لانفراد ماهيّة كلٍّ منهما عن الآخَر. وأمّا العلس والسلت فقيل: هما حنطة(3)لنصّ أهل اللغة على كون الأوّل حنطةً (4)، ولاتّفاق الثاني مع الحنطة في الطبع، ولنقل بعض أهل اللغة ذلك(5).
وقيل: الأوّل حنطة والثاني شعير(6)لنصّ أهل اللغة على ذلك (7)، ولاتّفاقهما في الصورة.
والأقوى أنّهما معاً ليسا منهما؛ تقديماً للعرف على اللغة، وحملاً لكلام أهل اللغة على التجوّز أو المعنى القديم، أو على أخفى فردَي المشترك اللفظي، أو تقديماً لظهور الإطلاق علی نادره؛ لأنّ الفرد الظاهر في العرف من الحنطة والشعير هو غير هذين الفردين. على أنّ في الأخبار ما يدلّ على المغايرة واستحباب الزكاة فيه(8)، وكذا في فتوى مشهور الأصحاب.
تاسعها: يجزئ أخذ العنب عن العنب والرطب عن الرطب، ولا يجزئان عن التمر والزبيب الّا بالقيمة، ولا يلزم الربا؛ لأنّ دفع القيمة في الزكاة ليس من باب المعاوضة حتّى لو دفع قدراً لو جفّ بلغ الفريضة.
ولو أخذ الفقير الرطب والعنب فنقص عند الجفاف عن التمر والزبيب رجع بالناقص، وللمالك أن يردّه ويعطيه تمراً أو زبيباً إذا لم يكن دفع بالقيمة، ولا يجب في الرطب والعنب حتّى يبلغا نصاباً عند جفافهما وصيرورتهما تمراً وزبيباً.
1) راجع الهامش (4) من ص 119.
2) تهذيب الأحكام 4 : 37 ذيل الحديث 95؛ الاستبصار 2 : 25، ذيل الحديث 72.
3) راجع قواعد الأحكام 1 : 342.
4) الصحاح 3 : 952، «ع ل س».
5) كما في النهاية في غريب الحديث والأثر 2 : 388؛ ولسان العرب 2 : 45 - 46، «س ل ت».
6) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 1 : 390.
7) الصحاح 1 : 253 س ل ت» و 3 : 952، «ع ل س».
8) وسائل الشيعة 9 : 62 و 64، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ... . ح 3، 4، 10 و 344 - 345، الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، ح 5.
عاشرها: الخرص من الإمام أو مَن قام مقامه جائز في الجملة في الكرم والبُسر والرطب؛ للإجماع بقسميه(1)، ولقوله علیه السّلام في العنب: «إذا خرصه أخرج زكاته»(2)ولما ورد أنّ النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ كان يبعث إلى الناس مَنْ يخرص عليهم كرومهم وثمارهم(3)، ولأنّ الحاجة ماسّة إلى التصرّف المُلاك في النخل والكرم؛ لاحتياجهم إلى الأكل منهما وإعطاء الطالب والبذل للضيف والصلة للرحم وغير ذلك، فلو لم يشرع لزم الضرر أو العسر والحرج، والكلّ منفيٌّ في الشريعة.
وفي جوازه في الزرع وجهان:
الجواز؛ لمسيس الحاجة أيضاً، ولتنقيح المناط، ولفتوى المشهور، ولشمول ظاهر رواية سعد؛ لقوله بعد سؤاله عن الحنطة والشعير والتمر والزبيب متى تجب على صاحبها الزكاة؟ قال: «إذا صرم وخرص»(4).
والمنع لعدم صلوح ما تقدّم لإثبات ما هو مخالف للأصل وما هو عمل بالظنّ والتخمين والحدس والكلّ منهيّ عنه، ومنع مسيس الحاجة للفريك وشبهه.
والأقوى الأوّل، والأحوط الثاني.
ويكفي في الخرص خارص واحد إذا كان أميناً عارفاً؛ لأنّ النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ كان يبعث عبد ابن رواحة خارصاً للنخل حين تطيب(5).
والأحوط التثنية؛ لشبهة أنّها شهادة فيعتبر فيها التعدّد.
وهل يكفي من المالك؟ الظاهر ذلك إذا عرف من نفسه الأمانة وعدم غلبة حبّ المال عليه؛ دفعاً للضرورة وإرفاقاً بالمالك، ولأنّه له ولاية على النصاب في الإخراج والبيع والدفع والتبديل والتغيّر، فله ولاية في خرصه بعد انفتاح باب الخرص.
1) الخلاف 2 : 60 - 61 ، المسألة 73
2) تقدم تخريجه في الهامش (1) من ص 112.
3) سنن ابن ماجة 1 : 582 ح 1819؛ الجامع الصحيح 3 : 36 ، ح 644؛ سنن الدارقطني :2 : 133، ح 21؛ السنن الكبرى، البيهقي 205:4، ح 7431
4) تقدّم تخريجها في الهامش (1) من ص 115.
5) سنن أبي داؤد 2 : 110. ح 1606؛ سنن الدارقطني 2 : 134 ، ح 25 السنن الكبرى البيهقي 4 : 207، ح 7440: المصنف لعبد الرزاق 4 : 129، ح 7219.
والأحوط عدم تولّي المالك لذلك، فإن كان ولا بدّ له من ذلك فليوكّل غيره، وليحتط في القدر مهما أمكن.
وصفة الخرص أن يقدّر الخارص الثمرة إذا صارت تمراً أو زبيباً، فإذا بلغت الأوساق فما زاد وجبت الزكاة، فيقدّر مقدار الفريضة عليهم، فيقبلونه منه على ذلك القدر، وهو شبيه المعاوضة ولكنّه مع وحدة العوض والمعوّض، ويخيّرهم بين ترك ذلك أمانة في أيديهم، فلا يجوز لهم التصرّف بالمال حينئذٍ؛ لمكان الشركة، فإذا جاء وقت الصرام والجذاذ لم يأخذ إلّا قدر ما خرص والأحوط والأولى للمالك بذل الزيادة ها هنا.
وبين تضمينه لهم بذلك القدر، فيحلّ تصرّف المالك حينئذٍ وأكله وعطاؤه، فإذا جاء الوقت لم يأخذ منهم إلّا قدر ما خرص عليهم، والأحسن دفع الزائد من المالك أيضاً، وله أن يضمن حصّة المالك، فلم يكن للمالك إلّا قدر ما ضمنه، ولا يجوز للمالك أيضاً التصرّف بوجه من الوجوه.
ولو تلفت الثمرة من دون تفريط، لم يضمنها المالك لو أبقاها في يده أمانةً، دون ما إذا ضمنها للمالك فلا يخلو من إشكالٍ.
ولو ادّعى المالك غلط الخارص، قُبل قوله إن كان محتملاً، وأُعيد الخرص إن بقي وقته، وإلّا فلا يُسمع إلّا بالبيّنة.
ولو نقص الخرص احتُمل عدم وجوب تكميل المالك النقص؛ لأنّ المتيقّن من فائدته تحليل التصرّف وإباحة الزائد، لا ضمان النقص، إلّا إذا باع أو صالح فقَيِل المالك الحصّة بعقد معاوضةٍ كانت له الزيادة وعليه النقصان.
ويحتمل ضمان النقص؛ لإقدامه على ذلك.
ولا يجب على الخارص الاستقصاء؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: «إذا خرصتم فخفّفوا»(1)ولفوات كثير على المالك من المخروص ممّا يقع إلى الأرض وتأكله المارّة والحيوانات والسرّاقين.
ولو احتاج المالك إلى تخفيف الثمرة لمصلحة التمر والزبيب جاز ولا ضمان عليه على الأظهر؛ لجواز تصرّف المالك بملكه وملك الفقراء إذا عادت لهم بذلك مصلحة.
1) السنن الكبرى البيهقي 4 : 208، ح 7447
ولو خاف من الضرر على أُصوله من نخل وشبهه، جاز قطع الثمرة قبل الخرص وبعده؛ لتقديم حقّ المالك على حقّ الفقراء، وكان ذلك من قبيل المؤن، ولا ضمان عليه على الأظهر.
ويجوز للساعي بيع حصّة الفقراء مطلقاً والقسمة مع المالك، ويجوز للمالك تقويم نصيب الفقراء على نفسه بعد خرصه من دون مراجعة الساعي مطلقاً، فيكون ضامناً لحقّهم مطلقاً.
ولو تلف من دون تفريطٍ أو نقص خرصه، لم يضمن على الأظهر.
ويحتمل الضمان فيهما معاً؛ لأنّها معاملة تشبه المعاوضة.
ويحتمل الضمان عند نقص الخرص دون التلف.
ولو خرج غبن فاحش في الخرص تخيّر المغبون من المالك والساعي.
بحث: مَن مات وعليه زكاة مستقرّة في حياته، وعليه دَينٌ مستوعب للتركة، أُخرجت الزكاة وقُدّمت على الديون؛ لتعلّقها بالعين.
ومَنْ مات وعليه دَيْنٌ مستغرق قبل ظهور الثمرة فظهرت بعد ذلك، فإن قلنا بانتقال التركة إلى الوارث وجبت عليه الزكاة، وتعلّق الدَّيْن بما عداها، وكانت بمنزلة تلف بعض التركة من دون تفريطٍ من الوارث ونسب الحكم به في المدارك إلى قطع الأصحاب(1).
وهو لا يخلو من إشكالٍ؛ لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وإن قلنا ببقائها على حكم مال الميّت لم تجب فيها الزكاة، وأخذ الدُّيّان جميع لعدم إمكان توجّه التكليف إلى الوارث.
ومَنْ مات وعليه دَيْنٌ مستغرق بعد الظهور وقبل الحدّ الموجب لتعلّق التكليف بها، فإن قلنا ببقاء التركة على حكم مال الميّت فلا زكاة أيضاً.
وإن قلنا بانتقالها إلى الوارث احتُمل ثبوت الزكاة عليه، وتعلّق الدَّين بما عدا الفريضة، وعدم غرامته للدُّيّان بما دفع.
واحتُمل عدمه؛ لأنّ التركة بمنزلة الوثيقة بيد الدُّيّان، فلا تنفذ بها خطابات الزكاة.
1) مدارك الأحكام 5 : 154.
واحتُمل الفرق بين ما إذا تمكّن من التصرّف بها ولو من أداء الدَّين من غير التركة فتجب الزكاة عليه، ولا غرامة عليه، وبين ما لم يتمكّن فلا شيء عليه؛ لعدم تمكّنه من التصرّف.
ويحتمل وجوب الزكاة عليه عند التمكّن، والغرامة تكون عليه للدُّيّان.
وأقوى الاحتمالات التفصيل الأخير، وعدم ثبوت الغرامة على الوارث.
وأمّا غير المستغرق فالمقابل للدَّين يجري فيه ما قدّمناه، وغير المقابل لو بلغ نصاباً وجبت فيه الزكاة على القاعدة.
والمستحقّون ثمانية أصناف بجعل الفقراء والمساكين صنفين، أو سبعة بجعلهما صنفاً واحداً.
ويدلّ على استحقاق الأصناف الثمانية للزكاة الإجماع بقسميه(1)، والأخبار القطعيّة المتظافرة (2)، والآية الشريفة، وهي قوله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ»(3)إلى آخر الآية.
الصنف الأوّل: الفقراء والمساكين
وفيه مسائل:
الأُولى: الفقير والمسكين ليسا مترادفين مطلقاً؛ لنصّ أهل اللغة والفقهاء والأخبار(4)، بل هُما كالظرف والجارّ والمجرور إن اجتمعا افترقا وأريد من كلّ واحدٍ منهما معنى غير معنى الآخَر، وإن افترقا اجتمعا وأُريد من كلِّ منهما ما يشمل الآخَر.
والحكم بذلك مشهور عند الأصحاب، ونُقل عليه عدم الخلاف(5)بل الاتّفاق(6)
وإرادة المعنى الشامل لكلِّ منهما عند الانفراد محتمل لبيان اتّحاد الحكم المعلّق على أحدهما مع الآخَر في لسان الشارع وإن تغاير مصداقهما، ومحتمل لإرادة بيان اتّحاد موضوعيهما لغةً عند الافتراق وافتراقهما عند الاجتماع، فيكون كلُّ منهما موضوعاً لمعنىً خاصّ في حال الانفراد، وموضوعاً لمعنىً آخر يغايره عند الاجتماع، ومحتمل لإرادة استعمال كلَّ منهما في المعنى الشامل على وجه التجوّز في حال الانفراد، وقرينة التجوّز الشهرة والاتّفاق، فيكون مجازاً مشهوراً، ومحتمل لإرادة أنّه عند الانفراد صار حقيقةً شرعيّة في المعنى الشامل، وعند الاجتماع بقي على معناه اللغوي، ومحتمل لإرادة الاشتراك اللفظي فيهما بين المعنى الشامل والمعنى الخاصّ، والاجتماع والافتراق قرينتان على تعيين كلٍّ من المعنيين أو ظاهران في كلٍّ من المعنيين المختلفين.
وأظهر الوجوه الأوّل؛ لافتراق معناهما لغةً وعرفاً عند الاجتماع والافتراق وإن اشتركا في الحكم في لسان الشارع بل في العرف.
وتظهر الثمرة في النذر والوقف والوصيّة إذا لم يعلم القصد من الناذر وما بعده.
وعلى الافتراق فهل المسكين أسوأ حالاً أو الفقير؟ والأظهر الأول، فإنّ المسكين هو الذي يسأل، والفقير هو الذي لا يسأل، كما نقل عن ابن عبّاس(1)للصحيح: «الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي هو أجهد منه الذي يسأل»(2).
وفي آخَر: «الفقير الذي لا يسأل الناس والمسكين أجهد منه، والبائس أجهدهم»(3).
وفي كلام أهل اللغة ما يدلّ عليه أيضاً(4).
وفي بعض كلام أهل اللغة ما يدلّ على أنّ المسكين مَنْ كان ذليلاً بفقرٍ أو غيره(5)، وقد يساعده العرف أيضاً.
وفي بعضها ما يدلّ على أنّ المسكين مَنْ لا شيء له، والفقير مَن له بلغة من العيش(6).
وقيل: إنّ الفقير أسوأ حالاً من المسكين، وإنّ المسكين مَنْ لا يجد غنىً فيغنيه ولا يسأل الناس شيئاً ولا يفطن به فيتصدّق عليه(1)لورود ذلك في روايةٍ عن النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم(2).
وقيل: إنّ المسكين هو الصحيح المحتاج، والفقير هو الزَّمِن(3)المحتاج(4).
وقيل: إنّ الفقير الذي لا شيء له، والمسكين مَن له بلغة من العيش(5).
والظاهر أنّ منشأ هذا الاختلاف كثرة الصدق على هذه المعاني في العرف واللغة، والأقوى أنّه حقيقة فيما قدّمنا مجاز في غيره.
الثانية: الفقر والمسكنة المبيحان لأخذ الزكاة يجمعهما عدم الغنى، وهو عرفاً وشرعاً أو شرعاً فقط: مَنْ لا يملك مؤونة السنة - سنة هلاليّة إن لم ينكسر شهر منها، وأحد عشر شهراً هلاليّاً من مع شهرٍ عدديّ ملفّق - له ولعياله على التفصيل الآتى؛ لفتوى المشهور، بل كاد أن يكون مجمعاً عليه، وللإجماع المنقول(6)ولصدق الفقير عليه عرفاً، وللخبرين:
في أحدهما: «تحرم الزكاة على مَنْ عنده قوت السنة، وتجب الفطرة على مَن عنده قوت السنة»(7).
والمراد بالقوت المؤونة؛ إذ لا قائل بأنّ المدار عليه فقط.
وفي الآخَر: عن السائل وعنده قوت يومٍ أيحلّ له أن يسأل؟ وإن أُعطي شيئاً من قبل أن يسأل يحلّ له أن يقبله؟ قال: «يأخذ وعنده قوت شهر ما يكفيه لسنة من الزكاة، لأنّها إنّما هي من سنة إلى سنة».(8)
وللصحيح إلى أبي بصير في صاحب السبعمائة، وفيه: «ولا يأخذها إلّا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفدها في أقلّ من سنة».(9)
1) قاله ابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 456.
2) مستدرك الوسائل 7 : 136 ، الباب 36 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 2.
3) رجل زَمِنٌ : أي مبتلى بيّن الزمانة والزمانة العاهة لسان العرب 13 : 199، «زم ن».
4) قاله الصدوق في الفقيه 2 : 6، ذيل الحديث 1579.
5) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 1 : 246.
6) المسائل الناصريات : 287، المسألة 124.
7) وسائل الشيعة 9 : 234 الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 10.
8) المصدر : 233. ح 7.
9) المصدر : 231، ح 1
وللأخبار الدالّة على أن مَنْ له كفاية لا يأخذ الزكاة، ومَنْ لم تكن له كفاية أخذها(1). وظاهر أنّ المراد بالكفاية هي كفاية السنة، كما هو المفهوم من إطلاق هذا المركّب عرفاً؛ لأنّ الكفاية على الدوام لا يعرفها إلّا العلّام، ولا تناط بها الأحكام، ولم يُفْتِ بها أحد من الأعلام إلّا الشيخ رحمه الله(2).
وتُنزّل عبارته على فتوى المشهور من إرادة السنة من لفظ الدوام، أو على إرادة الدوام العرفي الغالبي كأهل التجارات العظام والحِرَف العالية وأهل البساتين والعقارات الكبار، فإنّ الغالب بقاؤها ووفاء نمائها بأهلها إلى أن يموتوا، بل إلى أولاد الأولاد، والغالب بقاء الصنعة والحرفة دائماً بدوام عمره.
وهذا التنزيل جيّدً لولا إعراض الأصحاب عن الأخذ به، مع كثرة ما يشعر به من ظاهر الروايات، وهي بمرئى منهم ومسمع ولزوم قلّة الغني وكثرة الفقير المعلوم خلافهما من السيرة والطريقة، ولزوم إعطاء الزكاة لغير أُولي الحاجة عرفاً؛ لأنّ المالك لمؤونة سنةٍ ليس من أهلها عرفاً، ولزوم إعطاء الزكاة لغير الفقير عرفاً، والحكم معلّق على ذلك كتاباً وسنّةً.
ومتى بطل هذا التنزيل لزم ردّ هذه الأخبار للقول المشهور، وبطل ما بنى عليه بعض المتأخّرين(3)من العمل بظاهرها واتّباع ظاهر فتوى الشيخ رحمه الله بذلك، كما بطل قول مَنْ قال (4): إنّ الغني هو مَنْ ملك نصاباً زكويّاً؛ استناداً للنبويّ : «وأعلمهم أنّ عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتردّ إلى فقرائهم» (5)فعُلم أنّ مَنْ يؤخذ منه الصدقة غنيّ، ولأنّ مَنْ ملك نصاباً وجب عليه دفعها، فكيف يحلّ له أخذها!؟ فيلزم التنافي.
وفي الخبر ضعف سنداً ودلالةً ؛ لظهور وروده مورد الغالب، وفي التعليل منع المنافاة شرعاً وعقلاً وعرفاً.
1) وسائل الشيعة 9 : 239، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة.
2) المبسوط 256:1.
3) البحراني في الحدائق الناضرة 12 : 156.
4) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 146:2، المسألة 183.
5) صحيح مسلم 1 : 050 ح 19؛ سنن أبي داؤد 2 : 104 - 105 ، ح 1584؛ سنن ابن ماجة 1 : 0568 ح 1783؛ الجامع الصحيح 3 : 21 ، ح 625؛ سنن الدارقطني 2 : 135 - 136 . ح 4.
وما ورد في خبر زرارة: «لا يحلّ لمن كان عنده أربعون درهماً يحول الحول عليها عنده أن يأخذها»(1)الا عامل عليه ولا قائل به، وكأنّه محمول على مَنْ حالت عنده الأربعون لزيادتها عليه؛ لأنّه مالك لقوت سنته.
الثالثة: مَنْ كانت عنده غلّة يستنميها أو دراهم يديرها لينتفع بربحها ولم يكفه الاستنماء والربح لمؤونة السنة، جاز له أخذ الزكاة؛ إمّا لكونه فقيراً عرفاً، أو لكونه فقيراً شرعاً، أو لكونه بحكم الفقير؛ للأخبار المتكثّرة الدالّة على ذلك، المعتضدة بفتوى الأخيار:
ففي الصحيح: عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال فهو يحترف ولا يصيب نفقته فيها أيكبّ(2)فيأكلها أو يأخذ الزكاة؟ قال: بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومَنْ وسعه ذلك من عياله، ويأخذ البقيّة من الزكاة، ويتصرّف بهذه ولا ينفقها»(3).
وفي آخَر : فيمن له ثلاثمائة درهم في بضاعةٍ فإن أقبل عليها أكلها عياله؟ قال: «فلينظر ما يستفضل منها فليأكل هو ومَنْ يسعه ذلك، وليأخذ لمن لم يسعه من عياله»(4).
وفي آخَر: عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ قال: «نعم، إلّا أن تكون داره دار غلّة، فيخرج من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه وعياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، فإن كانت غلّتها تكفيهم فلا»(5).
وفي آخَر: «قد تحلّ الزكاة لصاحب السبعمائة وتحرم على صاحب الخمسين درهماً» فقلت له: وكيف هذا؟ قال: «إن كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفهم، فليعف نفسه وليأخذها لعياله، وأمّا صاحب الخمسين فإنّها تحرم عليه إذا كان وحده وهو محترف يعمل بها وهو يصيب منها ما يكفيه»(6).
1) وسائل الشيعة 9 : 240، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 5.
2) أكبّ على الشيء : أقبل عليه ولزمه لسان العرب 1 : 696، «ك ب ب».
3) وسائل الشيعة 9 : 238 - 239 ، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
4) المصدر : 239 - 240، ح 4.
5) المصدر : 235، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
6) المصدر : 239، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 2.
الرابعة: ذو الصنعة والحرفة والعمل إذا قامت صنعته وحرفته وعمله بمؤونته على الاستمرار أو في سنته كان غنيّاً عرفاً أو شرعاً، أو بحكم الغني؛ للإجماع المنقول(1)، وفتوى المشهور، بل كاد أن يكون مُجمعاً عليه.
ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: «لا حظّ فيها لغني ولا ذي قوّة مكتسب»(2).
ولقول أبي جعفر علیه السّلام : «الصدقة لا تحلّ لمحترفٍ ولا لذي مرّة سويّ قويّ فتنزّهوا عنها»(3).
خلافاً للشيخ رحمه الله فأجاز الدفع للمكتسب مطلقاً ولو وفى كسبه بمؤونة سنته؛ لعدم ملكه للنصاب وعدم ملكه لمؤونة سنته (4)وهو ضعيف.
ويلحق بصاحب الصنعة والحرفة القويّ القادر على الاكتساب وإخراج مؤونته من كسبه على الأظهر؛ لظاهر الرواية(5).
ويحتمل جواز أخذه للزكاة؛ لصدق الفقر عليه عرفاً وتنزيل الرواية على أهل الحرف والصنائع والأعمال.
وهو خلاف الظاهر والاحتياط.
هذا كلّه إن كان ممّا يناسب حاله التكسّب وكان لا يتضرّر به، فلو لم يناسب حاله أو تضرّر حاله به أو أصابه ذلّ، فإنّه يجوز له أخذ الزكاة.
ولو عارض صاحب الصنعة والحرفة أو القويّ القابل للاكتساب ما يجب عليه من طلب علمٍ في أُصول الدين أو فروعه وجوباً عينيّاً كما إذا لم يمكنه إلّا ذلك، أو وجوباً على الكفاية كطلب الاجتهاد مع وجود المجتهدين في عصره(6).
ولا يبعد إلحاق الاشتغال بالمندوبات من العلوم والعبادات والزيارات بالاشتغال بالواجبات، فيجوز للمشتغل بذلك أخذ الزكاة.
وصاحب الاعتبار إذا لم يملك مؤونة السنة لم تحرم عليه الزكاة.
1) الخلاف 4 : 230 - 231، المسألة 11.
2) سنن أبي داؤد 2 : 118، ح 1633؛ سنن الدارقطني 2 : 119، ح 7.
3) وسائل الشيعة 9 231 الباب من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 2.
4) لم نعثر عليه في كتبه. نعم، نسبه في الخلاف 4 : 231، المسألة 11 إلى قوم من أصحابنا.
5) المتقدّم تخريجها في نفس الصفحة، الهامش (3).
6) كذا قوله : «ولو عارض... في عصره» بدون جواب في النسخ والظاهر «وكذا لو عارض...».
الخامسة: إذا قصر كسب صاحب الكسب أو حرفته أو عمله أو قوته عن مؤونة سنةٍ، وكذا نماء تجارته، جاز له أن يأخذ من الزكاة.
ولا يتقدّر عليه بقدرٍ قليلاً كان أو كثيراً؛ للأصل، ولعموم الأدلّة الدالّة على جواز الإعطاء، وخصوص ما جاء في جواز الإعطاء:
كقوله علیه السّلام- في الصحيح : «تعطيه حتّى تغنيه»(1).
وفي الموثّق: «إذا أعطيت فأغنه»(2).
وقوله علیه السّلام: «خير الصدقة ما أبقت غنىً»(3).
وقيل : لا يجوز إعطاؤه إلّا ما يكمّل مؤونة السنة(4).
وهو قويً وموافق للاحتياط؛ لقوله علیه السّلام : ويأخذ البقيّة من الزكاة»(5)فإنّ مفهومه يدلّ على المنع ممّا عداها، وبتنقيح المناط وبعدم القول بالفصل بين مَن قصر نماء غلّته وبين مَن قصر كسبه يتمّ المطلوب، ولأنّ الأخبار الأُوَل يُفهم منها التحديد في الإعطاء إلى أن يحصل الغنى، والمفروض أنّ الغنى يحصل بالأقلّ وإن وقع مع الأكثر دفعةً لا تدريجاً، فيكون دفع الزائد مع ما يحصل به الغنى مشكلاً.
السادسة: دار السكنى على معتاده وعلى ما يناسب حاله، والخادم إذا كان من أهله على ما يناسب حاله من التعدّد والانفراد لا ينافيان صدق الفقر، ولا يمنعان من أخذ الزكاة؛ للإجماع المنقول(6)، والشهرة المحصّلة.
وقوله علیه السّلام- في الصحيح - : عمّن له دار أو خادم أو عبد يقبل الزكاة؟ قال: «نعم، إنّ الدار والخادم ليسا مالاً»(7).
وفي آخَر: جُعلت فداك، له دار تسوى أربعة آلاف درهم وله جارية وله غلام يستسقي
1) وسائل الشيعة 9 : 258 ، الباب 24 من أبواب المستحقين للزكاة -، ح 1.
2) المصدر : 259، ح 4.
3) مستدرك الوسائل 7 : 177 - 178، الباب 9 من أبواب الصدقة، ح 4.
4) نسبه الشهيد في البيان : 311 إلى القيل واستحسنه.
5) تقدم تخريجه في ص 133، الهامش (3).
6) تذكرة الفقهاء 5 : 275، المسألة 188
7) وسائل الشيعة 9 : 235 - 236، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 2.
على الجمل كلّ يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل، وله عيال، ألَهُ أن يأخذ من الزكاة؟ فقال: «نعم» قال: وله هذه العروض؟ فقال: «يا أبا محمّد، تأمرني أن آمره ببيع داره وهي عزّه ومسقط رأسه، أو ببيع جاريته التي تقيه الحرّ والبرد وتصون وجهه ووجه عياله، أو أمره ببيع غلامه أو جمله وهو معيشته وقوته، بل يأخذ الزكاة وهي له حلال، ولا يبيع داره ولا غلامه ولا جمله»(1).
ويلحق بهما فرس الركوب؛ لما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه، قال: سألته عن الزكاة أيعطاها مَنْ له الدابّة؟ قال: «نعم»(2).
والمفهوم من قوله علیه السّلام : «إنّ الدار والخادم ليسا بمال»(3)، ومن قوله علیه السّلام في الخبر المتقدّم(4)آنفاً: «فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم» ومن عدم أمره ببيع الأُمور المتقدّمة؛ لمكان ما ذكره من التعليل: أنّ الأمر يدور مدار الحاجة، فيستثنى ما مسّت إليه الحاجة من ثياب تجمّلٍ وكتبٍ علميّة إذا كان من أهلها، وظروف البيت وآلات للحرب إذا كان له عدوّ، وما يصنعه للضيوف إذا كان من أهلها أو لتوسعة أهله وعياله إذا كان من أهل التوسعة أو لأتباعه ومَنْ يلحق به إذا كان من أهل المعروفيّة والتردّد، ومهر التزويج بحسب احتياجه لما فوق الواحدة، وما يكون حُليّاً معتاداً لا تنفكّ النساء منه، وما يصرفه في مندوباته المأثورة من زيارات وبعض الصدقات وما يصانع به الظلمة إذا كان خائفاً على نفسه، وما يفي به ديونه الحالّة والمؤجَّلة، وغير ذلك ممّا يناسب حاله شرفاً وضعةً وزماناً ومكاناً.
ولو لم توجد أعيانها، استثني له أثمانها على نحو ما مرّ.
السابعة: يُصدَّق قول مدّعي الفقر بلا بينّةٍ ولا يمينٍ، عدلاً أو غير عدلٍ إذا جُهل حاله ولم يُعلم الغنى منه سابقاً، قويّاً كان أو ضعيفاً، على ظاهر الغنى أو على ظاهر الفقر؛ لفتوى المشهور، بل كاد أن يكون إجماعاً محصّلاً، وللإجماع المنقول(5)على تصديق قوله مطلقاً،
ولأنّ تكليفه بالبيّنة يستلزم العسر والحرج والمشقّة، ولأنّ قوله موافق للأصل فلا تطلب عليه البيّنة، وتكليفه باليمين خلاف المعهود من السيرة والطريقة، ولخلوّ الأخبار عن ذكر اليمين في مقام الحاجة.
ولما ورد من إعطاء السائل من فوق ظهر الفرس.(1)
ولما ورد من وفود رجل إلى الحسنين علیهما السّلام فصدّقاه بعد أن قالا له: «إنّ الصدقة لا تحلّ إلّا في دَيْنٍ موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع، فهل شيء من هذا؟» قال: نعم، فأعطياه(2).
وكذا لو علم الغنى منه سابقاً، فإنّ الأظهر أيضاً سماع قوله؛ لشمول الأدلّة المتقدّمة له - سوى الأصل - من غير معارضٍ، سوى استصحاب الحال السابق، وهو مقطوع بما ذكرنا، وشمول قوله علیه السّلام : «البيّنة على المدّعي واليمين على مَنْ أنكر»(3)وهو وإن كان شاملاً بعمومه اللغوي لكنّه غير شاملٍ له عرفاً؛ إذ المنساق من لفظ المدّعي والمنكر عرفاً هو ما وقع في مقام الخصومة، ودعوى مال آخَر بيد آخَر، أو شبه ذلك، كدعوى الإعسار في مقام التداعي.
ويزيد أيضاً على الاستدلال بشمول الأدلّة السابقة لذلك: ما ورد في كثير من أبواب الفقه من تصديق قول مَنْ يدّعي دعوى لا معارض لها، وهي ممكنة في حقّه، ومن أصالة حمل فعل المسلم على الصحّة الشامل لقوله عند خلوّه عن المعارض، كما ورد من تصديق النساء على فروجهنّ مع العلم بتقدّم التزويج لها وعدمه(4)، و من تصديق ما لا يُعلم إلّا من قِبَل المدّعى(5)، و من تصديق مَن ادّعى براءة ذمّته من الحقوق العامّة وإن كان بعد شغلها(6).
ومع ذلك فالأحوط عدم تصديقه إلّا إذا كان عدلاً، وأحوط منه: انضمام اليمين إلى قول العدل أيضاً، وأحوط منه: توقّفه على البيّنة العادلة؛ لتيقّن الخروج عن العهدة معها.
الثامنة: لا يجب إعلام المجتهد أو الساعي بأنّ المدفوع إليه زكاة، إلّا إذا توقّفت منهما النيّة على معرفة ذلك، أو توقّف إيصالها إلى أهلها على ذلك.
1) وسائل الشيعة 9 : 417، الباب 22 من أبواب الصدقة، ح 1.
2) المصدر : 211 ، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 6.
3) السنن الكبرى البيهقي 10 : 427، ح 21201.
4) وسائل الشيعة 21 : 30 - 32، الباب 10 من أبواب المتعة و 22 : 133، الباب 11 من أبواب أقسام الطلاق.... ح 1.
5) المصدر 27 : 273 - 274 ، الباب 17 من أبواب كيفيّة الحكم.... ح 1.
6) راجع المصدر 9: 129 - 130 و 133، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1، 7.
وكذا لا يجب إعلام الفقير، بل يكره إذا كان من أهل الحياء والعفاف، أو استلزم نقصاً بحقّه وذلّة؛ للأصل، وصدور الزكاة من أهلها في محلّها، مع عدم صلاحيّة علم الفقير بها للشرطيّة وعدمه للمانعيّة.
ولما ورد عن الباقر علیه السّلام في الزكاة: «أعطه ولا تسمّ له ولا تذلّ المؤمن»(1)وهي رواية معتبرة السند موافقة للأصل والعمومات وفتوى المشهور، بل كاد أن يكون مُجمعاً عليه، فيجب العمل عليها.
ولا يعارضها ما روي - في الحسن - عن محمّد بن مسلم: فيمن لا يقبل المال على وجه الصدقة يأخذه من ذلك ذمام (2)واستحياء وانقباض؟ قال : أفنعطيها إيّاه على غير ذلك الوجه وهي منّا صدقة؟ فقال: «لا ، إذا كانت زكاة فله أن يقبلها، فإن لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تعطها إيّاه».(3)
وهي ضعيفة؛ لقلّة العامل بها، وإعراض الأصحاب عنها، وإجمال متنها، واحتماله الكراهة، أو إرادة التجنّب عن الكذب في الإخبار عن وجهٍ ودفعها على وجهٍ آخَر، أو التجنّب عن شبهة الغنى في حقّ مَنْ لم يقبلها، أو غير ذلك.
التاسعة: لو دفع الزكاة إلى غير أهلها خطّاً بزعم أنّه أهلها، كأن دفع إلى مَنْ ظاهره الفقر فبانَ غنيّاً، أو مَنْ ظاهره الإسلام فبانَ كافراً، أو الإيمان فبانَ مخالفاً، أو العدالة فبانَ فاسقاً، أو غير مَنْ تجب نفقته فبانَ أنّه واجب النفقة، أو غير عبده فبانَ عبده، أو غير هاشميّ فبانَ هاشميّاً ولم يكن الدافع هاشميّاً، فهل تجزئ عنه مطلقاً، أو لا تجزئ مطلقاً، أو تجزئ إذا لم يقصّر في الفحص ودفع بطريقٍ شرعيّ من بيّنةٍ وشبهها، ولا تجزئ إذا لم يدفع بذلك الطريق؟ وجوه، أقواها التفصيل بين الدفع بطريقٍ شرعيّ واجتهادٍ فتجزئ عنه، وبين ما لم يكن كذلك، كأن أخذ بظاهر الحال أو لم يكن متفطّناً فلا تجزئ.
وتحقيق المسألة أنّ الدافع إمّا أن يُعلم المدفوع إليه أنّها زكاة ابتداءً أو يعلمها المدفوع إليه من خارجٍ أنّها كذلك، أو لا يعلم المدفوع إليه ذلك، بل أخذها على ظاهر الهبة والصدقة،
و على كلا التقديرين فإمّا أن تكون العين باقيةً أو تالفةً، وعلى التقديرين فإمّا أن يمكن استرجاعها عيناً أو مِثلاً أو قيمةً، أو لا يمكن.
فإن علم المدفوع إليه بأنّها زكاة، جاز للدافع استرجاعها إذا أمكنه الإرجاع، ووجب على المدفوع إليه إرجاعها؛ لأنّه غاصب عادٍ، ولا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه، ولا تجزئ عن الدافع إذا أبقاها له.
فإن كانت العين باقيةً أرجعها بنفسها، وإلّا فمثلها أو قيمتها، فإن لم يمكنه إرجاعها لمانعٍ من الموانع، أعاد الزكاة إن لم يجتهد حين الدفع؛ للأصل، ولضمانه مال الغير عند استيلاء يده عليه، والمفروض أنّه قد استولى على مال الفقراء فيضمنه لهم، وجواز دفعه على ظاهر الحال لا يرفع الضمان.
وللمرسل: في رجل يعطي زكاة ماله رجلاً وهو يرى أنّه معسر فوجده موسراً، قال: «لا يجزئ عنه»(1)وهو معتبر؛ لأنّ في طريقه ابن أبي عمير، وهو ممّن يصحّ منه ما يصحّ عنه.
خلافاً لمن اجتزأ بدفعه لاقتضاء الأمر الإجزاء، وهو ضعيف جدّاً.
نعم، لو دفع للمجتهد بالولاية عن الفقراء لا بالوكالة عنهم فدفعها المجتهد على ظاهر الحال، برئت ذمّة المالك؛ لإيصالها إلى محلّها، ولم يضمن المجتهد؛ لأنّه فعل ما أُمر به، ولا يترتّب على فعل ما أُمر به ضمان؛ للزوم العسر والحرج، واحتمال ضمانه من بيت المال ضعيف جدّاً.
وإن اجتهد حين الدفع فحصل له الظنّ الاجتهادي من القرائن والأمارات وإخبار المخبرين بتحقّق الشرط وحصوله، أجزأه الدفع وإن ظهر على خلاف ما اجتهد؛ لأنّه أدّى جهده وتكليفه، ولم يبقَ عليه شيء في طريق الوصول سيّما مع الانحصار، فتضمينه يؤدّي للعسر والحرج والضرر غالباً.
ويدلّ على عدم الضمان قوله علیه السّلام في خبر عبيد بن زرارة، قال: قلت له: رجل عارف أدى الزكاة إلى غير أهلها زماناً ، هل عليه أن يؤدّيها ثانيةً إلى أهلها إذا علمهم؟ قال: «نعم» قال: قلت: فإن لم يعرف لها أهلاً فلم يؤدّها أو لم يعلم أنّها عليه فعلم بعد ذلك؟ قال: «يؤدّيها لأهلها لما مضى» قال: قلت: فإن لم يعلم أهلها فدفعها إلى مَنْ ليس هو بأهل وقد كان طلب واجتهد ثمّ علم بَعْدُ سوء ما صنع؟ قال: «ليس عليه أن يؤدّيها مرّةً أُخرى»(2).
وعن الكافي و التهذيب عن زرارة مثله، إلّا أنّه قال: «وإن اجتهد فقد برئ، وإن قصّر في الاجتهاد في الطلب فلا»(1).
وما يورد على الاستدلال بها - من أنّ الاجتهاد إن أُريد به القدر المسوّغ للدفع ولو بسؤال الفقير فلا بأس به، ولكنّه راجع للقول بالإجزاء مطلقاً. وإن أُريد به الاجتهاد الحقيقي الحاصل من كثرة السؤال وتتبّع الأمارات فلا معنى له؛ لعدم وجوبه بهذا المعنى اتّفاقاً، ومن أنّ موردها الدفع إلى المخالفين، فلا تكون شاهدةً على جميع ما ذكرناه - ضعيف؛ لأنّ الاجتهاد لا يراد به غیر معناه، وجواز الدفع من دونه لا ينافي الضمان من دونه، فيجوز الدفع من دون اجتهادٍ، ولا يرتفع عنه الضمان إلّا بالاجتهاد، ولأنّ ورودها في أهل الخلاف لا ينافي الاستدلال بها على الإجزاء عند فقد جميع الشرائط بعد الاجتهاد؛ لتنقيح المناط، وتسوية الفقهاء بين الجميع فی الحكم بعد الاجتهاد كما يظهر.
نعم، لا يبعد استثناء ما لو ظهر عبداً لمالكٍ بعد أن اجتهد في معرفة أنّه غيره؛ لرجوع المال إلى مالكه، ولكنّ الفرق بين إرجاع المال إلى خزانة مولاه فيجب على المولى الإعادة، وبين إتلافه له فلا يضمن المولى هو الأقوى.
هذا كلّه إن علم المدفوع إليه أنّها زكاة، فإن لم يعلم حتّى تلفت منه فلا ضمان عليه. ولا يجوز للمالك تغريمه المثل أو القيمة، سواء صدّقه المدفوع إليه أم لم يصدّقه بعد أن كان عالمٍ بأنّها زكاة حتّى تلفت ولم يكن أعلمه، إلّا إذا كانت معزولةً متشخّصةً للزكويّة، فيقوى حينئذٍ القول بجواز تغريم وليّ الفقراء له؛ لأنّه مالهم.
نعم، هو يرجع على مَنْ غرّه.
وإن تجدّد له العلم والعين باقية، فإن صدّق الدافع وجب عليه إرجاعها؛ لبقائها على ملك مالكها، لأنّ ما نوى لم يقع، وما وقع لم يَنْوِ، وإن لم يصدّقه لم يجب عليه الدفع له، وكان له أن يأخذ بظاهر الحال من أنّها هبة وصدقة، وعلى مدّعي كونها زكاةً الإثباتُ. ولا يجب تصديقه هنا؛ لأنّه أبصر بنيّته، لوجود المعارض له من المدفوع إليه باعتبار قبضه على ظاهر الحال.
1) الكافي 3 : 546، ذيل الحديث 2 تهذيب الأحكام 4 : 103، ح 291؛ وعنهما في وسائل الشيعة 9 : 214، الباب 2 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 2.
نعم، يجوز للدافع مع بقاء العين استرجاعها بسرقة أو غيلة أو شبههما؛ لعلمه بعدم انتقال ماله عنه، فيجوز له استرداده حينئذٍ.
الصنف الثاني: العاملون عليها
وهمُ: الجُباة لها والسُّعاة لحفظها وجمعها وأخذها لإيصالها لأهلها. وهم لهم سهم منها؛ إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(1)، وكتاباً (2)وسنة(3).
ولا يعطى الهاشمي من سهم العاملين من غير خلافٍ أجده؛ لقوله علیه السّلام- في الصحيح -: «إنّ أُناساً من بني هاشم أتوا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله الله للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: يا بني عبد المطّلب، إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم».(4)
ولا يشترط في العامل الفقر؛ لأنّ استحقاقه من حيث العمل، ويستوي فيه الحُرّ والعبد بإذن المالك، ويعطى بحسب ما يرى الإمام، ولا يقدّر له شيء، كما هو لفظ صحيح الحلبي(5).
ولو كان الهاشمي عاملاً لزكاة بني هاشم، جاز له أخذ سهم العاملين.
ولو تعدّد العاملون، قسّم الإمام السهم على قدر العمل، وفي تقسيمه على قدر الرؤوس وجه قويّ.
ويقوى القول باشتراط العدالة فيهم؛ لمكان تأمينهم.
ولو استأجر الإمام شخصاً على العمل أو صالحه عليه من الزكاة أو من بيت المال، لم يكن من صنف العاملين.
ويظهر من بعض الأساطين إجراء حكم الصنف عليه من الشرائط والأحكام، وهو أحوط. ولا يشترط فيه أن لا يكون هاشميّاً أو غير ذلك.
وللعامل عزل نفسه بالأثناء إذا لم يعد على المال ضرر، بخلاف الأجير.
ويستحقّ العامل سهماً بمسمّى العمل عرفاً وإن انفسخ لجنونٍ أو لعارضٍ أو عزل نفسه على حسب ما يراه الإمام من السهم بخلاف الأجير، فإنّه يستحقّ بنسبة ما عمل.
ولو فسق العامل بعد عمله، أخذ سهماً على الأقوى، وفي الأثناء على إشكالٍ. وللعامل نصب عاملين تحت يده وأُجراء، ويدفع إليه بحسب ذلك إن لم يكن عمله مقصوراً، فإن كان مقصوراً أو مشروطاً عليه لم يجز له التجاوز والاستئجار.
ولو تمّ العمل فتلفت الزكاة من دون تفريطٍ، لم يكن له شيء، والمستأجر له أُجرته من بيت المال، إلّا إذا اشتُرطت عليه من الزكاة وجاز ذلك، فالظاهر أنّ الأُجرة تسقط، وكذا لو صولح على العمل بعوضٍ منها.
ويجري هذا السهم في الغيبة بأمر المجتهد، ولا يجوز تولّي المالك له ولا عدول المؤمنين، إلّا في مقام الضرورة، فلا يبعد جوازه.
الصنف الثالث: المؤلفة قلوبهم
وهُم - على ما في الأخبار : «قوم وحّدوا الله عزّ وجلّ، وشهدوا أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّداً رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، وهُم شُكاك في بعض ما جاء به محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فأمر الله نبيّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أن يتأ لّفهم بالمال والعطاء؛ لكي يحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه وأقرّوا به» كذا روى زرارة عن الباقر علیه السّلام(1)، أو أنّهم «قوم وحّدوا الله وخلعوا عبادة مَن دون الله، ولم تدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّداً رسول الله، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يتألّفهم ويعرفهم ويعلّمهم» كذا روي عن الباقر علیه السّلام(2)أيضاً، أو أنّهم «قوم وحّدوا الله، وخرجوا من الشرك، ولم تدخل معرفة محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قلوبهم» كذا روى موسى بن بكر عن رجلٍ عنه علیه السّلام(3)، إلى غير ذلك.
والمفهوم منها أنّ المؤلّفة قوم مسلمون شاكّون في بعض ما جاء به النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، أو قوم
دخلوا في الإسلام وتسمّوا به لكنّهم بَعْدُ لم تثبت لمعرفة النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في قلوبهم ولم يرسخوا على الإسلام والإقرار، فيُعطون سهماً من الزكاة ليرسخوا ويثبتوا على الإسلام.
وعلى ما في كلام الأصحاب: قوم كفّار يُستمالون بشيء من مال الصدقات إلى الإسلام ويتألّفون؛ ليستعان بهم على قتال أهل الشرك، ولا يعرف أصحابنا مؤلّفة أهل الإسلام، کذا عن الشيخ رحمه الله في المبسوط(1)، أو أنّهم ضربان مسلمون ومشركون، كذا عن المفيد رحمه الله(2)أو أنّهم مَنْ أظهر الدين بلسانه وأعان المسلمين وإمامهم بيده، وكان معهم إلّا قلبه، كذا عن ابن الجنيد(3)، أو أنّهم مسلمون ومشركون والمشركون ضربان: ضرب لهم قوّة وشوكة يُخاف منهم، فإن أعطوا كفّوا شرّهم وكفّ غيرهم معهم، وضرب لهم ميل إلى الإسلام، فيُعطون من سهم المصالح لتقوى نيّتهم في الإسلام ويميلون إليه، والمسلمون أربعة: قوم لهم نظراء، فإذا أُعطوا رغب نظراؤهم، وقوم في نيّاتهم ضعف، فيُعطون لتقوى نيّاتهم، وقوم من الأعراب فی أطراف بلاد الإسلام بإزائهم قوم من أهل الشرك، فإذا أُعطوا رغب الآخَرون، وقوم بإزائهم آخَرون من أصحاب الصدقات، فإذا أُعطوا جبوها وأغنوا الإمام عن عاملٍ، كذا عن المعتبر عن الشافعي، وفيه أنّه قال : ولست أرى بهذا التفصيل بأساً، فإنّ ذلك مصلحة، ونظر المصلحة موكول إلى الإمام(4).
والذي يظهر لي أنّ الجميع مؤلّفة، ولا اختصاص لهم بالمسلمين كما في الأخبار، بل ما في الأخبار هو أحد الأفراد، ولكنّه لكثرته زمن الصدور بيّن حاله الإمام علیه السّلام، كما تشعر به به أخبار أخَر، مثل قوله علیه السّلام : «هُم أكثر من ثلثي الناس»(5)وقوله علیه السّلام : «لم يكونوا قطّ أكثر منهم اليوم»(6)ولا بالكفّار، كما يظهر من المبسوط (7)، ولا بالمنافقين كما يظهر من ابن الجنيد (8)، بل هم الذين
انحرفت قلوبهم عن الإسلام أو المسلمين، فيراد تأليفها لإعانة المسلمين أو تقوية الإسلام والجهاد بين يدي النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أو الإمام علیه السّلام، كفّاراً كانوا أم مسلمين؛ جمعاً بين كلام الأصحاب والرواية، واستناداً لإطلاق الآية (1)، ولقوله علیه السّلام: «سهم المؤلّفة وسهم الرقاب عامّ، والباقي خاصّ» فيما رواه زرارة ومحمّد بن مسلم(2)، ويجوز أن يعطى جميع هؤلاء من سهم سبيل الله، فتقلّ الثمرة حينئذٍ، كما أنّه تقلّ ثمرة الخلاف في اختصاص هذا السهم بزمن النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أو جريانه لز من الأئمّة علیهم السّلام أو تسريته لزمن الغيبة، مع أنّ الظاهر بقاؤه إلى زمن الغيبة؛ أخذاً بإطلاق الآية والرواية، ولأنّه ثبت في زمن النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ولم يثبت نسخه، ولأنّه لا يختصّ بالجهاد كي يختصّ بزمانه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، على أنّ الجهاد وما هو بحكمه عامّ لزمن النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ولغيره، وقد بيّنا أن في الأخبار ما يدلّ على كثرتهم في زمن الأئمّة علیهم السّلام، ولا فرق بين زماننا وزمانهم.
نعم، لا يشمل موضوع المؤلّفة قلوبهم للمخالفين إذا دخلوا في الإيمان أو استميل منهم طائفة لقتال أخرى، ولا لباقي الفِرَق الضالّة بالنسبة إلى المؤمنين وإن أمكن الدفع إليهم لمصالح المؤمنين وحفظ بيضة الإيمان من سهم سبيل الله عزّ وجلّ.
الصنف الرابع: الرقاب
ومنهم مَنْ (3)عبّر «في الرقاب» تبعاً للآية(4).
والعدول عن اللام إلى «في» في الآية الشريفة؛ لبيان أنّ ما قبل هذا السهم المال لهم يملكونه بالدفع إليهم ويتصرّفون به كيف شاؤوا، وهذا السهم وما بعده يصرف المال فيهم، فكأنّهم ظرف له؛ لأنّه إما أن يصرف في نفس الجهة، كفكّ الرقاب وسهم سبيل الله، وإمّا أن يدفع لهم ليصرف في الجهة المقتضية لاستحقاقهم السهم، فكأنّ المصروف فيه ظرف للمصروف.
وقيل: إنّ العدول من اللام إلى «في» للتنبيه على زيادة التمكّن في الاستحقاق، حيث
إنّهم جُعلوا وعاءً للصدقة، فهُم أعرف من غيرهم(1).
وهو ضعيف؛ لأنّ الظاهر أنّ الأصل في مشروعيّة الزكاة هو الفقر والحاجة، والأصل فيهما هو الفقير والمسكين، والباقي متطفّل عليه؛ لحاجته، والفقير هو الذي يملك الزكاة في مال المالك ويشارك الأغنياء، كما دلّت عليه ظواهر الروايات(2)من أنّ الله تعالى جعل في أموال الأغنياء نصيباً للفقراء، ومن أنّ مَن اشترى بمال الزكاة وأعتق ورثه الفقراء، لأنّه اشتري بمالهم ولكن ملكه ليس على حدّ الأملاك المخلوقيّة الخاصّة، ولهذا لا يجب فيها التوزيع، ولا يجوز للفقير أن يهب حصّته قبل قبضها أو يصالح عليها، بل المالك هو نوع الفقير والمسكين، والفرد منه ليس له تصرّف كتصرّف المُلّاك في أملاكهم.
والرقاب أقسام:
الأوّل: المكاتبون، ويدلّ عليه في الجملة عموم الآية (3)، والإجماع بقسميه (4)، وقول الصادق علیه السّلام وقد سئل عن مكاتَبٍ عجز عن مكاتبته وقد أدّى بعضها، قال: «يؤدّى عنه من مال الصدقة، إنّ الله تعالى يقول: «وَفِي الرِّقابِ»(5).
ويشترط في الدفع إليهم أن لا يكون عندهم ما يفي بصرفه في مال الكتابة، فلو وجدوا ذلك لم يجز إعطاؤهم؛ لأنّ المفهوم من مشروعيّة الزكاة أنّها إنّما شُرّعت لسدّ الخلّة ورفع الحاجة، ولم أعثر على مخالفٍ في ذلك.
وهل يشترط العجز منهم عن الوفاء وعدم القدرة على التكسّب بما يفي ما عليهم أم لا؟ وجهان:
للأوّل: الاقتصار على مورد اليقين من الإطلاق وانصرافه لذلك، وعدم احتياجهم وفقرهم
إلى ذلك، والزكاة إنّما شُرّعت لرفعهما، والخبر المتقدّم (1)المشعر بالعجز.
وللثاني: الإطلاق، ومنع انصرافه للعاجز، وفكّ نفسه بالفعل حاجة وفقر، فلا تنافي مشروعيّة الزكاة، والخبر المشتمل على العجز إنّما اشتمل عليه في السؤال، فلا يدلّ على اشتراطه في الجواب، وهو الأقوى.
الثاني: العبيد تحت الشدّة؛ لعموم الآية(2)، والإجماع المنقول (3)، وفتوى المشهور.
والخبر المنجبر ولو بالشهرة: عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة والستمائة يشتري بها نسمة ويعتقها، قال: «إذاً يظلم قوماً آخَرين حقوقهم» ثمّ مكث مليّاً ثمّ قال: «إلّا أن يكون عبداً مسلماً في ضرورة فيشتريه ويعتقه»(4).
وليس في الرواية ما يدلّ على أنّ الثمن من سهم الرقاب، فيحتمل أنّه من سهم سبيل الله، ولكن ما يفهمه الأصحاب وتشمله عمومات الباب لا يجوز التخطّي عنه، على أنّ الثمرة قليلة جدّاً بعد عدم وجوب البسط.
الثالث: شراء العبد مطلقاً وإن لم يكن في شدّةٍ بشرط عدم وجود المستحقّ؛ للإجماع المنقول(5).
ولقوله علیه السّلام في رجلٍ أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد لها موضعاً يدفع ذلك إليه، فنظر إلى مملوكٍ يُباع فاشتراه بتلك الألف درهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه، هل يجوز ذلك؟ فقال: «نعم، لا بأس»(6).
وليس في الرواية ما يدلّ على أنّه من سهم الرقاب، إلّا أنّ فهم الأصحاب وظهور أنّ ذلك مصرف من المصارف يكون أمارةً على ذلك.
وأمّا التقييد بعدم وجود المستحقّ فهو من كلام السائل، ولا يدلّ على التقييد بكلام المسؤول،
إلّا أنّ الاقتصار على المورد اليقين يقضي به.
الرابع: عتق العبد مطلقاً، سواء كان تحت شدّةٍ أم لا؛ لعموم الآية(1).
والصحيح : مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه أشتريه من الزكاة وأُعتقه؟ فقال : «اشتره فأعتقه» قلت: فإن هو مات وترك مالاً؟ فقال: «ميراثه لأهل الزكاة؛ لأنّه اشتري بمالهم»(2).
وآخَر: عن رجل اشترى أباه من الزكاة زكاة ماله، قال: «اشترى خير رقبةٍ، لا بأس بذلك»(3).
وقد يُحمل المطلق في هذه الأخبار على المقيّد، فيخصّ الجواز فيما إذا كان العبد تحت الشدّة، أو مع عدم وجود المستحقّ، كما أفتى به المشهور، أو يبقى على إطلاقه ويدخل في سهم سبيل الله؛ لعدم التصريح في الرواية بأنّ الشراء من سهم الرقاب وإن كان الإطلاق والرخصة يقضيان بأنّ هذا سهم من الزكاة لهم، فيصحّ إدخالهم في سهم الرقاب، لكنّه خلاف المشهور، فالأظهر حينئذٍ أنّه إن بقي المطلق في الأخبار على إطلاقه كان من سهم سبيل الله، وإن تقيّد بما دلّ عليه الخبران المتقدّمان وفتوى المشهور كان من سهم الرقاب.
وعلى كلّ حال فالثمرة قليلة جدّاً بعد أن أجزنا عدم البسط.
الخامس: عتق رقبةٍ في كفّارةٍ - من نذر أو عهد أو قتل خطأ أو ظهار أو صيد - لزمت مؤمناً وليس عنده ما يفي بشرائها، كما أفتى به جماعة من الأصحاب(4)استناداً لعموم الآية(5)، وللمرسل: «وفي الرقاب: قوم لزمتهم كفّارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الأيمان وفي قتل الصيد في الحرم، وليس عندهم ما يكفّرون به وهم مؤمنون، فجعل الله تعالى لهم سهماً في الصدقات ليكفّر عنهم»(6).
وفي الجميع نظر؛ لضعف العموم في الفرد الخاصّ، وضعف المرسل سنداً ودلالةً؛ لعدم
التصريح فيه بالعتق، بل هو ظاهر بالتكفير مطلقاً، وإشعار تفسير «في الرقاب» به إشعار ضعيف لا يكون حجّةً في المقام، والتزام أنّ التخليص من الكفّارات كلّه فكّ رقبة للمكفّر، فيدخل تحت قوله تعالى: «وَفِي الرّقابِ»(1)التزام لا يلتزمه أحد، فالأقوى عدم عدّ هذا من أقسام الرقاب، بل إمّا أن يُعدّ من سهم الغارمين، فيعطى المال بيده ويشتري به رقبة ويعتقها؛ لأنّه مدين بها، أو من سهم سبيل الله إن لم يعط بيده وجوّزنا شراء المالك الرقبة من الزكاة وعتقها عمّن عليه كفّارة، ولكنّه لا يخلو من إشكالٍ.
فوائد:
الأُولى: جَعَل بعض المتأخّرين(2)فكّ الرقبة مطلقاً من الكفّارات من أقسام «في الرقاب» تمسّكاً بالمرسل المتقدّم (3)وإطلاق الآية (4)لشموله للحُرّ والعبد. وضعفه لا يحتاج إلى بيان.
الثانية: حصر بعض المتأخّرين(5)سهم الرقاب في المكاتبين وفي الكفّارات، وجعل غيرهما سهماً مستقلّاً مأخوذاً من جميع الأصناف، وردت به الرخصة ونطقت به الأخبار، وليس من الأسهم الثمانية التي دلّت عليها الآية الشريفة؛ بقرينة جعل ميراث العبد للفقراء، ولو كانت تلك الأقسام من سهم الرقاب لما ورث العبد المشترى فيها الفقراء؛ لأنّه ليس من حصّتهم، بل كان ينبغي أن يكون ميراثه للإمام علیه السّلام. وهو ضعيف:
أوّلاً: لالتزامه بما لا يقوله أحد من زيادة الأقسام على الثمانية إن جعله سهماً مستقلّاً، وإن جعله مقتطعاً من الأسهم الثمانية لزم أن يكون فيه جزء من ثمانية للفقراء يرثونه هُم، والباقي يكون ميراثه للإمام علیه السّلام، والمفروض أنّ الرواية دلّت على أنّ جميع ميراثه للفقراء.
وثانياً: إنّا بيّنّا أنّ الأصل في الزكاة كونها للفقراء، وباقي الأصناف متطفّلة عليها، فلا منافاة حينئذٍ بين كون العتق من سهم الرقاب وكون ميراث المعتق للفقراء.
وثالثاً: أنّه من المقطوع به جواز العتق في هذه الأقسام من سهم «في سبيل الله» مع أنّ هذا السهم ليس للفقراء، فينبغي أن لا يكون ميراثه لهم، مع أنّ الرواية وكلمات الأصحاب مطلقة في كون الوارث هم الفقراء.
الثالثة: يجوز الدفع إلى السيّد في فكّ المكاتب، ويجوز الدفع إليه ليفكّ نفسه بإذن السيّد وبدونه، ويجوز الدفع قبل حلول النجم وبعده، كلّ ذلك للإطلاق.
ولو دفع المال للمكاتب ففكّ المكاتب من دافعٍ آخَر متبرّع أو من المالك إبراءً له قبل دفعه إلى سيّده، احتُمل جواز الرجوع فيه؛ لفوات ما عيّنه الشارع مصرفاً له، واحتُمل العدم؛ لوصوله من أهله إلى محلّه، والأمر يقضي بالإجزاء، واحتُمل الأوّل إن نوى الجهة الخاصّة حين الدفع، والثاني إن أطلق.
والأقوى جواز الرجوع مطلقاً؛ لعدم ملك العبد له بالقبض، وعدم صرفه في جهته. نعم لو قلنا: إنّ العبد يملك كالغارم فدفع له، لم تؤثّر نيّة الجهة بعد ثبوت الملك؛ لأن الملك لا يكون على جهةٍ دون جهةٍ.
ولو دفع للمكاتب ما لا يفي بفكّه في المشروط فعجز عن الإتمام بعد أن دفعه إلى السيّد، احتُمل وجوب استرجاعه منه، لانكشاف عدم ملكه له لعدم حصول غايته، واحتُمل عدمه؛ لصدوره من أهله في محلّه، والأمر يقضي بالإجزاء.
والأوّل أحوط، والثاني أقوى.
الصنف الخامس: الغارمون
وهُم المدينون في غير معصيةٍ، ويدلّ عليه الكتاب (1)والإجماع بقسميه(2)، والأخبار: فمنها: أنّ الله عزّ وجلّ يقول: «فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ»(3)أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله تعالى فى كتابه ألها حدُّ يُعرف؟ - إلى أن قال - قال: «نعم ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى
الإمام علیه السّلام فيقضي عنه ما عليه من الدَّين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله، فإن كان أنفقه في معصية الله تعالى فلا شيء على الإمام له»(1).
ومنها: «أيّما مؤمن أو مسلم مات وترك دَيناً لم يكن في فسادٍ ولا إسرافٍ فعلى الإمام أن يقضيه، فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك، إنّ الله تبارك وتعالى يقول: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ(2)»(3)إلى آخره.
ومنها: أنّ عليّاً علیه السّلام كان يقول: «يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دَينهم كلّه ما بلغ إذا استدانوا في غير إسرافٍ»(4).
ومنها: الصحيح: عن رجلٍ عارف فاضل تُوفّي وترك دَيناً لم يكن بمفسدٍ ولا مسرفٍ ولا معروف بالمسألة، هل يُقضى عنه من الزكاة الألف والألفان؟ قال: «نعم»(5).
ومنها: «وإن غلب عليه فليستدن على الله وعلى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ما يقوت به عياله، فإن مات ولم يقضه كان على الإمام قضاؤه، فإن لم يقضه كان عليه وزره إنّ الله عزّ وجلّ يقول: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ» إلى قوله : «وَالغَارِمِينَ»(6)وهو فقير مسكين مغروم(7)»(8).
والمغروم والغارم: المديون، والغريم المديون والدّيّان، والغرم: الدَّين، كما نصّ عليه أهل اللغة(9).
وهنا فوائد :
الأولى: يشترط في جواز دفع الزكاة للغارمين أن لا تكون استدانتهم في معصيةٍ؛ لفتوى
1) تهذيب الأحكام 6: 185 - 186. ح 385.
2) التوبة (9) : 60.
3) مستدرك الوسائل 7 : 127، الباب 27 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
4) وسائل الشيعة 9 : 261 الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 10.
5) المصدر : 295، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
6) التوبة (9) : 60.
7) «مغروم» كذا في النسخ. وفي المصدر : «مغرم».
8) وسائل الشيعة 9 : 296 ، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 4.
9) الصحاح 5 : 1996؛ القاموس المحيط 4 : 158 : لسان العرب 12 : 436، «غ ر م».
المشهور، والإجماع المنقول (1)، والأخبار المنجبرة المعتبرة المتقدّمة.
والمراد بالاستدانة في المعصية هو ما إذا أنفق الدَّين في المعاصي وإن نوى عند الاستدانة غيرها، بل نوى الطاعة.
ولو نوى عند الاستدانة المعصية وصرفه بعد ذلك في طاعةٍ، لم يكن ممنوعاً من إعطاء الزكاة، وكذا لو كان نفس الاستدانة معصيةً ولكن كان الإنفاق في طاعةٍ. والأحوط إلحاق المُنفق سرفاً وتبذيراً في المنفق(2)في معصية؛ لظاهر بعض الأخبار(3)، والاحتياط.
وجوّز المحقّق الدفع للمستدين في معصيةٍ إذا تاب(4)تمسّكاً بالعموم، واستضعافاً للأخبار ولما يقال من أنّ إعطاءه إعانة على الإثم؛ لارتفاع الإثم بالتوبة.
وفي الكلّ نظر؛ لوجوب حمل العامّ على الخاصّ، ولقوّة الأخبار بفتوى الأخيار، ولأنّه إن لم يكن إعانة على الإثم فهو إغراء به، وفي تركه ردع لأهل المعاصي. الثانية: يعتبر في الغارم أن يكون غير متمكّنٍ من الأداء كلّاً أو بعضاً، فلو تمكّن من الأداء والوفاء لم يقض عنه؛ لأنّ الحاجة والفقر ممّا شُرّعت عليها الزكاة قطعاً، فإعطاؤها لمجرّد وصف الغارم وإن كان غنيّاً ينافي ذلك.
وجوز العلّامة رحمه الله دفع الزكاة للغارم وإن كان غنيّاً متمكّناً من الوفاء بماله لكنّه لو وفى منه عاد فقيراً(5)وذلك لانتفاء الفائدة في دفع ما يفي به الدِّين أوّلاً وأخذ الزكاة ثانياً، دون العكس.
واستقر به بعضهم (6)لإطلاق الآية(7)، والصدق عدم التمكّن عرفاً، وهو الأظهر؛ لما قدّمنا أنّ مَنْ مَلَك مؤونة السنة وكان مديوناً لا يجري عليه أحكام الغنى، فيجوز أن يعامل معاملة
الفقراء حينئذٍ، فله أن يأخذ من سهم الفقراء للدَّيْن وله أن يأخذ من سهم الغارمین.
وكونه متمكّناً من وفائه لا ينافي احتياجه إليه لحفظ ما بيده من مؤونة سنته، وليس في الأخبار ما ينافي ما ذكرناه أيضاً، ولكنّ الأحوط عدم الدفع إليه من سهم الغارمين.
الثالثة: المضطرّ إلى صرف ما استدانه في المعصية، والمجبور والناسي والجاهل بالموضوع بل الجاهل بالحكم مع عدم التفطّن على الأظهر لا يدخلون تحت عنوان الاستدانة في المعصية.
ومَنْ جهل حاله أو جهل حال نفسه جاز الدفع إليه من دون وجوب الاستفسار في الأوّل، وجاز أن يأخذ من دون وجوب التفحّص عن حال نفسه، كلّ ذلك لأصل الصحّة في تصرّف المسلم، وللزوم العسر والحرج في الاستفسار والتفحّص؛ لصعوبة الاطّلاع على النيّات وعلى موارد جزئيّات التصرّفات، ولظهور الأخبار في أنّ المدار على حسن الظاهر في جميع الأحوال والأطوار، ولإشعار قوله علیه السلام في الخبر: «لم يكن بمفسدٍ ولا بمسرفٍ»(1)، وقوله: «لم يكن في فسادٍ ولا إسرافٍ»(2)في ذلك(3)للقطع بعدم علمهم بجميع الجزئيّات الصادرة من الشخص، بل إنّما حكموا بذلك من جهة حسن الظاهر.
وعن الشيخ القول بالمنع عند عدم العلم بالمصرف(4).
وربّما كان مستنده رواية محمّد بن سليمان، وفيها: قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه، في طاعة الله عزّ وجلّ أم في معصيته؟ قال: «يسعى له في ماله، ويردّه عليه وهو صاغر»(5).
وهي ضعيفة سنداً ودلالةً؛ لإجمال «هو» بين الدافع والمدفوع إليه، ولعدم منافاة السعي لجواز الدفع والأخذ، ولعلّ من أفراده سؤال الإمام علیه السّلام.
وقد يؤيّد المنع بأنّ الشرط في جواز الدفع من سهم الغارمين كون المصروف فيه طاعةً،
والشكّ في الشرط شكٌّ في المشروط.
وفيه: منع كون الشرط الصرفَ في الطاعة، بل الصرف في المعصية هو المانع، والأصل عدم المانع.
وتعليق الجواز في الأخبار على ما إذا كان الصرف في الطاعة(1)لا يراد به بيان الشرطيّة، بل بيان أنّ بها ترتفع المانعيّة، كما هو ظاهر من سياقها، على أنّ أصالة الصحّة لفعل المسلم تصيّره طاعةً إن لم يكن في الاسم فهو طاعة في الحكم؛ تنزيلاً لما قضى به الأصل منزلة الواقع، كشهادة العدل وخبر ذي اليد، فيصدق على المجهول صرفه أنّه صرف في طاعةٍ بالأصل، ويجب اتّباعه بشهادة التتبّع والاستقراء.
الرابعة صرّح جمعٌ من الأصحاب(2)بأنّ الغارم إمّا لمصلحة نفسه فيشترط فيه الفقر والاحتياج إلى القضاء، وإمّا لمصلحة ذات البين بين شخصين أو قبيلتين لقتل بينهما لم يظهر قاتله أو إتلاف مالٍ كذلك، فهذا يُعطى غنيّاً كان أو فقيراً؛ لقوله علیه السّلام : «لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلّا خمسة: غازٍ في سبيل الله، أو عامل عليها، أو غارِم، وذكر رجلاً تحمّل حمالة»(3).
وفيما ذكروه نظر؛ لمنع اشتراط الفقر أوّلاً، والاكتفاء بالاحتياج إلى الوفاء والقضاء في جواز الدفع من سهم الغارمين، ولا ينافي ذلك كون الزكاة إنّما شُرّعت لرفع الخلّة والاحتياج لتحقّقهما بذلك. ومنع جواز الدفع للغنيّ إذا كان متمكّناً من الوفاء بما يزيد على مؤونة سنته لما استدانه في إصلاح ذات البين؛ لعدم الدليل عليه سوى الرواية المتقدّمة، وهي ضعيفة سنداً ودلالةً.
ولا يتفاوت الحال في ذلك بين أن ينوي عند دفعها الرجوع إلى الزكاة أم لا.
نعم، يجوز في الابتداء الدفع من سهم السبيل لإصلاح ذات البين وشبهه، وذلك حكمٌ آخَر.
وقد يقال بجواز أخذ المجتهد من سهم الغارمين أو من سهم «في سبيل الله» لو دفع مالاً في المصالح العامّة بنيّة الرجوع على الحقوق العامّة من ماله أو من مال غيره مستديناً له؛
لتنزيله منزلة القرض لأهل الجهة، فيقبل عنهم بالولاية عند الوفاء، ولكنّه يحتاج إلى فقهٍ متين وفقاهةٍ واسعة.
الخامسة : لو كان له دَيْنٌ على الفقير جاز له مقاصّته به من الزكاة، بمعنى جعلها للفقير وقبضها لنفسه عن دَينه مقاصّةً له، أو بمعنى عزلها زكاةً وقبضها عن دَينه الذي في ذمّة الفقير مقاصّةً، أو بمعنى جعل نفس ما في ذمّة الفقير زكاةً عما هو مطلوب به؛ لأنّ ما في الذمة بمنزلة المقبوض.
والجميع مخالف للقواعد، لكنّه بالمعنى الأخير دلّت عليه الأخبار(1)، وفتوى مشهور الأصحاب، والإجماعات المنقولة(2).
وقد يُستخرج المعنى الأوّل أيضاً من الأخبار المشتملة على لفظ «المقاصّة» كقوله علیه السّلام - في الموثّق : سألته عن الرجل يكون له الدَّين على رجلٍ فقير يريد أن يعطيه من الزكاة، فقال: «إن كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من الدَّين من عرض من دار، أو متاع من متاع البيت، أو يعالج عملاً يتقلّب فيه لوجهه فهو يرجو أن يأخذ ماله عنده من دَينه فلا بأس أن يقاصّه بما أراد أن يعطيه من الزكاة أو يحتسب لها عليه، وإن لم يكن عند الفقير وفاء ولا يرجو أن يأخذ منه شيئاً فليعطه من زكاته ولا يقاصّه بشيء من الزكاة»(3)ففيها دلالة على المعنى الأوّل والأخير.
وممّا ظاهره المعنى الأوّل: الصحيح سألت أبا الحسن علیه السّلام عن دَينٍ لي على قومٍ قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة، هل لي أن أدعه وأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال: «نعم»(4).
والآخَر قال: فيجيئني الرجل فيسألني الشيء وليس هو إبّان زكاتي، فقال له الصادق علیه السّلام : «القرض عندنا بثمانية عشر، والصدقة بعشرة، وماذا عليك إذا كنتَ موسراً أعطيته، فإذا كان إبّان زكاتك احتسبتَ بها من الزكاة»(5).
وهل يجوز الاحتساب على مَنْ مَلَك مؤونة السنة لكنّه بحيث لو دفع دَينه لعاد فقيراً، أم لا؟ وجهان: الجواز؛ لما قدّمناه من قلّة الفائدة وصدق الفقر وعدم التمكّن عرفاً، ومن ظهور(1)الأخبار المتقدّمة في الفقر، كقوله - في الموثّق : يكون له الدَّين على رجلٍ فقير(2)وظاهره غير المالك لمؤونة السنة، وقوله - في الصحيح -: «لا يقدرون على قضائه»(3)وقوله في الآخَر: «فيسألني»(4)، وظاهر السؤال أنّه إنّما يكون عند الحاجة، ولكن لمّا كان ذلك كلّه في كلام السائل، وكان مَنْ عليه دَينٌ يحتسب دَينه من المؤونة ولا يخرج عن مسمّى الفقر عرفاً كان جواز الاحتساب أقوى.
فما حكم به بعض المتأخّرين(5)- من منع دفع الزكاة لمن ملك مؤونة السنة وكان عليه دَين لو وفاه عاد فقيراً، ومنع جواز الاحتساب عليه؛ لأنّه غنى شرعاً - لا أرى له وجهاً معتدّاً به بعد أن جعلنا الدَّين من المؤن.
السادسة: يجوز دفع الزكاة في دَين الميّت واحتسابه عليه منها قريباً أو بعيداً، واجب النفقة أم لا، من سهم الغارمين أو من سهم الفقراء؛ لفتوى الأصحاب، وللأخبار:
منها رواية يونس بن عمّار قال: قرض المؤمن غنيمة وتعجيل أجر، إن أيسر قضاك وإن مات قبل ذلك احتسب به من الزكاة»(6).
ومنها عن الصادق علیه السّلام قال: قرض المؤمن غنيمة وتعجيل خير، إن أيسر أدّى وإن مات احتسب به من الزكاة»(7).
ومنها: الصحيح: رجل حلّت عليه الزكاة ومات أبوه وعليه دَين، أيؤدّي زكاته في دَين أبيه، وللابن مال كثير؟ قال: «إن كان أبوه أورثه مالاً ثمّ ظهر عليه دَين لم يعلم به يومئذٍ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته، وإن لم يكن أورثه
مالاً لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دَيْن أبيه، فإذا أدّاها من دَين أبيه على هذه الحالة أجزأت عنه»(1).
ويظهر من هذه الرواية اشتراط قصور التركة عن وفاء الدَّين في جواز الوفاء عن الميّت والاحتساب عليه.
وهي وإن كان موردها الأب لكنّه لا قائل بالفرق، وهو الأوفق بالقواعد؛ لأنّ التركة على حكم مال الميّت إذا تعلّق بذمّة الميّت دَيْن؛ لعدم انتقالها للوارث قبل وفائه؛ لقوله تعالى: «ومِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنِ»(2).
وبهذا ظهر ضعف مَنْ أجاز دفع الزكاة عن دَين الميّت واحتسابها عليه مطلقاً؛ استناداً لعموم أدلّة جواز الاحتساب، ولأنّ التركة تكون ميراثاً فيكون الميّت عاجزاً، فيجوز الدفع في دَينه والاحتساب عليه.
نعم، لو تعذّر استيفاء دَين الميّت من تركته؛ لعدم إثباته أو لامتناع أهله، فلا يبعد الجواز.
السابعة: يجوز وفاء دَين القريب، واجب النفقة أم لا؛ للأخبار(3)الدالّة على ذلك. والمنع من إعطاء واجب النفقة من الزكاة يُراد به ما إذا دفع لهم في الواجب من نفقتهم، كما سيأتي(4)إن شاء الله تعالى، كما يشعر به قوله علیه السلام: «لأنّه عياله اللازمون له»(5).
الثامنة: يُصدَّق مدّعي الغرم على الأظهر ؛ لادّعائه دعوى لا معارض لها بالخصوص، والأحوط طلب البيّنة؛ لإمكان إقامتها سيّما لو لم يصدّقه الغريم.
التاسعة: لو دفع إلى الغارم من سهم الغارمين ما يفي به دَينه فاتّفق أن أبرأه الغريم أو وفاه شخصٌ آخَر، لم يرتجع به على الأظهر؛ لأنّه ملكه إن لم يكن عزله على أنّه زكاة، فإن عزله فلا يبعد جواز الارتجاع مطلقاً، وكذا لو صرفه في غير الدَّين.
ولو ادّعى الغرم فبانَ كذبه ودفع إليه من سهم الغارمين وعلم بذلك، ارتجع به مع بقاء
العين وتلفها إذا عزلها قبل ذلك، فإن لم يعزلها وكان فقيراً احتُمل جواز الرجوع؛ لعدم تحقّق مصرفها، وعدمه لملكه ذلك، ولا يكون الملك على جهةٍ خاصّة، وهو الأظهر.
ولو لم يعلم بذلك، لم يرجع إليه مع التلف ويرجع إليه مع بقاء العين إذا صدّقه على الأظهر ولم يكن عزلها على أنّها زكاة.
ولو عزل المال على أنّه زكاة، فلا يبعد جواز رجوع وليّ الفقراء على المدفوع إليه مطلقاً لو تبيّن عدم غرمه، أو عدم كون دَينه في طاعةٍ مع التلف وبدونه، مع العلم بأنّها زكاة وبدونه. إلّا أنّه مع الجهل لو رجع إليه رجع على الدافع.
الصنف السادس: سبیل الله تعالى
للإجماع بقسميه(1)، والكتاب(2)، والسنّة.
وهو أُمور:
أحدها: الجهاد بين يدي النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم والإمام الحمل الكفّار على الإسلام، إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(3).
ويلحق به أيضاً الجهاد إذا دهم عدوٌّ يخشى على بيضة الإسلام منه.
ويدفع هذا السهم للغني من الغزاة والفقير، كلّ بقدر ما يكفيه من نفقة وسلاح وركوب، ولا يسترجع منه بعد الرجوع من الجهاد وإن لم يغنموا؛ لملكه له بالعمل المقابل، ويسترجع منه لو دفع إليه ولم يجاهد اضطراراً أو اختياراً أو لانتفاء موضوعه.
ثانيها مصالح المسلمين العامّة من بناء مساجد وقناطر وسور للبلد المضطرّ إليه وجسر للعبور وخانات ودور للمتردّدين وحمّامات للزوّار، وحفر أنهار وقنوات، وبناء علامات في الطرق لمعرفة الطريق، ووضع أشجار ونخل للمارّين من المسلمين، ووقف كتب علم وبئر ومدارس، وغير ذلك على الأظهر الأشهر؛ لعموم الآية(4)، والمرسل في تفسيرهم: «أنّهم قوم
يخرجون إلى الجهاد وليس عندهم ما ينفقون به، أو قوم مؤمنون ليس عندهم ما يحجّون به، أو في جميع سُبل الخير»(1).
ثالثها: جميع سُبل الخير من معونة الزائرين وإحجاج المؤمنين وتقوية المتعبّدين ومعونة خدّام الحضرة المقرّبين لربّ العالمين وطلبة العلم المؤدّي إلى معرفة شريعة سيّد المرسلين، وكلّ ما فيه ثواب - كتزويج عزّاب - أو تقرّب؛ لعموم الآية(2)، والمرسل(3)المنجبر، وما جاء في جواز صرف الزكاة في الحجّ (4)، ولا قائل بالفرق. نعم، يشترط في هذا الاحتياجُ إلى المعونة؛ لما دلّ على أنّ الزكاة لرفع الحاجة وسدّ الخلّة(5)، ولما يُفهم من سياق الأخبار الأخَر.
ولا يشترط في المدفوع إليه الفقر، بل لو كان غنيّاً لكنّه يحتاج في فعل القربة إلى معونةٍ، جاز الدفع إليه.
ولو كان غنيّاً لكنّه إن دفع من ماله لفعل المثوبة عاد فقيراً، فلا يبعد جواز الدفع إليه؛ لعدم الفائدة، والأحوط ترك ذلك.
ومَنَع جمعٌ من أصحابنا (6)من الدفع لغير المجاهدين؛ لظهور الآية (7)فيهم، وضعف المرسل(8)، ولما جاء في الوصيّة لمن أوصى بمالٍ في سبيل الله أنّه يصرف في الجهاد(9).
والكلّ ضعيف؛ لمنع ظهور الآية، ومنع ضعف المرسل بعد انجباره، ومنع العمل بما جاء في ذلك؛ لموافقة العامّة، أو لخصوصيّةٍ في الوصيّة، وقد ورد: «سبيل الله شيعتنا» وورد: سبيل الله الحجّ في الأخبار(10).
1) منها : ما في وسائل الشيعة 9 : 211 - 212 ، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 7.
2) التوبة (9) : 60 .
3) تقدم أنفاً.
4) وسائل الشيعة 9: 290، الباب 42 من أبواب المستحقّين للزكاة.
5) راجع المصدر : 10 - 11 ، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة...ح 2 - 4.
6) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 241؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 184؛ والديلمي في المراسم : 132 - 133.
7) التوبة (9) : 60
8) راجع الهامش (1) .
9) وسائل الشيعة 19 : 341، الباب 33 من أبواب كتاب الوصايا، ح 4.
10) المصدر : 338 - 339، الباب 33 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1، 2.
الصنف السابع: ابن السبيل
للإجماع بقسميه(1)والكتاب(2)، والسنّة(3).
وهو المنقطع به في غير بلده كما في المرسلة حيث فسّرته «بأبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله تعالى فيقطع عليهم ويذهب مالهم فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات»(4).
ويشترط فيه أن لا يكون سفره معصيةً، فلو كان سفره معصيةٌ مُنع؛ للإجماع المنقول(5)، والشهرة المحقّقة، وظاهر المرسل المتقدّم (6)حيث قيّد الأسفار فيه بطاعة الله تعالى.
ويراد بالطاعة ما قابل المعصية كما فهم الأصحاب، ويساعده العرف؛ لتسمية فاعل المباح مطيعاً، ولا أقلّ أنّه مجاز مشهور قرينته فتوى المشهور وعمل الجمهور.
ولو تاب في أثناء السفر وضرب في الأرض دخل تحت ابن السبيل المسافر في طاعةٍ.
ولو كان ابن السبيل غنيّاً في بلده ويقدر على الاستدانة والتحويل، احتُمل جواز الدفع إليه؛ لعموم الأدلّة. واحتُمل عدمه؛ لأنّ الزكاة إنّما شُرّعت لسدّ الخلّة ورفع الحاجة، فلو قدر على بيع ماله أو الاستدانة عليه أو غير ذلك لم يكن محتاجاً، وهذا أقوى إذا سهل ما ذكرناه على ابن السبيل من دون مهانةٍ.
ويعطى قدر ما يكفيه لحاجته.
ولو أُعطى فتمكّن من ماله قبل التصرّف، احتُمل جواز الإرجاع، وعدمه أظهر.
وألحق بعضُهم(7)بابن السبيل الضيفَ.
وألحق الإسكافي به المُنشئ للسفر الواجب والندب(8).
1) منتهى المطلب 8: 356
2) التوبة (9) : 60
3) وسائل الشيعة 9 : 211 - 213 ، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 7.
4) المصدر.
5) مدارك الأحكام 5 : 236.
6) آنفاً.
7) المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1 : 150؛ والمختصر النافع : 119؛ والمعتبر 2 : 578.
8) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 82، المسألة 55.
ولا يخفى ضعف الثاني؛ لندوره، وعدم دخوله تحت إطلاق لفظه ومعارضته للمرسل المتقدّم(1).
وأمّا الأوّل: فإن دخل في وصف المحتاجين للضيافة فلا بأس به؛ لدخوله تحت العموم، وإن لم يكن كذلك فالظاهر عدم جواز احتساب ما يقدّمه إليه من الزكاة، فلا فرق حينئذٍ بينه وبين ابن السبيل.
وما نُقل من الفرق عن بعض الفضلاء أنّ الضيف ينزل إليك بخلاف ابن السبيل(2)، ممنوع؛ لعدم وضوح مأخذه عرفاً وشرعاً، سوى مرسلة رواها جماعة من القدماء(3)، وإرسالها يمنع من العمل بها، سيّما وظاهر مَن نقلها ترك العمل بها، والمفيد رحمه الله أرجعها للمختار(4).
والظاهر أنّ هذه الأصناف مقوّمة للزكاة، فلو دفع في صنفٍ فبانَ المدفوع إليه من صنفٍ آخَر ارتجعه مع العلم، إلّا أن يكون الصنف داعياً لا مشخّصاً للمدفوع، فتأمّل جيّداً.
وفيه أُمور:
أحدها: الإيمان
وهو الاعتقاد بالنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وبما جاء به إجمالاً وبالأئمّة الاثني عشر وبما جاؤوا به إجمالاً، وعدم إنكار ضروريٍّ من ضروريّات الدين، أو ضروريٍّ من ضروريّات المذهب، كعصمة الأئمّة علیهم السّلام وكونهم هؤلاء المعلومين.
ولا يشترط معرفة أسمائهم ونسبهم، بل يكفي الإيمان بالاثني عشر المعلومين علیهم السّلام في نسبة الإمامة إليهم.
ولا يشترط استناد القطع إلى الدليل في إمامتهم، بل يكفي سكون النفس من التسامع والتظافر والإخبار بالمعجزات واجتماع أهل الوقوف من العلماء الثقات.
والدليل على اشتراط الإيمان الإجماعُ بقسميه: محصّلاً ومنقولاً(1)، وقولُه تعالى: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»(2)ودفع الزكاة موادّة؛ لأنّها شُرّعت لدفع الخلّة وسدّ الحاجة، والمخالف محادد لله ولرسوله ضرورةً، حتّى زعم جمعٌ من أصحابنا أنّهم نصّاب كفّار نجسون(3)، وتجري عليهم أحكام الكفر في الدنيا والآخرة.
والاخبار:
ومنها: الصحيح: فيمن لا يعرف هذا الأمر، قال: «كلّ عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثمّ مَنَّ الله تعالى عليه وعرّفه الولاية فإنّه يؤجر عليه إلّا الزكاة، فإنّه يعيدها، لأنّه وضعها في غير موضعها لأنّها لأهل الولاية»(1).
وفي صحيح آخَر: فيمن لا يعرف هذا الأمر ثمّ يتوب، قال: «ليس عليه إعادة شيء من ذلک غير الزكاة، لا بدّ أن يؤدّيها؛ لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها، لأنّ موضعها أهل الولاية»(2).
وفي آخَر: فيمن له قرابة محتاجون غير عارفين أيعطيهم من الزكاة؟ قال: «لا، ولا كرامة»(3).
وفي آخَر في الزكاة، قال: «حرام(4)أموالنا وأموال شيعتنا على عدوّنا»(5).
ومع ذلك فهو شرط في غير سهم المؤلّفة قلوبهم، وبعض أفراد سهم سبيل الله قطعاً في الأوّل، وعلى الأظهر في الثاني.
فوائد:
الأولى: لو فُقد المؤمن وجب الانتظار بها وإبقائها أمانةً يوصي بها بطناً بعد بطنٍ وظهراً بعد ظهر إذا لم يتمكّن من صَرفها في جميع الأصناف.
وفي بعض الأخبار: أنّه «إن لم تصب لها أحداً من أهل الولاية فصرّها واطرحها في البحر»6 .
وهو محمول على القطع بعدم التمكّن من صَرفها أبداً، أو على المبالغة، وهو الأظهر. وقيل بجواز دفعها إلى المستضعف من أهل الخلاف(6)، وهو الذي يتديّن بدينهم صورةً ولكنّه لا يعاند الحقّ ولا يعترف به؛ للخبر فيمن لم يحضره أحد من أهل الولاية ولم يجد مَنْ يحملها إليهم، قال: «يدفعها إلى مَنْ لا ينصب» قلت: فغيرهم؟ قال: «ما لغيرهم إلّا الحجر»(7).
1) وسائل الشيعة 9 : 216 ، الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
2) المصدر، ح 2.
3) المصدر : 248. الباب 16 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 2.
4) في المصدر : « إنّ الله عزّ وجلّ حرّم...».
5) المصدر : 223 - 224 ، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 8.
6) حكى القول بذلك المحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 580 من دون تعيين قائله.
7) وسائل الشيعة 9 : 223 ، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح .
نعم، أجاز الشيخ رحمه الله(1)وأتباعه(2)دفع زكاة الفطرة للمستضعف مع عدم وجود المؤمن؛ لورود بعض الأخبار بذلك:
فمنها: الصحيح: عن زكاة الفطرة أيصلح أن تعطى الجيران والظئورة ممّن لا يعرف ولا ينصب؟ قال: «لا بأس بذلك إذا كان محتاجاً»(3).
وفي آخَر: عن زكاة الفطرة: «فإن لم تجد مسلماً فمستضعفاً(4).
وفي آخَر: عن صدقة الفطرة أُعطيها غير أهل ولايتي من جيراني؟ قال: «الجيران أحقّ بها لمكان الشهرة»(5)بحمل المطلق منها على المقيّد بعدم وجود المؤمن.
وهو ضعيف؛ لمعارضة هذه الأخبار بأخبار أُخَر(6)بعيدة عن التقيّة، منجبرة بفتوى المشهور، مؤيّدة بالاحتياط معتضدة بالإجماع المنقول(7)، موافقة للعمومات المانعة عن دفع الزكاة مطلقاً لغير أهل الإيمان:
ففي الصحيح: عن الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف؟ قال: «لا، ولا زكاة الفطرة» (8)وتخصيص مَنْ لا يعرف بغير المستضعف فرع مقاومة المخصّص، وليس فليس.
وفي آخَر: «لا يجوز دفعها إلا إلى أهل الولاية»(9).
وفي آخَر: أيضاً: «لا ينبغي لك أن تُعطي زكاتك إلّا مؤمناً»(10).
والمراد فيهما زكاة الفطرة بقرينة السؤال في أحدهما، والجواب في الآخَر، فلا بدّ من حمل الأخبار الأُخَر على حالة التقيّة والخوف؛ لإشعار قوله علیه السّلام «لمكان الشهرة»(11)بذلك؛
1) النهاية : 192؛ المبسوط 1 : 242.
2) كما في مدارك الأحكام 5: 239
3) وسائل الشيعة 9 : 361، الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة، ح 6.
4) المصدر : 359، ح 1.
5) المصدر : 360، ح 2.
6) راجع الهامش (8 و 9).
7) راجع الهامش (1) من ص 161.
8) وسائل الشيعة 9 : 221 ، الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة ، ح 1.
9) المصدر : 358 - 359 ، الباب 14 من أبواب زكاة الفطرة، ح 5.
10) المصدر : 358 ، ح 2.
11) راجع الهامش (5).
لأنّ المراد خوف الشهرة والفضيحة، أو الحمل على سهم المؤلّفة إن عمّمناه لمفروض المسألة، أو الحمل على مستضعف المؤمنين، وهو الذي يتدّين بدينهم ولكنّه لا يعرف الحقّ معرفةً تامّة ولا ينكر الباطل ككثيرٍ من البُلَه والعجائز وبعيدي الدار، أو الحمل على المجانين وأهل الخَبَل والسوداء.
على أنّ ظاهر فتوى الشيخ رحمه الله وأتباعه وظاهر الأخبار إعطاء المستضعف وإن أمكن المزكّي الدفع إلى صنفٍ آخَر من أصناف أهل الزكاة الثمانية، غايته الوقوف على عدم وجود المؤمن. وهذا بعيد كلّ البُعد؛ لأنّه عدول من مشروع إلى ممنوع من غير داعٍ.
الثانية: مَن كان في طريق النظر وإن كان شاكّاً وكان طالباً للحقّ مجرّداً لنفسه عن الشوائب جاز أن يُدفع له من سهم سبيل الله تعالى إذا كان له به استعانة على النظر. الثالثة: أطفال المؤمنين يُعطون من الزكاة دون أطفال غيرهم؛ لفتوى الأصحاب، والإجماعات المنقولة(1)في الباب.
وفي الخبر: «ذريّة الرجل المسلم إذا مات يُعطون من الفطرة والزكاة كما كان يُعطى أبوهم حتّى يبلغوا، فإذا بلغوا وعرفوا ما كان أبوهم يعرف أعطوا، وإن نصبوا لا يعطوا»(2).
وفي آخَر: الرجل يموت ويترك العيال، أيعطون من الزكاة؟ قال: «نعم، حتّى ينشأوا»(3).
وفي آخر: عيال المسلمين أُعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثياباً وطعاماً وأرى أنّ ذلك خيرٌ لهم؟ قال: «لا بأس»(4).
وظاهر هذه الأخبار عدم اشتراط عدالة الآباء، وهو كذلك؛ لعدم تبعيّة الولد لأبيه في الفسق لو كان الفسق مانعاً.
والظاهر منها أيضاً أنّ الأطفال يُعطون بأيديهم، أيتاماً كانوا كما دلّت عليه بعض الأخبار(5)، أو غير أيتام كما دلّ عليه بعضٌ آخَر(6).
وهو مشكل على إطلاقه؛ لعدم قابليّة هذه الأخبار لتخصيص أدلّة الحجر، وعدم جواز إعطاء الدَّين للطفل، وعدم جواز تسليمه الأمانة التي يملكها، على أنّ الدفع إليه تصرّف فيه، وهو ممنوع عنه من دون نظر الوليّ، على أنّ الشكّ في الفراغ بعد يقين الشغل يقضي بالمنع، فالأظهر تسليم ذلك للوليّ الإجباري أو الوصيّ أو الحاكم أو عدول المسلمين أو الدافع إن كان منهم مع فقد الوصيّ والحاكم.
وحكم المجنون حكم الطفل في عدم جواز الدفع إليه والدفع إلى وليّه.
نعم، يجوز الدفع إليهما إذا علم أنّهما يتصرّفان به تصرّف العقلاء عند مسيس الحاجة منهما إلى المدفوع، وعدم حضور ولىٍّ لهما، وكانت حاجتهما فوريّةً حسبةً.
والأحوط احتسابه من سهم سبيل الله، لا من سهم الفقراء والمساكين.
وأمّا السفيه فيدفع إليه بيده، ولكن يحجر عليه بالتصرّف بعد ذلك.
ثانيها: العدالة
وهي ملكة في النفس تمنعها من ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر، وتمنعها من منافيات المروءة إن كانت منافيات المروءة كاشفةً عن عدم الملكة، وإلّا فلا دَخل في المقام لها.
وطريقها حُسن الظاهر على الأقوى، أو البيّنة، أو الاطّلاع على حاله بالممارسة. واشتراطها في الزكاة مذهب جمع من الأصحاب (1)، ونُسب (2)لمشهور القدماء؛ للاحتياط بيقين الخروج عن العهدة معها، ولما في الدفع إلى الفاسق من الإعانة على الإثم وللإجماع المنقول (3)، ولما ورد عن شارب الخمر يُعطى من الزكاة ؟ قال: «لا»(4).
وعلى قولهم يشكل في الدفع لمن لا ملكة له في العدالة ولا عمل له يفسق به، وفي المجانين والأطفال، وفي ابتداء البلوغ، إلّا أن يقولوا: إنّ الفسق مانع وليست العدالة شرطاً.
1) منهم: السيّد المرتضى في الانتصار: 218، المسألة 106؛ والشيخ المفيد في المقنعة : 242: والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 247 و 251؛ وابن البراج في المهذب 1 : 169؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1 : 124.
2) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 5: 159 و 161.
3) الانتصار : 218، المسألة 106: غنية النزوع 1: 124.
4) وسائل الشيعة 9 : 249 ، الباب 17 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1.
وذهب آخَرون(1)إلى اشتراط التجنّب عن الكبائر فقط؛ استناداً للخبر المتقدم(2)مع عدم القول بالفصل، وانجبار ضعفه سنداً بفتوى مشهور القدماء وللإجماعات المنقولة(3)، وللاحتياط أيضاً.
وذهب آخَرون(4)إلى عدم اشتراط ذلك استناداً للأصل والعمومات والإطلاقات. وللخبر عن الزكاة: «يعطى المؤمن ثلاثة آلاف، ثمّ قال أو عشرة آلاف، ويعطى الفاجر بقدرٍ، لأنّ المؤمن ينفقها في طاعة الله، والفاجر ينفقها في معصية الله»(5). وللسيرة المعلومة من زمن النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم والأئمّة علیهم السّلام وأصحابهم في أنّهم كانوا يدفعون الأموال للشيعة وما كانوا يسألون إلّا عن فقرهم واحتياجهم، ولو كانوا يسألون عن عدالتهم لنُقل إلينا، ولخلوّ أخبار الزكاة البيانيّة عن ذكر العدالة والنصّ على اشتراطها، ولو كانت شرطاً لذُكرت كما ذُكر الإيمان وذُكر غيره من الشرائط، ولعسر معرفة العدالة في ابن السبيل غالباً، وفي الرقاب تحت الشدّة، ولا قائل بالفرق وللشهرة المتأخّرة الصالحة لأن تكون دليلاً بنفسها المقوّية للعمومات والإطلاقات، ولتصريح مشترطي العدالة بعدم اشتراط عدم منافيات المروءة هنا، مع أنّ ارتكاب منافيات المروءة كاشف عن عدم تحقّق العدالة، كما صرّح به بعضهم(6)، غاية ما يمكن التزام العدالة في العاملين عليها؛ لأنّهم أُمناء في صورة ما إذا أخذوا سهماً منها، ولو أخذوا بعنوان الإجارة والجعالة كان أمرهم بنظر الحاكم، ولو كان في المنع ردع الفاسق عن فسقه كان ممنوعاً من جهة وجوب النهي عن المنكر على الأظهر.
نعم، قد يقوى القول بمنع مرتكب الكبائر المعهودة في الشرع سيّما المتجاهر بها، وخصوصاً المترديّن برداء الظلم والولاية من حُكّام الجور من الدفع إليهم من غير سهم المؤلّفة لو قلنا بجواز الصرف إليهم منه، وغير سهم سبيل الله في بعض المقامات؛ للشهرة المحصّلة على منعهم من قدماء أصحابنا، ولجريان سيرة الإماميّة بالبُعد عنهم وتجنّب سبيلهم وعدم الركون إليهم.
1) منهم : ابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 3: 83، المسألة 57.
2) تقدم آنفاً .
3) لم نهتد لها.
4) منهم : المحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 580؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 84، المسألة 57؛ والعاملي في مدارك الأحكام 5 : 244.
5) وسائل الشيعة 9 : 249. الباب 17 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 2
6) لم نتحققه.
ولا يلحق بالكبائر هنا الإصرار على الصغائر وإن كان في المعنى من الكبائر أيضاً؛ لعدم معاملة أهله معاملة أهل الكبائر.
ثالثها [أن لا يكون واجب النفقة]
أن لا يكون المدفوع إليه واجب النفقة على المالك الدافع إذا دفع إليه للإنفاق لا للتوسعة، ولا لأغراض أُخَر من شراء دار، أو وفاء غريم، أو إطلاق من المكاتبة أو عتق مطلقاً، أو شراء كتب أو آلات أو ظروف أو دوابّ، أو مهر تزويج أو إنفاق على مَنْ وجبت نفقته عليه، فإنّ ذلك كلّه جائز، سواء كان من سهم الفقراء أو من غيره كسهم سبيل الله أو ابن السبيل فيما يزيد على النفقة من حمولة وفرش في الطريق وظروف وآلات، أو سهم العاملين فيما إذا كان عاملاً.
ونعني بواجب النفقة أعمّ ممّا كان بسببٍ كالزوجة والمملوك، أو بنسبٍ كالوالدين وإن علوا، والولد وإن نزل، أو بالتزامٍ كالمنذور الإتفاق عليه أو المستأجر بنفقته. والدليل على تحريم الدفع لواجب النفقة من الزكاة في نفقته: الإجماع بقسميه تحصيلاً ونقلاً(1)، وأنّ الزكاة والإنفاق واجبان، فلا يسقط أحدهما بالآخَر، والأصل عدم التداخل، وأنّ دافع الزكاة للنفقة كدافع الزكاة في دَينه، والزكاة لا تعود للمالك، والأخبار:
ففي الصحيح: «خمسة لا يُعطون من الزكاة شيئاً: الأب والأُم والولد والمملوك والزوجة، وذلك لأنّهم عياله لازمون له»(2).
وفي آخَر : قلت: فمَنْ ذا الذي يلزمني من ذوي قرابتي حتّى لا أحتسب الزكاة عليهم؟ فقال: «أبوك وأمّك» فقلت: أبي وأُمّي؟ قال: «الوالدان والولد»(3).
وفي آخر: «ولا يعطى الجدّ ولا الجدّة»(4).
وفي آخَر: «خمسة لا يُعطون من الزكاة الولد والوالدان والمرأة والمملوك، لأنّه يجبر على النفقة عليهم»(5).
ويلحق بهذه الخمسة غيرهم من المنذور له والمستأجر؛ لمكان التعليل، وعدم القائل بالفرق.
والدليل على جواز أخذ هؤلاء من غير سهم الفقراء لغير الإنفاق إذا دخلوا تحتهم: عموم الآية(1)، والرواية(2)، وفتوى الأصحاب، وما جاء من الأخبار في الباب من جواز فكّ الأب من الزكاة، ووفاء دَينه(3)، ومفهوم التعليل، وكذا من سهم الفقراء إذا لم يكن في النفقة، بل كان لأُمور أخَر من توسعة أو شراء أسباب تليق بحاله؛ لمفهوم العلّة في الروايات الدالّة على أنّ سبب المنع هو كونهم لازمين له، أو كونه يجبر على الإنفاق عليهم(4). وكذا باقي الأدلّة.
ودعوى أنّ التعليل بلزوم النفقة لعلّه مانع من الدفع مطلقاً؛ لشبهه بالغنى حينئذٍ، والغني لا يجوز الدفع إليه مطلقاً، بعيدة عن سياق الخبر.
وللخبر: إنّ لي ولداً رجالاً ونساءً أفيجوز لي أن أُعطيهم من الزكاة شيئاً؟ فكتب: «إنّ ذلك جائز لك»(5)وحمله على الدفع للتوسعة بعد عدم جواز الأخذ بظاهره أقرب المحامل.
فوائد :
الأولى: يجوز للعاجز عن الإنفاق كلّاً أو بعضاً دفع الزكاة منه ومن غيره لواجب النفقة؛ لأنّه مع العجز يسقط الوجوب الفعلي، ويبقى دَيناً في نفقة الزوجة، ويسقط أبداً في غيرها، وقد يُحمل على ذلك الخبرُ المتقدّم(6).
الثانية : لا يجوز الدفع في الإنفاق للزكاة الواجبة والمندوبة على الأظهر؛ لعموم الرواية(7)، والاحتياط.
ويحتمل جواز الدفع من المندوبة؛ لانصراف النهي للمفروضة.
ويحتمل الفرق بين الزوجة فلا يجزئ مطلقاً؛ لأنّ نفقتها من قبيل المعاوضة والديون، وبين الأقارب فيجزى؛ لأنّ الغرض كفايتهم.
1) التوبة (9) : 60.
2) وسائل الشيعة 9 : 211 - 213 ، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 7.
3) المصدر : 251، الباب 19 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1 و 250 ، الباب 18 من تلك الأبواب، ح 2.
4) راجع الهامش (2 و 5) من ص 168.
5) وسائل الشيعة 9 : 243، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 3.
6) تقدّم آنفاً.
7) راجع الهامش (2).
الثالثة: يجوز لغير مَنْ وجبت نفقته عليه أن يدفع لواجب النفقة على آخَر من مال الزكاة للتوسعة وللإنفاق وإن كان مَنْ وجبت عليه موسراً باذلاً لها؛ لصدق الفقر على واجب النفقة، ولا يُخرجه وجوب النفقة عن مسمّى الفقر عرفاً ما لم يكن هو بنفسه مالكاً لقوت سنته فعلاً أو قوّةً قريبة كأهل الصنائع والحِرَف.
وللصحيح: سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمّه أو أخوه يكفيه مؤونته، أيأخذ من الزكاة فيوسّع به إذا كانوا لا يوسّعون عليه في كلّ ما يحتاج إليه؟ قال: «لا بأس»(1). ومَنَع العلّامة رحمه الله ذلك؛ لأنّ النفقة بمنزلة العقار الذي يستعين به مالكه إذا كفاه مؤونته، فلا يجوز الدفع إليه(2). وضعفه ظاهر.
نعم، لو فرّق بين الدفع للتوسعة فيجوز كما هو ظاهر الصحيحة(3)، وبين الدفع للإنفاق فلا يجوز، لكان حسناً، ولكنّه قليل الثمرة؛ لأنّ الدفع للتوسعة مملّك، فيجوز للمدفوع إليه صَرفه في الإنفاق حينئذٍ.
وقد يفرّق بين نفقة الزوجة فلا يجوز؛ لأنها كالعوض، فتشبه العقار والغلّة إذا كان فيهما الكفاية لمالكهما، وبين غيرها فيجوز. وهو غير بعيدٍ أيضاً، أو يفرّق بين ما إذا كان المُنفق غنيّاً فلا يجوز، وبين ما إذا كان فقيراً فيجوز. وله وجه؛ لصدق الفقر عليه حينئذٍ، أو يفرّق بين المملوك فلا يجوز، وبين غيره فيجوز؛ لعدم عوده إلى المالك، وهو غير بعيد.
والأحوط عدم الدفع للزوجة في الإنفاق، وأحوط منه: عدم الدفع إليها للتوسعة من سهم الفقراء، وكذا المملوك، وأحوط منهما: عدم الدفع للأقارب في الإنفاق، وأحوط من الكلّ: عدم الدفع إليهم من سهم الفقراء مطلقاً.
نعم، لو كان المنفق معسراً لا مال له، أو ممتنعاً جاز الدفع مطلقاً قولاً واحداً.
الرابعة: يجوز الدفع للزوجة المتمتّع بها للتوسعة والإنفاق؛ لعدم وجوب نفقتها على الزوج، فيجوز الدفع إليها.
واحتمال المنع؛ لإطلاق اسم الزوجة في الخبر(1)يردّه التعليل الدالّ على أنّ المدار لزوم الإنفاق وعدمه، والجبر عليه وعدمه.
الخامسة: لا يجوز الدفع إلى الناشزة من الزوج وإن لم تجب نفقتها عليه؛ لتمكنّها من التوبة والرجوع، فهي قادرة بالقوّة.
وكذا المعقود عليها ولم تُمكّن من نفسها، إلّا إذا كان الامتناع منها بحقِّ.
السادسة: لا بأس بدفع زكاة الزوجة لزوجها؛ للعموم من غير معارضٍ، سواء أنفق عليها منها أم لا.
ومَنَع من ذلك بعضُهم(2)مطلقاً، وبعضهم(3)من الإنفاق عليها منها فقط. وهما ضعيفان.
السابعة: الدفع للمملوك من غير المالك للتوسعة أو للإنفاق إذا كان المالك معسراً يتوقّف على إذن سيّده، فإذا أذن له جاز قبضه، وبعد قبضه يكون ملكاً لسيّده، ومع يسار المولى وامتناعه عن الإنفاق فالأولى أن لا يدفع له من سهم الفقراء، بل من الأسهم الباقية، ومع يساره وعدم امتناعه فلا يبعد عدم جواز الدفع إليه من سهم الفقراء؛ لأنّه يقتضي تمليكاً للمولى من الزكاة، وليس هو من أهلها.
رابعها: أن لا يكون المدفوع إليه هاشمياً من غير هاشمي
للإجماع بقسميه(4)، وللأخبار(5)المتكاثرة الدالّة على الأمرين فكما نطقت الأخبار وانعقد الإجماع على تحريم الزكاة على الهاشميّين، نطقت أيضاً وانعقد الإجماع على جواز تناولها بعضهم من بعضٍ.
وما ورد في بعض الأخبار من جواز الدفع لهم عدا النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم والأئمّة علیهم السّلام(6)، متروك أو
1) راجع الهامش (2) من ص 168.
2) هو الصدوق كما في المقنع : 166.
3) هو ابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 3 : 87، المسألة 60.
4) منتهى المطلب 8 : 371
5) وسائل الشيعة 9 : 268 - 269 ، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1 - 4، و 273، الباب 32 من تلك الأبواب.
6) المصدر : 269 ، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 5.
مؤوّل بحال الضرورة؛ لأنّه عند الاضطرار يجوز لهم التناول منها قدر الضرورة، والنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم والأئمة علیهم السّلام لا يضطرّون للخسائس؛ لتنزّه مرتبة العصمة ذلك.
عن فوائد :
الأُولى: لا تحرم الصدقة المندوبة على بني هاشم؛ لفتوى الأصحاب وأخبار الباب. ومنها: «لو حرّمت الصدقة علينا لم يحلّ لنا أن نخرج إلى مكّة، لأنّ ما بين مكّة والمدينة فهو صدقة»(1).
ومنها: أتحلّ الصدقة لبني هاشم؟ قال: «إنّما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحلّ لنا، وأمّا غير ذلك فلا بأس به»(2).
ولا تحرم أيضاً الصدقات الواجبة بنذرٍ وشبهه من الكفّارات أو مجهول المالك أو اللقطة أو الموصى بها على الأظهر؛ للأصل، وظاهر الفتوى، ولقوله علیه السّلام في الخبر: سألته عن الصدقة التي حرّمت عليهم ما هي؟ فقال: «الزكاة المفروضة»(3)
وفي آخَر: سألت أبا عبد الله علیه السّلام عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم ما هي؟ فقال: «هي الزكاة»(4).
والأحوط عدم أخذ الصدقة المندوبة لهم؛ لما ورد من النهي عنها على الإطلاق(5)، ولما نُقل عن العلّامة رحمه الله في التذكرة من التحريم ونسبة رواية الجواز إلى العامّة(6)، وكذا غير المندوبة من الصدقات المفروضة غير الزكاة؛ لما قدّمنا من الأخبار الحاكمة بالمنع، مع ضعف المخصّص لها.
الثانية: لا تحرم الزكاة على موالي بني هاشم وهم عتقاؤهم؛ للإجماع المنقول(7)، وظاهر فتوى الأصحاب وأخبار الباب(8)
1) وسائل الشيعة 9 : 272 ، الباب 31 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
2) المصدر، ح
3) المصدر : 274 الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 4.
4) المصدر : 274 - 275، ح 5
5) المصدر : 268. الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1 - 4.
6) نقله عنه البحراني في الحدائق الناضرة 12 : 218؛ ولاحظ تذكرة الفقهاء 5 : 10 270، المسألة 182.
7) تذكرة الفقهاء 5 : 271، المسألة 183.
8) وسائل الشيعة 9 : 277 - 278 ، الباب 34 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1 - 4.
وما ورد: «مواليهم منهم، ولا تحلّ الصدقة من الغريب لمواليهم»(1)متروك أو محمول على المماليك.
وتحلّ لغير بني هاشم ولو كانوا بني المطّلب أخي هاشم؛ للأصل، وفتوى الأصحاب، واختصاص المنع ببني هاشم.
فما نُقل عن المفيد رحمه الله من المنع(2)للموثق: «لو كان عدل لما احتاج هاشميّ ولا مطّلبيّ إلى صدقة، إنّ الله جعل لهم في كتابه ما فيه سعتهم»(3)فهو(4)ضعيف سنداً ودلالةً.
واحتمال إرادة النسبة إلى عبد المطّلب بن هاشم في قوله: «مطّلبيّ» لا بأس به؛ لجواز حذف الجزء الأوّل من المركّب في النسبة كالجزء الثاني كما قالوا: «منافيّ» للمنسوب لعبد مناف.
الثالثة: لا خلاف في جواز دفع الزكاة للهاشميّ إذا اضطرّ إليها كاضطراره إلى لحم الميتة.
ولو اشتدّت حاجته إليها دون ذلك ولم يكن في الخمس كفاية له في ملبسه ومأكله وحوائجه الضروريّة، فالظاهر جواز الدفع له منها؛ لظواهر فتوى الأصحاب والإجماعات المنقولة(5)، وقوله علیه السّلام - في الموثّق - : «لو كان عدل لما احتاج هاشميّ أو مطّلبيّ إلى صدقة»(6)ولأنّ الاضطرار إلى حدّ الإشراف على التلف لا يحتاج تجويزه لأخذ الزكاة إلى بيانٍ؛ لكونه من الضروريّات، فالمحتاج إلى البيان في الأخبار وكلام الأصحاب هو اشتداد الحاجة وعدم الكفاية.
والأحوط للهاشميّ : تجنّب ذلك أيضاً؛ للأخبار الناهية عن تناول الهاشميّ للزكاة(7)، وعدم تيقّن المخصّص لها في غير صورة الاضطرار، سوى الإجماعات المنقولة على جواز الدفع إليهم إذا لم يكن في الخمس كفاية لهم، والمتيقّن منها صورة الاضطرار خاصّةً والموثّق، وهو كذلك؛ لأنّ آخره دالّ على صورة الاضطرار أيضاً، وفيه: «إنّ الرجل إذا لم يجد شيئاً
1) وسائل الشيعة 9 : 278 - 279، الباب 34 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 5.
2) نقله عنه المحقق الحلى في المعتبر 2 : 585 عن الرسالة العزّيّة.
3) وسائل الشيعة 9 : 276 - 277، الباب 33 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
4) في النسخ الخطية : « وهو ». والظاهر ما أثبتناه.
5) منتهى المطلب 8: 382؛ الحدائق الناضرة 12 : 219؛ رياض المسائل 5 : 167.
6) تقدم تخريجه في الهامش (3).
7) راجع الهامش ( 5 ) من ص 171.
حلّت له الميتة، والصدقة لا تحلّ لأحدٍ منهم إلّا أن لا يجد شيئاً ويكون ممّن تحلّ له الميتة»(1)وظاهره تبعية التحليل لعدم وجدان شيء ولحلّيّة الميتة له، وهي خاصّة في حالة الاضطرار.
وعلى موجب ما ذكرناه من الاحتياط فلا يأخذ من الزكاة لنفسه إذا احتاج ولم يبلغ به الاضطرار، ولا يأخذ لينفق على عياله وإن كانت بهم حاجة شديدة إليها ما لم يبلغوا حدّ الاضطرار، فإن بلغوا أخذ لهم، ولا يأخذ له لينفق عليهم.
ثمّ إنّه إذا جاز دفع الزكاة إليهم للاضطرار أو لمكان الحاجة فهل يُقدّر له قدر، وهو دفع الاضطرار في الأوّل ورفع الحاجة في الثاني؛ لأنّ الضرورة تقدّر بقدرها، ولأنّ الاقتصار على اليقين في رفع الشغل المتيقّن بالزكاة يقضي به، ولأنّ الجمود على ما يخرج بناءً عن دليل التحريم على وجه القطع أيضاً يقضي به، ولأنّ ظاهر التشبيه في الموثّق بلحم الميتة(2)أنّه يقدّر قدره ولا يجوز التعدّي، أو أنّه يجوز الدفع مطلقاً؛ لأنّ الاضطرار مسوّغ لدفع الزكاة، ولا يتقدّر بقدرٍ فلا يقدّر بقدرٍ، ولما جاء من الأمر بالإغناء في الزكاة، مثل: «أعطه حتّى تغنيه»(3)وغيره(4)؟
والأوّل أقوى؛ لانصراف أوامر الإغناء لغير مفروض المسألة، وقدر الضرورة أهله أعرف به، فتقديره بقوت يومٍ وليلة لا دليل عليه.
الرابعة: قد يقوى القول بجواز دفع الزكاة على جهة الاستئجار على العمل بها والجعالة، لا على أنّها من سهم العاملين، وجواز دفعها على جهة فكّ الرقاب، كما لو كان السيّد عبداً مكاتباً أو تحت شدّةٍ إذا كان مملوكاً بشرطٍ أو نحوه، وجواز دفعها له من سهم المؤلّفة إذا كان مرتدّاً وأُريد الاستعانة به، وجواز دفعها له من سهم سبيل الله إذا كان محتاجاً للكتب العلميّة ونحوها.
وأمّا جواز تصرّفه فيما دفع إليه في سبيل الله من بناء قناطر أو مساجد أو أُمور عامّة فلا إشكال فيه.
والأحوط تجنّب سهم سبيل الله احتياطاً شديداً، ودونه تجنّب ما قبله فما قبله؛ لعمومات النهي عن أخذ الزكاة لهم(5)، الشاملة لسهم سبيل الله.
و أمّا سهام الفقراء والعاملين والغارمين وابن السبيل فهي مورد النهي عن ذلك قطعاً.
الخامسة: لا يجوز الدفع لعبد الهاشميّ الغني إلّا من سهم سبيل الله للتوسعة بإذن مولاه على الأظهر، ولا يملكه العبد ولا المولى، بل للعبد التصرف فيه ما دام محتاجاً ثمّ يعود لأهل الزكاة.
ويحتمل قويّاً صيرورته من أموال المالك، وكذا لو كان العبد مضطرّاّ للإنفاق عليه، إمّا لاضطرار مولاه أو لامتناعه، فإنّه يدفع إليه من سهم سبيل الله بإذن مولاه وبغير إذنه، ولا يملكه العبد ولا المولى إذا كان غنيّاً إذا أوى العبد بعد ذلك، بل يرجع إلى أهل الزكاة، أو يبقى بيد العبد يتصرّف به كيف يشاء.
والأحوط الأوّل.
ويحتمل جريان ملك المالك عليه بعد ذلك؛ لصيرورته بعد ذلك ملكاً الله تعالى، فيعود للمالك حينئذٍ.
السادسة: يراد بالهاشميّ وبني هاشم مَن انتسب إليه بالأب، كما عليه المشهور والمفهوم عرفاً، والظاهر إطلاقاً وفتوىً ونصّاً.
والاحتياط يقضي بمنع مَن تقرّب بالأُمّ من الزكاة، كما أنّ الفتوى تقضي بمنعه من الزكاة.
فها هنا مسائل:
الأُولى: يجوز الإخراج من المالك بنفسه أو وليّه مع عدم قابليّته أو امتناعه بنفسه أو وكيلهما؛ للإجماع المنقول(1)، وللأخبار الآمرة بدفع الزكاة(2)، الظاهرة في إجزاء دفعها من المالك، وفي أنّ المالك هو المخاطَب بإخراجها وأنّه هو المباشر لذلك، ولما ورد في جواز التبرّع بدفع الزكاة عن المالك(3)، فمباشرته بنفسه أو بوكيله بطريق أولى.
ولما ورد -في الصحيح- : عن رجل بعث إلى أخٍ له زكاته ليقسّمها فضاعت، قال: «ليس على الرسول ولا على المؤدّي ضمان»(4)، ونحوه غيره(5).
والسيرة المستمرّة القاضية بصحّة الوكالة من الغيّب والملوك والذين لا يباشرون الأُمور أقوى شاهدٍ على صحّة الوكالة.
والأحوط اتّصاف الوكيل بالعدالة؛ لأنّه ائتمان على تفريغ ذمّةٍ، ولا تبرأ يقيناً إلّا به، ويُقبل قوله في كيفيّة الإخراج والدفع من دون يمينٍ.
ويجوز للمالك دفعها إلى الإمام علیه السلام أو عامله زمن الحضور، بل يستحبّ، سيّما في الأموال الظاهرة؛ لفتوى الأصحاب، وأخبار الباب(1)، الدالّة على إرسال العمّال من النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وأمير المؤمنين علیه السّلام وتوجيه الرسل لأهل الزكوات وأخذها منهم، وهو من الأُمور البديهيّة.
ويقوم مقام عامل الإمام علیه السّلام الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى من غير خلافٍ يظهر من الأصحاب.
ويستفاد أيضاً من استقراء مظانّ أبواب الفقه أنّ الفقيه كذلك يقوم مقام الإمام علیه السّلام في أغلب ما يعود إليه من الأحكام.
وحَكَم جمعً(2)باستحباب ذلك كما يستحبّ دفعها للإمام علیه السّلام، وعلّلوه بأنّ الفقيه المأمون - وهو الذي لا يتوصّل إلى أخذ الحقوق بالحِيَل الشرعيّة - أبصر بمواقعها، وأخبر بمواضعها، وبأنّه أقرب للاحتياط خروجاً عن شبهة مَنْ أوجب ذلك، وأبعد عن الرياء من المالك، وعن الميل الطبيعي والهوى لبعض المستحقّين دون بعضٍ، ولا بأس بذلك في حكم السنن.
وذهب بعض أصحابنا(3)إلى وجوب دفع الزكاة إلى الإمام أو نائبه أو الفقيه في زمن الغيبة؛ لقوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ»(4)، ولا يجب الأخذ إلّا أن يجب الدفع، ويسري خطابه للأئمّة علیهم السّلام، ويجري حكم الأئمّة علیهم السّلام للفقيه الجامع.
وقد يستند لوجوب الدفع للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم والأئمة علیهم السّلام بما ورد من أمر النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم والأئمة علیهم السّلام للعمّال بأخذ الزكاة وتوجيههم له في الأطراف والأمر بنقل المال إليهم(5).
والكلّ ضعيف؛ لعدم استلزام وجوب الأخذ لوجوب الدفع، بل الظاهر من وجوب الأخذ هو وجوبه حالة الامتناع وعدم الدفع، فيكون ظاهراً في كونه من الواجبات المشروطة.
ولأنّ وجوب الأخذ لو استلزم وجوب الدفع، كان اللازم الوجوب التخييري بين الدفع بنفسه وبين الدفع إلى الإمام علیه السّلام؛ جمعاً بين الدليلين.
1) سنن أبي داؤد 2 : 96 و 102 و 104، ح 1567، 1579، 1580، 1583؛ وسائل الشيعة 9 : 28، الباب 13 من أبواب زكاة الأنعام، ح 2 و 129 و 133 ، الباب 14 من تلك الأبواب، ح 1، 7.
2) منهم : المحقّق الحلّي في المختصر النافع : 120؛ والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 5 : 317، المسألة 224؛ والسبزواري في ذخيرة المعاد : 465.
3) مثل الشيخ المفيد في المقنعة : 252؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 172.
4) التوبة (9) : 103.
5) راجع الهامش (1)
ولأنّ وجوب الأخذ إنّما يتحقّق بتحقّق المأخوذ فمعناه أنّه مع وجوده وطلبه من الإمام يجب الأخذ، ومع طلب الإمام نقول بوجوب الدفع إذا كان موجوداً لم يدفعه المالك قبل ذلك، وهو لا ينافي جواز الدفع قبل طلبه منه علیه السّلام.
ولأن إرسال العمّال لا يقضي بوجوب الدفع إليهم، ولئن قضى بذلك فإنّما يقضي بوجوبه مع طلبهم له، وهو لا كلام فيه؛ لأنّ النبىّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم والأئمّة علیهم السّلام مفترضي الطاعة وتحرم معصيتهم. فإذا طلبوا الزكاة وجبت إجابتهم، ولا يجوز الدفع حينئذٍ إلى غيرهم، بل الظاهر أنّ المالك لو دفع إلى غيرهم كان دفعه فاسداً؛ لتعلّق النهي به لأنّ وجوب طاعة النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وتحريم مخالفته يقتضيان بتحريم الدفع إلى غيره، وأوامر دفع الزكاة تقضي بالإيجاب، فيجتمع الأمر والنهي في موضوع واحد، والنهي قاضٍ بفساد المنهي ّعنه. وقد يعلل بأن وجوب الدفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قاض بالنهي عن ضده، وضدّه الدفع إلى غيره، والنهي قاض بالفساد، وهو مبني على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاص، وبأنّ العبادة إذا لم يؤت بها على وجهها لم تكن مجزئة، والدفع إلى غيره مع طلبه ليس مأتيّاً به على وجهه، فلا يكون مجزئاً، وهو راجع إلى ما تقدم. هذا كله فيما لو كان الطالب لها النبي أو الأئمة أو عمالهم الخاصون، ولو كان الطالب الفقية الجامع للشرائط فلا دليل على وجوب إجابته؛ لأنّ عموم نيابته حتى في امتثال أوامره لا شاهد لها، بل الشاهد على خلافها؛ لأنّ وجوب الطاعة حقٌّ للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وأوصيائه من حيث النبوّة والوصاية، فلا ينتقل إلى غيرهم، كما لا ينتقل حقّ الأبوّة لغير الأب.
والأحوط الرجوع بها إلى المجتهد؛ تفصّياً عن شبهة الخلاف، سيّما مع طلبه لها. والأحوط تطلّب المأمون الذي لا يستعمل أخذ الحقوق - مع غنائه عنها - بالحِيَل الشرعيّة؛ لأنّ في غير المأمون نقصاً في الهمّة، وانحطاطاً عمّا أهّله الشارع له، ومنافاةً للمروءة، وفي الدفع إليه إضراراً بالمستحقّين ونقضاً للحكمة التي شُرّعت الزكاة لأجلها.
الثانية: لا يجب البسط على الأصناف السبعة، ولا التوزيع على أهلها، فيجوز دفعها لواحدٍ من أهل صنفٍ واحد؛ للإجماع بقسميه(1).
1) تذكرة الفقهاء 5 : 336، المسألة 248.
ولما ورد في تقسيم الزكاة أنّه قال: «ليس في ذلك شيء موقّت»(1).
وفي الصحيح: له قرابة كلّهم يقولون بك وله زكاة أيجوز أن يعطيهم جميع زكاته؟ قال: «نعم»(2).
وما جاء في جواز دفع الزكاة كلّها في العبد المسلم في ضرورة يشتريه ويعتقه(3).
وما جاء في جواز إحجاج الموالي والأقارب من مال الزكاة(4)، الظاهر في صرفها فيه أجمع، وغير ذلك.
وما حَكَم به بعضُ العامّة من وجوب البسط؛ لمكان اللام المفيدة للملك، والواو الدالّة و على التشريك في الآية الشريفة(5)، لا وجه له؛ لوجوب الانصراف عن الظاهر بما ذكرناه، ولا بدّ فيها من العدول عن الظاهر.
وإليه يرجع ما أُجيب به من أنّ جعل جملة الصدقات للأصناف السبعة لا يقضي بجعل كلّ جزءٍ من أجزائها - كصدقة زيد مثلاً - موزّعاً على كلّ صنفٍ منهم (6)، ومن أنّ اللام للاختصاص لا للملك، فلا تقضي بوجوب البسط(7)، ومن أنّ الآية لبيان المصرف لا للبسط والتوزيع(8).
وهذا كلّه تأويل يسوقنا إليه الدليل، ولو أُريد به بيان الظاهر كان خلاف الظاهر، وتطرّق إليه الردّ والتشكيك والمنع والتفكيك.
نعم، يستحبّ البسط إذا لم يعارضه رجحان أو مرجّح آخَر؛ لفتوى الفقهاء بذلك، ويكفي في المندوب ما هنالك.
ويستحّب تفضيل أهل الفضل؛ لما ورد: «أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والفضل(9)»(10).
1) وسائل الشيعة 9 : 265، الباب 28 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1.
2) المصدر : 245، الباب 15 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1.
3) المصدر : 291 - 292، الباب 43 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
4) المصدر : 290 ، الباب 42 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
5) التوبة (9) : 60. المغني المطبوع مع الشرح الكبير 2 : 528.
6) كما في مدارك الأحكام 5 : 265
7) أجاب به المحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 588.
8) أجاب به العلّامة الحلّي في منتهى المطلب 8 : 399.
9) في المصدر : «والعقل» بدل «والفضل».
10) وسائل الشيعة 9 : 262 ، الباب 25 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 2.
وفي الصحيح: «يفضّل الذي لا يسأل على الذي يسأل»(1).
ويستحبّ تخصيص صدقة المواشي للمتجمّلين وغيرها لغيرهم، كما جاء في الخبر(2).
ويُقبل قول المالك لو ادّعى الإخراج لما ورد من نهي الساعي عن مراجعة المالك إذا قال له: لا حقّ لك عندي(3)، وللسيرة، بل الإجماع القاضي بقبول قول مدّعي التأدية بعد تعلّق التكليف، كما يُقبل قول منكر الشغل لعدم المال أو لعدم حول الحول أو لعدم شرط من الشرائط أو لوجود مانع من الموانع.
الثالثة: لو دفع المالك الزكاة إلى الإمام علیه السّلام أو المجتهد أو الساعي فتلفت بأيديهم لم يضمن؛ لإيصالها إلى أهلها؛ لأنّهم أولياء الأصناف وللإجماع المنقول(4)، بل المحصّل، ولفحوى الصحيح: «إذا أخرجها من ماله فذهبت ولم يسمّها لأحد فقد برئ منها»(5).
هذا كلّه إن دفع المال إليهم على جهة الولاية، وإن دفعه لهم على جهة الوكالة عنه كانوا كسائر الوكلاء يجري عليهم ما يجري في الدفع إلى الوكيل.
الرابعة: ليس على الفقير دعاء عند تناول الزكاة لربّ المال، ولا على المجتهد؛ لعدم دليلٍ على ذلك، وسريان أحكام الإمام كلّيّاً لم يثبت.
وهل يجب على الإمام الدعاء لربّ المال؛ تمسّكاً بقوله تعالى: «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ»(6)والأمر للوجوب؟ أم لا يجب ؟ كما هو المشهور؛ للأصل، وعدم دلالة الآية على خصوص كون الصلاة لدفع الزكاة، ولظهور الأمر في الندب في هذا المقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
وتحقيق ذلك قليل الثمرة؛ لرجوع الكلام إلى تحقيق عمل الإمام علیه السّلام، وهو أعرف الأنام.
الخامسة: الزكاة من العبادات الموقّتة المحدود طرفا وقتها أو المحدود أوّل وقتها، أو من ذوات الأسباب عند اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع.
وعلى كلّ حال فلا يجوز تقديمها قبل وقتها وقبل تماميّة سبب الوجوب؛ لأصالة عدم
1) وسائل الشيعة 9 : 261 - 262 ، الباب 25 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
2) المصدر : 263 ، الباب 26 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
3) المصدر : 129 - 130، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
4) مدارك الأحكام 5 : 274
5) وسائل الشيعة 9 : 286، الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 4.
6) التوبة (9) : 103.
الإجزاء، وتوقيفيّة العبادة، ولفتوى الأصحاب عدا مَنْ شذّ منهم(1)، ولأخبار الباب، المعتبرة المعتضدة بفتوى المشهور وعمل الجمهور:
ففي الصحيح: الرجل يكون عنده المال أيزكّيه إذا مضى نصف السنة؟ قال: «لا، ولكن حتّى يحول الحول عليه وتحلّ عليه، إنّه ليس لأحدٍ أن يصلّي صلاةً إلّا لوقتها، وكذلك الزكاة فيها، ولا يصومنّ أحد شهر رمضان إلّا في شهره إلّا قضاءً، وكلّ فريضةٍ إنّما تؤدّى إذا حلّت»(2).
وفي آخَر أيزكّي الرجل ماله إذا مضى ثلث السنة؟ قال: «لا، أتصلّى الأُولى قبل الزوال»(3).
ويدلّ على ذلك جميع ما جاء في الشرائط من نفي الزكاة عند عدم الحول، كقوله علیه السلام: « كلّ ما لم يحل الحول عليه فليس عليك فيه زكاة»(4)وشبه ذلك(5).
وكذا ما جاء من ثبوتها عند حول الحول(6).
وحمله على ما إذا لم يؤدّها سابقاً فيكون التقديم جائزاً، ولا بدّ لنفيه من دليلٍ كما تخيّله بعض المتأخّرين(7)، ضعيف في غاية الضعف.
وقد جاء في بعض الأخبار(8)ونُقل الإفتاء به عن بعض الأصحاب(9)من جواز التعجيل بعنوان أنّها زكاة ضعيف نادر لا يقاوم ما قدّمنا؛ لأنّ النقل لم يثبت عن أهله، والأخبار وإن اشتملت على الصحيح وغيره كقوله علیه السّلام في صحيحة حمّاد بن عثمان: «لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين وتأخيرها شهرين» (10)وصحيحة معاوية بن عمّار في الزكاة، قال: قلت: فإنّها لا تحلّ عليه إلّا في المحرّم فيعجّلها في شهر رمضان؟ قال: «لا بأس»(11)، والصحيح إلى أبي بصير،
1) كابن أبي عقيل على ما في مختلف الشيعة 3: 113، المسألة 84.
2) وسائل الشيعة 9: 305 ، الباب 51 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 2.
3) المصدر، ح 3.
4) المصدر : 121، الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
5) المصدر : 121 - 122، ح 2.
6) المصدر : 122، ح 3.
7) هو السبزواري في ذخيرة المعاد : 429.
8) راجع الهامش ( 2 - 5).
9) هو الديلمي في المراسم : 128؛ ونقله عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 3: 113، المسألة 84.
10) وسائل الشيعة 9 : 302، الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 11.
11) المصدر : 301 - 302، ح 9.
وفيه: يزكّي الذي مرّت عليه سنة ويدع الآخَر حتّى تمرّ عليه سنة» قلت: فإن اشتهى أن يزكّي ذلك؟ قال: «ما أحسن ذلك»(1)والصحيح: عن الرجل يأتيه المحتاج فيعطيه من زكاته أوّل السنة، فقال: «إن كان محتاجاً فلا بأس»(2)وفي خبر أبي بصير: عن الرجل يعجّل زكاته قبل المحلّ، قال: «إذا مضت خمسة أشهر فلا بأس»(3)- فهي لندرتها وشذوذها يجب اطّراحها أو حملها على التقيّة؛ لفتوى أبي حنيفة والشافعي وأحمد بذلك(4).
وأمّا حملها على حالة خوف الفوات وعدم إمكان التأدية في الوقت كتقديم غسل الجمعة لخائف الإعواز، فهو بعيد عن فتوى الأصحاب وسياق أخبار الباب، كما أنّ حملها على التجوّز بإرادة القرض من الزكاة لعلاقة الأول يبعّده تحديد جواز التقديم في الأخبار بشهرين أو أربعة أو أوّل السنة أو إذا مضت خمسة أشهر، إلّا أن يلغى المفهوم العددي فيها؛ لجريانه مجرى الغالب من عدم إعطاء المال قبل ذلك؛ لحرصهم عليه، ويلغى ما كان محدوداً فيها في السؤال؛ لعدم وجوب ابتناء الجواب عليه، فيكون محملاً قريباً.
السادسة: لا شكّ في جواز القرض على الزكاة قبل حلول الوقت، فإن حلّ وقتها وبقي المدفوع إليه على صفة الاستحقاق احتسب عليه زكاة، وإلّا استعاده.
وتدلّ على ذلك الأخبار(5)وكلمات الأخيار، بل في الأخبار الحثّ على ذلك وزيادة المثوبة، والنهي عن ردّ المؤمن عن حاجته(6).
هذا إن بقي على صفة الاستحقاق، وإن اغتنى بنماء ذلك أو غيره استُعيد منه.
وإن اغتني بنفس القرض، فالأقوى جواز الاحتساب عليه؛ لصدق الفقر عليه عرفاً، لمكان الدَّين، ولعدم ثمرةٍ في أخذه ثمّ دفعه.
ومَنَع بعضُهم(7)الاحتسابَ؛ لمكان الغنى. وهو ضعيف.
1) وسائل الشيعة 9: 300 ، الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 4.
2) المصدر : 302، ح 10.
3) المصدر، ح 12.
4) المبسوط للسرخسي 2 : 176 - 177؛ الهداية للمرغيناني 1 : 103؛ المهذب للشيرازي 1: 173؛ المجموع 6: 146: المغني المطبوع مع الشرح الكبير 2 : 495: الشرح الكبير المطبوع مع المغني 2 : 678.
5) وسائل الشيعة 9 : 299، الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة.
6) المصدر : 300، ح 2.
7) هو ابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 455.
ولو قلنا بجواز دفع الزكاة المعجّلة، مضى الدفع مطلقاً سواء استغنى بنفس العين المدفوعة أم بغيرها على الأظهر؛ لحصول الإجزاء.
واشترط جماعةً(1)بقاءَ القابض على صفة الاستحقاق؛ لأنّ الدفع كما أنّه مراعى في جانب الدافع من تعلّق خطاب الزكاة به بعد ذلك فكذلك في جانب القابض، ولما ورد في صحيحة الأحول من أنّه عجّل زكاة ماله ثمّ أيسر المعطى قبل رأس السنة، فإنّه يعيد المعطي الزكاة(2).
والكلّ ضعيف؛ لعدم الملازمة في الأوّل، وعدم الأمر بالاستعادة من المعطى، بل الإعادة من المعطي، فليُحمل على الاستحباب؛ لأنّه لا يزكّى المال في عام واحد مرّتين.
السابعة: إن كانت الزكاة موقّتةً أو كانت من ذوات الأسباب، فالأظهر عدم جواز تأخيرها عن وقت الوجوب في أُمّهات الأحوال، وعن وقت وجوب الإخراج في الغلّات كزمان التصفية وشبهه، فيجب البدار بها فوراً بحسب الإمكان، وعلى التوقيت تكون قضاءً، وعلى الفوريّة تكون أداءً.
والذي يدلّ على ذلك ظاهر الإجماع المنقول(3)، وكون صاحب المال مطالباً بشاهد الحال، فيكون كالأمين الشرعي أو المالكي عند مطالبة المالك، وكون الغرض من الزكاة سدّ الخلّة ورفع الحاجة، والتأخير ينقض الغرض المراد منها، وكون الأمر من الله تعالى(4)، للفور مطلقاً أو بخصوص المقام؛ لقرينة الاحتياج والفقر وإرادة الإرفاق منه تعالى بالفقراء.
وصحيح سعد بن سعد: عن الرجل تحلّ عليه الزكاة في السنة ثلاثة أوقات، أيؤخّرها حتّى يدفعها في وقتٍ واحد؟ قال: «متى حلّت أخرجها»(5).
والظاهر أنّه يريد بيان عدم جواز التأخير عن زمن حلّها بقرينة السياق، لا بيان مبدأ الوجوب زمن الحلول؛ لأنّه أمر بديهيّ.
والآخَر عنه علیه السّلام : وليس لك أن تؤخّرها بعد حلّها»(6).
1) منهم: ابن إدريس في السرائر 1: 453: والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1 : 155؛ والعلامة الحلي في منتهى المطلب 8: 293.
2) وسائل الشيعة 9 : 304 الباب 50 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1.
3) منتهى المطلب 8 : 281
4) البقرة (2) : 43 .
5) وسائل الشيعة 306:9 - 307 ، الباب 52 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
6) المصدر : 308، ح 4.
وضعفه مجبور بفتوى المشهور وعمل الجمهور.
وكما يعصي صاحب المال بالتأخير، كذا يعصي الوصيّ والوكيل به.
الثامنة: العاصي بالتأخير لا تسقط عنه، بل يجب عليه التأدية في كلّ آن ما دام متمكّناً.
نعم، يتعلّق به الضمان عند تلف الزكاة بتفريطٍ أو بغير تفريطٍ؛ لأنّ التأخير تفريط بمال الفقراء.
ولقوله علیه السّلام في رجلٍ بعث إليه أخٌ له زكاته ليقسّمها فضاعت، فقال: «ليس على الرسول ولا على المؤدّي ضمان» قلت: فإن لم يجد لها أهلاً ففسدت وتغيّرت أيضمنها؟ قال: «لا، ولكن إن عرف لها أهلاً فعطبت وفسدت فهو لها ضامن»(1).
وفي آخَر: رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ فقال: «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها فهو لها ضامن حتّى يدفعها» إلى أن قال: «وكذلك مَنْ وُجّه إليه زكاة مالٍ ليفرّقه ووجد لها موضعاً فلم يفعل ثمّ هلك كان ضامناً»(2).
وعلى القول بجواز التأخير فهل يكون ضامناً بالتأخير؛ لظاهر الأخبار وفتاوى الأصحاب، أم لا يكون ضامناً؛ للإذن به، وما فيه إذن ورخصة لا يستعقبه ضمان؟ وجهان، أقواهما الأوّل؛ لمنع الملازمة بين الرخصة وعدم الضمان، كما لا ملازمة بين الضمان والمنع من التأخير كي يستدلّ بثبوت الأوّل على الثاني، كما تخيّله بعضهم(3).
التاسعة: نريد بالفوريّة في الزكاة الفوريّةَ العاديّة، فلا ينافيها التأخير في الجملة؛ للتفرقة، أو لإرادة التعميم، أو انتظار الليل؛ لأنّ فيه ستراً على الفقراء، أو قضاء بعض الأُمور المهمّة ثمّ العود إليها.
وبالجملة، نريد بذلك أن لا يصدق عليه في العرف أنّه مؤخّر أو مهمل، بل يقال: إنّه مؤدٍّ أو مشغول بالتأدية، كما ينتظر الفقير عند الإرسال إليه، وينتظر قيام الجالس إذا أراد الإيصال إليه.
ويدلّ على عدم المضايقة الحقيقيّة السيرةُ القطعيّة، ودليل نفي العسر والحرج(4)وسهولة الشريعة السمحة، وحصول الضرر غالباً بالفوريّة الحقيقيّة.
العاشرة: إذا لم يتمكّن من المستحقّ؛ لعدم وجوده أو لعدم إمكان الإيصال أو الوصول إليه، سقط عنه الضمان بالتأخير.
والظاهر أنّ المراد من عدم وجود المستحقّ هو عدم وجود مصرف لها ولو من باقي الأصناف السبعة لاتّحاد الأصناف في الاستحقاق، كما أنّ الظاهر أنّ الضمان يسقط مع إمكان العزل وعدمه، ومع إيقاع العزل مع إمكانه وعدمه؛ لإطلاق الأخبار وفتاوى الأصحاب.
وقد يقوى القول بالضمان مع عدم العزل؛ لأنّ بقاءها في ماله من دون إفرازٍ لها خيانة وتفريط، والمفروض أنّ ولاية العزل بيده، وإظهارها مقدور عليه من بين أمواله، فتركه غير معذور به.
الحادية عشرة: يتحقّق الوجوب الفوري عند هلال الثاني عشر، سواء قلنا: إنّ الوجوب مستقرّ أو متزلزل على الأظهر.
وحكم الشهيد رحمه الله بأنّه على القول بالتزلزل يجوز التأخير(1).
وظاهره أنّه لا كلام فيه، وهو مشكل ومخالف لظاهر فتوى الفقهاء.
الثانية عشرة: جوّز ابن إدريس تأخير دفع الزكاة مطلقاً؛ لإطلاق الأمر وهو للطبيعة، ونقل الإجماع على ذلك(2).
وقد يستند له بالأخبار المحدّدة للتأخير شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر(3)، بتنزيلها على المثال.
والكلّ ضعيف؛ لتخصيص الإطلاق بما ذكرناه، وتوهين الإجماع بفتوى المشهور بخلافه، وبتعليله الإجماع بأنّه لا خلاف بينهم في أنّ للإنسان أن يخصّ بزكاته فقيراً دون فقيرٍ، ولا يكون مخّلاً بواجبٍ ولا فاعلاً لقبيحٍ»(4)، وبحمل الأخبار على التقيّة، أو طرحها، أو حملها على حالة الاضطرار؛ لعدم مقاومتها لماً قدّمناه من الأدلّة.
وجوّز الشيخ رحمه الله تأخيرها إلى شهر وشهرين مع عزلها(5)للصحيح: «لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين وتأخيرها شهرين»(6).
وإطلاقه وإن اقتضى جواز التأخير إلى الشهرين مطلقاً لكنّه مقيّد بصورة العزل؛ للموثّق: زكاتي تحلّ في شهرٍ أيصلح لي أن أحبس منها شيئاً مخافة أن يجيئني مَنْ يسألني؟ فقال: «إذا حال الحول فأخرجها عن مالك، ولا تخلطها بشيء، ثمّ أعطها كيف شئت» قال: قلت: فإن أنا كتبتها وأثبتّها أيستقيم لي؟ قال: «نعم، لا يضرّك»(1).
وصورة العزل في هذا الخبر وإن كان مطلقاً لكنّه مقيّد بمدّة شهرين؛ للصحيح المتقدّم (2)، فيكون كلُّ من الخبرين مقيّداً للآخَر، وهُما معاً مقيّدان لما جاء من التعجيل والمنع من التأخير.
ولا يخفى ضعف هذا؛ لأنّ العامّ والخاصّ من وجهٍ لا يقيّد أحدهما بالآخَر؛ للزوم الترجيح من دون مرجّحٍ، ولا يقيّد كلُّ منهما الآخَر؛ للزوم اطّراحهما معاً بغير دليلٍ من عرفٍ وشبهه، ولأنّ مجموع الروايتين معاً لا يقاومان ما قدّمنا من دليل المنع كي يحكم عليه في مورد اجتماعهما في صورة العزل ومدّة الشهرين على أنّ الأوّل قد اشتمل على التعجيل، ولا يقول به الشيخ، والثاني على كفاية الإثبات والكتابة عن العزل، ولا يقول به أيضاً.
وجوّز الشهيد رحمه الله تأخيرها لانتظار الأفضل أو الأحوج أو للتعميم أو لمعتاد الطلب منه وقيّد ذلك في بعض الكتب بما لا يؤدّي إلى الإهمال(3).
فإن أراد بذلك الفوريّة العرفيّة كان حسناً، وإلّا - كما هو الظاهر - فلا دليل على ما ذكره سوى رواية العزل(4)، وهي خاصّة بمَنْ خاف الطلب، ومتضمّنة لاشتراط العزل، فلا تصلح دليلاً له، وسوى الروايات المتضمّنة لجواز التأخير شهرين، كما تقدّم(5)، أو ثلاثة مطلقاً، كصحيحة معاوية بن عمّار: الرجل تحلّ عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخّرها للمحرّم، قال: «لا بأس»(6)أو ثلاثة للبسط، كصحيح ابن سنان في الرجل يخرج زكاته فيقسّم بعضها ويبقى بعض يلتمس به المواضع، فيكون بين أوّله وآخره ثلاثة أشهر؟ قال: «لا بأس»(7)ولا تصلح أيضاً؛ لعدم
1) وسائل الشيعة 9 :307 ، الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 2.
2) تقدم آنفاً.
3) الدروس الشرعيّة 1 : 245: البيان : 324.
4) تقدم تخريجها في الهامش (1).
5) تقدم في ص 180 و 181 و 184.
6) وسائل الشيعة 9 : 301 - 302 الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 9.
7) المصدر : 308 الباب 53 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1.
تقييدها بما ذكره سوى صحيح ابن سنان، والتقييد فيه بالسؤال، فلا يصلح لتقييد الأخبار الأُخَر، ولتحديدها بالمدّة الخاصّة في السؤال في جملةٍ منها، وفي كلام الإمام علیه السّلام في جملةٍ أُخرى، وهو لا يقول بالتحديد.
وحمله على المثال فرع قوّة القول بالجواز مطلقاً، ولم يثبت فلم يثبت؛ لما فيه من الخروج عن الظاهر ومخالفة الاحتياط.
وجوّز الشهيد الثاني رحمه الله- وتبعه سبطه وغيره - التأخير شهراً أو شهرين مطلقاً (1)استناداً للرواية المتقدّمة(2).
ولا يخفى ضعفه؛ لمعارضتها لجميع الروايات المتقدّمة(3)والاحتياط، فلا تصلح لأن ترجح عليها.
الثالثة عشرة: يجوز دفع الزكاة في غير بلدها لو اتّفقت فيه عينها أو مثلها أو قيمتها من غير خلافٍ يُعتدّ به وإن كان الأفضل الدفع في بلد المال؛ لرواية فعل النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم(4).
ولا يجوز نقلها - مع عزلها وتشخّصها للزكاتيّة أو مع اشتراكها في ماله - من بلدٍ إلى آخَر - بما يُسمّى نقلاً عرفاً، وبما يُسمّى بلداً آخَر، أو محلّة أُخرى، كالبلد العظيمة - مع وجود المستحقّ فی البلد وإمكان صرفها في مصرفها فيه؛ للإجماع المنقول(5)وفتوى المشهور نقلاً(6)، ولما فيه من التصرّف بالأمانة والتغرير بها، وهو منهيّ عنه، ولما فيه من المنافاة للفوريّة الواجبة.
وكون النقل شروعاً في الإخراج فلا ينافي الفوريّة، لا وجه له عرفاً وشرعاً. وللاحتياط، ولملازمة الضمان للإثم والضمان لا كلام فيه، فكذا الإثم. وفيه نظر. وحَكَم جمعٌ من أصحابنا(7)بالجواز مع الضمان؛ تمسّكاً بالعمومات، وأصالة البراءة من التحريم، وبالأخبار:
1) مسالك الأفهام 1 : 428 مدارك الأحكام 5 : 289؛ ذخيرة المعاد : 428.
2) تقدّمت في ص 180 و 181 و 184.
3) تقّدمت في ص 183.
4) وسائل الشيعة 9 : 284 - 285 الباب 38 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 2.
5) تذكرة الفقهاء 5 : 341، المسألة 252
6) الحدائق الناضرة 12 : 239
7) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 240 : والشيخ الطوسي في المبسوط 1 : 245 ؛ والعلّامة الحلي في منتهى المطلب 8 : 403 و 405.
ففي الحسن: في الرجل يعطى الزكاة ليقسّمها أله أن يخرج الشيء منها من البلدة التي هو فيها إلى غيرها؟ قال: «لا بأس»(1).
و في آخَر: في الزكاة يبعث بها الرجل إلى بلد غيره، فقال: «لا بأس أن يبعث بالثلث أو الربع»(2)والشكّ من الراوي، إلى غير ذلك.
وهو قويّ لولا أنّ هذه الأخبار أكثرها ضعيف السند، ومخالف للاحتياط، ومخالف للمشهور نقلاً(3)، بل وتحصيلاً، وموافق للعامّة، فالأوّل أقوى وإن ضعفت بعض تعليلاته.
ولو لم يوجد المستحقّ ولم يمكن صَرفها في مصرفٍ من مصارفها وكان الطريق آمناً، جاز نقلها من بلده إلى بلد أُخرى، ومن بلد أُخرى فيها المال إلى بلده متحرّياً الأقرب فالأقرب، ولا ضمان عليه؛ للصحيح: رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ قال: «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو ضامن لها حتّى يدفعها وإن لم يجد مَنْ يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان، لأنّها قد خرجت من يده، وكذلك الوصيّ الذي يوصى إليه يكون ضامناً لما دفع إليه إذا وجد ربّه الذي أُمر بدفعه إليه، وإن لم يجد فليس عليه ضمان»(4)إلى غير ذلك من الأخبار.
الرابعة عشرة: للمالك ولاية عزل الزكاة، والمفهوم منها فتوىً وروايةً تعيين مال خاصّ زكاة ماله كلّاً أو بعضاً.
والظاهر عدم التفاوت بين كون المال من النصاب نفسه أو من غيره بالقيمة، وعدم التفاوت بين إذن الساعي له وعدمه، وبين وجود المستحقّ والمصرف في البلد وبين عدمه، وذلك لأنّ للمالك ولايةَ الإخراج بنفسه فله ولاية التعيين، ولأنّه أمين على حفظها، فيكون أميناً على تعيينها، ولأنّه وليٌّ على دفع القيمة وتملّك العين، فيكون وليّاً على إفرادها، ولأنّ له تشخيصها من النصاب المشترك، فيكون وليّاً على قسمتها وإفرازها، ولأنّ في عدم الولاية على القسمة والإفراز ضرراً على المُلّاك عند التصرّف في أموالهم، فيكونون أولياء لدفع الضرر والضرار.
ولموثّق يونس: عمّن حلّت عليه الزكاة، قال: «إذا حال الحول فأخرجها من مالك، ولا تخلطها بشيء، وأعطها كيف شئت»(1).
ولحسنة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله علیه السّلام: «إذا أخرجها من ماله فذهبت ولم يسمّها لأحدٍ فقد برئ منها»(2).
ولرواية أبي بصير «إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقومٍ فضاعت أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شيء عليه»(3).
ولما ورد عن أبي جعفر علیه السّلام، قال: سألته عن الزكاة تجب علَيَّ في موضع لا يمكنني أن أُؤدّيها؟ قال: «اعزلها، فإن اتّجرت بها فأنت ضامن لها ولها الربح» ثمّ قال: «وإن لم تعزلها واتّجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح، ولا وضيعة عليها»(4).
وإطلاق هذه الأخبار شامل لوجود المستحقّ وعدمه، وتخصيص ولاية العزل في صورة عدم وجود المستحقّ مع إطلاق الأخبار لا داعي له، وورود ذلك في السؤال في الخبر الأخير لا يخصّص غيره؛ لأنّ السؤال لا يخصّص الجواب.
ومقتضاها أنّ العزل يصيّرها مالاً للفقراء، وتكون بيده أمانةً يضمنها بالتفريط أو التعدّي بتأخير إخراجها مع وجود المستحقّ، ويكون نماؤها للفقراء، ولا يجوز التصرّف بها ولا تبديلها ولا الإخراج بالقيمة؛ لأنّ المتيقّن من جوازهما هو ما كان قبل العزل.
نعم، قد يقال: له الاستقالة من الساعي؛ لقوله علیه السّلام: «فإن استقالك فأقله» بعد الأمر بصدع المال وقسمته(5).
ولو غصبها غاصب من دون تعدٍّ وتفريطٍ، لم يضمن المالك، بل لو طالب الظالم بالزكاة وأراد غصب حصّة الفقراء دون حصّة المالك كان له عزلها ودفعها له؛ دفعاً لضرر الشركة.
ويجوز للمالك التصرّف بما له بعد العزل كيف شاء؛ لخلوّه عن الشركة، ولا يجوز للساعي اتّباعه بعينه.
نعم، لو فرّط فى المعزول تعلّقت الزكاة بذمّته، فيؤخذ منه مقاصّةً.
ولا تزول ولاية المالك بعد العزل، فلا يجوز للفقير أن يأخذها من دون إذنه، بل ولا للمجتهد على الأظهر.
ولا بدّ من النيّة عند عزلها بأنّها زكاة وأنّه متقرّب بها، فلا يكفي مجرّد إفرازه بأنّه للفقراء من دون نيّة القربة، بل يبقى المال على ملك مالكه؛ اقتصاراً على مورد اليقين.
واحتمال أنّ العزل لا يصيّرها ملك الفقراء ولا يخرجها عن ملك المالك، وتكون فائدته رفع الإثم بالتصرّف بماله وعدم ضمانها لو أخّر الدفع لغرضٍ - على فتوى الشيخ رحمه الله(1)- وتعيين حصّةٍ من ماله لأن تدفع زكاةً دون غيرها، فلا يجوز التصرّف بها، ويكون نماؤها للمالك، بعيد عن الفتوى والرواية.
ويجب عند ظهور أمارات الموت الوصيّةُ بالزكاة مع العزل وبدونه؛ لتوقّف الواجب عليه، بل لا يبعد وجوب العزل، ومع عدم ظهور ذلك يستحبّ له ذلك من غير كلامٍ. وهل يجري العزل في الأُمور العامّة من خُمْسٍ ونذرٍ، أو لا يجري؟ الأوجَه أنّه لا يجرى؛ وقوفاً عند مورد الدليل.
وهل يشخّص المصرف إذا نوى عند العزل أنّه لأحد الأصناف، أم لا؟ الظاهر العدم. الخامسة عشرة: ميراث العبد المشترى من الزكاة - من أيّ سهم كان من سهامها - لأرباب الزكاة من أيّ صنفٍ من أصنافها، كما دلّ عليه الصحيح(2)، وقضى به الأصل، وأفتى به المشهور، ونُقل عليه الإجماع(3).
والأحوط إعطاؤه للفقراء؛ للموثّق(4)الدالّ على ذلك، ولأنّهم الأصل في أربابها، ولأنّ الدفع إليهم مجزئ على تقدير كون الوارث أرباب الزكاة، وعلى تقدير كون الوارث الفقراء فحسب.
وعلى تقدير كون الوارث الإمام علیه السّلام - كما تخيّله بعض الأعلام(5)- لأنّه سائبة لا يملكه
أحد ولا أرباب الزكاة؛ لأنّه أحد مصارفها، ولضعف الموثّق المتقدّم؛ لاشتماله على ابن فضّال وهو فطحيّ، وابن بكير وفيه ضعف.
وهُما ضعيفان.
أمّا الأوّل: فلما قدّمنا من أنّ الأصل في الزكاة أن تعود للفقراء، فكأنّ المال لهم.
وأمّا الثاني : فلقوّته بفتوى الأصحاب وبالصحيح المتضمّن بأنّ ميراثه لأهل الزكاة(1)، ولا ينصرف عرفاً إلا للفقراء.
وظاهر النصّ والفتوى يقضي بعدم الفرق بين أن يشترى العبد من سهم الرقاب أو يشترى من سهم سبيل الله أو يشترى من أصل الزكاة، فإنّ ميراثه للفقراء المستحقّين؛ لأنّه الأصل في الاستحقاق.
خلافاً لما يظهر من الشهيد رحمه الله من الفرق بين ما يشترى من سهم الرقاب فللإمام علیه السّلام، وبين ما يشترى لعدم وجود المستحقّ فللفقراء(2).
وكذا ما يظهر من بعض المحدّثين من الفرق بين ما يشترى من سهم الرقاب أو سهم سبيل الله فللإمام، وبين ما يشترى من أصل الزكاة فلأربابها، وبين ما يشترى من سهم الفقراء فللفقراء، والمائز بين هذه يكون بالنيّة.
وحَمَل الروايةَ الحاكمة على أنّ ميراثه للفقراء على صورة ما إذا كان المال قد نواه صاحبه أنّه سهمهم ثمّ اشترى به عبداً، والروايةَ الحاكمة على أنّ ميراثه لأرباب الزكاة فيما نواه أنّه من جميع السهام، وناقشَ فيما يدلّ على دخول شراء هذا العبد في سهم الرقاب؛ لعدم دليلٍ على ذلك؛ لظهور الروايتين في أنّه من سهم الفقراء كالحاكمة بأنّ ميراثه لهم، أو من جميع أرباب الزكاة كالأُخرى الحاكمة بذلك أيضاً، ثمّ أشكل عليه الحال في الأُخرى، فهل يجب التوزيع على الأصناف في ميراثه لقاعدة الإرث أم لا يجب كأصل المال المشترى به(3).
وجميع كلامه لا يخلو من ضعف، كما ترى.
السادسة عشرة: الذي يقوى بنظر الفقاهة والفقهاء وأفتى به المشهور وجرت عليه
السيرة ونُقل عليه الإجماع(1): أنّه لا يجب على الدافع في الزكاة قدر خاصّ من المال، بل يجزئ القليل والكثير ما لم يكن غير متموّلٍ كحبّة حنطةٍ مثلاً، فإنّ الأظهر عدم إجزائها، وسواء في ذلك كون المدفوع إليه فقيراً أو غير الفقير من الأصناف الأُخَر.
وتدلّ على الحكم المذكور عمومات الأدلّة وخصوصاتها:
كالصحيح: كتبتُ إلى الصادق علیه السّلام : هل يجوز لي يا سيّدي أن أُعطي الرجل من إخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة، فقد اشتبه ذلك علَيَّ؟ فكتبَ: «ذلك جائز»(2).
وفي آخَر مكاتبة: أُعطي الرجل من إخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة، فكتب: «افعل»(3).
وللخبرين(4)المعتبرين الدالّين على أنّ التقدير في الدفع موكول إلى الإمام علیه السّلام، إلى غير ذلك.
خلافاً لمن(5)أوجب التقدير، واستدلّ بالاحتياط، وبالقطع بالبراءة مع التقدير، وبإجماع الطائفة، نقله المرتضى رحمه الله (6)، وبالصحيح، وفيه: «فلا تعطوا أحداً أقلّ من خمسة دراهم فصاعداً»(7)وبالموثّق قال: «لا يجوز أن يدفع الزكاة أقلّ من خمسة دراهم فإنّها أقلّ الزكاة»(8).
والكلّ لا يقاوم ما قدّمناه وإن وافقت أخبارنا فتوى العامّة وخالفتها أخبار التقدير؛ لزيادة المرجّحات في أخبارنا القاضية بطرح ما قابلها، أو حمله على الاستحباب كما أفتى به مشهور الأصحاب ووافق الاعتبار، فالقول بالاستحباب متعيّن.
وعليه فهل يقدّر المدفوع بخمسة دراهم، أو عشرة قراريط عبارة عن نصف دينار فما فوق ذلك، كما ذهب إليه الأكثر(9)، أو بدرهم واحد أو قيراطين عبارة عن عُشر دينارٍ فما فوق، كما نُسب لابن الجنيد وسلّار(10)، أو نصف دينارٍ فقط مطلقاً كما نُسب لابن بابويه(11)، أو نصف دينارٍ
1) رسائل الشريف المرتضى 1 : 225.
2) وسائل الشيعة 9 : 258، الباب 23 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 5.
3) المصدر : 256 - 257، ح 1.
4) المصدر : 211، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 4 و 265، الباب 28 من تلك الأبواب، ح 1.
5) كالشيخ المفيد في المقنعة: 243؛ والشيخ الطوسي في النهاية: 189؛ والاقتصاد : 283؛ والمحقّق الحلّي في المعتبر 2: 590.
6) الانتصار: 218 - 219، المسألة 107
7) وسائل الشيعة 9 : 257، الباب 23 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 2.
8) المصدر : 257 - 258، ح 4.
9) كما في رياض المسائل 5: 183.
10) المراسم : 133 - 134؛ ونسبه إليهما المحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 590.
11) نسبه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 104، المسألة 78.
فقط في الذهب فقط كما نُسب إليه(1)أيضاً، أو خمسة دراهم فقط كما في عبارة المفيد رحمه الله(2)؟؟ أقوال، أقواها الأوّل؛ للروايات(3)، والإجماع، وفتوى المشهور، وما بعده خالٍ عن مستندٍ، سوى روايةٍ مرسلة أرسلها المرتضى دليلاً على القول الثاني، والإجماع الذي نقله أيضاً(4).
وهُما معاً موهنان بالإجماع المنقول(5)على خلافهما المعتضد بفتوى المشهور والأخبار المسندة الصحيحة المعمول عليها.
ومع ذلك فالأخبار إنّما اشتملت على ذكر الخمس دراهم دون نصف الدينار، ولكنّ الإجماع المنقول شامل للأمرين معاً ، ويؤيده تقاربهما وفتوى الأصحاب به، فإلحاق نصف الدينار بها هو الظاهر.
ثمّ إنّ المتيقّن من هذا التحديد هو ما إذا كان المدفوع من الدراهم عن نصاب الدراهم، ومن الذهب عن نصاب الذهب، فتبقى الصور الأُخرى لا دليل عليها، كما إذا كان المدفوع دراهم عن غير دراهم بحسب القيمة ولو عن دنانير، أو دنانير بحسب القيمة عن غير دنانير ولو عن دراهم، أو كان المدفوع غير دراهم وغير دنانير عن دراهم أو دنانير بحسب القيمة، أو كان المدفوع غير دراهم وغير دنانير عن غير دراهم ودنانير، كالمدفوع في زكاة الأنعام والغلّات.
وغاية ما يمكن إدراجه فيما قدّمنا هي الصورة الأُولى، فينبغي حينئذٍ للدافع أن لا ينقص عن خمسة دراهم أو نصف دينار إذا كان المدفوع منهما، وتبقى الصور الأُخرى دائرة بين سقوط الحكم الإيجابي أو الاستحبابي عنها مطلقاً؛ لعدم كونها مورداً للنصّ، وبين إجراء الحكم عليها بالقيمة، بمعنى أنّه لا يجوز أن تنقص قيمة المدفوع عمّا يجب في أوّلي النصابين، وبين أن لا ينقص كلّ مدفوعٍ عن أوّل ما يجب في أوّل نصابه، فلا ينقص مزكّي الغنم عن دفع واحدة فلا يشرك فيها اثنين، ولا ينقص مزكّي البقر عن دفع تبيعٍ، ولا ينقص مزكّي الإبل عن دفع شاة، ولا ينقص مزكّي الغلّات عمّا يجب في أوّل ما يكمل به النصاب؟ وجوه، أقواها الوسط؛ لظهور إرادة القيمة من الأخبار وكلام الأصحاب.
ثمّ إنّ هذا التقدير فيما يمكن فيه ذلك التقدير، وأمّا ما لا يمكن فيه - كمن دفع زكاة النصاب الأوّلي من الفضّة ثمّ بقي عليه زكاة النصاب الثاني، أو كمن وجبت عليه شاة ولا تبلغ قيمتها ذلك، أو كمن دفع أوّلاً القدر المتقدّم ثمّ تبيّن أنّ عليه شيئاً آخَر لا يمكن دفعه للأوّل - فإنّه يجزئ القليل والكثير.
السابعة عشرة: يجوز أن يتملّك ما دفعه من الزكاة من المدفوع إليه بأيّ نحوٍ كان من أنواع التمليك؛ للأُصول والقواعد وعموم الأخبار وخصوصها(1)، إلّا مع اشتراط ذلك حين الدفع، كأن يدفع إليه بشرط عوده إليه، فإنّه لا يجوز الدفع على ذلك النحو، ومع المواطأة معه وإن لم يكن على وجه الشرطيّة إشكال، سيّما لو كانت المواطأة على إرجاعه مجّاناً.
نعم، يكره أن يتملك ما دفعه بسببٍ اختياريّ كبيعٍ وهبةٍ وشبههما من دون مرجّحٍ لذلك، كأن يكون الفرض جزءاً من حيوانٍ لا يتمكّن الفقير من الانتفاع به؛ لفتوى الفقهاء بذلك، وكفى ذلك في السنن.
وعلّلوه أيضاً بأنّه طهارة للمال، فيكره له شراء طهوره، وبأنّه ربما استحيى الفقير، فيترك المماكسة معه، ويكون ذلك وسيلةً إلى استرجاع بعضها، وبأنّه ربما طمع الفقير في غيرها منه فأسقط بعض ثمنها، وغير ذلك(2).
وظاهر ذلك كراهة التملّك من الفقير في أوّل مرتبةٍ دون باقي المراتب المتصاعدة، ولا يبعد ذلك.
ولو كان التملّك بسببٍ قهريّ كميراتٍ وشبهه، لم يكره التملّك بمعنى الاستدامة عليه.
الثامنة عشرة: يجوز الدفع لوكيل الفقير أو الغارم وشبههما، ويقوم مقام الموكّل؛ لإطلاق أدلّة الوكالة، ولأنّه عمل لا يشترط مباشرته، فتصحّ الوكالة فيه، وللسيرة القاضية بذلك.
خلافاً لابن إدريس؛ حيث مَنَع ذلك اقتصاراً على مورد اليقين من فراغ الذمّة، واستناداً إلى أنّ الوكالة لا تصحّ إلّا فيما يستحقّ الموكّل المطالبة به، والزكاة لا يستحقّها واحد معيّن، ولا يملكها إلّا بعد القبض(3).
والكلّ ضعيف.
[المسألة] التاسعة عشرة: لو دفع المالك للإمام علیه السّلام أو نائبه العامّ أو الخاصّ على سبيل الولاية على المستحقّ لا على سبيل الوكالة عنه، وجبت عليه النيّة عند الدفع إليهما؛ لمكان ولايتهما عن المستحقّ، ولا يجب على الإمام علیه السّلام أو نائبه نيّة عند دفعه للمستحقّ؛ لوصول الحقّ إلى أهله.
ولو لم بَنو المالك عند الدفع، أشكل قبض نائب الإمام علیه السّلام ذلك منه؛ لبقاء المال كلّاً أو بعضاً على ملك مالكه.
نعم، له أن ينوي بعد الدفع ما دامت العين باقية.
ولو دفع المالك للوكيل الخاصّ، كان المدار على نيّة الوكيل عند الدفع إلى المستحقّ. ولا مدار على نيّته عند دفعه للوكيل. وإن نوى عند دفع الوكيل للمستحقّ، كفت نيّة المالك عن نيّة الوكيل.
ولو كان الدفع إلى الوكيل عزلاً للزكاة، جرى عليه ما يجري على العزل، فإن قلنا: إنّ مصاحبة النيّة للعزل كافية كفت ها هنا، وإلّا فلا.
والأظهر الاكتفاء بالنيّة حين العزل، ولا يحتاج إلى نيّةٍ أُخرى، والأحوط اتّباع النسيّة حين الدفع إلى النيّة المقارنة للعزل.
ولو قهر المالكَ على دفع الزكاة الحاكمُ أو عدولٌ المسلمين، تولّيا النيّة عند الدفع للمستحقّ؛ لقيامهما مقام المالك، ولهما أن ينويا حين القبض إذا قبضا عن الفقراء.
العشرون: تجب النيّة في دفع الزكاة، وهي قصد الفعل على وجه أنّه الله تعالى.
ولابدّ من تعيين المنوي إذا كان مشتركاً، كمن كان عليه زكاة فطرة وزكاة مال، أو خُمْس وزكاة.
وما لم يكن مشتركاً كأن لم يكن عليه سوى زكاة فدفع ما عليه من الحقّ، أجزاً على الأظهر، والأحوط تعيينه بالنيّة.
وما لم يكن مشتركاً واقعاً لكنّه مجهول لا طريق إلى تعيينه، كمن كان عليه خُمْس وزكاة ودفع أحدهما معيّناً فنساه واشتبه عليه الباقي، جاز أن ينوي ما عليه واقعاً، ولا تجب عليه إعادتهما معاً، ولا استخراج الباقي بالقرعة.
وأمّا أصناف زكاة المال فالأظهر أنّها لا توجب التعيين، ولا تقضي بتعدّد ماهيّات المأمور
به، بل يكفي فيها نيّة الزكاة المطلقة، فلو كانت عليه شاة لخمس من الإبل وشاة لأربعين شاةً كفى دفع شاتين، أو عليه زكوات متعدّدة كفى الدفع عن مجموعها بالقيمة.
ولو دفع شاةً واحدة عمّا عليه أو بعضاً من قيمة ما عليه فتلف أحد النصابين من دون تفريطٍ؛ لعدم المستحقّ وشبهه، فهل يتخيّر المالك في صَرفها إلى ما شاء منهما، أو يوزّع؟ وجهان.
فعلى الأوّل فإن صرفه إلى الباقي برئت ذمّته، وإن صرفه إلى التالف وجب عليه أن يؤدّي زكاة التالف.
وعلى الثاني يقسّط عليهما، فيسقط عنه نصف شاة. واحتمال القرعة بعيد.
ولو عيّن المدفوع من نصابٍ خاصّ ابتداءً تعيّن عليه.
وبحكم التعيّن ما لو كانت الفريضة من جنس النصاب، فإنّ الظاهر انصرافه إلى ذلك دون مشاركٍ آخَر له في القيمة.
ولو دفع عن مالٍ فتبيّن تلفه قبل ذلك، استُعيدت من المدفوع إليه مع علمه، وجاز احتسابها عليه من زكاة مالٍ آخَر أو حقٌّ آخَر، ومع عدم علمه استعيدت مع بقاء العين، دون ما إذا تلفت، فإنّه لا ضمان على التالف، فلا يجوز استعادة المال منه ولا احتسابه عليه من حقّ آخَر.
ومَنْ كان عليه حقٌّ فاشتبه عليه، فإن أمكنه التخلّص بأن ينوي ما عليه ويدفعه لمن يبرأ بالدفع إليه وجب عليه ذلك، كما إذا دار بين زكاة أو خمس أو نذر لهاشميٍّ وكان المالك هاشميّاً، وجب عليه الدفع لهاشميٍّ وبرئت ذمّته، وإن لم يمكن الدفع لمن تبرأ ذمّته بالدفع إليه كرّر حتّى يتيقّن الفراغ إن كان مشتبهاً بمحصورٍ، وإن كان مشتبهاً بغير محصورٍ صار كالمجهول المالك يتصدّق به.
ويحتمل في المحصور القرعة، والتوزيع بالنسبة وعوده كالمجهول المالك. ولكنّ الأقوى الأوّل.
ولو شكّ فيما وجب دفعه من الزكاة أنّه شاة أو بعير أو أحد النقدين أو من الغلّات في مقام لا يجوز دفع القيمة، كأن نذر أن يدفع كلّ عينٍ بعينه، احتُمل انفساخ النذر وإجزاء القيمة، واحتُمل وجوب التكرير، واحتُمل التوزيع على النسبة، واحتُمل التخيير، واحتُمل القرعة، وأقواها الأوّل، وأحوطها: الثاني.
ومَنْ ردّد في نيّته بين نوعين واجبين أو واجب وندب كأن قال: هذا خُمْس أو زكاة، أو زكاة أو صدقة، بطل عمله.
وإن نوى التقرّب بما عليه وردّد في المنوي لا في النيّة، كأن قال: دفعتُ ما علّيَّ قربةٌ إلى الله تعالى، فإن كنتُ مطلوباً بزكاةٍ فهي زكاة، وإن كنتُ مطلوباً بالخُمْس فهو خُمْس، وإن كان مالي سالماً فهو زكاته، وإن كان مالي تالفاً فهو صدقة، صحّ عمله، ولا يجوز له الرجوع بما دفع لو تبيّن تلف المال على الأظهر.
ولو كان للمستحقّ جهات جاز أن يُعطى من جميع سهام جهاته، والفارق بينها النيّة. ولو دفع إلى فضوليٍّ عن الفقير فأجاز الفقير، فالأحوط إعادة النيّة عند وصولها إلى الفقير؛ لعدم مقارنة النيّة عند الدفع للمستحقّ.
وكذا لو دفع في مكانٍ أو كفٍّ مغصوبين، فإنّ الأحوط إعادة النيّة بعد الدفع والوصول إلى محلّه.
ونيّة القربة مشخّصة لمال الفقراء عن ماله ولا يكفي في التشخيص مجرّد أنّه مال الفقراء وقسمته.
ولو صالح المالك الحاكم على مال مشتبه بقدرٍ معيّن أو شيءٍ معين، فالأحوط أيضاً:
مقارنة النيّة لدفع المال المصالَح عليه، سواء دفعه للحاكم أو للمستحقّ.
ولو دفع [المالك](1)مالاً مشتركاً، بطل دفعه وجدّد النيّة بعد القبض، والأحوط بعد القسمة.
1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : «المال». والمثبت هو الصحيح.
وهي الخلقة، فتكون زكاة البدن، وتُشعر بذلك الرواية عنه ، وقوله فيها: «ولا تدع منهم أحداً، فإنّك إن تركتَ منهم إنساناً تخوّفت عليه الفوت»(1)أو الفطر من الصوم؛ لما ورد من «أنّ تمام الصوم إعطاء الزكاة»(2)فتكون من تمام إباحة الفطر وإكمال الصوم، ولو لم يلاحظ فيها الفطر لكانت زكاة الصوم أو الدين والإسلام، فهي من متمّماته ومكمّلاته، ووجهه ظاهر.
ووجوبها ثابت بالكتاب(3)والسنّة(4)والإجماع بقسميه(5)، بل الضرورة من الدين.
بحث:
يشترط فيها التكليف، فلا تجب على مجنون أو طفل، ولا تستحبّ أيضاً؛ للأصل، ولعدم دخولها تحت خطابات المكلّفين، وعدم ثبوت خطاب الأولياء بإخراجها من مالهم؛ لعدم الدليل عليه، ولقوله علیه السلام: «لا زكاة على يتيمٍ»(6)ولمفهوم الخبر الآخَر: «تجب الفطرة على كلّ مَنْ تجب عليه الزكاة»(7).
والظاهر إلحاق المغمى عليه بالمجنون إذا استوعب إغماؤه الوقت، أو أُغمي عليه عند تعلّق الوجوب على الأظهر؛ للأصل، ولظاهر فتوى الأصحاب.
وما ورد - في الصحيح -: عن المملوك يموت مولاه وهو عنه غائب في بلدٍ آخَر وفي يده مال لمولاه ويحضر الفطر، أيزكّي عن نفسه من مال مولاه وقد صار لليتامى؟ فقال: «نعم»(1)مطّرح لا يُعتدّ به؛ لاشتماله على وجوب فطرة العبد على الطفل، وجواز تولّي الإخراج من مال مولاه بنفسه، وكلاهما لا يقوله مَنْ يُعتدّ بقوله.
ويشترط في زكاة الفطرة الحُريّة، فلا تجب على المملوك: مدبّراً أو أُمَّ ولدٍ أو مكاتباً مشروطاً أو مطلقاً، سواء قلنا: إنّه يملك أو أحلنا ملكه.
أمّا على القول بأنّه لا يملك فظاهر؛ لعدم جواز تعلّق التكليف بالمال به.
وأمّا على القول بأنّه يملك: فللأصل، وانصراف أدلّة وجوب زكاة الفطرة لغيره، كما لا يخفى.
وللإجماعات المنقولة(2)، ولثبوت الحجر عليه في التصرّف، وللأخبار المستفيضة الدالّة على ثبوت فطرة المملوك على مالكه (3)الظاهرة في نفي الإيجاب.
فعلى ذلك فلا يجب على المملوك تأدية الفطرة عن نفسه، ولا عن زوجته، ولا عن ولده، ولا تجب على مالكه أيضاً مع عدم العيلولة.
واحتمل بعضُهم وجوبَ زكاة فطرة عبد العبد على المولى؛ لنقصان ملك العبد، ولكون المالك حقيقةً هو السيّدَ(4).
وهو ضعيف كضعف ما ذهب إليه الصدوق رحمه الله من وجوب الزكاة على المكاتب(5)لصحيح عليّ بن جعفر: عن المكاتب هل عليه فطرة شهر رمضان أو على مَنْ كاتبه؟ وتجوز شهادته؟ قال: «الفطرة عليه ولا تجوز شهادته»(6)سواء حُمل على الإخبار أو حُمل على الإنكار، فإنّه يدلّ على ثبوت الفطرة عليه.
1) وسائل الشيعة 9 : 326، الباب 4 من أبواب زكاة الفطرة، ح 3.
2) الخلاف 2 : 130 - 131، المسألة 158: السرائر 1 : 466؛ منتهى المطلب :8 : 424: مدارك الأحكام 5: 308.
3) وسائل الشيعة 9 : 327 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة.
4) العلامة الحلي في منتهى المطلب 8: 444.
5) الفقيه 2 : 179، ح 2074 وذيله.
6) وسائل الشيعة 9 : 365 ، الباب 17 من أبواب زكاة الفطرة، ح 3.
وهو ضعيف؛ لمعارضته بالخبر: «يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه»(1)المجبور بالشهرة وإطلاق الإجماعات المنقولة(2)، فليُطرح الصحيح، أو يُحمل على التقيّة، أو على عود الضمير إلى مَنْ كاتبه لا إليه نفسه.
وأمّا المبعّض فيقوى القول بعدم وجوب الزكاة عليه إلّا مع العيلولة، ومعها تجب على مَنْ عال به، وذلك لأنّ الجزء الرقّي لا يتعلّق به خطاب، والجزء الحرّي لا تنصرف إليه إطلاقات وجوب الزكاة، على أنّ وجوب تأدية الصاع ضرر وخلاف ظاهر الأخبار؛ لتعلّقه بالحُرّ التامّ. ووجوب تأدية بعضه خلاف ما تضمّنته الأخبار وأفتى به العلماء الأبرار، ووجوب التوزيع بتأدية الجميع بينه وبين مولاه بالنسبة لا شاهد عليها، وإدخال كلّ جزءٍ تحت دليله من الحُرّيّة والرقّيّة لا يخلو عن نظرٍ وتأمّلٍ.
ومع ذلك فالقول بإخراج الجميع على سبيل التوزيع لا يخلو من قوّةٍ؛ لإمكان إدخاله تحت الأدلّة، وتأيّده بالاحتياط وفتوى كثيرٍ من العلماء الأعلام.
بحث:
من جملة شرائط الوجوب الغنى؛ لفتوى الأصحاب، وأخبار البابک
ففي الصحيح: عن رجل يأخذ الزكاة عليه صدقة الفطرة؟ قال: «لا»(3).
وفي آخَر: على الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟ قال: «ليس عليه فطرة»(4).
وفي آخَر : عمّن يقبل الزكاة عليه صدقة الفطرة؟ قال: «لا»(5).
وفي آخَر: «لا فطرة على مَنْ أخذ الزكاة»(6).
وفي آخَر: «مَنْ حلّت له لم تحلّ عليه، ومَن حلّت عليه لم تحلّ له»7.
وما ورد في مقابل ذلك من الأخبار كقوله علیه السّلام في جواب زرارة: الفقير الذي يتصدّق عليه هل تجب عليه صدقة الفطرة؟ قال: «نعم»(1)وفي آخَر: «أمّا مَنْ قَبِل زكاة المال فإنّ عليه زكاة الفطرة، وليس على مَنْ يقبل الفطرة فطرة»(2). وغير ذلك - لا يعارض ما قدّمناه، فليُحمل على الاستحباب أو يُطرح.
ويحتمل حمل بعضها على ما إذا صار غنيّاً بأخذ زكاة المال، كما تُشعر به التفرقة في الخبر الأخير بين زكاة المال وزكاة الفطرة، أو تُحمل على التقيّة؛ لما نُقل أنّه فتوى الشافعي و جماعة من العامّة(3)، وأفتى به ابن الجنيد (4)، من أصحابنا.
والمراد بالغني هنا هو ملك مؤونة السنة فعلاً أو قوّةً؛ لفتوى المشهور، ولأنّ مَنْ لم يملك ذلك تحلّ له الزكاة ويقبل الزكاة ويأخذ الزكاة؛ لما تقدّم(5)في بحث الغنيّ والفقير، وكلّ مَنْ كان كذلك لا تجب عليه؛ للأخبار المتقدّمة(6)، ومَنْ كان غنيّاً تجب عليه؛ لتلك الأخبار أيضاً، كما يُفهم من سياقها، ولقوله علیه السّلام: «تحرم الزكاة على مَنْ عنده قوت السنة، وتجب الفطرة على مَنْ عنده قوت السنة»(7). والمراد بالقوت هو المؤونة كما هو ظاهر.
وناقش بعض المتأخّرين في دلالة الأخبار على وجوب تأدية الغني للزكاة عدا هذا الخبر الأخير، وخصّ دلالتها في سقوطها عمّن لا يملك، وأحدهما غير الآخَر(8).
وضعفه ظاهر لمن تأمّل.
وذهب الشيخ رحمه الله إلى وجوب دفع الفطرة على مَنْ مَلَك أحد النصب الزكويّة عيناً أو قيمةً(9)،
1) وسائل الشيعة 9 : 324، الباب 3 من أبواب زكاة الفطرة، ح 2.
2) المصدر : 322 - 323، الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة، ح 10.
3) الأمّ 2 : 64 و 66: الحاوي الكبير :3 : 371؛ المهذب للشيرازي 1 : 170؛ البيان 3 : 361؛ العزيز في شرح الوجيز 3 : 158؛ روضة الطالبين 2 : 160: المغني المطبوع مع الشرح الكبير :2 : 695 ونقله عنهم الشيخ الطوسي في الخلاف 2 : 146 - 147 المسألة 183.
4) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 137، المسألة 106.
5) تقدّم في ص 129 وما بعدها.
6) تقدمت آنفاً.
7) وسائل الشيعة 9 : 323، الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة ، ح 11.
8) البحراني في الحدائق الناضرة 12: 263.
9) الخلاف 2 : 146، المسألة 183.
وابن إدريس إلى وجوبها على [مَنْ] مَلَك عين النصاب دون قيمته، وادّعى على ذلك الإجماعَ واتّفاقَ الإماميّة على قوله(1).
وهُما ضعيفان محجوجان بما تقدّم من أنّ مَنْ مَلَك النصاب ولم يفِ بمؤونته جاز له أن يأخذ الزكاة، وكلّ مَنْ حلّت له الزكاة سقطت عنه؛ للأخبار(2)، ووجوب دفع زكاة المال على مَنْ مَلَك نصاباً لا يلزم منه وجوب دفع زكاة الفطرة، والفارق بينهما الأخبار وكلام الأخيار، وحمل أحدهما على الآخَر قياس لا نقول به.
ويستحبّ للفقير إخراجها عن نفسه وعمّن يعوله؛ لفتوى الأصحاب.
وأدنى من ذلك في الاستحباب إدارة صاع واحد عن نفسه وعياله يردّده بأن يخرجه عن نفسه فيدفعه إلى أحد عياله صغيراً أو كبيراً، ويقبل عن الصغير الوليّ ثمّ يدفعه واحد إلى آخَر إلى أن يردّه الأخير إلى صاحب المال.
والأحوط أن يدفعه الأخير للأجنبيّ، فيكون صاعٌ واحدٌ كافياً عن الجميع، بل الأظهر في الموثّق(3)هو هذا وإن كان كلٌّ منهما محتملاً، بل الأحوط عدم دفعها للصغير؛ لأنّ إخراجها عن ملكه بعد ذلك في زكاة الفطرة مع عدم ثبوت استحبابها في حقّه مشكل، سيّما مع ظهور خبر الإدارة 4 في البالغين.
بحث:
تجب زكاة الفطرة مع اجتماع الشرائط على الإنسان نفسه وعلى مَنْ يعول به عيلولة عرفيّة بحيث يقال عرفاً: إنّه من عياله، صغيراً أو كبيراً، حُرّاً أو مملوكاً، قريباً أو بعيداً، مسلماً أو كافراً، واجب النفقة أو لا للإجماع المنقول(4)، وفتوى الأصحاب، وأخبار الباب:
ففي الصحيح: «الفطرة واجبة على كلّ مَنْ يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حُرّ أو مملوك»(5).
والمراد: عن كلّ مَنْ يعول بقرينة المقام وكلام الأعلام.
والصحيح الآخَر: «تصدّق عن جميع مَنْ تحول من صغير أو كبير أو حُرّ أو مملوك »(1).
وفي آخَر: «كلّ مَنْ ضممت إلى عيالك من حُرّ أو مملوك فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه»(2).
وفي صحيحٍ آخَر: «على الرجل أن يُعطي عن كلّ مَنْ يعول»(3).
إلى غير ذلك من الأخبار المتكثّرة المعتبرة.
ولكن في المقام مسائل:
الأولى: مَنْ لم يدخل في مسمّى العيال عرفاً لم تجب عليه فطرته وإن أنفق عليه بمأكول وملبوس ومأدوم أو دراهم؛ لفتوى الأصحاب، وقوله في الصحيح: عن رجلٍ ينفق على رجلٍ ليس من عياله إلّا أنّه يتكلّف له نفقته وكسوته أتكون عليه فطرته؟ قال: «لا، إنّما تكون فطرته على عياله صدقة دونه» وقال: «العيال: الولد والمملوك والزوجة وأُمّ الولد»(4).
والحصر في هذه الأربعة مبنيّ على الغالب.
الثانية: لا يكفي في العيلولة مجرّد النيّة في الإدخال في العيال، بل لا بدّ من التلبّس بآثارها فعلاً، والأحوط إجراء النيّة مجرى الفعل وإن لم يأكل المعيل ولم يشرب. الثالثة: يجب إخراج الفطرة عن الضيف في الجملة؛ للإجماع والخبر الصحيح عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطر، يؤدّي عنه الفطرة؟ قال: «نعم، الفطرة واجبة على [كلّ] مَنْ يعول من ذكر أو أُنثى، صغير أو كبير، حرّ أو مملوك»(5).
ويشترط رضى المضيف بالضيافة ودخوله بإذنه قطعاً.
وهل يشترط أكله عنده أم يكفي مجرّد ضيافته؟ الأقوى الأوّل، والأحوط الثاني. ومبنى المسألة على أنّ مجرّد الضيافة موجب لإخراج الفطرة عنه، أو صدق العيلولة ؟
والأظهر الثاني؛ لقوّة أخبار العيلولة(1)، وإجمال خبر الضيف من جهة تعقيبه بـ «نعم» الدالّ على الإيجاب بمجرّد الضيافة، ومن جهة تعقيبها بقوله علیه السّلام: الفطرة واجبة على مَنْ يعول»(2)وظاهره أنّ الوجوب في الضيف لمكان العيلولة، وظاهر العيلولة تحقّقها فعلاً وعدم كفاية النيّة فيها.
ولو سُلّم دلالة الخبر على أنّ الإيجاب بنفس الضيافة فالواجب تخصيصه بأخبار العيلولة؛ لأنّ بينه وبينها عموماً من وجه والأقوى من العامّين من وجهٍ يُقدَّم على غير الأقوى.
نعم، يكتفى بحصول الضيافة والأكل قبل الهلال ولو بلحظة في وجوب الإخراج، كما إذا كان مريضاً أو مسافراً فأكل في النهار ، بل ولو أكل حراماً وهو صائم على الأظهر؛ أخذاً بإطلاق الأخبار.
ولا تشترط الضيافة طول الشهر كما عن الشيخ والمرتضى(3)، ولا نصفه الأخير كما عن المفيد(4)، ولا العشرة الأخيرة كما عن جماعةٍ من الأصحاب(5)، ولا ليلتين منه كما عن ابن إدريس(6)، ولا ليلة واحدة كما عن المنتهى(7).
ولا يكفي المسمّى قبل هلال الشهر وإن لم يأكل كما عن الشهيد رحمه الله محتجّاً بأنّ الضيف مَنْ نزل للقِرى(8)وإن لم يأكل(9)لخلوّ هذه كلّها عن الدليل، عدا الإجماع المنقول (10)على الأوّل، وهو موهن بفتوى الأكثر بخلافه وأخبار العيلولة، ولعلّه يرجع إليها، والخبر المتقدّم (11)على الأخير، وهو ضعيف بالإجمال وأخبار العيلولة.
1) تقدّمت أخبارها في ص 202.
2) راجع الهامش ( 5 ) من ص 202.
3) الخلاف 2 : 133 ، المسألة 162؛ الانتصار : 228، المسألة 117.
4) المقنعة : 265.
5) حكاه عنهم المحقّق الحلّي في المعتبر 603:2 - 604.
6) السرائر 1 : 466.
7) منتهى المطلب 8 : 453
8) قريتُ الضيف : أحسنتُ إليه. الصحاح 6 : 2461، «ق را».
9) مسالك الأفهام 1 : 445 - 446.
10) راجع ص 202.
11) تقدّم في ص 202.
وهل يشترط في مأكوله عنده أن يكون حلالاً، أم لا يشترط؟ الأظهر عدم الاشتراط، كما في سائر مَنْ يعول بهم، فإنّه لا يشترط فيهم أن ينفق عليهم بالفعل من ماله الحلال أو ينوي ذلك على الأظهر.
الرابعة: لو امتنع المضيف مع يساره عن الإخراج عمداً، لم تجب على الضيف ولو كان موسراً؛ لارتفاع الوجوب عنه بالوجوب على مَنْ أضافه، فعود الوجوب إليه يحتاج إلى دليلٍ. وعمومات وجوب زكاة الفطرة لا تجدي بعد الخروج عنها بالوجوب على المضيف، فهي ظاهرة بعدم الوجوب على الضيف؛ إذ لا قائل بالوجوب عليهما معاً. أمّا لو كان معسراً وكان الضيف موسراً، فإن دفع عن الضيف فالأقوى الإجزاء عنهما ندباً عن المعسر؛ لكونه مندوباً في حقّه، وإيجاباً على الضيف الموسر.
ويحتمل قويّاً أنّه مع إعسار المضيف لا يندب في حقّه الإخراج عن الضيف، غاية ما يندب الإخراج عن نفسه وعن عياله المعتاد العيلولة منه بهم، فيكون حكمه في الدفع حكم الفضولي، وحكم المتبرّع مع عدم الإذن ابتداءً، وحكم الوكيل مع الإذن، وهذا أحوط.
وإن لم يدفع، فالأقوى وجوب دفع الضيف عن نفسه؛ لعدم وجوبها على مَنْ أضافه، فتشمله أدلّة وجوب زكاة الفطرة.
واحتمل بعضُ فقهائنا سقوطَ الزكاة عنهما؛ لمكان العيلولة من الضيف والإعسار من المضيف، فلا يتعلّق بهما خطاب(1).
وهو وجيه، إلّا أنّ الأوّل أقوى وأحوط.
ولو انعكس الحال فكان المضيف موسراً فأخرجها الضيف عن نفسه، فالظاهر عدم إجزائها عن المضيف؛ لتعلّق وجوب الإخراج به.
نعم، لو أخرجها عن المضيف بنيّة التبرّع عنه من دون إذنه، لا بنيّة أنّها زكاة عنه، كان حكمه كمن أخرج زكاة غيره فضولاً أو تبرّعاً، وإن كان بإذنه كان حكمه حكم مَن أخرج زكاة غيره بإذنه من ماله لا من مال مَنْ وجبت عليه.
الخامسة: الأقوى أنّ وجوب فطرة الزوجة دائر مدار العيلولة وجوداً وعدماً، ولا تدور
1) العاملي في مدارك الأحكام 5 : 319
مدار صدق الزوجيّة مطلقاً، كما ذهب إليه ابن إدريس، ونقل عليه الإجماع والعموم، ولم يفرّق الدائمة وغيرها، والناشزة وغيرها، والمتمتّع بها وغيرها، والمدخول بها وغيرها، والممكّنة بین نفسها وغيرها(1).
وما استند إليه من الإجماع والعموم ضعيف.
أمّا إجماعه: فموهون بما قاله المحقّق رحمه الله من أنّا لا نعرف أحداً من فقهاء الإسلام فضلاً عن الإماميّة أنّه أوجب على الزوجة الفطرة من حيث هي زوجة، بل ليس تجب الفطرة إلّا عمّن تجب مؤونته أو تبرّع بها عليه، فدعواه إذَن عريّة عن الفتوى والأخبار(2).
وأمّا العموم: فهو ما ورد في صحيح صفوان: «الواجب عليك أن تعطي عن نفسك وأبيك وأُمّك وولدك وامرأتك وخادمك»(3).
وفي صحيح ابن الحجّاج: «العيال: الولد والمملوك والزوجة وأُمّ الولد»(4).
وهُما ضعيفان؛ لاشتمالهما على ما لا نقول به من وجوب فطرة كثيرٍ من من الأقارب مع عدم العيلولة، ولقوّة ورودهما مورد الغالب من العيلولة بمَنْ ذُكر فيهما، فينزّل على الغالب، ولوجوب تخصيصهما لو أبقيا على ظاهرهما بأخبار العيلولة؛ لوجوب ترجيح الأقوى في العامّين من وجهٍ عند تعارضهما، ولا شكّ أنّ بين هذين الخبرين وبين أخبار العيلولة عموماً من وجهٍ؛ لمكان شمولهما للمعيل به وغيره، وشمول أخبار العيلولة إثباتاً ونفياً لهما ولغيرهما.
وقد يقال بأنّ وجوب الفطرة تابع لوجوب النفقة والعيلولة، لا لتحقّقهما بالفعل، فعلى ذلك تخرج الناشز والمتمتّع بها ومَنْ لم تُمكّن نفسَها عن وجوب الفطرة، وتدخل الزوجة المطيعة وإن لم يعل بها فعلاً.
وهو قريب، وربما ادّعي عليه الاتّفاق وقضى به الاحتياط، إلّا أنّ الظاهر من الأخبار إرادة العيلولة بالفعل، لا مجرّد وجوبها وتعلّقها.
ولو عال بالزوجة غير الزوج، وجبت فطرتها عليه من غير إشكالٍ.
السادسة: المملوك إن عال به مولاه وجبت عليه فطرته قولاً واحداً، وإن عال به غيره وجبت على غيره.
وإن لم يعل به أحد أو كان غائباً أو مغصوباً لا يعلم حاله أو أبقاً، فالأقوى عدم وجوب فطرته على مولاه؛ لعدم العيلولة بالفعل، والأمر يدور مدارها كما في الأخبار(1).
وقيل بوجوبها على المولى؛ لمكان وجوب النفقة والعيلولة، حتّى ادّعي الاتّفاق عليه (2)، وربما يستند لإطلاق الخبرين المتقدّمين(3).
وفيه: أنّ وجوب العيلولة لا تلزم وجوب الفطرة، والإجماع ممنوع؛ لعدم ثبوته صريحاً، والخبران لا يعارضان ما قدّمنا من أخبار العيلولة(4).
وأمّا واجبو النفقة من الأقارب فإن عالهم القريب وجبت، وإن لم يعلهم فعلاً لم تجب.
وربما التزم بعضهم بوجوب الفطرة تبعاً لوجوب النفقة لا لوقوعها بالفعل(5). وهو ضعيف.
السابعة: المملوك بين الشريكين فإن عال به أحدهما وجبت عليه فطرته خاصّةً. وإن عالا به معاً أو لم يعل به أحد بناءً على تبعيّة الفطرة لوجوب النفقة، فهل تجب فطرته عليهما معاً بالنسبة إلى الحصص، أو تسقط عنهما؟ وكذا كلّ اثنين يعولان بواحدٍ؟
والأظهر السقوط؛ للأصل، ولعدم انصراف الأخبار الدالّة على وجوب إخراج الفطرة عمّن يعوله للمبعّض في العيلولة، والدالّة على إخراجها عن المملوك للمبعّض في المملوكيّة.
ولما رواه زرارة في عبد بين قومٍ فيه زكاة الفطرة؟ قال: «إذا كان لكلّ إنسان رأس فعليه أن يؤدّي عنه فطرته، وإذا كان عدّة العبيد وعدّة الموالي [سواء] وكانوا جميعاً فيه سواء أدّوا زكاتهم لكلّ واحدٍ منهم على قدر حصّته، وإن كان لكلّ إنسانٍ منهم أقلّ من رأس فلا شيء عليهم»(6).
ولكن فتوى المشهور على وجوب إخراجها بالحصص وعدم السقوط، فالتعدّي عن ذلك موافقته للاحتياط مشكل، واحتمال وجوب دفع فطرة تامّة على كلّ واحدٍ من الشريكين ضعيف.
الثامنة: المملوك الغائب وكلّ واجب النفقة إذا كان غائباً تجب على مَنْ كان حاضراً فطرته إذا كان عائلاً به من غير إشكالٍ؛ للسيرة القطعيّة، والاستصحاب، وقوله علیه السلام: «لا بأس بأن يعطي الرجل عن عياله وهُم غُيّب عنه، ويأمرهم فيعطون عنه وهو غائب عنهم»(1).
نعم، لو غاب أحد منهم غيبة منقطعة انقطعت فيها أخباره واندرست آثاره ولم يعلم حاله، فإنّه يحتمل في حقّه وجوب إخراج الفطرة؛ للاستصحاب، ولجواز عتقه في الكفّارة؛ للإجماع المنقول(2)، والصحيح الدالّ على إجزاء عتقه في كفّارة الظهار(3).
ويُحتمل عدم وجوب الإخراج لأصالة البراءة من وجوبها، ولأصالة عصمة مال الغير إلّا مع العلم بوجوب انتزاعه، ولأنّه لا يعلم أنّ له مملوكاً كي يجب عليه فطرته، ولأنّ المفقود بمنزلة غير الموجود، ولمعاملة الشارع له معاملة المعدوم في بعض الأحكام، ولانصراف أخبار وجوب الفطرة عمّن يعوله لغير هذا الفرد، وهذا أقوى وإن كان الأوّل أحوط.
التاسعة: مَن وجبت فطرته على غيره فإن كان بحيث لو انفرد لم تجب عليه كالعبد والطفل، فلا كلام.
وإن كان بحيث لو انفرد وجبت عليه كالزوجة المعسرة والضيف وأشباههما، فالأقوى - أيضاً - سقوطها عنه؛ لظاهر الأخبار، وكلام الأصحاب، سواء أدّاها ذلك الغير أم لا.
خلافاً لا بن إدريس حيث أوجب الفطرة على الضيف والمضيف(4).
وهو ضعيف وإن كان الأحوط إخراجها عن نفسه عند العلم بعدم التأدية.
ومَنْ لم تجب فطرته على غيره لكنّه عائل على غيره كزوجة المعسر إذا كانت مؤسرةً أو غيرها ممّن يعول به مَنْ لا تجب عليه فطرته، فالأظهر فيه: وجوب الإخراج عن نفسه، وهو الأحوط، وتشمله عمومات الأدلّة، وغاية ما خرج منها سقوطها متى وجبت على آخَر، ويبقى الباقي مشمولاً للأدلّة.
ويحتمل السقوط، ونُسب(1)إلى الشيخ رحمه الله(2)، وعلّله بعدم الدليل على ثبوتها عليها مع عيلولة الزوج بها.
وظاهره أنّ الحكم مختصّ بالزوجة، ومع ذلك فضعفه ظاهر.
وفصّل العلّامة رحمه الله بأنّ الزوج إن بلغ بالإعسار حدّاً سقطت عنه النفقة فالفطرة عليها، وإن لم يبلغ ذلك وكان ينفق عليها فالوجه: السقوط عنهما(3).
وفيه: أنّ النفقة لا تُسقط فطرة الغني إلّا إذا تحمّلها المنفق، على أنّ محلّ الكلام هو ما إذا عال مَنْ لا تجب عليه الفطرة غيره، وأمّا مَنْ لم يعله فالظاهر أنّه لا إشكال في وجوب فطرته عليه.
وقد تُبنى المسألة على أنّ الفطرة هل هي واجبة بالأصالة على الزوج وعلى العائل، أو بالأصالة على الزوجة وعلى المعيل وإنّما يتحمّلها الزوج والعائل بغيره عنهما عند يساره تخفيفاً عنهما؟ فعلى الأوّل تسقط الفطرة؛ لسقوطها عمّن وجبت عليه بالأصالة، وعلى الثاني لا تسقط ؛ لعدم تحمّلهما عنهما عند الإعسار.
وفيه: أنّه بناءٌ مبنيّ على ما هو عين الدعوى، فلا يجدي في المقام، وأنّ الأخبار ظاهرة في وجوبها أصالةً على الموسر، فتسقط عمّن كان عيالاً عليه، وفي وجوبها أصالةً على كلّ مكلّف سوى مَنْ وجبت على غيره، فلا منافاة حينئذٍ بين الأصلين.
العاشرة: يعتبر في وجوب الفطرة استكمال الشرائط قبل هلال شوال - وحدّه غروب الشمس عن السماء، ويُعرف بغيبوبة الحمرة المشرقيّة ولو بلحظةٍ - للإجماع المنقول(4)، بل المحصّل.
وكذا الإسلام والولادة والعقل والبلوغ والغنى، فلو هلّ الشهر ولمّا يسلم أو يفيق أو يبلغ أو يولد له أو يعول بأحدٍ لم تجب عليه.
وفي الخبرين:
أحدهما الصحيح: عن مولود وُلد ليلة الفطر عليه الفطرة؟ قال: «لا، قد خرج الشهر» وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر عليه فطرة؟ قال: «لا»(5).
وثانيهما: المعتبر: في المولود يولد ليلة الفطر، واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر؟ قال: «ليس عليهم فطرة، وليس الفطرة إلّا على مَنْ أدرك الشهر»(1).
وخصوصيّة موردهما غير ضائرةٍ بعد استفادة العموم من تنقيح المناط في وجهٍ، ومن مفهوم قوله علیه السّلام في الأوّل: «قد خرج الشهر» وفي الثاني: «إلّا على مَنْ أدرك الشهر» ومن الاتّفاق على عدم الفصل والفرق.
وإن استكملت الشرائط أو وُلد المولود أو ملك المملوك أو أفاق المجنون أو أسلم الكافر بعد الهلال وبعد غيبوبة الحمرة المشرقيّة، فإن كان ما بين غيبوبة الحمرة إلى الزوال - وهو انتهاء وقت صلاة العيد - استحبّت الفطرة وندب إلى إخراجها، وإن كان بعد الزوال لم يتعلّق بها ندب ولا إيجاب.
ويدلّ على الندب في الإخراج في الصورة الأُولى فتوى الأصحاب، وقوله علیه السّلام : «تصدّق عن جميع مَن تعول، من حُرِّ أو عبد صغير أو كبير مَن أدرك منهم الصلاة»(2).
والمراد بالصلاة صلاة العيد، وإدراكها إدراك وقتها؛ لفهم الأصحاب ذلك.
وللمرسل: «إن وُلد له قبل الزوال تخرج عنه الفطرة، وكذلك مَن أسلم قبل الزوال»(3).
ويتفرّع على ما قدّمنا أنّه لو وُهب له ما يكون به غنيّاً قبل الهلال أو وُهب له عبد، فإن قبض قبل الهلال وجبت الزكاة، وإن قبض بعد ذلك لم تجب؛ لأنّ القبض متمّم للملك.
ولو أُوصي له بعبدٍ فإن مات الموصي وقَبِل الموصى له الوصيّة قبل الهلال وجبت على الموصى له فطرته.
وإن قَبِل بعد الهلال احتُمل سقوط الفطرة عنه؛ لعدم ملك الموصى له له قبل القبول، وعدم ملك الوارث له؛ لمكان الوصيّة.
واحتُمل وجوبها على الوارث؛ لعدم إمكان بقاء الملك بلا مالك، والميّت لا قابليّة له للملك، والموصى له لا يدخل في ملكه الموصى به قهراً من دون قبولٍ.
واحتُمل وجوبها على الموصى له؛ لأنّ قبوله كاشف عن سبق ملكه.
ومَنْ مات بعد الهلال كانت فطرة مَنْ يعول به عليه.
ومَنْ مات قبل الهلال كانت فطرته على مَنْ يعول به بعده، وفطرة عبده على الوارث؛ بناءً على عدم اشتراط العيلولة، وانتقال الإرث للوارث إن كان الدَّين مستغرقاً أو لم يكن، وإن قلنا بعدم انتقاله للوارث عند الاستغراق، لم تجب على أحدٍ إِلَّا مَنْ يعول به.
بحث في جنس المُخرَج وقدره
وفيه مسائل:
الأُولى: يجزئ أصالةً في زكاة الفطرة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والأقط والأُرز واللبن؛ وفاقاً للمشهور، وللإجماع المنقول(1)على إجزائها مطلقاً، سواء كانت قوتاً معتاداً للمُخرِج أم لا، وسواء كانت قوتاً معتاداً لغيره من أهل بلده أو لغير أهل بلده، أم لا، وللأخبار الصحيحة في الخمسة الأُوَل الدالّة على الإجزاء مطلقاً من غير تقييدٍ(2)بكونها قوتاً:
كصحيح صفوان، وفيه: «البُرّ والتمر والزبيب»(3).
وصحيح سعد بن سعد، وفيه: «الحنطة والشعير والتمر والزبيب»(4).
وصحيح الحلبي، وفيه: الأربعة المذكورة أيضاً(5).
وصحيح عبد الله بن ميمون وفيه: «التمر والزبيب والشعير والأقط»(6).
وصحيح معاوية بن عمار، وفيه: «الأقط لأهل الإبل والغنم»(7).
ويجزئ غير هذه السبعة إذا كان قوتاً معتاداً لأهل بلد المُخرِج لا مطلقاً، سواء اقتات به هو أم لا؛ للأخبار المعتبرة المنجبرة بفتوى المشهور:
ففي الخبر: «الفطرة على كلّ مَن اقتات قوتاً، فعليه أن يؤدّي من ذلك القوت»(8).
1) الخلاف 2 : 150 ، المسألة 188
2) في «ق» : « من دون تقييدها » بدل «من غير تقييد».
3) وسائل الشيعة 9 : 327، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، ح 1.
4) المصدر : 332 - 333، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، ح 1.
5) المصدر : 336، ح 11.
6) المصدر : 330 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، ع 11.
7) المصدر : 333، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة لرة، ح 2.
8) المصدر : 344، الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، ح 4.
وفي آخَر: «الفطرة على كلّ قومٍ ممّا يغذّون عيالاتهم به: لبن أو زبيب أو غيره»(1). وظاهرهما وإن كان اشتراط الإخراج ممّا يقوته المُخرِج لكنّه محمول على الغالب من أنّ ما يقتات به المُخرِج هو قوت بلده؛ لقوله علیه السّلام في خبر إبراهيم بن محمّد الهمداني مكاتبةً : «إنّ الفطرة صاع من قوت بلدك، على أهل مكّة واليمن والطائف وأطراف الشام واليمامة والبحرين والعراقين وفارس والأهواز وكرمان تمر، وعلى أواسط الشام زبيب، وعلى أهل الجزيرة والموصل والجبال كلّها بُرٌّ أو شعير، وعلى أهل طبرستان الأُرز، وعلى أهل خراسان البُرّ، إلّا أهل مرو والريّ فعليهم الزبيب، وعلى أهل مصر البُرّ، وما سوى ذلك فعليهم ما غلب قوتهم، ومَنْ سكن البوادي من الأعراب فعليهم الأقط»(2).
وهذه الأخبار وإن كان ظاهرها أنّ الواجب إخراج ما يكون قوتاً مطلقاً من أيّ الأجناس كان إلّا أنّ بينها وبين ما تقدّم من الأخبار في الأجناس الخمسة والإجماع المنقول في الجنسين الأخيرين عموماً من وجهٍ، والترجيح لتلك الأخبار؛ لقوّتها، فتُقدّم على هذه، ويؤخذ بإطلاقها، وتقيّد بها الأخبار الأخيرة، وتبقى الأفراد الغير المذكورة في الأخبار والإجماع المنقول سالمة عن المعارض، فيؤخذ بما دلّت عليه من دورانها مدار القوت المعتاد، بل الأحوط الاقتصار على الأربعة الأُوَل إذا لم تكن قوتاً؛ لما يُفهم من بعض الأخبار(3)من أنّ الأُرز والأقط واللبن إنّما كانت مجزئةً لمكان اعتيادها في قطر المُخرج للفطرة، كما ورد في صحيح الحذّاء: «الذرّة» (4)مكان «البُرّ» وكأنّه لاعتياد الأعراب لها كثيراً.
ولو دار الأمر بين إخراج أحد الأربعة المتقدّمة لمن لم يكن يقتاتها في بلده، وبين إخراج ما اعتاده أهل بلده قوتاً من غيرها، فالأحوط إخراج أحد الأربعة دون ما اعتيد.
خلافاً لما يظهر من بعضهم حيث جعل المدار هو المعتاد للقوت، ونزّل إطلاق الأخبار المتقدّمة على الغالب من اعتيادها قوتاً(5).
وفيه ما لا يخفى.
الثانية: تجزئ القيمة بدلاً عمّا ذكرنا، ولا تفتقر إلى نيّة البدليّة.
نعم، لا بدّ من إعطاء قيمةٍ تصلح لكلّ ما يفرض إخراجه، أو تعيين قيمة مُخرجٍ خاصّ بنيّته؛ لاختلاف قيمة المُخرَج من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو غيرها. ويحتمل إجزاء دفع قيمة أحدها من دون تعيينٍ، كما لا يحتاج إلى تعيين المُخرَج من الأجناس، فلو دفع مجهولاً لا يعرفه منها أجزأه.
وهذا قويّ، إلّا أنّ الأحوط تركه.
ويدلّ على إجزاء القيمة الإجماع المنقول(1)، وفتوى المشهور، بل الجمهور، والأخبار المستفيضة المعتبرة:
فمنها: «لا بأس بالقيمة في الفطرة»(2).
ومنها: صحيح ابن بزيع الدالّ على إرسال الدراهم فطرة له ولغيره للرضا علیه السلام فقبضها وقَبِلها(3).
ومنها: صحيح عمر بن يزيد: يعطي الرجل الفطرة دراهم ثمن التمر والحنطة فيكون أنفع لأهل بيت المؤمن؟ قال: «لا بأس»(4).
ومنها: رواية إسحاق بن عمّار، وفيها: قلت: فما ترى أن نجمعها ونجعل قيمتها ورقاً ونعطيها رجلاً واحداً مسلماً؟ قال: «لا بأس به»(5).
ومنها: رواية إسحاق بن عمّار الصيرفي : ما تقول في الفطرة، يجوز أن أُودّيها فضّةٌ بقيمة هذه الأشياء التي سمّيتها؟ قال: «نعم، إنّ ذلك أنفع له، يشتري ما يريد»(6). ومنها: «الصدقة بصاع من تمر أو قيمته في تلك البلاد دراهم»(7)إلى غير ذلک.
وقد يُفهم من حمل مطلقها على مقيّدها اشتراط الدراهم والدنانير في القيمة، ويؤيّده انصراف لفظ القيمة إليهما.
ولكن فتوى المشهور وإطلاق الإجماع المنقول وما جاء في زكاة المال من الأخبار المجوّزة لدفع أيّ شيءٍ في القيمة(1)، وإشعار رواية عمر بن يزيد بذلك، قال: سألته نعطى الفطرة دقيقاً مكان الحنطة؟ قال: لا بأس، يكون أجر طحنه ما بين الحنطة والدقيق»(2)ممّا يدفع احتمال وجوب خصوص الدراهم والدنانير وإن كان الأحوط دفعهما.
ولا تقدّر القيمة بقدرٍ، بل يدفع قيمة ما يريد دفعه من الأجناس المتقدّمة وقت الدفع في مكان الدفع.
ولو اختلفت القيمة أخذ بأعلاها احتياطاً، وفي الأخذ بأوسطها قوّة، والأخذ بأدناها لا يخلو من وجهٍ.
ويتخيّر في الأخذ بأيّ قيمةٍ مع تفاوت القِیَم السوقيّة في الجملة ارتفاعاً وانخفاضاً تفاوتاً عادياً لا يضرّ بالحال، والأخذ بأعلاها أحوط.
وتقدير القيمة بدرهم أو تقديرها بأربعة دوانيق مطلقاً أو في الرخص ضعيفان وإن نطقت بهما بعض الروايات (3)لظهور ورودها مورد الغالب أو اختلاف الأسعار، فالأخذ بها على وجه التعبّد لا وجه له مع معارضة الإطلاق لذلك فتوىً وروايةً.
والأفضل: إخراج التمر؛ لما ورد في الأخبار المتكثّرة «أنه أحبّ إِلَيَّ، وأنّه أسرع نفعاً»(4)فيُفهم منها أنّ الزبيب بعده في الفضل، وبعدهما في الفضل ما يغلب على قوت بلده؛ للرواية المتقدّمة(5)المحمولة على الاستحباب ولظاهر فتوى كثير من الأصحاب(6)، فمَنْ جعل الأفضل من الأجناس أعلاها قيمةً(7)، أو الأفضل أغلبها على قوته(8)فقد خالف النصّ الصريح في التمر ومفهوم العلّة في الزبيب.
1) وسائل الشيعة 9 : 192 ، الباب 9 من أبواب زكاة الغلّات، ح 1.
2) تقدّم تخريجها في الهامش (4) من ص 212.
3) وسائل الشيعة 9 : 348 و 349، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، ح 11، 14.
4) المصدر : 349، الباب 10 من أبواب زكاة الفطرة.
5) تقدمت في ص 210 - 211.
6) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة : 251؛ والشيخ الطوسي في المبسوط 1 : 242؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 1: 468.
7) قال به سلار في المراسم : 135.
8) قال به الشيخ الطوسي في الخلاف 2 : 150، المسألة 189.
نعم، لعلوّ القيمة فضلٌ آخر باعتبارٍ آخَر، وهو تكثير النفع وشبهه، لكنّه لا يقاوم المنصوص؛ لأنّ فضل المنصوص ذاتيٌّ، وفضل غيره اعتباريٌّ.
الثالثة: يجب في القدر المُخرَج قدر صاعٍ، وهو موزوناً أربعة أمداد، والمُدّ رطلان وربع بالعراقي، والرطل مائة وثلاثون درهماً على الأصحّ. وكلّ عشرة دراهم سبعة دنانير، وهي المثاقيل الشرعيّة، فالرطل واحد وتسعون مثقالاً شرعيّاً، والمثقال الشرعيّ ثلاثة أرباع الصيرفيّ، فيكون الرطل ثمانيةً وستّين مثقالاً صيرفيّاً وربعاً، والدرهم ستّ دوانيق، والدانق ثمان حبّات متوسّطات من حبّ الشعير، والحبّة ثمان شعرات من شعر البرذون.
وما ورد في بعض الأخبار من إجزاء نصف صاعٍ من حنطةٍ(1)، محمول على التقيّة؛ لمعارضة أخبارنا وإجماعنا المنقول(2)والمحصّل، وقد ورد ما يدلّ أنّ النصف من صاع حنطةٍ كان من فعل عثمان(3)، وورد أنّه كان من فعل معاوية(4)، والظاهر أنّه من فعلهما.
وما ورد من إجزاء نصف صاعٍ من شعيرٍ(5)، مطرح؛ إذ لا قائل به.
ولا يجوز دفع صاعٍ من جنسين إلّا بالقيمة، ولا دفع أقلّ من صاعٍ من أحد الأجناس العليا بدل صاعٍ من الأجناس الدنيا؛ لانصراف أدلّة جواز دفع القيمة لغير المفروض.
نعم، لو ساوم الفقير جاز احتسابه بقيمة ما يقبله.
ولا يضرّ الخليط المتعارف في جميع الأجناس، وغير المتعارف مُخلٌّ، ولو خلطه اختياراً بقليلٍ لا يخرج عن المتعارف فالأقوى منعه، والأحوط تركه.
واختلاف الموازين المتعارفة غير ضائرٍ، والخيار للدافع في أيّها أراد، والأحوط اختيار الأزيد.
ودقيق الحنطة والشعير لا يبعد إلحاقهما بأصلهما، فيجزئ صاع منهما؛ لإطلاق الاسم، ولكنّ الأحوط بل الأقوى عدمه، إلّا أن يحتسبا بالقيمة.
وورد إجزاء أربعة أرطالٍ من لبنٍ عن رجلٍ من أهل البادية لا يمكنه الفطرة، قال: «يتصدّق
بأربعة أرطالٍ من لبنٍ»(1)وهي - وإن عمل بها جماعة من القدماء (2)- موهونة بمخالفتها الأخبار الدالّة على إيجاب الصاع من اللبن عموماً وخصوصاً(3)، وفتوى المشهور والاحتياط، فلا بدّ من طرحها، أو حملها على العاجز عن الفطرة من الفقراء، أو على التحريف وأنّ أصلها أربعة أمداد، أو على أنّ المراد بالأرطال الأرطال المدنيّة؛ لقوله علیه السلام- في الصحيح - مكاتبةً: سألته عن الرجل كم يؤدّي؟ قال: «أربعة أرطال بالمدني»(4).
ولكنّه لا يجدي أيضاً؛ لعدم القائل بوجوب الأرطال المدنيّة في الفطرة مطلقاً. وحمله على خصوص اللبن بعيد بعد وروده في مقام البيان وتبادر العراقيّة من الأرطال في الخبر الأوّل.(5)
القول في مصرفها
والأقوى أنّه مصرف الزكاة الماليّة؛ لفتوى المشهور، وفي المدارك: أنّه المقطوع به في كلام الأصحاب(6)، ولأنّها زكاة اسماً فيشملها حكمها، وصدقة فتدخل تحت قوله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ»(7)إلى آخره.
وقد يقال: إنّ ما جاء في الزكاة من تقسيمها على الأصناف المتقدّمة ومن صرفها في المصارف المذكورة كلّه منصرف لزكاة المال، كما يُفهم من سياقها، فتكون حينئذٍ هي أظهر أفراد إطلاقها، وما جاء في زكاة الفطرة خالٍ عن ذكر الأصناف المتقدّمة سوى الفقراء، كقوله علیه السلام- في الصحيح : «عن كلّ إنسان صاع (8)من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين» (9)وفي آخَر: لمن تحلّ الفطرة؟ قال: «لمن لا يجد»(10)وغير ذلك من الأخبار المشعرة بذلك،
1) وسائل الشيعة 9 : 341، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، ح 3.
2) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية :191؛ والمبسوط 1 241؛ وابن إدريس في السرائر 1 469 وابن حمزة في الوسيلة: 131
3) وسائل الشيعة 9 : 333 - 334 الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، ح 2 - 4 .6.
4) المصدر : 342، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، ح 5.
5) المتقدم تخريجه في الهامش (1).
6) مدارك الأحكام 5: 353
7) التوبة (9) : 60 .
8) في المصدر : «نصف صاع».
9) وسائل الشيعة 9 : 336 الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، ح 11.
10) المصدر : 358، الباب 14 من أبواب زكاة الفطرة، ح 4.
وحينئذٍ فاختصاص صنف الفقراء بها والمساكين أحوط.
ويجوز للمالك إخراجها بنفسه وبوكيله وبفضوليّه مع الإجازة على الأظهر.
ويجوز أن تُدفع عنه تبرّعاً مع رضاه وعدمه، كما يوفي الدَّين عن المديون.
ويجوز أن يدفعها إلى الإمام علیه السّلام أو نائبه الخاصّ أو العامّ، بل هو الأفضل، بل هو الأحوط؛ تفصّياً عن خلاف المفيد رحمه الله(1)، واستناداً لرواية [أبي](2)عليّ ابن راشد: سألته عن الفطرة لمن هی؟ قال: «الإمام علیه السّلام» قال: قلت: فأُخبرُ أصحابي؟ قال: «نعم»(3).
ولرواية الفضيل: «الإمام علیه السّلام» أعلم، يضعها حيث يشاء ويصنع فيها ما يرى»(4).
ولو طلبها الإمام علیه السّلام وجبت إجابته، ولو طلبها الفقيه قوي وجوب إجابته، والأقوى العدم، والاحتياط لا يخفى.
ولا يجوز أن تُدفع لها شميٍّ؛ للإجماع المنقول(5)، بل المحصّل.
ولو عال هاشميّ بغيره أو غيره به، فهل العبرة بالمعال؛ لأنّ الزكاة زكاته وإن وجبت على غيره؛ لمكان العيلولة، ووجوب الدفع عنه لا يُخرجها عن كونها زكاةَ هاشميٍّ، كما لو وجب الدفع على المشروط عليه الزكاة عن المشترط، فإنّ دفعها عنه لا يُخرجها عن كونها زكاته، وكذا المتبرّع؟ أو العبرة بالمعيل؟ وهو الأقوى؛ لأنّه هو المزكّي، وهو المخاطب بالدفع، فالزكاة زكاته وإن كان المدفوع عنه غيره، فغيره سبب لوجوب الزكاة عليه، لا سبب لتأدية الزكاة عنه؛ لعدم تعلّق الخطاب به بأداء الزكاة، فظهر الفرق بين دفع المتبرّع والمشروط عليه، وبين دفع المعيل؛ لأنّ الأوّل يدفع زكاة غيره، والثاني يدفع زكاة نفسه عن رأس غيره تنزيلاً لغيره منزلة نفسه.
ولا يجوز أن يُعطى الفقير أقلّ من صاع لفتوى المشهور والإجماع المنقول(6)، والمرسل: «لا يعطى أحد أقلّ من رأس»(7)بناءً على أنّ الفعل مبنيّ للمجهول، كما فهم الأصحاب، وإرادة
الصاع من الرأس، وإرساله منجبر بما قدّمنا وبالاحتياط.
وحَكَم جمعٌ من أصحابنا(1)بجواز ذلك؛ استناداً للعمومات، وأصل البراءة، ورواية إسحاق ابن المبارك قال: سألت أبا إبراهيم علیه السّلام عن صدقة الفطرة، قلت: أجعلها فضّةٌ وأُعطيها رجلاً واحداً أو اثنين؟ قال: «تفريقها أحبّ إليَّ»(2).
والكلّ ضعيف؛ للزوم تخصيص العامّ، وقطع الأصل بما تقدّم، وطرح الرواية؛ لعدم مقاومتها لما تقدّم، أو حملها على التقيّة؛ لمخالفتها لفتوى المشهور وموافقتها لفتوى العامّة، أو على اجتماع عدّة صُوع وتفريقها واحداً واحداً كما هو الغالب؛ لقلّة مَنْ يدفع صاعاً واحداً عن نفسه ولا يعول بغيره، أو على حال اجتماع المحتاجين ولم يكن عنده ما يفرّقه عليهم سوى صاع واحد.
وحَكَم الشيخ رحمه الله(3)وجمعٌ من الأصحاب(4)، بجواز تفريق الصاع، وإعطاء الأقلّ منه عند اجتماع مَنْ لا يتّسع لهم الفطرة الواحدة ولا بأس به؛ اقتصاراً على المتيقّن من دليل المنع فتوىً وروايةً، ولما فيه من سرور المؤمن وعدم ردّه وأذيّته وتعميم النفع، والأحوط تركه.
ومصرفها أهل الولاية كما نطقت بذلك الأخبار:
ففي الصحيح عن الزكاة هل توضع فيمَن لا يعرف؟ قال: «لا، ولا زكاة الفطرة»(5).
وفي آخَر: «لا يجوز لك دفعها إلّا لأهل الولاية»(6).
وفي آخَر: «لا ينبغي لك أن تعطي زكاتك إلّا مؤمناً(7).
وقضى بذلك الاحتياطُ.
وورد في بعض الأخبار جواز دفعها لغير أهل الولاية مطلقاً ما عدا النواصب(8)، وفي بعضها
1) منهم : المحقق الحلّي في المعتبر 2 : 616؛ والعلّامة الحلّي في منتهى المطلب :8 : 495 والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 453:1
2) وسائل الشيعة 9 : 362، الباب 16 من أبواب زكاة الفطرة، ح 1.
3) الاستبصار 2 : 52، ذيل الحديث 175
4) منهم : العاملي في مدارك الأحكام :5 : 355 والفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع ،1 : 221 مفتاح 249؛ والطباطبائي في رياض المسائل 5: 223 - 224
5) وسائل الشيعة 9 : 221 ، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 1.
6) المصدر : 358 - 359 ، الباب 14 من أبواب زكاة الفطرة، ح 5.
7) المصدر : 358، ح 2.
8) المصدر : 360، الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة، ح 3.
جواز دفعها للمستضعف، وهو مَنْ لا يعرف ولا ينصب(1)، وفي بعضها جواز ذلك عند عدم وجود المستحقّ(2)، وفي بعضها: الجيران من غير أهل الولاية (3).
والكلّ لا يقاوم أدلّة المنع ، فحملها على التقيّة أولى. ويجوز حمل بعض الروايات على إرادة البُله وأهل الخبل من المنتمين(4)لأهل الإيمان والمتسمّين بالشيعة، ككثيرٍ من أهل البوادي والعجائز والأولاد.
نعم، لو لم يوجد المستحقّ أصلاً ورأساً من جميع الأصناف بحيث لا يمكن النقل إليه، ويدور الأمر بين عزلها وإبقائها أمانةً زماناً كثيراً يخشى عليها التلف فيه، وبين دفعها للمستضعف، كان للقول بدفعها للمستضعف وجهٌ؛ لأنّ لكلّ كبدٍ حرّى(5)أجراً، ولكونه محملاً للأخبار المجوّزة على ذلك؛ لكونه خيراً من اطراحها، ولكنّ الأوجَه: عزلها وإبقاؤها أمانةٌ إلى أن تسلّم إلى أهلها ولو طال الزمان.
القول في وقت وجوبها
وفيه مسائل:
الأولى: أوّل وقت وجوبها هلال شوّال، وهو غيبوبة الشمس عن السماء ودخول الليل من شهر الفطر على الأظهر؛ لظهور الأخبار في ذلك، كقوله علیه السّلام: «ليست الفطرة إلّا على مَنْ أدرك الشهر»(6)وقوله - في الصحيح - عن مولودٍ وُلد ليلة الفطر عليه الفطرة؟ قال: «لا، قد خرج الشهر»(7)فإنّ ظاهرها أن مَنْ أدرك الشهر وجبت عليه الفطرة عند إدراكه له، لا أنّ المراد بيان شرطيّة وجوب الفطرة ولو في الزمان المتأخّر بإدراك الشهر، كما تخيّله بعضهم(8)رداً على مَن استدلّ بهاتين الروايتين على تعلّق الوجوب بها عند الهلال.
1) وسائل الشيعة 9 : 361 ، الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة، ح 6.
2) المصدر : 359، ح 1.
3) المصدر : 360 و 361 ، ح 2، 5.
4) في «ق» : « المنتسبين» بدل «المنتمين».
5) «حرّى» على وزن «فَعْلى» من الحرّ، أي أنّها لشدّة حرّها قد عطشت ويبست من العطش، وفي سقي كلّ كبدٍ حتى أجر النهاية لابن الأثير 1 : 364، «ح رر».
6) وسائل الشيعة 9 : 352 الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، ح 1.
7) المصدر، ح 2.
8) أنظر مدارك الأحكام 5 : 345.
نعم، قد يقال بتعلّق الوجوب عند الهلال، ولكن لا يجزئ الإخراج إلّا عند طلوع الفجر، فيكون الليل ظرفاً للوجوب والنهار ظرفاً للإخراج، وذلك كمن نذر دفع شيء غداً، وتكون فائدة تقدّم الوجوب الاستعداد لدفعها، وعدم جواز تبديل فرضه إلى آخَر؛ لتعلّق الوجوب، بل لو انتقل إلى صفةٍ أخرى كالفقر - مثلاً - أو مات أو جنّ أُخرج من ماله في وجهٍ قويّ.
وقد يحتمل أيضاً أنّ وجوبها عند الهلال يكون متزلزلاً، فإن طلع الفجر جامعاً لشرائط الوجوب انكشف ثبوته سابقاً، وإلّا - بأن انخرم شرط من شرائطها - تبيّن عدم وجوبها، وجاز له استرداد المدفوع مع علم الدافع.
ويبعّده إعراض الفقهاء عنه، وعدم ذكرهم للوجوب المتزلزل أصلاً ورأساً.
وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد(1)للصحيح: عن الفطرة متى هي؟ فقال: «قبل الصلاة يوم الفطر». قلت: فإن بقي منه شيء بعد الصلاة؟ قال: «لا بأس، نحن نعطي عيالنا منه، ثمّ يبقى فنقسمه»(2).
فيه نظر؛ لأنّ قبل الصلاة كما يعمّ طلوع الفجر بلا فصل، كذا يعمّ ما قبله القريب إليه، ولا قائل بالفرق بين القريب إليه والبعيد عنه، على أنّ قبليّة الصلاة لا يُفهم منها إلّا القبليّة المتعارفة، وهي ما بين طلوع الشمس إلى وقت الصلاة، وهذا لا يذهب إليه أحد، فليُحمل على الاستحباب، كما أفتى به جمعٌ من الأصحاب(3).
ودعوى أنّ هذا الوقت متيقّن للوجوب فتصرف القبليّة إليه دون القبليّة المطلقة ودون القبليّة المتعارفة، ويبقى ما عداه مشكوكاً فيه فينفى بالأصل، دعوى مسلّمة لولا المعارض لها من الأخبار وكلام الأخيار الظاهرة في تعلّق الوجوب عند ابتداء الهلال ودخول الليل.
وعلى كلّ حال فالأولى والأحوط تأخير الإخراج إلى ما بعد طلوع الفجر، والأفضل تأخيرها إلى ما قبل صلاة العيد، كما تدلّ عليه بعض الأخبار(4)، وأفتى به كثير من الأخيار(5).
1) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 249؛ والسيد المرتضى في جمل العلم والعمل : 129؛ وابن البراج في المهذب 1 : 176؛ وحكاه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 170، المسألة 134 عن ابن الجنيد.
2) وسائل الشيعة 9 : 354 - 355، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، ح 5.
3) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 249 : والشيخ الطوسي في النهاية : 191 ؛ والمبسوط 1 : 242 : وابن البراج في المهذب .176:1
4) وسائل الشيعة 9 : 353 و 354، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، ح 1، 4.
5) راجع الهامش (3).
الثانية: يقوى القول بجواز دفع زكاة الفطرة من أوّل يومٍ من شهر رمضان ندباً، يسقط الواجب، كتقديم صلاة الليل قبل وقتها ، وكذا غسل الجمعة؛ لصحيح الفضلاء: «يعطي يوم الفطر فهو أفضل، وهو في سعةٍ أن يعطيها من أوّل يومٍ يدخل في شهر رمضان»(1).
وللرضوي: «لا بأس بإخراج الفطرة في أوّل يومٍ من شهر رمضان وهي زكاة إلى أن يصلّي صلاة العيد، فإن أخرجها بعد الصلاة فهي صدقة»(2).
ونُسب القول به للأكثر(3)والمشهور(4)، ولكنّ الأظهر والأحوط عدمه إلّا بنيّة القرض والاحتساب به عند وقتها وعليه تُنزّل الرواية، فيكون إطلاق الفطرة عليه لعلاقة الأوّل، على أنّ الصحيح مشتمل على ما لا نقول به من جواز دفع نصف صاعٍ من شعير أو حنطة(5)، وذلك يوهنه.
فلا يعارض ما دلّ من الأخبار على أنّ وقتها يوم الفطر، كقوله علیه السّلام في صحيح العيص: عن الفطرة، قال: «قبل الصلاة الفطر»(6)وظاهره أنّ يوم الفطر ظرف للفطرة لا ظرف للصلاة، وغيره من الأخبار الدالّة على الأمر بإعطائها قبل الصلاة وأنّها بعد الصلاة تكون صدقةً(7)، فإنّها ظاهرة في كون وقتها ذلك اليوم؛ لأنّه الظاهر من لفظ القبليّة، فلا تشمل ما قبله إلى مبدأ شهر رمضان، كما هو القول الأوّل قطعاً، فإذا كان وقتها ذلك حرم تقديمها عليه؛ لما تقدم(8)من الأخبار في الزكاة الماليّة أنّه ليس لأحدٍ أن يصلّي الأُولى إلّا لوقتها، وكذلك لا يصومنّ أحد شهر رمضان إلّا في شهره، وكلّ فريضةٍ إنّما تؤدّى إذا حلّت.
والجمع بين الصحيح(9)المجوّز للتقديم، وبين هذه وإن أمكن بتقييد هذه به؛ لأنّ ما بينهما
1) وسائل الشيعة 9 : 354 ، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، ح 4.
2) الفقه المنسوب للإمام الرضا علیه السلام : 210 - 211.
3) نسبه للأكثر العلّامة الحلّي في منتهى المطلب 8 : 482.
4) نسبه للمشهور الشهيد في الدروس الشرعية 1 : 250 والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 1 : 452.
5) وسائل الشيعة 9 : 337، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، ح 14.
6) المصدر : 354 - 355، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، ح 5.
7) المصدر : 353 - 355 ح 7,201
8) راجع الهامش (1).
9) أي صحيح الفضلاء المتقدم في الهامش (1).
كما بين المطلق والمقيّد، ويجب الجمع بينهما، إلّا أنّ الظنّ القويّ يبعّد ذلك، ويحكم بعدم مقاومته لها وعدم تقييدها به كما لا يخفى على المتأمّل.
الثالثة: الأظهر والذي يقوى في النظر: أنّ آخر وقتها الزوال لمن لم يصلّ صلاة العيد؛ للاستصحاب من غير معارضٍ.
وللخبر: «إن أخرجتها قبل الظهر فهي فطرة، وإن أخرجتها بعد الظهر فهي صدقة لا تجزئك»(1).
ومَنْ صلّى صلاة العيد فآخر وقتها التلبّس بالصلاة، فلها وقتان زمانيّ، وفعليّ. والدليل على الزمانيّ ما تقدّم من الاستصحاب والخبر السابق(2)ومفهوم الروايات المحدّدة لوقتها بالخروج إلى الصلاة(3)بناءً على امتداد وقت الصلاة إلى الزوال، كما هو فتوى الفقهاء.
نعم، الأحوط دفعها قبل الزوال بمقدار أداء الصلاة تقديراً لأقلّ المجزئ منها تفصّياً عن شبهة أنّ وقتها وقت اتّساع الصلاة وتتضيّق عند ضيقها.
والدليل على الفعليّ فتوى المشهور والإجماع المنقول(4)على وجوب البدار إليها قبل الصلاة، والأخبار المتكثّرة المعتبرة بما قدّمناه:
فمنها: رواية إبراهيم، الدالّة على أنّه إن أعطيت قبل الخروج إلى العيد فهي فطرة، وإن كان بعد الخروج فهي صدقة(5).
ومنها: رواية عبد الله بن سنان، وفيها: «إعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل، وبعد الصلاة صدقة»(6).
ومنها: الصحيح: «يعطي يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل»(7).
ومنها: «ينبغي أن يؤدّي الفطرة قبل أن يخرج الناس إلى الجبّانة(8)، فإذا أداها بعدما رجع فإنّما هي صدقة»(9).
1) وسائل الشيعة 9 : 331 - 332، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، ح 16.
2) تقدّم آنفاً.
3) راجع ص 219 وما بعدها.
4) منتهى المطلب 8 : 485
5) وسائل الشيعة 9 : 353 - 354 ، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، ح 2.
6) المصدر : 353، ح 1.
7) المصدر : 354، ح 4.
8) الجبانة : الصحراء، مجمع البحرين 6 : 224، «ج ب ن».
9) وسائل الشيعة 9 : 355 ، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، ح 2.
ورواية سالم بن مكرم الجمّال عن الصادق علیه السّلام: أعطِ الفطرة قبل الصلاة، وهو قوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ»(1)، وإن لم يعطها حتّى ينصرف من صلاته فلا تعدّ له فطرة»(2).
ومنها: رواية سليمان بن حفص المروزي: «إن لم تجد مَنْ تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة»(3).
والمفهوم من هذه الأخبار بعد ضمّ بعضها إلى بعضٍ وضمّ فتوى المشهور إليها: أنّ المراد بالصلاة صلاة العيد خاصّةً، وأنّ المراد بكونها صدقةً خروج وقتها وصيرورتها ندباً، بقرينة مقابلة لفظ الصدقة للفظ الفطرة، وإلّا فكلّ زكاة صدقة، فلا معنى للمقابلة، وأنّ المراد بقوله: «أفضل» هو الفضل، لا معنى «أفعل التفضيل» كما أنّ المراد ب- (ينبغي) هو الوجوب لا الندب، بقرينة المقابلة أيضاً.
وذهب العلّامة رحمه الله إلى أنّ آخر وقتها يوم العيد، ويجوز تأخيرها عن الصلاة اختياراً، وكذا عن الزوال(4)استناداً لصحيحة العيص: عن الفطرة متى هي؟ قال: «قبل الصلاة يوم الفطر» قلت: فإن بقي منه شيء بعد الصلاة؟ فقال: «لا بأس نعطي عيالنا منه، ثمّ يبقى فنقسّمه»(5).
وأيّده صاحب المدارك(6)بقوله في صحيحة الفضلاء: «يعطي يوم الفطر فهو أفضل»(7).
وكلاهما ضعيف؛ لظهور صحيحة العيص في جواز التأخير مع العزل، ونحن لا نمنعه، وظهور صحيحة الفضلاء بالوقت الخاصّ الذي كان معهوداً عندهم غير منكور ما بينهم، على أنّه مطلق، فيُحمل على المقيّد جمعاً.
وذهب أيضاً في المختلف إلى امتداد وقتها إلى الزوال؛ استناداً إلى أنّ المراد بالصلاة فی صحيحة العيص وقتها، ووقتها ممتدّ إلى الزوال، فيمتدّ وقتها حينئذٍ إليه(8).
الرابعة: الأظهر أنّه لو خرج وقتها الفعليّ أو الزمانيّ لم يجب قضاؤها؛ للأصل، ولخلوّ الأخبار البيانيّة عن ذلك، وللحكم بأنّها صدقة بعد ذلك الظاهرة في الندب، فدعوى وجوب قضائها لا دليل عليها يُعتدّ به، ولكنّه حيث نُسب(1)لجمعٍ من أصحابنا، وكان احتمالُ أنّ الوقت وقتٌ للتأدية - لا للخطاب التابع لشغل الذمّة في نفس الزكاة، كشغل الذمّة بالدَّين الموقّت تأديته في زمان في زمن خاصّ، فإنّه بفوات وقت التأدية لا يسقط - احتمالاً لا يبعد بنظر الفقيه، كان الأحوط العمل عليه، بل الأحوط فعلها من دون نيّة القضائيّة والأدائيّة، تفصّياً عن مذهب ابن إدريس حيث أوجب الإتيان بها أداءً مطلقاً(2).
الخامسة: يجوز عزل الفطرة بمعنى تعيّنها في مالٍ خاصّ من أمواله بأنّها فطرة، وأنّه متقرّب بها إلى الله تعالى، فحينئذٍ يخرج المال عن ملكه ويصير مالاً للفقراء وإن بقي له حقّ الاختصاص بالتصرّف فيه ودفعه لمن يريد، وليس لأحدٍ أن يعارضه إلّا الحاكم الشرعي في وجهٍ قويّ.
وهل تشترط مساواة القدر المعزول للقدر الواجب، أم يكفي عزل ما هو أنقص منه أو أزيد منه مشتملاً عليه؟ وجهان، أقواهما: الأوّل؛ اقتصاراً في الخروج عن الأصل وعن بقاء ملك المالك على حاله وعدم الخروج عنه بالعزل على المورد اليقين. وهل يكفي في العزل النيّة، أم يشترط قبض المالك للمعزول وإفرازه عن ماله؟ وجهان، والأقوى اشتراط ذلك؛ لما بيّنّاه.
وهل يجب العزل عند فقد المستحقّ، أم لا يجب؟ وجهان، أقواهما: الوجوب؛ لأنّه نوع إيصالٍ للمستحقّ، ولا يترك الميسور بالمعسور.
السادسة: إذا عُزلت زكاة الفطرة كانت أمانةٌ بيد الدافع لا يضمنها إلّا بالتعدّي أو التفريط، ومنه نقلها إلى بلدٍ آخَر مع وجود المستحقّ في بلدها ومنه تأخيرها تأخيراً يُعتدّ به مع وجود المستحقّ لها، ويجوز دفعها زكاةً في كلّ وقتٍ مع العزل وإن أثم بالتأخير.
والأقوى أنّ الدفع أداء لا قضاء، كما يظهر من الأخبار:
ففي الصحيح أو الحسن: عن الفطرة قال: «إذا عزلتها فلا يضرّك متى أعطيتها قبل الصلاة أو بعد الصلاة»(3).
وفي صحيح زرارة: في رجلٍ أخرج فطرته فعزلها حتّى يجد لها أهلاً، قال: «إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ، وإلّا فهو ضامن لها حتّى يؤدّيها»(1).
وهذه الرواية قد تصلح شاهدةً على وجوب العزل مع عدم المستحقّ على وجه إرادة العزل من قوله: «إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ» يعني برئ من شغل ذمّته بوجوب الأداء وبقيت عنده أمانة.
وقد يراد منها أنّه إذا أوصلها إلى أربابها بعد العزل فقد برئ، وإلّا فهو مخاطب بإيصالها إلى أن يؤدّيها، فيراد بالضمان وجوب التأدية.
وقد يراد بالضمان معناه الحقيقي، لكنّه مقيّد بالتفريط والتأخير وشبههما.
وقد يراد منها غير ذلك، والأوّل أظهر.
ولمّا كانت نيّة القضائيّة والأدائيّة غير مقومّةٍ للفعل المعيّن المطلوب سهل الأمر في البحث عن كونها قضاءً بعد خروج الوقت أو أداءً.
1) وسائل الشيعة 9 : 356، الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، ح 2.
الخُمْس: حقٌّ ماليُّ فرضه الله تعالى لبني هاشم في أموالٍ مخصوصة عوض الزكاة. وهو من العبادات الماليّة، موضوع بالوضع الشرعيّ لخُمْس مالٍ مخصوص، فهو من قبيل نقل العامّ إلى الخاصّ.
ويحتمل قويّاً بقاؤه على المعنى اللغوي، وما زاد عليه شرائط لصحّة التعبّد به.
وعلى الأوّل فيكون من الموضوعات المجملة، فما شُكّ في شطريّته أو شرطيّته أو مانعيّته حكمنا بها كذلك ؛ قضاءً لوجوب فراغ الذمّة اليقينيّ بعد شغلها كذلك. وعلى أيّ تقديرٍ فالأصل يقضي باتّحاد أحكام الزكاة مع أحكام الخُمْس إلّا ما خرج بالدليل؛ لما يُفهم من الأخبار من بدليّته عن الزكاة لبني هاشم(1)، والبدل حكمه حكم المُبدل عنه، فيجري عليه حينئذٍ حكم العزل.
ويتعلّق بالعين، فتجري عليه أحكام الشركة والضمان مع التأخير والتفريط، ويجزئ فيه دفع القيمة بدل العين وجواز التصرّف به مع الضمان.
ويدلّ على تعلّقه بالعين أيضاً عمومات الأدلّة وخصوصاتها المشتملة على لفظ «في» و «اللام» الظاهرين في الشركة؛ لمكان الظرفيّة المجازيّة والملكيّة الحقيقيّة.
ويتعلّق الخمس بسبعة أشياء:
1) وسائل الشيعة 9 : 483، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح ،2 و 514 - 515، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، ح 9.
الاوّل: الغنائم
ووجوبه فيها يدلّ عليه الكتاب والسنّة:
قال الله تعالى: «أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ»(1)إلى آخره، إمّا لعموم الغنيمة لكلّ فائدةٍ، فتدخل فيها الغنائم بالمعنى الأخصّ كما فُسّرت في الأخبار(2)وكلام الأخيار، وإمّا لخصوص إرادة الغنيمة بالمعنى الأخصّ منها؛ لظهور استعمالها فيها شرعاً.
والأخبار في وجوبه في الغنيمة(3)من المتواترات، بل ربما يُعدّ ذلك من الضروريّات، إنّما الكلام في أمور:
أحدها: أنّ المراد بالغنائم غنائم دار الحرب، وهو المأخوذ من الكفّار المحاربين على وجه القهر بجندٍ أو أخذ بصلحٍ أو دعوى باطلة أو ربا، وكذا ما أُخذ بسرقةٍ أو غيلةٍ من منقولٍ غير منقولٍ من أرضٍ أو غيرها، فلو أُخذ من غير الحربييّن من المعاهدين أو أهل الذمّة أو المتشبّثين بالإسلام كالغلاة والخوارج والنُصّاب لم يملكه الآخذ، ولا يجب فيه الخمس.
وفي بعض الروايات ما يدلّ على جواز أخذ مال الناصب ودفع خُمْسه للإمام علیه السّلام(4)، فهو مطروح، بل ربما يدّعى أنّ الإجماع على خلافه، فتنزيله على الكفّار كما نزّله الحلّي(5)- غير بعيدٍ.
ومثل ذلك ما أُخذ من الحربيّين، وعُلم أنّه مغصوب من مسلمٍ أو معاهدٍ أو معتصمٍ بأمانٍ وشبهه، فإنّه مثل ذلك في عدم جواز الأخذ.
ثانيها: يُشترط فيما أخذ بجندٍ من خيل أو ركابٍ أن يكون بإذن الإمام علیه السّلام، فلو أُخذ من غير إذنه كان كلّه للإمام علیه السّلام؛ للخبر المعتبر الآتي إن شاء الله تعالى في الأنفال.
ويلحق بالإمام علیه السّلام نائبه العامّ والخاصّ.
وما كان للإمام علیه السّلام فقد أحلّه للشيعة من عقارات وتجارات و مملوكات من عبيد وإماء ومساكن وشبهها، ولكن الأحوط الاقتصار على ما يأخذه حُكّام الجور الغاصبين لحقّهم من المخالفين.
ويقوى إلحاق غير المخالفين بهم، والأحوط تركه.
ثالثها: يخرج خمس الغنيمة بعد إخراج المُؤن والسَّلَب والجعائل وما يرضخه الإمام علیه السّلام للنساء والعبيد وغيرهم؛ لأنّ الخُمْس زكاة في المعنى، وللزوم الضرر حينئذٍ، ولعدم انصراف لفظ الغنيمة ظاهراً إلّا لما يحصل بيد المغتنم بعد إخراج مؤونته، وللصحيح الدالّ على إخراج الخُمْس بعد المؤونة(1).
الثاني: المعادن
وهي جمع «مَعْدِن» من «عَدَنَ» أي أقام؛ لإقامة ما يحمل منه فيه، أو لإقامة الناس لأخذ ما فيه.
وهو ما كان من الأرض وخرج عنها في الجملة لخصوصيّةٍ فيه يعظم الانتفاع بها، وتكون لأجلها لها قيمة عرفيّة، سواء كانت منطبعةً، كالنقدين والحديد والرصاص ونحوها، أو غير منطبعةٍ، كالياقوت والعقيق والفيروزج والبلّور والكحل والمرجان والنورة والمغرة(2)وطين الغَسْل وحجارة الرحى والملاحة وحجر النار والقير والنفط والكبريت.
ولا يبعد إلحاق الجصّ بذلك.
وتعميم المعدن لجميع ذلك هو الأظهر في كلام أهل اللغة والفقهاء، وعليه ظواهر الإجماعات المنقولة(3)، ويشعر به بعض الروايات الصحيحة الجاعلة للملاحة من المعادن(4).
وخصّ بعضهم(5)المعدن بمنبت الجوهر من ذهبٍ ونحوه خاصّةً، اقتصاراً على مورد اليقين من صدق لفظ المعدن على المشكوك في صدقه عليه، ولتفسير بعض أهل اللغة المعدن بذلك(6)، ولجعل الملاحة في بعض الأخبار مثل المعدن(7)لا المعدن نفسه. ولكنّ الكلّ لا يقاوم ما قدّمناه.
1) وسائل الشيعة 9 : 508 ، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 1.
2) المغرة : الطين الأحمر. الصحاح 2 : 818، «م غ ر».
3) منها : ما في تذكرة الفقهاء 5: 409، المقصد السادس في الخُمس؛ ومنتهى المطلب 8: 519.
4) وسائل الشيعة 9 : 492 الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 4.
5) راجع مدارك الأحكام 5: 363.
6) الفيروزآبادي في القاموس المحيط 4 : 248. «ع دن».
7) وسائل الشيعة 9 : 493، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ذيل الحديث 4.
وعلى هذا فهل يجب الخُمْس على غير منبت الجوهر؛ لأنّه غنيمة وهي عامّة لكلّ فائدةٍ، أم لا يجب؟ وجهان، أقواهما: الوجوب؛ للعمومات، إلّا أنّ وجوبه على أنّه غير معدنٍ لا يوجب فيه نصاباً، ولا تخرج منه مؤونة السنة، بخلافه على أنّه معدن، كما بنينا عليه.
ولا يجب إخراج الخُمْس إلّا بعد المؤونة من السبك والحفر وآلات الأعمال المحتاج إليها؛ لظاهر كلمات الأصحاب، وللصحيح الدالّ على إخراج الخمس بعد المؤونة(1).
وهل يعتبر في المعدن ،نصاب، أو لا يعتبر؟ قولان أظهرهما اعتبار ذلك؛ لصحيح البزنطي الدالّ على ذلك، وفيه: «ليس فيه شيء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً»(2)وبه تخصّ المطلقات المثبتة للخُمْس في المعدن(3).
وذهب جمعٌ من فقهائنا(4)إلى عدم اعتبار النصاب للعمومات والإجماعات المنقولة(5).
وهو ضعيف؛ لتخصيص العمومات بالصحيح(6)المعتبر المنجبر بفتوى مشهورٍ من الأصحاب، وبالأصل، ولضعف الإجماع المنقول بمصير الأكثر(7)إلى خلافه، وعدول ناقله عن مضمونه في كتابٍ آخَر(8).
وعلى اعتبار النصاب فالاعتبار ببلوغ عينه أو قيمته أوّل نصاب الزكاة من مائتي درهمٍ أو عشرين ديناراً؛ للصحيح المتقدّم(9)الظاهر في إرادة القيمة لا العين؛ لعدم اختصاص المعدن بالذهب خاصّةً اتّفاقاً، والظاهر إرادة المثال من ذكر الدينار؛ لتقارب قيمة نصابه لنصاب الدراهم، كما يشهد به سياق الأخبار الأُخَر، وفهم مشهور من الأصحاب وإن كان الاقتصار في بلوغ القيمة أو العين على عشرين ديناراً هو الأحوط.
1) وسائل الشيعة 9: 508، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 1.
2) المصدر : 494 - 495، الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ع 1.
3) المصدر : 491 - 492 و 494 ، ح 1 - 3، 7،6
4) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 119، المسألة 142 وابن البرّاج في المهذّب 1: 179 وابن إدريس في السرائر 1: 488.
5) منها : ما في الخلاف 2 : 119 - 120، المسألة 142؛ والسرائر 1 : 488.
6) أي صحيح البزنطي المتقدّم أنفاً.
7) منهم : ابن حمزة في الوسيلة : 138؛ والمحقق الحلّي في المختصر النافع : 125؛ والعلامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 190.المساله 147
8) النهاية : 97؛ المبسوط 1 : 237
9) آنفاً، وهو صحيح البزنطي.
وذهب الحلبي إلى أنّ النصاب دينار(1)وهو مرويّ (2).
والرواية ضعيفة، والركون إليها في مقابلة ما ذكرناه أضعف.
ولا يعتبر حصول النصاب دفعةً، بل يكفي التدريج ولو طال زمان الحصول ووقع الفاصل الطويل مع الإعراض وبدونه؛ لعموم الأدلّة.
وكذا لا يعتبر اتّحاد المعدن، بل لو بلغ النصاب من معادن متعدّدة وجب الخمس. ويحتمل قويّاً اشتراط اتّحاد نوع المعدن، واشتراط عدم الفاصل المعتدّ به، أو عدم الإعراض في أثناء الفواصل، ولكنّ الأوّل أقوى.
ولا يُجزئ دفع خُمْس تراب المعدن مع العلم باختلاف الجوهر، وكذا مع عدم العلم. ومع العلم بالتساوي يحتمل الإجزاء؛ لعموم الأدلّة.
ويحتمل عدمه؛ لانصراف الأدلّة إلى وجوب الإخراج من الجوهر نفسه بعد تصفيته. ولو وجد معدناً مطروحاً، فلا خُمْس فيه.
ولا فرق في وجوب الخُمس بين أن يكون المعدن مملوكاً لأهله كما إذا كان في أرضٍ مملوكةٍ، وبين أن يكون مباحاً وقد حازه.
ولا يجب الخُمْس على الشركاء حتّى تبلغ حصّة كلّ شريكٍ نصاباً.
الثالث: الكنز
ويجب فيه الخمس بالنصّ والإجماع بقسميه(3)والكتاب(4)بناءً على شمول الغنيمة لكلّ فائدةٍ.
ولا يجب فيه حتّى يبلغ عينه أو قيمته مائتي درهم أو عشرين ديناراً؛ للإجماع المنقول(5)، والصحيح: عمّا يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال: «ما تجب الزكاة في مثله ففيه الخُمْس»(6).
وظاهره بيان المقدار لا النوع، كما فهمه الأصحاب، وقضت به عمومات أخبار الباب،
بل الظاهر عدم الخلاف في وجوبه في غير الدراهم والدنانير من فضّةٍ وذهبٍ غير مسكوكين ونحاس وصفر وآنية وجواهر وغير ذلك، فحمله على إرادة بيان المقدار أولى من حمله على إرادة بيان النوع، وارتكاب التخصيص؛ لتأييد ذلك بفهم الفقهاء وإشعار سياق الأخبار، وتصريح المرسل(1)به؛ لتضمّنه السؤال عن المقدار.
ومَنْ خصّ النصاب بالعشرين ديناراً أراد التمثيل؛ لعدم وجود دليل على الحصر بذلك.
والظاهر أنّ المعتبر هو النصاب الأوّل، ويجب بما بعده الخُمْس قلّ أو كثر، ولا يعتبر فيه نصابٌ ثانٍ بحيث لو لم يبلغه لم يجب فيه شيء كالزكاة؛ لعمومات الأدلّة وخصوصاتها الواردة في الكنز(2)، ولا يصلح الصحيح المتقدّم(3)لتخصيصها إلّا بالمفهوم الضعيف الذي لا قابليّة له للتخصيص.
ويجب إخراج الخُمْس بعد إخراج المُؤن والمصارف على استخراجه.
والكنز هو المال المذخور تحت الأرض لنفسه أو لفعل فاعلٍ مطلقاً، فلو كان فوقها مطروحاً - وإن كان قبل ذلك مذخوراً - فأخرجه الريح أو السيل، أو في بناءٍ أو جدارٍ أو شجرةٍ أو خباءٍ من بيوتٍ أو خشبٍ أو تحت حطبٍ، لم يكن من الكنوز. ولا فرق في الكنز بين وجدانه في أرض الحربيّين المملوكة لهم أو غير المملوكة، وبين وجدانه في أرض المسلمين المباحة أو المملوكة لهم سابقاً فخربت وباد أهلها أو ذهبوا عنها، أو المملوكة لهم بالفعل ولكنّهم لم يدّعوها، وبين كونه في غير أرض الحربيّين والمسلمين معاً، وبين كونه عليه أثر الإسلام أو لم يكن عليه ذلك، فإنّه في ذلك كلّه يجري عليه حكم الكنز؛ لعموم دليله، ولعدم انصراف أدلّة اللقطة إليه؛ لأنّها المال الذاهب من غير شعورٍ، ولأصالة إباحة التصرّف والسلطان، وهو معنى الملك، إلّا أنّ الأحوط فيما عليه أثر الإسلام وكان في أرض المسلمين أو دُورهم: إجراء حكم اللقطة عليه، كما ذهب إليه الشيخ رحمه الله(4)لظهور سكّة الإسلام في إجراء يد المسلم سابقاً عليه، ولقوّة احتمال أنّ الأصل المنع من التصرّف حتّى يقوم دليل، ولرواية محمّد بن قيس(5)، وإن كان الأوّل أقوى؛ لضعف هذه الأدلّة.
وكذا ما وُجد في جوف حيوانٍ مباح قد مُلك بالصيد وشبهه، فإنّه لواجده، والأحوط إعطاء الخمس منه؛ لدخوله في الغنيمة.
ولو أُخذ الحيوان من يد مسلمٍ ولم يعلم سبق ما في بطنه على سلطان يده، عرّفه المالكَ السابق، فإن عرفه كان له إن اتّحد، وإن تعدّدوا كان لهم موزّعاً. ويحتمل القرعة. وإن تعاقبت أيديهم، احتُمل الوجهان والحكم بكونه للأخير منهم وجه قويّ. ولو علم بسبق ما في بطنه على سلطان يده ولم يعلم منه نيّة الحيازة، مَلَكه واجده وجرى فيه الخُمْس.
والأحوط تعريف القابض الأوّل مع الشكّ في نيّة حيازته وعدمها.
وأمّا ما وُجد في بطن حيوانٍ مملوك بالأصل فيجب فيه التعريف للبائع الأخير، سواء كان عليه أثر الإسلام أم لا، فإن عرفه فهو له، وإلّا مَلَكه المشتري، وعليه الخُمْس.
ولو تعدّد البائعون عرّفهم جميعاً على الأظهر الأحوط.
وفي الصحيح: «عرّفه البائع»(1)وظاهره الاكتفاء بالبائع الأخير، والأصل يقضي به أيضاً، لكنّا لا نقول به؛ لقوّة دليل وجوب تعريف المُلّاك السابقين سيّما فيما عليه أثر الإسلام، ولا يجري حكم اللقطة على جميع ذلك.
ويظهر من بعض الأصحاب أنّ الخُمْس في هذه كالخُمْس في الكنز(2).
ولا دليل عليه، والظاهر أنّه كخُمْس الغنائم.
الرابع: الغوص
ويجب فيه الخُمْس؛ لعموم الكتاب(3)والسنة(4)، وخصوص الأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ الخُمْس من خمسة أشياء، وعدّ منها الغوص(5).
ومنها: المروي في الخصال: «فيما يخرج من المعادن والبحر، والغنيمة، والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه، والكنوز الخُمْسُ»(1).
ومنها: الآخَر: عن العنبر وغوص اللؤلؤ، قال: «عليه الخُمْس»(2).
والمراد بما يخرج من البحر هو الغوص، بقرينة فهم الأصحاب وباقي أخبار الباب. ولا يجب في الغوص حتّى يبلغ نصابه ديناراً؛ للاتّفاق على عدم وجوبه في الأقلّ من ذلك، ولفتوى المشهور بتحديده بذلك، وكذا الإجماع المنقول(3)، وكذا العمومات الشاملة للغوص مطلقاً، خرج منها ما دون الدينار وبقي الباقي، وكذا المرسل المسؤول فيه عن حكم الغوص(4)المنجبر بفتوى المشهور وعمل الجمهور، فالقول بتحديد النصاب بعشرين ديناراً(5)ضعيف.
ولا يجب الخُمْس إلّا بعد إخراج المصارف والمُؤن. والإخراج في الدفعات المتعدّدة كالإخراج في الدفعة الواحدة، تواصلت الدفعات أم انفصلت وإخراج الأنواع المختلفة بمنزلة إخراج نوعٍ واحد.
وما لا يخرج بالغوص بأن خرج لنفسه أو بآلات من حيوان كان كالسمك أو غير حيوانٍ لا خُمس فيه، والأحوط إخراج خُمسه.
ولو خرج الحيوان بالغوص، قوي وجوب إخراج الخُمْس منه.
نعم، يختصّ العنبر بوجوب إخراج خُمْسه سواء خرج بالغوص أم بغيره؛ للإجماع المنقول(6)والخبر(7)الدالّ على ذلك.
والمدار فيه على ما يُسمّى عنبراً عرفاً، سواء قلنا: إنّه روث دابّةٍ بحريّة، أو قلنا: إنّه ينبع من عين، أو قلنا: إنّه جماجم تخرج من عينٍ في البحر أكبرها وزنها ألف مثقال، أو قلنا: إنّه نبات في البحر، أو قلنا: يقذفه بعض دوابّ البحر لسمّيته بعد أن يأكله فيطفو على الماء فيقذفه إلى الساحل، أو قلنا غير ذلك، فإنّ الصدق العرفي يرفع إجمال أصله.
1) الخصال : 290، باب الخمسة، ح 51؛ وعنه في وسائل الشيعة 9 : 494، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخُمس، ح 6.
2) وسائل الشيعة 9 : 498، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 1.
3) غنية النزوع 1: 129.
4) وسائل الشيعة 9 : 499 الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 2.
5) حكاه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 191، المسألة 148 عن الشيخ المفيد في الرسالة العزّيّة.
6) مدارك الأحكام 5 : 377 .
7) تقدم تخريجه في الهامش (4).
وهل يعتبر فيه نصاب الغوص أو نصاب المعدن، أو لا يعتبر فيه نصاب؟ وجوه، أقواها الوسط.
والأنهار الكبار حكمها في الغوص حكم البحر دون الصغار.
والخُمْس على الغوّاص إن كان أصيلاً، وإلّا فعلى المستأجر إن كان الغوّاص أجيراً. ومَنْ غاص على معدنٍ غلب عليه حكم المعدن من النصاب وغيره على الأظهر، والاحتياط غير خفيّ.
ومَنْ غاص على معدنٍ وغيره وزّع المصارف عليهما بنسبة عددهما لا بنسبة قدرهما.
وصيد البحر من المكاسب لا من الغوص.
والأحوط فيما إذا كان على المأخوذ بالغوص سكّة الإسلام من النقدين إجراء حكم اللقطة فيه.
والمال المُعرَض عنه في البحر لو أُخرج بالغوص كان لآخذه، وفيه الخُمْس.
الخامس: الحلال المختلط بالحرام
وتفصيل المسألة: أنّ الحرام إن تميّز وجب إرجاعه لصاحبه إن علم بنفسه، وإن اشتبه في محصورين لزم الصلح.
ويحتمل استخراج المالك بالقرعة، ويحتمل صيرورته كمجهول المالك، وهُما ضعيفان.
وإن اشتبه في غير محصورٍ، صار حكمه حكم مجهول المالك، فإن اختلط وكان اختلاطه اختلاطَ مزجٍ كدبس وعسل مع تعيين المختلط، كان حكمُه حكمَ المتميّز، إلّا أنّهما يكونان شريكين، ويتولّى الحاكم القسمةَ على الأحوط فيما جهل صاحبه، فإن علم القدر فلا كلام، وإن جهل قدر المختلط دفع الناقص؛ للأصل، والاحتياط يقضي بدفع الزائد، والصلح خير.
واحتمال إخراج الخُمْس مع جهل القدر والصاحب هنا بعيد.
وإن اختلط اختلاطَ اشتباهٍ، فالأصل هنا يقضي بالرجوع إلى ما تقدّم من القواعد مع علم المالك وجهله، فيجب إرجاعه لمالكه مع العلم والتصدّق به مع الجهل بعد الصلح مع المالك المعلوم أو مع الحاكم عند جهل المالك عن المشتبه وبعد إفرازه بالقسمة، إلّا أنّه ورد في الأخبار(1)وأفتى به مشهور الأخيار: أنّ المال المختلط المشتبه إذا لم يعلم صاحبه ولا قدره مطلقاً كان تحليله إخراج خُمْسه للسادات، ومصرفه مصرف باقي الأخماس.
1) وسائل الشيعة 9 : 505-506 الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 1 - 4.
والقول به متعيّن؛ لظهور لفظ الخُمْس في ذلك في الأخبار الآمرة بإخراجه وكلام الأصحاب، ولفتوى المشهور، والإجماع المنقول(1)، فلا ينافيه الأمر بالتصدّق بالخُمْس في الرواية(2)لقوّة احتمال إرادة الإخراج من لفظ التصدّق، كما تُشعر به الأخبار الأُخَر(3).
وفي قوله علیه السلام - في القوي -: «فإنّ الله تعالى رضي من الأشياء بالخُمْس» (4)إشعار بإرادة الخُمس المصطلح، وكذا احتمال إرادة الخُمْس من لفظه؛ لإطلاقه عليه.
وليس لنا مندوحة عن ارتكاب هذين الاحتمالين؛ لقوّة المعارض لحمل لفظ التصدّق على ظاهره، فيجب صرفه عن ظاهره.
وكذا الاحتياط اللازم لفراغ الذمّة بعد شغلها في الإخراج، فإنّ إيصاله للذرّيّة العلويّة مفرّغ للذمّة على كلّ حال؛ لجواز دفع غير الزكاة المفروضة لهم.
ولمّا كان الحكم مخالفاً للأصل وجب الاقتصار في وجوب إخراج الخُمْس، على غير معلوم القدر والصاحب مطلقاً، فلو علم القدر - ولو أنّه أقلّ من الخُمْس، أو أنّه أزيد فيه، أو أنّه بقدره - أو علم صاحبه ولم يعلم قدره، وجب الرجوع للقواعد في المجهول المالك من وجوب التصدّق والصلح في معلومه.
واحتمال وجوب إخراج الخُمْس في معلوم الزيادة والتصدّق بالمتيقّن من الزائد ضعيف، كاحتمال وجوب دفع الخُمْس لمعلوم الصاحب إذا جهل قدره، فإنّه لا يخفى ضعفه.
ومع التصدّق أو إخراج الخُمْس فظهر الصاحب فهل يضمن أم لا؟ وجهان، أقواهما: عدم الضمان؛ لظهور الأمر في الأخبار بنفيه.
السادس: أرض الذمّي إذا اشتراها من مسلم مطلقاً
وفاقاً للمشهور والإجماع المنقول(5)، والصحيح : «أيّما ذمّي اشترى من مسلمٍ أرضاً فإنّ عليه الخمس»(6).
وظاهر الفتوى والرواية: أنّ مصرفه كمصرف باقي الأخماس تختصّ به الذرّيّة العلويّة، والاحتياط يقضي به.
ويلحق بالشراء ما ملك بجميع أنواع الاكتساب.
وإطلاق الفتوى والرواية شامل لأرض الزراعة وغيرها من السكني.
ولو كانت الأرض مشغولةً بغرسٍ وشبهه، قوي احتمال وجوب إخراج الخُمس مما كان فيها، ولكن الأقوى خلافه.
وطريق إخراج خُمسها أن تُقوَّم مشغولةً بأجرةٍ للمالك بما فيها من زرع أو شجر أو غيرهما، فيؤخذ خُمْس ذلك.
ولا تجب النيّة في هذا المقام. ويحتمل تولّي النيّة للإمام علیه السّلام.
السابع: أرباح التجارات
سواء كان بارتفاع القيمة، أو بحصول نماء وفوائد من مال التجارة والزراعات والصناعات وجميع أنواع الاكتسابات، كحيازة المباحات وشبهها وقلع المعادن والغوص وشبههما، و اُلحق بها فواضل الأقوات، وهو أحوط.
ويدلّ على وجوب الخُمْس في الأرباح والصنائع الإجماعُ المنقول(1)وفتوى المشهور، والأخبار(2)الخاصة المتكثّرة.
ومصرف هذا النوع كمصرف باقي الأنواع.
خلافاً لمن خصّه بالإمام علیه السلام(3)لما ورد في الأخبار من تحليله من الأئمّة علیهم السّلام(4)، ولا يحلّون إلّا ما هو سهمهم، ولما ورد من إضافته إليه علیه السّلام بمثل قوله: «حقّك» في الصحيح(5)، وقوله علیه السّلام : «يجب لي فيه الخمس»(6)وقوله علیه السّلام : على كلّ امرئ غنم أو اكتسب الخُمْس ممّا
1) الخلاف 2 : 118، المسألة 139
2) وسائل الشيعة 9 : 499 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.
3) نسبه الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 231 إلى محتمل جملة من متأخّري المتأخّرين.
4) وسائل الشيعة 9 : 543 - 545، الباب 4 من أبواب الأنفال، ح 1 - 5.
5) المصدر : 500 الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 3.
6) المصدر، ح 2.
أصاب الفاطمة علیها السلام ولمن يلي أمرها من بعدها من ورثتها الحُجج على الناس»(1)وغير ذلك.
والكلّ ضعيف؛ لعدم قوّة معارضة هذه الأخبار للأدلّة العامّة والخاصّة الواردة في الغنائم وغيرها(2)، الدالّة على شركة الذرّيّة العلويّة للإمام علیه السّلام في مصرف الخُمْس، وأنّه للأصناف المعدودة في الآية الشريفة(3)، ولعدم دلالة التحليل على الاختصاص؛ لجواز تحليلهم ما هو للغير من الحقوق العامّة للمصلحة؛ لأنّهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كما ورد تحليلهم للخُمس من أصله في عدّة روايات أُخَر (4)، ولجواز اختصاص التحليل بحصّتهم خاصّةً أو بزمانهم علیهم السّلام على معنى تحليل كلّ إمامٍ حصّته ما دام باقياً موجوداً، كيف ولو جعلنا مصرف هذا النوع هو الإمام علیه السّلام وحده أو أخذنا بأخبار التحليل للزم الحيف والضرر على الذرّيّة العلويّة التي قد فرض الله تعالى لهم الخُمْس عوض الزكاة؛ لقلّة الخُمْس في غير الأرباح في جميع الأزمان، و لعدم دلالة لفظ «حقّك» وشبهه على الاختصاص؛ لاحتمال إرادة بيان الولاية وجواز التصرّف وإيجاب الرجوع إليه في زمانه؛ لأنّه أعرف بمواقعه وأبصر بمواضعه، ولعدم القائل بمضمون الرواية الأخيرة من حيث اشتمالها على أنّه لفاطمة علیها السّلام أوّلاً، ومن حيث اشتمالها على الغنيمة مع الكسب، ولا قائل بذلك منّا، فيضعف الاعتماد عليها، وتُحمل على إرادة الحصر الإضافي، وأنّ ذكرهم علیهم السّلام إنّما كان للتغليب.
ويعتبر في وجوب الخُمس في هذا النوع أن يفضل المال عن مؤونة السنة له ولعياله الواجبي النفقة وغيرهم ولأضيافه ولزياراته ولحجّه الواجب والمندوب ولنذوره وكفّاراته ولصدقاته وهداياه وصلاته وما يصانع به الظالم وما يؤخذ منه قهراً ولجميع مصارفه بما يناسب حاله، فلو أسرف حُسب عليه، ولو قتّر لم يحتسب له.
ومهر التزويج وأُجرة المتمتّع بهنّ داخلان في المؤونة ما لم يكن فيه إسراف، وكذا الكتب العلميّة وآلات الصنعة ووفاء الديون الخالقيّة والمخلوقيّة وغيرها، كلّ ذلك للأخبار(5)وكلام
الأخيار وإن لم يكن فيها التفصيل المذكور.
ولو كان له مال لا خُمْس فيه، ففي احتساب المؤونة منه أو ممّا فيه الخمس أو منهما وجوه، أقواها الأخير، وأحوطها الأوّل.
ويجوز دفع الخُمس في ابتداء السنة على الأقوى، خلافاً للحلّي فأوجب التأخير(1)، ويجوز التأخير احتياطاً للمؤونة.
ولو كان عنده تجارات متعدّدة، أخرجت المؤونة من جميع أرباحها.
ولو كانت عنده المؤونة، لم يجز إخراج قيمتها من الأرباح إذا كانت في ملكه.
ولو باعها فأراد شراء المُؤن، فالأحوط شراؤها من أثمانها لا من الربح.
ويقوى القول بجواز شرائها من الربح ومن أثمانها معاً، فيكون حكمه حكم مَن كان عنده مالٌ آخَر.
ويحتسب مؤونة كلّ عامٍ من مبدأ ربحه، فلو تعدّدت الأرباح وتعاقبت، كان لكلٌّ حولٌ مستقلّ، والزمان المشترك بينهما توزّع المؤونة عليهما.
وله أن يستثني مؤونة العام الأوّل من الربح الأوّل عند تمامه، ومؤونة تمام العام الثاني من الربح الثاني، وهكذا، فما بقي من الربح ولو الأخير عند تمام حوله تعلّق به الخُمْس.
ولا يجبر خسران تجارة بربح أُخرى، بل لا يجبر خسرانها بربحها ولو اتّحدت على الأظهر.
والأحوط إخراج خُمس الهديّة والصدقة؛ لعموم الأدلّة ولخصوص صحيحة عليّ بن مهزيار عن أبي جعفر علیه السّلام(2)، ولأنّها نوع من الاكتساب.
وأدنى منه في الاحتياط إخراجه من الميراث؛ لاحتمال شمول عموم الأدلّة له، وخصوص الرواية المتقدّمة(3).
وهو ينقسم إلى ستّة أقسام: سهم الله تعالى، وسهم لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، وسهم للإمام علیه السّلام - وهذه الثلاثة أمرها إلى الإمام علیه السّلام، وهي راجعة إليه علیه السّلام بالوراثة والأصالة - وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، خلافاً لمن قسّمه خمسة أقسام(1)، وهو ضعيف.
ولا يجب البسط على الأصناف الثلاثة؛ للأصل، وفتوى المشهور بين المتأخّرين. ولقوله علیه السّلام في رواية أبي الحسن علیه السّلام، قيل : أرأيتَ إن كان صنف أكثر من صنفٍ كيف يصنع؟ قال: ذلك إلى الإمام علیه السّلام، أرأيتَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم كيف صنع، إنّما كان يعطي على ما يرى، وكذلك الإمام علیه السّلام»(2).
ولأنّ الآية(3)لبيان المصرف كما في الزكاة، ولأنّ الخُمْس زكاة في المعنى ولا يجب فيها البسط فلا يجب فيه.
والأحوط البسط؛ قضاءً لحقّ الآية، فإنّ اللام فيها للملك والاختصاص، والعطف بالواو يقتضي التشريك في الحكم، وأخذاً بالاحتياط، وليس في الرواية تصريح بنفي البسط، وإنّما فيها تصريح بنفي وجوب الاستيعاب لكلّ أفراد طائفةٍ، وهو لا كلام فيه، والعموم في الآية مصروف عن ظاهره ومراد به الجنس، كما عليه جمهور الأصحاب.
والأقوى عدم اعتبار العدالة في الأصناف المتقدّمة؛ لإطلاق الأدلّة من غير معارضٍ، وعدم اعتبار الفقر في ابن السبيل؛ لإطلاق الدليل والإجماع المنقول(4).
نعم، يشترط فيه الحاجة في السفر على حسب حاله.
ويعتبر الإيمان في جميع الأصناف؛ للشكّ في شمول الإطلاق لغير المؤمن، ولأنّه زكاة في المعنى ولا تُدفع لغير المؤمن، وللاحتياط اللازم في فراغ الذمّة، ولأنّ غير المؤمن محادٌّ الله تعالى، وهو منهيّ عن موادّته(5)، ودفع الخُمْس إليه موادّة وركون.
ويعتبر الفقر في اليتيم، وفاقاً للمشهور؛ لأنّ الخُمْس زكاة في المعنى، وشرطها الفقر، ولما يظهر من الروايات أنّ الخُمْس لدفع حاجة الهاشميّين، وأنّ الإمام علیه السّلام يقسّمه على قدر حاجتهم والفاضل له والعوز عليه(1)، ولأنّ وجود المال أنفع لليتيم من وجود الأب.
خلافاً لمن لم يشترط الفقر في اليتيم؛ لإطلاق الدليل(2).
وفيه: أنّ الإطلاق منزَّل على إرادة التأكيد والاهتمام باليتيم، ولهذا صار صنفاً مستقلّاً، كقوله تعالى: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى»(3).
ويبسط الخُمْس على الأصناف الثلاثة على قدر الكفاية لسنتهم، فإن نقص أتمّه الإمام علیه السلام، وإن زاد كان له كما دلّت على ذلك الأخبارُ(4)، وقطع به كثيرٌ من الأخيار(5).
خلافاً لابن إدريس؛ حيث مَنَع ذلك(6)أخذاً بظاهر القسمة والتقدير في الآية(7)، وبأنّه لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه»(8)فلا مساغ له أن يأخذ ما زاد. وهُما ضعيفان لا يعارضان الرواية(9)المعتضدة بفتوى المشهور، بل كاد أن يكون مُجمعاً عليه.
ويشترط في الأصناف الثلاثة انتسابها إلى عبد المطّلب من طرف الأب، ولا يكفي الانتساب إلى المطّلب، خلافاً للإسكافي والمفيد(10)، كما لا يكفي الانتساب إلى عبد المطّلب من طرف الأُمّ خاصّةً، خلافاً للمرتضى(11)لأنّ مَن انتسب إليه من الأُمّ انتسب إلى غيره من الأب، ويحرم على مَن انتسب إلى غيره، كما يحلّ على مَن انتسب إليه، وتغليب جانب التحريم أولى؛ للأصل، والاحتياط اللازم من جهة شغل الذمّة اليقينيّ بالخُمْس المستدعي للفراغ اليقينيّ.
1) وسائل الشيعة 9 : 520 - 521 ، الباب 3 من أبواب قسمة الخمس، ج 1، 2.
2) قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 1 : 262؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 1 : 496.
3) البقرة (2) : 238
4) راجع الهامش (1).
5) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 278؛ والشيخ الطوسي في المبسوط 1 : 262؛ والمحقق الحلي في المعتبر 2 : 638 - 639؛ والعلّامة الحلّي في منتهى المطلب 8 : 579
6) السرائر 492:1.
7) الأنفال (8) : 41 .
8) سنن الدارقطني 3 : 26، ح 91
9) وسائل الشيعة 9 : 520، الباب 3 من أبواب قسمة الخمس، ح 1.
10) حكاه عنهما المحقق الحلي في المعتبر 2 : 631.
11) رسائل الشريف المرتضى 4 : 328.
وللخبر(1)المعتبر بفتوى مشهور الأصحاب، بل بما كاد أن يكون إجماعاً.
ومَنْ كانت أُمّه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإنّ الصدقة تحلّ له وليس له من الخُمْس شيء؛ لأنّ الله تعالى يقول: «أَدْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ»(2)ولأنّه لو شمله لفظ الهاشميّ ودخل تحت إطلاق لفظ «بني هاشم» لغةً لكنّه يخرج عنه عرفاً؛ لظهور اللفظ عرفاً فيمن انتسب من طرف الأب إلى هاشم دون الأُمّ، وانصراف الإطلاق إليه عرفاً يخصّه به حكماً، على أنّا لا نقول بعموم الآية كما قاله ابن الجنيد، حيث جوّز صَرف الخُمْس للهاشميّين وغيرهم إذا استغنى عنه ذوو القربي(3)، فإذا لم نقل بعمومها فلا بدّ من الرجوع في الحكم للأخبار، وهي ظاهرة في اختصاص الخُمْس بالمتقرّب بالأب؛ لأنّ فيها ما تضمّن أنّ الخُمْس للإمام، كما ورد في خُمس الأرباح(4).
وفيها ما تضمّن أنّ الخُمْس ليتامى الرسول والمساكين منهم وأبناء السبيل منهم(5)، وظاهرٌ أنّ يتامى الشخص هُم الفاقدون له، وإن أُريد بالإضافة ما تكفّله منهم كان عامّاً، ولا نقول به.
ومنها ما تضمّن أنّ النصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم(6)، والآل ظاهر فيمن انتسب بالأُبوّة.
ومنها ما تضمّن أنّه ليتامى آل محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ومساكينهم وأبناء سبيلهم(7).
ومنها ما تضمّن أنّه للهاشميّين(8)، وظاهرُ أنّ النسبة للشخص إنّما تكون إليه من طرف الأب.
ومنها ما تضمّن أنّه لأقاربه(9)، وهو بملاحظة ما قدّمناه من القرائن محمول على الأقارب من طرف الأب.
1) وسائل الشيعة 9 : 513 - 514، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، ح 8.
2) الأحزاب (33) : 5
3) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 201:3، المسألة 158.
4) وسائل الشيعة 9: 500 الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 2.
5) المصدر : 510، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، ح 2.
6) وسائل الشيعة 9 : 514 - 515 الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، ح 9.
7) المصدر : 0516 ح 12.
8) المصدر : 513 - 514، ح 8.
9) المصدر : 517. ح 17
وما استدلّ به المرتضى من صحّة إطلاق الولد على ولد البنت حقيقةً لغةً وعرفاً وشرعاً، كما ورد في الحسن والحسين علیهما السّلام(1)، ومن صحّة إطلاق بني فلان على مَن انتسب إليه بالأُم كما يقال لعيسى: إنّه ابن آدم من بني آدم، ومن صحّة إطلاق البنت على بنت البنت، وهكذا، كلّه لا يجدي بعد ظهور الإطلاق بخلافه وفتوى المشهور بضدّه، وأنّه لو جاز أخذ الخُمس لمن تقرّب بالأُمّ لتوفّرت الدواعي إلى نقله والرغبات إلى حمله، وليس فليس.
على أنّه ليس في الأخبار لفظ الولد ولا لفظ البنت، ولعلّنا نقول بحقيقة ذلك دون غيره.
بحث: تُصرف حصّة الذرّيّة العلويّة إليهم، ويُصرف النصف الآخَر - الذي هو للإمام علیه السّلام في حال غيبته - إليهم أيضاً على الأظهر الأشهر، إلّا إذا لم يوجد من الذرّيّة العلويّة أحد، فإنّه يجوز دفعه لفقراء الشيعة وفقهائهم.
ويجب دفعه من المالك لنائب الإمام علیه السّلام و وكيله؛ لوجوب دفع المال للوكيل، ومع دفعه بنفسه يكون ضامناً، ولا تبرأ ذمّته منه كما هو المشهور والموافق للاحتياط، إلّا مع فقد الحاكم الشرعي، فإنّه يجوز دفعه لعدول المسلمين حسبةً عن الغائب المستور جُعلتُ فداه.
والدليل على وجوب دفع حصّة الإمام علیه السّلام للأصناف الثلاثة هو ما جاء من أنّ الإمام علیه السّلام يتمّ ما نقص عنهم ويأخذ ما فضل منهم(2)، وما كان مقطوعاً به من حاله علیه السّلام من جواز صلة أقاربه وأرحامه بمال مستغن عنه، سيّما لو كان معرّضاً للتلف، والاحتياط يقضي بذلك أيضاً.
فالقول بوجوب حفظه والإيصاء به بطناً بعد بطنٍ، أو وجوب دفنه، أو وجوب إلقائه في البحر، أو وجوب دفنه في الأماكن الخالية البعيدة، أو التخيير بين ما تقدّم كلّاً أو بعضاً وبين دفعه للذرّيّة العلويّة، أو جواز إعطائه لفقراء الشيعة ومساكينهم، أو جوازه للعلماء وإحياء الشريعة، أو جواز التصدّق به عن صاحبه مطلقاً ، أو إباحته للشيعة مطلقاً مخيّراً بين هذه وبين دفعه للذرّيّة العلويّة، أو سقوطه عن المالك رأساً أو غير ذلك(3)، كلّه لا نقول به؛ لعدم الدليل عليه
سوى أخبار التحليل(1)المشعرة بالسقوط في حال الغيبة والحضور، وهي لا تقاوم الأخبار الكثيرة الدالّة على الحثّ بإخراج الخُمْس، وعلى اللعن على مَن استحلّه(2)، وعلى أنّ مَن اشترى شيئاً من الخُمْس لم يعذره الله تعالى اشترى ما لا يحلّ له(3)، وعلى أنّه لا يحلّ لأحدٍ أن يشتري من الخُمْس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا(4)، وعلى أنّ أيسر ما يدخل به العبد النار أن يأكل من مال اليتيم درهماً ونحن اليتيم(5)، وعلى أنّه مَنْ كان عنده شيء من ذلك فليوصله إلى وكيلنا(6)، وعلى أنّ الخُمْس عوننا على دنيانا وعلى عيالنا وعلى أموالنا وما نبذل وما نشتري من أعراضنا ممّن نخاف سطوته فلا تزووه عنّا، وأنّ إخراجه مفاتيح أرزاقكم وتمحيص ذنوبكم وما تمهّدون لأنفسكم يومَ فاقتكم(7)، وعلى أنّا لا نجعل أحداً منكم في حلٍّ، بعد أن سألوا الرضا علیه السّلام أن يجعلهم في حلٍّ(8)، إلى غير ذلك. فلا بدّ من حمل أخبار التحليل على خصوص حصّة المحلّل منهم في زمانه دون حصّة من بعده كحصّة صاحب الزمان جعلنا الله تعالى فداه فلا ري تحليل أحدهم حصّته في زمانه إلى حصّة آخَر، ولم يرد عن صاحب الزمان تحليلٌ لحصّته علیه السّلام سوى توقيع العمري، وفيه: «وأمّا الخمس فقد أُبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلٍّ إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث»(9).
وهو ضعيف سنداً ودلالةً؛ لبناء فعله على المجهول، فيحتمل إسناده إلى غير الإمام علیه السّلام، ومعارض بما جاء من التوقيع الآخَر المتضمّن للّعن على مَنْ أكل من أموالنا درهماً(10)، وتوقيعٍ آخَر متضمن أنّ مَنْ أكل من أموالنا شيئاً فإنَّما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً(11).
1) وسائل الشيعة 9 : 543 ، الباب 4 من أبواب الأنفال.
2) المصدر : 540 - 541 . الباب 3 من أبواب الأنفال، ح 7، 8.
3) المصدر : 484، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 5.
4) المصدر، ح 4.
5) المصدر : 483، ح 1.
6) المصدر : 501 - 502، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 5.
7) المصدر : 538، الباب 3 من أبواب الأنفال، ح 2.
8) المصدر : 539، ح 3.
9) المصدر : 550، الباب 4 من أبواب الأنفال، ح 16.
10) المصدر : 541، الباب 3 من أبواب الأنفال، ح 8.
11) المصدر : 540 - 0541 ح 7
و مع ذلك فظاهر التعليل فيه أنّ التحليل مختصّ بالمناكح، كما تُحمل على ذلك جمیع أخبار التحليل بإرادة تحليل المناكح أو المساكن أو المتاجر، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
بحث: ذهب جمعٌ من أصحابنا إلى تحليل الخُمْس مطلقاً في جميع الأموال زمن الغيبة(1)استناداً لأخبار التحليل(2)الواردة عن الأئمّة علیهم السّلام بإطلاقها، وتخصيصاً لعموم الكتاب(3)والسنّة(4)الأمرين بالخُمْس بالمشافهين؛ لاشتمال الآية على ضمير الشفاه، وتعديته للغائبين إنّما يكون بالإجماع، وهو مفقود في محلّ النزاع؛ لعدم توافق الشرائط بين أهل الغيبة والحضور، وكذا كثير من الأخبار، حتّى لو سُلّم عموم الخطاب فيهما فلا بدّ من القول بالتخصيص بز من الحضور؛ جمعاً الأدلّة الدالّة على وجوب الإخراج مطلقاً، والدالّة على الإباحة مطلقاً، أو القول بعدم الملكيّة وعدم دلالة اللام عليها، ولئن أفادت الاختصاص فالمراد به الاختصاص بالأصناف وإن وجب على الإمام علیه السّلام قسمته كذلك؛ لجواز كونه واجباً عليه وإن لم يكن ملكاً لهم أو بین مختصّاً بهم.
وهو مذهبٌ ضعيف جدّاً؛ لمخالفته المشهور بل المُجمع عليه، ومخالفته الاحتياط وعمل الأصحاب، ومخالفته لإطلاق الكتاب والسنّة المنجبرين بالمشهور فتوىً وروايةً وعملاً الدالّين على بقائه إلى يوم القيامة.
وفي بعض الأخبار - المنجبرة بالفتوى والاعتبار - تعويض الخمس عن الزكاة للذرّيّة؛ صيانةً لهم عن أوساخ الناس5.
والاستناد لأخبار التحليل ضعيف؛ لضعف سند جملةٍ منها، واختصاص بعضها ببعضهم خصوصاً، كقوله علیه السّلام: «مَنْ أعوزه شيء من حقّي فهو في حلٍّ»(5)ومعارضتها بما دلّ من الأخبار
على مطالبتهم به في زمانهم(1)، وأن الله تعالى ليسألنّهم سؤالاً حثيثاً(2)، وقوّة احتمال اختصاص التحليل بالمحلّل في زمانه خاصّة أو لأشخاصٍ خاصّة لمصلحةٍ خاصّة أو لحصّة الإمام علیه السّلام فقط، أو لخصوص بعض الأموال من المناكح والمتاجر والمساكن، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وتعليلها بطيب الولادة في بعض(3)لا يقضي بالعموم للأزمنة ولجميع أهل الخُمْس؛ لظهور إرادة طيب الولادة من جهة حصّة المحلّل فقط؛ لأنّ طيبها من كلّ محرّمٍ يقضي باستحلال أموال الناس، ولا نقول به.
على أنّ ظاهر «أحللنا»(4)اختصاصه بالمحلّل ومَنْ سبقه ممّن له عليه حقّ التحليل، دون مَنْ لحقه ومَنْ سيأتي، ودون الحقّ الذي لم يكن له عليه حقّ التحليل.
وما كان ظاهره دوام التحليل من الأخبار وعمومه لجميع الخُمس مصروف عن ظاهره؛ لقوّة المعارض، أو مخصوص في المناكح والمساكن والمتاجر فقط، كما يظهر من بعض الأخبار(5)، ونطق به كثير من الأخيار، ونُقل على بعضه الإجماع(6)وإنكار عموم الآية والسنّة حكماً لغير المشافهين مخالف للبديهة والإجماع، سيّما مع تفسير الغنيمة لكلّ فائدةٍ، والتقييد بالمشافهين مع الإجماع على الاشتراك في الحكم تقييد بلا دليل، واشتراط الحضور في الحكم مخالف للضرورة، كما في سائر الأحكام؛ لأنّ المبيح في زمن الغيبة إنّما أباح من جهة أخبار التحليل لا من جهة عدم عموم الحكم.
وإنكار دلالة اللام على الملك والاختصاص مكابرة؛ لكونها حقيقةً في ذلك، فصَرفها عنه من غير داعٍ لا وجه له، كيف ! وظاهر الأخبار وقسمتها وتمييز حصصها أقوى دليلٍ على الملك والاختصاص، وفي بعض الأخبار أنّه عوض الزكاة وعوض الصدقات وأنّه لهم تنزيهاً لهم عن أوساخ ما في أيدي الناس، وغير ذلك(7)، وهي ظاهرة في الملك والاختصاص.
وبالجملة، فالخروج عن ظاهر الكتاب والسنّة وفتوى الأصحاب والاحتياط بمجرّد هذه المناقشات وبأخبار التحليل المحتملة لوجوهٍ ظاهرةٍ يجب الحمل عليها؛ للجمع، أو المُطرَحة عند معارضتها لما هو أقوى منها.
بحث: ورد عنهم علیهم السّلام فيما هو متواتر أو قريب إليه: تحليل الخُمس في الجملة، وكذا جملة من الأنفال(1)، وفي عدّة أخبار يظهر منها التحليل على الدوام إلى يوم القيامة، وأنّ الشاهد يبلّغ الغائب بذلك(2)، وأنّ الآباء والأبناء شركاء في الحلّ(3).
ويبعد حملها على تحليل حصّته المحلَّل في زمنه فقط، بل لا بدّ من حملها على إرادة تحليل أشياء خاصّة وأموال معيّنة، ولم يكن قابلاً للحمل على ذلك سوى ما استثناه الفقهاء ونُقل عليه الإجماع(4)من المناكح المفسَّرة بالجواري المسبيّة من دار الحرب مطلقاً، كما دلّت على ذلك جملة من الأخبار(5)، سواء سُبيت من غير إذن الإمام علیه السّلام فكلّها له، أو بإذنه فله فيها الخُمْس.
وظاهرها شمول التحليل لكلا الحصّتين معاً ؛ لأنّه علیه السّلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو أعرف بما يفعل، فتخصيص الخُمْس بحصّته فقط خلاف الظاهر من الأخبار.
وكذا إن فُسّرت بمهر الزوجة أو ثمن السراري المستثنيين من المُؤن في أرباح التجارة، فيكون المراد بتحليلها خروجها عمّا يتعلّق به الخُمْس.
وألحق جمع(6)بالمناكح المساكنَ المفسّرة بقِطَع الأرض المختصّة بالإمام علیه السّلام، أو بالمسكن المحتسب من المؤونة المستثناة.
وكذا ألحقوا المتاجر(7)المفسّرة بما يشترى من الغنيمة المأخوذة من مال أهل الحرب
1) وسائل الشيعة 9 543 الباب 4 من أبواب الأنفال.
2) المصدر : 0547 ح 9
3) المصدر : 0543 ح 1.
4) راجع الهامش (6) من ص 246.
5) وسائل الشيعة 9 : 543 و 547 و 552 - 553، الباب 4 من أبواب الأنفال، ح 1، 9، 10، 20.
6) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية : 200 والمبسوط 1: 263 وابن إدريس الحلّي في السرائر 1: 498؛ والعلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 5: 443، المسألة 333 .
7) المصدر.
سواء كان كلّه للإمام علیه السّلام أو بعضه، أو بما يشترى ممّن لا يُخمس ولا يعرف الخُمس، أو بما يكتسب من الأرض والأشجار المختصّة بالإمام علیه السّلام.
ولا بأس باستثناء ذلك بالمعنيين الأوّلين وفاقاً للشهرة المنقولة(1)، وعمومات رفع العسر والحرج(2)، وظهور بعض الروايات(3)به، وحمل الروايات العامّة عليه.
ولا فرق في ذلك بين زمن الحضور والغيبة كما تُشعر به الروايات.
ويشكل إلحاقه بالمعنى الأخير، ويقوى عدم الإلحاق.
والظاهر أنّ المراد بتحليل ما ذكرناه هو تمليك الحصّة للمحلّل من الشيعة خاصّة، لا أنّه إباحة للتصرّف بالحصّة كي يشكل الحكم في تبعيض التحليل في المناكح.
بحث: للإمام علیه السّلام الأنفال، فمنها: الموات من الأرض التي لا يُعرف لها مالك ولو عامّاً كأرض الخراج، فإنّ مالكها المسلمون عامّة، فالموات فيها بعدما كان معموراً حال الفتح لا يجري عليه حكم مال الإمام علیه السّلام.
نعم، ما كان مواتاً قبل الفتح فهو للإمام علیه السّلام.
ويلحق بذلك كلّ أرضٍ باد أهلها أو انجلى عنها أهلها وتركوها، وكلّ أرضٍ أسلم أهلها طوعاً.
ومنها: الآجام، وهي الأرض المجموع فيها قصب وشبهه من نباتات الماء أو الأعمّ. ومنها: رؤوس الجبال وبطون الأودية، ومعرفتهما موكولة إلى العرف.
ومنها: المعادن الظاهرة والباطنة على قولٍ مشهور لا بأس به
ومنها: صفايا الملوك وقطائعهم في دار الحرب.
ومنها: الغنيمة بدون إذنه علیه السّلام.
ومنها: ميراث مَنْ لا وارث له من مناسبٍ أو مساببٍ(4).
1) الروضة البهيّة 2 : 80؛ الحدائق الناضرة 12 : 444.
2) البقرة ( 2 ) : 185؛ الحج ( 22 ) : 78
3) وسائل الشيعة 9 : 552 - 553 الباب 4 من أبواب الأنفال، ح 20.
4) جاء في آخر نسخة « ج » : تمّ الخمس، ويتلوه الصوم إن شاء الله تعالى، محمد علي التبريزي. وفي آخر نسخة «م» : تمّ كتاب الخمس والحمد لله رب العالمين، سنة 1266.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
وهو من ضروريّات الإسلام، ووجوبه في شهر رمضان نطق به القرآن(1)، وصار ضروريّاً في جميع الأزمان.
والصوم لغةً: الإمساك عن الشيء(2)، ونُقل شرعاً في زمن الشارع - بناءً على ثبوت الحقيقة الشرعيّة، والأقوى ثبوتها لترك أشياء خاصّة أمر الشارع بتركها عند التذكّر، مستنداً إلى عزمٍ عليه قبل حصوله أو بعد حصوله في مقامات خاصّة في زمان خاصّ على كيفيّةٍ خاصّة من بلوغٍ وعقلٍ وصحّةٍ وسلامةٍ من حيضٍ وسفرٍ وشبههما.
فلا يرد على هذا ما ورد على مَنْ أخذ «الكفّ» في تعريفه(3)بأنّ الكفّ إن كان هو النيّة فهي شرط من الصوم أو جزؤه لا نفسه، وإن كان غير النيّة فلم يعقل وجوب أمرٍ آخَر زائدٍ على الترك والنيّة، وبأنّ الصوم لو كان هو الكفّ والانزجار لزم أن لا يكون النائم والساهي والغافل صائمين، ولئن شاركوا في الحكم فلا يشاركون في الاسم، وللزم وجوب التفطّن
والانزجار طول النهار، وعدم جواز بقاء المكلّف خالياً عن حالة فعليّة حين تذكّر خطاب ربّ البريّة، والكلّ لا يلتزمه أحد.
ولا يبعد أن مَنْ عبّر بـ «الكفّ» أراد الترك المستند إلى العزم والنيّة السابقة؛ للفرق بينه وبين الترك اتّفاقاً.
ودعوى أنّ الترك غير مقدورٍ فلا يتعلّق التكليف به، دعوى تُخالف الوجدان؛ لأنّه لو امتنع الترك لوجب الفعل، ولا يقوله إلّا الأشعري(1)، فالترك مقدور بمعنى إن شاء استمرّ عليه وإن شاء قطعه وفَعَل.
ولا يرد أيضاً ما أُورد على مَنْ أخذ المُفطر في تعريف الصوم(2)من الدور؛ لتوقّف معرفته على معرفة الصائم المتوقّف على معرفته.
ولا يرد أيضاً دخول ترك المُفطرات وقتاً مّا في تعريف الصوم؛ لخروجه بالزمن الخاصّ.
ولا يرد أيضاً خروج تناول المفطرات سهواً عن الصوم مع أنّه داخل فيه؛ لدخولها في قولنا: «عند التذكّر».
والصوم من أفضل القربات؛ للإجماع، والأخبار عن الهداة(3)، وقد ورد أنّ الله تعالى قال: «الصوم لي»(4)، وكأنّه لخفائه وعدم الاطّلاع عليه يكون بعيداً عن شائبة الرياء التي هي شرك فلا يصوم الصائم إلّا له، أو لزيادة مشقّته وتأثيره لصفاء الباطن والإخلاص استحقّ إضافته إليه تعالى دون سائر العبادات.
وينبغي للصائم أن لا يكون يوم صومه كيوم فطره، بل ينبغي له ترك الذمائم القلبيّة، والفرطات اللسانيّة، والقبيح من الأفعال الجسمانيّة، كما نطقت به أخبار سادات البريّة(5).
وينبغي له الأعمال الحسنة، والأماكن المشرّفة، والأخلاق المحمودة.
وقد ورد النهي عن تسمية شهر رمضان «رمضان»(6)وورد أن مَنْ صامه ذاب الحرام من
1) راجع المحصّل : 377.
2) كالمحقّق الحلي في شرائع الإسلام 1 : 168؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1 : 369.
3) وسائل الشيعة 10 : 395، الباب 1 من أبواب الصوم المندوب.
4) المصدر : 397 و 400، ح 15،7، 16.
5) المصدر : 161، الباب 11 من أبواب آداب الصائم.
6) المصدر : 319، الباب 19 من أبواب أحكام شهر رمضان.
جسده، وقرب من رحمة الله تعالى، وكفّر خطيئة أبيه آدم علیه السّلام، وهانت عليه سكرات الموت، وأمن من الجوع والعطش يوم القيامة، وأطعمه الله تعالى من طعام الجنّة، وأعطاه براءة من النار(1).
بحث في النية:
وفيه أُمور:
أحدها: النيّة شرط في الصوم لا جزء منه، فلا يشترط فيها شرائطه قطعاً؛ لأنّ الصوم كسائر الأفعال، فكما أنّ النيّة ليست جزءاً منها عرفاً وشرعاً فكذلك الصوم أيضاً، وانتفاء لوازم الجزئيّة بالإجماع دليل على انتفائها.
نعم، اشتراطها على القول بأنّ العبادات اسم للصحيح داخل فيه دونها نفسها.
وشرطيّتها دلّ عليها الإجماع والأخبار(2)والاعتبار.
وهي في العبادات - على وجه الحقيقة الشرعيّة أو المتشرّعيّة - يراد بها قصد الفعل وقصد كونه الله تعالى، فالإتيان بالفعل بدون قصدٍ، أو بدون قصد أنّه لله تعالى كعدم الإتيان به لا تتحقّق الطاعة والانقياد والعبوديّة به؛ إذ لا يصدق على العبد أنّه مطيع إلّا إذا أتى بالعمل مقصوداً له تعالى مع قصد أنّه له، والمفروض أنّ الأصل في أوامر الشارع - سيّما فيما لم يعلم وجه المصلحة فيه كالعبادات - إرادة الطاعة والانقياد والعبوديّة، قال سبحانه وتعالى : «وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»(3)، فالنيّة في الحقيقة روح العمل وبها قوامه.
ويكفي فيها الداعي والمحرّك والانبعاث الحاصل في خزانة الخيال، ولا يجب فيها الإخطار والتصوير الفعلي وإن كان هو الأحوط، ولا يجب فيها التصوّر تفصيلاً، ولا معرفة الحقيقة في سائر العبادات؛ للزوم العسر لولاه.
وتقع من الصبيّ؛ لأنّ عبادته شرعيّة.
ويفسدها الرياء دون العجب، ونيّة القطع والقاطع في الابتداء دون الاستدامة على الأظهر فيهما.
ثانيها: تلزم النيّة في العبادة أُمور أربعة يدلّ عليها كلّ ما دلّ على أصل النيّة:
أحدها: تعيين المنوى ليتحقّق أنّه نواه بنوعه أو بلازمه الخاصّ الدالّ عليه إذا كان المنوىّ قدراً مشتركاً، وكان المحلّ صالحاً لوقوع أكثر من فردٍ فيه، كمن عليه صيام نذر وإجارة وقضاء، أو صلاة كذلك، فلو نوى المطلق أو المردّد بطل، إلّا فيما دلّ عليه الدليل، كمن فاتته فريضة مردّدة بين رباعيّات.
والظاهر أنّه يكفي في التعيين - إذا لم يعرف النوع - ذكر الخاصّة، كأن ينوي الإتيان بما فاته أو بما اشتغلت به ذمّته إذا كان المأتيّ به يأتي على جميع الوجوه المحتملة لأن يكون هو الفائت.
وهل يكفي كون المنويّ متعيّناً بالواقع؛ لعدم قبول المحلّ غيره عن تعين النوع الخاصّ، فيكفي حينئذٍ نيّة الجنس وينصرف قهراً إلى النوع الخاصّ، أم لا يكفي؟ وجهان، أحوطهما: التفصيل بأنّه إن انحلّت نيّة الجنس مع القربة إلى نيّة النوع ضمناً اكتفي بها عن نيّة النوع، وإن لم تنحلّ لم يكف؛ لأنّ الظاهر من أدلّة النيّة إرادة الشارع تعيين المنويّ وتمييزه عن الاشتراك الذهني، سواء كان المحلّ صالحاً لوقوع جميع المشتركات معه أو لم يكن صالحاً لغيره.
فعلى ذلك فمَن نوى الصوم ولم يعيّن الرمضانيّة في شهر رمضان، فإن كان عالماً بدخوله و حصوله انحلّت نيّته إلى نيّته وكفى ذلك، وكذا لو نوى صوم ما أمر به في هذا اليوم، ولا إشكال فيهما، وإلّا فالأحوط الحكم ببطلان عمله كما إذا وقع منه العمل جاهلاً بدخول الشهر، فنوى صوماً ما فصادف دخوله.
أمّا لو نوى الخلاف، كأن نوى قضاء شهرٍ آخَر، فإن كان عالماً بدخول الشهر، فلا يبعد الصحّة ووقوع نيّة الخلاف لغواً؛ لتغليب نيّة القربة عليها. ولو كان جاهلاً زاعماً أنّه غيره كـ «رجب» وشبهه فنواه قضاءً، فالأظهر بحسب القواعد الحكم ببطلان صومه، لولا ما يظهر
من فتوى الفحول والإجماع المنقول(1)على صحّته ووقوعه عن رمضان قهراً إذا صدرت منه النيّة جهلاً بالشهر.
نعم، لو نوى صوم ما أُمر به في هذا اليوم ولكنّه اشتبه بالأشهر، فزعم أنّه رجب وأنّ هذا صوم مندوب، صحّ عمله، وغلب هنا حكم الإشارة على الاسم.
وكذا لو نوى صوم هذا اليوم المأمور به فيه، لم يحتج بَعْدُ إلى تعيين النوع من رمضانيّة أو نذريّة معيّنة؛ لأنّ ذلك نوع تعيين.
ويمكن أن ينزّل على هذا كلام الفقهاء وإجماعاتهم على عدم وجوب التعيين في شهر رمضان، وإجزاء نيّة غيره جهلاً منه؛ معلّلين ذلك بأنّه زمان لا يقبل غيره، فينصرف المنويّ إليه، ولكنّهم اختلفوا في النذر المعيّن أنّه هل يساويه؛ لمكان التعليل، أو ينفرد عنه؛ لمكان الأصالة والعارضيّة؟ واتّفقوا على وجوب التعيين في النذر المطلق وشبهه.
ولكنّه بعيد، ويرد عليهم أنّ الأصالة والعارضيّة لا تصلح فارقاً، فإن كان المراد بعدم القبول لغيره عقلاً فهو ممنوع فيهما، وإن كان شرعاً فهو جارٍ فيهما، وأنّ النذر المطلق مع خلوّ المكلّف عن صوم واجب غيره لا يقبل الزمان شرعاً غيره، فينبغي أيضاً عدم وجوب التعيين فيه، فلا مندوحة حينئذٍ إلا أن يُحمل(2)قولهم بعدم وجوب التعيين في شهر رمضان إلى أنّ نيّة الصوم المأمور به في أيّامه نوع تعيينٍ له، فيعود البحث بينهم في إمكان اتّصاف النذرين بذلك الوصف وعدمه، والظاهر إمكان ذلك، وعلى ذلك فيكون الأقوى إجراء هذا الحكم إلى النذر المعيّن أو المطلق لو اتّصفا بتلك الصفة.
ثانيها: استمرارها نفسها، أو استمرار حكمها بمعنى عدم غيبوبتها عن الخيال بالمرّة بحيث لا يبقى للناوي شعور أصلاً، وعدم نيّة ما ينافيها من رياء أو نيّةٍ إفطار أو تردّد أو نقل نوعٍ إلى نوعٍ آخَر كأن يعدل ممّا نواه إلى غيره، وهكذا، وذلك لأنّ الاستدامة عمل كالابتداء، فتفتقر إلى ما يفتقر إليه الابتداء.
نعم، الذي يظهر من فتاوى الفقهاء ومن السيرة ومن كثير من الأخبار في حصر المفطرات(3):
أنّ الشارع في خصوص الصوم سهّل في أمر النيّة في الصوم، فلا ينقضها غيبوبة النيّة أصلاً بنسيان أو نوم أو نيّة قطع أو قاطع، سواء عاد إلى نقضهما أم لا، أو تردّد لشبهةٍ عرضت له أو لغير شبهةٍ، مضى زمان عليه مع ذلك أم لم يمضِ، وإن كان الأحوط القضاء في الثلاثة مع مضيّ زمانٍ يُعتدّ به وعدم كون التردّد لشبهةٍ.
ثالثها: الجزم بها عند الابتداء جزماً حقيقيّاً، أو جزماً صوريّاً على تقدير عدم المانع لمن تخيّل طروء المانع أو فقدان الشرط أو ظنّ بهما من حيضٍ أو سفر أو مرض، ونيّة الصوم على تقدير السلامة غير الترديد بها على التقديرين.
رابعها: مقارنة النيّة للمنويّ مقارنةً حكميّة إمّا لأجزائه الواجبة، أو لأجزائه المندوبة على الأقوى، فلو لم تقارنه لم يستند العمل إليها فيخلو عن النيّة، ولا عمل إلّا بنيّة. نعم، خرج من ذلك الصومُ تخفيفاً ممن أمر به، فرخّص في تقديم نيّته في طول ليلته وإن ذهل بعدها أو نام أو فَعَل المفطر ما لم ينقضها بنيّة خلافها.
وجواز التبييت إجماعيّ، وكونه رخصةً هو الأظهر.
واحتمل بعضهم(1)كونه عزيمةً ، لقوله علیه السّلام: لا صيام لمن لا يبيّت الصيام»(2)ولظاهر فتاوى الفقهاء.
وهو ضعيف؛ لظهور إرادة التخفيف منهما، أو لعسر المقارنة من الناوي غالباً.
ورخّص أيضاً في جواز تجديدها في المعيّن قبل الزوال إذا فاتته لعذرٍ أو اضطرارٍ أو نسيانٍ دون العمد - خلافاً لما يظهر من المرتضى(3)- اقتصاراً فيما خالف القاعدة على مورد اليقين.
والدليل على جواز التجديد ما دلّ على رفع الخطأ والنسيان(4)، وما دلّ على جواز الإمساك والصوم لمن لم يتناول شيئاً من مريض أو مسافر أو جاهل بهلال الشهر(5).
والظاهر أنّ النيّة هنا ناقلة للماضي ومثبتة للمستقبل في صيرورتهما صوماً، لا أنّها ناقلة
1) راجع كلام ابن أبي عقيل في مختلف الشيعة 2 : 237، المسألة 8.
2) مستدرك الوسائل 7 : 316، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم.... ح 1.
3) جُمل العلم والعمل : 95.
4) وسائل الشيعة 15 : 369، الباب 56 من أبواب جهاد النفس..... ح 1.
5) المصدر 10 : 190 - 191، الباب 6 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 4 - 7؛ المعتبر 2 : 646.
للمستقبل فقط، أو كاشفة عن الماضي ناقلة عن المستقبل.
واحتمال الفرق بين وقوعها قبل الزوال فهى ناقلة لما قبلها وما بعدها، ووقوعها بعد الزوال فهي ناقلة لما بعدها ويكون ذلك صوماً شرعيّاً، قويّ، وربما دلّت عليه صحيحة هشام بن سالم(1).
ورخّص أيضاً في الواجب الموسّع تجديدها لمن أخّره عن عذرٍ أو لا عن عذرٍ إلى زوال الشمس؛ للأخبار(2)، وفتاوى الأصحاب الشاملة للمفوّت عمداً أو سهواً أو تردّداً.
ورخّص في المندوب تجديدها إلى المغرب، سواء كان تفويتها عمداً أو سهواً، للأخبار(3). وأفتى به جملة من الأصحاب(4).
وبيان ذلك: أنّ الأخبار عن الأئمّة الأطهار علیهم السّلام منها ما جاء بجواز التجديد للصوم مطلقاً، واجباً أو مندوباً، قبل الزوال وبعده(5).
مطلقاً ومنها ما جاء خاصّاً بتجديده للزوال مطلقاً(6)، واجباً أو ندباً.
ومنها ما جاء بتجديده إلى الزوال في قضاء شهر رمضان(7).
ومنها ما جاء بتجديده إلى العصر(8)، أو إلى ذهاب عامّة النهار في قضاء شهر رمضان(9)؟
ومنها ما جاء بتجديده إلى العصر وما فوقه في صيام التطوّع(10).
ووجه الجمع بينها بأحد أمرين:
إمّا بتقييد الأخبار المطلقة في جواز التجديد مطلقاً بالأخبار المحدّدة له بما قبل الزوال الواجب والمندوب؛ لصحّتها وصراحتها وموافقتها للاحتياط في العبادة وتأيّدها
1) وسائل الشيعة 12:10، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم .... ح 8.
2) آنفاً.
3) آنفاً.
4) منهم: السيّد المرتضى في الانتصار: 180، المسألة 78؛ والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 278؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 1: 373
5) وسائل الشيعة 10 : 11 و 12، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم... ، ح 6، 9.
6) راجع الهامش (2).
7) وسائل الشيعة 13:10 ، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم... ، ح 10.
8) المصدر : 12، ح 9.
9) المصدر : 11، ح 6.
10) المصدر : 14، الباب 3 من أبواب وجوب الصوم.... ح 1.
بفتوى المشهور نقلاً(1)وحمل ما جاء من الرخصة بالتجديد إلى العصر على دخول صلاة العصر في الوقت المشترك وهو مقارب للزوال، وما جاء من الرخصة بعد ذهاب عامّة النهار على ذهاب أغلبه، ولا شكّ أنّ ما بين الفجر والزوال أغلب ممّا بينه وبين المغرب.
وبالجملة، فالإطلاق إذا تقيّد بالصحيح المعمول عليه وجب العمل به، ولا يعارضه إلّا ما يقوى عليه، والروايات المعارضة لا تقوى على ذلك، فتُطرح أو تُؤوّل.
وإمّا بتقييد الأخبار المطلقة بالأخبار الدالّة على التحديد بالزوال، وقصرها على الواجب الموسّع دون المندوب، وذلك لقوّة المعارض في المندوب للروايات المحدّدة بالزوال؛ لاعتضادها بفتوى الكثير بل المشهور، وبالإجماع المنقول(2)، وبمشروعيّة التسامح في أدلّة السنن، وبظهور الروايات المفصّلة بالفريضة وتصريح بعضها بها.
ولا يبعد أنّ الأخير أقوى وأظهر، ولكنّ الاحتياط يقضي بتركه على الظاهر.
ودليل التسامح في أدلّة السنن لا يقضي بفعله احتياطاً؛ لأنّ التسامح إنّما يكون في الدليل لا في المدلول، ويكون فيما شُرّع أصله وشُكّ في خصوصيّته، لا فيما لم يشرّع أصله، كصوم الوصال وصوم بعض يومٍ، كما هو هنا مفروض المسألة.
ولو نوى الصوم في الموسّع فنقضه برياءٍ، لم يكن له أن يجدّده.
ولو نقضه بنيّة القطع - إن قلنا إنّها قاطعة فوجهان: من الاقتصار على اليقين من الأدلّة، ومن الأولويّة؛ لأنّ فوات البعض أولى من فوات الكلّ.
وممّا ذكرنا من الأصل القاضي بلزوم مقارنة النيّة للمنويّ يظهر عدم جواز تقديم نيّة شهر رمضان عليه بيومٍ أو يومين أو ثلاثة، ولو قدّمها لم تؤثّر فيه صحّة، سواء تركها عمداً أو نسياناً.
خلافاً للشيخ رحمه الله حيث جوّز التقديم(3)، ويظهر منه نقل الإجماع عليه (4).
ومقتضى إطلاقه عموم الإجزاء للتارك عمداً وسهواً، وكذا عدم إجزاء نيّةٍ واحدة لجميع
الشهر من أوّله؛ لأنّه أعمال مستقلّة ذلك مفصولة غير موصولة، ولو كان عملاً واحداً لبطل كلّه ببطلان بعضه، ولما تعدّدت الكفّارة بتعدّد أيّامه، ولما بانَ الانفصال بين أجزائه، ولساواه صيام رجب وشعبان المندوب أو المنذور، ولما جاز تفريق النيّة على أبعاضه. ولا يقولون به، وعلى ذلك فتوى مشهور المتأخّرين، والاحتياط يقضي به.
وذهب جمع من أصحابنا(1)إلى جواز نيّة الشهر جملةً واحدة، ونُسب(2)للمشهور بين القدماء، ونُقل عليه الإجماعات(3)، ويعضده أصالة عدم وجوب القضاء للناسي فيقوى البناء عليه.
ولكنّ الرجوع إلى القواعد أقوى منه؛ لضعف الإجماع المنقول في هذا المقام بقوّة المخالف له من فتوى وأصل وقاعدة، وبعدم المعاضد له من روايةٍ عامّة أو خاصّة، ومن ضعف تعليل الناقل(4)له من أنّه كاليوم الواحد؛ لأنّ حرمته واحدة.
ثالثها: شهر رمضان لا يقع فيه غيره، وجب صومه لحضور المكلّف، أو امتنع لسفر وجوّزنا صوم المندوب في السفر؛ لظاهر فتوى الأصحاب، ولما ورد أنّ الإمام علیه السّلام صام شعبان في السفر فلمّا هل شهر رمضان ترك الصوم(5).
ولولا ظاهر الإجماع لأمكن المناقشة في هذا الحكم؛ لعموم أدلّة الصوم المندوب، وترك الإمام علیه السّلام الصوم في السفر لا يدلّ على عدم المشروعيّة؛ لأنّ الإمام علیه السّلام لا يصوم الدهر.
نعم، يدلّ على عدم وظيفة صومه ندباً، كشعبان ورجب.
رابعها: إذا أوقع المكلّف صوم غيره فيه ممّا كان الشخص مشغول الذمّة به من قضاءٍ أو نذر أو كفّارة في غير يوم الشكّ، بطل صومه بمقتضى القواعد، ولا يحتسب له لا من شهر رمضان مطلقاً؛ لعدم نيّته له وإن قوي القول بوقوعه عن رمضان إذا نوى غيره جهلاً؛ لفتوى
1) منهم : الحلبي في الكافي في الفقه : 181؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1 : 138؛ والعلّامة الحلي في منتهى المطلب 9 : 35.
2) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 397.
3) رسائل الشريف المرتضى 2 : 355؛ الخلاف 2 : 163 - 164 ، المسألة 3؛ غنية النزوع 1: 138.
4) الناقل هو السيّد المرتضى في الانتصار : 182، المسألة 79.
5) وسائل الشيعة 10 : 203 الباب 12 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 5.
المشهور، والإجماع المنقول(1)، وإشعار روايات يوم الشكّ(2)به لا للقاعدة، ولا من غيره ممّا نواه؛ لعدم وقوع ما نواه فيه إمّا لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضدّ، وإمّا لأنّ الموقّت المضيّق ممّا نواه لا يقبل وقوع عبادة أخرى مطلقاً أو مماثلة لها، ويكون مخصّصاً لأدلّة العبادات الأُخَر الشاملة لجميع الأوقات، وإمّا لخصوص أنّ شهر رمضان لا يقبل لصوم غيره من الواجبات، كما تدلّ عليه كلمات الأصحاب وتشعر به الروايات(3).
ولا يتفاوت الحال فيه بين العالم بدخول الشهر وبين الجاهل به - على الظاهر من الفتوى - في بطلان ما نواه.
ولولا ظاهر الاتّفاق لأمكن منع أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضدّ، ولئن سُلّم فمع العلم لا مع الجهل، ومنع أنّ الموقّت لا يقبل غيره، ومنع التخصيص لإطلاقات الأدلّة على الشمول للأزمان، ومنع دلالة الروايات على ذلك.
نعم، لو لم يكن مشغول الذمّة بصومٍ، فنواه ندباً بزعم أنّه شهر آخَر من رجب أو شعبان، جهلاً منه أو عمداً، صحّ عمله، ووقع عن شهر رمضان قهراً؛ لتغليب الإشارة على الاسم، ووقوع القربة منه، وهي مشخّصة لما يراد وقوعه، وذلك لنيّة وظيفة ذلك اليوم قربةً إلى الله. ولكنّه تخيّل أنّ وظيفته الندب أو أنّه من شعبان أو نوى ذلك مع العلم عبثاً ولعباً، فوقعت نيّته لغواً ووقع عن شهر رمضان قهراً.
هذا إن نوى وظيفة ذلك اليوم ولكنّه أخطأ في تعيين شهره، أو أخطأ في تعيين وجهه من الندب والإيجاب، وأمّا لو لم يَنْوِ وظيفة ذلك اليوم، بل نوى القضاء أو الكفّارة أو النذر وكان مشغولاً بها أو لم يكن مشغولاً ولكن نوى ذلك جهلاً أو عمداً عبثاً أو خطأ، فالوجه بمقتضى القاعدة هو البطلان؛ لأنّ ما نواه لم يقع، وما وقع لم ينوه إلّا أنّه قد نقل الإجماع على وقوع المنويّ من رمضان قهراً إذا نوى غيره جهلاً فيه(4)، وربّما أشعرت به روايات يوم الشكّ(5)، بناءً
على عدم الخصوصيّة له دون سائر أيّام الشهر والظاهر أنّ الشهرة محصّلة عليه أيضاً، فالعدول عن جمیع ذلك والأخذ بمجرّد القواعد ممّا لا يجترئ فقيه عليه.
فعلى ما ذكرنا أوّلاً يكون ما ورد من الأخبار الدالّة على إجزاء صوم يوم الشكّ عن شهر رمضان إذا تبيّن أنّه منه إذا نواه أنّه من شعبان(1)على القاعدة، ويكون أيضاً إجزاؤه إذا نوى به القربة المطلقة على تقديري الوجوب والاستحباب على القاعدة. نعم، لو أخذ الوجوب أو الاستحباب عنواناً ابتدائيّاً فردّد فيهما كأن يقول: أصوم غداً إمّا وجوباً أو ندباً، لم يجزئ ؛ لعدم توجهه إلى القربة ابتداءً وجعلها عنواناً له.
ولو لم ينو الشعبانيّة أو الرمضانيّة ولكنّه نوى الندبيّة، فإجزاؤه عن شهر رمضان بالطريق الأولى.
وبمقتضى ما ذكرناه من القاعدة أنّ كلّ مَنْ نوى غير ما أمر الشارع بنيّته ظاهراً وجعله عنواناً كانت نيّته فاسدةً ولو اتّفق مطابقة ما نواه للواقع، وذلك لمكان النهي عنه لمكان النيّة المخالفة للمأمور به، وذلك كمن نوى آخر شعبان أنّه من رمضان، فإنّه لا يجزئ عنهما معاً؛ لبطلان المنويّ في التشريع في نيّته، وتكون الأخبار الدالّة على النهي عن صومه من شهر رمضان وأنّه لو نوى منه لم يجزئ ويقع باطلاً(2)على على القاعدة.
وقد يناقش في صحّة هذه القاعدة ويقال بالصحّة؛ لحصول نيّة القربة، ووقوع نيّة الرمضانيّة والوجوبيّة لغواً، فيعود إلى أنّه عمل متقرّب به فصادف محلّه فيكون مجزئاً، ويكون بطلانه - إن قلنا به - للدليل.
ويظهر من ذلك أيضاً أنّه لو وقعت نيّة الرمضانيّة والوجوبيّة سهواً منه أو جهلاً، كان صومه صحيحاً مجزئاً عن شهر رمضان بالطريق الأولى؛ لأنّها صادفت محلّها فتجزئ.
خامسها الوارد في الأخبار(3)عن الأئمّة الأطهار علیهم السّلام استحباب صيام يوم الشكّ، وأنّ
صيامه يسقط القضاء ويجزئ عن شهر رمضان، وأنّه يوم وفّق له العبد.
وما دلّ من الروايات على النهي عن صومه(1)مطّرح؛ لمخالفتها للفتوى والروايات والعمومات الآمرة بالصوم، أو محمولة على التقيّة؛ لموافقتها لفتوى العامّة، أو على صومه بنيّة شهر رمضان.
والعنوان في الأخبار «يوم الشکّ» وظاهره وقوع الشكّ فيه؛ لاختلاف أقوال المنجّمين أو الناظرين، أو حصول الشكّ لغيمٍ أو لعارضٍ من العوارض، دون ما لم يقع فيه شكٌّ لشدّة الصحو، وعدم ادّعاء الرؤية، واتّفاق المنجّمين على عدمه.
ويشهد لذلك ورود بعض الأخبار بتفسيره بذلك، وأنّ يوم الصحو ليس من يوم الشكّ، وأنّه لا ينبغي صومه(2)، وفي بعضها النهي عن صومه(3)، حتّى أنّ بعضهم(4)كرّهه، وبعضهم حرّمه(5)لمكان هذه الأخبار.
ويظهر من بعض الفقهاء(6)تعميم يوم الشكّ لكلّ ما احتمل الهلال فيه وكان من شأنه وقوع الشكّ فيه، وتُحمل هذه الأخبار على التقيّة وشبهها.
ويظهر من آخَرين(7)تخصيص يوم الشكّ بما ذكرناه ولكنّه يستحبّ صوم يوم الصحو؛ للعمومات(8)، وخصوص ما ورد في صيام شعبان(9)، وأنّ الأخبار محمولة على مَنْ صامه بعنوان أنّه يوم شكّ، أو على التقيّة، وهذا الأخير أظهر؛ لما قدّمناه.
وعلى ما اخترناه من تخصيص يوم الشكّ بما ذكرناه يكون إجزاء صوم آخر يومٍ من
1) وسائل الشيعة 10 : 25 - 26، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم...، ج 2، 3.
2) المصدر : 24 ، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم ، ح 12 ، و 298 - 299 ، الباب 16 من أبواب أحكام شهر رمضان ، ح 4.2 .
3) المصدر : 298، الباب 16 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 2.
4) هو الشيخ المفيد على ما حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 650؛ والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 6 : 17، المسألة ؛ وعبارته في المقنعة : 298 صريحة في الاستحباب.
5) نسبه إلى بعض الأوهام البحراني في الحدائق الناضرة 13: 43.
6) كالمحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 649؛ والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 6 : 17، المسألة 8؛ والشهيد في البيان : 361.
7) كالشهيد الثاني في مسالك الأفهام 2 : 55 والبحراني في الحدائق الناضرة 13 : 41 - 42.
8) وسائل الشيعة 10 : 395، الباب 1 من أبواب الصوم المندوب.
9) المصدر : 485 ، الباب 28 من أبواب الصوم المندوب
شعبان مع عدم الشكّ للقاعدة، لا لدخوله تحت تلك الروايات، كما أنّ صوم اليوم الواجب بنذرٍ معيّن وشبهه بنيّة أنّه يوم مندوب موظّف يتوقّف حكمه على القاعدة؛ لعدم النصّ.
والأقوى فيه الإجزاء إن نوى ما يراد منه في اليوم، ولكنّه زعم أنّه من الموظّفات المندوبة، فيغلب جانب النيّة الأولى وتلغى الثانية.
وإن نوى التقرّب بالخصوص، فالأقوى بطلان الصوم، وعدم احتسابه مطلقاً.
سادسها: الأظهر أنّ مَنْ صام اليوم بنيّة أنّه من شهر رمضان عمداً فسد صومه وعليه قضاؤه لمكان النهي(1)الواقع في العبادة وإن كان لشرطها؛ لأنّ المنهيّ عنه لشرطه فاسد، ولما ورد من الأخبار بوجوب قضائه(2)، المعتضدة بفتوى المشهور بل ظاهر الإجماع المنقول(3)وبهما تقوى دلالة الأخبار المتضمّنة لذلك، كالصحيح في يوم الشكّ: «مَنْ صامه قضاه وإن كان كذلك، يعني مَنْ صامه على أنّه من شهر رمضان بغير رؤيةٍ قضاه وإن كان [يوماً] من شهر رمضان؛ لأنّ السنّة جاءت في صيامه على أنّه من شعبان، ومَن خالفها كان عليه القضاء»(4)، والآخَر: في الرجل يصوم [اليوم] الذي يشكّ فيه من رمضان، فقال: «عليه قضاؤه وإن كان كذلك»(5)فإنّه بما ذكرنا من فتوى الأصحاب ومن مجموع روايات الباب يقوى أنّ التتمّة في الصحيح الأوّل من كلام الإمام علیه السّلام لا من الراوي، ولو كانت منه ففهمه يكون ها هنا حجّةً، وأنّ المراد في الصحيح الثاني تعلّق الجارّ(6)بـ «يصوم» لا ب- «يشكّ» وإن كان أقرب للتعلّق.
وأمّا مَنْ صامه جهلاً أو نسياناً ، فظاهر الفتوى والرواية(7)أيضاً فساد صومه.
ويحتمل قويّاً عدمه؛ لانصراف الإطلاق إلى حالة العمد، وتبقى حالة الجهل والنسيان
1) وسائل الشيعة 10 : 21، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم... . ح 4، و 26 - 27، الباب 6 من تلك الأبواب، ح 2، 4.
2) يأتي تخريجها في الهامش (4 و 5).
3) المبسوط 1: 277
4) وسائل الشيعة 10 : 27، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم .... 5، وما بين المعقوفين أضفناء من المصدر.
5) المصدر : 25، ح 1، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
6) أي : قوله : «من رمضان».
7) راجع الهامش (3 و 4).
على القاعدة من أنّه صوم صادف محلّه فيجزئ.
والحكم بالإجزاء في صورة النسيان والجهل في غير يوم الشكّ فيمن نواه من رمضان لمن اعتقد أنّه في شهرٍ آخَر لا شكّ فيه.
سابعها: الأظهر فى البطلان توقّفه على نيّة أنّه من رمضان، وليس البطلان معلّقاً على عدم نيّة أنّه من شعبان، فحينئذٍ فلو أطلق النيّة أو تردّد بعد إحراز القربة، صحّ عمله وأجزاً عن شهر رمضان.
ويظهر من بعض الروايات(1)تخصيص الإجزاء بنيّة أنّه من شعبان. وحملها على إرادة التخلّص من نيّة الرمضانيّة هو الوجه، والاحتياط غير خفيّ.
وأمّا لو نوى الرمضانيّة ولكنّه قرنها بنيّة الندب فالأقوى عدم الإجزاء، لا من جهة عدم نيّة الوجه؛ لعدم وجوبها وعدم البطلان بنيّة خلافها، بل لنيّة رمضان.
ولو أطلق النيّة بين الرمضانيّة والشعبانيّة ونوى الندبيّة، فالأظهر الصحّة والإجزاء عن رمضان، والاحتياط غيرخفيّ.
ولو نوى الوجوب والشعبانيّة أجزأ عن رمضان؛ إذ ليس المانع نيّة الوجوب، كما يظهر من بعضهم(2)، بل المانع نيّة الرمضانيّة، وكذا لو نوى الوجوب وأطلق، أو نوى نوعاً خاصّاً من نذر أو كفّارة أو غيرهما، فإنّ الظاهر من النصّ والفتوى وقوعه عن رمضان قهراً، ولا يتوقّف احتسابه منه إلّا على عدم نيّة أنّه من رمضان.
ثامنها: إذا أصبح يوم الشكّ ناوياً للإفطار، جدّد النيّة إلى الزوال إن لم يتناول شيئاً وبانَ له شهر رمضان، وفاقاً للمشهور بل المجمع عليه، ولفحوى ما دلّ على انعقاد الصوم من المريض والمسافر إذا زال عذرهما قبل الزوال(3).
وربما يستدلّ عليه بصحيحة هشام الدالّة على أنّ مَنْ نوى الصوم قبل الزوال حُسب له يومه(1)، ولكنّها في الموسّع أظهر.
وإن تناول شيئاً أو مضى الزوال ولم يَنْوِ، وجب عليه الإمساك احتراماً للشهر، وقضاه وفاقاً للمشهور.
وتدلّ على الإمساك الأخبارُ الدالّة على تحريم الأكل والشرب في الشهر لغير أهل الأعذار المنصوصة(2)، وعلى فوات محلّ النيّة الأصلُ والقاعدةُ وصحيحةُ هشام، الدالّة على أن مَنْ نوى بعد الزوال حُسب له من الوقت الذي نوى فيه(3)، بحملها على إرادة البطلان مكنّياً عنه باحتسابه من الوقت الذي نواه فيه؛ إذ الصوم لا يجتزّاً ، ولكن حملها على الواجب الموسّع مطلقاً أو الموسّع والمندوب أظهر.
نعم، قد يُستدلّ عليه بمفهوم تجديد النيّة في الموسّع إلى الزوال، فإنّه يدلّ على تجديدها هنا بطريق أولى.
تاسعها: مَن ترك النيّة في يوم الشكّ بعد صومه ندباً ولم ينقلها إلى رمضان، فإن بني على الندب جاءه الإشكال المتقدّم، وإن لم يبنِ على شيء قوي القول بالصحّة، والأحوط البدار إلى نقل نيّته على أنّه من رمضان.
ومَنْ لم يَنْوِ أصلاً في يوم الشكّ ثمّ بان له أنّه من شهر رمضان، وجب عليه النيّة فوراً، وإلّا وجب عليه القضاء؛ للأصل والقاعدة.
وإن نوى فوراً ثمّ عدل عن الصوم حتّى مضى زمان يُعتدّ به، فالأحوط القضاء سيّما إذا عدل عن الصوم واستمرّ على العدول إلى الليل وأمّا إذا عدل إليه بعد عدوله عنه فالأمر فيه أهون، والقضاء أحوط.
وفي جميع هذه الصور لا كفّارة عليه على الأظهر ؛ للأصل، وانصراف أدلّة الكفّارة لغير الفرض.
وهي أُمور:
أحدها : الأكل والشرب عمداً
ويلحق بهما الابتلاع على النحو المعتاد وغيره للمأكول والمشروب المعتاد وغيره، خلافاً للمرتضى(1).
والدليل على تفطير المعتاد الكتابُ(2)والسنّة(3)، والإجماع، وعلى غيره فتوى المشهور، والإجماع المنقول(4)، والاحتياط، وظهور ذلك من مجموع أخبار الصوم مثل ما جاء في الغبار وفي غيره ممّا لا يعتاد(5).
وأمّا الأكل والشرب اضطراراً فإن كان مع بقاء الاختيار كإنقاذ حريقٍ أو إخراج غريقٍ، أو وقع تقيّةً، فهما مفسدان للصوم ولا إثم وإن كانت تقيّة من العامّة؛ لأنّ المتيقّن من إجزاء عمل التقيّة هو ما عمله المتّقي من أعمالهم أو تعبّده من عباداتهم المغايرة لعبادتنا نفسها أو جزئها أو شرطها.
وأمّا ما كان من التروك لعبادتنا أو من الإفساد لها فعلى القاعدة من إيجاب الإتيان بالمأمور به، فمن أفطر قبل هلال الفطر تقيّةً وجب عليه القضاء، ويدلّ على ذلك بعض الروايات(6)أيضاً.
نعم، مَنْ أفطر قبل غروب الحمرة قوي القول بصحّة صومه؛ لأنّه يوم الصوم عندهم والصوم فيه عبادة من عباداتهم، والفتوى به موضوع شرعيّ من موضوعاتهم العامّة، فاتّباعهم فيه يكون مجزئاً، ولكنّ الاحتياط غير خفيّ.
وإن كان مع سلب الاختيار كالملجأ لم يفسد الصوم؛ لما دلّ على رفع القلم عمّا لا يطيقون(7)،
1) جُمل العلم والعمل : 96.
2) البقرة ( 2 ) : 187
3) وسائل الشيعة 10 : 31 و 111، الباب 1 و 42 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
4) تذكرة الفقهاء 6 : 21 ، الفصل الثاني فيما يمسك عنه الصائم.
5) وسائل الشيعة 69:10 - 70، الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 1.
6) المصدر : 132، الباب 57 من أبواب ما يمك عنه الصائم... . ح 5.
7) المصدر 15 : 369، الباب 56 من أبواب جهاد النفس. ... ح 1.
ولفتوى الأصحاب، ولاستصحاب صحّة الصوم، وللشكّ في شمول أدلّة المفطرات لمثله، بل القول بعدم الإفطار للخوف مطلقاً حتّى من غير العامّة قويّ، ونُسب(1)للأكثر، إلّا أنّ الاحتياط بخلافه وإن نُسب(2)للمشهور.
وأمّا الأكل والشرب لنسيان الصوم أو للسهو عن الأكل والشرب وإن ذكر الصوم، فغير مفسد؛ للأخبار(3)، وفتوى الأصحاب، وعمومات رفع القلم عمّا لا يعلمون(4). نعم، لو ذكر الصوم فظنّه ندباً أو ظنّه واجباً موسّعاً يصحّ نقضه فأكل، أو نسي أنّ حكم ذلك الصوم الإمساك عن الأكل والشرب - وإن ذكر الصوم - وتعمّد فعلهما، فإنّه في جميع لا يخلو المقام من إشكالٍ من جهة شمول إطلاقات المفطرات لذلك، ومن ظهور شمول ما جاء في الناسي له لإطلاق قوله علیه السّلام : «مَنْ صام فنسي فأكل أو شرب»(5)ولترك الاستفصال بعد السؤال عن الناسي والجواب بأنّه «لا يفطر»(6).
والأظهر الأوّل؛ لظهور إرادة ناسي الصوم من لفظ «الناسي» دون غيره.
وأمّا الأكل والشرب جهلاً بالموضوع أو بالحكم فكالعامد في وجوب القضاء؛ لإطلاق الأخبار(7)، ولا تجب الكفّارة عليه للشكّ في شمول أدلّة الكفّارة لمثله، ولما ورد عن أبي بصير أنّه لا شيء عليه(8).
والأخبار الدالّة على الكفّارة(9)ظاهرة في العالم؛ لورودها في المتعمّد، فهي إمّا ظاهرة الجاهل مطلقاً، أو في خصوص ترتّب الكفّارة عليه.
وورود الأمر بالقضاء معها لا يلزم منه أنّ حكمه حكمها؛ لاستناد القضاء إلى أنّ عدم.
1) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 325.
2) الناسب هو البحراني في الحدائق الناضرة 13 : 68.
3) وسائل الشيعة 10 : 50 - 53، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 1، 5 - 10.
4) راجع الهامش (7) من ص 266.
5) وسائل الشيعة 10 : 52، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 9.
6) المصدر : 50، ح 1.
7) المراد منها الأخبار الدالة على القضاء عند عروض أحد الأسباب المقتضية لفساد الأداء، ومنها : ما في وسائل الشيعة 10 : 33 - 34، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ج 1، 3 و 87 ، الباب 29 من تلك الأبواب، ح 3.
8) المصدر : 53، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 12.
9) المصدر : 39 و 44 و 53 الأبواب 4. 1008 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
الإتيان بالمأمور به على وجهه موجب لقضائه، وها هنا كذلك.
والاحتياط يقضي بالكفّارة؛ لإطلاق كثير من الأخبار(1)بإيجابها، ولقوّة احتمال شمول المتعمّد للجاهل بالحكم أيضاً.
وما ورد من أنّ مَن ارتكب أمراً بجهالةٍ فلا شيء عليه(2)، وأنّه معذور(3).
وإدخال المأكول والمشروب ونحوهما للجوف من غير الفم من المنافذ الخلقيّة لا بأس به مع عدم قصد إيصالهما إلى الجوف، ومع قصد إيصالهما لا يبعد الحكم بالإفطار سيّما الأنف.
وإدخالهما من جرحٍ أو طعنةٍ بذلك القصد مشكل، والأحوط تركه؛ لأنّ المفهوم من أخبار الصوم هو إرادة الشارع الإمساك وخلوّ الجوف، لا مجرّد عدم ما يُسمّى أكلاً وشرباً.
ولا بأس بابتلاع الريق والبلغم النازل من الدماغ والخارج من الصدر؛ للسيرة، وأدلّة نفي العسر والحرج(4).
ولو دار الأمر بين قطع الصلاة أو الصوم فإن كان الوقت موسّعاً للصلاة مضيّقاً للصوم قدّم الصوم، وإن كان الوقت مضيّقاً لهما أو موسّعاً كذلك أو مضيّقاً للصلاة دون الصوم قدّم الصلاة؛ لزيادة الاهتمام.
ومَنْ شكّ في أنّه صام أم لا فأكل بناءً على أصالة العدم، فذكر أنّه كان ناوياً للصوم، قوي القول بالصحّة، ولو أكل عازماً على الأكل والإفطار وإن كان صائماً، قوي القول بالفساد.
ومَنْ ابتلع ريقه المنفصل فَعَل حراماً؛ لأنّه خبيث، ولأنّه مفطر.
ومن امتصّ ريق غيره فابتلعه فكذلك؛ للعمومات، وفتوى الأصحاب.
وما ورد من الأخبار(5)الدالّة على ابتلاع ريق النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أو الإمام علیه السّلام فهو من خصائصهم للاستشفاء ونحوه
1) منها: ما في وسائل الشيعة 48:10، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 9، و 54، الباب 10 من تلك الأبواب، ح 2.
2) المصدر : 248، الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 1.
3) الظاهر أن مكان قوله : « وما ورد... معذور » قبل قوله : « والاحتياط يقضي...».
4) البقرة (2) : 185: الحج (22) : 78
5) وسائل الشيعة 25 : 218 و 219، الباب 131 من أبواب الأطعمة المباحة، ح 1، 4.
وما ورد من جواز امتصاص ريق أحد الزوجين للآخَر وهو صائم(1)، محمول على عدم الابتلاع.
وما ورد من نفي البأس عمّن قبّل بنتاً وهو صائم فدخل في جوفه من ريقها(2)، محمول على الاضطرار.
وأجاز بعض أصحابنا(3)ابتلاع ريق الغير؛ لهذه الأخبار، ولم يفطّر المستعمل له، وأجاز ابتلاع فضلات الإنسان نفسه بعد انفصالها؛ لما ورد عن عليّ بن الحسين علیهما السّلام أنّه يأكل ما يبتلّ من دموعه(4).
وهو ضعيف؛ لإعراض الأصحاب عنه، ومخالفته عمومات الكتاب والسنّة.
نعم، الرطوبات الجزئيّة الحاصلة من الإنسان أو من غيره على الطعام الذي لا ينفكّ عنه الإنسان غالباً لا بأس به؛ للسيرة، وأدلّة نفي العسر والحرج(5).
ومَنْ أدخل شيئاً مستطيلاً إلى جوفه أفطر وإن بقي طرفه في الفم أو خارجه.
ومَن ابتلع ما تخلّف في الفم من المطعوم أو ابتلع ما خرج من المعدة إلى الفم أفطر، وربما فَعَل حراماً ؛ لكونه خبيثاً .
وفيه رواية مهجورة دالّة على الجواز وعدم التفطير(6)، أو محمولة على السهو والاضطرار.
ولا عبرة بالطعم إذا لم تدخل للجوف أجزاء، ولا بمضغ العلك إذا كان كذلك. والمدار في التفطير على الدخول في الجوف وصدق الابتلاع عرفاً، والأظهر أنّ مبدأه أقصى الحلق، والأحوط أنّ مبدأه ما خرج عمّا دار اسم الفم - الجامع للّسان واللهاة والأسنان - عليه.
ثانيها : الجنابة
عمداً في النهار اختياراً بالإنزال إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(1)، والأخبار الخاصّة دالّة عليه، كالصحاح المتكثّرة الدالّة على أنّ مَنْ أمنى كمن يجامع عليه الكفّارة(2)، وبالجماع في القُبُل إجماعاً وكتاباً(3)وسنّةٌ(4)، وفي دُبُر الامرأة كذلك ؛ لعموم النهي عن المباشرة(5)، وعن النساء(6)، الشامل لوطئهنّ في القُبُل والدُّبُر، وعن الجماع (7)الشامل للجماع قُبُلاً ودُبُراً، ولفتوى الأصحاب، والإجماعات المنقولة(8)في الباب ولحصول الجنابة به وهي موجبة للإفطار، فقد ورد أنّه أحد المأتيّين ويوجب الغسل(9).
ولا فرق بين الواطئ والموطوءة؛ للإجماع على عدم الفصل.
وما ورد في الخبرين من أنّ الامرأة لا ينقض صومها الوطء في الدُبُر ولا يوجب عليها غسلاً(10)، مطرح أو محمول على عدم الإيقاب.
والأقوى والأظهر إلحاق وطء الغلام فاعلاً أو مفعولاً، ووطء البهيمة إذا كانت مفعولة، لا إذا كانت فاعلة، كما يتّفق لبعض النساء بالجماع أيضاً؛ للإجماع المنقول (11)المؤيَّد بفتوى المشهور، ولإيجابهما الجنابة والغسل، وكلّ ما أوجب الجنابة والغسل أوجب الإفطار.
أمّا الصغرى: فللإجماع المنقول (12)وفتوى الفحول، وفحوى قوله علیه السلام : «أتوجبون عليه الحدّ والرجم ولا توجبون عليه صاعاً من ماء !؟(13).
1) مدارك الأحكام 6 : 61.
2) وسائل الشيعة 10 : 39 ، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
3) البقرة (2) : 187
4) وسائل الشيعة 10 : 31 الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 1.
5) راجع الهامش (1)
6) راجع الهامش (2).
7) راجع وسائل الشيعة 10 : 34 الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... و 39 ، الباب 4 من تلك الأبواب، ج 1، 2.
8) الخلاف 2 : 190، المسألة 41 الوسيلة : 142؛ مدارك الأحكام 6 : 44.
9) وسائل الشيعة 2 : 200، الباب 12 من أبواب الجنابة، ح 1.
10) المصدر : 200 - 201، ج 3 وذيله.
11) الخلاف 2 : 190 و 191، المسألتان 41 و 42.
12) مختلف الشيعة 1 : 166، ذيل المسألة 110.
13) وسائل الشيعة 2 : 184، الباب 6 من أبواب الجنابة، ح 5.
وأمّا الكبرى: فلما يظهر من أخبار الصوم أنّ الأمر يدور مدار الجنابة وأنّهما متلازمان، ولدخوله تحت الجماع المشبّه به الإنزال، ولظاهر الاتّفاق على التلازم بين إيجاب الغسل والقضاء والكفّارة.
وكلّ سببٍ يعتاد نزول المنيّ عند فعله غالباً عند عامّة الناس - كالمسّ والتقبيل والملاعبة والضمّ - فهو من العمد، وإن لم يعتد مطلقاً أو لم يعتد للشخص نفسه، فإن فعل بقصد الإنزال فهو من العمد، وإلّا فلا وتشعر بذلك الأخبار(1).
ثالثها: الكذب على الله تعالى ورسوله والأئمّة علیهم السّلام
للأخبار(2)المعتبرة بفتوى المشهور نقلاً(3)أو تحصيلاً، وللإجماع المنقول(4)، وللاحتياط فيما شكّ في مانعيّته من جعله مانعاً. وضعف الأخبار سنداً ومتناً - لاشتمالها على أنّ الكذب ناقض للوضوء(5)- مجبور بما قدّمناه، وبها يخصص عموم الصحيح: «لا يضرّ الصائم إذا اجتنب أربعاً»(6).
وهل تلحق التورية بالكذب؟ وجهان، أقواهما: الإلحاق؛ لسريان جميع أحكام الكذب إليها.
وهل يشترط في الإفساد عدم نسيان صومه أم لا؟ وجهان، أقواهما: عدم الاشتراط؛ لإطلاق الأخبار(7)ولإقدامه على المحرَّم ، فليس حكمه حكم باقي المفطرات.
وفي الاشتراط قوّة؛ لعموم أنّ مَنْ تناول المفطر نسياناً فلا شيء عليه(8).
نعم، لو لم يتعمّد الكذب فصدر منه سهواً أو جهلاً فلا بأس؛ لانصراف الأخبار(9)إلى العمد.
1) راجع وسائل الشيعة 10 : 97 و 98 و 100 ، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 3،1، 13،6.
2) المصدر : 33 - 34 ، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 1، 2، 4، 7،6.
3) الدروس الشرعيّة 1 : 274
4) الانتصار : : 184 - 185، المسألة 2؛ غنية النزوع 1: 138.
5) وسائل الشيعة 10: 33 و 34 الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم...، ج 2، 7.
6) المصدر : 31 الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم...، ، ح 1وذيله.
7) راجع الهامش (1).
8) راجع وسائل الشيعة 10 : 50. الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
9) راجع الهامش (1).
وهل المفطر الكذب عليهم في الأحكام الشرعيّة فقط، أو مطلقاً؟ وجهان، أقواهما:
الإطلاق حتّى في الأحكام العاديّة، والأقوى الشمول للمدح والثناء أو غيره.
وهل الحكم يشمل الزهراء صلوات الله عليها، أم لا؟ وجهان، أقواهما الشمول؛ لاشتراكها معهم في جُلّ الأحكام.
وهل يشمل باقي الأنبياء والأوصياء والملائكة؟ وجهان، أحوطهما: الشمول.
وهل يشمل الكذب عليهم الفتوى والقضاء؟ وجهان أقواهما: الشمول؛ لظهور إخبار المفتي عن الله بظنّه لا الإخبار عن ظنّه.
وقد يقال بالتفصيل بين أن يقول: هذا كذا، وبين أن يقول: بظنّي كذا، فيدخل الأوّل في الكذب عليهم دون الثاني.
ولو أخبر صادقاً أو كاذباً سابقاً فقال في النهار : كذبت في الصادق، أو صدقت في الكاذب، أو قال: «نعم» في جواب مَن استفهم عنه أمراً لم يكن أو أبرز الخبر بصورة الإنشاء، أو أخبر عن الإمام علیه السّلام بواسطةٍ لم يصدر منه الخبر، كان كلّه كذباً.
ولو أخبره غيره بخبر كاذب، فإن أخبر به من دون إسنادٍ كان كذباً، وإن أسنده لم يكن كذباً ما لم يصدّقه.
والأظهر إلحاق الإشارة والكتابة بالقول سيّما إذا كان لشخصٍ خاصّ، ولو كانت الكتابة عامّةً كتصنيفٍ وشبهه، فالأقوى ذلك.
والكاذب سهواً يجب عليه أن يبيّن كذبه، ولكنّه لا يفطر إذا لم يبيّنه.
ولو أخبر غير مَنْ يعقل فإن قصد إسماع مَنْ يعقل جرى عليه حكم الكذب، وإلّا فلا.
ومَنْ أفتى وهو من غير أهل الفتوى، فلا يبعد إلحاقه بالكذب.
والإخبار عن المظنون فيما ليس الظنّ طريقه بطريق الجزم كذب ، وكذا المشكوك به والموهوم.
رابعها : الارتماس عمداً
للرأس فقط أو لكلّ البدن معه دون أبعاضه الباقية غير الرأس، في زمنٍ واحد دون أزمنةٍ متعاقبة في الماء المطلق، ويقوى إلحاق المضاف دون سائر المائعات.
وهو محرَّم على الصائم؛ للأخبار الناهية عنه(1)المنجبرة بفتوى الفحول، والإجماع المنقول(2)، والاحتياط، فلا يعارضها ما دلّ على الكراهة(3)لضعفه سنداً ودلالةً، فلا بدّ من طرحه أو حمله على التقيّة.
وهو مفسد للصوم؛ لأنّ النهي عن فعلٍ في العبادة يقضي بالمانعيّة والإفساد، كما هو المعروف من استقراء الأخبار وكلام الأخيار، فيُفهم حينئذٍ من النواهي أنّ التحريم لمكان الإفساد لا للتعبّد أو لغرضٍ آخَر فليس للارتماس خصوصيّة في التحريم غير أنّه مفطر کسائر المفطرات، فيضمّن النهي معنى الإرشاد إلى المانعيّة وإلى تحريمه؛ لأنّه مبطل للصوم.
ويدلّ على إبطاله للصوم أصالة مانعيّة ما شكّ في مانعيّنه، ورواية الخصال(4)، والفقه الرضوي(5)الدالّتين على أنّه مفطر، المجبورتين بفتوى المشهور نقلاً(6)أو تحصيلاً، وبالإجماع المنقول(7)عن لسان الفحول، وبمفهوم الصحيح: «لا يضرّ الصائم إذا اجتنب أربعاً»(8)، وعدّ منها الارتماس، والمتبادر من ثبوت الضرر بمفهومه هو إفساد الصوم لا مجرّد التحريم، سيّما مع تعليقه على وصف الصائم المشعر بالعلّية.
ولا يعارض ما ذكرنا ما ورد من نفي القضاء عن المرتمس(9)لضعفه عن المقاومة، فلا بدّ من حمله على ارتماس البدن عدا الرأس، أو طرحه، أو حمله على التقيّة.
وبما ذكرنا ظهر ضعف مذهب مَنْ ذهب إلى الكراهة(10)، أو ذهب إلى التحريم دون الإفطار(11).
1) وسائل الشيعة 10 : 35 - 38، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 1، 2، 6،4 - 8.
2) جواهر الكلام 16 : 227
3) وسائل الشيعة 10 : 38 ، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 9.
4) الخصال : 286، باب الخمسة، ح 39.
5) الفقه المنسوب للإمام الرضاعة : 207.
6) الدروس الشرعيّة 1 : 274
7) الانتصار : 184 - 185 المسألة 82؛ الخلاف 2 : 221، المسألة 85
8) راجع الهامش (6) من ص 271
9) وسائل الشيعة 10: 43، الباب 6 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 1.
10) هي أحد قولي السيد المرتضى على ما في المعتبر 2 : 656.
11) هو قول الشيخ الطوسي في الاستبصار 2 : 85، ذيل الحديث 263.
نعم، بعد الحكم بالتحريم والإفساد فهل يوجب القضاء فقط، أو هو مع الكفّارة؟ قولان، أقواهما: الثاني، كما سيأتي(1)إن شاء الله تعالى.
ويراد بالرأس هنا العرفي، والرقبة ليست منه؛ لأنّ دخولها فيه في الغسل إنّما جاء من قرينة التثليث.
وليس المنع منه من جهة الاحتراز من دخول الماء في المنافذ؛ لإطلاق الفتوى والرواية(2)، فلو سدّ المنافذ وأدخل الرأس جرى عليه حكم الارتماس، ولو رمس المنافذ دون منابت الشعر لم يجر عليه حكم الارتماس.
ولو أدخل رأسه أو كلّه في ظرفٍ فصار في الماء، فإن كان واسعاً لم يصدق عليه الارتماس عرفاً ولم يضرّ، وإن كان ضيّقاً متّصلاً بالبدن فالأحوط إجراء حكم الارتماس عليه.
واستدامة الارتماس كابتدائه مفسدة.
ومَنْ نسي فارتمس صحّ غسله وصومه، ومَنْ تعمّد فسدا معاً؛ لمكان النهي(3)، إلّا إذا نوى الغسل بإخراج نفسه من الماء إذا تحقّق الغسل بذلك.
والمرتمس جاهلاً بحكم الارتماس يفسد صومه، وهل يفسد غسله؟ وجهان، ولا يبعد عدم فساده.
ولو ارتمس في مغصوبٍ عالماً بالغصب ناسياً للصوم، فسد الغسل دون الصوم.
ولو ارتمس في صوم نافلةٍ، بطل صومه ولا إثم؛ لأنّ النهي عن الارتماس لمكان إفساد الصوم، والأحوط في المندوب ترك الإفطار به.
خامسها : إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق - وهو أقصى الفم -
سواء ابتلعه حتّى دخل إلى المعدة أم لا.
والمراد بإيصاله إدخاله عمداً عند حصوله بحيث لا يتوقّى منه، أو عمل ما يبعث على دخوله من كنس أو نسف(4)أو حفر أو غير ذلك من دون توقّي منه.
والمراد بالغليظ ما أُطلق عليه الغليظ عرفاً، سواء كان من ترابٍ أو من دقيقٍ أو من نورةٍ أو جصٍّ أو غير ذلك.
ولمّا كان الحكم بالتفطير ها هنا على خلاف ما جرت عليه السيرة، ودلّ عليه نفي العسر والحرج(1)، ونطقت به الصحيحة من حصر المفطرات في أربع(2)، وما دلّ على نفي البأس عن دخول الغبار في حلق الصائم في الموثق(3)، وما دلّ على عدم الإفطار بدخول الذباب في حلق الصائم؛ لأنّه ليس بطعام(4)، وجب الاقتصار على ما أفتى به المشهور ونُقل عليه الإجماع (5)من الغبار الغليظ دون الخفيف والرواية(6)وإن كانت مطلقةً لكنّه یجب تقييدها بما ذكرنا، كما أفتى جملة من الأصحاب(7)، ويؤيّده أيضاً عسر التحرّز عن الخفيف.
ووجب الاقتصار على ما يُسمّى غباراً دون ما يُسمّى دخاناً أو بخاراً وإن كان بجذبٍ، كما يستعمل الآن في شرب دخان التنباك، وعلى ما يكون بعملٍ اختياريّ من فعلٍ أو انفعالٍ دون ما يحدثه الهواء لنفسه ولم يكن متناولاً له بفمه.
ولا بدّ فيه من حصول العلم بدخوله إلى الحلق، وهو ما بعد الفم، ولا يتوقّف على إيصاله إلى المعدة؛ لأنّ الظاهر من كثير من الأخبار وكلام الأخيار أنّ المفطرات يدور أمرها مدار الوصول إلى الجوف ومدار الابتلاع ومدار الازدراد، ولا يتوقّف الإفطار بها على وصولها للمعدة، كما هو المعتاد في الأكل.
والأحوط أنّ إيصال الغبار الغليظ من الأنف بمنزلة إيصاله من الفم؛ لإطلاق الرواية(8).
1) راجع الهامش (4) من ص 268.
2) وسائل الشيعة 10 : 31 ، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 1.
3) المصدر : 70، الباب 22 من أبواب ما يمسك عنها ه الصائم... . ح 2.
4) المصدر : 109، الباب 39 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 2.
5) رياض المسائل 5 : 311 - 312
6) وسائل الشيعة 69:10 - 70 ، الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 1.
7) منهم : الشيخ الطوسي في الجُمل والعقود (ضمن الرسائل العشر ) : 212؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 273 المسألة 26؛ والسيوري في التنقيح الرائع 1 : 357 - 358.
8) راجع الهامش (6).
سادسها : البقاء على الجنابة عامداً إلى الفجر
للإجماع المنقول(1)، وفتوى الفحول والاحتياط، والأخبار(2)الخاصّة الواردة في وجوب قضاء اليوم الذي أصبح به جنباً في شهر رمضان الواردة في متعمد الترك، سواء كان متيقّضاً عند الفجر أو نائماً إذا استند النوم إلى تعمّده، والواردة في عدم صحّة صوم القاضي عن شهر رمضان إذا أصبح جنباً، ولقاعدة الحكم في المانعيّة عند الشكّ فيها.
فلا يعارض ذلك ما ذهب إليه الصدوق رحمه الله من الجواز(3)استناداً لإطلاق الآية(4)الدالّة على جواز المباشرة إلى الفجر، ولو لم يجز الإصباح جنباً لوجب الاجتناب في جزءٍ من الليل، وللروايات الدالّة على أنّ مَنْ أصبح جنباً لا شيء عليه، وأنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم كان يفعل ذلك(5)لوجوب تقييد الآية بما ذكرنا إن لم نناقش في الملازمة بين عدم جواز الإصباح جنباً لمن أجنب في الليل، وبين عدم جواز الوطء في وقتٍ لا يمكن فيه الغسل؛ لإمكان القول بالأوّل دون الثاني، ولوجوب طرح الأخبار أو حملها على التقيّة؛ لموافقتها لفتوى العامّة، ولإسنادها من الإمام علیه السّلام العائشة في بعضها(6)، ولشذوذها ولبُعدها عن منصب الرسالة والعصمة، ولأنّ في بعضها ما يدلّ على أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يجنب ولا يغتسل من أوّل الليل(7)، وهو منافٍ لوجوب صلاة الليل عليه، وفي بعضها جواز الجنابة والنوم(8)، وهو أعمّ من الإصباح جنباً عمداً، بطل العمل بها، وامتنع الأخذ بظاهرها وتقديمها على معارضها، على أنّ في النهي عن الجنابة للصائم وتفطيرها إيّاه ما يؤذن بحرمة البقاء عليها.
1) الانتصار : 185 - 186، المسألة 83؛ الخلاف 2 : 176، المسألة 15؛ غنية النزوع 1: 138.
2) وسائل الشيعة 10: 63 - 64، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 1 - 4 ، و 67، الباب 69 من تلك الأبواب.
3) المقنع : 189.
4) البقرة (2) : 187
5) وسائل الشيعة 10 : 57، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... و 64، الباب 16 من تلك الأبواب، ح 5.
6) المصدر : 59 الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 6.
7) المصدر : 57 - 58 ح 3.
8) المصدر : 57 - 59، ج 1، 2، 7، 8.
فوائد:
الأُولى: الأظهر والأشهر أنّ البقاء على الجنابة مفطر للصوم مطلقاً، وليس لشهر رمضان فيه خصوصيّة، والأخبار الواردة في السؤال عنه(1)الغلبة وقوع الجنابة فيه ووفور الدواعي إلى السؤال عن أحكامه، لا لخصوصيّته، والشكّ في المانعيّة يقضي بالمانعيّة على الإطلاق، والظاهر من الأخبار في كتب العبادات أنّ ما جاء لبيان الشرطيّة والمانعيّة يراد به بيان شرطيّة أصل طبيعة العبادة موسّعها ومضيّقها، بل واجبها ومندوبها وإن وقع السؤال فيها عن خصوصيّة فردٍ خاصّ ووقع الجواب كذلك.
وفتوى المشهور وعمل الجمهور ممّا يدلّ على ذلك أيضاً، وخصوص ما جاء في قضاء شهر رمضان من أنّ الإصباح جنباً عمداً يوجب الإفطار(2)يدلّ على ذلك؛ إذ لم نر فرقاً بين الموسّعات في جميع الأحكام بالنسبة إلى جميع أقسام الصيام.
نعم، وردت في المندوب أخبار دالّة على جوازه مع الإصباح جنباً(3)، وأفتى به جمع من الأصحاب(4)، ويؤيّدها كثرة التسامح في أحكام المستحبّ في أبواب العبادات، فالقول به و تخصيص قاعدة الاشتراك في الحكم في هذا الفرد الخاصّ بالنسبة إلى المندوب وجه قويّ لا يبعد البناء عليه، ولكنّ الاحتياط لا يخفى.
الثانية: تعمّد الجنابة عند ضيق الوقت عن الغسل أو التيمّم بمنزلة مَنْ أصبح جنباً عمداً؛ لصدق أنّه أصبح جنباً عمداً، بل الحكم بالإفساد فيه أولى.
الثالثة: مَنْ ترك الغسل عمداً حتّى ضاق الوقت عنه وجب عليه التيمّم؛ لمكان الضيق على الأظهر، فإن تيمّم صحّ صومه في وجهٍ قويّ، والاحتياط يقضي بالقضاء. وإن لم يتيمّم دخل في عنوان مَنْ أصبح جنباً عمداً، ومثل ذلك مَنْ أجنب في وقتٍ يضيق عن الغسل وأمكنه التيمّم.
ويجب على المتيمّم بقاؤه مستيقظاً حتّى يصادف الفجر.
الرابعة: مَنْ بنى على الغسل فنام فغلبته النومة إلى الفجر، أو استصحب بقاء الليل مع المراعاة حتّى طلع الفجر، أو لم يخطر بباله الغسل فنام إلى الفجر، أو خطر بباله ولكنّه تردّد فيه إلى أن رأى الوقت مضيّقاً، أو تردّد فيه فنام حتّى طلع الفجر، صحّ صومه المضيّق، على إشكالٍ في الأخيرين، وبطل في الموسّع.
أمّا الأوّل: فللأخبار المقيّدة بالتعمّد(1)، المقيدة لإطلاق الأخبار الأُخَر الآمرة بالقضاء، أو القضاء والكفّارة على مَنْ أصبح جنباً(2).
وأمّا الثاني: فللأخبار الواردة في لزوم ترك صيام اليوم الذي أصبح فيه جنباً، وعدم صحّة وقوعه قضاء(3)مطلقاً عمداً أو غير عمدٍ.
وأمّا مَنْ نسي فنام حتّى أصبح فعليه القضاء؛ لعموم الأخبار(4).
الخامسة: مَنْ نسي الغسل حتّى أصبح ولم يبقَ له وقتٌ للتيمّم، لم يجز له الصيام في الموسّع، ووجب عليه القضاء في المضيّق، سواء نسي ونام، أو نسي وبقي جالساً، أو نسي فنام فانتبه ناسياً فنام وهكذا؛ للأصل، والاحتياط، والأخبار الآمرة بقضاء الصلاة والصوم لمن نسي الغسل للجنابة(5).
السادسة: مَنْ عزم على الغسل فنام فانتبه فنام بطل صومه ووجب عليه القضاء؛ للاحتياط، وفتوى الأصحاب، وأخبار الباب.
ومنها: الصحيح: في الرجل ينام ثمّ يستيقظ ثمّ ينام حتّى يصبح: «يتمّ يومه ويقضي يوماً آخَر»(6).
وفي آخَر: استيقظ ثمّ نام حتّى أصبح قال: «يقضي ذلك اليوم عقوبة»(7).
ولهذه الرواية حرّم بعضُهم(8)النومَ للمجنب بعد الاستيقاظ؛ لأنّ العقوبة تكون على الذنب.
1) وسائل الشيعة 10 : 62 الباب 15 من أبواب ما يمك عنه الصائم... . ح 4، و 63، الباب 16 من تلك الأبواب، ح 1.
2) المصدر : 62، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ... ، ح 5،3، و 63 - 64 ، الباب 16 من تلك الأبواب، ح 3، 4.
3) المصدر : 67، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
4) المصدر : 65 ، الباب 17 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، و 237، الباب 30 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم.
5) نفس المصدر.
6) المصدر : 61 - 62 ، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 2.
7) المصدر : 61. ح 1.
8) الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 2 : 18
وفيه: أنّ العقوبة قد تكون على ترك الأولى، وهو الظاهر ها هنا، كما عليه الأصحاب، والأصل قاضٍ بها.
ولا يتفاوت الحكم ها هنا بين العازم على الغسل وبين ناسيه. نعم، في المتردّد بالنسبة إلى الكفّارة إشكال.
السابعة: مَنْ أجنب فنام فانتبه فنام فانتبه فنام وجب عليه القضاء قطعاً؛ لدلالة الأخبار الدالّة على وجوبه على ذي النومتين حتّى يصبح عليه(1).
وأوجب جمعٌ من أصحابنا(2)على مَن انتبه بعد نومتين فنام القضاءَ والكفّارة، سواء كان عازماً على الغسل، أو متردّداً فيه، أو عازماً على العدم.
وهو مسلّم في الأخيرة، ومشكل في الوسطى والأولى، سيّما إذا كان ناسياً، إلّا أنّه قد نُسب(3)للمشهور ونُقل عليه الإجماع(4)، فإن ثبت ذلك حُكم بها، وإلّا فليس في الأخبار دليل عليه سوى ما استدلّوا به من النصوص الدالّة على لزوم الكفّارة بالبقاء على الجنابة(5)، وهي مع ضعف سند أكثرها، وظهور غير الضعيف في المتعمّد على البقاء ليس فيها إشعار بهذا مع التفصيل، وحملها على ذلك فرع فهم ذلك منها، وهو ممنوع.
وعلى القول بوجوب الكفّارة يلزم منه تحريم النومة الثالثة للمجنب، وهو أحوط.
والظاهر خروج الناسي من حكم المشهور في وجوب الكفّارة.
الثامنة: يظهر من بعضهم(6)تحريم النومة الأُولى مطلقاً بعد الجنابة وترتّب القضاء عليها؛ أخذاً بإطلاق الأخبار الدالّة على وجوب القضاء على مَنْ نام بعد الجنابة إلى الفجر(7)، ورواية إبراهيم الدالّة على النهي عن النوم ساعة واحدة قبل الغسل على مَنْ أجنب ليلاً(8).
1) وسائل الشيعة 10 : 61 ، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
2) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 347؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 154؛ والمبسوط 1 : 270 - 271؛ والخلاف 2 : 222، المسألة 87؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1: 138.
3) الناسب هو المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1 : 173
4) الخلاف 2 : 222، المسألة 87؛ غنية النزوع 1: 138.
5) وسائل الشيعة 10: 63 - 64، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 2 - 4.
6) راجع المعتبر 2 : 655.
7) وسائل الشيعة 10: 62 ، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 4، 5، و 63 ، الباب 16 من تلك الأبواب، ح 1.
8) المصدر : 64، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 4.
وهو ضعيف؛ لأنّ المطلق محمول على المقيّد بالعمد، بل لا يبعد عدم تحريم النومة الأُولى حتّى مع العزم على ترك الغسل؛ لتوجّه النهي إليه دون نفس النوم.
ويظهر من آخرين(1)أنّ جواز النوم وعدم ترتّب القضاء عليه مشروط بالعزم على الغسل، فلو تردّد أو لم يَنوِ الغسل وجب عليه القضاء؛ لإطلاق الأخبار الدالّة على وجوب القضاء على مَنْ أصبح جنباً بعد نومه(2)بقولٍ مطلق، خرج منه العازم على الغسل وبقي الباقي.
وفيه: أنّ إطلاق هذه الأخبار معارض أوّلاً بإطلاق الأخبار الأُخَر النافية للقضاء(3)
وغاية ما يخرج منها المتعمد، فيبقى الباقي.
وثانياً : أنّ إطلاق هذه الأخبار يمكن أن يقيّد بأخبار المرّتين(4)، أو أخبار العمد(5)، والمطلق يجب حمله على المقيّد.
ودعوى أنّ العمد المذكور في الأخبار يُراد به تعمّد النوم دون تعمّد ترك الغسل، خلاف الظاهر، بل الظاهر إرادة تعمّد ترك الغسل؛ لأنّه لا يحسن في السياق أن يقال: فلان تعمّد النوم أو سها عنه.
التاسعة: مَنْ أجنب في النهار نسياناً أو اضطراراً - ومنه الاحتلام - لم يفسد صومه؛ للإجماع، والأخبار(6)، وكلام الأخيار. ولا يجب عليه البدار، ويجوز له النوم جنباً كما يظهر من فتوى الأصحاب، حتّى أنّ العلّامة رحمه الله قال: لم نر في ذلك مخالفاً(7).
وفي رواية العيص: جواز النوم للمحتلم مطلقاً(8)، فيشمل المحتلم نهاراً.
وفي روايةٍ أُخرى: النهي عن النوم للمحتلم نهاراً(9).
1) راجع المختصر النافع : 129؛ ومفاتيح الشرائع 1 : 248، مفتاح 276.
2) وسائل الشيعة 10 : 61 ، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
3) المصدر : 57، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
4) راجع الهامش (1) من ص 279
5) وسائل الشيعة 10 : 62 ، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 4 ، و 63، الباب 16 من تلك الأبواب، ح 1.
6) المصدر : 51 و 53 الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 2، 4، 11، و 103، الباب 35 من تلك الأبواب.
7) منتهى المطلب 9 79
8) وسائل الشيعة 10 : 103 ، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 3.
9) المصدر : 0104 ح 5.
ونُسب(1)للأصحاب حملها على الكراهة وهو الأظهر، إلّا أنّ الاحتياط في البدار. ومَن احتلم فبقي نائماً بعد احتلامه ثمّ استيقظ ثمّ نام، فهل تحسب الأخيرة نومة ثانية، أو هي الأولى؟ وجهان، أقواهما: احتسابها أولى؛ لعدم صدق أنّه أجنب فنام على المحتلم النائم إذا توسّط احتلامه نومه.
ومَنْ علم أنّه إذا نام يحتلم فقصد الاحتلام، ففي صحّة صومه إشكال، وكذا كلّ مَنْ أوقع نفسه اضطراراً فتناول المفطر في حالة اضطراره.
العاشرة: البقاء على حدث الحيض عمداً كالبقاء على حدث الجنابة؛ للاحتياط، ولأنّه أقوى.
وللموثّق: فيمن طهرت من حيضها وتوانت عن الغسل حتّى أصبحت في شهر رمضان: «عليها قضاء ذلك اليوم»(2).
ومثله البقاء على حدث النفاس؛ لأنّه حيض في المعنى.
الحادية عشرة: ترك المستحاضة ما يجب عليها من الأغسال النهاريّة كلاً أو بعضاً مفسد لصومها؛ للصحيح الدالّ على أن مَنْ أخلّت بما يجب عليها من الأغسال قضت صومها(3).
ولا يقدح كونها مكاتبةً وكونها مشتملةً على ما لا يقوله الأصحاب من عدم قضاء صلاتها، بعد فتوى الأصحاب بمضمون ما قلنا وموافقة الاحتياط.
والأظهر عدم توقّف الصوم على الوضوءات اللازمة مع الأغسال، كما أنّه لا يتوقّف على الوضوءات المجرّدة في الاستحاضة الصغرى.
والأظهر أيضاً: عدم وجوب تقديم غسل صلاة الصبح عليه، بل يجزئ وإن أخّرته؛ أخذاً بإطلاق الرواية(4)ولو عصت فأخّرت صلاة الصبح عن طلوع الشمس فاغتسلت وقضتها، ففي صحّة صومها إشكال، ولا يبعد الفساد.
وهل يتوقّف صوم اليوم الآتي على غسل العشاءين من الليلة الماضية، أو غسلهما من الليلة المستقبلة، أو لا يتوقّف على شيء منهما، أو يتوقّف على غسل الليلة الماضية إن لم تُقدّم
غسلَ صلاة الصبح على الفجر، وإلّا فلا يتوقّف؟ وجوه، أظهرها: الأخير.
والظاهر وجوب الغسل للانقطاع، وأنّه لو أخلّت به فسد صومها، كمن أخلّت بالغسل والدم مستمرّ عليها؛ لظهور دخوله تحت الرواية(1)أو لتنقيح المناط بينهما.
وإذا تبدّلت الكبرى بالوسطى في أثناء النهار أو بالعكس، جرى عليها حكم المتجدّدة.
الثانية عشرة: يجب التيمّم عند فقدان الماء لجميع هذه الأحداث على الأظهر، ويجزئ به الصوم؛ لعموم بدليّة التيمم عن الماء كتاباً(2)وسنة(3).
وهل يجب التيمّم ويجزئ عند الضيق عن الغسل أم لا؟ وجهان، أقواهما: الوجوب، والأحوط القضاء سيّما مع التأخير عمداً.
سابعها : الحقنة بالمائع
محرّمة على الصائم ومفسدة لصومه؛ للإجماع المنقول(4)، وفتوى الفحول، والاحتياط، والصحيح الناهي عن الاحتقان للصائم(5)، ولمانعيّة ما يشكّ في مانعيّته، ولأنّ الظاهر من النهي في العبادة أنّ النهي مفسد لها.
والأقوى جواز الاحتقان بالجامد وعدم إفساده للصوم؛ للأصل، والصحيح الحاصر لما يضرّ الصائم(6)، وانصراف النهي عن الاحتقان للمائع دون الجامد وللخبر المصرّح بجواز استدخال الدواء(7)الشامل للجامد بل الظاهر فيه، وللآخَر المصرّح بنفي البأس عن الجامد(8).
فظهر بذلك ضعف القول بالكراهة(9): حملاً للنهي عليها؛ جمعاً بين الأخبار، وضعف القول
1) وسائل الشيعة 10 : 66، الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 1.
2) النساء (4) : 43: المائدة ( 5 ) : 6
3) وسائل الشيعة 3 : 385 الباب 23 من أبواب التيمّم.
4) الخلاف 2 : 213 - 214 ، المسألة 73؛ غنية النزوع 1 : 138.
5) وسائل الشيعة 10 : 42 الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 4.
6) المصدر : 31، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 1.
7) المصدر : 41 الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 1.
8) المصدر : 41 - 42. ح 2.
9) قال بها الشيخ الطوسي في النهاية : 156؛ وابن البرّاج في المهذب 1 : 193 وابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 387.
بالتحريم دون الفساد(1)لعدم التصريح بالإبطال به في الأخبار، وذلك لقوّة الجمع المتقدّم، لتأيّده بالأخبار(2)وكلام الأخيار والاعتبار.
والمراد بالمائع ما يُسمّى مائعاً عرفاً من كلّ مائعٍ، دواء أو غيره.
ويراد بالاحتقان ما يكون بالإدخال في الدُّبُر دون القُبُل، ودون ما يكون داخلاً من جرح أو قرح أو طعنة؛ اقتصاراً على المورد اليقين.
والمرجع فيه إلى العرف فلو أدار المائع في المحقنة ثمّ أرجعه فيها من دون أن يوقعه في الأمعاء فلا بأس، وكذا لو أرسل ظرفاً مشتملاً على المائع ثمّ أخرجه من دون تفريغٍ.
ثامنها : القيء بما يُسمّى قيئاً عرفاً
وهو مفطر؛ للاحتياط الناشئ من الشكّ في المانعيّة، ولفتوى جُلّ الأصحاب(3)، وللإجماع المنقول(4)، وللأخبار المعتبرة الدالّة على أنّ الصائم إذا تقيّاً فقد أفطر(5).
وذهب جمع من أصحابنا(6)إلى أنّه محرّم غير مفطر؛ للأصل، ولأنّ الصوم إمساك عمّا يصل إلى الجوف لا عمّا ينفصل عنه، ولقوله علیه السّلام في المعتبر: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء، والاحتلام والحجامة»(7).
وفي الكلّ ضعف؛ لانقطاع الأصل بلزوم الاحتياط، وكذا الخبر الحاصر للمضرّ للصوم(8)بما ذكرنا من الأدلّة، ولمنع كون الصوم إمساكاً عمّا يصل فقط بل عنهما معاً، ولعدم مقاومة الرواية(9)
1) قال به المحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 659 و 679؛ والعاملي في مدارك الأحكام 6 : 63 - 64 .
2) تقدم آنفاً.
3) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 356؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 155؛ والمبسوط 1 : 271 - 272؛ وابن البراج في المهذب 1 : 192؛ وأبو الصلاح في الكافي في الفقه : 183؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3: 289، المسألة 39؛ والبحراني في الحدائق الناضرة 13 : 147 - 148
4) الخلاف 2 : 178، المسألة 19؛ غنية النزوع 1: 139.
5) وسائل الشيعة 86:10 - 89 ، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 1، 3، 5 - 7، 10.
6) منهم : السيّد المرتضى في جُمل العلم والعمل : 96؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 387.
7) وسائل الشيعة 10 : 88 ، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 8.
8) راجع الهامش (6) من ص 282
9) راجع الهامش (7)
لما ذكرنا، فلتُحمل على حالة الاضطرار كما هو الغالب، وقد دلّت الأخبار(1)وكلام الأصحاب وعمومات نفي الحرج(2)على أنّ القيء إذا ذرعه الشخص لا بأس به، ولا يترتّب عليه إثم ولا فساد.
والمراد بالقيء هو وصول الطعام والشراب إلى الفم، فما خرج إلى الحلق لا بأس به خروجاً وإرجاعاً ما لم يبلغ فضاء الفم.
والظاهر أنّ إخراج الدود أو الحصى أو شبههما ليس من القيء، وكذا خروج الدم من الصدر عند السعال وشبهه.
ولو اضطرّ إلى القيء للتداوي أو لرفع الألم، فسد صومه ولا إثم عليه.
و مَن ابتلع مغصوباً فوجب عليه القيء فإن قاءه فسد صومه، وإن لم يتقيّأه فالأوجَه أيضاً: فساد صومه؛ لتعلّق النهي به.
تاسعها : فعل ما يتعقّبه الإنزال عادة
سواء كان عادةً لأغلب الناس، أو عادة للشخص نفسه، أو كان بحيث يخاف من وقوع الإنزال معه عادةً قصد الفاعل الإنزال معه أم لم يقصد، ضمّاً كان الفعل أو لمساً أو تقبيلاً أو ملاعبةً أو نظراً لمن كانت عادته الإمناء عقيب النظر أو يخشى عليه منه لشبقه(3)، وفاقاً لفتوى كثير من الأصحاب(4)، واستناداً للإجماع المنقول(5)على الإفطار بالقبلة والملامسة.
وللأخبار الدالّة على أنّ مَنْ يعبث بأهله في شهر رمضان حتّى يمني عليه ما على المجامع، وأنّ مَنْ يلاعب أهله وجاريته في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل، عليه ما على المجامع، وأنّ مَنْ لصق بأهله فأنزل عليه الكفّارة، وأنّ مَنْ وضع يده على شيء من جسد امرأته فأدفق عليه الكفّارة(6)، وهذه وإن لم تدلّ على إلحاق النظر صريحاً لكنّها تشعر بمساواته ضمناً.
1) وسائل الشيعة 10 : 86 - 87، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 3،1 - 5.
2) الحج (22) : 78
3) الشبق : شدّة الميل إلى الجماع مجمع البحرين 5 : 189، «ش ب ق».
4) منهم : المحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 670 والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 6 : 24 الفصل الثاني فيما يمسك عنه الصائم؛ والبحراني في الحدائق الناضرة :13 : 150 : والطباطبائي في رياض المسائل 5: 309.
5) تذكرة الفقهاء 6 : 24 ، الفصل الثاني فيما يمسك عنه الصائم.
6) وسائل الشيعة 10 : 39 - 40 الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 1، 2، 4، 5.
نعم، لو وثق من نفسه بعدم الإنزال بحيث كان الإنزال أمراً وهميّاً لم يتعلّق له به شكّ أو ظنّ، ولم تكن عادته ولا العادة العامّة حصول الإنزال بعد ذلك الفعل، اتّجه عدم فساد الصوم؛ لظهور هذا القيد من الأخبار(1)، ولعموم رفع القلم(2)ونفي العسر والحرج(3)، ولظاهر فتوى المشهور.
وللصحيح: هل يباشر الصائم أو يقبّل في شهر رمضان ؟ فقال: «إنّي أخاف عليه، فليتنزّه عن ذلك، إلّا أن يثق أن لا يسبقه منيّه»(4).
وللمرسل: لو أنّ رجلاً لصق بأهله في شهر رمضان فأمنى لم يكن عليه شيء(5)، بحمله على ما استثني جمعاً بين الأدلّة.
والذي يظهر تحريم فعل ما يخشى من ترتّب وقوع الإنزال بعده ما لم يثق من نفسه بعدم ذلك.
والأحوط تجنّب كلّ ما يبعث على تحريك الشهوة الباعثة على الإنزال.
وأطلق بعض أصحابنا(6)الإفطارَ بالمنيّ باللمس، وعدمه بالنظر والسماع؛ لإطلاق الأخبار في الإفطار لمن لاعب أو عبث أو لمس(7)وخلوّ الأخبار عن النظر والسماع وشبههما.
والأقوى ما ذكرناه من التسوية بين جميع الأفراد؛ تنقيحاً للمناط، ومن التفصيل بين الوثوق وعدمه أيضاً كذلك، سيّما في المحرم.
1) يأتي في الهامش (4 و 5).
2) راجع الهامش ( 4 ) من ص 267.
3) راجع الهامش (4) من ص 268.
4) وسائل الشيعة 10 : 100، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ح 13.
5) المصدر : 98، ح 5 وذيله.
6) كالمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 1 : 170 - 171.
7) وسائل الشيعة 39:10 الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
بحث : تجب الكفّارة مع القضاء على جميع مَن أقدم على المفطر عمداً، أيّ مفطرٍ كان بعد ثبوت كونه مفطراً، إذا كان عالماً بحكمه، أو كان متنبّهاً لحكمه فأقدم على المفطر من دون سؤال؛ لدخوله في الأخبار الموجبة للكفّارة على العامد(1).
وأمّا الجاهل الساذج الذي لم يخطر له السؤال ببال، فالأقوى عدم إيجاب الكفّارة عليه؛ لظهور أخبارها في المتعمد بعد العلم بالحكم، فيبقى الأصل سليماً عن المعارض.
ولما ورد: «أنّ مَنْ أتى أهله في شهر رمضان وهو لا يرى إلّا أنّ ذلك حلال ليس عليه شيء»(2).
ولما ورد من معذوريّة جاهل الحكم وأنّه أعذر من جاهل الموضوع(3)، وعذر الله تعالى ينبئ عن عدم تعلّق الكفّارة.
ولما ورد - في الصحيح : «أيّ رجل ركب أمراً بجهالةٍ فلا شيء عليه»(4).
نعم، يجب على الجاهل القضاء؛ لعموم أدلّته(5)، ولا ملازمة بين نفي الكفّارة ونفيه وإن كانت الأخبار الواردة في العامد(6)موجبةً لهما معاً؛ لأنّ نفي الأمرين معاً يجامع ثبوت واحدٍ منهما،
1) وسائل الشيعة 10 : 44، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
2) المصدر : 53، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم...، ، ح 12
3) راجع المصدر 20 : 451، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 4.
4) المصدر 12 : 488 - 489 ، الباب 45 من أبواب تروك الإحرام، ح 3.
5) راجع الهامش (7) من ص 267
6) راجع الهامش (1).
وقد دلّت أخبار أُخَر على لزوم القضاء على مَن أفطر(1)، فيجب الأخذ بإطلاقها؛ لعدم المعارض، وحملها على المقيّد بالعمد فرع المقاومة، وليس فليس.
ومَنْ أقدم على المُفطر سهواً أو نسياناً للصوم من أصله، أو إكراها وإلجاءً لم يجب عليه قضاء ولا كفّارة؛ لفتوى الأصحاب، والأخبار(2)المتكثّرة في الباب، والعمومات الرافعة لحكم السهو والنسيان والإكراه(3).
ومَنْ أقدم خوفاً أو تقيّةً فإن كان من غير العامّة، وجب عليه القضاء دون الكفّارة.
أمّا الأوّل: فلعمومات أدلّة القضاء(4).
وأمّا الثاني: فللأصل.
وإن كان من العامّة فإن كان اتّباعاً لموضوعاتهم العامّة، كالبناء على أنّ الغروب يتحقّق بذهاب الشمس دون الحمرة، والبناء على صحّة الصوم في السفر، فلا يبعد صحّة الصوم، ولكنّ الأظهر والأحوط القضاء دون الكفّارة.
وإن كان اتّباعاً لحكمهم الخاصّ كرؤية الهلال وشبه، فالأقوى وجوب القضاء؛ لعمومات الأدلّة(5).
ولخصوص ما ورد في الأخبار المعتبرة أنّ الإمام علیه السلام أكل في يوم من شهر رمضان تقيّةً، وقال: «أفطر يوماً من شهر رمضان أحبّ إليَّ من أن يضرب عنقي»(6)فأطلق على أكله تقيّة الإفطار.
وفي آخَر: «إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر علَيَّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله»(7). ونُسب(8)للأكثر عدم وجوب القضاء مطلقاً ؛ للأصل، والشكّ في شمول أدلّة وجوب القضاء(9)لمثل هذه الصورة، وعموم الرفع عمّا استكرهوا عليه(10)وظاهرهم أنّ الخوف مطلقاً مسقط للقضاء.
1) راجع الهامش (7) من ص 267.
2) وسائل الشيعة 10: 50، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
3) راجع الهامش (4) من ص 256
4) راجع الهامش (7) من ص 267.
5) راجع الهامش (7) من ص 267.
6) وسائل الشيعة 10 : 131 - 132، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 4.
7) المصدر : 132، ح 5.
8) الناسب هو العاملي في مدارك الأحكام 6 : 69.
9) راجع الهامش (7) من ص 267.
10) راجع الهامش (4) من ص 256.
والقول بذلك كلّه ضعيف؛ لانقطاع الأصل بما مرّ، ولعدم الشكّ في الشمول، ولظهور رفع الإثم والمؤاخذة من عموم «ما استكرهوا عليه»(1)، و لعدم صدق الصائم على المتناول خوفاً شرعاً، كما ينبئ عنه استعمال المتشرّعة.
واعلم أنّ ثبوت الكفّارة والقضاء على مَنْ أفطر عمداً بأيّ مُفطرٍ كان: قسم تدلّ عليه عمومات الأخبار الدالّة على مَنْ أفطر متعمّداً كفّر(2)، فثبوت الصغرى بدليلها وثبوت الكبرى بهذا العموم، ودعوى انصرافه للأكل والشرب ونحوهما دون الأفراد الأُخَر دعوى من غير دليلٍ.
وقسم تدلّ عليه العمومات(3)وخصوصات الأدلّة من إجماع أو رواية خاصّة، وذلك كالأكل والشرب المعتادين وغيرهما، والجماع قُبُلاً ودُبُراً، والاستمناء، والمنيّ الواقع بعد الملامسة والتقبيل والالتصاق إذا لم يثق من نفسه بعدم الإنزال، أو كان شبقيّاً، أوكان معتاد الإنزال عقيب تلك الأُمور، وكذا إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق، وكذا البقاء على الجنابة إلى الفجر.
وعدم ذكر الكفّارة في حكم الكذب على الله تعالى ورسوله وفي حكم الحقنة بالمائع وفي حكم تعمّد القيء لا يدلّ على عدمها؛ لشبهة أنّ المقام مقام البيان، فعدم ذكرها دليل على عدمها، كما حكم به جمعٌ من الأصحاب(4)لأنّ مساق الأخبار وبيانها لبيان حكم الإفطار به وعدمه، لا لبيان جميع الأحكام المترتّبة على ذلك.
وقسم تترتّب عليه الكفّارة احتياطاً، كمن أصبح نائماً بعد استيقاظ بعد نوم بعد استيقاظ بعد نوم بعد جنابة. وكذا مَنْ فَعَل ما يترتّب عليه الإمناء ولو كان نظراً ورؤيةً وتذكّراً وكان واثقاً من نفسه وعادته عدم الإمناء، وسيأتي إن شاء الله تعالى أُمور أُخَر.
بحث : لا تجب الكفّارة في صوم النذر المطلق، أو صوم الكفّارة، أو صوم المندوب، ولا يحرم إبطالها والإتيان بغيرها ما لم يتضيّق بظنّ الوفاة، وفاقاً لفتوى الأصحاب، وللأصل السالم عن المعارض، وللإجماع المنقول(5)في الباب.
وبذلك يضعف الأخذ بعموم «وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ»(1)لضعف الظنّ بعمومه، بل للظنّ بعدم عمومه. وإذا تضيّقت بظنّ الوفاة حرم إبطالها، ولكن لا كفّارة لها للأصل، ولعدم التقدير لها شرعاً.
وتجب الكفّارة في صوم شهر رمضان أداءً وقضاءً، والنذر المعيّن، والاعتكاف.
فها هنا أمور:
أحدها: يجوز إفطار قضاء صوم شهر رمضان قبل الزوال ما لم يتعيّن بنذرٍ أو ضيق وقتٍ؛ لفتوى الأصحاب، وأخبار الباب(2)، والمخالف(3)شاذّ نادر لا يُلتفت إليه.
وفي الصحيح: «إنّ الذي يقضي شهر رمضان بالخيار إلى زوال الشمس، وإن كان تطوّعاً فإنّه إلى الليل بالخيار»(4).
وفي آخَر مثله(5).
وفي آخَر كذلك، إلّا أنّه مطلق بالنسبة إلى قضاء الفريضة(6).
وآخر كذلك، إلّا أنّه مطلق بالنسبة إلى الفريضة(7).
وأمّا ما ورد من المنع من الإفطار بعدما . يصبح قبل الزوال في قضاء شهر رمضان (8)، وأفتى به شاذّ من أصحابنا(9)فهو لشذوذه ومعارضته لما هو أقوى منه لا بدّ من طرحه أو حمله على الندب، كما ورد في المندوب أيضاً من عدم جواز الإفطار بعد الزوال(10)، وهو محمول على تأكّد الندب.
والأحوط إلحاق قضاء صوم كلّ فريضةٍ حتّى قضاء المنذورة بقضاء شهر رمضان في
1) سورة محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم (47) : 33.
2) وسائل الشيعة 10 : 15 - 19 ، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم...، ج 1، 2، 4 8 - 10.
3) كالحلبي في الكافي في الفقه : 184؛ وابن زهرة في غنية النزوع 142:1؛ وابن أبي عقيل على ما في مختلف الشيعة 3: 418 - 419، المسألة 134.
4) وسائل الشيعة 10 : 16 ، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم.... ح 4.
5) المصدر : 18 - 19، ح 10.
6) المصدر : 18، ح 9.
7) المصدر : 19، ح 12.
8) المصدر : 17، ح 6.
9) راجع الهامش (3).
10) وسائل الشيعة 19:10، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم... . ح 11.
عدم جواز الإفطار بعد الزوال؛ للرواية الدالّة على ذلك(1)، بل الأحوط إلحاق صوم كلّ فريضةٍ به، كما أنّ الأحوط إلحاق القاضي عن غيره - ولايةً أو إجارةً أو تبرّعاً - بالقاضي عن نفسه؛ نظراً إلى إطلاق الروايات(2). وإلى شبهة عموم «ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ»(3).
ثانيها: تجب الكفّارة في صوم شهر رمضان لمن أفطر عمداً؛ إجماعاً، ونصّاً(4)متواتراً.
وتجب في صوم النذر المعيّن، وصوم الاعتكاف عند وجوبه، وصوم قضاء شهر رمضان، وفاقاً للمشهور؛ للأخبار(5)الدالّة على ذلك في خصوص النذر المعيّن، وفي خصوص صوم الاعتكاف، وفي خصوص قضاء شهر رمضان.
وخلاف ابن أبي عقيل(6)شاذّ نادر لا يُلتفت إليه.
وما استند إليه في عدم وجوب الكفّارة على القاضي من الموثّق الدالّ على أن مَنْ أفطر بعد الزوال فقد أساء، ليس عليه شيء إلّا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه (7)فهو مطّرح، أو محمول على التقيّة؛ لموافقته لفتوى العامّة، على أنّه لضعفه سنداً لا يقاوم الأخبار المتكثّرة المنجبرة بفتوى الأخيار، الدالّة على الكفّارة.
ثالثها: كفّارة شهر رمضان: عتق رقبة، أو إطعام ستّين مسكيناً، أو صيام شهرين متتابعين مخيّراً، كما نطق به المشهور، ودلّ عليه الإجماع المنقول(8)، وتكاثرت به الصحاح والمعتبرات من الأخبار (9).
وقيل: مرتّبة: العتق فالصيام فالإطعام(10)، فلا يجوز ثانٍ مع القدرة على الأوّل؛ استناداً لما
1) راجع الهامش (6) من ص 289
2) المصدر، والهامش ( 4 ) من ص 289
3) سورة محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم (47) : 33.
4) راجع الهامش (1) من ص 286
5) وسائل الشيعة 10 : 195 - 196 ، الباب 10 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، مع 1 و 546، الباب 6 من أبواب الاعتكاف و 347 - 349، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1 - 3، 5.
6) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 418 - 419، المسألة 134
7) وسائل الشيعة 10: 348 الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 4.
8) الانتصار : 196. المسألة 92؛ غنية النزوع 1: 139
9) وسائل الشيعة 10 : 40، الباب 4 من من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح 5، و 44 - 49، الباب 8 من تلك الأبواب، ح 1، 2، 5، 9، 13.
10) قال به السيد المرتضى في أحد قوليه على ما في المعتبر 672:2: وابن أبي عقيل على ما في مختلف الشيعة 305:3، المسألة 54.
ورد من أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أمر أوّلاً بالعتق فقال المأمور: لا أجد، ثمّ أمره بالصيام، فقال: لا أُطبق، ثمّ أمره بالإطعام(1).
وفيه ضعف سنداً ودلالةً؛ لأنّ الترتيب في الذكر لا يدلّ على الترتيب في الحكم.
نعم، في صحيح عليّ بن جعفر عن أخيه علیه السّلام - فيمن نكح في شهر رمضان - التصريحُ بالترتيب(2)، ولكنّه لا يعارض ما قدّمنا، فليُحمل على التقيّة؛ لموافقته لمذهب الجمّ الغفير من العامة(3)أو على الاستحباب.
وفصّل جمعٌ من أصحابنا(4)بين مَنْ أفطر على محلَّلٍ فأوجب عليه ما تقدّم مخيّراً، وبين مَنْ أفطر على محرَّمٍ فأوجب عليه كفّارة جمعٍ بين الخصال الثلاث؛ جمعاً بين ما ورد من التخيير في الخصال(5)، وبين ما ورد من الأمر بالجمع بالواو المفيدة للجمع كموثّقة سماعة(6)، وما أورده في الفقيه حيث قال: «وأمّا الخبر الذي روي فيمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً أنّ عليه ثلاث كفّارات، فإنّي أُفتي به فيمن أفطر بجماعٍ محرَّم عليه أو بطعامٍ محرَّم عليه»(7).
ويشهد لهذا الجمع أيضاً ما قاله: «لوجود ذلك في روايات أبي الحسين الأسدي فيما ورد من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري»(8)، فكلامه هذا بمنزلة الرواية؛ لظهور اتّصال ذلك بصاحب الأمر علیه السّلام لأنّ الأسدي كان من الوكلاء الذين ترد عليهم التوقيعات.
ويشهد له أيضاً رواية الفقيه عن ابن عبدوس، عن عليّ بن محمّد بن قتيبة، عن حمدان ابن سليمان، عن عبد السلام بن صالح الهروي: أنّه متى ما جامع الرجل حراماً أو أفطر على حرامٍ في شهر رمضان فعليه ثلاث كفّارات، وإلّا فواحدة(9).
1) وسائل الشيعة 46:10 - 47 ، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 5.
2) المصدر : 48، ح 9.
3) مختصر المزني : 56؛ الوجيز 104:1؛ العزيز في شرح الوجيز 3 : 234؛ المجموع 6 : 345: المغني المطبوع مع الشرح الكبير 3 : 66.
4) منهم: الشيخ الصدوق في الفقيه 2 : 115، ح 1886 و 118، ذيل الحديث 1894؛ والشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام 4: 205 و 208 - 209، ذيل الحديث 604؛ والاستبصار ،2 : 96 ذیل الحدیث ،312 و 97، ذيل الحديث 315.
5) وسائل الشيعة 44:10 - 45 و 49 الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم...، ، ح 1، 13.
6) المصدر : 54، الباب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... ، ح 2.
7) الفقيه 2 : 118، ذيل الحديث 1894.
8) الفقيه 2 : 118، ذيل الحديث 1894.
9) المصدر 3 : 378، ح 4334
والرواية في مرتبة الحسن؛ لأنّ ابن عبدوس شيخ الصدوق، وقد عمل الصدوق بروايته، وهذان ممّا يفيدانه مدحاً، وعليّ بن محمّد القتيبي قيل في حقّه: إنّه فاضل اعتمد عليه الكشّي(1)، وعبد السلام وثّقه النجاشي(2)وغيره(3)وإن ضعّفه غيره بأنّه عامّي(4).
وعلى كلّ حال فالرواية معتبرة؛ لأنّها بين مَنْ كان من مشايخ الإجازة، وبين مَن حكم المشايخ بحسنه ووثاقته، فعلى هذا فالقول بالتفصيل أظهر وأحوط.
رابعها: مَن قدر على واحدةٍ دون أخرى من الخصال الثلاث تعيّنت عليه، ومَنْ قدر على بعضٍ من واحدةٍ وتمام أخرى تعيّنت عليه التامّة، ومَن قدر على بعض واحدةٍ لا غير تعيّن البعض؛ لأنّه لا يسقط الميسور بالمعسور.
وإن قدر على أبعاض كلّ واحدةٍ، قدّم الصوم وصام ثمانية عشر يوماً عن كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام؛ للروايتين الواردتين عن أبي بصير، الآمرتين بصوم ثمانية عشر يوماً لمن لم يقدر على الإتيان بخصلةٍ تامّة(5)، ولظاهر الإجماع المنقول في المنتهى(6)لنسبة ذلك فيه إلى مذهب علمائنا، وللاحتياط.
وإن لم يقدر على صوم ثمانية عشر يوماً تصدّق بما يطيق؛ للصحيح أو الحسن الآمر بذلك عند العجز عن الخصال(7).
ولولا ظاهر الإجماع المنقول لكان القول بالتخيير أو تقديم روايات الصدقة؛ لصحّتها أوجَه؛ لأنّ الروايات متعارضة؛ حيث إنّ إطلاق الأمر بالصوم ينفي الاجتزاء بالصدقة، وإطلاق الأمر بالصدقة ينفي الاجتزاء بالصوم.
ووجه الجمع: إمّا بالأخذ بهما معاً للاحتياط، ولا قائل به، أو طرحهما معاً، ولا وجه له، أو تقديم الصحيح، وهو خلاف ظاهر فتوى الأكثر، أو التخيير وهو خلاف ظاهر الإجماع
1) قاله العلّامة الحلّي في خلاصة الأقوال : 177، الرقم 527.
2) رجال النجاشي : 245، الرقم 643.
3) الكشّي في اختيار معرفة الرجال : 615 - 616 . ح 1148 و 1149.
4) الشيخ الطوسي في رجاله : 360، الرقم 5328
5) وسائل الشيعة 10 : 381 - 382، الباب 9 من أبواب بقية الصوم الواجب، ح 1 و 22 : 372، الباب 8 من أبواب الكفّارات، ح 1.
6) منتهى المطلب 9 : 139
7) وسائل الشيعة 10: 44 - 45 الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 1.
المنقول وفتوى الأكثر على الأظهر. فليس إلّا تقييد الصحيح الدالّ على الأمر بالصدقة بالروايتين الدالّتين على الأمر بالصيام، على أنّ الأمر بالصدقة بعد العجز عن الصيام.
ومَنْ عجز عن الصدقة صام ولو قليلاً، فإن عجز عنه أعتق شقصاً إن أمكن، فإن عجز كفاه الاستغفار اللازم له على كلّ حال، لكنّه في هذه المرتبة ينوي أنّه كفّارة؛ لفتوى الأصحاب به بعد العجز عن الصوم أصلاً أو بعد العجز عن الصوم والصدقة، وللأخبار الآمرة به لمن عجز الخصال(1)، بل لا يبعد كفايته بعد العجز عن الخصال وعن صوم ثمانية عشر يوماً وعن الصدقة دون الأبعاض الأُخَر.
ولو تجدّدت القدرة بعد فعل البدل أجزأ البدل إذا كان صوم ثمانية عشر أو صدقة بما يتمكّن؛ لظاهر بدليّتها في الأخبار، وفي غير هذين يقوى القول بوجوب الإتمام وعدم الاجتزاء بالبعض.
وهل يجزئ الاستغفار لبدليّنه كما هو ظاهر الأخبار، أو لا يجزئ لاحتمال أنّ الأمر به إنّما هو لطلب الشارع له على كلّ حال وعدم إمكان غيره؟ ولا يبعد الأوّل؛ لقوله علیه السّلام: «الاستغفار له كفّارة»(2).
خامسها: يجوز التبرّع بالكفّارة مطلقاً بجميع أنواعها عن الأموات؛ لفتوى الأصحاب، والأخبار(3)الناطقة بوصول كلّ عمل صالح إليه حتّى أنّ الميت ليكون في ضيق فيوسّع عليه، ويقال : هذا بعمل ابنك فلان وبعمل أخيك فلان، وبأنّه يقضى عن الميّت الصوم والحجّ والعتق وفعاله الحسن.
ويجوز عن الحيّ ما عدا الصوم، أجاز أم لم يجز على الأظهر.
أمّا الأوّل: فلأنّ العتق والإطعام عبادات ماليّة كالزكاة فهي كالديون، ويجوز التبرّع بوفاء الدَّين عن الحيّ.
وأمّا الثاني: فلأنّ الصيام عبادة بدنيّة والأصل فيها المباشرة، ولا يجوز فيها التبرّع والنيابة إلّا بدليلٍ، وليس فليس.
وهل تقع الفضوليّة بالعتق والإطعام، كأن يؤخذ من ماله فيكفّر عنه فضولاً؟ وجه ليس بالبعيد، ولكنّ الاحتياط يقضى بخلافه.
سادسها: تتعدّد الكفّارة بفعل المفطر بتعدّد الأيّام.
وهل تتكرّر بتكرّره في اليوم الواحد مطلقاً؛ لأنّ تعدّد الأسباب يقضي بتعدّد المسبّبات، وتعدّد العلل يقضي بتعدّد المعلولات، أو لا تتكرّر بتكرّره مطلقاً؛ لأصالة البراءة، ولأنّ ترتّب الكفّارة على المفطر والإفطار مستند للأوّل، ولأنّ العلّة والسبب هو طبيعة الفعل، فلا يترتّب على تعدّد أفرادها حكم مغاير لما يترتّب عليها، أو تتكرّر بالمتكرّر عرفاً كالأكلات المتعدّدة والجماعات المتعدّدة؛ لتعدّد أسبابها، ولا تتكرّر بغير المتكرّر عرفاً كالأكلة الواحدة وإن تكثّر فيها الازدراد والابتلاع، والجماع الواحد وإن تكثّر فيه النزع والوضع واشتمل على الإنزال والإدخال، أو تتكرّر بتكرّر مختلف النوع كالأكل والجماع، ولا تتكرّر بتكرّر المتّفق؛ لفهم تعدّد المسبّبات بتعدّد الأسباب عند الاختلاف، لدلالة الروايات على وجوب كلّ مسبّبٍ عند وجود سببه من أكل وجماع وارتماس، دون ما كان متّفقاً في النوع، فإنّ الحكم فيه معلّق على الطبيعة دون الأفراد، أو تتكرّر بتكرّر الجماع دون غيره؛ لما ورد أنّ المجامع عليه في كلّ مرّة كفّارة(1)، وما ورد في رجل جامع امرأته في شهر رمضان عشر مرّات، قال: «عليه عشر كفّارات في كلّ مرّة كفّارة»(2)، أو تتكرّر إن كفّر لما فعله أوّلاً، ولا تتكرّر إذا لم يكفّر ففعل ثانياً؛ لعدم إمكان التداخل في الأوّل، وإمكانه في الثاني، أو تتكرّر مع الفاصل المعتدّ به، ولا تتكرّر مع الوقوع دفعة لكونها في الثاني بمنزلة مفطر واحد؟ وجوه وأقوال أقواها عدم التكرّر مطلقاً؛ لفهم تعليق الحكم فی الأخبار(3)على طبيعة الإفطار، وبعد حصولها لا يتعلّق بها حكمٌ آخَر للكفّارة، وذلك تصريح في بعضها وتلويح في آخَر ؛ لأنّ المفهوم من الحكم بها بعد الوقاع أو الأكل أو إيصال الغبار أنّه من جهة الإفطار به، لا من جهة كونه في يوم صوم شهر رمضان، والإفطار يتحقّق بالمرّة الأولى.
والروايتان الدالّتان على وجوب التكرّر بالجماع(4)، ضعيفتان، ولولا ضعفهما لكان العمل
بهما متعيّناً، ومع ذلك فالأحوط التكرّر بتكرّر الجماع في متّفق الجنس، وبتكرّر كلّ مفطر في مختلف الجنس.
سابعها: لو فَعَل موجِب الكفّارة ثمّ سقط فرض الصوم لعارض من سفرٍ أو جنونٍ أو حيضٍ، لم تسقط الكفّارة، سواء سقط بعارضٍ اختياريّ أو اضطراريّ؛ لظاهر الأخبار(1)، وفتاوى أكثر الأخيار.
والمناقشة في الظهور بانصراف أوامر الكفّارة إلى الفرد الظاهر منها وهو غير ما حصل العارض فيه مسلّمة لو كان الاستدلال بترك الاستفصال وليس الاستدلال به، بل بنفس إطلاق الأمر، وهو لا ينصرف إلى الفرد الظاهر إلّا مع ندرة الإطلاق على غيره، وه-و ف-ي المقام ممنوع.
وللإجماع المنقول(2)، ولأنّه أفسد صومَ يومٍ أمر الشارع بصيامه، وهتك حرمته وتجرّاً على ربّه فيه، فالعلّة فيه منقّحة.
وانكشاف عدم التكليف بصومه واقعاً لعلم الآمر بانتفاء شرطه ليس مانعاً ولا مخصّصاً لأدلّة الكفّارة؛ لدورانها مدار الظاهر أوّلاً، ولجواز التكليف بالصوم إلى زمان طروء العارض ثانياً، ولأنّ القول بالسقوط لطروء المفطر يلزم منه تفويت الكفّارات على مَنْ أفطر متعمّداً بفعل ما يوجب بعد ذلك سقوط الصوم، وهو منافٍ لشرع الكفّارة، ولقوله علیه السّلام- في الصحيح أو الحسن : «هذا بمنزلة مَن أفطر في شهر رمضان يوماً في إقامته، ثمّ خرج في آخر النهار في سفر، فأراد بسفره ذلك إسقاط الكفّارة التي وجبت عليه»(3).
وذهب جمعٌ من أصحابنا(4)إلى عدم وجوب الكفّارة؛ لانكشاف عدم التكليف بالصوم، واقعاً والأمر يدور مداره، كما لو انكشف للصائم أنّ يومه يوم من أيّام شعبان، ولأصالة البراءة، والمتيقّن من وجوب الكفّارة على مَنْ أفطر هو مَنْ وجب عليه الصوم.
وفرّق بعضٌ بين العارض الاختياريّ فلا تسقط به الكفّارة، وبين الاضطراريّ فتسقط(1).
والكلّ ضعيف والقياس على ظهوره من شعبان باطل؛ لأنّ طروء العارض إسقاط للتكليف بعد تعلّقه ظاهراً، وظهوره من شعبان كشف لبيان خطئه في الإدراك، وفرقٌ بين انكشاف الخطأ في الإدراك، وبين انكشاف عدم تماميّة المأمور به بعد تعلّق الأمر به ظاهراً.
ثامنها: مَنْ أكره امرأته إكراها على حدّ الإلجاء فوطأها قُبُلاً أو دُبُراً وهي صائمة وهو صائم، فعليه كفّارتان، ويُضرب خمسين سوطاً؛ للرواية(2)المجبور ضعفها سنداً بفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(3)في الباب، ونسبة الفتوى بمضمونها إلى الأئمّة الأطياب، وتلقّي الفحول لها بالقبول وإسنادها إلى مذهب آل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فلا محيص عن قبولها والعمل بمضمونها.
ولمّا كان الحكم بذلك على خلاف الأُصول الشرعيّة والضوابط المرعيّة؛ لأصالة عدم تحمّل الكفّارتين على شخصٍ واحد، ولخلوّ أخبار الكفّارة في مقام البيان عن ذكرهما وعن الاستفصال أو التفصيل في بيان حالهما، سواء قلنا بتعلّقهما به أوّلاً وبالذات. أو قلنا بتحمّل إحداهما أوّلاً وبالذات والأُخرى ثانياً وبالعرض؛ لانتقالها منها إليه، ويزيد هذا الأخير بُعد أنّها لا تتعلّق بها كفّارة؛ لإكراهها، فلا ينتقل عنها ما ليس له تعلّقٌ بها، وجب الاقتصار على مورد اليقين من بلوغ الإكراه حدّ الإلجاء المسقط للقضاء عنها، بل لا يبعد أنّه الظاهر من إطلاق لفظ الإكراه، فلو كان الإكراه للتقيّة لم يكن عليه إلّا كفّارة واحدة.
وفي وجوب القضاء عليه وعدمه وجهان أحوطهما: القضاء، بل أظهرهما.
ووجب الاقتصار على المرأة دائمة أو متعة؛ لأنّ كلّاً منهما امرأة، فلا تلحق بهما المملوكة ولا الأجنبيّة، ولا الذَّكر إذا أكرهه الرجل، ولا الرجل إذا أكرهته المرأة، ولا الأجنبي إذا أكره أجنبيّةً على جماع زوجها أو أكره زوجها على جماعها أو أكرههما
معاً، ولا النائمة، ولا الناسية والغافلة، ولا مَنْ لم يكن صائماً لسفرٍ أو مرضٍ وإن حرم عليه الوطء لحرمة الإكراه للمسلم والتصرّف ببدنه في غير ما دلّ عليه الدليل، والمتيقّن من جواز الاستمتاع بالزوجة هو ما لم يكن معارضاً له حقٌّ خالقيّ ليس للزوج إزالته، والمفروض ها هنا حصوله.
ولو طاوعته، كان على كلّ واحدٍ منهما كفّارة وخمسة وعشرون سوطاً.
ولو أكرهها في ابتداء الوطء فطاوعته في الاستدامة، كان عليه كفّارتان وعليها واحدة.
وكلّ مَنْ ألجأ غيره على الإفطار لا يتحمّل عنه كفّارة؛ للأُصول والقواعد.
تاسعها: تجب الكفّارة على مَنْ أفطر بعد الزوال عمداً في قضاء شهر رمضان، وفاقاً للمشهور، وخلافاً لابن أبي عقيل(1)استناداً للأصل، وللموثّق: فيمن أفطر بعد الزوال أنّه «ليس عليه شيء إلّا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه»(2).
والمستند ضعيف؛ لانقطاع الأصل، وعدم قابليّة الموثّق للمعارضة للأدلّة الدالّة على وجوب الكفّارة(3)، وحملها على الندب فرع قوّة الموثّق عليها، وليس فليس، فلا بدّ من حمل الموثّق على التقية؛ لموافقته لمذهبهم.
وعلى تقدير وجوب الكفّارة فهي إطعام عشرة مساكين، وإن لم يقدر المكفّر فصيام ثلاثة أيّام؛ للروايات(4)المتكثّرة المنجبرة بفتوى المشهور، والصحيح(5)الدالّ على ذلك، وهو وإن اشتمل على الأمر بها على مَنْ أفطر بعد العصر لكنّه حيث لا قائل به وحيث إنّه كثيراً مّا يُطلق «العصر» على ما بعد الزوال، كان المراد بالعصر هنا هو ما بعد الزوال؛ لدخول وقت العصر فيه بعد مضيّ مقدار أربع ركعات الظهر.
وفي كثيرٍ من الأخبار أنّ على مَنْ أفطر في قضاء رمضان كفّارة رمضانيّة(6)، وأفتى به
1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 418 - 419، المسألة 134.
2) وسائل الشيعة 10: 348 الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 4.
3) المصدر : 347 - 349 ، ح 201، 5.
4) منها : ما في المصدر : 347، ح 1.
5) المصدر : 347 - 0348 ح 2.
6) المصدر : 348 - 349، ج 3، 5: مستدرك الوسائل 7: 454. الباب 21 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1.
جملة من الأصحاب(1)، وهو أوفق بالاحتياط، ولكنّ الأخبار الأول - لصحّة بعضها، وانجبارها بفتوى المشهور، وبُعدها عن مذهب العامّة - أرجح، فالعمل بها متعيّن والحمل على التخيير بعيد، واحتماله ضعيف كضعف مَنْ ذهب إلى التخيير بين الإطعام والصيام(2)، أو مَنْ ذهب إلى إيجاب كفّارة اليمين(3)لعدم دليل صالح عليهما.
عاشرها: مَنْ أفطر يوماً منذوراً معيّناً أو معاهداً عليه وجب قضاؤه والكفّارة من غير خلافٍ، والأخبار(4)، دالّة على ذلك.
والكفّارة كبرى رمضانيّة، وفاقاً للمشهور، والاحتياط والأخبار الواردة في النذره(5)، المنجبرة بفتوى المشهور، وبالإجماع المنقول(6)، وبما جاء في كفّارة العهد(7)، وهو والنذر بحكمٍ واحد، وبمخالفة العامّة.
وبذلك تُرجّح على الأخبار الدالّة على أنّها كفّارة يمين(8)وإن كان فيها الصحيح وغيره، فلا بدّ من طرحها أو حملها على حالة العجز عن أداء المنذور، وتكون ككفّارة الشيخ والشيخة، أو على حالة العجز عن أداء الكفّارة الكبرى، وقد ورد أنّ «مَنْ عجز عن نذرٍ نذره فكفّارته كفّارة يمين»(9)وبهذا يصحّ الجمع بين الأخبار.
وأمّا الصحيح الوارد بالأمر بإطعام سبعة مساكين على مَنْ لم يصم اليوم المنذور(10). فلا قائل به وحمله على التحريف بتبديل العشرة بالسبعة بعيد وأقرب منه الحمل على تصحيف «سبعة» ب- «شبعه» بالشين المعجمة
1) منهم : ابن حمزة في الوسيلة : 147 : والصدوق في المقنع : 200 ؛ ووالده على ما في مختلف الشيعة 3 : 418، المسألة 134.
2) ذهب إليه الحلبي في الكافي في الفقه : 184.
3) ذهب إليه ابن البرّاج في المهذّب 1: 203.
4) وسائل الشيعة 10 : 1378 - 379 ، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب.
5) المصدر : 378 - 379، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، ح 1 - 3 و 22 : 394، الباب 23 من أبواب الكفارات، ح 7.
6) الانتصار : 194 - 195 ، المسألة 90 الخلاف 2 : 193 - 194، المسألة 44
7) وسائل الشيعة 22 : 395، الباب 24 من أبواب الكفارات؛ و 23 : 327، الباب 25 من أبواب كتاب النذر والعهد، ح 4.
8) المصدر 22 : 392 - 393، الباب 23 من أبواب الكفّارات، ح 1، 3 - 6.
9) المصدر : 393، ح 5.
10) المصدر 10 : 379 ، الباب 7 من أبواب بقيّة الصوم الواجب ، ح 4.
يجب القضاء دون الكفارة بأمور:
أحدها من استعمل المفطر والفجر طالع من دون اعتبار للفجر بنفسه، ومن دون مراعاة له القدرة على المراعاة له بنفسه، سواء كان ظانّاً ببقاء الليل أو شاكاً أو ظاناً انتهاءه، وسواء مع أخبره مخبر ببقاء الليل أم لا، كان المخبر عدلاً أم لا، تعدّد العدل أم لا، في وجه قوي، وسواء أخبره مخبر بطلوع الفجر أم لا، كان المخبر عدلاً أم لا، تعدد المخبر في وجه قويّ أم لا.
وبيان هذه الأحكام يظهر ببيان أمور:
الأوّل: يجوز لمن لم يراع تناول المفطر، ظنّ بقاء الليل أو ظنّ انتهاءه أو تردّد؛ للأصل، ولحجّيّة الاستصحاب في حالة الاختيار والاضطرار وحالة التمكّن وعدمه، وليس حجّيّة الاستصحاب مخصوصةً بحالة عدم التمكّن من المراعاة، كما هو الأقوى في سائر التكاليف، وإن كان الأحوط مع الظنّ بالعجز التجنّب سيّما لو كان المخبر عدلاً، بل يقوى القول بحرمة استعمال المفطر عند شهادة شاهدين عدلين بطلوع الفجر؛ لعموم أدلّة حجّيّة شهادة الشاهدين.
الثاني: مَنْ تناول المفطر وشكّ في مصادفته الفجر وعدمها، تعارض أصلا تأخّر الحادث وتأخّر كلٍّ منهما عن الآخَر، وبقي أصل صحّة العمل سليماً عن المعارض ومؤيَّداً باستصحاب بقاء الليل، ولا يتفاوت الحال بين الموسّع والمضيّق.
الثالث: مَنْ لم يتمكّن من المراعاة لعجزٍ أو عمى ونحوهما وتناول المفطر عند ظهور الفجر، لا شيء عليه في صوم شهر رمضان؛ لفتوى الأصحاب، وظاهر الإجماع المنقول(1)في الباب.
ويلحق به كلّ معيّنٍ؛ لتنقيح المناط، ولعموم دليل نفي العسر والحرج(2).
وفي صوم الموسّع إشكال: من ظاهر إطلاقهم، ومساواة جاهل الموضوع للناسي، وشمول
«ما لا يعلمون»(1)له، ومن أنّ الأصل ها هنا فساد الصوم بتناول المفطر، والأصل مانعيّة ما يُشكّ في مانعيّته.
والمفهوم من أدلّة المفطرات و من قوله علیه السّلام: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربعاً»(2)هو حصول الإفطار بتناول كلّ مفطرٍ، خرج الناسي والملجأ ومَنْ هو بحكمهما، وبقي الباقي داخلاً تحت حكم التفطير، كالجاهل بالموضوع من دخول نهارٍ أو هلال شهر.ٍ
الرابع: مَن استعمل المفطر بعد مراعاته للفجر فلم يره وظنّ بطؤه إلى انتهاء فعله، فصادف الفجر وظهر خطؤه، صحّ صومه إذا كان في رمضان؛ للأخبار(3)المتكثّرة، ولفتاوى الأصحاب، وللإجماع المنقول(4).
أمّا لو شكّ في بقاء الليل إلى إتمام فعل المفطر، أو ظنّ عدم بقائه فأقدم، ففي صحّة الصوم وعدم القضاء إشكال؛ لأنّ الظاهر أنّ الرافع للقضاء ليس هو مجرّد المراعاة، بل هي مع الاطمئنان بعدم ظهور الفجر قبل تمام تناول المفطر.
والأقوى إلحاق كلّ معيّنٍ بشهر رمضان مع المراعاة؛ لمساواته له في المعنى، ما عدا المندوب المعيّن فإنّه كالموسّع.
وأمّا غير المعيّن فالأقوى العدم؛ لإطلاق الأخبار(5)الدالّة على عدم صحّة الصوم ممّن تناول المفطر بعد طلوع الفجر والأمر بقضاء المعيّن وإعادة الموسّع، ولأنّ الأصل الفساد، وغاية ما خرج من ذلك شهر رمضان مع المراعاة، ويلحق به المعيّن، فيبقى الباقي على الأصل.
وما ورد - في الصحيح - : فيمن أمر الجارية بالنظر فأخبرته بعدم طلوع الفجر، فتبيّن خطؤها حين نظرت فقال: «اقضِهِ، أما أنّك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شيء»(6)فهو ظاهر في شهر رمضان ومثله؛ لمكان قوله: «اقضِهِ» فإنّ الموسّع لا يترتّب عليه قضاء، بل هو أداء في كلّ وقتٍ.
1) راجع الهامش ( 4 ) من ص 267.
2) وسائل الشيعة 10 : 31 ، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ... ، ح 1 وذيله .
3) المصدر : 115 - 116، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 3 و 118، الباب 46 من تلك الأبواب.
4) الانتصار : 189 ، المسألة 86
5) وسائل الشيعة 10 : 116، الباب 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
6) المصدر : 118 ، الباب 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك
وبالجملة، فالأخبار جاءت متكثّرة دالّة على الأمر بالقضاء لمن أكل بعد طلوع الفجر في شهر رمضان وغيره(1)، وما جاء في تقييدها في الأخبار الأخَر بعدم المراعاة(2)ظاهر في شهر رمضان أو المعيّن، فيبقى الباقي على القاعدة.
القضاء الخامس : مَنْ لم يراعِ الفجر وهو متمكّن من المراعاة فتناول المفطر والفجر طالع وجب عليه دون الكفّارة؛ للاحتياط، والإجماع المنقول(3)، وللأخبار العامّة والخاصّة الدالّة على أنّ مَنْ لم ينظر يجب عليه القضاء، ولا يجزئ نظر غيره عنه ولو بالوكالة؛ لما ورد من الأمر بالقضاء على مَنْ أمر الجارية بالنظر فأخبرته بعدم طلوع الفجر وتبيّن خطؤها(4).
نعم، مع إخبار العدلين قد يقال بعدم وجوب القضاء؛ لكونهما حجّةً شرعيّة.
السادس: مَنْ لم يراع فأخبره مخبر بطلوع الفجر فلم يسمعه فلا شكّ في ثبوت القضاء؛ لعمومات الأدلّة(5)، وخصوص الرواية(6)الدالّة على ذلك، وفتاوى الأصحاب، ولكنّ الإشكال في ثبوت الكفّارة، والأظهر ثبوتها مع شهادة العدلين، كما أنّ الأحوط ذلك مع العدل الواحد. ولا شيء مع إخبار الفاسق إلّا مَنْ كان فرضه التقليد، فإنّ الكفّارة تثبت عليه.
ثانيها: مَنْ استعمل المفطر تقليداً بدخول الليل فتبيّن بقاء النهار فإنّه يجب عليه قضاء يومه، سواء كان المقلّد - بفتح اللام - واحداً أم متعدّداً، وسواء كان مخبراً له أم مجتهداً، وسواء كان عدلاً أو فاسقاً، وسواء كانت في السماء علّة أم لم يكن، وسواء كان المقلّد أعمى أم لم يكن للعمومات الدالّة على وجوب القضاء على مَنْ تناول المفطر عمداً(7)، الشاملة لجميع ذلك، ولإشعار ما دلّ على وجوب القضاء على مَنْ استعمل المفطر ركوناً إلى مَنْ
1) وسائل الشيعة 10 : 115 و 116، الباب 44 و 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
2) المصدر : 115 - 116 ، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 3.
3) راجع الهامش (1) من ص 299.
4) راجع الهامش (6) من ص 300.
5) وسائل الشيعة 10 : 115، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
6) المصدر : 118 - 119 ، الباب 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 1.
7) راجع الهامش (5).
أخبره ببقاء الليل(1)بذلك، بل الحكم بالقضاء هنا أولى.
و جواز الإفطار لمن قامت عنده بيّنة بدخول الوقت - إن حكمنا به في الصحو - لا ينافي ثبوت القضاء، وكذا فيما إذا كان في السماء علّة وجوّزنا التقليد أو الأخذ بقول الغير مطلقاً، فإنّ تجويز الإفطار رافع للإثم والكفّارة، وليس برافعٍ للقضاء، وكذا الأعمى ونحوه ممّن كان فرضه التقليد.
وهذا لا ينافي ما سيأتي - إن شاء الله تعالى(2)- من عدم وجوب القضاء على مَنْ أفطر ظاناً صيرورة المغرب من الأُمور المفيدة للظنّ إذا كانت في السماء علّة؛ لأنّ مورده ما إذا حصل الظنّ للمفطر نفسه، وكان مختبراً للمظنون معتبراً له بنفسه من غير واسطةٍ، فإنّ المفطر والحال هذه لا يجب عليه القضاء.
والأقوى وجوب الكفّارة مع القضاء في صورة الإفطار ركوناً لقول الغير مع إمكان الاختبار والاعتبار وعدم العلّة فى السماء إذا كان المخبر واحداً فاسقاً، أو عدلاً على الأظهر؛ لعدم ثبوت حجّيّة خبر العدل مطلقاً، سواء أخبر عن اجتهادٍ أو عن قطعٍ. نعم، لو أخذ به لكونه أحد الطرق المفيدة للظنّ عند الاختبار والاعتبار وكانت في السماء علّة، فلا كفّارة، بل ولا قضاء على الأظهر.
ثالثها: يجب القضاء إذا اعتقد دخول الليل في الصحو فتبيّن خطؤه، أو توهّم أو شكّ بدخول الليل لظلمةٍ موهمةٍ لذلك أو سحاب أو ريح أو غيرها فأفطر، أو ظنّ بدخول الليل لظلمةٍ ونحوها ممّا لا يفيد ظنّاً لأغلب الناس بل تفرّد بنفسه فتبيّن خطوه، كلّ ذلك للاحتياط ولعموم الأخبار(3)، بل تجب الكفّارة أيضاً مع القضاء لو تناول المفطر مع الشكّ والوهم والظنّ الضعيف الذي لا يعتدّ به سائر الناس إذا تبيّن الاشتباه بعد ذلك، بل ولو لم يتبيّن الاشتباه، كما إذا استمرّ الشكّ إلى الليل؛ لعمومات القضاء(4)بعد الحكم ببقاء النهار استصحاباً.
أمّا لو حصل له ظنُّ عاديٌّ بالغروب وكانت في السماء علّة فأفطر فتبيّن خطؤه، فالأقوى عدم وجوب القضاء، سواء كان الظنّ غالبيّاً أو ظناً متعارفاً؛ للشكّ في ثبوت القضاء، وشمول أدلّته لمثل هذه الصورة، والأصل ،عدمه، ولفتوى جملةٍ من الأصحاب(1).
ولما دلّ على أنّ المرء متعبّد بظنّه(2)، سيّما في خصوص هذا المقام؛ للاتّفاق المنقول(3)على جواز الإفطار مع الظنّ إذا كانت في السماء علّة، ولفحوى ما دلّ على جواز اتّباع الظنّ في الصلاة(4)، والأمر يقضي بالإجزاء.
ولخصوص الأخبار الواردة في المقام، المشتملة على الصحيح وغيره، الدالّ بعضها على عدم وجوب القضاء على مَنْ ظنّ الغروب فأفطر فتبيّن خطأ ظنّه(5)بقولٍ مطلق، ولا قائل به مع عدم وجود العلّة في السماء والتمكّن من الاختبار، إلّا شاذّ من أصحابنا (6)لا يُلتفت إليه، وتردّه الأخبار والأُصول وكلمات الأصحاب، فلا بدّ أن يحمل على الظنّ مع وجود العلّة، والدالّ بعضها على خصوص نفي القضاء عمّن أفطر من جهة ظلمة السحاب، فلمّا انجلى تبيّن خطأ ظنّه (7)، والدالّ بعضها على أنّ مَنْ صلّى وغاب القرص ثمّ رآه بعد ذلك أعاد الصلاة ومضى صومه(8)، بحمله على مَنْ ظَنّ غيبوبة القرص لعلّةٍ في السماء فانكشف خلافه؛ إذ لا قائل بعدم الإفطار بمجرّد عدم رؤية القرص.
وذهب جمعٌ من أصحابنا(9)إلى وجوب القضاء؛ لعموم الأدلّة الآمرة بالقضاء على مَنْ أفطر(10)، وخصوص خبر سماعة في قومٍ غشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فرأوا
1) منهم: الصدوق في الفقيه 2 : 121، ذيل الحديث 1904؛ والشيخ الطوسي في النهاية: 155؛ وابن البراج في المهذب 1: 192.
2) لم نعثر عليه.
3) مدارك الأحكام 6 : 95 .
4) وسائل الشيعة 8 : 217 - 218، الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 8، 5، 9
5) المصدر 10 : 123 ، الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 2.
6) السبزواري في ذخيرة المعاد : 502
7) وسائل الشيعة 10 : 123، الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 3، 4.
8) المصدر : 122، ح 1.
9) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة : 358؛ والسيّد المرتضى في جُمل العلم والعمل : 97؛ والشيخ الطوسي في المبسوط 272 - 271
10) راجع الهامش (7) من ص 267.
أنّه الليل فأفطر بعضهم، ثمّ إنّ السحاب انجلى فإذا الشمس طلعت، فقال: «على الذي أفطر صيام ذلك اليوم»(1)والشهرة المنسوبة للقدماء(2).
ولا يخلو الكلّ من ضعفٍ؛ لتخصيص العموم بما تقدّم(3)من الأدلّة، ولعدم معارضة الرواية لما تقدّم، فلا بدّ من طرحها، أو حملها على الاستحباب، أو حملها على التقيّة.
وحملها بعض الأصحاب على حصول الظنّ الضعيف والأخبار المتقدّمة على غلبة الظن(4)، وبعضهم على الظنّ الغير الشرعي والأوّل على الظنّ الشرعي(5)وكلاهما بعيد.
وقد تُحمل الرواية على إرادة إتمام صيام ذلك اليوم من قوله علیه السّلام : «على الذي أفطر صيام ذلك اليوم» دفعاً لتوهّم أنّ الإفطار في الأثناء يبيحه في الباقي، ولا ينافيه قوله علیه السّلام بعد ذلك: «فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه لأنّه أكل متعمّداً» لإمكان حمله على بيان إرادة حكم الأكل متعمّداً لردع مَنْ أكل ظانّاً بالغروب عن الأكل بعد ذلك؛ لانصراف الأكل عمداً لغير المتناول ظانّاً.
وأمّا الشهرة فهي حجّة لو خليت عن المعارض، والمفروض وجود ما يقوى عليها من المعارض، ومع ذلك فالأحوط القضاء عند ظهور الخطأ، سيّما مع الإفطار بمجرّد حصول الظنّ وإن لم يكن قويّاً بحيث يقارب الاعتقاد بل الأحوط اجتناب المفطر - وإن حصل الظنّ وكانت في السماء علّة - إلى حصول اليقين؛ تجنّباً عن خلاف جمع من أصحابنا(6)حيث أوجبوا اليقين، فلو فَعَل كان الاحتياط في القضاء وإن لم يظهر الخلاف، كما أنّ الأعمى والمحبوس ومَنْ لم يكن له طريق إلى العلم عليه العمل بالظنّ، ولا يبعد لزوم القضاء عليه إذا انكشف الخلاف.
رابعها: مَنْ تمضمض فدخل الماء حلقه من غير قصدٍ، وكانت مضمضته عبثاً أو تبرّداً أو استعانةً على حملان العطش، وجب عليه القضاء وإن جاز فعله.
أمّا وجوب القضاء فيدلّ عليه فتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(1)في الباب، والأخبار: منها: رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطشٍ فدخل حلقه، قال: «عليه القضاء»(2).
ومنها: «وإن تمضمض في غير وقت فريضةٍ فدخل الماء حلقه فعليه الإعادة»(3).
وأمّا الجواز فيدلّ عليه الأصل، وفتوى المشهور.
ومرسل حمّاد (4): عن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء وهو صائم، قال: «ليس عليه شيء إذا لم يتعمّد ذلك» قلت: فإن تمضمض الثانية فدخل في حلقه الماء؟ قال: «ليس عليه شيء» قلت: فتمضمض الثالثة؟ قال: «قد أساء، ليس عليه شيء ولا قضاء»(5)وهو ظاهر في أنّ المراد بقوله: «ما لم يتعمّد» تعمّد الإدخال في الحلق لا تعمّد المضمضة.
والخبر الآخَر: «والأفضل للصائم أن لا يتمضمض»(6).
والآخَر: عن الصائم يتمضمض ويستنشق، قال: «نعم»(7).
ولا يعارض ذلك ما ورد في ضعيف الأخبار من إيجاب الكفّارة على مَنْ تمضمض (8)لظعفه عن المقاومة؛ لشذوذه وعدم العامل به.
وكذا ما يظهر من بعض الأصحاب من تحريم المضمضة للعبث وإيجابها القضاء والكفّارة(9) لعدم العثور على دليله.
واعلم أنّ الذي يقتضيه الأصل والقاعدة ها هنا عدم الإفطار بسبق الماء إلى الحلق؛ لأنّ المضمضة جائزة، ودخول الماء قد وقع سهواً أو اضطراراً، وكلُّ منهما لا يوجب إفطاراً ولا قضاءً؛ لأصالة عدمه، وعدم ثبوته إلّا بأمرٍ جديد، وليس فليس.
1) الانتصار : 187 - 188، المسألة 85؛ الخلاف 2 : 215 - 216 ، المسألة 76؛ غنية النزوع 1: 139.
2) وسائل الشيعة 10 : 71، الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.... ح 4.
3) المصدر ، ح 3
4) في المصدر : موثق عمار.
5) المصدر : 72، ح 5
6) المصدر : 71، ح 3.
7) المصدر، ح 2.
8) المصدر : 69 - 70 الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 1.
9) الشيخ الطوسي في الاستبصار ،2 : 94 ذيل الحديث 303؛ وتهذيب الأحكام 4 : 214، ذيل الحديث 620.
ويشعر بذلك الخبر الحاصر(1)أيضاً؛ لظهور الشراب في غير السابق من المضمضة، ويدلّ عليه صريحاً مرسل حمّاد(2).
فعلى ما ذكرنا يختصّ وجوب القضاء بمن تمضمض عبثاً أو تبرّداً فسبق إلى حلقه الماء، وأمّا مَنْ تمضمض لصلاة فريضة أو نفليّة، أو لمجرّد الطهارة لأمرٍ آخَر، أو للتداوي، أو لإزالة النجاسة، أو لتنظيف الفم عن الطعام أو الأوساخ، أو كان ساهياً في أصل مضمضته، أو كان مكرهاً عليها، فعلى القاعدة لا يجب القضاء عليه.
نعم، قد ورد في الصحيح نفي القضاء عن وضوء الفريضة، وإثباته لوضوء النافلة(3)، فيكون إثباته لغيره بالطريق الأولى.
وورد أيضاً أنّ «مَنْ تمضمض في غير وقت فريضةٍ فدخل الماء حلقه فعليه الإعادة»(4) فيشمل كلّ مضمضةٍ ما عدا ما تكون للفريضة.
وورد أيضاً أنّ مَنْ تمضمض عليه القضاء إلّا أن يكون لوضوءٍ فلا بأس(5).
والجمع بين هذه الأخبار يقضي بثبوت القضاء في غير وضوء الفريضة مطلقاً؛ حملاً لما دلّ على نفى البأس عن مضمضة الوضوء على وضوء الفريضة، جمعاً بين المطلق والمقيّد؛ لأنّ إثباته في وضوء النافلة يقضي بالأولويّة في ثبوته بمطلق الوضوء ما عدا وضوء الفريضة، وحينئذٍ يدور الأمر بين الأخذ بهذه الأخبار، فنحكم بثبوت القضاء فيما عدا ما يكون للفريضة، وبين الأخذ بالأصل والقاعدة وظاهر كلام كثيرٍ من الأصحاب والإجماع المنقول(6)على عدم لزوم القضاء على مَن تمضمض للصلاة مطلقاً نفلاً أو فرضاً، وحمل ما دلّ على القضاء في وضوء النافلة(7)على الندب والترجيح للأخير على الأظهر؛ لحصول الوهن للروايات المفصّلة بالإجماع المنقول وبفتوى المشهور بخلافها وإعراض جُلّ الأصحاب عنها.
والأقوى عدم إلحاق الاستنشاق في الحكم المذكور بالمضمضة؛ لعدم النصّ عليه في الأخبار، فيبقى على القاعدة من عدم إيجاب القضاء على مَنْ سبق الماء إلى حلقه منه.
نعم، لو قصد إيصاله إلى الحلق فالأحوط القضاء والكفّارة، كما أنّ الأحوط إجراء حكم المضمضة عليه؛ للإجماع المنقول في الغنية (1)على اتّحادهما في الحكم.
وكذا الأحوط إلحاق التقطير في الأُذن أو العين به.
والأظهر إلحاق الفريضة المعادة والاحتياطيّة والمنذورة بالفريضة الأصليّة، وما قصد للفريضة والنافلة يغلب عليه حكم الفريضة.
بحث : الأحوط للصائم القضاء بأُمور:
منها: ما تقدّم في طيّ المباحث السابقة.
ومنها: مَنْ لمس أو قبّل أو لاعب وأمنى وكان واثقاً من نفسه، فإنّ الأحوط له القضاء تفصّياً عن شبهة الإطلاق؛ للمنع فتوىً وروايةً(2).
ومنها: مَنْ نظر أو استمع أو تخيّل فأمنى وكان واثقاً من نفسه، فالأحوط له القضاء، سيّما لو كان المتعلّق محرّماً؛ للخروج عن شبهة الخلاف.
ومنها: مَنْ أدخل شيئاً في فمه فابتلعه سهواً أو غفلةً، فالأحوط القضاء؛ لإشعار روايات المضمضة(3)به.
ومنها: لو ابتلع شيئاً ممّا بين أسنانه سهواً، فالأحوط القضاء؛ لتفريطه في التخليل. ومنها : لو صبّ الدواء في الإحليل حتّى يصل إلى الجوف، بل لو صبّ المائع إلى الجوف من المنافذ الخلقيّة ما عدا الفم، بل وغير الخلقيّة من طعنةٍ وجرحٍ وغيرهما، بل وغير المائع، فالأحوط القضاء؛ خروجاً عن شبهة مَنْ جعل التقطير دائراً مدار الإيصال للجوف.
ومنها: لو ابتلع النخامة النازلة من الرأس بعد وصولها إلى الفم، فالأحوط القضاء؛ خروجاً عن شبهة مَنْ أوجب الإفطار بها مطلقاً، أو بعد وصولها إلى الفم، أو خصوص الثانية دون
الأُولى، بل الأحوط الكفّارة، بل كفّارة الجمع؛ لشبهة أنّه إفطار على محرَّمٍ.
ومنها: لو ابتلع الريق إذا كان فيه طعم من علكٍ وشبهه، فالأحوط فيه القضاء؛ خروجاً عن شبهة مَن أوجب التفطير به، ومن بعض الأخبار الناهية عن مضغ العلك للصائم(1)، وحملها على الكراهة وإن كان هو الأقوى؛ لمعارضتها للأخبار المجوّزة(2)وفتوى المشهور من الأصحاب إلّا أنّ الاحتياط أجمل.
ومنها: السعوط الواصل إلى الدماغ وإن لم يصل إلى الحلق، فالأحوط فيه القضاء؛ خروجاً عن شبهة مَنْ أوجب القضاء والكفّارة؛ استناداً إلى أنّ الدماغ جوف، وكلّ ما وصل إلى الجوف مفطر، وإلى بعض الروايات الدالّة على كراهته(3).
والمقدّمتان الأوّلتان ممنوعتان والروايات محمولة على الكراهة، بل هي صريحة فيها؛ لورودها بلفظ «يكره» ولإعراض الأصحاب عن الحكم بالمنع منه، ولكنّ الاحتياط أجمل.
بحث : لا يصحّ الصوم بأنواعه ليلاً لا كلّاً ولا بعضاً، ومَنْ نذر صيام الليل منفرداً أو صيام الليل والنهار على أنّها عبادة واحدة بطل ،نذره، ومَنْ نذر صوم الليل والنهار على أنّهما عبادتان صحّ فيما يصحّ وفسد فيما يفسد.
ولا يصحّ صوم العيدين؛ إجماعاً وضرورةً، ولا أيّام التشريق لمن كان بمنى بإجماع علمائنا.
ومَنْ نذر صوم يوم العيد أو أيّام التشريق فسد صومه.
ومَنْ نذر صوم أوّل شهر أو عاشره أو أوّل كلّ شهرٍ أو غد أو بعد غد أو اليوم السابع أو العاشر من نذره أو السبت الآتي أو نحو ذلك، وهكذا، فصادف المنذور أيّام العيد، بطل نذره، ولا شيء عليه، عالماً كان بالمصادفة أو جاهلاً؛ للأصل السالم عن المعارض.
ومَنْ نذر صوم يومٍ من أيّام الأسبوع غير متفطّنٍ لمصادفته، فصادف يوم عيدٍ، انحلّ نذره، وعليه القضاء.
والفرق: أنّ الأوّل معلوم عيديّته؛ لأنّ أوّل شوّال وعاشر ذي الحجّة عيد قطعاً لا يمكن
انفكاكه عنهما، بخلاف يوم السبت ونحوه فإنّه قد يكون عيداً وقد لا يكون.
والدليل على وجوب قضاء متعلّق النذر في الثاني الروايات، وفيها: الصحيح: كتبت إليه يعني أبا الحسن علیه السّلام- يا سيّدي رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر، أو أضحى، أو يوم جمعة أو أيّام التشريق، أو سفراً أو مرضاً، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه، أو كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه: «قد وضع الله تعالى عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها، ويصوم يوماً بدل يوم إن شاء الله»(1).
والطعن فيها بالتعليق على المشيئة لا وجه له؛ لوجودها في كثير من الأخبار للتيمّن والتبرّك، أو لحمل المخاطب على الفعل بمشيئة الله تعالى، كما أنّ الطعن فيها باشتمالها على وضع صوم الجمعة - الذي لا يقوله أحد - مردود أوّلاً بالتزام زيادة «أو يوم جمعة» في الرواية؛ لعدم وجودها في الرواية الأُخرى(2)، ولعدم صحّة المعنى؛ لأنّ المنذور في قوله: «يوماً من الجمعة» إمّا أن يراد به يوماً مّا من الأُسبوع، فلا يصحّ أن يقال: إنّه وافق يوم جمعة، أو يراد به يوماً معيّناً منه إمّا الجمعة أو غيرها، وكلاهما لا يصحّ أيضاً أن يقال: إنّه وافق يوم جمعة. وثانياً بالحمل على إرادة معنى الواو من لفظ «أو» وهو قريب بحسب القرائن والسياق.
و فیه مسائل:
الأولى: لا يصحّ الصوم من الكافر حتّى يسلم وإن وجب عليه؛ لشمول الخطابات له وقدرته على الإسلام والقدرة على تحصيل الشرط تسوّغ التكليف بالمشروط، خلافاً لبعض المتأخّرين حيث إنّهم قصروا الخطابات على المسلمين والمؤمنين(1)حيث إنّ الكثير منها مصدّر بهم، فيُحمل ما خلا عنها عليهم. وهو عجيب غريب.
نعم، في المرتدّ الفطري الذي لا يقبل منه الإسلام يشكل تعلّق الخطاب به مع عدم قدرته على الإسلام؛ لعدم قبوله منه، فلا بدّ إمّا القول بالتزام أنّ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، فيتعلّق به الخطاب وإن لم يكن مقدوراً له فعله، أو التزام ارتفاع التكليف والعقاب عنه وإن ترتّب العقاب على ما لا يفعله؛ لعدم التلازم بين الخطاب والعقاب، لوقوع رفعه باختياره، أو التزام قبول توبته باطناً لا ظاهراً ؛ جمعاً بين ما جاء من عدم قبول توبته(2)وما جاء من تعلّق التكليف به(3).
الثانية: لا يصحّ من المجنون، ولا يخاطب به عقلاً ونقلاً؛ إجماعاً وسنّةً، سواء طرأ الجنون ابتداءً أو استدامةً، صبحاً أو عصراً، فلو طرأ لحظة واحدة فسد صوم ذلك اليوم، وانكشف عدم تعلّق الوجوب به وعدم قضائه؛ لأنّ الصوم لا يتبعضّ، وللشكّ في شمول خطابات الصوم له.
وجعل بعضهم طروء الجنون بعد انعقاد نية الصوم غير مفسدٍ، سيّما لو كان لحظةً قليلة(4)وهو باطل.
الثالثة: لا يصحّ ولا يجب من المغمى عليه ولو لحظةً واحدة ولو سبقت منه النيّة؛ لفتوى المشهور، والشكّ في شمول الخطابات لمثله، ولأنّ زوال العقل مسقط للتكليف، فلا يصحّ منه مع السقوط، ومع البرء منه لا يصحّ أيضاً؛ لأنّ الصوم لا يتبعّض، واغتفاره في النوم للدليل، ولأنّه عاديّ لا ينفكّ عنه الطبع البشري، فيصحّ الصيام معه دون غيره، وللاستقراء الحاصل من تتبّع الأدلّة أنّ ما أفسد بعض الصوم أفسد كلّه، وأنّ ما يفسد إذا استوعب الكلّ يفسد إذا حصل في البعض، ولأنّ سقوط القضاء يستلزم سقوط الأداء، والأوّل ثابت فيثبت الثاني.
وهذه كلّها لا تخلو من مناقشةٍ، سيّما الأخير؛ لأنّ سقوط القضاء يجامع صحّة الأداء وفساده، كما أنّ وجوبه يجامع وجوب الأداء وعدمه؛ لأنّه فرض مستأنف، لكن مجموعها لا يخلو من حصول الظنّ به للفقيه في الحكم الشرعي.
الرابعة: لا يصحّ من الحائض والنفساء ولو في جزءٍ من النهار ، ولا يجب عليهما؛ للإجماع، والأخبار 1 المستفيضة.
نعم، يستحبّ للحائض الإمساك إذا جاء الحيض بعد الزوال؛ لدلالة بعض الأخبار(1)على ذلك.
ولا يصحّ من المستحاضة بدون الأغسال النهاريّة وإن وجب عليها، فيجب الغسل من باب المقدّمة.
الخامسة: لا يصحّ من الصبيّ ولا يجب عليه؛ إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(2).
نعم، يندب من المميّز، وعبادته شرعيّة على الأظهر لا تمرينيّة.
وندبه على الصبيّ دلّ عليه الإجماع، والأخبار عن الأئمّة الأطهار(3).
ويصحّ من النائم، سواء نام بعدما نوى وصام، أو بعدما نوى فقط فنام حتّى مرّ عليه كلّ النهار وهو نائم، واحتساب ذلك صوم له للدليل، وإلّا فالخطاب منتفٍ في حقّه؛ إذ تكليف مَنْ لا يعقل قبيح.
والدليل على صحّة صوم النائم بعد سبق النيّة إجماع الأصحاب، والسيرة القطعيّة في الباب، وأدلّة نفي الحرج والعسر(1)، وإطلاق الأخبار بأنّ نوم الصائم عبادة(2). وتندفع بذلك شبهة امتناع التكليف للنائم ابتداءً واستدامةً؛ لأنّ بقاء الإدراك شرط التكليف مطلقاً، ولا إدراك للنائم بوجهٍ من الوجوه.
ووجه اندفاعها بما ذكرناه، لا بما يتكلّف من الفرق بين ذهاب العقل أصلاً وانتفائه رأساً، وبين استتاره لطروء المانع من نومٍ أو غفلةٍ أو نسيانٍ؛ لبقاء الإدراك في الأخير في خزانة الخيال، فيصحّ معه التكليف بخلاف الأوّل؛ وذلك لضعف هذا التكليف، وعدم صلوحه فارقاً لتعلّق التكليف بالنائم دون غيره؛ لأنّ القبح دائر مدار عدم الشعور والإدراك، سواء كان لسلبه ابتداء أو لاحتجابه من جهة وجود المانع، فتكلّف الفرق غير مُجْدٍ حينئذٍ.
السادسة: لو بلغ الصبيّ في الأثناء أتمّ صومه ندباً لا وجوباً للأصل السالم عن المعارض من وجوب الإتمام سوى الأوامر بالصيام، وهي منصرفة لمن اتّصف بالقابليّة لها في ابتداء التكليف.
وقيل بوجوب الإتمام عليه (3)، وهو أحوط.
ويجوز أمر الصبيّ بالصيام عند حصول التمييز له والقدرة على الصوم، ويكون صومه شرعيّاً على الأظهر، ولا حدّ له على الأظهر؛ جمعاً بين الأخبار الدالّ بعضها على تحديد الأمر لهم بالتسع (4)، وبعضها بالسبع(5)، وبعضها بالقدرة على صيام ثلاثة أيّام متتابعات(6)، وبعضها: «إذا قوي»(7)وبعضها: «إذا أطاقه»(8)ولكنّ الغالب في ذلك حصوله عند بلوغ التسع كملاً، وأدنى منه حصوله عند كمال السبع كملاً.
1) راجع الهامش ( 4 ) من ص 268.
2) وسائل الشيعة 10 : 136 - 137 ، الباب 2 من أبواب آداب الصائم، ح 2، 3.
3) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 203:2، المسألة 57
4) وسائل الشيعة 10 : 234 و 236 - 237 الباب 29 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 3، 11.
5) المصدر : 234، ح 3.
6) المصدر : 235، ح 5
7) المصدر : 234 و 236، ح 2، 10.
8) المصدر : 236، ح 9
وفي الأخبار: أنّ الصبيّ يصوم ما قدر عليه من النهار كلّاً أو بعضاً(1).
والظاهر أنّ صوم بعض النهار ليس بصومٍ شرعيّ، بل هو تمرين، وغايته القدرة على الصيام الشرعيّ.
ويحتمل أنّه صوم شرعيّ في حقّهم وعبادة خاصّة، وله قدر من الثواب يختصّ به. ويجوز أن ينويه الصبيّ من الليل، وهو قريب.
السابعة: يُعرف البلوغ بالاحتلام، وهو خروج المنيّ منه في النوم، كما نطق به الكتاب والسنّة.
قال الله تعالى: «حَتَّى يَبْلُغُوا الحُلُمَ»(2).
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: «رُفع القلم عن الصبيّ حتّى يحتلم»(3)وغيره في الأخبار الكثيرة، ودلّ عليه الإجماع.
ولا فرق بين خروجه في النوم أو اليقظة، لقوله تعالى: «حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ» (4)وللإجماع على عدم الفرق، ولا بين المرأة والرجل؛ للإجماع أيضاً، ولا بين خروجه من الموضع المعتاد وغيره على الأظهر؛ لكون المنيّ علامة الفحولة، فلا يتفاوت بين خروجه من المعتاد وغيره.
ويُعرف بنبات شعر العانة في الرجل والامرأة؛ للأخبار(5)والإجماع.
ويُعرف بنبات اللحية في الرجل على الأظهر وإن كانت علامةً متأخّرة.
ويُعرف بحصول الحيض والنفاس للامرأة للأخبار(6)والإجماع. وهُما علامتان متأخّرتان، إلّا أنّهما موقوفتان على العلم العادي أو الشرعي بكون الدم حيضاً أو الواقع حملاً.
ويُعرف بحصول مجموع خواصّ لا يكون واحد منها في غير البالغ عادةً، ككثرة شعر البدن في الشارب أو الإبطين، وغلظ الصوت، وظهور رائحة الآباط، ونتوء الثديين، وانشقاق طرف الأنف، وكثرة الشهوة والميل للنكاح، وغير ذلك.
ويُعرف بلوغ الامرأة ببلوغها تسع سنين تامّة عدديّة إن وقع فيها الانكسار، وإلّا فهلاليّة، وبلوغ الرجل ببلوغه خمس عشرة تامّة عدديّة إن وقع فيها الانكسار، وإلّا فهلاليّة.
1) راجع الهامش (4) من ص 311.
2) قال تعالى : «وَإِذَا بَلَغَ الأطفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ» النور (24) : 59.
3) مسند أحمد 6 : 101، ح 24173؛ المستدرك للحاكم 2 : 59.
4) النساء (4) : 6
5) وسائل الشيعة 1: 43 و 44، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، ج 2، 8 و 20 : 278، الباب 6 من أبواب عقد النكاح... ، ح 9.
6) المصدر 1 : 45 ، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 10، 12.
ويدلّ على الأمرين الأخبار(1)عن الأئمّة الأطهار، المحدّدة لخروج الصبيّ عن اليتم وإدراكه ووجوب إقامة الحدود عليه ببلوغه خمس عشرة سنة، ولخروج الصبيّة عن اليتم وإدراكها وإقامة الحدود عليها ببلوغها تسع سنين.
والظاهر أنّ المتبادر من الخمس عشرة والتسع التمام، لا مجرّد دخولهما فيهما. وتنجبر الأخبار بفتوى المشهور تحصيلاً، والإجماعات نقلاً(2)، واستصحاب عدم البلوغ وعدم التكليف وعدم صحّة الإيقاعات والعقود.
ويدلّ على التسع في الأنثى الأخبار(3)الكثيرة الواردة في النكاح وغيره حتّى بلغت التواتر، واتّفاق الأصحاب عليه. وما روي(4)، بخلافه شاذّ نادر لا يُلتفت إليه.
ويمكن أن يستدلّ بها على الخمس عشرة في الرجل؛ لعدم القول بالفصل نقلاً أو تحصيلاً.
ويدلّ على خصوص الخمس عشرة في الرجل صحيحة معاوية بن وهب: في كم يؤخذ الصبي بالصيام؟ قال: «ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة، فإن هو صام قبل ذلك فدعه»(5)فإنّه ظاهر في أنّه لا يؤاخذ إلى الخمس عشرة على سبيل التعيين، ويؤاخذ قبلها على سبيل التخيير، وهو معنى الاستحباب. ولا يمكن نفي تعيين المؤاخذة قبل الخمس عشرة وإثباتها تخييراً إلّا لغير البالغ، ويشعر صدرها بذلك أيضاً؛ لأنّ فيه: في كم يؤخذ الصبيّ بالصلاة؟ فقال: «ما بين سبع وستّ سنين»(6).
والترديد بين الخمس عشرة والأربع عشرة منزّل على مراتب البلوغ؛ لحصول الاحتلام غالباً لمن دخل في الأربع عشرة وقلّته قبلها، فالخمس عشرة لمن لم يحتلم، والأربع عشرة لمن احتلم واحتمال أنّ الترديد من الراوي بعيد كلّ البُعد.
وورد في بعض الأخبار - وفيها الصحيح والموثّق وغيرهما - أنّ الغلام إذا بلغ ثلاث
1) وسائل الشيعة 1: 43 الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 2، 3 و 18 : 412، الباب 2 من أبواب كتاب الحجر، ح 3؛ و 20 : 278 ، الباب 6 من أبواب عقد النكاح .... ح 9.
2) الخلاف 3 : 282 - 283، المسألة 2؛ غنية النزوع 1 : 251: مجمع البيان 3 - 4 : 9.
3) راجع الهامش (1).
4) وسائل الشيعة 1 : 45 الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 12.
5) المصدر 10 : 233 ، الباب 29 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 1.
6) المصدر 4 : 18، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، ح 1.
عشرة سنة ودخل في الرابع عشرة وجب عليه ما يجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وأنّه إذا بلغ ثلاث عشرة سنة كُتبت له الحسنة وكُتبت عليه السيّئة وأنّه تجري الأحكام على الصبيان في ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة وإن لم يحتلم(1). وذهب بعض أصحابنا إلى القول بمضمونها، فمنهم مَنْ جعل البلوغ يتحقّق بالثلاث عشرة(2)، ومنهم مَن جعله يتحقّق بالأربع عشرة(3).
ولكنّها لضعفها ولموافقتها لفتوى العامّة ولقلّة العامل بها ولمخالفتها الأُصول والقواعد والمشهور بين الأصحاب، وجب حملها على شدّة الندب؛ لحمل مَن بلغ ذلك الحدّ على التكليفات الواجبة ونهيه عن ارتكاب المحرّمات لقربه من سنّ البلوغ، فيخشى من جذب العادة له إلى ما اعتاد، ولحسن الاحتياط في حقّه لغلبة البلوغ لمن تمّ له ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة وإن لم يتفطّن له، بل كثير منهم يحتلمون ولا يدركون لجهلهم بالاحتلام، وكثير منهم يدركون ويخفون استحياء من ذلك، فشدّد الشارع الأمر عليهم احتياطاً لذلك وخروجاً عن شبهة ما هنالك.
ويكون المراد بكتابة السيّئة عليه مجاز المشارفة أو كتابتها عليه في الدنيا بمعنى أنّه يعزّر على فعلها، كما أنّ المراد بعقوبته عقوبته في الدنيا.
وأمّا مَن جمع بين جمع بين الأخبار - بحمل ما جاء في الخمس عشرة على الحدود والمعاملات، وما جاء في الأنقص منها على العبادات، أو حمل اختلاف الأخبار على اختلاف مراتب البلوغ بالنسبة للذكاء والفطانة وقوّة البدن وضعفه، أو على اختلاف البلوغ في المقامات المختلفة، فمنها ما يكون بلوغها بالعشر كالوصيّة والعتق وشبههما؛ لما ورد من صحّة وصيّة البالغ عشراً(4)، ومنها ما يكون بالثلاث عشرة، ومنها ما يكون بالأربع عشرة، ومنها ما يكون بالخمس عشرة بالنسبة إلى غير العتق والوصيّة وشبههما - فهو بعيد جدّاً عن مذاق الأصحاب، بل عن اتّفاقهم على أنّ البلوغ أمر واحد لا يختلف بحسب المتعلّق، ومع ذلك فالأحوط إجراء أحكام البالغين
على مَنْ تمّ له ثلاث عشرة ودخل في الأربع عشرة، ويشتدّ الاحتياط على مَنْ تمّ له الأربع عشرة ودخل في الخمس عشرة إلى أن يتمّها.
الثامنة: لا يصحّ الصوم المنهي عنه لتقيّةٍ وخوفٍ على نفسٍ أو عرضٍ أو مالٍ، ولا الصوم المؤدّي إلى ضررٍ بدنيّ من مرضٍ ابتدائيّ، أو من زيادة مرضٍ بعد حصوله، أو من استدامته بعد وقوعه، أو من تشويه خلقٍ، أو من تغيير خلقٍ بحيث يخرج عن حدّ العقلاء، أو من مشقّة لا تتحمّل لعطشٍ أو ضعفٍ.
والمرجع في معرفة ذلك إلى أهل المعرفة من حكماء أو مجربين، اتّحدوا أو تعدّدوا، عدولاً كانوا أو فسقة، لكن بحيث يحصل الخوف من الضرر بقولهم؛ لإفادة قولهم ظنّاً، أو لإفادته شكّاً، فإنّ الشاكّ فيما يخاف منه خائف، ويرجع إلى نفسه إذا كان مميّزاً للضارّ والنافع، فإن حصل له الخوف حرم عليه الصوم، وإلّا فلا، والإنسان على نفسه بصيرة.
ويدلّ على جملة هذه الأحكام قوله تعالى: «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً»(1)إلى آخره. والصحيح: «الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر»(2).
و :«كلّ ما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب»(3)وهو شامل للمريض إذا تضرّر، والصحيح إذا خاف المرض والضرر.
و تدلّ عليها أيضاً عمومات نفي الحرج والعسر وإرادة اليسر(4).
والموثّق الوارد في حدّ المرض: «فإن وجد ضعفاً فليفطر، وإن وجد قوّة فليصم، كان المرض ما كان»(5).
والآخَر: في حدّ المرض، قال: «بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيْرَةٌ»(6)هو أعلم بما يطيقه(7).
ولو ارتفع ضرر الصوم قبل الزوال نوى الصوم وصحّ صومه؛ وفاقاً لفتوى المشهور،
1) البقرة (2) : 184.
2) وسائل الشيعة 10 : 218 ، الباب 19 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 1.
3) المصدر : 219 ، الباب 20 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 2.
4) راجع الهامش (4) من ص 268.
5) وسائل الشيعة 10 : 220، الباب 20 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 4.
6) القيامة ( 75) : 14
7) وسائل الشيعة 10 : 220، الباب 20 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 5.
والإجماع المنقول(1)، ولإشعار ما جاء في جواز تجديد الصوم للمسافر إذا دخل أهله قبل الزوال(2)بذلك.
وحدوث المرض ولو بجزء من النهار مفسد للصوم. وشديد الخوف كضعيفه يرجع إلى معتدل المزاج ومستوي القوى الباطنيّة.
التاسعة: لا يصحّ الصوم من المسافر ما لم يُقم عشرة، أو يتردّد ثلاثين يوماً، أو يكون السفر عمله، أو يسافر في معصية، أو غير ذلك من أسباب التمام.
ولا يتفاوت الحال بين الصوم الواجب أصالة أو الواجب عارضاً بنذرٍ أو شبهه، ولا بين المندوب وغيره، ولا بين ما نذر صومه مطلقاً أو نذر صومه سفراً وحضراً أو نذر صومه سفراً فقط؛ للأخبار المستفيضة المشتملة على الصحيح وغيره، الناهية عن الصوم في السفر:
ففي الصحيح: «ليس من البرّ الصيام في السفر»(3).
والصحيح الآخَر المتضمّن أن مَنْ سافر قصّر وأفطر(4).
وفي آخَر: «خيار أُمّتي الذين إذا سافروا قصّروا وأفطروا»(5).
وفي الموثّق: «إن ظاهر وهو مسافر أفطر حتّى يقدم»(6).
والصحيح: فيمن نذرت صوم يوم فخرجت إلى مكّة أتصوم أو تفطر؟ فقال: «لا تصوم، وضع الله عزّ وجلّ عنها حقّه، وتصوم هي ما جعلت على نفسها»(7).
والظاهر إرادة الإنكار، لا إرادة بيان جواز صوم الندب كما فهمه بعضهم(8).
وفي الموثّق: فيمن جعل على نفسه أن يصوم حتّى يقوم القائم علیه السّلام، قال: «لا تصم في السفر»(9).
1) مدارك الأحكام 6 : 195.
2) وسائل الشيعة 10 : 191، الباب 6 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 7.
3) المصدر : 177، الباب 1 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 11.
4) المصدر 8: 476 ، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.
5) المصدر 10 : 175 - 176، الباب 1 مَن أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 6.
6) المصدر : 195 ، الباب 9 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 1.
7) المصدر : 196 - 197، الباب 10 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 3.
8) البحراني في الحدائق الناضرة 13 : 187
9) وسائل الشيعة 10 : 384، الباب 11 من أبواب بقية الصوم الواجب، ح 1
وفي الموثّق الآخَر: فيمن نذر أن يصوم شهراً أو أقلّ أو أكثر أيصوم وهو مسافر؟ قال: «إذا سافر فليفطر، لأنّه لا يحلّ له الصوم في السفر فريضةً كان أو غيره»(1).
وفي أُخرى: «لا صيام في السفر، وقد صام أُناس في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فسمّاهم العصاة»(2).
وفي أخرى: «لو أنّ صائماً مات في السفر لما صلّيتُ عليه»(3).
وفي الصحيح: «لم يكن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يصوم في السفر، لا شهر رمضان ولا غيره»(4).
وفي الصحيح: عن الصيام بمكّة والمدينة ونحن في سفر؟ قال: «فريضة؟» قلت: لا، ولكنّه تطوّع، فقال: «لا تصم»(5).
وفي الصحيح: فيمن نذر أن يصوم كلّ سبت، فكتب إليه: «وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلّا أن تكون نويت ذلك»(6).
وفي الصحيح: فيمن عليه قضاء شهر رمضان وهو مسافر أيقضيها؟ قال: «لا، حتّى يجمع على مقام عشرة أيّام»(7).
وفي آخَر: فيمن نذر صوم شهرٍ بالكوفة وشهر بالمدينة وشهر بمكّة، فصام شهراً بالكوفة وثمانية عشر يوماً بالمدينة، ولم يقم عليه الجمّال؟ قال: «يصوم ما بقي عليه إذا انتهى إلى بلده»(8).
إلى غير ذلك من الأخبار الواضحة المنار المخالفة لشعار العامّة، الموافقة لشعار الشيعة، الموافقة للاحتياط المناسبة لمشروعيّة التخفيف وسهولة الشريعة، ونقصان الركعتين وإسقاط الرواتب عن المسافرين، والإجماع محصّلاً ومنقولاً(9)على المنع في جملةٍ من أفراد الصوم، وكذا الشهرة محصّلةً ومنقولةً(10)، فالأصل حينئذٍ تحريم الصوم على المسافر إلّا ما يخرجه الدليل.
1) وسائل الشيعة 10 : 199، الباب 10 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 8.
2) المصدر : 200، الباب 11 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 1.
3) المصدر : 177، الباب 1 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 9.
4) المصدر : 201، الباب 11 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 4.
5) المصدر : 202 ، الباب 12 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 2.
6) المصدر : 195 - 196، الباب 10 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 1.
7) المصدر : 193، الباب 8 من أبواب من يصحّ منه الصوم، ح 1.
8) المصدر : 197، الباب 10 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 4.
9) الخلاف 2 211، المسألة 69؛ غنيّة النزوع 1: 149؛ المعتبر 2: 712 - 713؛ تذکرة الفقهاء 6: 207 - 211، المسائل 144 - 148.
10) مختلف الشيعة 3 : 370 المسألة ،99؛ الحدائق الناضرة 13 : 185.
وقد ورد الدليل بوجوب الصوم ثلاثة أيّام بدل الهدي؛ للصحيح وغيره(1)المنجبر بفتوى الأصحاب، وبوجوب صوم ثمانية عشر يوماً لمن أفاض من عرفات قبل الغروب؛ للصحيح(2)، ولفتوى الأصحاب، وبوجوب صوم اليوم المنذور سفراً وحضراً أو سفراً فقط؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول(3)، وإطلاق رواية إبراهيم ابن عبد الحميد قال: سألته عن الرجل يجعل الله عليه صوم يومٍ مسمّى؟ قال: «يصومه أبداً في السفر والحضر»(4)وصحيحة ابن مهزيار: فيمن نذر صوم يومٍ، قال: «وليس عليك صومه في سفر ولا مرض، إلّا أن تكون نويت ذلك»(5).
وقد يُناقش في جميع ما ذكرناه بعدم صلاحيّة الشهرة لتقييد الأخبار(6)المتكثّرة المانعة عن الصوم في السفر، وضعف الإجماع المنقول بمخالفة جمع من الفحول(7)وضعف رواية ابن عبد الحميد سنداً ودلالةً ؛ لخلوّها عن التفصيل المشهور، ولذلك ضعف الحكم بانجبارها بفتوى المشهور. وضعف المكاتبة دلالةً؛ لاشتمالها على جواز الصوم في المرض إذا نذر الصوم فيه، ولا قائل به، بل وسنداً؛ لجهالة المكتوب إليه، فيشكل الحكم بذلك، إلّا أنّ العمل على فتوى المشهور أولى، والأحوط تجنّب مثل هذا النذر.
وبجواز(8)صوم ثلاثة أيّام للحاجة عند النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم للصحيح(9)وفتوى جملة من الأصحاب(10).
ولا يخلو الحكم بذلك عن مناقشةٍ أيضاً، إلّا أن ينعقد إجماع أو شهرة محصّلة على جوازه بحيث تخصّص تلك العمومات القويّة ولم يثبتا معاً.
وعلى كلّ حال فلا يلحق بهما صوم ثلاثة أيّام للاعتكاف، ولا ثلاثة أيّام الحاجة في المشاهد المشرّفة والأماكن المعظّمة؛ لعدم الدليل على ذلك.
1) وسائل الشيعة 14 : 178 - 179، الباب 46 من أبواب الذبح، ح 1، 4.
2) المصدر 13 : 558، الباب 23 من أبواب إحرام الحجّ .... ح 3.
3) الحدائق الناضرة 13 : 191.
4) وسائل الشيعة 10 : 198 - 199 ، الباب 10 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم ، ح 7
5) راجع الهامش (6) من ص 318
6) راجع ص 317 وما بعدها.
7) راجع المعتبر 2 : 684؛ ومدارك الأحكام 6 : 149؛ ورياض المسائل 5: 399.
8) عطف على قوله : « وقد ورد الدليل... » في نفس الصفحة.
9) وسائل الشيعة 202:10 ، الباب 12 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 1.
10) منهم: الصدوق في المقنع : 199؛ والشيخ المفيد في المقنعة : 350 وابن حمزة في الوسيلة : 148؛ والمحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 685 والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 6 : 107، المسألة 64.
نعم، لو قلنا بجواز الصوم المندوب في السفر كما أفتى به جمع من الأصحاب(1)، ووردت به بعض الأخبار (2)- لكان القول بذلك متوجّهاً، ولكنّها ضعيفة السند، ولا جابر لها من شهرةٍ أو غيرها، بل ربما يدّعى شهرة القدماء على خلافها(3)، ومع ذلك موافقة لفتوى العامّة، فالركون إليها وتخصيص تلك العمومات بها بعيد كلّ البُعد.
وما ورد - في الصحيح - عن أبي الحسن علیه السّلام: كان أبي علیه السّلام يصوم في عرفة في اليوم الحارّ في الموقف»(4)لا دليل فيه على أنّه صام وهو مسافر سفراً يوجب التقصير بوجهٍ من الوجوه، فلعلّه كان يتمّ لحصول ما يوجب الإتمام.
فظهر ممّا ذكرنا ضعف ما ذهب إليه المرتضى من جواز الصوم المنذور في السفر وإن لم يقيده الناذر به(5)، وما ذهب إليه الصدوقان من جواز صيام جزاء الصيد فيه أيضاً(6)، وما ذهب إليه المفيد من جواز صيام الواجب عدا شهر رمضان(7)لعدم الدليل على ذلك كلّه، والإفطار إنّما يسوغ للمقيم والمتوطّن.
والأظهر إلحاق المتردّد ثلاثين يوماً بهما بعد الوصول إلى محلّ الترخّص؛ لتقصير الصلاة، وأمّا في غيرها، كالمتردّد في أثناء المسافة ثمّ عزم على السفر، وكالمفارق سفينته أو عمله أو معصيته أو بيادره أو دوابّه فالأظهر كفاية الضرب في الأرض، والأحوط مراعاة محلّ الترخّص، كما أنّ الأحوط مراعاة الصيام بعد تجاوز مقدار محلّ الترخّص للراجع إلى أحد أسباب التمام من سفينةٍ أو دابّةٍ ونحو ذلك.
وصوم الداخل إلى محلّ التمام قبل الزوال إذا لم يتناول شيئاً، كصوم الخارج بعد الزوال صحیح جاء به الدليل، حيث سوّغ الشارع ذلك(8)ونيّته تقارن الدخول في البلد، ولا تجزئ النيّة الحاصلة منه في السفر على الأظهر.
1) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 162؛ وابن حمزة في الوسيلة : 148؛ والمحقق الحلّي في المعتبر 2 : 683 - 684 .
2) وسائل الشيعة 203:10 ، الباب 12 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 4، 5.
3) ادّعاها الطباطبائي في رياض المسائل 400:5.
4) وسائل الشيعة 10 : 465، الباب 23 من أبواب الصوم المندوب، ح 3.
5) جمل العلم والعمل : 97.
6) المقنع : 199؛ وحكاه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 328، المسألة 74 عن عليّ بن بابويه.
7) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 685.
8) وسائل الشيعة 10 : 189، الباب 6 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم.
الصوم الواجب أقسام:
أحدها: صوم شهر رمضان
وفيه مسائل:
الأُولى: يجب الصوم على مَنْ رأى الهلال قطعاً، انفرد برؤيته أم لا، كان حادّ النظر أم لا، عدلاً أم لا، قَبِله الحاكم شاهداً أم لا للأخبار(1)، والإجماع محصّلاً ومنقولاً(2)ورؤيته نهاراً قبل الزوال أو بعده دليل على أنّ الليلة المستقبلة من شهر رمضان لا الماضية.
ولا فرق بين مَنْ راه نهاراً وبين مَنْ راه ليلاً عند المغرب.
ويجب الصوم على مَنْ عدّ لشعبان ثلاثين يوماً؛ إجماعاً أيضاً، سواء ثبت هلال شعبان برؤيةٍ أو ببيّنةٍ أو بغيرهما ممّا يثبت الهلال به والنصوص بالعدّ وبالرؤيّة(3)مستفيضة جدّاً.
ولو غمّت الشهور كلّها أو أكثرها ، قيل بأنّه يعدّ لكلّ شهر ثلاثين(4)لأنّه المتيقّن والمتفّق عليه.
وقيل: ينقص منها(5)، ولكن لم يبيّن قدر النقص.
وقيل بالعمل على عدّ الخمسة من هلال الشهر في العام الماضي(6)، كما سيجيء إن شاء الله تعالى؛ لاعتياد النقص على ذلك الوجه، وهو قريب.
ولو غمّ شهران أو ثلاثة فالأظهر عدّها ثلاثين.
ويجب على مَن بلغه الهلال تواتراً بخبر جمع يستحيل عادةً تواطؤهم على الكذب، أو آحاد محفوفة بالقرائن القطعيّة، أو شياعاً قوليّاً دائراً على الألسنة، أو شياعاً عمليّاً كصومٍ وإفطارٍ وشبههما مفيدين للعلم بالهلال.
وهل يثبت بغير ذلك ممّا شأنه إفادة الظنّ مطلقاً، أو لا يثبت مطلقاً، أو يثبت في ظنونٍ مخصوصة دون غيرها؟ أقوال، وتحقيقها يتوقّف على رسم أُمور:
الأوّل: هل يثبت الهلال بالشياع المفيد للظنّ من قولٍ أو عملٍ، أو لا يثبت؟ قولان: أحدهما: الثبوت؛ لإطلاق فتوى المشهور والحصول الظنّ به زيادةً على خبر العدلين أو مساوياً لهما، فيجب الأخذ به من باب الأولى أو من باب تنقيح المناط.
هذا إن قلنا إنّ شهادة العدلين حجّة؛ لإفادتهما الظنّ لا للتعبّد الصرف، ولا للظنّ الحاصل منهما تعبّداً به، وإن قلنا إنّ حجّيّتهما لأحد الأمرين الأخيرين؛ لعدم دليلٍ على كون حجّيّتهما معلّلةً بالظنّ، انتفت الأولويّة.
وتنقيح المناط معاً؛ لكون العلّة مستنبطةٌ في الأصل، فلا تثبت حكماً في الفرع، وهذا أقرب؛ لأنّه يلزم على الأوّل قبول الشياع في كلّ ما تقبل فيه شهادة الشاهدين، وقبول كلّ ما أفاد الظنّ من غير الشياع مساوياً لشهادة الشاهدين أو أقوى، ولا قائل بكلا الأمرين، فلا بدّ حينئذٍ من الاستدلال عليه بوجهٍ آخَر والظاهر دلالة الأخبار عليه:
ففي رواية سماعة : «إذا اجتمع أهل المصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائة»(1).
وفي آخَر: أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس، فقال: «إذا كان كذلك فصُم بصيامهم وأفطر بفطرهم»(2).
وفي آخر: «صُم حين يصوم الناس، وأفطر حين يفطر الناس»(3).
وفي آخر: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحّي الناس، والصوم يوم يصوم الناس»(4).
والثاني: العدم؛ لعدم دليلٍ صالحٍ على حجّيّته، وللنهي عن الأخذ بالظنّ في رؤية الهلال، كما في الصحيح: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالرأي والتظنّي ولكن بالرؤية»(1).
وفي الصحيح الآخَر: «إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض الله تعالى فلا تؤدّوا بالتظنّي»(2).
وفي آخَر: «الصوم للرؤية والفطر للرؤية، وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولا خمسون»(3)إلى غير ذلك.
ولو كانت الروايات الأوّليّة صحيحةً لأمكن تخصيص هذه الروايات بها، أو حمل هذه على الحدس بالرؤية وشبهه، دون ما يكون بالشياع، ولكنّها ضعيفة، فالقول الأخير أقرب؛ أخذاً بصحاح الأخبار وبالأُصول والقواعد.
الثاني: هل يثبت الهلال بشهادة العدل الواحد، أم لا؟
قيل بالأوّل(4)لعموم أدلّة حجّيّة خبر العدل، ولإجراء الشارع له مجرى العلم؛ لما ورد أنّ الوكيل ينعزل بخبره بالعزل، والوكيل لا ينعزل إلّا مع العلم بالعزل(5).
ولما ورد أنّ الرجل لو تزوّج امرأة فأخبره ثقة أنّ هذه امرأتي وجب عليه اعتزالها(6). ولما ورد من جواز وطي الأمة من دون استبراء إذا أخبره الثقة باستبرائها(7).
ولما ورد من جواز الاعتماد على المؤذنّين في معرفة الأوقات(8).
ولما ورد من قبول الوصيّة بقول الثقة، كما دلّت على ذلك رواية [إسحاق بن](9)عمّار الواردة في الدنانير(10)، حتّى أنّ بعض الأصحاب (11)جعله مفيداً للعلم، واستناداً للاحتياط أيضاً.
1) وسائل الشيعة 10 : 289 - 290 ، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 11.
2) المصدر : 289 ، ح 10.
3) المصدر : 290، ح 12.
4) قاله سلار في المراسم : 96.
5) وسائل الشيعة 19 : 162، الباب 2 من أبواب كتاب الوكالة، ح 1.
6) المصدر 20 : 300 الباب 23 من أبواب عقد النكاح .... ح 2.
7) المصدر 18 : 260، الباب 11 من أبواب بيع الحيوان، ح 2.
8) المصدر 5 : 378، الباب 3 من أبواب الأذان والإقامة.
9) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
10) وسائل الشيعة 19 : 433، الباب 97 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.
11) البحراني في الحدائق الناضرة 13 : 96.
وللصحيح أيضاً: «إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عدل من المسلمين»(1).
وقيل بالثاني(2)، وهو الأقرب لمنع عموم حجّيّة خبر العدل، أو تسليمها ولكنّها مخصوصة في غير الهلال؛ للأخبار الناهية عن الأخذ بقول الواحد فيه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ومَنع إجراء الشارع له مجرى العلم، وما ورد في مقامات مخصوصة يقتصر عليها، والاستقراء ها هنا ليس بحجّةٍ، ودعوى إفادته العلم مكابرة على البديهة والوجدان، ومنع الاحتياط؛ لانقلاب الاحتياط بعد النهي عن الأخذ بقوله، وبعد النهي عن صوم يوم الشكّ من شهر رمضان والأمر بصومه من شعبان ومنع دلالة الصحيح؛ لاختصاصه بشوّال.
ودعوى الإجماع على القول بعدم الفصل ممنوعة. سلّمنا دلالته، ولكن يراد بالعدل الجنس لا الفرد، وهو يوصف به الواحد والأكثر. سلّمنا اختصاصه بالواحد، لكنّه لا يعارض ما قدّمنا. سلّمنا المعارضة، لكنّه ضعيف باختلاف نُسخه؛ لأنّ في بعضها: «وأشهدوا عليه عدولاً»(3)وفي بعضها: «أو تشهد عليه بيّنة عدل من المسلمين»(4)، وبمعارضته للإجماع المنقول(5)على عدم قبول الواحد في هلال شهر رمضان. الثالث: هل يثبت الهلال بشاهدين عدلين، أم لا يثبت؟ قولان، قيل بالثبوت بهما(6)، وهو الأقوى؛ للاستقراء الحاصل من تتبّع الموارد المفيد لعموم حجّيّتهما، إلّا ما أخرجه الدليل، وللروايات(7)المستفيضة المشتملة على الصحيح والمعتبر، الدالّة على قبول شهادة الشاهدين في الهلال، ومع ذلك فهي مؤيَّدة بقول الأكثر، بل عليه عامّة مَن تأخّر كما نقله بعض المتأخّرين(8).
1) وسائل الشيعة 10 : 278، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1.
2) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 2 : 172، المسألة 11.
3) تهذيب الأحكام 4 : 177، ح 491
4) الاستبصار 2 : 64، ح 207.
5) الخلاف 2 : 172 - 173، المسألة 11.
6) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 297؛ والسيّد المرتضى في جُمل العلم والعمل : 96 ؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 1: 381-380.
7) وسائل الشيعة 286:10 - 289 و 292، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1 - 9، 16، 17.
8) الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 412.
والظاهر عدم التفاوت في وجوب القبول بين الصحو والغيم أو علّة أُخرى، وبين الخارجين عن المصر أو الداخلين فيه.
ولا فرق بين شهادتهما عند الحاكم أوّلاً وقبول الحاكم لها، أو عدم شهادتهما عند الحاكم أو شهادتهما عنده مع عدم قبولها؛ لعدم معرفته بهما أو لاسترابته بهما، كلّ ذلك لعموم أدلّة حجّيّة الشاهدين، ولإطلاق الأخبار ها هنا:
كقوله علیه السّلام في صحيح منصور: فإن شهد عندك شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه»(1).
وفي صحيح الحلبي : إن كان الشهر تسعةً وعشرين يوماً أقضي ذلك اليوم؟ قال: «لا، إلّا أن يشهد لك بيّنة عدول»(2).
نعم، لو حكم الحاكم بفسقهما بطلت شهادتهما.
وقيل بعدم الثبوت بهما مطلقاً(3)، إلّا إذا أفاد قولهما العلم؛ لعدم الدليل على عموم حجّيتهما، وللنهي عن الأخذ بالظنّ بالهلال(4)، وللزوم العلم فيه، ولما ورد من لزوم الخمسين إذا لم يكن في السماء علّة، ومن قبول الاثنين إذا كان في السماء علّة، أو كانا خارجين من المصر(5)، وذلك لأنّ الخمسين يفيد العلم خبرهم إذا لم يكن في السماء علّة، بخلاف الاثنين والثلاثة، فإنّ الاسترابة حاصلة بخبرهم؛ إذ من البعيد رؤية الواحد والاثنين دون غيرهم، وكذا الاثنان مع العلّة أو كانا خارجين من المصر، فإنّ خبرهم والحال تلك يفيد العلم.
والجميع لا يخلو من ضعف، وذلك لأنّ الأخبار المستفيضة المعتبرة الدالّة على حجّيّة خبر العدلين مطلقة، وبها يخصّص ما دلّ على المنع من العمل بالتظنّي، وتنزيلها أجمع على ما إذا أفاد خبر العدلين العلم بعيد كلّ البُعد، ولا يلتزمه فقيه.
نعم، لو لم يُقد خبرهما الظنّ أو كان الظنّ بخلاف خبرهما، فلا يبعد سقوط حجّيّة خبرهما، وذلك كلامٌ آخَر، كما أنّ هذه الأخبار تقوى على ما دلّ على الخمسين، فيرجّح العمل بها،
ويلزم اطراح أخبار الخمسين؛ لضعفها سنداً وقلّة العامل بها، أو حملها على ما إذا خلا العدد عن العدلين، أو على ما إذا حصلت الريبة في أخبارهم، أو على بيان إرادة حصول الشياع بالخمسين لمن أراد إثبات الهلال بالشياع.
وذهب الشيخ في النهاية إلى أنّه إن كانت في السماء علّة، ولم يره جميع أهل البلد، ورآه خمسون نفساً، وجب الصوم، ولا يجب برؤية الواحد والاثنين إلّا إذا رآه خارج البلد اثنان، وإن لم تكن في السماء علّة ورآه خمسون من خارج البلد وجب الصوم، ولا يجب في غيرها(1).
وفي المبسوط : أنّه إن كانت في السماء علّة كفى الشاهدان من خارج البلد أو داخله، وإلّا فلا بدّ من الخمسين من خارج البلد أو داخله(2).
وذهب الصدوق رحمه الله إلى لزوم الخمسين عدد القسامة، إلّا إذا كانت في السماء علّة أو كانا من خارج البلد فيكفي الاثنان(3).
وبمضمون ما أفتى به الصدوق وهؤلاء المتقدّمون رواية إبراهيم(4)، ورواية حبيب(5). ففى الأُولى: «إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا يجزئ في رؤية الهلال إذا لم تكن في السماء علّة أقلّ من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علّة قبل شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر».
وفي الثانية: «لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً، وإنّما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكانت في السماء علّة فأخبرا أنّهما رأياه وأخبرا عن قومٍ صاموا للرؤية».
والظاهر أنّ مستند الجميع هاتان الروايتان وأجاب عنهما المحقّق رحمه الله بأنّ اشتراط الخمسين لم يوجد في حكمٍ سوى قسامة الدم، وبأنّه مخالف لعمل المسلمين كافّة، فكان ساقطاً(6).
وأجاب العلّامة رحمه الله بضعف السند والحمل على عدم عدالة الشهود وحصول التهمة في أخبارهم(1).
وأنت خبير بأنّ الروايتين وإن كان بينهما وبين الأخبار المجوّزة لقبول شهادة الشاهدين عموم وخصوص مطلق، والعموم في جانب تلك، إلّا أنّهما غير مقاومتين لهما، ومن شرائط التخصيص المقاومة كي يحصل التعارض فيحصل التخصيص، فلا بدّ من حمل الخبرين حينئذٍ على صورة تعارض الشهادات بين المثبتين والنافين، وحصول التهمة للمثبتين كما هو ظاهر هما؛ لأنّ الجميع سالمو الأبصار، والزمان صاحٍ، فالاختصاص موضع تهمةٍ، ومع حصول التهمة للشاهدين يرتفع الوثوق بشهادتهما، فلا تكون شهادة العدلين حجّةً؛ لاشتراط عدم التهمة فيها، حتّى قيل: إنّ ذلك مجمع عليه بالضرورة(2)، أو حملهما على بيان حكم الشياع من دون ملاحظة البيّنة، ويكون ذكر الخمسين وارداً مورد الغالب من حصول الشياع الموجب للقطع أو الظنّ الغالب به.
الرابع: هل يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة؟ قيل : نعم(3)لعموم أدلّة حجّيّة البيّنة، ولإطلاق ما دلّ على قبول الشهادة على الشهادة(4)، ولأنّ الشهادة حقّ لازم الأداء فتجوز الشهادة عليه، كسائر الحقوق.
وقيل: لا، وهو الأقوى؛ للأصل، واختصاص مورد قبول الشهادة على الشهادة بالأموال وحقوق الآدميّين، كما نقل عن العلّامة رحمه الله ذلك، وأسنده إلى علمائنا (5)، ومع ذلك فيوهن الأخذ بالإطلاق حينئذٍ.
الخامس: لا يثبت الهلال مع اختلاف شهادة الشاهدين في صفة الهلال أو مكانه، ويثبت مع اختلافهما في زمانه. ولو شهد أحدهما برؤية شعبان الاثنين، وشهد الآخَر برؤية شهر رمضان الأربعاء، احتُمل القبول؛ لاتّفاقهما في المعنى، وعدمه؛ لاختلاف شهادتهما بحسب المورد وإن لزم منهما قدر كلّيّ، وهذا أقوى.
ولو شهدا بلازمٍ من لوازم الهلال، كأن قالا أو قال أحدهما: اليوم يوم صومٍ أو يوم فطرٍ،
أشكل الأخذ بشهادتهما من دون استفصالٍ؛ لاختلاف الآراء والمذاهب، إلّا مع العلم باتّفاق المذهب فيجوز الأخذ حينئذٍ.
السادس: هل يكفي حكم الحاكم بالبيّنة من دون سماعها والتجسّس عن عدالتها، أو لا بدّ من سماعها والتفحّص عنها للمشهود له؟ قولان أقواهما كفاية حكم الحاكم، وفاقاً للمشهور، بل المتّفق عليه على الظاهر للأخبار الدالّة على وجوب الرجوع إلى حكم الحاكم، وأنّه إذا حكم بحكمهم فلم يقبل منه استخفّ بحكم الله تعالى، وأنّ الرادّ عليه رادّ عليهم والرادّ عليهم رادّ على الله تعالى(1)، وأنّه «إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر بالإفطار»(2)وإذا ثبت لإمام الأصل ثبت لنائبه بحقّ النيابة، ولأنّ أغلب الناس لا يعرفون معنى عدالة البيّئة والشهادة، فلا يمكن إثباتهم لما يريدون إلّا بحكم الحاكم لمعرفته، ورفع الحرج وسهولة الشريعة تقضي بذلك، ولقوله علیه السّلام في التوقيع: «ارجعوا إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم»(3).
وقيل بالعدم(4)، لأصالة عدم الحجّيّة، ولخلوّ الأخبار عن بيان حكم الحاكم مع كثرتها واستفاضتها.
ولقوله علیه السّلام : «لا أُجيز في رؤية الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين»(5)وقوله علیه السّلام : «فإن شهد عندك شاهدان مرضيّان»(6)إلى غير ذلك من الأخبار التي ظاهرها ذلك.
والكلّ ضعيف؛ لانقطاع الأصل بما مرّ، ولوجود الحكم في الأخبار كما ذكرناه، ولعدم دلالة الرواية في الأُولى، وعدم حجّيّة مفهوم اللقب في الثانية.
السابع: هل يكفي حكم الحاكم مطلقاً ما لم يُعلم خطؤه، سواء استند إلى علمه أو إلى رؤيته، أو لم يذر بكيفيّة استناده، أم لا يكفي؟ قولان، يقوى القول بالكفاية، كما تشعر به الأدلّة المتقدّمة(7)، وللزوم الحرج على الناس إذا كلّفوا بمعرفة سند الحكم من الحاكم سيّما القاصرين
1) وسائل الشيعة 27 : 136 - 137، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ... ح 1.
2) المصدر 10 : 275، الباب 6 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1.
3) المصدر 27 : 140، الباب 11 من أبواب صفات القاضي .... ح 9.
4) هو ظاهر بعض أفاضل متأخّر المتأخّرين على ما في الحدائق الناضرة 13 : 258.
5) وسائل الشيعة 10: 288 ، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 8.
6) المصدر : 254، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 8.
7) تقدمت في الأمر السادس.
منهم والذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً(1).
وقد يقال بعدم كفايته إلّا إذا علم استناد حكمه إلى البيّنة؛ للأصل، ولأنّ المتيقّن من حجّيّة حكمه هو ما إذا استند حكمه إلى البيّنة، كما هو الفرد الكثير الدوران، وهو المفهوم من جُلّ الأخبار أو كلّها، وسيّما إذا علم أنّ استناده كان لعلمٍ من مقدّماتٍ أو أُمور يختصّ بها بنفسه، فإنّه يشكّ حينئذٍ في شمول وجوب الرجوع إلى حكمه، والاحتياط لا يخفى.
الثامن: هل يشترط في سريان شهادة الشاهدين أو حكم الحاكم في مكانٍ إلى مكانٍ آخَر تقارب المكانين كالكوفة والبصرة وبغداد وما قاربها، أو لا يشترط بل يسري ولو إلى أبعد الأمكنة كمصر والكوفة وخراسان، وهكذا ؟ قولان، والأظهر الأوّل، كما هو المشهور على الظاهر؛ لانصراف الأخبار(2)المجوّزة للأخذ بشهادة الشهود وقضاء اليوم الذي قامت به البيّئة، والأخذ بشهادة الشاهدين الخارجين من المصر إلى البلدان المتقاربة دون البلدان المتباعدة وإن كان إطلاقها وترك التفصيل فيها شامل للكلّ، ولكنّ الانصراف مقيّد لذلك، ومع الانصراف المذكور تبقى أصالة عدم الحجّيّة وعدم التكليف وعدم القضاء بعد الثبوت سليمة عن المعارض، فيجب الأخذ بها.
وأيضاً من المعلوم أنّ الأراضي مختلفة في الطلوع والغروب والأهلّة والأيّام، فكيف يمكن إجراء حكمٍ واحدٍ عليها أجمع.
واستبعاد بعض المتأخّرين(3)اختلاف الأيّام والأشهر والسنين؛ لتعليق الشارع الأحكام عليها قديماً وحديثاً، فمن البعيد عدم تساويها واختلافها باختلاف الأماكن والاعتبار، لا يخلو من ضعفٍ؛ لعدم المانع ممّا ذكر عرفاً وشرعاً.
وأيضاً الأرض كرويّة على الأظهر، ومن لوازم كونها كرويّةً غير مسطّحةٍ اختلاف المشارق والمغارب فيها واختلاف الأهلّة.
والدليل على كونها كرويّةً طلوع الكواكب في المساكن الشرقيّة قبل طلوعها في المساكن
الغربيّة، وكذا في الغروب، ولو كانت مسطّحةً لكان الطلوع والغروب واحداً، ويدلّ على ذلك أيضاً أنّ السائر على خطّ من خطوط نصف النهار إلى الجانب الشمالي يزداد عليه ارتفاع الشمالي وانخفاض الجنوبي، وبالعكس، وذلك من لوازم الكرويّة.
التاسع: لا يثبت الهلال بشهادة النساء، لا منفردات ولا منضمات، وفي الأخبار وكلام الأصحاب ما يقضي بذلك.
نعم، لو بلغ كلامهنّ الشياع كان حكم الشياع جارياً عليه.
ولا يثبت بالجدول - وهو الحساب المعروف للمنجّمين - لخطئه غالباً، وللنهى عن الأخذ بالتظنّي وبغير الرؤية(1)، وعدّ الثلاثين، وشهادة الشاهدين في الهلال، وللنهي عن تصديق الكاهن والمنجّم في الأخبار(2)، ولأنّ أهل التنجيم لا يثبتون أوّل الشهر بمعنى رؤية الهلال، بل بمعنى تأخّر القمر عن محاذاة الشمس ليرتّبون عليه المطالب التنجيميّة، ويعترفون بأنّ الهلال قد لا يمكن رؤيته.
وجوّز بعضهم الركون إلى الجدول(3)تمسكاً بقوله تعالى: «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ»(4).
و هو شاذّ، والمستند لا يدلّ على المطلوب، وإنّما يدلّ على حصول الاهتداء برؤية النجم وأين هذا من ذلك؟
ولا يثبت الهلال بعدّ شعبان ناقصاً أبداً وشهر رمضان تامّاً أبداً؛ لفتوى المشهور بل المتّفق عليه - ما عدا الشاذّ منّا(5)- وللأخبار (6)الحاصرة لثبوت الهلال في أشياء مخصوصة، وللأخبار الصحيحة الصريحة الدالّة على أنّ شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور(7)، وهي كثيرة معمول عليها بين المسلمين ومنقول عليها إجماع الإماميّة(8).
فلا تعارضها الأخبار الدالّة على أنّ شهر رمضان لا ينقص أبداً، وأنّ شعبان لا يتمّ أبداً،
1) وسائل الشيعة 10 : 289 - 290 ، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 10، 11.
2) المصدر : 297، الباب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 2.
3) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف 2 : 169، المسألة 8 عن الشاذّ منّا.
4) النحل (16) : 16.
5) الصدوق في الفقيه 2 : 169 - 171.
6) منها ما في وسائل الشيعة 10 : 258، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 23.
7) المصدر : 261 - 264 و 268، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1، 3، 7،6، 10، 23.
8) غنية النزوع 1: 131 - 132.
وأنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ما صام إلّا ثلاثين يوماً، وأنّهم كذبوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أنّه صام تسعة وعشرين يوماً، وأنّ شهر رمضان لم ينقص عن الثلاثين منذ خلق الله السماوات والأرض، وأنّ الشهور بعد شهر رمضان شهر ناقص وشهر تامّ إلى دور السنة(1)لضعف هذه الأخبار بمخالفتها فتوى الأخيار وضرورة الاعتبار؛ لأنّا نرى النقصان بالبديهة إن كان مدار الشهور على الأهلّة، ومخالفتها لضرورة الحكم الشرعي إن كان مدار شهر رمضان عدّة ثلاثين، وأخذ يومٍ من آخر شعبان له إن رؤي ناقصاً، ومخالفتها لما ورد من صوم يوم الشكّ من شعبان لا من رمضان(2)من غير فرقٍ بين نقيصة شعبان وتمامه، فلا بدّ من طرحها، أو تأويلها، أو حملها على التقيّة وإن كانت الفتوى بها مخالفةً للعامّة؛ لجواز التقيّة بإظهار الخلاف بالأحكام والتخالف في مسائل الحلال والحرام.
وقال بعض الأعلام: لا يجوز الأخذ بهذه الأخبار؛ لأنّ متنها لا يوجد في الأُصول المصنّفة، وإنّما يوجد في الشواذّ، ولأن كثيراً منها منقول عن حذيفة بن منصور(3)، وكتاب حذيفة عريّ عنها، ولو كانت صحيحةً لضمّنها كتابه، ولأنّها مضطربة الألفاظ والمعاني، تروى بواسطة وبلا واسطةٍ عن راوٍ واحد، ولأنّها أخبار آحاد فلا يجوز الاعتراض بها على ظاهر الكتاب والأخبار المتواترة، ولأنّها تضمّنت تعاليل تنبئ عن أنّها ليست عن إمام هدى، كالتعليل بتمام ذي القعدة بقوله تعالى: «وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً»(4)، ضرورة كونه تامّاً وقت الوعد لا يلزم منه أنّه يتمّ أبداً، مع أنّه قد ورد أنّ ذا القعدة أكثر الشهور نقصاناً(5)، وكالتعليل باختزال الستّة أيّام في السنة لتمام رمضان ونقصان شعبان(6)، فإنّه لا يمنع من اتّفاق النقصان في شهرين أو ثلاثة متوالية، ولا يلزم منه ذلك، وكالتعليل لتمام شهر رمضان بأنّ الفرائض لا تكون ناقصةً(7)
1) وسائل الشيعة 10 : 268 - 273 ، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 24 - 27، 32، 34، 36.
2) المصدر : 22 - 23 ، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم.... ح 8.
3) المصدر : 268 - 271، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 24 - 30.
4) الأعراف (7) : 142. المصدر : 271 - 273 ، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 32، 34.
5) المصدر : 264، ح 08
6) المصدر : 272، ح 34.
7) المصدر، ح 33، 34.
فإنّ كون الشهر تسعة وعشرين يوماً لا ينقص الفريضة، وكالتعليل لتمام شهر رمضان بقوله تعالى: «وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ»(1)فإنّ نقصان الشهر لا يوجب نقصان العدّة في الفرض، مع أنّ الأمر بإكمال العدّة إنّما ورد في قضاء شهر رمضان فيلزم على القاضي إتمام عدّة ما فات منه ليتمّ عدّة ذلك الشهر ناقصاً أو تاّماً(2). انتهى ملخّصاً معنى، وهو جيّد وجيه.
وكذا لا يثبت الهلال بغيبوبته بعد الشفق، بمعنى أنّ غيبوبته كذلك دليل على ثبوته قبل تلك الليلة بليلة ولا برؤية ظلّ الرأس فيه، بمعنى أنّه إذا رأى فيه ظلّ الرأس تبيّن أنّه لثلاث ليالٍ، ولا بالتطوّق، بمعنى أنّه إذا كان متطوّقاً دلّ على سبقه بليلة؛ لما ورد من الأخبار الدالّة على أنّ الهلال إذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين، وأنّ الهلال إذا تطوّق فهو لليلتين، وإذا رأيت ظلَّ رأسك فيه فهو لثلاث ليال(3)لضعف هذه الأخبار، وشذوذها، وقلّة العامل بها، ومخالفتها الأُصول والقواعد والأخبار المتكثّرة الدالّة على أنّ الاعتبار بالشهر إمّا بالرؤية أو العدّ أو البيّنة، وأنّ يوم الشكّ لا يقضى إلّا ببيّنةٍ دالّة على رؤية الهلال قبله(4).
وبعض أصحابنا حملَ هذه الأخبار على صورة ما إذا كانت في السماء علّة، دون ما إذا كانت السماء صاحية ولم يره أحد(5).
وهو أيضاً محمل بعيد لا تساعده الأخبار ولا فتوى الأخيار.
وكذا لا يثبت الهلال بعدّ خمسةٍ من هلال السنة الماضية وإثباته في الليلة الخامسة، سواء كان في صحو أو في غيم؛ لورود بعض الأخبار بذلك مطلقاً وأنّه يعدّ خمسة أيّام ويصام اليوم الخامس(6)، وبعضها فيما إذا أطبقت السماء لغيمٍ وشبهه(7).
1) البقرة (2) : 185.وسائل الشيعة 10 : 271 - 274 ، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 32، 37،35،34.
2) تهذيب الأحكام 4 : 169 وما بعدها؛ الاستبصار 2 : 66 وما بعدها.
3) وسائل الشيعة 10: 281 و 282، الباب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 2، 3، و 252 و 261، الباب 3 و 5 من تلك الأبواب.
4) الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام 4 : 178 - 179 ، ذيل الحديث 495 والاستبصار 2 : 75، ذيل الحديث 229.
5) النهاية: 151؛ غنية النزوع 1 : 135؛ تذكرة الفقهاء 6: 128، المسألة 78
6) وسائل الشيعة 10: 283 و 284، الباب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1، 4.
7) المصدر : 283 - 284، ح 3.
وهذه الأخبار ضعيفة؛ لعدم العامل بها، ولنقل اتّفاق الأصحاب على خلافها وإعراضهم عنها(1)، فالإعراض عنها أجمل.
وحملها على الاحتياط في الصوم إذا كانت في السماء علّة لا نقول به؛ لمعارضته الأخبار الحاصرة للصوم في الرؤية وعدّ الثلاثين أو البيّنة(2)، والأخبار الناهية عن صوم يوم الشكّ بنيّة أنّه رمضان(3)، فالاحتياط حينئذٍ بخلافها.
نعم، لو صيم بنيّة أنّه من شعبان فلا بأس به، وربما حُملت على ذلك الأخبار.
ولا يثبت الشهر أيضاً برؤية الهلال قبل الزوال، سواء في ذلك رمضان وغيره، وفاقاً للمشهور، والأخبار الحاصرة لدخول الشهر في الرؤية أو العدّ أو البيّنة(4)، والجميع ظاهر في أنّ رؤيته دليل على كون الليلة المستقبلة من الشهر مطلقاً لا الماضية، سواء كانت رؤيته قبل الزوال أو بعده، وللإجماع المنقول(5)، ولفتوى الفحول. وللصحيح: «إذا رأيتم الهلال فأفطروا، وإن لم تروا الهلال إلّا من وسط النهار أو آخره فأتمّوا الصيام إلى الليل»(6)والوسط ظاهر فيما قبل الزوال بيسير وما بعده بيسير.
وفي الموثّق: «وإذا رأيته وسط النهار فأتمّ صومه إلى الليل»(7).
وفي آخَر: «مَنْ رأى هلال شوال بنهار في رمضان فليتمّ صيامه»(8).
وفي آخَر: ربما غمّ علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال وربما رأيناه بعد الزوال، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا، وكيف تأمر في ذلك؟ فكتب علیه السّلام: «تتمّ إلى الليل، فإنّه إن كان تامّاً رؤي قبل الزوال»(9)وظاهره أنّ المراد بالهلال في شهر رمضان
1) راجع الحدائق الناضرة 13 : 291 و 292.
2) راجع الهامش (5) من ص 332.
3) وسائل الشيعة 10 : 25 ، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته.
4) راجع الهامش (5) من ص 332
5) غنية النزوع 1 134؛ تذكرة الفقهاء 6 : 126، المسألة 77.
6) وسائل الشيعة 10 : 278، الباب من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1.
7) المصدر : 278 - 279، ج 3.
8) المصدر : 278، ح 2.
9) المصدر : 279، ح 4.
هلال شوال، كما يدلّ عليه السياق وقضت به نسخة الاستبصار(1)، أو المراد إتمام الصوم ندباً بنيّة أنّه من شعبان على نسخة التهذيب(2)المجرّدة عن الألف واللام.
وفي آخَر: «و أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ»(3)يعني صوم رمضان، فمن رأى الهلال في النهار فليتمّ صيامه»(4).
وذهب جمع من أصحابنا(5)إلى اعتبار رؤية الهلال قبل الزوال في كونه للّيلة الماضية مطلقاً، ونُقل عن المرتضى رحمه الله أنّه قال: إنّه مذهبنا(6).
واستدلّوا عليه بما ورد من أنّ الصوم للرؤية والإفطار لها(7)لشموله رؤيته نهاراً قبل الزوال، وبأنّ المعذور له تجديد النيّة قبل الزوال، فعليه الصوم إذا رأى الهلال قبل الزوال، وبما روي في الحسن: «إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإن رؤي بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة»(8)وفي الموثّق: «إذا رؤي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوّال، وإذا رؤي بعد الزوال فهو من شهر رمضان»(9)وبمخالفة هذا القول للعامّة - والرشد في خلافهم - وبضعف الأخبار المستدلّ بها على القول المشهور دلالةً ومتناً.
أمّا الخبر الأول: فلأنّ الوسط مراد به من الزوال فما فوق، ولا أقلّ من الاحتمال، فيقوم الإجمال.
وكذا الثاني والثالث محمول على ذلك حمل المطلق على المقيّد.
والرابع ضعيف بالمكاتبة، وباختلاف النسختين، وعلى نسخة التهذيب تكون شاهدةً على العكس.
والخامس ضعيف السند والجميع ضعيف بموافقة العامّة.
1) الاستبصار 2 : 73، ح 221
2) تهذيب الأحكام 4 : 177 ، ح 490.
3) البقرة (2) : 187
4) وسائل الشيعة 10 : 280 - 281، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 8.
5) منهم : الصدوق في الفقيه 2 : 169، ذيل الحديث 2040؛ والشيخ حسن في منتقى الجمان 2 : 481 - 482؛ والسبزواري في ذخيرة المعاد : 533؛ والفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1 : 257، مفتاح 285
6) المسائل الناصريّات : 291، المسألة 126؛ ونقله عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 358، المسألة 89
7) وسائل الشيعة 10 : 252، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان.
8) المصدر : 280، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 6.
9) المصدر : 279، ح 5.
هذا غاية ما يستدلّ به لأهل هذا القول، وفي جميع هذه الأدلّة نظر؛ للشكّ في شمول ما دلّ على أنّ الصوم للرؤية والإفطار لها لرؤيته نهاراً قبل الزوال، بل المتبادر منه رؤيته بعد الزوال للّيلة المستقبلة أو قبله وبعده لها لا للماضية، ولضعف ظاهر إجماع المرتضى بمصير الأكثر إلى خلافه، ولعدم لزوم جواز تجديد النيّة للصائم قبل الزوال لوجوب الصوم عند رؤية الهلال ،قبله ولعدم قابليّة الروايتين لمعارضة ما قدّمنا من الأدلّة المؤيَّدة بما ذكرنا كي تحكم عليها، فتخصّص تلك بها؛ لأنّ من شرائط التخصيص المقاومة وليست فليس، ولأنّ مخالفة العامّة مرجّح من المرجّحات، فلا تقوى على باقي المرجّحات.
ولأنّ ضعف الروايات سنداً ومتناً واضطراباً مجبور بأقوى المرجّحات، وهو الشهرة، والإجماعات المنقولة(1)، وعمل الطائفة موافقة القرآن والأخبار المتواترة كما ذكره الشيخ(2)- والأُصول والضوابط.
فظهر من جميع ما ذكرنا أنّ القول الأوّل أقوى وإن كان الثاني لا يخلو من قوّة. والعلّامة فصّل بين هلال رمضان فخيرة المرتضى، وبين هلال شوّال فالمشهور؛ احتياطاً للصوم في المقامين(3).
والاحتياط لا بأس به، ولكن تعيينه خالٍ عن الدليل.
[المسألة] الثانية: المحبوس والأسير يتوخّى شهراً يغلب على ظنّه أنّه رمضان فيصومه، فإن استمرّ به الاشتباه أجزأه، وإن علم بعد ذلك اتّفاقه مع شهر رمضان أو تأخّره عنه أجزأه أيضاً، وإلّا لم يجزئه.
ونُقل على هذه الأحكام الإجماع(4)، ودلّت عليها صحيحة عبد الرحمن: في رجل أسرته الروم ولم يصم(5)شهر رمضان ولم يدر أيّ شهر هو؟ قال: يصوم شهراً يتوخّاه ويحسب، فإن كان الشهر الذي صام قبل شهر رمضان لم يجزئه، وإن كان بعده أجزأه»(6).
وآخَر: في رجل أسرته الروم واشتبهت عليه الأشهر: «يتحرّى شهراً ويصومه، ومتى خرج أو تمكّن من السؤال، نظر فإن كان الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزئه، وإن كان هو هو فقد أجزأه»(1).
والظاهر أنّ مَنْ لم يغلب على ظنّه شهر خاصّ تخيّر شهراً فصامه، ويعتبر بعد ذلك ما يعتبر في المتوخّى.
ولا يبعد إجراء حكم شهر رمضان على الشهر المتوخّى فيه من وجوب متابعته، ووجوب قضاء وكفّارة لإفطار يومٍ فيه وعيد فطر وفطره، وإكماله ثلاثين إذا لم ير الهلال بعد الصوم.
والأحوط فعل ذلك في الشهر المخيّر فيه أيضاً إذا اختار شهراً فصامه أيضاً.
والظاهر أنّ المراد بالقبليّة والبعديّة بالنسبة إلى شهر رمضان تلك السنة، فشعبان من سنة إحدى وتسعين متأخّر عن شهر رمضان من سنة تسعين وشوّال من سنة تسعين متقدّم على شهر رمضان سنة إحدى وتسعين.
والمراد بالمطابقة الاتّفاق في الأيّام، فلو ظهر الشهر الذي صامه شوّالاً وكان ناقصاً وكان شهر رمضان تامّاً وجب عليه قضاء يومين: العيد والناقص، وهكذا.
والظاهر إلحاق كلّ ممنوعٍ عن معرفة الشهور بذلك الحكم ولو لنسيانٍ وعدم المرشد لذلك، أو لغباوةٍ أو لبُعْدٍ أو لظلمةٍ في بحرٍ.
والظاهر أنّ المتوخّي لا يجب عليه التفحّص والسؤال بعد صومه؛ لأنّ الأمر قاضٍ بالإجزاء.
نعم، لو علم بعد ذلك حال الشهر جرت عليه الأحكام المتقدّمة.
ولا يبعد إلحاق الشهر المخيّر في صومه به فلا يجب الفحص بعد صومه، ولكنّ الفحص أحوط.
ولو أفطر المخيّر في صوم شهرٍ فصامه عمداً، وجب عليه إتمامه على الأظهر، وكفّر على الأحوط، وقضى يومه ذلك.
الثالثة: يشترط في صوم شهر رمضان البلوغ وكمال العقل قبل طلوع الفجر، فلو حصلا بعد طلوع الفجر سقط فرض الصوم عنهما؛ لأنّ الصوم لا يتبعّض.
ويشعر بذلك سقوط الصوم عن الكافر والحائض إذا زال عذرهما في أثناء النهار.
1) وسائل الشيعة 10 : 277، الباب 7 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 2 بتفاوت يسير.
وبعضٌ نادر من أصحابنا(1)حَكَم بأنّ الصبيّ والكافر إذا زال عذرهما قبل الزوال ولم يتناولا شيئاً جدّدا النيّة للصوم؛ لصيرورتهما مخاطبين حينئذٍ، ولإمكان تأثير النيّة فيما قبلها، فلا يتبعّض الصوم.
وهو لا يخلو من وجهٍ، والاحتياط فيه.
وفي حكم المجنون المغمى عليه، فلا يصحّ منه وإن سبقت منه النيّة على الأظهر، وليس له تجديد الصوم بعد الإفاقة أيضاً على الأقوى، والاحتياط غير خفيّ.
ويشترط فيه الخلوّ من حيضٍ وشبهه ومن سفرٍ ومرضٍ، إلّا أنّ المسافر والمريض لو زال عذرهما قبل الزوال ولم يتناولا شيئاً لزم عليهما تجديد النيّة والصيام؛ للأخبار (2)، والإجماع المنقول في المسافر(3)، وللاشتراك في المناط، وفتوى المشهور، والإجماع المنقول في المريض(4).
وورد في بعض الأخبار(5)التخيير للمسافر في الصوم وعدمه إذا دخل بعد طلوع الفجر، وفيها الصحيح، ولكنّها شاذّة مطّرحة أو مؤوّلة بحملها على المشارف للدخول، فيكون المعنى: إذا أراد الدخول فإن شاء الصوم دخل وصام، وإلّا تناول شيئاً قبل دخوله وترك الصوم، كما في الصحيح: الرجل يقدم في شهر رمضان من سفر حتّى يرى أنّه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار، فقال: «إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر»(6).
والمريض لو صام جهلاً، فالأقوى فساد صومه؛ لكون الصحّة شرطاً واقعيّاً.
وأمّا المسافر لو صام جهلاً لشرطيّة عدم السفر للصوم صحّ صومه؛ للأخبار المعتبرة والمعمول عليها الدالّة على أنّه إن لم يكن بلغه فلا شيء عليه(7)، والإجماع المنقول(8)على ذلك.
1) كالشيخ الطوسي في المبسوط 1 : 286.
2) وسائل الشيعة 10 : 190 - 191، الباب 6 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 4 - 6.
3) تذكرة الفقهاء 6: 163 - 164، المسألة 100.
4) تذكرة الفقهاء 6: 163 - 164، المسألة 100.
5) وسائل الشيعة 10 : 189 - 190، الباب 6 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 1 - 3.
6) المصدر : 190، ح 3.
7) المصدر : 179 - 180، الباب 2 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 2،3 6،5.
8) مدارك الأحكام 6 : 285.
والمراد بالصحّة هنا سقوط القضاء، لا موافقة الأمر، ولا يبعد عدم التلازم بينهما. وفي إلحاق الناسي به أم بالعامد وجهان أظهرهما وأحوطهما: الأخير، أخذاً بالعمومات الدالّة على الشرطيّة وظاهرها الواقعيّة والآمرة بالقضاء على المسافر(1)، السالمة عن المعارض، سوى ما دلّ على رفع القلم عنه(2)، وخيال الاشتراك مع الجاهل في العلّة الموجبة لذلك، وهي عدم العلم وعدم التقصير. وكلاهما ضعيف لا يعارض ما تقدّم.
الثاني من الصوم الواجب: صوم قضاء شهر رمضان
وفيه مسائل :
الأولى: لا يجب القضاء عمّا فات لصغرٍ أو جنونٍ ولو لعروضهما لحظةً من النهار؛ للإجماع، ولحديث رفع القلم(3)عند الأداء، والقضاء تابع له على وجهٍ قويّ، ولاحتياج القضاء إلى أمرٍ جديد، وليس فليس.
ولا يجب القضاء على الكافر وإن وجب عليه الأداء؛ لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله، وللأخبار الخاصّة الدالّة على عدم القضاء على الكافر حتّى اليوم الذي أسلم فيه إلّا أن يكون أسلم قبل طلوع الفجر(4)، وهي صحيحة ومعتبرة بفتوى الأصحاب.
والمراد بالكافرِ الكافرُ الأصلي، دون المرتدّ، ودون المتشبّث بالإسلام من الخوارج والغلاة، إلّا أنّ المرتدّ لا يصحّ منه حال ردّته، ويصحّ منه بعد التوبة حتّى في الفطري على وجه.
وأمّا المخالفون ومَنْ بحكمهم من الفِرَق الضالّة فليس عليهم قضاء ما أتوا به على مذهبهم؛ للأخبار(5)، وكلام الأصحاب، وذلك إمّا لانكشاف صحّته بالإيمان المتأخّر، أو لسقوط القضاء لطفاً وكرماً. وما لم يأتوا به أصلاً أو أتوا به فاسداً على مذهبهم فعليهم
قضاؤه؛ لعمومات الأدلّة، ولاتّفاق الأصحاب.
وذهب الشيخ رحمه الله إلى أنّ الكافر لو أسلم قبل الزوال ولم يتناول شيئاً وجب عليه الصوم، وإن لم يفعل قضاه(1).
وضعيف تردّه الأخبار(2)وكلام الأصحاب.
وهل يبطل الصوم بالارتداد في أثناء النهار، أم لا يبطل؟ قولان، أقواهما: البطلان؛ لأنّ الإيمان شرط صحّة العبادة كتاباً(3)وسنّةً(4)وإجماعاً، وشرط الكلّ شرط البعض كما هي القاعدة، إلّا ما أخرجه الدليل.
الثانية: الأقوى عدم وجوب القضاء على المغمى عليه، سواء كان الإغماء باختياره أو اضطراراً عليه، وسواء استوعب الإغماء يوم الفوات أو عرض في أثناء اليوم بعد تبييت نيّة الصوم أو قبلها؛ لفحوى ما مرّ في كتاب الصلاة من عدم وجوب قضائها عليه مطلقاً، فها هنا يكون أولى أو مساوياً لها، أو لعدم القائل بالفرق بينهما كما صرّح في المختلف(5)، ولما ورد الأخبار - وفيها الصحيح المعتبر - القاضية بعدم قضاء الصلاة والصوم عليه(6)، وللأصل من الدالّ على عدم القضاء إلّا بأمرٍ جديد. خلافاً لمن أوجب عليه القضاء(7)، استناداً إلى أنّه مريض فيجب عليه القضاء؛ لعموم الآية(8)، وإلى الأخبار القاضية عليه بقضاء الصلاة(9)، ولا قائل بالفرق.
وهو ضعيف؛ لمنع صدق المرض عليه، وتسليمه ومنع أنّ كلّ مريضٍ يجب عليه القضاء، وسند المنع خروجه بما ذكرنا من الدليل، ولمنع الأخذ بالأخبار الدالّة على قضاء الصلاة؛
1) راجع الهامش (1) من ص 337؛ وأيضاً الحدائق الناضرة 13 : 166.
2) منها : ما في وسائل الشيعة 10 : 327، الباب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1.
3) البينة (98) : 5.
4) راجع وسائل الشيعة 1 : 118 ، الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات.
5) مختلف الشيعة 3 : 322، المسألة 66
6) وسائل الشيعة 10 : 226 - 227، الباب 24 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 1 - 3، 6.
7) قاله الشيخ المفيد في المقنعة : 352؛ والسيّد المرتضى في جُمل العلم والعمل : 99؛ وابن البرّاج في المهذّب 1 : 196.
8) البقرة (2) : 184.
9) وسائل الشيعة 8 264 الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات.
لمعارضتها بأقوى منها سنداً وعدداً وموافقة للأصل والقاعدة، فلا بدّ من طرحها أو تنزيلها على الندب.
وقد يُمنع عدم القول بالفرق، بل نقول به، وعدم القول ليس قولاً بالعدم كي يكون عدم الفرق مجمعاً عليه.
وذهب بعض أصحابنا إلى اختصاص سقوط القضاء في صورة سبق نيّة الصوم على الإغماء وعروضه بعده(1)، وبعضهم إلى اختصاصه في صورة ما إذا كان الإغماء اضطراريّاً، فلو كان اختياريّاً وجب القضاء(2).
الثالثة: يجب القضاء على المريض والمسافر كتاباً(3)وسنّةً(4)وإجماعاً، وعلى الحائض والنفساء إجماعاً وسنّةً(5)وعلى كلّ مَنْ ترك صيامه باستعمال مفطّرٍ أو ترك نيّةٍ، أو لكونه عبادة جاهلٍ إن قلنا بفساد عبادة الجاهل بعد وجوبه عليه وعدم إذن الشارع له بتركه، کالشيخ والشيخة وذي العطاش ومَن استمرّ به المرض.
والذي يدلّ على إيجاب القضاء على التارك بذلك النحو، الصحيح: «إذا كان على الرجل شيء من صوم شهر رمضان فليقضه»(6).
والصحيح الآخَر: «مَنْ أفطر شيئاً من رمضان في عذر ، فإن قضاه متتابعاً فهوأفضل، وإن قضاه متفرّقاً فحسن»(7).
وممّن يجب عليه القضاء ناسي غسل الجنابة حتّى مرّت عليه أيّام بل حتّى طلع عليه الفجر؛ لما ورد في الصحيح أنّ مَنْ أجنب فنسي أن يغتسل حتّى خرج رمضان، قال: «علیه أن يقضي الصلاة والصيام»(8)وغيره مثله في إيجاب القضاء.
1) راجع الهامش (5) من ص 339
2) ذهب إليه ابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 3 : 321، المسألة 66.
3) البقرة (2) : 184 و 185.
4) وسائل الشيعة 10: 173 - 174، الباب 1 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 1، 2.
5) المصدر 2 : 346، الباب 41 من أبواب الحيض، و 394، الباب 6 من أبواب النفاس.
6) المصدر 10 : 344. الباب 27 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1.
7) المصدر : 340 - 341 ، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 4.
8) المصدر : 238 ، الباب 30 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 3.
وهما مؤيَّدان بالاحتياط، وفتوى الأكثر، وعموم الأدلّة، وما جاء من أنّ النومة بعد النومة بعد الجنابة إلى أن يصبح توجب القضاء(1)، وأنّ الثالثة توجب الكفّارة معه(2)، وهو شامل للناسي وغيره.
وقيل بعدم وجوب القضاء(3)للأصل، ولاحتياج القضاء إلى أمرٍ جديد، ولما ورد أنّ النومة الأُولى بعد الجنابة حتّى يصبح لا توجب القضاء(4).
وهذا القول ضعيف؛ لانقطاع الأصل بما ذكرنا ووجوب الأمر بالقضاء، ولأنّ ما ورد بنفي القضاء عمّن نام حتّى أصبح في الأُولى محمول على الذاكر العازم على الغسل فنام، دون الناسي؛ جمعاً بين الدليلين، بل الظاهر من أخبار نفي القضاء عمّن نام فأصبح جنباً هو النائم عن تذكّر الجنابة وعزم عليها.
وأمّا الجمع بين الأدلّة بحمل ما دلّ على إيجاب القضاء على الناسي على صورة النسيان جميع الشهر أو في أيّام متعدّدة، وما دلّ على عدم القضاء لمن أصبح جنباً بالنومة الأُولى على الليلة الواحدة، أو بحمل ما دلّ على إيجاب القضاء على الناسي على ما إذا عرض النسيان فی الليلة الأُولى وانتبه قبل طلوع الفجر على وجهٍ يمكنه الاغتسال لو كان ذاكراً أو أصبح فی النومة الثانية، وحمل أخبار نفي القضاء عمّن أصبح جنباً على غير ذلك، فهو جمع بعيد مخالف لظواهر الأخبار وفتاوى الأخيار.
الرابعة: وجوب القضاء وجوب موسّع وليس من الواجبات الفوريّة؛ للمشهور بین الأصحاب، وللأخبار الدالّة على أن مَنْ كان عليه قضاء شهر رمضان قضاه في أيّ الشهور شاء، وأنّه يقضيه على اختياره متتابعاً أو متفرّقاً(5).
ولا يجب الترتيب في القضاء، بل لو نوى القضاء عن المؤخّر مقدّماً جاز، وله أن يرتّب بل هو الأولى، وله أن يطلق في النيّة فينصرف المطلق إلى الأوّل فالأوّل.
1) وسائل الشيعة 10 : 61، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 1.
2) راجع المصدر : 63 - 64، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم... . ح 2 - 4.
3) قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر 407:1.
4) وسائل الشيعة 10: 57 ، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك.
5) المصدر : 340 - 343، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 4، 5، 8، 9، 11.
والأقوى حرمة التطوّع على مَنْ كان عليه قضاء شهر رمضان؛ للأخبار(1)الدالّة على ذلك، وللاحتياط اللازم للعبادة.
والأحوط إلحاق القضاء عن الغير الواجب بإجارةٍ أو ولايةٍ بالقضاء عن النفس في ذلك الحكم، بل الأحوط إلحاق كلّ واجبٍ في ذمّة المكلّف وأمكنت تأديته بقضاء شهر رمضان في ذلك الحكم؛ لفتوى الأكثر من أصحابنا(2)، وللاحتياط، ولعموم «لا تطوّع في وقت فريضة»(3)ولشبهة تنقيح المناط.
وقد يحتاط أيضاً بعدم صوم النذر والكفّارة عمّن عليه قضاء شهر رمضان؛ لفتوى ابن أبي عقيل بذلك(4).
و تستحبّ الموالاة في القضاء؛ للاحتياط، ولأدلّة المسارعة (5)، وللروايات الحاكمة بأنّ مَنْ قضاه متتابعاً فهو أفضل(6)، ولفتوى المشهور.
وقيل: إنّ التفريق أفضل(7)استناداً إلى بعض الروايات الآمرة بالتفريق(8).
والظاهر أنّها محمولة على الرخصة والتخفيف لمن يضعف عن الموالاة من جهة ضعفه، أو من جهة شدّة حرّ الزمان ونحوه.
الخامسة : مَنْ فاته شهر رمضان لمرضٍ أو لحيضٍ أو نفاسٍ فمات قبل البرء والتمكّن من القضاء لم يقض عنه إجماعاً، والأخبار متكثّرة به:
ففي الصحيح عن القضاء عمّن لم يبرأ، قال: «ليس عليه شيء، ولكن يقضى عن الذي بيراً ثمّ يموت قبل أن يقضي»(9).
والصحيح الآخَر: عن امرأة مرضت أو طمئت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان،
1) وسائل الشيعة 10: 345 الباب 28 من أبواب أحكام شهر رمضان.
2) كما في الحدائق الناضرة 13 : 319.
3) وسائل الشيعة 4 : 147 - 148 ، الباب 8 من أبواب المواقيت، ح 28.
4) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 422، المسألة 135.
5) آل عمران (3) : 114 و 133؛ الأنبياء (21) : 90: المؤمنون (23) : 61.
6) وسائل الشيعة 10 : 340 - 341 و 343، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 4، 11.
7) نقله ابن إدريس الحلّي في السرائر 405:1 - 406 عن بعض الأصحاب.
8) وسائل الشيعة 10: 341، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 6.
9) المصدر : 329 - 330 ، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 2.
هل يقضى عنها؟ فقال: «أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم»(1).
والآخَر: في نفساء دخل عليها شهر رمضان ولم تقدر على الصوم فماتت في شهر رمضان أو شوّال، قال: «لا يقضى عنها»(2).
وغير ذلك من الأخبار المتكثّرة الدالّة على ذلك.
وهل يستحبّ القضاء عنهما؟ المشهور على ذلك؛ لأنّها طاعة فعلت عن الميّت فوصل إليه ثوابها.
وقد يُناقش فيه بأنّ القضاء وظيفة شرعيّة تتوقّف على الدليل، وليس هناك ما يدلّ على جواز فعل الفرائض عن الميّت التي لم يكن مخاطباً بها، بل ربما أشعرت الأخبار بالعدم؛ للنهي عن القضاء عنه(3)، مضافاً إلى الخبر: فيمن مرضت في شهر رمضان فماتت في مرضها في شوّال: «لا يقضى عنها، فإنّ الله لم يجعله عليها» قلت: فإنّي أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك؟ قال: «فكيف تقضي شيئاً لم يجعله الله تعالى عليها، فإن شئت أن تصوم لنفسك فصم»(4).
وأمّا ما ورد عن صفوان أنّه يصلّي الفرائض ويصوم عن أخويه(5)فهي حكاية فعلٍ له، وهو أعرف بما صنع.
ومَنْ فاته شهر رمضان بسفرٍ ولم يتمكّن من أدائه بعد شهر رمضان لموتٍ أو لمرضٍ أو لبقاء سفره، قيل: جاز قضاؤه عنه، ووجب على الوليّ قضاؤه عنه، سواء تمكّن من الإقامة في سفره بعد شهر رمضان والصوم أم لم يتمكّن، وسواء كان السفر اختياريّاً أم اضطراريّاً(6)، وذلك لأنّ السفر من فعله فأشبه مَنْ أفطر عمداً، ولجملةٍ من الأخبار المشتملة على الصحيح والمعتبر، الواردة فيمن مات في شهر رمضان وقد فاته منه بمرضٍ أو طمتٍ أو سفرٍ، المفصّلة بين السفر فنعم، وبين غيره فلا(7).
1) وسائل الشيعة 10 : 330 الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 4.
2) المصدر : 332، ح 10.
3) المصدر.
4) وسائل الشيعة 10: 332 - 333، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 12.
5) مستدرك الوسائل 2 : 115 ، الباب 20 من أبواب الاحتضار... ح 13.
6) قال به الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام 4 : 249، ذيل الحديث :739؛ والبحراني في الحدائق الناضرة 13 : 330.
7) وسائل الشيعة 10: 330 و 332 و 334، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 4، 9، 11، 15، 16.
وقيل - ونُسب لفتوى المشهور(1)- بأنّ التمكّن من القضاء ليتحقّق الاستقرار شرط مطلقاً في سفرٍ وغيره(2)، وأُيّد بالإجماع المنقول(3)على ذلك، وبالروايات الدالّة على أنّ جواز القضاء عن الميّت مشروط بوجوبه عليه(4)، وبالأصل السالم عن المعارض، سوى الأخبار المتقدّمة(5)، وهي ضعيفة بقلّة العامل بها وإعراض أكثر الأصحاب عنها، فهذا القول أقوى.
ويسري هذا الحكم لمن أفطر عمداً ومات قبل تعلّق الوجوب به، كأن مات أوّل يومٍ من شوّال، أو مات بعد مرضٍ متّصلٍ بشهر رمضان.
وقد يفرّق بين هذا وما قبله فيقضى هذا دون ذلك.
وقد يفرّق بين إمكان نيّة الإقامة للمسافر وبين عدمه، فيقضى في الأوّل دون الثاني. والاحتياط يقضى بالقضاء مطلقاً.
السادسة: مَن استمرّ به المرض من رمضان إلى آخَر سقط عنه قضاء الأوّل كلّاً أو بعضاً، وكفّر عن كلّ يومٍ فاته بمُدَّ من طعام، وذلك إذا فاته بمرضٍ، وفاقاً للمشهور، وربما نُسب(6)غيره إلى الندرة. وأشعرت بعض عبائرهم(7)بنقل الإجماع عليه، ودلّت عليه الأخبار المتكثّرة.
ومنها: الصحيح فيمن يمرض في شهر رمضان فيدركه الآخَر وهو مريض؟ قال: «يتصدّق عن الأوّل ويصوم الثاني، وإن كان صحّ فيما بينهما ولم يصم حتّى أدركه شهر رمضان آخَر صامهما جميعاً وتصدّق عن الأولّ»(8).
ومنها: الصحيح: «مَنْ أفطر شيئاً من رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخَر وهو مريض فليتصدّق عن كلّ يومٍ بمُد، فأمّا أنا فصمتُ وتصدّقتُ»(9).
1) نسبه البحراني في الحدائق الناضرة 13 : 330؛ والطباطبائي في رياض المسائل 5 : 442 إلى الأكثر.
2) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 2 : 207 - 208، المسألة 64؛ والمحقق الحلي في المختصر النافع : 134.
3) الخلاف 208:2، المسألة 64
4) وسائل الشيعة 10 : 329 - 331 و 333، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ج 2، 7، 8، 13.
5) تقدمت في ص 343.
6) الناسب هو الشهيد الثاني في الروضة البهية 2 : 120.
7) الروضة البهيّة 2 : 120.
8) وسائل الشيعة 10 : 335 - 336 ، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 2.
9) المصدر : 336، ح 4.
ومنها: الحسن: عن رجلٍ مرض فلم يصم حتّى أدركه رمضان آخَر، فقال: «إن كان برئ ثمّ توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخَر صام الذي أدركه وتصدّق عن كلّ يومٍ بمُدٍّ من طعامٍ على مسكين وعليه قضاؤه، وإن كان لم يزل مريضاً حتّى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه وتصدّق عن الأوّل لكلّ يومٍ بمُدٍّ من طعام على مسكين وليس عليه قضاء»(1).
ومنها غير ذلك من الأخبار المتضمّنة للحكم المتقدّم، وهي وإن ضعف سندها لكنّها معتضدة بمخالفة العامّة، وبفتوى الأكثر، وبالأخبار الصحاح، وباشتهارها بين الأصحاب.
وذهب جمعٌ من الأصحاب(2)إلى إيجاب القضاء عليه بعد رمضان الآخر، وعدم وجوب الصدقة؛ استناداً لإطلاق الآية «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»(3)وإلى أنّ العبادة لا تسقط بفوات وقتها، كالقرض والدَّين، وإلى ما رواه سماعة عن الإمام علیه السلام : «إنّي كنت مريضاً فمرٌ علَيَّ ثلاث رمضانات لم أصحّ فيهنّ ثمّ أدركت رمضاناً، فتصدّقتُ بدل كلّ يومٍ ممّا مضى بمُدٍّ من طعام، ثمّ عافاني الله فصُمتهنّ»(4)، وإلى ما رواه ابن سنان: «فأمّا أنا فصمتُ وتصدّقتُ»(5).
والكلّ ضعيف؛ لجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر، المخالف للعامّة، المستفيض المعمول عليه بين الأكثر المؤيَّد بفتوى الأشهر، مضافاً إلى أنّ الظاهر من الآية أنّ القضاء في أيّام العام الأول دون باقي السنين، وللفرق بين الدَّين وبين قضاء شهر رمضان؛ لكون الأوّل غير موقّتٍ، والثاني موقّت فيما بين الرمضانين، كما يُفهم من الأخبار وكلام الأخيار.
والاستناد إلى الآية يعود إلى الدليل الأوّل، وقد تقدّم جوابه.
والروايتان ليس لهما قابليّة للمقاومة، ومع ذلك فهما ضعيفتا الدلالة؛ لإسناد الفعل فيهما إلى الإمام علیه السّلام، وهو ظاهر فى أنّه أولى وأنّه مندوب، على أنّ الروايتين دالّتان على قول ابن الجنيد من الجمع بين القضاء والكفّارة(6)، وهو قول شاذّ لا يُعتمد عليه.
1) وسائل الشيعة 10: 335، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1.
2) منهم : ابن أبي عقيل على ما في مختلف الشيعة 3 : 382، المسألة 111؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 395؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 184.
3) البقرة (2) : 184.
4) وسائل الشيعة 10 : 336 - 337 ، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 5.
5) راجع الهامش (9) من ص 344.
6) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 3: 386 - 387، المسألة 113.
وأمّا من صحّ بين الرمضانين وأمكنه القضاء فلم يقضِ وجب عليه القضاء بعد الرمضان الآخر والكفّارة؛ لإطلاق الآية(1)، وللأخبار(2)الدالّة على الجمع في هذه الصورة.
نعم، يبقى الكلام في أُمور:
أحدها: مَنْ فاته رمضان بغير مرضٍ فاستمرّ به المرض، أو فاته بمرضٍ فاستمرّ غير المرض من موانع وجوب الصوم، أو فاته بغير مرضٍ واستمرّ به غير المرض من موانع الصوم، فهل يلحق بما تقدّم من الحكم، أو يكون حكمه عدم القضاء؛ للأصل، وفوات وقته، وعدم الكفّارة؛ للأصل، وعدم قيام دليلٍ عليها، أو يكون حكمه القضاء؛ لإطلاق الآية(3)، خرج ما دلّت الأخبار على خروجه وبقي الباقي؟ أوجُه، أوجَهها: الأخير.
ولكن في رواية العيون والعلل: أنّ السفر كالمرض مع استمراره في وجوب الكفّارة خاصّة، ومع الإقامة وترك القضاء يجب القضاء والكفّارة(4).
ولكنّها لضعفها لا تقاوم إطلاق الآية الشريفة، كما أنّ رواية(5)ابن سنان تشمل بإطلاقها مَنْ فات عليه رمضان بغير المرض فاستمرّ به المرض؛ لقوله علیه السّلام فيها: «مَنْ أفطر شيئاً من رمضان في عذر» ولكنّها لإشعارها بإرادة المرض من العذر بقرينة قوله علیه السّلام فيها: «ثمّ أدرك رمضان آخَر وهو مريض» كانت غير صالحةٍ لتخصيص الأدلّة الدالّة على وجوب القضاء على المسافر(6).
ثانيها: الواجب في الكفّارة مُدُّ لا أزيد؛ للأخبار(7)، وكلام الأخيار، والأصل.
وأوجب الشيخ رحمه الله له مُدَّين(8)، وكأنّ مستنده الاحتياط، وقوله مستنده الاحتياط، وقوله في خبر سماعة: «فتصدّقتُ
1) البقرة (2) : 184.
2) وسائل الشيعة 10 : 335 - 339 الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1 - 3، 11،8،6.
3) البقرة (2) : 184.
4) عيون أخبار الرضا علیه السلام 2 : 124 ، الباب 34 ، ح 1 علل الشرائع 1 : 315، الباب 182، ح 9.
5) تقدم تخريجها في الهامش (9) من ص 344.
6) راجع الهامش ( 4 ) من ص 340.
7) وسائل الشيعة 10 : 335 - 339 الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1، 4 - 6، 6 - 11.
8) النهاية : 158: المبسوط 1 : 286.
بدل كلّ يومٍ ممّا مضى بمُدّين(1)من طعامٍ»(2).
وكلاهما ضعيف؛ لعدم معارضة الاحتياط والرواية لما قدّمنا، على أنّ الرواية ظاهرة في الاستحباب؛ لإسناد الفعل إليه بعد الأمر في صدرها بالمُدّ، فلا تصلح أن تكون حجّةً.
ثالثها: لا يجزئ مَنْ كان فرضه التكفير فعل القضاء؛ للأصل، وظاهر الأخبار(3)لأنّ ظاهرها التعيين لا التخيير.
ويستحبّ لمن فرضه التكفير القضاء؛ لأنّه عبادة مطلوبة يندب قضاؤها، وفي رواية ابن سنان(4)وسماعة(5)ما يدلّ على ذلك.
وحكم الرمضانات المتعدّدة حكم الرمضانين إذا استمرّ به المرض إلى ثلاث أو أربع؛ لظاهر الأخبار(6)وكلام الأخيار.
ومَنْ ذهب إلى الفرق بين المتّحد والمتعدّد(7)، فقد ارتكب الخلاف من دون مستندٍ. و مصرف هذه الصدقة الفقراء والمساكين، كما يشعر به لفظ «الصدقة» وفي الروايات: «المساكين»(8)ويراد به ما يعمّ الفقراء؛ لأنّهما إذا افترقا اجتمعا، لفهم الأصحاب وظهور ذلك من كلام الأئمّة الأطياب علیهم السّلام.
وجعل مصرفها بعضُهم(9)مصرف الزكاة. وهو بعيد.
والتصدّق بالحنطة أفضل، ويجزئ الشعير؛ لإطلاق الكثير من الروايات بلفظ «الطعام»(10)وهو شامل له ولها.
وهل يجزئ غيرهما؛ لأنّ الطعام اسم لكلّ مطعومٍ؟ فيه كلام سيأتي إن شاء الله تعالى.
1) كذا في النسخ والحدائق الناضرة 13 : 304 و 307، وفي المصدر : «بمُدٍّ».
2) راجع الهامش (4) من ص 345.
3) راجع الهامش (3) من ص 334 والهامش (4 و 5) من ص 344.
4) تقدّم تخريج روايته في الهامش (9) من ص 344.
5) تقدّم تخريج روايته في الهامش (1) من ص 345.
6) وسائل الشيعة 10 : 335 الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان.
7) ذهب إليه ابن بابويه على ما في السرائر 1 : 395 - 396.
8) وسائل الشيعة 10 : 335 - 339 ، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1، 3، 6، 11،9.
9) كالشهيد في الدروس الشرعيّة 1 : 287؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 2 : 61؛ والروضة البهية 2 : 121.
10) وسائل الشيعة 10 : 335 - 339 الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 3،1، 5، 906 - 11.
ولا تتكرّر الفدية بتكرّر السنين؛ للأصل السالم عن المعارض.
وجزم في التذكرة بالتكرّر(1)، وهو ضعيف.
رابعها: قدّمنا أنّ مَنْ برى من مرضه بين الرمضانين ولم يقضٍ تعلّقت به الكفّارة مطلقاً، وأطلقنا القول في ذلك، ولكن نُسب(2)للمشهور أنّه إن تهاون في القضاء فلم يقضِ أو تركه عمداً مع ضيق الوقت أو السعة تعلّقت به الكفّارة، وإلّا فلا يجب عليه سوى القضاء.
وفسّروا التهاون بعدم العزم على القضاء، سواء عزم على الترك أو لم يعزم على أحد الأمرين، وغير المتهاون: هو العازم على القضاء في حال السعة وأخّر اعتماداً عليها، فلمّا ضاق الوقت عرض له المانع.
وربما يُفسّر التهاون بالعزم على العدم إلى أن يجيء المانع من الصوم.
وقد يُفسّر بالتراخي عن الأمر وإن كان عازماً عليه مدّة يقال عرفاً: إنّه توانى فيه وتراخى به.
والأظهر الاعتماد على الإطلاق؛ لإطلاق الروايات(3)بذلك، الشاملة للعازم على العدم، وغير العازم على شيء، والعازم على الفعل المؤخّر تكاسلاً وتراخياً.
وليس ما يدلّ على القول المشهور سوى حسنة محمّد بن مسلم، ففيها: «إن كان برئ ثمّ توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه وتصدّق عن الأوّل عن كلّ يومٍ بمُدٍّ من طعام وعليه قضاؤه»(4)، وهي ظاهرة في إرادة ترك القضاء مع القدرة عليه من لفظ «التواني» بقرينة جعل دوام المرض فيها قسيماً للتواني، دون المعنى الزائد الذي لاحظه المشهور.
ومع هذا كلّه فكلام المشهور لا يخلو عن قوّةٍ؛ لشهرة الفتوى به، ولهذه الرواية المقيّدة لإطلاق غيرها، ولظهور ترتّب الكفّارة على التفريط دون غيره ؛ لأنّها لستر الذنب غالباً، وغير الغالب كالعدم، ولكنّ الشأن في تحقيق التهاون والتواني، والأظهر أنّه التكاسل عن البدار إلى فعل الخير وإن عزم عليه في وقتٍ متأخّر أو في كلّ وقتٍ فيؤخّره إلى أن يصدق عرفاً أنّه توانى عن الأمر وتساهل به فعلى ذلك لا يخلّ تأخير اليوم واليومين ولا يوجب الكفّارة،
ويخلّ تأخير الأيّام المتعدّدة وإن عزم على الفعل مستمرّاً.
وهل العزم على العدم من أفراد التواني ويوجب الكفّارة ولو يوماً واحداً؟ لمناسبة ذلك لإيجاب الكفّارة، ولشمول لفظ التهاون له ولشمول التعليل في قوله علیه السلام : «من أجل أنّه ضيّع صيام ذلك اليوم»(1)له، ولظاهر فتوى المشهور، أم لا؟ للأصل، وهو ضعيف.
وذهب الحلّي إلى عدم وجوب الكفّارة ها هنا مطلقاً توانى أم لم يتوان(2).
وتردّه الأخبار(3)، وكلام الأخيار.
وقال المحقّق عليه: إنّه ارتكب ما لم يذهب إليه أحد من فقهاء الإماميّة فيما علمتُ(4).
خامسها: يلحق بالفوات بالمرض الفوات بغيره على الأظهر، فيقضي ما فات مع عدم التواني من غير كفّارةٍ، ويقضي مع الكفّارة إذا كان متوانياً.
أمّا الأوّل: فلعموم ما دلّ على وجوب القضاء(5)السالم عن المعارض.
وأمّا الثاني: فلأنّ الكفّارة وجبت في أعظم الأعذار وهو المرض ففي الأدنى أولى. وعلى ما ذكرناه إنّ مَنْ لم يتمكّن من الصيام أصلاً حتّى أدركه الشهر كان عليه الصدقة فحسب، ومَنْ تمكّن وتهاون عن القضاء إلى أن جاء عارض لا يمكنه الصيام معه، أو تمكّن وترك القضاء عمداً إلى رمضان آخَر عصياناً، فعليه الصدقة والصيام، ومَنْ لم يتهاون بأن عزم على الفعل ولم يتكاسل بحيث مرّت عليه أيّام يعدّ بها متهاوناً لم يؤدٍّ.
سادسها: مَنْ فاته من رمضان شيء وقلنا: إنّ السفر كالمرض، واتّصل سفره من رمضان إلى آخَر ولم يمكنه نيّة الإقامةٍ، فعليه الصدقة فقط.
ومَنْ أمكنه نيّة الإقامة في الأثناء فلم يَنوِ حتّى عرض له ما يمنع من الصيام فالأظهر أيضاً : أنّ عليه الصدقة فقط؛ لعدم وجوب نيّة الإقامة عليه حينئذٍ.
ومَنْ ضاق وقت القضاء عليه وهو مسافر فلم يَنْوِ إقامة فهل تجب عليه الصدقة فقط؛
لأنّ الصوم واجب مشروط فلا تجب الإقامة لتحصيله، فلم يجب عليه الصوم حتّى يقال: إنّه تركه تهاوناً، أو يجب عليه القضاء والكفّارة؛ لأنّه بمنزلة مَنْ تمكّن من القضاء فلم يفعل؟ وجهان، أوجههما: الأوّل.
نعم، يقوى الثاني فيما إذا تمكّن من القضاء فلم يفعل، فسافر ولم يَنوِ إقامة مع تمكّنه حتّى صار الشهر الآخَر.
ومَنْ ضاق عليه الوقت وهو حاضر فسافر عند الضيق فالأظهر جواز سفره، ولا يحرم عليه السفر، ويجب عليه القضاء والكفّارة إذا تهاون بالتأخير.
والأحوط لزومهما وإن لم يتهاون قبل ذلك؛ لأنّ نفس السفر في الوقت المضيّق للقضاء من قبيل التفريط؛ لأنّه قد تعلّق به وجوب القضاء أوّلاً وتمكّن منه ولم يفعل.
الثالث: في القضاء عن الميت
وفيه مسائل:
الأُولى: يقضى عن الميّت ما فاته من صيام واجب مطلقاً بعد تعلّقه به، فلا يقضى عنه ما فاته من شهر رمضان عمداً أو سهواً أو لعارضٍ من مرضٍ أو حيض وشبهه إلّا بعد تمكّنه من قضائه وعدم وقوعه منه.
ويُستثنى من ذلك السفر ولو كان ضروريّاً ولم يتمكّن من الإقامة، فإنّه يقضى عنه للدليل(1).
وقد يقال بلزوم قضاء ما فات عمداً وإن لم يتمكّن من قضائه؛ لاختصاص الأدلّة النافية للقضاء عند عدم التمكّن بما فات بمرضٍ وشبهه.
وأمّا الصيام عن الميّت من الأشهر الحالّة التي تجب عليه فلم تثبت مشروعيّتها، وقضيّة صفوان(2)لا تصلح دليلاً.
الثانية: يجوز القضاء عن الميّت من كلّ أحد مستأجر أو متبرّع، من قريب أو أجنبيّ، بإذن الوليّ وبغير إذنه، ويسقط عن الوليّ بفعل المتبرّع؛ لفوات محلّه منه.
والقاضي بجواز التبرّع عموم الدليل(1)على جواز النيابة عن الميّت ووصول الأعمال إليه، وإنّه كالدَّين يجوز وفاؤه من المتبرّع وإن لم يكن بإذن الغريم.
ومَنَع بعض أصحابنا(2)من التبرّع عن الميّت، ومن إسقاطه لما وجب على الوليّ حتّى لو صدر الفعل بإذنه؛ لأصالة عدم سقوط فعل إنسان بفعل غيره.
وهو ضعيف تردّه الأخبار(3)، وفتوى المشهور نقلاً (4)، بل الظاهر وتحصيلاً، وقوله علیه السلام: «يقضيه أفضل أهل بيته»(5)أو «مَنْ شاء من أهل بيته»(6).
الثالثة: إذا لم يحصل مَنْ يقضي عن الميّت صومه الواجب عليه وجب على الوليّ قضاء ما فات عن الرجل إذا كان الوليّ رجلاً، سواء كان ما فاته عمداً أو سهواً، وسواء فات بفعله أو يمرضٍ أو سفرٍ أو حيضٍ.
وخصّ بعضهم(7)وجوب القضاء على الوليّ بما فات مولّاه بعذرٍ من مرضٍ وسفرٍ ونحوهما، دون ما فوّته عمداً؛ استناداً للأصل السالم عن المعارض، سوى إطلاق الأمر بقضاء الوليّ ما فات من المولّى عليه(8)، وهو ظاهر في خصوص ما فات لعذرٍ ، ومنه ما هو صريح في الورود بما كان الفوات للأعذار(9)، فلا يعمّ حينئذٍ ما فات عمداً. وما قالوه ضعيف، وتخصيص للروايات من دون مخصّصٍ.
ودعوى الظهور في الفائت لعذر بحيث ينصرف إليه إطلاق الأخبار، دعوى لا يساعدها عرف ولا شرع بل العرف والعادة على خلافها.
الرابعة: ذهب ابن أبي عقيل إلى وجوب الصدقة من الوليّ بمُدٍّ من طعامٍ عمّن فاته قضاء
1) راجع وسائل الشيعة 2 : 443. الباب 28 من أبواب الاحتضار، و 8 : 276، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات.
2) ابن إدريس الحلي في السرائر 399:1.
3) راجع الهامش (3) من ص 349
4) رياض المسائل 5 : 446
5) وسائل الشيعة 10 : 332، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 11.
6) المصدر : 329. ح 1.
7) المحقّق الحلّي في المسائل البغداديّة (ضمن الرسائل التسع) : 258.
8) وسائل الشيعة 10 : 329 - 331، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 3،1، 5، 6.
9) المصدر : 330 و 332 - 334 ، ح 4، 11، 13، 15، 16.
شهر رمضان فمات قبل أن يقضيه، وادّعى ابن أبي عقيل تواتر الأخبار به، وأنّ وجوب الصيام قول مطّرح شاذّ(1).
ويحتجّ له بالصحيح: فيمن مات وعليه قضاء من مرض صحّ منه فمرض فمات وكان له مال أنّه يتصدّق عنه مكان كلّ يومٍ بمُدِّ من طعامٍ، وإن لم يكن له مال تصدّق عنه وليّه، هكذا على نسخة التهذيب(2)، وفي الكافي والفقيه: «صام عنه وليّه» (3). وبالصحيح الآخَر: رجل مات وعليه صوم يصام عنه أو يتصدّق؟ قال: «يتصدّق عنه فإنّه أفضل»(4).
وهذا القول ضعيف؛ لمخالفته فتوى المشهور، وموافقة مضمون رواياته لفتوى العامّة فلا يعارض بها الأخبار المتكثّرة الموافقة لفتوى المشهور والمخالفة لفتوى العامّة. ويمكن الجمع بين الأخبار بالتخيير بين الصدقة والصيام، ولكن لم أعثر على قائلٍ به.
وذهب المرتضى إلى أنّ وجوب الصيام على الوليّ مشروط بأن لا يخلّف الميّت مالاً يتصدّق به عنه كلّ يومٍ بمُدٍّ(5)، ونقل عنه أنّه ادّعى الإجماع على ذلك(6).
ويحتجّ له بالرواية المتقدّمة على نسخة الفقيه والكافي.
ولكنّه قول ضعيف؛ لمنع الإجماع المدّعى بمصير المشهور وعمل الجمهور على خلافه، ولعدم مقاومة الرواية لما قدّمناه من الروايات الموجبة للصيام على الوليّ. الخامسة: الوليّ الذي يجب عليه الصوم هو الذكر دون الإناث، فلا يجب على الأنثى قضاء، كما أفتى به المشهور، ونطقت به الصحاح وغيرها(7)، المثبتة لوجوب القضاء على أولى الناس به وأولى الناس بميراثه، والنافية للقضاء عن المرأة ولو كانت أولى الناس
1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3: 392، المسألة 116.
2) تهذيب الأحكام 4 : 248، ح 735
3) الكافي 4 : 123 - 124، باب الرجل يموت وعليه من صيام شهر رمضان أو غيره، ح 3؛ الفقيه 2 : 152 - 153، ح 2010.
4) الفقيه 3: 376، ح 4325
5) الانتصار : 197، المسألة 93
6) المصدر : 198، المسألة 93؛ ونقله عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 702.
7) وسائل الشيعة 8: 278، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، ح 6 ، و 10 : 330 - 331، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 6.5.
به أو بميراثه، والقاصرة لوجوب ذلك على الرجل ولو كانت خنثى، فالأصل البراءة من الوجوب.
والظاهر وجوب القضاء على الوليّ وإن كان موت المولّى عليه في زمن عدم بلوغه، ولكنّه يجب بعد البلوغ؛ لعدم تعلّق التكليف به قبله.
نعم، لا يبعد صحّة صومه قضاءً عن المولّى عليه ؛ لأنّ عبادته شرعيّة، ويجزئ عنه بعد البلوغ.
ولا يتفاوت الحال في عدم وجوب القضاء على النساء بين وجود غيرهنّ من الذكور، وبین عدمه.
وذهب المفيد إلى أنّه لو لم يكن ولد ذكر قضى عنه أكبر أوليائه من أهله وأولاهم به ولو لم يكن إلّا امرأة(1).
وعن الشهيد أنّه قال: إنّه ظاهر القدماء والأخبار والمختار(2).
ويحتجّ له بإطلاق ما دلّ على وجوب القضاء على الوليّ(3)، وبالرضوي: «وإن لم يكن له وليّ من الرجال قضى عنه وليّه من النساء»(4).
وفي الجميع ضعف عن مقاومة الأخبار المعتضدة بفتوى الأخيار، الموافقة للأصل مع احتمال تنزيل الإطلاق على الذكور حملاً للمطلق على المقيّد، سيّما وأنّ ورود الإطلاقات لإثبات القضاء على الوليّ في الجملة من دون ملاحظة التشخيص ممّا يفيد الظنّ بالتقييد.
وأمّا الرضوي فلا يصلح بنفسه للحجّيّة فضلاً عن المقاومة، إلّا أنّه موافق للاحتياط. وأضعف من مذهب المفيد رحمه الله ما تُقل عن الصدوقين من إيجاب القضاء على أكبر الأولاد ولو كانت أُنثى وكان دونها ذكوراً(5).
وهو قول من غير دليلٍ، سوى بعض الإطلاقات المنصرفة إلى ما قدّمنا، فلا تصلح لإثبات حكمٍ مخالفٍ للأصل.
السادسة: المشهور أنّ الوليّ هو أكبر الأولاد لا الأكبر من الرجال الذين هم أولى بميراثه مطلقاً، فلا يلتزم غير الولد من الرجال مطلقاً، كان مع الولد وكان أكبر منه، كأب وولد، أم لم يكن، كالأب، أو كالإخوة والأجداد بعدهما أو كالأعمام والأخوال بعدهما؛ للأصل، وفتوى المشهور، وللشكّ في شمول إطلاقات الوليّ لمثله في هذا المقام بعد فتوى الأصحاب، ولأنّ الظاهر من إعطائه الحبوة(1)أنّها في مقابلة القضاء، كما يظهر من بعض عبائرهم(2)، ويظهر من بعضهم(3)نقل الإجماع، ولا أقلّ من حصول الإجمال، فيسقط الاستدلال حينئذٍ بإطلاق الأخبار (4)المشتملة على قضاء الوليّ كلّ ذلك.
ولا يخلو المقام من إشكال؛ لأنّ أكثر الروايات بل كلّها قاضية بوجوب القضاء على الوليّ، ومفسّرة له بأولى الناس بميراثه(5)، وليس فيها الولد فضلاً عن أكبر الأولاد.
نعم، في رواية الصفّار : «يقضي عنه أكبر وليّيه» فيمن له وليّان(6).
وهي ضعيفة لا قابليّة لها لتقييد المطلقات أجمع، ومع ذلك فالمذكور فيها مطلق الوليّ لا خصوص الولد، إلّا أن تكون الشهرة جابرةً لمتنها ودلالتها، فتقوى حينئذٍ على المطلقات، وهو لا يخلو من إشكالٍ، والأحوط القضاء على كلّ وليّ.
السابعة : المراد بأكبر الولد مَنْ ليس أكبر منه وإن لم يكن له ولد متعدّدين؛ لإطلاق لفظ الوليّ في الأخبار(7)، وورود بعضها بلفظ «أكبر»(8)لا يقتضي التقييد؛ لوقوعه جواباً
1) الحبوة : العطاء، يقال : حبا الرجل ،حبوة، أي أعطاه لسان العرب 14 : 162، «ح ب أ».
2) راجع مختلف الشيعة 3: 396 - 397، المسألة 118.
3) الطباطبائي في رياض المسائل 5: 448.
4) وسائل الشيعة 10: 330 و 331 و 333 الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 3، 1307.
5) المصدر : 330 - 331، ح 5.
6) المصدر : 330. ح 3
7) راجع الهامش (4).
8) راجع الهامش (5).
عن السؤال عن الوليّين، ولظهوره في المتعدّد، فيبقى المتّحد داخلاً تحت إطلاق الوليّ من غير معارضٍ ممّا يصلح لتقييده.
الثامنة: إذا تعدّد الأولياء المتساوون في السنّ تساووا في القضاء؛ لتساويهم في الخطاب وامتناع الترجيح من غير مرجّحٍ، إلّا أن يبقى ما لا ينقسم فيقترعان عليه. وقيل: يقرع بينهم مطلقاً إذا تشاحّوا، وإلّا فالتخيير؛ لأنّ القرعة لكلّ أمرٍ مشكل(1). وقيل : يسقط القضاء عنهم؛ للأصل، واختصاص النصوص بالأكبر عند التعدّد، وحيث لم يكن لم يتعلّق الوجوب بأحدٍ(2).
والأخيران ضعيفان مخالفان للقواعد وظاهر أخبار الباب وفتوى الأصحاب.
التاسعة: إذا أوصى الميّت بالقضاء سقط عن الوليّ؛ لعموم النهي عن تبديل الوصيّة(3)، ولوجوب سماعها.
ويجوز للوليّ الاستئجار على الصوم وعدم المباشرة؛ لعدم ظهور المباشرة من الأدلّة الموجبة للقضاء على الوليّ.
العاشرة: نُسب(4)للمشهور أنّهم قالوا: إذا لم يكن وليّ من الرجال تصدّق من التركة عن كلّ يوم بمُدٍّ، واستندوا في ذلك إلى الصحيح(5)، ولا دلالة فيه، والتصدّق أحوط.
الحادية عشرة: مَنْ كان عليه شهران متتابعان فمات قضی عنه الوليّ شهراً وتصدّق عن شهر؛ للخبر(6)الدالّ على ذلك. ولكنّ الخبر لا يخلو عن ضعفٍ.
وأوجب الحلّي رحمه الله قضاءهما؛ لعموم أدلّة وجوب القضاء على الوليّ، إلّا أن يكونا من كفّارة مخيّر فيها فيتخيّر الوليّ بين العتق والصيام والإطعام من مال الميّت (7)للأصل، وعدم
1) قاله ابن البرّاج في المهذّب 1 : 196.
2) قاله ابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 399.
3) البقرة (2) : 181
4) الناسب هو العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 394، المسألة 117.
5) وسائل الشيعة 10 : 331، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 7.
6) المصدر : 334 - 335 الباب 24 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1.
7) السرائر 1 : 398
الدليل على وجوب التعيين، وضعف الخبر السابق(1)، وظهور وروده فيمن وجب عليه الشهران معيّناً.
وأوجب بعضهم القضاء مطلقاً(2).
وهو ضعيف؛ لأصالة عدمه في الكفّارة المخيّر فيها، ولظهور الأخبار في قضاء رمضان و شبهه أو المعيّن، ولأنّ التخيير الذي كان للميّت ينتقل لوليّه، فلا يتعيّن عليه الصيام فقط.
وعلى الأوّل فهل الصدقة عزيمة، أو رخصة فله صيام شهرين؟ الظاهر على هذا المذهب الأوّل.
وقول الحلّي أوفق بالقواعد والضوابط؛ لضعف الرواية الأولى(3)عن تقييد أوامر القضاء عن الميّت؛ لضعف سندها، وموافقتها لفتوى العامّة، وعدم تحقّق شهرةٍ جابرةٍ لها سيّما في الكفّارة المخيّر فيها، فإنّ إجزاء صيام شهر والتصدّق عن آخَر لا يظهر من الرواية؛ لظهورها في المعيّن.
الثانية عشرة: لا يجب القضاء من الوليّ عن الامرأة؛ للأصل، واختصاص الروايات بالرجل، ولقول ابن إدريس: إنّه ليس مذهباً لأحد من فقهائنا(4).
وذهب الشيخ(5)وجمعٌ(6)إلى وجوبه عنها؛ لاشتراكها مع الرجل غالباً في الأحكام، ودلالة الصحيح والموثّق على القضاء عنها ما فاتها سفراً(7).
ويضعّف الأوّل بأنّ الأصل الاشتراك في التكاليف المتعلّقة بالفعل من أحدهما لا بالفعل عن أحدهما، وأحدهما غير الآخَر. والثاني بقصور دلالتهما على الوجوب، وغاية ما يدلّان على الجواز ونحن نقول به على أنّ مضمونهما لا يقول به الكثير من وجوب القضاء مع عدم استقراره على الميّت، ومع ذلك فالاحتياط مع هذا القول؛ للخبرين وفتوى جمع بهما، وظهور الفعل المضارع فيهما في الوجوب كما هو المستعمل كثيراً في الجملة الخبريّة.
1) المتقدّم تخريجه في الهامش (6) من ص 355.
2) الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 2 : 66.
3) المتقدّم تخريجها في الهامش (6) من ص 355.
4) السرائر 399:1.
5) المبسوط 1 : 286.
6) منهم : ابن البرّاج في المهذّب 1 : 196؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 400 - 401، المسألة 121؛ والشهيد في الدروس الشرعيّة 1 : 289؛ والفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1 : 383 - 384.
7) وسائل الشيعة 10 : 330 و 334، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 1604.
وفيه مسائل:
الأُولى: فيمن يحرم عليه الصوم
يحرم الصوم المندوب على المملوك من غير إذن مالكه، سواء عارض حقوق المالك أم لا، وسواء أضعفه الصوم أم لا، وسواء كان الملك مختصّاً أم مشتركاً، وسواء كان الملك خاصّاً أو عامّاً كالعبد الموقوف أو المشترى من مال الزكاة، وفاقاً لإطلاق المشهور، ولقوله تعالى: «عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ»(1)ولأنّ الصوم تصرّفٌ منه بنفسه، ولا يجوز له التصرّف بنفسه، وللإجماع المنقول على المنع(2)، وللأخبار المتكثّرة الدالّة على المنع من صوم العبد من دون إذن مولاه(3).
وذهب بعض أصحابنا إلى الكراهة، ونقل عليها الإجماع، وحمل الروايات المانعة على الكراهة أو على صورة النهي من المولى صريحاً(4).
وهو ضعيف؛ لأنّ حمل الروايات على الكراهة أو على صورة النهي مع اشتمال الروايات على التحريم بدون الإذن مجاز لا يُرتكب إلّا لمعارضٍ يقوى عليه أو يساويه، وليس فليس.
وكذا يحرم صوم الزوجة من غير إذن زوجها؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول(5)، والأخبار المستفيضة الناهية عن ذلك:
ففي بعضها: ليس لها الصيام من دون إذن زوجها(6).
وفي بعضها: «لا يصلح»(7).
وفي بعضها: «ولا تصوم تطوّعاً إلّا بإذنه»(1)إلى غير ذلك.
والظاهر من إطلاق الفتوى والرواية شمول الزوجة للدائمة والمتمتّع بها، عارضت حقّ الزوج بصومها أم لا.
وذهب جمعٌ من أصحابنا(2)إلى كراهة صومها من غير الإذن، ونقل الإجماع على الكراهة(3)، واستند إلى رواية عليّ بن جعفر: عن الامرأة تصوم تطوّعاً بغير إذن زوجها، قال: «لا بأس»(4).وحمل الروايات على الكراهة أو على صورة نهي الزوج.
وهو ضعيف؛ لمنع الإجماع مع مصير الأكثر إلى خلافه، ونقل الإجماع(5)على مقابله، ولعدم مقاومة رواية عليّ بن جعفر للروايات المتقدّمة(6)كي يجب حمل المتقدّمة على الكراهة، والجمع شرطه التكافؤ، بل لا بدّ من طرح رواية عليّ بن جعفر، أو حملها على الإذن الصريحة دون الفحوائيّة، أو حملها على الصوم الواجب. ويحرم صوم الولد مع نهي الوالد عنه؛ لأنّ الصوم والحال تلك إيذاء له وعدم مصاحبته له بالمعروف، بل ربما يؤدّي إلى دخوله تحت العقوق المنهيّ عنه إجماعاً، ومع عدم النهي فالأظهر کراهته من دون إذنٍ من الوالدين؛ للأخبار الناهية عنه من غير إذنٍ(7)، المحمولة على الكراهة؛ لضعفها عن إفادة التحريم سنداً وعدداً ودلالةً، ففي بعضها: «من برّ الولد أن لا يصوم تطوّعاً، ولا يحجّ تطوعاً، ولا يصلّي تطوّعاً»(8)وهو ظاهر في استحباب الترك الذي هو بمعنى الكراهة.
وذهب جمعٌ من أصحابنا(9)إلى تحريم الصوم من الولد من دون إذن الوالد؛ أخذاً بظاهر الأخبار الناهية(10).
1) وسائل الشيعة 10 : 527 الباب 8 من أبواب الصوم المحرَّم والمكروه، ح 3.
2) منهم: السيّد المرتضى في جُمل العلم والعمل: 101؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1: 149؛ وسلار في المراسم: 96.
3) غنية النزوع 149:1.
4) وسائل الشيعة 10 : 528. الباب 8 من أبواب الصوم المحرَّم والمكروه. ح 5.
5) راجع الهامش (5) من ص 357.
6) تقدمت أنفاً .
7) وسائل الشيعة 10: 530، الباب 10 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، ح 3.2.
8) المصدر، ح 3.
9) منهم : الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 474
10) راجع الهامش (7).
ولا شكّ أنّه أحوط سيّما بالنسبة للأب؛ لما دلّ على أنّه مملوك لأبيه، وأنّه ليس له معه أمر ولا نهي(1).
وأمّا الضيف فالأظهر كراهة صومه من غير إذن المضيف، سواء نهاه أم لا؛ للإجماع المنقول على الكراهة(2)، وللأخبار الناهية عن صومه من غير إذنٍ(3)، المحمولة على الكراهة؛ لعدم قابليّتها لإثبات التحريم؛ لضعفها، وقلّة العامل بها، واشتمالها على لفظ «لا ينبغي»(4) الظاهر في الكراهة.
وللتعليل في بعضها: «لئلّا يعملوا الشيء فيفسد عليهم»(5).
وفي بعضها: «أنّ من فقه الضيف أن لا يصوم تطوّعاً إلّا بإذن صاحبه، وإلّا كان الضيف جاهلاً»(6)وظاهرها أنّ المراد بالفقه الفهم لا العلم الخاصّ؛ بقرينة الرواية الأُولى.
وفي بعضها: إنّ المضيف لا ينبغي له الصوم أيضاً بدون إذن الضيف، لئلّا يحتشمهم ويشتهي الطعام فيتركه لهم(7)، وهو قرينة على إرادة الكراهة من لفظ «لا ينبغي» في الأوّل.
الثانية في الصوم المحرم
وتقدّم شطر منه كأيّام العيد والتشريق بمنى وآخر شعبان بنيّة الفرض أو أنّه من رمضان أو بنيّتهما معاً، وصوم الحائض وشبهها، والمسافر، والمريض المتضرّر به أو مَنْ يخشى على نفسه أو ماله أو عرضه، والكافر قبل توبته، والمخالف.
ومنه: صوم وفاء نذر المعصية، كمن نذر صوماً شكراً على محرَّمٍ، أو صوماً زجراً عن واجبٍ؛ لتعلّق النهي بالمنويّ، كذلك للنهي عن النيّة، والنهي قاضٍ بالفساد، وللإجماع المنقول(8)على ذلك،
1) مستدرك الوسائل 18 : 239، الباب 29 من أبواب القصاص في النفس، ح 3 و 14 : 321، الباب 10 من أبواب عقد النكاح.... ح 2.
2) غنية النزوع 149:1.
3) وسائل الشيعة 10 : 528 الباب 9 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، و 529 - 531، الباب 10 من تلك الأبواب، ح 1، 2، 4.
4) المصدر : 528 الباب 9 من أبواب الصوم المحرَّم والمكروه ، ح 1.
5) المصدر : 528 الباب 9 من أبواب الصوم المحرَّم والمكروه ، ح 1.
6) المصدر : 530 ، الباب 10 من أبواب الصوم المحرَّم والمكروه، ح 2.
7) راجع الهامش (3 و 4 و 5) من نفس الصفحة.
8) غنية النزوع 1 : 149.
وللأخبار الدالّة على أنّ صوم نذر المعصية حرام(1)الظاهرة في إرادة ذلك.
ومنه: صوم الصمت والوصال، وهما محرّمان إجماعاً، فتوىً ونصّاً، والأخبار دالّة على تحريمهما(2)، والنهى دالّ على فساد المنهيّ عنه.
والمراد بصوم الصمت إمساك على وجه السكوت، فالوصف داخل فيه.
ولو نوى الصائم الإمساك ونوى الصمت على أنّه عبادة أُخرى مقارنة للصوم فلا يبعد صحّة صومه، ويكون فاعلاً حراماً بنيّته ونفس سكوته، ويصحّ صومه.
والمراد بالوصال هو أن يجعل عشاءه سحوره، ودلّ على ذلك الصحيحُ عن الحلبي(3)، وصحيح حفص بن البختري: «المواصل يصوم يوماً وليلة ويفطر السحر»(4)، وهو بمعنى الأوّل.
وقيل: أن يصوم يومين بليلةٍ ولا يأكل فيهما(5)، وتدلّ على ذلك رواية محمّد بن سليمان(6)، وهو قريب، وأفتى به جمع من الأصحاب(7).
ولا يبعد أنّ كلّاً منهما وصال معنىً ولفظاً، ومنهيّ عنه أصالةً وتشريعاً، ولكنّه بنيّة ذلك لا مطلقاً، فلو صادف الصوم ذلك النحو بلا نيّة لم يكن به بأس، ولكنّ الأحوط اجتنابه تفصّياً عن شبهة مَنْ حرّم ذلك وعن شبهة إطلاق الروايات.
ولا شكّ في فساد الصوم لو نواه موصوفاً بالوصال، أو نواه منضمّاً إلى غيره بشرط الانضمام.
وأمّا لو نواه ونوى الوصل عبادة أُخرى مستقلّةً أو منضمّةً معه لم يكن بأس.
والاحتياط يقضي بالتجنّب مطلقاً.
ولو عرضت النيّة من الصائم للوصل أو الصمت في أثناء النهار، فلا يبعد فساد الصوم أيضاً؛ لانقطاع حكم النيّة الأُولى.
1) وسائل الشيعة 10: 513 الباب 1 من أبواب الصوم المحرَّم والمكروه، ج 1 ، و 524، الباب 6 من تلك الأبواب.
2) المصدر : 513، الباب 1 من أبواب الصوم المحرَّم والمكروه، ج 1، و 520 و 523، الباب 4 و 5 من تلك الأبواب.
3) المصدر : 521، الباب 4 من أبواب الصوم المحرَّم والمكروه، ح 7.
4) المصدر : 521 - 522، ح 9.
5) قال به الشيخ الطوسي في الاقتصاد : 293؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 420؛ والمحقق الحلي في المعتبر 714:2.
6) وسائل الشيعة 10 : 496 ، الباب 29 من أبواب الصوم المندوب، ح 3
7) تقدّم آنفاً.
الثالثة: يحرم كلّ صومٍ يؤدّي إلى ضررٍ في النفس أو العرض أو المال المحترم، أو ضرر على مؤمنٍ من تلك الوجوه في وجهٍ قويّ.
وكذا كلّ صومٍ يؤدّي إلى الضعف عن حفظ نفسه أو نفسٍ محترمة أو عرض أو مال محترم.
وكذا كلّ صومٍ يجهل الصائم معرفته إجمالاً عن اجتهادٍ أو تقليد بعد التفطّن لجهله. ولو كان غير متفطّنٍ فصام جاهلاً فإن أخذه عن طريق أخبار أو شياع أو عمل آباءٍ وأُمّهاتٍ فصادف الواقع، صحّ عمله على الأظهر للسيرة الدالّة على ذلك، وإن أخذه عن حدس فإن كان فی أثناء العمل أو ألجأته الضرورة إلى ذلك فصادف الواقع، صحّ عمله أيضاً، وإن لم يكن في أثناء العمل ولم تُلجئه الضرورة، فسد عمله للأصل، وكان من عبادة الجاهل الفاسدة.
ولو لم يوافق الواقع، فسد عمله في جميع الصُّور، إلّا إذا لم يكن متفطّناً وصام في السفر ولم يعلم مانعيّته للصوم فإنّه يصحّ عمله؛ للدليل.
ولا يصحّ عمل هذا مع الموافقة إذا كان عن حدسٍ غير معذور على وجهٍ قويّ.
ولا غرابة في صحّته مع المخالفة وفساده مع الموافقة إذا قضى بكلّ منهما الدليل. الرابعة: يحرم صوم الدهر؛ للأخبار(1)الدالّة.
وظاهر الأصحاب أنّ تحريمه لمكان العيدين، لا لنفسه.
والظاهر أنّ كراهته ثابتة من جهة الأخبار الناهية عنه المحمولة على الكراهة؛ لعدم قابليّتها لإثبات التحريم.
1) وسائل الشيعة 10 : 525 - 526، الباب 7 من أبواب الصوم المحرَّم والمكروه، ج 2، 3.
وفيه مسائل :
الأولى: الشرائط المعتبرة في قصر الصلاة معتبرة في قصر الصوم، والذين يجب الإتمام يجب عليهم الصيام، ومحلّ الترخّص في الصلاة محلّ للترخّص في الصوم ذهاباً وإياباً.
نعم، اختلف أصحابنا في أنّ إيجاب الإفطار على الخارج من بلده إذا قصد مسافة هل يكفي فيه الخروج مطلقاً وتجاوز محلّ الترخّص، سواء خرج قبل الزوال أو بعده، وسواء بيّت النيّة للسفر أم لم يبيّت؟ كما ذهب إليه السيّدان والحلّي(1)وجمعٌ من أصحابنا(2)لعمومات الأدلّة من وجوب الإفطار على المسافر(3)، وعمومات الأدلّة الدالّة على ملازمة الإفطار للتقصير(4)، والمفروض وجوب التقصير - كما هو الأصحّ - فيجب الإفطار، وللخبر: فيمن يريد السفر فی شهر رمضان: أنّه يفطر ولو قبل الغروب بقليل(5)، وكذا الرضوي(6)الدالّ على ذلك.
أم لا بدّ من تبييت نيّة السفر، فإن بيّتها أفطر ولو خرج بعد الزوال، وإلّا صام ولو خرج قبله؟
1) جُمل العلم والعمل : 97؛ غنية النزوع 1: 74: السرائر 1 : 392.
2) منهم : عليّ بن بابويه على ما في السرائر 1 : 392؛ وابن أبي عقيل على ما في مختلف الشيعة 3: 335، المسألة 77؛ والعلامة الحلي في ظاهر إرشاد الأذهان 1 : 304.
3) وسائل الشيعة 10 : 173، الباب 1 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم.
4) المصدر : 184، الباب 4 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم.
5) المصدر : 188، الباب 5 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 14.
6) الفقه المنسوب للإمام الرضاء : 208.
كما ذهب إليه الشيخ والمحقّق(1)للعمومات مع التبييت وخصوص الروايات(2)، وخصوص أنّ المبيّت غير ناوٍ للصوم حقيقةً فيلزمه الإفطار، إلّا أن يدلّ دليل على خلافه، ولخصوص الروايات مع عدم التبييت الدالّة على إيجاب الصوم مع عدمه. ومنها: الموثّق: فيمن يسافر في شهر رمضان: «إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، وإن لم يحدّث نفسه من الليل ثمّ بدا له في السفر من يومه من يومه أتمّ صومه»(3).
ونحوه روايات أخَر دالّة على ذلك ولو كان السفر قبل الزوال:
كرواية أبي بصير: «إذا خرجت بعد طلوع الفجر ولم تَنْوِ السفر من الليل فاعتد به من شهر رمضان»(4).
وروايته الأُخرى: «إذا أردت السفر في شهر رمضان فنويت الخروج من الليل فإن خرجت قبل الفجر أو بعده فأنت مفطر، وعليك قضاء ذلك اليوم»(5)ومفهومه أنّ مع عدم نيّة الخروج يبقى على صيامه.
وهذه الروايات تقيّد إطلاق ما دلّ على وجوب الصوم على مَنْ خرج من أهله في شهر رمضان بعد الفجر كموثّقة سماعة: فيمن يريد السفر، قال: «إذا طلع الفجر ولم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم، وإن خرج من أهله قبل طلوع الفجر فليفطر ولا صيام عليه»(6)وروايته الأُخرى: «مَنْ أراد السفر في شهر رمضان فطلع الفجر وهو في أهله فعليه صيام ذلك اليوم، وإذا سافر لا ينبغي أن يفطر ذلك اليوم وحده، وليس يفترق التقصير والإفطار»(7)بل تقيّد الروايات المفصّلة بين الخروج قبل الزوال فيفطر، وبين الخروج بعده فيصوم(8)، بحمل الإفطار قبل الزوال على مَنْ يبيت السفر ، وعدمه بعد الزوال على مَنْ لم يبيّت.
أو الفرق بين مَنْ سافر قبل الزوال فيفطر؛ للعمومات الدالّة على وجوب الإفطار على الصائم(1)، ولخصوص الأخبار الآتية، وبين مَنْ سافر بعد الزوال فيصوم؛ للأخبار الخاصّة الصحيحة الصريحة الدالّة على ذلك:
كمفهوم صحيحة محمّد بن مسلم: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم، ويعتدّ به من شهر رمضان»(2).
ومنطوق صحيحة الحلبي: عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر وهو صائم، فقال: «إن خرج قبل الزوال فليفطر وليقضِ ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتمّ صومه»(3).
ومنطوق حسنة عبيد بن زرارة في المسافر في شهر رمضان: «إن خرج قبل الزوال فليفطر، وإن خرج بعد الزوال فليصم»(4).
ومنطوق موثّقة موثقته أيضاً: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتمّ الصيام، وإن خرج قبل الزوال أفطر»(5).
وغير ذلك من الأخبار المعمول عليها المخالفة للعامّة بالنسبة إلى الأخبار المفصّلة بين تبييت النيّة وعدمه، المعتضدة بالإجماع المنقول(6)على هذا الحكم؟
أو الفرق بين مَنْ يبيّت نيّة السفر ويسافر قبل الزوال فيفطر، وبين التارك لأحدهما فيصوم؟ كما نُسب(7)للشيخ في المبسوط(8).
والظاهر أنّه استناد للجمع بين النصوص الواردة في الأمرين معاً بتقييد إطلاق ما دلّ على الإفطار مطلقاً بما دلّ على تخصيصه بالخروج قبل الزوال، وتقييد ما دلّ على التخصيص بالخروج قبل الزوال بما دلّ على تخصيصه بنيّة السفر، وتقييد ما دلّ على الإفطار مع التبييت
بما دلّ على تخصيصه بما قبل الزوال، فيخصّ كلُّ من العامّ والخاصّ من وجه الآخَر؛ لأنّ الأدلّة بينها عموم من وجه، وهذا طريق جمع للمتعارضين منها، أو أنّه يكتفى في الإفطار بحصول أحد الأمرين: إمّا تبييت النيّة ولو بعد الزوال أو السفر قبل الزوال ولو مع عدم النيّة، كما جمع به بين الأخبار المتعارضة بعض المتأخّرين (1)لأنّ العامّين من وجهٍ إذا أمكن الجمع بينهما بأخذ منطوق كلٍّ منهما كان خيراً من طرح أحدهما أو تخصيص كلٍّ منهما بصاحبه.
أو الحكم التخيير بين الإفطار والصيام مطلقاً؟ كما نُسب(2)لجمعٍ من المتأخّرين؛ لأنّ التخيير طريق جمع بين المتعارضين، وللصحيح في المسافر : «إذا أصبح في بلده ثمّ خرج فإن شاء صام وإن شاء أفطر»(3).
أو الحكم الإفطار إن خرج قبل الزوال، والتخيير إن خرج بعده؟ كما نُسب(4)للعلّامة(5)، وكأنّه للجمع أيضاً بين الأخبار وتخصيص التخيير بما بعد الزوال؛ لعدم قابليّة الرواية لتخصيص ما دلّ على الإفطار قبله فيختصّ تخصيصها بما دلّ على إيجاب الصوم بعده بحمله على التخيير.
وأقوى هذه الأقوال هو التفصيل بين ما قبل الزوال فيفطر، وبين ما كان بعده فيصوم؛ لكثرة رواياته وصحّتها وبُعدها عن موافقة العامّة، ولضعف ما دلّ على الإفطار بعد الزوال عن المقاومة، ولأنّ الأخبار منها ما هو مطلق في إيجاب الصوم على المسافر، ومنها ما هو مطلق فى إيجاب الإفطار عليه، وما هو خاصّ بالإفطار بعد الزوال ضعيف عن المقاومة، ولولا الروايات المفصّلة لكان الجمع بالتخيير بينهما لمكان التعارض، وللرواية(6)الصحيحة قريباً جدّاً.
1) هو الحرّ العاملي في وسائل الشيعة 10 : 185، عنوان الباب 5 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم.
2) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 492.
3) وسائل الشيعة 10 : 187 ، الباب 5 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 7.
4) الناسب هو العاملي في مدارك الأحكام 6 : 290؛ والطباطبائي في رياض المسائل 5 : 492.
5) مختلف الشيعة 3 : 334 و 336 و 341، المسألة 77.
6) راجع الهامش (3).
ثمّ إنّ الروايات المفصّلة بينها تعارض العموم من وجهٍ، فيجب الأخذ بما يجتمعان عليه، فيجب الإفطار في السفر قبل الزوال مع تبييت النيّة، ويجب الصوم في السفر بعده مع عدم تبييتها؛ لأنّه في المقامين أخذ بهما، وتبقى صورتا التعارض، وهُما: في السفر قبل الزوال مع عدم التبييت، أو السفر بعده مع التبييت، لا يمكن الأخذ بهما معاً، ولا يمكن طرحهما، فلا بدّ إمّا من التخيير في الأخذ بأيّهما، أو تقديم الراجح منهما، ولمّا كان التخيير لا يمكن إلّا في صورة التكافؤ، ضعف الحمل عليه؛ لعدم مكافأة أخبار التبييت للأخبار المفصّلة بين الزوال وقبله، فلا بدّ من الترجيح وتقديم الراجح، ولا شكّ أنّ الأخبار المفصّلة بين ما قبل الزوال وبعده أرجح ؛ لصحّتها وصراحتها وبُعدها عن مذاق العامّة، فوجب الأخذ بها وتقديمها حينئذٍ.
[المسألة] الثانية: الشيخ والشيخة إذا لم يقدرا على الصوم أصلاً ورأساً سقط عنهما؛ إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(1)وكتاباً(2)وسنّةً(3).
وهل يجب عليهما التصدّق، أم لا يجب؟ قولان، أظهر هما عدم الوجوب؛ للأصل، ولفتوى الأكثر(4)، ولظهور اختصاص ما جاء بوجوب التصدّق(5)فيمن شقّ عليه، لا فيمن لا يقدر وإن ورد في بعضها: «لا يقدر»(6)وفي بعضها «شبه ذلك»(7)إلّا أنّه في غير المعتبر من الأخبار، وما كان في المعتبر ففيه : نفي الحرج عنهما(8)، المشعر بالقدرة على الفعل، وفيه: الضعف عن الصوم(9)، وهو مشعر بالقدرة عليه، وغير ذلك.
ولظاهر الخبر: في شيخٍ لا يستطيع القيام إلى الخلاء ولا يمكنه الركوع والسجود ....
1) رياض المسائل 5: 493
2) البقرة (2) : 184.
3) وسائل الشيعة 10 : 209 ، الباب 15 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم.
4) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة :351؛ والسيّد المرتضى في جمل العلم والعمل: 98 وابن إدريس في السرائر 400:1
5) وسائل الشيعة 10: 209 - 214 ، الباب 15 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 1، 2، 4 - 6، 6، 11، 12.
6) المصدر : 213، ح 11.
7) المصدر : 211، ح 6.
8) المصدر : 209 - 210، ج 1.
9) المصدر : 211 - 212، ج 5، 9
قلت له: فالصيام؟ قال: «إذا كان في ذلك الحدّ فقد وضع الله تعالى عنه، وإن كانت له مقدرة فصدقة مُدِّ من طعام أحبّ إليَّ، وإن لم يكن له يسار فلا شيء عليه»(1).
ولظاهر الصحيح في الشيخ الكبير وذي العطاش: «لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدّق كلّ واحدٍ منهما في كلّ يومٍ بمُدَّ من طعامٍ، ولاقضاء عليهما، فإن لم يقدرا فلا شيء عليهما»(2).
وآخَر مثله إلّا أنّ فيه بدل «المُدّ»: «مُدّان»(3).
وضعف الأوّل سنداً والأخيرين دلالةً مجبور بفتوى المشهور نقلاً (4)، بل تحصيلاً، وبالإجماع المنقول(5).
وهل يجب عليهما القضاء أم لا إذا استطاعا بعد ذلك من غير مشقّةٍ؟ قولان أيضاً، أظهرهما وجوب القضاء؛ لعموم أدلّته(6)، ولدخول حالهما تحت المرض فيشمله ما دلّ على وجوب القضاء عن المريض(7)، وإطلاق الصحيح المتقدّم ونحوه بنفي القضاء محمول على الغالب من استمرارهما على عدم التمكّن.
وإن قدر الشيخ والشيخة على الصوم لكن بمشقّةٍ لا تُتحمّل عادةً لضعفٍ أو اختلالٍ في البدن أو ألمٍ أو غير ذلك، سقط عنهما فرض الصوم أيضاً إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(8)وكتاباً(9)مفسّراً بالسنّة وسُنّةً(10).
وفي مرسل ابن بكير في قول الله عزّ وجلّ: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ
1) وسائل الشيعة 10 : 212 - 213، الباب 15 من أبواب من يصح منه الصوم، ح 10.
2) المصدر : 209 - 210. ح 1.
3) المصدر : 210، ج 2.
4) رياض المسائل 497:5
5) الانتصار : 193، المسألة 89
6) راجع وسائل الشيعة 10 : 340 و 344. الباب 26 و 27 من أبواب أحكام شهر رمضان.
7) المصدر : 329 - 330 الباب 33 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 2.
8) مدارك الأحكام 6 : 296
9) البقرة (2) : 184.
10) راجع الهامش (2).
مِسْكِينٍ»(1)قال: «الذين كانوا يطيقون الصوم فأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكلّ يوم مُدٌّ»(2).
وفي المرويّ فيه أيضاً أنّه «الامرأة تخاف على ولدها والشيخ الكبير»(3).
وفي رواية عبد الملك: عن الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة التي تضعف: «عن كلّ يومٍ بمُدِّ من حنطةٍ»(4).
وفي صحيحة الحلبي: عن رجلٍ كبير يضعف عن صوم شهر رمضان، فقال: «يتصدّق بما يجزئ عنه طعام مسكين لكلّ يومٍ»(5).
وإطلاق الصحيح المتقدّم(6)وغير ذلك.
ويجوز الصوم لهما؛ لأنّ سقوطه رخصة لا عزيمة، كما هو الظاهر من الأخبار، إلّا إذا تضرّرا به، فإن صاما فلا شيء عليهما، وإن أفطرا وجب عليهما التصدّق؛ لفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(7)في الباب وظاهر الأخبار(8)والكتاب في قوله تعالى: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ»(9)المفسَّر بأنّه الشيخ الكبير الذي لا يستطيع(10).
وهل يجب عليهما القضاء، أم لا يجب؟ قولان أظهرهما الوجوب؛ لعموم أدلّة القضاء (11)، وللاحتياط، وللتنقيح بينه وبين المريض وإطلاق الصحيح المتقدّم(12)بنفي القضاء محمول على الغالب من عدم ارتفاع مشقّتهما بعد ذلك.
1) البقرة (2) : 184.
2) وسائل الشيعة 10 : 211، الباب 15 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 6.
3) المصدر : 212، ح 8.
4) المصدر : 211، ح 4.
5) المصدر : 212، ح 9.
6) تقدّم في الهامش (2) من ص 367.
7) الحدائق الناضرة 13 : 418.
8) راجع الهامش (5) من ص 366
9) البقرة (2) : 184.
10) وسائل الشيعة 10 : 212 ، الباب 15 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 7.
11) راجع الهامش (6) من ص 367
12) تقدّم في ص 367.
والواجب من الصدقة مُدُّ من طعامٍ؛ للأخبار(1)، وفتوى المشهور من الأخيار، والأصل المحكّم عند الشكّ، فيُحمل ما دلّ عليه الصحيح من إيجاب المُدّين(2)على الندب جمعاً.
وفي بعض الأخبار: أنّ الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم يصوم عنه بعض ولده أو بعض قرابته إذا لم يكن له ولد وإلّا يتصدّق(3).
ولكنّه ضعيف سنداً، ولم يعمل بالرواية أحد ممّن اطّلعنا عليه من أصحابنا، فطرحها أولى، وحملها على الندب مشكل؛ لأنّ صيام الفرض عن الحيّ بدعة يحتاج إثباتها إلى دليل قويً.
[المسألة] الثالثة ذو العطاش - وهو داء لا يبرأ(4)صاحبه - يجب عليه الإفطار إذا حصل له ضرر في الصيام، أو حصلت له مشقّة لا تتحمّل عادةً.
ويجوز له الإفطار والصيام إذا لم يضرّه الصوم؛ لإطلاق الأخبار بإفطار ذي العطاش (5)من دون تفصيلٍ بين حصول الضرر له وعدمه.
ولا يبعد القول بأنّ الأخبار منزّلة على الغالب من حصول الضرر بالصوم لصاحب هذا الداء، فلو لم يحصل له ضرر لم يجز له الإفطار.
وتجب عليه الصدقة عن كلّ يومٍ بمُدّ؛ للأخبار(6)الدالّة، وإطلاقها شامل لجميع صُور ذي العطاش.
ويمكن تقييده بصورة ما إذا جاز له الإفطار وجاز له الصيام فأفطر؛ لبُعد تعلّق الكفّارة به عند الإفطار في الصورتين الأوّلتين؛ لأنّهما كسائر الأمراض لا توجب كفّارةً، ولكنّ الأخذ بالإطلاق أولى.
ويجب عليه القضاء بعد برئه مطلقاً . بجميع صُوره؛ لعموم أدلّة وجوب قضاء ما فات المريض(7)،
1) وسائل الشيعة 209:10 و 211 - 214، الباب 15 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 1، 04 10،6 - 12.
2) المصدر : 210، ح 2.
3) المصدر : 213، ح 11.
4) كذا في النسخ، والظاهر «لا يروى» بدل «لا يبرأ».
5) وسائل الشيعة 10 : 209 - 211 ، الباب 15 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، ح 1 - 3، 6 ، و 214 - 215، الباب 16 من تلك الأبواب، ح 2.1.
6) المصدر : 210 - 211 ، الباب 15 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 6.1.
7) المصدر : 335، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان.
ولا مخصّص له سوى الصحيحة المتقدّمة(1)النافية للقضاء عن الشيخ والشيخة وذي العطاش، وهي محمولة على مَن استمرّ به ذلك؛ لأنّ بين أدلّة وجوب القضاء عن المريض و بین الصحيحة عموماً من وجهٍ؛ لشمول الأدلّة له ولغيره، وشمول الصحيحة للاستمرار والانقطاع، ويجب تقديم الراجح، والراجح ها هنا عموم أدلّة القضاء على المريض كتاباً(2)وسنّةً (3)وشهرةً.
وذهب جمع من أصحابنا(4)إلى أنّ العطاش إن كان مرجوّ الزوال وجب على صاحبه القضاء عند البرء ولا كفّارة؛ للأصل، وإن كان ممّا لا يرجى زواله وجبت الكفّارة دون القضاء؛ لنفي القضاء في الصحيحة المتقدّمة(5).
وقيل: إن كان لا يرجى زواله غالباً فزال على غير الغالب سقط القضاء وسقطت الكفّارة؛ لوقوع الإفطار عن المأمور به، وهو يقضي أن لا يتعقّبه شيء(6). والأوّل أولى.
وهل يجب على ذي العطاش عند إفطاره الاقتصار على ما تندفع الضرورة به؛ للاحتياط، ولأنّه لا يترك الميسور، ولرواية عمّار: فيمن أصابه عطش حتّى يخاف على نفسه، قال: «يشرب ما يمسك به رمقه، ولا يشرب حتّى يروى»(7)أو يجوز له التملّي والامتلاء مطلقاً؛ للأصل، ولإطلاق الأخبار(8)في مقام البيان، ولورود الرواية المتقدّمة في غير ذي العطاش كما هو ظاهرها، فحمله على ما تضمّنته قياس؟
[المسألة] الرابعة الحامل المُقرب والمرضع القليلة اللبن يجب عليهما الإفطار إذا أضرّ الصوم بهما أو أضرّ بولدهما ضرراً لا يتحمّل عادة؛ للأخبار(9)الخاصّة، وفتوى
1) تقدّمت في ص 367.
2) البقرة (2) : 184 و 185.
3) راجع الهامش (7) من ص 369
4) منهم : السيّد المرتضى في جُمل العلم والعمل : 98؛ والشيخ المفيد في المقنعة : 351؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 400؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 410 و 411، المسألتان 128 و 129.
5) تقدّمت في ص 367.
6) قاله المحقّق الكركي في جامع المقاصد 3 : 80.
7) وسائل الشيعة 10 : 214 ، الباب 16 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 1.
8) المصدر : 209 - 210 ، الباب 15 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 2.1
9) المصدر : 215 ، الباب 17 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم.
الأصحاب، وعموم لا ضرر ولا ضرار»(1).
وقد يقال: إنّ لهما الإفطار مطلقاً؛ رفقاً بحالهما.
ولكنّه يبعّده التعليل الوارد في الروايات الآتية.
وعلى كلّ حال فيجب عليهما القضاء بعد ذلك؛ لعموم أدلّته، ولخصوص صحيحة محمّد بن مسلم: «الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان، لأنّهما لا تطيقان الصوم، وعليهما أن تتصدّق كلّ واحدةٍ منهما في كلّ يومٍ تفطر فيه بمُدٍّ من طعامٍ، وعليهما قضاء كلّ يومٍ أفطرتا فيه»(2).
والتعليل بأنّهما «لا تطيقان الصوم» يحتمل العلّة الحقيقيّة فيكون الإفطار يدور مدار الطاقة.
ويحتمل بيان الحكمة، فيكون لهما الإفطار مطلقاً.
والأوّل هو الأظهر.
ويدلّ عليه ما في الرواية الأُخرى حيث إنّه سأله عمّن ترضع ولدها وغير ولدها في شهر رمضان فيشتدّ عليها الصيام ولا تقدر عليه، فأجابه مكاتبةً : «إن كان يمكنها اتّخاذ ظئر استرضعت لولدها وأتمّت صيامها، وإن كان ذلك لا يمكنها أفطرت وأرضعت ولدها وقضت صيامها متى ما أمكنها»(3).
وتجب عليهما الصدقة إذا خافتا على ولدهما دون أنفسهما؛ لفتوى الأصحاب، والأخبار المتقدّمة في الباب. وكذا لو خافتا عليهما معاً.
أمّا لو خافتا على أنفسهما فقط، فهل تسقط عنهما الكفّارة؛ لأنّهما كسائر الإفطار المباح للخوف أو المرض لا يوجب شيئاً، وللأصل، أو تجب الكفّارة؛ تمسّكاً بإطلاق الأخبار المتقدّمة التاركة للاستفصال والتفصيل فى الأمر بالكفّارة بين الخائفة على نفسها والخائفة على ولدها؟
ونُسب الأوّل لفتوى الأصحاب(1)، ولكنّ الثاني أظهر؛ للإجماع المنقول(2)والاحتياط وإطلاق النصّ(3).
وكلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين الأمّ وبين غيرها من مستأجرة للرضاع أو متبرّعة، وأنّ الفدية من مالها دون مال الولد أو الزوج، وأنّ المرضعة إذا أمكنها اتّخاذ مرضعةٍ أُخرى لزم عليها ولا يجوز لها القضاء، ولكن يجب تقييد ذلك فيما إذا لم تطلب المرضعة منها مالاً يضرّ بالحال، أو ما يزيد على أُجرة المثل كثيراً في وجهٍ قويّ، ولم يكن في رضاعها مفسدة للطفل.
والمراد بالخوف هو الخوف المعتاد الناشئ عن الظنّ بالضرر أو الشكّ فيه لأغلب نوع الإنسان.
والفرق بين ذي العطاش والحامل والمرضعة وغيرها من المبيح للإفطار: أنّ غيرها لا يسوغ له الإفطار إلّا مع المشقّة الشديدة التي يحصل بها الضرر، وأمّا هي فيكفي فيها حصول المشقّة والضرر في الجملة، كما هو الظاهر من إطلاق الأخبار(4)وكلام الأصحاب.
[المسألة] الخامسة: صوم الكفّارة إمّا أن يجب مع غيره جمعاً ككفّارة قتل المؤمن عمداً؛ للإجماع، والأخبار(5)وفيها: «أعطاهم الدية وأعتق نسمة وصام شهرين متتابعين وأطعم ستّين مسكيناً»(6)ويلحق بذلك كفّارة مَنْ أفطر عمداً في شهر رمضان على محرَّمٍ على الأقوى، أو يجب بعد العجز عن غيره، كصوم كفّارة قتل الخطأ؛ للكتاب (7)والسنّة(8)وظاهر الأصحاب، إلّا مَنْ شذّ وندر(9)، وكفّارة الظهار كما هي نصّ الكتاب(10)، وكفّارة قضاء شهر رمضان بعد الزوال كما تقدّم، وكفّارة اليمين كما هي نصّ الكتاب(11)، وكفّارة الإفاضة
1) نسبه البحراني في الحدائق الناضرة 13 : 427 إلى المشهور في كلام الأصحاب.
2) الخلاف 2 : 196 - 197، المسألة 47.
3) راجع الهامش (1) من ص 371.
4) راجع الهامش (5) من ص 369 ، والهامش (8) من ص 370 ، والهامش (1) من ص 371
5) وسائل الشيعة 22 : 398 الباب 28 من أبواب الكفّارات.
6) المصدر : 398، ح 1.
7) النساء (4) : 92.
8) وسائل الشيعة 10 : 367 - 368 الباب 1 من أبواب بقية الصوم الواجب، ح 1 و 22 : 374، الباب 10 من أبواب الكفّارات.
9) كما في مدارك الأحكام 6 : 240.
10) المجادلة (58) : 3 و 4.
11) المائدة (5) : 89
من عرفات عمداً قبل الغروب كما في الصحيح: «عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً»(1)وكفّارة جزاء الصيد على وجهٍ قويّ؛ للأخبار المتكثّرة الدالّة على الترتيب(2)وإن كان ظاهر الكتاب(3)التخيير، وكفّارة شقّ الرجل ثوبه على زوجته وولده وخدش المرأة مع الإدماء وجهها ونتفها شعر رأسها في روايةٍ(4)موافقة للاحتياط وعمل الأصحاب.
ويجب مخيّراً بينه وبين غيره في كفّارة مَنْ أفطر يوماً من شهر رمضان عامداً، وكفّارة خلف النذر والعهد على المشهور، وكفّارة إفساد الاعتكاف الواجب على ما ذهب إليه الأكثر(5)الرواية سماعة أنّ: «عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان»(6)، وقيل: مرتبة(7)لصحيح زرارة فيمن جامع معتكفاً: «عليه ما على المظاهر»(8)وكفّارة حلق الرأس في الإحرام كما هي نصّ الكتاب(9)، وكفّارة جزّ المرأة رأسها في المصاب؛ لرواية خالد بن سدير(10).
ويجب الصوم مرتّباً على غيره مخيّراً بينه وبين غيره في كفّارة الواطئ أمته المُحرمة بإذنه، وسيجيء تفصيل هذه الكفّارات في محالّها إن شاء الله تعالى.
[المسألة] السادسة: صرّح جملة من فقهائنا (11)ونُسب(12)للمشهور: أنّ كلّ صومٍ يجب فيه التتابع، كصوم رمضان والاعتكاف، وكفّارة رمضان والاعتكاف، وكفّارة قضاء رمضان
1) وسائل الشيعة 13 : 558، الباب 23 من أبواب الإحرام بالحجّ.... 3.
2) المصدر : 9 - 13، الباب 2 من أبواب كفارات الصيد، ح 3، 6،4 - 8، 10 - 13، و 15، الباب 3 من تلك الأبواب، ح 2.
3) المائدة (5) : 95
4) وسائل الشيعة 22 : 402، الباب 31 من أبواب الكفّارات، ح 1.
5) منهم : السيّد المرتضى في جُمل العلم والعمل : 97 و 105؛ والشيخ المفيد في المقنعة : 345 و 363؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 172.
6) وسائل الشيعة 10 : 548 ، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، ح 5.
7) القائل به هو ابن بابويه على ما في مختلف الشيعة 3 : 458، المسألة 182.
8) وسائل الشيعة 546:10، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، ح 1.
9) البقرة (2) : 196.
10) راجع الهامش (4).
11) منهم : المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 1 : 186؛ والعلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 6 : 222، المسألة 154؛ والشهيد في الدروس الشرعية 1 : 295
12) الناسب هو البحراني في الحدائق الناضرة 13 : 337.
وكفّارة خلف النذر وما في معناه وكفّارة الظهار، وكفّارة القتل وحلق الرأس في حال الإحرام، وصوم الثلاثة بدل الهدي، وصوم الثمانية عشر بدل البدنة، وصومها بدل الشهرين عند العجز عنهما.
ويستثنى من ذلك صوم النذر المطلق المجرّد عن قيد التتابع وما في معناه، وصوم القضاء مطلقاً، وصوم جزاء الصيد، وصوم السبعة في بدل الهدي، فلا يجب فيها التتابع.
وناقش بعضٌ(1)في وجوب التتابع في كفّارة قضاء شهر رمضان وحلق الرأس وصوم الثمانية عشر في الموضعين؛ لإطلاق الأمر بالصوم فيحصل الامتثال مطلقاً، والأصل البراءة.
وهو ضعيف؛ لأنّ الشكّ ها هنا يوجب الاحتياط، وشرطيّة ما شكّ في شرطيّته وفتوى المشهور تفيد ظنّاً قويّاً في الحكم، بل ربما يدّعى أنّ إطلاق الأمر بالصيام في أيّامٍ يُفهم منه الترتيب.
وأوجب بعضهم(2)المتابعةَ في النذر المطلق.
وهو محلّ احتياطٍ؛ لما ذكرنا من انصراف اللفظ للمتابعة.
وأوجب آخَرون(3)المتابعةَ في قضاء الصوم المنذور متتابعاً.
وهو ضعيف؛ لأنّ التتابع في الأداء لا يستلزمه في القضاء.
وحكي عن المفيد والمرتضى أنّهما أوجبا المتابعةَ في صيام الستّين بدل النعامة(4)، وعن أبي الصلاح وابن أبي عقيل أنّهما أوجبا المتابعةَ في صيام السبعة بدل الهدي(5). ولا يخلو كلّ ذلك عن الاحتياط.
[المسألة] السابعة: كلّ ما يشترط فيه التتابع إذا أفطر لعذرٍ في أثنائه بنى عليه عند زواله فوراً، وصحّ ما عمله.
وهذا الحكم في صوم الشهرين المتتابعين لا شكّ فيه؛ لورود الأخبار الصحيحة به.
1) هو العاملي في مدارك الأحكام 6 : 246.
2) ابن البرّاج في المهذّب 1 : 199.
3) منهم : الشهيد في الدروس الشرعية 1 : 296.
4) المقنعة : 435؛ الانتصار : 251 ، المسألة 135؛ وحكاه عنهما الشهيد في الدروس الشرعيّة 1 : 295.
5) الكافي في الفقه : 188؛ وحكاه عنهما العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 373، المسألة 102
ففي الصحيح: فيمن عليها شهران متتابعان فحاضت: أنّها تقضيها ولا تعيد، وفي رجلٍ مرض: أنّه يبني على ما صام(1).
وفي آخَر: فيمن مرض: أنّه يبني على ما كان(2).
وما جاء بوجوب الإعادة على مَنْ صام شهراً في كفّارة الظهار فمرض إلّا إذا زاد على شهر يوماً أو يومين(3)، وما جاء بوجوب الإعادة على مَنْ أفطر أو مرض في الشهر الأوّل وكان عليه صوم شهرين متتابعين(4)، مطّرح؛ لضعفه عن مقاومة ما قدّمناه، أو محمول على الاستحباب.
ويستفاد من الروايات المتقدّمة الدالّة على عدم وجوب الإعادة التعليل بأنّ: «هذا ممّا غلب الله تعالى عليه وليس على ما غلب الله تعالى شيء»(5)أنّ كلّ عذرٍ منه عزّ وجلّ لا يُخلّ في المتابعة مطلقاً ثلاثةً كانت أو غيرها.
فما جزم به جمع من أصحابنا(6)من وجوب استئناف كلّ ثلاثةٍ وجبت المتابعة فيها إذا وقع الخلل فيها لعذرٍ أو لغيره ما عدا ثلاثة الهدي لمن صام يومين فصادف الثالث أنّه العيد. ضعيف؛ إذ ليس لما في الروايات خصوصيّة.
والظاهر أنّ العذر يشمل نسيان النيّة في الأثناء؛ لأنّه ممّا غلب الله تعالى عليه، ويشمل الجنون مطلقاً.
وهل يشمل السفر الضروريّ؟ وجهان لا يبعد الشمول؛ لقوّة دخوله فيما غلب الله تعالى عليه، ولكنّه لا يخلو من إشكالٍ.
ومَنْ أفطر لغير عذرٍ استأنف؛ لعدم خروجه عن العهدة، وعدم حصول الامتثال به، وللإجماع بقسميه(7)على الظاهر.
1) وسائل الشيعة 10 : 374 ، الباب 3 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، ح 10.
2) المصدر : 374 - 375، ح 12
3) المصدر : 371، ح 3.
4) المصدر : 372. ح 6.
5) راجع الهامش (1).
6) منهم : العلّامة الحلي في قواعد الأحكام 1: 385 و 386؛ والشهيد في الدروس الشرعيّة 1 : 296؛ والشهيد الثاني في الروضة البهيّة 2 : 132.
7) منتهى المطلب 9 : 425
ويستثنى من ذلك مَن صام شهراً ومن الثاني يوماً للإجماع المنقول(1)، وفتوى المشهور، والأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ «التتابع أن يصوم شهراً ويصوم من الآخَر أيّاماً أو شيئاً منه»(2)وعلى أنّ «مَنْ صام أكثر من شهر فوصله ثمّ عرض له أمر فأفطر فلا بأس»(3)وعلى أنّ «مَنْ صام في الظهار فزاد في النصف يوماً قضى بقيّته»(4).
وهل يجوز فعل ذلك اختياراً؛ لجعل التتابع في الرواية الصحيحة هو أن يصوم شهراً ومن الآخَر أيّاماً أو شيئاً؟ وحينئذٍ فإمّا أن يدخل ذلك في اسم التتابع شرعاً أو في حكمه شرعاً، وكلُّ منهما يثبت المطلوب. وكذا قوله في الرواية الأُخرى: «إذا صام أكثر من شهر فوصله ثمّ عرض له أمر فأفطر فلا بأس» فإنّ إطلاق عروض الأمر له ونفي البأس عن الإفطار به يدلّ على ذلك، ويؤيّد ذلك أيضاً فتوى المشهور.
وذهب جمعٌ من أصحابنا(5)إلى الإثم بالإفطار قبل إكمال الشهرين وإن لم يبطل ما فعل؛ أخذاً بإطلاق ما دلّ على وجوب التتابع(6).
وهو ضعيف؛ لتقييد الإطلاق بما ذكرناه.
وعلى قولهم فلو أثم بالإفطار فأفطر فهل يتوسّع عليه في الباقي، أم يجب البدار به والتتابع؟ وجهان، أوجههما على قولهم: الثاني، وعلى قولنا: الأوّل، وحينئذٍ فلو أثم ابتداءً بالإفطار جاز له التفريق بعد ذلك.
ويستثنى أيضاً من ذلك مَن صام خمسة عشر يوماً من شهرٍ نذر تتابعه بعينه، أو نذر أن يتابع في شهر مّا، أو نذر أن يصوم شهراً متتابعاً فيه، أو نذر صيام شهرٍ مطلقاً فانصرف إلى التتابع؛ للروايتين الدالّتين على أن مَنْ نذر صوم شهرٍ فصام منه خمسة عشر بنى على ذلك(7)، ولفتوى المشهور بذلك.
1) منتهى المطلب 9 : 425
2) وسائل الشيعة 10 : 373 - 374 الباب 3 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، ح 9.
3) المصدر : 372 ، ح 05
4) المصدر : 375 الباب 4 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، ح 1.
5) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : 361؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 189؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 411.
6) وسائل الشيعة 10 : 370، الباب 2 من أبواب بقيّة الصوم الواجب.
7) المصدر : 376 - 377 ، الباب 5 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، ح 1 وذيله.
ولكن قد يقال باختصاص الروايتين وإطلاق الفتوى بمن نذر شهراً مطلقاً، فانصرف إلى إرادة التتابع قهراً، فلا يشمل جميع الصُّوَر المتقدّمة، ولا يلحق به صوم الشهر المتتابع على المملوك في كفّارة الظهار؛ لأنّه قياس على أنّ الروايتين ضعيفتان، فيقتصر فيهما على مورد فتوى المشهور.
وهل يحنث المفطر بعد الخمسة عشر وإن صحّ ما تقدّم منه، أم لا يحنث؛ لصيرورة الخمسة عشر بمنزلة الشهر؟ وجهان أقواهما الأوّل، ومع ذلك فظاهر الأصحاب أنّ ما نذر صومه مقيّداً بالمتابعة كالمطلق المنصرف إليها في الحكم، وهو لا يخلو من إشكالٍ.
ويستثنى من ذلك صوم الثلاثة بدل الهدي يوم التروية وعرفة ثمّ أفطر يوم النحر، فإنّه يجوز أن يبني بعد انقضاء التشريق على صومه والروايات ها هنا مختلفة(1)، ويجيء تمام الكلام إن شاء الله تعالى.
ولا يجوز لمن عليه صوم متتابع أن يصوم في زمانٍ لا يسلم له فيه التتابع أو ما هو بحكمه، حتّى أنّه لو فعل ذلك سهواً أو نسياناً بطل عمله؛ لانكشاف بطلانه من أوّل وهلة، فمن صام شعبان فقط من غير زيادة يومٍ من أوّله، أو شوّال فقط من غير زيادة يومين من آخره، أو الأضحى صامه شهراً أوّلاً فسد صومه.
وذهب الشيخ رحمه الله إلى أنّ القاتل في الأشهر الحرم يصوم شهرين منها وإن دخل فيهما العيد وأيّام التشريق(2)استناداً لروايةٍ(3)دالّة على ذلك.
وهي ضعيفة معارضة للعمومات القطعية وفتوى الأصحاب، فالأولى اطراحها.
[المسألة] الثامنة: يستحبّ صوم ثلاثة أيّامٍ من الشهر: أوّل خميس، وآخر خميس، وأوّل أربعاء من العشر الأوسط، ويستحبّ قضاؤها، ومَنْ عجز تصدّق بمُدٍّ أو درهم، كلّ ذلك للأخبار(4)، وكلام الأصحاب.
ويستحبّ صوم أيّام البيض بالإجماع، وصوم يوم الغدير؛ للرواية أنّه يعدل ستّين
1) راجع وسائل الشيعة 14 : 195، الباب 52 من أبواب الذبح.
2) تهذيب الأحكام 4 : 297، ذيل الحديث 896؛ الاستبصار 2 : 131، ذيل الحديث 428.
3) وسائل الشيعة 10 : 380 ، الباب 8 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، ح 1.
4) المصدر : 222، الباب 21 من أبواب مَنْ يصح منه الصوم، و 415 و 432 و 433، الأبواب 7، 11،10 من أبواب الصوم المندوب.
شهراً(1)، ويوم مولد النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم : يوم السابع عشر في ربيع الأوّل، ويوم مبعثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: السابع والعشرين من رجب، ويوم دحو الأرض: يوم الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة، وصوم يوم عرفة يوم لمن لا يضعف عن الدعاء وقد حقّق الهلال كي لا يشتبه في العيد، وصوم يوم المباهلة: الرابع والعشرين من ذي الحجّة. وقيل: إنّه يوم التصدّق بالخاتم(2)، وأوّل ذي الحجّة، وصوم رجب، وصوم شعبان، وصوم كلّ خميس وكلّ جمعة وكلّ اثنين، كل ذلك للأخبار(3)وفتوى الأصحاب، ولكفاية الرواية الضعيفة وفتوى الفقيه الواحد في أدلّة السنن.
ويستحبّ الإمساك تأديباً تشبيهاً بالصوم - وربما يُسمّى الصوم التأديبي - على المسافر إذا قدم أهله أو شبههم وقد أفطر، وكذا المريض إذا صحّ والحائض والنفساء بعد طهرهما، والكافر إذا أسلم، والصبيّ إذا بلغ والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، ويوم عاشوراء إلى العصر.
وقيل(4): يستحبّ صومه على وجه الحزن إلى الليل، ويكره على غير ذلك الوجه جمعاً بين الأخبار الآمرة والناهية(5)، ولا بأس به.
1) وسائل الشيعة 444:10، الباب 14 من أبواب الصوم المندوب، ح 10.
2) قال به العلّامة الحلّي في منتهى المطلب 9 : 367.
3) وسائل الشيعة 10: 411 و 436 و 440 و 447 و 449 الأبواب ،5 12 ، 14 - 16 من أبواب الصوم المندوب، و 452 - 453، الباب 18 من تلك الأبواب، ح 1 - 3، 5، 6، و 454، الباب 19 من تلك الأبواب و 465 الباب 23 من تلك الأبواب، ح 4. و 471 و 485 ، الباب 26 و 28 من تلك الأبواب.
4) القائل هو الشيخ المفيد على ما نقله عنه الشيخ الطوسي في الاستبصار 2 : 135، ذيل الحديث 443.
5) وسائل الشيعة 457:10 و 459، الباب 20 و 21 من أبواب الصوم المندوب.
وفيه مسائل:
الأُولى: الاعتكاف لغةً: الاحتباس والإقامة على الشيء(1)، ثمّ نقل شرعاً - على الأظهر من ثبوت الحقيقة الشرعيّة في المعاني المستحدثة للشارع التي قد استعملت فيها الألفاظ اللغويّة - لمعنى خاصّ وهو اللبث الخاصّ في الزمان الخاصّ والمكان الخاصّ والحال الخاصّ، جامعاً للشرائط الخاصّة، بناءً على الأصحّ من وضع أسماء العبادات للصحيح.
وهل يدخل في ماهيّته كون اللبث للعبادة بمعنى أنّ الغرض منه كون اللبث للعبادة، فهو عبادة مقصود منه عبادة أُخرى، أم لا؟ وجهان، أقواهما: الأوّل؛ لما يُفهم من الأخبار من أنّ الغرض من الاعتكاف هو التوصّل لعبادة الله تعالى في زمانه والتفرّغ لذلك.
و مشروعيّته ثابتة كتاباً(2)وسنّة(3)وإجماعاً منقولاً(4)، ومحصّلاً.
الثانية: النيّة، وهي شرط فيه لا شطر على نحو غيره من العبادات، ويجب فيها قصد الفعل والقربة، والتعيين لمن كان عليه اعتكافان أو ثلاثة بنذر أو إجارة أو بأحد الملتزمات الأُخَر، وكذا مَن كان عليه واجب ومندوب.
نعم، لو لم يكن عليه إلّا واحد أجزأ أن يقول: أعتكف عمّا علَيَّ.
ويجزئ في المندوب نيّة القربة مطلقاً ونيّة الندب وإن وجب في الثالث؛ لأنّه في ابتدائه كلّه مندوب.
ويجوز أن يجدّد نيّة الوجوب في الثالث بعد أن نوى الكلّ ندباً في الأوّل، بل هو الأحوط.
ويجوز أن ينوي الندب في الأوّلين والوجوب في الأخير ابتداءً.
ويجوز أن ينوي الأوّلين ندباً، فإذا جاء الثالث نواه وجوباً، إلّا أنّ الاحتياط بخلافه. ويشترط مقارنة النيّة للمنويّ كما هو الأصل في النيّة.
وقد يقال بجواز تبييتها ها هنا إلحاقاً له بالصوم. ولكنّه بعيد.
فيجب على ما قدّمنا أن ينوي مقارناً لطلوع الفجر إن لم نقل بدخول الليلة الأُولى، ومقارناً لغروب الحمرة إن قلنا بدخولها، والاحتياط يقضي بمقارنتهما معاً.
ولو قلنا بجواز التلفيق في أيّام الاعتكاف جاز للناوي أن ينوي متى شاء في النهار، شاء ويحتسب الكسر من الاعتكاف.
وكذا لو جوّزنا دخول الكسر في أيّام الاعتكاف التامّة جاز أن ينوي الناوي متى شاء، ويدخل الزمان الذي بينه وبين الغروب في الاعتكاف.
ولكنّ الأقوى ها هنا : عدم جواز ذلك كلّه، وعدم جواز احتساب الكسر من أيّام الاعتكاف مطلقاً.
ويندب التلفّظ بالنيّة كما تشعر به الأخبار(1)وبعض كلمات الأصحاب(2).
ويستحبّ أن يشترط فيها الإحلال إمّا من الحبس مطلقاً متى شاء، فيجوز له أن يفسخ اعتكافه اعتباطاً(3)حتّى في اليوم الثالث على الأظهر، كما تشعر به بعض الأخبار(4)وبعض كلمات الأصحاب 5، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
ويجوز أن يقرن إحلاله بحصول وصف أو حال متعلّق بنفسه أو بغيره مباح أو مندوب
على الأظهر أيضاً، فيجوز له الإحلال بحصوله حينئذٍ، أو يشترط فيها الإحلال من الحبس إن صدّه صادّ أو منعه مانع مجوّزان للإحلال، فيكون الشرط ندباً تعبّديّاً لا ثمرة له، وهذا هو الفرد المتيقّن ندبيّته من الأخبار وكلام الأصحاب.
ولو كان الاعتكاف منذوراً وأراد جواز الإحلال منه متى شاء، جاز إذا قرن الشرط بالصيغة وبنيّة الاعتكاف عند حصولها، ولا حنث عليه إذا أحلّ حينئذٍ.
ويجوز للمعتكف بعد إحراز الثلاثة، ونيّتها أن ينوي زمناً قليلاً أو كثيراً منضمّاً إليها، متأخّراً عنها أو متقدّماً عليها ما عدا الكسر، فإنّ الأظهر عدم جواز انضمامه قبل الثلاثة أو بعدها.
ثمّ إنّه لو نوى ما فوق الثلاثة جملةً وكان ما فوقها ما لا يصحّ صومه، فإن كان عن اشتباهٍ صحّ في الثلاثة وفسد في الباقي، وإن كان عن عمدٍ فسد الكلّ. ويحتمل التوزيع.
وكذا الكلام في المكان على وجهٍ.
والنوم والسهو والغفلة والنسيان والإغماء في الليل دون النهار لا تفسد نيّة الاعتكاف بعد حصولها.
ويجوز للمشترط أن ينقض شرطه بعد الاشتراط؛ لأنّه حقٌّ له فجاز إسقاطه.
ولا يبعد جواز تفريق النيّة على الأيّام، ولكنّ الأحوط ترك ذلك.
الثالثة: يجب وجوباً شرطيّاً الصوم في الاعتكاف، والدليل عليه الأخبار، والإجماع من الأصحاب والأخيار.
منها: ما دلّ على بيان الشرطيّة فقط، كقوله علیه السّلام في عدّة روايات: «لا اعتكاف إلّا بصوم»(1).
ومنها: ما دلّ على الأمر به كقولهم علیهم السّلام : «إذا اعتكفت فصم»(2).
ولكن يفهم من مجموعها وممّا جاء بالأمر بالاعتكاف في شهر رمضان ومن كلام الأصحاب وإجماعهم أنّ مجرّد حصول الصوم على أيّ نحوٍ وقع كافٍ في جواز الاعتكاف، فلا يصحّ في وقتٍ لا يصحّ فيه الصوم، ولا يصحّ ممّن لا يصحّ الصوم منه من حائضٍ أو نفساء أو مسافر، إلّا إذا جوّزنا الصوم في السفر مطلقاً أو ثلاثة أيّام للحاجة أو غير ذلك، ولا يجب كون الصوم له.
نعم، لو نذر الاعتكاف بوقتٍ معيّن ولم يكن على المكلّف صوم، وجب عليه الصوم من باب المقدّمة، وينوى به الوجوب على الأظهر مع احتمال جواز نيّة الصوم ندباً فيؤدّي معه الاعتكاف.
والوجهان آتيان في الاعتكاف المنذور مطلقاً، إلّا أنّ نيّة الندب هنا أظهر؛ لعدم تعيّن الزمان للاعتكاف، فيصوم ندباً ويؤدّي الاعتكاف معه.
الرابعة: لا يكون زمان الاعتكاف إلّا ثلاثة أيّام فما فوق؛ للإجماع، والأخبار الدالّة على أنّه لا يكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام(1).
وظاهرها الصحاح، فلا يجزئ الملفّق؛ لعدم انصراف اللفظ إليه ولا أقلّ من الشكّ، والعبادة توقيفيّة، فيقتصر فيها على القدر المتيقّن.
ويجوز الزائد على الثلاثة قلّ أو كثر، إلّا أنّ ما زاد على كلّ ثلاثةٍ - اتّحدت أو تعدّدت - إن كان واحداً منضمّاً إليها - كأربعة وسبعة وعشرة - صحّ، ولم يجب عليه شيء آخَر. وإن كان اثنين كخمسة وثمانية وقد اعتكفها، وجب إكمال الثالث للخبر الصحيح: «ومَن اعتكف ثلاثة أيّام فهو يوم الرابع بالخيار إن شاء زاد ثلاثة أخرى، وإن شاء خرج من المسجد، وإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتّى يتمّ ثلاثة أيّام أُخر»(2).
وأمّا وجوب الثالث في الثلاثة الأُوَل فهو المشهور نقلاً(3)، وتحصيلاً.
ويدلّ عليه الصحيح في رواية الكافي والفقيه، والموثّق في رواية الشيخ، المجبور سنداً ودلالةً على توثيقه بفتوى المشهور نقلاً وتحصيلاً.
قال في المعتكف: «وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتّى تمضي ثلاثة أيّامٍ»(4)، وظاهر لفظ «ليس له» هو التحريم.
ويؤيّده أيضاً عموم «وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ»(5)، خرج منه اليومان الأوّلان وبقي الثالث.
ويشترط في الأيّام أن تكون متواليةً؛ لظهور إرادة التوالي من الأمر بالإقامة في ثلاثة أيّام، والأمر بالسفر فيها، ونحو ذلك، فالتوالي وإن لم يظهر من لفظ «ثلاثة أيّام» لكنّه يظهر من تعلّق الأمر فيها بالمقام والمنزل والجلوس وشبهها.
ويدلّ على التوالي أيضاً فتوى الأصحاب، والرواية(1)المقيّدة للأيّام بأنّها متوالية. ويدخل فيها الليلتان المتوسّطتان؛ لفهم ذلك عرفاً من الأمر بإقامة ثلاثة أيّام، وسفر ثلاثة أيّام، وحلول ثلاثة أيّام، وشبهها، وللاحتياط اللازم للشكّ في جزء العبادة، ولفتوى الأصحاب، وللإجماع المنقول(2)في الباب.
ولا شكّ في عدم دخول الليلة الرابعة عرفاً وشرعاً.
وفي دخول الليلة الأُولى قول الأقوى خلافه، والأحوط وفاقه، فالأحوط أن ينوي الناوي عند غروب الحمرة وعند طلوع الفجر ليجمع بين القولين.
ويتفرّع على ما ذكرناه أنّ مَن نذر اعتكاف ثلاثة أيّامٍ من دون الليالي لم يصحّ؛ لأنّ الليالي إذا لم تدخل في الاعتكاف يحصل الخروج منه بالليل، فيجوز له فعل ما ينافيه فيه، فيقطع اعتكاف ذلك اليوم عمّا قبله ويصير منفرداً، فيلزم منه صحّة اعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّامٍ، وهو باطل.
وذهب الشيخ إلى جواز نذر اعتكاف ثلاثة أيّامٍ من دون الليالي، وإلى عدم دخول الليالي عند إطلاق النذر. نعم، لو نذرها بقيد المتابعة وجب إدخال الليلتين(3).
وهو ضعيف لا يُعوّل عليه.
ومَنْ نذر اعتكاف شهرٍ معيّن وجب عليه إدخال الليلة الأُولى على الأظهر، ووجب فيه التتابع أيضاً؛ لأنّه المنصرف إليه إطلاق اللفظ.
ومَنْ نذر اعتكاف عشرة أو عشرين لم تدخل الليلة الأُولى في نذره، ولكن هل يجب عليه التتابع فيها عند الإطلاق، أم لا يجب؟ وجهان، أقواهما: أنّ له التفريق والتتابع،
فإن فرّق لا يجوز له أن ينقص عن ثلاثة، والأحوط التتابع.
وهل يجوز له عند التفريق أن يفرّقه أيّاماً، فيأتي بيومٍ منذور ويضمّ إليه يومين مندوبين، فيأتي مَن نذر عشرة أيّام للاعتكاف بثلاثين يوماً، أو لا يجوز إلّا أن يفرّق الأيّام المنذورة ثلاثة ثلاثة وما يتبعها؟ وجهان أقواهما: الجواز، وأحوطهما: العدم.
ومَن وجب عليه اعتكاف يومٍ واحد قضاءً عمّا فات منه أو لنذر مطلق تعلّق باعتكاف يومٍ، وجب الإتيان به مع يومين من باب المقدّمة، وله أن يقدّمه عليهما، وله أن يؤخّره عنهما، وله أن ينوي فيهما الندب، والأحوط نيّة الوجوب.
ومَنْ نذر اعتكاف يومٍ واحد بشرط لا أو اعتكاف أيّامٍ متفرّقة بشرط عدم انضمامها إلى غيرها، بطل نذره؛ لبطلان اعتکافه.
ومَنْ نذر اعتكاف أيّامٍ معيّنة فصادف العيد ونحوه بطل نذره.
الخامسة : لا يكون الاعتكاف إلّا بلبث كلّه أو أغلب بدنه - ولا عبرة بخروج الأجزاء اليسيرة - في مسجد جامع يجتمع فيه أغلب الناس، فلا يجوز في غير المسجد إجماعاً نصّاً(1)وفتوىً، ولا في كلّ مسجدٍ، خلافاً للعماني(2)استناداً لعموم الآية(3)، ولقوله علیه السّلام : «لا اعتكاف إلّا بصومٍ، وفي مسجد المصر الذي أنت فيه»(4)، لأنّ العموم مخصوص، والرواية ضعيفة عن مقاومة الأخبار المستفيضة الدالّة على تقييد المسجد بالجامع(5)، الموافقة للإجماعات المنقولة(6)بل المحصّلة، وللاحتياط في العبادة.
إنّما الكلام في أنّه هل يشترط فعليّة كونه جامعاً، أم يكفي صدق المشتقّ عليه ولو مرّةً؟ وهل يكفي كلّ مسجدٍ جامع جمّع فيه إمام عدلٍ بجمعة أو جماعة، أو لا بدّ من مسجدٍ جمّع فيه إمام الأصل جمعةً أو جماعةً مطلقاً، أو جمعةً فقط كما يظهر من بعضهم(7)، وتظهر الثمرة
1) البقرة (2) : 187
2) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3 : 440، المسألة 161.
3) البقرة ( 2 ) : 187
4) وسائل الشيعة 10 : 541، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، ح 11.
5) المصدر : 538 - 541 ، ح 1، 04 10.5
6) الانتصار : 199 - 200، المسألة 94؛ الخلاف 2 233، المسألة 102؛ غنية النزوع 146:1
7) كالسيّد المرتضى في الانتصار : 199، المسألة 94؛ والشيخ الطوسي في المبسوط 1 : 289.
في مسجد المدائن حيث روي أنّ الحسن علیه السّلام صلّى فيه جماعةً(1)لا جمعةً، أو لا بدّ من المساجد الأربعة: الكوفة والبصرة ومكّة والمدينة إمّا لنفسها على وجهٍ، أو لكون أنّ الإمام الأصلي قد جمّع فيها قطعاً، كما هو الظاهر من أكثر الأصحاب(2)، أو هذه مع تبديل مسجد البصرة بالمدائن، أو هذه مع مسجد المدائن أو الخمسة مع مسجد براثا؟ أقوال، أقواها جوازه في كلّ مسجدٍ جامع فعلاً جمّع فيه عدلٌ، إماماً كان أم لا، أو مسجد جمّع فيه إمام الأصل، كان جامعاً بالفعل أم لا.
أمّا الثاني: فبالإجماع والأخبار(3).
وأمّا الأوّل: فللأخبار المعتبرة الدالّة على ذلك، كقوله علیه السّلام : «لا اعتكاف إلّا بصوم في المسجد الجامع» كما في بعضها(4)، أو «مسجد جماعة» كما في أُخرى(5)، وهي معتبرة موافقة لعموم الكتاب ولمشروعيّة الاعتكاف ووفور ثمرته؛ لأنّه لو خصّ المساجد الخاصّة لقلّت ثمرته وضعفت فائدته.
ويدلّ على ذلك الصحيحُ: «لا يعتكف إلّا في مسجد جماعة صلّى فيه إمام عدل جماعة، ولا بأس بأن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة ومسجد مكّة»(6)فإنّ قوله: «إمام عدل» وإن كان مجملاً قابلاً لكلّ إمامٍ عدل ولإمام الأصل سواء قُرى بالرفع أو الجرّ، ولكنّ الظاهر منه قراءة الرفع، والظاهر منه إرادة المعنى العامّ الشامل بقرينة نفي البأس عن المساجد الأربعة بعد ذلك، خلافاً لمن جعل نفي البأس قرينةً على إرادة إمام الأصل(7)، فإنّه يلزم منه تحليل الرواية.
وممّا يدلّ على أصل المطلوب وعلى إرادة مطلق الإمام العدل من الرواية هو مقابلة المسجد الجامع ومسجد الجماعة في أكثر الروايات لأحد المساجد الأربعة، والمقابلة تدلّ على
1) كما في رياض المسائل 520:5؛ وأورده المحقّق الحلّي في المعتبر 2 : 732 بدون لفظ «جماعة».
2) كالصدوق في الفقيه 2 : 184، ح 2091؛ والسيد المرتضى والشيخ الطوسي: راجع الهامش (7) من ص 384.
3) وسائل الشيعة 10 : 539 - 542، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، ح 8، 12، 14.
4) المصدر : 538 ، ح 1.
5) المصدر : 539 - 0540 ح 6.
6) المصدر : 540 ، ح 8
7) البحراني في الحدائق الناضرة 13 : 467.
الغيريّة قطعاً، ففي بعضها: «لا أرى الاعتكاف إلّا في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول مسجد جامع»(1)وهي متكثّرة معتبرة، وفي بعضها: «إلّا في المسجد الحرام أو مسجد الرسول أو مسجد الكوفة أو مسجد جماعة»(2)وفي هذه أيضاً الحسن والقويّ.
ودعوى تخصيص هذه الروايات بما جمّع فيه إمام الأصل كما دلّت عليه الصحيحة المتقدّمة(3)لا وجه له؛ لعدم صراحة الصحيحة بإمام الأصل كي تقيّد بها الأخبار، على أنّ المقابلة بين مسجد الجماعة وتلك المساجد قرينة على المغايرة كما قدّمنا ، فلا وجه للتخصيص حينئذٍ.
والعمدة من الأقوال - غير ما اخترناه - هو القول بتخصيص الاعتكاف بالمساجد الأربعة غير؛ استناداً للصحيح المتقدّم(4)الناصّ على الأربعة وعلى تخصيص الجواز بما صلّى فيه إمام عدل جماعةً، ولم تثبت صلاة إمام الأصل جماعةً في غير هذه المساجد، واستناداً للإجماع المنقول(5)، وللاحتياط في العبادة، ولفتوى المشهور، ولمخالفة فتوى العامّة.
والكلّ لا يقاوم ما ذكرناه من الأخبار المفتى بها عند كثير من الأخيار، فيضعَّف الإجماع بمصير كثيرٍ إلى الخلاف سابقاً ولاحقاً، ويضعَّف الصحيح بإجمال الدلالة إن لم يكن فيما اخترناه أظهر، ويضعَّف الباقي بعدم المقاومة.
هذا، ولكن فتوى المشهور قد تجبر الدلالة كما تجبر السند ومخالفة العامّة من المرجّحات عند التعارض، فيترجّح الصحيح على باقي الأخبار بمخالفته لفتوى العامّة، فيشكل الأمر حينئذٍ بالنسبة إلى الترجيح، فلا بدّ من الاحتياط، وهو يقضي بالاقتصار على الأربعة دون غيرها، أو إضافة مسجد المدائن لها؛ لما ورد أنّ الإمام علیه السّلام جمّع فيه(6)، أو إضافة مسجد براثا.
وهل يجوز الاعتكاف بمسجدين جامعين بينهما ،باب أم لا يجوز؟ وجهان، أقواهما:
الجواز، وأحوطهما: العدم.
وهل يجوز أن يقصر نفسه على بعضٍ من المسجد دون بعضٍ؟ وجهان، أقواهما: العدم، فتقع نيّة الاقتصار لاغيةً.
ويدخل في المسجد أعلاه، كسطحه وجداره، وأسفله كسردابه وبئره، فيجوز الاعتكاف فيها.
ويجوز لمن اعتكف في المسجد أن يدخل إليها، سواء ضمّها في النيّة أم لم يضمّها؛ لشمول إطلاق المسجد لها وإن كان الأحوط الاقتصار ابتداءً واستدامةً بعد الاعتكاف على الموضع المعتاد للمعتكفين من نفس أرض المسجد لا غير.
السادسة: أن يستديم ذلك اللبث، ولا يخرج بجميع بدنه ولا بأغلبه عن المسجد، ولا عبرة بالأجزاء اليسيرة، والأحوط ترك إخراجها أيضاً.
ويدلّ على ذلك فتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(1)في الباب والأخبار المستفيضة: فمنها: الصحيح: «ليس للمعتكف أن يخرج من المسجد إلّا إلى الجمعة أو جنازة أو غائط»(2).
وفي الصحيح أو الحسن: «لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلّا لحاجةٍ لا بدّ منها، ثمّ لا يجلس حتّى يرجع، ولا يخرج في شيء إلّا لجنازة أو يعود مريضاً، ولا يجلس حتّى يرجع، واعتكاف المرأة مثل ذلك»(3).
وفي آخَر: «لا تخرج من المسجد إلّا لحاجةٍ لا بدّ منها، ولا تقعد تحت ظلال حتّى تعود إلى مجلسك»(4).
والظاهر أنّ المفسد هو الخروج الاختياري، وأمّا الخروج سهواً أو كرهاً ملجأ فلا بأس بهما ما لم يجلس بعد خروجه خارج المسجد مختاراً متذكّراً، وذلك لعموم رفع السهو والنسيان وما أكرهوا عليه(5)، وللاستقراء المثبت لحكمٍ كلّيٍّ فيهما من عدم الاعتداد بهما في سائر العبادات، وعدم الإبطال بهما.
نعم، لو استطال المكث خارجاً بحيث خرج عن هيئة المعتكف، فلا يبعد بطلان الاعتكاف.
والخروج جهلاً بموضوع المسجد لا يبعد إلحاقه بالنسيان. والجهل بالحكم كالعمد على الأظهر.
ونُسب لأصحابنا القول ببطلان الاعتكاف بالخروج مكرهاً(1)، ولكنّه بعيد.
نعم، لو كان الإكراه للتقيّة والخوف لا للإلجاء اتّجه البطلان حينئذٍ؛ لمنافاته للّبث المأخوذ في ماهيّة الاعتكاف.
والقول بالصحّة في الجميع هو الأقوى، إلّا إذا خرج وجلس خارجاً مختاراً عمداً، فإنّ اعتكافه يبطل كما قدّمنا.
ويستثنى من لزوم اللبث وعدم جواز الخروج الخروجُ للحاجة الضروريّة قطعاً، كتحصيل الأكل والشرب، أو إخراج الغائط والبول من غير خلافٍ في ذلك.
ويُفهم من الأخبار المتقدّمة جواز الخروج للحاجة عرفاً مطلقاً، ضروريّة أو لا؛ لذكره الجمعة وعيادة المريض والجنازة منها، وهي غير ضروريّة، فيراد بقوله علیه السّلام : «لا بدّ منها»(2)البيان لكونها حاجة للشخص ليس له عنها غنى، لا بيان كون المسوّغ الحاجة اللازمة الضروريّة.
ولكنّ الأحوط ترك غير المنصوص والاقتصار على المنصوص أو ما هو أولى منه أو مساويه.
ويجب على الخارج تحرّي أقرب الطرق والاستعجال في الذهاب والإياب، ولكن لا بحيث يذهب وقاره كالذهاب ركضاً وعَدْواً والرجوع كذلك؛ لمنافاته المروءة والوقار، وقيام السيرة على خلافه.
كما أنّه يجوز الخروج لكلّ ما كان في فعله غضاضة في المسجد على الأظهر؛ لأنّه من الحاجة التي لا بدّ منها.
وسوّغ الوالد رحمه الله الخروجَ للاحتياج إلى مسألةٍ واجبة أو مندوبة تتوقّف معرفتها على الخروج، وللاحتياج إلى حلق رأس أو إطلاء وعسر فعله في المسجد، أو للاحتياج إلى كتاب أو قرآن أو دعاء أو شيء تتوقّف عليه العبادة مطلقاً، أو احتاج إلى غسلٍ واجب ينافي وقوعه فی المسجد أو مندوب يشقّ عليه فعله فيه، أو إقامة للشهادة أو تحمّل لها، أو ردّ ضالّةٍ أو
إعانة مظلومٍ، أو إنقاذ محترمٍ، أو عيادة مريضٍ، أو تشييع حيّ أو ميّت أو الصلاة عليه أو تكفينه أو دفنه، أو غسل نجاسة أو قذارة، أو استحمام لشدّة الحاجة إليه، أو صلاة جمعة أو عيد، بل مطلق الصلاة بمكّة، أو قضاء حاجة مؤمن، أو الخروج معه رفعاً لخوفه أو ردّاً لماله المسروق أو الشارد عنه، أو إخراج ريح، أو إخراج النجاسة من المسجد أو الكناسة أو شبههما، أو وضوء لرفع حدثٍ؛ لكراهته في المسجد، أو قيء، أو طبخ أو خبز، أو غسل ثياب، أو علف لدابّته، أو معرفة وقتٍ أو تأذين، أو جهاد عدوٍّ، أو صحبة لازمة للمرأة الجليلة أو الرجل المتشخّص أو الضعيف خوفاً عليه أو للاعتماد منه عليه، أو امتثال أمر مطاع من مالك أو والد أو مخدوم معدّ للخدمة أو مُنعم، أو احتياط في غسل نجاسةٍ أو غسل ما لم يبلغ للوسواس(1).
ولكنّ أكثرها لا يخلو من إشكالٍ؛ لفقد النصّ والإجماع على عدم ما نعيّتها، سيما لو تكثّرت على الشخص الواحد فإنّه يخرج عن صدق المعتكف عرفاً، فالأحوط ترك ما لم يدلّ عليه نصٌّ أو إجماع أو تنقيح مناطٍ بينه وبين المنصوص.
ولا يجوز للمعتكف الخارج من المسجد أن يصلّي في غير المسجد الذي اعتكف فيه لا فرضاً ولا نفلاً، إلّا إذا ضاق الوقت عليه، عدا مكّة فإنّه يصلّي في أيّ بيوتها شاء إذا دخل عليه وقت الصلاة فرضاً أو نفلاً؛ للأخبار الصحيحة المانعة من الصلاة مطلقاً في غير مكّة والمجوّزة لها فيها في أيّ بيوتها شاء؛ لأنّها كلّها حرم الله تعالى(2)، ولفتوى الأصحاب بذلك.
ولا يجوز للخارج أيضاً أن يجلس تحت ظلالٍ؛ للصحيح الناهي عن الجلوس مطلقاً (3)والناهي عن الجلوس تحت الظلال(4)، يحمل المطلق على المقيّد.
وأطلق جمعٌ من أصحابنا(5)تحريمَ الجلوس للخارج بحاجةٍ؛ استناداً لإطلاق الرواية(6)، وهو أحوط.
وذهب جمعٌ من أصحابنا(1)إلى تحريم المشي تحت الظلال، ونقل عليه الإجماع(2).
وأنكره بعضهم(3)تمسّكاً بالأصل عند عدم الدليل.
والأوّل أحوط، بل وأظهر.
وعلى كلّ حال فينبغي تقييد تحريم ذلك بصورة الإمكان، وصورة عدم توقّف قضاء الحاجة على الجلوس تحت الظلال أو المشي تحته وإن كان الأحوط تجنّب ذلك مطلقاً في غير الضروري للمعتكف؛ لإطلاق النهي وعدم تقييده بالحاجة.
السابعة: إباحة الجلوس، فلو حرم عليه لجنابةٍ أو لعارضٍ آخَر، فإن كان مستمرّاً طول اعتكافه فسد، وإن عرض في الأثناء وتراخى عن الخروج فسد على الأقوى؛ لحصول الفصل حينئذٍ في اعتكافه فيفسد؛ لعدم التوالي.
ومَنْ كان مأموراً بضدّ الاعتكاف فالأحوط له عدم الاعتكاف، سيّما إذا جعله مقتضياً لعدم أداء المأمور به.
ومَن جلس في مكانٍ مغصوب في المسجد أو على أرضٍ مغصوبة أو فراش فلا يبعد البطلان.
الثامنة : لا يصحّ الاعتكاف من المملوك ولا من الزوجة من غير إذن المالك والزوج، إلّا مع مهايأة(4)المالك مع المملوك إذا كان مبعّضاً، فيعتكف المملوك في أيّام نوبته إذا لم يؤدّ الاعتكاف ضعفاً بنوبة المالك.
وللزوج والمالك إفساد الاعتكاف المندوب الصادر عن إذنهما قبل وجوبه.
ولا يفتقر اعتكاف الولد إلى إذن من الوالدين. نعم، لو منعا بطل على الأظهر، كما لا يفتقر الاعتكاف الواجب إلى إذنٍ ممّن تقدّم ولو كان موسّعاً، والاحتياط لا يخفى.
1) منهم : السيّد المرتضى في الانتصار : 203، المسألة 97؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 172؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 425؛ والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1 : 194.
2) الانتصار : 203، المسألة 97
3) الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 524 - 525.
4) المهايأة في كسب العبد أنّهما - أي المالك والعبد - يقسمان الزمان بحسب ما يتّفقان عليه، ويكون كسبه في كلّ وقتٍ لمن ظهر له بالقسمة. مجمع البحرين 1 : 485، «هي أ».
التاسعة: يحرم على المعتكف قبل وجوب الاعتكاف وبعده الاستمتاع بالنساء، محرّمةً أو محلّلةً، لمساً وتقبيلاً وضمّاً وشمّاً وجماعاً؛ للنهي عن المباشرة في الآية الشريفة (1)، ولإطلاق كلام الأصحاب، وللاحتياط.
والظاهر تقييد ما عدا الجماع بالشهوة؛ لانصراف النهي في الكتاب وكلام الأصحاب إلى ما وقع من تلك بشهوةٍ.
والأحوط إلحاق النظر بشهوةٍ بها في التحريم، كما أنّ الأحوط إلحاق الضمّ والتقبيل من وراء الثياب بها مع اللمس، وكذا تقبيل الأولاد فيجتمع فيه جهتا التحريم: لنفسه وللاعتكاف.
ولا بأس بتقبيل المحارم إذا لم يكن عن شهوةٍ، بل كان لمجرّد الرحميّة، بل هو من أعظم الطاعات.
وهل ما عدا الجماع محرَّم فقط، أو مفسد أيضاً؟ وجهان: عدم الإفساد به، وذهب إليه جمع(2)استصحاباً لصحّة الاعتكاف، ولأصالة الصحّة، وعدم الدليل والإفساد؛ للاحتياط في جعل ما شكّ في مانعيّته مانعاً، ولظاهر النهي عن الشيء في العبادة أنّه مفسد لها.
وأمّا الجماع فلا شكّ في تحريمه وإفساده وإيجابه الكفّارة؛ للإجماع المنقول (3)وفتوى الفحول، والأخبار المستفيضة الدالّة على ذلك(4).
ولا يتفاوت الحال بين الليل والنهار؛ لإطلاق النصّ(5)والفتوى.
نعم، هل الكفّارة كفّارة رمضانيّة؟ للموثّق: أنّ عليه ما على مَنْ أفطر يوماً من شهر رمضان(6)، ونحوه غيره(7)، ونُسب الفتوى به إلى المشهور(8)، ونُقل عليه الإجماع(9)، ووافقه الأصل.
1) البقرة (2) : 187
2) منهم : العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 3: 453، المسألة 176؛ والعاملي في مدارك الأحكام 6 : 344؛ والطباطبائي في رياض المسائل 5 : 537
3) التنقيح الرائع 1 : 406: مفاتيح الشرائع 1 : 279، مفتاح 314
4) وسائل الشيعة 10 : 545 و 546 الباب 5 و 6 من أبواب الاعتكاف.
5) البقرة ( 2 ) : 187؛ وسائل الشيعة 546:10 - 548 الباب 6 من أبواب الاعتكاف، ج 1، 5.
6) وسائل الشيعة 10: 547 - 548 ، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، ح 5.
7) المصدر : 0547 ح 2.
8) ممّن نسبه إلى المشهور البحراني في الحدائق الناضرة 13 : 496.
9) غنية النزوع 1: 147.
وذهب جمع من أصحابنا(1)إلى وجوب كفّارة ظهارٍ ؛ للصحيح الدالّ على أنّ عليه ما على المُظاهر(2)، ونحوه غيره(3)، ونُسب(4)الفتوى به لجملةٍ من المتأخّرين، ووافقه الاحتياط، إلا أنّ الأوّل أقوى؛ اعتضاداً بما قدّمنا، فيُحمل ما دلّ على كفّارة الظهار على الندب، أو على أصل التشبيه بنوع الكفّارة.
ولو جامع المعتكف نهاراً، لزمته كفّارتان للصوم والاعتكاف إذا كان الوطء في شهر رمضان؛ للخبر(5)، وفتوى الأصحاب، وأصالة عدم تداخل الأسباب.
وكذا لو كان في صوم غيره يوجب الكفّارة، كقضاء رمضان بعد الزوال، أو كان منذوراً.
ويحتمل إيجاب الكفّارتين مطلقاً في نهار الاعتكاف ولو كان الصوم فيه مندوباً؛ تمسّكاً بإطلاق كثير من الأصحاب(6)، والإجماع المنقول في الباب على لزوم الكفّارتين(7)، وهو موضع احتياطٍ وإن كان الإطلاق منزّلاً على الفرد الخاصّ، وهو الصوم بشهر رمضان.
وهل تحريم ما تقدّم وإيجاب الجماع للكفّارة مخصوص بالاعتكاف الواجب، أو عند وجوبه في اليوم الثالث، أو مطلقاً ما دام لم يفسخه؟ وجهان، أوجههما وأحوطهما: الإطلاق؛ لإطلاق النصّ(8)والفتوى بذلك.
ولا يعارضه استبعاد أنّ المندوب كيف يحرم فيه شيء ويوجب الكفّارة مع جواز تركه ؟! لضعف الاستبعاد ما دام المكلّف متلبّساً بالمندوب عاملاً له.
نعم، لو نوى بالجماع وشبهه قطعه اتّجه عدم التحريم وعدم الكفّارة.
والاستنزال محرَّم ومفسد كالجماع على الأقوى؛ لأنّ تحريم اللمس والتقبيل يقضي
1) منهم : الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1 : 279 مفتاح 315؛ والصدوق على ما في مختلف الشيعة 3: 456، المسألة (8) نقلاً عن المقنع له، ولم نجده فيه.
2) وسائل الشيعة 546:10، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، ح 1.
3) المصدر : 548 ، ح 6.
4) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 5 : 541.
5) وسائل الشيعة 10: 547 ، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، ح 4.
6) كما في الدروس الشرعيّة 1 : 303؛ ومنهم : السيد المرتضى في الانتصار : 201، المسألة 95؛ والشيخ الطوسي في المبسوط 1 : 294؛ والخلاف 2 : 238، المسألة 113
7) الخلاف 2 : 238، المسألة 113
8) وسائل الشيعة 10 : 546، الباب 6 من أبواب الاعتكاف.
بتحريمه بطريق أولى، وإفساد الجماع يقضي بإفساده بطريق المساواة.
العاشرة: يحرم عليه شمّ الطيب والبيع والشراء أصالة ووكالةً، والمماراة؛ لفتوى الأصحاب، والإجماعات المنقولة(1)في الباب، والصحيح: «المعتكف لا يشمّ الطيب، ولا يتلذّذ بالريحان، ولا يماري، ولا يشتري ولا يبيع»(2).
والمراد بالطيب ما أُطلق عليه هذا الاسم عرفاً من دهن أو ماء أو عود أو ذريرة(3)، لاكلّ ما طابت رائحته من دارصيني أو هيل أو كمّون(4)، والأظهر كون القرنفل(5)طيباً.
كما أنّ الأظهر أنّ المحرَّم نفس الشمّ لا الاستعمال مطلقاً، فلو سدّ منخره واستعمله، أو كان لا يشمّ لفقد الحاسّة جاز، والاحتياط لا يخفى.
وما كان طيباً في بلدٍ دون أُخرى كان الأحوط إجراء حكم الطيب عليه مطلقاً.
ومثل الطيب الريحان، وهو ما طابت رائحته من النبات أو ورقه أو أطرافه، كالورد والقيصوم(6)وشبههما، فإنّه يحرم شمّه أيضاً؛ للصحيح المتقدّم(7)، والزعفران طيب من غير شکٍّ فی کثیرٍ من البلدان.
والمراد بالبيع والشراء ما هو أعمّ من المعاطاة، والصيغة بأيّ لسانٍ كان.
ولا يلحق بهما الصلح ولا الإجارة ولا البيع الفاسد على الأظهر.
ولا يمنع من الاشتغال بالأُمور الدنيويّة من أصناف المعاش كما تخيّله العلّامة رحمه الله(8)، ولا من الصنائع المشغلة عن العبادة كالخياطة كما تخيّله هو رحمه الله(9)أيضاً. وخيال تنقيح المناط لا وجه له.
1) الانتصار : 204، المسألة 99؛ الخلاف 2 : 240، المسألة 116؛ مدارك الأحكام 6 : 344.
2) وسائل الشيعة 10: 553، الباب 10 من أبواب الاعتكاف، ح 1.
3) الذريرة: فتات من قصب الطيب الذي يجاء به من بلد الهند يشبه قصب النشّاب لسان العرب 303:4، «ذر ر».
4) الكمون : حبّ أدقّ من السمسم لسان العرب 13 : 360، «ك م ن».
5) القرنفل : شجر هنديّ ليس من نبات أرض العرب لسان العرب 11 : 556، ق ر ن ف ل».
6) القيصوم : من رياحين البرّ طيّب الرائحة لسان العرب 12 : 486، ق ص م».
7) تقدّم آنفاً.
8) منتهى المطلب 9 : 530
9) منتهى المطلب 9 : 530
والمراد بالمماراة المجادلة والمغالبة طلباً للافتخار وإظهار الفضيلة في أمر دنيا أو دين، في حقٍّ أو باطلٍ.
نعم، لو كان للأمر بالمعروف أو لإظهار حقٌّ أو لإخفاء باطلٍ، لا لإظهار فضيلةٍ، لم يكن محرَّماً.
وهل يفسد بهذه الاعتكاف، أم تؤثّر حرمةً لا غير؟ وجهان، والأقوى عدم الإفساد، والأحوط الحكم بالإفساد ؛ لفتوى جمعٍ من الفقهاء(1)، ولظاهر النهي عن الشيء في العبادة.
وحرّم الشيخ رحمه الله على المعتكف كلّ ما يحرم على المُحرم(2)، ونسبه لروايةٍ (3). وهو خلاف فتوى المشهور، والأصل يدفعه، والإجماع المنقول على عدم تحريم لُبس المخيط للمعتكف(4)بل المحصّل يضعّفه، وفتوى الأصحاب بعدم حرمة أكل الصيد وإزالة الشعر وعقد النكاح توهنه.
وذهب ابن إدريس إلى أنّ جميع ما يفعله المعتكف من المعاصي ويتشاغل به من السباب ونحوه يفسد اعتكافه، بل يظهر منه أنّ جميع ما يتشاغل به من المباحات التي لا حاجة له بها يبطله؛ لأنّ الاعتكاف لبث للعبادة، والتشاغل بذلك ليس لبثاً لها، فينافيه ويبطله(5).
وهو ضعيف مخالف لفتوى الأصحاب ولعموم أدلّة اليسر(6)وللأخبار البيانيّة في مقام البيان.
الحادية عشرة: كلّ مَنْ أفسد اعتكافه بعد وجوبه وجب عليه قضاؤه، وكذا لو فسد لنفسه، سواء كان وجوبه بنذرٍ أو شبهه، أو كان لكونه اليوم الثالث.
1) منهم : ابن إدريس الحلّي في السرائر 1 : 426.
2) الجُمل والعقود (ضمن الرسائل العشر) : 222.
3) المبسوط 1: 293.
4) تذكرة الفقهاء 6 : 262 ، المسألة 186.
5) السرائر 426:1.
6) البقرة (2) : 185: صحيح البخاري 1 : 38، ح 69: صحیح مسلم :3: 1395، ح 1734؛ سنن أبي داود 4 : 260، ح 4835؛ .1.901 المعجم الكبير، الطبراني 11 : 33، ح 10951
ويدلّ على وجوب القضاء فتوى الأصحاب، والصحيح: «إذا مرض المعتكف أو حاضت المعتكفة فإنّه يأتي بيته ثمّ يعيد إذا برئ ويصوم»(1)، وفي آخَر: في الحائض كذلك(2)، ومتى وجب القضاء بالفساد الناشئ عن غير الاختيار وجب بالفساد الناشئ عن الاختيار بالطريق الأولى، وكلّ ما وجب فيه الاعتكاف وجب فيه الصوم مقدّمةً له، وكلّ ما أفسد الصوم أفسد الاعتكاف فيجب فيه القضاء.
وأمّا الكفّارة فلا تجب على المعتكف إذا أفسد اعتكافه بمفسدٍ غیر الجماع على الأظهر؛ للأصل، واختصاص الروايات الموجبة لها بالجماع(3)، فلا يتعدّى حكمها إلى غيره، إلّا إذا كان الاعتكاف في صومٍ له كفّارة في إفطاره وجبت الكفّارة لأجل ذلك، لا لأجله.
والمراد بقضاء الاعتكاف هو قضاء جميعه إذا كان واجباً ولم تكمل له ثلاثة، وقضاء الفائت إذا كان مندوباً وقد تمّ له يومان ولكنّه لو قضى اليوم الفائت ها هنا أكمله بيومين ندباً؛ لأنّه لا يكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّامٍ.
ويحتمل ضعيفاً قضاؤه يوماً واحداً، ويكون كالخروج للحاجة فيما إذا كان العذر سماويّاً.
والمطلّقة رجعيّةً وغيرها من المتوفّى عنها زوجها إذا طُلقت في اليوم الثالث احتُمل وجوب إتمام اعتكافها، ثمّ الخروج بعد ذلك لبيتها للاعتداد به واحتُمل وجوب نقضه ثمّ قضاؤه بعد ذلك ثلاثة أيّام، وعلى الاحتمال الضعيف يوم واحد.
والاحتمال الأوّل أقوى؛ لسبق تعلّق حقّه بها.
نعم، لو كان الاعتكاف مندوباً وجب القطع والخروج، وإلّا فسد الاعتكاف.
الثانية عشرة: الاعتكاف إمّا أن يكون واجباً معيّناً بنذرٍ وشبهه فحكمه وجوب الإتمام بمجرّد الشروع فيه قطعاً، أو يكون واجباً موسّعاً فهنا يحتمل فيه الأمران: وجوبه بمجرّد
الشروع؛ للنهي عن إبطال العمل(1)، ولإطلاق كثير من الأخبار الناهية عن خروج المعتكف وعن الجماع وغير ذلك(2)، المشعرة بأنّ الأصل في الاعتكاف أن يكون لازماً بمجرّد الشروع فيه إلّا ما أخرجه الدليل، وعدم وجوبه إلّا بعد إتمام اليومين؛ لإطلاق الأخبار الآتية بجواز فسخه قبل تمام اليومين الشاملة للمندوب والواجب والموسّع، ولأصالة البراءة من لزوم الإتمام ، وربما يقوى هذا الأخير، والاحتياط لا يخفى، أو يكون مندوباً، والأقوى عدم لزومه إلا بعد تمام اليومين.
خلافاً لمن جعله لازماً بمجرّد الشروع فيه كالشيخ(3)لإطلاق لزوم الكفّارة على المعتكف ولزوم القضاء عليه، ولمن جعله جائزاً مطلقاً حتّى الثالث كالمرتضى(4)للأصل، وعدم الدليل على الشروع.
وذلك لأنّ ما دلّ على جوازه في اليومين الأوّلين ولزومه في الثالث من الخبرين (5)المعتبرين مخصّص لما ذكروه من إطلاق الأخبار في القضاء والكفّارة(6)، ومن الأصل. وفي الصحيح: «إذا اعتكف يوماً ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ الاعتكاف، وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يخرج ويفسخ الاعتكاف حتّى تمضي له ثلاثة أيّام»(7).
وفي الصحيح الثاني(8)ما يقرب لذلك أيضاً.
نعم، لو اشترط الإحلال متى شاء كان الثالث جائزاً على الأقوى؛ لمفهوم الصحيحة المتقدّمة(9).
1) سورة محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم (47) : 33.
2) وسائل الشيعة 545:10 و 549 و 553 ، الأبواب ،7،5، 10 من أبواب الاعتكاف.
3) المبسوط 1: 293
4) المسائل الناصريات : 300، المسألة 135.
5) يأتي في الهامش (7 و 8).
6) راجع ص 395.
7) وسائل الشيعة 543:10 الباب 4 من أبواب الاعتكاف، ح 1.
8) المصدر : 548 ، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، ح 6.
9) تقدّمت آنفاً.
الثالثة عشرة: يستحبّ الشرط في الاعتكاف عند ابتدائه ونيّته؛ لفتوى الأصحاب، وللأخبار المتكثّرة في الباب، إلّا أنّ من الأخبار: «واشترط على ربّك في اعتكافك كما تشترط عند إحرامك أن يحلّك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك عارض من علّة تنزل بك من أمر الله تعالى»(1)وفي آخَر: «وينبغي للمعتكف أن يشترط كما يشترط المُحرم»(2)ومقتضاها: أنّ الشرط في الاعتكاف كالشرط في الإحرام إنّما يسوغ لعارضٍ ضروريّ، فتكون فائدة الشرط التعبّد والاستحباب؛ لجواز الإحلال من دون شرطٍ، أو تكون فائدته سقوط القضاء إذا وجب وحصل العارض من إتمامه.
ولكنّه مشكل؛ لأنّ ما دلّ على ثبوت القضاء(3)مطلق لا يقيّده ما دلّ على ندبيّة هذا الشرط؛ لاحتمال إرادة التعبّد منه، فلا يكون صالحاً للتقييد.
نعم، لو كان المعتكف عند فساد اعتكافه يبقى على حكم التحريم فيما حرّم عليه من نساء وطيب وغيرهما، لكان للشرط حينئذٍ فائدة التحليل، ولكنّه لا يبقى حكم التحريم عليه بعد فساد الاعتكاف من غير شكٍّ، كما يظهر من كلام الأصحاب، فلم تبقَ للشرط فائدة حينئذٍ سوى التعبّد، كما ذكرناه.
ومن الأخبار ما يظهر منها تسويغ الشرط للتحليل اعتباطاً، فتكون فائدته جواز فسخ الاعتكاف متى شاء:
كالصحيح الوارد في المعتكفة بإذن زوجها وقد كان غائباً فخرجت إليه وتهيّأت له فواقعها؟ قال: «إن كانت خرجت من المسجد قبل ثلاثة أيّام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فإنّ عليها ما على المظاهر»(4)، والخروج للزوج ليس من العوارض المسوّغة للخروج.
ومفهوم الصحيح الآخَر: «فإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتّى تمضي ثلاثة أيّام»(5)فإنّه دالٌّ على جواز الفسخ مع الشرط، وعدمه مع عدمه، وهو
لا يكون إلّا مع اشتراط الفسخ اعتباطاً، وإلّا فالضرورة من ملزمات الفسخ، فلا معنى لعدم جواز الفسخ معها بدون الشرط.
والتنافي بين هذين الخبرين والأخبار المتقدّمة ظاهر، والجمع بينهما إمّا بتسويغ الشرطين معاً أحدهما للتعبّد أو إسقاط القضاء، والآخَر لجواز الفسخ متى شاء، وإمّا بالأخذ بالخبرين الأخيرين، وحمل ما دلّ على التشبيه بالمُحرم(1)على إرادة التشبيه له في أصل الاشتراط، لا في خصوصيّته.
نعم، يعارض ذلك الخبر الأوّل المقيّد للاشتراط بالعارض النازل من أمر الله تعالى(2)، ولكنّه يضعف عن مقاومة الصحيحين(3)المعمول بهما بين الأصحاب، الموافقين لأصالة عدم لزوم الاعتكاف، خرج منه ما لم يشترط وبقي الباقي.
وكلٌّ من هذين الجمعين حسن، إلّا أنّ الأوّل أنسب بطريقة الجمع، والثاني أقرب لفتاوى الفقهاء.
وأمّا الجمع بينهما بجواز اشتراط التحليل عند عروض أيّ عارضٍ كان سماويّاً أو أرضيّاً، ضروريّاً أو غير ضرورىٍّ فهو بعيد عن مذاق الفقهاء أوّلاً؛ لحصرهم الاشتراط في العارض الضروريّ أو في الاشتراط اعتباطاً، حتّى أنّه ربما يظهر منهم كالإجماع المركّب، وبعيد عن الأخبار الأُوّل ثانياً؛ لتشبيه الشرط فيها بشرط المُحرم في بعضٍ (4)والتنصيص على التقييد بالعارض الإلهي في بعضٍ آخَر(5)، بل وعن الخبر الأخير من الخبرين فلا يُركن إليه.
والشرط في المنذور عند إيقاع صيغة النذر، فلا يكفي الشرط عند الشروع في الاعتكاف بعد صدور صيغة النذر مطلقة؛ لعدم التأثير بعدم اللزوم.
نعم، في جواز الفسخ في الثالث لا بدّ من اقتران الشرط بالصيغة وبالشروع فيه. وجواز الاشتراط عند صدور الصيغة كأنّه ممّا لا خلاف فيه، وربما نُقل عليه الإجماع (1)وإن لم يكن له في الأخبار أثر، فالمناقشة فيه لا وجه لها.
والأظهر أنّه لا يتفاوت في الاشتراط في الصيغة بين اشتراط الحلّ اعتباطاً، وبين اشتراطه عند عروض عارضٍ مطلقاً أو مخصوصاً ضروريّاً أو غيره.
ودعوى بعضهم(2)أنّه لا معنى لاشتراط الحلّ اعتباطاً في النذر؛ لمنافاته النذر، غير مسموعة؛ لأنّ النذر على ما وقع.
هذا كلّه في الواجب المعيّن من الاعتكاف وأمّا الواجب المطلق بنذرٍ وشبهه فحكمه أنّه إذا شرط التحليل في الصيغة أو فى ابتداء الاعتكاف خروجاً عن شبهة لزومه بمجرّد الشروع فيه، فإنّه تجب إعادته وإن جاز فسخه؛ لبقاء وقته بعد الفسخ، وكذا الاعتكاف الذي يجب قضاؤه موسّعاً.
والتفصيل: أنّ المنذور إمّا أن يكون معيّناً بزمنٍ أم لا، وعلى التقديرين فإمّا أن يشترط التتابع أم لا، وعلى الأربعة فإمّا أن يشترط الرجوع أم لا، وعلى الاشتراط فإمّا أن يقرنه بصيغة النذر أو بالشروع في الاعتكاف أو بهما معاً، وعلى التقديرين فإمّا أن يقيّده بالعارض أو اعتباطاً.
وحكم الأربعة التي لم يشترط فيها ظاهر ممّا تقدّم، ومع الشرط في الصيغة والشروع في الاعتكاف فله الرجوع مطلقاً حتّى في الثالث، ومع الصيغة فقط له الرجوع في الأولين.
ثمّ إن كان الزمان معيّناً، لم يجب قضاء ما فات، شرط التتابع أم لا. وإن كان مطلقاً. ففي وجوب قضاء ما فات، أو الجميع إن نقص ما فعله عن الثلاثة، أم لا؟ قولان، أجودهما: القضاء، سواء شرط التتابع أم لم يشترط.
الرابعة عشرة : كلّ ما يحرم على المعتكف نهاراً يحرم ليلاً عدا الإفطار.
والأقوى عدم وجوب عن الميّت إذا مات قبل انقضاء اعتكافه الواجب، لا من الوليّ ولا من ماله بحيث يستأجر عنه؛ للأصل، واختصاص وجوب القضاء عنه من الوليّ فی الصوم الواجب أصالةً، واختصاص بذل المال في الواجب المالي دون غيره.
والأقوى عدم لزوم أربع كفّارات لمن وطئ زوجته مكرهاً في الاعتكاف في شهر رمضان؛ لأصالة عدم وجوب تحمّل الكفّارة في غير ما دلّ عليه الدليل، وقد اختصّ مورده بصيام شهر رمضان، فلا يتعدّى لكلّ ما يوجب الكفّارة؛ لأنه قياس.
تمّ الجزء الثالث من أنوار الفقاهة - بحسب تجزئتنا - ويليه في الجزء الرابع كتاب الحجّ