أنوار الفقاهة کاشف الغطاء جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

العنوان: طهران شارع الانقلاب، مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312

التلفون والفاكس: 982166951534+

ص. ب: 37185/3858 ، الرمز البريدي: 16439 - 37156

الموقع الإلكتروني : www.isca.ac.ir

البريد الالكتروني : nashr@isca.ac.ir

المدخل الرئيسي: كاشف الغطاء، حسن بن جعفر، 1201 - 1262هـ.

العنوان والمؤلّف :أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء؛ تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة، مركز إحياء التراث الإسلامي.

بيانات النشر: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.

بيانات الوصف :10ج.

ردمك: (مسلسل) 0-180-195-600-978

(ج. 1)7-181-195-600-978

حالة الفهرسة :CIP

ملاحظات المجال: المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش

ملاحظات المجال :الفهارس العامة

المحتويات: ج . 1. كتاب الطهارة

الموضوع فقه الإمامية - ق 13هـ.

المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة: مركز إحياء التراث الإسلامي

تصنیف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3

تصنيف ديوي: 297/342

رقم الإيداع: 3698114

أنْوَارُ الفَقَاهَةْ

حَسَنُ بْنُ جَعْفَرَ كَاشِفُ الغَطَاء

1201-1262هـ

الجزء الأوّل

الطهارة

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

مركز إحياء التراث الإسلامي

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أنوار الفقاهة

حسن بن جعفر كاشف الغطاء

( 1201 - 1262 هـ )

الجزء الأوّل

كتاب الطهارة

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

مركز إحياء التراث الإسلامي

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

أنوار الفقاهة

الجزء الأوّل: كتاب: الطهارة

مجموعة من المحقّقين

الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلامية

الإعداد والتحقيق: مركز إحياء التراث الإسلامي

الطبعة الأُولى: 1436هـ / 2015م

الكمّيّة: 1000 نسخة

العنوان: 301 : التسلسل: 491

حقوق الطبع محفوظة للناشر

العنوان: طهران شارع الانقلاب، مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312

التلفون والفاكس: 982166951534+

ص. ب: 37185/3858 ، الرمز البريدي: 16439 - 37156

الموقع الإلكتروني : www.isca.ac.ir

البريد الالكتروني : nashr@isca.ac.ir

المدخل الرئيسي: كاشف الغطاء، حسن بن جعفر، 1201 - 1262هـ.

العنوان والمؤلّف :أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء؛ تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة، مركز إحياء التراث الإسلامي.

بيانات النشر: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.

بيانات الوصف :10ج.

ردمك: (مسلسل) 0-180-195-600-978

(ج. 1)7-181-195-600-978

حالة الفهرسة :CIP

ملاحظات المجال: المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش

ملاحظات المجال :الفهارس العامة

المحتويات: ج . 1. كتاب الطهارة

الموضوع فقه الإمامية - ق 13هـ.

المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة: مركز إحياء التراث الإسلامي

تصنیف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3

تصنيف ديوي: 297/342

رقم الإيداع: 3698114

دلیل أنوار الفقاهة

الجزء الأول: الطهارة

الجزء الثاني: الصلاة

الجزء الثالث: الزكاة، الخمس، الصوم و[الاعتكاف ]

الجزء الرابع: الحجّ

الجزء الخامس: التجارة والبيع

الجزء السادس: القرض، الرهن، الحجر، الضمان [ الحوالة، الكفالة ]،الصلح، الشركة، المضاربة، المزارعة والمساقاة

الجزء السابع: الوديعة، العارية، الإجارة، الوكالة، الوقف، الهبة ،الصدقة والوصيّة

الجزء الثامن: النكاح ،الطلاق، الخلع و [المباراة ]

الجزء التاسع: الغصب، المواريث، القضاء والشهادات

الجزء العاشر : الفهارس

فهرس الموضوعات

مقدمة التحقيق

الفصل الأوّل: ترجمة المؤلّف....34

اسمه ونسبه وولادته ...35

أُسرته وبيئته....38

حياته العلميّة ....42

أقوال العلماء فيه ...43

أساتذته....46

طريق إجازته ...47

تلامذته والمجازون عنه....50

آثاره العلميّة....53

ذكاؤه وقوّة حافظته ...58

مناظراته...59

بعض مواقفه السياسية ....83

كراماته....85

أدبه....87

وفاته ومدفنه....89

الفصل الثاني : كتاب أنوار الفقاهة ...94

أبواب الكتاب وتاريخ تأليفه ...96

الخاتمة: منهجيّة التحقيق....99

1.

مخطوطات أنوار الفقاهة ....99

2.

النسخ المعتمدة في التحقيق....102

3 . منهج العمل والمساهمون في تنفيذه....107

شكر وثناء ....109

نماذج من مصوّرات النسخ الخطّيّة المعتمدة في التحقيق ...113

كتاب الطهارة

تعريف الطهارة لغةً وشرعاً....3

فيما تجب له الطهارة وما تستحبّ ...5

بحث فيما يجب له الوضو ...5

بحث فيما يندب له الوضوء....7

وهنا فوائد:...8

الأولى: في أنّ أكثر ما ذُكر له استحباب الوضوء قد ورد فيه روايات خاصّة ........8

الثانية: في أنّ كثيراً ممّا جاءت به الروايات موافق لفتوى العامّة....8

الثالثة: في عدم الفرق في إثبات الندب من الأخبار بين ما ورد الخطاب به صريحاً لغيره وبين ما ورد الخطاب بغيره متّصفاً به....9

الرابعة: في أنّ الوضوء لو صادف الحدث الأصغر منويّاً به التقرّب رفعه....9

الخامسة: إنّما يشرع الوضوء عند دخول وقت المشروط به إن كان له وقت أو عند إرادة فعله إن لم يكن كذلك....10

السادسة: تحقّق الوضوء التجديدي بتجدّد كلّ صلاة نافلة أو فريضة...11

بحث فيما يحرم على المحدث مسّه ....12

بحث فيما يجب له الغسل....13

هل وجوب الغسل نفسيٌّ أو غيريٌّ؟....18

بحث فيما يجب أو يندب له التيمّم ....20

بحث فيما لو نذر الطهارة ....24

أحكام المياه ...27

بحث في الماء المطلق ....27

بحث في أنّ طهوريّة الماء قضيّة مهملة أو مطلقة؟....30

بحث في استواء جميع أفراد الماء الطاهر في طهوريتّه....30

بحث في الماء الجاري....31

الكلام في الجاري في مقامات :...32

أحدها: في نجاسة الجاري إذا تغيّر عن طبيعته الخلقيّة بنجاسةٍ حلّت فيه ...32

ثانيها: عدم اشتراط تنجيس الماء بالتغيّر بين كونه بنفس لون النجاسة أو طعمها أو ريحها وبين غيره...32

ثالثها: عدم الاعتبار بتغيّر الماء ببرودة وسخونة وخفّةٍ و ثقلٍ و غير ذلك ....32

رابعها: عدم الاعتبار بالتغيّر الناشئ من المجاورة....32

خامسها: حكم وقوع نجسٍ لا وصف له في الماء...32

سادسها: في مسلوب الصفة على القول بالتقدير هل يقدّر الوصف السابق أو الأشدّ أو الأضعف أو الوسط ؟....33

سابعها : حكم ما إذا تغيّر الماء بوصف المتنجّس...33

ثامنها : حكم ما لو تغيّر الماء بالمتغيّر بوصف النجاسة... 34

تاسعها :عدم اشتراط كرّيّة الجاري ولا كرّيّة مادته ولا كرّيّتهما ...35

عاشرها: حكم ما لو جرى ماء البئر على وجه الأرض أو جرت الآبار بعضاً على بعضٍ.... 36

حادي عشرها: حكم ما إذا تغيّر بعض الماء الجاري دون بعض....36

ثاني عشرها: طهارة الجاري بزوال التغيّر عنه ....38

بحث في أنّ ماء الحمّام سبيله سبيل الجاري إذا كان له مادّة...39

فوائد:...42

الأُولى: حكم ما لو شكّ ببلوغ مجموع ماء المادّة والحياض الكرّيّة أو شكّ في كرّيّة المادّة.....42

الثانية: ثبوت الكرّيّة عند الشكّ بشاهدين عدلين أو شاهد واحد وكذا بقول صاحب الحمّام...42

الثالثة: إذا تنجّس الحوض الصغير كفى اتّصاله بالمادّة.....42

الرابعة : كفاية نفس الاتّصال في التطهير ....42

الخامسة : عدم اشتراط زيادة المادّة على الكرّ عند اتّصالها بالحياض في دفع النجاسة أو رفعها .....42

بحث في أحكام الماء القليل.....44

فوائد:....51

الأُولى: عدم الفرق في انفعال القليل بالنجاسة بين النجس والمتنجّس .....51

الثانية: طهارة القليل النجس غير المتغيّر باتّصاله بالكثير....52

الثالثة: هل يطهر القليل بإتمامه كُرّاً من ماءٍ طاهرٍ أو نجسٍ ؟ ....56

الرابعة: عدم طهارة الكرّ النجس إلَّا باتّصاله بجارٍ أو ماء مطر أوكرّ آخَر....56

الخامسة: فيما لو جمد الكرّ ينفعل بالملاقاة ولا تسري نجاسته إلى جميعه....57

السادسة: حكم ما لو وجد في الكرّ نجاسة شكّ في زمان وقوعها أنّها بعد حصول الكرّيّة أو قبلها .....57

السابعة: شمول عدم انفعال الكرّ لكلّ ماءٍ مطلق بأيّ مكانٍ كان ....58

بحث في أحكام الماء الكرّ......60

بحث في تقدير الكرّ و زناً....61

بحث في تحديد الكُرّ مساحةً.... 64

بحث في ماء البئر ....69

بحث في أنّه هل ينفعل ماء البئر بالانفعال مطلقاً، أو عدمه مطلقاً أو ينفعل مع عدم البلوغ كرّاً ؟.....70

فوائد في منزوحات البئر....76

الأُولى: هل النزح واجب تعبّدي لنفسه أو تعبّدي من جهة الاستعمال؟...76

الثانية: عدم انحصار المطهّر للبئر بالنزح...77

الثالثة: طهارة الدلو والرشا وحواشي البئر بالنزح...77

الرابعة : كفاية الرجوع بالدلو إلى العرف زمن الصدور....78

الخامسة: في أنَّه لا يُنزح لغير المقدّضر...79

السادسة: حكم ما لو تكثّرت النجاسة الواقعة في البئر وكان فيها المقدَّر بنزح الجميع أو غير المقدَّر .....79

السابعة: عدم الاحتياج في النزح إلى نيّةٍ وقصدٍ....79

الثامنة: في أنّه لا يكتفى في النزح المقدَّر إلَّا بعد إخراج النجاسة ....79

التاسعة :فيما لو تغيّرت البئر بالنجاسة فهل يكفي نزح ما يزول به التغيّر مطلقاً أو لا بدّ من نزح الجميع مطلقاً؟ .....80

العاشرة: حكم ما لو وقع في البئر متنجّس بأحد النجاسات المقدّر لها النزح....81

الحادية عشر : حكم ما لو نقص ماء البئر عن النزح المقدَّر .....81

الثانية عشر : فيما يُنزح له ماء البئر كلّه.....81

الثالثة عشر : حكم ما إذا تعذّر نزح الجميع أو تعسّر...83

الرابعة عشر: فيما يُنزح له كرٌّ من الماء....85

الخامسة عشر فيما يُنزح له سبعون دلواً ....85

السادسة عشر: فيما يُنزح للعذرة اليابسة أو المذابة....86

السابعة عشر: فيما يُنزح لكثير الدم و قليله ....86

الثامنة عشر: فيما يُنزح لبول الرجل ....88

التاسعة عشر : فيما يُنزح لموت الثعلب والأرنب والسنّور و...88

العشرون: فيما يُنزح له سبع دلاء...89

الحادية والعشرون: فيما يُنزح له خمس دلاء ....92

الثانية والعشرون: فيما يُنزح لموت الحيّة و الوزغة و العقرب و الفأرة إذا لم تتفسّخ....93

الثالثة والعشرون: فيما يُنزح لموت العصفور ولبول الرضيع....94

الرابعة والعشرون: فيما يُنزح لماء المطر المخالط للبول والعذرة وخرء الكلب...95

الخامسة والعشرون: جزء الحيوان ككلّه في النزح ...95

السادسة والعشرون: زوال التغيّر مطهّر ....96

السابعة والعشرون: حكم ما لو غيّرت البالوعة المتنجّس ماؤها ماءَ البئر....96

بحث في حكم الماء المشتبه....98

حكم الماء النجس ....98

في الماء المشتبه أُمور:....98

أحدها: بيان الشبهه المحصورة وغير المحصورة....98

ثانيها: حكم الشبهة المحصورة فيما إذا اشتبه الواجب في غير المحرّم من الأفراد... 99

ثالثها: حكم الشبهة المحصورة تجنّب الجميع إذا دخل المحرَّم في غيره من الأفراد... 99

رابعها : اقتضاء حكم الشبهة في الواجب المشتبه وجوب فعل كلّ ما يدخل فيه الواجب واجتناب كلّ ما يدخل فيه المحرّم ...101

خامسها :هل يجوز ارتكاب الشبهة المحصورة عند إمكان استعمال غيرها؟ ...... 102

سادسها: هل تجب إراقة الماء تعبّداً عند اشتباه الإناءين؟ ...102

سابعها: ليس من الشبهة المحصورة اشتباه التكليف بالنسبة إلى المكلّفين .......102

ثامنها: حكم ما لو دخلت الأرض في الاشتباه بين وقوع النجاسة عليها أو على غيرها....102

تاسعها :فيما لو انكفأ أحد المشتبهين وجب اجتناب الباقي ....103

عاشرها :حكم ما لو اشتبه أحد المشتبهين بغيره من المحصور ...103

حادي عشرها: هل يجري حكم الإراقة فيما لو كانت الإناءات أكثر من واحدٍ أو... ؟ .. 103

ثاني عشرها : المشتبه المحصور لا ينجّس غيره...103

ثالث عشرها :حكم ما لو قامت البيّنة أو... بطهارة أحد الإناءين وحلّيّة أحد الفردين ...103

رابع عشرها: عدم الفرق في الشبهة المحصورة بين طروء ما يؤثّر نجاسةً و تحريماً على أحدهما وبين ما كان أحدهما ابتداءً نجساً أو حراماً ...103

خامس عشرها: صحّة رفع الخبث في المشتبه طاهره بنجسه ...103

سادس عشرها: حكم ما لو اشتبه التراب النجس بالطاهر ...104

سابع عشرها: حكم ما لو تعارضت البيّنتان في الإناءين....104

ثامن عشرها: حكم ما لو اشتبه المضاف بالمطلق...104

تاسع عشرها :حكم ما لو انكفأ أحد الإناءين من المشتبه بالمطلق ...104

بحث في الماء المضاف ...105

وفيه أُمور ....105

أحدها: الماء المضاف قد يكون مضافاً بأصله أو بعارض....105

ثانيها: عدم رفع الماء المضاف للحدث ...105

ثالثها: عدم رفع الماء المضاف للخبث ...106

رابعها: تنجّس المضاف بملاقاة النجاسة ...107

خامسها :حكم ما لو امتزج المضاف بالمطلق....108

سادسها: فيما لو تنجّس المضاف فهل يقبل التطهير ؟...109

سابعها: في أنّ ما لم يعلم إطلاقه لا يجوز استعماله....110

أحكام الماء المستعمل ....111

بحث في طهارة ماء الاستنجاء...111

بحث: في حكم الماء المستعمل في غسل الخبث...112

بحث :في طهارة الماء المستعمل في رفع الحدث الأصغر وكذا المستعمل في الأغسان المندوبة ....117

طهارة الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر...118

هل يصحّ استعماله في رفع الحدث الأكبر أو الأصغر ؟....118

فروع :...119

أحدها: عدم البأس ببقيّة الماء الذي يؤخذ منه ماء الغسل ....119

ثانيها: عدم البأس بوقوع القطرات من المغتسل في الماء إذا استهلكت ...... 119

ثالثها: عدم البأس بالمتّصل من الماء قبل انفصاله عن بدن المغتسل...120

رابعها : غسل الجنابة عند الشكّ فيها حكمه كحكم غسل الجنابة...120

خامسها: حكم المستعمل من الماء الكثير في ترتيبٍ أو ارتماسٍ ...120

سادسها: في أنّه لو بطل غسل الجنب في الأثناء لا يلحق ما استعمله بالماء المستعمل لرفع الحدث...120

سابعها :حكم الماء المستعمل في جميع الأغسال الرافعة للأحداث الكبريات...120

ثامنها: فيما يتعلق بارتماس الجنب في ماءٍ قليل . ...120

تاسعها: حكم ما لو وجد ماءً قليلاً وخيف من رجوع ماء اغتسال الجنب فيه ...... 122

عاشرها: في أنه ليس المدار على الوضوء والغسل بل المدار على رفع الأكبر والأصغر...122

بحث: في غسالة ماء الحمّام....122

بحث: في ماء المطر ...124

بحث :في تعريف السؤر وطهارة سؤركلّ حيوان طاهر...125

فوائد: ....127

الأولى: زوال العين النجسة من الحيوان مطهّر له....127

الثانية: في أنّه يكفي في تطهير البواطن من الإنسان زوال عين النجاسة .......128

الثالثة: في أنّه لا تكفي الغيبة مع احتمال التطهير مع العلم بالنجاسة وعدمه في غير بدن الإنسان وثيابه المتّصلة به....128

الرابعة: كراهة سؤر الخيل والبغال والحمير وما لا يؤكل لحمه والجلّال وآكل الجيف....128

الخامسة: كراهة سؤر الحائض الغير مأمونة في الشرب و الوضوء...129

السادسة: طهارة سؤر ولد الزنى وكراهته...130

السابعة: حكم سؤر المسوخ ...130

الثامنة: هل التعلب والأرنب طاهر أم نجس ؟ ....131

التاسعة: طهارة سؤر الحيّة والوزغة والعقرب وكراهته ....131

العاشرة: طهارة سؤر الدجاج والحشرات والديدان...132

الحادية عشر: طهارة سؤر الفأرة وكراهته ...132

بحث في الأحداث....134

وفي المقام مباحث:...134

أحدها: البول والغائط والريح أحداث ناقضة للوضوء...134

ثانيها: الريح الخارج من الطبيعي المعتاد لعامة الناس أو الخلقي لذلك الشخص أو المعتاد له مع انسداد الطبيعي يجري عليه حكم الحدث....136

ثالثها: حكم ما لو خرج أحد الخبئين ولم ينفصل أو خرجت المقعدة ملوّثة به ثمّ رجعت أو....136

رابعها: ناقضيّة النوم للوضوء ....137

خامسها: فاقد الحاسّة يرجع حكمه إلى تقديرها ...138

سادسها: في مفاد حديث «لا ينقض الوضوء إلّا حدث والنوم حدث»....138

سابعها: ناقضيّة كلّ ما غلب على العقل عرفاً....139

ثامنها: الاستحاضة القليلة ناقضة للوضوء وموجبة له....140

بحث في أحكام التخلّي....142

وفيه مطالب: ....142

أحدها: وجوب ستر العورة ....142

ثانيها: حرمة استقبال القبلة واستدبارها على المتخلّي....143

ثالثها: وجوب تطهير ظاهر المخرج من البول والغائط...145

رابعها: وجوب غسل مخرج الغائط عند التعدّي عن المحلّ المعتاد....146

خامسها :كفاية ذهاب العين في غسل الغائط ...147

سادسها: في أنّه يكفي في استنجاء البول غسل المخرج مرّةً بحيث يغلب الماء عليه.... 147

سابعها: في أنّ الواجب في غسل المخرجين هو الظاهر ...150

ثامنها: في أنّه يجزئ في مخرج الغائط عند عدم التعدّي التمسّح ...150

تاسعها: جواز التمسّح بالحجر والمدر والخزف والكرسف والخرق ....151

عاشرها: وجوب المسح بما يسمّى مسحاً ....152

حادي عشرها: عدم إجزاء المسح بالنجس ولا بالمتنجّس....152

ثاني عشرها بيان أقلّ المجزئ في المسح....153

ثالث عشرها :وجوب تثليث الماسح....154

رابع عشرها: عدم إجزاء الواحد ذي الجهات الثلاث من حجر أو مدر أو غيره....154

خامس عشرها: اشتراط البكارة في الأحجار بمعنى عدم استعمالها سابقاً في الاستنجاء....155

سادس عشرها :عدم إجزاء الثلاث على سبيل التوزيع على المحلّ ...156

سابع عشرها: عدم جواز الاستنجاء بالعظم والروث ممّا يؤكل لحمه....156

ثامن عشرها :حرمة الاستنجاء بالمطعوم المعتاد فعلاً....157

تاسع عشرها :حرمة الاستنجاء بكلّ محترم مادّةً ....157

العشرون: عدم إجزاء التمسح بالثلج والرطب الغير المتماسك...158

الحادي والعشرون: استحباب الاستبراء للرجل....158

القول في الوضوء ...161

فروض الوضوء ...161

الأوّل: النيّة، والكلام في مقامات:...162

أحدها: وجوب النيّة في الطهارات الثلاث....162

الثاني: افتقار كلّ مأمور به إلى نيّته بالمعنى الخاصّ....163

الثالث: في أنّ النيّة حقيقة شرعيّة في القصد المقارن للقربة....163

الرابع: اشتراط قصد نفس الفعل جزماً في نيّة العبادة...163

الخامس: وجوب استدامة حكم النيّة في جميع أجزاء العبادة...165

السادس: في أنّه يكفي في قصد الفعل شعور النفس به بأدنى تفطّنٍ والتفات....165

السابع: وجوب مقارنة النيّة لأوّل أجزاء العمل ثمّ استمرار حكمها بعد ذلك ........ 166

الثامن: عدم وجوب نيّة وجه الفعل من الوجوب والندب ...166

التاسع: عدم وجوب نيّة الرفع وكذا نية الاستباحة ...168

العاشر: حكم نيّة الوجوب في مقام الندب وبالعكس وكذا نيّة عدم الرفع وعدم الاستباحة بعد نيّة الفعل على وجه القربة ....169

الحادي عشر: في أنّه على القول بوجوب نيّة الاستباحة يكفي نيّة استباحة أيّ مشروط بالوضوء...170

الثاني عشر: في أنّ مَنْ وجب عليه الوضوء لغاية وجب عليه نيّة الوجوب إذا نواه لتلك الغاية....171

الثالث عشر: في أن العمل المشتمل على واجب ومندوب يجوز نية مجموعه قربةً من غير ذكر الوجه ...171

الرابع عشر : عدم البأس بتفريق النيّة على أجزاء العمل بعد نيّة المجموع....171

الخامس عشر: حكم ما لو نوى استباحة ما يكمل بالوضوء من الغايات...172

السادس عشر: إجزاء الوضوء التجديدي عن الوضوء الرافع لو تبيّن بطلان الأوّل ....172

السابع عشر: في أنّ مَنْ وجب عليه العمل في الأثناء بعد أن كان مندوباً لا يجب عليه تجديد النيّة ...173

الثامن عشر: في أنّ نيّة الوجه من الصبي هي الندب...173

التاسع عشر: في أنّه ينوي الأجير الوجوبَ والمتبرّع الندبَ...173

العشرون: نيّة الرياء والسمعة مُفسدة للعمل....174

الحادي والعشرون: حكم نيّة الضمائم الراجحة للعبادة وغير الراجحة لها ....... 174

الثاني والعشرون: حكم الرياء المتأخّر عن العمل والعجب المقارن له ...175

الثالث والعشرون: تفسير الاستدامة الحكميّة في النيّة ....175

الرابع والعشرون: فيما يتعلّق بما إذا اجتمعت في المنويّ جهات مندوبة وواجبة... 176

الخامس والعشرون: في بيان مقتضى صدور أفراد الحدث من نوع واحد أو صدورها من أنواع متعدّدة في أكبر أو أصغر....176

الثاني - من فروض الوضوء - : غَسْل الوجه، وفيه أُمور:...187

أحدها: حقيقة الغَسْل....187

ثانيها: في أنّه لا يكفي من الماء ما يحصل به الانتشار لا الجريان...188

ثالثها: بيان حدّ الوجه المأمور بغسله في الوضوء ...189

رابعها: خروج النزعتين عن حدّ الوجه...190

خامسها :رجوع صغير الوجه وكبيره وصغير اليد وطويلها إلى التحديد بيدٍ تناسب وجهه...192

سادسها: عدم وجود غسل الباطن عرفاً ....192

سابعها: عدم وجوب غسل الشعر النابت على الوجه إن خرج عن الحدّ.......193

الثالث - من فروض الوضوء - : غَسل اليدين، وفيه أُمور ... 194

أحدها: تعريف اليد بحسب اللغة والعرف العامّ....194

ثانيها: هل يجب غسل المرفق أصالةً أو تبعاً من باب المقدّمة؟...195

ثالثها: وجوب الابتداء بالأعلى في غسل الوجه واليدين ...196

رابعها: حكم مقطوع اليد من دون المرفق أو من فوقها ....199

خامسها: وجوب غسل كلّ ما نبت على اليد من تحت المرفق ....201

سادسها: حكم غسل الشعر مع البشرة وتخليل الشعر وإن كثف...201

سابعها: عدم وجوب غسل ما تحت الأظفار...202

ثامنها: عدم وجوب غسل الباطن إلّا إذا ظهر وكذا الظاهر إذا بطن....203

تاسعها: إجزاء الغسل للمغسول على أيّ نحوٍ وقع...203

الرابع - من فروض الوضوء - : مسح الرأس ببلّة الوضوء ...203

وفيه أمور: ...203

أحدها: اختصاص المسح بمقدّم الرأس....204

ثانيها: المسح هو إمرار الماسح على الممسوح وجرّه عليه....205

ثالثها: حكم مسح الرأس مديراً....206

رابعها: إجزاء المسح على البشرة وعلى الشعر النابت على مقدّم الرأس ما لم يخرج بمدّه عن حلّه ....207

خامسها: وجوب مسح الرأس بالكفّ ...208

سادسها: في أنّه يجزئ في المسح المسمّى من إمرار الماسح ولو بجزءٍ منه على المسوح...208

سابعها: اشتراط وجود البلّة في المسح....211

ثامنها: فيما نُسب لابن الجنيد من جواز المسح بماءٍ جديد مطلقاً أو مع جفاف اليد أو جميع الأعضاء...212

تاسعها: فيما ذهب جمع من الأصحاب إلى عدم وجوب المسح ببقيّة نداوة اليد وجوازه بماء الوضوء مطلقاً....213

الخامس - من فروض الوضوء - : مسح الرِّجْلين ...215

وجوب مسح ظاهر القدم من أطراف الأصابع إلى الكعبين وتفسير الكعب ...215

وهاهنا أُمور: ....220

أحدها: في حكم مسح الكعبين ....220

ثانيها: وجوب الاستيعاب الطولي في الرِجْلين....221

ثالثها: عدم وجوب الاستيعاب العرضي...222

رابعها: جواز مسح القدمين مقبلاً ومدبراً ....223

خامسها: عدم إجزاء المسح على حائلٍ ...223

سادسها: وجوب تخليل الشعر في المسح وإيصال الرطوبة إلى البشرة ....224

سابعها: عدم جواز الغَسل مكان المسح....224

ثامنها: هل يجب مسح الرأس والرِجْل اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى؟ ... 225

تاسعها: هل يجب الترتيب بين مسح الرِجْلين؟....225

السادس - من فروض الوضوء- : الترتيب....226

وجوب الترتيب بين أجزاء الوضوء ما عدا مسح الرِجْلين ....226

السابع - من فروض الوضوء - : المباشرة للغَسْل والمسح بنفسه....227

الثامن - من فروض الوضوء : الموالاة....230

تفسير الموالاة ....230

فائدة: في رجحان نذر المتابعة بالكتاب والسنّة والاحتياط....235

أحكام الوضوء....237

وهنا مباحث:...237

أحدها: اشتراط العقل والتمييز والإسلام و الإيمان في صحّة الوضوء ...237

ثانيها: في أنّه يشترط في صحّة الوضوء أخذه عن اجتهاد أو تقليد أو احتياط .........238

ثالثها: عدم صحّة الوضوء بماء مغصوب مع العلم بغصبه....239

رابعها: عدم صحّة الوضوء في مكان مغصوب فضاؤه....240

خامسها: عدم صحّة الوضوء بالمضاف ....241

سادسها: عدم صحّة الوضوء بماء نجس....242

سابعها: وجوب إزالة المانع عن موضع الغسل والمسح ماسحاً أو ممسوحاً ....243

ثامنها: هل يشترط طهارة محالّ الوضوء قبل غَسْلها؟ ...248

تاسعها: حكم من كان مستديم الحدث ...248

عاشرها : حكم ما لو تيقّن الطهارة وشكّ في الحدث أو العكس....252

حادي عشرها: حكم ما لو تيقّن الطهارة والحدث وشكّ في السابق ولم يعلم التاريخ في أحدهما أو علم....253

ثاني عشرها: حكم ما لو شكّ في أفعال الوضوء غَسلاً أو مسحاً أو نيّةٌ ....254

ثالث عشرها: حكم ما لو شكّ في أصل الوضوء وقد دخل في عملٍ مشروط به.......256

رابع عشرها: حكم الظنّ كحكم الشكّ ....256

خامس عشرها :في أنّ الأصل في الطهارة تقديم الماء على التراب ....257

سادس عشرها: حكم ما لو توضّأ وضوءين وصلّى فريضةً وذكر الإخلال بأحدهما ....258

سابع عشرها: فيما يستحبّ في الوضوء...260

القول في غسل الجنابة...265

ثبوت وجوب غسل الجنابة بالكتاب والسنّة والإجماع ....265

وفيه أُمور: ...265

أحدها: وجوب الغسل بالإدخال ولو بدون الإنزال ...265

ثانيها :وجوب الغسل بالإنزال ....269

ثالثها: حكم مَن رأى في ثوبه منيّاً ....271

رابعها: أحكام صُور ما إذا خرج منه بلل بعد الغسل...273

خامسها : غَسل جميع البدن واجب للمجنب ....278

الغسل الترتيبي....278

الغسل الارتماسي....281

ما يتعلّق بنفس الغسل...283

بيان أُمور تتعلّق بنفس الغسل ترتيباً أو ارتماساً ....283

سادسها: سقوط الوضوء مع غسل الجنابة وجوباً ....290

سابعها: حكم ما لو أحدث المغتسل عن الجنابة ترتيباً في أثناء الغسل ...293

ثامنها: عدم اشتراط تعيين نوع الغسل من كونه ارتماسيّاً أو ترتيبيّاً....296

تاسعها: حكم ما لو كانت عليه أغسال معها جنابة ....296

عاشرها :فيما يحرم على المجنب....296

حادي عشرها: فيما يكره للجنب....298

ثاني عشرها : فيما يستحبّ للجنب عند غسل الجنابة...298

القول في غسل الحيض....300

تعريف الحيض ...300

وهنا مباحث ...302

أحدها: حكم ما إذا اشتبه دم الحيض بدم العُذرة ...302

ثانيها: حكم ما إذا اشتبه دم الحيض بدم الجرح والقرح ...303

ثالثها: أحكام صُور ما إذا اشتبه دم الحيض بغيره ...304

رابعها :فى أنّ الحيض لا يجامع الصغر....306

خامسها: في أنّ الحيض لا يجامع سنّ اليأس وبيان حدّه ...306

سادسها :في أنّه هل يجامع الحيض الحمل؟....308

سابعها: بيان أقلّ الحيض....311

ثامنها: بيان أكثر الحيض... 314

تاسعها قاعدة الإمكان....315

عاشرها :حكم ذات العادة الوقتيّة.....317

حادي عشرها: في أنّ المبتدأة والمضطربة ومثلهما ذات العادة العدديّة تتحيّضان بمجرّد رؤية الدم ...318

ثاني عشرها: حكم ما إذا تجاوز الدم العشرة....319

ثالث عشرها: في بيان ما تستقرّ به العادة....319

رابع عشرها: في بيان ما تستقرّ به العادة الوقتيّة العدديّة أو الوقتيّة أو العدديّة....321

خامس عشرها حكم ما إذا تكثّر الدم واجتمع مع العادة تمييز....322

سادس عشرها: حكم ما إذا تجاوز الدم العشرة مستمرّاً ....323

سابع عشرها:في أنّه تستظهر ذات العادة بعد تمام العادة إذا استمرّ الدم بعدها بيوم أو يومين أو ثلاثة أيّام....324

ثامن عشرها: حكم ما إذا استظهرت المرأة فاستمر الدم إلى ما فوق العشرة أو انقطع على العاشر فما دون....326

تاسع عشرها: حكم النقاء المتخلّل....327

العشرون: حكم المبتدأة إذا انقطع دمها لدون العشرة ...328

الواحد والعشرون: حكم المبتدأة إذا تجاوز دمها العشرة ....329

في بيان أُمور تشترط في الرجوع إلى التمييز....329

الثاني والعشرون: في بيان أحكام المضطربة التي لم تستقر لها عادة والمضطربة وقتاً المبتدأة عدداً وبالعكس....335

في بيان حكم المضطربة الناسية للوقت والعدد ...335

الثالث والعشرون: في بيان عمل النساء ذوات الدم....336

الرابع والعشرون: أحكام الحائض ...339

القول في الاستحاضة ...353

وهاهنا أُمور:... 354

أحدها: بيان أقسام الاستحاضة ...354

ثانيها: بيان أحكام الاستحاضة القليلة .....355

ثالثها: فيما يجب على المستحاضة الكثيرة...356

رابعها: فيما يجب على المستحاضة المتوسّطة....358

خامسها: فيما يجب على المستحاضة القليلة ....360

القول في النفاس...363

وهنا فوائد....364

إحداها: عدم اشتراط تخلّل أقلّ الطهر بين النفاسين وهل يشترط تخلّل أقلّ الطهر بين النفاس والحيض؟....364

ثانيتها: في أنّ دم النفاس ما حصل بين تمام الولادة وتمام العشرة....365

ثالثتها: في أنّه لا حد لقليل النفاس وبيان حدّ أكثره ....366

القول في غسل الأموات ....369

وفيه أُمور......369

أحدها: وجوب استقبال الميّت عند الاحتضار....369

ثانيها: استحباب تلقين الميّت وغيره ممّا ورد من المستحبّات...370

ثالثها: وجوب تغسيل الميّت إذا استكمل أُموراً ....371

رابعها :في أنّ بعض الميّت ممّا فيه الصدر أو الصدر نفسه يُغسَّل و يُكفَّن ويُصلّى عليه .. 376

خامسها: في كيفيّة غسل الميّت....378

القول في الغاسل....384

وفيه أُمور:...384

أحدها: في أنّ أولى الناس بتغسيل الميّت هو الوليّ العرفي....384

ثانيها: اشتراط المماثلة أو المحرميّة في تغسيل الميّت ...376

ثالثها: جواز تغسيل الرجل أو المرأة للصبي أو الصبيّة إذا كانا ابني ثلاث سنين فنازلاً... 387

رابعها: جواز تغسيل الرجل للمرأة إذا كان محرَّماً عليها وكذا العكس....387

خامسها : في أنّه يجوز للمالك تغسيل مملوكته الغير مزوّجة و المعتدّة ....389

سادسها: جواز تغسيل أحد الزوجين للآخر....390

سابعها: اشتراط البلوغ والعقل والإسلام في الغاسل...392

ثامنها: حكم مَنْ وجب عليه القتل ....393

تاسعها: في وجوب غسل مسّ الميّت ....394

القول في التحنيط ...396

القول في التكفين...397

هنا أُمور ...398

أحدها: في جنس الكفن ....398

ثانيها: في كمّيّة الكفن ...399

ثالثها: في وصف الكفن...402

القول في الدفن ...405

وفيه أُمور ...405

أحدها: وجوب مواراة الميّت المسلم ومَنْ بحكمه في الأرض....405

ثانيها: وجوب الاستقبال به إلى القبلة...405

ثالثها: سقوط وجوب الإقبار عند التعدّر....405

رابعها: حكم مَنْ مات في البحر ...406

خامسها: دفن الذمّيّة الميّتة الحاملة من مسلمٍ الذي مات في بطنها في مقابر المسلمين....406

القول في مسائل متفرّقة ....407

الأولى: في أنّ الواجب على المسلمين وعلى الوليّ من الأُمور المتعلّقة بالميت هو نفس الفعل لا بذل المال له ...407

الثانية: خروج الكفن من صلب مال الميّت مقدّماً على الميراث والوصيّة والدَّيْن.......407

الثالثة: كفن العبد على مولاه...408

الرابعة: كفن الزوجة على زوجها ....408

الخامسة: حكم ما إذا مات ولد الحامل في بطنها وخشي عليها من الضرر أو ماتت هي دونه و عُلم ببقائه حيّاً ....409

السادسة: حكم ما إذا ابتلع الميّت مالاً خطيراً من ماله أو مغصوباً ....410

السابعة: حكم ما لو أحدث الميّت حدثاً بعد غسله أو في أثنائه....410

الثامنة: في أنّ المُحْرم كالمُحلّ في الأحكام حتّى ستر الرأس ....411

التاسعة :عدم جواز نبش القبر عدا ما يستثنى من ذلك .....411

العاشرة: عدم جواز نقل الميت بعد دفنه إلا الى المشاهد المشرّفة...413

الحادية عشر: حكم نقل الموتى قبل دفنهم ...414

الثانية عشر : عدم جواز دفن ميّتٍ في قبر آخَر....414

خاتمة في بعض المندوبات....415

القول في التيمّم ...419

مسوغات التيمّم:...420

أحدها: فقدان الماء إلى آخر الوقت ...420

ثانيها: وجوب طلب الماء عند فقدانه ....422

ثالثها: تضيّق الوقت عن استعمال الماء....427

رابعها: عدم الوصول إلى الماء لخوف سبعٍ أو لصٍّ....428

خامسها: عدم وجود الماء المحلَّل...430

سادسها :التألّم الشديد على البدن ....430

سابعها: الخوف على النفس المحترمة...431

ثامنها: خوف العطش على النفس ...431

تاسعها: زيادة المرض للمريض باستعمال الماء...432

عاشرها: عدم التمكّن من الطهارة الشرعيّة لتقيّةٍ ....435

جواز التيمّم لمن منعه الزحام يوم الجمعة أو عرفة وقد ضاق عليه الوقت....435

جواز التيمّم فيما إذا أدّى استعمال الماء إلى الإفساد على المستطرقين والمارّين .... 435

القول فيما يتيمّم به ...436

وفيه مباحث:...436

أحدها: وجوب التيمّم بالصعيد الطيّب ....436

ثانيها: في بيان شرائط ما يجوز التيمّم به ....438

ثالثها: حكم ما لو فقد التراب ...439

رابعها: في أنّ تراب الخزف والآجر والطين المشويّ ليس من التراب المطلق...440

خامسها :في أنّ تراب الجصّ والنورة ليسا من التراب المطلق ....440

سادسها: عدم جواز التيمّم بما خرج عن مسمّى الأرض ...441

سابعها : حكم ما لو فقد المتيمّم التراب المطلق....441

ثامنها: وجوب التيمّم بالوحل فيما لو فقد التراب....443

تاسعها :حكم ما لو لم يوجد شيء ممّا يجوز التيمّم به إلّا الثلج....444

القول في كيفيّته.....446

وفيه مباحث :...446

أحدها: وجوب النيّة في التيمّم....446

ثانيها: وجوب المباشرة في التيمّم....447

ثالثها: وجوب الموالاة في التيمّم ....448

رابعها: وجوب الترتيب بين الأعضاء....448

خامسها: وجوب الابتداء بالأعلى بالنسبة إلى الأجزاء....448

سادسها: اشتراط طهارة الأعضاء الماسحة والممسوحة ....449

سابعها: وجوب ضرب اليدين على الأرض باعتمادٍ....449

ثامنها: كيفيّة التيمّم بدل الوضوء أو الغسل....452

تاسعها : هل تجب مع مسح الجبهة بباطن الكفّين الزيادة عليها؟ ...455

عاشرها :وجوب مسح ظاهر الكفّين إلى رؤوس الأصابع ....457

أحكام التيمّم ....459

ها هنا مسائل: ...459

إحداها: يجري في التراب ما يجرى في الماء من وجوب السعي إليه ووجوب شرائه ووجوب طلبه إلى ضيق الوقت....459

ثانيتها: في أنّ التراب كالماء سبب لاستباحة الصلوات المفروضة وغيرها ... 459

ثالثتها: في أنّ مَن تيمّم تيمّماً مشروعاً جازله الدخول به في كلّ مشروط بالطهارة ما لم ينتقض تيمّمه بأحد النواقض ....460

رابعتها: جواز اللبث في المساجد للمجنب المتيمّم....461

خامستها :عدم جواز التيمّم لفريضة قبل وقتها ...461

سادستها: انتقاض التيمّم بالحدث الأكبر والأصغر ووجود الماء ...466

سابعتها جواز تيمم واحد عن أغسال متعدّدة وعدم جواز تداخل التيمم عن وضوءات متعدّدة...468

ثامنتها: عدم انتقاض التيمّم الصوري بالحدث الأصغر....468

تاسعتها: استحباب التيمّم للنوم ولصلاة الجنازة....469

عاشرتها: حكم ما إذا اجتمع ميّت ومحدث وجنب وكان عندهم ماء لا يكفي إلّا أحدهم....469

حادي عشرها: في أنّ مَن تيمّم تيمّماً صحيحاً وصلّى مضى تيمّمه وصحّت صلاته ...471

ثاني عشرها: حكم ما لو وجد المتيمّم الماء بعد فقده وتمكّن من استعماله....472

القول في النجاسات ....479

وفيها مباحث: ...479

أحدها: بول وخرء ذي النفس السائلة ممّا لا يؤكل لحمه ...479

ثانيها: المنيّ من كلّ ذي نفس سائلة ...483

ثالثها: في أقسام الدم والنجس منها...486

رابعها: ميتة ذي النفس السائلة ....486

خامسها: الكلب والخنزير البرّيّان ...497

سادسها : عرق الجنب من الحرام....498

سابعها: عرق الإبل الجلّالة ...499

ثامنها: عدم نجاسة غير الكلب والخنزير من أنواع الحيوان غير الإنسان... 499

تاسعها: نجاسة الكافر بجميع أجزائه ....500

عاشرها: هل ولد الزنى نجس؟ ...509

حادي عشرها: الخمر ....510

ثاني عشرها: المسكر المائع بالأصالة ....512

ثالث عشرها: الفقّاع. ...515

رابع عشرها: عصير العنب إذا غلى واشتدّ....516

القول في المطهّرات، وهي أنواع: ....520

أحدها: الماء المطلق....520

ثانيها: الشمس....520

ثالثها: الأرض ...525

رابعها النار ....529

خامسها: الاستحالة....532

سادسها : الانقلاب ...534

سابعها: الإسلام ...536

ثامنها: زوال عين النجاسة عن بدن الحيوان ....537

تاسعها زوال العين النجسة من الباطن....538

عاشرها: الغيبة من المسلم....540

حادي عشرها: ذهاب الثلثين من العصير بالشمس أو النار.....540

ثاني عشرها: زوال التغيير من الماء مع اتّصاله بالمعصوم أو بلوغه كُرّاً ....541

ثالث عشرها: نزح جميع البئر مع التغيير وكذا نزح المقادير ....541

رابع عشرها: مطهّريّة خروج دم الذبيحة لباقي الدم المتخلّف فيها ....541

خامس عشرها :تطهير الحجر وما شابهه المخرج الغائط....541

سادس عشرها: الانتقال...541

سابع عشرها: استبراء الجلّال....541

ثامن عشرها: في أنّ اّتصال الرطوبة بالمسلم عن كفره مطهّرة لها ...541

تاسع عشرها: في أنّ انفصال ماء الغسالة مطهّر للرطوبة الباقية على المحلّ المغسول .... 542

العشرون: التبعية....542

القول في أحكام التطهير بالماء.....543

وفيه مباحث :....543

أحدها: وجوب تطهير البدن والثوب عن البول بالغَسْل بالماء مرّتين....543

ثانيها: عدم وجوب التعدّد في الغَسْل في غير البول من أنواع النجاسات عدا ما استثني.... 546

ثالثها: وجوب العصر في الغَسْل بالماء القليل في الثياب وكلّ ما يمكن عصره....547

رابعها: سقوط العصر في بول الصبي الرضيع ....549

خامسها : كفاية إزالة العين في الغَسْل .....552

سادسها: عدم قبول المائع للتطهير مع بقائه على حالته وعدم تغيير صورته ....552

سابعها : كيفية تطهير ما تنفذ فيه النجاسة ولا يمكن إخراجها بالعصر ....553

ثامنها : كيفية تطهير ما انتقع بالنجاسة من الحبوب واللحوم المطبوخة بالماء النجس . 555

تاسعها: فيماورد في جملةٍ من الأخبار من الأمر بالرشّ والنضح لمحتمل النجاسة أو لمظنونها...555

عاشرها : حكم ما إذا علم موضع النجاسة وما إذا جهلها....557

حادي عشرها : غَسْل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً أوّلهنّ بالتراب ....558

ثاني عشرها :غَسْل الإناء من ولوغ الخنزير وشربه ولطعه ولحسه سبعاً ....563

ثالث عشرها: غَسْل الإناء من الخمر سبعاً ....564

رابع عشرها: غَسْل الإناء من موت الفأرة والجُرذ سبعاً ....564

خامس عشرها: غَسْل الإناء من سائر النجاسات ثلاثاً أو مرّتين ....565

القول في أحكام النجاسات....567

وفيه أبحاث: ...567

أحدها: في أنّ النجس يؤثّر في الملاقي نجاسةٌ مع الرطوبة في أحدهما القابلة للتأثير .... 567

ثانيها: ثبوت النجاسة بالقطع على النحو المعتاد من الأشخاص وبقول صاحب اليد ... 570

ثالثها: ثبوت التطهير بخبر العدلين وبخبر الواحد وبخبر ذي اليد...573

رابعها: وجوب إزالة النجاسة عن الثوب والبدن في الصلاة والطواف ....574

خامسها: بیان موارد عدم وجوب إزالة النجاسة...575

سادسها: حكم ما لو صلّى بالنجاسة في ثوبه أو بدنه الغير المعفو عنها عامداً أو جاهلاً أو ناسياً ....590

سابعها: طهارة أواني الكفّار وسائر ما يستعملونه ما لم تعلم نجاسته...601

ثامنها: حرمة أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب بل مطلق الاستعمال....602

مقدمة التحقيق

اشارة

الفصل الأوّل: ترجمة المؤلّف

الفصل الثاني: كتاب أنوار الفقاهة

الخاتمة: منهجيّة التحقيق

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين، الذي برأ الخلائق أجمعين، وخصّ الإنسان من بينهم لعبادته، وجعل التفقّه في الدين من أفضل العبادة، وجعله مفتاحاً لها وسبيلاً إلى نيل السعادة الأبديّة الخالدة.

ثمّ الصلاة والسلام على حجج الله في البريّة وقادتها وهداتها محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، خير الأنام وأفضل الكرام، سيّما مهديّ هذه الأُمّة وهاديها، وملاذها ومنجيها، الإمام الثاني عشر الحجّة ابن الحسن العسكري

(عجّل الله فرجه)، محيي شريعة الإسلام، ورافع الجور والظلام، ومالئ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلما وجوراً.

وبعد؛ فإنّ كتاب أنوار الفقاهة موسوعة فقهيّة استدلاليّة اشتملت على تحقيقات رشيقة؛ بل إنّه يُعدّ من النوادر الفقهيّة المهمّة، حتّى أنّ بعضهم فضّله على كتاب جواهر الكلام للشيخ محمّد حسن النجفي.

وللتعريف بهذا الأثر القيّم ومؤلِّفه رتّبت هذه المقدّمة على فصلين وخاتمة: الأوّل: ترجمة المؤلّف؛ والثاني: كتاب أنوار الفقاهة ؛ الخاتمة: منهجيّة التحقيق.

الفصل الأوّل : ترجمة المؤلّف

اشارة

وردت ترجمة المؤلّف في كثير من كتب التراجم والتأريخ في القرنين الأخيرين، وقد كتب ولده الشيخ عبّاس آل كاشف الغطاء رسالة مستقلّة في ترجمة والده، وفيما يلي نأتي على التعريف بمصادر ترجمته.

1 . نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري، للشيخ عبّاس كاشف الغطاء (م 1323ق).

2.

العبقات العنبريّة في الطبقات الجعفريّة ، للشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء (م 1273ق).

3.

الحصون المنيعة، للشيخ عليّ بن محمّد رضا آل كاشف الغطاء، المجلّد التاسع، مخطوط، نقل عنه في أعيان الشيعة .

4.

ماضي النجف وحاضرها ، ج 3، ص 147 وما بعدها.

5 . روضات الجنّات ، ج 2، ص 306 - 307.

6 . خاتمة مستدرك الوسائل، ج 2، ص 142.

7 . تكملة أمل الآمل، ج 2، ص 339.

8 . طبقات أعلام الشيعة ( الكرام البررة) ، ج 1، ص 317 وما بعدها.

9 . أعيان الشيعة، ج 5، ص 35 وما بعدها.

10 . بهجة الآمال، ج 3، ص 82.

11. مرآة الكتب، ج 2، ص 19.

12 . الفوائد الرضوية، ص 97.

13 . مع علماء النجف الأشرف، ج 1، ص 532.

14 . الأعلام للزركلي، ج 2، ص 186.

15 . قصص العلماء، ص 201.

16 . معجم المؤلّفين، للكحّالة، ج 3، ص 212.

17 . هديّة العارفين، ج 1، ص 302.

18 . معارف الرجال، ج 1، ص 201.

19 . الكنى والألقاب، ج 3، ص 103.

20 . نجوم السماء، ج 1، ص 123.

21 . طرائف المقال، ج 1، ص 112.

22. يتيمة الدهر في علماء عصر، للسيّد محمّد عليّ ابن السيّد أبي الحسن العاملي (1247 - 1290)، مخطوط، ينقل عنه كثيراً في العبقات العنبريّة.

23 . نظم اللآلي، للسيّد محمّد بن هاشم الهندي النجفي، مخطوط، ينقل عنه في أعيان الشيعة وماضي النجف وحاضرها.

24 . الذريعة ، ج 1، ص 443؛ ج 2، ص 436؛ ج 4، ص 412؛ ج 11، ص 205 و 214؛ ج 12، ص 45 و 209؛ ج 13، ص 100 : ج 14، ص 85؛ ج 16، ص 57 و 285.

25 . فهرستواره دستنوشتهای ایران (دنا) ، ج 2، ص 258 - 260، ج 5، ص 700؛ ج 6، ص 169؛ ج 7، ص 158 و 799 و 800؛ ج 8، ص 244؛ ج 10، ص 324.

اسمه ونسبه وولادته

هو الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء ابن الشيخ خضر ابن الشيخ يحيى بن مطر بن سيف الدين المالكي الجناجي النجفي(1).

والمالكي نسبة إلى قبيلة بني مالك إحدى قبائل العراق المعروفة، ومنهم «آل عليّ»


1) روضات الجنّات 306:2 معارف الرجال 2101 تكملة أمل الآمل :2 339 بهجة الآمال 3 182 مرآة الكتب 2: 19 أعيان الشيعة 5 35 هدية العارفين :1 : 302؛ طرائف المقال 1: 112؛ الكنى والألقاب 3: 103 .

الذي يرجع إليهم شيخنا المترجَم له، وهم طائفة كبيرة، بعضهم يقطن نواحي الشاميّة، وبعضهم نواحي الحلّة (1).

ويقال: إنّهم ينتسبون إلى مالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه)(2).

وإلى ذلك أشار السيّد صادق الأعرجي الفحّام(3)بقوله - في قصيدة يرثي بها الشيخ حسين(4)ابن الشيخ خضر، أخا الشيخ جعفر الكبير -:

يا أيّها الزائر قبراً حوى*** من كان للعلياء إنسان عين

يا منتمي فخراً إلى مالك*** ما مالكي إلّاك في المعنيين

وأمّا الجناجي فنسبة إلى «جناجية» أو «جناجيا» وهي قرية من أعمال الحلّة، و أصل اسمها «قناقيا» والعرب يلفظونها جناجيا على سيرتهم في إبدال القاف جيماً (5).

وأمّا النجفي فنسبة إلى النجف الأشرف التي سكنها والده الشيخ الكبير جعفر كاشف الغطاء كما ستأتي الإشارة(6)إلى ذلك إن شاء الله تعالى.


1) انظر: العبقات العنبريّة في الطبقات الجعفريّة : 33؛ ماضي النجف وحاضرها 3: 147.

2) وهو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة الأشتر النخعي المذحجي، كان من زعماء العراق الأقوياء، فارساً بطلاً صنديداً، رئيس أركان جيش أمير المؤمنين(عليه السلام)، وكان حليماً كريماً شجاعاً حازماً خطيباً لاذعاً، أدبياً شاعراً. شهد معركة اليرموك وشترت عينه فيها. وقيل: شترت عينه في حروب الردّة مع أبي مسيلمة الأيادي. سكن الكوفة، وترك فيها نسلاً. كان معدوداً في التابعين وعلى جانب كبير من الزهد والتعفّف. توجه إلى مصر لمّا اضطربت الأوضاع على محمّد بن أبي بكر، فسُمّ في الطريق من قبل أعوان معاوية سنة 39هـ. انظر: أعيان الشيعة 9: 38 - 42. هذا، وقد نقل الدكتور جودت القزويني - محقّق كتاب العبقات العنبريّة - عن كتاب عشائر العراق للأُستاذ عبّاس العزّاوي، وكتاب تصحيح الأوهام في أنساب الأعلام للأُستاذ عبدالستّار درويش الحسين: أنّ آل كاشف الغطاء بيت من بيوت آل عليّ من بني مالك، إحدى عشائر المنتفق الذين يرجعون إلى عامر بن صعصعة، وهم من العرب المعزّية العدنانية، وليس مالك الأشتر منهم، فهو نخعي يماني من القبائل القحطانيّة انظر العبقات العنبريّة: 36، الهامش (4).

3) هو أبو النجاة سيّد صادق بن سيّد عليّ بن الحسين بن هاشم الحسيني الأعرجي النجفي المعروف بالفحّام. ولد في قرية «الحصين» إحدى قرى الحلّة (سنة 1124هـ). كان عالماً فاضلاً أديباً شاعراً. له من المؤلّفات شرح شرائع الإسلام، شواهد قطر الندى مع بعض الحواشي عليه، الرحلة الرضويّة ،وغيرها. توفّي في النجف الأشرف (سنة 1205هـ). انظر: أعيان الشيعة 7: 360 - 366.

4) الشيخ حسين بن خضر بن يحيى الجناجي المالكي المولود حدود (سنة 1129هـ). كان عالماً فاضلاً فقيهاً أصولياً، توفّي (سنة 1197هـ). انظر: أعيان الشيعة 6: 9 - 10.

5) أعيان الشيعة 3: 49.

6) في ص 38.

قال الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء - في بيان نسب آل كاشف الغطاء وأُصولهم -: سمعت مراراً ممّن شاهدته من مشايخنا عن مشايخهم من الطبقة الثانية كمحمّد والمهديّ، عن مشايخهم من الطبقة الأُولى كعليّ والحسن ابني جعفر كاشف الغطاء. وسمعته كثيراً من شَيَبَة الحلّة والعذار الثقاة الأبرار، وسمعته أيضاً من مشايخ آل قاطع الساكنين في جناجية الجديدة وهذا أمر بديهي لشيوعه وتواتره بين الناس من أهل ذلك الطرف - وهو أنّ الشيخ خضر من العشيرة المعروفة بآل عليّ، وهي طائفة كبيرة بعضهم الآن في نواحي الشاميّة، وبعضهم في نواحي الحلّة، من «الموالك»، و هم طوائف من سكان البوادي، يرجعون إلى مالك الأشتر (رضوان الله عليه) بالنسب، وهو شعارهم عند العرب. وكان مبدؤهم من الحلّة والعذار؛ لأنّ مالكاً وإبراهيم من نخع الكوفة، وهما من مشاهير فرسانها وأعاظم سكّانها- إلى أن يقول -: فبهذا التقريب تكون محالّ النخع حوالي الحلّة، وهي المنازل المعروفة اليوم بـ«العذار» التي منها جناجية.

والحاصل أنّ سلسلة مالك وإبراهيم ما زالت في الكوفة ونواحيها حتّى اليوم، فإنّ إبراهيم لمّا قُتل تحت راية مصعب بن الزبير جلس بمكانه ولده خولان وتقلّد أمر النخع ومن ينضمّ إليها، ثمّ تقلّدها بعده حمدان ولد خولان، ثمّ تغيّرت الأُمور وصارت الكوفة تضمحلّ شيئاً فشيئاً و تفنى يوماً فيوماً، وجعلت قبائلها تنتقل من منزل إلى منزل، وتحلّ بمكان دون مكان؛ فلحق قوم باليمن وآخرون بالحجاز، وبقيت في أطراف الكوفة شرذمة يسيرة، ومن جملتها رجال من النخع من أولاد مالك، منهم أبو النجم الذي هو ابن حمدان بن خولان بن إبراهيم ومنه تشعّبت قبائل الموالك وتسمّوا بهذا الاسم

لاضمحلال النخع وتفرّقهم...

ولم يزل الشيخ خضر معروفاً عند أعراب الحلّة و نواحيها بأنّه من«آل مالك» حتّى ظهر ولده كاشف الغطاء، واشتهر أمره وذاع، وملأ البقاع والأصقاع، فاشتهر بسعيه وجِدّه، وأنسى ذكر أبيه وجَدّه .....(1)

إلى آخر ما ذكره( قدس سره الشریف)في إطراء جدّه الشيخ جعفر الكبير( قدس سره الشریف).


1) العبقات العنبريّة في الطبقات الجعفريّة: 33 - 34.

وأمّا محلّ وتاريخ ولادة شيخنا المترجَم له، فقد ولد في النجف الأشرف سنة 1201هـ.

وأرّخ ولادته الشيخ محمّد رضا النحوي بأمر والده الشيخ جعفر كاشف الغطاء فقال:

أهلاً بالمولود له التأريخ*** قد أنبته الله نباتاً حسناً(1)

أُسرته وبيئته

تعدّ البيئة والأُسرة من مقوّمات الشخصية لكلّ فرد، وهي التي ترسم معالمها وتخطّط لها، وبناءً على هذا فإنّ شيخنا المؤلّف قد حُظي من ذلك كلّه بالنصيب الأوفى ونال منها الحظّ الأوفر، فإنّه( قدس سره الشریف) من حيث البيئة نشأ في بيئة علميّة أدبيّة لا نظير لها، ألا وهي بيئة النجف الأشرف الحاضرة العلميّة الكبرى للشيعة.

ومن حيث الأُسرة ينحدر من أُسرة علميّة شريفة، أُسرة عربيّة عريقة معروفة بالعلم والتقوى والزعامة الدينيّة، بل تعدّ من ألمع الأُسر العلميّة والأدبيّة في العراق؛ حيث تتمتّع بالكثير من أعلام الأُمّة ورجالاتها، وقد استلم الكثير منهم أزمّة الأُمور الدينيّة والسياسية للمجتمع العراقي، وعلى رأسهم والده الشيخ الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء.

وإليك نبذة مختصرة عن حياة والده وجدّه وبعض إخوته:

والده: هو الشيخ جعفر ابن الشيخ خضر بن يحيى بن مطر بن سيف الدين. ولد في الحصون في حدود سنة 1156هـ، وهو أبو الأُسرة الجعفريّة وعنوانها، وشيخ الطائفة في عصره عند الإماميّة في الأقطار الإسلاميّة عامّة والعراق وإيران خاصّة.

قال في حقّه تلميذه وصهره المحقّق التستري في كتابه مقابس الأنوار:

الأُستاذ السعيد، الشيخ الأعظم، الأعلم الأعصم، قدوة الأنام، سيف الإسلام، عَلَم الأعلام، علّامة العلماء الكرام، خرّيت طريق التحقيق والتدقيق، مالك أزمة الفضل بالنظر الدقيق، مهذّب مسائل الدين الوثيق، مقرّب مقاصد الشريعة من كلّ فجٍّ عميق،


1) العبقات العنبريّة: 293 معارف الرجال :1 210 تكملة أمل الآمل 2: 339؛ الكرام البررة 1: 317

وحيد العصر وفريد الدهر ومدار الفصل والوصل، ومنار الفخر والفضل، خاتمة المجتهدين وأُسوة الأفاضل المعتمدين، وحامي بيضة الدين، وماحي آثار المفسدين، بدر النجوم، بحر العلوم، المؤيّد المسدّد من الحيّ القيّوم، شيخي وأُستاذي ومعتمدي واستنادي وجدّ أولادي الموفّقين المحروسين المهديّين بعين عناية الله الباري الهادي، الأجل، الرضي المرضي، الذكي الوفي الصفي، الخائض المغمور في عواطف بحار لطف الله الجلي الخفي، الشيخ جعفر ابن المرحوم المبرور الشيخ خضر النجفي، أدام الله ظلّه العالي على رؤوس العالمين، وزيّن به كراسي العلم للعالمين، وجزاه الله عنّي يوم الدين خير جزاء المحسنين العاملين.(1)

وقد ذكره الكثير من الرجاليّين و الأُدباء وغيرهم، وهو أشهر من أن يُذكر.

جدّه: هو الشيخ خضر ابن الشيخ يحيى.

قال المحدّث النوري في شأنه:

كان الشيخ خضر من الفقهاء، المتبتّلين و الزهّاد المعروفين، وعلماء عصره كانوا يزدحمون على الصلاة خلفه(2).

وقال ابنه الشيخ جعفر كاشف الغطاء: عُرف بالصلاح والتقوى والفضيلة، وكان الفضلاء والعلماء يتزاحمون على الصلاة خلفه (3).

وتوفّي( قدس سره الشریف)في سنة 1180هـ (4).

إخوته: كان لشيخنا المترجَم له ثلاثة إخوة لأُمّه وأبيه كلّهم أكبر منه، وهم:

1 . الشيخ موسى كاشف الغطاء

وهو أجلّ أنجال الشيخ الكبير الأربعة شأناً، وأنبههم ذكراً، وأعلاهم صيتاً، وأرفعهم


1) مقابس الأنوار: 19

2) خاتمة مستدرك وسائل الشيعة: 2 :142

3) راجع طبقات أعلام الشيعة (الكواكب المنتشرة): 239.

4) راجع ترجمته في العبقات العنبريّة: 37 - 43.

جاهاً، وأطولهم باعاً في العلوم الفقهيّة، وأخبرهم بفنون المعقول والمنقول.

قال في روضات الجنّات:

وكان خلّاقاً للفقه بصيراً بقوانينه، لم تبصر نظيره الأيّام، وكان أبوه يقدّمه في الفقه على من عدا المحقّق والشهيد، وكان من المبرّزين في العلم والفضل مدقّقاً، فهو علّامة عصره و فريد دهره، فقيه مجتهد. وقد سُئل أبوه: مَن أفقه الناس؟ فقال: أنا وولدي موسى والشهيد الأوّل. وكان الشيخ محمّد حسن ياسين والسيّد عليّ الطباطبائي وغيرهما من العلماء يفضّلونه على أبيه في الدقّة والمتانة. انتهت إليه المرجعيّة العامّة بعد والده، فهو الزعيم الديني المطاع والعلّامة الذي ملأ صيته الأصقاع (1).

توفّي (قدس سره الشریف)بمرض البواسير سنة 1241هـ عن عمر قارب الستّين عاماً، ودُفن في مقبرتهم مع أبيه(2).

2. الشيخ عليّ كاشف الغطاء

وقد كان عالماً فاضلاً تقيّاً ورعاً، زاهداً مجتهداً، ثقة عدلاً، جليل القدر، عظيم المنزلة. إليه انتهت الرئاسة العلميّة، ورجعت إليه الفتيا والقضاء بعد أخيه الشيخ موسى، من كافّة الأقطار الشيعيّة.

وكان كثير الذكر، دائم العبادة، مواظباً على الطاعات، وآمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، له مناقب جمّة وكرامات باهرة.

وكان والده الشيخ الكبير يعظّمه كثيراً ويفدّيه بنفسه كما تشعر بذلك رسالته الحقّ المبين في ردّ الأخباريّين التي كتبها في إصفهان باستدعاء ولده هذا.

وله كتاب في الخيارات، ورسالة في حجّيّة الظنّ مفصّلاً، والقطع والبراءة والاحتياط، وله رسائل كثيرة متفرّقة.


1) روضات الجنّات: 201:3.

2) العبقات العنبريّة: 181 - 230؛ ماضي النجف وحاضرها 3: 203.

توفّي في كربلاء فجأة سنة 1253هـ، وحمل إلى النجف الأشرف ودفن مع آبائه في مقبرتهم(1).

3. الشيخ محمّد كاشف الغطاء

ولد سنة 1195هـ، أرّخ عام ولادته الشيخ محمّدرضا النحوي بأبيات يقول فيها:

وادعوا مؤرّخاً أيا قرّة عين جعفرٍ

وكان من أعيان العصر ووجهاء زمانه، وهو المقدّم في الطائفة الجعفريّة بعد أبيه وأخويه الشيخ موسى والشيخ عليّ.

هاجر بعد وفاة والده إلى الحلّة، وكانت له الرئاسة بها، وتوفّي فيها في الطاعون الذي عمّ العراق سنة 1247هـ في حياة أخيه الشيخ عليّ وحمل جثمانه إلى النجف ودفن مع آبائه في مقبرتهم(2).

ثمّ إنّ المشهور والمعروف أنّ للشيخ الكبير أربعة أولاد بما فيهم شيخنا المترجَم له، ولكنّ الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء قال في كتابه العبقات العنبريّة - بعد ذكره لأولاد الشيخ جعفر الكبير الأربعة-:

ثمّ إنّ هؤلاء الذين ذكرناهم من أولاد الشيخ الكبير من أُمّ واحدة، وحيث إنّهم هم العمدة من أولاده، ومحلّ وثوقه واعتماده الذين قاموا مقامه، وأحيوا ذكره، ورفعوا في العلم أعلامه، فلهذا اقتصرنا عليهم، وإن كان له غيرهم من الأولاد من أُمّهات متعدّدة، وكأنّهم لم يكونوا بشيء عند أبيهم، ولهذا أوقف دوره على موسى ومحمّد وعليّ والحسن وذرّيّتهم، ولم يشرك من أولاده معهم في ذلك أحداً، إلّا الشيخ عيسى، فإنّه اشترط له السكني مدّة حياته معهم، ولا يتعدّى إلى عقبه.

ثمّ ذكر الشيخ عيسى ابن الشيخ الكبير، وقال:

كان الشيخ عيسى هذا من العلماء البررة على ما سمعنا، ووجدنا في بعض الأشعار ذكره ومدحه بذلك، وأنّه من السالكين بتلك الشعوب والمسالك.


1) العبقات العنبريّة: 238 - 239؛ ماضي النجف وحاضرها 3: 168 - 170.

2) ماضي النجف وحاضرها 3: 179 - 180؛ العبقات العنبريّة: 240 - 250 ، ولكن وقع خطأ في سنة وفاته فذكر الثلاثين بدل الأربعين.

ثمّ ذكر أبياتاً أنشدها فيه السيد محمّد علي ابن السيّد أبي الحسن العاملي - صهر الشيخ جعفر - ثمّ قال:

ولم أعثر على مدّة حياته وزمان وفاته، وظنّي أنّه توفّي أيّام أخيه الشيخ حسن، وأعقب ولداً يسمّى جواد الأقرع(1).

حياته العلميّة

نشأ المؤلّف(رحمۀ الله علیه)وترعرع في ربوع النجف الأشرف ورحابه، حيث مثوى باب مدينة علم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ربّاني الأُمّة وإمام الأئمّة، إمام المتقّين وقدوة أهل النهى واليقين، ذاك أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه)، وهي تعدّ حاضرة الشيعة العلميّة الكبرى ما يربو على الألف سنة، ومن أهمّ مراكز العلم الشهيرة في العالم العربي والإسلامي، وقد أنجبت الأُلوف من العلماء والأُدباء، وأنتجت الأُلوف ضعف الأُلوف من الكتب العلميّة والأدبيّة، وفي التاريخ والسيرة وغيرها، وكانت حافلة بمجالس العلم والأدب والمذاكرة، كثيرة المدارس العلميّة، كما أنّ النجف الأشرف ساهمت مساهمة قياديّة وفعّالة في حوادث وقضايا إسلاميّة لا تعدّ ولا تحصى، فكانت - بحقّ - نقطة عطف في تاريخ الأُمّة الإسلاميّة جمعاء.

ففي هذه المدينة المقدّسة ولد الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وفيها نشأ وترعرع، فالتحق بحوزتها العلميّة، وتدرّج فيها في دراسته مكبّاً على تحصيل العلوم الدينيّة، فأحرز المعقول والمنقول في صباه، إلى أن صار فقيه عصره وعلّامة دهره.

قال الشيخ محسن الملقّب بخنفر - وهو من العلماء المجتهدين المقلَّدين- :

إنّ الشيخ . حسن لا أرى أفضل منه في المتقدّمين ولا في المتأخّرين. وسُئل يوماً عنه وعن أبيه كاشف الغطاء، فأجاب: هو أفضل.

اجتهد وعمل برأيه قبل أن يكمل العشرين من عمره الشريف، واجتهد في العبادة حتّى نال منها القدح المهنا...


1) العبقات العنبريّة في الطبقات الجعفريّة: 358 - 359 . وذكر اسمه- أي الجواد - الشيخ عبّاس كاشف الغطاء في نبذة الغري: 128.

ارتحل في سنة 1246 هـ إلى قبيلة «جليحة» المعروفة المشهورة، التي تقطن شطّ الهنديّة - ما بين الحلّة وكربلاء - وكان ضيفاً على زعيم القبيلة الشيخ حمد آل نهر، وتزوّج بابنته وأقام عنده أكثر من سنة. وهو يؤلّف أنوار الفقاهة فأتمّ عنده الرهن إلى آخر الوصيّة (1).

ولمّا توفّي أخوه الشيخ محمّد في طاعون سنة 1247هـ. عندها طلب أهل الحلّة وما تبعها من العلّامة الشيخ عليّ ابن الشيخ جعفر الكبير أن يرسل إليهم عالماً يرجعون إليه في أُمورهم ومسائلهم ومشاكلهم، فقرّ رأيه على إرسال أخيه المترجم، فبعثه إليهم، ولم يزل مقيماً هناك مؤديّاً لوظائفه بأحسن أداء ناشراً علوم أهل البيت بين محبّيهم وأتباعهم، حاملاً هموم الدين راعياً للفقراء والمساكين، هادياً للضالّين والسائلين، متّبعاً معهم أخلاق الأنبياء والأئمّة المعصومين(عليهم السلام).

وبقي هناك على هذه الحالة إلى أن توفّي أخوه الشيخ عليّ في سنة 1253 هـ، فعاد إلى النجف الأشرف، وحلّ محلّ أخيه، وأشغل منصّة التدريس وتصدّى للزعامة الدينيّة أيّام رئاسة سميّه الفقيه الأكبر الشيخ محمّد حسن النجفي صاحب الجواهر.

أقوال العلماء فيه

تقدّم الكلام في أُسرة كاشف الغطاء وأنّها تعدّ من أُسر العلم ودوحة من دوحات الفضل، وقد برز من هذه الأُسرة رجال حازوا أعلى مراتب الزعامة حتّى حكمت أقلامهم على أسياف الملوك، وسمت عمائمهم على تيجان سلاطين الدهر وملوك العصر، فهم علماء وقادة ورثوا العلم أباً عن جدّ، ومن بين هؤلاء الأعلام المشاهير الشيخ حسن كاشف الغطاء، فقد كان عَلَماً في الفقه ومناراً في الأصول، زاهداً عابداً، وهو -مع ذلك- على جانب عظيم من حسن الخلق وطيب المفاكهة، لا تحصى مفاخره، ولا تستقصى مآثره، فقد ذُكر في كثير من الكتب، و ذكرته الكثير من إجازات المتأخّرين، وأطراه جماعة من العلماء، وأثنى عليه كبار الفقهاء والمجتهدين:


1) وقد نقل ولده الوحيد الفريد الشيخ عباس قصّة زواجه مع والدته ونبذة عن ترجمة نفسه، من أراد الاطّلاع فليراجع نبذة الغري: 176.

قال صاحب قصص العلماء:

كان الشيخ حسن فقيهاً كاملاً، وقد حضرت بعض مجالس درسه. وباعتقادي أنّه كان متقدّماً على الشيخ محمّد حسن [صاحب الجواهر] ، مضافاً إلى إحاطته بعلم الأُصول، ويده الطولى في علم الكلام(1).

وقال في روضات الجنّات عند ذكره( قدس سره الشریف) :

مفخر فقهاء الدهور ... الفقيه المتفرّد المشهور ... من أجلّاء علماء زماننا وكبراء نبلاء أواننا، منتهياً إليه أمر الفقاهة في الدين ورئاسة سلسلة العلماء المجتهدين، سهيماً لسميّه المتقدّم [الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر ] فيما قد أُشير إليه من المراتب، و قسيماً له في غالب ما أُقيم عليه من المناصب، بل هو عند العرب الشيعة أكثر احتراماً وأجلّ مقاماً، و يقيم الجماعة أيضاً- كما نقله غير واحد- في مسجد والده المرحوم و يصلّي خلفه الخلق الكثير، ويدرّس الفقه في منزله المقدّس بالنجف الأقدس الأشرف بلسانه العربي المبين، ويذكر أيضاً أنّ حوزته الباهرة في هذه الأواخر أجمع و أوسع و أسد و أنفع من سائر مدارس الفقهاء. ومن غاية تسلّطه في الفن ومهارته العجيبة أنّه ليس يتأمّل في مسألة كثيراً، بل يمشي سريعاً، ويطوي مراحل الفقه بأهون ما يكون، وأحسن ما يهون.

وكان من قبل وفاة أخيه الشيخ عليّ بن جعفر الفقيه قاطناً أرض الحلّة المحروسة، ثمّ انتقل من بعده إلى ذلك المقام المحمود لخلافة الماضين والقيام بحقّ الرئاسة في الدين (2).

وقال المحدّث القمّي في الفوائد الرضوية:

هو فتى العلم وكهله وبيت الفضل وأهله ، معدن المعارف وكنز الإفادة، وكعبة الفضائل وقبلةُ الوفادة، مفخر فقهاء الدهور، الفقيه المتفرّد المشهور،صاحب شرح مقدّمات کشف الغطاء(3). إلى آخر ما ذكره( قدس سره الشریف) .


1) قصص العلماء: 185.

2) روضات الجنّات 306:2

3) الفوائد الرضويّة: 97

وقال المحدّث النوري في خاتمة المستدرك:

كان (رحمۀ الله علیه)من العلماء الراسخين الزاهدين المواظبين على السنن والآداب، ومعظّمي الشعائر،الداعين إلى الله تعالى بالأقوال والأفعال(1).

وقال السيّد محمّد الهندي- وكان معاصراً له - ما لفظه :

كان عالماً علّامة فاضلاً ثقة تقيّاً ورعاً محتاطاً، لا نظير له في زمانه في الاقتدار في التفريع والتصويب في مسائل الفقه، وفي حسن الخلق والأدب والوجاهة عند المؤالف والمخالف. وكانت صلاتي خلفه أيّام حياته، وتقليدي ورجوعي في الفتاوى إليه، وكانت الرئاسة العلميّة الدينيّة والدنيوية لأخيه الشيخ عليّ.(2)إلى آخر ما قاله في حقّه( قدس سره الشریف).

وقال السيّد حسن الصدر في التكملة:

كان فقيه الشيعة في زمانه، وأُستاذ الشيوخ، وشيخ مشايخنا في الفقه. سمعت من والدي( قدس سره الشریف) - وهو تلميذه - أنّه كان أفقه من الشيخ صاحب الجواهر، وكان في غاية التقوى والورع والزهد وترويج العلم(3).

وقد مدحه الأديب الماهر والشاعر الكامل ذو الأدب البارع الشيخ عبد الحسين محيي الدين بقصيدة فريدة يهنّيه بعيد الفطر، قال:

أغنى ابن جعفر عن معناك يا عيدُ*** فحَسْبُنا أنّهُ في الدهر موجودُ

تمرّ في كلِّ عام مرّتين بنا*** وكُلُّ يوم لنا من يُمنه عيدُ

زانتْ ببهجته أيّامُنا وغدتْ*** بيضاً بطلعته ليلاتُنا السودُ

ها نحنُ عيلتُهُ الباقون يشملُنا*** ظِلٌّ مدى الدهر من نعماهُ ممدودُ

ذو غرّة يستهلُّ الناس طالعَها*** فيستبينُ «أبو العبّاس» والجُودُ

خلّان أوفاهما المُوفي بصاحبه*** على الورى وهو مشكورٌ و محمودٌ

علّامةُ الدهر والهادي بنهج هدى*** وبحرُ علمٍ لأهل الفضل مورودُ


1) خاتمة مستدرك الوسائل 142:2

2) نقله عنه في طبقات أعلام الشيعة 317:10 - 318؛ وأعيان الشيعة 5: 35.

3) تكملة أمل الآمل 2: 339.

ومُدركٌ في مراقي العلم مرتبةٌ*** أضحى بها وهو مغبوطٌ ومحسود ُ

مؤيّدٌ بالهُدى من ربِّهِ و بهِ*** لشرعة الملّة الغرّاءِ تأييدُ

أهوى لكشف الغطا عن كُلِّ غامضةٍ*** في الشرع يقرنُهُ نصٌّ وتسديدُ

فكم له فيهِ توضيحُ البيان وفي*** قواعد العلم والأحكام تمهيدُ

آثارُهُ غُررٌ في الدهر واضحةٌ*** و يوم معجزهِ في الناس مَشهودُ

ذو همّة في مناط النجم أخمصُها*** يسمو بها فوق قَرن الشمسِ تشييدُ

هذا بقيّة موسى والعصا بيد *** بيضاء منه تعاطى لَثمَها الصيدُ

من جعفر الفضل إلّا أنَّ رحمتَهُ*** بحرٌ وفيها لذكر الخضرِ تخليدُ

ذلّت أكاسرةُ الفُرسِ الكرام له*** مهابةً والتوى من قيصرٍ جِيدُ

والعالمون تحاموا قدره فَعَلا*** أعناقَهم منه إقليدٌ و تقليدُ

وأمَّهُم منه معقوداً عليه لوا*** عزٍّ على قومه الماضين معقودُ

و مذ رآه الورى أهلاً ليكفلهم*** أُلقي من الكُلِّ في كفّيه إقليدُ

يا كعبةَ الوافد الراجي وأكرمَ مَن*** أمّت لساحته المُهريّةُ القُودُ

سمعاً وُقِيتَ الردى منّي لئالئ ما*** زِينتْ بأمثالها البيضُ الرعاديدُ

أقضى بها حقّ نعماء مننت بها*** يزينها فيك إطراء وتمجيدٌ

فاسلم على أمد الأيّام في دِعة*** ما شاب خالصها ريب وتنكيبٌ(1)

إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في حقّه، وقد أطراه كلّ من ذكره بكلّ جميل وأثنوا على مآثره الجليلة(2)، فللّه درّه وعليه أجره.

أساتذته

تتلمذ المؤلّف له على أساتذة عظام كرام، فاستفاد من نور علومهم واستضاء بها ممّا جعله في مصافّ كبار الفقهاء والمجتهدين. فقد حضر على والده الشيخ جعفر كاشف الغطاء


1) العبقات العنبريّة: 350.

2) انظر على سبيل المثال: نجوم السماء 1: 123

قليلاً، وعلى أخيه الشيخ موسى، وعلى السيد جواد العاملي (1160 - 1226)(1)صاحب مفتاح الكرامة، والشيخ أسد الله التستري (1186 - 1234)(2)صاحب المقابس، والسيّد عبدالله شبّر (1188 - 1242)(3)، والشيخ عليّ البحراني، والشيخ سليمان القطيفي. ويروي بالإجازة عنهم جميعاً، وعن أخيه الشيخ عليّ والشيخ قاسم محيي الدين، وعن والده، يروي عنه تارةٌ بواسطة شيخه الشيخ قاسم محيي الدين، وأُخرى بلا واسطة عن مشايخه المتقدّم ذكرهم.

طريق إجازته

قال ابنه الشيخ عبّاس كاشف الغطاء:

طريق إجازة الوالد تتشعّب، فينبغي أن نذكر ذلك بشعبه:

الشعبة الأُولى: إجازته عمّن استجاز من والده وغيره بالطرق الموصلة إلى المشايخ الثلاثة والذي منهم الشيخ أسد الله التستري صاحب المقابس، والسيّد الجواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة، والشيخ قاسم محيي الدین صاحب كشف الظلام، والمحدّت السيّد عبدالله شبّر جميعاً بإجازتهم عن والده [الشيخ] جعفر كاشف الغطاء، وعن والده أيضاً بإجازته عن مشايخه، والمعروف منهم مولانا السيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم، وشيخنا الآقا محمّد الباقر] البهبهاني - وهو أعظمهم - والشيخ يوسف البحرانی، والشيخ مهديّ الفتوني، والشيخ محمّد تقي الدورقي، وعن الشيخ سليمان القطيفي بإجازته عن الشيخ يوسف البحراني عن مشايخه، وعن الشيخ عليّ البحراني عن مشايخه، فإنّه استجاز ممّن ذكرنا في جميع ما حصلت لهم الإجازة فيه من الأخبار التي تتضمّن الأحكام الشرعية والأدعية والأذكار وكلّ ما يتوقّف على الإجازة في الرواية عنهم جميعاً ما عدا القطيفي والبحراني فلهم شعبة وطريق إلى المجلسي بلا توسّط الآقا


1) راجع ترجمته في الكرام البررة 1 : 286 - 288

2) راجع ترجمته في الكرام البررة 1: 122 - 124

3) راجع ترجمته في الكرام البررة 2: 777 - 779

والباقي طُرّاً عن الآقا أشهر طريقة إجازتهم عن الآقا محمّد أكمل عن العلّامة المجلسي. وعن السيّد أبو الحسن العاملي النجفي عن الملّا محمّد باقر ابن المجلسي عن أبيه [الملّا محمّد تقي] الفاضل المجلسي عن الشيخ البهائي محمّد العاملي ابن [الشيخ ] الحسين بن عبدالصمد الحارثي الهمداني ، عن الشهيد الثاني عن ابن عبد العال الميسي عن محمّد بن المؤذّن الجزّيني عن ضياء الدين عن شمس الدين محمّد بن مكي الشهيد الأول.

(ح) (1)وعن جمال الدين أحمد بن خاتون.

(ح) وعن عليّ بن عبد العال الكركي المحقق الثاني وعن عليّ بن هلال الجزائري عن أحمد بن فهد الحلي عن عليّ بن الخازن عن محمّد بن مكي.

(ح) وعن ابن المؤذّن عن السيّد علي بن دقّاق الحسيني عن محمّد بن شجاع القطّان عن الفاضل المقداد بن عبدالله السيوري الحلّي عن محمّد بن مكي عن السيّد عميد الدين عن فخر المحقّقين أبو طالب.

(ح) وعن محمّد بن القاسم بن معيّة الحسني النسّابة والسيّد نجم الدين مهنّا بن سنان المدني وقطب الدين محمّد الرازي جميعاً عن جمال الدين والملّة الحسن بن يوسف بن مطهّر الحلّي العلّامة عن والده الشيخ يوسف، وعن الخواجة نصير الدين الطوسي، وعن نجم الملّة أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّي المحقّق عن السيّد فخّار بن معد الموسوي النسّابة عن شاذان بن جبرئيل القمّي عن أبي جعفر بن القاسم الطبري عن أبي

علىّ الحسن الطوسي.

(ح) وعن العلّامة عن السيّد رضي الدين عليّ بن طاوس الحسيني عن حسين بن أحمد السوراوي عن محمّد بن القاسم الطبري عن أبي عليّ عن والده محمّد بن الحسن الطوسي عن جمال الدين عن والده محمّد الطوسي عن فضل الله الراوندي عن المجتبى الحسيني عن الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي عن علم الهدى السيّد المرتضى عن عليّ بن الحسين بن موسى التلعكبري، وعن الحسين بن عليّ بن بابويه عن الشيخ المفيد أبي عبدالله بن النعمان الحارثي العكبري البغدادي عن كتاب العلل لابن بابويه


1) اختصار الحيلولة السند عند الرجاليّين.

القمّي عن سعد بن عبد الله عن محمّد بن أحمد السياري عن محمّد بن عبدالله بن مهران الكوفي عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي إسحاق الليثي.

(ح) وعن ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن أحمد عن الحسن بن عمر عن سعيد عن مصدّق بن صدقة عن عمّار بن موسى.

(ح) وعن الكليني عن العمريّين عثمان بن سعيد وابنه محمّد بن عثمان المنصوص عليهما من الإمام الهادي(عليه السلام)والإمام الحجّة (عجل الله فرجه)، وعن الحسين بن روح وعن علي بن محمّد السمري عن الثلاثة(عليهم السلام)(1)، وعن الكليني عن باقي رجاله عن أحدهم.

الشعبة الثانية: ما تنتهي إلى صاحب الوسائل عن رجاله الذين ذكرهم في أمل الآمل.

الشعبة الثالثة: ما تنتهي إلى الملّا محسن محمّد بن المرتضى صاحب الوافي عن رجاله المودعة في كتابه.

الشعبة الرابعة: ما استجاز به من القراءة والتجويد واللغة والنحو والصرف والبيان عن الجماعة من الخاصّة والعامّة وبعض الواقفية والحشوية. ولقد تتبعّت طريقه في ذلك عن عدّة مشايخ. منهم: السيّد الجواد صاحب مفتاح الكرامة العاملي عن بحر العلوم الطباطبائي عن الشيخ محمّد تقي الدورقي النجفي عن السيّد مصطفى الحلّي عن الشيخ أحمد الكرخي عن فخر الدين بن محمّد عليّ الطريحي صاحب مجمع البحرين، عن عدّة من مشايخه عن الفضل ابن الحسن الطبرسي.

(ح) عن مشايخه عن محمّد بن أحمد ابن الجنيد وعن عبدالرحمن بن محمّد الأنباري عن محمّد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم السجستاني عن أبي الفضل الرياشي وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن مشايخه عن أبي عبيدة معمّر بن المثنى التميمي.

(ح) وعن الشيخ الصالح الطريحي عن شيخه الببلوشي النحوي عن السيّد عبدالله الحنفي عن والده السيّد صبغة الله المفتي عن مشايخه عن السيّد محمّد بن عزوز الشريف الخلوتي عن جلال الدين السيوطي خاتمة الحفّاظ عن المحقّق الجلال المحلي


1) المقصود بهم الإمام العسكري والهادي والمهدي(عليهم السلام).

عن عليّ بن يعيش بن أبي السرايا عن أبي الشحنا الحليمي وأبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي عن أبي الفرج يحيى بن محمود الثقفي عن عبدالرحمن ابن الأنباري عن زيد بن الحسن الكندي عن قالون وورش عن نافع وعن قنبل والبزي عن كثير، وعن أبي عمر وأبي شعيب التوسي عن اليزدي عن أبي عمر وعن ذكوان وهشام عنه وعن أبي بكر وحفص عن عاصم وعن خلف وخلاد عن سليم عن حمزة، وعن أبي عمر الدوري وأبي الحارث عن الكسائي. عن العلّامة ابن الأثير عن أبي الفرج عبدالرحمن بن عليّ الجوزي البغدادي عن الحافظ محمّد بن بكر بن عيسى الأصبهاني عن محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري عن أبي منصور الأزهري عن أبي عبيد محمّد الهروي عن أحمد الخطابي البستي عن محمّد بن القاسم الأنباري عن الميرو محمّد بن يزيد الثمالي عن ثعلب أحمد بن يحيى عن شمس بن حمدويه عن إبراهيم بن إسحاق عن ابن قتيبة الدينوري عبدالله بن مسلم عن القاسم بن سلّام عن قطرب محمّد بن المستنير عن عبدالملك الأصمعي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي عن جماعة من التابعين عن أبي موسى الأشعري وعن أبي الأسود الدؤلي عن الإمام سيّدنا عليّ بن أبي طالب الهاشمي(1).

تلامذته والمجازون عنه

قال ولده الشيخ عبّاس كاشف الغطاء في نبذة الغريّ:

تتلمذ وقرأ عليه واستجازه كثير من العلماء المعتبرين مثل: السيّد مهديّ القزويني(2).

والشيخ مشكور الحولاوي(3)والشيخ جواد نجف(4)، والحاج ملّا عليّ ابن المرحوم


1) نبذة الغري: 147 - 158.

2) السيّد مهديّ ابن السيّد حسن ابن السيّد أحمد بن محمّد بن ميرقاسم الحسيني الشهير بالقزويني النجفي الحلّي، ولد في النجف سنة 1222هـ. وتوفي سنة 1300هـ. ينظر: معارف الرجال 3: 110 - 113.

3) الشيخ مشكور بن محمّد بن صقر الحولاوي الخاقاني النجفي، ولد في حدود عام 1203هـ. وتوفّي سنة 1273هـ. ينظر: معارف الرجال 3: 6 - 8 .

4) الشيخ جواد ابن الشيخ حسين ابن الحاج نجف التبريزي النجفي من أكابر علماء عصره ومشاهيرهم بالزهد والصلاح. وقد توفّي في سنة 1294ه-. ينظر : طبقات أعلام الشيعة( الكرام البررة)، آغا بزرك 2: 279 - 280

الحاج ميرزا خليل الطبيب(1)وأخوه الحاج ميرزا حسين(2)(سلّمه الله)..... والشيخ أحمد الدجيلي(3)وسميه [الشيخ أحمد ] البلاغي(4)والشيخ محمّد حسين الأعسم(5)والسيّد إسماعيل البهبهاني(6)، وشيخنا المرتضى الأنصاري(7)، والحاج سيّد حسين الكوهكمري(8)، والملا محمّد الإيرواني(9)انتقل لدار البقاء ربيع الأوّل سنة 1306هـ، والشيخ عبد الحسين الطهراني(10)، والسيّد حسين بحر العلوم(11)، والسيد عليّ نقيّ الحائري(12)نجل صاحب


1) الشيخ ملّا عليّ ابن الميرزا خليل الرازي الطهراني النجفي المولود سنة 1226هـ. وتوفّي سنة 1297هـ. ينظر: معارف الرجال 103:2-106 .

2) الشيخ الحاج ميرزا حسين ابن الميرزا خليل الرازي الطهراني النجفي، توفّي في سنة 1326هـ. ينظر: معارف الرجال 1: 276 - 281 .

3) الشيخ أحمد ابن الشيخ عبد الله بن أحمد الدجيلي النجفي . توفّي في النجف الأشرف سنة 1265هـ. ينظر: معارف الرجال 1: 74-72 .

4) الشيخ أحمد ابن الشيخ محمّد عليّ ابن الشيخ عبّاس ابن الشيخ حسن بن عبّاس ابن الشيخ محمّد عليّ الكبير ابن الشيخ حسن البلاغي النجفي، توفّي في سنة 1271 ودفن في الصحن الشريف من جهة باب الطوسي. انظر ترجمته الكرام البررة (طبقات أعلام الشيعة) ج 1، ص 98.

5) الشيخ محمّد حسين ابن الشيخ عليّ ابن الشيخ محمّد حسين ابن الشيخ محمد عليّ بن الحسين بن محمّد الأعسم النجفي، توفّي شهيداً في الدغارة يوم عاشوراء سنة 1288هـ. طبقات أعلام الشيعة، (الكرام البررة) 401:2.

6) السيد إسماعيل ابن السيّد نصر الله البهبهاني ابن السيّد محمّد شفيع ابن السيّد يوسف بن حسين بن عبد الله البلادي بن علوي، توفّي في سنة 1295هـ، وأعقب ولداً هو السيّد عبد الله البهبهاني قتيل حزب الدستور الإيراني سنة 1328هـ. ينظر: معارف الرجال 1: 107 - 108

7) الشيخ مرتضى ابن الشيخ محمّد أمين ابن الشيخ مرتضى ابن الشيخ شمس الدين بن أحمد بن نور الدين بن محمّد صادق الأنصاري التسترى النجفي، ولد في دزفول سنة 1214هـ، وتوفّي في النجف الأشرف سنة 1281ه. ينظر: معارف الرجال 2: 399 - 404 .

8) الكوهكمري نسبة إلى كوه كمر قرية كلّها سادات أشراف من أعمال تبريز عاصمة آذربيجان وإليها ينسب السيّد حسين الكوهكمري ، توفّي في النجف الأشرف سنة 1299هـ. ينظر : الكنى والألقاب 3: 103.

9) الشيخ ملّا محمّد بن محمّد باقر الإيرواني التركي النجفي، ولد حدود عام 1232هـ، وتوفّي في النجف الأشرف سنة 1306هـوأعقب كلاًّ من الشيخ جواد والشيخ محمود والشيخ مرتضى. ينظر : معارف الرجال 2: 361 - 363.

10) الشيخ عبد الحسين بن علي الطهراني المعروف بشيخ العراقين - النجفي - الحائري، توفّي في بلدة الكاظمية سنة 1286هـ. ينظر: معارف الرجال 2 34 - 36.

11) السيد حسين ابن السيد رضا ابن السيد محمّد مهديّ المشهور (بحر العلوم) ولد سنة 1221هـ في النجف الأشرف، وتوفّي في النجف الأشرف سنة 1306هـ. ينظر : معارف الرجال 1 : 288 - 289

12) السيد عليّ نقيّ ابن السيّد حسين ابن السيد محمّد المجاهد ابن السيّد مير عليّ صاحب الرياض الطباطبائي الحائري، توفّي في كربلاء سنة 1289هـ . ينظر : معارف الرجال 2 148 - 149

الرياض، والشيخ جعفر التستري الدسفولي(1). وغيرهم من لحمته.

وأدنى الناس منه ممن تبنّاه الشيخ محمّد والشيخ مهديّ ولدا أخيه الشيخ عليّ، والشيخ راضي(2)ابن أخته وابن عمّه، وكان أقرب الناس إليه حضراً وسفراً وفي خلواته ومؤتمنه على ما في يده ووصيّه من بعده الشيخ مهديّ(3)ابن أخيه(4).

وغير ذلك من كبار العلماء الذين تتلمذوا على شيخنا المؤلّف، وأغلب من قرأ على صاحب الجواهر قرأ عليه، ويقصر إحصاء تلاميذه.

وأجاز المؤلّف أن يروي عنه السيّد مهديّ ابن السيّد حسن ابن السيّد أحمد القزويني الحلّي النجفي المتوفّى سنة ،1300هـ ، والشيخ نعمة بن علاء الدين بن أمين الدين الطريحي النجفي المتوفّى حدود سنة 1292هـ ، والسيّد محمّد مهديّ ابن السيّد حسن ابن السيّد محسن الأعرجي الكاظمي المتوفّى سنة ،1279هـ، وتلميذه الشيخ محمّد ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ عليّ بن عبدالمولى الربعي المشهدي النجفي المتوفّى سنة 1281هـ، والشيخ جعفر بن الميرزا أحمد التبريزي المتوفّى سنة 1262هـ.

والمعروف أنّه أجاز الشيخ مشكور الحولاوي والشيخ جواد نجف، والشيخ ملّا عليّ وأخاه الأُستاذ الحاج ميرزا حسين الخليليّين، والشيخ أحمد الدجيلي، والسيّد إسماعيل


1) الشيخ جعفر بن محمّد عليّ التستري توفّي في (كرند) عند عودته من خراسان إلى النجف سنة 1303هـ. ينظر : معارف الرجال 164:1 - 166

2) هو الشيخ راضي ابن الشيخ محمّد ابن الشيخ محسن ابن الشيخ خضر بن يحيى النجفي، علّامة الأواخر فقيه العراق، بل فقيه القرن الثالث عشر الذي اعترف ببراعته في الفقه جلّ العلماء المحقّقين، تتلمذ في الفقه على خاليه الشيخ صاحب الخيارات والشيخ حسن كاشف الغطاء، ومن تلامذته الشيخ محمّد كاظم الآخوند الخراساني صاحب الكفاية في الأُصول، والسيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي النجفي، والشيخ إبراهيم الغراوي صاحب شرح المختصر النافع، والشيخ عليّ الخاقاني إلى غيرهم من الأعاظم، توفّي في النجف الأشرف سنة 1290هـ . ينظر : معارف الرجال 1: 308 - 313

3) هو الشيخ مهديّ ابن الشيخ علي ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي، ولد في النجف الأشرف سنة 1226هـ، وكان مقدّم العلماء ورئيس الفقهاء، انتقلت إليه المرجعيّة بعد وفاة الشيخ مرتضى الأنصاري، تتلمذ على والده الشيخ عليّ صاحب الخيارات، وعلى عمّه الشيخ حسن صاحب أنوار الفقاهة، وأخيه الشيخ محمّد، وتتلمذ عليه الكثير منهم: الشيخ حسن المامقاني، والسيّد إسماعيل الصدر، والشيخ جواد الرشتي، والسيّد محمّد كاظم الطباطبائي، ألف كتاب الخيارات في شرح خيارات كتاب الشرائع، والمكاسب المحرّمة، ورسالة في الصوم، ورسالة في العبادات لعمل مقلّديه، توفّي في النجف الأشرف سنة 1289هـ . ينظر معارف الرجال 3: 96 - 100.

4) انظر: نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري: 6.

البهبهاني المتوفّى سنة 1295هـ، والشيخ المرتضى الأنصاري، والأُستاذ الملّا محمّد الإيرواني، والشيخ عبدالحسين الطهراني، والسيّد حسين بحر العلوم، وغيرهم الكثير من تلامذته وغيرهم(1).

آثاره العلمية

لقد كانت حياة الشيخ حسن كاشف الغطاء مفعمة بالتأليف والتصنيف والتربية والتدريس، فخلّف كتباً قيّمة و تراثاً ثميناً يشهد على غزارة علمه ونبوغه وتضلّعه في مجالات شتّى وفنون مختلفة، وإليك التعرّض إلى ما وقفنا عليه من آثاره في المعاجم وكتب التراجم، وأكثر اعتمادنا على كتاب نبذة الغري لولده الشيخ عبّاس و أعيان الشيعة للسيّد الأمين والذريعة إلى تصانيف الشيعة :

1.

أنوار الفقاهة : وهو الكتاب الذي بين يديك، وسيأتي الكلام فيه مفصّلاً في الفصل الثاني.

2.

شرح مقدّمة كشف الغطاء (2).

قال العلّامة الطهراني في الذريعة:

شرح أصول كشف الغطاء، هو لولد الماتن الشيخ حسن ابن الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء النجفي .... والمتن مقدّمة في أُصول الفقه للشيخ الأكبر، كتبها في أوائل أمره. والشرح مبسوط في خمسين مبحثاً من مباحث الأُصول، الأوّل: في الحسن والقبح والملازمة، والثاني : في الحقيقة الشرعيّة، والثالث: في تعارض العرف واللغة، وهكذا. رأيت النسخة في مكتبة الشيخ هادي كاشف الغطاء في النجف، ونسخة ثانية في مكتبة السيد عبدالله خليفة في النجف أيضاً، وقد انتقلت بعد تفرّق مكتبته إلى الشيخ محمّد جواد الجزائري(3).


1) معارف الرجال 1: 211 وانظر: مع علماء النجف الأشرف 1: 533؛ ماضي النجف وحاضرها 3: 149.

2) نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري: 6: أعيان الشيعة 36:5.

3) الذريعة 13: 100.

وذكره أيضاً في موضع آخر باسم «شرح مقدّمة كشف الغطاء»(1).

3. تكملة بغية الطالب؛ الأصل، للشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء، وهو على قسمين: العقائد والفقه، واشتمل قسم الفقه على الطهارة والصلاة فقط ، فألّف الشيخ حسن كاشف الغطاء كتاب الصوم والاعتكاف؛ إلحاقاً وتكميلاً له، وسمّاه: تكملة بغية الطالب.

قال المحقّق الطهراني:

تكملة بغية الطالب الذي هو في الطهارة والصلاة بإلحاق الصوم والاعتكاف به لولد مصنّف أصله الشيخ حسن بن الشيخ جعفر .... موجود في مكتبة الشيخ عليّ آل كاشف الغطاء في النجف الأشرف(2).

ولكن قال العلّامة السيّد الأمين في أعيان الشيعة - بعد نقل عبارة الطهراني أعلاه -: «ولكن ببالي أنّ بغية الطالب مشتملة على الصوم»(3).

4. شرح قواعد الأحكام: وهو تكملة شرح أبيه على قواعد العلّامة، ويبدأ من بيع الصرف وينتهي بآخر الخيارات. وبعض يقول: من أوّل الخيارات إلى آخر البيع(4).

قال في تكملة أمل الآمل:

تتميم شرح أبيه لبيع القواعد للعلّامة، من أوّل الخيارات إلى آخر البيع. وهو كتاب جليل لم يكتب مثله في بابه، يدلّ على تبحّره في هذا الفنّ(5).

5. رسالة في البيع: وهي رسالة كثيرة الفروع، مقتصراً فيها على الفتوى، ألّفها لعمل المقلّدين بالتماس جمع من أهل أصفهان(6).

.6 رسالة في الإمامة : لم تخرج إلى البياض(7).


1) الذريعة 14: 85

2) الذريعة 412:4.

3) أعيان الشيعة 5: 36.

4) نبذة الغرى : 6: الذريعة 13: 131 - 132: أعيان الشيعة 5 :36

5) تكملة أمل الآمل 2: 340.

6) أعيان الشيعة 5: 36 تكملة أمل الآمل :3402؛ الفوائد الرضويّة: 97.

7) نبذة الغري: 6: أعيان الشيعة 36:5

7.

كتاب في علوم متفرّقة: لم يخرج إلى البياض(1).

8.

أجوبة المسائل: وهي مجموعة كبيرة من المسائل التي كانت تأتي إليه من جميع الأقطار الإسلاميّة وغيرها، فيجيب عنها بالوقت نفسه؛ لسعة إحاطته واستحضاره.

وكانت هذه المسائل في مجالات شتّى وفي أبواب مختلفة من الفقه وغيره، وقد ذكر بعضها ولده الشيخ عبّاس في كتابه نبذة الغري(2).

9. مناسك الحج: ذكره المحقّق الطهراني في الذريعة وقال:

مرتّب على مقدّمة و ثلاثة أبواب وخاتمة. أوّله [ الحمد لله ما طاف طائف بالمسجد الحرام، ووقف واقف بالمشاعر العظام.... ]والنسخة بخطّ السيّد راضي بن الحسين بن أحمد المعروف بالعطّار البغدادي. كتبها سنة 1255هـ. ونسخة أُخرى في خزانة السيّد مهديّ آل حيدر الكاظمي(3).

10.

الرسالة العملية : ذكرها المحقّق الطهراني قائلاً: «الرسالة العملية للشيخ حسن ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء صاحب أنوار الفقاهة»(4).

11.

الحسنيّة = رسالة الحسنيّة : رسالة موجزة في العقائد الإماميّة، يبحث فيها عن التوحيد والنبوّة والإمامة.

يوجد نسخة منها في المكتبة العامّة للمرحوم آية الله السيّد شهاب الدين المرعشي بقم المقدّسة تحت رقم 14598/3. كما في فهرست المكتبة، ج 36 ، ص 674.

12. أحكام الصلاة = الصلاة: رسالة وجيزة في بيان أحكام الصلاة ... ويشتمل على فتاوى المؤلّف. كتبه لعمل مقلّديه. ولعلّه من أجزاء رسالته العمليّة.

يوجد لها نسخة في المكتبة العامة للمرحوم آية الله السيّد شهاب الدين المرعشي بقمّ المقدّسة، تحت رقم 14598/1، كما في فهرس المكتبة، ج 36، ص 672، وأيضاً لها نسخة


1) نبذة الغري: 6: أعيان الشيعة 36:5.

2) نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري: 7 - 24: أعيان الشيعة 5: 36.

3) نبذة الغري: 6: الذريعة 22 259 وانظر: مع علماء النجف الأشرف 1: 533.

4) الذريعة :11: 214؛ أعيان الشيعة 5: 36؛ نبذة الغري: 3..

في مكتبة مسجد الأعظم بقمّ تحت رقم 2299/4 ، كما في فهرس المكتبة، ج 4، ص 472.

13. أحكام الصوم = الصوم: أيضاً رسالة موجزة في أحكام الصوم، يشتمل على فتاوى المؤلّف، كتبه لعمل مقلّديه، ولعلّه من أجزاء رسالته العمليّة.

يوجد نسخة منها في المكتبة العامة للمرحوم آية الله السيّد شهاب الدين المرعشي بقم المقدّسة، تحت رقم 14598/2. فهرس المكتبة، ج 36، ص 673. وأيضاً نسخة في مكتبة مسجد أعظم بقم، تحت رقم 2299/5 فهرس المكتبة، ج 4، ص 472.

وقد نُسبت إليه كُتباً أُخرى وبعناوين مستقلّة، ولكن بعد التأمّل والتدقيق يعلم أنّها من أجزاء كتابه أنوار الفقاهة، أو من أجزاء الرسالة العمليّة له وهي كالتالي:

1 . الإرث، ذكره العلّامة الطهراني في الذريعة، وقال:

الإرث مبسوطاً للعلّامة الفقيه الشيخ حسن ابن الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي .... يوجد في مدرسة السبزواري بالمشهد الرضوي، كما كتبه إليّ بعض الأفاضل». إلّا أنّه ( قدس سره الشریف)قال أخيراً: «لكنّي أحتمل أنّه من مجلّدات أنوار الفقاهة»(1).

2.

رسالة في الغصب : ذكرها الطهراني في كتابه الذريعة وقال : «وليس هي من أجزاء كتابه أنوار الفقاهة»(2).

3.

الزكاة والخمس والصوم: ذكرها أيضاً المحقّق الطهراني في الذريعة، وقال:

للشيخ حسن ابن الشيخ الأكبر كاشف الغطاء ... أوّله بعد الحمد: التمسني بعض الإخوان الكرام أن أكتب نبذة من مسائل الحلال والحرام، فأجبتهم إلى ذلك مستعيناً بالله: الزكاة ...لغة : النمو.... رأيته في مكتبة السيد محمّد باقر الحجّة في كربلاء(3).

وفي ماضي النجف وحاضرها« كتاب في الزكاة: رأيت منه نسخة بقلم أحمد الشروقي. تمّ كتابته سنة 1264هـ»(4).


1) الذريعة 1: 443؛ وانظر: مع . علماء النجف الأشرف 1: 533

2) الذريعة 16: 57 وانظر: مع علماء النجف الأشرف 1: 533.

3) الذريعة 12 45: الذريعة 205:11.

4) ماضي النجف وحاضرها 3: 150.

4. السلاح الماضي في أحكام القاضي : وهو في مسائل القضاء والشهادات. قال العلّامة الطهراني في الذريعة :

السلاح الماضي في أحكام القاضي للشيخ حسن ابن الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء مؤلّف أنوار الفقاهة، ينقل عنه السيّد ريحان الله في كتابه فواكه الفقهاء، ونسخة منه في تبريز في كتب محمّد مولانا، أوّله: الحمد لله الذي علّم بالقلم ... تاريخ كتابتها 1254هـ(1).

وفي كتاب ماضي النجف وحاضرها وذكر له في الحصون: «السلاح الماضي في آداب القاضي، في القضاء والشهادات، كتبه قبل أنوار الفقاهة - يقول - وأظنه ألحقه بالأنوار(2).

وقد عثرنا على نسخة الأصل بخطّ المؤلّف( قدس سره الشریف). ووجدنا أنّ المؤلّف كتب أوّلاً رسالة في أحكام القضاء وسمّاها بـ«السلاح الماضي في أحكام القاضي» وكتب لها مقدّمةً يستغرق ثلاث صفحات ثمّ شرع في كتابة أحكام القضاء. ثمّ جدّد النظر فيها وجعلها تتمّة لكتاب أنوار الفقاهة وأضاف إلى أوّلها عبارةً جاء فيها:

وبعد فيقول الراجي عفو ربِّه الأجل، الأحقر حسن بن الشيخ جعفر : إنّ هذه رسالة في القضاء والشهادات، التمس كتابتها بعض الإخوان فأجبته مع كثرة التشويش والهموم والأحزان، وأستدعيه أن يجعلها تتمّة لكتابنا الموسوم بأنوار الفقاهة ... وأن يتمّها في يسرٍ وعافية.

كما يستفاد ذلك من إضافة كلمات إلى النسخة الأصليّة لكتاب الطلاق.

5. الفقه الاستدلالي المستوفى والمبسوط: ذكره الطهراني في كتاب الذريعة ونسبه للشيخ حسن كاشف الغطاء (3).

1) الذريعة :12: 209؛ أعيان الشيعة 5 36 والنسخة المشار إليها انتقل إلى المكتبة العامة للمرحوم آية الله المرعشي في قم، وعرّفت في المجلّد 37، ص 272، تحت الرقم 14723/1.

2) ماضي النجف وحاضرها 3: 150.

3) الذريعة 16: 285؛ مع علماء النجف الأشرف 1: 533.

ذكاؤه وقوة حافظته

كان من خصائص شيخنا المؤلّف ذكاؤه المفرط، ودقّته النافذة، وحافظته المتميّزة، فجلب ذكاؤه نظر المجدّين من طلّاب العلم، فحظي باهتمامهم ورعايتهم؛ لما اتّسم به من ذكاء خارق وذهن ثاقب وجدّيّة منقطعة النظير.

قال ولده الشيخ عبّاس كاشف الغطاء:

حدّثني المهدي، قال: وردت على شيخنا الحسن بن جعفر عمّنا عدّة مسائل من أذربيجان، فجلس وقال لي: يامهديّ، قم وآت بالدواة والقلم واقرأها لي مسألة مسألة وأنا أُجيب وأنت اكتب. قال: فوالله، لقد قرأتها له وهو يذكر الجواب وأنا أكتب حتّى انتهت بأقلّ من ساعة، ولم يتفكّر ولا تأمّل، بل يجيب على رسله، وهي من أشكل المسائل ....(1).

وأمّا ما جاء في حافظة شيخنا المترجَم له فقد نقل ابنه الشيخ عبّاس أيضاً قائلاً:

حكى لي جماعة أنّ السيّد الأعرجي(2)كان يستنسخ أنوار الفقاهة تأليف الشيخ( قدس سره الشریف)، وهو الذي استخرجها إلى البياض، ففقدوا جزءاً من كتاب الصدقات، فلما فتّشوا عنه لم يجدوه لا عند المصنّف ولا عند غيره، فذكروا للشيخ ذهابه [أي فقدانه].

قال: لا بأس، هو من أيّ مسألة؟ فأتوه بالأصل وعرف مقدار الذاهب، فكتب جزءاً ودفعه إليهم، وأخذه الأعرجي، ثمّ عثروا على الجزء الأوّل [المفقود] عند بعض الطلبة، فلم يجدوا اختلافاً في ألفاظه فضلاً عن معانيه إلّا يسيراً من الألفاظ التي لا دخل لها بالمطلب (3).


1) نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري: 7.

2) هو السيّد محمّد مهديّ ابن السيّد حسن ابن السيّد محسن الأعرجي الكاظمي، ولد في الكاظميّة سنة 1218... وتلمذ على صاحب الجواهر، والشيخ حسن صاحب أنوار الفقاهة، وله من الأخير إجازة وصفه فيها بالسيّد السند، قال: «لا يشكّ في فضيلته وغزارة علمه، وزيادة تقواه وكثرة ورعه، وطول باعه ومزيد اطلّاعه ،ولا شبهة في أنّ له ملكة مستقيمة وقوّة عظيمة في مسائل الحلال والحرام في طريق الاستقلال ... سكن في أواخر عمره جصّان وبها توفّي، ونقل إلى الكاظميّة، ودفن مع جدّه في مقبرته. راجع تكملة أمل الآمل 496:5

3) نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري: 118.

مناظراته

كان للمؤلّف(رحمۀ الله علیه)مناظرات متعدّدة مع كثير من علماء المذاهب الأُخرى والفِرَق المختلفة، وكان له باع طويل في الجدل والمناقشة، قويّ المناظرة، عميق الغور في الاستدلال، يعطي المسألة حقّها في البحث والتنقيب.

مناظرته مع مفتي بغداد

قال ولده الشيخ عبّاس كاشف الغطاء:

وممّا وقع للحسن بن جعفر من الكرامة وحصول التسديد من الحجّة (عجّل الله فرجه) الواقعة المعروفة لمّا جُلب مع جماعة من العلماء إلى دار السلام للمباحثة مع علماء أهل السنّة والجماعة في خصوص مسألة الفرقة المعروفة بالبابيّة، وغضب الوالي على بعض العلماء، بل قتل مخالفيهم.

وتفصيل تلك الحادثة على ما أرويه مرفوعاً إلى المهدي وإلى غيره ممّن كان مشاهداً لذلك الأمر العظيم، وهم عدّة من أصحابنا من أهل الزوراء والغري وكربلاء، مع ترتيب منّي لأُسلوب ما سمعته كعادتي في جميع ما سمعته ممّا نقلته هنا.

قالوا: لمّا هلّ الشهر المبارك وتصرّم ثلاثة أو أكثر في سنة الستّين بعد الألف والمائتين هجريّة كان عادة بعض تلامذة الوالد المرحوم أن يجتمعوا عند العصر في إيوان الدار الخارجة التي حلّ محلّ درسه وتدريس أبيه وإخوته، وينتظروا خروجه إليهم. حتّى إذا ما أشرقت عليهم شموس أنواره حفّوا به وخرج بهم إلى الحرم الغروي، وبعد إكمال الزيارة يجلس في الرواق الشريف لتلاوة كتاب الله و المذاكرة ببعض الآيات المشكلة، ويجتمع عليه الملأ من العلماء المبرّزين حتّى يدخل وقت العتمة فيودّع بالمسنون، وينصرف مع من معه إلى مسجده فيصلّي جماعة، ثمّ ينصرف إلى محلّه وتفارقه الجماعة إلّا الأقربين ممّن يحضر معه للإفطار، وهذا ديدنه.

فخرج يوماً على عادته فوجد جماعة جلوساً في الإيوان وفيهم المهدي وجعفر ولدا أخيه ومعهما ما يقرب من عشرة من أهل العلم المنتظرين له، فلمّا أحسّوا بخروجه قاموا

إجلالاً واستقبلوه على جري العادة، فنظر وإذا بينهم رجل عجمي قصير ملحم، ذو عمّة كبيرة أكثر من ثلاثين طيّة، و منطقة بيضاء قد أدارها على وسطه تبلغ أسته، وهو أحمر اللون، ذو لحية سوداء وعينين تميلان إلى الزرقة ،فابتدر إلى الشيخ وقبّل يده، ووقف وأطلق لساناً عربياًّ بالدعاء والثناء قليل اللكنة ذلق حسن التأدية.

فقال الشيخ: من أيّ البلاد أنت؟ فقال المهدي : يا عمّ إنّ لهذا الرجل حكاية غريبة. فقال الشيخ: وما ذاك؟

قال المهدي: يا مولانا كأنّ به جنوناً يزعم أنّه مرسل من الباب إليكم، وعنده كتاب يزعم أنّه من الله تعالى غير الكتاب المرسل وكانت بيد المهدي تلك الأسفار ، فقال لعمّه: وهذه الأسفار التي يزعم أنّها قرآناً. ورأينا فيها من المهملات و المزخرفات ما يضحك الثكلى، ولو شئت يا عمّ لكتبت إلى المغرب صحفاً أحسن من هذا وألطف.

فتبسّم الشيخ وهزّ يده وخرج، وقال للجماعة: هذا شهر رمضان فلا تفتوا زمانه بما لا ثمرة فيه. فخرجوا بأثره وأخذ ذلك العجمي أسفاره ومضى لشأنه.

وذهب الشيخ ومن معه إلى الحرم على عادتهم، فلمّا تصرّم اليوم، وجلس الشيخ لفطوره والمهدي معه قال: يا عم أتدري ما صنع الله بالعجمي؟ قال: لا.

قال: نعم، دخل الحرم وجلس بقبر محمّد خان القاجاري - وهو صُفَّة من بعض غ--رف الرواق الشريف - واجتمع عليه خلق من الطغام وأخرج أسفاره فهزؤوا به، وانتهبوا ما عنده من تلك الأوراق وصحبوه إلى أن خرج إلى الصحن الشريف فقالوا له: ادع الناس إليك وعرّفهم الباب، فصاح : أيّها الناس وكان جهوري الصوت - فاجتمع عليه الصبيان من الجهات وحسبوه مجنوناً وصفّقوا له وصنعوا معه ما يصنعوه مع المجانين. فلمّا رأى ذلك استوحش، فنزل من المنبر الذي كان في الصحن قد ارتقاه، وتبعه الصبيان إلى أن خرج إلى السوق وهم في أثره، فالتفّت بهم الصبيان الذين في السوق حتّى صاروا أكثر من مائتين صبيّاً أو كهلاً كالصبيّ وهم يرمونه بما في السوق من الكسافات والأشياء النجسة الملقاة وهو قدّامهم يركض وهم يعدون خلفه حتّى بلغ قريباً من القلعة التي فيها الجند، فخرج إليهم بعض الجند وحالوا بينهم وبينه ولم أعلم ما صنع الله به.

وبقي الأمر على ذلك برهة فلما انقضي من ذي الحجّة الحرام من تلك السنة نصفه، فلم نشعر إلّا وقد ورد الأمر من الوالي... نجيب باشا ويصحبه مكتوب إلى الشيخ يتضمّن الإرادة بإرسال الأسفار التي انتهبوها من ذلك اللكع الذي يدّعي أنّها الكتاب الجديد والتفتيش عليها، فمن كان عنده منها شيء ولم يدفعه يحصل له الجزاء بالحبس والتنكيل؛ ففتشوا عليها وبحثوا عنها، فألفوا منها ما يزيد على خمسين ورقة متفرّقة عند طغام الناس من ورقة أو اثنتين وأرسلوها إلى محلّ الولاية مع بعض القوّاد من أهل النوبة.

فمضى على ذلك شيء من الزمان حتّى دخلت سنة الواحد والستّين بعد المائتين، وتصرّم من المحرّم ما يزيد على ثلثه، فعندها ورد إلى الغري من خاصّة أصحاب الوزير المزبور نفر معه خدم وحشم وبيده أمر مؤكّد على جلب علماء النجف الأشرف إلى بغداد عموماً، وخصوصاً العالِمَين المنحصر فيهما أمر التقليد صاحب الجواهر والشيخ الوالد(رحمۀ الله علیه).

فاضطربت الشيعة وكثر الهرج والمرج، وتشعّبت الآراء وشاع بين الناس أنّ الذين يذهبون في كمال الخطر على أنفسهم، وإنّ المفتي أفتى بذلك والقاضي حكم به، والإذن صدرت من السلطان.

والحال أنّهم بعد واقعة كربلاء السابقة (1)في تمام القوّة والاقتدار حتّى عادت أوامرهم بين الكاف والنون. فبقوا على ذلك يوماً أو يومين وخافوا من المخالفة على أنفسهم من أن يؤخذوا تحت الحفظ، فاجتمعت طائفة من العلماء والأشراف في قبر المرحوم الشيخ جعفر(رحمۀ الله علیه)والشيخ هناك بعد صلاة العشاء، وحضر أيضاً الشيخ صاحب الجواهر فأجالوا الفكر، فقال الشيخ الوالد مخاطباً صاحب الجواهر: يا شيخنا لا محيص عن المسير وامتثال الأمر ولا يرخّص لنا الحجّة(رحمۀ الله علیه)في التخلّف، فغايته أن أُقتل فأكون الشهيد الثالث وتقُتل فتكون الرابع.

ثمّ إنّهم تجاولوا الحديث، فاستقرّ رأيهم على مسير الشيخ الوالد ومعه عشرون شخصاً


1) وهي الواقعة المعروفة بغدير دم في السنة المؤرّخة (1258هـ). راجع نبذة الغري : 56 - 63: معارف الرجال 1: 213 - 215.

من العلماء من لُحمته وغيرهم وأن يتخلّف الشيخ صاحب الجواهر(رحمۀ الله علیه) لمصالح عديدة من كون الشيخ الوالد أشدّ ارتباطاً به من جهة حلوله عنده كما ذكره، فعساه أن يأخذه الحياء. وعمدة المصالح أن لا تبقى الشيعة بلا عميد ترجع إليه في التقليد وغيره خوفاً من عروض الحادث على أحدهما، فتبقى الإماميّة غنماً بلا راعٍ، والذئاب محيطة بها.

وعزم الشيخ على المسير متوكّلاً ومفوّضاً أُموره إلى المبدأ الفيّاض، ومقدّماً للتوسّل إليه بأقرب الخلق منه النبي والعترة الطاهرة ومن معه كذلك لثلاث وعشرين خلت من محرّم سنة الواحد والستّين هجريّة غبّ صلاة الظهرين. فخرج بعد التمسّك بأعتاب أسد الله الغالب وتوديعه ومعه المشيّعون من جميع الأصناف إلى خارج البلد. وإثر ما التقط الحصى المروي به السلامة، وودّع المشيّعين قُدّم له التخت الذي أرسله له أمين الدولة الإيرانيّة سابقاً، وكان في الغري بعد انفصاله مجاوراً فاتّخذه مركباً، وركب من معه دوابّهم كلٌّ على حسبه.

فأخذوا الجادة وركبوا الطريق إلى باب نجاة الأُمّة سيّد الشهداء بهيئة يلوح عليها النصر والظفر وهم يتلفّتون إلى المرقد العلوي حتّى اختفى:

فتلفَّتتْ عيني ومُذْ خفيتْ *** عنها الطلول تلفّتَ القلبُ

ثمّ أقاموا ليلة في الطريق ودخلوا قبيل المغرب إلى البلد الأمين الذي شرّفه الله على كعبة البيت الحرام على حين غفلة من أهلها، وترجّلوا يهرعون حتّى هجموا على الحائر الحسيني، ودخلوا بتمام السكينة إلى قبّة سيّد الشهداء حافين بالشيخ حُفاة الأقدام.

ولمّا قضوا من ذلك وطراً طاروا بأجنحة الشوق إلى مثوى أبي الفضل وكأنّهم ينشدون:

أبا الفضل أنت الباب للسبط مثلما*** أبوك عليّ كان باباً لأحمدا

إذا أنت تشفع بمقصدِ وافدٍ*** إلى السبط لم ينجح له السبطُ مقصدا

وزارهم ليلاً الكثير من أشراف البلد وطلبة العلوم، وأخبروهم بأنّ علماء كربلاء جُلبوا بالأمر من الوالي إلى الزوراء منذ أيّام، منهم السيّد إبراهيم القزويني صاحب النتائج والضوابط، والملّا حسن كوهر والميرزا محيط، وجماعة غيرهم لأجل هذه المسألة، وأقاموا ليلتهم، ولمّا أصبحوا همّوا بالرحيل، فعاقهم تزاحم الزائرين إلى عميدهم

الشيخ(رحمۀ الله علیه) إلى أن دنا وقت الزوال، فلمّا راموا التحرّك سألوهم البقاء الليلة القابلة ليتزوّدوا منهم على أنّ الشتاء أناخ بكلكله ولا تصلون إلى المنزل إلّا ليلاً، وفي السماء غيم خفيف ووابل طل كرؤوس الإبر، ونخشى أن يشتدّ ويثقل والشيخ ضعيف المزاج، فأجابوا مسألتهم وأقاموا ليلتهم الثانية وصنعوا كصنيعهم في الأُولى.

ولم يزر الشيخ أحداً ممّن زاره لضيق الوقت عن ذلك، فلمّا انكشف النهار وقضوا ما عليهم من تكرار الزيارة والوداع لأبي الأئمّة ساروا عند ارتفاع الشمس رأد الضحى.

وأخذوا الطريق السلطاني إلى بعد العصر، فأشرفوا على المسيّب - قرية على كتف الفرات تشمل على أكثر من مائة بيت أغلبهم إمامية وفيهم من بعض الفِرَق - فاستقبلوا الشيخ ومن معه، أضافوهم وأحسنوا ضيافتهم. وتشرّفوا بتقبيل يديه ورجليه، فأقام بمن معه عندهم ليلة.

وسألوه عن قبري ولدي سيّدنا مسلم بن عقيل وكانا قريبين من القرية، فأجابهم: أنّ الظاهر ذلك من المسموع فالعمل عليه ولا بأس به.

ولمّا أصبح صلّى الصبح في المسجد، وبعد أن أتمّ تعقيبه أمر بالرحيل، فقرّبت إليهم رواحلهم وأركبوا الوالد الحسن في تخته، وشيّعهم أهل القرية ميلاً أو أكثر فلزموا جادة الطريق الأعظم، ولم ينزلوا حتّى للصلاة في بعض منازل الطريق إلى أن بلغوا «خان زاد» محلّ أُعدّ للعابرين يشتمل على اصطبل واسع للدوابّ، وعلى أواوين عدّة للمسافرين بعد العصر، فنزلوا وأدّوا الفرض والسنّة وباتوا ليلتهم، واستراحوا وأراحوا دوابّهم إلى أن خرج العصفور من وكره، وقد لألأ في ذنب السرحان، ومحا ظلمة الليل ضوء النهار، نادى منادي الرحيل. ولمّا هم الخدم أن يضعوا الأوعية على الدوابّ إذ طلع عليهم فرس أشقر عليه رجل مُحتبي بجُبّة سنجابية لا يبين منه شيء من شدّة البرد ومعه خدم وحشم. فلمّا أماط النقاب عن وجهه وإذا به التقي النقي الحاج محمّد صالح كبّة(1)نجل


1) الحاج محمّد صالح كبّة هو جدّ أُسرة آل كبّة البغداديّة، وهي من الأُسر الثرية في العراق، ولهم الفضل في إنشاء (الخانات) المخصّصة لاستراحة المسافرين بين المدن العراقيّة عندما كانت وسائل النقل لا تزال بدائية، وتقديم الرعاية لهم. توفّي سنة 1287هـ .

المرحوم الحاج مصطفى كبّة من أعاظم تجّار الإماميّة، مسلّم صدقه وصداقته وحسن سيرته وتقواه عند المؤالف والمخالف، وقد ورد لاستقبال الشيخ ومعه بعض قرابته، ويصحبه الحاج أحمد الشوشتري أحد المعتمدين من تجّار الشيعة، وأخيراً سكن النجف إلى أن توفّي بها السنة الثالثة والثمانين. فمذ ترجّل الصالح ومن معه سلّموا على الشيخ وقبّلوا يديه وجلسوا عنده.

وبعد المفاوضة سأله الصالح عن عزمه، فقال: الساعة أركب وأجعل الزوراء يميني حتّى أهجم على إمامي الجوادين(عليهم السلام)، وأقضي وطري ومن معي من التمسّك بأعتابهما، ثمّ أعود إلى دار السلام، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً.

فأجابه الحاج صالح المذكور بأنّي أرى أن تمضي بمن معك رأساً إلى الزوراء، فيظهر الوالي أنّ قصدك إليه، وعسى أن يكون أوفق بالمصلحة وأدعى لقضاء المطلب الذي دعيتم إليه، وأرضى لمواليك وأئمّتك. فاستصوب الشيخ رأيه وساعده الحاضرون؛ لكن قال له: مع ذلك أتفاءل بكتاب الله تعالى، فخرجت الآية: لا تَخَفْ نَجَوْتَ(1)، فقال الصالح: إِنَّكَ مِنْ الآمِنِين (2).

فانكشف عن الشيخ ومن معه بهذه الآية أكثر ما يجدونه من الحذر، وهبّوا خفافاً وامتطوا ظهور دوابّهم وأزمعوا السير يقتفون تخت رئيسهم، والعبد الصالح كبّة معهم على الطريق السلطاني، وقد توجّهوا تلقاء مَدْين دار السلام.

ومُذ صاروا عن الخان ميلاً أو أكثر وإذا بجماعة من الشيعة جاؤوا لاستقبال الشيخ، فنزلوا عن ظهور دوابّهم وحيّوه وقبّلوا يديه وركبوا ورجعوا القهقرى. وأخذ الشيخ وصحبه كلّما قطعوا وادياً أو ارتقوا ربوة وجدوا جماعة من وجوه الشيعة خرجوا لاستقبالهم من عشرة عشرة ،وعشرين وعشرين، وهم مستبشرون بقدومهم مع عميدهم وهكذا:

ولو أنّ البطاحَ تملكُ نطقاً*** لسمعت التأهيلَ والترحيبا


1) القصص (28): 25

2) القصص (28): 31

حتّى أشرفوا على الكرخ وقد تكمّلوا جمّاً غفيراً من العرب والعجم والهنود وغيرهم من الإماميّة إلى أن بلغوا باب دار السلام ممّا يلي الرصافة بعدما عبروا المسعودي(1). فدخلوا على تلك الصفة، وقطعوا الأزقّة إلى الجسر بهيئة حسنة وأبّهة كاملة.

وترجّل من أكابرهم جماعة، وأحاطوا بالتخت وقادوه إكراماً وإعظاماً حتّى عبروا به الجسر إلى الجانب الآخر، وكان دار الإمارة مشرفاً عليه، فأخرجت الأُمراء والكتّاب ورؤساء الجند رؤوسهم من الرواشن ينظرون إليهم، فرأوا من تكاثرهم على موئل رأيهم ومبين أحكامهم ما ساءهم، فتعجّبوا من ذلك واستعظموه.

فلمّا اكتملوا بالجانب الآخر أخذوا ذات اليمين على السوق إلى دار العبد الصالح كبّة، فانحاز الناس عنهم، وأخلوا لهم الطريق وهم ينظرون شيئاً لم يروا مثله من تسديد الحجّة (عجّل الله فرجه)، ودخل الرعب في قلوب أعداء الدين لمّا لاح لهم ذلك.

إن عُدّ أهلُ النهى كانوا أئمّتهم*** أو قيلَ مَنْ خيرُ هذا الخلق قيل هُمْ (2)

إن عُدّ أهلُ التقى كانوا أئمّتهم ***أو قيلَ مَنْ خيرُ أهل الأرض؟ قيل: هُمْ

ينظر: شرح ديوان الفرزدق، إيليا الحاوي 2: 355.

فقطعوا الأزقّة والأسواق إلى أن وصلوا آخر النهار إلى دار العبد الصالح كبّة، وكانت داره من عهد أبيه معدّاً للضيوف خصوصاً للعلماء الواردين إلى دار السلام.

وحينئذٍ نزل الشيخ من مركبه ودخل الدار وارتقى إلى المكان الذي أُعدّ له وكذا أصحابه، وتفرّق الناس إلى مضاربهم، وأدّى المكتوبة، واستراح هو ومن معه من وعثاء السفر :

فألقت عصاها واستقرّ بها النوى

وأذّن مؤذّن المغرب فتهيّأ وا للصلاة، ولما فرغوا قدّمت لهم الموائد فأكلوا وشربوا وحمدوا الله وشكروه وباتوا بأهنأ ليلة.

فلمّا أصبحوا وارتفع قرص الشمس إلى ثلث الأُفق جلس الشيخ للزائرين. وبلغ خبر وروده إلى علماء كربلاء ممّن دعاهم الوزير فأسرعوا قادمين وكانوا بحظيرة القدس في


1) جسر المسعودي أحد جسور بغداد، ويُسمّى في العصر الحاضر بجسر (الخِرّ).

2) هذا البيت للفرزدق وقد ورد على هذا النحو:

مقابر قريش عند الجوادين(عليهم السلام)، فدخلوا على الشيخ. فما استقرّ بهم المجلس - وكان غاصّاً بأهله من وجوه الفرقة المحقّة ببغداد - إلّا وقد دخل قائد من قوّاد الوزير ذو خدم و حشم حتّى ورد المجلس و حيّا الشيخ ومن معه بالمعتاد لهم. ثمّ رحّب بالشيخ وقال: إنّ الوالي أرسلني وهو يخصّك بالسلام ويقول: لم تلقَ إن شاء الله في سفرك هذا نصباً.

فقال الشيخ: أبلغه عنّي التحيّة و قل له: امتثال أمر الدولة مطاع، والعناء يذهب ونلتقي إن شاء الله تعالى، فإذا رأى ما بي من ضعف البنية عرف أنّي كيف قادني الشوق إليه وبادرت لامتثال أمره.

فطلب القائد الإذن بالانصراف ، فأذن الشيخ له فقام وانصرف ولم يحتفل الشيخ به، لكن الله أودع حبّه في قلبه، فإنّه لمّا شيّعه الصالح قال: هنيئاً لكَ أدخلت وليّاً من أولياء الله دارك، وإنّ الله تعالى أودع في قلبي حبّه لما رأيته في الغري حينما نزلنا تكيته بخدمة الوالي، ثمّ مضى لشأنه.

وما ولّى حتّى دخل على أثره أربعة أنفار معمّمين على هيئة طلبة أهل السنّة والجماعة. وفيهم رجل أبيض اللحية قد طعن في السن والباقي كهول، فسلّموا وجلسوا وسار الصالح الشيخ بأنّ هذا أمين الفتوى فرحّب به وأدنى مجلسه. ولمّا استقرّ به الجلوس أخرج من كمّه ورقة طويلة الحجم وسلّمها إلى الشيخ بتأدّب، ففتحها الحسن وتلاها على أصحابه فإذا فيها على ما بلغني ممّن كان مع الوالد مع اختلاف يسير. وفيها بعد

خطبة تشمل على الحمد والصلاة على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم):

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سؤال: ما قول أئمّة الدين، وعلماء المسلمين، ومرشد الطريقة، وجامعي الشريعة والحقيقة، من ساكني دار السلام وغيرهم من الأعلام في جماعة يقولون كلمة الإسلام. ويدّعون أنّ لهم قائداً يطلقون عليه «الباب»، ويزعمون أنّ له أركاناً وله كتاب غير الكتاب العزيز، فما حكمه وحكم متابعيه، وما يجب على وليّ الأمر فيهم وفيه، ويلحقون بدار الحرب أم لا ؟

الجواب: جمهور أهل السنّة، بل المسلمون كافة [على] أنّ خرق الإجماع القطعي الذي

صار من ضروريّات الدين كفر، وبه صُرّح في خزانة الجرجاني والمحيط البرهاني وأحكام الرازي وأصول البزودي، ولا كتاب بعد الكتاب المنزل، فلا شكّ في إلحاق هؤلاء وشبههم من أهل البدع بدار الكفر بنصّ الكتاب، قال تعالى: جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ (1). وليس الفساد إلّا خلاف ما عليه المسلمون قاطبة، فهم من أهل الردّة، وقد استباح الصدّيق إلحاقهم بدار الحرب بمنعهم الزكاة، فكيف بمثل هذه الدعاوي الفظيعة. ولا ريب في إكفار من قال بالربط العادي، والتشبيه والتجسيم والجهة، والأُصول الثلاثة، وقِدَم العالم والجواهر، وتلازم الأسباب الطبيعيّة في التوليد، والعقول المجرّدة، والنفوس الفلكيّة، والقوى المتخيّلة في الإنسان من حيث استيلائها على القوّة العاقلة وصرفها عن جانب القدس إلى الشهوات واللذّات الحسّيّة الوهميّة ،فنسبة ذلك أو بعضه كفر وإكفار، والله تعالى أكمل الدين بآية الإكمال(2). وغير أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمجوس لم يعهد ولم نسمع به، فإكفار هذه الفرقة من المبدعين ومتابعيهم والراضين بفعالهم والمساعدين لهم وإلحاقهم بدار الحرب مما عليه الفتوى. ومن مختارات النوازل تبجيل الكافر كفر، فمن سلّم على الذمّى تبجيلاً كَفَر .

وفي آخرها نسبة الكفر لجماعة معلومين مشخّصين، وجعلهم من التابعين لهم، منهم العجمي السابق الذكر الذي أتى بالأسفار.

و آخرها: حرّر بيراع أبو الثناء شهاب الدين المفتي ببغداد (عفا الله عنه).

وفي هامشها خطوط جماعة من علماء أهل السنّة بتصحيح ذلك كلّه لم يحضرني أسماؤهم.

فلمّا أحاط الحسن ومن معه بها خُبراً التفت إلى أمين الفتوى مستفهماً عمّا جاء به، فقال: زيّن هذا الطرس بقلمك، واختمه بخاتمك بأمر حضرة المفتي ليكون العمل عليه بإجماع علماء الإسلام.


1) المائدة (5): 33

2) قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. المائدة (5) : 3.

فقبض الشيخ على كريمته وقال: إنّ ما عليه الجمهور لا ينكر، غير أن المتسرّع بالفتوى في خطر عظيم ما لم يتبصّر ويجدّ ويجتهد فيما يدين الله به، وقد اشتملت الورقة على مسائل ينبغي أن تُلْحظ ، ونحن على جناح سفر فإن استقرّ بنا المقام نظرنا في نتائج هذا الكلام (وعند الصباح يحمد القوم السرى).

فسكت أمين الفتوى ولم يتكلّم، وطوى كتابه، وقام من حينه بمن صحبه.

فلمّا توارى شخصه أقبل الشيخ بوجهه على الجماعة، وقال: هذا أمر لا ينبغي لي أن أعترف بشيء منه أو أمضيه وأخشى أن يكون مقدّمة لأمر آخر، فإنّا إن وافقناهم ولو على الضروري وقعنا في أمر لا يسعنا إنكاره وهو خطر عظيم. فقال الجماعة: وما ذا تری؟ قال: ننظر إلى ما يكون إليه المآل، فإذا بلغت التقيّة الدماء فلا تقيّة ونستعين بالله وبصاحب الشريعة عليهم.

فقال الجماعة: الرأي رأيك، إلّا الميرزا حسن، قال: نفارقهم إلى إيران.

وكلّ مكانِ يُنْبِتُ العِزّ طيّب

فلم يستصوب الشيخ ولا الجماعة رأيه.

وقال بعضهم: الرأي أن نوافقهم حسب الإمكان كما أُمرنا بذلك ولا ندخل على أنفسنا سبيلاً. فقال الشيخ: ذلك أدهى وأمرّ، معنا من يعيننا عليهم:

فعارٌ على حامي الحمى وهو في الحمى*** إذا ظلّ في البيدا عِقالُ بعيرِ

ثمّ أمسكوا وبقوا يومهم ذلك وليلتهم في تشويش وتفكّر. فلمّا أصبحوا وتصرّم من اليوم بعضه والشيخ في مجلسه، والشيعة تختلف إليه حتّى من كان في القرى المحيطة ببغداد، فدخل عليهم ذلك القائد الذي جاء سابقاً وقبّل يد الشيخ، ثمّ أخرج رقعة ودفعها إليه، ففضّها وإذا مرسوم فيها استدعاء الشيخ ومن معه إلى قصر الإمارة غداً أوّل النهار من الوالي، فأنعم الحسن بالقبول، وخرج القائد على أثره.

ولمّا انقضى زمن المهلة، وحان حين الوقت، واجتمعت الجماعة نزل الشيخ من المكان الذي أُعد ّله محتبي بجبّة خرّ ضافية عليه، أهداها له بعض أُمراء إيران ....

قال المهديّ(رحمۀ الله علیه): فانحدر ونزلنا بأثره إلى صحن الدار عازمين إلى ما دُعينا إليه متوكّلين

على الحيّ القيّوم، مستغيثين بصاحب الأمر، وحينئذٍ قُدّمت له بغلة الصالح كبّة الشهباء، فركبها وأحاطت به العلماء ممّن صحبه وغيرهم، فخرجوا وإمامهم أمامهم، ومرّ بمن معه في الأزقّة والأسواق فلا يلوي على أحدٍ إلّا قام إجلالاً له، ورمقتهم الأبصار، وتبعهم من الإماميّة خلق كثير حتّى إذا ما بلغوا دار الإمارة وجدوا الحُجّاب صفّين ببابه كالبنيان المرصوص، فدخل الشيخ الصراي الأوّل وإذا به مملوء من الناس نساءً ورجالاً من كلِّ

ملّة وأهل النوبة مصطفّون إلى باب الصراي الآخر يحولون بين الناس وبين الطريق.

فلمّا دخل الثاني وهو على بغلته، وصحابته خلفه وإذا به كالأوّل من الخلق، ورأوا القوّاد والشرطة وأهل النوبة وأُمراء الجند كُلّاً على مرتبته واقفين ينظرون من طرف خفي، والشيخ ومن معه في أبّهة تسرّ الصديق وتكبت العدوّ. فلمّا توسّط دار الإمارة صلّى بعض الشيعة على النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم) بأعلى صوته، فصلّى من حضر من الناس كذلك، وارتفعت الأصوات بالصلوات.

وقبل أن يحاذي المقصورة العظمى التي هي محلّ الأمر والنهي والفتق والرتق والمجلس العمومي فيها خرج من غرفة مجاورة لها رجلٌ إلى الطول أميل، خفيف العارضين، متقلّداً سيفه، مسدلاً على صدره نيشانه المرصّع، فأسرع إلى الشيخ وأخذ بلجام بغلته، وسأله النزول بباب غرفته. وذلك الرجل يدعى بصادق بك (مدار أُمور الولاية)ويطلق عليه(الكهية). فترجّل الحسن ودخل ومن معه الغرفة، وأمر لهم الكهية المذكور بما يناسب من الإكرامات.

وكان طريق المقصورة العظمى على تلك الغرفة، فنظر الجماعة إلى علماء أهل السنّة يمرّون ولا يمنعون إلى مقصورة الولاية الكبرى، فأخبروا الشيخ رمزاً بذلك، فانزعج و وجّه الخطاب إلى الكهية المزبور بأنّك حبستني عندك وعلماؤكم تمرٌ علينا ولم تحبسهم، أما والله تعالى إنّ وجدت أنّ المكان المعدّ لنا غير لائق بنا أو في صفّ النعال رجعت على أثري بمن معي فإنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين. فقال الكهية: خفض عليك يا حسن أفندي، فلعلّ في ذلك لك تمام الصلاح فإنّ الوزير والدستور الكبير لا يبغي بك بدلاً ولا يقدّم عليك أحداً فأبشر.

وما تمّ كلامه حتّى صدر الإذن بدخول الشيخ وتبعته إلى المقصورة العظمى المسمّاة بـ«الجمالي». فنهض والجماعة في أثره وكانوا أكثر من ثلاثين حتّى دخلوا ذلك المحلّ وإذا به محلّ واسع طوله أكثر من ستّين ذراعاً باليد في عرض خمسة وعشرين ذراعاً كذلك، والوزير في صدره في وسط القبّة، وعلى شماله ممّا يلي دجلة علماء أهل السنّة جلوس إلى آخره يزيدون على المائة والعشرين. وفي طرف اليمين لم يجلس أحد سوى إسماعيل خان المنصوب من سلطان إيران لحراسة رعيته في عرض المقصورة.

فلمّا أبصر الوزير الشيخ نهض قائماً وقام كلّ من حضر، ومضى الحسن على رسله إلى أن وصل إليه بعد أن استقبله خطوات وجلس إلى جنبه، وجلست أصحابه بحذائه كلٌّ على رتبته. وكان أقرب الناس إليه السيّد إبراهيم القزويني وبعده محمّد ابن أخيه. وهكذا إلى أن انتهى مجلسهم بالخان المزبور فلم يستوفوا بالجلوس ثلث المقصورة وقليل ما همكَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ(1). ومُذ اطمأنّ بهم المجلس ارتدّت من الناس الأنفاس، وسكنت الحواسّ ممّن هو في ساحة دار الإمارة ممّن ضاقت به الساحة. فأسرع إلى حذاء القصر ممّا يلى الدجلة فإنّ للمقصورة الكبرى أبواباً يرى الجالس فيها من طرف الدجلة كما يرى من ساحة ذلك الصرح فبقي من في تلك المضارب يسارقون المجلس بالنظر وهم بتمام الدهشة كأنّما على رؤوسهم الطير فرحّب الوزير بهم وحيّاهم، وعطف على الشيخ وقال: أزعجناك وأزحمناك في كانون، وانجلى إن شاء الله تعالى ما تجد. فأجابه: إنّي كثيراً ما يختلج بخاطري أن أزورك غير أنّ ضعف البنية يمنعني من ذلك، فأجتزئ عن ذلك بالدعاء للدولة العلية ولو كلائها خصوصاً حضرتكم في روضة أسد الله الغالب باب مدينة العلم علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ولا شك أنّ دعائي وسائر أهل التحصيل مستجاب لدى بارئ النسم؛ لأنّه غير منوط بطمع، ولا مأخوذ عليه الأجر، وإن كنّا في أمن واستراحة فإنّ الدعاء لحافظ الثغور من الواجبات العينيّة.

فساء المفتي ذلك وهو إذ ذلك أبو الثناء شهاب الدين السيّد محمود أفندي آلوسي زاده، ويدّعي العلم والمعرفة والإحاطة بالمعقول والمنقول، وله روح المعاني التفسير الذي


1) البقرة (2):249

يزعم أنّه لم يكتب مثله، فخاطب الشيخ وكان ثالث ثلاثة عن شمال الوزير وقال: يا حسن أفندي، إنّ الدعاء مع الإحسان أشدّ إخلاصاً وأقرب للإجابة.

فضحك الحسن وقال: أين ظلّت مطيتُك يا حسّان؟!. إنّ الدعاء لوليّ الأمر عبادة تناط بالإخلاص والقربة، وأخذ الجعل والإجارة ينافي الخلوص في النيّة، ولذلك تركتْهُ الأولياء، وكان المتعفّف منهم أوقع في النفوس مثل ابن عربي، والغزالي، والبسطامي، والحلّاج، وغيرهم. أَوَ ما بلغك أنّ عمرو بن عبيد، لمّا استدعاه المنصور الخليفة الدوانيقي من البصرة قال: أتدعو لي؟ قال: نعم، قال: سل حاجتك، قال: ما لي سوى حاجة واحدة وهي أن لا تدعوني حتّى آتيك، فقال له: إذاً لا نلتقي(1). وهذه سمة الأولياء والسلف الماضي.

فقال: الدعاء للإحسان لا للأجر المنافي للإخلاص، قال: وترك القبول أولى وأخلص كي لا يجزع إن انقطع فيكون ممّن قال تعالى فيهم: وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَتِ (2). فإنّا نرى بالوجدان أنّه متى تأخرّ نجم من نجوم معاشه المقرّر - فضلاً عن قطعه - ينقلب المدح بالذّم فضلاً عن ترك الدعاء.

ثمّ التفت إلى الوزير وبسط راحتيه ودعا بأعلى صوته بما يقتضيه المقام للسلطان مورّياً دعاءٌ خفيفاً إلى أن أعلن بآمین فصاحت الناس آمين جميعاً، فسرّ الوزير بذلك، ولاح البِشْرُ في وجهه.

ثمّ التفت الوزير إلى ورائه فتناول عِيبَةً فيها قراطيس وألقاها بين يدي الحسن، ففتحها وأخرج ما فيها ... فوجدها الأسفار التي جاء بها ذلك العجمي، فألقاها من يده في الأرض وهزّ يده.

أقول: واطّلعني بعض الأصدقاء بعد مدّة على ورقة زعم أنّها من تلك الأسفار، فوجدت فيها: «والنجم السيّار، والفلك الدوّار واختلاف الليل والنهار، ما في العالم العلوي ولا السفلي، سوى الباب اللاهوتي والشأن الملكوتي، قِفْ أثر من كان قبلك من النبيّين، فإنّ


1) تاریخ بغداد الخطيب البغدادي 12: 169.

2) التوبة (9): 58

المبدأ الأزل، فاقمع زيغ مَنْ ألحد، وظلّ عن الطريق بما كان ويكون». انتهى ما يخطر يبالي من تلك الورقة.

وبعد مدّة كنت أقرأ المطوّل عند الشيخ الفاضل إبراهيم قفطان(رحمۀ الله علیه)، وبيدي معاهد التنصيص(1)فمررت بترجمة المتنبّي الشاعر المعروف فوجدت هذه الفقرات بتغيير يسير فما ادّعى النبوّة فيه، فعرفت أنّها ملفّقات بلا معنى ولا مبنى أعاذنا الله من الجنون الابليسي.

ثمّ قال الحسن: أفندم، نحن في جوار المرقد العلوي، وهو قصر في وسط البيداء بوادٍ غير ذي زرع، وحرم تقصده الناس من كلّ فجٍّ عميق على اختلاف مللها وطرائقها، ومن سائر أصناف الدراويش، وأرباب الفال، وأغلب مَنْ يأتي من هذه المقولة نجده على خلاف ما عليه جملة المسلمين، فواحدٌ بیده «طوط» وله مردة يزعمون أنّه مرشد وآخر له بساط فيه أسباب يزعم أنّه يفرّق بين المرء وزوجه، وأنّه يسخّر الجنّ، وأنّه يجلب الحبّ، فتجتمع عليه نواقص العقول ويتوصّل بذلك إلى معاشه، وبعض يلعب بالدفوف وبيده حديدة محماة يضرب بها صدره وبطنه ويستخرجها من جانب لجانب، ويدّعي أنّه من نسل سيّدنا الرفاعي، وأنّ هذه سجّيته، افتراءٌ عليه فيما حرّم الله تعالى، وبعض يصفق ويغنّي وينشر شعره ويغيّب نفسه عن الوجود ويدّعي أنّه من الأقطاب بإظهار الجنون، وبعضٌ يترك الواجبات بأسرها ويدّعي أنّه وصل إلى الحقّ اليقين، فلو اعترض عليه يقول: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(2).

وأمثال هؤلاء أكثر من أن يحصى أو يستقصى، فلو أنّا نعاقب كلّ من يدخل إلينا من هذا النسق، أو من أرباب العقائد الفاسدة، ويسألنا الوالي عنهم لما قرّ لنا قرار، ولكن لكلّ مرض دواء، ودواء مثل ذلك الإعراض عنه وعدم الاحتفال به، يتلاشى بالطبع ويضمحِلُّ ولا يبقى له أثر، وإذا اتّبعنا أثرهم تزايدوا «والمرء حريص على ما مُنع»، ولو كشف لي الغطاء بأنّك استدعيتنا لذلك لذكرت لحضرتكم الرأي المصيب فيه، لكن الخير فيما وقع.

فدخل ذلك في عقل الوزير واستصوبه، والتفت إلى المفتي بالإشارة والمفتي المرقوم


1) كتاب معاهد التنصيص على شواهد التلخيص لعبد الرحمن العبّاسي المتوفى سنة 963هـ.

2) الحجر (15): 99

كان متميّزاً من بين أقرانه بالعلم والفضل والإحاطة، وله مصنّفات كثيرة خصوصاً في المعقول. وكان لسناً أديباً فصيحاً بارعاً في النحو والصرف والبيان جدلاً وقيحاً ألدّ الخصام، فبرز قليلاً عن أصحابه بحيث تميّز تقدّمه، ونادى: يا حسن أفندي، هذه بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، ونخشى أن يكون بسببها إكفار خلق كثير، فيجب على وليّ الأمر ونوّابه وسائر العلماء أن يجتهدوا في محوها ويعاقبوا عليها بالقتل والحرق والتمثيل،

وليس ذلك ممّن ذكرت والمقيس غير المقيس عليه؛ للفرق الواضح بينهما، مع بطلان القياس عندكم وكون ذلك ممّا يقضي به الاعتبار، فيكون المستند في الإعراض عنهم العقل أيضاً لا يجدي؛ لتوقّفه على تجريده من شوائب الوهم والألف والعادة والاحتراز من الخطأ في الترتيب والعلم بخلوصه ممّا يخلّ، وكلّ ذلك مفقود فيما نحن فيه إن لم يقض العقل بمحو ذلك للزوم الفساد، فما تقول؟

ثمّ سكت، وترجم ذلك كلّه للوزير بلغته التركية.

فتقدّم الحسن بن جعفر حتّى ترك الوزير خلفه، وقال له: لقد طاش سهمك:

وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن*** لم يستطع صولة البزل القناعيس

إنّا لم ننكر لزوم إزالة الفساد ومحو البدع عيناً أو كفاية؛ فإنّه من الضروريّت ولا يحتاج إلى إقامة البرهان، وكذا ما يتوقّف عليه لوجوب ما يتوقّف عليه الواجب، غير أنّ المقدّمات مختلفة، فمنها ما يحصل به ذو المقدّمة من دون ترتّب فساد آخر من نهب أو قتل أو إضرار، ومنها ما يحصل به المطلوب بسهولة، ومتى انحصرت لوحظ الأهمّ ما بين الضرر الناشئ من فعل المقدّمة وإن حصل به المطلوب وما بين الناشئ من تركها والإعراض عن المأمور به، وإلى ذلك ينظر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لمّا صالح بعض الكفرة المأمور بنصّ الكتاب بقتالهم في قوله تعالى: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةٌ(1)الخ. ولا يناسب ذلك المصالحة وأخذ الفداء والهدنة حتّى ترك الحجّ ورجع كلّ ذلك بمرأى من الصحابة ومسمع وسببه أنّ الإسلام إذا ضرب بجرانه(2)وقويت أهله ضعف الجانب الآخر.


1) التوبة (9): 36.

2) ضرب بجرانه: استقرّ وثبت.

وفيما نحن فيه إذا أمكن محو هذه الفرقة المنحوسة بغير القتل والتمثيل من لطائف الحيل وجب ارتكابه؛ لِما في الأوّل من الضرر وأقلّه أخذ البريء بالمذنب والحمل على العقوق فيُعرِضُ ولي الأمر عنهم كأن لم يكونوا، ويضع المراصيد عليهم ويغتالهم، ولا يجعلهم طرفاً مقابلاً فيتعاظم أمرهم ويلحق بهم غيرهم، فإنّ النفوس للطمع مجبولة على حبّ الفساد، فلا ريب أنّ ذلك أولى له أُسوة بمن سبق. وقولك: «إنّ المقيس عليه غير المقيس وفرقٌ بينهما» فيه تمام المؤاخذة ضرورة أنّ القائل بالقياس يرى أنّ أصل الحكم إذا كان مأخوذاً من الشارع يقاس عليه. ولا ريب أنّ الحكم فيمن ذكرناه مأخوذ من الشارع فهو من موضوع القياس، وأيّ فرق بينهما؟ وإنِّي أُحذّرك بطش الله تعالى في تأجُّج نائرة عظيمة يهلك بها خلق كثير. ألم تدر أنّ أهل التشيّع كلّهم من جهة إرسالكم إلى علمائهم فى حيص بيص(1)، واضطراب ؟ وقد خيّل لهم الشيطان بعض الخيالات ، فإخماد هذه النائرة وأخذها بالأمور السياسيّة أولى.

ثمّ أمسك وترجم للوزير ذلك أو بعضه بالتركيّة.

ولمّا أتمّ المترجم قال المفتي: دعْ عنك يا حسن أفندي هذا، فإنّا قد أفتينا بارتدادهم وسفك دمائهم، وقد نصبنا السلطان لذلك فيجب على القاضي أن يحكم طبق الفتوى، ويلزم إجراء الحكم ولا يجوز الردّ ولا النقض.

فأجابه: إن كان الأمر كما تذكر فما السبب لإحضارنا؟! فإنّ فصل الحكومة يحصل من قاض واحد، وجمع الحكّام في مسألة أو نزاع إمّا لجهة إعانة الحاكم في مقدّمات الحكم كي لا يخطئ، و إمّا لإنفاذ الحكم فيما لو حكم به أحدهم. وما ذكرته متوقّف على أُمور ينبغي أن تلحظ كي لا يكون الحكم والفتوى بغير ما أنزل الله تعالى خصوصاً في مسألة الدماء.

منها: التفكّر في أصل المسألة التي صدرت الفتوى بها في أنّها محلّ خلاف، أم من المتّفق عليه ؟ وعلى الأوّل ينظر في وَهْنِ قول المخالف وعدمه.

ومنها: لزوم إحراز الموضوع فقد تكون المناقشة في الصغرى.


1) حَيْصَ بيص: ضيق وشدّة.

ومنها: إنّ السلطان إذا نصب مفتياً أو عيّن قاضياً وأفتى ذلك المفتي على طبق مذهبه مع مخالفته لباقي المذاهب أو بعضها فهل يجب على من خالفه إنفاذ تلك الفتوى، ويلزم القاضي الحكم بها؟ أو للمخالف أن يردّ الفتوى حتّى يظهر رجحانها على غيرها بكون الأكثر عليها، أو صدور النصّ الصحيح بها أو غير ذلك من المرجّحات، فإذا ترجّحت تلك الفتوى بمرجّحها لزم القاضي الحكم بها، وإلّا توقّف أو حكم بضدّها حيث يكون الرجحان للطرف المقابل في مقام المرافعة. ولا فرق في ذلك بين أنواع المسائل وأصنافها غير الضروريّات.

بناءٌ عليه يلزمنا التدبّر في خصوص هذه الفتوى من جميع أطرافها، فإن وجدنا فيها موضعاً للاشتباه سألناك إما الرجوع عنها أو رفع الشبهة... .

ولمّا رأى المفتى توسّط ذكر السلطان انتهزها فرصة فقال: نعم، السلطان وليّ أُمور المسلمين فإذا نصب مفتياً أو قاضياً وعيّن له مذهباً خاصّاً من المذاهب تعيّن قبول تلك الفتوى من جهة أمره ولزم القاضي الحكم بما تضمنته... .

فقال الحسن: هذه مسألة يطول شرحها، ولكنّ الذي أُمرنا به: العمل بما وافق الكتاب والسنّة النبويّة وتطبيق الفروع على الأُصول في غير ما ورد النصّ فيه والرجوع إلى الأعلم الأعرف في غير المنصوص ؛ لأنّه أقرب إلى الواقع، ويلزم امتثال أوامر ولاة الأمر في السياسات وتقوية الإسلام، وأمّا فيما كان المرجع فيه الكتاب والسنّة فلا يأمر السلطان بخلافه، وإن أمر لا يجوز اتّباعه، وليس الحكم الشرعي يدور مدار أمره ونهيه، بل يدور مدار السنّة النبويّة، وإلّا لّا دوّنت الكتب وحفظت السنّة. وعلى ماترى لو أمر السلطان بلزوم متابعة الإمام الأعظم كما هو مذهبه الآن يقتضي أن لا يجوز العمل بباقي المذاهب ويحرم عليهم التديّن بغير ذلك. وهذا خلاف ما عليه الملّة الإسلاميّة.

نعم، يلزمك ترك الشاذّ النادر والتدبّر بما اختلفت فيه أهل المذاهب والحكم بأقوى الأمارتين، لكن بشرط أن لا يكون مذهباً محدثاً بحيث يلزم منه الخروج عن الإجماع فإنّ« ما رآه المؤمنون حسناً، فهو عند الله حسن»(1).


1) عوالي اللآلي 1: 381، ح 6، بتفاوت.

وفي كتاب المواعظ أنّ «الظاهر بيبرس»(1)

الظاهريّة الشهيرة.

سنة خمس وستّين وستّمائة لمّا رأى مذاهب الناس متشعبّة لهناتٍ كانت في أيّام السلطان صلاح الدين فحمل الناس على المذاهب الأربعة وولّى في مصر أربع قضاة لكلّ مذهب قاضٍ، وعملت لأهلها المدارس والخوانك(2)والزوايا والربط إلى آخر ما حُكي، فحينئذٍ لا يجب العمل بما طابق أحد المذاهب حتّى لو عيّن السلطان لمن نصبه للإفتاء ذلك، بل يكفي أن لا تخرج الفتوى عن جملة المذاهب، وأمسك.

والتفت المفتي إلى أصحاب الشيخ وقال لهم: إنّ جميعكم تقولون بهذا، وتوافقون الشيخ حسن أفندي؟ قالوا: نعم، والمترجم يلخّص القول ويترجم والوالي يقول: «أود» أي نعم. فقال المفتي : يا حسن أفندي تشيّع شطرك حيث حضرت المذاهب بالأربعة، فالمذهب الجعفري محدث؟

فجلس الحسن على ركبتيه واحمرّ وجهه، وخرج بكلّه عن المجلس وقال: اسمع وعِ، إنّ المذاهب كلّاً مرجعها إلى المذهب الجعفري، لأنّها لا تخرج عن السنّة وهو أصل لها. وقد أجمع جميع علماء الإسلام على قبول رواية جعفر بن محمّد عن آبائه عن النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم) عن جبرئيل عن الله تعالى، ولم يطعن طاعن في سلسلة روايته، وعبّر الكلّ عنها بسلسلة الذهب، ولا ذكر أحد عدم جامعيّة من يروي عنهم لجميع ما اشترط في قبول الرواية كما ذكر أهل الرجال في غيره من الأقاويل، فإنّ الكتب تنبئك عن توثيقه، ووفور علمه المتلقّى يداً بيد عن آبائه، وأهل البيت أدرى بما في البيت، والمنتخب من علماء أهل السنّة والإماميّة إنّما يتميّز؛ لأنّه أخذ منه أو من أحد آبائه أو أبنائه، فهو أصل لهذه المذاهب، وحكمه حكم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)بالنسبة إلى العلماء، لا أنّه مذهب في عرض هذه المذاهب فيكون المقلّد مختاراً بين الرجوع إلى روايته ورواية غيره، بل هم كلّهم طُرُق للوصول إليه أو إلى أحد آبائه.


1) هو الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلائي البندقداري، ولد سنة 625 هـ وتولّى حكم مصر والشام سنة 658، وهو رابع سلاطين الدولة المملوكيّة ومؤسّسها الحقيقي. وتوفّي بدمشق يوم الخميس 27 محرّم سنة 676 ، وبنيت حول مرقده المكتبة

2) الخوانك: جمع خانكاه.

نعم، إن لم يكن له أو لأحد آبائه رواية في حكم يرجع فيها إلى أحد أعيان الصحابة ويؤخذ بالأوثق الأعرف منهم، بل إذا دار الأمر بين رواية أحد الصحابة وبين رواية عليّ(عليه السلام)عن النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)في مقام الاختلاف يلزم الأخذ برواية عليّ(عليه السلام)؛ لأنه أقرب إلى النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)في خلواته، كما نصّ عليه ابن حجر.

والعجب منك مع وفور علمك، وجودة فهمك، وإحاطتك بالسنن أن تتفوّه بأنّ المذهب الجعفري مذهب في عرض المذاهب، ثمّ تقول: إنّه محدث!! ولو ادّعيت الحدوث في غيره لكان أولى، فإنّا اجتهدنا كثيراً في الاستدلال على لزوم حصر الرجوع إلى هؤلاء العلماء الأربعة فلم نجد دليلاً وافياً بذلك بحيث لا يردّ عليه سوى الإجماع المدّعى مع إمكان المناقشة فيه، وكونهم أقرب طرق الإيصال إلى معرفة حكم الله تعالى لا دليل عليها من عقل ولا نقل؛ لأنّ العلماء لا تتناهى، فلعلّ في الناس من هو أعلم منهم بخلاف الأقربيّة التي ندّعيها؛ لأنّ منشأها الوثوق بالراوي في الرواية بالحكم المتضمّنة له، فكأنّها مسموعة شفاهاً من النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)، فنرجع إلى اللغة والعرف في المعنى ونجتهد في ذلك، وهذا معنى فَتْحِنا لباب الاجتهاد. ثمّ نجتهد أيضاً في توثيق من يروي عنهم بالطرق المألوفة، ومن هنا حرّمنا القياس؛ لعدم احتياجنا إليه مع إمكان أخذ الحكم من معدنه .

وما كان يمرّ ببالي أو يختلج في خاطري أنّ مثلك وأشباهك من ذوي المعرفة والوصول ترى أنّ ما تتعبّد به الإماميّة مذهباً كسائر المذاهب، كأنّك لا تدري أنّ المذاهب ترجع إليه. ولا تَقُل: إنّ السابقين من ولاة الأمر لأيّ شيء لم تحمل الناس عليه فإنّ سببه واضح؛ لأنّ الولاة حملوا الناس على التديّن بدين النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)، وعلى الرجوع إلى من يروي عنه بطريق موثوق. وحيث كان العلماء الأربعة من أهل المناصب في عهد سلاطين بني العبّاس فأُوجبت شهرتهم بين الناس، وإنّ من يروي عن الصادق(عليه السلام)وآبائه(عليهم السلام)من المنزوين في زوايا الخمول ولا تعرفهم الولاة ولم يتعرّضوا لمنصب أو لمراجعة الولاة، فلذلك لم يرشدوا الناس إليهم، ولو أنّهم عرفوهم وبان لهم فضلهم لأرشدوا الناس إليهم؛ فإنّ الرواة عن الصادق وآبائه(عليهم السلام)فيهم من لا ينقص عن العلماء الأربعة، وناهيك بذلك

كتبهم ومصنّفاتهم في الأُصول والفروع والحكمة والكلام. نعم، لا ننكر أنّ العلماء الأربعة من أجلّ علماء الإسلام جدّوا فاجتهدوا. وأفضلهم على الظاهر الإمام الأعظم. لأنّه قرأ على جعفر بن محمّد كما ذكر في ترجمته. وهذا من ذاك.

ثمّ إنّ المفتي قال: يا شيخ حسن أفندي، إنّي الآن في المجلس أثبت عند القاضي ارتداد هذا الشخص المحبوس الذي جاء بهذه الأسفار بحضوركم، وآخذه بإقراره فيحكم القاضي أيضاً بما يدين الله فيه وأنتم تنظرون، فإن وجدتم نقصاً في مقدّمات الحكم أو عيباً في الفتوى أُذكروه لننظر أنّه عن أصل ثابت أو من فضول الكلام.

فقال الشيخ(رحمۀ الله علیه): ما في ذلك بأس، فإنّ من وظيفة السلطان ونوّابه والعلماء المتمكّنين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذلك.

ثمّ سأله : ومَنْ هذا الرجل المحبوس؟

قال: هو رجل يدّعي أنّ اسمه الداعي إلى «الباب»، وأنّه من «النوّاب».

ثمّ التفت إلى باب المقصورة وقال: عليّ بالشهود، فحضر رجلان أحدهما معمّم بعمامة سوداء عظيم الجثّة طويل القامة قد حلق لحيته، والآخر على رأسه عقال من أواسط الناس. فابتدأ بسؤال وسأله ما عنك من الشهادة على هذا العجمي المحبوس.

قال: كنت أمس معه في الحبس فسألته ما سبب تقييدك وحبسك؟ قال: أنا الداعي إلى «الباب» وإنّي مؤمن به وبكتابه.

ثمّ تنحّى وسأل الآخر، فأجاب بما أجاب به الأوّل، لكنّهما اختلفا في المدّة.

فعطف الحسن على أصحاب المفتي وقال لهم : أتعرفون الشاهدين وتوثقونهما؟ فسبق المفتي وقال للشاهدين : استغفرا ربّكما وتوبا إليه، ثمّ اشهدا ثانياً، ففعلا.

فقال الشيخ: أحببت أن أعلم أنّ حبسهما كان ظلماً أم أنّهما ارتكبا خلاف المشروع فاستحقّا ذلك؟ ولكنّي الآن أعرضت عن ذلك. نعم، ينبغي أن تقام البيّنة عليه بحضوره فعساه أن يتعلّق بشيء يزيل حكم هذه البيّنة. ولمّا فهم الوزير بالترجمة ذلك أشار بيده. قال أبو الحسن العلوي العاملي: والله لقد كان جلوسي حذاء باب مفتوح من المقصورة مشرف على ساحة القصر، فرأيت الناس قاموا وهي تموج بعضها في بعض واختلط

الرجال بالنساء وهجم من كان خارجاً على القصر وهي تترى، وكان الحبس خارج القصر في موضع متّصل به، فلم نشعر إلّا وقد قادوا رجلاً معمّماً بسلسلة من حديد وهو مقيّد وأمامه أربعة من الشرطة وخلفه مثلهم وهم ينحّون الناس عنه بأعمدة من حديد حتّى صعدوا به إلى باب المقصورة، وتداكّت الناس على المقصورة حتّى وطئ بعضهم بعضاً ...

قال أبو الحسن: وانتهى بالرجل إلى وسط المقصورة، فلمّا نظر إليه الحسن قال : دعوه حتّى يرتدٌ إليه روعه ... .

... فاستأذن الحسن المفتي في أن يسأله فأذن له.

فقال له: من أنت؟ ومن أين أتيت؟

أجاب: إنّي من فارس من توابع عراق العجم، وأرسلني الباب إلى هذا الطرف لأدعوهم إليه. فقال الشيخ: وما الباب؟ قال: رجل مثلكم يدّعي أنّه قطب العالم، وأنّ به قوام الأفلاك، وأنا مع جماعة صدّقنا مقالته. قال: وما أرسل معك. قال: الأسفار التي انتهبتموها في الغريّ.

فالتفت الشيخ إلينا وقال: هذا صاحبكم العجمي ؟ قلنا: نعم، قال: يا سبحان الله ممّا وقع عليه ولّى إلى أهله هارباً.

ثمّ عطف الشيخ عليه وقال له: أنت مؤمن بالذي أرسلك وبهذه الأسفار ومصدّق بما يدّعيه من خلاف المذهب وممّا عليه عامّة المسلمين؟

فقال بلسان عربي واضح نعم، قد كنت كما ذكرت من الاعتقاد به وأكثر، ولكن قبل يومين تفكّرت في أمري وأنا من أهل العلم وراجعت نفسي واستعذت من الشيطان، فوجدت أنّي على ضلالة و أنّي في الهاوية، وانكشف لي بطلان ذلك كلّه، فقمت وأسبغت الوضوء وصلّيت صلاة التوبة، وندمت على ما كان منّي وتبت إلى الله توبة نصوحاً، ولعنت الباب وأصحابه. فهل ترى لي يا شيخ من توبة وأنت إمام الملّة الإسلاميّة؟

فقال الشيخ : نعم، يتوب الله عليك ويدرأ الحدّ عنك.

وحينئذٍ أسفر المفتي عن ذراعه وقال: مهلاً يا حسن أفندي ! إنّ توبة المرتدّ الفطري غير مقبولة عند الإمام الأعظم وتجري عليه أحكام الكفر تاب أم لم يتُب.

فقال الشيخ: العقل يمنع من عدم قبولها؛ للزوم التكليف بما لا يطاق، لبقاء التكليف وامتناعه في حقٌ المرتدٌ، وآية: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا(1)لم تخصّص مع أنّها مقبولة في مذهب الإمام الأعظم.

قال المفتي: أنت مشتبه، هي غير مقبولة عنده.

قال الشيخ: بل أنت لا تدري، هي عنده مقبولة.

فتراداً ذلك ثلاثاً والعجمي واقف والجلّاد ينتظر الأمر بترتيب من المفتي، والناس على ما وصفنا، فرفع الوزير يديه فأمسكوا جميعاً عن الكلام، ثمّ أشار إلى المترجم فلخّص له المقالة والمنازعة، فقال: وما يقطع ذلك؟ قالوا: الكتب، فقال بالتركية: «كَتِرِن» أي أحضروها.

فصاح المفتي؛ تعال، فحضر غلامه فأمره أن يأتيه منه وَكْرَه بفتاوي أبي حنيفة، فأسرع الرسول وجاء بالكتاب، فقال الحسن: هاته، فظنّ المفتي أنّه يعجز عن إخراج الفتوى منه. قال: ادفعه إليه، فناوله إيّاه.

قال جميع من حضر : فوالله لقد فتحه ولم يقلب ورقة كأنّ له به علامة، ونحن ندعو ونبتهل أن لا يخجل الشيخ فيذهب مجلسنا كأمس الدابر ويكون الغلب له ولم يخطر لنا أنّ الشيخ أدرى منه بمذهبه، ولكن الباري هو المعين.

فقرأ الشيخ: «الخامس: المرتدّ عن فطرة يقتل ما لم يتب، فإن تاب درأ عنه الحدّ كغيره من الكفرة».

فألقى الحسن الكتاب من يده والتفت إلى الوزير وقال: أفندم، تنصبون للفتوى من لا يدري بمذهبه فيستبيح بذلك نفوس الناس وأموالهم، إنّ هذا لظلم عظيم! ففهم الوزير ذلك، ودخلنا من السرور والفرح ما يضيق عن وصفه نطاق اليراع .

ولمّا انتهى الحال إلى هنا والخلق بالكيفيّة التي ذكرناها رفع الوالي رأسه، فرجعوا


1) النساء (4): 94

بالعجمي، وعلت أصوات الشيعة بالصلوات، ثمّ أشار إلى علماء أهل السنّة فنهضوا جميعاً دفعة واحدة، ولا يبصر أحدهم موضع قدمه ممّا عراهم من الخجل والدهشة، وتسابقوا إلى الباب كلٌّ يريد الخروج قبل صاحبه تزاحم الإبل يوم خمسها لورود الماء. وتفرّق الناس وجلسوا في الأزقّة والأسواق على طريق الشيخ ليروه.

فلمّا خلا المكان والحسن وأصحابه جلوس التفت الوالي إلى الشيخ وقال: ينبغي للعلماء وسائر المسلمين إذا ظفروا بمثل ذلك أن يقطعوا شأفته بكلّ ما يمكن ويمحوا أثره. والتفت إلى علماء كربلاء وكان السيّد إبراهيم وأصحابه زهاء عشرة وقال: ما معنى بقاء هذا الرجل بين أظهركم أكثر من شهرين ولم تُعلمونا بذلك ولا صنعتم صنيع أهل الغري معه حتّى بلغني أنّه يرتقي الأعواد في صحن الروضتين، فما هذا؟ وأكثر بعتابهم، فاعتذروا واعتذر الحسن لهم بما هوّن به غضبه.

ثمّ استأذنوه بالرجوع إلى محلّهم فأذِنَ لهم، فلمّا نهض الحسن نهض الوزير مُشَيِّعاً له إلى نصف المقصورة وقال: إن شاء الله نجتمع أُخرى. ثمّ ودّعه وانحدر الشيخ بمن معه إلى ساحة القصر، وقُدّمت له بغلته فركبها ورجع مؤيّداً منصوراً، فكلما مرّ بملأ من الناس أشارت إليه بالأصابع.

له من عليّ القدر بُردة فخره*** وفصل قضاً من جعفر ٍماله ردّ

تورّث من موسى عصاهُ فأصبحت*** لنا يدُهُ البيضاء من يده تبدو

وكان زمان مجلسهم يوم الثلاثاء بعد مضيّ ثلاث ساعات من الدستة الذي هو ساعة غبّ طلوع الشمس إلى أن تعدّت الساعة العاشرة بحيث أن أوصل لمّا رجع صلاة الدلوكين بالعتمة.

ولقد سألنا الشيخ بعد خروجه: إنّك كنت تعلم بفتوى الحنفي في خصوص المرتدّ ؟ فقال: لا والله، ولكن سبرت أقوال العلماء في ساعتي تلك في خصوص هذه المسألة فذكرت أنّ ابن الجنيد من يرى قبول توبته وكثيراً ما يطابق أبي حنيفة بالفتوى، لذلك جزمت بها فكان ما رأيتم من تسديد إمامي، والحمد لله تعالى(1).


1) نبذة الغرى: 87 - 114: العبقات العنبريّة: 316 - 336.

ومن مناظراته مناظرته مع مفتي القاهرة، وقد نقلها ابنه الشيخ عبّاس ، قال:

ذكر لي من يوثق به: أنّه ورد إلى النجف الأشرف سنة ستّين بعد المائتين والألف مفتي مصر القاهرة بجلالة عظيمة، ومعه بعض طلبته، وهو يدّعي دعاوى كثيرة كبيرة، فسأل عن علماء النجف وقال: إنّي أُريد أن ألقاهم فأفحمهم في بعض المسائل، فأُرشد إلى الشيخ، وذكر له ما يدّعي، فهزّ يده، فزار المفتي الشيخ عصراً في محلّ تدريسه، وهي الدار المعدّة لذلك من عهد أبيه وإخوته، ومع المفتي جماعة وعند الشيخ كثير من تلامذته وغيرهم. فلمّا استقرّ به الجلوس وأنس بمفاكهة الشيخ وجرت بينهما أسئلة في العقائد حتّى انتهى الأمر إلى الصحابة وشيعتهم وعليّ(عليه السلام)وشيعته، فقال الحسن بن جعفر: عليّ وشيعته هم الناجون، وغيرهم مرجون لأمر الله تعالى.

فقال المفتي: إنّها قسمة ضيزى!!

فقال الشيخ: ما تقول في ابن الأثير، أهو محدّث صادق؟ قال: نعم. قال: وأنت تعترف بصدق حديثه؟ قال: نعم. قال: إنّه أرسل في باب «قمح» وقال: وفي حديث عليّ(عليه السلام) قال له النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم): «ستقدم أنت وشيعتك على الله راضين مرضيّين، ويقدم عليه أعداؤك غِضاباً مُقمَحين»(1). ولا ريب بأنّ شيعة عليّ صارت عَلَما لأُناس مخصوصين، كما نصّ عليه غير واحد من علمائكم، وأنا أسألك بالله العلي العظيم: مَن شيعةُ عليّ؟ ومَن أعداؤه وأعداؤهم؟ ثمّ أمسك.

فقال المفتي: لم أرَ هذا الحديث، وإن شاء الله تعالى أُراجع النهاية وأنظر من أيّ صحيح أخرجه ابن الأثير وأرسم لكم الجواب.

فاستدعى الشيخ بالنهاية وأخرجه له، فخجل وسكت، ثمّ قام يجرّ رجله ومن معه بأثره ولم يحتفل الحسن بهم، فقالت له :جماعة متى رأيت هذا الحديث؟ قال: قبل عشرين سنة، مذكنت أكتب بالزكاة(2)

وقد أوردنا هذا المقطع بطوله لما فيه من الفوائد العلميّة والنكات الدالة على عمق شخصيّة المؤلّف وطول باعه في المناظرات العلميّة وصفاء سريرته وتوكلّه على الله تعالى وغيرها من صفاته المحمودة.

.

1) النهاية في غريب الحديث والأثر 106:4 «قمح» بتقديم وتأخير في بعض الألفاظ.

2) نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري: 124؛ العبقات العنبريّة: 341.

وغير ذلك من مناظراته اللطيفة ومجادلاته الظريفة التي وقعت بينه وبين علماء الفِرَق الأُخرى، وكان له التغلّب على مجادليه، ومن أراد التفصيل في مناظراته فليرجع إلى ما كتبه ابنه الشيخ عبّاس في كتابه نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري.

بعض مواقفه السياسية

كان شيخنا المؤلّف - بل جميع أنجال الشيخ الأكبر - حصناً ومفزعاً للمسلمين أجمع إذا دهتهم داهية أو ألمّت بهم ملمّة، وهكذا كان والدهم الشيخ جعفر الكبير، وهذا الشبل من ذاك الأسد، فممّا كان من جهاده ودفاعه عن النجف الأشرف وأهلها أنّه دفع عنها طغيان الوالي العثماني نجيب باشا أوائل سنة 1259هـ، بعد غزوه مدينة كربلاء، وقتله أهلها أشرّ قتلة، حتّى قيل: إنّ الذين قتلهم جيش الأتراك بقيادة نجيب باشا في كربلاء جاوز العشرة آلاف مسلم ومسلمة. وكانت الوقعة يوم الغدير عام 1258هـ وسمّيت «غدير دم».

قال الشيخ محمّد حرز الدين في كتابه معارف الرجال:

حدّثنا الثقاة من المعمّرين وبعض مشايخ الغري، وآخر مَن حدّثني الثقة الجليل الشيخ حسين نجل الأُستاذ الشيخ حسن الفرطوسي سنة 1330هـ، عن أبيه، قال: إنّه كتب الوالي نجيب باشا إلى المترجم له كتاباً، وفيه قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِفعلم بالكتاب مجاورو قبر أميرالمؤمنين (عليه السلام)فاضطربوا؛ كما سبق من مجزرة كربلاء، فخرج العجزة والضعفاء إلى بساتين الحيرة والكوفة، وأخذ نجيب باشا يجمع الجموع الجيش التركي ورؤساء القبائل خارج كربلاء قاصداً حرب النجف وباقي مدن العراق التي لم ترضخ لجور الولاة العثمانيّين، فعندئذٍ خرج المترجَم له لملاقاة الوالي في كربلاء وبصحبته جماعة من أهل الفضل والدين، ومنهم الفقيه الشيخ حسن الفرطوسي وكان كهلاً، ولمّا قاربواكربلاء رجع البعض لما شاهدوه من الجيوش المجمّعة، وبقي نفر يسير مع الشيخ منهم الفرطوسي حتّى دخلوا المعسكر وأخبروا الوالي أنّه قدم الشيخ حسن نجل كاشف الغطاء مع جماعته فأمر الوالي بخيمة كبيرة ضربت لهم، ثمّ أقبل الوالي عليهم.

قال الفرطوسي: فأعلمنا الشيخ بقدومه لكي يستقبله، فلم يلتفت ونحن نحثّه حتّى صار بباب الخيمة، ثمّ إنّ الشيخ زجرهم، فقلت لرفقائي: إنّ الشيخ أعرف بشؤونه منّا.

ثمّ دخل الخيمة واستقرّ مكانه والمترجَم له على جلسته.

قال الوالي مخاطباً الشيخ: ألم يصلك كتابي؟ ألم تسمع بسطوتي؟

الجواب : سمعنا كلّ ذلك، وكان يزيد بن معاوية أشدّ منك سطوة! قال الوالي له: لِمَ لَمْ توُدٍّ حقّ الوافد والقيام له ؟

أجابه الشيخ: إنّي بالنسبة إليك كالسلطان إلى الرعيّة.

قال الوالي: وكيف ذلك؟ فصاح الشيخ بأعلى صوته لكي يسمع الأمراء والضبّاط الحاضرون: أنا أخو الشيخ موسى المصلح بين الدولتين... ونحن لنا الفضل عليكم، ولولا أخي لاحتلّ أهل إيران العراق منكم، فأخي السلطان وأنا أخوه، وإذا أسأت إلينا تغضب عليك حكومة (اسطنبول)، ثمّ إنّ الضبّاط والجيش لابدّ أن يخالفوك إن نويت عقوبة النجف، بلد ضمّ تربته جسد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)بطل الإسلام والمسلمين، والنجف بلد العلم والدين، فاستجوب الأُمراء والضبّاط ورؤساء القبائل الذين زهوت بهم، واعرف موقفك منهم، ثمّ أُدخلوا بقيّتهم الخيمة وخاطبهم الشيخ بعد أن عرّف نفسه لهم: «ناشدتكم الله تعالى هل تطيعون الباشا بضرب النجف ومَن فيها؟». الجواب: كلّا. قال الباشا: الآن عفونا عنكم.

أجابه الشيخ: بعد أن عفوت فلك علينا حقّ الوافد، ثمّ قام من مجلسه وتصافحا.

قال الباشا: الآن نرجع الأمر إليك يا شيخ النجف بالانصراف أو ندخل النجف سلماً ؟

أجابه: لا معنى لدخول الجيش النجف بعد العفو، والذي أراه: أنت وخاصّتك ضيف عندنا لكي تزور بطل الإسلام سيدنا عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام)، فأجاب الدعوة.

وقدم الوالي نجيب باشا النجف مع خواصّه وحرّاسه يقرب من أربعمائة فارس تركي، فاستقبلهم سدنة الحرم الأقدس حاملين المصاحف التي تحمل أمام الملوك والأعلام بأيديهم، وأقام الباشا ثلاثة أيّام ضيفاً على الشيخ في دارهم الكبيرة.

وعند حلول مغادرتهم النجف جاءت المرأة الصالحة بنت الشاه زاده القاجاري إلى

الشيخ والتمست منه الرخصة بأن تصنع طعاماً إلى الجيش في الطريق عند عودته ؛ خدمة للعلماء وكيان النجف، وفرحاً بدفع المكروه عن المجاورين(1).

وبهذا الأسلوب المناسب والحنكة السياسية العالية استطاع الشيخ أن يدفع كيد العدوّ وشرّه، ورفع البلاء عن النجف الأشرف وساكنيه بفضل وحكمة شيخنا المؤلّف(رحمۀ الله علیه).

وهكذا نقل بعضهم:

أن للشيخ حسن(رحمۀ الله علیه)دوراً مهمّاً في إطفاء ثائرة «الشمرت والزكمرت» والتي استمرّت عقوداً متعدّدة حيث كانت بينهما حروب طويلة أُزهقت فيها نفوس كثيرة من الأبرياء، فأخمد نار تلك الفتنة المسجرة الملتهبة بحكمته ووعيه وباستعمال علاقاته الاجتماعيّة الواسعة، فقطع دابر المفسدين من العتاة المردة من الطائفتين المذكورتين (2).

كراماته

كان لشيخنا المترجَم له من الكرامات الكثيرة والعجيبة في نفس الوقت، وإليك بعض هذه الكرامات:

الأُولى: قال السيّد عبدالباقي الجيلاني - وهو من العلماء الفحول :

ومن أعجب ما شاهدته أن انقطع عنّي ما كنت أتات به ممّا يأتيني من گيلان حتّى ضاق صدري، وكثر عليّ الدين، واشتدّ عليّ الأمر في النجف الأشرف وكنت مع ذلك مُبتلى بعيال وأولاد، فكثرت عليَّ مطالب الديّانين، مضافاً إلى أنّي شارفت أن أخجل من عيالي في تقتير الرزق وعدم بسط اليد، فزارني الأُستاذ الحسن بن جعفر يوماً ورأى أنّي لست كما كنت عليه أوّلاً، وأنا كالمبهوت، فاستشعر ذلك منّي، وكنت أُخفي عليه وعلى غیره، فقال: ما دهاك؟ فأصرّ عليَّ حتّى كشفت له ستري وأخبرته بأمري.

فقال: لِمَ لم تخبرني فأدعو لك؟ قلت: الحياء.

فبسط راحتيه وقال: «اللّهمّ اكشف ضرّه بمحمّد وآله» كرّرها ثلاثاً ولم يزد.


1) معارف الرجال 1: 213 - 215؛ وراجع أيضاً نبذة الغري: 56 - 70.

2) ماضي النجف وحاضرها 3: 148.

قال: فبقيت يومين فصادف الجمعة، فخرجت إلى الحرم الشريف للزيارة فشاهدت بعض الغرباء من الأعاجم، فتصفّحتهم فلم أجد فيهم مَنْ هو من بلدي.

فلمّا أكملت الزيارة وإذا بقاصد منهم لي، فسلّم عليَّ سلام العارف، فقلت: ممّن الرجل؟ قال: من حوالي رشت. قلت: أتعرفني؟ قال: نعم.

ثمّ سألته عن تفصيل أحواله حتّى قال لي: لي إليك حاجة فخذني إلى دارك، ففعلت.

فلمّا استقرّ قال: إنّي سافرت إلى بغداد تاجراً وما نضّ العروض وقبضت بدله إلّا هذه الأيّام، فأردت الرجوع إلى أهلي، إلّا أنّي زرت الأمير(عليه السلام)أوّل توجهّي فاستوحشت من الطريق، وبقيت أنتظر مسير قافلة فيها منعة فلم يتيسّر لي، فوقع في نفسي المجيء إلى النجف لأدفع الدراهم لمن يتيسر لي ممن أعتمد عليه بطريق الحوالة.

فسألته عن عروض ذلك له، وفي أيّ وقت كان؟

قال: يوم الأربعاء عند الدلوك.

فإذا هو الوقت الذي دعا لي فيه الأُستاذ، فبهتُّ و تعجبّتُ وحمدتُ الله وشكرتُه؛ إذ منحني القرب من مثل هذا المولى المشابه فعله لما يُنقل لنا عن الأئمة(عليهم السلام).

ثمّ قلت: أتعطيني مالك وأنا أُحيلك؟

قال: ومن أحسن منك. فاستخرج المال من هميانه فكان أكثر من ستّمائة توماناً، فوفيت ديني وصلح حالي، ثمّ إنّي لم أجد بعدها فاقة أبداً حتّى تزوّجت العلوية الطاهرة بنت بحر العلوم، ورجعت بعد وفاته إلى أهلي ووطني، فأمدّني الله بسعة الرزق، ووفّقني لإحياء السنن، فما برحت أتلو أحاديث فضله حتّى الساعة(1).

الكرامة الثانية: ما حدّث به الحاج عيسى الملقّب بأبي صفقات من أخيار الحلّة الملازمين للشيخ، قال:

تولّى أمرنا ظالم غشوم من البيكات فأفرط في الظلم، وسامنا الخسف حتّى صلب من أهالي الحلّة جماعة على الجسر، وألقى منهم في الفرات آخرين، وشكوناه إلى الوالي فلم يسمع، والشيخ إذ ذاك في الحلّة، فأسرع الناس أفواجاً إلى بيته وشكوا إليه حاكمهم.


1) نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري: 47 - 48؛ العبقات العنبريّة في الطبقات الجعفريّة: 300 - 301.

فقال: هوّنوا عليكم الليلة أدعو الله عليه.

فسكتوا كأنّهم يئسوا ممّا أرادوه أن يكتب إلى الوالي بعزله، وذهبوا غير راضين.

فلمّا أصبحنا سألتُ الشيخ عن دعائه على الرجل، قال: نعم.

فوالله، ما دارت الجمعة حتّى سمعنا الواعية في داره فسألنا، فقيل: بيك الحلّة أصبح مقتولاً. فبحث عن قاتله فكان أمرد شرب معه الخمر فقتله وهو سكران، فلم يبتل بقتله أحد من الناس(1).

إلى غير ذلك من الكرامات التي لا تحصى والتي كانت يتناقلها الناس في حياته وبعد مماته( قدس سره الشریف)، وقد ذكر جملة منها ابنه الشيخ عبّاس في كتابه نبذة الغري، وذكر بعضها الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه العبقات العنبريّة.

أدبه

إنّ لشيخنا المؤلّف( قدس سره الشریف)أدباً جيّداً وقريضاً حسناً، غير أنّه لم يكثر في النظم. قال فيه حرز الدين: «... وكان شاعراً أديباً سريع البديهة»(2).

وقال أيضاً :

يروى له شعر رائق لا يذكر على طريقة الشعراء والأُدباء، حيث قد يزرى به من مرض قلبه حسداً، كقول القائل:

كضرائر الحسناء قلن لوجهها*** حسداً وبغياً إنّه لذميم(3).

وقال الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء:

وقد كان(رحمۀ الله علیه)جيّد النظم جدّاً؛ ولهذا كان مقلّاً منه، وإن كانت له أشعار كثيرة في أيّام صباه، إلّا أنّها ليست بمثابة من الحسن، ولذا أعرضنا عن ذكرها(4).


1) نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري: 49: العبقات العنبريّة في الطبقات الجعفريّة: 301.

2) معارف الرجال 1: 210

3) معارف الرجال 1: 212

4) العبقات العنبريّة في الطبقات الجعفريّة: 349.

فمن شعره( قدس سره الشریف)أنّه كتب قصيدة وبعثها من الحلّة أيّام إقامته فيها إلى أخيه الشيخ عليّ کاشف الغطاء، يتشوّق إلى أهله وأوطانه، والقصيدة هكذا:

أرضُ الغريّ وبوركت أرضاً*** أرضي ولستُ بغيرها أرضى

شَطَّتْ فعيني بعد فرقتها*** لم تستطعْ أجفانها الغمضا

خلّفتُ فيها مَن شُغفتُ به*** و محضتُهُ صفو الهوى محضا

فرضٌ على قلبي مودَّتُهُ*** ویرى عليه مَوَدَّتى فرضا

عجِّلْ فديتُكَ باللقا فلقّدْ*** ذهبَ البعادُ بأنفسٍ مرضى

إنْ جدتَ قِدْماً بالوداد فقد*** صيَّرنَهُ في ذمّتي قرضا

قلبي قبضْتُ زمامه حذراً*** من أنْ يميل فأحسن القبضا

إنْ شطَّ جسمي عن حماكَ فَلِي*** قَلبٌ بغير حماكَ لا يرضى(1)

ومن شعره ما كتبه إلى السيّد عمر رمضان من أبيات سقط بعضها:

سلام من محبّ ليس يسلو*** هواك وإن تقاومت الليالي

يحنّ إلى لقاك حنين صادٍ*** قضى ظماً إلى الماء الزلال

دعاه منك داعي الشوق لمّا*** نوی طعناً وهمّ على ارتحال

فكتب السيّد في جوابه:

شبيه أبيه في عمل وعلم*** ويا من لم يزل حسن الفعال

يعزّ عليَّ والرحمن أنّي*** أرى منك الديارَ غدت خوالي(2)

إلى آخرها.

و روى المعاصرون له مقطوعة كتبها في رسالة إلى السيّد كاظم الرشتي المتوفّى سنة 1259هـ مطلعها:

شقيق أراه معرضاً عن شقيقه*** كأنّ طريقي كان غير طريقه

لك الخير لا يذهب بوجدك عاذل*** يفرق منّا شائقاً عن مشوقه


1) شعراء الغري 3: 60: وانظر: العبقات العنبريّة في الطبقات الجعفريّة: 349.

2) ماضي النجف وحاضرها 3: 150.

يحنّ إلى ذكراك في كلّ ساعة*** كما حنّ وجداً عاشق لعلوقه

ترفق بصبّ مستهام فؤاده*** (يحن وراء الركب حنّة نوقه)

له ناظر يرعى النجوم ومدمع*** يسيل وقلب خافق من مضيقه

فلا العين ترجو أن تجفّ دموعها*** ولا القلب يرجو راحة من خفوقه

وشتّان ما بين الخلي وواجد*** وما بين مأسور الهوى وطليقه

وما بين مألوف السهاد وراقد*** وما بين مثلوج الحشى وحريقه(1)

وغير ذلك من الأشعار التي تدلّ على ذوقه الأدبي الرفيع، وهذا ليس بعيداً عليه فقد نشأ( قدس سره الشریف)ميّالاً لكلّ علم وفضيلة، وكانت عبقريته تساعده على إتقان كلّ ما تصبو إليه نفسه من الفنون والعلوم بما في ذلك الأدب العربي.

وفاته ومدفنه

توفّي رحمه الله يوم الأربعاء 26 شوّال المكرّم سنة 1262 بالوباء، ودفن في مقبرة آل كاشف الغطاء الخاصة إلى جنب أبيه وإخوته.

قال ولده الشيخ عبّاس كاشف الغطاء:

لمّا دخلت السنة الثانية والستّين بعد المائتين والألف هجريّة، وتصرّم منها تسعة أشهر، ظهر الوباء في نواحي العراق حتّى حلّ في الغريّ في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، فثَقُل أمره وفشا خبره . وقيل فيه خطاباً للأمير(عليه السلام):

شِيَعٌ لك اتّخذتْ حماك حمى لها*** كيف اصطلت لهبَ الوباء الواري؟!

فنفر أكثر مَن في الغريّ إلى خارج البلد ، لكنّهم لم يجوزوا الحمى، ولا تجاوزوا محلّ الترخّص، بل أقفلوا منه إليه:

هل يعلم البيت أنّي بعد فرقتِهِ*** ما سرتُ من حرم إلّا إلى حرم

ولم يبقَ في البلد أحد من العلماء، وضربوا خيامهم على البحيرة المحيطة بالبلد ممّا يلي الجنوب وينتهي بالمغرب، حتّى أنّ ماءها يتّصل بسفح طور سيناء المرقد الحيدري،


1) معارف الرجال 1: 213 ماضي النجف وحاضرها 3: 150 - 151.

وكان عليها بعض الحدائق غير المتّصلة. ومن جملتها حديقة السيّد العلوي السيّد صقر جريو، وكان محلّها قريباً من مرسى السفن الواردة من ناحية الشرق.

فجاء السيّد المذكور إلى الوالد(رحمۀ الله علیه) وذكر له حسن تلك الروضة، ولطف أرض بيضاء غير مشكلة متّصلة بها، وأنّها ليس فيها شيء من الهوام، وفي الأرض قطع متجاورات، وسأله أن يخرج إليها حتّى يرتفع الوباء، وألحّ عليه غاية الإلحاح، واجتمعت عليه أُسرته ولُحْمَتُهُ، وأصرّوا عليه بالانتقال وزيّنوا له ذلك وهو يماطلهم.

وكان من سجاياه أنّه يستخير الله تعالى في أكثر أموره، فكرّر الاستخارة على ذلك مثنى، فخرجت نهياً، فلم يقنع أصحابه وعشيرته بذلك من حبّهم له وخوفهم عليه. وذكروا له أنّ المرجوح لا تقع الخيرة عليه، ثمّ نرفع نهيَها بالالتماس المسنون إجابته؛ فلم يجد بُدّاً من إجابتهم، وعزم على الانتقال إلى المحلّ المزبور يوم الخميس، ثاني عشر شوّال، فخرج بعياله وأطفاله وحشمه وخدم مه وخدمه وأُسرته ولحمته:

ساروا وجدّوا بالمسير ضحى*** والموت خلفهم يسري على الأثر

حتّى بلغ النادي المذكور فعرّس بفنائه، وضرب فيه قبابه وأخبيته، ونصب فساطيطه، وبنى فيه بيوتاً من القصب لمن يعول به من أهله،وأحاطت به قبيلته وأُسرته، وحلالهم النادي بوجوده:

فكأنّ الغصون تدعوه ميساً*** وتناديه فوقها (الورقاءُ)

وبنى للوفود بيتاً رفيعاً*** تحسدُ الأرضَ مُذْ بناه السماءُ

وكان فيه الرائح والغادي، والحاضر والبادي، ويؤدّي الخمس والسنن به ويزوره النافرون من البلد على طبقاتهم حتّى يؤدّوا المكتوبة خلفه جماعةً، فإذا أمسى المساء وفرغوا من العشاء جلس عنده الأدنون من أهله يقرؤون له الأنباء التي تزيّن بها المحافل من آثار الأئمّة الهداة، وبعدها ينهض إلى محلّ استراحته، وبعد أن ينام قليلاً يقوم إلى نافلة الليل والدعاء المأثور، حتّى يطلع الفجر فيبادر إلى صلاة الصبح ويوقظ أهله بالأذان فيسرعوا إلى ثواب الجماعة...

وكان هذا دأبه وتلك حالاته إلى أن مضى له في تلك البقعة أربعة عشر يوماً من انتقاله،

وأصبح صبيحة الاثنين فشكا من ضعف اعتراه حتّى تصرّم يومه ولم يغيّر ما كان عليه من عبادته، فلمّا كان من الغد ابتلى بعلّة المؤمنين والأولياء وأحسّ بالمغص في بطنه، ولكنّه لم يحتفل به ومشى بدائه، حتّى إذا صلّى الظهر وانفتل من صلاته، وقبل نهوضه لنافلة العصر أخذه المغص، فقام للنجو، وعراهُ الإطلاق، فلمّا فرغ أحسّ ببلل في ثيابه وعلى فخذيه، فأسرع إلى حوض الحديقة وطهّر ثوبه وجسده ورجع إلى مصلّاه، وألمّ به الضعف فأدّى النافلة، ثمّ صلّى العصر خفيفاً.

ومذ فرغ من صلاته زادت به العلّة ونحف جسمه، ومضى للخلاء ثلاثاً أو أكثر، فعندها عجز عن القيام فبُسطت له الفرش والحشايا، ووضعوا عليه مطارفه ونقلوه إلى مصلّاه، واتّخذوا له متّكأً، وحجبت العوّاد وحجبت العوّاد عنه إلى آخر النهار إلّا الأقربون. وأدّى العتمة وهو مستلقٍ، غير أنّه لم يغلب على عقله ولم ينقطع الذكر من لسانه ويتلو سورة «يس» وغيرها ممّا سنّ للمحتضر. حتّى مضى من الليل شطره فأدركته صحوة الموت، فذكر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) والأئمّة واحداً واحداً ويستغيث بالحجّة(عليه السلام) وتولّى وتبرّأ، ثمّ دعا بي وضمّني إلى صدره وخلّفني عند ربّه، ودعا لي بالخير.

ثمّ استلقى وقد أحسّ بالأمر، فأمر أن يوضع فراشه إلى القبلة، ووجهه إلى عليّ(عليه السلام). ثمّ استدعى ابن أخيه المهدي وأوصاه بوصاياه، ودفع إليه مفاتيح غرفه ومقاصيره وعرّفه الصندوق الذي فيه كفنه وصحيفته وحبرته وحنوطه، ثمّ اشتغل بالذكر، وقال: اقرؤوا دعاء العديلة.

ومكث هنيئة وقد انقضى من الليل أكثره، وثارت في ذلك الوقت ريح عاصفة سوداء فيها صِرٌّ، فكان الشخص لا يبصر فيها موضع قدمه. فثقل لسانه وبلغت روحه التراقي، فمدّ رجليه وغمّض عينيه وقضى نحبه ولقي ربّه هادياً مهديّاً من کلّ درن.

فنشج من في البيت نشيجاً خفيفاً إلّا بعض خدمه فإنّهم صرخوا، واتّصلت الصيحة بالنساء فصرخن، فاتّصل الصياح بالصياح إلى الصباح حتّى سمعت الضجّة من النجف كأنّما هتف بهم هاتف، ففتحت أبواب الحصن، وجاءت الناس كعُرف الفرس من النجف،

وما أحاط به ممّن خرج، يطأ بعضهم بعضاً، وبأيديهم الأعلام السود، وهم ينادون بالويل والثبور.

وجاء الجواد - ابن أخيه عيسى - بما أودعه في الصندوق ممّا يحتاج إليه الميّت فرضاً وسنّةً قبل عشرين سنة، وضُربت له قبّة على تلك البحيرة، وغُسّل فيها، وأُدرج في أكفانه عند ارتفاع النهار يوم الأربعاء.

إنّما الأربعاءُ أثبتُ حُزناً*** لا استمّرت في دهرنا الأربعاءُ

وقدّم له التخت الذي عليه بردة ضريح أسد الله الغالب(عليه السلام)فوضع فيه وحُمِلَ على الأعناق، وقد امتلأت تلك البسيطة إلى النجف بالرجال والنساء، صغاراً وكباراً ممّا لا يُحصى عددهم إلّا الله تعالى.

وأحدقوا بالتخت من جوانبه حتّى كانت الأيدي - من المزاحمة - لا تصل إليه.

تحرّكت فيه محمولاً فقيلَ لها*** زاحمتِ تحتَ لوائه جبريلا

وما دخلوا النجف إلّا وقد بلغ الفيء أربعة أقدام، فوضعوه في الصحن الشريف للصلاة عليه.

فصلّى عليه محمّد ابن أخيه عليّ بتقديم العلماء له، ثمّ هجموا به على الأمير(عليه السلام)ليجدّدوا به عهداً، ثمّ تحرّكوا به إلى تربته في المدرسة إلى جنب أبيه وإخوته.

ثمّ أدلوه في مرقده، وأهالوا التراب عليه، وأشرجوا اللبن، ونفضوا أناملهم من ثراه، وهم ينشدون:

مَن للصلاة وللصِلات وقد قضى*** أوفى العباد عبادة ونوالا

وأُقيمت الفواتح والمآتم في النجف وخارجه من أصقاع الإماميّة، حتّى بلغني أنّ مجالس العزاء في خصوص الحلّة ارتفعت إلى عشرين يوماً. وجلس بمقامه ابن أخيه المحمود محمّد، واشتغل بالتدريس، واجتمع عليه عدّة من أصحاب عمّه حتّى انتشر أمره وعلا صيته(1).

هذا تمام ما أورده ولده الذي أعقبه الشيخ عبّاس كاشف الغطاء.


1) نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري: 125 - 129؛ العبقات العنبريّة في الطبقات الجعفريّة: 343 - 347.

ورثته الشعراء بمراتٍ كثيرة، وقد كتب بالحجر القاشي على قبره هذه الأبيات:

هذا مقام قد ثوى فيه الحسن*** سليل جعفر الإمام المؤتمن

وابن أخيه العلم المهدي والقا*** ئم بالحقّ فروضاً وسنن

ثمّ أخوه جعفر من علمه*** يشعّ كالغرّة في وجه الزمن

ثمّ ابن موسى ابن الإمام جعفر*** محمّد الندب الرضا ربّ المنن

وممّن رثاه الشيخ إبراهيم قفطان والشيخ صالح ،حاجي، ورثاه الكامل الأديب السيّد صالح القزويني النجفي البغدادي بقصيدة عصماء، وهنّأ بها الشيخ محمّد بجلوسه بمحلّ آبائه الكرام، فقال في أوّلها:

أقامك الحسن الزاكي لنا خلفاً*** فقمت بالأمر عن آبائك الخلفا

قرّت بك العين من بعد القذاء لهم*** والقلب برد الأسى بعد الأسى التحفا

إلى أن قال:

فإنّهم في الورى كالدرّ في صدف*** فاستخرج الدرّ منهم واقذف الصدفا

موسى عليّ المعالي والفتى حسن*** محمّد من مجاري جعفر عرفا

هم الأئمّة علماً نائلاً ورعاً*** هدی تقى سنداً حلماً حجي كنفا

ورثاه الكامل الأديب الشيخ عبدالحسين محيي الدين بقصيدة، منها:

إنّ يوماً أودى ابن جعفر فيه*** دهت الدين فتنة عمياء

إنّ يوماً به قضى الحسن الزاكي*** بكاه الحسين والزهراء

يا إمام الهدى ليومك يبكي*** أحمد والأئمّة الأُمناء

إنّ يوماً به نيت إلينا*** يوم شوم هل ذاك عاشوراء

إلى آخرها(1).


1) للمزيد راجع العبقات العنبريّة: 349 - 358.

الفصل الثاني: كتاب أنوار الفقاهة

اشارة

لا إشكال ولا ترديد في نسبة هذا الأثر القيّم وكونه من آثار الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي (1201 - 1262هـ).

وهذا الكتاب هو عبارة عن موسوعة فقهية استدلالية مفصّلة، اشتمل على أغلب أبواب الفقه وتضمّن تحقيقات لطيفة ونوادر فقهية رائعة. استوفى فيه المؤلّف الأدلّة والأحكام، لم یر مثله في كثرة التفريع والإحاطة بنوادر الفقه والاستقامة في طريق الاستدلال، كما ذكر ذلك بعضهم(1)عند ترجمته لمؤلّفه( قدس سره الشریف).

وهو أفضل كتاب جرى به قلم المؤلّف حيث صبّه في قالب بديع وتنسيق رفيع، وهو من أجلّ مؤلّفاته( قدس سره الشریف)وأشهرها، بل هو من الكتب النفيسة في هذا الفنّ.

وقال حرز الدين: هو كتاب متين كثير الفروع، محيط للغاية(2).

وجاء في تكملة أمل الآمل : كتاب أنوار الفقاهة على ترتيب كتب الفقه، وهو كتاب جليل نهج فيه نهج الشهيد الأوّل في الذكرى(3).

وقال الميرزا محمّد التنكابني :

وهو كتاب أنوار الفقاهة - في الحقيقة كتاب مرغوب مشتمل على فروع كثيرة، وقد كان مجلّد الصوم منه من مَراجعي عندما ألّفت كتاب الصوم(4).

وذكره الشاعر الشهير السيّد جعفر الحلّي في قصيدته التي رثى بها الملا محمّد


1) روضات الجنّات 2 : 307؛ ماضي النجف وحاضرها 3 :149-150.

2) معارف الرجال 1 : 212

3) تكملة أمل الآمل 2: 339.

4) قصص العلماء : 203.

الإيرواني وقد تخلّص في آخرها بمدح آل كاشف الغطاء فقال:

وشعاع أنوار الفقاهة منهم*** جلى عن العلياء كلّ ضبابٍ(1)

وقد كتب الشيخ عبد الرحيم بن عبد الرحمن الكرمانشاهي (م 1305 هـ ) مؤلّف كتاب دقائق الحقائق في أُصول الفقه وواحدٌ من تلاميذ المؤلّف توشيحاً في أوّل كتاب الطهارة من نسخته الخطّيّة التي كان يمتلكها من كتابنا هذا، رأينا من المناسب أن ننقلها هنا لما فيها من النكات المفيدة :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لا يخفى على ذوي اللباب أنّ هذا الكتاب المستطاب الذي أحاط بدقائق الفقه في كلّ باب، لم تكتحل أعينُ الفقهاء بمثله، ولم يُرَ في زُبُر الأوّلين والآخرين من العلماء المحقّقين نظيره، مع ما فيه من الاختصار مشتملاً على ما أحاط به، وهو المسمّى بأنوار الفقاهة . ولَعَمري هو اسمٌ طابقَ مسمّاه؛ لتجلّي فقاهة مؤلّفه طيّب الله رمسه فيه، حتّى استنار منه قلوب المقتبسين من أنواره، وارتفع ظلمات الوهم عن وجه المسائل في رياض الفقه، حتّى سهل بإضاءته جَنْيُ أزهاره.

تأليف مولانا الأعظم وأُستاذنا الأفخم، بل أُستاذ علماء عصره من العرب والعجم، الحَبر المؤتمن، شيخنا الشيخ حسن، نجل مَن فضله أشهر من أن يُذكر وأجلُّ من أن يُسطر؛ الشيخ جعفر النجفي روّح الله روحهما وطيّب الرحمن رمسهما.

وقد تشرّفت برهةٌ من الزمان بخدمته، واستفدت بقدر وُسعي واستعدادي من إفاداته؛ وأنا أقلّ تلاميذه - بل أحقر عبيده- المذنب الأثيم ابن آقا عبدالرحمن الكرمانشاهي، عبدالرحيم.

و ممّا يسجّل لهذه الموسوعة الفقهيّة الرائعة الجليلة أنّها كُتبت بأُسلوب بليغ وبيان مشرق، وَلِمَ لا تكون كذلك ومؤلّفها كان متضلّعاً في اللغة العربية، محيطاً بأسرارها الدقيقة ،

ممتلكاً ناحية التمييز بين مفرداتها من حيث الاستعمال الحقيقي والمجازي، فكان يحدّد المعنى المستعمل في المفردة اللغويّة طبقاً لما نصّت عليه معاجم اللغة والوضع اللغوي، مستعيناً بمفردات القرآن الكريم، وكان بصيراً بالأخبار وأسانيدها.

هذا، مضافاً إلى أنّه كان ذا يد باسطة وملكة راسخة في الفقاهة، تشهد له بطول باعه


1) ماضي النجف وحاضرها 1: 150.

وسعة اطّلاعه وإحاطته التامّة المستوعبة لتمام مدارك أحكام الشريعة الغرّاء تأصيلاً وتفريعاً، وقد أُوتي الذوق الفقاهتي الرفيع وتميّز بشم الفقاهة حتّى صار لازماً له في كلّ ما جرى به يراعه السيّال في باب تفريع الأحكام وتنقيح المناط، ومراعاة الأشباه والنظائر، بعيداً عن القياسات والاستحسانات، بل هو بعيد عن الاحتمالات والظنون التي لم تنشأ عن أدلّة خاصّة معتبرة ولم تغن عن الحقّ شيئاً.

لقد كان الشيخ حسن كاشف الغطاء مجتهداً أُصوليّاً، وقد ظهرت قوّة مبانيه الأُصوليّة و مداركه الرصينة في كتابه أنوار الفقاهة ، وذلك من خلال استدلاله للمسائل الفقهيّة، فمثلاً: نراه في مبحث «الماء النجس لا يرفع حدثاً ولا خبثاً» استعرض الشبهة وأقسامها، وبيّن أحكامها، فذكر أنّ الشبهة إمّا أن تكون محصورة أو غير محصورة، والمرجع في الفرق بينهما العرف، ولا يبعد أنّ ما استلزم من التجنّب عنه العسر والحرج لعامّة المكلّفين في أغلب الأحوال فهو من غير المحصور، وإلّا فهو من المحصور، ويحتمل أنّ ما قلّ عدّه و صغر حدّهُ فهو محصور، وإلّا فغير محصور، وحكم الشبهة غير المحصورة حلّية الإقدام وعدم حرمة التجنّب عنها، إلى آخره. ثمّ ذكر الشبهة غير المحصورة وبيّن أحكامها بصورة مفصّلة.

وقد تعرّض( قدس سره الشریف)في هذا الكتاب إلى الفتاوى النادرة أو الشاذّة، وحملها على التقية أو وجهّها بتوجيه مقبول يناسب ما عليه المشهور.

وقد نراه يخالف المشهور في بعض فتاواه كفتواه بعدم مفطرية تدخين النرجيلة.

كما أنّ من راجع الكتاب يتّضح له وضوحاً جليّاً من مسلكه الاجتهادي أنّ الدليل العقلي كان له من الأهميّة القصوى في عملية استنباط الأحكام الشرعيّة، بل كان له نصيب كبير في ذلك.

وبالجملة، فهو كتاب استدلالي متين جمع بين كثرة التفريع والإيجاز غير المخلّ، سلك المؤلّف في عرض الأدلّة والتفريع عليها مسلكاً قويماً لا يتأتّى إلّا للأوحديّ من أساطين الفقهاء. فهو من روائع الكتب الفقهيّة ونوادرها.

أبواب الكتاب وتاريخ تأليفه

لم نعثر على تاريخ محدّد لتأليف الكتاب، ولكن توجد هناك بعض القرائن يمكن أن يستفاد منها زمان تأليفه بالتقريب.

قال ولده الشيخ عبّاس كاشف الغطاء في نبذة الغري:

وذكر لي من يوثق به أنّه ورد إلى النجف الأشرف سنة ستّين بعد المائتين والألف مفتي القاهرة... فزار المفتي الشيخ عصراً في محلّ تدريسه... وجرت بينهما أسئلة في العقائد حتّى انتهى الأمر إلى الصحابة وشيعتهم وعليّ وشيعته فقال الحسن: عليّ وشيعته هم الناجون وغيرهم مرجون لأمر الله، فقال المفتي: تلك قسمة ضيزى!! فقال الشيخ ما تقول في ابن الأثير أهو محدّث صادق ؟ قال: نعم. قال [الشيخ ]: فإنّه أرسل وقال: في حديث عليّ(عليه السلام)قال له النبيّ : «ستقدم أنت وشيعتك على الله راضين مرضیّين و يقدم عليه أعداؤك غضباناً مقمحين».

-إلى أن قال:- فسأل جماعة عن الشيخ: متى رأيت هذا الحديث؟ قال: قبل عشرين سنة مذكنت أكتب الزكاة (1).

وقال أيضاً:

ووالدته : [أي والدة الشيخ عبّاس ]: الحرّة النسبيّة بنت الشيخ حمد آل نهر أحد عظماء العراق ... وسبب أخذ الوالد بنته أنّه ارتحل إليه بعد في سنة 1246هـ لأمرٍ مّا فلمّا حلّ بفنائه آواه وأكرمه، وبالغ في احترامه وأبدى العبوديّة له ومَن تحت يده. وأفرد له بيتاً داخل حصيره مع عياله لاستراحته ومكّنه من جميع ماله سلطنة عليه، ودفع له من الأراضي ما يكفيه ويزيد عليه، وأقام عنده أكثر من سنة وهو يؤلّف أنوار الفقاهة، فأتمّ عنده الرهن إلى آخر الوصيّة(2).

وقال الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء في خطبته في جامع الحلّة:

ثمّ تلى الشيخ موسى أخوه الشيخ حسن، فإنّه أقام في الحلّة برهة، وكان مرجعها الوحيد، وفيها ألّف كتابه الجليل الموسوم بأنوار الفقاهة ...(3).

وفي إنهاء كتاب الرهن من نسخة استنسخت على نسخة المؤلّف:

وقع الفراغ من كتابته يوم الإثنين لسبع وعشرين مضين من شوّال من شهور سنة ستّ وأربعين بعد الألف والمائتين من الهجرة النبويّة ...


1) نبذة الغري: 124 و 176.

2) نبذة الغري: 124 و 176.

3) الخطب الأربع، خطبة جامع الحلّة الكبير : 134.

وورد في النسخة الخطّيّة المحفوظة بالرقم 7272 في المكتبة العامّة لآية الله السيّد شهاب الدين المرعشي بقم، أنّها كتبت في العام 1248 وهي تشتمل على كتابَي الطهارة والصلاة.

وقال العلّامة آقا بزرگ الطهراني في الذريعة ، ج 12، ص 209 ضمن التعريف بكتاب السلاح الماضي في أحكام القاضي: ... ونسخة منه في تبريز في كتب السيّد محمّد مولانا ... تأريخ كتابتها 1254.

والمستفاد ممّا ذكرنا أنّ شيخنا المؤلّف شرع في تأليف كتاب أنوار الفقاهة في العقد الرابع من عمره الشريف وفي النجف الأشرف وواصل الكتابة بعد رحلته إلى الحلّة وانتقاله إلى النجف حتّى مضى إلى جوار رحمة ربّه.

وأمّا أبواب الكتاب وأجزاؤه فكما يستفاد من بعض النسخ الموجودة جعل المؤلّف الكتاب في ستّة مجلّدات وهي كالتالي:

المجلّد الأوّل: كتاب الطهارة؛

المجلّد الثاني : كتاب الصلاة؛

المجلّد الثالث: كتاب الزكاة، الخمس، الصيام، والحجّ؛

المجلّد الرابع: المكاسب: التجارة، البيع والقرض؛

المجلد الخامس: كتاب الرهن، الحجر، الضمان، الصلح، الشركة، المضاربة، المزارعة والمساقاة، الوديعة، العارية، الإجارة، الوكالة، الوقف، الهبة، الصدقة والوصية؛

المجلد السادس: النكاح، الطلاق، الخلع، الغصب، المواريث، القضاء والشهادات.

ولم يتيسّر له تأليف بقيّة أبواب الفقه مثل الصيد والذباحة والسبق والرماية والحدود والديات والظهار والإيلاء ......

وقيل: إنّ أوّل ما كتب من أنوار الفقاهة هو السلاح الماضي في أحكام القاضي، ثمّألحقه بأنوار الفقاهة وجعله تتمة له كما ذكر ذلك في أوّل النسخة المسودّة بخطّ المؤلّف.

الخاتمة : منهجية التحقيق

1.مخطوطات أنوار الفقاهة

تمّ حتّى الآن تشخيص وتعريف أكثر من مائة نسخة خطّيّة ومصوّرة من نسخ أنوار الفقاهة فی مكتبات إيران والعراق، فقد عرّفت ثمانين نسخة منها فقط في فهرست «دنا»، وهي كما يلي:

1.

خمس وخمسون نسخة خطّيّة بعنوان أنوار الفقاهة . (فهرست «دنا»، ج 2، ص 258 -260 ).

2.

إحدى عشرة نسخة خطّيّة بعنوان السلاح الماضي في أحكام القاضي. (فهرست «دنا»، ج 6، ص 169).

3.

ثمان نسخ خطّيّة بعنوان المواريث. (فهرست «دنا»، ج 10، ص 324 و 325).

4.

نسخة خطّيّة واحدة بعنوان الرسائل (أنوار الفقاهة ، السلاح الماضي ... المواريث). (فهرست «دنا» ج 5، ص 700).

5.

نسخة خطية واحدة بعنوان القضاء والشهادات . (فهرست «دنا» ج 8، ص 244).

6.

نسخة خطّيّة واحدة بعنوان الغصب والشهادات. (فهرست «دنا»، ج 7، ص 800).

7.

نسخة خطّيّة واحدة بعنوان الغصب. (فهرست «دنا»، ج 7، ص 799 ).

.. نسخة خطّيّة واحدة بعنوان الصلاة (فهرست «دنا»، ج 7، ص 158).

هذه جملة النسخ الخطّيّة التي ذُكرت في فهرست «دنا» وإن لم يمكن القطع بأنّ جميعها تُعدّ من النسخ الخطّيّة لكتاب أنوار الفقاهة . ويمكن أن تكون هناك نسخ خطّيّة متعدّدة أُخرى لكتاب أنوار الفقاهة في مكتبات إيران والعراق، وعُدّت من المجاهيل، ولكن بعد التدقيق والتطبيق فيها تُنسب إلى الشيخ حسن كاشف الغطاء بصورة قطعيّة.

يضاف إلى كلّ ذلك أن هناك نسخاً خطّيّة أُخرى لهذا الكتاب في مكتبات العراق المختلفة، خصوصاً مكتبات النجف الأشرف، وإليك نبذة مختصرة عن مصوّرات مخطوطات أنوار الفقاهة في مؤسّسة كاشف الغطاء( قدس سره الشریف)، وهي كما يلي:

1.

مخطوطة رقم 19، تقع في 184 صفحة. كتاب التجارة (دليل المخطوطات ، ص 18).

2.

مخطوطة رقم 76 كتاب الطهارة، تقع في 267 صفحة، نسخ 1284ق، حسين بن محمّد العجيمة. (دليل المخطوطات، ص 23).

3.

مخطوطة رقم 106، تقع في 397 صفحة كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الغصب، كتاب الميراث، كتاب القضاء والشهادات دليل المخطوطات، ص 25).

4.

مخطوطة رقم 181، تقع في 627 صفحة، قسم المعاملات (دليل المخطوطات، ص 32).

5.

مخطوطة رقم 229، تقع في 281 صفحة بخط المؤلّف، وتشتمل على كتاب الزكاة والخمس والصوم .(دليل المخطوطات، ص 36).

6.

مخطوطة رقم 672، تقع في 572 صفحة كتاب الصلاة إلى الحج. (دليل المخطوطات، ص 74)؛ والظاهر أنها نسخت في حياة المؤلّف.

وقد قسمت مصوّرات هذه المخطوطة وعرّفت في دليل المخطوطات ضمن أرقام 0749،748،747،746

7.

مخطوطة رقم 683، تقع في 177 صفحة كتاب المكاسب. (دليل المخطوطات، ص 75)

8.

مخطوطة رقم 684، تقع في 370 صفحة كتاب الرهن إلى الوصية. (دليل المخطوطات، ص 75)

9.

مخطوطة رقم 685، تقع في 421 صفحة كتاب الرهن إلى الوصية. (دليل المخطوطات، ص 75 )

10.

أي دليل مخطوطات مؤسسة كاشف الغطاء العامة في النجف الأشرف، 1431هـ / 2010م.

10.

مخطوطة رقم 686، تقع في 500 صفحة كتاب التجارة والبيع. (دليل المخطوطات، ص 75 )

11.

مخطوطة رقم 713، تقع في 301 صفحة، كتاب النكاح بخطّ المؤلّف. (دليل المخطوطات، ص77)

12.

مخطوطة رقم 715 ، بخطّ المؤلّف، تقع في 100 صفحة، كتاب الطلاق، الخلع والمباراة. (دليل المخطوطات، ص77).

13.

مخطوطة رقم 876، تقع في 449 صفحة، كتاب الطهارة بخطّ المؤلّف. (دليل المخطوطات، ص 90).

14.

مخطوطة رقم 1284 ، تقع في 208 صفحة كتاب الشركة إلى الإجارة. (دليل المخطوطات، ص 124).

15.

مخطوطة رقم 1432 و 1435، تقع في 200 صفحة، كتاب القضاء بخطّ المؤلّف. (دليل المخطوطات، ص 136).

16.

مخطوطة رقم 1435، تقع في 270 صفحة القرض والرهن، كتاب الحجر، كتاب الضمان وقسم من كتاب الشهادات بخطّ المؤلّف(دليل المخطوطات، ص 137).

17.

مخطوطة رقم 2583 ، تقع في 538 صفحة. (دليل المخطوطات، ص 234).

وتوجد أيضاً أربع نسخ مصوّرة في مركز إحياء التراث الإسلامي في قم المقدّسة، وقد صُوّرت من النسخ الخطّيّة المودّعة في مكتبة مؤسّسة كاشف الغطاء في النجف الأشرف، وهي عبارة عن:

1.

المصوّرة المرقّمة 1514، تقع في 281 صفحة كتاب الزكاة، الخمس، الصوم، الاعتكاف والحجّ.

2.

المصوّرة المرقّمة ،1909 ، تقع في 397 صفحة كتاب النكاح، الطلاق، الخلع ،المباراة، الغصب ،الميراث والشهادات.

3.

المصوّرة المرقّمة ،1910 ، تقع في 267 صفحة، كتاب الطهارة.

4.

المصوّرة المرقّمة 2149، تقع في 624 صفحة، كتاب التجارة إلى آخر الوصيّة.

كما أن المحقق الطهراني ذكر بعض النسخ الخطية لكتاب أنوار الفقاهة في كتاب طبقات أعلام الشيعة ( الكرام البررة)، فقال:

وله آثار هامة، أشهرها أنوار الفقاهة ... توجد جملة من مجلّداته في مكتبة آل كاشف الغطاء في النجف، ورأيت بعضها في مكتبة المجدّد الشيرازي بسامراء، ورأيت مجلّد الطهارة ومجلّد الصوم والاعتكاف في مكتبة السيّد محمّد مهديّ الصدر في الكاظميّة، كما فصّلته في الذريعة ، ج 2، ص 436 و 1437(1).

وجاء في الذريعة :

أنوار الفقاهة للشيخ حسن... توجد جملة من مجلّداته في خزانة كتب الشيخ عليّ ابن الشيخ محمّد رضا آل كاشف الغطاء، وبعضها في مكتبة آية الله الإمام المجدّد الشيرازي. ورأيت مجلّد الطهارة ومجلّد الصوم والاعتكاف في مكتبة السيّد محمّد مهديّ الصدر بالكاظميّة(2).

2. النسخ المعتمدة في التحقيق

تقدّم أنّ تعداد النسخ الخطّيّة والمصوّرة لكتاب أنوار الفقاهة قد فاقت المائة نسخة في مكتبات إيران والعراق، وقد هيّئ منها- لتصحيح هذا السفر - ثمانية عشرة نسخة خطّيّة ومصوّرة . شملت أكثر من دورتين كاملتين للكتاب. علماً بأنّ بعض هذه النسخ المعتمدة في تصحيح الكتاب كانت بخطّ الشيخ المؤلّف نفسه( قدس سره الشریف).

وينبغي الالتفات إلى أنّ بعض هذه النسخ يشتمل على ثمانمائة صفحة من الكتاب ،حيث ضمّت أكثر من عشرين باباً فقهيّاً، في حين يشتمل بعض النسخ على مائة صفحة فقط، حيث يضمّ باباً فقهيّاً واحداً، أو بعض الباب.

وإليك تعريفاً مفصّلاً بالنسخ الخطّيّة التي هيّئت لتصحيح الكتاب وتحقيقه، وهي:

1. مخطوطة مؤسّسة كاشف الغطاء في النجف الأشرف المرقّمة 876، وهي تشتمل

1) الكرام البررة 1: 319.

2) الذريعة 2 : 436 و 437

على كتاب الطهارة من أوّله إلى آخره. وهذه النسخة هي النسخة المسودة الأصليّة، وبخطّ المؤلّف نفسه. تقع في 449 صفحة(1).

2. مخطوطة مؤسّسة كاشف الغطاء المرقّمة 715؛ احتوت على كتاب الطلاق. وهي النسخة المسودة الأصليّة بخطّ المؤلّف نفسه. تقع في 50 ورقة(2).

أشرنا إلى هاتين النسختين بـ«الأصل».

3 . أيضاً مخطوطة مؤسّسة كاشف الغطاء المرقّمة 76. نسخها حسين بن محمّد العجيمة / 1284 . ضمّت هذه النسخة كتاب الحجّ، وهي تقع في 267 صفحة رحليّة.

4. مخطوطة مؤسسة كاشف الغطاء، المرقّمة181، المصوّرة لدى مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي في قمّ المقدّسة، برقم 2149؛ نسخت في القرن الرابع عشر الهجري، وناسخها مجهول. وقد صحّحت هذه النسخة على نسخة المؤلّف، وتلاحظ على بعض صفحاتها علامات البلاغ وحواشي منه قدس سرّه».

احتوت على كتاب التجارة والبيع والقرض والرهن والحجر، الوديعة، العارية، الإجارة، الوكالة، الوقف، الهبة، الصدقات، وآخرها كتاب الوصيّة.

يوجد على ظهر الورقة الأُولى من هذه المخطوطة توقيع حفيد الشيخ جعفر الكبير، وقد كتب عليها: «بسم الله تعالى، الهادي بن العبّاس بن عليّ نجل الشيخ جعفر( قدس سره الشریف)1315».

وكتب على الورقة الثانية: «بسمه تعالى، قد اشتريت هذا المجلّد مع المجلّد الذي يليه في ستّين قراناً، وأنا الأقلّ هادي ابن الشيخ عبّاس دام بقاه، سنة 1314».

تقع هذه النسخة في 627 صفحة.

ورمزنا لهاتين النسختين بـ«ف».

5. مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي في قم المقدّسة، المرقّمة 1204. والمصوّرة برقم 3371 من مصوّرات المركز ؛ تاريخ نسخها: محرّم الحرام سنة 1262ق، ناسخها: عليّ أصغر بن زين العابدين. تشتمل على كتابي الطهارة والصلاة. وتقع في 364 ورقة(3).

1) دليل مخطوطات مؤسسة الشيخ كاشف الغطاء: 90.

2) دليل مخطوطات مؤسسة الشيخ كاشف الغطاء: 77

3) فهرست مخطوطات مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي: 10 و 11.

7.

مخطوطة مركز إحياء التراث الإسلامي، المرقمة 1514؛ استنسخت في 28 ربيع الثاني عام 1266ق، تحتوي على كتاب الزكاة والخمس والصوم والحجّ، وكتبت على حواشيها بعض رؤوس المطالب. وتقع في 381 صفحة(1).

8.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي في قم المقدّسة، المرقّمة 1372، اشتملت على الكتب التالية: البيع، التجارة، الإجارة، الرهن، الضمان، المضاربة، الحوالة، الكفالة، الصلح، الشركة.

استنسخت على نسخة المؤلّف في حياته، في أوّلها: «المجلّد الثالث [صحيح الرابع] كتاب البيع ...»

وفي أوّل كتاب الرهن: «المجلّد الخامس من مصنّفات الشيخ الفاضل الشيخ حسن دام مجده وعزّه وأطال الله بقاه».

وفي نهاية كتاب الرهن: «وقع الفراغ من كتابته يوم الإثنين لسبع وعشرين مضين من شوّال من شهور سنة ستّ وأربعين بعد الألف والمائتين من الهجرة النبويّة على مشرّفها أفضل الصلوات وأشرف التحيّة».

ولم يعلم اسم ناسخها. ويحتمل قويّاً أنّ الناسخ كان واحداً من تلاميذ الشيخ المؤلّف.

وقد تداخلت أوّل هذه النسخة أوراقٌ من نسخة أُخرى من كتاب التجارة اسم ناسخها «محسن».

وهذه النسخة تقع في 412 ورقة(2). وهي نسخة نفيسة جدّاً، إلّا أنّها غير مرتّبة وسقطت بعض أوراقها بل وبعض أبوابها.

9. مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي في قم المقدّسة المرقّمة 1497، تقع في 115 ورقة. ويحتمل أنّها نسخت في عصر المؤلّف، ولم نعثر على اسم ناسخها. وتحتوي على كتابي المواريث والغصب.

والظاهر أنّ كتاب الغصب من هذه المخطوطة قوبل مع نسخة المؤلّف وصحّحت في عصره، وقوبل كتاب المواريث منها مع نسخة كانت قوبلت مع نسخة المؤلف وصحّحت


1) راجع فهرست مخطوطات مركز إحياء التراث الإسلامي 4 : 327 و 328.

2) فهرست مخطوطات مركز إحياء التراث الإسلامي 199:4.

عليها أيضاً. كتب في أوّل المواريث بعد البسملة:« وبعد فيقول الحقير الأحقر حسن ابن الشيخ جعفر» وفي أوّل كتاب الغصب: «وبعد فيقول الأحقر حسن ابن الشيخ جعفر: هذا كتاب الغصب، نسأل الله إتمامه».

توجد على ظهر الورقة الأُولى علامة تملّك محمّد مهديّ الطهراني النجفي(1).

وقد رمزنا لهذه النسخ الأربع بـ«م».

10.

مخطوطة مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة في مشهد المرقّمة 14718؛ نسخت في عام 1261هـ في حياة المؤلّف، وناسخها مجهول. تحتوي على كتاب الطهارة، وعلى هوامشها علامات التصحيح والمقابلة. تقع في 212 ورقة. وقد كتب على ظهر الورقة الأُولى أنّها ملك السيّد عبدالله الموسوي البهبهاني في سنة 1288ق (2).

11.

مخطوطة مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة في مشهد، المرقّمة 14723؛ نسخت بعد وفاة المؤلّف أواخر القرن الثالث عشر الهجري. وتحتوي على الكتب التالية: الصلاة، الزكاة، الخمس. تقع في 280 ورقة. كتب في أوّلها: «هذا كتاب العالم جناب شیخ المشايخ الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر(قدس سره الشریف)». وجاء في آخرها: «قد تمّ المجلّد الثالث من تصنيف الشيخ حسن(قدس سره الشریف)». وقد كتب على ظهر الورقة الأُولى تملك ابن المؤلّف: «تملّك هذا الكتاب الحقير ... عبّاس ابن المرحوم الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر ....»(3).

ورمزنا لهاتين النسختين بـ«ق».

12. مخطوطة مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة في مشهد، المرقّمة 7451؛ تاريخ نسخها سنة 1262 ق. وقد استنسخت على نسخة المؤلّف ، وقوبلت معها، وصحّحت عليها.

وضمّت هذه النسخة الكتب التالية: التجارة، البيع، القرض، الرهن، الحجر، الضمان، الصلح، الشركة، المضاربة، المزارعة، المساقاة، الوديعة، العارية، الإجارة، الوكالة، الوقف السكني، الهبة والصدقة، والوصيّة، وصفحة واحدة من النكاح. يقول بعد البسمله والحمدله: «يقول الراجي عفو ربِّه الأحقر حسن بن الشيخ جعفر : هذا كتاب النكاح».


1) فهرست مخطوطات مركز إحياء التراث الإسلامي 4 : 350.

2) فهرست مخطوطات مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة 21 / القسم الأول : 156.

3) فهرست مخطوطات مكتبة الروضة الرضوية المقدّسة 21 / القسم الأوّل: 157.

تقع هذه النسخة في 244 ورقة. وقد رمزنا لها بـ«ب»(1).

13.

مخطوطة مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة في مشهد، المرقّمة 14466؛ نسخت حياة المؤلّف سنة 1261ق وناسخها مجهول. تبدأ هذه النسخة بالصيام وتنتهي بالتجارة. وتقع في 267 ورقة. ورمزنا لها بـ«ن»(2).

14.

مخطوطة مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة في مشهد، المرقّمة 14479؛ نسخت في القرن الثالث عشر الهجري، وناسخها أيضاً مجهول.

احتوت على كتاب النكاح من بدايته مع الطلاق و.... وتنتهي بنهاية كتاب الغصب.

ويظهر على ظهر أوراقها الأُولى أنّها دخلت في ملك السيّد عبدالله الموسوي البهبهاني في سنة 1288ق. وتقع في 199 ورقة. ورمزنا لهذه النسخة بـ«ق»(3).

15.

مخطوطة مكتبة المرحوم آية الله الجليلي الكرمانشاهي، المرقّمة 185؛ احتوت على كتابي الطهارة والصلاة تاريخ تحريرها : الإثنين 17 رجب من القرن الثالث عشر، ناسخها محمّد بن ملّا حسين بن عليّ اليزدي الأردكاني ، وقد قوبلت وصحّحت مع النسخة الأصليّة. وتقع في 342 ورقة (4). وقفها على أولاده الشيخ عبد الرحيم بن عبد الرحمن الكرمانشاهي من تلاميذ المصنّف سنة 1289هـ.

16.

أيضاً مخطوطة مكتبة المرحوم آية الله الجليلي الكرمانشاهي المرقّمة 184؛ نسخت في القرن الثالث عشر الهجري: نسخها محمّد عليّ التبريزي، وقد قابلها وصحّحها على نسخة المؤلّف. تشتمل على كتاب الزكاة والخمس والصوم والحجّ. وتقع في 237 ورقة(5).

17.

أيضاً مخطوطة مكتبة المرحوم آية الله الجليلي الكرمانشاهي، المرقّمة 176؛ نسخت في النصف ... من القرن الثالث عشر الهجري، ولم نعثر على اسم ناسخها. ضمّت هذه


1) انظر فهرست مخطوطات مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة 21 / القسم الأوّل: 158.

2) فهرست مخطوطات مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة 21 / القسم الأوّل: 157.

3) فهرست مخطوطات مكتبة الروضة الرضوية المقدسة 21 / القسم الأوّل: 159.

4) فهرست مخطوطات مكتبة آية الله الجليلي: 34 و 35.

5) فهرست مخطوطات مكتبة آية الله الجليلي : 36.

النسخة كتاب المكاسب والبيع والقرض وتقع في 220 ورقة(1). وقفها على أولاده الشيخ عبد الرحيم بن عبد الرحمن الكرمانشاهي من تلاميذ المصنّف سنة 1289هـ.

18. أيضاً مخطوطة مكتبة المرحوم آية الله الجليلي الكرمانشاهي ، المرقّمة 186 القرن الثالث عشر الهجري، ولم نعثر على اسم ناسخها. ضمّت هذه المخطوطة من بداية كتاب النكاح إلى آخر كتاب القضاء والشهادات. كتبت عناوينها بالأحمر، تقع في 376 ورقة(2).

وقد رمزنا إلى هذه النسخ الأربع الأخيرة بـ«ج».

19. مخطوطة مكتبة مدرسة الحجّتيّة، المرقّمة 336. احتوت على كتاب الزكاة والخمس والصيام، تقع في 213 صفحة.

3. منهج العمل والمساهمون في تنفيذه

اتّبع في تحقيق هذا السفر القيّم وتصحيحه منهج العمل الجماعي، وهو المنهج الذي دأب عليه مركز إحياء التراث الإسلامي في معظم تحقيقاته، فكانت مراحل التحقيق لهذا الكتاب ومَن ساهَم في تحمّل عبء تنفيذه كالتالي:

1.

إعداد النسخ الخطّيّة و اختيار دورتين منها، وقد ذكرنا أوصافها سابقاً.

2.

سعينا إلى التوفير في الوقت والجهد وزيادة الدقّة العلمية من خلال تجاوز مرحلة استنساخ النسخة الخطّيّة وتهيئتها للطبع بأن أوكلنا مهمّة الطبع والتقطيع الأوّلي للنصّ مباشرةٌ من النسخة الخطّيّة المنتخبة (ج) إلى أحد محقّقينا من ذوي الخبرة في قراءة النسخ الخطّيّة والطباعة. وقد كفانا هذه المهمّة الأُستاذ محمد حكمت.

3.

مقابلة المطبوع مع النُسخ الخطّيّة الأخرى التي مرّ وصفها - والإشارة إلى موارد الاختلاف بينها.

وكان المساهمون فيها هم الإخوة: السيّد حسين بني هاشمي، غلام حسین دهقان، فرج الله جهاندوست، حسان فرادی، طه النجفي، عبد الرسول مهاجر، السيّد خليل عابديني،


1) فهرست مخطوطات مكتبة آية الله الجليلي: 36.

2) فهرست مخطوطات مكتبة آية الله الجليلي : 37.

السيّد خليل جوادي، جواد فاضل بخشايشي، السيّد رضا هدايتي، محمّد جعفر مرادي، کمال هاشم پور وإسماعيل بيك المندلاوي.

4. تخريج الأحاديث الشريفة من كتاب وسائل الشيعة للشيخ الحرّ العاملي، عدا ما صرّح به في المتن، فإنّه خرّج من مصدره الذي صرّح به. أمّا الأحاديث المتكرّرة فاكتفينا بتخريجها في موضعها الأوّل، والإرجاع إليه في المواضع المتكرّرة.

وتوثيق الأقوال - وغيرها ممّا لا يخلو توثيقه من فائدة - عن مصادرها الرئيسية إن وجدت فيها، وإن لم توجد فإنّها أُرجعت إلى المصادر الحاكية عنها.

وكان المساهمون فيها هم الإخوة: السيّد حسين بني هاشمي، السيّد أبو الحسن مطّلبي، عليّ المختاري، الشيخ عليّ الأسدي، ولي الله قرباني ، غلامرضا نقي، محمّد مهديّ عادل نيا.

5. تقويم النصّ وتوثيقه وشرح المفردات الصعبة وتوزيع النصّ وتنظيم الهوامش: وهو أهمّ تلك المراحل، ويشمل تصحيح ما في المتن من الأخطاء النحويّة والإملائيّة والعلميّة إن وجدت؛ وذلك لتقديم الكتاب بنصٍّ سليم، وقد اتّبعت طريقة التلفيق بين النسخ المشار إليها أعلاه، بحيث يكون النصّ الصحيح في المتن، وما عداه يشار إليه في الهامش.

وكان المساهمون في هذه المرحلة هم الإخوة: غلامحسين قيصريه ها، غلامرضا نقي، منصور الإبراهيمي، محمّد الحسون، عبّاس محمّدي، ومحمّد الباقري.

7. المراجعة النهائية للكتاب وتوحيد الجهود المبذولة لتحقيق هذا السفر القيّم و تصحيحه ورفع الأخطاء التي زاغ عنها البصر في المراحل المتقدّمة. وتنظيم الهوامش وإعدادها وترتيبها بشكلها النهائي بما يراعي الأُمور الفنّيّة المتّبعة في مركز إحياء التراث الإسلامي.

وقد تصدّى لإنجاز هذه المرحلة سماحة الشيخ محمّد الباقري، كما قام بوضع فهرس موضوعات الكتاب.

8. إعداد الفهارس الفنّيّة وتنظيمها. وكان المساهمون فيها هم الإخوة: إسماعيل شكري، إسماعيل بيك المندلاوي، محسن النوروزي ورمضان عليّ القرباني.
9.

الإخراج الفنّي للكتاب. وكان المساهمون فيها هم الإخوة: إسماعيل شكري، محمّد هادي الأديب، ورمضان عليّ القرباني.

10.

إصدار ونشر الكتاب في عشر مجلّدات، حيث تشتمل بعض المجلّدات على باب واحد يبتدئ المجلّد الأوّل بكتاب الطهارة وينتهي المجلّد الأخير بكتاب القضاء والشهادات والفهارس العامّة.

شكر وثناء

وفي الختام نتقدّم بالشكر الجزيل والثناء الجميل لجميع إخوتنا الذين ساهموا في تحقيق هذا السفر القيّم وإخراجه بهذه الحلّة القشيبة راجين لهم دوام الموفّقيّة لمثل هذه المشاريع المهمّة التي تخدم العلم والعلماء، خصوصاً إخوتنا المحقّقين الذين بذلوا ما في وسعهم لإنجاز هذا المشروع المهمّ الذي استغرق العمل فيه عشر سنوات، والذين أشرنا إلى أسمائهم من قبل.

كما نتقدّم بالشكر الجزيل إلى الأُستاذ المحقّق الشيخ رضا المختاري، حيث اقترح مشروع تحقيق الكتاب بإشارة من سماحة آية الله السيّد موسى الشبيري الزنجاني حفظه الله ورعاه، والباحث الخبير عليّ أكبر زماني نجاد الذي هيّأ المصادر الأصليّة لهذه المقدّمة والتعريف بالنسخ الخطّيّة، والأُستاذ الشيخ عليّ الحميداوي (الأنصاري) لمساعدته في تأليف مقدّمة التحقيق وتعريبها، والأخ الكريم محسن النوروزي لمتابعته للأعمال الفنّيّة والمراجعة النهائيّة قبل النشر.

ولا ننسى أن نتقدّم بالشكر إلى كلّ من ساهم في إنجاز هذا السفر القيم من قريب أو بعيد، ومن أسدى معروفاً أو خدمة على طريق إصدارها، ممّن لم نتعرّض لذكر أسمائهم خصوصاً الإخوة العاملين في مركز إحياء التراث الإسلامي والإخوة الأعزّاء في قسم النشر التابع للمركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة، جزاهم الله خير الجزاء.

هذا. وقد كتب إلينا الشيخ عبّاس كاشف الغطاء (حفظه الله ورعاه) أحد أعلام أُسرة

كاشف الغطاء - والكتاب مائلٌ للطبع - رسالةٌ نورد مقاطع منها في اكرين له حُسن اهتمامه:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي كَشَفَ بأنوار الفقاهة مبهمات الأحكام والصلاة والسلام على سيّد رسله ومنهاج سُبُله محمّد بن عبد الله وعلى آله أئمّة الهدى وسادات الأنام.

وبعد: فإنّ كتاب أنوار الفقاهة من أجلِّ ما جرى به قلم فقيهنا الشيخ حسن نجل الشيخ الأكبر الشيخ جعفر المعروف بكاشف الغطاء(قدس سره الشریف) وقد صبّهُ مؤلفُهُ في قالب بديع وتنسيق فريد، أوفى على الغاية، ورفع على سائر المتون الفقهيّة المدوّنة بعده الراية، وقد استفاد بعض أساطين الفقهاء من هذا السفر فيما حرّره و قرّره في أحد كتبه الاستدلالية لما أمتاز به هذا المصنّف من قوّة الاستدلال والغَوْص على دقائق مدارك الأحكام...

وممّا يسجّل لهذه الموسوعة الفقهيّة الجليلة أنّها كتبت بإسلوب بليغ وبيان مشرق، فكان الشيخ حسن رضوان الله عليه ذايد باسطة وملكة راسخة في الفقاهة تَشْهَدُ له بطول باعه وسَعَةِ اطّلاعهِ وإحاطته التامّة المُسْتَوعِبة لجميع مدارك أحكام الشريعة الغرّاء تأصيلاً وتفريعاً، وقد أوتي الذوق الفقاهي الرفيع، وتميّز بشَمّ الفقاهة حتّى صار لازماً له في كلّ ما جرى به يراعُهُ السيّالُ في باب تفريع الأحكام وتنقيح المناط ومراعاة الأشباه والنظائر مع البُعد عن القياس المستنبط العلّة وما في معناه.

وغير خفيّ على أرباب هذا الفن ولا عازب عن أفهامهم السديدة ما لشَمّ الفقاهة من آثارٍ متميّزة في إثراء البحوث الفقهيّة ومدٌّ تفريعاتها على ضوء الأدلّة الكاشفة عن دقائق وجوه الاستدلال والغوص على مكامن الاستنتاج السليم.

وفي هذا المجال يقول الشيخ حسن في شرحه (المخطوط ) لمقدّمة كتاب والده كشف الغطاء ما نصّه هذا:

يختلف الفاهمون في مراتب الوصول والعاملون في درجات الحصول، فمنهم من يكون ذا فكر صائب ورأي ثاقب، سريع الانتقال من الدليل إلى مدلوله، ومن اللزوم إلى لازمه، ومن الأصل إلى فرعه، ومن الظاهر إلى باطنه، ومن مجموع الأدلّة إلى أحكام غير

منصوصة وفروع غير مذكورة. وقد ورد ما مضمونه أنّ الفقيه لا يكون فقيهاً حتّى يعرف لحن الخطاب ورمزه، وهذا معنى جعل شمّ الفقيه للحكم من الأدلّة، وصيرورة الشمّ دليلاً للمجتهد، وإنّها لكلمة حقٌ ومنطق صدق يعرفها أهلها وينكرها من لم يكن كفوا لها. ومنهم من فقد حاسّة الشمّ فجمد على ما رآه وسمعه لا ينتقل من شيء إلى آخر، ولا من مفهوم إلى مفهوم، ولا من مراد إلى مراد لعدم تبيّن أنفه له؛ لأنّ من لم يشمٌ الشيء

لا يهتدي إليه، إذا كان لا يبصره ولا يسمعه فجمد على المناطيق والنصوص.

وبالجملة فالشمّ من الأدلّة الشرعيّة والظنّ الحاصل به دليل وأي دليل يهدي إلى السبيل، ومن نظر وتتبّع أقوال الفقهاء من قديم الزمان إلى هذا الآن يجد أنّه لولا أنّ الشمّ من مجموع الأدلّة أو من مفرداتها، ومن أدلّة كلٌ باب منها لما كتبوا كتب الفروع وأكثروا من تشقيق المسألة الواحدة إلى ما يقرب المئات، وأفتوا بها وليس عندهم نصّ في ذلك من عموم أو خصوص، كالعلّامة في ثلثي القواعد والتحرير، وكذا الشهيد في الدروس بل والشيخ في المبسوط ، وحاشاهم من الأخذ بغير دليل أو عمل بالقياس والاستحسان، بل عملهم على الظنون الناشئة عن الأدلّة الخاصّة، وهو معنى الشمّ. فظهر أنّه لا يجوز الأخذ بكلّ ظنّ ولا الجمود على الظنون، بل هو أمر بين أمرين.

وقد ظهرت قوّة مبانيه الأُصوليّة ومداركه الرصينة من خلال استدلاله للمسائل الفقهيّة، وكتابه أنوار الفقاهة شاهد عدل على ما كان يتمتّع به(قدس سره الشریف) من عمق فكره الأُصولي، و سبقه فی تناول بعض المباحث الأُصوليّة على هذا النحو من التفصيل والتفريع.

وقد استعرض في موسوعته الفقهيّة (أنوار الفقاهة) الفتاوى النادرة أو الشاذّة وحملها على التقية، وقد يوجهها بتوجيه مقبول يوافق المشهور.

وبالجملة فإنّ إحاطته بكلّ ما ورد من المسائل الشرعيّة إحاطة تامّة ومستوعبة لجميع فروعها وتقسيماتها يكشف من دون ريب تسلّطه التامٌ على الفقه، كما أنّه يتّضح وضوحاً جليّاً من مسلكه الاجتهادي أنّ الدليل العقلي له من الأهمّيّة في عملية استنباط الأحكام الشرعيّة نصيب كبير، وقد نحا في بعض الموارد منها حمل الروايات غير المستوفية شروط الاستدلال التامّ أو المخالفة للمشهور على نحو الاستحباب بدل من رفع اليد عنها وعدم العمل بها للتقيّة، وقد كان - أفاظ الله عليه شآبيب رحمته ورضوانه

• ذا اطّلاع واف على فقه المذاهب الإسلاميّة محيطاً بصور الاختلاف بين أئمّة تلك المذاهب، كما كان مطّلعاً على الموسوعات الفقهيّة والحديثيّة المعتبرة عند أهل السنّة.

وقد شرعُنا في العقد المنصرم - بتوفيق من الله تبارك وتعالى- بكتابة مخطوطة (الأنوار) حَرْفيّاً لغرض التوفّر على تحقيقها، بيد أنّنا صرفنا النظر عن ذلك بعد علمنا بأنّ (مركز إحياء التراث الإسلامي) التابع للمركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة في قم المقدّسة قد شَرَعَ بتحقيق الكتاب على مخطوطاته بأُسلوب مبتكرٍ حديث.

وبهذه المناسبة نغتنم هذه الفرصة لتقديم أسمى آيات الشكر والامتنان لهذا المركز والعاملين فيه لمبادرتهم للنهوض بعِبء تحقيق هذا الكتاب الجليل. كما يشكرون مرّة ثانية على ما بذلوه ويبذلونه لاهتمامهم بتحقيق آثار السلف الصالح من أساطين علمائنا الخضارم وفقهائنا الأعاظم، وأبرز ما دبجته أقلام مفكري الطائفة في في مختلف العلوم والمعارف الإسلاميّة، ممّا يُعدّ غرة شامخة في جبين الدهر، ويعتبر خدمة خالصة في سبيل إحياء التراث الإسلامي عموماً والفكر الإمامي خصوصاً.

ولا يسعنا في هذا المجال إلّا أن نتضرّع إلى المولى تبارك آلاؤه أن يمدّهم بالعون والعناية، ويكلأهم بالتزويد والرعاية لمواصلة المزيد من أعمالهم الجادّة المشكورة بتحقيق ونشر ذخائر الفكر الإسلامي من مناجمه المُترعة بنفائس الآثار وروائع الأعلاق. والحمد لله أوّلاً وآخراً. النجف الأشرف - عبّاس كاشف الغطاء - 13 / جمادي الأُولى / 1432 هـ .

أخيراً لا يسعنا إلّا التماس العَون والتسديد من الله المنّان في جهودنا لخدمة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وقبول بضاعتنا اليسيرة المزجاة أمام ميزان كرمه وفضله؛ ملتمسين من القارئ الكريم النظر بعين العطف إلى ما قد يراه من هفوةٍ أو كبوة، وما ذلك بغريبٍ على الكريم.

وآخر دعوانا أنّ الحمد لله ربّ العالمين.

عليّ أوسط الناطقي

مركز إحياء التراث الإسلامي

ربيع الأوّل 1436

نماذج من مصوّرات النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق

الصورة

-113

1. صورة الصفحة الأولى من كتاب الطهارة، نسخة الأصل

الصورة

-114

2 .صورة الصفحة الأخيرة من كتاب الطهارة، نسخة الأصل

الصورة

-115

3.صورة الصفحة الأولى من كتاب الطلاق، نسخة الأصل

الصورة

-116

4. صورة الصفحة الأولى من كتاب النكاح، نسخة الأصل

الصورة

-117

5. صورة الصفحة الأولى (السلاح الماضي...) من نسخة الأصل

الصورة

-118

6. صورة الصفحة الأولى من كتاب القضاء والشهادات، نسخة الأصل 6

الصورة

-119

7. صورة الصفحة الأولى من كتاب الطهارة، نسخة

الصورة

-120

8. صورة الصفحة الأولى من كتاب الرهن، نسخة «م»

الصورة

-121

9. صورة الصفحة الأخيرة من كتاب الرهن، نسخة

الصورة

-122

10. صورة الصفحة الأخيرة من كتاب البيع، نسخة «ج»

الصورة

-123

الصورة

-124

صورة إجازة المؤلّف الشيخ حسن كاشف الغطاء بخطّ يده يجيز فيها لمقلّديه الرجوع إلى الحاج ملّا إسماعيل بن دوست عليّ، موجودة على الورقة الأُولى من نسخة للرسالة الصلاتيّة له، المحفوظة في مكتبة آية الله المرحوم السيّد شهاب الدين المرعشي بقم المقدّسة

الرقم 14598 (فهرست المكتبة ، ج 36، ص 672 - 673)

كتاب الطهارة

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كتاب الطهارة

تعریف الطهارۀ لغۀً و شرعاً

وهي لغةً(1): النزاهة والنظافة من القذرات الحسّيّة والنجاسات الظاهريّة، وتُستعمل كثيراً في الكتاب والسنّة في النزاهة من الأدناس المعنويّة والأرجاس الباطنيّة على وجه الاشتراك المعنوي أو اللفظي لغةٌ، أو المجاز المشهور.

وشرعاً :على وجه الحقيقة الشرعيّة - بناءً على ثبوتها فيما استعمله الشارع في المعاني الجديدة كثيراً حتّى شاع في زمانه - اسم لاستعمال طهور مشروط بالنيّة، له تأثير في استباحة العبادة المترتبّة عليه، على وجه الاشتراك المعنوي بين الوضوء والغسل والتيمّم، الاشتراك اللفظي ؛ لأنّه خلاف الأصل، ولاستعمال طهور رافع للخبث الشرعي، على وجه الاشتراك بينهما شرعاً لفظاً، لا معنىً؛ لما في الاشتراك المعنوي من تكلّف قدر مشترك بينهما غير متبادر منها عرفاً عند المتشرّعة، وغير ظاهرٍ من كلام الشارع، على أنّ التردّد في الفهم والإجمال دليل الاشتراك اللفظي.

ودعوى الفرق بين لفظ الطهارة فيختصّ لفظها بالأوّل على وجه الحقيقة، وبين مشتقّاتها فتعمّ الأمرين على وجه الاشتراك اللفظي أو المعنوي لاستعمالها في الثاني كثيراً، بعيدٌ كلّ البُعْد.

وعلى ما ذكرناه فالطهارة شاملةٌ للرافع للحدث والخبث، وللمبيح، وموضوعةٌ لنفس استعمال الطهور، لا لأثره المترتّب عليه، ولا للحالة الحاصلة بعده من الابتهاج النفساني والقرب الروحاني، كما يدّعيه بعض الأولياء(2)، ومختصّةٌ بها.


1) أُنظر لسان العرب 4: 504 - 505، «ط ه ر».

2) لم نتحقّقه.

فلا تصدق على وجه الحقيقة على غير المبيح، سواء كان مكمّلاً للعبادة المترتّبة عليه -كالوضوء التجديدي والوضوء لغسل الجنابة، وغسل الزيارة وغسل الإحرام ونحوها - أو مزيداً في ثوابها- كغسل التوبة - أو رافعاً لشبهةٍ نقصاً -كالوضوء للرعاف ومسّ باطن الفرج والدبر والتقبيل والكذب والظلم وإنشاد الشعر ونحوها إذا سبقته طهارة محققّة - أو كان مؤثِّراً في غير العبادة حسناً، أو دفع قبحٍ متوهّم- كالوضوء للنوم أو للجماع أو للأكل أو للشرب للمجنب - أو لم يكن كذلك كوضوء الحائض وشبهه، مع احتمال أنّه مكمّل لذكر الله تعالى في جلوسها، وغسل الجمعة والعيدَيْن وجميع الأوقات المندوب لها الغسل. واحتمال تكميلها بعيد.

والدليل على ذلك كلّه شيوع استعمال الشارع لها في ذلك دون غيره، وما ورد من نفي الطهر عن الحائض وثبوت الوضوء لها(1)، والاقتصار على مورد اليقين في الوضع يقضي به، وأمّا التقسيم إلى المبيح وغيره فلا يقضي بالتعميم.

ولا تصدق على كلّ طهارة قد اختلّ بعض شروطها أو نقصت بعض أجزائها ففسدت؛ لظهور كون اسمها موضوعاً للصحيح دون الأعمّ.

وتصدق على ما كان مكمّلاً لغايته، كالوضوء لقراءة القرآن والمسّ والطواف المندوب وصلاة الجنازة؛ لأنّه في جميع ذلك رافعٌ ومبيحٌ على الأقوى وإن كان شُرّع للتكميل.

واختلاف حدودهم في المقام ناشئٌ عن اختلافهم في المعنى الشرعي الموضوع له اللفظ شرعاً، لا ناشئٌ عن تباين اصطلاحاتهم في المنقول إليه، ولا عن تسامحهم في الحدود؛ لعدم ثبوت اصطلاحٍ جديد لهم، ولتدقيقهم في إلإدخال والإخراج، مع احتمال ذلك، وأنّهم يريدون تميّز الأسماء في الجملة بأيّ طريقٍ كان.

وعلى كلّ حال فلا حاجة إلى تطويل الكلام بذكرها ونقضها طرداً وعكساً.


1) وسائل الشيعة 2: 314 - 315، الباب 22 من أبواب الحيض، ح 1.

فيما تجب له الطهارة وما تستحبّ

بحث فیما یجب له الوضوء

يجب الوضوء للصلاة الواجبة وجوباً غيريّاً، قضى به الخطاب التبعي للصلاة؛ لمكان الشرطيّة، والخطاب الأصلي الغيري؛ وذلك بالإجماع، والكتاب(1)، والسنّة (2).

كذا [يجب] لأجزائها المنسيّة وركعاتها الاحتياطيّة. والأحوط إلحاق سجود السهو بهما. وكذا يجب للطواف الواجب؛ لأنّه صلاة.

ويدخل في الصلاة الواجبةِ المنذورةُ والمستأجرُ عليها، وفي الطواف الواجبِ المنذور والمستأجر عليه، إن قلنا بشرطيّة الوضوء للطواف المندوب.

وكذا يجب لمسّ المصحف ولفظ الجلالة الواجبَيْن بنذرٍ أو شبهه، أو بعروض ما يوجب تعظيمهما، كرفعهما من القدرات وشبهها. وهو مبنيّ على تحريم مسّ المحدِث لهما، كما يستفاد من الآية(3)والرواية(4)، المعتضدة بالأخبار وكلامِ الأخيار.

وكذا يجب بالنذر له أو للطهارة الداخلة فيها، أو بالاستئجار عليه لميّت أو لحيّ.

ولا يجب لنفسه؛ للأصل، والإجماعات المنقولة(5)، والشهرة المحصّلة، والسيرة القاطعة، وخلوّ الأخبار والمواعظ والوصايا والنصائح وكلام المتقدّمين عنه.


1) المائدة (5): 6

2) راجع وسائل الشيعة 1: 365 الباب 1 من أبواب الوضوء.

3) الواقعة (56): 79

4) راجع وسائل الشيعة 1: 383 الباب 12 من أبواب الوضوء.

5) تذكرة الفقهاء 1: 148، المسألة 40 جامع المقاصد 1: 263: الحدائق الناضرة 2: 126.

وما جاء من الأخبار من الأمر به(1)محمولٌ على بيان الشرطيّة، كما ورد في غَسْل الأخباث(2). أو على الاستحباب، وعدم فهم الأصحاب منها الوجوب النفسي وإعراضهم عنه يورث الظنّ الواجبَ الاتّباع في ظواهر الخطاب بعدم إرادته.

ويدلّ على عدمه أيضاً قوله(عليه السلام): «إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة»(3)إلى آخره؛ لظهور عدمهما عند عدم دخوله.

واحتمالُ تسلّط الحكم على المجموع فينتفي المجموع بعدم دخوله ويكفي في انتفائه انتفاء وجوب الصلاة فقط، كاحتمال تسلّط النفي في المفهوم على الكلّيّة، ويكفي في نفيها السلب الجزئي، بعيدان، كاحتمال تقيّد المنطوق بوجوب الطهور لها، فينتفي في المفهوم ذلك فلا يفيد نفي النفسي؛ للزوم الاعتماد عليه سدّ باب المفهوم رأساً وأصلاً، ولا يساعده عرفٌ ولا لغة.

وقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوَةِ(4)إلى آخره، فإنّها تدلّ عرفاً على الوجوب الغيري، كـ «خُذْ سلاحك إذا لقيتَ الأسد». وتدلّ بالمفهوم على ذلك أيضاً؛ لانتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط مطلقاً.

والطعن في الاستدلال بها من جهة عدم عموم المنطوق، أو من جهة عدم عموم المفهوم، أو من جهة عدم ظهور المفهوم؛ لظهور فائدة أخرى غيره، وهي بيان وجوبه الغيري أو الشرطي للصلاة، أو من جهة احتمال تقيّد المنطوق بكونه للصلاة فينتفى كونه لها بالمفهوم لا مطلقاً فلا يدلّ على نفي الوجوب النفسي، كلّه ضعيفٌ لا يُركن إليه ، كما لا يُركن لمن ضعّف المفهومَ بأنّ القول به مخالف للإجماع؛ للزوم عدم الوجوب عند عدم القيام، المتجوّز به عن التهيّؤ، أو المحذوف منه الإرادة عند دخول الوقت، ولا قائل به، و ذلك لأنّ خروج بعض المفهوم بالإجماع لا يُسقطه عن الحجّيّة، كما أنّ المنطوق لا يستدلّ به على الوجوب النفسي من جهة شموله للوقت وما قبله، ولا يكون وجوبه قبله إلّا نفسيّاً؛ لأنّ ظهور الإرادة والتهيّؤ في المتّصلتين


1) سنن ابن ماجة 1: 161 477: سنن أبي داود :1 52 ح 303؛ السنن الكبرى، البيهقي 1: 190، ح 578

2) راجع وسائل الشيعة 3: 405 الباب 8 من أبواب النجاسات، ح 2 و 3 و 417 - 418 ، الباب 13 من تلك الأبواب، ح 1 و 3، و 428 - 429 ، الباب 19 من تلك الأبواب.

3) وسائل الشيعة 1 372 أبواب الوضوء، الباب 4. ح 1.

4) المائدة (5): 6.

الحاصلتين في الوقت، دون المنفصلتين. وتعليق الوجوب بالقيام المؤوّل بهما ممّا يُبعّد ذلك كلّ البُعْد.

على أنّه يلزم على القول بالوجوب النفسي إيجاد واجبات متعدّدة لا يتّصف تاركها بالذمّ والعقاب، كمن توضّأ وضوءات متعدّدة بعد أحداث متعدّدة، كلّ وضوءٍ بَيْن حدثين يتضيّق واحد منها بظنّ الفوات ولا بضيق مشروط به، وهو بعيد.

والنقض بلزوم مثل ذلك على القول بالوجوب الغيري مردود: بأنّ الوجوب الغيري ما يترتّب عليه المشروط به -كأن وقع الحدث قبل فعل المشروط به - لا يكون واجباً وإن تخيّل وجوبه ابتداءٌ لانكشاف عدم وجوبه بعد ذلك.

بحث فیما یندب له الوضوء:

اشارة

يندب الوضوء لغايات كثيرة:

منها: ما يكون شرطاً في صحّتها، كصلاة النافلة، والطواف المندوب إن قلنا بشرطيّته له، وإن قلنا: إنّه مكمّل له -كما هو الأظهر - فليس من هذا القسم.

ومنها: ما يحرم فعلها بدونه، كالمسّ المندوب لتبرّكٍ أو تعظيمٍ أو شبههما.

ومنها :ما يكون مؤثّراً فيها كمالاً، كطلب الحاجة، وحمل المصحف، وأفعال الحجّ عدا الطواف والصلاة، وصلاة الجنازة، وزيارة قبور المؤمنين، وتلاوة القرآن، ونوم الجنب، وجماع المحتلم ، وجماع غاسل الميّت ولمّا يغتسل، ومريد غسل الميّت وهو جنب، وذكر الحائض، والتأهّب للفرض قبل وقته، والتجديد، والكون على الطهارة، وجماع الحامل، وأكل الجنب، ودخول المساجد، والنوم، والمجامع إذا أراد الجماع مرّةً أُخرى، وكتابة القرآن، والقدوم من السفر لأهله، وللزوجين ليلة الزفاف، وجلوس القاضي مجلس القضاء، وإدخال الميّت القبر، وتكفينه إذا أراد تكفينه، وغسل الجنابة، وجميع الأغسال المسنونة.

وقد يندب لأُمور كثيرة؛ لشبهها بالنواقض، كالضحك في الصلاة سيّما القهقهة، والكذب، والظلم، والإكثار من إنشاد الشعر الباطل أو إنشائه مطلقاً أو ما يزيد على أربعة أبيات، والوَدي -بالدال المهملة - بعد البول والاستبراء منه، والمذي، والرعاف، والقيء، والتخليل بما يسيل الدم، ومسّ

باطن الدبر، وباطن الإحليل، ونسيان الاستنجاء قبل الوضوء، والتقبيل بشهوةٍ، ومسّ باطن الفرج والقضيب، وبعد الأكل، ولمن لم يستنجئ بالماء حتّى توضّأ وإن كان استجمر.

وهنا فوائد :
الأُولى: فی أنّ أکثر ما ذُکر له استحباب الوضوء قد ورد فیه روایات خاصّۀ

أكثر ما قدّمناه قد ورد فيه روايات خاصّة(1)، وحكم به مشهور الأصحاب. ومنه ما لم نعثر به على رواية خاصّة لكنّه قد قضت به العمومات كالوضوء قبل الأغسال المسنونة. ومنه ما لم نعثر به على دليل مطلقاً سوى فتوى الفقهاء وبعض الاستحسانات العقليّة، كجلوس القاضي مجلس القضاء.

والأظهر: جواز الأخذ بالكلّ؛ لما تقرّر من جواز التسامح بأدلّة السنن، وجواز الاستناد بها إلى الخبر الضعيف، وفتوى الفقيه الواحد، بل وإلى الاستحسان العقلي؛ وذلك لأنّ ما شرّع أصله- من صلاة أو دعاء أو زيارة أو ذكر أو وضوء - وشكّ في خصوصيّاته من زمان ومكان وحال، ولم يكن هناك معارض لمشروعيّة تلك الخصوصيّة سوى التشريع، قطع العقل بحسن فعله لتلك الخصوصيّة؛ لاحتمال تحصيل ما يترتّب عليها من الثواب، ويشمله دليل الاحتياط، وكان منفعة خالٍ عن أمارات المفسدة، واحتمال المفسدة من جهة التشريع يرفعها الحسن العقلي والاحتياط الشرعي، فيكون فعله راجحاً.

الثانية: فی أنّ کثیراً ممّا جاءت به الروایات موافق لفتوی العامّۀ

كثير ممّا جاءت به الروايات موافق لفتوى العامّة، فحمله على الندب دون طرحِه وحملِه على التقيّة محتاج إلى الترجيح، و الظاهر أنّ الراجح ذلك؛ لأولويّة تقديم الحمل على الندب؛ لشيوع الندب وأكثريّته من الورود مورد التقيّة. ولكونه عملاً بالدليل في الجملة، والتقيّة تقضي بطرحه بالكليّة؛ لأنّ المتيقّن من الحمل على التقيّة ووجوب الأخذ بخلافهم إنّما هو في مقام التعارض، دون الأحكام السالمة عن المعارضات.

وقد يتخيّل في جملة من الأخبار أنّها خارجة مخرج التقيّة بظاهرها الدالّ على الوجوب ومراداً بها مع ذلك الحكم الندبي، فتفيد الندب إرادةً، وتنزّل على التقيّة ظاهراً.

وهو مشكل جدّاً لا يساعده عرف ولا استعمال.


1) راجع وسائل الشيعة 1 374 - 386، أبواب الوضوء، الأحاديث 8،6-14

ولا يجوز أن يقال: إنّ حمل الوجوب على التقيّة لا ينافي بقاء الرجحان الضمني استصحاباً، فيثبت الاستحباب؛ لعدم معقوليّة ذلك من ظاهر الخطاب إلّا بالقرينة المبيّنة، وليس فليس.

الثالثة:فی عدم الفرق فی إثبات الندب من الأخبار بین ما ورد الخطاب به صریحاً لغیره و بین ما ورد الخطاب بغیره متّصفاً به

لا فرق في إثبات الندب من الأخبار بين ما ورد الخطاب به صريحاً لغيره، وبين ما ورد الخطاب بغيره متّصفاً به، فيُفهم منه أنّ الشارع قد رتّب الثواب على ذلك الغير لاتّصافه به، فيُفهم إرادته وترتّب الثواب عليه لذلك الغير من باب مفهوم الاقتضاء أو الإشارة، وهو كثير في أخبارنا، كمن دخل المسجد متطهّراً، أو نام كذلك، أو فَعَل كذلك كان له كذا. ويؤيّده أيضاً فهم الفقهاء وطريقتهم.

الرابعة: فی أنّ الوضوء لو صادف الحدث الأصغر منویّاً به التقرّب رفعه

الأقوى والأظهر أنّ الوضوء لو صادف الحدث الأصغر منويّاً به التقرّب رفعه؛ لأنّه من الأسباب المقتضية لذلك، ورفع الحدث من الآثار المترتّبة عليه اللازمة له فيقع قهراً، ولا يحتاج بعد نيّة القربة إلى نية الاستباحة أو رفع الحدث.

فلو لم ينوهما عمداً أو سهواً مع اعتقاد قابليّة المحلّ لنيّتهما، أو مع اعتقاد عدمه- لزعم أنّه مجنب أو أنّها حائض أو أنّه متوضّئ قبل ذلك، أو مغتسل للجنابة كذلك - صحّ الوضوء في جميع ذلك وارتفع الحدث قهراً إذا صادف إمكان ارتفاعه، كما إذا تبيّن عدم كونه جنباً، وعدم كونها حائضاً، وعدم كونه متطهّراً بالطهارة الأُولى لخللٍ فيها، أو لعدم فعلها، بل لو نوى عدم رفع الحدث أو عدم الاستباحة أو عدمهما صحّ الوضوء ووقعت النيّة لغواً قهراً.

وكذا لا يحتاج في الوضوء إلى نيّة سبب خاصّ من أسبابه، ولا غاية معيّنة من غاياته، بل لو نوى وضوءاً مطلقاً أو وضوءاً للكون على الطهارة أجزأه عن كلّ غاية.

وكذا لو نوى غايةً خاصّة فإنّها تجزئ عن جميع الغايات؛ وذلك لأنّ الأسباب والغايات غير منوّعة للوضوء -كفايات الغسل وأسبابه - حتّى يجب تعيين السبب والغاية لتعيين النوع منه.

وممّا يدلّ أيضاً على أنّ كلّ وضوء رافعٌ للحدث الأخبار الدالّة على أنّ الوضوء ينقضه إلّا حدث(1)، أو إلّا ما يخرج من الطرفين(2)لأنّه لو لم يرفع الحدث بمجرّد حصوله لما نقضه الحدث.


1) وسائل الشيعة 1: 245 - 248، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، و 250 - 251 ، الباب 2 من تلك الأبواب، ح 6 و8 .

2) المصدر: 248 - 251، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1 - 1 و 7 و 9.

وكذا ما دلّ على المنع من الوضوء بعد الوضوء من دون يقين الحدث(1)، وظاهرٌ أنّ الوضوء لا یراد به معيّنٌ؛ لعدم المعهوديّة، ولا واحدٌ لا بعينه؛ لعدم الفائدة، فلا بدّ من إرادة المعنى العامّ الشامل للكلّ.

واحتمال أنّ الوضوء رافع للحدث بالنسبة إلى غاية معيّنة دون غيرها، كاحتمال أنّه مع رفعه للحدث تجب إعادته للصلاة؛ للأمر به لها بعيدان جدّاً، بل لا يقولهما أحدٌ.

ومع ذلك فالأحوط أن لا يصلّي إلّا في وضوء غاية مشروطة صحّتُها برفع الحدث.

و أولى من ذلك في الاحتياط أن لا يصلّي في الوضوء المصادف لاعتقاد ارتفاع الحدث قبله كالتجديدي وسائر النواقض المندوب لها الوضوء، والمصادف لاعتقاد وجود الحدث الأكبر كوضوء الجنب والحائض وإعادته بعد ذلك وعدم الاجتزاء به.

ويشتدّ الاحتياط فيما إذا صادف اعتقاد الاتّصاف ببقاء الحدث الأكبر؛ لأنّه يؤول إلى نيّة عدم الرفع.

ويضعف الاحتياط في التجديدي؛ لأنّ الظاهر أنّ مشروعيّته لرفع الحدث المتوهّم أو المحتمل. وللأصحاب هنا أقوال وكلمات لا حاجة للتعرّض لها.

الخامسة: إنّما يشرع الوضوء عند دخول وقت المشروط به إن كان له وقت، أو عند إرادة فعله إن لم يكن كذلك.

ولا يجوز تقديمه على الوقت بنيّة الوجوب في الواجب الموسّع؛ لتبعيّة وجوبه لوجوب مشروطه، وليس فليس.

نعم، في الواجب المضيّق كلام سيأتي إن شاء الله تعالى.

ويحتمل القول بجواز تقديمه بنيّة الوجوب في الموسّع؛ استناداً إلى إطلاق أوامر الوضوء للصلاة وإن كانت غيريّة ، فإذا علم المكلّف بقاءه إلى دخول الوقت أو ظنّ بالاستصحاب جاز له نيّة الوجوب، وإلى أنّ الواجب الموسّع يجوز فعله في أوّل الوقت، وهو موقوف على فعل الشرط قبله، فيجب فعله موسّعاً لمشروطه.

لكن هذا الاحتمال ضعيف والاحتياط يقضي بتركه ولو قلنا به فلا بدّ أن نقتصر على


1) وسائل الشيعة 1: 247 ، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 7.

جوازه قبل الوقت في الجملة بزمان قليل؛ لأنّه هو المتيقّن كما أنّ الوضوء لإحدى الغايات لا بدّ من سبقه عليها بزمان يحكم أهل العرف أنّه لها، فلو قدّمه قبلها بشهرٍ أو أكثر لم يترتّب عليه ثوابها.

نعم، لو فعله للغاية ولم يتّفق وقوعها بعده، صحّ الوضوء، وانكشف فساد نيّته الخاصّة. وهل يثاب ثواب الفاعل للغاية أم لا؟ وجهان، أقربهما: الأخير.

ويتفرّع على الوجوب الغيري قبل الوقت عدم جواز إهراق الماء قبل دخول الوقت لمن علم عدم تمكنّه من الماء بعد دخول الوقت، ووجوب الوضوء على مَنْ علم بعدم التمكّن بعد الوقت قبله.

السادسة: تحقّق الوضوء التجديدي بتجدّد كلّ صلاة نافلة أو فريضة

الوضوء التجديدي- بعد ثبوته كما دلّت عليه الأخبار(1)وكلام الأصحاب - يتحقّق بتجدّد كلّ صلاة نافلة أو فريضة-كما يُفهم من الأخبار - وسيّما المغرب والعشاء والصبح.

والأقوى جواز التجديد وإن لم يتجدّد للمتوضّئ صلاة مطلقاً؛ لإطلاق الأخبار.

ولا فرق بين حصول الفاصل الطويل وعدمه، وبين احتمال النقض وعدمه، وبين زيادته على الثلاثة وعدمها.

والنهي عن إحداث وضوءٍ آخَر عند اليقين بالوضوء الأوّل مخصوص بغير التجديدي وبغير ما نصّ عليه في الروايات وكلمات الأصحاب ممّا كان يشبه الناقض كما تقدّم(2)، أو مخصوص بما اعتقد عند فعله بطلان الأوّل ففعل ابتداء.

والأحوط الاقتصار في التجديدي على المرّتين إذا لم تتجدّد الصلاة، تفصّياً من شبهة مَنْ قصّره على المرّتين؛ حملاً لما ورد من أنّ الوضوء مثنى مثنى، والثالثة لا يؤجر عليها(3)على التجديدي.

كما أنّ الأحوط عدم التجديد للغايات الأُخَر غير الصلاة، من غير فرقٍ بين ما أثّرت فيه كمالاً أو أثّرت صحّةً كالطواف الواجب، سواء اختلفت وتعدّدت لاختلافها أو اتّحدت وتكرّرت.

وهل يندب التجديدي بعد غسل الجنابة وغيره من الأغسال الرافعة أم لا؟ وجهان.


1) وسائل الشيعة 1: 375 - 378، الباب 8 من أبواب الوضوء.

2) تقدّم آنفاً.

3) راجع وسائل الشيعة 436:1 ، الباب 31 من أبواب الوضوء ، ح 5.

والأقوى ندبه بعدها، والأحوط الترك، كما أنّ الأحوط عدم جواز تجديد الوضوء المجامع للحدث الأكبر؛ لعدم كون الأوّل طهارةً.

بحث فیما یحرم علی المحدث مسّه:

الأظهر وفاقاً للأشهر : عدم جواز مسّ القرآن محدثاً بالأصغر والأكبر؛ للأخبار(1)المعتبرة المنجبرة بفتوى المشهور وعملهم، والمناسبة لأدلّة التعظيم والاحترام، والموافقة لقوله تعالى: ولا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ(2): لظهور لفظ المسيس في الحسّي، والطهارة في المعنى الشرعي، ولظهور كون الجملة من صفات القرآن، دون كتاب مكنون وإن قرب لسياق الكلام، ولظهورها إرادة النهي وإلّا لزم الكذب، ولظهور عموم الطهارة للكبرى والصغرى، و إلّا لزم التخصيص من غير دليل، بل وللخبث إذا مسّ بما خبث من الجسم.

وكذا الأظهر تحريم مسّ لفظ الجلالة نفسه؛ للأولويّة في التعظيم.

والأحوط إلحاق الأسماء المختصّة به، بل وجميع الأسماء الحسنى له عزّ وجلّ بلفظ الجلالة.

وأمّا اسم النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)والأئمّة(عليهم السلام)والزهراء(عليه السلام)وباقي الأنبياء والملائكة، وغير القرآن من الصحف والأحاديث القدسيّة والروايات الإماميّة المنقولة باللفظ، فلا يبعد كراهة مسها محدثاً. فيندب لها الوضوء، وكذا نفس بدن النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)أو الإمام أو الأمكنة المشرّفة كنفس الكعبة ونفس الضريح، فإنّه لا يبعد كراهة مسّها محدثاً.

ولا فرق في القرآن بين منسوخ الحكم وعدمه، وبين كتابته بالعربي وغيره ما لم تكن نفس ألفاظه مغيّرة كما إذا ترجم بلسانٍ آخَر، وبين كون الآية في المصحف وغيره، وبين المكتوب قصداً وغيره إذا كان مختصّاً بالقرآنيّة غير مشترك بينه وبين غيره، وفي المشترك لا بدّ من قصد الكاتب أنّه قرآن وإلّا جاز مسه. ولو اشترك اثنان في رسم مشترك، فقصد أحدهما القرآن دون الآخر، غلّب قصد الأوّل، وبين المكتوب بخطٍّ وبين غيره من نقش أحجار أو تسطير بناء أو نقشٍ في أرضٍ أو تخطيط في قرطاس بمسمار وشبهه.


1) لاحظ وسائل الشيعة 1: 383 الباب 12 من أبواب الوضوء.

2) الواقعة (56): 79

وفي وضع خيط أو حبل على شكل آية من القرآن أو على هيئة اسم الجلالة أو قصّ قرطاس على ذلك الشكل إشكال والأحوط تجنّبه.

ولو كتبت الحروف على غير النهج المتعارف في الكتابة اصطلاحاً برقم الهندسة، أو نحوها ممّا لم يكن من الكتابات المتعارفة، أو وضع حرف مكان حرف اصطلاحاً من الكاتب، فالأحوط تجنّبه أيضاً.

ولو تفطّرت الأرض أو أثّر الريح فيها كشكل آية، فالأحوط تجنّبها.

ولا فرق في الحروف بين المتواصلة والمقطّعة على إشكال في الأخير، ولا بين المقلوب والمستقيم على إشكال في الأوّل، ولا بين المسّ فيما تحلّه الحياة وبين غيره؛ لإطلاق الأخبار، سوى الشَّعْر فالأظهر عدم حرمة المسّ به؛ لخروجه عن إطلاق لفظ البدن.

والمدّ والتشديد داخلان في القرآن، دون الإعراب؛ لعدم تيقّن صدق القرآن عليه، ولتجريد الصحف الأوّل عنه.

والأحوط للوليّ منع الصبيّ عن مسّه محدثاً؛ للتعظيم، إلّا إذا كان مميّزاً متطهّراً؛ فإنّ الأقوى أنّ عبادته شرعيّة.

ولوكتب المحدث على بدنه قرآناً فالأحوط إزالته. ولو نشر القرطاس إلى خلف فالأحوط تجنّبه.

بحث فیما یجب له الغسل:

اشارة

يجب الغسل بحصول أسبابه لغايات مترتّبة عليه في الجملة إجماعاً وضرورةً، فيجب غسل الجنابة للصلاة الواجبة ابتداءٌ، أو بنذرٍ، أو استئجارٍ؛ إجماعاً وكتاباً(1)وسنّةً(2)بأمرٍ أصليٍّ توصّليٍّ، وبأمرٍ تبعيّ للصلاة المأمور بها.

ويجب للطواف الواجب الأصليّ؛ لأنّه صلاة.

ويجب للمسّ الواجب بنذر أو استئجار أو شبههما.

ويجب لدخول المسجدين، وللمكث في المساجد الباقية إن وجبا بأحد الأسباب أو بعض العوارض.


1) المائدة (5): 6

2) وسائل الشيعة 2: 173، الباب 1 من أبواب الجنابة.

ويجب لقراءة العزائم كلّاً أو بعضاً إن وجبت بأحد الأسباب الموجبة.

ويجب بنذر الطهارة أو بنذره خصوصاً أو بالاستئجار عليه.

وكذا غسل الحيض يجب ، كذلك؛ بالإجماع والأخبار(1)في الثلاثة الأُوَل، وبالإجماع المنقول(2)والشهرة المحصّلة في الأخيرين، واستصحاباً لحكم المنع المحقّق فيهما ما دام الحيض سائلاً، وتغيّر الموضوع مع الانقطاع قبل الغسل لم يثبت؛ لصدق الحائض على مَنْ نقت قبل الغسل الأخبار وكلام الأصحاب وإن قلنا: إنّ المشتقٌ حقيقة في المتلبّس دون الماضي، ولأنّ حدث الحيض أعظم من حدث الجنابة، كما يُفهم من الأخبار(3)، ولأنّ ترتيب الغسل والوضوء عليه يشعر بأكبريّته، ولا معنى لكونه حدث أكبر إلّا ترتّب أمر زائد على ما يوجبه الحدث الأصغر.

وغسل النفاس كغسل الحيض؛ لأنّه حيض في المعنى، كما سيجيء إن شاء الله تعالى(4).

وكذا غسل الاستحاضة، فيجب في الأوّلين إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(5)، وللأخبار(6). ويجب فيما بعدهما أيضاً، للإجماع المنقول(7)على مساواتها للحائض قبل الغسل، وأنّها بعد الغسل يكون حكمها حكم الطاهر.

وذهب جمعٌ(8)إلى عدم وجوبه للمسّ؛ لعدم ثبوت تحريم المسّ عليها قبل الأغسال. وجمعٌ(9)إلى عدم تحريم المساجد عليها؛ لعدم ثبوت ذلك قبلها، وكذا قراءة العزائم أيضاً.

والأظهر ما ذكرناه، وهو الأحوط.

ويجب لمسّ الميّت بعد بَرْده لجميع الغايات المتقدّمة على الأظهر؛ بناءٌ على أنّ المسّ حدث أكبر؛ لإشعار ترتّب الغسل والوضوء عليه، وترتّبهما مشعر بأكبريّة حدثه.


1) راجع وسائل الشيعة 2: 205 - 207 و 209 - 210 ، الباب 15 من أبواب الجنابة، ح 3، 10، 17، و 343، الباب 37 من أبواب الحيض، ح 4.

2) مدارك الأحكام 3: 15.

3) وسائل الشيعة 2: 314، الباب 22 من أبواب الحيض، ح 2.

4) في ص 16.

5) مدارك الأحكام 1: 16.

6) راجع وسائل الشيعة 2: 371 الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

7) المعتبر 1: 248

8) منهم: العاملي في مدارك الأحكام 16:1

9) منهم: العاملي في مدارك الأحكام 16:1

خلافاً لمن لم يوجب الغسل فيه أصلاً(1)لأنّه مخالف للأخبار وكلام الأخيار.

وخلافاً لمن أوجبه تعبّداً (2)لأنّه مخالف لما جاء في بعض الأخبار(3)من إطلاق لفظ الطُّهْر عليه، ومن إيجاب الوضوء الذي لا يكون إلّا رافعاً في غير ما قام الدليل عليه، المؤيّدة بفتوى مشهور الأخيار(4)، بل كاد أن يكون إجماعاً، وفي الفقه الرضوي(5)ما يؤذن بذلك، والسيرة دالّة عليه.

وخلافاً لمن جعل المسّ حدثاً أصغر(6)اقتصاراً على مورد اليقين من ناقضيّته، وعلى المتيقّن من الروايات؛ لأنّه منافٍ لما تشعر به الأخبار من ترتّب الغسل والوضوء معاً عليه.

ودعوى أنّ الوضوء رافع لحدثيّته والغسل تعبّديّ ليس أولى من العكس.

وظاهر ترتيب الطهارة الكبرى أنّه حدث أكبر يمنع غير ما يمنعه الأصغر. ومع ذلك فالخروج عن الأصل مشكل بمثل ما ذكرناه، والاحتياط لا يخفى. نعم، لا يجب غسل المسّ للصوم؛ للأصل، وظاهر الأصحاب، والسيرة القاضية بتغسيل الأموات نهاراً في أشهر الصيام.

والأقوى وجوب غيره للصوم الواجب، بل والمندوب؛ لأنّ الأصل الاشتراك في الحكم بين الواجب والمندوب إلا ما أخرجه الدليل.

ويدلّ على وجوب غسل الجنابة للصوم الواجب الإجماعُ المنقول(7)بل المحصّل، والاحتياط، والسيرة القطعيّة، وأخبارُ القضاء والقضاء مع الكفّارة على مَنْ نام جنباً (8)، فبدون النوم يثبت البطلان بالطريق الأولى، وخبر أبي بصير الموجب للكفّارة على مَنْ أصبح جنباً في شهر رمضان(9).


1) حكاه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 351 عن السيّد المرتضى.

2) راجع مدارك الأحكام 1: 16.

3) وسائل الشيعة 3: 292، الباب 1 من أبواب غسل المسّ ، ح 11، 12؛ و 2 : 248 ، الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 1 و 2.

4) في «ق»: «المشهور» بدل «مشهور الأخيار».

5) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 175.

6) مجمع الفائدة والبرهان 73:1

7) الانتصار: 185 - 186 الخلاف 2: 174 ، المسألة 13؛ السرائر 1: 377

8) وسائل الشيعة 10: 61 و 63، الباب 15 و 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

9) المصدر: 63 الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح 2.

فما عن الصدوق(رحمۀ الله علیه)من عدم اشتراطه للصوم(1)استناداً لرواياتٍ(2)نافيةٍ لوجوبه،- وفيها حكاية فعل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) من الإصباح جنباً - ضعيف جدّاً، وأخباره محمولة على التقيّة؛ لمنافاتها لمنصب النبوّة، وشذوذها بين أصحابنا.

ويلحق بصوم شهر رمضان قضاؤه وإن اختصّت الرواية به؛ لأصالة المشاركة بين الصومين، ولعدم القائل بالفرق ممّن يعتدّ به.

نعم، نفى شرطيّته جماعةٌ(3)

.249:10

في الصوم المندوب، وهو لا يخلو من قوّةٍ، إلّا أنّ الاحتياط وأصالة المشاركة تقضي بالشرطيّة.

وعلى وجوب غسل الحيض للصوم أيضاً الإجماعات المنقولة(4)، والاحتياط، وكون حدثه أعظم من حدث الجنابة، ورواية أبي بصير الموجبة للقضاء على مَنْ نقت بليلها ولم تغتسل حتى أصبحت(5).

والنفاس حكمه حكم الحيض؛ لأنّه حيض في المعنى، كما تدلّ عليه الأخبار(6)، وكلمات الأصحاب.

ووجوب الغسل في الصوم قبل دخول وقته قضى به الإجماع وظاهر الأمر بالمضيّق؛ فإنّ الأمر بالمضيّق إذا علم أنّ له مقدّمةً قبله يقضي بوجوبها وإن لم يتحقّق.

وقد يقال: إنّ الأمر بالمضيّق يفرض تقدّمه هاهنا على قدر زمن فعل المقدّمة وإن تأخّر زمن فعل المأمور به؛ جمعاً بين ما دلّ على عدم تقدّم الخطاب بالمقدمة على الخطاب بذيها، وبين ما دلّ على أنّ أوّل زمان الصوم هو الفجر، لكنّه على الوجه الأوّل لا يشترط في وجوبها بقاء قدر أدائها من آخر الوقت، بل تجب وجوباً موسّعاً من أوّل الليل، ولولا الإجماع لقلنا بوجوبها قبله بكثير ما لم تخرج عن كونها مقدّمةً عرفاً؛ فإنّ تقدّم المقدّمة على ذيها في الزمان الكثير ممّا يخرج بها عن سمة الربط والمقدّميّة على الأظهر، بخلاف الثاني فإنّها تجب إلّا أن


1) المقنع: 189.

2) منها ما في وسائل الشيعة 10: 64 الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح 5.

3) منهم: الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 5: 48؛ والطباطبائي في رياض المسائل 5: 314؛ والنراقي في مستند الشيعة

4) منها ما في المعتبر 2: 683.

5) وسائل الشيعة 2 271، الباب 1 من أبواب الحيض، ح 1.

6) المصدر : 382، الباب 3 من أبواب النفاس.

يبقى زمان بقدر أدائها؛ اقتصاراً على مورد اليقين من تقدّم الأمر على المأمور به؛ لخروجه عن ظاهر الخطاب واحتياجه إلى التكلّف؛ لأنّ ظاهر الخطاب مقارنة الأمر للمأمور به عند دخول الوقت.

وأمّا تكلّف الوجوب النفسي لهذا الغسل كما صنعه العلّامة(رحمۀ الله علیه)(1)، فراراً من لزوم وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها، أو تكلّف تنزيل الواجب على التوطين على الغسل كما صنعه البهائي(2)، فهُما ضعيفان؛ لأنّ الظاهر من إيجاب الفقهاء الغسل للصوم أنّه واجب غيريّ له لانفسي، والظاهر أنّ الواجب هو نفس الغسل لا التوطين للنفس عليه، على أنّ في وجوب التوطين منعاً.

نعم، لو تركنا ما عليه الفقهاء من وجوب الغسل قبل وجوب الصوم جاز لنا أن نقول: إنّ الغسل مندوب وإن كان لا بدّ من جهة كونه مقدّمةً، لكنّه يتأدّى به الشرط؛ لأنّ الشرط وجوده وقد حصل، ويجزئ في المقدّمات غير المأمور به عن المأمور، كما يظهر من ابن إدريس(رحمۀ الله علیه)(3).

ولا ينافي ذلك وجوب المشروط؛ لأنّ عدم وجوب المقدّمة لا ينافي وجوب ذيها، إنّما المنافي له المنع عنها، وتارك ذي المقدّمة لو تركه لجواز المقدّمة عوقب على تركه لا على تركها، وما بالاختيار لا ينافي الاختيار؛ ولذلك إنّ النافي لوجوب المقدّمة لا يرد عليه خروج الواجب عن كونه واجباً، كما تخيّل بعض، وجاز لنا أيضاً أن ننفي أصل وجوب المقدّمة وإن كان الغسل لا بدّ منه قضاءٌ لحقّ الشرطيّة.

والثمرة في هذا الكلام كلّه إنّما تظهر على القول باشتراط نيّة الوجه، وأمّا مع القول بعدم اشتراطها فلاثمرة؛ لأنّ الغسل في الليل مندوب قطعاً، وهو مُجزٍ عن الواجب، ولا بدّ من الإتيان به على كلّ حال، فلا ثمرة حينئذٍ إلّا في نذر أو يمين، أو في عقاب وشبهه على القول بثبوت العقاب على ترك المقدّمات.

ويجب غسل المستحاضة للصوم؛ للإجماع المنقول(4)، وفتوى المشهور، ورواية عليّ بن مهزيار الآمرة بقضاء الصوم عند الإخلال بالغسل(5).


1) مختلف الشيعة 1: 159، المسألة 109

2) مشرق الشمسين - المطبوع مع الحبل المتين - : 311.

3) السرائر 1: 128

4) جامع المقاصد 1: 73؛ روض الجنان 59:1

5) وسائل الشيعة 66:10، الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

هل وجوب الغسل نفسیٌّ أو غیریٌّ؟

وهل يتوقّف صوم كلّ يوم على أفعال نهاره خاصّة ؟ أو فجره خاصّة؟ أو ليلته اللاحقة خاصّة؟ أو السابقة خاصّة ؟ أو الليلتين معاً ؟ أو على أفعال نهاره وليلته السابقة إن لم تقدّم غسل الفجر ليلاً إذا جوّزنا الفصلَ بين الصلاة والغسل، فإن قدّمت غسل الفجر ليلاً توقّف على أغسال النهار فقط؛ لإجزاء غسل الفجر عنه ؟ وجوه، أقواها الأخير؛ لظاهر الرواية في توقّف الصوم على جميع الأغسال سوى الغسل المستقبل؛ لأنّ المستقبل إنّما وجب بعد مضيّ الصوم و انعقاده صحيحاً فلا يؤثّر فيما تقدّمه.

ولا يتفاوت الحال في إجزاء غسل الفجر بين أن يكون قبل الفجر أو بعده إذا وقع قبل صلاة الفجر، سواء تقدّم سببه على الفجر أم تأخّر؛ لأنّ الغسل لصلاة الفجر، وهو نفسه شرط في الصوم.

نعم، لو تقدّم سببه فانقطع الدم قبل الفجر كان الأحوط تقديمه على الفجر للصوم.

ويقوى القول بجواز تأخيره إلى إرادة الصلاة، فيجزئ الغسل لها عنه، مع احتمال أنّ غسل الانقطاع لو أوجبناه للصلاة لا نوجبه للصوم؛ لعدم ثبوت حدثيّة الانقطاع للصوم، وعدم ثبوت كونه مانعاً. وحينئذٍ فلو انقطع قبل الفجر جاز صومها وإن تركت الغسل للصلاة حتّى طلعت الشمس. لكنّه مخالف للاحتياط.

وهل يجب الغسل لنفسه كما يجب لغيره، أم لا؟ المشهور في غير غسل الجنابة: العدم، بل كأنّه مجمع عليه، والأصل قاضٍ به.

وفي غسل الجنابة قولان، أشهرهما وأقواهما :العدم؛ للأصل أيضاً، ولظاهر الآية الشريفة؛ حيث إنّ سياقها يقضي بالوجوب الغيري للصلاة للاهتمام به أكثر من الوجوب النفسي.

ولمكان عطف وَإِنْ كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا(1)على جواب الشرط لقربه، أو على مقدّر تقديره: «إذا قمتم من حدث النوم وكنتم محدثين بالأصغر فاغسلوا، وإن كنتم جنباً من جهة الاحتلام فاغتسلوا».

ويقرّبه تقديره في الصحيح: «إذا قمتم من النوم »(2)حتّى ادّعي إجماع المفسّرين عليه،


1) المائدة ( 5 ) : 6

2) وسائل الشيعة 1: 253 - 254، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح 7.

وكونه أقرب للسياق، وعدم التكرير في قوله تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ(1)حيث إنّه يراد بهما ما قابل حدث النوم، ويكون وجوب الوضوء والغسل بالمفهوم.

ولذكر التيمّم مرتّباً عليهما عند فقد الماء وهو واجب لغيره، فيشعر السياق بوجوبهما لغيرهما أيضاً.

وقوله(عليه السلام): «إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة»(2).

وقوله(عليه السلام)في مَنْ تغتسل عن الجنابة فجاءها الحيض: «قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل»(3)فإنّ إشعاره بالوجوب الغيري لا يُنكر. واحتمال بيان توسعة الغسل عند مجيء الحيض أو بيان إفساد الحيض للغسل، بعيدٌ عن ظاهر الخطاب.

وقد جاءت أخبار(4)أُخَر أيضاً دالّة على الأمر بتأخير غسل الجنابة عمّن جاءها الحيض، وهي مشعرة بالوجوب الغيري؛ إذ لو كان الغسل واجباً لنفسه لكان الراجح فعله؛ لرجحان البدار إلى الواجب الموسّع، وكان الأمر بتأخيره مستبعداً جدّاً.

ودعوى تنزيل الأخبار على بيان بطلان غسل الجنابة بحدوث الحيض؛ لأنّه مانع من رفع الحدث فلا يصحّ معه الغسل، لا نقول به؛ لأنّا لا نمنع في الأحداث الكبريات من رفع أحدها وبقاء الأُخَر، والتداخل في الأغسال رخصة لا عزيمة.

وأمّا ما استدلّ به القائلون بالوجوب النفسي من إطلاق الأخبار الآمرة بغسل الجنابة كقوله(عليه السلام): «إنّما الماء من الماء»(5)و «إذا التقى الختانان وجب الغسل»(6)- فمر دود بحملها على الوجوب الشرطي، كالأخبار الواردة في الوضوء(7)وغَسْل الأخباث(8)، بل الظاهر منها ذلك، ولو لم يكن


1) المائدة (5): 6

2) وسائل الشيعة 1: 372، الباب 4 من أبواب الوضوء، ح 1.

3) المصدر 203:2، الباب 14 من أبواب الجنابة، ح 1.

4) المصدر : 263 - 265، الباب 43 من أبواب الجنابة، مع 4 - 6، 9، و 314، الباب 22 من أبواب الحيض، ح 2.

5) صحيح مسلم 1: 269، ح 343.

6) مسند أحمد 6: 239.

7) وسائل الشيعة 1: 365، الباب 1 من أبواب الوضوء.

8) المصدر 3: 428، الباب 19 من أبواب النجاسات

إلّا فهم الأصحاب منها ذلك وإعراضُهم عن الأخذ بظاهرها، لكفى في توهينها، وعدم جواز الأخذ بظاهرها.

وعدم اشتهار الوجوب النفسي وعدم عدّه من الواجبات والمحافظة عليه في الوصاية والنيابة عن الأموات دليل على عدمه.

وكذا ما استدلّوا به من الأمر في بعض الأخبار بالغسل بعد الجنابة (1)وإن لم يكن وقت مشروط به ،وبالغسل قبل النوم كذلك، ومن الحثّ عليه خوف فواته بالموت(2)، محمولٌ على الاستحباب لا الفرض والإيجاب؛ لأنّ الغسل للجنابة مستحبّ لنفسه، والكون على الطهارة منه مندوب كذلك، بل الظاهر أنّه مندوب لجملةٍ من غايات الوضوء المطلوب منها الطهارة، فتُحمل على ذلك الأخبارُ عن الهداة الأطهار(عليهم السلام).

بحث فیما یجب أو یندب له التیمّم

ويجب التيمّم بدل المائيّة من وضوء وغسل عند عدم وجدان الماء، أو عدم إمكان استعماله للصلاة الواجبة عند ضيق وقتها في الأوّل مطلقاً، وفي الثاني إذا كان راجياً زوال العذر في وجهٍ قويٍّ.

وكذا للطواف الواجب على الأظهر، خلافاً لمن نفى بدليّته عن الغسل للطواف(3).

ولكلّ مشروط بالطهارة - من غسل أو وضوء - إذا وجب مضيّقاً ولم يكن هنالك ماء أو لم يمكن استعماله لعارض أو مرض أو غير ذلك.

والأقوى أنّه يندب لكلّ ما تندب له الطهارة المائيّة من غاية أو سبب، فيندب لغايات الوضوء عند عدم التمكّن من الماء إذا ندب لها ،حتّى الكون على الطهارة، والتجديد، والنوم، وجماع الحامل، والنوم للجنب، وجماع المجنب، و ذِكْر الحائض.

ويندب لأسباب الوضوء المندوبة من خروج الودي والرعاف والضحك في الصلاة وما شابهها.


1) وسائل الشيعة 2: 182 و 186، الباب 6 و 7 من أبواب الجنابة.

2) المصدر 2: 227 و 228، الباب 25 من أبواب الجنابة، ح 3 و 4.

3) حكاه الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 2: 491 عن فخر الإسلام في شرح الإرشاد (مخطوط).

ويندب لغايات الأغسال الرافعة والمبيحة، وغيرهما من أغسال الأوقات والأمكنة والأسباب المندوب لها الأغسال من الأفعال والأحوال.

كلّ ذلك لعموم المنزلة المفهوم من الأخبار، كقوله(عليه السلام): «يكفيك الصعيد عشر سنين»(1).

وقوله(عليه السلام):«التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج»(2)وقوله(عليه السلام):«التيمم أحد الطهورين» (3)وقوله(عليه السلام): «هو بمنزلة الماء»(4)، وقوله(عليه السلام): «جعل التراب طهوراً، كما جعل الماء طهوراً»(5)وقوله(عليه السلام): «فإنّ الله عزّ وجلّ جعلهما طهوراً: الماء والصعيد»(6).

وما ورد من استباحة وطء الحائض به(7)، فغيره بالطريق الأولى.

ويندب لصلاة الجنازة ولو وجد الماء ولم يخف فوتها ؛ للأخبار المطلقة(8)، وظاهر الإجماع المنقول(9).

واشتراط خوف الفوت- كما ذهب إليه الشيخ(10)- أحوط.

ويندب للنوم وإن تمكّن من الماء في وجهٍ. والأحوط خلافه.

ومنع جمع من أصحابنا(11)وجوبَه للصوم بدلاً عن جميع الأغسال.

ومَنَع جمعٌ آخرَ (12)من مشروعيّته لغير ما يشترط فيه الطهارة المائيّة.

ويظهر من آخَرين :اختصاص مشروعيّته بالبدلية عن الوضوء والغسل للصلاة والطواف، دون ما هي شرط فيه من غيرهما.


1) وسائل الشيعة 3 369، الباب 14 من أبواب التيمم، ح 12.

2) كنز العمال 403:9 ، ح 26702 بتفاوت.

3) وسائل الشيعة 3: 381، الباب 21 من أبواب التيمم، ح 1.

4) المصدر: 379 الباب 20 من تلك الأبواب. ح 3.

5) المصدر: 385 الباب 23 من تلك الأبواب، ح 1.

6) المصدر : 388، الباب 25 من تلك الأبواب، ح 3.

7) المصدر 2: 312 - 313، الباب 21 من أبواب الحيض، ح 1 و 2.

8) المصدر 3: 385، الباب 23 من أبواب التيمّم.

9) تذكرة الفقهاء 2: 206، ذيل المسألة 312

10) تهذيب الأحكام 3: 203، ذيل الحديث 476.

11) منهم: العلامة الحلّي في منتهى المطلب 3: 148.

12) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1 34 والمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 1 :42 ؛ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 48.

ويظهر من آخَرين: منع التجديد فيه والكون على طهارةٍ. ومن آخَرين: منع بدليّته عن الأغسال المندوبة أصالةً الغير المبيحة. ومن آخَرين: منع بدليّته عن الوضوء المندوب لبعض الأسباب. ومن آخّرين: منع استباحة وطء الحائض به، إلى غير ذلك من كلامهم نصّاً وظاهراً.

والأقوى ما ذكرناه، والأحوط الاقتصار في بدليّته على الوضوءات والأغسال المبيحة لما هي شرط فيه من صلاة وطواف وصوم ومسّ كتابة لو وجبت بنذر أو شبهه، وكذا قراءة عزائم أو دخول مساجد لو وجبا.

وهل يجب التيمّم للخروج من المسجدين أم لا؟ الأظهر والأشهر: الوجوب، خلافاً لابن حمزة(1).

للصحيح: «إنّ مَنْ نام فاحتلم أو أصابته جنابة فليتيمّم، ولا يمرّ في المسجد إلّا متيمّماً» (2)ولأنّ الاجتياز للجنب محرّمٌ فيجب التيمّم لتحليله.

هذا إن كان ما يتيمّم به موجوداً، وإلّا وجب الخروج عليه فوراً.

ولو حصل الماء ونقص الغسل عن زمن الخروج، وجب الغسل، وإن زاد وجب الخروج، وإن تساويا تخيّر.

وهذا التيمّم مبيح لجميع الغايات لو تبيّن فقدان الماء؛ لأنّه بعد حصوله مبيح قهراً.

والظاهر عدم الفرق في إيجاب التيمّم بين أن تكون الجنابة باحتلام أو غيره، وبين أن تكون اختياراً أو اضطراراً، و بين أن تكون داخل المسجد أو خارج المسجد فدخل ساهياً أو مضطرّاً أو متعمّداً، وبين أن يقصر التيمّم عن زمن الخروج أو يزيد عليه أو يساويه؛ لتنقيح المناط وإلغاء الفارق؛ لعدم تعقّل خصوصيّة الاحتلام.

بل ويلحق به حدث الحيض؛ لقوله(عليه السلام)في المرفوعة «وكذلك الحائض إذا أصابها الحيض تفعل كذلك»(3)وهي وإن ضعف سندها إلّا أنّها مناسبة للمذهب، وموافقة للاعتبار من جهة التعظيم والاحترام، ولتحريم المرور عليها بغير التيمّم.

وهذا كلّه في مَنْ نقت من حيضها ولم تغتسل، وأمّا ما لم تنقَ منه فالأحوط عليها التيمّم؛ لإطلاق المرفوعة، ولقربها من الطهارة وإن لم يكن تيمّمها طهارةً؛ لاستمرار الحيض معها.


1) الوسيلة: 70

2) . وسائل الشيعة 206:2 الباب 15 من أبواب الجنابة، ح 6.

3) المصدر : 205 - 206، ح 3.

والنفاس حكمه حكم الحيض.

وأمّا الاستحاضة فالأظهر أنّها مع سيلان الدم حكمها حكم الجنب، وأمّا مع الانقطاع فالأحوط التيمّم أيضاً.

واعلم أنّ ظاهر النصّ يعطي وجوب التيمّم للخروج مطلقاً، سواء زاد زمن التيمّم أو هو ومقدّماته على زمن الخروج، أو ساواه، أو نقص عنه، ولا بأس به؛ أخذاً بظاهر النصّ وترك التفصيل في كلام الإمام(عليه السلام) بالنسبة إلى مورد النصّ من الاحتلام أو الجنابة مطلقاً، وأمّا في غير مورد النصّ فمشكل؛ لتعارض حرمة المرور جنباً مع حرمة زيادة المكث للتيمّم.

والحكم بترجيح زيادة اللبث للمرور متيمّماً على الخروج بسرعةٍ لا يخلو من إشكال.

وكذا يقضي ظاهر النصّ بوجوب التيمّم على مَنْ تمكّن من الماء وعلى مَنْ لم يتمكّن؛ إمّا لعدم وجوده، أو لتأدية استعماله إلى تلويث المسجد ونحو ذلك.

وهو أيضاً في الأوّل مشكل جدّاً؛ لأنّ التيمّم طهارة اضطراريّة، ويقتصر فيها على مورد اليقين، والفرد المتيقّن من الرواية والمنصرف إليه الإطلاق هو ما إذا لم يوجد الماء، أو لم يتمكّن من استعماله من جهة خوف التلويث وشبهه خصوصاً للمحتلم وشبهه، فيبقى مَنْ تمكّن من استعمال الماء جارياً على القواعد الشرعيّة.

وما ذكره في المدارك من عدم تسليم اشتراط صحّة التيمّم بعدم وجود الماء في غير تيمّم الصلاة؛ لعدم دليل على ذلك(1)، لا يُلتفت إليه من جهة النصّ والفتوى.

وما ذُكر من أنّ الاحتياط يقضى بالتيمّم مطلقاً أيضاً لا عبرة به.

وحينئذٍ فمَنْ تمكّن من الغسل بزمنٍ ينقص زمن غسله أو غسله ومقدّماته عن زمن التيمّم أو التيمّم ومقدّماته، أو يساوي زمنه زمن التيمّم على نحو ما ذكرنا، وجب عليه تقديم الغسل على التيمّم رجوعاً للقواعد المائيّة؛ بل لو زاد زمن الغسل على زمن التيمّم بحيث إنّه ساوى زمن التيمّم والخروج، أو نقص عنهما - ساوى زمن الخروج أو زاد عليه -كان الأقوى حينئذٍ وجوب الغسل، وإن ذكر الشهيد(رحمۀ الله علیه)أنّه لا قائل به(2)؛ لأنّ عدم القول به لا يقضي بالعدم.


1) مدارك الأحكام 1: 21

2) روض الجنان 66:1.

نعم، لو زاد زمن الغسل على زمن التيمّم والخروج معاً قوي القول بوجوب التيمّم، فراراً من زيادة الكون جنباً في المسجد، والحال أنّ الخروج مأمور به، فيقدّم الخروج مع التيمّم على الغسل، كما أنّه يقوى القول بوجوب التيمّم للغسل إذا ساوى زمنه زمن الخروج، فيكون التيمّم مبيحاً للمكث زمن الغسل، كما أنّه يبيح الخروج والمرور.

بحث فیما لو نذر الطهارۀ:

لو نذر الطهارة كفاه الإتيان بالمائيّة، وكذا الترابيّة على الأظهر؛ بناءٌ على شمول لفظ الطهارة لها شرعاً وعرفاً، ولكنّه لا يخلو من نوع توقّفٍ في انصراف قصد الناذر إليه.

وهل يجزئ عن النذر الطهارة الواجبة للصلاة أو غيرها ممّا يجب له إذا قصد بها الوفاء؛ لأنّها طهارة فيصدق عليها المنذور ؟ أم لا يجزئ ؛ لأصالة عدم تداخل الأسباب، وظهور أنّ المنذور هو غير ما وجب عليه؟ وجهان، أقربهما: الثاني

ولو نذر أنواع الطهارة وجب النوع المنذور، ويجري عليه ما تقدّم، إلّا أنّه لا يجب فيها الإتيان بما هو مبيح؛ لصدق اسمها على الأعّم.

ولو نذر الطهارة في وقتٍ فصادفه متطهّراً، وجب نقضها ثمّ الطهارة.

ولو نذر التيمّم في وقتٍ، فهل يجب عليه إراقة الماء فيه ثمّ التيمّم؟ الظاهر : العدم؛ لأنّه بمنزلة الواجب المشروط بفقد الماء. هذا إن قلنا بانعقاد النذر.

ولو نذر التجديد لكلّ فريضةٍ، وجب ذلك حتّى تجديد التيمّم لو شرّعناه.

ولو اشتبهت القبلة فصلّى أربعاً أو نسي فريضةٌ، جدّد لكلّ واحدةٍ من المشتبهات ولكلّ واحدة من المأتيّ بها لتحصيل المنسي.

ويحتمل سقوط التجديد هنا؛ لانصرافه إلى الفريضة الأصليّة وهي واحدة مشتبهة.

نعم، لو أوجبنا لناذر التجديدِ التجديدَ لأوّل فرائضه، وجب عليه الوضوء أوّلاً ثمّ التجديد ثانياً للأربع جمعاً. والمنسيّات كذلك.

ولو نسي صلاتين من يومٍ، فإن أوجبنا الخمس يتيمّم خمس تيمّمات تجديداً لغير الأُولى، أو ستّ تيمّمات إن أوجبناه للأُولى أيضاً، وأربع إن أوجبنا الثلاث وأوجبناه للأُولى، وثلاث إن لم نوجبه.

ويحتمل الاقتصار على اثنين، فيصلّي بالأوّل الفجر والظهرين والمغرب، وبالثاني الظهرين والعشاءين، فيخرج عن العهدة؛ لأنّه صلّى الظهر والعصر والمغرب مرّتين بتيمّمَيْن، فإن كانت الفائتة إحداها فقد أدّاها مرّتين بتيمّمين، وإن كانت الفائتتان الفجر والعشاء فقد أدّى الفجر بالتيمّم الأوّل، والعشاء بالثاني، وإن كانت إحداهما من الثلاث والأُخرى من الأخيرتين فكذلك.

وكذا لو نسي ثلاث صلوات من يوم تيمّم وصلّى الصبح والظهرين، ثمّ تيمّم وصلّى الظهر والعصر والمغرب، ثمّ تيمّم وصلّى العصر والمغرب والعشاء.

والاحتياط في ترك ذلك؛ للشكّ في مشروعيّة الزيادة.

أحكام المياه

بحث فی الماء المطلق

اشارة

الماء مطلق ومضاف، والمطلق ما تبادر من إطلاق اسم الماء الخالي عن قيدٍ عليه، والمضاف ما لم يتبادر أو ما صحّ سلب الماء الخالي عن ذلك عليه.

والتقييد في المطلق بيان لأفراده، كماء البحر والنهر. والتقييد في المقيّد بيان لمفهومه: إمّا لكونه قرينة تجوّز في إطلاق اسم الماء عليه، وإمّا لكونه جزءاً من الاسم الموضوع، فيكون المجموع من المضاف والمضاف إليه موضوعاً بالوضع النوعي لأفراد المياه المضافة.

وتقييد الماء المطلق بالإطلاق ليس تمييزاً لمفهومه ولا تقييداً لمسمّاه، بل توضيحاً لما اقتضاه الإطلاق، فمعنى الماء المطلق هو الماء الخالي عن التقييد، وحينئذٍ فالماء بلا ذكر وصفٍ والماء المطلق ومطلق الماء كلّها معنىً واحد. واحتمال شمول الأخير للمياه المضافة بعيد.

والماء المطلق بعد العلم بإطلاقه والشكّ في تغييره بعروض القادح أو قدح العارض يُحكم عليه بالإطلاق ، جزماً قضاءٌ لحقّ الاستصحاب.

وأمّا قبل العلم بإطلاقه كأن حصل الشكّ في ماء مطروح هل هو مطلق أو مضاف؟ فلا يُحكم عليه بأحدهما، مع احتمال أصالة المياه المطلقة حتّى يثبت خلافها.

ولك أن تقول: إنّ المشكوك فيه كذلك لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً، ولكنّه لا يتنجّس إن كان كُرّاً ولا ينجّس أيضاً، فلا تجري عليه جميع أحكام المطلق ولا جميع أحكام المضاف.

والمطلق بجميع أنواعه طاهر مطهِّر ، بالإجماع بقسميه(1)، والأخبار(2)، وقوله تعالى:


1) المعتبر 1 37؛ منتهى المطلب 1: 17 و 18؛ تذكرة الفقهاء 1: 11، المسألة 1؛ مدارك الأحكام 26:1.

2) راجع وسائل الشيعة 1 133 ، الباب 1 من أبواب الماء المطلق.

مَاءً طَهُوراً(1)وقوله تعالى: لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ(2)وغير ذلك. والمراد بالطهور في الكتاب والسنّة هو الطاهر المطهِّر.

والإيراد على الآية: من جهة دلالتها على ماء السماء والدعوى أعمّ، ومن كون«ماء» نكرة في سياق الإثبات فلا تعمّ، ومن جهة أنّ «طهور» مأخوذ من فعل لازم فلا يتعدّى فيراد منه البالغ في طاهريّته، ووصف المطهرية لغيره أمر خارج عن مصداق اللفظ فلايُحكم عليه به، مردود: بعدم القائل بالفصل، أو بأنّ الماء كلّه من السماء، كما دلّت عليه الأخبار(3)في الأوّل، وبأنّ النكرة في سياق الإثبات والامتنان تفيد العموم في الثاني.

وأمّا الثالث فالجواب عنه: إمّا بأنّ لفظ «الطهور» يجيء اسماً لما يتطهّر به، كالسحور، كما نصّ عليه أهل اللغة(4)، وورد في كثير من الاستعمال، فإرادته بقرينة المقام أولى من إرادة غيره، ويكون بدلاً من الماء أو وصفاً على سبيل التأويل. وإمّا بإرادة معنى الوصفيّة والمبالغة من لفظ الطهور، لكن لا على معنى المبالغة فى الطهارة؛ لعدم قبولها الشدّة والضعف، بل على معنى فعل التطهير، فيكون معنى الطهور هو الطاهر المطهِّر على وجه الحقيقة اللغويّة أو العرفيّة العامّة أو المجاز المشهور، كما نصّ على وروده كذلك أهل اللغة(5)،وورد به الاستعمال الشائع حتّى ادّعى جماعة من اللغويّين والنحويّين أنّ معنى المبالغة هاهنا هي المطهرية وأن استعماله في البالغ في الطهارة نادر على غير القياس(6)، كما ورد: «ريقهنّ طهور»(7)

إلى رجّح الأكفال هيفٍ خُصورها ***عِذاب الثنايا ريقهنّ طهور

مع احتمال إرادة الطاهر المطهِّر هاهنا مبالغة.

ويدلّ على إرادة أحد هذين المعنيَين تصفّح الأخبار عن الهداة الأبرار، وكون الآية في سياق الامتنان وهو ممّا يناسب إرادة هذين المعنيَيْن، وفهم الفقهاء والمفسّرين والعلماء والمتبحّرين


1) الفرقان (25): 48

2) الأنفال (8): 11

3) راجع تفسير القمي 2: 91.

4) الصحاح 2: 727، «ط ه ر».

5) القاموس المحيط :2 82 تهذيب اللغة :6 172 مجمل اللغة 1: 588، «ط ه ر».

6) راجع المصباح المنير: 379.

7) قطعة . من عجز بيت نقله في لسان العرب :2 445 ،« ر ج ح »ولم يسمّ قائله. وتمامه هكذا:

لذلك، وقوله تعالى: لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ(1)وقوله(عليه السلام): «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسّع الله عليكم [بأوسع ] ما بين السماء والأرض وجعل لكم الماء طهوراً»(2).

ونسب الشيخ(رحمۀ الله علیه)عدم الفرق بين «ماء طهور» و «ماء مطهِّر» إلى أهل اللغة(3).

وقد ذكر هذا المعنى أكثر المفسّرين(4)وأهل اللغة، ونطق به العرف والاستعمال الشائع، فلا معنى لإنكاره كما نُسب(5)لأبي حنيفة؛ زاعماً أنّ فعولاً للمبالغة لا تتعدىّ واسم فاعلها لازم، وأنّ طهوراً بمعنى طاهر مبالغة في الطهارة.

وهو خطاٌ مخالف لكلام أهل اللغة والنحو والاستعمال في خصوص هذه المادّة؛ لاتّفاق الكلّ على تعديتها وإن كان على غير القياس.

وعن الترمذي: أنّه متعدٍّ وإن أُخذ من فعل لازم(6)، وهو من أكابر أهل اللغة.

وقد ورد أيضاً بعض صيغ المبالغة متعدّية و اسمُ فاعلها لازم في شعر العرب(7)

حتّى شناها كليل موهناً عمل ***باتت طراباً وبات الليل لم ينم

أورده الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام 1: 215.

، على أنّ طهور بمعنى طاهر غير مطّرد. فلا يقال: «خشب طهور» و«ثوب طهور» ونحو ذلك.

وقد يستدلّ على إرادة المطهّريّة من لفظ الطهور هاهنا: أنّ المبالغة في الطهارة لا تعقل إلّا بهذا المعنى؛ لعدم تعقّل الزيادة والتكرار فيها، وليس هو من باب إثبات اللغة بالترجيح، بل هو من باب إثبات المعنى المراد بالأمارات العرفيّة، كالحمل على أقرب المجازات، والحمل على المعنى الظاهر، ونحو ذلك.

ويمكن أن يراد بلفظ «طهور» المصدريّة؛ لأنّ المصدر منه مضموم ومفتوح، ويراد بالمصدر هاهنا معنى المطهريّة بقرينة السياق والمقام والآيات الأُخَر(8).


1) الأنفال (8): 11

2) وسائل الشيعة 1: 133 - 134 ، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، ح 4، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

3) تهذيب الأحكام 1 214.

4) التبيان 7: 496؛ مجمع البيان 7 - 8: 173 ، ذيل تفسير الآية 48 من سورة الفرقان (25).

5) الناسب هو البحراني في الحدائق الناضرة 1: 176؛ وانظر : المغني لابن قدامة 1: 35.

6) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 35.

7) كقول الشاعر:

8) النحل :(16) (10: الفرقان :(25): 48: الزمر (39): 21

وهو أيضاً لا بأس به، إلّا أنّه معنى مجازيّ للّفظ غير مشهورٍ وغير معروف.

والإيراد على الآية: بإجمال لفظ الطهارة مردودٌ: إمّا بالتزام كون لفظها حقيقةً في رفع الحدث والخبث معاً، وإمّا بالتزام كونه حقيقةً في الأوّل، ولا قائل بالفصل، وإمّا بالتزام كون رفع الخبث أولى بالامتنان، وإمّا بالتزام الملازمة بين رفع الحدث وإزالة الخبث، وإمّا بالتزام إرادة المعنى اللغوي، وهو شامل لهما.

بحث فی أنّ طهوريّته الماء قضيّة مهملة أو مطلقۀ؟

بعد القول بأنّ الماء طاهر مطهّر ، فهل طهوريّته - المدلول عليها بالكتاب والسنّة - قضيّة مهملة تفيد ثبوت المطهّريّة في الجملة ؟ فيتوقّف بيان كيفيّتها - من الاحتياج إلى العَصْر وعدمه، وعلوّ ماء الغسالة وعدمه، والاكتفاء بالاتّصال وعدمه - وتعدّدها - من الاكتفاء بالمرّة أو الاحتياج إلى المرّتين وعدمه - إلى دليل يدلّ على ذلك، فلا يُحكم على الماء بالطهوريّة للمتنجّس إلّا أن يدلّ دليل على كيفيّة التطهير به، أو أنّ قضيّتها قضيّة مطلقة بمنزلة العامّ، فتفيد المطهّريّة على أيّ نحوٍ كان، وعلى أيّ طريق لابَسَ المتنجّس، وبأيّ فردٍ كان، إلّا ما قام الدليل على احتياجه للامتزاج وعدم كفاية الاتّصال فيه واحتياجه للعَصْر، أو احتياجه للتعدّد أو غير ذلك؟ وجهان، أقواهما: الأوّل.

بحث فی إستواء جمیع أفراد الماء الطاهر فی طهوریّته

يستوي في طهوريّة الماء جميع أفراده من النازل من السماء، والنابع من الأرض، والمتصاعد من الأبخرة، والمذاب من الثلج والبرد، والواقع على الأشجار والزرع من الطلّ، وماء البحر والنهر.

ويستوي في ذلك الخالص والمخالط لأجسام طاهرة لا تسلبه الإطلاق، سواء تغيّر بها أم لا، من طين وأُشنان وملح، عارضة له أو كانت مصاحبة له ابتداءٌ، كالكبريت ونحوه.

ويستوي في ذلك المتغيّرُ بسبب كثرة البقاء في الأرض، أو المتغيّر بسبب كثرة الاستعمال والمزاولة -ككثير من ماء الحمامات وكثير من ماء الحفر التي تكون في أراضي المياه - وغير المتغيّر.

ويستوي في المتغيّر تغيّر الطعم والريح واللون وغيرها، كلّ ذلك لعموم الأدلّة والإجماع بقسميه(1).


1) تذكرة الفقهاء 1: 15، المسألة 2 رياض المسائل 12:1.

بحث في الماء الجاري

اشارة

الماء جارٍ ومحقون، وماء بئر. وقد عُلِّقت على لفظ الجاري ولفظ البئر في الأخبار وكلام الأصحاب أحكام كثيرة سيجيء بيانها إن شاء الله تعالى.

والمراد بالجاري- على ما يظهر من الأخبار وكلام الأصحاب - معنى يغاير المعنى اللغوي، فكأنّه حقيقة عرفيّة خاصّة فيه.

وهو: كلّ ماء اتّصل بمادّةٍ في الأرض غير معلوم حصرها عرفاً، ولا يصدق على محلّه عرفاً أنّه بئر، فلو لم يتّصل بمادّةٍ- كالماء الجاري من غدير أو من حوض أو من السواقي والدوالي- لم يكن منه.

وكذا ما اتّصل بمادّةٍ من علوّ كالمتّصل بماء المطر وإن شاركه في الحكم، وكذا ما لم يتّصل بمادّةٍ، كأن انقطعت من أصلها أو انقطع عنها في زمانٍ يُعتدّ به.

وكذا ما اتّصل بمادّةٍ معلوم حصرها وعدم تجدّد الماء فيها بعد نقصانه، كماء الثمد(1)وماء كثير من الأراضي بعد فيض الماء عليها عند زيادة الماء، إلّا في صورة ما إذا علم عدم نفوذ الماء من تلك المادّة في ذلك المحصور، بل كان بحيث كلّما نقصت المادّة تجدّد فيه الماء بقدرة الله تعالى، فإنّ ذلك يكون من الجاري، لكنّه نادر الوجود.

ويدخل في الجاري كلّ ما اتّصل بالمادّة اتّصالاً ظاهراً أو خفيّاً بجذب وجَرَيان، أو من دون جذب وجريان لتساوي السطوح، سواء اتّصل بها بينبوع أو رشح أو نزيز، إلّا إذا قلّ الرشح جدّاً بحيث كان كالعرق الخفي، فإنّ إدخاله في اسم الجاري وحكمه لا يخلو من إشكال.


1) الثمد: الماء القليل الذي لا مادة له. الصحاح 2: 451، «ث م د».

ولو كان اتّصاله بالتقاطر، فإن كان متتالياً فهو من الجاري، وإن كان بينها فواصل معتدّ بها فهو في حال اتصال القطرة من الجاري وفي حال انفصالها ليس منه.

وماء البئر هو كلّ ماء متّصل بمادّة يُسمّى محلّه بئراً. وسيجيء أحكامها إن شاء الله تعالى. ويقع

الكلام في الجاري في مقامات
أحدها: لا ينجُس الجاري إلّا إذا تغيّر الماء عن طبيعته الخلقيّة بنجاسةٍ حلّت فيه

لا ينجُس الجاري إلّا إذا تغيّر الماء عن طبيعته الخلقيّة بنجاسةٍ حلّت فيه تغيّراً لونيّاً أو طعميّاً أو ريحيّاً، وهو معنى قولهم: «إذا تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه»؛ لأنّ الماء ريح له بل ولا لون، وطعمه ليس كسائر الطعوم.

ويدلّ على نجاسته بذلك الإجماعُ بقسميه، والأخبار(1)العامّة والخاصّة المعتبرة والمنجبرة بفتاوى الأصحاب وعملهم من غير مخالف يُعتدّ به.

ثانيها: عدم يشترط في تنجيسه بالتغيّر أن يكون التغيّر بنفس لون النجاسة أو طعمها أو ريحها وبین غیره

لا يشترط في تنجيسه بالتغيّر أن يكون التغيّر بنفس لون النجاسة أو طعمها أو ريحها، بل لو أحدثت لوناً آخَر أو طعماً آخَر أو ريحاً آخَر، جرى عليه الحكم.

وكذا لو اجتمعت عدّة نجاسات ذوات ألوان فأحدثت لوناً آخَر، كان الماء من المتغيّر بالنجاسة.

ثالثها: عدم الاعتبار بتغیّر الماء ببرودۀ وسخونۀ و خفّۀٍ و ثقل وغیر ذلک

لا عبرة بتغيّر الماء بغير الثلاثة المتقدّمة من الأوصاف من برودة وسخونة وخفّة وثقل وغير ذلك؛ اقتصاراً على المتيقّن في الأخبار بعد إحراز أصل الطهارة، وحملاً لما دلّ على التنجيس بالتغيّر على ما دلّ على خصوص هذه مطلقاً أو على سبيل الحصر؛ حملاً للمطلق على المقيد والعامّ على الخاصّ.

رابعها: عدم الاعتبار بالتغيّر الناشئ من المجاورة

لا عبرة بالتغيّر الناشئ من المجاورة؛ لظهور أخبار التغيّر في حلول المغيّر في الماء، وهو المقتضي للانفعال دون مجاورته له.

خامسها: حکم وقوع نجسٍ لا وصف له فی الماء

لو وقع في الماء نجس لا وصف له ولم يستهلك الماء ولا غيّره من الإطلاق إلى الإضافة، لم ينجس الماء ولو كان بحيث لو قُدّر له وصفٌ لغيّره؛ للإجماع المنقول(2)، وللأصل السالم عن معارضة أخبار التغيّر؛ لظهورها في التغير الحسّي.

والأقوى إلحاق مسلوب الوصف بعد أن وجده بما لا وصف له؛ لما قدّمناه من الأصل،


1) وسائل الشيعة 1: 137 ، الباب 3 من أبواب الماء المطلق.

2) لم نعثر عليه في مظانه.

واختصاص أخبار التغيّر بالتغيّر الحسّي، وللشكّ في قاهريّة النجس(1)للماء ما دام خالٍ عن الوصف؛ لقوّة احتمال أنّ مقهوريّة الماء إنّما تدور مدار واجد الصفة دون فاقدها، فلا يلزم من مقهوريّة الماء بالنجس عند اتّصافه بوصفٍ فعلاً يخالف الماء مقهوريّته عند خلوّه من ذلك الوصف إذا كان بحيث لو اتّصف به لقهره، على أنّا لا نسلّم الملازمة بين مقهوريّة الماء وتنجيسه؛ لدوران التنجيس مدار الوصف دون المقهوريّة.

وما يظهر من بعض الأخبار(2)من اعتبار المقهوريّة منزّلٌ على المقهوريّة الخاصّة والغلبة الخاصّة.

ودعوى أنّ المقهوريّة والغلبة واقعيّان والوصف دليل عليهما، فلو قطع بحصول الوصف عند تقديره لحصلتا معاً، وهما المقتضيان للتنجيس، غير مسموعة بعدما قدّمنا من منع الصغرى والكبرى.

سادسها: فی مسلوب الصفة علی القول بالتقدیر هل یقدّر الوصف السابق أو الأشدّ أو الأضعف أو الوسط؟

على القول بالتقدير في مسلوب الصفة، فهل يقدّر الوصف الذي عليه كان سابقاً، أو يقدّر الوصف الأشدّ؛ للاحتياط، أو الأضعف؛ للأصل، أو الوسط؛ لأغلبيّته ولانصراف التقدير إليه؟ وجوه، أوجهها الأخير.

وكذا الكلام في فاقدها ابتداءً.

وهل يحتاج إلى تقدير وصف الماء خفّةٌ وصفاءً وطعماً، وأضدادها ممّا يختلف باختلافه تأثير وصف النجاسة، أم لا يحتاج ؟ وجهان، أقواهما: عدم الاحتياج على ذلك التقدير.

سابعها: حکم ما لو تغیّر الماء بالمتغیّر بوصف النجاسۀ

لو تغيّر الماء بوصف المتنجّس اللاحق له لذاته أو لطروء مغيّرٍ طاهر له، لم ينجس الماء؛ للأصل السالم عن معارضة ما يصلح أن يكون شاملاً لهذا التغيّر، لظهور أدلّة التغيّر في المتغيّر بالنجاسة.

وكذا لو استند التغيّر إليهما بحيث كان كلٌّ منهما جزء سببٍ في التغيّر.

نعم، لو كان بحيث لو انفرد كان مغيّراً أو كان الماء على صفة عين النجاسة- كماء وقع فيه دم وكان أحمراً بصفته الأصليّة كبعض المياه الكبريتيّة، أو عارضيّة كالمخلوط بدبسٍ أو خلٍّ أحمر - وكان لولا صفته لتغيّر بالنجاسة، فإنّه يحكم عليه بالتنجيس؛ لحصول التأثير بالنجاسة حسّاً وإن منع من ظهورها مانع.


1) في «ق»: «النجاسة».

2) راجع وسائل الشيعة 1: 161 - 162 ، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ع 11.

ثامنها: لو تغيّر الماء بالمتغيّر بوصف النجاسة

لو تغيّر الماء بالمتغيّر بوصف النجاسة الواقعة فيه، فإن صاحَبَ المتغيّر نفس النجاسة نجس المتغيّر به.

وإن لم تصاحبه نفس النجاسة احتُمل تنجّسه به؛ لإطلاق روايات التنجيس بالتغيّر. ولإطلاق كثير من الأصحاب الحكمَ بنجاسة المتغيّر بالمتغيّر، ولحكمهم بنجاسة البئر المتغيّرة بماء البالوعة المتغيّر بالنجاسة، ولحكمهم بتطهير المتغيّر بإلقاء كُرّ فكُرّ عليه دفعةً حتّى يزول تغيّره ، ولولا نجاسة المتغيّر بالمتغيّر لكفى الكُرّ الأوّل؛ لعدم انفعاله حينئذٍ وعدم تنجسّه وإن شاعت أجزاؤه في المتغيّر، فيطهر المتغيّر الأوّل بعد زوال تغيّره أيضاً؛ لعدم حلول النجاسة فيه وقد لاقاه كُرٌّ طاهر بعد زوال النجاسة والتغيّر منه بل وقبل زوال التغيّر؛ إذ من البعيد وجود ماء واحد طاهر ونجس في مكانٍ واحد مختلط، ولصدق أنّ الماء قد تغيّر بالنجاسة عليه، ولأنّ نجاسة المتغيّر بحلول النجاسة فيه إنّما هي بالمتغيّر الملاقي للنجاسة؛ لأنّ الجزء الملاقي للنجاسة غيّر الجزء الذي يليه، والذي يليه غيّر ما يليه ،وهكذا، فيلزم من ذلك تنجّس كلّ متغيّر بالمتغيّر، وهو المطلوب.

واحتُمل عدمه وبقاؤه على الطهارة؛ للأصل والعمومات السالمة عن المعارض، سوى إطلاقات أدلّة انفعال الماء بالتغيّر، وهي ظاهرة بالتغيّر بعين النجاسة، لا بالمتنجّس بها وإن كان التغيّر بوصفها.

وكذا إطلاق كلام الفقهاء أيضاً ينزّل على ذلك، سوى كلام مَنْ ذهب إلى أنّ التغيّر بالمتنجّس من جهة وصفه اللازم أو العارض له منجّس، فإنّه لا يمكن تنزيله. ولكنپا لا نقول به.

وأمّا حكم الفقهاء بنجاسة البئر بالماء المتغيّر فالظاهر منه أنّه لحلول عين النجاسة فيه كما هو الغالب في البالوعة، ومع عدم حلولها فيه لا نقول به. وأمّا حكمهم بتطهير المتغيّر بإلقاء كُرّ فكُرّ عليه حتّى يزول تغيّره فهو إمّا مبنيٌّ على حالة بقاء عين النجاسة في الماء المتغيّر أوّلاً، أو على أنّ أجزاء الأوّل عند شيوعها في الثاني زال حكم الطهوريّة منها ؛ قضاءً لحقُ الإشاعة، لا من جهة التغيّر بالمتغيّر.

على أنّا يمكن أن نقول ببقاء طهوريّته وبقاء نجاسة المتغيّر الأوّل حتّى يزول التغيّر عنهما، فيطهّر الأوّل ويكون المجموع طاهراً.

ويمكن أن نقول بتطهيره الأوّل أيضاً وإن بقي وصف التغيير إذا ارتفعت عين النجاسة منه.

ولا بأس به؛ لما دلّ على أنّ الماء طهور(1).

وأمّا الحكم بصحّة إطلاق التغيّر بالنجاسة عليه فممنوع.

وكذا الحكم بتنجيس المتغيّر عند حلول النجاسة فيه من جهة تغيّره بالمتغيّر الملاقي، فإنّه ممنوع، وإنّما نحكم بتنجيسه من جهة أنّه ماء تغيّر بعين النجاسة الحالّة فيه، وكلّ ماء تغيّر بذلك فهو نجس من غير حاجةٍ إلى معرفة أنّ هذا التغيّر كان بنفس تلك النجاسة أو بالمتغيّر بها.

تاسعها: لا يشترط في الجاري كُرّيّة نفسه ولا كُرّيّة مادته ولا كُرّيّتهما

لا يشترط في الجاري كُرّيّة نفسه ولا كُرّيّة مادته ولا كُرّيّتهما على الأظهر الأشهر؛ للأخبار الدالّة على طهوريّة الماء مطلقاً(2)، والدالّة على طهوريّته ما لم يتغيّر(3)، والدالّة على طهوريّة الجاري خصوصاً(4)، والدالّة على طهوريّة ذي المادّة وأنّه «لا يفسده شيء لأنّ له مادّة»(5). والأخبار الدالّة على طهوريّة ماء الحمّام لأنّه بمنزلة الجاري، ولأنّ له مادّة(6)، والأخبار النافية للبأس عن الماء الجاري يبال فيه(7)، وللإجماع المنقول(8)والشهرة المحصّلة.

نعم، لو علم انحصار المادّة وعدم كونها ممّا تتجدّد بنقصان الماء كان حكم هذا الماء حكم المحقون، فإن بلغ هو كُرّاً، أو هو ومادّته وكان بينهما اتّصالٌ عرفيّ - لا كاتّصال الرشح والعرق - كان طهوراً، وإلّا كان كالماء القليل ينجس بالملاقاة.

واشترط العلّامة كُرّية الماء الجاري بنفسه، أو هو ومادّته إذا كان بينهما اتّصال عرفيّ(9)لعموم الأدلّة الدالّة على انفعال ما لم يبلغ كُرّاً، والأدلّة الدالّة على انفعال الماء القليل بالملاقاة.

وهو مردود أوّلاً: بمنع العموم في أدلّة انفعال الماء القليل، سوى عموم المفهوم الناشئ


1) الأنفال (8): 11؛ الفرقان (25): 48.

2) وسائل الشيعة 1: 133 ، الباب 1 من أبواب الماء المطلق.

3) المصدر: 137، الباب 3 من أبواب الماء المطلق.

4) المصدر : 143 الباب 5 من أبواب الماء المطلق، ح 1 - 4.

5) المصدر : 172، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 6 و 7.

6) المصدر: 148 - 149 ، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، ح 1 و 4.

7) المصدر: 143 ، الباب 5 من أبواب الماء المطلق، ح 1 - 4.

8) ریاض المسائل 13:1

9) تذكرة الفقهاء 1: 17، المسألة ؛ قواعد الأحكام 1: 182؛ منتهى المطلب 1: 28.

من قولهم(عليهم السلام): «إذا كان الماء قدر كُرّ لم يحمل خبثاً»(1). وهو ضعيف لا يقاوم تلك الأدلّة، على أنّ في عمومه نظراً وتأمّلاً، سيّما في مثل هذا المقام الظاهر في عدم إرادة العموم؛ لابتنائه على جواب السؤال عن الماء الكائن في أراضي الحجاز، وهي في الأغلب غير جارية، بل إمّا مياه غدران، أو أواني، أو شبههما. والسؤال وإن لم يخصّص الجواب لكنّه يوهن عمومَه في أمثال هذه المقامات.

وثانياً : أنّ بين عمومه وبين عموم أدلّة طهارة الماء مطلقاً عموماً مطلقاً، وشرط التخصيص المقاومة، وبينه وبين أدلّة الجاري عموم من وجه، ويجب الأخذ فيه بالراجح عند التعارض، ولا شكّ أنّ أدلّة الجاري أرجح لاعتضادها بما تقوى به عليه، وكذا بينها وبين ما دلّ على طهوريّة ذي المادّة.

والمناقشة في الرواية المعلّلة لعدم فساد الماء بكونه له مادّة(2): بأنّ التعليل ليس له، بل لطيب الماء طعماً وريحاً، كالمناقشة في الأخبار النافية للبأس عن البول في الماء الجاري(3): بأنّه لرفع الكراهة لا لبيان الطهوريّة، ضعيفتان لا يُلتفت إليهما.

عاشرها: لو جرى ماء البئر على وجه الأرض أو جَرَت الآبار بعضاً على بعض

لو جرى ماء البئر على وجه الأرض أو جَرَت الآبار بعضاً على بعضٍ- كأن كان لها جاذب يجذبها من الأسفل-كان من الجاري، ولايلحقها حكم البئر على الأظهر.

حادي عشرها: إذا تغيّر بعض الماء الجاري دون بعض فله صور:

إحداها: أن تكون سطوحه متساويةً، ولا يقطع التغيّر عمود الماء، فلا شكّ في نجاسة المتغيّر وطهارة غيره ولو كان دون الكُرّ على المختار.

الثانية: الصورة بحالها، وكان التغيّر قاطعاً عمود الماء عرضاً وعمقاً، وكان المنحدر عن المتغيّر كُرّاً والمتّصل بالمادّة كذلك. ولا شكّ أيضاً بنجاسة المتغيّر وطهارة الفوق والتحت، وكذا لو كان المتّصل بالمادّة دون الكُرّ على المختار، بل حتّى على كلام العلّامة(رحمۀ الله علیه)(4)على وجهٍ، وهو أنّ المتّصل بالمادّة أعلى بالقوّة، فلا ينفعل بما تحته من المتغيّر. وهو ضعيف.


1) عوالي اللآلي 1: 76، ح 156.

2) راجع الهامش ( 5 ) من ص 35.

3) راجع الهامش (4) من ص 35 .

4) راجع الهامش (9) من ص 35

الثالثة: الصورة بحالها إلّا أنّ ما تحت الماء المتغيّر دون الكُرّ، والظاهر نجاسته، واتّصاله بالمتغيّر المتّصل بالمادّة غير مُجْدٍ ؛ لأنّ المتغيّر قد أسقط الشارع اعتباره، فلا يؤثّر بالاعتصام.

وناقش بذلك بعضهم ؛ لصدق أنّه ماء متّصل بالمادّة فلا ينفعل ، ولا أقلّ من الشكّ . والأصل الطهارة(1).

وفيه: أنّه ماء قليل لاقى نجساً ، فالأصل تنجّسه ما لم يقطع باعتصامه، ولا قطع عند قطع المتغيّر عمود الماء.

الرابعة: أن تختلف السطوح وكان الماء منحدراً وكان قدر الكُرّ مستوي السطوح، ولا يقطع التغيّر عمود الماء، ولا شكّ في طهارة غير المتغيّر.

الخامسة: الصورة بحالها وكان ما وراء المتغيّر والمتغيّر أعلى ممّا اتصل بالمادّة، وهذا حكمه مبنيّ على صحّة اعتصام الأعلى بالأسفل.

السادسة: الصورة بحالها وكان ما وراء المتغيّر فقط أعلى ممّا تقدّم، والظاهر هنا طهارته إلّا على القول بانفعال الأعلى من الأسفل.

السابعة: أن يقطع التغيّر عمود الماء والسطوح مختلفة، وكان المنحدر كُرّاً وما فوق المتغيّر كذلك، فلا شكّ في الطهارة إذا تساوت سطوح قدر الكُرّ.

الثامنة: الصورة بحالها ولكن كان كلٌّ من المنحدر وما فوقه أقلّ من كُرّ، والظاهر هنا طهارة ما فوق، ونجاسة المنحدر

التاسعة: الصورة بحالها ولكن كان المنحدر أعلى من النجاسة، وهذه مبنيّة على انفعال الأعلى بما تحته.

العاشرة: أن يكون الكُرّ بنفسه غير متساوي السطوح، وهذه مبنيّة على أنّ تساوي السطوح شرط في اعتصام الكُرّ أو ليس بشرطٍ. وسيجيء - إن شاء الله تعالى - بيانه، فإن بنينا على أنّ تساوي السطوح شرط يتنجّس الكُرّ الغير المستوى السطوح، وإلّا فلا.

ولا نريد بالغير المتساوي هو كلّ منحدر من الماء؛ لاجتماع صفة الانحدار مع تساوي السطوح عرفاً، بل مع كونه أعلى، ولو كان كُلّ منحدر من الماء غير متساوي السطوح للزم


1) كما في الحدائق الناضرة 1: 197

تنجيس الأنهار الكبار والقَنَوات بملاقاة شيء من النجاسة في صدرها؛ لعدم اعتصامها بالمنحدر عنها، فكلّ ما ينحدر يكون نجساً حينئذٍ ما دامت النجاسة باقية في صدرها، بل وعند زوالها.

هذا في غير الجاري، وفي الجاري أيضاً على ما ذهب إليه العلّامة(رحمۀ الله علیه)(1)لعدم خروج كُرّ دفعةٌ يطهر ما بعده غالباً، بل كلّ ما يخرج يتنجّس بما بعده، وهكذا.

ثاني عشرها: يطهر الجاري بزوال التغيّر عنه

يطهر الجاري بزوال التغيّر عنه؛ لكفاية الاتّصال على الأظهر؛ لعموم أدلّة طهوريّة الماء، وخصوص قوله(عليه السلام): «ماء النهر يطهّر بعضه بعضاً»(2).

ولأنّ الاتّصال هاهنا بمعنى الامتزاج؛ لأنّ كلّ جزء من النجس يلاقي الطاهر إمّا أن نحكم بطهارته وهكذا فيثبت المطلوب، أو يبقى نجساً ولا معنى له؛ لامتزاجه بآخر جزء من الطاهر، والمفروض أنّ الامتزاج مطهر، أو ينجّس الطاهر ، وهو لا نقول به؛ لأنّ ما له مادّة ينجَّس.

واشترط بعضهم(3)الامتزاجَ إمّا لاشتراطه في التطهير مطلقاً، أو لاشتراطه هاهنا من جهة انخفاض المادّة؛ لأنّ الاتّصال كافٍ مع علوّ المادّة أو مساواتها.

وهو ضعيف؛ لمساواة ما علا من المادّة له، ولصدق الماء الواحد عرفاً عليه، ولأنّ الاتّصال كافٍ مطلقاً بعد صيرورة الماءين ماءً واحداً عرفاً.

وعلى ما ذهب إليه العلّامة(رحمۀ الله علیه)من اشتراط الكُرّية(4)لابدّ في تطهير الجاري عند زوال تغيّره من بقاء كُرٍّ طاهر غير متغيّرٍ ابتداءٌ يمازج ما تنجّس، أو من إلقاء كُرٍّ من خارج عليه فيمتزج معه، وبدون ذلك لا يطهر؛ لأنّ كلّ ما خرج من المادّة تدريجاً دون الكُرّ يتنجّس بالماء النجس وهكذا، فيبقى على النجاسة بدون أحد الأمرين المتقدّمين.

وكما لا يشترط الامتزاج لا يشترط التدافع من المادّة عليه وأغلبيّته له؛ لعموم الأدلّة.

ولو اتّصل ماء واقف بماء جاري اعتصم به، وإن كان نجساً غير متغيّرٍ طهَّره، ولا حاجة إلى الامتزاج إن كان الاتّصال على سبيل تساوي السطوح أو انحدار الواقف.

وإن كان الواقف أعلى، فإن عُدّا ماءً واحداً عرفاً فكذلك، وإلّا فالأظهر عدم اعتصامه به


1) راجع الهامش (9) من ص 35

2) وسائل الشيعة 1: 150 الباب 7 من أبواب الماء المطلق، ح 7.

3) منتهى المطلب :1 64 تذكرة الفقهاء 16:1، المسألة 2.

4) راجع الهامش (9) من ص 35

وعدم تطهيره به؛ لعموم أدلّة نجاسة الماء القليل في الأوّل، ولاستصحاب النجاسة في الثاني، كما أنّ العالي لا ينجّس بالسافل ولا ينفعل به؛ للأصل، والاستصحاب.

بحث فی أنّ ماء الحمّام سبيله سبيل الجاري إذا كان له مادّة
اشارة

ورد في كثير من الأخبار: أنّ ماء الحمّام سبيله سبيل الجاري إذا كان له مادّة، وأنه لا بأس به إذا كانت له مادّة(1)، وورد أنّه كماء النهر يطهّر بعضه بعضاً(2)، وورد أنّه لا ينجّسه شيء(3)، وورد أنّه طهور، بعد السؤال عن اغتسال مَنْ لا يُعرَف أنّه يهوديّ أو نصرانيّ به، والجنب من غير الجنب (4)، وورد نفي البأس عن مائه بعد استعمال الجنب له ومساورته له واغتساله فيه(5)، وغير ذلك.

وجاء في جملةٍ من كلام الأصحاب(6)أيضاً : أنّ ماء الحمّام كماء الجاري إذا كان له مادّة.

ويراد بالحمّام في الأخبار وفي كلام الأخيار هو ما يُسمّى حمّاماً عرفاً، سواء جمع جميع الأماكن المعلومة له من المسلخ والنورة خانه والحوض الكبير والبيت الداخل والبيوت الصغار والخزانة وبيتها والحياض الكبار المتوسّطة والحوض الصغير وغير ذلك، أو نقص عن ذلك إلى أن ينتهي إلى حوض الماء المسخّن والبيت المشتمل عليه للجلوس وإزالة الوسخ، وسواء كان مبنيّاً في دارٍ أو في محلّة، مستقلّ بنفسه أو كان محمولاً كما تحمله العظام من الأُمراء.

والمراد بمائه- كما يظهر من النصّ إطلاقاً والفتوى نصّاً - هو الماء الكائن في الحياض الصغار، لا الماء المرشوش في الأرض، ولا ماء الغسالة المجتمع في الجِيّة، ولا الماء البارد الكائن في المِحْرز، ولا الماء الحارّ المستمدّ منه الماء إلى الحياض الصغار؛ لانصراف الإطلاق إلى ذلك، ولقضاء قرائن السؤال والجواب بذلك، وكذا التعليل بالمادّة وتشبيهه بالجاري. وفي بعض الأخبار(7)دلالة على ذلك أيضاً.


1) وسائل الشيعة 1: 148 و 149، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، ح 1 و 4.

2) المصدر: 150، ح 7.

3) المصدر، ج 8.

4) المصدر: 149 - 150، ح 6.

5) المصدر: 148. ح 2.

6) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 5.

7) راجع الهامش (1).

فما تشعر به الأخبار من إرادة ماء أرضه أو الماء المتقاطر ممن اغتسل فيه أو غير ذلك لا يصلح المعارضة ما ذكرنا.

نعم، قد يقال بشموله للحوض الكبير، ويكون التساؤل عنه من جهة كثرة(1)تردّد الناس إليه، وكثرة استعمال المجنبين له، وكثرة حلول الأوساخ فيه، وإن كان في الأغلب يبلغ كُرّاً فما فوق.

ولكن تعليله بالمادّة وتشبيهه بالجاري ممّا يُبعّد ذلك ؛ لانقطاع الحوض الكبير عن مادّته غالباً، كما نراه اليوم.

ومقتضى التعليل بالمادة وتشبيهه بالجاري : أنّ الحكم بذلك مخصوص بحال اتّصال ماء الحياض الصغار بالمادّة، فلو انقطع عنها كان حكمه حكم الماء القليل.

ثمّ إنّه بعد ذلك فهل يشترط في طهوريّة ماء الحياض عند اتصالها بالمادّة كُرّيّة المادّة، أو يكفي كُرّيّة المجموع، أو يكفي مسمّى المادّة وإن نقص المجموع منها ومن ماء الحياض عن الكُرّيّة؟ وعلى أيّ تقدير فهل يشترط استواء السطوح بين المادّة وبين ماء الحياض، أو لا يشترط ذلك، بل يكفي كونها أعلى تسريحيّاً أو تسنيميّاً بل وكونها أسفل؟ وجوه واحتمالات، وفي منها أقوال، أقواها: كفاية بلوغ المجموع كُراً إذا تساوت السطوح أو كانت المادّة أعلى تسنيميّاً أو تسريحيّاً؛ لعموم أدلّة طهوريّة الماء، وخصوص أدلّة طهوريّة ماء الحمّام، السالمة عن معارضة أدلّة انفعال ماء القليل مفهوماً ومنطوقاً؛ لضعفها أوّلاً عن مقاومتها بعد أن كان بينها عموم من وجه، ويجب فيه تقديم الراجح؛ ولعدم شمولها للبالغ كُرّاً عند اجتماعه مع المادّة؛ لصدق الكُرّيّة عليه عرفاً.

واحتمال عدم صدق الكُرّيّة عليه باعتبار تعدّد محلّه، وشرط الكُرّ في عدم الانفعال وحدة الماء، وعدم صدق أنّهما ماءان عرفاً ضعيف؛ لأنّه مع تساوي السطوح لا شبهة في كونه ماءً واحداً عرفاً، ومع علوّ المادّة فهو إمّا كذلك سيّما في التسريحي، أو أقوى من ذلك؛ لاعتصام السافل بالعالي وقوّة العالي عليه، فيشكّ في شمول أدلّة انفعال الماء القليل للمجتمع على ذلك النحو؛ لانصراف المفهوم في أخبار الكُرّ لغير المجتمع مطلقاً، وموردها أيضاً المياه المتفرّقة في الأواني والحياض الغير البالغة ذلك.


1) في «ق»: «لكثرة» بدل« من جهة كثرة».

ولولا الشكّ في اعتصام العالي بالسافل وفي قوّته به لقُلنا بعدم انفعال العالي إذا بلغ مع السافل كُرّاً، ولقلنا بعدم تنجيس العالي القليل إذا كان متّصلاً بالجاري وشبهه على نحو المساواة، أو على نحو علوّ الواقف عليه، بل ولقلنا بتطهير السافل للعالي المتنجّس إذا اتّصل به على أيّ نحوٍ من أنحاء الاتّصال. ولكنّا لا نقول ذلك؛ لأنّ السافل لا يعصم العالي، ولا ينفعل العالي به.

وذهب جمع من أصحابنا منهم: المحقّق(رحمۀ الله علیه)(1)إلى كفاية الاتّصال بالمادّة في عدم الانفعال ولو لم يبلغ مجموع ماء المادّة والحياض كُرّاً؛ تمسّكاً بعموم أدلّة طهورية ماء الحمّام إذا كانت له مادّة، وبإطلاقات الأصحاب لذلك أيضاً.

وفيه: أنّ الأدلّة بينها عموم من وجه والترجيح لجانب أدلّة انفعال القليل؛ لقوّتها بفتوى المشهور وعمل الجمهور، والاحتياط، وظهور ماء الحمّام في البالغ كُرّاً فما زاد؛ لندرة الناقص عن كُرٍّ إطلاقاً ومصداقاً.

وأطلق كثير من المتأخّرين اشتراط كُرّيّة المادة حين اتّصالها بالحياض الملاقية للنجاسة(2)استناداً لعدم وحدة الماء وتعدّده، فلا يعتصم الحوض الصغير إلّا بالكُرّ.

وفيه: أنّ ذلك مع تساوي السطوح لا معنى له؛ لاكتفاء جملة منهم في غير الحمّام لبلوغها كُرّاً باستواء سطوح المياه إذا تعدّدت محالّها، فإن لم يكن الحمّام أخفّ فلا يكون أشدّ، وفي مختلف السطوح بتسنّمٍ وانحدارٍ، وإن أمكن الميل إليه؛ لشبهة أنّهما ماءان عرفاً، لكنّا لا نرتضيه أيضاً؛ لأنّ الأقوى كونهما ماءٌ واحداً عرفاً، فيعتصم السافل بالعالي مطلقاً؛ لضعفه وقوّة العالي عليه، بل ويعتصم مطلقاً لولا ضعف السافل، فيقع الإشكال من جهته، ويحصل الشكّ فيما إذا تنجّس العالي في اعتصامه بالسافل للشكّ في دخوله تحت إطلاق الكُرّ المحكوم بطهارته؛ لعدم العموم المحقّق بأنّ كلّ كُرٍّ على أيّ نحوٍ من أنحاء الوضع وأنحاء الملاقاة لم يحمل خبثاً.

ويمكن حمل كلام كثيرٍ منهم على خصوص العالي بتسنّمٍ، كما هو الغالب في ماء الحمّام، فيهون الأمر، أو يُحمل على اشتراط الكُرّيّة في الرفع عند نجاسة الحياض دون الدفع، أو يُحمل اشتراطها على المحافظة على عدم النقصان عن الكُرّ من المجموع منها ومن الحياض الصغار.


1) المعتبر 42:1

2) كما في مفتاح الكرامة 64:1.

فوائد:
الأُولى: لو شكّ ببلوغ مجموع ماء المادّة والحياض الكُرّيّة، أو شكّ في كُرّيّة المادّة

لو شكّ ببلوغ مجموع ماء المادّة والحياض الكُرّيّة، أو شكّ في كُرّيّة المادّة بناءً على اشتراطها، فالأظهر أنّه إن علم الحالة المتقدّمة استصحبها، سواء قضت بتطهيرٍ أو تنجيسٍ، واستصحاب الموضوع حاكم على أصل الطهارة عند الشكّ.

وإن لم يعلم حالته الأوّلية، فالأظهر الحكم هنا بالكُرّيّة؛ عملاً بالظاهر المعتضد بأصل الطهارة، وبعمل المسلمين؛ لاستعمالهم ذلك من غير سؤالٍ عن المادّة واختبارٍ لها من أحدٍ، ويكون الحمّام ممتازاً عن غيره بهذه الخصوصيّة؛ للزوم السؤالٍ في غيره تحكيماً لأصالة عدم الكُرّيّة حتّى في الماء المشكوك به ابتداءً، الغير المعلوم حاله سابقاً. وتُحمل الخصوصيّة في الأخبار على ذلك.

ولا يتفاوت الحال بين الشكّ بالكُرّيّة حالة الاتصال بالمادّة، أو حالة الانقطاع وتنجيس الحوض الصغير؛ للسيرة، وعمل المسلمين.

الثانية: تثبت الكُرّيّة عند الشكّ بشاهدَيْن أو شاهدٍ واحد على الأظهر مع العدالة في الكلّ، وتثبت بقول صاحب الحمّام؛ لأنّه ذو يدٍ.
الثالثة: إذا تنجّس الحوض الصغير، كفى اتّصاله بالمادّة

إذا تنجّس الحوض الصغير، كفى اتّصاله بالمادّة إذا كانت كُرّاً، أو كان مشكوكاً بكُرّيّتها مع العلم بها سابقاً، أو مطلقاً على الأظهر، وعليه عمل المسلمين في جميع الأعصار والأمصار. ولو علم بعدم بلوغها الكُرّيّة لم تؤثّر تطهيراً.

الرابعة : يكفي في التطهير نفس الاتّصال

يكفي في التطهير نفس الاتّصال ولا يشترط الممازجة ولا الإلقاء دفعةً، كما فی غير الحمّام من المياه عند تطهيرها.

و تخيّل بعضهم(1)أنّ للحمّام هاهنا خصوصيّةً بعدم اشتراط ذلك. وليس كذلك.

الخامسة: لا يشترط زيادة المادّة على الكُرّ عند اتّصالها بالحياض في دفع النجاسة عند الملاقاة

لا يشترط زيادة المادّة على الكُرّ عند اتّصالها بالحياض في دفع النجاسة عند الملاقاة، ولا في رفعها للنجاسة بعد حصولها بملاقاة الحوض الصغير لها؛ لعموم طهوريّة الماء كتاباً وسنّةً، ولصيرورة الجميع ماءً واحداً، ولأنّ ممازج المتّصل لما اتّصل به وهكذا ما اتّصل به ممازجٌللذي بعده وهكذا.


1) فخر المحقّقين كما في روض الجنان 1: 370.

فاشتراط بعضهم(1)في الرفع زيادة المادّة على ما يحصل به الامتزاج مع ماء الحوض الصغير، أو زيادتها على ما يحصل به الاتّصال معه، أو زيادتها بمقدار ما في الساقية وما بعدها إلى أن يتّصل بالحوض ضعيفٌ مبنيٌّ على ضعيفٍ.


1) تحرير الأحكام 1: 46، الرقم 7؛ جامع المقاصد 1: 113؛ روض الجنان 1: 369.

بحث في أحكام الماء القليل

اشارة

ينجس ما دون الكُرّ بملاقاة النجاسة؛ للإجماع المنقول(1)والشهرة المحصّلة، بل ربما يدّعى الإجماع المحصّل، وخصوص الإجماع المنقول على نجاسة سؤر اليهودي والنصراني(2)، والإجماع على غسل الإناء من الولوغ ثلاثاً (3)فإنّهما بإطلاقهما شاملان لما إذا كان المائع ماءً أو غيره، والإجماع المنقول على نجاسة ما يغتسل به الجنب إذا كانت على بدنه نجاسة(4)، والإجماع المنقول على سلب الطهوريّة عن الماء المزيل للنجاسة(5).

وللأخبار المتواترة معنىً في الدلالة على التنجيس؛ لدلالة كلّ خبر منها على معنى يلزمه التنجيس لما يفهم شرعاً من لزوم وصف النجاسة لتلك الآثار ، كالنهي عن الوضوء منه، والأمر بغَسْل الإناء من سؤر الكلب، في روايةٍ(6).

والأمر بغسله منه، في أُخرى(7).

والأمر بغسله لسبع فيما شرب منه الخنزير، في ثالثةٍ(8).

ونهيه عن الوضوء من ماء قطرت فيه قطرة من رعاف، في رابعةٍ(9).


1) الخلاف 1: 185، المسألة 140

2) المسائل الناصريات: 84، المسألة 10.

3) الخلاف 1 175 - 176، المسألة 130

4) تحرير الأحكام 1 54 الرقم 48؛ منتهى المطلب 1: 137

5) المعتبر 1: 90؛ منتهى المطلب 1: 141

6) وسائل الشيعة 226:1، الباب 1 من أبواب الأسار، ح 4.

7) المصدر: 225 - 226، ح 3.

8) المصدر: 225، ح 2.

9) المصدر: 150 - 151، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

وتقييده بما إذا كانت اليد نظيفة للأخذ من الماء القليل في الساقية، في خامسةٍ(1).

ونفي البأس عن إدخال اليد في الإناء قبل غسلها إذا لم يصب يده شيء، في سادسةٍ(2).

والأمر بكفئ الإناء إذا أُدخلت فيه اليد القذرة، في سابعةٍ (3).

وتشبيه ماء الحمّام بالجاري، فيُفهم منه أنّ غير الجاري ينفعل، في ثامنةٍ(4).

وتعليله بأنّ له مادّة فيُفهم منه أنّ ما لا مادّة له ينفعل بالملاقاة، في تاسعةٍ(5).

والنهي عن سؤر اليهودي والنصراني، في عاشرةٍ(6).

ونفي البأس عن إدخال اليد في الإناء إذا لم يصبها شيء من منيّ، في حادية عشر(7).

والنهي عن الوضوء في ماء قد شرب منه طير في منقاره ،دم في ثانية عشر(8).

والأمر بإعادة الوضوء وغَسْل الثياب لمن توضّأ بماء قد وقعت فيه فأرة فماتت ، في ثالثة عشر(9).

والأمر بإهراق الماء لمن أدخل يده في إناء وفيها منيّ أو بول، في رابعة عشر(10).

والأمر بالإهراق لمن أدخل إصبعه في رَكْوَةٍ وكانت قذرةً، في خامسة عشر(11).

والأمر بإهراق الماء في ولوغ الكلب، في سادسة عشر(12).

والأمر بصبّه، في سابعة عشر(13).

والحكم بتنجيس الحبّ من النبيذ في ثامنة عشر(14).


1) وسائل الشيعة : 216 ، الباب 10 من أبواب الماء المضاف..... ح 1.

2) المصدر 2: 266، الباب 45 من أبواب الجنابة، ح 2.

3) المصدر 1: 153 الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح7 .

4) المصدر: 148، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

5) المصدر 1: 172، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 6 و 7.

6) المصدر : 229، الباب 3 من أبواب الأسار، ح 1.

7) المصدر: 153 - 154، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 9 و 10.

8) المصدر : 230، الباب 4 من أبواب الأسار، ح 2.

9) المصدر: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

10) المصدر: 152، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 4.

11) المصدر: 154 ، ح 11.

12) مستدرك الوسائل 2: 602 ، الباب 45 من أبواب النجاسات، ح 2.

13) وسائل الشيعة 1: 226، الباب 1 من أبواب الأسآر ، ح 5.

14) المصدر : 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، ح 6.

والأمر بإهراق الحبّ إذا قطرت فيه قطرة من مسكر، في تاسعة عشر(1).

وبيان عدم صلاحيّة ماء الحبّ للشرب والوضوء إذا وقع فيه أوقية بول، في العشرين(2).

والأمر بإهراق الماء والتيمّم عند سقوط قذر في أحد الإناءين، في الحادية والعشرين(3).

وغير ذلك من الأخبار المتضمّنة لحكم التنجيس بالملازمة الشرعيّة، ولا قائل بالفرق بين أنواع النجاسات؛ لأنّ العاصم للماء القليل عاصم له بجميع أنواعه من كلّ النجاسات، على أنّ في جملةٍ منها ترك الاستفصال وترك التفصيل في مقام البيان، وهو يفيد العموم، إلّا أنّ في شمولها للكيفيّة في التنجيس من ورود النجاسة على الماء أو وروده عليها محلّ بحثٍ وتأمّلٍ.

وللأخبار(4)الدالّة على عدم انفعال الماء بالنجاسة والخبث إذا بلغ كُرّاً؛ فإنّها تقضي بمفهومها بنجاسة الأقلّ من الكُرّ وتحمّله الخبث. وهي معتبرةٌ حتّى ادّعي تواترها، ومستفيضة قطعاً، و معمول عليها بين الطائفة، وموافقةٌ للاحتياط.

والمناقشة فيها- بعدم حجّية المفهوم مطلقاً، أو عدم حجّيّته إذا احتُملت فائدة أُخرى غيره، وهي هنا محتملة؛ لاحتمال أنّ التنصيص على الكُرّ لكونه أقوى في دفع القذارة من التغيّر بها ومن سلب الإطلاق عن مائه عند مخالطته لها، أو غير ذلك، أو عدم عموم المفهوم فيكفي فيه السلب الجزئي، أو عدم عمومه لعدم عموم منطوقه إمّا لعدم عموم السؤر فيه، أو عدم عموم الكُرّ فيه، أو لعدم عموم جواب الشرط بالنسبة إلى الخبث، أو لعدم عموم الخبث المقدّر المفهوم؛ لأنّه نقيض عموم المنطوق فيكفي فيه ثبوت طبيعة الخبث، أو عدم ثبوت إرادة المعنى الشرعي من لفظ النجاسة والخبث، فلعلّ المراد المعنى اللغوي - ضعيفة جدّاً؛ لأنّ الظاهر من الأخبار ومن قرائن السؤال والجواب ضبط قاعدة كلّيّة فيما لا ينفعل من المياه؛ لأنّ فيها: سألته ع عن قدر الماء الذي لا ينجّسه شيء، فأجاب بأنّه كُرٌّ(5)، والمأتيّ به في مقام القاعدة والبيان يقضي بالعموم وإن كان من سور الإهمال على أنّ ترك التفصيل في جملة منها ممّا يقضي بالعموم أيضاً، و إلّا لزم الإغراء بالجهل.


1) وسائل الشيعة 25: 341، الباب 18 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 1.

2) المصدر 1 156، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 16.

3) المصدر: 155 - 156، ح 14

4) المصدر 1: 158، الباب 9 من أبواب الماء المطلق.

5) المصدر: 159 - 160، ح 7.

ولأنّ حمل الماء على معيّنٍ ترجيحٌ من دون مرجّحٍ، وحمله على واحدٍ مّا يعود باللغو على كلام الحكيم، فليس إلّا الحمل على الطبيعة المفيدة للعموم.

ودعوى انصراف لفظ الماء للمسؤول عنه في بعض الأخبار-كمياه الغدران - فتكون اللام للعهد، لا وجه لها لخلوّ أكثر الأخبار عن السؤال عن ذلك، ولظهور ما فيه السؤال بإرادة بيان ضبط قانون لأصل حكم الماء، لا للماء المسؤول عنه فقط.

ولأن لفظ «ينجّسه» و «خبثاً» نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم. ولأنّ الظاهر منهما المعنى الشرعي في لسان الأئمّة(عليه السلام)؛ لثبوت كون النجاسة حقيقةً شرعيّة في ذلك الزمان، وكون المحتاج إلى البيان هو الخبث الشرعي وهو النجاسة، دون المعنى اللغوي.

ولثبوت حجّيّة المفهوم.

ولأن احتمال الفائدة لا تسقطه عن الحجّيّة، وإلّا لبطل المفهوم رأساً.

نعم، ظهورها مسقط، وهو هاهنا ممنوع.

ولثبوت عموم المفهوم عرفاً كما حقّق في الأُصول.

ولثبوت عمومه على نحو عموم المنطوق في الشرط.

ولثبوت عموم الخبث بالمفهوم من جهة عدم القول بالفصل إلّا بالنسبة للفرق بين الورودين، كما يأتي إن شاء الله تعالى، أو من جهة فهم أنّ الكُرّ علّة في التطهير وجوداً وعدماً، أو من جهة فهم عموم لفظ الخبث فيه كما هو في المنطوق، للمقابلة في مقام البيان.

فظهر ضعف ما أُورد على الرواية مفهوماً ومنطوقاً.

وأمّا ما احتجّ به ابن أبي عقيل(1)من عمومات أدلّة طهارة الماء كتاباً وسنّةً نبويّة وإماميّة، ففيه: أنّها مخصوصة بما ذكرناه؛ لقوّة الخاصّ، فيُحكم على العامّ.

ومن الأُصول العقليّة، ففيه: أنّها معارضة باستصحاب شغل الذمّة في العبادات المشروطة بها.

ومن أنّه لو لم يحكم بطهارة الماء القليل لَما صحّ تطهير متنجس؛ لأن المتنجّسٍ، لا يطهّر المتنجّس، ففيه : أنّه لا ملازمة بين الحكم بعدم الطهارة والحكم بعدم التطهير بعد ورود الدليل، أو أنّه يُحكم بطهارة هذا الفرد دون غيره للدليل، كما يُحكم بطهارة ماء الاستنجاء للدليل.


1) القائل بأنّ الماء القليل لا ينجس إلا بتغيّره بالنجاسة. راجع مختلف الشيعة 1: 13، المسألة 1.

ومن أنّ اختلاف الأخبار في الكُرّ دليل الاستحباب، ومن أنّ غالب أحوال المسلمين عدم الاجتناب عن مساورة الصبيان والجوارِ ومَنْ لايعرف النجاسة في أوانيهم المشتملة على الماء القليل، ومن أنّ الحكم بالتنجيس يؤدّي للعسر والحرج والمشقّة، ويوصل للوسواس المنهيّ عنه، ومن أنّ حمل أخبار الكُرّ على الاستحباب أقرب لوجه الجمع بين الأخبار، وكذا حمل أخبار النهي على الكراهة والأمر على الاستحباب في الأخبار المستدلّ بها على التنجيس، ومن أنّ أخبار التنجيس مفهوميّة، وأخبار التطهير منطوقيّة، و الأوّل لا يعارض الثاني، ومن أنّ ما دلّ على النهي عن الوضوء محمول على إرادة التنزّه عن خصوص الوضوء؛ لأنّ ماءه ليس كباقي المياه، ففي جميع ذلك أنّه - بعد تسليمه - إنّما يصلح أن يكون أمارة أو مؤيِّداً للدليل عند خلوّه عن المعارض القويّ، ومع المعارض الأقوى يصلح جميع ذلك لإثبات حكمٍ شرعيّ؛ لضعفه، وعدم سلامة أكثره، وبنائه على أُصول وقواعد لا نقول بها.

نعم، لابن أبي عقيل الاستدلالُ بالأخبار المتضمّنة لجواز استعمال الغدير الواقع فيه الجيفة، في روايةٍ(1)، واستعمال الماء يمرّ به الرجل وفيه الميتة والجيفة، في أُخرى(2)، واستعمال الماء الذي يلغ فيه الكلب في ثالثةٍ(3)، واستعمال الماء وفيه دابّة ميتة قد أنتنت إذا لم يغلب النتن على الماء، في رابعةٍ(4)، والأمر بالوضوء من الناحية التي ليست فيها الميتة، في خامسةٍ(5)، وجواز الوضوء من الغدير الذي يكون فيه العذرة ويبول فيه الصبّي والدابّة المعلَّل بأنّ الدين ليس بمضيّق، في سادسةٍ(6)، ونفي البأس عن الحياض التي يبال فيها إذا لم يغلب البول الماء، فی سابعةٍ(7)، ونفي البأس عمّن غمس يده في الماء وهي قذرة، في ثامنةٍ(8)، وتجويز النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)


1) وسائل الشيعة 1: 141، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، ح 11.

2) المصدر: 138 - 139، ح 4.

3) المصدر : 228، الباب 2 من أبواب الأسار، ح 6.

4) المصدر : 139 ، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، ح 6.

5) المصدر: 162، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 13.

6) المصدر: 163، ح 14.

7) المصدر : 139، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، ح 7.

8) المصدر: 163 - 164، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 16.

استعمال الماء الوالغة فيه الكلاب، في تاسعةٍ(1)، وغير ذلك من الأخبار الدالّة بإطلاقها على طهارة الماء الشامل للقليل والكثير.

وكذا بالرواية الدالّة على طهارة الماء إذا لم يتغيّر بسقوط الفأرة والجرذ فيموتون(2).

وكذلك الرواية الدالّة على صلوحيّة الوضوء من ماء الإناء الذي أصابه دم من رعاف إذا لم يستبن(3).

والرواية الدالّة على نفي البأس عن غسالة ماء الحمّام(4).

والرواية الدالّة على تطهير العجين الواقع في مائه ميتة؛ لأنّ النّار أكلت ما فيه(5)، وهو لا يصلح للتعليل، فليس إلّا لعدم انفعال الماء القليل.

والرواية الدالّة على جواز استعمال الماء القليل بوصف القلّة، ويداه قذرتان(6).

والرواية الدالّة على نفي البأس عن الاستقاء بجلد الخنزير(7).

والأُخرى النافية للبأس عن الاستقاء بحبل شعر الخنزير(8).

والرواية الدالّة على وضوء الإمام من دَلْوٍ خرجت فيه عذرة يابسة(9).

والرواية الدالّة على طهارة ماء الراوية الواقعة فيها فأرة أو جرذ ولم يتفسّخا (10).

والرواية الدالّة على نفي البأس عن ماء الإناء الواقع فيه ماء واقع من أرض يبال فيها(11).

والروايات الدالّة على جواز استعمال الماء الملاقي للنجاسة عند الضرورة أو عند عدم غيره (12)، ولو كان نجساً لما جاز استعماله مطلقاً.


1) وسائل الشيعة 1: 161، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 10.

2) مختلف الشيعة 1: 15، المسألة 1.

3) وسائل الشيعة 1: 150 - 151، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

4) المصدر : 213، الباب 9 من أبواب الماء المضاف..... ح 9.

5) المصدر : 175، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 18.

6) المصدر : 152، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 5.

7) المصدر : 175 الباب 14 من أبواب الماء المطلق. ح 16.

8) المصدر : 170، ح 2.

9) المصدر: 154 - 155، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 12.

10) المصدر : 139 - 140، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، ح 8.

11) المصدر : 213، الباب 9 من أبواب الماء المضاف..... ح 7.

12) المصدر : 163، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 15 و 228، الباب 12 من أبواب الأسآر ، ح 6.

والرواية المعلّلة لطهارة ماء الاستنجاء بأنّ الماء أكثر من القذر ، ومقتضى العلّة تسرية الحكم.

وغير ذلك ممّا شابه ذلك.

والجواب عن هذه كلّها: أنّا لو خلّينا وورود هذه الأخبار من دون معارض يقوى عليها للزم الأخذ بمضمونها؛ لتكثّرها وموافقتها لعموم الكتاب والسنّة، واعتضاد بعضها ببعض، ولكن لمّا عارضها ما هو أقوى منها سنداً، وأكثر عدداً، وأشهر فتوىً، وأبعد عن فتاوى العامّة، وأقرب لمذاق الخاصّة، وأنسب للاحتياط، وأوفق للإجماع المنقول، ولما عليه عمل القدماء الفحول، وجب تقديم المعارض عليها وإطّراحها أو تأويلها.

ولو أنّ الماء القليل حكمه كما يقول ابن أبي عقيل لما خفي على أهل الشرع جيلاً بعد جيل، ولكان أمره واضح السبيل، ولجرت عليه سيرة الأُمّة وأصحاب الأئمّة(عليهم السلام)؛ لتوفّر الدواعي إلى ذلك، وتكثّر الرغبات لما هنالك.

ولو ضممنا إلى ذلك المناقشةَ في سند الأخبار لوجدناها غير نقيّة، ولو دقّقنا في دلالتها لوجدناها ضعيفة غير قويّة؛ لأنّ كثيراً منها عمومه من ترك الاستفصال، وشرط عمومه عدم ظهور فردٍ ينصرف إليه الإطلاق، والمفروض أنّ الفرد الظاهر منها كون الماء المسؤول عنه كُرّاً و أزيد، وذلك كأخبار الغدران.

وجملة منها تدلّ على الطهارة بلوازم غير مسلّمة، كرواية جلد الخنزير، ورواية العذرة، ومن المحتمل عدم إصابته وإصابتها الماء، مع عدم تحقّق إرادة العذرة النجسة.

وكرواية جلد الخنزير، ومن المحتمل أنّ السؤال عن جواز استعماله لا عن طهارة الماء، أو عن سقى الخضروات به والزرع وشبهه.

وكرواية الإناء، ومن المحتمل وقوعها فيه لا في الماء.

وكرواية الرعاف، ومن المحتمل إرادة العلم بالوقوع من لفظ الاستبانة لا الرؤية البصريّة.

وكرواية المركن، ومن المحتمل أن حكمه كحكم ماء الغسالة، وأنّ غسله في المرّة الأخيرة بماءٍ جديد.

وكرواية العجين، ومن المحتمل طهره في النار أو تأخّر وقوع الميتة في العجين.

1. وسائل الشيعة: 222، الباب 13 من أبواب الماء المضاف.... ح 2.

وكرواية الحمّام، ومن المحتمل طهارة غسالته؛ لعدم العلم بنجاستها.

وكروايات الضرورة، ومن المحتمل حملها على التقيّة، وكذا رواية الإذن مع عدم وجود غيره بل الظاهر ذلك إلى غير ذلك.

فوائد:
الأُولى: لا فرق في انفعال القليل بالنجاسة بين النجس والمتنجّس

لا فرق في انفعال القليل بالنجاسة بين النجس والمتنجّس؛ لإطلاق مفاهيم الأخبار وترك الاستفصال في جملةٍ منها بين النجاسة والمتنجّس؛ لإطلاق الخبث والقذر فيها. ولم نر مخالفاً في ذلك يُعتدّ به.

ولا فرق أيضاً بين كثير النجاسة وقليلها، وبين ما لا يدركه الطرف منها وما يدركه، وبين أن يكون ما لا يدركه الطرف دماً وبين أن يكون غيره، وبين أن يرد الماء على النجاسة وبين أن ترد عليه، وبين أن يكون الوارد للغَسل من الخبث وبين أن لا يكون كذلك، وفاقاً للمشهور؛ لعموم المفهوم في أخبار الكُرّ(1)لعموم الماء في المفهوم، ولظهور إرادة التقسيم في المياه بين الكُرّ والأقلّ منه، سيّما في مقام البيان، فيقضى بحملان أنّ الخبث في القليل على أيّ نحو كان وبأيّ خبث كان؛ لعدم القائل بالفصل، إلّا فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ولترك الاستفصال في جملةٍ من الأخبار بين وقوع النجاسة فيه ووقوعه عليها؛ لأنّ وجودها في الماء أعم منهما.

ولحكم الإمام(عليه السلام)بنجاسة الماء الواقع فيه نجاسة(2)، مع احتمال وقوعه عليها، والأصل الطهارة. ولتنقيح المناط بين الورودين.

نعم، ما علا الوارد نفسه المتّصل بالنجاسة طاهر لا يسري إليه الخبث، وإلّا لنجست كلّ الأواني عند غسلها لو سرت النجاسة من السافل إلى العالي.

وذهب الشيخ(رحمۀ الله علیه)إلى عدم نجاسة القليل بما لا يدركه الطرف من النجاسة مطلقاً، أو من نجاسة الدم بالخصوص(3)استضعافاً لعموم الخبث في المفهوم، ولشمول أدلّة نجاسة ماء القليل


1) وسائل الشيعة 1: 158 ، الباب 9 من أبواب الماء المطلق.

2) راجع المصدر : 137، الباب 3 من أبواب الماء المطلق.

3) المبسوط 1: 7؛ الاستبصار 1: 23، ذيل الحديث 57

لما لا يدركه الطرف؛ ولرواية (1)على بن جعفر، الدالّة على طهارة الماء إذا لم يستبن فيه الدم.

وفيه: أنّ الخبث وإن لم يكن عامّاً في نفسه لكنّه في مقام البيان والتفصيل ظاهر في العموم، وكثير من أدلّة نجاسة الماء القليل شامل للقليل من النجاسة والكثير. وصحيحة عليّ بن جعفر إن لم تكن ظاهرةً في إرادة العلم بالوقوع من الاستبانة فهي محتملة لذلك احتمالاً مساوياً يسقط معه الاستدلال بها.

وذهب المرتضى(رحمۀ الله علیه)إلى عدم نجاسة الماء بوروده على النجاسة(2)استناداً للأصل، مع الشكّ في شمول المفهوم للوارد من الماء، والشكّ في شمول الأدلّة الباقية له، ولرواية(3)عمر بن يزيد، الدالّة على طهارة الماء الواقع على الأرض التي يبال فيها ويغتسل من الجنابة الواقع في الإناء؛ ولأنّه لو حكم بنجاسة الوارد لما طهّر الماء نجساً يرد عليه ما عدا المعتصم؛ لأنّ النجس لا يطهّر.

وفيه: أنّ العموم وإن لم يقض به اللفظ لكنّه يقضي به المقام، وكثير من أدلّة نجاسة الماء القليل شاملة لذلك؛ لترك الاستفصال فيها، والرواية ليست صريحةً في وقوع الماء على الماء. ومن المحتمل وقوعها في الإناء فقط أو كون الماء الواقع لم يباشر نفس موضع البول، بل الأرض المشتبهة، وما باشر المشتبه المحصور طاهر.

والملازمة بين التطهير والطهارة ممنوعة أوّلاً، أو نسلّمه لكن فيما تسبق نجاسة الماء لحالة التطهير ثانياً، أو القول بها للدليل من سيرةٍ أو إجماعٍ ثالثاً، أو الحكم باقتران التطهير للتنجيس آناً واحداً رابعاً.

على أنّ في رواية(4)العيص دلالةً على انفعال ماء الغسالة.

الثانية: يطهر القليل النجس إذا لم يكن متغيّراً باتّصاله بالكثير

يطهر القليل النجس إذا لم يكن متغيّراً باتّصاله بالكثير، سواء كان متساوي السطوح مع الكثير أم كان أعلى، وسواء امتزج به أو لم يمتزج، وسواء أُلقي عليه الكثير إلقاءٌ من فوقٍ أو نزّ عليه من تحت وسواء كان الإلقاء دفعةً أو تدريجاً، كلّ ذلك لعموم


1) تقدّم تخريجها في ص 49، الهامش (3).

2) المسائل الناصريات: 72، المسألة 3.

3) تقدم تخريجها في ص 49، الهامش (11).

4) وسائل الشيعة 1 215 الباب 9 من أبواب الماء المضاف.... ح 14.

أدلّة طهوريّة الماء، وأصالة عدم اشتراط شيء آخَر من إلقاءٍ أو امتزاجٍ أو دفعة؛ لسريان الطهارة من كلّ جزء إلى الجزء الآخَر من الماء، ولصيرورتهما ماءً واحداً عرفاً، فلا يكون بعضه طاهراً وبعضه نجساً، كما هي القاعدة المأخوذة من الاستقراء.

نعم، لو كان الكثير أسفل تسنيماً أو تسريحاً لم يؤثّر تطهيراً في الأعلى؛ لضعف السافل عن رفع نجاسة الأعلى، كما يضعف السافل عن سريان النجاسة منه إلى الأعلى في جميع المائعات؛ لأنّ السراية على خلاف الأصل، لأصالة الطهارة.

نعم، في المتساوي المائع تتحقّق السراية؛ لصدق أنّه ماء لاقته النجاسة مع قابليّة كلّ جزءٍ منه لتنجيس الجزء الآخَر، مع قابليّته للانفعال دفعةً،بخلاف السافل مع العالي، وبخلاف الجامد من المائعات، كالشحم والعسل في الشتاء؛ فإنّه و إن أمكن أن يقال: إنّ كلّ جزءٍ منه لاقى جزءاً آخَر رطباً فينجّسه، لكنّه مشكوك بقابليّته للانفعال فيه، لمنع كلّيّة هذه المقدّمة في مفروض المسألة؛ لأنّ عمدة دليلها الإجماع، وهو غير متحقّقٍ في مفروض المقام.

وعلى كلّ حال فمشترط الدفعة، أو مشترط الإلقاء من فوقٍ، أو مشترط الامتزاج، أو مشترط الفوقيّة أو المساواة لإخراج النابع من تحت- كما يظهر من عباراتهم - لا نقول به.

ولا يطهر القليل باتّصاله بالقليل وإن علا الطاهر عليه لانفعال كلّ ما يصل إليه من الماء القليل ؛ ولأنّ المتيقّن من تطهير الماء هو اتّصال ما لا ينفعل به من مادّةٍ وكُرٍّ وشبههما ، كما تشير إليه الأخبار.

وأمّا القليل فلمّا كان شأن التطهير به نفوذ ماء الغسالة من المتطهّر به وكان ذلك غير ممكن في الماء، فلم يكن القليل حينئذٍ قابلاً لتطهير الماء، بل كان الغالب عليه النجاسة؛ لانفعاله وتنجّسه، فلا يحصل التطهّر به حتّى على القول بطهارة الماء القليل ؛ فإنّ القائل بطهارته لا يلتزم بلابدّيّة تطهيره للماء النجس. نعم، يلتزم بوجود ماء بعضُه طاهر وبعضُه نجس.

وأوجب بعضٌ (1)إلقاء الكُرّ دفعةً لتطهير الماء؛ لأنّه المتيقّن، ولروايةٍ مرسلة (2). ونُسب(3)لمشهور المتأخرين.


1) مثل: المحقق في شرائع الإسلام 1: 4 ؛والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 186.

2) أوردها المحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 133.

3) الناسب هو الشهيد الثاني في الروضة البهيّة 1 : 32؛ ومسالك الأفهام 1 : 14.

و هُما ضعيفان لا يصلحان سنداً لمطلوبهم، سواء فُسّرت الدفعة بوقوع الماء علی الماء. دفعةً واحدة عرفيّة، بمعنى أنّه لا ينزل تدريجاً، أو فُسّرت بوقوع الماء على الماء متواصلاً حتّى يتمّ كُرّاً، بمعنى أنّه لا ينقطع في الأثناء بحيث يكون وقوعه دفعات؛ فإنّا لا نوجبها بكلا المعنيين؛ لكفاية الاتّصال بالكُرّ عندنا.

نعم، لو أُلقي شيء من الكُرّ وعند نزول ذلك الشيء انقطع اتّصاله بالكُرّ قبل اتّصاله بالماء النجس، لم يكن مفيداً للتطهير، وكان نجساً عند وقوعه على الماء النجس؛ لأنّه ماء قليل لاقى نجساً.

ويظهر من بعضهم(1)وجوب الإلقاء من فوقٍ، فلا تكفي المساواة بين الماءين. وهو أبعد من سابقه.

ويظهر من آخَرين(2)وجوب المساواة أو الفوقيّة، فلا يكفي النبع من تحت، ولا يكفي(3)الرشح وإن كان دفعةً. وهو بعيد أيضاً.

و ذهب بعض(4)إلى اشتراط الامتزاج بين الماء الطاهر والماء النجس(5)لأنّهما مع عدمه ماءان، فيلحق كلٌّ منهما حكمه استصحاباً.

ولأنّ شأن التطهّر(6)في الماء نفوذه فيما يطهّره، وليس هنا إلّا الامتزاج.

ولأنّ سراية الطهارة من جزء إلى آخَر خلاف الأصل كسراية النجاسة، إلّا أنّه قام الدليل على أنّ النجاسة متى حلّت في ماءٍ قليل أو مضاف نجست جميعه، ولم يعلم أنّ ذلك من جهة السراية أو من جهة التعبّد، ولم يقم إجماع على أنّ طهارة البعض تسري إلى طهارة المجموع.

ولأنّه مع عدم الامتزاج يجوز اتّصاف ماءٍ واحد بأنّ بعضه نجس وبعضه طاهر، ولا دليل على منع ذلك.

ولعدم عموم أدلّة طهوريّة الماء لجميع كيفيّات التطهير وأحواله حتّى أنّه ينقطع استصحاب النجاسة، كما أنّه لا عموم فيه لتطهير جميع أفراد المتنجّسات.

وكونه في سياق الامتنان إنّما يقضي بعموم الماء لجميع أفراده من حيث قابليّته للتطهير،


1) راجع قواعد الأحكام 1 186.

2) راجع تذكرة الفقهاء : 23 والدروس الشرعيّة 1: 119؛ وجامع المقاصد 1: 115.

3) « يكفي » لم ترد في « ق » .

4) في «ج، ن»: «جمع» بدل «بعض».

5) ذكرى الشيعة 1: 85؛ الحدائق الناضرة 336:1

6) في «ق»: «التطهير».

ولا يقضي بعموم أفراد المتطهّر به وكيفيّات التطهير، ولم يقم دليل خاصّ على أنّ الماء يطهّر الماء، فكان بمقتضى القاعدة بقاؤه على النجاسة كغيره من المائعات، ولا يطهر إلّا بالاستهلاك ولكنّا خرجنا عن القاعدة مع الامتزاج للإجماع، فبدونه يبقى (1)على القاعدة، ولأنّه ورد أنّ«الماء يطهِّر ولا يطهَّر »(2)، خرج من ذلك مع الامتزاج وبقي غيره تحت الرواية.

هذا المذهب قويّ في النظر، إلّا أنّه لا يخلو عن نظر؛ لأنّ الناظر في أخبار الحمّام- الدالّة على أنّ ماءه كالجاري يطهِّر بعضه بعضاً، وأنّه لا ينجّسه شيء لأنّ له مادّة(3)، وغير ذلك - يجد أنّ للماء خصوصيّةً من دون باقي المائعات في التطهير، وأنّه يكفي فيه مجرد الاتّصال، وأنّه لا يفتقر إلى نزوله من فوق، أو إلى وقوع الكُرّ على الماء النجس دفعةً، وأنّ اتّصال أجزاء الماء بعضها ببعض قاضٍ بالتطهير دفعةً واحدة، كما تقضي بالتنجيس، بل هو امتزاج بالحقيقة؛ لامتزاج كلّ جزء بالجزء المتّصل به، وهكذا ، وأنّ اتّصاف ماءٍ واحد بأنّ بعضه طاهر وبعضه نجس في محلّ واحد غير ممكن؛ لأنّه إمّا أن يغلب الطاهر فيطهّر بعضه بعضاً، أو يغلب النجس فينجس الطاهر، كالماء القليل، ولا قائل بالثاني في الكثير، وأنّ اتّصال القليل بالكثير يصيّر هما ماءً واحداً عرفاً، فيدخل تحت قوله(عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم يحمل خبثاً، ولم ينجّسه شيء»(4)، ولا يكون ماءً واحداً بعضُه طاهر وبعضه نجس، كما يشهد به الاستقراء لموارد الأخبار وكلام الأخيار.

وعلى ما ذكرنا فيطهّر الماء القليل باتّصاله بالكثير وإن لم يغلب طعم الكثير عليه ولم تخالطه أجزاء منه بيّنة فيه.

ولا يتفاوت بين وضعه في الكثير- كقارورة فيها ماء حلو توضع في كُرّ مالح بحيث لم يتغيّر طعم الحلو - وبين وضع الكُرّ عليه.

ولا يشترط زيادة المطهِّر على الكُرّ على جميع الأقوال المتقدّمة بناء على اعتصام السافل بالعالي وكونهما ماءً واحداً عرفاً.


1) في «ق»: «بقي».

2) وسائل الشيعة 1: 133 - 135 الباب 1 من أبواب الماء المطلق، ح 3، 6و7.

3) المصدر 1: 148 - 150 ، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، ح 1، 4 و 8 .

4) المصدر: 158 و 159 الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 1، 2، 5 و 6.

نعم، على القول بعدم الاعتصام يلزم اشتراط الزيادة على الكُرّ بقدر ما يجري منه إلى الماء القليل إذا كان أسفل منه، أو كانا في محلّين متغايرين وقلنا بعدم اعتصام ما بينهما بالطاهر؛ لتعدّد المحلّ.

ولكنّا لا نقول بشيء من ذلك؛ لقوله(عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كُرّ لم يحمل خبثاً»(1).

الثالثة: هل يطهر القليل بإتمامه كُرّاً من ماءٍ طاهر أو ماءٍ نجس؟

لا يطهر القليل بإتمامه كُرّاً من ماءٍ طاهر أو ماءٍ نجس؛ للاستصحاب، والشكّ في كون بلوغ الكُرّيّة من المطهّرات وللأخبار الناهية عن غسالة ماء الحمّام(2)، ولأنّ كل قليل ينجس عند ملاقاة النجس، فيحتاج للتطهير(3)، فلا يؤثّر فيه إتمامه كُرّاً.

وذهب جمعٌ(4)، إلى طهارته بإتمامه كُرّاً من ماءٍ طاهر، وآخَرون إلى طهارته بإتمامه مطلقاً(5). ونقل عليه الإجماع(6)، واستند لرواية: «لم يحمل خبثاً»(7)وإلى أنّ الماء قد قوي بعد الاتّصاف بالكُرّيّة فيرفع عن نفسه ذلك، كما أنّه يدفعه، وإلى أنه لو لم يحكم بالطهارة لما حكم بطهارة ماءٍ وُجد فيه نجاسة؛ لاحتمال سبقها على الكُرّيّة.

وفيه: أنّ الإجماع ممنوع؛ للانفراد بنقله، ومصير الأكثر إلى خلافه. والرواية ظاهرة في الرفع بعد طهارته لا في الدفع بعد نجاسته، كما يقال: «فلان لا يحمل الضيم». على أنّها مرسلة. ونقل الإجماع على مضمونها لم يثبت- كما ذكرنا - إن لم يثبت العدم. وقياس الرفع على الدفع قياس مع الفارق؛ لنقصان قوّة الدفع عن الرفع بعد حصوله قطعاً. والحكم بطهارة الماء الواقع فيه نجاسة عند الشكّ في وقوعها إنّما كان لأصالة الطهارة، لا لطهارة الماء المجتمع من النجس.

الرابعة: لا يطهر الكُرّ إذا كان نجساً إلّا باتّصاله بجارٍ أو ماء مطر أو كُرّ آخَر

لا يطهر الكُرّ إذا كان نجساً إلّا باتّصاله بجارٍ أو ماء مطر أو كُرّ آخَر، سواء وقع عليه، أو وقع هو عليه، أو اتّصلا فقط، وسواء كان الوقوع دفعةٌ أو تدريجاً، وسواء امتزج به أو لم يمتزج؛ لظاهر أخبار الحمّام الدالّة على أنّ المادّة رافعة لنجاسة الماء الذي


1) مستدرك الوسائل 1: 198 الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 6.

2) وسائل الشيعة 1: 218، الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل.

3) في «ق»: «إلى التطهير».

4) منهم: ابن حمزة في الوسيلة: 73.

5) رسائل الشريف المرتضى 2 361، المسألة 17؛ المراسم: 36 المهذب :1 23: الجامع للشرائع: 18؛ السرائر 1: 63.

6) السرائر 66:1

7) تقدّم تخريجها في ص 55، الهامش ( 4 ).

تحتها ودافعةٌ لها مطلقاً، ولصيرورة الماءين ماءٌ واحداً ، والمفهوم من الاستقراء عدم اتّصاف ماء واحد بنجاسة بعضٍ وطهارة آخر.

نعم، لو كان الكُرّ الطاهر أسفل من الكُرّ النجس بتسنيم وكان الكُرّ النجس جارياً عليه، لم يؤثّر فيه تطهيراً؛ لعدم قوته وقاهريّته، وشرط المطهّر القوّة والقاهريّة -كما هو المتيقّن من الأخبار وكلام الأصحاب - وإن سُمّي الماء ان ماءٌ واحداً، كما أنّ الكُرّ المجتمع من الماء الأعلى والأسفل إذا بلغ مقدار كُرّ لا يعصم نفسه إلّا إذا وقعت النجاسة في أسفله، فلو وقعت في أعلاه تنجّس الأعلى وإن سُمّي ماءً واحداً؛ لضعف اعتصامه بالسافل.

ولا يطهر الكُرّ النجس لنفسه عند زوال التغيّر عنه- كما ذهب إليه جمعٌ(1)؛ لعموم قوله(عليه السلام): «لم يحمل خبثاً»(2). ولقوّته في الرفع كقوّته في الدفع - لما ذكرناه من ضعف الرواية سنداً ودلالةً على المطلوب، ومن أنّ قياس الرفع على الدفع قياس مع الفارق.

الخامسة: لو جمد الكُرّ، كان كسائر الجامدات ينفعل بالملاقاة، ولا تسري نجاسته إلى جميعه

لو جمد الكُرّ، كان كسائر الجامدات ينفعل بالملاقاة، ولا تسري نجاسته إلى جميعه؛ لجموده، ولأصالة عدم السراية.

ولو ذاب بعضه دون بعضٍ جرى على الذائب حكم الماء المنفرد من القلّة والكثرة، وعلى الجامد حكم الجامد.

وهل يطهر الجامد بغَسله في الماء القليل أو لا يطهر؟ وجهان، أقواهما: الطهارة.

السادسة: لو وجد في الكُرّ نجاسة شكّ في زمن وقوعها أنّها بعد حصول الكُرّيّة أو قبلها

لو وجد في الكُرّ نجاسة شكّ في زمن وقوعها أنّها بعد حصول الكُرّيّة أو قبلها، فالأصل طهارة الماء وإجراء أحكام الطاهر عليه؛ لتعارض أصلَي تأخّر كلٍّ من وصفي وقوع النجاسة وبلوغ الكُرّيّة عن الآخَر وتساقطهما، وبقاء أصل الطهارة سليماً عن المعارض.

ويحتمل ضعيفاً الحكم بالتنجيس؛ لأصالة انفعال الماء إلّا مع البلوغ كُرّاً، وهو مشكوك فيه، والأصل عدمه، ولأنّ الكُرّيّة شرط لعدم الانفعال، والأصل عدم حصول الشرط.

ويحتمل احتمالاً موافقاً للاحتياط أنّه إن علم تاريخ النجاسة حكم بتأخير بلوغ الكُرّيّة

عنها فيُحكم بالنجاسة، وإلّا فيُحكم بالطهارة.


1) منهم: يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 18.

2) راجع الهامش (4) من ص 55

والأقوى الأوّل؛ لقوّة أصل الطهارة الشرعيّة والعقليّة، استصحاباً وبراءةً.

ولو وجدنا في ماءٍ نجاسةٌ و شُكّ في نقصانه عن الكُرّ بعد حصول وصف الكُرّيّة له، فلا شكّ في الحكم بطهارته؛ للأصل والاستصحاب.

ولو شكّ في كُرّيّته ابتداءً، احتُمل الحكم بطهارته وإن كان الأصل عدم حصول وصف الكُرّيّة؛ لأصل الطهارة الشرعيّ والاستصحاب والبراءة.

واحتُمل الحكم بتنجيسه مطلقاً؛ لأنّ أصالة عدم الكُرّيّة أصل موضوعيّ، فهو حاكم على الأصل الحكميّ ومثبتٌ للوازمه.

واحتُمل الحكم بتنجيسه بالنسبة لاستعماله في الطهارات، دون الأكل والشرب؛ لأصالة الشغل فيها.

واحتُمل الحكم بتنجيسه بالنسبة إليهما أيضاً، دون تنجيس ما باشره؛ لاستصحاب طهارة المباشر، فهو نجس لا ينجّس.

واحتُمل وجوب اختباره عند وجوب استعماله للتطهير أو الأكل أو الشرب.

وخير الوجوه: الحكم بنجاسته مطلقاً.

السابعة: عدم انفعال الكُرّ شامل لكلّ ماء مطلق، بأيّ مكان كان

عدم انفعال الكُرّ شامل لكلّ ماء مطلق، بأيّ مكان كان من غدير أو حوض أو آنية أو قِربة أو غير ذلك؛ لعموم أدلّة عدم الانفعال الناشئ من ترك الاستفصال في أكثر الأخبار.

وما في بعض الأخبار(1)من السؤال عن الغدران لا يخصِّص الباقي. ودعوى انصراف ما في الأخبار إلى مياه الغدران ونحوها دون الحياض والأواني ممنوعة.

نعم، ماء الغدران أكثر وجوداً، والأكثريّة لا تستلزم انصراف الإطلاق إليها، على أنّ الأخبار خارجة مخرج القاعدة، فلا تنصرف إلى المسؤول عنه ولا إلى الأكثر وقوعاً.

وقد ورد في خصوص الحياض التي بين مكّة والمدينة رواية(2)تقضي بأنّ حكم الحياض حكم غيرها، كما هو فتوى المشهور، وعليه عمل الجمهور، ولا قائل بالفصل بينها وبين الأواني.


1) وسائل الشيعة 1: 159، 161، 163 ، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 5، 11 و 14.

2) المصدر: 162 ، ح 12.

وذهب جمعٌ(1)إلى نجاسة الكُرّ في الحياض والأواني، وكأنّه استند إلى ترك الاستفصال في الحكم بنجاسة ماء الأواني عند وقوع النجاسة فيها، كما ذكرنا ذلك في أدلّة نجاسة الماء القليل.

وهو ضعيف؛ لانصراف مياه الأواني في السؤال والجواب إلى الأقلّ من كُرّ، كما هو المعهود إطلاقاً ومصداقاً؛ لندرة بلوغ ماء الأواني كُرّاً وبلوغ نفس الآنية قدر كُرّ قطعاً.


1) منهم: المفيد في المقنعة : 64؛ وسلار في المراسم: 36.

بحث في أحكام الماء الكرّ

اشارة

يدور اسم الكُرّ مدار وحدة الماء عرفاً، فكلّ ماءٍ صدق عليه أنّ قدره كُرٌّ كان رافعاً ودافعاً.

والظاهر أنّه يكفي في صدق الوحدة اتّصال الماء بعضه مع بعضٍ اتّصالاً ظاهراً أو خفيّاً، من بلبلة أو ساقية رفيعة أو أُنبوبة أو غير ذلك.

ولا يتفاوت الحال بين تعدّد الإناءات وعدمه، فلو وصل بين إناءات متعدّدة- من حبوب أو قِرَب أو غير ذلك، من صغار أو كبار - ولو بواصلٍ ضيّق، كان كافياً في ثبوت الوحدة.

كما أنّه لا يتفاوت الحال بين استواء سطوح الماء وبين عدمه، ولا في العالي والسافل بين كون العلوّ تسريحيّاً أو تسنيميّاً.

ولكنّ الذي يقوى في النظر أنّه مع الحكم بالاتّحاد يشترط في اعتصام بعضه ببعضٍ قوّة المعتصم، بحيث يساويه في السطوح أو يعلو عليه أو يكون أسفل منه تسريحيّاً أو تسنيميّاً لكنّه ساكن.

فلو أصابت السافل أو المساوي نجاسة لم ينفعل الماء؛ لانقهاره بالعالي المتمّم له كُرّاً.

ولو أصابت العالي الجاري إلى السافل نجاسة، لم يعتصم بالسافل إذا كان السافل تسنيميّاً؛ لضعفه عن عصمة العالي؛ لانقهاره به كما أنّه في الرفع بعد حصول النجاسة لو تواصل الماءان كان العالى عند بلوغه كُرّاً رافعاً لنجاسة ما تحته وكذا المساوي والمنحدر، والسافل غير رافع لنجاسة ما فوقه إذا كان ما فوقه جارياً إليه.

نعم، لو كان ما فوقه ساكناً غير واقع عليه اعتصم به أيضاً.

فعلى ذلك كلّ سافلٍ يعتصم بالعالي في الدفع ويتقوّى به، ويتأثّر بالعالي في الرفع ويطهّر به إذا كان العالي معصوماً، والعالي إذا كان واقعاً على السافل لا يعتصم به في الدفع ولا يتأثّر به في الرفع.

ودعوى أنّ القول بوحدة الماء مستلزم لاعتصام كلٍّ منهما بكلٍّ منهما؛ لأنّه داخل في عموم: «إذا بلغ الماء قدر كُرّ لم يحمل خبثاً»(1)، ومستلزم لتطهير كلٍّ منهما لكلٍّ منهما إذا كان المطهّر معصوماً؛ لاستحالة اتّصاف ماءٍ واحد بأنّ بعضه طاهر وبعضه ،نجس، فلا معنى للتفرقة، مردودة: بأنّ المتبادر من أدلّة اعتصام الكُرّ بعضه ببعضٍ كونه متساوي السطوح أو مجتمعاً في مكانٍ واحد أو في مكانين لا يضعف أحدهما عن عصمة الآخَر، والسافل ضعيف عن عصمة العالي، كما أنّه في الرفع لا تكفي وحدة الماء فقط، بل لا بدّ من قوّة المطهّر وقاهريّته، والأسفل عند جريان الأعلى إليه يكون مقهوراً، فلا يؤثّر به رفعاً.

وكون الماء الواحد لا يصير بعضه طاهراً وبعضه نجساً مسلَّم في المجتمع في مكانٍ واحد عرفاً، لا مطلقاً.

ويظهر من جمعٍ من أصحابنا(2)الحكم بتعدّد الماءين عند اختلاف السطوح بالتسنّم أو مطلقاً، فعلى ذلك لا يعتصم أحدهما بالآخَر في الدفع ولا يؤثّر فيه في الرفع إلّا إذا كان العالي معصوماً ووقع على السافل، فإنّه يعصمه ويرفع عنه النجاسة، لا لكونهما ماءٌ واحداً، بل لكون العالي مطهّراً وعاصماً إذا كان معصوماً؛ للدليل الدالّ على ذلك من أخبار الحمّام وشبهها المشتملة على التعليل بالمادّة، والمشبّهة بالجاري(3).

بحث فی تقدیر الکرّ وزناً

الكُرّ من الماء ما بلغ وزنه ألفاً ومائتي رطل، والخليط الغير المعتاد لا يحتسب من الوزن على الأقوى والأظهر؛ لفتوى المشهور، وعمل الجمهور، والخبر المعتبر(4)المنزَّل منزلة الصحيح على المذهب الصحيح؛ لأنّ مراسيل ابن أبي عمير منزّلةٌ منزلةَ الصحاح إذا صحّ إليه السند، وللإجماع المنقول(5)كما يظهر من الفحول .


1) راجع الهامش (4) من ص 55

2) منهم: الشهيد في الدروس الشرعية 1: 119؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 115.

3) وسائل الشيعة 1: 148 و 149، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، ج 1، 4.

4) المصدر: 167، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

5) الانتصار: 85، المسألة 1؛ غنية النزوع 46:1.

والمراد بالرطل الرطل العراقي، كما نُسب لفتوى المشهور(1)، ونُقل عليه الإجماع(2).

ولأن الراوي عراقيّ، وكذا السائل، بقرينة رواية ابن أبي عمير عنه، وكونه من أصحابه، فيُحمل اللفظ على اصطلاحه؛ لأنّ الظاهر من حال المتكلّم العالم بتعدّد الاصطلاح المريد للبيان الجري على اصطلاح المخاطب للتفهيم، إلّا مع نصب قرينة على إرادة اصطلاحه، أو علمه بعلم المخاطب باصطلاحه، وحمل اللفظ من المخاطب عليه، وكلاهما الأصل عدمه؛ لأصالة عدم القرينة، وعدم علم المخاطب باصطلاح المتكلّم.

ودعوى أنّ الأصل في الكلام حمل اللفظ على اصطلاح المتكلّم؛ لأنّ استعماله في اصطلاح المخاطب مجاز لا يصار إليه، مسلّمة فيما إذا علم كلٌّ منهما باصطلاح الآخَر، وعلم كلٌّ منهما بعلم الآخَر بالتعدّد أو إذا لم يعلم المتكلّم بتعدّد الاصطلاح أصلاً، وممنوعة عند جهل المخاطب بالتعدّد؛ لأنّ وظيفة الشارع البيان.

كما أنّ دعوى استعمال اللفظ على اصطلاح المخاطب مجاز، ممنوعة أيضاً؛ لأنّ تنزيل المتكلّم نفسه منزلة المخاطب في الاصطلاح لا يصيّره مجازاً على الأظهر.

ويدلّ على أنّ المراد بالأرطال الأرطال العراقيّة ورود الصحيح بأنّه ستّمائة رطل(3)، بحمله على المكّيّة؛ لأنّه ضِعْف العراقي، وهو خير من طرحها؛ ولما قيل: إنّ محمّد بن مسلم طائفيّ(4)، وإشعار بعض الروايات(5)بإرادة العراقي من الرطل في كلام الإمام(عليه السلام)مطلقاً، وفهم المشهور أيضاً، فإنّ فهمهم معيِّن لأحد فردي المشترك؛ لوجوب اتّباع الظنّ في موضوعات الألفاظ، وعدم معلوميّة كون السؤال بالمدينة كي يرجّح الحمل على المدني، وأنّ الكُرّ في الأصل مكيال لأهل العراق.

وذهب المرتضى(6)وجمعٌ(7)إلى أنّ الأرطال هي الأرطال المدنيّة، وهو رطل ونصف بالعراقي؛


1) نسبه إلى المشهور الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 1: 265.

2) كشف الرموز 48:1.

3) وسائل الشيعة 1: 168، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، ح 3.

4) قاله الشيخ الطوسي في رجاله: 135، الرقم 1، من أصحاب الباقر(عليه السلام).

5) وسائل الشيعة 203:1 - 204 ، الباب 2 من أبواب الماء المضاف..... ح 2.

6) الانتصار: 85، المسألة 1.

7) منهم الصدوق في الفقيه 1: 6 ووالده كما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 23، المسألة 5.

لأنّ المسؤول مدنيّ، والظاهر الحمل على اصطلاحه، وللاحتياط، وللإجماع المنقول(1)منه، ولقربه لرواية(2)الأشبار(3)المشهورة.

وفيه نظر؛ لأنّ عرف السائل مقدّم هنا على عرف المسؤول؛ لما ذكرنا؛ والإجماع ممنوع؛ لمصير المشهور إلى خلافه، ومعارضته بمثله. والاحتياط معارض بمثله كذلك في كثير من الموارد.

على أنّ الأصل - شرعاً وعقلاً - الطهارة، وغاية ما خرج منه ما ليس بكُرٍّ قطعاً، فالمشكوك به على أصل الطهارة.

وهذا وإن لم يَخْلُ عن نظرٍ؛ لأنّ الأخبار(4)دلّت على أن الكُرّ لا ينفعل والأقلّ منه ينفعل، فالمشكوك فيه ممّا يقضي الأصل بعدم كُرّيّته، فيُحكم عليه بالنجاسة، لكنّه يصلح أن يكون مؤيّداً، كما يصلح أن يكون مؤيّداً أصالة عدم زيادة الكُرّ و عدم سعته وكثرته، ولا يصلح أن يكون دليلاً؛ لأنّ الأصل لا يجري في معرفة الموضوعات اللفظيّة.

وأمّا قربه من رواية الأشبار فهي وإن صلحت للتأييد لكنّها لا تعارض ما قدّمناه.

والرطل عبارة عن مائة وثلاثين درهماً؛ وفاقاً للمشهور، والاحتياط، وعليه شهرة الفتوى والنقل.

والدراهم كلّ عشرة سبع مثاقيل شرعيّة، والمثقال هو الذهب الصنمي الدينار، فالرطل واحد وتسعون مثقالاً شرعيّاً. والخليط المعتاد في الوزن يحتسب في الوزن.

وذهب العلّامة(رحمۀ الله علیه)إلى أنّ الرطل مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم(5)، فيكون عبارة عن تسعين مثقالاً.

والأوّل أقوى ، لقوّة الأخذ بالمشهور في الموضوعات اللغويّة ؛ ولمكاتبة الهمداني لأبي الحسن(عليه السلام)(6).


1) الانتصار: 85، المسألة 1.

2) في «ق»: «من رواية».

3) وسائل الشيعة 1: 164 - 166 ، الباب 10 من أبواب الماء المطلق.

4) المصدر : 158، الباب 9 من أبواب الماء المطلق.

5) تحرير الأحكام 1: 374 ، الرقم 1258؛ منتهى المطلب 8: 194.

6) وسائل الشيعة 9 340 الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، ح 1.

بحث فی تحدید الکُرّ مساحۀً

وللكُرّ حدّ بالمساحة، والأقوى فيها أنّه ما بلغ ثلاثة أشبار طولاً في مثلها عرضاً في مثلها عمقاً، فالمجموع من مساحته سبعة وعشرون شبراً، كما ذهب إليه القمّيّون(1)لقربها من رواية الأرطال(2)على المذهب المشهور ، وقربه من رواية الحبّ(3)والقلّتين (4)وأكثر راوية(5)، وأقربيّنه للجمع بين الروايات بحمل الزائد على الاستحباب.

ولصحيحة إسماعيل بن جابر: «الكُرّ ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار»(6)الظاهرة في مخاطبات أهل العرف في إرادة بيان الأبعاد الثلاثة، وأنّ ترك البُعْد الثالث للاختصار، وقد ورد كثيراً مثله في العرف واللغة.

وورودها بطريقين في أحدهما محمّد بن سنان غير ضائر؛ لاشتمال الأُخرى على عبدالله ولا كلام فيه، ولوثاقة محمّد بن سنان على الأظهر.

والقول باشتباه عبد الله بمحمّد في الثانية ليس بأولى من القول باشتباه محمّد بعبد الله في الثانية. وتوسّط كلٍّ منهما بين ابن خالد وابن جابر جائز؛ لاستوائهما في الطبقة.

ولرواية المجالس(7)، المصّرحة بما اخترناه.

و لصحيحة ابن جابر(8)، الأُخرى المصرّحة بأنّ الكُرّ ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته؛ بناءً على أنّ الذراع شبران، كما يلوح من أخبار المواقيت(9)، وبناءً على أنّ المراد بـ«السعة» هي قُطر المستدير، كما هو الظاهر من لفظ السعة، ومن أنّ المتعارف استدارة الكُرّ؛ لأنّه مكيال زمن الصدور لأهل العراق، فإذا ضرب نصف القطر- وهو واحد ونصف - بنصف المحيط - وهو


1) حكاه عنهم ابن إدريس في السرائر 1: 60 - 61.

2) وسائل الشيعة 1 167 ، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

3) المصدر: 166، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، ح 7.

4) المصدر، ح 8.

5) المصدر: 140 الباب 3 من أبواب الماء المطلق، ح 9.

6) المصدر : 159 - 160، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 7.

7) أمالي الصدوق: 514، المجلس 93.

8) وسائل الشيعة 1: 164 ، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

9) راجع المصدر :1404 الباب 8 من أبواب المواقيت.

أربعة ونصف؛ لأنّ كلّ قطر في المستدير ثلث المحيط به - بلغ ستّة وثلاثة أرباع، فإذا ضربت في أربعة العمق حصل المكسّر سبعة وعشرون شبراً.

ولقربه من رواية أبي بصير(1)، الدالّة على القول المشهور عند حملها على خلاف ما ذهبوا إليه من بيان الأبعاد الثلاثة من إرادة بيان الشكل المستدير في الضرب، فيكون القطر ثلاثة ونصف، والعمق كذلك، ويكون الحاصل من ضرب نصف القطر- وهو واحد وثلاثة - في نصف المحيط - وهو خمسة وربع - والمجموع في ثلاثة ونصف ثلاثةً وثلاثين تقريباً لا تحقيقاً.

وإبقاء صحيحة إسماعيل ورواية أبي بصير على ما فهمه كثير من الأصحاب منهما يؤدّى إلى إرادة الستّة والثلاثين شبراً في الأُولى، واثنين وأربعين شبراً وسبعة أثمان في الثانية، ولا قائل بالأوّل، ولا مقاربة لسائر الأخبار في الثاني.

وذهب المشهور -على النقل المشهور(2)- إلى أنّ الكُرّ ما بلغ مكسّره اثنين وأربعين شبراً وسبعة أثمان. ونُقل عليه الإجماع (3). وهو الأوفق بالاحتياط.

واستدلّ عليه برواية أبي بصير: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الأرض فذلك الكُرّ من الماء»(4).

ورواية الحسن بن صالح الثوري في تحديد(5)الكُرّ في البئر: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها ثلاثة أشبار ونصف عرضها»(6).

وتحصيل الشهرة المحقّقة لم يثبت، ومنقول الإجماع مع معارضة فتوى الأساطين لا يفيد الظنّ، والاحتياط يفيد الاستحباب لا الإيجاب.

والرواية الأخيرة ظاهرة في الشكل المستدير كما هو في شكل البئر، والرواية الأُولى لا تخلو من ضعفٍ في السند والدلالة.


1) وسائل الشيعة 1: 166، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، ح 6.

2) الحدائق الناضرة 1: 261

3) غنية النزوع 46:1.

4) تقدّم تخريجها في الهامش (1).

5) في «ق»: «تقدیر» بدل «تحديد».

6) سائل الشيعة 1: 160 ، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 8.

أمّا الأوّل: فلاشتمالها على أحمد بن محمّد بن يحيى، وهو مجهول، وعثمان بن عيسى وهو واقفي، وأبي بصير، وهو مشترك بين الثقة والضعيف.

وهذا وإن أمكن الجواب عنه بأنّ أحمد بن محمّد بن يحيى قد وقع في التهذيب(1)كذلك، ولكنّه في الكافي(2)- وهو أضبط - محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، والظاهر أنّه أحمد بن محمّد بن عيسى؛ لروايته عن عثمان بن عيسى مكرّراً، ورواية محمّد بن يحيى العطّار عنه كذلك، أو محمّد بن خالد؛ لروايته عنه أيضاً، وكلاهما ثقة، فتُحمل رواية التهذيب على التصحيف.

وأمّا عثمان بن عيسى فهو وإن كان واقفيّاً إلّا أنّه قد نقل الشيخ(رحمۀ الله علیه)الإجماعَ على العمل بروايته ورواية أمثاله(3)، ونُقل عن الكشّي قولٌ بأنه من أهل الإجماع(4)، فيكون خبره حجّةٌ، على أنّه مجبور بالشهرة المنقولة.

وأمّا أبو بصير فالظاهر أنّه ليث المرادي بقرينة رواية ابن مسكان عنه مكرّراً، والظاهر أنّه عبد الله، وهي قرينة في تعيين المشتركات.

ولا يضرّ ما نقل بعضهم من أنّ ابن مسكان قد نقل عن أبي بصير يحيى بن القاسم(5)لأنّه لو سُلّم فهو من النادر. وعبد الله بن مسكان من أهل الإجماع.

على أنّه نقل بعض العلماء أنّ أبا بصير مشترك بين ثلاثة كلّهم ثقات(6).

ولكنّه مع ذلك يؤثّر ضعفاً في الرواية عند التعارض والترجيح بين الأدلّة.

وأمّا الثاني: فلظهور الرواية في الدوري ؛ لعدم اشتمالها على البُعْد الثالث، وهو مشعر ببيان الشكل المستدير دون غيره ، كرواية الحسن بن صالح المتقدّمة(7)، فيكون الحاصل من ضرب نصف القطر- الذي هو ثلث المحيط - بنصف المحيط والمجموع في العمق اثنين وثلاثين وثمن وربع ثمن.


1) تهذيب الأحكام 1: 42، ح 116.

2) الكافي 3: 3، ح 5

3) عدة الأصول 1: 150.

4) اختيار معرفة الرجال: 556، ح 1050.

5) حكاه الشيخ محمد ( حفيد الشهيد الثاني) عن والده في استقصاء الاعتبار 1: 97.

6) الوحيد البهبهاني في الحاشية على مدارك الأحكام 1: 96

7) تقدمت في ص 65.

وما تكلّفه بعضهم من أنّ الرواية قد اشتملت على الأبعاد الثلاثة؛ لظهور مثل هذا الخطاب في بيان الثلاث وإن ترك الثالث(1)، مدفوع بأنّ ذلك في الضرب المجرّد عن ذكر بعض الأبعاد كثلاثة في ثلاثة لا الضرب المشتمل على أحدها، كقوله: «في عمقه في الأرض» فإنّ الظاهر اشتماله على بُعْدين، أحدهما: العمق؛ لأنّ «في عمقه» نعت لـ «ثلاثة» أو حال من «مثله» وثانيهما: إمّا الطول أو العرض، فيكون مجملاً، ويسقط معه الاستدلال، أو واحد يقوم مقامهما وهو القطر، وهو الأقرب في أمثال هذه المقامات فلا يصلح أن يكون دليلاً لهم، بل هو قريب لقولنا.

وكذا ما تكلّفه آخَرون(2)منهم: الشيخ البهائي في الحبل المتين: 108.(3)في بيان أنّه مشتمل على الأبعاد الثلاثة: من أنّ تأدية الطول والعرض في قوله: «في مثله» وتأدية العمق في قوله: «ثلاثة» إلى آخره، ومن أنّ إرجاع الضمير في «عمقه» إلى المقدار، فيكون المعنى في عمق ذلك المقدار في الأرض» فيؤدّي قدر الأبعاد الثلاثة، كلاهما بعيد عن سوق الخطاب وصوغ الكلام، فلا يُلتفت إليهما بوجهٍ.

وعلى كلّ حال فهذا القول وإن كان قويّاً جدّاً بفتوى المشهور وموافقة الاحتياط، إلّا أنّ الأوّل أقوى منه.

ونُسب لابن الجنيد أنّ الكُرّ ما بلغ مكسّره مائة شبر(4)، وهو ضعيف لا يُركن إليه.

وللقطب الراوندي أنّه ما بلغت أبعاده الثلاثة عشرة ونصف(5).

وهو محتمل لإرادة الضرب فيها، فيؤول إلى المشهور وهو ما بلغ مكسّره اثنين وأربعين شبراً وسبعة أثمان ودليله دليلهم على إرادة معنى الجمع من «في» دون الضرب، ومحتمل لإرادة ما يقرب منه كما لو فرض طوله ثلاثة وعرضه كذلك وعمقه أربعة ونصف، ومحتمل لإرادة ما يبعد عنه جد جدّاً، كما لو فرض طوله ستّة وعرضه أربعة وعمقه نصف شبر، فإنّ مساحته تكون اثني عشر شبراً، وكذا لو فرض أنّ كلّاً من طوله وعرضه شبر وعمقه عشرة أشبار ونصف، فإنّه يكون عشرة أشبار ونصف أو اثني عشر ونصف، أو أنّ طوله تسعة أشبار و عرضه شبر وعمقه نصف شبر، فإنّ مساحته تكون أربعة أشبار ونصف.


1) راجع: الحبل المتين: 108؛ وذخيرة المعاد: 122.

2)

3)

4) نسبه إليه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 21، المسألة 4.

5) المصدر: 22.

والكلّ ضعيف مخالف للمشهور بل المجمع عليه، وخالٍ عن المستند.

ولا بن طاوس(رحمۀ الله علیه) من العمل بكلّ ما روي على سبيل التخيير(1).

وهو رجوع لمذهب القمّيّين، وحمل ما زاد على الندب، أو على أنّ الكُرّ متواطئ بين أفراد كثيرة ناقصة وزائدة، فهو مكيال مختلف، وهو يرجع إلى ما ذكرناه.

وللمحقق(رحمۀ الله علیه)في المعتبر من أنّه ما بلغ مكسّره ستّة وثلاثين شبراً(2)استناداً للصحيحة الدالّة على أنّه ذراعان عمق وذراع وشبر سعة (3).

وهو ضعيف؛ لظهورها في المستدير أوّلاً، ولعدم القائل بها ثانياً، ولإجمال الذراع فيها ثالثاً.

وينبغي أن يُعلم أنّ الكُرّ إن علم بلوغه الوزن كفى عن تقديره بالمساحة، وإن عُلم بلوغه المساحة كفى عن تقديره بالوزن، فيكتفى بالسابق منهما، ولا يفتقر إلى اجتماعهما اتّفاقاً، حتّى لو عُلم اختلافهما بحيث عُلم تحقّق أحدهما دون الآخَر كفى، وذلك ظاهر من الأخبار وكلام الأخيار، وتكون فائدة التحديد له بالحدّين هي التسهيل في معرفة قدر الماء الذي لا ينجّسه شيء.

فإن قلت: إنّ الكُرّ مكيال خاصّ، فإمّا أن يلاحظ قدره من الوزن، فيراعى الوزن، ولا معنى للمساحة حينئذٍ، وإمّا أن يلاحظ المساحة فلا معنى للوزن حينئذٍ.

قلنا: الكُرّ قدر من الماء لا ينجّسه شيء، معلوم عند الشارع، معيّن في نفسه، وله علامتان يحصل بهما، إحداهما: الوزن، والأُخرى المساحة، فأيّتهما حصلت حصل ذلك المعيّن، أو أنّ الكُرّ قدر معلوم مشترك بين ما يبلغ وزنه الوزن المعلوم، وبين ما يبلغ قدره القدر المعلوم، وأيّهما بلغ(4)، يكتفى به؛ لأنّ الحكم معلّق على الاسم، أو أنّ الكُرّ مكيال أصله المساحة، ولكنّ الشارع جعل الوزن مثله في الحكم وأطلق عليه الاسم مجازاً؛ للمقاربة والمشارفة، أو أنّ أصله الوزن، والكيل علامة له، فالكرّ وزن للماء معلوم، والكيل قائم مقامه.

وعلى كلّ حال فالثمرة قليلة، بل لا ثمرة بعد بيان الحكم وأنّه يكتفى بالسابق من الأمرين في عدم الانفعال.


1) نسبه إليه الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 81.

2) نسبه إليه البحراني في الحدائق الناضرة 1: 261؛ وراجع المعتبر 46:1

3) وسائل الشيعة 1: 164 - 165 ، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

4) في «ق»: «حصل» بدل «بلغ».

بحث في ماء البئر

اشارة

البئر مجمع ماءٍ نابعٍ من الأرض لا يتعدّاها غالباً ولا يخرج عن مسماها عرفاً، فيشترط في صدقها أن تكون مجمع ماء، والمراد به المطلق، فلو كانت مجمع غير ماء مطلق من المائعات أو المياه المضافة لم تكن بئراً، أو أن يكون ذلك الماء نابعاً غير محقون، أو ماء مطر، أو جارٍ انحبس في مكان عميق لا على نحو شكل البئر، فما لم يكن نابعاً لم يكن ماء بئر.

والظاهر أنّ النابع هنا شامل للخارج من ينبوع ومن غيره كالرشح والنضح والنزّ؛ لحكم العرف بذلك.

نعم، ما كان خروجه مثل العرق بحيث لا يبين للحسّ إبانة ظاهرة، يشكل إدخاله في حكم البئر، بل إلحاقه بالمحقون أولى.

وأن يكون الماء لا يتعدّاها في أغلب الأوقات بمعنى أنّه غالباً غير متعدٍّ، ومع التعدّي نادراً لا يخلّ بصدق البئر ولو في حال التعدّي؛ لصدق عدم التعدّي غالباً عليها زمن التعدّي نادراً، مع احتمال خروجها عن مسمّى البئر عرفاً عند التعدّي نادراً.

ولا يراد بعدم التعدّي غالباً نفي غلبة التعدّي حتّى يكون المتساوي في التعدّي وعدمه داخلاً في البئر، فالمراد تقييده للنفي لا للمنفيّ، كما يراد بالغلبةِ الغلبةُ بالزمان لا بالأفراد حتّى يكون النادر من الأفراد لو تعدّى غالباً داخلاً في البئر.

وأن يكون مجمع الماء غير خارجٍ عن مسمّاها عرفاً بمعنى عن مسمّاها عرفاً بمعنى أنّه يصدق عليه اسم البئر عرفاً، فلو لم يصدق ذلك عرفاً- كالمحفور هيئة نهر طويل كبير، أو هيئة البِركة العظيمة المسّرحة الحواشي في الأرض - لم يُسمٍّ بتراً.

و بيان ذلك أنّ البئر ليس لها حقيقة شرعيّة، بل يرجع فيها إلى العرف واللغة، واللغة تستكشف بالعرف؛ لأصالة عدم النقل، فما عُلم صدق لفظ البئر عليه عرفاً وشُكّ في صدقه لغةٌ حكمنا أنّه كذلك لغةٌ، وما عُلم عدم صدق البئر عليه عرفاً أو صدقها عليه عرفاً ولكن قطعنا بعدم صدقها عليه لغةٌ- كآبار النجف والشام - لم نحكم بجريان حكم البئر عليها زمن الصدور؛ للقطع بأنّ البئر زمن الصدور هي النابعة من الأرض لا الجارية تحت الأرض من عينٍ أو شبهها أو بئرٍ أُخرى كآبار النجف والشام.

لا يقال : إنّ الحكم هنا معلّق على الاسم، فيدور مداره وإن اختلف العرف ، كالمأكول والمشروب والمكيل والموزون.

لأنّا نقول: فرقٌ ظاهرٌ بين تعليق الحكم على وصفٍ فيختلف الموصوف لاختلاف الزمان، كالمكيل والموزون، فإنّه لا يتبدّل الحكم به، وبين تعليقه على ذاتٍ قد وضع لها اللفظ زمن الصدور فيتبدّل الوضع في زمنٍ آخر لذاتٍ أُخرى، فإنّ الحكم هنا لا يتبع الاسم؛ ضرورة أنّ الأحكام لا تتبع المنقولات الحادثة، والبئر من هذا الأخير لا من الأوّل.

ودعوى أنّ البئر الآن تطلق على النابع والجاري- كآبار النجف - عرفاً على وجه الاشتراك المعنوي، فتكون كذلك لغةً؛ لأصالة عدم النقل، دعوى بعيدة؛ لأنّ المفهوم منها في اللغة - بشهادة الاستقراء - وفي العرف العامّ هو ما كان ماؤها نابعاً، لا ما كان جارياً.

بحث فی انّه هل ینفعل ماء البئر بالإنفعال مطلقاً ،أو عدمه مطلقاً أو ینفعل مع عدم البلوغ کرّاً؟

أحكام البئر مخالفة للأصل، فيقتصر فيها على المتيقّن الإرادة من إطلاق لفظ البئر في الأخبار وكلام الأصحاب، وحينئذٍ فلو اتّصل بها ماءُ جارٍ أو ماء مطرٍ أو كُرٍّ، أو تواصلت الآبار فجرى بعضها على بعضٍ، أو خرجت البئر عن هيئتها عرفاً إلى اسمٍ آخَر، لم يَجْرِ عليها أحكام البئر.

ولا بدّ في لحوق أحكام البئر لها من اتّصال النبع عادة بها، قطعاً أو ظنّاً بعد العلم بتواصله؛ لحجّيّة الاستصحاب، وما لم يعلم بتواصله في آنٍ من الآنات المتقدّمة، فإنّه يحكم عليه بالانفعال إذا لم يبلغ كُرّاً قطعاً.

وهل ينفعل ماء البئر بالانفعال مطلقاً، أم لا ينفعل مطلقاً ؟ أم ينفعل مع عدم البلوغ كُرّاً ولا ينفعل مع البلوغ؟ أقوال:

أحدها: الانفعال مطلقاً؛ استناداً للإجماعات المنقولة(1)، وللعمومات الدالّة على نجاسة الماء بوقوع أحد النجاسات إلّا ما أخرجه الدليل، وللشهرة المحكيّة عن قدماء الأصحاب(2)، ولروايات النزح(3)الذي من لوازم التطهير الذي هو من لوازم التنجيس، كالأوامر في الغسل الدالّة على التنجيس، وللأخبار(4)الدالّة على انفعال الماء القليل مطلقاً.

وللصحيح الدالّ على أنّ نزح بعض الدلاء يطهّر البئر(5)، والظاهر من الطهارة ضدّ النجاسة.

وللخبر الدالّ على نهي الجنب عن الوقوع في البئر وإيجاب التيمّم حذراً من إفسادها(6)، مع أنّ جواز التيمّم مشروط بفقد الماء الطاهر، والظاهر من الإفساد هو التنجيس.

وللمكاتبة المسؤول فيها عن الذي يطهّر البئر بعد أن يقطر فيها بول أو دم أو يسقط فيها عذرة، فأجاب(عليه السلام) بأنّه «ينزح منها دلاء»(7).

ولرواية زرارة المسؤول فيها عن بئر يجري البول تحتها أينجّسها؟ المجاب فيها: بأنّ البئر إن كانت فوق الوادي والبول تحتها وبينهما ثلاثة أذرع، أو كانت البئر في الأسفل وكان يمرّ عليها البول وبينهما تسعة أذرع فلا تنجس البئر، وإلّا فتنجس(8).

وفي جميع الأدلّة ضعف؛ لضعف الإجماع المنقول بإطباق المتأخرّين على مخالفته، وبموافقته للتقيّة، وبمعارضته لما هو أقوى منه من الأخبار، وبمخالفة كثير من الفحول له من القدماء والمتأخّرين(9)، وبمخالفته لأدلّة نفي العسر والحرج(10)، وبمنافاته للسيرة القاطعة على استعمال الآبار في سائر الأعصار وسائر الأمصار ممّن يقطع بنجاستهم وتنجيسهم وعدم تجنّب الناس عن استعمالها، وعدم إنكار أهل العصمة(عليهم السلام) عليهم.


1) الانتصار : 89 - 90، المسألة 4؛ غنية النزوع 47:1.

2) رياض المسائل 1: 29 - 30

3) وسائل الشيعة 1 179 - 196، الأبواب 15 - 23 من أبواب الماء المطلق.

4) المصدر: 150 - 157 ، الباب 8 من أبواب الماء المطلق.

5) المصدر : 182 - 183، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، ح 2.

6) المصدر: 177، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 22.

7) المصدر: 176، ح 21.

8) المصدر 1: 197 - 198، الباب 24 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

9) كما في رياض المسائل 32:1

10) البقرة (2): 185: الحج (22): 78

وأمّا الشهرة: فهي موهونة بمثلها من المتأخّرين على أن تحققّها غير معلومٍ، حتّى أنّ العلّامة(1)ناقش في نسبة القول بالتنجيس للأكثر(2).

وأمّا أخبار النزح: فلا تدلّ على التنجيس، وليس من لوازمه؛ للأمر به فيما ليس منجّساً عند وقوعه بها. وليس النزح كالغسل عرفاً وشرعاً، فليُحمل النزح على الوجوب التعبّدي الأصلي، أو على الندب للتنزيه ورفع القذارة، أو على الوجوب الشرطي في استعمال مائها للتطهير عن الحدث، أو هو والخبث.

وأمّا عمومات أدلّة تنجيس النجاسات وأدلّة انفعال الماء القليل، فممنوعة أوّلاً، وغير شاملة لنحو ماء البئر ثانياً؛ لانصرافه لغيره بديهةً من مياه الأواني والمائعات وأشباهها.

وأمّا الروايات : فالأُولى محمولة على إرادة النزاهة والنظافة من لفظ التطهير ، أو إرادة ارتفاع الكراهة الحاصلة في الماء من وقوع تلك الأشياء فيها تجوّزاً لمشابهة المعنى المؤدّي للكراهة بالنجاسة.

والثانية على إرادة إظهار الرائحة الكامنة(3)فيها والقذرات الحاصلة منها بالوقوع بها من لفظ الفساد. ومن المعلوم إرادة الشارع التجنّب عن ذلك؛ لأنهّا للمسلمين كافّة، والحاجة منهم ماسّة إليها.

ولا يبعد تحريم إفسادها عليهم؛ ولذلك شرّع له التيمّم حرصاً على عدم الإفساد، وليس مشروعيّة التيمّم مخصوصة بفقدان الماء الطاهر، بل يمكن أن يكون لخوف الفساد، أو لخوف الهلاك عند وقوعه بها، أو للمشقّة، أو لغير ذلك.

والثالثة محمولة على ما ذكرناه في الأُولى، مضافاً إلى أنّ لفظ التطهير مذكور في كلام الراوي، ومن المحتمل أنّ الجواب لا يقدّر فيه أنّ النزح يطهّرها، بل إنّ النزح مشروع لها، ويكون مفادها مفاد الروايات الدالّة على النزح ، ويكون الإمام(عليه السلام)قد أضرب عن جوابه في قوله:«يطهّرها» تقيّةً أو لغرضٍ آخَر، على أنّ راوي هذه الرواية قد روى رواية التطهير، الآتية.

والرابعة مسوقة مساق الروايات الدالّة على التباعد بين البئر والبالوعة، وسيجيء إن شاء الله تعالى الكلام عليها.


1) (رحمۀ الله علیه)

2) منتهى المطلب 1 :62

3) في «ق»: «الكائنة» بدل «الكامنة».

ثانيها: عدم الانفعال مطلقاً ما دام ماؤها متّصلاً بمادّتها؛ للأصل، والعمومات الأصليّة. وعمومات طهوريّة ما له مادّة، وعمومات طهارة الكُرّ من الماء، ولعمومات نفي العسر والحرج(1)وسهولة الشريعة.

ولاستبعاد الحكم بطهارة الكُرّ إذا خرج عنها ونجاسة ألف كُرّ ما دام فيها، واستبعادِ طهارة الكُرّ عند ملاقاته إذا كان خارجاً عنها، فإذا وقع فيها نجّسها، واستبعادِ أنّها إن سدّت ينابيعها لم تنفعل، وإن فتحت انفعلت بالملاقاة، والحكم بانفعالها ما دامت على هيئتها، وعدمه عند تبدّلها بهيئة أُخرى بحيث يصدق عليها اسم آخّر، واستبعادِ تطهير الدلو والحبل والحواشي بعد نجاستها بالتبعيّة من غير دليلٍ على ذلك، وكذا يد النازح وثيابه، وكذا ما يتقاطر من الدلو عليها. واستفادة طهارة كلّ ذلك من الأخبار مجازفة.

ولموافقة أخبار النزح للتقيّة، ولضعفها باختلاف مقاديرها وعدم تحديد الدلو فيها، والتخيير بين الأقلّ والأكثر فيها. وكلّ ذلك ليس شعائر الواجب.

ولورود الأمر بالنزح لما لا يوجب تنجيساً من الأُمور الطاهرة ، ولإشعارها بالتسامح في أمر النزح الظاهر في الندب، ولترك بيان حكم الماء الخارج منها بالنزح، والدواعي تتوفّر لبيانه لو كان نجساً.

وللأخبار الخاصّة المتكثّرة الدالّة على الطهارة:

كالصحيح: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتّى يذهب الريح ويطيب طعمه ؛ لأنّ له مادّة»(2)فإنّ حكمه بالسعة ونفي الفساد عنه على وجه العموم، واستثناءه لحالة التغيير فقط في مقام البيان، واكتفاءه في التطهير بالنزح المُذهِب للتغيّر وتعليله له بـ «أنّ له مادّة» نصٌّ على طهارة ماء البئر قطعاً.

والطعن فيها بأنّها مكاتبة، أو بأنّ ما دلّ على تنجّس البئر بالأشياء المخصوصة خاصّ، و ما دلّت عليه عامّ، والخاصّ مقدّم على العامّ، أو بأنّ المراد بقوله: «لا يفسده شيء»، يعني إفساداً لا يجوز الانتفاع بشيء منه إلّا إذا تغيّر وعند عدم التغيّر يفسد في الجملة، لجواز الانتفاع


1) البقرة (2) 185؛ الحجّ (22): 78

2) وسائل الشيعة 1: 172، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 6.

به بعد نزح المقدّر، ضعيف؛ لحجّيّة المكاتبة، ولأنّها مرويّة بطريقين في أحدهما: «كتبتُ إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن»(1)فقد يكون هذا الراوي سمع تارة مشافهةً وأُخرى مكاتبةٌ.

ولأنّ كون أخبار النزح خاصّةً ممنوع؛ لعدم دلالة النزح على النجاسة، على أنّ أخبار النزح قد أُخذت دليلاً على أصل التنجيس، فالمعارضة بينهما التباين لا العموم المطلق.

ولأنّ احتمال تنزيل الإفساد على ذلك المعنى تأويل من غير دليل يشبه الألغاز والمعمّيات، على أنّ ما وجب له نزح الجميع من الأشياء الواقعة فيها يقضي بعدم الانتفاع مطلقاً أيضاً، فلا معنى للتعميم والتخصيص، وأنّ التغيّر قد لا يوجب فساداً لا ينتفع به إلّا بنزح الجميع؛

لإمكان زواله بنزح البعض.

والصحيح الآخَر: عن بئر ماءٍ وقع فيها زنبيل عذرة رطبة أو يابسة، أو زنبيل من سرقين، أيصلح الوضوء منها؟ قال: «لا بأس»(2). ووجه الدلالة واضح.

والطعن فيها بأنّ السرقين والعذرة أعمّ من النجس، وبأنّ وقوع الزنبيل لا يقضي بوقوعهما؛ لأصالة الطهارة، وبأنّ نفي البأس لعلّه يراد بعد نزح الخمسين، ضعيف مخالف للظاهر من أنّ العذرة فضلة الإنسان عرفاً ولغةٌ(3)، ومن أنّ الظاهر مماسّتها للماء عند وقوع الزنبيل عادة، ومن أنّ تقييد نفي البأس بما بعد الخمسين من باب تأخير البيان عن وقت الخطاب أو الحاجة، وأحدهما بعيد، والآخَر ممنوع.

والصحيح الثالث: «لا يغسل الثوب، ولا تعاد الصلاة ممّا وقع في البئر إلّا أن ينتن، فإن أنتن غسل الثوب وأعاد الصلاة»(4).

والطعن فيها بحمّاد، وبصدق لفظ البئر على النابعة والمحقونة، فلعلّ السؤال عن الثانية ضعيف؛ لظهور حمّاد في حمّاد بن عيسى؛ لرواية الحسين بن سعيد عنه، وروايته عن معاوية بن عمّار، ولتبادر البئر النابعة من لفظ البئر، على أنّ تنجيس المحقونة أولى.

والصحيح الرابع في الفأرة تقع في البئر، فيتوضّأ الرجل منها ويصلّي وهو لا يعلم، أيعيد


1) وسائل الشيعة 1: 172، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 7.

2) المصدر 1: 172، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 8.

3) في «ق»: «لغة وعرفاً».

4) وسائل الشيعة 1: 173، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 10.

الصلاة ويغسل ثوبه؟ قال: «لا يعيد الصلاة ولا يغسل ثوبه»(1)وهو ظاهر في كون الفأرة ميتة، وفي أنّ الاستعمال وقع بعد العلم بكونها ميتة في البئر، كما يشعر به السؤال والجواب، فالطعن فيها بعدم ثبوت أنّ الاستعمال كان بعد ثبوت الموت فيها والأصل الطهارة، ضعيف.

والصحيح الخامس: عن البئر تقع فيها الميتة؟ فقال: «إن كان لها ريح يُنزح عشرون دلواً»(2).فيدلّ بالمفهوم على عدم وجوب النزح عند عدم الريح.

والصحيح السادس، أو الموثّق: عن الفأرة تقع في البئر لا يعلم بها إلّا بعد أن يتوضّأ منها، أيعاد الوضوء؟ قال: «لا»(3)وهو ظاهر في سبقها على الاستعمال.

والموثق السابع: عن بئر يستقى منها ويتوضّأ به وغسل منها الثياب وعجن به، ثمّ علم أنّه كان فيها ميّت قال: «لا بأس، ولا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة»(4)، وهو ظاهر في أنه علم بوقوع الميت قبل الاستعمال.

والصحيح الثامن: عن الفأرة تقع في البئر فلا يعلم أحد إلّا بعدما يتوضّأ منها، أيعيد الوضوء وصلاته ويغسل ما أصابه؟ قال: «لا، فقد استقى أهل الدار ورشّوا»(5).

إلى غير ذلك من الأخبار المتكثّرة الدالّة على الطهارة من الحسن والضعيف والموثّق، المجبورة بفتوى المتأخّرين حتّى كاد أن يكون إجماعاً، وبمخالفة العامّة، وبالأُصول والقواعد المحكّمة القاضية بالطهارة، فالترجيح لهذه دون تلك، والعمل على الراجح لازم قطعاً.

ثالثها: عدم الانفعال إذا بلغ ماؤها كُرّاً، والانفعال مع عدمه؛ استناداً لروايات الكُرّ(6)في الأوّل، ولخصوص ما دلّ على أنّ الماء إذا كان في الركيّ كُرّاً لم ينجّسه شيء(7)، ولروايات انفعال الماء القليل(8)، ومفهوم الرواية المتقدّمة(9)، ولروايات النزح(10)القاضية بالتنجيس في الثاني.


1) وسائل الشيعة :1 173، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 9.

2) المصدر : 195، الباب 22 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

3) المصدر: 173، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 11.

4) المصدر: 171 - 172، ح 5.

5) المصدر: 174، ح 13.

6) المصدر : 158 - 160، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح1، 2، 4 - 7

7) المصدر: 160 ، ح 8.

8) المصدر : 150 ، الباب 8 من أبواب الماء المطلق.

9) آنفاً.

10) المصدر : 179 - 196، الأبواب 15 - 23 من أبواب الماء المطلق.

ولايخفى ضعفه؛ لعدم معارضته لما ذكرناه من عدم الانفعال مطلقاً، ولمنع العموم في أدلّة الماء القليل، ولضعف الرواية الخاصّة منطوقاً ومفهوماً ، ولعدم دلالة وجوب(1)النزح على التنجيس.

فوائد في منزوحات البئر
الأُولى: هل النزح واجب تعبّديّ لنفسه، أو تعبّديّ من جهة الاستعمال?

إنّه على المختار من الطهارة، فهل النزح واجب تعبّديّ لنفسه، أو تعبّديّ من جهة الاستعمال، وعليهما فيكون وجوب الإزالة كوجوب إزالة النجاسة عن المسجد، أو واجب شرطيّ للتطهير من الحدث والخبث فالماء طاهر لا يطهّر، أو للحدث فقط، أو شرطيّ للاستعمال مطلقاً، أو مندوب تعبّديّ على الوجهين السابقين، أو مندوب لغيره من الاستعمال مطلقاً، أو للتطهير الحدث والخبث أو الحدث فقط ؟ وجوه، أقواها: كونه مندوباً لغيره من سائر الاستعمالات المترتّبة على الماء لدفع قذارته والنفرة الحاصلة من وقوع تلك الأشياء فيه؛ للأصل، وظاهر بعض الروايات السابقة(2)النافية للفساد ،والآمرة بعدم إعادة الوضوء والصلاة(3)، والآمرة بالنزح إلى أن يذهب التغيير(4)من دون أمرٍ آخَر في مقام البيان، وإطلاق الدلاء في كثير من الأخبار(5)من دون تعيينٍ، والجمع بين المختلفات والتفريق بين المتماثلات والتخيير بين عدد وغيره أزيد أو أنقص في كثير من النجاسات، والأمر بالنزح لكثير من الأشياء الطاهرة كالجنب والعقرب(6)

الأبواب، ح 2 - 4 و 7.

، وشدّة التعارض والاختلاف في أخبار النزح ولندرة القائل لوجوب التعبّدي، بل قد يدّعى أنّه خرقٌ للإجماع المركّب أو مخالف للشهرة المركّبة، وهذه وإن لم يكن كلّ واحدٍ منهما قرينة مستقلّة على الاستحباب فالمجموع صالح لكونه قرينةً صارفةً عن الوجوب، سيّما وأنّ المندوب في أخبار أهل البيت في مثل هذه المقامات ممّا يقوى الظنّ بإرادته من الخطابات،

1) كلمة «وجوب» لم ترد في «ق»

2) سبقت في ص 73.

3) وسائل الشيعة 1: 173 - 174 ، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 9 - 13.

4) المصدر: 172 ، ح 6 و 7.

5) منها ما في المصدر : 176 الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 21 و 182، الباب 16 من تلك الأبواب، ح 21.

6) المصدر : 180، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 6، و 188 ، الباب 19 من تلك الأبواب ، ح 5، و 195، الباب 22 من تلك

على أنّ استعمال صيغة «افعل» في الندب مجاز، واستعماله في الوجوب الشرطي أو الغيري مجاز أيضاً، والترجيح لإرادة الندب؛ لحصول الظنّ به ممّا ذكرناه، وحملها على الوجوب التعبّدي الصرف الذي هو حقيقة صيغة «افعل» لا قائل به.

الثانية :عدم انحصار المطهّر لبئر بالنزح

الأظهر على القول بالتنجيس عدم انحصار المطهّر بالنزح وإن ظهر ذلك من الأخبار وكلام الأصحاب ؛ لتنزيل كلام الأصحاب على بيان الطريق الأسهل في التطهير ، وإلّا فيجوز تطهيرها بإلقاء كُرٍّ دفعةً أو متواصلاً عليها، أو اتّصال ماء جارٍ أو ماء مطر؛ لعموم أدلّة تطهيرها، وعدم إمكان اجتماع ماء واحد طاهر ونجس في مكان واحد.

ولو أُلقي في بئر قدر كُرٍّ من ماء ولم يستهلك في ماء البئر، قوي القول باعتصام مائها به، ولا يجب النزح ولا يستحبّ.

وهل تطهر البئر بانسداد ينابيعها ونشف مائها، أو غور مائها وعوده، أو شرب دابّةٍ له دفعةً، أو جريان مائها متدافعاً على أرضٍ أُخرى أو بئر أُخرى، أم لا تطهر ولا يرتفع حكم كراهة الاستعمال قبل النزح؟ وجهان، أقواهما: الطهارة على القول بالنجاسة، وارتفاع الكراهة على القول بالطهارة؛ لحصول الغرض من النزح بإخراج الماء منها بما هو مثله أو أقوى منه؛ لخلوّه عن التقاطر ورجوع شيء من المنزوح إليه.

وأمّا غور بعض من الماء أو شرب دابّةٍ له بحيث يساوي المقدّر من الدلاء كالسبع والثلاث وشبههما فلا يخلو من إشكالٍ؛ لاحتمال أنّ في النزح خصوصيّةً لتطهير الباقي، ولاحتمال أنّ الغرض ذهاب بعض الماء وقد حصل. ولكنّ الأوّل أقوى.

ولو غار جميع ماء البئر فعاد فإن علم أنّه الأوّل جرى عليه حكم النزح، وإلّا فالأقوى طهارته للأصل.

واحتُمل وجوب نزح الجميع له، واحتُمل وجوب نزح المقدّر إن كان، وإلّا فالجميع ، و إلّا فالتراوح.

الثالثة: طهارة الدلو والرشا وحواشي البئر بالنزح

الأظهر على القول بالتنجيس والطهارة بالنزح طهارة الدلو والرشا وحواشي البئر، بل ويد النازح وثيابه والآلات المتوقّف عليها النزح عند طهارة البئر بالتبعيّة؛ للزوم العسر والحرج مع عدم الطهارة، ولخلوّ الأخبار عن بيان حكمه مع بيان حكم النزح، فيُفهم منه أن

لا شيء بعد النزح لازم في تطهير البئر، ولا فيما يتبعها، وللسكوت عن حكم الدلو النازح مع کونه هو المستقى في الغالب.

والأظهر أيضاً: العفو عن القطرات الواقعة فيها من الدلو وشبهه؛ لما ذكرنا. هذا إذا كان معتاداً.

ولو وقع فيها غير المعتاد، كان كما لو وقع في البئر شيء من الماء المنزوح من بئرٍ أُخرى، فيحتمل وجوب نزح المقدّر ممّا نزح له؛ إذ لا يزيد الفرع على أصله. وهو الأقوى.

واحتُمل وجوب نزح الجميع؛ لعدم التقدير شرعاً، فيرجع للمتيقّن من التطهير وهو نزح الجميع.

واحتُمل نزح مقدار ما يزيل التغيّر لو كان متغيراً بها تقديراً. واحتُمل- على ضعفٍ - نزح الأقلّ من المقدّرات من النجاسات.

ولو سقط من الدلو ما لا يعتاد، فهل يجب أن يكمّل بقدره، أو يعاد، أو يزاد شيء على العدد، أو ينزح الكلّ، أو ينزح المقدّر لتلك النجاسة، أو ينزح أقلّ عددٍ وجب نزحه لأيّ نجاسةٍ، أو ينزح قدر المتغيّر تقديراً؟ وجوه، أقواها: الأوّل.

الرابعة:كفاية الرجوع بالدلو إلى العرف زمن الصدور

الأظهر على القول بالتنجيس وعلى التعبّد كفاية الرجوع بالدلو إلى العرف زمن الصدور، ويكفي عند الشكّ الأخذ بالمعتاد من الدلو لتلك البئر في تلك البلد.

ولو اختلف المعتاد أُخذ بالأغلب، وإن تكثّر الأغلب تخيّر بين الدلاء، وكفاية الدلو الكبير، فيقوم واحد مقام الكثير إذا كان بقدره، وكفاية أخذ الماء إلى مكانٍ آخَر بقدر الدلاء، وكفاية أخذ آنيةٍ صغيرة ولو بكفّ قدر المقدّر من الدلاء.

الخامسة: فی انّه لایُنزح لغیر المقّدر

لا نزح لغير المقدّر على القول بالطهارة واستحباب النزح، وكذا على القول بوجوبه؛ لعدم الدليل.

وعلى القول بالنجاسة فهل يجب نزح الكلّ ؛ لاستصحاب النجاسة ويقين التطهير به دون غيره؟ وهو الأقوى؛ لأنّ التقدير حاصل واقعاً غير معيّنٍ عندنا، فيجب من باب الاحتياط نزح المقطوع بتطهيره وهو الكلّ، أو الأربعين؛ لروايةٍ (1)ضعيفةٍ سنداً ودلالة، أو الثلاثين؛ لروايةٍ(2)كذلك، أو قدر ما يزيل به التغيّر لو كان؛ لكفاية ذلك في الصحيح مع حصول التغيّر بالفعل فمع عدمه أولى؟


1) وسائل الشيعة 1: 192، الباب 20 من أبواب الماء المطلق، ح 4.

2) المصدر: 181، الباب 16 من أبواب الماء المطلق، ح 3.

واحتُمل عدم وجوب النزح مطلقاً.

واحتُمل وجوب الأقلّ مما يزول به التغيّر التقديري ومن الأربعين أو الأقلّ منه أو من الثلاثين.

واحتُمل وجوب الأكثر ممّا يزول به التغيّر، والأربعين، أو الأكثر منه ومن الثلاثين.

السادسة: حکم ما لو تكثّرت النجاسة الواقعة في البئر وكان فيها المقدّر بنزح الجميع، أو غير المقدّر

لو تكثّرت النجاسة الواقعة في البئر وكان فيها المقدّر بنزح الجميع، أو غير المقدّر، وجب نزح الجميع إن وقع غير المقدّر أوّلاً، أو ما قدّر له الجميع كذلك.

وإن وقع بعد ما وقع ما له مقدّر، احتُمل وجوب نزح الجميع لوقوع ما لا قدر له.

واحتُمل الاكتفاء بنزح المقدّر للواقع أوّلاً؛ لتنجّس البئر به، ولا معنى للنجاسة بعد النجاسة.

ولو وقع فيها نجاسات مقدّرة، دخل الأقلّ في الأكثر، والمتعدّد في المتّحد، سواء كان جنساً واحداً يقال على كثيره وقليله كالدم، أو لا يقال كالكلب، أو كانا جنسين مختلفين على الأظهر؛ لأنّ المراد مجرّد حصول النزح وقد حصل.

واحتُمل وجوب تعدّد النزح بتعدّد أسبابه، وهو أحوط.

واحتُمل الفرق بين النجاسات المتعدّدة المتماثلة وبين المختلفة، فيُحكم بتداخل المتماثلة دون المختلفة.

ويُحتمل الفرق بين تعدّد الوقوع واتّحاد الواقع فيكفي التداخل، وبين تعدّد الواقع وإن اتّحد الوقوع، فيجب أخذ كلٍّ بسببه.

ويُحتمل الفرق بين الداخل تحت مصداق آخَر -كالكثير وشبهه - فيلحقه حكمه، وبين غيره فلا يتداخل.

السابعة: عدم الاحتیاج في النزح إلى نيّةٍ و قصدٍ

لا حاجة في النزح إلى نيّةٍ ولا إلى قصدٍ، فلو أخرج الدلوَ المجنونُ أو الحيوانُ أجزاً.

ولا يشترط حلّيّة النزح ولا آلة النزح من دلو وغيره؛ كلّ ذلك لظاهر الأخبار وكلام الأخيار.

الثامنة : فی انّه لا يكتفى في النزح المقدّر إلّا بعد إخراج النجاسة

لا يكتفى في النزح المقدّر إلّا بعد إخراج النجاسة ؛ فلا يحتسب ما خرج والنجاسة في البئر. وأمّا الدلو الأوّل المخرج للنجاسة فلا يبعد احتسابه، لكنّ الأحوط عدمه.

ولو صاحب جميع الدلاء أو أكثرها عين النجاسة المنزوح لها - من دم أو خمر - حتّى انتهى، احتُمل احتساب تلك من النزح المفيد تطهيراً؛ لإطلاق الأخبار، ولكونه كالغسل المزيل للعين فإنّه كافٍ في التطهير.

واحتُمل عدمه؛ فإنّ النزح للتطهير عن الواقع فلا يمكن إلّا بعد زواله. والأوّل أقوى.

التاسعة: فیما لو تغيّرت البئر بالنجاسة فهل يكفي على القول بنجاستها نزح ما يزول به التغيّر مطلقاً

لو تغيّرت البئر بالنجاسة فهل يكفي على القول بنجاستها نزح ما يزول به التغيّر مطلقاً، أو لا بدّ من نزح الجميع مطلقاً إن أمكن، وإلّا فالتراوح، أو لا بدّ من نزح الجميع في غير المقدّر، وإلّا فالتراوح، وأمّا في المقدّر فلا بدّ من نزح الأكثر ممّا يزول التغيّر به ومن المقدّر، أو لا بدّ من نزح المقدّر بعد نزح ما يزول به التغيّر في المقدّر ونزح الكلّ فيما لا تقدير فيه، أو التراوح، أو لا بدّ من نزح الجميع مع الإمكان، و إلّا كفى ما يزول به التغيّر، أو لا بدّ من نزح الجميع، و إلّا كفى نزح المقدّر إذا زال به التغيّر، و إلّا فأكثر الأمرين؟ وجوه وأقوال، أقواها: وجوب نزح أكثر الأمرين في المقدّر من المقدّر وممّا يزول به التغيّر؛ لدلالة الأخبار على حصول التطهير بذهاب التغيّر مطلقاً، ودلالتها على حصول التطهير بنزح المقدّر، وبين الأدلّة عموم من وجه، ولا يمكن تخصيص كلٍّ منهما بالآخَر، ولا طرح أحدهما بعينه؛ للزوم الترجيح من غير مرجّحٍ، فليس إلّا الأخذ بهما معاً في غير محلّ التنافي، وهو يوجب ذلك. وهذا كلّه في المقدّر ولو بنزح الجميع.

وأمّا غير المقدّر فيجب له نزح الجميع؛ لاستصحاب النجاسة، وعدم تيقّن التطهير بغيره، ولقوّة احتمال أنّ ما لا نصّ فيه لا يخلو من تقديرٍ، وهو مجهول، فينزح له الكلّ من باب المقدّمة، كما قدّر له نزح الجميع أيضاً.

واحتمال كفاية ما يزول به التغيّر قويّ هنا؛ للأخبار الدالّة على أنّ زوال التغيّر مطهّر مطلقاً(1)، بل يقوى القول بكفاية ذلك مطلقاً؛ للأخبار الدالّة على ذلك، وفيها ما اشتمل على ذكر المقدّر من النجاسات(2)ولم يتعرّض لتقديره في المتغيّر، فتُحمل أخبار التقدير على غير صورة التغيّر.

ودعوى أولويّة المتغيّر للتقدير على غيره ممّا ليس بمتغيّرٍ ممنوعة.

نعم، قد تُسلّم الأولويّة فيما تقديره نزح الجميع من دون تغيّر، فإنّه قد يقال: إنّ نزح جميعه مع التغيّر أولى. ويؤيَّد ببعض الأخبار الدالّة على نزح الجميع مع التغيّر(3).

ولكن ذلك يرجع إلى التقدير ونحن قلنا بلزوم الأخذ به لو زاد على التقدير بزوال التغيّر.


1) وسائل الشيعة 1: 172، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 7،6 ، و 179، الباب 15 من تلك الأبواب، ح 3، و 183 - 185، الباب 17 من تلك الأبواب، ح 4 7 و 11.

2) المصدر : 179، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 3.

3) المصدر : 188، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، ح 4، و 196 ، الباب 22 من تلك الأبواب، ح 7.

وعلى كلّ حال فالأخذ بأخبار التقدير مطلقاً والتغيّر مطلقاً أوجَه؛ لأنّ فيه جمعاً بين الأخبار في محلّ إمكان الاجتماع ، وطرحاً لمحلّ التنافي بينهما ؛ لعدم جواز ترجيح أحدهما على الآخَر من دون مرجّحٍ.

ودعوى قوّة أخبار التغيّر فيجب تقديمها، أو قوّة أخبار التقدير فيجب الأخذ بها بعد زوال التغيّر ، أو قوّة أخبار نزح الجميع للمتغيّر مطلقاً، أو مع عدم الإمكان يُرجع إلى أخبار التقدير أو يُرجع إلى أخبار التطهير بزوال التغيّر ، دعوى ضعيفة بالنسبة إلى ما ذُكر.

العاشرة:حکم ما لو وقع في البئر متنجّس بأحد النجاسات المقدّر لها النزح

حکم ما لو وقع في البئر متنجّس بأحد النجاسات المقدّر لها النزح، قوي القول بوجوب نزح المقدّر؛ لعدم زيادة الفرع على أصله.

واحتُمل وجوب نزح الجميع؛ بناءً على وجوبه فيما لا تقدير فيه.

واحتُمل تقديره مغيّراً فينزح حتّى يذهب التغيّر التقديري.

الحادية عشر:حکم ما لو نقص ماء البئر عن النزح المقدّر

حکم ما لو نقص ماء البئر عن النزح المقدّر قوي القول بالاكتفاء بنزح الجميع.

واحتُمل تتميم المقدّر بما يخرج من الماء بعد ذلك. وهو بعيد.

ولو وقع في البئر النجاسة المقدّرة وماء النزح، فالأقوى الاكتفاء بمقدّر النجاسة.

واحتُمل الحكم بنزح الجميع لأنّ الماء لا مقدّر له.

واحتُمل نزح ما يزول به التغيّر تقديراً.

الثانية عشر: فیما ينزح ماء البئر كلّه

ينزح ماء البئر كلّه - إلّا الرطوبة المتعارف عدم إمكان إخراجها - إن صبّ فيها خمر؛ للأخبار(1)، والإجماع.

ومثل الصبّ الوقوع مطلقاً؛ لإطلاق الصبّ عليه، ولإلغاء الفارق.

ولا فرق بين القليل والكثير؛ للإجماع المنقول(2)والشهرة المحصلة.

فما ذهب إليه الصدوق من إيجاب قطرة الخمر لعشرين دلواً(3)استناداً لروايةٍ(4)ضعيفةٍ سنداً ومتناً؛ لاشتمالها على ما لا يقولون به ضعيف. وكذا ما ورد من إيجابها ثلاثين(5).


1) وسائل الشيعة 1: 179 و 180، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 1، 4 و 6.

2) السرائر 1: 70

3) المقنع: 34

4) وسائل الشيعة 1 : 179، الباب 15 من أبواب الماء المطلق ، ح 3.

5) المصدر، ح 2.

ويلحق بالخمر كلّ مسكر إمّا لدخوله فيه اسماً؛ لأنّه اسم لكلّ ما يخمّر العقل، أو حكماً؛ لما ورد أنّ كلّ مسكر خمر(1)، والتشبيه يقضي بإعطاء جميع أحكام المشبّه به للمشبّه، وإمّا للإجماع المنقول(2)وفتوى المشهور.

ويُنزح كلّه للفقّاع أيضاً؛ للإجماع المنقول(3)وفتوى المشهور، ولدخوله في الاسم أو الحكم؛ لورود أنّه خمر استصغره الناس(4).

وأمّا العصير العنبي فممّا لا نصّ فيه.

ويُنزح للمنيّ أيضاً من كلّ ذي نفس سائلة؛ للإجماع المنقول(5)وفتوى المشهور. ولا يختصّ بمنيّ الإنسان؛ لتبادره منه كما قيل(6).

ويُنزح لأحد الدماء الثلاثة أيضاً؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول(7)، أو لأنّه لا نصّ فيه، وما جاء في الدم منه ما هو خاصّ بدم شاة أو شبهها، ومنه ما هو مطلق ينصرف لغير الدماء الثلاثة.

ويُنزح لموت البعير فيها أو وقوعه ميّتاً؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول(8)، والصحيح الدال على ذلك(9).

والظاهر أنّ البعير كالإنسان يشمل الذكر والأُنثى، كما نُقل(10)عليه كلام أهل اللغة. ودعوى أنّ العرف بخلافه ممنوعة؛ لاشتباه العرف، كما أنّ الظاهر شموله للصغير والكبير، كما حكم به جمع من أصحابنا(11)، ونُسب(12)لبعض أهل اللغة، وقيل باختصاصه بالبازل(13)، وقيل بأنّه اسم لما جذع من الإبل(14). والأوّل أقوى.


1) وسائل الشيعة 25: 326، الباب 15 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 5.

2) غنية النزوع 1: 48 - 49: السرائر 1: 70.

3) غنية النزوع 1: 48 - 49: السرائر 1: 70.

4) وسائل الشيعة 25 365 ، الباب 28 من أبواب الأشربة المحرّمة، ذيل الحديث 1.

5) تقدم تخريجها في الهامش ( 2 و 3).

6) كما في مدارك الأحكام 1: 66؛ وذخيرة المعاد: 129.

7) تقدم تخريجها في الهامش ( 2 و 3).

8) تقدم تخريجها في الهامش ( 2 و 3).

9) وسائل الشيعة 1: 180، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 6.

10) الناقل هو الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 1: 321

11) منهم: ابن حمزة في الوسيلة: 74؛ والعلّامة الحلّي في منتهى المطلب :1 74 والشهيد في ذكرى الشيعة 99:1؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 1: 15.

12) الناسب هو الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام .1 322 وراجع فقه اللغة الثعالبي : 128.

13) قاله الخليل في العين 2: 132، «ب ع ر».

14) قاله الجوهري في الصحاح 2: 593، «ب ع ر».

ويُنزح للثور أيضاً؛ للصحيح(1)، ونُسب(2)لفتوى المشهور.

وقد يلحق به البقرة؛ لقوله - في الصحيح-: «فإن مات فيها ثور ونحوه نزح الماء كلّه»(3).

نعم، يشكّ في شمول الثور والبقرة للصغير منهما والوحشي؛ لظهورهما في الكبير والأهلي ولكنّهما يدخلان فيما لا مقدّر له.

والأقوى فيه نزح الجميع أيضاً، كنزحها لوقوع الفيل وعرق الجنب من المحرّم وعرق الجلّالة، ووقوع روث وبول ما لا يؤكل لحمه، ووقوع الكلب وخروجه حيّاً، وكذا الخنزير، كلّ ذلك إن قلنا به فنقول به لعدم النصّ.

الثالثة عشر :حکم ما إذا تعذّر نزح الجميع أو تعسّر

إذا تعذّر نزح الجميع أو تعسّر بحيث أضرّ بالحال إخراج تمام الماء منها، كفى نزح(4)أربعة رجال يتراوحون عليها اثنين اثنين يوماً من طلوع الفجر إلى ذهاب الحمرة المشرقيّة؛ لبعض الأخبار(5)المنجبرة بفتوى مشهور الأخيار ومنقول الإجماع(6)، وعدم ما يعتدّ به من النزاع.

والموجود في رواية عمّار : «قوم »(7)وهو حقيقة في الرجال دون النساء ؛ للمقابلة في قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ... وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ(8)، وقوله: «أقوم آل حصن أم نساء»(9)ولما يظهر من كلام جملة من النقلة، فعلى ذلك فلا يكفي الخناثى ولا النساء بل ولا الصبيان؛ لعدم النصّ، إلّا مع المساواة في التأثير فيمكن الحكم بالاجتزاء بهما لتنقيح المناط، كالاجتزاء بالحيوان كذلك لو كان مساوياً في التأثير.

والموجود فيها: «يتراوحون اثنين اثنين» ومقتضاه لزوم الأربعة فصاعداً؛ لأنّه أقلّ عدد ٍ


1) وسائل الشيعة 1: 179، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

2) الناسب هو العاملي في مفتاح الكرامة 106:1.

3) راجع الهامش (1)

4) في «ق»: «نزف» بدل «نزح».

5) وسائل الشيعة 1: 196، الباب 23 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

6) غنية النزوع 1: 48 - 49.

7) راجع الهامش (5).

8) الحجرات (49) 11.

9) عجز بيت لزهير، وصدره: «وما أدري وسوف إخال أدري ». راجع العين 5: 231.

ينقسم اثنين اثنين فما فوقها من الستّة والثمانية، إلّا إذا أدّت الكثرة لزيادة بطؤ، فيشكّ في شمول الإطلاق لها.

وهل يجزئ الاثنين يتراوحون، أو الثلاثة إذا قاموا في العمل مقام الواحد، أم لا؟ لا يبعد الإجزاء.

والموجود فيها: «يوماً إلى الليل» والظاهر منه يوم الصوم من طلوع الفجر إلى غياب الحمرة؛ لأنّه هو الظاهر شرعاً وعرفاً، وانصرافه إلى ما دون ذلك في الإجارة خلاف الظاهر، لكنّه جاء به خطاب الإجارة بالخصوص فصارت الإجارة كالقرينة على إرادة ما دون ذلك.

وحكم بعضهم(1)أنّ اليوم من الغدوة إلى الليل، لا ينافي ذلك؛ لإطلاق الغدوة على ما بين الفجر وطلوع الشمس.

والظاهر أنّ المراد باليوم التحقيق لا التقريب، فيجب الأخذ من باب المقدّمة له ابتداء وختاماً.

نعم، لا يضرّ الاشتغال بالأشياء اليسيرة المعتادة من قتل قمّلة أو دابّة أو حكّ جلد أو تغوّط ونحو ذلك، وجوّز لهم جمعٌ من أصحابنا(2)الاجتماع للغداء والصلاة جماعةٌ، وهو مشكل.

ويكفي في الأيّام أيّ يومٍ كان من قصير أو طويل.

وفي إجزاء قدر يوم من الليل أو قدر يوم ملفّق من اليوم والليل متواصلاً، أو قدر يوم ملفّق من يومين مع الانفصال، أو قدر نصف يوم لثمانية، أو رُبعه لستّة عشر لو كانت بئراً واسعة، أو يومين لاثنين، أو أربعة لواحد، أو قدر ما يخرج في اليوم ولو بساعةٍ كما إذا كان الإخراج بدلو كبير على حيوان كبير أو غير ذلك إشكال.

ويقوى الإجزاء فيما يقطع بإلغاء الخصوصيّة دون ما يحصل به شكّ معتبر.

ولو حصل عارض في أثناء اليوم عن إتمام النزح احتمل التلفيق من الليل أو يوم آخر.

واحتمل لزوم استئناف العمل.

ولو تغيّر حال البئر في أثناء النزح إلى ما يمكن نزحه، احتمل وجوب نزح الجميع، واحتمل الاكتفاء بإتمام اليوم.

والظاهر أنّ كيفيّة النزح أن يستقي كلّ اثنين دفعةً، لا أن يدخل الدلو في الماء واحد ويناوله الآخَر، مع احتمال ذلك.


1) كالصدوق في الفقيه 1: 19، ذيل الحديث 24.

2) منهم: الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 90؛ والمحقّق الكركي في جامع المقاصد 1 139؛ والعاملي في مدارك الأحكام 1: 68.

وكيفيّة التراوح أن يمتح(1)اثنان إلى أن يتعبا، ثمّ يعطيانه للآخَر، وهكذا، لا أنّهما يقتسمان النهار أنصافاً، مع احتمال ذلك.

الرابعة عشر: يُنزح كُرٌّ لموت الحمار والبغل

يُنزح كُرٌّ لموت الحمار والبغل؛ للرواية(2)المؤيّدة بفتوى المشهور، فلا يضرّ ضعف السند والاشتمال على ذكر الجمل.

ويلحق بهما الفرس؛ للإجماع المنقول(3)وفتوى المشهور.

ويُحتمل لزوم الدلاء في الفرس؛ للصحيح(4)، الدالّ على ذلك.

ولكنّ الجمع بينه وبين فتوى المشهور والإجماع المنقول حمل الدلاء على ما يبلغ كُرّاً في الفرس. وألحَق جمعٌ(5)البقرةَ بذلك ولكنّ إلحاقها بالثور أولى.

ولا يتفاوت الحال بين الأهليّة والوحشيّة في الحمير والخيل على الأظهر.

الخامسة عشر: فیما يُنزح سبعون دلواً

يُنزح سبعون دلواً لموت الإنسان فيها، أو وقوعه ميّتاً؛ لإلغاء الفارق، و إن كان مورد الرواية(6)الأوّل.

ولا يتفاوت بين الصغير والكبير، ولا بين المسلم والكافر؛ لإطلاق النصّ المعتضد بفتوى المشهور المشتمل على بيان حكمه حيّاً وميّتاً ؛ لأنّ مورده الإنسان يقع فيموت، فلو وقع ولم يمت وكان كافراً فهو أولى بوجوب السبعين.

ويقوى وجوب نزح الجميع لموت الكافر؛ لوجوب نزح الجميع له لو وقع حيّاً فبالأولى لو مات فيها، ولأنّ الموت إن لم يشدّد نجاسته لا يضعّفها، ولاستصحاب ما كان عليه في حال الحياة من وجوب نزح الكلّ، ولانصراف الخبر للمسلمين؛ لقلّة وقوع الكفّار في تلك الآبار، ولأنّ إيجاب السبعين من جهة الموت لا ينافي إيجاب الكلّ من جهة الكفر، ولأنّ نجاسة الكفر مستصحبة من الحياة وإن زال الكفر بالموت بزوال الاعتقاد.


1) الماتح: المستقي. الصحاح 403:1، «م ت ح».

2) وسائل الشيعة 1: 180، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 5.

3) غنية النزوع 1: 48 - 49

4) وسائل الشيعة 1: 183 - 184 ، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، ح 5.

5) منهم: المفيد في المقنعة: 66؛ والطوسي في النهاية: 6؛ والمبسوط 11:1.

6) وسائل الشيعة 1 194، الباب 21 من أبواب الماء المطلق، ح 2.

السادسة عشر: فیما يُنزح للعذرة اليابسة أو المذابۀ

يُنزح للعذرة اليابسة أو المذابۀ- وهي فضلة الإنسان، كما عن أهل اللغة(1)- عشرة دلاء؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول(2)، فإن ذابت فأربعون أو خمسون مخيّراً، أو خمسون معيّناً ، كما أفتى به المشهور؛ لاحتمال كون الترديد من الراوي، وحكم النجاسة مستصحب، ويؤيّده ضعف الحكم بالتخيير بين الأقلّ والأكثر؛ لقلّة وجوده بل وعدم إمكانه.

وفي حكم الذوبان التقطيع، كما نُسب(3)تفسيره للمشهور، وكذا تفتّت أجزاء اليابسة على الظاهر.

ويحتمل الاقتصار على الذوبان فقط كما هو مورد النصّ(4)لظهوره في الميعان، كما أنّ التقييد باليابسة ليس له في النصّ أثرٌ، بل ظاهره أنّ الرطبة لو لم تذب كان حكمها حكم اليابسة.

ودعوى انصراف العذرة في الوقوع لليابسة دون الرطبة، دعوى لا شاهد لها.

وذوبان البعض كذوبان الكلّ ؛ لتنقيح المناط، وصدق الذوبان عليها، مع احتمال إرادة ذوبان الكلّ ، كما يُفهم من تعليق الوصف على مجموع الاسم.

وما ورد من إيجاب نزح دلاء للعذرة(5)مقيّد بهذه الرواية، وكذا ما ورد من نفي البأس عن وقوع العذرة (6)يقيّد بما بعد نزح المقدّر.

وأمّا خبر كردويه(7)الدالّ على نزح ثلاثين في العذرة المخلوطة بماء المطر، لا يعارض ما تقدّم؛ لضعفه، ولاحتمال وروده في المختلط.

السابعة عشر: فیما يُنزح لكثير الدم عرفاً

يُنزح لكثير الدم عرفاً - بالنسبة إلى نفسه لا بالنسبة إلى البئر الواقع فيها؛ لظهور كون وصف الكثرة متعلّقاً بنفسه لا بالواقع فيه - خمسون دلواً، وفاقاً لفتوى المشهور والإجماع المنقول(8)والاحتياط.

وفي القليل عشرة دلاء؛ لما ذُكر، ولورود الأخبار بنزح دلاء يسيرة(9)وهو جمع كثرةٍ، وأقلّه عشرة حقيقةً أو ظهوراً، فيُحمل على أقلّه؛ للأصل، ولقوله: «يسيرة».


1) حكاه الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 1 : 327 عن تهذيب اللغة والغريب ومهذّب الأسماء.

2) غنية النزوع 49:1.

3) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 1: 40.

4) وسائل الشيعة 1: 191 ، الباب 20 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

5) المصدر: 176، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 21.

6) المصدر: 172، ح 8.

7) المصدر: 181، الباب 16 من أبواب الماء المطلق، ح 3.

8) غنية النزوع 48:1 - 49

9) وسائل الشيعة 1: 193 ، الباب 21 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

وقد يمنع دلالة الرواية على الكثرة حقيقة وظهوراً لنفسها، أو لقوله: «يسيرة»؛ فإنّها قرينة صارفة للّفظ إلى القليل وهو الثلاث ومثلها، فيبقى السند الإجماع المنقول وفتوى المشهور.

ودعوى أنّ: «دلاء» تمييز لعدد محذوف فيقدّر الأكثر للاحتياط اللازم في الإجمال، منظورٌ فيه:

أوّلاً: بمنع جعل الدلاء تمييزاً لمحذوفٍ، بل هو مفعول به یراد به معناه الجمعي، وهو صادق على القليل والكثير.

وثانياً: بمنع لزوم تقدير الأكثر؛ لكفاية تقدير الأقلّ، والأصل البراءة من الزائد.

وفي إلحاق دم نجس العين بمطلق الدم لإطلاق بعض الأخبار(1)، أو إلحاقه بغير المنصوص؛ لانصراف الإطلاق لغيره، فيلحق بالدماء الثلاثة الواجب لها نزح الجميع وجهان، أقواهما:

الثاني. وقيل: يجب في الكثير من ثلاثين إلى أربعين(2)للصحيح في دم الشاة الذي هو من الكثير :« ما بين الثلاثين والأربعين»(3)ولا يراد به العشرة التي بينهما قطعاً، فيُحمل على إرادة التخيير في العدد.

وفيه: أنّه يحتمل إرادة جعل ما بين الثلاثين إلى الأربعين مضافةً إلى الثلاثين، فيكون أربعين، بل يقوى هذا بقرينة الشهرة والإجماع المنقول(4).

وقيل: يجب ، في القليل خمس(5). وكأنّه استناداً(6)إلى أنّ أقلّ جمع الكثرة عشرة في لفظ «دلاء»، وتقييدها بـ«يسيرة» ينصّفها فيكون المراد خمساً.

وهو ضعيف كما ترى.

وقيل : يُنزح للدم من واحدٍ إلى عشرين(7). وليس له مستند معتمد. والمرويّ : عشرون لقطرات الدم(8)، ولا قائل به.


1) وسائل الشيعة 1: 179، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 3.

2) قاله المحقق في المعتبر 1 65 والعلّامة الحلّي في منتهى المطلب 1: 79؛ والشهيد في ذكرى الشيعة 1: 94.

3) وسائل الشيعة 1: 193، الباب 21 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

4) غنية النزوع 1: 48 - 49.

5) قاله المفيد في المقنعة: 67.

6) في «ق»: «استناد».

7) قال به السيّد المرتضى كما نقله عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 65.

8) راجع الهامش (1).

الثامنة عشر: فیما يُنزح لبول الرجل

يُنزح لبول الرجل أربعون دلواً، تبعاً للمشهور والإجماع المنقول(1)والرواية(2)المعتبرة بما ذكرنا، الدالّة على ذلك، وإن ضعف سندها بعليّ بن [أبي ](3)حمزة، فلا يعارضها ما دلّ على وجوب نزح الماء كلّه من الصحيح(4)لعدم القائل به، وعلى نزح ثلاثين(5)لضعف روايته بكردويه وعلى نزح دلاء لقطرات البول من الصحيح(6)لعدم منافاته للأربعين، فيُحمل عليه جمعاً.

ولا يلحق ببول الرجل بول الصبيّ؛ لتصريح الرواية(7)بالرجل، والمفهوم منه الذكر البالغ، ولا بول المرأة كذلك، إلّا أنّ ابن إدريس نقل تواتر الأخبار على نزح أربعين لبول الإنسان مطلقاً(8)، فإن تمّ ذلك أو تمّ تنقيح المناط بين الرجل والمرأة وجب إلحاقها به، وإلّا كان ممّا لا نصّ فيه كالخنثى؛ لاحتمال أنّها أُنثى، ولو ألحقنا المرأة بالرجل لم تزد الخنثى عليه.

ولا فرق في البول بين بول الكافر والمسلم، والقليل والكثير.

التاسعة عشر: فیما يُنزح لموت الثعلب والارنب والسنّور و

الأظهر أنّه يُنزح لموت الثعلب والارنب والسنّور و ابن عرس وابن آوى والشاة والغزال والكلب والخنزير أربعون؛ لفتوى المشهور، والروايات(9)الدالّة على نزح أربعين للستور والكلب وشبهه، وعلى نزح ثلاثين أو أربعين للسنّور أو أكبر منها، الظاهرة في الموت فيها لا مجرّد الوقوع، فلا يعارضها ما دلّ على نزح الجميع بموت الكلب والخنزير(10)لعدم العامل به، وكذا ما دلّ على نزح دلاء بوقوعهما(11)لتقييده بما ذكرنا من الأربعين، وكذا ما دلّ على نزح خمس من الكلب والسنّور(12)لعدم العامل به أيضاً، وكذا ما دلّ على السبع(13)


1) غنية النزوع 49:1 .

2) وسائل الشيعة 1: 181، الباب 16 من أبواب الماء المطلق، ح 2.

3) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

4) وسائل الشيعة 1: 179 – 180، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 4.

5) المصدر : 179، ح 2.

6) المصدر: 176، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 21.

7) راجع الهامش (2).

8) السرائر 1: 78

9) وسائل الشيعة1: 183، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، ح 3 و 4.

10) المصدر: 184 - 185 ، ح 8

11) المصدر : 183 - 184، ح 5.

12) المصدر: 184، ح 7.

13) المصدر : 180، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 5.

لضعفه وعدم العامل به. وفي كثير من هذه عدم ذكر الموت، بل تعليق الحكم على مجرّد الوقوع، ولا قائل به، فتضعف من هذه الجهة.

ولكن يبقى الإشكال في دخول الخنزير والشاة فيما أشبه الكلب؛ لأنّه إن أُريد شبهه في النجاسة بَعُدت الشاة عن المشابهة، وإن أُريد في الحجم بَعُدا معاً عنها. وكذا في دخول ابن عرس وما شابهه؛ لعدم شبهه بالكلب، وعدم كونه مثل السنّور ولا أكبر منها.

وذهب بعضٌ(1)إلى وجوب نزح الجميع للخنزير؛ لرواية الثور وشبهه(2)، وبعضٌ(3)إلى وجوب تسع إلى عشر للشاة وشبهها؛ لخبر إسحاق بن عمّار(4)، أو سبع(5)لخبر عمرو بن سعيد(6).

والأوّل أقوى.

العشرون: يُنزح سبع لأُمور

منها : موت الطير ما عدا العصفور وشبهه وفُسِّر بالحمامة والنعامة وما بينهما.

ويدخل فيها الدجاجة؛ لأنّها طير عرفاً وإن قلّ الصدق عليها. ويدخل فيه مأكول اللحم وغيره والصغير والكبير.

والحكم منسوب للمشهور(7)، ونقل عليه الإجماع(8)في الجملة، ودلّت عليه الأخبار(9)المعتبرة بما ذكرناه وإن لم تكن بنفسها كذلك فيهذا رُجّحت على صحيحة أبي أُسامة الدالّة على نزح خمس للدجاجة والطير(10)لعدم العامل بها، وعلى ما دلّ على نزح دلوين أو ثلاثة(11)، وعلى ما دلّ على نزح عشرين إذا تفسّخ الواقع(12).


1) العاملي في مدارك الأحكام 1: 81

2) وسائل الشيعة 1: 179 ، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ذيل الحديث 1.

3) الصدوق في الفقيه 1: 21، ذيل الحديث 32.

4) وسائل الشيعة 1: 186 ، الباب 18 من أبواب الماء المطلق، ح 3.

5) أيضاً الصدوق في المقنع: 32.

6) راجع الهامش (13) من ص 88

7) نسبه إلى المشهور الشهيد في ذكرى الشيعة 96:1.

8) غنية النزوع 49:1.

9) وسائل الشيعة 1 : 173 - 174، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 12 و 183 ، الباب 17 من تلك الأبواب ، ح 3، 4، و 186، الباب 18 من تلك الأبواب، ح 2.

10) المصدر : 184، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، ح 7.

11) المصدر: 186، الباب 18 من أبواب الماء المطلق، ح 3.

12) مستدرك الوسائل 204:1، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، ح 2.

ومنها: الفأرة إذا تفسّخت ؛ للأخبار(1)المطلقة بنزح سبع، والمقيّدة بالتفسّخ، فيُجمع بين مطلقها ومقيّدها بذلك، ولفتوى المشهور والإجماع المنقول(2).

وبهذا يرجّح على ما دلّ على كفاية نزح الخمس من الصحيح(3)، وعلى ما دلّ على نزح الكلّ(4)لعدم العامل به وعلى ما دلّ على نزح عشرين(5).

ويلحق بالفأرة الجرذ؛ لصدق اسمها عليه وإن كان له اسماً مستقلّاً على الظاهر، مع احتمال أنّه من غير المنصوص.

وظاهر جملة من الأصحاب(6)إلحاق الانتفاخ بالتفسّخ. وهو قويّ من حيثيّة الاحتياط، لا من حيثيّة إنّ التفسّخ هو الانتفاخ كما يتخيّل.

والظاهر أنّ المراد بالتفسّخ هو ما كان بنفس الماء، لا ما كان خارجاً عنه فوقعت متفسّخةً فيه، مع احتمال الإلحاق للاحتياط

ومنها: بول الصبيّ الذي لم يبلغ وكان متغذّياً بالطعام مستغنياً عن الرضاع؛ لأنّه المفهوم منه عند الإطلاق. ويراد بالاستغناء الشأنية لا الفعلية.

ويدلّ على ذلك الحكم رواية منصور(7)، المنجبرة بفتوى المشهور.

وبهذا تُرجّح على صحيحة عمّار، الدالّة على نزح الماء كلّه(8)، وعلى ما دلّ على نزح دلو واحد(9)، وعلى ما دلّ على ثلاث(10).


1) وسائل الشيعة 1: 173 – 174، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ج 12، 13، و 181، الباب 16 من تلك الأبواب، ح 1. و 183 و 185، الباب 17 من تلك الأبواب، ح 3، 4، 11، و 186 ، الباب 18 من تلك الأبواب، ج 1، 2، و 187، الباب 19 من تلك الأبواب، ح 1.

2) غنية النزوع 49:1.

3) راجع الهامش ( 10 ) من ص 89

4) وسائل الشيعة 1: 184 - 185، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، ح 8.

5) المصدر : 190، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، ح 14.

6) منهم: المفيد في المقنعة 66 وابن زهرة في غنية النزوع 1 49 وابن إدريس في السرائر 1: 77

7) وسائل الشيعة 1: 181، الباب 16 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

8) المصدر : 179 - 180 ، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 4.

9) المصدر: 181، الباب 16 من أبواب الماء المطلق، ح 2.

10) مستدرك الوسائل 1: 203 ، الباب 15 من أبواب الماء المطلق.

والظاهر عدم إلحاق الصبيّة والخنثى به؛ لأنّه خرج عن مورد النصّ. كما أنّ الظاهر شمول الصبيّ للكافر والمسلم.

ومنها: اغتسال الجنب فى البئر ارتماساً أو ترتيباً؛ للأخبار(1)وفتوى مشهور الأخيار، فتخصيصه بالارتماس لا وجه له كما تخيّله بعضهم(2).

ولا يبعد إلحاق مطلق الوقوع والنزول والدخول في البئر بالاغتسال في الحكم بالسبع؛ لتعليق الحكم في جملة من الأخبار على الدخول والنزول وشبههما (3).

وما اشتمل فيها على الاغتسال(4)لايصلح للتقييد؛ لضعفه سنداً ودلالةً، على أنّ حمل المطلق على المقيّد في باب السنن والآداب لا نسلّمه، والنزح عندنا من السنن لا من الواجبات. والحكم بظهور إرادة الاغتسال من هذه الألفاظ ممنوع.

والظاهر أنّ الحكم معلّق على المجنب فلا يسري لغيره من الأحداث الكبريات؛ اقتصاراً على المنصوص، فلا يؤثّر الحدث الأكبر غير الجنابة فى البئر شيئاً تنجيساً أو سلب طهوريّة أو غيرهما؛ لعدم الدليل على ذلك. واحتمال التأثير والتزام نزح الكلّ لدخوله في غير المنصوص أو إلحاقه بالجنب ضعيف.

والظاهر تخصيص الحكم بما تقدّم وعدم سريانه للمباشرة مطلقاً؛ لعدم الدليل على ذلك. كما أنّ الظاهر اختصاص الحكم بالجنب من حيث الجنابة لا مطلقاً، فلو كان بدنه متلوّثاً بنجاسة جرى(5)عليها حكمها من النزح، حتّى لو كان منيّاً لوجب له نزح الجميع. وكذا لو كان كافراً.

وهل النزح على القول بنجاسة البئر تعبّد شرعيّ، أو لسلب الطهوريّة، أو لرفع النجاسة؟ وجوه، أقواها أوسطها؛ لأنّ البئر عندهم كالقليل، والمستعمل فيه لرفع الحدث الأكبر ربّما يمكن أن يدّعى فيه سلب الطهوريّة، فكذا هنا؛ للنصّ، ولإشعار قوله : «لا تفسد على القوم ماءهم»(6)بذلك، وإن احتُمل استناد الإفساد لخوف الموت أو إخراج العفونة أو تغيّر الماء ، لكن ما ذكرناه أظهر.


1) وسائل الشيعة 1: 195، الباب 22 من أبواب الماء المطلق، ح 2 - 4.

2) ابن إدريس في السرائر 1: 79

3) وسائل الشيعة 1: 179 - 180، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 1، 6، و 195، الباب 22 من تلك الأبواب، الأحاديث 2 - 4.

4) المصدر : 195، الباب 22 من أبواب الماء المطلق، ح 4.

5) في «ق»: «أُجري».

6) وسائل الشيعة 1: 177، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 22.

وأمّا احتمال التنجيس: فيبعّده تنجيس البئر بغير النجس، والنجاسات محصورة معلومة، وهي متساوية في الحكم، فاختصاص البئر دون غيرها به بعيد.

واحتمال أنّ الأمر بالنزح يدلّ على النجاسة كالأمر بالغسل بعيد جدّاً.

وظهر ممّا ذكرنا حكم المغتسل بهذه البئر، فإنّا إن أخذنا بظاهر النهي عن الوقوع فيها وعن الإفساد بطل الغسل ؛ لكونه منهيّاً عنه لوصفه اللازم أو المفارق المتّحد معه في الوجود، وكلاهما مقتض للبطلان، سيّما وفي الرواية الأمر بالتيمّم، وهو مبني على فساد الغسل.

وإن لم نأخذ بظاهر النهى؛ استضعافاً للرواية كما هو الأقوى، فإن قلنا بطهارة البئر وعدم سلب طهوريّتها واستحباب النزح أو وجوبه تعبّداً، فلا إشكال. وإن قلنا بنجاستها، قوي حيئنذٍ القول بصحّة الغسل ارتماساً وتنجّسه حين خروجه. وكذا لو قلنا بسلب طهوريّتها فإنّه إنّما يكون بعد الخروج.

وأمّا الغسل ترتيباً فيحتمل القول بتنجّسها وسلب طهوريّتها من ابتداء الغسل فلا ينتفع بها بعد ذلك.

ويحتمل القول بهما بعد تمام الغسل والجزء الأخير منه، فيصحّ الغسل حينئذٍ، وتتنجّس البئر بعد ذلك، وتسلب طهوريّتها أيضاً بعد ذلك؛ لأنّ الموجب لهما الاغتسال ولا يتحقّق إلّا بعد تمامه.

وربما يقوى الثاني بخلوّ الأخبار عن بيان فساد الغسل.

ومنها: وقوع الكلب البرّي وخروجه حيّاً؛ للرواية(1)المعتضدة بفتوى المشهور، وبها يخصّص ما جاء من الأمر بنزح دلاء(2)، وبذلك ترجّح على ما ورد من الأمر بنزح خمس(3)لعدم العامل بها.

والظاهر الحاق مطلق مباشرته بوقوعه.

ويحتمل اختصاص الحكم بالوقوع عرفاً بحيث يستولي الماء على أكثر جسمه.

الحادية والعشرون:فیما يُنزح خمس لذرق الدجاج الجلّال

يُنزح خمس لذرق الدجاج الجلّال، ولم نعثر على نصٍّ فيه بالخصوص، فيقوى إلحاقه بغير المنصوص.


1) وسائل الشيعة 1: 182، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

2) المصدر : 182 - 183، ح 2.

3) المصدر: 184، ح 7.

واحتمال إلحاقه بالعذرة ضعيف؛ لأنّها فضلة ،الإنسان كاحتمال لزوم الثلاثين؛ لضعف المستند.

الثانية والعشرون: فیما يُنزح لموت الحيّة دلاء ثلاث؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول

يُنزح لموت الحيّة دلاء ثلاث؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول(1)، ولرواية الحلبي: «إذا سقط في البئر حيوان صغير فمات فيها فلينزح منها دلاء»(2)وأقلّ الجمع ثلاثة.

وقد يقال بالسبع(3)لرواية ابن سنان: «في الدابّة الصغيرة سبع»(4).

لكنّه ضعيف؛ لعدم القائل به كالقول بنزح الواحد لموتها(5).

والقول بدخولها فيما لا نصّ فيه فيجب لها نزح الجميع أو السبعين؛ لما ورد أنّ أكبره الإنسان(6)، ويُنزح له ذلك، لا يخلو من وجهٍ.

ولكن لا قائل بجميع ذلك ممّن يعتّد به، والنزح هنا للسمّيّة أو زوال النفرة أو التعبّد؛ لأنّ الحيّة غير نجسةٍ، لأنّها ليس لها نفس سائلة.

وكذا يُنزح ثلاث للفأرة إذا لم تتفسّخ وتنتفخ؛ لفتوى مشهور الأصحاب، والأخبار الدالّة على نزح دلاء بموت حيوان صغير(7)، المحمولة على ذلك؛ لأنّ أقلّ الجمع ثلاث، والأخبار الدالّة على لزوم نزح الثلاث(8)مطلقاً المحمولة على ما إذا لم تتفسّخ؛ جمعاً.

وكذا يُنزح ثلاث لموت الوزغة، على الأشهر من غير تفاوتٍ بين تفسّخها وعدمه.

وقيل بالسبع إذا تفسّخت، والثلاث بدونه (9).

وقيل بكفاية الواحد(10).

وقيل بعدم لزوم النزح(11).


1) غنية النزوع 49:1.

2) وسائل الشيعة 1 : 180 ، الباب 15 من أبواب الماء المطلق ، ح 6 .

3) قاله علي بن بابويه كما نقله عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 49، المسألة 24.

4) وسائل الشيعة 1 179 ، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

5) حكاه المحقق الحلّي في المعتبر 1: 74 عن رسالة علي بن بابويه.

6) وسائل الشيعة 1: 194، الباب 21 من أبواب الماء المطلق، ح 2.

7) راجع الهامش (2) .

8) وسائل الشيعة 1: 187 الباب 19 من أبواب الماء المطلق، ح 2 وذيله.

9) تهذيب الأحكام 1: 245، ذيل الحديث 708.

10) الكافي في الفقه: 130.

11) السرائر 1: 83

والأوّل أقوى؛ لورود الصحيحين(1)به، وفتوى الكثير من فقهائنا(2)، فيرجّح على ما ورد بكفاية دلو واحد لجلد الوزغ(3)، وعلى ما ورد بالسبع لسام أبرص إذا تفسّخ(4)، وسام أبرص والوزغة شيء واحد، ولكنّ الكبير هو سام أبرص، فلذلك اختصّ باسمه، وكذا على ما ورد بعدم شيء لوقوع سام أبرص(5)، وعُلّل أيضاً بأنّها غير نجسةٍ فلا تنجّس.

وكذا يُنزح للعقرب ثلاثاً أيضاً؛ لإشعار بعض الأخبار(6)به، وفتوى كثير من الأخيار(7).

ويقوى القول بعدم الوجوب؛ لطهارته، ولما ورد أنّه ليس عليها شيء(8).

الثالثة والعشرون: فیما يُنزح لموت العصفور و لبول الرضیع

يُنزح لموت العصفور و لبول الرضیع دلو واحد؛ لرواية عمّار(9)، وفتوى المشهور.

ويلحق به كلّ ما كان دون الحمامة، إمّا لصدق اسم العصفور عليه، أو لمشابهته له، و نُسب ذلك للمشهور(10).

ولكنّه لا يخلو من إشكال، لمنع صدق الاسم، ومنع إجراء الحكم لأجل المشابهة.

ويحتمل إلحاق غير العصفور بالطير؛ لشموله له، ويُمنع اختصاصه بالحمامة والنعامة وما بينهما.

ويحتمل دخوله فيما جاء في الحيوان الصغير بنزح دلاء له(11).

وكذا يُنزح واحد لبول الرضيع، وهو الذي من شأنه الرضاع وعدم التغذّي بالطعام؛ لفتوى المشهور، وخبر عليّ بن [أبي ] (12)حمزة(13).


1) راجع الهامش (8) من ص 93.

2) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 7؛ والمبسوط 1: 12؛ والمحقق الحلّي في المعتبر 1 : 74؛ ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 19.

3) وسائل الشيعة 1: 189، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، ح 9.

4) المصدر، ح 7.

5) المصدر، ح 8.

6) المصدر: 188، ح 5.

7) راجع الهامش (2)

8) وسائل الشيعة 1: 185، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، ح 11.

9) راجع الهامش (6) من ص 93

10) نسبه إلى المشهور الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 349:1.

11) وسائل الشيعة 1: 180، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 6.

12) ما بين المعقوفين أضفناء من المصدر.

13) وسائل الشيعة 1: 181، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 2.

ولا يبعد اشتراط عدم التغذّي بالطعام له بالفعل وإن كان أقلّ من سنتين لغلظ بوله حينئذٍ.

والمراد بالطعام هو القوت، فلا يدخل فيه السكّر والحليب وشبههما.

وقد يُفسِّر الرضيع بمن كان في سنّ الرضاع أو مَنْ زاد رضاعه على أكله، أو مَنْ لم يأكل بشهوة.

الرابعة والعشرون: فیما يُنزح ثلاثون لماء المطر المخالط للبول والعذرة وخرء الكلب

يُنزح ثلاثون لماء المطر المخالط للبول والعذرة وخرء الكلب، وفاقاً للمشهور وخبر كردويه(1)المعبِّر بها.

وبذلك يضعف ما قيل: إنّ المقدّر للثلاثة أكثر فكيف يكتفى للمجموع بالأقلّ؟!(2)

قلنا: البئر تفرّق المجتمعات وتجمع المتفرّقات.

ولو خالطت هذه الأشياء غير المطر، جرى عليه حكمه، ولم يشمله خبر كردويه، وكذا لو خالط المطر غيرها؛ لخروجه عن النصّ.

الخامسة والعشرون: جزء الحيوان ككلّه في النزح

جزء الحيوان ككلّه في النزح، ولا يزيد عليه إن لم ينقص عنه.

واحتمال إرجاعه لغير المقدّر فينزح له الكلّ بعيد.

ولو وقعت الأجزاء متعاقبةً، تداخلت ولا تزيد على حكم الجملة على الأظهر.

وأمّا جزئيّات النوع الواحد- كالخمر والدم- فلا يتفاوت الحال بين قليله وكثيره، إلّا إذا علّق الحكم على أحد الوصفين فيكون تابعاً له، أو تتعدّد وقوعاته وإن كان الواقع واحداً، أو تتعدّد وقوعاته لتعدّد الواقع، فلا يبعد تعدّد المقدّر حينئذٍ بتعدّد ما ذكرناه؛ لأصالة عدم التداخل.

ولكنّ الأقوى التداخل أيضاً كما ذكرنا.

ولو وقعت أجزاء لم يعلم أنّها من واحد أو متعدّد، فالأقوى الحكم بالاتّحاد؛ لأصالة عدم التعدّد، وأصالة البراءة. والأحوط الحكم بالتعدّد.

ورجيع الحيوان وحمله عند وقوعه إن بقي في محلّه فلا أثر له، وإن سقط الجنين وخرج الرجيع كان لهما الاستقلال بالحكم، وإن بقيا ولكن اتّصل بهما ماء البئر فوجهان، أحوطهما: إجراء حكم الاستقلال عليهما.

ولو وقع جزء طاهر من الميتة فالظاهر أنّه لا حكم له؛ لطهارته.


1) وسائل الشيعة 1: 181، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 3.

2) كما في مدارك الأحكام 1: 95

السادسة والعشرون: زوال التغيّر مطهّر

زوال التغيّر مطهّر عندنا، والقائلون بالنجاسة يلتزمون نزح الجميع أو ما يزول به التغيّر تقديراً؛ لعدم زيادة الفرع على الأصل، أو نزح المقدّر، وإلّا فالجميع أو أكثر الأمرين منه وممّا يزول به التغيّر التقديري.

السابعة والعشرون: حکم ما لو غيّرت البالوعة المتنجّس ماؤها ماء البئر

لو غيّرت البالوعة المتنجّس ماؤها ماء البئر- لاجتماع النجاسات فيها - ماء البئر تنجس بالتغيّر، وإلّا فلا تنجس البئر على القول بعدم انفعالها، وعلى القول بانفعالها تتنجّس، ويُنزح لها المقدّر، ويكفي أكثر المقدّر على القول بالتداخل، ويلزم الإتيان بكلّ مقدّر على القول بعدمه. ولو كان معها غير مقدّرٍ نُزح الجميع.

ومع الشكّ بوصول ماء البالوعة للبئر، فالمحكّم أصالة الطهارة على القولين.

وما ورد من منع الوضوء منها إن كان تباعدها عن وادي البول أقلّ من ثلاثة أذرع مع فوقيّتها، ومن تسعة مع تحتيّتها إن استقرّ على أرضه(1) محمولٌ على صورة العلم.

نعم، يستحبّ التباعد بين البئر والبالوعة بخمسة أذرع - بذراع اليد المحدودة في تقدير المسافة - إذا كانت الأرض صلبةً أو كانت البئر أعلى قراراً منها، وبسبع بدونهما، فصُور الخمس أربع، وصُور السبع اثنتان؛ وفاقاً للمشهور، والمرسلة قدامة الدالّة على السبع مع السهولة، والخمس مع الجبليّة (2)وخبر ابن رباط الدالّ على الخمس مع تحتيّة البالوعة والسبع مع فوقيّتها(3)، والجمع بينهما بتقييد السبعة في كلّ واحدة بالخمسة في الأُخرى، والشاهد عليه فتوى الأصحاب وعملهم وأصالة البراءة، فهو مقدّم على الجمع بالعكس.

ويُحمل ما دلّ على التسعة (4)مع فوقيّة البالوعة مطلقاً على الندب زيادة؛ لمخالفته لفتوى المشهور، فلا يصلح معارضاً لما قدّمنا.

وقد تعتبر الفوقيّة والتحتيّة والتساوي بحسب الجهة، فما كان بجهة الشمال فوق، وما كان منحدراً عنه إلى جهة الجنوب كان تحت، وذلك لأنّ مجاري العيون منحدرة من جهة الشمال إلى جهة الجنوب؛ لكرويّة الأرض وعلوّ جهة الشمال، وما كانا سواءٌ بالنسبة إلى الجنوب


1) وسائل الشيعة 1: 197 ، الباب 24 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

2) المصدر: 198 - 199، ح 2

3) المصدر : 199، ح 3.

4) الظاهر: «السبعة».

والشمال فهما سواء، سواء كان أحدهما في جهة المغرب والأُخرى في المشرق أو بالعكس، فيجتمع من مضروب هذه الأربعة في الستّة الأُوَل أربع وعشرون صورة.

هذا إن جعلنا الجهات الأربع على جهة الاعتدال واقتصرنا عليها، وإن ضممنا إليها الزوايا الأربع الحاصلة من الجهات الأربع ، كانت الصور ثمانية وأربعين صورة.

والأظهر فيها أنّه عند تعارض الفوقيّة الحسّيّة مع الفوقيّة الناشئة من الجهة تُقدّم الفوقيّة الحسّيّة على غيرها، ومع عدم التعارض فلا بأس باعتبار فوقيّة الجهة؛ للتسامح بأدلة السنن.

ولا يبعد أنّ الخمسة والسبعة والاثني عشر- كما في بعض الأخبار(1)-كلّها من باب المثال لإرادة التنزّه، والاختلاف لاختلاف الأراضي قوّةً و رخاوةً، و علوّاً و هبوطاً، حتّى لو كانت الأرض صخرةً منقورةً لكفى الشبر، ولو كانت رملاً هيّالاً (2)لم تكف الاثنا عشر.

نعم، ما في الأخبار يُنزّل على غالب الأراضي الصلبة منها والسهلة.


1) وسائل الشيعة 1: 200، الباب 24 من أبواب الماء المطلق، ح 6.

2) أي: سائلاً غير ثابت،لسان العرب 714:11، «ه ی ل».

بحث في حكم الماء المشتبه

حکم الماء النجس
اشارة

الماء النجس لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً إجماعاً، وتعاد الصلاة في الوقت وخارجه لو توضّاً بماءٍ نجس مع العلم والجهل والنسيان على الأقوى والأحوط.

ولو استعمل في الرفع بنيّة المشروعيّة كان تشريعاً حراماً، ولو استعمل صورة فلا بأس، مع احتمال حرمة الصورة في رفع الحدث لورود النهي الأصلي(1)عن استعماله كذلك، والأمر بالإراقة في المشتبه(2)، فهو بالطريق الأولى.

ويحرم شربه إلّا للضرورة، ويجوز بيعه؛ لإمكان تطهيره.

وهل يحرم تقديمه لمن لا يعلم بنجاسته كالطفل والضيف، أم لا؟ وجهان، أقواهما وأحوطهما: التحريم؛ للإغراء بالجهل.

وأمّا المشتبه بالنجس فالأقوى وجوب اجتنابه في الأكل والشرب، وحرمة استعماله في رفع الحدث مطلقاً، وعدم حصول التطهير به، إلّا إذا تعاقب مجموع المشتبه على المحلّ النجس، فهناك كلامٌ آخَر يأتي إن شاء الله تعالى.

والأقوى عدم تنجيسه لما لاقاه، إلّا إذا كان الملاقي كلّ فرد منه.

فی الماء المشتبه أُمور:
أحدها: بیان الشبهة إمّا محصورة أو غير محصورة

الشبهة إمّا محصورة أو غير محصورة، والمرجع في الفرق بينهما العرف.

ولا يبعد أنّ ما استلزم من التجنّب عنه العسر والحرج لعامّة المكلّفين في أغلب الأحوال فهو من غير المحصور، و إلّا فهو من المحصور.


1) وسائل الشيعة 1: 153 الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 8.

2) المصدر : 151، ح 2 ، و 155 - 156، ح 14

ويحتمل أن ما قلّ عدّه وصغر حدّه فهو محصور، وإلّا فغير محصور.

وحكم الشبهة الغير المحصورة حلّية الإقدام وعدم حرمة التجنّب عنها؛ للسيرة المستمرّة، والعسر والحرج لولا ذلك، ولا تّفاق أصحابنا على ذلك ممّن يعتدّ بقولهم، وللروايات المتكثّرة في مقامات متعدّدة(1)، الدالّة على حلّية الأمور العامّة مع القطع باشتمالها على النجس والمحرَّم والمغصوب وغير ذلك.

ثانيها: حكم الشبهة المحصورة وجوب الإتيان بالجميع إن اشتبه الواجب في غير المحرّم من الأفراد

حكم الشبهة المحصورة وجوب الإتيان بالجميع إن اشتبه الواجب في غير المحرّم من الأفراد؛ لاستصحاب الشغل اليقيني المتوقّف على الفراغ اليقيني، ولأنّ التكليف بالواقع ولا يحصل الامتثال عرفاً إلّا بالإتيان به ولا يمكن الإتيان به إلّا بالإتيان بالجميع من باب المقدّمة.

ودعوى أنّ التكليف إنّما هو بالمعلوم فمع الجهل لا تكليف دعوى مخالفة لظاهر الخطاب ولكلام الأصحاب، كدعوى الحكم بالقرعة لإخراج المشتبه؛ لضعف دليل القرعة، وإعراض الأصحاب عن العمل بها في مثل هذه المقامات.

وكذلك دعوى ثبوت التخيير بين الأفراد المشتبه بزعم أنّ الشغل اليقيني يكفي في رفعه رفع اليقين به، ولا يفتقر إلى يقين الرفع، لا وجه لها؛ لأنّ الحكم بالتخيير حكمٌ من غير دليلٍ، ولأنّ الامتثال عرفاً موقوف على يقين رفع الشغل بفعل المأمور به واقعاً، وحيث لم يحصل.

ثالثها: حكم الشبهة المحصورة تجنّب الجميع إذا دخل المحرَّم في غيره من الأفراد

حكم الشبهة المحصورة تجنّب الجميع إذا دخل المحرَّم في غيره من الأفراد واشتبه حتّى في الواجب؛ لاشتمال المحرَّم الأصلي على المفسدة، ودفعها أهمّ من جلب المنفعة، وترك الواجب وإن اشتمل على ذلك أيضاً لكن مفسدته لا توازي مفسدة المحرَّم الأصلي فيترك لأجلها، ويشعر بذلك الأخبارُ(2)وكلام الأصحاب.

نعم، لو عُلمت أهمّية الواجب كحفظ النفس المحترمة و العِرْض وأشباهها من غير العبادات قدّم على ترك المحرَّم وفعل المحرَّم لأجله.

والدليل على وجوب التجنّب هنا فتوى الأصحاب، بل ربما يدّعى الإجماع، وكذا باب


1) منها ما في وسائل الشيعة :17: 87 - 88، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 1 و 2.

2) منها ما في وسائل الشيعة :17: 87 - 88، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 1 و 2.

المقدّمة ؛ للأمر باجتناب المحرَّم واقعاً ، ولا يتمّ إلّا باجتناب الجميع، ولا يحصل الامتثال عرفاً إلّا به.

وكذا استقراء الأخبار في مقامات متعدّدة، كالناهية عن أكل اللحم المختلط ذكيّه بميّته(1)،وكالآمرة بالصلاة في الثوبين المشتبهين(2)، والآمرة بإهراق الإناءين(3)، وغير ذلك، فالقول بالرجوع للقرعة هنا ضعيف جدّاً؛ لضعف دليلها.

ولكن ذهب جمعٌ(4)إلى حلّيّة الجميع على سبيل التدريج حتّى ينتهي إلى ما يقطع باستعمال المحرّم معه. بل هو حلال حتّى ما يقطع معه باستعمال المحرَّم؛ لأنّ القطع باستعمال المحرَّم معه ولو سابقاً لا يصيّره محرَّماً، إنّما المحرَّم ما تعلّق به التحريم.

نعم، لو ارتكب الجميع دفعةٌ ، حرم؛ للقطع باستعمال المحرَّم حين ارتكابها.

واستدلّوا على ذلك بالأصل والاستصحاب، وبأنّه يكفي في رفع يقين خطاب التحريم عدم العلم بفعل المحرَّم، ولا يتوقّف على العلم بعدم فعل المحرَّم. وبأنّ التكليف مع العلم والبيان، ومع الجهل يرتفع من أصله؛ لأنّ الناس في سعة ما لم يعلموا، وبالأخبار الدالّة على أنّ كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو حلال حتّى تعلم الحرام بعينه فتدعه (5)، وبالأخبار الدالّة على حلّية جوائز الظلمة والأخذ ممّا في أيديهم(6)، وغير ذلك من الأخبار.

وهذا المذهب وإن كان فيه قوّة إلّا أنّ الأوّل أقوى منه؛ لضعف ما ذكروه في الاستدلال.

أمّا الأصل والاستصحاب فهما مقطوعان أوّلاً بيقين التحريم، فلا يصحّ التمسّك بهما.

والقول بأنّ يقين التحريم غير قاطعٍ لإجراء الأصل في كلّ فردٍ؛ لأنّ كلّ فردٍ مشكوكٌ في تحريمه، بل هو قاطع لمجموع الأصلين، فلا يقطع كلّ فردٍ، فكلّ فردٍ مشكوك في طروء القاطع عليه، والشكّ في القاطع لا يقطع الأصل، مردود:


1) وسائل الشيعة 17: 99 - 100، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، ح 1 و 2.

2) المصدر 3: 505، الباب 64 من أبواب النجاسات، ح 1.

3) راجع الهامش (2) من ص 98.

4) منهم: السبزواري في كفاية الفقه 1: 66

5) وسائل الشيعة 17 : 87 - 88 ، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 1؛ و 25 : 117 - 119، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، ح 1 و 7.

6) المصدر : 213، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به.

أوّلاً: بأنّ اليقين كما أنّه قاطع لعمل الأصلين معاً، كذلك يكون قاطعاً لعمل كلّ واحد؛ للزوم الترجيح من غير مرجّحٍ لو عمل بأحدهما دون الآخَر، ولأنّ الدليلين إذا علم طروء الناقض عليهما بطل العمل بكلٍّ منهما.

نعم، لو لم يعلم بذلك كان الحكم أن يؤخذ بأحدهما على سبيل التخيير.

وثانياً: بأنّ باب المقدّمة حاكم على الأصل ووارد عليه، فيقدّم عليه.

وثالثاً: بأنّ العمل على أحد الأصلين يستلزم إثبات التحريم في الجانب الآخَر، والأصل المثبت لا يصحّ التمسّك به.

وأمّا كفاية عدم العلم بفعل المحرَّم في رفع التكليف بالمحرّم: فهو مسلَّم في ابتداء التكليف، أو في غير المحصور؛ لجريان أصل الحلّ فيهما، وشمول عموم أدلّة أصل الحلّ لهما، وغير مسلَّمٍ في المحصور المقطوع بدخول المنهيّ عنه فيه.

وأمّا الحكم بأنّه لا تكليف إلّا بعد البيان والناس في سعة ما لم يعلموا: فهو مخصوص بما جاء في الشبهة المحصورة، أو أنّ مورده غيرها؛ لأنّها ممّا يعلم، لا ممّا لا يعلم.

وأمّا أخبار التحليل: فهي غير شاملةٍ للشبهة المحصورة؛ لأنّ الشبهة المحصورة ممّا يعلم فيه الحرام بعينه، هذا أوّلاً.

وأمّا ثانياً: فهي منزّلة على ما في أيدي المسلمين من المال المشتبه، فموردها مورد الأخبار(1)الدالّة على حلّيّة ما يؤخذ من أيدي الظلمة، فإنّه وإن كان من الشبهة المحصورة إلّا أنّه حلال؛ للأخبار(2)الدالّة على ذلك.

وأمّا ثالثاً: فحملها على الشبهة غير المحصورة أولى؛ لتصريح كثيرٍ من الأخبار(3)فيها بالتمثيل بالجبن ونحوه ممّا هو في سوق المسلمين من غير المحصور.

و أمّا رابعاً: فهي من قبيل العامّ، فتكون مخصوصةً بما جاء في الشبهة المحصورة، والخاصّ يحكم على العامّ.

رابعها: مقتضى ما ذكرناه من حكم الشبهة في الواجب المشتبه هو: وجوب فعل كلّ ما يدخل فيه الواجب ولم يكن محرّماً أصليّاً

مقتضى ما ذكرناه من حكم الشبهة في الواجب المشتبه هو: وجوب فعل كلّ ما يدخل فيه الواجب ولم يكن محرّماً أصليّاً وإن حرم تشريعاً؛ لرفع الاحتياط الحرمة التشريعيّة،


1) راجع الهامش (6) من ص 100.

2) راجع الهامش (6) من ص 100.

3) . وسائل الشيعة 25 : 117 ، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة.

واجتناب كلّ ما يدخل فيه المحرَّم الأصلي، فتجب حينئذٍ الصلاة إلى الجهات المتعدّدة عند اشتباه القبلة، والصلاة في الثياب المتعدّدة عند اشتباه الطاهر بالنجس، والوضوء والغسل بالمياه المتعدّدة إذا أمكن التطهير في كلّ واحدٍ ثمّ الصلاة بعد كلّ طهارة، وهكذا.

ويحرم الإقدام أيضاً على الإناءات المتعدّدة إذا كان فيها مغصوبٌ أو كان حريراً أو كان ذهباً، أو غير ذلك ممّا كانت حرمته أصليّةً لا تشريعيّةً، وكذا كلّ ما اختلط فيه محرَّم أصليّ، فإنّه يجب اجتنابه، وكلّ ما دخل فيه الواجب والمحرَّم نُظر للأهمّ في نظر الشارع فقدّم.

والظاهر أنّ جانب ترك الحرام من حيث هو أهمّ في نظر الشارع من فعل الواجب.

نعم، خرج من تلك القواعد الإناء ان المشتبه طاهرهما بنجسهما، فإنّه تجب إراقتهما والتيمّم، وكان مقتضى القاعدة وجوب الوضوء بهما أو بأحدهما على القول بعدم وجوب اجتناب الشبهة المحصورة؛ وذلك للأخبار(1)المعتبرة بفتوى الأصحاب المعمول عليها فيما عندهم.

وفي إلحاق الغسل بالوضوء وجه قويّ.

واحتمال أنّ حرمة استعمال النجس أصليّة لا تشريعيّة، بعيد كلّ البُعد.

خامسها: هل يجوز ارتكاب الشبهة المحصورة عند إمكان استعمال غيرها؟

هل يجوز ارتكاب الشبهة المحصورة عند إمكان استعمال غيرها، كأن يصلّي فی الثوبين المشتبه فيهما النجس وعنده طاهر، أم لا يجوز؟ وجهان، أقواهما: المنع؛ لأنّ المتيقّن من جواز ارتكابها إنّما هو في حال الاضطرار.

سادسها: هل تجب إراقة الماء تعبّداً عند اشتباه الإناءين؟

هل تجب إراقة الماء تعبّداً عند اشتباه الإناءين، أو تجب لصحّة التيمّم؛ لأنّه مشروط بفقد الماء، أو لا تجب، والأمر بالإراقة مراد به الأمر بالترك؟ وجوه، أقواها الأخير.

سابعها: ليس من الشبهة المحصورة اشتباه التكليف بالنسبة إلى المكلّفين

ليس من الشبهة المحصورة اشتباه التكليف بالنسبة إلى المكلّفين، كواجدي المنيّ في الثوب المشترك.

ويلحق به على الظاهر اشتباه وقوع قطرةٍ من نجاسةٍ على أحد بدني شخصين. وفي إلحاق ثيابهما وجهٌ. وأمّا غير ثيابهما ممّا كان في أيديهما أو مطروح بينهما وإن كان كلّ واحدٍ ملكاً لواحدٍ فهو من الشبهة المحصورة.

ثامنها: لو دخلت الأرض في الاشتباه بين وقوع النجاسة عليها أو على غيرها

لو دخلت الأرض فی الاشتباه بین وقوع النجاسۀ علیها أو علی غیرها خرج عن


1) وسائل الشيعة 1: 151 و 155 - 156، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 2 و 14.

حكم الشبهة المحصورة إمّا لأنّ ذلك غير محصورٍ عرفاً، وإما أنّه محصور أخرجه عن حكم الشبهة المحصورة السيرةُ والعسرُ والحرجُ.

تاسعها : لو انكفأ أحد المشتبهين وجب اجتناب الباقي

لو انكفأ أحد المشتبهين وجب اجتناب الباقي؛ للاستصحاب، ولأنّ فرض وجوده كوجوده المحقّق في الحكم.

عاشرها: لو اشتبه أحد المشتبهين بغيره من المحصور

لو اشتبه أحد المشتبهين بغيره من المحصور، قوي القول بإجراء حكم المشتبه عليه؛ لأنّه لو انضمّ الثاني إلى الأوّل كان كله شبهةً محصورة.

ويحتمل إلحاقه بغير المحصور.

ويحتمل الفرق بين ما إذا انضمّ فيعود جميعه غير محصور فيجري عليه حكم غير المحصور، وبين ما إذا لم ينضمّ فيبقى على حصره فيجري عليه حكم المحصور.

والأقوى إجراء حكم الطاهر عليه؛ لعدم العلم بدخول النجس في المشتبه، والمتيقّن من الشبهة المحصورة هو ما دخل النجس بيقينٍ فيها، لا ما دخل المحتمل للنجاسة.

حادي عشرها: هل یجزی حکم الإراقۀ فیما لو کانت الإناءات أکثر من واحدٍ أو...؟

لو كانت الإناءات أكثر من واحدٍ، أو كان المشتبه غير إناءٍ كغدير وشبهه أو دخل أحد أفراد المشتبه في أفراد آخَر فاشتبه فهل يجري عليه حكم الإراقة أم لا؟ وجهان، أقواهما: الإجراء في الأوّلين دون الأخيرين.

ثاني عشرها: المشتبه المحصور لا ينجّس غيره

المشتبه المحصور لا ينجّس غيره ؛لاستصحاب طهارة الملاقي شرعاً، واحتياج التنجيس إلى دليل، وليس فليس.

ثالث عشرها:حکم ما لو قامت البيّنة أو أخبر ذو اليد أو العدل-على الأظهر - بطهارة أحد الإناءين وحلّيّة أحد الفردين

لو قامت البيّنة أو أخبر ذو اليد أو العدل-على الأظهر - بطهارة أحد الإناءين وحلّيّة أحد الفردين قُبِل ذلك . ولو حصل الظنّ بالطهارة أو الحِلّ من أمارات غير شرعيّة لم يُلتفت إليه.

رابع عشرها: لا فرق في الشبهة المحصورة بين طروء ما يؤثّر نجاسةً وتحريماً على أحدهما بعد أن كان الإناءان طاهرين والشيئان محلّلين، وبين ما كان أحدهما ابتداءٌ نجساً أو حراماً

لا فرق في الشبهة المحصورة بين طروء ما يؤثّر نجاسةً وتحريماً على أحدهما بعد أن كان الإناءان طاهرين والشيئان محلّلين، وبين ما كان أحدهما ابتداءٌ نجساً أو حراماً فاشتبه بآخَر، إلّا أنّ إجراء الاستصحاب في الأخير أضعف.

خامس عشرها : يصحّ رفع الخبث في المشتبه طاهره بنجسه

يصحّ رفع الخبث في المشتبه طاهره بنجسه إذا تعاقبا عليه؛ لأصالة الطهارة، ولانقطاع استصحاب النجاسة الأولى.

ودعوى حصول العلم بالتنجيس عند تعاقبهما قطعاً فيستصحب، يمكن دفعها بمنع حجّية الاستصحاب؛ لأوله إلى استصحاب الكلّي، وهو غير حجّة، والأصل الطهارة، والاحتياط غير خفيّ.

سادس عشرها: لو اشتبه التراب النجس بالطاهر

لو اشتبه التراب النجس بالطاهر ،تيمّم بهما، ولا يجب إهراقهما.

سابع عشرها: لو تعارضت البيّنتان في الإناءين

لو تعارضت البيّنتان في الإناءين فكلّ بيّنةٍ تحكم بنجاسة أحدهما معيّناً وطهارة الآخَر، فالأقوى بقاء حكم الاشتباه، والحكم بالطهارة بعيد.

ولو تعارضت البيّنتان في موضوعٍ واحد، فإن كانتا مطلقتين قُدّمت بيّنة النجاسة، وإن كانتا مقيّدتين في زمن خاصّ وسببٍ خاصّ، احتُمل تساقطهما والرجوع لأصل الطهارة، وهو الأقوى.

واحتُمل تقديم بيّنة الطهارة ؛لاعتضادها بالأصل، وهو كالأوّل ثمرةً.

واحتُمل تقديم بيّنة النجاسة؛ لأنّها كالمثبتة وتلك(1)كالنافية.

واحتُمل استعمال القرعة.

ولو أخبر ذو اليد بنجاسة شيء بعد استعماله ولم يكن عدلاً، فالظاهر عدم قبول خبره.

وكذا لو أخبر بذلك بعد بيعه؛ لأنّ المتيقّن من وجوب تصديق ذي اليد إنّما هو ما كان قبل الاستعمال.

ثامن عشرها: لو اشتبه المضاف بالمطلق

لو اشتبه المضاف بالمطلق وانحصر فيهما توضّاً بهما معاً.

ولو أمكن خلطهما بحيث يعود المضاف مطلقاً وجب؛ لأنّه مقدّمة الواجب المطلق المشروط، كما إذا قلّ الماء وأمكن تكميله بالمطلق.

ويحتمل عدم وجوب التكميل؛ لأنّ وجوب الطهارة مشروط بحصول الماء ووجوده في الخارج، فلا يجب إيجاده وإن وجب تحصيل الموجود؛ لأنّ مقدّمة الواجب المطلق يجب إيجادها و إن وجب تحصيل الموجود منها.

تاسع عشرها: لو انكفأ أحد الإناءين من المشتبه بالمطلق

لو انكفأ أحد الإناءين من المشتبه بالمطلق، فهل يجب الوضوء به والتيمّم، أو يجب التيمم فقط ؟ وجهان، يبنى الأوّل على وجوب المقدّمة الاحتماليّة.

الظاهر عدم وجوبها؛ لعدم الدليل عليه، إلّا أنّه قد نقل الإجماع (2)على وجوب الجمع، و الفراغ اليقيني من المشروط بالطهارة موقوف عليه أيضاً، فالاحتياط يقضي بوجوبه.


1) في «ق»: «الثانية» بدل «تلك».

2) لاحظ مدارك الأحكام 1: 109.

بحث في الماء المضاف

وفيه أُمور:
أحدها: الماء المضاف قد يكون مضافاً بأصله أو بعارض

الماء المضاف قد يكون مضافاً بأصله ،كمياه الفواكه، والمصعّد من الأوراد، والمعتصر من الأجسام الرطبة، وقد يكون بالعارض عند مخالطة المطلق ما يخرجه عن إطلاقه من لحم أو لبن أو غير ذلك.

والأصل في الثاني بقاء الإطلاق عند الشكّ في خروجه عنه، كما يستصحب بقاء الإطلاق في الماء المخلوط عليه شيء من سدر أو كافور أو بعض الأدوية ولو غيّرت لونه أو طعمه أو ريحه.

وأمّا الأوّل: فالأظهر عدم إجراء الأصل في المشكوك به؛ لإجراء أصل العدم في كونه مطلقاً ومضافاً.

نعم، قد يقال في الماء المشكوك فيه ابتداءً: إنّه محكوم عليه بأنّه ماء مطلق؛ للغلبة المفيدة للظنّ بذلك، ولأصالة عدم التقييد ولكنّ التمسّك بهما محلّ إشكال.

ثانيها: لا يرفع الماء المضاف حدثاً

لا يرفع الماء المضاف حدثاً؛ إجماعاً محصّلاً، فضلاً عن أن يكون منقولاً(1)، ولانصراف أوامر الطهارة بالماء للماء المطلق، وللشكّ في رفع الحدث به بعد حصوله، ولاستصحاب الشغل اليقيني بالمشروط بالطهارة إلى أن يعلم المزيل، وهو مشكوك به، ولقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءاً(2)والماء حقيقة في المطلق أو منصرف إليه الإطلاق، وللأخبار الخاصّة(3).

فقول الصدوق(رحمۀ الله علیه)بجواز رفع الحدث الأصغر والجنابة أو مطلقاً بماء الورد(4)استناداً


1) غنية النزوع 1: 50.

2) النساء (4): 43: المائدة (5): 6

3) وسائل الشيعة 1: 201 ، الباب 1 من أبواب الماء المضاف.... ح 1 و 2.

4) الفقيه 6:1، ذيل الحديث 3

لروايةٍ(1)ضعيفة سنداً ومتناً، ضعيف، فلتُطرح، أو تُحمل على إرادة الورد- بكسر الواو - أو على ماء طُرح فيه بعض الورد.

وكذا قول ابن أبي عقيل في جواز رفع الحدث به عند الضرورة(2).

وما ورد من جواز الوضوء بالنبيذ(3)، محمول على الماء المنبوذ فيه شيء من التمر بحيث لا يخرجه عن مسماه عرفاً.

ثالثها: عدم رفع المال المضاف للخبث

ولا يزيل(4)خبثاً أيضاً؛ للاستصحاب، وليقين الشغل في المشروط بالطهارة، ولأوامره(5)الغَسْل المنصرفة للماء المطلق، ولبعض الأوامر المقيّدة للغَسْل بالماء(6)، وهو حقيقة أو ظاهر في المطلق. ولتنجّس المضاف بالملاقاة فلا يحصل به تطهير وتطهير المطلق وإن تنجّس خارج بالإجماع، ولمساواة الخبث للحدث في المعنى على وجهٍ.

ولظاهر الإجماع وفتوى المشهور.

فقول المرتضى والمفيد(رحمۀ الله علیه) بجواز رفع الخبث به(7)استناداً للإجماع، وللرواية، ولإطلاق الأمر بالتطهير والغسل، ولأنّ المقصود حصول إزالة النجاسة بأيّ نحو اتّفق، ولما ورد من غَسْل الدم بالبصاق، ومن طهارة اليد النجسة من البول بمسحها على الحائط(8)، ولقوله تعالى:وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(9)ولأنّ غير الماء كالخَلّ أبلغ في التنظيف، ضعيف؛ لضعف الإجماع بفتوى الأكثر، بل الكلّ بخلافه، ولعدم العثور على الرواية فتضعف بالإرسال ولانصراف أوامر التطهير والغَسْل إلى استعمال الماء المطلق لغةً و شرعاً على وجه الحقيقة أو على وجه ظهور الإرادة لذلك، ولمنع فهم إرادة زوال النجاسة بأيّ نحوٍ اتّفق، بل المفهوم من الأخبار وفتوى الأخيار أنّ المقصود


1) وسائل الشيعة 1: 204 ، الباب 3 من أبواب الماء المضاف..... ح 1.

2) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 57، المسألة 30.

3) وسائل الشيعة 1: 202 ، الباب 2 من أبواب الماء المضاف..... ح 1.

4) في «ج، ن»: «لا يرفع» بدل «لا يزيل».

5) منها ما في وسائل الشيعة 3: 395، الباب 1 من أبواب النجاسات، ح 1 و 2.

6) المصدر: 397 - 398، الباب 3 من أبواب النجاسات، ح 2.

7) المسائل الناصريّات: 105، المسألة 22؛ وحكاه المحقّق في المعتبر 1: 82 عن المسائل الخلافيّة للمفيد.

8) وسائل الشيعة 1: 205 ، الباب 4 من أبواب الماء المضاف... ، ح 2 و 3: 401، الباب 6 من أبواب النجاسات، ح 1.

9) المدّثّر (74): 4.

من الطهارة الإزالة بالماء المطلق، كما يُفهم من استقراء جزئيّات الموارد الآمرة فيها بالغَسْل في الثوب والبدن والأواني(1)، ولا قائل بالفرق بينها.

و ما دلّ على أنّ زوال العين مطهّر(2)، كالباطن وأعضاء الحيوان، فذلك للدليل، على أنّ استصحاب النجاسة محكّم، فلا يزول إلّا باليقين ولا يقين إلّا بالماء المطلق.

ولأنّ ما ورد في رواية البصاق والمسح على الحائط لا يقوله هو ولا نحن؛ لأنّ البصاق والدمع والعرق وما أشبهها ليس من الماء المضاف الذي هو محلّ البحث.

ولئن قالها باعتبار أنّ البصاق ماء مضاف وأنّ اليد جسم صقيل، والجسم الصقيل يكفي فيه زوال العين، رددناه بضعفهما، وعدم العامل بهما، وإعراض الأصحاب عنهما، ولو كان زوال العين والبصاق والماء المضاف مطهّراً لاشتهر غاية الاشتهار ولما خفي مع توفّر الدواعي إليه.

ولأنّ الآية مجملة المراد إن أريد الحقيقة الشرعيّة من الطهارة، كما هو الأقوى، ومحمولة على إرادة التشمير والتقصير أو التنزّه عن النقائص إن أُريد المعنى اللغوي. وفي الروايات ما يؤذن بإرادة ذلك(3)ولأنّ كون غير الماء أبلغ في التنظيف مسلَّم لو أُريد به الحسّي وممنوع لو أُريد الشرعي، والشرعي مجمل بعد ثبوت النجاسة، والمتيقّن منه التطهير بالماء المطلق.

فدعوى بعض المتأخّرين(4)، أنّه لم يقم دليل على اشتراط الطهارة بالماء المطلق لجميع النجاسات، بل المتيقّن من الشرع هو إيجاب الإزالة للعين لا وجه لها بعد العلم بتحقّق النجاسة واحتياجها للمزيل القطعي.

رابعها: ينجس المضاف بملاقاة النجاسة

ينجس المضاف بملاقاة النجاسة كسائر المائعات؛ إجماعاً، وللأخبار الآمرة بإهراق المرق و غَسل اللحم بوقوع الفأرة في القِدْر ، أو بوقوع قطرة نبيذ أو خمر مسكر فيه(5)، والخبر الناهي عن أكل السمن عند وقوع الفأرة الميّتة إذا كان ذائباً (6)، وللإجماع الدالّ على أنّ ملاقاة الرطب للنجس تنجّسه، فينجس كلّ ما يلاقيه من الأجزاء فتسري النجاسة للكلّ.


1) وسائل الشيعة 3: 402، 428 و 516 ، الباب 7، 19 و 70 من أبواب النجاسات.

2) راجع الهامش (8) من ص 106.

3) الكافي 6 455 - 458 ، باب تشمير الثياب، ح 1، 4 و 10.

4) الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1: 77 مفتاح 87

5) وسائل الشيعة 206:1 الباب 5 من أبواب الماء المضاف ... ، ح 3 و 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، ح 8.

6) المصدر 1: 205 - 206 ، الباب 5 من أبواب الماء المضاف..... ح 1.

والعمدة في الاستدلال الإجماع المحصل على أنّ كلّ رطب ينجس بالملاقاة، وأنّ كلّ مائع متساوي السطوح تسري إليه النجاسة، ولولا الإجماع لأمكنت المناقشة في كلتا المقدّمتين، ولذلك حكمنا بأنّ العالي تسنيميّاً إذا لم يكن واقفاً مستقرّاً بل وتسريحيّاً إذا كان علوّه بيّناً لا تسري إليه النجاسة من السافل سواء كان ماءً مضافاً أو مائعاً آخَر؛ للشكّ في شمول إطلاقات الفقهاء وإجماعاتهم على انفعال المضاف لتلك الصورة، بل ربّما يدعى أنّ السيرة ودليل العسر والحرج يقضيان بعدم السراية.

خامسها:حکم ما لو امتزج المضاف بالمطلق

لو امتزج المضاف بالمطلق، فإن كان المضاف مسلوب الصفات وجب التوقّف عنه لغير المطّلع على المزج وعلى قدر الممزوج.

واحتمال أصالة إطلاق الماء؛ لأغلبيّته، بعيد لا دليل عليه؛ لتعارض الأصلين هاهنا.

وأمّا المطّلع على مزجه فيرجع في حكمه إلى العرف بعد اطّلاعهم عليه، فإن سُمّي مطلقاً لقلّة المضاف أو استهلاكه فيه فهو مطلق، وإن سُمّي مضافاً لعكس ذلك، فهو مضاف. وإن اشتبه عليه العرف أو اشتبه العرف نفسه كما إذا اختلط المتساويان كمّاً وكيفاً، فهو مطلق ومضاف؛ استصحاباً لبقاء كلٍّ منهما.

واحتمال خروجه عن كلّ واحدٍ منهما؛ لأنّ المركّب من الداخل والخارج خارج، غير بعيدٍ.

وعلى الأوّل فهل يرفع الحدث والخبث؛ لاشتماله على المقتضي لذلك وهو الماء المطلق، وامتزاج المضاف معه غير مانعٍ من تأثيره أثره، أو لا يرفع شيئاً؛ لامتزاجه معه، وصيرورتهما شيئاً واحداً فلا يتم معه التأثير؛ لصيرورة المضاف بمنزلة الحاجب حينئذ؟

ولا يبعد أنّ الأقوى حصول الارتفاع بالمطلق.

نعم على الاحتمال الثاني لا يمكن رفع الحدث والخبث به؛ لخروجه عن مسمّى الماء المطلق وهو شرط في الرفع.

واحتمال أنّ الشرط هو عدم صدق المضاف لا صدق الماء المطلق، بعيد كلّ البُعْد.

و إن كان المضاف غير مسلوب الصفات، رجع حكمه إلى العرف أيضاً، إلّا أنّ حكمه عندهم أظهر من فاقدها بالنسبة إلى الأغلبيّة وعدمها ومعرفة غلبة اسم أحدهما وعدمها، ولا مدخليّة لغلبة وصف المضاف على المطلق هاهنا وعدمها في تسميته مضافاً أو مطلقاً؛ لأنّ غلبة الوصف

لا تلازم غلبة نفس الموصوف؛ إذ ربّ قطرة من الماء المضاف تؤثّر في كُرٍّ من ماء تغيّراً بلون أو طعم أو رائحة.

فظهر بذلك أنّ ما اعتبره الشيخ(رحمۀ الله علیه)(1)من الأكثريّة، فالأكثر منهما يغلب على غير الأكثر حكماً واسماً، ومع التساوي يغلب المطلق أيضاً، وكذا ما اعتبره العلامة(رحمۀ الله علیه)(2)من التقدير في مسلوب الصفات كتقدير الحُرّ عبداً فيما لا مقدّر له من الجنايات، إن أرادا به الرجوع إلى العرف بذلك ورد عليهما أنّ العرف لا يدور مدار الأكثريّة، ولا مدار الوصف، فقد يحكم العرف بتسمية الممزوج مضافاً وإن لم يُقدّر له وصفاً، وقد لا يحكم وإن قدّر له وصفاً مخالفاً لو وجد لغلب ذلك الوصف على المطلق.

نعم، لاينكر مدخليّة الأوصاف في التأثير في الجملة، ففي معرفة الصدق في الاسم وعدمه أيضاً في الجملة. على أنّ التقدير ممّا يشكل حكمه في أنّه هل يقدّر الوصف الأعلى أو الأدنى أو الوسط أو ما كان عليه؟ وإن كان الأقوى في النظر هو الثالث، وذلك غير مُجدٍ ولا مثبت للحكم كلّيّاً.

سادسها : لو تنجّس المضاف قوي القول بعدم قبوله للتطهير

لو تنجّس المضاف قوي القول بعدم قبوله للتطهير؛ لاستصحاب النجاسة، وعدم معرفة كيفيّة تطهيره بالخصوص من الشرع، وعدم عمومٍ شاملٍ لتطهيره سوى إطلاق: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً(3)، وشبهه(4)، وهو لا يثبت عموم التطهير لكلّ متنجّس، ولو شمل ذلك فهو مجمل بالنسبة إلى كيفيّات التطهير للمتنجّسات.

والأقوى قبوله للتطهير بالكثير والجاري إذا عُلِم بامتزاج جميع أجزاء المطلق به قبل خروجه عن الإطلاق؛ لظهور دخول هذا الفرد من النجس وهذا الفرد من كيفيّة التطهير في إطلاق ما دلّ على طهوريّة الماء في مقام الامتنان، ولا حاجة إلى الاستهلاك حينئذٍ في التطهير ؛ لأنّ الاستهلاك مطهّر له قطعاً، ولا كلام فيه.

نعم، لو أُخرج المطلق عن إطلاقه قبل امتزاجه به تماماً، بقي على نجاسته، وتنجّس المطلق به.


1) المبسوط 8:1.

2) مختلف الشيعة 1: 73، المسألة 38

3) الفرقان (25): 48

4) . الأنفال (8): 11

ولا يتفاوت في تطهير المطلق له بين اتّصاف المطلق بوصفه وعدمه؛ لأنّ تغيّر المطلق بوصف المتنجّس لا ينجّسه على الأقوى.

ودعوى أنّ امتزاج المطلق بالمضاف مُخرجٌ له عن الإضافة وصائر به إلى الاستهلاك؛ دعوى يردّها العرف أوّلاً، ولا يضرّنا تسليمها ثانياً.

ولو وقعت الممازجة وسلب الإطلاق دفعةً واحدةً، أمكن الحكم بالطهارة وعدم الطهوريّة.

سابعها: ما لم يعلم إطلاقه لا يجوز استعماله

ما لم يعلم إطلاقه لا يجوز استعماله؛ لأنّ الشرط إطلاق الماء، إلّا إذا كان مشتبهاً بمحصور، فإنّه يجب من باب المقدّمة، ولا يكفي عدم العلم بكونه مضافاً في وجوب الطهارة المائيّة، لقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا(1)، وغير المعلوم أنّه ماء غير موجود؛ لأصالة عدم وجوده، فالمشتبه بين المضاف والمطلق ابتداءً، أو المشتبه عارضاً، أو المشتبه في محصور وقد انكفاً واحد من المحصور لا يكتفى في الوضوء به، بل ولا يجب الوضوء به والتيمّم.

وقد يقوى القول بوجوب الجمع بين الوضوء والتيمّم احتياطاً؛ لتحصيل فراغ الذمّة المقطوع بشغلها في العبادة المشروطة بالطهارة المائيّة على تقدير الوجود، وبالترابيّة على تقدير العدم، وللإجماع المنقول(2)على وجوب الجمع، فلا يبعد البناء عليه.


1) المائدة (6) :5

2) لاحظ مدارك الأحكام 1: 109

أحكام الماء المستعمل

بحث فی طهارۀ ماء الاستنجاء

اشارة

ماء الاستنجاء من الغائط والبول طاهر، ولا تجري عليه أحكام النجس من التنجيس وعدم رفع الخبث به، وإن امتنع رفع الحدث به؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول(1)، وامتنع أكله وشربه من جهة الاستخباث.

والدليل على طهارته الأخبار(2)النافية للبأس عن الثوب الواقع عليه والبدن المماسّ له ، المشعرة بتنقيح المناط بعدم الفرق بينهما وبين غيرهما الشاملة للمستعمل من الغائط والبول، العامّة لنفي البأس عن جميع آثار النجاسة من جهة نفي البأس المشتملة عليه، ولخصوص الصحيح النافي للنجاسة بعد السؤال عن تنجيسه(3)، ولأدلّة نفي العسر والحرج(4).

والقائل بالعفو دون الطهارة(5)ن أراد به أنّه نجس(6)وتجري عليه أحكام النجس سوى جواز فعل المشروط بالطهارة معه، فهو خلاف الإجماع، وإن أراد بالعفو ما يشمل العفو عن تنجيسه للملاقي بحيث يكون نجساً لا ينجس كاليابس لكنّه لا يجوز شربه ورفع الخبث به، كان مخالفاً لظاهر الفتوى والرواية من أنّ كلّ نجس ينجّس، ومن أنّه غير نجسٍ، وكلّ ما لا ينجس من الماء يزيل الخبث؛ لعموم طهوريّة الماء.


1) ذكرى الشيعة 1: 82 ریاض المسائل 1: 71

2) وسائل الشيعة 1: 221 - 223 ، الباب 13 من أبواب الماء المضاف... ح 1 و 4.

3) المصدر: 223، ح 5.

4) تقدّم تخريجها في ص 73 الهامش (1)

5) حكاه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 91 عن السيد المرتضى في مصباحه.

6) في «ج، ف»: «ينجّس».

نعم، لا يجوز شربه؛ للاستخباث، وعدم جواز شربه للاستخباث لا ينافي طهارته وطهوريتّه ،كما أنّه لا يرفع الحدث؛ للإجماع.

والأحوط عدم إزالة الخبث به.

ولمّا كان الحكم بطهارته مخالفاً للقواعد وجب الاقتصار على المتيقّن من عدم تغيّره بالنجس، وعدم اختلاطه بنجاسةٍ أُخرى مصاحبة للحدثين أو خارجة عنهما، وعدم تجاوز الحدث المحلّ تجاوزاً فاحشاً، وعدم كون الخارج غير الحدثين المعتادين.

وأمّا اشتراط عدم مخالطته لمتنجّسٍ خارج من السبيلين غير الحدثين كدود وشبهه، وعدم سبق اليد إلى المحلّ قبل الماء، وعدم انفصال أجزاء من النجاسة متميّزة إلى الماء، وعدم زيادة وزن الماء بعد الاستعمال عليه قبله، وعدم الخروج عن كيفيّة الغسل إلى غير المعهود، وعدم بقائه متّصلاً بالمحلّ، فلا نقول به، وإن كان الاحتياط في ذلك مطلوباً، وفيه ما هو شديد، وفيه ما هو ضعيف.

بحث :فی حکم الماء المستعمل فی غسل الخبث

الماء المستعمل في غَسْل الخبث - غير ما ذكرناه من ماء الاستنجاء - إذا لم يتغيّر بعين النجاسة وإن تغيّر بالمتنجّس، قيل: هو نجس مطلقاً(1)، سواء كان من الغسلة الأُولى أم من غيرها، وسواء تعدّى عن محلّه أم لا، وسواء انفصل عن الجسم الذي جرى إليه أم لا، وسواء انقطع اتّصاله فصار في مكان آخر أم لا، وسواء غسل آنية الولوغ به أم لا، وسواء كان وارداً أم كان موروداً، وسواء طهر المحلّ به أم احتاج إلى تكرير.

وهذا هو الحقّ؛ وفاقاً لفتوى المشهور نقلاً(2)بل وتحصيلاً، وللاحتياط، ولاستقراء أدلّة انفعال الماء القليل المفيد للقطع بانفعاله مطلقاً، ولمفهوم أخبار الكُرّ(3)، المشعرة بحُمْلان ما يبلغ الكُرّ كلَّ خبثٍ؛ لترك البيان فيه في المفهوم؛ إذ لو كان يحمل خبثاً دون آخر لبيّنه الإمام(عليه السلام)في تلك الأخبار.


1) ممّن قال به العلّامة الحلّي في تحرير الأحكام 1: 51، الرقم 34.

2) مفتاح الكرامة 1: 90

3) وسائل الشيعة 1: 158 و 159، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 1، 2، 5 و 6.

وبهذا يندفع الإيراد على من استدلّ على النجاسة بالمفهوم من روايات الكُرّ: بأنّ المفهوم غير عامٍّ؛ لأنّ غايته رفع حكم المنطوق، وهو عدم حُملان كلّ الخبث للكُرّ، وهو يقضي بحُمْلان ما دونه لكلّ خبث، فيكفي فيه الإهمال والإيجاب الجزئي، وهو حاصل في غير خبث المغسول، فيتّجه أنّه حينئذٍ لا يحمل خبث المغسول، سيّما لو كان وارداً عليه.

ووجه الدفع هو: أنّه في مقام البيان يُفهم أنّ الكُرّيّة و عدمها علّة في عدم الحملان والحملان.

وللإجماعات المنقولة (1)على تنجّس الماء إذا كان على بدن المجنب نجاسة، أو على بدن الحائض حيض، ولإطلاق الإجماع على نجاسة الماء القليل.

وللنهي عن غسالة الحمّام(2)، فإنّ الظاهر منه أنّه لتنجسها بالمغسول.

ولخبر العيص- المعتبر بفتوى المشهور - الدالّ على الأمر بغسل ما أصابه قطرة من وَضوءٍ بول أو قذر(3).

ولخبر عبد الله بن سنان الناهي عن الوضوء من الماء الذي يغسل به الثوب(4).

ولما جاء من الأمر بالعصر(5)، فإنّ الظاهر أنّه لإخراج ماء الغسالة لنجاسته.

ولأنّ الماء إذا وقع على المغسول فإمّا أن ينجّس المغسول ما باشره أو لا، والثاني لا قائل به، وعلى الأوّل يلزم التنجيس بتوسّط شيء طاهر، وهو غريب.

ولما جاء من الأمر بإهراق الماء من المغسول المتعدّد في الظروف والأواني(6).

ولأنّه لو كانت الغسالة طاهرة لما خفي حكمها مع توفّر الدواعي إلى بيانها، كما ظهر ذلك في ماء الاستنجاء، ولاستبعاد تنجّس الماء بقليل من البول ولو قطرة في غير الغسل، وعدم تنجّسه بأكثر منه إذا كان غسلاً، ولاستبعاد عدم الحكم على الماء الوارد على الإناء بشيء من الطهارة والنجاسة إلى أن ينكشف حاله، فإن أُريق تبيّن أنّه ماء غسالة و أنّه طاهر، وإلّا تبيّن أنّه نجس.


1) منها: ما في تحرير الأحكام 1: 54، الرقم 48.

2) وسائل الشيعة 1: 218 - 219 ، الباب 11 من أبواب الماء المضاف..... ح 1.

3) المصدر : 215 ، الباب 9 من أبواب الماء المضاف.... ح 14.

4) المصدر، ح 13.

5) المصدر 3 397 الباب 3 من أبواب النجاسات، ح 1.

6) المصدر 1 154 الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 10 و 11.

وإن حكم عليه بالطهارة ابتداءٌ قارب حكم ابن أبي عقيل بطهارة الماء القليل(1).

نعم، يستثنى من نجاسة ماء الغسالة ما بقي من الماء في المغسول عادة، أو كان بحيث یشقّ إخراجه.

وكذا ما يقع على اليد العاصرة أو المباشرة للمغسول؛ لقيام السيرة على طهارته أو على أنّه نجس لا ينجّس ، فهو معفوّ عنه ، كما قامت على طهارة اليد وآلات العصر تبعاً، فلا استبعاد من كون ماء واحد بعضه طاهر وبعضه نجس، أو طهارته بعد الحكم بنجاسته، كما قامت السيرة أيضاً على طهارة ما جرى عليه الماء من المكان الطاهر بعد انفصاله إذا توقّف غسل المحلّ النجس على جريانه عليه عادة.

نعم، لو لم ينفصل ماء الغسالة عن المحلّ النجس أو عمّا جرى عليه من الطاهر بقيا على النجاسة، إلّا إذا لم يمكن الانفصال، ففي تطهيرهما وجهٌ غير بعيدٍ.

و قيل بطهارة ماء الغسالة مطلقاً(2)للأصل والعمومات، وللشكّ في شمول أدلّة انفعال الماء القليل لماء الغسالة، وللشكّ في عموم قاعدة «أنّ كلّ متنجّس ينجّس» كي يُحكم بنجاسة الماء.

وللقاعدة المحكّمة المؤيّدة بالاعتبار والموافقة لأُصول المذهب وفتاوى الأصحاب- كما قال ابن إدريس(رحمۀ الله علیه)(3)- من أنّ النجس لا يطهّر.

ولأدلّة نفي العسر والحرج(4)اللازمين للقول بالنجاسة؛ لغلبة تعدّي ماء الغسالة إلى غير المحلّ، ولتقاطرها غالباً على المباشرين للغسل، ولعدم معرفة قدر المتخلّف، ولاستبعاد اختلاف أجزاء الماء طهارةً ونجاسةً، أو تطهير المتخلّف بغير مطهّرٍ.

ولما ورد في أخبار الاستنجاء من تعليل طهارة مائه أنّه أكثر من القذر(5).

ولما ورد في بعضها: إنّي أستنجي ثمّ يقع ثوبي فيه وأنا جنب، قال: «لا بأس»(6).


1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 13، المسألة 1.

2) قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 15.

3) السرائر 1: 181

4) تقدم تخريجها في ص 73، الهامش (1).

5) وسائل الشيعة ،1 222 الباب 3 من أبواب الماء المضاف... ح 2.

6) المصدر: 222 - 223، ح 4.

ولما ورد: «اغسله في المركن مرّتين»(1)فإنّ ظاهره عدم تنجّس المركن بالماء.

ولما ورد من الأمر بالصبّ لبول الصبيّ (2)، والأمر بالنضح للجانب الآخَر من الثوب والفرو(3). وفي الجميع نظر ؛ لانقطاع الأصل والعمومات بالدليل الخاصّ.

ولعدم الشكّ في شمول أدلّة انفعال الماء القليل لماء الغسالة من المفهوم وممّا حصل من الاستقراء.

ولعدم الشكّ في ثبوت قاعدة «أنّ كلّ نجس ينجّس» لتحصيلها على سبيل القطع من موارد الأخبار والإجماع كما يظهر للمتتبّع.

ولعدم تسليم قاعدة أنّ النجس لا يطهّر مطلقاً حتّى لو تنجّس بما طهرّه كحجر الاستنجاء، و ماء الغسالة مثله، إنّما المسلّم أنّ النجس سابقاً على حال التطهير لا يطهّر.

و لعدم تسليم حصول العسر والحرج بعد الحكم بطهارة ما يلزم العسر والحرج بتنجيسه من ثياب وآلات ومكان متعدٍّ إليه وبقايا متخلّفة، اقتصاراً على مورد اليقين، أو الحكم بأنّه نجس لا ينجّس، فهو معفوّ عنه للدليل، ويرجع في قدر المتخلّف ومكان التعدي إلى المتعارف.

ولعدم غرابة طهارة المتخلّف من غير مطهّرٍ، كما وقع في كثير من أحكام الطهارة التبعيّة ونحوها.

ولضعف الرواية الأُولى عن مقاومة ما ذكرناه من الأدلّة؛ لضعف المفهوم أوّلاً، ولكثرة الخارج منها ثانياً.

وكذا الرواية الثانية، ولعدم ملازمة الجنب لتلوّث بدنه.

وكذا الثالثة، ولعدم دلالتها على طهارة المركن وعدم تنجّسه بماء الغسالة إلّا بإشعارٍ ضعيف، وهو غير حجّةٍ.

وكذا الرابعة والخامسة، ولعدم دلالة عدم الأمر بالعصر على الطهارة وعدم الانفعال.

نعم، تدلّان على طهارة الماء بعد ذلك حكماً شرعيّاً، كالحكم بطهارة المتخلّف.

وقيل بطهارة ماء الغسالة حالة الاتّصال وتنجيسه حالة الانفصال(4)جمعاً بين ما دلّ على أنّ النجس لا يطهّر، وما دلّ على أنّ الماء القليل ينفعل.


1) وسائل الشيعة 3: 397، الباب 2 من أبواب النجاسات، ح 1.

2) المصدر، الباب 3 من أبواب النجاسات، ح 1.

3) المصدر : 400 الباب 5 من أبواب النجاسات، ح 2.

4) قاله العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 72، المسألة 37.

وفيه: أنّ الحكم بالنجاسة بعد الانفصال حكم من غير مقتض؛ إذ المقتضي لها الملاقاة وقد انقضت وهي على حالة الطهارة، فلا مقتضي للتنجيس بعد ذلك، ولا أثر للمقتضي بعد انقضائه لفواته من دون أن يعمل عمله.

وقيل بطهارة ماء الغسالة من إناء الولوغ مطلقاً، دون غيره فإنّه ينجس ماء الغسلة الأُولى دون الثانية(1).

وفيه: أنّه قول من غير دليل.

وقيل بالفرق بين الغسلة المزيلة للعين فهي نجسة؛ لعدم مدخليّتها في التطهير، وبين غير المزيلة فهي طاهرة(2).

وفيه: أنّ الأقوى كفاية المزيلة فيجري الكلام فيها.

وقيل بطهارة ماء الغسالة إن كان وارداً، ونجاسته إن كان موروداً(3)، كغسل الثوب في الإجانة والمركن، فيطهر الثوب وينجس الماء والإناء؛ لأنّ المتيقّن من عدم انفعال الماء القليل هو ما إذا كان وارداً لقوّته، لا ما إذا كان موروداً.

ويظهر الردّ عليه مما تقدّم.

وقيل بنجاسة الغسالة التي لم يحصل بها التطهير وطهارة ما حصل بها التطهير(4)، فهي كالمحلّ بعدها؛ وذلك لأنّ تطهير النجس غير معقولٍ، فيحكم بطهارتها دون غيرها؛ لشمول أدلّة انفعال الماء القليل لها.

ويظهر من بعضهم القول بنجاسة ماء غسالة المحلّ و لو بعد طهره، فهي نجسة وإن ترامت بعد طهر المحلّ. وهو قول غير معقولٍ.

ثمّ إنّ القائلين بطهارة ماء الغسالة يظهر من الكثير منهم إثبات الطهوريّة له أيضاً، ما عدا رفع الحدث، فإنّ ظاهرهم الإجماع على عدم جواز رفع الحدث به.

ويظهر من بعضهم إثبات الطهوريّة له حتّى في رفع الحدث.


1) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 181، المسألة 137، و 179، المسألة 135.

2) راجع المبسوط 1: 92

3) قاله السيد المرتضى في المسائل الناصريات: 72 - 73، المسألة 3.

4) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 179، المسألة 135.

ويظهر من بعضهم عدم إثبات الطهوريّة له مطلقاً في حدث وخبث؛ استصحاباً لحالتيهما، مع الشكّ في شمول إطلاق طهوريّة الماء القليل لمثل هذا الفرد من حيث ضعفه - بالاستعمال - لرفع النجاسة.

وقد يقال: إنّ معنى طهارته أنّه معفوّ عنه فهو نجس لا ينجس، فعلى هذا لا يجوز شربه ولا استعماله في الأكل.

وكذا القائلين بالنجاسة اختلفوا في قدر ما يحتاج إليه في الغسل:

فقيل بكفاية المرّة(1)لتيقّنها، وأصالة البراءة من الزائد؛ لرجوع الشكّ في القدر إلى الدوران بين الأقل والأكثر ابتداء.

وقيل: هي كالمحلّ قبل الغسل(2)للشكّ في التطهير بعد تيقّن النجاسة إلى أن يعلم المزيل، فيجب الأخذ بالاحتياط؛ لأنّه من موارد يقين الشغل، لا من موارد الشكّ في التكليف ابتداءً.

وقيل: هي كالمحلّ قبل الغسلة فيحتاج في الأُولى إلى اثنتين، وفي الثانية إلى الواحدة فيما يجب فيه غسلتان(3).

وأقواها: الأوّل، وأحوطها: الوسط، وأعدلها: الأخير؛ وذلك لأنّ التعدّد للبول لا للمتنجّس به مطلقاً. ففي الأُولى يثبت حكم البول لقوّة نجاسته فيها، ثمّ يضعف في الأخيرة فيجري عليها حكم النجس. وهكذا في غير البول.

وحكم المتنجّس بنجاسة ماء الغسالة حكم ماء الغسالة، وإجراء حكم المتنجّس مطلقاً عليه، فيكفي فيه المرّة قويٌّ.

بحث: فی طهارۀ الماء المستعمل في رفع الحدث الأصغر وكذا المستعمل في الأغسال المندوبة
اشارة

الماء المستعمل في رفع الحدث الأصغر طهور مزيل للحدث والخبث من غير خلاف يُعرف. وكذا المستعمل في الأغسال المندوبة أو الواجبة الغير رافعة أو مبيحة؛ للأصل والعمومات.


1) راجع الخلاف 1: 179، المسألة 135.

2) المعتبر 1: 90

3) الدروس الشرعية 1: 122

طهارۀ الماء المستعمل فی رفع الحدث الأکبر

وأمّا المستعمل في رفع الحدث الأكبر جنابةٌ أو غيرها فهو طاهر؛ للإجماع بقسميه(1)،و رافع للخبث؛ للأصل والعمومات، بل الإجماع منعقد عليه.

وهل يصحّ استعماله في رفع في رفع الحدث الأكبر أو الأصغر؟

وهل يصحّ استعماله في رفع في رفع الحدث الأكبر أو الأصغر؟ قولان، أقربهما: عدم الجواز، ونُسب لأعيان القدماء(2)للاحتياط، والشكّ في حصول رفع الحدث به بعد تيقّن حصوله، وللشكّ في الخروج عن العهدة في الأمر بالغسل به؛ للشكّ في الشرطيّة أو المانعيّة، وكلّ ما شكّ في شرطيّته أو مانعيّته فهو شرط أو مانع.

ولخبر عبد الله بن سنان الناهي عن الوضوء بالماء الذي يغتسل فيه للجنابة (3).

ولا فرق بين الوضوء والغسل، كما لا فرق بين الجنابة وغيرها؛ لعدم القائل بالفرق ممّن يعتدّ به.

وللصحيح في ماء الحمّام: «ولا تغتسل من ماء آخَر، إلّا أن يكون فيه جنب أو يكثر أهله فلا يدرى فيهم جنب أم لا»(4)و إفادته للنهي من جهة الأمر بالاغتسال من ماء آخر المفهوم من الاستثناء بعد نفي طلب الغسل؛ لأنّ المراد أنّه لا يطلب منك الغسل من ماء آخَر إلّا أن يكون فيه جنب، فإنّه يكون مطلوباً، والأصل في الطلب الوجوب، وليس المراد من قوله(عليه السلام): «ولا تغتسل» النهي عن الغسل كي يكون المستثنى حكمه رفع التحريم المتقدّم؛ ضرورة أنّه على خلاف ظاهر الخطاب.

والجمع بين ما كان فيه جنب وبين ما لا يدرى فيه لا يضرّ في الطلب؛ لأنّه قدر مشترك بين الواجب والمندوب فيُحمل في الثاني على الندب.

وللخبر الآخَر بعد سؤاله عن الحمّام:« ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمّام، فإنّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب»(5).

ولما جاء من وجوب غَسْل المغتسل رِجْليه مع استنقاعهما في ماء الغسالة المنفصلة(6). ولولا عدم ارتفاع الحدث بالغسالة لما وجب غسل الرِّجْلين.


1) المعتبر 86:1

2) نسبه المحقق الحلّي في المعتبر 1: 86 إلى المفيد في المقنعة: 64؛ والطوسي في المبسوط 1: 11؛ وابن بابويه.

3) وسائل الشيعة 1: 215 ، الباب 9 من أبواب الماء المضاف..... ح 3.

4) المصدر: 149، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، ح 5.

5) المصدر: 218 - 219 ، الباب 11 من أبواب الماء المضاف..... ح 1.

6) المصدر 2 234، الباب 27 من أبواب الجنابة، ح 3.

وللخبر: «مَن اغتسل من الماء الذي اغتُسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومنّ إلّا نفسه»(1).

وللمكاتبة الصحيحة: عن الغدير يغتسل فيه الجنب: «لا يتوضّاً من مثل هذا إلّا من ضرورة»(2).

وقيل بالجواز(3)، ونُسب(4)لأعلام المتأخّرين ومشهورهم؛ للأصل والعمومات الدالّة على الطهوريّة، ولاستصحاب الطهوريّة عند الشكّ في طروء المانع.

ولما جاء من الأخبار(5)الدالّة على جواز الاغتسال من ماء الحمّام الذي يغتسل فيه الجنب.

وللصحيح: «فإن كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله، فلا عليه أن يغتسل ويرجع الماء [فيه] فإنّ ذلك يجزئه»(6).

وهذا الأخير أقوى؛ لعدم مقاومة أدلّة الأوّل لأدلّته ؛ لضعف بعضها وظهور بعضٍ آخَر في الكراهة، ولجواز استنادها في المنع إلى غلبة اشتمال بدن المجنب على نجاسة المني، كما هو المعتاد والغالب، ودلّت عليه كثير من الأخبار(7)المشتملة على غسل الفرج عند غسله، وأشعرت به أخبار البئر(8)أيضاً .

فروع
أحدها: لا بأس ببقيّة الماء الذي يؤخذ منه ماء الغسل

لا بأس ببقيّة الماء الذي يؤخذ منه ماء الغسل؛ للأصل وبعض الأخبار(9).

ثانيها: لا بأس بوقوع القطرات من المغتسل في الماء إذا استهلكت

لا بأس بوقوع القطرات من المغتسل في الماء إذا استهلكت ولم تستبن؛ للأصل، ودلالة جملة من الأخبار على نفي البأس عنه(10)، بل ولو تكثّرت القطرات ما لم تتجاوز المعتاد، أخذاً بإطلاق الأخبار.


1) وسائل الشيعة 1: 219، الباب 11 من أبواب الماء المضاف.... ح 2.

2) المصدر : 163 الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 15.

3) قال به السيد المرتضى في جُمل العلم والعمل :51 وابن إدريس في السرائر 1: 61.

4) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 1: 65.

5) منها ما في وسائل الشيعة 1: 148، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، ح 2.

6) المصدر: 216، الباب 10 من أبواب الماء المضاف...، ج 1، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

7) المصدر 2: 229 - 230، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 1، 2 و 5.

8) المصدر 1: 195 ، الباب 22 من أبواب الماء المطلق، ح 2 - 4 و 6 .

9) المصدر : 235، الباب 7 من أبواب الأسار، ح 6.

10) المصدر: 211 - 213 ، الباب 9 من أبواب الماء المضاف.... ح 401 - 6.

ثالثها: لا بأس بالمتّصل من الماء قبل انفصاله عن بدن المغتسل

لا بأس بالمتّصل من الماء قبل انفصاله عن بدن المغتسل؛ للقطع بجواز إجراء الماء من موضع إلى آخَر عند اغتساله، وعلى ذلك السيرة، وأدلّة نفي العسر والحرج(1).

نعم، عند بُعْد بعض الأعضاء عن بعضٍ فالأحوط عدم غسل العضو البعيد بماء العضو المتقدّم بأن يلقيه عليه.

رابعها: غسل الجنابة عند الشكّ فيها حكمه كحكم غسل الجنابة

الواجب من غسل الجنابة عند الشكّ فيها- كالواجد بللاً قبل الاستبراء والواجد منیّاً فی ثوبه المختصّ به - حكمه كحكم غسل الجنابة على ما يظهر من الفتوى، والأحوط إلحاق المندوب به أيضاً، كاغتسال واجدي المني في الثوب المشترك احتياطاً.

خامسها: المستعمل من الماء الكثير في ترتيبٍ أو ارتماسٍ

المستعمل من الماء الكثير في ترتيبٍ أو ارتماسٍ لا يحكم عليه بالحكم المتقدّم؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل فتوىً وروايةً على المورد اليقيني، ولقوله(عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كُرّ لم يحمل خبثاً »(2)وسلب الطهوريّة خبث ولجريان السيرة على عدم الاجتناب منه.

وما جاء في ماء الحمّام والغدير من النهى(3)منزَّل على عدم بلوغه كُرّاً.

سادسها: لو اغتسل الجنب فبطل غسله في الأثناء، فالأقوى عدم إلحاقه بالماء المستعمل لرفع الحدث

لو اغتسل الجنب فبطل غسله في الأثناء، فالأقوى عدم إلحاقه بالماء المستعمل لرفع الحدث، ولو تبيّن بطلانه من رأس فأولى بعدم اللحوق.

سابعها: حکم الماء المستعمل فی جميع الأغسال الرافع للأحداث الكبريات

ظاهر الأصحاب إلحاق جميع الرافع للأحداث الكبريات بل والمبيح برافع الجنابة، وليس فى الأخبار دلالة صريحة على ذلك.

نعم، في رواية عبد الله بن سنان ما يحتمل شموله لجميع ذلك؛ لقوله فيها: «وأشباهه»(4)على تقدير إرجاع الضمير للغسل لا للوضوء.

وفي رواية عليّ بن جعفر إطلاق« مَن اغتسل من ماءٍ اغتُسل فيه»(5)لكنّها ضعيفة.

ثامنها: لو ارتمس الجنب في ماءٍ قليل

لو ارتمس الجنب في ماءٍ قليل ونوى بنفس الكون الغُسل، فإن خرج كان مستعملاً له ولغيره، وإن بقي فهل يكون مستعملاً أيضاً مطلقاً، أو لا يكون مستعملاً حتّى ينفصل المغتسل من


1) تقدّم تخريجها في ص 73 ،الهامش (1)

2) مستدرك الوسائل 1 : 198 ، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 6.

3) وسائل الشيعة 1: 218 - 219، الباب 11 من أبواب الماء المضاف... ، ح 1، و 163، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 15.

4) المصدر : 215 ، الباب 9 من أبواب الماء المضاف .... ح 13.

5) المصدر : 219 ، الباب 11 من أبواب الماء المضاف..... ح 2.

الماء، أو يكون مستعملاً بالنسبة لغيره فقط، أو بالعكس فقط ؟ وجوه، أقواها: كونه مستعملاً مطلقاً وإن لم يخرج من الماء.

وعلى ذلك فلو اغتسل اثنان ونويا دفعةً، صحّ غسلهما، وإن تعاقبا بطل اللاحق، وإن جهل التاريخ فالأقوى صحّة غسلهما؛ لتمسّك كلٍّ منهما بصحّة عمله، وأصالة عدم المانع، سواء شكّا بالسابق واللاحق بعد العلم بالسبق واللحوق، أو شكّا بالسبق واللحوق والتقارن.

وإن نوى المجنب الغسل بالإدخال، كان مستعملاً له بعد تمام دخوله. وإن نواه بالإخراج، كان مستعملاً له بعد تمام خروجه.

ولو بقيت على بدن المرتمس لمعة لم يصبها الماء، فهل يجوز أخذ ما يغسلها من الماء الذي ارتمس فيه؛ لعدم تحقّق كونه مستعملاً إلّا بعد غَسل اللمعة، أو لا يجوز؛ لأنّ صدق الاستعمال عليه لا يتوقّف على إتمام الغسل فيه، بل يكفي كون الماء جزءَ سببٍ للرفع؟ وهذا أقوى.

وعلى الأوّل فهل يكون جميعه مستعملاً بعد أخذ ما يغسل اللمعة منه، أو يكون المستعمل منه قدر ما جرى على اللمعة ؟ وجهان.

ولو أخذ ما يغسل اللمعة من ماءٍ آخَر، قوي على الأوّل عدم كون الماء الأوّل مستعملاً، وعلى الثاني كونه مستعملاً.

أمّا لو اغتسل المجنب ترتيباً فإن صبّ الماء على بدنه واختلط بالماء الآخر واستهلك به فلا بأس، وإن لم يستهلك به فإن كانا متميّزين أخذ من غيره، وإلّا صار حكمه كالمستعمل؛ لأنّ المستعمل في الأجزاء كالمستعمل في الكلّ، ولا يتفاوت في الأجزاء بين الأخير والأوّل.

ولو اختصّ بالجزء الأخير جدّاً، لما بقي ماء مستعمل؛ لاستهلاك ماء الجزء الأخير بغيره.

وإن ارتمس ترتيباً، فالظاهر أنّ ما رمس به رأسه أوّلاً يكون مستعملاً، ولا يجوز أن يرمس به باقي أجزاء البدن إلّا إذا تميّز عرفاً بحيث لم يكن ماءً واحداً عرفاً.

نعم، لو نوى في كونٍ واحد وارتماسٍ واحد غسل رأسه أوّلاً في موضعه ثمّ شقّه الأيمن والأيسر، قوي أنّ ماء كلٍّ من أعضائه ليس مستعملاً بالنسبة إلى الآخَر.

وفي القول بأنّه لا يكون مستعملاً بالنسبة إلى نفسه إلّا بعد تمام رمس الأعضاء فيه أو رمس الجزء الأخير وجهٌ قويً.

وإن كان بالنسبة إلى غيره مستعملاً مطلقاً، فلو رمس رأسه في ماء ثمّ رمس شقّه الأيمن في آخَر ثمّ الأيسر في آخَر، كان الكلّ مستعملاً بالنسبة لغيره، والأخير فقط مستعملاً بالنسبة لنفسه ولغيره.

تاسعها: لو وجد ماءً قليلاً وخِيف من رجوع ماء اغتسال الجنب إليه

لو وجد ماءً قليلاً وخِيف من رجوع ماء اغتسال الجنب إليه، استحبّ له رشّ أكفّ من ماء على الأرض من يمينه ويساره وخلفه وأمامه كي لا ينزل الماء على الماء؛ لأنّ أكثر الأرض تمسك الماء إذا تبلّلت، أو رشّ أكفّ على بدنه ليتبلّل فيسهل عليه الإسراع في الغسل كي لا يرد الماء على الماء. وعلى أحد هذين الأمرين يحمل ما جاء من الأخبار بالرّش من الجوانب الأربع أو الجانبين(1).

عاشرها: ليس المدار على الوضوء والغسل، بل المدار على رفع الأكبر والأصغر

ليس المدار على الوضوء والغسل، بل المدار على رفع الأكبر والأصغر فغسل المسّ لو قلنا: إنّ المسّ أصغر لا إشكال فيه، ووضوء الحائض لو قلنا: له دَخْل في رفع الأكبر كان من المستعمل في رفع الحدث الأكبر.

بحث : فی غساله ماء الحمّام

غسالة ماء الحمّام العامّ - لا الحمّامات الخاصّة المعلوم تنجّس غسالتها أو عدمه أو المشكوك فيه - وهي الماء المجتمع من غسل الأحداث وغسل الأخباث الغالب وقوعه على الأرض وانحداره في مكان مخصوص، وهو إن علم عدم استعماله في حدثٍ وخبثٍ كان طاهراً مطهّراً؛ للأصل، والعمومات والروايات الخاصّة المجوّزة لاستعماله(2)الظاهرة في إرادة هذا الفرد.

وإن علم استعماله فيهما كان نجساً؛ لأنّ المجتمع من النجس نجس، وإن علم استعماله في رفع الحدث دون رفع الخبث بني على ما تقدّم في الماء المستعمل.

والأقوى كراهته في رفع الحدث، وطهارته وطهوريّته في غيره.

وإن لم يعلم شيئاً(3)من ذلك، فهل يحكم عليه بأصالة الطهوريّة والطهارة؟ لعمومات طهوريّة


1) وسائل الشيعة 1: 216 - 218 ، الباب 10 من أبواب الماء المضاف والمستعمل

2) المصدر : 148 - 150، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، ح 2، 6 و 7.

3) في «ق»: «شيء».

الماء واستصحاب حالته الأُولى، وللأخبار الخاصّة الدالّة على طهارة أرضه والماء الذي هو فيها(1)مع أنّه من ماء الغسالات، وقد ورد أنّ الإمام(عليه السلام) لم يغسل رِجْله منه حتّى صلّى(2).

وفي الصحيح: رأيت أبا جعفر(عليه السلام)جائياً من الحمّام وبينه وبين داره قذر، فقال: «لولا ما بيني وبين داري ما غسلت رجلي ولا تجنّبت ماء الحمّام»(3).

وحمل ذلك على حمّامٍ عُلمت طهارة أرضه ومائه بعيد.

والمرسل النافي للبأس عن إصابتها للثوب(4).

أو يحكم عليه بالنجاسة؟ تقديماً للظاهر على الأصل وللإجماع المنقول على عدم جواز استعماله بحال نقله الحلّي(5)، وللأخبار الناهية عن الاغتسال بغسالة الحمّام(6)، وهي مستفيضة.

والأقوى الأوّل؛ ترجيحاً للأصل على الظاهر، ومنع الإجماع مع كثرة وجود المخالف القادح، أو تسليمه وهو لا يدلّ على النجاسة؛ لأنّ المنع من الاستعمال أعمّ، ومنع دلالة الأخبار على النجاسة أيضاً، بل غاية ما تدلّ على النهي عن الاغتسال وهو أعمّ من الحكم بالنجاسة.

على أنّ الأخبار معلّلة باغتسال الجنب واليهودي والنصراني وولد الزنى، فتُحمل على الحمّامات المعلوم وقوع ذلك فيها، وهو لا كلام فيه.

ومع ذلك فالحقّ عدم جواز استعماله -وإن كان طاهراً - في رفع حدثٍ أكبر؛ للإجماع المنقول(7)والأخبار(8)، فإنّ إطلاقها يقضي بذلك، والتعليل بما ذكرناه منزّل على الغالب، لا أنّه يدور الحكم مداره وجوداً وعدماً ، بل وكذا في رفع حدثٍ أصغر؛ أخذاً بإطلاق الإجماع المنقول، وفتوى كثير من الأصحاب بإطلاق المنع من الاستعمال.


1) وسائل الشيعة 1 : 148 - 150 ، الباب 7 من أبواب الماء المطلق ، ح 1، 4، 7، 8، و 213 ، الباب 9 من أبواب الماء المضاف... ، ح 9.

2) المصدر: 211 ، الباب 9 من أبواب الماء المضاف... ، ح 2.

3) المصدر : 148 - 149، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، ح 3.

4) المصدر : 213 ، الباب 9 من أبواب الماء المضاف.... ح 9.

5) السرائر 1: 90 - 91

6) وسائل الشيعة 1: 218، الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل.

7) راجع الهامش ( 5 ).

8) راجع الهامش (6).

بحث: ماء المطر

طهور؛ للإجماع والنصّ كتاباً (1)وسنّةً(2)وهو مع تكاثره وجريانه على أرضٍ أو ماءٍ أو طينٍ متنجّسات وقد ذهبت عين نجاستها مطهّر لها؛ للأخبار المتكثّرة(3)، ولعموم الكتاب(4)الدالّ على الطهوريّة في مقام الامتنان.

ولو جرى على ثوبٍ أو فراشٍ، فلا يبعد أنّه كذلك.

والأحوط إلحاق العصر به للتطهير.

ويعتصم ماء الأرض به عند نزوله وكذا كلّ ماء قليل اتّصل به؛ فإنّه لا ينفعل بملاقاته للنجاسة ما دام متّصلاً به.

ويعتصم بعضه ببعضٍ، فلا تنفعل القطرة الواقعة على المتنجّس ما دام المطر متقاطراً. فإذا انقطع ولم يطهر المتنجّس تنجّست حينئذٍ.

وأمّا ما كان من المطر ناعماً جدّاً بحيث يخفى إطلاق اسم المطر عليه لكونه شبيهاً بالطلّ(5)، أو ما كان قليلاً كما إذا وقعت من الغيم قطرة واحدة من السماء أو قطرتان، أو ما كان الواقع على المتنجّس قليلاً - وإن كان في نفسه كثيراً - إمّا لصغر الإناء، أو لبُعْده عن المتكاثر بحيث ينزل عليه كثيراً، أو لكونه في مكان تنزل منه القطرة وشبهها، أو توصل الريح إليها القطرة وشبهها، فهل هو في جميع ذلك مطهّر لما وقع عليه وعاصم له حتّى أنّ كلّ قطرةٍ تُطهّر ما تقع عليه فالقطرة كالكُرّ، أم لا؟ وجهان، أقواهما كونه طهوراً؛ لعموم الأدلّة، وظاهر فتوى مشهور الأصحاب، وإطلاق قوله(عليه السلام): «كلّ شيء يراه المطر فقد طهر»(6).

وللصحيح: في ماء المطر وقد صبّ فيه خمر فأصاب ثوبه: «لا يغسل ثوبه و[لا] رِجْليه، ويصلّي فيه ولا بأس»(7).


1) الفرقان (25): 48

2) وسائل الشيعة 1 144، الباب 6 من أبواب الماء المطلق.

3) وسائل الشيعة 1 144، الباب 6 من أبواب الماء المطلق.

4) راجع الهامش (1).

5) الطل: أضعفُ المطر. الصحاح 5: 1752، « ط ل ل».

6) وسائل الشيعة 146:1 ، الباب 6 من أبواب الماء المطلق، ح 5.

7) المصدر: 145، ح 2.

وفي آخَر : في مَنْ أصاب ثوبه ماء مطر من سطح يبال فيه، قال: «لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه»(1).

وأحوطهما: العدم؛ لانصراف ذلك كلّه إلى المطر الكثير المعتاد نزوله، ولاشتراط الكثرة المفهومة من التعليل في الصحيح(2)، وللشكّ في طهوريّته مع القلّة والانحصار.

نعم، يقوى القول بعدم انفعال مائه عند اتّصاله به مطلقاً؛ للشكّ في شمول أدلّة انفعال الماء القليل لمثل ذلك فيقلّ الاحتياط من جهة ذلك، كما أنّ الأقوى أنّ اعتصام القطرات بعضها ببعضٍ وعدم انفعالها لو وقعت على متنجّسٍ مخصوص بما إذا كان نزولها في محلّ نزول غيرها وفي أثنائه، وإلّا فلو نزلت قطرة على إناءٍ نجس فأُخذ إلى مكانٍ بعيد عن تقاطر المطر تنجّست تلك القطرة، بخلاف ما لو كانت في محلّ التقاطر، فإنّها تطهّر مكانها وتبقى معصومةً إلى أن ينزل الباقي فيطهّر المحلّ كلّه.

ولو كان في إناءٍ ماءً نجس فوقعت عليه قطرة من مطر متكاثر، فإن اكتفينا بمسمّاه طهّرته القطرة؛ لأنّها تطهّر ما تحتها ويسري التطهير إلى الجميع، وإلّا فلا بدّ من تكاثره عليه.

بحث: فی تعریف السؤر وطهارۀ سؤر کلّ حیوان طاهر

اشارة

السؤر البقيّة من كلّ شيء والفضلة، أو بقيّة المشروب من الماء المطلق أو مطلقاً، أو ما باشره فم حيوان من الماء المطلق، أو ما باشره جسم حيوان مطلقاً من الماء المطلق، أو ما باشره من كلّ مائع ماء أو غيره، أو ما باشره فم حيوان ولو كان جامداً كسؤر الفأر، أو ما اختلط به لعاب فم حيوان مطلقاً، على وجه الحقيقة في الكلّ تواطئاً أو اشتراكاً لفظيّاً أو الحقيقة والمجاز، وجوه، أقواها: أنّه ما باشره فم الحيوان من المائع مطلقاً.

وإطلاقه على غيره- كسور المؤمن وسؤر الحائض - وإرادة ما باشره الجسم مطلقاً، أو إطلاقه على ما باشره الفم ولو من الجامد- كسور الفأر والسنّور - مجاز، ويلحق بحكمه باسمه.

والظاهر عدم ثبوت حقيقةٍ شرعيّة له، كما أنّ الظاهر دخول القلّة في الماء في مفهومه، فلا يقال لما بقي من نهر أو غدير كثيرٍ: إنّه سؤر.


1) وسائل الشيعة 1: 144 - 145، الباب 6 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

2) وسائل الشيعة 1: 144 - 145، الباب 6 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

وعلى أيّ تقدير فسؤر كلّ حيوان يتبعه في الطهارة والنجاسة على الأقوى والأظهر، وفاقاً لفتوى المشهور والأُصول والعمومات والإجماع المنقول(1)، والروايات المتكثّرة المعتبرة الدالّة على ذلك عموماً وخصوصاً:

مثل: ما ورد من نفي البأس عمّا يشرب منه ما يؤكل لحمه(2).

وما ورد من جواز الوضوء بما شربت منه الدجاجة(3).

وما ورد في السنّور معلّلاً بأنّه من السباع(4).

وما ورد من جواز الوضوء بما يشرب منه الطير إلّا أن يكون في منقاره دم(5).

وقد منع جمع(6)من فقهائنا من استعمال سؤر ما لا يؤكل لحمه إذا كان أُنسيّاً وأمكن التحرّز عنه ما عدا الطير. ويظهر من بعضهم(7)نجاسته. وبعضٌ أطلق المنع(8)، وهو أعمّ من النجاسة؛ تمسّكاً بمفهوم قوله(عليه السلام) في المعتبرتين: «كلّ ما يؤكل لحمه يتوضّأ من سؤره ويشرب»(9).

وربّما يستند لقوله(عليه السلام): «يكره سؤر كلّ شيء لا يؤكل لحمه»(10).

وكلاهما ضعيف؛ لضعف سند الأخير ودلالته ؛ لعدم دلالة«يكره »على التحريم. وضعف دلالة المفهوم وعدم قوّة معارضته لتلك، مع احتمال ورود الوصف مورد الغالب من وقوع سؤر ما يؤكل لحمه والسؤال عنه.

وأمّا الجواب عنه بعدم عموم المفهوم فلا نرتضيه؛ لأنّ الأقوى عموم المفهوم هنا لبقاء الموضوع العامّ منطوقاً ومفهوماً، غاية ما في الباب أنّ الحكم في المنطوق على واجد الوصف وفي المفهوم على فاقده.


1) غنية النزوع 1: 45.

2) وسائل الشيعة 1: 230، الباب 4 من أبواب الأسار، ح 2.

3) المصدر : 231، الباب 4 من أبواب الأسآر ، ح 3.

4) المصدر: 227 - 228، الباب 2 من أبواب الأسار، ح 3.

5) المصدر : 230، الباب 4 من أبواب الأسار، ح 2.

6) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 10؛ وابن إدريس في السرائر 1: 85.

7) السرائر 1: 85 .

8) المبسوط 1: 10.

9) وسائل الشيعة 1: 230 و 231، الباب 4 من أبواب الأسآر، ح 2 و 4.

10) المصدر : 232، الباب 5 من أبواب الأسار، ح 2.

ودعوى أنّ المفهوم سلب لكلّي المنطوق فيعود كأنّه إيجاب جزئيّ، خلاف المتبادر عرفاً من اللفظ.

واستندوا لخروج ما لم يمكن التحرّز عنه للعسر والحرج، ولخروج الطير للروايات الدالّة على جواز الشرب والوضوء من فضل الطير(1). وكلاهما غير منافيين لما نقول.

وذهب بعضٌ (2)إلى نجاسة سؤر الجلّال وآكل الجيف؛ لنجاسة لعاب فمهما لتكوّنه من الأعيان النجسة.

وفيه: منع التكوّن أوّلاً، وتسليمه والحكم بطهارته؛ للاستحالة ثانياً، والأصل الطهارة.

فوائد:
الأُولى: زوال العين النجسة من الحيوان مطهّر له

زوال العين النجسة من الحيوان مطهّر له؛ للإجماع، ولنفي العسر والحرج، وللسيرة القاطعة، ولظاهر كثير من الأخبار النافية للبأس عمّا يباشره جسم حيوان مع العلم بعروض النجاسة له، بل يقوى القول بالطهارة مع احتمال الزوال؛ للسيرة على ذلك في سائر الحيوانات، ولما يُفهم من الأخبار من كراهة سؤر الجلّال وآكل الجيف، مع القطع بعدم القطع بعدم النجاسة.

ولا يحتاج إلى غيبةٍ محتملة للتطهير فيها كما يظهر من بعض الفقهاء.

وأمّا الإنسان فالأقوى فيه أنّ الغيبة مع احتمال التطهير مع علمه بالنجاسة مطهّرة له.

والظاهر أنّ المراد بالغيبة هنا هو الخفاء عن الناظر ولو لعمى أو ظلمة أو ستر أو غفلة أو نوم، لا الخروج عن مجلس الحضور، وتعبير الفقهاء بها إرشاد للفرد الأكمل.

ويحتمل إرادة الغيبة عرفاً؛ لظاهر كلماتهم، واقتصاراً على مورد اليقين.

ومع جهله بالنجاسة لا يبعد ذلك إلا أن الأظهر خلافه.

والأحوط عدم الحكم بالطهارة إلّا بعد تلبسه بمشروطٍ بها، أو إخباره بتطهير ذلك النجس، كي يعاضد أصل الطهارة أصل صحّة فعل المسلم وصحّة قوله في قطع الاستصحاب.

والسيرة القاضية بجواز مباشرة المسلمين من دون سؤال مع العلم بطروء النجاسة عليهم من خروج الخبث ونحوه، وجواز الاقتداء بإمام الجماعة مع العلم بطروء النجاسة عليه إلى


1) وسائل الشيعة 1: 230 ، الباب 4 من أبواب الأسار.

2) ذهب الشيخ الطوسي إلى المنع عن سؤر الجلال وآكل الجيف في المبسوط 1: 10؛ والنهاية: 5.

غير ذلك، إنّما يقطع بها بإخبارهم بالطهارة أو بفعل ما يقضي بها مع سبق علمه بها من فعل مشروط بها ونحو ذلك.

الثانية: يكفي في تطهير البواطن من الإنسان زوال عين النجاسة

يكفي في تطهير البواطن من الإنسان زوال عين النجاسة؛ للأصل، ونفي العسر والحرج، والإجماع المنقول(1)، والأخبار المشعرة بذلك كقوله(عليه السلام)- في الموثّق - بعد سؤاله عن غسل جوف أنف يسيل دماً «إنّما عليه أن يغسل ما ظهر منه»(2)وغيره(3)أيضاً.

الثالثة: لا تكفي الغيبة مع احتمال التطهير مع العلم بالنجاسة وعدمه في غير بدن الإنسان وثيابه المتّصلة به

لا تكفي الغيبة مع احتمال التطهير مع العلم بالنجاسة وعدمه في غير بدن الإنسان وثيابه المتّصلة به من ظروف وثياب وآلات؛ للأصل مع الشكّ في المطهّر.

نعم، مع إخبار ذي اليد أو الوكيل في التطهير يُحكم بالطهارة، ولا يفتقر إلى عدالة المُخبر على الأظهر.

والظاهر شمول ذي اليد ليد الملك والعارية والوديعة بل والمغصوب؛ لقضاء السيرة بتصديقه.

ولا يبعد عدم سماع قول ذي اليد مع فسقه بعد الاستعمال له في مشروطٍ بالطهارة من صلاةٍ وغيرها، أو بعد الاستعمال مطلقاً؛ لأصالة صحّة فعل المسلم، والمقطوع به من تصديق ذي اليد هو ما كان قبل الاستعمال.

الرابعة: کراهۀ سؤر الخيل والبغال والحمير و ما یؤکل لحمه والجلّال وآکل الجیف

يكره سؤر الخيل والبغال والحمير؛ لمفهوم مضمرة سماعة(4)، وفتوى المعظم، ويكفي ذلك في إثبات السنن، ولظاهر فتوى كثير من أصحابنا(5)من تبعيّة السؤر للّحم كراهةً وعدمها، ولاحتمال دخولها في« ما لا يؤكل لحمه» بإرادة أنّه لا يؤكل عادة.

وما دلّ على الجواز(6)محمول على نفي الحرمة.

وكذا سؤر ما لا يؤكل لحمه والجلّال وآكل الجيف للاحتياط، وفتوى الكثير من أصحابنا(7). ولما ورد في كراهة سؤر ما لا يؤكل لحمه(8).


1) غنائم الأيّام 1: 473.

2) وسائل الشيعة: 438، الباب 24 من أبواب النجاسات، ح 5.

3) المصدر، ح 6.

4) المصدر 1: 232، الباب 5 من أبواب الأسار، ح 3.

5) منهم: ابن حمزة في الوسيلة 76؛ والعلّامة الحلّي في نهاية الإحكام 1: 240 والشهيد في الدروس الشرعية 1: 123.

6) وسائل الشيعة 1: 226 ، الباب 1 من أبواب الأسار، ح 4 و 6.

7) منهم: السيّد المرتضى في جُمل العلم والعمل: 53؛ والشهيد في الدروس الشرعيّة 1: 123؛ والمحقّق في شرائع الإسلام 1: 8.

8) وسائل الشيعة 1: 232، الباب 5 من أبواب الأسار، ح 2.

نعم، قد يخرج من ذلك سؤر السنّور، إمّا لأنّها من أهل البيت كما ورد في الأخبار(1)، وإمّا لما ورد من أنّ النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)توضّاً بفضلها(2).

وورد في الأخبار «لا تدع فضل السنّور أن تتوضّأ منه»(3).

وورد في كتاب عليّ(عليه السلام):« لا أمتنع من طعام طعم منه سنّور، ولا من شراب شرب منه»(4).

وورد: «إنّي لأستحيي أن أدع طعاماً أكل منه»(5).

الخامسة: كراهۀ سؤر الحائض الغير مأمونة في الشرب والوضوء

كراهۀ سؤر الحائض الغير مأمونة في الشرب والوضوء على الأظهر، ولا يكره في خصوص الوضوء فقط، ولا يكره سؤرها مطلقاً، ولا يحرم سؤرها، كلّ ذلك لفتوى المشهور، وللجمع بين ما دلّ على المنع من استعمال سؤرها في الوضوء(6)، وبين ما دلّ على التقييد بكونها غير مأمونة، كما دلّت عليه الروايات المعتبرة المعلّقة للإذن بالوضوء على أنّها إذا كانت مأمونة(7)، ولإلحاق الشرب وباقي الاستعمالات بالوضوء؛ لفتوى المشهور، ولفهم العلّة من الأخبار.

وما جاء من الأخبار المجوّزة للشرب(8)محمولة على الجواز بالمعنى الأعمّ؛ لفتوى المشهور بالكراهة وكفاية ذلك في ثبوت حكم الكراهة.

وأمّا صرف النهي إلى الكراهة فيدلّ عليه فتوى الأصحاب، وخبر أبي هلال وفيه: «لا أُحبّ أن يتوضّأ منه»(9).

والمستحاضة والنفساء كالحائض ولا يبعد إلحاق الجنب بالحائض؛ للخبر(10)وفتوى جمع من أصحابنا(11)، بل كلّ غير مأمونٍ من توقّي النجاسات، وإلحاق كلّ مباشرة لها برطوبة بالسؤر، فهماً للعلّيّة(12).


1) وسائل الشيعة 1: 227 - 228، الباب 2 من أبواب الأسار، ح 1 و 5.

2) مستدرك الوسائل 1: 220، الباب 2 من أبواب الأسار، ح 1.

3) وسائل الشيعة 1: 228، الباب 2 من أبواب الأسار، ح 4.

4) المصدر: 228 - 229، ح 7.

5) المصدر: 227، ح 2.

6) المصدر: 237 - 238، الباب 8 من أبواب الأسآر، ح 7.

7) المصدر: 237، ح 5.

8) المصدر: 236 - 238، ح 1، 2، 6،4 و 8 .

9) المصدر : 238، الباب 8 من أبواب الأسآر . ح 8.

10) المصدر: 234. الباب 7 من أبواب الأسآر ، ح 1.

11) منهم: المفيد في المقنعة : 584؛ والطوسي في النهاية : 589؛ وابن إدريس في السرائر 3: 123.

12) في «ق»: «الفهم العلية».

وعبّر بعضهم(1)بكراهة سؤر المتّهمة بعدم التوقّي.

والظاهر أنّه أخصّ من غير المأمونة؛ لدخول مجهولة الحال في غير المأمونة دون المتّهمة، ولأنّ مَنْ لا يؤمن قد لا يتّهم ككثير من الناس، فإنّهم لا يؤمنون ولا يتّهمون.

ولايبعد أنّ التعبير في الأخبار بالمأمونة(2)يراد بها ذلك توسّعاً، فيكون من قبيل المجاز المشهور قرينته فهم المشهور له ذلك المعنى.

ويؤيّده أنّ السيرة ونفي العسر والحرج يدلّان على إرادة المتهمة من غير المأمونة، فلا يكره سؤر مجهولة الحال.

وبالجملة، إنّ المأمون ضدّ المتّهم، لكن ليس كلّما ارتفع أحد الضدّين ثبت الضدّ الآخَر؛ لإمكان ارتفاعهما معاً، فلا يلزم أن يكون غير المتّهم مأموناً ولا غير المأمون متّهماً.

السادسة: طهارۀ سؤر ولد الزنی وکراهۀ

لا ينجس سؤر ولد الزنى؛ للأصل، والعمومات الدالة على طهارة المسلمين، وفتوى المشهور، وسيرة المسلمين.

نعم، يكره؛ للأخبار(3)الدالّة على ذلك خصوصاً، والأخبار الناهية عن الاغتسال بغسالة ماء الحمّام المعلّلة لذلك بأنّ فيها غسالة ولد الزنى(4).

وذهب بعض أصحابنا إلى نجاسته؛ لكفره(5)، وللأخبار المتقدّمة(6)، وللإجماع.

والكلّ ضعيف؛ لمنع ثبوت کفره حال اختیاره كما تشهد به الضرورة، ولزوم الجبر لو قلنا باضطراره إليه، ولضعف الأخبار بإعراض المشهور عنها، ولمنع الإجماع مع فتوى المشهور على خلافه.

السابعة: حکم سؤر المسوخ

الأظهر طهارة سؤر المسوخ لطهارتها، كالفأرة والعقرب والوزغ والأرنب والقرد والضبّ والدبّ والفيل والذئب والوطواط والزنبور والجرّي، ما عدا الخنزير.

وذهب جمعٌ (7)إلى نجاستها؛ للنهي عن بيع القرد(8)، ويثبت الباقي للقول بعدم الفصل.


1) ابن إدريس في السرائر 62:1.

2) وسائل الشيعة 1: 237، الباب 8 من أبواب الأسار، ح 5.

3) منها: ما في المصدر : 229، الباب 3 من أبواب الأسار، ح 2.

4) المصدر : 218 - 219، الباب 11 من أبواب الماء المضاف.... ح 3 و 4.

5) السرائر 1: 357

6) الهامش (4).

7) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 183 - 184 ، المسألة 306؛ وسلار في المراسم: 55؛ وابن حمزة في الوسيلة: 78.

8) وسائل الشيعة :17: 171، الباب 37 من أبواب ما يكتسب به ح 4.

وهو ضعيف؛ لعدم دلالة النهي عن البيع على النجاسة أوّلاً، ومنع الإجماع المركّب ثانياً ، وحمل النهي على الكراهة ثالثاً ، ومخالفة الخبر لفتوى المشهور بالطهارة وللأصل والعمومات وسيرة المسلمين رابعاً، وما دلّ على جواز اتّخاذ المشط من العاج خامساً(1).

نعم، يكره سؤرها؛ تفصّياً عن شبهة الخلاف، ولأنّها مما لا يؤكل لحمه.

الثامنة: هل الثعلب والأرنب طاهر أم نجس؟

الأظهر طهارة الثعلب والأرنب للأصل والعمومات والأخبار الدالّة على طهارة الوحش والسباع(2)، ولما دلّ على جواز لُبْس جلدهما(3). وكراهة سؤرهما؛ لما دلّ على كراهة سور ما لا يؤكل لحمه(4).

وذهب جمعٌ إلى نجاستهما(5)، ونقل بعضهم الإجماع(6)، واستند بعضٌ(7)إلى ما ورد من الأمر لماسّهما بغسل يده(8).

وهما ضعيفان لا يصلحان لمعارضة ما تقدّم.

التاسعة: طهارة سؤر الحيّة والوزغة والعقرب حياةً وكراهته

الحقّ طهارة سؤر الحيّة والوزغة والعقرب حياةً وموتاً، وكراهته.

أمّا الطهارة: فللأصل والعمومات وخصوص الروايات(9)الخاصّة:

كصحيحة عليّ، النافية للبأس عن الوضوء بما يقع فيه الحيّة والعضاية والوزغ فلا يموت(10)، ورواية عمّار بعد سؤاله عن موت الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك في الزيت والسمن: «كلّ ما ليس له دم لا بأس به»(11).


1) وسائل الشيعة 17 171، الباب 37 من أبواب ما يكتسب به ، ح 2، 3.

2) المصدر 226:1، الباب 1 من أبواب الأسار، ح 604.

3) راجع المصدر :4: 355 - 356، الباب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح 1 و 2.

4) المصدر 1: 232، الباب 5 من أبواب الأسار، ح 2.

5) المبسوط 1: 37 الكافي في الفقه 131؛ غنية النزوع 44:1

6) غنية النزوع 44:1.

7) راجع كشف اللثام 1: 413

8) وسائل الشيعة 3: 300 الباب 6 من أبواب غسل المس، ح 4.

9) في «ق»: «الأخبار» بدل «الروايات».

10) وسائل الشيعة 1: 238 - 239، الباب 9 من أبواب الأسار، ح 1.

11) المصدر: 241 ، الباب 10 من أبواب الأسار، ح 1.

والرواية الأُخرى: «لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة»(1)وغير ذلك من المعتبر (2)المنجبر بفتوى المشهور وعمل الجمهور.

وأمّا الكراهة: فيدلّ عليها - مضافاً إلى حصول النفرة المتوهّمة من حصول السمّ منها - الأخبار(3)الدالّة على كراهة سؤر ما لا يؤكل لحمه؛ بناءً على شمولها لها وإن لم يكن لبعضها لحم، والأخبار الخاصّة الآمرة بإهراق الماء الداخلة فيه الحيّة، والآمرة بإهراق الماء أو ماء الجرّة الواقعة فيه عقرب(4)، والخبر الدالّ على عدم الانتفاع بما يقع فيه الوزغ(5).

العاشرة: طهارۀ سؤر الفارۀ وکراهۀ

سؤر الدجاج طاهر؛ للعمومات والأخبار الخاصّة(6). وكذا سؤر الحشرات والديدان، وما تولّد من نجس أو من طاهر كدود القزّ ودود العذرة وسلبوح الدم وشبهها.

نعم، لا يبعد كراهة سؤر الدجاج لفتوى بعضٍ من أصحابنا(7)به، سيّما إذا كانت مهملةً، كما أفتى به بعضٌ(8)آخَر، ولأنّه مظنّة القذارة.

الحادية عشر: طهارة سؤر الفأرة الفأرة وکراهتۀ

الأظهر طهارة سؤر الفأرة مطلقاً؛ للعمومات، ولخصوص الأدلّة النافية للبأس عمّا يقع فيه الفأرة، والنافية للبأس عن سؤرها(9)عموماً وخصوصاً، ولفتوى المشهور، ولنفي الحرج والعسر(10).

نعم، يكره؛ لفتوى الكثير من الأصحاب(11)، ولما دلّ على كراهة سؤر ما لا يؤكل لحمه(12).


1) وسائل الشيعة 1: 238 - 239، الباب 9 من أبواب الأسار، ح 2.

2) المصدر : 0242 ح 4

3) منها ما في المصدر : 232، الباب 5 من أبواب الأسار، ح 2.

4) المصدر: 239 - 240، الباب 9 من أبواب الأسار، ح 3، 5 و 6.

5) المصدر: 240، ح 4.

6) المصدر : 230 - 231، الباب 4 من أبواب الأسار، ح 1 و3.

7) الشيخ الطوسي في المبسوط 10:1.

8) المحقق الحلي في المعتبر 1: 99 - 100.

9) وسائل الشيعة 1: 238 - 239 و 241، الباب 9 من أبواب الأسار، ح 1، 2، 8.

10) تقدم تخريجه في ص 73، الهامش 1.

11) منهم : القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 25 وابن حمزة في الوسيلة 364 والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 8؛ ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 20.

12) وسائل الشيعة 1: 232، الباب 5 من أبواب الأسار، ح 2.

ولما ورد بطرح ما أكلت منه الفأرة من الخبز(1)، ولما ورد من الأمر بغسل ما لاقته الفأرة برطوبةٍ الواقعة في الماء(2).

وذهب الشيخ إلى وجوب إراقة ما وقعت فيه الفأرة وغسل ما لاقته برطوبةٍ(3)للأخبار(4)الدالّة على ذلك.

وهي لضعفها وقلّة العامل بها ومعارضتها للأدلّة القويّة يجب إطراحها أو حملها على الندب.


1) وسائل الشيعة 3: 465، الباب 36 من أبواب النجاسات، ح 2.

2) المصدر: 460 ، الباب 33 من أبواب النجاسات، ح 2.

3) النهاية: 5 - 6.

4) راجع الهامش (2).

بحث في الأحداث

اشارة

وهو يطلق على نفس الخارج وعلى الأثر الحاصل منه.

وتُسمّى نواقض؛ لنقضها الطهارة، وموجِبات؛ لإيجابها ذلك، وأسباب؛ لأنّها علائم، ومعرّفات لحصول الوجوب.

وقد ينفرد اسم الحدث عن الناقض في أوّل حدثٍ يحصل للمكلّف، فإنّه لا ينقض شيئاً. وفي حدث المسلوس والمبطون. وينفرد عن الموجب والسبب في حدث الصبيّ والمجنون، وكذا ينفرد الناقض عنهما في حدثيهما.

الحدث الأكبر ناقض وموجب في غير الجنابة، وناقض فقط فيها، وينفرد الموجب والسبب والناقض عن الحدث في وجدان الماء بعد التيمم.

وقد يراد بالسبب المقتضي للطهارة لولا المانع، وبالموجِب المثبِت لها على الإيجاب أو الندب بالفعل أو بالقوّة، وبالناقض ما من شأنه النقض، فحينئذٍ تتساوى مصاديقها.

وفي المقام مباحث:
أحدها: البول والغائط والريح أحداثٌ ناقضة للوضوء

البول والغائط والريح - بما يُسمّى بهذه الأسماء عرفاً بل ما يُسمّى ضرطةً أو فسوةً لتقييد الريح بهما في بعض الأخبار(1)- أحداثٌ ناقضة للوضوء وموجِبةٌ له سنّةً (2)وإجماعاً محصّلاً ومنقولاً (3).


1) وسائل الشيعة 1: 245 - 246 ، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 2.

2) المصدر : 248 ، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء .

3) المعتبر 106:1

لكنّه هل يشترط خروج البول والغائط من الطبيعي المعتاد لعامّة الناس، أو يشترط خروجهما منه أو من غيره إذا كان خلقيّاً، أو يشترط خروجهما منه أو من غيره إذا انسدّ الطبيعي مطلقاً، أو يشترط خروجهما منه أو من المعتاد لذلك الشخص مع انسداد الطبيعي، أو خروجهما منه وإن لم ينسدّ، أو خروجهما ممّا تحت المعدة سواء كان من المعتاد أو من غيره، أو لا يشترط شيء من ذلك، بل يدور الأمر مدار اسم البوليّة والغائطيّة - كدوران الخبث مدار اسمهما - لا مدار خروجهما؟ وعلى الأوّل، فهل يكفي الخروج من الطبيعي المعتاد لعامّة الناس مرّةً، أو لا بدّ من الاعتياد ولو في الخروج من الطبيعي المعتاد؟ وجوه وأقوال:

أقواها: دوران الحدث مدار الخروج من الموضع الطبيعي المعتاد لعامّة الناس ولو كان مرّةً، أو خروجه من الموضع المعتاد لذلك الشخص مع انسداد الطبيعي ومع عدمه، أو خروجه من غير الطبيعي مع انسداد الطبيعي وإن لم يعتد أو خروجه من غير الطبيعي إذا كان خلقيّاً وإن لم يعتد.

أما الأوّل: فلشمول قوله تعالى:أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ(1)له، ولا فرق بين الوضوء والتيمّم، ولشمول الأخبار له المشتملةِ على أنّ ما يخرج من الطرفين أو من القُبُل والدُبُر ناقض(2)،سيّما مع أنّ في بعضها تقييدهما بما أنعم الله تعالى به (3).

وفي كون المخرج الغير الطبيعي ممّا أنعم الله تعالى به تأمّل ونظر.

وتنزيل هذه الأخبار على الغالب من خروج الحدثين منهما في الغالب لا وجه له؛ لأنّ أغلبيّة الخروج منهما لا تصرف لفظهما لحالة الاتّصاف بهما؛ لأنّ حالة عدم الاتّصاف تؤثّر ندرة وجودٍ، لا ندرة إطلاقٍ.

نعم، أغلبيّة الخروج منهما ينتفع بها مَنْ علّق الحدث على البوليّة والغائطيّة بتنزيل هذه الأخبار المقيّدة للخروج على الأغلب. وهو كلامٌ آخر يأتي ردّه إن شاء الله تعالى.

ويدلّ على ما قلناه أيضاً فتوى الأصحاب والإجماع المنقول(4)، في الباب.


1) النساء (4): 43: المائدة (5): 6

2) وسائل الشيعة 1: 248 - 251، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1 - 7،5 و 9.

3) المصدر: 249 - 251، ح 4 5 و 9

4) راجع الهامش (3) من ص 134.

وأمّا الثاني: فلفتوى المشهور، ولقيامه مقام الطبيعي وصدق لفظ الغائط عليه، وكذا البول، ولجريان الأحكام الشرعيّة مدار العادة.

وأمّا الثالث والرابع: فيدلّ عليهما الإجماع المنقول(1)، وقد تلقّاه الفحول بالقبول.

ويدلّ على نفي غير ما ذكرناه الأصل، والأخبار الدالّة على عدم نقض اليقين بالشكّ(2). الشاملة للمشكوك به من عروض القادح أو قدح العارض.

وأمّا ما دلّ على أنّ خروج البول والغائط حدث(3)فهو مقيّد بما دلّ على أنّ الحدث ما يخرج من الطرفين.

ودعوى أنّه لا يصلح للتقييد؛ لخروجه مخرج الغالب، لا وجه لها؛ لأنّ القيد لو خرج مخرج الغالب أُلغي مفهومه ولا يلغى منطوقه، بل يبقى صالحاً للتقييد بمنطوقه؛ لأنّ التقييد لا يتوقّف على ثبوت المفهوم وعدمه.

ثانيها: الريح إن خرج من الطبيعي المعتاد لعامّة الناس أو الخلقي لذلك الشخص، أو المعتاد له مع انسداد الطبيعي جرى عليه حكم الحدث

الريح إن خرج من الطبيعي المعتاد لعامّة الناس أو الخلقي لذلك الشخص، أو المعتاد له مع انسداد الطبيعي جرى عليه حكم الحدث، وإلّا فلا يُحكم عليه بالحدثيّة وإن كان معتاداً؛ للشكّ في ناقضيّته وعدم صدق الفسوة والضرطة عليه سيّما لو اعتيد خروجه من الفم، فلو خرج من طعنة أو من قرح أو جرح في الأسافل وإن اعتيد لا يعتدّ به.

ويختصّ الريح بريح المعدة الأسفل، فلا عبرة بما فوق، ولا عبرة بما يتكوّن في الدُّبُر.

وما ورد في بعض الأخبار من التقييد بسماع صوت الريح، أو شمّ رائحته(4)يراد به بيان توقّف الحدث على العلم به، وإلّا فلو قطع به من دون ذلك جرى عليه حكم الحدث، كما دلّ عليه بعض الأخبار(5)وفتوى الأصحاب.

ثالثها: لو خرج أحد الخبثين ولم ينفصل، أو خرجت المقعدة ملوّثةً به ثمّ رجعت، أو...

لو خرج أحد الخبثين ولم ينفصل، أو خرجت المقعدة ملوّثةً به ثمّ رجعت، أو خرج دود ملوّث به، أو خرج ملطّخ بدواء محمول أو جسمٍ آخَر، فالأظهر جريان حكم الحدث عليه بجميع الأقسام.


1) منتهى المطلب 1: 188

2) وسائل الشيعة 1: 245 - 247 ، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1، 6 و 7.

3) المصدر : 250 و 251 الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، ح 6 و 7.

4) المصدر : 245 - 246، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 2 - 5.

5) المصدر: 248، ح 9

نعم، لو شكّ في غائطيّته -كخروج بعض الحبوب أو الحصى أو غيرهما غير ملوّثٍ - يُحكم على الخارج بالحدث.

رابعها: النوم ناقض للوضوء

النوم ناقض للوضوء؛ للإجماع بقسميه(1)، والأخبارِ(2)المستفيضة المعتبرة.

وهو ناقض لنفسه؛ لظاهر الأدلّة عموماً وخصوصاً، لا لاحتمال الحدث؛ لأنّ احتمال الحدث غير ناقض؛ لعدم جواز نقض اليقين بالشكّ، كما دلّت عليه الأخبار(3).

وما جاء ممّا ظاهره أنّ نقضه لاحتمال الحدث(4)، إمّا مطّرح، أو محمول على بيان الحكمة ولا يلزم معها الوجود عند الوجود والعدم عند العدم، أو على التقيّة، أو على بيان حدّه، كما في خبر الكناني: «إذا كان لا يحفظ منه حدثاً - إن كان - فعليه الوضوء»(5)فإنّه غالباً لا ينفكّ مَنْ لم يحفظ حالته الأُولى عن ذهاب العقل الملزوم للنوم.

وهل هو من الأُمور العرفيّة، وما في الأخبار من تحديده بذهاب العقل(6)أو الغلبة على السمع(7)، أو الغلبة على البصر والسمع(8)، أو الغلبة عليهما وعلى القلب(9)، كلّه لكشف معناه العرفي ؟ أو أنّ للناقض منه حدّاً شرعيّاً وإن يُسمّى ما خرج عن الحدّ نوماً ، ويكون ما في الأخبار تحديداً له ؟ وجهان، أوجههما الأوّل.

وعليه فالغالب على الحاسّتين نوم يتحقّق به الحدث قطعاً؛ للأخبار(10)والإجماع، وكذا الغالب على السمع فقط، كما دلّت عليه الأخبار(11)، ونقل عليه الإجماع(12). وكذا الغالب على العقل، كما دلّت عليه الأخبار(13)وفتاوى الأصحاب.


1) الانتصار: 118 - 119 ، المسألة :19؛ الخلاف 1: 107 - 109، المسألة 53

2) وسائل الشيعة 1: 252 - 254، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1، 4 و7.

3) راجع الهامش (2) من ص 136.

4) وسائل الشيعة 1 255 الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح 13.

5) المصدر: 253، ح 6.

6) المصدر : 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، ح 2 و 252 - 253، والباب 3، ح 2.

7) المصدر: 253 - 254، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح 7.

8) المصدر: 247، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 8.

9) المصدر: 245، ح 1.

10) راجع الهامش (8).

11) راجع الهامش (7).

12) لم نعثر عليه.

13) وسائل الشيعة 1: 246 - 247، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 6.

والظاهر تلازم هذه العلائم في الدلالة على النوم، فمتى غلب على البصر والسمع، أو على السمع فقط، أو عليهما وعلى القلب فقد غلب على العقل، ومتى غلب على العقل فقد غلب على تلك.

والظاهر أنّ السمع أقوى الحواسّ، فمتى غلب عليه غلب على باقيها من الشمّ والذوق واللمس، بل لا فائدة في ضمّ ذهاب البصر إلى ذهاب السمع إلّا زيادة الاستظهار؛ لكفاية ذهاب السمع عنه مطلقاً، وعدم كفاية ذهابه منفرداً عن ذهاب السمع.

ولقائلٍ أن يقول: لاتلازم بين هذه العلائم، بل قد توجد واحدة وتفقد أُخرى، ومتى وجدت السابقة وجب العمل عليها؛ قضاءً لمنطوق الأخبار. والمعارضةُ بين مفهوم الخبر المشتمل على بعض العلائم مع منطوق الآخَر ساقطةٌ؛ لتقديم المنطوق على المفهوم هنا. والجمع بينهما بإرادة العمل على السابق كالجمع بأبعد الأجلين في آيتي العِدَد(1)متوجه.

خامسها: فاقد الحاسّة يرجع حكمه إلى تقديرها

فاقد الحاسّة يرجع حكمه إلى تقديرها، والخارج عن المعتاد في السماع وبقاء الإدراك يرجع إلى مستوي الخلقة. والشكّ في عروض النوم منفيّ بالأصل؛ لعدم جواز نقض اليقين بالشكّ.

وهل يجامع عدم النوم الرؤيا وطيف الخيال ؟ الظاهر ذلك؛ لشهادة التجربة بحصول الرؤيا لبعض الناس مع بقاء العقل والسمع؛ وذلك لقوة الخيال.

نعم، الطيف الكامل لا يجامع ، ومَنْ ينادي فيجلس من نومه فذلك سمع بعد الانتباه وإن انتبه بالسماع.

وقد ورد في بعض الأخبار عدم نقض النوم للطهارة ما لم ينفرج النائم(2)، ونُسب(3)الفتوى به للصدوق(4).

وهو محمول على التقيّة؛ لمخالفته الأدلّة القطعيّة.

سادسها: فی مفاد حدیث«لا ینق الوضوء إلّا حدث والنوم حدث»

ورد في الصحيح: «لا ينقض الوضوء إلّا حدث، والنوم حدث»(5)والمقدّمة الأُولى تتضمّن عقدين:


1) البقرة (2): 234: الطلاق (65): 40

2) وسائل الشيعة 1 254 - 255 ، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح 11.

3) الناسب هو المحقق الحلّي في المعتبر 1: 110.

4) الفقيه 1: 63 - 64 ، ح 144.

5) وسائل الشيعة 1: 253 الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح 4.

أحدهما: سلبيّ، وهو: «لا ينقض الوضوء ما ليس بحدث» وانضمامه إلى المقدّمة الثانية غير منتج؛ لعدم اتّحاد الوسط.

والثاني: إيجابيّ، وهو: «ينقض الوضوء حدث »وهو إمّا أن يجعل صغرى للمقدّمة الثانية فيكون من الشكل الثاني، ولا ينتج لعدم اختلاف المقدّمتين، أو من الشكل الرابع لو جعلنا الموضوع محمولاً وبالعكس فقلنا: «الحدث ناقض والنوم حدث» ولا ينتج أيضاً؛ لإهمال الصغرى، وإمّا أن يجعل كبرى لها على طريق العكس فيقال: «النوم حدث والحدث ناقض» ولا ينتج ؛ لإهمال الكبرى إلّا بتكلّف العموم من تعليق الحكم على الطبيعة، أو من دليل الحكمة، أو من السياق، أو من غير ذلك.

والظاهر أنّ الخبر ليس مسوقاً لبيان المطلوب بالقياس، بل بصورة يلزم تسليمها عرفاً عند صدور الخطاب وإن لم تكن من القياس في شيء، فالمقصود من الخبر في الجزء الأوّل بطلان مذهب العامّة القائلين بانتقاض الوضوء بغير الأحداث المعدودة عندنا، وفي الجزء الثاني الردّ عليهم في دعوى عدم حدثيّة النوم، فيكون مؤدّاه ظاهراً في بيان أنّ النوم ناقضٌ؛ لكونه من الأحداث.

واعلم أنّ المراد بكون عدم السمع علامةً للنوم وكذا ذهاب العقل: هو ما كانا مكيّفين بالكيفيّة الخاصّة، ومتّصفين بالحالة الخاصّة، فلا يرد أنّه قد يذهب السمع والعقل لعلّةٍ أُخرى غير النوم، فلا يختصّان به فلا يكونان علامةً.

سابعها: ناقضیّۀ كلّ ما غلب على العقل عرفاً

كلّ ما غلب على العقل عرفاً من جنون أو إغماء أو سكر أو مرض أو غيرها ناقض؛ للإجماعات المنقولة(1)، والشهرة المحصّلة، ولدلالة التنبيه الحاصلة من أخبار ناقضيّة النوم(2)، المؤمية إلى كون العلّة في نقضه هي ذهاب العقل، فيطّرد في غيره لتنقيح المناط أو للأولويّة، والأخبار المعلّلة لناقضيّة النوم باحتمال عروض الحدث(3)، فإنّها في هذه أشدّ وأولى.

وقد يناقش في هذين بأنّ فهم العلّيّة في الأخبار الأوّليّة إذا لم يكن من مفهوم الموافقة أو منصوص العلّة أو تنقيح المناط القطعي لم يكن حجّةً، وغاية ما دلّت عليه الأخبار هو دوران


1) تهذيب الأحكام 1 5: غنية النزوع 1 34 - 35؛ مدارك الأحكام 1: 49.

2) راجع الهامش (2) من ص 138

3) راجع الهامش ( 5 ) من ص 138.

ناقضيّة النوم مع ذهاب العقل وجوداً وعدماً، والدوران لا يُثبت علّةً عندنا. وأمّا في الأخبار الأخيرة فهي ممنوعة في الأصل، فلا تُثبت حكماً في المقيس عليه.

وقد يستدلّ على المطلب بصحيحة ابن خلّاد الموجبة للوضوء على مريض أُغفي وهو جالس(1).

ولكنّها مع احتمال إرادة النوم من الإغفاء- بل ظهور إرادته؛ لقوله فيها بعد ذلك: «إذا خفي عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء». وخفاء الصوت غالباً يكون للنائم أو المغمى عليه دون المجنون والسكران - يشكل التمسّك بها لإثبات عموم ناقضيّة ما أزال العقل مطلقاً. كما أنّه في رواية الدعائم(2)قد نصّ على الإغماء فقط، فلا تصلح لإثبات الكلّيّة المدّعاة، إلّا أن يضمّ إلى ذلك عدم القول بالفصل، ويجبر السند بفتوى الأصحاب.

ثامنها: الاستحاضة القليلة ناقضة للوضوء وموجبة له

الاستحاضة القليلة ناقضة للوضوء وموجبة له فقط دون الغسل؛ لفتوى الكثير من الأصحاب(3)، وأخبار الباب(4).

وكلّ ناقضٍ للأكبر ناقضٌ للأصغر على الأظهر الأشهر؛ ولدلالة فحاوى الأخبار عليه.

ولا ينقض الوضوء خروج ماء الحقنة من دون مصاحبة الغائط؛ لفتوى الأصحاب، وللأصل، وأخبار الباب(5).

ولا ينقضه المذي أيضاً؛ للأصل، ولحصر النواقض في الأخبار(6)المعتبرة وليس المذي منها، ولفتوى المشهور ، وللإجماع المنقول(7)، وللأخبار الخاصّة المتكثّرة النافية لوجوب الوضوء له، والمشبّهة له بالنخامة وبما يخرج من الأنف(8)، وهي معتبرةٌ موافقةٌ لأُصول المذهب، مخالفةٌ لفتوى العامّة، فلا يعارضها ما دلّ على نقضه مطلقاً(9)، أو ما كان بشهوة (10)لعدم المقاومة ومن شرط الجمع المقاومة، فلتُحمل الأخبار على التقيّة، أو على الندب.


1) وسائل الشيعة 1: 257 الباب 4 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1.

2) دعائم الإسلام 1: 101

3) كما في مدارك الأحكام 1: 150

4) وسائل الشيعة 2: 371 و 375، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 1 و 9.

5) راجع المصدر 1: 248 ، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

6) راجع المصدر 1: 248 ، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

7) تذكرة الفقهاء 105:1، المسألة 30.

8) وسائل الشيعة 1: 276 - 278 و 280 - 282، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1 - 8 و 13، 14، 18 و 19.

9) المصدر : 280، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، ح 16 و 17.

10) المصدر : 279 - 280، ح 10 - 12.

ولا ينقضه التقبيل بشهوة، ولامسّ فرج الغير، ولامسّ باطن فرجه؛ للأصل، والأخبار(1)والإجماع.

وللمخالف أخبار(2)ضعيفة موافقةٌ للعامة والأُصول والقواعد لا تصلح للمعارضة، فيجب طرحها أو حملها على الندب.

وليس عندنا ناقض سوى ما ذكرناه؛ للإجماع بقسميه(3)والأخبار(4).

وما جاء في بعض الأخبار من إثبات نواقض(5)لا نقول بها محمولةٌ على التقيّة أو مؤوّلة أو مطّرحة، ويحمل بعضها على الندب.


1) وسائل الشيعة 1: 270 - 272 ، الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء ، ح 1 - 8.

2) المصدر : 272، ح 9 و 10.

3) غنية النزوع 1: 34 - 35.

4) راجع وسائل الشيعة 1: 248 و 252، الباب 2 و 3 من أبواب نواقض الوضوء.

5) راجع المصدر: 259، الباب 5 من أبواب نواقض الوضوء، ح 6، و 263 - 264، الباب 6 من تلك الأبواب، ح 11، 12، و 267، الباب 7 من تلك الأبواب، ح 12، 13، و 269، الباب 8 من تلك الأبواب، ح 3 ، و 275، الباب 11 من تلك الأبواب، ح 4، 5 و 280، الباب 12 من تلك الأبواب، ح 14 ، و 285، الباب 13 من تلك الأبواب، ح 9.

بحث في أحكام التخلّي

وفيه مطالب
أحدها: يجب ستر العورة

يجب ستر العورة إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(1)وكتاباً (2)وسنّةً (3)مستفيضة. ولا يراد بالأمر بالغضّ في الكتاب(4)، إلّا الغضّ عن العورة، والاعتبار الناشئ من قطع مادّة الفساد يقضي به.

وما ورد من تفسير حرمة عورة المؤمن بكشف سرّه وإظهار عيبه(5)غير منافٍ؛ لأنّه من التفاسير للبطون(6)الغير معارضة للأخذ بالظاهر.

ولا يتفاوت بين المسلم والكافر؛ لعموم الأدلّة وفتوى المشهور.

وما ورد بخصوص لفظ المسلم والمؤمن(7)لا يخصِّص عمومَ التحريم؛ لأنّ العامّ والخاصّ مع عدم التنافي لا يُحمل أحدهما على الآخَر.

وما ورد من أنّ النظر إلى عورة الكافر كالنظر إلى عورة الحمار(8)، ضعيفٌ لا يقاوم ما قدّمنا.

ولا بين الكبير والصغير، إلّا إذا كان الناظر غير مميّز من الأطفال، فإنّه لا يدخل تحت أدلّة التحريم، وكذا إذا كان المنظور صغيراً لم يبلغ الثلاث سنين؛ فإنّ السيرة قاضية بجواز النظر إلى عورته من الأُمّهات والمربّيات والقوابل.


1) كشف اللثام 1 :214؛ رياض المسائل 1: 92

2) النور (24):30

3) وسائل الشيعة 1: 299 ، الباب 1 من أبواب أحكام الخلوة.

4) النور (24):30

5) وسائل الشيعة 2 37، الباب 8 من أبواب آداب الحمام.

6) في «ق»: «تفاسير البطون».

7) وسائل الشيعة 1: 299 و 300، الباب 1 من أبواب أحكام الخلوة، ح 2 و 5.

8) المصدر 2: 35 - 36، الباب 6 من أبواب آداب الحمام.

وقد يدّعى قصر التحليل على ما جرت به السيرة دون غيره.

والأقوى الأوّل؛ لعدم شمول أدلّة تحريم النظر إلى العورة للنظر إلى عورته.

والمراد بالعورة: القضيب والأُنثيان وحلقة الدبر؛ للأخبار(1)المنجبرة بالأصل وفتوى الأخيار، وللسيرة، ولدليل نفي العسر والحرج(2).

والأحوط ستر الفخذين إلى السُّرّة.

ولا فرق في التحريم بين النظر بنفس العين أو بواسطة ٍكالمنظرة، ولا بين نفس الحجم وبين ما انعكس فيه كالمرآة.

نعم، في غير المعتاد للنظر إليه بانعكاسه كالماء وباقي المائعات إشكال والأحوط التجنّب.

والذي يحرم النظر إليه نفس البشرة لا الحجم، سواء ستره ساتر فغطاه فالتصق به، أو كان يرى حجماً من وراء الساتر بحيث لا يقال عرفاً أنّه رأى البشرة.

ولا فرق بين المفصول من العورة والموصول، ولا بين الجزء والكلّ، ولا بين الميّت والحيّ.

وما نبت على العورة من لحم حكمه حكمها، وما نبت من شعرٍ لا يحرم النظر إليه.

وفي إلحاق باطن العورة بظاهرها إشكال، والأحوط التجنّب.

ويحرم النظر في الخنثى إلى الفرجين معاً.

ويجب الستر مع القطع بوجود النظر من الناظر.

والظاهر أنّه مع الظنّ أو الشكّ في النظر مع وجود الناظر يجب الستر أيضاً؛ لظاهر الأخبار وظاهر الأمر بالتستّر(3)، وأمّا مع الشكّ بوجود الناظر أو الظن به فالأحوط التستر أيضاً.

ثانيها: حرمۀ استقبال القبلة واستدبارها علی المتخلّی

يحرم على المتخلّي استقبال القبلة واستدبارها؛ وفاقاً للمشهور؛ وللأخبار(4)الناهية عن ذلك، المعتبرةِ المنجبرة بأدلّة وجوب تعظيم الشعائر ، وبفتوى الأكثر، وبالإجماعات المنقولة(5).


1) وسائل الشيعة 2 34، الباب 4 من أبواب آداب الحمّام، ح 2 و 3.

2) تقدّم تخريجه في ص 73، الهامش (1).

3) النور (24):30

4) وسائل الشيعة : 301 ، الباب 2 من أبواب آداب الخلوة .

5) الخلاف 1: 101 - 102، المسألة 48؛ غنية النزوع 1: 35.

وظاهر الأدلّة تحريم الاستقبال والاستدبار بما يُسمّى كذلك، ويختلف باختلاف القيام والجلوس والاضطجاع والاستلقاء، ويدور مدار مقاديم البدن وأغلب الصورة الشخصيّة، ولا عبرة بنفس العورة إذا لم تكن على القبلة بعد الاستقبال بمقاديم البدن، كما لا يضرّ الاستقبال بها إذا لم تكن المقاديم على القبلة.

نعم، الأحوط تجنّب الاستقبال بنفس العورة وإن كانت المقاديم منحرفةً عنها؛ لقوله(عليه السلام): «لا تستقبل القبلة بغائطٍ ولا بول»(1).

ويقوى إلحاق حالة الاستنجاء بحالة التغوّط ؛ لمناسبته لدليل التعظيم، ولخبر الساباطي من الأمر بالجلوس للمستنجي كالجلوس للغائط(2).

ولو دار الأمر بين الاستقبال والاستدبار، رجّح الاستدبار؛ لكونه أهون في منافاته للتعظيم.

ولو اشتبهت جهة القبلة، تجنّب الجميع مع عدم الحاجة، ومع الحاجة إلى التخلّي تخيّر، واجتمال القرعة بعيد.

نعم، إذا حصل له ظنّ بجهةٍ خاصّة، عمل على ذلك الظنّ.

والاستدامة كالابتداء في وجوب الانحراف.

ولا فرق في حرمة الاستدبار بين لزومه استقبال بيت المقدس وبين عدمه - خلافاً للفاضل(رحمۀ الله علیه)(3)- كما لا فرق في تحريم الاستقبال والاستدبار بين الصحاري والأبنية؛ لإطلاق الأخبار الناهية(4).

و اشتمالُ كثيرٍ منها على المكروه وكثيرٍ منها على الأُمور الندبيّة لا ينافي حمل النهي بخصوص الاستقبال والاستدبار على التحريم بعد الانجبار بأدلّة وجوب التعظيم وفتوى الأخيار.

خلافاً لمن فصّل، فأجاز في الثاني دون الأوّل، أو العكس(5).

وما ورد في خبر ابن بزيع من بناء كنيفٍ إلى القبلة في منزل الرضا(عليه السلام)(6)لا دلالة فيه على أنّ الإمام(عليه السلام)يستقبل القبلة فيه؛ لأنّ العامّ لا يدلّ على الخاصّ، مع ظهور أنّ البناء ليس للإمام(عليه السلام).


1) وسائل الشيعة 1: 301، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1.

2) المصدر : 360 ، الباب 37 من أبواب أحكام الخلوة، ح 2.

3) نهاية الإحكام 1: 79

4) وسائل الشيعة 1: 301 الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة.

5) راجع المراسم: 32؛ والمقنعة: 41.

6) وسائل الشيعة 303:1، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، ح 7.

بل كان لغيره؛ لاستبعاد وقوع ذلك منه(عليه السلام)؛ للاتفاق على مرجوحيته، ومع احتمال إرادة بناء الباب على نفس القبلة لا الكنيف.

والظاهر استحباب التشريق والتغريب للأمر به(1)المحمول على الندب؛ لعدم القائل بإرادة حقيقته، فيُحمل على أقرب المجازات وأشهرها.

ثالثها: يجب تطهير ظاهر المخرج من البول والغائط

يجب تطهير ظاهر المخرج من البول والغائط إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(2)، وجوباً شرطيّاً. ويتعيّن للبول الماء إجماعاً، والنصوص(3)مستفيضة به، والأُصول والقواعد تقضي به.

وما جاء في بعض الأخبار(4)، ممّا يدلّ على خلافه مطرحٌ أو محمول على التقيّة؛ لموافقة ذلك لفتواهم.

وما ورد في الموثّق: عن الرجل يبول وليس له ماء فيمسح ذكره بالحائط ؟ قال: «كلّ شيء يابس زكيّ» (5)محمولٌ على إرادة عدم سريان النجاسة منه إلى غيره، لا طهارته في نفسه؛ لظهور أنّ اليبس ليس من المطهِّرات للنجس.

وكذا ما ورد في الموثّق: «إذا بلت وتمسّحت فامسح ذكرك بريقك فإن وجدت شيئاً فقل: هذا من ذاك»(6)محمول على إرادة وضع الريق على طرف الذكر الغير النجس، حتّى أنّه لو خرج بلل من الذكر لم يقطع به؛ لاحتمال استناده إلى الريق، فلا ينجس.

وحمله على إرادة الحيلة في رفع الخبث أو يقين الحدث بخروج المشكوك به قبل الاستبراء؛ لحصول الشكّ في خروجه عند وضع الريق على المخرج لاحتمال استناد البلل إليه، وإن كان مَحْمِلاً جيّداً لكنّه لا يُثبت الطهارة؛ لكفاية وضع الريق على المحلّ الطاهر في الخلاص من الشبهتين وتأدية الحيلتين معاً، وكفاية وضعه على النجس في التخلّص من شبهة نقض يقين ارتفاع الحدث وإن تنجّس به، ولا أقلّ من احتمال المعنيين، فيقع الإجمال في البين.


1) وسائل الشيعة 1: 302 الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، ح 5.

2) رياض المسائل 93:1

3) وسائل الشيعة 1 294 ، الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء، و 348، الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة، ح 2، و 349 - 350. الباب 31 من تلك الأبواب، ح 1 و 2.

4) المصدر : 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 4.

5) المصدر: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، ح 5.

6) المصدر: 248، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 7.

بل ربما يدّعى أنّ الظاهر أنّه حيلة( في التخلّص عن التنجّس بمخرج البول من حيثيّة عدم غسله هو(1)أن يقال: إنّه لو كان حيلة)(2)في تحصيل البقاء على الطهارة لما قدّم على الاستبراء المحصّل لذلك من دون احتيال، ولذكر الوضوء فيه، فظهر أنّه حيلة في رفع التنجّس بتلك النجاسة.

و بطل بما ذكرنا أيضاً دعوى أنّ المتنجّس بعد زوال عين النجاسة لا ينجّس؛ استناداً لهذه الرواية، ولخبر سماعة، الدالّ على أنّ مَنْ تمسّح بالأحجار وجاءه البلل بعد استبرائه لا بأس عليه(3)، والصحيحة العيص: عمّن مسح ذكره بيده ثمّ عرقت يده فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟ قال: «لا»(4)، وللخبر الآخَر: يصيب يدي شيء من البول فأمسحه بالحائط أو بالتراب ثمّ تعرق يدي فأمسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي؟ قال: «لا بأس»(5).

لعدم دلالة الرواية الأُولى كما قدّمنا، ولظهور إرادة عدم تنجّسه وعدم نقضه بما يخرج جديداً بعد الاستبراء في خبر سماعة، ولعدم ظهور إرادة مماسّة النجس نفسه بعد العرق للثوب والوجه، بل هو أعمّ، والأصل الطهارة عند محلّ الشكّ.

على أنّ هذه الأخبار - لضعفها سنداً ودلالةً وإعراضِ الأصحاب عن العمل بمضمونها - لا تصلح لمعارضة ما جاء من الأمر بغسل الأواني والفرش من النجاسة(6)، فلو أنّها لا تنجس لعرى الأمر بالغسل عن الفائدة؛ لعدم إمكان لُبْسها ومصاحبتها حين الصلاة.

نعم، قد تُحمل هذه الأخبار على وجوب مسح الذكر عند تعذّر الماء لتخفيف النجاسة عند فعل ما هو مشروط بالطهارة ووجوب الغسل بعد الإمكان؛ جمعاً بين الأدلّة، ويكون استفادة الوجوب من مجموع السؤال والجواب المشعرين بمشروعيّته ذلك اليوم، لا من الأمر به؛ لخلوّها عن الأمر بذلك.

رابعها: يجب غسل مخرج الغائط عند التعدّي عن المحلّ المعتاد

يجب غسل مخرج الغائط عند التعدّي عن المحلّ المعتاد أو مخالطة نجاسةٍ أُخرى بالماء؛ للاستصحاب، ولما ورد من قوله(عليه السلام): «يكفي أحدكم ثلاث أحجار إذا يتجاوز محلّ


1) كذا قوله: «عدم غسله هو» في «ج، ن». ولعلّ هنا سقطاً.

2) ما بين القوسين لم يرد في «ق».

3) وسائل الشيعة 1: 283 ، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 4.

4) المصدر 401:3، الباب 6 من أبواب النجاسات، ح 2.

5) المصدر، ح 1.

6) المصدر : 400 و 494 و 496 ، الأبواب 5 و 51 و 53 من أبواب النجاسات.

العادة»(1)وللإجماع المنقول على عدم إجزاء الأحجار عند التعدّي(2)، ولأنّ المتعدّي كسائر النجاسات للبدن(3)، فلا بدّ من غسلها.

والأقوى عدم إجزاء الأحجار مع التعدّي حتّى في نفس المخرج؛ للشكّ في تطهيره بها والحال أنّه متعدّي.

والمراد بعدم التعدّي هو ما يُسمّى استنجاءً عرفاً، ولا يتفاحش عن حلقة الدبر تفاحشاً بيّناً، كما يصدر عن غير معتدل المزاج، لا مجرّد تجاوزه عن الحلقة، وإن كان الاقتصار عليه أحوط.

خامسها: کفایۀ في غسل الغائط ذهاب العين

یکفی في غسل الغائط ذهاب العين لصدق الغسل معه؛ ولقوله: هل للاستنجاء حدّ؟ قال: «لا، حتّى ينقى ما ثمّة»، قال: ينقى ما ثمّة ويبقى الريح ؟ قال: «الريح ينظر إليها»(4).

وفيه دلالة على أنّ الريح لا ينافي النقاء، وأمّا اللون فالظاهر أنّه كالريح لا اعتبار به؛ لما ورد من الأمر بصبغ الثوب من دم الحيض لتدليسه(5)، والصدق زوال العين والنقاء وإن كان موجوداً.

ودعوى أنّه مكتسب من أجزاء صغار متلاصقة بالمحلّ من عين النجاسة فلا يصدق معه زوال العين، مردودة بظهور العرف على خلافه، وبعدم دوران الأحكام الشرعيّة على التدقيقات الحكميّة.

نعم، لو بقي على المحلّ أثر من عين النجاسة يمكن زواله بسرعة -كالأجزاء اللطيفة اللزجة العالقة بالمحلّ - لزم إزالته؛ لأنّه من عين النجاسة(6)، وللفرق بينه وبين اللون عرفاً، وهو المراد بقول الفقهاء: يشترط زوال العين والأثر.

ولا يشترط خشونة المقعدة في الغسل أو حصول الصرير من مماسة الغاسل لها؛ للأصل، و لعدم توقّف الامتثال عليهما.

سادسها: يكفي في استنجاء البول غسل المخرج مرّةً واحدة بحيث يجري عليه

يكفي في استنجاء البول غسل المخرج مرّةً واحدة بحيث يجري عليه فيزيل ما به من البول، وبحيث لا يستهلكه البول أو يساويه، بل بحيث يغلب الماء عليه ويقهره؛ لإطلاقات أوامر الغسل من البول مطلقاً، وإطلاقات خصوص أوامر غسل مخرج البول في الاستنجاء:


1) أورده المحقّق الحلّى في المعتبر 1: 128

2) كشف اللثام 204:1.

3) في «ج، ن»: «نجاسات البدن».

4) وسائل الشيعة 1: 322، الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1.

5) المصدر 3: 439، الباب 25 من أبواب النجاسات، ح 1.

6) في «ق»: «لأنّه عين النجاسة».

كقوله(عليه السلام)-في الصحيح -: «إذا انقطعت درّة البول فصبّ الماء»(1).

وفي آخَر: «وأمّا البول فلا بدّ من غسله»(2).

وفي آخَر: «اغسل ذكرك، وأعد صلواتك»(3).

وفي آخَر: «عليه أن يغسل ذكره»(4).

وفي آخَر: «يغسل ذكره ويذهب الغائط»(5).

وفي آخَر: «يغسل ذكره ولا يعيد الوضوء»(6).

وفي آخَر: «يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة»(7).

وفي آخَر: «عليك إعادة الوضوء والصلاة وغسل ذكرك»(8).

فإطلاق هذه الأخبار في مقام البيان بيان للاكتفاء بمسمّى الغسل، بل في خبر نشيط: عمّا يجزئ من الماء في الاستنجاء؟ قال: «مثلا ما على الحشفة من البلل »(9)والخبر الآخَر: «يجزئ من البول أن يغسله بمثله»(10)ظهورٌ بكفاية المرّة الواحدة؛ لأنّ السؤال وإن كان ظاهراً عن إجزاء قدر الماء المستعمل دون وحدة الغسل وتعدّده إلّا أنّهما من اللوازم للمسؤول عنه، فينبغي بيان أحدهما، ولمّا كان الإطلاق كافياً ببيان الوحدة اكتفي بها في المقام.

ودعوى أنّ وجوب التثنية في غسل الثوب والبدن والإجماع المنقول(11)عليها، وتنقيح المناط بين مخرج البول وسائر البدن، وما ورد من الأمر بالصبّ مرّتين على البدن إذا أصابه بول(12)، وخبر(13)نشيط بحمل المثلين على إرادة الغسلتين دالّ على وجوب تثنية الغسل في


1) وسائل الشيعة 1: 349 الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1.

2) المصدر : 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1.

3) المصدر : 295 - 296، الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء، ح 7.

4) المصدر: 294 - 295، ح 4.

5) المصدر: 316، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، ح 5.

6) المصدر : 294 ، الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1.

7) المصدر : 317 - 318، الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة، ح 2.

8) المصدر: 319 ، ح 5.

9) المصدر: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، ح 5.

10) المصدر، ح 7.

11) ریاض المسائل 2: 108

12) وسائل الشيعة 3: 343 - 345، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1، 4 و 9.

13) راجع الهامش (9).

المخرج، مردودة بمنع شمول الإجماع والأخبار الدالّين على التثنية لمخرج البول، بل هي ظاهرة في غيره من البدن. وتنقيح المناط بين البدن ومخرج البول ممنوع؛ لمكان السهولة المطلوبة في الاستنجاء والتخفيف المراد من الشارع لكثرة وقوعه.

وكذا دلالة خبر نشيط على التثنية ممنوعة؛ لإفضائها إلى التجوّز في اللفظ، ولظهورها في الجواب عمّا يجزئ من قدر الماء، لا عمّا يجب من قدر الغسل وحدةً وتعدّداً، وللزوم الحمل على تثنية الغسل الاكتفاء بمثل ما على الحشفة من البلل بعد انقطاع البول، وهو مخالف لأوامر الغسل في الأخبار والإجماع؛ لعدم حصول مسمّى الغسل به، ولاستهلاكه بالبول غالباً.

وعلى ما ذكرنا فيُحمل خبر(1)نشيط الآخَر على الاستخدام بإرجاع الضمير في «مثله» إلى البول(2)أو القطرة الأخيرة منه، وإرادة المخرج من مرجع الضمير أو إرادة البلل المتخلّف عليه ضرورة أنّ البول لا يكون مغسولاً.

وذهب جمع من أصحابنا(3)إلى وجوب تعدّد الغسل في استنجاء البول، مقيّداً للمطلقات بما دلّ على وجوب المرّتين في غسل البول عن البدن من الأخبار(4)، والإجماع، وتنقيحاً للمناط.

والجواب: أوّلاً بعدم المقاومة. وثانياً بانصراف ما دلّ على ذلك إلى غير مخرج البول.

ولكنّ الاحتياط يقضي بالتعدّد. وعليه فهل يشترط التعدّد والانفصال الحسّي أم يكفي التقديري لو حصل بغسلةٍ واحدة؟ وجهان: من الأخذ بظاهر الأمر والاستصحاب والاحتياط، ومن تنقيح المناط وتسرية العلّة.

والأوّل أقوى وأحوط، وأحوط الكلّ الثلاث؛ لما ورد في الصحيح من الأمر به(5).

واكتفى جمع من أصحابنا(6)بغسل المخرج بمثلَي ما على الحشفة؛ استناداً للرواية المتقدّمة(7).

وفيه: أنّها لا تقاوم إطلاقات الغسل، فلا بدّ من حملها على الكشف عن حصول الغسل


1) تقدّم تخريجه في ص 148، الهامش ( 10 ).

2) في «ج، ن»: «للبول» بدل «إلى البول».

3) منهم: الصدوق في الفقيه 1: 31، ذيل الحديث 24؛ والمحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 93؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 1: 29

4) تقدّم تخريجه في ص 148، الهامش (12).

5) وسائل الشيعة 1: 344 الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة ، ح 6، وفيه: «كان يستنجي من البول ثلاث مرّات».

6) مثل المفيد في المقنعة: 42 والطوسي في النهاية: 11؛ وسلار في المراسم: 33.

7) في الهامش (9) من ص 148

بذلك القدر، وأنّه أقلّ ما يُسمّى غسلاً عرفاً، أو على المبالغة والتقريب، أو على إرادة القطرات المتخلّفة لا البلل كما تُحمل الرواية الثانية(1)المكتفية بالمثل على ذلك، أو على السهو من حذف الياء فيكون «مثليه» فالقول بمضمونها لا وجه له.

سابعها: الواجب في غسل المخرجين هو الظاهر

الواجب في غسل المخرجين هو الظاهر؛ للنصّ (2)والإجماع والأصل، دون الباطن. والمرجع في معرفتهما إلى العرف.

والظاهر وجوب إدخال جزء من الباطن من باب المقدّمة لإزالة الشكّ.

وقد يتمسّك بأصالة الطهارة في المشكوك به أنّه من الظاهر أو الباطن، ولكنّ الاحتياط يقضى بغسله .

ثامنها: يجزئ في مخرج الغائط عند عدم التعدّي التمسّح

يجزئ في مخرج الغائط عند عدم التعدّي التمسّح؛ للإجماع والأخبار، ومنها: كان يستنجئ من البول ثلاث مرّات، ومن الغائط بالمدر والخزف والخرق(3).

ومنها: كان الحسين لا يتمسّح من الغائط بالكرسف(4).

ومنها: «جرت السنّة في الغائط بثلاث أحجار»(5).

ومنها: «يجزئ من الغائط المسح بالأحجار»(6).

فما دلّ على إعادة الوضوء والصلاة مع التمسّح(7)أو على متابعته بالماء(8)أو غير ذلك مطّرح أو محمول على صورة التعدّي أو الندب.

نعم ،الماء أفضل؛ للأخبار(9)، وكلام الأصحاب، والاعتبار. والجمع أكمل مع تقديم الأحجار؛ للأخبار (10)والاعتبار. ولا بأس بأفضليّة أحد فردي الواجب التخييري؛لإمكانه ووقوعه. ولا يلزم


1) أي خبر نشيط، الثاني المتقدّم في ص 148.

2) وسائل الشيعة 1: 347، الباب 29 من أبواب أحكام الخلوة.

3) المصدر : 357 - 358، الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة. ح 2.

4) المصدر : 358، ح 3.

5) المصدر: 348 - 349، الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة، ح 3.

6) المصدر : 0348 ح 2.

7) المصدر : 317، الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1.

8) المصدر: 349، الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة، ح 4.

9) المصدر: 354 الباب 34 من أبواب أحكام الخلوة.

10) منها ما تقدّم في الهامش (8).

منه اجتماع الوجوب والاستحباب في شخص واحد؛ لأنّ المراد بالأفضليّة زيادة ثواب أحدهما على الآخر، ولا مضادّة فيه.

والجواب باختلاف الاعتبار؛ لتعلّق الندب بالفرد والوجوب بالكلّي، ضعيف؛ لعدم ارتفاع تضادّ الحكمين، وامتناع اجتماعهما بالاختلاف بالاعتبار مع كون الفرد متّحداً.

ويكفي في التمسّح هنا ذهاب العين ولا عبرة باللون والرائحة؛ لفتوى الأصحاب، ولزوم العسر والحرج لولاه، ولإشعار الأخبار(1)به، بل ربما يدّعى عدم العبرة بالأثر الزائد على اللون؛ لحصوله غالباً، وعدم زواله بالثلاث فيطهر حينئذ المحلّ وإن بقي الأثر.

تاسعها: يجوز التمسّح بالحجر والمدر والخزف والكرسف والخرق

يجوز التمسّح بالحجر والمدر والخزف والكرسف والخرق؛ لفتوى الأصحاب، ونصوص الباب(2)وإن كان الحجر أقواها فعلاً وأكثرها نصّاً(3)وفتوىً.

ويجوز بكلّ جسمٍ عدا ما سيجيء إن شاء الله تعالى.

خلافاً لمن منع ممّا ليس بأرضٍ(4)، أو منع من الآجر والخزف من دون ملابسة طين أو تراب يابس(5)، ومن الكرسف وشبهه إلّا مع فقد الأحجار(6).

والدليل على ما قلنا فتوى المشهور، والإجماع المنقول(7)، والأخبار الدالّة على وجوب المسح مطلقاً(8)، والدالّة على جواز ثلاث حثيات من تراب أو من أعواد(9)، والدالّة على جواز الاستنجاء بالخزف والقطن وأشباه ذلك (10). وهي وإن ضعفت سنداً مجبورة بفتوى المشهور وعمل الجمهور.


1) راجع وسائل الشيعة 1: 322 الباب 13 من أبواب أحكام الخلل.

2) المصدر: 348، الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة، و 357 - 358، الباب 35 من تلك الأبواب، ح 2 و 3.

3) المصدر : 348 الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة.

4) منعه سلّار في المراسم: 32 - 33.

5) منعه ابن الجنيد كما حكاه عنه الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 171.

6) منعه القاضي ابن البراج في المهذّب 1: 40.

7) الخلاف 106:1، المسألة 51

8) وسائل الشيعة 316:1 الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، ح 5.

9) مستدرك الوسائل 1: 274، الباب 22 من أبواب أحكام الخلوة، ح 7.

10) وسائل الشيعة 1 357 - 358 ، الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة، ح 2 و 3.

وربما كان في قوله(عليه السلام): «حتّى ينقى ما ثمّة»(1)وقوله(عليه السلام): «ويذهب الغائط»(2)دليل على ذلك، بل في أخبار النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث(3)إشعارٌ بذلك.

فما دلّ حينئذٍ على خصوصيّة الأحجار أو خصوصيّة أشياء معيّنة لا يكون مقيّداً للإطلاقات المعتضدة بفهم المشهور والإجماع المنقول، فيُحمل المقيّد على الغالب ؛ لأنّ الغالب في الاستعمال الأحجار وشبهها، على أنّ ما جاء من المقيَّدات من حكايات الأفعال لا تصلح لتقييد مطلقات الأقوال.

عاشرها: يجب المسح بما يُسمّى مسحاً

يجب المسح بما يُسمّى مسحاً، فلا يكفي الالتصاق؛ للاستصحاب، وظاهر الأخبار، وفتوى الأصحاب.

ويجب أن يكون على النحو المتعارف، فلو تعدّى بالمسح إلى المحلّ الطاهر تنجّس الطاهر الخارج عن المحلّ المعتاد واحتاج إلى تطهيره بالماء. ولا يجب الاقتصار جدّاً بحيث لا يتعدّى عن المحلّ أبداً؛ للزوم الحرج والعسر، ولمخالفة السيرة الجارية في المسح، فلا يجب حينئذٍ وضع حافّة الحجر على حافّة النجاسة وإدارتها عليها بحيث لا يمسّ المحلّ الطاهر منها شيء.

ويجب تعدّد المسح بحيث تعدّ مسحات متمايزة متفاصلة؛ للاستصحاب، وظاهر الأخبار(4)، وفتوى الأصحاب. فلو ألصق ثلاث أحجار ومسح بها دفعةً لم يُجزئ، وكان بحكم حجرٍ واحد. ولو مسح بالثلاث متعاقبةً من دون فاصل مرّةً واحدة قوي الإجزاء، والأحوط الفصل.

حادي عشرها: لا يجزئ المسح بالنجس ولا بالمتنجّس

لا يجزئ المسح بالنجس ولا بالمتنجّس؛ للأصل، والشكّ في شمول الأدلّة للنجس، بل لظهورها في غيره؛ للإجماع المنقول(5)،ولانفعاله بالخبث، فلا يصلح لأن يكون رافعاً.

ولو استنجى به لغا حكم الأحجار ولزم الاستنجاء بالماء؛ للاستصحاب، ولإفادة المحلّ نجاسة غريبة لا يرفعها سوى الماء.

ويحتمل قويّاً الاجتزاء بالأحجار؛ لعدم تنجّس المتنجّس بنجاسةٍ أُخرى فتشمله الإطلاقات.


1) وسائل الشيعة 1: 322، الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1.

2) راجع الهامش (8) من ص 151

3) وسائل الشيعة 1: 357 - 358 ، الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1، 4 و 5.

4) المصدر : 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة ، ح 1 و 348، الباب 30 من تلك الأبواب.

5) منتهى المطلب 1: 276

وفيه: أنّ المحلّ يقبل الشدّة والضعف في قبول النجاسة وإن كان متنجّساً.

والفرق بين نجاسة الغائط فتجزئ الأحجار لعدم تغاير النجاسة، وبين غيرها فلا تجزئ قريب أيضاً.

ولكنّ الأوّل أظهر وأحوط.

ثاني عشرها: بیان أقلّ المجزئ فی المسح

لا بدّ من تثليث المسح وإن نقي المحلّ ، بدونها، فيكون أقلّ المجزئ ثلاث مسحات بثلاث أحجار ، ولو لم يَنْقَ وجب الزائد إلى أن ينقى؛ للاستصحاب، وظاهر أخبار الباب وفتوى الأصحاب، ولما ورد بعدم إجزاء ما دون الثلاثة من الأخبار(1)، وهي وإن ضعفت لكنّها قويّة بفتوى مشهور الأخيار.

ووجه الاستدلال بأخبار التثليث إمّا من جهة أنّها مقيِّدةٌ لإطلاق الأخبار(2)، الدالّةِ على كفاية ذهاب الغائط وكفاية نقاء ما ثمّة، والآمرة بالاستنجاء مطلقاً، فيجب حمل المطلق على المقيد، وإمّا من جهة مفهوم العدد في مقام البيان؛ لوروده في مقام بيان المجزئ في الاستنجاء وظاهر الإجزاء هو أقلّ ما يتأدّى به الواجب، وفي مقام بيان ما جرت به السنّة وظاهر لفظ السنّة هنا إرادة الشريعة لا المسنون، وفي مقام حكاية فعل الإمام(عليه السلام) المنبئ عن الاستمرار والدوام.

وفي بعض الروايات: أنّ الناس كانوا يستنجون بثلاث أحجار(3)، فلو لم يكن التثليث

لازماً لما استمرّ عليه الناس؛ لما نراهم من عدم الاستمرار على المسنونات.

وذهب جمعٌ من أصحابنا (4)إلى عدم اشتراط التثليث واكتفى بحصول مسمّى النقاء؛ استناداً للإطلاق، وتنزيلاً للمقيِّدات على الغالب من عدم حصول النقاء بدون التثليث، أو على الاستحباب.

وهو ضعيف؛ لظهور رواية النقاء في الاستنجاء بالماء، ولوجوب حمل المطلق على المقيّد عند المقاومة وإن كان المقيّد هو الفرد الغالب، بل الغلبة مرجّحة للحمل؛ لأنّ المطلق يحمل عليها من دون تقييدٍ بها، فكيف لو ظهر التقييد بها، وورود المقيّد مورد الغالب ممّا يلغي المفهوم لا يلغي التقييد به، والتقييد الوارد في الأحجار في صحيح الأخبار يضمّ إليه عدم القول بالفصل بالنسبة إلى غيرها، وأولويّة غيرها منها في التثليث.


1) صحیح مسلم 1: 223 - 224، ح 262

2) وسائل الشيعة 1: 315 و 316 ، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1، 5، و 322، الباب 13 من تلك الأبواب، ح 1.

3) المصدر: 355 - 356 ، الباب 34 من أبواب أحكام الخلوة، ح 5.

4) منهم: القاضي ابن البراج في المهذب 1: 40 وابن حمزة في الوسيلة: 47: ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 27.

وبالجملة، فالأدلّة الدالّة على أنّ المدار هو النقاء بينها وبين أدلّة التثليث عموم من وجه ولا يمكن تخصيصها بأدلّة الأحجار للإجماع على لزوم إزالة العين وإن زاد المسح على الثلاثة، فلابدّ من تخصيص أدلّة النقاء بأدلّة الأحجار؛ لقوّتها واعتضادها بالاستصحاب وفتوى المشهور، ولأنّ التطهير بالأحجار ظنّيٌّ ولا يزيل الأثر غالباً، فيؤخذ به المتيقّن من لزوم التثليث.

نعم، قد يقال: إنّ الحكمة في التثليث هو حصول النقاء بها غالباً بالنسبة لأغلب الناس في أغلب الأوقات وأغلب الأحجار، وإلّا فقد يختلف الحال بالنسبة إلى شدّة الحرّ والبرد والهواء وعدمه، وخشونة الحجر ونعومته، وقوّة المسّ وضعفه، وذكاء الماسح وبلادته، وخشونة النجو ونعومته، ولزوجته وعدمها وكبر الحجر وصغره، وغير ذلك.

والحكمة لا يلزم من عدمها العدم.

ثالث عشرها: يجب تثليث الماسح

يجب تثليث الماسح بمعنى تعدّد مكان الماسح ومغايرته في المسح، فلا يجزئ الثلاث مسحات لموضعٍ واحد؛ لظهور الأخبار في تثليث الماسح، وكذا الأصحاب، ويدلّ عليه الاستصحاب .

ودعوى عدم ظهور الأخبار في تثليث الماسح، بل إنّما تدلّ على تثليث المسح، كما يقال: «ضربته عشرة أسواط» و «رميته عشرة سهام» مردودة بفهم الأصحاب خلافَه أوّلاً، وبأنّه لا أقلّ من حصول الإجمال فيه فيؤخذ بالمتيقّن ثانياً، وبالفرق بين المجرور بالباء -كما هو العمدة في الأخبار - فيدلّ على تكرّر الآلة، وبين المجرّد فلا يدلّ ثالثاً.

رابع عشرها: عدم إجزاء الواحد ذي الجهات الثلاث من حجر أو مدر أو خزف أو غیره

الأظهر والأحوط عدم إجزاء الواحد ذي الجهات الثلاث من حجر أو مدر أو خزف أو الطويل ذي الأمكنة المتعدّدة الممكن تغاير المسح بها؛ للاستصحاب، وظهور الأخبار في تعدّد الآلة وانفصالها؛ لأنّ المفهوم من ثلاثة أحجار تعدّدها وانفصالها، ولا يصدق على الواحد أنّه ثلاثة، ولأنّ المعهود التعدّد، ولقوله(عليه السلام):« بثلاثة أحجار أبكار»(1)، واستعمال الواحد مرّةً أُخرى بالجهة الثانية لا يصدق عليها ذلك. وضعفه مؤيّد بفتوى المشهور نقلاً(2)وتحصيلاً.


1) وسائل الشيعة 1: 349، الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة، ح 4.

2) راجع مدارك الأحكام 1: 172.

والمناقشة في الاستصحاب خروج عن مذاق الأصحاب؛ لشمول أدلّته للحكم الواحد أو المتعدّد المعيّن، أو المردّد المعلوم ثبوته من الشرع مرّةً، أو مع الاستمرار، أو إلى غاية، أو حالة واحدة، أو متعدّدة معلومة، أو مجهولة وشكّ في البراءة منه بوجود المعارض، أو بالشكّ (1)في حصول الغاية، أو بأحد الأفراد المردّدة. والمقام من ذلك؛ لبقاء حكم النجاسة إلى القطع بالمطهِّر، ولا قطع مع التمسّح بذي الثلاث فيكون ممّا علم ثبوته إلى حالة وشكّ في حصولها.

ولو طال الحجر أو الثوب قوي جواز الاستنجاء بأركانه الثلاث، والأحوط تركه.

ولو تكسّر الحجر وقد تمسّح بطرفٍ منه قوي إجزاء الباقي، والأحوط تركه؛ استصحاباً لحكمه مع الشكّ في تبدّل الموضوع.

واجتزاً جمع من الأصحاب(2)بالحجر ذي الجهات الثلاث؛ لصدق التمسّح بالثلاث عند التمسّح به، ولإجزائه لثلاث أشخاص كلٌّ يتمسّح بركن، ولإجزائه عند تكسّره ثلاثة أجزاء لواحد أو لثلاث.

والكلّ منظورٌ فيه يُعلم ممّا تقدّم.

خامس عشرها: الأظهر والأحوط اشتراط البكارة في الأحجار بمعنى عدم استعمالها سابقاً في الاستنجاء

لنفسه أو لغيره ؛ لاستصحاب النجاسة ، وللرواية السابقة(3)الدالّة على وصفها بالأبكار.

ولافرق بين بقائها نجسةً وبين صيرورتها طاهرةً ، ولا بين تنجسّها سابقاً وبين عدمه إذا كانت من الثلاث، أمّا لو كانت زائدةً على الثلاث ولم تتنجّس، بل استُعملت لمجرد المبالغة التنظيف فلا بأس.

ولو استنجى ثلاثةٌ بحجرٍ واحد كلٌّ من جهةٍ، فالأحوط الحكم بعدم حصول التطهير لهم فيما عدا الأوّل؛ لصدق عدم البكريّة عليه بالنسبة إلى الثاني فما فوق، إلّا إذا كان طويلاً جدّاً بحيث لا يصدق عليهم أنّهم تمسحوا بحجرٍ واحد، فالأقوى جوازه.


1) في «ق»: «أو بوجود الشكّ».

2) منهم: القاضي ابن البراج في المهذب 1: 40؛ والعلامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 180؛ والشهيد في ذكرى الشيعة 1: 170.

3) سبقت في ص 154

ولو استنجى بإصبعه أو بجزءٍ من بدنه أو بدن غيره، لم يصحّ الاستنجاء به مرّةً ثانية لنفسه ولا لغيره.

والظاهر أنّ الأصابع بمنزلة أحجار متعدّدة، وبالطريق الأولى اليدين وأجزاء البدن المتباينة.

وخيالُ أنّ الإنسان كلَّه بمنزلة حجرٍ واحد بعيدٌ جدّاً.

ولو استحالت آلة المسح إلى نوعٍ آخَر، جاز الاستنجاء بها وحصل بها الإزالة.

سادس عشرها: عدم إجزاء الثلاث على سبيل التوزيع على المحلّ

الأظهر عدم إجزاء الثلاث على سبيل التوزيع على المحلّ، بل لا بدّ من إمرار كلٍّ على كلّ المحلّ؛ لأنّه هو المعهود من الأفعال، والمفهوم من الأخبار وفتاوى الأصحاب.

واجتزأ بعضهم (1)بذلك، وهو بعيد.

سابع عشرها: لا يجوز الاستنجاء بالعظم والروث ممّا يؤكل لحمه

لا يجوز الاستنجاء بالعظم والروث ممّا يؤكل لحمه؛ للإجماع المنقول(2)، وفتوى الجمهور، والأخبار الناهية عن ذلك، وهي متكثّرة معتبرة منجبرة معلّلة بأنّهما طعام الجنّ، وأنّهم طلبوا من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ذلك(3).

والظاهر عدم حصول التطهير بهما، كما يستفاد من النهي في الأخبار الواردة عن الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)؛ فإنّ النهي وإن لم يدلّ بنفسه على الفساد لكنّه يستفاد منه من جهة استقراء الجزئيّات، ومن فتوى الثقات. وقد نقل الإجماعَ على عدم حصول التطهير بهما بعضُهم(4)، وورد في بعض الأخبار أنّه لا يصلح الاستنجاء بهما(5)، وفي بعض آخَر: «لا يطهّران» (6)وضعف السند والدلالة مجبوران بما تقدّم.

ويراد بالعظم ما يُسمّى عظماً عرفاً، فلا يدخل فيه الظفر وشبهه، والظاهر إلحاق القَرْطَمَة به.

ويراد بالروث رجيع ذي الحافر كما هو المفهوم عرفاً.

والأحوط إلحاق رجيع كلّ حيوان من ذي ظلف أو خفّ أو طائر؛ لورود النهي عنه(7)مطلقاً.


1) العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 180.

2) المعتبر 1: 132.

3) وسائل الشيعة 1: 357 و 358، الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1 و 4.

4) غنية النزوع 36:1.

5) وسائل الشيعة 1: 357 الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1.

6) سنن الدارقطني 56:1 ح 9.

7) مستدرك الوسائل 1: 279 - 280، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، ح 2.

ولا فرق في المنع بين عظم ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه مطلقاً، وكذا الروث؛ لإطلاق الأخبار والفتاوى.

ثامن عشرها: يحرم الاستنجاء بالمطعوم المعتاد فعلاً

يحرم الاستنجاء بالمطعوم المعتاد فعلاً، كالخبز والعجين والتمر وشبهها؛ للإجماع المنقول(1)، ولفتوى الفحول، ولفحوى أخبار النهي عن العظم والروث؛ لأنّه طعام الجنّ(2)، ولما ورد من غضب الله تعالى على أهل الثرثار (3)باستنجائهم بالخبز والعجين(4)، ولرواية الدعائم(5)، ولأنّه من المحترمات فلا يرضى بإهانته ربِّ السماوات، بل ربما يحرم تنجيسه مطلقاً، بل ربما يجب رفع النجاسة عنه مطلقاً؛ للاحترام.

والأقوى وجوب تجنّب المطعوم المقارب للخروج إلى الفعل، كالحنطة والشعير وباقي الحبوب؛ ولورود الذمّ لمن وطئ الحنطة والشعير بقدمه(6)، فالاستنجاء أولى بالمنع.

والأحوط اجتناب جميع البقول والفواكه، بل الأحوط تجنّب اللحوم والشحوم. وكذا غير المطعوم العامّ من الحلوانات والأدوية والعقاقير وكذا الأحوط تجنّب ما لم يكن مطعوماً قبل ذلك فعاد مطعوماً.

والظاهر أنّه لو استنجى بالمطعوم عمداً أثم المستنجي، وحصلت الإزالة على الأظهر.

تاسع عشرها: يحرم الاستنجاء بكلّ محترم مادّةً

يحرم الاستنجاء بكلّ محترم مادّةً، كالتربة الحسينيّة والمكتوب عليه قرآنٌ أو أسماء الله تعالى أو أسماء الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) للإجماع، وفحاوى الكتاب(7)والسنّة (8).

ولو فعل حراماً واستنجی به حصلت به الإزالة وإن أثم بل وإن كفر. ومع السهو والغفلة لا إثم، وتحصل به الإزالة.

ويكره الاستنجاء بما يستحبّ تعظيمه كالقرطاس وأحجار قبور المؤمنين، بل وثياب العلماء والسادة والصلحاء.


1) منتهى المطلب 1: 278

2) راجع الهامش (3) من ص 156.

3) الثرثار: وادٍ عظيم في العراق بين سنجار وتكريت. معجم البلدان 2: 75.

4) وسائل الشيعة 1: 362 - 363، الباب 40 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1.

5) دعائم الإسلام 1: 105.

6) وسائل الشيعة 24 385، الباب 79 من أبواب آداب المائدة، ح 3.

7) الواقعة (56) : 79

8) راجع الهامش (6)

ويلحق بما احترمت مادّته ما احترمت هیئته، كآلات العبادة المتعارفة المتّخذة لها على الأظهر والأحوط.

العشرون: لا يجزئ التمسّح بالثلج ولا بالرطب الغير المتماسك

لا يجزئ التمسّح بالثلج ولا بالرطب الغير المتماسك، والأحوط ترك الرطب المتماسك إذا كان ممّا يتفتّت وكذا التراب الناعم ؛ لعلوقه وعدم حسن إزالته، وكذا الصقيل الناعم وشبهها.

الحادي والعشرون: يستحبّ للرجل الاستبراء

يستحبّ للرجل الاستبراء ؛للنصّ(1)، والإجماع. وفائدته- مع حصول الثواب - عدم الاعتداد بالخارج بعده إذا لم يقطع ببوليّته، شكّ فيها أو ظنّ.

والحكم على الخارج قبله بالحدثيّة والخبثيّة، كما دلّت على ذلك الأخبار(2)وكلام الأصحاب.

وهو مختصّ بالرجل؛ اقتصاراً على اليقين. وما يخرج من غيره لا حكم له عند الشكّ؛ للأصل، ولو كان خنثى.

واحتمال تقديم الظاهر هاهنا على الأصل، واحتمال أنّ الاستصحاب يقضي ببقاء البول فيكون الخارج هو البول بعيدان، بل الظاهر أنّ الحكم بالبول تعبّديّ؛ للأخبار(3)، ولا يجب وفاقاً للمشهور؛ للأصل، ولظهور الأخبار في الإرشاد والاستحباب، ولأنّه لو كان لما خفي حاله؛ لكثرة وقوعه والاحتياج إليه ودورانه، ولخلوّ أخبار الاستنجاء عن الأمر به في مقام البيان، ولما ورد من أنّ الإمام(عليه السلام) استنجى بعد انقطاع البول(4)، المشعر بتركه، ولإشعار قوله(عليه السلام)-في الحسن-: «إذا بال فخرط ما بين المقعدة والأُنثيين ثلاث مرّات وغمز ما بينهما ثمّ استنجى ثمّ سال حتّى يبلغ الساق فلا يبالي»(5)بالاستحباب والإرشاد.

فما ورد ممّا ظاهره الأمر به(6)محمول على الندب والإرشاد، كما أنّ مَنْ أفتى بالوجوب(7)يمكن حمله على الوجوب الشرطي دون الشرعي، بمعنى شرطيّة استمرار الطهارة عند الشكّ


1) وسائل الشيعة 1: 320 الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة.

2) راجع المصدر : 282 - 283 ، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 2 و 3.

3) راجع الهامش (1)

4) وسائل الشيعة 1: 350 الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، ح 4.

5) المصدر : 282 - 283 ، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 2.

6) المصدر : 283 ، ح 3 و 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، ح 2.

7) أفتى بذلك ابن زهرة في غنية النزوع 1: 36 : وابن حمزة في الوسيلة : 47 .

في الخارج، لا شرطيّة صحة الغسل؛ لدلالة الأخبار وفتاوى(1)الأصحاب على خلافه.

والذي يظهر من إطلاقات بعض الأخبار ويقضي به الاعتبار أنّ الاستبراء هو طلب براءة مجرى البول منه بعد انقطاع دريرته(2)بأيّ نحوٍ كان ولو بخروج منيّ أو دم بعده أو حصاة أو عملٍ من عصرٍ أو نترٍ بنفسه أو بغيره بآلةٍ أو بدونها، بل لو حصل بمضيّ زمان كفى، وترتّب(3)عليه الحكم.

وما ذُكر في الأخبار من بيان كيفيّته(4)إرشاد لما هو الأسهل في تحصيله والأقوى في فعله.

وأجود كيفيّاته أن يخرط أصل ذكره من طرف المقعدة إلى الأُنثيين ثلاثاً بإصبعه الوسطى أو غيرها، والوسطى أكمل، وينتر القضيب من أصله إلى رأس الحشفة ثلاثاً بعصر وجذب بذلك الإصبع، ثمّ ينتر الحشفة وحدها ثلاثاً.

أمّا الأوّلان فيدلّ عليهما فتوى المشهور، وقوله(عليه السلام): «فخرط ما بین المقعدة والأُنثيين ثلاث مرّات وغمز ما بينهما»(5)بإرجاع ضمير التثنية للأُنثيين؛ لقربهما كنايةً عن الذكر، إرجاعه للمقعدة والأُنثيين، وكذا قوله(عليه السلام)-في الصحيح-: «ينتره ثلاثاً»(6)بإرجاع الضمير إلى الذكر أو إلى البول.

ويدلّ على الثالث قوله(عليه السلام): «يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وینتر طرفه»(7)لظهور إرادة نفس القضيب من لفظ الذكر، وظهور إرادة الحشفة من طرفه، وظهور التثليث من العطف مع عدم قيد الوحدة.

فالجمع في الأخذ بهذه الأخبار هو الإتيان بالتسع. وفي حكمها الإتيان بستّ إذا جمع المستبرئ بين عصر القضيب ونتره دفعةً واحدة على الأقوى.

والأحوط لزوم الترتيب فيها بتقديم الثلاثة الأُول على المتوسّطة كلّاً، وتقديم الوسطى على الأخيرة لو كانت تسعاً.


1) في «ج، ن»: «فتوى».

2) دريرة البول: سيلانه مجمع البحرین 3: 301، «در ر».

3) في «ج، ن»: «يترتب».

4) راجع الهامش (5) من ص 158

5) راجع الهامش (5) من ص 158

6) وسائل الشيعة 1: 283 ، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 3.

7) المصدر : 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة ، ح 2.

والصور المحتملة إحدى وثمانون صورة، أبلغها ما ذكرناه، وأكثرها على الظاهر جائزة ما عدا ما يتأخّر منها جميع الخرطات(عن جميع العصرات)(1)والنترات.

ولكنّ الترتيب أحوط وأبلغ، وإضافة التنحنح إليها أجمل، وإضافة عصر نفسه أكمل، والصبر بعد انقطاع دريرة البول هنيئةً ثمّ الاستبراء أفضل.

ويقوى القول بالاكتفاء بالخرطات الثلاث الأوّليّة، ثمّ عصر الذكر بقوّةٍ مرّةً واحدة يجمع فيها بين العصر والنتر. وهو وجه جمع بين الروايات.

والفقهاء لهم في بيان الاستبراء اختلاف واضطراب، منشؤه اختلاف الروايات واختلاف الأنظار بما يحصل به براءة المجرى من البول والأحوط والأظهر ما ذكرناه.

وللمتخلّي مسنونات ومكروهات ذكرها الفقهاء في المطوّلات.


1) ما بين القوسين لم يرد في «ق».

القول في الوضوء

اشارة

وهو اسم لغَسْل و مسح متعلّقين بأعضاء مخصوصة جامعين لشرائط الصحّة، بناء منّا على ثبوت الحقيقة الشرعيّة، وأن أسماء العبادات موضوعة للصحيح لا الأعمّ منه ومن الفاسد.

فروض الوضوء

وفروضه المستفادة من الدليل القطعى أو من الكتاب ثمانية:

النيّة، وهي مستفادة من الإجماع والسنّة(1)والكتاب(2)للأمر فيه بالإخلاص والعبوديّة والطاعة، وهي معنى النيّة أو لازمها التي لا تنفكّ عنه.

وغَسْل الوجه واليدين ومسح الرأس والرِّجْلين، وهذه الأربعة مستفادة من الإجماع والكتاب(3)والسنّة(4).

والترتيب والموالاة والمباشرة، وهذه الثلاثة مستفادة من الإجماع والسنّة(5).

ويمكن استفادتها من الكتاب، فيستفاد الترتيب منه؛ بناءً على أنّ الترتيب الذكري يفيد الترتيب الحكمي ؛ لقوله(عليه السلام):«ابدأ بما بدأ الله تعالى» (6)أو لإشعار لفظ الواو به وإن لم تكن حقيقةً فيه.


1) وسائل الشيعة 1: 46 ، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات.

2) البيّنة (98): 5

3) المائدة (5): 6

4) وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء.

5) المصدر: 446 و 448، الباب 33 و 34 من أبواب الوضوء؛ وراجع أيضاً في الهامش (4).

6) المصدر : 448 - 449، الباب 34 من أبواب الوضوء، ح 1.

وتستفاد الموالاة؛ بناءً على أنّ ما تعقّب فاء التعقيب يقضي بتعاقب أجزائه وتلاحقه فوراً.

وتستفاد المباشرة؛ بناء على أنّ ظهور الخطاب في المباشرة دون إرادة مجرّد إيجاد الفعل وإيقاعه.

وفيه مطالب:

الأوّل: في النيّة والكلام في مقامات
اشارة

والكلام فيها يقع في مقامات:

أحدها: وجوب النيّة في الطهارات الثلاث

تجب النيّة في الطهارات الحدثيّة إجماعاً، وكتاباً (1)وسنّةً (2)متواترة، وجميع ما ورد من الأمر بالطاعة والامتثال والانقياد والعبوديّة والإخلاص(3)دالّ عليها؛ لأنّ الفعل إذا لم يقع بقصد أصلاً أو وقع بقصدٍ أنه لغير الله تعالى لم يسمّ عرفاً أنّه مطيع به وممتثل فيه وعابد ومخلص.

وكذا جميع ما جاء من النهي عن الرياء، والأمر بمجاهدة النفس ودفع وساوس الشيطان(4).

وقوله تعالى :قُل اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي(5)وقوله :لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(6)ظاهرٌ في إرادة الإخلاص في العبادة، وهو موقوف على النيّة، بل يكفي في الاستدلال بالآية قوله تعالى:لِيَعْبُدُوا اللهفإنّ العبادة الله لا تتحقّق بدونها.

فما أورده بعضهم(7)من أنّ الإخلاص في الدين لا يستلزم الإخلاص في العبادة؛ لاحتمال إرادة الملة من لفظ الدين، مدفوع بما ذكرناه.

وقوله(عليه السلام): «لا عمل إلّا بنيّة» (8)ظاهر في نفي الصحّة؛ لأنّه أقرب المجازات عند تعذّر الحمل على الحقيقة، وهو نفى الذات، بل يراد منه نفى الذات بالنسبة إلى العبادات؛ بناءً على وضعها للصحيح. وارتكاب التخصيص في الرواية بإخراج المعاملات بالدليل الدالّ على عدم لزومها


1) البيّنة (98): 5

2) وسائل الشيعة 1: 46، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات.

3) المصدر : 59 الباب 8 من أبواب مقدّمة العبادات.

4) المصدر : 64، الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات و 15: 161 الباب 1 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه

5) الزمر (39): 14

6) البيّنة (98): 5

7) لم نتحقّقه.

8) وسائل الشيعة 1: 46، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، ح 1.

فيها خير من ارتكاب التجوّز بإرادة نفي الكمال الشامل للعبادات وغيرها، وحينئذٍ لا يكون في الحديث دلالة على وجوبها في العبادات؛ لأنّ التخصيص خير من المجاز، ولأنّ فهم الأصحاب من أعظم القرائن في الباب.

هذا إن أردنا بالنيّة المعنى الأخصّ المشترط في العبادات، وإن أردنا بها المعنى الأعمّ الشامل للقصد الخاصّ المقترن بقصد القربة في العبادة، وللقصد المطلق الخالي عنها في غيرها، بقي اللفظ على حاله، ولم يحتج إلى تخصيص؛ لأنّ العقود والإيقاعات مفتقرة أيضاً إلى النيّة بمعنى القصد المطلق المقارن للمقصود، فيبقى نفي الصحة في الحديث على عمومه.

الثاني: افتقار كلّ مأمور به إلى نيّته بالمعنى الخاصّ

الأصل في كلّ مأمور به أن يفتقر إلى نيّته بالمعنى الخاصّ؛ لتوقّف الطاعة وامتثال الأمر عليها، وهما واجبان قطعاً، فالأصل في كلّ مأمور به أن يكون عبادةً بالمعنى الأخصّ؛ لما قلناه، ولأنّ الشكّ في كون الشيء عبادةً أو غيرها يعود إلى الشكّ في الجزئيّة، وهو يعود إلى الشكّ في الماهيّة، واللازم من ذلك الإتيان بما يقطع فيه بحصول الماهيّة، وهو لا يتمّ إلّا بالإتيان بالمشكوك به في الجزئية، فلا يتمّ إلّا بالإتيان بالنيّة.

نعم، لو قام الدليل على خلاف ذلك من إجماعٍ وغيره أخذنا به، كما قام الدليل على كثير من المأمور به أنّ المراد منه مجرّد إيجاده في الخارج، أو فهمنا من الأوامر عدمَ إرادة الطلب منها بل مجرّد الإرشاد أو بيان الحكم الوضعي كما فهمنا في كثير من المعاملات ذلك.

الثالث : فی أنّ النيّة حقيقة شرعيّة في القصد المقارن للقربة

الأظهر أنّ النيّة حقيقة شرعيّة في القصد المقارن للقربة ، فهي من خصائص العبادات شرعاً.

ويحتمل القول ببقائها على المعنى اللغوي.

ويحتمل نقلها للقصد المقارن للقربة في العبادات وللقصد المطلق في غيرها.

وعلى كلّ حال، فلا بدّ من مقارنتها للمقصود بخلاف لفظ القصد، ولا يشترط فيها سبق التردّد بخلاف العزم، ولا يشترط فيها الميل النفساني والانبعاث القلبي بخلاف الإرادة والميل.

الرابع: اشتراط قصدُ نفس الفعل جزماً في نيّة العبادة

يشترط في نيّة العبادة قصدُ نفس الفعل جزماً، وهو أمر قلّما ينفكّ عنه الفعل الاختياري الصادر عن شعور من المكلّف، وهو المعنيّ بقولهم: إنّ تكليف العمل من دون نيّة تكليف ما لا يطاق.

وقصدُ التقرّب به، وهو روح العبادة وريحانها، وهو قصد أنّ العمل(1)له تعالى: إمّا لأنّه أهل للعبادة، أو لأنّ العابد أهل لذلك، أو شكراً لنعمته، أو طلباً لرضاه، أو دفعاً لسخطه، أو طلباً لمثوبته، أو غير ذلك من الغايات اللاحقة لكون العمل له.

ولو نوى العمل للثواب الأُخروي أو الدنيوي بحيث جعل العمل في مقابلتهما وصيّر العمل لهما شبه المعاوضة، فسد العمل على الأظهر؛ لمنافاته للإخلاص.

وما ورد من الأخبار والآيات الظاهرة في جواز العبادة للخوف أو الطمع، وللجنّة أو النار(2). كقوله تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً(3)وقوله(عليه السلام): «مَنْ بلغه ثواب على عملٍ»(4)، وغير ذلك، محمول على جَعْل ذلك غايةً للغاية، وعلى جعل ذلك باعثاً للعبادة(5)لوجه الله تعالى، كما يشعر به قوله تعالى: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ(6)، مع قوله تعالى: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً(7)لا على أنّ العبادة للطمع وللخوف والثواب.

ودعوى أنّ عبادة العوام من هذا القبيل وقد أقرهم العلماء على ذلك، ممنوعة؛ لعدم معرفة العلماء بما عليه العوام، لأصالة صحة عملهم ككثير ما يقع منهم.

ولو نوى العمل للثواب الدنيوي أو لرفع عقابه على طريقة المعاوضة، فسد العمل بالطريق الأولى.

وتعيينُ المقصود بنوعه وشخصه، أو بلازمه أو وصفه إذا لم يكن متعيّناً في نفسه، كما إذا كان دائراً بين فردين قابلاً ذلك الزمان أو ذلك المحلّ لوقوع كلِّ منهما؛ لأنّ العمل في المشترك لا يتشخّص إلّا بالوصف الخاصّ، وإلّا وقع مبهماً، والمبهم لا وجود له في الخارج.

وإن كان متعيّناً بزمان أو مكان كفى نيّة النوع والتقرّب بما تعلّق به الخطاب واشتغلت الذمّة به، فينصرف المنويّ إلى ما تعلّق به الخطاب وصحّ فعله؛ لاقتران نيّة النوع بنيّة فعل ما تعلّق به الخطاب، فيكون من قبيل نيّة الوصف اللازم.


1) في «ق»: «الفعل» بدل «العمل».

2) في «ق»: «أو للجنّة والنار».

3) السجدة (32): 16

4) وسائل الشيعة 1: 82 الباب 18 من أبواب مقدّمة العبادات، ح 7.

5) في «ق»: «على العبادة» بدل «للعبادة».

6) الإنسان (76): 9.

7) الإنسان (76): 10.

والأحوط تعيين المنويّ حتّى في المتعيّن واقعاً شخصه أو وصفه اللازم مع الإمكان، بل مع عدم الإمكان أيضاً كمن فاتته رباعية مردّدة، فإنّه يقوى عدم وجوب التعيين، وكفاية الإطلاق، وعدم وجوب التكرير، ولكنّ الاحتياط بالتكرير محافظة على التعيين.

الخامس: تجب استدامة حكم النيّة في جميع الأجزاء العبادۀ

تجب استدامة حكم النيّة في جميع الأجزاء بمعنى أن لا يقطعها بنيّة غيرها تخالفها من رياء ونحوه، ولا ينوي قطع العمل فيعمل، فإنّ العمل يبطل في مثل الصلاة ونحوها، ويجب العود إليها وإلى العمل المقارن لنيّة القطع في مثل الوضوء وشبهه، وأن لا تغرب عنه أصلاً ورأساً بنسيان وشبهه بحيث يقع العمل منه من غير شعور، كلّ ذلك لعموم أدلّة النيّة الشامل للكلّ والأجزاء من الأعمال.

نعم، لو سها عنها مع بقاء التذكّر في خزانة الخيال بحيث أنّه يتفطّن للعمل بأدنى شعور به لم يكن به بأس.

واشتراط الاستدامة على القول بكفاية الداعي في النيّة لا كلفة فيه؛ لإمكان استمراره مع جميع أجزاء العمل. وعلى القول بوجوب الإخطار يكون معنى اشتراطه هو عدم زوالها عن القوّة المدركة أصلاً ورأساً، وعدم نيّة خلافها.

السادس: فی انّه يكفي في قصد الفعل شعور النفس به بأدنى تفطّنٍ والتفات

يكفي في قصد الفعل شعور النفس به بأدنى تفطّنٍ والتفات، والقصد إليه في خزانة الخيال وإرادة النفس لوقوعه.

وكذا يكفي في قصد القربة كونها هي الداعي والباعث لصدور الفعل من المختار، بحيث يقال: إنّ هذا الفعل قد وقع لأجل هذا دون ذلك، وإنّ المحرّك على صدور هذا الفعل هي هذه الغاية دون تلك، فليست النيّة في العبادات الّأ كسائر أحوالها في باقي الأفعال من قيام لغرضٍ دون آخَر، ولشخصٍ دون آخَر، ومن قعودٍ كذلك، ومن مشي، ومن ضربٍ وغيرها، فكما أنّ البواعث والغايات المحرزة في النفس مقوِّمة لصدور تلك الأفعال ومشخِّصة لكلّ نوعٍ عن آخّر في تلك الأحوال، فكذلك داعي القربة مقوِّم لنفس العمل وكافٍ في تعيينه للعبوديّة.

فعلى ما ذكرناه لا حاجة إلى الإخطار، وهو تصوّر الفعل فعلاً، وتصوّر القربة والوجه، بناءً على وجوبه وإخطارهما عند العمل واستحضار معانيهما في الذهن بتوسّط تصوّر ألفاظهما أو بدون ذلك وإن كان هو أحوط ما لم يؤدِّ إلى الوسواس.

والدليل على عدم وجوب هذا الإخطار خلوّ الأخبار وكلام الأخيار عنه، ولزوم العسر والحرج به في مثل تسبيح الزهراء(عليها السلام)والأوراد وكثيرٍ من الأدعية وقراءة القرآن، وجريان السيرة على خلافه في كثير من العبادات، على أنّ جميع ما جاء في النيّة لا يدلّ عليه، وإنّما يدلّ على المعنى الأوّل، فإيجاب شيء زائد على ذلك مفتقر إلى دليل، وليس فليس.

وعلى القول بالإخطار فلابدّ من الاقتصار على إيجابه في أوّل العمل وكفاية الداعي والباعث فی أثنائه؛ للزوم العسر والحرج لو التزمنا بوجوب استمراره، ويصير معنى وجوب الاستدامة الحكميّة في النيّة هو بقاء الداعي فيها وإن زال الإخطار.

وظاهر الأصحاب أنّ الاستدامة الحكميّة هي أن لا ينوي ما يخالفها ولا ينوي قطعها، ولا ينساها نسياناً كلّيّاً بحيث لا يبقى لها أثر في القوّة المدركة.

السابع: وجوب مقارنة النيّة لأوّل أجزاء العمل، ثمّ استمرار حكمها بعد ذلك

یجب مقارنة النيّة لأوّل أجزاء العمل، ثمّ استمرار حكمها بعد ذلك؛ لأنّه لو تقارن أوّل أجزائه(1)بل تقدّمت أو تأخّرت لم يستند العمل إليها، فيقع لاغياً.

ولا فرق في أجزاء العمل بين واجبه وبين مندوبه، فمثل غسل الكفّين أو المضمضة أو الاستنشاق لو قارنتها نيّة الوضوء كان مجزئاً عن تجديدها عند غسل الوجه، ولكنّ الاحتياط التجديد عند غسله.

وعلى القول بأنّ النيّة هي الداعي تقلّ ثمرة هذا البحث من أصله؛ لأنّ الداعي مستمرً غالباً.

الثامن: عدم وجوب نیّۀ وجه الفعل من الوجوب والندب

لا تجب نيّة وجه الفعل من الوجوب والندب إلّا إذا توقّف عليه التعيين، كأن يتعلّق بالمكلّف خطابان: واجب وندب بفعلين متساويين من كلّ جهةٍ سوى وصفي الوجوب والندب، فيحتاج لنيّة أحدهما للتعيين والتمييز.

ولا فرق في عدم وجوب نيّة الوجه بين أخذ الوجوب والندب غايةً لفعل الفاعل، كـ«افعل هذا الوجوبه» أو أخذهما قيداً له، كـ«أفعل هذا الواجب» لخلوّ الأخبار عن وجوب ذلك، ولصدق أنّه عمل منويّ، فيدخل تحت أدلّة وجوب النيّة، ولا دليل على وجوب غير ذلك.

ودعوى أنّ النيّة مجملة، فما شكّ في جزئيّته لها أو شرطيّته نحكم بالجزئيّة والشرطيّة، أو دعوى أنّ الصلاة مجملة، فما شكّ في شرطيّته فيها -كالشكّ في شرطيّة نيّة الوجه فيها - نجعله شرطاً، ممنوعتان:


1) في «ق»: «أجزاء العمل» بدل «أجزائه».

أولاً: بعدم تسليم كون(1)النيّة مجملةً إمّا لكونها باقيةً على المعنى اللغوي، و إمّا لكون معناها الشرعي مبيّناً بما جاء من الأدلّة الدالّة على وجوب الإخلاص والامتثال والطاعة، فإنّه يُفهم منها عدم إرادة الشارع شيئاً آخَر وراء ذلك، فيكون ذلك الإجمال مرتفعاً بذلك البيان.

وثانياً : بعدم الشكّ في شرطيّة نيّة الوجه، بل المظنون من الأخبار والآثار هو عدم الاشتراط؛ لأنّ نيّة الوجه لو كانت شرطاً لأكثر الشارع من بيانه، وأوجب العلمَ به والتعلّمَ والعملَ لشدّة الحاجة إليه، ولاشتهر أمره غاية الاشتهار؛ لتوفّر الدواعي إلى معرفة حكمه، ولأنّه ممّا تعمّ به البلوى، ولما أمر الشارع بعدّة أشياء فيها الواجب وفيها المندوب بأمرٍ واحد، كالتكبيرات السبع والتسبيحات الثلاث من دون تمييزٍ بين الواجب والندب، ولما أمر في كثير من المندوبات بصيغة «إفعل» من دون نصب قرينةٍ على إرادة الندب حتى أنّ كثيراً من السائلين يكرّرون عليهم السؤال أنّ هذا واجبٌ أو ندب؟ فيجيبونهم بعد ذلك ببيان الندب وأنّه ليس في تركه شيء.

ولانّا نرى أنّ العبد لو أتى بما أراد مولاه لا يحسن أن يسأله إنّك هل أتيتَ به بعنوان الوجوب أو الندب؟ بعد أن عرف أنّ العبد ما أتى بذلك الفعل إلّا طلباً لامتثال إرادة مولاه واتّباعاً لهواه، ولا يحسن من المولى نقض فعل العبد معلّلاً له بأنّك لم تنوِ وجهَ إرادتي و وصفَها من الوجوب والندب. ولأنّا لا نرى فرقاً بين وصفي الوجوب والندب وبين الأوصاف الأُخر من شدّة الطلب وضعفه، وعظم المطلوب وعدم عظمه، وأدائيّة الفعل وقضائيّته، وكونه بمكان شريف وعدمه، وكونه في زمان كذلك وعدمه، ولا نعقل من وصفي(2)الوجوب والندب إلّا شدّة تأكّد الطلب وعدمه، وهو لا يصلح لأن يكون موجباً لنيّته.

ولأنّا لا نفهم ممّا جاء في الكتاب وفي السنّة - من الأمر بالعبوديّة والإخلاص والامتثال ومدح العابدين والمتّقين وغير ذلك- سوى أنّ مراد الشارع الإتيان بالعمل لوجهه وفعله لأجله، فيُحمل مطلق ما جاء في النيّة ومجمله على مقيّد ذلك ومفصّله.

والأحوط اعتبار نيّة الوجه؛ تفصّياً عن شبهة فتوى كثير من الأصحاب(3)، وشبهة ما يظهر من


1) في «ق»: «أنّ» بدل «كون».

2) في «ج، ن»: «صفتي» بدل «وصفي».

3) منهم : القاضي ابن البرّاج في المهذب 1: 43 ؛ وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : 132؛ والمحقّق الحلي في شرائع الإسلام 1: 12؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 199؛ وتذكرة الفقهاء 3: 100 - 101، المسألة 200.

بعضهم(1)من دعوى الإجماع، وشبهة شمول أدلّة النيّة لاعتبار الوجه، وشبهة أنّ الفعل إذا لم ينوَ على وجهه لم يكن مشخّصاً ولا مميّزاً، وشبهة أنّ ما شكّ في شرطيّته شرط وغير ذلك.

والأحوط أخذ الوجوب قيداً وغايةٌ؛ للتخلّص من شبهة مَنْ أوجب كلاً منهما(2).

التاسع: عدم تجب في الوضوء نيّة الرفع ولا نية الاستباحة

لاتجب في الوضوء نيّة الرفع ولا نية الاستباحة- خلافاً لمن أوجب أحدَهما لا بعينه(3)، ونقل الإجماع على ذلك(4)، وخلافاً لمن أوجبهما معاً(5)، وخلافاً لمن أوجب أحدهما معيّناً: الأوّل(6)أو الثاني(7)- للأصل، وضعف الإجماع المنقول بمصير الكثير(8)إلى خلافه، ولحصول المقصود مع قصد الوضوء وقصد التقرّب به قهراً؛ لأنّ رفع الحدث من آثاره اللازمة له شرعاً، كرفع الخبث بالغسل، ومع حصول المقصود برفع الحدث لا معنى لاشتراط شيءٍ آخَر؛ لعدم توقّف صحّة الصلاة على شيءٍ آخَر سوى رفع الحدث، ولخلوّ الأخبار في مقام البيان عن ذكرهما، ولعدم اشتهار وجوبهما مع توفّر الدواعي إلى اشتهاره، ولصيرورة العمل منويّاً، فتشمله أخبار النيّة وإن لم يدخلا في النيّة.

وما استدلّوا به من أنّ استباحة الصلاة غايةً للأمر بالوضوء؛ لقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوةِ(9)فإنّه يُفهم منه أنّ الغسل للصلاة، كما يقال: «إذا لقيتَ الأسدَ فخُذْ سلاحَك» ونيّة الغاية مقوّمة للفعل؛ لأنّ مَنْ فَعَلَ الفِعْلَ المغیّى من دون نيّة غايةٍ له أو بنيّة غايةٍ أُخرى لم يعدّ ممتثلاً، مردود:

أولاً: بأنّ الغاية غايةً للأمر والإيجاب من الآمر ، فالمقصود نفس الفعل، لا غاية للمأمور به بحيث تدخل في أمر الأمر بحيث يكون الفعل لهذه الغاية مأموراً به.


1) تذكرة الفقهاء 3: 101، ضمن المسألة 200.

2) يأتي بُعيد هذا في الهامش ( 5 ).

3) المبسوط 19:1: السرائر 1: 105: قواعد الأحكام 1: 199.

4) السرائر 105:1.

5) الكافي في الفقه : 132؛ غنية النزوع 1: 53

6) عمل يوم وليلة (ضمن الرسائل العشر، الطوسي): 142.

7) الاقتصاد، الطوسي : 243؛ وحكاه الشهيد في غاية المراد 1: 32 - 33 عن السيّد المرتضى.

8) في «ق»: «الأكثر» بدل «الكثير».

9) المائدة (5): 6

وثانياً : بمنع تسليم أنّ الصلاة غاية للأمر به، بل المقصود من الآية بيان الشرطيّة، والتوقّف بمعنى أنّه لا تصحّ الصلاة بدون الوضوء، لا لأنّ الوضوء لأجلها.

وثالثاً: بأنّ المراد بيان الغاية واقعاً، وهو لا يستلزم وجوب نيّة كلّ غاية واقعيّة.

والإيراد علينا بالنقض بالقربة باستلزام ما ذكرناه لعدم وجوبها، مردود بظهور الفرق بين الغايتين؛ فإنّ غاية القربة قضى بها دليلُ الإخلاص، وهو لا يمكن إلّا بنيّة أنّ الفعل له عزّ وجلّ، و غاية الاستباحة قضى بها دليلُ اشتراط صحّة الصلاة بالوضوء، وهو لا يتوقّف على نيّة كون الوضوء لها ولاستباحتها.

ورابعاً: بأنّ الآية لا تدلّ إلّا على اشتراط نيّة الاستباحة، والمدّعى أعمّ منها ومن نيّة الرفع.

و دعوی كونهما متلازمين؛ إذ الحدث حالة تمنع من العبادة، فإذا ارتفع استبيحت العبادة، مردودة:

أوّلاً: بأنّ التلازم غير مُجْدٍ في النيّة؛ للزوم نيّة الشيء على ما وقع عليه لا على لازمه.

وثانياً: بإمكان دعوى أنّ الرفع إزالة المانع، والاستباحة إزالة المنع، والثاني قد ينفكّ عن الأوّل، كما في المتيمّم ودائم الحدث.

العاشر: حکم نیّۀ الوجوب في مقام الندب وبالعكس وکذا نیّۀ عدم الرفع وعدم الاستباحة بعد نيّة الفعل على وجه القربة

لا بأس بنيّة الوجوب في مقام الندب وبالعكس، عمداً أو سهواً أو جهلاً، على القول بعدم اشتراط نيّة الوجه، إلّا إذا أدّت نيّة الخلاف إلى عدم نيّة الفعل المتقرّب به، كأن يقول عالماً عامداً: «أتوضّأ الوضوء المندوب لا الذي أوجبه الله تعالى» في مقام الوجوب، فإنّه لا يصحّ منه الوضوء على الأظهر.

وكذا لا بأس بنيّة عدم الرفع وعدم الاستباحة بعد نيّة الفعل على وجه القربة، بل تقع لاغيةً، إلّا إذا أدّت إلى عدم نيّة الفعل المتقرّب به، كما ذكرناه. وعلى القول باشتراط أحدهما مطلقاً أو معيّناً يقع العمل باطلاً؛ لخلوّ العمل عن النيّة المأمور بها.

ولو نوى رفعَ حدثٍ معيّن لا بشرط، ارتفع غيره على القولين، سواء كان المنويّ آخِر الأحداث أم غيره على الأظهر؛ لأنّها متداخلة الآثار، فلا يرتفع أثر واحد منها ويبقى الباقي.

ويحتمل البطلان مطلقاً؛ لعدم حصول النيّة على وجهها.

ويحتمل ارتفاع المنويّ دون غيره، فيفتقر في رفعه إلى وضوءٍ آخَر.

ويحتمل التفصيل بين الحدث الأخير فيرتفع الكلّ، وبين غيره فيبطل.

أمّا لو نوى رفعَ حدثٍ معيّن بشرط بقاء غيره، احتُملت الصحّة على القول باشتراط نيّة الرفع؛ تغليباً لجانب الصحّة من ارتفاع الحدث المنويّ، فيرتفع غيره قهراً؛ لتداخل آثارهما.

واحتُمل البطلان؛ للزوم التناقض في نيّته، فيبقى العمل بلا نيّة.

وكذا لو نوى رفعَ حدثٍ غير واقع لا بشرط أو بشرط لا، فالوجهان. والأقوى على قولهم الفساد.

ولو نوى استباحةَ شيء خاصّ لا بشرط، فالأقوى الصحّة، واستباحة كلّ مشروطٍ بالوضوء.

ويحتمل البطلان .

ولو نواها بشرط عدم استباحة غيرها قوي احتمال البطلان؛ للتناقض.

واحتمل الصحّة لما نواه دون غيره.

ولو نوى رفعَ كلّ حدث واستباحة شيء خاصّ دون غيره، أو نوى استباحة كلّ مشروطٍ ورفع حدثٍ خاصّ تناقضت نيّة اللوازم. واحتُمل تغليب جانب الصحة. واحتُمل تغليب جانب الفساد، كلّ ذلك على القول باشتراط نيّة الاستباحة.

وعلى القول بعدمها يكون احتمال البطلان ضعيفاً في جميع الصور ما لم يؤدّ إلى بطلان أصل النيّة.

الحادي عشر: فی إنّه علی القول بوجوب نیّۀ استباحة یکفی نیّۀ استباحۀ أیّ مشروط بالوضوء

على القول بوجوب نيّة الاستباحة يكفي نيّة استباحة أيّ مشروط بالوضوء ولو امتنع تحصيله، كاستباحة الطواف لمن كان بالغريّ على إشكال؛ لأنّ قصد المحال لاغ.

وهل يكفي على القول بوجوب نيّة أحدهما عيناً نيّة الآخر؛ لمكان التلازم بينهما، لأنّ رفع المانع مبيح والمبيح يرتفع المانع معه، ولا يعقل من رفع الحدث إلّا رفع ما كان مانعاً شرعاً لا رفع نفس الشيء الواقع، ورفع المانع الشرعي قاضٍ بالإباحة، أو لا يكفي؛ لعدم تسليم أنّ رفع الحدث هو رفع المانع الشرعي، وعدم تسليم أنّ نيّة اللازم تكفي في نيّة الملزوم؟

فمستديم الحدث -كالمبطون وشبهه - إن نوى الاستباحة فلا بأس، وإن نوى رفع الحدث احتُملت الصحّة؛ لأنّه بمنزلة رفع المانع المُنزَّل منزلة رفع المنع الذي هو بمعنى الاستباحة.

واحتُمل البطلان؛ لظهور الحدث في الأمر الواقع الغير الممكن ارتفاعه.

واحتُمل التفصيل بين نيّة رفع الحدث السابق فيصحّ؛ لإمكان رفعه، وبين رفع الجميع أو اللاحق أو الإطلاق إذا لم يُنزَّل على السابق فيبطل.

وفيه: أنّ نيّة رفع الحدث السابق يخلّي اللاحق عن نيّة الرفع والاستباحة، فلا فائدة فيه.

الثاني عشر :فی أنّ مَنْ وجب عليه الوضوء لغايةٍ وجب عليه نيّة الوجوب إذا نواه لتلك الغاية

مَنْ وجب عليه الوضوء لغايةٍ وجب عليه نيّة الوجوب إذا نواه لتلك الغاية، بناء على نيّة الوجه.

وهل تجوز نيّته ندباً لغايةٍ أُخرى مندوبة، أم لا تجوز؟ وعلى الجواز، فهل تكفي لفعل الغاية الواجبة أم لا بدّ من التجديد؟

والأظهر: جواز نيّة الندب وكفاية المندوب.

ولكنّ المعروف بينهم - نقلاً - عدم جواز نيّة الندب للغاية المندوبة إذا تعلّق به الخطاب الوجوبي، بل لا بدّ من نيّة الوجوب للغاية الواجبة، بل عدم جواز نيّة الوجوب والندب معاً؛ لعدم جواز اجتماع الجهتين، وكلاهما مشكل.

وشمول «لا تطوّع في وقت فريضة»(1)لمثل هذا ممنوع. والاستناد لاقتضاء الأمر بالشيء النهيَ عن الضدّ غير معقول إلّا مع ضيق الوقت وليس الفرض كذلك. وكأنّ ذلك بناءٌ منهم على أنّ غايات الوضوء لا تنوّعه- كغايات الغسل من زيارة وجمعة وجنابة - فإذا لم تنوّعه الغايات كان واحداً، فإذا اتّصف بالوجوب لا يتّصف بَعْدُ بشيءٍ آخَر من ندبٍ أو غيره، فلا يصحّ عند اتّصافه بالوجوب فعله بنيّة الندب لغايةٍ مندوبة، ولكن هذا يحتاج إلى تأمّلٍ أيضاً.

الثالث عشر : فی أنّ العمل المشتمل على واجب ومندوب كالوضوء يجوز نيّة وعه قربةً من غير ذكر الوجه.

العمل المشتمل على واجب ومندوب كالوضوء يجوز نيّة مجموعه قربةً من غير ذكر الوجه.

وعلى اشتراطه يحتمل كفاية القربة؛ لعدم إمكان اتّصاف الجميع بوصفٍ، فيسقط اعتبار الوجه.

ويحتمل نيّته على وجه الوجوب؛ لأنّ المجموع واجب، لدخول الواجب فيه.

ويحتمل نيّته على وجه الندب؛ لأنّ جميعه مندوب، لدخول المندوب فيه.

ويحتمل التوزيع على الوجهين عند ابتداء العمل.

ويحتمل نيّة الواجب ابتداءً، والمندوب عند فعله في الأثناء.

والظاهر أنّ كلّ هذه الوجوه صحيح.

الرابع عشر: عدم البأس بتفريق النيّة على أجزاء العمل بعد نيّة المجموع

تفريق النيّة على أجزاء العمل بعد نيّة المجموع لا بأس به، وبدون ذلك يحتمل الصحّة مطلقاً؛ لحصول العمل متقرّباً به.


1) وسائل الشيعة 4 :148 الباب 8 من أبواب المواقيت، ح 28

ويحتمل البطلان؛ لعدم نيّة المأمور به جملة جملة، والعمل على ما نوى.

ويحتمل الفرق بين نيّة الجزء بشرط الانضمام إلى ما بعده فيصحّ، وبين نيّته لا بشرط أو بشرط عدم الانضمام فيبطل.

وعلى كلّ حال فالظاهر أنّه لا إشكال في البطلان لو نوى الجزء بشرط عدم الانضمام أو على أنّه عبادة مستقلّة.

نعم، لو نوى المجموع متقرّباً به ثمّ فرّق نيّة الوجوب أو الندب على الأبعاض عمداً أو جهلاً أو سهواً، أو فرّق نيّة الرفع أو الاستباحة عليها، أو نوى رفع الحدث عن بعضٍ دون بعضٍ من الأعضاء المغسولة أو غيرها على نحو ما ذكرنا، فالأقوى الصحّة، والاحتياط غير خفيّ.

ولو عادت هذه النيّات على نقض نيّة القربة وصيرورة المنويّ غير مشروع، فسد العمل.

الخامس عشر : لو نوى استباحة ما يكمل بالوضوء من الغايات

لو نوى استباحة ما يكمل بالوضوء من الغايات، صحّ حتّى على القول باشتراط نيّة الاستباحة، وبالطريق الأولى لو نوى استباحة نفس الكمال لا نفس الفعل.

والدليل على ذلك أنّ اشتراط الاستباحة لو قلنا به فإنّما نشترطه في المطلق، وأمّا ما كان له غاية منصوصة فقَصَد الفاعلُ تلك الغايةَ فقد حصل له الامتثال، وهو يقتضي وقوعه كاملاً، وهو يستلزم الرفع، فنيّة الرفع تحصل ضمناً أيضاً، وهو كافٍ في المنصوص على غايته، بخلاف ما كانت غايته الرفع أو الدخول في الصلاة.

السادس عشر: يجزئ الوضوء التجديدي عن الوضوء الرافع لو تبيّن بطلان الأوّل

يجزئ الوضوء التجديدي عن الوضوء الرافع لو تبيّن بطلان الأوّل، على ما ذهبنا إليه من عدم اشتراط نيّة الوجه واشتراط نيّة الرفع والاستباحة؛ لأنّه وضوء وكلّ وضوءٍ رافعٌ على ما يُفهم من الأخبار.

وعلى مذهب المشترطين يحتمل الصحّة مطلقاً؛ لعدم إمكان معرفة الوجه وعدم إمكان معرفة ما عليه الوضوء الأوّل من الانتقاض وعدمه كي يمكن في حقّه نيّة الرفع وعدمه واشتراط نيّة الوجه، و نيّة الرفع إنّما تلزم مع الإمكان، وبدونه تصحّ النيّة بدونهما؛ لشمول أدلّة النيّة له من غير معارض. ويحتمل البطلان؛ لعدم حصول النيّة المطلوبة شرعاً فيفسد المنويّ. وتخصيصُ ما دلّ على اشتراطهما بحالة الإمكان تخصيصٌ من غير مخصِّص.

ويحتمل التفصيل بين ما إذا نوى إيقاع الصلاة على الوجه الأكمل فيصحّ ويجزئ عن الأوّل؛ لتضمّنه لنيّة الاستباحة في الجملة، وبين ما لم يَنْوِ ذلك فلا يصحّ ولا يجزئ.

ويحتمل التفصيل بين ما إذا نوى الاستباحة التقديريّة- كأن ينوي به تدارك ما يحتمل انتقاضه بالحدث، أو بطلانه ابتداءٌ - فيصحٌ؛ لحصول نيّة الوجه والرفع في الجملة، وبين ما يَنْوِ ذلك فيبطل.

وأوجَه الأقوال: الأوّل؛ لإيماء الأخبار إلى أنّ مشروعيّة التجديدي لتدارك الخلل الحاصل في السابق. وربما يؤيّده إجزاء صوم يوم الشكّ ندباً عن رمضان، وما ورد من إجزاء غسل يوم الجمعة عن غسل الجنابة مع نسيانه(1)، ومن استحباب الغسل في أوّل شهر رمضان(2)، تلافياً لما احتمل فواته من الأغسال السابقة.

السابع عشر: مَنْ وجب عليه العمل في الأثناء بعد أن كان مندوباً بنذرٍ وشبهه، أو كأيّام الاعتكاف لا يجب عليه تجديد النيّة على مذهبنا.

مَنْ وجب عليه العمل في الأثناء بعد أن كان مندوباً بنذرٍ وشبهه، أو كأيّام الاعتكاف لا يجب عليه تجديد النيّة على مذهبنا.

وعلى مذهب المشترطين لنيّة الوجه احتُمل وجوبُ تجديد النيّة - وهو أحوط - وعدمُه؛ لبناء النيّة على النية السابقة، والمتيقّن من إيجاب اشتراط نيّة الوجه إنّما هو في الابتداء دون الاستدامة.

الثامن عشر : نيّة الوجه من الصبيّ هي الندب

نيّة الوجه من الصبيّ هي الندب؛ لكونه المخاطب به في حقّه.

واحتمل بعضهم أنّه ينوي الوجوب بمعنى اللابديّة الشرطيّة في الوضوء أو اللابديّة العباديّة في مثل هذه الصلاة، أو الوجوب المتعلّق بالمكلّفين ليتمّ له التمرين حتّى بالنيّة؛ لأنّ التمرين هو الحمل على أداء التكليف المشتمل على المشقّة، وهو لا يحصل إلّا بتمامه.

وفيه: أنّ الحمل على ذلك كافٍ فيه نفس القربة والفعل، وما عداهما لا دليل عليه من كتاب ولا خطاب. ولا يجدي نيّة الوجوب بمعنى اللابديّة والشرطيّة أو بمعنى الوجوب على المكلّفين شيئاً عن نيّة الوجوب بالمعنى المصطلح، ونيّة الوجوب بالمعنى المصطلح لا معنى لها حقّه، فلا يجب عليه شيء آخَر.

التاسع عشر :فی انّه ینوی الأجیر الوجوبَ والمتبرع الندب

ينوي الأجير الوجوبَ على القول بوجوب نيّة الوجه؛ لوجوب العمل في


1) وسائل الشيعة 10: 238 ، الباب 30 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 2.

2) . راجع المصدر 3 325 الباب 14 من أبواب الأغال المسنونة، ع 1 - 5.

حقّه وإن كان المستأجر عليه مندوباً، ويتقرّب إلى الله تعالى بعمله وإن كان العمل عن غيره، ويقرّب غيره بتقرّبه بالعمل النائب عن غيره؛ للدليل الدالّ على ذلك.

وينوي المتبرّع الندبَ وإن كان ما تبرّع به واجباً على غيره، ويتقرّب إلى الله تعالى بذلك العمل الذي عمله عن الغير، ويقرّبه إلى الله تعالى.

والأحوط أن ينوي المستأجِر الوجوبَ في الفعل المندوب عن نائبه وإن كان مندوباً. و ينوي المتبرّع الندبَ في الفعل الواجب على المنوب عنه وإن كان واجباً.

العشرون: نيّة الرياء والسمعة مفسِدةٌ للعمل

نيّة الرياء ليروه الناس، والسمعة ليسمعوه مفسِدةٌ للعمل سواء نوى أصالةً أو ضميمةً ، فإن نوى الرياء بكلّ العمل فسد كلّه، وإن نوى ببعضه وكان موصولاً كالصلاة، فإن نواه بواجباته فسد أيضاً، وإن نواه بمندوباته كالقنوت - احتُمل الفساد، والصحّة. واحتمال الفساد أقوى.

وإن لم يكن موصولاً، فسد ذلك البعض وأعاده، ولم يفسد الكلّ ما لم تَفُتْ موالاة وشبهها. والأحوط الإعادة من رأس.

وما ذهب إليه المرتضى من صحّة العمل المرائى فيه وإن لم يكن مقبولاً ومثاباً عليه(1)، يردّه الإجماع، والأخبار(2)الناهية عنه، والكتاب(3)، والسنّة الآمرة بالإخلاص(4)، والناهية عن الإشراك في العبادة(5). والكلّ بديهيٌّ لا يفتقر في إثباته إلى نظرٍ و تأمّلٍ.

الحادي والعشرون: حکم نيّة الضمائم الراجحة للعبادة وغیر الراجحة لها

نيّة الضمائم الراجحة للعبادة تزيدها رجحاناً، وأمّا نيّة غير الراجحة فإن كانت محرّمةً أفسدت العبادة لمكان النهي وإن كانت مباحةً فإن كانت هي الباعثة والقربة ضميمة تابعة، فسدت على الأظهر؛ لمنافاتها للإخلاص. وكذا لو كان المجموع سبباً لا كلّ واحد بانفراده. وإن تساويا في الباعثيّة بحيث كان كلٌّ منهما باعثاً مستقلّاً، قوي القول بالصحّة.

والأحوط البناء على البطلان، وإن كان الأصل في الباعثيّة هو القربة.


1) الانتصار: 100.

2) وسائل الشيعة 701 ، الباب 12 من أبواب مقدّمة العبادات.

3) الزمر (39): 2 ؛ غافر :(40): 14: البيّنة (98): 5

4) وسائل الشيعة 1: 59 الباب 8 من أبواب مقدّمة العبادات.

5) المصدر : 64. الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات.

والمباح تابع ملحوظ بالعرض فلا بأس؛ لعدم منافاته الإخلاص، وجريان السيرة على فعله، كنيّة التبرّد في الماء والتسخّن به والتنظيف، والجهر بالصلاة للإيقاظ، والتطويل في الركوع والسجود لانتظار المأموم.

وما كان منصوصاً عليه- كصلاة الحاجة والاستسقاء ونحوهما - فالأحوط أن ينوي بها التقرّب بالموصل دون الفعل للتوصّل.

والأحوط ترك الضمائم في غير المنصوص مطلقاً.

والأحوط أيضاً في الضميمة الراجحة جَعْلها تابعةً لا مقصودةً بالأصالة، فلو نوى في قيامه إكرام المؤمن والصلاة تبعاً، كان خلاف الاحتياط.

الثاني والعشرون: حکم الرياء المتأخّر عن العمل والعجب المقارن له

الرياء المتأخّر عن العمل ليس مفسداً له؛ لاستصحاب صحّته، فإفساده يحتاج إلى الدليل، والمنهيّ عنه كتاباً وسنّةٌ هو المقارن، فلا دليل على إبطال المتأخّر.

وحبّ معرفة الناس بعمله وحبّ ظهور تقواه وتقدّسه لا ينافي العمل والقربة، ولا بأس به. وفي بعض الأخبار ما يدلّ على نفى البأس عنه(1).

والعجب المقارن ألحقه بعض الأصحاب(2)بالرياء في التحريم، وتشعر به بعض الأخبار(3)أيضاً.

و الأحوط تجنّبه، وإن قوي القول بعدم إفساده، كما هو ظاهر الأصحاب، وضعف الأخبار عن إثبات الفساد.

الثالث والعشرون: قد تقدّم اشتراط الاستدامة الحكميّة فى النية، والظاهر أنّه لا خلاف بينهم فيها، ولكنّ الشأن في معناها.

قد تقدّم اشتراط الاستدامة الحكميّة فى النية، والظاهر أنّه لا خلاف بينهم فيها، ولكنّ الشأن في معناها. والأظهر أنّها- على المختار - عبارة عن إبقاء الداعي والقصد إلى الفعل على نحو ما وقع، فلا ينقضه بالعدول عنه إلى غيره إلّا فيما دلّ الدليل عليه، ولا ينقضه بالرياء بل كلّ ما ينافي الإخلاص، ولا ينوي قطعه، فيقع العمل منه مقارناً لنيّة القطع، ولا ينوي القاطع، فيقع منه العمل مصاحباً لتلك النيّة، ولا يتردّد في الأثناء في فعله وعدمه، فيقع منه العمل مقارناً للتردّد، ولا ينسَ العمل نسياناً لم يبقَ له أثر في خزانة الخيال أصلاً ورأساً، فيقع منه العمل بلا نيّةٍ، لكن على إشكالٍ في المتردّد.


1) وسائل الشيعة 1: 75 الباب 15 من أبواب مقدّمة العبادات، ح 1.

2) کشف الغطاء 2: 59

3) راجع وسائل الشيعة 1 : 102 - 105 ، الباب 23 من أبواب مقدّمة العبادات ، ح 12، 13، 15، 18 و 21.

وعلى القول بأنّ النيّة هي الإخطار الفعلي يحتمل إرادة ما ذكرناه من تلك الوجوه.

ويحتمل إرادة لزوم عدم الذهول والغفلة عن الفعل وإن ذهب الإخطار الأولّى.

وفيه: أنّه يلزم منه العسر والحرج، والتزام فساد أكثر عبادات العالم، ولا قائل به.

ويحتمل إرادة بقاء التذكّر الإجمالي للفعل وإن ذهب التذكّر التفصيلي.

وهو في الضعف كسابقه.

ويحتمل إرادة تجديد العزم كلّما ذكر بحسب الإمكان.

وهو أيضاً خلاف ظاهر الأصحاب.

ويحتمل إرادة الاستمرار على استناد صدور الفعل إلى النيّة الابتدائيّة، بحيث تكون مؤثّرةً في جميع العمل الصادر إن كانت العلّة الموجدة هي العلّة المبقية، أو مؤثّرةً في إيجاد العمل ابتداءً من غير نقضٍ لها، وباقي العمل يستغني عن المؤثّر؛ بناءً على استغناء الباقي عن المؤثّر.

وهذا الاحتمال جيّد، ولكنّه يؤول إلى ما قدّمناه من المعاني.

الرابع والعشرون: إذا اجتمعت في المنويّ جهات مندوبة وواجبة

إذا اجتمعت في المنويّ جهات مندوبة وواجبة، جاز أن ينوي الوجوب، وجاز أن ينوي الندب، وجاز أن ينويهما معاً، وجاز أن ينوي القربة، بناءً على ما اخترناه.

ويمكن أن يقال: إنّ وجه ما اجتمعت فيه الجهات هو الوجوب لا غير؛ لعدم إمكان اجتماع الحكمين في شخصٍ واحد، وعدم إمكان تغليب جانب الندب فيغلب جانب الوجوب، ويكون من باب أفضل أفراد الواجب المخيّر ، كالصلاة في المسجد والصلاة أوّل الوقت، أو من باب الواجب المسقط للندب. ويجري هذا في مسألة التداخل أيضاً.

وهذا أظهر على القول بعدم جواز اجتماع الوجوب والندب في شخصٍ واحد لجهتين تعليليّتين أو جهتين تقييديّتين، كما اختاره الكثير من أصحابنا.

الخامس والعشرون: صدور أفراد الحدث من نوعٍ واحد أو صدورها من أنواع متعدّدة في أكبر أو أصغر

صدور أفراد الحدث من نوعٍ واحد أو صدورها من أنواع متعدّدة في أكبر أو أصغر سبب في إيجاد طبيعة الحدث الأصغر في الأسباب الصغريات والأكبر في الأسباب الكبريات، وطبيعة الحدث الأصغر سبب في الطهارة الصغرى، وطبيعة الأكبر سبب في الطهارة الكبرى أو الطهارتين.

والقاعدة في الأسباب الواقعيّة العقليّة عدم التداخل؛ لاحتياج كلّ سببٍ إلى مسبّبه بانفراده؛

لا متناع اجتماع العلل المستقلّة على معلولٍ واحد خارجيّ، ومع تعدّد المسبّبات بتعدّد أسبابها يمتنع التداخل بينها عقلاً؛ لامتناع صيرورة الواحد اثنين.

والقاعدة في الأسباب الذهنيّة التي هي المعرّفات جواز التداخل لكون المعرّف علّةً للوجود الذهني، ومعلوليّة موجودٍ واحد ذهنيّ لمعرّفاتٍ متعدّدة جائزة.

والقاعدة في الأسباب الشرعيّة أيضاً هي جواز التداخل إذا لم يعلم أنّها أسباب واقعيّة؛ وذلك لأنّ الأسباب الشرعيّة قد تكون أسباباً واقعيّة فيمتنع فيها التداخل، وقد تكون معرّفاتٍ فلا يمتنع فيها ذلك، والأصل عدم كونها أسباباً واقعيّة عند الشكّ كي يمتنع فيها التداخل، إلّا أنّ ظواهر الخطابات الشرعيّة أثبتت هاهنا أصلاً آخَر، وهو أنّ الظاهر من الخطاب ترتّب كلّ مسبّبٍ استقلالاً على سببه، وتعدّد المسبّبات بتعدّد أسبابها؛ لأنّ تعدّد الخطاب يقضي بتعدّد الإرادة، وتعدّد الإرادة يقضي بتعدّد المراد.

وظاهر الخطابات إرادة التأسيس دون التأكيد، وإذ قد أثبتت ظواهر الخطابات أصلاً شرعيّاً - وهو أصالة عدم التداخل - وجب الحكم به إلّا ما أخرجه الدليل، كما أخرجٍ الدليل من إجماع وشبهه أفراد الأحداث الصغريات من نوعٍ واحد أو أنواع متعدّدة في كونها سبباً لحدثٍ واحد، وهو كلّيّ الحدث وطبيعته، وكون الحدث وطبيعته سبباً للطهارة الصغرى الرافعة أو المبيحة، فلا يتعدّد الحدث الأصغر بتعدّد أفراده، ولا تتعدّد الطهارة الصغرى بتعدّدها أيضاً.

وكذا أفراد الأحداث الكبريات من نوع واحد كجنابات متعدّدة أو حيض متعدّد، فإنّها توجب غسلاً واحداً؛ للدليل، وبقيت أفراد الأنواع المختلفة على القاعدة من أصالة عدم التداخل، واحتياج كلّ سبب إلى مسبّبه، ووجوب تعدّد المأمور بتعدّد الأمر، فيجب تعدّد الفعل بتعدّد ذلك النوع، وتجب النيّة في كلّ غسل لما يرفعه من النوع الخاصّ؛ لعموم أدلّة النيّة ووجوب تعيين المنويّ عند الاشتراك بين فردين؛ لأنّ المطلوب متعدّد بتعدّد سببه، واحدٌ سبُبه حدثٌ

واحد، كما بيّنا.

ولا فرق في أصالة وجوب التعدّد بين نيّة رفع جميع أنواع الحدث بذلك الغسل الواحد، وبين عدم نيّة شيء، وبين نيّة رفع حدثٍ معيّن لا بشرط، وبين نيّة رفع حدثٍ معيّن بشرط لا، وبين أن تكون الأسباب كلُّها موجبةً، وبين أن تكون كلّها مندبةً، وبين أن تكون ملفّقةً.

وكذا الحكم في الأغسال الغير الرافعة من الواجبة والمندوبة؛ فإنّ الأصل فيها التعدّد بتعدّد أسبابها، سواء اجتمعت مع أغسال واجبة رافعة أو أغسال رافعة مندوبة، أو انفردت عنها، وسواء نوى الجميع، أو البعض لا بشرط، أو بشرط لا.

وذهب جمعٌ من الأصحاب(1)إلى أصالة التداخل في الأسباب مطلقاً، وفي الأغسال خصوصاً واجبة أو مندوبة؛ لأصالة عدم تعدّد التكليف. ولأنّ المطلوب في كلّ أمرٍ إيجاد طبيعة المأمور به، وقد وجدت الطبيعة فيحصل الامتثال للكلّ، ولأنّ سبب الغسل طبيعة الحدث، فإذا تعدّدت أفراده لا يتعدّد الغسل؛ للزوم تحصيل الحاصل، ولأنّ أنواع الحدث أسباب شرعيّة، وهي معرّفات يجوز اجتماعها على مسبّبٍ واحد وهو طبيعة الحدث، ولأنّ مشروعيّة الأغسال للتنظيف وسببها القذارة، فإذا حصل رفع القذارة بمماسّة الماء بغسلٍ واحد حصل المطلوب؛ لما أشعرت به الأخبار(2)من أنّ علّة غُسل الجنابة هي التنظيف، وعلّة غسل الجمعة هو رفع أرياح الآباط، وغير ذلك، ولأنّ الحدث نوع واحد فلا يرتفع منه شيء ويبقى آخَر.

ولما ورد في حسنة زرارة من إجزاء غسل واحد للجنابة والجمعة وعرفة والنحر والذبح والزيارة، وإجزاء غسل واحد للمرأة عن جنابتها وإحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها، وإذا اجتمعت الله عليك حقوق أجزاك عنها غسل واحد(3).

وهي رواية معتبرة مشتهرة فتوىً و نقلاً، منقولة من أُصول معتمدة، موصوفة عند العلّامة(رحمۀ الله )(4)بالصحّة؛ لظهور عدالة إبراهيم بن هاشم من القرائن المتكثّرة المتظافرة.

ولما ورد من التعليل في الصحيح: في كفاية غسل واحد للجنابة وغسل الميّت: بأنّهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة(5).

ولخبر شهاب: «إن غسل ميّتاً و توضّأ ثمّ أتى أهله يجزئه غسل واحد»(6).


1) راجع المعتبر 1: 361؛ ومنتهى المطلب 2 20؛ وذكرى الشيعة 1: 216 - 217؛ وجامع المقاصد 1: 89؛ ومدارك الأحكام 194:1 و 196.

2) وسائل الشيعة 2: 178، الباب 2 من أبواب الجنابة، ح 1 و 3: 315، الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 15.

3) المصدر 2: 261 - 262، الباب 43 من أبواب الجنابة، ح 1.

4) راجع خلاصة الأقوال: 435، الفائدة الثامنة.

5) وسائل الشيعة 2 539 الباب 31 من أبواب غسل الميت، ح 1.

6) المصدر: 263، الباب 43 من أبواب الجنابة، ح 3.

وللصحيح: «غسل الجنابة والحيض واحد »(1).

وللموثّق في الجنب والحائض: «أجزأها غسل واحد »(2).

ولكثير ممّا ورد بإجزاء غسل واحد للجنابة والحيض(3).

قيل واختصاصه بالجنابة والحيض لا يقدح في إثبات تمام المطلوب؛ إذ الظاهر عدم القائل بالفصل(4).

وظاهر هذا القول ومقتضى أدلّته أنّ ارتفاع جميع الأحداث بغسلٍ واحد قهريّ يكفي فيه مجرّد نيّة الفعل للتقرّب من غير تفاوتٍ بين نيّة رفع الجميع أو نيّة رفع البعض لا بشرط أو بشرط لا، وبين الواجب وبين غيره، وبين الرافع وبين غيره.

ولا يخفى ضعف هذه الأدلّة عن إثبات هذا الأصل مطلقاً؛ لضعفها عن مقاومة ظواهر الخطابات، وأصالة شغل الذمّة بظاهر الخطاب المحتاج إلى الفراغ اليقيني، وعن أخبار النيّة(5)، الدالّة على أنّ لكلّ امرئٍ ما نواه، وعن القواعد المحكّمة القاضية بأصالة عدم إجزاء فعلٍ عن غيره، وعدم إجزاء واجبٍ عن مندوبٍ وإجزاء مندوبٍ عن واجبٍ.

ولأنّ أُصولهم مقلوبة عليهم وقواعدهم مردودة إليهم بما ذكرناه من اقتضاء ظاهر الخطاب التعدّد، فلا يبقى مجال لأصلهم.

و لعدم تسليم دعوى أنّ سبب الغسل طبيعة الحدث في الأكبر بحيث إنّه لم تكن للخصوصيّة مدخليّة، بل هو أوّل الكلام.

وكذا دعوى أنّ الغسل معلول للتنظيف ورفع القذارة.

وما استشهدوا به على ذلك لضعفه لا ينهض بالحجّيّة، ولمخالفته لفتوى المشهور.

وكذا دعوى أنّ الحدث نوع واحد لا يتبعّض؛ إذ هي أوّل المسألة.

وكذا ما استدلّوا به من الأخبار؛ فإنّها غاية ما تدلّ على جواز الاجتماع في الجملة، ونحن


1) وسائل الشيعة 2: 265، الباب 43 من أبواب الجنابة، ح 9.

2) المصدر: 263، ح 4.

3) المصدر: 265، ح 7،6.

4) لم نهتد إلى قائله.

5) وسائل الشيعة 1: 48 - 49 الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، ح 7 و 10.

لا ننكره، ولا تدلّ على كلّيّة ما ذكروا، بل هي بالنسبة إلى تلك مجملة لا تصلح لإثبات الحكم فيها كليّاً.

ونحن نقول بجواز التداخل في الجملة.

وتفصيل الحال أن يقال: إنّ الأغسال إمّا واجبة أو مندوبة أو ملفّقة. وعلى الأوّل والأخير فإمّا أن يكون معها غسل الجنابة أم لا. وعلى كلّ حال فالنيّة إمّا أن تتعلّق بالجميع أو البعض لا بشرط أو البعض بشرط لا، أو بالمطلق، والبعض إمّا أن يكون هو الجنابة أو غيرها، فصور المسألة عديدة.

منها: أن تكون واجبةً و فيها غسل الجنابة فينوي الناوي الجنابة وغيرها بنوعه ممّا هو عليه ويداخل بنيّته في الجميع، والحكم فيها جواز التداخل وهو المتيقّن من الأخبار المتقدّمة(1). والمتّفق عليه بين الأصحاب ظاهراً، والمنقول عليه الإجماع(2).

ومنها: أن ينوي رفع الجنابة فقط من دون ملاحظة نيّة رفع غيرها وعدمه.

وحكم جملة من أصحابنا (3)فيها بالتداخل وإجزاء غسل الجنابة عن غيره، ونقل عليه الإجماع(4)، ودلّت عليه بعض الأخبار(5).

ولكنّه لا يخلو من إشكال؛ لمعارضته لأصالة عدم إجزاء فعل عن غيره، ولعدم إجزاء المنويّ عن غير المنويّ ، و« لكلّ امرئ ما نوى»(6)و«إنّما الأعمال بالنيّات»(7).

وما استدلّ به القائل بارتفاع غير الجنابة - من أنّ الحدث متّحد فرفع الأقوى يستلزم رفع الأضعف وإن منع العكس، ومن أصالة البراءة وصدق الامتثال؛ لأنّ الآتي بالمطلوب يعد ممتثلاً و إن لم يأتِ به لذلك الطلب، ومن أنّ أخبار النيّة إمّا مجملةٌ فلا يصلح بها الاستدلال على


1) في الهامش ( 5 ) من ص 179.

2) راجع مشارق الشموس: 61.

3) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 40 وابن إدريس في السرائر 1: 123؛ والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 1: 79، والكركي في جامع المقاصد 86:1

4) السرائر 1: 123؛ جامع المقاصد 1: 87.

5) وسائل الشيعة 2: 261 - 262، الباب 43 من أبواب الجنابة، ح 1.

6) المصدر 1: 48 - 49 ، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، ح 10.

7) المصدر ، ح 7،6 و 10.

وجوب نيّة الجميع، أو ظاهرةٌ في قصد التقّرب و الإخلاص، أو مطلقةٌ في لزوم قصد الفعل ومع الإتيان به يحصل الامتثال؛ لعدم دخول قصد الخصوصيّة فيها، أو أنّ الخصوصيّة مقصودة ضمناً في نيّة رفع حدث الجنابة، ولا دليل على لزوم القصد الصريح لا من الأخبار ولا من العرف واللغة؛ و من أنّ ما دلّ على لزوم التعيين في أخبار النيّة مخصَّصٌ بأخبار التداخل، وتخصيص أخبار التداخل بأخبار النيّة وحملها على ما إذا نوى الجميع وإن كان ممكناً -لأنّ الأدلّة بينها عموم من وجه - إلّا أنّ الأوّل أرجح؛ للإجماع المنقول، ولظهور بعض الأخبار أجزا في الإجزاء مع عدم نيّة الجميع، كمرسلة جميل: «إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر عنه ذلك الغسل عن كلّ غسل يلزمه ذلك اليوم»(1)والآخر أيضاً: «يجزئك غسل يومك لليلتك، وغسل ليلتك ليومك»(2)وظاهر الأخير كغيره من بعض الأخبار: الاجتزاء بالغسل المعيّن عن كلّ غسلٍ حتّى ما تجدّد سببه بعد وقوعه، حتّى أنّ بعضهم(3)أفتى بذلك، ولكنّا حيث لا نقول به- لمخالفته الإجماعَ ظاهراً والأخبار - اقتصرنا على المتيقّن ممّا تقدّم سببه، هذا إن جعلنا المراد من الليلة واليوم اللاحقين، وإن جعلناهما السابقين كان شاهداً لنا ولا إشكال حينئذٍ - ضعيف (4)لا نرتضيه، مبنىّ على أُصول لا نقول بها، سيّما دعوى تخصيص أخبار النيّة بأخبار التداخل فإنّها ممنوعة؛ لعدم قابلية أخبار التداخل لتخصيص أخبارها المشتهرة المتكثّرة الموافقة للمشهور، مع أنّ أخبار التداخل ليست صريحةً بعدم نيّة الجميع كي تعارض أخبار النيّة والإجماع ممنوع؛ لمعارضته بفتوى الفحول بخلافه، فالأظهر عدم الإجزاء حينئذٍ.

ومنها: أن ينوي الجنابة فقط نافياً لنيّة غيرها.

والأظهر أيضاً هاهنا عدم الإجزاء؛ للأصل، ولأخبار النيّة الموجبة للتعيين في العمل، والدالّة بمفهومها على أنّ ما لم ينوَ لم يحتسب، وأنّ المنفي بالنيّة ينتفى، كما أنّ الموجد بها يوجد.

ودعوى شمول إطلاق الأخبار التداخل لها وحصول الامتثال بوقوع الفعل مطلقاً ووقوع المنفي قهراً؛ لأنّ الناوي إذا علم إجزاء غسل الجنابة عن غيره لم يكن قصد نفي غيره قصداً


1) وسائل الشيعة 2 :263 ، الباب 43 من أبواب الجنابة، ح 2.

2) المصدر 12: 328، الباب 9 من أبواب الإحرام، ح 1.

3) ابن إدريس في السرائر 1: 123.

4) جواب لقوله آنفاً: «وما استدل به القائل ....».

حقيقيّاً، ولأنّ تخصيص أخبار النيّة بإطلاق أخبار التداخل أولى من تخصيص أخبار التداخل بأخبار النيّة، لاعتضاد أخبار التداخل بإطلاق الإجماع المنقول، ولأنّ أخبار التداخل إنّما تدلّ على سقوط غير الجنابة بنيّة الجنابة تعبّداً، لا لحصول الامتثال كي تعارض أخبار النيّة. مدفوعة: بأنّ جميع ما ذُكر لا يعارض أدلّة النيّة المشتهرة المتكرّرة، وفتوى المشهور بعدم الإجزاء، وبأنّ أخبار النيّة كما تدلّ على توقّف الامتثال على نيّة الجميع، كذلك تدلّ على عدم سقوط غير المنويّ بالمنويّ، وعدم إجزاء المنويّ عن المنفيّ.

ثمّ على حصول التداخل بنيّة الجميع يكون معنى التداخل الاجتزاء عن المأمور به في سقوط العقاب وترتّب الثواب وامتثال الخطاب.

وعلى القول بحصوله بنيّة الجنابة مطلقاً يحتمل الاجتزاء به بهذا المعنى؛ لحصول القصد ضمناً.

ويحتمل الاجتزاء به بمعنى سقوط الخطاب وعدم ترتّب العقاب.

وعلى القول بحصوله مع نيّة نفي غيره فالأظهر الاجتزاء به بالمعنى الأخير فقط.

ومنها: أن ينوي غُسلاً مّا مع وجود الجنابة وغيرها من دون ملاحظة الخصوصيّة.

والأظهر فساد الغسل؛ لعدم تعيين المنويّ المتعدّد النوع ونيّة المطلق والمشترك غير صحيحة، كما تدلّ عليها أخبار النيّة.

وذهب بعضٌ إلى الصحّة والإجزاء عن الجميع لحصول الامتثال(1). وهو ضعيف.

ومنها: أن ينوي مع وجود الجنابة وغيرها غسلاً لرفع الحدث المطلق، أو لرفع حدثٍ مّا، أو لاستباحة مشروطٍ بالغسل لو كان عليه أغسال متعدّدة رافعة أو مبيحة، فإنّ غسله يقع فاسداً، إلّا إذا آلت نيّة رفع الحدث المطلق إلى نيّة رفع طبيعة الحدث المنحلّة إلى رفع كلّ حدث أو إلى نيّة رفع خصوصية الجنابة؛ لعدم اجتماع غيرها من الروافع معها، فالأقوى الصحّة حينئذٍ.

وذهب بعضٌ هاهنا إلى الصحّة(2)لإطلاق أخبار التداخل والحصول الامتثال بنيّة الاستباحة أو الرفع في الجملة، ونقل عليه ظاهر الوفاق (3).


1) مدارك الأحكام 1: 194.

2) المصدر : 194.

3) راجع مشارق الشموس: 65

والكلّ ضعيف يظهر وجهه ممّا تقدّم.

ومنها: أن ينوي غير الجنابة مع تحقّقها وتحقّق غيرها بشرط عدم ارتفاعها.

والأقوى هاهنا الإجزاء عمّا نواه دون الجنابة، ويجب له الوضوء حينئذٍ؛ بناءً على وجوب الوضوء لكلّ غسلٍ ما عدا الجنابة.

ودعوى الاجتزاء به عمّا لم ينوه من الجنابة أو غيرها؛ لأصالة البراءة، وحصول الامتثال، وإطلاق بعض أخبار التداخل، تبيّن ضعفه ممّا تقدّم.

ومنها: أن ينوي غير الجنابة لا بشرط.

والأظهر عدم الاجتزاء به عن الجنابة؛ لأصالة عدم الإجزاء، وللمفهوم من أخبار النيّة أنّ لكلّ امرئ ما نوى، ولفتوى عمدة الأصحاب، ولضعف شمول أخبار التداخل لما خلا عن غسل الجنابة، ولأنّ غير الجنابة أضعف؛ لاحتياجه إلى الغسل والوضوء، وغسل الجنابة أقوى؛ لرفعه الحدثين من غير وضوء، ورفع الأضعف لا يستلزم رفع الأقوى؛ ولاستصحاب حدث الجنابة إلى أن يعلم المزيل، ولأنّ الشكّ في الشرط شكّ في المشروط.

وقيل بإجزائه عن الجنابة وغيرها ممّا لم ينوهِ(1)للأصل، وحصول الامتثال لأوامر الغسل بإيجاد طبيعته ولقوله تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا(2)وقد حصل، فلا يشترط نيّة كونه للجنابة، ولأنّ الحدث معنى واحد فقَصْد رفع بعضها يوجب قَصْد رفع المشترك فيرتفع الكلّ، ولمنع ضعف غير الجنابة سيّما الحيض؛ لما يُفهم من بعض الأخبار أنّه أعظم منها(3)، واحتياجه إلى الغسل والوضوء له لا يدلّ على ضعفه؛ إذ لعلّه لزيادة قوّته احتاج للأمرين معاً، على أنّ الدليل لا يفيد قوّة الجنابة وإنّما يفيد قوّة رافعها، والتلازم بين القوّتين ممنوعة.

والكلّ ضعيف يظهر ضعفه ممّا قدّمنا من الأخبار وكلام الأخيار.

واعلم أنّ كلّ موضع يجتمع فيه غسل الجنابة مع غيره أو يسقط بفعله غيره فالظاهر عدم احتياجه للوضوء؛ لعدم الاحتياج للوضوء في غسل الجنابة، وكونه رافعاً للأصغر فلا يفتقر إلى وضوء آخَر رافعٍ له.


1) المعتبر 1: 361 شرائع الإسلام :1: 12 مدارك الأحكام 1 194.

2) المائدة (5): 6.

3) وسائل الشيعة 2 314 ، الباب 22 من أبواب الحيض، ح 2.

وبهذا يخصَّص ما جاء من أنّ كلّ غسل معه وضوء(1)، فيصدق أنّه غسل لغير الجنابة، كما يصدق أنّه غسل لها فلا ترجيح، ويبقى عموم الأمر بالوضوء، لأنّا نفهم ممّا دلّ على عدم الوضوء مع الجنابة(2)أنّه لمكان رفعه للأصغر، وممّا دلّ على وجوبه لغيره(3)أنّه لمكان عدم رفعه له، فإذا اجتمعا وحصل الرفع لا حاجة إلى رافع آخَر؛ للزوم تحصيل الحاصل.

ولا فرق في الأصغر بين المستقلّ وبين المنضمّ للأكبر على الأظهر.

ومنها: أن لا يوجد فيها الجنابة وكلّها واجبة.

والأظهر صحّة التداخل مع نيّة الجميع؛ استناداً لما دلّ على جواز التداخل(4)من عموم أو إطلاق، مع سلامته عن معارضة أخبار النيّة(5)لأنّ المفروض نيّة الجميع، وعدم صحّته لو نوى المطلق أو أحد الأحداث أو حدثاً معيّناً لا بشرط أو معيّناً بشرط لا، أو نوى القربة المطلقة في الفعل؛ للأصل، وللشكّ في حصول الامتثال ولأخبار النيّة(6)، وللاحتياط، ولاستصحاب بقاء الحدث إلى يقين الفراغ، ولفتوى الفحول.

وقيل بالإجزاء في جميع الصور(7)لأصالة البراءة، وحصول الامتثال، وإطلاق الأخبار بالنسبة إلى التداخل.

والكلّ ضعيف لا يُلتفت إليه كما قدّمناه.

والتفصيل بين نيّة الاستباحة أو رفع الحدث فيحصل التداخل، وبين عدمه ونيّة قصد الفعل مطلقاً للتقرّب فلا يحصل وجهٌ، ولكنّه ضعيف أيضاً.

ولو نوى المعيّن ارتفع ما نواه وبقي الباقي؛ لعموم الأدلّة.

ودعوى استحالة ارتفاع حدثٍ دون آخَر ممنوعة؛ قضاءً لحقّ الأدلّة الدالّة على حصول كلّ مسبّب بعد سببه ولا سببه، ولأنّ أحداثها أنواع متغايرة فيصحّ رفع شيء منها دون الآخَر، كدعوى أن نيّة الجميع ولزوم التداخل عزيمة لا رخصة كي يصحّ فيها نيّة رفع البعض دون البعض.


1) وسائل الشيعة 2: 248، الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 1 و 2.

2) المصدر : 246 ، الباب 34 من أبواب الجنابة؛ وراجع الهامش (1) أيضاً.

3) المصدر : 248، الباب 35 من أبواب الجنابة.

4) المصدر : 261 - 262 ، الباب 43 من أبواب الجنابة، ح

5) المصدر 1: 46 ، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات.

6) المصدر 1: 46 ، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات.

7) راجع مدارك الأحكام 1: 194.

ومنها: أن تكون جميع الأغسال مندوبةً ليس فيها جنابة ولا غيرها.

والظاهر صحّة تداخلها مع نيّة الجميع رخصةً لا عزيمة؛ لظاهر أخبار التداخل(1)من دون معارض لها من أخبار النيّة الدالّة على أنّ لكلّ امرئ ما نوى(2)، وعدم صحّة تداخلها لو نوى واحداً بعينه لا بشرط أو بشرط لا أو واحداً مطلقاً أو غُسلاً مّا؛ للشكّ في شمول أخبار التداخل لهذه الصور، ولدلالة أخبار النيّة على منعها، ولأصالة عدم الإجزاء، ولاستصحاب بقاء الحكم الندبي حتّى يحصل اليقين بزواله.

نعم، لو نوى واحداً بعينه، أجزاً عن ذلك الواحد.

ولا يتفاوت في استباحة غاية ذلك الواحد بين أن يجامع الحدث الأصغر أو لا يجامع، وبين أن يتعقبّه حدث أصغر أم لا ما لم يتعقبّه فاصلة طويلة بينه وبين غايته بحيث يخرج بها عن اسم كونه له كأن يغتسل للزيارة أو الطواف أو الحاجة قبل شهر مثلاً.

ويختصّ جواز التداخل في الغايات مع نيّتها في صورة اجتماعها قبل الغسل، فلو اغتسل لغايةٍ ثمّ تجدّدت أُخرى لم يجز لها الغسل الأوّل ولو نواها تقديراً. وورد في بعض الأخبار لزوم تجديد الغسل للطواف إذا تخلّل النوم بينه وبينه (3)، وكذا غسل الإحرام(4)، وغسل دخول مكّة(5).

وهو محمول على الأفضليّة.

وذهب بعضٌ(6)إلى صحّة التداخل هاهنا بجميع الأقسام المتقدّمة؛ لحصول الامتثال وصدق الإتيان بالمأمور به وأصالة البراءة، ولأنّ مشروعيّة الغسل لأجل التنظيف ورفع القذارة، وهي تحصل بقصد الفعل على أيّ نحوٍ وقع، إلّا أنّ القربة لا بدّ منها في حصول الامتثال فيبقى الباقي.


1) راجع الهامش (4) من ص 184.

2) راجع الهامش (6) من ص 180.

3) وسائل الشيعة 13: 202، الباب 6 من أبواب مقدمات الطواف، ح 2.

4) المصدر 12: 329 - 330 ، الباب 10 من أبواب الإحرام، ح 1 و 2.

5) المصدر 201:13 - 202 ، الباب 6 من أبواب مقدمات الطواف، ح 1.

6) مدارك الأحكام 1: 196؛ مشارق الشموس: 68.

وتسرّى بعضهم(1)إلى صحّة التداخل في الغايات المتجدّدة؛ لحصول التنظيف، ولقوله(عليه السلام) في بعض الأخبار: «يجزئك غسل يومك لليلتك، وليلتك ليومك»(2).

والجميع كما ترى ضعيف مبنيّ على ضعيف.

ومنها: أن تكون الأغسال مختلفةً وفيها الجنابة وغيرها وينوي الجميع.

والأظهر الأقوى جواز التداخل رخصةً لا عزيمة، أمّا مع الجنابة: فللإجماع المنقول(3)، والأخبار المتقدّمة(4).

وأمّا مع غيرها: فلإطلاق أخبار التداخل الشامل لذلك من غير معارض حتّى أخبار النيّة؛ لأنّ المفروض تحقّق نيّة الجميع، وإشكال لزوم اجتماع الواجب والمندوب في واحد شخصي تقدّم رفعه.

ومنها: أن تكون مختلفةً وينوي الواجب غير الجنابة بشرط لا أو لا بشرط، فالأقوى عدم إجزائه عن غيره من واجب ومندوبٍ، ويجزئ عن نفسه ويبقى غيره؛ لما قدّمنا.

والقول بالاجتزاء مطلقاً ضعيف، وقد تبيّن وجهه.

ويفتقر إلى وضوء على المختار من احتياج كلّ غسل إلى وضوء.

ومنها: أن تكون مختلفةً وينوي المندوب بعينه بشرط لا أو لا بشرط، سواء كان معها جنابة أو لا.

والأقوى عدم الإجزاء عن غير ما نواه؛ لما قدّمناه.

واحتمل بعضهم الإجزاء(5)لحصول الامتثال وعدم مدخليّة النيّة فيه، ولحصول التنظيف المطلوب في أوامر الغسل. وهو كما ترى.

واستدلّ بعضهم(6)على إجزاء المندوب عن الواجب بالخبر الوارد في إجزاء غسل الجمعة عمّن نسي غسل الجنابة في شهر رمضان(7).


1) راجع الحدائق الناضرة 201:2.

2) راجع الهامش (2) من ص 181

3) راجع الخلاف 1: 221، المسألة 189

4) تقدمت في ص 184.

5) مدارك الأحكام 1 196.

6) مدارك الأحكام 1 196.

7) وسائل الشيعة 10: 238، الباب 30 من أبواب مَنْ يصحّ منه الصوم، ح 2.

والخبر ضعيف لا يصلح لأن يستدلّ به على إثبات المطلوب، ولئن صلح لذلك فلا بدّ من لزوم الاقتصار على مورده.

والأحوط أن لا يجتزئ المغتسِل بنيّة المندوب عن نفسه إذا كان عليه غسل رافع؛ لبُعْد ترتّب أثر المندوب مع بقاء الحدث الأكبر، بل الأحوط ضمّ الوضوء إليه في استباحة ما شرّع له؛ لشبهة شمول «كلّ غسل معه وضوء إلّا الجنابة»(1)، وإن كان الظاهر من الفتوى والنصّ لزوم الوضوء للمشروط به كالصلاة ونحوها لا لغايته، لكنّ الاحتياط لا يُنكر.

ومنها: أن تكون مختلفةً وينوي المطلق من الغسل مع ضمّ القربة.

والأظهر: بطلان الغسل من أصله؛ لعدم التعيين في النيّة للمنويّ، وكذا لو نوى المردّد؛ لحصول الإبهام.

ومنها: أن تكون مختلفةً وفيها الجنابة فينوي رفع الجنابة بالخصوص لا بشرط.

والأظهر: ارتفاع الجنابة فقط.

وقيل بحصول التداخل هاهنا وارتفاع الكلّ(2). واستظهر بعضهم(3)الإجماع على ذلك، و نُسب للمشهور(4)، واستدلّ عليه بما قدّمناه. وفيه ما قدّمنا.

ومنها : أن تكون مختلفةً وينوي الجنابة بشرط عدم غيرها.

وهذا أظهر في عدم الاجتزاء به وعدم جواز التداخل فيه، غير أنّه يرتفع ما نواه فقط.

وقيل بحصول التداخل فيه قهراً(5)؛ استناداً إلى ما قدّمنا، وفيه ما قدّمنا.

الثاني - من فروض الوضوء - : غسْل الوجه
اشارة

وفيه أُمور:

أحدها:حقیقۀ الغَسْل

الغَسْل هو إجراء جزءٍ من الماء على جزئين من البشرة بمعاون أو غيره، فينغسل حينئذٍ المنتقل منه والمنتقل إليه ولو كان هو الأخير، إلّا أنّ الأحوط لزوم انفصال ماء الغسالة


1) راجع الهامش (2) من ص 184.

2) الخلاف 1 222، المسألة 191

3) لم نتحقّقه.

4) كما في الحدائق الناضرة 2: 199.

5) لم نعثر على قائله

عنه في تحقّق الغَسْل سيّما في غَسْل الأخباث، وإن كان الأقوى صدق الغَسْل على الجزء الأخير وإن انتهى إليه الماء سيّما في الغسل عن الأحداث.

وقد يكتفى في مسمّى الغَسْل بمجرّد الإصابة فيما لا يمكن الإجراء فيه عرفاً، كغَسْل ما تحت الجبيرة و غَسْل البواطن؛ لتسميته غَسْلاً عرفاً.

ويحصل الغَسْل أيضاً بالارتماس في الماء القليل أو الكثير بما يُسمّى ارتماساً.

والظاهر صحّة نيّة الغَسْل بالإدخال والإخراج والكون نفسه.

والأحوط فيما يتعقّبه مسح من غَسْل اليدين نيّة الغسل في الإخراج؛ للتخلّص من شبهة المسح بالماء الجديد، ولكنّه يعارضه احتياطٌ آخَر، وهو ضعف صدق الغَسْل على الإخراج، فالأحوط تجنّب غَسْل الارتماسي في الوضوء.

ثانيها: فی انّه لا يكفي من الماء ما يحصل به الانتشار لا الجريان

لا يكفي من الماء ما يحصل به الانتشار لا الجريان، وذلك كالدهن؛ لعدم صدق اسم الغَسْل عليه، ولو فرضنا صدق اسمه عليه فهو لعدم دخول الجريان في مفهومه كما قيل(1)، فلا يجزئ أيضاً، بل لو حصل معه إجراء خفيف أيضاً كذلك؛ لعدم انصراف الإطلاق إليه في الكتاب(2)والسنّة(3)المأمور فيهما بالغَسْل.

والظاهر عدم تسمية ذلك غسلاً بل هو مسحٌ بالماء.

وما ورد في الصحيح وغيره من إجزاء إجراء الماء ولو كالدهن(4)، محمول على المبالغة؛ لعدم مقاومته لعمومات الأدلّة الآمرة بالغّسْل، أو محمول على حالة الضرورة.

ودعوى بعضهم(5)منع كون الإجراء داخلاً في مفهوم الغسل فيكفي فيه الدهن أو الإصابة، مدفوعة؛ بفهم العرف خلاف ذلك، وبما ورد من الأخبار الصحيحة الآمرة بالإجراء، كقوله(عليه السلام): «ولكن يجري عليه الماء»(6)وظاهر الإجراء هو الإجراء المعتاد الظاهر دون الخفي، وبما دلّ


1) القائل هو الشهيد الثاني في بعض تحقيقاته كما حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 2: 224.

2) المائدة (5): 6

3) وسائل الشيعة 1: 387 و 390 و 397 - 399، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 1، 5، 19 و 22.

4) المصدر: 391 الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 7 و 484 - 485 ، الباب 52 من تلك الأبواب، ح 1 و 5.

5) راجع الهامش (1)

6) وسائل الشيعة 1: 476، الباب 46 من أبواب الوضوء، ح 2 و3.

على أنّ المسح غير الغَسْل وأنّ مَنْ غسل موضع المسح ما قَبِل الله تعالى منه صلاة(1)، وظاهره أنّ الفرق بينهما حصول الجريان الظاهر في الغُسْل دون المسح حتّى لو كان في المسح جريان لكان الخفاء مأخوذاً فيه.

وفي الفرق بينهما وجواز تصادقهما في موردٍ واحد وعدمه كلام يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

والأحوط في مقام الضرورة الجمع بين ما كان كالدهن وبين التيمّم.

ثالثها : بیان حدّ الوجه المأمور بغسله فی الوضوء

الوجه في الوضوء المأمور بغسله له حدّ طوليّ وحدّ عرضّي دلّ عليهما الإجماع والروايات(2).

وهذا التحديد يحتمل أنّه حدّ لما وجب غسله منه، فهو أضيق دائرة من المحدود عرفاً، كما قيل: إنّه ما دون منابت الشعر معتاداً إلى الأُذنين والجبينين والذقن(3)، وأضيق دائرة من المحدود لغةً، وهو: ما يواجه به.

ويحتمل أنّ التحديد الشرعي كاشف عن المعنى العرفي العامّ، فهو تحديد له لا للمغسول منه.

ويحتمل كونه حقيقةً شرعيّة. وهو بعيد.

أمّا الحدّ الطولي فهو من منابت الشعر المعتاد لمستوى الخلقة إلى محادر الذقن، فلا عبرة بالأغمّ والأصلح.

وقد تختلف محالّ الشعر لمستوى الخلقة علوّاً و هبوطاً في الجملة، فيؤخذ بأعلاها احتياطاً.

وحدّه عرضاً يُعلم بوضع وسط ما بين طرفي الإبهام والوسطى على وسط القصاص على وجهٍ يؤخذ به شيء من القصاص ليعلم الإحاطة، ثمّ يجرّهما إلى منتهى الذقن، فما دخل تحتهما داخل وما خرج عنهما خارج.

ويدلّ على هذا التحديد فتوى الأصحاب والإجماعات المنقولة(4)، في الباب.

وصحيح زرارة: عن حدّ الوجه الذي ينبغي أن يوضّاً: «ما دارت عليه الإبهام والوسطى من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وما جرت عليه الإصبعان مستديراً فهو من الوجه، وما


1) وسائل الشيعة 1: 418 - 419، الباب 25 من أبواب الوضوء، ح 2.

2) المصدر : 403، الباب 17 من أبواب الوضوء.

3) راجع مجمع البيان 3 - 4 164، ذيل تفسير الآية (6) من سورة المائدة (5).

4) الخلاف 1 76 المسألة 23 مدارك الأحكام 1: 197 کشف اللثام 1: 526

سوى ذلك فليس من الوجه» قلت الصدغ من الوجه ؟ قال: «لا»(1)فظاهر الخبر أنّ «ما دارت» بيان العرض، وقوله: «من قصاص الشعر» بيان للطول، وهو إمّا متعلّق بقوله: «دارت»، وإمّا حالٌ من الموصول الواقع خبراً عن الوجه إن جوّزنا الحال عن الخبر.

وفهم بعض الأصحاب(2)من لفظ «دارت» الدوران على نحو الدائرة البُركانيّة، وذلك بإثبات وسط للخطّ المتوهمّ من القصاص إلى الذقن ويدار عليه دائرة، فما دخل فيها داخل وما خرج عنها خارج، وطريقها أن يجعل طرف الوسطى على قصاص الناصية، وطرف الإبهام على طرف الذقن ويثبت وسط انفراجها ويدار الوسطى على الجانب الأيسر، والإبهام على الأيمن حتّى تتمّ الدائرة، فما دخل فهو داخل وما خرج فهو خارج.

وهو بعيد؛ لبُعْده عن فهم المشهور وفهم القدماء من أصحاب اللسان، ولعدم مناسبة الدائرة البُركاليّة للخطابات الشرعيّة المبنيّة على الظهور ، ولخروج كثير من الجبهة من الجانبين وكثير من صفحتي الخدّين، ولدخول ما خرج ممّا حول الصدغين، فلا يناسبه سؤال زرارة، ولعدم الفائدة في التحديد الطولي حينئذٍ، وللزوم مساواة الوجوه في الحكم مع أنّ الغالب اختلافها، وللزوم كون ذكر الابتداء بقصاص الشعر لا فائدة فيه؛ لكفاية الابتداء في تحصيل الدائرة من أيّ موضع أراد.

وما قيل(3)- على فهم المشهور - من لزوم دخول النزعتين والعذارين، فالعذر عنهم أن الخبر مسوق لبيان المشتبه في الحكم، أو أنّ الدخول ممنوع.

رابعها: يخرج عن حدّ الوجه النزعتان

يخرج عن حدّ الوجه النزعتان ،و هُما البياضان المكتنفان بالناصية على الجبينين؛ لدخولهما في محلّ تدوير الرأس، فلا يدخلان في تحديد المشهور وإن وصل إليهما الإصبعان، ولئن دخل بعضهما -كما قيل(4)- فهما خارجان حكماً؛ لأنّ التحديد للمشتبه ولا شبهة في خروجهما؛ إذ المتبادر من القصاص ما يكون منتهى الناصية وما يحاذيه وما يسامته، لاكلّ ما كان تحت قصاص الشعر مطلقاً.


1) وسائل الشيعة 1: 403، الباب 17 من أبواب الوضوء، ح 1.

2) الشيخ البهائي في الحبل المتين: 14.

3) القائل هو الشيخ البهائي في الحبل المتين: 14.

4) راجع الحدائق الناضرة 2: 228.

ويخرج الصدغان أيضاً، كما قطع به بعض الأصحاب(1)، ونُسب لجمهور العلماء(2)ونُقل عليه الإجماع(3)، ودلّ عليه الصحيح(4).

والصدغ: إمّا محلّ الشعر المتّصل بمنتهى العذار المنتهي إلى محاذي الأُذن النازل عن رأسها قليلاً، أو جانبا الأُذن كما عن بعضهم(5)، وعليهما فلا إشكال في خروجه عن التحديد، وإما ما بين العين والأذن، كما نُسب لجمع من أهل اللغة (6)، أو الشعر المتدلّي ما بينهما، كما قيل(7)، أو المحلّ المنخفض بين أعلى الأُذن ومؤخّر العين، أو المنخفض بين أعلى الأُذن وطرف الحاجب، أو ما حاذى العذار مطلقاً، أو ما حاذاه فوقه كما نقله بعض المتأخّرين(8)وجعلها أقوالاً، وعليها فيدخل بعضه في التحديد، ولكنّه يخرج عن حكم الوجه بالإجماع والرواية.

ويخرج بياض الأُذنين عن التحديد وعن الحكم إجماعاً منقولاً (9)بل محصّلاً، وهُما البياضان اللذان بين العذارين والأُذنين.

ويخرج العذاران، وهما الشعر المحاذي للأُذنين يتّصل أعلاه بالصدغ وأسفله بالعارض.

وقيل: ما كان على العظم الذي يحاذي وتد الأُذن(10).

والإجماع منقول على خروجه(11)، والصحيحة الأُولى(12)الدالّة على خروج الصدغ تدلّ على خروجه بالأولويّة، وأصل البراءة دليل على خروجه، فخروجه عن الحكم أولى وإن دخل بعضه في التحديد.


1) رياض المسائل 1: 122

2) نسبه إليهم السبزواري في ذخيرة المعاد: 26.

3) رياض المسائل 1: 122

4) تقدم تخريجه في الهامش (1) من ص 190.

5) لم نتحقّقه.

6) نسبه إليهم السبزواري في ذخيرة المعاد: 26.

7) الصحاح 4: 1323، «ص دغ».

8) راجع مفتاح الكرامة 2 : 237 .

9) تذكرة الفقهاء 152:1، المسألة 42.

10) المصدر: 153.

11) المصدر: 153.

12) أي صحيحة زرارة المتقدمة في ص 189 - 190.

وأدخله جملة من أصحابنا(1)في وجوب الغَسْل؛ لشمول لفظ الوجه له ولا أقلّ من الشكّ في شموله له، فالاحتياط والفراغ اليقيني القاضي به شغل الذمّة يقضيان بدخوله.

وقيل بأنّ الداخل في التحديد بحيث تشمله الإصبعان يجب غَسْله والخارج منه لا يجب(2). وهو قوّي.

والاحتياط يقضي بدخول الجميع في حكم الغَسْل.

ويدخل ما يشمله التحديد من العارضين، وهُما ما تحت العذارين من جانبي اللحية إلى شعر الذقن؛ للاحتياط، والخبر(3)، وفتوى جُلّ الأصحاب(4).

وقيل بخروجه عن الحكم(5). وهو ضعيف.

وقيل بدخوله مطلقاً(6)، ونُقل عليه الإجماع(7). ولا شكّ في أنّه أحوط.

ويدخل شيء من مواضع التحذيف وهو ما يشمله الحدّ؛ للخبر(8)والاحتياط، وهي منابت الشعر الخفيف بين النزعة والصدغ.

وقيل بدخولها بتمامها(9)، وهو أحوط.

وقيل بخروجها بتمامها؛ لنبات الشعر عليها متّصلاً بشعر الرأس(10). وهو ضعيف.

خامسها: يرجع صغير الوجه وكبيره إلى التحديد بيد تناسب وجهه

يرجع صغير الوجه وكبيره إلى التحديد بيد تناسب وجهه لا إلى يد مستوى الخلقة، وإلّا لزاد أو نقص. وكذا يرجع صغير اليد وطويلها إلى يد تناسب وجهه، فإن كان وجهه مستوى الخلقة، رجع إلى يد مستوى الخلقة، وإلّا رجع إلى يد تناسبه، كلّ ذلك لأصل البراءة في الزائد، وشغل الذمّة، والاحتياط في الناقص.

سادسها: لا يجب غَسْل الباطن عرفاً

لا يجب غَسْل الباطن عرفاً، كباطن المنخرين والعينين والشفتين؛ لانصراف


1) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 77 المسألة 25؛ والمبسوط 1: 20؛ والشهيد في ذكرى الشيعة 2: 122، كما نقله أيضاً عن ابن الجنيد؛ والمحقّق الكركي في حاشية شرائع الإسلام 2: 47 (ضمن حياة المحقّق الكركي وآثاره، ج 11)؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 36:1.

2) نهاية الإحكام 1: 36.

3) تقدم تخريجه في ص 189، الهامش (2)

4) منهم الشهيد في ذكرى الشيعة :2 122 والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 1: 36.

5) منتهى المطلب 2: 24

6) مسالك الأفهام 36:1.

7) مسالك الأفهام 36:1.

8) راجع الهامش (2) من ص 189

9) مسالك الأفهام 1: 35.

10) تذكرة الفقهاء 1: 153 ذيل المسألة 42

أوامر الغَسْل للوجه إليه، ولدلالة لفظ الوجه؛ لأنّه ما يواجه به عليه، ولظاهر الصحيحة المتقدّمة(1)، وقوله فيها: «وما جرت عليه الإصبعان» ولأدلّة اليسر(2)، وللسيرة الدالّة على العدم مع توفّر الدواعي إلى بيان حكمه لو وجب غَسْله، ولظاهر بعض الأخبار النافية للطلب عمّا تحت الظاهر(3)ويؤيّد جميع ذلك الأصل.

سابعها: الشعر النابت على الوجه من المعتاد أو غيره إن خرج عن الحدّ

الشعر النابت على الوجه من المعتاد أو غيره إن خرج عن الحدّ لا يجب غسله؛ للأصل، وفتوى الأصحاب وأخبار الباب(4).

وإن دخل في الحدّ، وجب غَسْل ظاهره، ويكتفى به عن غَسْل ما تحته من البشرة أو من شعر آخَر خفيفاً كان الشعر أو كثيفاً.

والدليل على ما ذكرناه: الإجماعات المنقولة(5)على عدم وجوب تخليل الكثيف، وعلى عدم وجوب تخليل الشعر مطلقاً، ونقل الشهرة(6)وفتوى المعظم(7)على عدم وجوب تخليل الخفيف، وهو ما يرى منه البشرة غالباً في مجلس التخاطب، ولأنّ الوجه هو ما يواجه به، وقد انتقل من البشرة إلى الشعر، واستصحاب حكم البشرة مقطوع بتبدّل الموضوع، ولخلوّ الأخبار عن وجوب التخليل مع توفّر الدواعي لنقله لو كان، ولما دلّ على الاجتزاء بغرفة(8)، والغالب عدم كفايتها لغسل الشعر ظاهراً وباطناً، ولما دلّ على الاجتزاء بكفٍّ واحد أثلاثاً: ثلث للوجه. وثلثان لليدين(9)، ولخصوص الصحيح: «ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه»(10)والصحيح الآخَر الدالّ على عدم تبطين اللحية(11)، والقويّ الآخر: «إنّما عليك أن تغسل ما ظهر»(12).


1) تقدّمت في ص 189.

2) البقرة (2) 185؛ صحيح البخاري 1: 38، ح 69 : صحيح مسلم 3: 1359 ، ح 1734

3) وسائل الشيعة 1: 431، الباب 29 من أبواب الوضوء، ح 6.

4) راجع الهامش (2) من ص 189

5) الخلاف 1 75 76، المسألة 22؛ المسائل الناصريّات: 115، المسألة 26: كشف اللثام 1: 530.

6) رياض المسائل 1: 123 - 124

7) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 20:1؛ والمحقّق الحلّي في المعتبر 142:1؛ والعلّامة الحلّي في منتهى المطلب 2: 24.

8) وسائل الشيعة 1: 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 3.

9) المصدر: 438، الباب 31 من أبواب الوضوء، ح 9.

10) المصدر: 476، الباب 46 من أبواب الوضوء، ح 3.

11) المصدر، ح 1.

12) راجع الهامش (3).

هذا كلّه فيما ستره الشعر، وأمّا ما يرى في خلال الشعر من البشرة دائماً أو أحياناً أو وقت الوضوء، فالظاهر وجوب إيصال الماء إليه للشكّ في بدليّة الشعر عنه، والاستصحاب، والاحتياط يقضي بوجوب غسله ونقل الإجماع على وجوب غسل ما يرى من البشرة بين الشعور(1).

وما ستره المتدلّي من الشعر فحكمه حكم ما ستره الشعر الأصلي.

ولو وقع المتدلّي على غير موقعه المعتاد، فالظاهر وجوب رفعه وغَسْل ما تحته.

ولو كشف المتوضّئ الشعر حين الوضوء عن البشرة، فالظاهر لزوم أحد الأمرين عليه: إمّا إرجاع الشعر وغَسْل ظاهره، أو غَسْل البشرة المكشوفة، كما أنّ الظاهر أنّ غَسْل ظاهر الشعر رخصة لا عزيمة، وكذا غَسْل الظاهر من باطن الشعر في الكثيف.

ثامنها: يجزئ غَسْل ما يجب غَسْله في الوضوء بعد الأخذ من باب المقدّمة لما يحصل به يقين دخول الوجه المأمور به واقعاً، ولا يحتاج إلى تعيين الحدود من مجتهد أو مقلّد، سواء عرف الحدود وجهل تطبيقها على المحدود، أو جهل الحدود من أصلها، على إشكالٍ فيه من جهة دخوله في عبادات الجاهل حينئذٍ.

الثالث - من فروض الوضوء - : غَسل اليدين
اشارة

وفيه أُمور:

أحدها: تعریف اليد بحسب اللغة والعرف العامّ

الظاهر أنّ اليدين بحسب اللغة والعرف العامّ هما العضوان من المنكبين إلى أطراف الأصابع مقابلاً للرِّجلين، وإطلاقهما على الأبعاض في الوضوء والتيمم والسرقة وغيرها مجازٌ، أو المراد به الحقيقة والتحديد للحكم المتعلّق بهما لا الاسم.

ويحتمل الاشتراك اللفظي بين الكلّ والأبعاض الخاصّة أو مطلقاً.

ويحتمل الاشتراك المعنوى كذلك.

ويحتمل الحقيقة الشرعيّة في خصوص الوضوء والتيمّم.

والأظهر: الأوّل أو الاشتراك.

وعلى كلّ حال فالواجب غسله هاهنا هو العضو من المرفق إلى أطراف الأصابع.


1) المقاصد العليّة: 88

والمراد بالمرفق: مجمع الذراع والعضد.

وقيل: موصل الذراع والعضد (1).

وعن بعضهم: إنّه مفصل الذراع والعضد(2).

وعن آخَرين إنّه مفصل الساعد والعضد(3).

وفي جملة من عبائرهم أنّه موصل الذراع في العضد(4).

وصرّح بعضهم بأنّه مجمع العظمين(5)، أي رأساهما المتلاقيان.

ويمكن إرجاع التفاسير المتقدّمة للأخير، فيكون المرفق عبارةً عن أمرٍ محسوس، وهُما: عظمان متلاقيان أو متداخلان، فالمرفق هو مجموع الطرفين ولو انفصلا انفصلت أجزاؤه فيريدون بالمجمع والمفصل والموصل مكان الاجتماع والفصل والوصل.

ويمكن أن يريد الأوّلون المعنى الوهمي، وهو نفس الوصل ونفس الفصل ونفس الجمع. ولكنّه بعيد عن ظاهر أوضاع اللغة والعرف، وعن جعله حدّاً في لسان الشارع؛ لخفائه على العوام.

ثانيها: هل یجب غسل المرفق أصالة أو تبعاً من باب المقدّمة

لا كلام لأحد في وجوب غَسْل المرفق، إنّما الكلام في وجوبه أصالة أو تبعاً من باب المقدّمة لتحصيل العلم بغَسْل المأمور بغسله.

ومقتضى إطلاقات الإجماعات المنقولة (6)وفتوى الأصحاب والاحتياط في العبادة بعد شغل الذمّة اليقيني، والأخبار الدالّة على أنّ الأقطع يغسل ما بقي من عضده(7)، والدالّة على أن النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)كان يغسل المرفق مع يده(8)،والدالّة على أنّه كان يغسل من المرفق(9)، وظاهر البدأة الدخول، والتأسّي الواجب فيما كان بياناً للواجب، وظهور دخول الغاية في المغيّى مطلقاً،


1) القاموس المحيط 244:3

2) مدارك الأحكام 1: 203، نقلاً عن القاموس.

3) حكاه السبزواري في ذخيرة المعاد :28 نقلاً عن بعض شراح قانون الطبّ.

4) الصحاح 4: 1482، «رف ق».

5) تذكرة الفقهاء 1: 159، المسألة 45.

6) التبيان 3: 451؛ مجمع البيان 3 - 4: 164، ذيل تفسير الآية (6) من سورة المائدة (5)؛ منتهى المطلب 2: 33.

7) وسائل الشيعة 1: 479، الباب 49 من أبواب الوضوء، ح 2.

8) المصدر: 387 - 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2.

9) المصدر : 388، ح 3

أو فيما إذا لم يكن له مفصل محسوس، أو فيما إذا كان من الجنس، وما في الخلاف: أنه ثبت عن الأئمة أن «إلى» بمعنى «مع» في الآية(1): أن وجوب غسل المرفق أصلي تبعي، قضى به باب المقدّمة.

وتظهر الثمرة في وجوب غَسْل شيء ممّا فوقه مقدّمةً له، وعدمه، فعلى الأوّل الأوّل، وعلى الثاني الثاني، وفيما لو قطع العضو من المرفق نفسه، فإنّه يجب غَسْل جزءٍ من العضد، بناءً على أنّ المرفق مجموع طرفي العظمين المتّصلين، وكذلك بناءً على أنّه نفس الوصل الحاصل بين طرفي العظمين؛ وذلك لأنّ الوصل لا يأمر بغَسْله حقيقة، بل المأمور بغسله إمّا طرفا العظمين الحاصل منهما الوصل، أو سطحهما، والسطح لا يمكن غَسْله؛ لعدم القدرة على الوصول إليه، فيكون المأمور به نفس الخطّين المستديرين من العظمين.

ثالثها: يجب الابتداء بالأعلى في غَسْل الوجه واليدين

يجب الابتداء بالأعلى في غَسْل الوجه واليدين، وفاقاً لفتوى المشهور نقلاً(2)بل تحصيلاً، وللإجماع منقولاً (3)ظاهراً، ولأصالة بقاء الحدث وشغل الذمّة بالوضوء والصلاة، ولإجمال الوضوء كما في سائر أسماء العبادات، فما شكّ في شرطيّته له نجعله شرطاً .

ولصحيح زرارة في حكاية فعل النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم): أنّه أسدل الماء على وجهه من أعلى الوجه(4)، واستفادة الوجوب إمّا من دليل التأسّي، أو من أجل كونه بياناً للمجمل.

وللصحيح المرويّ في الكافي: «فوضعها على جبينه» حكايةً عن فعل النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)(5).

ولرواية الهيثم في تنزيل قوله تعالى:إلى المرافق(6)أنّها من المرافق(7).

ولرواية صفوان وفيها: «ثمّ يفيضه على المرفق»(8).

ولصحيح زرارة: «ثمّ وضعه على مرفقه»(9).


1) الخلاف 1: 78 المسألة 26

2) الحدائق الناضرة 2: 230 و 240

3) التبيان 3 :451: كشف اللثام 526:1

4) وسائل الشيعة 1: 392، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 10.

5) الكافي 3: 35، باب صفة الوضوء، ح 4؛ وعنه في وسائل الشيعة 1: 387 الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2.

6) المائدة (5): 6

7) وسائل الشيعة 405:1 - 406، الباب 19 من أبواب الوضوء، ح 1.

8) مستدرك الوسائل 1: 311 - 312، الباب 18 من أبواب الوضوء، ح 2.

9) وسائل الشيعة 1: 387 - 388 ، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2.

ولرواية الهيثم: «ثمّ أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه» ردّاً على الهيثم حيث عكس ذلك(1). وللإجماع المركّب المنقول(2)على عدم الفصل بين الوجه واليدين في إيجاب الابتداء بالأعلى فيهما وعدمه.

ولرواية الحميري: «اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله»(3).

ولمفهوم قوله: «لا بأس بمسح الوضوء مقبلاً ومدبراً»(4)وقوله(عليه السلام): «المسح في الرِّجْلين موسّع» (5)فمفهومه مشعر بأنّ الغسل له كيفيّة خاصّة.

ولانصراف إطلاق أوامر الغسل للابتداء بالأعلى؛ لأنّه الفرد الظاهر. ولرجحانيّة الابتداء بالأعلى فيحصل اليقين باستمرار النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)عليه فيجب التأسّي به واتّباعه؛ لكونه بياناً للمجمل، ولقوله(عليهم السلام): «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلّا به»(6)بعد وضوئه، والمقطوع به ابتداؤه بالأعلى.

وبمجموع ما ذكرنا- وإن اتّجهت المناقشة في كثيرٍ منه - يحصل الظنّ القويّ بوجوب الابتداء بالأعلى، وبه يُقيّد إطلاق الغَسْل المأمور به في الآية والروايات، إن لم نوهن الإطلاق بعوده إلى الإجمال؛ لكثرة وقوع المقيّد له، ولعدم إرادة إطلاقه قطعاً، فيضعف الظنّ بإرادته ولا أقلّ من توهينه بفهم المشهور وفتواهم.

وعلى ما ذكرنا فوجوب الابتداء بالأعلى يراد به الأعلى الحقيقي لا العرفي، فيجب أخذ شيء له من باب المقدّمة؛ للاحتياط الواجب في مقام شغل الذمّة، ولحمل لفظ «الأعلى» و«المرفق» في الأخبار على المعنى الحقيقي دون المسامحات العرفيّة، ولظاهر خبر زرارة؛ حيث ذكر بعد غَسْل الأعلى غَسْل الجانبين ثمّ غَسْل اليد اليمنى(7)، ولو لم يكن حقيقيّاً لعاد إلى المتروك.

نعم، لا يجب غَسْل أعلى الأعلى بل يتخيّر في الابتداء من أيّ أعلى كان، وإذا ابتدأ بالأعلى ابتداءً عرفيّاً - لا مجرّد الابتداء ولو كان بمقدار شعرة واحدة - جاز غَسْل العضو إلى الأسفل


1) راجع الهامش (7) من ص 196.

2) منتهى المطلب 36:2

3) وسائل الشيعة 1: 398 - 399، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 22.

4) المصدر : 496، الباب 20 من أبواب الوضوء، ح 1.

5) المصدر: 407، ح 3.

6) المصدر: 438 الباب 31 من أبواب الوضوء، ح 11.

7) المصدر: 392، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 10.

ثمّ العود إلى بعض الأعلى المتروك، وجاز غَسْل كلّ أسفل قبل أعلاه مسامتاً له أو غير مسامت في جانبٍ واحد أو جانبين، كلّ ذلك لحصول الامتثال بإطلاق الأوامر مع عدم الشكّ المعتبر فيها، ولخلوّ الأخبار عن بيان ذلك مع توفّر الدواعي على نقله، ولعدم تعرّض الأصحاب لوجوب الترتيب في العلوّ، وخلوّ كلماتهم عنه، وللسيرة القاضية بالخلاف، ولنفي العسر والحرج اللازمين من ترتيب الأعلى فالأعلى، ولصحيح زرارة: «أنّه وضع اليسرى في الماء فأسدلها على اليمنى ثم مسح جوانبها»(1)، ولما دلّ على أنّ الرجال يبدأون بظاهر الذراع، والنساء بباطنه(2)، ومن البعيد استيعاب الظاهر والباطن، ولما ورد من الاكتفاء بثلاث غرفات(3)، ولو وجب ترتيب الأعلى فالأعلى لاستوعب ماؤها من أوّل العمل.

نعم، لا بأس بالاحتياط في شأن المسامت؛ لظهور بعض الأخبار في الإجراء من فوق إلى اللحية (4)في مقام البيان، ولإمكان وقوعه، وإمكان دعوى فعل الأئمّة(عليهم السلام)، ولإشعار بعض عبائر الفقهاء به (5).

ولو لم يمكن الأعلى الحقيقي وجب الأعلى الإضافي للاحتياط، ولقوله(عليه السلام): «لا يترك الميسور بالمعسور»(6)ولأنّ ما شكّ في شرطيّته شرط، ولأنّه أقرب المجازات إلى الحقيقة إن جعلنا أسماء العبادات أسماء للاختياريّ منها وحكمنا بعموم الخطاب لسائر الأحوال.

وهل الواجب الابتداء بالأعلى أو عدم الابتداء بالأسفل، وعليه فلو غسل الأعلى مع الأسفل صحّ؟ وجهان، أقواهما: الأخير، وأحوطهما: الأوّل.

وذهب المرتضى(رحمۀ الله علیه)إلى عدم وجوب الابتداء بالأعلى(7)، أخذاً بالإطلاق المبيّن لإجمال الوضوء، ولأنّ فعل النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم) لا يجب به التأسّي مع عدم العلم بوجهه من الوجوب والندب، مع احتمال كون فعله أفضل الفردين أو أقربهما إلى العادة أو من الجبلّيّات الاتفاقيّة، أو من أحد الأفراد للكلّيّ المأمور به.


1) تقدّم تخريجه في ص 197، الهامش (7).

2) وسائل الشيعة 1: 466 - 467، الباب 40 من أبواب الوضوء، ح 1 و 2.

3) المصدر: 387 - 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2.

4) المصدر: 387 - 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2.

5) لاحظ مدارك الأحكام 201:1.

6) عوالى اللآلي 4: 058 ح 205

7) الانتصار: 99، المسألة 9

وفي الجميع نظر ؛ لضعف الإطلاق عن الأخذ بإطلاقه، بل يعود مجملاً لما ذكرناه، ولأنّ استمرار النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) على فعل شيء ينفي كونه من العاديّات أو الاتفاقيّات، ولوقوعه في مقام البيان للواجب يجب التأسّي به وإلّا لزم الإغراء بالجهل، ولأنّ ورود: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلّا به»(1)مع فتوى المشهور ممّا ينفي الندب، وصدور إمرار اليد منهم (2)لو لم ينعقد الإجماع على استحبابه ويرد النصّ الصحيح على إجزاء الوضوء بماء المطر بمجرّد تساقطه(3)لأوجبناه، كالابتداء بالأعلى.

رابعها: حکم مقطوع اليد من دون المرفق أو من فوقها

لو قطعت اليد من دون المرفق وجب غسل ما بقي من محلّ الفرض كلّه؛ للإجماع المنقول(4)بل المحصّل، وللاحتياط، ولتعلّق الأمر به قبل القطع فيستصحب، والموضوع لم يتبدّل؛ لأنّ المجموعيّة ليست شرطاً في الأمر بالكلّ، ولأنّ الأمر بالكلّ أمر بالأجزاء ضمناً أصالةً لا تبعاً، كالأمر بالجمع والأمر بالمعدود، فلا يسقط الأمر الثاني بسقوط الأمر الأوّل ما لم يفهم شرط الاجتماع.

وما ورد في صحاح الأخبار أنّ مقطوع اليد والرِّجْل والأقطع يغسل ما قطع منه أو المكان الذي قطع منه(5)، يراد به أنّه يغسل ذلك فما فوقه إلى محلّ الفرض، ومثله في التعبير غير عزيزٍ، على أنّ ما ذكرناه مبيّن له. ويؤيّد ذلك أنّ في حسنة ابن مسلم في الأقطع اليد والرِّجْل: «يغسلهما»(6).

ولو قطعت من فوق المرفق، لم يجب غَسْله إجماعاً.

نعم، لا يبعد ندبه؛ لفتوى بعض الفقهاء(7)بذلك، ولإطلاق الأخبار السابقة بحملها على مطلق الطلب، فيجب في مقام الوجوب ويندب في مقام الندب. ولكنّ الأظهر تقديم التخصيص بحمله على القطع ممّا دون المرفق على المجاز، وهو استعمال اللفظ في المجازي الشامل للوجوب والندب.


1) تقدّم تخريجه في ص 197، الهامش (6).

2) وسائل الشيعة 1: 387 - 388 الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2.

3) المصدر: 454، الباب 36 من أبواب الوضوء، ح 1.

4) كشف اللثام 1: 535.

5) وسائل الشيعة 1: 479 - 480، الباب 49 من أبواب الوضوء، ح 1 و 4.

6) المصدر: 480، ح 3.

7) مثل العلامة الحلّي في منتهى المطلب 2: 37 - 38؛ والشهيد في ذكرى الشيعة 1: 133 - 134.

وإن قطعت من المرفق نفسه، وجب غَسْل ما بقى من عضده، كما هو منطوق صحيحة علي بن جعفر(1)، سواء كان المرفق بنفسه مقطوعاً أو كان القطع تحته، بناء على خروج البداءة، كما هو الظاهر هنا من تعلّق القطع به.

نعم، لو كانت البداءة داخلةً في القطع ، كان حكم الرواية حكم الروايات الآمرة بغَسْل ما فوق المرفق بإطلاقها، فتُحمل على الندب؛ للاتّفاق على ذلك.

وفهم المشهور يؤيّد إرادة القطع منه نفسه أو ممّا تحته، فتأمّل.

والمراد به رأسه المتّصل بالذراع الذي كان يغسل سابقاً؛ لأنّ المرفق إمّا مجموع طرفي العظمين المتلاصقين أو المتداخلين أو الخطّ الوصلي ما بينهما، وهو لا يتحقّق غسله إلّا بغسل جزء من كلٍّ من الطرفين المتلاصقين، فإذا لم يمكن غَسْل كلٍّ منهما وجب غسل ما يتيسّر.

والقول بعدم وجوب غَسْل الباقي من طرف العضد على القول بأنّ المرفق هو الخطّ المحيط والموصل بين الذراع والعضد؛ لأنّه عند انفصاله يرتفع الوصل فيرتفع ذلك الخطّ فلا يجب غَسْل شيء لتحصيله، مردود: بأنّ ارتفاع الوصل لا يستلزم ارتفاع الحكم الذي كان متعلّقاً بغيره حال وجوده، فيستصحب الحكم الأوّل بالنسبة إلى ما بقي من العضد.

نعم، هل يجب غَسْل سطح عظم العضد؛ لأنّ الوصل بينه وبين سطح عظم الذراع به، أو يكفي غسل الخّط الدائر؛ لأنّه هو المأمور بغسله حال الاتّصال دون السطوح المتلاقية؟

والأظهر: وجوب غَسْل السطح؛ للاحتياط، ولقيامه مقام المأمور به كما لو ظهر الباطن.

وذهب بعضٌ (2)إلى عدم وجوب غَسْل ما بقي؛ لفوات الأمر بفوات المأمور به، وفوات حكم الجزء بفوات حكم الكلّ، ولبطلان الاستصحاب بتبدّل الموضوع، ولظهور رواية (3)عليّ بن جعفر في وجوب غسل العضد كملاً ولا قائل به، فتُحمل على الندب، وحمله على طرف العضد مجاز، وليس بأولى من التجوّز بإرادة الندب.

والكلّ ضعيف كما تقدّم.


1) وسائل الشيعة 1: 479 الباب 49 من أبواب الوضوء، ح 2.

2) راجع منتهى المطلب 2: 37.

3) راجع الهامش (1).

خامسها: وجوب غسل كلّ ما نبت على اليد من تحت المرفق

كلّ ما نبت على اليد من تحت المرفق-من لحم أو إصبع أو غدد أو نحوها - وجب غسله؛ لصيرورته جزء يد، ولقيامه مقام منبته، وللاحتياط الواجب في مقام شغل الذمة.

وما نبت فوق المرفق لا يجب غسله، إلّا إذا كانت يداً مشتبهةً بالأصليّة، فإنّه يجب غسلها؛ للاحتياط الواجب من باب المقدّمة، لأنّ تركهما يؤدّي إلى ترك غسل اليد، وغَسْل أحدهما معيّناً ترجيح من غير مرجّحٍ.

وإن عُلمت زيادتها على الأصليّة بالقرائن الخلقيّة أو الضعف والقوّة ونحو ذلك، لم يجب غسلها؛ لانصراف الأوامر بالغسل للمعهود من اليد.

والأحوط غسلها؛ لشبهة دخولها تحت عموم وأيديكم(1)بناءً على فهم العموم من الجمع المضاف دون العهد.

و فصّل بعضهم (2)في الزائدة بين ما يكون لها مرفق فيجب غسلها؛ لما ذكرناه، وبين ما لا يكون لها كذلك فلا يجب قطعاً؛ لأنّ وجوب غسل اليد إلى المرافق، وحيث لا مرفق لا يجب الغسل.

وأُورد عليه: بالتزام عدم وجوب غسل اليد الواحدة إذا لم يكن مرفق، وهو خلاف الإجماع.

وأجيب بالتزام ذلك إن لم يقم الإجماع على خلافه.

والحقّ: الفرق بين خلوّ الواحدة عن المرفق، وبين خلوّ الثانية؛ لأنّ خلوّ الواحدة لا يقضى بنفي غسلها المأمور به؛ لأنّ المغيّى ليس كالموصوف ينتفي الحكم عند انتفاء وصفه.

نعم، يشكل في قدر المغسول منه، فهل هو الكلّ أو القدر المتعارف المحدود بالمرفق؟ والظاهر الثاني.

وأمّا خلوّ الثانية عنه فيقضي بعدم وجوب غسلها؛ لحصول الغسل لليد إلى المرافق في الأُولى وصدق الامتثال، إلّا إذا اشتبهت بالأصليّة لو جوّزنا وقوع ذلك فيجب غسلها.

سادسها: حکم غسل الشعر مع البشرۀ وتخلیل الشعر وإن کثف

الأظهر وجوب تخليل شعر اليد وإن كثف لإيصال الماء للبشرة؛ لتوقّف الامتثال عليه، ولعدم دليلٍ على قيام الشعر مقام البشرة وللاحتياط الواجب.

وما جاء من عدم طلب ما تحت الشعر(3)، ومن الأمر بغسل ما ظهر(4)مراد به شعر الوجه؛


1) المائدة (5): 6

2) العاملي في مدارك الأحكام 206:1 - 207.

3) وسائل الشيعة 1: 476، الباب 46 من أبواب الوضوء، ح 3.

4) المصدر: 431، الباب 29 من أبواب الوضوء، ح 6.

لفهم الفقهاء ذلك، ولأنّه هو الفرد الظاهر الذي له تحت وفوق وهو المعهود ذكراً وذهناً.

ومع ذلك ففي الاكتفاء به قوّة؛ لعموم الرواية (1)على إيرادها مستقلّة، ودليل اليسر(2)، والرواية الآمرة بغسل الظاهر(3).

وهل يجب غَسْل الشعر مع البشرة؛ لأنّه جزء من اليد، وللاحتياط، ولقيامه مقام منبته، ولظاهر نفي الخلاف عن بعضهم(4)، أو لا يجب؛ للأصل، ولظهور اختصاص لفظة اليد في البشرة؟ وجهان، أحوطهما: الأوّل.

ويمكن القول بوجوب غسل ما حول المنبت من أُصول الشعر؛ لقيامه مقام المنبت، دون ما زاد؛ جمعاً بين القولين والدليلين.

سابعها: لا يجب غَسْل ما تحت الأظفار

لا يجب غَسْل ما تحت الأظفار، فلا تجب إزالة الوسخ عنها؛ لأنّها من البواطن ما لم يتجاوز إلى الأنملة - وهو السطح الظاهر-منها عرفاً فتجب إزالته؛ لوجوب غَسْل الظاهر - وخلوّ الروايات عن وجوب غَسْل ما تحتها مع توفّر الدواعي لنقله وبيانه لو كان، والسيرة القاطعة من أغلب الناس على عدم إزالة وسخهنّ وعدم إدخال الماء تحتهنّ.

وما ورد من عدم إزالة وسخ أظفار الميّت عند تغسيله(5)، وعدم الأمر بقصّ الأظفار في التيمّم وفي المسح - وهُما متعلّقان بظاهر اليد - أقوى شاهدٍ على عدم وجوب غسله.

ويمكن الفرق بين ما ستره الوسخ فلا يجب غسله ويقوم غسل الوسخ مقامه، وبين ما لا يستره فيجب إيصال الماء إليه.

ولكنّه بعيد، ولا يخلو من نوع احتياطٍ.

والظاهر أنّ مَنْ أوجب الإزالة أراد ما إذا ستر الوسخ الظاهر أو المشكوك فيه، ومَنْ يوجب أراد ما إذا ستر الباطن عرفاً، والمستور غالباً.

وأمّا نفس الأظفر لو زاد على المعتاد فالأظهر وجوب غسله؛ لشمول اسم اليد له، ولقيامه مقام حدّه المتعارف الوصول إليه. وكذا الشعر بناءً على وجوب غسله.


1) تقدّم تخريجه في ص 201، الهامش (3).

2) البقرة (2) 185 صحيح البخاري :1: 38، ح 69: صحيح مسلم :3: 1359، ح 1734 السنن الكبرى، النسائي 3: 449 ، ح 5890.

3) تقدم تخريجه في الهامش (4) من ص 201.

4) لم نتحقّقه، وادّعى المحقّق الكركي الإجماع على ذلك في جامع المقاصد 1: 278.

5) وسائل الشيعة 2 481 - 483 ، الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 5.

واحتمال الاكتفاء بغسل القدر المعتاد منه بعيد كاحتمال وجوب قصّه إذا طال لمنعه من غسل الحدّ المتعارف من حافّته لا مستند لهما قويّ.

ثامنها: لا يجب غَسفل الباطن إلّا إذا ظهر، وكذا الظاهر إذا بطن

لا يجب غَسفل الباطن إلّا إذا ظهر، وكذا الظاهر إذا بطن

وإذا جرحت اليد فإن رؤي شقّ الجرح ظاهراً وجب إيصال الماء إليه، وإلّا كفى غسل الحافّتين على الأظهر. والاحتياط لا يخفى.

والجلدة المكشوطة يجب غسلها مع المحلّ المكشوط منه إذا لم توضع على ما كشطت منه، وإلّا كفى غسلها بعد وضعها.

والاحتياط لا يخفى سيّما فيما لا يرجى التحامها.

هذا إن انكشطت من محلّ الفرض، وإن انكشطت من أعلاه حتى نزلت إلى محلّ الفرض فالأظهر وجوب غَسْل ما دخل في محلّ الفرض دون ما خرج، وغَسْل موضعها، وقد يحتاط بغسلها كلّها.

تاسعها: يجزئ الغسل للمغسول على أيّ نحوٍ

يجزئ الغسل للمغسول على أيّ نحوٍ وقع، بذلك أو بغيره، بإمرار يدٍ أو بغيره، وبصبٍّ أو بغيره من رمسٍ في قليلٍ أو كثيرٍ، سواء نوى الغسل بالإدخال أو الإخراج أو الكون أو التحريك أو الجريان.

ويجب أن لا ينوي الأسفل إذا نوى الغَسْل بالكون حال رمسه، بل الأحوط أن ينوي الأعلى.

ويجوز الغَسْل نازلاً من أعلى إلى أسفل ومن مساوٍ إلى مساوٍ، ولا يجوز منكوساً من أسفل إلى أعلى؛ لمخالفته المعهود، وللزوم الاحتياط في مثله، ولإشعار ما دلّ على لزوم الابتداء بالأعلى(1)والغَسْل على الكيفيّة المعهودة والوضوءات البيانيّة(2)به.

الرابع - من فروض الوضوء : مسح الرأس ببلة الوضوء
اشارة

كما دلّ عليه الكتاب (3)والسنّة(4)والإجماع.


1) وسائل الشيعة 1: 405 - 406، الباب 19 من أبواب الوضوء، ح 1.

2) المصدر: 387 - 393، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2، 4، 7،6، 9 - 11.

3) المائدة (5): 6

4) وسائل الشيعة 1 : 387 - 395 و 397 و 399 - 400 ، الباب 15 من أبواب الوضوء ، ح 1، 3، 4، 11، 13 - 15، 18، 19، 23 - 26

وفيه أُمور:
أحدها: يختصّ المسح بمقدّم الرأس

يختصّ المسح بمقدّم الرأس؛ للإجماع، والأخبار الصحيحة الدالّة على الأمر بمسح المقدّم(1)، وهي متكثّرة معتبرة ، وبهما يقيّد إطلاق الكتاب والسنّة.

وما ورد من جواز المسح على المؤخّر وعلى الخلف(2)مطروح، أو محمول على التقيّة.

والمقدّم هو ما بين أعلى الوجه وأعلى الرأس، وهي النقطة التي تنتهي إليها الخطوط الخارجة من الجوانب الأربعة من الرأس، فالمقدّم هو ما قابل المؤخّر. وقد يعبّر عنه في الأخبار(3)وكلام الأصحاب بالناصية، إمّا لأنّ الناصية حقيقة في ذلك، كما قيل(4)، وإما لأنّها مجاز مشهور؛ لعلاقة المجاورة، وإلّا فهي قدر من المقدّم، وهو ما بين النزعتين، كما في المصباح المنير(5)، أو قصاص الشعر، كما في غيره(6).

ولا يصلح ما جاء من الأمر بمسح الناصية(7)أن يكون مقيّداً للكتاب والسنّة وفتاوى الأصحاب والإجماعات المنقولة(8)في الباب؛ لضعفه عن التقييد، فحمله على التجوّز- لو قصرنا معنى الناصية على ما بين النزعتين - أولى.

وبهذا يظهر ضعف ما ذهب إليه بعضهم: من وجوب الاقتصار على مسح ما بين النزعتين(9)لهذه الأخبار، ولأنّ المقدّم هو أوّل الرأس وأوّل ما يتقدّمه، ولأنّ المقدّم هو الناصية كما عن صاحب القاموس(10)، ونقل على ذلك الإجماع(11).

وذلك لمنع جواز التقييد بأخبار الناصية؛ لضعفها عن المقاومة، ومنع اختصاص معنى


1) وسائل الشيعة 1: 410 - 411، الباب 22 من أبواب الوضوء، ح 1 - 3.

2) المصدر: 411 ح 5.

3) المصدر : 387 - 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2 و 436، الباب 31 من تلك الأبواب، ح 2.

4) قاله الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 103:1.

5) ورد في المصباح المنير : 609 ، تفسير الناصية بقصاص الشعر، «ن ص و».

6) القاموس المحيط 4: 398، «ن ص و».

7) راجع الهامش (3).

8) الخلاف 1: 83 المسألة 32 تذكرة الفقهاء 1: 161 ؛ كشف اللثام 1 542؛ رياض المسائل 1: 129.

9) حكاه البحراني عن شيخه في الحدائق الناضرة 2: 254 و 260.

10) القاموس المحيط 4: 163، «ق دم».

11) كما في الحدائق الناضرة 2: 254.

المقدّم بما ذُكر، ومنع الإجماع في معارضة ما هو أقوى منه من الإجماع المنقول(1). قيل: بل و محصّله، ولأنّ قولهم باستحباب مسح ثلاث أصابع من القدر الممسوح ظاهر في توسعته وأنّه أزيد من ذلك، ولأنّ كلام أكثر أهل اللغة والعرف ظاهر في أنّ الناصية إمّا مقدّم الرأس أو قصاص الشعر ممّا حاذى الجبهة، وكلاهما غير ما بين النزعتين الذي بني على أنّه محلّ للمسح، فبانَ وجه ضعفه.

نعم، لا يبعد كون الأخذ به موافقاً للاحتياط.

ثانيها: المسح إمرار الماسح على الممسوح وجرّه عليه

المسح إمرار الماسح على الممسوح وجرّه عليه، ولو مرّكلٌّ منهما على الآخَر تماسحاً، والماسح بها هنا اليد، والماء ممسوح به، أو نفس الماء على وجهٍ. وعلى كلّ حال فالمسح مباين للغَسْل إطلاقاً ومصداقاً وإن اجتمعا في أمرٍ واحد، فالمسح إمرار الماء بآلةٍ على جسمٍ آخَر، والغَسْل إجراؤه، فقد يجتمعان، إذا حصل الإمرار والإجراء، وقد يرتفعان كما في الإصابة فقط، وقد ينفرد الغَسْل في الإجراء مع عدم مباشرة اليد، وقد ينفرد المسح بالإمرار مع الرطوبة الجزئيّة بدون جريان.

ويدّل على تباينهما نقل الاتّفاق(2)على عدم جواز غَسْل الممسوح، وعلى أنّ المسح لا يدخل في معنى الغَسْل من غير خلافٍ، وكذا ما دلّ على وجوب الغَسْل في مقامٍ، والمسح في آخَر(3)والتفصيل قاطع للشركة.

ويحتمل القول بأنّ بينهما عموماً من وجه، يتصادقان في فردٍ واحد، وهو ما اجتمع فيه الإجراء والإمرار، وهو قويّ، ويكون الفارق بينهما عند التصادق النيّة.

ويحتمل أنّ بينهما عموماً مطلقاً، والعموم في جانب الغَسْل فينفرد بالإجراء، فإنّه لا يُسمّى مسحاً، ويجتمع مع المسح بالإمرار ولو دهناً؛ لأنّ الغَسْل لايُشترط فيه الجريان، أو بالإمرار مع الجريان الخفيف، فإنّه يُسمّى مسحاً وغَسْلاً.

والحقّ: أنّ المسح إن تعلّق باليد وكان الماء آلةٌ كان المسح والغَسْل متباينين، ويجوز اجتماعهما


1) راجع الهامش (8) من ص 204.

2) منتهى المطلب 54:2

3) وسائل الشيعة 1: 412 الباب 23 من أبواب الوضوء، و 418، الباب 25 من تلك الأبواب.

في مكانٍ واحد، كما إذا حصل إمرار يدٍ مع إجراء ماءٍ دفعةً، ولا يجوز اتّحادهما بموضوعٍ واحد؛ للتباين، ويجوز افتراق الغَسْل في إجراء الماء من دون إمرار اليد، وافتراق المسح بإمرار اليد مع بلّةٍ لا يحصل فيها إجراء أو يحصل فيها إجراء خفيف لو قلنا بعدم تسميته غَسْلاً، ويجوز ارتفاعهما في مثل الإصابة من دون إجراء وإمرار.

وإن تعلّق بالماء كانا متباينين لا يجوز اجتماعهما في محلٍّ واحد؛ لاشتراط الجريان في الغَسْل، وعدمه في المسح.

ويحتمل أن بينهما عموماً من وجه يجتمعان في موضوعٍ واحد، وهو ما كان فيه إجراء خفيف، وهو ما كان من الماء كالدهن مع إمرارٍ.

ويحتمل العموم المطلق إذا لم نشترط الجريان في مسمّى الغَسْل، والعموم في جانب الغَسْل؛ لافتراقه مع الجريان.

ثالثها: حکم مسح الرأس مدبراً

ذهب جمعٌ (1)إلى جواز مسح الرأس مدبراً، و نُقل أنّه المشهور(2)وأنّ غيره شاذّ.

واستدلّ عليه بالصحيح : « لا بأس بمسح الوضوء مقبلاً ومدبراً »(3)وبإطلاقات الأمر بالمسح كتاباً (4)وسنّةً(5)، وبإطلاقات الأمر بمسح الرأس(6)أيضاً كذلك، وبإطلاقات حكايات الوضوءات البيانيّة(7).

وذهب جمعٌ (8)إلى المنع ، ونُسب للمشهور(9)، ونُقل عليه الإجماع(10)، وهو الموافق للاحتياط والمتيقّن من فعل النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)والأئمّة(عليهم السلام)،والمعلوم من السيرة، مع إمكان الطعن في الصحيح


1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 21؛ والمحقّق الحلّي في المعتبر 1 145؛ والعلّامة الحلّي في منتهى المطلب 2: 75.

2) الحدائق الناضرة :2 279 ریاض المسائل 134:1.

3) وسائل الشيعة 406:1، الباب 20 من أبواب الوضوء، ح 1

4) المائدة (5): 6

5) راجع الهامش (4) من ص 203

6) وسائل الشيعة 1: 410 - 411، الباب 22 من أبواب الوضوء، ح 1 - 3.

7) راجع الهامش (2) من ص203.

8) منهم: الصدوق في الفقيه 1 45 ذيل الحديث :88؛ والمفيد في المقنعة: 44 والطوسي في النهاية: 14؛ والخلاف 1: 83، المسألة 31

9) الدروس الشرعيّة 1: 92

10) الخلاف 1: 83، المسألة 31

الأوّل: بحمله على الرِّجْلين؛ لورودهما بدل «الوضوء» في صحيحٍ آخَر(1)، والمطلق محمول على المقيّد، وفي الإطلاقات اللفظيّة :بأنّها في الاستدلال بها على خصوص الكيفيّات من المجملات؛ للإجماع على عدم إرادة الإطلاق وعدم وفاء البيان في المراد، وفي الإطلاقات الفعليّة: بأنّ المحكيّ لا إطلاق فيه، والحكاية لا يفيد إطلاقها؛ لأنّها من حكايات الأفعال، فالقول الثاني أقوى، كما أنّ الأوّل في مسح الرِّجْلين أقوى.

ويجوز المسح عرضاً من غير إشكالٍ، وحكمه حكم المسح نزولاً.

رابعها: يجزئ المسح على البشرة وعلى الشعر النابت على مقدّم الرأس ما لم يخرج بمدّه عن حدّه.

ويدلّ عليه فتوى الأصحاب والإجماعات المنقولة(2)في الباب، والسيرة القطعيّة، ونفي الحرج، وإطلاق المسح على الناصية والمقدّم وشبه ذلك.

نعم، لو كان على المقدّم شعر لا يختصّ به قد تدلّى عليه من خارجٍ، كان بمنزلة الحاجب من حِنّاء ونحوها، وهو متّفق على منعه، والأدلّة ظاهرة بذلك أيضاً.

وما ورد في صحاح الأخبار من جواز المسح على الحِنّاء(3)متروك؛ لمعارضة الإجماع وجميع عمومات الأدلّة، أو محمول على إرادة اللون من الحِنّاء أو الخفيف الغير مانع من صدق المسح، أو غير المستغرق، أو على الضرورة، أو على التقيّة.

وبالجملة، فالمسح على الحائل لا إشكال في منعه، وإن وصلت منه رطوبة للممسوح لا يصدق عليها المسح.

والشعر الخارج عن منابت المقدّم من الحائل؛ لعموم الأدلّة وظاهر الإجماعات المنقولة(4).

ولا يجزئ مسح شعر المقدّم إذا استرسل إلى غير محلّه، وكذا لو امتدّ.

ولو ردّ شعر المقدّم إلى فوقٍ فمسح على باطن الشعر ، فالأقوى الصحّة، والاحتياط غير خفيّ.


1) وسائل الشيعة 406:1 - 407، الباب 20 من أبواب الوضوء، ح 2.

2) منها ما في تذكرة الفقهاء 1: 163 المسألة 48؛ ومدارك الأحكام 1: 215.

3) وسائل الشيعة 455:1 - 456. الباب 37 من أبواب الوضوء، ح 3 و 4.

4) راجع الهامش (2).

والشعر المعمول ظفائر والمجتمع والمعقّد منه والمفتول يصحّ المسح عليه، والأحوط إسداله.

ولو ركب شعر المقدّم بعضٌ على بعضٍ، فالأقوى عدم لزوم تسريحه وإرجاع كلٍّ إلى محلّه، والاحتياط غير خفيّ.

خامسها: يجب مسح الرأس بالكفّ

يجب مسح الرأس بالكفّ؛ للاحتياط، ولتبادره من الأوامر بالمسح، ولأنّه المعهود خلفاً وسلفاً، ولأنّه الواقع في وضوءات الأئمة(عليهم السلام)(1)في مقام البيان فيجب اتّباعه، ولأنه الواقع في الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلّا به(2)، وللروايات المتضمّنة لإدخال الإصبع تحت العمامة(3). ولكون المطلقات مجملةً أو كالمجملة.

والأحوط تعيين نفس الباطن؛ لما قلناه، ولولا ظهور الإجماع المنقول(4)، وفتوى جمعٍ(5)من الفحول بعدم وجوبه، لكان القول بوجوبه متعيّناً.

والأقوى عدم تعيين كونه بالأصابع، كما هو الظاهر من فتاوى الفقهاء.

ومَنْ لم يتمكّن من الكفّ مسح بالذراع؛ للاحتياط ولعموم «لا يسقط»(6)و «ما لا يدرك»(7)ولكونه أقرب المجازات، بناءً على شمول الخطابات لجميع المكلّفين على جميع الأحوال، فإنّه لمّا لم يمكن للعاجز المسح بالكفّ والمفروض تعلّق الخطاب به حُمل على أقرب المجازات.

ويشترط أن لا يكون على الماسح حائل يحول عن مباشرة البشرة؛ للإجماع، وظاهر الخطاب.

سادسها : يجزئ في المسح المسمّى من إمرار الماسح على الممسوح ولو بجزءٍ من الماسح

يجزئ في المسح المسمّى من إمرار الماسح على الممسوح ولو بجزءٍ من الماسح- إصبع أو أقلّ أو أكثر- على جزءٍ من الممسوح قدر عرض ثلاثة أصابع أو إصبع أو أقلّ من ذلك، فلا بأس بمسح ما دون الإصبع على دون الإصبع عرضاً وطولاً، وعلى ما فوق الإصبع إلى ثلاثة أصابع عرضاً فقط أو طولاً فقط أو عرضاً وطولاً، وبما فوق الإصبع إلى ثلاثة أصابع على ما دون الثلاثة عرضاً فقط، أو على ما دون الثلاثة طولاً فقط.


1) راجع الهامش ( 2 ) من ص203.

2) وسائل الشيعة 1: 438، الباب 31 من أبواب الوضوء، ح 11.

3) المصدر: 411، الباب 22 من أبواب الوضوء، ج 3، و 416 ، الباب 24 من تلك الأبواب، ح 2.

4) غنية النزوع 56:1

5) منهم : الشهيد في ذكرى الشيعة 2 : 141.

6) مصابيح الظلام 3: 487 عوالي اللآلي 4: ،58 ح 205 بتفاوتٍ يسيرٍ.

7) عوالي اللآلي 4: 58، ح 207.

ويصحّ وضع طول الماسح على طول الممسوح، وعرضه على عرضه، وطوله على عرضه، وعرضه على طوله وجميع هذه الصور لا بأس بها على الأقوى، عملاً بإطلاقات الكتاب(1)والسنّة(2)الرافع لإجمالها فتوى المشهور، والإجماعات المنقولة(3)على الاكتفاء بإصبع واحدة، فإنّها ظاهرة في إرادة الاكتفاء بذلك في الماسح والممسوح وفي أنّ الإصبع مثال لتحصيل المسمّى، والروايات الدالّة على الاكتفاء بقدر ما يدخل الإصبع على الاكتفاء بقدر ما يدخل الإصبع تحت العمامة لمن اعتمّ(4)، والإجماعات المنقولة على كفاية المسمّى(5)، وظهور الباء في التبعيض بنفسها أو باعتبار تركيبها يقضي بذلك، وورود الرواية بالنصّ على كون الباء للتبعيض(6)يعطي ذلك، وإنكار سيبويه مجيئها للتبعيض(7)لا يُسمع في مقابلة ناقلي الإثبات -وهُم جمعٌ (8)- والرواية الدالّة على كونها للتبعيض ولو مجازاً، فبمجموع ما ذكرنا يحصل للفقيه ظنٌّ بإطلاقات الأدلّة والاجتزاء بالمسمّى.

وذهب جمعٌ من فقهائنا(9)إلى وجوب مسح قدر ثلاث أصابع مضمومة، والظاهر أنّه ولو كان بإصبع واحدة؛ استناداً لرواية زرارة: «المرأة يجزئها من مسح الرأس أن تمسح مقدّمه قدر ثلاث أصابع»(10)وهي معتبرة معمول بها، ولا قائل بالفرق بين الرجل والمرأة، ورواية معمّر بن عمر، وفيها: «وكذلك الرجل»(11).

وفيه: أنّ هذه الروايات لا تقوى على الأدلّة المتقدّمة والإطلاقات المحكّمة القويّة بفتوى المشهور والإجماع المنقول، فاللازم إمّا طرحها أو حملها على الندب.


1) المائدة (5): 6

2) راجع الهامش (6) من ص 206.

3) منها ما في الخلاف 1: 81 82 المسألة 29؛ وغنية النزوع 1: 55.

4) راجع الهامش (3) من ص 208.

5) التبيان :3 451 مجمع البيان 3 - 4: 164؛ فقه القرآن 17:1.

6) وسائل الشيعة 1: 412 - 413، الباب 23 من أبواب الوضوء، ح 1.

7) راجع: الكتاب 4: 217.

8) حكاه عنهم ابن هشام في مغني اللبيب 1: 142.

9) منهم: الصدوق في الفقيه 1: 45 ، ذيل الحديث 88؛ والطوسي في النهاية : 14؛ وحكاه المحقّق الحلي في المعتبر 1: 145 عن السيّد المرتضى في مسائل الخلاف

10) وسائل الشيعة 1: 416 - 417، الباب 24 من أبواب الوضوء، ح 3.

11) المصدر: 417 - 0418 ح 5

ويظهر من جمعٍ آخَر من أصحابنا(1)الميل إلى وجوب مسح قدر إصبع، ويراد به عرضه كما هو المتبادر من هذا التقدير.

واستدلّوا على ذلك بخبر حمّاد في مَنْ يتوضّأ وعليه العمامة: «يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدّم رأسه»(2)ونحوه غيره(3).

وفيه ما قدّمنا من ضعف معارضتها لما قدّمناه من الأدلّة، مع ضعف دلالتها؛ لأنّ المسح بالإصبع يتحقّق مع المسح بالمسمّى، ومع المسح بقدر ثلاث، والعامّ لا يدلّ على الخاصّ.

مع أنّ جملة من القائلين بوجوب الإصبع أرادوا به الاجتزاء بمسحه ولو بحصول المسمّى، لابيان القدر، كما صرّحوا به، فحمل كلام المطلقين على ذلك - إلّا قليل ممّن صرّح بالخلاف- غير بعيدٍ.

وبهذا ظهر أيضاً قلّة القائل بهذا، كما ظهر ضعف دليله.

والظاهر أنّ المشترطين لقدر الثلاث يريدون القدر في العرض إذا وضعت الأصابع على طول الرأس وانجرّت إلى الأسفل بطولها، ويكتفون بالطول بالمسمىّ، ولا يجزئ على الظاهر عندهم وضع الثلاث وجرّها عرضاً برؤوس الأصابع إلى الأسفل.

نعم، لو وضع قدر الثلاث وجرّها عرضاً على عرض الرأس أو طولاً على عرض الرأس، أجزأ على الظاهر عندهم.

ويمكن تنزيل رواية الإصبع على رواية الثلاث بإرادة طول الإصبع في عرض الرأس، وهو مقارب لعرض الثلاثة في طولٍ، ولكنّه بعيد.

وعلى القول بكفاية المسمّى ينوي الوجوب إن فعل المسمّى لا غير.

ولو فعل الزائد فإن نوى أنّ المجموع امتثال للأمر وأوقعه دفعةً، نوى الوجوب، ولا بأس به، وجواز الترك إلى بدلٍ لا ينافي الوجوب؛ لأنّ الفرد الأقلّ بدل عن الفرد الأكمل، وعدم وجود البدل عن الزائد لا يضرّ بعد كون المجموع فرداً كاملاً للواجب.

وإن نوى أنّ البعض امتثال للواجب والباقي امتثال للأمر الندبي، نوى الوجوب والندب معاً.


1) منهم: المفيد في المقنعة: 48 والسيّد المرتضى في جُمل العلم والعمل: 53؛ والطوسي في الخلاف 1: 81 - 82، المسألة 29.

2) وسائل الشيعة 1: 416، الباب 24 من أبواب الوضوء، ح 1.

3) المصدر، ح 2.

وإن أوقع الزائد تدريجاً، نوى فيه الندب؛ إذ لا معنى للامتثال عقيب الامتثال، مع احتمال جواز نيّة الوجوب فيه؛ لكونه فرداً للطبيعة المطلوبة.

وهل له أن ينوي المندوب أوّلاً ثمّ يأتي بالواجب؟ الظاهر ذلك.

ولا يبعد القول بعدم جوازه؛ لأنّ هذا المندوب مترتّب على فعل الواجب، فلا يقع قبله.

ولو نوى بالمسح على مجموع الرأس الامتثال، بطل مسحه. وإن نوى التوزيع، صحّ في الربع المتقدّم. ولو أوقع المجموع لغواً ناوياً للبعض، صحّ البعض ولغا الزائد.

سابعها: يشترط في المسح وجود البلّة

يشترط في المسح وجود البلّة، فلا يجزئ مع الجفاف إجماعاً، وكونها من بلّة ماء الوضوء إجماعاً، ولقوله : «وامسح ببلّة يمناك ناصيتك»(1)وظاهرها البلّة المتحقّقة من الوضوء، فلا يجزئ الماء الجديد، وكونها البلّة الباقية على اليد، فلا يجوز أخذ بلّة الوجه واليد مع الاختيار؛ لظاهر الأخبار وللمأثور عن الأئمّة الأطهار، وللاحتياط، وللشكّ في الإطلاقات.

ولا يشترط كون البلّة مؤثّرةً في الممسوح، بل لو لم تؤثّر فلا بأس، مع احتمال وجوبه، والاحتياط يساعده.

ولا يشترط عدم كثرة الماء الحاصل منه جريان على الممسوح؛ لما قدّمنا (2)أنّ المسح والغَسْل يجتمعان في مورد واحد.

نعم، لا بدّ عند اجتماعهما من نيّة المسح فلو نوى الغَسْل بطل، ولو لم يَنْوِ فالظاهر الحمل على المصحّح؛ لانصراف نيّة الإجزاء للصحيح قهراً.

ولو كان على الممسوح رطوبة جزئيّة تستهلك برطوبة الماسح، فلا بأس. ولو انعكس الحال، بطل المسح؛ لكونه بماء جديد.

ولو اجتمع الأمران، احتُمل البطلان؛ لأنّ المركّب من الداخل والخارج خارجٌ، ولصدق المسح بغير ماء الوضوء، وللاحتياط. وهذا أقوى.

واحتُمل الصحّة؛ لصدق الامتثال بالمسح بنداوة الوضوء وللزوم العسر والحرج لولاه؛ لعدم الانفكاك عن العرق غالباً وعن ماء الوضوء في غَسْل الوجه.


1) وسائل الشيعة 1: 387 - 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2.

2) تقدّم في ص 205 - 206

وفي الجميع نظر؛ لمنع صدق الامتثال كما ذكرنا، ومنع لزوم العسر والحرج؛ لإمكان إزالته غالباً، ولو سُلّم فيختصّ الجواز عند عدم طروّهما لا مطلقاً، كما سنذكر في مسألة الجفاف إن شاء الله تعالى.

وأولى بالمنع مسح العضو الثاني بالبلّة المجتمعة من المسح للعضو الأوّل، فإنّها يشكّ في إجزائها؛ لعدم صدق أنّها «بلّة يمينك»(1)و«بلّة وضوئك»(2).

ثامنها: نُسب لابن الجنيد جواز المسح بماء جديد مطلقاً أو مع جفاف اليد أو جميع الأعضاء

نُسب لابن الجنيد جواز المسح بماء جديد مطلقاً (3)، ونسب إليه آخَرون(4)ذلك مع جفاف اليد، وآخَرون (5)مع جفاف جميع الأعضاء؛ استناداً لإطلاق الأمر بالمسح، ولقوله في موثّقة أبي بصير: أمسح بما في يدي من الندى رأسي؟ قال: «لا، بل تضع يدك في الماء»(6)وفي صحيحة ابن خلّاد: يمسح قدميه بفضل رأسه ؟ فقال برأسه: «لا» فقلت: بماء جديد؟ فقال برأسه: «نعم»(7)وفي آخَر: «خُذْ لرأسك ماءً جديداً»(8)وفي حكاية فعل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنّه وضع يده في الإناء فمسح رأسه و رِجْليه (9). وفي آخَر : أنّ المتوضّئ إذا خاض الماء أجزأه ذلك(10).

ويردّه أنّ الإطلاقات مقيّدة بالإجماع المنقول(11)بل المحصّل على عدم جواز المسح بماء جديد مطلقاً إلّا في حال الاضطرار، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وبصحيح زرارة بعد قوله(عليه السلام): «يجزئك من الوضوء ثلاث غرفات»: و«تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، وما بقي من بلّة يمناك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلّة يسراك ظهر قدمك اليسرى»(12).


1) راجع الهامش (1) من ص 211

2) وسائل الشيعة 1: 409، الباب 21 من أبواب الوضوء، ح 8.

3) راجع مختلف الشيعة 1: 128، المسألة 80.

4) منهم: البحراني في الحدائق الناضرة 2: 283.

5) منهم: الشهيد الثاني في روض الجنان 1: 113.

6) وسائل الشيعة 1: 408 - 409، الباب 21 من أبواب الوضوء، ح 4.

7) المصدر: 409. ح 5

8) المصدر، ح 6.

9) صحيح البخاري 1: 82 ح 189

10) وسائل الشيعة 1: 421، الباب 25 من أبواب الوضوء، ح 14.

11) تذكرة الفقهاء 1: 165 ، المسألة 49

12) وسائل الشيعة 1: 387 - 388 الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2.

والظاهر أنّ «وتمسح» عطف على «يجزئك» وهي بمعنى الأمر، ويصحّ عطفها عليها وإن كانت إنشاء وتلك إخبار؛ لاتّحادهما في الصورة، وعطفها على «ثلاث غرفات» يبّعده أقربيّة عطف الفعل على مثله من عطفه على المفرد، أو احتياجه إلى إضمار«أن» وكذا وقوعه معمولاً لـ«يجزئك» ولا معنى لإجزاء مسح البلّة؛ للاتّفاق عليه، بل المتّصف بالإجزاء غيره، وكذا تفريعه على«أنّ الله تعالى وتر يحبّ الوتر» إلّا على وجه أنّ المسحات وتر أيضاً؛ لأنّها ثلاث.

وتضعيف الرواية باشتمالها على الأمر بالمسح باليمنى على الرأس واليمنى، واليسرى على اليسرى، ضعيف؛ لأنّا نلتزمه، أو نقول بوجوب البلّة ورجحان خصوص الماسح.

وبحسنة ابن أُذينة: «ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك»(1).

وبالمكاتبة لابن يقطين: «وامسح مقدّم رأسك وظاهر القدمين من فضل نداوة وضوئك»(2).

وبما جاء من الأمر على ناسي المسح بالأخذ من اللحية إن جفّت اليد، ومن الأشفار والحاجبين إن جفّتا، وإن جفّ الكلّ أعاد الوضوء(3).

وبما جاء من الأخذ من اللحية إن بلّت، وإعادة الوضوء بعد الانصراف إن جفّت(4)، وبغير ذلك ممّا جاء، مؤيّداً بالشهرة والإجماع المنقول(5)وفعل الأئمّة: في مقام البيان، وكذا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، والاحتياط.

وأمّا أخباره فهي غير قابلة للأخبار المعتبرة المشتهرة، ضعيفة بإعراض الأصحاب عنها وموافقتها للعامّة، واشتمالها على الأمر بالمسح بماء جديد ولا يقوله أحد، وتخصيصها بحال الجفاف-كما نسبه لابن الجنيد بعضٌ(6)- تخصيص من دون مخصّص، على أنّها مع التخصيص بذلك مخالفة للإجماع والأخبار.

تاسعها: فیما ذهب جمعٌ من أصحاب إلى عدم وجوب المسح ببقيّة نداوة اليد، وجواز المسح بماء الوضوء مطلقاً

ذهب جمعٌ من أصحابنا (7)إلى عدم وجوب المسح ببقيّة نداوة اليد، وجواز المسح بماء الوضوء مطلقاً اختياراً أو اضطراراً؛ استناداً إلى إطلاق الأوامر بالمسح وإلى إطلاق الأمر به بنداوة الوضوء.


1) وسائل الشيعة 1: 390، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 5.

2) المصدر : 444 - 445 الباب 32 من أبواب الوضوء، ح 3.

3) المصدر : 409 - 410، الباب 21 من أبواب الوضوء، ح 8.

4) المصدر: 409، ح 7.

5) راجع الهامش (11) من ص 212

6) راجع الهامش ( 4 ) من ص 212.

7) منهم العاملي في مدارك الأحكام 1: 213؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام :1: 38؛ والسبزواري في ذخيرة المعاد: 35.

ويردّه ضعف الإطلاق كما تقدّم، والاحتياط، وكونه المعهود من الأئمّة(عليهم السلام)وأتباعهم، والإجماع المنقول عن المرتضى(1)في وجوب المسح ببلّة اليدين، وظاهر الأخبار البيانيّة(2). والأخبار(3)الآمرة بالمسح بنداوة اليد، ورواية زرارة(4)، ومرسلة الصدوق عن الصادق(عليه السلام): «فإن لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شيء فخُذْ ما بقي منه في لحيتك»(5).

وجميع هذا إن لم يصلح لأن يكون دليلاً فهو صالح للقدح في مطلقات الأدلّة وحصول الشكّ، والاحتياط معه لازم.

وعلى المختار فالحكم بالاقتصار مقصور على حالة الاختيار وعدم الجفاف، أمّا لو جفّ ماء الوضوء ولو باختياره جاز له الأخذ من محالّ الوضوء حتّى المسترسل من لحيته، وكلّها متساوية في جواز الأخذ إلّا الوجه، فالأحوط جعله مرتبة أُولى.

ولو جفٌ جميع المحالّ، أعاد الوضوء واستأنف، إلّا أن لا يتمكّن من المسح بمائه من كلّ وجه، فإنّه يجوز استئناف ماء جديد.

والدليل على ذلك: الأخبار الدالّة على جواز المسح من اللحية وأشفار العينين والحاجبين عند جفاف اليد، وإلّا أعاد الوضوء(6)، وظاهرها وإن كان مختصّاً بالوجه دون غيره وبصورة النسيان دون غيرها إلّا أنّ كلام الفقهاء يقضي بالتساوي، وتخصيص الوجه في الأخبار لأنّه مظنّة النداوة، بل ربما يدّعى اتّفاقهم على ذلك.

وعلى وجوب استئناف ماء جديد: عموم« ما لا يدرك لا يترك»(7)والأخبار(8)المجوّزة لذلك بحملها على الضرورة، وإطلاق الأمر بالمسح عند عدم التمكّن من القيد.

ولو دار الأمر بين الماء الجديد وماء الوضوء المتقاطر، فالأحوط تقديم ماء الوضوء، ولا يبعد أنّ الأحوط تقديم نداوة الوجه ثمّ مسترسل اللحية ثمّ اليدين.


1) الانتصار: 114 - 115، المسألة 15.

2) راجع الهامش (2) من ص 203

3) منها ما في وسائل الشيعة 1: 390، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 5.

4) المصدر: 387 - 388، ح 2.

5) تقدم تخريجها في ص 213، الهامش (3).

6) وسائل الشيعة 1: 407 و 409 - 410، الباب 21 من أبواب الوضوء، ح 1، 7 و 8.

7) تقدم تخريجه في ص 208 الهامش (7)

8) وسائل الشيعة 408:1 - 409، الباب 21 من أبواب الوضوء، ح 4 و 6.

الخامس - من فروض الوضوء - : مسح الرِّجْلين
اشارة

وهما حقيقة في العضو المخصوص، والتحديد الآتي للحكم، أو مشترك معنويّ بين الكلّ والأبعاض.

وجوب مسح ظاهر القدم من أطراف الأصابع إلى الكعبين و تفسیر الکعب
اشارة

هو ظاهر القدم من أطراف الأصابع - وإن أخذ شيئاً من الباطن من باب المقدّمة - إلى الكعبين؛ كتاباً (1)وسنّةٌ(2)وإجماعاً ، فلا يتعلّق بما فوق الكعب حكم بالأصالة بالإجماع بل بضرورة المذهب.

وإنّما الكلام في الكعب، والأظهر أنّ الكعب مأخوذ من «كَعَب» أي ارتفع، فهو عظم مرتفع ناتئ في وسط القدم عليه يقع الشراك غالباً، ويُسمّى بقبّة القدم، لنقل الإجماع مكرّراً على أنّه ذلك من كثير من فقهائنا المتقدّمين والمتأخّرين باختلاف تعابيرهم عنه، فمنهم مَنْ صرّح بلفظ الإجماع (3)، ومنهم مَنْ نسبه إلى الأصحاب(4)، ومنهم مَنْ قال: إنّه المعروف من المذهب(5)، ومنهم مَنْ نقل إجماع المتأخّرين والمتقدّمين(6)، ومنهم مَنْ نسبه إلى سائر المتأخّرين(7)، وباختلاف تعابيرهم عن معنى الكعب المتقدّم، فالمفيد: بقبّة القدم(8)، وابن أبي عقيل: بظهر القدم(9)، والإسكافي: بما في ظهر القدم(10)، والمرتضى: بالعظم الناتئ في ظهر القدم عند معقد الشراك(11)، والشيخ: بالناتئ في وسط القدم(12)، والحلبي: بمعقد الشراك(13)، والحلّي: بالعظم في ظهر القدم عند معقد الشراك(14)، والمحقّق: بالناتئ في وسط القدم(15)، إلى غير ذلك.


1) المائدة (5): 6

2) وسائل الشيعة 1: 417، الباب 24 من أبواب الوضوء، ح 4.

3) الخلاف 1: 92 - 93، المسألة 40

4) كالعاملي في مفتاح الكرامة 1: 253

5) كالعاملي في مدارك الأحكام 1 :216

6) مفتاح الكرامة 1: 254.

7) مثل الكاشاني في مفاتيح الشرائع 46:1، ذيل مفتاح 50

8) المقنعة: 44

9) حكاه عنهما العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 126، المسألة 78.

10) حكاه عنهما العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 126، المسألة 78.

11) الانتصار: 115، المسألة 16.

12) الخلاف 92:1، المسألة 40

13) الكافي في الفقه: 132.

14) السرائر 1: 100.

15) المعتبر 1: 151.

ولنقل كثير من أهل اللغة أنّه كذلك(1)، فالظاهر أنّ معناه الحقيقي ذلك، وإن كان يطلق عندهم مع الأوّل على نفس المفصل بين الساق والقدم، وعلى ما في ملتقاهما من العظم المستدير الشبيه بما يلعب به من كعب الغنم.

وقد يطلق عليهما نفس المفصل للمجاورة، أو تسمية للحالّ باسم المحلّ.

ويطلق الكعب على العظمين الناتئين عن يمين القدم وشماله، وهو الكعب عند العامّة(2)، ولكنّ المشهور إطلاقه على ما ذكرناه.

وفي المدارك : إنّ أهل اللغة متّفقون على أنّه العظم الناتئ في ظهر القدم حيث معقد الشراك(3).

وفي الذكرى : إنّ لغويّة الخاصّة على ذلك المعنى متّفقون، ولغويّة العامّة مختلفون(4).

وصنّف عميد الرؤساء كتاباً أكثر فيه من الشواهد على أنّ الكعب هو الناتئ في ظهر القدم(5).

وقال الفرّاء: هو في مَشط الرِّجْل(6).

و نُقل أيضاً عن الكسائي عن محمّد بن عليّ(عليه السلام)أنّه في مَشط الرِّجْل(7).

وفي النهاية : كلّ شيء علا وارتفع هو كعب(8).

وفي القاموس(9)ذكر المعاني الثلاث.

وفي الصحاح : أنّه الناتئ عند ملتقى الساق والقدم، وأنكر الأصمعي قول الناس: إنّه في ظهر القدم(10)، فيظهر منه ومن المغرب(11)أنّه معروف بين الناس.

وفي الأثيرية والغريبين: أنّه ما علا وارتفع(12).


1) المحكم والمحيط :1 285 لسان العرب 1: 718، «ك ع ب».

2) المجموع 1: 422: المغني :1: 155؛ المبسوط، السرخسي 1: 9.

3) مدارك الأحكام 1: 220.

4) ذكرى الشيعة 2 :151

5) حكاه عنه الشهيد في ذكرى الشيعة 2: 149

6) كما في ذكرى الشيعة :2 :151 نقلاً عن كتاب فائت الجمهرة لأبي عمر و الزاهد.

7) المصدر: 151 - 152 نقلاً عن كتاب فائت الجمهرة.

8) النهاية، ابن الأثير 4: 179، «ك ع ب».

9) القاموس المحيط 1: 129، «ك ع ب».

10) الصحاح 1: 213، «ك ع ب».

11) المُغرِب في ترتيب المغرب: 224، «ك ع ب».

12) النهاية ابن الأثير 4 :179، وقد تقدّم نقله عنها آنفاً: الغريبين 5: 1635. «ك ع ب».

وفي المجمل : أنّه ما عند العامّة(1)كما ذكره الصحاح، وهو لا يراد قطعاً.

وللأخبار المتكثّرة المعتبرة بفتوى الأصحاب، الدالّة على ذلك حتّى ادّعى في الروض(2)تواترها:

كصحيحة البزنطي، وحسنة ميسر ، وفيهما: «ووصف الكعب في ظهر القدم»(3).

وحسنته الأُخرى، وفيها : ثمّ وضع يده على ظهر القدم وقال: «هذا هو الكعب»(4).

وظاهر «الظاهر» أنّه قبّة القدم، لا المفصل؛ لخفائه، كما أنّ الظاهر من الكعب هو المرتفع حسّاً، لا المرتفع في مكانه خفيّاً قد ستره الجلد، على أنّ المفصل بين القدم والساق ليس في القدم، بل منتهى القدم.

وكصحيحة زرارة وحسنته وصحيحة الأخوين وحسنتهما الدالّة على كفاية المسح على النعل من دون استبطان الشراك(5)، والغالب أنّ معقد الشراك دون المفصل.

ولما دلّ على قطع رِجْل السارق من الكعب(6)، ومكانه قبّة القدم، كما هو منسوب للشيعة.

وذهب العلّامة(رحمۀ الله علیه)إلى أنّ الكعب هو المفصل بين الساق والقدم، أو المجمع ما بين الساق والقدم(7)، فهو من الأُمور الغير المحسوسة، فيجب مسح جزء من الساق من باب المقدّمة لتحصيله، أو من باب الأصالة؛ لأنّ المجمع لا يتحقّق إلّا بملاقاة جزءين من طرفي العظمين إن قلنا: إنّ الغاية داخلة في المغيّى، أو أنّه نفس العظم المستدير الواقع في ملتقى الساق والقدم، كما فهمه منه بعضٌ(8)، وتبعه على ذلك جمع من أصحابنا(9)، مستندين للاحتياط في مقام الشغل، وأصالة بقاء الحدث وعدم الرافع، وإلى بعض كلمات اللغويّين والمفسّرين والفقهاء.


1) مجمل اللغة 2: 787، «ك ع ب».

2) روض الجنان 1 : 109.

3) وسائل الشيعة 1: 417 الباب 24 من أبواب الوضوء، ح 4 و 435، الباب 31 من تلك الأبواب، ح 1.

4) المصدر: 391 - 392، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 9.

5) المصدر : 388 - 389، ح 3 ، و 414، الباب 23 من تلك الأبواب، ح 4 و 418، الباب 24 من تلك الأبواب، ح 6.

6) المصدر 28: 257، الباب 5 من أبواب حدّ السرقة، ح 8 .

7) قواعد الأحكام 1 : 203 مختلف الشيعة 1 125 المسألة 78 تذكرة الفقهاء 1: 170، المسألة 51.

8) راجع الحبل المتين: 18

9) منهم الشهيد في الألفية: 44 وابن فهد الحلّي في الموجز (ضمن الرسائل العشر): 41؛ والحر العاملي في بداية الهداية 1: 9؛ والفاضل المقداد في كنز العرفان 1: 18؛ والكاشاني في مفاتيح الشرائع 1 46 مفتاح 50 والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 1: 107

فعن الفخري والنيشابوري في تفسير الآية(1): أنّ جمهور الفقهاء على أنّ الكعبين هُما العظمان الناتئان في جانبي الساق. وقالت الإماميّة: إنّه عظم مستدير - مثل كعب الغنم - تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم(2).

وعن بعض الأفاضل في علم التشريح: إنّ القدم مؤلّف من ستّة وعشرين عظماً، أعلاها الكعب، وهو مائل للاستدارة، واقع في ملتقى الساق والقدم، له زائدتان في أعلاه، إنسيّة ووحشيّة، كلٌّ منهما في حفرة من حفرة قصبة الساق(3).

وعن الصحاح : أنّه الناشز عند ملتقى الساق والقدم(4).

وعن القاموس : أنّه يطلق على كلّ مفصل(5).

وما عن الأصمعي من إنكار قول الناس: إنّه قبّة القدم(6).

وعن أبي عبيدة: أنّه الذي في أصل القدم ينتهي إلى الساق(7).

وإلى(8)أنّ أكثر عبارات الأصحاب والروايات قابلة للتنزيل على المفصل؛ لأنّ القدم من أطراف الأصابع إلى أصل العرقوب، فالعظم الذي عند منتهى الساق والقدم واقع في وسطه وعليه يحمل مَنْ عبّر بـ «الوسط» و «على ظهره» و «ظاهره» وعليه يحمل مَنْ عبر بهما، وربّما عقد عليه الشراك، وعليه يحمل ما جاء من المسح على النعل من دون استبطان(9).

وإلى الروايات كصحيحة الأخوين:« إنّ الكعب هاهنا» يعنى المفصل دون عظم الساق(10)، وكرواية ابن بابويه عن الباقر(عليه السلام)في وصف وضوء النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم) أنّه مسح على مقدّم رأسه وظهر قدميه(11)، وظاهرها استيعاب الظهر.


1) المائدة (5): 6

2) التفسير الكبير 11: 162؛ تفسیر غرائب القرآن بهامش جامع البيان، الطبري 6: 74.

3) حكاه البهائي في الأربعون حديثاً: 125 عن جالينوس والشيخ الرئيس وشرّاح القانون.

4) الصحاح 1: 213، «ك ع ب».

5) القاموس المحيط 1: 129، «ك ع ب».

6) حكاه عنه الجوهري في الصحاح 1: 213، «ك ع ب».

7) حكاه عنه المحقق الحلى في المعتبر 1: 151.

8) عطف على قوله: «مستندين للاحتياط...».

9) راجع الهامش ( 5 ) من ص 217.

10) وسائل الشيعة 1: 388 - 389 ، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 3.

11) الفقيه 1: 36 - 37 . ح 74؛ وعنه في وسائل الشيعة 1: 388 الباب 15 من أبواب الوضوء، ذيل الحديث 2.

وفي الجميع نظر:

أما ما نقله عن اللغويّين فإمّا غير دالّ، أو دالّ ولكنّه مؤوّل و منزّل على رأي المعظم، أو مطروح؛ لعدم معارضته لنقل الأكثرين.

وأمّا الخبران فضعيفان عن معارضة ما قدّمنا، فيُطرحان، أو تُحمل الصحيحة على التقيّة، وتُطرح الأُخرى، أو يؤوّلان بما يناسب المشهور؛ لأنّ أدلّة المشهور مؤيّدة بإطلاق الآية(1)والروايات الدالّة على إطلاق المسح(2)والدالّة على كفاية المسح بشيء من القدمين من الكعبين إلى أطراف الأصابع(3)، خرج تحديد المشهور وبقي ما بقي، والدالّة على كون الباء في المسح للتبعيض(4)، فتقوى على معارضها ، فلا يجوز الركون إليه، فيحتمل إرادة قبّة القدم من المفصل في الصحيحة؛ لإطلاقه عليه في بعض أخبار قطع رِجْل السارق(5)، ويناسبه قوله: «دون عظم الساق»(6)فإنّ قبّة القدم دونه أي تحته في المكان، والمفصل ليس دونه؛ لأنّه المجمع بين الساق والقدم، أو قريب إليه.

وإن أُريد بـ «دونه» معنى المغايرة، احتُمل في الرواية كلٌّ من المعنيين، والترجيح لفهم المشهور.

ويحتمل أن يراد بالكعب هو ما عند العامّة بقرينة قوله: «والكعب أسفل من ذلك»(7)وكذا إرادة التبعيض من ظهر القدم بقرينة عطفه على مقدّم الرأس.

وقد يقوّى قول العلّامة(رحمۀ الله علیه)بأنّ كلمات مَنْ وافقه صريحة فيما ذهب إليه، وكلمات مَنْ وافق رأي المشهور ظاهراً لا ينكر منه إرادة ما ذهب إليه(رحمۀ الله علیه)، بل قد توازي إرادته في الفهم إرادة ما ذهب إليه المشهور؛ لأنّ «وسط القدم» و «ظهر القدم» و «قبّة القدم» لا تنافي إرادة ما فهمه العلّامة؛ لأنّ القدم هو ما بين أطراف الأصابع وأسفل العرقوب، فيصحّ إطلاق تلك الألفاظ عليه حتّى القبّة وإن كان أبعدها؛ لأنّ المفصل حول الساق مقارب للمنتصف، ولأنّ المفصل كالقبّة عليه، وكذا يصحّ إطلاق الكعب عليه؛ لأنّه مرتفع على سطحه، وكذا النتوء أيضاً سيّما


1) المائدة ( 5 ) : 6 .

2) وسائل الشيعة 1: 387 و 389 - 392 ، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 1، 4، 6، 8 و 10.

3) راجع الهامش (10) من ص 218

4) وسائل الشيعة 1: 412 - 413، الباب 23 من أبواب الوضوء، ح 1.

5) تقدم تخريجه في ص 217، الهامش (6).

6) راجع الهامش (10) من ص 218

7) راجع الهامش (10) من ص 218

لو كان مراده بالكعب نفس العظم المستدير، فإنّ ارتفاعه ونتوءه حاصل وإن يظهر للحسّ. وكذا معقد الشراك، لوضع معقده في بعض التعال فيما هو أقرب إلى أصل الساق من القبّة، على أنّ كيفيّة النعال مختلفة فلم يعلم كيفيّة وضع نعاله(صلی الله علیه وآله وسلم)، والحكم بعدم لزوم الاستبطان لا ينطبق حتّى على رأي المشهور في جملة من النعال بل الأغلب، إلّا أن نلتزم باستثنائه من مباشرة الممسوح، أو أنّ إيصال المسح بالتحريك دون الإدخال، أو باختلاف نعال ذلك اليوم عن هذا اليوم، كما يظهر من الإسكافي حيث قال: ما كان من النعال غير مانع لوصول الراحة والأصابع أو بعضها إلى مماسّة القدمين فلا بأس بالمسح عليه؛ لما روي عن النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)وعلي والصادقين(عليهم السلام)(1).

وعلى ما ذكرناه يُحمل أيضاً أكثر الأخبار التي استدلّ بها المشهور.

ومع ذلك فمخالفة المشهور بعيدة عن الصواب، بل لا يبعد تنزيل كلام العلّامة(رحمۀ الله علیه)على ما فهمه المشهور كما حاوله البعض(2)لتصريحه في التذكرة بأنّ الكعب هو ما قاله المشهور، ونقل عليه الإجماع(3)، وكذا في المنتهى(4)، فيحمل ما اشتبه من كلامه من أنّ الكعب هو مجمع القدم والساق كما في الإرشاد(5)- وحد المفصل بين الساق والقدم كما في القواعد(6)- على ما فهمه المشهور ؛ لأنّ المفصل يطلق على قبّة القدم؛ لعلاقة المجاورة، ولانتهاء قبّة القدم به، ولأنّ منتهى قبّة القدم هو المجمع ما بين القدم والساق، سيّما لو كان العلّامة(رحمۀ الله علیه)ممّن يوجب مسح جميع القبّة، فإنّه يتّصل إلى المفصل قطعاً من باب المقدّمة، والاحتياط لا يخفى.

وهاهنا أمور:
أحدها: فی حکم مسح الکعبین

الأقوى عدم دخول الكعبين على المذهب المشهور في المسح؛ لأنّهما غاية للمسح أو الممسوح، وعلى التقديرين فالغاية لا تدخل في المغيّى مطلقاً، على أنّ الفاصل هاهنا محسوس، ودخول البداءة من أطراف الأصابع للإجماع، ولأنّ البداءة غير النهاية.


1) حكاه عنه الشهيد في ذكرى الشيعة 2: 159.

2) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 107:1.

3) تذكرة الفقهاء 1: 170 ، المسألة 51

4) منتهى المطلب 71:2.

5) إرشاد الأذهان 1: 223.

6) قواعد الأحكام 1: 203.

ويحتمل الدخول أصالةٌ؛ للاحتياط في مقام الشكّ، ولمعادلة الممسوح للمغسول في الكتاب والسنّة، وظاهر المقابلة الاتّحاد.

والأوّل أقوى، وعليه فيدخل بعضه تبعاً على الرأي المشهور، ويدخل كلّه أصالةً أو تبعاً على رأي العلّامة(رحمۀ الله علیه).

واستند بعض أصحابنا(1)لعدم وجوب إدخال الكعب إلى إطلاقات المسح، وإلى قوله(عليه السلام)في رواية زرارة وبكير: «إذا مسح بشيء من رأسه وبشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه»(2).

وفيه نظر؛ لضعف الإطلاق، ولاستلزام ظاهره عدم وجوب استيعاب الطول، ولا نقول به.

ثانيها: يجب الاستيعاب الطولي في الرّجلين

يجب الاستيعاب الطولي في الرّجلين؛ للاحتياط، ولظاهر الأمر بالمسح إلى الكعبين(3)، فإنه يقضي بالاستيعاب، وللإجماع المنقول(4)، وللتأسي المعلوم فعله من الأئمة(عليهم السلام)، وللمعهود من السلف والخلف، وللوضوءات البيانية(5)، ولصحيح البزنطي عن الرضا(عليه السلام): «فوضع كفّه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين»(6).

وذهب العلّامة إلى كفاية المسمّى في الطول كمسح الرأس(7)استناداً للإطلاق، والخبر المتقدّم(8)لزرارة وبكير، وللشكّ في الإجماع؛ لاحتمال وروده مورد أصل وجوب المسح ردّاً للعامّة، ولاحتمال كون «إلى» غايةً للممسوح.

وفي الجميع نظر ؛ لضعف الإطلاق، ولحمل الخبر على إرادة المسمّى في العرض؛ لمعارضة ما هو أقوى منه له، وحمله على كون «ما» بدلاً من «قدميه» أو صفةٌ لهما ؛ لا أنّه بدل من «شيء» أو صفة له كي يفيد عموم المسح لما بين أطراف الأصابع والكعبين؛ للترجيح من دون مرجّح،


1) المحقّق في المعتبر 152:1.

2) وسائل الشيعة 1: 388 - 389، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 3.

3) المصدر: 390، ح 5.

4) الانتصار: 115، المسألة 16.

5) راجع الهامش (2) من ص 203

6) وسائل الشيعة 1: 417، الباب 24 من أبواب الوضوء، ح 4.

7) منتهى المطلب 2: 45 و 69.

8) راجع الهامش (2).

ولا أقلّ من مساواة الاحتمالين، فيسقط بها الاستدلال في البين، سيّما أنّ إرادة التبعيض من الباء محلّ نظرٍ، والشكّ في الإجماع لا يرفع ظهوره، كاحتمال التحديد للممسوح دون المسح، مع أنّه لو كان كذلك فالظهور لا ينكر.

نعم، في روايات كثيرة عدم وجوب استبطان الشراكين في المسح قولاً وفعلاً عن الأئمّة(عليهم السلام)(1)، فتدلّ بظاهرها على كفاية المسمّى، ولكن كون الشراك مانعاً من الاستيعاب الطولي محلّ نظرٍ؛ لعدم العلم بوضعه، وعدم العلم بمانعيّته في جميع ظهر القدم، وبهذا امتنع الاستدلال بها على عدم وجوب الاستيعاب.

ثالثها: لا يجب الاستيعاب العرضي

لا يجب الاستيعاب العرضي ؛للإطلاقات من غير معارضٍ، وللأخبار الخاصّة، کخبر زرارة المتقدّم(2)وأخبار الشراك(3)، وللإجماعات المنقولة(4)، فلا يعارضها ما ورد في صحيحة البزنطي من وجوب المسح بكلّ الكفّ (5)، فلتُحمل على الندب، ولا رواية زرارة المتقدّمة (6)بحمل« ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع »على الموصوليّة، و جَعْلها بدلاً من«شيء» وصرف الباء فيها عن التبعيض؛ لاحتمال كون الباء فيها للتبعيض وكونها موصولةً، واحتمال كونها كذلك وكونها صفةً لـ«شيء»، واحتمال كونها بدلاً من القدمين، واحتمال كونها صفةً لهما، وعلى الاحتمالات المتأخّرة لا يبقى فيها شاهد على استيعاب العرض، بل ولا على استيعاب الطول.

نعم، الأحوط مسح قدر ثلاث أصابع مضمومة؛ لفتوى جملة من الأصحاب(7)، ولما روي عن أبي جعفر : «يجزئ من المسح على الرأس ثلاث أصابع، وكذلك الرِّجْل»(8)بل الأحوط المسح على جميع ظهر القدم؛ لرواية وجوب المسح بكلّ الكفّ(9)، ولرواية زرارة: «انقطع


1) راجع الهامش (5) من ص 217

2) تقدّم في ص 221.

3) تقدم تخريجها في ص 217 الهامش (5).

4) نقلها البحراني في الحدائق الناضرة 2 :294.

5) وسائل الشيعة 1 417 الباب 24 من أبواب الوضوء، ح 4.

6) تقدمت في ص 221.

7) منهم: العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 1: 171، المسألة 52.

8) وسائل الشيعة 1: 417 - 418، الباب 24 من أبواب الوضوء، ح 5.

9) راجع الهامش ( 5 ).

ظفري فجعلت عليه مرارة»، قال: «امسح عليهمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1)» (2)فإنّ عدوله عن الأمر بالمسح على غيره يعطي رجحان المسح على الكلّ.

ودعوى أنّ المنقطع جميع الأظفار خلاف ظاهر الأخبار.

رابعها: يجوز مسح القدمين مقبلاً ومدبراً

يجوز مسح القدمين مقبلاً ومدبراً، ويجوز الابتداء من أطراف الأصابع ومن الكعبين ومن الوسط، ويجوز وضع عرض الأصابع على عرض القدم، ويجوز وضع طولها على طوله، ويجوز وضع طولها على عرضه، ويجوز العكس، ويجوز دفعةً، ويجوز تدريجاً ما لم يخرج عن هيئة المتوضّئ. وقد ورد: «مسح الرِّجْلين موسّع، مَنْ شاء مسح مقبلاً ومَنْ شاء مدبراً»(3)وورد في الصحيح: «لا بأس بمسح القدمين مقبلاً ومدبراً»(4).

والأحوط الرجوع لما هو المعهود؛ تفصّياً عن خلاف مَنْ مَنَع النكس(5)لظاهر الآية(6)والأخبار الفعليّة(7).

وهو وإن كان ضعيفاً؛ لأنّ الغاية للممسوح لا للمسح في الآية، ولمعارضة الأخبار الفعليّة بمثلها فعلاً وبما هو أقوى منها قولاً، إلّا أنّ الاحتياط غير خفّي.

خامسها: لا يجزئ المسح على حائلٍ

لا يجزئ المسح على حائلٍ؛ للأخبار(8)والإجماع بقسميه(9)، ولظهور الأمر في الكتاب والسنّة، إلّا لضرورة برد أو جرح أو تقيّة، كما ورد في المسح على المرارة(10). وما ورد من جواز المسح على الخفّين للخوف من العدوّ أو الثلج أو(11)على الرِّجْلين ممّا يضرّ بهما(12)،


1) الحج (22): 78

2) وسائل الشيعة 1: 464، الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 5 بتقديم وتأخير.

3) المصدر: 407 ، الباب 20 من أبواب الوضوء، ح 3.

4) المصدر: 406 - 407، ح 2.

5) مثل ابن إدريس في السرائر 1: 99

6) المائدة ( 5 ) : 6

7) وسائل الشيعة 1: 387 - 393، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2 - 11.

8) المصدر : 455 و 456، الباب 37 من أبواب الوضوء، ح 1 و 5، و 459، الباب 38 من تلك الأبواب، ح 7 - 9.

9) مدارك الأحكام 1: 223 کشف اللثام :1 548 رياض المسائل 1: 135

10) راجع الهامش (4).

11) الظاهر زيادة «أو» حيث ورد في الحديث: «أو ثلج تخاف على رجليك».

12) وسائل الشيعة 1: 458، الباب 38 من أبواب الوضوء، ح 5.

المؤيّدة بالكتاب، وهو مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1)، وبدليل العقل، وبفتوى الأصحاب.

فما ورد في عدّة أخبار : أنّ المسح على الخُفّين لا تقيّة فيه(2)، وأنّ «التقيّة في كلّ شيء إلّا في النبيذ والمسح على الخُفّين»(3)وأنّ الإمام لا يتّقي في ثلاث: شرب الخمر، والمسح على الخُفّين، ومتعة الحجّ(4)، لا يعارض ما قدّمنا ، فإمّا أن يُطرح، أو يُحمل على التقيّة، أو على عدم وجوبها على الإمام بالخصوص، أو على إمكان الفرار منها إلى غيرها كالفرار من المسح على الخُفّين إلى الغَسْل بنيّة المسح، أو لعدم التقيّة فيهنّ ذلك الزمان، أو غير ذلك.

سادسها: يجب تخليل الشعر في المسح وإيصال الرطوبة إلى البشرة

يجب تخليل الشعر في المسح وإيصال الرطوبة إلى البشرة؛ للاحتياط، ولظهور إرادة البشرة من الإطلاق، ولا يجب مسح الشعر نفسه؛ للأصل، وعدم دليل يدلّ عليه.

نعم، يقوى القول بوجوب مسح أُصوله؛ لقيامها مقام منابتها، ومسح الجميع أحوط.

واحتمل بعضهم(5)إجزاء مسح الشعر؛ لقوله(عليه السلام): «ما أحاط به الشعر فليس على العباد طلبه»(6)ولسهولة الشريعة، ولعدم التساؤل عنه مع كثرة وقوعه.

هو قويّ، إلّا أنّ الأوّل أقوى.

سابعها: لا يجوز الغَسْل مكان المسح

لا يجوز الغَسْل مكان المسح إجماعاً، ومتى اجتمعا ونوى الغَسْل بطل، ودلّت على ذلك صحيحة زرارة: «لو أنّك توضّأت وأضمرت الغسل في مكان المسح لم يكن ذلك بوضوء»(7). وإن نوى المسح صحّ وضوؤه.

ويجوز الغَسْل مكان المسح للتقيّة، ويجب تقديمه على المسح على الخُفّين؛ لأقربيّته إلى المسح على البشرة من المسح على الخُفّين.

ولو أمكن في مقام التقيّة فعل المسح مع الغَسْل ونيّته مسحاً وجب.

ومتى غسل في مقام تقيّةٍ أو مسح على خُفٍّ أو نعل، جاز له الدخول في العمل المشروط


1) الحجّ (22): 78

2) وسائل الشيعة 1: 461. الباب 38 من أبواب الوضوء، ح 18.

3) المصدر 16: 215، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي ، ح 3

4) المصدر 1 457، الباب 38 من أبواب الوضوء، ح 1.

5) لم نتحققه، والمحتمل هو صريح المحقق الحلّي في المعتبر 146:1.

6) وسائل الشيعة 1: 476، الباب 46 من أبواب الوضوء، ح 3.

7) المصدر: 420 الباب 25 من أبواب الوضوء، ح 12 بتفاوت.

بالطهارة، ارتفعت التقيّة أم لا؛ لأنّه وضوء مشروع رافع، وكلّ ما هو كذلك لا يرفعه إلّا ناقض، وارتفاع التقيّة ليس بناقضٍ ؛ للاستصحاب، وفتوى الأصحاب.

والأحوط الجمع بين التيمّم والمسح على الخُفّين تحاشياً من الأخبار الدالّة على أنّه لا تقيّة فيه(1).

ثامنها: يقوى وجوب مسح الرأس والرِّجْل اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى

يقوى وجوب مسح الرأس والرِّجْل اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى؛ للاحتياط، وللصحيح الدالّ على الأمر بمسح الرأس واليمني باليمنى واليسرى باليسرى(2)، ولأنّه هو المعهود شرعاً، والمعلوم من فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم والأئمّة في مقام البيان وغيره.

ولكنّ الظاهر أنّ المشهور عدم التعيين؛ أخذاً بالإطلاق، وحمل الرواية وفعلهم على الندب، وهو أقوى، والاحتياط غير خفيّ.

تاسعها: هل یجب ترتيب بين مسح الرّجْلين

لا ترتيب بين مسح الرّجْلين للإطلاقات من دون معارضٍ، ولفتوى المشهور، والإجماع المنقول(3)، وقوله : «ويمسح عليهما جميعاً»(4).

وقيل بوجوب الترتيب(5)للاحتياط، ولأنّه المعهود من فعل النبيّ و الأئمّة ، وللإجماع المنقول(6)، ولقوله- في الحسن- : «وامسح على القدمين وابدأ بالشقّ الأيمن»(7)ولما روي عنه أنّه إذا توضّأ بدأ بميامنه(8). وهو قويّ، والاحتياط يوافقه.

وقيل بعدم جواز البدء باليسرى فقط، وجواز الاجتماع(9)لقوله:«فإن بدأ بإحداهما قبل الأُخرى فلا يبدأ إلّا باليمنى»(10).


1) راجع الهامش ( 2 و 3 و 4 ) من ص 224.

2) وسائل الشيعة 1: 387 - 388 الباب 15 من أبواب الوضوء، ذيل الحديث 2.

3) راجع ذكرى الشيعة 2: 163 نقلاً عن ابن إدريس في الفتاوى.

4) وسائل الشيعة 1: 450 ، الباب 34 من أبواب الوضوء، ح 5.

5) ممّن قال به الصدوق في الفقيه 1: 45، ذيل الحديث 88؛ والشهيد في البيان: 48؛ والمحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 224؛ وهو ظاهر الطوسي في الخلاف 1: 95، المسألة 42.

6) هو ظاهر الخلاف 95:1، المسألة 42

7) وسائل الشيعة 1 : 418 ، الباب 25 من أبواب الوضوء ، ح 1.

8) المصدر: 449، الباب 34 من أبواب الوضوء، ح 3.

9) حكاه عن بعضهم الشهيد في ذكرى الشيعة 2: 155.

10) راجع الهامش (4).

وهو ضعيف؛ لعدم قابليّة هذه الرواية لتقييد مطلقات المجوّزين، ولمعارضة أدلّة المانعين.

عاشرها: يجب مسح الظاهر من القدمين بما يُسمّى ظاهراً عرفاً

يجب مسح الظاهر من القدمين بما يُسمّى ظاهراً عرفاً؛ للإجماع، والأخبار البيانيّة(1)قولاً وفعلاً.

ويجب أخذ شيء من أطراف الأنملة مقدّمة لتحصيل تمام الظاهر طولاً.

ولو طال الأظفر حتّى علا على الأنملة بحيث خرج عن المعتاد، فالأحوط قصّه على المعتاد، ولا بدّ من إزالة الوسخ الكائن على الأنملة إذا غطى شيئاً من الظاهر.

السادس - من فروض الوضوء - : [ الترتيب ]
اشارة

(2)

وجوب الترتيب بين أجزاء الوضوء واجب إجماعاً، إلّا في مسح الرِّجْلين

كما تقدّم الكلام فيه، والأخبار دالّة على ذلك صريحاً.

ففي الصحيح: «ابدأ بالوجه، ثمّ باليدين، ثمّ بمسح الرأس والرِّجْلين. ولا تقدّمن شيئاً بين يدي شيء تخالف ما أُمرت به، فإن غسلت الذراع قبل الوجه ابدأ بالوجه، وأعد على الذراع، وإن مسحت الرِّجْل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرِّجْل، ثمّ أعد إلى الرِّجْل. ابدأ بما بدأ الله تعالى»(3). ونحوه غيره(4).

وإن أخلّ بالترتيب عمداً أو سهواً، فإن نواه من أوّل العمل بنيّة أنّه هو المأمور به، فسد العمل، وإلّا أعاد اللاحق دون السابق؛ لوقوعه في محلّه، إلّا مع نيّة مشروعيّة السبق واللحوق فيعيدهما معاً.

وما ورد في الأخبار(5)من الأمر بالإعادة على اليمين لمن غسل شماله قبل يمينه، والإعادة على الوجه لمن نسي فغسل يمينه قبل وجهه، وعلى اليمين لمن غسل شماله قبل يمينه(6)، لا يعارض ما دلّ على وجوب غسل الشمال فقط(7)لتأيّده بفتوى الأصحاب، فيُحمل


1) وسائل الشيعة 1: 387 - 388 و 391 - 392، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 2 و 9.

2) في «ج، ن»: «الفرض السادس».

3) وسائل الشيعة 1: 448 - 449، الباب 34 من أبواب الوضوء، ح 1.

4) المصدر: 451 الباب 35 من أبواب الوضوء، ح 2.

5) المصدر: 451 - 453 ، ح 2 ، 8 و 10.

6) كذا ورد قوله: «وعلى اليمين لمن غسل شماله قبل يمينه في النسخ الخطية والظاهر زيادته؛ حيث ذكره آنفاً.

7) وسائل الشيعة 1: 452، الباب 35 من أبواب الوضوء، ح 7.

على أنّ التذكّر كان قبل غَسْل اليمين وقبل غَسْل الوجه، ويراد بلفظ الإعادة مجرّد وقوع الفعل، أو يُحمل على صدور الفعل منه بنيّة التشريع، فتجب الإعادة حينئذٍ.

وغَسْل الأعضاء دفعةً غير جائزٍ أيضاً، ويوجب غَسْل المتقدّم فقط، إلّا إذا نوى المشروعيّة في الغَسْل الدفعي.

ولو غسل الثلاثة معاً ثلاثاً من غير إخلالٍ بالنيّة صحّ وضوؤه، إلّا أنّه يشكل المسح باليمنى من جهة الماء الجديد .

ولو غسل ثلاثاً بعكس الترتيب، صحّ وضوؤه مع عدم الإخلال بالنيّة. ويجيء الإشكال في المسح.

ولو وقع على ماء فنوى بوقوعه غَسْلَ الوجه، وبكونه غَسْلَ اليمنى، وبخروجه اليسرى، صحّ.

ولو نوى بالتحريك - وهو مرتمس كلَّ تحريكةٍ لعضوٍ، صحّ.

ولو نوى بتعاقب الجريات أو بنفس استمرار الأكوان الأغسالَ للأعضاء فنوى بكلّ جريةٍ عضواً أو بكلّ كونٍ كذلك، صحّ على إشكالٍ،والاحتياط بتجنّب الكلّ.

وحكم الجزء كحكم الكلّ فيما ذكرنا.

وما ورد في بعض الأخبار: أنّ مَنْ ترك لمعة مسح عليها(1)، محمول على الإتيان بما بعدها؛ لأنّه خير من طرحها.

السابع - من فروض الوضوء - : المباشرة للغَسْل والمسح بنفسه

(2) للإجماع بقسميه(3)، ولإطلاق الأوامر الظاهرة في المباشرة، ولخبر الرضا(عليه السلام)في مَنْ أراد أن يصبّ عليه وهو متهيّئ للصلاة، فقال له: «مه، تؤجر أنت وأُوزر أنا» وتلا عليه قوله تعالى: وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(4)(5).


1) راجع: مختلف الشيعة 1 142 ، المسألة 93؛ وذكرى الشيعة 2: 193.

2) في «ج، ن»: «الفرض السابع».

3) الانتصار: 117 - 118، المسألة :18؛ منتهى المطلب 2: 132

4) الكهف (18) 110

5) وسائل الشيعة 476:1 - 477، الباب 47 من أبواب الوضوء، ح 1.

نعم، يستثنى من ذلك حال الضرورة، فإنّ التولية حينئذٍ جائزة، وتُقدّم على التيمّم؛ لفتوى الأصحاب، وللإجماع المنقول(1)، بل المحصّل، ولعموم «لا يسقط»(2)و «ما لا يدرك»(3)، ولخصوص الصحيح: أنّ الصادق(عليه السلام)أصابته جنابة وهو مريض، فوضعوه الغلمة على خشبات وصبّوا عليه الماء(4)، ولا فارق بين الغُسْل والوضوء.

ويمكن الاستدلال على ذلك بشمول الخطابات للجميع.

فالقادر على المباشرة تجب في حقّه، وغير القادر تجب التولية؛ لأنّها أقرب المجازات إلى إرادة الحقيقة، ولا يلزم من ذلك استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لإمكان استعماله في عموم المجاز، ولا بأس به.

ويجب على المضطرّ مراعاة الأقرب إلى الحقيقة مهما أمكن، فيجب الاقتصار على البعض إن لم يضطرّ إلى الكلّ، ويجب الاقتصار على المشاركة إن لم يضطرّ إلى تولية العمل صرفاً.

ويجب أن يباشر بأعضائه بمعونة العامل إن لم يضطرّ إلى تولية العامل بمباشرته في أعضائه سيّما المسح.

والمتولّي للنيّة هو الآمر دون المأمور، ولا عبرة بنيّته وعدمها.

ولو توقّفت التولية على أُجرةٍ، وجب بذلها ما لم يكن مضرّاً بالحال على الأظهر؛ لعموم «لا ضرر ولا إضرار»(5).

ولا فرق في حرمة التولية للغير أو المشاركة بين الواقع بأمره وبين الواقع لنفسه، وبين الواقع من الفاعل بقصدٍ أو الواقع بغير قصدٍ، فلا يجوز تولية المجنون ولا الصبيّ ولا السكران.

نعم، يختصّ بالإنسان ولا يشمل الحيوان؛ لأنّه بمنزلة الآلات، وإن كان تولية الحيوان المعلّم لا يخلو من إشكال.

والممنوع هو تولية الغَسْل والمسح لغيره بحيث يُعدّ غاسلاً أو ماسحاً، فلو شارك بحيث لا يستند إليه الفعل؛ لأنّه تابع وليس بسببٍ ولا جزء سببٍ فلا بأس به. والأحوط تجنّب ذلك.


1) منتهى المطلب 2 :133

2) تقدم تخريجه في ص 208 الهامش (6).

3) تقدم تخريجه في ص 208، الهامش (7).

4) وسائل الشيعة 1: 478 - 479، الباب 48 من أبواب الوضوء، ح 1.

5) الفقيه 4: 334، ح 5718

ولو كان كلٌّ منهما يستند إليه الفعل مستقلّاً، فالأظهر والأحوط تجنّبه.

ولو كانت التولية بغير الغَسْل والمسح من ضروب الاستعانة جاز؛ للسيرة القاضية بجواز الأمر على الغلمان والجواري بملء الآنية والإتيان بها وتسخينها، وإن كان جملة منها مكروهاً.

وكذا الصبّ إذا لم يكن به غَسْلُ، فإنّه جائز أيضاً الصحيحة الحذّاء: وضّأت أبا جعفر وقد بال، فناولته ماء فاستنجى، ثمّ صببت عليه كفّاً غسل وجهه، وكفّاً غسل به ذراعه الأيمن، وكفّاً غسل به ذراعه الأيسر(1)، فالجمع بينه وبين خبر الوشّاء - المتقدّم(2)- بحمل خبر الوشّاء على صورة ما إذا كان الصبّ غَسْلاً، وهذه على ما إذا لم يكن؛ لتأيّد تلك بظهور إرادة المباشرة في الأوامر ، فلا تعارضها هذه، فتُحمل هذه على صورة ما لم تناف المباشرة.

ومع ذلك فيمكن الأخذ بخبر الوشّاء وحمل هذه على الضرورة؛ وذلك للاتّفاق على كون ذلك مكروهاً قطعاً، وفعل الإمام(عليه السلام)للمكروه في غير الضرورة بعيد. وحملها على التقيّة أو على كونها إجابة لحاجة المؤمن عند طلبه بعيد أيضاً، فتُحمل هذه على حالة الضرورة كما قدّمنا ، ويُحمل خبر الوشّاء على التحريم ، فيكون الصبّ كالغَسْل محرَّماً ؛ لخبر الوشّاء، لا لاشتراط المباشرة.

ولكن ظاهر الأصحاب حمل خبر الوشّاء على الاستعانة المكروهة؛ بناءً على أنّ الصبّ على الكفّ لا ينافي المباشرة والإمام(عليه السلام)و هو المتولّي للغَسْل، وأنّ المراد بالإثم والوزر ترتّب آثار الكراهة مجازاً.

وعلى كلّ حال فالأحوط ترك الصبّ في اليد؛ لشبهة النهي.

والأقوى كراهة غير الصبّ من أنواع الاستعانة؛ لفتوى الكثير من الأصحاب(3)، ولظاهر الأخبار المعلّلة للمنع من الصبّ: بعدم الإشراك(4).

ولكن تسريتها للأُمور البعيدة التي جرت عليها سيرة العلماء والأئمّة(عليهم السلام)مشكل، بل الظاهر خلافه وعدم الكراهة فيه.


1) وسائل الشيعة 1: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 8.

2) تقدّم تخريجه في الهامش ( 5 ) من ص 227.

3) منهم العاملي في مدارك الأحكام 1: 251

4) وسائل الشيعة 1: 476 - 477 الباب 47 من أبواب الوضوء، ح 1 و 2.

الثامن - من فروض الوضوء - : [ الموالاة ]
اشارة

(1)

تفسیر الموالاۀ

الموالاة - وهي المتابعة - واجبة إجماعاً منقولاً (2)مستفيضاً، وكتاباً(3)على وجهٍ، وسنّةً مستفيضة(4).

ووجوبها شرعيّ وشرطيّ، على تفسيرها بعدم الجفاف على قولٍ، وهو الظاهر من الأصحاب حيث أطلقوا القول بوجوبها، ونقلوا عليه الإجماع، وجعلوا تركها مفسداً أيضاً.

وظاهر الأوّل: الوجوب الشرعيّ ولو لحرمة إبطال العمل مطلقاً، أو في الوضوء خاصّة.

وظاهر الثاني الوجوب الشرطيّ.

وقيل بأنّ وجوبها على ذلك التفسير شرطيّ فقط(5)؛ تنزيلاً للفظ الوجوب عليه، ويظهر من جماعة.

وعلى تفسيرها بالمتابعة في الفعل حقيقةً أو عرفاً فوجوبها شرعيٌّ فقط، كما يظهر من أكثر أصحاب هذا القول، ونُقل عليه الإجماع(6).

وعليه فهل يعتبر الجفاف في البطلان مطلقاً، أو مع الإخلال بالمتابعة معه، أو مع الاستناد إلى نفوذ الماء ؟ أقوال، أو أنّ وجوبها شرعيّ وشرطي؟ كما يظهر من آخَرين.

وبالجملة، فالمحصّل من عباراتهم أقوال:

منها: مراعاة الجفاف في الشرطيّة، ولا حكم للمتابعة.

ومنها: مراعاته في الوجوب الشرعيّ والشرطي، ولا حكم للمتابعة.

ومنها : مراعاة الجفاف في الشرطيّة، والمتابعة في الوجوب الشرعيّ.

ومنها: مراعاة المتابعة في الوجوب الشرعيّ والشرطيّ.

ومنها :مراعاة الجفاف في البطلان حيث يجامع الإخلال بالمتابعة.

ومنها: مراعاة الجفاف في البطلان حيث يستند إلى نفوذ الماء.


1) في «ج» ن»: «الفرض الثامن».

2) الخلاف 1: 93 - 94، المسألة 41؛ مدارك الأحكام 1: 226.

3) المائدة (5): 6

4) وسائل الشيعة 446:1 و 448، الباب 33 من أبواب الوضوء، ح 2.1 و 6.

5) مجمع الفائدة والبرهان 1: 110

6) كشف اللثام 1: 556 رياض المسائل 149:1.

واستند مَنْ أوجب المتابعة شرعاً حقيقةً أو عرفاً - بحيث لا يتراخى عن اللاحق بعد تمام السابق، بل بحيث أن لا يتوانى في غَسْل عضوه بحيث يخرج عن المبادرة إلى العمل حقيقة ًأو عرفاً - إلى الإجماع المنقول(1)على لسان جمع من الفحول، وإلى أنّ الأمر في كتاب الله فوريّ بغَسْل الأعضاء؛ لظهور الأمر فيه، أو للإجماع عليه، وإلى آيتي المسارعة والاستباق(2)، وإلى أنّ «فاء» التعقيب(3)تقضي بوقوع جميع ما تعقّبها فوراً، ولا يمكن الحقيقة فينزّل على الأقرب إليها وهو المتابعة، وإلى ظاهر الوضوءات البيانيّة(4)، مع قوله(عليه السلام): «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلّا به»(5)وإلى أنّه المعهود من فعل الحجج(عليهم السلام)، فيجب التأسّي به، وإلى أنّ الواقع منهم ذلك قطعاً؛ لرجحانه، فتجب متابعتهم، وإلى الاحتياط، وإلى قوله :«أتبع وضوءك بعضه بعضاً» (6)وإلى خبر [حكم بن ] حكيم في مَنْ خالف الترتيب أنّه «يعيد الوضوء، لأنّ الوضوء يتبع بعضه بعضاً» (7)وإلى ما ورد من «أنّ الوضوء لا يتبعّض»(8)والتبعيض يحصل مع عدم المتابعة.)وفي الجميع نظر ؛ لوهن الإجماع المنقول بفتوى المشهور. ومنع دلالة الأمر على الفور لغةً وشرعاً، والإجماع ممنوع. ولظهور آيتي المسارعة والاستباق في الندب. ومنع دلالة «فاء» التعقيب على الفور. نعم، تلك «فاء» العاطفة. ولأنّ الفصل والوصل ليسا من الكيفيّات الظاهرة في البيان ليدخلا في أجزاء الوضوء ويجب اتباعهما.ولأن التأسّي إنّما يجب في معلوم الوجه. ولأنّ الاحتياط حقٌّ لو كان الشكّ في الشرطيّة وليس كذلك.ولأنّ وجوب الاتباع في الخبرين مرادٌ به وجوب الترتيب. والأمر بالإعادة محمول على حصول الخلل بغيرها لعدم وجوبها شرطاً على هذا القول.


1) راجع الهامش (2) من ص 230.

2) آل عمران (3): 133؛ المائدة (5): 48.

3) في قوله تعالى: فاغسلوا . المائدة (5): 6.

4) راجع الهامش (2) من ص 203

5) وسائل الشيعة 1: 438، الباب 31 من أبواب الوضوء، ح 11.

6) المصدر : 446 ، الباب 33 من أبواب الوضوء، ح 1.

7) المصدر: 448، مع 6، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

8) المصدر: 446 ، ح 2.

ولأنّ خبر «أنّ الوضوء لا يتبعّض» لا دلالة فيه؛ للاحتمال الظاهر من أن يراد منه أنّه لا يوجد منه بعضٌ بعد انعدام الأبعاض الباقية لجفافها، كما يؤذن به قوله: «حتّى ييبس» أو «ينشف وضوؤك».على أنّ وجوب المتابعة لو كان لبانَ؛ لتوفّر الدواعي إليه، وليس فليس، وأنّها لو كانت واجبةً لما حصل وضوء محلّل إن أريد بها المتابعة الحقيقيّة، ولقلّما حصل لو أُريد بها العرفيّة، فإنّه قلّما يتفق حصول متابعة عرفيّة لم يتخلّل بينها التفات أو نقل إناء من محلٍّ إلى آخَر أو طول عملٍ في عضوٍ.وإن أرادوا بالمتابعة ما لم يخلّ به ذلك، سهل الأمر في وجوبها.وأمّا مَنْ أوجب المتابعة شرعاً وشرطاً فمستنده: الاحتياط، وظهور وجوب الوصف في العبادة أنّه شرط لها.ولكنّه ضعيف؛ لنقل الاتّفاق من القائلين بوجوب المتابعة على إرادة الوجوب الشرعي دون الشرطي، وأنّ الإخلال بالمتابعة لا يؤثّر فساداً، ولما ذكرناه من عدم اشتهار الحكم مع توفّر الدواعي إليه، ولزوم فساد أكثر وضوءات العالم، ولورود الأخبار بصحّة الوضوء في مَنْ أبطأت عليه الجارية إن لم يجفّ وضوؤه(1، وبصحّة وضوء مَنْ نسي مسح رأسه فذكر وكان في محلّ الوضوء رطوبة أخذ منها(2)، وبما دلّ على أنّ مَنْ خالف الترتيب يعيد(3)، من غير تفصيلٍ بين العامد والناسي والقليل والكثير . فظهر بذلك ضعف هذا القول.)نعم، للوضوء هيئة خاصّة يخلّ بها التأنّي كثيراً، كيومٍ وبعض يومٍ؛ لعدم صدق الوضوء عليه، وللشكّ في صحة مثله.وأمّا القول بوجوب الموالاة شرعاً وشرطاً مطلقاً فمستنده: الإجماعات المنقولة على وجوبها، والظاهر منه الوجوب الشرعي.ورواية «أنّ الوضوء لا يتبعّض»(4.)


1) وسائل الشيعة 1: 447، الباب 33 من أبواب الوضوء، ح 3.

2) المصدر: 448، ح 5

3) المصدر : 450، الباب 35 من أبواب الوضوء.

4) راجع الهامش (8) من ص 231

والإجماعات المنقولة(1على اشتراطها مطلقاً، سواء جامعت المتابعة العرفيّة أم لا، وسواء كان الجفاف لنفاد الماء أم لا.)وصحيح معاوية بن عمّار: سأله أنّه يتوضّأ فينفد الماء فيدعو الجارية فتبطئ بالماء فيجفّ الوضوء؟ فقال: «أعد»(2.)وموثّقة أبي بصير: «إذا توضّأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتّى ييبس وضوؤك فأعد وضوءك، فإنّ الوضوء لا يتبعّض»(3.)والحقّ أن يقال: إنّ الوجوب الشرعي منظور فيه والإجماعات المنقولة قد يراد بها الوجوب الشرطي، كما يظهر من كثير منهم، وحرمة إبطال العمل لم تثبت هاهنا ورواية «أنّ الوضوء لا يتبعّض» ليست صريحةً في النهي عن الإبطال.وأمّا الوجوب الشرطي فالظاهر أنّه كذلك مطلقاً للروايات(4، والإجماعات المتكثّرة النقل على وجوب الموالاة وتفسيرها بعدم الجفاف، والإجماعات المنقولة على اشتراط عدم الجفاف في الوضوء، وللاحتياط وفتوى المشهور بذلك.)وأمّا ما نُسب للصدوقين من عدم البطلان بالجفاف إذا جامع المتابعة(5، وللمقنع من البطلان به لنفاد الماء(6)استناداً للأخذ باليقين من الروايات الدالّة على البطلان بالجفاف؛ لأنّ موردها الجفاف لفوات المتابعة.)ولصحيح حريز في الوضوء يجفّ، قلت: فإن جفّ الأوّل قبل أن أغسل الذي يليه؟ قال: «جفٌ أو لم يجف اغسل ما بقي» قلت: وكذلك غسل الجنابة؟ قال: «هو بتلك المنزلة، وابدأ بالرأس ثمّ أفِض على سائر جسدك »قلت: وإن كان بعض يومٍ؟ قال: «نعم»(7بحمله على ما إذا لم تفت المتابعة، خوفاً من مخالفة الإجماع.)


1) الخلاف 1: 93 - 94، المسألة 41؛ غنية النزوع 1: 59؛ منتهى المطلب 2: 112.

2) )راجع الهامش (1 من ص 231

3) راجع الهامش (8) من ص 232

4) وسائل الشيعة 1: 446 و 448، الباب 33 من أبواب الوضوء، ح 1، 6.

5) المقنع: 16؛ وحكاه الصدوق عن والده في الفقيه 1: 57 نقلاً عن رسالته؛ ونسبه إليهما الطباطبائي في رياض المسائل 1: 152.

6) المقنع: 16: ونسبه إليه الفاضل الإصبهائي في كشف اللثام 556:1

7) وسائل الشيعة 1: 447، الباب 33 من أبواب الوضوء، ح 4.

ولقول الرضا(عليه السلام: «فإن كان قد جفّ بعض وضوئك قبل أن تتمّ الوضوء من غير أن ينقطع عنك الماء فامضِ على ما بقي جفّ وضوؤك أو لم يجف »(1).)والكلّ ضعيف؛ لأنّ الاقتصار على المتيقّن بعد إطلاق الروايات المؤيّدة بفتوى الأصحاب وبالاحتياط وبالإجماعات المنقولة لا وجه له.ولأنّ الخبر الأخير ضعيف السند، فلا يعارض ما تقدّم، فيُحمل على جفاف بعض السابق؛ تحرّزاً من طرحه.وأمّا الأوّل وإن صحّ سنده لكنّه مشتمل على ما لا نقول به من تنزيل الوضوء منزلة الغسل، فليُحمل على التقيّة أو على غير العضو الثاني فيراد منه جفاف البعض، أو يُطرح؛ لمعارضته لما هو أقوى منه.والظاهر أنّ القائلين بعدم الإخلال بالجفاف مع المتابعة يريدون به ما لم يلزم منه نفوذ الرطوبة عند المسح؛ لاستلزامه المسح بماء جديد، وهو غير جائزٍ عند عدم الاضطرار.ثمّ على المختار من اشتراط عدم الجفاف يراد به عدم الجفاف الحسّي لاالتقديري، فلو بقى الماء على أعضاء الوضوء لعارضٍ يقضي ببقائه- ولولاه لما بقي - صحّ الوضوء وإن طال الفصل ما لم يمح صورة الوضوء عرفاً. ويراد باعتباره اعتباره مع الإمكان، فلو لم يمكن سقط اعتباره.وهل تجب ملاحظته تقديراً، بمعنى وجوب المتابعة بقدر ما تجفّ أعضاؤه لو كان عليها ماء؟ الأحوط ذلك.ویراد به جفاف الجميع، فلا يبطل بجفاف البعض وإن اتّصل؛ لتعليق البطلان في النصّ والفتوى على جفاف الوضوء ويبسه وجفاف السابق، و هُما ظاهران في الجميع، ولإطلاق صحيح حريز(2، وللاتّفاق على جواز أخذ البلل من الوجه للمسح إذا لم تكن نداوة على غيره.)وذهب بعضٌ إلى اشتراط بقاء الرطوبة في الجميع(3.)وهو بعيد؛ لضعف القول به ولزومه للمشقّة غالباً، والاستناد للاحتياط وإلى أنّ الوضوء لا يتبعّض ضعيف أيضاً.


1) مستدرك الوسائل 1: 328 الباب 29 من أبواب الوضوء، ح 1.

2) تقدّم تخريجه في ص 233، الهامش (7).

3) حكاه الشهيد في ذكرى الشيعة 2: 170 عن ابن الجنيد.

وذهب بعضٌ آخَر إلى اشتراط بقاء الرطوبة في الأخير(1، وبعضٌ آخَر إلى أنّ اليدين بمنزلة عضو واحد، فيشترط بقاء رطوبة الوجه إلى تمام غسلهما، وبقاء الرطوبة فيهما إلى المسح(2).)والكلّ ضعيف.وعلى المختار أيضاً لا فرق في وجوب عدم جفاف ما تقدّم بين الغَسْل والمسح، ولا بين الرطوبة الباقية في محلّ الغَسْل أو المسح، ولا بين ما كان في الشعر أو البشرة، ولا بين ما كان مستوراً بالشعر أو لم يكن ولا بين ما كان في مسترسل اللحية وبين غيره على إشكالٍ، ولا بين ما كان من الغسلة الأُولى أو الثانية، ولا ما كان في الظواهر والبواطن ممّا يستحبّ تخليله أو من ماء المضمضة والاستنشاق ولكن على إشكالٍ شديد في الأخير.ولو مازج ماء الوضوء غيره بحيث لم يستهلكه، كفى بقاؤه في عدم الجفاف، وكذا العرق وشبهه.وذو اليدين يكفي بقاء الرطوبة في إحداهما على الأظهر، وكذا ذو الوجهين.ولو تعذّرت الموالاة، أعاد الوضوء، فإن لم يمكن سقط حكمها ومسح بماء جديد، والجمع بينه وبين التيمّم أحوط.###### فائدة : فی رجحان نذر المتابعه بالکتاب والسنّۀ والاحتیاطنذر المتابعة راجح فيلزم ورجحانه ثابت بالكتاب(3والسنّة(4)، والاحتياط، وكلّ ما كان كذلك فهو لازم إجماعاً.)فإن نذر المتابعة في وضوءٍ خاصّ ففَعَله من دونها حنث ولم يفسد الوضوء، إلّا إذا نوى أنّه امتثال للنذر.ولو نذر المتابعة في وضوءٍ مطلق، وجب عليه أداؤها في أيّ وضوءٍ كان.فإن فعل وضوءاً من دونها بنيّة الامتثال فسد؛ لمكان التشريع على الظاهر. ويحتمل الصحّة، ووقوع النيّة لغواً. ووجب عليه أداؤها في وضوءٍ آخَر إلّا إذا ضاق الوقت، كما إذا


1) المسائل الناصريات: 126، المسألة 33؛ السرائر 1: 101.

2) المراسم: 38

3) الحج (22): 29

4) سنن أبي داود 3 232، ح 3289؛ سنن ابن ماجة 1 687 ، ح 2126؛ الجامع الصحيح 4: 104، ح 1526.

كان النذر مؤقّتاً أو تضيّق بظنّ الموت فإنّه يحنث إن لم يأتِ بها، ووضووه صحيح؛ لعدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن الضدّ.واحتمال البطلان - لتعلّق النهي به باعتبار أنّ الشارع أوجب المتابعة في هذا الوضوء المعيّن، ونهى عن تركها، فيلزمه النهى عنه مجرّداً عنها - لا يخفى ضعفه.ولو نذر وضوءاً متابعاً فيه معيّناً، حنث بعدم فعله. فإن فَعَله بغير المتابعة ونوى أنّه وفاء للنذر، فسد على الظاهر، وإن أتى به لا بقصد أنّه وفاء، صحّ على الظاهر؛ لعدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن الضدّ.وخيال أنّ الجزء الواجب بالعارض كالواجب الأصلي يفسد العمل بفواته ونقصه كما ينقص الواجب الأصلي بعيد؛ لعدم تشخّص الواجب الأصلي بالواجب العارضي من جزء وغيره، فلو خلا منه صحّ الواجب الأصلي.وإن نذر وضوءاً مطلقاً، لم يحنث، ووجب عليه أداؤه، إلّا إذا تضيّق بوقتٍ أو بظنّ الموت، فإن أدّاه متابعاً برّ يمينه، وإن لم يؤدٍّه كذلك وجب عليه التأدية.ولا فرق بين تعلّق النذر بوضوء معيّن لفريضةٍ أو بوضوءٍ مطلق.ويجري الحكم لجميع هيئات الواجبات المندوبة، بل وجميع أجزاء الواجبات المندوبة، فتأمّل.

### أحكام الوضوء#### وهنا مباحث#### أحدها: اشتراط العقلُ والتمييزُوالاسلام والإیمان فی صحّۀ الوضوءيشترط في صحّة الوضوء العقلُ والتمييزُ إجماعاً، فلا يصحّ من المجنون، كغيره من العبادات.ويجوز وطؤ الحائض المجنونة وإن لم تغتسل؛ لعدم إمكان صدوره منها.واحتمال إيجاب تغسيلها على الزوج بعيد، كاحتمال جواز أمرها به وتولّي النية عنها.ويصحّ من المميّز، ويجوز له الصلاة به بعد بلوغه؛ لمشروعيّة عباداته؛ لصحّة تعلّق الخطاب به، وصحّة إيصال الثواب إليه، ولظهور الأمر بالأمر في الأمر، ولشمول خطاب الوضع له كـ«مَنْ توضّأ» و «مَنْ صلّى» وشمول خطاب الندب له وللسيرة القاضية بمعاملتهم معاملة البالغين عند صدور الطهارة منهم من مسّ كتابٍ أو اجتياز مسجدٍ أو لبثٍ فيه أو غير ذلك.ويشترط الإسلام والإيمان، فلا يصحّ من الكافر بأنواعه وإن وجب عليه، خلافاً لنادرٍ.وفي وجوبه على المرتدّ الفطري مع عدم إمكان صحّته منه كلام، أوجَهه: عدم الوجوب عليه إن أُريد به الطلب الحقيقي، ووجوبه إن أريد به الصوري المترتّب على تركه العقاب؛ لأنّ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار.ولو طهرت الذميّة من حيضها لم يصحّ منها الوضوء والغسل معاً، وجاز وطؤها للضرورة.ويحتمل إلزامها بالغسل صورةً، وعليه جمعٌ من أصحابنا، وهو أحوط.ولو ارتدّ الملّي بعد الوضوء، لم ينتقض وضوؤه استصحاباً، وعدم ثبوت كون الارتداد من النواقض. ولو ارتدّ في أثناء الوضوء، فالأوجّه: الصحّة ما لم تفت الموالاة، أو لم يتمكّن من المسح بالبلّة لنجاستها ولم نقل بطهرها ها تبعاً.

ولا يصحّ من المخالف، سواء أنكر الأئمّة(عليهم السلامأو بعضهم، أو قدّم غيرهم، أو أنكر عصمتهم على الأظهر، سواء أنكر مع ذلك ضروريّاً أم لا: للإجماع على بطلان عباداتهم، وللأخبار(1)الدالّة على اشتراط الإيمان، إلّا إذا استبصر فيصحّ منه إسقاطاً للقضاء والإعادة، لا لحصول الامتثال بما فعله على سبيل الكشف عند إيمانه أو النقل عنده؛ لمخالفته للقواعد، فيقتصر على اليقين من معنى الصحّة ، وهو سقوط القضاء.)والظاهر شمول الصحّة لما فَعَله موافقاً للرأيين منّا ومنهم أو موافقاً لرأيهم فقط؛ لشمول إطلاق فتوى المشهور والإجماع المنقول(2والأخبار(3)الحاكمة بعدم الإعادة عليهم في شيء عدا الزكاة من دون تفصيلٍ لما كان موافقاً لمذهبهم، وافق مذهبنا أم لا.)ويحتمل فيما وافق مذهبنا فقط الصحّة؛ لشبهة الأولويّة من المخالف له، والبطلان؛ لعدم تحقّق الأولويّة، وانصراف الأدلّة إلى الموافق لهم.وأمّا ما لم يوافق الرأيين فالأقوى لزوم الإعادة وعدم الصحّة.#### ثانيها: يشترط في صحّة الوضوء أخذه عن اجتهادٍ أو تقليد أو احتياطيشترط في صحّة الوضوء أخذه عن اجتهادٍ أو تقليد أو احتياط، معلوم جوازه عند علماء عصره؛ للإجماع المنقول على ذلك وفتوى المشهور، وظهور الأخبار الكثيرة به، وللأصل والاحتياط، سواء وافق فعله الواقع أم لا.والظاهر تخصيص ذلك بما إذا لم يكن في ضيق أو كان غير متمكّنٍ من الرجوع للمجتهد، أو كان في أثناء عملٍ لا يمكنه بطلانه، أو مطلقاً، أو كان مأخذه عمّن يتعسّر عليه الرجوع إلى غيره، كرجوع النساء إلى الرجال، والإماء إلى الموالي، والأبناء إلى الآباء، أو كان مأخذه عن طريق أخطأ فيه لعذر ، كما إذا اعتقد عدالة شخصٍ فتبيّن خلافها، أو إلى مجتهدٍ فتبيّن عدم اجتهاده أو عدالته ، فإنّ ذلك كلّه إذا وافق فتوى المجتهد وكان صدور الفعل منه من دون تزلزلٍ في نيّة القربة يقوى فيه القول بالصحّة؛ للسيرة القاطعة في بعضٍ، وللزوم العسر والحرج فی آخر ، ولما يظهر من سؤالات الأئمّة(عليهم السلاموتقريرهم في ثالث.)نعم، تجب عليه إعادة ما فَعَله بالحدس والتخمين والتظنّي؛ لأنّه مورد ما دلّ على الإعادة، فتأمّل.


1) وسائل الشيعة 1: 118 ، الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات.

2) المقاصد العلّية: 35

3) وسائل الشيعة 1: 125، الباب 31 من أبواب مقدّمة العبادات.

#### ثالثها: لا يصحّ الوضوء بماء مغصوب مع العلم بغصبهلا يصحّ الوضوء بماء مغصوب مع العلم بغصبه؛ للاحتياط الواجب بعد شغل الذمّة اليقيني، ولفتوى المشهور والإجماع المنقول(1، ولاستلزام الوضوء التصرّف بمال الغير المنهيّ عنه، فلا يصحّ به التقرّب، وللشكّ في شمول الأوامر لمثل هذا، بل لظهور تخصيص الأوامر المطلقة بهذا النهى عنه؛ لعدم جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد شخصيّ.)وما علم إذن المالك به أو ظنّ من القرائن اللفظيّة أو المعنويّة أو الفعليّة فليس من المغصوب.والظاهر أنّ التقديريّة - وهي أنّه لو علم لرضي - كالإذن التحقيقيّة الفعليّة.وما يشقّ التحرّز عنه ممّا كان في طرق المسلمين من الأنهار والقنوات والعيون فلا بأس باستعمالها للمستطرقين مع عدم نهي المالك للسيرة المستمرّة من المسلمين على ذلك، بل ومع نهيه؛ للإذن السماويّة ونفي الضرار على الأظهر، والاحتياط غير خفيّ.وجاهل موضوع الغصب يصحّ وضوؤه ؛ لعدم توجّه النهي إليه ، وكذا ناسيه إذا لم يكن النسيان عن عدم اعتناء واحتفال بالمغصوب، كما يفعله الغصّاب كثيراً، فإنّ هذا النسيان بحكم العمد، فيشكّ في شمول الخطاب له.وبعضهم أطلق عدم الصحّة حتّى مع الجهل والنسيان(2، وبعضهم فرّق بينهما(3). والحقّ ما ذكرناه.)والجهل بالحكم إن تعلّق بكون الغصب حراماً متخيّلاً حلّيّة مال الغير فالأظهر: الصحّة؛ لعدم توجّه النهي إليه، ولأنّه أعذر من جاهل الموضوع إذا لم يخطر له السؤال ببال، وإن خطر له السؤال بالبال أو كان جاهلاً بحكم الإفساد زاعماً أنّ الحرام يتقرّب به، فالأظهر: البطلان.ولو وضع الماء المغصوب فتقاطر فغسل بالباقي غسلاً كالدهن أو مسح به، احتُمل القول بالصحّة؛ لتنزيله منزلة التالف فيضمن المثل أو القيمة، ويصحّ التصرّف. واحتُمل البطلان؛ لأنّ الضمان لا يسوغ التصرّف بمال الغير، وكذا عدم التمكّن من الردّ -لعدم القابليّة لذلك أو للحجب - لا يسوغ التصرّف ، فالاحتياط يقضي بعدم الجواز، بل ربما يقال بوجوب الردّ ولو مع عدم الإمكان؛ لأنّ ما بالاختيار لا ينافيه، ولكنّ البناء عليه مشكل.


1) الحدائق الناضرة 2: 375

2) قواعد الأحكام 1: 207.

3) المقاصد العلية: 106.

والأظهر: أنّ المياه الجارية إنّما تحلّ للمارّين بها، دون الساكنين حولها ودون الغاصبين لها: اقتصاراً فيما خالف الأصل على مورد اليقين.والأظهر: وجوب تجنّب ما نهى المالك عنه من الأنهار الصغار الجارية في الطرق وإن حلّ استعمالها مع الجهل، بخلاف الكبار، فإنّ الأظهر: جواز الاستعمال ولو مع النهي، بخلاف المياه القليلة الموضوعة في الطرق أو في الأراضي المملوكة، فإنّها لا تحلّ إلّا بإذن المالك.ولا يشترط إباحة الآنية، فيصحّ أخذ الماء من آنية مغصوبة، أو ذهب أو فضّة والوضوء به، إلّا إذا انحصر الماء فيها، فلا يبعد الفساد، لانتقال الحكم إلى التيمّم فيقع وضوؤه من غير خطابٍ.وكذا لا يشترط إباحة موقع الماء؛ لعدم توجّه النهي إلى الوضوء، فيصحّ، إلّا إذا انحصر الموقع في المغصوب، فلا يبعد حينئذٍ الانتقال إلى خطاب التيمّم. والأحوط ترك العبادة؛ لشبهة توجّه النهي إليها؛ لصدق الانتفاع بمال الغير بوضوئه، فيكون منهيّاً عنه مطلقاً.#### رابعها: لا يصحّ الوضوء في مكان مغصوب فضاؤهلا يصحّ الوضوء في مكان مغصوب فضاؤه ؛لأنّ إجراء الماء في الغسل وإمرار اليد في المسح تصرّف في مال الغير فيتعلّق به النهي، ولأنّ التصرّف بمال الغير هو الانتفاع به بنوم أو جلوس أو غسل أو وضوء غَسْلاً أو مسحاً.واحتمل جمعٌ(1الصحّة؛ لعدم تعلّق النهي بالوضوء؛ لعدم تسميته تصرّفاً بمال الغير، بل التصرّف هو بالجلوس وشبهه، أو لعدم بطلان الوضوء بتعلّق النهي؛ لإمكان اجتماع الأمر والنهي.)وكلاهما ضعيف مخالف للقواعد الشرعيّة.ولو وجب الخروج على الغاصب، فالأقوى عدم جواز الوضوء له بخروجه؛ لاستلزامه تصرّفاً آخَر خارجاً عن الخروج.وأمّا المكان المغصوبة أرضه دون فضائه ومثله النعل والخُفّ والبساط عند الجلوس فالأقوى صحّة الوضوء عليها؛ لعدم صدق التصرّف بالوضوء فيها ولو كان مع الاعتماد عند المسح عليها.والمحبوس في المكان المغصوب يقوى القول بصحّة وضوئه؛ لإباحة الكون له، وعدم حصول ما يزيد عليه عند الوضوء؛ لأنّ جميع أعضائه لا بدّ لها من كونٍ يشغلها، فلا فرق بين رفعها ووضعها وبين إبقائها.


1) منهم المحقق الحلّي في المعتبر 2: 109؛ والعاملي في مدارك الأحكام 3: 218.

والأقوى عدم الصحّة؛ لاستلزام الوضوء تصرّفاً زائداً على نفس الكون وانتفاعاً آخَر، فيتعلّق به النهي.وعلى الصحّة فالأحوط التأخير إلى الضيق.ولو حبسه المالك في بيته، فالأظهر: جواز الوضوء والصلاة؛ لإسقاط حرمة ماله بوضع المسلم فيه من غير حقٍّ.ولو لم يجد المحبوس في المكان المغصوب سوى الماء المغصوب، وجب تركه.وهل يجوز التيمّم بالتراب المباح أو بالتراب المغصوب في الأرض على وجهٍ يستلزم تصرّفاً زائداً على مجرّد المماسّة من علوق وشبهه، أم لا؟والأظهر: عدم جواز التيمّم، وصيرورته كفاقد الطهورين؛ لما ذكرنا من استلزام التيمّم والوضوء تصرّفاً زائداً.#### خامسها: لا يصح ّالوضوء بالمضافلا يصح ّالوضوء بالمضاف؛ للإجماع المنقول(1وفتوى الأصحاب، وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا)(2)لظهور لفظ الماء في الماء المطلق، ولظواهر الأوامر بالغسل(3). الظاهرة في الماء المطلق، وللأخبار الدالّة على أنّ الوضوء بالماء(4)، وهو ظاهر في المطلق، وللاحتياط، ولأنّه المعهود، وللتأسّي، ولقوله: «لا تُقبل الصلاة إلّا به»(5)ولم يتوضّأ إلّا بالمطلق. والظاهر أنّ الإجماع على ذلك محصّل لا يحتاج إلى الاستدلال.

فما ذهب إليه الصدوق(6)والعمّاني(7)من جواز الوضوء بماء الورد؛ لما ورد من جواز الوضوء بماء الورد(8)، وهو مع ضعفه سنداً ودلالة- لاحتمال كونه «الورد» بكسر الواو، واحتمال كونه طرح فيه ورد، لا أنّه معتصر، واحتمال إرادة التنظيف من لفظ الوضوء - لا يقاوم ما ذكرنا، بل لا بدّ من طرحه.


1) غنية النزوع 1: 50.

2) النساء (4): 43: المائدة (5): 6

3) وسائل الشيعة 1: 387 و 390 و 397 - 399، الباب 15 من أبواب الوضوء، مع 1، 5، 19 و 22.

4) المصدر: 387 - 393 و 398 - 399، ح 2 - 12 و 22.

5) المصدر : 438، الباب 31 من أبواب الوضوء، ح 11.

6) الهداية: 65 الفقيه 6:1، ذيل الحديث 3.

7) كذا قوله: «والعماني» في النسخ الخطّية، والظاهر زيادته، حيث ينقل المؤلّف - بُعَيدَ ذلك - عنه جواز الوضوء بماء الورد للضرورة لا مطلقاً.

8) وسائل الشيعة 204:1، الباب 3 من أبواب الماء المضاف... ح 1.

ونُسب لابن أبي عقيل جواز ذلك للضرورة(1)؛ حملاً للرواية على حالة الاضطرار، ولقربه من الماء عند عدم التمكّن منه. و هُما ضعيفان.

وشرطه وجوديّ لا علميّ، يعيد المتوضّئ به مطلقاً جاهلاً أو عالماً.

ولو تعسّر ما يسع الوضوء من المطلق وأمكن تحصيله بمزج المضاف معه، فهل يجب؛ لأنّه مقدّمة للواجب المطلق فيجب تحصيله، وللشكّ في مشروعيّة التيمّم والحال ذلك، ولأنّ الظاهر من قوله تعالى:فلم تجدواأي لم تتمكّنوا؛ أو لا يجب فيسوغ له التيمّم؛ لأنّ الوضوء واجب مطلق للواجد دون الفاقد، ومشروط بالنسبة إلى الفاقد أو لأنّ الواجه تحصيل الماء الموجود لا إيجاد الماء المعدوم، ولأصالة البراءة ؟ وجهان، أحوطهما الأوّل، وأقواهما: الثاني.

سادسها: لا يصحّ الوضوء بماء نجس

لا يصحّ الوضوء بماء نجس إجماعاً، والفتاوى والنصوص(2)مستفيضة بمنعه، بل بمنع المشبه به، والحرمة التشريعيّة لا شكّ فيها.

والظاهر ثبوت الحرمة الأصليّة له؛ لظاهر النواهي.

واشتراط طهارة الماء شرطُ وجوديّ موجب للإعادة في الوقت وخارجه عمداً أو سهواً أو جهلاً بالحكم أو الموضوع أخذاً بالاحتياط في مقام الشكّ، وشرطيّة ما شكّ في شرطيّته، وبظاهر اتّفاق الأصحاب إلّا مَنْ شذّ وندر ، ولاقتضاء النهي فساد المنهيّ عنه ؛ لظهور بيان المانعيّة منه، فلا يتفاوت بين العالم والجاهل.

وقيل بعدم إعادة الجاهل بعد خروج الوقت(3)لأنّ امتثال الأمر يقضي بالإجزاء، ولأنّ القضاء يحتاج إلى دليل ، ولأنّ النجاسة هي ما عُلمت نجاستها دون ما كانت متّصفةً بذلك بالواقع لقوله(عليه السلام): «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر »(4)، فإذا علمت فقد قذر، ولأنّ الناس في سعة ما لم يعلموا، فالجاهل معذور لجهله، ولأنّ النواهي منصرفة للعالم دون الجاهل؛ لقبح تعلّق التكليف به.


1) نسبه إليه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 57:1، المسألة 30.

2) وسائل الشيعة 1: 137 - 140، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، ح 1، 3، 6،4 و 8

3) قاله الطوسي في المبسوط 13:1.

4) وسائل الشيعة 3: 467 ، الباب 37 من أبواب النجاسات، ح 4.

وفي الجميع بعدما سمعت من ظهور الفتاوى والنصوص بالشرطيّة الواقعيّة حتّى النواهي منها؛ لظهورها في المانعيّة - نظر ظاهر لا يخفى على المتأمّل.

سابعها: تجب إزالة المانع عن موضع الغَسْل والمسح ماسحاً أو ممسوحاً

تجب إزالة المانع عن موضع الغَسْل والمسح ماسحاً أو ممسوحاً، فتوىً وروايةً(1).

ومَنْ كانت على أعضائه جبائر- من ألواح أو خرق أو أدوية من لطوخ وشبهه - لكسر أو جرح أو قرح أو شبهها، وجب نزعها إن أمكن بلا مشقّة من ضرر أو ألم أو عسر، وغّسْلها في الماء أو تكرير الماء عليها بحيث يحصل لها الغَسْل و الجريان، ويجب ذلك مخيّراً فيه لحصول الغسل فيه.

و إن لم يحصل في التكرير مع الشدّ غَسْلٌ وجريان، بل حصلت مجرّد الإصابة، وجب مرتّباً بعد عدم إمكان النزع؛ لعموم «لا يسقط»(2)و «ما لا يدرك»(3)وللموثّق في ذي الجبيرة: «فليضع إناءً فيه ماء ويضع موضع الجبيرة في الإناء حتّى يصل إلى جلده، وقد أجزأه ذلك من غير أن يحلّه»(4).

والظاهر مساواة المسح للغَسْل في وجوب الوضع لتحصيل مماسَة الماء مهما أمكن، ولظاهر هذا الموثّق.

ويحتمل قويّاً أنّ مع عدم إمكان النزع ينتقل في المسح إلى المسح عليها، ولا يجب عليه وضعها في الماء؛ لأنّ المتيقّن من ذلك وروده في الغَسْل دون المسح.

والأحوط الجمع بينهما، والأحوط منه: التيمّم بعد ذلك.

وإن لم يمكنه نزع الجبيرة أو غَسْل المحلّ معها ولا إيصال الماء، فإمّا أن يمكنه نزعها ومسح المحلّ أو لا.

فإن أمكنه نزعها أو مسح المحلّ، وجب على الظاهر؛ للاحتياط، وعموم «ما لا يدرك»(5)ولأنّه توصّل للماء مهما أمكن.


1) وسائل الشيعة 1 : 455 و 456 ، الباب 37 من أبواب الوضوء ، ح 1 و 4، و 459 و 462 ، الباب 38 من تلك الأبواب ، ح 7 ، 9 و 19.

2) تقدّم تخريجه في ص 208، الهامش (6).

3) تقدّم تخريجه في ص 208 ، الهامش (7)

4) وسائل الشيعة 1: 465 ، الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 7 بتفاوت في بعض الألفاظ.

5) تقدّم تخريجه في ص 208 الهامش (7).

ولو دار الأمر بين نزعها ومسح المحلّ وبين إبقائها وإيصال الماء إليها من دون غَسْلٍ تخيّر على الظاهر، مع احتمال تقديم الثاني، كما يظهر من الفتوى والرواية.

والأحوط الجمع بين المسح على المحلّ والمسح على الجبيرة؛ لشبهة الأخذ بإطلاقات الأدلّة الدالّة على المسح عليها مطلقاً بعد عدم التمكّن من نزعها وغَسْلها وعدم التمكّن من إيصال الماء إليها.

ولو لم يمكنه مسح المحلّ ،مسح عليها؛ للإجماع المنقول(1)وفتوى المشهور، ولقوله(عليه السلام)في مَنْ به الجروح والقروح ويعصّبها بالخرقة، فقال: «إن كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة»(2)وللآخر : في مَنْ جعل على إصبعه مرارة« امسح عليها »(3)وللآخَر: «إن كان يتخوّف على نفسه فليمسح على جبائره »(4)، وللآخَر في الدواء على يد الرجل قال: «يجزئه أن يمسح عليه»(5).

ولا يعارضها ما ورد من الروايات المتكثّرة الآمرة بالتيمّم لمن كان به القروح والجروح والجدري، والناهية عن الغسل(6)لرجحان تلك عليها بفتوى المشهور والاحتياط، ولورود هذه في الغسل وورود تلك في الوضوء، أو فيما هو أعمّ منه ومن الغُسل، فالواجب تخصيص تلك بهذه، أو حمل هذه على حصول الضرر بغَسْل ما حول الجروح والقروح من البدن، أو بتكشّف البدن للغُسل ونزع الثياب عنه من جهة بردٍ وشبهه، أو الضرر بالمسح عليها نفسها؛ لأنّها مكشوفة وتضرّها الرطوبة، أو حملها على صورة كثرة الجروح والقروح في البدن بحيث لا يتمكّن من غَسْل شيء من بدنه كما يشعر به خبر المجدور(7)، ولا يتمكّن من وضع جبيرة عليه؛ لاستلزامه استیعاب جميع البدن أو على نجاسة بدنه بحيث لا يتمكّن من إيصال الماء ولا يتمكّن من تجبيره كلّه، فإنّ الظاهر في أكثر ما ذكرناه لزوم التيمّم وإن كان في جملة منها الأحوط الجمع بين الغُسل والتيمّم.


1) الخلاف 1: 158 - 159، المسألة 110؛ تذكرة الفقهاء 207:1، المسألة 59.

2) وسائل الشيعة 1: 463، الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 2.

3) المصدر: 0464 ح 5

4) المصدر: 465. ح 8

5) المصدر: 465 - 466. ح 9.

6) المصدر 3: 346. الباب 5 من أبواب التيمم.

7) المصدر : 346 الباب 5 من أبواب التيمم، ح 1 و3.

وكذا لا يعارضها ما دلّ على الأمر بغَسْل ما ظهر ممّا عليه الجبائر وترك ما سوى ذلك، و بغَسْل ما حول الجرح في الروايات(1)المعتبرة؛ لجواز الأخذ بكلٍّ منهما؛ لعدم التنافي بين غَسْل ما حول الجرح وبين المسح عليه، وعدم التنافي بين ترك ما سوى ذلك بالنسبة إلى الغَسْل و بين عدمه بالنسبة إلى المسح عليه، ولجواز حمل الأمر بغَسْل ما حوله فيما ورد في الجروح على صورة ما إذا كان الجرح مكشوفاً غير معصّب.

ولو سُلّم حصول التعارض ، فالترجيح للأخبار الموجبة للمسح ؛ لقوّتها على الأخبار الموجبة لغَسْل ما حولها، والتعارض فرع المكافأة.

والجمع بحمل ما دلّ على المسح على الندب، وما دلّ على غَسْل ما حولها على الوجوب كالجمع بالتخيير ضعيف؛ لتأديته إلى طرح أخبار المسح الظاهرة في الوجوب، المعتبرة بدليل النقل والاحتياط.

ومَنْ لم تكن على أعضائه جبائر، بل كانت مكشوفةً ، فالأقوى لزوم المسح عليها عند عدم إمكان غَسْلها؛ لعموم «لا يسقط»(2)وللاحتياط. فإن لم يمكن المسح عليها إلّا بوضع خرقةٍ عليها وضعها، ومسح عليها؛ للاحتياط، وللقرب من الحقيقة مهما أمكن، ولجَعْل الشارع لها حكم البدليّة.

ولو كانت البشرة نجسةً، فهل يقدّم المسح عليها ؟ للقرب من الحقيقة، أم يوضع عليها خرقة فيمسح(3)عليها ؟ لفوات شرط المسح على البشرة من طهارة المحلّ فيفوت المشروط، فلا يكون أقرب من وضع الخرقة والمسح عليها؛ لصيرورتها بدلاً عند عدم الإمكان في الجملة.

والأحوط الجمع بين المسحين، وأحوط منه: ضمّ التيمّم إليهما.

ولو كانت نفس الجبيرة نجسةً، فالأقرب وجوب وضع خرقةٍ طاهرة عليها والمسح عليها؛ لانتقال حكم البشرة إليها، ولا يجوز المسح على النجس على الأظهر، طلباً للاحتياط، وخروجاً عن شبهة الخلاف، وتدانياً للأقرب إلى الحقيقة.

ويجب استيعاب الجبيرة بالمسح؛ لصيرورتها بدلاً عن البشرة في الغسل، وللاحتياط.


1) وسائل الشيعة 1: 463 - 464. الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 1 - 4.

2) تقدّم تخريجه في ص 208 الهامش (6).

3) في «ق»: «ويمسح».

نعم، لا يجب استيعاب الثقوب والتجسّس عمّا يكون بين الخيوط والطرائق.

ويكفي المسح بالبلّة ولو كالدهن فلا يكفي الإمرار مع الجفاف؛ لعدم تبادره من النصّ والفتوى، وللاحتياط.

ولا يجب الإجراء- كما تخيّله بعض الأعلام(1): لقربه إلى الغَسْل مهما أمكن - لمنافاته إطلاقات المسح في النصّ والفتوى.

والأحوط عدم نيّة الغَسْل مطلقاً، كما أنّ الأحوط لزوم تخفيف الجبائر مهما أمكن؛ للاحتياط في القرب إلى البشرة مهما أمكن.

والعضو المريض إذا تضرّر بالغَسْل كالرمد وشبهه وجب الانتقال للتيمّم، وكذا الخائف من بردٍ وشبهه، وكذا لو كان الجرح في غير مواضع الطهارة ولكن تتضرّر منه أعضاء الطهارة.

ولو زادت الجبيرة عن محلّ الجرح والكسر على النحو المعتاد، فإن أمكن غَسْل الزائد من دون مشقّةٍ وجب، وإلّا مسح على الزائد والأحوط الجمع بينه وبين التيمّم.

ولو وضعت الجبيرة مع عدم الحاجة إليها ولكنّها شقّ رفعها بعد ذلك، جرى عليها الحكم، والأحوط الجمع بين المسح والتيمّم.

ولو التصق بمحالّ الوضوء ما لا يمكن رفعه من قير وشبهه، جرى عليه الحكم، والأحوط ضم التيمّم، سيّما لو كان الموضوع بالاختيار . وأحوط من ذلك إعادة الصلاة بعد ذلك في الصورة الأخيرة.

ولو كانت على العضو نجاسة لا يمكن رفعها، كان الأحوط الجمع بين وضع جبيرةٍ والمسح عليها، وبين التيمّم.

ومَنْ أمكنه رفع الجبيرة والمسح لزم عليه أن يجعل ما يمكن رفعه أو ما يمكن إيصال الماء إليه، فإن وضع باختياره ما لا يمكن، فالأحوط الجمع بين المسح والتيمّم، وإعادة الصلاة بعد ذلك أحوط.

ولو كانت الجبيرة في مواضع الماسح، مسح بها؛ لقوله(عليه السلام):« يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(2)»(3).


1) العلّامة الحلّي في نهاية الإحكام 1: 65.

2) الحجّ (22) :78

3) وسائل الشيعة 1: 464. الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 4.

ولو كانت في مواضع التيمم تيمّم عليها ماسحاً وممسوحاً.

ومَنْ لم يمكنه المسح على الجبيرة خوفاً من الألم أو غير ذلك، احتُمل الاكتفاء بغَسْل ما حولها؛ للصحيح(1)الوارد بذلك بحمله على ذلك. واحتُمل وجوب التيمّم، والجمع أحوط.

وقد تُبنى كثير من الفروع على أنّ الأصل في غير ما انعقد على وجوب المسح عليه الإجماع، وصرّحت به الأخبار هل هو التيمّم؟ لأنّه الأصل في فقدان الطهارة الاختياريّة، أو هو الوضوء؛ لوجوب التوصّل إلى الغَسْل والمسح مهما أمكن كوضوء التقيّة، والأقطع وشبههما.

والأقوى الأوّل؛ لقوّة دليله، وإن كان في الثاني قوّة، ولذلك كان الجمع أحوط.

ولمّا كان مورد الإجماع المنقول وفتوى المشهور هو وجوب المسح على الجبائر إذا وُضعت مع الحاجة وكانت طاهرةً ولم يمكن إيصالها للماء ولا إيصال الماء إليها، لزم القول به.

وخيال التخيير بين المسح عليها وغَسْل ما حولها - مع ضعفه؛ لقلّة القائل به، واستلزامه التخيير بين وجود الشيء وعدمه - لا داعي إليه؛ لعدم التعارض كما بيّنّاه.

وبقي ما لم يكن مورداً للإجماع والأخبار الصريحة من كسر وجرح مكشوفين لم يمكن غَسْلهما ولا مسحهما، فإنّ من الأدلّة ما يقضي بإجرائهما مجرى المستور(2)، ومن الأدلّة ما يقضي بكفاية غَسْل ما حولهما(3)، ومن الأدلّة ما يقضي فيه بإيجاب التيمّم(4)، وهي وإن وردت في الغُسل لكن لا فارق بين الطهارتين ممّن يعتدّ به، فيشكل فيها الأمر.

والجمع بالتخيير أو تعيين التيمّم لا قائل به ممّن يعتدّ به في مقابلة المشهور.

والأخذ بأخبار غَسْل ما حوله قويّة لولا أنّها غير معارضة صريحاً لما دلّ على المسح على الجبائر، فيمكن الجمع بينهما؛ لتوقّف يقين البراءة عليه، ولفتوى جُلّ الأصحاب به، ولجَعْل الشارع الجبيرة بدلاً في الجملة عن البشرة، ولقربها إلى غَسْل المحلّ في الجملة، فيغسل ما حوله ويمسح عليه، فكان الأقوى وجوب المسح عليها، والأحوط الجمع بينه وبين التيمّم.

ومثل الكسر والجرح المكشوفين الجبيرة النجسة، وما لم يمكن إمرار اليد عليه وغير ذلك ممّا ذكرناه، فإنّ الأحوط الجمع بينه وبين التيمّم.


1) وسائل الشيعة 1: 463 - 464 ، الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 2.

2) راجع المصدر : 463 ، الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 1 و 2.

3) المصدر: 463 - 464، ذيل الحديث 2. و ح 3 و 4.

4) المصدر 3:347 - 348 ، الباب 5 من أبواب التيمّم، ح 5 7 - 12.

وبالجملة، فالصور في المقام تنتهي إلى ستين صورة، وفي أكثرها الاحتياط.

وذلك لأنّ ما في المحلّ إمّا أن يكون كسراً أو غيره، وعلى كلّ حال فإمّا أن يكون مشدوداً أو مكشوفاً، وعلى كلّ حال فإمّا أن يستوعب العضو أم لا، وعلى كلّ حال فإمّا أن يكون في مكان الغَسْل أو المسح، وعلى الأخير فإمّا أن تكون على الماسح أو الممسوح، والمشدود إمّا أن يمكن نزعه أم لا، والثاني إمّا أن يمكن إيصال الماء إليه أم لا، والشدّ إمّا أن يكون ظاهراً أم لا، والثاني إمّا أن يمكن تطهيره أو وضع طاهر عليه أم لا، والمكشوف إمّا أن يمكن مسحه أم لا، والأوّل إمّا أن يكون طاهراً أو لا، والثاني إمّا أن يمكن وضع شيء عليه أم لا، إلى غير ذلك من الصور للمتأمّل.

ثامنها: هل یشترط طهارۀ محالّ الوضوء قبل غَسْلها؟

يقوى القول بعدم اشتراط طهارة محالّ الوضوء قبل غَسْلها، فيجوز أن يرفع الغَسْل الواحد الخبث والحدث معاً ما لم يتنجّس الماء، كما إذا كان قليلاً، بل يجوز أن يرفع الغَسْل بالماء الحدث وإن بقي الخبث، كما إذا غسل العضو في كُرٍّ وكان نجساً ببولٍ، وقلنا باحتياج البول للمرّتين حتّى في الكُرّ ونوى رفع الحدث بغَسْله الأوّل، فإنّه لا يبعد القول بصحّة الوضوء ما لم يستلزم المسح بماءٍ نجس.

ولكنّ الأحوط : طهارة المحلّ، وعدم الاجتزاء بغَسْلٍ واحد للحدث والخبث. ويشتدّ الاحتياط في الصورة الأخيرة؛ لاستبعاد ارتفاع الحدث وبقاء ما هو أغلظ منه على نفس العضو حال غَسْله، والشكّ فيه من المعتبر، فالاحتياط فيه لازم.

تاسعها: مَنْ كان مستديم الحدث

مَنْ كان مستديم الحدث من بولٍ أو غائط أو ريح أو نوم أو استحاضة قليلة -ومثله مستديم الحدث الأكبر على الظاهر - وكان حدثه متّصلاً، ليس له فترة تسع طهارته وصلاته ولا طهارته فقط ولا صلاته فقط، وجبت عليه الصلاة قطعاً، ولا يكون كفاقد الطهورين، ولا ينتقل إلى التيمّم قطعاً، بل يجب عليه الوضوء في الجملة، ووضع خريطة لحفظ ثيابه وصون بدنه و ثيابه عن انتشار النجاسة؛ لأنّ تقليل الخبث مهما أمكن أولى؛ لعموم «ما لا يدرك»(1)وللاحتياط، وللأخبار(2)الآمرة بوضع الخريطة، المعتبرة نقلاً(3)، والمنجبرة بفتوى الأصحاب دلالةً.


1) تقدّم تخريجه في ص 208 ، الهامش (7).

2) وسائل الشيعة 1: 297 و 298، الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء، ج 1، 2 و 5.

3) رياض المسائل 1: 163

ولكنّه هل يجب عليه وضوء واحد ولو صلّى به جميع الصلوات ومرّت عليه جملة من الأوقات؟ استناداً للعمومات(1)الآمرة بالوضوء للصلاة، وقد حصل من دون أن يحصل ما ينقضه من حدثٍ آخَر، أو من انقطاع هذا وحدوثه، فالاستصحاب يقضي ببقاء أثره. وإلى موثّقة سماعة: « فليضع خريطة وليتوضّأ فليصلّ فإنّما ذلك [ بلاء ] ابتلي به، فلا يعيدنّ إلّا من الحدث الذي يتوضّأ منه»(2)وظاهره أنّ المراد بالحدث هو غير المستديم أو ما كان جارياً على نحو العادة بعد الانقطاع.

أو يجب عليه لكلّ صلاة وضوء؟ اقتصاراً فيما خالف الأصل- من جواز اجتماع الوضوء مع الحدث - على مورد اليقين، واقتصاراً على جادّة الاحتياط بعد شغل الذمّة اليقيني، ووفاقاً لفتوى الأكثر(3)، وأخذاً بعموم الأمر بالوضوء لكلّ صلاة، خرج المتطهّر ويبقى الباقي، ولقوله: «ولا يعيدنّ إلّا من الحدث الذي يتوضّأ منه »(4)فإنّه شامل لجميع الحدث، خرج المتقاطر في الأثناء ويبقى الباقي.

أو أنّه يجب عليه الوضوء لصلاتي الظهر والعصر معاً يعجّل إحداهما ويؤخّر الأُخرى، وكذا المغرب والعشاء، وتختصّ صلاة الصبح بواحدٍ على حدة كباقي الصلوات الأُخَر من نوافل وقضاء وآيات؟ استناداً في الأوّل إلى صحيحة حريز، الآمرة بوضع الكيس فيه القطن ووضع الذكر فيه، والجمع بين صلاتي الظهر والعصر يؤخّر هذه ويعجل الأُخرى، وكذا المغرب والعشاء كلٌّ منهما بأذان وإقامتين، وكذلك يفعل في الصبح(5)، فإنّ الأمر بالجمع والتعجيل ظاهر في كفاية وضوءٍ واحد لهما، وفي الثاني إلى الاحتياط، وإلى أنّ بقاء الحدث منافٍ للوضوء، فيفعل ما هو المتيقّن لفراغ الذمّة، ولعموم الأمر بالوضوء لكلّ صلاة(6)، خرج المتطهّر بالإجماع فيبقى الباقي.


1) منها: الآية (6) من سورة المائدة (5).

2) وسائل الشيعة 1: 266، الباب 7 من أبواب نواقض الوضوء، ح 9 ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

3) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف 1 249 المسألة 221 وابن إدريس في السرائر :1 350 والشهيد في الدروس الشرعية 94:1

4) راجع الهامش (2).

5) وسائل الشيعة 1: 297، الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1.

6) منها: الآية ( 6) من سورة المائدة (5).

والأقوى في النظر هو الأول؛ لعموم أدلّة نفي العسر والحرج(1)، ولإطلاق كثير من الروايات(2)بالأمر بالوضوء، ولظهور إلغاء هذا الحدث من الشارع في خصوص المقام.

ولكنّ الأحوط ما عليه الأكثر، وعليه فتجب المبادرة العرفيّة لا الحكميّة، ويغتفر الأذان والإقامة والمستحبّات.

و مستديم الحدث لو حصلت له فترة معلومة أو مظنونة ظنّاً قويّاً وجب عليه انتظارها إذا كانت تسع للصلاة والطهارة، مع احتمال عدم الوجوب؛ لتعلّق الخطاب بالمكلّف في كلّ جزءٍ من أجزاء الزمان، فيصحّ منه الامتثال بإيقاع الاختياريّ أو بدله. وإن لم يعلم أو يظنّ، فالأظهر: عدم وجوب الانتظار عليه؛ للأصل، والاستصحاب، ولما قدّمنا.

وإن لم تكن له فترة تسعهما، فإن وسعت الصلاة أخّر الصلاة إليها لتخفيف النجاسة فيها، وقدّم الوضوء مصاحباً للحدث؛ لأنّ تأثيره مع ارتفاعه أولى. وإن وسعت الوضوء جعلها في الصلاة أيضاً ولو في بعض منها، وقدّم الوضوء مقارناً للحدث، وكذا إن وسعت بعض الصلاة والوضوء، كما إذا انقطع الحدث في أثناء الصلاة، فإنّه في جميع هذه الصور يستمرّ على عمله إلّا في صورة ما إذا قارن وضوؤه الحدث وحصلت له فترة بعده طويلة بحيث تسع طهارته وصلاته، أو حصل بها البرء وكان ذلك معلوماً لديه، فإنّه يعيد ما فَعَل إذا كان معلوماً، ولو لم يكن ذلك معلوماً حتّى صلّى، فالأظهر: الصحّة، والأحوط الإعادة.

ولو حصلت الفترة مقارنةً للوضوء ففاجأه بعدها الحدث، أعاد الوضوء على الأظهر.

ولو فاجأه في أثناء صلاته، فالأظهر: أنّه يتطهّر في أثنائها ويبني على ما تقدّم، سواء عرف عند ما فاجأه الحدث بأنّ له فترة تسع الطهارة والصلاة أم لا، ملازماً على تحصيل الشرائط مهما أمكن من استقبالٍ وسترٍ و عدم فعلٍ كثير وكلامٍ وغيره.

ولو لم يمكنه ذلك، فَعَل ما أمكنه، سوى الكلام وشبهه ممّا كان خارجاً عن لوازم التطهير، فإنّه مبطل على كلّ حال.

والدليل على ذلك فتوى الأكثر(3)من الأخيار وجملة من الأخبار الواردة في المبطون(4)،


1) البقرة (2) 185: الحجّ (22): 78

2) راجع وسائل الشيعة 1 365 - 367 ، الباب 1 من أبواب الوضوء، الأحاديث 1، 6،4 - 9.

3) منهم: ابن حمزة في الوسيلة: 114؛ وابن إدريس في السرائر 349:1 - 350؛ والعلّامة الحلّي في منتهى المطلب 2: 138

4) وسائل الشيعة 1: 297 - 298 ، الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء، ح 3 و 4.

ولا فرق بينهما؛ لاتّحاد حدثهما . ففي خبر ابن مسلم :« صاحب البَطَن الغالب يتوضّأ ويبني على صلاته»(1).

والظاهر أنّه لا يضرّ وجود عليّ بن أحمد البرقي وأبيه في السند(2)لأنّ وجودهما لاتّصال السلسلة، وإلّا فالكافي(3)ناقل عن الأصل نفسه، و هُما من مشايخ الإجازة.

ودلالتها ظاهرة في إرادة الوضوء في أثناء الصلاة لا الوضوء والبناء قبلها.

وفي الموثقة بابن بكير - الذي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه -: «صاحب البَطَن الغالب يتوضّأ ثمّ يرجع في صلاته ويتمّ ما بقي»(4).

وفي الصحيح في مَنْ يجد غمزاً أو أذىً أو ضرباناً في صلاته: أنّه ينصرف ويتوضّأ ويبنى على ما مضى من صلاته ما لم ينقض الصلاة بالكلام متعمّداً(5)، فإنّها شاملة للمبطون وغيره، خرج غيره بالإجماع وبقي هو داخلاً في الحكم.

ونحوها خبر القمّاط الدالّ على من أصابه أذىً من البول في الركعة الأُولى أو الثانية أو الثالثة: ينصرف لقضائه ويبني على ما مضى من صلاته من الموضع الذي خرج منه(6).

والعلّامة(رحمۀ الله علیه)(7)وجماعة (8)لم يوجبوا الوضوء والبناء؛ لأنّ ما يفجئه لو كان ناقضاً للطهارة لكان مبطلاً للصلاة، وللأصل، وللاحتياط عن الفعل الكثير من الوضوء ولوازمه، ولأنّه ربما يفتقر إلى تكريره فيخلّ بهيئة المصلّى، ولضعف دلالة الأخبار المتقدّمة؛ لاحتمال الأوّل ؟ الوضوء قبل الصلاة، والثاني(9)الوضوء لما بقي من صلاة أُخرى، والثالث(10)الوضوء لتلك


1) الفقيه 1: 363، ح 1044.

2) المصدر 424:4 (المشيخة).

3) الكافي 3 411 ، باب صلاة الشيخ الكبير والمريض، ح 7.

4) وسائل الشيعة 1: 298 ، الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء، ح 4.

5) المصدر : 235، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، ح 9.

6) المصدر: 237، ح 11. قواعد الأحكام 1: 205

7) منهم: ابن فهد الحلّي في المقتصر : 48 والمحقق الكركي في حاشية شرائع الإسلام 1: 53 (ضمن: حياة المحقق الكركي وآثاره، ج 10).

8) أي : خبر ابن مسلم تقدّم آنفاً.

9) أي الموثّقة بابن بكير.

10) أي الصحيح.

الصلاة وإرادة أنّه يجد ذلك في صلاته، أي عند التهيّؤ لها والعزم عليها، وإرادة الماضية من الصلاة المأمور بها بالبناء عليها، وضعف الأخير(1)سنداً.

نعم، في صورة ما إذا فاجأه الحدث وكانت له فترة تسع الطهارة والصلاة، فإنّه هناك أوجب الاستئناف والإعادة من رأس ، كما نقل عن المختلف(2)لعموم الدليل، وللاحتياط.

وما قاله هو الأقرب في المقامين والأوفق لعمومات الأدلّة والاحتياط، والأوّل- وهو البناء على ما مضى مطلقاً بمجرّد تسميته مبطوناً أو مسلوساً - قويّ أيضاً، سيّما في المبطون؛ لأنّه مورد الروايات وجملة من كلام الأصحاب.

عاشرها: لو تيقّن الطهارة وشكّ في الحدث، أو العكس

لو تيقّن الطهارة وشكّ في الحدث، أو العكس، بنى على المتيقّن، ولا ينقض اليقين بالشكّ؛ للإجماع، والأخبار(3)الدالّة على ذلك والناهية عن الوضوء للمتوضّئ قبل يقين الحدث، الظاهرة في التحريم مطلقاً، ولكنّها مخصّصة بالوضوء التجديدي لمشروعيّته بعد يقين الطهارة، أو خاصّة بالوضوء المنويّ به رفع الحدث بعد يقين ارتفاعه كما يُفهم منها، أو في المنويّ به الوجوب دون الندب.

وفي تجديد الوضوء احتياطاً -لاحتمال وقوع الحدث - إشكال، والأحوط تركه.

نعم، تجديده لاحتمال وقوع خلل فيه لا بأس به؛ لعوده إلى عدم اليقين بالوضوء السابق، ولكنّه أيضاً مع الانصراف أو الدخول في عملٍ آخَر لا يبعد أنّ الاحتياط بتجنّبه.

ويراد هاهنا بعدم نقض اليقين بالشكّ ما يعمّ الظنّ إجماعاً ؛ لعدم ابتناء المسألة على مجرّد حجيّة الاستصحاب فقط كي يناقش في حجيّته مع طروء الظنّ بخلافه، أو مع عدم حصول الظنّ معه، بل على الظاهر من الأخبار؛ لاشتمالها على عدم جواز نقض اليقين إلّا بيقين آخَر، فيُحمل على ذلك لفظ الشكّ؛ لاستعماله فيما يشمل الظنّ كثيراً، وكذا على الظاهر من استقراء الأخبار وكلام الأصحاب في مقامات متعدّدة دالّة على أنّ حكم الظنّ حكم الشكّ، فلا شكّ بعد ذلك في المقام.


1) راجع الهامش (6) من ص 251

2) مختلف الشيعة 146:1، المسألة 98

3) وسائل الشيعة 1: 245 - 247 ، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1، 6 و 7.

والمراد بعدم انتقاض اليقين بالشكّ هو عدم نقض اليقين المتعلّق بالشيء سابقاً بالشكّ الحاصل في زواله لاحقاً، فمورد اليقين والشكّ مختلف وإن وقعا في زمنٍ واحد، ولا بأس بذلك.

فما استشكله بعضهم من اجتماع اليقين والشكّ مع تضادّهما(1)، فهو من الإشكال في غير محلّه.

حادي عشرها:حکم ما لو تيقّن الطهارة والحدث وشكّ في السابق ولم يعلم التاريخ في أحدهما أو علم

لو تيقّن الطهارة والحدث وشكّ في السابق ولم يعلم التاريخ في أحدهما، أعاد الطهارة؛ لتعارض الأصلين وتساقطهما، فيبقى وجوب الاحتياط في فراغ الذمّة سليماً عن المعارض، ولفتوى مشهور الأصحاب، وللرضوي(2)المنجبر بفتواهم الدالّ على وجوب الإعادة.

والنهي عن إحداث وضوء لمن تيقّن أنّه توضّاً (3)ظاهر في غير هذه الصورة؛ لحصول اليقين في الحدث فيها في الجملة، فلا تدخل تحت الخبر ، فلا يصلح أن يكون ردّاً على مَنْ أوجب الوضوء، كما لا يصلح أن يكون ورود عمومات الوضوء في المحدثين ردّاً عليه من جهة عدم تيقّن حدثه؛ لأنّ هذا متيقّن الحدث فتشمله العمومات، ويقين الطهارة لا يرفعه.

وإن علم تاريخ أحدهما ، أخذ بالمجهول ؛ لأصالة تأخّره في نفسه إلى حالة العلم من غير معارضٍ، سوى إطلاق الخبر وكلام الأصحاب، و هُما ظاهران في مجهولي التاريخ.

وذهب العلّامة(رحمۀ الله علیه)إلى أنّه إن علم حاله السابق أخذ بمثله، والمحقّق إلى أنّه إن علمه أخذ بضدّه، وإن جهل السابق تطهّر على كلا القولين(4)استناداً في الأوّل إلى أنّه إن علم السابق بلا فصل فهو عالم بأنّه على مثله، وإن علمه بفصل أو احتمال فصل فإن كان الطهارة فقد علم بانتقاضها وارتفاع ناقضها وهو شاكّ في انتقاض الرافع، وإن كان الحدث فقد علم ارتفاعه وانتقاض رافعه وهو شاكّ في ارتفاع الناقض، واستناداً في الثاني إلى أنّ المعلوم سابقاً إن كان الطهارة فقد علم بانتقاضها وشكّ في ارتفاع الناقض، وإن كان الحدث فقد علم ارتفاعه وشكّ في انتقاض الرافع.

وكلاهما ضعيفان؛ وذلك لأنّه على الأوّل إن علم اتّحاد طهارته وحدثه وأنّ الطهارة رافعة والحدث ناقض وعلم سبق طهارة قبلهما، فذلك من المعلوم كونه على طهارة، وكذا لو علم حدثاً قبلهما، فإنّه من المعلوم أنّه على حدثٍ وهو خارج عن محلّ البحث. وإن لم يعلم ذلك،


1) راجع الحدائق الناضرة 396:2.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام) : 67.

3) وسائل الشيعة 1: 247، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 7.

4) قواعد الأحكام 1: 205؛ المعتبر 1: 171.

فقد علم بالخروج عن الحالة السابقة إلى ضدّها، فلا معنى لاستصحابها، ولجواز توالي الطهارتين فيكون الحدث بعدهما، أو الحدثين فتكون الطهارة بعدهما.

وكذا على الثاني ؛ لأنّه إن علم توالي اللاحقين من جنس واحد وتقدّم ما خالفهما، فهو كلام في وجوب الأخذ بالضدّ، ويخرج عن محلّ النزاع. وإن لم يعلم، كان الانتقاض بالضدّ مسلَّماً، إلّا أنّ ورود ضدّ الضد أيضاً محقّق، وارتفاعه غير معلومٍ؛ لجواز تأخّره.

ودعوى أنّه إن كان على الطهارة فقد علم نقضها بالحدث وشكّ في ارتفاعه لجواز تعاقب الطهارتين، وإن كان على الحدث فقد علم ارتفاعه بها وشكّ في انتقاضها؛ لجواز تعاقب الحدثين، مدفوعة بأنّ المتيقّن حينئذٍ ارتفاع السابق منهما، أمّا اللاحق المتيقّن فلا، وجواز تعاقبه لمثله مكافئ لتأخّره عن ضدّه، ولا مرجّح.

ثاني عشرها:حکم ما لو شكّ في شيء من أفعال الوضوء غَسْلاً أو مسحاً أو نيّةٌ

لو شكّ في شيء من أفعال الوضوء غَسْلاً أو مسحاً أو نيّةٌ، وجب عليه الإعادة على المشكوك به والإتيان بما بعده لو وقع بعده ما بعده إن بقيت الموالاة بين المشكوك به وما قبله، وإن فاتت بطل الوضوء، فالوضوء كلّه بمنزلة عملٍواحد، لا يبطل الشكّ في أحدها الدخول فيما بعده؛ للاحتياط، وأصالة عدم الإتيان بالمشكوك، وللإجماع المنقول(1)، ولفتوى الفحول.

وللرواية المرويّة بالطرق المعتبرة من الصحيح والحسن: «إذا كنت قاعداً على وضوئك ولم تدر غسلت ذراعيك أم لا ، فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله أو تمسحه ممّا سمّى الله ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت [منه ] وقد صرت إلى حال أُخرى في الصلاة فشككت في بعض ما سمّى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوء، فلا شيء عليك»(2).

وبما ذكرناه يخصّ عموم ما جاء- في الصحيح- : «إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكّك ليس بشيء»(3).

وفي الموثّق: «كلّ ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو»(4).


1) مصابيح الظلام 409:3

2) وسائل الشيعة 1: 469 الباب 42 من أبواب الوضوء، ح 1

3) المصدر 8 237، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 1.

4) المصدر: 237 - 238، ح 3.

وفي رواية أبي بصير: «كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمضِ عليه»(1).

وفي الموثّق: «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء»(2)مع احتمال هذا الأخير إعادة الضمير للوضوء، فيدلّ بمفهومه على ما قلناه.

وهل المراد بالحال الموجب للإعادة على المشكوك هو حال التشاغل به؟ فلو وجد نفسه فارغاً غير متشاغلٍ لا يلتفت وإن بقي في محلّه؛ لظاهر قوله

(عليه السلام): «قاعداً على وضوئك»(3)وينزّل قوله(عليه السلام): «فإذا قمت من الوضوء وفرغت [منه ] وقد صرت إلى حال أُخرى»(4)على الغالب، فيلغى مفهومه، ولأنّ الأخبار دلّت على عدم الإتيان بالمشكوك به عند الفراغ منه، خرج المقطوع به وبقي الباقي. ولحسنة بكير: الرجل يشكّ بعدما يتوضّأ، قال: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ»(5)ولفتوى مشهور الأصحاب بذلك.

أو يراد به حال البقاء في موضع وضوئه ما لم ينتقل منه إلى مكانٍ آخَر أو يتلبّس بعملٍ آخَر ؟

وألحق بهما الشهيد(6)الجلوسَ الطويل: لقيامه مقام الانتقال تقديراً، أخذاً بمفهوم الرواية المتقدّمة، المعتضدة بالأخبار الدالّة على توقّف إلغاء الشكّ على الدخول في الغير، الظاهرة في الدخول في عملٍ آخَر، وللأصل والاحتياط.

والكلّ ضعيف؛ لعدم مقاومة المفهوم للأدلّة المتقدّمة، واعتضاده بأخبار اشتراط الدخول في غيره ضعيف أيضاً؛ لورود ذلك مورد الغالب أيضاً من أنّ الفارغ من عملٍ يدخل في غيره، أو يراد بالمغايرة المغايرة الحقيقيّة، وهي حاصلة بعد الفراغ؛ لعدم انفكاك الإنسان عن عملٍ، ولأنّ الأصل مقطوع، والاحتياط مقلوب؛ لأدائه إلى المسح بالماء الجديد غالباً.

والظاهر أنّ المسح ولو على الرِّجْل الأخيرة بعد وجدان المتوضّئ نفسه فارغاً غير متشاغلٍ لا يلتفت إليه.

والأحوط تداركه؛ لشبهة بقاء محلّه، كما ذكره بعض الأصحاب(7).


1) وسائل الشيعة 6 369، الباب 15 من أبواب السجود، ح 4، وفيه عن إسماعيل بن جابر.

2) المصدر 1: 469 - 470، الباب 42 من أبواب الوضوء، ح 2.

3) راجع الهامش (2) من ص 254

4) راجع الهامش (2) من ص 254

5) وسائل الشيعة 1: 471، الباب 42 من أبواب الوضوء، ح 7.

6) ذكرى الشيعة 204:2.

7) العاملي في مدارك الأحكام 1: 258.

كما أنّ الظاهر أنّ وجوب الإعادة إنّما يتعلّق بالشكّ بالأجزاء أو بالأوصاف الواجبة من ترتيبٍ وشبهه، أو برفع المانع المعلوم وجوده حين الوضوء وتخليله، أو بمانعيّة شيء كان موجوداً حال الوضوء فشكّ في ما نعيّته. وأمّا الشكّ المتعلّق بوجود المانع أو بعروضه أو بعروض الحدث أو الرياء أو شبههما ، ويلحق بهما الشكّ بالجفاف وعدمه(1)للاستصحاب في الجميع.

نعم، لو شكّ في الجفاف وعدمه عند المسح ، تعارض استصحاب بقاء الرطوبة وأصالة عدم وصول الماء إلى الممسوح، والاحتياط يقضي بالثاني، وفي الأول قوّة.

ثالث عشرها:حکم ما لو شكّ في أصل الوضوء وقد دخل في عملٍ مشروط به

لو شكّ في أصل الوضوء وقد دخل في عملٍ مشروط به فالظاهر البناء على فعله وصحّة عمله سيّما فيما يحرم إبطاله.

وهل يبني على وقوعه واقعاً فيستبيح به كلّ عملٍ مشروط به، أم لا؟ وجهان، أقواهما: الأوّل؛ لظهور الأخبار في تنزيل المشكوك به بعد الدخول في غيره منزلة الواقع. وأحوطهما: الثاني؛ اقتصاراً في التنزيل على تصحيح العمل المتلبّس به أو المترتّب عليه.

وكثير الشكّ لا يلتفت إلى شكّه إذا صدق عليه في العرف ذلك؛لفتوى الأصحاب، ولقوله :« لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم، فإنّ الشيطان خبيث معتادٌ لما عوّد»(2)فإنّه عامّ من حيث التعليل وإن كان وروده في الصلاة، وقوله في الصحيح: «وأيّ عقلٍ له وهو يطيع الشيطان»(3)الوارد في مَن ابتلي بوضوئه وصلاته، والظاهر أنّ الابتلاء لكثرة شكّه، وفيه: «أنّه لو سئل عنه لِم تفعل كذلك؟ يقول: هو من الشيطان»(4)، وللزوم العسر والحرج لولا إلغاء حكم كثرة الشكّ.

ولا يتفاوت الحال بين قدرته على العلم من نصب علائم وشهود على ما فعل، وبين عدمه؛ لعموم الدليل.

رابع عشرها: حكم الظنّ كحكم الشكّ

حكم الظنّ كحكم الشكّ هاهنا، فكثرته إن تعلّقت بالمفسد لا تعتبر، وإن تعلّقت بالمصحّح بني عليه، وغير الكثير منه إن تعلّق بالوجود أو تعلّق بالعدم وكان في الأجزاء وهو على محلّه، أتى به ما لم يعلم الإتيان به، وإن فرغ من الوضوء، لم يلتفت إلى الظنّ بالعدم، كلّ ذلك لظاهر الفتاوى، ولفهم إرادة ما يعمّ الظنّ من لفظ الشكّ في الأخبار.


1) کذا قوله: «وأمّا الشكّ.. . وعدمه» في النسخ الخطيّة، ويظهر أنّ في العبارة سقطاً.

2) وسائل الشيعة 8 228 ، الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 2.

3) المصدر 1: 63، الباب 10 من أبواب مقدمة العبادات، ح 1.

4) المصدر 1: 63، الباب 10 من أبواب مقدمة العبادات، ح 1.

والظاهر أنّ العود على المشكوك فيه أو المظنون بوقوعه أو المظنون بعدمه جائز وإن احتمل البدعة، وكان مستحبّاً، كالغسلة الثانية لاحتمال أنّها ثالثة. نعم، لو تبيّن أنّها ثالثة، ففي الاجتزاء بالمسح من بلّتها؛ لحكم الشارع بها، وعدمه؛ لكونها ليست من أجزاء الوضوء واقعاً، نظر وتأمّل، والأحوط الأخير.

خامس عشرها:فی انّ الأصل في الطهارة تقديم الماء على التراب

الأصل في الطهارة تقديم الماء على التراب مهما أمكن؛ لأنّه المأمور به عند وجوده، فالوضوء الاضطراريّ كوضوء مَنْ يلزم من وضوئه الجفاف، ووضوء مَنْ يلزم من وضوئه استئناف ماءٍ جديد للمسح، ووضوء مَنْ يعجز عن مباشرة الوضوء بنفسه، و وضوء مَنْ كانت على عضوه جبائر أو ما لا يمكنه رفعه أو كان عضوه نجساً، ووضوء الأقطع، ووضوء التقيّة من غَسْلٍ مكان مسح أو مسح على الخُفّ و شبهه، كلّه مقدّم على التيمّم، وإن كان الأحوط الجمع في غير ما نطقت به الروايات أو انعقد عليه الإجماع.

والأظهر: الاقتصار في التقيّة على تقيّة أهل الخلاف دون غيرهم في صحّة العمل وإن وجب الاتّقاء من غيرهم أيضاً، والاقتصار فيها على العمل بمذهبهم، دون ماکان به الخلاص من الخوف وإن لم يكن موافقاً لمذهبهم.

والأحوط الاقتصار على ما قرب لمذهبنا دون غيره، والاقتصار على عدم المندوحة من العامل بالخروج إلى غير ذلك المحلّ أو تأخير الصلاة وشبهها، فإن أمكنه ذلك كان الأحوط له ترك التقيّة.

وذهب جمعٌ من أصحابنا(1)إلى المنع من العمل مع وجود المندوحة؛ اقتصاراً على المورد اليقيني عند الضرورة.

والظاهر بُعْده؛ لما جاء من الأئمّة(عليهم السلام)من الحثّ على الاختلاط معهم والصلاة خلفهم وتشييع جنائزهم وإعادة مرضاهم والأذان خلفهم(2)، وكلّها مطلقة بالنسبة إلى وجود المندوحة وعدمها.

نعم، الاحتياط تفصّياً عن شبهة الخلاف أولى.

وأمّا مَنْ لا يتّقى منه من العامّة، ولا يخشى من ضرره في الحال ولا في المآل على نفس


1) منهم: العاملي في مدارك الأحكام 1: 223

2) وسائل الشيعة 12 : 75 ، الباب 1 من أبواب أحكام العشرة ، ح 1 - 3، 16 و 5: 443، الباب 34 من أبواب الأذان والإقامة، ح 2.

أو مال أو قرابة أو أخ مؤمن أو صديق، فلا تجوز التقية منه، فلا يتّقي مَنْ كان في بلاد العجم اليوم ولم يكن له متعلّق ببلادهم.

ولا تجب إعادة كلّ وضوء اضطراريّ لتقيّةٍ أو غيرها، في الوقت أو خارجه، ارتفعت الضرورة بعد الوضوء والصلاة أو بعد الوضوء فقط.

ولو ارتفعت في أثناء الوضوء، فالأقرب: صحّة المقدّم، والأحوط الإعادة.

سادس عشرها:حکم ما لو توضّأ وضوءين و صلّى فريضةً واحدة وذكر الإخلال بأحدهما

لو توضّأ وضوءين و صلّى فريضةً واحدة وذكر الإخلال بأحدهما صحّت صلاته عندنا، سواء كانا واجبين أو مندوبين أو مختلفين، وسواء نوى بهما الرفع أو الاستباحة، أو نوى في أحدهما دون الآخَر، أو لم يَنْوِ مطلقاً ؛ لما قدّمنا من صحّة الوضوء بدون نيّة الوجه، بل مع نيّة الخلاف وبدون نيّة الرفع أو الاستباحة، بل مع نيّة خلافهما، فإذا صحّ الوضوء صحّت الصلاة، ولأنّ المفهوم من مشروعيّة الوضوء التجديدي هو تدارك الخلل، فيصحّ لو ظهر خلل سابق عليه، ولأنّ الشكّ بعد الصلاة من قبيل الشكّ بعد الفراغ، فلا يلتفت إليه، كما ذهب إليه بعض الأعلام(1)، وإن كان لا يخلو عن من كلامٍ.

ومن اشترط نيّة الوجه أو الرفع أو الاستباحة لم يصحّح سوى الواجبين ولو بنذر أو ذهول، أو شكّ في السابق واللاحق من الحدث والطهارة المنويّ بهما الرفع ولو لنسيانٍ أو خطأ وشبههما لغايةٍ واجبة، أو المندوبين لغايةٍ مندوبة في غير وقت الواجب منويّاً بهما الرفع أو الاستباحة.

و أمّا غيرهما من الواجبين وأحدهما مجدّد غير منويّ به الرفع أو الاستباحة، أو مندوبين ناوياً بأحدهما الرفع دون الآخَر لغايةٍ واجبة أو مندوبة يشترط فيهما نيّة الرفع أو الاستباحة، أو مختلفين ناوياً بأحدهما الرفع دون الآخَر مطلقاً لغايةٍ واجبة أو مندوبة يشترط فيهما نيّة الرفع أو الاستباحة، فينبغي أن لا يصحّح الصلاة؛ لعدم تيقّن الصلاة بوضوءٍ جامعٍ لنيّة وجه الصلاة من وجوبٍ أو ندبٍ وجامع لنيّة الغاية من رفعٍ أو استباحةٍ.

وبعض المشترطين لنيّة الرفع أو الاستباحة صححوا الصلاة بوضوءين أحدهما مجدّد إذا ذكر الإخلال بأحدهما(2)، وكأنّهم فهموا أنّ التجديد مشروع لتدارك الخلل، أو أنّه من الشكّ بعد الفراغ.


1) هو السيد ابن طاوس كما حكاه عنه الشهيد في البيان: 52؛ وذكرى الشيعة 2: 213.

2) راجع مدارك الأحكام 1: 260 - 261 .

ولو توضّأ وضوءين وصلّى بعد كلّ وضوء فرضاً من غير تخلّل حدثٍ وذكر الإخلال بأحدهما بعد ذلك، صحّ على مذهبنا وضوؤه وصلاته الأخيرة؛ لصحّة وضوء الأخير على تقدير وقوع الخلل في الأوّل، وصحّة الأوّل على تقدير وقوعه في الأخير.

وقيل ببطلانهما معاً وبطلان الوضوء وإعادته(1)لعدم القطع بوقوع وضوءٍ صحيح؛ لاحتمال وقوع الخلل في الأوّل، وعدم إجزاء المجدّد عنه.

وقيل بصحّة الصلاتين(2)لأنّه من الشكّ بعد الفراغ؛ لاحتمال وقوع الخلل في الثاني فتصحّ الصلاتان معاً ، وكذا يصح الوضوء الأوّل؛ لفراغه منه.

وقيل بصحّة الصلاتين سيّما بعد الوقت؛ لعدم تيقّن فوتها، ولأصالة صحّتها، ولما ورد أنّ مَنْ لم يستيقن بطلان صلاته فلا قضاء عليه(3)، ووجوب إعادة الوضوء؛ لأنّه بمنزلة مَنْ تيقّن الحدث وشكّ في الطهارة؛ لأنّ الطهارة الأُولى محتملة لوقوع الخلل، والثانية لا تجزئ على ذلك التقدير(4).

ولو توضّأ وضوءين بعد حدثين وصلّى بكلِّ منهما صلاةً وذكر الإخلال بالوضوء، أعاد الوضوء؛ لأنّه بمنزلة مَنْ تيقّن الحدث وشكّ في الطهارة؛ لاحتمال وقوع الخلل في الأخير، فلم يتيقّن الطهارة.

ويجيء احتمال صحّة وضوئه الأخير؛ لأنّه شكّ بعد الفراغ، وقطعُه بوقوع الخلل غير مضرّ؛ لاحتمال كونه في الأوّل.

وأمّا الصلاتان فتجب إعادتهما إن اختلفتا، و إلّا أعاد واحدة مطلقة أو مردّدة في المنويّ لا في النيّة؛ لما ورد في مَنْ فاتته واحدة من خمس أنّه يفعل كذلك(5)، ولا فارق.

وأوجب الشيخ إعادتهما معاً (6)لعدم تسرية النصّ. وهو أحوط سيّما في المختلفتين جهراً وإخفاتاً.


1) قاله ابن إدريس في السرائر 1: 105.

2) نسبها البحراني في الحدائق الناضرة 2: 405 و 406.

3) وسائل الشيعة 4 :282 - 283 ، الباب 60 من أبواب المواقيت.

4) حكاه البحراني في الحدائق الناضرة 2: 405 - 406 عن بعض مشايخه.

5) وسائل الشيعة 8 275 - 276 الباب 11 من أبواب قضاء الصلوات.

6) الخلاف ،202:1 ، المسألة 165؛ المبسوط 1: 25

ولو توضّأ وضوء ين وصلّى بكلّ واحدٍ فذكر الحدث عقيب واحدٍ منهما، أعاد الوضوء والصلاتين إن اختلفتا و إلّا فواحدة.

ويجيء احتمال وجوب إعادتهما معاً مطلقاً؛ لاحتمال وقوع الحدث بعد الأوّل، وعدم إجزاء التجديدي في الثاني على القول بعدم إجزائه.

والظاهر أنّ الإطلاق ليس بلازم؛ بل له التعيين والإطلاق معاً إن لم يكن التعيين أحوط.

نعم، لو أطلق بين اثنتين ليس له أن يعيّن بعد ذلك، إلّا إذا تكثّر احتمال الفوائت، فإنّ له أن يطلق بين ثلاث وله أن يعيّن الثلاث وله أن يطلق بين اثنتين ويعيّن في الثالثة، وله أن يعيّن في الأُولى ويطلق بين اثنتين.

سابع عشرها: فیما يستحبّ فی الوضوء

يستحبّ فی الوضوء وضع الإناء على اليمين، وفاقاً لفتوى المشهور، وللنبويّ(صلی الله علیه وآله وسلم): كان(صلی الله علیه وآله وسلم) يحبّ التيامن في طهوره(1).

والظاهر أنّ الإناء الضيّق كالواسع الذي يغترف منه؛ لإطلاق الفتوى، وقد يخصّ الاستحباب في الأوّل.

ويستحبّ الاعتراف بها؛ لفتوى الأصحاب، وبعض أخبار الباب (2).

والظاهر سراية الاستحباب حتّى لغَسْلها؛ لما ورد أنّه أخذ كفّاً بيمينه فصبّه على يساره و غسل به ذراعه الأيمن(3).

ويستحبّ التسمية عند وضع اليد في الماء أو عند وضع الماء على الوجه؛ لفتوى الأصحاب و أخبار الباب(4)، والجمع بينهما أولى؛ لورود الخبر في كلٍّ منهما(5).

والأولى في التسمية قول: «بسم الله الرحمن الرحيم».

ويستحبّ أن يبدأ الرجل بظاهر الذراع، والمرأة بباطنه لفتوى الأصحاب، وأخبار الباب(6).


1) صحیح مسلم 1: 226، ح :268 كنز العمال 7: 40. ح 17847

2) وسائل الشيعة 1: 436، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 5.

3) المصدر: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 7.

4) المصدر: 387 و 393، الباب 15 من أبواب الوضوء، ج 2، 12، و 423، الباب 26 من تلك الأبواب، ح 2.

5) نفس المصدر.

6) المصدر: 466، الباب 40 من أبواب الوضوء.

وقيل باختصاص ذلك بالغسلة الأُولى دون الثانية فينعكس الحال(1)، ونقل عليه الإجماع(2). ولا بأس به.

ويستحبّ الدعاء عند غَسْل كلٍّ من الأعضاء بالمأثور، و إلّا فبما يمكن.

و يستحبّ أن يسبغ الوضوء بمُدٍّ، وهو رطلان وربع بالعراقي، كما هو الظاهر من الأخبار(3). والرطل مائة وثلاثون درهماً.

ويدخل في الوضوء مستحبّاته من غَسْل يدين ومضمضة واستنشاق وغسلة ثانية.

و يستحبّ السواك قبل الوضوء وبعده لمن نسيه؛ لفتوى الأصحاب والأخبار(4)، بل ولمن لا ينساه احتياطاً؛ لفتوى بعض الأصحاب(5).

ويستحبّ لنفسه فتوىً وروايةً (6).

ويستحبّ بالعود وشبهه ولو بالإصبع فتوىً وروايةً (7).

والظاهر أنّه من مندوباته لا من أجزائه، مع احتمال ذلك؛ لقوله(عليه السلام): «السواك شطر الوضوء»(8).

ويستحبّ غسل اليدين من الزندين- لتبادر ذلك، ولفتوى الأصحاب - من حدث النوم مرّةً، ولا يبعد إلحاق كلّ مُذهبٍ للعقل به، وكذا من حدث البول، ومن حدث الغائط مرّتين؛ للأخبار(9)وفتوى الأخيار.

ويستحبّ أن يكون ذلك قبل الاغتراف؛ لظاهر الخبر(10).

والظاهر أنّ الغَسل ليس لاحتمال النجاسة، بل للتعبّد، فتلزمها النيّة.

ولا يبعد أنّها من أجزاء الوضوء المستحبّة، وأنّ الإناء الواسع من كُرّ و شبهه كالإناء الصغير، و أنّ الإناء الذي يصبّ منه كالإناء الذي يغترف منه.


1) قاله الطوسي في المبسوط 1: 21 - 22؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1 61؛ والكيذري في إصباح الشيعة: 30.

2) غنية النزوع 1: 61.

3) راجع وسائل الشيعة 1: 481، الباب 50 من أبواب الوضوء.

4) المصدر 16:2، الباب 3 من أبواب السواك، و 18 ، الباب 4 من تلك الأبواب، ح 1.

5) الشهيد الأوّل في النفليّة: 93.

6) وسائل الشيعة 2: 5 الباب 1 من أبواب السواك.

7) المصدر: 24 الباب 9 من أبواب السواك، ح 4.

8) المصدر : 17، الباب 3 من أبواب السواك، ح 3.

9) المصدر 1 427، الباب 27 من أبواب الوضوء.

10) المصدر، ح 1.

والأحوط أن يكون مرّتين للبول؛ لظاهر الخبر(1).

ولا يبعد استحباب غَسْل اليدين لغير ما ذُكر مرّةً.

ويستحبّ المضمضة، وهي إدارة الماء المطلق في الفم ولفظه إلى خارج أو ابتلاعه أو إبقاؤه على إشكال في الأخير، والاستنشاق، وهو جذبه إلى داخل الأنف وإخراجه أو إدخاله للجوف أو إبقاؤه على إشكالٍ في الأخير، واستحبابهما دليله الإجماع والأخبار(2).

ويستحبّ التثليث فيهما؛ للإجماع والأخبار(3).

والظاهر جواز الاقتصار على الواحدة من كلٍّ منهما، ولكن لا تتأدّى بهما تمام الوظيفة.

ويستحبّ تقديم المضمضة.

ويحتمل عدم مشروعيّة تقديم الاستنشاق؛ لدخول الترتيب في مشروعيّتهما، وذلك لمن أراد الإتيان بهما معاً، وأمّا مَنْ لم يرد المضمضة فالظاهر أنّه لا إشكال في صحّة استنشاقه.

ولو استنشق على هذا النحو، فالظاهر عدم الإشكال في جواز الإتيان بالمضمضة بعد ذلك.

و لو أتى بهما بذلك النحو، فالظاهر جواز إعادة الاستنشاق مرّةً أُخرى لتحصيل وظيفة الترتيب.

وهل يشترط ستّ أكفّ للستّ أو اثنتان لكلّ ثلاث واحدٌ، أو لا يشترط حتّى يكفي الجميع كفٍّ واحدة؟ وجوه أقواها الأخير، والأولى الستّ، وبعدها الاثنتين لكلّ ثلاثٍ واحدٌ.

ويستحبّ تثنية الغسلات، بمعنى أن يغسل مرّةً ثانية بعد تمام الغسلة الأُولى، مع احتمال جواز أن يغسل ما غسله أوّلاً وإن لم يتمّه ثمّ يتمّ الأوّل ثمّ يتمّ الثاني، ولكنّه خلاف المعهود والاحتياط، كما أنّ الأحوط القصد إلى إتمام الغَسْل الثاني للعضو، لا مجرّد الغسل ولو للبعض.

و الظاهر عدم جواز تقديم الغسلة المندوبة قبل الواجبة؛ لأنّ المتيقّن من مشروعيّتها وقوعها بعدها، وكذا الظاهر عدم إجزائها عن الواجبة لو ظهر عدمها أو نقصانها.

ويشترط فيها ما يشترط في الغسلة الواجبة، فلا يغسل العضو الآخر إلّا بعد انتهائها، ولا يكفي التقارن ولا البعديّة، ولا بدّ فيها من الأعلى وغير ذلك.


1) وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، ح 2.

2) المصدر: 430، الباب 29 من أبواب الوضوء.

3) منها: ما في المصدر: 397، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 19.

ويدلّ على استحباب تثنية الغسلات فتوى الأصحاب والإجماعات المنقولة(1)على الاستحباب، والأخبار الآمرة بفعلها، كخبر الرقّي، الآمر بفعلها عند ارتفاع التقيّة بعد الأمر بالثلاث تقيّة(2)،وكخبر عليّ بن يقطين(3)، والأخبار الدالّة على أنّ الوضوء مثنى مثنى(4)، وأنّه مرّتين مرّتين، كما في أخبار أُخَر(5)، وأنّه اثنتين اثنتين، كما في أخبار أُخَر(6)، والأخبار الدالّة على جواز فعلها، كقوله(عليه السلام): «ومرّتان جائز» (7)والإجماعات المنقولة(8)على ذلك أيضاً دليل على استحبابها؛ لأنّ الجواز في أجزاء العبادة لا معنى له سوى الاستحباب.

والذاهب إلى عدم الجواز شاذّ لا يُلتفت إليه.

وما ورد في بعض الأخبار من نفي الأجر عليها(9)محمول على اعتقاد مشروعيّتها؛ لما ورد عنه(عليه السلام)«أن مَنْ لم يستيقن أنّ الواحدة تجزئه لم يؤجر على الاثنتين»(10).

وما جاء من الأخبار البيانيّة(11)قولاً وفعلاً، الدالّة على المرّة لا تنافي استحباب الاثنتين؛ لورودها في مقام بيان الواجب فقط؛ لخلوّها عن أكثر المندوبات، ولمعارضتها بما هو أكثر منها قولاً وفعلاً الدالّ على التثنية، قولاً (12)، وعلى أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)توضّاً اثنتين، فعلاً (13)، ولأنّ جوازها المستدعى لجواز المسح ببلّتها يؤذن بمشروعيّتها، وإلّا لكان المسح بماء جديد، على أنّ عدم فعل الإمام(عليه السلام)للمندوب لا دليل فيه على عدم ندبه بعد ورود الدليل به، كي تحصل المعارضة بين الدليلين فيحتاج للجمع بينهما إمّا بحمل أخبار التثنية على


1) الانتصار: 116 - 117، المسألة 17؛ غنية النزوع 1: 61: السرائر 1: 100.

2) وسائل الشيعة 1: 443 - 444، الباب 32 من أبواب الوضوء، ح 2.

3) المصدر: 444 - 445 ،ح 3.

4) المصدر: 441 - 442. الباب 31 من أبواب الوضوء، ح 28 و 29.

5) المصدر: 439، ح 19 و 20.

6) المصدر. ح 15 و 16.

7) المصدر: 397، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح 18.

8) راجع الهامش (1).

9) وسائل الشيعة 1: 436 و 438، الباب 31 من أبواب الوضوء، ح 3 و 14.

10) المصدر: 436 ، ح 4.

11) راجع الهامش (2) من ص 203

12) راجع الهامش ( 5 و 6 ).

13) وسائل الشيعة 1 439، الباب 31 من أبواب الوضوء، ح 16.

الوضوء التجديدي أو على التقيّة، كما حملها على الأوّل بعض القدماء(1)، وعلى الثاني بعض المتأخّرين(2)، أو على إرادة التثنية في الغَسْل والمسح في مقابلة العامة حيث إنّهم ليس عندهم الوضوء غسلتين ومسحتين، كما حملها عليها بعض المتأخّرين(3)أيضاً، أو على التثنية في الغرفات لا الغسلات، كما حملها عليها الكاشاني(4)، أو على التثنية في الغرفات إن لم تجزئ الواحدة في الإسباغ، وإلّا فتكفي الواحدة.

ويبعّد الأوّل كونُ التجديدي لا يخصّ الاثنين، والثاني عدمُ ملائمته لجميع الأخبار، والثالثَ عدمُ ظهوره من الخطاب وكلام الأصحاب، وكذا ما بعده من المحامل، فالأقوى استحباب الثانية، كما أنّ الثالثة بدعة قطعاً؛ للأخبار(5)وفتوى الأصحاب.

وكذا تكرار المسح بنيّة المشروعيّة، فإنّه بدعة.

ولو نوى المجموع في ابتداء الوضوء، بطل الوضوء من أصله إن أخذ المحرَّم قيداً، وإن لم يأخذه قيداً أو نواه عند فعله فسد وصحّ ما عداه، ولو استلزمت البدعة المسح بماءٍ جديد فسد الوضوء بذلك.


1) الصدوق في الفقيه 1: 39، ذیل الحدیث 80 .

2) الشيخ حسن في منتقى الجمان 1: 148.

3) الشيخ البهائي في الحبل المتين: 24.

4) الوافي 6: 322، ذيل الحديث 4385.

5) منها ما في وسائل الشيعة 1 436 الباب 31 من أبواب الوضوء، ح 3.

القول في غسل الجنابة

ثبوت وجوب الغسل الجنابۀ بالکتاب والسنّۀ والإجماع

اشارة

ووجوبه نطق به الكتاب(1)والسنّة(2)، وعليه إجماع المسال

وفيه أُمور:
أحدها: يجب الغسل بالإدخال ولو بدون الإنزال

يجب الغسل بالإدخال ولو بدون الإنزال ؛للإجماع بقسميه(3)، والسنّة، كقوله(عليه السلام): «إذا أدخل فقد وجب الغسل»(4)، وقوله(عليه السلام): «إذا أولجه فقد وجب الغسل»(5).

ولا يوجب الغسل مجرّد الإدخال والإيلاج، بل لا بدّ من التقاء الختانين؛ للإجماع بقسميه(6).

ولقوله(عليه السلام): «إذا التقى الختانان وجب الغسل فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ فقال: «نعم»(7)فيُحمل مطلق الإدخال والإيلاج عليه؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد، وللإجماع الدالّ على ذلك بقسميه.

والتقاء الختانين مقابلتهما عند الوطئ الحاصلة بغيبوبة الحشفة؛ لأنّ موضع ختان المرأة مستعلٍ على موضع ختان الرجل؛ لدخول الذكر في أسفل الفرج في مخرج الولد، ووقوع ختان المرأة في موضع أعلا من ذلك، بينه وبين ذلك موضعٍ خروج البول.


1) المائدة (5): 6

2) وسائل الشيعة :2 173 الباب 1 من أبواب الجنابة.

3) الحدائق الناضرة :3 :2 ریاض المسائل 1: 198

4) وسائل الشيعة 2: 182 - 183، الباب 6 من أبواب الجنابة، ح 1.

5) المصدر: 185 ، ح 8.

6) الخلاف 1 124 ، المسألة 66: مدارك الأحكام 1: 271.

7) وسائل الشيعة 2 183 الباب 6 من أبواب الجنابة، ح 2.

وفي بعض الروايات ما يدلّ على حصول الملاقاة بينهما والإصابة والمماسّة، كقوله(عليه السلام): «إذا وقع الختان على الختان»(1)وفي آخَر: «إذا مسّ الختان الختان»(2).

والظاهر إرادة المبالغة في القرب، مع احتمال المماسّة عند الجماع، لكن لا بحيث يدركها المجامع ظاهراً.

و على كلّ حال فلا فرق بين غيبوبة الحشفة أو قدرها من مقطوعها، أو قدرها عرضاً؛ للاتّفاق، ولعموم إيجاب المماسّة والإدخال والإيلاج، خرج منه إدخال الأقلّ منها لمقطوعها وغير مقطوعها وبقي الباقي.

ولو قطع من رأس الحشفة فالظاهر كفاية الباقي في الجنابة، ولا يحتاج إلى إدخال قدرها، لصدق التقاء الختانين.

ويجب في الإدخال في القُبُل؛ للإجماع بقسميه(3)والكتاب (4)والسنّة(5).

وهل يجب في الإدخال في دُبُر المرأة فقط، أو في دُبُر المرأة والرجل، أو لا يجب مطلقاً؟ أقوال، أقواها القول بالوجوب في دُبُر المرأة؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول(6)على إيجاب الغسل على الفاعل والمفعول، ولعموم إيجاب الغسل في الملامسة في الآية(7)، وفي الإدخال والإيلاج في الرواية(8)، خرج ما خرج وبقي الباقي، ولقوله(عليه السلام) في الصحيح في تفسير الملامسة أنّه «المواقعة في الفرج»(9)وهو عام للقُبُل والدُّبُر بنصّ أهل اللغة(10).

ودعوى انصراف الأدلّة للفرد الشائع المعهود من الوطئ في القُبُل، ممنوعة بعد فهم المشهور وفتواهم.


1) وسائل الشيعة 2: 183 ، الباب 6 من أبواب الجنابة، ح 3.

2) المصدر ، ح 4.

3) راجع الهامش (3) من ص 265

4) المائدة (5): 6.

5) وسائل الشيعة 2: 182، الباب 6 من أبواب الجنابة.

6) مختلف الشيعة 1 : 166 ، المسألة 110 نقلاً عن السيّد المرتضى .

7) المائدة (5): 6

8) راجع الهامش ( 4 و 5) من ص 265

9) وسائل الشيعة 1 271 ، الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء، ح 4.

10) منهم: ابن منظور في لسان العرب :2 342؛ والفيومي في المصباح المنير: 466، «ف رج».

ولرواية حفص: عن الرجل يأتي المرأة من خلفها؟ قال: «هو أحد المأتيين فيه الغسل»(1).

وللصحيح في مَنْ أتى أهله ولم ينزل: «أتوجبون عليه الحدّ والرجم ولا توجبون عليه صاعاً من ماء!؟»(2)حيث أنكر(عليه السلام) ذلك عليهم في إيجابهم الأعلى دون إيجاب الأدنى، أو في إثباتهم بعض آثار الجنابة دون بعض مع أنّ الجميع معلولة لها، أو في إثباتهم بعض الآثار المترتّبة على حصول الخبث المعنوي المناسب للحدّ والرجم المقتضيين للتوبة والتطهير دون إثبات ما يناسب رفعه وإزالته بالماء.

ولا فرق بين الفاعل والمنفعل؛ لفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(3)في الباب، ولمفهوم قوله(عليه السلام): «هو أحد المأتيّین»(4)ولفحوى قوله(عليه السلام): «أتوجبون عليه الحدّ والرجم، ولا توجبون عليه صاعاً من ماء!؟»(5).

وذهب جمعٌ من أصحابنا إلى عدم وجوب الغسل بوطئ المرأة في الدُّبُر مطلقاً(6)للأصل.

والصحيح: «الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج، أعليها غسل إن أنزل هو ولم تنزل هي؟ قال: «ليس عليها غسل، وإن لم ينزل هو فليس عليه غسل»(7).

والمراسيل(8)الدالّة على عدم انتقاض الصوم على مَنْ يأتي المرأة في دُبُرها، وعلى عدم وجوب الغسل عليه ما لم ينزل، وعليها ما لم تنزل.

والكلّ ضعيف؛ لانقطاع الأصل، وشمول الفرج للدُّبُر، وضعف المراسيل سنداً، واحتمالها لإرادة التفخيذ من لفظ الإتيان دلالةً.

ويظهر من العلّامة التردّد في إيجاب الغسل على الموطوءة وإن وجب على الواطئ(9).


1) وسائل الشيعة 2: 200 ، الباب 12 من أبواب الجنابة، ح 1.

2) المصدر : 184، الباب 6 من أبواب الجنابة، ح 5.

3) راجع الهامش (3) من ص 265

4) راجع الهامش (1).

5) راجع الهامش (2)

6) نسبه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 162، المسألة 110 إلى الصدوق والشيخ الطوسي وظاهر سلار؛ راجع الفقيه 1: 84 - 85،ح 186؛ والنهاية : 19؛ والاستبصار 1: 111 - 112، الباب 66؛ والمراسم: 41

7) وسائل الشيعة 2: 199، الباب 11 من أبواب الجنابة، ح 1.

8) المصدر : 200 الباب 12 من أبواب الجنابة، ح 2 و 3.

9) منتهى المطلب 2 :183 و 185.

ويردّه عموم الأدلّة المتقدّمة، والإجماع المنقول على عدم الفرق(1)، المؤيّد بفتوى المشهور.

والظاهر إلحاق الوطئ في دُبُر الغلام بالوطئ في دبر المرأة فاعلاً أو مفعولاً؛ للإجماع المنقول على عدم الفصل(2)، وفتوى الفحول، وفحوى: «أتوجبون عليه الحدّ والرجم»(3)والنبويّ: «مَنْ جامع غلاماً جاء جنباً يوم القيامة لا ينقّيه ماء الدنيا»(4)وإطلاق الإدخال والإيلاج في بعض الروايات(5)، خلافاً لمن لم يوجبه(6)للأصل وعدم النصّ، بل الأحوط إيجاب الغسل بمجرّد الإدخال والإيقاب؛ لترتّب الحدّ عليهما.

ولا فرق بين الموطوء حيّاً أو ميّتاً في إيجاب الغسل على الواطئ، ولا بين الواطئ كذلك في إيجاب الغسل على الموطوء، مع احتمال عدم لزوم الغسل فيما لو كان الواطئ ميّتاً؛ للأصل، وانصراف الأدلّة للحىّ، والأوجه: الأوّل.

وكذا لا فرق بين الصغير والكبير واطئاً أو موطوءاً، كما لا فرق في الإدخال بين أن يكون مستوراً أو مكشوفاً.

ونُقل أنّه لا يوجب الغسل فيما لو دخل الذكر ملفوفاً(7)؛ تشكيكاً في شمول الأدلّة لمثله. وهو ضعيف جدّاً.

نعم، لو أدخله في أُنبوب داخل في الفرج، قوي ذلك.

وهل يجب الغسل بوطئ البهيمة أم لا يجب ؟ وجهان، أظهر هما: عدم الوجوب إذا كانت واطئةً، والوجوب إذا كانت موطوءةً؛ لفحوى الصحيح المتقدّم (8)إن قلنا بثبوت الحدّ في وطئها فظاهر، وإن لم نقل به وأوجبنا عليه التعزير فكذلك، إمّا لشمول الحدّ فيدخل في مفهوم الصحيح، وفيما روي عن عليّ (عليه السلام): أنّ «ما أوجب الحدّ أوجب الغسل»(9)أو لشمول المفهوم؛ لأنّ المراد: أتوجبون عليه الأعلى ولا توجبون الأدنى، وهو الصاع من الماء.


1) راجع الهامش (3) من ص 265.

2) نقله المحقّق الحلّي في المعتبر :1: 181 عن السيّد المرتضى.

3) راجع الهامش (2) من ص 267.

4) وسائل الشيعة 329:20 ، الباب 17 من أبواب النكاح المحرم، ح 1.

5) راجع الهامش ( 4 و 5) من ص 265.

6) كالمحقّق الحلّي في المعتبر 1: 181.

7) راجع نهاية الإحكام 96:1

8) في الهامش (7) من ص 267.

9) كنز العمال 5439 ،ح 27337

و نُقل عن السيّد أنّه نسب وجوب الغسل هاهنا إلى مذهب الأصحاب(1)، ومع ذلك فلولا الاحتياط لكان القول بعدم وجوب الغسل تمسّكاً بالأصل قويّاً جدّاً.

ولو أولج الرجل في دُبُر الخنثى، وجب الغسل عليهما.

ولو أولج في قُبُله أو أولج الخنثى في دُبُر امرأة أو رجل، لم يجب الغسل؛ لاحتمال الزيادة في أحد الفرجين، فيكون رجلاً في الأوّل وأُنثى في الأخير.

واحتمل في التذكرة(2)وجوبَ الغَسل؛ لعمومات الأدلّة من الإدخال والإيلاج والتقاء الختانين، ولفحوى الصحيح المتقدّم(3)لو أوجبنا به الحدّ. وهو حسن.

ولو أولج الرجل في قُبُل الخنثى، والخنثى في قُبُل المرأة، تعلّق حكم الجنابة بالخنثى قطعاً، وكان الرجل والمرأة كواجدي المنيّ في الثوب المشترك.

والأقوى عدم وجوب شيء عليهما.

وعلى ما ذكره العلّامة(رحمۀ الله علیه) يتعلّق حكم الجنابة بالجميع.

ثانيها: يجب الغسل بالإنزال

يجب الغسل بالإنزال- وهو خروج المنيّ - قطعاً، بعد الاستبراء منه، أو ظنّاً وشكّاً قبل ذلك، من الرجل إجماعاً فتوىً وروايةً(4)، بل ضرورةً، ومن الامرأة على الأظهر الأشهر فتوىً وروايةً(5)، بل وإجماعاً منقولاً(6)، بل كاد أن يكون محصّلاً.

وفي الأخبار المعتبرة: أنّ الامرأة ترى ما يرى الرجل في المنام؟: «إن أنزلت فعليها الغسل، وإن لم تنزل فلا»(7)وأنّ الرجل يجامع امرأته دون الفرج إذا أنزلت عليها الغسل(8)، إلى غير ذلك.

وأمّا ما جاء من نفي الغسل عليهنّ- كالصحيح الوارد في مَنْ أمذى وأمنت هي: أنّه ليس عليه وضوء ولا عليها غسل(9)، وفي غيره : هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟


1) نقله عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 168، المسألة 112.

2) تذكرة الفقهاء 1: 228، الفرع «ز» من المسألة 67.

3) في الهامش (7) من ص 267.

4) وسائل الشيعة 2: 186 - 188 و 190 و 193 ، الباب 7 من أبواب الجنابة، ح 1، 6 ، 10، 11، 17 و 24.

5) المصدر: 186 - 190، ح 2 - 5 و 7 - 9 و 13 - 16 .

6) تذكرة الفقهاء 1: 219 - 220، المسألة 64

7) وسائل الشيعة 2: 187، الباب 7 من أبواب الجنابة، ح 5.

8) المصدر: 186، ح 3.

9) المصدر: 191، ح 20.

قال: «لا» وفي آخِره: «وقد وضع [ الله ] ذلك عليكم، قال: وإنْ كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّروا(1)ولم يقل ذلك لهنّ»(2)وفي بعض الأخبار: وجوب الغسل بالاحتلام وعدم وجوبه بالخروج يقظةً مع عدم الجماع(3)، وهو ضعيف شاذّ لا يُلتفت إليه - فهو إمّا مطرّح، أو محمول على عدم لزوم تعليمهنّ بذلك وبيان ذلك لهنّ، أو على عدم لزوم التجسّس عن ذلك، أو على عدم لزوم الأمر لهنّ بالغسل لو علم ذلك منهنّ الرجل أو غير ذلك.

والظاهر عدم توقّف الجنابة على خروج المنيّ من الموضع المعتاد للخروج، بل يكفي مطلق الخروج من الطبيعي وغيره من المعتاد وغيره، انسدّ الخلقي أم لم ينسدّ؛ لإطلاق الأخبار(4)وكلام الأصحاب، وانصراف الأخبار للمعهود المتعارف ممكن لو لم يكن المشهور على عدمه.

نعم، لو تحرّك من محلّه أو خرج من نفس محلّه من الأعالي دون الأسافل، فلا إشكال في عدم وجوب الغسل في الأوّل، والأظهر عدمه في الأخير، وإن كان الأحوط الغسل فيه.

والمدار في وجوب الغسل على القطع بكون الخارج منيّاً؛ لعموم الأخبار(5)وكلام الأصحاب، والإجماعات المنقولة (6)في الباب، فلا يصلح أن يقيّد ذلك ما جاء من تقييد إيجاب الغسل من المنيّ في الصحيح بالشهوة والفتورة والدفع، وإن لم يكن شهوة ولا فترة فلا بأس(7). وتقييده بالشهوة في الآخَرين(8)أيضاً؛ لعدم المقاومة، فلا بدّ من طرحه أو حمله على التقيّة أو على حالة الاشتباه، على أنّ التقييد في بعضها بالمفهوم الوارد منطوقه مورد الغالب، فيسقط عن الحجّيّة.

نعم، لو وقع الاشتباه اعتبر بالصفات الواردة في الأخبار(9)وكلام الأصحاب من الخروج بشهوة ودفق والفتور بعد ذلك، وهو في الرجل قطعيّ، فيدلّ وجود الجميع على وجوده في


1) المائدة (5): 6

2) وسائل الشيعة 2: 192، الباب 7 من أبواب الجنابة، ح 22 ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

3) المصدر: 191، ح 19.

4) راجع الهامش ( 4 و 5) من ص 269

5) راجع الهامش ( 4 و 5) من ص 269

6) كما في رياض المسائل 1: 194.

7) وسائل الشيعة 2: 194، الباب 8 من أبواب الجنابة، ح 1.

8) المصدر: 186 و 187، الباب 7 من أبواب الجنابة، ح 2 و 4.

9) راجع الهامش (7)

الرجل قطعاً، وكذا في الامرأة، إلّا أنّه اكتفي بالشهوة فقط بالنسبة إلى الامرأة وإن فقدت الباقي، كما جاء في الصحيح(1)، وأفتى به بعض الأعلام(2).

وكذا بالنسبة إلى المريض؛ للصحيح الدالّ على كفاية الشهوة عند خروج المشتبه منه وإن لم يحصل غيرها من العلائم؛ معلّلاً بأنّ الصحيح غير المريض، لأنّ المريض ليس له دفع وقوّة(3).

ولو وُجد بعضٌ من تلك العلامات دون بعضٍ بالنسبة للرجل الصحيح، فهل يكتفى به أم لا؟ وكذا لو وُجد غيرها ممّا يفيد الظنّ به، فهل يجب اعتباره من رائحة ولون وتأثير؛ لأنّ المفهوم من الأخبار ليس إرادة التعبّد بحصولها بل لحصول الظنّ بكشفها، أو لا يجب اعتباره إلّا بالمنصوص من العلائم؛ لأصالة العدم، وعدم القطع بكون العلّة هي إفادة الظنّ؟ وجوه وأقوال، أقواها في الأوّل: كفاية الدفق والشهوة؛ لملازمته لحصول المنيّ في العادة، ولقوله تعالى: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(4)

والأحوط: مراعاة الدفق مطلقاً، انفرد أو اجتمع مع غيره؛ للآية(5)وفتوى بعض الأصحاب(6).

وأحوطها :اعتبار الأوصاف اللازمة في الثاني سيّما ما ذكروه من قرب رائحته لرائحة الطلع رطباً، ولرائحة بياض البيض جافّاً.

ثالثها: حکم مَن رأی فی ثوبه منیّاً

إذا رأى الإنسان في ثوبه المختصّ به- الذي لم يشاركه فيه أُنثى ولا رجل - أو في بدنه منيّاً قد علمه بالصفات من رائحة أو غيرها أو من بيّنةٍ شهدت له بذلك، فإن علم أنّه منه وأنّه في زمن خاصّ، فلا إشكال في حكمه.

وإن علمه أنّه منه ولكنّه لا يدري بز من حدوثه، فالأظهر الحكم عليه بالتأخّر إلى زمن يعلم عدم تأخّره عنه من نوم أو يقظة، فيعيد الصلاة المعلومة التأخّر عن ذلك الزمن بعد أن يغتسل.

ويحتمل القول بأنّه إن شكّ في كون هذا المنيّ من جنابات سابقة قد اغتسل لهنّ أو لاحقة، لم يجب عليه الغسل؛ لأصالة البراءة. وهو قوي، إلّا أنّ الأوّل أحوط.

ويحتمل وجوب إعادة كلّ صلاةٍ صلّاها بعد آخِر غسل من جنابةٍ متقدّمة بعد أن يغتسل هذا الغسل الواجب عليه للاحتياط، وربما نقل عن الشيخ(7)ذلك.


1) وسائل الشيعة 2: 186، الباب 7 من أبواب الجنابة، ح 2.

2) الطباطبائي في رياض المسائل 1: 195

3) وسائل الشيعة 2 :195، الباب 8 من أبواب الجنابة، ح 3.

4) الطارق (86): 6.

5) الطارق (86): 6.

6) كالطوسي في المبسوط :1: 27 وابن حمزة في الوسيلة: 55.

7) المبسوط 28:1.

وهو ضعيف؛ لأنّ هذا المقام ليس من مقامات وجوب الاحتياط القاطعة لأصل البراءة، على أنّه يلزمه إيجاب الإعادة على مَنْ لم يعلم بوقوع الجنابة منه والاغتسال مدّة عظيمة ولو أربعون سنة، كمن لم يجنب من أوّل بلوغه إلى مضيّ ذلك القدر، بل يلزمه على ما ارتكبه من جادّة الاحتياط أن يعيد كلّ صلاةٍ صلّاها قبل آخر الأغسال إذا احتمل سبق خروج المنيّ عليه، ولا قائل به.

هذا بالنسبة إلى الحدث، وأمّا بالنسبة إلى الخبث فإن قلنا: إنّ جاهل النجاسة لا يعيد فلا حكم له، وإن قلنا بالإعادة وجب عليه إعادة ما علم مقارنته للصلاة من الأزمنة، سواء علم بارتفاع حدثه قبل ذلك كما إذا علم أنّه من النومة الأخيرة وقد اغتسل بعدها ولكن لم يغسل الثوب - أو لم يعلم ذلك.

وإن لم يعلم واجد المني في ثوبه المختصّ كونه منه، فإن شكّ في كونه منه أو من غيره واقع عليه يقظةً أو نوماً، فالأصل البراءة، وإن ظنّ كونه منه؛ لضعف احتمال كونه من الغير- كما هو المعتاد - فالظاهر هو الحكم بكونه منه ؛ للأخبار الدالّة على وجوب الغسل وإعادة الصلاة على مَنْ يصبح ويرى في ثوبه المنيّ ولم يكن قد رأى في منامه أنّه احتلم كموثّقة سماعة(1). والدالّة على وجوب الغسل على مَنْ يرى في ثوبه أو على فخذه الماء، ولم ير في نومه أنّه احتلم(2)، وظاهرها الشمول للمقطوع به والمظنون، بل هي في الثاني أظهر؛ لمكان السؤال.

وأمّا شمولها لصورة الشكّ فهو غير ظاهرٍ؛ لندرة حصول الشكّ في الثوب المختصّ أنّه منه أو من غيره، فيبقى على الأصل.

وعلى ذلك يُحمل ما رواه أبو بصير عمّن يصيب ثوبه منيّ ولم يعلم أنّه احتلم، قال: «ليغسل ما وجد بثوبه وليتوضأ»(3).

وأمّا حمل الأخبار الأوّليّة على صورة العلم وحمل خبر أبي بصير على صورة عدمه؛ لقاعدة عدم جواز نقض اليقين بالشكّ، فهو بعيد.

وأمّا الواجد المنيّ في الثوب المشترك بينه وبين غيره على سبيل الاجتماع أو على سبيل


1) وسائل الشيعة 2 198، الباب 10 من أبواب الجنابة، ح 2.

2) المصدر، ح 1.

3) المصدر، ح 3.

النوبة والتعاقب فالأظهر: أنّه على القاعدة من عدم جواز نقض اليقين إلّا باليقين، فلا يحكم بالحدث من دون اليقين، ظنّ بكونه منه أم لا، شكّ أم لا، وجده في نوبته أو وجده في نوبة صاحبه، وربّما يُحمل على ذلك رواية أبي بصير.

ويحتمل إلحاق صاحب النوبة فيما إذا كان الاشتراك على التناوب بصاحب الثوب المختصّ ؛ لاختصاصه به، ولأصالة تأخّر وجوده سيّما مع طول نوبته كسنة وشبهها.

ولكنّ الأوّل أقوى؛ لعموم الأدلّة من غير معارضٍ، ولاختصاص الروايات المتقدّمة بصاحب الثوب المختصّ، كما يظهر منها ذلك.

نعم، صاحبا النوبة يُحكم عليهما مع اختصاصه بهما مع العلم والظنّ بذلك أنّه منهما.

والظاهر أنّ حكمهما بالنسبة إلى غيرهما حكم الشبهة المحصورة، فيجب تجنّبهما في الائتمام، فلا يأتمّ بأحدهما ولا بكلٍّ منهما سواء ائتمّ بكلّ واحدٍ منهما في فرضٍ منفرد أو ائتمّ بكلّ واحدٍ منهما في فرضٍ واحد كالمسبوق.

ولا يجوز احتسابهما معاً من عدد أهل الجمعة، ولا يجوز ائتمام أحدهما بالآخَر بالطريق الأولى.

وحكمهما بالنسبة إلى أنفسهما حكم غير المحصورة، فيتمسّك كلٌّ منهما بيقين الطهارة السابق، فيكون كمن تيقّن الطهارة وشكّ في الحدث، فلا يجب على أحدهما غسل، ولا يحرم عليه ما يحرم على المجنب من دخول مساجد أو قراءة عزائم.

ويمكن المناقشة فيما ذكرناه أوّلاً: بأنّ الائتمام جائز خلف مَنْ حُكم بصحّة صلاته بظاهر الشرع، ويكفي في صحّة صلاة المأموم عدم علمه بفساد صلاة الإمام، ولا يشترط علمه بصحتها.

ولكنّ الأحوط اجتنابهما معاً، وأحوط منه اجتناب كلٍّ منهما لكلٍّ منهما. وتجري لما فوق الاثنين ولغير حدث المنيّ من الأحداث، ولا خصوصيّة للاثنين ولا للمنيّ ولا للثوب.

رابعها: أحکام صُور ما إذاخرج منه بلل بعد الغسل

إذا خرج منه بعد الغسل بلل، فإن علم أنّه منيّ أو بول، فلا إشكال في إعطاء كلٍّ حكمه. وإن علم أنّه ليس أحدهما فلا إشكال أيضاً في بقاء طهارته الصغرى والكبرى. وإن لم يعلم حاله سواء لم يعلم حاله مطلقاً أو علم أنّه لا يخلو عن أحدهما ولكنّه لا يعرفه بعينه، فلا يخلو إمّا أن يكون قد بال قبل الغسل واجتهد، أو فعل أحدهما فقط، أو لم يفعل شيئاً منهما، ثمّ مع الإتيان بالاجتهاد خاصّةً فإما أن يكون مع إمكان البول، أو يكون مع عدم إمكانه، فهذه صور:

منها: أن يبول ويجتهد قبل الغسل ثمّ يجد بللاً بعد الغسل، فالظاهر أنّه لا إشكال في عدم وجوب إعادة الغسل والوضوء معاً؛ للاستصحاب، وفتوى الأصحاب، وأخبار الباب(1)، الدالّة على أنّ مَنْ بال سقط عنه إعادة الغسل، وهي متكثّرة معتبرة معمول عليها لاشكّ في مضمونها، والدالّة على أنّ مَنْ استبرأ لا شيء عليه، وقد تقدّمت كيفيّة الاستبراء، ومع الأخذ بما هو الأحوط فيها لا يبقى إشكال في الحكم.

ومنها: أن لايبول ولا يجتهد وخرج ما يشكّ فيه بين كونه منيّاً أو غيره، سواء كان الغير بولاً أو غيره. والحكم فيه وجوب إعادة الغسل؛ لفتوى المشهور ، والإجماع المنقول(2)، والأخبار المتكثّرة.

كموثّقة سماعة: عمّن يجنب ثمّ يغتسل قبل أن يبول ويجد بللاً بعد ذلك، قال: «يعيد الغسل»(3).

وصحيحة سليمان: عمّن يخرج منه شيء وقد فعل كذلك، قال: «يعيد الغسل»(4). وصحيحة منصور بن حازم(5)كذلك.

وصحيحة ابن مسلم عمّن يخرج من إحليله بعدما يغتسل شيء، قال: «يغتسل ويعيد الصلاة، إلّا أن يكون قد بال قبل أن يغتسل، فإنّه لا يعيد غسله» (6).

وصحيحة معاوية بن ميسرة: وإن لم يبل حتّى اغتسل ثمّ وجد البلل فليعد الغسل»(7).

وغير ذلك من الأخبار المتكثّرة المعتبرة.

ولا يعارضها ما جاء في عدّة أخبار من عدم وجوب الغسل على مَنْ ترك البول مطلقاً في بعضها(8)، ونسياناً في بعضٍ آخَر(9)لعدم مقاومتها لتلك الأخبار سنداً وعدداً و دلالةً و اشتهاراً و انجباراً، فلا بدّ من طرحها، أو تنزيلها على صورة الإتيان بالاستبراء مع عدم إمكان البول أو مطلقاً على اختلاف القولين.


1) وسائل الشيعة 2: 250 - 252 ، الباب 36 من أبواب الجنابة، ح 1، 5 - 9 و 11.

2) السرائر 1: 122

3) وسائل الشيعة 2: 251، الباب 36 من أبواب الجنابة، ح 8.

4) المصدر: 201، الباب 13 من أبواب الجنابة، ح 1.

5) المصدر: 201 - 202، ج 2.

6) المصدر: 251، الباب 36 من أبواب الجنابة، ح 6.

7) المصدر: 252، ح 9.

8) المصدر : 252 - 253، ح 13 و 14.

9) المصدر: 252، ح 11 و 12.

وحملها على الإباحة وحمل تلك على الندب فرع المقاومة، وليس فليس؛ لضعف الروايات المشتملة على عدم الإعادة؛ لأنّ رُواتها بين مَنْ نُسب إليه الكذب(1)، وبين مَنْ نُسب إليه الغلوّ(2)، وبين مَنْ هو مهمل(3)، وبين مَنْ لم يذكر بمدح ولا قدح(4).

وكذا لا يعارض ما ذكرناه من الأخبار ما نُسب للصدوق من نفي وجوب الغسل ووجوب الوضوء(5)استناداً للخبر: «إن كان قد رأى بللاً ولم يكن بال فليتوضّأ ولا يغتسل، إنّما ذلك من الحبائل»(6)لضعفه سنداً وعدداً ودلالةً، ولأنّ كونه من الحبائل ينبغي أن لا يوجب شيئاً فلا بدّ من طرحه أو حمله على إرادة غسل ما خرج من لفظ الوضوء، فيكون مساقه مساق الأخبار النافية لوجوب الغسل، فيُحمل على مَن اجتهد قبل الغسل، فيراد بالوضوء حينئذٍ غَسْل البلل ندباً.

ولو صلّى بعد الغسل مَنْ لم يبل ولم يجتهد كانت صلاته صحيحةً؛ لصحّة غسله، ولا تجب عليه إعادة الصلاة، ولو وجب عليه إعادة الغسل عند خروج المشتبه لاحتاج الإعادة إلى دليل يدلّ عليها بعد الحكم ظاهراً بصحّتها، وليس فليس.

وخيال أن صحّتها مشروطة بشرطٍ متأخّر وهو عدم خروج بلل مشتبه، ضعیف مخالف لفتوى المشهور ولإطلاقات الروايات.

نعم، ربّما أوجب إعادةَ الصلاة بعضٌ(7)مستندين(8)ب لهم آخَرون (9)صحيحة ابن مسلم(10).

وهو ضعيف؛ لضعف الاستناد إليها في هذا الحكم مع مخالفتها فيه لفتوى المشهور وعمومات الأدلّة، فلا بدّ من حملها على الندب أو على مَنْ صلّى بعد خروج المشتبه.


1) أي: أبو جميلة المفضل بن صالح الواقع في سند الحديث رقم (14) من الهامش (6)؛ وراجع خلاصة الأقوال: 407، الرقم 1648.

2) هو أحمد بن هلال الواقع في سند الحديث رقم (12) من الهامش (7)؛ وراجع خلاصة الأقوال: 320، الرقم 1256.

3) أي: علي بن السندي الواقع في سند الحديث رقم (11) من الهامش (7)؛ وراجع الحدائق الناضرة 2: 31.

4) أي: عبد الله بن هلال الواقع في سند الحديث رقم (13) من الهامش (6)؛ وراجع رجال الطوسي: 264، الرقم 3779.

5) الفقيه 1: 85، ح 188؛ المقنع: 42.

6) وسائل الشيعة 2 :250 الباب 36 من أبواب الجنابة، ح 2.

7) راجع مدارك الأحكام 1: 307؛ والحدائق الناضرة 2: 38 - 39.

8) في هامش «ن»: «واستدل» نسخة بدل لـ«مستندين».

9) راجع مدارك الأحكام 1: 307؛ والحدائق الناضرة 2: 38 - 39.

10) تقدّم تخريجها في ص 274، الهامش (6).

وبالجملة، فصحّة الغسل ابتداءً لا كلام فيها، والأخبار مشعرة بها؛ لإيجابها الإعادة مع خروج المشتبه دون ما لم يخرج شيء، فمقتضاها صحّة الغسل مع عدم خروج شيء، وإيجاب الإعادة لا يقضي إلّا بأنّ المشتبه جنابة جديدة، لا أنّها هي الجنابة الأُولى وقد انكشف بقاؤها؛ لعدم التعرّض فيها لإعادة غير الغسل، ولعدم فهم الأصحاب منها غير ذلك، ومع الحكم بأنّها جنابة جديدة يلزم صحّة الصلاة الواقعة قبلها، فلا معنى لإعادتها.

ومَنْ أوجب الاستبراء من الأصحاب وحكى عليه الإجماع(1)أراد وجوبه الشرعي. لا وجوبه الشرطي في صحّة الغسل؛ على أنّ الوجوب الشرعي - مع مخالفته للأصل وفتوى المشهور، وخلوّ الأخبار البيانيّة(2)عنه، وعدم اشتهار حكمه مع توفّر الدواعي لاشتهاره - لا دليل عليه سوی ظاهر بعض الروايات كقوله(عليه السلام):« وتبول إن قدرت على البول»(3)وهو ظاهر في الإرشاد؛ لسياقه مساق المندوبات، فلا يصلح لمعارضة ما قدّمنا.

وأمّا الأخبار الآمرة بالإعادة على مَنْ ترك البول(4)فلا شاهد فيها على وجوبه، بل الشاهد فيها على العكس؛ لعدم التعرّض فيها لحكم الاستبراء، ولو كان واجباً لكان بيان حكمه مقدّماً على بيان ثمرة تركه.

ومنها: أن يبول قبل الغَسل ولم يستبرئ، والظاهر هنا عدم وجوب إعادة الغسل عند رؤية المشتبه بعد الغسل، ووجوب إعادة الوضوء؛ للأخبار النافية لوجوب الغسل، والمثبتة للوضوء على مَن اغتسل بعد البول ورأى المشتبه(5)، وهي و إن كانت مطلقةً في وجوب الوضوء عليه استبراً أم لم يستبرئ، ولكنّها مقيّدة بما دلّ على أنّ المستبرئ لا يبالي وإن بلغ الساق(6).

وبهذه الأخبار يقيّد ما جاء من أنّ كلّ غسل معه وضوء إلّا الجنابة(7)، فاحتمال عدم وجوب الوضوء ضعيف جدّاً.


1) غنية النزوع 1: 61.

2) راجع الهامش (2) من ص 203

3) وسائل الشيعة 2 230، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 6.

4) المصدر : 250 - 252 ، الباب 36 من أبواب الجنابة، ح 1، 8 - 10.

5) المصدر، ج 5، 8 و 9.

6) المصدر 1: 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 3.

7) المصدر 2 248 الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 2.

ومنها: أن يستبرئ بعد الجنابة من غير أن يبول مع إمكان البول، والظاهر هنا وجوب

إعادة الغسل؛ للأخبار الدالّة على وجوب الإعادة مع عدم البول(1)، ولفتوى أكثر الأصحاب(2).

ومنها: أن يستبرئ مع عدم إمكان البول، والظاهر هنا عدم وجوب الإعادة؛ لدليل نفي العسر(3)، وللأصل والاستصحاب وعدم نقض اليقين إلّا باليقين، ولفتوى الأكثر(4).

وللأخبار الدالّة بإطلاقها على عدم وجوب الغسل على تارك البول مطلقاً (5)بحملها على ما إذا استبرأ؛ لأنّه خير من طرحها.

ولرواية جميل: في مَنْ يجنب وينسى أن يبول حتّى يغتسل، ثمّ رأى بعد الغسل شيئاً أيغتسل؟ قال: «لا، قد تعصّرت ونزل من الحبائل»(6)وموردها وإن كان الناسي ولكنّه لا يختصّ به؛ لوروده في السؤال أوّلاً، ولعدم الفرق بين الناسي وغيره في حصول التنقية بالتعصّر وعدمه، فإن حصلت فلا إعادة، و إلّا فتجب ثانياً.

وقيل بوجوب الإعادة(7)لإطلاق الأخبار الموجبة للإعادة على مَنْ لم يبل، الشاملة للمتمكّن وغيره، والمستبرئ وغيره، واستضعافاً لما قدّمناه من الأدلّة على معارضتها؛ لانقطاع الأصل بها، ولضعف الأخبار المطلقة أوّلاً، وعدم دلالتها على خصوص المستبرئ مع عدم التمكّن ثانياً، وكونه وجةَ جمع فرع المقاومة ووجدان الدليل عليه، وليس فليس، ولعدم التصريح التامّ في رواية جميل بالاستبراء، ولئن كان فيها ذلك فلا دلالة فيها على صورة العمد، ولذا أنّ الشيخ فرّق بين تارك البول والاستبراء عمداً فيعيد، وبين تاركهما نسياناً فلا يعيد؛ لهذه الرواية(8).

وهو مردود بضعفها، وعدم مقاومتها لما قدّمنا، ولئن دلّت على صورتي العمد والنسيان في الجواب فليس فيها دلالة على حصول الاستبراء مع عدم التمكّن من البول، وحملها عليه فرع وجود دليلٍ، وليس.


1) راجع الهامش ( 4 ) من ص 276.

2) استظهره البحراني في الحدائق الناضرة :2 37 من كلام أكثر الأصحاب.

3) البقرة (2): 185.

4) استظهره البحراني في الحدائق الناضرة 2: 37 من كلام أكثر الأصحاب.

5) راجع الهامش (7) من ص 274.

6) وسائل الشيعة 2: 252 الباب 37 من أبواب الجنابة، ح 11.

7) قاله البحراني في الحدائق الناضرة 38:2

8) الاستبصار 1: 118 - 120، الباب 72

و جميع هذه الصور مخصوصة بالرجل دون المرأة؛ لبناء حكمها على قاعدة عدم نقض اليقين بالشكّ من غير معارضٍ؛ لاختصاص الأخبار بالرجل، ولأنّه هو الذي يمكن في حقّه تنقية المجرى بالبول؛ لاتّحاد مخرج البول والمنيّ فيه دون المرأة؛ لافتراق مخرجيهما فيها، فالاستبراء بالبول لا ثمرة له فيها، والاستبراء به هو العمدة في الحكم بالإعادة وجوداً وعدماً، وللأخبار النافية لإعادة الغسل عن المرأة بخصوصها(1)، الفارقة بينها وبين الرجل.

وسوّى الشيخ(رحمۀ الله علیه) بين المرأة والرجل في ترتّب ثمرة الاستبراء بالبول(2)، وربما علّل بأنّ للبول تأثيراً في التنقية وإن كان من مخرجٍ آخَر. وهو بعيد.

نعم، الأحوط للمرأة الاستبراء بالاجتهاد لإخراج المنيّ بالعصر ونحوه، فإن لم تفعل فالأحوط لها إعادة الغسل عند خروج المشتبه.

خامسها: يجب غَسْل جميع البدن للمجنب إجماعاً وكتاباً وسنّۀ
اشارة

يجب غَسْل جميع البدن للمجنب إجماعاً وكتاباً وسنّۀ(3)وسنّةً(4)، بما يُسمّى غَسْلاً ولو خفيفاً كالدهن، لكن بشرط الجريان عرفاً، فلا تجزئ المماسّة للماء ولا الدهن الذي هو عبارة عن انتشار الرطوبة وشيوعها في الجسد بدون إجراءٍ؛ لإطلاقات الكتاب والسنّة بأوامر الغسل، وهو حقيقة في الإجراء؛ إذ فرده الظاهر ذلك، فلا يجزئ غيره. وما ورد بإجزاء الدهن(5)محمول على المبالغة.

والغسل للبدن قسمان:
أحدهما: الترتیبی

الترتيب، بأن يغسل الرأس أوّلاً، ثمّ الشقّ الأيمن ثمّ الأيسر.

ويدلّ عليه فتوى المشهور، والإجماع المنقول(6)، والاحتياط اللازم في الخروج عن العهدة بعد يقين الشغل، وما ورد في الأخبار(7)وأفتى به الأخيار من لزوم الترتيب في غسل الميّت،


1) وسائل الشيعة 2 :201 ، الباب 13 من أبواب الجنابة.

2) النهاية: 21.

3) النساء(4): 43

4) وسائل الشيعة :2: 229 الباب 26 من أبواب الجنابة.

5) المصدر 1 ،485 الباب 52 من أبواب الوضوء، ح 5.

6) الخلاف 1: 132، المسألة 75؛ غنية النزوع 58:1.

7) وسائل الشيعة 2 : 480 و 482 و 484 ، الباب 2 من أبواب غسل الميّت ، ح 3 ، 5 و 10 ، و 486، الباب 3 من تلك الأبواب ، ح1 .

وأنّ غسل الميّت كغسل الجنابة، وأنّ علّة غسل الميّت خروج النطفة منه عند الموت، كما دلّت على ذلك الأخبار(1)ونطقت به كلمات الأخيار، حتّى أنّه ورد في السؤال من الأئمّة(عليهم السلام): لِمَ كان غسل الميّت كغسل الجنابة ؟ (2)

ويدلّ على لزوم الترتيب عمل العلماء والسيرة القطعيّة المستمرة على فعله وأنّه المعهود بين الشيعة والشائع لديهم، وأنّه لو كان خلافه لبانَ ولما خفي على أحد؛ لتوفّر الدواعي على نقله وكثرة الحاجة إلى عمله ووفور تكرّره، وأنّه من خواصّ مذهبهم؛ لأنّ العامّة لا يرون وجوبه، والرشد بخلافهم.

ويدلّ عليه أيضاً أنّ المفهوم من الأخبار وكلام الأصحاب أنّ الغسل ماهيّة واحدة كالوضوء لا تختلف أفراده ولا تتغاير أنواعه وغير الجنابة يلزم فيه الترتيب -كما يجيء إن شاء الله تعالى في محلّه - فيجب فيه أيضاً.

ويدلّ عليه أيضاً حسنة زرارة الواردة في كيفيّة اغتسال الجنب: «ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ، ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين، وعلى منكبه الأيسر مرّتين»(3)فإنّ الظاهر من «الواو» فيها في مقام البيان والعطف بذلك النحو والسياق إرادة الترتيب.

والظاهر أنّ الترتيب الذكري قرينة على الترتيب الحكمي في أمثال هذه المقامات.

ومثل هذه الحسنة موثّقته عن غسل الجنابة: «أفض على رأسك ثلاث أكفّ، وعن يمينك، وعن يسارك»(4)؛ فإنّها ظاهرة في الترتيب.

ويؤيّد ما ذكرناه ما ورد أنّ النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم) إذا اغتسل بدأ بميامينه(5)، وما ورد «أنّ الله يحبّ التيامن في كلّ شيء»(6)إلى غير ذلك.

ويدلّ على خصوص لزوم تقديم الرأس خصوصاً ما جاء من الأمر بإعادة الغسل لمن لم يبدأ برأسه(7)، وكونه الآن إجماعاً محصلاً، بل كاد أن يلحق بالضروريّات.


1) وسائل الشيعة 2 487 و 488، الباب 3 من أبواب غسل الميّت، ح 2 - 5.

2) المصدر: 487 - 0489 ح 2 ، 8

3) المصدر : 229 ، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 2.

4) المصدر: 241، الباب 31 من أبواب الجنابة، ح 6.

5) صحیح مسلم 256:1، ح 321

6) مستدرك الوسائل 1: 330، الباب 30 من أبواب الوضوء، ح 3.

7) وسائل الشيعة 2: 235، الباب 28 من أبواب الجنابة، ح 1 و 3.

فلا يعارض ما قدّمنا ما جاء من الأخبار الدالّة على عدم لزوم الترتيب بين الرأس والجسد كقوله - في الصحيح : «ثمّ يصبّ الماء على رأسه وعلى جسده كلّه»(1)وفي آخر: «ثمّ أفض على رأسك وجسدك»(2)بناءً على عدم فهم الترتيب من الواو - وعدمِ لزوم الترتيب بين الجانبين كقوله(عليه السلام)- في الصحيح : «ثمّ تصبّ على رأسك ثلاثاً، ثمّ تصبّ على سائر جسدك مرّتين»(3)وغير ذلك - لأنّه محمول على بيان أصل الأمر بالغسل وعدم افتقاره للوضوء لا لبيان كيفيّته، أو محمول على أنّه ترك بيان الكيفيّة للتقيّة أو غير ذلك.

ويدخل في الرأس حكماً لا اسماً : الرقبةُ ، فيجب غَسْلها معه، ويجب تقديمها على الجانبين، ويجوز تقديمها على الرأس؛ لأنّها بمنزلة جزئه، وتأخيرها عنه، فتجوز مقارنة النيّة لغسلها كلاًّ أو بعضاً. ويجوز غَسْلها مقارناً للرأس، ولا ترتيب بين أجزائها، وذلك كلّه لا بأس به؛ لفتوى الفحول، ولأنّه المعهود، والظاهر من بعض الأخبار، كقوله(عليه السلام)- في الحسن : «ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ، ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين، وعلى منكبه الأيسر مرّتين»(4)ضرورة عدم جواز إبقائها بلا غَسْل، وعدم دخولها في المنكب، وعدم كونها واسطةً بحيث يجب غَسْلها وسطاً؛ لعدم البيان في مقام الحاجة، ويشعر بذلك غيره من الأخبار(5).

والظاهر أنّه من المتّفق عليه بين الأصحاب. بل ربما يدّعى أنّ إطلاق الرأس على ما يشمل الرقبة من الحقائق لا المجازات، أو أنّه مجاز قرينته الشهرة في هذا المقام.

وبالجملة، فالرأس حقيقة في العرف العامّ في الكرة التي هي منبت الشعر كرأس المُحْرم، وقد يطلق على ذلك مع الأُذنين كرأس الصائم، وعلى ما يشمل الوجه كرأس الجنابة، وعلى ما يشمل الرقبة كرأس الغُسْل.

وهذه الإطلاقات إمّا حقيقة فيكون مشتركاً لفظيّاً، وقرينة التعيين فتوى الأصحاب وظاهر الاتّفاق في الباب، أو مجاز وقرينته ما قدّمناه، أو أنّها مشاركة للرأس في الحكم لا في الاسم، وترك بيان ذلك لظهوره.


1) وسائل الشيعة 2: 246، الباب 34 من أبواب الجنابة، ح 1.

2) المصدر: 247، ح 3.

3) المصدر : 229 الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 1.

4) راجع الهامش (3) من ص 279

5) وسائل الشيعة 2: 231، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 8.

وبعض أصحابنا(1)أشكل عليهم حكم الرقبة؛ لعدم التصريح به في الأخبار، فينبغي الاحتياط بغَسْلها بعد الرأس كلاًّ، وأحوط منه غَسْلها مرتّباً، وأحوط منهما غَسْل شقّها الأيمن بعد غَسْلها أجمع مع اليمين، و غَسْل شقّها الأيسر مع اليسار، والاحتياط الشديد أن لا يبتدئ بها قبل الرأس.

وأمّا العورتان فالظاهر من أخبار الترتيب دخول كلّ نصف منهما في شقّه المضاف إليه، ويؤخذ شيء من باب المقدّمة لتحصيله، والأحوط غَسْلهما مع الجانبين، وأحوط منه غَسْلهما بعد الفراغ من الجانبين منفردتين، ولو أخّر غَسْلهما إلى تمام الشقّ الأيمن كفى غَسْل جميعهما على الوجه الأوّل مرّةً واحدة منتهياً بهما للشقّ اليمين ومبتدئاً بهما بشق اليسار.

ولو أغفل لمعة من المتقدّم غَسْلها وغسل العضو اللاحق، ولو كان من المتأخّر كفى غَسْلها فقط.

وورد أنّ الإمام(عليه السلام)ترك لمعة فعاد إليها(2)، وهو محمول على التعليم للغير، أو على أنّ اللمعة في نفس العضو المغسول الذي لم يفرغ منه، أو على أنّ الترك ليس للنسيان بل لكفاية الظنّ بالوصول، وهو لا ينافي مرتبة العصمة.

ولا يجب الابتداء بالأعلى؛ لإطلاق الأخبار(3)، ولفتوى الأصحاب.

وكذا يجوز الغسل منكوساً ومستوياً؛ لما قدّمناه.

ولا موالاة في أجزاء الغسل الترتيبي ولا في أجزاء أجزائه، لا موالاة عرفيّة ولا موالاة جفافيّة؛ للأخبار(4)، وكلام الأصحاب، ويدلّ على ذلك خصوصاً ما جاء عنهم(عليه السلام) قولاً وفعلاً.

ثانيهما: غسل الارتماس

وهو أن يغسل نفسه بالماء دفعةً واحدة على وجه الانغماس فيه، لا على وجه الإصابة كيف اتّفقت، كالوقوف تحت الميزاب ونحوه.

ويدلّ عليه الإطلاقات والإجماعات المنقولة(5)وفتوى الأصحاب، والروايات الخاصّة: ففي رواية زرارة: «لو أنّ رجلاً ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وإن لم يدلك جسده»(6).


1) السبزواري في ذخيرة المعاد: 56 وراجع الحدائق الناضرة 3: 65.

2) وسائل الشيعة 2: 259 - 260 ، الباب 41 من أبواب الجنابة، ح 1.

3) المصدر : 229 - 231 و 233 ، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 1 - 3، 6 - 9 و 16.

4) المصدر: 237، الباب 29 من أبواب الجنابة.

5) السرائر 1: 121 :مدارك الأحكام :1: 295؛ کشف اللثام 2: 19.

6) وسائل الشيعة :2 :230 الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 5.

وفي حسنة الحلبي: «إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله»(1).

وفي الصحيح: «إذا اغتمس [الجنب في الماء ] اغتماسة واحدة، أجزأه ذلك من غسله»(2).

والمفهوم من لفظ «من» هو البدليّة، كقوله تعالى: أرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ(3).

ويحتمل إرادة عدم تعدّد الارتماسات من لفظ «واحدة».

ويحتمل إرادة الدفعة العرفية؛ احترازاً عن الارتماس التدريجي.

والأوّل أقرب لحاقّ اللفظ، والثاني أقرب لفهم الفقهاء والاحتياط.

وعلى كلّ حال فالظاهر أنّ الدفعة العرفيّة كافية في الغسل الارتماسي، فلا يضرّ بها التخليل اليسير، ودَلْك ما يحتاج إلى الدلك داخل الماء.

ولا يجوز التدريج فيها بحيث ينوي الغسل عند ابتداء دخوله وينزل في الماء تدريجاً إلى أن يتمّ الارتماس، بل الأحوط مقارنة النيّة للارتماس الحكمي، فينوي عند اشتمال الماء عليه جميعاً الغسلَ.

وتحقيق ذلك: أنّ المرتمس له أن ينوي الغسل حال دخوله إذا لم يكن تدريجاً؛ لأنّ أوّل دخوله هو أوّل أجزاء الارتماسة إن قلنا: إنّ الارتماس يصدق من أوّل ملاقاة الماء إلى انتهائه فيه، وفيه بحث. وله أن ينوي حال خروجه ما دام الماء مشتملاً عليه، وله أن ينوي حال كونه تحت الماء، سواء في ذلك الكونُ الأوّل أو الوسط أو الأخير، وله أن ينوي عند اختلاف سطوح الماء عليه، وله أن ينوي عند تحريكاته الماء أو تحريك جسمه فيه، وكلّ ذلك جائز، غير أنّ الأظهر لزوم مقارنة النيّة لاشتمال الماء على جميع جسده؛ خروجاً عن شبهة أنّ الغسل الارتماسي عبارة عن اشتمال الماء على جميع البدن آناً مّا، ودخول الأجزاء في الماء قبل استكمالها من باب المقدّمة، لا أنّها من أجزاء الغسل الارتماسي، كما بنى عليه بعض المحقّقين(4)، وهو الأظهر من كلام الفقهاء.

فعلى هذا يضعف ما ذكره بعضهم(5): أنّ الارتماسي ابتداؤه ابتداء الملاقاة للماء وانتهاؤه


1) وسائل الشيعة 2: 232، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 12.

2) المصدر : 233، ج 15، وما بين المعقوفين أضفناء من المصدر.

3) التوبة (9): 38

4) راجع: كشف اللثام 202

5) راجع: الألفيّة: 45.

بانتهائه، على أنّه يلزم منه أن يترتّب على الغسل الارتماسي كثير من ثمرات غسل الترتيب، والقائل به لا يعتدّ به.

نعم، لا فرق في الارتماس بين أن يكون جميعه خارجاً عن الماء، أو يكون بعضه في الماء وبعضه خارجاً ، أو يكون كلّه داخل الماء، فينوي بالأكوان أو التحريكات أو الجريات الغسلّ، كلّ ذلك لإطلاق الأخبار في إجزاء الارتماسة، والاستدامة كالابتداء.

ما يتعلّق بنفس الغسل
بیان أمور تتعلق بنفس الغسل ترتیباً أو ارتماساً

و لابدّ من بيان أُمور متعلّقة بنفس الغسل، تعمّ الترتيب والارتماس، أو تخصّ أحدهما:

منها : أنّه يجب في غسل الترتيب الإجراء على نفس البشرة ؛ لظهور أوامر الغسل به، ولقوله(عليه السلام): «ما جرى عليه الماء فقد طهر»(1)، وقوله(عليه السلام): «ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد أجزأه»(2).

وما دلّ على إجزاء بلل الجسد وكفاية ما كان مثل الدهن " محمول على المبالغة.

ويجب في الارتماس الإصابة لجميع البشرة عند النيّة، ولا يفتقر إلى الإجراء.

ويجب فيهما تخليل ما يمنع الإجراء في الأوّل والإصابة في الثاني من شعر أو غيره إجماعاً.

ولا يجزئ غَسْل الشعر هاهنا عن البشرة؛ للاحتياط ، ولظهور تعلّق الأوامر بالبشرة.

وفي الصحيح: عمّن عليها الدملج(3)، والسوار في وضوء أو غسل: «تحرّكه ليدخل الماء تحته أو تنزعه»(4).

وما ورد بخلاف ذلك مَنْ عدم إعادة من نسي الخاتم بعد وضوئه حتّى صلّى أنّه لا يعيد(5)، فمحمول على عدم حجبه، أو على صورة الشكّ بتحويله.


1) وسائل الشيعة 2: 229، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 1.

2) المصدر: 240 - 241، الباب 31 من أبواب الجنابة، ح 3. 3. المصدر: 241، ح 6.

3) الدملج: المعضد من الحلي. لسان العرب 2: 276،« د م ل ج».

4) وسائل الشيعة 1: 467، الباب 41 من أبواب الوضوء، ح 1.

5) المصدر: 468. ح 2 و 3

وكذا ما ورد من أنّ نساء النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم) إذا اغتسلن بقيت صفرة الطيب في أجسادهنّ(1)، وأنّه لا بأس على مَنْ أجنب فيصيب رأسه الخلوق والطيب وغير ذلك ثمّ يغتسل فيجد شيئاً من ذلك(2)، محمول على عدم مانعيّته لوصول الماء.

ومنها: أن محلّ الغسل بقسميه: الظواهر دون البواطن؛ لانصراف أدلّتهما إليها، ولأصل البراءة، ولخصوص ما ورد في بعض الأخبار أنّه «إنّما يجنب الظاهر»(3)و أنّه إنّما يجب غسل ما ظهر(4)، وأنّ «الغسل على ما ظهر لا على ما بطن»(5).

والظاهر والباطن عرفيّان. نعم، يجب أخذ شيء من الباطن مقدّمةً لتحصيل الظاهر.

وما يُرى من الأُذنين ولم يحتج إلى التخليل فهو من الظاهر قطعاً، وكذا ما احتاج بعض الأحيان وهو ممّا يرى فإنّه من الظاهر.

وما تحت الأظفار ما لم يخرج عن العادة فيستر شيئاً من الأنملة، وموضع انطباق الشفتين وأجفان العينين كلّه من الباطن. وما كان تحت وسخ الأظفار ولم يعلو على الأنملة فالظاهر أنّه من الباطن.

وما كان باطن جرح أو شقّ أو مشق، فإن كان مرئيّاً فالظاهر أنّه من الظاهر، و إلّا كان من الباطن.

ومنها: أنّه لا يجب غَسْل الشعر في الغسل مطلقاً إلّا إذا توقّف عليه غَسْل البشرة؛ لظاهر الاتّفاق، وللأصل، ولعدم شمول أوامر غسل البدن له، ولقوله(عليه السلام): «لا تنقض المرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة»(6).

نعم، يجب إيصال الماء إلى أُصوله بحيث يستدير الماء حول كلّ شعرةٍ شعرة؛ لقيام الشعرة مقام منبتها.

وذهب بعضٌ إلى وجوب غَسْل الشعر مع البشرة(7)، استناداً إلى ظاهر رواياتٍ دالّةٍ على


1) وسائل الشيعة 2: 239، الباب 30 من أبواب الجنابة، ح 2.

2) المصدر، ج 1.

3) المصدر : 226، الباب 24 من أبواب الجنابة، ح 6 و 7.

4) المصدر 1: 431 الباب 29 من أبواب الوضوء، ح 6.

5) المصدر : 226 الباب 24 من أبواب الجنابة، ح 8.

6) المصدر : 255، الباب 38 من أبواب الجنابة، ح 3.

7) حكاه البحراني في الحدائق الناضرة -3: 89 - 90 عن بعض مشايخه من متأخري المتأخرين.

ذلك، كقوله(عليه السلام)- في الصحيح : «مَنْ ترك شعرة من الجنابة متعمّداً فهو في النار»(1)وقوله(عليه السلام):« تحت كلّ شعرة جنابة، فبلّوا الشعر وأنقوا البشرة»(2)، وقوله(عليه السلام)- في الصحيح- : «الحائض ما بلغ بلل الماء من شعرها أجزأها»(3)وما ورد في علّة غسل الجنابة: أنّه من كلّ عرق وشعرة جنابة(4)، وإلى غير ذلك من الروايات المشعرة بذلك، وإلى أنّ الشعر من الجسد فيجب غَسْله؛ لوجوب غَسْله.

والكلّ ضعيف؛ لضعف دلالة الصحيح، وعدم صحّة الصريح، فلا يعارض ما قدّمناه، ولمنع أنّ الشعر من الجسد، ودخوله في اليد في باب الوضوء قضى به المشهور، وإلّا لكان منعه متوجّهاً، واحتمال إرادة القدر من الشعرة في الصحيح الأوّل، وإرادة عدم حلّه في الصحيح ربّما كان أظهر في المقام من فهم إرادة إيجاب غَسْل نفس الشعر، فلا يصلح بهما الاستدلال.

ومنها: أنّه يكفي الظنّ في وصول الماء إلى البشرة في قسمي الغسل، ولا يجب القطع واليقين بالوصول؛ للزوم العسر والحرج بالنسبة إلى الأماكن الغير مرثيّة، والاغتسال في الليل وشبه ذلك، وفي السيرة القاطعة الدالّة على عدم التجسّس عن ذلك كفاية.

ومنها: أن جميع الأحداث الكبريات مستوية في جواز قسمي الغسلين من الارتماس والترتيب ؛ لأنّ الغسل طبيعة واحدة لا يفترق الحال بين أسبابه ، وذلك مفهوم من الأخبار وكلام الأصحاب.

ومنها: أنّه لا يجب تنظيف البدن من النجاسة قبل غسل الجنابة بقسميه ،للأصل وفتوى الأصحاب.

وما ورد من الأمر بغَسْل الفرج قبل الغُسل و غَسْل اليدين(5)، محمول على الندب والإرشاد إلى عدم تلويث المجنب بدنه بالنجاسة، فيجوز غَسْل كلّ جزءٍ بعد تطهيره ولو في أثناء الغسل، بل يجوز أن يغسل العضو النجس عن الخبث والحدث دفعةً واحدة ما لم يؤدِّ إلى تنجيس الماء كالغسل في الكثير، أو قلنا بعدم نجاسة الغسالة للإجماع الدالّ على لزوم طهارة الماء، ولم يقم إجماع على سوى ذلك.


1) وسائل الشيعة 2: 175 ، الباب 1 من أبواب الجنابة، ح 5.

2) سنن أبي داود 1 65 ، ح :248: الجامع الصحيح 1: 178، ح 106 بتفاوت يسير.

3) وسائل الشيعة 2: 241، الباب 31 من أبواب الجنابة، ح 4.

4) المصدر : 179 ، الباب 2 من أبواب الجنابة، ح 2.

5) المصدر : 229 - 231 ، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 1، 5، 7 - 9

واحتمال أنّهما سببان فيجب تعدّد مسبّبهما فيجب غسلان، ممنوع؛ لأنّ ارتفاع الخبث أمر قهريّ يراد به مجرّد وجوده فیجامع غيره، ولا يحتاج إلى سبب مستقلّ.

وربما يقال بجواز رفع الحدث والخبث باقٍ إذا لم يكن مانعاً عن وصول الماء ولا مؤدّياً لنجاسته؛ لعدم ثبوت لزوم طهارة أعضاء الغسل، وعموم الأدلّة تنفيه.

ولكنّ الأحوط خلافه.

ومنها: أنّه لا موالاة في الغسل الترتيبي ، فلو غسل جزءاً بكرةً و جزءاً عشيّةً، لم يضرّ؛ للأخبار وفيها الصحيح: «أنّ عليّاً لم ير بأساً أن يغسل الجنب رأسه غدوةً وسائر جسده عند الصلاة»(1)وكذا الصحيح في حكاية أمّ إسماعيل(2)، وغيرهما(3).

ومنها: أنّه لو أخلّ المغتسل ترتيباً بالترتيب أعاد؛ لأنّ الترتيب شرط واقعيٌّ، كما هي القاعدة في سائر الشروط.

ولو أغفل لمعةً عاد إليها وغسل العضو الذي بعدها إن كانت في عضوٍ متقدّم، و إلّا كفى العود إليها فقط.

ومنها: ألحق جمعٌ(4)، بالارتماس بالماء اشتمال الماء على الجسد بمطر أو ميزاب أو إناء دفعةً واحدة، واستندوا إلى ما ورد- في الصحيح - في مَنْ أجنب فيقوم في المطر ويغسل رأسه وجسده وهو يقدر على سوى ذلك، قال: «إن كان يغسله اغتسالة بالماء أجزأه ذلك»(5)وفي المرسل: عمّن قام في المطر حتّى سال على جسده يجزئه ذلك عن الغسل؟ قال: «نعم»(6).

وفي الأُولى ضعف عن الدلالة؛ لاحتمال أنّ السؤال عن صحّة الغسل الترتيبي في المطر وعدمه، وذلك لضعف ماء المطر غالباً عن الاغتسال به، وقرينة ذلك قوله: «يغسل رأسه وجسده» وقوله: «وهو يقدر على سوى ذلك» فيكون جواب الإمام(عليه السلام): أنّ المطر إذا كان يغسله بحيث يحقّق له اغتسالة يجري فيها الماء على الجسد فلا بأس.


1) وسائل الشيعة 2: 238، الباب 29 من أبواب الجنابة، ح 3.

2) المصدر: 237، ح 1.

3) المصدر: 238، ح 4.

4) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 29؛ والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 1 :232 الفرع الثالث؛ وابن الجنيد كما حكاه عنه الشهيد في ذكرى الشيعة 2: 226.

5) وسائل الشيعة 2 : 231 - 232 ، الباب 26 من أبواب الجنابة ، ح

6) المصدر: 232 - 233، ح 14.

وفي الثانية ضعف في الدلالة والسند معاً.

وفيهما معاً : أنّهما مخصوصتان بالمطر ، فلا يسري الحكم إلى غيره، وأنّ المعهود في غير الغسل الترتيبي هو الارتماسي المتحقّق بالانغماس في الماء، وغيره لا يدخل تحته، فيحتاج في إجزائه إلى دليل قوّي يقوم به، وليس فليس.

وجميع ما جاء من الأوامر بالغسل، ومن قوله: «ما جرى عليه الماء فقد طهر»(1)خاصّ بالغسل الترتيبي؛ لأنّه هو المعهود شرعاً والظاهر إرادته من الأخبار، فتُحمل عليه، فالأحوط تجنب ذلك حتّى في المطر.

ومنها: أنّ المغتسل لو أغفل لمعةً من الغسل الترتيبي عاد إليها وغسلها.

وما ورد في بعض الأخبار من إجزاء المسح عليها(2)محمول على إرادة الغسل.

ويجب أن يغسل ما بعدها إن كانت في عضوٍ متقدّم.

وما ورد من أنّ الإمام(عليه السلام)اغتسل فقيل له: قد بقيت لمعة من ظهرك، فقال له: «ما كان عليك لو سكتّ؟» فمسحها(3). وما ورد أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ترك لمعةً من غسل الجنابة فأخذ من بلل شعره فمسحها وصلّى بالناس(4)، وغير ذلك(5)، كلّه محمول على أنّ اللمعة من العضو الأخير ؛ جمعاً بينها وبين ما دلّ على وجوب الترتيب، على أنّها ضعيفة؛ لمخالفة ظاهرها لمنصب العصمة، وإن كان حملها على بيان التعليم أو على رجحان التأخير لمصلحةٍ لا يعلمها الراوي لا بأس به.

ومنها: أنّه لو شكّ في إتمام العضو السابق بعد تلبسه باللاحق أو بالأخير بعد فراغه منه وإعراضه عنه أو دخوله في عمل آخَر، لم يلتفت؛ لعمومات الأدلّة الدالّة على أنّ مَنْ شَكّ في الشيء وقد فرغ منه لم يلتفت إليه(6).

نعم، يستحبّ مسح المشكوك فيه بعد الفراغ منه؛ للأمر به في روايةٍ(7).


1) وسائل الشيعة 2: 229، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 1.

2) المصدر: 260، الباب 41 من أبواب الجنابة، ح 2.

3) المصدر: 259 - 260، ح 1.

4) مستدرك الوسائل 1: 481 الباب 32 من أبواب الجنابة، ح 1.

5) المصدر : 482، ح 3.

6) وسائل الشيعة 8: 237 - 238، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 1 و3.

7) المصدر :2 260 ، الباب 41 من أبواب الجنابة ، ح 2.

والأحوط الإعادة على المشكوك به ما دام متشاغلاً في الغسل؛ لشبهة أنّه عمل واحد.

ومنها: أنّه لو أغفل لمعةً من الغسل الارتماسي، قوي القول بالبطلان والإعادة؛ لأنّ المتيقّن والمقطوع به من إجزاء الارتماس هو اشتمال الماء على جميع البدن دفعةً واحدة، وبقاء جزءٍ لا يمسّه الماء منافٍ لذلك؛ لأنّ هذا الجزء إمّا أن يسقط وجوب غسله، فينافي فينافي ما دلّ على وجوب غسل البدن أجمع(1)، وأنّ كلّ شعرة تحتها جنابة(2)، و إمّا أن يغسل بعد ذلك بفاصلٍ، يعتدّ به أو لا بفاصلٍ، فينافي ما دلّ على أنّ الارتماسي هو الارتماسة بالماء دفعةً واحدة(3). وكلاهما لا نقول به.

واحتمل بعضهم(4)، صحّةَ الغسل وغسل اللمعة بعد ذلك؛ لحصول الغسل لأكثر بدنه وصدق أنّه ارتمس ولقوله(عليه السلام): «ما جرى عليه الماء فقد أجزأه»(5).

واحتمل آخَرون(6)الفرقَ بين طول الزمان فيبطل، وبين قصره فيصحّ؛ لصدق الارتماسة الواحدة حينئذٍ.

واحتمل آخَرون(7)أيضاً وجوبَ غسلها وغسل ما بعدها مرتّباً، فيعود الارتماسي ترتيبيّاً؛ لأنّ الارتماسي مرتّب حكماً أو نيّةً.

وربما احتُملت الصحّة وإن لم يغسل تلك اللمعة. وربما يفرّق بين العامد وغيره.

وجميع هذه الوجوه بيّنة الضعف، مخالفة للاحتياط، خالية عن الدليل.

ومنها: أنّه تجب المباشرة في كلا الغسلين فلا تكفي التولية إلّا مع العجز والاضطرار. والأحوط الجمع بين الغسل والتيمّم.

ويجب على العاجز الاستئجار بثمنٍ لا يضرّ بالحال.

ومنها: أنّه لا بأس بالارتماس في الماء القليل والكثير والجاري والراكد، خلافاً لمن منع الارتماس في الراكد(8)، وهو ضعيف جدّاً.


1) راجع الهامش (4) من ص 278

2) راجع الهامش ( 2 ) من ص 285.

3) وسائل الشيعة 2 232 ، الباب 27 من أبواب الجنابة ، ح 13

4) العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 211.

5) وسائل الشيعة 2: 229، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 2.

6) منهم: المحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 280.

7) منهم: العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 211

8) المفيد في المقنعة: 54.

ومنها: أنّ حكم الجبائر في الغسل حكمها في الوضوء في وجوب المسح على النحو المتقدّم.

وما ورد من الأمر بالتيمّم في الغسل لذي الجروح والقروح(1)ظاهرٌ في أنّه لحصول الضرر بالتكشّف وغسل الصحيح من البدن.

نعم، الأحوط لذي الجبائر ترك الغسل الارتماسي والعدول للترتيبي، بل ربما يقال بلزومه وسقوط الارتماس من أصله، حتّى أنّه لو لم يمكنه الترتيب انتقل إلى التيمّم، ولا يصحّ منه الغسل الارتماسي؛ لعدم التمكّن من الغسل والمسح فيه.

ومنها: أنّه لا يجب الخروج من الماء في الغسل الارتماسي، بل لو بقي في الماء بعد نيّة الغسل أجزأ، ولا يجب إخراج نفسه قبل الارتماس، سواء قلنا: إنّ الارتماسي هو الحاصل عند اشتمال الماء على البدن، أو قلنا بحصوله عند ابتداء دخول الأجزاء المتلاحقة عرفاً.

ومنها: أنّه يشترط في الغسل شرائط الوضوء من طهارة ماء وحلّيته وإسلام ونيّة قربةٍ أو رفع حدثٍ أو استباحةٍ أو غايةٍ أُخرى إن قلنا بوجوب ذلك، وإيمانٍ وعقلٍ وغيرهما، إلّا ما أخرجه الدليل.

ومنها: أنّه لا يترتّب الغسل الارتماسي حكماً -كما نُسب للشيخ(2)- سواء فُسّر بأنّ المغتسل يجب عليه أن يرتّب في النيّة، فينوي غسل رأسه أوّلاً ثمّ الأيمن ثمّ الأيسر، أو فُسّر بأنّ الارتماسي يترتّب بحكم الشارع قهراً، فيحكم على المغتسل بطهارة رأسه أوّلاً ثمّ الأيمن ثمّ الأيسر.

وهذا الحكم يمكن أن يكون عند الارتماس نفسه، ويمكن أن يكون عند خروجه مطلقاً. ويمكن أن يكون عند إخراجه نفسه على ذلك النحو، ويمكن أن يكون عند إدخاله نفسه على ذلك النحو، وفي غيرهما يكون الترتيب قهراً.

وعلى كلّ هذه الوجوه فالقول بذلك ضعيف لا تساعده الأخبار ولا كلام الأصحاب والأُصول والقواعد، وخلوّ الأخبار البيانيّة(3)عنه دليل على عدمه بجميع الوجوه، بل ربما تكون النيّة مفسدةً للغسل؛ لأنّها بمنزلة نيّة أحد النوعين في مكان الآخَر، فالأحوط تركها.

ودعوى ترتّب ثمرات الغسل الترتيبي على الغسل الارتماسي في مثل اللمعة المغفلة، وفي مثل ما إذا أصاب الماء الرأس فقط أو الرأس مع أحد الجانبين، دعوى لا يساعدها البرهان،


1) وسائل الشيعة 3: 347 - 348، الباب 5 من أبواب التيمّم، ح 7.

2) الاستبصار 1 125، ذيل الحديث 424.

3) راجع الهامش (2) من ص 203

وينفيها ظاهر الأخبار وكلام الأصحاب من تقسيمهم الغسل إلى ضربين وإعطاء كلٍّ منهما حکمه، وأنّ كلّاً منهما قسم برأسه، وليس هنالك ما يدلّ على عموم المنزلة والبدليّة كي يعطى الارتماس حكم الترتيب، فتأمّل.

سادسها: يسقط الوضوء مع غسل الجنابة وجوباً

يسقط الوضوء مع غسل الجنابة وجوباً ؛للإجماع، والأخبار الدالّة على أنّ غسل الجنابة لا وضوء معه(1).

وهل يستحبّ ؟ قيل : نعم(2)لبعض الأخبار(3)الآمرة به بحملها على الاستحباب جمعاً.

والمشهور خلافه، وحمل الأخبار على التقيّة، أو على إرادة التنظيف من لفظ الوضوء، أو غير ذلك.

ويدلّ على المنع منه ما ورد في بعض الأخبار من نسبة ذلك إلى الناس، ومن أنّهم كذبوا على عليّ(عليه السلام)من أنّه كان يأمر بالوضوء قبل غسل الجنابة(4)، فالأحوط الترك قطعاً.

ولا يسقط الوضوء مع غير غسل الجنابة من الأغسال على الأشهر الأظهر، واجباً كان أو نفلاً، رافعاً كان أم لا؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول(5)، وعموم الآية(6)الآمرة بالوضوء للصلاة، خرج غسل الجنابة وبقي الباقي، ولعموم ما دلّ على وجوبه بحدوث أسبابه(7)، وللاستصحاب وأصالة عدم المزيل للحدث الأصغر، وللاحتياط اللازم في العبادة بعد شغل الذمّة، ولظاهر المرسل المعدود كالصحيح: «كلّ غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة»(8).

وللرضوي(9)المؤيَّد بفتوى المشهور، وكذا المرويّ في عوالي اللآلي عن النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم) (10).

وللصحيح الآمر بالوضوء قبل غسل الجمعة(11)، ولا قائل بالفرق.


1) وسائل الشيعة 2: 246، الباب 34 من أبواب الجنابة.

2) قاله الطوسي في تهذيب الأحكام 1: 140، ذيل الحديث 394.

3) وسائل الشيعة 2: 247، الباب 34 من أبواب الجنابة، ح 6.

4) المصدر، ح 5.

5) ذكرى الشيعة 204:1.

6) المائدة (5): 6

7) راجع وسائل الشيعة 1: 248 ، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

8) المصدر 2: 248 الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 1.

9) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 82

10) عوالي اللآلي 203:2، ح 110

11) وسائل الشيعة 2 248 - 249 ، الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 3.

ولتوفّر الدواعي على اشتهار عدم وجوبه لو كان، مع أنّ الأمر بالعكس.

وذهب المرتضى إلى عدم وجوب الوضوء مع كلّ غسل، نفل أو فرض(1)لإطلاق الأخبار(2)بإيجاب الغسل على الحائض والمستحاضة ونحوهما في مقام البيان مع عدم ذكر الوضوء.

وللصحيح: «الغسل يجزئ عن الوضوء، وأيّ وضوء أطهر من الغسل»(3)والصحيح الآخَر مثله، ولكنّه بعد السؤال عن غسل الجنابة(4).

ولما ورد في الصحيح وغيره: «أنّ الوضوء بعد الغسل بدعة»(5).

ولمكاتبة الهمداني:« لا وضوء للصلاة في غسل الجمعة ولا غيره»(6).

ولرواية حمّاد : عمّن يغتسل للجمعة أو غير ذلك أيجزئه عن الوضوء؟ : « وأيّ وضوء أطهر من الغسل»(7).

ولموثّق عمّار : عمّن اغتسل من جنابة أو يوم جمعة أو يوم عيد، هل عليه وضوء قبل أو بعد؟: «ليس عليه وضوء قبل ولا بعد، وقد أجزأه الغسل، وكذا المرأة إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل ولا بعد»(8).

وفي الكلّ نظر؛ لضعفها عن المقاومة، ولظهور الصحيحين الأوّلين في غسل الجنابة؛ لأنّه المعهود، فينصرف إليه السؤال لكون السائل من الرجال، فـ«لام التعريف» فيه للجنس، وينصرف إلى ما ذكرناه، أو للعهد والمعهود هو ما ذكرناه، ولو فرضنا أنّ اللام للاستغراق لكان مخصّصاً بما ذكرناه، والتخصيص حتّى ينتهى إلى الواحد لا بأس به، على أنّ صدر الثاني ظاهر في الجنابة؛ لذكرها فيه.

ودعوى ظهور العموم من قوله: «وأيّ وضوء أطهر من الغسل» بعد معهوديّة الجنابة وتكرّرها في السؤال، غير مسموعة، وإشعاره بالعلّيّة مع ظهور احتمال الخصوصيّة لا يفيد.


1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 196؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 178، المسألة 124.

2) راجع على سبيل المثال وسائل الشيعة :2: 371 الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

3) وسائل الشيعة 2: 244، الباب 33 من أبواب الجنابة، ح 1.

4) المصدر : 247، الباب 34 من أبواب الجنابة، ح 4.

5) المصدر : 245، الباب 33 من أبواب الجنابة، ح 5 و 6.

6) المصدر: 244، ح 2.

7) المصدر : 245، ح 4.

8) المصدر : 244 - 245، ح 3.

وكذا ما دلّ على أنّ الوضوء بعد الغسل بدعة، فإنّه ظاهر في غسل الجنابة، مضافاً إلى ما قدّمنا من أنّ البدعيّة في غير غسل الجنابة لا يقولها أحد؛ للإجماع على الراجحيّة، على أنّه يمكن أن يكون متعلّق البدعة هو كون الوضوء بعده لا قبله كما أوجبه جماعة(1).

وأمّا المكاتبة وما بعدها فضعيفتان لا تصلحان للاستدلال بهما، ومع ذلك فهما معارضتان بالصحيح الدالّ على وجوب الوضوء مع غسل الجمعة(2).

وأمّا الموثّق فمع كونه غير صالح للمعارضة محمول على عدم احتياج الغسل نفسه للوضوء، فيتمّ رفعه للحدث بدونه وإن كان لا يجوز له الصلاة من دون وضوء.

وأمّا خلوّ الأخبار عن الوضوء في الأغسال فلأنّها إنّما سِيقت لبيان رافع الأكبر وما يحتاج إليه، لا لبيان رافع الأصغر، بل ربما كان الاحتياج إليه معلوماً ، فلا يحتاج إلى بيان، ولأنّ السؤال عنها لم يعلم مصادفته لدخول الوقت كي يجاب بجميع ما يجب للصلاة من رافع أكبر أو أصغر، وهذا ظاهر.

وهل يجب تقديم الوضوء على الغسل ؟ ظاهر الأخبار(3)ذلك، بل فيها: أن الوضوء بعد الغسل بدعة(4).

ولكن فتوى الأصحاب والإجماع المنقول(5)في الباب يدلّان على التخيير، وكذا إطلاقات بعض الأخبار(6)، فلتُحمل أخبار القبليّة على الندب.

وعلى وجوب القبليّة فالإجماع منقول(7)على عدم فساد غسل المؤخِّر، بل يصحّ غسله وإن أثم بالتأخير.

وهل ينوي بالوضوء رفع الأصغر فقط أو رفعه مع رفع الأكبر ؟ وجهان، أوجههما: الأول؛ لأنّه المعهود من مشروعيّة الوضوء له.


1) منهم: المفيد في المقنعة : 53؛ والطوسي في الجمل والعقود (ضمن الرسائل العشر ) : 163؛ والصدوق في الفقيه 1: 81؛ وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 134.

2) راجع الهامش (11) من ص 290

3) منها ما في وسائل الشيعة 2: 248 الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 1.

4) وسائل الشيعة 2: 245، الباب 33 من أبواب الجنابة، ح 6 و 9.

5) السرائر 1: 113

6) وسائل الشيعة 2: 248، الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 2.

7) راجع رياض المسائل 1: 241.

وتبنى المسألة على أنّ الوضوء رافع للأصغر فقط، والغسل للأكبر فقط، أو يشتركان في رفع الأمرين، أو يشارك الغسل الوضوء في رفع الأصغر، وينفرد عنه في رفع الأكبر، أو بالعكس؟ ولمّا كان أظهر الوجوه الأوّل كانت نيّة الوضوء هي النية المعهودة لمشروعيته.

سابعها:حکم لو أحدث المغتسل عن الجنابة ترتيباً في أثناء الغسل

لو أحدث المغتسل عن الجنابة ترتيباً في أثناء الغسل أو ارتماساً عند نيّة الغسل فی الارتماسة، قام احتمال صحّة الغسل وإتمامه في الأوّل والبناء عليه في الثاني والوضوء للصلاة بعد ذلك؛ لأصالة البراءة، وأصل الصحّة، ولما جاء من جواز التراخي في الغسل(1)، من دون تفصيل بين وقوع الحدث في الأثناء وعدمه، وعموم الأدلّة الدالّة على أنّ «ما جرى عليه الماء فقد طهر»(2)وأنّ «كلّ شيء أمسسته الماء فقد أنقيته »(3)وإطلاقات أوامر الغسل من دون شرطٍ آخَر، ولعموم أدلّة إيجاب الحدث الأصغر الوضوء(4)، والمتيقّن من رافعه أحد أمرين: إمّا الغسل كلّاً، أو الوضوء، والأوّل غير حاصل فيبقى الوضوء.

وقام احتمال لزوم الإعادة من رأس لبطلان الغسل ؛ لأنّ المفهوم من أخبار غسل الجنابة أنّ الصحيح من الغسل ما ترتفع معه الأحداث الصغار بالمرّة، ومثل هذا لا يرفع ما تخلّله قطعاً، ولأنّ المتخلّل حدث فلا بدّ له من أثر ، فهو إمّا الغسل وهو المطلوب، أو الوضوء وهو منافٍ لما دلّ على أنّ كلّ غسل معه وضوء إلّا الجنابة(5)، ولأنّ الحدث ناقض لتمام الغسل، فانتقاض بعضه به بالطريق الأولى، وحينئذٍ فارتفاعه إمّا ببعض الغسل ولا دليل عليه، أو بالوضوء وهو منهيّ عنه، أو بالغسل وهو المطلوب، ولروايتي عرض المجالس(6)والفقه الرضوي(7)الدالّتين على الأمر بالإعادة، المؤيّدتين بالشهرة المنقولة(8)والاحتياط في العبادة؛ للشكّ في المانعيّة، وما شكّ في مانعيتّه مانع.


1) وسائل الشيعة 2 237 ، الباب 29 من أبواب الجنابة.

2) المصدر: 229، الباب 26 من أبواب الجنابة، ح 1.

3) المصدر: 230، ح 5.

4) راجع الهامش (8) من ص 290

5) وسائل الشيعة 2 :248 الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 2.

6) المصدر : 238، الباب 29 من أبواب الجنابة، ح 4.

7) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 85 .

8) الحاشية على مدارك الأحكام 1: 348.

وقام احتمال صحّة الغسل وإتمامه؛ للأصل، واستصحاب الصحّة، ولعدم إيجاب المتخلّل للغسل؛ لأنّه ليس من نواقضه ولا موانعه وللوضوء المنهيّ عنه، وللشكّ في سببيّة مثل هذا الحدث للوضوء؛ لأنّ تأثير الحدث قبل ارتفاع الجنابة مشكوك فيه، ولذا إنّ الحدث قبل الاغتسال لا أثر له في إيجاب شيء، ولأنّ ارتفاع الجنابة إنّما يكون بتمام الغسل وحصول الجزء الأخير منه، وهو السبب في رفع الأصغر ، فإذا حصل الجزء الأخير منه حصل ارتفاع الحدث الأصغر.

وقام احتمال لزوم الإعادة من رأس؛ للشكّ في الخروج من العهدة بمثل هذا الغسل، ولزوم الوضوء؛ للشكّ في ارتفاع الأصغر بدونه؛ لاحتمال صحّة الأوّل وعدم رافعيّته للأصغر، واحتمال صحّة الثاني ورافعيّته، وحيث قام الاحتمالان بقي الحدث الأصغر مستصحباً.

وقام احتمال لزوم إتمام الغسل؛ للنهي عن إبطال العمل(1)، ولاحتمال صحّته، فلا يجزئ عنه المُعاد، ثمّ الإعادة للغسل ثمّ الوضوء كما تقدّم.

وقام احتمال لزوم الإتمام والإعادة، والحدث الأصغر ثمّ الوضوء بعده؛ خروجاً عن شبهة تحريم الوضوء مع غسل الجنابة.

وهذه الاحتمالات منها أقوال مشهورة معروفة كالثلاثة الأُوَل، ومنها ومنها يجيء بها الاحتياط باختلاف مراتبه، والجميع لا يخلو عن مناقشة.

أما الأوّل: فللقدح في الأصل والاستصحاب بطروء ما يرفعهما من الشغل اليقيني المستدعي للفراغ اليقيني، وللقدح في عمومات الأدلّة وإطلاقات الأوامر بانصرافها للمعهود المتكرّر، وهو الحاصل من غير تخلّل حدثٍ، ولأنّ ما دلّ على بيان جواز التراخي إنّما جاء لبيانه، لا لبيان جميع ما يعرض له من حدث أصغر أو أكبر أو غير ذلك، ولأنّ ما دلّ على لزوم الوضوء مخصوص بما إذا لم يكن غسل جنابة، ولو كانت جنابة كان احتمال دخول الوضوء تحت أدلّة المنع مساوياً لاحتمال دخوله تحت أدلّة الوجوب، ولا ترجيح .

وأمّا الثاني: فللمنع من كون صحيح الغسل ما رفع الأحداث الصغريات، بل للغسل أثران: رفع الأكبر، وهو لازم لا ينفكّ، والأصغر، وهو غير لازمٍ، كالمحدث بعد الغسل والمحدث في غير غسل الجنابة. والأوّل لا يصحّ الغسل بدونه، والثاني لا نسلّم عدم الصحّة بدونه؛ إذ لا دليل


1) سورة محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)(47): 33.

على أنّ ما لم يرفع الأصغر باطل كي يؤخذ به، غاية ما جاء أن لا وضوء مع غسل الجنابة، وهو منصرف لغير الحدث المتخلّل، فيقتصر فيه على المورد اليقيني، فحينئذٍ يصحّ الغسل ويلزم معه الوضوء للاستباحة التامّة.

ودعوى أنّ الأصغر والأكبر لا ينفكّان في غسل الجنابة، وأنّ الطهارة في الجنابة لا تتركّب من صغرى وكبرى أوّل الكلام.

وما دلّ على أنّ كلّ غسل معه الوضوء إلّا الجنابة مشكوك في شموله للغسل المتخلّل في أثنائه الحدث الأصغر، وارتفاع الحدث بالوضوء لا بأس به في المتخلّل؛ لانصراف المنع لغيره، بل ارتفاعه ببعض الغسل لا بأس به؛ لأنّ تأثير الغسل بعد تمامه، فيؤثّر الرفع عند إتمامه.

واستبعاد رفع جزء قليل من آخر الغسل لأحداث صغار متكثّرة، ممنوع بعد شمول الأدلّة له.

والروايتان ضعيفتان والشهرة غير مسلّمة، والاحتياط معارض بمثله.

وأمّا الثالث: فلمنع الأصل والاستصحاب بما ذكرناه، ولأنّا لا نقول بأنّ الحدث الأصغر ناقض، بل نقول: إنّ صحّة الغسل المرتبط بعدم الوضوء مشكوك فيها؛ لانصراف أدلّة صحّته لغير المفروض ولمنع دعوى عدم تأثير الحدث الأصغر قبل تمام الغسل؛ لعموم دليل التأثير، والتخصيص مفتقر إلى دليل غاية ما خرج المتقدّم فيبقى الباقي، ولمنع ارتفاع الجنابة بالجزء الأخير، ولئن سُلّم فلا نسلّم أنّ ارتفاع الجنابة لازم لارتفاع الحدث الأصغر.

نعم، هو مسلَّم في غير المتخلّل.

وأما الاحتمالات الاحتياطيّة فأسلمها في الاحتياط هو الأخير؛ لمكان النهي عن الوضوء في غيره ولاحتمال خرق الإجماع المركّب من التزام إعادة الغسل والوضوء، وهو مخالف الجميع الأقوال.

وأحوط من الأخير: إتمام الغسل وإعادة الجنابة والغسل لها.

ويقوى في النظر قوّة القول الأوّل فتوىً، والأخير احتياطاً؛ لقوّة دليل الأوّل لمن تأمّل، و قرب الأخير للخروج عن العهدة على أيّ تقدير.

والغسل الارتماسي على الأصحّ من أنّه الارتماسة العرفيّة - لا الحكميّة - يجري عليه ما يجري في الترتيب من الاحتمالات وكذا على القول بترتيبه حكماً.

وعلى أنّه الارتماسة الحكميّة تصحّ مقارنة الحدث لجميعه، كما تصحّ مقارنة الحدث لجميع الغسل الترتيبي ، وحينئذ فتقوم الاحتمالات المتقدمة، سوى احتمال الصحّة من غير وضوء لعدم إمكانه؛ لعدم تعقّب الحدث جزءاً من الجنابة يصحّ استناد رفع الأصغر إليه.

والمحدث في أثناء غسلٍ غير غسل الجنابة من الأغسال الرافعة لا ينتقض غسله، ولا تجب عليه الإعادة إلّا على القول باشتراك الغسل والوضوء في رفع الحدث الأصغر، فإنّه قد يحتمل وجوب إعادة الغسل ليرتفع الحدث به وبالوضوء.

ثامنها: لا يشترط تعيين نوع الغسل من كونه ارتماسيّاً أو ترتيبيّاً

لا يشترط تعيين نوع الغسل من كونه ارتماسيّاً أو ترتيبيّاً على الوجه القويّ، فلو أدخل رأسه ناوياً الارتماس وقلنا : إنّ إدخال الرأس من أجزائه لا من مقدّماته ، فعدل إلى الترتيب صحّ، وكذا العكس.

نعم، يشكل ذلك لو قلنا: إنّ إدخال الأجزاء من مقدّمات الارتماس في النيّة على كلا التقديرين.

ولا يبعد أنّ للمغتسل ترتيباً العدول عنه بعد إبطاله إلى الارتماس، وكذا العكس لو أمكن؛ لجواز العدول من أحد فردي الواجب قبل إتمامه إلى الآخَر، ويكون هذا طريقاً للاحتياط لمن أحدث في أثناء الغسل، ولكنّه لا يخلو أيضاً عن احتياطٍ لازم.

تاسعها:حکم ما لو كانت عليه أغسال معها جنابة

مَنْ كانت عليه أغسال معها جنابة جاز أن يفرّق كلّاً أو بعضاً، وجاز أن يداخل كلّاً أو بعضاً، قيل(1): ولو فرّق وجب تأخير غسل الجنابة عن باقي الأغسال.

وللمغتسل عن حدثٍ معيّن أن يغتسل في أثنائه عن حدثٍ آخَر.

قيل(2): إلّا الجنابة فإنّه لا يجوز إيقاع غسلها في أثناء غسلٍ آخَر.

ويجوز لمن جمع بنيّته بين الأغسال في الغسل الترتيبي فغسل رأسه أن يعدل، فيفرّق فيجعل غسل الشفّين لواحدٍ معيّن على الأظهر.

وهل يجوز لمن فرّق فغسل رأسه عن حديثٍ ثمّ غسله مرّة أُخرى عن حدثٍ آخَر أن يجمع بعد ذلك في الشقّين، أم لا يجوز؟ والأظهر: العدم.

عاشرها :فیما يحرم على المجنب

يحرم على المجنب الجلوس في المساجد : للكتاب(3)، والأخبار(4)، وفتوى


1) لم نعثر على قائله.

2) لم نعثر على قائله.

3) النساء (4): 43

4) وسائل الشيعة 2: 205 - 207 و 209 - 210 ، الباب 15 من أبواب الجنابة، ح 2، 4 - 6 ، 8 و 17.

الأصحاب، والإجماع المنقول(1)في الباب، والمخالف(2)شاذّ، وما ورد بخلاف ذلك (3)محمول على التقيّة.

ويحرم عليه وضع شيء فيها، ولا يحرم أخذ شيء منها؛ للأخبار(4)، وفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(5)في الباب.

ويحرم عليه الاجتياز في المسجدين؛ للأخبار(6)، وفتوى الأخيار، ومنقول الإجماع(7).

ونفس بيوت النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)والأئمّة(عليهم السلام)حكمها كحكم المسجدين في عدم جواز الاجتياز أحياءً وأمواتاً لا كحكم باقي المساجد من حرمة اللبث.

نعم، الأحوط في الرواق وشبهه إجراء حكم باقي المساجد.

ويجري الحكم في جزء بدن المجنب ككلّه. وسطح المسجد وبطنه واحد.

ويحرم عليه قراءة العزائم المختصّ من القرآن بها والمشترك مع نيّته؛ للأخبار المشتملة على النهي عن قراءة السجدة (8)المراد بها السورة؛ لفتوى الأصحاب، وشهرة الإطلاق، والإجماع المنقول(9)في الباب.

وتقوم ترجمة الأخرس مقام قراءته.

ولا بأس بقراءة ترجمتها من غير ألفاظها وإن أدّت معناها بأيّ لسان كان.

وكذا لا بأس بتقطيع حروفها إذا أتى بها تامة كـ«ألف، جيم».

ولو أتى بها مقطّعةً على حالها كـ«ب، ت، ج» اشتدّ الإشكال.

ولو أتى بحرفٍ مقتصراً عليه، فكذلك لا يخلو من إشكال، حتّى لو كان مداً.


1) الخلاف 1: 513 - 514، المسألة 258.

2) كلّار في المراسم: 42.

3) وسائل الشيعة 2: 210 ، الباب 15 من أبواب الجنابة، ح 18 و 19.

4) المصدر : 213 ، الباب 17 من أبواب الجنابة، ح 1 و 2.

5) غنية النزوع 37:1.

6) وسائل الشيعة 2: 205 - 206 و 209 - 210 ، الباب 15 من أبواب الجنابة، ح 2، 5 و 17.

7) غنية النزوع 1: 37؛ المعتبر :1 189 مدارك الأحكام 1: 282

8) وسائل الشيعة 2: 216 - 218، الباب 19 من أبواب الجنابة، ح 4، 7 و 11.

9) غنية النزوع 1: 37؛ المعتبر 1: 186 - 187؛ منتهى المطلب 2: 215.

ويحرم عليه مسّ كتابة القرآن المختصّ به والمشترك مع نيّة الكاتب؛ للإجماع، والأخبار(1).

يختصّ بنفس ألفاظه دون ترجمته. ولا يتفاوت بين المجتمع والمقطّع على إشكالٍ سيّما لو كان المقطّع تمام الحرف، ولا يبعد عدم وجوب اجتنابه.

والمدّ والتشديد من القرآن، دون الحركات والسكنات والمرسوم بريح أو تفطير أرض أو بلا قصد إذا كان غير مشتركٍ من القرآن أيضاً.

ويحرم مسّ اسم الله تعالى؛ للأخبار(2)، والإجماع، والأظهر إلحاق المقطّع به ما لم يكن الحرف تامّاً، والتشديد منه ويلحق به الأعلام الباقية كـ

«الرحمن».

وهل الأعلام في سائر اللغات، والصفات الخاصّة، ولفظ الجلالة عند تركيبه كـ«عبد الله » حكمه كذلك؟ الأقوى ذلك؛ للاشتراك في التعظيم.

والأحوط تجنّب أسماء الأنبياء والأئمّة والملائكة.

حادي عشرها: فیما يكره للجنب

يكره للجنب الأكل والشرب بما يُسمّى عرفاً، إلّا أن يتوضأ، أو يغسل وجهه ويديه ويتمضمض ، أو يتمضمض ويستنشق ويتوضّأ، أو يتمضمض ويستنشق فقط، أو يغسل يديه فقط. والظاهر أنّ أبلغه الجمع بين غَسْل اليدين والمضمضة والاستنشاق والوضوء، والباقي تخفيف لها بحسب مراتبها. ويكره له النوم إلّا بعد الوضوء. ويكره له الخضاب في يد أو غيرها، كما تكره الجنابة للمختضب إلّا أن يأخذ الخضاب مأخذه. ويكره له قراءة ما زاد على سبع آيات ولو آية مكرّرة، وتشتدّ في قراءة ما زاد على سبعين، والأحوط تركها؛ تفصّياً عن شبهة القائل(3)بالتحريم. وتكره الاستعانة القريبة من التولية. ويكره مسّ جلد المصحف وورقه، كلّ ذلك للأخبار(4)، وفتاوى الأصحاب.

ولا بأس في السنن بالأخذ بالخبر الضعيف وفتوى الفقيه كما مرّ غير مرّة.

ثاني عشرها: فیما يستحبّ عند غسل الجنابة

يستحبّ عند غسل الجنابة غَسْل الفرج و غَسْل اليدين ثلاثاً، والمضمضة


1) وسائل الشيعة 1 384 - 385 الباب 12 من أبواب الوضوء، ح 3 - 5.

2) منها ما في المصدر :2 214 ، الباب 18 من أبواب الجنابة، ح 1.

3) هو سلّار في «الأبواب» كما حكاه عنه الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 269.

4) وسائل الشيعة 1: 382، الباب 11 من أبواب الوضوء، ح 1 و 2: 217 - 218، الباب 19 من أبواب الجنابة، ح 7، 9 و 10، و 219، الباب 20 و 221 - 223 ، الباب 22 من تلك الأبواب، ح 4، 5 و 6 - 11.

والاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً، وإمرار اليد على الجسد للاستظهار، وأن يكون الغسل بصاع أربعة أمداد، والمدّ رطلان وربع بالعراقي، والظاهر أنّه هو ومستحبّاته. ويستحبّ الاستبراء بالبول للمُنْزِل إذا كان ذكراً، فإن لم يمكنه استبرأ بالاجتهاد كما تقدّم في الوضوء. ولا يبعد استحباب الاستبراء للمرأة بالاجتهاد أيضاً ، كما لا يبعد استحبابه للمولج عند الشكّ في الإنزال. ويستحبّ التسمية عند الغسل والدعاء بالمأثور. ويستحبّ تخليل ما يصل إليه الماء استظهاراً. وتستحبّ الموالاة بين الأعضاء وأجزائها؛ تحصيلاً للمسارعة المطلوبة، كلّ ذلك للأخبار(1)وفتاوى الأصحاب، والاحتياط العقلي في العبادة، مع عدم حصول المعارض بعد التتبّع للفقيه، وجواز التسامح في أدلّة السنن ، مع عدم احتمال خصوصيّة التحريم أو الكراهة من دليلٍ آخَر ما عدا مانع التشريع.


1) وسائل الشيعة 1: 225 - 226 ، الباب 24 من أبواب الجنابة، ح 1 - 4 و 8 ، و 229 و 231 و 233، الباب 26 من تلك الأبواب، الأحاديث 1 - 3، 5 - 9، 16، و 242 - 243، الباب 32 من تلك الأبواب، ح 3 - 5، و 253، الباب 37 و 255، الباب 38 من تلك الأبواب، ح 1 و 2؛ الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 81.

القول في غسل الحيض

تعریف الحیض

الحيض لغةً: السيل(1)مطلقاً أو بقوّة. ويقال لغةً وعرفاً على دمٍ خاصّ يقذفه الرحم إلى خارج الفرج ، معروف عند النساء كمعرفة المني والبول ، فيحسسن به عند نزوله ويميّزنه عند خروجه .

وتدور الأحكام على القطع به عندهنّ، سواء جمع الأوصاف اللاحقة له غالباً، أو لم يجمع، كسائر الموضوعات العرفيّة واللغويّة عند القطع بها ، فإنّها تترتّب عليها آثارها وإن لم تجمع الأوصاف اللاحقة لها غالباً.

ومقتضى القواعد أنّه مع عدم القطع به يُتمسّك بالأصل في نفيه؛ لأصالة الطهارة وأصالة عدم حدوثه، ولكن جعل له الشارع طرقاً يحكم معها على غير المقطوع به أنّه حيض؛ لإفادتها الظنّ به غالباً عند اشتباهه بدم الاستحاضة أو دم القرحة أو دم البكارة، وجعله أصلاً في مقام الشكّ بينه وبين الاستحاضة في موارد خاصّة.

ومن الطرق القاضية به عند حصول الشكّ بينه وبين الاستحاضة، وعند حصول دمين وعدم إمكان جعلهما معاً حيضاً واحداً ولا متعدّداً: وقوعه في أوقات يعتاد وقوعه بها، أو اتّصافه بأوصاف لازمة له غالباً، كوصف السواد والحمرة، ووصف الحرارة، والخروج بحرقة ولَذْعٍ، و وصف الدفع والقوّة، ووصف الطراوة وهو العبيط، لقوله(عليه السلام)في دم الحيض: «دم أسود حارّ تجد له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد»(2)وفي آخر: «دم الحيض حارّ عبيط أسود له


1) القاموس المحيط 2: 341، «ح ي ض».

2) وسائل الشيعة 2 275 - 276، الباب 3 من أبواب الحيض، ح 3.

دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد»(1)وفي آخَر: «دم الاستحاضة بارد، ودم الحيض حار»(2)وفي آخَر: «دم الحيض أسود يُعرف»(3)وفي آخَر: «إذا رأيتِ الدم البحراني فدعي الصلاة»(4).

والبحراني هو الشديد الحمرة والسواد كما عن بعضهم(5)، أو شديد الحمرة وخالصها كما عن بعض آخَر(6).

ومقتضى هذه الأخبار أنّ هذه الأوصاف إنّما تعتبر عند حصول الاشتباه؛ لإفادتها المظنّة بالحيض أو المظنّة بالاستحاضة، فعلى ذلك فلو خلا الدم عن الوصفين معاً -كما إذا كان بين الحرارة والبرودة، وبين الحمرة والصفرة كالشقرة، وبين القوّة والضعف - لا يُحكم عليه بشيء، مع احتمال أنّ قويّ كلّ مرتبة يحكم على ضعيفها عند مرتبة يحكم على ضعيفها عند التعارض، وأنّ كلّ ما خلا عن وصف الاستحاضة فهو مفيد للظنّ بأنّه حيض.

ومن الطرق القاضية به عند الشكّ بينه وبين دم العُذرة هو الانغماس فيه، والتطوّق فيها، والقاضية به عند الشكّ بينه وبين القرحة هو الخروج من الأيسر فيه، ومن الأيمن فيها، كما سيجيء ذلك كلّه إن شاء الله تعالى.

ومن الطرق القاضية به أصالة الحيض عند إمكانه، كما إذا حصل دم لا يعارض بدمٍ آخَر لا يمكن جعل كلٍّ منهما حيضاً مستقلّاً ولا حيضاً مجتمعاً.

و على كلّ حال قدم الحيض غنيّ عن التحديد ، و تعاريف الفقهاء له من قبيل الرسوم لا تعاريف حقيقيّة.

وأوجَه فيه ما يقال فيه: أنّه دم يقذفه رحم المرأة بعد إكمال التسع وقبل بلوغ حدّ اليأس، يعتاد لأغلب النساء في أوقات معلومة غالباً لحكمة تربية الولد، فإذا حملت صرف الله ذلك الدم إلى تغذيته، فإذا وضعت الحمل خلع الله تعالى عنه صورة الدم وكساه صورة اللبن غالباً لاغتذاء الطفل، فإذا خلت عن حملٍ ورضاع رجع دماً غالباً واستقرّ في مكانه، وخرج في


1) وسائل الشيعة :2 275 الباب 3 من أبواب الحيض، ح 2.

2) المصدر، ح 1.

3) المصدر: 276 - 277، ح 4.

4) المصدر: 278.

5) المعتبر 1: 197؛ وحكاه ابن إدريس في السرائر :1: 154 عن نوادر ابن الأعرابي.

6) كشف اللثام 1: 55 لسان العرب 4: 46، «ب ح ر ».

الغالب في أوقات معلومة في كلّ شهر أو أقلّ أو أكثر بحسب قرب المزاج من الحرارة و بُعْده، كما يومئ إلى ذلك كلّه الأخبار.

أو يقال: إنّه دم في الغالب أسود حارّ عبيط له دفع وحرقة، تتعلّق به أحكام مخصوصة في زمانٍ مخصوص من شخصٍ مخصوص، لقليله حدٌّ وكذا لكثيره، له تعلّق بانقضاء العدّة على وجه، إمّا بظهوره أو بانقطاعه، تحرم معه الصلاة والصوم والوطء.

وهذان الرسمان وإن كانا كاشفين عن معناه ومميّزين له عمّا عداه لكنّهما مشتملان إمّا على أُمور لا يعرفها البشر إلّا بتوفيق من الله عزّ شأنه، وإمّا على أحكام لا تترتّب عليه إلّا بعد معرفته والعلم به فلو توقّف العلم به عليها دارَ، وإمّا على أوصاف لا تلزمه دائماً بحيث يستدلّ بها عليه قطعاً؛ فلا بدّ من الالتزام بكونهما كاشفين ومميّزين له واقعاً لا أنّهما معرّفان له ظاهراً ومميّزان للفرد البارز أنّه حيض أو استحاضة، فلا بدّ من الرجوع في ذلك إلى القواعد الآتية(1)إن شاء الله تعالى.

وجميع ما ذكره الفقهاء من الرسوم المشتملة على بعض أوصافٍ أو بعض أحكامٍ لا يريدون به سوى التمييز في الجملة لتوجّه النفس إلى نوعٍ خاصّ دون غيره، ولا يريدون تمييز الفرد عند الاشتباه حقيقة؛ لانتقاض أكثرها في الطرد والعكس، وعدم إمكان ذلك منها.

وهنا مباحث

أحدها: حکم ما إذا اشتبه دم الحيض بدم العُذرة

إذا اشتبه دم الحيض بدم العُذرة مع العلم بأنّه أحدهما ومع العلم بحصول البكارة وافتضاضها من الزوج أو غيره، كان الحكم فيها لزوم الاختبار باستدخال القطنة والصبر قليلاً وإخراجها برفق فإن خرجت مطوّقةً فهو من العُذرة، وإن خرجت مستنقعةً فهو من الحيض؛ للأخبار(2)المشتملة على الصحيح الصريح، وفتوى العلماء الأخيار المشتملة على بيان ذلك، وأنّه «سرّ الله فلا تذيعوه، وارضوا لهذا الخلق بما رضي الله تعالى لهم من الضلال»(3).


1) في «ج، ن»: «للقواعد» بدل «إلى القواعد».

2) وسائل الشيعة 2 272 - 274، الباب 2 من أبواب الحيض.

3) المصدر : 272 - 273، ح 1.

ويُفهم منه أنّه من خواص الإمامية ومخالف لما عليه العامة ، فلا يمكن المحيص عن القول بمضمونها.

وظاهر الرواية قصر الحكم على القطع بحصول الافتضاض، وأما مع الشك فيه فالرجوع الأصالة الحيض - لأنه الأغلب في الدماء - أولى، وقصرها على ما إذا تعقب نزول الدم الافتضاض، فلو سبقه الدم المحكوم بحيضيته ثم حصل الافتضاض وحصل الشكّ لكثرة أو غيرها، استصحب الدم الأول.

وكذا لو علم أوّلاً نزول دم العُذرة ثم حصل الشكّ بعده، فإنّ الأظهر أن الحكم بكونه دم عُذرة؛ للاستصحاب أولى.

ويحتمل قوياً الرجوع للعلامة المتقدمة؛ لإطلاق الأخبار.

والظاهر أن الاختبار لازم؛ لظاهر الأمر فى الخبر(1)، وللاحتياط، ولو قصرت فالظاهر بطلان عبادتها ولزوم الاحتياط عليها بالصلاة والصوم وقضائه بعد ذلك ومنع الزوج عن الوطء.

ولو لم يمكن الاختبار قوي الحكم بحيضيّتها.

ويحتمل الرجوع لأصل الطهارة، سيّما مع سبق دم العذرة، فإن استمرّ الاشتباه فظاهر، وإن انكشفت طهارتها صحّ ما عملته البناء على أصل الطهارة، وكذا ما عملته مع البناء مع على الحيض احتياطاً منها على وجهٍ قويّ.

ولو كان جرح أو قرح محيطين بالفرج كإحاطة البكارة، احتُمل بطلان الاختبار، والرجوع لأصالة الحيض، أو الرجوع لأصالة الطهارة. واحتُمل لزوم الاختبار فيدور الأمر بين دم البكارة و دمهما مع التطويق، والحكم بالحيض مع عدمه، وهو الأقوى.

ولو أرسلت قطنة فتجاوزت محلّ العذرة إلى فوقٍ فتلوّثت بعد تجاوزها، حُكم لها بالحيض، سواء خرجت مطوّقةً أم لا.

ثانيها: حکم ما إذا اشتبه دم الحيض بدم الجرح والقرح

إذا اشتبه دم الحيض بدم الجرح والقرح بعد العلم بحصولهما، سواء علم بسيلان


1) راجع الهامش (2) من ص 302

دمٍ منهما أم لا، وجب عليها الاختبار بإدخال قطنة أو الإصبع الوسطى، فإن خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض، وإن خرج من الأيمن فهو منهما؛ للخبر المنجبر بفتوى المشهور: «مُرْها فلتستلقِ على ظهرها وترفع رِجْليها وتستدخل إصبعها الوسطى، فإن خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض، وإن خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة» هذا على رواية التهذيب(1)، وفي رواية الكافي(2)بعكس ذلك، وهو وإن كان أضبط إلّا أنّ الأُولى مؤيّدة بفتوى المشهور، ورواية الفقه الرضوي(3)، وشهادة الموثّقات من النسوة بذلك على ما نُقل(4)، فيجب تقديمها على ما في الكافي.

ومع ذلك فيشترط في الاختبار عدم العلم باستدارة الجرح والقرح، وعدم العلم بكونهما في جانب الأيسر والأيمن معاً، أو الأيسر فقط.

ويقوى اشتراط عدم العلم بسبق دم حيض، فلو علم سبقه وجب الحكم ببقائه.

ولا يبعد بطلان عبادة التاركة للاختبار عمداً، وأمّا التاركة اضطراراً فيقوى الحكم عليها بالحيض. ويحتمل الحكم بأصل الطهارة.

ولو عملت مع الحكم بالحيض احتياطاً، أو مع التمسّك بأصل الطهارة فبانَ كذلك، أجزأها، على إشكالٍ في الأوّل.

ثالثها: حکم صُور ما إذا اشتبه دم الحیض بغیره

إذا اشتبه دم الحيض بدم النفاس فإن كان مع الشكّ بالولادة فالحيض أصل له، وإن كان مع الولادة ومع الشكّ في الدم ابتداءً أو مع العلم بسبق دم النفاس، فالحكم بأنّه دم نفاس- للظاهر في الأوّل، وله وللاستصحاب في الثاني - هو الأقوى.

وإذا اشتبه دم الحيض بدم الاستحاضة ، ترتّبت عليه أحكام يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.


1) تهذيب الأحكام 1 385 - 386 ، ح 1185؛ وعنه في وسائل الشيعة :2: 307، الباب 16 من أبواب الحيض، ح 2.

2) الكافي 3: 94 - 95، ح 3؛ وعنه في وسائل الشيعة 2: 307، الباب 16 من أبواب الحيض، ح 1.

3) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام) : 193.

4) كما في جواهر الكلام 3: 146

وتوضيح المسألة: أنّ الدم الخارج من المرأة إمّا أن يكون دم حيض أو استحاضة أو نفاس أو عُذْرة أو قرح وجرح، وصُور اشتباهها المعتدّ بها عشرة: وبيانها: أنّ دم النفاس أصل لغيره بعد تحقّق الولادة مطلقاً، سال دمها أم لا، ولا يعتبر فيه الرجوع للتطويق وعدمه، والأيسر والأيمن عند اشتباهه بالعُذْرة أو الجرح والقرح على الأقوى، إلّا مع العلم بسبق دم القرح والجرح على الولادة، فإنّه يمكن البناء عليهما مع الشكّ؛ لأصالة الطهارة، ولكنّه ضعيف؛ لأنّ الظاهر مقدّم على الأصل هاهنا.

ودم الحيض أصل لغيره بعد العلم بتحقّقه، ومع عدم العلم فهو الأصل، إلّا فيما يستثنى ممّا قدّمنا من اشتباهه بالجرح والعُذرة، وممّا سيأتي - إن شاء الله تعالى - من اشتباهه بالاستحاضة.

ودم الاستحاضة أصل بعد العلم بحصولها، أو بعد العلم بعدم الحيضيّة عند ابتدائها ما لم يُعلم نزول الدم من سببٍ آخَر من جرح أو عُذرة و يُشكّ بعد ذلك. واحتمال تسرية حكم الحيض إليه في وجوب الاعتبار والأخذ بما قدّمنا ضعيف.

والمعلوم وجود سببه أو وجود دمه أصل بالنسبة إلى غيره ممّا لم يعلم منه ذلك أمٍن جرح أو قرح أو عُذرة، ومع العلم بهما يرتفع التمييز، مع احتمال الرجوع إلى التطويق وعدمه، والخروج من الجانب الأيسر وعدمه للتمييز بين العُذرة والجرح والقرح.

وبالجملة، فصُور اشتباه الحيض بغيره أربع إذا عدّدنا القرح والجرح واحداً، والحكم فيها أنّه مع العلم بعدم الولادة وسبق الحيض يُحكم به، ومع عدم العلم يرجع في التمييز بينه وبين العُذرة والجرح والقرح لما قدّمناه حتّى لو علم سبق دمهما، وبينه وبين الاستحاضة إلى ما سيأتي إن شاء الله تعالى، وبينه وبين النفاس إلى الحكم بالحيضيّة وتأخّر النفاس ما لم تعلم الولادة. وبين الاستحاضة والنفاس إلى الاستحاضة ما لم تعلم الولادة، فإنّه يقدّم ولو مع العلم بسبق الاستحاضة ترجيحاً للظاهر على الأصل، وبين الاستحاضة والعُذْرة والجرح والقرح إلى الاستحاضة ما لم تعلم أسبابها ونزول الدم منها فتستصحب، ويحتمل الرجوع إلى الطرق المتقدّمة في الفرق ما بينها وبين الحيض، ولكنّه بعيد، وبين العُذْرة والجرح والقرح إلى المعلوم سبق دمه، أو المعلوم تحقّق سببه، أو التطويق وعدمه إذا لم يعلم تطويق الجرح والقرح أو علم عدمه.

وصُور اشتباه الاستحاضة بغيرها ممّا عدا الحيض ثلاث، والحكم فيها بالاستحاضة إلّا مع العلم بالولادة، أو العلم بالدم الخارج سابقاً أنّه من عُذرة أو قرح أو جرح.

ويحتمل الرجوع لما قدّمناه فيها، كما قدّمنا.

وصُور اشتباه النفاس بغيره ممّا عدا الحيض والاستحاضة اثنان، والحكم فيهما بالنفاس مع العلم بالولادة، ومع عدم العلم يقدّم معلوم السبب أو الدم أو الأمارات المتقدّمة، ومع عدم ذلك فالتوقّف، والأصل يقضي بالطهارة من النفاس.

وصُور اشتباه العُذرة بغيرها ممّا قدّمنا يرجع فيه إلى العلائم، وإلّا فالتوقّف.

ويحتمل تقديم دم العُذرة؛ لكونه كالطبيعي.

رابعها: فی دنّ الحيض لا يجامع الصغر

الحيض لا يجامع الصغر ؛للإجماع بقسميه(1)، والسنّة المعلومة (2).

والمراد به عدم بلوغ التسع كملاً - وإن وقع الطعن فيها - هلاليّةً إن قارنت الولادة أوّل الهلال، وإن لم تقارن فالأقوى احتساب الشهر المنكسر عدديّاً والباقي هلاليّةً، مع احتمال تكميل الأيّام الفائتة من الثاني والثاني من الثالث وهكذا فيكون الجميع هلاليّةً، واحتمال انكسار جميع الشهور فتكون الجميع عدديّةً، ولكن الأوّل أقوى.

ويلفّق اليوم المنكسر بقدر ما فات منه، مع احتمال إسقاطه، واحتمال احتسابه يوماً تامّاً، واحتمال الفرق بين الكثير والقليل، ولكنّ الأوّل أقوى.

وكلّ دمٍ كان قبل البلوغ قطعاً فليس بحيض وإن جمع الأوصاف، وما كان مع الشكّ في البلوغ وكان جامعاً للوصف كان حيضاً وكان علامة على البلوغ على الأظهر.

ولا يبعد أنّ العلامة على البلوغ هو المقطوع بحيضيّته كالمني، لا مجرّد الجامع للأوصاف.

خامسها: فی أنّ الحیض لا يجامع سنّ اليأس وبیان حدّه

لا يجامع الحیض سنّ اليأس، وهو بلوغ ستّين سنة - على النحو المتقدّم - في القرشيّة - وهي المنتسبة إلى قريش بالأب لا بالأُمّ فقط، كما قد يتخيّل، والمعروف منهم نسب


1) المعتبر 1: 199؛ ذكرى الشيعة 1: 228

2) وسائل الشيعة :22 179، الباب 2 من أبواب العدد، ح ،4، و 183، الباب 3 من تلك الأبواب، ح 5.

هاشم، وربما قيل بدخول كلّ من انتسب إلى قريش الآن كبعض الطوائف. ويوافقه الاحتياط، وفي النبطيّة، وهي المنسوبة إلى النبط، وهُمْ قوم كانوا ينزلون سواد العراق وقت صدور الروايات.

ولا يبعد إلحاق جميع النازلين سواد العراق - ولو الآن -بهم ولكن بشرط التوطّن في النزول، فلا يكفي مجرّد النزول.

وقيل: إنّهم قوم ينزلون البطائح بين العراقين(1).

وقيل: إنّهم قوم من العجم(2).

وقيل: إنّهم مَنْ كان أحد أبويه عجميّاً والآخر عربيّاً(3).

وقيل: إنّهم عرب استعجموا أو عجم استعربوا (4).

وقيل: إنّ أهل عمان عرب استنبطوا، وأهل البحرين نبط استعربوا (5).

والظاهر أنّهم في هذا الوقت لا يُعلمون، وبالأصل والغالب ينفون ، وليسوا من باب الشبهة المحصورة.

و ولد الزنى من قريش والنبط حكمه حكمهم؛ لأنّ الاعتبار بالمزاج.

وفي غيرهما بلوغ خمسين تامّة على نحو ما تقدّم.

والدليل على ما ذكرناه هو الجمع بين الأخبار المعتبرة المعمول فيها عند جماعة من أصحابنا الدالّة على اعتبار الخمسين في تحديد اليأس مطلقاً(6)، والأخبار الدالّة على اعتبار الستّين(7)- وأفتى بها جمع من أصحابنا(8)- وفيها المعتبر أيضاً : بحمل روايات التحديد بالخمسين على غير القرشيّة وروايات الستّين عليها.


1) الصحاح 3: 1162، «ن ب ط».

2) الأنساب، السمعاني 5: 454

3) كما في كشف اللثام 2: 60

4) راجع مجمع البحرین 4 275، «ن ب ط».

5) حكاه الجوهري في الصحاح :3: 1162 عن أيّوب بن القريّة.

6) وسائل الشيعة 2 335 و 336 الباب 31 من أبواب الحيض، ح 1، 3 و 6.

7) المصدر: 336 و 337، ح 4 و 8.

8) منهم: المحقق الحلي في شرائع الإسلام :1 :21؛ والعلامة الحلي في منتهى المطلب 2: 272.

وشاهد الجمع مرسلة ابن أبي عمير، المنزلة منزلة المسند، المعتضدة بفتوى المشهور نقلاً (1)بل تحصيلاً، وفيها: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم ترَ حمرة، إلّا أن تكون امرأة من قريش»(2)وظاهر الحمرة هو الحيض، و إلّا لفسد ظاهر الكلام، ولا قائل بالتحديد بما بين الخمسين والستّين، فتعيّن إرادة الستّين من القرشيّة في الاستثناء. ويضاف إليه فهم المشهور، وورود الستّين في الأخبار الأُخَر(3).

وهذا الجمع أقوى من الجمع المدّعى: بتخصيص مفهوم ما دلّ على الستّين من عدم اليأس بما قبلها بمنطوق ما دلّ على الخمسين؛ لبُعْده عن مقام البيان وفهم المشهور.

وأمّا النبطيّة فالدليل على كون الحكم فيها كذلك هو ما أرسله الشيخ المفيد من الرواية الدالّة على أنّ النبطيّة حدّ يأسها إلى الستّين(4)، ونُسب الفتوى به إلى مشهور الأصحاب(5)، فيكون هو شاهد الجمع في الباب.

ولكنّ المقام لا يخلو من إشكالٍ، والاستصحاب يقضي بعدم اليأس قبل الستّين لمن اتّصفت الآن به ،والاحتياط في العبادة يقضي بثبوته عند بلوغها الخمسين، وإجراء أحكام الطاهرة والحائض عليهما هو الأحوط.

سادسها: فی انّه هل يجامع الحيض الحمل؟

هل يجامع الحيض الحمل مطلقاً، أو لا يجامعه مطلقاً، أو يجامعه بشرط عدم استبانة الحمل ولا يجامعه إذا استبان، أو يجامعه إذا مضى من العادة قدر عشرين يوماً؟ أقوال أصحّها وأشهرها: الأوّل للروايات المتكثّرة الدالّة على ذلك:

كالصحيح: عن الحبلى ترى الدم أتترك الصلاة؟ قال: نعم، الحبلى ربّما قذفت بالدم»(6).

وفي الصحيح الآخَر : عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة أتصلّي ؟ قال : « تمسك عن الصلاة»(7).


1) جامع المقاصد 286:1.

2) وسائل الشيعة 2: 335، الباب 31 من أبواب الحيض، ح 2.

3) راجع الهامش (7) من ص 307

4) المقنعة: 532

5) نسبها إليهم المحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 285.

6) وسائل الشيعة 2: 329 - 330 الباب 30 من أبواب الحيض، ح 1.

7) المصدر: 331، الباب 30 من أبواب الحيض، ح 4.

وفي الآخَر: عمّن ترى الدم في أيّام حيضها، قال: «تمسك عن الصلاة»(1).

وفي روايات متعدّدة فيها الموثّق وغيره كذلك(2).

وفي بعضها تقريب ذلك: أنّه ربما يزيد عن غذاء الولد فتدفعه(3).

فهذه الأخبار المتكثّرة المنجبرة بفتوى الأصحاب لا يصلح لمعارضتها ما دلّ على القول الأخير من الصحيح: «إذا رأت الحامل الدم بعدما يمضي عشرون يوماً من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد فيه، فإنّ ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث، فلتتوضأ وتحتشي بكرسف وتصلّي، وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنّه من الحيضة، فلتمسك عن الصلاة عدد أيّامها التي كانت تقعد في حيضها، فإن انقطع عنها الدم قبل ذلك فلتغتسل ولتصلِّ»(4)، فإنّه لوحدته وعدم اشتهاره وعدم استفاضته لا يصلح لمقاومة تلك الأخبار المخالفة لفتوى العامّة كما قيل(5)- المعتضدة بفتوى مشهور الأخيار، المشتملة على الصحاح والموثّقات، كي يحكم عليها أو يقيّدها أو يخصّصها. فحمله على من استمرّ بها الدم أولى.

وكذا لا يصلح لمعارضتها ما دلّ على القول الثاني من خبر السكوني: «ما كان الله تعالى ليجعل حيضاً مع حبلٍ»(6)لضعفه، وموافقته لمشهور فتوى العامّة على ما نقل(7)، فليُحمل على التقيّة أو على الأغلبيّة أو يُطرح.

ومن الصحيح في الحبلى ترى الدفقة والدفقتين من الدم؟ فقال: «تلك الهراقة، ليس تمسك هذه عن الصلاة»(8)الضعفه دلالةً بظهوره فيما لم يجمع الشرائط.


1) وسائل الشيعة 2: 331، الباب 30 من أبواب الحيض، ح 7.

2) راجع المصدر : 332 و 334، ح 9، 10 و 16.

3) المصدر: 333 - 334 ، ح 14

4) المصدر: 330، الباب 30 من أبواب الحيض، ح 3.

5) لمزيد الاطّلاع على فتوى العامّة راجع منتهى المطلب 2: 273.

6) وسائل الشيعة 2 333، الباب 30 من أبواب الحيض، ح 12.

7) راجع الهامش (6).

8) وسائل الشيعة 2: 332، الباب 30 من أبواب الحيض، ح 8.

ومن صحّة طلاق الحامل مطلقاً رأت دماً أو لا، ولو كان ما رأته حيضاً لما صحّ طلاقها؛ وذلك لمنع عدم صحّة طلاق الحائض مطلقاً، بل المتيقّن منه ما لم تكن حاملاً، كما صحّ طلاق الحائض مع غيبة زوجها.

ومن تعليق العدد والاستبراء بالحيض؛ فإنّه لو جامع الحيض الحمل لما صحّ الاعتداد به استبراء الرحم من الحمل في العدّة والاستبراء؛ وذلك لمنع التلازم؛ لجواز اكتفاء الشارع في العدّة والاستبراء بالمظنّة الناشئة من غلبة عدم اجتماع الحيض والحمل عادة، كما يرشد إليه التعدّد في الحرّة والوحدة في الأمة؛ إذ لو كان الاجتماع ممتنعاً لاكتفى فيه بالمرّة فيهما، ولكن لمّا كان الاحتياط في الحرّة أشدّ لزم اتّباع ما هو أقوى في حصول الظنّ، والاكتفاء بما هو أضعف في الأمة، فتأمّل.

وكذا لا يصلح لمعارضتها ما دلّ على القول الثالث: من إشعار الصحيح به من إرادة الاستبانة من مضيّ عشرين يوماً(1)، ومن إشعار الرضوي به حيث قال: «وقد روي أنّها تعمل ما تعمله المستحاضة إذا صحّ لها الحمل»(2)و من الإجماع المنقول(3)على ذلك؛ وذلك لضعف الإشعار في الأوّل دلالةً واعتباراً؛ لبُعْد الاستبانة في تلك المدّة، وضعف الإشعار في الثاني سنداً ودلالة، وضعف الإجماع المنقول؛ لمعارضته بفتوى المشهور على خلافه.

فلا يصلح جميع ذلك لمعارضة ما ذكرنا ولا لمقاومته كي يمكن تقييده به، سيّما وقد ورد في الصحيح: عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض؟ قال: «تلك الهراقة، إن كان دماً كثيراً فلا تصلّينّ، وإن كان قليلاً فلتغتسل»(4)، وفي المرسل: عن الحبلى استبان حبلها ترى ما ترى الحائض من الدم؟ قال: «تلك الهراقة من الدم، إن كان دماً أحمر كثيراً فلا تصلّي، وإن كان قليلاً أصفر فليس عليها إلّا الوضوء»(5).

نعم، يمكن الجمع بين الأخبار بحمل ما دلّ على جواز الاجتماع على صورة اتّصاف


1) راجع الهامش (5) من ص 309

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 192.

3) الخلاف : 247، المسألة 218

4) وسائل الشيعة 2: 331، الباب 30 من أبواب الحيض، ح 5.

5) المصدر : 334، ح 15.

الدم بلون الحيض وكثرته وعدم تقدّمه على أيّام العادة وتأخّره كثيراً، وما دلّ على المنع منه على غيرها؛ لأنّ الأخبار ما بين مثبت مطلقاً، ونافٍ مطلقاً، ومفصّل بين الكثير والقليل، وبين المتقدّم والمتأخّر بعشرين يوماً ، وبين الجامع للأوصاف وغيره كما تقدّم.

وكما في الموثّق: عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين؟ قال: «إن كان دماً عبيطاً فلا تصلّي ذينك اليومين، وإن كان صفرة فلتغسل»(1).

فالوجه في الجمع أن يحمل المطلق على المقيّد، ويؤخذ بالسابق من كلّ مقيّد من المقيّدات، كما هي القاعدة عند تكثّر المقيدات ، إلّا أنّ هذا التفصيل لا قائل به، فالركون إليه مشكل والاحتياط غير خفي.

سابعها: بیان أقلّ الحیض

لا يكون الحيض أقلّ من ثلاثة أيّام بلياليها كاملة، متوالية يتبع بعضها بعضاً. صحيحة إن ابتدأ الحيض في أوّلها، وملفّقة إن انكسر اليوم الأوّل.

وعلى الأوّل تدخل الليلتان المتوسّطتان، وعلى الثاني تدخل الثلاث.

ويحتمل عدم احتساب اليوم المنكسر مطلقاً. ويحتمل احتسابه تامّاً. ويحتمل الفرق بين الكسر القليل فالثاني والكثير فالأوّل.

والأوجَه ما قدّمنا، والاحتياط غير خفيّ.

وتكميل الكسر من الليل وجه، والأوجَه خلافه.

ويشترط الاستمرار في الثلاثة ولو في الرحم بحيث كلّما أدخلت القطنة وجدت الدم.

فلا يكفي في الحيض أقلّ من ثلاثة أيّام؛ للإجماع، والأخبار المتكثّرة الدالّة على أنّ الحيض لا يكون أقلّ من ثلاث، وأنّ أدنى الحيض ثلاث(2).

ولا تكفي الليالي الثلاث دون الأيّام؛ لأنّ الموجود في الأخبار هو الأيّام لا الليالي. ولا تكفي الأيّام دون الليلتين المتوسّطتين في الصحاح، أو دون الثلاث في الملفّق، لتبادر دخولها في مثل هذا التركيب عرفاً وشرعاً واستقراء، ولظاهر الاتّفاق.


1) وسائل الشيعة 2 331 الباب 30 من أبواب الحيض، ح 6.

2) المصدر : 293، الباب 10 من أبواب الحيض.

ولا يكفي وجودها في ضمن العشرة غير متوالية كما اكتفى بها الشيخ(رحمۀ الله علیه)(1)، سواء كان وجودها أيّاماً كاليوم الأوّل والخامس والعاشر أو دون ذلك أو أكثر أو أبعاضاً بحيث لو اجتمعت كانت ثلاثة، كما إذا رأته ستّة أنصاف أيّام في ستّة أيّام أو أكثر، أو تسعة أثلاث في تسعة أيّام أو أكثر، أو تناوب عليها النقاء والدم ساعة وساعة إلى ستّة أيّام أو أكثر، إلى غير ذلك، كلّ ذلك لتبادر التوالي من الروايات الحاكمة بأنّ أدنى الحيض ثلاث، وللرضوي(2)الدالّ على ذلك ، المعتضد بفتوى المشهور نقلاً(3)بل تحصيلاً، وللأصل النافي للحيض عند الشكّ فيه ،وللاستصحاب المثبت لصحّة العبادات السابقة والمثبت لإمكان تعلّق الخطاب بها.

والإيراد بمنع تبادر التوالي، أو بتسليمه ودعوى حصوله؛ إذ من يقول بكفاية وجودها في ضمن العشرة يقول: إنّ ما بين الثلاث حيض وإن لم يكن فيه دم، وبمنع حجّيّة الرضوي، وبمنع الأصل؛ لمعارضته بأصالة البراءة من التكليف سيّما قبل دخول الوقت، مدفوع: بأنّ منع تبادر التوالي مكابرة، و أنّ الظاهر من لفظ الحيض هو الدم دون النقاء المتخلّل، وأنّ الرضوي حجّة إذا تأيّد بفتوى المشهور، وأنّ أصالة البراءة لا تعارض استصحاب القابليّة للتكليف وتعلّق التكليف أو التكليف المحقّق بعد تعلّقه.

وما جاء حجّةً للشيخ(رحمۀ الله علیه)- من مرسل يونس وقوله فيه: «وإن انقطع الدم من بعد ما رأته يوماً أو يومين اغتسلت وصلّت وانتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيّام، فإن رأت في تلك العشرة أيّام من يوم رأت الدم يوماً أو يومين حتّى يتمّ لها ثلاثة أيّام فذلك الذي رأته في أوّل الأمر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة من الحيض»(4)وهو طويل أخذنا منه موضع الحاجة، ومن صحيح محمّد بن مسلم وموثّقته الدالّتين على أنّ المرأة إن رأت الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الأُولى، وإن رأته بعد العشرة فهو من الحيضة المستقلّة(5)- ضعيف؛ لضعف المرسل سنداً ومتناً؛ لاشتماله ظاهراً على كون ما بين الدمين طهراً، ولا يقول به أحد؛ لأنّ الطهر لا يكون


1) النهاية 26: الاستبصار :1: 141، ذيل الحديث 483.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 192.

3) ذكرى الشيعة 1: 230 مسالك الأفهام :1 :57: الحدائق الناضرة 3: 159.

4) وسائل الشيعة 2: 299 الباب 12 من أبواب الحيض، ح 2.

5) المصدر، ج 1، و 296، الباب 10 من أبواب الحيض، ح 11

أقلّ من عشرة، كما دلّت عليه الأخبار(1)ونطق به أخير هذا المرسل، وضعف دلالة الروايتين على ذلك؛ لأنّ قوله(عليه السلام):« فهو من الحيضة الأُولى» موقوف على ثبوت كون الأوّل حيضاً، وهو أوّل المسألة، وبعد ثبوت اشتراط التوالي يكون الحيض الأوّل هو ما كان ثلاثة أيّام متوالية، فلا تصلحان لمعارضة ما ذكرناه.

وأمّا ما ذكره بعض متأخّري المتأخّرين - من أنّ الطهر الذي لا يكون أقلّ من عشرة هو ما كان بين حيضتين لا ما كان متخلّلاً بين حيض واحد من أيّام النقاء، فإنّ ذلك لا يكون إلّا أقلّ من عشرة وهو كالطهر في الأحكام، فلا ضعف في المتن، ومن أنّ المرسل حجة عند المتقدّمين فلا ضعف في السند، ومن أنّ الروايتين ظاهرتان بذلك إن لم تكونا نصّاً، على أنّه يلزم على فهم المشهور الاختلال بلفظهما ؛ لأنّ العشرة المضاف إليها بعدُ يراد بها عشرة الطهر، والمضاف إليها قبل هي عشرة الدم التي قد حصل الدم في أوّلها. هذا على فهمهم، مع أنّ المراد بالعشرتين واحد، وهي عشرة الطهر ، فإن وقع الدم قبلها كان من الحيضة الأُولى، ولو زاد مجموعه والبياض على العشرة، كما لو رأت خمسة دماً وثلاثة بياضاً وخمسة دماً وهكذا كان كلّ دم حيضاً وكلّ بياض طهراً ما لم يزد الدم على عشرة فإنّه لا يكون حيضاً، وإن وقع بعدها كان من الحيضة الثانية(2)-كلّه بعيد عن الصواب ومخالف لفتاوى الأصحاب، القاضية بإطلاقها على أنّ الطهر الذي يعاند الحيض اسماً وحكماً لا يكون أقلّ من عشرة مطلقاً من غير تفصيلٍ، والقاضية بأنّ المراسيل ما لم تعتضد بفتوى المشهور أو عملهم أو كانت ممّن أجمع العصابة على قبول مراسيله لم تقبل.

وأمّا ما ذكره من الاختلال في نظم الروايتين، فمردود:

أوّلاً: بأنّه لا بأس بحمل لفظ العشرة على عشرة الطهر في المقامين على فهم المشهور أيضاً، ويكون المراد: أنّ ما تراه قبل عشرة الطهر إذا تقدّمه ما يصلح لأن يكون حيضاً ولم يتجاوز العشرة فهو من الحيضة الأُولى، وما تراه بعدها فهو من المستقبلة، ويكون التخصيص بتقدّم ما يصلح للحيضيّة وبعدم تجاوز العشرة؛ للدليل الدالّ على أنّ الحيض ثلاثة متوالية وأنّه مع بياضه المتخلّل لا يتجاوز العشرة؛ لأنّ البياض بين الدمين إذا كان دون العشرة حيض أو بحكم الحيض.


1) منها: ما في وسائل الشيعة 2: 297 و 298، الباب 11 من أبواب الحيض، ح 1 و 2.

2) راجع الحدائق الناضرة 3: 160 - 163.

وثانياً: بأنّه لا بأس باختلاف معنى العشرتين بعد فهم الأصحاب وقرائن الباب، مع أنّه قد يمكن إرادة عشرة الدم من العشرتين معاً، ويكون عدم الحكم بحيضيّة ما فوق العشرة من الدم الذي لم يتخلّله أقلّ الطهر للدليل.

ولا يكفي في الثلاث مسمّاها، بل لا بدّ من كمالها واستمرار الدم فيها؛ للأصل، ولعدم تيقّن الحيض إلّا بذلك، ولظهور الأخبار به، ولظاهر الإجماع المنقول(1)على أنّها لو رأت يومين ونصفاً لم يكن حيضاً، ولظاهر الاتّفاق المنقول(2)عن القائلين بالتوالي أنّهم قائلون بالكمال والاستمرار.

والظاهر أنّ المراد بالاستمرار هو الاستمرار العرفي، فلا تضرّ الفترات المعتادة للنساء، ونقل عليه الإجماع (3).

واحتمل بعضهم لزوم الاستمرار حقيقة وأنّه لا بد ّمن ذلك(4). و الظاهر بُعْده.

وأبعد منه قول مَن اكتفى بالمسمّى في الثلاث مطلقاً(5)، و مَن اكتفى بالمسمّى في الوسط وأوجب مقارنته لأوّل الأوّل ولأخير الأخير تحقيقاً لصدق الثلاثة(6)لمخالفتهما للأصل، مع عدم دليلٍ عليهما.

ثامنها: بیان أکثر الحیض

لا يكون الحيض أكثر من عشرة أيّام بالليالي التسع مع عدم الانكسار، وبالعشر مع الانكسار، وفي احتساب المنكسر يوماً، أو طرحه، أو الفرق بين قليله وكثيره، أو تلفيقه من اليوم الأخير، أو من الليل الخارج وجوه أقواها ما تقدّم من البناء على التلفيق.

ويدلّ على أنّ أكثر الحيض عشرة: الأخبار المتكثّرة الدالّة على أنّه لا يكون أكثر من ذلك(7)، كما أنّه لا يكون الطهر أقلّ من ذلك، والإجماع محصّلاً ومنقولاً (8)عليهما معاً.


1) الجامع للشرائع: 43.

2) ریاض المسائل 1: 255

3) تذكرة الفقهاء 1: 322، المسألة 98

4) جامع المقاصد 1: 287

5) روض الجنان 1: 175

6) نسبه العاملي في مدارك الأحكام :1: 322 إلى بعض المتأخرين.

7) وسائل الشيعة 2 293 - 296 ، الباب 10 من أبواب الحيض، ح 1 - 3، 6 - 10 و 12.

8) رياض المسائل 1: 251

فما دلّ على أنّ أكثر الحيض ثمان(1)، مطروح، أو محمول على التقيّة أو على الغالب المعتاد.

وكذا ما دلّ على أنّ مَنْ رأت الدم خمسة والنقاء خمسة والدم أربعة والنقاء ستّة أنّها لا تصلّي إذا رأت الدم إلى ثلاثين يوماً(2)، فإنّه محمول على المتحيّرة المستمرّ بها الدم؛ فإنّ الأحوط لها ترك الصلاة عند رؤية الدم والصلاة عند عدم رؤيته.

واعلم أنّه يحتسب من الحيض أيّام النقاء الواقعة في العشرة بعد مضيّ ثلاثة أيّام الدم إذا انقطع الدم على العشرة.

وعلى قول الشيخ بكفاية الثلاثة المتفرّقة في العشرة(3)فإن جعل النقاء بينها حيضاً كان أكثره وأقلّه سواءً فيما لو رأت يوماً وخامسه وعاشره، وإن جعل النقاء طهراً- كما تخيّله بعض المتأخّرين(4)- كان أقلّه مقصوراً على حصوله في العشرة، وأكثره قد يحصل بالعشرة إذا ملأها، وقد يحصل بالأكثر حتّى ينتهي إلى ثمانين يوماً، ثلاثة في العشرة المتقدّمة وسبعة كلّ تسعة أيّام، وعاشرها دم يكون حيضاً إلى سبعين يوماً.

نعم، لو فصل بين الدّمين طهر قدره عشرة أيّام، كانت الحيضتان مستقلّتين.

وكلّما رأت ثلاثة في ضمن عشرة ثمّ رأت بعدها دماً ، كان المجموع حيضاً ما لم يفصل أقلّ الطهر أو يزيد مجموع الدم على عشرة.

ولا يخفى بُعْد هذا عن كلام الأصحاب بل عن الإجماع المحصّل.

تاسعها :قاعدۀ الإمکان

كلّ دم تراه المرأة ممّا يمكن أن يكون حيضاً غير معارض بإمكان حيضيّة دمٍ آخَر فهو حيض، سواء جمع صفات دم الحيض أم لا، وسواء كانت المرأة معتادةً أم لا، كما إذا كانت مبتدأةً أو مضطربةً، وسواء وقع في العادة للمعتادة أم لا، كما إذا وقع قبلها أو بعدها، وسواء كان المرئي قبل تمام الثلاثة أو بعد تمامها إلى العشرة.

وذلك لأصالة دم الحيض وأغلبيّته بالنسبة إلى الدماء الخارجة من فروج النساء، ولقوّة


1) وسائل الشيعة 2: 297، الباب 10 من أبواب الحيض، ح 14.

2) المصدر : 286، الباب 6 من أبواب الحيض، ح 3.

3) راجع الهامش (1) من ص 312

4) الشهيد الثاني في روض الجنان 1: 178

الظنّ به وضعف الظنّ بغيره، واتّباع قوي الظنّ واجب في الموضوعات العرفيّة، ولأنّ الحيض طبيعيّ وغيره لا يكون إلّا من آفةٍ أو علّةٍ، ولا شكّ أنّ الطبيعيّ أصل بالنسبة إلى غيره، وقد يناقش في هذا الأصل قبل تمام الثلاثة؛ للشكّ في تحقّق الإمكان لإمكان الانقطاع، إلّا أنّ الأخبار تدلّ عليه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ولإطلاق الأخبار المتقدّمة(1)المثبتة لحيضيّة الدم ما لم يكن من جرح أو قرح أو عُذرة.

وإطلاق الأخبار الحاكمة بحيضيّة ما تراه المرأة من الدم في أيّ وقت رأته، ففي الخبر: «أيّ ساعة رأت الصائمة الدم تفطر»(2)وفي آخَر: «تفطر إنّما فطرها من الدم»(3).

وإطلاق الأخبار(4)الدالّة على أنّه« إذا رأت المرأة الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الأولى».

ويدلّ على خصوص حيضيّة الجامع للصفات أخبار التمييز(5)بإطلاقها، وعلى خصوص الواقع في العادة أخبار التحيّض بالدم الواقع في العادة، كقوله(عليه السلام)في الصحيح: عن المرأة ترى الصفرة في أيّامها؟ قال: «لا تصلّي حتّى تنقضي أيّامها»(6)وعلى خصوص ما وقع قبل العادة: ما ورد من أنّ الصفرة قبل الحيض بيومين من الحيض(7)، وما ورد في الموثّق: عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها؟ قال:« فلتدع الصلاة، فإنّه ربّما تعجّل بها الوقت»(8)وعلى خصوص ما وقع بين الثلاثة والعشرة - مضافاً إلى إطلاق كثير من الأخبار المتقدّمة - ما ورد من أخبار الاستظهار لذات العادة(9)، القاضية بثبوته لغيرها بطريق أولى إلى غير ذلك من الأدلّة الدالّة على القاعدة المزبورة المنقول عليها الإجماع (10).


1) راجع الهامش ( 1 و 2) من ص 304.

2) وسائل الشيعة 2: 366 - 367 الباب 50 من أبواب الحيض، ح 3.

3) المصدر : 367 - 368 ، ح 7.

4) راجع الهامش (5) من ص 312

5) راجع وسائل الشيعة 2: 275 الباب 3 من أبواب الحيض.

6) المصدر : 278 - 279 ، الباب 4 من أبواب الحيض، ح 1.

7) المصدر : 279، ح 2.

8) المصدر : 300 - 301، الباب 13 من أبواب الحيض، ح 1.

9) المصدر : 301 ، ح 2 - 4، و 303، ح 11 و 12.

10) المعتبر 203:1؛ منتهى المطلب 2: 287

فما ذكره البعض- من المناقشة في ذلك؛ لعدم الدليل عليه، ولأنّه عدول من المقطوع به - من أصالة الاشتغال بالعبادة وأصالة عدم وجوب الغسل - إلى الموهوم من أصالة الحيض(1)- ضعيف لا يُلتفت إليه.

وعلى ما ذكرنا فلو رأت ثلاثة جامعاً للأوصاف أم لا ثمّ رأت عشرة بياضاً ثمّ رأت ثلاثة، كان كلٌّ منهما حيضاً مستقلّاً؛ لأصالة حيضيّة ما أمكن أن يكون حيضاً، والأوصاف إنّما تعتبر عند الحاجة إليها؛ للنصّ والإجماع على جواز انتفائها؛ وكذا لو رأت ثلاثة ثمّ رأت بياضاً إلى اليوم العاشر ثمّ رأت فيه دماً ثمّ انقطع، كان الدمان وما بينهما حيضاً، ولو لم ينقطع كان حكمه على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.

عاشرها: تتحيّض ذات العادة الوقتيّة

تتحيّض ذات العادة الوقتيّة بمجرّد رؤية الدم في أيّام العادة من دون استظهار إلى مضيّ ثلاثة أيّام، سواء رأته مقارناً لأوّل أيّام العادة، أو رأته في أثنائها، أو رأته قبلها فاستمر إلى أيّام العادة؛ للإجماع المنقول(2)على ذلك، وفتوى المشهور، والأخبار الدالّة على ذلك، كمرسل يونس: «إذا رأت المرأة الدم في أيّام حيضها تركت الصلاة، فإن استمرّ بها الدم ثلاثة أيّام فهي حائض»(3).

وللأخبار المطلقة الدالّة على التحيّض بمجرّد رؤية الدم(4).

وكذا لو رأت الدم قبل العادة أو بعدها بكثير أو بقليل، جمع للصفات أم لم يجمع، على الأظهر الأشهر؛ لقاعدة الإمكان، وللأخبار الدالّة على التحيّض بمجرّد رؤية الدم(5)، والمعتبرة الدالّة على أنّ ما تراه المرأة قبل وقت حيضها تترك له الصلاة، فإنّه ربّما تعجّل بها الوقت(6). والدالّة على أنّ الصفرة المرئيّة قبل الحيض بيومين منه(7). وظاهر «منه» أنّه يُحكم به ابتداءً قبل إكمال الثلاث، وإطلاقها شامل للقليل والكثير من التقدّم وإن كانت في المتقدم قليلاً


1) كما في كشف اللثام 2: 68

2) تذكرة الفقهاء 1: 275، المسألة 87

3) وسائل الشيعة 2 305 الباب 14 من أبواب الحيض، ح 3.

4) المصدر : 366 - 368، الباب 50 من أبواب الحيض، ح 3، 6 و 7.

5) المصدر : 366 - 368، الباب 50 من أبواب الحيض، ح 3، 6 و 7.

6) راجع الهامش (8) من ص 316

7) وسائل الشيعة 2: 279، الباب 4 من أبواب الحيض، ح 2.

أظهر؛ لظهور القبليّة في القليل. وتقييدها باليومين في بعض الروايات، وإلحاق المتأخّر بالمتقدّم من باب تنقيح المناط أو مفهوم الأولويّة؛ لأنّ التأخّر عن العادة أقوى من التقدّم في إفادة الحيض.

والمراد بالتقدّم والتأخّر هو التقدّم والتأخّر عن كلّ أيّام العادة، وأمّا التقدّم والتأخّر عن أوّل أوقاتها فالظاهر أنّه يجري على المتقدّم حكم ما ذكرناه، وعلى ما صاحب أيّام العادة حكم الواقع في العادة.

حادي عشرها: فی أنّ المبتدأة والمضطربة ومثلهما ذات العادة العدديّة تتحيّضان بمجرّد رؤية الدم

المبتدأة والمضطربة -ومثلهما ذات العادة العدديّة- تتحيّضان بمجرّد رؤية الدم، ولا يجب عليهما الانتظار إلى ثلاثة أيّام لقاعدة الإمكان.

وقد يناقش فيها أنّ قاعدة الإمكان إنّما تجري فيما أمكن كونه حيضاً بعد بروزه ووجوده، وأمّا قبل ذلك فلا تجري؛ لأنّ الإمكان مشكوك به؛ لاحتمال انقطاعه دون الثلاثة، فلا يمكن أن يكون حيضاً، فلا يمكن الاستدلال به على ذلك، ولأنّ الحيض هو المظنون، فيجب اتّباعه في الموضوعات و إلّا لما حكم بحيضيّة الثلاثة فيما لو رأته أحمر؛ لجواز رؤيتها الأسود بعد تجاوز العشرة ثلاثةً، فيكون هو الحيض دون الأوّل.

وقد يناقش في حجيّة هذا الظنّ، وأنّه لا يعارض استصحاب حال التكاليف السابقة والمتيقّن من الخطابات الشرعيّة.

فالأوجَه الاستدلال عليه بفتوى المشهور، وإطلاقِ الإجماع المنقول(1)على أنّ كلّ ما يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض، الشامل بظاهر كلماتهم لذلك، وإطلاق الأخبار الدالّة على تحيّض ذات الدم بمجرّد الرؤية(2)، وما دلّ في خصوص المقام على التحيّض بذلك، ففي موثّقة سماعة عن البكر أوّل ما تحيض؟ قال: «فلها أن تجلس وتدع ال- الصلاة ما دامت ترى الدم»(3).

و تخصيص إطلاق الأخبار بذات العادة للتنصيص عليها في أخبار أُخَر(4)، أو بالدم الجامع


1) راجع الهامش (1) من ص 317.

2) راجع الهامش (4 و 5) من ص 317

3) وسائل الشيعة 2: 304 - 305، الباب 14 من أبواب الحيض، ح 1.

4) المصدر: 305. ح 2 و 3.

للصفات دون غيره وإن أمكن إلّا أنّه خلاف فتوى المشهور، فضعف المقيّد عن تقييد المطلق، على أنّ الفرق بين الجامع وغيره لا قائل به من القدماء ممّن يعتدّ بقوله، بل ونُقل الإجماع (1)على عدمه. فالأقوى حينئذٍ تحيّض ما قدّمنا بمجرّد رؤية الدم والأحوط لها فعل العبادة الواجبة عليها وترك ما يحرم عليها.

ثاني عشرها: حکم ما إذا تجاوز الدم العشره

لو تمّت الثلاثة فحكمت بما تراه حيضاً، استمرّ ذلك الحكم إلى العاشر وإن وقع نقاء في الأثناء، فإن انقطع الدم على العاشر فالكلّ حيض؛ لظاهر الاتّفاق، وللأصل المتقدّم، ولظاهر الأخبار، ولحصول الظنّ بحيضيّته عند الانقطاع، ومغايرته لما بعد العشرة دون ما دونها.

ولا فرق بعد انقطاعه بين عوده في الحادي عشر أو بعده.

ويظهر من بعضهم أنّ المراد بالتجاوز هو عود الدم بعد العشرة قبل مضيّ أقلّ الطهر، فإنّه يكشف عن أنّ الحيض هو ما في العادة. وهو قويّ إلّا أنّ الأوّل أقرب.

وإن تجاوز الدم العاشر بأن امتزج اليوم العاشر في الحادي عشر- انقطع بعد الامتزاج بسرعة أم استمرّ - فإنّه لا يُحكم بحيضيّة الجميع، بل ترجع ذات العادة إلى عادتها؛ لحصول الظنّ عند الامتزاج بعدم اختلاف الدمين اللّذين هُما قبل العشرة وبعدها فيغلب الظنّ الحاصل من العادة عليه. وكذا في المبتدأة والمضطربة في الرجوع إلى الوصف أو عادة الأقران أو إلى ما في الروايات، كما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى.

وظاهر الأصحاب الاتّفاق على ذلك، و يُفهم من الأخبار أيضاً ذلك كأخبار الاستظهار ونحوها، فإنّه يُفهم منها أنّ الاستظهار إنّما شُرّع لمعرفة الانقطاع والاستمرار.

ثالث عشرها: فی بیان ما تستقرّ به العادۀ

المرأة إما ذات عادة أو غير ذات عادة، وذات العادة هي ما تكرّر عليها الدم عدّة أيّام سواء، فلا بدّ من التكرّر والعود فلا تكفي المرّة الواحدة إجماعاً منّا، ولا تفتقر إلى دم ثالث.


1) راجع رياض المسائل 256:1

ويدلّ على ذلك فتوى الأصحاب، ومرسلة يونس حيث قال فيها: «فإن انقطع الدم لوقته في الشهر الأوّل سواء حتّى توالى عليها حيضتان أو ثلاث، فقد علم الآن أنّ ذلك قد صار لها وقتاً وخلقاً معروفاً، فتعمل عليه وتدع ما سواه» ثمّ علّل ذلك بقول رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)لمن تعرف أيّامها: «دعي الصلاة أيّام أقرائكِ»(1)ولم يقل قرءيكِ، وأدنى الأقراء الحيضتان.

ومقطوعة سماعة: «إذا اتّفق شهران عدّة أيّام سواء فتلك أيّامها»(2).

ولا حاجة فيها إلى تكرّر الطهر الثاني كالأوّل، بل لو رأته في أوّل شهر خمسة وفي ثاني شهر كذلك، ثمّ انقطع عشرة فيه وعاد واستمرّت كانت ذات عادة، وفاقاً للمشهور وإطلاق الروايات.

ولا تفتقر إلى تكرار الدم في شهرين هلاليّين، بل يكفي تكراره في الشهر الواحد فتثبت به عادة عدديّة، ويمكن وقوعه في ثلاث أو أكثر فتثبت به عادة وقتيّة عدديّة.

وإطلاق الشهر في الروايتين وإن كان المراد به الشهر الهلالي لاشهر الحيضي؛ لأنّه المنصرف إليه الإطلاق، لكنّه محمول على الغالب، والوصف وشبهه إذا خرج مخرج الغالب لا عبرة به وكذا تخصيص التكرار بالشهرين دون الأزيد.

والعادة إمّا وجوديّة، وهي ما تؤخذ من تكرّر نفس الدم، أو وصفيّة، وهي ما تؤخذ من تكرّر وصفه، أو مركّبة منهما معاً.

والأظهر عدم جواز أخذها من عادة الأقران أو من حكم الشرع به عند الاضطرار أو غير ذلك؛ لعدم انصراف الأخبار إلى ذلك. وفي أخذها من رؤيته أشدّ وأجمع وصفاً من غيره مع الاستمرار إشكال.

والنقاء المتخلّل بين دمين إذا اعتُيد حُكم عليه بالاعتياد كالدم، فيُحكم بحيضيّته، ومع عدم اعتياده فهل يخلّ بالعادة عند تخلّله -كما إذا رأت في أوّل الشهر خمسة دماً متواصلاً وفي الثاني خمسة بين الرابع والخامس يوماً بياضاً - أو لا يخلّ؟ وجهان، أقواهما: العدم.

ويشترط في العادة أن لا يتخلّل بين المرّتين دم مخالف فلو تخلّل دم بين المرّتين مخالف لم تثبت بهما عادة.


1) وسائل الشيعة :2: 287، الباب 7 من أبواب الحيض، ح 2.

2) المصدر : 304 - 305، الباب 14 من أبواب الحيض، ح 1.

وقد تتركّب العادة من عادتين كما إذا رأت أوّل الشهر وآخره ثمّ رأت كذلك مرّة أُخرى. وكذا لو رأت في العدديّة أربعاً ثمّ رأت خمساً، ثمّ تكرّر ذلك، فإنّها تثبت بها عادة عدديّة. أمّا لو لم يتكرّر الأوّل بعينه بل تكرّر غيره، كانت الثانية ناسخةً للأُولى، مع احتمال أنّ النسخ متوقّف على كثرة التكرّر؛ لقوّة الظنّ بالعادة الأُولى.

وقد تختلف العادة بحسب المكان والزمان، فتكون العادة في مكانٍ مغايرةً للعادة في مكان آخَر. ولا تثبت العادة طهراً، بل إنّما تثبت حيضاً في الشهر الواحد.

نعم، يلزم ذلك كون بقيّة الشهر عند استمرار الدم وعدم فاصلة أقلّ الطهر طهراً، وحينئذٍ فلو رأت في شهر دماً ولم ترَ في الثاني شيئاً، ورأت في الثالث دماً ولم ترَ في الرابع شيئاً، ثمّ رأت في الخامس والسادس دماً، لم تحكم على السادس بالطهريّة مع عدم استمرار الدم، بل كان صدوره على حسب ما رأته أوّلاً وإنّما يُحكم بحيضيّته.

رابع عشرها: فی بیان ما تستقرّ به العادۀ الوقتیّه العددیّه أو الوقتیّه أو العددیّه

العادة إمّا وقتيّة عدديّة وهي ما تكرّر دمها في وقتين متساويين في الوقت، ولا يضرّ الكسر من اليوم سيّما لو كان قليلاً، وفي الكثير إشكال، واليوم التامّ مخلّ على الأظهر، وفي عددين متساويين لا يزيد أحدهما على الآخَر بيومٍ تامّ، ولا بأس بالكسر القليل، وفي الكثير إشكال.

ويشترط أن لا يتخلّلهما دم مخالف للوقت أو العدد، فلو تخلّلهما لم تثبت العادة.

وإمّا وقتيّة فقط، وهي ما ضبط الوقت فيها من أوّل الحيض، أو آخره، أو وسطه، أو أوّله ووسطه، أو وسطه وآخره. والأظهر صحّة هذه العادة مطلقاً والرجوع إليها عند الاشتباه بإضافة ما يكمل به العدد من رجوع إلى وصفٍ أو عادة أقرانٍ أو ما في الروايات. والحكم بالتخيير لها في إضافة ما شاءت وجهٌ.

والمراد بالوسط أن تعتاد أنّ أوّل الشهر - مثلاً - وسط لحيضها مع عدم معرفة قدر الطرفين وعدم استقرارهما، و إلّا فمن اعتاد الوسط الخاصّ اعتاد الطرفين وعرفهما، فتكون العادة عدديّةً وقتيّةٌ حينئذٍ، وكذا مَنْ عرف الأوّل والآخِر، أو الأوّل والوسط، أو الوسط والآخِر، فقد عرف

الوقت والعدد.

ولو اعتادت أنّ يوماً مّا من أيّام حيضها هو أوّل الشهر كانت من العادة الوقتيّة في وجهٍ، وتخيّرت في الإضافة إليه من قبلُ أو من بعدُ أو من الطرفين بعد فقد الصفات وعادة الأقران. ولا يبعد الرجوع إلى الروايات هاهنا أيضاً.

ولو اعتادت أنّ حيضها في النصف الأوّل أو الأخير، ففي إلحاقها بالعادة إشكال.

و إمّا عدديّة فقط وهي ما اعتادت عدداً خاصّاً من غير زيادة يومٍ تامّ أو أغلبه على وجهٍ، من غير تعيين وقتٍ خاصّ، ومن غير فصل لما بين المرّتين بدمٍ مغاير لهما في العدد.

وفي إلحاق مَن اعتادت قدراً ناقصاً في ضمن زائد- كمن رأت أربعة ثمّ خمسة - إشكال.

وأشكل منه العكس، كأن رأت خمسة ثمّ أربعة.

والأحوط عدم جعل الأربعة عادةً في كلٍّ من المثالين.

خامس عشرها: حکم ما إذا تکثّر الدم واجتمع مع العادۀ تمییز

الدم في العادة إذا استكمل شرائط الحيض كان مثبتاً لنفسه ونافياً لغيره عند المعارضة، فلو تكثّر الدم واجتمع مع العادة تمييز فإن اتّفقا فلا كلام، وإن اختلفا فهل ترجّح العادة مطلقاً، أو التمييز كذلك، أو التخيير بينهما، أو العادة إن كانت مأخوذةً من الابتداء والانقطاع، و إلّا فالتمييز كما إذا أخذت العادة من التمييز كالأخذ بالجامع دون غيره، أو الأقوى دون الأضعف ؟ أقوال أقواها الأوّل؛ لزيادة حصول الظنّ بحيضيّة ما في العادة دون غيره وإن جمع الصفات، ولفتوى المشهور حتّى كاد أن يكون إجماعاً، ولأنّ بين أدلّة التمييز والعادة عموماً من وجهٍ، ويجب عند التعارض تقديم الراجح، ولا شكّ أنّ الراجح بحسب الفتوى والمظنون بحسب العادة هو تقديم العادة، ولخصوص ما ورد أنّ الصفرة في أيّام الحيض حيض، وكذا الكدرة(1)، وما ورد في مرسلة يونس من أنّ الصفرة في أيّام الحيض حيض، فإذا جهلت الأيّام وعددها احتاجت إلى إقبال الدم وإدباره (2).

فظهر بذلك ضعف اختيار تقديم التمييز حتّى نقل أنّه ادعي الإجماع عليه(3)واستند


1) وسائل الشيعة 2: 281، الباب 4 من أبواب الحيض، ح 9.

2) المصدر: 276 - 277، الباب 3 من أبواب الحيض، ح 4.

3) الخلاف 1: 241 - 242، المسألة 210؛ ونقله عنه العاملي في مفتاح الكرامة 1: 357.

لعموم أدلّته، وضعف اختيار تقديم التمييز إذا كانت العادة مأخوذةً منه؛ لعدم زيادة الفرع على أصله، وضعف الحكم بالتخيير؛ جمعاً بين الأدلّة؛ لضعف جميع ذلك عن مقاومة ما ذكرناه.

ولا فرق في تقديم العادة على التمييز بين كون الدم الجامع للصفات متقدّماً على العادة أو متأخّراً عنها، كان ما بينه وبين العادة من الدم الضعيف ما يبلغ أقلّ الطهر أم لا.

خلافاً للعلّامة والشهيدين(1)- على ما حكي عنهما - حيث خصّوا الرجوع إلى العادة بصورة عدم إمكان الجمع ، فلو أمكن الجمع-كما إذا تخلّل بين العادة والتمييز أقلّ الطهر - حُكم بحيضيّة الجميع.

وهو خلاف الظاهر من الروايات الحاكمة بإطلاقها بالرجوع للعادة مطلقاً، المخصّصة لقاعدة الإمكان ولأخبار الصفات .

سادس عشرها: حکم ما إذا تجاوز الدم العشرة مستمرّاً

إذا تجاوز الدم العشرة مستمرّا لم ينقطع عليها أو على ما دونها حتّى انتهى الانقطاع للعاشر، رجعت ذات العادة الوقتيّة العدديّة إليها؛ إجماعاً محصّلاً ومنقولاً (2).

والأخبار به مستفيضة.

ففي الصحيح: عن المرأة تستحاض؟ قال: «سئل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)عن المرأة تستحاض؟ فأمرها أن تمكث أيّام حيضها لا تصلّي»(3).

والصحيح الآخر: «المستحاضة تنظر أيّامها، فلا تصلّي فيها، ولا يقربها بعلها»(4).

ورجعت ذات العادة العدديّة فقط إلى أيامها المعلومة مخيّرة في احتسابها من مبدأ الدم أو آخره أو وسطه، وإنّ الأولى احتسابها من مبدأ رؤية الدم؛ لحصول الظنّ بذلك.

هذا كلّه إن فقدت التمييز، وإن حصل لها تمييز مع العادة، فإن توافقا وجب تخصيص العادة به، وإن اختلفا فإن لم يجمع شرائط الحيض طرح ولم يعتّد به. وإن جمع الشرائط فإن نقص عن


1) نهاية الإحكام 1: 141 - 142؛ ذكرى الشيعة :1 239 روض الجنان 1: 183 - 184.

2) تذكرة الفقهاء 302:1، ذيل المسألة 96

3) وسائل الشيعة 2 283 ، الباب 5 من أبواب الحيض، ح 3

4) المصدر، ح 2.

أيّام العادة تحيّضت به وكمّلته من الآخر قدر العادة، وإن زاد تحيّضت منه بقدر العادة وطرحت الباقي، بناءً على المختار من تقديم العادة على التمييز.

ولو رأت دمين موصوفين ولكن أحدهما موافق لأيّام العادة والآخَر غير موافقٍ، كان الأحوط لها التحيّض بالموافق، أو رأت دمين أحدهما أشدّ من الآخَر أو أجمع، كان الأحوط لها تخصيص التحيّض بالجامع والأشدّ دون غيره.

وذات العادة العدديّة تتحيّض في كلّ شهرٍ مرّةً من غير نقيصة ولا زيادة، جرياً على الغالب والمعتاد والمظنون من أحوال النساء، والمفهوم من الروايات ورجعت ذات العادة الوقتيّة إلى وقتها وأكملته من الآخر إن اعتادت الوقت الأوّل، ومن الأوّل إن اعتادت الوقت الآخر. ومن الطرفين إن اعتادت الوسط، ولها الخيار إن اعتادت وقتاً مّا إن لم يترجّح أحد الطرفين بوصفٍ وشبهه، وإلّا وجب عليها اتّباع الموصوف دون غيره إن جمع شرائط الحيض، والأحوط تقديم الجامع والأشدّ.

سابع عشرها : فی أنّه تستظهر ذات العادة بعد تمام العادة بترك العبادة والبناء على الحيض إذا لم ينقطع الدم عليها واستمرّ بعدها بيوم أو يومين أو ثلاثة

تستظهر ذات العادة بعد تمام العادة بترك العبادة والبناء على الحيض إذا لم ينقطع الدم عليها واستمرّ بعدها بيوم أو يومين أو ثلاثة ،كما في الصحيح(1)، أو بثلاثة، كما في صحيح محمّد ابن عمرو بن سعيد(2)، أو بيومين، كما في صحيح زرارة(3)، أو بيومٍ واحد كما في موثّقة إسحاق ابن جرير(4)، أو إلى العشرة، كما في موثّقة يونس بن يعقوب(5)، ويشعر بها غيرها من الأخبار(6).

وظاهر الروايات التخيير في قدر الاستظهار بين هذه المراتب، وأنّ مراد الشارع التأنّي لذات العادة عن المبادرة إلى الحكم بالطهارة واستعمال العبادات؛ لقوّة الظنّ بالحيض واستمراره إلى العشرة، بل كلّما ازداد الاستظهار بحيث وصل العاشر كان أولى، ومن ذلك كان من المحتمل


1) وسائل الشيعة 2: 302 - 303، الباب 13 من أبواب الحيض، ح 9.

2) المصدر : 303، ح 10.

3) المصدر : 373، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 5.

4) المصدر : 301، الباب 13 من أبواب الحيض، ح 3.

5) المصدر: 303. ح 12.

6) المصدر: 303. ح 11.

أنّ إرادة الشارع استمرار الاستظهار إلى العشرة؛ لأنّ بها يبين الحيض عن غيره، وتنزّل الأخبار المحدّدة باليومين والثلاث والواحد على اختلاف العادات، فمَن كانت عادتها سبعةً استظهرت بثلاث، وثمانيةً بيومين، وتسعةٌ بيومٍ؛ لأنّ غالب عادات النساء ذلك، ويبقى غير الغالب داخلاً

تحت روايات العشرة.

وهل هذا الاستظهار على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة؟ أقوال تنشأ من ظاهر الأوامر وأنّها للوجوب، ومن حصول القرائن على الندب كخلوّ كثير من الصحاح عن الأمر به، بل الأمر بالاغتسال بعد العادة، كصحيحة معاوية بن عمّار: «المستحاضة تنظر أيّامها، فلا تصلّي فيها، ولا يقربها بعلها، فإذا جازت أيّامها ورأت الدم اغتسلت للظهر والعصر»(1)وصحيحة بن سنان: «لا بأس أن يأتيها بعلها متى شاء، إلّا أيّام قرئها(2)وموثّقة سماعة: «المستحاضة تصوم شهر رمضان إلّا الأيّام التي كانت تحيض فيها»(3)إلى غير ذلك.

وهذه الأخبار وإن كان بينها وبين الأخبار الأُوَل عموم مطلق، فينبغي حمل العامّ على الخاصّ فيها، إلّا أنّ اختلافها في قدر الاستظهار، وفتوى المشهور بخلاف ظاهرها من الوجوب يضعّف إرادة الوجوب، وحينئذٍ فهذا القول أقوى، والاحتياط لا يخفى.

ومنشأ القول بالإباحة: هو الأخذ بروايات الأمر بالطهارة، وحمل ما دلّ على الاستظهار على إرادة الإباحة؛ لوقوعه في مقام توهّم الحظر في ترك العبادة.

وفيه: أنّ توهّم حظر تركها ليس بأولى من توهّم حظر فعلها، فلا معنى لتوهّم ذلك التوهّم.

وأمّا الجمع بين الأخبار - بحمل ما دلّ على الاستظهار على ما إذا كان الدم بصفة الحيض و ما دلّ على عدمه على ما إذا لم يكن بصفته - بعيد عن الأخبار وكلام الأخيار.

والإيراد على القول بندب الاستظهار أو إباحته :بلزوم كون العبادة مرجوحةً عند فعلها أو مباحةً، وذلك غير جائزٍ، مدفوع: بأنّ العبادة عند عدم البناء على الاستظهار راجحة بل واجبة، وينوى بها الوجوب، وعند البناء عليه محرّمة غير مشروعة، فالتخيير في البناء عليه وعدمه، ويترتّب عليهما فعل العبادة وتركها لا في نفس العبادة وتركها. ونظير ذلك التخييرُ


1) راجع الهامش ( 4 ) من ص 323.

2) وسائل الشيعة 2: 372، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 4.

3) المصدر : 378، الباب 2 من أبواب الاستحاضة، ح 1.

في الرجوع إلى المجتهدين المختلفين في الفتوى أو إلى الروايتين المختلفتين في الحكم، بل ربما يقال: إنّ المقام ممّا تعارض فيه نصّان، وليس لنا عند فقد المرجّح والعجز عن الجمع إلّا التخيير، وهو قاضٍ بذلك.

ثامن عشرها:حکم ما إذا استظهرت المرأة فاستمرّ الدم إلى ما فوق العشرة أو انقطع علی العاشر فما دون

إذا استظهرت المرأة فاستمرّ الدم إلى ما فوق العشرة بحیث امتزج العاشر بالحادی عشر، تبيّن أنّ ما فوق العادة من أيّام الاستظهار ونحوها استحاضة؛ للقطع بأنّ ما فوق العشرة استحاضة.

و من البعيد كون ما قبل ذلك- ولو بلحظة - حيضاً، وما بعد ذلك استحاضة؛ لأنّ المظنون عدم انتقال دمٍ إلى آخَر مغاير له في الطبع والمخرج دفعةً واحدة، بل الظاهر اتّحاد كلّ دمٍ مع ما قاربه، وهكذا إلى أن ينتهي الحال إلى العادة، فيغلب ظنّ الاعتياد على ذلك الظنّ، ويُحكم فيه بالحيضيّة.

وإن انقطع على العاشر فما دون تبيّن أنّه حيض؛ لارتفاع ذلك الاستبعاد، فينقلب الظنّ إلى الحيضيّة؛ لأنّ العادة ممّا تزيد وتنقص ولقاعدة الإمكان، ولإشعار أخبار الاستظهار بذلك، سيّما ما ورد بالأمر به إلى العشرة(1)، ولقوله في المرسل: «تستظهر بيوم إن كان حيضها دون العشرة أيّام، فإن استمرّ الدم فهي مستحاضة، وإن انقطع الدم اغتسلت وصلّت »(2)فإنّ الظاهر من الانقطاع والاستمرار هو الانقطاع على العشرة فما دون والاستمرار من العشرة فما فوق، وغير المرسل من الأخبار تشعر بذلك (3)، مضافاً إلى فهم الفقهاء ذلك أيضاً من الأخبار، وفتوى مشهورهم، فيجب اتّباع ذلك.

ولأنّ الاستظهار الوارد في الأخبار هو طلب ظهور الحال في الدم المردّد بين الحيض والاستحاضة واقعاً، وطلب ظهور الحال لازم لحصوله، وليس له مظهر إلّا الاستمرار والانقطاع وليس لهما حدّ إلّا العشرة، كما تشعر به الأخبار وفتوى الأصحاب.


1) راجع الهامش ( 5 و 6) من ص 324.

2) وسائل الشيعة 2: 301، الباب 13 من أبواب الحيض، ح 4.

3) المصدر ، ح 2 و 3.

ولأنّ هذا وجه جمعٍ بين الأخبار الدالّة على أنّ ما بعد العادة استحاضة، والأخبار الدالّة على الأمر بالاستظهار وترك العبادة، وقاعدة الإمكان، فإنّ المفهوم من الجميع أنّ ما بين العشرة والعادة مردّد بين الحيض والاستحاضة، وأمره مجمل دائر بينهما، وأنّ الشارع خيرٌ النساء بين الأخذ بالأوّل أو الأخير إلى أن يتّضح الحال فإذا ظهر الحال وجب اتّباعه، فإن ظهر أنّ الدم حيض وجب الرجوع فيه إلى أحكام الحيض واغتفر ما فعلته من منافياته؛ لمكان الجهل به، فيرتفع ما فيه من السمّ بدواء الجهل، وإن ظهر أنّه استحاضة لحقته أحكامه واغتفر ما تركته منها لمكان الجهل.

ولمّا كان من أحكام الحيض الضروريّة قضاء الصوم وجب قضاؤه عند انقطاع الدم على العاشر، سواء استظهرت في تلك الأيّام كلّاً أو بعضاً أو لم تستظهر.

ومن أحكام المستحاضة أن تفعل ما تفعل الطاهرة بعد الاغتسال، فإن أخلّت بذلك قضت، كما قضت به القواعد وفحاوي الأخبار وكلام الأخيار. ووجب عليها أيضاً عند الإخلال بأحكام المستحاضة قضاء ما فاتها في أيّام الاستظهار وغيرها.

فظهر بما ذكرناه أنّه لا وجه لما استشكله جمعٌ (1)- من عدم الدليل على قضاء الصوم عند الانقطاع على العشرة، ولا على قضاء الصوم والصلاة الفائتين أيّام الاستظهار عند تجاوزها، وأنّ غاية ما تدلّ عليه الأخبار أنّها تستظهر وبعد ذلك تعمل ما تعمله المستحاضة - بعد ما بيّنّاه.

تاسع عشرها: حکم النقاء المتخلّل

ما ذكرناه كلّه في ذات العادة ظاهر الانطباق على ما إذا ملأ الدم العادة الوقتية العدديّة وانقطع على ما دون العشرة، سواء عاد قبل مضي أقلّ الطهر أم لا، أو تجاوز العشرة وانقطع، أو عاد، فإنّه يُحكم عليه بحيضيّة ما في العادة إن استمرّ، وبحيضيّتها مع تمام العشرة إن انقطع.

أمّا لو لم يكن كذلك، فإن كانت كلّ العادة بياضاً وكان الدم من طرفيها فإن كانت عشرة كان الدمان حيضاً مع استجماع الشرائط، وإلّا فالحيض المستجمع دون غيره.


1) منهم: العلّامة الحلّي في نهاية الإحكام 1: 123؛ والعاملي في مدارك الأحكام 1 336؛ والفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 15:1، مفتاح 3.

وإن كانت أقلّ من عشرة، فإن كان الدمان مع العادة لا تزيد على العشرة فمجموعها حيض، و إن زادت أخذت من أحدهما العادة العدديّة مع التساوي في الصفات، وإلّا قدّم الجامع.

ولا يبعد تقديم المقدّم ثمّ الأقرب إلى عدد العادة ثمّ الأشدّ أو الأجمع أو الأقرب إلى وقتها.

وإن كان بعضها بياضاً وبعضها دماً فإن أمكن كون ما في العادة حيضاً ولم يكن دم سواه، حُكم عليه بالحيض، وإن كان سواه ،دم، فإن فصل بينهما أقلّ الطهر وأمكن كونه حيضاً كان حيضاً آخَر، و إلّا فإن أمكن كون المجموع حيضاً كان كذلك، وإلّا أخذت منه ما يكمل به العادة من الابتداء أو الأخير مخيّرةً بينهما، ومقدّمةً للجامع أو الأشدّ أو الأقرب أو المتّصل أو الذي لا يبعث على الزيادة على ما تقدّم.

ولو تجاوز الدم الثاني المنفصل العشر، فهل تتمّ العادة منه، أو تتمّها من البياض وتحكم على ما زاد بالاستحاضة؟ وجهان، أقربهما: الثاني.

ومعنى إتمامها من البياض الحكم بكونه طهراً؛ لأنّه ليس ما بين دمين للحيض.

العشرون: حکم المبتدأۀ إذا انقطع دمها لدون العشرۀ

المبتدئة - وهي ما ابتدأها الدم ، أو ما لم تستقرّ لها عادة - إذا انقطع دمها لدون العشرة تحيّضت به، وإن تجاوز العشرة رجعت إلى ما سيأتي إن شاء الله تعالى.

نعم، يجب عليها الاستبراء بالقطنة لتعرف الانقطاع وعدمه، ولا يجب عليها الاستظهار.

وهل للاستبراء كيفيّة خاصّة - بوضع قطنةٍ، كما دلّت عليه صحيحة محمّد بن مسلم(1)، أو تقوم قائمة وتلزق بطنها للحائط، وتستدخل قطنة بيضاء، وترفع رِجْلها، كما دلّ عليه مرسل یونس(2)، أو تقوم وتلصق بطنها للحائط، وترفع رِجْلها كالكلب إذا أراد أن يبول، وتستدخل الكرسف كما دلّ عليه موثّقة سماعة(3)، أو تضع رِجْلها اليسرى على الحائط وتستدخل الكرسف بيدها اليمنى، كما دلّ عليه رواية شرحبيل(4)- أم لا؟


1) وسائل الشيعة 2: 308 - 309، الباب 17 من أبواب الحيض، ح 1.

2) المصدر : 309، ح 2.

3) المصدر: 309 - 310. ح 4.

4) المصدر: 309، ح 3.

والأظهر : الثاني؛ لظهور الأوامر بالإرشاد إلى الاستخبار بالوجود أو العدم.

والظاهر أنّه مع عدم الاستبراء يبطل غسلها وعبادتها.

الواحد والعشرون: حکم المبتدأۀ إذا تجاوز دمها العشرۀ

اشارة

إذا تجاوز الدم بالمبتدأة العشرة رجعت إلى الوصف، فما جمع الأوصاف تحيّضت به وما خلا عنها تركه لفتوى المشهور والإجماع المنقول(1)، ولحصول الظنّ بالحيض المعمول عليه في هذه المقامات، كما يظهر من كلمات الأصحاب وأخبار الباب، ولأخبار التمييز(2)، مع عدم المعارض من عادة أو غيرها.

وما ورد في بعض الأخبار من رجوع المبتدأة إلى الأيّام(3)، مخصوص بما قدّمناه؛ لقوّته واعتضاده بفتوى الأصحاب.

ويشترط في الرجوع إلى التمييز أُمور:

منها: اختلاف صفة الدم، فلو كان كلّه بصفة الحيض أو كلّه بصفة الاستحاضة بطل حكمه.

وقد تقدّم بيان وصفي الدمين من سواد وحمرة وحرارة ودفق وصفرة وبرودة وفتورة ورقّة، وأنّ الأربعة الأُوَل للحيض، والأخيرة للاستحاضة. ويلزم وصف الغلظ للحيض ووصف الرقّة في الاستحاضة. وأما الرائحة فشهدت بها التجربة دون الأخبار.

فلو وجدت جميع الأوصاف في دم وضدّها في آخَر فلا إشكال.

ولو اتّحدا في وصفٍ كاللون مثلاً واختلفا في آخَر، أو كان أحدهما أجمع، أو اتّفقا وكان أحدهما أشدَّ في الوصف الواحد كشديد السواد وضعيفه، أو القوي بالنسبة إلى وصفين متغايرين كالأسود بالنسبة إلى الأحمر، والأحمر إلى الأشقر، والأشقر إلى الأصفر، والأصفر إلى الأكدر، فالسابق أقوى من اللاحق، فالحكم به لا يخلو من إشكالٍ، إلّا أنّ الظاهر من الأخبار وكلام الأخيار أنّ أمر الحيض يرجع إلى ظنون النساء واجتهادهنّ، فبمقتضى ذلك يجب تقديم قويّ الصفة على ضعيفها، والجامع على غيره، والأكثر على غيره، والصفة العليا على الدنيا، وهكذا.


1) الخلاف 1: 230، المسألة 197؛ تذكرة الفقهاء 1: 294، المسألة 96.

2) وسائل الشيعة 2 275، الباب 3 من أبواب الحيض.

3) المصدر: 291، الباب 8 من أبواب الحيض، ح 5 و 6.

وعند تعارض الأقوى والأكثر يُنظر إلى الترجيح، والاحتياط غير خفيٍّ.

ومنها: أن لا ينقص ما هو بصفة الحيض عن الثلاثة؛ لما دلّ على أنّ أقلّ الحيض ثلاثة(1). مع احتمال وجوب التحيّض بالقليل وإتمامه بما في الروايات.

وأن لا يزيد على عشرة؛ لما دلّ على عدم زيادة الحيض على العشرة(2)، مع احتمال وجوب التحيّض به إلى عشرة، أو تخصيصه عند التحيّض بالروايات، ولكنّه خلاف فتوى المشهور.

ومنها: أن لا ينقص الضعيف المحكوم بطهريّته عن العشرة؛ لأنّ أقلّ الطهر لا يكون أقلّ منها، وحينئذٍ فلو رأت دمين موصوفين بوصف الحيض وبينهما دم غير موصوف ينقص عن أقلّ الطهر ، فإنّه لا يُحكم بكون ذلك طهراً، ولا يمكن أن يُحكم بأنّهما حيضتان؛ لعدم تخلّل أقلّ الطهر، ولا أنّ أحدهما دون الآخَر؛ لأنّه ترجيح من غير مرجّحٍ، فيبطل العمل بالتمييز، ويرجع إلى الروايات.

ويحتمل الحكم بحيضيّة المقدّم ؛ لسبقه. ويحتمل المؤخّر ؛ لتأخّره عن وصف المستحاضة.

ولو رأت ثلاثة أسود وثلاثة أصفر وأربعة أسود وخمسة أصفر، احتُمل جعل الثلاثة حيضاً فقط. واحتُمل جعل الأربعة حيضاً. واحتُمل جعل مجموع العشرة حيضاً.

ولكن ظاهر جمعٍ من الفقهاء سقوط التمييز والرجوع إلى الروايات، ونقل عليه الإجماع(3)،وهو الظاهر.

ولو فقدت الأوصاف من الدم أو فقدت الاختلاف، أو فقدت الترجيح مع الاختلاف، أو فقدت إمكان الاختبار لعمى وشبهه مع عدم المرشد، رجعت إلى عادة الأقارب من الأبوين من أُخت أو بنت أو أُمّ أو عمّة أو خالة؛ لفتوى الأصحاب، وأخبار الباب:

كمضمر سماعة: سألته عن جارية حاضت أوّل حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر وهي لا تعرف أيّام أقرائها؟ قال: قال: «أقراؤها مثل أقراء نسائها، فإن كنّ نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة [أيّام]، وأقلّه ثلاثة أيّام»(4).


1) وسائل الشيعة 2: 293 - 297 ، الباب 10 من أبواب الحيض.

2) وسائل الشيعة 2: 293 - 297 ، الباب 10 من أبواب الحيض.

3) لم نتحقّقه.

4) وسائل الشيعة 2: 288 ، الباب 8 من أبواب الحيض، ح 2 ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

ورواية زرارة ومحمّد بن مسلم: «يجب على المستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها»(1).

وظاهر هاتين الروايتين شمول الحكم للمبتدأة والمضطربة، وكون السؤال في الأُولى عمّن حاضت أوّل حيضها لا يخصّص إطلاق الرواية الثانية، وحكي الإجماع(2)على العمل بمضمون الرواية الأُولى، وعن العلّامة أنّ الأصحاب تلقّوها بالقبول(3). وحكيت الشهرة على مضمون الثانية(4). ولا يقدح وجود ابن فضّال فيها؛ لأنّ الأصحاب شهدوا له بالوثاقة والصدق وعملت بأخباره.

هذا كلّه إن اتّفقن وعلم الاتّفاق، وإن اختلفن رجعت إلى الأغلب؛ لحصول الظّن بذلك، ولانصراف لفظ «نسائها» إلى الأغلب غالباً، وللجمع بين رواية «نسائها» وبين رواية «البعض» بحملها على الغالب.

ولا يجب تتّبع جميع النساء مع عدم العلم بالاختلاف، بل يكفي الرجوع إلى قدر يظنّ معه الاتّفاق غالباً؛ للزوم العسر والحرج، وللأمر بالرجوع إلى البعض في رواية زرارة(5)، ويصدّقن في إخبارهن.

وهل يجب عليهنّ الإخبار، أم لا؟ وجهان.

ويكفي الرجوع للأموات إن فقدت الأحياء، ومع وجود الأحياء لا عبرة بالأموات، ولا يضرّ اختلافها مع الأحياء؛ لظهور انصراف اللفظ إلى الأحياء مع وجودها.

وهل يقدّم الأقرب فالأقرب عند الاختلاف أو تقدّم نساء البلد على غيرهنّ؟ وجهان، أقربهما: عدمه؛ للأمر عند الاختلاف بالرجوع إلى غيرها.

نعم، في تقديم نساء البلد قوّة؛ الحصول الظنّ بها، وظهور انصراف اللفظ إليها.

فإن فقدت الأقارب أو كانت ولم تتمكّن من الرجوع إليها أو تمكّنت ولكن اضطرب حالها أو اختلفن في العادات، رجعت إلى عادة الأقران، ويقوى تخصيصها بنساء بلدها؛ لقرب المزاج،


1) وسائل الشيعة :2: 288 الباب 8 من أبواب الحيض، ح 1.

2) الخلاف 1 :234، المسألة 200.

3) منتهى المطلب 2: 302

4) كشف اللثام 76:1

5) راجع الهامش (1)

وهي التي في سنّها عرفاً بحيث لم يكن بينها وبينهنّ ما يزيد على السنة وما قاربها من شهر أو شهرين؛ لقاعدة الإمكان، خرج غيرها فيبقى الباقي . ولحصول الظنّ بها؛ لقرب المزاج واتّحاد الطبيعة غالباً.

ولمفهوم قوله(عليه السلام): «إنّ المرأة أوّل ما تحيض ربّما كانت كثيرة الدم فيكون حيضها عشرة أيّام، فلا تزال كلّما كبرت نقصت حتّى ترجع إلى ثلاثة أيّام»(1)فالمفهوم منه توزيع الأيّام على الأعمار.

ولشمول لفظ «نسائها» للأقران، ومقتضاه انضمامهنّ للأقارب أو التخيير بينهنّ، ولكن لمّا كان القول بهما ضعيفاً جدّاً والقول بالترتيب هو المعروف، لزم الاقتصار عليه.

ولما نُقل من بدليّة «أقرانها» لـ «أقرائها» - في رواية(2)زرارة - على(3)بعض النسخ.

ولما يظهر من بعضهم أنّه المشهور فتوىّ.

ومع ذلك ففي الجميع نظر؛ للمناقشة في إجراء قاعدة الإمكان في هذا المكان، ومنع حصول الظنّ، ومنع حجّيّته بهذا النحو، وبُعْد المفهوم عن إثبات هذا الحكم، ومنع شمول لفظ النساء؛ لتبادر الأقارب منها. ولو أُبقي على عمومه؛ لصدق الإضافة بأدنى ملابسة، للزم الرجوع لكلّ امرأة يصحّ أن يضاف إليها إمّا جمعاً أو تخييراً، وذلك لا نقول به، وإخراج ما انعقد الإجماع على خلافه وإبقاء الباقي يلزم منه كون الخارج أكثر من الداخل وهو متروك، على أنّ العموم يلزم منه دخول الأقران جمعاً أو تخييراً، لا ترتيباً؛ لعدم الدليل عليه. والاقتصار على مورد اليقين إنّما يكون في مدلول اللفظ والترتيب لا يقضي به الإطلاق، فلا يدلّ عليه اللفظ بوجهٍ، ونسخة الأقران غير ثابتةٍ بنقلٍ معتبر ، فلا تصلح دليلاً. وكذا نقل الشهرة، فلا بدّ من الاحتياط حينئذٍ.

فإن فقدت الأقران أو لم يمكنها الرجوع إليها أو اختلفن، رجعت إلى جعل حيضها في كلّ شهر سبعة؛ لمرسلة يونس، الدالّة على تحيّضها بالسبع (4).

والترديد في صدرها بين السبع والستّ لم يثبت أنّه من الإمام(عليه السلام)، فلعلّه من الراوي، ويؤيّده بُعد التخيير بين الأقلّ والأكثر .


1) وسائل الشيعة 2 294 ، الباب 10 من أبواب الحيض، ح 4.

2) تقدّم تخريجها في ص 331، الهامش (1).

3) في «ق»: «في» بدل «على».

4) وسائل الشيعة 2: 288 - 289، الباب 8 من أبواب الحيض، ح 3.

وهذه المرسلة قد تلقّاها الأصحاب بالقبول، وإرسالها عن غير واحدٍ، ومثله لا يُعدّ إرسالاً.

ونقل الشيخ الإجماع على مضمونها في المضطربة(1)، ومضمونها يوافق أغلب عادات النساء أيضاً، ونُقل على الإفتاء بمضمونها ونقلها الشهرةُ بل الإجماع(2)، وصحّح طريقَ الرواية إلى يونس بعضُ أصحابنا أيضاً، وذكر أنّ يونس ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه (3)، فبمجموع ذلك يحصل الظنّ بالاعتماد عليها والأخذ بها.

والأظهر وجوب جعل السبع في مبدأ الدم؛ لظهور ذلك من الأخبار، وللاحتياط، ولأنّها بعد التحيّض في الابتداء - لقاعدة الإمكان - لا معنى للعدول حينئذٍ وجعل ما تحيّضت به به طهراً وما تطهّرت به حيضاً. هذا كلّه في الشهر الأوّل.

وأمّا الشهور الباقية فيحتمل بقاء التخيير فيها؛ لإطلاق الأخبار، ويحتمل تعيين ما عيّنته من الوقت في الشهر الأوّل، حتّى احتمل بعضٌ (4)وجوبَ ذلك مع الحكم بالتخيير في باقي الشهور.

والظاهر أنّه على القول بالتخيير في باقي الشهور يتعيّن عليها ما عيّنته حيضاً من الأيّام، ولا يجوز لها العدول بعد ما جلست و تحيّضت.

وذهب جمع من أصحابنا(5)إلى التخيير بين الستّة والسبعة؛ عملاً بصدر الرواية.

وفيه: أنّ آخرها ناصٌّ على السبع ؛ لأنّ فيها وقول الصادق(عليه السلام): «وهذه سنّة التي استمرّ بها الدم أوّل ما تراه، أقصى وقتها سبع، وأقصى طهرها ثلاث وعشرون»(6)ومع ذلك فهو الأحوط والمتيقّن.

وذهب جمعٌ (7)آخَر إلى التخيير بين التحيّض بالستّ أو السبع في كلّ شهر، وبين التحيّض بثلاثة من شهر وعشرة من آخَر في جميع الأدوار؛ جمعاً بين المرسل المتقدّم، وبين الموثّق:« إذا رأت الدم في أوّل حيضها فاستمرّ الدم تركت الصلاة عشرة أيّام، ثمّ تصلّي عشرين يوماً،


1) الخلاف 234:1، المسألة 200.

2) ذكرى الشيعة 256:1.

3) من إفادات السيّد بحر العلوم المطبوعة في آخر الوجيزة للبهائي : 22؛ وانظر اختيار معرفة الرجال: 0556 ح 1050.

4) الشهيد الثاني في الروضة البهية 105:1.

5) منهم: العلّامة الحلّي في تحرير الأحكام 1: 99 الرقم 235؛ ونهاية الإحكام 1: 138.

6) وسائل الشيعة 2 :290 ، الباب 8 من أبواب الحيض، ح 3.

7) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف 234:1، المسألة 200.

فإن استمرّ بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيّام وصلّت سبعة وعشرين يوماً»(1)ونقل الإجماع على روايته(2)، ومثله غيره(3).

وفيهما - مع اختصاصهما في المبتدأة : أنّه لا دلالة فيهما على التحيّض بذلك في جميع الأدوار، بل العشرة في الدور الأوّل، والثلاثة في باقي الأدوار، وأنّ العشرة مقدّمة، والقول به شاذّ لم يُنسب إلّا إلى الإسكافي، كما يُنسب إليه القول بالثلاث مطلقاً(4).

وذهب جمع(5)إلى تحيّض المبتدأة بالتخيير ما بين الثلاث إلى العشرة؛ جمعاً بين الأخبار المتقدّمة، ومضمر سماعة: «فإن كانت نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيّام وأقلّه ثلاثة»(6)وبعض المعتبرة: عن المستحاضة كيف تصنع ؟ قال: «أقلّ الحيض ثلاثة وأكثره عشرة»(7).

وفيه: أنّ التخيير فرع المقاومة للمرسل المنجبر بالشهرة والإجماع المحكيّ، وليس فليس.

وقيل: إنّها تجعل عشرةً من شهرها حيضاً وعشرةً طهراً؛ لقاعدة الإمكان(8).

وقيل: عشرةً حيضاً وعشرين طهراً؛ لأنّ الشهر لا يكون فيه إلّا حيض واحد(9).

وقيل: إنّها تتحيّض بالثلاثة دائماً؛ اقتصاراً على مورد اليقين(10).

وقيل بالتخيير بين السبعة والثلاثة(11).

وقيل بالتخيير بينهما وبين العشرة(12).

والكلّ ضعيف لا يقاوم ما ذكرناه.


1) وسائل الشيعة 2 : 291 ، الباب 8 من أبواب الحيض ، ح 6.

2) الخلاف 234:1، المسألة 200.

3) وسائل الشيعة 2: 291 الباب 8 من أبواب الحيض، ح 5.

4) راجع مختلف الشيعة 202:1، المسألة 145

5) منهم: الصدوق في الفقيه 1 92 ذيل الحديث 198؛ والسيد المرتضى كما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 202:1، المسألة 145

6) وسائل الشيعة 2: 288، الباب 8 من أبواب الحيض، ح 2.

7) المصدر: 291، ح 4.

8) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 46:1 وابن زهرة في غنية النزوع 38:1

9) نقله المحقق الحلّي في المعتبر 209:1.

10) نقله ابن إدريس في السرائر 147:1.

11) قاله المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 209 - 210.

12) راجع قواعد الأحكام 1: 213.

الثاني والعشرون: فی بیان أحکام المضطربة التي لم تستقرّ لها عادة والمضطربة وقتاً المبتدأة عدداً وبالعكس

اشارة

المضطربة التي لم تستقرّ لها عادة أصلاً، والمضطربة التي كانت لها عادة فاضطربت بعدها حتّى صار لها الاضطراب سنّةً ودأباً، والمضطربة وقتاً المبتدئة عدداً وبالعكس، كلّها ترجع إلى التمييز؛ لعموم أدلّته، و إلّا فإلى نسائها، و إلّا فإلى الروايات، كما قدّمنا، وكذا الناسية لحالها من عادة أو اضطراب أو غيرهما.

فی بیان حکم المضطربة الناسية للوقت والعدد

وأمّا المضطربة الناسية للوقت والعدد، فالمشهور أنّها عند فقد التمييز ترجع إلى الروايات: إمّا السبع في كلّ شهر، أو الثلاث من شهر والعشرة في آخَر.

ونقل الشيخ على ذلك الإجماع(1)، وهو الأقرب للجمع بين الأخبار المتقدّمة بضميمة نقل الشهرة والإجماع.

وقيل: إنّ المضطربة بهذا المعنى ترجع إلى السبع لا غير(2)، كالمبتدأة.

وقيل: إلى الستّ(3).

وقيل: إنّها تترك الصلاة كلّما رأت الدم، وتصلّي كلّما رأت النقاء إلى أن ترجع إلى الصحّة(4).

وقيل : تفعل ذلك إلى شهر ، ثمّ تعمل عمل المستحاضة(5).

وقيل: ترجع إلى عادة نسائها، ثمّ التمييز، ثمّ إلى السبعة(6).

وقيل: ترجع إلى الثلاثة ثمّ العشرة(7).

وقيل بالعكس(8).

وقيل: إلى الثلاثة في كلّ شهر(9).


1) الخلاف 242:1، المسألة 211

2) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 1 :242 المسألة 211 وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 128؛ والعلامة الحلّي في تحرير الأحكام 1: 102 ، الرقم 239

3) قاله ابن فهد الحلّي في الموجز الحاوي (ضمن الرسائل العشر): 44.

4) قاله الشيخ الطوسي في النهاية 24 والاستبصار :1: 132، ذيل الحديث 454.

5) نسبه إلى رواية الشيخ الطوسي في النهاية: 24.

6) قاله الشيخ الطوسي في الجمل والعقود (ضمن الرسائل العشر): 164؛ وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : 128

7) قاله القاضي ابن البراج في المهذب 1: 35.

8) حكاه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 202 ، المسألة 145 عن ابن الجنيد.

9) نسبه ابن إدريس في السرائر 1: 147 و 149 إلى بعض الأصحاب.

وقيل: إلى عشرة طهر وعشرة حيض(1).

وقيل: تعمل بالاحتياط عمل المستحاضة، وتغتسل بعد الثلاثة لكلّ صلاة؛ لاحتمال الانقطاع(2).

الثالث والعشرون في بيان عمل النساء ذوات الدم ممّا تقدّم بيانه.

اعلم أنّ كلّ دم تراه المرأة ممّا يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض عند اجتماع شرائطه، ويستمرّ الحكم للعاشر، فإن انقطع كان الجميع حيضاً، وإن عاد بعد الانقطاع، فإن كان بعد مضيّ عشرة نقاء فكلٌّ منهما حيض مستقلّ. وإن عاد قبل مضيّ العشرة، فإن كانت ذات عادة حُكم على ما في العادة بالحيض، سواء ملأ العادة أو بعضها أو زاد عليها، فإنّه يُحكم بالحيض إلى حين الانقطاع ولو زاد الانقطاع على العادة.

هذا إن كانت وقتيّةً عدديّةً، وإن كانت وقتيّةٌ فقط، تحيّضت بما في الوقت إلى حين الانقطاع.

وإن كانت عدديّةً وكان الدم متساوياً في الوصف والعدد تخيّرت، ولا يبعد ترجيح السابق.

وإن اختلف الوصف، تحيّضت بالموصوف دون غيره، أو الأجمع، أو الأشدّ.

وإن اختلف العدد، تحيّضت بما يوافق العدد دون ما زاد على الأظهر.

ولو كانت مضطربةً أو مبتدأةً، تحيّضت برؤية الدم إلى حين الانقطاع.

هذا كلّه إن انقطع على العشرة فما دون وإن استمرّ حتّى تجاوز العشرة أو انقطع قبل العشرة فعاد قبلها فاستمرّ، فذات العادة الوقتيّة العدديّة ترجع إليها، وذات الوقتيّة ترجع إلى الوقت وتكمل الأوّل ما يُحكم به للمضطربة إن عيّنت الأوّل، أو تكمل الأخير من الأوّل إن عيّنت الأخير، أو تكمل الوسط من الطرفين إن عيّنت الوسط ولها التخيير إن عيّنت يوماً مّا، وذات العدديّة ترجع إلى العدد، وفي تعيين الوقت ترجع إلى الموصوف أو الأشدّ أو الأجمع، وإلّا فالتخيير، ولا يبعد ترجيح السابق.

ولا يعارض العادة تميّز مطلقاً، والعادة مقدّمة عليه، سواء أمكن الأخذ بهما معاً -كما إذا رأته في العادة ثمّ بعدها بعشرة رأته موصوفاً بوصف الحيض، فإنّ حيضها ما في العادة؛ لأنّ لكلّ شهرٍ حيضة، وكذا لو رأته في العادة ثمّ رأته بعدها موصوفاً وكان المجموع منها ومنه لم يزد


1) قاله ابن زهرة في غنية النزوع 38:1

2) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 51:1.

على عشرة، فإنّه يُحكم بحيضيّة ما في العادة فقط دون المجموع على الأظهر - أو لم يمكن الأخذ بهما، كما إذا رأته في العادة ثمّ رأته موصوفاً بعدها دون أقلّ الظهر وقد تجاوز معها العشرة، فإنّه يُحكم بحيضيّة ما في العادة أيضاً.

ولو اتّفق التمييز مع العادة العدديّة فلا كلام، ولو اختلفا أُخذ من الموصوف قدر العادة وتُرك الباقي وإن نقص عن العشرة على الأقوى، مع احتمال الأخذ بجميع الموصوف؛ جمعاً بین العادة والتمييز.

ولو اجتمع غير موصوف قدر العادة وموصوف أزيد منها أو أنقص، فالأقرب: تقديم الموصوف و تكميله بقدر العادة إن نقص، والاقتصار على مقدار العادة إن زاد وتجاوز العشرة.

وإن لم يتجاوز، فالأظهر أنّه كذلك، مع احتمال جعل مجموعه حيضاً، كما تقدّم.

وأمّا المبتدأة والمضطربة بجميع معانيها ما عدا الناسية، فإنّهما عند التجاوز ترجعان إلى التمييز، ثمّ إلى عادة نسائهنّ، ثمّ إلى رواية السبع(1)كما تقدّم.

وأمّا الناسية فترجع إلى التمييز، ثمّ إلى التخيير بين رواية السبع (2)في كلّ شهر وبين رواية الثلاث والعشر(3).

هذا إن نسيت الوقت والعدد بعد أن كانت لها عادة، وإن نسيت ما كانت عليه من عادة أو اضطراب أو غيرهما، فلا يبعد رجوعها بعد التمييز للنساء ثم إلى الروايات.

وإن نسيت الوقت فقط بعد أن كان لها وقت أو لم تدر تحيّضت بالعدد، وتخيّرت في وضعه حيث شاءت، والأظهر: ترجيح السابق.

هذا إن لم يكن مختلفاً بالوصف، و إلّا قدّمت الموصوف على غيره أو الأشدّ أو الأجمع، على الأظهر.

وفي رجوعها للأنساب والأقران في الوقت وجه لا يبعد البناء عليه سيّما في الثاني.

وإن نسيت الوقت وذكرت بعض العدد أضافت إلى العدد ما يكمل به العدد المخيّرة به من السبعة والثلاثة والعشرة بعد فقد التميّز. وفي الرجوع إلى الأنساب والأقران وجه، وترجع الوقت إلى ما بيّنّاه.


1) راجع الهامش ( 4 ) من ص 332.

2) راجع الهامش ( 4 ) من ص 332.

3) وسائل الشيعة 2: 291، الباب 8 من أبواب الحيض، ح 5.

وإن نسيت العدد فقط بعد أن كان لها عدد أو لم تدر بما كانت عليه، رجعت إلى التمييز، و إلّا فإلى الأنساب ثمّ الأقران في وجهٍ، ثمّ إلى التخيير بما في الروايات.

وأمّا بالنسبة إلى الوقت فإن كان المحفوظ أوّل الوقت أضافت إليه يومين من بعدُ، وإن كان آخره أضافت إليه كذلك من قبلُ، وإن كان وسطه أضافت إليه كذلك من الطرفين ورجعت فيما زاد إلى الوصف، ثمّ إلى التخيير بما في الروايات.

وإن عيّنت من الأوّل أو الوسط أو الآخر ما يساوي أقلّ الحيض أو يزيد عليه جعلته حيضاً ورجعت فيما زاد إلى حكم الناسية المتقدّم، مع احتمال تقديم أصل الحيض إلى عشرة، واحتمال الاقتصار على الثلاثة؛ لأصالة الطهارة. ولو عيّنت يوماً مّا خصّته للحيض ورجعت فيما زاد إلى حكم المضطربة الناسية.

ولو عادت الناسية للذكر، فإن ذكرت الجميع ووجدته موافقاً فلا كلام، وإن ذكرت شيئاً من أوصاف العادة ينافي الرجوع إلى أحكام المضطربة جمعت بينهما إن أمكنت، وإلّا قدّمت ما تقضي به العادة على الوصف والروايات، فلو ذكرت أنّ حيضها فوق السبع لغا الرجوع للسبعة وللثلاثة. وإن وجدته مخالفاً قضت ما يجب قضاؤه، وفي صحّة طلاقها إشكال، ولا يبعد الصحّة.

وإن ذكرت بعض الوقت فإن كان الأوّل أضافت إليه من بعدُ يومين، وإن كان الآخر أضافت إليه من قبلُ، وإن كان الوسط أضافت إليه من الطرفين. وإن كان يوماً مّا أضافت إليه من أيّ طرفٍ شاءت، والأقوى ترجيح الموصوف في الإضافة وترجيح الأسبق، وكانت فيما زاد بحكم المضطربة الناسية.

وإن لم تشخّص الوقت ولكن عيّنته في وقتٍ يزيد عليه، فإن ساوى العدد نصف الوقت أو أقلّ منه كانت بحكم المضطربة فتلحظ الوقت مع الإمكان، و إلّا تخيّرت، والأولى مراعاة الأوّل كما إذا كان العدد المحفوظ ثلاثةً في ضمن عشرة معيّنة.

وإن زاد العدد، كما لو ضيّعت ستّة فما فوق في ضمن عشرة معيّنة، أخذت ما تيقّنته أنّه حيض، وعملت في الباقي عمل المضطربة.

ولو علمت أنّها كانت تصل العشرة الأُولى بالوسطى بيومين، فالعاشر والحادي عشر حيض بيقين، وكذا لو علمت أنها توصل العشرة الوسطى بالأخيرة وهكذا، وترجع في الباقي

إلى عمل المضطربة من الرجوع إلى الوصف ثمّ إلى التخيير بين الروايات، وتتخيّر في التكميل بين الأوّل أو الآخر أو الطرف وإن كان تقديم السابق أولى.

الرابع والعشرون: للحائض أحكام

منها: أنّ التخيير في التحيّض في مقام التخيير بيدها، ولو امتنعت جبرها الحاكم، ولا يبعد أنّ لذي الحقّ جبرها من سيّد أو مولى.

ولو اختارت عدداً ، جاز لها العدول إلى غيره ما لم تتعدّاه ، والأحوط عدم ذلك بعد التلبّس بالعمل.

نعم، لا تلتزم بمجرّد النيّة.

ومنها: أنها لو عملت على مرتبة دنيا- كالرجوع إلى عادة نسائها - فظهرت مرتبة عليا كالوصف، أو عملت على الروايات فظهرت عادة نسائها، فإن كان في الأثناء ألغته وعملت على المرتبة العليا، وإن كان بعد الفراغ فوجهان، أحوطهما: العمل على الأقوى بعد ذلك، والأخذ بما يجتمع فيه كلٌّ من حكمي الطاهر والحائض.

ومنها: أنّها يحرم عليها الصلاة والصوم والطواف ومسّ كتابة القرآن؛ للأخبار(1)والإجماع.

وهل تتوقّف صحّة صومها على غسلها قبل الفجر بعد النقاء، أم لا؟ قولان، أقواهما: التوقّف.

ولا يصحّ طلاقها مع حضور الزوج أو حكمه بعد الدخول بها وعدم الحمل.

ويحرم عليها اللبث في المساجد ودخول المسجدين؛ لفتوى الأصحاب وأخبار الباب(2).

ويلحق بالمسجدين الحضرات المنوّرة على الأظهر.

ويحرم عليها وضع شيء في المسجد؛ لأنّها تقدر أن تضع ما في يدها في غيره. ولا يحرم عليها أخذ شيء منه؛ لأنّها لا تستطيع أن تأخذ ما فيه إلّا منه، كما هو مضمون الرواية(3)وكلام الأصحاب.


1) وسائل الشيعة 2 : 343 الباب 39 من أبواب الحيض، و 217 ، الباب 19 من أبواب الجنابة ، ح 7؛ سنن ابن ماجة 2 : 988 ، ح 2963 .

2) المصدر : 205 - 207 و 209 - 210 ، الباب 15 من أبواب الجنابة، ح 3، 10 و 17.

3) المصدر: 340، الباب 35 من أبواب الحيض، ح 1.

ويحرم عليها قراءة العزائم؛ للأخبار الدالّة على تحريم قراءة السجدة عليها(1)، وفتوى الأصحاب، ولا يراد بالسجدة في الأخبار نفسها قطعاً، بل إمّا الآية أو السورة، و لمّا كان المتعارف بالإطلاق والذي فهمه الأصحاب هو السورة كان التحريم متعلّقاً بها، ويتعلّق التحريم بالمختصّ منها وبالمشترك مع النيّة.

وأجاز بعضهم(2)للحائض دخول الحضرات بل اللبث فيهنّ؛ لعدم الدليل على حرمة ذلك، وقياسها على الجنب قياس لا نقول به على أنّ دليل الجنب هو ما ورد من النهي عن دخول الجنب بيوت الأنبياء حال الحياة(3)، ولم يرد في الحائض ذلك، بل سيرة النساء عند سؤال الأئمة(عليهم السلام)والدخول عليهم بخلاف ذلك. ولا يخلو من قوّة.

ومنها: أنّه يجب عليها السجدة إذا استمعتها؛ للأخبار(4)وكلام الأصحاب، ويلحق بها تلاوتها بطريق أولى؛ لأنّه سماع وزيادة خلافاً للشيخ حيث منع السجود عليها؛ لاشتراط الطهارة فيه(5).وهو ضعيف.

وهل تجب عليها عند السماع من دون الاستماع والإنصات، أم لا تجب؟ قولان، أقواهما: عدم الوجوب؛ للأصل، والإجماع المنقول(6)، وصحيحة ابن سنان: عن رجل سمع سجده ؟قال: «لا يسجد إلّا أن يكون منصتاً لقراءته مستمعاً لها، أو يصلّي بصلاته»(7)وموثّقة عمّار:«مَنْ سمع السجود قبل الغروب وبعد الفجر فلا يسجد»(8)فإنّ الواجب لا يجوز تركه للكراهية. ومعتبرة عبد الرحمن: الحائض هل تقرأ القرآن وتسجد إذا سمعت السجدة؟ قال: «تقرأ ولا تسجد»(9)والنهي بعد توهّم الوجوب ،للإباحة، وحملها على النهي عن قراءة السجدة بعيد.


1) وسائل الشيعة 2: 216 - 218 ، الباب 19 من أبواب الجنابة، ح 4، 7 و 11.

2) راجع مصابيح الظلام 4 :15

3) وسائل الشيعة 2: 211 ، الباب 16 من أبواب الجنابة، ح 1 و 2.

4) المصدر: 340 - 341، الباب 36 من أبواب الحيض، ح 1 - 3.

5) النهاية 25 الاستبصار :1 115، ذيل الحديث 385.

6) الخلاف 1: 431 المسألة 179

7) وسائل الشيعة 6 : 242، الباب 43 من أبواب قراءة القرآن، ح 1.

8) المصدر : 243، ح 2.

9) المصدر 2: 341 الباب 36 من أبواب الحيض، ح 4.

وقيل بالوجوب(1)، ونقل عليه الإجماع(2)، واستدلّ عليه بالأخبار الآمرة بالسجود على مَنْ سمع السجدة(3).

وفيه: أنّ الإجماع معارض بإجماعٍ أقوى منه، والأخبار مقيّدة بصورة الاستماع حملاً للمطلق على المقيّد إن كان السماع أعمّ من الاستماع، وإن كان بينهما مقابلة حملناها على الندب؛ لأنّه خير من طرحها بعد معارضتها بما هو أقوى منها.

ومنها: أنّه يحرم وطؤها قُبُلاً، إجماعاً وكتاباً(4)، وسنّةً(5). وتصدّق في قولها إذا لم تكن متّهمة؛ لما ورد من الحكم بتصديقهنّ(6).

وذات العادة يجب اجتنابها ما دامت في العادة والأحوط انتظارها للعشر؛ للاستصحاب، واحتمال الانقطاع والمبتدأة إلى تمام العشر والمضطربة إلى تمام ما تتحيّض به كما مرّ آنفاً، ولو لم تُعيّن حيضها في مقام التخيير جبرها الحاكم على التعيين، فإن لم يمكن احتمل جواز وطئها مطلقاً؛ للأصل، والاجتناب مطلقاً؛ للاحتياط. وتفويض أمر التعيين إليه والنقاء المعتاد لها بين الدمين حكمه حكم الدم على الأظهر.

ويجوز وطؤها بعد النقاء قبل الغسل شبقاً كان أم لا؛ للأصل، وعدم صدق الحائض عليها بعد ذلك لغةً وشرعاً، ووجوب الغسل تابع لحدث الحيض شرعاً لا للحيض نفسه، ولفتوى المشهور، والإجماع المنقول(7)، والأخبار كموثّقة عليّ بن يقطين: الحائض ترى الطهر فيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل ؟قال: «لا بأس، وبعد الغسل أحبّ إليَّ»(8)وفي آخَر: «إذا طهرت من الحيض ولم تمسّ الماء فلا يقع عليها زوجها حتّى تغتسل، فإن فعل ذلك فلا بأس به»(9). وقد يستدلّ عليه بقوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ(10)بقراءة التخفيف، حيث إنّ الطهارة بالمعنى


1) قاله ابن إدريس في السرائر 1: 226؛ والمحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 319

2) السرائر 226:1

3) راجع الهامش (4) من ص 340

4) البقرة (2): 222.

5) وسائل الشيعة 2: 317، الباب 24 من أبواب الحيض، ح 1 و 2.

6) المصدر : 358، الباب 47 من أبواب الحيض، ح 1.

7) الانتصار 128 المسألة :27 الخلاف 1 228 - 229، المسألة 196؛ غنية النزوع 39:1

8) وسائل الشيعة 2: 325، الباب 27 من أبواب الحيض، ح 5.

9) المصدر، ح 4.

10) البقرة (2): 222

الشرعي الذي هو رفع الحدث لم يثبت، والمعنى اللغوي شاهد لنا؛ لأنّه صالح لإرادة انقطاع الدم، ومفهوم الغاية يشعر بجوازه بعده. ويؤيّده ما ورد أن غسل الحيض سنّة لا فريضة(1). ولا ينافيه قراءة التشديد؛ لمجيء «فعّل» بمعنى «فعل»، وكونه صالحاً لإرادة التنظيف عن النجاسة وغَسْل الفرج- كما أفتى به جمع(2)و دلّ عليه الخبر فيمن انقطع عنها حيضها وأصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها ثمّ يمسّها(3)، ويساعده مفهوم قوله تعالى: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ(4)- لا يعيّن جوب غَسْل الفرج والتنظيف كما أفتى به جمع عيناً(5)، وجمع آخَر تخييراً بينه وبين الغسل(6)للأصل، وخلوّ الأخبار البيانيّة في مقام الحاجة عنه، فلتُحمل الآية والرواية على الندب، أو على أنّ «تطهّر» بمعنى «طهر»، أو على أنّ مفهوم الشرط نفي الإباحة وهو حاصل مع الكراهة.

وما ورد في بعض الأخبار من المنع عن وطئها -كموثّقة أبي بصير، الناهية عن وطئها حتّى تغتسل(7)، وموثّقة عبد الرحمن(8)وموثّقة سعيد(9)وغيرها - محمول على التقيّة أو الكراهة جمعاً؛ لعدم القائل بمضمونها ممّن يعتدّ به.

والأحوط عدم الإتيان إليها قبل الغسل، إلّا أن يكون شبقاً فيأمرها بغَسْل فرجها؛ لفتوى الصدوق(10)، وأن لا يؤتى إليها مطلقاً إلّا بعد غسل فرجها؛ لفتوى جمع بذلك(11).

ومنها: أنّه يجوز الاستمتاع بها في غير القُبُل ولو في الدُّبُر؛ للأصل، وفتوى المشهور، وظاهر قوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ(12)بإرادة اسم المكان دون المصدر


1) وسائل الشيعة 2 176 ، الباب 1 من أبواب الجنابة، ح 11.

2) منهم: المفيد في المقنعة: 56؛ والطوسي في الخلاف 1: 228 المسألة 196: والمبسوط 1 44 ؛وابن زهرة في غنية النزوع 1: 39.

3) وسائل الشيعة 2: 324 الباب 27 من أبواب الحيض، ح 1.

4) البقرة (2): 222.

5) راجع الهامش (2)

6) راجع التبيان 2 : 221 و مجمع البيان 1 - 2 : 318؛ وفقه القرآن الراوندي 1: 55

7) وسائل الشيعة 2 :326 الباب 27 من أبواب الحيض، ح 6.

8) المصدر : 313 الباب 21 من أبواب الحيض، ح 3.

9) المصدر : 326، الباب 27 من أبواب الحيض، ح 7.

10) الفقيه 1: 95

11) راجع الهامش (2)

12) البقرة (2) :222

واسم الزمان؛ لافتقارهما إلى تكلّفٍ، وقوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (1)وعمومات الأدلّة المجوّزة لمباشرة النساء والمجوّزة للوطء في الدُّبُر(2).

ولقوله(عليه السلام)- في الموثّق -: «إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتّقى موضع الدم»(3).

وقوله - في الصحيح : ما للرجل من الحائض؟ قال: «ما بين إليتيها ولا يوقب»(4)، والنهي عن الإيقاب للكراهة؛ إذ لا مفصّل بالمنع بين الإيقاب وغيره من أنواع الاستمتاع، أو محمول على الوطء من القُبُل.

وقوله(عليه السلام)بعد قوله: ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ قال: «كلّ شيء ما عدا القُبثل بعينه»(5).

والضعيف من هذه الأخبار مجبور بفتوى المشهور.

وذهب المرتضى إلى تحريم الاستمتاع بها إلّا بما فوق المئزر، ومنع من الاستمتاع بها ما بين السرّة والركبة (6)استناداً لقوله تعالى :فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ(7)وقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ(8).

وللصحيح: في الحائض ما يحلّ لزوجها؟ قال: «تتّزر بإزار إلى الركبتين وتخرج سرّتها ثمّ له ما فوق الإزار»(9).

وفي آخَر: «تلبس درعاً ثمّ تضطجع معه»(10).

وفي آخّر: ما يحلّ من الطامث؟ قال: «لا شيء حتّى تطهر»(11).

والكلّ ضعيف؛ لظهور إرادة المكان من لفظ المحيض دون المصدريّة والزمان، وظهور المقاربة في النكاح؛ ولأنّه لا يراد بها المعنى الحقيقي إجماعاً، فيتعيّن حمله على أقرب المجازات


1) البقرة (2): 223

2) وسائل الشيعة 20: 145 الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه.

3) المصدر 2: 322، الباب 25 من أبواب الحيض، ح 5.

4) المصدر. ح 8.

5) المصدر: 321، ح 1.

6) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 224:1.

7) البقرة (2): 222

8) البقرة (2): 222

9) وسائل الشيعة 2: 323، الباب 26 من أبواب الحيض، ح 1.

10) المصدر: 324، ح 3.

11) المصدر : 320، الباب 24 من أبواب الحيض، ح 12.

وأشهرها؛ ولأنّه يلزم من إرادة العموم وخرج منه ما خرج وبقي الباقي كون الخارج أكثر من الداخل، وهو متروك، والمجاز خير منه، ولمعارضة الأخبار بما هو أقوى منها سنداً وعدداً وبُعْداً عن فتوى العامّة وعمومات الأدلّة، فلا بدّ من حملها على الكراهة.

ومنها: أنّ مَنْ وطأ الحائض عُزّر بما يراه الحاكم وقيل عليه ثُمْن حدّ الزاني(1). والأوّل أقوى.

ولو وطأها جهلاً أو نسياناً، فلا شيء عليه.

ولو وطأها فعلم في أثناء الوطء، وجب عليه الانتزاع، ويصدّقها في دعواها ما لم تكن متّهمةً أو مؤوفة العقل.

وقد ورد: «أنّ العدّة والحيض للنساء إذا ادّعت صُدّقت»(2)وورد: «أنّ امرأة ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاث مرّات، فأمر علىّ أن يسألوا نسوة من بطانتها أنّ حيضها كان فيما مضى كذلك، فإن شهدن صدقت و إلّا فلا »(3)والجمع بينهما بالاتّهام وعدمه.

ومنها: أنّه يجب على الواطئ الكفّارة مع العلم بالحيض والتحريم، وفاقاً لمشهور المتقدّمين، ونقل عليه الإجماع(4)، ودلّ عليه ظاهر جملة من الأخبار(5).

وذهب أكثر المتأخّرين(6)إلى الاستحباب؛ للأصل، ولاختلاف الأخبار فيها المؤذن بالاستحباب.

وللأخبار النافية لها- كقوله -في الصحيح -: عمّن واقع امرأته وهي طامث: عليه كفّارة؟ قال: «لا أعلم فيه شيئاً يستغفر الله تعالى»(7)وفي آخر: «ليس عليه شيء يستغفر الله تعالى»(8)۔ المؤيّدة بفتوى مشهور المتأخّرين والموافقة للعمومات.

وهو قويّ جمعاً بين الأخبار، وهو أولى من الجمع بحمل المثبتة على العالم والنافية على غيره؛ لشذوذ القول به، إلّا أنّ الأوّل أحوط.


1) كما في جامع المقاصد 1: 320.

2) وسائل الشيعة 2: 358 الباب 47 من أبواب الحيض، ح 1.

3) المصدر، ح 3.

4) الانتصار: 126 - 127، المسألة 26 :الخلاف 1 :225 - 226 ، المسألة 194؛ غنية النزوع 1: 39.

5) منها ما يأتي تخريجه في الهامش (6).

6) منهم المحقق في المعتبر :1 231؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 186 - 187 ، المسألة 131؛ والمحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 321؛ والشهيد الثاني في روض الجنان :1: 212 والعاملي في مدارك الأحكام 1: 353

7) وسائل الشيعة 2: 329، الباب 29 من أبواب الحيض، ح 1.

8) المصدر، ح 2.

وقدرها دينار في أوّله، ونصف في وسطه، وربع في آخره، و مَنْ لم يجد تصدّق على مسكين واحد، و إلّا استغفر الله ، كما دلّت عليه رواية داوُد بن فرقد (1)، وأفتى به المشهور، ونقل عليه الإجماع فيما عدا الأمّة(2).

فما ورد من التصدّق بشبعة مسكين(3)- وأفتى به الصدوق(4)- ضعيف؛ أو محمول على ما إذا كان القدر من قيمته قدر أحد المقادير المتقدّمة.

وكذا ما ورد من التصدّق بنصف دينار(5)، وما ورد من التصدّق بدينار(6)، متروك، أو محمول على وسطه في الأوّل، وأوّله في الثاني.

وكذا ما ورد فيمن أتى جاريته من التصدّق على عشرة مساكين(7)، إمّا مطّرح أو مخصوص في الجارية، أو محمول على بلوغها أحد المقادير وقت السؤال.

وعلى القول بالاستحباب فالتخيير بين هذه المقادير غير بعيد عن مذاق الأصحاب.

ويراد بالأوّل والوسط والأخير هو تقسيم الحيض أثلاثاً، والعمل على كلّ قسمٍ بما وُظّف كما فهمه الأصحاب، والظاهر من لفظ الرواية ذلك، ويُعرف هذا التقسيم عند الفراغ منه. وقد تعرفه ذات العادّة.

ولا يراد بالوسط هو ما بين اثنين مطلقاً، فالستّة أوّلها الأوّل و آخرها الأخير ووسطها الأربع؛ لأنّه خلاف فهم الأصحاب، وظاهر رواية الباب.

ولا يراد بالأوّل والآخر والوسط بنسبة أكثر الحيض، فالثلاثة لا وسط لها ولا آخر، والستّة لا آخر لها، والسبعة فما فوق لها أوّل ووسط وآخر، كما فهمه الراوندي(8)لشذوذه و بُعْده عن ظاهر الرواية.


1) وسائل الشيعة 2: 327، الباب 28 من أبواب الحيض، ح 1.

2) ریاض المسائل 300:1

3) وسائل الشيعة 2: 328، الباب 28 من أبواب الحيض، ح 5.

4) المقنع: 51.

5) وسائل الشيعة 2: 327 - 328، الباب 28 من أبواب الحيض، ح 4.

6) المصدر: 327، ح 3.

7) المصدر: 327، ح 2.

8) فقه القرآن 1: 54.

وما عن سلّار أنّ الوسط ما بين الخمس والسبع(1)، فمن كانت عادتها خمسة لا وسط لها، شاذّ لا يُلتفت إليه.

ولا يتفاوت الحال في ترتّب الكفّارة بين الدائمة والمتمتّع بها والمزنيّ بها والموطوءة شبهةً والمملوكة؛ لإطلاق الأخبار وكلام الأخيار.

ومنع بعضهم (2)منها في الأجنبيّة؛ لغلظ الذنب فلا تكفّر العظيم. وهو بعيد.

وذهب جمع من الأصحاب(3)، ونُسب(4)للمشهور، ونُقل عليه الإجماع(5): أنّ الأمة غير الحرّة، وأنّ الواجب التصدّق بثلاثة أمداد تُفرَّق على ثلاث مساكين، ولم نر عليه دليلاً من الأخبار، فالقول به متّجه، إلّا أنّ الأقوى المساواة مع الحرّة، أخذاً بالإطلاق.

وما دلّ من التصدّق على عشرة مساكين(6)، لم نرَ عاملاً به.

والمراد بالدينار هو الذهب الصنمي المسكوك، وأمّا نصفه وربعه، فإن كانا مسكوكين فلا كلام، و إلّا أجزأت عنهما القيمة قطعاً.

وفي إجزاء القيمة عن المسكوك وعدمه وجهان ، أقواهما: الإجزاء؛ لأنّ المفهوم من الأخبار ومن تقدير النصف والربع أنّ المراد إيصال قدر ذلك لا عينه، وللزوم المشقّة غالباً، ولعدم تيسّر توزيعه على الفقراء غالباً أيضاً.

نعم ، لا يبعد الاقتصار على قيمته من النقدين المسكوكين ذهباً أو فضّةً ؛ لأنّه المتيقّن من القيمة.

وفي إجزاء غير المسكوك أو غير النقدين إشكال والاقتصار على عشرة دراهم في القيمة لا وجه له؛ لأنّ القيمة قد تزيد وقد تنقص.

ومصرف هذه الصدقة مصرف سائر الصدقات، ويقوى الاقتصار فيها على الفقراء والمساكين؛


1) المراسم: 44.

2) العلّامة الحلّي في نهاية الإحكام 1: 122

3) منهم: المفيد في المقنعة: 569؛ والسيد المرتضى في الانتصار: 364، المسألة 204؛ والطوسي في النهاية: 571 - 572؛ والقاضي ابن البراج في المهذّب :2 423 وابن إدريس في السرائر 3: 76.

4) لم نعثر فيما بين أيدينا من المصادر على الناسب له.

5) الانتصار: 364، المسألة 204.

6) راجع الهامش (7) من ص 345.

لأنّه هو الظاهر من التصدّق في الأخبار(1)، و للتصريح بالمسكين في جملةٍ من الأخبار(2)، ولأنّهما المتيقّن.

والظاهر ترتّب الكفّارة على العامد فقط دون غيره؛ لظاهر اتّفاق الأصحاب، وللإجماع المنقول(3)، وللأصل السالم عن المعارض من إطلاقات الأخبار؛ لانصرافها إلى العامد.

ولقوله(عليه السلام)في خبر أبي بصير: عن وقوع الرجل على الطامث خطأً؟ قال: «ليس عليه شيء، وقد عصى ربّه»(4).

وظاهر الرواية وإطلاق كلام الأصحاب شمول ذلك للجاهل بالحكم بقرينة «وقد عصى ربّه» في الرواية، وظاهر الكفّارة ترتّبها على الآثم، والجاهل معذور سيّما لو لم يتفطّن للسؤال. والقياس على كفّارات الحجّ قياس مع الفارق، و نُقل الإجماع(5)على عدم الكفّارة على الجاهل أيضاً ، فالقول بعدم الكفّارة عليه هو الوجه.

والعاجز عن الكفّارة تسقط عنه وجوباً واستحباباً، ولا يعيدها عند القدرة لو تمكّن على الظاهر. ولا يبعد أنّ الاستغفار ينوب منابها، ولو لم يستغفر بقيت في ذمّته. ولو قدر على البعض فلا يبعد الوجوب؛ لتنزيل الأمر بالكلّ منزلة أوامر متعدّدة، ولعموم «ما لا يدرك لا يترك»(6)و «لا يسقط الميسور بالمعسور»(7).

ولو تكرّر الوطء تكرّرت الكفّارة؛ لأصالة عدم التداخل، سواء تكرّرت في الزمن الأوّل أو الوسط أو الآخر، أو تكرّرت في جميع الأزمان، فإنّ كلّاً من المكرّر يأخذ حكمه.

ولا فرق بين وقوع التكفير في الأثناء وعدمه، وإن كان في الأوّل أظهر، ولا بين مضيّ زمان كثير ، وعدمه ولا بين تغاير الأزمنة وعدمه.

و دعوى تداخل الأسباب هنا فيكفي فيها مسبّب واحد عرفاً، كأوامر الوضوء وغسل الجنابة، بعيد عن ظاهر الخطاب، ولولا الدليل لما كان إلى القول بالاتّحاد هناك سبيل.


1) وسائل الشيعة 2 327، الباب 28 من أبواب الحيض.

2) المصدر: 327 - 328، ج 1، 2 و 5.

3) الخلاف 1: 225 - 226، المسألة 194.

4) وسائل الشيعة 2: 329، الباب 29 من أبواب الحيض، ح 3.

5) الخلاف 1 :225 - 226 ، المسألة 194.

6) تقدم تخريجه في ص 208 الهامش (7).

7) تقدم تخريجه في ص 208، الهامش (6).

والظاهر ثبوت الكفّارة على الاستدامة كالابتداء فيما لو علم بالحيض في الأثناء ولم ينزع.

ولا تجب الكفّارة على الموطوءة لا ابتداءً ولا استدامةً.

ومنها: أنّها لا تقضي ما فاتها من صلاة حال الحيض؛ إجماعاً وسنّةً(1)، وتقضي الصوم الفائت منها ولو طرأ الحيض في ذلك اليوم لحظةً قبل الغروب؛ لفساد ذلك الجزء إجماعاً، والصوم لا يتبعّض في يومٍ واحد.

نعم، تقضى الصلاة لو تمكّنت من فعلها بعد دخول الوقت تامّة الأجزاء جامعة الشرائط ولم تفعل حتّى حاضت للأخبار المتكثّرة الدالّة على أنّ مَنْ دخل عليها وقت الصلاة وهي طاهر فأخّرت صلاتها حتّى حاضت وجبت عليها الصلاة قضاءً(2)، ولصدق الفوت عليها فيشمله حينئذٍ عموم «مَنْ فاتته»(3).

وظاهر النصّ والفتوى أنّ المدار على التمكّن من فعلها جامعةً مانعةً و لمّا تفعل، فإن تمكّنت منها ومن الطهارة ومن باقي الشرائط حال كونها غير محرزة لها وجب عليها، أو تمكّنت منها وحدها وكانت قبل الوقت محرزةً لجميع الشرائط، أو تمكّنت منها ومن الطهارة وكانت محرزةً لغيرها غير محرزة لها وجب عليها القضاء.

وإن لم تتمكّن منها وحدها، أو منها ومن باقي شرائطها الغير المحرزة طهارةً أو غيرها لم يجب القضاء؛ للأصل وظاهر بعض الأخبار(4)وفتوى المشهور من الأخيار.

وما اشتهر بين الفقهاء أنّ مَنْ مضى عليها من الوقت بقدر الصلاة والطهارة ولم تفعل وجب عليها القضاء دون مَنْ لم تكن كذلك، محمول على الغالب من إحراز باقي الشرائط قبل دخول الوقت فلا يفتقر إلى نصٍّ للإدخال، وعلى الغالب من عدم إحراز الطهارة قبله فلا يفتقر إلى نصٍّ للإخراج.

واحتمال أنّ للطهارة خصوصيّةً في سقوط القضاء عند عدم التمكّن منها؛ لعدم صحّة الصلاة بدونها مطلقاً، دون باقي الشرائط فإنّها تصحّ بفقدها عند الاضطرار، بعيد كلّ البُعْد؛ لعدم الفرق


1) وسائل الشيعة 2: 346، الباب 41 من أبواب الحيض.

2) المصدر : 359 - 360، الباب 48 من أبواب الحيض، ح 1، 2، 4 و 5.

3) عوالي اللآلي 107:3، ح 150

4) وسائل الشيعة 2 : 360 الباب 48 من أبواب الحيض، ح 3.

بين الطهارة وغيرها في ابتداء الخطاب عند عدم سعة الوقت لها، وإن افترقت بعد ذلك في أنّ مَنْ لم يتمكّن من الطهارة يسقط عنه الفرض ، ومَنْ لم يتمكّن من غيرها لم يسقط عنه.

وبهذا يظهر أن مَنْ تمكّن من التيمّم والصلاة في أوّل الوقت وضاق عليه الوقت عن الطهارة المائيّة لا يجب عليه القضاء؛ لعدم اعتبار التيمّم في الضيق من أوّل الوقت؛ لأنّه بدل اضطراريّ بعد تعلّق الخطاب بالصلاة وعدم التمكّن من الماء، وتعلّق الخطاب هاهنا مشكوك فيه؛ لتوقّفه على مضيّ زمان يسع الفعل ومقدّماته الاختياريّة، وليس فليس.

وظهر ممّا ذكرنا أنّ الفعل يختلف باختلاف الأشخاص سرعةً و بُطْاً، و قرباً من المقدّمات وبُعْداً، وانطلاقاً للسان وثقلاً، وغير ذلك.

نعم، لا يعتبر المندوب بعد سعة الوقت للقدر الواجب، بل يتقدّر بأقلّ المجزئ حتّى أنّه في مقام التخيير يعتبر السعة لفعل القصر لا التمام على الأظهر.

ولا يتفاوت الترك الموجب للقضاء بين كونه عمداً أو خطأً أو نسياناً، ولا خصوصيّة للتفريط وإن اشتهر تعليق الحكم على المفرّط؛ لتنزيل كلامهم على إرادة وقوع ذلك عمداً، لكونه هو الغالب، وإطلاق التفريط عليه غير عزيزٍ.

وما حكي عن المرتضى من الاكتفاء بإدراك قدر أكثر الصلاة في وجوب القضاء(1)، ضعيف، تردّه ظواهر الأخبار وكلمات الأصحاب.

وتقضي الصلاة أيضاً لو تمكّنت بعد النقاء من إدراك ركعةٍ تامّة، وتتمّ بحصول مسمّى السجدتين دون الرفع؛ لأنّه من مقدّمات القيام أو القعود، ولا يكفي فيها مجرّد الركوع لإطلاق الركعة عليه؛ لبُعْده عن ظواهر الأخبار في مقام الشكّ في الركعات وشبهه، وعن كلمات الأصحاب، فالظاهر أن الركعة حقيقة شرعيّة في التامّة، لا ينصرف الإطلاق إلى غيرها، فيُحمل عليها ما ورد أنّ مَنْ أدرك ركعة فكأنّما أدرك الوقت كلّه(2)، المعتضد بفتوى الأصحاب والأخبار(3)الخاصّة المتكثّرة في الباب، فالحكم لا إشكال فيه في الجملة.

إنّما الكلام في أنّ مدركة الركعة هل يجب عليها البدار إليها أم لا؟ والظاهر الأوّل، وأنّها


1) جُمل العلم والعمل: 73.

2) راجع وسائل الشيعة 4: 218، الباب 30 من أبواب المواقيت، ح 4؛ صحيح مسلم 1: 423، ح 607.

3) المصدر 2: 361، الباب 49 من أبواب الحيض.

هل تكون قضاء عند فعلها؛ لصيرورتها أجمع من غير وقتها، أو أداءً؛ لأنّ ظاهر الأخبار أنّ ذلك توقيت لها، أو ملفّقة؟ أقوال، أجودها الوسط.

وبعد البناء أن نيّة القضاء والأداء غير محتاج إليها، وأنّها تقدّم على الفائتة لو كانت قلّت ثمرة البحث عن ذلك.

وهل يتوقّف إدراك الركعة التامّة بحسب حال المكلّف - من سرعة و بُطْأً و خفّة و ثقل - على إدراك سورة مع الحمد على القول بوجوبها، وعلى إحراز الطهارة المائيّة لمن لم يكن متطهّراً، وعلى إحراز باقي الشرائط - من استقبال ولباس وغيرهما - لمن لم يكن محرزاً لها، أم لا يتوقّف على شيءٍ من ذلك؟ وجهان.

والأقوى توقّفها على السورة والطهارة المائيّة دون باقي الشرائط؛ لأنّ السورة من أجزاء الصلاة، وجواز تركها اضطراراً بعد تعلّق التكليف ذلك حكمٌ آخَر، ولأنّ الطهارة المائيّة من الشرائط وبفقدها يفقد المشروط وهو الركعة، وقيام التيمّم مقامه في هذا المقام لم يقم عليه دليل وإن صحّ في مقام الضيق بعد تعلّق التكليف.

وأمّا غيرها من الشرائط وإن قضت القاعدة بإجرائها مجرى الطهارة إلّا أنّ المفهوم من الأخبار وكلام الأصحاب أنّ للطهارة خصوصيّةً على باقي الشرائط، و أنّ ابتداء الخطاب عند الضيق إلّا عن ركعةٍ مطلق بالنسبة إلى سائر الشرائط، ومشروط بالنسبة إلى الطهارة، فمن أدرك ركعةً متطهّراً ولم يتمكّن من باقي الشرائط صلّى مهما أمكن، ومَنْ أدركها غير متطهّرٍ سقط عنه وجوبها.

وعلى ما ذكرنا فمن أدرك ركعتين غير متطهّرٍ تطهّر واكتفى بإدراك ركعةٍ، و مَنْ أدرك ركعتين متطهّراً إلّا أنّه فاقد لباقي الشرائط أتى بالركعتين واكتفى بالميسور من الشرائط، ومدركة الخمس قبل الغروب تأتي بالظهرين، ومدركة الخمس في العشاءين تأتي بهما، ومدركة الأربع تخصّ بها العشاء، ومدركة الأربع قبل المغرب تخصّ بها العصر، فإدراك الركعة كإدراك الفرض يجري عليها حكم إدراك الفرض مع الطهارة فعلاً وتركاً.

ويشملها قوله(عليه السلام)في حسنة عبيد بن زرارة: «فإن رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت الصلاة ودخل وقت صلاة أُخرى فليس عليها قضاء»(1).


1) وسائل الشيعة 2: 361، الباب 49 من أبواب الحيض، ح 1.

وخبر الحلبي: عن المرأة تقوم في وقت الصلاة فلا تقضي ظهرها حتّى تفوتها الصلاة ويخرج الوقت، أتقضي الصلاة التي فاتتها؟ قال: «إن كانت توانت قضتها، وإن كانت دائبة في غسلها فلا تقضي»(1).

وخبر ابن مسلم: عن المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتّى يدخل وقت العصر ؟ قال: «تصلّي العصر وحدها، فإن ضيعت فعليها صلاتان»(2).

وفي خبر منصور: «إذا طهرت الحائض قبل العصر صلّت الظهر والعصر، فإن طهرت في آخر وقت العصر صلّت العصر»(3).

وفي خبر الكناني : «إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلّت المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلّت الظهر والعصر»(4).

ويمكن استخراج أكثر ما قدّمنا من الأحكام من هذه الأخبار.

ومنها : أنّه يجب على الحائض الغسل - إجماعاً - عن حدثها الأكبر، وكيفيّته ككيفيّة غسل الجنابة.

ويجب عليها الوضوء لرفع الأصغر على الأظهر؛ للأخبار(5)والاحتياط ومشهور الأصحاب وعموم دليل الوضوء، فالمعارض مطّرح أو مؤوّل بإرادة تماميّة الغسل بدون الوضوء، وحصول تأثيره من رفع الأكبر، لا كفاية الغسل عنه في إباحة الدخول في الصلاة.

ويجوز الوضوء قبل الغسل وبعده، إلّا أنّ الأحوط القبليّة؛ لمرسل ابن أبي عمير: «كلّ غسل قبله وضوء إلّا غسل الجنابة»(6)وفتوى بعض الأصحاب(7)بوجوبه.

ومنها: أنّه ينبغي للمضطربة الناسية للوقت والعدد مطلقاً، وللمضطربة التي لم تستقرّ لها عادة عند فقد التمييز الردّ إلى أسوأ الاحتمالات احتياطاً، فيُمنع الزوج والمالك من وطئها، ولو فعل كلّ يوم أو ليلة كفّر الثلاث المتقدّمة.


1) وسائل الشيعة 2: 364، الباب 49 من أبواب الحيض، ح 8.

2) المصدر : ح 5.

3) المصدر. ح 6.

4) المصدر، ح7 .

5) المصدر : 248، الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 1 و 2.

6) المصدر، ح 1.

7) كالصدوق في الفقيه 1: 81؛ والهداية: 92؛ وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه 134 وابن زهرة في غنية النزوع 1: 62.

ولا تُطلّق إلّا في أوّل يوم وأوّل الحادي عشر. ولا تنقضي عدّتها إلّا بعد مضيّ ثلاثة أشهر. ولا يراجعها زوجها إلّا قبل تسع وثلاثين يوماً.

ولا تفعل ما يحرم على الحائض ممّا لا يجب فعله، ولا تترك ما يجب على الطاهر فعله، كالصلاة والصوم وقضاء صوم أحد عشر منه أو أحد وعشرين، وصوم يوم وحادي عشرة قضاء عن يوم، وثانيه وثاني عشرة، وغير ذلك من الأحوال التي ينبغي الاحتياط فيها.

القول في الاستحاضة

اشارة

وهي دم في الأغلب أصفر بارد رقيق يخرج بفتور من عرق يُسمّى العاذل.

ويدلّ على الوصفين الأوّلين: الأخبار(1)وكلام الأصحاب.

وعلى الرقّة: رواية عليّ بن يقطين(2)، ويشعر بها وصف الحيض بالعبيطيّة(3)

وعلى كونه يخرج بفتور: وصف الحيض بالدفق.

وفي بعض الأخبار وصفه بالفساد(4)، ومعرفته موكولة للنساء.

وكلّ دم تراه المرأة أقلّ من ثلاثة ولم يكن من جرح أو قرح أو عذرة أو نفاس، فهو استحاضة؛ لأنّه أصل للدماء بعد انتفاء الحيض.

وكذا ما تراه بعد سنّ اليأس، أو قبل التسع، أو في الحمل على وجهٍ، أو بعد النفاس قبل مضى أقلّ الطهر، بناءً على اشتراط تخلّل أقلّ الطهر بين النفاس والحيض، أو قبل النفاس قبل تخلّل أقلّ الطهر بينه وبين النفاس، بناءً على اشتراط تخلّل أقلّ الطهر بين الحيض المتقدّم والنفاس، إمّا مع وقوعه لنفسه أو مطلقاً ولو مع فعل فاعل.

وكذا ما تراه بعد العادة إذا كان فيها الدم -سواء كان من أيّام الاستظهار أو غيرها - إذا تجاوز مع العادة العشرة مستمرّاً.

وكذا ما تراه بعد العشرة لذات العادة إذا ملأ الدم العادة وتجاوزها إلى العاشر ثمّ انقطع على العاشر.


1) وسائل الشيعة 2: 275 - 276 ، الباب 3 من أبواب الحيض، ح 1 - 3.

2) المصدر : 387 - 388 الباب 3 من أبواب النفاس. ح 16.

3) المصدر : 387 - 388 الباب 3 من أبواب النفاس. ح 16.

4) المصدر : 275 - 276، الباب 3 من أبواب الحيض، ح 3.

وكذا ما تراه المضطربة والمبتدأة عند تجاوز العشرة مستمراً فاقد التمييز مع حصول الوصف بغيره، وما تراه عند عدم التمييز زائداً على عادة النساء، وما تراه الناسية عند فقد التمييز زائداً على ما في الروايات، وما تراه تلك بعد دم ليس بينه وبين ذلك الدم قدر عشرة وقد انقطع الأوّل على ما دون العشرة وكان الأوّل هو الجامع للوصف أو الموافق للروايات دون الثاني، إلى غير ذلك.

والصفرة ونحوها في أيّام الحيض حيض، كما دلّت على ذلك الأخبار(1). والسواد والحمرة في أيّام الاستحاضة استحاضة، واعتبار الوصف أغلبيّ لا دائميّ.

نعم، يعتمد عليه عند الاشتباه وفَقد مرجّح غيره من عادة أو شبهها.

وها هنا أُمور:

أحدها: بیان أقسام الاستحاضة

ثلاثة أقسام: قليلة ومتوسّطة وكثيرة. ولكلّ واحدة أحكام خاصّة.

ويجب على المستحاضة اختبار نفسها؛ لظاهر الأمر به في الأخبار(2)، ولأنّه طريق إلى العلم بالتكليف الخاصّ بعد تعلّقه إجمالاً، والركون إلى أصل القلّة إلى حالة العلم بغيرها بعيد عن كلام الأصحاب وأخبار الباب.

والظاهر بطلان عباداتها مع ترك الاستخبار حتّى لو أتت بجميع محتملات أقسامها الثلاثة.

نعم، لو لم تتمكّن من الاختبار ولو مع بذل ثمن لا يضرّ بالحال، احتُمل رجوعها لحكم القلّة؛ لأنّه الأصل، ولحكم الكثرة؛ للاحتياط، وللجمع بين أحكام الأقسام الثلاثة. والأوّل أقوى، والأخير أحوط.

وينبغي في طريق الاختبار أن تضع قطنة أو ما شابهها رخوة يظهر عليها وصف الدم، مالئة للفرج، متساوية الأطراف على نحو الوضع المعهود للنساء في الموضع المعهود لهنّ، وتبقى مقدار ما يعهد لهنّ بقاؤها من الزمان، ولا يبعد أنّ آخره ومبدأه من وقت صلاة إلى وقت صلاة أُخرى، فإن خرجت القطنة ملطّخة ولو من جانبٍ واحد ولم يملأها أو لم يثقبها مطلقاً- على الأحوط - فهي القليلة، وإن ملأها أو ثقبها وإن لم يملأها - على الأحوط- ولم يسل من خلفها فهي متوسّطة، وإن ملأها وسال من خلفها ولو من جانبٍ واحد فهي الكثيرة.


1) وسائل الشيعة :2 278 - 281، الباب 4 من أبواب الحيض.

2) راجع المصدر : 371 - 377، الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

ثانيها: بیان أحکام الاستحاضة الکثیرۀ

يجب في القليلة عند الصلاة تبديل القطنة إلى قطنة أُخرى طاهرة أو تطهيرها وإن لم تكن من الملابس بل من المحمول ومن البواطن لا من الظواهر ولا ممّا تتمّ الصلاة بل ممّا لا تتمّ به؛ للإجماع المنقول(1)، وفتوى المشهور، والأخبار الواردة في لزوم تبديلها في المتوسّطة والكثيرة، ولا فارق بينهما، بل نقل عليه الإجماع المركّب(2).

ففي الصحيح: «فلتغتسل ثمّ تضع كرسفاً آخَر ثمّ تصلّي»(3)وفي آخَر: «هذه مستحاضة تغتسل وتستدخل قطنة بعد أخرى»(4).

وهل يجب تغيير الخرقة عند تلويثها؛ للاحتياط، ولفحوى لزوم تبديل القطنة، أو لا يجب؛ للأصل، ولعدم النصّ ؟ والأحوط الأوّل.

ويجب عليها الوضوء لكلّ صلاة؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول(5).

والصحيح: «إن كان الدم لا يثقب الكرسف توضّأت ودخلت المسجد وصلّت كل صلاة بوضوء»(6).

وفي آخَر: «وتصلّي كلّ صلاة بوضوء ما لم يثقب الدم الكرسف»(7).

إلى غير ذلك من الأخبار، والأخبار الآمرة بالوضوء إذا رأت المرأة صفرة(8)، وهي ظاهرة في قليلة الدم.

ولا فرق بين الفرض والنفل؛ لإطلاق الأخبار وكلام الأصحاب، والاحتياط.

ولا يجب الغسل لها وفاقاً للمشهور والإجماع المنقول والأخبار البيانيّة في مقام الحاجّة.

وأوجبه الإسكافي كلّ يوم وليلة مرّةً(9)للخبر: «فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرّةً و الوضوء لكلّ صلاة»(10)وفي آخَر: «فإن لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد»(11).


1) المسائل الناصريّات: 147 - 148، المسألة 45؛ غنية النزوع 1: 39 - 40.

2) رياض المسائل 1: 319

3) وسائل الشيعة 2: 375، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 8.

4) المصدر: 372، ح 3.

5) المسائل الناصريات : 147 - 148 ، المسألة 45: الخلاف 1: 249 - 250، المسألة 221.

6) وسائل الشيعة 2 371، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 1.

7) المصدر: 375، ح 9.

8) المصدر : 278 - 279 ، الباب 4 من أبواب الحيض، ح 1 و 308 - 309، الباب 17 من تلك الأبواب، ح 1.

9) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 244.

10) وسائل الشيعة 2: 374، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 6.

11) المصدر: 373، ح 5.

وهما مع ضعف السند محتملان لإرادة السيلان من عدم الجواز، والأخير محتمل لإرادة غسل الحيض.

ونفى الحسن عنها وجوب الغسل والوضوء(1)للأصل، وحصر نواقض الوضوء، والخبر: «المستحاضة إذا مضت أيّام أقرائها اغتسلت واحتشت كرسفاً وتنظر، فإن ظهر على الكرسف زادت کرسفها وتوضّأت وصلّت»(2).

والأصل معارض بوجوب الاحتياط، وحصر النواقض مخصّص أو إضافيّ، والخبر ضعيف، مع احتمال إرادة ظهوره على الباطن، فلا يصلح لمعارضة ما ذكرنا.

ويجب عليها غَسْل الفرج لإزالة النجاسة؛ لعموم عدم العفو عن هذه النجاسة.

ويجب التحفّظ عن تعدّي النجاسة وسيلان الدم في الغسل وبعد الغسل، ولو سال فالأظهر وجوب إعادة العمل كما تشعر به الأخبار(3).

ويجب تخفيف النجاسة مهما أمكن؛ لعموم« ما لا يدرك لا يترك»(4)، والإشعار بتبديل القطنة به.

ثالثها : فیما یجب علی المستحاضة الکثیرۀ

يجب في الكثيرة - مع ما قدّمناه - أغسال ثلاثة: غسل للصبح، ولها أن تقدّمه فتصلّي به صلاة الليل والصبح، وغسل للظهرين، وغسل للعشاءين، تجمع بين الفريضتين؛ لفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(5)، وأخبار الباب المتكثّرة الدالّة على أنّ الدم إذا سال أو إذا جاز الكرسف اغتسلت ثلاث أغسال(6).

ويدلّ على تغيير القطنة الأخبار بمنطوقها، وعلى تغيير الخرقة وتخفيف النجاسة الأخبار بفحواها، وعلى الوضوء لكلّ صلاةٍ العمومات الآمرة به(7)، والاحتياط، ولزومه لقليل هذا الدم فلكثيره أولى، ولأصالة عدم إغناء الغسل عنه.

ويمكن المناقشة في هذه الأدلّة: بانصراف أوامر الوضوء لكلّ صلاة إلى المحدثين بالأحداث


1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 244.

2) وسائل الشيعة 2 376 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 13.

3) راجع المصدر: 371 و 375، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 1 و 9.

4) تقدّم تخريجه في ص 208 الهامش (7).

5) الخلاف 1: 233، المسألة :199؛ المعتبر 1: 245 منتهى المطلب :2 412 - 413؛ مدارك الأحكام 2: 34.

6) راجع وسائل الشيعة 2: 373 و 374 ، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 5 و 7.

7) المائدة (5): 6 وسائل الشيعة 1: 365 الباب 1 من أبواب الوضوء.

المعهودة، سيّما الآية(1)، فإنّها مفسّرة بذلك، وإنّها خطاب للذكور، فشمولها للنساء في غير ما قام عليه الإجماع ممنوع، ومنع الاحتياط والأولويّة بعد خلوّ الأخبار البيانيّة عنه في مقام الحاجة، فالقول بعدم لزوم الوضوء متّجه. وأوجَه منه لزومه مع كلّ غسل لا لكلّ صلاة؛ لما ورد أنّ كلّ غسل معه وضوء(2)وعدم قابليّة تخصيص هذه الأخبار لعدم بيان الوضوء فيها لتلك الأخبار.

وهل يجوز تفريق الأغسال على الصلوات الخمس لظهور أنّ الجمع رخصة وتخفيف، أو لا يجوز؛ لظاهر الأمر بالجمع ؟ وجهان أوجههما: الأوّل؛ لأنّ الأمر هاهنا في مقام توهّم الحظر في الجمع لاستمرار الحدث، والاحتياج إلى المبيح في كلّ آن من آناته، وأمّا تعجيل واحدة وتأخير أخرى فلا شكّ أنّه رخصة لا عزيمة.

ولا يجب وقوع الغسل بعد دخول الوقت وإن كان الأحوط ذلك.

نعم، لا يجوز الفصل بفاصلة طويلة بين الغسل والصلاة، كما يشعر به تفريق الظهرين والعشاءين كلٌّ منهما يغسل.

وأمّا الفواصل المندوبة من أذان وإقامة فلا بأس بها على الأظهر.

وأمّا النوافل الرواتب فلا يبعد جواز جمعها مع فرائضها، وجواز استقلالها بغسل على حدة، وخيال سقوطها ساقط.

والظاهر أنّ حكم الاستحاضة الكثيرة حكم مستديم الحدث يجب لاستمرارها الأغسال المذكورة، ويجب لانقطاعها غسل، سواء انقطعت رأساً وأصلاً أو تبدّلت للأدنى منها، وسواء عادت بعد الانقطاع والتبدّل أو لم تعد.

وخيال أنّ استدامة الدم هو الحدث الموجب للأغسال فبدونه لا يجب غسل، أو هو الموجب للأغسال والوضوءات فبدونه لا يجب غسل ولا وضوء، ضعيفان مخالفان لظواهر الأخبار المشعرة بحدثيّة هذا الدم نفسه، وبترتّب لوازم الحدث عليه من حيث هو كذلك، فيجب الغسل لحدوثه، ويجب الغسل لانقطاعه.

فعلى ما ذكرناه لو حصلت الكثيرة في الليل وانقطعت الفجر أو تبدّلت بالقليلة وجب الغسل لانقطاعها.


1) المائدة (5): 6

2) وسائل الشيعة 2 248 الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 1 و 2.

ولو اغتسلت لانقطاعها فصلّت الفجر فعادت فإن استمرّت للظهر وجب الغسل لحدوثها، وإن انقطعت قبل الظهر وجب الغسل لانقطاعها لصلاة الظهر أيضاً، وهكذا.

ولو طرأت بعد غسل الانقطاع ولو في أثناء الصلاة وجب القطع وتجديد الغسل لحدوثها، إلّا إذا كانت الفترات قليلةً جدّاً.

ولو طراً الانقطاع بعد الغسل لحدوثها أو بعد التلبّس في الصلاة، وجب عليها الغسل له وقطع الصلاة، إلّا أن يكون الانقطاع قليلاً لا يسع الطهارة والصلاة.

ولو عملت المستحاضة العمل اللازم في الكثير، وأدخلت قطنة أُخرى واغتسلت بزعم بقاء الدم، فتبيّن انقطاعه قبل الغسل لخروج القطنة نقيّة أو شبه ذلك، كفى ذلك الغسل للانقطاع، وكفت نيّة الاستباحة عن نيّة الرفع.

رابعها: فیما یجب علی المستحاضۀ المتوسّطۀ

يجب في المتوسّطة جميع ما ذكرناه سوى غسلَي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيُكتفى فيها بغسلٍ واحد لصلاة الصبح؛ وفاقاً للمشهور، والرضوي -المؤيّد بفتواهم - المصرّح بالوحدة وبأنّه للفجر(1)، وللأخبار المتكثّرة الدالّة على ثبوت غسلٍ واحد(2)، ويضمّ إليها عدم القول بوجوبه لغير صلاة الفجر، بل الإجماع البسيط دالّ على ثبوته للفجر، والمخالف شاذّ لا يعتدّ به.

وإنّما الكلام في ثبوته لباقي الصلوات فأنكره المشهور، وأثبته جمع من أصحابنا(3)و ألحقوا المتوسّطة بالكثيرة؛ تمسّكاً بإطلاقات الصحاح الدالّة على أنّ الدم إن ثقب الكرسف اغتسلت ثلاثاً و إلّا توضّأت كصحيحة معاوية بن عمّار الدالّة على أنّ المستحاضة عليها ثلاثة أغسال مطلقاً(4)، خرجت القليلة بالإجماع وبقي الباقي.

وهو ضعيف؛ لتقييد هذه المطلقات بالأخبار المؤيّدة بالاشتهار والموافقة للاعتبار من استبعاد الترقّي من وضوء إلى أغسال ثلاثة:


1) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 193

2) وسائل الشيعة 2 :273 - 275 ، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 5، 6 و8.

3) منهم : المحقّق الحلّي في المعتبر 1 : 245 ؛ والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 1 : 155؛ والعاملي في مدارك الأحكام 2 : 31 - 32؛ وابن أبي عقيل وابن الجنيد كما حكاه عنهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1 : 209 - 210 ، المسألة 151.

4) وسائل الشيعة 2: 371، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 1.

فمنها: صحيح الحسين بن نعيم، وفيه: «فإن كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضّأ ولتصلّ عند وقت كلّ صلاة» وأراد بهذه القليلةَ بقرينة الأمر بالوضوء، وما بعده حيث قال: «فإن طرحت الكرسف عنها وسال الدم وجب عليها الغسل» وأراد بهذه المتوسّطةَ؛ لأنّ الدم عند طرح الكرسف فيها معرّض للسيلان، وبقرينة ما بعده حيث قال: «وإن طرحت الكرسف ولم يسل الدم فلتتوضّاً ولتصلّ ولا غسل عليها» وأراد بالغسل غسل الفجر الواحد دون طبيعة الغسل، بقرينة قوله بعد ذلك: «وإن كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيباً لا يرقأ، فعليها أن تغتسل كلّ يوم وليلة ثلاث مرّات»(1)ومفهوم الشرط وتقييده بوصف كونه «صبيباً لا يرقأ» دليل على حكم المتوسّطة أيضاً.

ومنها: صحيح زرارة: «فإن جاز الدم الكرسف تعصّبت واغتسلت ثمّ صلّت الغداة بغسل، والظهر والعصر بغسلٍ، والمغرب والعشاء بغسلٍ، وإن لم يجز الكرسف صلّت بغسل واحد»(2).

والقدح في الرواية بالإضمار بعد أن كان المضمر هو زرارة، كالقدح باحتمال إرادة غسل النفاس من الغسل الواحد بعد الإعراض عن أحكام النفاس والأخذ بتفصيل أحكام الاستحاضة، ضعيف لا يُلتفت إليه.

ومنها: الموثّق، قال: «المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكلّ صلاتين، وللفجر غسلاً» وأراد به مع السيلان بقرينة قوله: «فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كلّ يوم مرّةً »(3)ويضمّ إلى ذلك الإجماع على عدمه لغير الفجر.

ومنها: الموثّق:« وغسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف وجاز الدم الكرسف، فعليها الغسل لكلّ صلاتين وللفجر غسل، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كلّ يوم مرّة والوضوء لكلّ صلاة»(4).

ومنها: الصحيح أو كالصحيح: عن المستحاضة: ولتغتسل ولتستدخل كرسفاً، فإن ظهر على الكرسف فلتغتسل ثمّ تضع كرسفاً آخَر ثمّ تصلّى، فإذا كان دماً سائلاً فلتؤخّر الصلاة


1) وسائل الشيعة 2 374، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 7.

2) المصدر : 373، ح 5.

3) المصدر : 374، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 6.

4) المصدر: 173 - 174، الباب 1 من أبواب الجنابة، ح 3.

إلى الصلاة، ثمّ تصلّي صلاتين بغسل واحد»(1)ويراد بالظهور على الكرسف هو ثقب القطنة بقرينة ما بعده وبقرينة مفهوم الشرط، وبقرينة السياق حيث إنّه ظاهر في اشتماله على بيان حكمين لموضوعين مختلفين.

إلى غير ذلك من الأخبار المشعرة بمفهومها والمؤمية إلى وحدة غسل المتوسّطة، فمع ورود هذه الأخبار المقيّدة وجب الحكم بتقييد المطلقات الآمرة بالأغسال الثلاثة، وكان القول بوجوب الغسل الواحد للفجر هو الأقوى.

ولو انقطعت المتوسّطة أو تبدّلت بالقليلة، وجب لانقطاعها غسل.

ولو اغتسلت غسل الانقطاع ثمّ تجدّدت، وجب لحدوثها غسل متى حصل ولو عند كلّ فريضة؛ لأنّها حدث موجب للغسل، فمع استمراره اكتفى الشارع لطفاً وتخفيفاً منها بغسل الفجر، وأمّا مع الحدوث فلا بدّ من التجديد؛ لشغل الذمّة الموجب للاحتياط.

نعم، لو اغتسلت للحدوث في غير الفجر فاستمرّ اكتفي به لذلك اليوم والليلة؛ لعدم نقصانه عن غسل الفجر إن لم يزد عليه.

ولو حدثت المتوسّطة عن الكثيرة بعد حصولها والغسل لها، فهل يجب تجديد غسلٍ آخَر لها، أم لا؟ وجهان، أوجههما: العدم، وكفاية غسل الكثيرة للفجر عن الأغسال في بقيّة اليوم للمتوسّطة؛ لحصول الامتثال وعدم وجوب تشخيص ما عُمل له لوحدة الفعل والمفعول لأجله إلّا بنوع اعتبار لا يصلح مانعاً ولا فارقاً.

خامسها: فیما یجب علی المستحاضۀ القلیلۀ

الاستحاضة حدث أصغر إن كانت قليلةً يمتنع معها ما يمتنع مع الحدث الأصغر، وحدث أكبر إن كانت كثيرةً أو متوسطةً يمتنع معها ما يمتنع مع الحدث الأكبر، استدامت أو انقطعت.

ويرتفع حكم الحدث عنها مع الاستدامة إذا عملت الأعمال المذكورة للصلاة في وقتها، وصلّت بعد الأعمال، فإنّها تستبيح جميع الغايات، ولو لم تعمل تلك الأعمال حرمت عليها جميع الغايات المترتّبة على ارتفاع الحدثين من صلاةٍ و طوافٍ ومسٍّ، ومنها ومن لبثٍ في المساجد مطلقاً أو اجتياز في أحد المسجدين على الأظهر والأحوط؛ إذ لا خصوصيّة لحدث الجنب والحيض في المنع عن ذلك، بل الظاهر؛ لكونهما حدثاً أكبر، ولما يلوح من بعض الأخبار(2)من المنع.


1) وسائل الشيعة 2: 375، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 8.

2) لاحظ المصدر : 388، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 19.

ولو عملت لكن لغير الصلاة من الغايات، أو عملت قبل وقت الصلاة، أو فصلت بين الصلاة و العمل بفاصل يُعتدّ به، ففي ارتفاع حدثها بالنسبة إلى جميع الغايات إشكال. والظاهر بقاء الاستباحة عند حصولها إلى وقت صلاةٍ أُخرى إذا لم يطرأ حدثٌ آخَر بعد الصلاة.

وتتوقّف صحّة صوم صاحبة الكثيرة على الأغسال؛ لفتوى الأصحاب ورواية علىّ بن مهزيار(1).

وهل تتوقّف على باقي الأفعال المجوّزة للدخول في الصلاة، أم لا تتوقّف؟ وجهان، أقواهما: الثاني؛ للأصل، واختصاص الرواية فيمن لم تعمل عمل المستحاضة من الغسل، وأحوطهما: الأوّل.

ثمّ على التوقّف على الأغسال والأفعال فهل يتوقّف صوم كلّ يوم على أغسال نهاره خاصّة، أو فجره خاصّة، أو ليلته السابقة خاصّة، أو اللاحقة خاصّة، أو الليلتين معاً، أو الجميع مطلقاً، أو الجميع مع السابقة إن لم تغتسل للفجر قبل الفجر، وإن اغتسلت أجزأ غسل الفجر عنها؟ وجوه، أقواها: الأول.

وغسل الفجر وإن لم يكن منصوصاً عليه ولكنّ الأصحاب حكموا به.

والأقوى والأظهر: إلحاق غسل المتوسّطة بأغسال الكثيرة في توقّف صحّة صومها على الغسل؛ لفتوى الأصحاب والاحتياط، و إلّا ففي دخولها في الرواية نظر ظاهر.

والأقوى أنّ المستحاضة الكثيرة والمتوسّطة لا يحلّ لزوجها أن يطأها قُبُلاً قبل العمل المبيح للصلاة من غسل ووضوء وغيرهما؛ لما ورد في المستحاضة الكبرى في طريقٍ معتبر - بعد أمرها بالأغسال: «فإذا حلّت لها الصلاة حلّ لزوجها أن يغشاها»(2).

وفي خبرٍ آخَر في المستحاضة: «ولا يغشاها حتّى يأمرها بالغسل» (3).

وفي خبرٍ آخَر: «وكلّ شيء استحلّت به الصلاة فليأتها زوجها»(4).

وفي آخَر: «وإن أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل»(5).

وغير ذلك ممّا ورد في الكثيرة والمتوسّطة، ونُسب إلى فتوى الأصحاب(6).


1) وسائل الشيعة 2: 349 الباب 41 من أبواب الحيض، ح 7.

2) المصدر: 376 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 12.

3) المصدر : 379، الباب 3 من أبواب الاستحاضة، ح 1.

4) المصدر : 375 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 8.

5) المصدر : 374، ح 6.

6) نسبه إلى ظاهر الأصحاب الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 250.

و به يخصّص عموم الكتاب (1)والسنّة(2)الدالّ على جواز الوطء مطلقاً، والدالّ على الجواز خصوصاً، كالصحيح: «ولا بأس أن يأتيها بعلها متى شاء إلّا أيّام الحيض»(3).

وأمّا القليلة فالأحوط امتناع الزوج لفتوى الكثير من الأصحاب(4)، ولظواهر بعض أخبار الباب(5)، وهي وإن كان موردها الكثيرة والمتوسّطة إلا أنّ بعضها لا يخلو عن عموم أو إطلاق.

والظاهر بقاء حكم جواز الوطء إلى تضييق العمل الآخر لصلاة أُخرى.

واحتمال بقائه دائماً ما لم ينتقض بناقضٍ آخَر ، كاحتمال الفوريّة والمعاقبة، بعيد عن ظاهر الأخبار وكلام الأصحاب.


1) البقرة (2): 222.

2) راجع وسائل الشيعة 2 :324 الباب 27 من أبواب الحيض.

3) المصدر : 372، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 4.

4) نسبه إلى المشهور البحراني في الحدائق الناضرة 3: 291

5) وسائل الشيعة 2 :375 و 376، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 8 و 12.

القول في النفاس

اشارة

وهو في الشرع: الدم المتعقّب للولادة، إجماعاً، نصّاً وفتوىً.

ولو لم ترَ دماً أصلاً فلا نفاس لها إجماعاً.

ولو رأته مع الولادة ولم تره بَعْدُ، بُني على أنّ المصاحب للولادة نفاس أم لا؟ وعليه تترتّب ثمرات الأحكام المتعلّقة بالنفاس وعدمها.

والحقّ أنّه نفاس لفتوى المشهور نقلاً على ما استظهره بعضهم(1)، وللإجماع المنقول(2).

ولرواية زريق عمّن رأت الدم وقد أصابها الطلق؟ قال: «تصلّي حتّى يخرج رأس الصبيّ، فإذا خرج رأسه لم تجب عليها شيء»(3).

وظاهر خبر السكوني: «إذا رأت الدم وهي حامل لا تدع الصلاة إلّا أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلاة»(4).

والظاهر أنّه مع خروج بعض الولد ورجوعه إلى الباطن يحكم على الدم الخارج بالنفاس، سواء خرج مصاحباً لبعض الولد فاستمرّ، أو خرج بعد رجوعه. ولكن لا يخلو من إشكالٍ.

هذا كلّه في الخارج مع الولد أو مع بعضه، و أمّا الخارج مع المضغة، فالظاهر أنّه كالخارج مع السقط، أو مع غير التامّ من الوضع؛ لصدق الولادة عرفاً، والشهرة المنقولة(5)، ولظهور كون


1) الطباطبائي في رياض المسائل 1 :335

2) الخلاف 246:1، المسألة 217

3) وسائل الشيعة 2 :334 الباب 30 من أبواب الحيض، ح 17

4) المصدر: 392، الباب 4 من أبواب النفاس، ح 2.

5) ریاض المسائل 336:1

المضغة مبدأ نشوء إنسان فيلحقه حكمه، مع احتمال العدم؛ لعدم انصراف إطلاق الولادة إليه، والأصل الطهارة.

ويحتمل الفرق بين ما عُلم أنّه مبدأ نشوء إنسان ولو بشهادة القوابل فيجري عليه حكم النفاس، ونُقل عليه الإجماع(1)، وبين ما لم يُعلم فلا يحكم بذلك.

و أمّا غير المضغة من العلقة والنطفة، فإن لم يُعلما أنّهما مبدأ نشوء إنسان فلا إشكال بعدم النفاس، و إن عُلم ذلك ،فوجهان أقواهما العدم، سيّما في الثانية؛ لبُعْد صدق اسم الولادة.

وهنا فوائد:

إحداها: عدم يشترط تخلّل أقلّ الطهر بين النفاسين وهل یشترط تخلّل أقلّ الطهر بين النفاس والحیض؟

لا يشترط تخلّل أقلّ الطهر بين النفاسين، بل يجوز تعدّد النفاس في التوأمين من غير تخلّل أقلّ الطهر، فيجوز أن يتخلّل بينهما خمسة أيّام طهراً أو أقلّ أو أكثر، ويجوز أن لا يتخلّل طهر أصلاً ورأساً.

وهل يشترط تخلّل أقلّ الطهر بين النفاس والحيض سواء تأخّر الحيض أم تقدّم، أم لا؟ و جهان، أقواهما الاشتراط؛ لظاهر الأخبار عموماً، كقوله

(عليه السلام): « أدنى الطهر عشرة أيام»(2)وقوله(عليه السلام): «لا يكون القرء في أقلّ من عشرة أيّام»(3)وخصوصاً، كخبر زريق الآمر بالصلاة لمن أصابها الطلق حتّى يخرج رأس الصبيّ(4).

وللإجماع المنقول(5)على اشتراط تخلّل أقلّ الطهر بين النفاس والحيض.

وللموثّق فيمن يصيبها الطلق أيّاماً فترى الدم: «تصلّي ما لم تلد»(6).

واحتمل العلّامة(رحمۀ الله علیه)عدم اشتراط تخلّل أقلّ الطهر بين الحيض المتقدّم والنفاس المتأخّر وجوّز تقدّم الحيض على النفاس مع الاتّصال ومع تخلّل الأقلّ من أقلّ الطهر(7)للأصل. ويؤيّده


1) تذكرة الفقهاء 326:1، المسألة 100.

2) وسائل الشيعة 2 : 298، الباب 11 من أبواب الحيض ، ح 2.

3) المصدر: 297، ح 1.

4) المصدر : 334، الباب 30 من أبواب الحيض، ح 17.

5) الخلاف 1: 249، المسألة 220

6) وسائل الشيعة 2: 391 - 392، الباب 4 من أبواب النفاس، ح 1.

7) نهاية الإحكام 1: 131

ضعف الروايات الخاصّة أو اختصاصها بدم المخاض المتصّل بالولادة دون كلّ دم متقدّم، وانصراف الأدلّة العامّة إلى الطهر الواقع بين الحيضتين.

ولكن مخالفة المشهور والأخبار المنجبرة بفتواهم والإجماع المنقول لا وجه لها.

نعم، قد يفصّل بين ما كان النفاس واقعاً من نفسه فيكشف عن استحاضة المتقدّم، وبين ما يكون واقعاً بفعل فاعلٍ فلا يكشف؛ لعدم كونه من الأُمور الطبيعيّة.

ولم نرَ مَن احتمل حيضيّة الدم المتأخّر عن النفاس قبل تخلّل أقلّ الطهر، وهو كذلك.

نعم، لو رأت دماً سابقاً على النفاس متّصلاً به أو لاحقاً له متّصلاً به، يمكن أخذ قدر دم النفاس وقدر الطهر وقدر أقلّ الحيض منه فلا يبعد البناء على حيضيّة الدم السابق واللاحق، سيّما لو وافق العادة.

ولكنّ الظاهر أنّ المتأخّر في الشهر الواحد ليس بحيضٍ؛ معاملةً للنفاس معاملة الحيض في وقوع دمه في الشهر مرّةً.

والأقوى أنّ المنافاة بين دم النفاس ودم الحيض لا بين الولادة والحيض، فلو رأت دماً سابقاً ثمّ ولدت ولم ترَ دماً و لم يتخلّل أقلّ الطهر بين الدم والولادة حُكم بحيضيّة الدم السابق.

ثانيتها:فی أنّ دم النفاس ما حصل بين تمام الولادة وتمام العشرة

دم النفاس ما حصل بين تمام الولادة وتمام العشرة، فلو مضت من حين الولادة عشرة كاملة لم يُر فيها دم لم يكن للمرأة نفاس. وكلّ دم جاء بعد العشرة من الولادة ليس بنفاس أيضاً، سواء ملأ العشرة أو جاء في بعضها ولو اليوم العاشر فاستمرّ، فإنّه يُحكم بنفاسيّة اليوم العاشر فقط، والزائد يكون استحاضةً.

كلّ ذلك اقتصاراً على مورد اليقين من الحدث، ولظاهر فتوى الأصحاب، وربما يظهر ذلك من بعض الروايات(1).

وتعتبر العشرة من آخر الولادة، فلو طال زمن الولادة خروجاً، أو طال لوقوع الولد قِطَعاً، أو طال لكونه توأماً، لم يحتسب ذلك الزمن، فربما يكون مقدار زمن الولادة عشرة أيّام فتعتبر حينئذٍ عشرة أُخرى بعدها، وربما يستمرّ النفاس عشرين يوماً، كأن تلد ولداً فترى الدم إلى عشرة ثمّ تلد آخَر فى آخر العشرة، وقد يكون أقلّ من ذلك؛ لأنّا لا نشترط تخلّل أقلّ الطهر بین النفاسين.


1) وسائل الشيعة 2: 383 - 384، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 4.

ثالثها : فی أنّه لا حدّ لقليل النفاس وبیان حدّ أکثره

لا حدّ لقليل النفاس، فقد ينتهى إلى لحظة، سواء اتّصل بالولادة أو انفصل عنها ولو في اليوم العاشر، ولكنّه إن رئي متّصلاً بها وانقطع أو منفصلاً عنها وانقطع أو استمرّ إلى ما فوق العشرة كان الدم الحاصل في العشرة نفاساً كلّاً أو بعضاً، والبياض طهراً.

وإن حصل دم سابق ودم لاحق وبين الدمين بياض و حُكم بنفاسيّة الدمين، كان البياض بحكم النفاس؛ إذ لا ينقص الطهر عن عشرة أيّام.

و أمّا أكثره: فالأقوى أنّ حدّه عشرة إن اتّصل بالولادة، و إلّا فحدّه ما يكمل العشرة من حين الولادة. ولو كثر البياض بين الولادة وبينه فالنفاس هو الدم الكائن في العشرة.

والتنفّس بالعشرة خاصّ بغير ذات العادة من مبتدأة أو مضطربة أو ناسية، أو بذات العادة إذا انقطع الدم على العشرة سواء انقطع قبل ذلك على العادة فعاد أو لم ينقطع، وسواء عاد بعد العشرة قبل أقلّ الطهر أو لم يعد.

كلّ ذلك اقتصاراً على الحدث مهما أمكن؛ لأصالة الطهارة، و للأخبار الدالّة على أنّ النفاس حيض(1)، ولما يظهر من فتوى المشهور أنّ أكثر النفاس عشرة، ولما روي مرسلاً من ورود الأخبار في أنّ أكثر النفاس عشرة(2).

و احتمال الرجوع إلى التمييز أو الأقران أو الروايات، ضعيف.

و أمّا ذات العادة فتنفّسها بالعادة خاصّة إذا انقطع الدم عليها أو تجاوز معها العشرة مستمرّاً؛ للأخبار المتكثّرة الآمرة برجوع النفساء إلى أيّامها و عادتها (3)، ولولا ما جاء من أنّ النفاس حيض، ومن الأمر بالاستظهار للنفساء في بعض الأخبار(4)، لكان الأخذ بتلك الأخبار الآمرة بالرجوع إلى العادة متّجهاً مطلقاً حتّى لو انقطع الدم على العاشر، ولكنّ الجمع بينهما بما ذكرناه أولى وأقوى.

وتحقيق القول في ذلك أنّ من الأخبار الصحاح ما دلّت على الرجوع إلى العادة، كقوله الصحيحين: «النفساء تكفّ عن الصلاة أيّامها التي كانت تمكث فيها، ثمّ تغتسل وتعمل عمل المستحاضة» (5).


1) راجع وسائل الشيعة 2: 333 - 334، الباب 30 من أبواب الحيض، ح 13 و 14.

2) المصدر : 385 - 386، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 10.

3) راجع الهامش ( 2 و 3 و 4) من ص 364.

4) وسائل الشيعة 2: 383، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 3.

5) المصدر : 382 - 383، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 1 وذيله.

وفي الصحيح : « تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين، فإن انقطع الدم و إلّا اغتسلت »(1)ونحوه الموثق(2).

وفي آخَر: «تقعد النفساء أيّامها التي كانت تقعد في الحيض، وتستظهر بيومين»(3).

و من الأخبار ما دلّت على العشرة، كالفقه الرضوي(4)، وما أرسله الشيخ من الأخبار(5).

ومن الأخبار ما دلّت على الثمانية عشر كالصحاح الدالّة على تنفّس أسماء بثمانية عشر(6)، وغيرها من الأخبار الدالّة على ذلك.

و من الصحاح ما دلّ على التخيير بين الثمانية عشر والسبعة عشر(7).

ومن الصحاح ما دلّت على الثلاثين، وما بينها وبين الأربعين والخمسين(8).

و اللازم هنا تقديم أخبار العادة على غيرها؛ لأنّ الجمع فرع المقاومة، ورواية الفقه الرضوي لضعفها سنداً ودلالةً لا تقاوم تلك الأخبار، وما نُسب للمشهور من الإفتاء بمضمونها(9)لم يثبت، بل الثابت عنهم أنّ أكثر النفاس عشرة كأكثر الحيض، ونحن نقول به ، لا أنّ المرأة تتنفّس بالعشرة مطلقاً.

ورواية التخيير بين الثمانية عشر والسبعة عشر، وروايات الثلاثين والأربعين والخمسين كلّها شاذّة مطّرحة لا عامل بها، ولا يبعد أنّ جملة منها واردة مورد التقيّة.

و أمّا روايات الثمانية عشر فهي وإن كثرت إلّا أنّ جملةً منها ضعيفة سنداً ودلالةً، و الصحيح منها دالّ على تنفّس أسماء بثمانية عشر ، ولا يكون فعلها حجّةً إلّا بعد ثبوت تقرير النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)لها ولم يثبت ذلك، بل في بعض الأخبار أنّها جلست لجهلها، ولو سألت النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)قبل ذلك لأمرها بالغسل(10)، على أنّ الأخبار موافقة للعامّة بذلك والرشد بخلافهم.


1) وسائل الشيعة 2: 383، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 2.

2) المصدر، ح3 .

3) المصدر : 384، ح 5

4) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 191.

5) المقنعة: 57

6) وسائل الشيعة 2: 384 و 387 - 389، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 6، 15، 19 و 21.

7) المصدر: 386 - 387 ، ح 12.

8) المصدر: 387 - 388، ح 13 و 19.

9) نسبه للمشهور المحقق الكركي في جامع المقاصد 347:1.

10) وسائل الشيعة 2 384 - 386 ، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 7 و 11.

فظهر ضعف الجمع بين هذه الأخبار بحملها على غير المعتادة وبين أخبار العادة بحملها على ذات العادة.

ويزيده ضعفاً أنّ من البعيد أنّ أسماء بعد تزويجها من أبي بكر وبلوغها ذلك السنّ لم تثبت لها عادة.

ثمّ إنّه على المختار- من الرجوع إلى العادة العدديّة - إن ملأ الدم العادة وانقطع عليها كانت هي النفاس، وإن تجاوزها إلى العشرة من يوم الولادة وانقطع على العشرة كانت العشرة نفاساً، وإن تجاوز العشرة رجعت إلى العادة وجعلتها نفاساً.

و إن لم يملأ الدم العادة فإن كانت كلّها بياضاً وكانت دون العشرة وجاء بعدها دم وانقطع على العشرة كان ذلك الدم نفاساً، وإن لم ينقطع بل استمر احتُمل التنفّس به وجَعْل ما فوق العشرة استحاضة، واحتُمل أن لا نفاس لها حينئذٍ ؛ لإشعار أخبار الرجوع للعادة بذلك، واحتمال التنفّس بقدر العادة من حين رؤية الدم لا نقول به؛ لزيادة العدد على العشرة من حين الولادة، وما زاد فليس بنفاس كما تقدّم.

وإن كان الدم في أوّل العادة فقط كان هو النفاس، وكذا إن كان في آخرها فقط، وإن كان في أوّلها وآخرها كان المجموع منهما ومن البياض نفاساً.

وكذا إن كان في أوّلها وبعد مضيّها ولكن قبل العشرة وانقطع فإنّه يُحكم على الدمين وما بينهما بالنفاس، وإن لم ينقطع فالأقوى الحكم بنفاسيّة الدم الذي في أوّل العادة.

وكذا لو وجد في آخرها فاستمرّ إلى أن تجاوز العشرة فإنّه يُحكم بنفاسيّة آخرها ولو يوماً دون الباقي، والبياض الذي بين الولادة والدم طهر.

وفي كثير من هذه الأحكام إشكال؛ لخلوّها عن النصوص، فينبغي أن لا يترك الاحتياط في هذه المقامات.

والنفساء كالحائض فيما يحرم ويجب ويكره ويستحبّ؛ للأخبار(1)وفتوى الأخيار، والإجماع المنقول(2)، والاستقراء القطعي، وكون دم النفاس دم حيض حُبس لتغذية الولد من الأُمور المعلومة.


1) منها ما في وسائل الشيعة 2 :373 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 5.

2) غنية النزوع 1: 40؛ المعتبر 1: 257؛ تذكرة الفقهاء 1: 332، المسألة 104.

القول في غسل الأموات

وفيه أُمور:

أحدها: وجوب استقبال الميّت عند الاحتضار

يجب- كفايةً - استقبال الميّت عند الاحتضار وظهور أمارات الموت إلى القبلة المعلومة أو المظنونة عند عدم العلم بها؛ وفاقاً للمشهور ، وعمل المسلمين، والحسن أو الصحيح: «إذا مات لأحدكم ميّت فسجّوه إلى القبلة، وكذلك إذا غسّل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة، فيكون مستقبل القبلة بباطن قدميه ووجهه إلى القبلة»(1).

والمراد بالميّت المشرف على الموت؛ لعدم القائل بإيجاب الاستقبال به بعد الموت مطلقاً ممّن يُعتدّ به.

وكيفيّة الاستقبال أن يستقبل بوجهه وباطن قدميه القبلة بحيث لو جلس لجلس إليها، كما دلّت على ذلك الأخبار(2).

وهل يجب الاستقبال به بعد الموت مطلقاً؛ لظاهر الأمر بالاستقبال للميّت، وصدقه على المتّصف أولى من صدقه على مَنْ سيتّصف لعلاقة المشارفة، وللأمر به في حال الغسل والصلاة والدفن وإن اختلفت كيفيّاتها؟ أم لا يجب؛ لظاهر فتوى الأصحاب، وللأصل، ولبُعْد الحمل على المعنى الحقيقي في أخبار الاستقبال بعد القطع بإرادة المعنى المجازي؛ لعدم جواز استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي، و بُعْد تأويله بالمسمّى و شبهه فيكون من عموم المجاز؟

ولو اشتبهت القبلة، سقط فرض الاستقبال.

ولا يبعد رجحان الاستقبال بالميّت في جميع أحواله إلى أن يهال عليه التراب.


1) وسائل الشيعة 2: 452، الباب 35 من أبواب الاحتضار ، ح 2.

2) المصدر : 452 - 453،ح 1،3-5.

ثانيها : استحباب تلقين الميّت وغیره ممّا ورد من المستحبّات

يستحبّ تلقين الميّت الشهادتين والإقرار بالنبيّ والأئمّة صلوات الله عليهم ؛ للأخبار(1)وكلام الأخيار. وكذا كلمات الفرج وهي: «لا إله إلّا الله الحليم الكريم» لحسن الحلبي(2). وفتوى الأصحاب.

ويستحبّ أن يكون آخر كلامه في الدنيا: «لا إله إلّا الله» للخبر(3).

ويستحبّ نقله لمصلّاه الذي يصلّي عليه غالباً أو يصلّي فيه؛ للأخبار(4)وكلام الأخيار.

ويستحبّ الإسراج عنده إن مات ليلاً أو بقي إلى الليل؛ لإشعار بعض الأخبار(5)وكلام الأصحاب به.

ويستحب أن يُعلم المؤمنون بموته؛ للأخبار(6)وكلام الأصحاب.

ويستحبّ شدّ لحييه وتغميض عينيه وتطبيق فيه وتغطيته بثوب؛ للأخبار(7)وكلام الأصحاب.

ويستحبّ مدّ يديه إلى جنبه وساقيه؛ لفتوى الأصحاب، ولتسهيل غسله وتكفينه.

ويستحبّ قراءة القرآن عنده قبل الموت وبعده، سيّما «يس» للأخبار(8)الناصّة عليها ، و«الصافّات» وآية الكرسي، وآية السخرة، وثلاث آيات من آخر البقرة، وسورة الأحزاب.

ويكره وضع حديد على بطنه؛ لنصّ الأصحاب.

ويكره حضور جنب أو حائض عنده؛ للأخبار المعلّلة بتأذّي الملائكة(9).

ويستحبّ تعجيل تجهيزه؛ للأخبار(10)وفتوى الأصحاب، إلّا مع الاشتباه فيجب التأخير إلى أن يقطع بموته ولو بالأمارات العاديّة.

ولا يجوز تأخير تجهيزه إلى أن يتغيّر ويصل إلى حدّ التماهن عرفاً، إلّا مع الاشتباه فيؤخّر


1) وسائل الشيعة 2: 454 و 457، الباب 36 و 37 من أبواب الاحتضار.

2) المصدر 459، الباب 38 من أبواب الاحتضار ، ح 2.

3) المصدر: 456، الباب 36 من أبواب الاحتضار، ح 9.

4) المصدر: 463 الباب 40 من أبواب الاحتضار.

5) المصدر: 469، الباب 45 من أبواب الاحتضار، ح 1.

6) المصدر 59:3 - 60 ، الباب 1 من أبواب صلاة الجنازة، ح 1، 3 و 4.

7) المصدر 2: 468 الباب 44 من أبواب الاحتضار.

8) منها : ما في المصدر : 465 الباب 41 من أبواب الاحتضار، ح 1.

9) المصدر: 467 الباب 43 من أبواب الاحتضار.

10) المصدر: 471، الباب 47 من أبواب الاحتضار.

إلى القطع بموته، ولا عبرة بالثلاثة أيّام كما جاء في الأخبار(1)، ولا بالتغيّر في المصعوق و المهدوم و الغريق و المبطون و المطعون، بل الأمر دائر مدار القطع.

ثالثها: وجوب تغسیل المیّت إذا استکمل أُموراً

يجب كفايةً - تغسيل الميّت إذا استكمل أُموراً:

الأوّل: أن تكمل له أربعة أشهر هلاليّة إن لم يحصل الانكسار فيها، وعدديّة أو واحد عدديّ والباقي هلاليّة إن حصل الانكسار فيها، فلا يجب فيما دون الأربع إجماعاً، والأصل يقضي به، وعمومات الأدلّة الدالّة على وجوب الغسل لا تشمله؛ لعدم صدق الميّت عليه؛ لأنّ الظاهر أنّ الميّت هو ما كان فيه روح ففارقته، أو ما كان من شأنه ذلك، والتجربة شاهدة على أنّ بلوغ أربعة أشهر موجب لولوج الروح، وما كان دون الأربعة ليس منهما.

وفي الخبر المعتبر: عن السقط إذا استوت إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل واللحد والكفن؟ قال: «نعم، كلّ ذلك يجب إذا استوى»(2).

ويستوي في الأربعة أشهر؛ لما دلّ من الأخبار المعتبرة على أنّ النطفة تستقرّ في الرحم أربعين يوماً، وتكون علقةً أربعين يوماً، وتكون مضغةً أربعين يوماً، ثمّ يبعث الله تعالى ملكين خلّاقين فيقال لهما: اخلقا ما أراد الله ذكراً أو أُنثى(3).

فمن الأخبار وفتوى الأخيار يلزم القول بوجوب تغسيل مَنْ بلغ أربعة أشهر ولو لم تلجه الروح، بل ويلزم تكفينه وتحنيطه؛ حملاً للأخبار الدالّة على الكفن الشرعي، وأخذاً بعموم ما دلّ على تحنيط الأموات وتكفينهم ودفنهم، والرضوي(4)، المؤيَّد بالعموم والاحتياط وفتوى جملة من الفحول .

فما عن الشهيد من استشكاله في وجوب تغسيله و تحنيطه وتكفينه ودفنه(5)للأخبار الدالّة على أنّ الروح لا تلج الطفل إلّا بعد خمسة أشهر(6)، وما عن التحرير من عدم وجوب تكفينه والاكتفاء بلفّه بخرقةٍ(7)، بعيد بعد ما قدّمناه.


1) وسائل الشيعة 2: 474 - 476، الباب 48 من أبواب الاحتضار، ح 1، 3 و 5.

2) المصدر: 501 - 502، الباب 12 من أبواب غسل الميت، ح 1.

3) الكافي 6: 16، باب بدء خلق الإنسان وتقلّبه في بطن أُمّه، ح 7.

4) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 175.

5) ذكرى الشيعة 1: 315

6) منها: ما في وسائل الشيعة 29: 315، الباب 19 من أبواب ديات الأعضاء، ح 6.

7) تحرير الأحكام 1: 118، الرقم 311

وظاهر جمع من أصحابنا(1)

222:1

لزوم لفّ ما دون الأربعة بخرقة ودفنه.

وهو بعيد في النطفة والعلقة، ولا بأس به في المضغة؛ لاحترام المؤمنين. وفي الفقه الرضوي دفنه فقط(2).

الثاني: أن يكون مسلماً ، فلا يجوز تغسيل الكافر ؛ للإجماع بقسميه(3)، ولقوله تعالى:وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ(4)؛ وقوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ(5).

وفي الخبر: عن النصراني ؟ قال: «لا يغسّله [مسلم] ولا كرامة، ولا يدفنه، ولا يقوم على قبره، وإن كان أباه»(6).

ومن الكفّار: الخوارج والغلاة والنواصب والمشبّهة والمجبّرة والمجسّمة وكلّ مَنْ أنكر ضروريّاً من الدين مع علمه أنّه منه، ومع عدم علمه إشكال.

وأمّا الساب للنبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)أو أحد الأئمّة(عليهم السلام)أو الزهراء(عليها السلام)أو المستخفّ بالبيت أو النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)أو الأئمّة(عليهم السلام)أو القرآن فالظاهر إجراء حكم الكفر عليه.

والكافر الأصلي والمرتدّ سواء.

ويلحق أولاد الكفّار بهم ولو كانوا عن زنى، وأولاد المسلمين بهم ولو كانوا كذلك على الأظهر. والمسبيّ يلحق بالسابي. ولقيط دار الإسلام أو دار الكفر وفيها مسلم يحتمل أنّه هو مسلم أيضاً.

الثالث: أن يكون مؤمناً، فلا يجب تغسيل المخالفين، وكذا جميع الفرق غير الاثني عشرية، اقتصاراً في مشروعية التغسيل على المورد اليقين وأوامر التغسيل كلّها منصرفة للموافق في الدين دون المخالف.


1) منهم: المفيد في المقنعة: 83؛ وسلار في المراسم: 46؛ والمحقق الحلّي في المعتبر 1 320؛ والعلامة الحلّي في قواعد الأحكام

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 175.

3) تهذيب الأحكام 1 335، ذيل الحديث 981؛ تذكرة الفقهاء 1: 368 المسألة 137؛ ذكرى الشيعة 1: 325.

4) المائدة (5): 51

5) التوبة (9): 84

6) وسائل الشيعة 2 514 الباب 18 من أبواب غسل الميت، ح1 ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

وعموم قوله(عليه السلام): «غسل الميّت واجب»(1)، وقوله(عليه السلام): «اغسل كلّ الموتى إلّا ما قُتل بين الصفّين»(2)مخصوص بما دلّ على أنّ الغسل كرامة للميّت واحترام له (3)، ولا حرمة لغير المؤمن.

وبالجملة، فالمخالفون وإن كانوا مسلمين في دار الدنيا وتجري عليهم أحكام الإسلام من طهارة وتحليل ذبائح ومناكحة وموارثة؛ للسيرة القطعيّة، وللأخبار الدالّة على أن مَنْ قال: «لا إله إلّا الله محمّد رسول الله» جرى عليه أحكام أهل الإسلام(4)، ولكنّهم إذا ماتوا عادوا لحكم الكفر، فلا تجري عليهم أحكام الإسلام بعد الموت إلى أن يصيروا إلى النار.

نعم، يجب تغسيلهم صورةً للتقيّة، ويجوز تغسيلهم صورةً من دون نيّةٍ لغير تقيّة ولكن على كراهةٍ، ولو غسّلوا لتقيّةٍ غسّلوا على وفق مذهبهم.

ولا يبعد تنزيل كلام الأصحاب - من جواز تغسيلهم على كراهةٍ - على إرادة الجواز من دون نيّةٍ، أو الجواز للتقيّة. والكراهية محمولة على وجود المندوحة عنها بتغسيل بعضهم بعضاً، أو على نفس مباشرة المؤمن.

ومن أصحابنا مَنْ حكم بوجوب تغسيلهم وكراهته(5).

وهو مشكل، إلّا أن تُحمل الكراهة على نفس تغسيله مباشرةً مع إمكان قيام أهل نحلته بغسله.

ومنهم مَن ادّعى التلازم بين الحكم بإسلامهم ووجوب تغسيلهم(6). وقد تقدّم بيان عدم الملازمة.

الرابع: أن لا يكون شهيداً، فإنّ الشهيد لا يجب غسله ولا تكفينه، بل يصلّى عليه ويدفن بثيابه؛ للنصّ المعتبر: «الذي يقتل في سبيل الله يدفن بثيابه ولا يغسّل، إلّا أن يدركه المسلمون وبه رمق ثمّ يموت بعد، فإنّه يغسّل ويكفّن ويحنّط، إن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)كفّن حمزة في ثيابه ولم يغسّله، ولكن صلّى عليه»(7)ولغيره من النصوص المتكثّرة(8)، مضافاً إلى الإجماع وفتوى الأصحاب.


1) وسائل الشيعة 2: 477، الباب 1 من أبواب غسل الميت، ح 1.

2) المصدر: 490، الباب 4 من أبواب غسل الميت، ح 6.

3) راجع المصدر : 474، الباب 47 من أبواب الاحتضار، ح 7.

4) راجع الكافي 2 25، باب أن الإيمان يشرك الإسلام.... ح 1.

5) قواعد الأحكام 1: 223 - 224.

6) الحدائق الناضرة 407:3

7) وسائل الشيعة 2: 510، الباب 14 من أبواب غسل الميّت، ح 9.

8) المصدر: 506، الباب 14 من أبواب غسل الميّت.

ويجب الاقتصار على مورد اليقين في الخروج عن عمومات التغسيل من موته في المعركة، فلو مات بعد نقله منها أو بعد انقضائها وجب تغسيله، كما دلّت على ذلك الروايات(1)وكلمات الأصحاب.

ولو أُدرك حيّاً في المعركة فمات فيها سقط عنه التغسيل، أمكن غسله(2)أم لا.

ولا يتفاوت بين موته بنفس مكان القتال أو بغيره.

وما ورد من التقييد بموته بين الصفّين(3)محمول على الغالب.

و من الأصحاب مَنْ أوجب تغسيله بمجرّد إدراكه حيّاً و لو في المعركة حال القتال(4)، ويؤيّده ظاهر الأخبار، ولكنّها محمولة على إدراكه بعد أن تضع الحرب أوزارها؛ جمعاً بينها وبين فتوى الأصحاب.

ولو جُرِّد الشهيد من ثيابه وجب تكفينه؛ للعمومات، خرج مورد اليقين وبقي الباقي، ولما ورد من تكفين النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)لحمزة حين جُرّد (5)، ولا ينافي الاستدلال بها ورود دفنه بثيابه في أخبار(6)أُخَر؛ لجواز اتّباع الحكم في الرواية دون الموضوع، أو أنّه جُرِّد من بعضٍ دون بعضٍ.

و ثيابه التي تُدفن معه هي الثياب عرفاً، فلا يدخل معها الخُفّ ولا السلاح قطعاً.

وفي دخول القلنسوة والعمامة والمنطقة والفرو إشكال.

وفي الفرق بين ما أصابها الدم من هذه فتُدفن معه وبين ما لم يصبها فلا تُدفن معه قوّة؛ لظاهر الخبر: «ينزع من الشهيد الفرو والخُفّ والقلنسوة والعمامة والسراويل، إلّا أن يكون أصابها دم، فإن أصابه دم تُرك»(7)ولفتوى جملة من الأصحاب(8)بمضمونه.


1) وسائل الشيعة 2 :506،509 و 510 الباب 14 من أبواب غسل الميّت الأحاديث 1، 7 و 9

2) في «ق»: «تغسيله».

3) وسائل الشيعة 506:2 - 507، الباب 14 من أبواب غسل الميّت، ح 3.

4) ذكرى الشيعة 1: 320

5) وسائل الشيعة 2: 509 الباب 14 من أبواب غسل الميّت، ح7 .

6) المصدر : 509 - 510 ، ح 8 و 9.

7) المصدر: 510، ح 10.

8) منهم المفيد في المقنعة 84 وسلّار في المراسم 45 وابن بابويه على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 239، المسألة 180.

والمراد بالشهيد روايةً (1)وفتوىً هو مَنْ قُتل بين أيادي الإمام أو منصوبه الخاصّ في زمن الحضور، وهو المتبادر من لفظه سيّما زمن الصدور.

وإطلاق الشهيد على المقتول دون عياله وماله، أو الغريق أو المبطون مجاز؛ لعلاقة المشابهة في الأجر ونحوه.

وما ورد في الأخبار من التعبير عنه بـ«مَنْ يقتل في سبيل الله» (2)ظاهر في ذلك أو مقيّد به.

وما ورد أنّ «القتيل في طاعة الله لا يُغسَّل ويُدفن بثيابه»(3)يراد به الطاعة المخصوصة، حملاً للمطلق على المقيد، أو يُطرح؛ لضعفه عن المقاومة.

نعم، لا يبعد إلحاق المقتول بين أيادي نائب الإمام(عليه السلام)العامّ إذا أدّى نظره للجهاد، أو المقتول بين أيادي المسلمين إذا دهم المسلمين عدوٌّ يُخاف منه على بيضة الإسلام، تسويةً بينهما وبين الشهيد في الحكم؛ لتقارب موضوعهما، أو لصدق اسم الشهيد عليهما؛ لتقارب أحكامهما، ولإطلاق «سبيل الله» على سبيلهما إطلاقاً شائعاً من غير إنكارٍ.

وأوجب بعض أصحابنا تغسيلَ الشهيد المجنب عن الجنابة(4)لما ورد من تغسيل الملائكة لحنظلة لخروجه جنباً(5)، وما ورد أنّ الميّت إذا كان جنباً غُسّل غسلاً آخَر(6).

وهو ضعيف؛ لعدم دلالة تغسيل الملائكة على وجوبه علينا ولعدم مقاومة الخبر للأخبار الأُخَر، عموماً وخصوصاً، الدالّة على الاجتزاء بغسل واحد لمن مات جنباً(7).

والظاهر أنّه لا فرق بين الموجود في المعركة وعليه أثر القتل وبين مَنْ لم يكن عليه؛ عملاً بالظاهر، وإن كان الأصل عدم قتله؛ لافتقاره إلى أسباب متكثّرة، و الأصل عدمها، بخلاف الموت حتف الأنف، فالظاهر هنا العمل بالظاهر.

وكذا لا فرق بين مَنْ قتل نفسه أو قتله غيره إنسان أو حيوان، أو مات للخوف والدهش؛ لما ورد أنّ رسول الله لم يغسّل رجلاً قتل نفسه(8).


1) لم نعثر عليها.

2) وسائل الشيعة 2: 509 - 510، الباب 14 من أبواب غسل الميّت، ح 7 و 9.

3) مستدرك الوسائل 2: 179، الباب 14 من أبواب غسل الميّت، ح 5.

4) حكاه المحقّق الحلّي في المعتبر :1: 310 عن ابن الجنيد والسيّد المرتضى في شرح الرسالة له.

5) وسائل الشيعة 506:2، الباب 14 من أبواب غسل الميّت، ح 2.

6) المصدر: 541، الباب 31 من أبواب غسل الميّت، ح 6 - 8.

7) المصدر : 539 - 540 ،ح 1 - 5

8) سنن أبي داود 3: 21، ح 2539.

ولا يبعد إلحاق الصغير والمرأة وإن لم يكونوا من المجاهدين إذا كانوا من أهلهم وأتباعهم بهم؛ لما ورد من دفن طفل الحسين(عليه السلام)هكذا(1)، وكذا بعض أطفال بدر(2)، ولفتوى المشهور على الظاهر.

وأمّا غير الأتباع من المارّين والناظرين فيجب تغسيلهم على وفق القاعدة.

ومَنْ لم يوجد فيه أثر القتل من الأطفال والنساء فلا يبعد عدم وجوب تغسيله، إلّا أنّ الأحوط التغسيل.

الخامس: أن لا يمنع مانع من تغسيله، إمّا لتناثر جسمه، أو لتفاصل أعضائه، أو لتشقّق جلده عند تغسيله بالماء، فإنّه متى كان كذلك وجب التيمّم كتيمّم الحيّ العاجز؛ لعموم البدليّة وإن كان في شمول أدلّة التيمّم لمثل هذا نوع خفاء، ولفتوى الأصحاب، وللاحتياط، وللخبر الأمر بالتيمّم في مجدور خيف عليه إذا غُسّل من الانسلاخ(3)، المنجبر بالعمل والفتوى.

وهل يجب تيمّم واحد أو ثلاث؟ قولان أقواهما :كفاية الواحد، وأحوطهما: الثلاث عن كلّ غسل تيمّم؛ بناءً على أنّها أغسال ثلاثة، لا أنّ المجموع غسل واحد.

و يلحق بما ذكرنا ما إذا لم يمكن تغسيله لبرد أو لفقد الماء أو لخوف من حيوان أو تقيّة من إنسان، أو لعدم معرفة بالغسل، أو لفقد الغاسل السائع التغسيل منه، فإنّه في ذلك كلّه يُتيمَّم؛ للاحتياط والعموم وفتوى الأصحاب.

رابعها:فی أنّ بعض الميّت ممّا فيه الصدر أو الصدر نفسه يُغسَّل ويُكفّن ويُصلّى عليه

بعض الميّت ممّا فيه الصدر أو الصدر نفسه يُغسَّل ويُكفّن ويُصلّى عليه؛ للإجماع المنقول(4)، وللمعتبرة الناصّة على وجوب الصلاة على النصف الذي فيه القلب، كما في الصحيح(5)، أو مطلق العضو الذي فيه القلب، كما في الخبر الآخَر(6)، أو على الصدر واليدين، كما في الخبر الثالث (7)، أو على العظم من دون اللحم، كما في الحسن(8)، أو على العضو التامّ، كما في الخبر(9).


1) راجع ذكرى الشيعة 1: 322.

2) راجع ذكرى الشيعة 1: 322.

3) وسائل الشيعة 2 :513، الباب 16 من أبواب غسل الميّت، ح 3.

4) رياض المسائل 462:1

5) وسائل الشيعة 3: 136 الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة، ح 6.

6) المصدر: 138 ، ح 12

7) المصدر: 135، ح 4.

8) المصدر: 134 - 135 ، ح 1.

9) المصدر: 137، ح 9.

وإيجاب الصلاة لازم لوجوب التغسيل والتكفين بالأولويّة، أو بالإجماع المركّب على ما يظهر، وإيجابها على العضو المشتمل على العظم أو على مجرّد العظم يفيد بالأولويّة شموله للصدر؛ لأنّه محلّ العلم والاعتقاد، أو يشمله بنفسه، وإن خرج غيره بالدليل والتخصيص حتّى ينتهي إلى الواحد لا بأس به عند قيام الدليل عليه.

ويدلّ على ما ذكرناه أيضاً فتوى الأصحاب، وعموم« لا يسقط»(1)و «ما لا يدرك»(2).

ولايتفاوت بين الصدر المجرّد عن اللحم أو المكسيّ، لإطلاق النصّ والفتوى، ولا بين حلول القلب فيه بالفعل وبين عدمه؛ لظهور الأخبار وكلام الأصحاب في المنشئيّة دون الفعليّة.

ومثل الصدر مجموع عظام الميّت لو وُجدت، فإنّه يجري عليها الحكم كما يجري على الصدر الذي من جملتها هو؛ لصحيح عليّ بن جعفر، الآمر بالتغسيل والتكفين والصلاة والدفن للعظام المجرّدة من أكيل السبع والطير الباقية عظامه(3)، ولكثير من الأدلّة السابقة.

ويقوى إلحاق القلب المجرّد عن الصدر به فى وجوب التغسيل وما بعده.

و الأحوط إلحاق بعض الصدر بالصدر وإن قلّ إذا كان فيه عظم، وكذا إلحاق ما اشتمل على القلب من غير الصدر من الجانبين أو القفا في وجهٍ.

و أمّا بعض الميّت غير الصدر فإن كان لحماً مجرّداً عن عظم - وإن كثر - سقطت عنه جميع الأحكام، ما عدا اللفّ بخرقةٍ والدفن فقد أوجبهما بعضٌ(4)، ولا بأس به، احتراماً للمؤمن، سواء أُخذ من حيّ أو من ميّت. ولا عبرة بالقِطَع الصغار المبانة من حيٍّ أو ميّتٍ.

وإن كان عظماً مكسيّاً لحماً من ميّت وكان عضواً تامّ، أو بعض عضو ممّا يُعتدّ به، وجب غسله وتحنيطه إن كان فيه من مواضع الحنوط ، وتكفينه بالثلاث إن كان من المواضع التي تصل إليها الثلاث، و إلّا فباثنتين، و إلّا فبواحدة.

كلّ ذلك للاحتياط والاحترام؛ ولأنّه بعض من جملتها يجب تغسيلها، فيجري حكم الجملة للأبعاض ، ولفحوى ما جاء من الصلاة على العضو التامّ (5)، وإن لم نقل بوجوبه ؛ لمعارضته


1) تقدّم تخريجه في ص 208 الهامش (6).

2) تقدّم تخريجه في ص 208 الهامش (7). 2.

3) وسائل الشيعة 3 134 - 135، الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة، ح 1.

4) المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 30.

5) وسائل الشيعة 3 :137، الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة، ح 9.

بالأخبار(1)النافية لذلك، المؤيّدة بفتوى المشهور والأصل، والأخبار(2)الدالّة على تخصيص الصلاة على الصدر أو ما فيه الصدر.

ولكن يكفي في الإشعار به ثبوت استحبابه وللإجماع المنقول(3)على إجراء أحكام الميّت ما عدا الصلاة عليه.

وإن كان العظم مجرّداً وكان جزءاً يسيراً من عظم مكسيّ، أو مجرّد غير مكسيّ، أو كان العظم المكسيّ مباناً من حيّ لا من ميت، أو كان المجرّد كذلك، فلا يخلو من إشكالٍ، والأحوط فيما عدا السنّ وبعض العظام الصغار الواقعة من الحيّ: التغسيل واللفّ بخرقةٍ والدفن، بل الأحوط التكفين والتحنيط إذا كان في محالّ الكفن والحنوط.

خامسها: في كيفيّة الغسل المیّت

وفيه أُمور:

أحدها: يستحبّ توضئة الميّت قبل غسله على نحو وضوء الصلاة؛ للخبر(4)، وفتوى المشهور، وللاحتياط عن القول بوجوبه، لقوله(عليه السلام):« كلّ غسل معه وضوء»(5)وإن كان القول بالوجوب -مع خلوّ الأخبار البيانيّة عنه، ومع عدم اشتهاره وبيانه مع توفّر الدواعي لبيان حكمه، ومع ترك ذكره له(عليه السلام) مع سؤاله عنه في الصحيح أو كالصحيح، حيث قال بعد السؤال عنه: «تبدأ بمرافقه»(6)ومع ما عن المبسوط من نقل الإجماع على ترك العمل بما دلّ على الوضوء(7)- ضعيف جدّاً، ولكنّه لا ينافي الاحتياط.

وقيل بعدم المشروعيّة والتحريم(8)لعدم دليلٍ قويٍّ عليه، ولأصالة العدم، ولتشبيهه بالجنابة، ولا وضوء مع الجنابة.


1) منها ما في وسائل الشيعة 3: 136، الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة، ح 7.

2) المصدر : 135 و 136، ح 4 و 5.

3) ریاض المسائل 464:1

4) وسائل الشيعة 2: 492، الباب 6 من أبواب غسل الميّت، ح 2.

5) المصدر: 248، الباب 35 من أبواب الجنابة، ح 1 و 2.

6) المصدر : 483 ، الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 7.

7) المبسوط 1: 178 - 179

8) الخلاف 1: 693، المسألة 472.

وهو ضعيف؛ لوجود دليل الندب وإن فُقد دليل الوجوب وتشبيهه بغسل الجنابة منصرف للأُمور الداخلة فيه لا الخارجة عنه، ولو سلّمنا العموم لحكمنا الخصوص.

ثانيها: تجب النيّة في كلّ غسلة من الأغسال؛ لأنّها عبادة والأصل في كلّ مأمور به أن يكون عبادة مفتقراً للنيّة؛ لأنّ الشكّ فيها شكّ في الجزئيّة، وهو يعود للشكّ في الماهيّة، وأسماء العبادة موضوعة للصحيح على الصحيح ولعمومات النيّة الظاهرة في إرادة القربة والقصد، خرج ما خرج وبقي الباقي ، ولتشبيهه بغسل الجنابة، وللإجماع المنقول(1).

ومقتضى الاحتياط وشغل الذمّة: الإتيان بالنيّة عند الابتداء بالأغسال، ومع كلّ غسل؛ للشبهة الحاصلة من التعدد والوحدة.

ويتولّاها الغاسل بنفسه اتّحد أو تعدّد، فإن اشتركوا اشتركوا، وإن اختص كلّ واحد بعضو أو كلّ واحد بغسل اختصّ بالنيّة، والصابّ والمقلّب يتولّى الصابّ منهما النيّة؛ لأنّه الغاسل. والصابّ ومتولّي الإجراء يتولّى المتولّي منهما النيّة، والأحوط تولّي الاثنين.

وهل يشترط نيّة الوجه من الوجوب أو الندب، أو نيّة رفع حدث الموت أو رفع خبث البدن، أو غير ذلك من الوجوه أم لا يشترط؟ وجهان، أقواهما: العدم. ثالثها: تجب طهارة ماء الغسل من الخبث إلى حين اتّصاله بالبدن وإن تنجّس بعد ذلك كماء الغسالة؛ للاحتياط، بل والإجماع على الظاهر.

ويشترط طهارة بدن الميّت من نجاسةٍ خارجيّة قبل غسل المحلّ المتنجّس، فلا يجدي غسله في تطهيره عن الموت مع بقاء النجاسة على بدنه، ولا يجدي غسله عن خبث الموت وعن النجاسة دفعةً واحدة.

وبالجملة، يلزم إجراء الماء على محلٍّ خالٍ عن النجاسة الخارجيّة وإن كان بدن الميّت لا ينفكّ عن النجاسة قبل الغسل.

ولا يتفاوت في وجوب الإزالة بين القول بجواز ارتفاع نجاسة دون أُخرى، وبين القول بعدمه؛ لظاهر الإجماعات المنقولة(2)، ولظاهر الأخبار الآمرة بالتنقية للفرج، وبغسل النجاسة الخارجة عنه(3)، وللاحتياط.


1) الخلاف 1: 702-703، المسألة 492.

2) تذكرة الفقهاء 1: 350 المسألة 122؛ نهاية الإحكام 2: 223

3) وسائل الشيعة 2: 480، الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 3، و 542 - 543، الباب 32 من تلك الأبواب، الأحاديث 1، 2 و 5.

وهل يجب غَسْل النجاسة قبل الابتداء بالغُسل، أم لا يجب ؟ والقول بالوجوب هو الموافق لفتوى المشهور وظاهر الإجماع المنقول(1)، وللاحتياط، ولبعض الأخبار الآمرة بالغسل والتنقية للفرج قبل الغسل(2)، ولا فارق بين بعض النجاسات دون بعض، ولتشبيه غسل الميّت بغسل الجنابة المأمور فيه بغسل الفرج قبل الغسل الظاهر في الوجوب، كما أفتى به بعض الأصحاب(3)، و ربما كان القول به لا يخلو من قوّة.

رابعها: يجب ستر عورة الميّت عند غسله وفي جميع حالاته إجماعاً، وربما تشملها نواهي النظر إلى العورة، ويلحق بالنظر اللمس

والأحوط استقبال القبلة به عند تغسيله كهيئة استقبال المحتضر؛ للأمر به في الأخبار(4)وجملة من كلام الأصحاب.

و لولا درجه في المندوبات وقوله(عليه السلام)في خبر يعقوب: «يوضع كيف تيسّر»(5)وفتوى المشهور بالاستحباب ،لكان القول بالوجوب متوجّهاً.

خامسها: يجب الترتيب في غسل الميّت بتقديم الرأس ثمّ الجانب الأيمن ثمّ الأيسر ؛ للإجماع المنقول(6)، وفتوى الفحول، والأخبار الآمرة بالترتيب بين الأعضاء (7).

وهل يجزئ الارتماس في الكثير الذي لا ينفعل بالملاقاة، أم لا يجزئ؟ وجهان، أقواهما: الإجزاء؛ لمشروعيّة الترتيب في غسل الجنابة، وتشبيهه به في النصّ(8)والفتوى، وأحوطهما: العدم؛ لعدم المعهوديّة.

والظاهر أنّه لا إشكال في جواز رمس الأعضاء مرتّباً لها؛ لإطلاق النصّ والفتوى بالأمر بالغسل، وما جاء من الصبّ والإفاضة وشبهها وارد مورد الغالب.

ولا ترتيب في أجزاء العضو الواحد.


1) راجع الهامش (2) من ص 379.

2) وسائل الشيعة 2: 480 الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 3.

3) العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 211

4) وسائل الشيعة 2 : 480 - 481 ، الباب 2 من أبواب غسل الميت ، ح 3 و 5.

5) المصدر : 491 ، الباب 5 من أبواب غسل الميّت، ح 2.

6) الانتصار: 130، المسألة 29 الخلاف 1: 693 - 694، المسألة 474.

7) وسائل الشيعة 2 480 - 482، الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 3 و 5.

8) المصدر : 486، الباب 3 من أبواب غسل الميت، ح 1.

سادسها: تجب أغسال ثلاثة؛ لفتوى الأصحاب، وظواهر الإجماعات المنقولة(1)في الباب، و ظواهر الأوامر في الأخبار(2)، والتأسيّ بفعل الأئمّة الأطهار(عليهم السلام).

خلافاً لسلّار فلم يوجب إلّا غسلاً واحداً بماء القراح(3)للأصل، لتشبيهه بغسل الجنابة(4)، والتعليل بخروج النطفة منه(5)، وقوله(عليه السلام)في الجنب إن مات «ليس عليه إلا غسلة واحدة»(6).

والكلّ ضعيف؛ لانقطاع الأصل، وتخصيص التشبيه بما مرّ، و إرادة التشبيه في الكيفيّة، والتعليل تعليل لأصل مشروعيّة الغسل من غير تعرّضٍ للوحدة والتعدّد، و المراد بالغسلة الواحدة في الخبر المقابلة للاثنتين، واحدة للجنابة والأُخرى للموت، أو لصدق الغسلة على الثلاث لكونها بمنزلة الواحدة.

سابعها: يجب في الأُولى أن تكون بالسدر، والأُخرى بالكافور، والأُخرى بالقراح؛ لفتوى المشهور، وللاحتياط، وللأخبار الآمرة بذلك.

كقوله(عليه السلام): «اغسله بماء وسدر، ثمّ اغسله على أثر ذلك غسلة أُخرى بماء كافور وذريرة(7)إن كانت، واغسله ثالثة بماء قراح»(8).

وقوله(عليه السلام)في خبر الحلبي: «يغسّل الميّت ثلاث غسلات مرّة بالسدر، ومرّة بالماء يطرح فيه الكافور، ومرّة أُخرى بماء القراح»(9).

واستحبّ الخليطَ جماعةٌ(10)للأصل، والتشبيه بغسل الجنابة، وخلوّ بعض الأخبار عن ذكر السدر كخبر الكاهلي(11)، وتبديله بـ«الحرض» في خبر أبي العبّاس (12).


1) المعتبر 1: 265 مدارك الأحكام 2: 79؛ الحدائق الناضرة 3: 444.

2) راجع وسائل الشيعة 2 :479 الباب 2 من أبواب غسل الميّت.

3) المراسم: 47.

4) راجع الهامش (8) من ص 380

5) وسائل الشيعة 2: 487، الباب 3 من أبواب غسل الميّت، ح 2

6) المصدر: 540 الباب 31 من أبواب غسل الميّت، ح 4.

7) الذريرة: فتات قصب الطيب لسان العرب 3: 307، «ذر ر».

8) وسائل الشيعة 2 :479، الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 1.

9) المصدر: 481 ح 4.

10) منهم: ابن حمزة في الوسيلة: 64 ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 51

11) وسائل الشيعة 2: 481 - 482، الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 5.

12) المصدر: 484، ح 9.

والكلّ ضعيف؛ لانقطاع الأصل، والتخصيص لتشبيهه بغسل الجنابة بما مرّ، وعدم الذكر للسدر ليس ذكراً لعدمه، فلا يعارض ما قدّمنا.

ثامنها: يجب الترتيب في الأغسال؛ للفتوى والرواية(1)، والاحتياط، وللتأسيّ بأصحاب الشريعة، فلو أخلّ عامداً أعاد.

و احتمال الاجتزاء لحصول التنظيف لا يوافق الفتوى والرواية والاحتياط، ومع السهو وجه، ولكنّه غير منافٍ للاحتياط.

تاسعها: يجب في الخليط أن يكون معتدّاً به في ممازجة الماء، بحيث يصدق عليه الغسل بالسدر، والغسل بماء السدر والغسل بماء وسدر. وكذا الكافور. ويجب أن يكون ممروساً أو مطحوناً بحيث يؤثّر في البدن من ممازجته تنظيفاً، كغسل الثياب بالأُشنان والصابون ونحوهما، فلا يكفي مسمّى الخليط مع عدم التأثير، خلافاً لمن اجتزأ بالمسمّى؛ لأنّ الظاهر من الأخبار خلاف ذلك، والظاهر منها إرادة التأثير، والشكّ في مثل هذا المقام كافٍ.

وهل يشترط بقاء الإطلاق في الماء، أم لا؟ وجهان، أقواهما وأحوطهما: الاشتراط؛ للشكّ في حصول الامتثال مع سلب الإطلاق عنه، ولتشبيهه بغسل الجنابة في الأخبار(2)، ولظاهر الصحيح الآمر بغسله بماء وسدر وبماء وكافور(3)، وليس في الإطلاق دلالة على جواز سلب الإطلاق عن الماء؛ لانصرافه إلى المعهود الغير المسلوب غالباً، كما أنّه ليس في التعبير بماء السدر والكافور دلالة على الاجتزاء بالمضاف أو قصره عليه، وذلك لأنّ الإضافة هاهنا لتمييز فردٍ من المطلق عن غيره، لا لبيان النوع الخاصّ، كإضافة المياه المضافة.

وذهب بعضٌ (4)إلى الاجتزاء بمسلوب الإطلاق للإطلاق، ولظاهر بعض الروايات الآمرة بغسل رأسه بالرغوة(5)، وهي من المياه المضافة.


1) راجع الهامش (8) من ص 381.

2) راجع الهامش (11) من ص 381.

3) وسائل الشيعة 2: 483، الباب 2 من أبواب غسل الميت، ح 6.

4) كالعاملي في مدارك الأحكام 2: 82.

5) وسائل الشيعة 2: 480، الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 3.

وفيه: أنّ هذا الغسل ليس من الغسل، بل الغسل بما تحت الرغوة، ولا نسلّم إضافته سيّما مع خلطه بماءٍ آخَر كما يظهر من الخبر.

وظهر أيضاً ضعف القول باشتراط سبع ورقات من السدر(1)، أو اشتراط رطل منه(2)، أو رطل ونصف(3)، أو نصف مثقال من الكافور(4)، أو غير ذلك؛ لضعف دليلهم عن مقاومة ما ذكرناه.

عاشرها: لو فُقد الخليطان أو أحدهما، قوي القول بوجوب ماء القراح بدله؛ للاحتياط، ولعموم «لا يترك»(5)ولظهور إرادة التنظيف مهما أمكن، وظهور الأمر بتعدّد المأمور به في بعض الأخبار، كقوله(عليه السلام): «بماء وسدر »(6)فلا يسقط المقدور بغير المقدور.

وذهب بعضٌ(7)إلى سقوط الغسلة بتعذّر الخليط؛ لاستلزام فوات الجزء فوات الكلّ، وفوات القيد فوات المقيّد.

وفيه: ما قدّمنا.

ولو غُسِّل بماء القراح لتعذّر الخليط، فإن وجده بعد الدفن فلا إعادة، وإن وجده قبل الدفن و الإنزال للقبر أعاد على الثلاث؛ للاحتياط، والشكّ في الإجزاء.

ويحتمل مضيّه مطلقاً؛ لظهور الأمر في الإجزاء.

ويحتمل الإعادة على الغسلة بالخليط دون القراح.

ويحتمل التفصيل بين تكفينه فلا إعادة، وعدمه فالإعادة.

والقول بوضع ما شابه السدر أو الكافور مكانهما عند تعذّرهما لا بأس به.

حادي عشرها: يراد بالقراح الخالص عن الخليطين قطعاً، وهل يشترط خلوصه عن كلّ خليط من أُشنان أو طين ونحوهما، أم لا؟ وجهان، أقواهما: العدم؛ لانصراف القراح للخالص منهما، أي الخليطين وأحوطهما: تخليصه عن كلّ ما يشوبه.


1) راجع تذكرة الفقهاء 1: 352 الفرع «أ» من المسألة 125؛ وروض الجنان 1: 268.

2) راجع المقنعة: 74.

3) راجع المهذب 56:1.

4) راجع المراسم: 47.

5) تقدّم تخريجه في ص 208، الهامش (7).

6) وسائل الشيعة 2 :479، الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 1.

7) كالمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 30.

ثاني عشرها: يندب تغسيل الميّت على ساجة؛ لفتوى الأصحاب، وللقرب لتنظيفه مهما أمكن، وفي حكم الساجة ما ماثلها.

ويندب تغسيله تحت الظلال؛ للخبر (1).

ويندب نزع قميصه من تحته؛ للخبر(2)، وفتوى الأصحاب.

ويندب غسل رأسه برغوة السدر أوّلاً، وغسل فرجه بماء السدر والأُشنان؛ للخبر(3)، وفتوى الأصحاب. وغسل يديه ثلاثاً من رؤوس الأصابع إلى نصف الذراع.

ويندب الابتداء بشقّ رأسه الأيمن ثمّ الأيسر؛ للخبر(4)، وفتوى الأصحاب.

ويندب تثليث كلّ غسلة في كلّ عضو؛ للخبر(5)، وفتوى الأصحاب.

ويندب مسح بطنه في الغسلتين الأوّلتين برفق، إلّا الحامل فيكره؛ للخبر(6)، وفتوى الأصحاب.

القول في الغاسل

وفيه أمور:

أحدها: فی أنّ أولى الناس بتغسيل الميت هو الوليّ العرفي

أولى الناس بتغسيل الميت هو الوليّ العرفي؛ للأخبار الدالّة على أنّه يصلّي على الجنازة أولى الناس بها(7)، المعتضدة بسيرة المسلمين وعمل الأصحاب وفتواهم، ولا فارق بين الصلاة وغيرها.

وللأخبار الدالّة على أنّ الميّت يغسّله أولى الناس به(8).

ولقوله تعالى: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض(9).


1) وسائل الشيعة 2 :538 - 539 ، الباب 30 من أبواب غسل الميت، ح 1 و 2.

2) المصدر 3: 8 الباب 2 من أبواب التكفين، ح 8.

3) المصدر :2 480 - 482 الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 3 و 5.

4) المصدر: 481 - 482، ح 5

5) المصدر: 480 - 481، ح 3.

6) المصدر: 481 - 482 الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 5، و 492، الباب 6 من تلك الأبواب، ح 3.

7) المصدر :3: 114 الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة، ح 1 و 2.

8) المصدر :2 535 الباب 26 من أبواب غسل الميت، ح 1 و 2.

9) الأنفال (8): 75

والوليّ عرفاً مع تعدّد الطبقات هو أولى الناس بالميراث، كما نطق به الأصحاب، و دلّت عليه بعض أخبار الباب(1)، فالمقدّم في الميراث هو المقدّم في الولاية، ومع التساوي في الطبقة يقدّم الوليّ عرفاً أيضاً إما لزيادة نصيبٍ أو زيادة علقةٍ ونحوها من عيلولة ووجوب نفقة وشفقة، فالأب أولى من الابن، والولد أولى من الجدّ، و الجدّ أولى من الأخ والأخ من الأبوين أولى من الأخ لأحدهما، والأخ من الأب أولى من الأخ للأُمّ، والعمّ أولى من الخال، والعمّ للأبوين أولى من العمّ لأحدهما، والعمّ للأب أولى من العمّ للأُمّ، وكذا الكلام في الخال، والقرابة أولى من المعتق، والمعتق أولى من ضامن الجريرة، وضامن الجريرة أولى من الإمام، والإمام أولى من عدول المسلمين، والذكر في كلّ طبقة أولى من الأُنثى، والزوج أولى بزوجته إذا كان حُرّاً وكانت زوجة دائمة، وفي إلحاق المتمتّع بها وجه قويّ، والمالك أولى بمملوكته.

ولو كانت الأمة تحت زوج، فهل الزوج أولى أو المالك أو متساويان ؟ وجوه ، أقواها : الوسط؛ إذ لا ولاية للعبد وإن قرب والولاية للحُرّ وإن بَعُدَ على الأقوى والأظهر.

ولو تساوى الأولياء في كلّ شيء كالولدين أو الأخوين، فلا يبعد تقديم الأكبر. ويحتمل الرجوع للقرعة.

ولا ينافي الوجوب الكفائي عدم جواز التقدّم على الولي و أحقّيّة الوليّ من غيره؛ إذ لا مانع من تعلّق الخطاب بسائر المكلّفين كما هو معقد الإجماع بين المسلمين، ومع ذلك لا يصحّ منهم إلّا مع إذن الولي، فلو لم يأذن وأراد المباشرة أو أذن لواحدٍ معيّن لم يصحّ من الفاعل، ومع امتناعه عن الإذن والمباشرة يسقط حقّه.

وبالجملة، فإذن الولي من شرائط الصحّة لا من شرائط الوجوب، فالغسل واجب على كافّة الناس وليّاً أو غيره، إلّا أنّ غيره مشروط صحّة فعله بإذن الولي وبعدم التقدّم عليه إذا أراد المباشرة بنفسه أو بمن يحبّه، فلا حاجة إلى تكلّف أنّ الخطاب مرتّب فيجب أوّلاً على الوليّ عيناً ثمّ على سائر المكلّفين كفايةً لدفع شبهة أنّ الواجب الكفائي ما تساوى به المخاطبون به من دون أولويّةٍ و تقديمٍ، ولما ورد في الأخبار من خطاب الوليّ بأكثر أحكام الميّت(2)وذلك


1) راجع الهامش (8) من ص 384

2) وسائل الشيعة 2: 535، الباب 26 من أبواب غسل الميّت؛ و 3: 114 ، الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة، ح 1، 2 و 200 - 202 الباب 35 من أبواب الدفن، ح 1 و 3.

لاندفاع الشبهة بما ذكرنا، ولإرادة بيان الأولويّة من خطاب الأولياء، جمعاً بين الخطابات العامّة والخطابات الخاصّة والإجماعات المنقولة(1)بل والمحصلة على الوجوب كفايةً.

وعلى ما ذكرنا فلو امتنع الولي عن الإذن والعمل لا يتعلّق به إجبار من الحاكم بخصوصه؛ لأنّ حقّ التقدّم له وقد أسقطه.

ولو كان القريب كافراً حجب عن الولاية؛ إذ لا ولاية لكافرٍ.

ولو كان قاتلاً، فالظاهر بقاء ولايته وإن لم يرث.

ثانيها: اشتراط المماثلۀ أو المحرمیّۀ فی تغسیل المیّت

يشترط في المباشر للتغسيل المماثلة أو المحرميّة، فلا يغسل الرجل إلّا رجل أو أحد محارمه من النساء، وكذا المرأة.

فلو لم يجد ذلك سقط التغسيل لفتوى المشهور والإجماع المنقول(2)، والأخبار، ففي الصحيح: في الرجل يموت في السفر في أرض ليس معه إلّا النساء، قال: «يدفن ولا يغسّل، والمرأة تكون مع الرجال بتلك المنزلة تدفن ولا تغسّل»(3).

خلافاً للمفيد فأوجب الغسل من وراء الثياب مع تغميض العينين(4)لأخبار شاذّة(5)لا تعارض ما تقدّم. وحملها على الندب وجه جمع.

والظاهر سقوط التيمّم أيضاً؛ لعدم الأمر به في الأخبار المعتبرة في مقام البيان، ولاتّحاد المانع، وفي بعض الأخبار ما دلّ على الأمر به(6)، وفي بعضها: التغسيل من وراء الثياب مطلقاً(7). وفي ثالث: تغسيلهنّ من مواضع التيمّم(8)، وفي رابع: تغسيلهنّ من مواضع الوضوء(9)، وفي خامس: تغسيل كفّيها (10)، وفي سادس: توزيره للركبتين ويصببن عليه الماء صبّاً إذا كان الميّت رجلاً(11).


1) غنية النزوع 1: 101؛ المعتبر 1: 264 تذكرة الفقهاء 1: 345، المسألة 116

2) الخلاف 1: 698، المسألة 485

3) وسائل الشيعة 2 :521 الباب 21 من أبواب غسل الميّت، ح 4.

4) هو قول ابن زهرة في غنية النزوع 1: 102؛ وراجع المقنعة: 87.

5) وسائل الشيعة 2 : 524 - 525 ، الباب 22 من أبواب غسل الميّت . ح 5 و 9.

6) المصدر: 524، ح 4.

7) راجع الهامش ( 5 )

8) وسائل الشيعة :2 :522 ، الباب 22 من أبواب غسل الميّت، ح 1.

9) المصدر: 525، ح 6.

10) المصدر، ج 8.

11) المصدر: 523 - 524، ح 3.

والكلّ شاذّ ضعيف، طرحه أولى من حمله على الندب.

ثالثها: جواز تغسیل الرجل أو المراۀ للصلبی أو الصبیّۀ إذا کانا ابنی ثلاث سنین فنازلاً

يستثنى من الحكم المتقدّم الصبيّ والصبيّة إذا كانا ابني ثلاث سنين فنازلاً، فإنّه يصحّ غسلهما من المماثل وغيره مجرّداً ومن وراء الثياب؛ لفتوى الأصحاب، وللأخبار(1)الدالّة على الجواز في الصبيّ و الصبيّة مطلقاً، والأخبار(2)المحدّدة للصبيّ إلى ثلاث سنين، وظاهرها أنّ الغاية هي الثلاث، وضعفها مجبور بفتوى الأصحاب، وبالاستصحاب لجواز النظر إليهما مطلقاً حتّى إلى العورة في حال الحياة بالنسبة إلى الصبيّ، فكذا بعد الوفاة، ويزيده في الصبيّ أنّ تربيته للنساء وهو ملازم للنظر إليه مطلقاً.

وفي القول بجواز التغسيل للصبيّ من النساء وللصبيّة من الرجال إلى بلوغ الخمس سنين قوّة، سيّما مع عدم وجود المماثل، و سيّما مع إمكان عدم النظر إليه كأن تغسّله من وراء الثياب وإمكان عدم لمسه؛ ولعموم أدلّة وجوب الغسل، خرج منه الرجال للنساء والعكس، ويبقى الباقي.

ويؤيّده: جواز النظر إليهما في حال الحياة فليستصحب ذلك إلى ما بعد الوفاة، لنقل الإجماع على جواز النظر إلى الصبيّة(3)، فالصبيّ بالطريق الأولى، بل ربما يدّعى السيرة القطعيّة عليه.

نعم، يحرم النظر إلى عورتيهما؛ لعموم تحريم النظر إلى العورة، إلّا ما خرج بالدليل.

وفي المرويّ في الفقيه والذكرى من أنّ الصبيّة إذا كانت أقلّ من خمس يغسّلها الرجل(4)،وكذا المرويّ في غيرهما(5)ما يدلّ على ما ذكرناه.

ولكنّ الأحوط تجنّب ذلك إلّا مع فقد المماثل، ومع فقده فالأحوط كون التغسيل من وراء الثياب وعدم اللمس من غير حاجب بين يدي الغاسل والجلد.

رابعها: جواز تغسيل الرجل للمرأة إذا كان محرّماً عليها وكذا العكس

جواز تغسيل الرجل للمرأة إذا كان محرّماً عليها مؤبّداً بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وكذا العكس إجماعيّ لا إشكال فيه في الجملة، إنّما الإشكال في جواز ذلك مطلقاً أو مع فقد المماثل، وجوازه مجرّداً فيما عدا العورة أو من وراء الثياب.


1) منها : ما في وسائل الشيعة 2 : 527 ، الباب 23 من أبواب غسل الميّت ، ح 2 .

2) منها ما في المصدر: 526. ح 1.

3) الحدائق الناضرة 3 :397

4) الفقيه 1: 155، ذيل الحديث 429 ؛ ذكرى الشيعة 1: 307

5) المقنع: 62.

وظاهر فتوى المشهور نقلاً(1)بل تحصيلاً اختصاص ذلك بحال الضرورة، سيّما في تغسيل الرجال للنساء، وكذا ظاهر الأخبار؛ لأنّها بين ما هو صريح في منع تغسيل الرجال للنساء، كقوله :« لا يغسل الرجل المرأة إلا أن لا توجد امرأة»(2)وبين ما هو مرخص لذلك على طبق السؤال(3)، والسؤال مورده حال الضرورة، وكذا في تغسيل النساء للرجال، فإنّ الرخصة في الأخبار وردت على طبق السؤال، وهو وارد مورد الضرورة وعدم المماثل، فيُفهم من الأسئلة حينئذ أن التغسيل في حال الاختيار ممنوع عنه ذلك اليوم، ولو كان جوازه معروفاً لما قيد السؤال في الأخبار في حال الاضطرار المشعر بمعرفة عدم جوازه حال الاختيار.

وكذا ظاهر فتوى المشهور والأخبار(4)المتكثّرة : أنّ التغسيل من وراء الثياب . ويؤيده الاحتياط، وأنّ التغسيل بهذا النحو من كيفيات الغسل وشرائطه، وما شكّ في شرطيته شرط في مقام العبادة.

وعلى تلك الأخبار والفتوى يُحمل ما جاء من الأمر- في الصحيح - بتغسيل النساء لمن لم يكن عنده مَنْ يغسّله إلّا النساء(5).

وذهب جمع من أصحابنا(6)إلى عدم التقييد بفقد المماثل، وعدم اشتراط كونه من وراء الثياب؛ استناداً لإطلاق الصحيح المتقدّم(7)بالنسبة إليهما،والصحيح: عن الرجل في السفر ومعه امرأته يغسّلها؟ قال: «نعم، وأُمّه و أُخته ونحو هذا، يلقى على عورتها خرقة»(8)، والخبر: «إذا كان معه ذوات محرم يؤزرنه ويصببن عليه الماء جميعاً ويمس ويمسسن جسده ولا يمسسن فرجه »(9)بالنسبة إلى اشتراط كونه من وراء الثياب.


1) رياض المسائل 1: 471.

2) وسائل الشيعة 2: 519، الباب 20 من أبواب غسل الميّت، ح 10.

3) المصدر: 517 - 519 ، ح 3 - 8،6 و 9.

4) المصدر، ح 4، 5 و 9.

5) المصدر: 517 ، ح 3.

6) منهم: السبزواري في كفاية الفقه 1 :34 والعاملي في مدارك الأحكام 2: 65 .

7) آنفاً

8) وسائل الشيعة 2: 516 ، الباب 20 من أبواب غسل الميّت، ح 1.

9) المصدر: 519 ، ح 8.

ويؤيّد هذه الأخبار استصحاب حلّيّة النظر، وإطلاقات الأخبار العامّة، وتُنزَّل الأخبار الدالّة على الاشتراط على الندب، أو على وجود الأجانب، أو الخوف من وجودهم.

ولا يخلو هذا المذهب من قوّة لولا معارضته بفتوى المشهور وكثرة الأخبار سيّما أخبار اشتراط كونه من وراء الثياب(1).

نعم، الأخبار الدالّة على حال الاضطرار جُلّها أو كلّها في السؤال، فلربما يقلّ فيها الإشكال.

والمراد بالثوب هو ما كان ساتراً للبدن تعدّد أو اتّحد. والظاهر دخول المقنعة فيها؛ لأنّ ستر الرأس أهمّ.

ويغتفر بروز الوجه والكفّين و القدمين؛ لأغلبيّة ظهورهنّ من الثياب، وعدم التعرّض في الأخبار لوجوب سترهنّ، ولذكر القميص في بعض الأخبار(2)أيضاً.

نعم، لا يبعد إدخال القلنسوة للرجل في الثياب في هذا المقام وإن لم تدخل في غيره.

والظاهر أنّ طريق الغسل من وراء الثياب أن يبقى الثوب على جسده ملاصقاً له ويضع الماء عليه فيجري من تحته، ولا يضرّ كونه ساتراً؛ لأنّ المطلوب منه الستر في تحقّق الغسل، لجواز جريان الماء من تحت الساتر.

ويحتمل هنا كفاية الإصابة دون الجريان.

ويحتمل في الثوب الغليظ وجوب إدخال الماء فيه من الجيب لتحقّق الجريان.

ويحتمل أنّ المراد بالغسل فوق الثياب نشر الثوب عليه بحيث لا يماسّ جلده، ووضع الماء على الثوب بحيث يقع على الميّت، أو وضعه من تحته.

والظاهر أنّه لا بأس بجميع ما تقدّم.

ثمّ إنّه مع المماسّة فهل يطهر الثوب بالتبعيّة بعد الغسل، أو يحتاج إلى عصرٍ فقط، أو يحتاج إلى ماء وعصر جديدين؟ وجوه، أقواها: الأوّل؛ لترك بيان الغسل والعصر للثوب في الأخبار في مقام الحاجة إلى بيانه، ولأنّه لو بقي نجساً لنجس الميّت بعد طهره، ولا يقوله أحد.

خامسها: يجوز للمالك تغسيل مملوكته الغير مزوّجة و المعتدّة

يجوز للمالك تغسيل مملوكته الغير مزوّجة و المعتدّة؛ للأصل والعمومات وفتوى الأصحاب.


1) راجع الهامش (4) من ص 388.

2) وسائل الشيعة 2: 518، الباب 20 من أبواب غسل الميّت، ح 7.

وهل يجوز تغسيلها له؛ لأنّها في معنى الزوجة في إباحة اللمس والنظر، ولاستصحاب أحكام الملك، أو لايجوز؛ لانتقالها إلى غيره وانقطاع الاستصحاب، أو الفرق بين أُمّ الولد فيجوز؛ لعدم انتقالها إلى ملك آخَر، وانعتاقها لا يمنع استصحاب الحلّ حال الحياة وإن انقطعت العصمة كالزوجة بالنسبة إلى الزوج، ولما ورد من أنّ عليّ بن الحسين عليهما الصلاة والسلام أوصى بتغسيل أُمّ ولده له ؟(1)وجوه، أظهرها: الوسط، وفي الأخير قوّة في مقام تنعتق أُمّ الولد على ولدها، و أمّا في مقام لا تنعتق فضعفه غير خفيّ.

سادسها: جواز تغسیل دحد الزوجین للآخَر

يجوز لأحد الزوجين دواماً أو متعةً ما دامت الزوجيّة، أو في العدّة الرجعيّة تغسيل الآخَر في الجملة، بالإجماع والأخبار(2). إنّما الكلام أنّه هل يجوز اختياراً أو في حال الاضطرار، وهل يجوز مع التجريد حتّى للعورة، أو من فوق الثياب عورةً أو غيرها؟ والأظهر: الجواز مطلقاً على كلّ حال.

أمّا شموله لحال الاختيار والاضطرار ، فيدلّ عليه الأخبار(3)، وفتوى مشهور الأخيار، وعمومات الأدلّة الشاملة لجميع المكلّفين، فإن وقع تقييد في بعض الأخبار(4)فهو في كلام السائل ولا يجدي نفعاً لمن خصّه بحالة الاضطرار.

وأمّا شموله لحالتي التجريد ومن فوق الثياب فهو الموافق للاستصحاب وفتوى مشهور الأصحاب وجملة من إطلاقات أخبار الباب، بل التصريح في بعضها.

كقوله(عليه السلام)في الصحيح: عن الرجل يخرج في السفر معه امرأته يغسّلها؟ قال: «نعم»(5)وفيه تصريح بجواز التجريد للمرأة؛ لقوله بعد ذلك: «يلقي على عورتها خرقة».

وفي الصحيح الآخر: عن الرجل يصلح له أن ينظر إلى امرأته حين تموت أو يغسّلها، وعن المرأة هل تنظر إلى مثل ذلك من زوجها حين يموت؟ قال: «لا بأس بذلك»(6)وهو كالصريح في جواز التجريد لهما معاً؛ لإشعار سياق السؤال عن النظر في مثل هذا المقام من المرأة وسياق الجواب باتّحاد حكم التغسيل والنظر بالنسبة إليهما.


1) وسائل الشيعة 2 534 - 535 الباب 25 من أبواب غسل الميّت، ح 1

2) المصدر : 528 ، الباب 24 من أبواب غسل الميّت.

3) المصدر : 528 ، الباب 24 من أبواب غسل الميّت.

4) المصدر : 525 ، الباب 22 من أبواب غسل الميّت، ح 7.

5) المصدر : 516 ، الباب 20 من أبواب غسل الميّت . ح 1.

6) المصدر : 528 الباب 24 من أبواب غسل الميّت، ح 1.

وذهب جمعٌ من أصحابنا(1)إلى اشتراط كون تغسيل كلٍّ منهما للآخَر من وراء الثياب؛ للأخبار الآمرة بتغسيل الرجل زوجته من وراء القميص(2)، وفي بعضها: «من فوق الدرع»(3)وفي بعضها: «من وراء الثوب»(4)، وفي بعضها: «يدخل زوجها يده تحت قميصها»(5)والآمرة بعدم النظر إلى شعرها وشيء منها(6)، والأخبار(7)الآمرة بتغسيل الزوجة لزوجها من فوق الثياب أيضاً، فيحمل المطلق على المقيّد.

ويضعّف بأنّ الأخبار كما فيها المطلق فيها ما هو ظاهر في جواز التجريد، فيكون بين الأدلّة تعارض المتباينين، ومقتضى القواعد الترجيح للموافق للعمومات وفتوى المشهور. و للمخالف للعامّة ، وهو الجواز مطلقاً ، أو حمل ما دلّ على التغسيل من وراء الثياب على الاستحباب جمعاً بين الأدلّة، وربما يستشعر ذلك من الأخبار.

وأمّا ما ورد في الصحيحين(8)من جواز تغسيل الزوجة للزوج لأنّها منه في عدّة دون العكس لأنّها ليست منه في عدّة، فمطّرح، أو محمول على التقيّة أو الكراهة؛ لمعارضته لفتوى المشهور وإطلاق الأخبار.

وما جاء من تغسيل عليّ(عليه السلام)الفاطمة(عليها السلام)وحملها على الاضطرار لأنّ الصدّيقة لا يغسّلها إلّا صدّيق(9)، بعيد، كما أنّ حمل المنع في الصحيحين على التغسيل مجرّدةً عن الثياب، بعيد أيضاً بعد ما ذكرناه.

والظاهر أنّه لا فرق في الزوجة بين خروجها من العدّة وبين عدمه.


1) منهم: ابن إدريس في السرائر 1: 168؛ والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 245 المسألة 186؛ والشهيد في الدروس الشرعيّة 1: 103؛ والمحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 360.

2) وسائل الشيعة 2: 529 - 531، ج 3، 5 و 8.

3) المصدر : 531 و 532 ، الباب 24 من أبواب غسل الميّت ، ح 7 و 12 .

4) المصدر : 529 ح 2.

5) راجع الهامش (2).

6) المصدر: 532، ح 11.

7) منها: ما في المصدر : 517، الباب 20 من أبواب غسل الميّت، ح 4.

8) المصدر: 532 - 533 الباب 24 من أبواب غسل الميّت، ح 11 و 13.

9) المصدر: 530 و 533 ، ح 6 و 7.

وفي بعض الأخبار ما يشعر بتخصيص الجواز في زمن العدّة؛ لتعليل الجواز بكونها في عدّةٍ منه(1)، وهو الأحوط.

ولا بين تزويجها بآخَر بعد خروجها من العدّة وبين عدمه، ولكن على إشكالٍ؛ لشبهة انقطاع الزوجيّة عنها بعد التزويج بالكلّيّة.

ولا فرق في الزوج بين تزويجه بعد موتها بأُختها أو رابعة وبين عدمه.

نعم، المطلّقة الباينة لا علقة بينها وبين الزوج قطعاً.

والمراد بالثياب ما يشمل المقنعة على الظاهر ، كما يشعر به النهى عن النظر إلى شعرها(2)،و ذكر القميص في بعض الأخبار(3)بخصوصه من قبيل المثال.

وفي ستر الوجه والكفّين وظاهر القدمين كلامٌ مرّ مثله.

وفي إجزاء تغميض العينين ووضع خرقة على اليد عن سترها وستره بالثياب وجه قويّ.

وفي طهارة الثوب بالتبعيّة عند الفراغ من الغسل لنفسه أو بالعصر أو بماءٍ آخَر والعصر وجوه، أقواها: الأوّل كما تقدّم.

والخنثى المشكل في حكم الرجال إذا غسّلته النساء، وفي حكم النساء إذا غسّلته الرجال، يُعمل فيه بالاحتياط، وكذا لو كان غاسلاً أيضاً يلزم عليه العمل بالاحتياط.

سابعها: اشتراط البلوغ والعقل والإسلام فی الغاسل

يشترط في الغاسل البلوغ، فلا عبرة بغسل الصبيّ، وغسل المميّز وإن كان صحيحاً لكنّه لا يسقط عن الغير.

ويشترط فيه العقل، ويشترط الإسلام، بل والإيمان بالمعنى الأخصّ، فلا عبرة بغسل مَنْ خرج عنهما؛ لعدم صحّة عمله.

ومقتضى القواعد سقوط الغسل عند فقد المسلم، إلّا أنّه ورد في بعض الأخبار جوازه من المماثل عند الاضطرار بعد اغتساله(4)، ونُسب الحكم به إلى علمائنا(5)، وهو فتوى الأساطين.


1) راجع الهامش (7) من ص 391.

2) وسائل الشيعة :2: 532 الباب 24 من أبواب غسل المسّ، ح 11.

3) راجع الهامش (2) من ص 391.

4) وسائل الشيعة 2: 515 - 516 الباب 19 من أبواب غسل الميّت، ح 1.

5) نسبه إليهم العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 1: 361، المسألة 130.

والحكم إن بقي على مخالفته القواعد - من عدم صحّة العبادة من الكافر ومن لزوم طهارة ماء الغسل - اقتصرنا على مورد النصّ من كون الكافر نصرانيّاً، وغاية ما يلحق به اليهود في وجه، ومن كونه ذمّيّاً لكونه هو المتعارف زمن الصدور، ومن كونه مماثلاً، فلا يجزئ غير المماثل ولو كانت زوجة أو ذات رحم ولا غير المماثلة ولو كان رحماً أو زوجاً؛ لعدم شمول النصّ لهما، ومن لزوم اغتساله قبل ذلك، وكأنّه لتنظيف بدنه عن النجاسة الخارجة، ومن وقوع الغسل بعد أمر المسلم أو المسلمة له؛ لأنّه المتيقّن من الفتوى بل المصرّح به فيها، والمتيقّن من النصّ (1).

و إن نزّلنا الرواية على وفق القاعدة من تولّي الكافر التقليب والنظر فقط و تولّي المسلم النية والصبّ عليه، كان لا فرق بين ما في الرواية وبين غيره، سيّما إذا أمكن مع عدم مباشرة الماء من الكافر في جميع هذه الغسلات.

و على كلا التقديرين فلا إعادة بعد تمام الغسل؛ لاقتضاء فعل المأمور به الإجزاء. والأحوط الإعادة عند وجود المسلم قبل التكفين بل قبل الدفن.

ثامنها: حکم مَنْ وجب عليه القتل

مَنْ وجب عليه القتل غسّل نفسه وحنّطها وكفّنها، ثمّ أُقيم عليه الحدّ، فإذا مات صلّى عليه و دُفن من غير إعادة غسل؛ لفتوى الأصحاب والإجماعات المنقولة(2)في الباب، ولرواية مسمع في المرجوم والمرجومة والمقتصّ منه بأنّهما يفعلان ذلك(3)، ولا فرق بينهما وبين غيرهما بتنقيح المناط و اتّحاد السبب وفتوى المشهور على الظاهر.

والظاهر أنّ هذا الغسل كغسل الميّت عدداً وكيفيّةً؛ لظاهر الرواية من أنّه غسل الأموات مقدّم عليه، ولوصفه مع الحنوط والكافور، ولأنّه المتيقّن في إسقاط الغسل بعد الموت، فظهور الوحدة في غسل الأحياء وأصالة البراءة وإطلاق النصّ يحكّم عليها ما ذكرناه.

كما أنّ الظاهر من الأخبار سقوط غسله بعد الموت؛ لتعقيب الصلاة عليه بعد رجمه في روايةٍ(4)، وللتصريح بعدم احتياجه إلى غسل بعد موته؛ لأنّه قد غسل بماء طاهر إلى يوم القيامة في أُخرى(5).


1) راجع الهامش ( 4 ) من ص 392.

2) الخلاف 1: 713، المسألة 521؛ المعتبر 1: 347؛ ذكرى الشيعة 1: 329.

3) وسائل الشيعة 2: 513، الباب 17 من أبواب غسل الميّت، ح 1.

4) وسائل الشيعة 2: 513، الباب 17 من أبواب غسل الميّت، ح 1.

5) المصدر 28: 99 - 100، الباب 14 من أبواب حدّ الزني، ح 4.

ولو مات بعد غسله بسبب غير الحدّ، وجب عليه غسل الأموات الحقيقي على وفق القاعدة. وهل هو رخصة أو عزيمة؟ ظاهر الخبر: الثاني.

وهل تفتقر صحّته إلى أمر الحاكم أو نائبه ، أم لا تفتقر ؟ ظاهر الخبر والأصل يقضيان بعدم الافتقار.

وهل يجب على الحاكم أمره بذلك، أم لا؟ يبنى على العزيمة والرخصة على الأظهر، فالأوّل على الأوّل والثاني على الثاني.

وهل يجب أن ينوي فيه البدليّة عن غسل الميّت أو رفع الحدث المستقبل، أو لا يجب؟ والظاهر عدم الوجوب.

وهل يسقط به الأغسال الباقية عن الميّت لو كانت كجنابة أو حيض أو مسّ، أو لا يسقط؟ و الظاهر عدم السقوط؛ للاستصحاب، والأمر به في الرواية (1)لا يقضي بإسقاط غيره.

و هل يجوز أن يداخل معه أغسال أُخَر في نيّته لو كانت عليه؟ الظاهر ذلك؛ لروايات تداخل الأغسال(2).

وهل يحكم بطهارة بدنه بعد موته وعدم وجوب الغسل على مَنْ مسّه؟ ظاهر الخبر ذلك. و الاحتياط غير خفّي.

و لو اغتسل لرجمٍ فقُتل قصاصاً ، أو العكس، ففي الإجزاء نظر، ولا يبعد الإجزاء، والاحتياط مطلوب.

تاسعها: في وجوب غسل مسّ الميّت

يجب على الغاسل إذا مسّ الميّت قبل تمام تغسيله وبعد برده الغسلُ للمسّ، وكذا كلّ ماسٍّ للميّت كذلك ؛ لفتوى المشهور والأخبار المتكثّرة الآمرة بالغسل للماسّ بعد البرد، والنافية له ما دامت الحرارة(3)، من غير معارضٍ لها يُعتدّ به، فالقول بالاستحباب(4)، ضعيف.

ولا فرق بين المسلم والكافر.


1) راجع الهامش ( 3 و 4) من ص 393.

2) وسائل الشيعة 2 :261 ، الباب 43 من أبواب الجنابة.

3) المصدر :3: 289، الباب 1 من أبواب غسل المسّ.

4) هو قول السيّد المرتضى على ما حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 351.

والفرق من حيث إنّ الكافر لا يطهر فهو كالبهيمة لا يوجب مسّه غسلاً، ضعيف.

والأحوط : الغسل أيضاً بمسّ المتيمّم ؛ لعدم انصراف أدلّة قيام التيمّم مقام الماء لمثل هذا المقام.

وفي القول بعدم وجوب الغسل على مَنْ مسّه قوّة.

و مسّ الجزء المغسول قبل تمام الغسل كمسّه قبل الغسل.

وهل يجب على مَنْ مسّ المغتسل في حياته كالمرجوم، أم لا؟ وجهان، أقواهما: العدم، و أحوطهما: نعم.

وكذا الشهيد والمعصوم؛ لأنّهما طاهران ،مطهّران، إلّا أنّه قد ورد أن عليّاً (عليه السلام)قد اغتسل بعدما غسّل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)(1).

ويجب الغسل على مَنْ مسّ قطعة فيها عظم تامّ أو بعض عظم من حيّ أو ميّت؛ لفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(2)في الباب، والرواية(3)المعتبرة بالفتوى الدالّة على أنّ مسّ القطعة التي فيها عظم موجب للغسل، والخالية عنه غير موجبة له.

و أمّا العظم المجرّد غير السنّ ففي الغسل منه وعدمه وجهان: من دوران الغسل معه وجوداً وعدماً، فهو الأقوى في التأثير، ومن أصالة البراءة وطهارة ما لا تحلّه الحياة، ولو تنجّس فإنّما يتنجّس بنجاسة عرضيّة تقضي بالغَسْل لا بالغُسْل.

والدوران ممنوع؛ لاحتمال كون العلّة هي المجموع المركّب، فالثاني أقوى.

وعلى الأوّل فلو وُجد عظم في مقابر المسلمين احتُمل وجوب الغسل بمسّه؛ لأصالة عدم غسله، واحتُمل العدم؛ ترجيحاً للظاهر، وأصالة صحّة فعل المسلمين، وهو الأظهر. ولو وُجد في مقبرة كفّار أو مقبرة مشتركة، وجب الغسل بمسّه؛ للأصل.

هذا كلّه في العظم المنفصل، و أمّا المتّصل فلا يبعد وجوب الغسل بمسّه؛ لصدق مسّ الميّت عليه. وكذا الظفر إذا كان متّصلاً، وكذا الشعر على الأحوط.


1) وسائل الشيعة 3: 291 الباب 1 من أبواب غسل المسّ، ح 7.

2) الخلاف 1: 701، المسألة 490

3) وسائل الشيعة 3: 294 ، الباب 2 من أبواب غسل المسّ، ح 1.

ولو كان الظفر والشعر منفصلين، فلا إشكال في عدم لزوم الغسل بمسّهما، والسيرة والأصل دالّان على ذلك.

وكذا السنّ من المنفصل من الحيّ؛ لقيام السيرة على عدم الغسل منه مع شدّة الحاجة إلى بیان حکمه.

والمسيس بما لا تحلّه الحياة لا بأس به من عظم أو ظفر أو شعر؛ لانصراف الأدلّة إلى المسّ بما من شأنه الإحساس.

والأحوط في غير الشعر: الغسل تفصّياً عن شبهة الإطلاق.

القول في التحنيط

وهو واجب على حدّ واجبات تجهيز الميّت؛ لظاهر الأخبار الآمرة(1)، والإجماع المنقول(2). وفتوى الفحول، والواجب منه المسمّى المعتدّ به في التأثير، لا مجرّد المماسّة بجزء لا يُعتدّ به. ولا يلزم فيه قدر خاصّ.

و وجوبه كالواجبات الكفائيّة التي لا يشترط فيها النيّة، فيكفي مجرّد إيقاعها في الوجود.

والأحوط تقديمه على جميع أجزاء الكفن؛ لتقديمه في الرواية(3)وأكثر الفتوى.

ولا يبعد جواز تأخيره عن الاتّزار، بل عن القميص وفي بعضٍ (4)إشعار بذلك أيضاً.

ولكنّ الاحتياط في تقديمه؛ لرفع شبهة الوجوب الشرعي دون الشرطي؛ إذ من البعيد عدم الاجتزاء به لو وقع بعد التكفين بحيث تجب إعادته وإعادة التكفين أو التكفين وحده.

و الواجب فيه الكافور لا غير؛ للأخبار(5)، وفتوى الأخيار، ووضعه في المساجد السبعة؛ للأخبار(6)، وفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(7)في الباب. ولا يجب استيعابها؛ للأصل وظاهر فتوى الكثير منهم.


1) وسائل الشيعة 3 :32 - 33 الباب 14 من أبواب التكفين، ح 3،1 و 4، و 36 الباب 16 من تلك الأبواب، ح 1، 3، 5 و 6.

2) الخلاف 703:1 - 704، المسألة 495؛ تذكرة الفقهاء 2: 17، المسألة 167.

3) وسائل الشيعة 3: 37، الباب 16 من أبواب التكفين، ح 6.

4) المصدر : 32 الباب 14 من أبواب التكفين، ح 3.

5) المصدر : 32 - 33، ح 3،1 و 4.

6) المصدر : 32، ح 1 و 36 - 37 ، الباب 16 من أبواب التكفين، ح 3،1، 5 و 6.

7) غنية النزوع 1 : 102؛ تذكرة الفقهاء 17:2، المسألة 167.

ويستحبّ في غيره ممّا جاء الأمر به(1)ولم يجئ نهي عنه، مثل المفاصل ووسط الراحة والصدر والرأس واللحية والعنق واللّبّة وباطن القدمين والأحوط إضافة طرف الأنف إلى المساجد، ولولا فتوى الأصحاب باستحباب تحنيط ما زاد عن المساجد، لوجب الأخذ بظاهر الأمر، ولكن لم أرَ عاملاً بظاهره ممّن يُعتدّ به.

و أمّا ما نهي عنه فيُحمل ما جاء الأمر به(2)على التقيّة؛ لفتوى العامّة بذلك.

ويمكن حمل أخبار النهي(3)على الكراهة والأمر على الجواز.

ويمكن حمل أخبار النهي على وضعه فيها كفمه ومنخره وعينه ومسامعه، وأخبار الأمر على وضعه عليها.

والأجود: الأوّل.

ويستحبّ أن يكون قدر الحنوط درهماً، وأفضل منه أربعة، وأكمل منه ثلاثة عشر درهماً وثلث؛ لفتوى الأصحاب. وفي الأخبار بدل الدرهم والأربعة دراهم «مثقال» و«أربعة مثاقيل»(4)؛ وظاهرها المثقال الشرعي وهو الذهب الصنمي. وفي بعض الأخبار: «أقل ما يجزئ مثقال ونصف»(5).

والأخذ بالكلّ ، وحمل الاختلاف على مراتب الفضل هو الأولى.

القول في التكفين

اشارة

وهو واجب إجماعاً من المسلمين على نحو ما قدّمناه في الحنوط.

والظاهر أنّه من الحقائق الشرعيّة المجملة المفتقرة إلى بيان الشارع، فما بيّن منه بعموم أو إطلاق غير موهنين بشهرة أو إجماعات منقولة على خلافهما أخذنا به، وما وهن الظنّ به من إعراض الأصحاب عنه أو الإفتاء من المشهور بخلافه أو جريان السيرة على عكسه طرحناه، ورجعنا فيه إلى قواعد المجمل اللازم الاحتياط فيه من الأخذ بمورد اليقين، فالمشكوك بجزئيّته جزء وشرطيّته شرط.


1) وسائل الشيعة 3 32 - 33، الباب 14 من أبواب التكفين، ح 3 و 37 - 38 الباب 16 من تلك الأبواب، ح 5 و 6.

2) المصدر : 33 4، و 37 - 38، ح 3 و 6 .

3) المصدر : 36 - 38 الباب 16 من أبواب التكفين، ح 2، 4 و 7.

4) المصدر : 13، الباب 3 من أبواب التكفين الأحاديث 2 - 4.

5) المصدر: 14، ح 5.

والأخبار وفتوى الأصحاب دالّة على أنّه يجب في التكفين عدد مخصوص، و جنس مخصوص، و وصف مخصوص، و وضع مخصوص.

فهنا أُمور:

أحدها في جنسه

والظاهر وجوب كونه ممّا يصلّى فيه اختياراً للرجال، سواء في ذلك المرأة والرجل، فلا يجوز في غيره؛ لعدم انصراف إطلاق الأخبار إليه، وإعراض الأصحاب عن فهمه من أخبار التكفين، واستمرار السيرة على خلافه، وللنهي(1)عن السرف وتبذير المال وإتلافه، فلا يجوز العدول عن ذلك إلّا بدليلٍ يفيد الظنّ بجوازه، وليس في إطلاقات التكفين ما يقضي بشمولها لغير ما تصح به الصلاة.

فلا يصحّ التكفين بالحرير المحض، ولا بالذهب، ولا بالجلود التي لا يؤكل لحمها، ولا بشعرها ولا بصوفها ولا بالنجس، مضافاً إلى وجوب إزالة النجاسة عن الكفن، مضافاً إلى ورود النهي عن خصوص الحرير(2)على وجه الإطلاق من دون تفصيل بين الذكر والأُنثى.

و دعوى جواز تكفين الأُنثى به لاستصحاب جواز لُبْسها له حال الحياة، تردّه الأخبار المطلقة، والإجماع المنقول(3)، وفتوى الفحول ، وما ورد من أنّ المرأة تُكفّن كما يُكفّن الرجل(4).

ولا يصحّ أيضاً التكفين بالجلود المأكول لحمها، بل بشعرها ما عدا الصوف والوبر ، ولا بالخوص(5)، ولا بالقطن الغير منسوج ولا بالليف ولا بالصوف قبل نسجه؛ كلّ ذلك للشكّ في شمول الأدلّة لمثله.

ويجوز بالصوف المنسوج والوبر على الأظهر، والكتّان، وإن كان الأفضل القطن.

ويشترط كونه محلَّلاً عيناً و منفعةً، وكونه خالياً عن تحجير رهانةٍ أو دَيْنٍ أو شبههما،


1) الأنعام (6): 141: الإسراء (17): 26.

2) وسائل الشيعة 3: 45. الباب 23 من أبواب التكفين، ح1

3) المعتبر 1 : 280؛ تذكرة الفقهاء 2: 5، المسألة 154

4) وسائل الشيعة 3: 11، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 16.

5) الخوص ورق النخل. المصباح المنير: 183.

وكونه ساتراً؛ لانصراف الإطلاق إليه، ولأنّ المقصود منه الستر للميّت، ولما يظهر من الأخبار أيضاً، ولما تشعر به جملة من كلمات الأصحاب حيث اشترطوا جواز الصلاة به.

وقد يناقش في اشتراط الستر في كلّ ثوب منه، وغاية الأمر اشتراط الستر بالمجموع؛ للأخبار(1)الآمرة بالتكفين في ثلاث أثواب يوارى بها بدنه، أو اشتراط ستر المئزر الساتر للعورة.

ولكن الأظهر والأحوط ما ذكرناه.

ولو فقد ما تجوز به الصلاة انتقل إلى ما لا تجوز به، ما عدا الحرير؛ لتعلّق النهي الأصلّي به، وكذا المغصوب عيناً أو منفعةً، ويلحق بهما الذهب على الأظهر.

ويجب أن يلاحظ الأقرب لما تجوز فيه الصلاة فالأقرب ؛ لعموم « لا يسقط »(2)ولأنّ المستفاد من الأخبار تحصيل الستر مهما أمكن.

ثانيها في كميته

والأقوى والأظهر من الأخبار وفتاوى الأصحاب والإجماع المنقول(3)والسيرة المتلقّاة من آل الرسول وعمل الإمامية وطريقة الاثني عشريّة أنّها ثلاثة أثواب:

أحدها: المئزر، ويُطلق عليه لفظ الإزار في كلام اللغويّين والفقهاء والأخبار إطلاقاً شائعاً ذائعاً، بحيث يحصل الظنّ بكونه حقيقةً فيه على وجه الاختصاص، أو الاشتراك بينه وبين الشامل للبدن، ولكنّه فيه أظهر وأشهر، فما ورد هنا فيه بلفظ الإزار(4)، يراد المئزر، ولو لم يكن إلّا فهم الأصحاب ذلك منه والنصوص الواردة في باب ستر العورة في الحمّام(5)، والواردة في كراهة الاتّزار فوق القميص(6)، والواردة في ثوبَي الإحرام(7)، لكفى في تعيين إرادة ذلك منه.

و مع ذلك ففي الأخبار هاهنا ما يدلّ على ذلك، كقوله(عليه السلام)-في الصحيح - في تكفين المرأة:


1) منها: ما في وسائل الشيعة 3: 6، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 1.

2) تقدم تخريجه في ص 208، الهامش (6).

3) الخلاف 1: 701 - 702، المسألة 491؛ غنية النزوع 102:1.

4) وسائل الشيعة 3: 10، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 13 و 33 - 34، الباب 4 من تلك الأبواب، ح 4.

5) المصدر 2 38 - 39، الباب 9 من أبواب آداب الحمّام، ح 1، 3 و 4.

6) المصدر 4: 395 - 396، الباب 24 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

7) المصدر 502:12 و 503، الباب 53 من أبواب تروك الإحرام، ح 1 و 5.

إنّه «درع ومِنْطَق وخمار ولفّافتين»(1)والمِنْطَق هو المئزر، ولا فارق بين الرجل والمرأة ممّن يُعتدّ به.

وقوله(عليه السلام)-في الصحيح -: «خُذْ خرقةٌ فشدّ على مقعدته و رِجْليه» قلت: فالإزار ؟ قال : «إنّها لا تُعدّ شيئاً، إنّما تصنع لتضمّ ما هناك لئلّا يخرج منه شيء»(2)فتوهّم الراوي في كفاية الخرقة عنه دليل على إرادة المئزر منه، وإرادة اللفّافة من لفظ الإزار بعيدة عن محلّ التوهّم.

وفي الموثّق: «تبسط اللفّافة طولاً ، ثمّ تذرّ عليها من الذريرة، ثمّ الإزار طولاً حتّى يغطّي الصدر والرِّجْلين، ثمّ الخرقة عرضها قدر شبر ونصف، ثمّ القميص»(3)فإنّ في عدوله عن لفظ اللفّافة و تنصيصه على تغطية الصدر والرِّجْلين خاصّةً ظهوراً في إرادة المئزر.

وفي آخَر: «يكفّن الميّت في خمسة أثواب قميص لا يزرّ عليه، وإزار، وخرقة يعصّب بها وسطه، وبرد يلفّ فيه»(4)، فإنّ في تخصيص اللفّ بالبرد إشعاراً بعدمه في المئزر كالقميص.

وفي الصحيح: إنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)كُفّن في ثوبَي الإحرام(5).

وفي الصحيح الآخر عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إنّي كفّنت أبي في ثوبين شطويّين كان يحرم فيهما»(6).

وثوبا الإحرام إزار يتّزر به ورداء، وعمامة لمن لا رداء له.

فظهر ممّا ذكرناه أنّه يجب في هذا الثوب أن يكون على هيئة المئزر المتعارف بأن يغطّي ما بين السرّة والركبة، فلا يكفي الأقلّ؛ لظهور ذلك من الأخبار. ولا يجب الأكثر، وإن استحبّ كونه من الصدر إلى نصف الساق، بل إلى القدم مع الوصيّة أو إذن الورثة.

و ما ذهب إليه بعض الأصحاب(7)من التخيير بين الثوبين والقميص، أو الثلاثة أثواب الشاملة؛


1) وسائل الشيعة 3: 8 - 9، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 9.

2) المصدر : 8 ، ح 8.

3) المصدر : 33، الباب 14 من أبواب التكفين، ح 4.

4) المصدر : 10، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 13.

5) المصدر : 16، الباب 5 من أبواب التكفين، ح 1.

6) المصدر : 10، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 15.

7) هو ابن الجنيد على ما حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 279.

أخذاً بإطلاق الأخبار الآمرة بالأثواب الثلاثة(1)والأخبار الآمرة بالثوبين والقميص(2)، وحمل ما جاء بلفظ الإزار(3)على الثوب الشامل للبدن، كما يستعمل كثيراً سيّما في مثل هذا اليوم، ضعيف؛ لأنّ إطلاق الثوب محمول على مقيّده، ولا أقلّ من ضعف الظنّ بإرادة المطلق ممّا ذكرناه سابقاً، فيعود كالمجمل، فيجب الأخذ فيه - من باب المقدّمة - بالمتيقّن فتوىً وروايةً، وهو ما ذكرناه.

و أمّا إطلاق لفظ «الإزار» على الشامل فهو مسلَّم إلّا أنّه لا يعادل ما ذكرناه كثرةً وقرينةً.

نعم، في الحسن: «ثمّ يكفّن بقميص ولفّافة وبرد يجمع به الكفن»(4)ربما دلّ على عدم المئزر. ولكن لا يبعد إرادة ما يلفّ بها الحقوان، وهو المئزر؛ لعدم تعبيره باللفّافتين مع أنّه أنسب، وقوله(عليه السلام)بعد ذلك: «برد يجمع به الكفن» ولو كان غيره جامعاً لما خصّصه بالذكر.

وثانيها: القميص ، وهو ثوب يصل إلى نصف الساق؛ لانصراف الإطلاق إلى مثله، ويستحبّ وصوله إلى القدم مع الوصيّة أو إذن الوارث، ودلّت عليه الأخبار(5)وكلام الأصحاب والاحتياط، فالقول بإجزاء ثوبٍ شاملٍ عنه؛ لإطلاق أخبار الثياب، ضعيف.

نعم، في الخبر : قلت: يدرج في ثلاثة أثواب؟ قال: «لا بأس به، والقميص أحبّ إلَيَّ»(6).

ولكنّه مع ضعفه عن المقاومة لما ذكرنا، محتمل لحمل القميص على الذي يصلّي فيه؛ لتقدّم السؤال أوّلاً عن الثياب التي يصلّي فيها.

وفي آخَر: أيكفّن في ثلاثة أثواب بغير قميص ؟ قال: «لا بأس بذلك، والقميص أحبّ إلَيَّ»(7). وهو أضعف من سابقه.

وثالثها: اللفّافة، وتُسمّى الإزار ويدلّ على وجوبها النصّ(8)والإجماع.


1) وسائل الشيعة 3: 6 - 8، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 1، 2، 4 و 6.

2) المصدر : 9 و 10، ح 10، 14 و 15، و 34 ، الباب 14 من أبواب التكفين، ح 5.

3) المصدر : 32 - 33 ، الباب 14 من أبواب التكفين، ح 3 و 4.

4) المصدر: 34، ح 5.

5) المصدر : 8 - 10، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 8، 10 و 13.

6) المصدر : 7، ح 5.

7) المصدر : 12، ح 20.

8) المصدر: 10، ج 13.

ويشترط فيها شمولها لجميع البدن عرضاً وطولاً ولو بالخياطة.

والأظهر وجوب الزيادة بحيث يمكن عقدها من الرأس والرِّجْلين، ويمكن وضع أحد جانبيها على الآخَر عرضاً لتعارف ذلك منها شرعاً وعادةً.

ولا يجب غير ما ذكرناه من الثياب؛ للأخبار الحاصرة في الثلاثة(1)، وفتوى الأصحاب بذلك.

فما ورد من الزائد بلفظ الأمر(2)يراد منه الاستحباب.

ولا يجزئ الثوب الواحد إلّا مع الاضطرار؛ لعموم «لا يسقط»(3)ولوجوب ستره مهما أمكن. ولو لم يوجد إلّا قطعة وجب تخصيصها بالعورة.

و مَن اكتفى بالثوب الواحد(4)للصحيح «الكفن المفروض ثلاثة أثواب أو ثوب تامّ لا أقلّ منه»(5)ضعيف عن مقاومة ما قدّمناه مع احتمال حمله على التقيّة، أو على معنى الواو من عطف الخاصّ على العامّ فيكون مؤكّداً للثلاثة، ويدلّ عليه وروده بلفظ الواو في كثير من النسخ(6)، أو على الضرورة.

ثالثها في وصفه

ويجب كونه من الأوسط قيمةً، فلا يجوز أخذ الأعلى إلّا من الوصيّة أو رضا الوارث.

والأحوط أن لا يختار الأدنى للميّت؛ لانصراف اللفظ إلى المتوسّط، ونعني بالمتوسّط هو اللائق بحال الميّت عرفاً شرفاً وضعةً، فلا يجوز أخذ الأعلى للأدنين. والأحوط عدم أخذ الأدنى للأعلين.

و وضعه على ما يُفهم من كلام الأصحاب ومن سيرة الإماميّة: وضع المئزر تحت، وفوقه القميص، وفوقه اللفّافة، وتحت المئزر خرقة الفخذين المستحبّة، وفوق اللقافة لفّافة أُخرى مندوبة.


1) وسائل الشيعة 3: 6 - 9 الباب 2 من أبواب التكفين، ح 1، 2، 6 و 12.

2) راجع الهامش (8) من ص 401

3) تقدّم تخريجه في ص 208، الهامش (6).

4) هو قول سلّار في المراسم: 47.

5) وسائل الشيعة 3: 6 ، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 1

6) راجع على سبيل المثال: المصدر : 6- 7، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 2.

وفي الأخبار ما يدلّ على وضع القميص تحت المئزر والخرقة فوقه (1).

والجمع بينهما بالتخيير ضعيف، فالعمل بما عليه الأصحاب أولى.

ويستحبّ للرجل- زيادة على ثلاثة أثواب - وضع خرقة لربط فخذيه، وحبرة عبريّة، و عمامة، ويخرج طرفاها من الحنك ويلقيان على صدره.

وبعضهم(2)جعل الحبرة أحد الثلاثة؛ للأخبار(3)الدالّة على ذلك.

ولكن فتوى الأصحاب والإجماع المنقول(4)، وخبر أبي الحسن(عليه السلام)(5)تدلّ على المغايرة.

و يدلّ على العمامة الإجماع والأخبار(6).

وتزاد للمرأة لفّافة لثدييها تشدّ من خلفها لئلّا تبدو ثدياها، وتزاد أيضاً نمطاً أو لفّافة أُخرى مخيّراً بينهما. وتبدّل العمامة بالقناع، كلّ ذلك للأخبار(7)وفتوى جملة من الأصحاب(8). والمعارض ضعيف.

والمنع من المشكوك به لاستلزامه تضييع المال المحترم مردود: بأنّه لجلب النفع الأُخروي، فلا تضييع ولا سرف.

ويستحبّ أن يكون الكفن قطناً أبيضاً؛ للإجماع وفتوى الأصحاب، وأن يطيّب بالذريرة؛ للإجماع وفتوى الأصحاب، وهو طيب معروف، ومع عدمه فلا يبعد قيام غيره ممّا شاكله مقامه، وأن يكتب بالتربة الحسينيّة: فلان يشهد أن لا إله إلّا الله، ويشهد أنّ محمّداً رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)»و أن يكون ذلك على المئزر ، و إلّا فعلى غيره ويكتب أيضاً دعاء الجوشن والقرآن كلّه وأسماء الأئمّة(عليهم السلام)؛ كلّ ذلك لإشعار بعض الأخبار(9)به، ولفتوى الأصحاب، وللتيمّن والتبرّك، ودفع الضرر ببركات المكتوب، فهو جلب نفع أُخرويّ من دون احتمال ضرر.


1) وسائل الشيعة 3: 10، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 13.

2) هو ابن أبي عقيل كما في ذكرى الشيعة 1: 365.

3) وسائل الشيعة 3 7 9 الباب 2 من أبواب التكفين، ح 3، 6 و 10.

4) الخلاف 1: 701 - 702، المسألة 491

5) وسائل الشيعة 3: 10 - 11، الباب 2 من أبواب التكفين، ح 15.

6) المصدر: 6 و 8 - 10، ح 1، 7، 10 و 13.

7) المصدر : 8، 9، 11 و 12، ح 9، 16 و 18.

8) منهم: ابن حمزة في الوسيلة: 65 - 66 والمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 1 32؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 226.

9) وسائل الشيعة 3: 51 و 53 ، الباب 29 و 30 من أبواب التكفين.

و ما يقال من أنّ الأسماء الشريفة لو وُضعت في الكفن ولاقاها صديد ابن آدم وقذاراته كان ممّا ينافي احترامها، مردود بأنّ الاستعمال للتوقّي عن الضرر يرفع قبح الإهانة ويصيّرها في جانب التعظيم لا الإهانة، على أنّه بعد ورود جواز كتابة اسم الله تعالى- كما في الأخبار(1)وفتوى الأصحاب - لا معنى للتوقّف فيما سواه.

و يستحبّ أن يوضع على فرجه قُبُلاً و دُبُراً بين أليتيه قطن؛ للأخبار(2)وفتوى الأصحاب.

و يستحبّ أن توضع معه جريدتان ؛ للإجماع والأخبار(3)، خضراوتان - كما دلّ عليه الخبر(4)، وفتوى الأصحاب - طول كلّ واحدٍ منهما قدر عظم ذراع؛ للخبر(5)، والفتوى، و إلّا فقدر شبر؛ للصحيح(6)، توضع إحداهما من ترقوة جانبه الأيسر بين قميصه وإزاره، والأُخرى مع ترقوة جانبه الأيمن يلصقها بجلده؛ للرواية(7)، وفتوى جملة من الأصحاب (8)، بل نُسب للمشهور(9).

وذكر لها في الأخبار(10)، وفتاوى الأصحاب هيئات أُخَر. ولا يبعد جوازها، إلّا أنّ ما ذكرناه أولى لفتوى المشهور وعملهم.

و يستحبّ أن تكونا من جريد النخل، فإن فقد فمن السدر، فإن فقد فمن الخلاف، فإن فقد فمن غيره من الشجر الرطب؛ كلّ ذلك للأخبار(11)وفتوى الأخيار.

و يكره بلّ خيوط الكفن ووضع أكمامٍ للقميص المستجدّ، وأن يُكفّن بالكتّان، وأن يُكفّن بالسواد ؛ كلّ ذلك للأخبار(12)، وفتوى الأصحاب.


1) وسائل الشيعة 3 51 - 53 الباب 29 من أبواب التكفين.

2) المصدر :2 480 - 481 و 484 - 485، الباب 2 من أبواب غسل الميّت، ح 3 و 10.

3) المصدر : 20، الباب 7 من أبواب التكفين.

4) المصدر : 21، ح 3.

5) المصدر: 27 ، الباب 10 من أبواب التكفين، ح 4 و 5.

6) المصدر: 26، ح 2.

7) المصدر: 26، ح 2.

8) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة : 78؛ والشيخ الطوسي في المبسوط 1 179؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 227

9) نسبه إلى المشهور الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 370.

10) وسائل الشيعة 3: 27 ، الباب 10 من أبواب التكفين ، ح 5 مستدرك الوسائل 2: 213، الباب 6 من أبواب الكفن، ح 1.

11) المصدر : 24 ، الباب 8 من أبواب التكفين.

12) المصدر : 42 ، 43 و 50 ، الباب 20، 21 و 28 من أبواب التكفين.

القول في الدفن

اشارة

وهو واجب إجماعاً من المسلمين والمراد به مجرّد وقوعه في الخارج كيف اتّفق، وحقيقته الشرعيّة أو العرفيّة المشروطة بذلك : المواراة في الأرض بحيث تحرس جثّته من السباع ورائحته عن الانتشار.

وفيه أُمور:

أحدها: وجوب مواراة الميّت المسلم ومَنْ بحكمه في الأرض

یجب مواراة الميّت المسلم ومَنْ بحكمه في الأرض على الكيفيّة المعهودة بحيث يحفظ جسمه من السباع المعتادة، ورائحته من الانتشار على النحو المعهود، ولا عبرة ببعض السباع التي لا يحفظ منها إلّا القدر العميق.

نعم، لو علم ذلك من حيوان خاصّ، فلا يبعد وجوب حفظه، كما لا عبرة بظهور بعض الرائحة الخارقة للعادة.

والظاهر أنّ الوصفين متلازمان غالباً، ولا يكفي أحدهما عن الآخَر، ويدلّ على اشتراطهما الإجماع، وبعض الأخبار(1)، وكونه المعهود من فعل الأئمّة (عليهم السلام)الأطهار.

ولا يجزئ حصول الوصفين من دون صدق الدفن عرفاً، كوضعه في بناء أو تابوت أو بيت وحجرة ضيّقة، أو غير ذلك؛ للإجماع والتأسّي. وكذا لا يجزئ وضعه في سرداب مبنيّ بابه أو شبه ذلك؛ لعدم صدق الدفن والإقبار، بل الظاهر وجوب صدق الدفن في القبر عرفاً، فلا يجزئ ما لم يسم بذلك، كالموضوع عليه تراب كثيراً أو حائط ينهدم عليه.

ثانيها: وجوب الاستقبال به إلى القبلة

یجب الاستقبال به إلى القبلة بأن يضجع على الجانب الأيمن ويستقبل بمقاديمه القبلة؛ للتأسّي، والأخبار(2)، والإجماع المنقول(3)، وفتوى الفحول، وما دلّ على الاستقبال بالميّت مطلقاً(4)يدلّ على ذلك أيضاً.

ثالثها: سقوط وجوب الإقبار عند التعذّر

يسقط وجوب الإقبار عند التعذّر، فيؤخذ بما هو الأقرب فالأقرب إلى الهيئة المعهودة؛ لعموم « لا يسقط»(5)، ولأنّ المقصود مواراته مهما أمكن.


1) وسائل الشيعة 3: 141، الباب 1 من أبواب الدفن، ح 1.

2) المصدر : 230، الباب 61 من أبواب الدفن.

3) غنية النزوع 105:1 - 106.

4) وسائل الشيعة 2: 452، الباب 35 من أبواب الاحتضار.

5) تقدّم تخريجه في ص 208 ، الهامش (6).

رابعها: حکم مَنْ مات في البحر

مَنْ مات في البحر وأمكن دفنه خارجه، وجب؛ للقواعد المقرّرة، و إلّا ثُقِّل و طُرح في الماء، كما دلّت عليه الأخبار(1)، وفتوى الأصحاب.

ولا فرق بين البحر وغيره من المياه؛ للمساواة بينهما.

وهل يجب الاستقبال به عند طرحه ؟ الظاهر: العدم، والأحوط نعم.

ولو أمكن وضعه في وعاء أو خابية ويرمى مستقبل القبلة، جاز قطعاً؛ للصحيح(2)الدالّ على ذلك، وفتوى الأصحاب بذلك.

وهل يجب أو لا؛ لأقربيّته لهيئة الدفن وهيئة المستقبل، ولزيادة صيانته عن الحيوانات وعن هتك حرمته؟ مقتضى القواعد وجوبه تعيّناً، فيُقدّم على وضعه من دون ذلك. فإن لم يمكن وُضع كما ذكرناه أوّلاً.

ولكن مشهور الأصحاب على التخيير جمعاً بين الروايات، فاتّباعهم أقوى، والترتيب أحوط.

خامسها: دفن الذمّيّة الحاملة من مسلمٍ بنكاحٍ صحيح إذا ماتت ومات الذي في بطنها في مقابر المسلمين

الذمّيّة الحاملة من مسلمٍ بنكاحٍ صحيح إذا ماتت ومات الذي في بطنها، دُفنت في مقابر المسلمين؛ احتراماً للمسلم، وللإجماع المنقول(3)، وفتوى الفحول، ولخبر أحمد بن أشيم، الأمر بدفنه معها(4)، والظاهر أنّ الدفن بمقابر المسلمين وإن لم يصرّح فيه في الخبر.

وقيل بشقّ بطنها وإخراجه ودفنه في مقابر المسلمين دونها (5).

ويردّه الخبر(6)المعتبر بفتوى الأصحاب، وأنّه قد يكون هتكاً لحرمة الولد.

ولا فرق بين موتها قبل ولوج الروح في الولد وبعده؛ عملاً بإطلاق النصّ والفتوى.

ولا يبعد إلحاق المتولّد من زنى بمن تولّد بنكاحٍ صحيح؛ عملاً بإطلاق الإجماع، وكثير من الفتوى، وبقاء احترامه للإسلام، لا للتبعيّة؛ لأنّ ولد الزنى لا يتبع أبويه، بل لقوله : «كلّ مولود يولد على الفطرة »(7).


1) وسائل الشيعة 3: 205 الباب 40 من أبواب الدفن.

2) المصدر: 205 - 206، ح 1.

3) الخلاف 1: 730، المسألة 558

4) وسائل الشيعة 3: 205، الباب 39 من أبواب الدفن، ح 2.

5) لم نعثر على قائله بعد الفحص في مظانّه.

6) راجع الهامش (4)

7) عوالي اللآلي 1: 35 . ح 18

وهل يلحق غير الذمّيّة بها؛ لاحترام الولد والتساوي في الكفر بعد الموت، أو لا يلحق؛ للأصل واختصاص الخبر(1)والكثير من الفتوى بها ، فيشقّ بطن غير الذمّيّة و يخرج الولد؟ وجهان أقواهما: الأول.

وإذا دُفنت الذمّيّة يجب الاستدبار بها للقبلة على جانبها الأيسر يستقبل بالولد على جانبه الأيمن؛ لأنّ وجهه لظهرها، والظاهر اتّفاق الأصحاب عليه، والاحتياط يقضي به.

ولا يجوز دفن غير ما ذكرناه من الكفّار في مقابر المسلمين؛ لتأذّيهم منه، ولفتوى الأصحاب و الإجماع المنقول(2)في الباب.

ولو دُفن جاز نبشه، بل ربّما يجب على الدافن، والأحوط وجوبه على غيره.

ولا يبعد إجراء الحكم لغير الإمامية مع الإماميّة؛ للمشاركة في الحكم مع عدم التقيّة.

نعم، لو اختلط الكفّار في المسلمين وجب دفنهم في مقابر المسلمين؛ لأهميّة احترام المسلم من خشية ضرر الكافر.

وقد يقال بوجوب دفنهم في مقبرة ثالثة لم تُنسب لأحدٍ منهم.

القول في مسائل متفرّقة

المسألة الأولى: فی أنّ الواجب على المسلمين وعلى الوليّ من الأمور المتعلقة بالميّت هو نفس الفعل لا بذل المال له

الواجب على المسلمين وعلى الوليّ من الأمور المتعلقة بالميّت هو نفس الفعل، لا بذل المال له من ماء غسل أو خليط أو حنوط أو كفن أو أرض دفن أو آلته من مندوب أو مفروض، أضرّ بالحال بذله أم لم يضرّ؛ للأصل، وفتوى الأصحاب، ومنقول الإجماع في الكفن(3). ولم نعثر على فارق بين الكفن وغيره.

المسألة الثانية: خروج الكفن من صلب مال الميّت مقدّماً على الميراث والوصيّة والدَّيْن

يخرج الكفن من صلب مال الميّت مقدّماً على الميراث والوصيّة والدَّيْن؛ للصحيح: فيمن مات وعليه دَيْن بقدر ثمن كفنه؟ قال: «يجعل ما ترك في ثمن كفنه»(4).

والخبر الآخَر: «أوّل شيء يبدأ به من المال الكفن، ثمّ الدَّيْن، ثمّ الوصيّة»(5).


1) راجع الهامش (4) من ص 406.

2) تذكرة الفقهاء 2: 109، المسألة 250

3) مدارك الأحكام 2: 119

4) وسائل الشيعة :19 328 الباب 27 من كتاب الوصايا، ح 2.

5) المصدر : 329 ، الباب 28 من كتاب الوصايا، ح 1.

ولو لم يكن له مال يفي بالكلّ وجب البعض:

وحكم غير الكفن حكم الكفن في وجوب إخراجه من صلب المال مقدّماً على غيره حتّى أرض الدفن لو لم يتيسّر مكان مباح من مقبرة ونحوها؛ لتنقيح المناط بل الأولويّة القطعيّة.

ولو لم يكن له مال دُفن عارياً، كما إذا لم يكن له ماء وحنوط وأرض للدفن، فإنّه لا يجب على الناس بذل ذلك له.

نعم، يجب نقله إلى أرض يمكن دفنه فيها بثمن لا يضرّ بالحال إذا تعذّرت الأرض.

ولا فرق في تقديم الكفن على الدَّيْن بين كونه موجوداً فيكون كثوب المفلس، وبين ما لم يكن موجوداً فتؤخذ قيمته؛ لإطلاق النصّ والفتوى ولا بين كون الدَّيْن قرضاً أو غصباً أو ديةً أو جنايةً أو غيرهما.

نعم، لو كان كفنه مرهوناً في حياته، أو كان قيمة الكفن من ماله كذلك، أو كان ميراثه عبداً تعلّقت برقبته جناية قبل موته أو بعده، أو كان ماله محجّراً عليه في حياته لفلسه، ففي تقديم الكفن عليه إشكال؛ لعدم انصراف الأخبار لما ذكرنا، فيبقى عموم الأدلّة الدالّة على إثبات أحقّيّة تلك من غير معارضٍ.

ويجوز تكفين مَنْ لم يكن له مال وسائر تجهيزه من الزكاة ولو بدون إذن الحاكم؛ للخبر الدالّ على ذلك المعلّل بأنّ حرمته ميّتاً كحرمته حيّاً(1)، والظاهر أنّ الخبر لبيان الحكم لا للرخصة من الإمام(عليه السلام).

وهل ينويه من سهم الفقراء أو من سهم في سبيل الله ؟ لا يبعد الأول، والأحوط الثاني.

المسألة الثالثة:كفن العبد على مولاه

كفن العبد بأقسامه على مولاه؛ لوجوب نفقته عليه، وللإجماع.

وكذا مُؤن تجهيزه ولو كان مبعَّضاً وجب على مولاه بنسبة الرقّيّة، والباقي من ماله أو من متبرّعٍ أو من الزكاة، فإن لم يف نصيب الرقّيّة بما ينفقه من بعضٍ غسلٍ أو كفنٍ حيث لا يوجد له تتمّة ممّا ذكرنا، سقط عن المولى.

المسألة الرابعة: كفن الزوجة على زوجها

كفن الزوجة على زوجها ولو كان لها مال؛ للإجماع المنقول(2)، وفتوى الفحول، والخبر(3)- المعتبر بالفتوى والعمل الدالّ على ذلك.


1) وسائل الشيعة 3: 55، الباب 33 من أبواب التكفين، ح 1.

2) الخلاف 1: 708 - 709، المسألة 510.

3) وسائل الشيعة 3: 54، الباب 32 من أبواب التكفين، ح 1 و 2.

ويلحق به سائر مؤن التجهيز؛ لتنقيح المناط القطعي.

ومقتضى إطلاق الفتوى والنصّ : شمول الحكم للصغيرة والغير المدخول بها، والناشز، و المتمتّع بها، و المطلّقة رجعيّةً.

ولكن انصرافه إلى الناشز والمتمتّع بها مع عدم وجوب النفقة عليه لهما حال الحياة محلّ كلام، والأحوط تسرية الحكم إليهما.

ولو أعسر الزوج، وجب في مالها على النحو المتقدّم. ولو زاد مالها، وجب على الزوج ممّا يرثه منها.

والأمة المزوّجة يقوى وجوب تكفينها على زوجها دون مالكها، ويحتمل تبعيّته للملك، و الاحتياط في تراضيهما.

ولا يجب بذل مؤونة التجهيز لباقي الأقارب وجبت نفقتهم أم لا، دخلوا في العيال أم لا، ولكنّ السيرة قاضية بلزوم تكفين الأطفال الصغار على آبائهم، وهو أحوط مع الإمكان.

المسألة الخامسة: حکم ما إذا مات ولد الحامل في بطنها وخشي عليها من الضر أو ماتت هی دونه وعُلم ببقائه حیّاً

إذا مات ولد الحامل في بطنها وخشي عليها من الضر أُخرج صحيحاً إن أمكن، و إلّا قطّع وأُخرج بالرفق؛ إجماعاً.

وتسقط حرمة النظر إلى العورة واللمس لها.

نعم، يجب تحرّي المحلّل أوّلاً ثمّ المماثل ثمّ المحارم ثمّ الأجانب.

وفي الخبر المعتبر فتوىً وعملاً: في المرأة في بطنها الولد فيتخوّف عليها؟ قال: «لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطّعه ويخرجه إذا لم ترفق به النساء»(1).

وهل يجب على المحلّل الإجابة إذا دعي وكان عارفاً؟ وجهان: من الأصل، ومن الأمر بصيانة العرض والغيرة على الأهل، وهو الأحوط.

ولو ماتت هي دونه و عُلم ببقائه حيّاً ، وجب شقّ بطنها من أحد الجانبين إن لم يمكن إخراجه من دون شقٍّ وإخراجه حيّاً وإن علم موته بعد ذلك بلحظة؛ توصّلاً إلى إحياء النفس المحترمة مهما أمكن وللإجماع المنقول(2)، والأخبار المستفيضة، ففي الصحيح: عمّن تموت و ولدها يتحرّك؟ قال: «يشقّ عن الولد»(3).


1) وسائل الشيعة 2: 470، الباب 46 من أبواب الاحتضار، ح 3.

2) الخلاف 1: 729 - 730، المسألة 557

3) وسائل الشيعة 2: 471، الباب 46 من أبواب الاحتضار، ح 6.

ولا يبعد وجوب الشقّ من الجانب الأيسر؛ للرضوي(1)، ولبُعْد المثلة عنها لقرب الولد من الجانب الأيسر على الأظهر وأفتى به جملة من الأصحاب(2).

وتجب خياطة المحلّ للبُعْد عن المثلة، وتسهيل الغسل، ومرسل ابن أبي عمير(3)الآمر به، وهو في قوّة الصحيح، فعدم بيانه في الأخبار الأُخَر لا يعارض ما ذكرنا من دليل الوجوب.

وإن ماتا معاً دُفنا معاً، وحرم الشقّ؛ للمثلة من غير داعٍ إليها؛ لأنّه كالجزء منها.

نعم، لو سقط قبل دفنها جرى عليه أحكام الأموات.

وإن لم يُعلم موته وحياته، أمكن وجوب الشقّ؛ للاستصحاب.

والأقوى العدم؛ ترجيحاً للظاهر من عدم بقائه حيّاً، ولظهور الأخبار في الولد الحيّ.

المسألة السادسة: حکم ما إذا ابتلع الميّت مالاً خطيراً من ماله أو مغضوباً

إذا ابتلع الميّت مالاً خطيراً من ماله، قوي القول بجواز شقّ بطنه صيانةً للمال المحترم عن التلف.

ويمكن القول بإخراجه من الثلث إن أمكن إخراجه منه لو كان مريضاً، و إلّا شقّ بطنه.

ويمكن القول بعدم الشقّ؛ لأنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي.

و إن ابتلع مغصوباً كان للمغصوب منه شقّ بطنه لإذهاب حرمته، ويحتمل إخراجه من أصل المال ومن الثلث لو كان مريضاً.

المسألة السابعة: حکم ما لو أحدث الميّت حدثاً بعد غسله أو فی أثنائه

لو أحدث الميّت بعد غسله حدثاً لم تجب إعادته، وكذا لو أحدث في أثنائه على الأقوى، كلّ ذلك للاستصحاب، وإطلاق الأخبار (4)وعدم البيان في مقام البيان. وتشبيه غسل الميّت بغسل الجنابة(5)لا يقضي بإجراء قواطعه وموانعه عليه.

ولو تنجّس الكفن بالحدث وجب غَسْله، وكذا يجب غَسْل البدن؛ للخبر المعتبر بالفتوى: «إن بدا من الميّت شيء بعد غسله فاغسل الذي بدا منه»(6).


1) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 174.

2) منهم: الصدوق في الفقيه 1: 160 ، ذيل الحديث 446 والمفيد في المقنعة: 87: والطوسي في النهاية: 42؛ والمبسوط 1: 180؛ وابن إدريس في السرائر 1: 169؛ ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 49.

3) وسائل الشيعة 2: 471، الباب 46 من أبواب الاحتضار، ح 7.

4) المصدر: 542. الباب 32 من أبواب غسل الميّت.

5) المصدر : 486، الباب 3 من أبواب غسل الميت، ح 1.

6) المصدر: 542 ، الباب 32 من أبواب غسل الميّت، ح 1.

وإن طرح في القبر قُرض الكفن من مكان النجس، ولا يجب ترقيعه؛ للأخبار الدالّة على قرض الكفن(1)مطلقاً، المقيّدة بوضعه في القبر؛ للرضوي(2)المعمول به عند جملة من الأصحاب(3)، ولأنّه وجه جمعٍ بين الأخبار الآمرة بالغَسْل والأخبار الآمرة بالقرض، ويؤيّده الاعتبار، ومقتضى إطلاقها عدم الاحتياج إلى ترقيع مكان القرض، بل في جوازه إشكال.

و يمكن الجمع بين الأخبار بحمل ما دلّ على الغسل على الجسد، وما دلّ على القرض على الكفن، أو بحمل الأخبار على التخيير، ولكنّ الأوجَه ما ذكرنا.

ولو لاقى بدن الميّت نجاسة بعد الدفن فالظاهر سقوط حكمها؛ لعدم البيان في مقام البيان ولأنّه صار معرضاً لأمثالها.

ويحتمل الفرق بين النجاسة الخارجة فيجب غسلها ، والداخلة فلا يجب. والأوجَه ما ذكرناه.

المسألة الثامنة: فی أنّ المُحْرِم كالمُحِلّ في الأحكام حتّى ستر الرأس

المُحْرِم كالمُحِلّ في الأحكام، حتّى ستر الرأس؛ للإجماع والأخبار(4)، غير أنّه لا يقرب طيباً، كما في الصحيح(5)وغيره(6)، وفتوى الأصحاب، وإطلاقهما يقضي بعدم الفرق بين الكافور وغيره في الغسل وغيره، وفي بعض(7)نفي خصوص الحنوط أيضاً.

و من أصحابنا مَنْ أوجب كشف رأسه(8). ومنهم مَنْ زاد كشف الرِّجْلين(9)لإشعار النهي عن مسّه بطيبٍ على بقاء إحرامه. وهو مردود بما ذكرناه.

المسألة التاسعة: عدم جواز نبش القبر عدا ما یستثنی من ذلک

لا يجوز نبش القبر ؛ إجماعاً من المسلمين.

وظاهر إطلاق الإجماع أنّ النبش محرَّم أُريد إخراج الميّت بذلك النبش أم لا، وصل النبش إلى نفس الميّت أم لا.


1) وسائل الشيعة 2 542 - 543، الباب 32 من أبواب غسل الميّت، ح 3 و 4.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 169

3) منهم: الطباطبائي في رياض المسائل 1: 478

4) وسائل الشيعة 503:2، الباب 13 من أبواب غسل الميّت.

5) المصدر: 504 ح 4.

6) المصدر: 503، ح 2.

7) المصدر: 504 - 0505 ح 5

8) حكاه الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 318 عن المرتضى والجعفي وابن أبي عقيل.

9) المصدر.

ولكن لا يخلو تحريم الأخير من إشكال؛ للشكّ في شمول معقد الإجماع، وما دلّ على قطع يد النبّاش(1)لا يدلّ على تحريم النبش؛ لاحتمال كونه من جملة السرقة.

ويستثنى من ذلك أمور:

أحدها: لو وقع في القبر ما له قيمة من وارث أو غيره، فإنّه يجوز النبش؛ تقديماً لدليل احترام المال.

ولو أوقع المالك المال باختياره لينبش القبر، ففي جوازه إشكال.

و لو بُذلت القيمة لصاحب المال لم يجب قبولها للواقع منه باضطرار، وفي الواقع منه باختيار لا يخلو وجوب القبول من قرب.

ثانيها: لو دُفن بأرضٍ مغصوبة فإنّه يجوز للمالك إخراجه، ولا يجب عليه قبول القيمة.

و لو دُفن بإذنه أو أذن في الأثناء لم يجز له العدول بعد الطمّ، ومع الوضع قبل الطمّ، لا يخلو عدم جواز العدول من وجهٍ.

ثالثها: لو دُفن بأرضٍ معارة للدفن بأن يُدفن فيها ثمّ يُنقل لأحد المشاهد، فإنّه يجوز للمعير إخراجه عند حلول وقته. ولو قيل بالعدم كان وجهاً. رابعها: لو كُفّن بمغصوبٍ أو ابتلع مغصوباً، كان للمالك نبش القبر وأخذ ماله، ولا يجب عليه قبول القيمة.

خامسها: لو كُفّن في مذهَّبٍ أو حرير فإنّه يقوى جواز نبشه وتكفينه جديداً.

وربما أُلحق به جميع ما لا يجوز التكفين به.

وربما يفرَّق بين التكفين بغير الجائز اختياراً فيجوز النبش وبين التكفين اضطراراً فلا يجوز.

و الأقوى : عدم الجواز مطلقاً إلّا فيما كانت حرمته أصليّةً، كالحرير وشبهه، فإنّ في القول به قوّةً.

سادسها: لو بلى الميّت عرفاً وصارت عظامه رميماً كالتراب أو استحالت تراباً، جاز نبش قبره؛ لخروجه عن اسم الميّت. ولو بقيت عظامه عرفاً ولو صغاراً على الظاهر حرم نبشه.

سابعها: يجوز نبشه للشهادة على عينه لتحقيق ميراث أو مال أو اعتداد؛ تقديماً لحقّ الشهادة، وشكّاً في شمول الإجماع.


1) وسائل الشيعة :28 :278 - 281 ، الباب 19 من أبواب حد السرقة، ح 1، 2، 5 - 10 و 12.

ثامنها: يجوز نبشه عند نسيان تكفينه أو استقبال القبلة في وجهٍ قويّ، وإجراؤه للغسل و الصلاة لا وجه له يُعتدّ به.

تاسعها: يجوز النبش لو كان في دارٍ ،فبِيعت فإنّ للمشتري ذلك في وجه. والأوجَه: العدم، إلّا أنّه يثبت له خيار مع الجهل.

عاشرها: إذا خِيف عليه أو على كفنه من الهوامّ (1)أو السرقة أو الحرق أو الغرق أو من ظالم، فإنّه يجوز نبشه لحفظه.

حادي عشرها: إذا أُريد نقله إلى مكان شريف كالمشاهد المشرّفة ونحوها، فإنّه يجوز نبشه في وجه.

ثاني عشرها: يجوز نبشه لو حصلت بعض القرائن المفيدة للظنّ بحياته على الأظهر.

ثالث عشرها: يجوز نبشه للشهادة على جرح أو قتل ونحوهما.

رابع عشرها: يجوز نبشه لو وُضع في موضع مشكوك بقبريّته، كالموضوع في سرداب ونحوه.

خامس عشرها: يجوز نبشه لوضع بناءٍ على قبره لئلّا يندرس رسمه وينسى اسمه في وجهٍ.

سادس عشرها: يجوز نبشه لدفن ميّتٍ آخَر ليس له مدفن بالكلّيّة معه، على وجهٍ قويّ، إلى غير ذلك.

المسألة العاشرة: عدم جواز نقل الميّت بعد دفنه إلّا الی المشاهد المشرّفه

لا يجوز نقل الميّت بعد دفنه إجماعاً منقولاً(2)وشهرة محصّلة. و تحريمه لنفسه بمقتضى إطلاق الفتوى لا للنبش، فلو كان منبوشاً بريح أو نبشه نابش حرم نقله أيضاً.

ويجوز نقله وإن استلزم النبش إلى المشاهد المشرّفة على الأظهر؛ لذكرهم ورود الرخصة به مع عدم ردّهم له وللشكّ في شمول الإجماع لمثل ذلك، ولما ورد من نقل نوح(عليه السلام)عظام آدم(عليه السلام)، وإن ورد أنّه في تابوت(3)، ونقل موسى عظام يوسف، وإن ورد أنّه في صندوق مرمر(4).

واحتمال الاختصاص في تلك الشريعة، مدفوع بأنّ الظاهر من نقله بقاء حكمه، ويؤيّده الاستصحاب.


1) الهامة واحدة الهوامّ، وهي ما له سُمٍّ يقتل كالحيّة، وقد تطلق على ما لا يقتل كالحشرات. المصباح المنير: 641 «ه م م».

2) مسالك الأفهام 1: 103.

3) وسائل الشيعة 14 384 - 385 الباب 27 من أبواب المزار، ح 1.

4) المصدر 3: 162، الباب 13 من أبواب الدفن، ح 2.

و احتمال البلى يدفعه أنّها عظام الأنبياء، و أنّه موضوع في صندوقٍ.

المسألة الحادية عشر: حکم نقل الموتى قبل دفنهم

يقوى القول بحرمة نقل الموتى قبل دفنهم أيضاً؛ لمنافاته لوجوب التعجيل للميّت، وحرمة التأنّي به، وللأمر من النبيّ صلى الله عليه وسلم و عليّ بدفن الأجساد بمصارعها(1)، ولاستلزام النقل هتك حرمة المؤمن وإظهار رائحته والمثلة به.

نعم، لو توقّف الدفن على النقل لعدم وجود أرضٍ أو لقبحها، أو لتشويه الميّت بها، أو لعدم حفظها الميّت من سارق أو سبع أو سيل أو نحو ذلك، جاز النقل.

و يجوز النقل للأماكن القريبة قطعاً لعدم انصراف أدلّة النهي إليها.

و يجوز النقل للأماكن المشرّفة؛ لجريان سيرة الإماميّة به من غير إنكار من الأئمّة والعلماء، وللخبرين المتقدّمين(2)، ولما ورد من نقل يوسف يعقوب إلى بيت المقدس(3)، وللإجماع المنقول(4)، ولأنّه وسيلة إلى نفع ودفع ضرر أُخرويّين للتمسّك بأهل الشفاعة والقرب إليهم، ولحديث اليماني لمّا أقدم بجنازة أبيه إلى الغريّ حيث أوصاه بذلك، فأقرّه أمير المؤمنين(عليه السلام)ودفن معه(5)، ولما ذكر في العزّية أنّه قد وردت رخصة بذلك(6)، ولما ورد في بعض الأخبار مَنْ نقل من مات بعرفات إلى الحرم (7).

وبالجملة، فكأنّ الأمر بين الشيعة من الضروريّات.

و الظاهر أنّه لا فرق بين قرب المكان وبين بُعْده، ولا بين تأديته للمثلة بالميّت وظهور رائحته وبين عدمها.

نعم، لا يبعد اختصاص ذلك بمشاهد أهل العصمة(عليهم السلام)سيّما لو كانت الدار بعيدة.

المسألة الثانية عشر : عدم جواز دفن ميّتٍ في قبر آخَر

لا يجوز دفن ميّت في قبر آخَر وإن لم يستلزم النبش المحرَّم؛ لسبق حقّ الأوّل واختصاصه به، فلا تجوز مزاحمته، وللإجماع المنقول على لسان بعض الفحول(8).


1) مستدرك الوسائل 2: 213، الباب 13 من أبواب الدفن، ح 15.

2) راجع الهامش ( 3 و 4) من ص 413.

3) وسائل الشيعة 3: 164، الباب 13 من أبواب الدفن، ح 9.

4) ذكرى الشيعة 2 : 10.

5) مستدرك الوسائل 2: 310 - 311، الباب 13 من أبواب الدفن، ح 7.

6) حكاه عنها الشهيد في ذكرى الشيعة 11:2.

7) وسائل الشيعة 13: 287 ، الباب 44 من أبواب مقدّمات الطواف، ح 2.

8) رياض المسائل 1: 450

و أمّا دفن ميّتين في قبر واحد فمكروه؛ لمكان النهي عنه(1)، ولفحوى ما دلّ على كراهة حمل الميّتين على جنازةٍ واحدة(2)، ولاحتمال تأذّي أحدهما بالآخَر، وافتضاحه عنده، ولا يحرم؛ للأصل، وضعف نهوض الدليل بالتحريم.

خاتمة في بعض المندوبات

يستحبّ تشييع الجنازة إذا كان مؤمناً؛ للإجماع والنصوص.

ويكره الركوب للإجماع والنصوص. والظاهر أنّه مكروه عبادة.

و يستحبّ المشي خلفها عرفاً، لا بحيث يخرج في البُعْد عن هيئة المشيّع، فإن لم يمكن خلفها مشى عن جانبيها؛ لدلالة الأخبار(3)على ذلك.

ويكره المشي أمامها؛ جمعاً بين الأخبار المجوّزة (4)والأخبار الناهية(5)، مع أنّ المشي أمامها من شعار العامّة والرشد في خلافهم. والظاهر أنّ الكراهة كراهة العبادة.

ويكره -كراهة حقيقيّة - المشي أمام جنازة المخالف؛ للتعليل باستقبال ملائكة العذاب(6).

ويستحبّ تربيع الجنازة، بمعنى حملها من الجوانب الأربع؛ للأخبار(7)وفتوى الأصحاب. والظاهر أنّه يستحب الاستدارة عليها مع ذلك مختتماً بما بدأ مرة أو مرتين أو أزيد.

والأخبار في كيفيّة التربيع مختلفة، ككلام الأصحاب، والمشهور نقلا (8)بل ربّما يدّعى تحصيلاً، ونقل عليه الإجماع(9): البدأة بمقدّم السرير الأيمن على عاتقه الأيسر، ثمّ بمؤخّره، ثمّ بمؤخّر الأيسر على عاتقه الأيمن إلى أن يرجع إلى مقدّمه، فيجتمع يسار الحامل مع يسار


1) المبسوط 1: 155.

2) وسائل الشيعة 3: 208 ، الباب 42 من أبواب الدفن.

3) المصدر : 148، الباب 4 من أبواب الدفن.

4) المصدر: 150 - 151، الباب 5 من أبواب الدفن، ح 4 و 5.

5) المصدر : 149، الباب 4 من أبواب الدفن، ح 4 ، و 151، الباب 5 من تلك الأبواب، ح 6.

6) المصدر : 150 - 151، الباب 5 من أبواب الدفن، ح 5.

7) المصدر : 153 ، الباب 7 من أبواب الدفن.

8) روض الجنان 2: 837

9) مدارك الأحكام 2 126؛ رياض المسائل 1: 427.

المحمول مع يمين السرير، بناءً على أنّ السرير كالدابّة السائرة والميّت مستلقى عليها، فيمينه يساره ويساره يمينه.

والظاهر أنّ السرير قبل ذلك في الزمن السابق كان له أربعة أرجل كهيئة الدابّة، وأمّا تابوت اليوم فالظاهر أنّ يمينه ويمين الميّت سواء.

وقد ورد أيضاً ما يدلّ على الحكم المزبور، كقوله(عليه السلام): «السنّة أن تستقبل الجنازة من جانبها الأيمن»(1)فيراد بالجنازة السرير لا الميّت؛ لقوله (عليه السلام): «ممّا يلي يسارك»(2)ولقوله في المرسل : «ابدأ باليد اليمنى ثمّ الرّجْل اليمنى ثم ارجع من مكانك إلى ميامن الميّت» (3)فإنّ الأمر بالرجوع إلى ميا من الميّت دليل على يمين السرير في الأوّل.

و قيل في معنى التربيع عكس الأوّل(4)، و نُقل عليه الشهرة(5)، وأُيّد بالاعتبار؛ لاجتماع يمينّي الحامل والميّت مع يسار السرير دون الأوّل؛ لاجتماع يساريهما مع يمينه، والأوّل أولى. و أُيّد أيضاً بتحقّق الاستدارة المأمور بها معه من غير تكلّفٍ، دون المذكور سابقاً؛ لأنّ استدارة الرحى إلى اليسار غالباً.

وفي الجميع نظر.

ويستحبّ حفر القبر قامة أو إلى الترقوة؛ للإجماع المنقول(6)، ورواية الأذرع الثلاث(7).

ولا يبعد استحباب القامة إلى الرأس وإلى الثدي، ولكن الأوّل أفضل.

وهذا في الأرض المعتدلة، فلو كانت رطبة يخرج ماؤها قريباً استحبّ دون ذلك، أو كانت رملاً مهيلاً ضعيفة الحفظ عن السباع استحبّ فوق ذلك.

ويستحبّ اللحد؛ إجماعاً فتوىً ونصّاً، وهي حفيرة واسعة بقدر ما يجلس الميّت نحو القبلة. ويكره الشقّ إلّا للبدن؛ لأمر الباقر(عليه السلام)بالشقّ له(8).


1) وسائل الشيعة 3: 155، الباب 8 من أبواب الدفن، ح 2.

2) وسائل الشيعة 3: 155، الباب 8 من أبواب الدفن، ح 2.

3) المصدر : 156، ح 3.

4) الخلاف 1: 718، المسألة 531

5) كما في رياض المسائل 427:1.

6) تذكرة الفقهاء 2: 88، المسألة 231

7) وسائل الشيعة 3: 165، الباب 14 من أبواب الدفن، ح 1.

8) المصدر: 166، الباب 15 من أبواب الدفن، ح 3.

ويستحبّ أن يتحفّى النازل إلى القبر، ويحلّ أزراره، ويكشف رأسه للأخبار(1)، وفتوى الأصحاب. وأن يدعو عند نزوله بالمأثور.

ويكره نزول ذي الرحم القبر إلّا الولد مع والده على الأظهر؛ للأخبار(2)، وفتوى جملة من الأصحاب(3)، إلّا إذا كان الميّت امرأةً فالمحارم والزوج أولى بإنزالها؛ للأخبار(4)، وفتوى الأصحاب.

و يستحبّ إذا أُريد دفنه أن يجعل الميّت عند رِجْلَي القبر-أي بابه - إن كان رجلاً؛ للأخبار(5)،و إن كانت امرأةً فقُدّامه؛ للرضوي(6)، وفتوى المشهور.

و يستحبّ أن ينقل الميّت مرّتين، ويوضع ويصبر هنيئة وينزل في الثالثة؛ للرضوي(7)، و فتوى الأصحاب.

ويستحبّ إنزاله سابقاً برأسه إن كان رجلاً، وأخذها عرضاً إن كانت امرأة(8)، وأن يحلّ عقد گفته بعد نزوله(9)، وأن يلقنه الوليّ أو مَنْ يأمره أُصولّ دينه(10)، وأن يجعل معه تربة الحسين(عليه السلام)(11). وأن يشرج اللحد وينضده باللبن(12)، وأن يخرج من قِبَل رِجْليه(13)، وأن يهيل الحاضرون التراب عليه بظهور الأكفّ مسترجعين(14)، وأن لا يهيل ذو رحم(15)، وأن لا يوضع على القبر غير ترابه(16)،


1) وسائل الشيعة 3: 170، الباب 18 من أبواب الدفن.

2) المصدر : 185، الباب 25 من أبواب الدفن.

3) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية : 39؛ والمبسوط 1: 187؛ وابن حمزة في الوسيلة: 69؛ والمحقّق الحلّي في المعتبر 1: 297؛ والعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 2: 93، المسألة 234.

4) وسائل الشيعة 3: 187، الباب 26 من أبواب الدفن.

5) المصدر : 182 - 183 ، الباب 22 من أبواب الدفن، ح 5 و 6.

6) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام) : 171

7) المصدر : 170

8) وسائل الشيعة 3: 181 و 204، الباب 22 و 38 من أبواب الدفن.

9) المصدر : 172، الباب 19 من أبواب الدفن.

10) المصدر : 173، الباب 20 من أبواب الدفن.

11) المصدر : 29، الباب 12 من أبواب التكفين.

12) المصدر : 180 – 181، الباب 21 من أبواب الدفن، ح 6.

13) المصدر : 183، الباب 23 من أبواب الدفن.

14) المصدر : 179 - 180، الباب 21 من أبواب الدفن، ح 5، و 191، الباب 20 من تلك الأبواب، ح 5.

15) المصدر: 191، الباب 30 من أبواب الدفن.

16) المصدر : 202 الباب 36 من أبواب الدفن.

وأن يلقّنه الوليّ بعد انصرافهم عنه أُصول الدين(1)، وأن يرفع القبر قدر أربع أصابع منفرجات(2)، وأن يكون مسطّحاً مربّعاً(3)، وأن يضع الحاضرون الأيدي عليه مترحّمين له(4).

ويكره فرش القبر بالساج وتجصّصه(5)باطناً ، بل وظاهراً، سوى العلماء وشبههم.

ويكره تجديد القبر بعد اندراسه(6).

وجميع ذلك دلّت عليه الأخبار وفتاوى الأخيار، فلا محيص عنها.


1) وسائل الشيعة 3 200 ، الباب 35 من أبواب الدفن.

2) المصدر : 181، الباب 22 من أبواب الدفن. ح 2 و 193 و 195 ، الباب 31 من تلك الأبواب، ح 6، 7 و 11.

3) المصدر : 182، ح 5، و 194 و 195، ح 9 و 12.

4) المصدر : 197، الباب 33 من أبواب الدفن، ح 1 و 190، الباب 29 من تلك الأبواب، ح 3.

5) المصدر: 210 و 211، الباب 44 من أبواب الدفن، ح 1 و 5.

6) راجع المصدر : 208، الباب 43 من أبواب الدفن، ح 1.

القول في التيمم

اشارة

وهو لغةً: القصد(1)، وشرعاً : قصد أفعالٍ مخصوصة على وجهٍ مخصوص، أو أفعال مخصوصة على وجهٍ مخصوص مقترنة بالقصد، وهو من الحقائق الشرعيّة الموضوعة للصحيح على الصحيح، ومشروعيّته ثابتة بالكتاب والسنّة.

قال سبحانه وتعالى: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى(2)نبّه بدلالة الإيماء على أنّ الممنوع من استعمال الماء مع وجوده من مرض حاليٍّ أو استقباليٍّ يتوقّع باستعمال الماء أو من خوف عطش عند إتلافه وما شابه ذلك من العوارض، ثمّ قال: أوْ عَلَى سَفَرٍ نبه بذكر السفر؛ لأنّه مظنّة عدم الماء في السفر البرّي على عدم وجوده أو وجوده وعدم إمكان الوصول إليه؛ لعدم الآلة، أو لقطع طريقه من سَبُعٍ أو لُصٍّ أو ظالمٍ، أو لكونه مال الغير، أو لكونه نجساً، أو لضيق الوقت عن استعماله، أو ما شابه ذلك، ثمّ قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً وأراد بعدم الوجدان ما يشمل ما دلّ عليه ذكر المرض والسفر تأكيداً لكون الحكم معلّقاً عليهما لا لأنفسهما، بل لعدم القدرة على الماء. وذكر الغائط والجنابة تنبيهاً على قيامه مقام رافع الأصغر والأكبر، و«أو» بمعنى «الواو» و وسّط ذكرهما تنبيهاً على ترتّب التيمّم على عدم وجدان الماء لا عليهما، ثمّ قال سبحانه وتعالى: فَتَيَمَّمُوا أي اقصدوا صَعِيداً أي وجه الأرض، كما عن المشهور بين اللغويّين والفقهاء(3)، أو التراب الخالص كما عن بعضٍ(4)، ثمّ قال: طَيِّباً أي


1) الصحاح 5: 2064 «ی م .م».

2) النساء (4): 43: المائدة (5): 6

3) راجع وسائل الشيعة 3 352، الباب 7 من أبواب التيمّم، ذيل الحديث 7؛ ورياض المسائل 16:2.

4) راجع الجمهرة لابن دريد - 2: 654 نقلاً عن أبي عبيدة.

طاهراً خالصاً من غير الأرض، ثمّ قال: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ أي ببعضها مبتدئين منه أو من بعضه.

ويمكن إرادة نفس الفعل من قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا فيكون صعيداً منصوباً بإسقاط الخافض.

و دلّ على مشروعيّة التيمّم الإجماع والسنّة الدالّة على أنّه بمنزلة الماء(1)و أنّه يجزئك الصعيد عشر سنين(2)، وأنّه أحد الطهورين(3)، وأنّ الأرض مسجد وطهور(4)، ولولا الإجماع وجملة من الأخبار(5)الدالّين على كونه مبيحاً لا رافعاً، لكان حكمه حكم الماء.

مسوغات التيمّم

والكلام فيه في مواضع:

أحدها: فقدان الماء إلى آخر الوقت

يشرع التيمّم عند فقدان الماء إلى آخر الوقت، إمّا بالكلّيّة أو فقدان ما لطهارته. ولا يجب على مَنْ وجد الماء لبعض طهارته استعمالُه في البعض وضوءاً أو غسلاً؛ لأنّ الطهارة لا تتبعّض، ولعدم الأمر به في مقام البيان، ولظاهر اتّفاق الأصحاب.

ولظاهر الصحيح: إنّ مَنْ أجنب في سفره ولم يكن عنده ما يكفيه إلّا للوضوء، قال: «يتيمّم ولا يتوضّأ»(6)ونحوه غيره(7).

وفي الخبر: فيمن ترى الطهر وليس عندها ماء يكفيها لغُسْلها؟ قال: «إذا كان معها بقدر ما تغسل فرجها فتغسله ثمّ تتيمّم»(8).

وضعف الدلالة في الأوّل بعدم البيان، وفي الثاني بتقديم غسل الفرج على غسل بعض الأعضاء، مجبور بفتوى الأصحاب.


1) وسائل الشيعة 3: 379، الباب 20 من أبواب التيمّم، ح 3.

2) المصدر : 369، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 12.

3) المصدر: 381، الباب 21 من أبواب التيمّم، ح 1.

4) المصدر: 349 - 351، الباب 7 من أبواب التيمّم، ح 1 - 4.

5) المصدر : 366 ، الباب 14 من أبواب التيمّم.

6) المصدر: 387، الباب 24 من أبواب التيمّم، ح 4.

7) المصدر، ح 3

8) المصدر 2: 312 - 313 الباب 21 من أبواب الحيض، ح 1.

فظهر ضعف القول بوجوب غَسْل المقدور في الغُسْل؛ لعموم «لا يسقط» (1)و «ما لا يدرك»(2)و« ما جرى عليه الماء فقد طهر»(3).

هذا إذا كان مكلّفاً بطهارةٍ واحدة كوضوء أو غسل جنابة، وأمّا لو كان مكلّفاً بطهارتين فإن وسع الماء للغسل دون الوضوء، وجب قطعاً حتّى لو قلنا باشتراكهما في الرفع، ووجب التيمّم للوضوء.

وإن وسع للوضوء دون الغسل قوي القول بالوجوب أيضاً؛ لأنّ كلّاً منهما عبادة لا تسقط بامتناع الأُخرى، ولظاهر فتوى المشهور.

واختار بعضهم(4)العدم؛ لامتناع رفع الأصغر مع بقاء الأكبر، فيجب حينئذٍ تيمّمان عن الغسل والوضوء ويسقط الوضوء.

وهو قويّ لولا ما قدّمناه على أنّه إنّما يتمشّى فيما إذا كان الوضوء رافعاً، أمّا لو كان مبيحاً كوضوء الاستحاضة وغسلها، فلا؛ لإمكان تركّب الاستباحة من ماء وتراب، على أن يكون مبيح الأكبر التراب ومبيح الأصغر الماء.

وبالجملة، فالأقوى بمقتضى عموم الأدلّة والاحتياط: جواز تركّب الطهارة من مائيّتين رافعتين ومائيّتين مبيحتين، ومن ترابيّتين مبيحتين، ومن مائيّة كبرى رافعة وترابيّة صغرى مبيحة، ومن ترابيّة كبرى مبيحة ومائيّة صغرى رافعة، ومن مائيّة كبرى مبيحة وترابيّة صغرى مبيحة، وكلّها واقعة. والظاهر أنّ الفقهاء لا يتناكرونها.

ثمّ إنّ مَنْ قدر على إيجاد الماء بحفرٍ أو بشراءٍ لا يضرّ بالحال ثمنه يُسمّى واجداً عرفاً. وأمّا ما وُجد بثمن مضرٍّ بالحال أو كان في قبوله منّة عظيمة، أو كان محتاجاً لخَلْقٍ جديد من إحالة هواء أو إذابة أجسام، فالظاهر صدق عدم وجدان الماء، ولا يجب إيجاد مقدّمة الواجب المشروط.

نعم، لو أمكن خلط المطلق بمضاف ليكون كلّه مطلقاً ، كان الوجوب أقرب؛ لأقربيّة كون ذلك واجباً مطلقاً بالنسبة إلى ذلك. وكذا لو كان عنده ثلج وشبهه، بل وجوبه متعيّن.


1) تقدّم تخريجه في ص 208، الهامش (6).

2) تقدّم تخريجه في ص 208، الهامش (7).

3) وسائل الشيعة 2: 229 الباب 26 من أبواب الجنابة، ع 1.

4) لم نتحقّقه.

ولو لم يكن الثمن مضرّاً بالحال وجب الشراء ولو بأضعاف مضاعفة؛ للإجماع المنقول(1)،و فتوى المشهور والأخبار الدالّة على ذلك:

ففي الصحيح : فيمن احتاج إلى الوضوء للصلاة وهو لا يقدر على الماء ، فوجد قدر ما يتوضّأ به- وهو قادر - بمائة درهم أو ألف؟ قال: «يشتري، قد أصابني مثل هذا فاشتريت»(2). وغيره(3).

نعم، في صورة الضرر لا يجب الشراء؛ لحديث نفي الضرر(4)، والعسر والحرج، وفتوى المشهور، وظاهر الإجماع المنقول(5)، بل ربما كان محرَّماً. ولو فعل حراماً واشترى وبعد ذلك توضّأ، كان الوضوء صحيحاً.

و لو لم يكن في العطاء منّة وجب القبول، كالماء المبذول للمثوبة أو المبذول للزوّار والمتردّدين أو الأضياف، أو كهبة الوالدين في وجهٍ قويّ.

هذا كلّه في المال المبذول في المعاوضة اختياراً، و أمّا المال المأخوذ قهراً بسبب الوضوء فلا يتفاوت الحال في تسويغه التيمّم بين قليله وكثيره؛ للإجماع المنقول(6)على أنّ الخوف من اللصوص موجب للتيمّم. وللخبر فيمن كان الماء على يمين الطريق ويساره، قال: «لا آمره أن يغرّر بنفسه فيعرض له لصّ أو سَبُع»(7)ولأنّ في النهب والسلب غضاضةً ومهانةً يستباح معها کثیر من المحظورات كما يرشد إليه باب وجوب التقيّة.

ولو توقّف على اقتراض الثمن وكان معسراً لم يجب عليه القرض؛ لأنّ إيجاد غير الموجود غير واجب.

ثانيها: وجوب طلب الماء عند فقدانه

يجب عند فقدان الماء الطلب له مع الإمكان، وعدم الضرر به في جهةٍ يعلم


1) الخلاف 1 165 - 166. المسألة 117.

2) وسائل الشيعة 3 389، الباب 26 من أبواب التيمّم، ح 1.

3) المصدر : 389 - 390، ح 2.

4) المصدر 18: 32، الباب 17 من أبواب الخيار، ح 3 - 5.

5) المعتبر 1 370؛ منتهى المطلب 3: 16 الفرع الرابع.

6) المعتبر 1: 366؛ تذكرة الفقهاء 2: 153 - 154، المسألة 286.

7) وسائل الشيعة 3: 342، الباب 2 من أبواب التيمّم، ح 2.

وجوده بها، وفي جهةٍ لا يعلم وجوده بها معيّناً فيجب من باب المقدّمة، وفي جهةٍ يشكّ في وجوده بها مطلقاً، ولا يجوز التمسّك بأصالة عدم وجوده؛ للإجماع المنقول(1)وفتوى الفحول، والأخبار كالحسن: «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت»(2).

وما ورد في الخبر: «لا تطلب الماء يميناً وشمالاً ولا في بئرٍ، إن وجدته على الطريق فتوضّأ، وإن لم تجده فامضِ»(3)محمول على صورة حصول الخوف من سَبُعٍ وشبهه، كما ورد في الخبر: «لا تطلب ولكن تيمّم، فإنّي أخاف عليك التخلّف عن أصحابك فتضلّ ويأكلك السبع»(4).

ومقتضى إطلاق الفتوى والنصّ والاحتياط من باب المقدّمة - ولو المقدّمة الاحتماليّة - وجوب طلب الماء حتّى يحصل القطع أو الظنّ الشرعي بعدمه، وربما دلّ عليه «فليطلب ما دام في الوقت»(5)سواء كان دوام الوقت ظرفاً للطلب أو كان ظرفاً للوجوب؛ للأمر بالطلب وإرادته في الجملة، والاجتزاء(6)بمسمّاه بعيد، وحيث إنّه لم يحدّ تعيّن حمله على أنّ نهايته القطع بالعدم. على أنّ مَنْ لم يطلب لا يصدق عليه أنّه غير واجدٍ للماء أيضاً. فظهر أنّ الطلب واجب لصحّة التيمّم إلى أن يحصل القطع بالعدم، ويكفي فيه القطع العادي بحيث تطمئنّ نفسه بالعدم.

والمراد بالقطع بالعدم هو القطع بعدم وجوده في ذلك الزمن، وعدم حصوله إلى أن يمضي زمن كثير من الوقت يُعتدّ به أو إلى أن يمضي الوقت كلّه، كما هو الأظهر والأحوط، فإذا قطع بذلك ساغ له التيمّم، ولا يجب عليه التأخير إلى الضيق.

وربما كان القول بجواز البدار للتيمّم عند القطع بعدمِ وجود الماء في مكانه، وعدم العلم به في جهة يمكنه الذهاب إليها - وإن كان يرجو حصوله بعد ذلك من مارّ أو مستطرق، أو وجوده في الطريق بعد ذلك في غير ما دلّ الدليل على وجوب الطلب بقدره - قويّاً في النظر، وربما كان فتوى المشهور عليه فيراد من الطلب في كلامهم هو الطلب الخاصّ الذي جاءت به الرواية.


1) غنية النزوع 1: 64.

2) وسائل الشيعة 3 :341 الباب 1 من أبواب التيمّم، ح 1.

3) المصدر : 343، الباب 2 من أبواب التيمّم، ح 3.

4) المصدر: 342، ح 1.

5) راجع الهامش (2)

6) في «ق»: «والاكتفاء بدل «والاجتزاء».

ولكنّ الأظهر والأحوط ما ذكرناه.

وعلى كلّ تقدير فقد ورد الأمر للمسافر بطلب غلوة سهم في الحزونة، وغلوة سهمين إن كانت سهولة(1)، وهي وإن كانت سكونيّةً ولكنّها منجبرة بفتوى الأصحاب والإجماعات المنقولة(2)في الباب، ونقل عن ابن إدريس أنّه ادّعى تواترها(3)، فالأخذ بها متعيّن.

ولكن على ما اخترناه- من وجوب الطلب حتّى يحصل القطع واليأس بعدم وجود الماء وعدم حصوله في جميع الوقت - تكون الرواية مخصّصةً لذلك الحكم في المسافر فقط، ويبقى الحاضر و مَنْ بحكمه على القاعدة في وجوب الطلب إلى حدّ اليأس.

وكذا الأعمى والخائف والعاجز عن الطلب ومَنْ كان في ليل لا يبصر شيئاً على القاعدة أيضاً. ويحتمل كفاية الاستنابة لهم بمن يوثق به.

وعلى الوجه الآخَر- وهو كفاية عدم وجدان الماء وعدم العلم به في جهةٍ في صحّة التيمّم وإن احتمل حصوله بعد ذلك أو وجوده في مكانٍ آخَر كان الطلب المأمور به خاصّاً بالمسافر، وتنزَّل الإجماعات الدالّة على وجوب الطلب على الطلب المخصوص في الرواية.

وفيه - مع ضعفه- : أنّه يلزم أن يكون المسافر أسوأ حالاً من الحاضر.

والمراد بالسهلة هي الخالية عن صعوبة الوطء من شجرٍ وحجرٍ وعلوٍّ و هبوطٍ وغير ذلك. و بضدّها الحزونة.

والمراد بالغلوة قدر الرمية المتعارفة من الرامي المعتدل والجذب المعتدل بالآلة المعتدلة الهواء المعتدل، ومعرفته موكولة للعرف، ومع الشكّ يأخذ باليقين، وتقديره بشيء معلوم غير معلومٍ كما قدّره بعضهم(4).

ثمّ إنّ الظاهر من الرواية كون الطلب في جهةٍ واحدة كافٍ في صحّة التيمّم. ولكن ظاهر الأصحاب والإجماع المنقول(5)في الباب هو وجوب الطلب في الجهات الأربع: الأمام، والخلف،


1) وسائل الشيعة 3: 341 ، الباب 1 من أبواب التيمّم، ح 2.

2) غنية النزوع 1: 64: تذكرة الفقهاء :2 :150، المسألة 283

3) السرائر 1: 135.

4) راجع أساس البلاغة: 327.

5) غنية النزوع 64:1.

واليمين، والشمال، وأن تكون متقاطعة على طريقة زوايا القوائم عرفاً، لا على طريقة الحادّة والمنفرجة ، ويجتزئ بقطع الأربع بذهابين وإيابين بأن يذهب بواحدة ويرجع في أُخرى ، والأولى جعل الأربع ثمانياً بتفريق الذهاب والإياب.

ويحتمل وجوب طلب ذلك القدر على جهة الاستدارة من طرف الحدّ.

و يحتمل وجوب طلب ذلك المقدار مستديراً، فيكفي في الجهة المسامتة أقلّ من ذلك.

و يحتمل وجوب طلب كلّ جزءٍ جزءٍ ممّا بينه وبين الحدّ، وربما يحصل العلم بجميع أجزاء الأرض الداخلة في الحدّ عند الطلب في الأربع جهات؛ لأنّ الماء لا يكاد يخفى.

واحتمال كفاية الجهتين من اليمين واليسار أو الثلاث دون الخلف ضعيف.

والجهة المعلوم عدم وجود الماء فيها يسقط عنها الطلب كلاًّ أو بعضاً، كما أنّه عند العلم بوجوده في مكان متجاوز للحدّ وجب طلبه، وكذا لو كان من باب الشبهة المحصورة، فإنّه يجب التتبّع حتّى يحصل القطع بالعدم، وربما كان الظنّ مثله.

و تجوز الاستنابة لمن يوثق به، والأحوط استنابة العدلين، والأعمى يكفيه الواحد على الوجه المتقدّم.

ولو أخل بالطلب فعل حراماً، ويفسد تيمّمه؛ لفقدان شرطه مع السعة؛ لأنّ الظاهر من الأمر به هو الشرطيّة لا التعبّديّة، ولأنّ الأصل حرمة التيمّم مع رجاء الماء، خرج المسافر مع الطلب هذا المقدار فيبقى الباقي.

ولو أخلّ به حتّى ضاق الوقت صحّ تيمّمه على الأصحّ، ولا إعادة عليه كما هو المشهور، سواء ضاق عن الطلب أو عن الاستعمال؛ لصدق عدم الوجدان عليه، والامتثال يقضي بالإجزاء.

ودعوى شرطيّة الطلب حتّى عند الضيق ممنوعة.

و لو كانت الأرض مركّبة من السهلة والحزنة أخذ من كلٍّ بنسبتها، والأحوط مراعاة الغلوتين في المركّب بجهةٍ واحدة، كأن كان نصفٌ سهلةً ونصفٌ حزنةً.

ولو عجز عن الطلب إلّا بمقدار النصف، لم يجتزئ به ورجع إلى القاعدة.

ولو طلب فاحتمل بعد طلبه تجدّد الماء، وجب عليه التجديد ما لم يلزم العسر والحرج.

ويجتزئ بالطلب قبل الوقت إذا لم يحتمل وجود ماء جديد بعد الوقت.

ولو طلب حتّى ضاق الوقت عن الطهارة المائية نفسها فتيمّم وصلّى ووجد الماء في رحله، صحّت صلاته؛ لمصادفتها الأمر الواقعي. وكذا لو قصّر في الطلب حتّى ضاق الوقت فتيمّم و صلّى ووجد الماء في رحله.

ولو طلب فلم يجد فتيمّم في السعة فصلّى فوجد الماء في موضع طلبه من دون تقصيرٍ منه بل لخفاء الماء، فالوجه : الصحّة والأحوط الإعادة سيّما مع بقاء الوقت.

ولو وجده في رحله بعد طلبه وكان الوقت في سعةٍ، فالأوجَه: الإعادة؛ لوجود الماء وإن خفي عليه، والأصل في الشرائط الواقع دون ما ظهر لدى المكلّف؛ وللخبر: فيمن معه ماء فنسيه فتيمّم ووجد الماء في رحله قبل أن يخرج الوقت؟ قال: «عليه أن يتوضّأ ويعيد»(1).

ويمكن القول بعدم الإعادة؛ لأنّ المرء متعبّد بقطعه والأصل في الامتثال الإجزاء، ولأنّه يصدق عليه أنّه لم يجد الماء. والرواية ضعيفة لا تصلح لهدم ذلك.

ويمكن الفرق بين الناسي فيعيد؛ أخذاً بمنطوق الرواية، وغيره فلا يعيد.

ولو قصّر في الطلب فضاق الوقت عن الطلب لا عن استعمال الماء فتيمّم وصلّى فوجد الماء في رحله، فإن كان ناسياً فالأظهر الإعادة؛ للرواية(2)، وفتوى المشهور على الظاهر، وإن لم يكن ناسياً ،فوجهان، أحوطهما: الإعادة إلحاقاً بالناسي.

ولو ضاق الوقت عن استعمال الماء أيضاً، فالأقوى الصحّة مطلقاً، كما قدمنا.

وذهب بعضهم(3)و نُسب(4)، للمشهور وجوب القضاء وعدم الصحّة، مستندين للرواية المتقدّمة(5).

و فيه: أنّه مع الضيق عن الاستعمال يلزمه التيمّم على كلّ حال، فلا معنى للقضاء بعد صحّة الأداء، والرواية موردها السعة دون الضيق عن الاستعمال.

ولو كان عند المكلّف ماء أو مرّ بماء فأراق الأوّل ولم يستعمل الثاني، فإن فعل ذلك قبل الوقت تيمّم عند عدم الوجدان ولا إثم عليه وصحّ تيمّمه، وإن لم يعلم بعدم الماء بعد دخول


1) وسائل الشيعة 3: 367، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 5.

2) المصدر : 367، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 5.

3) راجع المبسوط 1: 31.

4) الناسب هو البحراني في الحدائق الناضرة 256:4.

5) آنفاً.

الوقت، ومع العلم بعدمه احتُمل القول بالجواز و صحّة التيمّم؛ للأصل وعمومات أدلّة التيمّم، واحتُمل القول بحرمة الإراقة وصحّة التيمّم أيضاً؛ لاهتمام الشارع بالصلاة وكونها أعظم الفرائض، فتجب مقدّمتها مع العلم بعدمها في الوقت قبل الوقت. ويؤيّده ما ورد من المنع من السفر إلى أرض لا ماء فيها وأنّه هلاك للدين(1)، وإطلاقها شامل لذلك، وهو الأقوى.

نعم، لو كانت صنعته في ذلك المكان كالحطّاب، قوي القول بالجواز دفعاً للضرر.

و إن فَعَل ذلك بعد دخول الوقت، فإن كان راجياً للماء فحكمه كذلك، وإن علم بعدمه أثم؛ لتفويته الواجب بعد تعلّقه به، ولخطابه بحفظه من باب المقدّمة، وصحّ تيمّمه عند فقدان الماء؛ لعموم الأدلّة، والامتثال يقضي بالإجزاء.

وقيل بوجوب الإعادة(2)لتعلّق الخطاب بذمّته بالطهارة المائيّة، والشكّ في حصول الانتقال إلى الترابيّة مع تفويت الواجب بنفسه، فلا يكون فعله عذراً مسوّغاً لذلك.

وفيه: أنّ العذر المسوّغ هو نفس عدم الوجدان.

ويمكن الفرق هاهنا بين التيمّم حال الضيق عن الاستعمال فلا إعادة، وبين التيمّم في السعة ثمّ يجد الماء في الوقت بعد ذلك فيعيد؛ استصحاباً للأمر الأوّل وانكشاف بقائه، وهو أحوط.

و مثل ما ذكرنا مَنْ علم كون الماء بمكان يمكن الوصول إليه فأهمل حتّى ضاق الوقت عن الوصول، فإنّ الأوجَه: صحّة التيمّم وعدم الإعادة.

ثالثها: تضیّق الوقت عن استعمال الماء

ممّا يسوّغ له التيمّم ضيق الوقت عن استعماله مع إدراك ركعة من فرضه أو مع إدراك جميعه، وهو الأقوى، أو ضيق الوقت عن الوصول إليه مع استعماله وإدراك ركعة لو علمه في مكان، أو ضيق الوقت عن طلبه في الجهات الأربع واستعماله وإدراك ركعة لو لم يعلمه، أو ضيق الوقت عن التفحّص عنه حتّى يعثر عليه لو علمه في مكان محصور مشتبه، ولا يتفاوت بين كون الضيق ناشئاً عن تفريطه أو غير ناشئ عن ذلك، كلّ ذلك لعموم المنزلة(3)، ولأنه طهور(4)،


1) وسائل الشيعة 3: 391، الباب 28 من أبواب التيمّم، ح 2 و 3.

2) قاله الشهيد في الدروس الشرعيّة 1: 131؛ والبيان: 84.

3) راجع الهامش (1) من ص 420

4) راجع الهامش ( 4 ) من ص 420.

وأحد الطهورين(1)، وأنّه يجزئ عشر سنين(2)، ولأنّ مشروعيّته للمحافظة على أداء الفرض في وقته، كما يُفهم من الأخبار والآثار، ولأنّ الصلاة لا تسقط بحال، والصلاة من دون طهور والتراب موجود لا يلتزمه أحد، ولأنّ مَنْ بَعُد عنه الماء بحيث إنّه لو سعى إليه لفات الوقت وجب عليه التيمّم اتفاقاً ، فهذا مثله، ولأنّ ربّ الصعيد وربّ الماء واحد، ولأنّ الظاهر أنّ مشروعيّة التيمّم عند عدم التمكّن من الماء على جميع الأنحاء.

فالقول بوجوب الطهارة المائيّة والقضاء لعدم الدليل على مشروعيّة التيمّم هاهنا وعدم تسويغ ضيق الوقت للتيمّم، ضعيف، كالفرق بين ضيق الوقت عن الوصول إليه فيسوغ التيمّم؛ لعدم وجدان الماء وإن كان قريباً، وبين ضيقه عن استعماله فلا يسوغ؛ لأنّه واجد للماء.

ويجري الحكم لكثير من الشرائط إذا لم يتّسع الوقت لتحصيلها، كإزالة النجاسة، وتحصيل الساتر، ونحوهما، فإنّه يسقط وجوب تحصيلها اهتماماً بإيجاد الصلاة مهما أمكن.

ولو تطهّر بالماء مَنْ كان فرضه التيمّم، صحت طهارته على الأقوى؛ لعموم الأدلّة، ولأنّ الأمر بالشيء لا يقضي بالنهي عن الضدّ، وكونه غير مخاطب بالطهارة المائية لهذه الصلاة لا يقضي بأنّه غير مخاطب مطلقاً.

نعم، الأحوط أن لا ينوي الطهارة لهذه الصلاة الخاصّة.

رابعها: عدم الوصول إلي الماء لخوف سبعٍ أو لصٍّ

ممّا يسوّغ له التيمّم عدم الوصول إليه لخوف سبع أو لصّ ؛ للأخبار(3)، وفتوى الأصحاب.

وكذا لو وجد بثمن يضرّ بالحال في الحال أو المآل بحيث كان ضرر المآل متوقّعاً عادة مظنوناً - لا مجرّد الخوف من الفقر، لأنّ الله هو المغني والرزّاق- قليلاً كان أو كثيراً. ويختلف بالنسبة إلى أحوال الناس، فربّ شيء يضرّ بشخصٍ دون آخر.

ولا يتفاوت الضرر بين كونه على نفسه أو أهله لجوع أو ذلّة أو مهانة أو تأدية لذلّ السؤال أو إعواز نفقة أو شبه ذلك.


1) راجع الهامش (3) من ص 420.

2) راجع الهامش (2) من ص 420.

3) وسائل الشيعة 3 342 الباب 2 من أبواب التيمّم، ح 1 و 2.

والدليل على ذلك فتوى مشهور الأصحاب والأخبار العامّة النافية للضرر والضرار(1)، وفحوى ما دلّ على جواز التيمّم للخوف على المال وإن قلّ(2)، ولخبر الدعائم: «إلّا أن يكون في دفعه الثمن ما يخاف منه على نفسه التلف إن عدمه والعطب، فلا يشتريه ويتيمم بالصعيد ويصلّي»(3).

واقتصر بعضهم(4)على ما ذُكر في هذا الخبر فقط. ويردّه ما ذكرناه.

وذهب بعضهم إلى جواز التيمّم متى تجاوز العوض عن قيمة المثل كثيراً(5)؛ استناداً إلى تجويز التيمّم مع الخوف على المال اليسير، فالكثير بالطريق الأولى، ولأنّ المال قليله وكثيره محترم؛ لكفر مستحلّه، وفسق غاصبه، وجواز الدفاع عنه.

وهو ضعيف؛ للأخبار الدالّة على وجوب بذل المال الكثير في ماء الوضوء(6)، المعتبرة بنفسها وبفتوى الأصحاب.

نعم، لو أجحف كثيراً كأن تصل الثلاث أكفّ إلى ألف دينار، ربما أشكل فيه الحال؛ لعدم وجود النظير له في أبواب الفقه، ولعدم ذكرهم لمثله في لباس أو مكان أو ماء لرفع الخبث، أو دليل على القبلة، أو أرض يسجد عليها، أو آلة لتحصيل الماء أو لتحصيل غيره من الشرائط، أو لتحصيل كفٍّ من ترابٍ للتيمّم، ولو وجب بذل الكثير على كلّ جزءٍ جزءٍ من هذه الأُمور لذكروه في أكثر المقامات، بل ربما يدّعى قيام السيرة على خلافه، بل ربما يدّعى أنّ بذل ألف دينار في كفّ من تراب أو كفٍّ من ماء سفه عرفاً، فلا يسوغ شرعاً، وربما يظهر من بعضهم الإجماع على أنّ الزيادة لو أجحفت بالحال سقط وجوب البذل(7)، ومع ذلك فالتخطّي عمّا نطقت به الأخبار ودلّت عليه كلمات الأصحاب لا وجه له.

ومن عدم إمكان الوصول: عدم الآلة لاستخراج الماء من دلو أو رشاء أو غيرهما؛ للإجماع، والأخبار(8)الدالّة على التيمّم لمن لم يكن عنده دلو وقد مرّ بالبئر، و أنّه لا يقع في البئر ولا يفسد على القوم ماءهم.


1) راجع الهامش ( 4 ) من ص 422.

2) وسائل الشيعة 3: 342، الباب 2 من أبواب التيمّم، ح 2.

3) دعائم الإسلام 1: 121

4) راجع الحدائق الناضرة 4: 266 - 267.

5) نسبه إلى ابن الجنيد المحقق في المعتبر 1: 369.

6) وسائل الشيعة 3: 389 - 390، الباب 26 من أبواب التيمّم، ح 1 و 2.

7) منتهى المطلب 3: 16. الفرع الرابع

8) وسائل الشيعة 3: 343 - 345، الباب 3 من أبواب التيمّم، ح 1، 2 و 4.

خامسها: عدم وجود الماء المحلَّل

ممّا يسوّغ التيمّم عدم وجود الماء المحلَّل بملك أو إباحة أو إذن فحوائيّة علميّة أو ظنّيّة جرت السيرة على العمل بها، أو بإذن إلهيّة، كاستعمال الأنهار والعيون المملوكة في الطرق، فإنّ المعلوم من سيرة المسلمين استعمالها مع القطع بالإذن الفحوائيّة ومع عدمه، بل ومع القطع بعدم الرضى؛ لإذن المالك الحقيقي بها، كما يشهد به فعل الأئمّة(عليهم السلام)وسائر الشيعة، والأخبار الواردة في أنّ الناس أو المسلمين شركاء في الماء والكلأ(1)، وربما نُقل عليه الإجماع.

هذا كلّه إذا لم يجحف المتناول، وإلّا حرم، والأحوط التجنّب مع النهي من المالك، وكذا مع العلم بأنّه لأيتام ونحو ذلك.

وكذا عدم وجود الماء الطاهر إجماعاً، ولو كان عنده نجس وطاهر واحتاج الشرب شرب الطاهر وتيمّم، ولا يجوز له شرب النجس للنهيّ عنه، والمنهي عنه مسوّغ للتيمّم ،كما في الأخبار(2)وكلام الأخيار.

ولو كان عنده ماء طاهر وثوب نجس أو كان بدنه نجساً، فهل يغسل به النجس ويتيمّم، أو يتوضّأ ويصلّي بالنجاسة؟ وجهان، أقواهما: وجوب غَسْل النجاسة والتيمّم؛ لأنّ الأدلّة وإن كان بينها تعارض إلّا أنّ المفهوم من أدلّة التيمّم أنّه ينتقل إليه مع الموانع الشرعيّة والعرفيّة، فكلّما كان اضطرار شرعاً أو عرفاً ساغ له التيمّم، على أنّ الظاهر أن الحكم اتفاقيّ.

سادسها: التألّم الشديد على البدن

ممّا يسوّغ به التيمّم التألّم الشديد على البدن وإن كان لا يخشى معه من المرض على الأقوى؛ لعموم نفي الضرر(3)والعسر(4)، والحرج(5)، ولأنّه قد يكون أقوى من المرض.


1) وسائل الشيعة 25: 417 ، الباب 5 من أبواب كتاب إحياء الموات، ح 1: مستدرك الوسائل 17: 114، الباب 4 من تلك الأبواب، ح 2.

2) المصدر 3: 345، الباب 4 من أبواب التيمّم.

3) راجع الهامش ( 4 ) من ص 422.

4) البقرة (2) 185.

5) الحج (22): 78

فعلى هذا لو أصابه برد شديد أو حرّ شديد في الحمّامات، أو حركة عنيفة في المسير إلى محلّ الماء، أو تعب شديد في الغسل لكبر وعجز، ساغ له التيمّم، كما يُفهم ذلك من الأخبار عموماً وخصوصاً (1)لدخوله فيمن خاف على نفسه من البرد، وكلام جملة من الأخيار.

وقيل بلزوم المائيّة (2)للعمومات وصحيح ابن مسلم: فيمن تصيبه الجنابة في أرض باردة ولا يجد الماء وعسى أن يكون جامداً؟ قال: «يغتسل على ما كان»(3).

وفيه: أنّ العمومات مخصوصة، والرواية معارضة بصحيحته الأُخرى: عمّن يجنب ولا يجد إلّا الثلج أو ماءً جامداً؟ قال: «هو بمنزلة الضرورة يتيمّم»(4)فلتُحمل الرواية على القدرة على ذلك لبعض الأمزجة.

سابعها: الخوف العطش على النفس

ممّا يسوّغ التيمّم الخوف على النفس- نفسه أو نفس غيره - المحترمة من إنسان أو حيوان محترم على الأظهر، أو على ماله أو مال غيره المحترم، أو عرضه أو عرض غيره المحترم.

وإلحاق المال بالنفس يمكن الاستدلال عليه برواية اللصّ (5)و بغيرها ممّا جاء باحترام المال ولزوم حفظه والدفاع عنه، وكذا العرض، إلّا أنّ تسويغ التيمّم لحفظ مال الغير لا يخلو من إشكالٍ.

ولو كان الخوف جُبْناً كان لا اعتبار به فيقوّي نفسه على ما لا يخاف منه عادة، إلّا إذا أدّت شدّة الجبن إلى الوقوع في الجنون أو مرض آخَر، كما رأيناه من بعض أهل الأوهام من الجنّ والملائكة.

ثامنها: خوف العطش على نفسه

ممّا يسوّغ له التيمّم خوف العطش على نفسه وإن لم يهلكه. ويكفي مجرّد التألّم منه؛ لإطلاق الفتوى، وصحيح ابن سنان «وإن خاف عطشاً فلا يهريق منه قطرة، وليتيمّم بالصعيد»(6).


1) راجع وسائل الشيعة 3: 346، الباب 5 من أبواب التيمّم.

2) قاله العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 237.

3) وسائل الشيعة 3 374، الباب 17 من أبواب التيمّم، ح 4.

4) المصدر : 355، الباب 9 من أبواب التيمّم، ح 9.

5) المصدر : 342، الباب 2 من أبواب التيمّم، ح 2.

6) المصدر : 388 الباب 25 من أبواب التيمّم، ح 1.

والظاهر أنّ الخوف من عطش رفيقه ودابّته المحترمين مسوّغ للتيمّم أيضاً؛ لأنّ حفظ المسلم وحفظ المال المحترم أهمّ من الصلاة والطهارة، ولذا تقطع الصلاة لأجلهما ولو في الضيق ولدخولهما تحت قوله: «وإن خاف عطشاً».

ولا يتفاوت بين ما أمكن تذكيته من دوابّه وبين ما لم يمكن، إلّا أنّ ما يمكن تذكيته وأكل لحمه بحيث يمكن الجمع بين استعمال الماء وعدم إذهاب المال ورفع حرمته، فالأحوط استعمال الماء وذبحه قبل تلفه.

ولو خاف على دابّة غيره من رفقائه، فإن لم يمكن تذكيتها وكانت محترمةً قوي القول بجواز دفع الماء لها والتيمّم، وفي الوجوب وجه. وإن أمكن ذلك، فجواز بذل الماء لها والتيمّم لا يخلو من إشكال.

و أمّا الحيوان الغير المحترم -كالحربي والمرتدّ والكلب العقور والخنزير والمؤذي - فلا يجوز دفع الماء له.

وفي من وجب عليه القتل لحدٍّ أو قصاص إشكال، والأقوى بقاء حرمته إلى حين القتل .

تاسعها: زيادة المرض للمريض باستعمال الماء

ممّا يسوغ له التيمّم زيادة المرض للمريض باستعمال الماء، أو عسر علاجه، أو تألّمه باستعماله له، أو خوف استمراره، أو خوف التلف بسببه؛ لنصّ الكتاب(1)والإجماع، إلّا فيمن أجنب مختاراً، والنصوص الواردة في المجدور والكسير والمبطون و مَنْ به جروح أو قروح أو خاف على نفسه من البرد(2)، والعمومات النافية للعسر(3)والحرج(4)والضرر(5)، والناهية عن إلقاء النفس في التهلكة(6).

وكذا خوف حدوث المرض باستعمال الماء وإن كان صحيحاً قبل استعماله؛ للعمومات


1) النساء (4): 43: المائدة (5): 6

2) وسائل الشيعة 3: 346، الباب 5 من أبواب التيمّم.

3) البقرة (2): 185

4) الحج (22): 78

5) راجع الهامش ( 4 ) من ص 422.

6) البقرة (2): 195

وفحوى الأخبار الواردة في الصوم(1)والواردة هاهنا(2)، ولدخوله في الخوف من البرد المسوّغ للتيمّم، ولأنّ حفظ الصحّة يساوي دفع المرض في كون كلٍّ منهما مطلوباً للنفس إن لم يكن أولى، ولاتّفاق الأصحاب على ذلك بحسب الظاهر.

ويتحقّق خوف المرض من الصحيح وخوف الزيادة من المريض بحصول الظنّ به، بل و الشكّ؛ لأنّ الشاكّ في الخوف خائف، والضرر المشكوك به مخوف.

هذا إذا صدر من معتدل المزاج جبناً وشجاعةً، فلو كان جَباناً كثير الخوف رجع إلى عامّة الناس، فإن حكموا بأنّه مخوف تركه و إلّا عمله. وكذا المتجاوز في الشجاعة حدّ التهوّر، مع احتمال دوران الحكم مدار الخوف مطلقاً، ومع الجهل وعدم المعرفة بحال نفسه يرجع إلى أهل الخبرة المفيد قولهم الظنّ أو الخوف، واحداً أو متعدّداً، مسلماً عدلاً أو فاسقاً أو كافراً، ولو لم يفد قولهم الظنّ أو الخوف، فإن كان المُخبر عدلين وجب الأخذ بقولهما، وإن كان عدلاً واحداً جمع بين الوضوء والتيمّم.

والرجوع إلى ما ذكرنا من قول الأطبّاء وأهل الخبرة قضت به الأخبار في كتاب الصوم(3)وكلمات الأصحاب.

والمراد بالمرض هو ما يُسمّى مرضاً عرفاً بحيث يعتدّ به ويهتمّ بحاله، فلو كان المرض يسيراً جدّاً- كألم لحظة في جزء من البدن أو حصول رجفة في الأعضاء من البرد أو اختلاج أو همول عينٍ أو أنفٍ يسيراً أو غير ذلك- فلا يعتدّ به، ويجب استعمال الماء تمسّكاً بالقاعدة وشكّاً في الخروج عنها؛ للشكّ في شمول الإطلاق لمثله.

ولو حصل له الخوف فاستعمل الماء بطل عمله؛ لتوجّه النهي إليه ولو وافق الواقع من عدم حصول ما خاف منه.

ولو لم يحصل له الخوف فاستعمل الماء، صحّ استعماله ولو خالف الواقع من حصول ما لم يخف منه ؛ لدوران الأمر مدار الخوف.

وكذا الخوف من العطش والبرد والخوف على النفس وعلى العرض والمال.


1) وسائل الشيعة 19: 218 و 219، الباب 19 و 20 من أبواب ما يصحّ منه الصوم.

2) راجع الهامش (2) من ص 432

3) لم نتحقّقه .

واحتمال أنّ الحكم معلّق على ترتّب الأمر المخوف واقعاً ؛ لأنّ الأصل في الشرائط والموانع الواقعيّة، ضعيف؛ لمخالفته الأخبار وكلام الأصحاب من تعليق الحكم على نفس الخوف وجوداً وعدماً، والامتثال قاضٍ بالإجزاء، والنهي قاضٍ بالفساد.

وأمّا حدوث الشين في الوجه كالتفطير والانكماش، فقد نقل الإجماع على جواز التيمّم معه(1)، وظاهر إطلاق الإجماع أنّ الشين مسوّغ للتيمّم مطلقاً ، وهو مع حصول الضرر به - من سيلان دم أو تشويه خلقة أو حدوث ورم - لا إشكال فيه ، ومع عدم ذلك- كالواقع معتاداً في البلاد الباردة - ففي تسويغه للتيمّم إشكال. والأقوى عدم جواز التيمّم معه.

ومقتضى إطلاق النصوص والفتاوى والكتاب: عدم الفرق في جواز التيمّم للمريض بين أن يجنب اختياراً أو اضطراراً بعد الوقت أو قبل الوقت.

ونُسب للشيخين القول بأنّ مَنْ أجنب مختاراً يجب عليه الغسل وإن خشي التلف(2)للمرفوعتين: في المجدور أصابته جنابة: «إن أجنب نفسه فليغتسل وإن احتلم فليتيمّم»(3)والصحيحين، أحدهما: عن المجنب يتخوّف أن يصيبه عنت من الغسل لأنّه في أرض باردة؟ قال: «يغتسل وإن أصابه ما أصابه»(4)وفى الآخَر: تصيبه الجنابة في أرض باردة؟ فقال: «اغتسل على ما كان، فإنّه لا بدّ من الغسل»(5).

وهذا القول ضعيف؛ لضعف المرفوعتين سنداً ودلالةً؛ لاحتمال إرادة أنّه إذا أجنب نفسه كان قادراً على تحمّل الغسل دون ما إذا احتلم؛ ولضعف الصحيحتين دلالةً؛ لاحتمال أنّ المشقّة هو البرد نفسه، ولم يبلغ إلى حيث لا يمكن تحمّله أو إلى ترتّب ضرر عليه، ومع ذلك فهما معارضتان بعمومات أدلّة نفي العسر والحرج والضرر وسهولة الشريعة كتاباً(6)وسنّةً(7)، وبالأخبار


1) منتهى المطلب 3: 32

2) المقنعة: 60 الخلاف 1: 156 ، المسألة 108؛ ونسبه إليهما الطباطبائي في رياض المسائل 47:2.

3) وسائل الشيعة 3 : 373 ، الباب 17 من أبواب التيمّم، ح 1 و 2.

4) المصدر: 373 - 374، ح 3.

5) المصدر : 374، ح 4.

6) البقرة (2) 185: الحج (22) 78

7) وسائل الشيعة 1: 210 ، الباب 8 من أبواب الماء المضاف ... . ح 3 و 18 : 32، الباب 17 من أبواب الخيار، ح 3 - 5.

الصحيحة والمعتبرة الدالّة على أنّ مَنْ أصابته جنابة فى ليلة باردة ويخاف على نفسه إن هو اغتسل، قال: «يتيمّم، فإذا أمن البرد اغتسل وأعاد»(1)، و بالأخبار الدالّة على جواز الجنابة لمن كان فاقد الماء و أنّه حلال يؤجر عليه(2)، فإنّها ظاهرة في تسويغ التيمم؛ لأنّ القائل بمنعه ووجوب الغسل إنّما يقوله عقوبةً له على تعمّده الجنابة وتقصيره.

نعم، ما دلّ على التيمّم والاغتسال بعد ذلك وإعادة الصلاة(3)محمول على الندب؛ لفتوى المشهور بعدم الإعادة للصلاة، ولأنّ الامتثال مقتض للإجزاء، وللأخبار الدالّة على عدم وجوب الإعادة للصلاة(4).

عاشرها: عدم التمكّن من الطهارة الشرعيّة لتقيّةٍ

اشارة

ممّا يسوغ له التيمّم عدم التمكّن من الطهارة الشرعيّة لتقيّةٍ - غير تقيّة المخالفين - من يهود أو نصارى أو ملل أُخَر، فإنّ التوضّؤ والغسل على طريقتهم لم تثبت مشروعيّته، فالعدول للتيمّم(5)من الأُمور اللازمة.

جواز التيمّم لمن منعه الزحام يوم الجمعة أو عرفة وقد ضاق عليه الوقت

وكذا يسوّغ التيمّم لمن منعه الزحام يوم الجمعة أو عرفة وقد ضاق عليه الوقت للأخبار(6)، و فتوى الأصحاب.

وفي بعض الأخبار أنّه «يعيد»(7)وهو محمول على الندب، أو على أنّ الصلاة مع العامّة

فيصلّى معهم صورةً ثمّ يعيدها.

جواز التيمّم تأدية استعمال الماء إلى الإفساد على المستطرقين والمارّين

وممّا يسوغ له التيمّم تأدية استعمال الماء إلى الإفساد على المستطرقين والمارّين من المسلمين ، كالدخول إلى الآبار الموضوعة في الطرق والعيون والقنوات ؛ للأخبار الناهية عن الوقوع في البئر وأن يفسد على القوم ماءهم(8).


1) وسائل الشيعة 3 372، الباب 16 من أبواب التيمّم.

2) المصدر : 390، الباب 27 من أبواب التيمّم.

3) راجع الهامش (1).

4) وسائل الشيعة 3: 366، 368 و 370، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 1، 7، 15 و 16.

5) في «ق»: «إلى التيمّم».

6) وسائل الشيعة 3: 371 - 372، الباب 15 من أبواب التيمّم.

7) وسائل الشيعة 3: 371 - 372، الباب 15 من أبواب التيمّم.

8) المصدر : 344، الباب 3 من أبواب التيمّم، ح 2.

القول فيما يتيمّم به

وفيه مباحث:

أحدها: وجوب التيمّم بالصعيد الطيّب

يجب التيمّم بالصعيد الطيّب إجماعاً وكتاباً (1)وسنّةً (2)وفتوىً.

والصعيد هو التراب كما نصّ عليه جملة من اللغويّين(3)وجملة من الفقهاء(4)، وحكي عن الأصمعي وأبي عبيدة(5).

وهو المتيقّن من وضع اللفظ بعد الشكّ في أنّه موضوع للعامّ أو الخاصّ، وهو المتيقّن من إرادة أهل اللغة له، حملاً للمطلق على المقيّد، وإن كانا ليسا من متكلّمٍ واحد في وجهٍ قويّ.

وهو الظاهر من إطلاق الأرض؛ لأنّه فردها الظاهر، وهو المتيقّن من إرادته بعد الشكّ في إرادة العامّ أو الخاصّ، وبعد الشكّ في المعنى الحقيقي والمجازي؛ وبعد الإجمال الناشئ من الشكّ في إرادة المعنى الخاصّ من المشترك اللفظي أو المعنوي لو كان أحدهما.

وهو الظاهر من الآية بعد رجوع الضمير فيمنه(6)إلى الصعيد.

وهو الظاهر من قوله(عليه السلام)- في الصحيح : «فليمسح من الأرض»(7)لظهور تبعيضيّة الجارّ، والظاهر من الصحيح في قوله: «إنّ الله عزّ وجلّ جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً»(8)والصحيح الآخَر: «إذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر إلى أجفّ موضع تجده»(9)والخبر الآخَر: عن الرجل لا يصيب الماء والتراب أيتيمّم بالطين؟ قال: «نعم»(10).


1) النساء (4): 43: المائدة (5): 6

2) وسائل الشيعة 3: 349 ، الباب 7 من أبواب التيمّم.

3) منهم: الجوهري في الصحاح :2 498 وابن فارس في مجمل اللغة 1 534 ونشوان في شمس العلوم 6: 3743، «ص ع د».

4) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية 48 وابن زهرة في غنية النزوع 51:1

5) حكاه أبو عبيدة عن الأصمعي على ما في معجم مقاييس اللغة 3: 287؛ وحكاه ابن دريد عن أبي عبيدة في جمهرة اللغة 2: 654، «ص ع د».

6) المائدة (5): 6

7) وسائل الشيعة 3: 368، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 7.

8) المصدر 1: 133، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

9) المصدر :3: 354، الباب 9 من أبواب التيمّم، ح 4.

10) المصدر، خ 6.

وفي آخر : «ربّ الماء ربّ التراب»(1).

وهو الظاهر من أخبار العلوق(2)المشترط في التيمّم، وهو الموافق للاحتياط ووجوب الفراغ اليقيني المسبّب عن الشغل اليقيني.

والصعيد أيضاً هو الأرض، كما نصّ عليه جمعٌ من اللغويّين(3)والفقهاء(4)، وهو الموافق للإجماع المنقول على أنّه كذلك عند أهل اللغة(5).

و هو الموافق للأخبار الدالّة على جواز التيمّم بالحجر على وجه الإطلاق- كالمرويّ عن عليّ(عليه السلام): أيتيمم بالصفا البالية على وجه الأرض؟ قال: «نعم» وفيه: «لا يجوز بالرماد لأنه لا يخرج من الأرض»(6)والموثق فيمن تمرّ به جنازة وهو على غير وضوء؟ قال: «يضرب بيديه على حائط لبن ويتيمّم»(7)- ولا قائل بالفرق المؤيدة بفتوى المشهور(8)والإجماع(9)المنقولين.

وهو الموافق للصحاح الآمرة بالتيمّم بالأرض، كقوله: «إنّ ربّ الماء هو ربّ الأرض»(10)وقوله(عليه السلام): «فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض»(11).

وهذا قويّ، إلّا أنّ الأوّل أقوى دليلاً؛ لأشهريّة تفسير الصعيد بالتراب في كلام أهل اللغة، ولأقربيّته من وجه الأرض حيث قالوا: إنّ الصعيد هو التراب؛ لأنّه يصعد من وجه الأرض، ولظهور إرادة التراب ممّن عبّر بوجه الأرض أو الأرض من أهل اللغة والفقهاء والروايات؛ لأنّه فردها الظاهر والغالب، ولظهور الأخبار في إرادة غير ما قدّمناه، كقوله(صلی الله علیه وآله وسلم)في الرواية


1) وسائل الشيعة 3: 370، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 13.

2) منها: ما في المصدر: 364.

3) منهم: الخليل في العين :1 290 والفيّومي في المصباح المنير : 339؛ وثعلب على ما حكاه عنه الجوهري في الصحاح 2: 498، «ص ع د»

4) منهم: المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 373؛ والعلّامة الحلّي في منتهى المطلب :3: 58 والعاملي في مدارك الأحكام 2: 197.

5) مجمع البيان 3 - 4: 52 ذيل تفسير الآية 43 من سورة النساء.

6) مستدرك الوسائل 2: 533، الباب 6 من أبواب التيمّم، ح 2.

7) وسائل الشيعة 3: 111، الباب 21 من أبواب صلاة الجنازة، ح 5.

8) نسبه إلى المشهور السبزواري في كفاية الفقه 1 : 43 : وكذا البحراني في الحدائق الناضرة 4 : 393.

9) راجع الهامش ( 5 ).

10) وسائل الشيعة 3: 343، الباب من أبواب التيمّم، ح 1.

11) المصدر: 384، الباب 22 من أبواب التيمّم، ح 1.

المشهورة: «خلقت(1)لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً »(2)وهي ظاهرة في تخصيص الطهوريّة بالتراب، وقوله(عليه السلام): «الطين صعيد طيّب وماء طهور»(3)وقوله(عليه السلام): «ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد»(4)، ولأنّ عمّار تمعّك فى التراب فأزرى به رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) من حيث إنّه تمعّك(5)، وتمعّكه في التراب دليل على أنّ استعمال التراب كان معلوماً لديهم، إلى غير ذلك من الأخبار الناصّة على التراب، فحمل لفظ الصعيد لو كان مجملاً أو كان مطلقاً، ولفظ الأرض المطلق على المقيّد ممّا لا محيص عنه؛ لأولويّته من حمل لفظ التراب على إرادة الأعمّ منه وهو وجه الأرض؛ لبُعْد إرادة العامّ من الخاصّ في أبواب المحاورات، ولبُعْد الأخذ بالمطلق على إطلاقه وإبقاء المقيّد على حاله في الخطابات العرفيّة والشرعيّة، فالأقوى الأخذ بأدلّة وجوب التيمّم بالتراب، وحمل ما جاء في الحجر وشبهه على حالة الاضطرار.

و ينبغي أن يُعلم أنّ المراد بالتراب ما قابل الحجر عرفاً، فيدخل فيه التراب المتماسك و إن كان في غاية الصلابة، كالمدر وشبهه.

ولا يشترط فى التراب أن يكون هائلاً على الأظهر.

نعم، لو اشترطنا العلوق لزم الضرب على هائلٍ في الجملة، وهو بحثٌ آخَر غير ما نحن فيه.

و لو سحق الحجر فعاد تراباً فإن صدق عليه اسم التراب صحّ به التيمّم، و إلّا فلا.

ويمكن أن يقال: إنّ الحجر بعد سحقه يكون تراباً مطلقاً ولكن على تأمّلٍ.

ثانيها: فی بیان شرایط ما یجوز التیمّم

يشترط إطلاق التراب، فلا يكفي التراب المضاف من أنواع الأرض، أو ممّا نبت فيها، أو ممّا خرج عنها.

ويشترط طهارته؛ لقوله تعالى:طَيِّباً(6)وللاحتياط، ولأنّه طهور، ولفتوى الأصحاب.

و المشتبه المحصور يجب اجتنابه مع الاختيار، ومع الاضطرار يحتمل الوجوب من باب


1) في المصدر: «جعلت» بدل «خلقت».

2) وسائل الشيعة 3: 350 - 351، الباب 7 من أبواب التيمّم، ح 2 - 4.

3) المصدر : 354، الباب 9 من أبواب التيمّم، ح 6.

4) المصدر: 360 الباب 11 من أبواب التيمّم، ح 8.

5) المصدر : 359، ح 4.

6) النساء (4): 43: المائدة (5): 6

المقدّمة. ويحتمل العدم إلحاقاً له بالماء لوجوب إراقته. والأوّل أقوى.

ويشترط إباحته؛ لتعلّق النهي بغير المباح فتفسد العبادة.

ويشترط سلامته من خليطٍ لا يدخل تحت اسمه ولا يستهلك فيه.

ويشترط جفافه؛ لانصراف لفظه إليه.

ويشترط عدم الحائل بينه وبين الكفّ، بحيث يستبين من تِبْن أو حبّ أو حصى كبار أو غير ذلك. وسيجيء تمام الكلام إن شاء الله تعالى.

ثالثها: حکم ما لو فقد التراب

لو فقد التراب جاز التيمّم بالحجر للإجماع المنقول(1)وفتوى الفحول، ولأنّه مع امتناع المقيّد يقوم مقامه المطلق، وللأمر بالتيمّم بالأرض(2)مطلقاً، فيُحمل على إرادة التراب مع الاختيار وغيره مع الاضطرار، وللأخبار(3)المجوّزة للتيمّم به، المحمولة على حالة الاضطرار.

و الظاهر أنّه لو دار الأمر بين التيمّم به مسحوقاً وبينه غير مسحوق قدّم المسحوق منه؛ لأقربيّته من التراب. بل يمكن القول بأنّه بعد السحق يعود تراباً مطلقاً؛ لاحتمال أنّ الحجر تراب اكتسب رطوبة وعملت فيه حرارة الشمس حتّى تحجّر، فإذا انسحق عاد تراباً.

ويظهر من بعضهم(4)، أنّ الرمل والسبخ تراب، ما عدا الملح الذي يظهر على وجه السبخة، فإنّه ليس منه، وما عدا الحصى الكبار فى الرمل فإنّه ليس منه إلّا إذا انسحق، فلا يبعد القول بصيرورته تراباً.

والأحوط تجنّبه، بل الأحوط تجنّب الأرض السبخة - وإن نقل الإجماع على جواز التيمّم بها(5)، والظاهر منه ولو في الاختيار - لقول أبي عبيدة: «إنّ الصعيد هو التراب الخالص الذي لا يخالطه سبخ ولا رمل»(6).


1) مختلف الشيعة 1: 260 - 261 ، المسألة 194.

2) وسائل الشيعة 3 367 و 368، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 4 و 7.

3) منها ما في مستدرك الوسائل 2 :533 الباب 6 من أبواب التيمّم، ح 2.

4) راجع جامع المقاصد 1: 483؛ وروض الجنان 1: 327.

5) المعتبر 1: 374.

6) حكاه عنه ابن دريد في جمهرة اللغة :6542 «ص ع د »

والأحوط- بل الأظهر - تجنّب الرمل على ما اخترناه - وإن نقل الإجماع أيضاً على جواز التيمّم به(1)على وجه الإطلاق - للصحيح الناهي عن الصلاة على الزجاج لأنّه من الملح و الرمل، وهما ممسوخان(2)، ولمقابلة الرمل بالتراب عرفاً، ولقول الشاعر ....... عدد الرمل والحصى والتراب(3)

ثمّ قالوا: تحبّها قلت بهراً ***..........

راجع لسان العرب 4: 82« ب ه ر» ؛ ومغني اللبيب 1: 20.

.

وعلى القول بجواز التيمّم بالأرض مطلقاً فلا إشكال.

و شبهة خروج الرمل عن مسمّى الأرض ضعيفة جدّاً، ورواية المسخ لا عامل عليها.

رابعها: فی أنّ تراب الخزف والآجر والطين المشوي ليس من التراب المطلق

تراب الخزف والآجر والطين المشوي ليس من التراب المطلق، بل يلحق بأصله، فإنّ جوّزنا التيمّم بالأرض اختياراً جاز، و إلّا فلا.

واحتمال أنّها بالسحق تعود تراباً مطلقاً، لا نبني عليه.

و أمّا احتمال خروجها بالطبخ عن مسمّى الأرض فلا يجوز التيمّم بها مطلقاً ، واضح البطلان، ويردّه الاستصحاب وكلام الأصحاب.

وتراب الحصى المسحوق يلحق بأصله، وليس من التراب المطلق.

خامسها :فی أنّ تراب الجصّ والنورة ليسا من التراب المطلق

تراب الجصّ والنورة ليسا من التراب المطلق لا قبل الطبخ ولا بعده، كما يشهد به العرف، وإن كان تراب النورة أقرب لصدق الترابيّة من تراب الجصّ.

و ما جاء في الخبرين من جواز التيمّم بالجصّ و النورة ولا يجوز التيمّم بالرماد لأنّه لم يخرج من الأرض(4)محمول على إرادة الجواز في الجملة، وهو جائز عند فقد التراب المطلق، كالأخبار الواردة في جواز التيمّم بالحجر(5).


1) راجع الهامش (5) من ص 439

2) وسائل الشيعة 5: 360 ، الباب 12 من أبواب ما يسجد عليه، ح 1.

3) عجز بيتٍ لعمر بن أبي ربيعة، وصدره هكذا:

4) وسائل الشيعة 3: 352 الباب 8 من أبواب التيمّم، ح 1؛ مستدرك الوسائل 2 :532 - 533، الباب 6 من أبواب التيمّم.

5) راجع الهامش (3) من ص 439.

ومنع بعضهم(1)من التيمّم بهما مطلقاً؛ لخروجهما عن الأرض وكونهما من المعدن.

وبعضهم منع من التيمّم بهما مطلقاً بعد الإحراق(2)لخروجهما بالطبخ عن مسمّى الأرض، و نُسب للمشهور(3).

ويردّهما حكم العرف بالأرضيّة، والاستصحاب، والخبران(4)المذكوران في الباب، إلّا أنّ الاحتياط ولزوم الفراغ اليقيني من الشغل اليقيني يقضي بالاجتناب.

سادسها: عدم جواز التیمّم بما خرج عن مسمّی الأرض

كلّ ما خرج عن مسمّى الأرض - نبت فيها أم لا - لا يجوز التيمّم به، كسحيق الأُشنان والدقيق والمعادن مسحوقةً أم لا، والرماد إذا كان من غير الأرض، وسحيق الفحم، إجماعاً و نصّاً، كتاباً (5)و سنّةً(6).

وتجويز الإسكافي للتيمّم بالمعادن لأنّها تخرج من الأرض(7)، شاذّ : لأنّ العبرة بمسمّاها لا بما يخرج منها. وما استند إليه من مفهوم الخبر(8)ضعيف سنداً ودلالةً.

و أمّا رماد الأرض نفسها فالظاهر أنّه كذلك؛ لخروجه عن مسمّاها عرفاً.

واحتمال بقائه تحت مصداقها وإن جرى عليه اسم آخَر؛ للاستصحاب، ضعيف.

نعم، لو شكّ بعد إحراق الأرض في خروجها عن مسمّاها وتسميتها رماداً كان الأصل عدم الخروج.

سابعها: حکم ما لو فقد المتيمّم التراب المطلق

لو فقد المتيمّم التراب المطلق، وجب الرجوع إلى تراب الأرض مطلقاً، ولو فقده وجب الرجوع إلى مسمّى الأرض من حجر وغيره ممّا يُسمّى أرضاً، فلو فقده وجب


1) ابن إدريس في السرائر 1: 137.

2) المحقّق الكركي في جامع المقاصد 482:1.

3) راجع الحدائق الناضرة 300:4.

4) راجع الهامش (4) من ص 440.

5) النساء (4): 43: المائدة (5): 6

6) وسائل الشيعة 3: 349، الباب 7 من أبواب التيمّم.

7) هو قول ابن أبي عقيل كما في المعتبر 1: 372.

8) راجع الهامش (4) من ص 440.

الرجوع إلى التيمّم بالغبار؛ للإجماع المنقول(1)، وفتوى الأصحاب، والأخبار:

فمنها: الصحيح عن المواقف إن لم يكن على وضوء ولا يقدر على النزول، كيف يصنع ؟

قال: «يتيمّم من لبده أو سرجه أو عُرْف دابّته، فإنّ فيها غباراً ويصلّي»(2).

وفي آخَر: «فإن كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمّم من غباره أو شيء مغبر، وإن كان في حال لا يجد إلّا الطين فلا بأس أن يتيمّم منه»(3).

وفي الموثّق: «إن كان الثلج فلينظر لبد سرجه فيتيمم من غباره أو من شيء معه، وإن كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس أن يتيمّم منه »(4).

وفي آخَر: «إذا كنت في حال لا تقدر إلا على الطين فتيمّم به، فإنّ الله أولى بالعذر إذا لم يكن معك ثوب جاف أو لبد تقدر أن تنفضه وتتيمّم به»(5).

والأقوى والأظهر والأشهر : أنّ التيمّم بالغبار مرتبة متأخّرة عن التيمّم في الأرض، وهو الذي تقضي به القواعد، ونُقل عليه الإجماع(6)، ودلّ عليه الصحيح: «إذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجفّ موضع تجده فتيمّم منه، فإن كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمّم من غباره أو شيء مغبر»(7).

فالقول بمساواة الغبار للتراب لا يُعتمد عليه ، والاستناد إلى أنّه تراب ، لا وجه له ؛ لأنّ الغبار حقيقة أُخرى مغايرة للتراب، ولا أقلّ من الشكّ في صدق اسم التراب المطلق عليه.

نعم، لو فرض أنّ الغبار كثير أو عرف أنّ أصله من التراب جاز التيمّم به قطعاً، ويجب تقديمه على الحجر أو الخزف.

و الأقوى تأخير مرتبة الطين عنه للأخبار المتقدّمة (8)وفتوى المشهور؛ وما تشعر به بعض


1) المعتبر 1: 376؛ تذكرة الفقهاء 2: 180، المسألة 302.

2) وسائل الشيعة 3: 353، الباب 9 من أبواب التيمّم، ح 1.

3) المصدر: 354 ، ح 4.

4) المصدر: 353، ح 2.

5) المصدر: 354 - 355، ح 7

6) راجع الهامش (1).

7) وسائل الشيعة 3: 354، الباب 9 من أبواب التيمّم، ح 4.

8) آنفاً.

الأخبار(1)من تقديم الطين على الغبار، ضعيف؛ لضعها سنداً ودلالةً.

و الظاهر أنّ كيفيّة التيمّم بالغبار هو أن ينفض الثوب أو ما شابهه حتّى يعلو عليه شيء من الغبار فيتيمّم به، وهو الظاهر من الأخبار.

و أمّا احتمال نفضه بحيث يطير في الهواء فيضرب عليه في الهواء بعيد، كاحتمال أنّه يكفي الضرب على نفس المغبرّ من دون نفض له، فإنّه بعيد أيضاً.

والأظهر أنّه لو علم أنّ الغبار الذي في الموضع غير تراب مطلق بل غبار نورة أو جصّ أو شبههما، كان التيمّم به في المرتبة الثانية، ولو علم أنّه غبار غير الأرض من دقيق أو أُشنان لم يجز به التيمّم مطلقاً، مع احتمال جوازه مطلقاً، وكفاية صدق اسم الغبار عليه فتتساوى أفراده في الحكم.

و الأقوى عدم لزوم الترتيب بين أفراد المضروب، وإن ظهر من بعضهم لزوم الترتيب(2)، و النصوص ظاهرة في عدم لزوم الترتيب.

نعم، ينبغي التحرّي لما كان أكثر غباراً فالأكثر، وهكذا.

ثامنها: وجوب التیمّم بالوحل فیما لو فقد التراب

لو فقد التراب وجب التيمّم بالوحل، وهو الطين. والأخبار المتقدّمة والإجماع نطقت به.

وكيفيّته- على ما يظهر من الأخبار - هو ضرب اليدين عليه والمسح بهما سواء بقي علوق منه بالكفّ أو لم يبقَ . والأحوط بقاء شيء من أثره بالكفّ، فللمتيمّم حينئذٍ أن يضرب يديه عليه ويمسح بهما وجهه، وله أن يضرب يديه عليه ويفركهما حتّى لا يبقى طين ويمسح وجهه.

ولو قدر على تجفيف الطين بحيث يكون تراباً وجب؛ لأنّه في المرتبة الأُولى.

ولو قدر على تجفيفه بحيث يخرج عن مسمّى الطين إلى مسمّى الأرض وجب أيضاً؛ لأنّها في المرتبة الثانية.


1) وسائل الشيعة 3: 354، الباب 9 من أبواب التيمّم، ح 6.

2) راجع النهاية: 49؛ والسرائر 1: 138.

وعن الشيخ(رحمۀ الله علیه) في التيمّم في الوحل: أنّه يضع يديه على الوحل ثمّ يفركهما ويتيمّم به(1)، فإن رجع إلى ما ذكرناه أخذنا به، و إلّا طرحناه.

تاسعها :حکم ما لو لم يوجد شيء ممّا یجوز التیمّم به إلّا الثلج

لو لم يوجد شيء ممّا ذكرنا إلّا الثلج، قيل - ونُسب للمشهور(2)- : إنّه يكون كفاقد الطهورين، فلا يجب عليه استعمال الثلج، ولا يجب عليه التأدية للصلاة؛ لانتفاء المشروط عند عدم القدرة على الشرط، ولأنّ الطهارة من شرائط الوجوب، فإذا لم تحصل لم يجب مشروطها، فالطهارة الترابيّة أو المائيّة من حيث هما شرط وجوبٍ كالوقت، والطهارة المائيّة فقط شرط صحّةٍ يجب لها البدل.

والقول بوجوب الأداء ضعيف، والاستناد إلى أنّ الصلاة لا تسقط بحالٍ ضعيف أيضاً؛ لأنّ ذلك فيما جعله الشارع شرط صحّةٍ دون غيره.

إنّما الكلام في وجوب القضاء وعدمه، فقيل بالعدم(3)للأصل، ولأنّ فوت الأداء لا يقضي بوجوب القضاء، بل القضاء يحتاج إلى أمرٍ مستأنف.

وقيل بوجوب القضاء(4)، وهو الأشهر نقلاً(5)، والأحوط عملاً؛ أخذاً بعمومات الأدلّة الدالّة على أنّ «مَنْ فاتته صلاة فليقضها كما فاتته»(6)، وصدق الفوت متحقّق هاهنا على الأظهر، فظهر أنّ القول بوجوب الأداء فقط، والقول الأداء فقط، والقول بوجوب الأداء والقضاء، والقول بعدم وجوبهما، كلّه ضعيف.

وقيل: يجب التيمّم بالثلج(7)للاحتياط، ولما ورد في الصحيح: فيمن أجنب ولم يجد إلّا الثلج أو ماءً جامداً؟ قال: «هو بمنزلة الضرورة، يتيمّم»(8).


1) النهاية: 49

2) نسبه إلى المشهور الصيمري في كشف الالتباس 386:1.

3) ممّن قال به العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 238.

4) ممّن قال به المفيد في المقنعة: 60؛ والسيّد المرتضى في المسائل الناصريّات: 161، المسألة 55؛ وابن إدريس في السرائر 1: 139؛ والشهيد في ذكرى الشيعة 1: 190.

5) جواهر الكلام 5: 233.

6) عوالي اللآلي 3: 107، ح 150

7) ممّن قال به الطوسي في النهاية: 47.

8) وسائل الشيعة 3: 355 الباب 9 من أبواب التيمّم، ح 9.

والقول الأوّل أقوى؛ للأصل، وفتوى المشهور، وضعف الرواية دلالةً؛ لاحتمال الأمر بالتيمّم بغيره.

نعم، لو أمكن إذابة الثلج بحيث يمكن الغسل به وجب قطعاً.

ولو أمكن أخذ نداوة منه بحيث يبلّ بها الأعضاء من دون إجراء أو أمكن مسح الأعضاء بحيث يؤثّر فيها انتشاراً للرطوبة فهل يجب ذلك، ويقدّم على التيمّم؟ لعموم «لا يسقط»(1)و«ما لا يدرك»(2)، ولعدم القطع بدخول الجريان في مفهوم الغُسل لغةً وشرعاً، ولظاهر صحيحة عليّ بن جعفر: عن المجنب أو على غير وضوء، ولم يجد إلّا ثلجاً وصعيداً، أيّهما أفضل، أيتيمّم أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال: «الثلج إذا بلّ رأسه وجسده أفضل، فإن لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمّم»(3)و نحوه غيره(4)، وفي آخَر: فيمن لا يجد إلّا الثلج، قال: أدلك به جلدي؟ قال: «نعم»(5)، أو لا يجب ؟ للأصل، وللشكّ في شمول العموم لمثل هذا المقام، ولضعف الروايات دلالةً؛ لقوله في الأُولى: «فإن لم يقدر على أن يغتسل يتيمّم» فهو قرينة على إرادة الغُسل من لفظ «بلّ رأسه وجسده» وعلى إرادة الإيجاب في قوله: «أفضل» ولاحتمال إرادة الغُسل من لفظ «الدلك» لحصول الجريان من الثلج إذا مسّ الجلد بحرارة، وهذا هو الأقوى.

والأحوط الجمع بين المسح بالثلج والتيمّم والصلاة، ثمّ الغسل.


1) تقدّم تخريجه في ص 208، الهامش (6).

2) تقدّم تخريجه في ص 208 ، الهامش (7)

3) وسائل الشيعة 3: 357، الباب 10 من أبواب التيمّم، ح 3.

4) المصدر: 357 - 358، ح 4.

5) المصدر: 357، ح 2.

القول في كيفيته

وفيه مباحث:

أحدها: وجوب النيّة في التيمّم

تجب في التيمّم النيّة؛ للإجماع، ولأنّه عبادة بالمعنى الأخصّ، فتجب فيها النيّة إجماعاً، ولأنّ الفراغ اليقيني في العبادة موقوف عليها، ولأنّ ما شكّ في شرطيّته شرط، وهي عبارة عن قصد الفعل في الجملة مع نيّة القربة والعبوديّة والامتثال لحضرة ذي الجلال.

ولا تجب فيها نيّة الوجه من وجوبٍ وندبٍ، بل لو نوى الخلاف فلا بأس به، إلّا أن يجعل نيّة الخلاف وصفاً للمنويّ، فالأظهر: البطلان؛ لتأديته إلى نيّة عملٍ غير مشروعٍ وقصد فعلٍ لا يمكن وقوعه ولو من جهة النيّة.

وهل تجب نيّة الاستباحة؟ الظاهر عدم الوجوب؛ لأنّ الاستباحة كالرفع من الآثار المترتّبة على نفس الفعل قهراً فلا حاجة إلى نيّتها.

واحتمال لزوم نيّة الاستباحة لتشخيص المنويّ عن غيره؛ لاشتراك التيمّم بين المبيح وغيره، ضعيف؛ لأنّ التيمّم عند عدم التمكّن من الماء لا يكون إلّا مبيحاً، وعند التمكّن منه لا يكون إلّا صوريّاً.

ولا تجب نيّة رفع الحدث؛ لأنّ التيمّم غير رافعٍ حقيقةً، إجماعاً، إلّا إذا أُريد من الرفع رفع المانعيّة عن فعل المشروط به إلى زمن انتقاضه، فإنّه يصحّ، ولكن تغني عنه نيّة الاستباحة، بل هو معناه.

ولو نوى الرفع الحقيقي به لغت نيّته و صحّ عمله- عمداً أو جهلاً أو نسياناً - إذا جعل

الرفع غاية له ما لم تدخل تحت عبادة الجاهل.

ولو جعل نيّة الرفع وصفاً له فنوى التيمّم الرافع كان القول بالفساد قويّاً.

نعم، لو ضمّها إلى الاستباحة توجّهت الصحّة؛ ترجيحاً لجانب الصحّة مهما أمكن.

وهل تجب فيه نيّة البدليّة مطلقاً؛ لقوله: «إنّما الأعمال بالنيّات» (1)أو لا تجب مطلقاً ؛ لحصول المنويّ في الجملة فلا حاجة إلى أمرٍ آخَر، أو الفرق بين ما إذا قلنا باتّحاد صورة التيمّم مطلقاً فلا يحتاج؛ لأنّه ماهيّة واحدة يقع أثرها بحسب ما تصادفه، فإن كان أصغر استبيحت به الصلاة عن الأصغر، وإن كان أكبَر استبيحت به الصلاة عن الأكبر، وبين ما إذا قلنا باختلاف صورته فضربة للبدل عن الوضوء وضربتان للبدل عن الغسل، فيحتاج إلى نيّة البدليّة؛ لكونهما ماهيّتين مختلفتين فيجب تمييز إحداهما عن الأُخرى، أو الفرق بين ما إذا وجب على المكلّف تيمّمان فتجب نيّة البدليّة للتمييز، وبين ما لم يجب إلّا واحداً فلا تجب؛ لانصرافه إليه، وأصالة عدم وجوب التعيين؟ وجوه، أحوطها بل أظهرها: الأخير.

ويجوز تداخل التيمّمات عن أغسال متعدّدة يصحّ فيها التداخل؛ لعموم البدليّة.

وتجب استدامة حكم النيّة، كما تقدّم في الوضوء.

و تجب مقارنتها لأوّل أجزاء التيمّم ، فإن كان هو الضرب وجب مقارنتها للضرب، وإن كان غيره وجب مقارنتها له أيضاً. وعلى القول بأنّ النيّة هي الداعي يسهل الخطب غاية السهولة.

ثانيها: وجوب المباشرة في التيمّم

تجب المباشرة في التيمّم؛ للإجماع، والاحتياط، والتأسّي، والعمل المعهود، وظاهر الخطاب، وعدم تيقّن الفراغ بغيرها إلّا مع العجز فتجوز التولية، بمعنى أن يرفع أعضاءه شخصٌ ثمّ يمسح بهما، وإن لم يمكن تولّى غيره الضرب بيديه ومسح أعضاءه بها كتيمّم الميّت، والأوّل هو المقدّم؛ لأنّه هو المتيقّن به في فراغ الذمّة بعد شغلها.


1) وسائل الشيعة 1: 48 - 49 الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، ح 7 و 10.

ثالثها: وجوب الموالاة في التيمّم

تجب الموالاة في التيمّم مطلقاً، سواء كان بدلاً عن الغسل أو الوضوء. والمراد بها الموالاة العرفيّة لا الحكميّة.

والدليل على وجوب الموالاة الاحتياط؛ ولأنّه المعهود والمتيقّن للفراغ، ولظاهر الإجماع المنقول(1)، ولفتوى المشهور من الفحول، وللتأسّي بما فعله الأئمّة(عليهم السلام)في مقام البيان؛ للنقل عنهم(عليهم السلام)أنهّم تابعوا في تيمّمهم(2)، ولظاهر الآية(3)حيث وقع العطف فيها بالفاء المقتضية لتعقيب العمل المركّب، ولا يتمّ إلّا بمعاقبة أجزائه بعضها ببعض. وهذا لا يخلو من نظر.

رابعها: وجوب الترتيب بين الأعضاء

يجب الترتيب بين الأعضاء الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى؛ للإجماع المنقول(4). وفتوى جمهور الفحول، ولظاهر الآية(5)في تقديم الوجه: إمّا لأنّ الواو للترتيب، أو لقوله(عليه السلام): «ابدأوا بمابدأ الله تعالى»(6)وللأخبار الظاهرة في الترتيب في الضرب، ثمّ مسح الوجه، ثمّ مسح اليدين(7)، وفي الخبر المعتبر: «أنّه مسح اليسرى على اليمنى واليمنى على اليسرى»(8)وهو ظاهر في الترتيب في مقام البيان، ولقيامه مقام ما يجب ترتيبه، بل ربما يدّعى أنّ عموم المنزلة يقضى به أيضاً.

خامسها: وجوب الابتداء بالأعلى بالنسبة إلى الأجزاء

يجب الابتداء بالأعلى بالنسبة إلى الأجزاء الآتية إن شاء الله تعالى؛ للاحتياط


1) الخلاف 1 93 - 94، المسألة 41

2) نقله الشهيد في ذكرى الشيعة 2: 267.

3) النساء (4): 43: المائدة (5): 6

4) منتهى المطلب 3 :97

5) المائدة (5): 6

6) وسائل الشيعة 13: 482 - 483. الباب 6 من أبواب السعي، ح 3 و 7.

7) المصدر 3: 358، الباب 11 من أبواب التيمّم.

8) المصدر : 360 - 361 ، ح 9.

وفتوى الأصحاب، والفراغ اليقيني، وعموم المنزلة، والتأسّي بالمعلوم من فعلهم وفعل التابعين لهم وإن لم يصرّحوا به لفظاً، بل ربما كان معلوماً لديهم في الزمان السابق، ولقوله في بعض الروايات: فمسح وجهه ويديه فوق الكفّ قليلاً (1)، وهي ظاهرة في الابتداء بالأعلى، ولا قائل بالفصل.

سادسها: اشتراط طهارة الأعضاء الماسحة والممسوحة

يشترط طهارة الأعضاء الماسحة والممسوحة ؛ للاحتياط ، ولفحوى البدليّة ، ولتوقّف الفراغ اليقيني عليه، ولفحوى اشتراط طيب التراب.

ولو لم يمكن إزالة النجاسة وجب المسح على النَجس، إلّا إذا أدّى النجس إلى سراية النجاسة إلى التراب، فإنّه يسقط حكم التيمّم، وترجع المسألة إلى حكم فاقد الطهورين.

ولو كانت على محال التيمّم جبيرة طاهرة وجب المسح عليها؛ لعموم المنزلة والبدليّة عن الوضوء والغسل، وإن كانت نجسةً وضع عليها طاهرة ومسح عليها.

سابعها: وجوب ضرب اليدين على الأرض باعتمادٍ

يجب على المتيمّم ضرب اليدين على الأرض، سواء كانت الأرض فوق اليدين أو تحتهما أو مسامتة لهما؛ للإجماع، والأخبار، والاحتياط الواجب، وللتأسّي، ولأنّه المعهود، فلا يكفي استقبال العواصف ولا ضرب الأرض على اليدين، ولا وضع تراب عليهما ولا غير ذلك.

ونعني بالضرب هو الوضع على الأرض باعتمادٍ، سواء حصل له صوت أو لا، والظاهر أنّه لا يكفي مجرّد الوضع للمتمكّن من الضرب؛ لكثرة التعبير بالضرب في الفتوى والرواية (2). فيُحمل عليه ما جاء بلفظ الوضع (3)حملاً للمطلق على المقيّد، ولكونه هو المعهود، و للاحتياط في مقام فراغ الذمّة، وإن كان القول بجواز مجرّد الوضع - لحصول الغرض منه


1) المصدر: 0359 ح 4.

2) وسائل الشيعة 13: 358 - 361، الباب 6 من أبواب السعي، ح 1، 3، 7،6 و 9.

3) المصدر: 359 - 360، ح 4، 5 و 8.

بالمماسّة، ولإطلاق الآية(1)، وحمل ما دلّ على الضرب على الاستحباب - قويّاً، إلّا أنّ الأوّل أقوى.

و يجب أن يكون باليدين معاً؛ للأخبار(2)، وفتوى الأصحاب، وللتأسّي، وكونه المعهود.

و يجب أن يكون دفعةً لا مرتّباً؛ لظاهر الأخبار(3)، فإنّ [المراد] من «وضع يديه» و «ضرب بكفّيّه» و «تضرب بكفّيك» هو الدفعة، والإطلاق منصرف إليه لأنّه هو المعهود من فعل الأئمّة(عليهم السلام)والإماميّة، ويقضي به الاحتياط.

و يجب أن يكون الضرب بكلتا اليدين بباطنهما ؛لأنّه هو المنصرف إليه الإطلاق، وهو المعهود من فعلهم(عليهم السلام)، وهو الموافق للاحتياط.

ولو تعذّر الباطن وجب الانتقال إلى الظاهر؛ لعموم «لا يسقط» (4)و «ما لا يدرك»(5)وربما شمله إطلاق الأمر باليدين؛ لتوجّهه إلى المختار والمضطرّ، فالمختار بباطنهما، والمضطرّ بظاهرهما.

ومقطوع اليد يكتفي بالواحدة؛ لعموم «لا يسقط» وللاحتياط.

ومقطوعهما ينتقل إلى الزند؛ للعموم المذكور، وللاحتياط.

والقول بانتقاله إلى أن يُيمّمه غيره قوي أيضاً، والأحوط الجمع. والقول بسقوط مسح الجبهة فقط ها هنا ؛ لعدم الأمر بها فقط ، فيسقط فرض الصلاة بسقوطها، ضعيف.

ويجب استيعاب الكفّين عند الضرب؛ لظاهر الأخبار والاحتياط، ولأنه المعهود. نعم، يستثنى من ذلك ما لا يصل إلى الأرض عادة عند الضرب من الأجزاء الداخلة في

الكفّ الشبيهة بالبواطن؛ لجريان السيرة على عدم التفحص عنها.

ولا يجب كون الضرب على الأرض نفسها، بل لو وضع التراب في إناء لأجزأ الضرب


1) المائدة (5): 6

2) وسائل الشيعة 3: 358، الباب 11 من أبواب التيمّم.

3) وسائل الشيعة 3: 358، الباب 11 من أبواب التيمّم.

4) تقدّم تخريجه في ص 208، الهامش (6).

5) تقدّم تخريجه في ص 208 الهامش (7).

عليه قطعاً، بل أكثر المرضى لا يتمكّنون إلّا من ذلك.

ولا يشترط العلوق، كما ذهب إليه المشهور؛ للأصل، وخلوّ الأخبار عن الأمر به في مقام البيان، ولاستحباب النفض المدلول عليه بالفتوى والرواية (1)، فلو كان العلوق معتبراً لما أمر بما كان عرضةً لزواله، ولجواز التيمّم بالحجر إمّا بالمرتبة الأُولى أو الثانية، والغالب خلوّه عن التراب العالق، ولأنّ الضربة الواحدة كافية والغالب عدم بقاء شيء منها لمسح اليدين.

والظاهر من المشترطين للعلوق هو اشتراط المسح به، لا مجرّد نفس كونه عالقاً عند الضرب.

وقيل باشتراطه، بل ولزوم المسح به(2)؛ لرواية زرارة، وفيها: «فلمّا أن وضع الوضوء عمّن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحاً؛ لأنّه قال:بوجوهكم ثمّ وصل بها وأيديكم منهأي من ذلك التيمّم، لأنّه علم أنّ ذلك أجمع لا يجري على الوجه، لأنّه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكفّ ولا يعلق ببعضها»(3).

وظاهر الآية أنّ «مِنْ» للتبعيض، كما صرّح به صاحب الكشّاف(4)، وأن المراد بالتيمّم الراجع إليه ضمير الجارّ هو المتيمّم به. لا أنّ «من» لابتداء الغاية، والضمير للمعنى المصدري أو المتيمّم منه الذي هو الصعيد.

ويؤيّد الرواية الاحتياط ويقين الفراغ به وكون التراب بمنزلة الماء فيجري عليها ما يجري على الماء من لزوم تأثيره في المحلّ، بل ربما يقال: إنّ الظاهر من أخبار التيمّم والأمر باستعمال التراب ووصفه بالطهوريّة وغير ذلك هو أنّ المسح به و أنّ استعماله على نحو استعمال الماء.

ولا ينافي ذلك جواز التيمّم بالحجر عند فقد التراب؛ لأنّا نشترط أيضاً استعمال حجر له تأثير في اليد مهما أمكن.


1) وسائل الشيعة 3: 359 - 360 ، الباب 11 من أبواب التيمّم، ح 3، 6 و 7.

2) قاله ابن الجنيد على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 270، المسألة 201.

3) وسائل الشيعة 3: 364، الباب 13 من أبواب التيمّم، ح 1.

4) الكشاف 1: 515

نعم، لو لم يمكن جاز استعماله في المرتبة الثانية.

ويمكن الاستدلال عليه بقوله: ثمّ مسح وجهه وكفّيه ولم يمسح الذراعين بشيء(1)، وبأنّ استحباب النفض دليل على لزوم العلوق؛ لأنّ النفض لا يزيله أصلاً بل يزيل ما يؤدّي للتشويه، فالأمر بالنفض في الرواية(2)ظاهر في ملازمته للضرب؛ للأمر به بعده، فيفهم منه لزوم العلوق معه، لا أنّه إن اتّفق العلوق استحبّ النفض وهو ظاهر. وحينئذٍ فاشتراط العلوق أقوى، واشتراط المسح به أيضاً قويّ، وهو الأحوط.

ثامنها: کیفییّۀ التیمّم بدل الوضوء أو الغسل

ذهب جمعٌ من أصحابنا(3)- و نُسب للمشهور(4)- إلى كفاية الضربة الواحدة للوجه والكفّين في الوضوء، ووجوب التعدّد مرّتين في الغسل، مستندين إلى مناسبة الخفيف للأخفّ والثقيل للأثقل، وللاحتياط في الجملة، وللجمع بين الأخبار الدالّة على المرّة(5)بحملها على الوضوء، والدالّة على المرّتين(6)بحملها على الغسل.

وبما رواه في المنتهى(7)عن الشيخ - في الصحيح - عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله : «أنّ التيمّم من الوضوء مرّة واحدة، ومن الجنابة مرّتان»(8).

وبما روي - في الصحيح - عن التيمّم؟ قال: «هو ضرب واحد للوضوء، والغسل من الجنابة تضرب بيديك مرّتين، ثمّ تنفضهما نفضةً للوجه ومرّةً لليدين»(9).

وبالإجماع المنقول في الأمالي بأنّه من دين الإماميّة(10).


1) وسائل الشيعة 3: 359 - 360. الباب 11 من أبواب التيمّم، ح 5.

2) المصدر: 360، ح 7.

3) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 49 - 50 وسلّار في المراسم: 54؛ والحلبي في الكافي في الفقه: 136؛ وابن إدريس في السرائر 1: 136 و 137؛ والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام :401 والعلّامة الحلّي في منتهى المطلب 3: 101؛ ومختلف الشيعة 1: 271 - 272، المسألة 202.

4) نسبه إلى المشهور العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 271، المسألة 202.

5) وسائل الشيعة 3: 359 - 360، الباب 11 من أبواب التيمّم، ح 3، 6 و 7.

6) المصدر : 361، الباب 12 من أبواب التيمّم، ح 1 - 3.

7) منتهى المطلب 3: 103

8) تهذيب الأحكام 1: 211، ذيل الحديث 612؛ وعنه في وسائل الشيعة 3: 363 ، الباب 12 من أبواب التيمّم، ح 8.

9) المصدر : 210، ج 611؛ وعنه في وسائل الشيعة 3 361 - 362 الباب 12 من أبواب التيمّم، ح 4.

10) حكاه عنه الطباطبائي في رياض المسائل :2 : 38؛ وانظر الأمالي الصدوق : 509 - 515، المجلس (93).

وفي الجميع نظر ؛ لضعف التعليل عن جعله من الدليل، ولمعارضة الاحتياط باحتياطٍ أقوى منه يظهر لك من الأدلّة إن شاء الله تعالى ولعدم ثبوت رواية المنتهى في جميع الكتب فلا يحصل ظنّ بل شك بصحّتها، فالظاهر أنّها اشتباه بالرواية الأُخرى، ولإجمال الرواية الأُخرى؛ لاحتمال كون الواو في «والغسل» معطوفاً على الوضوء، لا استئناف، وهو مقتضٍ للتسوية بينهما، ويكون دليلاً على المرّتين لهما معاً ، إمّا على المذهب المعروف بحمل النفضة والمرّة على الضربة، أو على ما لا يقوله أحد بجعل الضربتين متلاحقتين متقدّمتين وتوزيع النفضتين على الأعضاء الثلاثة في المسحين، ولعدم ثبوت الإجماع المنقول إمّا لعدم كون لفظ «من دين الإماميّة »من ألفاظه، وإمّا لعدم تحقّقه، مع مخالفة الأساطين له، ولورود الموثّق(1)والرضوي(2)بالمنع من التفرقة بين تيمّم الوضوء والغسل، وأنّهما سواء.

فظهر بذلك ضعف القول بالتفصيل.

وذهب جمع من الفحول(3)إلى اتّحاد الضربة للمسحين ؛ للأخبار البيانيّة الواردة في كيفيّة التيمّم من حيث هو ، وفي كيفيّته في مقام الجنابة الخالية عن ذكر الضربة الأُخرى.

فمنها: الصحيح في وصف التيمّم: «ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد ثمّ مسح جبينه بأصابعه وكفّيه إحداهما بالأُخرى ثمّ لم يعد ذلك»(4).

والظاهر أنّ التتمّة من كلام الإمام(عليه السلام)، وأنّ المراد بما لا يعاد هو الضرب؛ لأنّه هو الملحوظ في البيان.

ومنها: الموثّق في التيمّم: «وضرب بيديه الأرض، ثمّ رفعهما فنفضهما، ثمّ مسح على جبهته وكفّيه مرّة واحدة »(5)، ونحوه الآخَر(6).


1) وسائل الشيعة 3: 362 - 363 ، الباب 12 من أبواب التيمّم، ح 6.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 88

3) منهم: السيّد المرتضى في جُمل العلم والعمل: 54 - 55 وابن الجنيد وابن أبي عقيل والمفيد في الرسالة العزّيّة على ما حكاه عنهم العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 271، المسألة 202.

4) وسائل الشيعة 3: 360، الباب 11 من أبواب التيمّم، ح 8.

5) المصدر، ح 6.

6) المصدر، ح7 .

والظاهر: الواحدة لبيان الضرب؛ لأنّه محلّ التوهّم بين العامّة والخاصّة، دون المسح؛ إذ لا توهّم في تكراره سيّما والسائل عن مثل ذلك زرارة وأشباهه، و هُم من أفقه الناس، فلا يتوجّه سؤالهم إلّا عمّا كان مشتبهاً عليهم لا ما كان معلوماً عندهم عدمه، كالمسح على جميع البدن أو المسح متعدّداً، على أنّ وحدة الضرب منقول عن عليّ(عليه السلام)و ابن عبّاس وعمّار، وقد نقله العامّة(1)، وهو دليل على أنّه معروف بين علماء الإماميّة، كما أنّ غيره معروف من أنّه من مذهب العامّة.

وذهب جمعٌ من أصحابنا(2)إلى تعدّد الضرب مطلقاً في وضوءٍ وفي غسلٍ؛ للاحتياط، ولأنّ المشكوك بجزئيّته في مقام العبادة جزء وبشرطيّته شرط.

وللصحيح عن التيمّم؟ قال: «مرّتين [مرّتين ] للوجه واليدين»(3).

والآخَر: «التيمّم ضربة للوجه وضربة للكفّين»(4).

والخبر الآخَر: «تضرب بكفّيك على الأرض مرّتين ، ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك و ذراعيك»(5).

والآخَر: « : «تضرب بيديك مرّتين، ثمّ تنفضهما نفضةً للوجه ومرّةً لليدين»(6).

وفي الجميع نظر ؛ لمعارضة الاحتياط باحتياط الموالاة واحتياط التشريع، ومعارضة الأخبار بالأخبار المتقدّمة، وهي مرجوحة بالنسبة إليها؛ لموافقتها لفتوى أكثر العامّة، سيّما وفي بعضها: «الذراعين »(7)، وهو من مذهبهم، ولضعف دلالة كثير منها على الكيفيّة المعهودة من المرّتين، بل الظاهر من بعضها أنّ الضربتين متقدّمتان و متلاحقتان، ومن بعضها أنّ الضربتين خاصّة بالبدل عن الغسل، وفي بعضها الإجمال؛ لاحتمال المرّتين للضرب،


1) المغني 1: 278؛ الشرح الكبير 1: 309

2) منهم: علي بن بابويه على ما حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 388؛ والمفيد في كتاب الأركان على ما حكاه عنه الشهيد في ذكرى الشيعة 2: 261.

3) وسائل الشيعة 3: 361، الباب 12 من أبواب التيمّم ، ح 1 ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

4) المصدر، ح 3.

5) المصدر: 361، ح 2.

6) المصدر: 361 - 362. ح 4.

7) المصدر: 362، ح 5

واحتمالهما للمسح، واحتمالهما لبيان القول، وفي بعضها احتمال إرادة المسحتين من الضربتين؛ لصدق الضرب عليه، فحمل هذه الأخبار على التقيّة أو على الاستحباب أولى.

وذهب بعضٌ (1)إلى تثليث الضرب موزّعاً على المسح ، تمسّكاً بروايةٍ(2)شاذّة لم يعمل عليها أحد ممّن يعتمد عليه.

والأحوط الإتيان بالضربتين لعدم تحقّق فوات الموالاة بالضربة المتوسّطة، بل الظاهر عدم فوا بها، وأحوط منه ضربة للوجه واليدين، ثمّ ضربة لليدين، وأحوط منه أن يؤى بتيمّمين أحدهما يشتمل على ضربةٍ والآخَر على ضربتين.

تاسعها : هل تجب مسح الجبهة بباطل الکفّین الزیادۀ علیها؟

يجب مسح الجبهة إجماعاً منقولاً(3)بل محصّلاً، أو شهرة محصّلة ، وهو مقطوع به من النصّ والفتوى.

إنّما الكلام في وجوب الزيادة عليها، فالمشهور لزوم الاقتصار عليها، ومن فقهائنا القدماء مَنْ أضاف إليها الحاجبين والجبينين(4)، ومنهم مَنْ أضاف إليها باقي الوجه مخيّراً بينها وبينه أو معيّناً للوجه دونها(5).

والأخبار في ذلك مختلفة، فمنها: ما ضمّنت مسح الوجه(6)، وهي أكثرها، ومنها: ما تضمّن لفظ الجبين(7)مفرداً، وهي جملة أُخرى، ومنها ما تضمّنت لفظ الجبينين(8)تثنية، ومنها: ما تضمّن في نسخة التهذيب لفظ الجبهة(9)وفي نسخة التهذيب الأُخرى ونسخ الكافي لفظ الجبين(10).


1) هو ابن بابويه في الرسالة على ما حكاه عنها الشهيد في ذكرى الشيعة 2: 260.

2) راجع الهامش (7) من ص 454.

3) المسائل الناصريّات: 151. المسألة 147 غنية النزوع 1: 63.

4) الصدوق في الفقيه 104:1، ذيل الحديث 213.

5) قال به عليّ بن بابويه على ما حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 384.

6) وسائل الشيعة 3: 358 - 360 الباب 11 من أبواب التيمّم، ح 1، 2، 4، 5 و 7.

7) المصدر : 359 - 361، ح 3، 6 و 9.

8) الفقيه 104:1، ح 213.

9) تهذيب الأحكام 1: 207 - 208، ج 601؛ وعنه في وسائل الشيعة 3: 359 ، الباب 11 من أبواب التيمّم، ذيل الحديث 3.

10) الكافي 3 61 ، باب صفة التيمّم ، ح 1.

والجمع بينها - بقرينة فتوى المشهور، وضعف القول بما دلّت عليه الأخبار، وشذوذ القول باستيعاب الوجه، وعدم القول بوجوب جبين واحد، وبالإجماع المنقول على نفي الزائد على الجبهة التي هي من القصاص إلى طرف الأنف(1)، وبالمحكيّ عن العماني من تواتر الأخبار بمسح الجبهة والكفّين في تعليم عمّار(2)، وبالرضوي:« تمسح بها وجهك موضع السجود من قدّام الشعر إلى طرف الأنف »(3)- الحمل على إرادة الجبهة من لفظ الجبين ولفظ الوجه ؛ لاستعمال لفظ الجبين في الجبهة، وكذا لفظ الجبينين ، وقد ورد في المعتبرة استعماله كذلك، كالموثّق: «لا صلاة لمن لا يصيب أنفه جبينه»(4)، و نحوه غيره(5)، وكذا استعمال لفظ الوجه فيها عرفاً وشرعاً، كالصحيح: «جرّ وجهك على الأرض من غير أن ترفعه»(6)وقوله: «إنّى أُحبّ أن أضع وجهي موضع قدمي»(7).

ويؤيّد إرادة الجبهة من الوجه خصوص الصحيح المفسّر للآية الدالّ على أنّ الباء للتبعيض(8).

والأحوط المسح على الجبينين مع الجبهة؛ أخذاً بالمجمع عليه من الجبهة وبما دلّت عليه أخبار الجبينين، ولأنّ استعمال لفظ الجبينين فيما يعمّ الجبهة والجبينين أكثر من استعماله فيما يخصّ الجبهة، ولظاهر إجماع الأمالي على وجوب مسح الجبينين(9)، وللتخلّص من شبهة الخلاف.

وأحوط منه إضافة الحاجبين؛ للمرسل: «يمسح الرجل على جبينيه وحاجبيه»(10)


1) راجع الهامش (3) من ص 455.

2) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 270، المسألة 200.

3) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 88

4) وسائل الشيعة 6: 345 الباب 4 من أبواب السجود، ح 7.

5) المصدر: 344، ح 4.

6) المصدر : 353، الباب 8 من أبواب السجود، ح 2.

7) المصدر : 357، الباب 10 من أبواب السجود، ح 2.

8) المصدر: 364 الباب 13 من أبواب التيمم، ح 1.

9) الأمالي الصدوق : 510 - 515، المجلس (93).

10) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 90.

وللتخلّص من شبهة فتوى الصدوق بهما(1)، ولقربهما للإتيان بهما من باب المقدّمة. واحتياط الوجه لا وجه له.

والواجب المسح بباطن الكفّين؛ لأنّه هو المعهود، والمنصرف إليه إطلاق الفتوى والرواية، وأن يكون بهما جميعاً؛ للأخبار الدالّة على المسح بهما معاً(2)، والظاهر منها هو الدفعة، والمعهود ذلك أيضاً.

ولا يشترط تنصيف الممسوح على الكفّين بحيث يأخذ كلٌّ منهما نصفاً؛ لعدم الدليل، و عدم معهوديّته بخصوصه، والإطلاق يقضي بنفيه.

عاشرها: وجوب مسح ظاهر الكفّين إلى رؤوس الأصابع

يجب مسح ظاهر الكفّين إلى رؤوس الأصابع، ما عدا ما لا يصل إليه المسح بحيث يكون كالباطن؛ للأخبار الدالّة على وجوب مسح الكفّين(3)، والإجماع المحكّي عليه(4)، وفتوى المشهور به والظاهر من الكلّ هو الظاهر، و هو المعهود من فعلهم(عليهم السلام)ومن السيرة المعلومة، و على الكفّين يُحمل ما جاء بوجوب مسح اليدين(5).

و ما جاء بمسح الذراعين(6)شاذّ لم يعمل به إلّا شاذّ من أصحابنا(7)، فإمّا أن يُحمل على إرادة الكفّين لعلاقة المجاورة، أو يُطرح، أو يُحمل على التقيّة. كما يُحمل ما جاء من المسح ببعض الكفّ من موضع القطع(8)على موضعه عند العامّة من أصل الكفّ، لا من رؤوس الأصابع، فالقول بلزوم المسح من أُصول الأصابع لذلك ضعيف جدّاً.

والواجب المسح بباطن الكفّ على ظاهر الأُخرى.


1) الفقيه 104:1، ذيل الحديث 213.

2) وسائل الشيعة 3: 358 و 360 ، الباب 11 من أبواب التيمّم، ح 1، 7 ، و 361 و 362 الباب 12 من تلك الأبواب، ح 2 و 5.

3) المصدر: 358 الباب 11 من أبواب التيمّم.

4) راجع الهامش (3) من ص 455

5) وسائل الشيعة 3: 360، الباب 11 من أبواب التيمّم، ح 7.

6) المصدر: 361، الباب 12 من أبواب التيمّم، ح 2 و 365 ، الباب 13 من تلك الأبواب، ح 3.

7) حكاه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 384 عن ابن بابويه.

8) وسائل الشيعة 3: 365، الباب 13 من أبواب التيمّم، ح 2.

والواجب أيضاً : استيعاب ظهر الكفّ؛ لظاهر الأخبار؛ لأنّ المسح يقضي بالاستيعاب، ولأنّه المعهود، وللإجماع المنقول(1).

ويجب تقديم اليمني على اليسرى؛ لأنّه المعهود، وللتأسّي، ولعموم المنزلة، ولأنّ الله يحبّ التيامن في كلّ شيء، وللإجماع المنقول(2)، وفتوى المشهور، والاحتياط.

ولا يجب استيعاب الماسح للمسح؛ للأصل، وعدم الشكّ المعتبر من روايةٍ أو فتوى بخلافه، ولأنّ إطلاق الماسح لا يقضي بالاستيعاب. فالأقوى عدم وجوب استيعاب الماسح للمسح، سواء في ذلك الجبهة والبدن؛ لما قدمنا وللخبر: «ثمّ مسح جبينه بأصابعه»(3)،ولصعوبة استيعاب الماسح في المسح سيّما في الجبهة.

نعم، الأولى جرّ الماسح على الممسوح من أوّله حتّى ينتهي بجرّه إلى آخره.

و لو تعذر المسح على ظاهر الكفّين، انتقل إلى باطنهما؛ لعموم «لا يسقط»(4)، وللاحتياط، مع احتمال سقوط المسح على الكفّين والاجتزاء بالجبهة.

ويكفي المسح على ظاهر الشعر مطلقاً ؛ لخلوّ الأخبار عن وجوب تخليله في مقام البيان ، وللسيرة على عدم التخليل ، سواء في ذلك شعر الوجه وغيره، والتيمّم عن الجنابة و غيره.

ويجب المسح على ما نبت في محلّ المسح من ثآليل و غدد ويد أصليّة أو زائدة؛ لعموم وأيديكم(5)وللاحتياط.

ولا يجب تطهير البدن قبل التيمّم من غير محالّ المسح من ماسح أو ممسوح؛ للأصل، وخلوّ الأخبار البيانيّة، ولعدم وجوبه في المبدل عنه، ولو قلنا بوجوبه في غسل الجنابة لا نقوله هاهنا؛ لما ذكرناه.


1) غنية النزوع 1: 63.

2) غنية النزوع 1: 63.

3) وسائل الشيعة 3 :360، الباب 11 من أبواب التيمّم، ح 8.

4) تقدّم تخريجه في ص 208 ، الهامش (6)

5) المائدة (5): 6.

أحكام التيمم

وهاهنا مسائل

إحداها: يجري في التراب ما يجري في الماء من وجوب السعي إليه و وجوب شرائه ووجوب طلبه إلى وقت الضيق

يجري في التراب ما يجري في الماء من وجوب السعي إليه ومن وجوب شرائه ولو بأضعاف ثمنه، ومن وجوب طلبه إلى وقت الضيق فينتقل إلى المراتب الأُخَر، مع احتمال التمسّك بالأصل عند عدم وجوده، واحتمال إجراء حكم الماء عليه من طلبه غلوة أو غلوتين، ويجري في انتقاله إلى مراتبه الأُخَر من جهة الموانع ما ذكرناه من الانتقال إليه من جهة موانع الماء.

ثانيتها: فی انّ التراب کالماء سبب لاستباحۀ الصلوات المفروضۀ وغیرها

الأظهر والأشهر والذي دلّت عليه الأخبار - من أنّ التيمّم بمنزلة الماء(1)، وأنّه يكفيك الصعيد عشر سنين(2)، وأنّه جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً(3)، وأنّه غسل المضطرّ و وضوؤه(4)- : أنّ التراب كالماء، فكلّ ما يكون استعمال الماء سبباً لاستباحته يكون استعمال التراب على الوجه المخصوص سبباً لاستباحته، فيجوز التيمّم للصلوات المفروضة اليوميّة وغيرها من كسوفيّة وخسوفيّة وقضائيّة وأدائيّة، سواء قلنا بمضايقة وقت القضاء أو لا، أو غير مفروضة من نافلة راتبة أو ابتدائيّة أو ذات ،سبب كصلاة الاستسقاء والزيارة ونحوهما، ولغير الصلوات كمسّ مصحف أو قراءة عزائم أو سجود سهو أو دخولٍ للمسجدين أو الحضرات المشرّفة أو لبثٍ في غيرهما من المساجد، أو الكون على الطهارة، أو لتكميل بعض الغايات أو لغير ذلك.

وبالجملة، فكلّ ما يستباح بالطهارة المائيّة يستباح بالطهارة الترابية.

ولكن هذه العمومات والإطلاقات كلّها واردة مورد التيمّم الشرعي الصحيح إجماعاً. فلا يصحّ التمسّك بها لإثبات ماهيّة التيمّم وصفاته أو أجزائه، أو نفي جزء أو شرط أو وصف


1) وسائل الشيعة 3: 385، الباب 23 من أبواب التيمّم، ح 2.

2) المصدر : 369 الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 12.

3) المصدر : 385، الباب 23 من أبواب التيمّم، ح 1.

4) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 88

قيد مشكوك به؛ لأنّ أدلّة التيمّم الشرعي واردة على تلك العمومات، وهو مجمل لوضعه للصحيح على الصحيح، فتعود كلّها مجملة بالنسبة إليه.

نعم، بعد حصول التيمّم الشرعي يصحّ التمسّك بها لإثبات الأثر المترتّب على الماهيّة الصحيحة؛ لأنّه بمنزلته.

فظهر ممّا ذكرنا صحّة الاستدلال بالعمومات على استباحة التيمّم لكلّ ما يستباح بالمائيّة.

ولا يصحّ الاستدلال بها على نفي تقييده بوقتٍ أو وصفٍ أو شرطٍ أو غير ذلك.

و حينئذٍ فلو شككنا في صحّة التيمّم للعبادة المؤقّتة قبل وقتها منعنا صحّتها، ولم يكن لنا التمسّك بالعمومات، فلا يصحّ التيمّم لفريضةٍ أو نافلةٍ قبل وقتها، و يصحّ فيما لا وقت له عند إرادة فعله لا قبله بكثير، كالنوافل المبتدأة و مسّ المصحف وغير ذلك؛ لأنّه هو المتيقّن والمعهود، ويصحّ فيما له سبب، كالزلزلة والزيارة والاستسقاء والجنازة عند حصول هذه من تجهيز الميّت والخروج إلى الصحراء والدخول إلى الحضرة، و يصحّ وإن لم يترتّب عليه المسبّب؛ استصحاباً لصحّته بعد مشروعيّته، من غير تفاوتٍ في الحكم بين مسوّغات التيمّم من فقدان ماء أو خوف مرض أو عطش أو غير ذلك.

ثالثتها: فی أنّ مَنْ تيمّم تيمّماً مشروعاً جاز له الدخول به في كلّ مشروطٍ بالطهارة ما لم ينتقض تيمّمه بأحد النواقض

ظهر ممّا قدمنا أنّ مَنْ تيمّم تيمّماً مشروعاً جاز له الدخول به في كلّ مشروطٍ بالطهارة ما لم ينتقض تيمّمه بأحد النواقض للاستصحاب، ولعمومات الأدلّة.

ولخصوص الصحيح: يصلّي الرجل بتيمّمٍ واحد صلاة الليل والنهار؟ قال: «نعم» (1).

والآخَر: في الرجل يتيمّم، قال: «يجزئه ذلك إلى أن يجد الماء»(2).

والآخر: عن الرجل لا يجد الماء أيتيمّم لكلّ صلاة؟ قال: «لا، هو بمنزلة الماء»(3).

و ما ورد في الصحيح من الأمر بالتيمّم لكلّ صلاة(4)، يراد به كفاية التيمّم لكلّ صلاة عند الحدث، كقوله(عليه السلام):« يجزئك الصعيد عشر سنين»(5).


1) وسائل الشيعة 3: 379، الباب 10 من أبواب التيمّم، ح 1.

2) المصدر، ح 2.

3) المصدر، ح3 .

4) المصدر، ح 4

5) راجع الهامش (2) من ص 459

و خبر السكوني أنّ التيمّم لايتمتع به إلا صلاة واحدة ونافلتها(1)، لا يسكن إليه في معارضة ما قدمنا ، فيُحمل على التقيّة؛ لموافقته لمذهب العامة.

رابعتها: جواز اللبث في المساجد للمجنب المتيمّم

ظهر ممّا قدّمنا جواز اللبث في المساجد للمجنب المتيمّم؛ للعمومات المتقدّمة و فتوى الأصحاب.

خلافاً لفخر المحقّقين حيث منع(2)استناداً للآية(3)حيث إنّ الله تعالى منع القرب إليها، و جعل الغاية الاغتسال، وأراد بالصلاة مواضعها، و إلّا للزم التكرير ؛ لذكره لها بعد ذلك، وللأخبار(4)المشعرة بذلك.

والجواب: أنّ ذلك عامّ مخصوص بما قدّمناه.

وظهر أيضاً ممّا قدّمناه وجوب تيمّم المجنب للصوم؛ لعموم المنزلة، ولأنّ الغسل ماء فهو بمنزلته، ولأنّه من جملة ما يقع في العشر سنين.

فما استظهره صاحب المدارك من الفرق بين ما يتوقّف استباحته على الطهارة المائيّة فإنّه يستباح به التيمّم؛ لعموم الأدلّة، وبين ما يتوقّف على نوع خاصّ منها كالغسل للصوم فلا يستباح به؛ إذ لا ملازمة بينهما(5)، غير ظاهرٍ، وعلى أيّ نحوٍ حُمل كلامه و بأيّ طور فُسّر فهو منظور فيه.

خامستها: عدم جواز التيمّم لفريضةٍ قبل وقتها

ظهر ممّا ذكرنا عدم جواز التيمّم لفريضةٍ قبل وقتها، وجوازه مع الضيق و إلّا لانتفت فائدته، إنّما الكلام في جوازه مع السعة، فقيل بالجواز مطلقاً(6)، وقيل بالمنع مطلقاً(7). وقيل بالتفصيل بين اليأس من الماء أو البرء فيجوز مع السعة، وبين الرجاء فلا يجوز (8)، والظاهر أنّه لا فرق في الحكم بين كون المسوّغ للتيمّم هو فقدان الماء أو غيره من الأسباب؛ لظاهر الاتّفاق والمنقول من الوفاق(9)، وإن كان الظاهر من الأدلّة والفتاوى تخصيص الخلاف بالفاقد.


1) وسائل الشيعة 3: 380، الباب 20 من أبواب التيمّم، ح 6.

2) إيضاح الفوائد 66:1.

3) النساء (4): 43.

4) راجع وسائل الشيعة 2 : 205 و 206، الباب 15 من أبواب الجنابة، ح 3 و 6.

5) مدارك الأحكام 1: 24.

6) ممّن قال به الصدوق في الهداية: 87

7) ممّن قال به السيد المرتضى في جُمل العلم والعمل : 54 والطوسي في النهاية: 47؛ والمبسوط 1: 31.

8) ممّن قال به العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 253، المسألة ،191، وحكاه فيه أيضاً عن ابن الجنيد.

9) راجع السرائر 1: 140

احتجّ أهل التوسعة بقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوةِ(1)حيث أوجب التيمّم عند إرادة القيام للصلاة من غير تفصيلٍ بين السعة والضيق.

والجواب عنه: بأنّ الاستدلال بها موقوف على جواز إرادة المكلّف للصلاة حال السعة، وهو أوّل الكلام، مدفوع: بأنّ تحريم الإرادة لا يستلزم عدمها، والحكم معلّق على وجودها لا على تحليلها وتحريمها.

و الحقّ أن الآية من قبيل المجمل؛ لأنّ المأمور به هو التيمّم الصحيح، وكونه في السعة صحيحاً أوّل المسألة.

و استندوا أيضاً لإطلاقات الكتاب(2)والسنّة(3)الدالّة على دخول الوقت بالزوال ونحوه، و تيمّم العاجز عن استعمال الماء والصلاة بعده من دون تقييدٍ.

و فيه نظر؛ لأنّ جميعها مقيّد بالتيمّم الصحيح، وفي كون التيمّم صحيحاً مع السعة أوّل الكلام.

و استندوا إلى لزوم العسر والحرج في لزوم التأخير غالباً، سيما للأعوام الغير عارفين آخر الأوقات من انتصاف الليل وشبهه، وسيّما لأهل الأمراض و الأعراض الذين يشقّ عليهم التأخير، وإلى لزومه لتفويت كثير من المندوبات والأعمال.

و فيه: أنّه لا حرج ولا عسر في التأخير؛ لسهولة الطريق إلى معرفة الوقت الأخير غالباً، و ما لم يعرف بالقطع فالطريق إليه الظنّ. ولا يلزم من التأخير فوات المندوبات؛ لأنّ المندوبات يجوز التيمّم لها عند ضيق وقتها أو عند الحاجة إليها، بل يجوز في السعة على وجهٍ؛ لاختصاص ظاهر الأخبار بالفريضة، بل إنّ التيمّم لها ممّا يسوّغ الدخول في الفريضة؛ لجواز الصلاة الفريضة بالتيمّم لغيرها في حال السعة على الأقوى.

على أنّ هذا المستدلّ ممّن يقول بمضايقة القضاء وعدم جواز الأداء لمن عليه قضاء، و لم يركن إلى هذا الدليل للقول بخلافه.

و استندوا للأخبار الخاصّة الدالّة على أنّ مَنْ تيمّم و صلّى في السعة لا شيء عليه، ولو كانت صلاته باطلةً لوجبت عليه الإعادة ولزمه القضاء.


1) المائدة (5): 6

2) الإسراء (17): 78

3) وسائل الشيعة 4 :125، الباب 4 من أبواب المواقيت.

ففي الخبر: أتيمّم وأُصلّي ثمّ أجد الماء وقد بقي علَيَّ وقت؟ قال: «لا تعد الصلاة» (1)من دون استفصالٍ في أنّ التيمّم كان مع ظنّ الضيق أو مع عدمه.

و الموثّق في رجل تيمّم و صلّى ثمّ أصاب الماء و هو في وقتٍ؟ قال: «مضت صلاته»(2)و الظاهر منها أنّ قوله: «وهو في وقتٍ» قيد لإصابة الماء، لا للتيمّم و الصلاة، لخلوّ القيد عن الفائدة.

وفي الآخَر: فيمن لا يجد الماء وتيمّم وصلّى ثمّ أُتي بالماء وعليه شيء من الوقت يمضي على صلاته أم يتوضّأ ويعيد؟ قال: «يمضي»(3)فإنّ الظاهر من قوله: «و عليه شيء من الوقت» و من قوله: «ويعيد» بقاء الوقت.

و الموثّق: فيمن تيمّم و صلّى ثمّ أصاب الماء وهو في وقتٍ؟ قال: «قد مضت صلاته»(4)وفي الموثّق الآخَر : ثمّ بلغ الماء قبل أن يخرج الوقت ؟ قال : «ليس عليه إعادة الصلاة»(5)، و هُما ظاهران في أنّ القيد لبلوغ الماء وإصابته، لا للصلاة.

و الصحيح: أصاب الماء وقد صلّى بتيمّمٍ وهو في وقتٍ؟ قال: «تمّت صلاته ولا إعادة عليه»(6).

و الصحيح الآخَر :عن رجل يأتي الماء وهو جنب وقد صلّى؟ قال: «يغتسل ولا يعيد الصلاة»(7).

والصحيح الآخَر: أجنب فتيمّم بصعيد وصلّى ثمّ وجد الماء؟ قال: «لا يعيد»(8).

و في الآخَر: «فإذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد»(9)، إلى غير ذلك من الأخبار الظاهرة في ذلك، والصريح جملة منها.

و لا يعارضها الصحيح: فيمن تيمّم وصلّى فأصاب بعد صلاته ماء؟ قال: «إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضّاً وأعاد، فإن مضى الوقت فلا إعادة»(10)والموثّق: فيمن تيمّم وصلّى


1) وسائل الشيعة 3: 371، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 17.

2) المصدر : 370 ، ح 14.

3) المصدر، ح 13.

4) المصدر ، ح 14 ، وقد مرّ هذا الموثّق آنفاً .

5) المصدر: 369، ح 11.

6) المصدر: 368 ، ح 9.

7) المصدر: 370، ح 16.

8) المصدر، ح 15.

9) المصدر: 366، ح 1.

10) المصدر: 368، ح 8.

ثمّ أصاب الماء؟ قال: «أمّا أنا... إنّي كنت أتوضّاً وأُعيد»(1)لحملهما على الندب، سيّما والأخير ظاهر فيه، على أنّ الإعادة في الأوّل لمكان نفس الصلاة بتيمّم فتكون مندوبةً، لا لفعلها في السعة، و إلّا لكانت باطلةً على القول بالمضايقة، فتجب الإعادة في الوقت وخارجه.

وقد يؤيّد الأخبار المتقدّمة ما ورد من أنّ الإمام إذا كان مجنباً يتيمّم و يصلّي بالقوم(2)إذ من البعيد تأخير صلاة المأمومين لأجله إلى عند الضيق مع تطهّره بالطهارة الاضطراريّة، فالظاهر منه أنّ صلاته واقعة في السعة.

وفي جميع هذه الأخبار نظر ؛ لأنّها لم تدلّ على جواز التأخير نصّاً، بل غاية ما تدلّ على إمكان وقوعه، وهو محتمل لوجوه: أحدها: لكونه جائزاً في السعة، ويمكن أن يكون لظنّ الضيق ثمّ انكشفت التوسعة فإنّ الأقوى هاهنا الصحّة، ويمكن أن يكون للعلم أو الظنّ بعدم الماء فيكون الجواز مقصوراً على صورة خاصّة، ويمكن غير ذلك من الأُمور المجوّزة، غاية ما في الباب أنّ في هذه الأدلّة ظهوراً مّا، وهو لا يعارض النصّ الصريح الدالّ على المنع، كما سيجيء؛ لأنّ النصّ لا يعارض الظاهر.

واحتجّ أهل المضايقة - والظاهر أنّهم يريدون به الضيق إلّا عن التيمّم وأداء الفريضه تامّة. لا عن التيمّم و أداء ركعة - بالاحتياط، وبالشهرة المنقولة(3)بل المحصّلة، وبالإجماعات المنقولة(4)، وبالأخبار المتكثّرة :

كصحيح ابن مسلم: «إذا لم تجد الماء وأردت التيمّم فأخّر التيمم إلى آخر الوقت، فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض»(5).

وحسنة زرارة: «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت، فإن خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلِّ في آخر الوقت»(6)ومفهومه أصرح من منطوقه.


1) وسائل الشيعة 3: 368 - 369، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 10.

2) المصدر: 384 الباب 22 من أبواب التيمّم، ح 3.

3) مختلف الشيعة 1: 253، المسألة 191.

4) المسائل الناصريات: 156 - 157، المسألة 51: غنية النزوع 1: 64؛ السرائر 1: 140.

5) وسائل الشيعة 3: 384. الباب 22 من أبواب التيمّم، ح 1.

6) المصدر، ح 2.

و الموثّق: «إذا تيمّم الرجل فليكن ذلك في آخر الوقت، فإن فاته الماء فلن تفوته الأرض»(1).

و في آخَر: يتيمّم ويُصلّي؟ قال: «لا، حتّى آخر الوقت، إن فاته الماء لم تفته الأرض»(2).

و في آخَر: «ليس ينبغي لأحدٍ أن يتيمّم إلّا في آخر الوقت»(3).

و في الجميع نظر ؛ لضعف الإجماع والشهرة بمصير أكثر المتأخّرين إلى خلافهما، ولمعارضة الأخبار بظاهر الأخبار المتقدّمة، فيُجمع بينها بحمل الأمر في هذه على الندب؛ لكثرة استعماله فيه سيّما مع ظهوره في بعض الأخبار من لفظ «لا ينبغي»(4)، و ممّا يظهر من بعض تعاليلها أيضاً. احتجّ أهل التفصيل بأخبار أهل المنع؛ لظهورها في أنّ التأخير لرجاء الحصول؛ لقوله فيها: «فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض»(5)و بأنّه من المستبعد بعد حصول اليأس من المساء لزوم التأخير تعبّداً؛ لعدم الدليل الواضح عليه سوى الضعيف من الأخبار: لأنّ الصحيح منها ظاهره أنّ التأخير لاحتمال حصول الماء لا للتعبّد، و بأنّه جمع بين الأخبار الظاهرة في الجواز والأخبار الظاهرة في المنع.

والأقوى في النظر هو الركون لهذا التفصيل والأحوط التأخير مطلقاً، والظاهر عدم الفرق في هذا الحكم بين جميع الأسباب المسوّغة للتيمّم؛ لإطلاق بعض(6)الأخبار المتقدّمة و فتاوي الأصحاب و الإجماعات المنقولة في الباب(7).

كما أنّه لا فرق في الصلوات المؤقّتّة بين كونها يوميّة أو غيرها، وبين كونها فريضة أو نافلة راتبة؛ لإطلاق بعض(8)الأخبار المتقدّمة، ولإلغاء الفارق بينها.

نعم، ما كان وقته العمر- كالقضاء على القول بالتوسعة، وكالنوافل المبتدأة وغير الصلوات ممّا لا وقت له - فالظاهر عدم جريان الخلاف فيه، بل يجوز التيمّم عند إرادة فعله؛ إذ من البعيد


1) وسائل الشيعة 3: 384، الباب 22 من أبواب التيمّم، ح 3.

2) المصدر: 385، ح 4.

3) المصدر، ح 5.

4) المصدر، ح 5.

5) راجع الهامش ( 5 ) من ص 464.

6) تقدّم في ص 463.

7) راجع الهامش (2).

8) تقدم في ص 463.

التزام وجوب تأخير القضاء إلى ظنّ الفوت لمن فرضه التيمّم، والتزام ترك النوافل المبتدأة، وترك الأعمال المندوبة، بل هو خلاف مذاق أهل الشرع والشريعة، بل لا يبعد أنّ النوافل والأعمال كلّ الأوقات أوقات ضيق بالنسبة إليها، فيشرع لها التيمّم لذلك.

والأقوى على القول بالضيق أنّ مَنْ ظَنّه لأمارةٍ في صحو أو غيم فتيمّم وصلّى ثمّ انكشف فساد ظنّه أنّه يعيد؛ لأنّ المشروط عدمٌ عند عدم شرطه والظنّ مصحّح للإقدام لا مثبت للصحّة.

و ذهب بعضٌ إلى عدم وجوب الإعادة (1)استناداً إلى أنّ المرء متعبّد بظنّه.

و فيه: أنّ مورده جواز الإقدام، لا صحّة الفعل.

و إلى أنّ الامتثال يقضي بالإجزاء.

وفيه: أنّ مورد ذلك هو الأُمور الواقعيّة.

و إلى أنّ الأصل في الشرائط العلميّة.

و فيه: أنّ الأصل في الشرائط أن تكون واقعيّةً.

وإلى ظاهر الأخبار المتقدّمة(2)النافية للإعادة بحملها على الصلاة والتيمّم لظنّ الضيق.

و فيه: أنّ الاستدلال بها فرع ظهورها في ذلك، لا فرع حملها على ذلك.

سادستها: نتقاض التيمّم الحدث الأكبر والأصغر ووجود الماء

ينقض التيمّم الحدث الأكبر والأصغر؛ ووجود الماء، لفتوى الأصحاب والإجماع المنقول(3)في الباب، والصحيح الدالّ على بقاء أثر التيمّم ما لم يحدث أو يصب الماء(4)وإن لم يستعمله.

و ظاهر إطلاق النصّ والفتوى أنّ الحدث الأصغر ناقض للتيمّم عن الأكبر، سواء كان الأصغر رافعه رافع الأكبر كغسل الجنابة، أو كان رافعه غير رافع الأكبر، وحينئذٍ فلو تيمّم عن الجنابة وأحدث بالأصغر عاد الجنابة بنفسها، لا أنّه يعود حكم الأصغر وتبقى الإباحة للأكبر.

وكذا لو تيمّمت المرأة عن الحيض فأحدثت عاد حكم حدث الحيض واحتاجت إلى تيمّمين.

و على ما ذكرنا فمن تيمّم عن الجنابة فأحدث أعاد التيمّم سواء كان عنده ماء لوضوئه أو لم يكن، ولا يجوز له الوضوء، وحكمه كحكم مَنْ وجد عنده ماء يكفيه للوضوء ابتداءً


1) المعتبر 1: 384.

2) تقدّمت في ص 463.

3) كشف اللثام 2: 492

4) وسائل الشيعة 3: 377، الباب 19 من أبواب التيمّم، ح 1.

وكان مجنباً فإنه لا يجوز له التيمّم والوضوء. وفي ذلك نطقت الأخبار(1)وفتاوى الأصحاب.

وقد يقال: إنّ الحدثَ الأصغرَ والأكبرَ ناقض للتيمّم المبيح عن الأصغر؛ للإجماع المنقول على أنّ الحدث ناقض(2)، والرواية الدالّة على أنّ المتيمّم يصلّي ما لم يحدث أو يصب الماء(3)، و المتيقّن منهما نقض الحدث الأصغر للمبيح عن الأصغر بقرينة «يصلّي ما لم يحدث».

وكذا الحدث الأصغر والأكبر - مجانساً أو غير مجانسٍ - ينقض التيمّم المبيح عن الجنابة؛ لفتوى المشهور والاحتياط، ولبقاء حدث الجنابة مع التيمّم إجماعاً، وغاية ما أفاده التيمّم هو حصول الاستباحة وقد زالت بطروء ناقضها.

ودعوى تجزئة الاستباحة فتبقى بالنسبة للأكبر وتنتقض بالنسبة إلى الأصغر، خلاف فتوى الفقهاء والروايات الدالّة على لزوم التيمّم للمجنب المتمكّن من ماء الوضوء(4)، ولا فرق في المنع عن التجزئة بين الابتداء والاستدامة.

وحكي عن المرتضى لزوم الوضوء لمن أحدث بالأصغر بعد التيمّم عن الجنابة(5)، ومقتضاه لزوم التيمّم لمن فقد الماء بقدر الوضوء عنه أيضاً؛ مستنداً إلى أن التيمّم رافع للجنابة، وعند صدور الحدث لا يتحقّق إلّا الحدث الأصغر فيفتقر إلى رافعه وهو الوضوء عند وجود الماء، و يلزمه التيمّم عند رفعه.

وهو ضعيف؛ لمنع ارتفاع الحدث بالتيمّم إجماعاً، والنصوص الدالّة على وجوب الغسل عند وجدان الماء(6)تدلّ عليه أيضاً؛ لأنّ الغسل لو لم يجب للجنابة لوجب لوجدان الماء، فيلزم أن يكون وجدان الماء حدثاً، و هو باطل قطعاً و إجماعاً، ولأنّ حدثيّته توجب استواء المتيمّمين فيه لاستواء نسبتهم إليه، مع أنّ المجنب لا يتوضّأ والمحدث لا يغتسل إجماعاً.

و يمكن الانتصار للمرتضى بأنّه يريد بالرفع رفع المانعيّة إلى وجود الماء، لا رفع نفس المانع، ورفع المانعيّة مستصحب حتّى يعلم رفعها، ولم يعلم رفعها بحدوث الحدث الأصغر،


1) وسائل الشيعة 3: 386 الباب 24 من أبواب التيمّم.

2) مختلف الشيعة 1: 291، المسألة 217

3) راجع الهامش ( 4 ) من ص 466.

4) راجع الهامش (1).

5) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 395.

6) وسائل الشيعة 3: 366 - 368 و 370، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 1، 4، 7 و 16.

و إنّما علم حدوث ما نعيّته، لا عود مانعيّة الأكبر؛ أو يريد بالرفع رفع المانع إلى وجود الماء، ومع ارتفاع المانع يشكّ في عوده مع الحدث الأصغر، و إنّما المعلوم عود أثر نفس الحدث، لا عود الحدث الأوّل.

ولكنّ التخطّي عمّا عليه الجمهور وظواهر الأخبار لا معنى له.

و أمّا الحدث الأصغر بالنسبة إلى التيمّم عن الأكبر غير الجنابة أو الحدث الأكبر غير المجانس فلمانعٍ أن يمنع ناقضيّتهما للتيمّم، وذلك لجواز التيمّم عن الأكبر غير الجنابة، فيستباح به دخول المساجد وقراءة العزائم، ويبقى الحدث الأصغر بحاله، فلا تجوز الصلاة إلّا بتيمّم آخَر، ومتى جاز في الابتداء جاز ولم ينقضه في الاستدامة. ويُنزَّل فتوى الفقهاء والرواية(1)بأنّ التيمّم ينقضه الحدث على إرادة التيمّم عن الجنابة أو المجانس، فينقض الحدث الأصغر التيمّم عن الأصغر، والأكبر التيمّم عن الأكبر المجانس، لا أنّ كلّ حدثٍ ينقض كلّ تيمّمٍ.

ومع ذلك فالتعدّي عمّا عليه إطلاق الفتوى والرواية لا يخلو من إشكالٍ.

سابعتها: جواز تيمّم واحد عن أغسال متعدّدة وعدم جواز تداخل التیمّم عن وضوءات متعدّدۀ

يجوز تيمّم واحد عن أغسال متعدّدة يجوز تداخلها، فينوي بالتيمّم البدليّة عن غسل واحد تداخلت فيه أغسال، أو ينوي البدليّة عن جميع الأغسال، أو ينوي تيمّماً واحداً تتداخل فيه تيمّمات متعدّدة بدلاً عن أغسال متعدّدة؛ كلّ ذلك لعموم المنزلة. والتداخل فيه رخصة لا عزيمة، والأحوط الإتيان بالنية الأُولى.

ولا يجوز تداخل التيمّم عن وضوءات متعدّدة بنذر وشبهه، ولا تداخله عن غسل و وضوء. و يجوز تداخله عن وضوءات متعدّدة لأغسال متعدّدة متداخلة؛ لجواز تداخل أصله. وإذا تيمّم عن غسل الجنابة وغيره لم يحتج إلى تيمّمٍ آخَر عن الوضوء لغير غسل الجنابة.

ثامنتها: عدم انتقاض التيمّم الصوري بالحدث الأصغر

الحدث الأصغر لا ينقض التيمّم الصوري، كالتيمّم للنوم وللصلاة على الجنازة على وجهٍ، وكذا لا ينقض ما كان بدلاً عن غسل أو وضوء غير رافعين ولا مبيحين عند عدم وجود الماء، بناءً على عموم بدليّة التيمّم عن كلّ مائيّة صوريّة أو حقيقيّة رافعة أو مبيحة أو غيرهما، كما هو الأقوى؛ لورود التيمّم للمجنب للنوم عند فقد الماء(2)فغيره بطريق أولى، ولعموم المنزلة القاضية بذلك، ولأنّ التراب طهور، فكلّ ما كان فيه تطهير قام مقامه، ولأنّه


1) تقدّم تخريجها في ص 467، الهامش (1).

2) وسائل الشيعة 2: 227، الباب 25 من أبواب الجنابة، ح 3.

يجزئ عشر سنين، ومن البعيد ترك أكثر المندوبات فيها، وحينئذٍ فلا ينتقض التيمّم الغير رافع ولا مبيح كتيمّم الحائض بدلاً عن الوضوء، وتيمّم المجنب للأكل والشرب، والتيمّم للزيارة و دخول المشاهد بدلاً عن الغسل، والتيمّم بدلاً عن غسل الجمعة إذا وقع الحدث في أثنائه، والتيمّم بدلاً عن الغسل للسعي إلى رؤية المصلوب، والتيمّم بدلاً عن الغسل عند احتراق القرص، والتيمّم بدلاً عن أغسال الأزمان أو الأمكنة المندوبة إذا وقع الحدث في أثناء ذلك التيمّم.

تاسعتها: استحباب التيمّم للنوم ولصلوۀ الجنازۀ

يستحبّ التيمّم للنوم ولو مع وجود الماء، وقد ورد أنّه يتيمّم من دثارها(1).

وكذا يندب التيمّم للجنازة ، وقد ورد أنّه «يضرب بيديه على حائط لبن فليتيمّم به»(2).

و لولا فتوى المشهور والإجماع المنقول(3)على استحبابهما مع وجود الماء ومع عدمه لكان تقييده بعدم وجدان الماء أو خوف فوت الجنازة حسناً.

عاشرتها: حکم ما إذا اجتمع ميّت ومحدث وجنب وكان عندهم ماء لا يكفي إلّا أحدهم

إذا اجتمع ميّت ومحدث وجنب وكان عندهم ماء لا يكفي إلّا أحدهم، فإن كان ملكاً لأحدهم اختصّ به، ويحرم بذله لغيره بعد دخول الوقت واليأس من الماء.

وفي جوازه قبله مع اليأس وجه، والأحوط عدمه.

ولو كان مباحاً وجبت المبادرة إليه بعد دخول الوقت ، فمن حازه ملكه، وجرى فيه الكلام السابق.

وظاهر الرواية في تقديم الجنب(4)، مطلقاً، متروك.

ولو حازوه دفعةً ملكوه على وجه الشركة، ولكلٍّ منهم الخيار في بذل حصّته لمن شاء.

وكذا لو كان مملوكاً لهم ابتداءً، وكذا لو كان مملوكاً لغيرهم و أراد بذله فإنّ له بذله لمن شاء، ولا يجب عليه؛ للأصل والعموم، وضعف الرواية عن إثبات الوجوب، مع عدم القول به من الأصحاب.

و هل هو على سبيل التخيير من دون أولويّة؛ لتزاحم الحقوق وتساويها، أو أنّ الجنب أولى؛ للصحيح القاضي بتقديمه وتيمّم الميّت والمحدث، المعلّل بأنّ غسل الجنابة فريضة


1) وسائل الشيعة 1: 378، الباب 9 من أبواب الوضوء، ح 2.

2) المصدر :3: 111 ، الباب 21 من أبواب صلاة الجنازة، ح 5.

3) الخلاف 1: 160 - 161، المسألة 112؛ الحدائق الناضرة 4: 411.

4) وسائل الشيعة 3 375 الباب 18 من أبواب التيمّم، ح 1.

وغسل الميّت سنّة (1)، و نحوه غيره(2)من الأخبار المتكثّرة المشهورة نقلاً (3)وفتوىً، المؤيّدة بالاعتبار، وهو تعلّق الخطاب بالحيّ دون الميّت فيقدّم عليه، ولأنّ غسل الجنابة يفيد طهارة البدن واستباحة العبادة، دون غسل الميّت فلا يفيد إلّا الأوّل؟

وبهذا يظهر ضعف القول بتقديم الميّت للخبر الآمر بتقديمه(4)، ولعدم إمكان استدراك طهارة الميّت دون الجنب فيقدّم عليه؛ لضعف الخبر والتعليل عن مقاومة ما قدّمنا.

وكذا ضعف القول بالتخيير من دون أولويّةٍ؛ لتعارض الأخبار؛ لأنّه لا معارضة مع وجود المرجّح لأحدها.

وكذا ضعف ترجيح المحدث بالأصغر؛ لضعف مستنده، وعدم معرفة قائلٍ به من أصحابنا، فلا بدّ من طرح الخبر(5)الدالّ عليه.

ومن هنا يُعرف حكم الماء الموصى به، أو المنذور للأحوج، أو الراجح شرعاً، ونحو ذلك.

و لو أمكن استعماله للجميع بأن يجمع الماء المستعمل فيستعمله الآخَر، فالظاهر أنّه يكون هو الأرجح.

و لو اجتمع معهم محدث بالأكبر غير الجنابة، أو اجتمع معهم متنجّس بثيابه أو بدنه، أو كان الموجود غير الماء من تراب ونحوه عند فقده، فلا يبعد أولويّة الجنب مطلقاً؛ لمكان التعليل.

و لو اجتمع ميّت ومحدث بالأصغر فقط أو بالأكبر غير الجنابة، أو ميّت و متنجّس، أو محدث بالأصغر أو الأكبر مع متنجّس، أو محدثان بالأكبر غير الجنابة مع بعضهم بعضاً، أو غير ذلك، فالظاهر تقديم ما هو فريضة دون ما هو سنّة، و إلّا نظر للأهمّ فالأهمّ.

ولا يجوز لمالك الماء إذا وفت حصّته به بذله؛ لعموم الأدلّة و فتوى الأصحاب، وظاهر الرواية(6)متروك، ولو فَعَل حراماً وبذله حلّ للمبذول له على الأقوى.


1) تقدّم تخريجه في ص 469، الهامش ( 4 ).

2) وسائل الشيعة 3: 376 الباب 18 من أبواب التيمّم، ح 3 و 4.

3) رياض المسائل 2 :61

4) وسائل الشيعة 3: 376، الباب 18 من أبواب التيمّم، ح 5.

5) المصدر: 375 - 376، ح 2.

6) المصدر : 375 الباب 18 من أبواب التيمّم، ح 2.

حادي عشرها: فی أنّ مَنْ تيمّم تيمّماً صحيحاً موافقاً للأدلّة الشرعيّة وصلّى مضى تيمّمه و صحّت صلاته

مَنْ تيمّم تيمّماً صحيحاً موافقاً للأدلّة الشرعيّة وصلّى، مضى تيمّمه و صحّت صلاته؛ للإجماع والأخبار(1)وكلام الأصحاب، ولاقتضاء الامتثال الإجزاء.

و مَنْ تيمّم تيمّماً عذريّاً ظاهريّاً تخيّل مطابقته للدليل الشرعي فأخطأ في ظنّه، كان عليه بمقتضى القواعد إعادة الصلاة؛ لأنّ الشرائط الأصل فيها أن تكون واقعيّةً لا علميّةً إلّا ما أخرجه الدليل.

و على ما ذكرنا فمَنْ تيمّم لفقد الماء حقيقةً في الضيق أو السعة فصلّى، مضت صلاته ولا شيء عليه.

و نُسب لبعض الأصحاب القول بالإعادة(2)للصحيح و الموثّق الدالّين على الإعادة في الوقت دون خارجه(3)، كما في الصحيح.

و لا يخفى ضعفه على القول بالتوسعة؛ لعدم مقاومة الخبرين للأخبار المتكثّرة الدالّة على عدم الإعادة فلتُحمل على الاستحباب .

و نُسب للمرتضى القول بأنّ الحاضر إذا تيمّم لفقد الماء و صلّى وجبت عليه الإعادة إذا وجده(4). وهو ضعيف؛ لخلوّه عن المستند.

و نُسب للشيخ وجوب الإعادة على مَنْ تعمّد الجنابة وتيمّم خوفاً على نفسه من البرد أو غيره وصلّى(5)تمسّكاً بالرواية الدالّة على ذلك(6).

وهو ضعيف؛ لعدم صلاحيّة الرواية لمعارضة الأدلّة القويّة، فلتُحمل على الندب.

و نُسب للشيخ أنّ مَنْ منعه زحام الجمعة تيمّم و صلّى ثمّ يعيد(7)للرواية الدالّة على ذلك(8).


1) وسائل الشيعة 3: 366 - 371. الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 1، 3، 4، 7، 9، 11، 13 - 17.

2) نسبه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 286، المسألة 212 إلى ابن أبي عقيل؛ وإليه وابن الجنيد الشهيد في ذكرى الشيعة 2: 273.

3) وسائل الشيعة 3: 368 - 369 ، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 8 و 10.

4) نسبه إليه المحقّق الحلّى في المعتبر :1 365 نقلاً عن شرح الرسالة له.

5) النهاية: 46 المبسوط 1: 30 تهذيب الأحكام 1 :196، ذيل الحديث 568؛ الاستبصار 1: 162، ذيل الحديث 560؛ ونسبه إليه الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 2 :487

6) وسائل الشيعة 3: 372، الباب 16 من أبواب التيمّم، ح 1.

7) النهاية: 47 المبسوط 1: 31 ونسبه إليه الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 2: 490

8) وسائل الشيعة 3 371 - 372، الباب 15 من أبواب التيمّم، ح 1 و 2.

وضعفه ظاهر؛ لعدم قوّة الرواية لمعارضة الأدلّة المتقدّمة.

و نُسب للشيخ أنّ مَنْ كان عليه ثوب نجس لا يقدر على نزعه فصلّى فيه يعيد الصلاة عند التمكّن من غسله(1).

و هو ضعيف؛ لعدم مقاومته لما دلّ على الإجزاء وعدم الإعادة.

و نُسب لابن الجنيد وجوب الإعادة على مَنْ تيمّم لغلوّ قيمة الماء فصلّى، يعيد الصلاة(2)إذا وجده بثمن مناسب(3).

و هو ضعيف خالٍ عن الدليل.

و نُسب للمشهور أنّ مَنْ أخل بالطلب حتّى ضاق الوقت فتيمّم وصلّى ثمّ وجد الماء في محلّ الطلب أو في رحله يعيد عند وجدانه(4)لرواية أبي بصير، الواردة فيمن تيمّم و صلّى و قد نسي الماء فذكره بعد ذلك، أنّه يعيد(5).

و هو قوي، إلّا أنّ حمله على الندب عند الضيق أولى.

ثاني عشرها: حکم ما لو وجد المتيمّم الماء بعد فقده وتمكّن من استعماله

لو وجد المتيمّم الماء بعد فقده وتمكّن من استعماله، فإمّا أن يجده قبل دخوله في الصلاة حال السعة، فلا شكّ في انتقاض تيمّمه و وجوب استعمال الماء، حتّى أنّه لو لم يستعمله ففقده بعد ذلك لزمه تيمّم جديد.

و يدل على ذلك إجماع الأصحاب، والصحيح قلت: فإن أصاب الماء ورجا أن يقدر على ماء آخر وظنّ أنّه يقدر عليه فلمّا أراده تعسّر عليه ذلك؟ قال: «ينقض ذلك تيمّمه، وعليه أن يعيد التيمّم»(6).

و إمّا أن يجده بعد تمام الصلاة، والأظهر هاهنا والأشهر مضيّ الصلاة من غير إعادة، خلافاً لشاذٍّ من أصحابنا وقد تقدّم(7).


1) النهاية : 55: المبسوط 1: 35 ونسبه إليه الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 2: 491.

2) كذا قوله : « يعيد الصلاة » في النسخ ، والظاهر زيادتها .

3) نسبه إليه المحقّق الحلّي في المعتبر 369:1.

4) نسبه إلى المشهور السبزواري في كفاية الفقه 46:1

5) وسائل الشيعة 3: 367، الباب 14 من أبواب التيمّم، ح 5.

6) المصدر: 377، الباب 19 من أبواب التيمّم، ح 1.

7) راجع الهامش (2) من ص 471.

و إمّا أن يجده قبل الصلاة ولكن في الضيق عن استعماله وإدراك تمام الصلاة أو إدراك ركعة على الوجهين، فالظاهر هاهنا عدم انتقاض التيمّم ولزوم البدار إلى الصلاة؛ لأهمّيّة أدائها عند الشارع، والظاهر كفاية الضيق عن إدراك المائيّة وجميع الصلاة في عدم انتقاض التيمّم ولا الضيق عن المائيّة وإدراك ركعة.

هذا كلّه بالنسبة إلى هذه الصلاة التي يريد فعلها في الوقت، وأمّا بالنسبة إلى غيرها من الصلوات فهل ينتقض التيمّم بالنسبة إليها، أو يبقى حكمه كما إذا فقد الماء بعد هذه الصلاة بلا فصل؟ و جهان، أوجههما: عدم الانتقاض مطلقاً؛ لأنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي، إلّا في صورة ما إذا تمكّن من الصلاة واستعمال المائيّة في أثنائها من دون إبطال لها، كما إذا أمكن فعلها من دون فعل كثير أو لزوم استدبار أو غيره من قواطع الصلاة، فإنّ القول بالانتقاض هاهنا قويّ؛ لحصول الطهارة المائيّة وإمكان فعلها.

وكذا لا ينتقض التيمّم لو وجده قبل الصلاة بمقدار زمان لا يتمكّن من الطهارة به لقصره، فإنّه لا ينتقض التيمّم أيضاً؛ استصحاباً لحكمه.

وما جاء من أنّ الماء ناقض عند وجوده(1)، منزَّل على صورة إمكان استعماله وسعة الوقت له.

و إمّا أن يجده في الوقت الموسّع و هو في مقدّمات الصلاة قبل انتهاء تكبيرة الإحرام، فالظاهر هاهنا الانتقاض؛ لعدم انعقاد الصلاة قبل انتهاء تكبيرة الإحرام.

و لا يتفاوت الحال بين كون المقدّمات ممّا يحرم قطعها أو ممّا لا يحرم؛ لأنّ تحريم القطع ليس من مسوّغات التيمّم، لبطلان العمل في نفسه، فلا يدخل تحت وَ لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ(2).

و يتمشّى الحكم لكلّ عمل يحرم قطعه؛ فإنّ الظاهر أنّ الماء ينقض التيمّم فيبطل العمل المبنيّ عليه ما لم يكن العمل وقته مضيّقاً فيفاجئه الماء عند الضيق ولا يتمكّن فيه من استعماله حال تلبسه به، فإنّه يكون حكمه حكم الصلاة حينئذٍ. و عدم انتقاض التيمّم بالماء للمصلّي في الجملة إنّما جاء به الدليل كما سيجيء إن شاء الله - لا لأجل تحريم قطعها.

و المراد بانتقاض التيمّم وبطلان العمل انتقاضه من حينه لا من أصله، فيصحّ ما مضى من العمل ويبطل الباقي ما لم تكن الموالاة شرطاً فيه بحيث لا يمكن تجزئته.


1) راجع الهامش (6) من ص 472.

2) سورة محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)(47): 33

و إمّا أن يجده بعد الدخول في الصلاة وانعقادها بتمام تكبيرة الإحرام سواء قرأ أو لم يقرأ، و الظاهر هاهنا انتقاض تيمّمه؛ للدليل الدالّ بإطلاقه على أن وجود الماء ناقض، فهو كالحدث ناقض متى وقع.

ولا يعارض ذلك ما دلّ على تحريم إبطال العمل(1)، وعلى تحريم إبطال الصلاة(2)لانصرافهما إلى صدور الإبطال والقطع بالاختيار بعد ثبوت الصحّة، وأمّا لو جاء البطلان لنفسه من جهة فقدان شرط أو وجود مانع فذلك بطلان لا إبطال، فلا يدخل تحت ما دلّ على منع الإبطال. و دعوى أنّ النهي عن الإبطال جاء على سبيل الإطلاق فيكون الإبطال ممنوعاً منه شرعاً، والمانع الشرعي كالمانع العقلي مسوّغ للتيمّم، ولا ينقض التيمّم ما دام متحقّقاً فلا تنتقض الصلاة، مردودة بأنّ تحريم الإبطال موقوف على صحّة التيمّم، فلو توقّفت صحّة التيمّم عليه دار.

وكذا لا يعارضه استصحاب إباحة التيمّم أو استصحاب صحّة الصلاة ؛ لأنّ الإباحة و الصحّة إنّما وقعا على وجهٍ خاصّ وهو ما دام الماء مفقوداً، وأمّا مع وجوده فيتغيّر الموضوع وينقطع الاستصحاب.

وكذا لا يعارضه رواية محمّد بن حمران، الدالّة على أنّ مَنْ تيمّم ودخل في الصلاة فأُتي له بالماء يمضي في الصلاة، وليس ينبغي لأحدٍ أن يتيمّم إلّا في آخَر الوقت(3)، وكذا رواية الفقه الرضوي(4)، الدالّة على ذلك؛ لضعفهما سنداً؛ لاشتراك محمّد بن حمران بين النهدي الثقة وبين غيره، ولا قرينة تُعيّن أنه الثقة، ولمعلوميّة ضعف الرضوي، وضعفهما دلالةً؛ لأنّهما مطلقان وقد جاء ما يقيّدهما من التفصيل بين الوصول إلى الركوع فلا ينتقض التيمّم وبين عدم الوصول فينتقض(5)، والمقيّد أقوى دلالةً من المطلق.

والجمع بحمل المطلق على المقيّد خيرٌ من إبقاء المطلق على إطلاقه، وحمل المقيّد على الندب كما حقّق في محلّه، سيّما لو كان المقيّد أقوى سنداً وأكثر عدداً كما هو هاهنا هكذا، ولاحتمال حمل رواية محمّد بن حمران على ضيق الوقت.


1) سورة محمّد(صلی الله علیه وآله وسلم)(47): 33.

2) مستدرك الوسائل 2: 546 الباب 16 من أبواب التيمّم، ح 3.

3) وسائل الشيعة 3: 382، الباب 21 من أبواب التيمّم، ح 3

4) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 90.

5) وسائل الشيعة 3: 381، الباب 21 من أبواب التيمّم، ح 1 و 2.

وكذا لا يعارضه ما ورد في الصحيح فيمن تيمّم وصلّى ركعتين ثمّ فاجأه الماء أنّه يمضي في صلاته فيتمّها ولا ينقضها؛ لمكان أنّه دخلها وهو على طهور(1)لأنّ عموم هذا التعليل مخصوص بما دلّ على التفصيل بين الوصول إلى محلّ الركوع وبين عدمه(2)، والخاصّ مقدّم على العامّ، مع احتمال إرادة الدخول في الركوع من لفظ «دخلها» لأنّه هو الفرد الأكمل، وقد ورد أنّ أوّل الصلاة الركوع(3)، وأنّه ثلثها(4).

و إمّا أن يجد الماء بعد أن ركع، والأظهر هاهنا المضيّ على الصلاة وعدم الإعادة؛ للأخبار(5)الدالّة على ذلك، وفيها الصحيح والحسن، فهي أقوى سنداً من غيرها وأصرح دلالةً، فلا يعارضها الخبر الدالّ على أنّ مَنْ تيمّم وصلّى ركعة و مرّ به نهر، قال: «فليغتسل وليستقبل الصلاة»(6)والخبر الآخَر: أنّ مَنْ صلّى ركعة بتيمّم و جاء رجل معه ماء، قال: «يقطع الصلاة ويتوضّأ ويبني على واحدة»(7)لضعفهما عن المعارضة سنداً ودلالةً ، فليُحملا على إرادة التلبّس بالركعة لا إتمامها، على أنّ الأخير لا قائل به ممّن يُعتدّ به.

وكذا لا يعارضها الصحيح الدالّ على أن مَنْ صلّى ركعتين بتيمّمٍ يمضي ولا يعيد(8)لأنّا نقول به، فهو مؤيّد لنا، لا نافٍ لما قلنا.

وعلى ما ذكرنا - من أنّ الأصل انتقاض الصلاة إلّا ما خرج بالدليل من الوصول إلى حدّ الركوع - كان الواجب الاقتصار على مورد اليقين من الخارج، و هو وجدان الماء لفاقده بعد أن ركع، فلا يسري لمن برى من مرضه أو أمن من خوفه أو غير ذلك، بل تبقى هذه على القاعدة

من الفساد.

و يحتمل فيها الصحّة، وعدم الانتقاض بمجرّد الدخول في الصلاة؛ بناءً على استصحاب


1) وسائل الشيعة 3: 382، الباب 21 من أبواب التيمّم، ح 4.

2) راجع الهامش (5) من ص 474.

3) وسائل الشيعة 6: 311 - 312، الباب 9 من أبواب الركوع، ح 6.

4) المصدر: 310، ح 1.

5) راجع الهامش ( 5 ) من ص 474.

6) وسائل الشيعة 3: 383، الباب 21 من أبواب التيمّم، ح 6.

7) المصدر ، ح 5.

8) راجع الهامش (1).

الصحّة ، وأنّ الصلاة على ما افتتحت به ،وأنّهم لم يعدّوا من قواطعها برء المريض أو أمان الخائف المتيمّمين.

و يحتمل إلحاقهما بالفاقد للماء؛ تسويةً بينهما في الحكم، وإلغاء للفارق؛ لاستوائهما العلّة ابتداءً فليتساويا استدامةً.

ولا فرق فيما قدّمناه من الحكم بين النافلة والفريضة؛ لإطلاق الأخبار.

و يجوز العدول بعد وجدان الماء بعد الركوع إلى فريضةٍ أُخرى، سواء قلنا: إنّ التيمّم انتقض بالنسبة إلى غيرها من الفرائض أو لم نقل؛ وذلك لوحدة المعدول عنه والمعدول إليه.

و هل يجوز العدول لواجد الماء قبل الركوع للنافلة، جمعاً بين عدم قطع الصلاة و بين بطلان الفريضة، أم لا؟ وجهان أقواهما الأخير؛ لعدم ثبوت أنّ ذلك من مقامات العدول.

و مَنْ أحدث في أثناء صلاته المتيمّم لها ثمّ وجد الماء بطلت صلاته مطلقاً؛ لمكان الحدث. سهواً كان الحدث أو عمداً، وفاقاً لفتوى الأصحاب، وللإجماع المنقول على أنّ ناقض الطهارة مبطل للصلاة(1)، والمنقول على أنّ الفعل الكثير مبطل لها(2)، فلا يمكنه البناء، ولا يمكنه التطهير في الأثناء، وللأخبار الدالّة على أنّ الحدث ناقض ومبطل للصلاة(3)، الموافقة لفتوى الأصحاب، البعيدة عن فتاوي العامّة.

و نُسب للشيخين القول بأنّ من أحدث سهواً ووجد الماء يخرج ويتوضّأ في أثناء صلاته ويبني على ما فعله بالتيمّم(4)؛ لورود روايات(5)صحيحة بذلك، وهي وإن كانت مطلقةً في حالتي العمد والسهو إلّا أنّ الإجماع المحقّق الدالّ على بطلان الصلاة بالحدث عمداً مخصّص لها في حالة العمد، وتبقى حجة في حالة السهو فقط.

وهذا القول ضعيف جدّاً، مخالف لفتوى الأصحاب والأخبار المتكثّرة في الباب، والروايات الدالّة عليه مطّرحة متروكة موافقة للتقيّة، أو محمولة على صحّة ما صلّاه بالتيمّم من الصلوات


1) مختلف الشيعة 1: 281، المسألة 209

2) المصدر : 282

3) وسائل الشيعة 7: 233 - 235 ، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، ح 1 - 8.

4) المقنعة: 61 النهاية : 48؛ تهذيب الأحكام 1: 403، ذيل الحديث 1263؛ ونسبه إليهما الطباطبائي في رياض المسائل 2: 62.

5) وسائل الشيعة 7: 235 - 237 ، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، ح 9 - 11.

التامّة الماضية، لا صحّة ما صلّى من الصلاة التي أحدث فيها، وهو حمل ظاهر من الأخبار لمن تأمّل فيها بعين الاعتبار.

وفي هذا البحث تأييد لجواز التيمّم في السعة مع اليأس.

وللأصحاب أقوال في المتيمّم إذا صلّى ووجد الماء في الأثناء لا حاجة للتعرّض لذكرها.

القول في النجاسات

وفيها مباحث

أحدها: بول وخرء ذی النفس السائلۀ ممّا لایؤکل لحمه

كلّ ما لا نفس له سائلة فبوله وخرؤه طاهران؛ لطهارة ميتته، وللسيرة القاضية بذلك، وللزوم العسر والحرج لولاه، وللأصل المحكّم، وانصراف ما دلّ على النجاسة لغيره.

و كلّ ما لا يؤكل لحمه من ذي النفس السائلة- وهي التي يخرج دمها من العروق بقوّة ودفع، وغير ذي النفس السائلة ما خرج برشح- فبوله وخرؤه نجس؛ للإجماع بقسميه(1)، ما عدا ما وقع الخلاف فيه في بعض الموارد.

ولا يتفاوت على الظاهر بين خروجه من المحلّ المعتاد وبين عدمه.

وكلّ ما يؤكل لحمه فبوله وخرؤه طاهران؛ للأصل، والإجماع بقسميه(2)، عدا ما وقع الخلاف فيه من بعض الموارد، والأخبار:

منها: ما دلّ على نجاسة بول الإنسان فقط(3).

ومنها: ما دلّ على نجاسة البول(4)مطلقاً، وترك الاستفصال فيها دليل العموم، وأكثريّة دوران بول الإنسان في سائر الأزمان لا يصرف إليه الإطلاق، بحيث يكون غيره نادراً لا ينصرف إليه.


1) المعتبر 1: 410؛ منتهى المطلب 3: 166

2) المصدر : 411؛ منتهى المطلب 3: 169

3) راجع وسائل الشيعة 1: 349 الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة و 3: 405 الباب 8 من أبواب النجاسات، ح 4، 5.

4) المصدر 3: 395، الباب 1 من أبواب النجاسات.

و منها: ما دلّ على طهارة بول ما يؤكل لحمه منطوقاً، ونجاسة بول ما لا يؤكل مفهوماً كقوله : «لا تغسل ثوبك من بول شيء يؤكل لحمه»(1).

و منها: ما دلّ على نجاسة عذرة الإنسان(2).

و منها: ما دلّ على نجاسة العذرة(3)مطلقاً، فيفيد العموم بترك الاستفصال.

و منها: ما دلّ على طهارة كلّ ما يخرج ممّا يؤكل لحمه (4)منطوقاً، فيدل على نجاسة ما يخرج ممّا لا يؤكل لحمه مفهوماً.

ومنها: ما دلّ على نجاسة عذرة الكلب والسنّور والفأرة(5).

ومنها: ما دلّ على نجاسة بول السنّور(6).

إلى غير ذلك من الأخبار المتفرّقة في المقامات المتعدّدة، المستفاد منها على سبيل القطع نجاسة ما ذكرناه من البول والغائط والنجاسة، و إن لم تذكر في أكثر الأخبار بلفظها، ولكن لها لوازم شرعيّة يفهم من الأمر بها تحقّق حصولها، وفهم الفقهاء ذلك منها ممّا يعيّن إرادة النجاسة منها؛ لأنّ فهمهم في مثل هذه المقامات هو المعتبر وعليه المعوّل.

فمن اللوازم: الأمر بغسل الثوب أو البدن أو الإناء.

ومن اللوازم :الأمر بالنزح للبئر على الأقوى.

ومن اللوازم: الأمر بإعادة الصلاة.

ومن اللوازم: الأمر بإهراق الماء وطرح الطعام الملاقي له.

من اللوازم : النهي عن استعمال الماء الملاقي له في وضوء وغسل وشبههما.

وهذه وإن كان كلّ واحد لازماً أعمّ، إلّا أنّ منها ظاهراً في الملازمة والمساواة كالغسل وشبهه.

ومنها ما يعضد دلالته الإجماع.

ومنها: ما يعضد دلالته اجتماع أمرين أو أكثر، أو اجتماع أُمور يقطع باجتماعها بحصول النجاسة.


1) وسائل الشيعة 3: 407، الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 4.

2) راجع المصدر 1: 191، الباب 20 من أبواب الماء المطلق.

3) راجع المصدر : 274 الباب 10 من أبواب نواقض الوضوء، ح 2.

4) المصدر 3: 409، الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 12.

5) المصدر 1: 191 - 192، الباب 20 من أبواب الماء المطلق، ح 3 و 3: 405 - 406، الباب 8 من أبواب النجاسات، ح 6 و 7.

6) المصدر 3: 404 و 406 ، الباب 8 من أبواب النجاسات، ح 1 و 7.

ولا يتفاوت الحال من غير ما يؤكل لحمه أصالةٍ أو عارضاً كالجلّال.

وعلى كلّ حال فالظاهر نجاسة بول كلّ ما لا يؤكل لحمه وخرئه من ذي النفس السائلة مطلقاً؛ لما ذكرناه.

خلافاً لجمعٍ من أصحابنا(1)فحكموا بطهارة رجيع الطير مطلقاً؛ للأصل، ولقوله(عليه السلام)في الموثّق- : «كلّ شيء يطير فلا بأس بخرئه وبوله»(2)ولقوله(عليه السلام)-في الصحيح -: عن الرجل يرى في ثوبه خرء الطير وغيره، هل يحكّه وهو في صلاته؟ قال: «لا بأس»(3).

وهو ضعيف؛ لانقطاع الأصل بما ذكرناه، ولمعارضة الموثّق بالإجماعات المنقولة(4)، والعمومات المسلّمة - الموافقة لفتوى الإماميّة - الدالّة على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه مطلقاً(5)، المنضمّ إليها الإجماع على عدم الفرق بينه وبين الخرء، والأدلّة الدالّة على نجاسة العذرة الشاملة لخرء الطير كما نصّ عليه اللغويّون والفقهاء، ويجب اتّباعهم في بيان الموضوعات الظنّيّة، فإنكار شمول العذرة لغير عذرة الإنسان لا يُسمع في مقابلة المثبتين.

و بالجملة، فبين العمومات والصحيح المتقدّم عموم من وجه، والترجيح لجانبها؛ لشذوذه و قلّة العامل به وموافقته لفتوى العامّة.

ويضعّفه أيضاً ما ورد في طهارة خرء الخطاطيف من التعليل بأنّه «ممّا يؤكل لحمه»(6)ولو كانّ كلّ الطير كذلك لما كان للتعليل معنى.

والشيخ (رحمۀ الله علیه)وافقنا في نجاسة بول الخشاشيف(7)للأمر بغسل الثوب منه في رواية داوُد الرقّي(8)، مع أنّه قد ورد في روايتين(9)ما يؤذن بطهارته، ولكنّه عمل بما دلّ على النجاسة؛


1) منهم الصدوق في الفقيه 1: 71، ذيل الحديث 164؛ وابن أبي عقيل على ما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 298 المسألة 220 والجعفي على ما حكاه عنه الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 110.

2) وسائل الشيعة 3: 412، الباب 10 من أبواب النجاسات، ح 1.

3) المصدر 7: 284، الباب 27 من أبواب قواطع الصلاة، ح 1.

4) الخلاف 1 487 المسألة 230؛ السرائر 1: 80؛ المعتبر 410:1.

5) وسائل الشيعة 3: 405، الباب 8 من أبواب النجاسات،ح 2 و 3.

6) المصدر : 411، الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 20.

7) المبسوط 39:1

8) وسائل الشيعة 3: 412، الباب 10 من أبواب النجاسات، ح 4.

9) المصدر: 0413 ح 5؛ مستدرك الوسائل 2: 559 الباب 6 من أبواب النجاسات، ح 1.

لقوته بما ذكرناه. فظهر أنّ الراجح ما استندنا إليه.

وأمّا الصحيح فلا دلالة فيه على طهارة الخرء، و إلّا لكان فيه دلالة على طهارة غيره من كلّ شيء، بل هو مسوق للسؤال عن جواز مثل هذا الفعل في الصلاة وعدمه، بقرينة ما بعده:« وهل يجوز أن يرفع طرفه إلى السماء»(1)ولئن سلّمنا فلا بد من إرادة مأكول اللحم من الطير؛ لأنّ غيره لا تجوز الصلاة بفضلاته حتّى نسياناً على الأظهر، فالأولى في الجواب بيان بطلان الصلاة به لا حكة.

و ذهب بعض أصحابنا إلى طهارة بول الصبيّ الرضيع(2)، استناداً لرواية نافية لغسل الثوب منه(3).

وهي ضعيفة سنداً ودلالة؛ لأنّ نفي الغسل لا يدلّ على الطهارة؛ لثبوت بدله - وهو الصبّ - في حسنة الحلبي(4)، المؤذنة بالنجاسة المؤيّدة بما قدّمنا من العمومات.

و ذهب الشيخان إلى نجاسة خرء الدجاج إذا لم يكن جلّالاً(5)استناداً لرواية فارس الناهية عن الصلاة به(6).

وهي ضعيفة سنداً وعدداً، مطرحة، أو محمولة على الجلّال، أو على ذرق لا يستحيل عن النجاسة، فلا تعارض الأُصول والعمومات.

وذهب بعض أصحابنا(7)إلى نجاسة أبوال الخيل والبغال والحمير؛ للأمر بالغسل من أبوال الدوابّ والبغال والحمير في الحسن(8)، والأمر بغسل ما أصابه أبوال الخيل والبغال(9)، والأمر بالغسل عن بول الحمار والبغل والفرس(10)، إلى غير ذلك من الأخبار.

والكلّ ضعيف؛ لمعارضة هذه الأخبار للأُصول والقواعد، وعموم طهارة أبوال ما يؤكل


1) وسائل الشيعة 7: 285 ، الباب 27 من أبواب قواطع الصلاة، ذيل الحديث 1.

2) حكاه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 301، المسألة 222 عن ابن الجنيد.

3) وسائل الشيعة 3: 398، الباب 3 من أبواب النجاسات، ح 4.

4) المصدر: 397 - 398، ح 2.

5) المقنعة: 71 :النهاية :51 الخلاف 1: 485، المسألة 230

6) وسائل الشيعة 3: 412. الباب 10 من أبواب النجاسات، ح 3.

7) الطوسي في النهاية: 51.

8) وسائل الشيعة 3: 407 - 408، الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 5.

9) المصدر: 409، ح 11.

10) المصدر، ح 9.

لحمه وطهارة ما يخرج منه(1)إذ الظاهر من أكل اللحم وعدمه ما ساغ شرعاً أكله وما لم يسغ، لا ما اعتيد أكله وما لم يعتد.

ويدلّ عليه نفي العسر والحرج لملازمة الناس لمباشرتها غالباً.

ويدلّ عليه السيرة المستقيمة بمباشرتهنّ وعدم التوقّي عنهنّ، ولتوفّر الدواعي لاشتهار حكمهنّ وعدم خفائه.

ويدلّ على طهارة أبو الهنّ وأرواثهنّ ما روي - في الصحيح - إلى صفوان في الدوابّ وقد بالت وراثت فيصبح فيرى أثرها؟ قال: «ليس عليك شيء»(2)

و رواية معلّى بن خنيس في بول الحمار الواقع على الوجه والثياب ، فقال : «ليس عليكم شيء»(3).

ورواية الحلبي: «لا بأس بروث الحمير، واغسل أبوالها»(4).

وكذا مضمون روايات أُخَر دالّة على طهارة الروث(5)دون البول، فما دلّ على طهارة الروث يدلّ على طهارة البول بضميمة الإجماع المركّب، ويُطرح ما دلّ على نجاسة البول فقط، فالقول بالتفصيل- كما ذهب إليه بعض المتأخّرين(6)- ضعيف جدّاً.

و ممّا يدلّ على الطهارة أيضاً ما ورد بجواز الصلاة بروث وبول وكلّ شيء من مأكول اللحم(7).

ثانيها: المنيّ من كلّ ذي نفس سائلة

المنيّ من كلّ ذي نفس سائلة نجس؛ للإجماع المنقول(8)وفتوى الأصحاب، و الأخبار(9)الدالّة على نجاسته، وأنّه أشدّ من البول، فمنيّ كلّ ذي نفس أشدّ من بوله.


1) وسائل الشيعة 3: 407 - 408، الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 12.

2) المصدر : 407، ج 2، والرواية في المصدر عن أبي الأغرّ النحّاس، وليس فيه «صفوان».

3) المصدر: 0410 ح 14.

4) المصدر: 406 - 407. ح 1.

5) المصدر : 407 و 410. ح 3 و 16.

6) البحراني في الحدائق الناضرة 5: 21.

7) وسائل الشيعة 3: 408 الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 6.

8) تذكرة الفقهاء 1: 53، المسألة 16

9) وسائل الشيعة 3 : 423 ، الباب 16 من أبواب النجاسات .

فظهر ضعف قول مَنْ خصّ نجاسة المني بالإنسان أو بما لا يؤكل من الحيوان؛ لانصراف الإطلاق إلى منيّ الإنسان؛ إذ لا وجه للانصراف بعد حكاية الإجماع وفتوى الأصحاب.

نعم، منيّ غير ذي النفس السائلة حكمه حكم بوله ودمه وميّته ؛ للأصل ، وانصراف الإطلاق لغيره.

وكذا غير المنيّ والبول والغائط ممّا يخرج من المخرجين، فإنّه طاهر؛ للأصل، وفتوى الأصحاب والأخبار(1)المتكثّرة في الباب، فما يعارضها- كأخبار نجاسة أبوال الدوابّ(2)- محمول على التقيّة أو الاستحباب.

ثالثها: فی أقسام الدم والنجس منها

الدم نجس في الجملة، إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(3)، والأخبار(4)متظافرة بذلك.

وهو أقسام؛ لأنّه إمّا أن يكون مشتبهاً أو معلوماً ، والمعلوم إمّا أن يكون خلقيّاً من غير الحيوان كالدم المخلوق في السماء أو الأرض، كما ورد بنزوله عند قتل سيّد الشهداء(5)، واستحالة بعض الأشياء(6)، و إمّا أن يكون من حيوان غير ذي نفس سائلة- سمكاً أو غيره- أو يكون من حيوان ذي نفس سائلة، وهو إمّا مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم.

والدم الخارج منه إمّا مسفوح وهو المنصبّ من عرق من عروق الحيوان، أو غير مسفوح، وغير المسفوح إمّا أن يكون متخلّفاً بعد الذبح الشرعي لمأكول اللحم، أو بعده لغير مأكول اللحم، أو متخلّفاً بعد الذبح الغير مشروع لمأكول اللحم، أو لغيره، أو غير متخلّف بعد الذبح كالخارج من الجلد بجرح أو قرح أو رعاف وشبهها، أو يكون مبدأ لحيوان، فهذه أقسام:

أحدها: الدم المشتبه بين الطاهر والنجس فإن كان من المشتبه المحصور، وجب اجتنابه من باب المقدّمة. وإن كان من غير المحصور، فالظاهر طهارته؛ للأصل، ونقل عليه الإجماع(7).


1) وسائل الشيعة 3 409، الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 12، و 426 - 427، الباب 17 من تلك الأبواب، ح 1، 2 و 5.

2) المصدر : 408 - 410، الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 8، 9، 11 و 13.

3) المعتبر 1: 420؛ تذكرة الفقهاء 56:1، المسألة 18.

4) وسائل الشيعة 3: 429 - 432 ، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 1، 2، 5، 8، و 477، الباب 41 من تلك الأبواب، ح 1.

5) كامل الزيارات: 160 ، ح 198

6) بحار الأنوار 305:45. ذيل الحديث 3.

7) راجع روض الجنان 599:2.

ودعوى أنّ الأصل في الدماء النجاسة إلّا ما خرج بالدليل؛ للأخبار الآمرة بغسله وإعادة الصلاة منه(1)من دون استفصال عن حاله في العلم والجهل، بل الظاهر من بعض الأخبار أنّه مجهول(2)، كما ورد في الأخبار من نجاسة ما في منقار الطير من الدم(3)مع عدم العلم بأنّه من الطاهر أو من النجس، لأنّه يفترس ما كان دمه طاهراً ونجساً، دعوى غير مسموعة في معارضة ما ذكرناه. وترك الاستفصال في الأخبار وكذا ترك التفصيل في قوله: «إلّا أن ترى في منقاره دماً»(4)لا يدلّ على العموم بالنسبة إلى مجهول الحال؛ لانصراف الدم في السؤال والجواب إلى الفرد المتكرّر والمتكثّر الخارج من الإنسان أو من الحيوان ذي النفس المحكوم بنجاسته، كما هو الظاهر اليوم في السؤال والجواب، فالمراد بما يقع في السؤال والجواب هو لا غيره.

ثانيها: الدم من غير ذي النفس السائلة ولا شكّ في طهارته- ما عدا السمك - للأصل، والإجماع بقسميه(5)، ولزوم العسر والحرج في مثل البقّ والبرغوث والدود، ولا قائل بالفصل، وللأخبار الواردة في طهارة دم البراغيث وإن تفاحش، وكذا البقّ(6)، ولا فارق بينهما وبين غيرهما.

ثالثها: الدم المخلوق لنفسه ولم يخرج من حيوان والظاهر الحكم بطهارته

للأصل، وعدم انصراف أدلّة نجاسة الدم إلى مثله قطعاً.

رابعها: دم السمك وهو طاهر؛ للأصل والإجماع المنقول(7)والخبر(8)، وظاهر قوله تعالى:أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ(9)لاستلزام التحليل الطهارة، وظاهر قوله تعالى: أوْ دَماً مَسْفُوحاً(10)ودم السمك ليس بمسفوح.

والظاهر أنّه حلال أيضاً؛ لعدم ثبوت استخبائه.


1) راجع وسائل الشيعة 3 429 - 432. الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 1، 2، 6،5 و 8.

2) المصدر: 429 - 430، ح 1.

3) المصدر 1: 230 - 231، الباب 4 من أبواب الأسآر، ح 2 و 4.

4) المصدر 1: 230 - 231، الباب 4 من أبواب الأسآر، ح 2 و 4.

5) المعتبر 1: 420

6) وسائل الشيعة 3: 435، الباب 23 من أبواب النجاسات.

7) المسائل الناصريّات: 94، المسألة 15؛ المعتبر 1: 421.

8) وسائل الشيعة 3: 436، الباب 23 من أبواب النجاسات، ح 2.

9) المائدة (5): 96

10) الأنعام (6): 145.

خامسها :الدم المتخلّف في الذبيحة بعد التذكية الشرعيّة ممّا يؤكل لحمه، وهو طاهر حلال؛ للإجماع المنقول(1)، وفتوى الفحول، ولعدم عدّه من محرّمات الذبيحة، ولجريان السيرة على أكله تبعاً للّحم.

سادسها: الدم المسفوح من الحيوان ذي النفس السائلة نجس فتوىً ونصّاً من غير إشكال.

سابعها: المتخلّف في الذبيحة بعد التذكية الغير مشروعة ، وهو نجس إجماعاً ؛ لأنّه دم ميتة.

ثامنها: المتخلّف في الذبيحة بعد التذكية الشرعيّة ممّا لا يؤكل لحمه، وهو نجس؛ للإطلاق، والإجماع المنقول على نجاسة الدم(2)، وإطلاق كثير من الأخبار بذلك، فالأصل نجاسة كلّ دم من الحيوان، إلّا ما أخرجه الدليل.

تاسعها: الدم الخارج من الحيوان ولم يكن مسفوحاً بل خرج برعاف أو غيره من جرح وشبهه، والظاهر نجاسته؛ للإجماع المنقول(3)، وفتوى الفحول، وظاهر الأخبار(4)أيضاً.

عاشرها: الدم المتكوّن من الحيوان وليس خارجاً منه كالعلقة، والظاهر نجاستها؛ للإجماع المنقول على نجاسة الدم مطلقاً(5)، وعلى نجاسة العلقة خصوصاً(6)، ولأنّ مبدأه أقوى ممّا يخرج منه، ولظاهر إطلاق جملة من الأخبار(7).

وفي حكم العلقة ما يوجد في البيضة من الدم المتكوّن فيها بعد العلم بأنّه مبدأ نشوء حيوان، ومع عدم العلم فلا يبعد القول بالطهارة، إلّا أنّ الأخذ بظاهر إطلاق الإجماع وجملة من الأخبار هو الأحوط.

رابعها: ميتة ذي النفس السائلة

الميتة نجسة إجماعاً، ما عدا ميتة غير ذي النفس السائلة.


1) مختلف الشيعة 1: 315، ضمن المسألة 232؛ الحدائق الناضرة 5: 45.

2) المعتبر 1: 420.

3) الحدائق الناضرة 46:5

4) وسائل الشيعة 7: 238 - 243، الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة ، ح 1، 4، 6، 9، 11، 12، 15 و 17.

5) المعتبر 1: 420.

6) الخلاف 1: 490 - 491، المسألة 232

7) راجع الهامش (4).

والكلام يقع فيها في مواضع:

أحدها: في ميتة الإنسان.

وهي نجسة إجماعاً منقولاً على لسان جماعةٍ من أصحابنا(1)، وأفتى به أصحابنا أيضاً، و دلّت عليه الأخبار المتكثّرة.

ففي الخبر الأمر بغسل الثوب الذي أصاب الميّت قبل غسله (2).

وفي الصحيح الأمر بغسل اليد إذا أصابت جسد الميّت قبل أن يغسّل(3).

وفي الحسن الأمر بغسل ما أصاب ثوب الميّت(4).

والذي في الأخبار(5)وصرّحت به الأصحاب هو طهارته بعد غسله، و أنّ نجاسته قبل الغسل.

وهل يشترط في نجاسته برد جسده؛ لاستصحاب الحياة، وللمنع من غسله مع الحرارة، والظاهر أنّ الغسل للنجاسة، فلا نجاسة مع الحرارة، ولاستصحاب الطهارة، ولظاهر الأخبار النافية للبأس عن مسّه بحرارته وتقبيله في تلك الحال، كما ورد من تقبيل أبي عبد الله لابنه إسماعيل، ونفي البأس عن مسّ الميّت بحرارته(6)، أو لا يشترط؛ لإطلاق الأخبار، وصدق الموت عليه، والإجماع المنقول(7)، والتوقيع: «إذا مسّ ميّتاً بحرارته لم يكن عليه إلّا غسل يده»(8)والثاني أقوى، والأوّل أحوط.

ثانيها: في القطعة المبانة من الحيوان.

والأقوى نجاستها، سواء قُطعت من حيّ أو ميّت، وسواء قُطعت من إنسان أو غيره، وسواء قُطعت بعد أن كانت ميتةً حال اتّصالها أو قُطعت حيّةً فماتت.

كلّ ذلك لاستصحاب نجاستها لو قُطعت من ميّتٍ مع عدم تبدّل الموضوع، وللإجماع


1) منهم: ابن زهرة في غنية النزوع 1 42 والمحقّق الحلّي في المعتبر 1: 420؛ والعلامة الحلّي في منتهى المطلب 3: 195.

2) وسائل الشيعة 3: 461، الباب 34 من أبواب النجاسات، ح 1.

3) المصدر : 296، الباب 3 من أبواب غسل المس، ح 5.

4) المصدر: 462، الباب 34 من أبواب النجاسات، ح 2.

5) راجع المصدر : 295 ، الباب 3 من أبواب غسل المس، ح 1 و 2.

6) المصدر : 290 الباب 1 من أبواب غسل المس، ح 2.

7) راجع الهامش (1).

8) راجع الهامش (3).

المنقول على نجاستها(1)مطلقاً، ولفتوى المشهور بل المجمع عليه، وللأخبار الدالّة على أنّه إذا قُطعت من الرجل قطعة فهي ميتة ، وأنّ ما أخذت الحبالة من الحيوان فقطعته فهو ميتة(2)، وأنّ أليات الغنم المقطوعة ميتة(3)، وأنّه لا ينتفع به(4)، ولا قائل بالفرق بين المنصوص عليه وغيره.

وفي الخبر: «أما علمت أنّه يصيب اليد والثوب وهو حرام»(5)إلى غير ذلك من الأخبار، فإذا صدق عليها لفظ الميتة حقيقةً أو استعارةً جرى عليها أحكام الميتة التي أظهرها الحرمة والنجاسة، كما سيجيء إن شاء الله.

وفي الخبر المتضمّن للتفريع في إصابة البدن والثوب(6)أيضاً دليل على النجاسة.

فدعوى أنّ نجاسة الميتة لم يقم عليها شاهد من عموم أو إطلاق سوى الإجماع المشكوك في شموله لمحلّ النزاع، ضعيفة؛ لما سيجيء إن شاء الله تعالى.

بل يمكن الاستدلال على نجاسة القطعة بأنّ المفهوم من بعض الأخبار-كقوله : «إنّ الصوف ليس فيه روح»(7)- أنّ الموت هو السبب لنجاسة المحلّ، فلا فرق بين حلوله في الجميع أو الأجزاء.

نعم، يستثنى ممّا ذكرنا الأجزاء المتساقطة من الحيوان عادة، من الأجزاء الصغار كالثآليل. والقِطَع الساقطة من الرِّجل أو اليد عند غسلهما، أو الملاصقة للشعر أو الظفر، سواء سقطت فماتت أو ماتت فسقطت، فإنّها طاهرة؛ لعدم شمول دليل النجاسة لها من النصّ والإجماع، وللزوم العسر والحرج في الحكم بنجاستها، ولجريان السيرة على معاملتها معاملة الطاهر؛ لعدم انفكاك الناس عنها غالباً في أوقات الصيف والعرق والحمّامات.

وربما يستدلّ بفحوى الصحيح: فيمن يقطع الثالول أو ينتف بعض لحمه وهو في الصلاة؟ قال: «إن لم يتخوّف أن يسيل الدم فلا بأس»(8)، وهو وإن كان ظاهره یعلّق السؤال بجواز الفعل


1) معالم الدين (قسم الفقه) 2: 482.

2) وسائل الشيعة 3 294 الباب 2 من أبواب غسل المس، ح 1.

3) المصدر :23: 376 الباب 24 من أبواب الصيد.

4) المصدر :24 71 الباب 30 من أبواب الذبائح، ح 1.

5) المصدر، ح 2.

6) المصدر.

7) المصدر 3: 513، الباب 68 من أبواب النجاسات، ح 1.

8) المصدر :7: 284، الباب 27 من أبواب قواطع الصلاة، ح 1.

وعدمه لا طهارة المقطوع وعدمها، ولكن قوله في الجواب: «إن لم يتخوّف أن يسيل الدم فلا بأس» مع تركه «أو يتنجس بمسه» مع أنّ الغالب مسّه برطوبة والتنجّس به لو كان نجساً دليل على طهارته.

ثالثها: ميتة الحيوان غير الإنسان إذا كانت له نفس سائلة، نجسة إجماعاً منقولاً (1)بل محصّلاً.

و يدلّ على ذلك الأخبار الدالّة على المنع من استعمال الماء الواقعة فيه ميتة سيّما إذا تغيّر و أنتن(2)، والدالّة على أنّ كلّ شيء ينفصل من الشاة فهو ذكيّ، وإن أخذته بعد أن يموت فاغسله(3).

و الأخبار الدالّة على لزوم نزح البئر من ميتة الإنسان والدابّة والفأرة والطير والحمار والبقرة والجمل والسنّور والحمامة والدجاجة وغير ذلك(4).

و الأخبار الناهية عن أكل السمن والزيت والعسل إذا وقعت فيها فأرة أو جرذ أو دابّة فتموت فيها، و أنّ الزيت يستصبح به(5)، وهي أخبار متكثّرة.

و الأخبار الآمرة بإهراق المرق وغسل اللحم إذا وقعت في القدر فأرة(6).

و الأخبار الناهية عن الأكل في أواني أهل الذمّة لأنّهم يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير(7).

و الأخبار الناهية عن استعمال أليات الغنم المقطوعة، و أنّه يحرم إصابتها للثوب والبدن(8).

و الأخبار الدالّة على عدم نجاسة الماء إذا كان أكثر من راوية إلّا أن يجيء ريح يغلب على ريح الماء(9).

و الأخبار الآمرة بغسل الثياب وما أصابه الماء الذي تفسّخت فيه الفأرة (10).

و الأخبار الناهية عن الوضوء والشرب من ماء قد وقعت فيه دابّة ميّتة وقد تغيّر ريحه أو طعمه(11).


1) منتهى المطلب 3: 195

2) وسائل الشيعة 1: 139، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، ح 6.

3) المصدر 24: 180، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 3.

4) المصدر 1: 179 - 180، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، ح 1، 3، 5، 6، و 182 و 186 و 187، الأبواب 17 - 19 من تلك الأبواب، و 194، الباب 21 من تلك الأبواب، ح ،2، 4 و 195 - 196، الباب 22 من تلك الأبواب، ح 1 و 7.

5) المصدر 24 194، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

6) المصدر : 196، الباب 44 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 1.

7) المصدر : 210 - 212، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 3،1، 6،4 و 7.

8) المصدر: 71، الباب 30 من أبواب الذبائح.

9) المصدر 1: 139 - 140 ، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، ذيل الحديث 8.

10) المصدر: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

11) المصدر : 138 - 139، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، ح 4.

والأخبار الدالّة على أنّ الماء لا يفسده إلّا ما كان له نفس سائلة، وأنّ ما ليس له نفس فلا بأس به(1).

والأخبار الناهية عن استعمال جلد الميتة والانتفاع بها(2)، إلى غير ذلك، فإنّ المفهوم من استقراء جميع الجزئيات الواردة في الأخبار المثبت للحكم الكلّي في سائر أفراد ما له نفس سائلة، المقترن بعدم القول بالفصل ممّن يُعتدّ به: أنّ كلّ ميتة ذي النفس السائلة نجسة، ولفظ النجاسة وإن لم يذكر بصريحه ولكنّها ثبتت من المفهوم في بعضٍ، ومن إثبات اللوازم في بعضٍ آخَر، ومن مجموع اللوازم يثبت التواتر المعنوي أيضاً، فإذا انضمّ إلى ذلك فهم ا الأصحاب والإجماع المنقول وفتوى الفحول كان إرادة النجاسة منها أمراً مقطوعاً به لا يعتريه تشكيك المشكّك.

رابعها: ميتة غير ذي النفس السائلة.

والأقوى طهارتها مطلقاً ؛ للأصل، وعدم شمول ما دلّ على نجاسة الميتة لها، وعدم انصراف الإطلاق إليها، وللإجماع المنقول(3)، وفتوى الفحول وللأخبار النافية للبأس عن ميتتها وعدم إفساد الماء بها(4).

وما دلّ على إراقة ما وقع فيه بعض الحيوان من عقرب وشبهه(5)محمول على الندب و الإرشاد إلى عدم التضرّر بسؤره.

خامسها: الأظهر: أنّ نجاسة الميتة والميّت كسائر النجاسات تنجّس ما تلاقيه برطوبة، وينجّس الملاقي غيره مع الملاقاة برطوبةٍ أيضاً، ولا تنجّس ما تلاقيه بيبوسة؛ لإطلاق الفتوى والنصّ بنجاستهما منطوقاً ومفهوماً، ولا نعقل من النجاسة إلّا ما نجّست المباشر مع الرطوبة سيّما فيما دلّ على نجاسة الميتة، فإنّ أكثرها واردة في الملاقي للمائع أو الرطب دون الجافّ واليابس، بل عدم تنجّس اليابس بالمباشرة أمر معلوم في ذلك اليوم في جميع النجاسات لا يحتاج له إلى بيان فأدلّة التنجيس خاصّة بالملاقاة برطوبةٍ ومنصرفة إليها.


1) وسائل الشيعة 3: 463 - 464 ، الباب 35 من أبواب النجاسات، ح 1، 2 و 5.

2) المصدر : 489، الباب 49 من أبواب النجاسات، ح 2 ، و 1 50 ، الباب 60 من تلك الأبواب، ح 1.

3) غنية النزوع 42:1.

4) وسائل الشيعة 3: 463 - 465. الباب 35 من أبواب النجاسات، ح 1، 2، 5 و 6.

5) المصدر: 464، ح 4.

فما ورد من الأمر بغسل الثوب أو اليد بملاقاة الميّت مطلقاً(1)، منصرف إلى ذلك، والأصل الطهارة، على أنّ ما ورد من أنّ كلّ يابس ذكيّ(2)،مخصّص لذلك الإطلاق و مقدّم عليه؛ لأنّه معتبر معمول عليه بين الأصحاب، بل متّفق على مضمونه.

و بما ذكرنا ظهر ضعف القول بأنّ نجاسة الميّت معنويّة لا وجب غسل الملاقي كما سبق إلى بعض الأوهام. وكذا ضعف القول بأنّ نجاسة الميّت یؤثّر مع الرطوبة واليبوسة عند ملاقاتها لجسمٍ آخَر. نعم، ذلك الملاقي لا يؤثّر إلّا مع الرطوبة فيه أو في ملاقيه؛ استناداً لقوله فيمن مسّ ثعلباً أو أرنباً أو شيئاً من السباع حيّاً أو ميّتاً، قال: «لا يضرّه، ولكن يغسل يده»(3)لضعف الرواية سنداً، ولاشتمالها على ما لا نقول به ولظهور السؤال عن المسّ برطوبةٍ؛ لأنّه محلّ الشكّ يومئذٍ، وكذا ضعف القول بأنّ نجاسته یؤثّر مع الرطوبة واليبوسة في الملاقي فقط، وأمّا الملاقي فلا يؤثّر في ملاقيه شيئاً إلّا إذا أصابه الميّت برطوبةٍ وأصاب الملاقي له برطوبةٍ. فلو أصابه الميّت بيبوسةٍ لم يؤثّر في الملاقي شيئاً. وكذا ضعف القول بوجوب الغسل لملاقي الميّت تعبّداً من دون حصول النجاسة وثبوت آثارها؛ لخروج هذه الأقوال عن ظواهر النصوص والفتاوى من إثبات النجاسة للميتة والميّت، اللازمة لغير هذه الأحكام المذكورة في هذه الأقوال الضعيفة.

سادسها: ما لا تحلّه الحياة من الميتة من الأجزاء المتّصلة بها حال حياتها من إنسان أو غيره طاهر، سواء انفصل عنها حال الحياة أو انفصل عنها بعد الموت أو بقي متّصلاً بها؛ للإجماع المنقول(4)، وفتوى الفحول، وللأصل في محلّ الشكّ في شمول ما دلّ على نجاسة الميتة لها، وللأخبار الدالّة على ذلك مفهوماً ومنطوقاً.

فمنها: الصحيح النافي للبأس عن الصلاة في صوف الميتة؛ لأنّ الصوف لا روح فيه(5).و يُفهم من نفي البأس ومن التعليل نفي النجاسة وشمولها لجميع الأفراد.


1) وسائل الشيعة 3: 461 - 462، الباب 34 من أبواب النجاسات، ح 1 - 3.

2) المصدر 1: 351 الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، ح 5.

3) المصدر 3: 300، الباب 6 من أبواب غسل المسّ، ح 4.

4) غنية النزوع 1: 42: مدارك الأحكام 2: 272.

5) وسائل الشيعة 3: 513، الباب 68 من أبواب النجاسات، ح 1.

و الصحيح النافي للبأس عن اللبن والصوف والشعر وعظام الفيل والبيض(1).

و الحسن الدالّ على أنّ «اللبن واللِّبَأ والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر، وكلّ ما فصل من الشاة والدابّة فهو ذكيّ، وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله»(2).

و في رابع: «خمسة أشياء ذكيّة: الإنفحة، والبيض، والصوف، والشعر، والوبر»(3).

و في خامس: عن السنّ واللبن والبيضة والإنفحة من الميتة والشعر والصوف؟ فقال: «كلّه ذكيّ»(4).

و في سادس: «الشعر والصوف والوبر والريش وكلّ نابت لا يكون ميّتاً»(5).

و في سابع: عن البيضة من بطن الميتة، قال: «تأكَلها»(6).

و في ثامن: عن الإنفحة: «ليس بها بأس، إنّ الإنفحة ليس فيها عروق، ولا فيها دم، ولا لها عظم»(7).

و في تاسع : في بيضة من اِسْت دجاجة ، قال : «إن كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها»(8).

وفي عاشر : «عشرة أشياء من الميتة ذكيّة: القرن، والحافر، والعظم، والسنّ، والإنفحة، و اللبن، والشعر، والصوف، والريش، والبيض»(9).

إلى غير ذلك من الأخبار.

ولا إشكال في هذا الحكم في الجملة، إنّما الإشكال في أنّ البيضة هل يشترط في طهارتها اكتساؤها الجلد الغليظ، كما في الرواية(10)وفتوى جملة من الأصحاب؟(11)أو الأعلى؟


1) وسائل الشيعة 24 182، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 10.

2) المصدر: 180، ح 3.

3) المصدر : 179، ح 2.

4) المصدر: 180، ح 4 و 5.

5) المصدر: 181، ح 8.

6) المصدر : 181 - 182، ذيل الحديث 8

7) المصدر: 179، ح 1.

8) المصدر: 181 ، ح 6.

9) المصدر : 182، ح 9

10) راجع الهامش (8).

11) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 585

كما في فتوى جملة آخَرين(1)، أو الصلب؟ كما في فتوى غيرهم(2)، والظاهر أنّ المراد واحد وهو القشر الأبيض الذي إذا خرج جمد وإن لم يكن جامداً ما دام فيها على ما يقال، مع احتمال الفرق بين الغليظ والأعلى بأن يكون لها قشر رقيق تحتاني جدّاً ثمّ يكون فوقه آخَر غير غليظ ابتداءً ثمّ يغلظ بعد ذلك فيكون غليظاً، أو لا يشترط اكتساء الجلد الغليظ ؟ لأصل الطهارة، و عدم شمول ما دلّ على نجاسة الميتة لها، وحيلولة الجلد بينها وبين نجاسة الميتة فلا تنفعل وإن كان رقيقاً، ولإطلاق الأخبار(3)بطهارة البيضة مطلقاً، وضعف الرواية المتقدّمة(4)عن التقييد.

و الأقوى الاشتراط؛ للرواية(5)المنجبرة بالفتوى والاحتياط، الموافقة لما دلّ على نجاسة الميتة، وللشكّ في مانعيّة الجلد الرقيق عن وصول النجاسة، فيقيّد بها إطلاق الأخبار الدالّة على نفي البأس عنها(6).

و يبقى الإشكال أيضاً في أنّه هل يجب غَسْلها عند أخذها، أو لا؟ وينشأ الإشكال من إطلاق الفتوى والنصوص بحلّيّة البيضة ونفي البأس عنها وطهارتها، ومن أنّ الحلّية والطهارة الذاتيّة لا تنافي النجاسة العارضيّة من ملاقاة الميتة برطوبةٍ الثابتة بالقاعدة المسلّمة عند الأصحاب من أنّ النجس ينجّس مع الملاقاة برطوبةٍ، الموافقة للاحتياط، المؤيّدة بحسنة حريز المتقدّمة(7)الدالّة على الأمر بغَسْل ما يؤخذ من الشاة بعد أن تموت، فيُحمل ما دلّ على أنّ المأخوذ ذكيّ(8)على طهارته في نفسه، كما هو ظاهر، فالحكم بنجاستها بالملاقاة هو الأقوى.

و يبقى الإشكال أيضاً في اللبن- بعد ثبوت طهارته الذاتيّة - في أنّه طاهر غير منفعل بملاقاة الميتة؛ لإطلاق الأخبار بحلّيّته وأنّه ذكيّ(9)، وللإجماع المنقول على طهارته(10)، أو


1) منهم المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 3: 174.

2) مثل العلّامة الحلّي في نهاية الإحكام 1: 270.

3) راجع الهامش (4 - 7) من ص 492

4) آنفاً.

5) راجع الهامش (8) من ص 492.

6) راجع الهامش (1) من ص 492

7) راجع الهامش (2) من ص 492

8) راجع الهامش ( 52 - 7) من ص 492

9) راجع الهامش ( 1، 2، 4 و 9) من ص 492.

10) الخلاف 1: 519 - 520، المسألة 262

أنّه نجس ؟ للقاعدة المسلّمة بين الأصحاب من انفعال الرطب بالنجاسة، ومن نجاسة الميتة، الموافقة للاحتياط والمفهومة من الأخبار والمؤيّدة بالاعتبار، والدالّ عليها فحوى الأمر بغسل ما يؤخذ من الميتة(1)، والمشعر بها ما ورد في الخبر عن لبن شاة ميتة؟ قال:«هو الحرام محضاً »(2)و الخبر الذاكر لجواز الانتفاع بالشعر والوبر والإنفحة والقرن، قال: «ولا يتعدّى إلى غيرها»(3)والعاضد لها إجماع ابن إدريس المنقول على النجاسة(4)، فالنجاسة أقوى.

و تُحمل الأخبار الدالّة على الطهارة على إرادة الطهارة الذاتيّة، ويكون ترك التعرّض للنجاسة العارضيّة لظهوره ومعلوميّة حاله، أو تُطرح الأخبار الدالّة على طهارته مطلقاً؛ لمعارضتها لما هو أقوى منها، أو تُحمل على إرادة المشارفة على الموت من لفظ الميتة.

و يبقى الإشكال أيضاً في أنّه هل يشترط في طهارة المأخوذ من الميتة من الشعر والصوف والوبر الجزّ، أو يكفي القلع ؟ ومنشأ الإشكال من إطلاق النصّ والفتوى بالطهارة من دون استفصالٍ، ومن أنّه يلتحق به أجزاء غير مستحيلة من أجزاء الميتة، فلا يصحّ استعمالها.

و الأقوى الأوّل مع الشكّ في الالتحاق؛ لأصالة عدمه، ولصدق الشعر ونحوه عليه عرفاً، فيدخل تحت ما دلّ على الطهارة لهذه الأشياء.

نعم، مع العلم بالتحاق غير المستحيل من الأجزاء الميتة فإنّه يجب اجتنابها حينئذٍ.

و يبقى الإشكال أيضاً في أنّ ما يؤخذ هل يجب غسله مطلقاً؛ للرواية الآمرة بغسله(5)، ولا تّصاله بالنجس فينفعل بملاقاته، أو لايجب مطلقاً؛ للأصل، وحمل الرواية على الندب أو على ما مسّ الميتة برطوبةٍ كالبيضة وشبهها، أو على ما أُخذ قلعاً؛ لمباشرة أُصوله لجلد الميتة برطوبةٍ، أو يجب غسل ما أُخذ قلعاً؛ لمباشرته الميتة دون ما أُخذ جزّاً؛ للأصل؟

و الأقوى الوسط؛ لأصل الطهارة، وعدم تسليم مباشرة أُصولها لجلد الميتة برطوبةٍ، والرواية محمولة على ما قدّمنا. و الأحوط الأخير.


1) راجع الهامش (2) من ص 492.

2) وسائل الشيعة 24: 183، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 11.

3) المصدر: 181، ح 7.

4) السرائر 3: 112

5) راجع الهامش (2) من ص 492.

ويبقى الإشكال في أنّ طهارة هذه الأشياء شاملة لما يؤخذ من ميتة ما لا يؤكل لحمه؛ لإطلاق جملة من الأخبار(1)، أو خاصّة بميتة ما يؤكل لحمه؛ لاختصاص مورد الروايات بها، ولأنّها المتيقّن من الخروج عن القاعدة؟ وجهان.

و الأقوى الأوّل؛ لإطلاق الفتوى وجملة من النصوص(2)، ويشعر به عموم التعليل الوارد في الأخبار أيضاً.

و يبقى الإشكال أيضاً في تحقيق الإنفحة - بعد أن دلّ على طهارتها الإجماع والأخبار(3)وكلام الأصحاب - في أنّها هل هي كرش الحمل والجدي ما لم يأكل، كما نطقت به كلمات جملة من أهل اللغة(4)، ويساعده الاعتبار أيضاً؛ لأنّه لو كان من المائعات لتنجّس نجاسة لا تقبل التطهير؟ أو أنّها شيء يخرج من بطن الجدي أصفر يعصر في صوفةٍ مبتلّة في اللبن فيغلظ كالجبن، كما ذكره جملة من أهل اللغة أيضاً(5)، وربما كان في بعض الروايات دليل عليه، حيث إنّ فيها أنّها تخرج من بين فرث ودم، و أنّه يُعمل منها الجبن(6)، والظاهر أنّه يُعمل من هذا الأصفر.

ولكنّ الركون إلى الثاني والحكم بالطهارة ممّا ينافي القواعد المتقدّمة المسلمة التي لا يعارضها النصّ فضلاً عن المجمل المشتبه، والأخذ بالأوّل لا يخلو أيضاً من إشكالٍ؛ لمكان الإجمال إلّا أنّ الأحوط الأخذ بالأوّل مع لزوم غسلها.

ثمّ إنّ المقطوع به في كلام الأصحاب فتوىً والمنقول عليه الإجماع(7)، والموافق للاستصحاب، والمنصوص عليه في الأخبار الحاكمة بنجاسة الميتة مطلقاً(8)، والحاكمة بعدم الانتفاع بالميتة مطلقاً(9)، والحاكمة بعدم جواز الصلاة بجلد الميتة ولو دبغ سبعين مرّة(10)، إلى غير ذلك(11).


1) راجع وسائل الشيعة 24 179، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

2) راجع وسائل الشيعة 24 179، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

3) المصدر : 179 - 183 ، الأحاديث 1، 2، 4 ، 7، 9 و 12 .

4) منهم: الجوهري في الصحاح 1: 413، «ن ف ح».

5) منهم: الفيروزآبادي في القاموس المحيط 1: 262، «ن ف ح».

6) وسائل الشيعة 24 :179، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 1.

7) غنية النزوع 1: 43 مختلف الشيعة 342:1، المسألة 262.

8) وسائل الشيعة 3 :461 ، الباب 34 من أبواب النجاسات.

9) المصدر 24: 181، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 7 ، و 185، الباب 34 من تلك الأبواب، ح 4.

10) المصدر 3: 501 ، الباب 61 من أبواب النجاسات، ح 1.

11) كذا قوله: «ثم إنّ المقطوع به.... إلى غير ذلك». والظاهر أنّ هنا سقطاً في الكلام.

ونقل عن ابن الجنيد القول بطهارة جلد الميتة إذا دبغ(1)استناداً لبعض الروايات (2)الشاذّة روايةً وفتوىً وعملاً(3)، الموافقة للعامّة ، فلا تصلح لأن تكون معارضةً لما تقدّم.

و يبقى الكلام في طهارة فأرة المسك بعد القطع بطهارة المسك فتوىً و نصّاً(4)، سواء أُخذ من حيّ أو من ميّت، مذكّى أو غير مذكّى، فقيل بطهارتها مطلقاً وإن أُخذت من ميتة أو قطعت من حيّ(5)، وربما نقل عليه الإجماع، و دلّ عليه الصحيح النافي للبأس عن الصلاة وفي الثياب فأرة مسك(6).

و قيل بنجاستها إن انفصلت بعد الموت، و إلّا فطاهرة(7)، استناداً إلى أنّها جزء من الميتة، و كلّ جزء نجس، وللصحيح: فيمن يصلّي و معه فأرة مسك؟ قال: «لا بأس بذلك إذا كان ذكيّاً»(8)فإنّ الظاهر منه إرادة أنّه مذكىّ، لا أنّه لم صبه نجاسة من خارجٍ؛ لأنّ النجاسة الخارجيّة لا تمنع الصلاة في المحمول، و إنّما تمنعها الميتة.

والحقّ أن يقال موافقاً للقواعد: إنّ الفأرة إن كانت ممّا تحلّها الحياة فهي نجسة عيناً لا تقبل التطهير سواء أُخذت من حيّ أو ميّت ما لم تؤخذ من مذكّى.

و ما دلّ على جواز الصلاة بها مطلقاً(9)إمّا مقيد بما إذا كانت من مذكّى، كما دلّت عليه الرواية الثانية(10)، أو أنّه مستثنى من حكم المحمول من الميتة في الصلاة، وعلى أيّ تقدير فجواز الصلاة بها لا يدلّ على طهارتها.

وإن كانت ممّا لا تحلّها الحياة، فهي طاهرة ذاتاً وإن وجب غَسْلها إذا أُخذت من ميتة، و جازت الصلاة بها مطلقاً غُسلت أم لم تُغسل.


1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 342، المسألة 262.

2) وسائل الشيعة 24: 186، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 7.

3) المغني المطبوع مع الشرح الكبير 1 :84

4) وسائل الشيعة 2: 148 الباب 95 من أبواب آداب الحمّام.

5) قاله الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 118.

6) وسائل الشيعة 4: 433، الباب 41 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

7) قاله العلّامة الحلّي في منتهى المطلب 3: 209.

8) وسائل الشيعة 4: 433، الباب 41 من أبواب لباس المصلّ ، ح 2.

9) راجع الهامش (6).

10) راجع الهامش (8)

والظاهر أنّ فأرة المسك ممّا تحلّها الحياة فهي نجسة ذاتاً مع الموت، ولم يثبت إجماع أو دليل صالح على طهارتها بحيث يخصّص عموم أدلّة نجاسة الميتة.

خامسها: الكلب والخنزير البرّيّان

نجسان؛ للإجماع بل الضرورة، وللأخبار الدالّة على ذلك صريحاً بلفظ النجاسة(1)، ولازماً من الأمر بغسل ما لاقاهما(2)، فلا إشكال في نجاستهما.

و ظاهر النصّ والفتوى والإجماع المنقول(3)نجاستهما بجميع أجزائهما؛ لتعليق الحكم على الاسم الشامل لجميع أجزائهما ممّا فيه روح وممّا لا روح فيه؛ لأنّهما مركّبان من الجزءين معاً وإن صدق الاسم مع انتفاء أحد الأجزاء؛ إذ لا يشترط في الجزء انتفاء الكلّ بانتفائه، فلا شكّ أنّ الشعر من الكلب وإن لم يكن من البدن بل من النابت فيه.

و للأخبار(4)الآمرة بغسل اليد من شعر الخنزير إذا أراد الصلاة أو مطلقاً، وهي معتبرة مستفيضة منجبرة بفتوى الأصحاب وعملهم، بعيدة عن مذهب العامّة، ظاهرة الدلالة في النجاسة؛ لمكان الأمر بالغسل الظاهر فيها باتّفاق أصحابنا.

ولا يعارض ذلك ما ذهب إليه المرتضى من طهارة ما لا تحلّه الحياة منهما ؛ للأصل، و دعوى الإجماع، وأنّ ما لا تحلّه الحياة لا يدخل في الكلب، وأنّ حكمه حكم ما لا تحلّه الحياة من الميتة(5).

و الجميع كما ترى لا يخفى ضعفه بعد ما قدّمنا.

نعم، في الخبرين: عن الحبال من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر، أيتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: «لا بأس»(6).

و هما مع موافقتهما للتقيّة صالحان لإرادة نفي البأس عن ماء البئر لا عن المأخوذ. ويحتمل عن المأخوذ ولكنّه لا ينفعل؛ لكثرته، أو لعدم ملاقاته للماء.


1) وسائل الشيعة 3: 415 - 416، الباب 12 من أبواب النجاسات، ح 2 و 6 .

2) المصدر : 414 و 417، الباب 12 و 13 من أبواب النجاسات.

3) راجع الحدائق الناضرة 5: 208

4) منها: ما في وسائل الشيعة 3: 418، الباب 13 من أبواب النجاسات، ح 3.

5) المسائل الناصريات: 100 - 101، المسألة 19.

6) وسائل الشيعة 1: 170 - 171، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 2 و 3.

ثمّ إنّ الظاهر اختصاص الحكم بالبرّيّين كما قدّمنا، و أمّا البحريّان فلا يبعد طهارتهما؛ للأصل، وعدم انصراف إطلاق اللفظ إليهما لو كان اللفظ حقيقةً فيهما على سبيل التواطؤ أو الاشتراك اللفظي. ولو قلنا بمجازيّة اللفظ بالنسبة إليهما، فلا إشكال في عدم شمول الحكم؛ لتقدّم إرادة الحقيقة على إرادة المجاز، وعدم جواز استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي.

والأحوط تجنّبهما؛ لشبهة صدق الاسم، وفتوى بعض الأصحاب(1).

سادسها: عرق الجنب من الحرام

• إذا أجنب فعرق أو عرق بعد أن أجنب - نجس على الأشهر، سواء كان من زنى أو لواط أو سحق، بإدخالٍ أو إنزالٍ.

و في إلحاق الإمناء بالنظر أو اللمس أو التذكّر إشكال، والظاهر الإلحاق.

و يدلّ على أصل الحكم الأخبار(2)

: 569 - 570، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 5 وذيله.

الناهية عن الصلاة به حتّى يغسل، والناهية عن الصلاة مطلقاً، وهُما من لوازم النجاسة في هذا المقام بقرينة فتوى المشهور.

و ضعف سند الروايات مجبور بشهرة الفتوى، كضعف الدلالة في بعضها، وبالإجماع المنقول على النجاسة(3)، بل هو الحجّة بنفسه.

و يؤيّد النجاسة أيضاً ما ورد من النهي عن غسالة ماء الحمّام معلّلاً باغتسال الزاني فيها و المجنب من حرام(4).

و مع ذلك فالقول بالطهارة أيضاً لا يخلو من قوّة؛ للأصل، وضعف الأخبار، وانهدام قوّة الانجبار بعدم شيوع حكم النجاسة وانتشارها بين الخاصّ والعامّ، وكان ينبغي لتوفّر الدواعي إلى حكمها أن تكون من ضروريّات الإسلام، وكيف !ولم يرد فيها خبر صحيح ولا لفظ صريح، على أنّه يلزم الحرج على المباشرين للعصاة من الزنية، وهم لا ينفكّ عن مباشرتهم أحد في أغلب الأوقات.


1) ابن إدريس في السرائر 220:2.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 84؛ وسائل الشيعة 3: 447 - 448، الباب 27 من أبواب النجاسات، ح 12؛ مستدرك الوسائل

3) الخلاف 1: 483، المسألة 227

4) وسائل الشيعة 1: 219، الباب 11 من أبواب الماء المضاف...، ح 2 و 3.

ويؤيّده أيضاً ما ورد من نفي البأس عن القميص يعرق به الجنب(1)، ومن أنّ العرق بالثوب من المجنب ليس بشيء(2)، فإنّه بإطلاقه شامل للحرام ولغيره.

و على كلّ حال فلا يلحق بعرق الجنب مَنْ عرق فأجنب، ولا يلحق به على الأظهر وطء الحائض أو الوطء في الصوم؛ لانصراف الأدلّة المانعة لغيرهما، ولا وطء الصبيّ بالنسبة إليه.

سابعها: عرق الإبل الجلّالة

عرق الإبل الجلّالة نجس لفتوى مشهور المتقدّمين(3)، و ربما يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه(4)، وللصحيحين الأمرين بغسل ما أصاب من عرقها(5)، وفي أحدهما الإبل، والآخر مطلق الجلّالة، وأفتى به بعض الأصحاب(6)، إلّا أنّ المشهور تخصيص الحكم بالأوّل.

وعلى كلّ حال فالأخذ بالصحيحين - المؤيّدين بما ذكرنا، وبالبُعْد عن العامّة، وبالاحتياط - هو الأظهر وإن كان القول بالطهارة- للأصل، وفتوى المشهور بين المتأخّرين، وحمل الأمر بالغسل على الندب - لا يخلو من قوّة.

ثامنها: عدم نجاسۀ غير الكلب والخنزير من أنواع الحيوان غير الإنسان

غير الكلب والخنزير من أنواع الحيوان غير الإنسان ليس بنجس؛ لفتوى الأصحاب والأخبار(7)، والأُصول العقليّة والنقليّة، كما أنّ ما يخرج من الحيوان غير البول والغائط والدم والمنيّ أيضاً طاهر؛ للأخبار(8)، وفتوى الأصحاب، والأصول العقليّة والنقليّة.

فمَنْ حكم بنجاسة المسوخ استناداً لما لا يصلح سنداً، أو بنجاسة الثعلب والأرنب والفأرة والوزغة؛ استناداً لبعض أخبار آمرة بغسل اليد والثوب إذا مسّا بعضها(9)، وبطرح


1) وسائل الشيعة 3: 446، الباب 27 من أبواب النجاسات، ح 8.

2) المصدر: 444 - 445، ح 1.

3) كما في رياض المسائل 2: 89

4) غنية النزوع 1: 45.

5) وسائل الشيعة 3: 423، الباب 15 من أبواب النجاسات، ح 1 و 2.

6) يحيى بن سعيد في نزهة الناظر: 19.

7) راجع وسائل الشيعة 3: 413، الباب 13 من أبواب النجاسات.

8) راجع المصدر: 413، الباب 13 من أبواب النجاسات.

9) المصدر : 300 الباب 6 من أبواب غسل المسّ، ح 4.

الخبز الذي تضمّن حكم ما أكلت منه بعضها(1)، وبإهراق الماء الواقع فيه بعضها(2)، و بنزح ثلاث دلاء من البئر الواقع فيه بعضها(3)، كلّها ضعيفة عن مقاومة القول بالطهارة المفتى بها في المشهور، والموافقة للأُصول العقليّة والنقليّة، فليُحمل بعضها على الندب، وبعضها على التقيّة.

أو بنجاسة لبن الجارية؛ استناداً لرواية سكونيّة(4)لا يسكن إليها ولا يعتمد في مقابلة ما قدّمنا عليها.

وكذا الحكم بنجاسة بعض ما يخرج من الذكر من مذي أو وذي؛ لأخبار(5)لا يصلح لمعارضة ما ذكرناه. وقد تقدّم الكلام فيها(6).

نعم، لا يبعد القول بنجاسة الحيوان المتولّد من نجسين إذا لم يصدق عليه اسم حيوان طاهر؛ لحصول التبعيّة من غير معارضٍ، وللاستقراء الدالّ على أنّ التبعيّة في الحيوان أصل.

ويحتمل الطهارة؛ للأصل، وعدم صدق اسم نجس العين، ومدار النجاسة على حصول اسمه.

و أمّا المتولّد من طاهر ونجس فلا شكّ فى طهارته ما لم يدخل تحت اسم نجس العين.

و أما المتولّد من نجسين وقد دخل تحت اسم حيوان طاهر فالأقوى طهارته، كما أنّ المتولّد من طاهرين أو طاهر ونجس وقد دخل تحت اسم نجس العين نجس على الأظهر.

تاسعها : نجاسۀ الكافر نجس بجميع أجزائه

الكافر نجس بجميع أجزائه ممّا تحلّه الحياة وممّا لا تحلّه؛ لصدق اسم الكافر على جميع أجزائه وإن بقي الصدق عند انتفاء بعضها، ومعنى الكفر قائم بالموصوف به جملة، ولا خصوصيّة لحلول الحياة في بعضٍ دون آخَر كما نُسب للمرتضى(7).

و لا فرق في الكافر بين الحربي والذمّي والمعاهد، وبين الكتابي وغيره، وبين الأصلي


1) وسائل الشيعة 3: 465، الباب 36 من أبواب النجاسات، ح 2.

2) المصدر 1: 174 ، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 14.

3) المصدر: 187، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، ح 2.

4) المصدر 3: 398، الباب 3 من أبواب النجاسات، ح 4.

5) المصدر: 426 - 427، الباب 17 من أبواب النجاسات، ح 3 و 4.

6) تقدّم في ص 483

7) راجع الهامش (5) من ص 497

والمرتدّ، وبين الفطري والملّي، وبين مَنْ كان كفره لجحودٍ أو شكٍّ متعلّقين بالربوبيّة أو الرسالة أو بلوازمهما المعلومة من الدين ضرورة أو متعلّقين بما علم من الدين ضرورة من غيرهما من أحوال المعاد أو الفروع الضروريّة.

و الدليل على ثبوت الحكم في الجملة إطلاق فتاوى الأصحاب والإجماعات المتكثّرة المنقولة(1)في الباب، و عموم الكتاب، قال سبحانه وتعالى: إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ(2)الدالّة على نجاسة المشرك ، ويتمّ في غيره بعدم القول بالفصل بينه وبين غيره، وإن قيل بالفصل بالنسبة إلى موردٍ آخَر.

ويراد بالنجاسة المعنى الشرعي ؛ لظهور اللفظ الصادر من الشارع بإرادته، ولدلالة تفريعفَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ(3)عليه، ولبُعْد إرادة بيان معنى القذارة أو بيان معنى الخبث الباطني عن طريقة الحكمة الشرعية والأحكام القرآنية في الأوّل، وعن استعمال لفظ النجاسة الوارد في الكتاب والسنة في الثاني. ويراد بالمشرك من جعل الله شريكاً في قِدَمه أو في تصرفه، أو ولداً ونحوه، وقد أطلق الله تعالى لفظ الإشراك على اليهود حيث قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ(4)، وعلى النصارى حيث قالوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ(5)، فقال تعالى: عَمَّا يُشْرِكُونَ(6).

ويدلّ على ذلك أيضاً الأخبار الناطقة صريحاً وفحوى بنجاسة جملة من أصناف الكفار

اللازم من القول بنجاستهم نجاسة غيرهم:

ففي الموثق عن سؤر اليهودي والنصراني يؤكل ويشرب؟ قال: «لا»(7).

وفي الصحيح فيمن صافح مجوسيّاً؟ قال: «يغسل يده»(8).

وفي ثالث: النهي عن الأكل من الطعام الذي يطبخون(9).


1) غنية النزوع 1 :44 السرائر 1: 73؛ منتهى المطلب 3: 222

2) التوبة (9) 28

3) التوبة (9) 28

4) التوبة (9): 30.

5) التوبة (9): 30.

6) التوبة (9): 31

7) وسائل الشيعة 1: 229، الباب 3 من أبواب الأسآر ، ح 1.

8) المصدر: 275، الباب 11 من أبواب نواقض الوضوء، ح 2.

9) المصدر 24: 210 ، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 3.

وفي رابع: النهي عن الصلاة في ثياب اليهودي والنصراني، والنهي عن أكل المسلم مع المجوس في قَصْعَةٍ واحدة، وعن الصلاة في الثوب الذي اشتري من النصراني حتّى يغسله (1).

و في خامس: النهي عن مؤاكلة المجوسي وأن يرقد معه وأن يصافحه(2).

و في سادس: النهي عن مخالطة المجوس والأكل من طعامهم(3).

و في سابع: النهي عن الوضوء بماء يدخل فيه النصراني أو اليهودي يده إلّا أن يضطرّ، وعن اغتسال المسلم مع النصراني في الحمّام(4)، إلى غير ذلك.

فبمجموع ما ذكرناه وما لم نذكره من الأخبار يستفاد القطع بنجاسة اليهود والنصارى؛ لأنّ إثبات هذه اللوازم بقرينة ما قدّمناه تدلّ على ثبوت ملزومها قطعاً، وإذا ثبت نجاسة هذين الصنفين ثبت في غيرهما بطريق أولى لعدم القائل بنجاستهما وطهارة غيرهما.

و ممّا يدلّ على نجاسة غيرهما أيضاً: ما جاء في الناصب وكفره(5)، والنهي عن الاغتسال بغسالة الناصب(6)، والأمر بغسل اليد عند مصافحته(7)، وأنّه شرّ من اليهودي والنصراني والمجوسي، وأنّ الله لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، وأنّ الناصب أنجس منه(8). وكذا الإجماعات المنقولة(9)الدالّة على نجاسة الكافر مطلقاً ، وكذا قوله تعالى : كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ(10).

و ذهب جمع من أصحابنا(11)إلى طهارة أهل الكتاب؛ استناداً للأصل، وقوله تعالى: وَطَعَامُ


1) وسائل الشيعة 3 421 - 422، الباب 14 من أبواب النجاسات، ح 10.

2) المصدر: 420. ح 6.

3) المصدر: 420 - 421. ح 7.

4) المصدر: 421، ح 9.

5) راجع المصدر :28 353 - 354، الباب 10 من أبواب حد المرتد، ح 48.

6) المصدر 1: 219 ، الباب 11 من أبواب الماء المضاف..... ح 3.

7) المصدر 3: 420، الباب 14 من أبواب النجاسات، ح 4.

8) المصدر 1: 220 الباب 11 من أبواب الماء المضاف.... ح 5.

9) راجع الهامش (1) من ص 501.

10) الأنعام (6): 125.

11) منهم: المفيد في الرسالة العزّيّة على ما حكاه عنها المحقّق في المعتبر 1 96؛ وابن الجنيد وابن أبي عقيل كما في مدارك الأحكام 2: 295.

الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ(1)فإنّ الظاهر من تخصيصهم بالذكر طهارة سؤرهم، و إلّا لم يكن للتخصيص فائدة. والأخبار الدالّة على نفي البأس عن مؤاكلة اليهودي والنصراني إذا كان من طعامكم. وعن مؤاكلة المجوسي إذا توضّأ(2)، وعن النصرانيّة تخدمك وهي لا تتوضّأ ولا تغتسل من جنابة إذا غسلت يديها(3)، وعن عمل اليهودي والنصراني خياطةً وصفارةً(4)، والدالّة على جواز الوضوء من إناء شرب فيه يهودي(5)، وعلى جواز الأكل والشرب مع أهله النصارى(6)، وعلى أنّ طعام أهل الكتاب لا تأكله ولا تتركه تقول: إنّه حرام، ولكن تتركه تتنزّه عنه، إنّ في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير(7)، إلى غير ذلك.

و الكلّ ضعيف؛ لانقطاع الأصل، ولعدم دلالة الآية على الطهارة؛ لأنّ المراد بالحلّ الحلّ الذاتيّ، وهو لا ينافي النجاسة العارضة، وتخصيص أهل الكتاب بالذكر لكونهم الموجودين في زمن النزول والمخالطين للمسلمين يومئذٍ، أو يراد بطعام أهل الكتاب الحبوب إمّا لكونه حقيقةً فيه بالغلبة بعد أن كان لكلّ ما يُطعم، كما نبّه عليه جملة من أهل اللغة(8)، وإمّا لكونه المراد هاهنا مجازاً بقرينة الأخبار المفسّرة له بالحبوب(9)، أو الحبوب وأشباهها(10)، أو الحبوب والبقول(11)، أو العدس والحمّص و غير ذلك(12).

و لمعارضة الأخبار بالأخبار المتقدّمة الموافقة للكتاب(13)الدالّ على نجاسة أهل الكتاب


1) المائدة (5) 5.

2) وسائل الشيعة 24: 208 و 209 ، الباب 53 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 1 و 4.

3) المصدر 3: 422، الباب 14 من أبواب النجاسات، ح 11.

4) المصدر : 519. الباب 73 من أبواب النجاسات، ح 2.

5) المصدر 1: 229 - 230، الباب 3 من أبواب الأسآر ، ح 3.

6) المصدر 211:24، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 5.

7) المصدر: 210 - 211، ح 4.

8) راجع الصحاح 5: 1974، «ط ع م».

9) وسائل الشيعة 24: 205 الباب 51 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 6.

10) المصدر، ح 4.

11) المصدر: 204، ح 3.

12) المصدر: 205، ح 5 و 7.

13) التوبة (9): 28.

والمخالفة للعامّة؛ لأنّهم يذهبون إلى الطهارة(1)، والموافقة لفتوى الأصحاب بل الإجماع المحصّل بل ضرورة الشيعة وسيرتهم.

وفي الخبر: «أمّا أنا فلا أدعوه ولا أُواكله، و إنّي لأكره أن أُحرّم عليكم شيئاً تصنعونه في بلادكم»(2)ما يشعر بصدور هذه الأخبار تقيّةً.

على أنّ أكثر أخبار الطهارة ضعيفة الدلالة قابلة للتأويل والحمل على المباشرة من غير رطوبةٍ أو برطوبةٍ في غير مأكول أو مشروب أو ملبوس، فليس لها قابليّة المعارضة لما ذكرناه.

وينبغي أن يعلم أنّ غير مَنْ جحد ضروريّاً من ضروريّات الدين من فِرَق المسلمين طاهر، سواء كان ممّن جحد النصّ على خلافة سيّد الوصيّين أو جحد أحد الأئمّة(عليهم السلام) من بعده؛ لأصالة الطهارة، من غير معارضٍ من إجماعٍ منقول أو شهرة محصّلة أو أولويّة؛ إذ ليسوا لشرف الإسلام أمرَ من أهل الذمّة، وللزوم الحرج والعسر في الحكم بنجاستهم، ولعدم التجنّب عنهم من الأئمّة(عليهم السلام)وأصحابهم في سائر الأعصار والأمصار على وجه يظهر أنّه ليس لمكان التقيّة والاضطرار، وللآثار المنقولة من مباشرة سيّد المرسلين لجملة ممّن جحد النصّ وطائفة من المنافقين.

و للأخبار المتكثّرة الحاكمة بحلّ ما يوجد في أسواق المسلمين وطهارته(3)مع القطع بندرة الإماميّة في تلك الأزمان والأصقاع.

وللمعتبرة الدالّة على إسلامهم من حيث الشهادتين، الدالّة على أنّ الإسلام: شهادة أن لا إله إلّا الله محمّد رسول الله، وأنّه به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره عامّة الناس(4)، وهي متكثّرة بأسانيد مختلفة وتعابير متقاربة، مؤيّدة بفتوى المشهور وعمل الجمهور، فإذا ثبت إسلامهم ثبتت طهارتهم؛ للأصل، والأخبار الدالّة على طهارة سؤر المسلم وأنّه أحبّ من الوضوء من ركو أبيض مخمّر(5)، وغير ذلك.


1) راجع المغني، ابن قدامة 1: 97 - 98.

2) وسائل الشيعة 3: 419، الباب 14 من أبواب النجاسات، ح 2 بتفاوت يسير.

3) المصدر: 490 الباب 50 من أبواب النجاسات.

4) الكافي 2 25 - 26 ، باب أن الإيمان يشرك الإسلام.... ح 1، 3 و 5.

5) وسائل الشيعة 1 210 الباب 8 من أبواب الماء المضاف.... ح 3.

و بهذا ظهر ضعف قول مَنْ حكم بنجاسة المجبّرة ، ومَنْ حكم بنجاسة المخالفين الذين جحدوا النصّ، و مَنْ حكم بنجاسة مَنْ جحد أيَّ إمامٍ كان؛ للروايات المتكثّرة الدالّة على أنّ «مَنْ عرف عليّاً كان مؤمناً ، و مَنْ أنكره كان كافراً، و مَنْ جهله كان ضالاً»(1)و على أنّه باب من أبواب الجنّة مَنْ دخله كان مؤمناً، وَ مَنْ خرج من بابه كان كافراً(2)، و على أنّ «مَنْ عرفنا كان مؤمناً، ومَنْ أنكرنا كان كافراً»(3)وعلى أنّ« مَن اتّبع عليّاً كان مؤمناً، ومَنْ جحده كان كافراً، ومَنْ شكّ فيه كان مشركاً»(4)، وعلى أنّه باب الهدى مَنْ خالفه كان كافراً ، و مَنْ أنكره دخل النار(5)، و على أنّ الكفر بعليّ (عليه السلام)كفر بالله، والشرك به شرك بالله، والشكّ فيه شك في الله، و الإلحاد فيه إلحاد في الله ، و الإنكار له إنكار الله(6)، وعلى أنّ الله تعالى عرف إيمانهم بموالاتنا وكفرهم بها إذ أخذ عليهم الميثاق في عالم الذرّ(7)، إلى غير ذلك من الأخبار من هذا القبيل.

و للأخبار الدالّة أنّ مَنْ جحد النصّ وقدّم الجبت والطاغوت أو بغض الشيعة فهو ناصب، وأنّ الناصبي لا يحتاج إلى امتحان أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاده بإمامتهما(8). وأنّ الناصبي مَنْ نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولّونا وتتبرّؤون من أعدائنا(9)، والدالّة على أنّ كلّ ناصب كافر وأنّه نجس و أنّه أنجس من الكلب(10)، وأن الناصبي يمنع لطف الإمامة وهو عامّ، واليهودي يمنع لطف النبوّة وهو خاصّ (11).

فثبت بذلك أنّ كلّ مخالف ناصبيّ ما عدا المستضعف- كما دلّت على خروجه الأخبار - وكلّ ناصبيّ نجس إجماعاً.


1) وسائل الشيعة 28 353 - 354، الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ، ح 48.

2) المصدر: 354، ح 49.

3) المصدر: 352، ح 43.

4) المصدر: 343، ح 13.

5) المصدر، ح14.

6) بحار الأنوار 38: 97 ، ح 14.

7) الكافي 1 :426 ، باب فيه نكت ونتف... . ح 74

8) وسائل الشيعة :9 :486 الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 3.

9) المصدر: 490 - 491. ح 14.

10) المصدر 1 :220 الباب 11 من أبواب الماء المضاف.... ح 5.

11) رواه البحراني في الحدائق الناضرة 5: 187

والذي يدلّ على مساواة باقي الأئمّة(عليهم السلام)لعلي(عليه السلام)جملة ممّا تقدّم وجملة من الأخبار الأُخَر الدالّة على «أنّ الجاحد أمر آخرنا جاحد أمر أوّلنا»(1)وأنّ قوماً يفتنون بموسى أشرّ من النصّاب(2)، وأنّ الزيديّة والواقفيّة والنصّاب بمنزلة واحدة(3)، إلى غير ذلك.

و الجواب عن الجميع أنّ إطلاق الكافر والناصب على من جحد النصّ أو جحد إماماً مجاز للمبالغة في عنادهم وفسقهم وقبح مالهم وسوء مصيرهم؛ لأنّ الحقّ أنّهم مخلّدون في النار في الآخرة، بل تجري عليهم أحكام الكفر بعد انقطاعهم من الحياة. ويدلّ على ذلك إطلاق الكافر على تارك الصلاة أو الزكاة أو الحجّ في الأخبار(4)المتكثّرة من غير قرينة، ولكن فتوى الأصحاب والأدلّة المتقدّمة قرينة التجوّز، كما أنّها قرينة على صرفها في الأخبار الأُخَر أيضاً، وإلّا فالمتبادر من الكافر والمنصرف إليه الإطلاق هو ما ضادّ الإسلام وباينه، حتّى أنّ مَنْ أنكر ضروريّاً من ضروريّات الدين إنّما جاء كفره من جهة كشفه عن إنكار الدين اللازم منه إنكار صاحبه الذي جاء به، فالكافر المطلق هو مَنْ لم يتسمَّ بالإسلام، وغيره ممّن أُطلق عليه الكافر إمّا كافر مضاف أو أنّه أُطلق عليه اللفظ مجازاً، وكذا لفظ الناصب فإنّه حقيقة في العدوّ لأهل البيت؛ لأنّ النصب هو العداوة، فإطلاقه على غيرهم من باب المجاز والمبالغة.

و يمكن أن يقال: إنّ الكافر المطلق لا يجامعه وصف الإسلام، والكافر المضاف يجامعه، والمتيقّن من دليل نجاسة الكافر هو الكافر المطلق الذي لا يجامعه وصف الإسلام، و أمّا مَنْ جامعه وصف الإسلام فهو طاهر؛ للأصل، وعدم شمول دليل النجاسة له.

و على كلّ حال فالمقطوع به الآن طهارة المخالفين إمّا لكونهم مسلمين، أو للشكّ في شمول دليل الكفّار لهم، أو لأنّ الضرورة والتقيّة أجرت عليهم أحكام الإسلام من الطهارة والميراث وحقن الدم وعصمة المال، كما التزمه جماعة ممّن حكم بكفرهم(5).

و أمّا المجبّرة من المخالفين: فقد حكم الشيخ بكفرهم(6)لنسبتهم القبيح إليه سبحانه


1) وسائل الشيعة 28: 351 - 352، الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ، ح 40.

2) اختيار معرفة الرجال: 459، ح 869

3) المصدر: 460، الرقم 873.

4) وسائل الشيعة 4: 41، الباب 11 من أبواب أعداد الفرائض؛ و 11: 31، الباب 7 من أبواب وجوب الحجّ ... ح 3.

5) راجع الحدائق الناضرة 5: 188.

6) المبسوط 14:1.

وتعالى من إيجاد المعاصي والقبائح والكفر بمشيئته وإرادته، وهو منافٍ لضرورة العقل والنقل، ولقوله تعالى:سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ(1)، فإنّه سبحانه وتعالى جعل تكذيبهم كتكذيب الذين من قبلهم، وهو التكذيب المطلق المتعلّق بالعقل والنقل من الرسل والكتب.

و فيه: أنّا لا نسلّم أنّ القول بالجبر ضروريّ الفساد بين المسلمين بحيث لا يتناكرونه بينهم، بل هو من المسائل النظريّة بين المعتزلة والإماميّة و الأشاعرة وإن كان فساده قطعيّاً، على أنّ القول بالجبر من المتشابه في كلامهم وممّا اختلف فيه تفاسيرهم، فالحكم بكفرهم بمجرّد دعواهم الجبر مشكل.

و أمّا المجسّمة: فالقائلون منهم بأنّه جسم لا كالأجسام مخالفون للدليل القطعي قطعاً، وأمّا كونهم مخالفين لضرورة المسلمين بحيث يُحكم بكفرهم فلا يخلو من إشكال، وأمّا القائلون منهم بأنّه جسم كالأجسام وكذا المشبّهة له سبحانه فالظاهر أنّهم كالغلاة يُحكم بكفرهم؛ لإنكارهم ما عُلم من الدين ضرورة.

ومَنْ أنكر المعاد الجسماني أو الجنّة والنار الجسمانيّين فقد أنكر ضروريّاً.

وأما مَنْ جعل المعاد الجسماني على غير النحو المعروف بين العلماء بأن ادّعى أنّ المعاد جسم خالص عن الأخلاط والمركبّات بل والعناصر أو ادّعى أنّ الجنّة و النار أجسام على غير طريقة الأجسام، وكذا الصراط والميزان والصحف وماء الكوثر، وكذا قِدَم العالم على نحوٍ آخَر، وكذا الكلام النفسي، وكذا الرؤية الغير البصريّة، وكذا الحلول والاتّحاد لا على النحو المعلوم عند عامّة الناس، بل ادّعى معانٍ أُخَر لا يصل إليها النظر ونحو ذلك، فالظاهر

أنّه على الإسلام ليس منكر الضروريّ من ضروريّاته.

نعم، من ادّعى أنّ الأُمور الأوّلية أمور معنويّة وليس لها في المحسوسات والمشاهدات مدخليّة، و جعلها عبارة عن معان خفيّة وأوَّلَ ما جاء السمع به إلى ما لا يقبله السمع، وكذا من ادّعى أنّ الأُمور الأخيرة حقيقيّة فإنّه يُحكم بكفره ونجاسته.

والظاهر أنّ المدار في كفر الإنكار لضروريٍّ من ضروريّات الدين هو الكشف عن إنكار


1) الأنعام (6): 148

سيّد المرسلين إمّا قطعاً أو عملاً بالظاهر مع مَنْ لم يعلم حاله؛ لأنّ الأصل الطهارة وبقاء صفة الإسلام، ولا نخرج عن ذلك إلّا مع القطع بطروء صفة الكفر، ولم يعلم طروؤها من الإجماع وكلام الأصحاب إلّا فيما هو المتيقّن، والمتيقّن من الخروج عن صفة الإسلام إلى صفة الكفر هو مَنْ كان إنكاره كاشفاً قطعاً أو كان على ظاهر الكشف ممّن لا يعلم حاله، وحينئذٍ فمَنْ علمنا أنّ إنكاره لشبهةٍ تمكّنت منه أو كان شكّه لذلك سيّما فيمن يتطلّب الحقّ وهو في طريق النظر كان مسلماً طاهراً على الأظهر.

نعم، مَنْ كان في طريق النظر غير معتقدٍ لأحد الأُصول الدينيّة الإسلاميّة كان نجساً محكوماً بكفره وإن قلنا بعذره، و مَنْ أنكر قطعيّاً لا يُحكم بكفره، إلّا إذا علم أنّ إنكاره بعد قطعيّته فيكشف عن إنكار الرسالة.

و يلحق بالناصب السابّ الله تعالى بلفظ صريح في السبّ بعيد عن احتمال التأويل، أو للنبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)أو الأئمّة(عليها السلام)أو للزهرا(عليها السلام)، أو إهانة أحدهم أو الاستخفاف به بقولٍ أو فعلٍ، وربما يلحق بهم باقي الأنبياء والملائكة المقرّبين وكذا الهاتك لحرمة الدين بقول أو فعل کالبيت أو القرآن وشبههما، من سبٍّ أو وضع في القاذورات وشبهها.

ويدلّ على ذلك في الجملة ما ورد أنّ الكفر بعليّ(عليه السلام)كفر بالله(1)، وأنّ السابّ لعليّ(عليه السلام)سابّ للنبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)، والسبّ للنبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)سبّ الله تعالى(2)، ويضمّ إلى ذلك أنّهم طينة واحدة وأنّ آخرهم كأوّلهم، ومن أنّ الظاهر أنّ السبّ نصب من السابّ أيضاً فيدخل في حكم النواصب، وهم كفّار نجسون، وربما كان في سبّهم هتك حرمةٍ للدين، ومَنْ هتك الحرمة فقد كفر؛ للخبر(3)، وقد يؤيّد الحكم بكفرهم الحكم بقتل السابّ، فإنّ الظاهر منه أنّه لمكان الكفر والارتداد ، لا لكونه حدّاً.

نعم، يشكل الحكم بنجاسة السابّ لباقي الأنبياء والملائكة المقرّبين، وكذا الهاتك لحرمة النعمة من وضعها فى القذارة وسحقها بالنعال وشبه ذلك: من إطلاق اسم الكفر عليه، ومن أصالة الطهارة.


1) راجع الهامش (6) من ص 505

2) بحار الأنوار 311:39 و 312، ح 1 و 4.

3) لم نعثر عليه.

تذييل: أولاد الكفّار الغير بالغين ومجانينهم كالكفّار في الأحكام وإن لم يتّصفوا بصفة الكفر، وكان حكم النجاسة دائراً مدارها في الكافر؛ لاتّفاق الأصحاب على تبعيّتهم لهم من غير مخالفٍ يُعتدّ به.

و للأخبار الدالّة على التبعيّة لآبائهم وأنّهم كفّار و أنّهم يدخلون مدخل آبائهم وأنّ أولاد المشركين مع آبائهم في النار، وأنّ أولاد المؤمنين يلحقون بآبائهم، وأولاد المشركين بآبائهم(1).

وللسيرة المعلومة من معاملتهم في الأحكام معاملة آبائهم في سائر الأعصار والأمصار، فلا وجه للإشكال في نجاستهم حينئذٍ؛ استناداً لأصل الطهارة، ودوران النجاسة مدار صفة الكفر، وليس فليس؛ لما قدّمناه من الأدلّة الدالّة على نجاستهم.

وربما يؤيّده أنّ أطفالهم من الحيوان المتولّد بين نجسين فيتبعه في الحكم إذا لم يصدق عليه وصفٌ آخَر.

ولو سبي ولد الكافر فالظاهر لحوقه بالمسبيّ في الطهارة؛ لرفع العسر والحرج، وللسيرة القاضية بمساورتهم من غير نكيرٍ، وللشكّ في شمول دليل التبعيّة لمثلهم، ولانقطاعه عن أبويه فلا يجري فيه الاستصحاب.

وأمّا أطفال المؤمنين فالمقطوع به تبعيّتهم لآبائهم في جميع الأحكام في الدنيا والآخرة، إلّا أنّه قد ورد في جملة من الأخبار(2)أنّ الأطفال تؤجّج لهم نار، فمن دخلها كان من أهل الجنّة، و مَنْ امتنع كان من أهل النار، محمول على أولاد الكفّار فقط، أو على أولاد المسلمين الذين خرجوا عن الإيمان ولم يتّصفوا بالكفر، أو على جميع الأطفال ولكن أولاد المؤمنين يدخلون النار وأولاد الكفّار يمتنعون.

عاشرها: هل ولد الزنی نجس؟

يظهر من بعض الأخبار(3)وكلام جملةٍ من الأخيار(4)، أنّ ولد الزنى نجس، وأنّه كافر، وأنّ سؤره ،نجس، وظاهرها أنّه لا يختار الإسلام باختياره، فتكون الأخبار كاشفةً عن


1) الكافي 3 248، باب الأطفال، ذيل الحديث 2؛ الفقيه 3: 491، ح 4742 و 4743.

2) الكافي 3: 248، باب الأطفال، ح 2.

3) وسائل الشيعة 1: 229، الباب 3 من أبواب الأسآر، ح 2.

4) منهم: الصدوق في الفقيه 1: 9، ذيل الحديث 11؛ والسيد المرتضى في الانتصار: 544 المسألة 305؛ وابن إدريس في السرائر 357:1.

ذلك، وإلّا فالقول بكفره ودخوله النار مع كونه مسلماً مؤمناً ظاهر البطلان عقلاً ونقلاً، كالقول بأنّه مجبور على الكفر ذاتاً وطبعاً، ومع ذلك يعاقب، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

و الأقوى حمل الأخبار على الكراهة؛ لمعارضتها عموم الكتاب والسنّة، وفتوى الأصحاب وسيرة المسلمين، وعدم اشتهار الحكم بالنجاسة مع توفّر الدواعي إلى اشتهاره، أو على ولد الزني من الكفّار والنصّاب، وحمل ما جاء من عدم دخوله الجنّة أنّه يثاب بثوابٍ آخَر غير الجنّة، لا أنّه يدخل النار.

حادي عشرها: الخمر

الخمر نجس؛ للإجماع المنقول(1)وفتوى الفحول، ولوصفه في الكتاب بالرجس(2)الذي إذا تعلّق بالأعيان كان الظاهر منه النجاسة الحسّيّة، وفي الخبر النهي عن الصلاة فيه معلّلاً بأنّه رجس(3).

و للأخبار الدالّة على غسل الثوب منه ومن النبيذ والمسكر إذا عرف موضعه، و إلّا غسل الثوب كلّه، وإن صلّى فيه أعاد الصلاة (4)، وعلى النهي عن الصلاة في ثوب أصابه خمر أو مسكر حتّى يغسل، كما في الموثّق(5)، وعلى أنّه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير، كما في الصحيح(6)، وعلى أنّه بمنزلة الميتة، كما في آخَر(7)، وعلى الأمر بغسل الإناء منه، كما في آخَر(8)، وعلى الأمر بغسل الثوب المعار لمن يشرب الخمر قبل الصلاة فيه، كما في الصحيح(9)، وعلى النهي عن من الشرب بأواني الخمر، كما في صحيح آخَر(10)، وعلى نزح البئر من صبّ الخمر فيها، كما فى أخبار أُخَر(11)، إلى غير ذلك من الأخبار المتكثّرة الدالّة على النجاسة، الموافقة لفتوى


1) المبسوط 1: 36؛ غنية النزوع 1: 41؛ السرائر 1: 70 و 178.

2) المائدة (5) 90

3) وسائل الشيعة 3: 418، الباب 13 من أبواب النجاسات، ح 2.

4) المصدر : 469، الباب 38 من أبواب النجاسات، ح 3.

5) المصدر: 470 ، ح 7

6) المصدر :25: 345 الباب 20 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 4.

7) المصدر : 350 الباب 21 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 5.

8) المصدر 3: 494، الباب 51 من أبواب النجاسات، ح 1.

9) المصدر : 521، الباب 74 من أبواب النجاسات، ح 2.

10) المصدر 24: 210، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 3.

11) المصدر 1: 179، الباب 15 من أبواب الماء المطلق.

المشهور وعملهم ودليل الاحتياط، والمخالفة لمذهب رؤساء العامّة وكبارهم وعملهم، وإن كانت المسألة فيما بينهم محلّ خلاف.

فلا يعارض ذلك ما ورد في عدّة أخبار من الحكم بالطهارة، وأفتى بمضمونها طائفة من أصحابنا(1)، كالصحيح النافي للبأس عن الصلاة في ثوب أصابه خمر قبل غسله لأنّ الثوب لايسكر (2)، و الموثّق النافي للبأس عن الثوب الذي يصيبه المسكر والنبيذ(3)، والصحيح الأمر بالصلاة في الثوب الذي يصيبه الخمر والمسكر إلّا أن تقذره فتغسل منه موضع الأثر(4)، والصحيح النافي للبأس عن الثوب يصبّ عليه الخمر إلا أن تشتهي أن تغسله(5)، والخبر النافي للبأس عن الصلاة في الثوب يصيبه الخمر وودك الخنزير قبل غسله(6)، والصحيح النافي للبأس عن الصلاة في ثوب قد أصابه أو أصاب الرجل ماء المطر يصبّ فيه الخمر قبل غسله(7)، والخبر النافي للبأس عن الامتشاط في الخمر(8)، إلى غير ذلك؛ لضعف هذه الأخبار سنداً ودلالةً وفتوىً وعملاً عن مقاومة الأخبار الأوليّة، سيّما وفي الأخبار الأوّليّة ما يدلّ على حصول الاختلاف بين الأصحاب في حكم الخمر في زمن الأئمّة(عليهم السلام)، وكذا الاختلاف في الروايات أيضاً كصحيحة ابن مهزيار وخيران الخادم وأنّهم سألوا إمام العصر، فأفتى لهم بالأخذ بأخبار النجاسة وطرح أخبار الطهارة(9)، ومن اللازم عندنا مع عدم المعارض الأخذ بقول الإمام(عليه السلام)المتأخّر، سيّما إذا كان قوله نصّاً في اطّراح بعض الأخبار دون بعض، وحينئذٍ فحمل أخبار الطهارة على التقيّة لكون عمل الرؤساء والحكّام من الأُمويّين والعبّاسيّين عليه أولى، بل لولا ضرورة الدين القاضية بحرمتها لأحلّها أئمّتنا (عليهم السلام) التقيّة.


1) منهم: ابن أبي عقيل على ما حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 422؛ والصدوق في الفقيه 1: 74.

2) وسائل الشيعة 3: 471 الباب 38 من أبواب النجاسات، ح 10.

3) المصدر، ح 11.

4) المصدر: 472. ح 14.

5) المصدر: 471 - 472، ح 12.

6) المصدر: 472، ح 13.

7) المصدر 1: 145، الباب 6 من أبواب الماء المطلق، ح 2.

8) المصدر 25 379، الباب 37 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 2.

9) المصدر 3: 468 - 469، الباب 38 من أبواب النجاسات، ح 2 و 4.

وما مال إليه بعض أصحابنا(1)من حمل أخبار النجاسة على الندب، جمعاً بين الأخبار، ضعيف لا يُلتفت إليه؛ لأنّ الجمع فرع المقاومة ولا مقاومة بينهما، ولأنّ من أخبار النجاسة ما لا يقبل الحمل؛ لاشتماله على تشديد ومبالغة، كقوله(عليه السلام)في النبيذ: «ما يبلّ الميل ينجّس حبّاً من ماء»(2)ولا قائل بنجاسته وطهارة الخمر، ولكان ينبغي أنّ الأئمّة(عليهم السلام)عند الرجوع إليهم في مقام اختلاف الأخبار الجواب بإظهار الاستحباب، لا الحكم بالنجاسة.

على أنّ ما ورد عن يونس من الاغتمام وتأخير الصلاة حين أصاب ثوبه فقّاع إلى أن يغسله، واستناده في نجاسته إلى روايته عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله(عليه السلام)«أنّ الفقّاع خمر مجهول»(3)ما يدلّ على معروفيّة نجاسة الخمر ومسلّميّته.

ثاني عشرها: المسكر مائع بالأصالة

كلّ مسكر مائع بالأصالة نجس؛ للإجماع المنقول(4)، وفتوى الفحول، وللأخبار الدالّة على وجوب غسل الثوب من النبيذ المسكر، كما في بعضٍ(5)، ولا قائل بالفرق، أو من النبيذ يعني المسكر، كما في بعضٍ آخَر(6)، وعلى النهي عن الصلاة في ثوبٍ أصابه خمر أو مسكر، كما في ثالثٍ(7)، وعلى أنّ القطرة من المسكر لو قطرت على حبّ لأُهريق، كما في رابعٍ(8).

و لإطلاق لفظ الخمر على المسكر المائع إطلاقاً متعارفاً شائعاً نصّ عليه أهل اللغة:

ففي المجمع: والخمر فيما اشتهر بينهم كلّ شراب مسكر(9). فظاهره أنّه مشهور.

و في الصحاح : سُمّيت الخمر لأنّها تُركت واختمرت(10).


1) العاملي في مدارك الأحكام 2: 292

2) وسائل الشيعة 25 344 ، الباب 20 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 2.

3) الكافي 407:3، باب الرجل يصلّي في الثوب وهو غير طاهر .... ح 15.

4) الخلاف 5: 475 - 476، المسألة 3.

5) وسائل الشيعة 3 :469 ، الباب 38 من أبواب النجاسات، ح 3.

6) . المصدر: 468 - 469، ذيل الحديث 2

7) المصدر: 470، ح 7

8) المصدر 25: 341 الباب 18 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 1.

9) مجمع البحرين 3: 292، «خ م ر».

10) الصحاح 649:2، « خ م ر » .

وفي الغريبين: الخمر ما خامر العقل(1).

وفي القاموس: الخمر ما أسكر من عصير العنب، أو عامّ كالخمرة، والعموم أصحّ؛ لأنّها حُرّمت، و ما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلّا البسر و التمر، سُمّيت لأنّها تخمر العقل وتستّره، أو لأنّها تُركت حتّى أدركت واختمرت، أو لأنّها تُخامِر العقل أي تخالطه(2).

وفي الأخبار أيضاً ما يدلّ على ذلك:

فمنها: «إنّ ما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر»(3).

و منها: «كل مسكر خمر»(4).

و منها: ما ورد في تفسير قوله تعالى: إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ(5): «أما الخمر فكلّ مسكر من الشراب إذا اخمرّ فهو خمر، وإنّما كانت الخمر يوم حُرّمت بالمدينة فضيخ البسر والتمر»(6)إلى آخر الحديث، وفيه مواضع من الدلالة غير ما ذكرنا.

و منها: عن ابن عبّاس في تفسيرها: «يريد بالخمر جميع الأشربة التي تسكر»(7).

و منها: الصحيح: قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والبتع من العسل والمرز من الشعير، والنبيذ من التمر»(8).

و منها: الخبر: قال: سمعت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يقول: «إنّ من العنب خمراً، وإنّ من الزبيب خمراً، و إنّ من التمر خمراً، و إنّ من الشعير خمراً»(9).

و منها: الخبر عن عليّ بن الحسين(عليه السلام):« الخمر من خمسة أشياء: من التمر، والزبيب، و الحنطة، والشعير، و العسل»(10)وزاد في روايةٍ سادساً: «الذرّة»(11).


1) الغريبين 2: 595« خ م ر ».

2) القاموس المحيط 2: 23، «خ م ر».

3) وسائل الشيعة 25: 342 ، الباب 19 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 1.

4) المصدر: 326، الباب 15 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 5.

5) المائدة (5): 90

6) وسائل الشيعة 25: 280 - 281، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 5.

7) حكاه عنه الطبرسي في مجمع البيان 3 - 4 239 ذيل الآية 90 من سورة المائدة (5).

8) وسائل الشيعة :25 :279 ، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 1.

9) المصدر: 280، ح 4.

10) المصدر: 279، ح 2.

11) المصدر: 281، ح 6.

و منها: الخبر: «ثمّ إنّ إبليس بعد وفاة آدم ذهب فبال في أصل الكرمة والنخلة، فجرى الماء في عودهما ببول عدوّ الله ، فمن ثَمَّ يختمر العنب والتمر، فحرّم الله على ذرّيّة آدم كلّ مسكر؛ لأنّ الماء جرى ببول عدوّ الله في النخلة والعنب وصار كلّ مختمر خمراً»(1).

فالمفهوم من كلام جملة من أهل اللغة ومن هذه الأخبار: أنّ الخمر حقيقة في كلّ مسكر، فلا يعارضه ما نُقل عن جملةٍ أُخرى من اللغويّين(2)وما يظهر من بعض الأخبار من عطف المسكر عليها(3)أنّها هي المتّخذة من عصير العنب لا غير، كما ذهب إليه بعض الأصحاب(4)، وادعي أنّ العرف يساعده أيضاً.

و وجه عدم المعارضة: أنّ مَنْ فسّرها بكلّ مسكر مثبت، ومَنْ فسّرها بالأخصّ كالنافي، والمثبت مقدّم على النافي في نقله، ولا أقلّ من حصول التعارض، فيرجّح الوضع للعموم بما جاء في الأخبار.

سلّمنا كونها حقيقةً في الأخصّ، ولكن لا نسلّم كونها مجازاً في غيره، بل نقول: هي مشتركة بينهما لفظاً؛ جمعاً بين كلامهم، ولكنّه يراد في الأخبار عند إطلاق الخمر هو المعنى العامّ بقرينة الأخبار الأُخَر المبيّنة لإرادة كلّ مسكر من لفظها في الكتاب والسنّة.

سلّمنا أنّه مجاز، لكنّا نقول: هو مجاز مشهور ينصرف إليه إطلاق اللفظ في الكتاب و السنّة.

سلّمنا أنّه غير مشهور أو مشهور لا ينصرف إليه الإطلاق، لكن لا نسلم أنّه لم يصر حقيقة شرعيّة؛ لكثرة استعماله في الكتاب والسنّة في المعنى الأعمّ، ولا نعني بالحقيقة الشرعيّة إلّا ذلك.

سلّمنا أنّه لم يصر حقيقة شرعيّة وأنّه باقٍ على مجازيّته، ولكن لا نسلّم أنّه لا يراد هذا المجاز من لفظ الخمر في الأخبار الدالّة على نجاستها، بل الظاهر إرادته بقرينة الأخبار الأُخَر وكلام الأصحاب.

سلّمنا عدم إرادة العموم من لفظ الخمر ، لكن لا نسلّم أنّ حكمه غير حكم الخمر من النجاسة؛ لإطلاق لفظ الخمر عليه في الأخبار قطعاً، فإمّا أن يراد بيان وضع لفظ الخمر له أو بيان مشابهته


1) وسائل الشيعة 25: 283 - 284 ، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 3.

2) راجع لسان العرب 4: 255،« خ م ر ».

3) وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، ح 7.

4) ابن فهد الحلّي في المهذّب البارع 5: 79

لها واستعارتها له، فعلى الأوّل لا إشكال في النجاسة، وعلى الثاني فالظاهر مساواة المشبه للمشبّه به و مساواة المستعار له والمستعار منه في جميع الأوصاف أو في الأوصاف الظاهرة، ولا شكّ أنّ النجاسة من الأوصاف الظاهرة المنصرف إليها إطلاق التشبيه.

و أمّا المسكر الجامد بالأصالة فلا شكّ في طهارته؛ للأصل، وعدم انصراف أدلّة التحريم إليه، ولفتوى الأصحاب. ولو ماع بالعرض، فالأحوط تجنّبه تخلّصاً من شبهة عموم الحكم له.

ثالث عشرها: الفقّاع

الفقّاع نجس؛ للإجماع، وفتوى الأصحاب، والأخبار الدالّة على أنّه«هو خمر مجهول» كما في روايةٍ(1)، وأنّه «حرام وهو خمر» كما في ثانيةٍ(2)، و«هي خمرة استصغرها الناس» كما في ثالثةٍ(3)، وهو الخمر وفيه حدّ شارب الخمر» كما في رابعةٍ(4)، و«لا تقربه، فإنّه [من ] الخمر» كما في خامسةٍ(5)، و« هي الخمر بعينها» كما في سادسةٍ(6)، و«هو خمر مجهول وفيه حدّ شارب الخمر» كما في سابعةٍ(7)، و«لو أنّ لي سلطاناً على أسواق المسلمين لرفعت عنهم هذه الخمرة» كما في ثامنةٍ(8).

و في بعض الأخبار من غير طرقنا أنّ: الفقّاع هي الغبيراء التي نهى النبيّ عنها، وأنّ الغبيراء هي الاسكركة، وأنّ الاسكركة هي الخمر، وأنّ الفقّاع نبيذ الشعير، فإذا نشّ فهو خمر(9).

وحيث إنّه صدق عليها لفظ الخمر كانت إمّا خمراً حقيقةً أو مجازاً على وجه الاستعارة، وهو قاضٍ بعموم التشبيه، فيثبت له جميع أحكام المشبّه به أو أوصافه الظاهرة، ومن أظهر أوصاف الخمر النجاسة، فلا إشكال في الحكم.


1) وسائل الشيعة 25: 361. الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 8.

2) المصدر : 359 - 360 ، ح 1.

3) المصدر: 365 الباب 28 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 1.

4) المصدر: 360 الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 2.

5) المصدر: 361 . ح 6.

6) المصدر، ح7 .

7) المصدر: 362، ح 11.

8) المصدر: 361 - 362، ح 9.

9) راجع الانتصار: 418 - 421، المسألة 239

إنّما الإشكال في أنّ الفقّاع هل يدور الحكم من التحريم والنجاسة عليه من حيث هو، أو إذا اتّصف بالإسكار؟ ظاهر إطلاق النصّ والفتوى: الأوّل.

والظاهر أنّه مع النشيش والغليان يكون مسكراً، و يستعمل للإسكار عند كثير من الناس.

و هل يدور تحريمه مدار النشيش والغليان، أو يدور مدار نفس صدق الاسم، أو أنّ ما لم يكن فيه نشيش وغليان ليس بفقّاع؛ لأنّه مأخوذ في مفهومه أن يعلو على رأسه مثل الزبد، كما صرّح به بعضهم(1)؟ وجوه، أقواها الأوّل؛ لما ورد في الصحيح إلى ابن أبي عمير: كان يعمل لأبي الحسن فقّاع في منزله، قال ابن أبي عمير : ولم يعمل فقّاع يغلي(2). وفي آخَر: «لا تقرب الفقّاع إلّا ما لم يضرّ آنيته أو كان جديداً»(3)و الظاهر أنّه لخوف نشيشه.

و لكن إطلاق الفتوى والرواية يقضيان بحرمته مطلقاً، فعلى هذا يشكل ما يصنعه الأطبّاء من ماء الشعير، إلّا أنّ يقال: إنّ له عملاً آخَر به يُسمّى فُقّاعاً، ومع الشكّ فالأصل الطهارة.

و من هنا يظهر إشكالٌ آخَر، وهو أنّه هل يختصّ بالمتّخذ من الشعير، أو أنّه لا يختصّ بذلك، بل يدور مدار الاسم كالمتّخذ من الحنطة وغيرها؟

ثمّ إذا جعلناه دائراً مدار الاسم فهل نحكم على ما يُسمّى اليوم فقّاعاً في الأسواق أنّه هو الفقّاع المحرّم؛ لأصالة عدم النقل، أو نجري الأصل فيما علمنا أنّه من الشعير أو ما لم نعلم حاله، و أمّا ما علمنا أنّه من غير الشعير فلم يثبت أنّه فقّاع، فالأصل الطهارة؟ وجهان، أحوطهما: الأوّل.

رابع عشرها: عصیر العنب إذا غلی واشتدّ

عصير العنب نجس إذا غلى و اشتدّ، أي ثخن بعد غليانه وصار له قوام؛ لفتوى مشهور الأصحاب، وللإجماع المنقول(4)في الباب، ولملازمته الإسكار عند الاشتداد غالباً على الظاهر فيدخل في المسكر؛ لأنّ المراد بالمسكر المنشأيّة للإسكار وإن لم يكن مسكراً في جميع الأطوار.

وللموثّق- على نسخة التهذيب- : عن الرجل من أهل المعرفة يأتيني بالبختج ويقول:


1) راجع القاموس المحيط 3: 64، «ف ق ع».

2) وسائل الشيعة 25: 381، الباب 39 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 1.

3) المصدر: 381 - 382، ح 2.

4) راجع مختلف الشيعة 1: 310 - 311، المسألة 230.

قد طبخ على الثلث، وأنا أعرف أنّه يشربه على النصف؟ فقال: «خمر لا تشربه»(1)والبختج هو عصير العنب المطبوخ على ما حكي(2)، فإطلاق الخمر عليه يقضي بثبوت أحكامها له مطلقاً أو الظاهرة فقط، ومن الظاهرة النجاسة. ولا ينافي نقصان لفظ الخمر من الرواية في نسخة الكافي(3)لترجيح المثبت على النافي.

ولخبر أبي بصير: عن الطلا: «إن ذهب منه اثنان وبقي واحد فهو حلال، وما كان دون ذلك فليس فيه خير»(4)، والطلا هو المطبوخ من عصير العنب على ما حكي(5).

و للأخبار الدالّة على أنّ الخمر من خمسة، وعدّ منها العصير من العنب(6)، خرج ما قبل غليانه واشتداده فيبقى الباقي.

وقد يناقش في الإجماع المنقول: بحصول الظنّ بعدم تحقّقه، لإنكار الشهيد(رحمۀ الله علیه)القول بنجاسة العصير غير المسكر عن غير ابن حمزة والمحقّق(7)، وفي الخبر(8): بضعف الظنّ بما في نسخة التهذيب مع عدم وجودها في الكافي الذي هو أضبط، على أنّ التشبيه يكفي فيه أظهر الأفراد الذي هو الحرمة ، وفي الخبر(9): بضعف الدلالة؛ لأنّه مع حرمته لا خير فيه، وفي الأخبار الدالّة على أنّ الخمر من خمسة: يراد بها حالة الإسكار والتخمير كما هو المفهوم من لفظ الخمر، لا مطلقاً كما هو الحال في بقيّة الخمسة: من النقيع، والبتع ونحوها. هذا إن قلنا: إنّ العصير جملة مبتدأة، وإن قلنا: إنّه بدل من الخمس فلا دليل فيها.

ومع هذه المناقشة فالأقوى الحكم بالنجاسة، لأنّ التخطّي عمّا نُسب(10)للمشهور وأشعرت به الروايات و نُقل عليه الإجماع لا وجه له.


1) تهذيب الأحكام 9: 122 ، ح 526.

2) لسان العرب :2 211، «ب خ ت ج».

3) الكافي 6: 421، باب الطلاء، ح 7.

4) وسائل الشيعة :25 285 ، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 6.

5) الصحاح 6: 2414،« ط ل ا».

6) وسائل الشيعة 25: 279 - 280 ، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 1 - 3.

7) ذكرى الشيعة 1: 115؛ ولاحظ الوسيلة: 365؛ والمعتبر 1: 424.

8) أي الموثّق.

9) أي خبر أبي بصير

10) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 86:2.

هذا كلّه مع الغليان والاشتداد وأمّا لو غلى ولم يشتدّ و قلنا بعدم التلازم بين الغليان والاشتداد كما تخيّله بعضهم(1)، فالظاهر بقاؤه على الطهارة؛ لعدم دليلٍ يُركن إليه على نجاسته، بل الظاهر من لفظ الطلا والبختج هو ما كان له نوع اشتداد في الجملة.

كما أنّه لا إشكال في طهارة ما عدا العصير العنبي من الحٍصْرمي و الزبيبي و التمري ونحو ذلك؛ للأصل، وعدم المخرج عنه من فتوى أو رواية، مضافاً إلى أنّه يظهر من بعضهم(2)الإجماع على طهارة ما عدا العنبي وسيّما التمري، وفي الخبر أنّ النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)سئل عن التمر المطبوخ في الماء؟ فأجابهم بأنّه يسكر ؟ فقيل: نعم، فقال: «كلّ مسكر حرام»(3).

و دعوى أنّ العصير الزبيبي بل التمري نجس؛ لما ورد من بول إبليس في شجرتهما(4). دعوى باطلة؛ لأنّ ذلك البول ليس بنجس، بل هو من المعاني الخفيّة، ولأنّ البول إنّما يظهر أثره بعد التخمير كما دلّت عليه الروايات(5)، ولأنّ البول استحال إلى الطاهر، فالأصل الطهارة حتّى يقوم شاهد على النجاسة.

و الظاهر أنّ المراد بالعصير العنبي المحرّم شربه إجماعاً والمحكوم بنجاسته على الأقوى هو ما يُسمّى عصيراً عرفاً، وهو الماء المستخرج من العنب بعصرٍ أو دقٍّ أو غمزٍ أو تنقيلٍ، أو بتنقيعٍ له بعد يبسه فيستخرج ماؤه، أو بوضعه على نار فيخرج منه، والعصير وإن كان هو المعصور لغةً (6)إلّا أنّ الباقي يشاركه في الاسم عرفاً أو في الحكم قطعاً من غير عثور على خلافٍ فيه، فعلى ذلك لا يُحكم بنجاسة الماء الملقى فيه بعض حبّات لم تخرج اسم الماء عن إطلاقه وإن غلى الماء واشتدّ، ولا بماء أُلقيت فيه حبّات أحالته خلّاً قبل صدق العصير عليه لقلّة ممازجة ماء العنب للماء، ولا بمائعٍ آخَر من دبس أو دهن أُلقي فيه عنب يابس فغلى من دون غليان مائه أو ماء مطلق قد مازجه . والاحتياط في بعض الصور لا ينبغي أن يُترك.


1) المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 162.

2) الشهيد الثاني في المقاصد العلّية : 144

3) وسائل الشيعة 25: 355 - 356، الباب 24 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 6.

4) المصدر : 283 - 284 ، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 3.

5) نفس المصدر.

6) لسان العرب :4 577 مجمع البحرین، 407:3، «ع ص ر».

والمراد بالغليان أن يصير أعلاه أسفله وبالعكس، والنشيش أن يصير أسفله أعلاه. والظاهر أنّه مقارب للغليان.

ولا يتفاوت الحال بين كونه يغلي لنفسه أو بنار أو بشمس أو غير ذلك.

نعم، يختصّ الغليان حرمةً و نجاسةً بما استُخرج من العنب ولو بممازجة الماء المطلق، فلا يسري إلى العنب نفسه لو غلى ماؤه الذي هو فيه من دون خروج أجزاء من مائه إلى خارجٍ.

القول في المطهرات :وهی أنواع

أحدها: الماء المطلق

الماء المطلق العاري عن ممازجة ما يسلبه الإطلاق عرفاً، وهو رأس المطهّرات و أكملها، و به امتنّ الله تعالى على عباده، ولكنّ المتيقّن من دليل التطهير به هو كونه مطهّراً في الجملة، فهو بالنسبة إلى المطهّر وإلى كيفيّة التطهير مجمل، لا عامّ حتّى يستدلّ به على جواز التطهّر لكلّ شيء بكلّ حال على أيّ نحوٍ، بل يحتاج في مقام الشكّ إلى بيان، إلى بيان، وسيجيء التفصيل إن شاء الله تعالى.

ولا يجوز التطهير بغير الماء المطلق من المياه المضافة والمائعات؛ لاستصحاب النجاسة، إلّا مع يقين المزيل، ولفتوى الأصحاب إلّ ممن لا يعتد به، ولسيرة المسلمين وعملهم، ولاختصاص الأخبار بالماء المطلق.

ثانيها: الشمس

الشمس مطهِّرة في الجملة للنجاسة الخالية عن الجرم المانع عن ذهاب حكمها بإشراق عينها عليها وتجفيفها بها؛ للإجماع المنقول(1)، وفتوى الفحول، و الشهرة المحصّلة، ولزوم العسر والحرج لولاه، بل ربما يدّعى أنّ سيرة المسلمين عليه، وللخبر المنجبر بما ذُكر، وهو: «ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر»(2).

وللصحيح : عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يُصلّى فيه ، فقال : «إذا


1) الخلاف 1: 218 - 219، المسألة 186، و 495، المسألة 236.

2) وسائل الشيعة 3: 452 - 453 ، الباب 29 من أبواب النجاسات، ح 5

جفّفته الشمس فصلِّ عليه، فهو طاهر»(1).

والظاهر أنّ المراد بلفظ «الطاهر» هو المعنى الشرعي المنصرف إليه الإطلاق دون المعنى اللغوي، كما قد يتخيّل، واختصاصها بالبول يدفعه عدم القول بالفصل وتنقيح المناط، وكذا خصوص السطح.

وللصحيح الآخر: عن السطح يصيبه البول، أيصلّى فيه؟ قال: «إن كان تصيبه الشمس و الريح وكان جافّاً فلا بأس»(2).

والظاهر ملازمة الصلاة للسجود في زمن الصدور.

وللموثّق الناهي عن الصلاة في الموضع القذر الذي لا تصيبه الشمس وقد يبس حتّى يغسله، وفيه: عن الشمس هل تطهّر الأرض؟ قال: «إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثمّ يبس الموضع ، فالصلاة على الموضع جائزة»(3)فإنّ الحكم بعدم جواز الصلاة أوّلاً إلى حال الغسل والسؤال عن الطهارة ثانياً، والجواب بجواز الصلاة ظاهرٌ في إرادة الطهارة، دون مجرّد جواز الصلاة عفواً وإن كان المحلّ نجساً، أو أنّ السجود على غير تلك الأرض؛ لأنّ الظاهر من الصلاة عليها هو السجود عليها كما هو المعلوم أيّام الصدور، بل يكفي في الاستدلال على الطهارة جواز الصلاة الظاهر في جواز السجود المتفّق على اشتراط طهارة محلّه، و إطلاق جواز الصلاة من دون تفصيلٍ بين مماسّته برطوبةٍ و عدمها.

و دعوى أنّ العدول في الجواب عن سؤال الطهارة إلى جواز الصلاة ممّا يؤذن ببقاء النجاسة، وجواز الصلاة عفواً، غير مسموعة؛ لبُعْدها عن المطابقة للسؤال، ولأنّ المفهوم عرفاً من هذا الجواب أنّه جواب باللازم لإفادة السائل الملزوم، لا أنّه عدول إلى جواب آخَر.

و لا ينافي الاستدلال بهذه الرواية ما في ذيلها من أنّه: «إذا كان الموضع قذراً وأصابته الشمس ولم ييبس فلا تجوز الصلاة فيه، وإن كانت رجلك رطبة أو جبهتك أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصلّ عليه وإن كان عين(4)الشمس أصابته حتّى ييبس فإنّه


1) وسائل الشيعة 3: 451 ، الباب 29 من أبواب النجاسات، ح 1.

2) المصدر، ح 2.

3) المصدر: 452 ح 4.

4) في المصدر: «غير» بدل «عين».

لا يجوز»(1)لرجوع الإشارة بذلك إلى الموضع القذر الغير اليابس؛ لجواز أنّه غير يابس ولكن لا تتعدّى منه النجاسة، ولكن إذا كانت الجبهة رطبة تعدّت، ولسقوط «وإن كان عين الشمس أصابته» في المرويّ في آخر أبواب الزيادات من التهذيب(2)، ولتذكير الضمير في «أصابه» فيضعّف الظنّ بصحّته، ولتبديل العين بالغير المعجمة العين المهملة الراء في نسخ أُخرى، فلا يصلح أن يكون ذيلها مع ذلك معارضاً لصدرها.

والمتيقّن من هذه الأخبار والإجماعات المحكيّة والشهرة تطهير الشمس بعينها، لا بحرارتها، وأن تكون مستقلّةً، لا منضمّةً إلى ريح أو شبهه، بحيث يستند التجفيف إلى المجموع، وأن تجفّف الرطوبة عرفاً بحيث تذهب عين النجاسة وإن لم تصر يابسةً أصلاً و رأساً، و أن يكون النجس أرضاً من بناء أو غيره، وأن يكون متواصلاً في الأرض والبناء، أو مفصولاً من القطع الكبار التي لا يمكن نقلها وغسلها، وأن يكون مع عدم وجود أجزاء عينيّة من النجاسة.

وأمّا كون النجس بولاً دون غيره فهو ملغى قطعاً؛ خلافاً للمنقول عن العلّامة(رحمۀ الله علیه)(3).

ومع اجتماع هذه الأمور لا إشكال في الحكم، إنّما الإشكال في غير الأرض من المثبت فيها من الأخشاب والأبواب أو النابت فيها كالأشجار والنخل والثمرة، أو المفروش عليها من الحصر والبواري مع عسر نقلها عادة.

والأظهر: الحكم فيها بالتطهير أيضاً؛ لعموم أدلّة نفي العسر والحرج(4)، ولملازمة الأرض غالباً لما يثبت فيها من الأشياء الخارجة عنها مع ترك الاستفصال، وللشهرة المحكيّة(5)، بل المحصّلة سيّما من المتأخّرين، وللإجماع المنقول على الحصر والبواري المتنجّسة بالبول(6). ولعموم: «ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر»(7)المنجبر بما ذكرنا، كالرضوي فيما عدا الثياب(8).


1) راجع الهامش (3) من ص 521.

2) تهذيب الأحكام 2 372. ح1548

3) منتهى المطلب 3: 279

4) راجع الهامش (1) من ص 73

5) ذخيرة المعاد: 170.

6) الخلاف 1: 495 المسألة 236

7) راجع الهامش (2) من ص 520

8) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام) : 303 - 304.

وكون الخارج أكثر من الداخل لا يقدح في الحجّيّة بعد انجباره بما تقدّم، سيّما وأنّ الظاهر ممّا أشرقت عليه ما كان معدّاً للإشراق كالأرض وشبهها.

وللصحاح النافية للبأس عن الصلاة على البواري يصيبها البول أو يبلّ قصبها بماء قذر إذا جفّت من غير أن تغسل(1)، وظاهرها الطهارة؛ لظهور نفي البأس عن الصلاة في نفيه عن السجود؛ لتلازمهما في الزمن الأوّل غالباً، ولترك التفصيل فيها بين كون المباشر رطباً أو لا في مقام البيان. واحتمالُ أنّ السؤال كان لاحتمال اشتراط طهارة مكان المصلّي في غير موضع الجبهة فيكون الجواب على طبقه، بعيدٌ بالنسبة إلى ما ذكرنا.

نعم، يخرج من هذه الأخبار الجفاف بغير الشمس؛ لشذوذ القول به وضعفه ومتروكيّته، ويبقى حكم الجفاف بالشمس داخلاً فيها، على أنّ هذه كالمطلق، وما دلّ على تطهير الشمس بالجفاف كالمقيّد، فيُحمل ما كان كالمطلق على ما كان كالمقيّد.

و يؤيّد عموم الحكم للحُصر والبواري والمثبت في الأرض قوله في الصحيح المتقدّم(2): أو المكان الذي يصلّى فيه.

و ربما استدلّ بعضهم(3)على طهارة ما جفّفته الشمس - من غير ما انعقد الإجماع على بقاء نجاسته - بأصالة الطهارة عند الشكّ ببقاء النجاسة وعدمها إمّا لعدم حجّيّة الاستصحاب؛ أو لحجّيّته في نفسه، ولكن لمعارضته باستصحاب طهارة الملاقي لا يثمر تنجيساً فيه، وهذه الثمرة هي العمدة في إثبات الطهارة والنجاسة.

وهو ضعيفٌ؛ لحجّيّة الاستصحاب عندنا، ولجريان أحكام المستصحب على الملاقي وإن كان طهارته مستصحبة؛ لأنّ استصحاب النجاسة وارد والوارد من الاستصحابين يحكّم على المورود، وأكثر لوازم الأصول من هذا القبيل، ولو لم نحكّم الوارد على المورود فيها البطلت ثمرات الأصول أصلاً ورأساً.


1) وسائل الشيعة 3 451 - 452 الباب 29 من أبواب النجاسات، ح ،3، و 453 - 454 ، الباب 30 من تلك الأبواب، ح 2 و 5.

2) راجع الهامش (1) من ص 521.

3) راجع رياض المسائل 2: 135

فظهر بمجموع ما ذكرنا بطلان القول بعدم تطهير الشمس لما جفّفته مطلقاً وإن جازت الصلاة عليه؛ استناداً في جواز الصلاة للأخبار المتقدّمة، وفي بقاء النجاسة إلى مضمر ابن بزيع عن الأرض والسطح يصيبه البول وما أشبهه هل تطهّره الشمس من غير ماء؟ قال: «كيف يطهّر من غير ماء»(1)ولا دليل فيه على بقاء النجاسة؛ لظهور إرادة أنّ تطهير الشمس لا يكون إلّا لما كان ماء، أو رطباً كالماء فتجفّفه، لا أنّ الماء مطهّر له دون الشمس، و إلّا لكان التعبير بغير هذه العبارة -كأن يقول: هل تطهّره الشمس أو يطهّره الماء أو شبهها - أولى، على أنّه موافق لمذهب جملةٍ من العامة على ما حكي(2).

وكذا بطلان القول باختصاص تطهير الشمس بالتجفيف للبول خاصّة، أو هو مع الماء النجس خاصّة، أو ما عدا الخمر خاصّة، أو اختصاصه بالأرض خاصّة، أو بها وبالحُصر والبواري خاصّة، أو بالاثنين خاصّة.

وكذا بطلان القول بتطهيرها لما ينقل من حجر الاستنجاء إذا كانت نجاسته حكميّة، أو لغير القطن والكتّان ممّا عُمل من نبات الأرض من خشب وخوص وليف وشبهها.

وكذا بطلان احتمال تطهير الريح المصاحب للشمس وإن أوهمته الرواية المتقدّمة(3). و نُقل عن الشيخ الفتوى به(4)، ولكنّه شاذّ متروك لا يُعتدّ به. نعم، الريح التي لا تنفكّ عن الشمس غالباً لا بأس بها؛ لاستناد التجفيف إلى الشمس.

و ينبغي أن يعلم أنّ نفس عين الشمس هي المطهّرة، فلو كان دونها حاجب كثيف لم يحصل بها التطهير، ولو كان خفيفاً غير مانع من إشراق الشمس عرفاً فلا بأس به.

و الظاهر أنّها مطهّرة للظاهر والباطن المستند تجفيفه إلى إشراقها على ظاهره، و إلّا لقلّت الثمرة، بل انتفت في أغلب المواضع.

نعم، ذو الوجهين كالحائط والحصير لا يطهَّر إلّا وجهه الظاهر إذا وصلت النجاسة إلى الوجه الآخَر، مع احتمال تطهيرها للوجهين في الحصير وشبهه.


1) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من أبواب النجاسات، ح 7.

2) راجع المصدر، ذيل الحديث7 .

3) راجع الهامش (1)

4) الخلاف 1: 218، المسألة 186

و الظاهر أنّ الأحجار المرميّة في الأرض ما لم تكن من وجه الأرض أو البناء لا تطهّرها الشمس إلّا إذا بنيت وابتلّت وجفّت.

و الظاهر أنّه لا بدّ من العلم باستناد التجفيف إلى الشمس، فلو شكّ لم يطهر.

و لو قيل بكفاية الظنّ هنا والظاهر ، كان قويّاً؛ لقلّة الفائدة لولا ذلك، ولما تشعر به بعض الأخبار(1)عند التأمل.

و الظاهر أن المثبت في الأرض لفائدة أُخرى من قير، أو آنية لسقي دواب، أو خشب صندوق على ضريح وشبهه حكمه حكم الأرض، والاحتياط لا يخفى.

ثالثها: الأرض

الأرض مطهّرة في الجملة، إجماعاً فتوى، ورواية عامّة، كقوله : «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(2)وخاصّة متضمّنة لأنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً (3).

و معناه إمّا أنّ البعض يطهّر لما تنجّس من البعض منها، فعدل إلى ذلك؛ للاختصار، كما يقال: الماء يطهّر البول، أي للمتنجّس منه، وعلى ذلك فيختصّ تطهيرها لما تنجّس، ولكن بإلغاء الفارق وعدم القول بالفرق يتمّ المطلوب، وإمّا أنّ البعض يطهّر بعضاً من الأشياء، فيكون من قبيل المجمل المفتقر إلى بيان، وإمّا لأنّ بعضها يطهّر بعضاً منها، أي من الأجزاء المتعلّقة بما تطهّره الأرض من قدمٍ أو خُفٍّ أو نحوهما، وإمّا أنّ بعضها يطهّر بعضاً منها باعتبار انتقال النجاسة من أرضٍ إلى أُخرى مرّةً بعد مرّة إلى أن تستحيل وتستهلك، وإمّا لأنّ أصل الأشياء هو الأرض، فالمطهِّر والمطهَّر أرض مِنْها خَلَقْنَاكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ(4).

وعلى كلّ حال فوجه دلالتها على التطهير بها ظاهر.

و الحكم مختصّ بما يُسمّى أرضاً من حجر أو تراب أو طين مفخور، ولا يسري للمعادن والنباتات؛ اقتصاراً على المورد المدلول عليه بالدليل.

و ما ورد في صحيح زرارة من الأمر بمسح الرِّجْل حتّى يذهب أثرها ويصلّي لمن ساخت


1) راجع وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من أبواب النجاسات، ح 2.

2) المصدر: 350 - 351، الباب 7 من أبواب التيمّم، ح 2 - 4.

3) المصدر: 457 - 459. الباب 32 من أبواب النجاسات، ج 2، 3 و 9.

4) طه (20) 55

رِجْله بالعذرة (1)، محمولٌ على ما هو المتعارف ونطقت به الأخبار(2)من مسحها بالأرض.

نعم، ما ذكرناه من حصول التطهير بالأرض مجمل بالنسبة إلى الكيفيّة، وإلى نفس ما يطهّر بها، والظاهر في الأوّل من مجموع الأخبار وكلام الأخيار أنّ كيفيّة التطهير بها هو أن يستند إزالة النجاسة إليها- كالغسل بالماء - سواء كان بدلكٍ أو مسحٍ أو مشيٍ أو نحو ذلك.

و الوارد في الأخبار(3): المسح والمشي وشبههما مثلهما ؛ لأنّ المفهوم من النصوص والفتاوى ذلك.

ولا تقدير في المشي على الأقوى، فما دلّت عليه صحيحة الأحول من اشتراط وطء خمسة عشر ذراعاً (4)، ونُسب لابن الجنيد القول به(5)، محمولٌ على بيان الإرشاد إلى ما تزول به النجاسة غالباً، أو على الاستحباب؛ لعدم قابليّة الرواية لتقييد ما ذكرنا.

و الظاهر أيضاً أنّه لا يتفاوت في التطهير بها بين النجاسة الحكميّة والنجاسة العينيّة إذا زال أثرها بها، ولا بين كون النجاسة رطبة أو جافّة.

نعم، لو بقيت رطوبة النجاسة العينيّة كرطوبة البول أو العذرة، فالأحوط توقّف التطهير على التجفيف، ولو كانت الرطوبة من متنجّس فلا إشكال في حصول الطهارة؛ لإطلاق الأخبار(6)وكلام الأصحاب.

وهل يشترط طهارة الأرض المطهّرة ؛ للشكّ في حصول التطهير مع القطع بالنجاسة واستصحابها، ولبُعْد تطهير النجس، ولظهور أنّ الأرض طهور هو الطاهر المطهّر، ولإشعار التشبيه في قوله(عليه السلام): «جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً»(7)بمساواته للماء، والماء النجس لا يفيد طهارةً إجماعاً، ولقوله(عليه السلام)في المرويّ عن دعائم الإسلام: «إذا مشى على


1) وسائل الشيعة 3: 458 - 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، ح 7.

2) المصدر: 457، ح 1 و 2.

3) المصدر : 458 - 459. ح 7 - 10.

4) المصدر: 457، ح 1.

5) نسبه إليه الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 129.

6) راجع وسائل الشيعة 3: 457 الباب 32 من أبواب النجاسات.

7) المصدر : 385، الباب 23 من أبواب التيمّم، ح 1.

أرض نجسة ثمّ طاهرة طهرت قدمه»(1)ولإشعار صحيحة(2)الأحول في السؤال عمّن وطأ أرضاً نظيفة بعدما وطأ قذرة بتوقّف التطهير على نظافة الأرض، أو لا يشترط؛ لإطلاق الأخبار(3)وكلام جملة من الأخيار(4)، وترك الاستفصال فيها في مقام البيان دليلٌ على عدم الاشتراط؟ وجهان، أظهرهما وأحوطهما: الأوّل.

وهل يشترط جفاف الأرض - للشكّ في حصول الطهارة في المبتلّة بعد القطع بها، ولقوله(عليه السلام)في رواية المعلّى بن خنيس: «أليس وراءه شيء جافّ؟» قلت: بلى، قال: «لا بأس» (5)وقوله في المرويّ في مستطرفات السرائر: «أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟» قلت: بلى، فقال: لا بأس إنّ الأرض»(6)إلى آخره، ولأنّ الأرض الجافّة أبلغ في حصول التطهير - أو لا يشترط؛ لإطلاق جملةٍ من الأخبار(7)، وفتوى الأكثرين من الأصحاب(8)، وحمل ما دلّ على الجفاف على الاستحباب والإرشاد؟ وجهان أقواهما وأحوطهما الأوّل.

ولو كانت الأرض وحلاً أو طيناً فلا شك بعدم تطهيرها على كلا القولين، كما أنّ اليبس الكلّي الزائد على مرتبة الجفاف لا يشترط أيضاً على كلا القولين على الأظهر، وأمّا بالنسبة إلى ما يطهر بها فالأصل يقضى بالاقتصار على مورد اليقين من الدليل.

والمفهوم من الأدلّة وكلام الأصحاب أنّ الأرض تطهّر ما تمسّه ممّا يطأها، سواء في ذلك القدم والنعل والخُفّ و القبقاب وخشبة الأقطع ونحو ذلك ممّا يوطأ بالقدم أو باليد أو بالركبة أو بالبطن لمن يمشي على يديه أو ركبتيه أو بطنه، ولا يتعدّى إلى ملابس القدم أو


1) دعائم الإسلام 1: 118

2) تقدم تخريجها في ص 526، الهامش ( 4 ).

3) راجع الهامش (6) من ص 526.

4) منهم: ابن الجنيد على ما حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1 :447 والمحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 179؛ وابن فهد الحلّي في الموجز الحاوي (ضمن الرسائل العشر): 60 والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 1: 130.

5) وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، ح 3.

6) السرائر 3: 555

7) وسائل الشيعة 3: 457 - 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، ح 201 و 4.

8) منهم: العلّامة الحلّي في نهاية الإحكام 1: 291؛ والشهيد الثاني في الروضة البهيّة 1 :66: والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 1: 360

عكّاز الشخص أو حديدة الرمح أو غير ذلك، ولا يقتصر على أسفل الخُفّ والنعل كما عن بعضٍ(1)، أو على الأوّل كما عن آخَر(2)، أو الثاني كما عن ثالث(3)، أو إضافة القدم إليهما فقط كما عن رابع(4).

ولعلّ من اقتصر أراد المثال؛ لعموم الدليل لكلّ ما يوطاً من لزوم العسر والحرج لولا ذلك. و من سيرة المسلمين المستمرّة على الدخول في المساجد والأماكن المشرّفة بما يطؤنه من دون غسل من غير إنكار، ومن قوله(عليه السلام)في الرجل يطأ الموضع الذي ليس بنظيف ثمّ يطأ بعده مكاناً نظيفاً، قال: «لا بأس»(5). والآخَر: إنّ بيننا وبين المسجد زقاقاً قذراً، قال: «لا بأس، إنّ الأرض تطهّر بعضها بعضاً»(6)، فإنّ ترك الاستفصال في مقام البيان دليل العموم في المقال، على أنّ تنقيح المناط بين أفراد ما يوطأ كأنّه قطعيّ.

فما نُقل من الإجماع على خصوص القدم والنعل والخُفّ(7)، وما دلّ من الأخبار على النعل كقوله(عليه السلام)في النعلين: «فليمسحهما وليصلّ»(8)وقوله(عليه السلام): «إذا وطأ أحدكم الأذى بخُفّيه فإنّ التراب له طهور»(9)وفي الخبر عنه(عليه السلام): إني وطئت عذرة بخُفّي ومسحته حتّى لم أرَ فيه شيئاً، ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال: «لا بأس»(10)فإنّ الظاهر من نفى البأس أنّه من حيث النجاسة المنافية للصلاة الكاملة، لا من حيث العفو عن نجاسة ما لا تتمّ الصلاة فيه- وكذا ما دلّ على القدم- كقوله(عليه السلام)فيمن مرّ حافياً على ما تقاطر من خنزير: «أليس وراءه شيء جافّ؟» قلت: بلى قال: لا بأس، إنّ الأرض تطهّر بعضها بعضاً »(11)، والآخَر : فيمن مرّ على زقاق يبال فيه


1) المفيد في المقنعة: 72؛ وسلّار في المراسم: 56؛ ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 24.

2) ابن حمزة في الوسيلة: 79.

3) الحلبي في إشارة السبق: 80

4) المحقّق في المعتبر 1: 447؛ والعلّامة الحلّي في نهاية الإحكام 1: 291؛ والشهيد في ذكرى الشيعة 1: 129.

5) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، ح 1.

6) المصدر: 458، ح 4.

7) جامع المقاصد 1: 179

8) مستدرك الوسائل 2: 576 الباب 25 من أبواب النجاسات والأواني، ح 4.

9) المصدر ذيل الحديث 4.

10) وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، ح 6.

11) المصدر، ح 3.

وليس عليه حذاء وهو يريد المسجد، فقال: «أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟» قلت: بلى، قال: «لا بأس، إنّ الأرض»(1)إلى آخره، والآخر فيمن ساخت رجله في العذرة: «إنّه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلّي»(2)- لا ينافي ما ذكرناه من العموم؛ لكون أكثرها قضايا واقعيّة واقعة في السؤال، فلا تخصص ما دلّ على الإطلاق.

نعم، هي نافية للقول بالتخصيص بأحد ما ذكرناه سابقاً.

رابعها: النار

النار مطهّرة لما أحالته رماداً أو دخاناً؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول(3). وللصحيح عن الجص يوقد عليه العذرة وعظام الموتى يجصص به المسجد، أسجد عليه؟ قال: فكتب إليه بخطه: «إنّ الماء والنار قد طهراه»(4).

وفي آخر عن الجص يطبخ بالعذرة أيصلح أن يجصص به المسجد ؟ قال: «لا بأس»(5). وجواز تجصيص المسجد به والسجود عليه مع مخالطته لأجزاء رماد النجس من رماد العذرة وعظام الموتى دليل على طهارتهما؛ لأنّ عدم جواز تلويث المسجد بالنجاسة وعدم جواز السجود على النجس أمران معلومان فجواز السجود على الشيء وتلويث المسجد به. من لوازم الطهارة قطعاً.

وربما أمكن الاستدلال بهما على طهارة الدخان أيضاً؛ لمروره على الجصّ غالباً، وبقاء أجزاءٍ منه فيه، ولإمكان رطوبة الجصّ عند ملاقاة الدخان فينجس به، مع أنّ الإمام(عليه السلام)ترك الاستفصال فيه.

وكذا قوله(عليه السلام): «فإنّ الماء والنار قد طهّراه»(6)دليل على طهارة الرماد؛ لأنّ الجصّ لم تتحقّق نجاسته سابقاً بغير مخالطة أجزاء الرماد له كي يحسن السؤال عنه.

فحمل الرواية على تطهير الماء والنار له بالطبخ والحكم بنجاسته سابقاً عدولٌ عن


1) وسائل الشيعة 3 :459. الباب 32 من أبواب النجاسات، ح 9.

2) المصدر: 458 - 459 ، ح 7

3) السرائر 3: 121؛ جامع المقاصد 1: 179.

4) وسائل الشيعة 3: 527، الباب 81 من أبواب النجاسات، ح 1.

5) المصدر 5: 291 ، الباب 65 من أبواب أحكام المساجد، ح 2.

6) تقدّم تخريجه في الهامش (4).

مقطوع به في كلام الأصحاب- من تطهير الاستحالة-إلى موهوم، وهو التطهير بالطبخ، كما ذهب إليه بعضهم(1)، وإن كان قد يشعر به ظاهر الرواية.

نعم، استناد التطهير إلى الماء والنار معاً ربما يبعّده على كلا الوجهين؛ لأنّ الماء المتأخّر عن الطبخ لا مدخليّة له في التطهير على كلّ حال، فلا بدّ أن يحمل أنّ استناد التطهير أصالة إلى النار ومجازاً إلى الماء من باب عموم المجاز، ويكون المراد بالتطهير فيه التنظيف ورفع القذارة الحاصلة من الرماد أو الاستعداد للطهارة عند تجفيف الشمس له بعد رطوبته، لاحتمال تخلّف بعض الأجزاء الغير مستحيلة، فيكون المراد باستناد التطهير للماء من جهة ذلك.

ويلحق بذلك دخان الدهن النجس، وبخار الماء النجس والعذرة النجسة؛ لأصل الطهارة، وعدم صدق لفظ «النجس».

ويدلّ على الإلحاق: السيرة المعلومة من عدم توقّي الدواخن والأبخرة الحاصلة من الأعيان النجسة أو المياه النجسة في الحمّامات، وعند التخلّي في الشتاء لتصاعد أبخرة النجاسة إلى بدن الإنسان أو ثيابه.

وحينئذٍ فما استشكله بعضهم(2)من طهارة الدخان المتصاعد من الدهن النجس؛ لتصاعد بعض أجزاء منه قبل الاستحالة بواسطة سخونة النار، وكذا ما استشكله بعض آخَر(3)من طهارة الرماد، لا وجه له.

والاستناد هنا للاستصحاب بعيد عن الصواب؛ لتغيير الموضوع، ودوران الحكم مدار النوع.

نعم، يجيء الإشكال فيما لو صيّرت النار النجاسة فحماً من حصول الاستحالة بتبدّل الاسم والصورة، ومن استصحاب النجاسة والشكّ في تبدّل الموضوع؛ لعدم التلازم بين تبدّل الصورة والاسم وتبدّله؛ لجواز بقاء الذات وتبدّل الصورة فقط، ويكون تبدّل الاسم تابعاً لتبدّلها.

والأقوى الأوّل، والأحوط الأخير.

هذا كلّه في عين النجاسة، وأمّا المتنجّس فلا إشكال بدخانه وبخاره وطهارتهما؛ لما


1) الطوسي في الخلاف 1: 499، المسألة 239.

2) هو الطوسي كما نقله الطباطبائي في رياض المسائل :2: 137 وراجع المبسوط 6: 283

3) هو المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 451 - 452.

ذكرناه من إطلاق الفتوى، وقضاء السيرة بطهارتهما، بل ربما كان الحكم بطهارتهما؛ لمكان الأولويّة من دخان عين النجاسة.

وأمّا الفحم منه بل الرماد أيضاً فالأقوى نجاستهما؛ للشكّ في تغيير الموضوع أوّلاً ، ولأنّ حكم النجاسة تابع لنفس الجسم المتنجّس فلا تزول لتبدّل الموضوع ثانياً ؛ ضرورة أنّ النجس غير المتنجّس؛ لأنّ النجس نجاسته تابعة لنوعه، والمتنجّس تابعه لشخصه.

وكذلك الآجر والخزف المعمولان من الطين النجس فإنّ الأقوى عدم تطهير النار لهما، سواء قلنا ببقاء اسم الأرضيّة فيهما أو قلنا بخروجهما عن مسمّى الأرض ؛ لأنّ نجاستهما تابعة لنفس الشخص لا للنوع كي ينقطع حكم استصحاب النجاسة فيهما.

و دعوى طهارتهما- استناداً للإجماع المنقول من الشيخ على الطهارة(1)، وللرواية المطهّرة للجصّ بالنار(2)، ولأصالة الطهارة في مقام الشكّ، ولمعارضة استصحاب نجاسة المحلّ لاستصحاب طهارة الملاقي - ضعيفةٌ ؛ لضعف الإجماع المنقول بعد العلم بضعف مستنده وفتوى جمع من الفحول(3)بخلافه، وضعف دلالة الرواية على المطلوب بعد ما قدّمنا من بيان معناها.

والأخذ بمجرّد قوله(عليه السلام): «الماء والنار طهّراه»(4)، بأن يجعل كلّ ماء ونار مطهّرين ويترك ما يفهم من سياقها ومن السؤال المتضمّنة له بعيدٌ كل البُعْد؛ لصيرورة هذه الفقرة كالمجمل بعد ملاحظة سياقها والسؤال، فلا يصلح التمسّك بها لإثبات طهارة ما نحن فيه أو العجين مثلاً إذا خبز أو غير ذلك.

وأمّا الطعن في الاستصحاب فهو أضعف شيء في الباب؛ لعموم أدلّته لما ثبت بالإجماع أو بغيره من الأدلّة، ولما كان الشكّ فيه في عروض القادح أو قدح العارض.


1) الخلاف 1 499 - 500، المسألة 239

2) تقدّم تخريجها في الهامش ( 4 ) من ص 529.

3) منهم: الشهيد في الدروس الشرعيّة :1 : 125؛ وذكرى الشيعة 1: 130؛ والشهيد الثاني في الروضة البهيّة 1: 67؛ ومسالك الأفهام 1: 130.

4) تقدّم تخريجه في الهامش (4) من ص 529.

وأمّا استصحاب طهارة الملاقي فاستصحاب نجاسة المحلّ وارد عليه، والوارد حاكم على المورود عليه.

وكذلك العجين النجس، سواء جفّت رطوبته أو بقي رطباً؛ للاستصحاب، وفتوى أكثر الأصحاب(1)، والأخبار:

كالصحيح الآمر ببيعه ممّن يستحلّ الميتة(2).

والآخَر الآمر بدفنه وعدم بيعه(3).

والآخَر الدالّ على أنّه فسد وأنّه يباع على اليهود والنصارى بعد ما تبيّن لهم(4).

نعم، في الصحيح عن ابن أبي عمير في عجين خبز وعلم أنّ الماء كانت فيه ميتة، قال: «إذا أصابته النار فلا بأس»(5).

و في آخَر في عجين عجن بماء بئر يموت فيها الفأرة أو غيرها من الدوابّ، قال: «إذا أصابته النار فلا بأس بأكله»(6).

وكلاهما لا يقاومان ما قدّمنا ، مضافاً إلى احتمال كون الميتة ميتة ما لا نفس له، وكون البئر غير متغيّرةٍ بالنجاسة.

والظاهر أنّ بيعه جائز؛ لأنّه ليس من المائعات التي لا تقبل التطهير، بل يمكن تطهيره و انتفاع الدوابّ به.

والأمر ببيعه على اليهود والنصارى بعد إعلامهم محمول على الندب ؛ لأنّ شبيه الشيء منجذب إليه، وكذا الأمر بدفنه؛ لحسن تخليص المسلمين من وقوعهم في استعمال النجس.

خامسها: الاستحالۀ

وهي الانتقال من حقيقةٍ إلى حقيقةٍ أُخرى، لا مجرّد طريان اسم آخَر، كالحنطة والدقيق والعجين والخبز.


1) كما في مدارك الأحكام 2: 369 ، وذهب إليه صاحب المدارك فيه؛ وكذا المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 453.

2) وسائل الشيعة 1: 242 - 243 ، الباب 11 من أبواب الأسار، ح 1.

3) المصدر: 243، ح 2.

4) المصدر 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، ح 8.

5) المصدر 1 :175 الباب 14 من أبواب الماء المطلق، ح 18.

6) المصدر ، ح 17.

وهي مطهّرة في الجملة إجماعاً محصّلاً ومنقولاً(1)، بل كلّ ما دلّ على طهارة الأشياء، أو طهارة المستحيل إليه من ملحٍ، كاستحالة الكلب ملحاً، أو حيوانٍ، كاستحالة النطفة حيواناً، أو دوداً، وترابٍ كاستحالة العذرة أو الميتة أو الدم دوداً أو تراباً، أو روث حيوان آخَر أو دمه أو فضلته، كاستحالة الماء النجس بولاً لما يؤكل لحمه، أو الطعام النجس روثاً له، أو الدم النجس دماً لما ليس له نفس سائلة، كالبقّ والبرغوث، أو جزء من البقول والخضروات،كاستحالة الماء النجس جزءاً من ماء الزرع، أو الخضر وهكذا.

واستصحاب وصف النجاسة هاهنا مقطوع أيضاً؛ لتبدّل الموضوع عرفاً، وانقطاع الاستصحاب بتبدّله، ولا يدور الأمر في الاستصحاب مدار تبدّل الموضوع حقيقة واقعيّة؛ لأنه أمر لا يعلمه إلّا علّام الغيوب، ولا مدار تبدل الأسماء فقط؛ لعدم تبدّل الموضوعات العرفيّة بتبدّلها.

وهذا كلّه في عين النجاسة الدائر وصف النجاسة مدار نوعها ظاهراً، وأمّا المتنجّس الدائر وصف النجاسة مدار شخصه وذاته، فإنّ استصحاب النجاسة فيه غير منقطع، وتبدّل موضوعه لا يدلّ على تبدّل حكمه اللاحق، لا من حيثيّة نفسه بل من حيثيّة لحوق وصف خارجيّ مشكوك في بقائه في الآن الثاني، بل يجري فيه الاستصحاب.

فعلى ما ذكرنا فاستحالة المتنجّس لا تقضي بطهارته من جهة الاستصحاب للنجاسة، مع عدم القطع بالمزيل، ولكنّ الإجماع والسيرة القطعيّة قاضيان بطهارة المستحيل من المتنجّس استحالةً لا يبعد عنها الموضوع الأوّل أصلاً ورأساً، كاستحالة الماء النجس بولاً لحيوان أو لبناً، والطعام النجس روثاً، أو الخبز النجس دوداً، والماء النجس جزءاً من زرع أو بقل أو خضر أو شبه ذلك.

وهذا لا إشكال فيه، كما لا إشكال في بقاء النجاسة لو استحال الحطب أو الحجر أو اللحم أو الطعام المتنجّسات رماداً أو فحماً على الظاهر.

ويبقى الإشكال في مثل استحالة الحطب النجس دخاناً ، أو الماء النجس بخاراً، أو الدهن النجس دخاناً ، سيّما لو عاد الدخان جرماً والبخار ماءً، وهكذا.

ولا يبعد هنا الطهارة أيضاً؛ للزوم العسر والحرج لولا ذلك، ولتوفّر الدواعي إلى بيان


1) منتهى المطلب 3: 286

حكم النجاسة فيه لو كان نجساً، وليس في الأخبار منه عين ولا أثر، وللسيرة القاضية بالطهارة، كما قضت بها في القسم الأوّل، والمقام يحتاج إلى تأمّلٍ في المقام.

ويشترط في طهارة الكلب في المملحة عدم انفعالها به وإلّا بقى حكم النجاسة، كما أنّ محلّ العذرة الرطبة عند استحالتها باقٍ على حكمه، والطهارة بالتبعيّة هنا غير معقولة، ولا دليل عليها.

وكثير ممّا ذكرنا يمكن إدخاله في الانتقال لا في الاستحالة، ويكون الدليل عليه ما ذكرنا.

سادسها: الانقلاب

الانقلاب من المطهّرات للإجماع بقسميه(1)، ولما مرّ في الاستحالة، وللأخبار الدالّة على طهارة الخمر عند انقلابه خَلاًّ، وظاهرها عدم الفرق بين انقلابه بنفسه أو بعلاج: كحسن زرارة عن الخمر يجعل خَلاًّ، قال: «لا بأس»(2).

وفي الموثّق عن العصير يصير خَلّاً، قال: «إذا تحوّل عن اسم الخمر فلا بأس»(3).

وفي آخر: العصير يصبّ عليه الخَلّ أو شيء يغيّره حتّى يصير خَلّاً، قال: «لا بأس»(4).

وفي آخّر عن الخمر: «خذها وأفسدها»(5).

ويطهر ما يعالج به تبعاً لطهارتها، وكذا أوانيها وآلاتها؛ لإطلاق الأدلّة، ولمكان التلازم بين طهارة الحال والمحلّ. ولا فرق بين استحالة ما يعالج به خمراً أو لا، وبين استحالته خَلّاً قبل استحالتها أو بعدها، وبين عدم استحالته؛ لما ذكرناه.

نعم ، لو طُرحت فيها أجسام طاهرة لا للعلاج فتنجّست فيها ، فإن استحالت معها خَلّاً فالظاهر طهارتها؛ لعدم زيادة الفرع على الأصل.

ويحتمل بقاؤها على النجاسة؛ لأنّ المتيقّن من طهارة الخمر بالانقلاب وطهارة الآلات والأواني هو ما إذا انفرد لنفسه أو جامعه ما يعالج به لا مطلقاً.


1) منتهى المطلب :3: 286؛ المهذب البارع 4: 240: كشف اللثام 466:1

2) وسائل الشيعة -25 370 - 371 ، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 3.

3) المصدر: 371، ح 5.

4) المصدر : 372، ح 8.

5) المصدر: 371، ح 6.

وإن لم تستحلّ معها خلاً، فوجهان: من طهارتها تبعاً، كالأواني والآلات؛ ومن استصحاب حكم نجاستها فينجس الخَلّ بها، والأحوط الأخير.

ولو وقعت فيها أجسام ،نجسة، فإن كانت للعلاج واستحالت خمراً ثمّ استحالت معها خَلّاً فالأظهر الطهارة؛ وإن لم تستحل معها خَلاًّ فوجهان، والأحوط الحكم بالنجاسة.

و إن لم تكن للعلاج فإن استحالت خمراً ثمّ استحالت خَلّاً، فالأظهر: الطهارة، وإن لم تستحل خمراً بل استحالت معها خَلّاً ،فوجهان، أحوطهما النجاسة. وإن بقيت من دون استحالةٍ، فلا يبعد الحكم بالنجاسة؛ استصحاباً لحكمها فيتنجّس الخلّ به.

هذا لو كانت أجسام متنجّسة، ولو كانت أجسام نجسة عيناً فبقيت غير مستحيلة إلى حين التخليل فلا شكّ بتنجّس الخَلّ منها.

وكحكم الخمر حكم العصير في طهارته بالتخليل؛ للرواية (1)وفتوى الأصحاب، بل ربما يدّعى أنّه أولى من الخمر في حصول الطهارة بتخليله.

ولا يتفاوت في تطهير الخمر بالعلاج بين صبّ الخمر على الخَلّ وصبّه على الخمر؛ وبين غلبة الخمر على الخَلّ والعكس، وبين استهلاك الخمر في الخَلّ؛ وبين العكس؛ لإطلاق الروايات(2)والفتوى في طهارة الخمر بالعلاج الذي منه الامتزاج الصادق على الكثير والقليل، وحينئذٍ فيظهر الكثير من الخمر بعد تنجيسه بوضع قليل من الخَلّ عليه لو انقلب ذلك الخمر خَلّاً.

وطريق معرفة انقلاب الخمر خَلّاً عند الاشتباه القطع به عند أهل المعرفة والعمل، وإلّا فيجب الانتظار إلى زمن القطع ، ولا يكفي في معرفة الانقلاب انقلاب الخمرة الصرفة إذا وقع الشك في انقلاب الممزوجة، كما عن الشيخ (3)، ودلّت عليه رواية(4)لضعف الرواية بإعراض الأصحاب عنها، ونقل الإجماع على خلافها(5)، بل لا بدّ من القطع بانقلاب الممزوجة، سواء انقلبت الصرفة المأخوذة منها أم لا، وعلى ذلك فلو أُدير خمر من إناء على إناء فيه خلّ وجب


1) وسائل الشيعة 25: 371 و 372، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 5 و 8.

2) راجع المصدر : 370، نفس الباب.

3) النهاية: 592 - 593

4) وسائل الشيعة 25: 372 الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 8.

5) رياض المسائل 13 :489

انتظار الإناء الثاني إلى استحالة الخمر فيه، ولا يدور الحكم باستحالته مدار انقلاب الخمر المأخوذ منه، فإن استحال استحال، وإلّا فلا.

واعلم أنّه قد ورد في بعض الأخبار الصحيحة والموثّقة المنع من الخمر المعالج بالخَلّ، وأنّ الحلال هو ما يجيء من قِبَل نفسه(1).

ولكنّه ضعيف عن مقاومة الأخبار المتقدّمة المنجبرة بالفتوى وظاهر الإجماع، فتُحمل هذه الأخبار على الكراهة، أو على ما يغلب عليها من الخَلّ فيظنّ الانقلاب وليس كذلك ، أو على ما كان المعالج به نجساً ، أو على ما كان المعالج قبل علاجه نجساً بغير النجاسة الخمريّة.

سابعها: الإسلام

الإسلام مطهّر للكافر؛ إجماعاً محصلاً ومنقولاً(2)، ولفوات وصف الكفر المقتضي للنجاسة عند الإسلام فيتبعه حكم النجاسة، ولا يجري الاستصحاب هنا؛ لتبدّل الموضوع؛ لأنّ الحكم معلّق على النوع، لا على الشخص نفسه، ولأنّ الإسلام يجبپُ ما قبله(3)، وسؤره أحبّ من ركو أبيض مخمر(4).

ويتبعه في الطهارة عرقه و رطوباته المتّصلة به، بل ولا يبعد إلحاق ثيابه المتّصلة به حال الإسلام. وأمّا ثيابه المنفصلة وفراشه وأوانيه وجميع ما باشره حال الكفر فالظاهر بقاؤها على النجاسة.

وهذا الحكم جارٍ في جميع أنواع الكفر إذا أسلم عنها صاحبها، ما عدا المرتدّ الفطري الذي لا توبة له، فإنّه يبقى على نجاسته، ويتعلّق به الخطاب بالإسلام والخطاب بالفروع وإن لم يمكن وقوعها منه ؛ لوقوع نفسه في ذلك بالاختيار ، وما بالاختيار لا ينافي الاختيار ، ولا نريد بتعلّق الخطاب والتكليف به الحقيقيّين كي يلزم التكليف بالمحال، وخلوّ الخطاب عن الفائدة- كما أورده بعضهم- بل نريد به الخطاب العقابي، بمعنى أنّه يعاقب على ترك الإسلام


1) وسائل الشيعة 25: 371 - 372، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 7.

2) منتهى المطلب : 225؛ ذكرى الشيعة 1: 131.

3) كما في مستدرك الوسائل 7: 448 - 449، الباب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 2 و 3.

4) كما في وسائل الشيعة 1: 210، الباب 8 من أبواب الماء المضاف والمستعمل، ح 3.

والفروع وإن لم يكونا مقدورين له؛ لصدور الكفر منه بالاختيار.

وقد يقال: إنّ المرتدّ الفطري يقبل منه الإسلام والعبادات ويعود طاهراً بعد إسلامه؛ لعموم أدلّة العقل والنقل الدالّة على حسن التوبة، وفضله تعالى وسعة رحمته، وعموم التكليف لكلّ أحد، وأن المسلم طاهر لا ينجس، وأنّ الله إمّا أن يسقط عنه التكليف أصلاً، وهو مخالف لعموم الكتاب والسنّة، وإمّا أن يكلّفه فيأتي بما كلّف به ومع ذلك لا يقبله منه، فهو منافٍ لظاهر الدليل العقلي والنقلي أيضاً من أنّه لكلّ امرئ ما سعى(1)، ومَنْ يعمل مثقال ذرّة )(2)وإمّا أن يكلّفه بمشروط ولكن لمّا لم يأتِ بشرطه كان فاسداً، فهو أيضاً منافٍ لظواهر الأدلّة العقليّة والنقليّة من قبح الخطاب بالمشروط مع علم الآمر بانتفاء شرطه.

والتزام أنّه قد فوّت الشرط باختياره فيصحّ تعلّق الخطاب به، ممنوعٌ؛ لأنّ التكليف العارض كالتكليف الأصلي لا يجوز تعلّقهما بما لا يطاق.

والتعلّق بأنّ الخطاب والتكليف عقابيّين لا حقيقيّين، خلاف ظاهر الكتاب والسنّة الدالّة على الخطاب والتكليف أوّلاً، وعوده إلى نفي التكليف والخطاب عنه ثانياً، وهو منافٍ لأدلّة العقل والنقل ظاهراً، فلم يبقَ حينئذٍ ما ينطبق على قواعد العدل وعموم الكتاب والسنّة سوى القول بقبول توبته وبصحّة عباداته وبطهارة بدنه؛ لتوقّف صحّة عباداته عليها، ولدخوله في المسلمين المحكوم بطهارتهم.

وما دلّ على وجوب قتله ، وبينونة زوجته وقسمة مواريثه مطلقاً(3)، لا يدلّ على نجاسته، ولا على بقاء كفره؛ لجواز عدم قبول توبته بالنسبة إلى الأحكام الثلاثة الأُول دون الطهارة والنجاسة، ودون قبول توبته باطناً، ودون قبول عباداته واقعاً؛ جمعاً بين ما قضت به القواعد وبين ما دلّت عليه الأخبار من لزوم قتله، وبينونة زوجته، وقسمة مواريثه، والمقام لا يخلو من إشكالٍ.

ثامنها: زوال عين النجاسة عن بدن الحیوان

زوال عين النجاسة الخارجيّة والداخليّة عن بدن الحيوان الصامت مطهّرٌ له؛


1) اقتباس من الآية 39 من سورة النجم (53).

2) الزلزلة (99): 7

3) وسائل الشيعة ،28 :323 - 324 ، الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ، ح 2 و 3.

لفتوى الأصحاب، والإجماعات المنقولة(1)في الباب، ولزوم العسر والحرج المنفيّين(2)لولاه، والسيرة المستقيمة القطعيّة على مباشرة الحيوان مع العلم بتلويث رِجْليه ويديه وتلويث مخرجيه من عذرةٍ أو بولٍ أو منيٍّ، وتلويث فمه من أكل الجيف والعذرات، وتلويث جسمه بالدم والقذرات مع عدم بقائها وزوالها - من دون غَسْلٍ عن المباشرة وتجنّبٍ عن ماء شربت منه أو وقعت فيه، مضافاً إلى ما جاء في الأخبار من طهارة سؤر الهّرة ونحوها (3)، وطهارة الطير إلّا أن يرى في منقاره دماً(4)، ونحو ذلك، بل قد يدّعى أنّ بدن الحيوان لا يتنجس أصلاً ورأساً؛ لأنّ دعوى أن كل نجس ينجس كلّ شيء حتى الحيوان محلٌ كلامٍ، والاستقراء والإجماع الدالّان على نجاسة المتنجّسات وكذا الأخبار عامّةٌ لغير الحيوان، وشمولها للحيوان غير ثابت من نصٍّ أو إجماعٍ، والأصل الطهارة.

تاسعها: زوال العين النجسة من الباطن

زوال العين النجسة من الباطن مطهّر له؛ لفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(5)في الباب، وللموثّق فيمن يسيل من أنفه الدم هل عليه أن يغسل باطنه؟ فقال: «إنّما عليه أن يغسل ما ظهر منه»(6)، وللخبرين الدالّين على أنّ اللازم غسل ما ظهر من المقعدة دون ما بطن(7)، ونفي الغسل في الأخبار بضميمة كلام الأخيار يدلّ على الطهارة، كما يدلّ لزوم الغسل على النجاسة.

واحتمال سقوط الغسل عفواً عن النجاسة في الصلاة بعيدٌ عن سياق الرواية وفتوى الأصحاب، بل ربما يقال بلزوم الإغراء بالجهل لو كانت النجاسة باقيةً؛ لظهور السؤال في الخبر عن النجاسة وجواز المباشرة، لا عن جواز الصلاة فيها وعدمه.

ويدلّ على الحكم المزبور السيرة القطعيّة بعدم غسل ما باشره الباطن المارّ عليه شيء


1) منها: ما في الخلاف 203:1 - 204، المسألة 167.

2) البقرة (2) 185: الحجّ (22): 78

3) وسائل الشيعة 1: 227 - 228، الباب 2 من أبواب الأسآر، ح 1 - 5، و 231، الباب 5 من تلك الأبواب.

4) المصدر: 230 - 231، الباب 4 من أبواب الأسار، ح 2 - 4.

5) معالم الدين (قسم الفقه) 2: 796؛ بحار الأنوار 77 :131.

6) وسائل الشيعة 3: 438 ، الباب 24 من أبواب النجاسات، ح 5.

7) المصدر: 437 - 438، ح 6.1

من النجاسات من مذي أو ودي أو قيح، من قُبل أو دُبر، ولم نرَ أحداً غَسل باطن عينه أو باطن أنفه أو أُذنه إلّا أُعيب عليه ونُسب للوسواس.

بل ربما يدّعى أنّ الباطن لا ينجس كي يحتاج إلى التطهير؛ إذ لا عموم في أنّ كلّ نجس ينجّس كلّ شيء، وليس إلّا الإجماع والاستقراء، وهُما ممنوعان في المقام.

وربما يقال زيادةً على ذلك: إنّ النجاسة ما دامت في الباطن ليست نجسةً؛ لأنّه لا يقال عرفاً للحيوان: إنّه حامل للنجاسة، ولا يقال: إنّه أدخل نجاسةً غير ملوّثة لمسجدٍ وشبهه، أو صلّى بنجاسةٍ محمولة مثلاً، أو أنّها نجسة لا تنجس؛ لعدم عمومٍ أو إجماعٍ دالين على أنّ كلّ نجاسة في كلّ محلّ تنجس.

والأدلّة الدالّة على تنجيس النجاسات منصرفة إلى النجاسات الخارجة عن محلّها، لا الكائنة فيها، سيّما فيما لم تخرج من باطن إلى آخَر، كالعذرة في المعدة والدم في الجلد.

نعم، لو انتقل من باطن إلى آخَر- كدَم الأضراس النازل إلى الفم، والصدر الصاعد إليه، أو دم الدماغ النازل إلى الفم أو الأنف، ونحو ذلك -كان القول بنجاسته وتنجيسه لما يدخل إليه من الخارج، وإن خرج غير متلوّث له وجهٌ قويّ، وأمّا نفس الباطن فلا ينجس به قطعاً.

وعلى ما ذكرنا فالأحوط تنظيف ما يكون بين الأسنان من الغذاء لو لاقته نجاسة من الفم، أو لاقته نجاسة في الفم دخلت إليه من الخارج؛ لأنّ ما يدخل في الباطن من الخارج غير ما يكون باطناً، ويشتدّ الاحتياط فيما لو كانت النجاسة من خارجٍ والمتنجّس من الخارج أيضاً.

والفرق بين الظاهر والباطن عرفيٌّ، ومع الشكّ فوجهان: من التمسّك بأصالة الطهارة، وتوقّف الحكم بالتنجيس على الظاهر، ولم يثبت ومن ظواهر الأمر بغسل الملاقي للنجاسة، خرج الباطن قطعاً، ويبقى المشكوك به، وهو الأحوط.

فعلى ذلك ما يكون بين الظفر واللحم ينبغي الاحتياط بغسله، بل لا يبعد الوجوب.

وتكفي في غسله الإصابة دون الإجراء؛ للسيرة، ورفع العسر والحرج. وكذا تكفي الإصابة في غسل الوسخ الكائن بينهما، ولا يحتاج إلى تخليله وقلعه؛ لما ذكرنا.

ولو عاد الباطن ظاهراً، جرى عليه حكم الظاهر، ولو انعكس بعد أن تنجّس فلا يبعد أنّه كذلك، والأحوط غسله.

وباطن الجرح لا يبعد أنّه من الباطن، ولكنّ الاحتياط في غسله؛ لأنّه بانشقاقه عاد كالظاهر.

عاشرها: الغيبة من المسلم

الغيبة من المسلم الناظر- سواء كان حاضراً أو غاب حقيقة - مطهّرة لبدنه؛ مع احتمال التطهير منه وعلمه بالنجاسة، سواء أخبر بطهارته أم لم يخبر.

ولو لم يحتمل التطهير في حقّه، أو احتمل ولكن أخبر بالنجاسة، أو كان لم يعلم بالنجاسة، فالأقوى في جميع الصور الحكم ببقاء نجاسته، كما أنّه لو أخبر بالتطهير حكم بطهارته.

وربما يلحق به الفعل القائم مقام القول من الدخول في المشروط بالطهارة.

والدليل على الطهارة فيما ذكرنا سيرة المسلمين، وطريقتهم المستقيمة على مباشرة مَنْ عُلمت نجاسته في وقتٍ سابق من دون سؤالٍ أو استفصال حالٍ، بل لو سأل عن ذلك سائل لعُدّ من أهل الوسواس، ولأنّا نعلم أنّ كلّ أحدٍ يبول ويتغوّط ويباشر النجاسة ويمني، وتحيض المرأة وتستحاض وتباشر ولدها، وغير ذلك من مباشرة أنواع النجاسات ليلاً ونهاراً، ومع ذلك نباشرهم أكلاً وشرباً، ولو دخل أحدهم في ماءٍ قليل أو صبّه على جسمه لباشرناه من غير إنكارٍ من أحدٍ من العلماء، بل المحتاطين أيضاً، ونقطع أنّ هذا الأمر متلقّى يداً عن يدٍ إلى بدء الإسلام، بل لا يبعد تسرية السيرة لثياب المسلم اللابس لها، ولفراشه المستعمل له بل لا يبعد تسريتها إلى غيبته مع جهله بالنجاسة وعدم علمه بها في بدن أو ثوب.

ولكنّ الاحتياط في عدم قطع الاستصحاب بغير ما يقطع به، وإن استوجهه جماعة وأيّدوه باستصحاب طهارة الملاقي والسيرة ،ولكن قد عرفت ما في استصحاب طهارة الملاقي، والسيرة مع الجهل يشكّ في تحقّقها، فالاحتياط الشديد فيما ذكرنا.

والأعمى كلّ أحدٍ غائبٌ بالنسبة إليه مع احتمال التطهير.

وقد يحصل القطع بالحكم بالطهارة في الغيبة الطويلة من المسلم مع جهله بالنجاسة من السيرة القاطعة ، أيضاً، وكذلك الحكم بطهارة المجانين والأطفال مع غيبتهم الطويلة عن الإنسان ورجوعهم مع عدم تحقّق العلم منهم بالنجاسة.

حادي عشرها: ذهاب الثلثين مطهّر للعصير بالشمس أو النار

ذهاب الثلثين مطهّر للعصير إذا كان بالشمس أو النار ؛ للإجماع

والأخبار(1)، ولو كان بغيرهما، فإن كان مع الغليان فالظاهر أنّه مثلهما، وإن كان بدونه- كتصفيق الرياح- فالأظهر أنّه لا عبرة به.

ثاني عشرها: زوال التغيير مطهّر للماء مع اتّصاله بالمعصوم، أو بلوغه كُرّاً

زوال التغيير مطهّر للماء مع اتّصاله بالمعصوم، أو بلوغه كُرّا على وجهٍ.

ثالث عشرها: نزح جميع البئر مع التغيير وكذا نزح المقادير

نزح جميع البئر مع التغيير مطهّر لها، وكذا نزح المقادير على القول بنجاستها.

رابع عشرها: مطهّریۀ خروج دم الذبيحة لباقي الدم المتخلّف فيها

خروج دم المذبح بتمامه مطهّر لباقي الدم المتخلّف في الذبيحة إجماعاً، وكذا دم النحر، وهو فيما يؤكل لحمه ممّا تخلّف فيما يؤكل منه لا إشكال فيه، وفي غير المأكول اللحم، أو في المأكول إذا تخلّف فيما لا يؤكل -كالطحال - إشكالٌ، والأحوط تجنّبهما.

خامس عشرها: تطهیر الحجر وما شابهه لمخرج الغائط

الحجر وما شابهه من آلات الاستنجاء مطهّرة لمخرج الغائط بالنصّ(2)والإجماع.

سادس عشرها: الانتقال

الانتقال مطهّر وإن لم تتحقّق معه الاستحالة، كانتقال دم الإنسان لحيوانٍ آخَر بحيث صار جزءاً منه، أو بوله وعذرته لبطن حيوانٍ آخَر، ولكنّ الظاهر هنا اشتراط التغيير والاستحالة بحيث يكون المنتقل جزءاً ممّا انتقل إليه.

ودليل التطهير في الانتقال في الجملة عمومات أدلّة طهارة المنتقل إليه، والسيرة القاضية بالحكم بالطهارة، ونفي العسر والحرج القاضيين بطهارته.

سابع عشرها: استبراء الجلّال

استبراء الجلّال مطهّر لعرقه وبوله وخرئه بما يُسمّى عرفاً أنّه غير جلّال، وأنّه خرج عن ذلك الوصف إلى غيره.

ويحصل استبراء الناقة بأربعين يوماً، والبقرة بعشرين والأربعون أحوط، والبطّة بخمسة، و الدجاجة بثلاثة، والأحوط مراعاة العرف بعد إكمال العدد.

ثامن عشرها: فی أنّ اتّصال الرطوبة بالمسلم عن كفره مطهّر لها

اتّصال الرطوبة بالمسلم عن كفره مطهّر لها وإن لم تكن من بدنه، إجماعاً و يمكن إدخالها فيما يطهر تبعاً.


1) وسائل الشيعة 25: 282 و 288 ، الباب 2 و 5 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 1.

2) المصدر 1 : 348 ، الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة .

تاسع عشرها: فی أنّ انفصال ماء الغسالة مطهّر للرطوبة الباقية على المحلّ المغسول

انفصال ماء الغسالة مطهّر للرطوبة الباقية على المحلّ المغسول بعد نجاسته، وكذا الماء المتقاطر عادة بعد انفصال الماء الذي يغسل به.

العشرون: التبعيّة

التبعيّة مطهّرة لآلات العصير بعد طهره، ولأواني الخمر بعد استحالته، ولآلات البئر بعد نزحها وحواشيها، بل وثياب النازح، ولِيَدَي غاسل الميّت، بل وثيابه، ولساجة الميّت وآلة التقليب بعد غسله، ولثياب الكافر، ولأولاده الصغار عند إسلامه، بل ولمملوكه.

والحكم في الجملة إجماعيٌّ، وتدلّ السيرة على جملةٍ ممّا ذكرناه من الأفراد، إلّا أنّه ينبغي الاحتياط في كثير من الموارد وتفصيلها في مواردها إن شاء الله تعالى.

و لو قلنا: إنّ التيمّم للميّت قائم مقام الغسل، كان من جملة المطهّرات.

القول في أحكام التطهير بالماء

و فيه مباحث:

أحدها: وجوب تطهير البدن والثوب عن البول بالغسل بالماء مرّتين

يجب تطهير البدن والثوب عن البول في غير الاستنجاء وبول الصبيّ بالغسل بالماء مرّتين عرفاً؛ لمنقول الإجماع(1)، وفتوى المشهور، والاحتياط، واستصحاب النجاسة، إلّا مع القطع بالمزيل، والأخبار المتكثّرة:

ففي أحدها: البول يصيب الجسد، قال: «صبّ عليه الماء مرّتين»، والثوب يصيبه البول، قال: «اغسله مرّتين»(2).

وفي الآخَر: الثوب يصيبه البول، قال: «اغسله مرّتين»(3).

وفي الثالث: الثوب يصيبه البول، قال: «اغسله في المركن مرّتين، فإن غسلته في ماءٍ جارٍ فمرّة»(4).

وفي الرابع: البول يصيب الثوب، قال: «اغسله مرّتين»(5).

وفي الخامس: البول يصيب الجسد، قال:« صبّ عليه الماء مرّتين»، والثوب يصيبه البول، قال: «اغسله مرّتين»(6).


1) المعتبر 1: 435

2) وسائل الشيعة 3: 395 - 396، الباب 1 من أبواب النجاسات، ح 4.

3) المصدر: 395، ح 1.

4) المصدر : 397، الباب 2 من أبواب النجاسات، ح 1.

5) المصدر : 395، الباب 1 من أبواب النجاسات، ح 2.

6) المصدر: 396، ح 7.

فمن اكتفى بالمرّة- كالعلّامة(رحمۀ الله علیه)(1)- لإطلاق الأمر، ولحصول التنظيف المطلوب من الغسل بها، أو اكتفى بالمرّة في البدن دون الثوب لما ذكرناه في البدن، ولورود الصحاح في لزوم التثنية في الثوب محجوجان بالأخبار المنجبرة بفتوى الأصحاب والاحتياط والإجماع المنقول والاستصحاب.

والشكّ في الاستصحاب وجَعْل هذا ممّا تعلّق الشك به ابتداءً؛ لوقوع الشكّ في وجوب المرّة أو المرّتين والأصل البراءة من التكليف الزائد لا وجه له بعد ثبوت حجّيّة الاستصحاب، وأنّ الشغل اليقيني محتاج إلى الفراغ اليقيني، وأنّه لا فرق بين الشكّ في عروض الفادح أو قدح العارض؛ فينقطع أصل البراءة حينئذٍ بالاستصحاب المحكّم في مثل هذا المقام.

وأمّا ما جاء من الإطلاق فمحمولٌ على المقيّد؛ جمعاً.

واحتمال أنّ لفظ «مرّتين» من كلام الراوي، بعيدٌ عن سياق الأخبار، سيّما رواية المركن(2).

نعم، الاكتفاء في الاستنجاء من البول بمرّة واحدة قويّ؛ لانصراف هذه الأخبار الآمرة بالمرّتين لغير مورد الاستنجاء، ولفتوى جملة من الأصحاب (3)الموجبين للمرّتين هاهنا بالمرّة هناك؛ لظهور الأخبار هناك بالمرّة، كقوله(عليه السلام) في حد الاستنجاء: «حتى ينقى ما ثمّة»(4)وقوله: «يجزئ مِثْلا ما على الحشفة» (5)، وظاهره أنّ المثلين لتحقيق الغسل الواحد، لا أنه كناية عن الغسلتين؛ لعدم تحقق الغسل بالمثل، ولقوله(عليه السلام)فى المرسل: «يجزئ من البول أن يغسله بمثله»(6)ولإطلاقات الأمر بالغسل من دون بيانٍ أصلاً، وحينئذٍ فتخصيص هذه الأخبار بغير الاستنجاء قويّ جدّاً.

ويبقى الإشكال في أُمور:

منها: أنّه هل يلحق بالبدن غيره من الأجسام الصلبة، وبالثوب غيره من الأجسام الرخوة، أم لا؟


1) قواعد الأحكام 1: 193؛ نهاية الإحكام 1: 277

2) تقدّم الرواية مع تخريجها آنفاً في ص 543، الهامش ( 4 ).

3) منهم السيّد المرتضى في الانتصار : 97 المسألة :7؛ والشيخ الطوسي في الجُمل والعقود (ضمن الرسائل العشر): 157؛ وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 127؛ وابن إدريس في السرائر 96:1.

4) وسائل الشيعة 1: 322، الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1.

5) المصدر: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، ح 5.

6) المصدر، ح 7.

والوجه: الإلحاق؛ لاستصحاب النجاسة وعدم زوالها إلّا بالمزيل القطعي، ولتنقيح المناط؛ لظهور أنّ الثوب مثال لغيره، والبدن كذلك، وتخصيصهما بالذكر ؛ لغلبة دورانهما والاحتياج إليهما في التطهير والتنجيس.

و إطلاقات الأمر بالغسل مقيّدة بما ذكرنا، ولا أقلّ أنّ ما ذكرناه ممّا يوهن الظنّ بالإطلاق، فلا يكون حجّة فيه، سيّما والظاهر أنّ فتوى المشهور على ذلك أيضاً.

و منها: أنّه هل يكفي التقدير في المرّتين؛ لتنزيل قدر زمانهما منزلتهما، ولأنّ العلّة إرادة التنظيف بهما وهو حاصل في التقديري، ولأنّ استمرار الماء بقدر المرّتين وقدر القطع الحاصل بينهما أقوى من المرّتين المفصول بينهما من غير ماء، ولما نقل عن الشهيد أنّه روى أنّ الغسلتين إحداهما للإزالة والأُخرى للإنقاء(1)، وذلك حاصل في التعدّد التقديري، ولأنّه من البعيد أنّ إجراء الماء زمناً طويلاً لا يفيد مفاد إجرائه في زمانين قصيرين بينهما انقطاع في الجملة، أو لايكفي؛ ؛ أخذاً بظاهر الدليل مع تحكّم استصحاب النجاسة، فيجب الاقتصار على المنصوص؟ وجهان، أقواهما: هذا فيما لا يحتاج إلى عصر، وأمّا ما يحتاج إلى عصر فيكفي فيه التعدّد التقديري في الصبّ دون العصر؛ لافتقار العصر إلى تحقّقه حسّاً، ولا معنى للاكتفاء بالعصر التقديري قطعاً.

ومنها: أن حكم التعدّد هل يخصّ القليل فقط ؟ لظهور الأخبار(2)به، ولرواية (3)المركن، و حكم الكثير الراكد حكم الجاري في سائر الأحكام، ولأنّ النجاسة لو دخلت بنفسها للكثير لاستهلکت به فكيف لو دخلت مستهلكةً في المتنجّس، ولإطلاق أدلّة الغسل، خرج القليل؛ لانصراف أخبار المرّتين إليه، وبقي الباقي، وللسيرة القاضية بطهارة الأجسام عند ملاقاتها للكثير من غير اعتبار التعدّد، كأراضي الحياض والحمّامات والأنهار والآبار وغيرهنّ، حتّى يعدّون الملزم للتعدّد من أهل الوسواس، أو يخصّ الراكد فقط ولو كان كثيراً؛ لاختصاص الرواية بالجاري فلا يتسرّى إلى غيره، أو لا بدّ من التعدّد في الكلّ، لإطلاق الأخبار، واستصحاب النجاسة، أو الفرق بين ما تعاقب الجريان فيه فيطهر بالمرّة؛ لكونه كالمتعدّد، وكذا ما حرّك


1) ذكرى الشيعة 1: 124

2) راجع ص 543.

3) تقدم تخريجها في ص 543 الهامش (4)

الإناء فيه من الكثير، وبين ما لم يتعاقب فيحتاج إلى التعدّد؟ وجوه وأقوال، أقواها: الأوّل. ويؤيّده أنّه فتوى المشهور، وربما يظهر من بعضهم(1)نقل الإجماع عليه.

ولا يتفاوت في هذا الحكم بين ما يحتاج إلى العصر وبين ما لا يحتاج إليه.

و منها: أنّ حكم التعدّد هل يختصّ ببول الإنسان؟ لانصراف الأخبار إليه، وأصالة البراءة من التعدّد، أو يعمّ كلّ بولٍ ممّا لا يؤكل لحمه؟ لإطلاقها والشكّ في الانصراف؛ لأنّ كثرة الوجود لا تستلزمه، وللاحتياط اللازم بعد ثبوت النجاسة، ولقوله(عليه السلام)عن بول السنّور والكلب والحمار والفرس قال: «كأبوال الإنسان»(2)واشتماله على ما لا نقول به، لا يرفع حجّيّته في الباقي، والأخير أقوى ونُسب للمشهور(3).

ثانيها: عدم وجوب التعدّد في الغسل في غير البول من أنواع النجاسات عدا ما استثني

لا يجب التعدّد في الغسل في غير البول من أنواع النجاسات عدا ما استثني؛ لإطلاق الدليل وفتوى الأصحاب، ويُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ(4)، ولحصول الغرض من التنظيف المقصود من الأمر بالغسل، ووجوب التعدّد في البول للدليل.

وقيل بالوجوب(5)للاحتياط، ولمفهوم الموافقة أو الأولويّة؛ لأنّ غيره أشدّ تأثيراً منه، ولمّا ورد أنّه ذكر المنيّ فشدّده وجعله أشدّ من البول(6)، ولفحوى التعليل في بعض الأخبار في غسل البول مرّتين: «فإنّما هو ماء»(7).

وفي الجميع نظر؛ لمعارضة دليل الاحتياط بما ذكرناه، مضافاً إلى أنّه لو كان حكم سائر النجاسات كذلك لما خفي مع توفّر الدواعي إلى بيانه، ولما خصّ التعدّد في الأخبار بالبول دون غيره، ولإلغاء مفهوم المساواة والأولويّة في أحكام النجاسات، كما يرشد إليه أحكام البئر وغسل الولوغ وشبههما، ولاختصاص الرواية في المنيّ دون غيره، ولظهورها في المبالغة دون الحقيقة، وإلّا لزاد عليه، ولظهورها في شدّة النفرة والنجاسة وهُما لا يستلزمان تعدّد


1) المحقق فی المعتبر 435:1

2) وسائل الشيعة 3: 406، الباب 8 من أبواب النجاسات، ح 7.

3) راجع مدارك الأحكام 2: 336.

4) البقرة (2) 185

5) قال به العلّامة الحلّي في منتهى المطلب 3 :264؛ وتحرير الأحكام 1: 161، الرقم 518.

6) وسائل الشيعة 3 :478 ، الباب 41 من أبواب النجاسات، ح 2.

7) المصدر : 395 - 396، الباب 1 من أبواب النجاسات، ح 4.

الغسل، أو في شدّة اللزوجة المحتاجة إلى فركٍ ودلكٍ ونحوهما، لا إلى مجرّد التكرار، ولعدم ظهور التعليل في الرواية الأخيرة في خفّة البول كي يكون الحكم في غيره أشدّ، فلعلّه تعليل لشدّته ؛ لأنّ الماء ينفذ في الجسم، ويدخل في جميع أقطاره، على أنّه يلزم منه ومن الرواية السابقة زيادة غير البول عليه، ولا قائل به ممّن يُعتدّ به.

ومع ذلك فالاحتياط في التعدّد، سيّما فيما له قوام و ثخن كالمنيّ والدم ممّا لا ينبغي أن يترك، بل أفتى العلّامة الله بلزومه(1).

ثالثها: وجوب العصر في الغسل بالماء القليل في الثياب، وكلّ ما يمكن عصره

يجب العصر في الغَسْل بالماء القليل في الثياب، وكلّ ما يمكن عصره ممّا لا ينحدر عنه ماء الغسالة؛ لصقالته، كالفرش والصوف والشعر والبسط، ويقوم مقام العصر الغمز والليّ والتثقيل فيما لا يمكن عصره، أو مطلقاً.

والدليل على لزومه- بعد فتوى الأصحاب، وظاهر الإجماع المنقول(2)في الباب، والشهرة المحصّلة، وعمل المتشرّعين، واستصحاب حكم النجاسة - أنّ غسل ما يرسب فيه ماء الغسالة لا يتبادر منه إلّا دخول العصر فيه، إمّا لأنّه جزء تضمّنيّ له، أو لأنّه شرط في صدقه، أو لأنّه الفرد الظاهر من الأوامر التي يراد بها التنظيف المنصرف إليه الإطلاق، ولا أقلّ من الشكّ في تحقّق ماهيّة الغسل بدونه، والأصل عدمه؛ لكونه بالنسبة إليه كالمجمل، وما شكّ في جزئيّة جزءٍ عند تعلّق الشكّ في تحقّق الماهيّة والأخبار الفارقة بين الصبّ والغسل -كالخبر الأمر بالصبّ على الجسد والغسل للثوب(3)، والآخَر في بول الصبيّ يصبّ عليه الماء، وإن كان قد أكل فاغسله غسلاً(4)، والآخَر عن الثوب إن أصابه الكلب برطوبة فاغسله، وإن كان جافّاً فصبّ عليه(5)- تدلّ على دخول العصر فيه؛ إذ لا قائل بدخول غيره من المميّزات، على أنّ ماء الغسالة نجس والمتيقّن من تطهيره الثوب، وطهارة ما بقي منه من الأجزاء الماهيّة هو ما كان بعد عصره لا قبله، وأنّ أجزاء النجاسة يستصحب وجودها، ولا يحصل اليقين بخروجها إلّا بيقينٍ عرفيّ أو شرعيّ، كالعصر وشبهه.


1) راجع الهامش ( 5 ) من ص 546.

2) الحدائق الناضرة 5: 365

3) وسائل الشيعة 3: 395 - 396، الباب 1 من أبواب النجاسات، ح 4.

4) المصدر: 397 - 398، الباب 3 من أبواب النجاسات، ح 2.

5) المصدر: 414 - 415، الباب 12 من أبواب النجاسات، ح 1.

والأقوى بعد القول بلزوم العصر : أن يحكم بلزومه بعد كلّ غسلة متعدّدة أو متّحدة، فلا يكفي عصرٌ واحد بين الغسلتين فيما يجب فيه التعدّد، وأن لا يجزئ الجفاف عنه بشمس أو غيرها، وأن يتعقّب الغسل ولا يتراخى عنه بزمان يجفّ به من الماء ما يُعتدّ به، ولا يشترط المبالغة فيه، بل يكفي الحدّ الوسط، وما يخرجه القوي بقوّة بعد ذلك فهو طاهر طهّره الانفصال.

هذا كلّه في الماء القليل، وأمّا الكثير فالأظهر الاكتفاء بمجرّد استيلائه على المتنجّس من دون عصرٍ مطلقاً، إلّا إذا توقّف إخراج أجزاء النجاسة عليه فيلزم من باب المقدّمة، ونُسب (1)إلى المشهور ذلك، بل الظاهر أنّ الشهرة عليه محصّلة، بل قيل: إنّه موضع وفاق(2).

و يدلّ عليه أنّ العصر لإخراج ماء الغسالة النجس والماء لم ينجس في الكثير، وإنّه لإخراج أجزاء النجاسة القاصر عن إخراجها مجرّد انصباب الماء القليل، ولا يبقى جزء غير مستهلك بعد زوال العين في الكثير كي يفتقر إليه، ولأنّ النجاسة لو كانت منفردةً وقد ذهبت عينها لاستهلكت فيه، فبالأولى إذا كانت قائمة بجسمٍ آخَر.

ولكنّه يشكل على ما ذكرنا من دخول العصر في مسمّى الغسل؛ لأنّ الحكم بتفرقة العرف بين دخول العصر في القليل دون الكثير ،تمحّل، سيّما لو كان كلٌّ منهما راكداً ولكن أحدهما كُرٌّ والآخَر دونه بكفٍّ، فإنّ الحكم بتسمية استيلاء الأوّل على الثوب غسلاً - وإن لم يعصر - دون الثاني تحكّمٌ، فإذاً الأحوط العصر في الكثير- سواء كان جارياً أم لا- ولو كان في نفس الماء، كفرك الثوب داخل الماء، ويصير الفرق بين الكثير والقليل هو جواز العصر داخل الماء الكثير دون القليل لو جوّزنا ورود المغسول عليه.

ولا يجب الدلك في غير الثياب ونحوها من جسمٍ أو آنيةٍ، إلّا إذا توقّف إزالة النجاسة عليه؛ لإطلاق الأخبار، وفتوى الأصحاب، وعدم دخوله في مسمّى الغسل، والأصل البراءة منه.

فالقول باعتباره؛ للاستظهار في رفع النجاسة، ولرواية عمّار في قدح الخمر: «لا يجزئه حتّى يدلكه بيده »(3)ضعيف؛ لعدم وجوب الاستظهار، وعدم توقّفه على الدلك، ولضعف الرواية عن مقاومة ما قدّمناه، ولاختصاصها بالخمر وقدح الخشب، ولا يبعد لصوق أجزاءٍ منه فيه موقوف زوالها على الدلك، ولإمكان حملها على الندب؛ جمعاً.


1) الناسب هو السبزواري في كفاية الفقه 1: 72.

2) لم نعثر على قائله.

3) وسائل الشيعة 3 494، الباب 51 من أبواب النجاسات، ح 1.

وقد يظهر من بعض الأخبار وأفتى به بعض الأصحاب(1)اكفاية الصبّ في المحشوّ وشبهه عن التثقيل والغمز.

كقوله(عليه السلام)في الصحيح - عن الفراش المحشوّ، قال: يغسل ما ظهر منه في وجهه»(2).

وفي الموثّق عن الفَرْو وما فيه من الحشو ؟ قال: «اغسل ما أصاب منه، ومسّ الجانب الآخَر، فإن أصبت مسّ شيء منه فاغسله، وإلّا فانضحه بالماء»(3).

وفي الآخَر عن الفراش كثير الصوف فيصيبه البول؟ قال: «يغسل الظاهر، ثمّ يصبّ عليه الماء في المكان الذي أصابه البول حتّى يخرج من جانب الفراش الآخَر»(4).

ولكن حملها على ما أفتى به المشهور ودلّ عليه الاحتياط وساعده العرف من إرادة المعنى الحقيقي من الغسل المذكور فيها - المركّب من الصبّ وإخراج ماء الغسالة بدقٍّ وغمزٍ وشبههما - أولى، سيّما وفي الأخيرين ما يشعر بذلك؛ لمقابلة النضح للغسل في الأوّل والصبّ للغسل في الثاني، وقوله(عليه السلام)فيه: «حتّى يخرج من الجانب الآخَر» وخروج الماء المصبوب بعد صبّه غَسْلُ.

رابعها: سقوط العصر في بول الصبيّ الرضيع

يسقط العصر في بول الصبيّ الرضيع، سواء رضع من حليب أُمّه أو من غيره، من حيوان أو إنسان، على إشكالٍ في الحيوان المسلم دون الكافر، ودون المصاحب للنجاسة الذي لم يأكل الطعام، بحيث كان الأكل له شأناً ودَيْدَناً، كما هو الظاهر من قول القائل: أكل الصبيّ ولم يأكل. ويكفي فيه الصبّ؛ لفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(5)في الباب، والخبر المعتبر عن بول الصبيّ؟ قال: «تصبّ الماء عليه، فإن كان قد أكل فاغسله غسلاً و الغلام والجارية شرع سواء»(6)ولضعف نجاسته، فيناسبه الاجتزاء بالصبّ، ولدليل اليسر(7).


1) كالشهيد الثاني في روض الجنان 446:1.

2) وسائل الشيعة 3: 400 ، الباب 5 من أبواب النجاسات، ح 1.

3) المصدر، ح 2.

4) المصدر: 400 - 401، ح 3.

5) الخلاف 1: 484 - 485، المسألة 229

6) وسائل الشيعة 3: 397 - 398 الباب 3 من أبواب النجاسات، ح 2.

7) البقرة (2) 185.

وما ورد من الأمر بالغسل من بول الصبي في الموثّق(1)محمول على مَنْ يأكل الطعام، أو على إرادة الصبّ من الغسل جمعاً.

وما ورد من الأمر بالعصر بعد الصبّ(2)محمول أيضاً على ذلك، أو على الندب، أو على بقاء عين البول، فيخرج بالعصر حينئذٍ من باب المقدّمة.

ولا يلحق بهذا الحكم الصبيّة ؛ لخروجها عن موضع النصّ، وتسوية الغلام للجارية في الخبر(3)لا تدلّ على تسوية الصبيّ للصبيّة إن لم تدلّ على العدم.

ويحتمل إرادة التسوية في الغسل دون الصبّ.

ويدلّ على عدم التسوية الأخبار الناصّة على أنّ بول الجارية يُغسل منه الثوب وإن لم تطعم، معلّلاً بأنّ لبنها يخرج من مثانة أُمّها(4)، وأنّ بول الصبيّ يُنضح وبول الجارية يُغسل(5)، وأنّه إِنَّما يُغسل من بول الأُنثى(6).

وحكم الخنثى حكم الصبيّة على الظاهر؛ للاحتياط.

ولا يتفاوت الحال في الصبيّ بين كونه في الحولين أو أزيد ما دام لم يتغذَّ بالطعام بحيث يأكله بشهوة وإرادة، سواء شرب معه اللبن أم لا، ولا عبرة بالأكل النادر، وإلّا لزم دخول مَنْ حنّك بالتمر ساعة الميلاد فيه، ولا يلتزمه أحد.

واشترط ابن إدريس كونه في الحولين(7)وهو قويّ؛ لأنّه حدّ الرضاع شرعاً، والمنصرف إليه إطلاق الصبيّ ما لم يأكل، والاحتياط يساعده، إلّا أنّ العمل على ما أطلقه المشهور أقوى.

نعم، لو تجاوز في الرضاع كثيراً إلى سبع سنين أو ثمان، أشكل دخوله في إطلاق الفتوى والنصّ.

وهل يشترط في الصبّ خروج الماء من الجانب الآخَر ؟ للاحتياط، ولنجاسة الماء بالملاقاة فيلزم إخراجه، ولأنّه شُرّع للتنظيف ولا يحصل التنظيف به إلّا أن يخرج و خرج معه الأجزاء


1) وسائل الشيعة 3: 398، الباب 3 من أبواب النجاسات، ح 3.

2) المصدر: 397، ح 1.

3) راجع الهامش (6) من ص 549.

4) وسائل الشيعة 3: 398، الباب 3 من أبواب النجاسات. ح 4.

5) سنن ابن ماجة 1: 175 ح527 سنن الدارقطني 1: 129، ح 3: مسند أحمد 76:1

6) المصدر: 174 ، ح 522؛ سنن أبي داود 1: 102، ح 375.

7) السرائر 1: 187

البوليّة، أو لا يشترط ؟ لإطلاق الفتوى والنصّ في الاجتزاء بالصبّ من دون ذكر الخروج وعدمه، بل الظاهر منه عدم الخروج؛ للأمر بالرشّ والنضح(1)في بعض الأخبار الآمرة بالصبّ، والأمر بالصبّ والنضح هنا في بعض الأخبار(2).

واحتمال أنّ الصبّ في الفتوى والرواية يقابل به الغسل الداخل فيه العصر، لا مجرّد انفصال الماء، فيكون انفصال الماء وخروجه لازماً لما ذكرناه من الأدلّة، بعيد عن الظاهر في كلام الأصحاب وفتواهم، وعن ظهور أنّ هذا الحكم للتخفيف والتسهيل، وعن الأخبار المتضمنة للنضح.

و ربما جعل بعضهم الفرق بين الغسل والصبّ هو انفصال ماء الغسالة بعد استيلائها على المحلّ وتقاطرها في الأوّل وعدمه في الثاني(3).

ولكنّا لا نقول به؛ لاختيارنا أنّ العصر داخل في مفهومه في الماء القليل، سيّما عند استعلائه على المحلّ ، كما أنّ حمل النضح على الاستمرار عليه كي يتكاثر فينفصل من الجانب الآخَر بعيدٌ أيضاً لا نقول به، وحينئذٍ فالأقوى عدم الاشتراط.

وهل يشترط أيضاً استيعاب المحلّ في الصبّ؛ لظاهر الإطلاق، وللاحتياط؟ أو لا يشترط؛ لشمول الأمر للمستوعب وغيره، مضافاً للأمر بالنضح والرشّ على ما روي(4)، وهُما لا يقضيان بالاستيعاب، سيّما الرشّ في عرفنا اليوم، والنضح هو الرشّ على ما فسّره أهل اللغة(5)؟ وجهان، أقواهما: الأوّل؛ لأنّ حمل النضح على صبّ الماء قليلاً، والأخذ بظاهر الفتوى والنصّ من الأمر بالصبّ أولى من حمل الصبّ على الرش الغير القاضي بالاستيعاب؛ لضعف روايته فتوىً وعملاً واحتياطاً.

وهل يسقط التعدّد في بول الصبيّ؛ لظاهر إطلاق الأخبار(6)، وصرّح به بعض الأصحاب(7)، ونقل عليه من بعض المتأخّرين ظاهر الإجماع(8)، ولانصراف الأمر بالمرّتين(9)لبول الكبير ؟


1) راجع الهامش ( 5 ) من ص 550.

2) راجع الهامش (6) من ص 549

3) نهاية الإحكام 1: 289؛ الحدائق الناضرة 5: 388

4) راجع الهامش ( 5 ) من ص 550

5) الصحاح :1: 411: المصباح المنير: 609، «ن ض ح».

6) وسائل الشيعة 3: 397، الباب 2 من أبواب النجاسات.

7) المحقّق في المعتبر 436:1.

8) الحدائق الناضرة 5: 384

9) وسائل الشيعة 3 :395 الباب 1 من أبواب النجاسات.

أو لا يسقط؛ للاحتياط ، ولتخصيص إطلاق الأخبار بما دلّ على المرّتين، والمنع من انصرافها إلى بول الكبير؟ وهذا هو الأقوى.

خامسها: کفایۀ إزالة العين فی الغَسْل

يكفي في الغسل إزالة العين وإن بقي اللون والرائحة؛ لفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(1)في الباب، وقوله(عليه السلام): «حتّى ينقى ما ثمّة» قلت: فإنّه ينقى ما ثمّة ويبقى الريح، قال: «لا ينظر إليها»(2)وفي آخَر في الدم: «لا يضرّك أثره»(3)وفي آخَر: «لا شيء عليه من الريح »(4)ونقل الإجماع على عدم الفرق بين الريح وغيره(5).

وفي الخبرين في دم الحيض الذي لم يذهب أثره: «اصبغيه بمشق»(6)والصبغ غير مطهّرٍ قطعاً، مضافاً إلى أصل البراءة من لزوم إزالة الأثر بعد تحقّق إزالة العين عرفاً المأمور بها في النصّ والفتوى .

نعم، لو بقي للنجاسة أثر عرفاً ناشئ من تخلّف أجزائها الدقيقة في المحلّ، وجب إخراجه ولو بمعاون من صابون أو أشنان ودلكٍ كثير.

ودعوى أنّ الإعراض دليل على بقاء الأجسام فيلزم إزالة الطعم واللون؛ لدلالتها على بقاء الأثر، غير مسموعة بعد ما ذكرناه من أنّ المدار على حصول النجاسة عرفاً وزوالها كذلك، والملازمة الحكميّة لو سلّمناها لا اعتبار بها في الأحكام الشرعيّة.

سادسها: عدم قبول المائع لتطهير مع بقائه على حالته وعدم تغيير صورته

المائع لا يقبل التطهير مع بقائه على حالته وعدم تغيير صورته، سواء كان ماءً مضافاً كماء الورد وشبهه، أو غيره كالدبس والدهن والعسل والشمع، ومثلها العجين والطين؛ لاستصحاب نجاسته، وعدم دليلٍ على إمكان تطهيره سوى عموم تطهير الماء، وهو كالمجمل بالنسبة للمتعلّق، وهو ما يطهّره، وبالنسبة إلى كيفيّة التطهير به؛ إذ لم يرد في كيفيّة التطهير سوى الغسل والنضح والرشّ والصبّ ونحو ذلك لأفرادٍ يتعلّق بها من ثوبٍ أو بدنٍ أو إناءٍ أو أرضٍ وشبهها، ولم يجئ من الشارع أنّ الماء مطهّر لكلّ شيء في أيّ نحوٍ على أيّ كيفيّةٍ،


1) المعتبر436:1

2) وسائل الشيعة 3 :439، الباب 25 من أبواب النجاسات، ح 2.

3) سنن أبي داود 1 : 100، ح 365؛ السنن الكبرى، البيهقي 2: 572، ح 4117.

4) وسائل الشيعة 3: 440 الباب 25 من أبواب النجاسات، ح 6.

5) راجع الهامش (1)

6) وسائل الشيعة 3: 439 - 440، الباب 25 من أبواب النجاسات، ح 1 و 4.

فالمشكوك فيه يبقى على نجاسته.

ولو سلّمنا أنّ هناك فرداً متيقّناً في كيفيّة التطهير - وهو مماسّة كلّ جزءٍ من أجزاء الماء لكلّ جزءٍ من أجزاء النجس - لأشكل الأمر في تطهير المائع أيضاً؛ لأنّه إن مازج القليل انفعل القليل به فلم يفده تطهيراً؛ لعدم إمكان انفصاله عنه بعد ذلك كباقي المغسولات، وإن مازج الكثير فإن سلبه الإطلاق عند المزج بقي على نجاسته؛ لعدم العلم بمداخلة المطلق في أجزائه قبل أن يسلبه إطلاقه، فيبقى على استصحاب النجاسة، وأصالة بقاء الإطلاق إلى حين الخروج معارضٌ بظهور مقارنة الخروج عن الإطلاق للمزج، بل ربما يقال : هو المقطوع به، وإن لم يسلبه الإطلاق استهلك المائع في الماء وبطل حكمه وذهبت فائدته.

نعم، قد يفيد ذلك الماء الكثير طعماً أو لوناً أو نحو ذلك، وهو قليل الثمرة، بل لا تكاد تظهر له ثمرة.

هذا إذا علم بمداخلة الكثير لجميع أجزائه، ولو شكّ في المداخلة -كالدهن المنصبّ في الماء الكثير فإنّه لا يقطع بمداخلة الماء لجميع أجزاء الدهن - أشكل حكم تطهيره بإلقائه فيه وإن لم يسلب الماء الكثير إطلاقه.

نعم، لو جمد المائع فتنجّس، فإن كان صقيلاً كالشمع والصابون في الشتاء، والملح والشبّ والزاج التي فيها صلابة إذا أصابتها النجاسة بعد جمودها جاز تطهيرها مطلقاً. وإن أصابتها قبل جمودها فإن تقاطرت كانت كالمائع، وإن كانت بحيث ينحدر عنها ماء الغسالة جاز تطهير ظاهرها بالماء القليل والكثير.

وإن لم يكن صقيلاً- كالدهن والدبس في الشتاء - فإن لم تنفد النجاسة فيه بل مسّت السطح الظاهر جاز تطهيره بالكثير ، وفي جوازه بالقليل إشكال، والأحوط تركه.

سابعها: کیفیّۀ تطهیر ما تنفذ فيه النجاسة ولا يمكن إخراجها بالعصر

ما تنفذ فيه النجاسة من الأجسام، وترسب فيه الغسالة، ولا يمكن إخراجها بالعصر، كالأرض والمدر والقرطاس والطين اليابس والخبز وبعض الفواكه والحلوى والقند والسكّر المتماسك والصابون ونحو ذلك، فهذه إن أصابتها النجاسة حال ميعانها فجمدت كالحلوى والخبز والطين، وكان الماء بحيث ينفذ فيها وهي متماسكة، جاز تطهيرها بالكثير بوضعها فيه إلى أن ينفذ الماء الكثير في جميع أجزائها.

وإن لم تتماسك- كالملح غالباً والقند والحلوى- كان حكمها حكم المائع.

وإن لم ينفذ فيها الماء فإن لم تتقاطر جاز تطهير ظاهرها بالقليل والكثير، وإن تقاطرت لم يطهر ظاهرها بالقليل قطعاً، وفي الكثير على الأظهر.

وإن أصابتها النجاسة بعد جمودها- كالخبز والصابون والطين الجامد والأرض - جاز تطهيرها بالكثير إما بُكرٍّ أو ماء مطر، بحيث ينفذ الماء إلى ما سرت فيه النجاسة منها.

وفي تطهيرها بالقليل إشكال.

وكذا الباذنجان المطبوخ واليقطين وما شابهها من الفواكه مما يكون مطبوخاً.

ودعوى أنّ أوامر الغسل تشملها؛ لأنّ الثوب والبدن في الأخبار مثال، وأنّ الرطوبة الباقية فيها من ماء الغسالة لا تزيد على الرطوبة الباقية في المحشوّ وشبهه، بعيدةٌ؛ لانصراف أدلّة الغسل لما يغسل عرفاً ويصدق عليه ذلك، وعموم مطهّريّة الماء لمثل ذلك مشكوك فيه، ولعدم القطع بإزالة ماء الغسالة للنجاسة وخروج ما يمكن إخراجه منها.

نعم، يمكن القول بلزوم العسر والحرج لو قلنا بعدم قبولها التطهير؛ لعدم تيسّر الماء الكثير أغلب البلدان، ويلزم من بقائها على النجاسة إتلاف كثيرٍ من المال، والامتنان بطهارة الماء يدلّ على شمول نفعه، فيكفي حينئذٍ إلقاء الماء القليل عليها بحيث يصل إلى المحلّ الذي وصلت إليه النجاسة، وغمزه في الجملة فيما يمكن غمزه لإخراج ما تيسّر إخراجه من ماء الغسالة.

وما لا يمكن غمزه يطهر بوصول الماء إليه، كالأرض الرخوة لرفع الحرج واحتياج الناس إلى تطهير الأراضي وعدم تمكّنهم من ملاقاتها للماء الكثير ، وللحديث المرويّ عن النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)بإهراق ذنوب الماء على بول الأعرابي في المسجد(1)، وقد شهد الشهيد(رحمۀ الله علیه)بمقبوليّته (2).

ولنا أن نقول بطهارة سطحها الأعلى واستقرار النجاسة في الأسفل سيّما على القول بنجاسة ماء الغسالة؛ جمعاً بين الحكم بنجاستها وتطهيرها النجس بانحدارها عنه إلى الأسفل.

وعلى الوجه الأوّل يكون تطهير الأرض بالماء القليل خارجاً عن الحكم بنجاسة ماء الغسالة بالدليل، ويُحكم بطهارته فى هذا المقام، أو يُحكم بنجاسته ولكن يطهّره الجفاف.

ويؤيّد ما ذكرنا ما ورد في الأخبار وفيها الصحيح من الأمر برشّ بيت المجوس والصلاة


1) صحيح البخاري 1 :89 ، ح 216

2) ذكرى الشيعة 1: 130

فيه (1)، وما ورد في الصحيح من التعليل لتطهير السطح بماء المطر ما أصابه من الماء أكثر منه(2).

وهذا كلّه في الأرض الرخوة التي لا ينحدر عنها ماء الغسالة، وأمّا الصلبة التي ينحدر عنها ماء الغسالة لتسريحها في الجملة فالظاهر جواز تطهيرها بالماء القليل وإن لم تكن صخراً أو حصى أو قيراً أو شبهها؛ للضرورة، والعسر ، والحرج، ولخروج ماء الغسالة في الجملة.

ثامنها: کیفیّۀ تطهیر ما انتقع بالنجاسة من الحبوب و اللحوم المطبوخة بالماء النجس

ما انتقع بالنجاسة من الحبوب كالحنطة والأرز والسمسم وشبهها، أو طُبخ في الماء النجس كذلك، وكذا اللحوم المطبوخة يطهر بتنقيعه بالكثير، بحيث يصل الماء إلى ما وصلت إليه النجاسة قطعاً.

وهل يطهر بالقليل أم لا؟ وجهان، أقواهما: أنّه يطهر إذا علم نفوذ الماء إلى ما نفذت فيه النجاسة. ومثله المفخور من آجر وخزف لو نفذت فيه النجاسة إلى الداخل.

والأولى تجفيفه ثمّ غسله بحيث ينفذ الماء فيه، وكلّما ازداد في التجفيف وإجراء الماء عليه كان أولى.

هذا إن علم نفوذ ماء الغسالة إلى داخله، وإلّا طهر السطح الأعلى منه دون ما بطن، وخيال طهارته تبعاً ممنوع.

تاسعها: فیما ورد في جملةٍ من الأخبار الأمر بالرشّ والنضح لمحتمل النجاسة أو لمظنونها

قد ورد في جملةٍ من الأخبار الأمر بالرشّ والنضح لمحتمل النجاسة أو لمظنونها مع اليبوسة أو الرطوبة، كما ورد الأمر برشّ بيت المجوس والصلاة فيه(3)إذا لم نقل: إنّ الرشّ يفيده طهارةً.

وورد في الصحيح أنّ مَنْ لم يستيقن أنّ ثوبه أصابه منيّ، فلينضحه بالماء(4).

وورد أنّ الخنزير إذا أصاب الثوب جافّاً: «ينضحه بالماء» في جملة من الأخبار(5).

وورد أنّ الفأرة الرطبة إذا مسّت على الثوب فإن رأى أثرها غسله وإن لم يرَ ينضحه (6).


1) وسائل الشيعة 5 140 الباب 14 من أبواب مكان المصلي، ح 2 و 3.

2) المصدر 144:1 - 145، الباب 6 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

3) راجع الهامش (1).

4) وسائل الشيعة 3: 424 - 425، الباب 16 من أبواب النجاسات، ح 4.

5) المصدر: 417، الباب 13 من أبواب النجاسات، ح 1 و 442، الباب 26 من تلك الأبواب، ح 6.

6) المصدر: 460، الباب 33 من أبواب النجاسات، ح 2.

وورد أنّ المصلّي في ثوب المجوسي يرشّه بالماء(1).

وورد أنّ الثوب والبدن إذا لم يستيقن أنّه أصابهما بول ينضحهما بالماء(2).

وورد أنّ مَنْ لم يستيقن أنّ ثوبه أصابه منيّ فلينضحه بالماء(3).

وورد في ثوب أصابته جنابة أو دم: «وإن كان يرى أنّه أصابه شيء فنظر فلم يرَ شيئاً أجزأه أن ينضحه بالماء(4).

وورد فيمن أصاب ثوبه أبوال الدوابّ ، وفيه: «وإن شككت فانضحه»(5).

وورد في تطهير الفرش: «فإن أصبت مسّ شيء فاغسله، وإلّا فانضحه»(6).

وورد فيمن وقع ثوبه على كلب ميّت أنّه: «ينضحه ويصلّي فيه»(7).

وورد أنّ المذي إذا أصاب الثوب ينضحه بالماء(8).

وورد الأمر بنضح بول البعير والشاة(9).

وورد في عرق الجنب: «إن أحبّ أن يرشّه بالماء فليفعل»(10).

وورد فيمن يجد الندى والصفرة في المقعدة وكان بها جرح أنّه يرشّ بالماء(11).

وورد في الخصي يبول فيرى البلل بعد البول، فقال: «يتوضّأ، وينضح ثوبه في النهار مرّة»(12).

وورد أنّ الكلب إذا مسّ الثوب جافّاً فاصبب عليه الماء (13).

وورد أنّ الكلب إذا مسّ الثوب يابساً أنّه ينضحه(14).


1) وسائل الشيعة 3: 519، الباب 73 من أبواب النجاسات، ح 3.

2) المصدر: 466، الباب 37 من أبواب النجاسات، ح 2.

3) راجع الهامش ( 4 ) من ص 555

4) وسائل الشيعة 3: 475، الباب 40 من أبواب النجاسات، ح 3.

5) المصدر : 403 ، الباب 7 من أبواب النجاسات، ح 6.

6) المصدر : 400، الباب 5 من أبواب النجاسات، ح 2.

7) المصدر: 442، الباب 26 من أبواب النجاسات، ح7 .

8) المصدر: 426، الباب 17 من أبواب النجاسات، ح 1.

9) المصدر : 409 الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 10.

10) المصدر: 446 ، الباب 27 من أبواب النجاسات، ح 8.

11) المصدر 1: 292، الباب 16 من أبواب نواقض الوضوء، ح 3.

12) المصدر : 285 ، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 8.

13) المصدر: 414 - 415، الباب 12 من أبواب النجاسات، ح 1.

14) المصدر: 441 ، الباب 26 من أبواب النجاسات، ح 3.

وورد أنّ الكلب يصيب الثوب، قال: «انضحه، وإن كان رطباً فاغسله»(1).

إلى غير ذلك من الأخبار.

والظاهر أنّ الرشّ والنضح والصبّ يراد بها معنىٌ واحد، وهو وضع الماء على المحلّ مع استيعابه، دون مجرّد التقاطر من دون استيعابٍ، كما هو المفهوم من لفظ «الرشّ» في عرفنا اليوم، بل ربما يدّعى أنّه في اللغة كذلك، وأنّ النضح والرشّ والصبّ سواء في الاستيلاء، إلّا أن الصبّ مأخوذ فيه الكثرة والانصباب.

والظاهر أنّ جميع ذلك محمول على الندب والتنزّه عن حصول النفرة من مماسّة حيوان، أو توهّم إصابة نجاسةٍ، أو إزالة دسومةٍ عالقة، أو لسكون النفس عن التجسّس، أو لتخفيفها لو كانت موجودةً، أو غير ذلك.

وحملها على ظاهرها من الوجوب- كما أفتى بعض الأصحاب بكثير من مواردها (2)- ضعيف؛ لمعارضته لفتوى المشهور ، وعمومات الأدلّة الدالّة على طهارة تلك الأشياء، والدالّة على احتياج المتنجّس إلى غسل، ولا شيء من الرشّ والنضح بغسل.

واحتمال التعبّد - كنزح البئر - يبعّده فتوى الأصحاب، بل الاتّفاق الظاهر فى الباب والإجماعات المنقولة على عدم وجوب جُلّها، بل كلّها.

عاشرها: حکم ما إذا علم موضع النجاسة وما إذا جهاها

إذا علم موضع النجاسة غسله قطعاً، في ثوب أو بدن.

ويجوز غسل البعض وتأخير البعض، ولا تسري النجاسة إلى ما طهر، خلافاً لمن منع من غَسْل بعض الثوب دون بعض(3).

وإن جهلها، غسل جميع ما يقع فيه الاشتباه من ثوب أو بدن؛ للإجماع المنقول(4)، وفتوى الفحول، والاحتياط اللازم من باب المقدّمة، والنصوص المستفيضة.

كالصحيح الأمر بغَسْل الثوب كلّه إن خفى مكان المنيّ(5).


1) وسائل الشيعة 3: 442، الباب 26 من أبواب النجاسات، ح 4.

2) للمزيد راجع الحدائق الناضرة 5: 391 - 398.

3) نسبه الطوسي في الخلاف 1: 185 ، المسألة 141 إلى ابن القاصّ من الشافعيّة.

4) المعتبر 437:1

5) وسائل الشيعة 3: 402، الباب 7 من أبواب النجاسات، ح 1.

والآخَر الآمر بغَسْل الثوب من الناحية التي يرى أنّه أصابها حتّى يكون على يقين من طهارته(1).

إلى غير ذلك من الأخبار المعتبرة المنجبرة بفتوى الأصحاب والقواعد والاحتياط.

فما تخيّله بعضهم من الاكتفاء بغسل مقدار النجاسة من موضع الاشتباه - أيّ موضعٍ كان - بحيث يرتفع يقين النجاسة ولا يلزم يقين الرفع(2)، ضعيفٌ لا يُلتفت إليه.

ولو وقعت النجاسة في أحد الثوبين واشتبهت وجب غسلهما على نحو ما تقدّم من الدليل. و ما تخيّله بعضهم من التخيير والتمسّك بالأصل(3)، ضعيفٌ جدّاً.

وإن تعذّر غسلهما صلّى بهما الصلاة الواحدة؛ للاحتياط القاضي به باب المقدّمة، وللخبر الأمر بالصلاة بهما جميعاً(4)، وليس المراد اجتماعهما؛ لبطلانه قطعاً.

وقيل: يطرحهما ويصلّي عرياناً (5)، وذُكر أنّ فيه رواية مرسلة(6)، وأنّ تعدّد الصلاة يفوّت الجزم الواجب في النيّة.

وكلاهما ضعيف؛ لضعف الرواية، ومنع فوات الجزم، أو تسليمه ولكنّه جاز للضرورة، أو جاز لأنّ به استيفاء الأفعال دون الصلاة عرياناً، على أنّه ينتقض بالصلاة عرياناً أيضاً من جهة التردّد في صحّتها.

حادي عشرها: غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً أوّلهنّ بالتراب

يُغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً؛ للإجماع المنقول(7)، وفتوى الفحول، بل الإجماع المحصّل، والصحيح الآمر بصبّ الماء الذي من فضل الكلب وغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء مرّتين(8)، والأمر بالماء مرّتين وإن لم يوجد في النسخ المشهورة في الحديث، إلّا أنّه مرويّ في الخلاف والمعتبر(9)، ومؤيّد بالرضوي(10)المنجبر، فهو معتبر قطعاً.


1) وسائل الشيعة 3: 402، الباب 7 من أبواب النجاسات، ح 2.

2) نسبه ابن قدامة في المغني 766:1 إلى ابن شبرمة.

3) راجع مدارك الأحكام 2 :358

4) وسائل الشيعة 3: 505، الباب 64 من أبواب النجاسات، ح 1.

5) قاله ابن إدريس في السرائر 1: 184 - 185؛ ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 24.

6) كما في المبسوط 39:1

7) رياض المسائل 2 :153 - 154

8) وسائل الشيعة 3: 415، الباب 12 من أبواب النجاسات، ح 2.

9) الخلاف 176:1 ، المسألة 130؛ المعتبر 1: 458.

10) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام) : 93

ويجب أن يكون أوّلهنّ بالتراب؛ لفتوى المشهور، وعمل الجمهور، والاحتياط، والصحيح المتقدّم(1).

خلافاً لمن أوجب التوسّط(2)لروايةٍ(3)مرسلة ضعيفة شاذّة لا تعارض ما تقدّم.

وخلافاً لمن خيّر فيها؛ لإطلاق الرضوي(4)، وبعض كلمات الأصحاب(5).

وهو ضعيف، لحمل المطلق على المقيّد عند المقاومة، فكيف ولا مقاومة، مع أنّه في الرضوي قدّم التراب، وظاهر الترتيب الذكري يفيد الترتيب الحكمي.

وذهب ابن الجنيد إلى وجوب السبع(6)؛ للروايتين الآمرتين بالسبع(7)، وأنّ أوّلهنّ بالتراب كما في إحداهما.

وهو ضعيف؛ لضعفهما، وقصور سندهما عن إثبات السبع؛ لأنّ الراوي في إحداهما أبو هريرة، وقد روى الثلاث مرّة(8)، والثلاث والخمس والسبع أُخرى(9). والرواية الثانية غير صحيحة فحملها على الندب لا بأس به؛ لمكان الاستظهار والجمع بين الأخبار.

وهنا أُمور:

منها: هل يشترط مزج التراب بالماء لتحصيل حقيقة الغسل أو أقرب مجازاته، ولحمل «الباء» في قوله- في الصحيح- : « واغسله بالتراب»(10)على المصاحبة، فيكون الظرف حالاً من الغسل المدلول عليه بالأمر، كقوله : دخلت عليه بثياب السفر، ويكون المراد غسله بالماء حال كونه مصاحباً للتراب، أو لا يشترط؟ لأنّ حمل التراب على حقيقته واستعمال الغسل في مطلق المطهّر خيرٌ من إبقاء الغسل على حقيقته، والتجوّز في التراب باستعماله في الطين؛


1) آنفاً.

2) هو قول المفيد في المقنعة: 65 و 68.

3) كما في الوسيلة: 80.

4) تقدّم تخريجه في الهامش ( 10 ) من ص 558.

5) منهم: السيد المرتضى في الانتصار: 86 المسألة 2؛ والشيخ الطوسي في الخلاف 1: 175، المسألة 130؛ وابن حمزة في الوسيلة: 80

6) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 458.

7) وسائل الشيعة 25: 368، الباب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 2 صحيح مسلم 1: 234 - 235، ح 89 - 93

8) سنن الدار قطني 1: 66، ح 16 و 17.

9) المصدر: 65، ح 13 و 14.

10) تقدّم تخريجه في الهامش (8) من ص 558

لمعروفيّة المجاز الأوّل وكثرته، دون الثاني، على أنّ التجوّز بالغسل حاصل على كلّ حالٍ؛ لأنّه حقيقة بإجراء الماء المطلق أو كلّ ماء ، لا كلّ مائع كالطين، كما في هذا المقام.

وخيال أقربيّة التجوّز بالمائع من التجوّز بالمطهّر مطلقاً ممنوع بنفسه أوّلاً، وممنوع بترجيحه على استعمال التراب في حقيقته ثانياً، ومستلزم للمجازين من مجازيّة الغسل ومجازيّة التراب ثالثاً، وحمل الباء على المصاحبة لا يجدي أيضاً؛ لأنّه مستلزم لإخراج الماء والتراب والغسل عن الحقيقة؛ لأنّ الماء بعد مزجه بالتراب خرج عن كونه ماءً مصاحباً للتراب، وعن كونه تراباً، وعن كونه غسلاً بالماء المصاحب.

نعم، لو اكتفينا في الغسل بالتراب بتبليله بحيث لا يخرج عن كونه تراباً، كان أقرب للتنظيف، وأقرب للتجوّز في الغسل، وليس فيه خروج عن الاحتياط، وأمّا إبقاء الماء على إطلاقه، وإضافة شيء من التراب إليه فهو خروج عن ظاهر النصّ والفتوى والاحتياط.

ومنها: أنّه هل يشترط طهارة التراب ؛ للاحتياط ، ولظهور الأمر به كظهوره في الماء، ولإشعار قوله : «وترابها طهوراً»(1)، وهو الطاهر المطهّر، ولاستبعاد تطهير ما هو نجس عند الشارع، كما هو المعلوم من استقراء المطهّرات، أو لا يشترط؛ للإطلاق، ولأنّه جزء من المطهّر لا مطهّر، ولأنّ الغرض منه التنظيف دون التطهير، وهو ممّا يحصل بالنجس، ويرفع النفرة الحاصلة من مماسّة الكلب؟ والثاني قويّ، والأوّل أحوط.

ومنها: هل يشترط إطلاق التراب اقتصاراً على مورد النصّ والفتوى في التطهير بعد استصحاب النجاسة، أو يكفى مطلق التراب مطلقاً، أو مضافاً كتراب المعادن والأُشنان وشبهها؛ لأنّ الغرض حصول التنظيف ، وربما كان غير التراب أقوى في تحصيله؟ وفي الثاني قوّة، والأوّل أحوط.

ومنها: أنّه مع عدم إمكان الماء يبقى الإناء نجساً قطعاً؛ لأنّه حكمٌ وضعيٌّ لا يرتفع إلّا بسببه.

وما ورد من «لا ضرر ولا ضرار»(2)وأنّ الضرورات تبيح المحظورات، ومن نفي العسر والحرج(3)، فهو وارد في الغالب في موارد الأحكام التكليفيّة لا الوضعيّة، كما فهم الأصحاب


1) الخصال 1: 426، باب العشرة، ح 1.

2) راجع الهامش (4) من ص 422.

3) البقرة (2) 185؛ الحج (22): 78

ذلك منه ، بل ظاهرهم قريب الاتفاق على ذلك، وهذا المقام من المواضع التي لا تجري فيها تلك العمومات، فيستصحب حكم النجاسة إلى حصول القطع بالمزيل.

وأمّا مع عدم التراب فهل يسقط حكمه؛ لتلك العمومات المتقدّمة، ولوجود الماء في الغسلتين الأخيرتين، أو يقوم مقامه الغسل بالماء؛ لأنّه الأصل في الغسل، وغيره إنّما يثبت مع إمكانه أو يقوم مقامه تراب مضاف؛ لأنّ المقصود التنظيف، وهو حاصل ممّا يحصل به، فإن لم يحصل فالماء، فإن لم يمكن سقط حكمه واكتفي بالغسلتين، أو أنّه يبقى نجساً؛ لاستصحاب النجاسة، وتوقف التطهير على شرط غير ممكن، والمشروط عدم عند عدم شرطه، والعمومات المتقدّمة لا تجري في الأحكام الوضعيّة في النجاسة وشبهها؟ وجوه، أحوطها: الأخير، وفي قيام التراب المضاف مقام المطلق قوّة.

وهنها: أنّه لو تكرّر الولوغ فهل يكفي لجميعها عمل واحد؛ لأنّ المقصود التنظيف، ممّا يحصل بالتداخل، ولأنّه كسائر النجاسات، وهي ممّا تتداخل؛ لظاهر الفتاوى والنصوص وإن قلنا بأصالة عدم التداخل في غيرها، أو لا يكفي؛ لأصالة عدم التداخل، وأصالة تعدّد المأمور به عند تعدّد الأمر؟

والأقوى والأظهر والأشهر الأوّل، والأصل في الثاني مقطوع بما ذكرنا.

نعم، لو ولغ في الأثناء، احتاج إلى استئناف العمل.

ومنها: أنّ الغسل بالكثير هل يسقط التعدّد بالتراب والماء؛ لانصراف أوامر التعدّد للقليل في ذلك اليوم، فيبقى أنّه لا يحتاج في الكثير إلّا لمجرّد الغسل الحاصل من إدخاله الماء مرّةً، ولاستبعاد بقاء نجاسة الملاقي للمعتصم بعد استيلائه عليه، وذهاب عين النجاسة منه، أو يسقط التعدّد بالماء؛ لصيرورته كالبول الساقط فيه التعدّد لو غسل بالكثير، دون التراب؛ لاستصحاب حكمه واستصحاب النجاسة، أو لا يسقط شيئاً؛ للاحتياط؟

وظاهر الأمر وجوه، أحوطها: الأخير، وأقواها: الوسط.

ومنها : أنّه هل يختصّ بهذا الحكم الولوغ ، وهو ما يُسمّى ولوغاً عرفاً ، وهو إدخال الكلب طرف لسانه في الإناء وتحريكه ليشرب منه؛ لأنّه المتيقّن من الفتوى والرواية، ولانصراف لفظ «فضله» إليه في الصحيح المتقدّم(1)، أو يشمل شربه على أيّ نحوٍ كان، ولطعه


1) تقدّم في ص 558

للإناء من غير شرب، وكذا لحسه له بلسانه؛ لشمول لفظ «فضله» لهما، ولمساواتهما في العلّة. وهي وصول الرطوبة اللزجة للإناء؟ وهذا الأخير أقوى.

نعم، لو وقع اللعاب لا على وجه اللطع واللحس احتمل إجراء حكم الولوغ عليه؛ لوجود العلّة، وللاحتياط واحتمل عدمه؛ منعاً لتنقيح العلّة وقطعيّتها ابتداءً، فلا يجب له إلّا ما يجب لسائر النجاسات.

أمّا عرقه وبوله وخرؤه وفضلاته ووقوع أحد أجزائه أو كلّه: فألحقها جماعة(1)بولوغه؛ لمفهوم الموافقة؛ لأنّ رطوبة فمه أطيب من غيرها؛ لمكان لهيئه، ولهذا قيل: إنّ نكهته أطيب من نكهة غيره من الحيوانات، فإذا وجب لولوغه وجب لغيره بمفهوم الموافقۀ.

ومنع جماعة(2)إلحاقها، وجعلوها كسائر النجاسات، وهو الأقوى، والأوّل أحوط؛ لرواية الرضوي المذكور فيها الوقوع(3)، ولاحتمال إرادة السؤر من لفظ «الفضل» في الصحيح(4)، وللاحتياط.

ومنها: أنّه هل يلزم خلط التراب بالماء المطلق؛ للاحتياط، وظهور لفظ «الغسل» فيه، أو يكفي خلطه بكلّ ماء يؤثّر تنظيفاً؛ لأنّه هو الغرض من الغسل بالتراب؟ وجهان، أقواهما: الثاني، وأحوطهما: الأوّل.

ومنها: أنّه هل يجب التجفيف بعد الغسل للإناء، كما في الرضوي(5)، أو لا يجب؛ للأصل، والبناء على الأخير.

ومنها: أنّه لو خيف على الإناء من الفساد باستعمال التراب أو لا يمكن غسله بالتراب إلّا بكسره فهل يسقط حكمه ويبقى الماء مرّتين، أو يعود ثلاثاً، والأُولى بدل التراب؛ لأنّ حكمة الشارع تقضي بالتطهير وعدم إتلاف المال وليس طريق سواه، سيّما لو لم يكن ماء كثير جاري ونحوه، أو يبقى نجساً؛ للاستصحاب، وعدم دليلٍ دالٍّ على ارتفاع الحكم الوضعي بالعمومات الدالّة على سهولة الشريعة وعدم الضرر والضرار؟ والأخير أحوط. ومنها: هل يكفي مسّه بالتراب وتحريك الإناء به، أو يكفي مسّه فقط، بحيث يوضع فيه


1) منهم : المفيد في المقنعة: 68؛ والصدوق في المقنع: 37؛ والطباطبائي في رياض المسائل 156:2.

2) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف 1 186 المسألة 142؛ وابن إدريس في السرائر 1: 91؛ والمحقّق الحلّي في المعتبر 1: 459 والمحقّق الكركي في جامع المقاصد :1 190؛ والعاملي في مدارك الأحكام 393:2

3) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 93.

4) تقدّم تخريجه في الهامش (7) من ص 558

5) راجع الهامش (3).

ويُكفاً، أو لا بدّ من إمرار اليد على التراب ليكون أقرب إلى هيئة الغسل؟ وجوه، أقواها: الأوّل، وأحوطها: الأخير.

ولو أوجبنا مزج التراب بالماء جاءت الوجوه أيضاً، إلّا أنّ في الوسط قوّةً، وإمرار اليد في الأواني الضيّقة متعسّر غالباً.

ومنها: هل حكم ماء الولوغ كالولوغ، أو كباقي النجاسات؟ والأقوى الأخير، والأحوط الأوّل بالنسبة إلى الإناء دون غيره، فلا يفتقر إلى التعدّد. ومنها: أنّه لو وقعت في الإناء نجاسة مع الولوغ، تداخلت، وبقي حكم التعفير بالتراب لازماً، مع احتمال لزوم التعدّد بتعدد النجس، ولكنّه بعيد.

ومنها: أنّ الحكم هل يختصّ بباطن الإناء، أو يسري إلى الظاهر؟ وجهان، أحوطهما: الأخير، وأقواهما: الأوّل.

ومنها: هل يسري الحكم إلى ما شابه الإناء من جورب وخُفّ، أم لا؟ وجهان، أقواهما: الأخير، وأحوطهما: الأوّل.

ومنها: لو انكسر الإناء، فهل يجري في رضاضه ذلك؛ للاستصحاب والاحتياط، أو لا يجري؛ للأصل وتغيّر الموضوع؟ وجهان، أقواهما: الثاني، وأحوطهما: الأوّل.

أمّا لو ولغ بغير الإناء فعاد إناءً، فالأقوى عدم إجراء حكم الإناء، والأحوط إجراؤه عليه.

ثاني عشرها: يُغسل الإناء من ولوغ الخنزير، بل من شربه ولطعه ولحسه سبعاً؛ للاحتياط، وفتوى المشهور من المتأخّرين نقلاً(1)، والصحيح عن خنزير يشرب من الإناء، قال: «يغسل سبع مرّات »(2)والسبع قيد للفعل لا للقول قطعاً.

وذهب المحقّق إلى الاكتفاء بالواحدة، وحمل الصحيحة على الندب(3)لعدم إفتاء المتقدّمين بمضمونها، فيعود الحكم فيه كسائر النجاسات، فيجب فيه الغسل مرّةً، وهو قويّ، إلّا أنّ الأوّل أقوى وأحوط.

والشيخ جعل حكم الخنزير حكم الكلب؛ لصدق الكلب عليه- وفيه منع ذلك - ولوجوب


1) الحدائق الناضرة 492:5

2) وسائل الشيعة 3: 417 - 418 ، الباب 13 من أبواب النجاسات، ح 1.

3) المعتبر 459:1 - 460.

غسل الإناء ثلاثاً من كلّ نجاسة، وولوغ الخنزير أحدها(1). وفيه منع الأصل، أو تسليمه وتخصيصه بالرواية، على أنّه لا يطابق مدّعاه من أنّه كالكلب؛ لوجوب التعفير فيه، دون باقي النجاسات.

وفي إلحاق الخنزير البحري بالبرّي وجهٌ يقضي به الاحتياط.

ثالث عشرها: غَسْل الإناء من الخمر سبعاً

يُغسل الإناء من الخمر سبعاً؛ لموثّق عمّار في الإناء يشرب فيه النبيذ، قال: «يغسله سبع مرّات»(2)وللاحتياط؛ ولفتوى المشهور نقلاً(3).

ولا فارق بين النبيذ والخمر، بل وكلّ مسكر؛ لأنّ كلّ مسكر خمر، فتجري عليه أحكامه.

وقيل: ثلاثاً(4)؛ لموثّق عمّار الآخَر: عن إناء يشرب فيه خمر أنّه «يغسله ثلاث مرّات»(5)وحمل الزائد في الأُولى على الندب؛ جمعاً.

وهو قويّ لولا الاحتياط ودعوى الشهرة.

ويمكن تخصيص الأوّل بالنبيذ والثاني بالخمر ، إلّا أنّه لا فارق بينهما ممن يُعتدّ به ،فالقول به مشکل.

وقيل بالمرّة(6)استضعافاً للروايات، وعملاً بعموم ما دلّ على وجوب غسل الإناء مرّة.

وقيل بالمرّتين(7)استضعافاً لهما، وركوناً إلى لزوم المرّتين في الإناء مطلقاً.

والأقوى ما ذكرناه.

والظاهر سقوط السبع في الغسل بالماء الكثير ؛ لاستهلاك النجاسة فيه ، فبالطريق الأولى المتنجس.

رابع عشرها: غَسْل الإناء من موت الفأرة والجُرَذ سبعاً

يُغسل الإناء من موت الفأرة والجُرَذ سبعاً لرواية عمّار الآمرة بغسل الإناء سبعاً لموت الجرذ(8)، ولا فارق بين الجرذ والفأرة ممّن يُعتدّ به، والجرذ ضرب من الفأرة.


1) الخلاف 1: 186 - 187 ، المسألة 143

2) وسائل الشيعة 368:25، الباب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 2.

3) جامع المقاصد 1: 191.

4) قال به الطوسي في الخلاف 1: 182 المسألة :138؛ والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 48؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 197.

5) وسائل الشيعة 3 : 494 ، الباب 51 من أبواب النجاسات ، ح 1.

6) راجع المعتبر 1: 461 - 462.

7) راجع الروضة البهية 62:1.

8) وسائل الشيعة 3: 496 - 497، الباب 53 من أبواب النجاسات، ح 1.

وقيل بالاكتفاء بالمرّة(1)استضعافاً للرواية، وهو قويّ؛ لعدم ثبوت شهرة تجبرها.

وقيل بالمرّتين(2)لذلك، ولوجوب غسل الإناء من كلّ نجاسةٍ كذلك.

وقيل بالثلاث(3)لذلك، ولوجوب غسل الإناء من كلّ نجاسةٍ كذلك.

خامس عشرها: غسل الإناء من سائر النجاسات ثلاثاً أو مرّتین

يُغسل الإناء من سائر النجاسات ثلاثاً؛ للاحتياط، ولموثّق عمّار عن الكوز يكون قذراً كيف يُغسل، وكم مرّة يُغسل ؟ قال: «ثلاثاً يصبّ فيه الماء، ثمّ يحرّك فيه، ثمّ يفرغ منه ذلك» (4)إلى آخره، ونُسب للمشهور ذلك(5)، ونقل عليه الشيخ الإجماع(6).

وقيل بالمرّتين(7)لوجوب الغسل من سائر النجاسات مرّتين، لمفهوم الموافقة من وجوبهما في البول في الثوب والبدن، فغير البول أقوى منه، كما أنّ الإناء أولى منهما؛ لحكم الشارع بالتعدّد فيه في مقامات متعدّدة.

وقيل بالمرّة(8)، استضعافاً لرواية عمّار، والإجماع المنقول بروايته المرسلة الآمرة بالواحدة(9). المؤيّدة بنقل ابن إدريس الإجماع على مضمونها(10)الموافقة لدليل اليسر(11)المنقول عليها الشهرة (12)، بل وربما يدّعى أنّ العمل عليها.

وهذا القول قويّ، ولا يبعد البناء عليه في غير البول.

نعم، في نجاسة البول لا بدّ من التعدّد؛ للأمر به في الثوب والبدن(13).


1) قاله ابن حمزة في الوسيلة: 77

2) راجع الهامش (7) من ص 564.

3) قال به الطوسي في الخلاف 1: 182، المسألة 138؛ والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 48.

4) راجع الهامش (8) من ص 564

5) نسبه الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 1: 491 إلى الأكثر.

6) الخلاف 1: 182، المسألة 138

7) راجع الهامش (7) من ص 564

8) قال به المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 461.

9) المعتبر 1: 461

10) السرائر 1: 92

11) البقرة ( 2 ) : 185 .

12) راجع رياض المسائل 2 :157

13) وسائل الشيعة 3: 395. الباب 1 من أبواب النجاسات.

وتنقيح المناط، بل مفهوم الموافقة يقضيان بسراية حكمهما للإناء وشبهه، ومع ذلك فلا شكّ أنّ الثلاث أحوط مطلقاً، ومن بعدها المرّتان بعد إزالة العين ومن بعدها المرّتان، واحدة للإزالة وأُخرى للإنقاء، ومن بعد ذلك لا بدّ من الواحدة المزيلة وهي الواجبة، كما قوّيناه أخيراً.

وطريق تطهيره إمّا بالصبّ عليه فيجري الماء عليه وينحدر، أو يصبّ فيه ويحرّك ويفرّغ، أو يملأ ويفرّغ بنفسه أو بآلةٍ إذا لم يمكن طرحه وتفريغه.

وإذا توقّف إزالة النجاسة أو المتنجّس على الدلك وجب تبعاً.

ولو غسل بالكثير بطل حكم التعدّد دون الدلك اللازم، تبعاً لما تقدّم من انصراف أدلّة التعدّد للقليل دون الكثير، فيكفي في الكثير حصول مسمّى الغسل؛ لإطلاق الأدلّة، ولاستهلاك نفس النجاسة لو وقعت فيه وطهارتها، فطهارة المتنجّس أولى.

القول في أحكام النجاسات

وفيه أبحاث:

أحدها: فی إنّ النجس يؤثّر في الملاقي نجاسةً مع الرطوبة في أحدهما القابلة للتأثير

إنّ كلّ ما يُحكم بنجاسته يؤثّر في الملاقي نجاسةً مع الرطوبة في أحدهما القابلة للتأثير، وكلّ ما يُحكم بنجاسته لا يؤثّر مع اليبوسة، فهنا كلّيّتان:

أمّا الأُولى: فيدلّ عليها فتوى الفحول سوى مَنْ شذّ(1)، والإجماع المنقول(2)، واستقراء الأخبار في جميع المتنجّسات، وعمل المسلمين في سائر الأوقات، بحيث لا يتناكرونه بينهم ولا يتعدّونه.

وأمّا الثانية: فيدلّ عليها الأصل، وفتوى الفحول، إلّا مَنْ شذّ في بعض الموارد(3)، وأصالة عدم السراية، وظهور الأخبار الدالّة على التنجيس في الملاقاة برطوبة(4)، والأصل الطهارة، والتفصيل في كثير من الأخبار(5)بين المسّ برطوبةٍ فيجب الغسل، و إلّا فالرشح والنضح الظاهران الندب؛ ولقوله(عليه السلام): «كلّ يابس ذكيّ»(6)المعتبر بين الأصحاب، المنجبر بما تقدّم، فيقدّم على ما دلّ على الأمر بغسل ما أصاب بعض النجاسات- كالميّت ونحوه - على وجه الإطلاق، و يقيّده و إن كان بينهما عموم من وجه؛ لرجحانه عليه، أو يُحمل على الندب.

و خالف بعض الأصحاب في مواضع ادّعوا أنّها خرجت عن عموم . تلك القاعدتين .


1) الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1: 75، مفتاح 84

2) مفتاح الكرامة 1: 180.

3) يأتي في ص 568، الهامش ( 1 و 2).

4) راجع وسائل الشيعة 3 :441 الباب 26 من أبواب النجاسات.

5) راجع وسائل الشيعة 3 :441 الباب 26 من أبواب النجاسات.

6) المصدر 1: 351، الباب 32 من أبواب أحكام الخلوة، ح 5.

كابن إدريس، حيث حكم بأنّ ما لاقى بدن الميّت ينجس برطوبة ويبوسة، ولكنّه لا ينجّس برطوبة أو يبوسة(1)مستنداً للأصل، وعدم عموم الدليل الدالّ على أنّ كلّ نجس ينجّس.

والعلّامة حيث حكم بأنّ ملاقاة الميّت بيبوسة تنجّس الملاقي، والملاقي لا ينجّس غيره برطوبة ولا يبوسة(2).

و هما محجوجان بما تقدم.

و الحكم بأنّ الأمر بالغسل تعبّديّ في مماسّة الميّت مطلقاً، أو مع اليبوسة- لو قلنا به -مخالفٌ لفهم الأصحاب من الأخبار، ولحكمهم بالنجاسة في جميع الأعصار.

وكالعلّامة والشهيدين(3)- ونُسب للمحقّق(4)، وادّعى بعضهم(5)أنّه المشهور - حيث حكموا بتأثير نجاسة الميّت من الإنسان مع اليبوسة؛ أخذاً بإطلاق الأخبار الآمرة بغسل ما مسّ الميّت(6)من دون استفصالٍ.

ثمّ إنّ الملاقي هل ينجّس مع الرطوبة خاصّة أو لا ينجّس؟ قولان أيضاً.

وكالعلّامة(رحمۀ الله علیه) أيضاً حيث حكم بتأثير نجاسة الميتة من غير الإنسان مع اليبوسة أو الرطوبة(7)لإطلاق رواية آمرة بغسل ما مسّها (8)من دون استفصالٍ.

ثمّ إنّ الملاقي هل ينجّس مع الرطوبة أو لا ينجّس مطلقاً ؟ وجهان أيضاً لأهل هذا القول.

والكلّ ضعيف محجوج بما تقدّم، وإطلاق الأخبار مقيّدٌ بحال الرطوبة، بل منصرف إليه، فلا يصلح حجّة.

وكالخراساني حيث حكم أنّ المتنجّس إذا أُزيلت عنه عين النجاسة لا تتعدّى نجاسته إلى ما يلاقي موضعها(9).


1) السرائر 1: 163

2) منتهى المطلب 456:2

3) قواعد الأحكام 1 : 193 ؛ البيان: 82؛ روض الجنان 1: 313.

4) نسبه إليه الشيخ حسن في معالم الدين (قسم الفقه) :2 569: وانظر المعتبر 454:1.

5) الصيمري في كشف الالتباس 1: 319

6) وسائل الشيعة 3: 461 - 462 ، الباب 34 من أبواب النجاسات، ح 1 و 2.

7) منتهى المطلب 2: 458

8) وسائل الشيعة 3: 462 ، الباب 34 من أبواب النجاسات، ح 3.

9) راجع كفاية الفقه 1: 66.

وهو خلاف الإجماع بقسميه(1)، وخلاف المعهود من سيرة المسلمين وطريقتهم، وخلاف ما دلّت عليه الأخبار(2)من وجوب غسل الفرش والأواني ونحوها، فإنّه لو لم يكن الأمر بغسلها للتحفّظ من سريان نجاستها لما كان له فائدة؛ لعدم استعمالها في المشروط بالطهارة، ولو عمّ كلامه المتنجّس من المائع والجامد لكان خلاف ضرورة المسلمين وأخبار السادة المعصومين(عليهم السلام).

وما يظهر من بعض الأخبار من ذلك لا يراد به ظاهره قطعاً، بل يراد به معاني أُخر ، كقوله(عليه السلام)لا فيمن يبول ولا يقدر على الماء: «إذا بلتَ وتمسّحتَ فامسح ذَكرَك بريقك، فإن وجدت شيئاً فقل هذا من ذاك»(3)فإنّه من المحتمل بل الظاهر أنّ المسح لغير محلّ البول؛ كي أنّه إذا حصلت رطوبة فشكّ أنّ الرطوبة من محلّ البول أو غيره بنى على طهارتها.

واحتمال أنّ المسح لمحلّ البول؛ حفظاً لبقاء الطهارة الحدثيّة ليكون حجّةً لطهارة المحلّ بعد التمسّح، يبعّده عدم ذكر الوضوء في الرواية، وعدم القدرة على الماء المذكور فيها له، وعدم ذكر الاستبراء الذي هو أقوى الأسباب المقتضية لعدم الانتقاض، وعدم دلالة التمسّح للحيلة المزبورة على عدم تنجّس الثوب.

وقوله فيمن بال ولم يجد ماءً فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه، قال: «يغسل ذَكَره وفخذيه»(4)، فإنّه من المحتمل بل الظاهر أنّ «الفاء» عطف على المتقدّم، وهو يقتضي التعقيب، والواو عطف على مدخولها، فيقضي أنّ العرق بعد التمسّح، فيكون دليلاً لنا.

واحتمال أنّ الواو للحال، فيكون المأمور بغسله الذكر والفخذين دون ما باشرهما، بعيدٌ عن الظاهر.

وقوله(عليه السلام)في هذه الرواية وسألته عمّن مسح ذَكَرَهُ بيده ثمّ عرقت يده فأصاب ثوبه، قال: «لا يغسل ثوبه»(5)فإنّه من المحتمل بل الظاهر أنّه مسحه من دون رطوبة، أو مسحه برطوبة ولكن لم يمسّ الثوب بالجزء النجس.


1) مستند الشيعة 1: 241

2) وسائل الشيعة 3: 400 و 494 و 496، الأبواب 5 و 51 و 53 من أبواب النجاسات.

3) المصدر : 1 284، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 7.

4) المصدر 3: 441. الباب 26 من أبواب النجاسات، ح 1.

5) المصدر : 401 الباب 6 من أبواب النجاسات، ح 2.

وقوله(عليه السلام) في رواية سماعة فيمن يبول ويتمسّح بالأحجار ثمّ يجيء منه بلل ما يفسد سراويله، قال: «لا بأس»(1)فإنّه من المحتمل بل الظاهر من نفي البأس أنّه مع عدم العلم بكون البلل من المخرَج، أو نفي البأس عن الانتقاض لو كان متيمّماً، أو أنّ متعلّق التمسّح مخرج الغائط، وذكر البول كناية عن الجميع؛ بقرينة التمسح.

و قوله(عليه السلام)فيمن يبول فلا يجد الماء، فأصاب يده شيئاً من البول، فمسحه بالحائط والتراب، ثمّ تعرق يده فيمسح بها وجهه أو جسده أو ثوبه، قال: «لا بأس»(2)، فإنّه من المحتمل بل الظاهر عدم العلم بأنّ المسح كان بالجزء النجس؛ بقرينة قوله: «شيئاً».

وعلى كلّ حال فالمسألة لا إشكال فيها.

ثانيها: ثبوت النجاسة بالقطع على النحو المعتاد من الأشخاص وقول صاحب للتأثیر

تثبت النجاسة بالقطع على النحو المعتاد من الأشخاص، فلا عبرة بقطع أهل الوسواس وتثبت بالظنّ الشرعي، كشهادة العدلين؛ لعموم حجّيّة شهادتهما، وللقطع الحاصل من الاستقراء بقبول شهادتهما ، ولقبولهما في إثبات النجاسة في مقام دعوى العيب الحاصل منها قطعاً فلتقبل في غيرها، وللخبرين(3)الدالّين على حلّيّة كلّ شيء حتّى تقوم بيّنّة على أنّه ميتة، وأنّه حرام، وغير ذلك.

و هل تقبل شهادتهما تعبّداً، أو لحصول الظن، أو تعبّداً ما لم يحصل الظنّ بخلافهما ويستراب بشهادتهما؟ وجوه ثلاثة، أقواها: الأخير؛ لما سيجيء - إن شاء الله تعالى - في باب القضاء من أنّ الحاكم لو استراب في الشهادة وقف عن الحكم، خلافاً لمن أوجب عليه إمضاء الحكم تعبّداً.

و بما ذكرنا من الحجّيّة يخصّص عموم: «كلّ شيء لك طاهر حتّى تعلم أنّه نجس»(4)أو يُحمل العلم على ما هو الأعمّ منه وممّا قام مقامه من الظنّ الواجب الأخذ به؛ لشيوع إطلاقه على ذلك شرعاً -كتاباً وسنّة - بل وعرفاً.

وتثبت بشهادة العدل الواحد -على الأظهر - إذا لم يسترب بخبره ولم يحصل الظنّ بعدمه؛ لعموم حجّيّة خبر العدل، ولوجوب الأخذ به فيما هو الأقوى فليثبت في الأضعف. ولوجوب


1) وسائل الشيعة 1: 283 الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 4.

2) المصدر 401:3، الباب 6 من أبواب النجاسات، ح 1.

3) المصدر : 493 - 494، الباب 50 من أبواب النجاسات ح 12 و 17: 87 - 88 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

4) المصدر 3: 467، الباب 37 من أبواب النجاسات، ح 4.

الأخذ به في الأصل فبالأولى في الفرع، ولبعض الأخبار(1)الدالّة على قبول شهادته فيما هو أقوى من ذلك، كقبوله في عزل الوكيل، وفي استبراء الأمة، وفي إنفاذ الوصيّة.

و تثبت أيضاً بقول صاحب اليد - عدلاً أو فاسقاً - ما لم يظنّ بخلافه أو يسترب بخبره؛ لقبول خبر ذي اليد في جميع الأشياء من تذكيةٍ وحِلّيّة وحرمةٍ وتطهيرٍ وملكٍ وتمليكٍ، كما دلّ على ذلك الاستقراء والأخبار(2).

وورد أيضاً أنّ المعير لو أعلم المستعير بنجاسة ثوبه المستعار بعد ما صلّى به أعاد الصلاة(3).

و السيرة القطعيّة قاضية بقبول إخبار صاحب اليد فى حلّيّةٍ وحرمةٍ وطهارةٍ ونجاسةٍ و بيعٍ وشراءٍ وغير ذلك.

والمراد بصاحب اليد هو المالك والمتصرّف وإن لم يكن مالكاً، كالمستعير والودعي والوكيل، و يلحق به الغاصب؛ للسيرة القاضية بقبول إخبارهم.

و هل يشترط في قبول خبر الشاهدين أو الواحد أو ذي اليد ذكر السبب؛ لاختلاف الأنظار في النجاسة وفي أنواعها وفي كيفيّة التنجيس والأصل الطهارة، أو لا يشترط؛ لظهور إخباره في نجاسته واقعاً المعلومة أو المظنونة بطريقٍ شرعيّ حجّة عليه وعلى المخبر ؟ وجهان، أظهر هما: الثاني.

وهل تثبت النجاسة بالظنّ ؟ لأنّ المرء متعبّد بظنّه؛ ولرجحانه والأخذ بالمرجوح قبيح، أو لا تثبت؟ للأخبار الدالّة على الطهارة إلى العلم بالنجاسة(4)، والدالّة على طهارة الثوب المُعار للذمّي حتّى يحصل اليقين بأنّه نجّسه(5)، والدالّة على جواز استعمال الثياب والصلاة فيها المأخوذة من المجوس، أو التي عملها المجوس الشاربون للخمر والأكلون الميتة(6)، والدالّة على جواز الأخذ ممّا في يد المسلمين- ولو كانوا مستحلّين للميتة - من دون مسألةٍ(7).


1) وسائل الشيعة 19: 162، الباب 1 من أبواب كتاب الوكالة، ح 1، و 433، الباب 97 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1؛ و 21: 89، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

2) راجع المصدر 3 :490 الباب 50 من أبواب النجاسات

3) المصدر: 488، الباب 47 من أبواب النجاسات، ح 3.

4) راجع المصدر: 466 ، الباب 37 من أبواب النجاسات.

5) المصدر: 521. الباب 74 من أبواب النجاسات، ح 1.

6) المصدر: 518 - 520 الباب 73 من أبواب النجاسات، ج 1، 2، 7، 9 و 521 - 522، الباب 74 من تلك الأبواب، ح 3.

7) المصدر: 491 - 492 ، الباب 50 من أبواب النجاسات، ح 3، 6 و 7.

والأخبار في هذا المضمون كثيرة، وهي معتضدة بالأُصول وفتوى الفحول وظاهر الكتاب(1)وعمل الأصحاب، فالركون إليها أقوى، بل هو المقطوع به.

وما ورد في بعض الأخبار من الأمر بغسل الثوب المُعار لشارب الخمر قبل الصلاة به(2)، وغسل الثوب المأخوذ من النصراني قبل الصلاة به(3)، وغسل الثوب المأخوذ من النصراني قبل لُبْسه والصلاة به(4)، محمول على الندب للاحتياط، لا تقديماً للظاهر على الأصل، كما قد يتوهمّ؛ لأنّ الظاهر لم يجعله الشارع حجّةً مطلقاً، فكيف يعارض الحجّة!؟ ولو كانت النجاسة تثبت بالظنّ- كما ظنّه بعض الأصحاب(5)- وأنّ الظاهر يقدَّم فيها على الأصل لما بقي للمسلمين سوق، ولاحكم بطهارة جواريهم وأطفالهم ونسائهم والأعراب وأهل البادية، والعامّة المستحلّين لكثير من المحارم، والمطهّرين لكثير من النجاسات، والعوامِ الغير العارفين بالأحكام، والحبشةِ والسودان والفسقة الغير المعتنين بالأحكام، وأكثرِ أهل البادية المباشرين للكلاب، والممارسين لليهود والنصارى ، والنساء الحُيّض، والمباشرات للأطفال، والمباشرين لنزح النجاسات و الخدمة في الحمّامات.

و بالجملة فالحكم بثبوت النجاسة بالظنّ إفراط، كما أنّ الحكم بعدم ثبوتها إلّا بالقطع الحقيقي - ولا يكفي الظنّ الشرعي - تفريطٌ ، نسأل الله تعالى التجنّب عن جادّة الإفراط والتفريط.

نعم، يندب التوقّي من سؤر المتّم في النجاسة، والمظنون فيه ذلك؛ للأخبار في بعض الموارد(6)والاحتياط.

هذا كلّه في الموارد الخاصّة، وأمّا الموارد العامّة- كالأخذ ممّا يوجد في الأسواق، وما يجلب من ديار الكفّار، أو من ديار المسلمين المتّهمين بمباشرة النجاسات - فالظاهر عدم مشروعيّة الاحتياط فيه، ولا يندب التجنّب عنه؛ للسيرة القاضية بذلك، وعمل أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)والعلماء من قديم الزمان إلى الآن.


1) الإسراء (17): 36

2) وسائل الشيعة 3: 521، الباب 74 من أبواب النجاسات، ح 2.

3) المصدر : 490 الباب 50 من أبواب النجاسات، ح 1.

4) المصدر ذيل الحديث 1.

5) كالطوسي في النهاية: 96 والحلبي في الكافي في الفقه: 140.

6) وسائل الشيعة 1: 236 - 238، الباب 8 من أبواب الأسار، ح 1 - 4، و 6 - 8.

ولا يجب إخبار مَن تلوّث بالنجاسة؛ للأصل، ولورود النهي عن إخباره في الصحيح عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً وهو يصلّي، قال: «لا يؤذنه حتّى ينصرف»(1).

وفي آخَر عمّن أعار ثوبه وصلّى المستعير فيه وهو لا يصلّي فيه، قال: «لا يُعلمه»(2).

و نظيرهما ما ورد من اغتسال الباقر(عليه السلام)وأنه بقيت لمعة لم يصبها الماء، فقيل له، فقال(عليه السلام): « ما عليك لو سكتّ»(3).

ولولا فتوى الأصحاب والسيرة على جواز الإعلام لكان القول بعدم الجواز متعيّناً.

و الأظهر حملها على الكراهة؛ لمكان الأذيّة. ولو كان في عدم التنبيه أذيّة ارتفعت الكراهة.

و الظاهر عدم التفاوت في عدم وجوب الإعلام بين أن يكون مع جهل النجاسة أو مع نسيانها، وبين النجاسة وغيرها من الشرائط من سترٍ واستقبالٍ و نحوهما؛ لعدم كونه منكراً في الجميع، فلا يجب النهي عنه، كما لا يجب إيقاض النائم لتأدية فرضٍ أو حقٍّ دنيويّ أو أُخرويّ.

نعم، يجب تنبيه الغافل فيما كان من الموضوعات العامّة المؤديّة لسراية الضرر وشيوع المنكر، كالغناء والزنى واللواط وقتل النفس وشبهها.

ويجب تعليم الجاهل في الحكم الشرعي لما ورد في وجوب العلم والتعليم والتعلّم(4)، ولولا ذلك لما أُرسلت الرسل و أُنزلت الكتب ودُوّنت الصحف.

ويحرم إغراء الغير بأكل المحرَّم، كتقديم الطعام النجس للغير أو الميتة أو الخبائث، وكذا بيعها للنهي عن الضرر والإضرار(5)، ومَنْ غشّ المسلمين فليس منهم(6)، وللأخبار الناهية عن بيع العجين النجس والدهن والزيت والعسل إلّا مع البيان لمن اشتراه(7).

ثالثها: ثبوت التطهير بخبر العدلين و بخبر الواحد و بخبر ذي اليد

يثبت التطهير بعد العلم بحصول النجاسة بخبر العدلين قطعاً، وبخبر الواحد، وبخبر ذي اليد، كلّ ذلك للأخبار(8)، ولسيرة المسلمين على قبول إخبار ذي اليد في حرمةٍ وحلّيّةٍ


1) وسائل الشيعة 3: 487، الباب 47 من أبواب النجاسات، ح 1.

2) المصدر: 488، ح 3.

3) المصدر: 487، ح 2.

4) الكافي 1: 30، باب فرض العلم... . و 41، باب بذل العلم؛ بحار الأنوار 2: 29، ح 10.

5) وسائل الشيعة 18: 32، الباب 17 من أبواب الخيار، ح 3 - 5.

6) المصدر 17: 279، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

7) المصدر : 98 الباب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 3 5 و 100، الباب 7 من تلك الأبواب، ح 4 و 5.

8) المصدر 25 294 الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 6 و 7.

وتذكيةٍ وتطهيرٍ وتنجيسٍ، والأخبار(1)الواردة في جواز الأخذ ممّا في يد المسلمين في الأسواق مع الشكّ بالتذكية وعدمها، وفي جواز الأخذ بقول المسلم في تطهير العصير أنّه على الثلث، وفي جواز أخذ ما يعلم أنّها ممّا تنجّست قبل إخباره بطهارتها.

ومن أقسام ذي اليد الوكيلُ في التطهير وإن كان فاسقاً؛ لمشروعيّة الوكالة في الطهارة، وقبول خبر الوكيل فيما وُكّل فيه، كما سيأتي في باب الوكالة إن شاء الله تعالى؛ لأنّ الوكيل أمين مصدَّق، ولأنّ الوكيل ذو يد فيما وُكلّ فيه، وللسيرة القاطعة على قبول إخبار النساء والجواري والغلمان في التطهير إمّا لكونهنّ وكيلاتٍ فيما يتعلّق بهذه الأُمور، أو لأنّهنّ ذوات يد، حيث إنّ المالك جعل متعلّق أُمور البيت تحت يدهنّ وفي تصرّفهنّ.

ويؤيّد ما ذكرنا ما يُفهم من الأخبار من أنّ كلّ ذي عملٍ مؤتمن على عمله ومصدَّق فيه، كالأخبار الواردة في القصّارين والجزّارين، وفي تطهير الجارية ثوب سيّدها، وأنّ الحجّام مؤتمن في تطهير موضع الحجامة إذا لم يكن صبيّاً (2)، وظاهره أعمّ من العدل والفاسق.

و الظاهر أنّ المستعير صاحب يدٍ، فيصدَّق إخباره بالتطهير حتّى بالنسبة إلى المالك، ولا يبعد أنّ الغاصب كذلك. وأمّا المالك بالنسبة إلى المستعير إذا لم يكن له يد حين الإعارة ففي تصديق خبره وجهان، أحوطهما: العدم.

رابعها: وجوب إزالة النجاسة عن الثوب والبدن في الصلاة والطواف

تجب إزالة النجاسة عن الثوب والبدن- قليلها وكثيرها - في الصلاة والطواف؛ للإجماع والأخبار(3).

و المراد بالثوب ما يُسمّى ثوباً عرفاً ولو طال، إلّا إذا خرج بطوله عرفاً عن الثوب، بحيث زاد القميص أذرعاً يجرّ على الأرض، والعمامة كذلك.

وما ذهب إليه ابن الجنيد من طهارة كلّ نجاسةٍ نقصت عن سعة الدرهم ما عدا الحيض و المنيّ(4)، مخالف لإجماع الشيعة وأخبارهم، بل وضرورة مذهبهم، وتأويله بالعفو أولى.


1) وسائل الشيعة 3 491 ، الباب 50 من أبواب النجاسات، ح 3.

2) الوافي 6: 209، ح 25/4128: وسائل الشيعة 19: 144 الباب 19 من أبواب كتاب الإجارة، ح 11، 114 و 24 : 70، الباب 29 من أبواب الذبائح، ح 1 و 3: 428، الباب 18 من أبواب النجاسات، ح 1 ، و 499، الباب 56 من تلك الأبواب، ح 1.

3) وسائل الشيعة 3: 428 الباب 19 من أبواب النجاسات.

4) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر1: 427؛والعلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 317، المسألة 233.

وتجب إزالة النجاسة عن الأماكن المشرّفة من مصحف وبدن نبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)وكعبة ومسجد ومأكول ومشروب كلّ ذلك للإجماع والأخبار(1).

و هل المحرّم نفس إدخالها للأماكن المشرّفة مثل الحضرات والمساجد، أو مع التلويث؟ ظاهر بعض الأخبار(2)والإجماع المنقول(3): الإطلاق، ولكنّ الأصل، وانصراف الأخبار، والإجماع للملوّث.

وما دلّ على جواز دخول المستحاضة للمساجد مع أمن التلويث(4)، ولزوم العسر والحرج غالباً لإدخال الخُفّ والنعل وشبههما إلى المساجد وهُما لا يؤمنان من النجاسة غالباً دليلٌ على أنّ الحكم مخصوص بالنجاسة الملوّثة.

خامسها: بیان موارد عدم وجوب إزالۀ النجاسۀ

يستثنى من الحكم المتقدّم أُمور:

منها: تعلّق النجاسة بما لا تتمّ الصلاة به؛ لصغره مع بقائه على كيفيّته، كالتكّة والقَلَنْسُوَة و الجوْرَب و الخُفّ و نحوها، وسيجيء حكمها في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.

و منها: دم القروح والجروح، وهما معفوّ عنهما في الجملة، وليس حكمهما كحكم باقي النجاسات، ولا باقي الدماء؛ الفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول(5)بل المحصّل، والأخبار المستفيضة.

ففي الصحيح: عن الرجل يخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلّي؟ قال: «يصلّي و إن كانت الدماء تسيل»(6).

وفي الصحيح الآخَر؛ عن الرجل به الدماميل والقروح وجلده وثيابه مملوءة دماً وقيحاً، وثيابه بمنزلة جلده؟ قال: «يصلّي في ثيابه ولا شيء عليه ولا يغسلها»(7).

وفي الصحيح الآخَر : الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه، فيسيل منه الدم، فيصيب ثوبي؟ قال: «دعه، فلا يضرّك أن لا تغسله»(8).


1) راجع وسائل الشيعة 6: 169 ، الباب 2 من أبواب قراءة القرآن و 5 : 229 الباب 24 من أبواب أحكام المساجد؛ و 1: 205 - 206 الباب 5 من أبواب الماء المضاف والمستعمل؛ و 24: 195 - 196، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة، ح 3 - 7.

2) المصدر 5: 229، الباب 24 من أبواب أحكام المساجد، ح 2.

3) الخلاف 1: 518، المسألة 260

4) وسائل الشيعة 2 : 371، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 1.

5) الخلاف 1 :252، المسألة 225؛ غنية النزوع 1: 41؛ رياض المسائل 2: 104.

6) وسائل الشيعة 3 :434 الباب 22 من أبواب النجاسات، ح 4.

7) المصدر، ح 5.

8) المصدر: 435. ح 6.

و في الموثّق: «الرجل به جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ و ينقطع الدم»(1).

و في الموثّق: الدماميل تكون بالرجل فتنفجر في الصلاة؟ قال: «يمسحه، ويمسح يده بالحائط أو بالأرض، ولا يقطع الصلاة»(2).

وفي آخَر : أنّ صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها ربطها ولا حبس دمها يصلّي، ولا يغسل ثوبه إلّا كلّ يومٍ مرّةً (3)وفي آخَر مثله(4).

وفي آخَر أنّ الإمام(عليه السلام)أُخبر أنّ بثوبه دماً ، فقال : «إنّ بي دماميل فلست أغسل ثوبي حتّى تبرأ»(5).

ومقتضى إطلاق الأخبار وإرادة اليسر ورفع العسر والحرج وسهولة الشريعة: ثبوت العفو عن هذا الدم الصادر من جرح كبير أو صغير بفعل المكلّف نفسه أو بغيره اختياراً أو اضطراراً. باطناً كان الجرح ح أو ظاهراً، على إشكالٍ في الباطن كالبواسير، وأشكل منه قرحة الرية وذات الجنب، تفطيراً كانت الجروح أو غيرها، في ثوب أو بدن، شقّت إزالتها أم لا، لها فترة تنقطع بها مقدار الصلاة أم لا ،يمكن إبدال الثوب أم لا، يمكن تخفيف النجاسة أم لا، يمكن غسل البعض دون البعض أم لا، يمكن الاحتفاظ من سيلان الدّم أم لا، يمكن غسل ما سوى الدرهم أم لا، دام سيلانها أم لا، أمكن غسل الثوب كلّ يومٍ مرّةً أم لا- فيما عدا الروايتين(6)المعارضتين بما هو أقوى منهما - خالطه عرق من البدن أم لا، كان معه قيح أم لا، أمكن علاجه وبرؤه أم لا، وضع عليه دواء أم لا، خشي الضرر من تطهيره أو التحفّظ من سيلانه بعصائب أم لا، تجاوز محلّه إلى محلٍّ آخَر أم لا، تجاوز بنفسه أم لا، برى بعضها إذا كانت في محلٍّ واحد عرفاً أم لا.

نعم، لو كانت في محلّين كان لكلٍّ حكمه. نعم، الغاية في العفو البرء عرفاً لمجموع الجرح المتّحد عرفاً، ولكلّ واحدٍ من المتعدّد.


1) وسائل الشيعة 3: 434، الباب 22 من أبواب النجاسات، ح 7.

2) المصدر، ح8.

3) السرائر 558:3

4) وسائل الشيعة 3: 433، الباب 22 من أبواب النجاسات، ح 2.

5) المصدر، ح 1.

6) راجع الهامش ( 4 و 5).

ولا يجب غَسْل الثوب كلّ يومٍ مرّةً، كما مال إليه بعض المتأخّرين(1)للخبرين المتقدّمين(2)لضعفهما عن مقاومة الأخبار المتكثّرة المعتبرة المنجبرة بفتوى الأصحاب وعملهم، على أنّه لا عامل بهما ممّن يعتدّ به.

ولا يجب تخفيف النجاسة وإن أشعرت به رواية(3)المسح بالحائط، إلّا أنّها لضعفها سنداً وشذوذها حكماً ومعارضتها بالإجماع المنقول على عدم وجوب التخفيف(4)، وجب طرحها.

وكذا لا يجب الإبدال؛ لخلوّ الأخبار المتكثّرة عن الأمر به، ولا تعصيب الجرح، ولا تقليل الدم.

و لايشترط المشقّة في الإزالة، وإلّا لم يعف عنه ، كما اشترطه بعضهم(5)استظهاراً من الأخبار المذكورة(6).

و فيه: أن الأخبار مطلقة، ولو دار الأمر فيها مدار المشقّة لذكرت في الجواب أو في السؤال، أو لعلّق العفو على حصولها في خبر من الأخبار.

وكذا لا يشترط استمرار سيلانها وعدم انقطاعها؛ للأخبار الدالّة على أنّ غاية العفو البرء(7)، والظاهر من البرء ما هو أعمّ من الانقطاع وعدمه، وحمل البرء على الانقطاع ارتكاب تأويلٍ لا حاجة إليه. وتعلّق السؤال في الأخبار على الجرح الذي لا يرقأ وعلى الجرح السائل وعلى عدم القدرة على الربط وغير ذلك لا ينافي عموم الجواب المعمول عليه عند جملةٍ من الأصحاب(8).

و نسبة اشتراط دوام السيلان وعدم الانقطاع إلى المشهور(9)لا يقوى على ما قدّمنا، مضافاً إلى قوله(عليه السلام): «وإن كانت الدماء تسيل»(10)أنّه مع عدم السيلان فالعفو أقوى.


1) كالبحراني في الحدائق الناضرة 304:5.

2) تقدّما في ص 575.

3) تقدّم تخريجها في ص 576، الهامش (2).

4) راجع الخلاف 1: 476 - 477، المسألة 220

5) كالمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام :1 45 والعلّامة الحلّي في نهاية الإحكام 1: 285.

6) تقدّمت في ص 575 - 576.

7) راجع الهامش ( 1 و 5) من ص 576

8) منهم: المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 171؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 1 124 - 125؛ وروض الجنان 1: 443؛ والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 1: 328؛ والعاملي في مدارك الأحكام 2: 308-309

9) راجع مفتاح الكرامة 1: 162.

10) تقدّم تخريجه في ص 575، الهامش (6)

هذا، ولكن التعدّي عمّا نُسب للمشهور بل المشهور تحصيلاً، وعمّا وافق الاحتياط وعمومات الأدلّة الدالّة على عدم جواز الصلاة بالنجس من اشتراط عدم الانقطاع واستمرار السيلان عرفاً وعدم صدق أنها رقأت عليها ليس بجيد، بل التعدي عن اشتراط حصول المشقة بالتطهير والتنظيف - تنزيلاً للأخبار على الفرد المتعارف منها، وعملاً بالاحتياط - ليس بجيد أيضاً. ويكون حاصل الفرق بين دمي الجروح والقروح وغيرها هو العفو عنهما مع المشقة في الجملة، وغيرهما لا تصح الصلاة به إلا مع خوف الضرر الذي لا يتحمّل عادة، وأن هذين الدمين لا يجب تبديل الثوب منهما، ولا يجب التحفّظ عن سراية النجاسة منهما مهما أمكن. كما يجب في المسلوس والمستحاضة.

ولا يجب عدم مباشرتهما بجزء خارج من البدن عن محلّهما.

ولا تجب الصلاة عارياً إذا تلوّث الثوب بدمهما ولم يمكن تبديله ولا نزعه.

و الشكّ في البرء وعدمه والانقطاع وعدمه يجري فيه الاستصحاب، والاحتياط لا يخفى.

و الشك في كون الدم منهما أو من غيرهما لا يقضي بالعفو، بل يقدّم جانب الاحتياط.

ويختصّ العفو بالصلاة مطلقاً، ويقوى إلحاق الطواف.

ولو خالط الدم نجاسة أُخرى، فالأظهر عدم العفو.

ولو كان الدم منه قبل إسلامه فأسلم فالأظهر العفو، والأحوط التجنّب.

ولو برأ في أثناء الصلاة، فإن أمكن التطهير والتخفيف من دون إبطال للصلاة وجب، وإلّا فالأحوط الإتمام والإعادة.

ولو انفصل الدم عن البدن أو الثوب إلى الأرض أو مكان آخَر، كان حكمه كحكم سائر النجاسات، ولا عفو فيه.

ومنها ما دون الدرهم من الدم، فإنّه معفوّ عنه في الجملة؛ للإجماع المنقول(1)وفتوى الفحول، بل الإجماع المحصّل، والأخبار المتظافرة:

كالصحيح: الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثمّ يعلم فينسى أن يغسله فيصلّي ثمّ يذكر بعدما صلّى أيعيد الصلاة؟ قال: «يغسله، ولا يعيد صلاته، إلّا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً، فيغسله ويعيد الصلاة»(2).


1) المعتبر 1 429 مختلف الشيعة 1: 318، المسألة 235

2) وسائل الشيعة 3: 429 - 430 ، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 1.

وفي آخَر: «لا بأس بأن يصلّي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرّقاً شبه النضح، وإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعاً قدر الدرهم»(1). إلى غير ذلك.

ولكنّ المقام يتوقّف على بيان أُمور:

أحدها: المراد بالدرهم هاهنا الدرهم الوافي ، وهو البغلّي- بتشديد اللام وفتح الغين والباء - نسبةً إلى «بغل» قرية في الجامعين، أو- بفتح الباء وتسكين الغين - نسبةً إلى رأس البغل؛ لشبهه به، أو إلى قرية ببابل، متّصلة بالجامعين تُسمّى بغل، أو إلى عامله المسمّى بذلك، أو إلى رأس البغل، ضرب للثاني بسكّة كسرويّة فسُمّيت في الإسلام بغليّة.

و الوزن سواء، وهو عبارة عن المضروب من ثمانية دوانيق المقابل للطبريّ المضروب من أربعة، والإسلاميّ المضروب من ستّة.

وقُدّر بأخمص الراحة- أي المنخفض منها - وبسعة العقد الأعلى من الإبهام، وبسعة العقد الأعلى من الوسطى والسبّابة، ويعتبر فيها مستوى الخلقة، أو بالدينار، أو بدرهم وثلث.

و قيل: إنّ الدرهم الوافي غير البغلّي(2). وهو خلاف ظاهر المشهور.

وحمل الروايات على الوافي الذي هو البغلّي، أو ما قاربه دون الطبري المقابل له دلّ عليه فتوى فحول الأصحاب، والشهرة محصّلة به، والرضوي(3)والرواية العاميّة عن النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)(4)دالّتان عليه، و نُقل عليه الإجماع (5).

وأقوى تقديراته الأوّل، و نُسب للمشهور(6)، وشهد ابن إدريس برؤيته كذلك، إلّا أنّه ذكر أنّه منسوب إلى القرية القديمة، لا إلى أبي البغل من كبار أهل الكوفة؛ لتقدّم هذه الدراهم على الكوفة وأهلها، فلا تصحّ نسبته إليه(7).

وردّه الشهيد: بقِدَم المسمّى و حدوث الاسم(8).


1) وسائل الشيعة 3: 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 4.

2) هو ظاهر ابن إدريس في السرائر 1: 177

3) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 95.

4) السنن الكبرى البيهقي :2 0566 ح 4093 و 4095.

5) الحدائق الناضرة 5: 331

6) كما في رياض المسائل :98:2

7) السرائر 1: 177

8) ذكرى الشيعة 1 :136

ونقل بعضهم أنّ المسموع من المشايخ تشديد اللام(1).

وفي كونه بسعة الدينار رواية: «إن أصاب ثوبك قدر دينار من الدم فاغسله، ولا تصلِّ فيه حتّى تغسله»(2)، ولكنّها ضعيفة، والدينار أيضاً يختلف في السعة.

وعلى كلّ حال فهو بالنسبة إلى التقدير كالمجمل؛ لعدم القطع بسعته. وما نُسب للمشهور(3)من تقديره بأخمص الراحة أيضاً كالمجمل؛ لأنّه تحقيق في تقريب، فلا بدّ من الرجوع للقاعدة، وهي البناء على عدم العفو إلّا بالقدر اليقيني بالنسبة إلى إجمال التقدير، وكذا بالنسبة إلى اختلاف المقدّر فيؤخذ بأقلّ راحة من راحات مستوى الخلقة، ويُحكم بعدم العفو عند بلوغها، مع احتمال الأخذ بأوسعها، فيُحكم بالعفو إلى بلوغه، والأوّل أحوط.

وقد يستشكل في حمل الدرهم على البغلي مع أنّ صدورها في زمن الصادق(عليه السلام). وينبغي أن يُحمل اللفظ على ما هو في زمن الصدور، وهو الدرهم الإسلاميّ الذي هو عبارة عن ثلاثة أرباع البغلّي.

وقد يجاب بأنّهم حاكون ما هو في زمن النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم).

و فيه: أنّهم حاكون المعنى لا اللفظ، فيُحمل اللفظ على ما هو عندهم.

والحقّ في الجواب: أنّ ما ذكرناه سابقاً قرينة على إرادة المعنى الخاصّ، ولا شكّ أنّ المراد بالتقدير هاهنا السعة؛ لأنّ الدم ليس ممّا يوزن، بل ممّا يرى، ولاتّفاق الأصحاب على ذلك، ولأنّه المتبادر في مثل هذا المقام.

ثانيها: البدن كالثوب في الحكم وإن اختصّت الروايات بالثوب، إلّا أنّ(4)فتوى الأصحاب، وظاهر الإجماع المنقول(5)في الباب، وقوله(عليه السلام)في الخبر: حككت جلدي فخرج منه دم، فقال: «إذا اجتمع منه قدر حمّصة فاغسله، وإلّا فلا»(6)و فيه دلالة على العفو عمّا يكون في البدن في الجملة، ويضمّ إليه أنّه لا قائل بخصوص قدر الحمّصة؛ لأنّ المانع من العفو عنه


1) ابن فهد الحلّي في المهذّب البارع 1: 239

2) وسائل الشيعة 3 :432 الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 8.

3) راجع الهامش (6) من ص 579

4) كذا ورد في النسخ من قوله: «إلّا أنّ...» بدون الخبر.

5) رياض المسائل 96:2

6) وسائل الشيعة 3: 430 - 431 الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 5.

يمنع عنه مطلقاً، فلتجعل الحمّصة كنايةً عن قدر الدرهم سعةً؛ لأنّ وزن الحمّصة إذا انتشر لنفسه يتّسع مقدار الدرهم غالباً، أو يقال: إنّ ما كان قدر الحمّصة هو قدر الدرهم تقديراً وإن لم يكن فعلاً، والأمر هاهنا يدور مدار التقدير، ولا يشترط بلوغ سعة الدرهم فعلاً، كما نقوله في المتفرّق.

وعلى كلّ تقدير فلا يرد أنّ قدر الحمّصة قد يزيد على سعة الدرهم، وأنّ الأكثر منها قد ينقص، فلا عبرة بها وزناً ولا رؤية؛ لما ذكرناه من أنّ الأمر يدور مدار الغالب على أنّه قد نُقل أنّ في بعض النسخ بدل «الحاء»: «خاء»(1)ويراد بها أخمصة الراحة.

ويؤيّد ما ذكرناه من الإلحاق اشتراك الثوب والبدن في مشقّة الإزالة المسوغة للعفو، و ربما تكون العلّة مفهومةً فى هذه المقامات المستثنيات.

ثالثها: دم الحيض لا يعفى عن قليله وكثيره؛ لفتوى الأصحاب، والإجماعات المنقولة(2)في الباب، وإطلاق الأخبار:

كالنبوي(صلی الله علیه وآله وسلم): حتّيه ثمّ اقرصيه ثمّ اغسليه بالماء»(3).

والإمامي(عليه السلام): «تغسل ما أصاب ثوبها من الدم»(4).

والرضوي الناصّ على وجوب الغسل لقليله وكثيره(5).

والخبر: «لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره إلّا دم الحيض، فإنّ قليله وكثيره في الثوب إن رآه وإن لم يره سواء»(6).

و هذه الأخبار وإن ضعفت مجبورة بالفتوى والعمل على أنّ أخبار العفو منصرفة إلى غير دم الحيض سؤالاً و جواباً؛ لورودها في الذكور، والظاهر عدم تلوّثهم به، ولا إجماع هنا على المساواة، فيبقى عموم المنع في الدم ووجوب الاحتياط في الفراغ اليقيني سالماً عن المعارض.


1) راجع رياض المسائل 96:2

2) الخلاف 1: 476 - 477، المسألة 220؛ غنية النزوع 1: 41؛ السرائر 176:1.

3) الجامع الصحيح 1: 254 - 255، ح :138؛ سنن النسائي 1: 155 بتفاوت يسير.

4) وسائل الشيعة 3 :449 الباب 28 من أبواب النجاسات، ح 1.

5) الفقه المنسوب للإمام الرضا(عليه السلام): 95.

6) وسائل الشيعة 3 :432 الباب 21 من أبواب النجاسات، ح 1 وذيله.

ويلحق بدم الحيض دم النفاس؛ لأنّه حيض في المعنى، كما تقدّم، وللإجماع المنقول(1)،و فتوى الفحول، والاحتياط، ولعموم الأدلّة السالمة عن المعارض.

والأظهر إلحاق دم الاستحاضة؛ للإجماع المنقول(2)، والاحتياط، وصدق كلٍّ منهما على الآخَر في الأخبار(3).

وربما يلحق بدم الحيض دم نجس العين؛ للاحتياط وانصراف الأدلّة الدالّة على العفو إلى غيره، ولورود النهي عن الصلاة في كلّ شيء ممّا لا يؤكل لحمه ، فيجيء المانع لا من حيث الدم، بل من حيث كونه فضلة ما لا يؤكل لحمه(4)، أو من حيث تزايد نجاسته، وربما يسري المنع لكلّ ما لا يؤكل لحمه وإن لم يكن نجس العين؛ لانصراف الفتوى والرواية للعفو عن الدم من حيث هو دم، فلا يسوّغ إطلاقه كلّ مانع، ولأنّ الأخبار مسوقة لبيان حكم الدم لا حكم غيره.

و هو قويّ لمن أراد الاحتياط، ولكنّ ابن إدريس نقل الإجماع على مساواة نجس العين لغيره في العفو(5).

ومع ذلك فالأخذ بإطلاقات العفو عن الدم من دون تفصيلٍ واستفصالٍ- مع توفّر الدواعي إلى البيان؛ لمكان الحاجة - أقوى من الأخذ بعموم النهي عن الصلاة في كلّ شيء ممّا لا يؤكل لحمه؛ لقوّتها عليه سنداً ودلالةً، حيث إنّ أكثر الأخبار واردة مورد الفضلات من بولٍ وخرء وشبهها، فلا تشمل الدم.

ودعوى تضاعف النجاسة في نجس العين بحيث يكون للدم من أجلها حكمٌ آخَر، ممنوعة.

وبهذا يمكن القول بالعفو عن دم ما لا يؤكل لحمه مطلقاً، سيّما لو كان طاهراً.

رابعها: الأظهر أنّ عدم العفو شامل للمجتمع والمتفرّق في الثوب أو البدن، أو المجموع منهما؛ لأنّ الثوب والبدن بمنزلة شيء واحد، فيلاحظ مجموعهما، وكذا الثياب المتعدّدة، خلافاً لمن حكم بالعفو عن المتفرّق مطلقاً (6)، أو بشرط التفاحش(7).


1) راجع الهامش (2) من ص 581.

2) راجع الهامش (2) من ص 581.

3) وسائل الشيعة 2: 333، الباب 30 من أبواب الحيض، ح 12 و 13.

4) المصدر 4: 345، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، ح 1.

5) السرائر 1: 177

6) ذهب إليه الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 36؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 1: 178؛ والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 45: والعاملي في مدارك الأحكام 2 :318

7) ذهب إليه الشيخ الطوسي في النهاية: 51 - 52

ويدلّ على عدم العفو الاحتياط، وعمومات الأدلّة، وشهرة الفتوى به بين وشهرة الفتوى به بين المتأخّرين، وإلغاء الفارق من حيث كونه نجاسة أصابت ما لا يجوز تلويثه في الصلاة، وأنّ قدر الدرهم ملغى، و إلّا لوجب أن يكون على شكله من تدوير أو تربيع، وأن يكون لا عبرة بالمستطيل جدّاً، ولا قائل به.

ومَنْ حَكَم بالعفو استند لمرسل جميل، قال: «لا بأس ما لم يكن مجتمعاً قدر درهم»(1)وإلى الخبر الصحيح: «يغسله ولا يعيد الصلاة إلّا أن يكون قدر الدرهم مجتمعاً فيغسله ويعيد الصلاة»(2)على أن يكون «مجتمعاً» خبراً لـ«يكون» أو خبراً بعد خبرٍ، أو حالاً محقّقة لا مقدّرة؛ لظهور اتّحاد زمان الاجتماع والكون مقدار درهم، مع أنّ تغايرهما شرط في المقدّرة، ولامتناع المحقّقة في النقط المتفرّقة.

وأُيّد ذلك بفتوى مشهور المتقدّمين أيضاً.

وفيه: أنّ «مجتمعاً» يجوز أن يكون حالاً محقّقة ويتناول المتفرّق الذي عند اجتماعه يكون قدر درهم، كما يتناول المستطيل وشبهه؛ لأنّه يكون المعنى: «إلّا أن يكون قدر درهم حال اجتماعه» فيقدّر المستقبل حالاً للقابليّة المحقّقة فيه، فيكون حالاً محقّقة.

ويجوز أن يكون حالاً مقدّرة بقرينة السؤال عن نقط الدم.

واشتراط اختلاف الزمان بينها وبين عاملها بالفعل ممنوعٌ. بل اختلافهما ولو تقديراً كافٍ، ولا شكّ أنّ زمان حصول نقط الدم غير زمان الاجتماع التقديري قطعاً، ومتى قام الاحتمال بطل الاستدلال؛ لارتفاع الظهور حينئذٍ إذا كان احتمالاً مساوياً، مع أنّ المرسل ضعيف، وتأييده بفتوى المشهور تعارضه فتوى مشهور المتأخّرين على خلافه، بل يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من قوله: «مجتمعاً» في الروايتين هو الاجتماع في الثوب، لا الاجتماع في مكانٍ واحد، بقرينة السؤال عن نقط الدم في الثوب، ويكون معنى الاجتماع فيه الحصول فيه، وهو معنى لا ينكر من ظاهر اللفظ.

وبالجملة، فالمقام لا يخلو من إجمالٍ، فلا يجوز ترك الاحتياط وعمومات الأدلّة لأجله.


1) وسائل الشيعة 3 : 430 ، الباب 20 من أبواب النجاسات ، ح 4 .

2) المصدر: 429 - 430، ح 1.

خامسها: ما ذكرنا مخصوص بما دون الدرهم، وأمّا ما كان فوق الدرهم فلا كلام في عدم العفو عنه إذا كان مجتمعاً للإجماع والأخبار(1).

ولو كان متفرّقاً فقولان، تقدّم الكلام فيهما (2).

وأمّا قدر الدرهم نفسه إذا كان مجتمعاً أو متفرّقاً بناءً على أنّ حكم المتفرّق حكم المجتمع، فهل يعفى عنه؟ للأصل، وللخبر: «في الدم يكون في الثوب إن كان أقلّ من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رأه فلم يغسله حتّى صلّى فليعد صلاته»(3)وللحسن أيضاً في الدم يكون في الثوب قال: «وما لم يزد على قدر الدرهم فليس بشيء، رأيته أو لم تره، فإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله وصلّيت فيه فأعد ما صلّيت فيه»(4). أو لا يعفى عنه ؟ للإجماع المنقول(5)، وفتوى المشهور، ولانقطاع الأصل بوجوب الاحتياط في مقام شغل الذمّة، ومعارضة الأخبار بما هو أقوى منها سنداً وعدداً ودلالةً، و موافقة للمشهور فتوىً و روايةً ، وموافقته للاحتياط، وعمومات الأدلّة الدالّة على اشتراط صحّة الصلاة بالطاهر، ولزوم الإعادة من النجس، الدالّة على أنّ العفو مقصور على ما دون الدرهم، وأنّ الدرهم موجب لفساد الصلاة وإعادتها في محلٍّ تجب فيه الإعادة، فيجب الأخذ بما هو أقوى وأشهر، واطّراح ما هو أضعف، أو تنزيله على إرادة الدرهم وأكثر في قوله(عليه السلام): «وإن كان أكثر من درهم» والدرهم فما زاد في قوله(عليه السلام): «وما لم يزد على قدر الدرهم فليس بشيء» وهو وارد في باب المحاورات، ونظيره قوله تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ(6)مريداً بها الاثنتين فما فوق، على أنّ الرواية الأُولى مع ضعفها يعارض مفهوم صدرها مفهوم عجزها، والترجيح للأوّل ؛ لاعتضاده بما ذكرنا في المرجّحات، والثانية غير صريحةٍ، وغايتها العموم القابل للتخصيص بما تقدّم بحمل «ما لم يزد» و «ما ليس بأكثر من درهم» على خصوص الناقص عنه جمعاً، مع أنّ الثانية مرويّة في الكافي والفقيه(7)-اللّذين هما أضبط من التهذيب - بإسقاط


1) وسائل الشيعة 3: 429 - 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 1 و 4.

2) تقدّم آنفاً.

3) وسائل الشيعة 3: 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 2.

4) المصدر: 431 ، ح 6. بتفاوت.

5) الخلاف 1: 476 - 477، المسألة 220؛ السرائر 1: 177 - 178.

6) النساء (4) :11

7) الكافي 3: 59 ح 3: الفقيه 1: 249، ح 757

الواو في: «وما لم يزد» وزيادة: «وما كان أقلّ من ذلك فليس بشيء» بعد قوله(عليه السلام): «ما لم يزد على مقدار الدرهم» فسبيلها سبيل الرواية السابقة.

ولا يبعد أنّ ترك ذكر الواسطة في الروايتين لأجل ندرتها وغلبة تحقّق الأمرين، فليس فيهما على هذا ذكر حكمها لو لم نقل بدلالتهما على عدم العفو عنها.

سادسها : لا يعتبر قدر العلوّ في الدم ولو وصل إلى الأربع أصابع ، بل العبرة بالسعة ، ولا بوجهي الثوب إذا فشى من الظاهر إلى الباطن، خفيفاً كان الثوب أو كثيفاً، والأحوط في الكثيف التجنّب.

ولو تلطّخ وجها الثوب بدمين متغايرين، فالظاهر احتساب كلّ واحدٍ منهما دماً مستقلّاً.

و لو كان الثوب طبقاتٍ متكثّرةً فخرقه الدم كان دماً واحداً.

ولو انفصل احتُسب دماءً متعدّدة.

ولو اتّصل المنفصل فالأحوط احتسابه كذلك دماء متعدّدة.

ولو اشتبه الدم بين المعفوّ عنه وغيره، احتُمل الحكم بالعفو؛ لأنّه من المشتبه الغير المحصور؛ لأنّ المعفوّ عنه غير محصور الفرد.

ويحتمل عدمه؛ لأنّه من المحصور نوعاً، وللاحتياط الواجب لفراغ الذمّة.

والأوّل أقوى؛ لأنّ العامّ المخصوص بفردٍ أو فردين إذا شكّ في بعضٍ من أفراده أُلحق بالأعمّ الأغلب، سيّما لو كان التخصيص بالاستثناء وشبهه لا بالشرط ونحوه.

و لو حكّ الدم فبقيت نجاسته فقط احتُمل العفو إلحاقاً للفرع بأصله، والأضعف الزوال بالأقوى لوجودها.

ويحتمل العدم؛ للاحتياط، ولزوم الاقتصار على قدر اليقين.

و لو تنجّس مائع بالدم لم يَجْرِ حكم الدم عليه ، ولو كان دم طاهراً كان كذلك، مع احتمال العفو.

ولو خالط الدم شيء طاهر من بُصاقٍ و نحوه وكان لا يبلغ الدم معه الدرهم قوي العفو؛ لحصول ذلك غالباً، فتحصل المشقّة باشتراط ،عدمه ولأنّه لا يزيد على الثوب والبدن، ولا يزيد الفرع على أصله.

وإن بلغ الدم معه الدرهم وما زاد احتُمل العفو؛ تنزيلاً له منزلة الثوب والبدن.

واحتُمل عدمه؛ لتنجّس الثوب والبدن بنجاسةٍ أُخرى غير الدم. وعدم زيادة الفرع على أصله ليست قاعدةً شرعيّة.

واحتُمل الفرق بين ما لازم الدم عادة كعرق وصديد وبصاق فيُحكم بالعفو، وبين غيره فلا عفو، وهو الأقوى.

ولو شكّ في بلوغ الدم مقدار درهم قوي البناء على أصالة عدم البلوغ.

ومنها: أنّه يعفى عن النجاسة الواقعة في المحمول؛ لانصراف أدلّة المنع للملبوس؛ قضاءٌ لحقّ «في» وأشباهها الظاهرة في الظرفيّة.

ولا يتفاوت في المحمول بين السلاح وغيره، وإن صدق على جملةٍ منه الملبوس، كالسيف والقوس، إلّا أنّه ليس من الصدق المنصرف إليه الإطلاق.

نعم، قد يجري الحكم لمثل الدرع والبيضة وشبههما.

و يعفى عن طرف الملبوس الخارج عن الملبوس المعتاد لطوله، كما تقدّم.

و يعفى عن النجاسة في الباطن، سواء كانت النجاسة داخلةً أو خارجةً، و سواء قلنا: إنّ الباطن ينجس أو لا، وسواء كان الباطن ممّا يبين كالفم أو لا، كالمعدة، فلا يجب لفظ النجاسة ولا إخراجها ولا قيؤها؛ لعدم انصراف الأدلّة إليها، بل ربما يدّعى الاتفاق على ذلك، سيّما إذا كان في البواطن التي لا تبين، فإنّ الحكم بعدم التنجّس لا شكّ فيه.

و يعفى عن النجاسة المحمولة نفسها إذا لم تلوّث البدن أو الملبوس؛ لعدم الدليل على المنع، فلو حمل عذرة يابسة أو قارورة فيها دم أو بول فلا بأس. و لو جبر عظمه بعظم نجس العين فلا بأس في الصلاة به، سواء اكتسى اللحم فصار من البواطن أم لا. نعم، كونه ممّا لا يؤكل لحمه يشكل حمله و اتّصاله في البدن.

و يعفى عمّا لا تتمّ الصلاة منفرداً به ما دام على هيئة من الملابس؛ للإجماع والأخبار.

ففي الموثّق: «كلّ ما كان لا تجوز الصلاة به وحده فلا بأس أن يكون عليه الشيء، مثل القلنسوة والتكّة والجورب»(1).

والآخَر: «كلّ ما كان على الإنسان، أو معه ممّا لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن


1) وسائل الشيعة 3: 455 - 456 الباب 31 من أبواب النجاسات، ح 1.

يصلّي فيه وإن كان قذراً، مثل القلنسوة والتكّة والكمرة(1)والنعل والخفّين وما أشبه ذلك»(2).

والآخَر: فيمن يصلّي في الخُفّ وفيه قذر، قال: «إذا كان ممّا لا تتمّ الصلاة فيه فلا بأس»(3).

والآخَر: وقعت قلنسوتي في البول فوضعتها على رأسى فصلّيت، قال: «لا بأس»(4).

إلى غير ذلك من الأخبار المعتضدة بفتوى الأصحاب، ومقتضى إطلاقها: عدم الفرق بين كونها ملبوسةً في محلّها كالقلنسوة في الرأس والخُفّ في القدم، أو في غير محالّها كالعكس، أو كانت محمولة، بل العفو عن المحمول أولى، والمتبادر من الأخبار العفو عمّا لا تتمّ الصلاة به؛ لصغره لا لرقّته، وأن يبقى على كيفيّته، فلو فرض أنّه إذا تغيّر عن كيفيته صار بحيث إنّه يستر، لا يعتدّ به، كما إذا وضع طوله بعرضه وخيط مثلاً.

ومنها: أنّه يعفى عن ثوب المربّية للصبيّ إذا كان لها ثوب واحد إذا غسلته في اليوم مرّةً؛ للإجماع المنقول(5)، وفتوى الفحول للخبر عن امرأة ليس لها إلّا قميص واحد ولها مولود فيبول عليها، كيف تصنع ؟ قال: «تغسل القميص في اليوم مرّةً»(6).

ويؤيّده رفع العسر والحرج وإرادة اليسر، وعدم المشقّة، وكونه كدم الجروح والقروح.

ولكن هل يشمل الحكم بول الصبيّة؛ لشمول لفظ «المولود» لها، وللاتّحاد في المشقّة، أم يقتصر على الصبيّ؛ للاحتياط وانصراف المولود إليه- كما قيل (7)- وللفرق بين البولين في كفاية الصبّ وعدمه، والاصفرار والثخانة في بول الصبيّة دون الصبيّ؟ والأخير أحوط.

وهل يشترك المربّي مع المربّية في الحكم؛ للاتّحاد في المشقّة، وإرادة اليسر، وإلغاء الفارق، أو لا يشترط؛ اقتصاراً على المورد الخاصّ، وللاحتياط، ولعدم ثبوت العلّة القطعيّة في الأصل؟

وهل يشمل الحكم المولود المتعدّد؛ لأنّه أقوى في إرادة اليسر وحصول المشقّة، أم لا يشمل؛ اقتصاراً على المورد اليقين، ولاحتمال غلظ نجاسة الاثنين فما فوق؟


1) الكمرة: الحفاظ أو كيس يأخذها صاحب السلس مجمع البحرين 3: 477، «ك م ر».

2) وسائل الشيعة 3: 456 - 457 ، الباب 31 من أبواب النجاسات، ح 5.

3) المصدر: 456. ح 2.

4) المصدر، ح 3.

5) مفتاح الكرامة 1: 180.

6) وسائل الشيعة 3: 399 الباب 4 من أبواب النجاسات، ح 1.

7) حكاه الشيخ حسن في معالم الدين (قسم الفقه) 2: 621 عن بعض الأصحاب.

وهل يشمل الحكم البدن؛ لما ذكرناه، أو يقتصر على الثوب، والاحتياط يقضي بالاقتصار على مورد اليقين فيهما؟

وهل الثياب المتعدّدة مع الحاجة إليها كالثوب الواحد؛ لمساواتها في حصول المشقّة، أو لا؛ لخروجها عن مورد النصّ (1)والفتوى؟ أمّا مع عدم الحاجة فلا شكّ في عدم الإلحاق.

و هل يشترط في العفو عدم قدرتها على آخَر بشراءٍ أو استئجارٍ؛ لتمكّنها من رفع المشقّة و ارتكاب اليسر، أو لا يشترط؛ لإطلاق النصّ ؟(2)والأقوى الأخير، والأحوط الأوّل.

و هل يجب الغسل، أم يكفي الصبّ إذا لم يأكل الصبيّ الطعام؟ الظاهر وجوب الغسل هنا؛ لأنّ الاكتفاء بالصبّ هناك فيما إذا تكرّر، لا فيما يكتفى به في اليوم الواحد.

وهل المراد بـ «اليوم» ما يشمل الليل؛ لإطلاق لفظ «اليوم» على ما يشمله، أو يختصّ اليوم بغسل والليل بآخَر، أو لا يجري الحكم إلى الليل مطلقاً؛ لخروجه عن مورد الرواية؟ والأخير ضعيف، والوسط أحوط، والأوّل أقوى.

و هل يختصّ الحكم بمن كان لا يأكل الطعام، أو بمن كان في السنتين وإن أكل، أو بمن كان جامعاً لهما؟ وجوه، أحوطها: الأخير، وأقواها: الأوّل. و هل يشمل الحكم تعدّد المربّي أم يختصّ بالمربّي الواحد؟ الأقوى الأوّل، والأحوط الأخير.

و هل يسري الحكم للغائط ؟ الأقوى العدم.

و هل يسقط العفو بمخالطة نجاسةٍ أُخرى داخليّة؟ الأحوط ذلك. ولو كانت خارجيّةً، فلا إشكال بعدم العفو.

و هل يجب أن تغسله آخر النهار فتصلّي جميع الصلوات به بعد غسله؟ وتكون فائدة الحكم التخفيف برخصة تأخير الصلاة، أو أنّها تغسله أيّ وقتٍ شاءت ولو بعد تلوّثه مرّةً واحدة؟ فيجوز لها الصلاة حينئذٍ به وإن كان متلوّثاً، ولها أن تؤخّر غسله إلى العصر بعد أن تصلّي به، فيكون غسل العصر شرطاً في صحّة الصلاة الماضية، وعدمه كاشف عن بطلانها، أو أنّ شرط صحّة الصلاة المتقدّمة العزم على الغسل المتأخّر، لا نفس الفعل، ولا يبعد ذلك.

و أمّا الصلاة المستقبلة فلا شكّ في توقّف صحّتها على الغسل.


1) راجع الهامش (6) من ص 587.

2) راجع الهامش (6) من ص 587.

و الظاهر أنّ الكسر من اليوم يلفّق من يوم آخَر.

و الظاهر أنّه لا تفاوت بين الفرض والنفل.

و هل يشترط تعدّد الغسل ؟ الأقوى الاشتراط.

و احتمال أنّ «المرّة» في الخبر(1)قيد للغسل، بعيد.

و منها : النجاسة التي لا يمكن إزالتها عن الثوب والبدن فإنّه معفوّ عنها إجماعاً ؛ لأنّ الضرورات تبيح المحظورات، وما جاء في المسلوس من أنّ الله أولى بالعذر(2)دليل على ذلك.

هذا إن لم يمكنه نزع الثوب والصلاة عارياً، وإلّا جاء الخلاف من تقديم الصلاة عارياً، أو تقديم الصلاة بالثوب النجس، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. ولا تعاد الصلاة بالثوب النجس المضطرّ إلى لُبْسه ولم يتمكّن من غسله؛ للإجزاء الظاهر من حصول الامتثال ولفتوى المشهور.

خلافاً للشيخ حيث حكم بالإعادة(3)استناداً لروايةٍ آمرة ٍبالإعادة لمن صلّى بثوبٍ نجس و تيمّم (4).

وهي ضعيفة سنداً ودلالةً؛ لاحتمال أنّ الإعادة لمكان التيمّم، أو لمكان الثوب النجس والتيمّم.

و منها: ثوب الخصيّ الذي يتواتر بوله يعفى عنه إذا غسله في النهار مرّةً؛ للمشقة، وإرادة اليسر، وللخبر: عن الخصيّ يبول ويرى البلل بعد البلل، قال: «يتوضّأ وينضح ثوبه في النهار مرّةً واحدة»(5)وأفتى به جمعٌ من الأصحاب(6).

ولكنّه لضعفه سنداً، وقلّة العامل به، وإجمال دلالته؛ لاحتمال أنّ النضح من جهة البلل الغير المقطوع به أنّه من البول، ولاشتماله على النضح دون الغسل، ولإجمال لفظ المرّة في كونها قيداً للنضح أو النضح في النهار، ولمخالفته للقواعد الموجبة لغسل النجاسة مهما أمكن، ولما قدّمنا من وجوب تخفيف النجاسة والاحتفاظ منها في المسلوس والمبطون،


1) راجع الهامش (6) من ص 587.

2) وسائل الشيعة 1: 297، الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء، ح 2.

3) النهاية: 55: المبسوط 1: 91

4) وسائل الشيعة 3: 485، الباب 45 من أبواب النجاسات، ح 8.

5) المصدر 1: 285، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 8.

6) منهم: المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 444؛ والعلّامة الحلّي في منتهى المطلب :3 272؛ والشهيد في الدروس الشرعية 1: 127؛ وذكرى الشيعة 1: 139

كان العمل بمضمونه مشكلاً جدّاً. وحمله على الندب عند الشكّ في البلل أولى، كما جاء في غيرها من الأخبار. وإن قلنا به في الجملة فلا بدّ من إرادة الغسل من النضح، ولا بدّ من المرّتين؛ ليوافق القواعد، وحمله على الرخصة لتأخير الصلاة وجمعها هو الأوجَه.

سادسها: حکم ما لو صلّى بالنجاسة في ثوبه أو بدنه الغير المعفوّ عنها عالماً بها عامداً أو جاهلاً أو ناسياً

لو صلّى بالنجاسة في ثوبه أو بدنه الغير المعفوّ عنها، فإمّا أن يصلّي عالماً بها عامداً، عالماً بحكمها، أو جاهلاً بها، أو يصلّي جاهلاً بها، أو يصلّي ناسياً لها.

ثمّ الجاهل والناسي إمّا أن يستمرّ حاله إلى ما بعد الفراغ، أو يتفطّن في الأثناء.

فهنا أُمور:

أحدها: أن يصلّي عالماً بالحكم والموضوع، ولا شكّ في بطلان صلاته؛ للإجماع بقسميه(1)، وللأخبار(2)المتكثّرة الآمرة بإعادة الصلاة لمن رأى منيّاً في ثوبه فصلّى، ولمن رأى دماً فصلّى، وغير ذلك.

ثانيها: أن يصلّي جاهلاً بحكمها، والأظهر وجوب الإعادة عليه في الوقت وخارجه؛ للإجماع المنقول(3)، وفتوى الفحول، ولإطلاق الأخبار الآمرة بالإعادة عليه(4)، الشاملة للقضاء بإطلاقها، ولأنّ الأصل في الشرائط الواقعية دون العلميّة، ولأنّ الأصل عدم الخروج من العهدة.

فظهر بذلك ضعف مذهب مَنْ(5)صحّح عبادة الجاهل مطلقاً وأسقط القضاء والإعادة، وكذا مذهب مَنْ (6)أسقط القضاء؛ لاحتياجه إلى أمر جديد، ولانصراف الأوامر بالإعادة إلى الفعل في الوقت، واقتضاء الأمر الإجزاء. ووجه ضعفهما ظاهر ممّا قدّمنا.

نعم، يسقط العقاب عن الجاهل إذا كان جهله ساذجاً غير متفطّن للسؤال؛ لأنّ الله أولى بالعذر، ومَنْ تفطّن فللّه عليه الحجّة البالغة، كما ورد أنّ الله يحتجّ بالمصلّي على أهل بيته وأهل نحلته وجيرانه، ويحتجّ عليهم بهديه وصلاحه(7).


1) المعتبر 1: 441؛ تذكرة الفقهاء 2 ،490 المسألة 1330؛ ذكرى الشيعة 1: 140.

2) وسائل الشيعة 3: 424، الباب 16 من أبواب النجاسات، ج 2، و 431، الباب 20 من تلك الأبواب، ح 6، و 468 - 469، الباب 38 من تلك الأبواب، ذيل الحديث ،2 و 475 الباب 40 من تلك الأبواب، ح 3.

3) راجع مدارك الأحكام 2: 344؛ ورياض المسائل 2: 117.

4) راجع الهامش (2).

5) كالسيّد نعمة الله الجزائري في شرح كتاب عوالي اللآلي على ما حكاه عنه البحراني في الدرر النجفية 1: 78 - 80.

6) كالعاملي في مدارك الأحكام 2: 344؛ والبحراني في الحدائق الناضرة 5: 409 - 410.

7) الكافي 8: 83 -84 ، ح 42

ثالثها: من صلّى جاهلاً بالنجاسة حتّى أتمّ لا يعيد في خارج الوقت إجماعاً منقولاً(1)و شهرة محصّلة، بل إجماعاً محصلاً، والأخبار(2)المستفيضة الدالّة على عدم الإعادة مطلقاً شاملة له، وكذا لا يعيد ما دام في الوقت وفاقاً للمشهور، حتّى كاد أن يكون إجماعاً، وللأخبار المستفيضة النافية للإعادة الظاهرة في بقاء الوقت.

ففي الصحيح في المنيّ: «وإن نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صلّيت فيه ثمّ رأيته بعد فلا إعادة عليك، وكذا البول»(3).

و في الآخر في الدم: «وإن لم يكن رأه حتّى صلّى فلا يعيد الصلاة»(4).

و في ثالث عمّن صلّى وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنّور أو كلب، قال: «إن كان لم يعلم فلا يعيد»(5).

و في رابعٍ عمّن صلّى و في ثوبه جنابة أو دم حتّى فرغ من صلاته ثمّ علم، قال: «قد مضت صلاته، ولا شيء عليه»(6).

و في خامسٍ فيمن نظر فلم يجد شيئاً ثمّ صلّى فوجد، قال: «تغسله، ولا تعيد الصلاة»(7)

و في سادسٍ: «إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه»(8).

و في سابعٍ فيمن صلّى في ثوب آخَر أيّاماً ثمّ أخبره أنّه لا يصلّي فيه، قال: «لا يعيد شيئاً من صلاته»(9)إلى غير ذلك.

ولا يعارض ذلك ما ذهب إليه الشيخ(رحمۀ الله علیه) من وجوب الإعادة في الوقت(10)استناداً إلى لزوم الإعادة على مَنْ علم بالأثناء فكذا هنا؛ لضعف المذهب والمستند؛ لبطلان الملازمة.


1) غنية النزوع 1 : 66 : السرائر 1 : 183؛ المهذب البارع 1 : 246 - 247.

2) وسائل الشيعة 3: 474 و 475 ، الباب 40 من أبواب النجاسات، ح 2 و 3.

3) المصدر : 424، الباب 16 من أبواب النجاسات، ح 2.

4) المصدر: 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 2.

5) المصدر : 475، الباب 40 من أبواب النجاسات، ح 5.

6) المصدر: 474، ح 2.

7) المصدر : 466، الباب 37 من أبواب النجاسات، ح 1.

8) المصدر: 476، الباب 40 من أبواب النجاسات، ح1 .

9) المصدر: 475 ح 6.

10) النهاية: 8؛ المبسوط 1: 38

نعم، ورد في خبرين: أحدهما في الثوب تصيبه الجنابة ولم يعلم بها حتّى يصلّي فيعلم، قال: «يعيد إذا لم يكن علم»(1).

وثانيهما فيمن صلّى وفي ثوبه جنابة أو بول، قال: «علم به أو لم يعلم فعليه إعادة الصلاة إذا علم»(2).

وهما ضعيفان لا يقابلان قويّاً واحداً، فكيف بمتعدّد فلتُحمل الأُولى على ما إذا لم يعلم حال الصلاة وقد سبقه العلم، أو على الندب أو على الاستفهام بحذف الهمزة من «يعيد» أو على زيادة حرف النفي وتوهّم الراوي، وتُحمل الثانية على الندب، أو على عدم العلم حال الاشتغال بالصلاة، أو غير ذلك، على أنّ موردها شامل للوقت وخارجه، وتخصيصها لا دليل عليه، وعمومها مخالف للإجماع.

وظاهر إطلاق النصّ والفتوى شمول الحكم لجاهل النجاسة مطلقاً، سواء تفطّن لها أم لا، وسواء تفطّن فشكّ بها أو تفطّن فظنّ بها، وسواء اجتهد عند التفطّن شاكّاً أو ظانّاً فلم يرَ ثمّ رأى، أو لم يجتهد فبنى على الأصل ثمّ رأى.

والظاهر أنّ الحكم كذلك ؛ للإطلاقات المتقدّمة القويّة، وللأخبار الدالّة على النهي عن الفحص والسؤال عن النجاسة، الآمرة بالبناء على أصالة الطهارة المشعرة بالعفو في حالة الجهل مطلقاً (3). إلّا أنّ الشهيد(رحمۀ الله علیه)في الذكرى(4)- تبعاً للمحكيّ عن جملةٍ من القدماء(5)- خصّ الحكم بعدم الإعادة في الجهل الساذج وعدم التفطّن، أو التفطّن والظنّ، ولكن مع الاجتهاد والنظر فلم ير شيئاً، وأمّا مع التفطّن والظنّ وعدم الاجتهاد فعليه الإعادة، بل يظهر من بعضهم(6)أنّه مع التفطّن وعدم الاجتهاد يجب عليه الإعادة ولو مع الشكّ بالنجاسة دون الظنّ، بل ومع الظنّ بعدمها.

والمستند في ذلك رواية منصور الصيقل فيمن أصابته جنابة في الليل فاغتسل فلمّا


1) وسائل الشيعة 3: 476 ، الباب 40 من أبواب النجاسات، ح 8

2) المصدر، ح 9.

3) المصدر : 466 ، الباب 37 من أبواب النجاسات، ح 1 ، و 491 - 492، الباب 50 من تلك الأبواب، ح 3، 6 - 8.

4) ذكرى الشيعة 1: 141

5) كالصدوق في الفقيه 1: 72؛ والمفيد في المقنعة 149؛ والطوسي في تهذيب الأحكام 2: 202.

6) راجع الفقيه 1: 72 ، ح 167

أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة، قال: «إن كان حين قام فنظر فلم ير شيئاً فلا إعادة عليه، وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الإعادة»(1)ومثله- مرسلاً - في الفقيه(2).

ورواية محمّد بن مسلم: «وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صلّيت فيه ثمّ رأيته بعد فلا إعادة عليك»(3)ومفهومه صريح في ذلك.

وظاهر هذه الروايات لزوم الإعادة في الوقت وخارجه، وأنّ الإعادة تدور مدار عدم النظر، وعدمها مدار النظر، وإطلاقها يشمل الجهل والشكّ والظنّ، وإن كان سياقها ظاهراً في المتفطّن.

وعلى كلّ حال فهي وإن كانت خاصّة وتلك عامة، ومقتضى قواعد الجمع حمل العامّ على الخاصّ، إلّا أنّ الحمل مشروط بمقاومة الخاصّ للعامّ، ومع عدم حصول المقاومة لا يحصل التعارض، فلا يجب الجمع، بل إمّا أن يُطرح، أو يُحمل على الندب في صورة الإعادة، لا القضاء؛ لأنه المتيقّن الإرادة من الأخبار.

ويمكن حمل هذه الأخبار على صورة النسيان بعد الاعتقاد بحصول النجاسة، إلّا أنّه حين نظر فلم يجد شيئاً يعود شاكّاً، فتكون صلاته كصلاة الجاهل بالنجاسة، وإن لم ينظر فقد بقي على اعتقاده إلى أن نسي فصلّى فوجد ما اعتقده، فوجبت عليه الإعادة.

رابعها: مَنْ صلّى بالنجاسة ناسياً بعد العلم فالأقوى أنّ عليه الإعادة في الوقت وخارجه؛ قضاء لحقّ الشرطيّة، فإنّ الأصل فيها الواقعيّة، وانتفاؤها موجب لانتفاء المشروط، وهو موجب لصدق الفوت:« ومَنْ فاتته فريضة فليقضها كما فاتته»(4).

ولعموم الأدلّة الدالّة على إعادة مَنْ صلّى بنجاسةٍ (5)، خرج ما خرج بالدليل وبقي الباقي.

ولخصوص حسنة محمّد بن مسلم في الدم: «وإن كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار درهم فضيّعت غسله وصلّيت فيه صلوات كثيرة، فأعد»(6)وظاهرها شامل للوقت وخارجه.

و صحيحة عليّ بن جعفر فيمن احتجم فأصاب ثوبه دم؟ قال: «إن كان رآه فلم يغسله


1) وسائل الشيعة 3: 478، الباب 41 من أبواب النجاسات، ح 3.

2) الفقيه 1: 72 ، ح 167.

3) وسائل الشيعة 3 :478 الباب 41 من أبواب النجاسات، ح 2.

4) عوالي اللآلي 2 :54، ح 143

5) وسائل الشيعة 3 479 - 481 . الباب 42 من أبواب النجاسات، ح 402 - 6.

6) المصدر: 431، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 6

فليقضِ جميع ما فاته على قدر ما كان يصلّي، ولا ينقص منه شيئاً، وإن كان رآه وقد صلّى فليعتد بتلك الصلاة»(1).

و للإجماع المنقول عن ابن إدريس(2)، وللشهرة المنقولة هاهنا (3)، وفي بحث ناسي الاستنجاء(4)، فإنّ الظاهر اتّحاد المسألتين؛ وللأخبار الواردة في الإعادة مطلقاً هاهنا(5)وفي باب الاستنجاء(6).

و منها: خبر أبي بصير في الدم، قال: «وإن علم قبل أن يصلّي ونسي فعليه الإعادة»(7).

و منها: رواية سماعة في الدم فينسى أن يغسله حتّى يصلي، قال: «يعيد صلاته عقوبة لنسيانه»(8)وظاهر التعليل العموم أيضاً.

و منها: صحيحة الجعفي في الدم :« وإن كان أكثر من قدر درهم وكان رآه ولم يغسله حتّى صلّى فليعد صلاته»(9).

و منها: صحيح ابن أبي يعفور: عن نقط الدم يعلم به ثمّ ينسى أن يغسله فيصلّى فيه ثمّ يذكره، قال: «يغسله ولا يعيد صلاته إلّا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله ويعيد صلاته» (10).

ومنها: صحيح زرارة: أصاب ثوبه دم رعاف أو غيره أو منيّ ونسي وصلّى به و ذكر، قال: تعيد الصلاة وتغسله»(11).

إلى غير ذلك من الأخبار المتكثّرة الدالّة بإطلاقها على الإعادة مطلقاً.

فلا يعارضها ما دلّ على عدم وجوب الإعادة مطلقاً، وأفتى الشيخ(رحمۀ الله علیه) بمضمونه(12)، كصحيح العلاء عن الرجل يصيب ثوبه الشيء ينجّسه فينسى أن يغسله فيصلّي فيه ثمّ يذكر، أيعيد الصلاة؟


1) وسائل الشيعة 3: 477، الباب 40 من أبواب النجاسات، ح 10.

2) السرائر 1: 271

3) الحدائق الناضرة 5: 418 رياض المسائل 2: 119

4) مختلف الشيعة 1 :101، المسألة 61.

5) راجع الهامش ( 5 ) من ص 593.

6) وسائل الشيعة 1 294 - 296، الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء، ح 2، 3 و 7.

7) المصدر 3: 476، الباب 40 من أبواب النجاسات، ح7 .

8) المصدر: 480 - 481 ، الباب 42 من أبواب النجاسات، ح 5.

9) المصدر: 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 2.

10) المصدر: 429 - 430 ، ح 1.

11) المصدر: 479 - 480، الباب 42 من أبواب النجاسات، ح 2.

12) حكاه عنه العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء :2: 490. المسألة 130 ، ولم نعثر عليه في كتب الشيخ الطوسي.

قال: «لا يعيد، قد مضت الصلاة وكُتبت له »(1)وكعموم «رفع القلم عن الناسي»(2)لضعفهما عن المقاومة لما هو أكثر عدداً وأصحّ سنداً ، ولما هو المشهور، بل كاد أن يكون متّفقاً عليه بين القدماء، مضافاً إلى شذوذ العامل بالصحيح، وندرة العامل بعموم رفع القلم في رفع قضاء وشبهه.

نعم، يستدلّ به لرفع الإثم والمؤاخذة.

نعم، ذهب جملة من المتأخّرين و نُسب لمشهورهم(3)التفصيل بين بقاء الوقت فتجب الإعادة، وبين خروجه فلا تجب؛ جمعاً بين الأخبار الأوليّة المثبتة للإعادة مطلقاً، وبين الصحيح الأخير(4)النافي له، ولاحتياج القضاء لأمرٍ صريح مثبت له، ولا صراحة في الأخبار الأوّليّة بالعموم.

ولرواية عليّ بن مهزيار: كتب إليه سليمان بن راشد يخبره أنّه بال في ظلمةٍ وأنّه أصاب كفّه برد نقطةٍ من البول لم يشكّ أنّه أصابه ولم يره و أنّه مسحه بخرقة، ثمّ نسي أن يغسله و تمسّح بدُهنٍ فمسح به كفّيه و وجهه ورأسه ثمّ توضّأ وضوء الصلاة فصلّى؟ الجواب: «ما توهّمت ممّا أصاب يدك فليس بشيء إلّا ما تحقّق، فإن تحقّقت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات التي كنت صلّيتهنّ بذلك الوضوء ما كان منهنّ في وقتها، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها من قبل أنّ الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلّا ما كان في وقت، وإذا كان جنباً أو على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات التي فاتته، لأن الثوب خلاف الجسد»(5).

والكلّ ضعيف؛ لأنّ الجمع فرع التكافؤ أوّلاً ، والصحيح الأخير لا يكافئ تلك الأخبار، على أنّ تلك فيها ما هو صريح في شمول الإعادة للوقت وخارجه، فلا يمكن الجمع، ومحتاج إلى شاهدٍ يدلّ عليه، وليس إلّا المكاتبة، وهي مع ضعفها سنداً قد اشتملت على ما يقضي بظاهره خلاف القواعد من اشتراط طهارة محلّ الوضوء، ومن اشتراط طهارة نفس الماء؛ لتنجّسه بوروده عليها، ومن أنّ ذلك الوضوء الذي توضّأه إمّا أن يكون صحيحاً فلا معنى لإعادة الصلاة بذلك الوضوء بعينه؛ لإشعاره بأنّ منشأ الإعادة هو نفس الوضوء لفساده، وإمّا أن يكون فاسداً فلا معنى للحكم بأنّ ما فات وقتها فلا قضاء فيها، وحملُ الوضوء بعينه على


1) وسائل الشيعة 3: 480، الباب 42 من أبواب النجاسات، ح 3.

2) المصدر 15: 369. الباب 56 من أبواب جهاد النفس.

3) الناسب هو البحراني في الحدائق الناضرة 5: 418.

4) راجع الهامش (1)

5) وسائل الشيعة 3: 479 ، الباب 42 من أبواب النجاسات، ح 1.

التمسّح والتدهّن حملٌ بعيد جدّاً، و من أنّ مسح اليد بالرأس يقتضي نجاستها؛ لمكان نجاسة الرطوبة الملاقية له، ومن أنّ قوله(عليه السلام): «كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات التي صلّيتهنّ بذلك الوضوء» يعطي أنّه لو أحدث عقيب ذلك الوضوء وتوضّأ وضوءاً آخَر وصلّى لا يعيد صلواته.

و الجواب بالتزام عدم اشتراط طهارة محلّ الوضوء، وأنّ الماء الواحد يرفع الحدث والخبث. وبأنّ قوله: «فإن تحقّقت ذلك» يراد به: تحقّقت وصول البول إلى غير محالّ الوضوء، وبأنّه يمكن أن يكون مسح الرأس على غير المحلّ النجس؛ لإمكان عدم استيعاب الدهن النجس للرأس، وبإمكان إرادة الوضوء النوعي الخاصّ الواقع بعد التدهّن وقبل تطهير البدن من قوله: «ذلك الوضوء بعينه». كلّه تكلّفٌ بعيدٌ لا يساعده دليل ولا ظهور خطابٍ.

و على كل حال فصلاحيّة الرواية للشهادة بجمع الأخبار -كما ذكروه - مع هذا الإجمال والاختلال بعيدةٌ عن الخيال ، كما أنّ الاقتحام على حمل الروايات الآمرة بالإعادة على الندب - مع كثرتها ووضوحها، وشذوذ العامل بغيرها ممّا دلّ على عدم الإعادة مطلقاً أو دلّ على التفصيل من القدماء - مخالفٌ لطريقة الفقهاء والفقاهة، بعيدٌ عن طريق الاستدلال.

خامسها: أن يرى النجاسة في الأثناء، وقد علم سبقها فنسيها وصلّى. والأقوى هاهنا وجوب الإعادة وبطلان الصلاة؛ لما تقدّم من وجوب الإعادة على الناسي، ولفقدان الشرط في الجزء فيبطل الكلّ، وللصحيح: عن رجل ذكر وهو في صلاته أنّه لم يستنجِ، قال: «ينصرف ويستنجي ويعيد الصلاة»(1). والآخَر: «وإن كنت رأيته قبل أن تصلّي فلم تغسله ثمّ رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف واغسله وأعد صلاتك»(2).

والثالث: في الدم والمني، قلت: وإن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة، قال: «تنقض الصلاة»(3).

والرابع: في الدم ينسى [ أن ] يغسله حتّى يصلّي، قال: «يعيد الصلاة؛ عقوبةً لنسيانه»(4).

وجميع ما دلّ على بطلان الصلاة في الأثناء مع رؤية النجاسة وكان جاهلاً بها (5)تدلّ على صورة النسيان بطريق أولى.


1) وسائل الشيعة 1: 318، الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة، ح 4.

2) المصدر 3: 483، الباب 44 من أبواب النجاسات. ح 3.

3) المصدر : 482 - 483، ح 1.

4) المصدر : 480 - 481، ح 5. «يعيد صلاته... عقوبة لنسيانه».

5) راجع المصدر، الباب 41 و 42 من أبواب النجاسات.

سادسها: أن يراها في الأثناء ويعلم بحدوثها، أو لا يعلم بسبقها أو حدوثها حين العلم بها.

والأقوى هنا والأشهر أنّه إن أمكنه إزالتها بغسل وشبهه، أو طرح الثوب مع لبس غيره أو بقاء غيره، وجب ذلك وصحّت صلاته واستمرّ عليها. وإن لم يمكنه إزالتها إلّا بفعل القاطع الصلاته من المنافيات لها، وجب القطع والإعادة؛ لأنّ النجاسة إن كانت سابقة فهو جاهل بالنجاسة والجاهل لا إعادة عليه مع فعل الكلّ، فالبعض بالطريق الأولى والباقي تداركه ممكن. و إن حدثت في الأثناء -كما يقضي به أصل التأخّر - لم يكن مصلّى بالنجاسة سابقاً ولا لاحقاً.

وللصحيح: «وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت - الصلاة - وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة؛ لأنّك لا تدري لعلّه شيء أُوقع عليك»(1).

وللحسن في الدم: «إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل، وإن لم يكن عليك غيره

فامض في صلاتك ولا إعادة عليك»(2). وتضمّن آخره ما لا نقول به لا ينافي الاستدلال بصدره. وللصحيح عن الرجل يأخذه الرعاف في الصلاة، قال: «ينفتل منها فيغسل أنفه ويعود في صلاته، فإن تكلّم فليعد صلاته»(3).

ونحوه الصحيح الآخر(4). وهما وإن أطلقا البناء مع عدم الكلام إلا أنه يلحق به غيره من

المبطلات بالإجماع. وبمفهوم الصحيح: «لو أنّ رجلاً رعف في صلاته وكان عنده ماء أو من يشير إليه بماء فيتناوله فمال برأسه فغسله فليبن على صلاته ولا يقطعها»(5). وفيه دلالة على لزوم القطع إن لم يكن كذلك.

مضافاً إلى أنّه مع عدم إمكان التطهير والبناء يلزم عليه الصلاة بالنجاسة الدالّة على منعها عمومات الأدلّة وخصوصاتها.

واحتمال أنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي فيكون مضطرّاً للصلاة بالنجاسة ضعيف؛ لأنّ هذا بطلان فيها لا إبطال لها.


1) وسائل الشيعة 3 482 - 483، الباب 44 من أبواب النجاسات، ح 1.

2) المصدر : 431، الباب 20، ح 6.

3) المصدر 7: 238 - 239، الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة، ح 4.

4) المصدر: 240، ح 9.

5) المصدر : 241، الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة، ح 11.

سابعها: أن يعلم بها في الأثناء ويعلم بسبقها على حالة علمه، إمّا في ابتداء صلاته أو في أثنائها، وهنا يقوى القول بلزوم الإبطال والإعادة من رأس، سواء أمكن إزالتها من دون فعل مناف أو لم يمكن؛ لقوله - في الصحيح- : إن رأيته- أي المني - في ثوبي وأنا في الصلاة، قال: «تنقض الصلاة» (1).

والآخَر: «إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة»(2).

و حملهما على الصلاة مع عدم النظر- كما زعمه بعض المتأخّرين(3)- بعيدٌ في النظر.

والثالث: رجل صلّى بثوب فيه جنابة ركعتين ثمّ علم به، قال: «عليه أن يبتدئ الصلاة»(4).

ولا يعارضها الحسن في الدم: «إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصلِّ»(5)لحمله على عدم العلم بالسبق بقرينة قوله(عليه السلام)-في الصحيح- : «وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته، وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعلّه شيء أُوقع عليك»(6).

وقيل- ونسب للمشهور(7)- : بأنّه إن أمكنه النزع والغسل بلا فعل منافٍ لزمه ذلك وصحّت صلاته، وإلّا وجب عليه القطع والاستئناف(8)لإطلاق الحسنة: «إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصلِّ». ولفحوى الأخبار الحاكمة بعدم الإعادة على الجاهل بالنجاسة حتّى فرغ من صلاته (9)لأولويّة المعذوريّة في البعض، مع إمكان تدارك الباقي بالطهارة من المعذوريّة في مجموع العبادة.

وهو حسنٌ لولا الأخبار المتقدّمة المائزة بين الصورتين، والملزمة بعدم الإعادة في الصورة الأُولى والإعادة في هذه الصورة، فحمل الحسنة على الصورة الأُولى والأخذ بالأخبار الموافقة


1) وسائل الشيعة 3 :482 - 483، الباب 44 من أبواب النجاسات، ح 1.

2) المصدر : 424، الباب 16 من أبواب النجاسات، ح 2، و 478، الباب 41، ح 2.

3) البحراني في الحدائق الناضرة 5: 429.

4) وسائل الشيعة 3: 474، الباب 40 من أبواب النجاسات، ح 2.

5) تقدّم تخريجه في ص 597، الهامش (2).

6) تقدّم تخريجه في ص 597، الهامش (1).

7) الحدائق الناضرة 5: 426.

8) قاله الشيخ في المبسوط 38:1

9) راجع وسائل الشيعة 3: 475 الباب 40 من أبواب النجاسات، ح 3 - 7.

للاحتياط أولى على أنّ الشهرة غير محقّقة ، ومع ذلك فالجمع بين الأخبار بما ذكرنا ممّا لا ينبغي المحيص عنه، والملازمة المذكورة بين الكلّ والأبعاض ممنوعة.

ثامنها: جميع ما ذكرناه إنّما يجري في حال الاختيار، وأمّا في حال الاضطرار وعدم إمكان التطهير فالصلاة صحيحة في النجس؛ للإجماع، والخبر: عن الثوب يصيبه البول والجنابة وليس عنده غيره؟ قال: «يصلّي فيه إذا اضطرّ إليه»(1).

ولا يتفاوت الحال بين كونه عالماً أو جاهلاً أو ناسياً ، كما إذا صلّى مع الجهل والنسيان فتبيّن أنّه غير متمكّن من التطهير أو الإبدال، أو الصلاة عارياً؛ بناءً على تقديم الصلاة عارياً على الصلاة في النجس.

ومبنى المسألة على أنّ من لم يجد إلّا الثوب النجس وأمكن نزعه فهل يقدّم الصلاة بالنجس؛ للاهتمام بتحصيل الشرائط والأجزاء مهما أمكن، وللأخبار المستفيضة الدالّة على أنّه يصلّي في الثوب ولا يصلّي عِرياناً (2)؟ أو يقدّم الصلاة عرياناً؛ للأخبار الدالّة على لزوم الصلاة عارياً وطرح النجس(3)، المنجبرة بفتوى المشهور والإجماع المنقول؟ أو يتخيّر بين الصلاة عارياً والصلاة في الثوب النجس؛ جمعاً بين الصحاح الدالّة على الصلاة في الثوب والأخبار المنجبرة الدالّة على الصلاة عارياً؟ وهو الأقوى في النظر لو حصل التكافؤ، إلّا أنّ حصوله في معارضة المشهور لا يخلو عن القصور.

تاسعها: كثير ممّا ذكرنا إنّما يجري في حال السعة، وأمّا حال الضيق عن الاستئناف بحيث لم يبقَ من الوقت مقدار ركعة، أو حال الضيق عن إزالة النجاسة أو تبديل الثوب، فالظاهر صحّة صلاة العالم بالنجاسة في الأثناء إذا لم يسبق له علم قبل دخوله في الصلاة، سواء علم سبقها أو لحوقها أو لم يعلم؛ للأدلّة القطعيّة الدالّة على وجوب الصلاة في أوقاتها المعيّنة.

واشتراطها بإزالة النجاسة على هذا الوجه غير معلوم، بل الاستقراء القطعي الحاصل من تتبّع العفو من الشارع عن كثير من الشرائط والأجزاء لتحصيل الصلاة في وقتها، يدلّ على صحة الصلاة عند الضيق.


1) وسائل الشيعة 3: 485، الباب 45 من أبواب النجاسات، ح 7.

2) راجع المصدر : 484 - 485، الباب 45.

3) راجع المصدر: 486، الباب 46.

وما دلّ على وجوب الإزالة وإلّا فالاستئناف (1)لا ينصرف لهذا الفرد الخفي، بل هو ظاهر السعة.

ولا يبعد أن يحمل عليه قوله في الرجل يصلّي فأبصر في ثوبه دماً، قال: «يتمّ»(2).

وكذا قوله : «إن رأيت في ثوبك دماً وأنت تصلّي ولم تكن رأيته قبل ذلك. فأتمّ صلاتك»(3).

نعم، لا تصحّ صلاة الناسي إذا قلنا بلزوم الإعادة عليه وقتاً وخارجاً، كما يدلّ عليه تمام الخبر المتقدّم، وقوله فيه: «وإن رأيته قبل أن تصلّي فلم تغسله ثمّ رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف واغسله وأعد صلاتك»(4)، فإنّه بإطلاقه شامل لذلك.

وإن قلنا بلزوم الإعادة عليه في الوقت فقط دون خارجه، قوي أيضاً القول بصحّة صلاته الضيق بحيث لا يمكنه إدراك ركعة من الوقت عند الاستئناف الصيرورة تذكّره بمنزلة التذكّر بعد خروج الوقت.

عاشرها: لو صلّى بالنجاسة عن جهل بالحكم ولكن مع العذر الشرعي لاشتباه في تقليد أو اجتهاد، فالظاهر أنّ عليه الإعادة كالجاهل الأصليّ.

ولو صلّى بالنجاسة معتقداً تطهيرها بنفسه أو بغيره فبان خطؤه، فإن كان لا عن طريق شرعي فالظاهر أنّه كالناسي، وإن كان عن طريق شرعي- كشهادة عدلين أو إخبار ذي اليد - فالظاهر أنّه كالجاهل ليس عليه إعادة.

وما ورد: من أنّي آمر الجارية فتغسل ثوبي من المنيّ فلا تبالغ في غسله فأُصلّي فيه فإذا هو يابس، قال: «أعد صلاتك، أمّا أنّك لو كنت أنت غسلت لم يكن عليك شيء»(5)فمحمول على صلاته فيه قبل إخبارها له، أو على اطّلاعه على عدم المبالغة فيه قبل غسله بحيث حصل له الظنّ ببقاء النجاسة قبل صلاته، ويراد بقوله: «لو أنّك باشرت غسله لم يكن عليك شيء» من نفي الشيء نفي بقاء النجاسة في المحلّ ؛ لأنّه لو تولّاها الأصيل لم يبقَ في المحلّ شيئاً.


1) وسائل الشيعة 7: 238 و 240، الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة، ح 4 و 9.

2) المصدر 3: 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 3.

3) المصدر: 483، الباب 44 ، ح 3.

4) المصدر: 483، الباب 44، ح 3.

5) المصدر :3 428. الباب 18 من أبواب النجاسات، ح 1.

ولو صلّى بالنجاسة معتقداً لجواز الصلاة فيها - لتقيّة أو مرض أو غيرهما - فبان خطأ، فالأظهر أنّه كالناسي؛ لأنّ الشرائط تدور مدار الواقع، ولخبر أبي بصير(1)الدالّ على الإعادة مع العلم، وعدمه إذا علم بها، وفي خبر سماعة:« يعيد الصلاة كي يهتمّ بالشيء [...]؛ عقوبة لنسيانه»(2).

والأخبار المفصّلة بين الطلب للنجاسة والنظر والاجتهاد فلا إعادة، وبين عدمها فالإعادة(3)، والأخبار العامّة الدالّة على شرطيّة الطهارة للصلاة والإعادة مع النجاسة على سبيل الإطلاق(4)، كلّها تدلّ على أنّ الأصل الإعادة إلّا ما خرج بالدليل.

واعلم أنّ المراد بالوقت وخارجه هو ظرفيّة الوقت للتذكّر ، فإن تذكّر فيه أعاد فيه، ولو لم يعد وجب عليه القضاء خارج الوقت وإن قلنا: إنّ التذكّر في الوقت موجب للإعادة في الوقت دون خارجه، وإن تذكّر في خارجه لم يجب عليه القضاء لو قلنا بإيجاب التذكّر للفعل في الوقت دون خارجه، وإن قلنا بإيجابه لهما وجب عليه القضاء.

نعم، لو كان التذكّر في الوقت ولكن في زمن لا يمكنه تدارك العمل ولو ركعة منه، فالظاهر أنّ حكمه حكم من تذكّر خارج الوقت كما إذا تذكّر سابقةً في الوقت المختصّ باللاحقة، ولو تذكّر في أثناء العمل الذي يعاد في الوقت دون خارجه عند ضيق وقته عن الاستئناف والإعادة، فلا يبعد صحّة العمل ووجوب إتمامه وعدم الإعادة؛ لأنّه بمنزلة من تذكّر خارج الوقت، ومن تذكّر خارج الوقت صحّ عمله في الوقت.

سابعها :طهارۀ أواني الكفّار و سائر ما يستعملونه ما لم تعلم نجاسته

(5): أواني الكفّار و سائر ما يستعملونه طاهرة إذا لم تعلم نجاسته، وإن ظهرت أو ظنّ بها، عدا الجلود الغير معلوم تذكيتها. والدليل على الطهارة الأصل، وعمومات الأدلّة(6)، والإجماع المنقول(7)بل ربما يدّعى أنّه


1) وسائل الشيعة 3: 476، الباب 40 من أبواب النجاسات، ح 9.

2) المصدر : 480 - 481، الباب 42،ح 5« يعيد صلاته.... عقوبة لنسيانه».

3) راجع المصدر : 477 - 479، الباب 41.

4) المصدر : 483، الباب 44. ح 3، و 480 الباب 42 ، ح 5 والمصدر 1: 318، الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة، ح 4.

5) مرّ سادسها في ص 590

6) راجع وسائل الشيعة 3: 466 - 467. الباب 37 من أبواب النجاسات، و 521 - 522، الباب 74

7) كشف اللثام 1 :486: مفتاح الكرامة 244:2

محصّل(1)، والأخبار المستفيضة الدالّة على جواز استعمال ما استعملوه من ثوب ونحوه (2)، ولا قائل بالفرق ممن يعتد به.

وحكي عن الشيخ النهي عن استعمال أواني المشركين، ونقل عليه الإجماع(3).

و تدلّ على ما قاله الأخبار الناهية عن الأكل من طعامهم الذي يطبخونه، والأكل والشرب في أوانيهم(4)، والآمرة بغسل الثوب المُعار للذمّي(5).

ولكنّه ضعيف؛ إذ الإجماع المنقول في مقابلة فتوى معظم الفحول لا يفيد وَهْماً في الحكم فضلاً عن الظنّ، والأخبار قاصرة عن معارضة تلك الأخبار المعتضدة بفتاوى الأخيار، فلا بدّ من حملها على الندب، أو على حال العلم بالمباشرة وحصول التنجيس، بل هو الظاهر لدى كلّ ماهر.

ثامنها: حرمۀ أواني الذهب والفضّة في الأكل و الشرب بل في مطلق الاستعمال

يلحق بأحكام النجاسات تحريم أواني الذهب والفضّة، وتحريمهما في الأكل و الشرب ، بل في مطلق الاستعمال ممّا دلّت عليه الأخبار(6)، ونقلت عليه الإجماعات(7)، وأفتى به المشهور.

فدعوى اختصاص التحريم بالأكل والشرب، ضعيفة. وقد ورد أنّهما متاع الذين لا يوقنون(8).

ولا يحرم استعمال المفضّض والمذهّب؛ للأصل، وفتوى مشهور المتأخّرين، والصحيح: في القدَح فيه ظبّة من فضّة، قال: «لا بأس»(9).


1) رياض المسائل 146:2

2) راجع وسائل الشيعة 3 :521 الباب 74 من أبواب النجاسات.

3) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 503:5؛ وانظر الخلاف 1: 70، المسألة 16.

4) وسائل الشيعة 3: 419، الباب 14 من أبواب النجاسات، ح 1.

5) المصدر: 521 الباب 74 ، ح 2

6) راجع المصدر : 505 - 508 ، الباب 65 من أبواب النجاسات.

7) منتهى المطلب 3 322 و 324؛ تذكرة الفقهاء 2: 225، المسألة 323؛ ذكرى الشيعة 1: 145؛ مجمع الفائدة والبرهان 1: 364؛ رياض المسائل 141:2

8) وسائل الشيعة 3: 508، الباب 65 من أبواب النجاسات، ح 8.

9) المصدر: 509 - 510 ، الباب 66 من أبواب النجاسات، ح 4.

والحسن : «لا بأس أن يشرب الرجل في القدح المفضّض واعزل فمك عن موضع الفضّة»(1).

فما ورد من النهي عن المفضّض - أكلاً وشرباً - في الصحيح أو الحسن والموثّق(2)، محمول على الكراهة جمعاً؛ لعدم قوّته على ما دلّ على الكراهة. نعم، الأحوط عزل الفم عن موضع الفضّة؛ للأمر به في الحسن(3)، وفتوى جمع من الأصحاب به (4). والقول بالكراهة- للأصل، وإطلاق الصحيح، بل عمومه الناشئ من ترك الاستفصال - أقوى.

و المذهّب كالمفضّض، بل أقوى منه في الحكم. والمخلوط منهما مثلهما. والمخلوط بغيرهما لا بأس به ما لم يكن الخليط مستهلكاً.

و الإناء المركّب من أحدهما ومن غيرهما- كأن يكون أعلاه فضّة وأسفله معدناً آخر أو بالعكس - لا بأس به. والمرصّع لا بأس به.

و ما كان موضوعاً على غير وضع الآنية -كأن يكون لا أسفل له أو يكون مخرّماً لا يصلح لكونه آنية - لا بأس به.

واقتناؤها - لا لغرض الاستعمال - لا يبعد القول بجوازه. ولكنّ الأحوط اجتنابه؛ لكونه متاع الذين لا يوقنون(5)، ولفتوى جملة من الأصحاب(6)، ولورود النهي عنها(7)المتعلّق بالذات فيشمل جميع الانتفاعات والاقتناءات.

والمراد بالآنية ما تسمّى عرفاً بذلك من ظروف أو أوعية، كثر استعمالها أو قلّ، كانت من المتداولة في البيت أم لا، كانت لها أسماء خاصّة - كصحن وكمكة وصينيّة وإبريق وحبّ ومعجنة ونحوها - أم لا.


1) وسائل الشيعة 3 510 ، الباب 66 من أبواب النجاسات، ح 5.

2) المصدر : 508، الباب 65. ح 10 ، و 509، الباب 66، ح 1 و 2.

3) المصدر : 509 الباب 66. ح 3

4) كالشيخ في المبسوط 1: 13 وابن البراج في المهذب :1: 28؛ وابن سعيد الحلّي في الجامع للشرائع 391 والعلّامة فی نهاية الإحكام :1 299 والشهيد في البيان: 97 والكركي في جامع المقاصد 1: 188 - 189

5) كما في رواية موسى بن بكير، وسائل الشيعة 3: 507، الباب 65 من أبواب النجاسات، ح 4.

6) كالمحقّق في شرائع الإسلام 1: 48 والمعتبر 1: 456 - 457 والعلّامة في قواعد الأحكام 1: 196؛ والعاملي في مدارك الأحكام 2: 380

7) راجع وسائل الشيعة 3: 505 - 508، الباب 65.

والظاهر أنّها عبارة عمّا جمعت أُموراً من الظرفية وكون المظروف ممّا يرفع ويوضع. فلا بأس بفصّ الخاتم، وعكوز الرمح، وظبّة السيف، والخلخال الموضوع فيه شيء، والحرز كحرز الجواد، وقاب الساعة المتّصل بها.

وكونها غير جزء للمظروف كقاب الساعة الفوقاني وشبهه. وكونها على صورة أواني متاع البيوت من أكل وشرب وطبخ وإحراز، فلا بأس برأس الشطب ورأس النارجيل، وما كان على طريقة الثياب أو الحلّي.

و يدخل فيها: المكحلة، وظرف الغالية، وأواني الروائح والطيب المتّخذة للنساء غالباً.

و يخرج عنها: سفرة الطعام التي لا حاشية لها.

و يدخل فيها: آنية الآنية، كأواني القهوة المتّخذة لوضع الأواني فيها، والجاون، وبيت الرحى وشبههما على الأظهر.

و لو توضّاً من آنية فضّة أثم مع العلم فإن كان لا يمكنه الوضوء من غيرها فسد وضوؤه؛ لتعلّق الخطاب به بالتيمّم، وإن أمكنه احتمل الصحّة؛ لتعلّق النهي بالاستعمال الذي هو الإخراج والإدخال دون نفس الأفعال، وهو أمر خارج عن العبادة. واحتمل البطلان؛ لتعلّق النهي بالمقدّمة، فلا يكون ذوها مأموراً به فيفسد؛ لعدم تعلّق الأمر، أو لأنّ نفس الوضوء استعمال وهو منهيّ عنه. والأخير أحوط، والأوّل أقوى.

تمّ كتاب الطهارة ويتلوه كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.


تمّ الجزء الأوّل من أنوار الفقاهة - بحسب تجزئتنا - ويليه في الجزء الثاني كتاب الصلاة