دراسات فی الاخلاق و شوون الحکمة العلمیة جلد 1

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه : م‍ظاه‍ری‌، ح‍س‍ی‍ن‌، ‏‫۱۳۱۲ -‏‬

‏عنوان و نام پديدآور : دراسات فی‌الاخلاق و شوون‌الحکمة‌العلمیة/ حسین المظاهری.

‏مشخصات نشر : قم: دار شفق؛ [بی‌جا]: ‏‫موسسه‌الزهراالثقافیه، مرکزالدراسات والبحوث‌الاخلاقیه‏‫، ۱۴۱۳ق.‬‏‫= ۱۳۷۱ -‬.‬

‏مشخصات ظاهری : ج.

‏شابک : ‏‫۳۵۰۰ ریال‬

‏يادداشت : عربی.

‏يادداشت : عنوان عطف:‌الاخلاق.

‏یادداشت : کتابنامه.

‏موضوع : اخلاق اسلامی

‏شناسه افزوده : موسسه‌الزهراالثقافیه، مرکزالدراسات والبحوث‌الاخلاقیه

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۴۷/۸‏‫‬‭‏‫‬‭/م۶۲۵د۴ ۱۳۷۱

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۶۱

‏شماره کتابشناسی ملی : ۲۸۵۶۸۶۴

محرر رقمی میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

دراسات فی‌الاخلاق و شوون‌الحکمة‌العلمیة

حسین المظاهری.

الفهرس

المدخل: أهميّة علم الأخلاق

أَهمّيّة عِلم الأخلاق... 21

تطوّر التَّآليف الأخلاقيّة في الثّقافة الإسلاميّة... 24

سيرة التأليف في مصادر الأخلاق... 29

حاجّةُ الفنّ إلى كتاب حديث و باسلوب جامع... 33

أهمّ مميّزات كتاب «الأخلاق» و النواحى الفنّيّة فيه... 34

أُسلوب الكتاب و محتويٰه... 37

مقدّمة الكتاب

الفصل الأوّل: تعريف علم الأخلاق

الأخلاق من الفطرّيات... 46

الأخلاق من العلم الحضورى... 47

العقل النظري و العقل العملى... 47

الأخلاق النّظري و الأخلاق العملي... 48

نسبيّة الأخلاق و اطلاقها... 49

الأخلاق وسيلة إلى اللَّه - تعالىٰ‌! -... 50

الفصل الثّاني: موضوع علم الاخلاق

الإنسان ما هو؟... 55

خلق الإنسان لماذا؟... 57

التّوفيق بين الآيات الّتي تخصّ الانسان... 60

ما الفرق بين الإنسان و الملك و الحيوان‌؟... 62

الفرق بين الفضائل و الرّذائل... 63

نقد على نظريّة علماء الاخلاق... 64

الحسن و القبح العقليان... 68

الفصل الثّالث: فوائد علم الأخلاق

الفائدة الاولى: تجسّم العمل... 75

الفائدة الثّانية: نشوء الأعمال كلّها من الملكات و الهويّات... 112

الفائدة الثّالثة: توقف العلم المفيد على الفضائل... 115

آيات في العالِم غير المهذّب... 128

روايات في العالم غير المهذّب... 131

آيات في توقف العلم على العمل... 134

روايات في توقّف العلم على العمل... 135

روايات في توقّف العمل على العلم... 138

الفائدة الرّابعة: توقف العبوديّة على الفضائل... 140

الفصل الرّابع: دلائل وجوب تهذيب النّفس

وجوب تهذيب النّفس عن الرذائل... 149

دليل الكتاب... 149

دليل السنّة... 155

دليل الاجماع... 158

دليل العقل... 167

الفصل الخامس: كيفيّة التّزكية

طرق تهذيب النّفس عن الرّذائل... 193

1 - التّقوى... 193

آيات في مخالفة الهوىٰ‌... 199

روايات في مخالفة الهوى... 200 آيات في التّقوىٰ‌... 202

روايات في التّقوىٰ‌... 205

2 - المراقة... 207

روايات في المراقبة... 210

المراقبة بمعنى آخر... 212

روايات في المراقبة بمعنى آخر... 216

مراقبة الأستاذ... 221

مراقبة الرّفيق و نظارته... 235

آيات في مراقبة الرفيق... 238

روايات في مراقبة الرفيق... 240

3 - العبرة من السّير و التّاريخ... 244

آيات في العبرة من السّير و التأريخ... 254

روايات في العبرة من السير و التأريخ... 257

4 - الحبّ في اللَّه... 259

آيات في الحبّ في اللَّه... 263

روايات في الحبّ في اللَّه... 266

5 - الانذار و التّبشير... 269

آيات في الانذار و التبشير... 272

6 - الحبّ للَّه - تعالى! -... 277

آيات في حبّ اللَّه... 291

روايات في حبّ اللَّه... 292

أدعية في حبّ اللَّه... 295

اقوال في حبّ اللَّه... 298

القسم الأوّل من الكتاب: البحث في الفضائل و الرّذائل الأخلاقيّة

مقدّمة... 305

المراد من الأخلاق و الاخلاقيّات... 305

الفصل الأوّل

الفضيلة الأولى: اليقين... 307

الرذيلة الأولى: الريبة... 307

الفضيلة الاولى: اليقين... 309

طريق حصول اليقين... 310

فوائد اليقين... 314

آيات في اليقين... 321

روايات في فضل اليقين... 323

روايات في تفسير اليقين... 325

روايات في فوائد اليقين... 327

روايات في مراتب اليقين... 328

الرّذيلة الاولى: الرّيبة... 331

اقسام الرّيبة... 333

1 - الشّكوك غير المستقرّة... 333

2 - التّوهّمات و التّخيّلات و الظّنون غير المعتبرة... 334

3 - الخوف و الحزن... 336

4 - الوسوسة... 337

اقسام الوسوسة... 339

آيات في الوسوسة... 343

روايات في الوسوسة... 344

5 - الجهل... 347

روايات في ذمّ الجهل... 356

آيات في الريبة... 358

الفصل الثّاني

الفضيلة الثّانية: التوحيد... 361

الرّذيلة الثّانية: الشّرك... 361

الفضيلة الثّانية: التّوحيد... 363

اقسام التّوحيد... 363

اقسام التّوحيد الذّاتيّ‌... 365

اقسام التّوحيد الصّفاتي... 366

روايات في توحيد الصفّات... 368

اقسام التّوحيد العباديّ‌... 371

اقسام التّوحيد الافعالى... 373

روايات في فضل التّوحيد... 383

الرّذيلة الثّانية: الشّرك... 385

آيات في الشرك... 388

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم

الحمد للَّه باسط النِّعمة؛ والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه وأهل بيته أصحاب الحكمة والرَّحمة.

وبعد؛ فقد أخبر العزيز في آيٍ من التَّنزيل المبارك أنَّه لانعمة تفضَّل بها على العباد أكرم من بعثه مُتَتمِّم الخُلْق الحسن صلى الله عليه و آله، فامتَنَّ به عليهم، وجعَلَهم مرحومين به!.

ومن نَعمائِه - عزَّ وعلا! - على الأمَّة المرحومة الرَّشيدة، أنْ بعثَ في كلِّ عصرٍ رجالًا من خيار عباده، يزيلون عنهم رذائل الصِّفات ويَبُثُّون فيهم فضائلها؛ وذلك بتبيينهم المكارم وما يضادُّها، وتثبيتهم إيَّاها في نفوسهم؛ فهم مُعلِّموا الأُمَّة وورثة أهل‌العصمة الكبرىٰ عليهم السلام بلامُدافعٍ‌.

وقد سلك في عصرنا هذا المسلك جمٌّ من أصحاب النُّفوس المهَذَّبَة البالغين أعلىٰ مراتب السّداد، منهم شيخنا الأستاذ الفقيه الوَرِع آية‌اللَّه العظمىٰ الشَّيخ حسين مظاهريُّ - جعله اللَّه في رعيه وبلَّغه مناه وأقصىٰ ما يتمنَّاه! -، فقام بهذا الأمر الخَطِر الهامِّ في حِقلَي التَّدريس والتَّأليف المباركين منذ خمسين سنةٍ خلَتْ‌، وهو

مجِدٌّ فيهما بما هو فوق الجدِّ والاِجتهاد. وقد أحسن وأجاد حيث ألقىٰ على مستفيديه دوراتٍ كاملة من مباحث هذا العلم الَّذي يُعدُّ أشرف العلوم من غير ريبٍ وارتيابٍ‌.

هذا من ناحيةٍ‌، ومن ناحيةٍ أخرىٰ ألَّف بين حينٍ وحينٍ في ساحات هذا العلم الشَّتيتة رسائل وكتباً كثيرةً‌، بين الصِّغار والكبار، عالج فيها كثيرًا من المسائل المبحوث عنها فيه.

ثمَّ إنَّه - أطال اللَّه بقاءَه! - ركَّز حينًا من دهره على مشروع تدوين مجموعةٍ علميَّةٍ تحتوي على جميع ما يتعلَّق بالأخلاق الإسلاميِّ السَّامى، وذلك بأُطرُوحةٍ تبلغ عشر مجلَّداتٍ‌، تجمع بين الأخلاق و بين الأخلاقيَّات - حسب ما اصطلح عليه الشَّيخُ الأستاذ - و بين أسرار العبادات؛ مُجتنِبًا فيها عمَّا اصطلحت عليه الحكماء فوجد سبيله إلى مسفوراتِ الأخلاقيِّينن، وما ذلك إلَّاليكون نفعها أعمَّ‌، فيستفيد منها كلُّ من يتمكَّن من الاِستضاءة من هذه المتون وأشباحها.

ثمَّ إنَّه - متَّعنا اللَّه بطول حياته! - قد فرغ عن جزءٍ من هذا المشروع قبل أن يلقَى عَصَا التِّرحال في أصفهان - صينَتْ عن الحدَثان! - وحوزتها المباركة العلميَّة؛ فقام ولدُه العزيز أخونا في اللَّهِ ذوالفَضائلِ والمكارمِ الشَّيخُ محمَّدحسن مظاهري - زيَّنه اللَّه بألطافه! - بمهمَّة تحقيق الكتاب وإخراج الجزء الأوَّل منه إلى النُّور، ليُزيِّن عالَمَ النَّشر به؛ فللَّه درُّه وعليه أجره!.

وبعد أن هاجر سماحة الشَّيخ الأستاذ إلى بلدتنا المباركة، حالت بينه و بين إتمام هذا المشروع عوائقُ‌، منها بحوثه في مخلتف العُلُوم الإسلاميَّة ودراساته العُليا في مجالَي الفقه وأصوله؛ فلم‌يخرج من قلمه الشَّريف أزيد من مباحث الأخلاق، وبقي ما

يرجع إلى الأخلاقيَّات وأسرار العبادات على عاتق التَّوفيق؛ لعلَّ العزيز الأعلىٰ يوفِّقه لإتمام هذا الكتاب القيَّمِ - وما ذلك على اللَّه بعزيزٍ! -.

ثمَّ إنَّه - تعالى! - قد وفَّق أصحاب الفضل والفضيلة في مكتب الإعلام الإسلامي التَّابع لحوزة قم العلميَّة - حرَّسها اللَّه عن نوائب الزَّمان! - فرع أصفهان ليقوموا بنشر ما خرج من هذا الكتاب من قلم المؤلِّف الشَّريف إلى الأوساط العلميَّة؛ فوافق الشَّيخ الكريمُ هذا الطَّلب وأجابهم بالقبول. فطلب إليَّ صديقاي الفاضلان ولدُ الأستاذ الشَّيخ محمَّدحسن مظاهري ومدير مكتب الإعلام الإسلاميِّ فرع أصفهان الشَّيخ حبيب‌رضا أرزاني - حفظهما اللَّه -، أن أنظر في الكتاب؛ كما وقد أجاز الشَّيخ الأستاذ أن أُجدِّد عباراته حسب ما يختلج ببالي القاصر، فجال فيه نظري؛ وله الحمد - سبحانه و تعالى! - وحده حيث وفَّقني للاِستنارة من أنوار هذا الدُّرِّ اليتيم قبل أن ينسلك في سلك المطبوع.

ثمَّ يَجدُر بي أن أُشيرَ إلى أنِّي تَرجَمتُ الكتاب إلى اللُّغة الفارسيَّة مُهذِّبًا ومُلخِّصًا، وذلك خدمةً لأبناء لغتنا الكريمة، فجاء في مجلَّدٍ كبيرٍ، عسى اللَّه أن يُوفِّقني لنشره.

وهناك أبحاث تتعلَّق بهذا الكتاب، كمنهجيَّة الأستاذ وعيونه فيه، وقيمته بين أترابه، وما ذكره جمعٌ من الأعلام حوله بعد أن طُبِع الُمجلَّد الأوَّل منه، وإشارةٍ خاطفةٍ إلى ما بقي من أبحاث الكتاب و...، أشرنا إليها في التَّقديم على النَّصِّ الفارسيِّ‌.

والآن وأنا أفرغ من هذا العمل، أَبتَهِل إلى اللَّه - سبحانه وتعالى! -

وأدعوه ليطول في حياة شيخنا الأستاذ، ويجعله في حفظه ورعيه، ويُوفِّقنا لنرتوي من معين علمه الفذِّ؛ إنَّه خيرُ مُوفِّقٍ ومعينٍ‌!.

وسلامٌ على جميع عباد اللَّه الصَّالحين

أقلُّ تلامذة الشَّيخ الأستاذ

مجيد هادي‌زاده

آتاه اللَّه الحُسنىٰ وزيادة! -

11/25/1389

المدخل

اشارة

أهميّة علم الأخلاق

تطوّر التّاٰليف الأخلاقيّة في الثّقافة الإسلاميّة

سيرة التأليف في مصادر الأخلاق

حاجة الفنّ إلى كتاب حديث...

أهمّ مميّزات هذا الكتاب...

أسلوب الكتاب و محتواه

أَهمّيّة عِلم الأخلاق

إنَّ أهميّة الأخلاق في الاسلام ممّا لا شكّ فيه، لاُنه - مضافاً علىٰ ركنيّته في الاسلام في عرض العقائد و الأحكام - اسباب صلة الإنسان بربّه الكريم و إنَّ هذه الصّلة هي الغاية المتوخّاة من أصل وجود الإنسان لانُه أعظم الكمالات و أتمَّها و لا يكمّل الإنسان - كماله المقدَّر له - إلّاإذا سار على الخطّ الّذي رسَّمه اللَّه تعالى! - له في تشريعه العظيم و السبيل الّذي جهد الأنبياء و أوصياؤهم و تابعوهم في الأُسرة و الأَحوال الشخصيّة بعموم، أَم في الاقتصاد، أَو السياسة و غير ذلك ممّا يحتاج إليه، لا يتمّ إلّابالطريقة الأخلاقيّة الّتي تتبنّاها هذه الشريعة القويمة.

و نستطيع أَن نفهم ذلك من أمثال قول الرّسول الكريم صلى الله عليه و آله «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاق»(1).


1) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 1 ص 282.

هذا و لو كان شىءٌ أعظم عند اللَّه من الأخلاق لا ختصّ به نبيّه العزيز، سيّد الكائنات و أشرف الخلائق حين اثنىٰ عليه في كتابه، فقد أظهر أهمّيّة الأخلاق و قيمتها حين امتنَّ على رسوله الكريم بقوله (وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ‌).(1)

وَ بِما أَنَّ علم الأخلاق من العلوم الّتي تهتمّ بالإنسان و دراسة أحواله المختلفة و ما يتّصل بذلك من معارف و علوم أُخرىٰ‌، يبحث عن الفضائل و كيفيّة اقتنائها و جعل النّفس تتحلّىٰ بها، و يبحث أيضاً عن ما يقابلها من الرذائل و كيفيّة توقّيها و جعل النّفس تنفر عنها، ممّا له أثر كبير في تطبيق شرعة الدّين الحنيف و ما يتّصل بذلك من معالجة المظاهر الإجتماعيّة و الإقتصاديّة و الثقافيّة و السياسيّة المختلفة. و من ثم تكتسب الأخلاق أهمّيّة فائقة في ديننا الاسلامى الأصيل، سيّما و إنَّ رسولنا الأكرم صلى الله عليه و آله يُعد المعلِّم الأوّل للأخلاق و المثال الّذي يقتدي به، قال - تعالى! - (لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كٰانَ يَرْجُوا اَللّٰهَ وَ اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ وَ ذَكَرَ اَللّٰهَ كَثِيراً).(2)

و كذلك كان الأئمة الهداة عليه السلام من بعده نماذج حيّة زيّنت صفحات التاريخ الاسلامي بالأخلاق القويمة و السيرة الرشيدة الفاضلة، الّتي تحكي سيرة جدّهم صلى الله عليه و آله و لا ريب في ذلك، لاُنه قال - تعالى! -: (إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(3).


1) . القلم، 4.

2) . الأحزاب، 21.

3) . الأحزاب، 33.

و ممّا يؤَسّف عليه إنّه مع أهمّيّة هذا العلم و ما له من تأثيرات إيجابيّة في تهذيب النّفس و تقويمها تكاد حوزاتنا العلميّة و المجامع الثقافيّة تخلو من هذه الدراسات البنّاءة، و يكاد يكون الإهتمام بهذا العلم مفقوداً، بل صار هذا الفنّ الفريد في عصرنا الحالي يتيماً مجهولًا، و لقد اجاد ابوحامد الغزالي في مقدّمة «إحياء علوم الدين» حيث يقول: «فامّا علم طريق الآخرة و ما درج عليه السلف الصالح ممّا سمّاه اللَّه - سبحانه - في كتابه: فقهاً و حكمة و علماً و ضياءً و نوراً و هدايةً و رشداً، فقد أَصبح من بين الخلائق مطويّاً و صارَ نسياً منسيّاً».(1)

و مع انتصار الثورة الإسلاميّة المباركة في ايران الإسلامي، أضحىٰ الاهتمام بهذا العلم كأحد العلوم الاساسيّة الّتي أوّلتها الثورة الإسلاميّة جانباً كبيراً من الأهمّيّة.

لأَنّ ثورة شعبنا المسلم المظفرة لم تتناول تغيير الجوانب المادّيّة فقط بل تغيير النهج الثقافي و التربوي و البنيان الفكري الأخلاقى هو الغرض العظيم الآخر في ظلّ هذا التحوّل العميق.

و يعدُّ قائد الثورة الاسلاميّة الكبير، العارف الفقيد، السيّد الامام الخميني (اعلى اللَّه كلمته و درجته) مثالًا للأخلاق الكريمة في عصرنا هذا، قال - تعالى! -: (إِنَّمٰا يَخْشَى اَللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ اَلْعُلَمٰاءُ‌).(2)بل و إنّه قدس سره من أعظم أساتذة هذا الفنّ و أجلّهم في هذا القرن، جزاه اللَّه - تعالى! - عن هذا العلم خير الجزاء و أَتمّه.

و الإمام (رضوان اللَّه عليه) الّذي ما انفكّ يُوصي بهذا العلم و يهتمّ بمريديه و


1) . راجع: إحياء علوم الدين، ج 1 ص 2.

2) . فاطر، 28.

يشجّع على إنتشاره في حياته، لم ينس ذلك حتّى في وصيّته الإلهيّة السياسيّة حيث يقول: «إنَّ الإهتمام بالعلوم المعنويّة الروحيّة من قبيل علم الأخلاق و تهذيب النّفس و السّير و السلوك إلى اللَّه - تعالى! - (رزقنا اللَّه و إيّاكم) يُعدّ من الجهاد الأكبر، و من صميم احتياجات الإسلام العزيز و الدّولة الاسلاميّة، و يجب وضع البرنامج اللازمة لتحقيق هذا الهدف، و إعداد المعلّمين المقتدرين من خيرة أبناء الحوزات العلميّة لتعليم هذه العلوم و تعلّمه».(1)

و من هنا تظهر أهمّيّة الحديث عن الأخلاق و الدّعوة إليها خصوصاً في عصرنا هذا، الّذي طغت فيه الدّعوات المادّيّة الماكرة، و ضاعت الفضائل الإنسانيّة النيّرة، و ابتعد النّاس رويداً رويداً عن دينهم، و جهلوا صلتهم بخالقهم العظيم غاية الجهل، فوَقعت نتيجة لذك الفجائع العظيمة الثقافيّة و ظهرت مظاهر الظلم و الاستبداد و التفرقة العنصريّة و عمّت الجهالة و فشت الضلالة.

هذا كلّه لبُعد النّاس عن الأخلاق القويمة و تزكية النفوس و تهذيبها، فلا حياة لنا في هذا العصر و لا سعادة نرجوها و لا خير نأمله إلّافي إعادة أواصل الصِلة باللَّه - تعالى! - و بمبادىء ديننا الحنيف و التمسك بالأخلاق الالهيّة و العمل بما تستوجبه لإيجاد المدينة الفاضلة و تهيئة مقدّمات الفرج.

تطوّر التَّآليف الأخلاقيّة في الثّقافة الإسلاميّة


1) . ترجمة الوصيّة الإلٰهيّة السياسيّة.

بما تظهر من اهمّيّة الحديث عن هذا العلم الإلهى، قد انتشرت في العالم الإسلامى، مصنّفات و موسوعات هامّة في الأخلاق و تزكية النفس، و هي كثيرة يصعب استقصاؤها في مثل هذه المقدّمة الموجزة، و لكن في هذا الموقف نذكر سيراً مخلّصاً لأهمّ التّآليف الأخلاقيّة لنتبيَّن موقع هذا الكتاب من بينها تاركين القسم الأكبر منها للمعاجم المختصّة بهذا الموضوع.

1 - رسائل اخوان الصّفا و خِلّان الوفاء: كان في القرن الرّابع من الهجرة جماعة مجهولوا الهويّة على ميولهم، باسم «اخوان الصّفا» صنّفوا رسائل تشتمل علىٰ خلاصة جلّ علوم زمانهم و مقصدهم علىٰ ما بيّنوه تصفية الشريعة من الأوهام و الأباطيل.

و إنّهم قد درسوا الأخلاق إلىٰ جانب تفكراتهم العقليّة و لذا قد بحثوا فيها من وجهة النظر العقليّة و الاذواق العرفانيّة.

2 - السعادة و الأسعاد في السّيرة الإنسانيّة: إنّ الشيخ أباالحسن العامري النّيسابوري (م 381 ه‍) من أوّل المحقّقين الّذين ألّفوا تأليفاً مستقّلًا في الأخلاق و في كتابه هذا اقتبس المفاهيم الأخلاقيّة من كتب افلاطون و ارسطو و مَزَج هذه المفاهيم بالنكات العقليّة و الأوامر الحكميّة.

3 - تهذيب الأخلاق و تطهير الاعراق: كان الشيخ ابو على مسكويه (421-325 ه‍) من أفضل الحكماء الإسلاميين، فهو من أوّل مَن بحث الأخلاق من وجهة النظر العقليّة الصِرفة.

إنَّ موضوع كتابه هذا «السعادة» و قد نظمه في سبعة أبواب و هو مجموعةٌ من الآراءِ الأخلاقيّة لأفلاطون و أرسطو و جالينوس و أحكام الشريعة الإسلاميّة و

علىٰ رأيه أَنَّ الأخلاق صادرةٌ من النّفس و لذا قد بحث في صدر كتابه عن معرفة النّفس و القوى النفسيّة. له بعض التآليف الأخلاقيّة الأُخرى ك‍ «الفوز الأكبر» و «الحكمة الخالدة».

4 - إحياء علوم الدّين: و هو موسوعة أخلاقيّة للشيخ ابى‌حامد محمد بن محمد الغزالى الطوسي (505-450 ه‍) و أهمّ كتبه و تآليفه و قد سلف كلامه المبيِّن عن غرضه من تصنيف كتابه هذا و أسَّسه علىٰ أربعة أرباع و هى: ربع العبادات، و ربع العادات، و ربع المهلكات، و ربع المنجيات و صدّره بكتاب العلم، ثمّ انّه لَخَصَّ هذا الكتاب بإسم «كيمياي سعادت».

5 - المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء: إنَّ هذه الموسوعة لأعظم الحكماء الإلٰهيين و المحدثين، محمد بن المرتضى، المدعوّ بالمولىٰ محسن الفيض الكاشانى (1091-1006 ه‍)، من تلامذة صدر متألهة الإسلام أعلم الحكماء و الفلاسفة، المولىٰ صدر الدين الشيرازي و صهره.

إنَّ كتابه هذا بمنزلة التنقيح و التصحيح لإحياء الغزالى، قال (رحمه اللَّه) في بيان غرضه من تأليفه:

«... كان أكثر الأخبار المرويّة فيه (أي إحياء علوم الدّين) مسندة عن المشهورين بالكذب و الأفتراء على اللَّه و رسوله ممّن لا وثوق بأقوالهم مع وجود ما يطابق العقل منها و الدين، في أحاديثنا المرويّة عن أهل العصمة و الطهارة و أهل بيت الوحى و السفارة (صلوات اللَّه عليهم أجمعين) ببيان أحسن و طريق اتقن و كان فيه من الحكايات العجيبة و القصص الغريبة المرويّة عن الصوفيّة... إلى غير ذلك من الأمور الّتي كان تشمئزّ عنها قلوب أهل الحقَّ من الفرقة الناجيّة الاماميّة...

فرأيتُ أَن أهذِّبه تهذيباً يزيل عنه ما فيه من الوصمة و العيب و أبنى مطالبه كلّها علىٰ أصول أصليّة محكمة لا يتطرَّق إليها شكّ و لا ريب و أضيف إليها في بعض الأبواب ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام و شيعتهم في ذلك الباب من الاسرار و الحِكَم المختصة بهم...»(1)

6 - جامع السعادات: للشيخ الجليل و الحكيم المتأله، المولىٰ محمد مهدي النَّراقى (1209-1128 ه‍)، و هو أحسن الكتب الّتي عرضناها و أتمُّها في موضوع الأخلاق، قال في الذريعة: «هو أجمع كتاب أخلاقى للمتأخّرين و ترجمه إلى الفارسيّة مع بعض تغييرات قليلة ولد المؤلّف المولى أحمد بن مهدي النّراقى (م 1245 ه‍) و سمّاه معراج السعادة».(2)

قال النّراقى في مدخل هذا الكتاب: «و نذكر أوّلًا بعض المقدّمات النافعة في المطلوب، ثمّ نشير إلى أقسام الأخلاق و مباديها من القوى و نضبطها باجناسها و أنواعها و نتائجها و ثمراتها، ثم إلى المعالجة الكلّيّة لذمائم الأخلاق و الجزئيّة لكلّ خُلق مذموم ممّا له اسم مشهور و ما ينشأ عنه من الأفعال المذمومة و في تلوه نذكر ضدّه المحمود و ما يدلّ على فضله عقلًا و نقلًا، لأَنّ العلم بفضيلة كلّ خلق و المداومة علىٰ آثاره أقوى علاج لإزالة ضدّه و لا نتابع القوم من تقديم الرذائل بأسرها على الفضائل، بل نذكر أوّلًا ما يتعلَّق بالقوّة العقليّة من الفضائل و الرذائل على النّحو المذكور، ثمّ ما يتعلق بالغضبيّة، ثمّ ما يتعلّق بالشهويّة، ثمّ ما يتعلّق باثنتين منها أو


1) . راجع: المحجّة البيضاء، ج 1 ص 1-2.

2) . الذّريعة، ج 5 ص 58.

ثلاث، لأنّ ذلك أدخل في ضبط الأخلاق، و معرفة أضدادها، و العلم بمبادئها و اجناسها، و هو من أهمّ الأمور لطالبى هذا الفنّ‌. و ما تعرّضتُ لتدبير المنزل و سياسة المُدُن، لأنَّ غرضنا في هذا الكتاب إنّما هو مجرّد إصلاح النّفس و تهذيب الأخلاق و سمّيته بجامع السعادات و رتّبتُه على ثلاثة أبواب...»(1)

و قال الشيخ الأستاذ محمد رضا المظفّر عميد كلّيّة الفقه في النجف الأشرف، في مقدّمته لهذا الكتاب: «و امّا أسلوبة العلمى، فقد بناه مؤلّفه من أوّله إلى آخره على نظريّة الوسط و الاطراف في الأخلاق، تلك النظريّة الموروثة من الفلسفة اليونانيّة و قد بحث عنها المؤلّف في الجزء الأوّل - ص 59 -، و ليس من حقِّنا أن نناقشها و لا يمتازبها هذا الكتاب وحده، فإن شأنه في الإعتماد علىٰ هذه النظريّة الأساسيّة شأن سائر كتب الأخلاق الإسلاميّة العلميّة».(2)

و من مميّزات هذا الكتاب، جعل أساس تقسيمه فيه على القوى الثلاث العاقلة و الشهويّة و الغضبيّة و قد علّلها بأنّ‌: «جميع الفضائل و الرذائل لا تخرج عن التعلّق بالقوى الثلاث»(3)

ثم ذكر لكلٍ من القوى ما يتعلّق بها من اجناس الرذائل و الفضائل ثم ذكر أنواعها و طبّق علىٰ كلّ نوع نظريّة الوسط و الاطراف، و هذا أمر لم يسبقه أحدكما أدّعىٰ نفسه، فقال: «اعلم انّ احصاء الفضائل و الرذائل و ضبطهما و إدخال البعض


1) . راجع: جامع السَّعادات، ج 1 ص 3.

2) . راجع: جامع السَّعادات، ج 1 ص 71.

3) . راجع: جامع السَّعادات، ج 1 ص 66.

في البعض، و الإشارة إلى القوّة الموجبة لها على ما فصّلناه، ممّا لم يتعرّض له علماء الأخلاق بل إنَّما تعرّضوا لبعضها و يظهر من كلامهم في بعض المواضع المخالفة في الإدخال»(1).

سيرة التأليف في مصادر الأخلاق

ممّا سبق من ذكر تطوّر التآليف الأخلاقيّة الإسلاميّة نستطيع أن نقسّم مصادر علم الأخلاق إلى أربعه مجاميع متميّزه:

المجموعة الأولى: الكتب الأخلاقيّة الفلسفيّة: من أمثلة هذه المجموعة «السعادة و الاسعاد» و «تهذيب الأخلاق» و غيرها.

و الملاحظ علىٰ هذه المجموعة ما يلي:

الف - التأثّر بالآثار اليونانيّة، ممّا أدّى اضمحلال الاستفادة من المسائل المعنويه و الاخرويّة، ذات الأثر القيّم في تربية النّفس و تزكيتها، و قد أصبح الأساس الّذي ترتكز عليه هذه الكتابات هو المنافع المادّيّة و المعايير العقليّة و القيّم الاجتماعيّة و حسب.

ب - أَنّ الإطار الفكري للفيلسوف و الحكيم يتناول الإنسان كمتفكّر و عالم، و لذا فإنّ تعامل الفيلسوف و الحكيم مع الإنسان ينحصر بالكمال الفكري له فقط، و هذه الطريقة ليست إلّانظرة ناقصة للإنسان.

صحيحٌ أنّ للكمال العقلي أصالة متميزة، و لكن يجب أن لا تكون على حساب


1) . راجع: جامع السَّعادات، ج 1 ص 72.

سائر الكمالات الإنسانيّة الأُخرى، بحيث تهمل و لا يُعتنى بها، و يبحث عن كمالات الإنسان من خلال زاوية ضيّقة هي الكمال العقلى فقط. فهذا النوع من أسلوب اللامبالاة و التقصير في مراعاة سائر الجوانب الكماليّة للانسان هو بلا شكّ أسلوب ناقص في الدراسات الأخلاقيّة.

ج - يعتبر تهذيب النّفس و بناؤها من التمارين الشّاقّة الّتي تتطلّب هِمّة عالية و جُهداً منقطع النظير و تربية طويلة الأمد. و أقلّ ما ينتظر من مصنّفات الأخلاق في هذا السبيل هو أن تكون دليلًا و برنامجاً يعين الإنسان على تخطِّي صِعاب و مشاقِّ العمليّة التربويّة.

و ممّا يؤسف عليه أنَّ الكتب الأخلاقيّة الفلسفيّة تنقصها هذه الخصوصيّة، فهى غير كفؤةٍ في هذا الجانب، و غير قادرةٍ على احتواء قلب الإنسان وفكره، و بالنتيجة لم تترك أىّ أثرٍ إيجابي في بناء الإنسان و تقويم خلقه.

د - أنّ هذه المجموعة من التصانيف الأخلاقيّة تزخر باصطلاحات و مطالب علميّة و فنّيّة كثيرة، و قد صُنّفت بطرازٍ خاصٍ يصعب معه إدراك مضامينها بسهولة، بل لم يكن ذلك متيسّراً لكلّ الفئات و الطّبقات الإجتماعيّة ذات الثقافات المتباينة، و لهذا لم تجد لها طريقاً بين عامّة النّاس، بل انحصرت بفئةٍ إجتماعيّة خاصّة، و انحرمت منها كثير من الفئات.

المجموعة الثانية: الكتب الأخلاقيّة العرفانيّة: من أمثلة هذه المجموعة «أوصاف الأشراف» و «رسالة السير و السلوك»(1)و «مثنوي معنوي»(2)و «تذكرة المتّقين»(3)و


1) . للعارف العميد، السيد بحر العلوم، (م 1212 ه‍).

2) . للمولىٰ‌، جلال الدين محمد بن بهاء الدين البلخى الرّومى (م 672 ه‍).

3) . للعارف المتأخّر، الشيخ محمد البهاري الهمدانى، (م 1325).

غيرها.

و هذه المجموعة من الآثار الأخلاقيّة تحتوي علىٰ جوانب عمليّة و عرفانيّة تكشف عن صِلة الإنسان مع نفسه و مع العالم المحيط به و مع خالقه. و تعتمد علىٰ أفكار و أقوال السالكين، و تبيّن طبيعة و أخلاق و قواعد العظماء من العلماء المتعبّدين، الذين عُرفوا بين النّاس بأنّهم أهل سير و سلوك عرفاني خاصٍّ‌.

و من الطبيعى أنَّ هذا القسم من العرفان، و الّذي يُسمّىٰ السير و السلوك لا يتناقض مع الأخلاق الإسلاميّة.

ولكن من الملاحظ علىٰ هذه المجموعة ما يلي:

الف - هذه الكتب تشتمل علىٰ طُرق العرفاء العمليّة و الأخلاقيّة لأجل السير و السلوك و تخلو من المباحث العلميّة و النظريّة في مورد الأخلاق و الفضائل و الرذائل و طريقة كسب الفضائل و طرق معالجة الرذائل.

ب - يُستفاد من هذه الكتب و الرسائل لأُولئك الذين طووا بعض المراحل من منازل تزكية النّفس و السّير، و قطعوا شوطاً فيهما، لأنَّها تشتمل على مباحث أخلاقيّة صعبة و رياضات طويلة شاقّة لتهذيب النّفس و تزكيتها و لهذا فإنَّ هذه المجموعة من الكتب و الرسائل أيضاً لم‌تكن صالحة لاستفادة كلّ الطبقات، سيّما عامّة الناس، الّذين هم أحوج أفراد المجتمع إلى دروس الأخلاق، لأنّهم لم يكونوا قد أمضوا شيئاً من مراحل و منازل تزكيّة النّفس و السير، أو مقدّماتهما.

المجموعة الثالثة: الكتب الأخلاقيّة الرّوائية: من أمثلة هذه المجموعة «أصول الكافى، كتاب الايمان و الكفر»(1)و «مكارم الأخلاق»(2)و «المواعظ» و «الخصال»(3)و «بحار الأنوار، كتاب الإيمان و الكفر»(4)و «تحف العقول»(5)و «المحاسن»(6)و غيرها.

و في تطوّر التآليف الأخلاقيّة لم نذكر هذه الكتب بين مصنّفات الفنّ‌، و ذلك لأَنّها لم تكن خاصّة بموضوع الأخلاق و حسب، كما أنّها لا تنضوي تحت منهجٍ علمىٍّ مرتّبٍ خاصٍّ لائقٍ بالأخلاق، و إنّما اُلّفت وفق ذوق و طريقة المؤلف الشخصيّة.

الف - أنّها تخلو من البحث العلمي و النّظري في باب الأخلاق و الفضائل و الرذائل، و جلّ ما تحويه هو إيراد الرواية و بعض بيانات أو توضيحات المؤلفين.

ب - أنّها بحاجةٍ إلىٰ تحليلٍ و شرحٍ و توجيه، و ذلك لأنّ بعض الرّوايات مَثارٌ للجدل و النّقاش، و بعضها الآخر متشابه أو متناقض.

المجموعة الرابعة: الكتب التلفيقيّة

و المراد منها الكتب الّتي جمعت الأساليب المختلفة، الفلسفيّة و العرفانيّة و الروائيّة و لفقت بينها، و امتازت بخصوصيات معينة.


1) . لثقة الإسلام الكينى، (م 329).

2) . للشيخ ابى‌نصر بن على الطبرسى (من اعلام القرن السّادس).

3) . كلاهما للشيخ الجليل الصدوق (م 381).

4) . للعلّامه المجلسى، (م 1110).

5) . للشيخ الأقدم ابو محمد ابن شعبة الحرّانى، (من اعلام القرن الرّابع).

6) . للشيخ الثقة أبو جعفر البرقى، (374 او 280).

و من أمثلة هذه المجموعة «رسائل إخوان الصفا» و «إحياء علوم الدين» و «المحجة البيضاء» و «جامع السعادات» و «كيمياي سعادت» و «معراج السعادة» و أَنّ كتابنا هذا من هذه المجموعة أيضاً.

و أُسلوب التلفيق في هذه المصنّفات إمّا أن يكون بطريقٍ روائي فلسفي، أو روائي عرفانى، أو روائي فلسفى عرفاني.

و قد شاعت أمثال هذه المصنّفات في القرن الخامس الهجري و ما بعده حيث إنّ التطوّر و التكامل الّذي حصل في العلوم الإسلاميّة المختلفة امتدّ ليشمل علم الأخلاق أيضاً، و كانت هذه الطّريقة أي التلفيق مِن مبتكرات تلك المرحلة، و أمّا فترة ما قبل القرن الخامس الهجري فقد كانت تزخر بالأساليب الروائيّة الفلسفيّة أو العرفانيّة.

و رغم أنّ كلّ مجموعة من مجاميع المصادر الأخلاقيّة يتمتّع بامتيازات خاصّة و له نهجه الخاصّ‌، إلّاأنَّ المجموعة الرابعة من المصادر (الكتب التلفيقيّة) تعتبر الأنسب من بين مناهج مصنّفي المجاميع الروائيّة و الفلسفيّة و العرفانيّة، و ذلك بسبب التنوّع في أُسلوبها.

حاجّةُ الفنّ إلى كتاب حديث و باسلوب جامع

ما أحوجنا في هذا العصر إلى كتاب مفصّل و منظّم في علم الأخلاق! تعنى بشؤون الحكمة العمليّة. و قد تصدّى لهذا الأمر، استاذ الفنّ‌، سماحة آية اللَّه الشيخ

حسين المظاهري - دام فضله و توفيقه - لتنظّم موسوعة علميّة حديثة لهذا العلم، باسم «الأخلاق» و من ثمَّ أَنشأَ «مركز الدراسات و البحوث الأخلاقيّة».

و قد حالت موانع كثيرة دون اصدار مجلّدات هذه الموسوعة القيّمة في وقت متقدّم، و قد تذلّلت بعض الصعوبات و تهيّأت الفرصة بحمد اللَّه و منّه لنشر المجلّد الأوّل منها و سيتلوه باقى المجلّدات بإذن اللَّه و توفيه.

أهمّ مميّزات كتاب «الأخلاق» و النواحى الفنّيّة فيه

في هذا الموقف نتعرّض لبيان أهمّ مميزاتها لكى تعرفوها بشىءٍ من الاختصار.

الأوّل: كما قد بيّنّاه آنفاً: يطغى علىٰ بعض الكتب الأخلاقيّة، طابع البحث النظري و الفلسفى مع إهمال الجوانب الأُخرىٰ ذات الأثر الإيجابى في تهذيب الأخلاق، و يطغى على الآخر منها، طابع البحث العلمي و الديني مع إهمال الجوانب الأُخرىٰ‌، كما يغلب علىٰ بعضٍ منها المباحث العمليّة الصِرفة و يهمل الجوانب الأخرىٰ‌.

ولكنّ في كتاب «الأخلاق» يضمّ هذه الجوانب المختلفة جنباً إلىٰ جنب، فهو يشتمل على بحث الأخلاق النظريّة و العمليّة، و المراد بالقسم النّظري: تبيين الفضائل و الفرق بين المشابهات منها و الاستدلال على حسن الفضائل و قبح الرذائل، و المراد من القسم العملي: تبيين كيفيّة تهذيب النّفس و بيان مراتب السير إلى الحقّ - تعالى! - و بيان الوصايا و الإرشادات الكلّيّة و الجزئيّة لتهذيب الأخلاق و تزكية النفوس و تصحيح الأفعال و الأقوال.

الثّانى: من أهمّ ما يؤاخذ على المصنّفات الأخلاقيّة، هو عدم التمييز بين الأخلاق و الأخلاقيّات، و الفضائل و الرذائل لكلٍّ منهما ولكن في هذا الكتاب فرَّق بينهما و لم يسبقه إليه أحد فيما نعلم. و أشار المصنّف الاستاذ إلى ذلك بقوله: «المراد من الفضائل الأخلاقيّة و الرذائل الأخلاقيّة هي صفات الفصيلة و صفات الرّذيلة و المراد من الفضائل الأخلاقيّات و الرذائل الأخلاقيّات هي الأعمال الحسنة و الأعمال القبيحة. و تقدّم الأخلاقى على الأخلاقيّات، لأَنّ الأخلاقى بمنزلة المعدن و العين للأخلاقيّات، لأنّ الأخلاقيّات كلّها تنبع منها، قال اللَّه - تعالى! - (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ‌).(1)

الثالث: في حين يخلو أغلب مصنّفات الأخلاق من أبحاث تدبّر المنزل و سياسة المُدن و يتوجّه إلى إصلاح النّفس و تهذيب الأخلاق و حسب، ولكن هذا الكتاب اشتمل على هذه الأبحاث و غيرها في القسم الثاني منه‌اي الأخلاقيّات.

و من ثمّ فإنَّ هذا الكتاب، كتاب الأخلاق بالمعنى العامّ لأنّ الأخلاق قد وَرد بمعنيين، المعنى العامّ و هو الحكمة العمليّة و المعنى الخاصّ و هو علم تهذيب الأخلاق.

و علىٰ تعبيرٍ آخر، فإنّه يشتمل علىٰ تمام أركان الحكمة العمليّة، فهو يحتوي علىٰ تهذيب الأخلاق و تدبير المنزل و سياسة المُدُن.

الرّابع: قد سبق في تضاعيف توضيحاتنا على جامع السعادات: أنّ بناية النّراقى فيه على نظريّة الوسط و الإفراط و التفريط في الأخلاق، تلك النظريّة الموروثة من الفلسفة اليونانيّة، ولكن ناقشه المصنِّف في هذا الكتاب و أثبت أنّ الفضائل و


1) . الاسراء، 84.

الرذائل لا تكون من صنف واحد بل الرذائل أضداد الفضائل و يمكن أَن توجد فضيلة بلا عِدّ و ضِدّ.

الخامس: قد سبق أيضاً في تلك التوضيحات انّ أساس تقسيمه للكتاب على القوى الثّلاث العاقلة و الشّهويّة و الغضبية، و لكن لم‌يعتمد المصنِّف مسألة إرجاع و تقسيم القوى، بل تناولها بالمناقشة و البحث.

السادس: مما يؤاخَذ علىٰ كتب الأخلاق اعتماد أكثر مصنّفيها على المراسيل من الأخبار و الأحاديث و نقل المنقولات غثها و سمينها مهما كانت طرفها، دون الإشارة إلىٰ مصادرها، و لقد أجاد الشيخ الاستاذ المظفّر في مقدّمته على جامع السعادات: «... انّها لا يختصّ بهذا الكتاب وحده من بين كتب الأخلاق الإسلاميّة بل هذا ديدنها و كأَنّ هَمّ أصحابها من الاستشهاد بالمنقولات نفس أداء الفكرة فإذا كانت بحسب نظرهم صحيحة مقبولة في نفسها فلا يجب عندهم أن يكون الحديث الّذي يتضمّنها صحيحاً مقبولًا في عرف أهل الحديث... و لعلّ هذا التسامح عذراً مقبولًا في مذهبهم علىٰ ما قدّمنا، لو لم تكن فيه إساءة إلىٰ أمانة النّقل في أهمّ تراث إسلامي دينى في حين كان من الممكن تحاشيها بقليلٍ من التحقيق و البحث، علىٰ انّ في الثابت الصحيح عن آل البيت عليهم السلام ما فيه الكفاية للالمام بنواحى الأخلاق المطلوبة و ما في الكافي كاف وحده في هذا الباب»(1).

امّا في هذا الكتاب قد وردت الرّوايات و الأخبار من طُرُق الشيعة الإماميّة و إنّ لم يهتمّ باعتبار بعضها اهتماماً أشدّ.


1) . راجع: جامع السَّعادات، ج 1 / ق.

أُسلوب الكتاب و محتويٰه

بدأ الاستاذ المصنّف كتابه بمقدّمة تشتمل علىٰ معنى الأخلاق و فلسفتها و ما يتعلّق بها في خمسة فصول.

ثم شرع في القسم الأوّل منه و هو البحث عن الأخلاق، أَمّا القسم الثاني فيشتمل على الأخلاقيّات، و قسّم كلّ قسم إلى عدّة فصول و في كلّ فصلٍ يتناول الفضيلة و ضدّها أو أضدادها و يتعرّض البحث في محتواها و أطرافها، مع بيان الفرق بين الفضائل و طُرق كسبها و معالجة الرذائل، و يعضد بحثه بالآيات القرآنيّة الشريفة و الرّوايات المأثورة الّتي تنطوي علىٰ نكاتٍ أخلاقيّة شيِّقَة، في خمام كلّ بحث.

و يشتمل هذا المجلّد علىٰ عشرة فضائل و عشرة رذائل في ضمن عشرة فصول و يتلوها البحث عن باقى الفضائل و الرذائل في ضمن فصول أخر في المجلّدات الآتية الّتي سننشرها قريباً، بإذن اللَّه و توفيقه.

دعاء و استدعاء

و أخيراً نتمنّىٰ من كلّ المعينين بهذا الفنّ الفريد و جميع أصحاب الفِكرة و الثقافة، سيّما أساتذة الحوزات و المجامع العلميّة، التفضّل علينا بنظراتهم لغرض النهوض بهذا السفر الجليل و تكميلها في المجلّدات التّالية أو بترجمتها الفارسيّة الّتي

سننشرها قريباً، إن شاء اللَّه - تعالى! -.

هذا و نسأل اللَّه - سبحانه! - الكريم أَن يأخذ بأيدينا لما فيه الخير من ديننا و دنيانا و رضا سيّدنا و مولانا صاحب الأمر بقيّة اللَّه الأعظم - أرواحنا و أرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء - و اللَّه ولىّ التوفيق.

و ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشا *** و يرجى لعبد قارع الباب لازم

فيا ربّ وفِّق واعف و افتح و عافنا *** و صلّ على المختار من آل هاشم

و آخر دعوانا أَنّ الحمدللَّه ربّ العالمين و صلّى اللَّه علىٰ محمّد و آله الطاهرين.

محرم الحرام 1413 - مرداد 1371

مؤسسة الزَّهراء عليها السلام الثقافية

مركز الدراسات والبحوث الاخلاقيّة(1)


1) . قم المقدّسه، صندوق البريد 933-37185.

خطبة الكتاب

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للَّه رب العالمين و صلّى اللَّه على خير خلقه الّذي وصفه في التنزيل العزيز بقوله: (وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ‌)،(1)محمّد و آله الطّاهرين الوصوفين في الكتاب بقوله - تعالى! -: (إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(2)، سيّما بقيّته في أرضه المنعوت بقوله: (وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ اَلصّٰالِحُونَ‌)(3)و لعنه الدائم على أعدائهم الّذين هم (اَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ‌)(4)، و قد أنزل فيهم: (وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ‌


1) . القلم، 4.

2) . الاحزاب، 33.

3) . الانبياء، 105.

4) . الاسراء، 60.

فَوْقِ اَلْأَرْضِ مٰا لَهٰا مِنْ قَرٰارٍ) (1)كما و قد أنزل فيهم: (أَ ذٰلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ إِنّٰا جَعَلْنٰاهٰا فِتْنَةً لِلظّٰالِمِينَ * إِنَّهٰا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ * طَلْعُهٰا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيٰاطِينِ‌).(2)


1) . ابراهيم، 26.

2) . الصّافات، 62-63.

قبل الورود في صلب البحث نأمّله - سبحانه و تعالى! - الّذي هو مستجمع لجميع الصّفات الكماليّة المقدّر للخير كما أخبر عنه في الذكر الحكيم بقوله: (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلاّٰ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‌)(1)أن يوفقنا لأتمام هذا الأثر الّثمين بحسب الموضوع و العلم الّذي لا يمكن الورود فيه و الخروج عنه إلّابفضله و كرمه.

قال - تعالى! -: (وَ لَوْ لاٰ فَضْلُ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مٰا زَكىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ يُزَكِّي مَنْ يَشٰاءُ‌)(2)بحقّ من قال في حقّهم: (أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي اَلسَّمٰاءِ تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا)(3)الّذين هم وسائط فيضه المنعوتون بقوله: (وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا)(4)و هم محمّد و آله الطّيّبون المعصومون الطّاهرون صلوات اللَّه و سلامه عليهم أجمعين.


1) . الحجر، 21.

2) . النّور، 21.

3) . ابراهيم، 24.

4) . الانبياء، 72.

مقدّمة الكتاب

اشارة

الفصل الأوّل: تعريف علم الأخلاق الفصل الثاني: موضوع علم الأخلاق الفصل الثالث: فوائد علم الأخلاق الفصل الرابع: دلائل وجوب تهذيب‌النّفس الفصل الخامس: كيفيّة التّزكية

الفصل الأوّل تعريف علم الأخلاق

اشارة

تعريف علم الأخلاق

الأخلاق جمع الخُلْق - بضمّ الخاء و سكون اللّام - السيرة و السّجايا كما انّ الخَلْق - بفتح الخاء و سكون اللّام - الصّورة الظاهريّة و الشكّل.

قال الرّاغب في المفردات: «الخَلق و الخُلق في الاصل واحد كالشّرب و الشّرب و الصوم و الصوم، لكن خصّ الخَلق بالهيئات و الاشكال و الصّور المدركة بالبصر، و خصّ الخُلق بالقوى و السّجايا المدركة بالبصيرة».

و في اصطلاح علم الأخلاق اعمّ منه و من الاخلاقيّات اي الافعال و الاقوال و الافكار النّاتجة عن تلك الصّفات، فضيلة كانت تلك الصّفات ام رذيلة.

فبناءً عليه علم الأخلاق هو علم يبحث فيه عن الصّفات الكامنة في النّفس، و عن الافعال و الاقوال و الافكار الناتجة عنها، و عن كيفيّة تهذيب النّفس عن الرذائل، و تحلّيها بالفضائل و عن طرق السعادات الابديّة و ارائتها و عرضها و...

الأخلاق من الفطرّيات

يظهر من القرآن الشريف انّ حسن الفضائل و قبح الرذائل يُعدّ من الفطريات و الوجدانيات و النّفس تدركه فطرة من غير حاجة إلى تعلّم أنّ الظّلم قبيح و العدل حسن.

قال - تعالى! -: (وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا * فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا).(1)

و «فجور النفس» هو الرّذائل و «تقويها» هو الفضائل.

فادراك حسن الفضائل و قبح الرّذائل كادراك وجود واجب الوجود و صفاته العليا و اسمائه الحسنى، فكما انّ الإنسان لو كشفت له الغطاء و زالت عنه الغفلات يدرك فطرة و يجد و يرى بقلبه أنّ هناك ذاتاً جامعة للصّفات الكمالية، قال اللَّه - تعالى! -: (فَإِذٰا رَكِبُوا فِي اَلْفُلْكِ دَعَوُا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ‌)(2)، فهو يراه و يدعوه، و يدرك وحدته فلايلتفت إلّااليه، و يرى انّه سميع، عليم، قدير، جواد، رئوف، و.... فيدعوه و يطلب منه انجاءه من المهالك و حوائجه و... فكذلك يجد و يرى بقلبه و فطرته حسن الفضائل و قبح الرّذائل.

و هذا معنى قولنا انّ الأخلاق من الفطريات.

فحسن العفّة و الشجاعة و العدالة لا يحتاج إلى دليل و برهان، كما انّ قبح الشّره و التّهوّر و الظّلم و الخمود و الجبن و الانظلام ايضاً كذلك.


1) . الشّمس، 7-8.

2) . العنكبوت، 65.

الأخلاق من العلم الحضورى

ينقسم العلم إلى حصولىّ و هو حصول صورة الشّئ في النّفس، و حضورىّ و هو حصول نفس الشّىء عند النّفس و الأوّل نظير العلم بالاشياء الخارجيّة و الثّاني هو علم النّفس بمعلوماته.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّ الفضائل و الرّذائل من القسم الثّاني، إذ الفضائل و الرّذائل كلّها ملكات موجودة في النّفس، فهما من باب حضور الشّئ عند الشّئ، ضرورة انّ الفضائل كلّها و الرّذائل كلّها في النّفس بل الأفكار و الأقوال و الأعمال ناشئة منهما.

قال - تعالى! -: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ‌)(1).

قال في المفردات: «و قوله قل كلّ يعمل على شاكلته‌اي على سجيّته» بل على مقتضى قاعدتي انّ النّفس في وحدتها كلّ القوى، و اتّحاد العاقل و المعقول الحِكْمِيّتين، انّ بين النّفس و بين الفضائل و الرّذائل نحو اتّحاد. لكنّ المقام خارج عن تفصيل مثل هذه المطالب.

العقل النظري و العقل العملى

انّ من المدركات ما لايكون تحت خيار المرء و هو خارج عن حيطة العمل، فالعقل بهذا الاعتبار يطلق عليه العقل النظرى، و منها ما يكون تحت خياره و


1) . الاسراء، 84.

مرتبط بالعمل، فالعقل بهذا الاعتبار يطلق عليه العقل العملى، فالاوّل نظير العلم بالمبدء و المعاد و الثّانى نظير العلم بتهذيب النّفس.

و بما ذكرنا يظهر انّ نسبة النظري و العملى إلى العقل من باب نسبة الصّفة إلى متعلّق الموصوف حيث إنّ نسبة النّظري و العملى إلى المدركات لا إلى العقل و لكنّهما من المصطلح عليهما في هذا العلم منذ قديم الزمن.

الأخلاق النّظري و الأخلاق العملي

كما انّ العقل ينقسم إلى النّظري و العملى، كذلك الأخلاق ينقسم إلى الأخلاق النظري و الأخلاق العملى.

و المراد من الأخلاق النظري تبيين الفضائل عن الرّذائل، و بتفصيل أدقّ تبيين الفضائل و بيان الفرق بين المشابهات منها، و كذلك تبيين الرّذائل و بيان الفرق بين المشابهات منها، و الاهتداء إلى حسن الفضائل و قبح الرّذائل.

و المراد من الأخلاق العملى تبيين كيفية تهذيب النّفس و بيان مراتب السّير إلى الحقّ - تعالى! - و عرض الوصايا الكلّيّة او الجزئيّة لتهذيبها و للسّير من منزل إلى منزل آخر.

و هذا الاصطلاح ايضاً هو من قبيل تعلّق الصّفة بحال متعلّق الموصوف، لانّ هذه كلّها ترتبط بعلم الأخلاق لا بنفس الاخلاق، لانّ الأخلاق هي الصّفات الكامنة في النّفس من الفضائل و الرّذائل، و تلك الصّفات ليست نظريّه و لا عمليّة فالنّظريّة من المدركات العقليّة، و العمليّة من الافكار و الاقوال و الاعمال، بل انّها من جهة من المدركات العقليّة ايضاً.

نسبيّة الأخلاق و اطلاقها

هل الأخلاق نسبى او مطلق‌؟

الحقّ انّه مطلق و ذهب شر ذمة إلى نسبيته و هو خطأٌ فاحش.

توضيح ذلك: انّ المراد بالنّسبيّة هو انّ الأخلاق يختلف حسنه و قبحه بالنّسبة إلى الازمنة و الامكنة و الافراد و الاقوام و الحالات الشتيتة. و المراد من كونها مطلقاً انّه لايختلف حسنه و قبحه بحسب العوامل و الممهّدات اصلًا، و ما يكون من الفضائل فهى فضيلة عند الكلّ في كلّ زمان و مكان و حالةٍ‌. و ما يكون قبيحاً فقبحه كذلك.

و حيث انّا اثبتنا في صدر الفصل الأوّل كونه من الفطريات و انّه من العلم الحضوري فكونه مطلقاً لا يحتاج إلى برهان آخر، و يكفيك برهاناً درك الفطرة إيّاه و امضاء القرآن له.

قال - تعالى! -: (وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا * فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا).(1)

و ممّا يوجب أن يتوّهم نسبيّتها ما يترائى من تجويز العقل بل الزامه بعض القبائح كارتكاب الكذب لحفظ نفس محترمة او أكل مال الغير او التّصرّف فيه لحفظ النّفس او حفظ النّظام.

ولكن يرد هذا الوهم اولًا بانّ هذه الامثلة كلّها من الاخلاقيّات لا من الأخلاق، فلو سلّم صحّة الكلام فالنّسبيّة و الاطلاق ترجعان إلى الاخلاقيّات اي


1) . الشّمس، 7-8.

الافعال و الاقوال، لا إلى الفضائل و الرّذائل.

و ثانياً انّ الّذي يسهّل الخطب انّ إلّامثلة كلّها من باب الاهمّ و المهمّ و تقديم الاهمّ على المهمّ و هو أيضاً من الفطريات.

توضيح ذلك: انّ الكذب قبيح و لا يتغيّر عن قبحه اصلًا ولكنّ العقل و امضاء الشّرع قد يجوّزان بل يوجبان ارتكابه كما إذا توقّف حفظ نفس محترمة مثلًا عليه، فهذا ليس من باب نسبيّة الأخلاق و تبديل القبح بالحسن، بل من باب تقديم الاهمّ على المهمّ و ارتكاب قبيح للتّخلّص من الاقبح.

ملخّص الكلام انّ فطرة كلّ انسان ترى حسن الفضائل كلّها كالعفّة مثلًا و ذلك الحسن لا يتبدّل و لا يتغيّر في زمان او مكان او عند قوم أو فرد، و كذلك الرذائل بلا فرق أو تفاوت، و كذلك الاخلاقيّات. و امّا لوترى جواز قبيح عقلًا او وجوبه فهو من باب الاهمّ و المهمّ لا من باب نسبيّة الأخلاق أو الاخلاقيّات.

الأخلاق وسيلة إلى اللَّه - تعالىٰ‌! -

انّ تهذيب النّفس و التّخلّق بالفضائل و إن كان من اوجب الواجبات العقليّة و الشّرعيّة حيث به يصل السالك إلى المقام المحمود، و انّ علمه أشرف العلوم إلّاانّه ليس إلّاوسيلة للوصول إلى مقام العبوديّة. فكما انّ العبادات كلّها قد شرّعت و النّواهي كلّها قد وضعت للوصول إلى مقام القرب و العبوديّة فكذلك التّهذيب عن الرّذائل و التّخلّق بالفضائل لهما نفس الغاية و الغرض.

فلذا يُرى انّ الواصلين إلى مقام اللقاء عدّوا التّهذيب و التخلّق من المقدمات و المنازل، قالوا: انّ المنازل للوصول إلى القرب خمسة: التّوبة و اليقظة و التّخليه و

التّحلية و التّجلية.

و مرادهم من التّوبة الرّجوع من التقصير و القصور و نبذ المعاصى و الخطايا إلى اللَّه - تعالى! -، و الانابة و التّضرّع إليه، و استشعار النّدم و الحياء، و الاقرار بانّه - اي التائب - فقير كلّ الفقر و لا مؤثّر في الوجود إلّاهو - تعالى! - حتّى يتبدّل السّيّئات بالحسنات.

قال - تعالى! -: (إِلاّٰ مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ‌)(1).

و المراد من اليقطة هو التّنبّه و التّقيّد بظواهر الشّرع من الواجب و المندوب و اجتناب المحرّمات؛

قال - تعالى! -: (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(2)

و المراد من التّخلية تهذيب النّفس عن الرّذائل؛

قال - تعالى! -: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا * وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا).(3)

و المراد من التّحلية التّخلّق و التّحلّى بالفضائل و الوصول إلى مقام الأمن و الاطمينان؛


1) . الفرقان، 70.

2) . النّحل، 97.

3) . الشّمس، 9-10.

قال - تعالى! -: (أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌).(1)

و المراد من التّجلية تنوير القلب بنور المعرفه؛

قال - تعالى! -: (أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا).(2)

ثمّ إنّهم ذهبوا إلى انّ طىّ هذه المنازل يوصل السّالك إلى مقام اللّقاء بمراتبه؛

قال - تعالى! -: (فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صٰالِحاً وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً).(3)

و مرادهم من اللّقاء و مراتبه ليس إلّامقام القرب و العبوديّة و حكم اللَّه - تعالى! - و سلطانه على القلب.

هذا غيض من فيض أقوالهم، و تفصيل ذلك سيأتى إن شاء اللَّه - تعالى! -.


1) . يونس، 62.

2) . الانعام، 122.

3) . الكهف، 110.

الفصل الثّاني موضوع علم الاخلاق

اشارة

موضوع علم الاخلاق

موضوع علم الأخلاق و إن كان في بادىء النّظر هو الفضائل و الرّذائل إلّاانّه في الواقع هو الإنسان من حيث اتّصافه بهما، كما انّ كثيراً من العلوم كالطّبّ و علم الاجتماع كذلك، مثلًا علم الطّبّ و إن كان في بادي الرأي موضوعه هو الصّحّة و السّقم إلّاانّ الموضوع في واقع الامر هو الإنسان من حيث اتّصافه بهما، و كذلك سائر العلوم المرتبطة بالانسان.

الإنسان ما هو؟

حقيقة الإنسان في غاية الخفاء و لا يعرفه إلّاصانعه و خالقه، و انّ التّعرّف عليه و كشف هويّته منذ قديم الزمن و لا يزال محور كثير من العلوم القديمة منها و الحديثة.

و نحن نبحث عنه و نحاول انّ نتعرّف عليه في محور الاخلاق، و مبادىء هذه المعرفة مأخوذةٌ من القرآن الكريم الّذي هو كتاب الاخلاق، و من المعلوم انّ البحث

هو عن آثاره لا عن حقيقته.

يظهر من الذكر الحكيم انّ الإنسان عصيرة عالم الوجود و خلاصته بل و قد انطوى فيه جميع ما في العوالم من الكمال و للَّه درّ من أنشد:

دوائك فيك و ما تشعر *** و دائك منك و ما تبصر

و أنت الكتاب المبيين الّذي *** بأحرفه يظهر المضمر

و تزعم انّك جرم صغير *** و فيك انطوى العالم الاكبر(1)

و يظهر من القرآن الكريم:

الف - انّه خليفة اللَّه في الارض، قال - تعالى! -: (إِنِّي جٰاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً‌).(2)

ب - انّه مظهر الاسماء و الصّفات كلّها، قال - تعالى! -: (وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا).(3)

ج - انّه روح اللَّه - تعالى! -، قال: (فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ‌).(4)

د - انّه مسجود الملائكة، قال - تعالى! -: (فَسَجَدَ اَلْمَلاٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‌).(5)

ه‍ - انّه مسجود الملائكة، قال - تعالى! -: (إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ عَلَى اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ


1) . تفسير الصافي، ج 1، ص 58، عن اميرالمؤمنين عليه السلام.

2) . البقرة، 30.

3) . البقرة، 31.

4) . الحجر، 29.

5) . الحجر، 30.

اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولاً).(1)

و الظاهر انّ المراد من الامانة هو القلب الّذي هو عرش الرّحمن، و هذه الدّرجة هي أشرف و اعلى درجات الإنسان، فلذا وصفه - تعالى! - في آخر الآية بقوله:

(إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولاً). امّا كونه ظلوماً فلانّه لا يعرف قدره ليستفيد من منزلته، و امّا كونه جهولًا فلانّه لايعرف قدر ما كمن فيه من الامانة الّتي توصله إلى مقام لقاء اللَّه بمراتبه.

هذا نموذج من الكلام في علوّ رتبة الإنسان و قدره و منزلته، و الخوض في تفاصيله أكثر من ذلك يخرجنا من اطار هذا العلم إلى موضوع اخر.

و ما يرتبط بالمقام انّ الإنسان بتحمّل المشاق و ترويض نفسه يقدر أن يصل إلى تلك المنازل، قال - تعالى! -: (فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(2)

خلق الإنسان لماذا؟

هذا السؤال ايضاً من الاسئلة العويصة المثيرة للجدل إلّاانّ القرآن الكريم اجاب عنه في آيات عدة نكتفى ببيان بعضها:

فمنها ما يشير إلى أنّ عالم الوجود بشراشره خُلق لأجل الإنسان؛ منها قوله -


1) . الاحزاب، 72.

2) . السّجدة، 17.

تعالى! -: (أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اَللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً‌).(1)و منها قوله - تعالى! -: (لَقَدْ مَنَّ اَللّٰهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ‌).(2)و دلالة الآيتين و امثالهما على كون عالَمي التكوين و التشريع كلّها للانسان لايقبل الانكار.

و قد أخبر الذكر الحكيم عن الإنسان تارةً بأنّه خلق للعبودية، قال - تعالى! -:

(وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ‌).(3)و المراد هو الوصول إلى مقام العبوديّة فلذا قد فسّر الإمام عليه السلام جملة «ليعبدون» بقوله اي ليعرفون.(4)

و تارةً أخرى أخبر عنه بأنّه خلق للوصول إلى مقام القرب، قال - تعالى! -:

(فَأَصْحٰابُ اَلْمَيْمَنَةِ مٰا أَصْحٰابُ اَلْمَيْمَنَةِ * وَ أَصْحٰابُ اَلْمَشْئَمَةِ مٰا أَصْحٰابُ اَلْمَشْئَمَةِ * وَ اَلسّٰابِقُونَ اَلسّٰابِقُونَ * أُولٰئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ‌).(5)

و ثالثةً أخبر عنه بأنّه خلق للاستكمال، قال - تعالى! -: (إِنّٰا خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشٰاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنٰاهُ سَمِيعاً بَصِيراً).(6)

و رابعة أخبر عنه بأنّه خلق للوصول إلى مقام اللّقاء، قال - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا


1) . لقمان، 20.

2) . آل عمران، 164.

3) . الذاريات، 56.

4) . علل الشرائع، ج 1 ص 9.

5) . الواقعه، 8-11.

6) . الإنسان، 2.

اَلْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاٰقِيهِ‌).(1)

و خامسة أخبر أنّه - تعالى! - خلقه برحمته و لرحمته، قال: (إِلاّٰ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ‌).(2)

و سادسة أخبر عنه بأنّه خلق للوصول إلى اعلى مراتب الدّنوّ إليه العلىّ‌، قال - تعالى! -: (يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً‌).(3)

و سابعة يقول مخاطباً لموسى عليه السلام: (وَ اِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)(4)اي انّه خلق الإنسان ليخصّه بنفسه - تعالى! - خاصّة.

و من تتبّع الذكر الحكيم و اَمعَن النّظر في مثل هذه الآيات يعرف صدق ما ورد في القدسيّات: «خلقت الاشياء لأجلك و خلقتك لأجلي».(5)

هذا و إن كان في غاية الخفاء إلّاانّه في غاية الجلاء و الوضوح ايضاً سيّما لاهله فمثل هذه اللّطائف الدّقيقة نظير وجوده - سبحانه و تعالى! - في غاية الخفاء و الجلاء معاً، و للَّه درّ من قال:

مفهومه من أعرف الأشياء *** و كنهه في غاية الخفاء

و ملخّص الكلام انّ هذه الآيات و نظائرها ترشدنا إلى انّ عالِمي الوجود من التّكوين و التّشريع خلق للانسان و امّا الإنسان فقد خلق للَّه - تعالى! -. و هذا


1) . الانشقاق، 6.

2) . هود، 119.

3) . الفجر، 27-28.

4) . طه، 41.

5) . الجواهر السنيَّة، ص 361.

لعمري غاية ممتازة يليق أن يفخر الإنسان بها.

فمن سلك المنازل و طواها و منها التّخلية و التّحلية يصل إلى هذه الرّتبة الّتي لا يمكن الوصول إليها إلّالذي‌حظٍّ عظيم.

التّوفيق بين الآيات الّتي تخصّ الانسان:

انّ للذكر الحكيم لسانين بالنّسبة إلى الإنسان، لسان المدح من جانبٍ حتّى يعدّه أتمّ و أشرف من سائر المخلوقات كما تشير إليه هذه الآية: (فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ‌).(1)و لسان الذمّ من جانب آخر حتّى يقول:

(وَ اَلْعَصْرِ * إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ).(2)فمن نظر إلى الآية الاولى و أمثالها له أن يقول انّ الإنسان سعيد بالفطرة، و من نظر إلى الثّانية و أترابها له أن يقول انّه شقى بالفطرة، ولكن التّحقيق انّ الإنسان مركّب من الرّوح و الجسد، فهو من حيث الرّوح سعيد في غاية السعادة كما قال - تعالى! -: (وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا).(3)كما انّه من حيث الجسد شقّي جداً، قال - تعالى! -: (إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّٰ مٰا رَحِمَ رَبِّي).(4)

و قد جمع اللَّه - تعالى! - جانبى المدح و الذّم في آية واحده و هي شاهدة للجمع بين الآيات كلّها و هو قوله - تعالى! -: (لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ‌


1) . الحجر، 29.

2) . العصر، 1-3.

3) . الشّمس، 7.

4) . يوسف، 53.

رَدَدْنٰاهُ أَسْفَلَ سٰافِلِينَ‌).(1)

فمن وفقه - تعالى! - و أيّده حتّى سلّط على النّفس الامّارة و روّضها أصبحت تلك النّفس براقاً لمعراجه و هذا سرّ ما يُرى في غالب الآيات الذّامّة للانسان انّه قد استثنى هؤلاء الافراد بقوله - تعالى! -: (إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ‌) (2)و من لم يوفّقه اللَّه و لم يروّض نفسه فيسقط درجة درجة حتّى يصل إلى اسفل سافلين فتشمله هذه الآية: (إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ‌).(3)

فللانسان و بفضل التدرّج في المنازل من التّوبة و اليقطة و التّخلية و التّحلية و التّجلية أن يصل إلى مقام اللّقاء الّذي جاء ذكره في التنزيل العزيز أكثر من عشرين مرّة.

يظهر من القرآن انّ النّظم و هيمنة الإرادة الالهيّة تسود عالم الوجود، قال - تعالى! -: (فَقٰالَ لَهٰا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ‌).(4)و قال - تعالى! - في الملَك خاصّة: (لاٰ يَعْصُونَ اَللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ‌).(5)و في الحيوانات: (مٰا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّٰ هُوَ آخِذٌ بِنٰاصِيَتِهٰا).(6)

ولكنّ الإنسان و إن كان خاضعاً للنظم المشار إليه آنفاً من حيث الجسم إلّاانّه


1) . التّين، 4-5.

2) . العصر، 3.

3) . الانفال، 22.

4) . فصّلت، 11.

5) . التّحريم، 6.

6) . هود، 56.

من حيث الرّوح استثنى عن الموجودات و قد قال - تعالى! - في حقّه: (إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ اَلسَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً).(1)فهو المخيّر لاختيار السّعادة او الشّقاء، فله أن يصعد في المنازل الصّعوديّة حتّى يصل إلى ما لا يعلمه إلّااللَّه - تعالى! - وإلى مقام لا يرى فيه سواه، و ذلك كله بارادته من غير جبر فيه.

و قد أحسن الشّيخ السعدي حيث قال:

رسد آدمى بجايى كه بجز خدا نبيند *** بنگر كه تا چه حدّ است مقام آدميّت

اگر اين درنده خويى ز طبيعتت بميرد *** همه عمر زنده مانى به روان آدميّت

طيران مرغ ديدي تو ز پاي بند شهوت *** بدر آي تا ببينى طيران آدميّت

كما له أن يسقط في المنازل النّزوليّة حتّى يصير مصداقاً لقوله - تعالى! -:

(أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ‌).(2)

و هذا الاختيار هو الّذي يجعله موضوع علم الأخلاق كما يجعله مكلّفاً بالتّكاليف الشّرعيّة و العقلانيّة و العرفيّة.

ما الفرق بين الإنسان و الملك و الحيوان‌؟


1) . الإنسان، 3.

2) . الاعراف، 179.

إنّ الفرق بين الإنسان و الملك إنّ الملك ليس له غير بعده المعنوي المجرّد بخلاف الإنسان الّذي له بعد معنوي و روحى إلى جانب بعده المادّي النّاسوتي المطلق عليه في مصطلح الذكر بالنّفس الأمّارة.

و امّا الفرق بينه و بين الحيوان انّ الحيوان له بعد مادّي فقط و ليس له بعد معنوي، فللملك و الحيوان بعد واحد، بخلاف الإنسان الّذي هو ذو بعدين.

و هذا النّحو من الوجود يعاضده لأن يستكمل شيئاً فشيئاً بخلاف الحيوانات بل الملائكة، قال - تعالى! - مخبرًا عن الملك بقوله: (وَ مٰا مِنّٰا إِلاّٰ لَهُ مَقٰامٌ مَعْلُومٌ‌).(1)

و قال جبرئيل لسيّدنا احمد صلى الله عليه و آله: «وَ لَوْ دَنَوْتُ أَنْمُلَةً لَاحْتَرَقْتُ‌»(2). و للَّه درّ الشّاعر:

گفت جبريلا بيا اندر پيم *** گفت رو رو من حريف تو نيم

و هذا الميز ايضاً يوجب أن يكون الإنسان محور علم الأخلاق و موضوعه.

و موضوع علم الأخلاق هو كلّ ما يتعلّق بالتّكاليف الشّرعيّة و العقليّة و العرفيّة.

الفرق بين الفضائل و الرّذائل

ظهر من المباحث السّابقة انّ حسن الفضائل و قبح الرّذائل فطري، قال - تعالى! -: (وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا * فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا).(3)كما ظهر انّ درك الفضائل و الرّذائل من العلم الحضوري لا الحصولي، فحينئذ يظهر انّ الفرق بين


1) . الصافات، 164.

2) . بحار الأنوار، ج 18 ص 382.

3) . الشّمس، 7-8.

الفضائل و الرّذائل واضح لا لبس فيه.

ولكن قد يتشابه بعض الفضائل ببعض، فيقع السالك من هذه الناحية في غلطٍ لاتخلّص له عنه إلّابتنبيهه عليه كاشتباه صفة التّوكّل بالتفويض مثلًا، و اشتباه التّوكّل بالانقطاع إلى اللَّه، كما يتشابه بعض الرّذائل ببعض الفضائل كالحسد مع الغبطة او المنافسة و التّسابق و كالبخل مع القناعة، كما يتشابه بعض الأخلاقيّات ببعض آخر كمواضع الانفاق و الاسراف و التّزهد و الانعزال و الالفة.

فعلم الأخلاق دوّن لبيان هذه المواضع و الأمور لئلّا يقع المرء في الخطأ و سيأتي إن شاء اللَّه - تعالى! - توضيح ذلك مفصّلًا في محله.

نقد على نظريّة علماء الاخلاق

قد اشتهر في علم الأخلاق انّ للانسان قوى ثلاث و هي القوى: الفكريّة و الشهويّة و الغضبيّة، و انّ حدّ الوسط في تلك القوى الثلاث هو اصول الأخلاق الفاضلة، كما انّ طرفي الافراط و التّفريط في تلك القوى هما اصول الرّذائل الخلقيّة.

و سمّى حدّ الوسط في القوّة الفكريّة بالحكمة، و الافراط فيها بالجربزه، و التفريط فيهما بالبلادة.

و سمّى حدّ الوسط في القوّة الشّهويّة بالعفّة، و طرف الافراط بالشّره، و التّفريط فيهما بالخمود.

و سمّى حدّ الوسط في القوّة الغضبيّة بالشجاعة و الجانبان منها بالتّهوّر و الجبن.

و تحصّل من اجتماع هذه القوى الثّلاث اي الحكمة و العفّة و الشّجاعة قوّة رابعة سمّيت عندهم بالعدالة و الجانبان منها بالظلم و الانظلام.

و قيل: انّ الفضائل كلّها ناشئة من تلك الاصول الاربعة كما انّ الرّذائل كلّها ناشئة من تلك الاصول الّثمانيّة الواقعة في طرفي الافراط و التّفريط.

هذا خلاصة القول في مبنى القوم هيهنا، و من اراد التّفصيل فليرجع إلى مثل تهذيب الأخلاق لابن مسكويه و غيره من مسفورات القوم المفصّلة.

و يرد على هذا ايرادات كثيرة، نذكر بعضها على مايلي:

الف - انّ الإنسان مركّب من الرّوح و هو النّفس النّاطقة - (وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا * فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا).(1)و من الجسم و هو النّفس الامّارة - (إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّٰ مٰا رَحِمَ رَبِّي).(2)فهو من حيث الرّوح في غاية العلوّ و من حيث الجسم في غاية التّداني و السّقوط؛ قال اللَّه - تعالى! -: (لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنٰاهُ أَسْفَلَ سٰافِلِينَ‌).(3)فبمقتضى قاعدة التّسانخ القائلة بأنّ السّنخيّة علّة الانضمام، انّ الفضائل كلّها تنشأ من الرّوح كما انّ الرّذائل كلّها تنشأ من الجسم.

و بهذا البيان يجمع بين نظائر قوليه - تعالى! -: (فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ‌).(4)و: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ).(5)

فالانسان الّذي هو خليفة اللَّه - (إِنِّي جٰاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً‌).(6)- يشابهه -


1) . الشّمس، 7-8.

2) . يوسف، 53.

3) . التّين، 4-5.

4) . الحجر، 29.

5) . العصر، 2.

6) . البقرة، 30.

تعالى! - من حيث الرّوح فكلّ الخيرات و الفضائل تنشأ و تصدر منه من تلك الجهة، و من حيث الجسم يشابه الطّاغوت، و كلّ الشّرور و الرّذائل تنشأ منه من جهته.

لّان الخيرات كلّها للَّه و منه و إليه، و كلّ الشّرور للطّاغوت و منه و إليه، قال - تعالى! -: (مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‌).(1)

نعم على مقتضى قاعدة انّ النّفس في وحدتها كلّ القوى الحكميّة، فكل الخيرات و الشّرور منها، كما انّ التوحيد الافعالي يقتضي ذلك اللَّه - تعالى! - ايضاً، قال - تعالى! -: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ فَمٰا لِهٰؤُلاٰءِ اَلْقَوْمِ لاٰ يَكٰادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً).(2)

ولكن هذه اللطيفة الدّقيقة و أضرابها خارجة عن ما نحن فيه.

فما قيل: انّ العفّة و الشّجاعة و العدالة من النّفس الامّارة، و انّ الجربزه و البلادة من النّفس النّاطقة لهو في غاية السّخف و الانحطاط.

ب - انّ الفضائل كلّها ملكات ذات تشكيك موجودة في النّفس النّاطقة بالقوّة ثمّ تظهر و تتبلور مرتبة بعد أخرى حتّى يتخلّق الإنسان باخلاق اللَّه بالممارسات الدّينيّة و الرّياضات العمليّة المشروعة - (يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً‌).(3)- فليست تلك الخلقيات من باب حدّ الوسط بين الافراط و التّفريط، بل كلّما سمت رتبة و قوّت ظهوراً و تبلوراً ازدادات حسناً و فضلًا، و كلّما


1) . النّساء، 79.

2) . النّساء، 78.

3) . الفجر، 27-28.

نقصت لاتخرج عن كونها عن فضيلة، بل هي فضيلة كامنة في النفس غير ظاهرةٍ فيها.

كما انّ الرّذائل كلّها ملكات ذات تشكيك موجودة في النّفس الامّارة بالقوّة ثمّ تظهر فيها مرتبة بعد أخرى حتّى يتخلّق الإنسان باخلاق البهائم و السّباع - (إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ‌).(1)- و ذلك بالممارسات الشّيطانيّه و التّلهيّات النّفسانيّة البهيميّة.

فبينهما بون بعيد و كلّ واحد منهما يضادّ الآخر بحيث لا يمكن أن يجمعهما موضوع واحد.

فما قيل: انّ التّهوّر افراط الشّجاعة و الجبن تفريطها، ليس بشيءٍ مقبول.

ج - انّ النّفس النّاطقة تستقوي بالعبادات الدّينيّة و ممارسة الرّياضات المشروعة فتتمكّن من السّلطان على النّفس الامّاره لتمنعها عن الافراط و التّفريط و تعديله، فهذه هي التّقوى الّتي هي مشككة أيضاً. و بذلك تحصل للنّفس ملكة العدالة فتقدر بها على اتيان الواجبات العقليّة و الشرعيّة و الاجتناب عن المحرّمات كذلك.

فهذه كلّها امور لا غبار عليها ولكنّها غير ما سلكه علماء الاخلاق، لانّ السلطة على القوّة الشّهويّة هو غير ملكة العفّة كما انّ السلطان على القوّة الغضبيّة هو غير ملكة الشّجاعة و على قوى البهيميّة و الانسانيّة غير ملكة العدالة، و كأنّهم وقعوا في الخلط بين التّقوى و الملكات الفاضلة حين سمّى الأوّل بالثانى بينما انّ بينهما فرق واضح بالضّرورة.


1) . الانفال، 22.

هذه نبذة موجزة من مفصّل و الاسهاب فيه يوجب الملل فلانطول الكلام بتفصيله.

الحسن و القبح العقليان

قد يقال الحسن و القبح و يراد بهما كمال النفس و نّقصانها، كما يقال العلم حسن و الجهل المركّب قبيح، العدل حسن و الظّلم قبيح.

لا اشكال في انّ الحسن و القبح بهذا المعنى من الواقعيات و الأمورالنّفس الامرّية. و بعبارةٍ أخرى انّهما من باب الإخبار عن الواقع، و انّهما بهذا المعنى موضوع علم الاخلاق.

و قد يقال الحسن و القبح و يراد بهما ملائمة النّفس و منافرتها، كما يقال انّ الجمال او الصّوت الحسن حسن و انّ قبح المنظر و الصّوت النّكير قبيح.

لا اشكال في انّهما بهذا المعنى ايضاً موضوع علم الاخلاق. انّما الكلام في انّهما من الواقعيات و الإخبار عنها او من الاعتباريات و ليس لهما ازاء في الواقع‌؟

و قد يقال انّهما من الاعتباريات معلّلًا بانّ الاذواق مختلفة فلا محالة ما يعدّ عند قوم حسناً يمكن أن يكون قبيحاً عند آخرين.

ولكن هذا التّعليل واه عليل، لانّ الملائمة و المنافرة هنا ملحوظةٌ على نحو القضايا الطّبيعيّة لا الحقيقيّة، فالافراد و حكمهم فيها غير دخيلٍ في حقيقتهما.

و نحو هذا الاشكال قد ذُكر في الفطريات ايضاً، و الجواب ههنا هو نفس الجواب هناك.

فتلخّص انّ الحسن و القبح بهذا المعنى ايضاً من الواقعيّات، بل هما إخباران وصفيّان عن الواقع و نفس الامر.

و قد يقال الحسن و القبح و يراد منهما المدح و الذّم، فيقال الخلق الحسن حسن ممدوح، الشّجاعة ممدوحة و الجبن مذموم.

لا اشكال في انّهما بهذا المعنى ايضاً موضوع علم الاخلاق، كما لا اشكال في انّهما بهذا المعنى من الاعتباريّات و الانشائيّات و ليس بازائهما في الخارج شيءٌ‌، بل هناك احكام عقليّة يقصدها المتكلّم حين أن استعملهما بهذا المعنى. و بعبارةٍ أخرى انّ العقل يحكم بانّ الشّجاعة ممدوحة و ينبغى أن يتّصف المرأ بها و انّ الجبن مذموم و لا ينبغي أن يتّصف به.

و قد يقال الحسن و يراد منه المصلحة و يقال القبح و يراد منه المفسدة، كما يقال انّ اعانة الفقراء حسن إذ فيها مصلحة و انّ اكل مال الغير فبيح إذ فيها مفسدة.

ولكنّ الظّاهر انّ هذا القسم ليس قسماً برأسه، بل يرجع إلى احد الاقسام الثّلثة.

ضرورة انّ اعانة الفقراء حسن، لان فيها الكمال و انّها ملائمة للطّبع و انّها ممّا يمدحها العقل و يوجب لها المثوبة و يحكم بانّه ينبعي أن يفعل، و انّ اكل مال الغير هو النّقص و انّه منافر للنّفس و انه ممّا يستقبحه العقل و يوجب له العقوبة، فتأمّل. و امّا لو فرض انّ لهما معنى رابعاً فهما بهذا المعنى ايضاً موضوع علم الاخلاق.

فملخّص الكلام انّ موضوع علم الأخلاق هو ما يستحسنه العقل و العقلاء بما له من المعنى الحسن من الفضائل او ما يصدر عنها، و بعبارةٍ أخرى هو الأخلاق و الاخلاقيّات و كذلك هو ما يقبّحه العقل و العقلاء بما له من المعنى القبيح للرّذائل او

ما ينشأ عنها.

هذا ولكن قد مرّ انّ موضوع علم الأخلاق هو الإنسان بما له من الفضائل و الرّذائل، فموضوع علم الأخلاق هو الإنسان المتّصف بالصفات الكماليّة او النّقيصة و المتّصف بالصفات الملائمة للطّبع او المنافرة له و المتّصف بالصفات الممدوحة او المذمومة و المتّصف بالصفات ذات المصلحة او المفسدة.

الحركة إلى الحقّ - تعالى! -

انّ للانسان سيراً إلى اللَّه - تعالى! -؛

قال - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاٰقِيهِ‌).(1)

و قال - تعالى! -: (إِنَّ إِلىٰ رَبِّكَ اَلرُّجْعىٰ‌)(2)و (وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهىٰ‌).(3)

و قال - تعالى! -: (إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ‌).(4)

و هو في هذا السّير يحتاج إلى براقٍ به يرتقى في سماء الكمال، و هو جسمه و بعده المادّي شريطة تسلّطه عليه و جعله مركباً ذلولًا له كما هو بحاجة إلى الزّاد و الرّاحلة و هو التّوبة و اليقظة قال - تعالى! -: (وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ اَلزّٰادِ اَلتَّقْوىٰ‌).(5)

و إلى السّراج ايضاً و هو القرآن؛


1) . الانشقاق، 6.

2) . العلق، 8.

3) . النّجم، 42.

4) . البقرة، 156.

5) . البقرة، 197.

قال - تعالى! -: (هٰذٰا بَصٰائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ‌).(1)

و قال - تعالى! -: (قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ‌).(2)

و إلى رفع الموانع و ليس مانع أشدّ من الرّذائل و أقبح منها؛

قال - تعالى! -: (وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا).(3)

و قال - تعالى! -: (إِنّٰا جَعَلْنٰا فِي أَعْنٰاقِهِمْ أَغْلاٰلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقٰانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لاٰ يُبْصِرُونَ‌).(4)

كما يحتاج الإنسان في سيره هذا إلى الهادي و هو الامام في القرآن. و هذا هو الأهمّ من جميع ما مرّ ذكره، و سيأتى البحث عنه على التفصيل إن شاء اللَّه - تعالى! - ، و هنا نتمثّل بقول الشاعر:

طى اين مرحله بى همرهى خضر مكن *** ظلمات است بترس از خطر گمراهى

قال اللَّه - تعالى! -: (وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا)(5).

و المراد بالامر ليس إلّاافاضات الحقّ - تعالى! - على عباده، كما انّ المراد بضمير «هم» في «جعلناهم» ليس إلّاالوسائط في الفيض.

و ملخّص الكلام انّا نحتاج في كلّ أمر إلى وسائط الفيض سيّما في السّير إلى الحقّ - تعالى! -، و لا يعقل التّهذيب و التّخلّق بالفضائل إلّابالّتمسك بالعروة الوثقى الّتي


1) . الاعراف، 203.

2) . المائده، 15.

3) . الشّمس، 10.

4) . يس، 8-9.

5) . الأنبياء، 73.

هي الولاية، فان قلنا انّ التّهذيب و التّخلّق بالفضائل يتوقّف على وسائط الفيض لسنا مجازفاً في القول.

و في الزيارة الجامعة الكبيرة: «بكم فتح اللَّه و بكم يختم و بكم ينزّل الغيث و بكم يمسك السّماء أن تقع على الارض إلّاباذنه و بكم ينفّس الهمّ و يكشف الضّرّ».(1)

و ورد في وصف بقيّة اللَّه عجّل اللَّه - تعالى! - فرجه الشّريف و روحى و ارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء «بيمنه رزق الورى و بوجوده ثبتت الارض و السّماء».(2)

هذه قطرة من بحر هذا المعنى اقتصرنا عليها، و أرجو من اللَّه - تعالى! - أن يوفّقنا للاغتراف منها، بمنّه و كرمه.


1) . بحار الأنوار، ج 102 ص 132.

2) . مشارق انوار اليقين، ص 157.

الفصل الثّالث فوائد علم الأخلاق

اشارة

فوائد علم الاخلاق

لعلم الأخلاق و تهذيب النّفس و التّخلّق بالفضائل و العمل بالاخلاقيّات فوائد هامّة و لا اشكال في انّ سعادة الدّارين موقوفةٌ عليها رهينةٌ بها. و نحن نذكر هنا بعض فوائدها الهامّة:

الفائدة الاولى: تجسّم العمل

يظهر من القرآن و الرّوايات انّ الملكات، رذيلة كانت او فضيلة، تحصل من الافعال و الاقوال و الافكار، و هويّة الإنسان و حقيقته تحصل من تلك الملكات، فالعفّة و الشّجاعة و العدالة تتوقّف على الاعمال، كما انّ ضدّها من الشّره و التّهوّر و الطّغيان يكون كذلك. و تلك الملكات، رذيلة كانت او فضيلة، لها تأثير بالغٌ في هويّة الإنسان و حقيقته. فحقيقة الإنسان و هويّته تتصوّر بما يناسب تلك الملكات.

فمن يتخلّق بما يليق بالإنسان من السّجايا الفاضلة فيرتقى درجة درجة إلى

مكانة الإنسان الكامل و مرتبته و يتعالى و يسمو حتّى يكون مصداقاً لقوله - تعالى! -: (إِنِّي جٰاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً‌)(1)فيصل إلى مقام الخلافة الالهية. و بعبارةٍ أخرى يتوغّل في الانسانيّة حتّى يكون كالقمر يوم القيامة.

و امّا من يتخلّق بالأخلاق البهيميّة و السّبعيّة فيتنزّل درجة درجة حتّى يخرج عن الانسانيّة و مراتبها بتلك الأخلاق و يتصوّر بصورة سبع او بهيمة او غيرهما من صورٍ تناسب تلك الملكات.

فربّ انسانٍ بحسب الظّاهر ولكنّه ليس إلّاكلباً بحسب الهويّة و الحقيقة، و اهل البصيرة يروا تلك الصّور و لو لم‌يرها غيرهم. و يوم تنكشف الاغطية و تصير الابصار حديدة و تظهر الحقائق و الهويّات، فيرى نفسه كما يراه غيره كلباً.

قال - تعالى! -: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هٰذٰا فَكَشَفْنٰا عَنْكَ غِطٰاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ).(2)

و هذه اللّطيفة الدّقيقة الواضحة عند أهلها اُقيمت عليها البراهين و نحن نكتفي بالبرهان الأعظم و هو الذكر و الحديث.

امّا القرآن فيظهر من آيات كثيرة انّ الملكات توجد بالافعال و الاقوال و الافكار و تنشأ منها؛

قال - تعالى! -: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ أَوْ أَشَدُّ


1) . البقرة، 30.

2) . ق، 22.

قَسْوَةً‌).(1)

و قال - تعالى! -: (بَلْ طَبَعَ اَللّٰهُ عَلَيْهٰا بِكُفْرِهِمْ فَلاٰ يُؤْمِنُونَ إِلاّٰ قَلِيلاً).(2)

و قال - تعالى! -: (وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصٰارَهُمْ كَمٰا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيٰانِهِمْ يَعْمَهُونَ‌).(3)

و قال - تعالى! -: (وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزٰادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مٰاتُوا وَ هُمْ كٰافِرُونَ‌).(4)

و قال - تعالى! -: (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيٰاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهٰا وَ نَسِيَ مٰا قَدَّمَتْ يَدٰاهُ إِنّٰا جَعَلْنٰا عَلىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذٰانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى اَلْهُدىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً).(5)

و قال - تعالى! -: (إِنّٰا جَعَلْنٰا فِي أَعْنٰاقِهِمْ أَغْلاٰلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقٰانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لاٰ يُبْصِرُونَ‌).(6)

و قال - تعالى! -: (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلىٰ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلىٰ بَصَرِهِ غِشٰاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اَللّٰهِ أَ فَلاٰ تَذَكَّرُونَ‌).(7)


1) . البقرة، 74.

2) . النّساء، 155.

3) . الانعام، 110.

4) . التوبة، 125.

5) . الكهف، 57.

6) . يس، 7-8.

7) . الجاثية، 23.

و قال - تعالى! -: (فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ‌).(1)

و قال - تعالى! -: (إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِ آيٰاتُنٰا قٰالَ أَسٰاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ * كَلاّٰ بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‌).(2)

و قال - تعالى! -: (وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مٰا هُوَ شِفٰاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لاٰ يَزِيدُ اَلظّٰالِمِينَ إِلاّٰ خَسٰاراً).(3)

و هذه الآيات و نظائرها الكثيرة جدّاً لها إشارة إلى شيء واحد و هو انّ الذّنوب الّتي تصدر من الإنسان توجب أن تحصل للقلب ملكة تحول بينه و بين إقباله إلى الحقّ و قبوله إيّاه. فالقلب المريض يجد الحقّ مرّاً، بل ليس له أن يرى الحقّ و يسمع ندائه او يفهمه، بل القرآن الّذي هو شفاء كلّ همّ وداء لا يزيده إلّاخساراً.

قال الراغب في المفردات: فقوله: ختم اللَّه على قلوبهم، و قوله - تعالى! -: قل ارايتم إن اخذ اللَّه سمعكم و ابصاركم و ختم على قلوبكم، اشارة إلى ما اجرى اللَّه به العادة انّ الإنسان إذا تناهى في اعتقاد باطل او ارتكاب محظور و لا يكون منه تلفّت بوجه إلى الحقّ يورثه ذلك هيئة تمرّنه على استحسان المعاصى و كانّما يختم بذلك على قلبه. و على ذلك: اولئك الّذين طبع اللَّه على قلوبهم و سمعهم و ابصارهم.

و عل هذا النّحو استعارة الاغفال في قوله عزّ و جلّ‌: و لا تطع من اغفلنا قلبه عن


1) . الصّفّ‌، 5.

2) . المطفّفين، 13-15.

3) . الاسراء، 82.

ذكرنا. و استعارة الكنّ في قوله - تعالى! -: (وَ جَعَلْنٰا عَلىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ‌.) و استعارة القساوة في قوله - تعالى! -: (وَ جَعَلْنٰا قُلُوبَهُمْ قٰاسِيَةً‌).(1)

و جملة القول انّ مثل هذه الآيات كلها قريبة المخرج لها معنى واحد، لانّ القسوة بمعنى الصّلابة، و الزيغ بمعنى الميل عن الاستقامة، و الرّين بمعنى الصّداء و هو ضدّ الجلاء، و الختم و الطّبع بمعنى السّدّ، و الكنّ بمعنى الحجاب، و الغشاوة ايضاً كذلك. و كلّها - كما اشار إليه الرّاغب - كناية و اشارة إلى ميل القلب عن الاستقامة و حصول ملكة الطّغيان له.

و هذه الملكة كما صرّح به الذكر الحكيم تحصل بالافكار الفاسدة و الافعال الرّدية، و هذا هو مرادنا من انّ الافكار و الاقوال و الافعال توجد بالملكات. و هو واضحٌ‌.

هذا كلّه يتعلّق برذائل الملكات و هذا الحكم يجري في فضائلها أيضاً. و قد صرّح بذلك التنزيل المبين ايضاً في آيات كثيرة، نورد بعضها هيهنا:

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذٰا دَعٰاكُمْ لِمٰا يُحْيِيكُمْ‌).(2)

(أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكٰافِرِينَ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(3)

(أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ‌


1) . راجع: مفردات الفاظ القرآن، ص 143.

2) . الانفال، 24.

3) . الانعام، 122.

ذِكْرِ اَللّٰهِ أُولٰئِكَ فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ‌).(1)

(فَمَنْ يُرِدِ اَللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمٰاءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اَللّٰهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ‌).(2)

(مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّٰ بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَ اَللّٰهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ‌).(3)

(اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اَللّٰهِ أَلاٰ بِذِكْرِ اَللّٰهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ‌).(4)

(اَللّٰهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتٰاباً مُتَشٰابِهاً مَثٰانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلىٰ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(5)

(إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اَللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذٰا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيٰاتُهُ زٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‌).(6)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً).(7)

(يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ قَدْ جٰاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفٰاءٌ لِمٰا فِي اَلصُّدُورِ وَ هُدىً وَ


1) . الزّمر، 22.

2) . الانعام، 125.

3) . التّغابن، 11.

4) . الرّعد، 28.

5) . الزّمر، 23.

6) . الانفال، 2.

7) . الانفال، 29.

رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‌).(1)

هذا قسم من الآيات الدالّة على المقصود و قد وردت روايات بلغت حدّ التّواتر المعنوي تدلّ على المقصود ايضاً منها:

عن الإمام أبي عبداللَّه عليه السلام قال كان أبي عليه السلام يقول: «مَا مِنْ شَيْ‌ءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَطِيئَةٍ‌؛ إِنَّ الْقَلْبَ لَيُوَاقِعُ الْخَطِيئَةَ‌، فَمَا تَزَالُ بِهِ حَتّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ‌، فَيُصَيَّرَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ‌»(2).

عن أبي بصير قال سمعت ابا عبداللَّه عليه السلام يقول: «إِذَا أَذْنَبَ الرَّجُلُ خَرَجَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ انْمَحَتْ وَ إِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا»(3).

عن الإمام أبي‌جعفر عليه السلام قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ فِي النُّكْتَةِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ ذَهَبَ ذَلِكَ السَّوَادُ وَ إِنْ تَمَادَى فِي الذُّنُوبِ زَادَ ذَلِكَ السَّوَادُ حَتَّى يُغَطِّيَ الْبَيَاضَ فَإِذَا غَطَّى الْبَيَاضَ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُهُ إِلَى خَيْرٍ أَبَدًا وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ‌».(4)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام، «لا وَجَعَ أَوْجَعُ لِلْقُلُوبِ مِنَ الذُّنُوب».(5)

عن الإمام الصادق عن أبيه عليهم السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ‌: أَرْبَعٌ يُمِتْنَ الْقَلْبَ الذَّنْبُ‌


1) . يونس، 57.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 268.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 271.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 273.

5) . راجع: الكافي، ج 3 ص 342.

عَلَى الذَّنْبِ وَ كَثْرَةُ مُنَاقَشَةِ النِّسَاءِ يَعْنِي مُحَادَثَتَهُنَّ وَ مُمَارَاةُ الْأَحْمَقِ تَقُولُ وَ يَقُولُ وَ لَا يَرْجِعُ إِلَى خَيْرٍ وَ مُجَالَسَةُ الْمَوْتَى فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْمَوْتَى قَالَ كُلُ غَنِيٍّ مُتْرَفٍ‌».(1)

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «يَا عِبَادَ اللَّهِ احْذَرُوا الِانْهِمَاكَ فِي الْمَعَاصِي وَ التَّهَاوُنَ بِهَا فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ تَسْتَوْلِي الْخِذْلَانَ عَلَى صَاحِبِهَا حَتَّى تُوقِعَهُ فِي رَدِّ وَلَايَةِ وَصِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ دَفْعِ نُبُوَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ وَ لَا تَزَالُ أَيْضاً بِذَلِكَ حَتَّى تُوقِعَهُ فِي دَفْعِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَ الْإِلْحَادِ فِي دِينِ اللَّه».(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّار».(3)

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَ لَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُه».(4)

عن الإمام أبي عبداللَّه عليه السلام: «مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَثْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ وَ أَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ وَ بَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا دَاءَهَا وَ دَوَاءَهَا وَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَام».(5)

عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «مَا أَخْلَصَ عَبْدٌ لِلَّهِ عَزَّ وَ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 349.

2) . راجع: الكافي، ج 73 ص 360.

3) . راجع: الكافي، ج 71 ص 286.

4) . راجع: الكافي، ج 71 ص 287.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 313.

جَلَّ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً إِلَّا جَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ‌».(1)

عن أبان بن سويد عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال قلت: «مَا الَّذِي يُثْبِتُ الْإِيمَانَ فِي الْعَبْدِ قَالَ الَّذِي يُثْبِتُهُ فِيهِ الْوَرَعُ وَ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْهُ الطَّمَعُ‌».(2)

قال الصادق عليه السلام: «الصَّمْتُ شِعَارُ الْمُحَقِّقِينَ بِحَقَائِقِ مَا سَبَقَ وَ جَفَّ الْقَلَمُ بِهِ وَ هُوَ مِفْتَاحُ كُلِّ رَاحَةٍ مِنَ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ وَ فِيهِ رِضَا الرَّبِّ وَ تَخْفِيفُ الْحِسَابِ وَ الصَّوْنُ مِنَ الْخَطَايَا وَ الزَّلَلِ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ سِتْرًا عَلَى الْجَاهِلِ وَ زَيْناً لِلْعَالِمِ وَ مَعَهُ عَزْلُ الْهَوَاءِ وَ رِيَاضَةُ النَّفْسِ وَ حَلَاوَةُ الْعِبَادَةِ وَ زَوَالُ قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَ الْعَفَافُ وَ الْمُرُوَّةُ وَ الظَّرْف(3)».(4)

هذا كلّه في دلالة الآيات و الرّوايات على أنّ الأفكار و الأقوال و الأفعال توجب أن تحدث ملكات لصاحبها.

و امّا الهويات فهي تنشأ من الملكات و إن الإنسان يدرك الكمال بتحصيل الملكات الفاضلة كما انه يتبدّل هويّته من الانسانيّة إلى الحيوانيّة و يتصوّر بصور مختلفة تناسب تلك الملكات الرّذيلة.

فقد يتصور بصورة الكلب لطغيانه و تمكّن ملكة الظلم فيه الحاصل من الاقوال و الافعال و الافكار و قد يتصور بصورة الخنزير لذلك. كما انه قد يتصور بصورة الإنسان غير المادي لتحصيله بعض تلك الملكات، و قد وردت فيه آيات و


1) . راجع: الكافي، ج 70 ص 243.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 304.

3) . الظرف: الكياسة.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 284.

روايات كثيرةٌ‌.

و نحن نذكر بعض الآيات الدالة على تلك اللطيفة الدقيقة الّتي لا ريب فيها عند اهلها اولًا، ثم نذكر بعض الرّوايات المصرّحة بها حد التواتر المعنوى.

و الآيات منها ما هو نصٌ فيها، و منها ما هو ظاهرٌ فيها، و منها ما تظهر دلالتها بالتأمل فيها. فاما الآيات فمنها:

قوله عزّ من قائل: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا اَلنّٰارَ اَلَّتِي وَقُودُهَا اَلنّٰاسُ وَ اَلْحِجٰارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ‌).(1)

(... وَ أُولٰئِكَ هُمْ وَقُودُ اَلنّٰارِ).(2)

(... مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهٰا عَلىٰ أَدْبٰارِهٰا).(3)

(هُنٰالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مٰا أَسْلَفَتْ‌).(4)

(وَ كُلَّ إِنسٰانٍ أَلْزَمْنٰاهُ طٰائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ كِتٰاباً يَلْقٰاهُ مَنْشُوراً * اِقْرَأْ كِتٰابَكَ كَفىٰ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (5)

(وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ‌).(6)


1) . البقرة، 24.

2) . آل عمران، 10.

3) . النساء، 47.

4) . يونس، 30.

5) . الاسراء، 13-14.

6) . الاسراء، 97.

(وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً).(1)

(وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ * قٰالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمىٰ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قٰالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيٰاتُنٰا فَنَسِيتَهٰا وَ كَذٰلِكَ اَلْيَوْمَ تُنْسىٰ‌).(2)

(إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ‌).(3)

(وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسّٰاعَةُ يُقْسِمُ اَلْمُجْرِمُونَ مٰا لَبِثُوا غَيْرَ سٰاعَةٍ كَذٰلِكَ كٰانُوا يُؤْفَكُونَ‌).(4)

(يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمٰاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوٰاصِي وَ اَلْأَقْدٰامِ‌).(5)

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللّٰهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمٰا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ‌).(6)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً وَقُودُهَا اَلنّٰاسُ وَ اَلْحِجٰارَةُ‌).(7)

(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سٰاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلاٰ يَسْتَطِيعُونَ * خٰاشِعَةً أَبْصٰارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كٰانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سٰالِمُونَ‌).(8)


1) . الاسراء، 72.

2) . طه، 124-126.

3) . الانبياء، 98.

4) . الروم، 55.

5) . الرحمن، 41.

6) . المجادلة، 18.

7) . التحريم، 6.

8) . قلم، 42-43.

(وَ أَمَّا اَلْقٰاسِطُونَ فَكٰانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً).(1)

(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوٰاجاً).(2)

(يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرٰائِرُ).(3)

(يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ اَلنّٰاسُ أَشْتٰاتاً لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ‌).(4)

هذه بعض الآيات، فترى ظهور ما يقرب من جميعها في المقصود، سيّما إذا انضمّ إليها الآيات المفسّرة لها و سيأتي ذكرها.

و قد استدل صدر المتألهين بآيات أخر نذكر بعضها، تُظهر المقصود مع شيء من التأمّل و الامعان. و لما لم يكن المقام مقام التفسير فنحن نكتفى بذكر الآيات و نوكّل تفسيرها و التأمّل فيها إلى أهلها.

(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاٰ يَرْجِعُونَ‌).(5)

(فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنّٰارِ لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ‌).(6)

(لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيهٰا لاٰ يَسْمَعُونَ‌).(7)


1) . الجن، 15.

2) . النبأ، 18.

3) . الطارق، 9.

4) . الزالزال، 6.

5) . البقرة، 18.

6) . هود، 106.

7) . الانبياء، 100.

(قٰالَ اِخْسَؤُا فِيهٰا وَ لاٰ تُكَلِّمُونِ‌).(1)

(إِذِ اَلْأَغْلاٰلُ فِي أَعْنٰاقِهِمْ وَ اَلسَّلاٰسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي اَلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي اَلنّٰارِ يُسْجَرُونَ‌).(2)

(أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلىٰ وَجْهِهِ أَهْدىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ‌).(3)

و امّا الرّوايات الدالّة على المطلوب فهى كثيرة جداً و نحن نذكر نبذة منها، فمنها:

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «... وَ مَنْ بَغَى عَلَى فَقِيرٍ أَوْ تَطَاوَلَ عَلَيْهِ وَ اسْتَحْقَرَهُ اسْتَحْقَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ الذَّرَّةِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ حَتَّى يَدْخُلَ النَّار».(4)

عن الإمامين الهمامين أبي‌جعفر و أبي‌عبداللَّه عليهم السلام إنّ اميرالمؤمنين عليه السلام قال للبراء بن عازب: «كَيْفَ وَجَدْتَ هَذَا الدِّينَ قَالَ كُنَّا بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ قَبْلَ أَنْ نَتَّبِعَكَ تَخِفُّ عَلَيْنَا الْعِبَادَةُ فَلَمَّا اتَّبَعْنَاكَ وَ وَقَعَ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِنَا وَجَدْنَا الْعِبَادَةَ قَدْ تَثَاقَلَتْ فِي أَجْسَادِنَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فَمِنْ ثَمَّ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُوَرِ الْحَمِير».(5)

روى البرسي: «أَنَ رَجُلًا قَالَ لِعَلِيِ بْنِ الْحُسَيْنِ ع بِمَا ذَا فُضِّلْنَا عَلَى أَعْدَائِنَا وَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَجْمَلُ مِنَّا فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ ع أَ تُحِبُّ أَنْ تَرَى فَضْلَكَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ نَعَمْ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَ قَالَ انْظُرْ فَنَظَرَ فَاضْطَرَبَ وَ قَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ رُدَّنِي إِلَى مَا كُنْتُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا دُبّاً وَ قِرْدًا وَ كَلْباً فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَعَادَ إِلَى حَالِه».(6)


1) . المومنون، 108.

2) . المومن، 71-72.

3) . الملك، 22.

4) . راجع: ثواب الأعمال، ص 335.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 192.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 46 ص 49.

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال: «يُحْشَرُ الْمُكَذِّبُونَ بِقَدَرِ اللَّهِ مِنْ قُبُورِهِمْ قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَ خَنَازِيرَ».(1)

عن داود بن فرقد عن اخيه قال سمعت ابا عبداللَّه عليه السلام يقول: «إِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ يُجْعَلُونَ فِي صُوَرِ الذَّرِّ يَتَوَطَّأُهُمُ النَّاسُ حَتَّى يَفْرُغَ اللَّهُ مِنَ الْحِسَابِ‌».(2)

عن الإمام أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «مَنْ سَوَّدَ اسْمَهُ فِي دِيوَانِ الْجَبَّارِينَ [مِنْ‌] وُلْدِ فُلَانٍ حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِنْزِيرًا».(3)

عنه عليه السلام قال: «مَنْ لَقِيَ الْمُسْلِمِينَ بِوَجْهَيْنِ وَ لِسَانَيْنِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ».(4)

عنه أيضاً عليه السلام قال: «... وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُزْلِقُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِقَوْلِ الزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ وَ الْإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ فَإِنَّكُمْ إِنْ كَفَفْتُمْ أَلْسِنَتَكُمْ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ كَانَ خَيْرًا لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ مِنْ أَنْ تُزْلِقُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِهِ فَإِنَّ زَلَقَ اللِّسَانِ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ وَ مَا يَنْهَى عَنْهُ مَرْدَاةٌ لِلْعَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ وَ مَقْتٌ مِنَ اللَّهِ وَ صَمٌّ وَ عَمًى وَ بَكَمٌ يُورِثُهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَصِيرُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ‌: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ‌. يَعْنِي لَا يَنْطِقُونَ وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ‌».(5)

و في خبر طويل عنه عليه السلام أيضاً: «... فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ - مَوَائِدُ مِنْ لَحْمٍ‌


1) . راجع: ثواب الأعمال، ص 212؛ راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 212.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 235.

3) . راجع: ثواب الأعمال، ص 310.

4) . راجع: ثواب الأعمال، ص 319.

5) . راجع: روضة الكافى، ص 3.

طَيِّبٍ وَ لَحْمٍ خَبِيثٍ يَأْكُلُونَ الْخَبِيثَ وَ يَدَعُونَ الطَّيِّبَ‌، فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْحَرَامَ - وَ يَدَعُونَ الْحَلَالَ وَ هُمْ مِنْ أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص ثُمَّ رَأَيْتُ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ - جَعَلَ اللَّهُ أَمْرَهُ عَجَباً نِصْفُ جَسَدِهِ نَارٌ - وَ النِّصْفُ الآْخَرُ ثَلْجٌ - فَلَا النَّارُ تُذِيبُ الثَّلْجَ وَ لَا الثَّلْجُ يُطْفِئُ النَّارَ - وَ هُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ يَقُولُ - سُبْحَانَ الَّذِي كَفَّ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ - فَلَا تُذِيبُ الثَّلْجَ وَ كَفَّ بَرْدَ هَذَا الثَّلْجِ فَلَا يُطْفِئُ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ - اللَّهُمَّ يَا مُؤَلِّفَ بَيْنِ الثَّلْجِ وَ النَّارِ - أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ‌، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ هَذَا مَلَكٌ - وَكَّلَهُ اللَّهُ بِأَكْنَافِ السَّمَاوَاتِ وَ أَطْرَافِ الْأَرَضِينَ - وَ هُوَ أَنْصَحُ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى - لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُو لَهُمْ بِمَا تَسْمَعُ مُنْذُ خُلِقَ‌، وَ مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ فِي السَّمَاءِ أَحَدُهُمَا يَقُولُ - اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفاً - وَ الآْخَرُ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفاً.

ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ لَهُمْ مَشَافِرُ - كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ يُقْرِضُ اللَّحْمَ مِنْ جَنُوبِهِمْ وَ يُلْقَى فِي أَفْوَاهِهِمْ - فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ هَؤُلَاءِ الْهَمَّازُونَ اللَّمَّازُونَ - ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ تُرْضَخُ رُءُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ، فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنَامُونَ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ تُقْذَفُ النَّارُ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَ تَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ‌، فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً - إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا - وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا، ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ يُرِيدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَقُومَ - فَلَا يَقْدِرُ مِنْ عِظَمِ بَطْنِهِ - فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ - إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ فَإِذَا هُمْ مِثْلُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَ عَشِيًّا يَقُولُونَ رَبَّنَا مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ - قَالَ ثُمَّ‌

مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِنِسْوَانٍ مُعَلَّقَاتٍ بِثَدْيِهِنَّ - فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ هَؤُلَاءِ اللَّوَاتِي يُوَرِّثْنَ أَمْوَالَ أَزْوَاجِهِنَّ أَوْلَادَ غَيْرِهِم».(1)

قال ابوبصير للباقر عليه السلام: «مَا أَكْثَرَ الْحَجِيجَ وَ أَعْظَمَ الضَّجِيجَ فَقَالَ بَلْ مَا أَكْثَرَ الضَّجِيجَ وَ أَقَلَّ الْحَجِيجَ أَ تُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ صِدْقَ مَا أَقُولُهُ وَ تَرَاهُ عِيَاناً فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَ دَعَا بِدَعَوَاتٍ فَعَادَ بَصِيرًا فَقَالَ انْظُرْ يَا أَبَا بَصِيرٍ إِلَى الْحَجِيجِ قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَكْثَرُ النَّاسِ قِرَدَةٌ وَ خَنَازِيرُ وَ الْمُؤْمِنُ بَيْنَهُمْ مِثْلُ الْكَوْكَبِ اللَّامِعِ فِي الظَّلْمَاءِ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ صَدَقْتَ يَا مَوْلَايَ مَا أَقَلَّ الْحَجِيجَ وَ أَكْثَرَ الضَّجِيج!»(2)

و مثله منقول عن الصادق عليه السلام: إلّاانّ فيه هذه الزيادة: «فَهَالَنِي ذَلِكَ ثُمَّ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى بَصَرِي فَرَأَيْتُهُمْ كَمَا كَانُوا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى».(3)

قال الطبرسي «رحمه اللَّه» في ذيل الآيه: يوم ينفخ في الصور فتأتون افواجاً، هكذا: و في الحديث عن البراء بن عازب قال: «كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ جَالِساً قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص فِي مَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ مُعَاذٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ رَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً الآْيَاتِ فَقَالَ يَا مُعَاذُ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ مِنَ الْأَمْرِ ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ تُحْشَرُ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مِنْ أُمَّتِي أَشْتَاتاً قَدْ مَيَّزَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ بَدَّلَ صُوَرَهُمْ فَبَعْضُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَ بَعْضُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْخَنَازِيرِ وَ بَعْضُهُمْ مُنَكَّسُونَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ فَوْقُ وَ وُجُوهُهُمْ مِنْ تَحْتُ ثُمَّ يُسْحَبُونَ عَلَيْهَا


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 6 ص 239.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 6 ص 261.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 6 ص 79.

وَ بَعْضُهُمْ عُمْيٌ يَتَرَدَّدُونَ وَ بَعْضُهُمْ بُكْمٌ لَا يَعْقِلُونَ وَ بَعْضُهُمْ يَمْضَغُونَ أَلْسِنَتَهُمْ يَسِيلُ الْقَيْحُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لُعَاباً يَتَقَذَّرُهُمْ أَهْلُ الْجَمْعِ وَ بَعْضُهُمْ مُقَطَّعَةٌ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ وَ بَعْضُهُمْ مُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَارٍ وَ بَعْضُهُمْ أَشَدُّ نَتْناً مِنَ الْجِيَفِ وَ بَعْضُهُمْ يَلْبَسُونَ جِبَاباً سَابِغَةً مِنْ قَطِرَانٍ لَازِقَةٍ بِجُلُودِهِمْ فَأَمَّا الَّذِينَ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ فَالْقَتَّاتُ مِنَ النَّاسِ وَ أَمَّا الَّذِينَ عَلَى صُورَةِ الْخَنَازِيرِ فَأَهْلُ السُّحْتِ وَ أَمَّا الْمُنَكَّسُونَ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَأَكَلَةُ الرِّبَا وَ الْعُمْيُ الْجَائِرُونَ فِي الْحُكْمِ وَ الصُّمُّ الْبُكْمُ الْمُعْجَبُونَ بِأَعْمَالِهِمْ وَ الَّذِينَ يَمْضَغُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَالْعُلَمَاءُ وَ الْقُضَاةُ الَّذِينَ خَالَفَتْ أَعْمَالُهُمْ أَقْوَالَهُمْ وَ الْمُقَطَّعَةُ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْجِيرَانَ وَ الْمُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَارٍ فَالسُّعَاةُ بِالنَّاسِ إِلَى السُّلْطَانِ وَ الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ نَتْناً مِنَ الْجِيَفِ فَالَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِالشَّهَوَاتِ وَ اللَّذَّاتِ وَ يَمْنَعُونَ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَ الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الْجِبَابَ فَأَهْلُ التَّجَبُّرِ وَ الْخُيَلَاءِ‌».(1)

تتميم:

يظهر من آي الذكر الحكيم و الرّوايات المتواترة تجسّم العمل بمعنيين آخرين:

الف - انّ الاعمال من الاقوال و الافعال بل الافكار تتجسّم بصورة مناسبة لتلك الاعمال بل الافكار. فالاعمال القبيحة تتجسّم بصور قبيحة، و الاعمال الحسنة تتجسّم بصور حسنة و المرء يحشر معها و هي تصاحب الإنسان، بل يظهر من تلك الآيات و الرّوايات انّ نعم الجنّة كلّها ليست إلّانفس الاعمال الحسنة و انّ نقم الجحيم كلّها حتّى نارها أيضاً هي الاعمال القبيحة بعينها.


1) . مجمع البيان، ج 10 ص 423.

ب - انّ الاعمال من الافعال و الاقوال بل الافكار و الملكات لها تأثير بالغ في السّعادة و الشّقاء الدّنيويّتين، بل ليست السّعادة الدّنيويّة او الشّقاوة الدّنيويّة إلّا تلك الاعمال بخيرها و شرّها، بل يظهر من الآيات و الرّوايات انّ الاعمال الحسنة و القبيحة تؤثّر في سعادة الذّريّة و شقاءها بل في سعادة الامّة و المجتمع كذلك و شقاءهما.

لا يقال انّ ذلك يناقض العدل بين انّ و القرآن يقول: (وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ‌)(1)لانّ هذه الآثار وضعيّة فهي كالنّار من استوقدها فقد أحرق نفسه و كذلك يحرق ما حوله و لو كان هناك ولده الصّغير او النّائم الغافل. نعم عليه وزران وزر احراق نفسه و وزر احراق غيره و للبرئ المظلوم المحترق بنار غيره اجر ما اصابه من المصيبة بغير ما اكتسبه.

و امّا قوله - تعالى! -: (وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ‌) فهو يتعلّق بالاخرة و أحكامه الخاصّة، فهو غير مرتبط بالبحث.

و نحن نذكر اولًا الآيات و الرّوايات الدالّة على تجسّم العمل بالمعنى الأوّل ثمّ نتبعها بالآيات و الرّوايات الدّالّه على تجسّم العمل بالمعنى الثاني.

امّا الآيات و الرّوايات الواردة في المعنى الأوّل فمنها:

(... وَ مٰا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).(2)


1) . الانعام، 164.

2) . البقرة، 110.

(فَكَيْفَ إِذٰا جَمَعْنٰاهُمْ لِيَوْمٍ لاٰ رَيْبَ فِيهِ وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مٰا كَسَبَتْ‌).(1)

(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ‌).(2)

(وَ مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ ثُمَّ تُوَفّٰى كُلُّ نَفْسٍ مٰا كَسَبَتْ وَ هُمْ لاٰ يُظْلَمُونَ‌).(3)

(لِيَجْزِيَ اَللّٰهُ كُلَّ نَفْسٍ مٰا كَسَبَتْ‌).(4)

(لِيَحْمِلُوا أَوْزٰارَهُمْ كٰامِلَةً يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَ مِنْ أَوْزٰارِ اَلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‌).(5)

(وَ وَجَدُوا مٰا عَمِلُوا حٰاضِراً).(6)

(وَ إِنْ كٰانَ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنٰا بِهٰا).(7)

(مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ‌).(8)

(وَ جَعَلْنَا اَلْأَغْلاٰلَ فِي أَعْنٰاقِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّٰ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(9)


1) . آل عمران، 25.

2) . آل عمران، 30.

3) . آل عمران، 161.

4) . ابراهيم، 51.

5) . النّحل، 25.

6) . الهكف، 49.

7) . الانبياء، 47.

8) . الرّوم، 44.

9) . سبأ، 33.

(وَ قِيلَ لِلظّٰالِمِينَ ذُوقُوا مٰا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ‌).(1)

(يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ بُشْرٰاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنّٰاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونٰا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ اِرْجِعُوا وَرٰاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بٰابٌ بٰاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظٰاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذٰابُ‌).(2)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ لِغَدٍ).(3)

(يَوْمَ يَنْظُرُ اَلْمَرْءُ مٰا قَدَّمَتْ يَدٰاهُ‌).(4)

(عَلِمَتْ نَفْسٌ مٰا أَحْضَرَتْ‌).(5)

(عَلِمَتْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ‌).(6)

(هَلْ ثُوِّبَ اَلْكُفّٰارُ مٰا كٰانُوا يَفْعَلُونَ‌).(7)

(يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ اَلنّٰاسُ أَشْتٰاتاً لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‌).(8)


1) . الزّمر، 24.

2) . الحديد، 12-13.

3) . الحشر، 18.

4) . النّبأ، 40.

5) . التّكوير، 14.

6) . الانفطار، 5.

7) . المطففين، 36.

8) . الزلزلة، 6-8.

قال قيس بن عاصم لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «عِظْنَا... فقال رسول اللَّه: إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ يَا قَيْسُ مِنْ قَرِينٍ يُدْفَنُ مَعَكَ وَ هُوَ حَيٌّ وَ تُدْفَنُ مَعَهُ وَ أَنْتَ مَيِّتٌ فَإِنْ كَانَ كَرِيماً أَكْرَمَكَ وَ إِنْ كَانَ لَئِيماً أَسْلَمَكَ ثُمَّ لَا يُحْشَرُ إِلَّا مَعَكَ وَ لَا تُبْعَثُ إِلَّا مَعَهُ وَ لَا تُسْأَلُ إِلَّا عَنْهُ فَلَا تَجْعَلْهُ إِلَّا صَالِحاً فَإِنَّهُ إِنْ صَلَحَ أَنِسْتَ بِهِ وَ إِنْ فَسَدَ لَا تَسْتَوْحِشُ إِلَّا مِنْهُ وَ هُوَ فِعْلُك».(1)

و نظم هذه الموعظة بعضهم في أبيات:(2)

تخيّر خليطا من فعالك انّما *** قرين الفتى في القبر ما كان يفعل

و لابد بعد الموت من أن تعدّه *** ليوم ينادي المرء فيه فيقبل

فان كنت مشغولًا بشيءٍ فلا تكن *** بغير الّذي يرضى به اللَّه تشغل

فلن يصحب الإنسان من بعد موته *** و من قبله إلّاالّذي كان يعمل

ألاٰ انّما الإنسان ضيف لأهله *** يقيم قليلًا بينهم ثم يرحل(3)

عن أحدهما عليه السلام قال: «إِ ذَا مَاتَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ دَخَلَ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ سِتَّةُ صُوَرٍ فِيهِنَّ صُورَةٌ أَحْسَنُهُنَّ وَجْهاً وَ أَبْهَاهُنَّ هَيْئَةً وَ أَطْيَبُهُنَّ رِيحاً وَ أَنْظَفُهُنَّ صُورَةً قَالَ فَيَقِفُ صُورَةٌ عَنْ يَمِينِهِ وَ أُخْرَى عَنْ يَسَارِهِ وَ أُخْرَى بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أُخْرَى خَلْفَهُ وَ أُخْرَى عِنْدَ رِجْلِهِ وَ تَقِفُ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُهُنَّ فَوْقَ رَأْسِهِ فَإِنْ أُتِيَ عَنْ يَمِينِهِ مَنَعَتْهُ الَّتِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ كَذَلِكَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 170.

2) . راجع: الأمالي، الصدوق ص 51؛ الخصال، ص 115. والأبيات لحسَّان بن ثابت الأنصاري.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 170.

إِلَى أَنْ يُؤْتَى مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ قَالَ فَتَقُولُ أَحْسَنُهُنَّ صُورَةً وَ مَنْ أَنْتُمْ جَزَاكُمُ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا فَتَقُولُ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْعَبْدِ أَنَا الصَّلَاةُ وَ تَقُولُ الَّتِي عَنْ يَسَارِهِ أَنَا الزَّكَاةُ وَ تَقُولُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ أَنَا الصِّيَامُ وَ تَقُولُ الَّتِي خَلْفَهُ أَنَا الْحَجُّ وَ الْعُمْرَةُ وَ تَقُولُ الَّتِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ أَنَا بِرُّ مَنْ وَصَلْتِ مِنْ إِخْوَانِكِ ثُمَّ يَقُلْنَ مَنْ أَنْتِ فَأَنْتِ أَحْسَنُنَا وَجْهاً وَ أَطْيَبُنَا رِيحاً وَ أَبْهَانَا هَيْئَةً فَتَقُولُ أَنَا الْوَلَايَةُ لآِلِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ‌».(1)

عن الإمام أبي‌عبداللَّه عليه السلام قال: «مَا مِنْ مَوْضِعِ قَبْرٍ إِلَّا وَ هُوَ يَنْطِقُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَنَا بَيْتُ التُّرَابِ أَنَا بَيْتُ الْبَلَاءِ أَنَا بَيْتُ الدُّودِ قَالَ فَإِذَا دَخَلَهُ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ قَالَ مَرْحَباً وَ أَهْلًا أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أُحِبُّكَ وَ أَنْتَ تَمْشِي عَلَى ظَهْرِي فَكَيْفَ إِذَا دَخَلْتَ بَطْنِي فَسَتَرَى ذَلِكَ قَالَ فَيُفْسَحُ لَهُ مَدَّ الْبَصَرِ وَ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ وَ يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ رَجُلٌ لَمْ تَرَ عَيْنَاهُ شَيْئاً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ فَيَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْكَ فَيَقُولُ أَنَا رَأْيُكَ الْحَسَنُ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ وَ عَمَلُكَ الصَّالِحُ الَّذِي كُنْتَ تَعْمَلُهُ قَالَ ثُمَّ تُؤْخَذُ رُوحُهُ فَتُوضَعُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ رَأَى مَنْزِلَهُ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ نَمْ قَرِيرَ الْعَيْنِ فَلَا يَزَالُ نَفْحَةٌ مِنَ الْجَنَّةِ تُصِيبُ جَسَدَهُ يَجِدُ لَذَّتَهَا وَ طِيبَهَا حَتَّى يُبْعَثَ قَالَ وَ إِذَا دَخَلَ الْكَافِرُ قَالَ لَا مَرْحَباً بِكَ وَ لَا أَهْلًا أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أُبْغِضُكَ وَ أَنْتَ تَمْشِي عَلَى ظَهْرِي فَكَيْفَ إِذَا دَخَلْتَ بَطْنِي سَتَرَى ذَلِكَ قَالَ فَتَضُمُّ عَلَيْهِ فَتَجْعَلُهُ رَمِيماً وَ يُعَادُ كَمَا كَانَ وَ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ثُمَّ قَالَ ثُمَّ إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ رَجُلٌ أَقْبَحُ مَنْ رَأَى قَطُّ قَالَ فَيَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَنْ أَنْتَ مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَقْبَحَ مِنْكَ قَالَ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ السَّيِّئُ الَّذِي كُنْتَ تَعْمَلُهُ وَ رَأْيُكَ الْخَبِيثُ قَالَ ثُمَّ تُؤْخَذُ رُوحُهُ فَتُوضَعُ حَيْثُ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 6 ص 234.

رَأَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ثُمَّ لَمْ تَزَلْ نَفْخَةٌ مِنَ النَّارِ تُصِيبُ جَسَدَهُ فَيَجِدُ أَلَمَهَا وَ حَرَّهَا فِي جَسَدِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُ وَ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَى رُوحِهِ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ تِنِّيناً تَنْهَشُهُ لَيْسَ فِيهَا تِنِّينٌ يَنْفُخُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ فَتُنْبِتَ شَيْئًا».(1)

عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال: «إِنَ ابْنَ آدَمَ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الآْخِرَةِ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ وَ وَلَدُهُ وَ عَمَلُهُ فَيَلْتَفِتُ إِلَى مَالِهِ فَيَقُولُ وَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ عَلَيْكَ حَرِيصاً شَحِيحاً فَمَا لِي عِنْدَكَ فَيَقُولُ خُذْ مِنِّي كَفَنَكَ قَالَ فَيَلْتَفِتُ إِلَى وَلَدِهِ فَيَقُولُ وَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ لَكُمْ مُحِبّاً وَ إِنِّي كُنْتُ عَلَيْكُمْ مُحَامِياً فَمَا ذَا لِي عِنْدَكُمْ فَيَقُولُونَ نُؤَدِّيكَ إِلَى حُفْرَتِكَ نُوَارِيكَ فِيهَا قَالَ فَيَلْتَفِتُ إِلَى عَمَلِهِ فَيَقُولُ وَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ فِيكَ لَزَاهِدًا وَ إِنْ كُنْتَ عَلَيَّ لَثَقِيلًا فَمَا ذَا عِنْدَكَ فَيَقُولُ أَنَا قَرِينُكَ فِي قَبْرِكَ وَ يَوْمِ نَشْرِكَ حَتَّى أُعْرَضَ أَنَا وَ أَنْتَ عَلَى رَبِّكَ قَالَ فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ وَلِيّاً أَتَاهُ أَطْيَبَ النَّاسِ رِيحاً وَ أَحْسَنَهُمْ مَنْظَرًا وَ أَحْسَنَهُمْ رِيَاشاً فَقَالَ أَبْشِرْ بِرَوْحٍ وَ رَيْحَانٍ وَ جَنَّةِ نَعِيمٍ وَ مَقْدَمُكَ خَيْرُ مَقْدَمٍ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ ارْتَحِلْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِنَّهُ لَيَعْرِفُ غَاسِلَهُ وَ يُنَاشِدُ حَامِلَهُ أَنْ يُعَجِّلَهُ فَإِذَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ أَتَاهُ مَلَكَا الْقَبْرِ يَجُرَّانِ أَشْعَارَهُمَا وَ يَخُدَّانِ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمَا أَصْوَاتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ وَ أَبْصَارُهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ وَ مَا دِينُكَ وَ مَنْ نَبِيُّكَ فَيَقُولُ اللَّهُ رَبِّي وَ دِينِيَ الْإِسْلَامُ وَ نَبِيِّي مُحَمَّدٌ ص فَيَقُولَانِ لَهُ ثَبَّتَكَ اللَّهُ فِيمَا تُحِبُّ وَ تَرْضَى وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الآْخِرَةِ ثُمَّ يَفْسَحَانِ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ ثُمَّ يَفْتَحَانِ لَهُ بَاباً إِلَى الْجَنَّةِ ثُمَّ يَقُولَانِ لَهُ نَمْ قَرِيرَ الْعَيْنِ نَوْمَ الشَّابِّ النَّاعِمِ فَإِنَّ‌


1) . راجع: فروع الكافي، ج 3 ص 241.

اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ - أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا قَالَ وَ إِنْ كَانَ لِرَبِّهِ عَدُوًّا فَإِنَّهُ يَأْتِيهِ أَقْبَحَ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ زِيّاً وَ رُؤْيَا وَ أَنْتَنَهُ رِيحًا فَيَقُولُ لَهُ أَبْشِرْ بِنُزُلٍ مِنْ حَمِيمٍ وَ تَصْلِيَةِ جَحِيمٍ‌».(1)

قال الإمام ابوعبداللَّه عليه السلام: «مَا مِنْ ذِي مَالٍ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَمْنَعُ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا حَبَسَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ وَ سَلَّطَ عَلَيْهِ شُجَاعاً أَقْرَعَ يُرِيدُهُ وَ هُوَ يَحِيدُ عَنْهُ فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا مَخْلَصَ لَهُ مِنْهُ أَمْكَنَهُ مِنْ يَدِهِ فَقَضِمَهَا كَمَا يُقْضَمُ الْفُجْلُ ثُمَّ يَصِيرُ طَوْقاً فِي عُنُقِهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مَا مِنْ ذِي مَالٍ إِبِلٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ بَقَرٍ يَمْنَعُ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا حَبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ يَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا وَ يَنْهَشُهُ كُلُّ ذَاتِ نَابٍ بِنَابِهَا وَ مَا مِنْ ذِي مَالٍ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ زَرْعٍ يَمْنَعُ زَكَاتَهَا إِلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ رَيْعَةَ أَرْضِهِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة».(2)

و نظيره ما روي عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «مَانِعُ الزَّكَاةِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ يَعْنِي أَمْعَاءَهُ فِي النَّارِ وَ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ فِي النَّارِ فِي صُورَةِ شُجَاعٍ أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَانِ أَوْ زَبِيبَتَانِ يَفِرُّ الْإِنْسَانُ مِنْهُ وَ هُوَ يَتْبَعُهُ حَتَّى يَقْضِمَهُ كَمَا يُقْضَمُ الْفُجْلُ وَ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِهِ‌».(3)

قال الإمام ابو عبداللَّه عليه السلام في حديث طويل: «إِذَا بَعَثَ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ قَبْرِهِ خَرَجَ مَعَهُ مِثَالٌ يَقْدُمُ أَمَامَهُ كُلَّمَا رَأَى الْمُؤْمِنُ هَوْلًا مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ الْمِثَالُ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 41 ص 226.

2) . راجع: فروع الكافي، ج 3 ص 505.

3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 2 ص 17.

لَا تَفْزَعْ وَ لَا تَحْزَنْ وَ أَبْشِرْ بِالسُّرُورِ وَ الْكَرَامَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَيُحَاسِبُهُ حِساباً يَسِيرًا وَ يَأْمُرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمِثَالُ أَمَامَهُ فَيَقُولُ لَهُ الْمُؤْمِنُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ نِعْمَ الْخَارِجُ خَرَجْتَ مَعِي مِنْ قَبْرِي وَ مَا زِلْتَ تُبَشِّرُنِي بِالسُّرُورِ وَ الْكَرَامَةِ مِنَ اللَّهِ حَتَّى رَأَيْتُ ذَلِكَ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا السُّرُورُ الَّذِي كُنْتَ أَدْخَلْتَ عَلَى أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا خَلَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهُ لِأُبَشِّرَكَ‌».(1)

عن الإمام الصادق عليه السلام.... قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «إِنَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَذْهَبُ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَمْهَدُ لِصَاحِبِهِ كَمَا يَبْعَثُ الرَّجُلُ غُلَامَهُ فَيَفْرُشُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ وَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ‌».(2)

عن الإمام أبي عبداللَّه عليه السلام: «إِذَا دَخَلَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ كَانَتِ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِهِ وَ الزَّكَاةُ عَنْ يَسَارِهِ وَ الْبِرُّ مُطِلٌّ عَلَيْهِ وَ يَتَنَحَّى الصَّبْرُ نَاحِيَةً فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ مُسَاءَلَتَهُ قَالَ الصَّبْرُ لِلصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الْبِرِّ دُونَكُمْ صَاحِبَكُمْ فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْهُ فَأَنَا دُونَهُ‌».(3)

قال الإمام علي عليه السلام: «إِنَ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ ثَلَاثَةَ أَخِلَّاءَ فَخَلِيلٌ يَقُولُ أَنَا مَعَكَ حَيّاً وَ مَيِّتاً وَ هُوَ عَمَلُهُ وَ خَلِيلٌ يَقُولُ لَهُ أَنَا مَعَكَ إِلَى بَابِ قَبْرِكَ ثُمَّ أُخَلِّيكَ وَ هُوَ وَلَدُهُ وَ خَلِيلٌ يَقُولُ لَهُ أَنَا مَعَكَ إِلَى أَنْ تَمُوتَ وَ هُوَ مَالُهُ فَإِذَا مَاتَ صَارَ لِلْوَارِثِ‌».(4)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 190.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 185.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 90.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 64 ص 175.

عن النّبي صلى الله عليه و آله قال: «وَعَظَنِي جَبْرَئِيلُ‌) عَلَيْهِ السَّلَامُ (فَقَالَ‌: يَا مُحَمَّدُ، أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ‌، وَ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلَاقِيهِ‌».(1)

رفع اشكال خلود أهل النّار:

و بما ذكرنا ظهر الجواب عن اشكال مشهور أورده بعضهم و هو عدم تناسب الاعمال و العقوبات في جملةٍ منها، كخلود اهل النار فيها.

توضيح ذلك: ان الذكر الحكيم أصرّ على انّ الكفّار معذّبون يوم القيمة من غير انقطاعٍ و انّهم مخلّدون في النّار و انّ أهل الجنّة متنعّمون في الجنّة و انّهم مخلّدون فيها.

قال - تعالى! -: (وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ‌).(2)

و نظير الايتن في القرآن ما يربو على مائة آيه.

و يظهر من عدّةٍ من آي الكتاب انّ هناك نقماً و عقوبات شديدة لأهل العذاب أيضاً تحيّر العقول و تدهشها كما انّ نعم الجنّة ممّا تحيّر العقول فلا عين رأت نظيرها و لا اذن سمعت بمثلها.

قال - تعالى! -: (وَ أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ مٰا أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ * فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ * وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لاٰ بٰارِدٍ وَ لاٰ كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كٰانُوا قَبْلَ ذٰلِكَ مُتْرَفِينَ‌).(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 64 ص 188.

2) . البقرة، 39.

3) . الواقعة، 41-45.

و قال - تعالى! -: (عَلىٰ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهٰا مُتَقٰابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوٰابٍ وَ أَبٰارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لاٰ يُصَدَّعُونَ عَنْهٰا وَ لاٰ يُنْزِفُونَ * وَ فٰاكِهَةٍ مِمّٰا يَتَخَيَّرُونَ * وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمّٰا يَشْتَهُونَ * وَ حُورٌ عِينٌ * كَأَمْثٰالِ اَللُّؤْلُؤِ اَلْمَكْنُونِ‌).(1)

و في التنزيل العزيز أكثر من ألف آيةٍ يدلّ على هذا المعنى.

هذا مع انّ العذاب الرّوحي و اللّذّة الرّوحيّة لأهل الجحيم و الجنّة ازيد من ذلك. فلو لم يكن لأهل النار سوى خطاب (اِخْسَؤُا فِيهٰا وَ لاٰ تُكَلِّمُونِ‌)(2)و لأهل الجنّة سوى خطاب (يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ‌)(3)، ليكفى ان يرجّح هذا العذاب على سائر اشكال العذاب و يرجّح هذه اللّذّة على تلك اللّذّات.

فيقع الاشكال في انّ هذا السّنخ من العذاب و العقاب لا يناسب العمل الموقّت زماناً بل لا يناسب الاعمال الكثيرة فضلًا عن الاعمال اليسيرة الموقتة.

ولكنّ القرآن في آيات كثيرة - مضى ذكر بعضها - أجاب عن الاشكال. و اهل البيت عليهم السلام الّذين فسّروا القرآن و بيّنوه قد أجابوا عن هذا الاشكال، و قد مضى ذكر بعض تلك الرّوايات المتواترة معناً.

و خلاصة الجواب: انّ تلك النّعم لأهل الجنّة و تلك النّقم لأهل النّار ليست إلّا اعمالهم الّتي ردّت اليهم. فمن وضع في هذه الدّنيا على عنقه أغلال اللّجاج و العصبيّة


1) . الواقعة، 15-23.

2) . المؤمنون، 108.

3) . الفجر، 27-28.

و الكبر فعاش وفق تلك الاغلال، كما قال - تعالى! - (إِنّٰا جَعَلْنٰا فِي أَعْنٰاقِهِمْ أَغْلاٰلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقٰانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لاٰ يُبْصِرُونَ * وَ سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ‌).(1)

تتحوّل تلك الاغلال إلى الاغلال الّتي اشار - تعالى! - اليها بقوله: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ اَلْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ‌).(2)

كما و قد أجاب التنزيل المبارك عن هذا الاشكال في آيات الخلود غير مرّة.

قال - تعالى! -: (وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ كُلَّمٰا رُزِقُوا مِنْهٰا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قٰالُوا هٰذَا اَلَّذِي رُزِقْنٰا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشٰابِهاً وَ لَهُمْ فِيهٰا أَزْوٰاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ‌).(3)

و قال - تعالى! -: (بَلىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحٰاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ‌).(4)

قال - تعالى! -: (لَبِئْسَ مٰا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي اَلْعَذٰابِ هُمْ خٰالِدُونَ‌).(5)

و نظير هذه الآيات كثير. و ملخّص القول انّ جواب هذا الاشكال ذكر صراحة في هاتين الآيتين.


1) . يس، 8-10.

2) . الحاقّة، 30-32.

3) . البقرة، 25.

4) . البقرة، 81.

5) . مائدة، 80.

قال - تعالى! -: (كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمٰا أَسْلَفْتُمْ فِي اَلْأَيّٰامِ اَلْخٰالِيَةِ‌).(1)

و قال - تعالى! -: (وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسٰانُ وَ أَنّٰى لَهُ اَلذِّكْرىٰ * يَقُولُ يٰا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيٰاتِي).(2)

و من يتدّبر في تلك الآيات يظهر له جواب الاشكال و لكّن ايضاحها ببيانٍ خال عن مصطلحات القوم ربّما لا يخلو من فائدة و لقد انشأ الرومى في المثنوي لهذا المقال اشعاراً كثيرة، لابأس بأن نأتي ببعضها:

اى دريده پوستين يوسفان *** گرگ برخيزى از اين خواب گران

گشت گرگان يك بيك خوهاى تو *** مى‌درانند از غضب اعضاى تو(3)

زآنچه مى‌بافي همه روزه بپوش *** زآنچه مى‌كارى همه روزه بنوش

فعل تو است اين غصّه‌هاى دم به دم *** اين بود معناى قد جفّ القلم

كه نگردد سنت ما از رشد *** نيك را نيكى بود بد راست بد

كار كن هين تا سليمان زنده است *** تا تو ديوى تيغ او برنده است(4)

گر ز خارى خسته‌اى خود كشته‌اى *** ور حرير و قز درى خود رشته‌اى

چون ز دستت زخم بر مظلوم رست *** آن درختى گشت از آن زقوم رست

چون ز خشم آتش تو در دلها زدى *** مايه نار جهنّم آمدى


1) . الحاقّة، 24.

2) . الفجر، 23-24.

3) . راجع: مثنوى، دفتر 3.

4) . راجع: مثنوى، دفتر 5.

آتشت اينجا چو آدم سوز بود *** آنچه از دى زاد مرد افروز بود

آتش تو قصد مردم مى‌كند *** نار كز وى زاد بر تو مى‌زند

آن سخنهاى چو مار و كژدمت *** مار و كژدم گردد و گيرد دُمت(1)

هذا كلّه في التّجسّم بالمعنى الاوّل، و امّا التّجسّم بالمعنى الثّاني الّذي يقال له في العرف المكافأة و الجزاء فقد قال فيه و للّة درّه:

چو بد كرى مشو ايمن ز آفات *** كه واجب شد طبيعت را مكافات

و عند المحققين يُعبّر عنه بالآثار القهريّة و للَّه درّ من أنشد:

اين جهان كوه است و فعل ما ندا *** سوى ما آيد نداها را صدا

و عند أهل القلوب يسمّى بالتّجسّم كما عبّرنا عنه سابقاً على هو ظاهر الآيات و الرّوايات فمنها:

قال - تعالى! -: (ذٰلِكَ بِأَنَّ اَللّٰهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهٰا عَلىٰ قَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ وَ أَنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‌).(2)

قال - تعالى! -: (فَلَمّٰا أَنْجٰاهُمْ إِذٰا هُمْ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنَّمٰا بَغْيُكُمْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ مَتٰاعَ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا ثُمَّ إِلَيْنٰا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‌).(3)

قال - تعالى! -: (وَ لاٰ يَزٰالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمٰا صَنَعُوا قٰارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دٰارِهِمْ حَتّٰى يَأْتِيَ وَعْدُ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُخْلِفُ اَلْمِيعٰادَ).(4)


1) . مثنوي، دفتر 3.

2) . الانفال، 53.

3) . يونس، 23.

4) . الرّعد، 31.

قال - تعالى! -: (وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ).(1)

قال - تعالى! -: (فَأَصٰابَهُمْ سَيِّئٰاتُ مٰا عَمِلُوا وَ حٰاقَ بِهِمْ مٰا كٰانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‌).(2)

قال - تعالى! -: (وَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهٰا رِزْقُهٰا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللّٰهِ فَأَذٰاقَهَا اَللّٰهُ لِبٰاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِمٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَ‌).(3)

قال - تعالى! -: (وَ إِذٰا أَرَدْنٰا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنٰا مُتْرَفِيهٰا فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْنٰاهٰا تَدْمِيراً).(4)

قال - تعالى! -: (قُلْ سِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ اَلْمُجْرِمِينَ‌).(5)

قال - تعالى! -: (فَكُلاًّ أَخَذْنٰا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنٰا عَلَيْهِ حٰاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ اَلصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنٰا بِهِ اَلْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنٰا وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‌).(6)

قال - تعالى! -: (ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‌).(7)


1) . ابراهيم، 7.

2) . النّحل، 34.

3) . النّحل، 112.

4) . الاسراء، 16.

5) . الّنمل، 69.

6) . العنكبوت، 40.

7) . الرّوم، 41.

قال - تعالى! -: (وَ لَوْ يُؤٰاخِذُ اَللّٰهُ اَلنّٰاسَ بِمٰا كَسَبُوا مٰا تَرَكَ عَلىٰ ظَهْرِهٰا مِنْ دَابَّةٍ وَ لٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذٰا جٰاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ بِعِبٰادِهِ بَصِيراً).(1)

قال - تعالى! -: (فَأَصٰابَهُمْ سَيِّئٰاتُ مٰا كَسَبُوا وَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هٰؤُلاٰءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئٰاتُ مٰا كَسَبُوا وَ مٰا هُمْ بِمُعْجِزِينَ‌).(2)

قال - تعالى! -: (وَ مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ).(3)

قال - تعالى! -: (وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعٰافاً خٰافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللّٰهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً).(4)

قال - تعالى! -: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنٰاهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ‌).(5)

قال - تعالى! -: (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(6)

قال - تعالى! -: (وَ أَمَّا اَلْجِدٰارُ فَكٰانَ لِغُلاٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ وَ كٰانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمٰا وَ كٰانَ أَبُوهُمٰا صٰالِحاً فَأَرٰادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغٰا أَشُدَّهُمٰا وَ يَسْتَخْرِجٰا كَنزَهُمٰا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ


1) . فاطر، 45.

2) . الزّمر، 51.

3) . الشّورى، 30.

4) . النّساء، 9.

5) . الاعراف، 96.

6) . النّحل، 97.

مٰا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذٰلِكَ تَأْوِيلُ مٰا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً).(1)

قال - تعالى! -: (فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ وَ وَهَبْنٰا لَهُ يَحْيىٰ وَ أَصْلَحْنٰا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كٰانُوا يُسٰارِعُونَ فِي اَلْخَيْرٰاتِ وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً وَ كٰانُوا لَنٰا خٰاشِعِينَ‌).(2)

قال - تعالى! -: (وَ جَعَلَهٰا كَلِمَةً بٰاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‌).(3)

قال - تعالى! -: (فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كٰانَ غَفّٰاراً * يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرٰاراً * وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنّٰاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهٰاراً).(4)

عن الإمامين أبي‌جعفر و أبي عبداللَّه عليهم السلام قالا: «يُحْفَظُ الْأَطْفَالُ بِصَلَاحِ آبَائِهِمْ كَمَا حَفِظَ اللَّهُ الْغُلَامَيْنِ بِصَلَاحِ أَبَوَيْهِمَا».(5)

عن الإمام أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنَّ اللَّه يحفظ ولد المؤمن لأبيه إلى ألف سنة، و إن الغلامين كان بينهما و بين أبويهما سبعمائة سنة».(6)

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ سَنَةٍ أَقَلَّ مَطَرًا مِنْ سَنَةٍ وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ إِذَا عَمِلَ قَوْمٌ بِالْمَعَاصِي صَرَفَ عَنْهُمْ مَا كَانَ قَدَّرَ لَهُمْ مِنَ الْمَطَرِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ وَ إِلَى الْفَيَافِي وَ الْبِحَارِ وَ الْجِبَالِ وَ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْجُعَلَ فِي جُحْرِهَا بِحَبْسِ الْمَطَرِ عَنِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ بِمَحَلَّتِهَا لِخَطَايَا مَنْ‌


1) . الكهف، 82.

2) . الانبياء، 90.

3) . الزّخرف، 28.

4) . نوح، 10-12.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 236.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 236.

بِحَضْرَتِهَا وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا السَّبِيلَ إِلَى مَسْلَكٍ سِوَى مَحَلَّةِ أَهْلِ الْمَعَاصِي قَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ثُمَّ قَالَ وَجَدْنَا فِي كِتَابِ عَلِيٍّ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا ظَهَرَ الزِّنَاءُ كَثُرَ مَوْتُ الْفَجْأَةِ وَ إِذَا طُفِّفَ الْمِكْيَالُ أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ وَ النَّقْصِ وَ إِذَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ مَنَعَتِ الْأَرْضُ بَرَكَاتِهَا مِنَ الزَّرْعِ وَ الثِّمَارِ وَ الْمَعَادِنِ كُلِّهَا وَ إِذَا جَارُوا فِي الْأَحْكَامِ تَعَاوَنُوا عَلَى الظُّلْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ إِذَا نَقَضُوا الْعُهُودَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ وَ إِذَا قَطَعُوا الْأَرْحَامَ جُعِلَتِ الْأَمْوَالُ فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ وَ إِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ وَ لَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ وَ لَمْ يَتَّبِعُوا الْأَخْيَارَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ فَيَدْعُو عِنْدَ ذَلِكَ خِيَارُهُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ‌».(1)

عن الإمام أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «الذُّنُوبُ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ الْبَغْيُ وَ الذُّنُوبُ الَّتِي تُورِثُ النَّدَمَ الْقَتْلُ وَ الَّتِي تُنْزِلُ النِّقَمَ الظُّلْمُ وَ الَّتِي تَهْتِكُ السِّتْرَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَ الَّتِي تَحْبِسُ الرِّزْقَ الزِّنَا وَ الَّتِي تُعَجِّلُ الْفَنَاءَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَ الَّتِي تَرُدُّ الدُّعَاءَ وَ تُظْلِمُ الْهَوَاءَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ‌».(2)

عن النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه قال: «اتَّقُوا الذُّنُوبَ فَإِنَّهَا مَمْحَقَةٌ لِلْخَيْرَاتِ إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَنْسَى بِهِ الْعِلْمَ الَّذِي كَانَ قَدْ عَلِمَهُ وَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُمْنَعُ بِهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمُ بِهِ الرِّزْقَ وَ قَدْ كَانَ هَنِيئاً لَهُ ثُمَّ تَلَا إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّة».(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 372.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 374.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 41.

قال الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّمَا وُضِعَتِ الزَّكَاةُ اخْتِبَارًا لِلْأَغْنِيَاءِ وَ مَعُونَةً لِلْفُقَرَاءِ وَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَدَّوْا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ مَا بَقِيَ مُسْلِمٌ فَقِيرًا مُحْتَاجاً وَ لَاسْتَغْنَى بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ وَ إِنَّ النَّاسَ مَا افْتَقَرُوا وَ لَا احْتَاجُوا وَ لَا جَاعُوا وَ لَا عَرُوا إِلَّا بِذُنُوبِ الْأَغْنِيَاءِ وَ حَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَمْنَعَ رَحْمَتَهُ مَنْ مَنَعَ حَقَّ اللَّهِ فِي مَالِهِ وَ أُقْسِمُ بِالَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ وَ بَسَطَ الرِّزْقَ أَنَّهُ مَا ضَاعَ مَالٌ فِي بَرٍّ وَ لَا بَحْرٍ إِلَّا بِتَرْكِ الزَّكَاةِ وَ مَا صِيدَ صَيْدٌ فِي بَرٍّ وَ لَا بَحْرٍ إِلَّا بِتَرْكِهِ التَّسْبِيحَ فِي ذَلِكَ الْيَوْم».(1)

و عنه عليه السلام أيضًا انّه قال: «قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍلَيْسَ مِنِ الْتِوَاءِ عِرْقٍ وَ لَا نَكْبَةِ حَجَرٍوَ لَا عَثْرَةِ قَدَمٍ وَ لَا خَدْشِ عُودٍ إِلَّا بِذَنْبٍ وَ لَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ فَمَنْ عَجَّلَ اللَّهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَجَلُّ وَ أَكْرَمُ وَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي عُقُوبَتِهِ فِي الآْخِرَةِ‌».(2)

و عنه عليه السلام أيضاً قال: «مَنْ ظَلَمَ مَظْلِمَةً أُخِذَ بِهَا فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وُلْدِهِ‌».(3)

عن سماعة قال: سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَسَلَبَهَا إِيَّاهُ حَتَّى يُذْنِبَ ذَنْباً يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ السَّلْبَ‌».(4)


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 6، ص 410.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 445.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 332.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 339.

عن العباس بن هلال الشامي قال سمعت الرضا عليه السلام يقول: «كُلَّمَا أَحْدَثَ الْعِبَادُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ‌».(1)

عن علي عليه السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «إِذَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى أُمَّةٍ وَ لَمْ يُنْزِلْ بِهَا الْعَذَابَ غَلَتْ أَسْعَارُهَا وَ قَصُرَتْ أَعْمَارُهَا وَ لَمْ تَرْبَحْ تُجَّارُهَا وَ لَمْ تَزْكُ ثِمَارُهَا وَ لَمْ تَغْزُرْ أَنْهَارُهَا وَ حُبِسَ عَنْهَا أَمْطَارُهَا وَ سُلِّطَ عَلَيْهَا شِرَارُهَا».(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «وَ أيْمُ اللَّهِ مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلَّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وَ تَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ وَ وَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ وَ أَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ».(3)

عن الإمام أبي الحسن الرّضا عليه السلام قال: «ظَهَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَحْطٌ شَدِيدٌ سِنِينَ مُتَوَاتِرَةً وَ كَانَ عِنْدَ امْرَأَةٍ لُقْمَةٌ مِنْ خُبْزٍ فَوَضَعَتْهَا فِي فِيهَا لِتَأْكُلَ فَنَادَى السَّائِلُ يَا أَمَةَ اللَّهِ الْجُوعُ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ أَتَصَدَّقُ فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ فَأَخْرَجَتْهَا مِنْ فِيهَا فَدَفَعَتْهَا إِلَى السَّائِلِ وَ كَانَ لَهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ يَحْطِبُ فِي الصَّحْرَاءِ فَجَاءَ الذِّئْبُ فَاحْتَمَلَهُ فَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ فَعَدَتِ الْأُمُّ فِي أَثَرِ الذِّئْبِ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى جَبْرَئِيلَ ع فَأَخْرَجَ الْغُلَامَ مِنْ فَمِ الذِّئْبِ فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ لَهَا جَبْرَئِيلُ ع يَا أَمَةَ اللَّهِ أَ رَضِيتِ لُقْمَةً بِلُقْمَةٍ‌».(4)

قال سيّدنا الأستاذ العلامة الطباطبائى «رحمه اللَّه»: «و من احكام الاعمال: انّ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 343.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 350.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 364.

4) . راجع: ثواب الأعمال، ص 168.

بينها و بين الحوادث الخارجيّة ارتباطاً. و نعنى بالاعمال الحسنات و السّيئات الّتي هي عناوين الحركات الخارجيّة دون الحركات و السكنات الّتي هي آثار الاجسام الطبيعية. فقد قال - تعالى! -: (وَ مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ).(1)

و قال - تعالى! -: (ذٰلِكَ بِأَنَّ اَللّٰهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهٰا عَلىٰ قَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ‌).(2)و قال - تعالى! -: (ذٰلِكَ بِأَنَّ اَللّٰهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهٰا عَلىٰ قَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ‌)(3)و الآيات ظاهرة في ان بين الاعمال و الحوادث ارتباطاً ما شرّ او خيراً».

و يجمع جملة الامر آيتان من كتاب اللَّه - تعالىٰ‌! - و هما قوله - تعالى! -: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنٰاهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ‌)(4)و قوله - تعالى! -: (ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‌).(5)

فالحوادث الكونيّة تتبع الاعمال بعض التبعية، فجرى النوع الانساني على طاعة اللَّه - سبحانه! - و سلوكه الطريق الّذي يرتضيه يستتبع نزول الخيرات، و انفتاح ابواب البركات و انحراف هذا النوع عن صراط العبوديّة و تماريه في الغي و


1) . الشورى، 30.

2) . الرّعد، 11.

3) . الانفال، 53.

4) . الاعراف، 96.

5) . الرّوم، 41.

الضلالة و فساد النيات و شناعة الاعمال يوجب ظهور الفساد في البر و البحر و هلاك للامم يفشو الظلم و ارتفاع الامن و بروز الحروب و سائر الشرور الرجعة إلى الإنسان و اعماله و كذا ظهور المصائب والحوادث المبيدة الكونيّة كالسيل و الزلزلة و الصاعقة و الطوفان و غير ذلك، و قد عدّ اللَّه - سبحانه! - سيل العرم و طوفان نوح و صاعقة ثمود و صرصر عاد من هذا القبيل».(1)

الفائدة الثّانية: نشوء الأعمال كلّها من الملكات و الهويّات

لا اشكال في انّ منشأ الاعمال من الافعال و الاقوال و حتّى الافكار هو الهويّات و الملكات، قال - تعالى! -: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ‌).(2)

فالشّجاع لا يخاف عن ان يقول الحقّ و يفعل الحقّ فكثيراً ما تنشأ اقواله و افعاله و افكاره عن تلك الملكة من غير التفاتٍ منه إليها. كما انّ الجبان يخاف عن كلّ شيء فضلًا عن القيام قِبَل العدوّ و التقوّل بالحق و الاتيان به، فجميع ما يصدر منه يحفّ بالخوف و الجبن.

كما انّ المتهوّر غالب اقواله و افعاله و افكاره يوقعه في المخاطرة من غير داع عقلائيّ‌. و قس عليه سائر الملكات سيّما الملكات الرّاسخة في النّفس.

فكانّ الإنسان لا يقدر أن يتطرّق ما يخالف ملكاته بل يسير طبقاً لها من غير توجّه، و الذّهاب بخلافها يحتاج إلى مؤنة شديدة.


1) . الميزان، ج 2 ص 180.

2) . الاسراء، 84.

فاجود اللذّات للسّخي ان ينفق ماله ليسرّ الاخرين، كما انّ اشدّ الأمورللبخيل ان يؤدّي زكوة ماله مع علمه بانّ المال للَّه تعالى، قال - تعالى! -: (وَ آتُوهُمْ مِنْ مٰالِ اَللّٰهِ اَلَّذِي آتٰاكُمْ‌).(1)بل مع علمه بقوله - تعالى! -: (وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمىٰ عَلَيْهٰا فِي نٰارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هٰذٰا مٰا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مٰا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ‌).(2)لكنه يكنز و يعدّ ماله بل لا يؤتي حتّى حقوقه الواجبة عليه.

اَلا ترى انّ القرآن يشير إلى بعض الناس قائلاً: (وَ إِذْ قٰالُوا اَللّٰهُمَّ إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ اَلسَّمٰاءِ أَوِ اِئْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ‌).(3)و إلى بعض اخرين: (وَ إِذٰا سَمِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَى اَلرَّسُولِ تَرىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ مِمّٰا عَرَفُوا مِنَ اَلْحَقِّ‌).(4)

فهذا لسان سليمي الصدور و هو لسان حال من رسخ فيه اللّجاج و العصبيّة، و قد مضى شطر من هذا المقال.

فلذا اشتهر انّ العصمة من مراتب الايمان و المعرفة، و للذكر الحكيم لسان واضح على انّ الايمان لورسخ في القلب فاوّل مراتبه و هو علم اليقين يمنع عن ارتكاب الذّنوب فضلًا عن مراتبه الاُخر - أعنى: عين اليقين، و حقّ اليقين -.


1) . النور، 33.

2) . التّوبة، 34-35.

3) . الانفال، 32.

4) . المائدة، 83.

قال - تعالى! -: (بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ * أَلْهٰاكُمُ اَلتَّكٰاثُرُ * حَتّٰى زُرْتُمُ اَلْمَقٰابِرَ * كَلاّٰ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّٰ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاّٰ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهٰا عَيْنَ اَلْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اَلنَّعِيمِ‌).(1)

و قال: (قٰالَتِ اَلْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ اَلْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ‌).(2)

و معنى الآية الشّريفة - و اللّه أعلم -: انّ الاعراب لم يدخل الايمان في قلوبهم فما صار لهم ملكة و إلّالم يخالفوا الرّسول.

و بالجملة انّ الفضائل لو صارت ملكة لصاحبه، فهو يقول و يفعل خيراً و يلتذّ به حتّى يصدر عنه الخيرات من غير التفاته إليها.

كما انّ الرّذائل لو صارت ملكة فصاحبها يلتذّ بصدورها عنه من غير أن يلتف اليها.

و قد مرّت الآيات الدّالّة على انّه ينكر الحقائق يوم القيامة مع كونها له من باب حقّ اليقين.

قال - تعالى! -: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللّٰهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمٰا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ أَلاٰ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكٰاذِبُونَ‌).(3)

فلو لم تكن فائدة لعلم الأخلاق و تهذيب النّفس و تزكيتها و للتّخلّق باخلاق


1) . التّكاثر سورة 104.

2) . الحجرات، 14.

3) . المجادلة، 18.

اللَّه و للعمل و القيام بالاخلاقيّات إلّاما أشرنا إليه ليكفى لالتزامنا اتصافاً و عملاً بالتّهذيب و بالتّخلّق بالفضائل و العمل بها و الاجتناب عن رّذائل الاخلاقيّات.

الفائدة الثّالثة: توقف العلم المفيد على الفضائل

اشارة

انّ العلم شريف في الغاية بدلالة العقل و الشرع.

قال - تعالى! -: (هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ‌).(1)

و قال - تعالى! -: (هَلْ يَسْتَوِي اَلْأَعْمىٰ وَ اَلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي اَلظُّلُمٰاتُ وَ اَلنُّورُ).(2)

و قال - تعالى! -: (أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاٰ يَهِدِّي إِلاّٰ أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‌).(3)

و الشريعة البيضاء طبقاً للعقل ذكرت مقام العلم و العلماء في مستوى لا أعلى منه، فانّها:

الف - ذكرت العلم كالعلّة الغائيّة للتّكوين و التّشريع.

قال - تعالى! -: (اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ


1) . الزّمر، 9.

2) . الرّعد، 16.

3) . يونس، 35.

بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اَللّٰهَ قَدْ أَحٰاطَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عِلْماً).(1)

و قال - تعالى! -: (هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ‌).(2)

ب - ذكرت آدم عليه السلام كخليفةٍ للَّه - تعالىٰ‌! - و مسجوداً للملائكة لكونه مظهر الاسماء و الصّفات، قال - تعالى! -: (وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا).(3)

ج - جعلت الزّعامة و الحكومة خاصّةً بالعالم.

قال - تعالى! -: (إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ‌).(4)

د - جعلت قيمة الارض و ثقلها بالعالم كما جعلتْها ناقصة و بلا قيمة من موت العالم.

قال - تعالى! -: (أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهٰا مِنْ أَطْرٰافِهٰا).(5)

عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهم السلام يقول: «.... أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَ هُوَ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ‌».(6)

ه‍ - اطلق اللَّه على القرية لفظة المدينة بوجود العالم فيه، فوجود العالِم هو الفارق بين القرية و المدينة.


1) . الطلاق، 12.

2) . الجمعة، 2.

3) . البقرة، 31.

4) . البقرة، 247.

5) . الرّعد، 41.

6) . راجع: الكافي، ج 1 ص 38.

قال - تعالى! -: (وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحٰابَ اَلْقَرْيَةِ إِذْ جٰاءَهَا اَلْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنٰا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمٰا فَعَزَّزْنٰا بِثٰالِثٍ فَقٰالُوا إِنّٰا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قٰالُوا مٰا أَنْتُمْ إِلاّٰ بَشَرٌ مِثْلُنٰا وَ مٰا أَنْزَلَ اَلرَّحْمٰنُ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّٰ تَكْذِبُونَ * قٰالُوا رَبُّنٰا يَعْلَمُ إِنّٰا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَ مٰا عَلَيْنٰا إِلاَّ اَلْبَلاٰغُ اَلْمُبِينُ‌).(1)

أ لاترى انّه - تعالىٰ‌! - اطلق على القرية الانطاكيّة المدينة بمجرّد ذهاب المرسلين اليها فقال: (وَ جٰاءَ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعىٰ‌).

و - جعل اهتداء نفس واحدة مثل احياء النّاس كلّهم و اضلال فرد مثل قتل النّاس كلّهم.

قال اللَّه - تعالى! -: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي اَلْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ اَلنّٰاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا اَلنّٰاسَ جَمِيعاً).(2)

ففي الكافي، عن سماعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: قلت له: «قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً قَالَ مَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ ضَلَالٍ إِلَى هُدًى فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا وَ مَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ هُدًى إِلَى ضَلَالٍ فَقَدْ قَتَلَهَا».(3)

هذه نبذة من الآيات و امّا الرّوايات الدالة على المقصود فهى كثيرة جدّاً و نحن نذكر بعضها، فمنها:


1) . يس، 20-13.

2) . المائدة، 32.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 210.

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «الْمُؤْمِنُ إِذَا مَاتَ وَ تَرَكَ وَرَقَةً وَاحِدَةً عَلَيْهَا عِلْمٌ تَكُونُ تِلْكَ الْوَرَقَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِتْرًا فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ النَّارِ وَ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِكُلِّ حَرْفٍ مَكْتُوبٍ عَلَيْهَا مَدِينَةً أَوْسَعَ مِنَ الدُّنْيَا سَبْعَ مَرَّاتٍ وَ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَقْعُدُ سَاعَةً عِنْدَ الْعَالِمِ إِلَّا نَادَاهُ رَبُّهُ عَزَّ وَ جَلَّ جَلَسْتَ إِلَى حَبِيبِي وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأَسْكَنْتُكَ الْجَنَّةَ مَعَهُ وَ لا أُبَالِي».(1)

قال صلى الله عليه و آله: «يَا عَلِيُّ نَوْمُ الْعَالِمِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ يُصَلِّيهَا الْعَابِدُ يَا عَلِيُّ لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ وَ لَا عِبَادَةَ مِثْلُ التَّفَكُّرِ».(2)

عن أبي عبداللَّه الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَ وُضِعَتِ الْمَوَازِينُ فَتُوزَنُ دِمَاءُ الشُّهَدَاءِ مَعَ مِدَادِ الْعُلَمَاءِ فَيَرْجَحُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ‌».(3)

عن الصادق عن أبيه عن ابائه عليهم السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِهِ وَ إِنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ وَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَ لَا دِرْهَماً وَ لَكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».(4)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 198.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 22.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 14.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 164.

«خَرَجَ ص فَإِذَا فِي الْمَسْجِدِ مَجْلِسَانِ مَجْلِسٌ يَتَفَقَّهُونَ وَ مَجْلِسٌ يَدْعُونَ اللَّهَ وَ يَسْأَلُونَهُ فَقَالَ كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ إِلَى خَيْرٍ أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَ أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ وَ يُفَقِّهُونَ الْجَاهِلَ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ بِالتَّعْلِيمِ أُرْسِلْتُ ثُمَ قَعَدَ مَعَهُمْ‌».(1)

قال ابو محمّد الحسن العسكري عليه السلام: «إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع بِرَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُ أَبِيهِ فَاعْتَرَفَ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ وَ سَأَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ لِيُعْظِمَ اللَّهُ ثَوَابَهُ فَكَأَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَطِبْ بِذَلِكَ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع لِلْمُدَّعِي لِلدَّمِ الْوَلِيِّ الْمُسْتَحِقِّ لِلْقِصَاصِ إِنْ كُنْتَ تَذْكُرُ لِهَذَا الرَّجُلِ عَلَيْكَ فَضْلًا فَهَبْ لَهُ هَذِهِ الْجِنَايَةَ وَ اغْفِرْ لَهُ هَذَا الذَّنْبَ قَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ وَ لَكِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَنْ أَعْفُوَ عَنْ قَتْلِ وَالِدِي قَالَ فَتُرِيدُ مَا ذَا قَالَ أُرِيدُ الْقَوَدَ فَإِنْ أَرَادَ لِحَقِّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَالِحَهُ عَلَى الدِّيَةِ صَالَحْتُهُ وَ عَفَوْتُ عَنْهُ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع فَمَا ذَا حَقُّهُ عَلَيْكَ قَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَقَّنَنِي تَوْحِيدَ اللَّهِ وَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ إِمَامَةَ عَلِيٍّ وَ الْأَئِمَّةِ ع فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع فَهَذَا لَا يَفِي بِدَمِ أَبِيكَ بَلَى وَ اللَّهِ هَذَا يَفِي بِدِمَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الآْخِرِينَ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَئِمَّةِ ع إِنْ قُتِلُوا فَإِنَّهُ لَا يَفِي بِدِمَائِهِمْ شَيْ‌ءٌ أَنْ يُقْنَعَ مِنْهُ بِالدِّيَةِ قَالَ بَلَى قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ لِلْقَاتِلِ أَ فَتَجْعَلُ لِي ثَوَابَ تَلْقِينِكَ لَهُ حَتَّى أَبْذُلَ لَكَ الدِّيَةَ فَتَنْجُوَ بِهَا مِنَ الْقَتْلِ قَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَنَا مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا وَ أَنْتَ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا فَإِنَ ذُنُوبِي عَظِيمَةٌ وَ ذَنْبِي إِلَى هَذَا الْمَقْتُولِ أَيْضاً بَيْنِي وَ بَيْنَهُ لَا بَيْنِي وَ بَيْنَ وَلِيِّهِ هَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع فَتَسْتَسْلِمُ لِلْقَتْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ نُزُولِكَ عَنْ هَذَا التَّلْقِينِ قَالَ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ يَا عَبْدَ اللَّهِ قَابِلْ بَيْنَ ذَنْبِ هَذَا


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 206.

إِلَيْكَ وَ بَيْنَ تَطَوُّلِهِ عَلَيْكَ قَتَلَ أَبَاكَ حَرَمَهُ لَذَّةَ الدُّنْيَا وَ حَرَمَكَ التَّمَتُّعَ بِهِ فِيهَا عَلَى أَنَّكَ إِنْ صَبَرْتَ وَ سَلَّمْتَ فَرَفِيقُكَ أَبُوكَ فِي الْجِنَانِ وَ لَقَّنَكَ الْإِيمَانَ فَأَوْجَبَ لَكَ بِهِ جَنَّةَ اللَّهِ الدَّائِمَةَ وَ أَنْقَذَكَ مِنْ عَذَابِهِ الدَّائِمِ فَإِحْسَانُهُ إِلَيْكَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ جَزَاءً عَلَى إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ لِأُحَدِّثَكُمَا بِحَدِيثٍ مِنْ فَضْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا وَ إِمَّا أَنْ تَأْبَى أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ حَتَّى أَبْذُلَ لَكَ الدِّيَةَ لِتُصَالِحَهُ عَلَيْهَا ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِالْحَدِيثِ دُونَكَ فَلَمَا يَفُوتُكَ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا لَوِ اعْتَبَرْتَ بِهِ فَقَالَ الْفَتَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ بِلَا دِيَةٍ وَ لَا شَيْ‌ءٍ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ لِمَسْأَلَتِكَ فِي أَمْرِهِ فَحَدِّثْنَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ بِالْحَدِيث قَالَ عَلِيُّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَمَّا بُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَ نَذِيرًا إِلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ مُعْجِزَاتِهِ ص. وَ قَدِ اخْتَصَمَ إِلَيْهَا امْرَأَتَانِ فَتَنَازَعَتَا فِي شَيْ‌ءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ إِحْدَاهُمَا مُعَانِدَةٌ وَ الْأُخْرَى مُؤْمِنَةٌ فَفَتَحَتْ عَلَى الْمُؤْمِنَةِ حُجَّتَهَا فَاسْتَظْهَرَتْ عَلَى الْمُعَانِدَةِ فَفَرِحَتْ فَرَحاً شَدِيدًا فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ع إِنَّ فَرَحَ الْمَلَائِكَةِ بِاسْتِظْهَارِكِ عَلَيْهَا أَشَدُّ مِنْ فَرَحِكِ وَ إِنَّ حُزْنَ الشَّيْطَانِ وَ مَرَدَتِهِ بِحُزْنِهَا أَشَدُّ مِنْ حُزْنِهَا وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ أَوْجِبُوا لِفَاطِمَةَ بِمَا فَتَحَتْ عَلَى هَذِهِ الْمِسْكِينَةِ الْأَسِيرَةِ مِنَ الْجِنَانِ أَلْفَ أَلْفِ ضِعْفٍ مِمَّا كُنْتُ أَعْدَدْتُ لَهَا وَ اجْعَلُوا هَذِهِ سُنَّةً فِي كُلِّ مَنْ يَفْتَحُ عَلَى أَسِيرٍ مِسْكِينٍ فَيَغْلِبُ مُعَانِدًا مِثْلَ أَلْفِ أَلْفِ مَا كَانَ مُعَدًّا لَهُ مِنَ الْجِنَانِ‌».(1)

قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع وَ قَدْ حَمَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ هَدِيَّةً فَقَالَ لَهُ‌: «أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ بَدَلَهَا عِشْرِينَ ضِعْفاً عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَفْتَحَ لَكَ بَاباً مِنَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 12.

الْعِلْمِ تَقْهَرُ فُلَانَ النَّاصِبِيِّ فِي قَرْيَتِكَ تُنْقِذُ بِهِ ضُعَفَاءَ أَهْلِ قَرْيَتِكَ إِنْ أَحْسَنْتَ الِاخْتِيَارَ جَمَعْتُ لَكَ الْأَمْرَيْنِ وَ إِنْ أَسَأْتَ الِاخْتِيَارَ خَيَّرْتُكَ لِتَأْخُذَ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَثَوَابِي فِي قَهْرِي ذَلِكَ النَّاصِبَ وَ اسْتِنْقَاذِي لِأُولَئِكَ الضُّعَفَاءِ مِنْ يَدِهِ قَدْرُهُ عِشْرُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ بَلْ أَكْثَرُ مِنَ الدُّنْيَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَكَيْفَ أَخْتَارُ الْأَدْوَنَ بَلْ أَخْتَارُ الْأَفْضَلَ الْكَلِمَةَ الَّتِي أَقْهَرُ بِهَا عَدُوَّ اللَّهِ وَ أَذُودُهُ عَنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ع قَدْ أَحْسَنْتَ الِاخْتِيَارَ وَ عَلَّمَهُ الْكَلِمَةَ وَ أَعْطَاهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَذَهَبَ فَأَفْحَمَ الرَّجُلَ فَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ إِذْ حَضَرَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا رَبِحَ أَحَدٌ مِثْلَ رِبْحِكَ وَ لَا اكْتَسَبَ أَحَدٌ مِنَ الْأَوِدَّاءِ مَا اكْتَسَبْتَ‌، اكْتَسَبْتَ مَوَدَّةَ اللَّهِ أَوَّلًا وَ مَوَدَّةَ مُحَمَّدٍ ص وَ عَلِيٍّ ثَانِياً وَ مَوَدَّةَ الطَّيِّبِينَ مِنْ آلِهِمَا ثَالِثاً وَ مَوَدَّةَ مَلَائِكَةِ اللَّهِ رَابِعاً وَ مَوَدَّةَ إِخْوَانِكَ الْمُؤْمِنِينَ خَامِساً فَاكْتَسَبْتَ بِعَدَدِ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ كَافِرٍ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا أَلْفَ مَرَّةٍ فَهَنِيئًا لَكَ هَنِيئًا».(1)

قال ابو محمّد العسكري عليه السلام: «حَضَرَتِ امْرَأَةٌ عِنْدَ الصِّدِّيقَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ ع فَقَالَتْ إِنَّ لِي وَالِدَةً ضَعِيفَةً وَ قَدْ لُبِسَ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ صَلَاتِهَا شَيْ‌ءٌ وَ قَدْ بَعَثَتْنِي إِلَيْكِ أَسْأَلُكِ فَأَجَابَتْهَا فَاطِمَةُ ع عَنْ ذَلِكَ فَثَنَّتْ فَأَجَابَتْ ثُمَّ ثَلَّثَتْ إِلَى أَنْ عَشَّرَتْ فَأَجَابَتْ ثُمَّ خَجِلَتْ مِنَ الْكَثْرَةِ فَقَالَتْ لَا أَشُقُّ عَلَيْكِ يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَتْ فَاطِمَةُ هَاتِي وَ سَلِي عَمَّا بَدَا لَكِ أَ رَأَيْتِ مَنِ اكْتُرِيَ يَوْماً يَصْعَدُ إِلَى سَطْحٍ بِحِمْلٍ ثَقِيلٍ وَ كِرَاهُ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ يَثْقُلُ عَلَيْهِ فَقَالَتْ لَا فَقَالَتْ اكْتُرِيتُ أَنَا لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ بِأَكْثَرَ مِنْ مِلْ‌ءِ مَا بَيْنَ الثَّرَى إِلَى الْعَرْشِ لُؤْلُؤًا فَأَحْرَى أَنْ لَا يَثْقُلَ عَلَيَّ سَمِعْتُ أَبِي ص يَقُولُ إِنَّ عُلَمَاءَ شِيعَتِنَا يُحْشَرُونَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 8.

فَيُخْلَعُ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَعِ الْكَرَامَاتِ عَلَى قَدْرِ كَثْرَةِ عُلُومِهِمْ وَ جِدِّهِمْ فِي إِرْشَادِ عِبَادِ اللَّهِ حَتَّى يُخْلَعُ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَلْفُ أَلْفِ حُلَّةٍ مِنْ نُورٍ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادِي رَبِّنَا عَزَّ وَ جَلَّ أَيُّهَا الْكَافِلُونَ لِأَيْتَامِ آلِ مُحَمَّدٍ ص النَّاعِشُونَ لَهُمْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِمْ عَنْ آبَائِهِمُ الَّذِينَ هُمْ أَئِمَّتُهُمْ هَؤُلَاءِ تَلَامِذَتُكُمْ وَ الْأَيْتَامُ الَّذِينَ كَفَلْتُمُوهُمْ وَ نَعَشْتُمُوهُمْ فَاخْلَعُوا عَلَيْهِمْ خِلَعَ الْعُلُومِ فِي الدُّنْيَا فَيَخْلَعُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ الْأَيْتَامِ عَلَى قَدْرِ مَا أَخَذُوا عَنْهُمْ مِنَ الْعُلُومِ حَتَّى إِنَّ فِيهِمْ يَعْنِي فِي الْأَيْتَامِ لَمَنْ يُخْلَعُ عَلَيْهِ مِائَةُ أَلْفِ خِلْعَةٍ وَ كَذَلِكَ يَخْلَعُ هَؤُلَاءِ الْأَيْتَامُ عَلَى مَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُمْ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَعِيدُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ الْكَافِلِينَ لِلْأَيْتَامِ حَتَّى تُتِمُّوا لَهُمْ خِلَعَهُمْ وَ تُضَعِّفُوهَا لَهُمْ فَيَتِمُّ لَهُمْ مَا كَانَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلَعُوا عَلَيْهِمْ وَ يُضَاعَفُ لَهُمْ وَ كَذَلِكَ مَنْ يَلِيهِمْ مِمَّنْ خَلَعَ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ وَ قَالَتْ فَاطِمَةُ ع يَا أَمَةَ اللَّهِ إِنَّ سِلْكَةً مِنْ تِلْكَ الْخِلَعِ لَأَفْضَلُ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ وَ مَا فَضَلَ فَإِنَّهُ مَشُوبٌ بِالتَّنْغِيصِ وَ الْكَدَرِ».(1)

قال صلى الله عليه و آله: «الْعِلْمُ رَأْسُ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَ الْجَهْلُ رَأْسُ الشَّرِّ كُلِّهِ‌».(2)

عن اميرالمؤمنين عليه السلام، «.... بَخْ بَخْ لِعَالِمٍ عَمِلَ فَجَدَّ وَ خَافَ الْبَيَاتَ فَأَعَدَّ وَ اسْتَعَدَّ إِنْ سُئِلَ نَصَحَ وَ إِنْ تُرِكَ صَمَتَ كَلَامُهُ صَوَابٌ وَ سُكُوتُهُ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ جَوَاب».(3)

قال صلى الله عليه و آله: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ‌».(4)

عن أبي ذرّ رضى اللَّه عنه قال: «بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ تَتَعَلَّمُهُ أَحَبُ إِلَيْنَا مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 3.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 77 ص 175.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 77 ص 239.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 195.

تَطَوُّعاً وَ قَالَ سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ إِذَا جَاءَ الْمَوْتُ طَالِبَ الْعِلْمِ وَ هُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مَاتَ شَهِيدًا».(1)

قال النبىُّ صلى الله عليه و آله: «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى إِبْلِيسَ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ».(2)

عن سماعة قال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ‌ ... فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً قَالَ مَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ ضَلَالٍ إِلَى هُدًى فَقَدْ أَحْيَاهَا وَ مَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ هُدًى إِلَى ضَلَالٍ فَقَدْ وَ اللَّهِ أَمَاتَهَا».(3)

عن اسحاق بن عمّار قال سمعت ابا عداللَّه عليه السلام يقول: «لَيْتَ السِّيَاطُ عَلَى رُءُوسِ أَصْحَابِي حَتَّى يَتَفَقَّهُوا فِي الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ‌».(4)

قال موسى بن جعفر عليه السلام: «فَقِيهٌ وَاحِدٌ يُنْقِذُ يَتِيماً مِنْ أَيْتَامِنَا الْمُنْقَطِعِينَ عَنَّا وَ عَنْ مُشَاهَدَتِنَا بِتَعْلِيمِ مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ أَشَدُّ عَلَى إِبْلِيسَ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ لِأَنَّ الْعَابِدَ هَمُّهُ ذَاتُ نَفْسِهِ فَقَطْ وَ هَذَا هَمُّهُ مَعَ ذَاتِ نَفْسِهِ ذَاتُ عِبَادِ اللَّهِ وَ إِمَائِهِ لِيُنْقِذَهُمْ مِنْ يَدِ إِبْلِيسَ وَ مَرَدَتِهِ فَذَلِكَ هُوَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ عَابِدٍ وَ أَلْفِ أَلْفِ عَابِدَةٍ‌».(5)

عن محمّد بن علي بن الحسين... قال حدّثني علي بن موسى الرضا عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن علي هن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين عن اميرالمؤمنين علي بن ابي‌طالب عليهم السلام قال سمعت رسول


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 186.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 177.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 16.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 213.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 5.

اللَّه صلى الله عليه و آله يقول: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ مِنْ مَظَانِّهِ وَ اقْتَبِسُوهُ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ حَسَنَةٌ وَ طَلَبَهُ عِبَادَةٌ وَ الْمُذَاكَرَةَ بِهِ تَسْبِيحٌ وَ الْعَمَلَ بِهِ جِهَادٌ وَ تَعْلِيمَهُ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ وَ بَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ وَ مَنَارُ سُبُلِ الْجَنَّةِ وَ الْمُونِسُ فِي الْوَحْشَةِ وَ الصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ وَ الْوَحْدَةِ وَ الْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ وَ الدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ السِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَ الزَّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَاماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً تُقْتَبَسُ آثَارُهُمْ وَ يُهْتَدَى بِفِعَالِهِمْ وَ يُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ وَ تَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خُلَّتِهِمْ وَ بِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ وَ فِي صَلَاتِهَا تُبَارِكُ عَلَيْهِمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَ يَابِسٍ حَتَّى حِيتَانُ الْبَحْرِ وَ هَوَامُّهُ وَ سِبَاعُ الْبَرِّ وَ أَنْعَامُهُ إِنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْجَهْلِ وَ ضِيَاءُ الْأَبْصَارِ مِنَ الظُّلْمَةِ وَ قُوَّةُ الْأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ يَبْلُغُ بِالْعَبْدِ مَنَازِلَ الْأَخْيَارِ وَ مَجَالِسَ الْأَبْرَارِ وَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ الذِّكْرُ فِيهِ يَعْدِلُ بِالصِّيَامِ وَ مُدَارَسَتُهُ بِالْقِيَامِ بِهِ يُطَاعُ الرَّبُّ وَ يُعْبَدُ وَ بِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ وَ بِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ وَ الْحَرَامُ الْعِلْمُ إِمَامُ الْعَمَلِ وَ الْعَمَلُ تَابِعُهُ يُلْهِمُهُ السُّعَدَاءَ وَ يَحْرِمُهُ الْأَشْقِيَاءَ فَطُوبَى لِمَنْ لَمْ يَحْرِمْهُ اللَّهُ مِنْهُ حَظَّهُ‌».(1)

جاء رجل من الأنصار إلى النبّى صلى الله عليه و آله فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا حَضَرَتْ جَنَازَةٌ وَ مَجْلِسُ عَالِمٍ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَشْهَدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص - إِنْ كَانَ لِلْجَنَازَةِ مَنْ يَتْبَعُهُا وَ يَدْفِنُهَا فَإِنَّ حُضُورَ مَجْلِسِ عَالِمٍ أَفْضَلُ مِنْ حُضُورِ أَلْفِ جَنَازَةٍ وَ مِنْ عِيَادَةِ أَلْفِ مَرِيضٍ وَ مِنْ قِيَامِ أَلْفِ لَيْلَةٍ وَ مِنْ صِيَامِ أَلْفِ يَوْمٍ وَ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ يُتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ وَ مِنْ أَلْفِ حَجَّةٍ سِوَى الْفَرِيضَةِ وَ مِنْ أَلْفِ غَزْوَةٍ سِوَى الْوَاجِبِ تَغْزُوهَا فِي


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 171.

سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِكَ وَ نَفْسِكَ وَ أَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ الْمَشَاهِدُ مِنْ مَشْهَدِ عَالِمٍ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ يُطَاعُ بِالْعِلْمِ وَ يُعْبَدُ بِالْعِلْمِ وَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ مَعَ الْعِلْمِ وَ شَرُّ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ مَعَ الْجَهْلِ‌».(1)

و في الدّعاء: «... أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فَخَذَلْتَنِي».(2)

ولكن هذا العلم مع شرفه البالغ و فضيلته التامّة لا قيمة له و لا فضيلة إذا حازه غير المهذّب التقىّ‌، فكأنّ شرافة العلم بالتقوى و تهذيب النفس. بل الرؤية القرآنيّة تدل على انّ العلم من غير اتصاف العالم به ليس إلّاوزراً و وبالًا، بل الذكر الحكيم شبّه العالم غير المهذّب بالكلب و العالم غير المتّقي بالحمار.

قال - تعالى! -: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ‌).(3)

و قال - تعالى! -: (مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرٰاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهٰا كَمَثَلِ اَلْحِمٰارِ يَحْمِلُ أَسْفٰاراً).(4)

و بالجملة انّ هذه الأمورالثّلاثة كلّها في كمال الشّرف. فيكفيك لشرف العلم و فضله ما مرّ من الآيات و الرّوايات، و يكفيك لشرافة التّقوى ادّعاء الذكر الحكيم نزوله للمتقين، فالمتّقى هو العلّة الغائية لانزال الكتاب، قال - تعالى! -: (الم * ذٰلِكَ اَلْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌).(5)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 204.

2) . راجع: راجع: مفاتيح الجنان، دعاء ابي‌حمزة الّثمالي.

3) . الاعراف، 176.

4) . الجمعة، 5.

5) . البقرة، 2.

كما و قد جعل مقام المتّقين عنداللَّه.

قال - تعالى! -: (إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ).(1)

كما انّه يكفي لشرف التهذيب و فضله الآيات الدالّة على وجوبه و الأحاديث الدالّة عليه، كايات تدلّ على ان بعث الرسل و انزال الكتب ليس إلّاللوصول إلى هذا الهدف السامى؛ منها قوله - تعالى! -: (هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ‌).(2)

إلّا انّه يفهم من الآيات توقّف كلٍّ على الاخر، فالعلم الّذي لا يكون معه تهذيب و تقوى لا قيمة و لا فائدة له، و التّقوى الّذي لا يصاحبه علم او لا يكون معه تهذيب لا قيمة له، إذ كثيراً مّا يوجب العجب و الكبر، الاترى انّ الخوارج لم يفدهم تقويهم بل كانت وبالًا عليهم.

بل التّهذيب الّذي لا يكون معه علم ايضاً كذلك.

الاترى انّ كثيراً من الجهلة الّذين في قلوبهم رأفة ورقّة يرتكبون ذنوباً عظيمة رأفة و رحمة على غيرهم حتّى اشتهر: ان امرأة زنت و تصدّقت من اجر فجورها.

فقيل لها: ويل لك لا تزني و لا تتصدّقي.

فطوبى لمن جمع بين العلم و التّهذيب و التّقوى.

ولكنّ مورد الكلام هنا هو انّ العلم لغير المهذب نفسه و العلم الّذي لا يصحبه العمل الصالح لا فائدة فيه بل هو مضرّ لصاحبه و لغيره. الاترى انّ البدع و المذاهب


1) . القمر، 54.

2) . الجمعة، 2.

الباطلة لا تنشأ إلّامن العلم الّذي وقّر في صدرٍ غير مهذب و غير نقىٍ؟.

فلاجل اثبات ذلك نذكر هنا بعض الآيات و الرّوايات الدالّة عليه.

آيات في العالِم غير المهذّب

قال اللَّه - تعالى! -: (وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنٰاهُ آيٰاتِنٰا فَانْسَلَخَ مِنْهٰا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطٰانُ فَكٰانَ مِنَ اَلْغٰاوِينَ * وَ لَوْ شِئْنٰا لَرَفَعْنٰاهُ بِهٰا وَ لٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوٰاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذٰلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا فَاقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‌).(1)

قال في الكامل: و لما توفّى موسى عليه السلام بعث اللَّه يوشع بن نون.... بنيّا إلى بنى اسرائيل و أمره بالمسير إلى أريحا مدينة الجبارّين.... فلمّا بلغوها اجتمع الجبارين إلى بلعم بن باعورا و هو من ولد لوط، فقالوا له:.... ادع اللَّه عليهم. و كان بلعم يعرف اسم اللَّه الاعظم. فقال لهم: كيف ادعو على نبيّ اللَّه و المؤمنين و معهم الملائكة‌؟ فراجعوه في ذلك و هو يمتنع عليهم. فأتوا امرأته و أهدوا لها هديّة، فقبلتها.

و طلبوا اليها ان تحسّن لزوجها أن يدعوا على نبيّ بنى اسرائيل. فقالت له في ذلك فامتنع. فلم تزل به حتّى قال: أستخير ربّي فاستخار اللَّه تعالى، فنهاه في المنام.

فأخبرها بذلك. فقالت: راجع ربّك فعادو الاستخاره، فلم يرد إليه الجواب. فقالت:


1) . الاعراف، 175-176.

لو اراد ربّك لنهاك، و لم تزل تخدعه حتّى أجابهم.

فركب حماراً له متوّجهاً إلى جبل يشرف على بني اسرائيل ليقف عليه و يدعو عليهم. فما سار عليه إلّاقليلًا حتّى ربض الحمار فنزل عنه، فضربه حتّى قام فركبه فسار به قليلا فربض، فعل ذلك ثلاث مرّات. فلمّا اشتّد ضربه في الثلالثة أنطقه اللَّه فقال له: و يحك يا بعلم أين تذهب‌؟ أماترى الملائكة تردّني‌؟ فلم يرجع. فاطلق اللَّه الحمار حينئذ فسار عليه حتّى أشرف على نبي اسرائيل فكان كلّما أراد ان يدعو عليهم ينصرف لسانه إلى الدعاء لهم، و إذا اراد أن يدعو لقومه انقلب الدعاء عليهم. فقالوا له: في ذلك‌؟ فقال: هذا شيء غلبنا اللَّه عليه و اندلع لسانه فوقع على صدره.

فقال لهم: الآن قد ذهبت من الدنيا و الآخرة و لم يبق إلّاالمكر و الحيلة. و امرهم أن يزّينوا النساء و يعطوهنّ السلع للبيع، وير سلوهنّ إلى العسكر، و لا تمنع امرأة نفسها ممّن يريدها. و قال: ان زنى منهم رجل واحد كفيتموهم. ففعلوا ذلك و دخل النّساء عسكر بني اسرائيل.... فانزل اللَّه عليهم الطاعون.... و قد هلك في تلك الساعة عشرون الفاً و قيل: سبعون الفاً. فانزل اللَّه في بلعم: (وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنٰاهُ آيٰاتِنٰا فَانْسَلَخَ مِنْهٰا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطٰانُ فَكٰانَ مِنَ اَلْغٰاوِينَ‌).(1)

قال اللَّه - تعالى! -: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ‌).(2)


1) . الكامل، ج 1 ص 68-70.

2) . البقرة، 41-42.

قال اللَّه - تعالى! -: (وَ لَمّٰا جٰاءَهُمْ كِتٰابٌ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ مُصَدِّقٌ لِمٰا مَعَهُمْ وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ‌).(1)

قال اللَّه - تعالى! -: (اَلَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ اَلْكِتٰابَ يَعْرِفُونَهُ كَمٰا يَعْرِفُونَ أَبْنٰاءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‌).(2)

قال اللَّه - تعالى! -: (إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ اَلْبَيِّنٰاتِ وَ اَلْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي اَلْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاّٰعِنُونَ‌).(3)

قال اللَّه - تعالى! -: (... يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوٰاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هٰذٰا فَخُذُوهُ وَ إِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَ مَنْ يُرِدِ اَللّٰهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللّٰهِ شَيْئاً أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللّٰهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي اَلدُّنْيٰا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ‌).(4)

قال اللَّه - تعالى! -: (وَ إِذْ قٰالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اَللّٰهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ اَلتَّوْرٰاةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ بِالْبَيِّنٰاتِ قٰالُوا هٰذٰا سِحْرٌ مُبِينٌ‌).(5)

(مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرٰاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهٰا كَمَثَلِ اَلْحِمٰارِ يَحْمِلُ أَسْفٰاراً).(6)


1) . البقرة، 89.

2) . البقرة، 146.

3) . البقرة، 159.

4) . المائدة، 41.

5) . الصّف، 6.

6) . الجمعة، 5.

روايات في العالم غير المهذّب

عن طلحة بن زيد عن أبي عبداللَّه عليه السلام عن ابائه عليهم السلام قال قال عليه السلام: «إِنَّ الْعَالِمَ الْكَاتِمَ عِلْمَهُ يُبْعَثُ أَنْتَنَ أَهْلِ الْقِيَامَةِ رِيحاً تَلْعَنُهُ كُلُّ دَابَّةٍ حَتَّى دَوَابُّ الْأَرْضِ الصِّغَارُ».(1)

قال النبيّ صلى الله عليه و آله: «الْعِلْمُ وَدِيعَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ الْعُلَمَاءُ أُمَنَاؤُهُ عَلَيْهِ فَمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ أَدَّى أَمَانَتَهُ وَ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الْخَائِنِينَ‌».(2)

قال النبيّ صلى الله عليه و آله: «مَنِ ازْدَادَ عِلْماً وَ لَمْ يَزْدَدْ هُدًى لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا».(3)

قال الصادق عليه السلام: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً عَالِمٌ لَا يَنْتَفِعُ مِنْ عِلْمِهِ بِشَيْ‌ء».(4)

قال النبيّ صلى الله عليه و آله: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ ثُمَّ عَلَيْكَ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ إِلَّا بِهِ وَ هُوَ الْإِخْلاص».(5)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 72.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 36.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 37.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 37.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 32.

عن جعفر بن محمّد عن ابيه عليهم السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي إِذَا صَلَحَا صَلَحَتْ أُمَّتِي وَ إِذَا فَسَدَا فَسَدَتْ أُمَّتِي قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ هُمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ وَ الْأُمَرَاءُ‌».(1)

عن حفص قال قال ابو عبداللَّه عليه السلام:... كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْماً وَ كَفَى بِالاغْتِرَارِ بِاللَّهِ جَهْلًا يَا حَفْصُ إِنَّهُ يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ وَ مَنْ تَعَلَّمَ وَ عَمِلَ وَ عَلَّمَ لِلَّهِ دُعِيَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ عَظِيماً فَقِيلَ تَعَلَّمَ لِلَّهِ وَ عَمِلَ لِلَّهِ وَ عَلَّمَ لِلَّه».(2)

«أَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ ع أَنَّ أَهْوَنَ مَا أَنَا صَانِعٌ بِعَالِمٍ غَيْرِ عَامِلٍ بِعِلْمِهِ أَشَدُّ مِنْ سَبْعِينَ عُقُوبَةً أَنْ أُخْرِجَ مِنْ قَلْبِهِ حَلَاوَةَ ذِكْرِي وَ لَيْسَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ طَرِيقٌ يَسْلُكُ إِلَّا بِعِلْمٍ وَ الْعِلْمُ زَيْنُ الْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا وَ سَائِقُهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَ بِهِ يَصِلُ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى وَ الْعَالِمُ حَقّاً هُوَ الَّذِي يَنْطِقُ عَنْهُ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ وَ أَوْرَادُهُ الزَّاكِيَةُ وَ صِدْقُهُ وَ تَقْوَاهُ لَا لِسَانُهُ وَ تَصَاوُلُهُ وَ دَعْوَاهُ وَ لَقَدْ كَانَ يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ فِي غَيْرِ هَذَا الزَّمَانِ مَنْ كَانَ فِيهِ عَقْلٌ وَ نُسُكٌ وَ حِكْمَةٌ وَ حَيَاءٌ وَ خَشْيَةٌ وَ أَنَا أَرَى طَالِبَهُ الْيَوْمَ مَنْ لَيْسَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْ‌ءٌ وَ الْعَالِمُ يَحْتَاجُ إِلَى عَقْلٍ وَ رِفْقٍ وَ شَفَقَةٍ وَ نُصْحٍ وَ حِلْمٍ وَ صَبْرٍ وَ بَذْلٍ وَ قَنَاعَةٍ وَ الْمُتَعَلِّمُ يَحْتَاجُ إِلَى رَغْبَةٍ وَ إِرَادَةٍ وَ فَرَاغٍ وَ نُسُكٍ وَ خَشْيَةٍ وَ حِفْظٍ وَ حَزْم».(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 49.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 27.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 32.

قال ابو عبداللَّه عليه السلام: «إِنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُحِبُ أَنْ يَخْزُنَ عِلْمَهُ وَ لَا يُؤْخَذَ عَنْهُ فَذَلِكَ فِي الدَّرْكِ الْأَوَّلِ مِنَ النَّارِ وَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ إِذَا وُعِظَ أَنِفَ وَ إِذَا وَعَظَ عَنَّفَ فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ الثَّانِي مِنَ النَّارِ وَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرَى أَنْ يَضَعَ الْعِلْمَ عِنْدَ ذَوِي الثَّرْوَةِ وَ الشَّرَفِ وَ لَا يَرَى لَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَضْعاً فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ الثَّالِثِ مِنَ النَّارِ. وَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَذْهَبُ فِي عِلْمِهِ مَذْهَبَ الْجَبَابِرَةِ وَ السَّلَاطِينِ فَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ شَيْ‌ءٌ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ قُصِّرَ فِي شَيْ‌ءٍ مِنْ أَمْرِهِ غَضِبَ فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ الرَّابِعِ مِنَ النَّارِ. وَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَطْلُبُ أَحَادِيثَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى لِيَغْزُرَ بِهِ عِلْمُهُ وَ يَكْثُرَ بِهِ حَدِيثُهُ فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ الْخَامِسِ مِنَ النَّارِ. وَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا وَ يَقُولُ سَلُونِي وَ لَعَلَّهُ لَا يُصِيبُ حَرْفاً وَاحِدًا وَ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُتَكَلِّفِينَ فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ السَّادِسِ مِنَ النَّارِ وَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَتَّخِذُ عِلْمَهُ مُرُوءَةً وَ عَقْلًا فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ السَّابِعِ مِنَ النَّارِ».(1)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 205.

آيات في توقف العلم على العمل

(أَ تَأْمُرُونَ اَلنّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ اَلْكِتٰابَ أَ فَلاٰ تَعْقِلُونَ‌).(1)

(سَمّٰاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ‌).(2)

(مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرٰاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهٰا كَمَثَلِ اَلْحِمٰارِ يَحْمِلُ أَسْفٰاراً).(3)

(لِمَ تَقُولُونَ مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ‌).(4)


1) . البقرة، 44.

2) . المائدة، 42.

3) . الجمعة، 5.

4) . الصّف، 3.

روايات في توقّف العلم على العمل

عن جعفر عن أبيه عليه السلام ان علياً عليه السلام قال: «إِيَّاكُمْ وَ الْجُهَّالَ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ وَ الْفُجَّارَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ فِتْنَةُ كُلِّ مَفْتُونٍ‌».(1)

قال عيسى بن مريم عليه السلام: «الدِّينَارُ دَاءُ الدِّينِ وَ الْعَالِمُ طَبِيبُ الدِّينِ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الطَّبِيبَ يَجُرُّ الدَّاءَ إِلَى نَفْسِهِ فَاتَّهِمُوهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ غَيْرُ نَاصِحٍ لِغَيْرِهِ‌».(2)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَالِمَ مُحِبّاً لِلدُّنْيَا فَاتَّهِمُوهُ عَلَى دِينِكُمْ فَإِنَّ كُلَّ مُحِبٍّ يَحُوطُ مَا أَحَبَّ‌».(3)

عن ابن اسامة قال سمعت ابا عبداللَّه عليه السلام يقول: «... وَ كُونُوا دُعَاةً إِلَى أَنْفُسِكُمْ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ وَ كُونُوا زَيْناً وَ لا تَكُونُوا شَيْنًا».(4)

و في قول اللَّه - تعالى! -: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ قَالَ يَعْنِي مَنْ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 106.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 107.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 107.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 199.

يُصَدِّقُ قَوْلَهُ فِعْلُهُ وَ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهُ فِعْلُهُ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ‌».(1)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ زَلَّتْ مَوْعِظَتُهُ عَنِ الْقُلُوبِ كَمَا يَزِلُّ الْمَطَرُ عَنِ الصَّفَا(2)».(3)

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ وَ إِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاء».(4)

عن النبيّ صلى الله عليه و آله قال: «أَوْحَى اللَّهُ إِلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ قُلْ لِلَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَ يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ وَ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ الآْخِرَةِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ مُسُوكَ الْكِبَاشِ وَ قُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَ أَعْمَالُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبِرِ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ وَ بِي يَسْتَهْزِءُونَ لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَكِيمَ حَيْرَانَ‌».(5)

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «كُلُّ عِلْمٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَنْ عَمِلَ بِه».(6)

عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت اميرالمؤمنين عليه السلام يحدّث عن النبيّ صلى الله عليه و آله انّه قال في كلام له: «الْعُلَمَاءُ رَجُلَانِ‌: رَجُلٌ عَالِمٌ آخِذٌ بِعِلْمِهِ فَهَذَا نَاجٍ وَ عَالِمٌ تَارِكٌ لِعِلْمِهِ فَهَذَا هَالِكٌ وَ إِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَيَتَأَذَّوْنَ مِنْ رِيحِ الْعَالِمِ التَّارِكِ لِعِلْمِهِ وَ إِنَّ أَشَدَّ أَهْلِ النَّارِ نَدَامَةً وَ حَسْرَةً رَجُلٌ دَعَا عَبْدًا إِلَى اللَّهِ فَاسْتَجَابَ لَهُ وَ قَبِلَ مِنْهُ فَأَطَاعَ اللَّهَ فَأَدْخَلَهُ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 59.

2) . الصفا: الحجر الصلد الضخم.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 39.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 110.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 224.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 38.

اللَّهُ الْجَنَّةَ وَ أَدْخَلَ الدَّاعِيَ النَّارَ بِتَرْكِهِ عِلْمَهُ وَ اتِّبَاعِهِ الْهَوَى وَ طُولِ الْأَمَلِ أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِ وَ طُولُ الْأَمَلِ يُنْسِي الآْخِرَةَ‌».(1)


1) . راجع: الكافي، ج 1 ص 44.

روايات في توقّف العمل على العلم

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «نَوْمٌ مَعَ عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ مَعَ جَهْل».(1)

عن طلحة بن زيد قال سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: «الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَ لَا يَزِيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَّا بُعْدًا».(2)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام عن ابائه عليهم السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «مَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ‌».(3)

روي عن الصادق عليه السلام انه قال: «قَطَعَ ظَهْرِي اثْنَانِ عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وَ جَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ هَذَا يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ عِلْمِهِ بِتَهَتُّكِهِ وَ هَذَا يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ نُسُكِهِ بِجَهْلِهِ‌».(4)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «الْمُتَعَبِّدُ عَلَى غَيْرِ فِقْهٍ كَحِمَارِ الطَّاحُونَةِ يَدُورُ وَ لَا يَبْرَحُ وَ رَكْعَتَانِ مِنْ عَالِمٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً مِنْ جَاهِلٍ لِأَنَّ الْعَالِمَ تَأْتِيهِ الْفِتْنَةُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا بِعِلْمِهِ وَ تَأْتِي الْجَاهِلَ فَتَنْسِفُهُ نَسْفاً وَ قَلِيلُ الْعَمَلِ مَعَ كَثِيرِ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعَمَلِ مَعَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 185.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 206.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 208.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 208.

قَلِيلِ الْعِلْمِ وَ الشَّكِّ وَ الشُّبْهَةِ‌».(1)

عن الصادق عليه السلام: «... إِنَ رَجُلًا كَانَ لَهُ جَارٌ وَ كَانَ نَصْرَانِيّاً فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ زَيَّنَهُ لَهُ فَأَجَابَهُ فَأَتَاهُ سُحَيْرًا فَقَرَعَ عَلَيْهِ الْبَابَ فَقَالَ لَهُ مَنْ هَذَا قَالَ أَنَا فُلَانٌ قَالَ وَ مَا حَاجَتُكَ فَقَالَ تَوَضَّأْ وَ الْبَسْ ثَوْبَيْكَ وَ مُرَّ بِنَا إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ فَتَوَضَّأَ وَ لَبِسَ ثَوْبَيْهِ وَ خَرَجَ مَعَهُ قَالَ فَصَلَّيَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ صَلَّيَا الْفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَا حَتَّى أَصْبَحَا - فَقَامَ الَّذِي كَانَ نَصْرَانِيّاً يُرِيدُ مَنْزِلَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ أَيْنَ تَذْهَبُ النَّهَارُ قَصِيرٌ وَ الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الظُّهْرِ قَلِيلٌ قَالَ فَجَلَسَ مَعَهُ إِلَى أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَالَ وَ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَ الْعَصْرِ قَلِيلٌ فَاحْتَبَسَهُ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ قَالَ ثُمَّ قَامَ وَ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذَا آخِرُ النَّهَارِ وَ أَقَلُّ مِنْ أَوَّلِهِ فَاحْتَبَسَهُ حَتَّى صَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَقَالَ لَهُ إِنَّمَا بَقِيَتْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ فَمَكَثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ ثُمَّ تَفَرَّقَا فَلَمَّا كَانَ سُحَيْرٌ غَدَا عَلَيْهِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ الْبَابَ فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالَ أَنَا فُلَانٌ قَالَ وَ مَا حَاجَتُكَ قَالَ تَوَضَّأْ وَ الْبَسْ ثَوْبَيْكَ وَ اخْرُجْ بِنَا فَصَلِّ قَالَ اطْلُبْ لِهَذَا الدِّينِ مَنْ هُوَ أَفْرَغُ مِنِّي وَ أَنَا إِنْسَانٌ مِسْكِينٌ وَ عَلَيَّ عِيَالٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَدْخَلَهُ فِي شَيْ‌ءٍ أَخْرَجَهُ مِنْهُ أَوْ قَالَ أَدْخَلَهُ مِنْ مِثْلِ ذِهْ وَ أَخْرَجَهُ مِنْ مِثْلِ هَذَا».(2)

عن الصادق عليه السلام: «... إِنَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ خَضْرَاءَ نَضِرَةٍ كَثِيرَةِ الشَّجَرِ ظَاهِرَةِ الْمَاءِ وَ إِنَّ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَرَّ بِهِ فَقَالَ يَا رَبِّ أَرِنِي ثَوَابَ عَبْدِكَ هَذَا فَأَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فَاسْتَقَلَّهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 208.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 36.

إِلَيْهِ أَنِ اصْحَبْهُ فَأَتَاهُ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ إِنْسِيٍّ فَقَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا رَجُلٌ عَابِدٌ بَلَغَنِي مَكَانُكَ وَ عِبَادَتُكَ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَأَتَيْتُكَ لِأَعْبُدَ اللَّهَ مَعَكَ فَكَانَ مَعَهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ إِنَّ مَكَانَكَ لَنَزِهٌ وَ مَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْعِبَادَةِ فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ إِنَّ لِمَكَانِنَا هَذَا عَيْباً فَقَالَ لَهُ وَ مَا هُوَ قَالَ لَيْسَ لِرَبِّنَا بَهِيمَةٌ فَلَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ رَعَيْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ هَذَا الْحَشِيشَ يَضِيعُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الْمَلَكُ وَ مَا لِرَبِّكَ حِمَارٌ فَقَالَ لَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ مَا كَانَ يَضِيعُ مِثْلُ هَذَا الْحَشِيشِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَلَكِ إِنَّمَا أُثِيبُهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ‌».(1)


الفائدة الرّابعة: توقف العبوديّة على الفضائل

قد اشتهر بين أهل القلوب انّ الاوامر و النّواهي و ان كانت تابعة للمصالح و المفاسد النّفس الامريّة و للواقع إلّاانّ تلك المصالح و المفاسد كما تكون في المأمور به و المنهىّ عنه تصحب نفس الامر و النهي ايضاً، بمعنى انّ نفس أمر المولى و نّهيه فيهما المصلحة، و تلك المصلحة هي خلق روح التّعبّد في العبد. فالعبد باتيان تلك العبادة و الكفّ عن تلك النّواهي يتوغّل في العبوديّة و التّسليم. و ذلك المقام يعدّ اعلى مقامات العبد و تحصيله من اوجب الواجبات.


1) . راجع: الكافي، ج 1 ص 9.

و هذا كلام جيّد بحيث انّه لو قلنا بانحصار المصالح في نفس الامر و نفس النّهي لم نقل جزافاً، لانّ تلك المصلحة مصلحة هامّة تامّة، بل قد مرّ الكلام منّا في انّ التّهذيب و التّخلّق بالفضائل مقدمّة للوصول إلى مقام العبوديّة، و معلوم انّ تلك العبوديّة كلّما زادت زاد مقام التّسليم و الخضوع للحقّ - تعالىٰ‌! - و لرسوله و للائمّة عليهم السّلام.

و لا تتوهّم انّ ذلك المقام يحصل بسهولة، كلّا بل لا يحصل إلّاللأوحدىّ من النّاس. فتحصيله يحتاج إلى فضل اللَّه و رحمته و إلى رياضات دينيّة من التّوبة و اليقظة و تهذيب النّفس و التّخلّق بالفضائل، بل لا ينال السالك ذلك إلّابعد التّجلية و الوصول إلى مقام الفرقان.

و بالجملة انّ مقام التّسليم و التّعبّد من المقامات العالية و لا ينالها احد إلّابعد التّهذيب، و الرّذائل كلّها تمنع عن الوصول إليه سيّما الكبر الّذي يضادّه.

توضيح ذلك: انّ نفسيّة الكبر و التّفرعن موجودة في قلوب البشر فلو أراد المرء الوصول إلى مقام التّسليم و ان تحصل له نفسيّة التّعبّد فلا محيص له من ازالة تلك الرّوح القذرة الخبيثة، فبعد ازالتها بالرياضات الدينيّة و الاتيان بالاعمال الصالحة و الدّعاء و الخضوع للَّه - تعالىٰ‌! - تحصل له اوّل مرتبة من مراتبه. و كلّما زاد في عباداته و استقوى صلته بخالقه، رفعت مرتبته فيه.

و للذكرالعزيز و الاحاديث الصادرة عن مصادر العصمة اهتمامٌ بالغٌ بهذه الفضيلة نأتي هيهنا بقسم منها تنويهاً إلى اهتمامها بها.

قال اللَّه - تبارك و تعالى! -:

(وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِيمَ إِلاّٰ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَ لَقَدِ اِصْطَفَيْنٰاهُ فِي اَلدُّنْيٰا وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصّٰالِحِينَ * إِذْ قٰالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قٰالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ‌).(1)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ كَافَّةً‌).(2)

(فَلاٰ وَ رَبِّكَ لاٰ يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاٰ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).(3)

(إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ أَخْبَتُوا إِلىٰ رَبِّهِمْ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ‌).(4)

(فَإِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَ بَشِّرِ اَلْمُخْبِتِينَ‌).(5)

(وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اَلْوُثْقىٰ وَ إِلَى اَللّٰهِ عٰاقِبَةُ اَلْأُمُورِ).(6)

(قٰالَ يٰا بُنَيَّ إِنِّي أَرىٰ فِي اَلْمَنٰامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مٰا ذٰا تَرىٰ قٰالَ يٰا أَبَتِ اِفْعَلْ مٰا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ مِنَ اَلصّٰابِرِينَ * فَلَمّٰا أَسْلَمٰا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَ نٰادَيْنٰاهُ أَنْ يٰا إِبْرٰاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيٰا).(7)


1) . البقرة، 130-131.

2) . البقرة، 208.

3) . النّساء، 65.

4) . هود، 23.

5) . الحجّ‌، 34.

6) . لقمان، 22.

7) . الصّافّات، 102.

(وَ أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ‌).(1)

(بَلىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌).(2)

(وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ‌).(3)

عن سدير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: «إِنِّي تَرَكْتُ مَوَالِيَكَ مُخْتَلِفِينَ يَتَبَرَّأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ قَالَ فَقَالَ وَ مَا أَنْتَ وَ ذَاكَ إِنَّمَا كُلِّفَ النَّاسُ ثَلَاثَةً مَعْرِفَةَ الْأَئِمَّةِ وَ التَّسْلِيمَ لَهُمْ فِيمَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ وَ الرَّدَّ إِلَيْهِمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه».(4)

عن عبداللَّه الكاهلي قال قال ابو عبداللَّه عليه السلام: «لَوْ أَنَ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ وَ حَجُّوا الْبَيْتَ وَ صَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ ثُمَّ قَالُوا لِشَيْ‌ءٍ صَنَعَهُ اللَّهُ أَوْ صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص أَلَّا صَنَعَ خِلَافَ الَّذِي صَنَعَ أَوْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ لَكَانُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآْيَةَ‌: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع عَلَيْكُمْ بِالتَّسْلِيمِ‌».(5)

زيد الشحّام عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «قُلْتُ لَهُ إِنَّ عِنْدَنَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ كُلَيْبٌ فَلَا يَجِيءُ عَنْكُمْ شَيْ‌ءٌ إِلَّا قَالَ أَنَا أُسَلِّمُ فَسَمَّيْنَاهُ كُلَيْبَ تَسْلِيمٍ قَالَ فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَال‌أَ


1) . غافر، 66.

2) . البقرة، 112.

3) . النّساء، 125.

4) . راجع: الكافي، ج 1 ص 390.

5) . راجع: الكافي، ج 1 ص 390.

تَدْرُونَ مَا التَّسْلِيمُ فَسَكَتْنَا فَقَالَ هُوَ وَ اللَّهِ الْإِخْبَاتُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ‌».(1)

محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللَّه - تبارك و تعالى -: وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فيها حُسْناً، قال: «الِاقْتِرَافُ التَّسْلِيمُ لَنَا وَ الصِّدْقُ عَلَيْنَا وَ أَلَّا يَكْذِبَ عَلَيْنَا».(2)

عن يحيي بن زكريّا الانصاري عن ابي عبداللَّه عليه السلام قال: سمعته يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْإِيمَانَ كُلَّهُ فَلْيَقُلِ الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا وَ مَا أَعْلَنُوا وَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وَ فِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي».(3)

عن أبي بصير قال: سألت ابا عبداللَّه عليه السلام عن قول اللَّه عزّوجلّ‌: (اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‌) إلى آخر الآية قال: «هُمُ الْمُسَلِّمُونَ لآِلِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ إِذَا سَمِعُوا الْحَدِيثَ لَمْ يَزِيدُوا فِيهِ وَ لَمْ يَنْقُصُوا مِنْهُ جَاءُوا بِهِ كَمَا سَمِعُوهُ‌».(4)

عن الرضا عليه السلام: «... وَ اعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ طَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ التَّسْلِيمُ لِمَا عَقَلْنَاهُ وَ مَا لَمْ نَعْقِلْهُ فَإِنَّ رَأْسَ الْمَعَاصِي الرَّدُّ عَلَيْهِمْ وَ إِنَّمَا امْتَحَنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّاسَ بِطَاعَتِهِ لِمَا عَقَلُوهُ وَ مَا لَمْ يَعْقِلُوهُ إِيجَاباً لِلْحُجَّةِ وَ قَطْعاً لِلشُّبْهَة».(5)

عن أبي الحسن الثالث (الهادي) عليه السلام: «... فَنَبِيُّنَا أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَ خَلِيلُنَا أَفْضَلُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 1 ص 390.

2) . راجع: الكافي، ج 1 ص 391.

3) . راجع: الكافي، ج 1 ص 391.

4) . راجع: الكافي، ج 1 ص 391.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 348.

الْأَخِلَّاءِ وَ وَصِيُّهُ أَكْرَمُ الْأَوْصِيَاءِ اسْمُهُمَا أَفْضَلُ الْأَسْمَاءِ وَ كُنْيَتُهُمَا أَفْضَلُ الْكُنَى وَ أَحْلَاهَا لَوْ لَمْ يُجَالِسْنَا إِلَّا كُفْوٌ لَمْ يُجَالِسْنَا أَحَدٌ وَ لَوْ لَمْ يُزَوِّجْنَا إِلَّا كُفْوٌ لَمْ يُزَوِّجْنَا أَحَدٌ أَشَدُّ النَّاسِ تَوَاضُعاً أَعْظَمُهُمْ حِلْماً وَ أَنْدَاهُمْ كَفّاً وَ أَمْنَعُهُمْ كَنَفاً وَرِثَ عَنْهُمَا أَوْصِيَاؤُهُمَا عِلْمَهُمَا فَارْدُدْ إِلَيْهِمَا الْأَمْرَ وَ سَلِّم».(1)

كتب موسى بن جعفر عليه السلام إلى علي بن سويد: «... وَالِ آلَ مُحَمَّدٍ ص وَ لَا تَقُلْ لِمَا بَلَغَكَ عَنَّا أَوْ نُسِبَ إِلَيْنَا هَذَا بَاطِلٌ وَ إِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ خِلَافَهُ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي لِمَا قُلْنَاهُ وَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَصَفْنَاهُ آمِنْ بِمَا أَخْبَرْتُكَ وَ لَا تُفْشِ مَا اسْتَكْتَمْتُك».(2)

عن عبداللَّه بن أبي يعفور قال قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: «وَ اللَّهِ لَوْ فَلَقْتَ رُمَّانَةً بِنِصْفَيْنِ‌، فَقُلْتَ هَذَا حَرَامٌ وَ هَذَا حَلَالٌ‌، لَشَهِدْتُ أَنَّ الَّذِي قُلْتَ حَلَالٌ حَلَالٌ وَ أَنَّ الَّذِي قُلْتَ حَرَامٌ حَرَامٌ‌، فَقَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ رَحِمَكَ اللَّهُ‌».(3)

عن مأمون الرقي قال: «كُنْتُ عِنْدَ سَيِّدِي الصَّادِقِ ع إِذْ دَخَلَ سَهْلُ بْنُ الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَكُمُ الرَّأْفَةُ وَ الرَّحْمَةُ وَ أَنْتُمْ أَهْلُ بَيْتِ الْإِمَامَةِ مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ أَنْ يَكُونَ لَكَ حَقٌّ تَقْعُدُ عَنْهُ وَ أَنْتَ تَجِدُ مِنْ شِيعَتِكَ مِائَةَ أَلْفٍ يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالسَّيْفِ فَقَالَ لَهُ ع اجْلِسْ يَا خُرَاسَانِيُّ رَعَى اللَّهُ حَقَّكَ ثُمَّ قَالَ يَا حَنِيفَةُ اسْجُرِي التَّنُّورَ فَسَجَرَتْهُ حَتَّى صَارَ كَالْجَمْرَةِ وَ ابْيَضَّ عُلْوُهُ ثُمَّ قَالَ يَا خُرَاسَانِيُّ قُمْ فَاجْلِسْ فِي التَّنُّورِ فَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّ يَا سَيِّدِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَا تُعَذِّبْنِي


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 367.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 329.

3) . رجال الكشى، ص 162.

بِالنَّارِ أَقِلْنِي أَقَالَكَ اللَّهُ قَالَ قَدْ أَقَلْتُكَ فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ هَارُونُ الْمَكِّيُّ وَ نَعْلُهُ فِي سَبَّابَتِهِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ الصَّادِقُ ع أَلْقِ النَّعْلَ مِنْ يَدِكَ وَ اجْلِسْ فِي التَّنُّورِ قَالَ فَأَلْقَى النَّعْلَ مِنْ سَبَّابَتِهِ ثُمَّ جَلَسَ فِي التَّنُّورِ وَ أَقْبَلَ الْإِمَامُ ع يُحَدِّثُ الْخُرَاسَانِيَّ حَدِيثَ خُرَاسَانَ حَتَّى كَأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهَا ثُمَّ قَالَ قُمْ يَا خُرَاسَانِيُّ وَ انْظُرْ مَا فِي التَّنُّورِ قَالَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ مُتَرَبِّعاً فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَ سَلَّمَ عَلَيْنَا فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ ع كَمْ تَجِدُ بِخُرَاسَانَ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ وَ اللَّهِ وَ لَا وَاحِداً فَقَالَ ع لَا وَ اللَّهِ وَ لَا وَاحِداً فَقَالَ أَمَا إِنَّا لَا نَخْرُجُ فِي زَمَانٍ لَا نَجِدُ فِيهِ خَمْسَةً مُعَاضِدِينَ لَنَا نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْوَقْتِ‌».(1)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 47 ص 123.

الفصل الرّابع دلائل وجوب تهذيب النّفس

اشارة

وجوب تهذيب النّفس عن الرذائل

تهذيب النّفس و تزكيتها عن الرذائل و تخلّقها بالاخلاق الحسنة و الصّفات الفاضلة و تحليتها بها - التّخلية و التّحليه - من اوجب الواجبات بالادلّة الاربعة:

دليل الكتاب:

فمضافًا إلى قوله - تعالى! -: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا * وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا).(1)

الّذي لايوجد له مثيلٌ في الذكر من حيث التأكيد عليه بتقدّم أحد عشر قسَماً عليه مصحوباً له بستة تأكيدات؛ و مضافاً إلى قوله - تعالى! -: (يَوْمَ لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ * إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‌)(2)الّذي يدلّ على توقّف الوصول إلى الدّرجات العالية في الاخرة على تحصيل القلب السّليم و حصوله - التّخلية -؛ قوله - تعالىٰ‌! -


1) . الشّمس، 9-10.

2) . الشعراء، 88-89.

غير مرةٍ‌: (هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ‌)(1)حيث يستفاد منه انّ العلّة الغائيّة لبعث الرّسول و انزال القرآن هي التّزكية و التّعليم.

و قوله - تعالى! -: (قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اَللّٰهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاٰمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ‌).(2)و هو يدلّ على انّ القرآن نزل لتبيين سبل السّلام، و سبل السّلام ليست إلّامراتب السّير إلى اللَّه - تعالىٰ‌! - من التّخلية إلى اللّقاء بمراتبه. كما انّ الاخراج من الظّلمات إلى النّور، و الهداية الخاصّة(3)العنائيّة‌صراط مستقيم لا يكون لهما معنى محصّلًا إلّاذلك.

فهذه الآية أيضًا تدلّ على انّ العلّة الغائيّة لانزال القرآن ليست إلّاالتّخلية و التّحلية و التّجلية و اللّقاء بمراتبه.

بل بامعان النظر في معانى الذكر الحكيم نلتفت إلى انّ غاية أكثر الآيات هي تهذيب النّفس و التّخلّق بالفضائل.


1) . الجمعة، 2.

2) . المائدة، 15-16.

3) . الهداية في القرآن تستعمل تارة و يراد منها الهداية التّكوينية، قال اللَّه - تعالى! -: (رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ‌) - و اخرى يراد منها الهداية التّشريعيّة، - قال اللَّه - تعالى! -: (إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ اَلسَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً) - و ثالثة تستعمل و يراد منها العناية الخاصّة الالهيّة، قال اللَّه - تعالى! -: (الم ذٰلِكَ اَلْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌) - و الهداية المعنى.

هل انّ قصص القرآن لم تسرّد لهذا المقصود؟

و هل الآيات الآفاقيّة و الأنفسيّة لم تنزل لهذه الغاية‌؟

و هل الآيات التّوحيديّة لا تحمل صبغة الأخلاق و لا ترمى ذلك الهدف ايضاً؟

و هل آيات الاحكام لا تدلّ على انّها شرّعت لذلك‌؟

(أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِذِكْرِي).(1)

(إِنَّ اَلصَّلاٰةَ تَنْهىٰ عَنِ اَلْفَحْشٰاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ).(2)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‌).(3)

(خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ‌).(4)

فبناءً عليه لو قلنا انّ القرآن كتاب الاخلاق، و الاسلام مدرسته لكان كلامنا في محلّه لائقاً بشأن القرآن و الاسلام.

هذه نبذة من مفصّل و قطرة من بحر و حسبك ما ذكرناه الان بهذا الخصوص.

لماذا اكّد القرآن على الأخلاق هذا التّأكيد؟!

و هذا مع كونه بمنزلة بيان العلّة لهو دليل قرآنى آخر على المدّعى.


1) . طه، 14.

2) . العنكبوت، 45.

3) . البقرة، 183.

4) . التّوبة، 103.

انّ القرآن باتّباعه اسلوب تشبيه المعقول بالمحسوس اثبت وجوب التّخلّق بالاخلاق الفاضلة. فهو تارة شبّه القلب بالارض فقال: (وَ اَلْبَلَدُ اَلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ اَلَّذِي خَبُثَ لاٰ يَخْرُجُ إِلاّٰ نَكِداً)(1)و تارة شبّه السّيرة و الصّفات الكامنة في النّفس بالشّجر فقال:

(أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي اَلسَّمٰاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا وَ يَضْرِبُ اَللّٰهُ اَلْأَمْثٰالَ لِلنّٰاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ اَلْأَرْضِ مٰا لَهٰا مِنْ قَرٰارٍ).(2)

انّ القرآن ببيانه جزءً من حكايات السلف أثبت انّ التّهذيب و التّخلّق باخلاق اللَّه من اوجب الواجبات. فمثلًا جاء في سورة الشّمس بعد تلك التأكيدات و المقاسمات و بعد قوله (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا * وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا)(3)انّه (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوٰاهٰا)(4)حيث اكّد القرآن على انّ ثمود انّما كذّبوا الرّسول مع تلك المعجزة الباهرة لرذيلة الطّغيان الحاكم عليهم.

فيا للعجب هل يمكن لعاقل ان يقتل ناقة خرجت من بطن الجبل مع ولدها؟!

و هل يمكن لعاقل ان لا يعبأ بتهديد من جاء بتلك المعجزة‌؟!

و هل يمكن لعاقل ان لا يخاف عاقبة فعله الشّنيع‌؟!

نعم انّ القرآن يشير إلى انّ كلّ ذلك ممكن ان يصدر من قوم فضلًا عن رجل


1) . الاعراف، 58.

2) . ابراهيم، 25-26.

3) . الشّمس، 11-12.

4) . الشّمس، 11-12.

واحد إذا تمكّنت فيهم رذيلة ما من الرّذائل الاخلاقيّة.

انّ القرآن في سورة المدّثّر يبيّن عاقبة أمر من كان يدعى بريحانة العرب (الوليد بن المغيرة) و هو القائل في حقّ التنزيل: انّ له لحلاوة و انّ له لطلاوة و انّ اعلاءه لمثمر و انّ اسفله لمعذق و انّه ليعلوا و لا يعلى عليه. و قد قال القرآن فيه:

(إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اِسْتَكْبَرَ * فَقٰالَ إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ قَوْلُ اَلْبَشَرِ).(1)

و علّل قبل ذلك بقوله: (كَلاّٰ إِنَّهُ كٰانَ لِآيٰاتِنٰا عَنِيداً).(2)

فلكتاب اللّه بتلك الآي المباركات دلالةٌ على أنّ الرجل العنود و اللّاجّ و الحسود إذا رسخت في قلبه تلك الصّفات لايذعن للحقّ و إن استيقن به؛ قال - تعالى! -: (وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ اَلْمُفْسِدِينَ‌).(3)

انّ القرآن يصوّر لنا طائفتين من النّاس، طائفة لهم قلب سليم خال عن اللّجاج و الكبر فهم يتحرّون الحقّ و الحقيقة و هم المعنيون بقوله - تعالى! -:

(وَ إِذٰا سَمِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَى اَلرَّسُولِ تَرىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ مِمّٰا عَرَفُوا مِنَ اَلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنٰا آمَنّٰا فَاكْتُبْنٰا مَعَ اَلشّٰاهِدِينَ * وَ مٰا لَنٰا لاٰ نُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ مٰا جٰاءَنٰا مِنَ اَلْحَقِّ وَ


1) . المدّثّر، 18-25.

2) . المدّثّر، 16.

3) . النمل، 14.

نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنٰا رَبُّنٰا مَعَ اَلْقَوْمِ اَلصّٰالِحِينَ‌).(1)

و طائفة لهم قلب اغلف قاس رسخ الكبر و اللّجاج و.... فيه فقال القرآن فيهم:

(وَ إِذْ قٰالُوا اَللّٰهُمَّ إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ اَلسَّمٰاءِ أَوِ اِئْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ‌).(2)

و بهذا يتّضح و يعلّل قوله: (يَوْمَ لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ * إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‌).(3)

و تلخيص القول انّ القرآن يدّعى انّ القلب هو موطن الافكار و الافعال و الاقوال و مبدؤها و انّه لو سلم لسلم الفكر و القول و الفعل. و امّا لو كانت فيه رذيلة و خطيئة فالفكر رجس و الفعل رذيلة و القول أيضًا كذلك.

و قال: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ‌).(4)

وللَّه درّ الشّاعر الفارسى حين يقول: از كوزه همان برون تراود كه در اوست.

(و كلّ إناءٍ بما فيه ينضخ).

هذه خلاصة من مفصّل و قطرة من بحر تلك النّكات و يكيفك لاثبات المقصود هذا المقدار.


1) . المائدة، 83-84.

2) . الانفال، 32.

3) . الشّعراء، 88-89.

4) . الاسراء، 84.

دليل السنّة:

فهى كثيرة و نحن نذكر بعضها:

عن موسى بن جعفر عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليهم السلام «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص بَعَثَ سَرِيَّةً فَلَمَّا رَجَعُوا قَالَ مَرْحَباً بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَ بَقِيَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ قَالَ جِهَادُ النَّفْسِ ثُمَّ قَالَ ص أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْه».(1)

عن الصّادق عليه السلام: «طُوبَى لِعَبْدٍ جَاهَدَ لِلَّهِ نَفْسَهُ وَ هَوَاهُ وَ مَنْ هَزَمَ جُنْدَ هَوَاهُ ظَفِرَ بِرِضَا اللَّهِ وَ مَنْ جَاوَرَ عَقْلُهُ نَفْسَهُ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ بِالْجَهْدِ وَ الِاسْتِكَانَةِ وَ الْخُضُوعِ عَلَى بِسَاطِ خِدْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً وَ لَا حِجَابَ أَظْلَمُ وَ أَوْحَشُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَ بَيْنَ الرَّبِّ مِنَ النَّفْسِ وَ الْهَوَى وَ لَيْسَ لِقَتْلِهِمَا فِي قَطْعِهِمَا سِلَاحٌ وَ آلَةٌ مِثْلُ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ وَ الْخُشُوعِ وَ الْجُوعِ وَ الظَّمَإِ بِالنَّهَارِ وَ السَّهَرِ بِاللَّيْلِ فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ مَاتَ شَهِيداً وَ إِنْ عَاشَ وَ اسْتَقَامَ أَدَّاهُ عَاقِبَتُهُ إِلَى الرِّضْوَانِ الْأَكْبَرِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين».(2)

عن موسى بن جعفر عليه السلام: «يا هشام... وَ جَاهِدْ نَفْسَكَ لِتَرُدَّهَا عَنْ هَوَاهَا فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْكَ كَجِهَادِ عَدُوِّكَ - قَالَ هِشَامٌ فَقُلْتُ لَهُ فَأَيُّ الْأَعْدَاءِ أَوْجَبُهُمْ مُجَاهَدَةً قَالَ ع أَقْرَبُهُمْ إِلَيْكَ وَ أَعْدَاهُمْ لَكَ وَ أَضَرُّهُمْ بِكَ وَ أَعْظَمُهُمْ لَكَ عَدَاوَةً وَ أَخْفَاهُمْ لَكَ شَخْصاً


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 65.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 69.

مَعَ دُنُوِّهِ مِنْك».(1)

«رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص رَجُلٌ اسْمُهُ مُجَاشِعٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فَقَالَ ص مَعْرِفَةُ النَّفْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى مُوَافَقَةِ الْحَقِّ قَالَ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى رِضَا الْحَقِّ قَالَ سَخَطُ النَّفْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى وَصْلِ الْحَقِّ قَالَ هَجْرُ النَّفْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى طَاعَةِ الْحَقِّ قَالَ عِصْيَانُ النَّفْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى ذِكْرِ الْحَقِّ قَالَ نِسْيَانُ النَّفْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى قُرْبِ الْحَقِّ قَالَ التَّبَاعُدُ مِنَ النَّفْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى أُنْسِ الْحَقِّ قَالَ الْوَحْشَةُ مِنَ النَّفْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى ذَلِكَ قَالَ الِاسْتِعَانَةُ بِالْحَقِّ عَلَى النَّفْسِ‌».(2)

عن الصّادق عليه السلام...: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَ مُسْلِمَةٍ وَ هُوَ عِلْمُ الْأَنْفُس».(3)

عن ابي‌عبداللَّه عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَصَ رُسُلَهُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَامْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنْ كَانَتْ فِيكُمْ فَاحْمَدُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَيْرٍ وَ إِنْ لَا تَكُنْ فِيكُمْ فَاسْأَلُوا اللَّهَ وَ ارْغَبُوا إِلَيْهِ فِيهَا قَالَ فَذَكَرَهَا عَشَرَةً الْيَقِينَ وَ الْقَنَاعَةَ وَ الصَّبْرَ وَ الشُّكْرَ وَ الْحِلْمَ وَ حُسْنَ الْخُلُقِ وَ السَّخَاءَ وَ الْغَيْرَةَ وَ الشَّجَاعَةَ وَ الْمُرُوءَة».(4)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 315.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70، ص 72.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70، ص 68.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 56.

عن ابي‌عبداللَّه عليه السلام عن ابيه عن جدّه على بن الحسين عليهم السلام قال: قال موسى بن عمران عليه السلام: «يَا رَبِ مَنْ أَهْلُكَ الَّذِينَ تُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ قَالَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ الطَّاهِرَةُ قُلُوبُهُم».(1)

و الرّوايات بهذا المضمون على حدّ التّواتر المعنوي فمن اراد المزيد فليراجع:

بحار الانوار،(2)و الكافي،(3)و الوسائل(4)و غيرها.

و نحن نكتفى بهذا المقدار و نذكر بعض الرّوايات الواردة في موارد خاصّة:

عن ابي عبداللَّه عليه السلام قال: قال ابو جعفر عليه السلام: «الْعِزُّ رِدَاءُ اللَّهِ وَ الْكِبْرُ إِزَارُهُ فَمَنْ تَنَاوَلَ شَيْئاً مِنْهُ أَكَبَّهُ اللَّهُ فِي جَهَنَّمَ‌».(5)

عن ابي عبداللَّه عليه السلام قال: «مَنْ تَعَصَّبَ عَصَبَهُ اللَّهُ بِعِصَابَةٍ مِنْ نَارٍ».(6)

قال النبيّ صلى الله عليه و آله: «الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ‌».(7)

عن ابي عبداللَّه عليه السلام قال: «دَخَلَ رَجُلَانِ الْمَسْجِدَ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَ الآْخَرُ فَاسِقٌ فَخَرَجَا مِنَ الْمَسْجِدِ وَ الْفَاسِقُ صِدِّيقٌ وَ الْعَابِدُ فَاسِقٌ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْعَابِدُ الْمَسْجِدَ مُدِلًّا بِعِبَادَتِهِ يُدِلُّ بِهَا فَتَكُونُ فِكْرَتُهُ فِي ذَلِكَ وَ تَكُونُ فِكْرَةُ الْفَاسِقِ فِي التَّنَدُّمِ عَلَى


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 391.

2) . ج 69، إلى ج 78.

3) . ج 2 من الاصول.

4) . ج 11.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 309.

6) . راجع: راجع: الكافي، ج 2 ص 308.

7) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 257.

فِسْقِهِ وَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِمَّا صَنَعَ مِنَ الذُّنُوبِ‌».(1)

عن ابي الحسن عليه السلام: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فَقَالَ إِنَّهُ يُحِبُ الرِّئَاسَةَ فَقَالَ مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي غَنَمٍ قَدْ تَفَرَّقَ رِعَاؤُهَا بِأَضَرَّ فِي دِينِ الْمُسْلِمِ مِنَ الرِّئَاسَةِ‌».(2)

قال ابو عبداللَّه عليه السلام: «مَلْعُونٌ مَنْ تَرَأَّسَ مَلْعُونٌ مَنْ هَمَّ بِهَا مَلْعُونٌ مَنْ حَدَّثَ بِهَا نَفْسَه».(3)

هذا نموذج من الرّوايات الواردة في الرّذائل.

و نحن نذكر بعض تلك الرّوايات في محلّها كما نذكر الرّوايات الواردة في الفضائل أيضًا فيما بعد ان شاء اللَّه.

دليل الاجماع:

الاقوال الواردة من اعلام الطائفة في وجوب تهذيب النّفس و التّخلق بالفضائل كثيرة جدّاً بين قدمائهم و متأخّريهم و من نظر إلى كلمات اهل القلوب علم انّ وجوب التهذيب عندهم من الضّروريّات و كأنّه من البديهيّات في الاسلام.

و نحن نذكر بعضها كنموذج:

قال الشيخ الرّئيس في الاشارات: «انّ العقاب للنّفس على خطئتها - كما ستعلم - هو كالمرض للبدن على نهمه، فهو لازم من لوازم ما ساق إليه الاحوال الماضية


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 314.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 297.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 298.

الّتي لم يكن من وقوعها بدّ و لا من وقوع ما يتبعها. و امّا [العاقب] الّذي يكون على جهة أخرى من مبدء له من خارج فحديث اخر».(1)

و قال نصير الملّة و الدّين قدس سره في شرحه عليه: «و هذا النّوع من العقاب انّما يكون للنّفس الانسانيّة بسبب ملكاتها الرّديئة الرّاسخة فيها، فكانّها تكون من داخل ذاتها و هو نار اللَّه الموقدة الّتي تطّلع على الافئدة. لكن الآيات الواردة بالوعيد في الكتب الالهيّة لو اجربت على ظواهرها، لا قتضت القول بعقاب جسمانىّ وارد على بدن المسيئ من خارج على ما توصف في التّفاسير و الاخبار. فاشار الشّيخ إلى ذلك أيضًا بقوله: «و امّا العقاب الّذي يكون على جهة أخرى من مبدء له من خارج فحديث» اي اثباته على الوجه المشهور لو كان حقّاً لكان سمهيّاً».(2)

قال الشيخ البهائي «قدس اللَّه روحه» قال بعض اصحاب القلوب: «إنّ الحيّات و العقارب بل و النّيران الّتي تظهر في القبر و القيامة هي بعينها الاعمال القبيحة و الأخلاق الذميمة و العقائد الباطلة الّتي ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة و تجلببت بهذه الجلابيب، كما انّ الروح و الريحان و الحور و الثمار هي الأخلاق الزكيّة و الاعمال الصالحة و الاعتقادات الحقّة الّتي برزت في هذا العالم بهذه الزّي و تسمّت بهذا الاسم، إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف الأماكن، فتحلّى في كلّ موطن بحلية و تزّيي في كلّ نشأة بزّي؛ و قالوا: إنّ اسم الفاعل في قوله


1) . راجع: الإشارات و التّنبيهات، ج 3 ص 328.

2) . راجع: الإشارات و التّنبيهات، ج 3 ص 330.

تعالى! -: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذٰابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ‌)(1)ليس بمعنى الاستقبال بأن يكون المراد أنّها ستحيط بهم في النشأة الاخرىٰ‌، كما ذكره الظاهريّون من المفسرين، بل هو على حقيقته أي معنى الحال، فانّ قبائحهم الخلقيّة و العمليّة و الاعتقاديّة محيطة بهم في هذه النشأة، و هي بعينها جهنّم الّتي ستظهر عليهم في النشأة الاُخروّيه بصورة النار و عقاربها و حياتها».(2)

و قال صدر المتألهين في الاسفار: «و امّا تحول النّفس من نشأة الطبيعة الدنيويه إلى النشأة الاخرويّة و صيرورتها بحسب ملكاتها و احوالها مصورّة بصورة اُخروّيّة حيوانيّة أو غيرها حسنة بهيّة نوريّة او قبيحة ردّيّة ظلمانيّة سبعيّة او بهيميّة متخالفة الانواع حاصلة من اعمالها و أفعالها الدنيويّة الكاسبة لثلك الصورة و الهيئات، فليس ذلك مخالفاً للتحقيق بل هو أمر ثابت بالبرهان، محقق عند ائمة الكشف و العيان، مستفاد من أرباب الشرايع الحقة و سائر الاديان، دلّت عليه ظواهر النصوص القرآنيّة و الاحاديث النبوية».(3)

و قال في موضع آخر من هذا الكتاب القيّم: «إنّ القول و الفعل مادام وجودهما في أكوان الحركات و مواد المكونات فلا حظّ لها من البقاء و الثبات، ولكن من فعل فعلًا أو تكلّم بقول يظهر منه أثر في نفسه و حالة قلبيّة تبقي زماناً، و إذا تكررت الافاعيل و الاقاويل استحكمت الآثار في النّفس و صارت الاحوال ملكات، إذ


1) . العنكبوت، 54.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 228-229.

3) . راجع: الاسفار، ج 9 ص 4.

الفرق بين الملكة و الحال بالشدّة و الضعف، و الاشتداد في الكيفيتة يؤدىّ إلى حصول صورة جوهريّة هي مبدأ مثل تلك الكيفيّة كالحرارة الضعيفة في الفحم إذا اشتدت صورة ناريّة محرقة، و كذلك الكيفيّة النفسانيّة إذا اشتدت صارت ملكة راسخة اي صورة نفسانيّة هي مبدء آثار مختصّة بها فيصدر بسبها الفعل المناسب لها بسهولة من غير روّيّة و تعمّل، و من هذا الطريق تحدث ملكة الصناعات و مبدأ المكاسب العلميّة و العمليّة، و لو فيوماً لم يكن لأحد من النّاس اكتساب شيء من الصناعات العلميّة و العمليّة و لم ينجع التأديب و التعليم لاحد و لم يكن في تمرين الاطفال على الاعمال فائدة.... و هذه الهيأة الراسخة للنفس المتمثلّة لها يوم القيامة هي الّتي تسمّى في عرف الحكمة بالملكة، لانّ المحقق عندنا انّ الملكات النفسانيّة تصير صوراً جوهريّة و ذواتاً قائمة فعالة في النّفس تنعيماً و تعذيباً....».(1)

و من كلام فيثاغورس و هو من أعاظم الحكماء الاقدمين: «انّك ستعارض لك في افعالك و اقوالك و افكارك، و سيظهر لك غضبيّة صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك و يحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك، و ان كانت الحركة عقليّة صارت ملكاً تلتذّ بمنادمته في دنياك و تهتدي به في اُخراك إلى جوار للَّه ودار كرامته».(2)

و قال الغزّالي: «فان كنت المشغول بنفسك فلا تشغل إلّابالعلم الّذي هو فرض عليك بحسب ما يقتضيه حالك و ما يتعلّق منه بالاعمال الظّاهره من تعلّم الصّلوة و الطّهارة و الصّوم و انّما الأهمّ الّذي اهله الكلّ علم صفات القلب و ما يحمد منها و ما


1) . راجع: الاسفار، ج 9 ص 290-294.

2) . راجع: الأسفار، ج 9 ص 290-294.

يذمّ إذ لا ينفك بشر عن الصّفات المذمومه مثل الحرص و الحسد و.... و جميع ذلك مهلكات و اهمالها من الواجبات».(1)

و قال الشّهيد الثّاني قدس سره في منية المريد: «هي (تزكية النّفس) فرض عيني باجماع المسلمين».(2)

و قال قدس سره في موضع آخر: «.... ما هو أهمّ و معرفته اوجب و المطالبة به والمنافسة عليه اعظم هو تطهير النّفس عن الرذائل الخلقية».(3)

و قال الفيض قدس سره: «و التّلطّف في اجتذاب القلوب إلى العلم الّذي يفيد حياة الأبد اهمّ من التّلطّف في اجتذابها إلى الطّبّ الّذي لا يفيد إلّاصحّة الجسد».(4)

و قال قدس سره في موضع آخر: «قال اللَّه عزّوجلّ انّما المشركون نجس، تنبيهاً للعقول على ان الطهارة و النجاسة غير مقصور على الظواهر المدركة بالحس، فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول البدن ولكنه نجس الجواهر اي باطنه ملطخ بالخبائث، و النجاسة عبارة عمّا يجتنب و يطلب البعد منه و خبائث صفات الباطن أهمّ بالاجتناب، فانها مع خبثها في الحال مهلكات في المآل، و لذلك قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «لٰا تَدخُلُ المَلٰئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ‌» و القلب بيت هو منزل الملئكه و مهبط اثرهم و محل استقرارهم و الصفات الرديّة مثل الغضب و الشهوة و الحقد و الحسد و الكبر و العجب و اخواتها كلاب نابحه، فانى تدخله الملئكه و هو مشحون بالكلاب


1) . راجع: إحياء علوم الدّين، ج 1 ص 66.

2) . راجع: منية المريد، ص 55.

3) . راجع: منية المريد، ص 55.

4) . راجع: المحجة البيضاء، ج 1 ص 7.

.... و في الاخرة تتبع الصور المعانى و تغلب المعانى فلذلك يحشر كلّ شخص على صورته المعنويّة فيحشر الممزّق لاعراض النّاس كلباً ضارياً و الشره إلى اموالهم ذئباً عادياً، و المتكبّر عليهم في صورة نمر، و طالب الرئاسة في صورة أسد و قد وردت بذلك الاخبار، و شهد به الاعتبار عند ذوي البصائر و الابصار».(1)

و قال المحقق النراقي قدس سره: «فضائل الأخلاق من المنجيات الموصلة إلى السعادة الابديّة و رذائلها من المهلكات الموجبة للشقاوة السرمدية، فالتخلّى عن الثانية و التحلّى بالاولى من أهمّ الواجبات، و الوصول إلى الحياة الحقيقه بدونهما من المحالات. فيجب على كلّ عاقل ان يجتهد في اكتساب فضائل الأخلاق.... و الاجتناب عن رذائلها.... و لو قصّر ادركته الهلاكة الابدية».(2)

و قال قدس سره في موضع اخر: «مثل من بواظب على الطاعات الظاهرة و يترك تفقد قلبه كبئر الحش ظاهرها جص و باطنها نتن و كفبور الموتى ظاهرها مزينة و باطنها جيفة، او كبيت مظلم وضع السراج على ظاهره فاستنار ظاهر و باطنه مظلم، او كرجل زرع زرعاً فنبت و نبت معه حشيش يفسده فامر بتنقية الزرع عن الحشيش بقلعه عن اصله، فاخذ يجزّ رأسه و يقطعه قلا يزال يقوى اصله و ينبت فان الأخلاق المذمومةٖ في القلب هي مغارس المعاصي فمن لم يطّهر قلبه منها لم تتم له الطاعات الظاهر».(3)


1) . راجع: المحجة البيضاء، ج 1 ص 110.

2) . راجع: جامع السَّعادات، ج 1 ص 41.

3) . راجع: جامع السَّعادات، ج 1 ص 42.

و قال السّيد شبّر: «طلبه فرض على جميع المسلمين و به يحصل التأسّى بسيد المرسلين و عترته الطاهرين، فانّ الأخلاق الحسنة هي المنجيات و الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة المهلكات المبعدة من جوار ربّ العالمين و المنخرطة بصاحبها في سلك الشّيطان اللعين، و امراض القلوب و النفوس المضرة بالاديان اعظم ضررًا من امراض الاجساد و الابدان، إذ تلك مغوية لحياة الجسد و هذه تفوت حياة الابد، و وجوب ذلك الطبّ كفائي و تعلّم هذا الطبّ واجب عيني».(1)

و قال المحقق النراقي قدس سره: «و بحكم محكم عقل و نفس مستفيض نقل بر هر يك از افراد سالكين منهج رشاد و طالبين طريق ارشاد لازم است كه اولًا از آئينه گيتى نماى دل زنگ رذائل زائل و بعد از آن ادهم همت بصورب تجمّل بحلل فضائل مايل سازد، چه بدون تخلية تحليه ميسر نشود و انعكاس نقش حبيب در نفس خبيث صورت نبندد».(2)

و قال في موضع آخر: «آلام و بيماريهاى روح عبارت است از اخلاق دميمه و صفات رذيله كه موجب هلاكت و بد بختى روح است و او را از درك لذات روحانيه و رسيدن به سعادات ابديه باز مى‌دارد».(3)

و قال الامام خمينى قدس سره: «و از بالاترين و والاترين حوزه‌هايى كه لازم است به طور همگانى مورد تعليم و تعلّم قرار گيرد علوم معنوى اسلامى از قبيل علم


1) . الاخلاق، ص 3.

2) . معراج السعادة، ص 4.

3) . معراج السعادة، ص 11.

اخلاق و تهذيب نفس و سير و سلوك إلى اللَّه رزقنا اللَّه و اياكم كه جهاد اكبر مى‌باشد».(1)

و قال قدس سره ايضاً: «.... جهنم با اعمال و كردار زشت انسان روشن مى‌گردد.

اين اعمال بشر چموش است كه آتش افروزى مى‌كند، فرمود: «جزنا و هي خامده - از جهنم گذشتيم در حالى كه خاموش بود»، اگر بشر با اين اعمال و كردار خويش آتش نيفروزد جهنم خاموش است. باطن اين طبيعت جهنم است اقبال به طبيعت اقبال به جهنم است. وقتى انسان از اين جهان به جهان ديگر رخت بربندد و پرده‌ها پس برود مى‌فهمد كه (ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ‌)، (وَجَدُوا مٰا عَمِلُوا حٰاضِراً) تمام اعمالى كه در اين دنيا از انسان سر مى‌زند در آن جهان ديده مى‌شود، در برابر وى مجسّم مى‌گردد: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‌) تمام اعمال و كردار و گفتار انسان در جهان ديگر منعكس مى‌گردد، گويى از زندگى ما فيلم بردارى مى‌شود و در آن جهان نشان داده خواهد شد و قابل انكار نخواهد بود. همۀ اعمال و حركات ما را علاوه بر شهادت اعضاء و جوارح به ما نشان خواهند داد: (قٰالُوا أَنْطَقَنَا اَللّٰهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ‌) در مقابل خداوند كه همه چيز را ناطق و گويا قرار داده نمى‌توانيد اعمال زشت خود را انكار كنيد».(2)

و قال العلامة الطباطبايي في ذيل قوله - تعالىٰ‌! - (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّٰ أَنْ قٰالُوا


1) . في وصيته الالهيّة السياسية.

2) . جهاد اكبر، ص 206.

وَ اَللّٰهِ رَبِّنٰا مٰا كُنّٰا مُشْرِكِينَ‌): كذبهم و حلفهم على الكذب يوم القيامة مما وقع في كلامه - تعالىٰ‌! - غير مرّة، و مثل الآية قوله - تعالى! -: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللّٰهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمٰا يَحْلِفُونَ لَكُمْ‌)(1)و ليس كذبهم و حلفهم عليه للتوصل به إلى الاغراض الفاسدة و ستر الحق كما يتوصل اليها بالكذب في الدنيا، فان الآخرة دار جزاء لا دار عمل و اكتساب لكنّهم لكونهم اعتادوا أن يتفصّوا من المخاطرات و المهالك و يجلبوا المنافع إليهم بالأيمان الكاذبة و الأخبار المزورة خدعة و غروراً رسخت في نفوسهم ملكة الكذب، و الملكة إذا رسخت في النّفس اضطرت النّفس إلى اجابتها إلى ما تدعوا اليه، و ذلك كما ان البذي الفحاش إذا استقرت في نفسه ملكة السبّ لا يقدر على الكف عنه و ان عزم عليه و المستكبر اللجوج العنود لا يملك من نفسه أن يتواضع، و ان خضع في موقف الملكة و الذلة احياناً فأنما يخضع ظاهراً و بلسانه، و امّا باطناً فهو على حاله لم يتغير و لن يتغير التبة».(2)

و قال قدس سره في ذيل آية 14، الاسراء: (اِقْرَأْ كِتٰابَكَ كَفىٰ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً): قوله «كفى بنفسك» الباء فيه زائدة للتأكيد و أصله كفت نفسك و انّما لم يؤنث الفعل لانّ الفاعل مؤنث مجازي يجوز معه التذكير و التأنيث».(3)

هذه نبذة يسيرة من الأقوال في هذا المضمار. و قد أشرنا فيما سلف إلى أنّه من نظر إلى كلمات اهل القلوب علم انّ وجوب تهذيب النّفس عندهم من الضّروريات


1) . المجادلة، 18.

2) . الميزان، ج 7، ص 51.

3) . الميزان، ج 13 ص 56.

و كانّه من البديهيّات في الاسلام.

دليل العقل:

قد ظهر من مطاوي كلماتنا كراراً ان وجوب تهذيب النّفس و وجوب التّخلّق بالفضائل من الفطريات و انّ العقل يستقلّ بالحكم به كما انّ العقلا كلّهم يوجبون المذمّة لمن اهمل ذلك و يوجبون الكرامة لمن اهتمّ به.

و بعبارةٍ أخرى انّ العقل و العقلاء يحكمون بانه ينبغي أن يقلع مادّة الرذائل، لانّ حقّ الشّجرة الخبيثة ليس إلّاذلك، و ان الفضائل كلّها ينبغي ان تغرس في القلب، لانّ ذلك من حقّ الشّجرة الطّيّبة.

فبعد ذلك يظهر انّ الآيات كالرّوايات و الاقوال كلّها ليست إلّاارشاديّة إلى حكم العقل و ليس هناك اعمال تعبّد اصلًا.

توضيح ذلك: انّ الاحكام الشرعيّة قسّمت إلى المولويّات و الامضائيّات و الارشاديّات.

و المراد من المولويّات هي الاحكام الّتي لا تنالها يد العقل اصلًا كوجوب الصّلوة و الصّوم و الحجّ سيّما إذا انضمّت إليها خصوصيّاتها، فلذا اطلق على هذه الاحكام التّعبّديات. و معناها انّ العقل لمّا صدّق الرّسالة و ما جاء به صدّق اجمالًا بانّ ما جاء به حقّ و ذو مصلحة ان كان امرًا أو ذو مفسدة إن نهي عنه فصار نهياً من غير ان يفهم حقيقته تفصيلًا. و هذا هو مرادهم من قولهم: كلّما حكم به الشّرع حكم به العقل. و معناه انّ العقل يحكم بحقيّة ما حكم به الشّرع لكن اجمالًا لا

تفصيلًا.

و امّا الامضائيّات فهي الاحكام الشّرعيّة الدّارجة بين العقلاء كالأمارات و الطّرق و الاصول العقلائيّة مثل خبر الثّقة و قاعدة اليد و قاعدة اصالة الصّحّة ممّا تكون دارجة بينهم و الاسلام أمضاها، فتلك الامارات و القواعد احكام شرعيّة من جهة و احكام عقلائيّة من جهة. و بالجملة انّها الاحكام العقلائيّة الّتي امضاها الشّرع و ليس للشّارع اعمال تعبّد فيها اصلًا.

و امّا الارشاديّات الّتي تقال لها الملازميّات أيضًا فهي الاحكام الّتي يستقلّ العقل بحكمها و يفهم حقيقتها و يدرك مصالحها و مفاسدها نظير وجوب طاعة اللَّه و الرّسول و الائمّة عليهم السلام، و نظير حسن العدل و قبح الظّلم و وجوب الاتيان بالعدل و التّلبّس به و ترك الظلم و التّلبّس به، و لا يحتاج العقل في درك مثل ذلك إلى الشّرع اصلًا.

فلو قال الشّارع: (أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ‌)(1)او قال: (إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي اَلْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ اَلْفَحْشٰاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْبَغْيِ‌)(2)فليس إلّاتأكيداً لحكم العقل و ارشاداً إليه من غير اعمال تعبّد أصلاً. و هذا معنى قولهم: «كلّما حكم به العقل حكم به الشّرع» اي انّ الضّروريات العقليّة و الأمورالفطريّة و المستقلّات العقليّة هي ممّا حكم به الشّرع و لا معنى لانكارها من احد، بل لو قال الشّارع بها فلا يكون إلّاتأكيداً و ارشاداً إلى ما قال به العقل.


1) . النّساء، 59.

2) . النّحل، 90.

فبناءً عليه لمّا كانت الفضائل كلّها و الرّذائل كلّها بل و ما يصدر منهما من الاخلاقيّات، كلّها من الفطريات و ممّا يستقلّ به العقل - قال - تعالى! -: (وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا * فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا)(1)- فليس للشّارع فيها تأسيس اصلًا.

ولو قال - تعالى! -: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا * وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا)(2)فهو ممّا ادركه العقل و حكم به، فهو ارشاد إلى مدرَك من مدركاته.

كما و لو قال - تعالى! -: (يَوْمَ لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ * إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‌)(3)فليس إلّاممّا حكم به العقل.

فلو قسّم القرآن المجتمع إلى قسمين و صوّر طائفةً منهم بقوله: (وَ إِذْ قٰالُوا اَللّٰهُمَّ إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ اَلسَّمٰاءِ أَوِ اِئْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ‌)(4)و طائفة أخرى منهم بقوله: (وَ إِذٰا سَمِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَى اَلرَّسُولِ تَرىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ مِمّٰا عَرَفُوا مِنَ اَلْحَقِّ‌)(5)فليس ذلك إلّاارشاداً إلى ما يحكم به العقل الضّرورىّ الفطرىّ‌.

هكذا في قول الرسول صلى الله عليه و آله بعد رجوعه من سريةٍ‌: «مَرْحَباً بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَ بَقِيَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ قَالَ جِهَادُ


1) . الشّمس، 7-8.

2) . الشّمس، 9-10.

3) . الشّعراء، 88.

4) . الانفال، 32.

5) . المائدة، 83.

النَّفْس»(1)و في قوال الامام عليه السلام: «لا يدخل الجنّة من في قلبه ذرّة من كبر»(2)و في قول النّبيّ صلى الله عليه و آله: «إِيَّاكُمْ وَ الْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ‌»(3)فليس فيه اعمال تعبّد، بل هو محض الارشاد.

فلو ذهب العلماء إلى ما ذهبوا إليه و قالوا بما قالوا به من انّ تهذيب النّفس من اوجب الواجبات و انّه من الضّروريات، فليس في اجماعهم اعمال تعبّد، بل انّهم قالوا بما يستقلّ به العقل و أرشدوا اليه.

و الحاصل انّ الدّليل كلّ الدّليل لوجوب تهذيب النّفس و وجوب التّخلّق بالفضائل بل ما يصدر عن الفضائل و الرّذائل المسمّى بالأخلاقيّات هو العقل السّليم الفطريّ وحده فما بقى عن الادلّة من الكتاب و السّنّة و الاجماع ليس إلّا ارشاداً إليه و لا استقلال له اصلًا و ليس من شأنه إلّاالتأكيد عليه و التّنبيه إليه.

فاطلاق تلك الادلّة و تقييدها و عمومها و خصوصها وسعتها وضيقها تابع لما يرشد إليه العقل و هو المستقلّ به.

فلذا لسنا بصدد البحث عن قوّة سند الرّوايات وضعفها بل بصدد بيان مدلول الرّوايات صحّة و سقماً. فالرّواية القويّة دلالةً المطابقة للاعتبار ننقلها ولو كانت ضعيفة سنداً، و الرّواية الّتي لا دلالة لها لا نأتى بها و لو كانت صحيحة سنداً. فهذه طريقتنا في نقل الرّوايات بل في نقل الاقوال ايضاً، كما كانت هذه طريقة السّلف في


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 65.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 310.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 255.

هذا العلم.

و الظّاهر انّهم سلكوا هذه الطّريقة لما قلناه لا لشئ آخر نظير ما نسب إلى بعض جهلة الصّوفيّة من جواز نقل محتمل الكذب بل قطعيّه لاثبات المقصود من ردع النّاس عن الرّذائل و المنكرات و تخلّقهم بالفضائل و تحريصهم و ترغيبهم على الواجبات و المندوبات.

لانّ هذا كلّه لو صحّت النّسبة لا يكون إلّافي غاية البعد عن سيرة العلماء، بل هو خلاف الأخلاق و انّ الشّرع المقدّس لبرئ منه.

و ما قيل من انّ نقل الرّوايات الضّعاف في مثل المقام من باب التّسامح في أدلّة السّنن في غاية السقوط.

لانّ شمول روايات قاعدة التّسامح في أدلّة السّنن تختصّ بالمستحبّات و شمولها لما نحن فيه في غاية الاشكال.

هذا تلخيص الكلام فيما نحن فيه و تفصيل الأمر يُطلب من علم الأصول.

الفصل الخامس كيفيّة التّزكية

اشارة

كيفيّة التّزكية

مقدّمة:

انّ البحث عن كيفيّة التّزكية من أبحاث هذا العلم الطوال، و لابدّ لنا من تأتّيه لانّه من أهم المباحث.

و البحث عنها اعمّ من كيفيّة تهذيب النّفس عن رذائل الأخلاق و الملكات و من رذائل الاخلاقيّات من الافعال و الاقول و الافكار. و كذلك اعمّ من كيفيّة التّزكية و من كيفيّة التّخلّق بالملكات الفاضلة و من الاخلاقيّات الفاضلة من الافعال و الاقوال و الافكار.

فنسأل اللَّه التّوفيق و العناية لتبيين هذا البحث الهامّ مستوفىً بحقّ وسائط فيضه المقدّسين محمّد و آله سيّما بقيّة اللَّه في ارضه صلوات اللَّه عليهم.

و قبل الورود في اصل الكلام لابدّ من ان ننبّه القارئ الكريم إلى بعض ما مضى ذكرها على سبيل الاجمال و نشير إلى ما سيأتي ان شاء اللَّه مفصّلًا فنقول:

1 - انّ تهذيب النّفس مشكل و صعب مستصعب و قد ورد في الرّوايات انّه عدّ من الجهاد الاكبر.(1)

و عدّ في قوله - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاٰقِيهِ‌)(2)من الأمور ذي‌العناء و المشقّة، فالعبور منه و الوصول إلى الهدف بعد طي المنازل من التّوبة و اليقظة و التّخلية و التّجلية صعب جدًّا. فلو لا فضل اللَّه و رحمته لايمكن لاحد أن يجتاز هذا الطّريق الصعب.

قال - تعالى! -: (وَ لَوْ لاٰ فَضْلُ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مٰا زَكىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ يُزَكِّي مَنْ يَشٰاءُ‌).(3)

2 - انّ سالك هذا الطّريق لابدّ من ان يعلم انّ الطّريق و ان كان ذا مشقّة و عناء و سلوكه يقتضي تحمّل المشاقّ‌، إلّاانّ ثواب طيّ المنازل من افضل المثوبات، و لا ثواب و لا عمل افضل منه، فهو أفضل من الجهاد في سبيل اللَّه، المعدود من من الجهاد الاصغر في الروايات بينما عدّ ذلك من الجهاد الاكبر فيها.(4)

فهو من العبادات العظيمة، سواء وصل السّالك إلى المقصود و نال بمبتغاه ام لا يصل، فمجاهدة النّفس و الهوى و الرّذائل عبادة، غلب عليها او غلبت عليه.

3 - بنبغي الالتفات إلى انّ الإنسان خُلق لطيّ تلك المنازل حتّى يصل إلى مقام اللّقاء و القرب و يعرف نفسه و يصبح تامّ القابليّة لأخذ الفيض، كما انّ اللَّه - تعالىٰ‌!


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 11 ص 116.

2) . الانشقاق، 6.

3) . النّور، 21.

4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 11 ص 116.

تامّ الفاعليّة في اعطاء الفيض. فقد جعله - سبحانه و تعالىٰ‌! - خليفةً له مسجودًا للملائكة و أمكن له ان يصل إلى مقام جواره كما و قد جعل قلبه عرشه و أمانةً منه و ...(1)

و الالتفات إلى انّ هذه الدّنيا ليست مقرّاً له، بل انّها معبر و مسير، فهو للَّه و من اللَّه وإلى اللَّه، كما قال - تعالى! -: (إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ‌(2)يعينه في سيره هذا.

نعم انّها دار امتحان و استكمال و انّها وسيلة لا غاية.

قال - تعالى! -: (وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ اَلْخَوْفِ وَ اَلْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ اَلْأَمْوٰالِ وَ اَلْأَنْفُسِ وَ اَلثَّمَرٰاتِ وَ بَشِّرِ اَلصّٰابِرِينَ * اَلَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قٰالُوا إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ * أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ‌).(3)

و الالتفات إلى انّ رذائل الصّفات بلاء عظيم و ليس هناك داء اشدّ منها و انّها توجب شقاء الدّارين، اَلا ترى انّ نمرود و فرعون و هامان و جنودهم و انّ ابا سفيان و اباجهل و الوليد و اتباعهم اهلكتهم صفاتهم الرّذائل كما حكى الذّكر الحكيم حكاياتهم و أمر بالنّظر إلى أحوالهم و الاعتبار منها.

قال - تعالى! -: (لَقَدْ كٰانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبٰابِ‌).(4)

الاترى انّ الرّذائل و المعاصي كلّها ناشئة من تلك الملكات، كما انّ الفضائل و


1) . البقرة، 30؛ الحجر، 29؛ الاحزاب، 72؛ القمر، 54.

2) . البقرة، 156.

3) . البقرة، 156-157.

4) . يوسف، 111.

الخيرات كلّها ناشئة من ملكاتها الفاضلة.

قال - تعالى! -: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ‌).(1)

4 - انّ شرح الصّدر يعني القدرة على تنحية المشاكل و تحمّلها و الصّبر على النّائبات و المصائب، و عدم اليأس ان لم يقدر على تنحيتها، و هذا شرط بنائي في المقام، لانّ هذا الطّريق كبحر عميق قد غرق فيه خلق كثير، فله موج بعد موج و جزر بعد مدّ و مد بعد جزر و الإنسان فيه قد يوفّق فيتقدّم خطوة خطوة بل منزلًا منزلًا، و قد يتقهقر فلايجد سبيلاً إلى امامه، و قد يتوقّف مدّة مديدة. فشرح الصّدر و عدم اليأس يمكّنه من الثبات حتّى يصل‌غايته.

5 - لابدّ لسالك هذا الطّريق من ان لا يتوغّل في المشتهيات النّفسيّة، لانّ خطرها عظيم ولو لم يصل إلى حدّ الاتراف و الاسراف و التّبذير.

و المستخلص انّ التّوغّل في المشتهيات و متابعة الميول النّفسيّة قد يؤدّي إلى حدّ الاسراف و التّبذير و الاتراف، فهو من المحرّمات، و قد أخبر الذكر الحكيم انّه يوجب عذاباً اليماً في الدّنيا و الآخرة.

قال - تعالى! -: (وَ مٰا أَرْسَلْنٰا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّٰ قٰالَ مُتْرَفُوهٰا إِنّٰا بِمٰا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كٰافِرُونَ‌).(2)

و المترف هو العيّاش المغرور الّذي لا يرى الترفّه إلّاترفّهه الدّنيويّة و لا سعادة إلّا توسّعة في نعمه الزائلة من المال و الرّئاسة و القدرة و....


1) . الاسراء، 84.

2) . السّبأ، 34.

و قد لا يصل إلى ذلك الحدّ فهو مذموم موجب للكسل في العبادات فضلًا عن السّلوك‌جناب الحقّ - تعالىٰ‌! - و طيّ منازل التّخلية و التّحلية، فمن اراد ان يجتاز هذا الطّريق لابدّ له من الاجتناب عن التّرف و البذخ. و لقد اجاد من اوصى تلامذته مؤكّدًا فيها: ايّاكم ثمّ ايّاكم و التّوغّل في المشتهيات.

نعم لابدّ من ان يعلم انّ التّوغّل في المشتهيات كما كان موجباً للبطؤ و التوان، فكذلك التّفريط في المشتهيات النّفسانيّة أيضًا يوجب التأخّر و السّقوط، فعدم الاهتمام ببعد الإنسان الحيواني و الاضرار به حرامٌ كما قد ذمّ في روايات كثيرة الاضرار به، و سيأتي نقل تلك الرّوايات ان شاء اللَّه، و يكفيك فعلًا مما جاء في القرآن:

قوله - تعالى! -: (وَ اِبْتَغِ فِيمٰا آتٰاكَ اَللّٰهُ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ وَ لاٰ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَلدُّنْيٰا).(1)

و قوله - تعالى! -: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّٰهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ اَلطَّيِّبٰاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ‌).(2)

و قوله - تعالى! -: (يٰا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لاٰ تُسْرِفُوا).(3)

فلايمكن تهذيب النّفس و التخلّق باخلاق اللَّه إلّابرعاية العدل في الّتمايلات


1) . القصص، 77.

2) . الاعراف، 32.

3) . الاعراف، 31.

النّفسانيّة و ارضائها.

6 - الاستعانة من اللَّه بالصّلوة و الدّعاء و التّضرّع و الابتهال و باعانة المسلمين بل باعانة غيرهم و حتّى الحيوانات، و التّوكّل عليه - تعالىٰ‌! - لطيّ هذا الطّريق أمر ضروري، و لا يمكن الوصول إلى منزل سواء كان الأوّل من المنازل او غيره إلّااو ما بعده بالاستعانة منه - تعالىٰ‌! - و التّوكّل عليه.

و ينبغي ان نذكر هيهنا ما جاء في صدر سورة المزّمل و هو دستور جامع لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله لنجاحه في رسالته، و من جعل هذا الدّستور نصب عينه فله أن يوفّق في مبتغاه و يجعل اللَّه له اليسر، فعلى من يريد التخلّق بأخلاقه - تعالىٰ‌! - أن يجعله نصب عينيه.

و هذا الدّستور يتضمّن اموراً:

الف - ادراك المسؤليّة، و معلوم انّ معرفة المسؤليّة و التّهيّؤ للعمل بها حجر بنّاء للنّجاح. فالانسان لو لم يعرف مسؤليّتة او قدرها و خطرها او عرفها ولكن تهاون بها فلاظفر له أصلاً.

فمن اراد السّير إلى اللَّه - تعالىٰ‌! - لابدّ له من المرور بمنزل التّخلية، فيجب ان يعلم انّه أمر عظيم صعب غاية الصّعوبة

كمن يريد أن ينصر الإسلام ليظهر على الحضارات و الأديان كلّها، و قد أمر اللّه - تعالىٰ‌! - بالجدّ في المسؤوليّة بقوله:

(يٰا أَيُّهَا اَلْمُزَّمِّلُ * قُمِ اَللَّيْلَ إِلاّٰ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ

رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنّٰا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً).(1)

و كلمة «المزّمّل» بمعني المتزمّل ثوبه (لفّه على نفسه) جي بها هنا كناية عن النّبوّة، فالمعنى أخاطبك أىّ هذا الّذي لبس عباءة النّبوّة. اشارة إلى ثقل الأمر. ثمّ يفصّل هذا المجمل بقوله: (إِنّٰا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً).

ب - يظهر من قوله - تعالى! -: (قُمِ اَللَّيْلَ إِلاّٰ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنّٰا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نٰاشِئَةَ اَللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلاً)(2)انّ السّهر و احياء الليل بالميسور لازم في جلائل الأمور كلّها، و القرآن اهتمّ به كلّ الاهتمام و لا سيما قبل طلوع الفجر و عنده، و في آيات كثيرة أقسم بهما.

قال - تعالى! -: (وَ اَللَّيْلِ إِذٰا عَسْعَسَ * وَ اَلصُّبْحِ إِذٰا تَنَفَّسَ‌).(3)

و قال - تعالى! -: (وَ اَللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَ اَلصُّبْحِ إِذٰا أَسْفَرَ).(4)

و قال - تعالى! -: (وَ اَلْفَجْرِ * وَ لَيٰالٍ عَشْرٍ * وَ اَلشَّفْعِ وَ اَلْوَتْرِ * وَ اَللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ).(5)

و يظهر من قوله - تعالى! -: (إِنَّ نٰاشِئَةَ اَللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلاً) ان قيام اللّيل يوجب استحكام الإرادة و الجدّ في العمل و الاستقامة في الامر، كما انّ‌


1) . المزّمّل، 1-5.

2) . المزّمّل، 2-6.

3) . التّكوير، 18.

4) . المدّثّر، 34.

5) . الفجر، 1-3.

قوله - تعالى! -: (تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌) (1)يدلّ على انّ قيام اللّيل يوصل المرء إلى مقام لا يدركه أحد.

و تخصيص الآية و نعمها بالاخرة لا وجه له، لانّ في هذه الدّنيا رجالاً لهم من اللّذّات المعنويّة سيما في آخر اللّيل و عند الفجر ما لايدركه غيرهم، فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرّة اعين.(2)

و اخيراً فانّ قيام اللّيل مؤثّر في النجاح في كلّ أمر سيّما التّهذيب و التّزكية، بل لا يمكن السير إلّابه.

ج - الّتمسّك بالقرآن شرط بنّاء في التّوفيق و إليه - تعالىٰ‌! - في هذه السّورة بقوله: (وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً).(3)

هذا القرآن كتاب لا أعظم منه و انّ اللَّه - تعالىٰ‌! - تجلّى باسمائه و صفاته كلّها فيه ثمّ تنزّله من وراء حجب كثيرة من الحجب النّوانيّة كالعرش و اللّوح و القلم و...

و الظّمانيّة كهذه العوالم حتّى يمكن للانسان ان يسمعه او يتلوه او يفهمه و ان كان لايفهم منه إلّاالقليل كقطرةٍ من البحر. فهو نور ينوّر القلوب و ذكر للمذكّر و شفاء لما في الصّدور.

و الّتمسّك به على اقسام:


1) . السّجدة، 16-17.

2) . المزّمّل، 4.

3) . السّجدة، 17.

الأوّل - قراءته، و هي اوّل مراتب الّتمسّك به و قد اكّد القرآن عليها تأكيداً بليغاً فقال: (فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضىٰ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي اَلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اَللّٰهِ وَ آخَرُونَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ‌).(1)

الثّاني - التّدبّر فيه، قال - تعالى! -: (أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا).(2)

و المتدبّر في القرآن لا يصل إلى حدٍّ يقف عنده، لانّ القرآن تجلّى الحقّ التامّ‌، فالسير فيه لا يكون له حدّ، فكلّما يتدبّر المتدبّر يصل إلى شيء لم يصل إليه قبل ذلك حتّى يصل إلى ملكوته الاعلى.

قال - تعالى! -: (قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اَللّٰهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاٰمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ‌).(3)

الثّالث - الاستفادة من حقيقة القرآن و هدايته الخاصّة، و هي الايصال إلى المطلوب، و هذا يختصّ بالمطهّرين، قال اللَّه - تعالى! -: (فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ * لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ‌).(4)

د - من الأمورالهامّة في الاسلام هو صلوة اللّيل الّتي وعد اللَّه بها المقام المحمود


1) . المزّمّل، 20.

2) . محمّد، 24.

3) . المائدة، 15-16.

4) . الواقعة، 78-79.

فقال - تعالى! -: (وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ عَسىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقٰاماً مَحْمُوداً).(1)

و اطلاق المقام المحمود يشمل مقامي المحمود في الدّنيا و الاخرة، كما انّ اطلاق المحمود يدلّ على كونه محموداً عند الكلّ‌، فيصير بها وجيهاً في الدّنيا و الآخرة في الارض و في السماء عند النّاس و عند اللَّه تعالى.

و استفادة هذا الامر الهامّ من هذا الدّستور امّا لتضمّن قيام اللّيل له، فقوله - تعالى! -: (قُمِ اَللَّيْلَ‌)(2)يتضمّن صلوة اللّيل، و امّا لتضمّن «ترتيل القرآن» له، لأنّ الصّلوة فيها قرائة القرآن، هكذا يقول المفسّرون، ولكنّ الأوّل هو الاقوى بل المتعيّن.

ه‍ - انّ اساس الوصول إلى السّعادة هو الاستقامة على الطريق، فلذا يؤكّد القرآن و الرّوايات عليها كمال التّأكيد.

فمن الآيات قوله - تعالىٰ‌! - في هذا الدّستور: (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهٰارِ سَبْحاً طَوِيلاً).(3)

و القرآن في أزيد من خمسمأة آية أمر و اكدّ على العمل الصّالح، و من تلك الآيات قوله - تعالى! -: (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(4)

فترى انّ الآية تصرح على انّ خير الدّنيا و الاخرة مرهون بالعمل الصّالح، كما


1) . الاسراء، 79.

2) . المزّمّل، 2.

3) . المزّمّل، 7.

4) . النّحل، 97.

انّ قوله - تعالى! -: (اَلْعَصْرِ * إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ‌)(1)يصرح على أن خسران الدّنيا و الاخرة مرهون بترك العمل الصّالح و البطؤ فيه.

و اختصاص العمل الصّالح في هذه الايات الشّريفة بالعبادات التّعبّديّة كالصّلوة و الزكوة و الصّوم و الحجّ لا وجه له اصلًا، بل يشمل كلّ عمل فيه صلاح الدّنيا كالزّراعة و التّجارة و صلاح الاخرة كالصّلوة، بل يظهر من الرّوايات العديدة انّ العمل الصّالح ايّ عمل كان له ثواب عظيم كمااستقرّت سيرة رسول اللَّه و الأئمّة عليهم السلام على ذلك.

و - التّوسّل باسم اللَّه - تعالىٰ‌! - شرط بنائي في التوفيق لكلّ أمر كما ندب إليه في هذا الدّستور، قال - تعالى! -: (وَ اُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً).(2)

توضيح ذلك: انّ القرآن ندب إلى الذّكر بل أراده، فقال: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اَللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً).(3)

و هو على أقسام:

1 - الذّكر اللفظى و هذا هو المراد هنا بقرينة الاسم الواقع في قوله - تعالى! -:

(وَ اُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ‌) و هذا عند اهل القلوب مؤثّر جداً سيّما كلمتي التّوحيد و الحوقلة أعني «لا اله إلّااللَّه و لا حول و لا قّوة إلّاباللَّه». و الظّاهر انّ الذّكر اليونسي (لاٰ


1) . العصر / 1-3.

2) . الإنسان، 25.

3) . الاحزاب، 41-42.

إِلٰهَ إِلاّٰ أَنْتَ سُبْحٰانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظّٰالِمِينَ‌) (1)للنّفوس العاديّة اقوى و اولى.

و ممّا يجب ان نتذكّر انّ التّوسّل باهل البيت عليهم السلام - الّذين هم الوسائط في إيصال الفيض - يُعدّ من التّوسّل إلى اسم اللَّه تعالى.

قال - تعالى! -: (وَ لِلّٰهِ اَلْأَسْمٰاءُ اَلْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا).(2)

و قال الصّادق عليه السلام: «نحن و اللَّه الْأَسْماءُ الْحُسْنى».(3)

و هم الوسيلة في القرآن كما قال الصّادق عليه السلام: «نحن و اللَّه الوسيلة في القرآن»(4)قال - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ اِبْتَغُوا إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ‌).(5)

2 - الذّكر القلبي و هو التفات القلب إلى اسم من اسماء اللَّه تعالى، و هو مفيد إلّا انّه إذا قارنه الذّكر اللفظي فهو مطلوب جداً.

3 - التّوجّه و التّذكّر الّذي هو ضدّ الغفلة، و في رواية(6)فسّر ابو عبداللَّه عليه السلام قوله - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اَللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً) بهذا القسم من الذّكر. و هذا هو الهدف و المقصود من الذّكر اللّفظي و القلبي بل الهدف من العبادات، قال - تعالى! -: (إِنَّنِي أَنَا اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ‌


1) . الانبياء، 87.

2) . الاعراف، 180.

3) . تفسير الصّافى، ذيل آية 180 الاعراف.

4) . تفسير الصّافى، ذيل آية 35 المائدة.

5) . المائدة، 35.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 80.

اَلصَّلاٰةَ لِذِكْرِي).(1)

ولو لم ترد فضيلة لهذا القسم من الذّكر إلّاقوله - تعالى! -: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌)(2)لكفاك في ادارك اهميّته.

ز - التّوسّل بالدّعاء، قال - تعالىٰ‌! - في هذا الدّستور: (وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً)(3)

و التّبتّل هو الانقطاع إليه تعالى، و اوّل مرتبته هو الدّعاء، و هو المراد في هذه الآية و لا اقلّ من انّه مصداقه الأجلى.

و بالضّرورة أنّ الدّعاء و التوسّل بها في كلّ أمر من الواجبات المؤكّدة عليه في الأخلاق قال - تعالى! -: (قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لاٰ دُعٰاؤُكُمْ‌).(4)

و الدّعاء سلاح المؤمن في كلّ شيء و ترسه عن كلّ شرّ و سوء و سنانه لكّل عدّو من الجنّ و الانس.

و القرآن بعد الامر بالدّعاء في قوله - تعالى! -: (وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدّٰاعِ إِذٰا دَعٰانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‌)(5). و التأكيد البليغ الّذي لا مثيل له في القرآن، لانّه كرّر ضمير المتكلّم الّذي يدلّ على العناية الخاصّة ثمان مرّات مع ما فيها من التأكيدات البليغة، بيّن انّ رشد العبد و


1) . طه، 14.

2) . النّور، 36-37.

3) . المزّمّل، 8.

4) . الفرقان، 77.

5) . البقرة، 186.

صلاحه للدّنيا و الاخرة في الدّعاء.

و للدّعاء فوائد كثيرة، لانّه مضافاً إلى ما أشرنا إليه، انّه لو لم تكن له فائدة إلّا رسوخ التّوحيد بمراتبه من الّذاتي و الصّفاتي و الافعالي و العبادي في القلب من غير توجّهٍ من العبد إليه، لكفانا فائدة.

توضيح ذلك: انّ العبد حين الدّعاء يدرك الذّات الجامعة لجميع الصّفات الكماليّة المنزّهة عن جميع الصّفات السّلبيّة فيدعوها. و من غير توجّه و امعان يتوجّه إلى تلك الذّات المقدّسة من غير ان يتوجّه إلى غيرها و من غير توجّه يرى انّه الموثّر لا غيره فيدعوه وحده.

فبالاوّل يحصل و يستقرّ في القلب التّوحيد الصّفاتي، و بالثّانى يحصل و يستقرّ فيه التّوحيد الذّاتي، و بالثّالث يستقرّ التّوحيد الافعالي.

و حيث انّ الدّعاء هو الخضوع للَّه بل لا خضوع و لا خشوع اجلى و آكد منه، فيستقرّ في القلب من غير توجّه من الداعى التّوحيد العبادي، لانّه حين الدّعا لا خضوع و لا خشوع له إلّاللَّه تعالى.

ح - التّوكّل على اللَّه و الاعتماد خير الزّاد في هذا السّفر. و الإنسان في حيوته لابدّ له من هذا الزّاد ولولا ذلك لهلك، لانّ الإنسان كثيراً ما يصل إلى حدّ يحتاج فيه إلى ملجأ و معتمد، بل الإنسان بذاته تحتاج إليه دائماً و لا ملجأ له إلّاإليه و لا معتمد إلّا هو.

قال - تعالى! -: (وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‌).(1)


1) . الطّلاق، 3.

فطوبى لمن يلتفت إليه و يعتمد عليه، و طوبى لمن كان اللَّه - تعالىٰ‌! - سلطانه و لا سلطان له الّا إيّاه.

قال - تعالى! -: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمٰا سُلْطٰانُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ‌).(1)

و التنزيل العزيز في هذا الدّستور بعد أن يجلب نظر الدّاعى إلى التوحيد الأفعالي و انّه ربّ العالمين و لا ربّ إلّاهو، أمر بالتّوكّل عليه.

قال - تعالى! -: (رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً).(2)

ط - ‍الصّبر و الاستقامة من الشّروط للوصول و التوفيق، فلذا أمر - تعالىٰ‌! - بها في هذا الدّستور فقال: (وَ اِصْبِرْ عَلىٰ مٰا يَقُولُونَ‌).(3)

و بالضّرورة لا يحصل كمال للانسان إلّابالصّبر و الاستقامة، بل النّبات او الجماد او الحيوان لو حصل لها كمال فهو مرهون الصّبر التّكويني، الاترى انّ حبّة من الحنطة لو سلكت طريق الاستكمال لا يحصل لها ذلك إلّابالصّبر عليه. فكذلك انسان لا يمكن ان يصل إلى الكمال إلّابالصّبر بالاستقامة.

و في آيات و روايات كثيرة جعل خير الدّنيا و الاخرة في الصّبر. و من الآيات قوله - تعالى! -: (وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ اَلْحُسْنىٰ عَلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ بِمٰا صَبَرُوا).(4)


1) . النّحل، 99-100.

2) . المزّمّل، 9.

3) . المزّمّل، 10.

4) . الاعراف، 137.

و: (وَ جَعَلْنٰا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا لَمّٰا صَبَرُوا).(1)

و: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ‌).(2)

و: (سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ بِمٰا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدّٰارِ).(3)

و يكفيك من الرّوايات قوله عليه السلام: «فَمَنْ صَبَرَ وَ احْتَسَبَ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يُقِرَّ اللَّهُ لَهُ عَيْنَهُ فِي أَعْدَائِهِ مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآْخِرَةِ‌».(4)

ي - و الأخير من وصاياه - تعالىٰ‌! - في هذا البرنامج قوله: (وَ اُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً).(5)

و هذا الجزء من البرنامج من اهمّ ما يوجب النجاح و هو سعة الصّدر الّذي سأله الكليم سلام اللَّه عليه أن يهبه اللّه إذ أمره بالذّهاب إلى فرعون بقوله: (قٰالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي).(6)

و يظهر من الآية الشّريقة انّ سعة الصّدر توجب اليسر في الأمورو توجب تقوية الإرادة حتّى يقدر المرء على فصاحة الكلام و بلاغته و يوجب نفوذ الكلام و تأثيره.

و القرآن يشير إلى انّ قبول الحقّ يحتاج إلى شرح الصّدر و من لم يكن له سعة


1) . السّجدة، 24.

2) . يوسف، 90.

3) . الرّعد، 24.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 89.

5) . المزّمّل، 10.

6) . طه، 25-28.

الصّدر لا يقبل الحقّ بل يجد الحقّ مرّاً، و القرآن يجعل الرّجس على الّذين لا تكون لهم سعة الصّدر.

قال - تعالى! -: (فَمَنْ يُرِدِ اَللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمٰاءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اَللّٰهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ‌).(1)

و في سورة الانشراح منّ اللَّه على رسوله بإعطائه إيّاه شرح صدره قال: (أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‌)(2)و كانت هذه النّعمة اعظم النّعم ثمّ رتّب اللَّه عليه وضع الوزر و المصائب عنه الّذي كان ينقض ظّهره.

و جملة القول انّ سعة الصّدر توجب تيسير كلّ أمر مشكل و تسهيله، و توجب جلب النّعم كما انّ الخيرات كلّها ناشئة منها.


1) . الانعام، 125.

2) . الانشراح، 1.

طرق تهذيب النّفس عن الرّذائل

اشارة

بالفراغ عن هذه الّتميهدات نشرع في اصل المقصود و هو تبيين الطّرق لتهذيب النّفس. و تلك الطّرق لا تختصّ بتهذيب النّفس، بل هي اعمّ منه و من التّخلّق بالفضائل، بل هي اعمّ من الأخلاق و الاخلاقيات.

و بالجملة نقول انّ تلك الطرق مُهّدت للسّير إلى اللَّه - تعالىٰ‌! - بأجزائه من التّوبة و اليقظة و التّخلية و التّحلية و التّجلية و اللقاء بمراتبه.

1 - التّقوى:
اشارة

و هو اجود الطّرق للمسير إليه تعالى، فلذا قد مرّ الكلام في انّ علماء علم الأخلاق عدّوا اوّل المنازل التّوبة و اليقظة، و قلنا انّ مرادهم بهما هو الرّجوع إلى الحقّ - تعالىٰ‌! - و اصلاح النّفس بالتّقيّد بظواهر الشّرع من اتيان الواجبات و

اجتناب المحرّمات.

و للذكر الحكيم و الحديث تأكيدٌ بالغٌ‌، على هذا الطّريق غاية التّأكيد.

و لابدّ ان نذكر هنا انّ التّقوى من الوقاية و هي حفظ النّفس عمّا يؤذيها و يضرّها، فلها مراتب:

فالمرتبة الاولى منها هي مخالفة النّفس الامّارة و الهوى و الرّذائل الاخلاقية، و هي تقوى العوام.

و المرتبة الثّانية هي مخالفة ما في القلب من غير اللَّه تعالى، فالمتّقي في هذه المرتبة من أخرج غير اللَّه من قلبه الّذي هو عرش الرّحمن، ففي هذه المرتبة المتّقي من كسر الاصنام كلّها و أخرجها من قلبه، ثمّ ادخل صاحب البيت فيه، و هي تقوى القلب في عرف القرآن.

و المرتبة الثّالثة هي الامتناع عن رؤية الاستقلال لغير اللَّه تعالى، فالمتّقى في هذه المرتبة من ادرك قوله - تعالى! -: (اَللّٰهُ نُورُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ‌)(1)قائلاً:

«عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاك»(2)و «مٰا رَأَيتُ شَيْئًا إلَّاوَرَأيتُ اللَّهَ قَبلَهُ وَ بَعدَهُ وَ مَعَه»(3)و يدرك قيّوميّة الحقّ - تعالىٰ‌! - للأشياء كلّها، و هي تقوى الخواص.

و المرتبة الرابعة هي حفظ النّفس عن الالتفات إلى غير الحقّ‌، فالمتّقي المتّصف بهذه المرتبة لا يرى إلّااللَّه، فهو المنغمر في الوحدة و ليس له خبرٌ عن الكثرة، فاذا


1) . النّور، 35.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 138.

3) . اللمعة البيضاء، 169.

أجبر على الالتفات إلى عالم الكثرة اعتبر هذا ذنباً عظيماً، و هي تقوى اخصّ الخواصّ‌. و لهذه المرتبة عرض عريض و مراتب متكثرة و ليس شأننا المقاولة فيها.

و اختصاص لفظة التّقوى في القرآن و الرّوايات بالمعنى الأوّل لا وجه له، بل اللفظ يشمل المراتب الاربع سيّما في القرآن الّذي الفاظه عامّة و لها مصاديق مختلفة.

فخطاب مثل قوله - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ‌) لا يختصّ بالعوام فقط بل يشمل الخواصّ و اخصّ الخواصّ ايضاً.

و لا تختصّ التّقوى باتيان الواجبات و الاجتناب عن المحرّمات فقط، بل هي اعمّ منهما و من تهذيب النّفس من الرّذائل، و هي تقوى القلب في عرف القرآن.

قال - تعالى! -: (وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اَللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ‌).(1)

و قال - تعالى! -: (وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا * فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا).(2)

هذا ولكن الّذي يعيننا في هذا البحث انّ التّقوى بمعناها الأوّل أي اتيان الواجبات و اجتناب المحرّمات، مؤثّر في تهذيب النّفس و التّخلّق بالفضائل.

و السّرّ في ذلك انّ مخالفة النّفس الامّارة و الرّذائل الاخلاقيّة توجب ضعف تلك القوى فيوجب سلطة المتّقى عليها، بل توجب التّسلّط على النّفس الامّارة بحصول ملكة العدالة و التّسلّط على الرّذائل بحيث انّه يمنعها عن اشتعالها و تأجّجها، بل بمرور الزّمن و استمرار المكافحة يقدر على قلع تلك الرّذائل، بل و يقدر على


1) . الحجّ‌، 32.

2) . الشّمس، 7.

غرس الفضائل في القلب فتأتي اكلها و ثمراتها دائماً.

فمن هذه الجهة انّ علماء علم الأخلاق كانوا يقولون من اراد اقتلاع جذور البخل عن القلب و غرس شجرة السّخاء فيه فلينفق بالميسور، كما قال - تعالى! -:

(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اَللّٰهُ‌).(1)

فبالانفاق على سبيل الاستمرار تضعّف رذيلة البخل بل تقلع عرقها و تغرس شجرة السّخاء فيه و تقوى و تنمو حتّى تصير ذات ثمرة طيّبة، فحينئذ هو الّذي يلتذّ من الانفاق، بل ينفق ممّا اتاه اللَّه من غير تحميل على نفسه بل و من غير التفات منه إليه.

و من اراد رفع صفة الجبن عن نفسه و تبديلها بصفة الشّجاعة فليبارز تلك الرّذيلة بمخالفتها. فتلك المخالفة المستمرّة تضعف الرّذيلة اوّلًا و تعدمها بمرور الزّمن ثمّ تبدّل الرّذيلة بالفضيلة، و هكذا.

و اقوى شاهد لصحّة هذا الكلام حصول ملكة الاختصاص في العلوم بالعمل و الاستمرار عليه و حصول ملكة العدالة بمخالفة الهوى.

فكما انّ العمل و الاستمرار في العلم يوجب الاختصاص فيه، فكذلك العمل و الاستمرار يوجب رفع الرّذائل و غرس الفضائل بل حصول الملكات الفاضلة للمرء. فهكذا انّ مخالفة النّفس الامّارة و هواها توجب التّسلّط عليها و على قلعها و قمعها.

فالقرآن قرّر ما ذهب إليه علماء الأخلاق من الامر بالتّقوى مراراً بل استهلّ‌


1) . الطّلاق، 7.

القرآن قائلًا: (الم * ذٰلِكَ اَلْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌)(1)و ليبيّن انّ غير المتّقين لرسوخ الرّذائل في أنفسهم ليس لهم أن يهتدوا بنور القرآن، فتأمّل. كما أمر بمخالفة الهوى مراراً أيضًا حين جعلها ميزان السّعادة ذلك، قال - تعالى! -: (فَأَمّٰا مَنْ طَغىٰ * وَ آثَرَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا * فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوىٰ * وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوىٰ * فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوىٰ‌).(2)

و «الهوى» - كما قال الرّاغب في المفردات - ميل النّفس إلى الشّهوة و يقال ذلك للنّفس المائلة إلى الشّهوة، و قيل سمّى بذلك لانه يهوى بصاحبه في الدّنيا إلى كلّ داهية و في الاخرة‌الهاوية.(3)

و الحاصل انّه لمّا كانت الذّنوب كلّها و الشّرور كلّها من النّفس و فجورها اي رذائلها الخلقيّة فنهى النّفس عن الهوى و تمايلاتها الّتي يطلق عليها في القرآن تارة بالتّقوى و أخرى بمخالفة الهوى، يوجب ترويض النّفس و التمكّن من السّيطرة عليها فيوجب رفع بعض تلك الرّذائل عنها و القدرة على تعديل بعضها.

فلذلك قال علماء الاخلاق: من طرق تهذيب النّفس و التّخلّق بالفضائل هو مخالفة النّفس الامّارة و الرّذائل الاخلاقيّة.

و القرآن أقرّ بذلك فقال: (اِتَّقُوا اَللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ‌)(4)، (فَاتَّقُوا اَللّٰهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ‌).(5)


1) . البقرة، 1-2.

2) . النّازعات، 37-41.

3) . راجع: مفردات ألفاظ القرآن، 568.

4) . آل عمران، 102.

5) . التّغابن، 16.

و قال: (وَ لَوْ شِئْنٰا لَرَفَعْنٰاهُ بِهٰا وَ لٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوٰاهُ‌).(1)

و قال: (وَ لاٰ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا وَ اِتَّبَعَ هَوٰاهُ‌).(2)

نذكر هيهنا آيات و روايات في اهّميّة التّقوى و مخالفة الهوى تتميماً للبحث:


1) . الاعراف، 176.

2) . الكهف، 28.

آيات في مخالفة الهوىٰ‌

قال اللَّه - تبارك و تعالى! -:

(وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوٰاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ اَلظّٰالِمِينَ‌).(1)

(وَ لَوْ شِئْنٰا لَرَفَعْنٰاهُ بِهٰا وَ لٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوٰاهُ‌).(2)

(وَ لاٰ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا وَ اِتَّبَعَ هَوٰاهُ‌).(3)

(أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ‌).(4)

(وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوىٰ * فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوىٰ‌).(5)


1) . البقرة، 145.

2) . الاعراف، 176.

3) . الكهف، 28.

4) . الجاثية، 23.

5) . النّازعات، 40-41.

روايات في مخالفة الهوى

عن أبي محمّد الوابشي قال سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: «احْذَرُوا أَهْوَاءَكُمْ كَمَا تَحْذَرُونَ أَعْدَاءَكُمْ فَلَيْسَ شَيْ‌ءٌ أَعْدَى لِلرِّجَالِ مِنِ اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ وَ حَصَائِدِ أَلْسِنَتِهِمْ‌».(1)

عن أبى جعفر عليه السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول اللَّه عزّوجلّ‌: «وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ عَظَمَتِي وَ كِبْرِيَائِي وَ نُورِي وَ عُلُوِّي وَ ارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوَاهُ عَلَى هَوَايَ إِلَّا شَتَّتُّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَ لَبَّسْتُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَ شَغَلْتُ قَلْبَهُ بِهَا وَ لَمْ أُؤْتِهِ مِنْهَا إِلَّا مَا قَدَّرْتُ لَهُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ عَظَمَتِي وَ نُورِي وَ عُلُوِّي وَ ارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ إِلَّا اسْتَحْفَظْتُهُ مَلَائِكَتِي وَ كَفَّلْتُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ رِزْقَهُ وَ كُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِ تَاجِرٍ وَ أَتَتْهُ الدُّنْيَا وَ هِيَ رَاغِمَةٌ‌».(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ - اتِّبَاعَ الْهَوَى وَ طُولَ الْأَمَلِ أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الآْخِرَةَ‌».(3)


1) . راجع: الكافي، ج 2، ص 335.

2) . راجع: الكافي، ج 2، ص 225.

3) . راجع: الكافي، ج 2، ص 336.

عن عبدالرحمن بن الحجاج قال قال لي ابوالحسن عليه السلام: «اتَّقِ الْمُرْتَقَى السَّهْلَ إِذَا كَانَ مُنْحَدَرُهُ وَعْراً قَالَ وَ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ لَا تَدَعِ النَّفْسَ وَ هَوَاهَا - فَإِنَّ هَوَاهَا فِي رَدَاهَا وَ تَرْكُ النَّفْسِ وَ مَا تَهْوَى أَذَاهَا وَ كَفُّ النَّفْسِ عَمَّا تَهْوَى دَوَاهَا».

قال و كان أبو عبداللَّه عليه السلام يقول: «لا تدع النّفس و هواها فانّ هواها (في) رداها و ترك النّفس و ما تهوي أذاها و كفّ النّفس عمّا تهوي دواها».(1)


1) . راجع: الكافي، ج 2، ص 336.

آيات في التّقوىٰ‌

قال اللَّه - تبارك و تعالى! -:

(الم * ذٰلِكَ اَلْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌).(1)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ‌).(2)

(وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لاٰ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً).(3)

(بَلىٰ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هٰذٰا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاٰفٍ مِنَ اَلْمَلاٰئِكَةِ مُسَوِّمِينَ‌).(4)

(إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اَللّٰهُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ‌).(5)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ اِبْتَغُوا إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ‌).(6)


1) . البقرة، 1-2.

2) . آل عمران، 102.

3) . آل عمران، 120.

4) . آل عمران، 125.

5) . المائدة، 27.

6) . المائدة، 35.

(فَمَنِ اِتَّقىٰ وَ أَصْلَحَ فَلاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌).(1)

(وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ اَلسَّمٰاءِ‌).(2)

(إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‌).(3)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ‌).(4)

(إِنْ أَوْلِيٰاؤُهُ إِلاَّ اَلْمُتَّقُونَ‌).(5)

(أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ تَقْوىٰ مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ شَفٰا جُرُفٍ هٰارٍ فَانْهٰارَ بِهِ فِي نٰارِ جَهَنَّمَ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظّٰالِمِينَ‌).(6)

(إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُتَّقِينَ‌).(7)

(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ‌).(8)

(إِنَّ اَللّٰهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ‌).(9)


1) . الاعراف، 35.

2) . الاعراف، 96.

3) . الاعراف، 128.

4) . الانفال، 29.

5) . الانفال، 34.

6) . التّوبة، 109.

7) . التّوبة، 7.

8) . يوسف، 90.

9) . النّحل، 128.

(إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ).(1)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا تَعْمَلُونَ‌).(2)

(فَاتَّقُوا اَللّٰهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ‌).(3)

(وَ مَنْ يَتَّقِ اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاٰ يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اَللّٰهَ بٰالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اَللّٰهُ لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدْراً).(4)

(وَ مَنْ يَتَّقِ اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً).(5)

(فَأَمّٰا مَنْ أَعْطىٰ وَ اِتَّقىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرىٰ‌).(6)

(وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ اَلزّٰادِ اَلتَّقْوىٰ وَ اِتَّقُونِ يٰا أُولِي اَلْأَلْبٰابِ‌).(7)


1) . القمر، 54.

2) . الحشر، 18.

3) . التّغابن، 16.

4) . الطّلاق، 2-3.

5) . الطّلاق، 4.

6) . اللّيل، 5-6.

7) . البقرة، 197.

روايات في التّقوىٰ‌

في وصيّة النبيّ صلى الله عليه و آله لرجل: «وَ قَدْ أَجْمَعَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَتَوَاصَى بِهِ الْمُتَوَاصُونَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الآْخِرِينَ فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَ هِيَ التَّقْوَى قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ - وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَ فِيهِ جِمَاعُ كُلِّ عِبَادَةٍ صَالِحَةٍ وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَ الرُّتْبَةِ الْقُصْوَى وَ بِهِ عَاشَ مَنْ عَاشَ مَعَ اللَّهِ بِالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ وَ الْأُنْسِ الدَّائِمِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ - فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ».(1)

كتب الجواد عليه السلام إلى سعد الخير: «... فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ فِيهَا السَّلَامَةَ مِنَ التَّلَفِ وَ الْغَنِيمَةَ فِي الْمُنْقَلَبِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقِي بِالتَّقْوَى عَنِ الْعَبْدِ مَا عَزَبَ عَنْهُ عَقْلُهُ وَ يُجْلِي بِالتَّقْوَى عَنْهُ عَمَاهُ وَ جَهْلَهُ وَ بِالتَّقْوَى نَجَا نُوحٌ وَ مَنْ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ وَ صَالِحٌ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّاعِقَةِ وَ بِالتَّقْوَى فَازَ الصَّابِرُونَ وَ نَجَتْ تِلْكَ الْعُصَبُ مِنَ الْمَهَالِك».(2)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 262.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 358.

فيما كتب اميرالمؤمنين عليه السلام إلى أهل مصر مع محمّد بن أبي‌بكر: «عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا تَجْمَعُ الْخَيْرَ وَ لَا خَيْرَ غَيْرُهَا وَ يُدْرَكُ بِهَا مِنَ الْخَيْرِ مَا لَا يُدْرَكُ بِغَيْرِهَا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ لَدارُ الآْخِرَةِ خَيْرٌ وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ‌».(1)

قال على عليه السلام: «التُّقَى رَئِيسُ الْأَخْلَاقِ‌».(2)

سئل الصادق عليه السلام عن تفسير التّقوى فقال «أَنْ لَا يَفْقِدَكَ اللَّهُ حَيْثُ أَمَرَكَ وَ لَا يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ‌».(3)

قال عليه السلام: «فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ وَ صَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَ جِلَاءُ [غِشَاءِ‌] عَشَا أَبْصَارِكُمْ‌».(4)

قال عليه السلام: «... أَلَا وَ بِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا».(5)

«فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ وَ أَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ وَ أَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِه».(6)

قال الصادق عليه السلام: «التَّقْوَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ تَقْوَى بِاللَّهِ فِي اللَّهِ وَ هُوَ تَرْكُ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 66.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 284.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 285.

4) . راجع: نهج البلاغة، عبده خطبة 196.

5) . راجع: نهج البلاغة، عبده خطبة 155. (حمة: هي ابرة الزنبور و العقرب).

6) . راجع: نهج البلاغة، عبده خطبة 81.

الْحَلَالِ فَضْلًا عَنِ الشُّبْهَةِ وَ هُوَ تَقْوَى خَاصِّ الْخَاصِّ وَ تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ فَضْلًا عَنْ حَرَامٍ وَ هُوَ تَقْوَى الْخَاصِّ وَ تَقْوَى مِنْ خَوْفِ النَّارِ وَ الْعِقَابِ وَ هُوَ تَرْكُ الْحَرَامِ وَ هُوَ تَقْوَى الْعَام».(1)

عن اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة همّام: «فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ وَ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ [لَهُمْ‌] عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ‌. عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُون».(2)

2 - المراقة:
اشارة

و هو عند علماء الأخلاق ذو منزلة عظيمة، و ان القرآن الكريم و الرّوايات اهتمت بذلك الجانب اهتماماً بليغاً مع آنهالم تذكر تفاضيله.

قال اللَّه - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا تَعْمَلُونَ‌).(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 295.

2) . راجع: نهج البلاغة، عبده خطبة 191.

3) . الحشر، 19.

فامر اولًا في هذه الآية الشّريفة بالتّقوى، ثمّ أمر بالمراقبة، ثمّ اكّد ذلك الامر الأوّل بقوله: و اتّقوا اللَّه، و اكّد الامر الثّاني بقوله: انّ اللَّه خبير بما تعملون.

و قال الامام موسى بن جعفر عليه السلام: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِ يَوْم».(1)و نظير الرّواية كثير نذكر بعضها ان شاء اللَّه.

فترى انّ الامام عليه السلام اكّد على المحاسبة حتّى انّه سلب التّشيّع عمّن لا تكون له محاسبة كلّ يوم.

توضيح: المراقبة على سبيل الاجمال: يفهم من الآية الشّريفة و الرّوايات هو مواظبة المرء في اقواله و افعاله و افكاره حتّى اللّيل، فهو عند النّوم يحاسب نفسه حساباً شديداً دقيقاً و يأخذها بالصغائر عن الكبائر و يلومها عند المخالفة و يشكرها عند المتابعة و يحمد اللَّه تعالى.

و امّا تفصيل ذلك: فينبغي بعد الفجر ان يشارط نفسه و يعاهدها على تهذيب النّفس على سبيل الاطلاق او في ترك رذيلة بخصوصها او على التخلّق بالفضائل او بفضيلة بخصوصها أو على الاتيان بالواجبات و ترك المحرّمات على سبيل الاطلاق او على الاتيان بواجب خاص كالصّلوة في اوّل وقتها مثلًا او الاجتناب عن حرام معين بخصوصه كمراقبة لسانه في هفواته مثلًا.

و تكون تلك المشارطة و المعاهدة دقيقة شديدة جدّيّة. و تكون تلك المشارطة اولًا على سبيل الالتماس، و ان لم تؤثّر فتكون على سبيل الأَمر، أمر المولى المقتدر عبده الطّاغي المذنب.


1) . راجع: الكافي، ج 2، ص 453.

ثمّ يراقّب النّفس دقيقة نحو المحافظة على نفسه او عرضه او ماله عند المخاطرة.

فان شاهد فيها الطّغيان و المخالفة يسألها سؤال الالتماس عن علّة المخالفة و يلومها لوماً ما اوّلًا. و ان رأى فيها تكرار المخالفة و الاصرار عليها فيعترض عليها اعتراضاً شديداً و يلومها لوماً شديداً نحو لوم المولى عبده المذنب. فيشارطها و يعاهدها، و هكذا يفعل حتّى اللّيل و عند النّوم، فيحاسب نفسه حساباً دقيقاً.

فان وجدها عند شروطها و عهودها فنعم المراد، بل يشكرها شكراً و يحمداللَّه على نعمائه. و ان وجدها غير ملتزمة بعهودها فللمها اوّلا، فان رأى فيها نفوراً و اعراضاً فيعاتبها عتاباً شديداً، و إلّافيعاقبها عقاباً ما، و إلّافيعاقبها عقاباً اليماً كالصّوم يوماً او بضعة ايّام و السّهر ليلًا او ليالي و امّا المعاقبة بالضّرب و الشّتم و الاضرار بها فالظاهر انّها غير جائز و ان قيل بها. فتلخّص من هذه التّوصية انّها تتركّب من المشارطة و المراقبة و المحاسبة و المعاتبة و المعاقبة، و تسمّى بالمراقبة تسمية الكلّ باسم الجزء. و هذه المراقبة سيّما المفصّل منها ان كانت على سبيل الاستمرار و المواظبة مؤثّرة. و نحن نذكر بعض الرّوايات الواردة في الباب تأييداً و دليلًا و تبرّكاً:

روايات في المراقبة

قال الصادق عليه السلام: «مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ وَ مَنْ كَانَ آخِرُ يَوْمِهِ شَرَّهُمَا فَهُوَ مَلْعُونٌ وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الزِّيَادَةَ فِي نَفْسِهِ كَانَ إِلَى النُّقْصَانِ أَقْرَبَ وَ مَنْ كَانَ إِلَى النُّقْصَانِ أَقْرَبَ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْحَيَاةِ‌».(1)

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «إِنَّ عَلَى لِسَانِ كُلِ قَائِلٍ رَقِيباً فَلْيَتَّقِ اللَّهَ الْعَبْدُ وَ لْيَنْظُرْ مَا يَقُولُ‌».(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ كُلَّ يَوْمٍ فَإِنْ عَمِلَ خَيْراً حَمِدَ اللَّهَ وَ اسْتَزَادَهُ وَ إِنْ عَمِلَ سُوءاً اسْتَغْفَرَ اللَّه».(3)

قال عليه السلام عن أهل الذكر: «وَ قَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ وَ فَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَ كَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فيهَا».(4)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 173.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 277.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 259.

4) . راجع: نهج البلاغة، صبحي صالح خطبة 222.

«فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُك».(1)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «أَلَا فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا فَإِنَّ فِي الْقِيَامَةِ خَمْسِينَ مَوْقِفاً كُلُّ مَوْقِفٍ مُقَامُ أَلْفِ سَنَةٍ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآْيَةَ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَة».(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «مَنْ لَمْ يَتَعَاهَدِ النَّقْصَ مِنْ نَفْسِهِ غَلَبَ عَلَيْهِ الْهَوَى وَ مَنْ كَانَ فِي نَقْصٍ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ‌».(3)

عن محمّد بن عمران الجبلّي قال سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: «مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظاً فَإِنَّ مَوَاعِظَ النَّاسِ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُ شَيْئًا».(4)

قال علي عليه السلام في صفات المتّقين: «... وَ أَوْحَشُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَ بَيْنَ الرَّبِّ مِنَ النَّفْسِ وَ الْهَوَى وَ لَيْسَ لِقَتْلِهِمَا فِي قَطْعِهِمَا سِلَاحٌ وَ آلَةٌ مِثْلُ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ وَ الْخُشُوعِ وَ الْجُوعِ وَ الظَّمَإِ بِالنَّهَارِ وَ السَّهَرِ بِاللَّيْلِ فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ مَاتَ شَهِيداً وَ إِنْ عَاشَ وَ اسْتَقَامَ أَدَّاهُ عَاقِبَتُهُ إِلَى الرِّضْوَانِ الْأَكْبَرِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ وَ إِذَا رَأَيْتَ مُجْتَهِداً أَبْلَغَ مِنْكَ فِي الِاجْتِهَادِ فَوَبِّخْ نَفْسَكَ وَ لُمْهَا وَ عَيِّرْهَا وَ حُثَّهَا عَلَى الِازْدِيَادِ عَلَيْهِ وَ اجْعَلْ لَهَا زِمَاماً مِنَ الْأَمْرِ وَ عِنَاناً مِنَ النَّهْيِ وَ سُقْهَا كَالرَّائِضِ لِلْفاره [الْفَارِهِ‌] الَّذِي لَا يَذْهَبُ عَلَيْهِ خُطْوَةً مِنْهَا إِلَّا وَ قَدْ صَحَّحَ أَوَّلَهَا وَ آخِرَهَا


1) . راجع: نهج البلاغة، صبحي صالح خطبة 222.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 64.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 64.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 70.

...».(1)

«اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ عُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ وَ حُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ وَ عَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ لَا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ وَ لَا يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ وَ إِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيب».(2)

المراقبة بمعنى آخر:

للمراقبة معنى و مصداق آخر و هو إن لم يكن أنفع من المراقبة الّتي مضى ذكرها فليس اقلّ منها و هو الالتفات إلى أنّ كثيرًا من أجزاء العوالم يرقبه، بل أعاظم الكائنات يرقبه في اقواله و افعاله بل و في افكاره. و مراقبتهم هذه ممّا استفيد من القرآن و الرّوايات.

الف - من الرّقباء على الاعمال هو اللَّه - تعالىٰ‌! - و القرآن أكد على بيان ذلك.

قال - تعالى! -: (وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ‌).(3)

و قال - تعالى! -: (يَعْلَمُ خٰائِنَةَ اَلْأَعْيُنِ وَ مٰا تُخْفِي اَلصُّدُورُ).(4)

و قال - تعالى! -: (أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللّٰهَ يَرىٰ‌).(5)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 69.

2) . راجع: نهج البلاغة، صبحي صالح خطبة 157.

3) . الانفال، 24.

4) . الغافر، 19.

5) . العلق، 14.

ب - من الرّقباء هو الرسول صلى الله عليه و آله.

ج - من الرّقباء آل الرسول صلى الله عليه و آله.

قال - تعالى! -: (وَ قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ‌).(1)

د - من الرّقباء هي الملائكة.

قال - تعالى! -: (كِتٰابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ اَلْمُقَرَّبُونَ‌).(2)

و قال - تعالى! -: (مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّٰ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).(3)

ه‍ - من الرّقباء الاعضاء و الجوارح.

قال - تعالى! -: (حَتّٰى إِذٰا مٰا جٰاؤُهٰا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصٰارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌

وَ قٰالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنٰا قٰالُوا أَنْطَقَنَا اَللّٰهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ‌).(4)

و - من الرّقباء الارض الّتي وقعت فيها الاعمال.

قال - تعالى! -: (إِذٰا زُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ زِلْزٰالَهٰا * وَ أَخْرَجَتِ اَلْأَرْضُ أَثْقٰالَهٰا * وَ قٰالَ اَلْإِنْسٰانُ مٰا لَهٰا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبٰارَهٰا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحىٰ لَهٰا).(5)

ز - من الرّقباء الزّمان من الايّام و اللّيالي و السّاعات، و قد وردت في ذلك روايات و من تلك الرّوايات قول الرسول صلى الله عليه و آله: «... فَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً شَهِدَتْ لَهُ‌


1) . التّوبة، 105.

2) . المظفّفين، 20.

3) . ق، 18.

4) . الزلزلة، 1-5.

5) . فصّلت، 20-21.

جَوَارِحُهُ وَ بِقَاعُهُ وَ شُهُورُهُ وَ أَعْوَامُهُ وَ سَاعَاتُهُ وَ أَيَّامُهُ وَ لَيَالِي الْجَمْعِ وَ سَاعَاتُهَا وَ أَيَّامُهَا فَيَسْعَدُ بِذَلِكَ سَعَادَةَ الْأَبَدِ وَ مَنْ عَمِلَ سُوءاً شَهِدَتْ عَلَيْهِ جَوَارِحُهُ وَ بِقَاعُهُ وَ شُهُورُهُ وَ أَعْوَامُهُ وَ سَاعَاتُهُ وَ لَيَالِي الْجَمْعِ وَ سَاعَاتُهَا وَ أَيَّامُهَا فَيَشْقَى بِذَلِكَ شَقَاءَ الْأَبَد».(1)

ح - من الرّقباء البقاع الّتي وقعت فيها الاعمال، و الرّواية المذكورة تدلّ على ذلك ايضاً.

ط - من الرّقباء الشّيطان الرّجيم.

قال - تعالى! -: (وَ قٰالَ اَلشَّيْطٰانُ لَمّٰا قُضِيَ اَلْأَمْرُ إِنَّ اَللّٰهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ مٰا كٰانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطٰانٍ إِلاّٰ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاٰ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ‌).(2)

ى - من الرّقباء هو القرين.

قال - تعالى! -: (كُلَّمٰا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهٰا حَتّٰى إِذَا اِدّٰارَكُوا فِيهٰا جَمِيعاً قٰالَتْ أُخْرٰاهُمْ لِأُولاٰهُمْ رَبَّنٰا هٰؤُلاٰءِ أَضَلُّونٰا فَآتِهِمْ عَذٰاباً ضِعْفاً مِنَ اَلنّٰارِ قٰالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لٰكِنْ لاٰ تَعْلَمُونَ‌

وَ قٰالَتْ أُولاٰهُمْ لِأُخْرٰاهُمْ فَمٰا كٰانَ لَكُمْ عَلَيْنٰا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا اَلْعَذٰابَ بِمٰا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ‌).(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 315.

2) . ابراهيم، 21.

3) . الاعراف، 38-39.

هذا مستخلص بحث مفصّل و قد نزلت فيه آيات ووردت فيه روايات كثيرة، و نحن نكتفي من القرآن بهذه الآيات و نذكر نبذة من تلك الرّوايات.

و قبل سرد الرّوايات لا بأس بالاشارة إلى دقيقة قرانية، و هي انّه يظهر من الذكر الحكيم انّ الشّعور لا يختصّ بالانسان فقط و كذلك النّطق و العمل، بل كلّ موجود ذو شعور بل ذو نطق و عمل. و اعادة قوله - تعالى! -: (يُسَبِّحُ لِلّٰهِ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ‌)(1)وترداده فيه اشارة إلى ذلك. ولكن الاظهر منه في افادة هذا المعنى قوله - تعالى! -: (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لاٰ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‌)(2)و قوله - تعالى! -: (وَ لَقَدْ آتَيْنٰا دٰاوُدَ مِنّٰا فَضْلاً يٰا جِبٰالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ اَلطَّيْرَ).(3)

و حمل مثل «يسبّح للَّه ما في السّموات و ما في الارض» على التّسبيح التّكويني لو سلّم جوازه لكن هاتين الايتين الاخيرتين لا تخضعان لذلك الحمل. و عدم ادراكنا لمثل هذه اللّطائف و الدّقائق القرانيّه لا يوجب حمل مثل هذه الايات على معنى لا محتوى له، و علمنا بالنّسبة إلى جهلنا كقطرة من البحر، و هذا لا يوجب رفع اليدعن آيات كثيرة و روايات مستفيضة.


1) . الجمعة، 1.

2) . الاسراء، 44.

3) . السبأ، 10.

روايات في المراقبة بمعنى آخر:

عن سماعة قال قال أبو عبداللَّه عليه السلام: «فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قَالَ نَزَلَتْ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص خَاصَّةً فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنْهُمْ إِمَامٌ مِنَّا شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ وَ مُحَمَّدٌ ص شَاهِدٌ عَلَيْنَا».(1)

عن بريد العجلي قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ قَالَ نَحْنُ الْأُمَّةُ الْوُسْطَى وَ نَحْنُ شُهَدَاءُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ حُجَجُهُ فِي أَرْضِهِ قُلْتُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ قَالَ إِيَّانَا عَنَى خَاصَّةً - هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ فِي الْكُتُبِ الَّتِي مَضَتْ وَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ - لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ فَرَسُولُ اللَّهِ ص الشَّهِيدُ عَلَيْنَا بِمَا بَلَّغَنَا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ نَحْنُ الشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ فَمَنْ صَدَّقَ صَدَّقْنَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ كَذَّبَ كَذَّبْنَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‌».(2)

عن بريد الجعلي قال: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ ع قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى - وَ كَذلِكَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 1 ص 190.

2) . راجع: الكافي، ج 1 ص 190.

جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً قَالَ نَحْنُ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ وَ نَحْنُ شُهَدَاءُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ وَ حُجَجُهُ فِي أَرْضِهِ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ قَالَ إِيَّانَا عَنَى وَ نَحْنُ الْمُجْتَبَوْنَ وَ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فَالْحَرَجُ أَشَدُّ مِنَ الضِّيقِ - مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ إِيَّانَا عَنَى خَاصَّةً وَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُ سَمَّانَا الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ فِي الْكُتُبِ الَّتِي مَضَتْ وَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ - لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَرَسُولُ اللَّهِ ص الشَّهِيدُ عَلَيْنَا بِمَا بَلَّغَنَا عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ نَحْنُ الشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ فَمَنْ صَدَّقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَّقْنَاهُ وَ مَنْ كَذَّبَ كَذَّبْنَاهُ‌».(1)

عن سليم بن قيس الهلالي عن اميرالمؤمنين عليه السلام - قال: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى طَهَّرَنَا وَ عَصَمَنَا وَ جَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى خَلْقِهِ وَ حُجَّتَهُ فِي أَرْضِهِ وَ جَعَلَنَا مَعَ الْقُرْآنِ - وَ جَعَلَ الْقُرْآنَ مَعَنَا لَا نُفَارِقُهُ وَ لَا يُفَارِقُنَا».(2)

عن محمّد بن مسلم قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الْأَعْمَالِ هَلْ تُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ ص قَالَ مَا فِيهِ شَكٌّ قُلْتُ لَهُ أَ رَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ قَالَ إِنَّهُمْ شُهُودُ اللَّهِ فِي أَرْضِه».(3)

عن سماعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال سمعته يقول: «مَا لَكُمْ تَسُوءُونَ رَسُولَ اللَّهِ‌


1) . راجع: الكافي، ج 1 ص 191.

2) . راجع: الكافي، ج 1 ص 191.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 23 ص 344.

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَكَيْفَ نَسُوؤُهُ فَقَالَ أَ مَا تَعْلَمُونَ أَنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَى فِيهَا مَعْصِيَةً سَاءَهُ ذَلِكَ فَلَا تَسُوءُوا رَسُولَ اللَّهِ ص وَ سُرُّوه».(1)

و في رواية حمران عنه عليه السلام: «إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً يَعْنِي عَدْلًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً قَالَ وَ لَا يَكُونُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ إِلَّا الْأَئِمَّةُ وَ الرُّسُلُ فَأَمَّا الْأُمَّةُ فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَسْتَشْهِدَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ وَ فِيهِمْ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى حَزْمَةِ بَقْلٍ‌».(2)

«الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ إِلَى قَوْلِهِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قَالَ إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَفَعَ إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ كِتَابَهُ فَيَنْظُرُونَ فِيهِ فَيُنْكِرُونَ أَنَّهُمْ عَمِلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ مَلَائِكَتُكَ يَشْهَدُونَ لَكَ ثُمَّ يَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَ هُوَ قَوْلُهُ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ خَتَمَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَ يَنْطِقُ جَوَارِحُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‌».(3)

«حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالُهُمْ فَيُنْكِرُونَهَا فَيَقُولُونَ مَا عَمِلْنَا مِنْهَا شَيْئاً فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَتَبُوا عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فَقَالَ الصَّادِقُ ع فَيَقُولُونَ لِلَّهِ يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ مَلَائِكَتُكَ يَشْهَدُونَ لَكَ ثُمَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 23 ص 349.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 23 ص 51.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 312.

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ هُمُ الَّذِينَ غَصَبُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْتِمُ اللَّهُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَ يَنْطِقُ جَوَارِحُهُمْ فَيَشْهَدُ السَّمْعُ بِمَا سَمِعَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَ يَشْهَدُ الْبَصَرُ بِمَا نَظَرَ بِهِ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ تَشْهَدُ الْيَدَانِ بِمَا أَخَذَتَا وَ تَشْهَدُ الرِّجْلَانِ بِمَا سَعَتَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَ تَشْهَدُ الْفَرْجُ بِمَا ارْتَكَبَتْ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ ثُمَّ أَنْطَقَ اللَّهُ أَلْسِنَتَهُمْ فَيَقُولُونَ هُمْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا فَيَقُولُونَ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَيْ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ وَ الْجُلُودُ الْفُرُوجُ وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُون».(1)

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «أَمَا إِنَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَمَا أَمَرَكُمْ أَنْ تَحْتَاطُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَ أَدْيَانِكُمْ وَ أَمْوَالِكُمْ بِاسْتِشْهَادِ الشُّهُودِ الْعُدُولِ عَلَيْكُمْ فَكَذَلِكَ قَدِ احْتَاطَ عَلَى عِبَادِهِ وَ لَكُمْ فِي اسْتِشْهَادِ الشُّهُودِ عَلَيْهِمْ فَلِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ رُقَبَاءُ مِنْ كُلِّ خَلْقِهِ وَ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ مِنْ أَعْمَالِهِ وَ أَقْوَالِهِ وَ أَلْفَاظِهِ وَ أَلْحَاظِهِ وَ الْبِقَاعُ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ شُهُودُ رَبِّهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ وَ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامُ وَ الشُّهُورُ شُهُودُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ وَ سَائِرُ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ شُهُودُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ وَ حَفَظَتُهُ الْكَاتِبُونَ أَعْمَالَهُ شُهُودٌ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ فَكَمْ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَعِيدٍ بِشَهَادَتِهَا لَهُ وَ كَمْ يَكُونُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ شَقِيٍّ بِشَهَادَتِهَا عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِبَادَهُ أَجْمَعِينَ وَ إِمَاءَهُ فَيَجْمَعُهُمْ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَ يُحْشَرُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامُ وَ يُسْتَشْهَدُ الْبِقَاعُ وَ الشُّهُورُ عَلَى أَعْمَالِ الْعِبَادِ فَمَنْ‌


1) . راجع: راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 312.

عَمِلَ صَالِحاً شَهِدَتْ لَهُ جَوَارِحُهُ وَ بِقَاعُهُ وَ شُهُورُهُ وَ أَعْوَامُهُ وَ سَاعَاتُهُ وَ أَيَّامُهُ وَ لَيَالِي الْجَمْعِ وَ سَاعَاتُهَا وَ أَيَّامُهَا فَيَسْعَدُ بِذَلِكَ سَعَادَةَ الْأَبَدِ وَ مَنْ عَمِلَ سُوءاً شَهِدَتْ عَلَيْهِ جَوَارِحُهُ وَ بِقَاعُهُ وَ شُهُورُهُ وَ أَعْوَامُهُ وَ سَاعَاتُهُ وَ لَيَالِي الْجَمْعِ وَ سَاعَاتُهَا وَ أَيَّامُهَا فَيَشْقَى بِذَلِكَ شَقَاءَ الْأَبَدِ فَاعْمَلُوا لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ أَعِدُّوا الزَّادَ لِيَوْمِ الْجَمْعِ يَوْمَ التَّناد -...».(1)

فيما رواه عن اميرالمؤمنين عليه السلام في انواع آيات القرآن قال: «ثُمَّ نَظَمَ تَعَالَى مَا فَرَضَ عَلَى السَّمْعِ وَ الْبَصَرِ وَ الْفَرْجِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ يَعْنِي بِالْجُلُودِ هَاهُنَا الْفُرُوجَ وَ قَالَ تَعَالَى وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الرِّجْلَيْنِ مِنَ الْجَوَارِحِ الَّتِي تَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْتَنْطَقَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون».(2)

سأل ابو كهمس أبا عبداللَّه عليه السلام فقال: «يُصَلِّي الرَّجُلُ نَوَافِلَهُ فِي مَوْضِعٍ أَوْ يُفَرِّقُهَا قَالَ لَا بَلْ هَاهُنَا وَ هَاهُنَا فَإِنَّهَا تَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‌».(3)

محمّد بن علي محبوب من كتابه، باسناده إلى أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَى ابْنِ آدَمَ إِلَّا قَالَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا يَوْمٌ جَدِيدٌ وَ أَنَا عَلَيْكَ شَهِيدٌ


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 315.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 318.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 318.

فَافْعَلْ بِي خَيْراً وَ اعْمَلْ فِيَّ خَيْراً أَشْهَدْ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّكَ لَنْ تَرَانِي بَعْدَهَا أَبَدًا».(1)

عن أبي عبداللَّه عن أبيه عليه السلام قال: «اللَّيْلُ إِذَا أَقْبَلَ نَادَى مُنَادٍ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ الْخَلَائِقُ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ يَا ابْنَ آدَمَ إِنِّي عَلَى مَا فِيَّ شَهِيدٌ فَخُذْ مِنِّي فَإِنِّي لَوْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ تَزْدَدْ فِيَّ حَسَنَةً وَ لَمْ تَسْتَعْتِبْ فِيَّ مِنْ سَيِّئَةٍ وَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّهَارُ إِذَا أَدْبَرَ اللَّيْلُ‌».(2)

باسناده إلى أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إِنَّ النَّهَارَ إِذَا جَاءَ قَالَ يَا ابْنَ آدَمَ اعْمَلْ فِي يَوْمِكَ هَذَا خَيْراً أَشْهَدْ لَكَ بِهِ عِنْدَ رَبِّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنِّي لَمْ آتِكَ فِيمَا مَضَى وَ لَا آتِيكَ فِيمَا بَقِيَ وَ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ‌».(3)

مراقبة الأستاذ:

لا اشكال في انّ الاستاذ في كلّ علم و فنّ لازم سيّما في هذا العلم الّذي يتضمّن دقائق و ظرائف و انحراف طالبيه عن التّعادل ولو بشعرة إلى افراط و تفريط يوجب الضّلالة.

و السّرّ في ذلك مضافاً إلى كونه علماً فيحتاج إلى الاستاذ و اخذ الارشادات و الوصايا الكّليّة و الجزئيّة منه، فان نفوذ الاستاذ في النّفوس سيّما النّفوس الضّعيفة مما لا كلام فيه، لانّ التّلميذ يرى نفسه صغيراً ضعيفاً عنده و يراه عظيماً قويّاً فيتأثّر به


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 325.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 325.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 7 ص 325.

من حيث لا يشعر لانّ معنويّة الاستاذ توجب التأثير عملًا و قولًا حتّى انّ الاستاذ يؤثّر في حركات التّلميذ و اقواله فضلًا عن قلبه.

فالاستاذ الّذي يكون من اهل العمل و هذّب نفسه و طهّر قلبه فانّ عمله يكون داعياًاللَّه و إلى تهذيب النّفوس و تطهيرها و تخلّقها باخلاقه تعالى، و الّذي نفسي بيده لو قال قائل انّه ينبغي صرف العمر في وجدان الاستاذ و كشفه لايّام قليلة لقال قولًا جيّداً. فربّ كلام من الاستاذ يوجب سعادة الدّارين للنّفوس المستعدّة.

ولكنّ الّذي لابّد من الالتفات، لدقته، بل لكونه اهمّ من الاستاذ، هو انّ اختيار الاستاذ أمر مشكل، لانّه اعزّ من الكبريت الاحمر. فليس كلّ من ادّعى هذا المنصب او اشتهر به باستاذ لائق به، و ربّ استاذ يوجب انحراف التّلميذ بما لارجع له إلى السّداد.

و يشرط في الاستاذ أمور لابدّ من وجدانها فيه:

الف - العلم و الاختصاص بحيث يكون مشتهرًا عند أهله به. فالجاهل غير المتخصّص اما مفرط او مفرّط و يقصم ظهر تلميذه و يوجب انحرافه.

ب - العقل و الكياسة، لانّ من لا عقل و لا كياسة له ليوجب الانحراف، و ربّ استاذ غير كيّس يسوق تلميذه إلى السّقوط. و بالضّرورة وجدان العاقل الكيّس اصعب من وجدان العالم المتخصّص.

ج - الوصول إلى مرتبة من مراتب اللّقاء و لا اقلّ من حصول التّوبة له و مروره من منزل التّخلية إلى التّحلية، و من لم يتجاوز التّوبة و اليقظة فهو اعمى، فيكف يأخذ الاعمى بيد الاعمى. و من لم يهذّب نفسه فهو اسير الرّذائل، فكيف يمكنه ان يفكّ غيره عن الاسر.

فهذه عمدة الشّروط.

فلذلك نوصي طالبي سبيل الكمال باختيار الاستاذ العامّ لا الاستاذ الخاصّ الشخصى. فالمحادثة و المباحثة و المطالعة و المجالس العامّة لازمة لهم، فما لا يدرك جلّه لا يترك كلّه و الميسور لا يترك بالمعسور.

هذا مع انّ ازدياد الطّلب في زماننا هذا و كثرة التّلاميذ و قلّة الاساتذة يوجب ان يكتفي التّلميذ بالاستاذ العام و بالمجالس العامّة.

و من كان من اهل السّير و يستعدّ لذلك فليأخذ الارشادات الكليّة من درس الاستاذ او من شخص الاستاذ و يعمل و يسئل عمّا يشكل و يشتبه عليه سائلاً ايّاه - تبارك و تعالىٰ‌! - التّوفيق و ان لا ينساه سيّما عند الشّبهات و المشكلات.

و في الخاتمة اوصي طلّاب هذا الطّريق بالتّوجّه إلى أمر هامّ و هو انّ الوصول من منزل‌منزل في غاية الصعوبة و المخاطرة، و الشّيطان يترصّد و يواظب السائرين غاية المواظبة، و من مكائده القاء الياس فيهم كي يرى من الاستاذ ما لا يقدر عليه.

ولكنّ الكيد الاهمّ منه امره اياهم بما لا يكون من شأنهم و العمل بما يعمله السّالكون اصحاب المراتب العليا، فيشوّقهم ان يعملوا ما ليس لهم، فينجرّ إلى الجنون، و رب امراض روحيّة نشأت من هذا الجهل الّذي ينشأ من كيد الشّيطان، فلابدّ من ان يعلم انّ الشّيطان كما يأتي عن شمائلهم و بالذّنوب يأتي عن يمينهم و بالعبادات.

قال - تعالى! -: (قٰالَ فَبِمٰا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمٰانِهِمْ وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ وَ لاٰ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰاكِرِينَ‌).(1)


1) . الاعراف، 16-17.

فهو يخرج المرء عن الصّراط المستقيم بل عن الدّين.

و قدمرّ الكلام في انّ التّوغّل في المشتهيات مضرّ بل كثير منها حرام، ولكنّ التّفريط في المشتهيات و تحمّل الرّياضات الدينيّة الّتي لا تكون في شأنه مضرّ بل كثير منها حرام عليه. و في ختام هذا الطّريق ننقل بعض كلمات كبراء هذا الفّن و اعمالهم.

«كان السيد المرتضى يجري على تلامذته و كان قدس سره يدرس في علوم كثيرة و في بعض السنين اصاب النّاس قحط شديد. فاحتال رجل يهودي في تحصيل قوت يحفظ به نفسه، فحضر يوماً مجلس المرتضى و استأذنه في ان يقرء عليه من النجوم، فأذن له السيد و أمر له بجراية تجري عليه كلّ يوم فقرءَ عليه برهة ثم اسلم على يده».(1)

و قد قال بعض الحكماء: «حق الاستاذ اوكد من الوالد، لانّ الوالد وسيلة فيضان الصورة الانسانية، و الاستاذ وسيلة تحقّق كمال الانسانيّة و حقيقتها».(2)

«و بالجملة صرف عمره الشريف (ملا حسينقلي همداني) في تربية الفضلاء فلهذا كان قليل التصنيف و مصنفاته مع قلتها لم تخرج من السواد إلى البياض. و قليل له في ذلك‌؟ فاجاب: بان تكليفي تربية الطالبين و تعليم المتعلمين، و ما الّفتموه و صنفتموه فهو مني. و كان (رحمه اللَّه) مع ذلك اعجوبة في الحفظ و الضبط و دقة النظر و سرعة الانتقال في المناظرات و طلاقة اللسان و لم يباحث احداً إلّاو قد غلب


1) . راجع: فوائد الرضوية، ص 285-284.

2) . راجع: فوائد الرضوية، ص 83-82.

عليه، و كان له يد طولىٰ في علم الجدل».(1)

قال سماحة الامام خميني قدس سره: «استاد اخلاق براى خود معين نماييد، جلسه وعظ و خطابه و پند و نصيحت تشكيل دهيد، خودرو نمى‌تواند مهذب شد، اگر حوزه‌ها همين طور از داشتن مربى اخلاق و جلسات پند و اندرز خالى باشد محكوم به فناست. چطور شد علم فقه و اصول به مدرّس نياز دارد، درس و بحث مى‌خواهد براى هر علم و صنعتى در دنيا استاد لازم است لكن علوم معنوى و اخلاقى به تعليم و تعلم نيازى ندارد و خودرو و بدون معلم حاصل مى‌گردد. كراراً شنيده‌ام سيد جليلى(2)معلم اخلاق شيخ انصارى بوده است.

شيخ طوسى در سن 52 سالگى درس مى‌رفته است در صورتى كه در سن بين 20 و 30 بعضى از اين كتابها را نوشته است، كتاب تهذيب را گويا در همين سن و سال برشته تحرير درآورده و در سن 52 سالگى در حوزۀ درس مرحوم سيد مرتضى حاضر مى‌شده كه به آن مقام رسيده است.(3)

«حاج ميرزا على آقاى قاضى قهرمان عرفان و سير و سلوك و استاد علامه طباطبايى فرموده است: اهمّ آنچه در اين راه لازم است استاد خبير و بصير و از هوى بيرون آمده و به معرفت الهيّه رسيده و انسان كامل است كه علاوه بر سير إلى اللَّه سه سفر ديگر را طى كرده و گردش و تماشاى او در عالم خلق بالحق بوده


1) . راجع: فوائد الرضوية، ج 2 ص 540.

2) . سيد على شوشترى قدس سره.

3) . راجع: جهاد اكبر، ص 217-215.

باشد. كسى كه طالب راه و سلوك طريق خدا باشد اگر براى پيدا كردن استاد اين راه نصف عمر خود را در جستجو و تفحصّ بگذارند تا پيدا كند ارزش دارد، كسى كه به استاد رسيد نصف راه را طى كرده است».(1)

قال العلّامه الطباطبايى قدس سره: «ما هر چه در اين مورد داريم از مرحوم قاضى داريم، چه آنچه را كه در حياتش از او تعليم گرفتيم و از محضرش استفاده كرديم و چه طريقى كه خودمان داريم، از مرحوم قاضى گرفته‌ايم».(2)

«آقا ميرزا جواد آقا ملكى بعد از دو سال تلّمذ خدمت آخوند عرض كرد:

من در سير خود به جايى نرسيدم. آخوند در جواب از اسم و رسمش سؤال مى‌كند. او تعجب كرده مى‌گويد: مرا نمى‌شناسيد؟ من جواد تبريزى ملكى هستم.

ايشان مى‌گويند: شما با فلان ملكى‌ها بستگى داريد؟ آقا ميرزا جواد آقا چون آنان را خوب و شايسته نمى‌دانسته از آنان انتقاد مى‌كند. آخوند همدانى در جواب مى‌فرمايد: هر وقت توانستى كفش آنها را كه بد مى‌دانى پيش پايشان جفت كنى من خود به سراغ تو خواهم آمد. ميرزا جواد آقا فردا كه به درس مى‌رود خود را حاضر مى‌كند در محلى پايين‌تر از بقيّۀ شاگردان بنشيند تا رفته رفته طلبه‌هايى كه از آن فاميل در نجف بودند و ايشان آنان را خوب نمى‌دانسته مورد محبّت قرار مى‌دهد تا جايى كه كفششان را پيش پاى آنها جفت مى‌كند.

چون اين خبر به آن طايفه كه در تبريز ساكن بودند مى‌رسد رفع كدورت فاميلى


1) . رساله سير و سلوك منسوب به بحر العلوم، ص 176.

2) . يادنامۀ علامه طباطبايى، ص 62.

مى‌شود. بعداً آخوند او را ملاقات مى‌كند و مى‌فرمايد: دستور تازه‌اى نيست تو بايد حالت اصلاح شود تا از همين دستورات شرعى بهره‌مند شوى. ضمناً يادآورى مى‌كند كه كتاب مفتاح الفلاح شيخ بهايى براى عمل كردن خوب است».(1)

«و اعلم يا ولدي محمّد صأنك اللَّه جل جلاله عن مواقف اعراضه عنك وزانك بترادف خلع اقباله عليك و قبوله منك ان من جملة ما بليت به بالمخالطة للناس معرفة الملوك بي و حبّهم لي حتّى كاد ان يفسد علىّ سعادة الدنيا و الاخرة و يحول بيني و بين مالكي صاحب النعم الباطنة و الظاهرة و ما كنت تدركني إلّاو انّني لا بس ثياب العار بطلب ولايات دار الاغترار و قائداً لك إلى الهلاك و عذاب النار، و ما خلصني من خطر اقبال ملوك الدنيا و حبّهم و سلّمني من السموم القاتلة في قربهم إلّااللَّه جلّ جلاله على التحقيق، فانا عتيق ذلك المالك الرحيم الشفيق و ذلك ان اول ما نشأت بين جدى ورام و والدى قدس اللَّه ارواحهم و كحل فلاحهم و كانوا دعاة إلى اللَّه جلّ جلاله و طالبين له فالهمني اللَّه جلّ جلاله سلوك سبيلهم و اتباع دليلهم و كنت عزيزاً عليهم و ما احوجني اللَّه جلّ جلاله باحسانه إليهم و إلى ما جرت عليه عادة الصبيان من تأديب لي منهم او من استاذ بسبب من اسباب الهوان».(2)

و قال في خاتمة المستدرك: «والدة محمّد تقى (والد علّامه محمّد باقر مجلسى)


1) . تاريخ حكماء و عرفاء متأخر بر صدر المتألهين، ص 134-133.

2) . راجع: كشف المحجة لثمرة المهجة، ص 109-108.

عارفۀ صالحه بود و از تقوايش نقل شد كه وقتى شوهرش مقصود على عازم سفرى گرديد پسران خود ملا محمّد تقى و ملا محمّد صادق به جهت تحصيل علوم شرعيه خدمت علامه ملا عبداللَّه شوشترى آورد و استدعا كرد از آن بزرگوار در مراقبت آنها، پس از آن مسافرت كرد، سپس عيدى مصادف شد با جناب ملا عبداللَّه سه تومان به ملا محمّد تقى داد و فرمود: صرف كنيد در ضروريات معاش خودتان، عرض كرد بدون اطلاع والده مجاز نيستيم. وقتى كيفيت أمر به والده عرض شد فرمود: پدر شما دكانى دارد كه غلۀ آن چهارده غاز بيكى است و آن مساوى مخارج شماست، اگر اين مبلغ را بگيرم حال شما در توسعه مى‌شود و پس از آن عادت اوّل را فراموش مى‌كنيد و آن وقت به مخارج كم قانع نيستيد. چون خدمت مولانا اين مطلب عرض شد در حق آن جناب دعا كرده و دعاى آن بزرگوار مستجاب شد، و اين سلسله جليله را از حاميان دين قرار داد كه از ايشان آن بحر مواج بيرون آمد».(1)

ففي الخاتمة احبّ اذكر نبذة من حالات اساتذتي على وجه الاختصار تذكرة لي و لكم و اداءً لبعض حقوقهم علىّ‌.

الف - كان سيدنا الاستاذ الامام خمينى قدس سره مقيّداً بظواهر الشّرع حتّى المستحبّات غير المعروفة فضلًا عن مثل الصّلوة في اوّل وقتها و التّهجّد و تلاوة القرآن و الدعاء، كاجابة دعوات المؤمنين و التسابق في السّلام و سرح اللّحى و....

و مما عرف به عند تلامذته هو رفع حوائج الفقراء إذا علم فقرهم فلذا كان يقول لو


1) . راجع: فوائد الرضوية، ص 411.

علمنا احتياجاً ضروريّاً من شخص فلابدّ من قضائها و لو ببيع لباسنا، كما انّه كان يكره اظهار الفقر سيما إذا علم انّه لا يحتاج بالفعل. و امّا مما عرف به و كان يتقيّد به غاية التّقيّد هو الاجتناب عن المحرّمات.

و اذكر لك ما لا انساه قطّ و هو انّه جاء يوماً مجلس الدّرس مضطرباً قلقاً و قال لم اجئ للمباحثة بل جئت لان انصحكم بنصيحة نقل عن بعض انّها نصيحة السّيّد الميرزا الكبير الشّيرازى و هي انّه كتب انّه يشترط في اهل العلم، العلم و التّقوى و العقل، فان لم يكن له علم فالتّقوى و العقل، و إلّافلا اقلّ من العقل حتّى يحفظ الاسلام بعقله. فانا اقول:

تابعوا العقل و الفكر حتّى يحفظ الحوزة المقدّسة.

فذهب و به حمّى لازمة فهي تعود و لم يقدر على المباحثة ايّاماً. و كان سبب ذلك كلّه انّ نفراً من تلامذته عرّفه بما يثلم ذاتيّة بعض المراجع و هويته فاضطرب و اعتلّ باستماع غيبة فقد كان يشمئزّ من الذّنوب اشمئزازاً سيّما عن مثل الغيبة الّتي هي الاعتداد على حقّ النّاس و عن مثل الاسراف و التّبذير سيّما في بيت المال.

هذه قطرة من فضائل بحر تقيّده بظواهر الشّرع. و امّا مقامه في التّخلية و التّحلية فقد كان يعتقد انّ العلوم كلّها حتّى علم التّوحيد يتوقّف على التّهذيب و التّخلق بالفضائل.

و عند ما زاره جماعة من طالبي العلم في فجر الثّورة الاسلاميّة و قال احدهم:

لم نأت لنقول ماذا نريد من الثّورة، بل جئنا لنسأل ماذا تريد الثّورة منّا.

سرّ بذلك للطافة قوله و دقّته و ظرافته، و قال: انّ الثّورة تريد منّا ان نزكّى و

نهذّب انفسنا.

و حقّاً انّه كلام قيّم.

و امّا مقام التّجلية و اللّقاء فنحن نعتقد انّ بعض كلماته ناشئة من وصوله إلى المقامين؛ مثلًا انّه كان يقول كما كتب في اوّل وصيّته الالهيّة و السّياسيّة:

انّ اللَّه - تعالىٰ‌! - تجلّى باحديّته مع جميع صفاته و اسمائه حتّى المستأثر منها الّذي لا يعلمه غيره فأوجد اهل البيت الّذين هم نور واحد.

و كذلك تجلّى باحديّته مع جميع صفاته واسمائه حتّى المستأثر منها الّذي لا يعلمه غيره فأوجد القرآن فهما الثّقلين اللّذان يتّصلان عند الحوض اتّصال الكثرة بالوحدة.

و هذا الكلام بديع منه، و ان سبقه إليه غيره فلا اقلّ من انّا لا نعلم به.

و المشهور انّ الاسم المستأثر او الاسماء المستأثرة مكنون في ذاته مختصّ به، ولكنّه كان يقول: لا معنى لوجود اسم ولو كان مكنوناً و مختصّاً به بلا مجلىً له فمثل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لابدّ من ان يكون مظهراً و مجلى للذّات و الصّفة حتّى الاسم المستأثر.

كما كان يقول: يظهر من القرآن انّ الولاية بمنزلة الفصل و الاسلام بمنزلة الجنس، فقوام الجسن بالفصل و هذا معنى قوله - تعالى! -: (اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً).(1)إلى جانب قوله - تعالى!


1) . المائدة، 3.

-: (يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ‌).(1)

فبناءً على هذا فانّ روايات «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ وَ الْوَلَايَةِ وَ لَمْ يُنَادَ بِشَيْ‌ءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ‌»(2)لابدّ من ان يراد بالولاية محبّة أهل البيت و شيعتهم لا الولاية المصطلح عليها، لأنها من اصول الدّين و قوامه و لا معنى لجعلها تلو الفروعات كالصلوة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ‌.

و نظير هذه الكلمات عنه كثير يحتاج إلى افراد كتاب و نحن نكتفي به و نقول:

انّ دليل وصوله إلى مقام اللّقاء تصرّفه الولائي في النّفوس ولنا في ذلك شواهد و يكفيك ما وقع في اوّل الثّورة الاسلاميّة إلى يومنا هذا حيث مضت سنة على وفاته و استقبال النّاس له عند وروده و توديعهم اياه عند موته و حتّى بعد موته ليس إلّا كرامة، و ان شئت قلت التّصرّف الولائى.

قد طغى علينا القلم و كتب بعض الاسرار ولكن لا تتعجّب، لانّها كثيرة بين علماء الشّيعة بل بقاء التشيّع لا يكون إلّابمثل هذه الكرامات و العنايات. و قد كتب بقيّة اللَّه الاعظم روحي و ارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء إلى الشّيخ الجليل المفيد رضوان اللَّه - تعالىٰ‌! - عليه:

انّا غير مهملين لمراعاتكم و غير ناسين لذكركم ولولا ذلك لسلبتكم الاعداء.

و الحاصل انّ نظير هذه الكلمات و الكرامات من علماء الشّيعة من بدؤ الغيبة الصّغرى‌زمن الغيبة الكبرى و منها إلى الان كثير يحتاج إلى افراد مجلّدات.


1) . المائدة، 67.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 18.

ب - كان سيّدنا العلّامة الطّباطبائي من الفلاسفة العرفاء ولكن تقيّده بظواهر الشّرع ممّا يشار إليه بالبنان، و كان تحت نظر العارف الكامل القاضي الطّباطبائي في الأخلاق و وصل إلى مقام الكشف و الشّهود بحيث قال: رأيت حوريّة في عالم الكشف و بيدها كأس من شراب الجنّة، فلم اعتني بها فجائت من طرف اليمين، فلم اعتني بها فجائت من طرف الشّمال فلم اعتني بها فذهبت آئسةً‌. فتبسّم - رضوان اللَّه تعالىٰ عليه! - و قال: كلّما تذكّرت القضيّة تألّمت لها.

و اخيراً انّ ذلك الاستاذ - رضوان اللَّه تعالى عليه - كان له دور هامٌّ في عروجه من منزل إلى منزل حتّى وصل علماً و عملًا إلى مقام اللّقاء فلذا كان يعيد قوله مرارًا عديدة: كلّ ما عندنا فهو من الاستاذ القاضي.

و الانصاف انّ الاستاذ وصل إلى مقام التّذكرة، فلذا كان يوصي بذلك. فقيل انّه قال عند الموت كراراً: انتبه - انتبه.

و في اوائل مرض موته ذهبنا إلى عيادته فقلت له: يا سيّدي اوصنا من فضلك فقال: قال اللَّه - تعالى! -: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ‌).(1)

و هو مضافاً إلى اختصاصه في المعارف الاسلاميّة و له تآليف في قسط وافر من علوم الاسلام، و هو من المفسّرين الّذين يفخر بتفسيره الداني و العالي و القريب و البعيد، و فيه دقائق لطيفة سيّما في التّوحيد و الولاية، ولكن الاسف كلّ الاسف انّ الحوائل الجسمانيّة و الرّوحيّة و الاجتماعيّة منعته عن تحقّق ارادته من ان يذكر فيه ما شاء، و على الرّغم من هذا فانّ فيه درراً و دقائق مبتكرة جزاه اللَّه خير الجزاء.


1) . البقرة، 152.

و في الختام احبّ ان اكتب نكتة لطيفة في اللّقاء الّتي نعتقد انّه وصل اليها:

اختلف في معنى اللّقاء في القرآن، و المشهور بين المفسرّين انّ معناها لقاء يوم القيامة من رحمته و عقابه، و استدلّوا بمثل قوله - تعالى! -: (وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا وَ لِقٰاءِ اَلْآخِرَةِ فَأُولٰئِكَ فِي اَلْعَذٰابِ مُحْضَرُونَ‌).(1)و المشهور عند اهل القلوب هي الفناء نظير فناء القطرة في البحر، و استدلّوا بمثل: (إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ‌).(2)و بمثل: (يٰا أَيُّهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاٰقِيهِ‌).(3)

ولكنّ الاستاذ - رضوان اللَّه تعالى عليه - في دروسه الاخلاقيّة يرد على القولين قائلاً: انّ القول بالمذهب الثّاني يوجب لغويّة الايجاد و الوجود، و القول بالمذهب الأوّل خلاف ظواهر الايات، مضافاً إلى اهمال أمر مهمّ‌.

و التّحقيق ان يقال ببقاء الاعيان الثّابتة مع فناء الانانيّة و التأثير عنها و درك امكان الاتيان الذّاتي و تدلّيها و درك انّه ليس في الدّار غيره ديّار، فهي في كلّ آن فانية و قيامها باللَّه تعالى، قال - تعالى! -: (اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ‌) (4)فليس موجود حقيقه إلّاهو و غيره كسراب بقيعة يحسبه الظّمأن ماءً‌.

فالانسان بسيره و وصوله إلى مقام حقّ اليقين لا يرى إلّااللَّه - تعالىٰ‌! - كما انّه في نفس الامر و الواقع ليس في الدّار غيره ديّار.


1) . الرّوم، 16.

2) . البقرة، 156.

3) . الانشقاق، 6.

4) . البقرة، 255.

قال - تعالى! -: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ‌).(1)

و قال - تعالى! -: (وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ‌).(2)

فالالتفات إليه - تعالىٰ‌! - و عناء الوجوه للحيّ القيّوم يقتضي بقاء الاعيان الثّابتة، كما انّ قوله - تعالى! -: (لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلّٰهِ اَلْوٰاحِدِ اَلْقَهّٰارِ)(3)و قوله - تعالىٰ‌! - (وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ اَلْأَمْرُ كُلُّهُ‌)(4)يقتضي الفناء، و الجمع يقتضي بقاء الاعيان الثّابتة حتّى بعد الفناء و البقاء باللَّه - تعالىٰ‌! - مع وصوله إلى مقام اللّقاء و تجاوزه عن المنازل، و بعبارةٍ أخرى وصوله إلى مقام حقّ اليقين، و بعبارةٍ ثالثة وصوله إلى كون قلبه عرش الرّحمن.

ج - كان سيّدنا الاستاذ البروجردي من الفقهاء العظام فكان حين الورود في مباحثة الفقه و الاصول كالبحر المتلاطم و تقيّده بظواهر الشّرع كان اسوة لنا، و حرصه على بقاء الحوزة و ترقيه كان مشهوداً، و جدّه في الدّرس من اوّل عمره الشريف إلى اخره كان مشهوراً عندنا، حتّى انّه كان يقول: انّنى كنت اقضى اللّيل بالمطالعة في النّجف الاشرف. و كان رحمه اللَّه مخالفاً لهواه وطيلة الّثمان سنوات الّتي كنّا نحضر درسه الشّريف لم نر منه رذيلة اخلاقيّة، و كان يوصينا بترك الهوى سيّما طلب الدّنيا و الرّئاسة فيها. و كان يقول: انّي لم اتهيّأ لهذه الرّئاسة و المرجعيّة مسبقاً و هي حمل ثقيل علىّ و ياليتها لم تحمل علىّ‌.


1) . الانعام، 79.

2) . طه، 111.

3) . المؤمن، 16.

4) . هود، 123.

و كان يدّعي الالهامات و السّماعات و الكشف قبل حصول المرجعيّة له قائلاً:

انّ الاشتغالات فعلًا تمنعنا عن تلك الفيوضات فكان قد وصل إلى منازل عليا، امّا نحن فلا نزال في اوّل الطّريق.

و في الخاتمة نذكر قضيّة مشهورة عنه تدلّ على روح تعبّده الّذي مضى ذكره، و قلنا هناك انّه من فوائد التّهذيب و هو متوقّف عليه، و قلنا انّه من افضل الفضائل بل لا فضيلة افضل منها. و هي انّه كان قوىّ البصر كما كان شديد البصيرة و انّه كان يقرء الكتاب في آخر عمره بلا نظّارة. و كان يقول: انّ بصري كان ضعيفاً في شبابي بحيث لم اقدر على ان اطالع بلا نظّارة. فحدث ان مرّ علينا موكب عزاء الحسين عليه السلام فأخذت مقداراً من الطين من رأس بعضهم و مسحته على ظهر عيني، فعبد ذلك لم احتج إلى النّظارة، و انّ عيني الان في كمال الحدّة و النّور.

و هذا الرّوح الّذي هو من العنايات الخاصّة الالهيّة لا توهب إلّالعباده الصّالحين. و الحمدللَّه على انّ اساتذتنا كانوا ممن نفخ فيهم هذا الرّوح، هنيئاً لهم و رضوان اللَّه تعالى عليهم، و نرجو من اللَّه ان يهدينا و يشرح صدورنا و يجعل صدورنا محل هذه الفضيلة العظمى.

مراقبة الرّفيق و نظارته:

مراقبة الرّفيق ممّا به تأثير في السّير، ولو لم تكن اولى من سائر المراقبات و الاشرافات، فلا اشكال في كونها مثلها بحيث انّه روى: «المرء على دين خليله»(1)


1) . بحار الانوار، ج 74، باب 14، ص 192، ح 12.

فاستفادة الزملاء كلّ من الاخر و مراقبة احدهما الاخر و اهداء كلّ منهما عيوب الاخر إليه ممّا يؤثّر في السّير و السّلوك و في الاداب و العادات الاجتماعيّة و في اتيان الواجبات و ترك المحرّمات.

كما انّ الرفيق السّوء اسوء من الشّيطان، و في رؤية الذكر العزيز هو من الشياطين كما في قوله - تعالى! -: (مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوٰاسِ اَلْخَنّٰاسِ * اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنّٰاسِ * مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنّٰاسِ‌).(1)

فعليك ثمّ عليك بالصّديق الخير، لانّه من خير الدّنيا و الاخرة و قيمته أغلى من الدّنيا و ما فيها. و ايّاك ثمّ ايّاك و قرين السّوء لانّه شرّ من جميع الشرور.

و ما قلنا في الاستاذ من الشّروط يأتي هنا أيضًا بلا فرق.

فيشترط في الرّفيق ان يكون عاقلًا، لاّن الاحمق لا ينفع بل يضرّ، و في الرّوايات: «إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرُّكَ‌...»(2)و الاحمق امّا مفرط او مفرّط فكيف يمكن ان يكون معلّمك و رقيبك‌؟!.

و يشترط ان يكون عالماً او متعلّماً، و امّا الجاهل غير المتعلّم فله استبداد في جهله كما انّه يستبدّ على رأيه و عصبيّته...، و بالجملة انّه كالاحمق لا يكون كاسباً و لا مكتسباً و انّه يكون امّا مفرط او مفرّط.

و يشترط ان يكون سليم النّفس و لا اقلّ من كونه مريداً لها، و ان يكون متقياً و لا اقلّ ممّن يحبّ التّقوى و يكون بصدد اصلاح نفسه. و الحاصل انّ الصدّيق


1) . النّاس، 4-6.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 8.

السّليم النّفس ولو في الجملة و الصّديق التّقي إذا ضمّ المرء إلى سلامة نفسه عقلَه و علمَه او تعلّمه يصير له من أفضل المراقبات و لابدّ للسّالك من وجدانه و استفادته منه.

آيات في مراقبة الرفيق

(وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتٰابِ أَنْ إِذٰا سَمِعْتُمْ آيٰاتِ اَللّٰهِ يُكْفَرُ بِهٰا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهٰا فَلاٰ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ جٰامِعُ اَلْمُنٰافِقِينَ وَ اَلْكٰافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً).(1)

(كُلَّمٰا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهٰا حَتّٰى إِذَا اِدّٰارَكُوا فِيهٰا جَمِيعاً قٰالَتْ أُخْرٰاهُمْ لِأُولاٰهُمْ رَبَّنٰا هٰؤُلاٰءِ أَضَلُّونٰا فَآتِهِمْ عَذٰاباً ضِعْفاً مِنَ اَلنّٰارِ قٰالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لٰكِنْ لاٰ تَعْلَمُونَ‌).(2)

(يٰا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاٰناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ اَلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جٰاءَنِي وَ كٰانَ اَلشَّيْطٰانُ لِلْإِنْسٰانِ خَذُولاً).(3)

(وَ قَيَّضْنٰا لَهُمْ قُرَنٰاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنَّهُمْ كٰانُوا خٰاسِرِينَ‌).(4)


1) . النسّاء، 140.

2) . الاعراف، 38.

3) . الفرقان، 28-29.

4) . فصّلت، 25.

(اَلْأَخِلاّٰءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ‌).(1)

(وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطٰاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‌).(2)

(فِي جَنّٰاتٍ يَتَسٰاءَلُونَ * عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ * مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَ * وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ اَلْمِسْكِينَ * وَ كُنّٰا نَخُوضُ مَعَ اَلْخٰائِضِينَ‌).(3)

(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنّٰاسِ * مَلِكِ اَلنّٰاسِ * إِلٰهِ اَلنّٰاسِ * مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوٰاسِ اَلْخَنّٰاسِ * اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنّٰاسِ * مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنّٰاسِ‌).(4)


1) . الزّخرف، 67.

2) . الزّخرف، 36.

3) . المدّثّر، 40-45.

4) . النّاس.

روايات في مراقبة الرفيق

قال الحواريون لعيسىٰ عليه السلام: «فَمَنْ نُجَالِسُ يَا رُوحَ اللَّهِ؟ قَالَ مَنْ يُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ وَ يَزِيدُ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ وَ يُرَغِّبُكُمْ فِي الآْخِرَةِ عَمَلُهُ‌».(1)

روى عن بعض الصادقين عليهم السلام انه قال: «الْجُلَسَاءُ ثَلَاثَةٌ جَلِيسٌ تَسْتَفِيدُ مِنْهُ فَالْزَمْهُ وَ جَلِيسٌ تُفِيدُهُ فَأَكْرِمْهُ وَ جَلِيسٌ لَا تُفِيدُ وَ لَا تَسْتَفِيدُ مِنْهُ فَاهْرُبْ عَنْهُ‌».(2)

عن اميرالمؤمنين عليه السلام: «...... إِنَ الْعِلْمَ ذُو فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ‌: فَرَأْسُهُ التَّوَاضُعُ‌...... وَ رَفِيقُهُ صُحْبَةُ الْأَخْيَارِ».(3)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُوَاخِيَ الْفَاجِرَ وَ لَا الْأَحْمَقَ وَ لَا الْكَذَّابَ‌».(4)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام انه قال: «لَا تَصْحَبُوا أَهْلَ الْبِدَعِ وَ لَا تُجَالِسُوهُمْ فَتَصِيرُوا


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 322.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 203.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 1، ص 175.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 376.

عِنْدَ النَّاسِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ‌. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ وَ قَرِينِهِ‌».(1)

عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام قال: «يَا سُفْيَانُ أَمَرَنِي وَالِدِي ع بِثَلَاثٍ وَ نَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ فَكَانَ فِيمَا قَالَ لِي يَا بُنَيَّ مَنْ يَصْحَبْ صَاحِبَ السَّوْء».(2)

عن الصادق عليه السلام عن ابائه عليهم السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «... وَ أَحْسِنْ مُصَاحَبَةَ مَنْ صَاحَبَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا».(3)

قال الصادق عليه السلام بعد ذكر الائمة عليهم السلام: «وَ دِينُهُمُ الْوَرَعُ‌... وَ حُسْنُ الصُّحْبَةِ وَ حُسْنُ الْجِوَارِ».(4)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ قَالَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَنِبَ مُوَاخَاةَ ثَلَاثَةٍ الْمَاجِنِ وَ الْأَحْمَقِ وَ الْكَذَّابِ فَأَمَّا الْمَاجِنُ فَيُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ وَ يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ وَ لَا يُعِينُكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ وَ مَعَادِكَ وَ مُقَارَنَتُهُ جَفَاءٌ وَ قَسْوَةٌ وَ مَدْخَلُهُ وَ مَخْرَجُهُ عَلَيْكَ عَارٌ وَ أَمَّا الْأَحْمَقُ فَإِنَّهُ لَا يُشِيرُ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ وَ لَا يُرْجَى لِصَرْفِ السُّوءِ عَنْكَ وَ لَوْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَ رُبَّمَا أَرَادَ مَنْفَعَتَكَ فَضَرَّكَ فَمَوْتُهُ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ وَ سُكُوتُهُ خَيْرٌ مِنْ نُطْقِهِ وَ بُعْدُهُ خَيْرٌ مِنْ قُرْبِهِ وَ أَمَّا الْكَذَّابُ فَإِنَّهُ لَا يَهْنِئُكَ مَعَهُ عَيْشٌ يَنْقُلُ حَدِيثَكَ وَ يَنْقُلُ إِلَيْكَ الْحَدِيثَ كُلَّمَا أَفْنَى أُحْدُوثَةً مَطَّهَا بِأُخْرَى حَتَّى إِنَّهُ يُحَدِّثُ بِالصِّدْقِ فَمَا يُصَدَّقُ وَ يُغْرِي بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدَاوَةِ فَيُنْبِتُ السَّخَائِمَ فِي


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 375.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 278.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 368.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 387.

الصُّدُورِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ انْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ‌».(1)

عن الرضا عليه السلام: «... وَ قَالَ ع اجْتَهِدُوا فِي أَنْ يَكُونَ زَمَانُكُمْ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ سَاعَةً لِمُنَاجَاةِ اللَّهِ وَ سَاعَةً لِأَمْرِ الْمَعَاشِ وَ سَاعَةً لِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ وَ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَكُمْ عُيُوبَكُمْ وَ يُخْلِصُونَ لَكُمْ فِي الْبَاطِنِ وَ سَاعَةً تَخْلُونَ فِيهَا لِلَذَّاتِكُمْ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ وَ بِهَذِهِ السَّاعَةِ تَقْدِرُونَ عَلَى الثَّلَاثَةِ سَاعَات...».(2)

عن أبي‌عبداللَّه عليه السلام قال: «وَصِيَّةُ وَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلٍ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ع.......

أَيْ بُنَيَّةِ إِيَّاكِ وَ صُحْبَةَ الْأَحْمَقِ الْكَذَّابِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ نَفْعَكِ فَيَضُرُّكِ وَ يُقَرِّبُ مِنْكِ الْبَعِيدَ وَ يُبَعِّدُ عَنْكِ الْقَرِيبَ إِنِ ائْتَمَنْتِهِ خَانَكِ وَ إِنِ ائْتَمَنَكِ أَهَانَكِ وَ إِنْ حَدَّثَكِ كَذَبَكِ وَ إِنْ حَدَّثْتِهِ كَذَّبَكِ وَ أَنْتِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ السَّرَابِ الَّذِي يَحْسَبُهُ الظَّمْ‌آنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا».(3)

قال الجواد عليه السلام: «الْمُؤْمِنُ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ تَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ وَ وَاعِظٍ مِنْ نَفْسِهِ وَ قَبُولٍ مِمَّنْ يَنْصَحُهُ‌».(4)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «و ايّاك و مصاحبة الفسّاق، فان الشرّ بالشرّ ملحق و وقّر اللَّه واحبب احبّائه».(5)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام قال: «لَا تَكُونُ الصَّدَاقَةُ إِلَّا بِحُدُودِهَا فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 376.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 346.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 446.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 358.

5) . راجع: نهج البلاغة، صبحي الصالح خطبة 69.

الْحُدُودُ أَوْ شَيْ‌ءٌ مِنْهَا فَانْسُبْهُ إِلَى الصَّدَاقَةِ وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْ‌ءٌ مِنْهَا فَلَا تَنْسُبْهُ إِلَى شَيْ‌ءٍ مِنَ الصَّدَاقَةِ فَأَوَّلُهَا أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ وَ عَلَانِيَتُهُ لَكَ وَاحِدَةً وَ الثَّانِي أَنْ يَرَى زَيْنَكَ زَيْنَهُ وَ شَيْنَكَ شَيْنَهُ وَ الثَّالِثَةُ أَنْ لَا تُغَيِّرَهُ عَلَيْكَ وِلَايَةٌ وَ لَا مَالٌ وَ الرَّابِعَةُ أَنْ لَا يَمْنَعَكَ شَيْئاً تَنَالُهُ مَقْدُرَتُهُ وَ الْخَامِسَةُ وَ هِيَ تَجْمَعُ هَذِهِ الْخِصَالَ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ عِنْدَ النَّكَبَاتِ‌».(1)

«وَ وَفِّقْنِي فِيهِ لِلتُّقي وَ صُحْبَةِ الْأَبْرار».(2)

«اللَّهُمَ وَفِّقْنِي فِيهِ لِمُوَافَقَةِ الْأَبْرَارِ وَ جَنِّبْنِي فِيهِ مُرَافَقَةَ الْأَشْرَار».(3)

«وَ لَا تَحْرِمْنِي صُحْبَةَ الْأَخْيَار».(4)

عنى أبي عبداللَّه عن أبيه عليه السلام قال: قال لي علي بن الحسين عليه السلام: «يَا بُنَيَّ انْظُرْ خَمْسَةً فَلَا تُصَاحِبْهُمْ وَ لَا تُحَادِثْهُمْ وَ لَا تُرَافِقْهُمْ فِي طَرِيقٍ فَقُلْتُ يَا أَبَهْ مَنْ هُمْ؟ قَالَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْكَذَّابِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّرَابِ يُقَرِّبُ لَكَ الْبَعِيدَ وَ يُبَاعِدُ لَكَ الْقَرِيبَ وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْفَاسِقِ - فَإِنَّهُ بَائِعُكَ بِأُكْلَةٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَخْذُلُكَ فِي مَالِهِ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْأَحْمَقِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرُّكَ وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْقَاطِعِ لِرَحِمِهِ فَإِنِّي وَجَدْتُهُ مَلْعُوناً فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ‌: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 639.

2) . دعاء يوم الثالث عشر من رمضان.

3) . دعاء يوم السادس عشر من رمضان.

4) . دعاء ليلة العرفة.

اَلْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحٰامَكُمْ‌

أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللّٰهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمىٰ أَبْصٰارَهُمْ‌).

و قال: (وَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدّٰارِ).

و قال في سورة البقرة: (اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْخٰاسِرُونَ‌)».(1)

عن الجعفري قال سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: «يَقُولُ مَا لِي رَأَيْتُكَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ فَقَالَ إِنَّهُ خَالِي فَقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ فِي اللَّهِ قَوْلًا عَظِيماً يَصِفُ اللَّهَ وَ لَا يُوصَفُ فَإِمَّا جَلَسْتَ مَعَهُ وَ تَرَكْتَنَا وَ إِمَّا جَلَسْتَ مَعَنَا وَ تَرَكْتَهُ فَقُلْتُ هُوَ يَقُولُ مَا شَاءَ أَيُّ شَيْ‌ءٍ عَلَيَّ مِنْهُ إِذَا لَمْ أَقُلْ مَا يَقُولُ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع أَ مَا تَخَافُ أَنْ تَنْزِلَ بِهِ نَقِمَةٌ فَتُصِيبَكُمْ جَمِيعاً أَ مَا عَلِمْتَ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى ع وَ كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَصْحَابِ فِرْعَوْنَ فَلَمَّا لَحِقَتْ خَيْلُ فِرْعَوْنَ مُوسَى تَخَلَّفَ عَنْهُ لِيَعِظَ أَبَاهُ فَيُلْحِقَهُ بِمُوسَى فَمَضَى أَبُوهُ وَ هُوَ يُرَاغِمُهُ حَتَّى بَلَغَا طَرَفاً مِنَ الْبَحْرِ فَغَرِقَا جَمِيعاً فَأَتَى مُوسَى ع الْخَبَرُ فَقَالَ هُوَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ وَ لَكِنَّ النَّقِمَةَ إِذَا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَمَّنْ قَارَبَ الْمُذْنِبَ دِفَاعٌ‌».(2)

3 - العبرة من السّير و التّاريخ
اشارة


1) . راجع: الكافي، ج 2 376.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 374.

قد اكّد القرآن على السّير في التاريخ و الاعتبار من حال الماضين، فالقرآن مضافاً إلى الامر بذلك فيما يزيد على عشرة مواضع قد حكى قصصاً من حال الماضين و لعلّ ثلث القرآن يكون في ذلك و في غالب تلك القصص أمر بالاعتبار منهم. فبعد ذلك يفهم ان هذا الامر مهمّ لتهذيب النّفس جدّاً، و كذلك للتخلّق بالفضائل و بملكة التّقوى. و بالجملة انّ هذا الامر في الأخلاق و الأخلاقيّات ولو لم يكن اهمّ الأمورو اجود الطّرق فلا اقلّ انّه من الأمورالهامّة.

الاترى انّ التنزيل حكى في سورة يوسف انّ اخوته حيث ركّزوا على قولهم:

(لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلىٰ أَبِينٰا مِنّٰا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبٰانٰا لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ‌) (1)فعلوا ما فعلوا من الذّنوب العظام من ارادة قتله، و القائهم ايّاه في غيابة الجبّ‌، و شرائه بثمن بخس، و من نسبة الضّلال‌ابيه مع علمهم بانّه نبيّ اللَّه، و نسبة السّرقة إلى يوسف مع علمهم بانّه كذب. فيفهم انّ الكبر و الحسد و نحوهما مع علم المتكبّر الحسود بواقع الامر يوجب الضّلالة.

قال - تعالى! -: (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلىٰ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلىٰ بَصَرِهِ غِشٰاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اَللّٰهِ أَ فَلاٰ تَذَكَّرُونَ‌).(2)

ثمّ نقل قصّة امرأة العزيز، مشيرًا إلى ما هُيّ‌ء لها من البعل و الرّئاسة و المال و الجمال بل و كلّ ما كان يتمنّاه أقرانها و لكنّ اتّباعها لهواها و شهوتها اسقطتها عن مقامها.


1) . يوسف، 8.

2) . الجاثية، 23.

ثمّ نقل قصّة عفة يوسف و تقواه و صبره على المصائب و عفوه عن مسبّبها بحيث انّه قال لأبيه بعد أن لقاه: (يٰا أَبَتِ هٰذٰا تَأْوِيلُ رُءْيٰايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهٰا رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ اَلسِّجْنِ وَ جٰاءَ بِكُمْ مِنَ اَلْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ اَلشَّيْطٰانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي).(1)فنسب الذنب إلى الشيطان و أبرىء اخوته منه.

فأعطاه اللَّه عزّاً ليس لاحدٍ ان يحوزه إلّاباعطائه - تعالىٰ‌! - ايّاه. ثمّ قال - تعالىٰ‌! - حاكياً عن يوسف لاخوته: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ‌).(2)

و جملة القول انّ اللَّه - تعالىٰ‌! - في هذه السّورة يرتسم الكبر و الحسد و ما يترتّب عليهما من المفاسد، و يرتسم الفجور و عدم العفاف و ما يترتّب عليه من الذّلّ‌، و يرتسم الفضائل و التّقوى و ما يترتّب عليهما من العزّ و الشّوكة، و في آخر السّورة قال: (لَقَدْ كٰانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبٰابِ‌).(3)

الاترى انّ الذكر الحكيم بيّن بعث موسى و ارساله عليه السلام إلى فرعون و ملأه و إلى بني اسرائيل مع معجزات كثيرة باهرة ولكن لم يذعن له بنو اسرائيل فضلًا عن فرعون و ملأه ظلماً و علوّا حتّى اغرق اللَّه فرعون و قومه، قال - تعالى! -:

(فَانْتَقَمْنٰا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنٰاهُمْ فِي اَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا وَ كٰانُوا عَنْهٰا غٰافِلِينَ‌).(4)

و ابتلى بنى اسرائيل بواد التّيه اربعين سنة. قال - تعالى! -: (قٰالَ فَإِنَّهٰا مُحَرَّمَةٌ‌


1) . يوسف، 100.

2) . يوسف، 90.

3) . يوسف، 111.

4) . الاعراف، 136.

عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ فَلاٰ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْفٰاسِقِينَ‌).(1)

و تفصيل ذلك انّ موسى عليه السلام بُعث إلى فرعون و معه تسع آيات بيّنات. قال اللَّه - تعالى! -: (وَ لَقَدْ آتَيْنٰا مُوسىٰ تِسْعَ آيٰاتٍ بَيِّنٰاتٍ‌).(2)هي:

الف - تبدل عصاه بحيّة، قال - تعالى! -: (فَأَلْقٰاهٰا فَإِذٰا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعىٰ‌).(3)

و بهذه المعجزة امن سحرة فرعون، قال اللَّه - تعالى! -: (وَ أَلْقِ مٰا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مٰا صَنَعُوا إِنَّمٰا صَنَعُوا كَيْدُ سٰاحِرٍ وَ لاٰ يُفْلِحُ اَلسّٰاحِرُ حَيْثُ أَتىٰ * فَأُلْقِيَ اَلسَّحَرَةُ سُجَّداً قٰالُوا آمَنّٰا بِرَبِّ هٰارُونَ وَ مُوسىٰ‌).(4)

ولكن فرعون لم يؤمن بل قال لهم: (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاٰفٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اَلنَّخْلِ‌).(5)

ب - جعل يده بيضاء، قال - تعالى! -: (وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضٰاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ‌).(6)

ج - جفاف الأرض و المجاعة.

د - و نقص من الّثمرات، قال - تعالى! -: (وَ لَقَدْ أَخَذْنٰا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ


1) . المائدة، 26.

2) . الاسراء، 101.

3) . طه، 30.

4) . طه، 69.

5) . طه، 71.

6) . الّنمل، 12.

نَقْصٍ مِنَ اَلثَّمَرٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ‌).(1)

ولكنّهم لم يذّكّروا بل قال اللَّه فيهم: (فَإِذٰا جٰاءَتْهُمُ اَلْحَسَنَةُ قٰالُوا لَنٰا هٰذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسىٰ وَ مَنْ مَعَهُ أَلاٰ إِنَّمٰا طٰائِرُهُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاٰ يَعْلَمُونَ * وَ قٰالُوا مَهْمٰا تَأْتِنٰا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنٰا بِهٰا فَمٰا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ‌).(2)

ه‍ - ارسال الطوفان عليهم.

و - ارسال الجراد عليهم.

ز - ارسال القمّل عليهم.

ح - ارسال الضفادع عليهم.

ط - ارسال الدّم عليهم.

قال - تعالى! -: (فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمُ اَلطُّوفٰانَ وَ اَلْجَرٰادَ وَ اَلْقُمَّلَ وَ اَلضَّفٰادِعَ وَ اَلدَّمَ آيٰاتٍ مُفَصَّلاٰتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كٰانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ‌).(3)

فالتجؤوا إلى موسى لكشف الرّجز فلمّا كشف عنهم الرّجز اذاهم ينكثون.

قال اللَّه - تعالى! -: (وَ لَمّٰا وَقَعَ عَلَيْهِمُ اَلرِّجْزُ قٰالُوا يٰا مُوسَى اُدْعُ لَنٰا رَبَّكَ بِمٰا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا اَلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ * فَلَمّٰا كَشَفْنٰا عَنْهُمُ اَلرِّجْزَ إِلىٰ أَجَلٍ هُمْ بٰالِغُوهُ إِذٰا هُمْ يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنٰا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنٰاهُمْ فِي اَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا وَ كٰانُوا عَنْهٰا غٰافِلِينَ‌).(4)


1) . الاعراف، 130.

2) . الاعراف، 131.

3) . الاعراف، 133.

4) . الاعراف، 134.

فالويل ثمّ الويل للاستكبار وحبّ الرّئاسة و اللّجاج و... فهل يمكن الكفر مع هذه الايات البيّنات‌؟ نعم: يمكن لمثل من امن بموسى من بني اسرائيل لانّه جاء لهم بمعجزات أخر و لكنّهم آذوه بما هو خارجٌ عن الطّاقة البشريَّة.

1 - فلق البحر، قال - تعالى! -: (فَأَوْحَيْنٰا إِلىٰ مُوسىٰ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصٰاكَ اَلْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكٰانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ اَلْعَظِيمِ‌).(1)

2 - اظلال الغمام عليهم، قال - تعالى! -: (وَ ظَلَّلْنٰا عَلَيْكُمُ اَلْغَمٰامَ‌).(2)

3 - نزول المنّ و السّلوى، قال - تعالى! -: (وَ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمُ اَلْمَنَّ وَ اَلسَّلْوىٰ‌).(3)

4 - تفجير الماء لهم من الحجر، قال - تعالى! -: (فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصٰاكَ اَلْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتٰا عَشْرَةَ عَيْناً).(4)

5 - اظلال الجبل عليهم، قال - تعالى! -: (وَ إِذْ نَتَقْنَا اَلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ‌).(5)

6 - احياء الموتى لهم، قال - تعالى! -: (فَقُلْنٰا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهٰا كَذٰلِكَ يُحْيِ اَللّٰهُ اَلْمَوْتىٰ‌).(6)

ولكن كانوا يعتذرون و يتحركثون تارة فيقولون لن نصبر على طعام واحد، قال - تعالىٰ‌! - حكاية عنهم: (وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلىٰ طَعٰامٍ وٰاحِدٍ فَادْعُ لَنٰا


1) . الشّعراء، 63.

2) . البقرة، 57.

3) . البقرة، 57.

4) . البقرة، 60.

5) . الاعراف، 171.

6) . البقرة، 73.

رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا وَ فُومِهٰا وَ عَدَسِهٰا وَ بَصَلِهٰا).(1)

و أخرى انّا لن ندخلها حينما امرهم بدخول الارض المقدّسة، قال - تعالى! -:

(يٰا قَوْمِ اُدْخُلُوا اَلْأَرْضَ اَلْمُقَدَّسَةَ اَلَّتِي كَتَبَ اَللّٰهُ لَكُمْ وَ لاٰ تَرْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خٰاسِرِينَ * قٰالُوا يٰا مُوسىٰ إِنَّ فِيهٰا قَوْماً جَبّٰارِينَ وَ إِنّٰا لَنْ نَدْخُلَهٰا حَتّٰى يَخْرُجُوا مِنْهٰا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهٰا فَإِنّٰا دٰاخِلُونَ * قٰالَ رَجُلاٰنِ مِنَ اَلَّذِينَ يَخٰافُونَ أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ اَلْبٰابَ فَإِذٰا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غٰالِبُونَ وَ عَلَى اَللّٰهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قٰالُوا يٰا مُوسىٰ إِنّٰا لَنْ نَدْخُلَهٰا أَبَداً مٰا دٰامُوا فِيهٰا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقٰاتِلاٰ إِنّٰا هٰاهُنٰا قٰاعِدُونَ‌).(2)

و ثالثة استهزئوا بموسى بل الهه إذا امرهم ان يدخلوا الباب سجّداً و استغفروا اللَّه.

قال - تعالى! -: (وَ إِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هٰذِهِ اَلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهٰا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ اُدْخُلُوا اَلْبٰابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطٰايٰاكُمْ وَ سَنَزِيدُ اَلْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ اَلَّذِي قِيلَ لَهُمْ‌).(3)

فحُبسوا بوادى التّيه اربعين سنة، قال - تعالى! -: (قٰالَ فَإِنَّهٰا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ فَلاٰ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْفٰاسِقِينَ‌).(4)

و اخيراً ابتلاهم اللّه بالطّاعون، قال - تعالى! -: (فَأَنْزَلْنٰا عَلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا


1) . البقرة، 61.

2) . المائدة، 21-24.

3) . البقرة، 58.

4) . المائدة، 26.

رِجْزاً مِنَ اَلسَّمٰاءِ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ‌).(1)

ولكن مع ذلك كلّه هل رجعوا عمّا كانوا عليه‌؟ لا! بل قال - تعالىٰ‌! - مخاطباً ايّاهم: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً‌).(2)

بل جعلوا العجل الهاً، قال - تعالى! -: (وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ يٰا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخٰاذِكُمُ اَلْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلىٰ بٰارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‌).(3)

بل حكى اللَّه عنهم: (وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى نَرَى اَللّٰهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصّٰاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنٰاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‌).(4)

فهل شكرواللَّه‌؟ لا بل فعلوا ما به استحقّوا قوله - تعالىٰ‌! - فيهم:

(وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ وَ بٰاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كٰانُوا يَكْفُرُونَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمٰا عَصَوْا وَ كٰانُوا يَعْتَدُونَ‌).(5)

و الحاصل انّ هذه الحكاية أعيدت في الذكر الحكيم مرّات، لانّها موجبة للعبرة.

فقرائة تلك آلآيات مكرّراً و التّدبّر فيها تفيد انّ اللّجاج و العصبيّة و الظّلم و الطّغيان و العصيان، و... يمنع عن قبول الحّق ولو كان الحقّ ظاهرًا مقارناً بالمعجزات الباهرات.

الاترى انّ قارون كان من بني‌اسرائيل و امن بموسى عليه السلام و يفهم من القرآن انّه


1) . البقرة، 59.

2) . البقرة، 74.

3) . البقرة، 54.

4) . البقرة، 55.

5) . البقرة، 61.

كان عالماً وجيهاً عند النّاس. و هل ايمانه كان على الحقيقة او النّفاق‌؟ فيه و جهان بل قولان، لانّ قوله - تعالى! -: (إِنَّ قٰارُونَ كٰانَ مِنْ قَوْمِ مُوسىٰ فَبَغىٰ عَلَيْهِمْ‌) (1)ظاهر في كونه مؤمناً طاغياً و طغيانه بعد امره بالزّكوة. و لانّ قوله - تعالى! -:

(وَ لَقَدْ أَرْسَلْنٰا مُوسىٰ بِآيٰاتِنٰا وَ سُلْطٰانٍ مُبِينٍ * إِلىٰ فِرْعَوْنَ وَ هٰامٰانَ وَ قٰارُونَ فَقٰالُوا سٰاحِرٌ كَذّٰابٌ‌).(2)ظاهر في كفره و نفاقه.

و على كلّ حال كان من الّذين عمى بالمال كما انّ فرعون و هامان عميا بالجاه.

فكلّما كان ينصحه موسى و من معه قائلين له: (وَ اِبْتَغِ فِيمٰا آتٰاكَ اَللّٰهُ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ وَ لاٰ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَلدُّنْيٰا وَ أَحْسِنْ كَمٰا أَحْسَنَ اَللّٰهُ إِلَيْكَ وَ لاٰ تَبْغِ اَلْفَسٰادَ فِي اَلْأَرْضِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ‌)(3)يردّ عليهم بقوله: (قٰالَ إِنَّمٰا أُوتِيتُهُ عَلىٰ عِلْمٍ عِنْدِي).(4)

فهو لترفه و فرحه و بغيه على قومه - حتّى روى: «انّه اراد الافك لموسى عليه السلام و فعل ولكنّه افتضح» و كان نفاقه بعد ايمانه -، أهلكه اللَّه تعالى، قال: (فَخَسَفْنٰا بِهِ وَ بِدٰارِهِ اَلْأَرْضَ فَمٰا كٰانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ‌).(5)

فترى انّ حبّ المال كيف يوجب الشّقاء و عدم قبول الحقّ حتّى نسب الزّنا إلى النّبي موسى عليه السلام مع رؤيته من المعجزات الباهرات ما ظهر على يديه.

فهل يمكن أن يرى احدٌ بعينيه انّ عصا موسى عليه السلام صار حيّةً ثمّ عجز السّحرة


1) . القصص، 76.

2) . غافر، 43-24.

3) . القصص، 77-78.

4) . القصص، 77-78.

5) . القصص، 81.

عن مكافحته، كما رأى انّ البحر فلق بعصاه فعبر عنه بقومه و كانوا تحت ظلّ الغمام آكلين من المنّ و السلوى، ثمّ يريد الإفك به فينسب إليه الزنا؟ نعم، و القرآن يصدّقها كلّها و يفهمنا انّ الرّذيلة تسقط المرء حتّى تصيّره إلى ارذل الدّوابّ‌، قال - تعالى! -: (أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ‌).(1)

و نحن في ذيل هذا البحث نذكر آيات و روايات مرتبطةٍ بها تنبّهاً و تذكّراً.


1) . الاعراف، 179.

آيات في العبرة من السّير و التأريخ

(وَ نٰادىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قٰالَ يٰا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هٰذِهِ اَلْأَنْهٰارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلاٰ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هٰذَا اَلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لاٰ يَكٰادُ يُبِينُ * فَلَوْ لاٰ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جٰاءَ مَعَهُ اَلْمَلاٰئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطٰاعُوهُ إِنَّهُمْ كٰانُوا قَوْماً فٰاسِقِينَ * فَلَمّٰا آسَفُونٰا اِنْتَقَمْنٰا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنٰاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنٰاهُمْ سَلَفاً وَ مَثَلاً لِلْآخِرِينَ‌).(1)

(أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ وَ لِلْكٰافِرِينَ أَمْثٰالُهٰا).(2)

(أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كٰانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَ أَشَدَّ قُوَّةً وَ آثٰاراً فِي اَلْأَرْضِ فَمٰا أَغْنىٰ عَنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ‌).(3)

(فَأَمّٰا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّٰاغِيَةِ * وَ أَمّٰا عٰادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عٰاتِيَةٍ * سَخَّرَهٰا


1) . الزّخرف، 50-56.

2) . محمّد، 10.

3) . غافر، 81.

عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيٰالٍ وَ ثَمٰانِيَةَ أَيّٰامٍ حُسُوماً فَتَرَى اَلْقَوْمَ فِيهٰا صَرْعىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجٰازُ نَخْلٍ خٰاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرىٰ لَهُمْ مِنْ بٰاقِيَةٍ * وَ جٰاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَ اَلْمُؤْتَفِكٰاتُ بِالْخٰاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رٰابِيَةً * إِنّٰا لَمّٰا طَغَى اَلْمٰاءُ حَمَلْنٰاكُمْ فِي اَلْجٰارِيَةِ * لِنَجْعَلَهٰا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَهٰا أُذُنٌ وٰاعِيَةٌ‌).(1)

(إِنَّ قٰارُونَ كٰانَ مِنْ قَوْمِ مُوسىٰ فَبَغىٰ عَلَيْهِمْ وَ آتَيْنٰاهُ مِنَ اَلْكُنُوزِ مٰا إِنَّ مَفٰاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي اَلْقُوَّةِ إِذْ قٰالَ لَهُ قَوْمُهُ لاٰ تَفْرَحْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْفَرِحِينَ * وَ اِبْتَغِ فِيمٰا آتٰاكَ اَللّٰهُ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ وَ لاٰ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَلدُّنْيٰا وَ أَحْسِنْ كَمٰا أَحْسَنَ اَللّٰهُ إِلَيْكَ وَ لاٰ تَبْغِ اَلْفَسٰادَ فِي اَلْأَرْضِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ * قٰالَ إِنَّمٰا أُوتِيتُهُ عَلىٰ عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اَللّٰهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ اَلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً وَ لاٰ يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ اَلْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قٰالَ اَلَّذِينَ يُرِيدُونَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا يٰا لَيْتَ لَنٰا مِثْلَ مٰا أُوتِيَ قٰارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَ قٰالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوٰابُ اَللّٰهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً وَ لاٰ يُلَقّٰاهٰا إِلاَّ اَلصّٰابِرُونَ * فَخَسَفْنٰا بِهِ وَ بِدٰارِهِ اَلْأَرْضَ فَمٰا كٰانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلمُنْتَصِرِينَ * وَ أَصْبَحَ اَلَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكٰانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اَللّٰهَ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ يَقْدِرُ لَوْ لاٰ أَنْ مَنَّ اَللّٰهُ عَلَيْنٰا لَخَسَفَ بِنٰا وَيْكَأَنَّهُ لاٰ يُفْلِحُ اَلْكٰافِرُونَ‌).(2)

(لَقَدْ كٰانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبٰابِ‌).(3)


1) . الحاقّة، 5-12.

2) . القصص، 76-82.

3) . يوسف، 111.

(هُوَ اَلَّذِي أَخْرَجَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ مِنْ دِيٰارِهِمْ لِأَوَّلِ اَلْحَشْرِ مٰا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مٰانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اَللّٰهِ فَأَتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي اَلْأَبْصٰارِ).(1)


1) . الحشر، 2.

روايات في العبرة من السير و التأريخ

«أَ وَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَ الآْبَاءَ وَ إِخْوَانَهُمْ وَ الْأَقْرِبَاءَ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ وَ تَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَ تَطَئُونَ جَادَّتَهُم».(1)

«فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ النَّوَافِعِ وَ اعْتَبِرُوا بِالآْيِ السَّوَاطِع».(2)

«فاعتبروا بنز و لكم منازل من كان قبلكم».(3)

قال الصادق عليه السلام: «اعْتَبِرُوا بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا هَلْ بَقِيَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ هَلْ فِيهَا بَاقٍ مِنَ الشَّرِيفِ وَ الْوَضِيعِ وَ الْغَنِيِّ وَ الْفَقِيرِ وَ الْوَلِيِّ وَ الْعَدُوِّ فَكَذَلِكَ مَا لَمْ يَأْتِ مِنْهَا بِمَا مَضَى أَشْبَهُ مِنَ الْمَاءِ بِالْمَاء».(4)

عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال: «... كُلُ نَظَرٍ لَيْسَ فِيهِ اعْتِبَارٌ فَهُوَ سَهْو».(5)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «كَانَ أَكْثَرُ عِبَادَةِ أَبِي ذَرٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ التَّفَكُّرَ وَ


1) . راجع: نهج البلاغة، عبدة خطبة 81.

2) . راجع: نهج البلاغة، عبدة خطبة 83.

3) . راجع: نهج البلاغة، صبحي الصالح خطبة 117.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 325.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 175.

الِاعْتِبَارَ».(1)

«وَ اللَّهِ لَا أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ يَسْمَعُ النَّاعِيَ وَ يَحْضُرُ الْبَاكِيَ ثُمَّ لَا يَعْتَبِر».(2)

«مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَ أَقَلَّ الِاعْتِبَار».(3)

«إِنَّمَا يَنْظُرُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الِاعْتِبَار».(4)

«أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ وَ أَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُم».(5)

«فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ صَوْلَاتِه».(6)

«فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيل».(7)

«دخل ابن السّماك على الرشيد فقال له: عظنى! ثم دعا بماء يشربه فقال له:

ناشدتك اللَّه، لو منعك اللَّه من شربه ما كنت فاعلًا؟ قال: كنت افتديه بنصف ملكى.

قال: فاشربه! فلمّا شرب قال: ناشدتك اللَّه! لو منعك اللَّه من خروجه ما كنت فاعلًا؟ قال كنت افتديه بنصف ملكي. قال: ملكاً يفتدي به شربة ماء بحليق إلّا ينافس عليه».(8)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 323.

2) . راجع: نهج البلاغة، صبحي الصالح الخطبة 48.

3) . راجع: نهج البلاغة، قصار الحكم 297.

4) . راجع: نهج البلاغة، قصار الحكم 367.

5) . راجع: نهج البلاغة، صبحي الصالح خطبة 149.

6) . راجع: نهج البلاغة، صبحي الصالح خطبة 192.

7) . راجع: نهج البلاغة، صبحي الصالح خطبة 192.

8) . راجع: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ج 2 ص 100.

قال عبداللَّه بن عروة بن الزبير لابنه: «يا بنيّ عليك بالدين فانّ الدّنيا ما بنت شيئاً إلّاهدمه الدين و إذا بنى الدين شيئاً لم تستطع الدنيا هدمه. الاترى علي بن ابي طالب و ما يقول فيه خطباء بني اميّة من ذمّه و عيبته! و اللَّه لكانّما ياخذون بناصيته إلى السماء! الاترى كيف يندبون موتاهم، و يرثيهم شعراؤهم، و اللَّه لكأنّما يندبون جيف الحُمُر!».(1)

4 - الحبّ في اللَّه:
اشارة

من طرق تهذيب النّفس و التّخلّق بالفضائل بل ترك الرذائل و غالب المعاصي الكبيرة سيّما حقّ النّاس و الاتيان بكثير من الواجبات سيّما الواجبات الماليّة هو الحبّ‌، لانّه من مهامّ الأمورفي منع الإنسان وردعه عن الرّذائل و في حثّه على الاجتناب عن المحرّمات. كما انّها من مهامّ الأمورفي التّرغيب و التّحريص إلى غالب الواجبات.

الاترى انّ الاب الرّئوف و الامّ الرّئوفة و ان كانا ذارذائل و لكنّهما يجتنبان عنها بالنّسبة إلى اولادهما؟.

الاترى انّ الاخ الرّئوف لا يغتاب اخاه بل إذا سمع غيبته من أحدٍ يمنعه عنها.

الاترى انّ الولد الرّئوف يفكر دائماً في سرور ابويه طلباً له‌؟.

الاترى انّ الزّوجة الصّالحة لا ترضى ان تسمع معائب زوجه بل تكون بصدد


1) . راجع: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ج 9 ص 64.

تبريرها و سترها.

فهذه المحبّة لو جرت في المجتمع نظير جريان الدّم في الجسد تصلح غالب المفاسد و ترفع غالب الرّذائل سيّما إذا كانت شديدة، بل تتبدّل غالب المفاسد إلى المصالح و الرّذائل إلى الفضائل كالايثار و العفو و الصّفح، بل لا يرى المحبّ في مجتمعه إلّا الفضيلة.

حُكي انّ ليلى العامريّة اعدّت طعاماً و دعت المساكين إليه اداءً لنذرما. فارسل مجنون انائه كى تصب فيه الطّعام. فلمّا عرفت ليلى انّ الاناء لقيس كسرته، و حينما علم قيس بالامر اخذ يرقّص فرحاً و هو يقول: ان كانت ليلى تميل إلى غيرى فلماذا كسرت انائى.

فلذا يترائى من الاسلام انّ كلّ ما يوجب ازدياد الحبّ قد رغّب فيه ترغيباً و كلّ ما يوجب نقصان المحبّة قد منع عنه منعاً مؤكّداً.

اَلا ترى انّ الاسلام يقول: «مَنْ أَصْبَحَ لَايَهْتَمُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ‌».(1)

اَلا ترى انّ في سورة الماعون سلب الاسلام عمّن يمنع الماعون. و الماعون هو حوائج الغير، فقال: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ * وَ يَمْنَعُونَ اَلْمٰاعُونَ‌).(2)

اَلا ترى انّ الاسلام رغّب في رفع حوائج النّاس حتّى روي عن الصّادق عليه السلام


1) ?.

2) . الماعون، 4-7.

عن النبيّ صلى الله عليه و آله انّه قال: «وَ اللَّهِ لَقَضَاءُ حَاجَةِ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَ اعْتِكَافِه».(1)

و اظنّ انّ تلك التّهديدات و هذه المثوبات و التّرغيبات جاءت بعنوان ثانوىّ أي: انّها للتّرغيب و التحريص على ازدياد الحبّ في المجتمع. فالثّواب تفضّليّ و العقاب جعلىّ‌، يعني انّ الشّارع لولايته جعل تلك العقوبات الشّديدة لايجاد المحبّة و رفع ما يوجب رفعها و ليست تلك العقوبات الشّديدة استحقاقيّة، كما لا تكون تلك المثوبات كذلك، بل كلّ من المثوبات و العقوبات جعلت لازياد المحبّة فتأمّل. و سيأتي البحث عن ذلك مفصّلًا ان شاء اللَّه.

و ينبغي ان نذكر في ختام البحث نكتةً و هي ورود رواياتٍ كثيرة في الحبّ في اللَّه و البغض في اللَّه نظرًا إلى نكتة دقيقة و هي انّ الحبّ لو كان في غير اللَّه من الشّهوات النّفسانيّة و الدّواعي الدّنيويّة فهو كسراب بقيعة يحسبه الظّمأن ماءً بينما انّه لا يقدر ان يكون سدّاً للرّذائل فضلًا عن ان يكون رافعاً لها، مضافاً إلى انّه رخوة تزول بادنى عمل يخالف شهوته او داعيه الدّنيوىّ‌.

فالمحبّة الّتي اصلها ثابت و فرعها الّذي يؤثي الّثمرة في السّماء هي المحبّة في اللّه تعالى، و إلّاتكون كشجرة خبيثة اجتثّت فوق الارض مالها من قرار.

و كذلك البغض، لانّ البغض الّذي يكون سدّاً لغالب المفاسد هو البغض في اللَّه الّذي تكون عروقه في القلب لا تقلع بحرف ما و تخيّل ما و شهوة ما، و إلّافهو من الاشجار الخبيثة ماله من قرار.

و نحن في ذيل البحث نذكر بعض الايات و الرّوايات و نوصي بالتدبّر فيها و


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 158.

بامداومة على قراءتها راجياً ان تكون تذكرةً لي و لكم ان شاء اللَّه.

آيات في الحبّ في اللَّه

قال اللَّه - تعالىٰ‌! -:

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ‌).(1)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا آبٰاءَكُمْ وَ إِخْوٰانَكُمْ أَوْلِيٰاءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا اَلْكُفْرَ عَلَى اَلْإِيمٰانِ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ‌).(2)

(قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهٰا حُسْناً إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ شَكُورٌ).(3)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا بِطٰانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاٰ يَأْلُونَكُمْ خَبٰالاً وَدُّوا مٰا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ اَلْبَغْضٰاءُ مِنْ أَفْوٰاهِهِمْ وَ مٰا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّٰا لَكُمُ اَلْآيٰاتِ إِنْ كُنْتُمْ‌


1) . المائدة، 54.

2) . التّوبة، 23.

3) . الشّورى، 23.

تَعْقِلُونَ‌).(1)

(لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللّٰهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اَللّٰهِ اَلْمَصِيرُ).(2)

(لاٰ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا رَضِيَ اَللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولٰئِكَ حِزْبُ اَللّٰهِ أَلاٰ إِنَّ حِزْبَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ‌).(3)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِمٰا جٰاءَكُمْ مِنَ اَلْحَقِّ يُخْرِجُونَ اَلرَّسُولَ وَ إِيّٰاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهٰاداً فِي سَبِيلِي وَ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمٰا أَخْفَيْتُمْ وَ مٰا أَعْلَنْتُمْ وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوٰاءَ اَلسَّبِيلِ‌).(4)

(وَ مٰا كٰانُوا أَوْلِيٰاءَهُ إِنْ أَوْلِيٰاؤُهُ إِلاَّ اَلْمُتَّقُونَ‌).(5)

(اَلْأَخِلاّٰءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ‌).(6)


1) . آل عمران، 118.

2) . آل عمران، 28.

3) . المجادلة، 23.

4) . الممتحنة، 1.

5) . الانفال، 34.

6) . الزّخرف، 67.

(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ‌).(1)


1) . الفتح، 29.

روايات في الحبّ في اللَّه

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لبعض اصحابه ذات يوم: «يَا عَبْدَ اللَّهِ أَحْبِبْ فِي اللَّهِ وَ أَبْغِضْ فِي اللَّهِ وَ وَالِ فِي اللَّهِ وَ عَادِ فِي اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا تَنَالُ وَلَايَةَ اللَّهِ إِلَّا بِذَلِكَ وَ لَا يَجِدُ رَجُلٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ وَ إِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَ صِيَامُهُ حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ وَ قَدْ صَارَتْ مُوَاخَاةُ النَّاسِ يَوْمَكُمْ هَذَا أَكْثَرَهَا فِي الدُّنْيَا عَلَيْهَا يَتَوَادُّونَ وَ عَلَيْهَا يَتَبَاغَضُونَ وَ ذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئا».(1)

روى عن اميرالمؤمنين عليه السلام: «عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع أَنَّ النَّبِيَّ ص سَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ‌... فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ‌... يَا مُحَمَّدُ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَعَاطِفِينَ فِيَّ وَ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ وَ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيَّ وَ لَيْسَ لِمَحَبَّتِي عَلَمٌ وَ لَا غَايَةٌ وَ لَا نِهَايَة».(2)

قال الصادق عليه السلام: «لَا يَبْلُغُ أَحَدُكُمْ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَ أَبْعَدَ الْخَلْقِ مِنْهُ فِي


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 236.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 77 ص 21.

اللَّهِ وَ يُبْغِضَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ مِنْهُ فِي اللَّهِ‌».(1)

عن علي بن الحسين عليهم السلام قال: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْأَوَّلِينَ وَ الآْخِرِينَ قَامَ مُنَادٍ فَنَادَى يُسْمِعُ النَّاسَ فَيَقُولُ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ قَالَ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمُ اذْهَبُوا إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ فَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْنَ فَيَقُولُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ فَيَقُولُونَ فَأَيُّ ضَرْبٍ أَنْتُمْ مِنَ النَّاسِ فَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ قَالَ فَيَقُولُونَ وَ أَيَّ شَيْ‌ءٍ كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ قَالُوا كُنَّا نُحِبُّ فِي اللَّهِ وَ نُبْغِضُ فِي اللَّهِ قَالَ فَيَقُولُونَ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ‌».(2)

عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَ فِيكَ خَيْراً فَانْظُرْ إِلَى قَلْبِكَ فَإِنْ كَانَ يُحِبُّ أَهْلَ طَاعَةِ اللَّهِ وَ يُبْغِضُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ فَفِيكَ خَيْرٌ وَ اللَّهُ يُحِبُّكَ وَ إِنْ كَانَ يُبْغِضُ أَهْلَ طَاعَةِ اللَّهِ وَ يُحِبُّ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ فَلَيْسَ فِيكَ خَيْرٌ وَ اللَّهُ يُبْغِضُكَ وَ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ‌».(3)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: قال أحب للَّه و أبغض للَّه و اعطى للَّه فهو ممن كمل ايمانه».(4)

عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «وُدُّ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ فِي اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الْإِيمَانِ أَلَا وَ مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ وَ أَعْطَى فِي اللَّهِ وَ مَنَعَ فِي


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 78 ص 252.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 126.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 126.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125-124.

اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَصْفِيَاءِ اللَّهِ‌».(1)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال سمعته يقول: «إِنَّ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ قَدْ أَضَاءَ نُورُ وُجُوهِهِمْ وَ نُورُ أَجْسَادِهِمْ وَ نُورُ مَنَابِرِهِمْ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَتَّى يُعْرَفُوا بِهِ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ‌».(2)

عن فضيل بن يسار قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الْحُبِ وَ الْبُغْضِ أَ مِنَ الْإِيمَانِ هُوَ فَقَالَ وَ هَلِ الْإِيمَانُ إِلَّا الْحُبُّ وَ الْبُغْضُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآْيَةَ - حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ‌».(3)

عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لَوْ أَنَ رَجُلًا أَحَبَ رَجُلًا لِلَّهِ لَأَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى حُبِّهِ إِيَّاهُ وَ إِنْ كَانَ الْمَحْبُوبُ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَبْغَضَ رَجُلًا لِلَّهِ لَأَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى بُغْضِهِ إِيَّاهُ وَ إِنْ كَانَ الْمُبْغَضُ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ‌».(4)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إِنَ الْمُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَأَفْضَلُهُمَا أَشَدُّهُمَا حُبّاً لِصَاحِبِهِ‌».(5)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «كُلُ مَنْ لَمْ يُحِبَ عَلَى الدِّينِ وَ لَمْ يُبْغِضْ عَلَى الدِّينِ فَلَا دِينَ لَهُ‌».(6)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125-124.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125-124.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125-124.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125-124.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125-124.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 127.

عن أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: «لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَام... ِ قَالَ إِلَهِي فَمَا جَزَاءُ مَنْ أَحَبَّ أَهْلَ طَاعَتِكَ قَالَ يَا مُوسَى أُحَرِّمُهُ عَلَى نَارِي».(1)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِأَصْحَابِهِ أَيُ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ فَقَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الزَّكَاةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الصِّيَامُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْحَجُ وَ الْعُمْرَةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْجِهَادُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِكُلِّ مَا قُلْتُمْ فَضْلٌ وَ لَيْسَ بِهِ وَ لَكِنْ أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَ الْبُغْضُ فِي اللَّهِ وَ تَوَالِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَ التَّبَرِّي مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ‌».(2)

5 - الانذار و التّبشير:
اشارة

من سيرة الذكر الحكيم و الأحاديث الصّادرة عن مصادر العصمة الانذار و التّبشير لاجراء ما حكما به، فكأنّ القرآن و الرّوايات يريان انّ هذه القوّة افضل القوى في الانفاذ و لااقلّ من أنّها من أفضلها فلذا ذكرت في آيات كثيرة كأنّها من سبل الأنبياء، قال - تعالى! -: (فَبَعَثَ اَللّٰهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ‌)(3)و قال - تعالى! -: (إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً).(4)و نظيرهما في القرآن كثير.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 383.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125.

3) . البقرة، 231.

4) . البقرة، 119.

اَلا ترى انّ القرآن حينما بيّن حكماً بشّر بالمثوبة على القيام به كما رتّب العقوبة على تركه، و هذه السّيرة ظاهرة مشهودة في جميع الذكر من اوّله إلى آخره، و كذلك في الرّوايات.

فعلى سبيل المثال قال - تعالى! -: (وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ‌).(1)

و قال - تعالى! -: (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(2)

و قال - تعالى! -: (فَأَمّٰا مَنْ طَغىٰ * وَ آثَرَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا * فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوىٰ * وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوىٰ * فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوىٰ‌).(3)

و نظير هذه الآيات كثير جداً.

فهذه آيات القرآن و على ذلك استقرّت سيرة علماء الأخلاق حيث يتابعونه في ذلك في غالب مباحثهم، فهم يبيّنوا مثلًا رذيلة الحسد و ما يترتّب عليها من المفاسد الدّنيويّة و الاخرويّة، و يبيّنوا مثلًا فضيلة السّخاء و ما يترتّب عليها من المثوبات الدّنيويّة و الاخرويّة. و غالباً يؤكّدون على ترتّب المثوبات و العقوبات على الفضائل و الرذائل باستشهادهم بالايات و الرّوايات، و هذه سيرتهم و نعمت السّيرة هي لمن يكون له قلب.


1) . التّوبة، 34.

2) . النّحل، 97.

3) . النّازعات، 37-41.

فعليك ثمّ عليك بهذا الطّريق و القائه على نفسك و المداومة عليه حتّى يرسّخ الخوف و الرّجاء في القلب فهما ملكتان تصدّ ان الإنسان عن الهوى و يحولان دونه، بل بالمداومة عليها تُغرَس شجرة الفضائل في القلب.

و البحث عن الخوف و الرّجاء بحث اخلاقيّ يفيد السالك و سيأتي ان شاء اللَّه - تعالىٰ‌! - منّا في محلّه، و ما لابدّ من ان نذكره هنا على سبيل الاجمال و التّنبّه هو انّ الخوف و الرّجاء ككفّتي الميزان لا يجوز رجحان احدهما على الاخر او نقصانه عنه.

فالرّجاء الزائد على الخوف يوجب الكسل في أمري الدنيا و الآخرة، كما انّ الخوف الزائد على الرجاء يوجب اليأس عن خيرهما و كلاهما خسران الدّارين.

فهما معاً يوجبان زوال الرّذائل من الأخلاق و الاخلاقيّات و تحصيل فضائلهما. و امّا احدهما دون الاخر فلا فائدة فيه بل يضرّ ضرراً بالغاً.

و في ذيل هذا البحث لابدّ من الاتيان بآيات تناسبه تنبّهاً و تذكّرًا.

آيات في الانذار و التبشير

(بَلىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحٰاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ‌).(1)

(أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ تَقْوىٰ مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ شَفٰا جُرُفٍ هٰارٍ فَانْهٰارَ بِهِ فِي نٰارِ جَهَنَّمَ‌) (2).

(إِنّٰا أَعْتَدْنٰا لِلظّٰالِمِينَ نٰاراً أَحٰاطَ بِهِمْ سُرٰادِقُهٰا وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغٰاثُوا بِمٰاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي اَلْوُجُوهَ بِئْسَ اَلشَّرٰابُ وَ سٰاءَتْ مُرْتَفَقاً).(3)

(وَ مَنْ خَفَّتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ اَلنّٰارُ وَ هُمْ فِيهٰا كٰالِحُونَ * أَ لَمْ تَكُنْ آيٰاتِي تُتْلىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهٰا تُكَذِّبُونَ * قٰالُوا رَبَّنٰا غَلَبَتْ عَلَيْنٰا شِقْوَتُنٰا وَ كُنّٰا قَوْماً ضٰالِّينَ * رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا مِنْهٰا فَإِنْ عُدْنٰا فَإِنّٰا ظٰالِمُونَ * قٰالَ اِخْسَؤُا فِيهٰا وَ لاٰ تُكَلِّمُونِ‌).(4)


1) . البقرة، 81.

2) . التّوبة، 109.

3) . الكهف، 29.

4) . المؤمنون، 103-108.

(قُلْ إِنَّ اَلْخٰاسِرِينَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ أَلاٰ ذٰلِكَ هُوَ اَلْخُسْرٰانُ اَلْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ اَلنّٰارِ وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذٰلِكَ يُخَوِّفُ اَللّٰهُ بِهِ عِبٰادَهُ يٰا عِبٰادِ فَاتَّقُونِ‌).(1)

(إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ * لاٰ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَ مٰا ظَلَمْنٰاهُمْ وَ لٰكِنْ كٰانُوا هُمُ اَلظّٰالِمِينَ * وَ نٰادَوْا يٰا مٰالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنٰا رَبُّكَ قٰالَ إِنَّكُمْ مٰاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنٰاكُمْ بِالْحَقِّ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كٰارِهُونَ‌).(2)

(وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ‌).(3)

(أَوْ كَظُلُمٰاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشٰاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحٰابٌ ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ إِذٰا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرٰاهٰا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ).(4)

(وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنّٰارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبٰاتِكُمْ فِي حَيٰاتِكُمُ اَلدُّنْيٰا وَ اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهٰا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذٰابَ اَلْهُونِ بِمٰا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ بِمٰا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ‌).(5)

(يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمٰاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوٰاصِي وَ اَلْأَقْدٰامِ * فَبِأَيِّ آلاٰءِ رَبِّكُمٰا


1) . الزّمر، 15-16.

2) . الزّخرف، 74-78.

3) . طه، 124.

4) . النّور، 40.

5) . الاحقاف، 20.

تُكَذِّبٰانِ * هٰذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا اَلْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ‌).(1)

(وَ أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ مٰا أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ * فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ * وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لاٰ بٰارِدٍ وَ لاٰ كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كٰانُوا قَبْلَ ذٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَ كٰانُوا يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ * وَ كٰانُوا يَقُولُونَ أَ إِذٰا مِتْنٰا وَ كُنّٰا تُرٰاباً وَ عِظٰاماً أَ إِنّٰا لَمَبْعُوثُونَ * أَ وَ آبٰاؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلىٰ مِيقٰاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا اَلضّٰالُّونَ اَلْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمٰالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ * فَشٰارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْحَمِيمِ * فَشٰارِبُونَ شُرْبَ اَلْهِيمِ * هٰذٰا نُزُلُهُمْ يَوْمَ اَلدِّينِ‌).(2)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً وَقُودُهَا اَلنّٰاسُ وَ اَلْحِجٰارَةُ عَلَيْهٰا مَلاٰئِكَةٌ غِلاٰظٌ شِدٰادٌ لاٰ يَعْصُونَ اَللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ‌).(3)

(وَ يَتَجَنَّبُهَا اَلْأَشْقَى * اَلَّذِي يَصْلَى اَلنّٰارَ اَلْكُبْرىٰ * ثُمَّ لاٰ يَمُوتُ فِيهٰا وَ لاٰ يَحْيىٰ‌).(4)

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * اَلَّذِي جَمَعَ مٰالاً وَ عَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مٰالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلاّٰ لَيُنْبَذَنَّ فِي اَلْحُطَمَةِ * وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا اَلْحُطَمَةُ * نٰارُ اَللّٰهِ اَلْمُوقَدَةُ * اَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِ * إِنَّهٰا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ‌).(5)

(قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّٰاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ


1) . الرّحمن، 41-43.

2) . الواقعة، 41-56.

3) . التّحريم، 6.

4) . الأعلى، 7-13.

5) . الهمزة.

خٰالِدِينَ فِيهٰا وَ أَزْوٰاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوٰانٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ بَصِيرٌ بِالْعِبٰادِ).(1)

(فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(2)

(وَعَدَ اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا وَ مَسٰاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّٰاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوٰانٌ مِنَ اَللّٰهِ أَكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ‌).(3)

(جَنّٰاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهٰا يُحَلَّوْنَ فِيهٰا مِنْ أَسٰاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِبٰاسُهُمْ فِيهٰا حَرِيرٌ * وَ قٰالُوا اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنٰا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * اَلَّذِي أَحَلَّنٰا دٰارَ اَلْمُقٰامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاٰ يَمَسُّنٰا فِيهٰا نَصَبٌ وَ لاٰ يَمَسُّنٰا فِيهٰا لُغُوبٌ‌).(4)

(إِنَّ أَصْحٰابَ اَلْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فٰاكِهُونَ * هُمْ وَ أَزْوٰاجُهُمْ فِي ظِلاٰلٍ عَلَى اَلْأَرٰائِكِ مُتَّكِؤُنَ * لَهُمْ فِيهٰا فٰاكِهَةٌ وَ لَهُمْ مٰا يَدَّعُونَ * سَلاٰمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‌).(5)

(وَ مٰا تُجْزَوْنَ إِلاّٰ مٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلاّٰ عِبٰادَ اَللّٰهِ اَلْمُخْلَصِينَ * أُولٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوٰاكِهُ وَ هُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنّٰاتِ اَلنَّعِيمِ * عَلىٰ سُرُرٍ مُتَقٰابِلِينَ * يُطٰافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضٰاءَ لَذَّةٍ لِلشّٰارِبِينَ * لاٰ فِيهٰا غَوْلٌ وَ لاٰ هُمْ عَنْهٰا يُنْزَفُونَ * وَ عِنْدَهُمْ قٰاصِرٰاتُ اَلطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ‌).(6)

(اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيٰاتِنٰا وَ كٰانُوا مُسْلِمِينَ * اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ تُحْبَرُونَ‌


1) . آل عمران، 15.

2) . السّجدة، 17.

3) . التّوبة، 72.

4) . فاطر، 33-35.

5) . يس، 55-58.

6) . الصّافّات، 39-49.

يُطٰافُ عَلَيْهِمْ بِصِحٰافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ أَكْوٰابٍ وَ فِيهٰا مٰا تَشْتَهِيهِ اَلْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ اَلْأَعْيُنُ وَ أَنْتُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ * وَ تِلْكَ اَلْجَنَّةُ اَلَّتِي أُورِثْتُمُوهٰا بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهٰا فٰاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ‌).(1)

(مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ فِيهٰا أَنْهٰارٌ مِنْ مٰاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَ أَنْهٰارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَ أَنْهٰارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّٰارِبِينَ وَ أَنْهٰارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَ لَهُمْ فِيهٰا مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرٰاتِ وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خٰالِدٌ فِي اَلنّٰارِ وَ سُقُوا مٰاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعٰاءَهُمْ‌).(2)

(إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (3).

(وَ أَصْحٰابُ اَلْيَمِينِ مٰا أَصْحٰابُ اَلْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَ مٰاءٍ مَسْكُوبٍ * وَ فٰاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاٰ مَقْطُوعَةٍ وَ لاٰ مَمْنُوعَةٍ * وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنّٰا أَنْشَأْنٰاهُنَّ إِنْشٰاءً * فَجَعَلْنٰاهُنَّ أَبْكٰاراً * عُرُباً أَتْرٰاباً).(4)

(يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبٰادِي * وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي).(5)

(فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كٰانَ غَفّٰاراً * يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرٰاراً * وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنّٰاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهٰاراً).(6)


1) . الزّخرف، 69-73.

2) . محمّد، 15.

3) . القمر، 54-55.

4) . الواقعة، 27-37.

5) . الفجر، 27-30.

6) . نوح، 10-12.

(مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(1)

(وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنٰاهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ‌).(2)

6 - الحبّ للَّه - تعالى! -:
اشارة

هذا الطّريق أفضل الطّرق و لا شيء اعظم و اجلى منه و إليه يرجع الأمر كلّه فلذا اهتمّ به القرآن و همّ اهل القلوب و جهدهم لنفسهم و لتلاميذهم ليس إلّا لترسيخ هذا الامر الهامّ و غرس هذه الشّجرة الطّيّبة في القلوب. و السّرّ في ذلك انّ هذا النّور لو نوّر القلب فيزيل عنه كلّ ظلمة، و هذا النّور الّذي هو اشرف من كلّ ملك لو ورد القلب فيخرج عنه كلّ شيطان. و البحث عنه يحتاج إلى افراد كتاب و نرجو التّوفيق في ذلك و لو وفّقنا اللَّه - تعالىٰ‌! - له نجعله من مجلّدات هذا الاثر، ولكنّا نبحث عنه الآن على سبيل الاجمال.

و يقع البحث عنه في قسمين:


1) . النّحل، 67.

2) . الاعراف، 96.

القسم الأوّل - في تحصيله و هو و ان كان من اللَّه - تعالىٰ‌! - إلّاانّ له مقدّمات و تمهيدات علينا أن نمهّدها.

الف - التّدبّر في اسمائه الحسنى و صفاته العليا و هو اعظم الطّرق فلذا يترائي من القرآن و الرّوايات و الادعية المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام الاهتمام بذكر اسمائه الحسنى و صفاته العليا.

و يكفيك في ذلك اوّل سورة الحديد و آخر سورة الحشر، و التّدبّر في تلك الآيات يوجد الحبّ في القلب قهراً لانّ الإنسان طالب الحُسن و يطلب الحَسَن و يحبّ الحُسن و يحبّ الحَسَن بالفطرة، فاذا عرف الذّات الجامع للصّفات الحسنى و لقّن نفسه معانيها و رسّخها في قلبه تولدت محبّة ذلك الذات فيها.

و من فوائد قراءة القرآن و التّدبّر فيه و قراءة الادعية سيّما الايات الواردة في ذلك كآياتٍ أشرنا إليها و كدعاء المباهلة الّذي اشتهر بدعاء السّحر هو تحقّق هذا الحبّ‌. فينبغي أن نكتب تلك الايات هيهنا، و عليك بتلاوة دعاء المباهلة في مختلف الاوقات فضلًا عن اسحار ليالي رمضان المبارك.

قال اللَّه - تعالى! -: (سَبَّحَ لِلّٰهِ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ * هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ وَ اَلظّٰاهِرُ وَ اَلْبٰاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ * هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ يَعْلَمُ مٰا يَلِجُ فِي اَلْأَرْضِ وَ مٰا يَخْرُجُ مِنْهٰا وَ مٰا يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ مٰا يَعْرُجُ فِيهٰا وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).(1)


1) . الحديد، 1-6.

و قال - تعالى! -: (هُوَ اَللّٰهُ اَلَّذِي لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ عٰالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهٰادَةِ هُوَ اَلرَّحْمٰنُ اَلرَّحِيمُ * هُوَ اَللّٰهُ اَلَّذِي لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ اَلْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ اَلسَّلاٰمُ اَلْمُؤْمِنُ اَلْمُهَيْمِنُ اَلْعَزِيزُ اَلْجَبّٰارُ اَلْمُتَكَبِّرُ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ عَمّٰا يُشْرِكُونَ * هُوَ اَللّٰهُ اَلْخٰالِقُ اَلْبٰارِئُ اَلْمُصَوِّرُ لَهُ اَلْأَسْمٰاءُ اَلْحُسْنىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ‌).(1)

ب - انّه محسن منعم على عباده بل على عوالم الوجود بشراشرها في الدّنيا و الآخرة من غير استحقاقٍ منها.

قال - تعالى! -: (أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اَللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً‌).(2)

و قال - تعالى! -: (فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(3)

و نظير الايتين في القرآن كثير فهو يعطى العباد في الدّارين النّعم الّتي لا يمكن احصائها، قال - تعالى! -: (وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا).(4)

ج - انّه يقبل التّوبة عن عباده حتّى قال - تعالى! -: (قُلْ يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً).(5)

بل وعد اللَّه ان يبدّل السّيّئات بالحسنات فقال: (إِلاّٰ مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ‌


1) . الحشر، 22-24.

2) . لقمان، 20.

3) . السّجدة، 17.

4) . ابراهيم، 34.

5) . الزّمر، 53.

عَمَلاً صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ‌).(1)

فالعبد مع استحقاقة العقوبة عقلًا يغفر اللَّه له الذّنوب تفضّلًا بل يفرح من توبة عبده حتّى يبدّل السّيّئة حسنة.

د - المداومة على قراءة الدّعاء و القرآن، لانّهما مكالمة. فالدّعاء تكلّم العبد ربّه و القرآن بالعكس يعني مكالمة الرّب عبده. فلذا اطلق على الأوّل الكلام الصّاعد و على الثّاني الكلام النّازل.

و المكالمة توجب المحبّة و لعلّ من أسباب تأكيد القرآن عليهما يكون هو تحقّق هذا الامر اي ايجاد المحبّة من العبد للَّه تعالى.

و بعض آي الذّكر يعد فريدًا من جهة التأكيد و التّلطّف. و قوله - تعالى! -:

(وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدّٰاعِ إِذٰا دَعٰانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‌) (2)يكون كذلك من حيث التأكيد و التّلطّف، و ضمير المتكلّم الّذي علامة التّلطّف كرّر في هذه الآية ثمان مرّات.

فالامر بالدّعاء مع هذه التأكيدات و التّلطّفات يدلّ على فوائد الدّعاء الّتي منها تكوين الحبّ في نفس القاريء.

و قوله - تعالى! -: (فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضىٰ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي اَلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اَللّٰهِ وَ آخَرُونَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ‌


1) . الفرقان، 70.

2) . البقرة، 186.

فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ‌).(1)الّذي ينحصر في القرآن من جهة التأكيد الخاصّ يدلّ على انّ قرائة القرآن أمرٌ هامّ و مطلوب و من نتائجه ايجاد المحبّة.

ه‍ - الصلوة، و تاكيد الاسلام عليها على ما عبّر عنه الذكر بقوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ‌).(2)

و قال: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضٰاعُوا اَلصَّلاٰةَ وَ اِتَّبَعُوا اَلشَّهَوٰاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا).(3)

ثم أمر بإعادتها في كلّ يوم ليلة فقال: (أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً).(4)

و أمر أيضًا بالقيام بالمقدور من نوافلها، قال الصّادق عليه السلام: «.... قال: مَا أَعْلَمُ شَيْئاً بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ أَفْضَلَ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاة»(5)و نظيره كثير في ذلك الباب.

و أمر أيضًا بالاستعانة بها فقال: (وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاٰةِ‌).(6)

عند أهل القلوب تكون الصّلوة سيراً إلى اللَّه - تعالىٰ‌! - و في اللَّه - تعالىٰ‌! - و من اللَّه تعالى، فهى معراج. فبالتّكبير يسير إلى اللَّه تعالى، و سرّه و معناه استصغار كلّ شيء و الاعراض عنه و الالتفات التامّ إليه تعالى. و بالقرائة يكون مع اللَّه


1) . المزّمّل، 20.

2) . الماعون، 4-5.

3) . مريم، 59.

4) . الاسراء، 78.

5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 3 ص 25.

6) . البقرة، 45.

تعالى، فبقراءته يسمع كلام اللَّه تعالى، و باذكاره يتكلّم مع اللَّه تعالى. فيكون من اوّل الصّلوة إلى اخرها باقواله و افعاله سير في اللَّه تعالى. فبالسّلام يرجع من اللَّه إلى غيره تعالى. مريداً في ذلك السّير - أي: السّير من اللَّه إلى الخلق و في الخلق - السّلم و الامان لنفسه من الخلق من الجنّة و النّاس و من الحجب سيّما الظّلمانيّة منها و لغيره من رذائل نفسه.

و بعبارةٍ أخرى يكون السّلام سدّاً عن رجوعه من الوحدة إلى الكثرة، فيريد السّلم و الامان من تلك الكثرات و شرورها النّاشئة من نفسه لغيره او لغيره من نفسه.

هذا غيض من فيض هذا المبحث العظيم، فنرجو ان يوفقّنا اللَّه - تعالىٰ‌! - ان نفرد مجلّداً من مجلّدات هذا الكتاب بأسرار العبادات ان شاء اللَّه تعالى.

و جملة القول هذه الصّلوة سرّ من اسرار اللَّه و ليست نعمة اعظم منها و من يأت بها مع ادابها و التّوجّه إلى اسرارها يؤته اللَّه ما هو اعظم منها و هو حبّه الّذي هو علّة لكلّ عبادة، قال - تعالى! -: (إِنَّنِي أَنَا اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِذِكْرِي).(1)

و - الخلوة مع اللَّه تعالى. هذه الخلوة من آمال المحبّين و هي طريق إلى ايجاد الحبّ و للمحبّين طريق إلى تشديدها و ليست لذّة لهم الذّ من هذه الّثمرة، فطوبى لهم وللَّه درّ من أنشد:

هنيئاً لأرباب النّعيم نعيمهم *** و للعاشق المسكين ما يتجرّع


1) . طه، 14.

و القرآن وعد للمصلّى فيها المقام المحمود و قال: (وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ عَسىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقٰاماً مَحْمُوداً).(1)

و من المصاديق التامّة للمقام المحمود هو الحبّ للَّه تعالى، بل لأهل القلوب لا مصداق له سواها، لانّ الذّ اللّذّات للمحبّين مناجاتهم مع اللَّه - تعالىٰ‌! - و تكلّمهم ايّاه، و الذّ منها تكلّم المحبوب معهم، و الذّ منها الخلوة معه، و الذّ منها دعوة المحبوب عنهم و توجّهه إليهم و اظهار الحبّ لكلامهم.

و هذه كلّها موجودة في صلوة اللّيل، لانّها مناجاتهم معه و مكالمته ايّاهم و الخلوة معه و توجّهه إليهم و دعوته ايّاهم و اظهار المحبّة لتلك الصّلوة.

ز - الاهتمام بالواجبات و المندوبات و الاجتناب عن المحرّمات و المكروهات و المشتبهات، ففي رواية معتبرة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ص قَالَ يَا رَبِّ مَا حَالُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ قَالَ‌... وَ مَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيْ‌ءٍ أَحَبَ إِلَيَ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ إِذاً سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَ لِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَ إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ‌».(2)

و للعلّامة المجلسي في مرآت العقول في ذيل هذه الرّواية الشّريفة كلامٌ في غاية الحسن، و نقل كلاماً من نصير الملّة و الدّين الطوسي و هو أيضًا ما أحسنه، فينبغي ذكر الكلامين.


1) . الاسراء، 79.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 352.

قال: «انّ العارف لمّا تخلّى عن شهواته و ارادته و تجلّى محبّة الحقّ على عقله و روحه و مشاعره و فوّض جميع اموره إليه و سلّم و رضى بكلّ ما قضى ربّه عليه يصير الرّبّ - سبحانه! - متصرّفاً في عقله و قلبه و قواه و يدبّر اموره على ما يحبّه و يرضاه، فيريد الاشياء بمشيّة مولاه كما قال - سبحانه! - مخاطباً لهم: (وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ‌).(1)و كما ورد في تأويل هذه الآية في غوامض الاخبار عن معادن الحكم و الاسرار و الائمّة الاخيار.

و روى عن النّبيّ صلى الله عليه و آله: «و روي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء».(2)

و كذلك يتصرّف ربّه الاعلى منه على سائر الجوارح و القوى كما قال - سبحانه! - مخاطباً لنبيّه صلى الله عليه و آله: (وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ رَمىٰ‌)(3)و قال - تعالى! -: (إِنَّ اَلَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اَللّٰهَ يَدُ اَللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‌).(4)

فلذلك صارت طاعتهم طاعة اللَّه و معصيتهم معصية اللَّه فاتّضح بذلك معنى قوله - تعالى! -: (كنت سمعه الّذي يسمع به). و هكذا سائر المشاعر يدرك بنوره و يتيسّر بتيسره و تدبيره، كما قال - سبحانه! - (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرىٰ‌(5)-(6)


1) . الإنسان، 30.

2) . راجع: مرآة العقول، ج 10 ص 393.

3) . الانفال، 17.

4) . الفتح، 10.

5) . اللّيل، 7.

6) . راجع: مرآة العقول، ج 10 ص 393-394.

و قال المحقّق الطّوسى قدس سره: «انّ العارف إذا النقطع عن نفسه و اتّصل بالحقّ رأى كلّ قدرة مستغرقة في قدرته المتعلّقة بجميع المقدورات، و كلّ علم مستغرق في علمه الّذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات، و كلّ ارادة مستغرقة في ارادته الّتي لا يتأبّى عنها شيء من الممكنات، بل كلّ وجود و كلّ كمال وجود صادر عنه فائض من لدنه، فصار الحق حينئذٍ بصره الّذي يبصر به و سمعه الّذي يسمع به و قدرته الّتي بها يفعل و علمه الّذي به يعلم وجوده الّذي به يجود فصار العارف حينئذٍ متخلّقاً باخلاق اللَّه في الحقيقة».(1)

هذه نبذة من القسم الاوّل.

القسم الثّاني - في تبيين فوائد هذه النّعمة العظمى الّتي هي من اعظم النّعم، و لولا فائدة تترتّب عليها اصلًا يكفي في فضلها وجودها و نفسها، لأنّها الذّ الاشياء و قرّة عين العارفين، بها ينعم المقرّبون في الدّارين و ليست لهم نعمة سواها فهنيئاً لهم، فبها يسكرون يوم القيمة إلى الابد و بها يستكملون هناك و سيرهم من الحقّ في الحقّ هناك، بل في هذه الدّنيا أيضًا بتلك الشّجرة الطيّبة الاتي ّصلها ثابت و فرعها في السّماء تؤتى اكلها كلّ حين باذن ربّها.

قلم اينجا رسيد و سر بشكست، ما نحن و هذه المباحث‌؟ ما لنا و لهذه المسطورات الشامخة‌؟ فانّا لسنا لائقين لكتابتها و كانت من باب الإعادة فقط، فهى أسرارٌ تختصّ بأهل اللّه - تعالىٰ‌! -.

الهى انت تعلم انّا نحبّ هذه الاسرار و نلتذّ بمذاكرتها و ان كنّا من الاغيار


1) . راجع: مرآة العقول، ج 10 ص 395.

فنسئلك بحق اشرف العارفين محمّد و آله الطّاهرين صلواتك عليهم اجمعين ان تذيقنا قطرة من ذلك الماء المعين.

فالاليق بحالنا و كتابنا حالياً ان نذكر بعض فوائد تلك النّعمة اللّطيفة:

1 - يحرق بها جميع الرّذائل و هي تقلع عروقها و تغرس في القلب شّجرة الفضائل الطّيّبة مع اغصانها.

قال - تعالى! -: (مٰا جَعَلَ اَللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‌).(1)

فهذه الآية تدل على انّ حبّ اللَّه إذا اريق في القلب يزيل محبّة ما سواه، فليس في القلب غيره ديّار حتّى غير الرّذائل فضلًا عنها.

و بهذا التّقريب يقرب قوله - تعالى! -: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ أَنْدٰاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّٰهِ‌).(2)

2 - حصول مقام الذكر على الدوام و هو من أفضل النّعم، لانّه - تعالىٰ‌! - وعد في كتابه ان يرفع صاحب هذه النّعمة.

قال - تعالى! -: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(3)

فهو يرى نفسه دائماً بحضرة الحقّ تعالى. و حصول هذا المقام ممّا لابدّ منه لمن يريد السلوك نحو جنابه - تعالىٰ‌! - و للّه درّ من أنشد:


1) . الاحزاب، 4.

2) . البقرة، 165.

3) . النّور، 36.

خيالك في عيني و ذكرك في فمي *** و مثواك في قلبي فاين تغيب(1)

3 - لو كان ذلك الحبّ شديداً فلاتصدر من صاحبه معصية، و المخالفة و المحبّة ضدّان لا يجتمعان. وللَّه درّ القائل:

تعصى الإله و انت تظهر حبّه *** هذا لَعمري في الفعال بديع

لو كان حبّك صادقاً لأطعته *** انّ المحبّ لمن يحبّ مطيع(2)

4 - ليس لصاحبه شيء الذّ من العبادة، بدنيّة كانت او ماليّة، قال - تعالى! -:

(إِنَّمٰا يُؤْمِنُ بِآيٰاتِنَا اَلَّذِينَ إِذٰا ذُكِّرُوا بِهٰا خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لاٰ يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(3)

5 - حصول الخلوص له الّذي يكون من أفضل الفضائل و له قدر و منزلة عند أهله، و كلّ عمل يقبل به، فما لايتصبّغ بصبغه لاقيمة و لا ثمن له و لو كان بحسب الظّاهر عظيماً، و لو لم تكن فائدة للحبّ غير هذه الفائدة ليكفيك اهتماماً بشأنها.

و حيث انّ الحبّ مقولٌ بالتّشكيك و له مراتب حتّى عدّت ازيد من العشرة، وعدّ العشق المشتهر بين العارفين من ثالث المراتب، فمراتب الخلوص أيضًا كذلك.

فكلّما زادت المحبّة زاد الخلوص حتّى يصل صاحبه إلى مقامٍ يصحّ فيه ان يدّعى: ما عبدتك خوفاً من نارك و لا طمعاً في جنّتك بل وجدتك اهلًا للعبادة فعبدتك.


1) . الفتوحات المكيه، ج 2 ص 325.

2) . أمالى، الصدوق ص 578.

3) . السّجدة، 15-17.

6 - حصول مقام التّسليم و الرّضا له. و هذا المقام أيضًا من مقولة التّشكيك فيزداد بازدياد الحبّ حتّى يصل الإنسان إلى مرتبةٍ لا يرى البلاء بلاءً‌، بل يراها من الطاف الحقّ خفيّة او جليّة، بل اللّطف الخفيّ له الذّ من اللّطف الجليّ‌. وللَّه درّ القائل:

بجهان خرّم از آنم كه جهان خرّم از اوست *** عاشقم بر همه عالم كه همه عالم از اوست

بارادت بخورم زهر كه شاهد ساقى است *** بارادت بكشم درد كه درمان هم از اوست

و لقد أحسن من أنشد:

اگر بر ديدۀ مجنون نشينى *** بجز زيبائى ليلى نبينى

نقل انّ السيّدة زينب عليها السلام عقيلة بني‌هاشمٍ قالت لأبن زياد في ذلك المجلس الّذي يشقّق يشقّق و يذوب فيه القلب: «ما رأيت إلّاجميلًا».(1)

7 - يرى عمله ولو كان عظيماً بحسب الظاهر قليلاً بحسب الواقع فيكون خجلًا دائماً و يرى ذلك العمل غير لائق لساحة المحبوب، ولكن ما يرى من المحبوب من لطف ولو كان قليلًا بحسب الظاهر في غاية العظمة بحسب الواقع فبه يكون خجلًا دائماً ايضاً.

كما انّه لو صدرت عنه معصية ولو كانت من التّنزيهيّات او الارشاديّات و لم تكن من المحرّمات يراها عظيماً، بل يرى الالتفات إلى غير المحبوب من الكبائر فيبكى عليه بكاءً و يستغفر مراراً.

و هذا هو السّرّ في بكاء النّبيّ و الائّمة عليهم السلام و نسبتهم المعاصي إلى أنفسهم. نعم التّوجّه‌غير اللَّه منهم من أكبر الكبائر لهم عند من ذاق حلاوة المحبّة، فلذا حلّ هذه


1) . مقتل مقرّم، خطبة زينب عليها السلام.

الغوامض العرفانيّة و المعارف الاسلاميّة لأهل القلوب في غاية السّهولة و ليس عليهم صعب اصلًا.

8 - تحصيل محبّة خلق اللَّه، لانّ من احبّ شيئاً احبّ آثاره، و لقد روينا قبل هذا قول من قال:

بجهان خرّم از آنهم كه جهان خرّم از اوست *** عاشقم بر همه عالم كه همه عالم از اوست

و نظير هذا شعراً و نثراً، عربيّاً و عجميّاً كثير في كلمات المحبّين و أجود من أقوالهم الأعمال النّاشئة منهم.

قال - تعالى! -: (وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً * إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ لاٰ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لاٰ شُكُوراً).(1)

9 - حصول كثير من الحالات العرفانيّة الّتي الفوز بواحدٍ منها يُعدّ فوزاً عظيماً، كحال الخضوع و الخشوع و التفكّر و التّدبّر و العبادة و الدّعاء و الانابة، لانّ المحبّ له أن يدّعى و يقول: «الرَّكْعَتَانِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا».(2)و يقول:

«و اللَّه لو اعطيت الاقاليم السّبعة بما تحت افلاكها على ان اعصى اللَّه في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلته».(3)

10 - يكون قلبه عرش الرّحمن فيحكم عليه الرّحمن لا سواه، و هذا اوّل مراتب اللّقاء.


1) . الإنسان، 8-9.

2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 5 ص 276.

3) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 224.

قال سيّد شهداء الأوّلين و الآخرين الحسين عليه السلام في دعاء عرفة: «انت الّذي ازلت الاغيار عن قلوب احبّائك حتّى لم يحبّوا سواك و لم يلجئوا إلى غيرك».(1)

هذه عشرة كاملة و هذه باب يفتح عنه الف باب و عين يفجر عنها الف عين.

فكلّ من هذه العشرة يترتّب عليه آثار في الدّنيا و الاخرة رزقنا اللَّه - تعالىٰ‌! - و ايّاكم جرعة من ذلك الشّراب المعين.

و نحن في ذيل البحث نذكر آيات و روايات و ادعيةً و اقوالًا.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 98 ص 226.

آيات في حبّ اللَّه

(أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌).(1)

(وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ أَنْدٰاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّٰهِ‌).(2)

(قُلْ إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ وَ إِخْوٰانُكُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوٰالٌ اِقْتَرَفْتُمُوهٰا وَ تِجٰارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسٰادَهٰا وَ مَسٰاكِنُ تَرْضَوْنَهٰا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهٰادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّٰى يَأْتِيَ اَللّٰهُ بِأَمْرِهِ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ‌).(3)


1) . يونس، 92.

2) . البقرة، 165.

3) . التّوبة، 24.

روايات في حبّ اللَّه

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «كَانَ فِيمَا نَاجَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ع أَنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ عِمْرَانَ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي فَإِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ نَامَ عَنِّي أَ لَيْسَ كُلُّ مُحِبٍّ يُحِبُّ خَلْوَةَ حَبِيبِهِ هَا أَنَا ذَا يَا ابْنَ عِمْرَانَ مُطَّلِعٌ عَلَى أَحِبَّائِي إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ حَوَّلْتُ أَبْصَارَهُمْ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَ مَثَّلْتُ عُقُوبَتِي بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ يُخَاطِبُونِّي عَنِ الْمُشَاهَدَةِ وَ يُكَلِّمُونِّي عَنِ الْحُضُورِ يَا ابْنَ عِمْرَانَ هَبْ لِي مِنْ قَلْبِكَ الْخُشُوعَ وَ مِنْ بَدَنِكَ الْخُضُوعَ وَ مِنْ عَيْنِكَ الدُّمُوعَ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ وَ ادْعُنِي فَإِنَّكَ تَجِدُنِي قَرِيباً مُجِيبًا».(1)

عمّن سمع أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: ما احبّ عزّوجلّ من عصاه ثمّ تمثّل فقال:

تَعْصِي الْإِلَهَ وَ أَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ - *** هَذَا لَعَمْرُكَ فِي الْفِعَالِ بَدِيعُ

لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لَأَطَعْتَهُ *** إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ‌

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إِنَ الْعُبَّادَ ثَلَاثَةٌ قَوْمٌ عَبَدُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَوْفاً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ وَ قَوْمٌ عَبَدُوا اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى طَلَبَ الثَّوَابِ فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأُجَرَاءِ وَ قَوْمٌ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 14.

عَبَدُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حُبّاً لَهُ فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ وَ هِيَ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ‌».(1)

روى الحسين بن سيف قال سمعت ابا عبداللَّه عليه السلام يقول: «لَا يُمَحِّضُ رَجُلٌ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَ أَبِيهِ وَ أُمِّهِ وَ وُلْدِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ وَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ‌».(2)

قال الصادق عليه السلام: «الْقَلْبُ حَرَمُ اللَّهِ فَلَا تُسْكِنْ حَرَمَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ‌».(3)

عن الرضا عن بائه عليهم السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «أَوْحَى عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَجِيِّهِ مُوسَى أَحْبِبْنِي وَ حَبِّبْنِي إِلَى خَلْقِي قَالَ رَبِّ هَذَا أُحِبُّكَ فَكَيْفَ أُحَبِّبُكَ إِلَى خَلْقِكَ قَالَ اذْكُرْ لَهُمْ نَعْمَايَ عَلَيْهِمْ وَ بَلَائِي عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ أَوْ لَا يَعْرِفُونَ مِنِّي إِلَّا كُلَّ الْخَيْرِ».(4)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال اللَّه: «قَالَ اللَّهُ مَا تَحَبَّبَ إِلَيَ عَبْدِي بِشَيْ‌ءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَيَتَحَبَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَ لِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَ رِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا إِذَا دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَ إِذَا سَأَلَنِي أَعْطَيْتُه».(5)

قال الصادق عليه السلام: «حُبُ اللَّهِ إِذَا أَضَاءَ عَلَى سِرِّ عَبْدٍ أَخْلَاهُ عَنْ كُلِّ شَاغِلٍ وَ كُلِّ ذِكْرٍ سِوَى اللَّهِ عِنْدَ ظُلْمَةٍ وَ الْمُحِبُّ أَخْلَصُ النَّاسِ سِرّاً لِلَّهِ وَ أَصْدَقُهُمْ قَوْلًا وَ أَوْفَاهُمْ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 84.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 24.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 25.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 18.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 22.

عَهْداً وَ أَزْكَاهُمْ عَمَلًا وَ أَصْفَاهُمْ ذِكْراً وَ أَعْبَدُهُمْ نَفْساً تَتَبَاهَى الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ مُنَاجَاتِهِ وَ تَفْتَخِرُ بِرُؤْيَتِهِ وَ بِهِ يَعْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَادَهُ وَ بِكَرَامَتِهِ يُكْرِمُ عِبَادَهُ يُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوا بِحَقِّهِ وَ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْبَلَايَا بِرَحْمَتِهِ فَلَوْ عَلِمَ الْخَلْقُ مَا مَحَلُّهُ عِنْدَ اللَّهِ وَ مَنْزِلَتُهُ لَدَيْهِ مَا تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِتُرَابِ قَدَمَيْهِ‌».(1)

في أخبار داود عليه السلام: «يَا دَاوُدُ أَبْلِغْ أَهْلَ أَرْضِي أَنِّي حَبِيبُ مَنْ أَحَبَّنِي وَ جَلِيسُ مَنْ جَالَسَنِي وَ مُونِسٌ لِمَنْ أَنِسَ بِذِكْرِي وَ صَاحِبٌ لِمَنْ صَاحَبَنِي وَ مُخْتَارٌ لِمَنِ اخْتَارَنِي وَ مُطِيعٌ لِمَنْ أَطَاعَنِي مَا أَحَبَّنِي أَحَدٌ أَعْلَمُ ذَلِكَ يَقِيناً مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا قَبِلْتُهُ لِنَفْسِي وَ أَحْبَبْتُهُ حُبّاً لَا يَتَقَدَّمُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِي مَنْ طَلَبَنِي بِالْحَقِّ وَجَدَنِي وَ مَنْ طَلَبَ غَيْرِي لَمْ يَجِدْنِي»(2).

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «بَكَى شُعَيْبٌ مِنْ حُبِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ثُمَّ بَكَى حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ثُمَّ بَكَى حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا شُعَيْبُ إِلَى مَتَى يَكُونُ هَذَا أَبَداً مِنْكَ إِنْ يَكُنْ هَذَا خَوْفاً مِنَ النَّارِ فَقَدْ أَجَرْتُكَ وَ إِنْ يَكُنْ شَوْقاً إِلَى الْجَنَّةِ فَقَدْ أَبَحْتُكَ فَقَالَ إِلَهِي وَ سَيِّدِي أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي مَا بَكَيْتُ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَ لَا شَوْقاً إِلَى جَنَّتِكَ وَ لَكِنْ عَقَدَ حُبُّكَ فِي قَلْبِي فَلَسْتُ أَصْبِرُ أَوْ أَرَاكَ فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ إِلَيْهِ أَمَّا إِذَا كَانَ هَكَذَا فَمِنْ أَجْلِ هَذَا سَأُخْدِمُكَ كَلِيمِي مُوسَى بْنَ عِمْرَان».(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 23.

2) . راجع: قصص الانبياء، السَّيِّد الجزائري ص 211.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 12 ص 380.

أدعية في حبّ اللَّه

«إِلَهِي وَ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ وَ رَبِّي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ‌، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِك».(1)

«وَ اجْعَلْ لِسَانِي بِذِكْرِكَ لَهِجاً، وَ قَلْبِي بِحُبِّكَ مُتَيَّما».(2)

«يَا مَوْلَايَ بِذِكْرِكَ عَاشَ قَلْبِي وَ بِمُنَاجَاتِكَ بَرَّدْتُ أَلَمَ الْخَوْفِ عَنِّي».(3)

«لَئِنْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ لَأُخْبِرَنَ أَهْلَ النَّارِ بِحُبِّي لَك».(4)

«اللّهم اني أسئلك ان تملأ قلبي حُبّاً لك.... و شوقاً اليك».(5)

«إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ الِانْقِطَاعِ إِلَيْكَ وَ أَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجَبَ النُّورِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ وَ تَصِيرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ


1) . راجع: راجع: مفاتيح الجنان، دعاء كميل.

2) . راجع: راجع: مفاتيح الجنان، دعاء كميل.

3) . راجع: راجع: مفاتيح الجنان، دعاء ابى حمزة.

4) . راجع: راجع: مفاتيح الجنان، دعاء ابى حمزة.

5) . راجع: مفاتيح الجنان، دعاء ابى حمزة.

قُدْسِك».(1)

«أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ الْأَنْوَارَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِكَ حَتَّى عَرَفُوكَ وَ وَحَّدُوكَ [وَ وَجَدُوكَ‌] وَ أَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الْأَغْيَارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَّائِكَ حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سِوَاكَ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى غَيْرِكَ أَنْتَ الْمُونِسُ لَهُمْ حَيْثُ أَوْحَشَتْهُمُ الْعَوَالِمُ وَ أَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ [إِلَهِي] مَا ذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ وَ مَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَك».(2)

«لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ دُونَكَ بَدَلًا وَ لَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغَى عَنْكَ مُتَحَوَّلًا كَيْفَ يُرْجَى سِوَاكَ وَ أَنْتَ مَا قَطَعْتَ الْإِحْسَانَ وَ كَيْفَ يَطْلُبُ مِنْ غَيْرِكَ وَ أَنْتَ مَا بَدَّلْتَ عَادَةَ الِامْتِنَانِ يَا مَنْ أَذَاقَ أَحِبَّاءَهُ حَلَاوَةَ الْمُؤَانَسَةِ فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَمَلِّقِين».(3)

«اللَّهُمَّ إِنَّ قُلُوبَ الْمُخْبِتِينَ إِلَيْكَ وَالِهَةٌ وَ سُبُلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْكَ شَارِعَةٌ وَ أَعْلَامَ الْقَاصِدِينَ إِلَيْكَ وَاضِحَةٌ وَ أَفْئِدَةَ الْعَارِفِينَ مِنْكَ فَازِعَة».(4)

«إِلَهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلَاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرَامَ مِنْكَ بَدَلًا، وَ مَنْ ذَا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغَى عَنْكَ حِوَلًا، إِلَهِي فَاجْعَلْنَا مِمَّنِ اصْطَفَيْتَهُ لِقُرْبِكَ وَ وَلَايَتِكَ وَ أَخْلَصْتَهُ لِوُدِّكَ وَ مَحَبَّتِكَ‌، وَ شَوَّقْتَهُ إِلَى لِقَائِك... اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ‌.... قُلُوبُهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحَبَّتِكَ‌، وَ أَفْئِدَتُهُمْ مُنْخَلِعَةٌ مِنْ مَهَابَتِكَ‌، يَا مَنْ أَنْوَارُ قُدْسِهِ لِأَبْصَارِ مُحِبِّيهِ رَائِقَةٌ‌، وَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ لِقُلُوبِ عَارِفِيهِ شَائِفَةٌ‌، يَا مُنَى قُلُوبِ الْمُشْتَاقِينَ وَ يَا غَايَةَ آمَالِ الْمُحِبِّينَ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَ حُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَ حُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُوصِلُنِي إِلَى قُرْبِكَ‌، وَ أَنْ تَجْعَلَكَ أَحَبَّ إِلَيَّ‌


1) . راجع: مفاتيح الجنان، مناجات شعبانيّة.

2) . راجع: مفاتيح الجنان، دعاء عرفة.

3) . راجع: مفاتيح الجنان، دعاء عرفة.

4) . راجع: مفاتيح الجنان، زيارت امين اللَّه.

مِمَّا سِوَاكَ‌، وَ أَنْ تَجْعَلَ حُبِّي إِيَّاكَ قَائِداً إِلَى رِضْوَانِكَ‌...».(1)


1) . راجع: مفاتيح الجنان، مناجات المحبيّن.

اقوال في حبّ اللَّه

1 - اعلم انّ الامّة مجمعة على انّ الحبّ للَّه عزّوجلّ و لرسوله فرض، ولن يفترض ما لا وجود له، و كيف يفسّر الحبّ بالطّاعة و الطّاعة تبغ الحبّ و ثمرته، فلابدّ ان يتقدم الحبّ ثمّ بعد ذلك يطيع من احبّ‌، فمن شواهد الشّرع في حبّ اللَّه عزّوجلّ قوله: (يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ‌) و قوله - تعالى! -: (وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّٰهِ‌). و هو دليل على اثبات الحبّ للَّه و اثبات التّفاوت فيه. و قد جعل النبيّ صلى الله عليه و آله الحبّ للَّه من شروط الايمان في أخبار كثيرة إذ قال ابو رزين العقيلى: «يا رسول اللَّه ما الايمان‌؟ قال صلى الله عليه و آله: ان يكون اللَّه و رسوله احبّ اليك ممّا سواهما» و في حديث اخر: «لا يؤمن احدكم حتّى يكون اللَّه و رسوله احبّ إليه ممّا سواهما» و في حديث اخر: «لا يؤمن العبد حتّى اكون احبّ إليه من ماله و اهله و النّاس اجمعين» و في رواية «و من نفسه».(1)

2 - و انّ من احبّ غير اللَّه لا من حيث نسبته إلى اللَّه فذلك لجهله و قصوره و في معرفة اللَّه تعالى. و حبّ الرّسول محمود، لأنه عين حبّ اللَّه و كذا حبّ العلماء و


1) . راجع: المحجة البيضاء، ج 8 ص 4.

الاتقياء، لأنّ محبوب المحبوب محبوب، و رسول المحبوب محبوب، و محبّ المحبوب محبوب، و كلّ ذلك يرجع إلى حبّ الاصل فلا يجاوزه إلى غيره. فلا محبوب بالحقيقة عند ذوى البصائر إلّااللَّه و لا مستحق للمحبّة سواه.(1)

3 - و هذه المحبّة (الشهود التّام) نهاية درجات العشق و غاية الكمال المتصورّة لنوع الإنسان و ذروة مقامات الواصلين و غاية مراتب الكاملين، فما بعدها مقام إلّا و هو ثمرة من ثمراتها كالانس و الرّضا و التوحيد، و لا قبلها مقام إلّاو هو مقدمة من مقدماتها كالصبر و الزهد و سائر المقامات. و هذا العشق هو الّذي افرط العرفاء و ارباب الذوق في مدحه و بالغوافي الثناء عليه.... و صراحوا بانّه غاية الاتحاد و الكمال المطلق و لاكمال إلّاهو و لا سعادة إلّابه.(2)

4 - و امّا السبب الأوّل اعنى محبة النّفس فمعلوم ان وجود كلّ احد فرع لوجود ربّه و ظلّ له و لا وجود له من ذاته بل هو من حيث ذاته ليس محض و عدم صرف، فوجوده و دوام وجوده و كمال وجوده من اللَّه و باللَّه و إلى اللَّه، فهو الموجد المخترع له و هو المبقى له و هو المكمل لوجوده.... فهو صرف العدم لولا فضل اللَّه عليه....

فليس في الوجود شيء له قوام بنفسه إلّاالقيوم المطلق الّذي هو قائم بذاته.... و كيف يتصوّر ان يحب الإنسان نفسه و لا يحبّ ربّه الّذي به قوام نفسه‌؟ مع انّ من احبّ الظّل احبّ بالضّرورة الاشجار الّتي بها قوام الظّل.... و كلّ ما في الوجود بالاضافة إلى قدرة اللَّه - تعالىٰ‌! - كالظّل بالاضافة إلى الشّجر.... إذا الكلّ من آثار قدرته


1) . راجع: المحجة البيضاء، ج 8 ص 16.

2) . راجع: جامع السَّعادات، ج 3 ص 148.

وجوده تابع لوجوده....

بل هذا المثال انّما هو للتّفهمّ و بالاضافة إلى اوهام العوام حيث يتوهمّون انّ الظّل و النّور تابعان للشّخص و الشّمس.... و عند التّحقيق ليس الظّلّ و النّور اثرين للشّخص و الشّمس و موجودين بهما بل هما فايضان من اللَّه - تعالىٰ‌! - موجودان به بعد حصول الشّرايط كما انّ اصل الشّخص و الشّمس و شكلهما و صورتهما.... منه تعالى.(1)

5 - قال السيّد ابن طاووس قدس سره في وصيته لأبنه: و اعلم انّك على التّحقيق ملكه و ما في يدك ملكه و هو احقّ بحفظ ملكه منك ولكنّه شرّفك بان جعلك اهلًا ان تودعه و تجعله كالوكيل لك و النّائب عندك و بلغك مقاماً جليلًا كما قال (لجدّك و سيّدك) رسوله صلى الله عليه و آله: و اتخذوه وكيلًا.

و تذكّر كيف انت يا ولدي محمّد معطل بالنّوم عن خدمته، و هو جلّ جلاله بلسان الحال يخدمك بيد رحمته في امساك و امساك وجودك و حياتك و عافيتك و كلّما تحتاج إليه من حفظ العيال و الاموال و الامان و ترويحك في الصّيف بالهواء و تمكينك في الشّتاء من الدّفاع، و كيف يتولّى لتغيير الغذاء في الاغضاء، و كيف يحفظ سمعك و بصرك و جميع جوارحك و يتهيّئ‌لك النّوم جميع مصالحك و بعيد عليك كلّما ذهب بالنّوم من فوائدك و جميع فوائدك، فلو فعل هذا معلك أو بعضه بعض الادميّين أما كنت تعرف له حقّ ذلك أحسن الاعتراف، فاللَّه جلّ جلاله احقّ ان نعامله


1) . راجع: جامع السَّعادات، ج 3 ص 142.

بالانصاف.(1)

6 - و از جملۀ ابواب عظيمۀ ايمان حبّ في اللَّه جلّ جلاله و بغض في اللَّه جلّ جلاله مى‌باشد، و قد عقد له في الوسائل و غيرها من كتب الاخبار باباً مستقلًا فأرجع اليها لعلّك تعرف عظمة و تأخذ لنفسك نصيباً منه. شكى نيست كه محبوب اوّل ذات اقدس كبريايى جلّ جلاله مى‌باشد، بل و كلّ محبّة لا ترجع إلى محبته فليس بشى. ثمّ بعده بايد هر كس را اين سلطان عظيم الشأن بيشتر دوست داشته باشد.

پس اوّل محبوب بعد از واجب الوجود وجود مقدّس ختمى مآب - صلوات اللَّه عليه و آله - مى‌باشد، ثم بعد اميرالمؤمنين عليه السلام ثمّ الائمة المعصومين عليهم السلام، ثمّ الانبياء و الملائكة، ثمّ الاوصياء، ثمّ العلماء و الاولياء. و در زمان خودش اتقاى زمانش را لا سيّما اگر عالم باشد ترجيح بدهد در محبّت بر كسانى كه بعد از اويند در درجه، و هكذا يتنزّل.

ولكن سعى نمايد صادق باشد در اين محبّت، مرتبۀ آسانى نيست. اگر متفكر باشيد خواهيد فهميد كه اگر آثار محبّت در حركات و سكنات ظاهر شد شخص مدعى اين محبّت صادق است و إلّافلا. ليكن گمان ندارم به كنه و لوازمش برسى، و حقير هم بيش از اين در وسعم نيست.

الحاصل لا طريق إلى القرب إلّابشرع شريف في كلّ كلى و جزئى، والسلام.(2)


1) . راجع: كشف المحجة، ص 122.

2) . راجع: تذكرة المتقين، ص 213.

القسم الأوّل من الكتاب البحث في الفضائل و الرّذائل الأخلاقيّة

اشارة

مقدّمة

المراد من الأخلاق و الاخلاقيّات

هذا هو القسم الأوّل من الكتاب و نبحث فيه عن فضائل الأخلاق و رذائله و يتلوه القسم الثّاني المشتمل على فضائل الأخلاقيّات و رذائلها.

و المراد من الأخلاق الفاضلة و الرذيلة هي فضائل الصّفات و رذائلها، و المراد من الاخلاقيّات الفاضلة و الرذيلة هي الاعمال الحسنة و الاعمال القبيحة الناشئات منها.

و تقدّم الاخلاقيّ على الاخلاقيّات، لانّ الاخلاقيّ بمنزلة المعدن و العين للاخلاقيّات، لانّ الاخلاقيّات كلّها تنبع منها قال اللَّه - تعالى! -: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ‌).(1)


1) . الاسراء، 84.

و تقدّم الفضائل الاخلاقيّة على الرّذائل الاخلاقيّة و ان كانت طبيعة القضيّة تقتضى العكس، لانّ التخلية و قلع شجرة الرّذائل مقدّمة على التّحليه و غرس شجرة الفضائل في القلب إلّاأنّ شرف الفضائل تقتضى تقدّمها على الرذائل في الذكر.

الفصل الأوّل

الفضيلة الأولى: اليقين

الرذيلة الأولى: الريبة

الفضيلة الاولى: اليقين

هو ضدّ الشّك و التّرديد و هو مرتبة من مراتب العلم.

توضيح ذلك انّ المعلومات النّظريّة غير المحسوسة قد يعتريها الشّك و التّرديد من قبل القوى الواهمة او المتخيّلة، و ان كان العقل مؤمناً بها، لما عنده من البرهان عليها، اَلا ترى انّ العقل يحكم بانّ الميّت جماد لا يضرّ و لا ينفع ولكنّ الوهم لا يقبل ذلك و التّخيل قد يصوّر ذلك الميّت متحرّكا.

فالشك و الوهم قد يتّجهان نحو المعلومات النظريّة و لاتطمئنّ النّفس اليها، كما انّ المعلومات العامّة و هي ما تكون ظنّيّة قريبة إلى العلم تكون كذلك، و ان كانت عند العموم و عرف النّاس علماً مغفولًا عند طروء الشك و الاحتمال إليه، فلذا فان الخطرات و احاديث النّفس المنافية للعقائد اليقينيّة للعموم إلّاالأوحدىّ من النّاس، كثيرة الوقوع و لا تضّر بالايمان.

لكن قد يصل العلم إلى مرتبة تطمئنّ النّفس بها و يرسخ ذلك العلم في القلب، فاذاً كما انّ العقل مؤمن بالمعلوم جازم به يكون القلب أيضًا كذلك. فلايتعرض الشكّ و الوهم لتلك الرتبة و كذلك جميع الخطرات المنافية لها.

قال الرّاغب في المفردات: «اليقين... و هو سكون الفهم مع ثبات الحكم و قال اللَّه - تعالى! -: (وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتىٰ قٰالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قٰالَ بَلىٰ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي).(1)

طريق حصول اليقين:

حصوله في غير المعنويات من العلوم الرّسميّة او العاديّة يكون بالحسّ‌، فكلّ علم ينتهى‌الحسّ و يكون مدركه الحسّ كعلمنا بامتناع اجتماع النّقيضين او الضّدين، فهو يقين و يطلق عليه في اللغة و الاصطلاح اليقين، وها هو السر في اطلاق اليقين على الموت في الذكر الحكيم مرارًا عدّة، قال اللَّه - تعالى! -: (حَتّٰى أَتٰانَا اَلْيَقِينُ * فَمٰا تَنْفَعُهُمْ شَفٰاعَةُ اَلشّٰافِعِينَ‌)(2)كما انّ علمنا بالالام و اللّذّات الظّاهريّة و الباطنيّة كالنّوم

و العطش يكون كذلك، و امّا في المعنويات كالاخلاق و الأخلاقيّات و اصول الدّين و المعارف الاسلاميّة و.... فلا يحصل إلّاباجتناب المحرمات و المكروهات و الشّبهات و المشتبهات النّفسانيّة و اتيان الاعمال الصّالحة من الواجبات و المندوبات و اولى منها الاجتناب عن الرّذائل الاخلاقيّة و تزيّن النّفس بالفضائل


1) . البقرة، 260.

2) . المدثر، 47-48.

النفسانية.

و بالجملة طريق حصول اليقين في المعنويات ليس إلّابالاخلاق و الأخلاقيّات و قد نبّه القرآن الكريم على ذلك في آيات، منها:

قوله - تعالى! -: (وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ‌)(1)

و قوله - تعالى! -: (إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً).(2)

و قوله - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ‌).(3)

و قوله - تعالى! -: (أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا).(4)

و قوله - تعالى! -: (اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ).(5)

و قوله - تعالى! -: (ذٰلِكَ اَلْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌).(6)

و اخيراً قال - تعالى! -: (وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ).(7)

و نظير هذه الآيات كثير و كذلك الرّوايات الواردة في هذا المعنى، و سيأتي ذكر


1) . الحجر، 99.

2) . الانفال، 29.

3) . الحديد، 28.

4) . الانعام، 122.

5) . البقرة، 257.

6) . البقرة، 2.

7) . النور، 40.

بعضها.

و السرّ في ذلك انّ الافاضة من اللَّه - تعالىٰ‌! - تحتاج إلى الاستعداد و القابلية، فالنّفس كلّما قربت إلى اللَّه - تعالىٰ‌! - تتّسع وجوداً و قابليةً فالنّفس الّتي تتكرّر تكدّرت بالرذائل النّفسانيّة و العمليّة لا تليق لأن تصبح محلّ افاضته - تعالىٰ‌! - و لا معنى لكونها ظرفاً لنوره و مورداً لهدايته الخاصّة.

فبالتّخلية و التّقوى ترفع الموانع و الادران و بالتّحلية و الاعمال الصّالحة تستعدّ لاستقبال الافاضات و كلّما كانت النّفس بالرّياضات الدّينيّة اصفى و اجلى كان استعدادها و قابليّتها للافاضات الالهيّة اجلى و اتم حتّى تصل إلى مقام اللّقاء و الفناء فتكون معدن نور اللَّه و عرصة الرّحمن فتدرك قيّوميّة الحقّ - تعالىٰ‌! - و تدلى ما سواه.

و قد روى عن النبيّ صلى الله عليه و آله: «و لولا انّ الشّياطين يحومون على قلوب بنى آدم لنظرواإلى ملكوت السّموات و الارض»(1)

و إلى هذا المقام اشار - تعالىٰ‌! - بقوله: (وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ‌)(2)

و بما ذكرنا يظهر اولًا ان هذه الصفة هي من أشرف الصفات و افضلها، بل يتوقف غيرها عليها و في روايات مستفيضة انها اشرف الصفات و أعلاها. منها:

قول أبي عبداللَّه عليه السلام: «إِنَ الْإِيمَانَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ إِنَّ الْيَقِينَ أَفْضَلُ مِنَ‌


1) . راجع: جامع السَّعادات، ج 1 ص 126.

2) . الانعام، 75.

الْإِيمَانِ وَ مَا مِنْ شَيْ‌ءٍ أَعَزَّ مِنَ الْيَقِينِ‌».(1)

و ثانياً انّه ذو مراتب و له عرض عريض و في بعض الرّوايات: انّه ذو مراتب سبع، و في بعضها: انّه ذو مراتب تسع، و في بعضها انّه ذو مراتب عشرة، و في بعضها:

انّه غير المتناهي مرتبة و سيأتي ذكر طائفةٍ من الرّوايات.

و بهذا الخبر يجمع بين الرّوايات فتكون السّبعة و التّسعة و العشرة من باب المثال، و إلّافلا يمكن عدّها فكلّما يكون تقرّب العبد إلى اللَّه - تعالىٰ‌! - ازيد يكون بقينه كذلك.

نعم انّ أهل القلوب قد وافقوا على تقسيمه إلى أقسام ثلاثة، اخذاً من القرآن الشّريف و هي علم اليقين و عين اليقين و حق اليقين.

و مرادهم من علم اليقين ما يحصل من المشاهدات و الاستدلات الحسّيّة كاليقين بالموت بمشاهدة الميّت و بالنّار بالاستدلال من مشاهدة الدّخان.

و مرادهم من عين اليقين ما يحصل من رؤيته بالبصر او البصيرة كاليقين بالموت حين الاحتضار، و اليقين بالنّار حين مشاهدتها.

و مرادهم من حقّ اليقين ما يحصل من وقوعه في المتيقّن كاليقين بالموت إذا ذاقه و كاليقين بالنّار حين يلقى فيها.

ولكّل من هذه المراتب الثّلاثة مراتب كثيرة، فالمراتب غير متناهية كما مرّ.

و إلى المراتب الثّلاث اشار القرآن الكريم:

(سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار ج 7 ص 135.

أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ شَهِيدٌ * أَلاٰ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقٰاءِ رَبِّهِمْ أَلاٰ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ مُحِيطٌ).(1)

فصدر الآية الاولى يشير إلى علم اليقين، و ذيلها إلى عين اليقين و الآية الثانية إلى حق اليقين.

و قال - تعالى! -: (كَلاّٰ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهٰا عَيْنَ اَلْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اَلنَّعِيمِ‌).(2)

فقوله: كلّا لو تعلمون علم اليقين لترونّ الجحيم، اشارة إلى علم اليقين، و معناه انّهم لو توجّهوا إلى الموت الّذي هو يقينىّ‌، لم يشغلهم التفاخر بالمال و الجاه و الاولاد و العشيرة عن الاخرة.

و قوله - تعالى! -: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهٰا عَيْنَ اَلْيَقِينِ‌) اشارة إلى عين اليقين و معناه انهم يرون الجحيم يوم القيمة يقيناً و لفظة «ثمَّ‌» جيئت للتّراخى و لام القسم جىء بها للتأكيد.

و قوله - تعالىٰ‌! - (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اَلنَّعِيمِ‌) اشارة إلى حق اليقين و معناه انّهم في الجحيم ليسئلن عن النعم الظاهريه كالقرآن و الولاية و عن النعم الباطنيّة كالعقل و القابليّات الكمالية.

فوائد اليقين:

لليقين فوائد كثيرة و كثيرٌ من الفضائل ينبع منه و يتوقف عليه، و سيأتي


1) . فصلت، 53-54.

2) . التّكاثر، 5-8.

تفصيله. و اجماله: ان التوكل، و تفويض الامر إليه تعالى، و اطمئنان البال و الانقطاع عن النّاس إلى اللَّه، و التسليم لامر اللَّه و الرضى بقضائه و قدره، بل و مثل الشجاعة و السخاء و.... ينبع منه بل يتوقف عليه.

و من فوائده: حصول مقام الخضوع و الخشوع و القيام بوظائف العبوديّة.

ولكنّ الّذي يجب التّنبيه عليه و هو مهم جداً، هو ان اليقين يمنع صاحبه عن كلّ مخالفة و يرغبه إلى كلّ مثوبة، فكلما زاد اليقين زاد المنع حتّى يصل إلى حد يمنعه عن كلّ مكروه و شبهة بل عن كلّ ما يشتهيه الهوى حتّى يصل إلى درجة يعدّ فيها الالتفات إلى غير اللَّه و الاشتغال بالمباحات محذور له و محظور عليه و يستغفر اللَّه ربه لذلك و هذا هو علة استغفار الرسول صلى الله عليه و آله فيما رُوي من قيامه به.

و بالجملة انه سدّ و حصن للانسان و لا سدّ غيره.

توضيح ذلك اجمالًا(1)ان الإنسان يحتاج إلى سدّ ورادع يمنعه و يردعه عن الشهوات و لولا ذلك لهلك. و جميع ما له منزلة المانعيّة و هو مما يرغّب إليه العقل و يُقرّه و يمضيه الشرع، امور:

1 - العقل و هو حجة باطنة و رسول من اللَّه و وديعته اللَّه - تعالىٰ‌! - في باطن الانسان، و هو سدّ و مانع عن الميول المحرّمة و يرغب الإنسان إلى الخيرات و العبادات و قد أمر اللَّه - تعالىٰ‌! - في كتابه بمتابعته و الاهتداء بهداه و قد أعاد ذلك مرارًا كقوله سبحانه: (أَ فَلاٰ تَتَفَكَّرُونَ‌) و (أَ فَلاٰ يَعْقِلُونَ‌)، (أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ‌) و....


1) . قد افردنا في ذلك كتاباً من مجموعة محاضراتنا بهذا الخصوص تحت عنوان عوامل‌ضبط الغرائز.

و بشّر اللَّه - تعالىٰ‌! - بالجنة و الخير مَن تابعه، فقال: (اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ‌).(1)

و قال - تعالىٰ‌! - نقلًا عن اهل الجحيم انّهم لم‌يردوا السّعير إلّالعدم متابعتهم عن العقل (وَ قٰالُوا لَوْ كُنّٰا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مٰا كُنّٰا فِي أَصْحٰابِ اَلسَّعِيرِ).(2)

2 - العلم و هو الّذي يمنع صاحبه عن الرّذائل لعلمه بمفاسدها، و لكون الاتيان بالرّذائل ينافي شخصيّته الجماعيّة فلذا اشتهر عن افلاطون انه كان يقول: ان شيوع الرّذائل في مجتمع دليل على جهلهم لأنهم لو علموا مفاسدها لم‌يرتكبوها.

فلذا اكدّ الاسلام على التعليم و التّعلّم مرارًا عديدة و قد مرّ منّا انه عدّ التعليم و التعلم في القرآن من العلل الغائيّة للتكوين و التشريع.

قال - تعالى! -: (اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا).(3)

و قال - تعالى! -: (هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ‌).(4)

3 - النّفس اللّوّامة و هي هامّة حتّى أقسم بها القرآن فقال: (لاٰ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ * وَ لاٰ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اَللَّوّٰامَةِ‌).(5)و جعلها تلو يوم القيمة، لانّها مثله في الحكم


1) . الزمر، 17-18.

2) . الملك، 10.

3) . الطلاق، 12.

4) . الجمعة، 2.

5) . القيامة، 1.

فكما انّ يوم القيمة وصفه - تعالىٰ‌! - بقوله: (وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاٰ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لاٰ يُقْبَلُ مِنْهٰا شَفٰاعَةٌ وَ لاٰ يُؤْخَذُ مِنْهٰا عَدْلٌ وَ لاٰ هُمْ يُنْصَرُونَ‌)(1)فكذلك النّفس اللوامة.

4 - التربية و التهذيب و هي هامّة ايضاً، و لذا كرّر القرآن ذكرها تارة بالامر بها فقال: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً).(2)و أخرى بجعل الخسران في تركها فقال: (قُلْ إِنَّ اَلْخٰاسِرِينَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ أَلاٰ ذٰلِكَ هُوَ اَلْخُسْرٰانُ اَلْمُبِينُ‌).(3)

5 - القانون و الدستور الّذي يصون المجتمعات دينيّة او غير دينيّة و الاسلام امضى سيرة الناس في ذلك قولًا و عملًا، بل يظهر من القرآن انّها من سنن المرسلين.

قال - تعالى! -: (لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْمِيزٰانَ لِيَقُومَ اَلنّٰاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ‌).(4)

6 - الرّقابة العامّة و هو الامر بالمعروف و النهى عن المنكر و الاسلام اكّد عليها تاكيداً بالغاً فقال: (وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ).(5)

بل ان الاسلام مضافاً إلى الأمر بقيام الناس بالرقابة الشعبيّة و الفرديّة أوجب


1) . البقرة، 48.

2) . التحريم، 6.

3) . الزمر، 15.

4) . الحديد، 25.

5) . التوبة، 71.

تأسيس الحوزات الدينيّة اولًا فقال: (فَلَوْ لاٰ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‌)(1)و تشكيل بعثة الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر و منظّمتهم ثانياً فقال: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ).(2)

و البحث طويل الذيل، سيأتي في باب مستقل، ان شاء اللَّه في الاخلاقيّات.

7 - الايمان العقلي و المراد منه ما يقطع به العقل من المعارف الاسلاميّة كالمبدء و المعاد و النبوة و الامامة، و هو «الاسلام» على حدّ مصطلح الذكر العظيم.

قال - تعالى! -: (قٰالَتِ اَلْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ اَلْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ‌).(3)

فهو مطلوب في الاسلام فلذا قال اللَّه - تعالىٰ‌! - في ذيل هذه الآية الشريفة:

(وَ إِنْ تُطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لاٰ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمٰالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌).(4)و بالضّرورة فان غالب ايمان النّاس من هذا القبيل.

و كونه في الجملة سدّاً و مانعاً من مخالفة اللَّه و متابعة الهوى ممّا لا اشكال فيه.

بل القرآن اشار إلى ان الظّن بالمعاد فضلًا عن القطع به يُعدّ سداً و مانعاً عن مخالفة الشرع، قال - تعالى! -: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتٰالُوا عَلَى اَلنّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَ


1) . التوبة، 122.

2) . آل عمران، 104.

3) . الحجرات، 14.

4) . الحجرات، 14.

إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَ لاٰ يَظُنُّ أُولٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ‌).(1)

فلذا يشاهد ان اكثر روّاد المحاكم و نزلاء السّجون في كلّ زمان و مكان من غير المتديّنين.

و بالجملة، ان الجنايات و الجرائم هي لغير المتديّنين أكثر ممّا هو لغيرهم، إلّافي حالات نادرة.

هذه امور سبعة، و كماترى انّها كلها مطلوبة مرغوب فيها عقلًا و عرفاً و شرعاً إلّا ان في جميعها اشكالًا مهماً جداً و هو ان هذه الأمورالسبعة تصدّ الإنسان و تمنعه من الرّذائل و تجعله على الصراط المستقيم في الجملة لا مطلقاً.

توضيح ذلك، ان الغرائز كثيراً ما تكون في حالة طبيعيّة و عادية، فتلك الأمور السبعة تصونه و تردعه عن الميول و الانحرافات و لكن قد تكون الغرائز في حالة الطّغيان و الاشتعال كغليان الشّهوة الجنسيّة او فوران حبّ الجاه او طغيان رذيلة من الرّذائل كالحسد و الغضب و شهوة التّكاثر فهذه الأمور السّبعة لا تقدر ان تكبح تلك الغرائز و تلك الرّذائل بتاتاً وللَّه درّ الشّاعر بالفارسيّة:

گوش اگر گوش تو و ناله اگر نالۀ من *** آنچه البته بجايى نرسد فرياد است

فحالة الطّغيان هذه تطلب سدّاً آخر و مانعاً غير الأمور السّبعة الآنفة الذكر و لذلك ان الذكر الحكيم يذكر عاملًا آخر اَلا و هو:

الايمان القلبي و هو الايمان الّذي رسخ في القلب و هو اليقين بمراتبه، قال -


1) . المطففين، 1-5.

تعالى! -: (إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتٰابُوا).(1)

فهو نور من اللَّه و هداية خاصّة منه و احياء قلبٍ بمنّه و هذا هو الّذي يحصل باجتناب المحرّمات و اتيان الخيرات و هو اليقين لغة و اصطلاحاً و هو فضل من اللَّه يؤتيه المقرّبين فطوبى لهم و نعم الثّواب و هذا هو ما يصفه القرآن بانّ اوّل مرتبته يكبح مثل غريزة التّكاثر إذا اشتعلت. قال - تعالى! -: (أَلْهٰاكُمُ اَلتَّكٰاثُرُ * حَتّٰى زُرْتُمُ اَلْمَقٰابِرَ * كَلاّٰ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّٰ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاّٰ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ‌).(2)و نحن نذكر بعض الايات و الرّوايات الواردة في اليقين تبركاً و تيمناً للبحث من غير تفسير و توضيح لهما، لانّه يحتاج إلى كتاب مستقل و يبعدنا عن غاية هذا الكتاب، نسئل اللَّه توفيق درك آي الكتاب و روايات العترة اللّذان هما الثّقلان في الرواية المتواترة لفظاً عند الفريقين.


1) . الحجرات، 15.

2) . التّكاثر، 1-6.

آيات في اليقين

(وَ جَعَلْنٰا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا لَمّٰا صَبَرُوا وَ كٰانُوا بِآيٰاتِنٰا يُوقِنُونَ‌).(1)

(وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ مٰا يَبُثُّ مِنْ دٰابَّةٍ آيٰاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‌).(2)

(هٰذٰا بَصٰائِرُ لِلنّٰاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‌).(3)

(وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ‌).(4)

(كَلاّٰ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهٰا عَيْنَ اَلْيَقِينِ‌).(5)

(وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ‌).(6)

(قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اَللّٰهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ‌


1) . السّجدة، 24.

2) . الجاثية، 4.

3) . الجاثية، 20.

4) . الحجر، 99.

5) . التّكاثر، 5-7.

6) . الانعام، 75.

اَلسَّلاٰمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ‌).(1)

(وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ).(2)

(أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ‌).(3)

(يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌).(4)


1) . المائدة، 15-16.

2) . النّور، 40.

3) . الانعام، 122.

4) . الحديد، 28.

روايات في فضل اليقين

عن جابر قال: قال لي أبو عبداللَّه عليه السلام: «يَا أَخَا جُعْفٍ إِنَ الْإِيمَانَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ إِنَّ الْيَقِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِيمَانِ وَ مَا مِنْ شَيْ‌ءٍ أَعَزَّ مِنَ الْيَقِينِ‌».(1)

عن الوشاء عن أبي الحسن عليه السلام قال سمعته يقول: «الْإِيمَانُ فَوْقَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ وَ التَّقْوَى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ وَ الْيَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ وَ مَا قُسِمَ فِي النَّاسِ شَيْ‌ءٌ أَقَلُّ مِنَ الْيَقِينِ‌».(2)

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «خَيْرُ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ‌».(3)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة له: «أَيُّهَا النَّاسُ سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وَ ارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الْعَافِيَةِ فَإِنَّ أَجَلَّ النِّعْمَةِ الْعَافِيَةُ وَ خَيْرَ مَا دَامَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ وَ الْمَغْبُونَ مَنْ غُبِنَ دِينَهُ وَ الْمَغْبُوطَ مَنْ غُبِطَ يَقِينَهُ قَالَ وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يُطِيلُ الْقُعُودَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 135.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 136.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 173.

يَسْأَلُ اللَّهَ الْيَقِين».(1)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 176.

روايات في تفسير اليقين

قال (يونس): «قُلْتُ فَأَيُ شَيْ‌ءٍ الْيَقِينُ قَالَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَ التَّسْلِيمُ لِلَّهِ وَ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ التَّفْوِيضُ إِلَى اللَّه».(1)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «مِنْ صِحَّةِ يَقِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ وَ لَا يَلُومَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَ لَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ وَ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ بِعَدْلِهِ وَ قِسْطِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَ الرَّاحَةَ فِي الْيَقِينِ وَ الرِّضَا وَ جَعَلَ الْهَمَّ وَ الْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَ السَّخَطِ».(2)

عن اسحاق بن عمّار قال سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَنَظَرَ إِلَى شَابٍ فِي الْمَسْجِدِ وَ هُوَ يَخْفِقُ وَ يَهْوِي بِرَأْسِهِ مُصْفَرّاً لَوْنُهُ قَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ وَ غَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلَانُ قَالَ أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُوقِناً فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ وَ قَالَ لَهُ إِنْ لِكُلِّ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 138.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 143.

يَقِينٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ فَقَالَ إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي أَحْزَنَنِي وَ أَسْهَرَ لَيْلِي وَ أَظْمَأَ هَوَاجِرِي فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي وَ قَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ وَ حُشِرَ الْخَلَائِقُ لِذَلِكَ وَ أَنَا فِيهِمْ وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِي الْجَنَّةِ وَ يَتَعَارَفُونَ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ وَ هُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ وَ كَأَنِّي الآْنَ أَسْمَعُ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ لَهُ الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَقَالَ الشَّابُّ ادْعُ اللَّهَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ص فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَ كَانَ هُوَ الْعَاشِرَ».(1)

عن النبيّ صلى الله عليه و آله قال: «قُلْتُ لِجَبْرَئِيلَ مَا تَفْسِيرُ الْيَقِينِ قَالَ الْمُؤْمِنُ يَعْمَلُ لِلَّهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ يَرَاهُ وَ أَنْ يَعْلَمَ يَقِيناً أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَ أَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ الْخَبَرَ».(2)

عن صفوان قال: «سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لِإِبْرَاهِيمَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‌أَ كَانَ فِي قَلْبِهِ شَكٌّ قَالَ لَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ وَ لَكِنَّهُ أَرَادَ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ فِي يَقِينِهِ‌».(3)

عن أبي‌عبداللَّه عليه السلام قال: «مَا مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلَّا وَ لَهُ حَدٌّ قُلْتُ فَمَا حَدُّ الْيَقِينِ قَالَ أَنْ لَا تَخَافَ مَعَ اللَّهِ شَيْئًا».(4)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 159.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 173.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 176-177.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 180.

روايات في فوائد اليقين

عن هشام بن سالم قال سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: «أَنَ الْعَمَلَ الدَّائِمَ الْقَلِيلَ عَلَى الْيَقِينِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ عَلَى غَيْرِ يَقِين».(1)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: كَفَى بِالْيَقِينِ غِنًى وَ بِالْعِبَادَةِ شُغُلًا».(2)

قال أبو عبداللَّه عليه السلام: «إِنَ الْمُؤْمِنَ أَشَدُّ مِنْ زُبَرِ الْحَدِيدِ إِنَّ الْحَدِيدَ إِذَا دَخَلَ النَّارَ لَانَ وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَوْ قُتِلَ وَ نُشِرَ ثُمَّ قُتِلَ لَمْ يَتَغَيَّرْ قَلْبُهُ‌».(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 147.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 176.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 178.

روايات في مراتب اليقين

عن يعقوب بن الضّحاك عن رجل من أصحابنا سرّاج و كان خدماً لأبي عبداللَّه عليه السلام قال: «بَعَثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع فِي حَاجَةٍ وَ هُوَ بِالْحِيرَةِ أَنَا وَ جَمَاعَةً مِنْ مَوَالِيهِ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فِيهَا ثُمَّ رَجَعْنَا مُغْتَمِّينَ قَالَ وَ كَانَ فِرَاشِي فِي الْحَائِرِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ نُزُولًا فَجِئْتُ وَ أَنَا بِحَالٍ فَرَمَيْتُ بِنَفْسِي فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا أَنَا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَدْ أَقْبَلَ قَالَ فَقَالَ قَدْ أَتَيْنَاكَ أَوْ قَالَ جِئْنَاكَ فَاسْتَوَيْتُ جَالِساً وَ جَلَسَ عَلَى صَدْرِ فِرَاشِي فَسَأَلَنِي عَمَّا بَعَثَنِي لَهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ جَرَى ذِكْرُ قَوْمٍ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّا نَبْرَأُ مِنْهُمْ إِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَا نَقُولُ قَالَ فَقَالَ يَتَوَلَّوْنَا وَ لَا يَقُولُونَ مَا تَقُولُونَ تَبْرَءُونَ مِنْهُمْ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَهُوَ ذَا عِنْدَنَا مَا لَيْسَ عِنْدَكُمْ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَبْرَأَ مِنْكُمْ قَالَ قُلْتُ لَا جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ وَ هُوَ ذَا عِنْدَ اللَّهِ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا أَ فَتَرَاهُ اطَّرَحَنَا قَالَ قُلْتُ لَا وَ اللَّهِ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا نَفْعَلُ قَالَ فَتَوَلَّوْهُمْ وَ لَا تَبَرَّءُوا مِنْهُمْ إِنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَهُ سَهْمٌ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ سَهْمَانِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ سِتَّةُ أَسْهُمٍ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ صَاحِبُ السَّهْمِ عَلَى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ السَّهْمَيْنِ وَ لَا صَاحِبُ السَّهْمَيْنِ عَلَى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ وَ لَا صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَرْبَعَةِ وَ لَا صَاحِبُ الْأَرْبَعَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ‌

الْخَمْسَةِ وَ لَا صَاحِبُ الْخَمْسَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ السِّتَّةِ وَ لَا صَاحِبُ السِّتَّةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ السَّبْعَة...».(1)

عن عبدالعزيز قال: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَذَكَرْتُ لَهُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الشِّيعَةِ وَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ فَقَالَ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ الْإِيمَانُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ بِمَنْزِلَةِ السُّلَّمِ لَهُ عَشْرُ مَرَاقِيَ وَ تَرْتَقِي مِنْهُ مِرْقَاةً بَعْدَ مِرْقَاةٍ فَلَا يَقُولَنَّ صَاحِبُ الْوَاحِدَةِ لِصَاحِبِ الثَّانِيَةِ لَسْتَ عَلَى شَيْ‌ءٍ وَ لَا يَقُولَنَّ صَاحِبُ الثَّانِيَةِ لِصَاحِبِ الثَّالِثَةِ لَسْتَ عَلَى شَيْ‌ءٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْعَاشِرَةِ ثُمَّ قَالَ وَ كَانَ سَلْمَانُ فِي الْعَاشِرَةِ وَ أَبُو ذَرٍّ فِي التَّاسِعَةِ وَ الْمِقْدَادُ فِي الثَّامِنَةِ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ لَا تُسْقِطْ مَنْ هُوَ دُونَكَ فَيُسْقِطَكَ مَنْ هُوَ فَوْقَكَ وَ إِذَا رَأَيْتَ الَّذِي هُوَ دُونَكَ فَقَدَرْتَ أَنْ تَرْفَعَهُ إِلَى دَرَجَتِكَ رَفْعاً رَفِيقاً فَافْعَلْ وَ لَا تَحْمِلَنَّ عَلَيْهِ مَا لَا يُطِيقُهُ فَتَكْسِرَهُ فَإِنَّهُ مَنْ كَسَرَ مُؤْمِناً فَعَلَيْهِ جَبْرُهُ لِأَنَّكَ إِذَا ذَهَبْتَ تَحْمِلُ الْفَصِيلَ حَمْلَ الْبَازِلِ فَسَخْتَه».(2)

قال الصادق عليه السلام: «الْيَقِينُ يُوصِلُ الْعَبْدَ إِلَى كُلِ حَالٍ سَنِيٍّ وَ مَقَامٍ عَجِيبٍ كَذَلِكَ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَنْ عِظَمِ شَأْنِ الْيَقِينِ حِينَ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ لَوْ زَادَ يَقِينُهُ لَمَشَى فِي الْهَوَاءِ يَدُلُّ بِهَذَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعَ جَلَالَةِ مَحَلِّهِمْ مِنَ اللَّهِ كَانَتْ تَتَفَاضَلُ عَلَى حَقِيقَةِ الْيَقِينِ لَا غَيْرُ وَ لَا نِهَايَةَ بِزِيَادَةِ الْيَقِينِ عَلَى الْأَبَدِ وَ الْمُؤْمِنُونَ أَيْضاً مُتَفَاوِتُونَ فِي قُوَّةِ الْيَقِينِ وَ ضَعْفِه».(3)

عن الصادق عليه السلام: «... لَيْسَ الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ إِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ فِي قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 42.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 168.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 179.

تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَهُ فَإِنْ أَرَدْتَ الْعِلْمَ فَاطْلُبْ أَوَّلًا فِي نَفْسِكَ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ وَ اطْلُبِ الْعِلْمَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَ اسْتَفْهِمِ اللَّهَ يُفْهِمْك».(1)

عن أبي جعفر عليه السلام قال: «مَا أَخْلَصَ عَبْدٌ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً أَوْ قَالَ مَا أَجْمَلَ عَبْدٌ ذِكْرَ اللَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً إِلَّا زَهَّدَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ بَصَّرَهُ دَاءَهَا وَ دَوَاءَهَا وَ أَثْبَتَ الحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ وَ أَنْطَقَ بِهَا لِسَانَه».(2)

عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «ما أخلص عبدللَّه عزّوجلّ أربعين صباحاً إلّاجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».(3)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَثْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ وَ أَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ وَ بَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا دَاءَهَا وَ دَوَاءَهَا وَ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ‌.».(4)

عن أبي الحسن عليه السلام: «... تَعَاهَدُوا عِبَادَ اللَّهِ نِعَمَهُ بِإِصْلَاحِكُمْ أَنْفُسَكُمْ تَزْدَادُوا يَقِينًا».(5)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 225.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 240.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 242.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 33.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 194.

الرّذيلة الاولى: الرّيبة

من الصّفات الرّذيلة الرّيبة، و هي ضدّ اليقين، أي: أضطراب لنّفس بالوهم و الوسوسة و الشّكّ و الظّنّ غير المعتبر كالحسرة و الخيال.

قال في مجمع البحرين «و حقيقة الرّيبة قلق النّفس و اضطرابها».

فالنّفس قد تطمئنّ و لا قلق و لا اضطراب لها فتلك الصّفة سمّيت يقيناً لها، قال اللَّه - تعالى! -: (إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتٰابُوا).(1)و قال - تعالى! -: (أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ‌).(2)

و تلك الصّفة تحصل بذكره - تعالىٰ‌! -، قال: (أَلاٰ بِذِكْرِ اَللّٰهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ‌).(3)


1) . الحجرات، 15.

2) . المجادلة، 22.

3) . الرعد، 28.

و قد تضطرب و لها قلق و اضطراب وهمّ و حزن و خوف و يقع فيها دائماً الشّكوك و التّوهّمات و التّخيّلات و الوساوس و ليس لها ثبات بتاتاً.

قال - تعالى! -: (لاٰ يَزٰالُ بُنْيٰانُهُمُ اَلَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّٰ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ‌)(1)و تلك الصّفة تحصل بالبعد عن اللَّه تعالى.

قال - تعالى! -: (وَ لاٰ يَزٰالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمٰا صَنَعُوا قٰارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دٰارِهِمْ‌).(2)

و قال - تعالى! -: (وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَكَأَنَّمٰا خَرَّ مِنَ اَلسَّمٰاءِ فَتَخْطَفُهُ اَلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ اَلرِّيحُ فِي مَكٰانٍ سَحِيقٍ‌).(3)

فالحاصل ممّا ذكرناه إلى هنا انّ لليقين اضداداً كثيرة و ان كان يجمعها لفظ واحد و هي الرّيبة، فهي و هؤلاء مصاديقها.

بل يمكن ان يقال ان الجهل بمصاديقه البسيط و التّرديدى و المركّب من أضداد اليقين أيضًا لانّ المراد بالجهل البسيط هو عدم العلم، و هو تفيض العلم من باب العدم و الملكة، فهو نقيض اليقين ايضاً، لانّ اليقين كما مرّ نوع خاصّ من العلم و مرتبة من مراتبه.

و المراد بالجهل الترّديدى هو الشّكّ المستقرّ، فهو من أضداد العلم اليضاً، لانّه جهل بالواقع و نفس الأمر و ان كان صفة للنّفس و هي تساوي طرف شيء مع


1) . التوبة، 110.

2) . الرعد، 31.

3) . الحج، 31.

نقيضه فهو لا محالة ضدّ اليقين ايضاً.

و المراد بالجهل المركّب هو عدم العلم بالواقع و نفس الامر مع انّ الجاهل يُخيّل إليه انّه علم، فهو ضدّ العلم ايضاً، و لا محالة يكون ضدّ اليقين ايضاً، فلليقين اضداد كثيرة، يجب هنا بيانها و اثبات انّها رذائل و بيان مفاسدها.

بل يصحّ ان يقال انّ القسوة و عمى القلب و الغفلة و أمثالها من اضداد اليقين او نقائضه أيضًا ولكن البحث عن هذه الاضداد و النّقائض سيأتي كلّها في محلّها ان شاء اللَّه تعالى.

اقسام الرّيبة

1 - الشّكوك غير المستقرّة

من الرّذائل الّتي توجب خسران الدّنيا و الاخرة هي الشّكوك غير المستقرّة و هي صفة رذيلة لا يمكن لصاحبها ان يصمّم في الأمور فيختار منها ما هو الأليق به و هو يذيذب دائماً حتّى في الأمور العادية و هي ضدّ اليقين و ثبات الفكر و هذه الصفة قد تكون في الأمور العادية فتمنعه عن اكثر الخيرات و البركات.

و قد تكون في تحصيل العلم او المهمّة فهي مانعة غالباً عن الوصول إلى الهدف و المقصود و لا يجد صاحبها سبيلًا إلى العلم او الشّغل، لانّه يأخذ في علم او شغل ثمّ يدعه ثمّ يأخذ فيهما او غيرهما مراراً فيصرف عمره في التّرديد و الشّكّ‌، ثمّ ينتبه فيرى انّه في اوّل الطّريق و العمر في آخره.

و قد تكون في الدّين و هذا القسم اسوء حالًا من قبله، لانّه يوجب خسران الاخرة، قال - تعالى! -: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاٰ إِلىٰ هٰؤُلاٰءِ وَ لاٰ إِلىٰ هٰؤُلاٰءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً).(1)

و الحاصل انّ القرآن يُصرّح على انّ المذبذب له خسران الدّارين.

و قال - تعالى! -: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللّٰهَ عَلىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصٰابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصٰابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ اَلْخُسْرٰانُ اَلْمُبِينُ‌).(2)

2 - التّوهّمات و التّخيّلات و الظّنون غير المعتبرة

و هي حالة رذيلة و قد اكدّ في الشرع المبين على النّهى عن اتّباع هذه الامور.

قال - تعالى! -: (قُتِلَ اَلْخَرّٰاصُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سٰاهُونَ‌).(3)

و الخرص هو الحدس الّذي يشمل التّوهمّات و التّخيّلات و الظّنون، فالاية مضافاًالدّعاء عليه، تحكم انّه كمن يكون في بحر عميق مظلم و ليس له سبيل إلى الواقع.

و التّشبيه في غاية الفصاحة و البلاغة و امثال الآية كثيرة.

قال - تعالى! -: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّٰ تَخْرُصُونَ‌).(4)

و قال - تعالى! -: (وَ لَوْ لاٰ فَضْلُ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ‌


1) . النساء، 143.

2) . الحج، 11.

3) . الذاريات، 10-11.

4) . الانعام، 148.

فِيمٰا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوٰاهِكُمْ مٰا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اَللّٰهِ عَظِيمٌ‌).(1)

وقال - تعالى! -: (وَ لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً).(2)

و ينبغي لنا ان نتذكّر انّ هذه الصّفة من التّوهمّات و التّخيّلات و الظّنون قد تؤدّى‌مصيبة عظمى، و هي انّ الإنسان الّذي له هذه الصّفة قد يتوّهم انه على شيءٍ‌، فتتحرّك فيه نفسيّة الفرعونيّة و رعونتها، فيدّعى الالوهيّة و لا اقلّ فيستكبر على اللَّه او على النّاس، فيرى انّ استغلال النّاس يليق به فيطلب من النّاس أن يكونوا عبيدا له او لا اقلّ من ان يكونوا خادميه، و يرى ذلك حقاً لنفسه فيقاتل حتّى يقتل الفاً لأخذ حقّه.

قال - تعالى! -: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاٰ فِي اَلْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهٰا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طٰائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنٰاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِسٰاءَهُمْ إِنَّهُ كٰانَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ‌).(3)

و لا تتوهمّ انّ الحكاية تختص بفرعون و بذلك الزّمان بل هي من باب المثال لكلّ من فيه روح الكبر و المنيّة و لكلّ زمان و في زماننا هذا ما يشاهد من المتجبرين هو اسوء و اشدّ ممّا نقل القرآن عن فرعون و اتباعه.

و قد تؤدّى إلى مصيبة اعظم منها و لا اقلّ مثلها، و هي تخيّل المكاشفات و


1) . الاسراء، 36.

2) . النور، 14-15.

3) . الاسراء، 36.

المشاهدات و يتدرّج إلى البدع و اخيراً إلى هلاكة كثير من عوام النّاس و لا اقلّ من ضلالة نفسه. فكثيراً ما يشاهد أنّ المبتدى يفعل ما فعل الأوحدى و يدّعى ما هو للأوحدى من العارفين، و ليس ذلك إلّاتوّهم و تخيّل.

و كثيراً ما يشاهد من المبتدى الجاهل ادّعا الكشف و الشّهود مع انّهما تختصّان بمن يتوغّل في العلم و يروّض نفسه ازيد من اربعين سنة.

و بعض الاديان الباطلة لو لم نقل كثيراً منها، نشأ من هذه الرذيلة. نعم كثيرٌ منها نشأ من الطائفة الاولى، و هي ظهور نفسيّة التفرعن في المرء فبه ضلّوا و اضلّوا على علم سيّما المتحبّرين الّذين يبتدعون الاديان الباطلة بعمّالهم ليجعلوا النّاس شيعاً و بعد التّفرقة يتسلطون عليهم.

و المصيبة الاعظم من تلك الرّذائل حصول حال الكبر و الاستكبار لصاحبها على حدّ يستكبر يوم القيمة على اللَّه تعالى.

قال - تعالى! -: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللّٰهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمٰا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ أَلاٰ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكٰاذِبُونَ‌).(1)

3 - الخوف و الحزن

من الرّذائل حالة الحزن على مافات و الخوف عما يأتي و هي ضدّ اليقين، لانّه لوتسلّط اليقين على القلب ولو كان في مرتبته الاولى و هو علم اليقين، فلا خوف عليه و لا حزن.


1) . المجادلة، 18.

قال - تعالى! -: (أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌).(1)

و لو استيقن بالقضاء و القدر فليس له حزن على ما فات و لا خوف عليه لما يتوهم انّه يأتى و بعبارةٍ أخرى يزول عنه تلك الصفة الرّذيلة.

قال اللَّه - تعالى! -: (مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاٰ تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لاٰ تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتٰالٍ فَخُورٍ).(2)

و كثير من النّوائب النّفسيّة و الجسديّة تحت لواء هذه الرّذيلة و من جملتها الكسل و هو يمنع عن خير الدّنيا و الاخرة.

و من جملتها الانهيار العصبى الّذي يترتب عليه بلايا كثيرة و البحث عنها طويل الذيل خارج عن محل الكلام فعلًا.

4 - الوسوسة
اشارة

و من أضداد اليقين الوسوسة، و هي في اللغة الهمهمة، فلذا قيل: انها خفي. و هي خطورات تقع في القلب من النّفس و شيطان الجن و الانس و هي رذيلة موبقة يضل بها كثير من النّاس فيجب:

اولًا التعوّذ باللَّه - تعالىٰ‌! - منها، قال: (وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزٰاتِ‌


1) . يونس، 62.

2) . الحديد، 22.

اَلشَّيٰاطِينِ * وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ‌).(1)

و الآية الشريفة مع الاتيان بلفظة همزات الّتي تكون بمعنى التحريكات الشّديدة، و مع تكرار لفظة ربّ‌، و مع الخطاب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الّذي هو مصون عن الوساوس، بل العباد المخلصون - بالفتح بل بالكسر - مصونون عن مثل ذلك فضلًا عن أهل البيت عليهم السلام، تدل بألتاكيد التامّ على لزوم عوذة باللَّه من وساوس شياطين الجن و الانس.

و ثانياً الابتعاد منها و القرب إليه - تعالىٰ‌! - باجتناب المحرمات و الاتيان بكل خير سيّما الواجبات.

قال - تعالىٰ‌! - في آيات عديدة منها قوله: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمٰا سُلْطٰانُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ‌).(2)

فهذه الآيات تدّل على ان اللَّه يحفظ المتقين فضلًا عن المخلصين بالفتح و الكسر، و الشّياطين لا يتسلّطون إلّاعلى من يتولونهم، و امّا من يتولّاه اللَّه - تعالىٰ‌! - فلا سلطان للشياطين عليهم.

فالاعراض عن اللَّه و عن ذكره يسلّط القرين السوء من شياطين الجن و الانس علينا.

قال - تعالى! -: (وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطٰاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‌


1) . المؤمنون، 96-67.

2) . النّحل، 99-100.

وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ‌).(1)

و التقرب إلى اللَّه - تعالىٰ‌! - يحجزنا عن الشياطين و يجعل بيننا و بينهم حجاباً مستوراً.

قال - تعالى! -: (إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ أَلاّٰ تَخٰافُوا وَ لاٰ تَحْزَنُوا).(2)

و قال - تعالى! -: (إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا فَلاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌).(3)

بل من الطافه - تعالىٰ‌! - و عناياته الّتي تخصّ عباده جعل الحفظة عليهم الّذين يحفظونهم دائماً من الشرور الجسديّة و النفسية.

قال - تعالى! -: (لَهُ مُعَقِّبٰاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللّٰهِ‌).(4)

فبعد ذلك غلبة الشياطين على الإنسان من نهاية الخسران. و سيأتى ذكر روايات في ذلك، ان شاء اللَّه.

اقسام الوسوسة:

الف - وسوسة الشّيطان و اعوانه، و هي الّتي أقسم الشّيطان باللَّه - تعالىٰ‌! - لها،


1) . الزّخرف، 36-37.

2) . فصلّت، 30.

3) . الاحقاف، 13.

4) . الرّعد، 11.

كما حكاه - تعالىٰ‌! - بقوله: (قٰالَ فَبِمٰا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمٰانِهِمْ وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ وَ لاٰ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰاكِرِينَ‌).(1)

ب - وسوسة النّفس الامارة و الميول النّفسانيّة و هي اعدى عدواً من الشّيطان و أشدّ منه و هي الامارة بالسوء كما ورد في التنزيل العزيز.

قال - تعالى! -: (وَ مٰا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ‌).(2)

ثمّ انّه - تعالىٰ‌! - هدّدنا حيث قال في يوسف الصدّيق: (وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهٰا لَوْ لاٰ أَنْ رَأىٰ بُرْهٰانَ رَبِّهِ‌).(3)

ثم بيّن قوّة ارادته و رسوخ التقوى في نفسه بقوله - تعالى! -: (قٰالَ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاّٰ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجٰاهِلِينَ‌).(4)

و لقد مرّت الرّوايات الدالة على كونها اعدى العدوّ و ان جهادها هو الجهاد الاكبر، فهمزات النّفس الامّارة و تحريكات الميول الشّهويّة اشدّ من همزات الشّيطان و اعوانه و تحريكاته، فنعوذ باللَّه من شر النّفس و الشيطان.

ج - وسوسة الصديق السوء.

قال - تعالى! -: (وَ يَوْمَ يَعَضُّ اَلظّٰالِمُ عَلىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ اَلرَّسُولِ سَبِيلاً * يٰا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاٰناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ اَلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جٰاءَنِي وَ كٰانَ‌


1) . الاعراف، 16-17.

2) . يوسف، 52.

3) . يوسف، 24.

4) . يوسف، 33.

اَلشَّيْطٰانُ لِلْإِنْسٰانِ خَذُولاً).(1)

ثمّ انّ كلّ واحد من هذه الثلاثة قد يوسوس مباشرةً و من دون حجاب، كما إذا نظر احد إلى اجنبيّة و تلك الاجنبيّة تتمايل اليه، فهمزات النّفس و تحريك الشهوة، و وسوسة الشّيطان و ترغيبه اليها، و ميول الاجنبيّة و وسوستها موجودة علانية و مباشرةً من غير حجاب. و هذه الوسوسة سيما في المثال قوية.

ولكن اسوء من هذه الوسوسة هي الوسوسة خفاءً و تحت حجاب و غير مباشرٍ مخيّلاً إلى الموسوَس انه من التبرير نظير اشاعة الفحشاء باسم المدرسة و العلم، و اشاعة الذّنوب باسم الاسلام، و ارتكاب الذّنب مع التّبرير.

فالنّفس سيّما إذا كانت عالمة تبرّر ذلك الذنب و الشّيطان يستحسنه و لايزال في كلّ زمان سيّما زماننا هذا و في كلّ مكان سيّما باسم المدارس الموجودة في الغرب و لكل فرد سيّما العلماء و منوري الفكر خطراً كبيراً و إلى هذه الوسوسة اشار - تعالىٰ‌! - في سورة النّاس مع تأكيداتٍ بالغة في صدرها.

قال - تعالى! -: (سورة الناس بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنّٰاسِ * مَلِكِ اَلنّٰاسِ * إِلٰهِ اَلنّٰاسِ * مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوٰاسِ اَلْخَنّٰاسِ * اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنّٰاسِ * مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنّٰاسِ‌).(2)

و الخناس صيغة المبالغة من الخنوس بمعنى الاختفاء فيقال لبعض الوسواس الخنّاس، لأن عملهم يكون في الاختفاء و تحت الحجاب، حجاب المكتب، حجاب


1) . الفرقان، 29-27.

2) . النّاس.

الدين، حجاب الكلمات الحلو، حجاب التبريرات العواميّة او العلميّة او الدينية، و إلى هذا المعنى اشار أبو عبداللَّه عليه السلام قال: لمّا نزلت هذه الآية: (وَ اَلَّذِينَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اَللّٰهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ‌) فَقَالَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ‌: أَنَا لَهَا قَالَ بِمَا ذَا قَالَ أَعِدُهُمْ وَ أُمَنِّيهِمْ حَتَّى يُوَاقِعُوا الْخَطِيئَةَ فَإِذَا وَاقَعُوا الْخَطِيئَةَ أَنْسَيْتُهُمُ الِاسْتِغْفَارَ فَقَالَ أَنْتَ لَهَا فَوَكَّلَهُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ‌».(1)


1) . الامالى، الصدوق ص 376.

آيات في الوسوسة

(وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ وَ نَعْلَمُ مٰا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ‌).(1)

(اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ اَلشَّيْطٰانُ فَأَنْسٰاهُمْ ذِكْرَ اَللّٰهِ أُولٰئِكَ حِزْبُ اَلشَّيْطٰانِ أَلاٰ إِنَّ حِزْبَ اَلشَّيْطٰانِ هُمُ اَلْخٰاسِرُونَ‌).(2)

(... أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ‌).(3)

(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنّٰاسِ * مَلِكِ اَلنّٰاسِ * إِلٰهِ اَلنّٰاسِ * مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوٰاسِ اَلْخَنّٰاسِ * اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنّٰاسِ * مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنّٰاسِ‌).(4)


1) . ق، 16.

2) . المجادلة، 19.

3) . المجادلة، 22.

4) . النّاس.

روايات في الوسوسة

روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام في كلام له: «إِنَ مِنَ الْبَلَاءِ الْفَاقَةَ وَ أَشَدُّ مِنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَنِ وَ أَشَدُّ مِنْ مَرَضِ الْبَدَنِ مَرَضُ الْقَلْب».(1)

قال الصّادق عليه السلام: «لَا يَتَمَكَّنُ الشَّيْطَانُ بِالْوَسْوَسَةِ مِنَ الْعَبْدِ إِلَّا وَ قَدْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ اسْتَهَانَ بِأَمْرِهِ وَ سَكَنَ إِلَى نَهْيِهِ وَ نَسِيَ اطِّلَاعَهُ عَلَى سِرِّهِ فَالْوَسْوَسَةُ مَا يَكُونُ مِنْ خَارِجِ الْبَدَنِ بِإِشَارَةِ مَعْرِفَةِ الْعَقْلِ وَ مُجَاوَرَةِ الطَّبْعِوَ أَمَّا إِذَا تَمَكَّنَ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ غَيٌّ وَ ضَلَالَةٌ وَ كُفْرٌ وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ دَعَا عِبَادَهُ بِاللُّطْفِ دَعْوَةً وَ عَرَّفَهُمْ عَدَاوَتَهُ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَ قَالَ إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا».(2)

قال الحسين ابن الحكم الواسطي: «كَتَبْتُ إِلَى بَعْضِ الصَّالِحِينَ أَشْكُو الشَّكَّ فَقَالَ إِنَّمَا الشَّكُّ فِيمَا لَا يُعْرَفُ فَإِذَا جَاءَ الْيَقِينُ فَلَا شَكَّ‌».(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 124.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 124.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 124.

روى انّه: «سُئِلَ الْعَالِمُ ع عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ فَقَالَ مَنْ يُطِيقُ أَلَّا تُحَدَّثَ نَفْسُهُ وَ سَأَلْتُ الْعَالِمَ ع عَنِ الْوَسْوَسَةِ إِنْ كَثُرَتْ قَالَ لَا شَيْ‌ءَ فِيهَا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‌. وَ أَرْوِي أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلْعَالِمِ يَقَعُ فِي نَفْسِي أَمْرٌ عَظِيمٌ فَقَالَ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‌».(1)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام في قوله: «كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ قَالَ هُوَ الشَّكُ‌».(2)

يقول اللَّه: «وَ ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ قَالَ نَزَلَتْ فِي الشُّكَّاكِ‌».(3)

عن أبي جعفر عليه السلام: «وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ يَقُولُ شَكّاً إِلَى شَكِّهِمْ‌».(4)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ مِنْ خَلْقِهِ الْمُتَلَوِّنَ فَلَا تَزُولُوا عَنِ الْحَقِّ وَ أَهْلِهِ فَإِنَّ مَنِ اسْتَبَدَّ بِالْبَاطِلِ وَ أَهْلِهِ هَلَكَ وَ فَاتَتْهُ الدُّنْيَا وَ خَرَجَ مِنْهَا صَاغِراً».(5)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «إِنَ الشَّكَ وَ الْمَعْصِيَةَ فِي النَّارِ لَيْسَا مِنَّا وَ لَا إِلَيْنَا وَ إِنَّ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَطْوِيَّةٌ بِالْإِيمَانِ طَيّاً فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِنَارَةَ مَا


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 127.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 128.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 125.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 126.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 126.

فِيهَا فَتَحَهَا بِالْوَحْيِ فَزَرَعَ فِيهَا الْحِكْمَةَ زَارِعَهَا وَ حَاصِدَهَا».(1)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَ لَهُ أُذُنَانِ عَلَى أَحَدِهِمَا مَلَكٌ مُرْشِدٌ وَ عَلَى الْأُخْرَى شَيْطَانٌ مُفْتِنٌ هَذَا يَأْمُرُهُ وَ هَذَا يَزْجُرُهُ الشَّيْطَانُ يَأْمُرُهُ بِالْمَعَاصِي وَ الْمَلَكُ يَزْجُرُهُ عَنْهَا وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ».(2)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إِنَّ لِلْقَلْبِ أُذُنَيْنِ فَإِذَا هَمَ الْعَبْدُ بِذَنْبٍ قَالَ لَهُ رُوحُ الْإِيمَانِ لَا تَفْعَلْ وَ قَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ افْعَلْ وَ إِذَا كَانَ عَلَى بَطْنِهَا نُزِعَ مِنْهُ رُوحُ الْإِيمَانِ‌».(3)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لِقَلْبِهِ أُذُنَانِ فِي جَوْفِهِ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ وَ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْمَلَكُ فَيُؤَيِّدُ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ بِالْمَلَكِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ‌».(4)

عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «شَرُّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ‌».

فيما اوصى به اميرالمؤمنين عليه السلام ابنه: «يَا بُنَيَ إِنَ مِنَ الْبَلَاءِ الْفَاقَةَ وَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَرَضُ الْبَدَن وَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ تَقْوَى الْقُلُوبِ‌».(5)

عن أبي جعفر عليه السلام قال: «الْقُلُوبُ ثَلَاثَةٌ قَلْبٌ مَنْكُوسٌ لَا يَعْثُرُ عَلَى شَيْ‌ءٍ مِنَ الْخَيْرِ وَ هُوَ قَلْبُ الْكَافِرِ وَ قَلْبٌ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَالْخَيْرُ وَ الشَّرُّ فِيهِ يَعْتَلِجَانِ فَمَا كَانَ مِنْهُ أَقْوَى


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 126.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 33.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 44.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 47.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 51.

غَلَبَ عَلَيْهِ وَ قَلْبٌ مَفْتُوحٌ فِيهِ مِصْبَاحٌ يَزْهَرُ فَلَا يُطْفَأُ نُورُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ هُوَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ‌».(1)

عن سلام قال: «كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ ع فَدَخَلَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَلَمَّا هَمَّ حُمْرَانُ بِالْقِيَامِ قَالَ لِأَبِي جَعْفَرٍ ع أُخْبِرُكَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاكَ وَ أَمْتَعَنَا بِكَ أَنَّا نَأْتِيكَ فَمَا نَخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ حَتَّى يَرِقَّ قُلُوبُنَا وَ تَسْلُوَ أَنْفُسُنَا عَنِ الدُّنْيَا وَ يَهُونَ عَلَيْنَا مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ ثُمَّ نَخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ فَإِذَا صِرْنَا مَعَ النَّاسِ وَ التُّجَّارِ أَحْبَبْنَا الدُّنْيَا قَالَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِنَّمَا هِيَ الْقُلُوبُ مَرَّةً يَصْعُبُ عَلَيْهَا الْأَمْرُ وَ مَرَّةً يَسْهُل».(2)

و عن سفيان بن عيينه قال: «سألت الصادق عليه السلام عن قول اللَّه عزّوجلّ‌: «إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَليمٍ‌»؟ قال: السَّلِيمُ الَّذِي يَلْقَى رَبَّهُ وَ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ سِوَاهُ وَ قَالَ وَ كُلُّ قَلْبٍ فِيهِ شَكٌّ أَوْ شِرْكٌ فَهُوَ سَاقِطٌ وَ إِنَّمَا أَرَادُوا الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا لِتَفْرُغَ قُلُوبُهُمْ لِلآْخِرَةِ‌.

وَ قَالَ النَّبِيُّ ص لَوْ لَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إِلَى الْمَلَكُوتِ‌».(3)

5 - الجهل
اشارة


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 51.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 56.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 59.

و من اضداد اليقين الجهل و هو على اقسام:

الجهل البسيط، و هو الجهل المصطلح عليه، و هو أمر عدمى نقيض العلم، من باب تناقض العدم و الملكة، فهو نقيض اليقين ايضا، لانّه كما مرّ انّ اليقين مرتبة من مراتب العلم.

و هذا الجهل مصيبة عظمى و غالب المفاسد ينشاء منها، فلذا سمّى ما قبل زمن بعثة الرسول صلى الله عليه و آله ب‍ «الجاهلية». لتدهور ذلك الزّمان من حيث الاخلاق، و سمّى القرآن مثل زماننا هذا بالجاهليّة أيضًا من حيث انحطاط الناس و توغّل بعضهم فيما يخصّ بعصر الجاهليّة، قال - تعالى! -: (وَ لاٰ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجٰاهِلِيَّةِ اَلْأُولىٰ‌).(1)

و نحن نذكر ههنا بعض مفاسد الجهل الهامّة:

الف - عدم استقلال النظر، ولو لم تكن مفسدة للجهل إلّاهذه المفسدة يكفيك لحكمك‌بكونه رذيلة هامّة.

توضيح ذلك: ان الإنسان لو كان مفكراً عاقلًا عالماً فله الاقتباس، و هو استماع الحسن و اجتناب السيئ مع استقلاله في النظر و الفكر.

قال - تعالى! -: (فَبَشِّرْ عِبٰادِ * اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ‌).(2)

و سمّيت هذه السيرة بالاقتباس و هو سيرة المهتدين و العقلاء.

و اما الجاهل غير المفكر فليس اقواله و اعماله بل افكاره إلّابالتقليد و هو اخذ


1) . الاحزاب، 33.

2) . الزمر، 17-18.

قول الغير او عمله من غير دليل مع التفاته إلى فعله هذا، و معلوم انه مذموم إلّافي حال الاضطرار و هو تقليد الجاهل عن العالم في خصوص علمه، و القرآن يذمه اشدّ الذم.

قال - تعالى! -: (إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَ‌).(1)

و كثيراً ما يقع الجاهلون في البلايا و المعاصي جزاء بسيرتهم الدّنيّة هذه و للَّه درّ القائل:

خلق را تقليدشان بر باد داد *** اى دو صد لعنت بر اين تقليد باد

بل كثيراً ما يحكم عليه قانون المنابهة و المحاكات و هو اخذ قول او عمل او فكر من الاخر تقليداً من غير توجّه. و هو سيرة الاطفال و بعض الحيوانات و يسوق الجاهل نحو التّيه و الضّلالة.

ولكن الّذي يذوب القلب سلطة هذا القانون و حكمه على بعض الناس، الاترى ان المسلمين في زماننا هذا كيف يقلدون الغرب في أفعالهم السّيئة و يدعون افعالهم الحسنة، فهم في اشاعة الفحشاء تقدموا عليهم، و اما في الاختراعات و الابداعات فيحتاجون إليهم حتّى في الخيط و المخيط و مستخلص القول فيهم هو قول اللَّه - تعالى! -: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللّٰهَ عَلىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصٰابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصٰابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ اَلْخُسْرٰانُ اَلْمُبِينُ‌).(2)

ب - الاستبداد و العصبيّة و الحميّة القوميّة او الحزبيّة او الشّخصيّة. و الذكر


1) . الزّخرف، 23.

2) . الحج، 11.

الحكيم قد ذمّ هذه الصفة و صاحبها مرارًا عدّة.

قال اللَّه - تعالى! -: (إِذْ جَعَلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ اَلْجٰاهِلِيَّةِ‌).(1)

و ربّ ذنب يرتكبه الجاهل للعصبيته الشّخصيّة و ربّ جريمة يرتكبها الجاهل للعصبيّة القوميّة و ربّ خيانة يعملها الجاهل للعصبيّة المريديّة و المرادية.

ج - حالة الافراط و التفريط، فليس الجاهل معتدلًا في أغلب الاحيان فهو ان سلك مسلك العابدين فليس إلّافي ضلالة، قال - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ‌).(2)

و قال - تعالى! -: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّٰهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ اَلطَّيِّبٰاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ‌).(3)

و إن سلك مسلك الفاجرين فلا يقف عند حدّ.

الثانى: الجهل المركب، و المشهور المصطلح عليه في معناه انّه جاهل بالواقع و نفس الامر ولكن يحسب و يُخيّل إليه انه عالم بالواقع و نفس الامر فالجهل المركّب بهذا المعنى مصيبة لا أعظم منه و فيه خسران الدّنيا و الاخرة.

قال - تعالى! -: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالاً

اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً).(4)

و عمدة خسارة هذا الجهل عدم التنبه دائماً لانه لمّا يزعم انّه عالم فلا يكون


1) . الفتح، 26.

2) . الحجرات، 1.

3) . الاعراف، 32.

4) . الكهف، 103.

بصدد تبديل جهله بالعلم.

نعم الجهل المركّب بمعنى آخر غير المصطلح عليه اقلّ خسارة منه و هو الّذي لا يعلم انه جاهل، و في الحقيقة انّه من مصاديق الغفلة، لانّه غافل عن جهله و في هذه الحالة يمكن ان ينتبه من جهله بسهولة.

الثالث: الجهل الترديدى و هو الشّكّ المصطلح عليه و هو أمر طبيعى يقع لكثير من الناس، بل قيل انه قنطرة العلم و الالتفات إلى هذا الجهل كالتّوجّه إلى الجهل البسيط يوجب رفعه و يجعله في سلك العالمين.

نعم لو لم يرفعه فيمكن أن يؤدّى إلى مركّب النّقص و فيه مفاسد و منها عداوة العلم و العلماء.

توضيح ذلك: انه لو لم يرفع الشّكّ فهو نظير من لم يشبع ميوله، ففي بعض الأحيان ينقل من ضمير المتنبّه إلى ضمير غير المتنبّه، فتحصل له عقدة، فهو من غير توجه ينزجر عن العلم و التّعليم و التّعلّم.

فيجب على الجاهل الشّاك ان يسئل عمّا يجهل به و يرفع شكّه، كما يجب على الجاهل بالجهل البسيط ان يرفع جهله، و كما يجب على كلّ امرءٍ ان يعرض معلوماته على أهل العلم في كلّ علم خوفاً من ان يكون جهلًا مركباً فلذا كانت سيرة اصحاب الائمة عليهم السلام على ذلك.

و لعلّه من أسرار ما يظهر من الروايات من ترتّب الثواب على التّعليم.

و قد تكون صفة قد اطلق على صاحبها في الفقه و العرف الوسواسى و المتردّد و في الفلسفة السوفسطي. و فيه خطر عظيم و خسران الدنيا و الاخرة. و يسوق

صاحبه إلى تّيه الضلالة و هو مرتبة من الجنون. كما في رواية عن عبداللَّه بن سنان قال: «ذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع رَجُلًا مُبْتَلًى بِالْوُضُوءِ وَ الصَّلَاةِ وَ قُلْتُ هُوَ رَجُلٌ عَاقِلٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَ أَيُّ عَقْلٍ لَهُ وَ هُوَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ فَقُلْتُ لَهُ وَ كَيْفَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ - فَقَالَ سَلْهُ هَذَا الَّذِي يَأْتِيهِ مِنْ أَيِّ شَيْ‌ءٍ هُوَ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَكَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ‌».(1)

و السّرّ في ذلك ان القوة الواهمة في الوسواسي تستخدم القوة المتخيّلة، فتصور له صوراً ذهنيّة او خارجيّة فيرتكب اعمال المجانين طبقاً لما صُوّرت له. فهو يرى ما ليس له واقع و يعلم ما لا تكون في نفس الامر، مثلًا ان الوسواسي في الطّهارة و النجاسة كثيراً ما يرى النّجاسة التّخيّليّة يعني ما ليس في الخارج ولكن القوة المتخيلة توقعها في الخارج نظير الجبان الّذي يتوهم ان الميت خرج عن قبره و يعقّبه حتّى يحسّ انه اخذه. و القوة المتخيلة تؤثّر في عينه و سمعه و بدنه.

و جملة القول ان الواهمة ان استخدمت المتخيلة تؤثّر في القوى الظّاهريّة و الباطنيّة فيتمثّل له ما لا واقع له في نفس الامر.

بل الوسواسي يقدر ان يستدل للنجاسة المحتملة بادلّة دقيقة ولكنها واهية، مع انّه لا يقدر على اقامة دليل للطهارة.

نعوذ باللَّه من ذلك الجنون الّذي يذهب بخير الدنيا و الاخرة.

و هو على قسمين: عملي و فكري.

و المراد من العملي، كون المرء على غير المعتاد بين الناس في أعماله سواء كانت عبادة او غيرها، و المراد من الفكري أن تهجم الخواطر الواهية و التّوهمات و


1) . راجع: الكافي، ج 1 ص 12.

التخيلات عليه.

و كلٌ اسؤ حالًا من الاخر، و كلّ منها مرتبة من مراتب الجنون، و كلّ من عمل الشّيطان و هو الوسواس الخنّاس.

الاترى ان الشّيطان كيف يخرج الوسواسي المتردّد عن الدين ملقياً عليه انّ فعله يوجب رضا ربّه‌؟ أ ليس هذا معنى قوله - تعالى! -: (فَبِمٰا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمٰانِهِمْ وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ وَ لاٰ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰاكِرِينَ‌).(1)

قال الباقر عليه السلام: «من بين ايديهم» اهون عليهم الاخرة «و من خلفهم» امرهم بجمع الاموال و منعها عن الحقوق لتبقى لورثتهم «و عن ايمانهم» افسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضّلالة و تحسين الشّبهة. «و عن شمائلهم» بتحبيب اللذّات و تغليب الشّهوات على قلوبهم.(2)

الاترى ان الوسواس الخنّاس من الشّيطان و نفس الوسواسي ذات المرض كيف يبرّر الباطل له‌؟ و كيف يخطر بباله ما ليس له في الواقع عين و لا اثر؟ نعوذ باللَّه من كيد الشّيطان و من كيد النّفس سيّما إذا كانت مريضة. ثمّ من المهمّ الاجابة عن مساءلة تُطرح هيهنا، و هي: ما هو طريق معالجة هذا المرض‌؟

هذا المرض و ان كان صعب العلاج و لكن دوائه سهل جدّاً، فلو عمل به مدة قليلة يرتفع المرض بحسب الظّاهر ولو عمل به مدة طويلة كسنة - مثلًا يقلع مادّته


1) . الاعراف، 16-17.

2) . راجع: البرهان، ج 2 ص 5.

عن نفسه.

و ذلك الدّواء: هو عدم الاعتناء و الاعتبار به، بل العمل على خلاف ما يشتبه عليه و في الحقيقة مخالفة النّفس الامارة و الشّيطان الرجيم.

فهذا المرض كسائر الرّذائل، فكما ان رفع الرذائل يحصل بمخالفتها و عدم الاعتناء بها و عدم متابعتها بل بفعل ما لا تحبّ‌، فكذلك هذه الرّذيلة، فمخالفتها الّتي هي مخالفة الشّيطان، تمنع عن اشتعالها، و بمرور الزّمان و تكرار المخالفة يقلع عرقها، فتزول من اصلها.

و إلى هذا الدّواء اشار الائمّة عليهم السلام في روايات منها:

عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إِذَا كَثُرَ عَلَيْكَ السَّهْوُ فَامْضِ عَلَى صَلَاتِكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَدَعَكَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ‌».(1)

و قوله عليه السلام: «لَا تُعَوِّدُوا الْخَبِيثَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ نَقْضَ الصَّلَاةِ فَتُطْمِعُوهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ خَبِيثٌ مُعْتَادٌ لِمَا عُوِّدَ فَلْيَمْضِ أَحَدُكُمْ فِي الْوَهْمِ وَ لَا يُكْثِرَنَّ نَقْضَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ الشَّكُّ قَالَ زُرَارَةُ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا يُرِيدُ الْخَبِيثُ أَنْ يُطَاعَ فَإِذَا عُصِيَ لَمْ يَعُدْ إِلَى أَحَدِكُمْ‌».(2)

و الحاصل ان هذه الرّذيلة مصيبة عظيمة تترتب عليها رذائل و مصائب كثيرة.

ولو لم يترتّب عليها إلّاسوء الظّن حتّى ينتهى إلى سوء الظّنّ باللَّه العظيم في الوسوسة الفكري كفى بها مصيبة.


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 5 ص 329.

2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 5 ص 329.

الوسوسة العمليّة لو لم تكن لها مفسدة إلّاذهاب البهجة و خفّة الروح و غلبة الهم و الحزن و الاضطراب و الخوف على القلب ليكفي ردعاً عنها.

و ينبغي ان يعلم ان الوسواسي عملياً او فكرياً فاسق، لأن غالب اعماله يطابق الفسق لو لم يكن كبيرة موبقة.

و في ذيل هذه الرّذيلة نذكر آيات و روايات من غير تفسير، فعليك بتمييز بعضها عن بعض و تفسيرها و التدبر فيها.

روايات في ذمّ الجهل

عن اميرالمؤمنين عليه السلام: «لَا [يُرَى الْجَاهِلُ‌] تَرَى الْجَاهِلَ إِلَّا مُفْرِطاً أَوْ مُفَرِّطًا».(1)

عن جعفر عن أبيه عليه السلام انّ علياً عليه السلام قال: «إِيَّاكُمْ وَ الْجُهَّالَ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ وَ الْفُجَّارَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ فِتْنَةُ كُلِّ مَفْتُونٍ‌».(2)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام عن بائه عليهم السلام قال، قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «مَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِح».(3)

روى عن الصادق عليه السلام انه قال: «قَطَعَ ظَهْرِي اثْنَانِ عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وَ جَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ هَذَا يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ عِلْمِهِ بِتَهَتُّكِهِ وَ هَذَا يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ نُسُكِهِ بِجَهْلِهِ‌».(4)

قال على عليه السلام: «الْجَاهِلُ صَغِيرٌ وَ إِنْ كَانَ شَيْخاً وَ الْعَالِمُ كَبِيرٌ وَ إِنْ كَانَ حَدَثًا».(5)


1) . راجع: نهج البلاغة، صبحي الصالح حكمت 70.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 106.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 208.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 208.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 183.

قال على عليه السلام: «لَا كَنْزَ أَنْفَعُ مِنَ الْعِلْمِ وَ لَا قَرِينَ سَوْءٍ شَرٌّ مِنَ الْجَهْلِ‌».(1)

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «الْعِلْمُ رَأْسُ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَ الْجَهْلُ رَأْسُ الشَّرِّ كُلِّهِ‌».(2)

قال على عليه السلام: «النَّاسُ ثَلَاثَةٌ فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيق».(3)

عن اميرالمؤمنين عليه السلام: «إِنَ النَّاسَ آلُوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص إِلَى ثَلَاثَةٍ آلُوا إِلَى عَالِمٍ عَلَى هُدًى مِنَ اللَّهِ قَدْ أَغْنَاهُ اللَّهُ بِمَا عَلِمَ عَنْ عِلْمِ غَيْرِهِ وَ جَاهِلٍ مُدَّعٍ لِلْعِلْمِ لَا عِلْمَ لَهُ مُعْجَبٍ بِمَا عِنْدَهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا وَ فَتَنَ غَيْرَهُ وَ مُتَعَلِّمٍ مِنْ عَالِمٍ عَلَى سَبِيلِ هُدًى مِنَ اللَّهِ وَ نَجَاةٍ ثُمَّ هَلَكَ مَنِ ادَّعَى وَ خابَ مَنِ افْتَرى».(4)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «النَّاسُ ثَلَاثَةٌ‌: عَالِمٌ وَ مُتَعَلِّمٌ وَ غُثَاءٌ‌».(5)

عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «اغْدُ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً أَوْ أَحِبَّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَ لَا تَكُنْ رَابِعاً فَتَهْلِكَ بِبُغْضِهِمْ‌».(6)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 1 ص 183.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 77 ص 175.

3) . راجع: نهج البلاغة، حكمت 147.

4) . راجع: الكافي، ج 1 ص 33.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 34.

6) . راجع: الكافي، ج 1 ص 34.

آيات في الريبة

(إِنَّمٰا يَسْتَأْذِنُكَ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ اِرْتٰابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ‌).(1)

(وَ لَقَدْ آتَيْنٰا مُوسَى اَلْكِتٰابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ لَوْ لاٰ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ‌) (2).

(لاٰ يَزٰالُ بُنْيٰانُهُمُ اَلَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّٰ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‌).(3)

(بَلِ اِدّٰارَكَ عِلْمُهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهٰا بَلْ هُمْ مِنْهٰا عَمُونَ‌).(4)

(وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مٰا يَشْتَهُونَ كَمٰا فُعِلَ بِأَشْيٰاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كٰانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ‌).(5)


1) . التّوبة، 45.

2) . هود، 110.

3) . التّوبة، 110.

4) . الّنمل، 66.

5) . سبأ، 54.

(... كَذٰلِكَ يُضِلُّ اَللّٰهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتٰابٌ‌).(1)

(إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتٰابُوا).(2)

(أَلْقِيٰا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّٰارٍ عَنِيدٍ * مَنّٰاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ‌).(3)

(يُنٰادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قٰالُوا بَلىٰ وَ لٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ اِرْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ اَلْأَمٰانِيُّ حَتّٰى جٰاءَ أَمْرُ اَللّٰهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ).(4)

(وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللّٰهَ عَلىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصٰابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصٰابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ اَلْخُسْرٰانُ اَلْمُبِينُ‌).(5)

(مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاٰ إِلىٰ هٰؤُلاٰءِ وَ لاٰ إِلىٰ هٰؤُلاٰءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً).(6)

و في مجمع البيان: في تفسير هذه الآية الشريفة، قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «انّ مثلهم مثل الشاة العايرة بين الغنمين تتحيّر فتنظر إلى هذه و هذه لا تدري ايّهما تتّبع».


1) . الدّخان، 9.

2) . الحجرات، 15.

3) . ق، 24-25.

4) . الحديد، 14.

5) . الحجّ‌، 11.

6) . النّساء، 143.

الفصل الثّاني

الفضيلة الثّانية: التوحيد

الرّذيلة الثّانية: الشّرك

الفضيلة الثّانية: التّوحيد

اقسام التّوحيد

التّوحيد من أفضل الفضائل، و هو اساس الاديان الالهيّة سيّما الإسلام، و في القرآن نزل فيه الف آية باقسامه.

و هو ينقسم إلى اقسام اربعة: و هي التوحيد الّذاتي، و التوحيد الصّفاتي، و التوحيد العبادي، و التوحيد الافعالى.

و كلّ من الاقسام الاربعة لها اقسام. و سيأتي بيان الاقسام ان شاء اللَّه تعالى.

و المراد من التّوحيد الذّاتي انّه ليس شيء بواجب الوجود إلّااللَّه تعالى. و قيل:

انّه معنى كلمة لا اله إلّااللَّه.

و المراد من التّوحيد الصّفاتي انّ صفاته جلّ و علا عين ذاته و لا تركيب في ذاته، بل انّه صرف الوجود و الوجوب.

فنحن ذاتنا غير علمنا و علمنا غير قدرتنا، ولكنّه - تعالىٰ‌! - ذاته عين العلم و عين القدرة و...، فالعبارات متكثّرة ولكنها مشيرة إلى ذات واحد.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «و كمال توحيده الاخلاص له. و كمال الاخلاص له نفي الصّفات عنه».(1)

و هذا التّوحيد من أوضح الواضحات، لانّه لولا ذلك للزم احتياج الذّات إلى اجزائه احتياج الكلّ إلى الاجزاء، فيخرج وجوب وجوده عن وجوب وجوده و هذا خلف.

و المراد من التّوحيد العباديّ انّه لا يستحقّ للعبوديّة إلّاهو. و المشهور انّ هذا معنى كلمة التّوحيد.

و المراد من التّوحيد الافعاليّ ان لا موثّر في الوجود إلّااللَّه تعالى. و قيل: هذا معنى كلمة لا اله إلّااللَّه.

ولكن ارادة معنى عام يشمل المعانى الاربع من كلمة «لا اله إلّااللَّه» ليست مشكلة.

و الدّليل على التّوحيد الذّاتيّ و الصّفاتيّ و الافعاليّ و العباديّ و ان كان كثيراً جدّاً إلّاانّ الواضح منه المناسب لبحثنا هو الفطرة. و ذلك بتقريب انّ الإنسان إذا وقع في مورد يتقطّع عنه الاسباب كلّها يرى بالفطرة ذاتاً مجتمعاً للصّفات الجماليّة و الجلاليّة، فيلتجأ إليه و يدعوه مخلصاً له الدّين، فلا يرى غير اللَّه، و لا يرى مؤثّراً إلّا اللَّه، و لا يدعو إلّااللَّه، و يرى انّه عليم سميع رئوف قادر جواد.... ففطرته يلجئه


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 1.

إلى ان يدعوه.

فيرى التّوحيد الذّاتيّ و الصّفاتي و الافعاليّ و العباديّ بالفطرة. و بذلك صرّح اللَّه - تعالىٰ‌! - بقوله: (فَإِذٰا رَكِبُوا فِي اَلْفُلْكِ دَعَوُا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ فَلَمّٰا نَجّٰاهُمْ إِلَى اَلْبَرِّ إِذٰا هُمْ يُشْرِكُونَ‌).(1)

اقسام التّوحيد الذّاتيّ‌

ثمّ انّ التّوحيد الذّاتيّ له اقسام: توحيد العوام، توحيد الخواصّ‌، توحيد اخصّ الخواصّ‌.

و المراد انّ عوام النّاس يعتقدون انّ اللَّه هو الواحد و الواجب ليس إلّاهو، إلّا انّهم يرون الممكنات و الموجودات من الذّرّة إلى الدرّة بعينٍ تشير إلى استقلالها. و لكنّ الخواصّ يعتقدون انّ هذا شرك بل ليس في الدّار غيره ديّار، و ما يشاهد من ظواهر الموجودات فهو كسراب بقيعة يحسبه الظّمأن ماء، و انّها اعدام يحسبها الجاهل موجودات ذوات حقيقةٍ‌، فلولا قيّوميّة الحقّ - تعالىٰ‌! - لما كان للملك و الملكوت عين و لا أثر و لا خبر.

فالموجودات كلّها فقر محض و تدلّى صرف، و إلى هذا اشار - تعالىٰ‌! - بقوله:

(وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ‌).(2)

و المراد «بملكوت السّموات و الارض» هو السّموات و الارض من جهة


1) . العنكبوت، 65.

2) . الانعام، 75.

انتسابهما إلى اللَّه تعالى. و جيئت بالواو و التّاء في «الملكوت» مبالغة ليُفهِم انّ ابراهيم عليه السلام رأى قيّوميّة الحقّ - تعالىٰ‌! - للاشياء كلّها، و يرى انّ الاشياء فقر محض و تدلّى صرف، بل اعدام على صورة الموجود.

فللّه درّ من أنشد:

بصحرا بنگرم صحرا تو بينم *** به دريا بنگرم دريا تو بينم

بهر جا بنگرم كوه و در و دشت *** نشان از قامت رعنا تو بينم

و اخصّ الخواصّ يعتقدون انّ هذا أيضًا فيه رائحةٌ من الشّرك، لانّه و ان رأى الاشياء اعداماً على صورة الموجود إلّاانّ رؤية الاشياء لا تنعدم بعد، فهو يرى انّ الاشياء اعدام و فقر و تدلّى فالتّوحيد الخالص هو لمن لا يرى في عالم الكون إلّااللَّه تعالى. و هو ما وصل إليه ابراهيم عليه السلام و حكاه عنه الذّكر الحكيم بقوله: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مٰا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ‌).(1)

اقسام التّوحيد الصّفاتي

الف - توحيد الخواص و هو ما سبق ذكره في تعريف التّوحيد الصّفاتي.

ب - توحيد اَخصّ الخواص، و هو ادقّ و انسب في الباب، و هو انّه لا حسن إلّا حسنه و لا علم إلّاعلمه و لا قدرة إلّاقدرته و.....

قال - تعالى! -: (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلاّٰ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‌).(2)


1) . الانعام، 79.

2) . الحجر، 21.

فلذا قيل: انّ معنى «الحمدللَّه» انّ كلّ حامد يحمد ربّه، و ان حمد غيره - تعالىٰ‌! - فهو في الحقيقة و من غير التفاتٍ منه يحمده جلّ و علا، لأنّه لافضل إلّافضله، فله ملك السّموات و إليه ترجع الأمور كلّها.

قال - تعالى! -: (أَلاٰ إِلَى اَللّٰهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ).(1)

و قال - تعالى! -: (لَهُ مُلْكُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ إِلَى اَللّٰهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ).(2)


1) . الشّورى، 53.

2) . الحديد، 5.

روايات في توحيد الصفّات

عن الحسين بن خالد قال: سمعت الرضا على بن موسى عليه السلام يقول: «لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَالِماً قَادِراً حَيّاً قَدِيماً سَمِيعاً بَصِيراً فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ قَوْماً يَقُولُونَ إِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِعِلْمٍ وَ قَادِراً بِقُدْرَةٍ وَ حَيّاً بِحَيَاةٍ وَ قَدِيماً بِقِدَمٍ وَ سَمِيعاً بِسَمْعٍ وَ بَصِيراً بِبَصَرٍ فَقَالَ ع مَنْ قَالَ بِذَلِكَ وَ دَانَ بِهِ فَقَدِ اتَّخَذَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى وَ لَيْسَ مِنْ وَلَايَتِنَا عَلَى شَيْ‌ءٍ ثُمَّ قَالَ ع لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَالِماً قَادِراً حَيّاً قَدِيماً سَمِيعاً بَصِيراً لِذَاتِهِ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ وَ الْمُشَبِّهُونَ عُلُوّاً كَبِيراً».(1)

عن حمزة بن الربيع عمّن ذكره قال: «كُنْتُ فِي مَجْلِسِ أَبِي جَعْفَرٍ ع إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى مَا ذَلِكَ الْغَضَبُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع هُوَ الْعِقَابُ يَا عَمْرُو إِنَّهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ زَالَ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلَى شَيْ‌ءٍ فَقَدْ وَصَفَهُ صِفَةَ مَخْلُوقٍ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَسْتَفِزُّهُ شَيْ‌ءٌ وَ لَا يُغَيِّرُهُ‌».(2)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 4 ص 1.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 4 ص 5.

عن هشام بن الحكم: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَهُ رِضًى وَ سَخَطٌ قَالَ نَعَمْ وَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُوجَدُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ وَ ذَلِكَ لِأَنَّ الرِّضَا وَ الْغَضَبَ دِخَالٌ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فَيَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ مُعْتَمِلٌ مُرَكَّبٌ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَ خَالِقُنَا لَا مَدْخَلَ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ وَاحِدٌ أَحَدِيُّ الذَّاتِ وَ أَحَدِيُّ الْمَعْنَى فَرِضَاهُ ثَوَابُهُ وَ سَخَطُهُ عِقَابُهُ مِنْ غَيْرِ شَيْ‌ءٍ يَتَدَاخَلُهُ فَيُهَيِّجُهُ وَ يَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ فَإِنَّ ذَلِكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِينَ الْعَاجِزِينَ الْمُحْتَاجِينَ وَ هُوَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى شَيْ‌ءٍ مِمَّا خَلَقَ وَ خَلْقُهُ جَمِيعاً مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ إِنَّمَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ حَاجَةٍ وَ لَا سَبَبٍ اخْتِرَاعاً وَ ابْتِدَاعًا».(1)

عن هشام بن الحكم انّه سأل الزنديق عن الصادق عليه السلام فقال: «فَلَمْ يَزَلْ صَانِعُ الْعَالَمِ عَالِماً بِالْأَحْدَاثِ الَّتِي أَحْدَثَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَهَا قَالَ لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ فَخَلَقَ قَالَ أَ مُخْتَلِفٌ هُوَ أَمْ مُؤْتَلِفٌ قَالَ لَا يَلِيقُ بِهِ الِاخْتِلَافُ وَ لَا الايتِلَافُ إِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْمُتَجَزِّي وَ يَأْتَلِفُ الْمُتَبَعِّضُ فَلَا يُقَالُ لَهُ مُؤْتَلِفٌ وَ لَا مُخْتَلِفٌ قَالَ فَكَيْفَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ قَالَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ فَلَا وَاحِدَ كَوَاحِدٍ لِأَنَّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْوَاحِدِ مُتَجَزِّئٌ وَ هُوَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا مُتَجَزِّئٌ وَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَدُّ».(2)

عن أبي جعفر عليه السلام انّه قال في صفة القديم: «أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْقَدِيمِ إِنَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ صَمَدٌ أَحَدِيُ الْمَعْنَى لَيْسَ بِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَزْعُمُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ يَسْمَعُ بِغَيْرِ الَّذِي يُبْصِرُ وَ يُبْصِرُ بِغَيْرِ الَّذِي يَسْمَعُ قَالَ فَقَالَ كَذَبُوا وَ


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 4 ص 66.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 4 ص 67.

أَلْحَدُوا وَ شَبَّهُوا تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَسْمَعُ بِمَا يُبْصِرُ وَ يُبْصِرُ بِمَا يَسْمَعُ قَالَ قُلْتُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ بَصِيرٌ عَلَى مَا يَعْقِلُونَهُ قَالَ فَقَالَ تَعَالَى اللَّهُ إِنَّمَا يَعْقِلُ مَا كَانَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ وَ لَيْسَ اللَّهُ كَذَلِكَ‌».(1)

عن هشام بن الحكم قال: في حديث الزنديق الّذي سأل أبا عبداللَّه عليه السلام انّه قال له: «أَ تَقُولُ إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ سَمِيعٌ بِغَيْرِ جَارِحَةٍ وَ بَصِيرٌ بِغَيْرِ آلَةٍ بَلْ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ وَ يُبْصِرُ بِنَفْسِهِ وَ لَيْسَ قَوْلِي إِنَّهُ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ شَيْ‌ءٌ وَ النَّفْسُ شَيْ‌ءٌ آخَرُ وَ لَكِنِّي أَرَدْتُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِي إِذْ كُنْتُ مَسْئُولًا وَ إِفْهَاماً لَكَ إِذْ كُنْتَ سَائِلًا فَأَقُولُ يَسْمَعُ بِكُلِّهِ لَا أَنَّ كُلَّهُ لَهُ بَعْضٌ وَ لَكِنِّي أَرَدْتُ إِفْهَامَكَ وَ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِي وَ لَيْسَ مَرْجِعِي فِي ذَلِكَ إِلَّا إِلَى أَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْعَالِمُ الْخَبِيرُ بِلَا اخْتِلَافِ الذَّاتِ وَ لَا اخْتِلَافِ مَعْنًى».(2)

عن علي عليه السلام: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تَنَالَ إِلَّا وُجُودَهُ وَ حَجَبَ الْعُقُولَ عَنْ أَنْ تَتَخَيَّلَ ذَاتَهُ فِي امْتِنَاعِهَا مِنَ الشَّبَهِ وَ الشَّكْلِ بَلْ هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَفَاوَتْ فِي ذَاتِهِ وَ لَمْ يَتَبَعَّضْ بِتَجْزِيَةِ الْعَدَدِ فِي كَمَالِهِ فَارَقَ الْأَشْيَاءَ لَا عَلَى اخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَ تَمَكَّنَ مِنْهَا لَا عَلَى الْمُمَازَجَةِ وَ عَلِمَهَا لَا بِأَدَاةٍ لَا يَكُونُ الْعِلْمُ إِلَّا بِهَا وَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَعْلُومِهِ عِلْمٌ غَيْرُهُ إِنْ قِيلَ كَانَ فَعَلَى تَأْوِيلِ أَزَلِيَّةِ الْوُجُودِ وَ إِنْ قِيلَ لَمْ يَزَلْ فَعَلَى تَأْوِيلِ نَفْيِ الْعَدَمِ فَسُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَنْ قَوْلِ مَنْ عَبَدَ سِوَاهُ وَ اتَّخَذَ إِلَهاً غَيْرَهُ عُلُوّاً كَبِيراً».(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 4 ص 69.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 4 ص 69.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 4 ص 221.

عن اميرالمؤمنين عليه السلام: «أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَ كَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ وَ كَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ وَ مَنْ قَالَ عَلَامَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ‌: كَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ مَعَ كُلِّ شَيْ‌ءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ وَ غَيْرُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَ الآْلَةِ بَصِيرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَ لَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِه».(1)

اقسام التّوحيد العباديّ‌

و التّوحيد العباديّ على اقسام:

الف - التّوحيد في العبادة، بمعنى انّه لا يعبد إلّاايّاه، فهو القائل و العامل بقوله - تعالى! -: (إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ‌).

ب - التّوحيد في الطاعة، بمعني انّه لا يطيع غير اللَّه أو من يرجع طاعته إلى طاعته تعالى، قال: (مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اَللّٰهَ‌).(2)


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 1.

2) . النسّاء، 80.

فطاعة الهوى شرك، قال - تعالى! -: (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ‌).(1)

و طاعة الشّيطان شرك، قال - تعالى! -: (أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لاٰ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطٰانَ‌)(2)و كلّ طاعة لا يرجع إلى طاعة اللَّه فهو شرك قال: (إِنَّ اَلشَّيٰاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىٰ أَوْلِيٰائِهِمْ لِيُجٰادِلُوكُمْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ‌).(3)

ج - التّوحيد في النّية، فمن عمل لغير اللَّه في عباداته فهو كافر غير موحّد، و من عمل للَّه و لغيره فهو مشرك غير موحّد، و على كلا التّقديرين فهو المرائى، و مضافاً إلى بطلان عمله انّ الذنب المترتّب على نيّته عظيم.

قال - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ).(4)

و من عمل للَّه و ابتغاء مرضاته فهو الموحّد و تحصيل هذا المقام مشكل خطير.

و عند اهل القلوب لو كان نيّته للَّه و ابتغاء مرضاته، ولكنّ الدّاعى غير اللَّه كما إذا عمل ليصل إلى خير الدّنيا و الاخرة، فهو و ان لم يمكن بمرائي و انّه من المخلصين إلّا انّه لا يخلو من شوب الشّرك، بل نسب إلى الشّهيد الثّاني و السّيّد بن طاوس بطلان عمله هذا.

و الظّاهر انّ مرادهما لو صحّت النّسبة، هو عدم القبول لا عدم الصّحة، بل عدم


1) . الجاثية، 23.

2) . يس، 60.

3) . الانعام، 121.

4) . البقرة، 264.

قبوله أيضًا ليس بصحيح، و قد قال - تعالى! -: (إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ‌).(1)

و على كلّ حال قد وردت عن الأئمّة عليهم السلام انّهم قالوا: «ما عبدتك خوفاً من نارك و لا طمعاً في جنّتك بل وجدتك اهلًا للعبادة فعبدتك» و البحث طويل الذّيل و سيأتي ان شاء اللَّه متمّماته في بحثي الخلوص و الرّيا و مراتبهما و ما قيل او يمكن ان يقال فيه.

اقسام التّوحيد الافعالى

و امّا التّوحيد الافعالي فهو أيضًا على اقسام:

الف - التّوحيد في الخالقيّة، قال - تعالى! -: (قُلِ اَللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ‌).(2)

و قد أعيد ذكر هذه الآية الشّريفة في الذكر الحكيم و قال - تعالى! -: (وَ اَللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ‌).(3)

و قال - تعالى! -: (وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ فَمٰا لِهٰؤُلاٰءِ اَلْقَوْمِ لاٰ يَكٰادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً * مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‌).(4)

و في هذا القسم من التّوحيد الافعالي ابهام، و هو انّه كيف يكون جميع أعمال


1) . الصّافّات، 60-61.

2) . الرّعد، 16.

3) . الصّافات، 96.

4) . النّساء، 78-79.

الإنسان من اللَّه تعالى‌؟ كما هو ظاهر قوليه - تعالى! -: (وَ مٰا تَعْمَلُونَ‌) و:

(قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ‌) حيث إنّهما يوهمان الجبر، كما انّ بين صدر الآية الشّريفه و ذيلها و هو قوله - تعالى! -: (مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‌) ايهام التّناقض.

فكيف التّوفيق في الجواب‌؟ و كيف التّوفيق في رفع ايهام هذا التّناقض‌؟ و البحث عن هذه الأمور خارجٌ عن المقام، مرتبطاً بالحكمة المتعالية، كما انّه خارج عن فهم العموم بل الخواصّ‌، و مختصّ باخصّ الخواصّ‌. فلذا منع جمع من الأحاديث من الورود فيه و منها قول أميرالمؤمنين عليه السلام و قد سئل عن القدر: «قَدْ سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكُوهُ وَ بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجُوهُ وَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَتَكَلَّفُوهُ‌».(1)

فلذا نصرف القلم عن الورود في تلك المباحث الاستدلاليّة، و نكتفي بمثال اخذاً من التنزيل العزيز، و نرجو بذلك رفع الابهام و الايهام.

فنقول: يظهر من القرآن انّ اللَّه - تعالىٰ‌! - سخّر لنا ما في السّموات و الارض و اسبغ علينا نعمه ظاهرة و باطنة.

قال - تعالى! -: (أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اَللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً‌).(2)

و من النّعم الظّاهريّة ارسال الرّسل و انزال الكتب و القوى الظّاهرة، و من


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 5 ص 124.

2) . لقمان، 20.

النّعم الباطنيّة القوى الباطنيّة من العقل و تشخيص الهدى من الضّلال و الإرادة و اختيار السّبيل، قال - تعالى! -: (إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ اَلسَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً).(1)

و قد دلّت آياتٌ كثيرة على انّ اللَّه - تعالىٰ‌! - اعطانا هذه النّعم الباطنيّة و الظّاهريّة للتّجارة.

قال اللَّه - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلىٰ تِجٰارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ‌).(2)

و قال - تعالى! -: (إِنَّ اَلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتٰابَ اَللّٰهِ وَ أَقٰامُوا اَلصَّلاٰةَ وَ أَنْفَقُوا مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ سِرًّا وَ عَلاٰنِيَةً يَرْجُونَ تِجٰارَةً لَنْ تَبُورَ).(3)

فهذه الدّنيا متجرٌ، و الإنسان هو التّاجر، و نعم اللَّه - تعالىٰ‌! - من الظّاهريّة و الباطنيّة مال التّجارة. فهذا التّاجر قد يصرفه فيما اراد اللَّه - تعالىٰ‌! - بالارادة التّشريعيّة، يعني في اشتراء سعادة الدّارين، و يشترى به خير الدّنيا و الاخرة. و قد يصرف مال التّجارة فيما لم يرد اللَّه - تعالىٰ‌! - بالارادة التّشريعيّة، بل نهاه عنه في الكتاب و السّنّة، و هو خسران الدّنيا و الاخرة، قال - تعالى! -: (أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاٰلَةَ بِالْهُدىٰ فَمٰا رَبِحَتْ تِجٰارَتُهُمْ‌).(4)

فبعد ذلك لا محيص عقلًا من ان يقال انّ هذه التّجارة كلّها من عنداللَّه تعالى،


1) . الإنسان، 3.

2) . الصفّ‌، 10-11.

3) . الفاطر، 29.

4) . البقرة، 16.

لانّ مال التّجارة من النّعم الظّاهريّة كالقوى و من النّعم الباطنيّة من العقل و الاختيار و الإرادة و تسخير ما احتاج إليه و.... للَّه تعالى، قال - تعالى! -:

(فَسُبْحٰانَ اَلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‌).(1)

و هذا معنى قوله - تعالى! -: (وَ اَللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ‌) و قوله - تعالى! -: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ‌) و عدم ادراك ذلك من قلّة الفهم، قال - تعالى! -:

(فَمٰا لِهٰؤُلاٰءِ اَلْقَوْمِ لاٰ يَكٰادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً).(2)

و امّا ان قلنا انّ ما يترتّب على هذه التّجارة من الخيرات و البركات فهو من اللَّه تعالى، فهو خير وقع في محلّه، لانّه اراده بالارادة التّشريعيّه و أمر بذلك في الكتاب و السّنّة، بل اعطاه مال التّجارة لذلك، فهي علّة غائيّة. و إن قلنا انّ ما يترتّب على هذه التّجارة من الخسران و الدّركات من التّاجر الّذي فعله فهو حقّ يليق به، لانّ اللَّه - تعالىٰ‌! - لم يرد ذلك و لن يرضى به بالارادة التّشريعيّة بل نهاه عن ذلك في الكتاب و السّنّة، قال - تعالى! -: (وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ اَلْكُفْرَ)(3)و قال اللَّه - تعالى! -: (فَإِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَرْضىٰ عَنِ اَلْقَوْمِ اَلْفٰاسِقِينَ‌).(4)

و هذا معنى قوله - تعالى! -: (مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‌).(5)


1) . يس، 83.

2) . النّساء، 78.

3) . الزّمر، 7.

4) . التّوبة، 96.

5) . النّساء، 79.

و هذا معنى قولهم عليهم السلام «لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ وَ لَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْن».(1)

ثمّ ينبغي ان يشار هنا إلى نكتة تتميًما للبحث، و هو انّ للَّه - تعالىٰ‌! - لعباده الصّالحين عناية خاصّة، و هي ايصالهم إلى المطلوب او لا اقلّ من ابقائهم على الصّراط المستقيم، فهي من الطافه الخفيّة و من نعمه الباطنيّة. و هذه العناية لاتشمل الكفّار و الفسّاق غير محبوبين له تعالى، لعدم لياقتهم لهذه العناية الخاصّة.

و معلوم انّ من له هذه العناية الخاصّة فله خير الدّنيا و الاخرة، و من لم يكن له ايّاها فله شرّ الدّارين. و انّ الأوّل هو المهتدي و الثّاني هو الضّالّ‌، و في ضلالته لا يحتاج إلى مضلّ‌، بل انّه إذا لم‌تشمله العناية فيضلّ ضلالًا بعيداً.

و هذا هو معنى قوله - تعالى! -: (الم * ذٰلِكَ اَلْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌)(2)و أمثاله كقوله - تعالى! -: (وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفٰاسِقِينَ‌)(3)و قوله - تعالى! -: (فَيُضِلُّ اَللّٰهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ‌).(4)

فالمراد من انتساب الاضلال إلى اللَّه - تعالىٰ‌! - عدم هدايته و عدم ايصاله إلى المطلوب و عدم انجائه عن الهلكة، لعدم لياقته و عدم استعداده، لانّه باعماله الطّالحة و باتّباعه الهوى بطل لياقته و استعداده. فلذا نسب في آيات أخرى الضّلالة إلى نفسه، و من تلك الايات:


1) . راجع: الكافي، ج 1 ص 160.

2) . البقرة، 2.

3) . البقرة، 26.

4) . ابراهيم، 4.

قوله - تعالى! -: (وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ اَلْكُفْرَ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوٰاءَ اَلسَّبِيلِ‌).(1)

وفّقنا اللَّه و ايّاكم لدرك دقائق القرآن الّذي فيه تبيان لكلّ شيئ. و القد خرجنا عمّا كنّا فيه ولكن هذا المقدار ممّا لابدّ منه.

ب - الرّبوبيّه التّكوينيّة، بمعنى انّه لا مدبّر في الوجود إلّااللَّه تعالى، و انّه لا موثّر في الوجود إلّاهو، و اسم الرّبّ أعيد في الذّكر الحكيم أزيد من ألف مرّةٍ‌، و لااسم من أسمائه - تعالىٰ‌! - يضاهيه عددًا إلّااسم «الله» جلّ و علا.

قال - تعالىٰ‌! - في مفتتح الذكر بعد البسملة: (اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ‌).(2)

و قال - تعالى! -: (قُلْ أَ غَيْرَ اَللّٰهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ‌ءٍ‌).(3)

و نظير الايتين الدّالّتين على حصر الرّبوبيّة التّكوينيّة في اللَّه - تعالىٰ‌! - كثير جدّاً.

2 - الرّبوبيّة التّشريعيّة، و المراد منها انّ الحكم و السلطة و التقنين مختصّ بذات البارى تعالى، و ليس لأحد ان يدّعى الحكومة و ان يسلّط على احد إلّاباذنه تعالى.

فمن نصب نفسه حاكماً من غير اذنه او يقنّن كذلك فهو مشرك، لانّه يدّعى ما لا يكون له فيه حقٌ و جعل نفسه شريكاً في حكومته.

قال - تعالى! -: (إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ‌).(4)

و قال - تعالى! -: (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ‌


1) . البقرة، 108.

2) . الحمد، 1.

3) . الانعام، 164.

4) . الانعام، 57؛ يوسف، 40 و 67.

وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌).(1)

و ليس لأحد ان يقنّن قانوناً لنفسه او غيره.

قال - تعالى! -: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰافِرُونَ‌).(2)

و قال - تعالى! -: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ‌).(3)

و قال - تعالى! -: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ‌).(4)

و البحث عن ذلك طويل الذّيل، و نرجو من اللَّه ان يوفّقنا في بابٍ من أبواب هذا الكتاب ان نبحث عنه على سبيل التّفصيل و الاستدلال، امّا الآن فلانبحث عنه أزيد من ذلك لئلّا نخرج عن طور الكتاب.

ج - التّوحيد في المالكيّة، و هو على قسمين أيضاً.

1 - التّوحيد في الملكيّة الحقيقيّة، بمعني انّ الكون كلّه مخلوق له تعالى.

قال - تعالى! -: (وَ لِلّٰهِ مُلْكُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ‌).(5)

و قد مرّ الكلام فيه اجمالًا في التّوحيد في الخالقيّة.

2 - التّوحيد في الملكيّة الاعتباريّة، بمعنى انّ الكون ملكٌ له تعالى، و كلّ ما يكون عند غيره منسوباً إليه فهو له تعالى، فهو و ما بيده ملك للَّه - تعالىٰ‌! - بالملكيّة التّكوينيّة و الاعتباريّة.


1) . المائدة، 55.

2) . المائدة، 44.

3) . المائدة، 45.

4) . المائدة، 47.

5) . آل عمران، 189.

قال - تعالى! -: (وَ آتُوهُمْ مِنْ مٰالِ اَللّٰهِ اَلَّذِي آتٰاكُمْ‌).(1)

و قال - تعالى! -: (وَ أَنْفِقُوا مِمّٰا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ‌).(2)

و ما قيل من انّه لا فرض للملكيّة الاعتباريّة بعد وجود الملكيّة الحقيقيّة فليس بسديد، لانّ اللَّه - تعالىٰ‌! - أشار إليها في آيات كثيرة، منها:

قوله - تعالى! -: (وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ‌).(3)

و جملة القول فيه: انّ من يتصرّف في ملك اللَّه - تعالىٰ‌! - من غير وجهه فهو مشرك، و من لم يأت في مال اللَّه بالّذي أمر - تعالىٰ‌! - به فهو مشرك.

د - التّوحيد في الاستعانة، و هو على أقسام.

1 - التّوحيد في التّأثير، بمعنى انّه لا معين و لا مؤثّر في الوجود إلّااللَّه تعالى، فمن رأى انّ غير اللَّه يؤثر في انجاح حوائجه فهو مشرك، و قد مرّ الكلام فيه.

2 - التّوحيد في التّسبيب، بمعني انّ الاسباب الظّاهريّة ليست باسباب مستقلّة و ان كانت مؤثّرة، لانّ تأثيرها من اللَّه تعالى، فهو السبّب العاجل فيه. فهو و إن يعدّ من لوازم الإيمان إلّاانّ اكثر النّاس في العمل يخالفونه و إلى هذا أشار - تعالى! -:

(وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلاّٰ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‌).(4)

و في نور الثّقلين روىٰ مذيّلًا عليها ما يدلّ على المراد منها، و منها ما عن


1) . النّور، 33.

2) . الحديد، 7.

3) . الانفال، 41.

4) . يوسف، 106.

أبي‌عبداللَّه عليه السلام في قوله: «و ما يؤمن أكثرهم باللَّه إلّاو هم مشركون» قال: هو الرّجل يقول لولا فلان لهلكت، و لولا فلان لاصبت كذا و كذا، و لولا فلان لضاع عيالي. الاترى انّه قد جعل شريكاً في ملكه يرزقه و يدفع عنه‌؟ قال: قلت: فيقول:

لولا ان منّ اللَّه علىّ بفلان لهلكت‌؟ قال: نعم لا بأس بهذا.(1)

نعم في رواية أخرى جعل طاعة الشّيطان من مصاديق الآية الشّريفة، و هي هذه:

عن أبي عبداللَّه عليه السلام في قول اللَّه عزّوجلّ‌: «و ما يؤمن اكثرهم باللَّه إلّاو هم مشركون» قال: يطيع الشّيطان».(2)

و لا منافات بين الرّوايتين لكون كلّ واحد منهما بصدد تبيين المصداق.

3 - التّوحيد في قلع السّبب، و معناه انّ الموحّد بالتّوحيد الافعالي لا يرى السّبب إلّااللَّه تعالى، و لا يرى المؤثّر إلّاهو فينحصر السببيّة و المؤثريّة فيه تعالى، و ما يظهر انّه سبب طوليٌ مؤثرٌ فهو كسراب بقيعة يحسبه الظّمأن ماء، فهو سبب صورىّ و مؤثّر غير واقعي. وللَّه درّ من أنشد بالفارسيّة:

ديده‌اى خواهم سبب سوراخ كن *** تا سبب را بر كند از بيخ و بن

و لعلّ قوله - تعالى! -: (إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ‌)(3)اشارة إلى هذه المرتبة، لمكان الحصر و لوحدة السّياق.


1) . راجع: نور الثّقلين، ج 2 ص 476.

2) . راجع: نور الثّقلين، ج 2 ص 475.

3) . الحمد، 5.

هذا اقسام التّوحيد، وترى انها تبلغ خمسة عشر قسماً. و هذا الاقسام قد يوجد للانسان بالعلم و أخرى باليقين بمراتبه من العلم و العين و الحقّ‌، فالاقسام حينئذ تبلغ ستّين.

و حصولها للإنسان سيّما مرتبة حق اليقين أو عين اليقين من التوحيد الأفعالى في غاية الصّعوبة. و أغلب هذه المراتب لايحصل إلّابالرّياضات الدّينيّة و الالهام من ربّ العالمين. فقوله - تعالى! -: (وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلاّٰ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‌) ثابتٌ بالتجربة و الاختبار. فنعوذ باللَّه من الشّرك الّذي يكون من ارذال الرّذائل.

نعم غالب هذه الاقسام غير مضرّ بالاسلام.

قال الرّضا عليه السلام في ذيل هذه الآية الشّريفة: «شرك لا يبلغ به الكفر».(1)

و استفادة ذلك من الآية الشّريفة أيضًا ليست بمشكلة، لانّ الآية الشّريفة اثبتت الايمان اولًا لأكثر الناس ثمّ أشارت إلى مزج إيمانهم بالشرك.

و ملخّص القول انّ عدم حصول غالب تلك الاقسام غير مضرّ بالاسلام، و إلّا فيجب أن يحكم بأنّ المسلمين كلّهم إلّاالأوحديّ منهم غير مسلمين، و هو كما ترى.

بل انّ عدم حصول غالب تلك الأقسام غير مضرّ بالنّجات و لا يشمله قوله - تعالى! -: (إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ‌).(2)

فالآية تختصّ بالشّرك الجليّ‌، و غالب تلك الاقسام من الشّرك الخفيّ‌، نعم وصول الإنسان إلى مقام اللّقاء في الدّارين يحتاج إلى تحصيل تلك الأقسام كلّها.


1) . راجع: نور الثّقلين، ج 2 ص 475.

2) . النّساء، 48.

روايات في فضل التّوحيد

ابن شريح بن هاني عن أبيه قال: «إِنَّ أَعْرَابِيّاً قَامَ يَوْمَ الْجَمَلِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ قَالَ فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَ قَالُوا يَا أَعْرَابِيُّ أَ مَا تَرَى مَا فِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ تَقَسُّمِ الْقَلْبِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع دَعُوهُ فَإِنَّ الَّذِي يُرِيدُهُ الْأَعْرَابِيُّ هُوَ الَّذِي نُرِيدُهُ مِنَ الْقَوْمِ ثُمَّ قَالَ يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّ الْقَوْلَ فِي أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ فَوَجْهَانِ مِنْهَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ وَجْهَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ فَأَمَّا اللَّذَانِ لَا يَجُوزَانِ عَلَيْهِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ وَاحِدٌ يَقْصِدُ بِهِ بَابَ الْأَعْدَادِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا لَا ثَانِيَ لَهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الْأَعْدَادِ أَ مَا تَرَى أَنَّهُ كَفَرَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَ قَوْلُ الْقَائِلِ هُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ يُرِيدُ بِهِ النَّوْعَ مِنَ الْجِنْسِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ وَ جَلَّ رَبُّنَا وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَ أَمَّا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ هُوَ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْأَشْيَاءِ شِبْهٌ كَذَلِكَ رَبُّنَا وَ قَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَدِيُّ الْمَعْنَى يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ فِي وُجُودٍ وَ لَا عَقْلٍ وَ لَا وَهْمٍ كَذَلِكَ رَبُّنَا عَزَّ وَ جَلَّ‌».(1)

عن هشام بن الحكم قال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَ اللَّهَ وَاحِدٌ قَالَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 3 ص 206.

اتِّصَالُ التَّدْبِيرِ وَ تَمَامُ الصُّنْعِ كَمَا قَالَ عَزَّ وَ جَلَ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا».(1)

عن الرضا عليه السلام قال: «قَالَ سَمِعْتُ أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ سَمِعْتُ جَبْرَئِيلَ يَقُولُ سَمِعْتُ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي قَالَ فَلَمَّا مَرَّتِ الرَّاحِلَةُ نَادَانَا بِشُرُوطِهَا وَ أَنَا مِنْ شُرُوطِهَا».(2)

قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الْجَنَّة».(3)

في خبر اسماء النبيّ و اوصافه صلى الله عليه و آله: «... فَبِالتَّوْحِيدِ حَرَّمَ أَجْسَادَ أُمَّتِي عَلَى النَّارِ».(4)

عن اميرالمؤمنين عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه و آله عن جبرئيل سيّد الملائكة قال: قال اللَّه سيّد السادات جلّ و عزّ «إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَنْ أَقَرَّ لِي بِالتَّوْحِيدِ دَخَلَ حِصْنِي وَ مَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي».(5)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 3 ص 229.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 3 ص 7.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 3 ص 3.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 3 ص 3.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 3 ص 10.

الرّذيلة الثّانية: الشّرك

هذه الرّذيلة من أرذل الرّذائل و أقبحها، بل لا رذيلة مثلها حتّى الكفر و الالحاد، لانّ الملحد يظلم نفسه و لكنّ المشرك يظلم اللَّه - تعالىٰ‌! - حيث جعله كالحجر و الشّجر و الإنسان الضّعيف بل الحيوان و ذلك بجعلها الهة كما جعل اللَّه - تعالىٰ‌! - الهاً، تعالى اللَّه عمّا يقول المشركون فلذا عبّر عن الشّرك في الذكر العزيز بالظلم العظيم.

قال اللَّه - تعالى! -: (وَ إِذْ قٰالَ لُقْمٰانُ لاِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يٰا بُنَيَّ لاٰ تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‌).(1)

و هذه الرّذيلة تزيل استعداد المغفرة فمن مات مشركاً لا يغفر اللَّه له كما يظهر ذلك من القرآن.


1) . لقمان، 13.

قال - تعالى! -: (إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ‌).(1)

و جملة القول انّ المشرك ساقط في الغاية، قال اللَّه - تعالى! -: (وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَكَأَنَّمٰا خَرَّ مِنَ اَلسَّمٰاءِ فَتَخْطَفُهُ اَلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ اَلرِّيحُ فِي مَكٰانٍ سَحِيقٍ‌).(2)

و الانصاف انّ من جعل مثل الحجر و الشّجر و الحيوان و الإنسان بل مثل الشّيطان الهة كما جعل اللَّه الهاً حقيقٌ أن يقال له: (وَ قٰاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً‌)(3)و (إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ‌)(4)و (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‌).(5)

قال - تعالى! -: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبٰاباً وَ لَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ اَلذُّبٰابُ شَيْئاً لاٰ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطّٰالِبُ وَ اَلْمَطْلُوبُ * مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اَللّٰهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).(6)

و هذه الآيات المباركات سيّما قوله - تعالى! -: (مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ‌) تثبت اوّلًا دنائة هذه الرّذيلة، و ثانياً تشير إلى أنّه يحقّ للمشرك لو قيل له: (قُتِلَ اَلْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ‌).(7)

و بالضّرورة ليس كفران أقبح و اشدّ من الشّرك و جعل المخلوق تلواً للذّات


1) . النّساء، 48.

2) . الحجّ‌، 31.

3) . التّوبة، 36.

4) . التّوبة، 28.

5) . الزّمر، 65.

6) . الحجّ‌، 73-74.

7) . عبس، 17.

الجامع لجميع صفات الجمال و الجلال، سبحان اللَّه عمّا يقول المشركون.

ثمّ لابدّ أن نذكر انّ للشّرك اقساماً كما للتّوحيد اقسام و جميع أقسام الشرك قبيحٌ‌. و حيث انّا قد فصّلنا الكلام في التّوحيد فلا نحتاج إلى تفصيل أقسام الشرك، فنختم البحث بنكتة لطيفة و هي:

ان اللَّه - تعالىٰ‌! - جعل الهوى الهاً و قال: (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ‌) (1)كما جعل الاصنام الهة و منع عن متابعتهما.

فعند اهل اللَّه لا فرق بين من عبد آلة الرجوليّته او الأنوثيّة كما يشاهد في بعض الجهلة الغفلة من الملل السفلة، و بين من تابع الشّهوة الجنسيّة، فكلاهما شرك، احدهما شرك العوام و الاخر شرك الخواصّ‌. كما لا فرق بين من جعل الشّيطان معبوداً و بين من تابعه، فلذا يشاهد انّ القرآن جعل اتباعه عبادته و قال: (أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لاٰ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطٰانَ‌)(2)و ما الفرق بين من جعل بعض الكواكب ربّاً و رأى انّه يؤثّر في حيوته، و بين من رأى عقله بل مكره دخيلًا و مؤثّراً في تعيّشه، و بين من رأى فلاناً مؤثّراً في رئاسته فيتملّق له ليصل عنده إلى مآربه.

اعاذنا اللَّه من الشّرك الّذي الخلاص عنه في غاية الصّعوبة.

و في الخاتمة نذكر بعض الآيات تتميماً للبحث:


1) . الجاثية، 23.

2) . يس، 60.

آيات في الشرك

(قُلْ مَنْ رَبُّ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ قُلِ اَللّٰهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ لاٰ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لاٰ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلْأَعْمىٰ وَ اَلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي اَلظُّلُمٰاتُ وَ اَلنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشٰابَهَ اَلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ‌).(1)

(لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا).(2)

(وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مَنْ لاٰ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلىٰ يَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ وَ هُمْ عَنْ دُعٰائِهِمْ غٰافِلُونَ‌).(3)

(إِنَّمٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ أَوْثٰاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ اَلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ لاٰ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اَللّٰهِ اَلرِّزْقَ وَ اُعْبُدُوهُ وَ اُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‌).(4)


1) . الرّعد، 16.

2) . الانبياء، 22.

3) . الاحقاف، 5.

4) . العنكبوت، 17.

(أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ شُفَعٰاءَ قُلْ أَ وَ لَوْ كٰانُوا لاٰ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لاٰ يَعْقِلُونَ‌).(1)

(مَا اِتَّخَذَ اَللّٰهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مٰا كٰانَ مَعَهُ مِنْ إِلٰهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِمٰا خَلَقَ وَ لَعَلاٰ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ عَمّٰا يَصِفُونَ‌).(2)

(وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاٰ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لاٰ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لاٰ نَفْعاً وَ لاٰ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لاٰ حَيٰاةً وَ لاٰ نُشُوراً).(3)

(ذٰلِكُمُ اَللّٰهُ رَبُّكُمْ لَهُ اَلْمُلْكُ وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مٰا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لاٰ يَسْمَعُوا دُعٰاءَكُمْ وَ لَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجٰابُوا لَكُمْ‌).(4)

(لاٰ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لاٰ لِلْقَمَرِ وَ اُسْجُدُوا لِلّٰهِ اَلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ‌).(5)

(أَ يُشْرِكُونَ مٰا لاٰ يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ * وَ لاٰ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَ لاٰ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى اَلْهُدىٰ لاٰ يَتَّبِعُوكُمْ سَوٰاءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صٰامِتُونَ * إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ عِبٰادٌ أَمْثٰالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ * أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ آذٰانٌ يَسْمَعُونَ بِهٰا قُلِ‌


1) . الزّمر، 43.

2) . المؤمنون، 91.

3) . الفرقان، 3.

4) . الفاطر، 13-14.

5) . فصّلت، 37.

اُدْعُوا شُرَكٰاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاٰ تُنْظِرُونِ‌).(1)

(وَ إِذٰا مَسَّ اَلْإِنْسٰانَ ضُرٌّ دَعٰا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذٰا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مٰا كٰانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَ جَعَلَ لِلّٰهِ أَنْدٰاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحٰابِ اَلنّٰارِ).(2)


1) . الاعرف، 191-195.

2) . الزّمر، 8.

إلى هنا تمَّ الجزء الأوَّل من هذا الكتاب

و يليه - إن شاءاللَّه - الجزء الثَّاني

وأوَّله: الفصل الثَّالث، ويُبحَث فيه عن

فضيلة التَّفكُّر

وعن رذيلَتَي الغفلة و المكر

والحمد للَّه أوَّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا