ghaemiyeh.com
سرشناسه : مظاهری، حسین، ۱۳۱۲ -
عنوان و نام پديدآور : الیوم الاخر بحث قرآنی فی المعطیات الاخلاقیه و الاجتماعیه للمعاد/ حسین مظاهری؛ ترجمه جوادعلی کسار
مشخصات نشر : بیروت: موسسه امالقری، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ص ۲۵۴
فروست : (موسسه امالقری للتحقیق و النشر۲۶)
وضعیت فهرست نویسی : فهرستنویسی قبلی
يادداشت : عربی
يادداشت : عنوان اصلی: معاد در قرآن.
یادداشت : کتابنامه بهصورت زیرنویس
موضوع : معاد -- جنبههای قرآنی
شناسه افزوده : توفیق، خالد، مترجم
رده بندی کنگره : BP۱۰۴/م۵۷م۶۳۰۴۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۱۵۹
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۳۷۳۴
محرر رقمی میثم حیدری
الیوم الاخر بحث قرآنی فی المعطیات الاخلاقیه و الاجتماعیه للمعاد
حسین مظاهری
ترجمه جوادعلی کسار
بسم اللّه الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على سيّدنا و مولانا و شفيع ذنوبنا و رسول ربّنا أبي القاسم محمد و على آله الطيبين الطاهرين.
و الحمد للّه الأول و الآخر الحي الذي لا يموت و الذي قهر عباده بالموت و الفناء، و جعل الموت عبرة لأولي الألباب...
نظرا لأهمية موضوع المعاد (أو اليوم الآخر) في العقيدة الإسلامية و كونه يشكّل أصلا من أصول الدّين، و لما لهذه العقيدة من آثار تكوينية و موضوعية على الصعيد الاجتماعي و الأخلاقي و التربوي و السياسي و حتى الاقتصادي، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع فقد كتبت كتب و بحوث عديدة، منها هذا الكتاب الذي يتناول الموضوع و لكن بخصوصيات عدّة منها شمولية البحث و تعدد بحوثه من جانب، و سلاسة الأسلوب و بساطة العبارة من جانب آخر، كما أن المؤلف عالم معروف و صاحب مؤلفات عديدة في بحوث القرآن الكريم و العقائد و الأخلاق و غيرها، كمامن الجدير ذكره أن المترجم هو الكتاب و الصحفي الأستاذ «خالد توفيق» صاحب الترجمات العديدة التي تمتاز بالدّقة و الأمانة و بقدرته على التصرّف أحيانا بالعبارة بما يعطيها بعدها الحقيقي و المراد من قبل مؤلف الكتاب، كماأن ترجماته تمتاز أيضا بالتحقيق و الإضافة العلمية بما يشبع الموضوع أحيانا حيث يذكر ذلك في الهوامش و حسب مقتضى البحث.
إننا لا نريد الحديث عن الكتاب و إنما نترك الكتاب يتحدث عن نفسه من خلال موضوعاته..
مؤسستنا و ضمن توجّهاتها في نشر العلوم و العقائد الإسلامية المحمدية الأصيلة و نشر القيم و الفضائل الإسلامية.. قامت بطبع هذا الكتاب باللغة العربية متمنين أن ينتفع به، سائلين العلي القدير أن يتقبل منّا هذا الجهد المتواضع إنه لطف رحيم.
مؤسسة الثقلين الثقافية
بسم اللّه الرحمن الرحيم
هذا الكتاب يمضي الإنسان في رحلة إلى عالم ما بعد الموت. و من المؤكد أنّ رحلة كهذه يقطعها وعي الانسان فيما جسده ماكث في الأرض ستكون مشوبة بالغموض محفوفة بالأسئلة المبهمة لا سيما مع ألفة الإنسان للأرض و التصاقه بها.
و ستزداد مساحة الغموض و الإبهام مع ضغط الاتجاهات المادية و طغيان أو غلبة التيارات التجريبية و الحسية التي حاولت أن تضيّق من أفق المعرفة و تحصرها بما يمرّ من قناتها؛ حين أشادت مقياسها لصحة الأفكار و الاشياء في نطاق ما تكون التجربة و الحس (و المعرفة الناتجة عنهما) دليلا عليها و حسب!
و لم يكن القلق و الإبهام اللذان راودا وعي الإنسان ازاء عالم ما بعد الموت مقتصرين على مجتمعاتنا المعاصرة و إنسان عالمنا؛ بل كان الحال كذلك بالنسبة للمجتمعات القديمة، بل و للانسانية قاطبة منذ لحظة وجودها على الأرض حتى الشوط الأخير المقدّر لمسيرتها.
و لكن؛ كان للموت فضيلته في هذا المسار الشاق لوعي الإنسان و ما يحيط به من غموض و إبهام، إذ هو الحقيقة الحتمية التي لا مراء فيها، و التي تصدم كلّ إنسان، حيث يكون إليه مآله و مرجعه. يقول (سبحانه): «كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ اَلْمَوْتِ
ثُمَّ إِلَيْنٰا تُرْجَعُونَ» (1). و قوله: «إِنَّ إِلىٰ رَبِّكَ اَلرُّجْعىٰ»(2).
إنّ حقيقة الموت التي تصدم الوعي الإنساني في كل لحظة و ساعة و يوم، مهّدت للإنسان أن يستوعب إلى حد كبير عوالم الآخرة، و جعلته أكثر استعدادا لتفهّم آفاق حياة ما بعد الموت، رغم أنّ الموت نفسه محفوف بالغموض و الإبهام؛ ليس للإنسان ان يعرف حقيقته أو يدرك كنهه أو يصل إلى ماهيته، مع أنّه محيط به و واقع عليه في كل حال!
إنها بلا شك مفارقة غريبة في الوعي الإنساني أن يكون الموت حقيقة لامراء فيها، يعيشه الإنسان عيش بداهة و ضرورة، و يحيط بوجوده كما يحيط به الهواء، إلاّ انّه ليس له منه سوى وقعه الثقيل، و سكراته المريرة، إذ لا سبيل لعقله أن يدرك كنهه، و لا قدرة لعلمه ان يحيط بحقيقته، و لا مجال لوعيه أن يلامس ماهيته.
و عظمة هذه المفارقة أنها تشكّل المفتاح إلى وعي عوالم الآخرة، و هي المثابة التي تقود إلى الطريق الصحيح لإدراك آفاق حياة ما بعد الموت. إذ ما يمنع الإنسان حينها و هو يعيش الموت كما يعيش حقيقة وجوده (بل إنّ الموت جزء من وجود الإنسان نفسه)، رغم انّه يجهل حقيقته و كنهه و جوهره؛ ما يمنعه ان يحمل بين جنبيه وعيا للمعاد و إيمانا مستقينا لمنازل حياة الآخرة، إذا كانت الادلة العقلية (فلسفية و كلامية و حتى علمية) تنهض على ذلك، و إذا جاءت الأخبار الصادقة (عن الصادق المصدّق و أهل بيته صوات اللّه عليهم أجمعين) المتواترة تخبر به و تؤيّده، و تتحدّث عن مراحله و أشواطه و ما يؤول إليه مصير الإنسان بعد ذلك؟
هل ثمة بعد ذلك إلى عدم الاعتقاد بالمعاد و الإيمان بمنازل الحياة بعد الموت من مبّرر سوى العناد و اللجاجة التي تجعل صاحبها يصحو و يستيقظ في الساعة التي يكون لسان حاله فيها: «وَ لَوْ تَرىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى اَلنّٰارِ فَقٰالُوا يٰا لَيْتَنٰا نُرَدُّ وَ لاٰ نُكَذِّبَ
بِآيٰاتِ رَبِّنٰا وَ نَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ» (1).
و لكن لات ساعة مندم!
و هكذا نصل إلى قيمة ما تمثّله المعرفة الإسلامية قرآنا و سنة حيال المعاد، ليس بالنسبة للمسلمين و حسب، و إنما للبشرية جمعاء.
فمع الإسلام يعيش الإنسان وضوحا نقيا لما تؤول إليه حياته بعد الموت؛ و مع الإسلام تزول عن الإنسان عوامل القلق و الاضطراب الناتجة عن الغموض و الإبهام الذي يحيط مصيره بعد الموت.
و إذ يفعل الإسلام ذلك، فهو لا يؤسّس في الفراغ أو يبني على الجهل و الخيال الذي تمتزج فيه الحقائق بالأوهام، و انما يقيم وعي الإنسان على قواعد عقيدة متينة بالمعاد تقوم على الأدلة و البراهين العقلية، و تشاد بالمعرفة اليقينية التي تمنح العقل ثباتا مستنيرا، و تعطي للقلب يقينا صادقا، و تهب الروح اطمئنانا و سكينة.
و إذ ترتاد النفس آفاق المعرفة الإلهية حول المعاد و عوالم الآخرة، فهي لا تبقى اسيرة المعرفة و الاعتقاد المجرّدين، لأنّ العلم في الإسلام ينير الطريق للعمل «و العلم يهتف بالعمل فإنه أجابه و إلا ارتحل»؛ فيما يكون للعقيدة معطياتها المباشرة على الصعيد الاجتماعي و السياسي و باقي مجالات السلوك الإنساني.
ثمرة أيّ اعتقاد فيما نعرف، هي في مقدار ما يوفره من ضبط و التزام في سلوك الإنسان. و إذا كانت الفلسفات الاجتماعية و مذاهب توجيه السلوك البشري و السيطرة عليه، قد عاشت مجموعة من الرؤى المتفاوتة في طبعية العوامل القادرة على التحكم بسلوك الإنسان و ضبطه من طغيان الغرائز و الأهواء و الميول النفسية و المؤثرات الخارجية، فإن المعاد هو أقوى تلك العوامل و أمضاها في التحكم بسلوك
1) الانعام: 27.
الإنسان و توجيهه نحو هدي اللّه و رسالات السماء، و لما فيه توازن المجتمع و استقرار الجماعة البشرية.
و بين الجواذب الذاتية التي تأسر الإنسان و عوامل الكثرة الخارجية التي تضل به السبيل يحتاج الإنسان إلى رؤية فكرية واضحة راكزة تمثلها عقيدة التوحيد. بيد ان الرؤية التوحيدية المستمدة من المثل الاعلى الذي يؤمن الذي يؤمن به الإنسان لا تكفي لوحدها بل «لا بدّ من طاقة روحية مستمدة من هذا المثل الاعلى لكي تكون هذه الطاقة الروحية رصيدا و وقودا مستمرا للارادة البشرية على مرّ التاريخ. هذه الطاقة الروحية، هذا الوقود الذي يستمد من اللّه (سبحانه و تعالى) يتمثل في عقيدة يوم القيامة»(1).
إن الإنسان المسلم الذي يعيش المعاد عقيدة عقلية قائمة على أساس الدليل، و يقينا قلبيا يضيء القلب و الروح، لا يعتزل الحياة أو يعيش روح التواكل بذريعة إيمانه بالغيب، و إنما سيكون إيمانه الغيبي هذا حافزا له على خوض لجج الحياة و مكابدة مشاقّ العمل التغييري الاجتماعي و مواجهة التحديات، و لكن في ضوء فلسفة أخرى تقوم على أنّ حياته الدنيا هي شوط قصير في رحلة تكامله، و أنّ سعيه في الدنيا هو ذخيرته لمنازل حياة ما بعد الموت.
و يشعر في حركته هذه ان الإيمان بيوم القيامة «هو الذي يعطي تلك الطاقة الروحية، ذلك الوقود الرباني الذي يجدّد دائما إرادة الإنسان و قدرة الإنسان، و يوفر الشعور بالمسؤولية و بالضمانات الموضوعية [و] ينعش إرادة الإنسان و يحفظ له دائما قدرته على التجديد و الاستمرار»(2).
هذه العلاقة المحكمة بين عقيدة المعاد و حركة الإنسان في الحياة، تصدر من رؤية لا تتوقف عند تخوم استجلاء المدلولات العملية و الاجتماعية لاصول الدين
و انما تتجاوزها لتمثل منهجا للثورة الاجتماعية التي قادها الأنبياء على الأرض؛ لان «أصول الدين الخمسة التي تمثل على الصعيد العقائدي جوهر الإسلام و المحتوى الاساسي لرسالة السماء هي في نفس الوقت تمثل باوجهها الاجتماعية على صعيد الثورة الاجتماعية التي قادها الأنبياء الصورة المتكاملة لأسس هذه الثورة و ترسم للمسيرة البشرية معالم خلافتها العامة على الأرض»(1).
لقدتوفر الكتاب الذي بين ايدينا على مجموعة مزايا جعلتنا نميل لاختيار ترجمته و تقديمه إلى القارئ العربي المسلم، و كان في طليعة هذه المزايا:
أولا: اعتماده المنهج الاجتماعي الأخلاقي في دراسة موضوع عقائدي كالمعاد.
فالمؤلف لم ينشغل ببحوث نظرية حيال الموت و الحياة بعد الموت، و إنّما عالج الموضوع من خلال إظهار القيمة العملية للاعتقاد على صعيد حياة الفرد، و القيمة الاجتماعية على صعيد حركة المجتمع المسلم. هذه الصلة الوثيقة بين الإيمان باليوم الآخر و حركة الإنسان في الحياة، ظهرت خطوطها واضحة جلية في بحوث الكتاب المختلفة، بحيث يمكن متابعتها بشكل ناصع في فصوله العشرين.
أمّا الصفة الأخلاقية في منهج المؤلف، فهي أيضا لا تعني الغرق في البحوث النظرية للمذاهب و التيارات الأخلاقية، و لم تكن كذلك دعوة لاعتزال الحياة و الانكفاء على الذات بعيدا عن المشكلات اليومية، و إنما كانت بمثابة الأرضية التي تنمو من خلالها الثمار الحركية و الاجتماعية للإيمان بالمعاد. و معنى ذلك أنّ القارئ المسلم لا يخرج من قراءة أيّ فصل خالي الوفاض، و إنما يطلع دوما و هو متأثر بمعرفة قرآنية نورانية تدفعه للعمل الصالح و تدعوه لتقويم سلوكه و تصحيحه في ضوء مسار الهدي الإلهي.
1) الإسلام يقود الحياة، الشهيد الصدر، ص 38.
ثانيا: الميزة الثانية للكتاب اعتماده في بيان الموت و مشاهد الآخرة و منازل القيامة على القرآن الكريم كمصدر أساس، مع الاستفادة من السنة و الأحاديث و الأخبار الواردة في بيان مجملات الكتاب الكريم و ذكر تفاصيلها.
إنّ الحصيلة التي يخرج بها قارئ الكتاب في إطار اللوحة التي يعكسها المؤلف عن المعاد و هوامش المترجم عليه و ما يتصل به من بحوث و مواضيع، هي إضمامة كريمة من ثروة معرفية قرآنية وحديثية يؤسس من خلالها عقيدته بالمعاد و ما يرتبط به من ضرورات الإيمان كالمساءلة في القبر و البرزخ و عذاب القبر و معاد الأجسام و الحوض و الشفاعة و الجنة و النار.
لقد كان بمقدور المؤلف أنيدخل لجّة البحوث الفلسفية و الكلامية، و يتناول معطيات الدراسات العلمية و أقوال العلماء من قدماء و معاصرين، و يعرض لمذاهبهم المختلفة في موضوع معقّد كالمعاد، بيد أنّه لم يفعل ذلك، بل اقتصر على القرآن اولا، و السنّة الشريفة ثانيا. و يستثنى من ذلك إشارات فلسفية عابرة وردت في السياق عرضا دون أن تخرج المؤلف عن منهجه القرآني.
و هذا المنهج في بحث المعاد من خلال القرآن و السنّة و إن كان شاقا على المؤلف، إلاّ أنّه يوفّر للمسلم رؤية نقية و تصورا أقدر على جذب قطاعات واسعة لخلوه من إشكالات البحث الفلسفي و العقلي و تعقيداتهما في موضوع شائك كالمعاد.
ثالثا: لقد اعتمد المؤلف لغة سهلة تكاملت مع مهنهجة في إقامة الموضوع على أسس المعرفة القرآنية و الحديثية، مما أعطى الكتاب ميزته الثالثة التمثّلة في قدرته المشهودة على مخاطبة السواد الأعظم من أبناء مجتمعاتنا الإسلامية و النفوذ إلى قلبها و وعيها.
و تعدّ هذه سمة ثابتة في منهج المؤلف و هي أثر من آثار عمله الدائم مع الناس، فمحاضراته لا تنقطع، و جمهوره في اتّساع و انتشار.
بل يحقّ لنا أن نقول: إنّ اعتماده على القرآن و السنّة، و ابتعاده عن التعقيدات النظرية فيما يطرق من بحوث، و تأكيده على المعطيات الاجتماعية و العملية للعقائد و الأفكار، و استخدامه لغة سهلة مطعمة بالامثلة ذات المغزى الأخلاقي الوجداني العميق؛ هي كلّها من ثمار عمله المباشر مع الناس و للناس. ذلك لأنّ العمل بين المجتمع يمنح صاحبه حسا اجتماعيا من نوع خاص يجعله مرهفا في تشخيص حاجاته المباشرة.
لقد تأكدت هذه القناعة بمكوناتها العامة من تجربة سابقة امضيتها من قبل مع كتاب آخر للمؤلف هو «تربية الطفل في الرؤية الإسلامية». فبرغم مرور سنوات على طبع الكتاب إلاّ ان ردود الفعل الايجابية لم تنقطع حياله، بل هي متواصلة تسجّل للكتاب نجاحه في مخاطبة الوجدان و ملء الشعور بمادة تجمع السهولة إلى الاصالة، و الوضوح إلى العمق، و تدمج بين النظري و العملي، فتؤثر في المخاطب و تجره إلى تصحيح رؤاه برفق و تعديل سلوكه دون قسر.
و إذا نثبت هذه المزايا للكتاب، لا نغفل القيمة الأساسية لما تمثله البحوث العميقة فلسفيا و عقائديا حيال المعاد، و ما لها من شأن كبير لدى أهل الاختصال و التطلع العلمي.
و الفروق واضحة دون شك بين ماى كتب تأليفا و بين ما يجمع كحصيلة لدروس و محاضرات.
و لكن جهدنا قدر المستطاع ان لا يحس القارئ بوطأة تلك الفروق، بحيث جاءت الحصيلة على ما نحسب و كأنّ القارئ يقرأ في كتاب ألف تاليفا.
أمّا خطوات تنفيذ هذا المنهج فتمثّلت بما يلي:
أولا: حذف الاستطرادات و المقاطع المكرّرة و الإضافية التي تعتبر طبيعية في منهج الدرس و المحاضرة، لكنها ليست كذلك بالنسبة للكتاب.
ثانيا: توزيع الدروس التي ألقاها المؤلف على عشرين فصلا انتظمت مسألة
المعاد و أمّهات المواضيع التي تتصل به.
ثالثا: تنظيم هوامش الكتاب بحيث استوعبت الإحالات مصادر جميع ما ورد في المتن من نصوص قرآنية و روائية إلاّ ما ندر.
و قد تضمنت الهوامش أيضا بعض ملاحظات المؤلف، في حين دأب المترجم - في الأغلب على ذكر مصدر و نص أيّ حديث أو خبر يشير المؤلف في المتن إليه أو إلى مضمونه.
رابعا: لكي تكتمل فائدة الكتاب اشتغل المترجم في خطّ مواز للمتن، حيث قام بتهميش الكتاب بمتون روائية تشرح و توضح و تفصل مجملات الكتاب المبين حيال المعاد و أمهات الأفكار التي تناولها المؤلف، و ذلك لتعمّ الفائدة بحيث يتذوق الإنسان المسلم لذة الحياة الآخرة قرآنيا و حديثيا في آن واحد.
و ربما عاد السبب المباشر الذي سهل الترجمة و جعلها تنجز في وقت قصير وفق هذا المنهج، إلى ما نستطيع ان نسميه بالخبرة الخاصة في التعامل مع كتابات الشيخ حسين مظاهري، حيث كنّا قد قدّمنا قبل ذلك للقارىء العربي كتابه الضخم حول تربية الطفل(1)، و الذي وهبنا مرونة كبيرة في كيفية التعاطي مع كتبه التي نأمل أن نقدمها تباعا للمكتبة العربية لا سيما بعد أن أبدى أحد الناشرين حماسه لهذا المشروع، و بعد أن فاتحنا المؤلف المحترم بتقديم موسوعته الأخلاقية (ثمانية مجلدات) في صياغة عربية جديدة.
خامسا: لقد اجرى المتجرم تعديلا طفيفا على عنوان الكتاب لما يجعله أكثر جاذبية للقارئ العربي.
يقول الفيلسوف الإسلامي الكبير صدر المتألّهين الشيرازيي: «إنّ مسألة المعاد
1) تربية الطفل في الرؤية الإسلامية، الصادر عن مؤسسة البعثة.
من أغمض المسائل دقة، و أعظمها شرفا و رتبة، و قلّ من يهتدي إليها من كبار الحكماء، و من يرشد إلى إتقانها من عظماء الفضلاء».
لكن أشد حرصا في التعاطي مع هذا الكتاب، لما يوفره للإنسان المسلم من إطلالة معرفية قرآنية و حديثية حول المعاد ما دمنا نعلم يقينا أنّ مآلنا إلى الموت، و أننا في سير و تحوّل من هذه النشأة إلى النشأة الأخرى، و في انتقال من دار إلى دار.
بيد أنّا نعترف ان ليس بوسع الإنسان ان يرفل بنعمة هذا الكتاب و أمثاله، إلاّ على قدر استعداده لتلقي هذا اللون من المعرفة الإلهية.
أخيرا؛ لا نملك ونحن نخطّ هذه الكلمات في يوم النصف من شهر رمضان المبارك، سوى ان نرفع يد الضراعة إلى اللّه (سبحانه) في ان يتقبل جهدنا في هذا العمل مرفوعا ثوابه إلى سبط النبي و سيد شباب أهل الجنة الإمام أبي محمد الحسن المجتبى بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لمناسبة مولده الاغر.
فبآل بيت رسول اللّه تزكو الأعمال و تخلص النوايا و حمدا للّه على نعمة ولايتهم.
و آخر دعوانا ان الحمد للّه ربّ العالمين.
جواد على كسّار
خالد توفيق
1 /رمضان المبارك / 1418
يمتاز البحث في عقيدة المعاد بالحلاوة و الجاذبية، و ينبغي لكل مسلم أن يتعرف على جوانب هذا الاعتقاد.
و بشأن بحثنا هذا فقد اخترنا أن يكون منذ البداية بعيدا عن تعقيدات البحث الفلسفي و مصطلحاته، و حاولنا أن يأتي بما يلائم المستوى الثقافي العام في المجتمع.
لذلك اعتمدنا في منهج دراسة المسألة على التأمل في آيات القرآن التي تتصل بموضوع المعاد مع الاستفادة من الروايات و الأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) حيثما تكون الحاجة ملحة لذلك؛ و بهذا الشكل تجنبنا البحث في المعاد من زاوية ما تمليه النظرة الفلسفية.
و لكن رغم ذلك، علينا أن نعي جيدا أن البحث في مسألة كالمعاد و «مصير الإنسان بعد الموت» هو أمر يبقى محاطا بالتعقيد و الصعوبة، و قد حاولنا تذليل الصعوبات و تجاوز التعقيدات من خلال دراسة الآيات القرآنية التي تتصل بالموضوع، و المتابعة الدقيقة لكتب التفسير. و كل الذي نأمله أن يوفقنا اللّه (سبحانه) لمواصلة البحث حتى أشواطه الأخيرة.
ينطوي وجود الإنسان على بعدين هما: البعد المعنوي (الروح)، و البعد المادي (الجسم).
فالغرائز المادية ترتبط ب «الجسم» و بالبعد المادي من تركيبة الإنسان؛ فيما
تصدر الميول النفسية عن «الروح». و في داخل الإنسان ثمة صراع بين البعدين، و هذا الصراع هو من القوة و العنف بحيث يصفه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ب «الجهاد الأكبر».
و في سياق التأكيد على البعدين اللذين يتألف منهما وجود الإنسان، جاء في الحديث الشريف «إنّ اللّه تعالى خلق الملائكة و ركّب فيهم العقل، و خلق البهائم و ركّب فيها الشهوة، و خلق بني آدم و ركّب فيهم العقل و الشهوة، فمن غلب عقله على شهوته فهو أعلى من الملائكة، و من غلب شهوته على عقله فهو أدنى من البهائم»(1).
و الذي يتضح من الحديث الشريف أن الملائكة موجودات نورانية مجرّدة عن الميول النفسية، و هي تحيا بحبّ اللّه (سبحانه). أما الحيوانات فقد خلقت و هي تفتقد إلى العقل و العلم و المعرفة، و هي تسعى في حياتها إلى الأكل و النوم و إشباع شهواتها فقط، حيث لا همّ لها سوى ذلك. أما بالنسبة للإنسان فقد منّ اللّه (سبحانه) عليه بتكوين خلقي ينطوي على قوة «العقل» و قوة «الشهوة» معا، حيث يفتح الإنسان عينيه على هذه الدنيا و هو يحمل كلا الاستعدادين. لذلك إذا استطاع الإنسان أن يغلّب عقله فسيكون أعلى من الملائكة، أمّا إذا غلبت عليه شهوته فهو أدنى من البهائم.
و بهذا المعنى بالذات يكون الإنسان عرضة لفعل القوتين (العقل و الشهوة) و ميدانا ل «الجهاد الاكبر». فإذا استطاع الإنسان في مسير «الجهاد الاكبر» أن يهيمن على شهواته و يتغلب عليها و ينتصر باختياره و إرادته، فسيكون عند اللّه (سبحانه) ذا مقام شامخ رفيع، و يكون مع النبيين رفيقا، و في ذلك يقول (تعالى):
«وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولٰئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدٰاءِ وَ اَلصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً» (2).
و لمثل هذا الإنسان الذي ينتصر على شهواته يأتي الخطاب الإلهي في قوله (تعالى): «يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُاِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةًفَادْخُلِي فِي عِبٰادِيوَ اُدْخُلِي جَنَّتِي»(1).
إن الإنسان إذا انتصر في مسيرة «الجهاد الاكبر» فسيتألق و يرتقي في أشواط لقاء اللّه. و من المؤكد أن أحدا لا يستطيع أن يصف هذا السمو المعنوي و الروحي في رحاب اللّه، و لا أن يذوق متعته و لذّته الا بأن يوفّق إليه.
يقول (تعالى): «فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(2).
أمّا إذا انهزم الإنسان في صراعه الداخلي، و سقط في معركة «الجهاد الأكبر» و أصبح ضحية بعده المادّي و أسير شهواته مثل حبّ الرئاسة و المال و الجنس و نظائرها، فسيكون أدنى من الحيوان، يقول (تعالى): «أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ»(3).
و يقول أيضا في وصف هذا الصنف: «إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ»(4)أي إنّ القوّة الشهوية لدى هؤلاء غلبت القوّة العقلية.
إذا أردنا للبعد المعنوي في وجودنا و شخصيتنا أن ينتصر على البعد المادّي، و أن يتغلّب الجانب «الملكوتي» على الجانب «الناسوتي»، فينبغي لنا أن نحشد مجموعة من «العوامل» التي تمدّ الجانب الروحي و تدعمه.
و في هذا السياق ثّمة نظريات متعدّدة بين علماء الأخلاق و السلوك، حيث يذهب كلّ منهم إلى رأي معيّن في المسألة. و بالإضافة إلى علماء الأخلاق و السلوك،
هناك آراء الفلاسفة و مواقفهم تجاه القضية، حيث ذهب كلّ من فلاسفة ما قبل الإسلام و ما بعده إلى رأي خاص إزاء القضيّة، فيما اشترك علماء النفس في بحث الموضوع من زاوية اختصاصهم العلمي لينتهوا بدورهم إلى مجموعة أخرى من النظريات.
و بشكل عامّ علينا أن نؤكّد أنّ العلماء اختلفوا فيما بينهم في طبيعة «العوامل» التي تساعد الإنسان على الانتصار في معركته الداخليّة و صراعه مع نفسه، بحيث ذهب مجموعة منهم إلى أنّ «العقل» قادر على تمكين الإنسان من تحقيق النصر في هذه المعركة؛ و بالتالي اعتبر هؤلاء «العقل» العامل الأساسي في حسم الصراع الداخلي.
بينما ذهب فريق آخر من العلماء إلى أنّ «العلم» هو العامل الحاسم الذي يدفع الإنسان نحو النصر و الغلبة في مسير الجهاد الأكبر. فأفلاطون و تلامذته مثلا هم من أنصار هذه المدرسة التي تعتقد بأنّه كلّما ازداد «علم» الإنسان، زادت فرصه في تحقيق الانتصار في صراعه الداخلي مع نفسه.
أمّا الفئة الثالثة فتذهب إلى أنّ العامل الحاسم في تمكين الإنسان من الانتصار هو «الوجدان الأخلاقي» أو ما يعبّر عنه القرآن ب «النفس اللوّامة». و هؤلاء يرون أن يقظة «الوجدان الأخلاقي» في شخصية الإنسان يفضي إلى قدرة الإنسان للسيطرة على «النفس الأمّارة».
و القسم الرابع من المفكّرين يعتمد على مبدأ «التربية الصحيحة» كعامل مؤثّر و فعّال، لأنّ الإنسان الذي يلقى تربية صحيحة يكون بمقدوره أن يتغلّب على القوى المادية في معركة الجهاد الأكبر.
أمّا الفريق الخامس فيعتقد أنّ من غير الممكن للإنسان أن ينتصر في معركته مع نفسه إلاّ ب «القانون» كعامل حاسم و وحيد.
وثّمة فئة سادسة من العلماء تذهب إلى أنّ «الرقابة الاجتماعية»(1)هي العامل الحاسم الذي بمقدوره أن يحقّق النصر للإنسان.
1) المقصود ب «الرقابة الاجتماعية» هو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
و الذي ننتهي إليه من خلال الإشارات السريعة الآنفة، أنّ البحث في الموضوع واسع، و لكنّه لسنا بصدد الخوض في تفاصيله، و إنّما يعنينا أن نشير إلى أنّ الإسلام ينظر إلى أهميّة العوامل الستّة الآنفة، و يعتبرها مؤثّرة في السيطرة على نوازع الفرد و المجتمع، بيد أنّه لا ينظر إلى أيّ منها على أنّه كاف وحده في «تهذيب النفس»، حيث نجد أنّ هذه العوامل تفتقد فاعليتها و أثرها في المراحل الحسّاسة و اللحظات العنيفة العاصفة من الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان و يواجهه في حياته.
لذلك نستطيع أن نقول: إنّ هذه العوامل قادرة في الظروف العادية على تمكين البعد المعنوي للإنسان من الغلبة و الانتصار، و لكنّها عاجزة في غير ذلك عن الفعل و التأثير.
لإعطاء صورة أوضح للبحث، علينا أن نذكّر بأنّ للغرائز و الميول النفسيّة حالتين؛ هما:
أ: الحالة العادية الطبيعية، و مثالها حالات الجوع و العطش الطبيعي التي يمر بها الإنسان و يكون بمقدوره السيطرة عليها.
و كذا يقال بالنسبة للنوازع و الميول النفسية الأخرى كحبّ الرئاسة و المال، و حبّ الدنيا، و الغريزة الجنسية، إذ الملاحظ أنّ هذه الميول عندما تكون في حدودها الطبيعية و حالاتها العادية يكون من الممكن ضبطها و السيطرة عليها من خلال «العوامل» الستّة الآنفة.
ب: حالات الأزمة، و ذلك حينما تطغى غرائز الإنسان و تتجاوز الحدود الطبيعية. ففي مثل هذه الحالات لا يمكن لأيّ عامل من العوامل الستّة الآنفة أن يضبط الغريزة و يسيطر على طغيانها.
بعد هذه المقدّمة (المنهجية) نعرض في النقاط التالية إشارة سريعة تكشف عن نظرة الإسلام إلى كلّ عامل من العوامل الآنفة:
نؤكّد مجدّدا أنّ الإسلام ينظر باهتمام إلى تأثير العوامل المذكورة، حتى انّ القرآن الكريم يعطي البشارة بالسعادة لعباد اللّه الذين يتحلّون بالتعقّل، حيث يقول سبحانه: «فَبَشِّرْ عِبٰادِاَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ»(1).
يولي الإسلام اهتماما فائقا ل «العلم»، حتى اننا نستطيع أن تقول بأنّا لا نجد تيّارا فكريّا أو اتجاها عقائديا يعتني بالعلم و يحثّ على تحصيله كما يفعل الإسلام الذي يعطيه قيمة أساسية. يقول (تعالى): «يَرْفَعِ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»(2).
إننا نعرف أن مقياس الإسلام في تفضيل الإنسان لا يقوم على أساس الحسب و النسب، و المقام و المنصب، أو الجاه و الثروة و المال و أشباه ذلك. لقد جاء الإسلام ليدوس هذه المعايير الجاهلية و يرميها جانبا. و في المقابل اعتبر الإسلام، العلم مقياسا للتفوّق و الفضيلة، و جعل للعلماء العاملين بعلمهم درجات كبيرة، و أوجب لهم على الناس الاحترام الفائق.
لقد جاء على لسان بعض العلماء الكبار قولهم: «العلم دليل المعرفة»، و من ذلك يتّضح أنّ للعلم دورا في توجيه الإنسان و إرشاده.
1) الزمر: 17. و علينا أن ننبّه إلى أنّ الذي نعنيه بالعقل هو ما أشار إليه الإمام الصادق (عليه السلام) حينما سأله سائل بقوله: قلت له: ما العقل؟ قال (عليه السلام): «ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان» قال: قلت: فما الذي كان في معاوية؟ فقال (عليه السلام): «تلك النكراء، تلك الشيطنة، و هي شبيهة بالعقل و ليست بالعقل». الكافي، ج 1، ص 11.
2) المجادلة: 11.
لقد جاء ذكر «الوجدان الأخلاقي» في القرآن الكريم قرينا لذكر القيامة، حيث ذكرا في مكان واحد، فقد أقسم اللّه (جل جلاله) ب «النفس اللوّامة» التي هي تعبير مساوق لمصطلح «الوجدان الأخلاقي». يقول (تعالى) في ذلك: «لاٰ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ. وَ لاٰ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اَللَّوّٰامَةِ»(1).
إنّ استخدام القرآن الكريم لتعبير «النفس اللوّامة» و ذكرها مع ذكر «القيامة» يستبطن معاني دقيقة. إذ المعروف أنّ الإنسان لا ينفعه في يوم القيامة مقامه و لا ثروته، و لا تقبل منه رشوة أوفدية «وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاٰ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لاٰ يُقْبَلُ مِنْهٰا شَفٰاعَةٌ وَ لاٰ يُؤْخَذُ مِنْهٰا عَدْلٌ وَ لاٰ هُمْ يُنْصَرُونَ»(2).
و في هذا الوقت الذي يواجه الإنسان فيه مصيره، يكون و خز الضمير و ضربات «وجدانه الأخلاقي» الذي يصطلح عليه القرآن الكريم ب «النفس اللوّامة» من الشدّة و العنف بحيث لا يهدأ معه الإنسان و لا يستقرّ، و لا تنفعه الحيلة أو الزور.
من هذه الزاوية بالذات ننظر إلى «الوجدان الأخلاقي» بوصفه حارسا يقظا و عاملا مؤثّرا و فاعلا. فالوجدان الأخلاقي يحذّر الإنسان باستمرار من مغّبة ارتكاب الذنب قبل ارتكابه، و ينبّهه إلى العواقب السيّئة و الوخيمة التي تترتّب عليه في الدنيا و الآخرة. و في حال ارتكاب الإنسان للمعصية و الذنب، يعمل الوجدان الأخلاقي على ردع صاحبه عن الاستمرار في ذلك و يدعوه للأوبة و الرجوع. أمّا بعد ارتكاب الذنب فيبدأ الوجدان الأخلاقي بتقريع صاحبه و تبكيته و لومه على ما صدر منه.
لهذه الأسباب يعبّر القرآن الكريم عن هذه الحالة ب «النفس اللوّامة».
على صعيد آخر، نرى أنّ ل «الوجدان الأخلاقي» بعد آخر. فعندما يهمّ الإنسان بفعل الخير، و أثناء فعله له و بعده، نجد الوجدان يشجع الإنسان و يرغبه في
ذلك، و دوره من هذه الزاوية أنّه يمهّد لصاحبه الأرضية المناسبة اللائقة لإنجاز الأعمال الصالحة.
من ذلك كلّه نتبّين أهميّة هذا العامل و دوره؛ و ما اقسم القرآن به في قوله (تعالى): «لاٰ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ. وَ لاٰ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اَللَّوّٰامَةِ»(1)إلاّ دليل آخر على أهميّة هذا العامل و دوره في مسيرة «الجهاد الأكبر».
يعطي الإسلام العامل التربوي أهميّة كبيرة، بحيث يقول (سبحانه): «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً وَقُودُهَا اَلنّٰاسُ وَ اَلْحِجٰارَةُ»(2).
إنّ الآية الكريمة تدعو الإنسان إلى أن يسلك سبيل التربية الإلهية ليقي نفسه و أسرته من نار جهنّم.
و في مكان آخر يقول (تعالى): «قُلْ إِنَّ اَلْخٰاسِرِينَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ، أَلاٰ ذٰلِكَ هُوَ اَلْخُسْرٰانُ اَلْمُبِينُ»(3).
تتحدّث الآية بصراحة عن فئة من الناس ينالها الشقاء و الخسران في يوم القيامة؛ و السبب في شقاء هذه الطائفة أنّها لم تكن تهتم بتربية نفسها و رعاية أهليها في الحياة الدنيا، و لم تكن تعنى بإصلاح أمورهم، بل كانت تربيتها سيّئة.
و الآيتان الكريمتان الآنفتان تكشفان عن أهمّية العامل التربوي و دوره من وجهة نظر الإسلام.
لا يخفى على أحد أنّ للإسلام مجموعة من القوانين و الحدود و الأنظمة
الضابطة. و الملاحظ أنّ هذه القوانين من السعة بحيث تشمل جوانب الحياة المختلفة، و تحيط بالموضوعات الحقوقية و الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و العائلية و العبادية و غير ذلك. و القرآن الكريم يحثّ بشكل مؤكّد على رعاية هذه القوانين و الالتزام بها، و يعتبر التعدّي عن حدودها ظلما. يقول (تعالى): «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ»(1).
و من المؤكّد أنّ اللّه (سبحانه) لا يهدي الظالمين و لا يشملهم برحمته و عنايته و هدايته.
من ذلك نتبّين أنّ الإسلام يهتم بالعامل القانوني و يؤيّد دوره في الهداية و مسيرة «الجهاد الأكبر».
إنّ «الرقابة الاجتماعية» هي اصطلاح مساوق للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و كلّنا يعرف أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من فروع الدين الحنيف.
يقول تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ»(2).
و معنى الآية أنّ المجتمع لا يكون إسلاميا حقّا إلاّ بتحقّق فريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
و في إشارة أخرى لأهمّية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، يقول (تعالى):
«وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ» (3).
يتّضح من هذه الإشارة المختصرة دور «الرقابة الاجتماعية» أو «الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر».
نشير أوّلا إلى ما أكدناه في فقرة سابقة من هذا الفصل، من أنّ العوامل الستّة؛ أي العقل و العمل و الوجدان الأخلاقي و التربية و القانون و الرقابة الاجتماعية، قادرة على ضبط «النفس اللوّامة» و السيطرة عليها في الظروف و الأوضاع العادية.
لذلك أولى الإسلام هذه العوامل اهتماما بارزا، حتى بلغ من ذلك أن نهض علماء الإسلام بتصنيف مجموعة من الكتب و المؤلّفات المتنوّعة حول دور و أهمية كل عامل من هذه العوامل. و ليس ثّمة شك بأن دراسات علماء الإسلام في هذا السياق امتازت بسعة البحث و التحقيق، حتى بلغت في قيمتها و أهمّيتها شأوا كبيرا. و لكن كما سبق ان أكّدنا ذلك مرارا، فإنّ مجال عمل هذه «العوامل» يقتصر على حالات الإنسان العادية و ظروفه الطبيعية، أمّا عندما تشتدّ أزمته الداخلية و يطغى الجانب الغرائزي ذو الميول المادية و الحيوانية فإنّ أيّا من هذه العوامل لا يستطيع أن يضبط الإنسان بمفرده، بل لا تستطيع العوامل مجتمعة أن تواجه جنود الشيطان و تقف في وجه النفس الأمّارة.
لذلك كلّه نبقى بحاجة إلى عامل آخر يكون بمقدوره مواجهة عواصف النفس الأمّارة و الوقوف في وجه طغيانها و علوّها و نزوعها نحو الشهوات الحيوانية و الميول المادية. فالإنسان مثلا إذا غضب لا يستطيع أحد أن يقف في مواجهته، و إذا جاع يطغى، حتّى أنّه يضحي بأطفاله، فهل يا ترى تستطيع العوامل الستّة المذكورة آنفا أن تحفظ الإنسان عند حدوده و تمنعه من الطغيان فتبقيه على توازنه؟
يعوّل البعض على العلم كثيرا، و كأنّ دنيانا المعاصرة تفتقد العلم!
و إذا كان العلم حائلا أمام طغيان الإنسان، فلماذا يقذف «المتعلّمون» و «المتمدنون» بحمم صواريخهم على بيوت المدنيين الآمنين؟
بلغت البشرية شأوا كبيرا في التقدّم العلمي حتى أتيحت للإنسان فرص تفجير
الذرّة، و لكن رغم هذا التقدّم و في موازاته وجدنا مسخ القيم الإنسانية، حتى كأنّه لا ثمرة لانفلاق الذرّة و تقدّم الإنسان في هذا المضمار؛ إلاّ إلقاء القنابل الذرية على المدنيين الآمنين في هيروشيما و ناكازاكي حيث قتل ما يقارب المائة ألف إنسان!
إننا لا نجد في هذه الإشارة السريعة إلاّ أن نقول للفيلسوف افلاطون (الذي يذهب إلى إمكان سيطرة الإنسان على نوازعه بالعلم) إنّ العلم يا سيّدي و إن استطاع أن يفلق الذرّة، إلاّ أنّه لم يستطع بحال أن يليّن النفس و يضبط الميول الشريرة في الإنسان، و لا أن يمنع طغيانه، بل نستطيع أن نؤكّد بأنّ العلم زاد في طبائعه الوحشية و رسّخ بعض اتجاهاته الدموية.
إنّ «التربية» و «القانون» هما اليوم من العوامل البارزة التي تدخل في تكوين ما يصطلح عليه بالحضارة المعاصرة، حتى بلغ الأمر بالإنسان (المتمدن) ان وضع قوانين لحماية الحيوانات و الدفاع عن حقوقها. و لكنّ هذا العالم الذي سنّ قوانين لحماية الحيواناتو الدفاع عنها يشهد مفارقات عجيبة على صعيد حقوق الإنسان، فالقنابل و الظلم و الخراب ينزل يوميا من قبل القوى المستكبرة على رؤوس المسلمين في أفغانستان و لبنان و ايران و غيرها، و الحملة مستمرّة من قبل المستكبرين ضدّ مستضعفي العالم في كلّ مكان.
و من المؤكّد انّ عالمنا المعاصر يوجد فيه «القانون» و «التربية» معا، إلاّ انّ الذي نراه انّ هذين العاملين ليس بمقدورهما الحدّ من الطبائع الوحشية و نوازع النهب. و السرّ في ذلك انّهما مقيّدان بحدود معيّنة، بحيث لا يستطيع تأثيرهما أن يتجاوز دائرة بعينها. فحينما تطغى الغرائز و يتجاوز الإنسان الحدود فإنّ هذين العاملين يفقدان تأثيرهما!
نجد أنّ عجز العوامل الستّة الآنفة أو محدودية مجال عملها يعود بالدرجة
الأساس إلى طغيان غريزة «حبّ الدنيا» لدى الإنسان. أي إذا فتّشنا عن سبب فشل العوامل الستّة فلن نجده إلاّ في طغيان غريزة «حبّ الدنيا». فالذنوب جميعا تستقي جذورها من هذه الغريزة (حبّ الدنيا) و إذا طغت هذه الشهوة لدى الإنسان فسيكون مستعدّا لارتكاب أي عمل مهما بدا قاسيا.
إنّ العامل الأقوى القادر على ضبط الإنسان و السيطرة عليه، و الذي يتفوّق في قدرته على العوامل الستّة المذكورة هو عامل «الاعتقاد بالمبدأ و المعاد».
فيقين الإنسان بعالم البرزخ و بالحساب و الكتاب و الجنّة و النار، يعدّ العامل الأساس في ضبط الإنسان و هدايته.
يقول (سبحانه) في القرآن الكريم: «لاٰ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ. وَ لاٰ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اَللَّوّٰامَةِ. أَ يَحْسَبُ اَلْإِنْسٰانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظٰامَهُ. بَلىٰ قٰادِرِينَ عَلىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنٰانَهُ.
بَلْ يُرِيدُ اَلْإِنْسٰانُ لِيَفْجُرَ أَمٰامَهُ. يَسْئَلُ أَيّٰانَ يَوْمُ اَلْقِيٰامَةِ» (1). إنّ الإنسان ينكر الحساب و الكتاب و يكذّب بيوم القيامة لأنّه يريد أن يفعل ما يشاء دون أن تكون أمامه موانع أو قيود. لذلك جاءت الآيات الأولى من سورة «القيامة» التي افتتحنا بها الفصل، لتشير بشكل عام إلى أنّ الاعتقاد بالمعاد و الحساب و الكتاب تجعل الإنسان يسيطر على غرائزه و يحول دون طغيان نزواته و ميوله النفسية.
و كذلك نقرأ في سورة «المطففين» انّ الإنسان إذا وصل إلى درجة الظن بالمعاد فسيمتلك في نفسه قوّة قادرة على ضبطه. امّا إذا وصل إلى درجة اليقين بالمعاد، فإنّ يقينه بالآخرة هذا سيتحوّل إلى عامل أساس يضمن له السيطرة على ميوله و نزعاته النفسانية.
يقول تعالى: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتٰالُوا عَلَى اَلنّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَ لاٰ يَظُنُّ أُولٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَلِيَوْمٍ عَظِيمٍ»(2).
من المؤكّد انّ «الكاسب» ليس هو المصداق الوحيد للآية الكريمة، بل تشمل الآية أيضا الموظّف الذي لا يقوم بواجباته و العسكري الذي يخلّ بمسؤولياته، و كل إنسان يتقاضى أجرا على عمل معيّن، ثمّ يتهاون في أداء العمل و إنجازه، فهؤلاء
جميعا هم مصاديق لموضوع الحكم الكلّي الذي تتحدّث عنه الآية.
و من البديهي انّ الإنسان إذا آمن بالموت، و هو أوّل منازل الآخرة، و وعى جيّدا أهواله و ما يعانيه من سكرات الموت و صعوبة الاحتضار، كان ذلك رادعا له يحول دون طغيانه.
و فيما يلي من سطور نعرض إلى نموذجين لحالة الاحتضار و كيفية قبض الروح، ليكون ذلك مدخلا لتصوّر صعوبات الموت.
جاء في كتاب «لقاء اللّه»(1)في حالة من أخبر سلمان الفارسي عن تفاصيل موته و كيفية قبض روحه، حيث قال: «يا سلمان: القرض بالمقاريض و النشر بالمناشير، أسهل و أهون عليّ من غصة واحدة من غصص الموت [رغم انّي] كنت من أهل الخير و السعادة».
ثم يضيف في وصف ملك الموت:
«فإذا بشخص عظيم الجثّة مريب المنظر [ملأ] ما بين السماء و الأرض، جاء، فأشار إلى «عيني و لساني و سمعي» فعميت و خرست و بكمت...؛ إلى أن قال:
فقال ملك الموت: أبشر انّك من أهل الخير. و دنا منّي و جذب روحي، و كانت كلّ جذبة مكان كلّ شدّة تنزل من السماء إلى الأرض. و هكذا كان يجذب حتى بلغ إلى صدري، فإذا [ب] جذب جذبة واحدة شديدة بحيث لو وقعت على الجبال لذابت من شدّتها، فأخرج روحي»(2).
1) رسالة لقاء اللّه، من مؤلّفات العالم الربّاني الميرزا جواد الملكي التبريزي، معلّم الأخلاق، و هو صاحب منهج خاص في التربية و السلوك إلى اللّه. من مؤلّفاته كتاب «أسرار الصلاة» و «السير إلى اللّه» و «المراقبات» و غيرها، و ستمرّ ترجمة حياته مفصّلة في الفصل العاشر من الكتاب بإذن اللّه. [المترجم].
2) رسالة لقاء اللّه، ص 109-110 [المترجم].
روى الشيخ المفيد (رحمه اللّه) رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) في أحوال ملك الموت و كيفية قبض الروح، ننقلها بالمضمون:
«إذا أراد اللّه (عزّ و جلّ) قبض «روح الفاجر» أمر ملك الموت أن اذهب بأعوانك إلى عدوّي الذي أنعمت عليه بصنوف نعمي، و دعوته إلى دار السلام فلم يجب دعوتي و كفر نعمتي، و خذ بروحه الخبيثة و ألقها في جهنّم. فيجيء ملك الموت إليه و وجهه منقبض مهيب مظلم، مثل الليل المظلم، و نفسه مثل لهب النار، و عيناه مثل البرق الخاطف، و صوته مثل الرعد القاصف، رأسه في السماء و رجلاه في الهواء، أحدهما بالمشرق و الآخر بالمغرب، و بيده «سفّود»(1)له شعب كثيرة، مع خمسمائة من الملائكة و بيد كلّ واحد منهم سوط مشتعل، و حلس سود، و جمرة من نار جهنّم، و منهم السقاطيس (أو السقاطيل و هو من خزّان جهنّم) فيدنو منه فيسقيه شربة من شراب جهنّم، فإذا رأى الفاجر ذلك، يحار لبه و يستغيث و يقول: ردّوني إلى الدنيا، فيجاب: كلاّ إنّما هي كلمة هو قائلها. ثم يضربه بالسفّود الذي بيده، و يجذب به روحه من طرف رجليه، حتى إذا بلغ ركبتيه و لم يقدر على الحركة، أمر (ملك الموت) أعوانه أن يضربوه بأسواطهم و يذيقوه سكرات الموت، حتى إذا بلغت روحه إلى حلقومه، أخذوا يضربونه بالأسواط و يتلون قوله (تعالى): «أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذٰابَ اَلْهُونِ بِمٰا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللّٰهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آيٰاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ»(2).
«فإذا أخرجوا روحه وضعوا بدنه في مطرقة فيكسرونه من أطراف أصابعه إلى حدقتيه، فتخرج منه ريح منتنة يتأذّى منها أهل السماوات، فيلعنه اللّه وجميع أهل
لو قدّر للإنسان أن يتأمّل و لو قليلا بهذه الروايات و نظائرها، فسيعود إلى نفسه، و يحول دون طغيان ميوله النفسانية. ذلك لأننا لو افترضنا مجرّد احتمال وقوع هذه الحوادث لكان ذلك كافيا لردعنا عن اتباع الهوى.
أما هذه الحقيقة لا بدّ أن نصل إلى السؤال التالي: لماذا اذن يشيع كل هذا الظلم بيننا؛ و لماذا تتمّ مخالفة الأحكام الإلهية و الابتعاد عنها؟
الجواب واضح؛ فالسبب في كل ذلك أننا لم نصل بعد إلى درجة «اليقين» بيوم القيامة و الجزاء. ذلك انّ اليقين و العلم شيئان يختلفان عن بعضهما البعض.
فالعلم هو المعرفة، أمّا اليقين فهو الوصول إلى درجة الاطمئنان القلبي و تحصيله.
و لكي يتّضح هذا الفارق بشكل أفضل نشير فيما يلي إلى بعض المفاهيم التي ترتبط بالعلم و اليقين.
يمكن أن نقسّم العلم، من زاوية البحث الذي نحن بصدده، إلى قسمين هما:
أ: العلوم التي ترتبط بالعقل. و مثالها الأفكار العقلية التي تستدعي إقامة البراهين
1) النص نقلناه عن «رسالة لقاء اللّه» ص 110-111، و بالنسبة للصورة المفزعة لملك الموت، جاء في الخبر، إنّ إبراهيم الخليل (عليه السلام) قال لملك الموت: هل تستطيع أن تريني صورتك التي تقبض فيها روح الفاجر؟ قال: لا تطيق ذلك. قال: بلى، قال: فأعرض عنّي، فأعرض عنه ثم التفت، فإذا هو برجل أسود، قائم الشعر، منتن الريح، أسود الثياب، يخرج من فيه و مناخره لهيب النار و الدخان، فغشي على إبراهيم، ثم أفاق، فقال: لو لم يلق الفاجر عند موته إلاّ وجهك لكان حسبه. البحار، ج 6، ص 143.
الفلسفية، و كنموذج على هذا النمط من الأفكار يمكن أن نيشير إلى البراهين و الأدلّة التي سوف نستعين بها لإثبات الاعتقاد بالمعاد.
إنّ العلم بالمعاد و الاستدلال العقلي على إثباته و إن كان ضروريّا، إلاّ انّه لا يعدّ فعّالا في حركة الإنسان و مسيرة نحو اللّه، ذلك انّ العلم وحده لا يمكن أن يكون عاملا حاسما في السيطرة على الإنسان و ضبط نوازعه.
ب: العلوم التي ترتبط بالقلب، و يطلق عليها أيضا اصطلاح «المعرفة». و هذه الفئة من العلوم هي على عكس القسم الأوّل، إذ انّها لا تكتسب بالتعلّم، و انّما بالذوق و الارتقاء المعنوي، و الوسيلة الوحيدة للحصول عليها هو العمل.
و هذا اللون من العلم يعدّ من إشراقات الأنوار الإلهية، و هو الذي يطلق عليه «اليقين». لذلك يمكن أن نقرّر انّ اليقين حالة تلمس بالقلب و لا تشاهد بالعين.
نقرأ في دعاء أبي حمزة الثمالي المروي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام): «اللّهمّ إنّي أسئلك إيمانا تباشر به قلبي و يقينا صادقا حتى أعلم انّه لن يصيبني إلاّ ما كتبت لي، و رضّني من العيش بما قسمت لي يا أرحم الراحمين»(1).
يطلب الإمام السجّاد (عليه السلام) في هذا الدعاء، من اللّه (سبحانه) إيمانا و يقينا قلبيّا لا عقليّا، لأنّ تصديق القب و تيقّنه هو الذي يبعث في الإنسان الحركة، و يكون فاعلا و مفيدا في التزامه و ثباته، لا مجرّد العلم (العقلي) بالمعاد.
إنّ غفلة الإنسان عن وحشة الليلة الأولى في القبر، و عن فزع القيامة و أهوال الصف و الحساب و المحشر، هي التي تجعله لاهيا منشغلا عن نفسه و مصيره، و حالما
1) يلاحظ نص الدعاء في مفاتيح الجنان، أدعية أسحار شهر رمضان.
يتيقظ الإنسان لهذه المخاطر و الأهوال و ينتبه إلى نفسه، يجد نفسه في القبر!
و قد عبّر الحديث الشريف عن هذه الحقيقة بالقول: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا»(1).
أمّا القرآن الكريم فقد عبّر عنها في الآيات الكريمة: «أَلْهٰاكُمُ اَلتَّكٰاثُرُ. حَتّٰى زُرْتُمُ اَلْمَقٰابِرَ. كَلاّٰ سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلاّٰ سَوْفَ تَعْلَمُونَ. كَلاّٰ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهٰا عَيْنَ اَلْيَقِينِ. ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اَلنَّعِيمِ»(2).
لو لم يكن الإنسان غافلا، و لو كانت له مرتبة ضعيفة من اليقين بالمعاد و حوادت ما بعد الموت، من عوالم القبر و البرزخ؛ لما ترك زمام نفسه بيد أهوائه، و لما ترك نفسه تقف ذلك الموقف السيئ (بين يدي اللّهسبحانه) يوم يسأل عن النعم الإلهية، و أعظمها نعمة ولاية أهل بيت العصمة (عليهم السلام) و عن السلامة و الأمن و العقل، ماذا فعل بها!
يحكى أنّ قحطا أصاب مدينة، حتّى وصل أهلها إلى درجة مريعة من الفقر و البؤس و الفاقة. و كان من بين سكّان المدينة امرأة علوية (شريفة النسب) لها مجموعة من الأطفال اليتامى. و قد وصلت حالة الجوع بالأطفال في إحدى الليالي مبلغا عظيما، حتى اضطرّت أمّهم أن تذهب إلى رجل حدّاد و تطلب منه العون و طعاما لأولادها. و لكنّ الحدّاد طلب من المرأة أن تعطيه نفسها حتى يمارس معها اللّذة الحرام. رفضت المرأة و عادت إلى بيتها و هي متألمة لحال أطفالها، و من طلب الحدّاد.
في الليلة الثانية وصلت حالة الأطفال إلى مرحلة خطيرة من الجوع، و أصبح الموت يهدّدهم، فذهبت أمّهم مجدّدا إلى الحدّاد لتطلب منه غذاء لأطفالها، بيد انّه
كرّر عليها طلبه السابق ثمنا للطعام، فرفضت المرأة و عادت إلى بيتها.
في الليلة الثالثة أصبحت حالة الأطفال لا تطاق، بحيث صاروا على مشارف الموت، فاضطرّت أمّهم للذهاب إلى الحدّاد الذي جدّد طلبه، فأذعنت المرأة و اشترطت عليه أن يتم لقاؤهما في مكان لا ينظر فيه إليهما أحد، فوافق الحدّاد.
طلب الحدّاد الذي فرح لموافقة المرأة، أن تدخل معه إلى بيته، و ما ان دخلت البيت حتى بدأ جسمها يرتجف خوفا و وجلا، ثم التفتت إلى الحدّاد قائلة: لماذا لم تف بالشرط؟
سألها الحدّاد بتعجّب: و هل تجدين في البيت أحدا سوانا؟
أجابت المرأة: نعم، إنّه اللّه (جلّ جلاله) الذي ينظر و يرى. ثمّ إنّ هناك إلى جانب كلّ واحد منّا ملكين مقرّبين موكلين من قبل اللّه (سبحانه) بإثبات ما نفعله في صحيفة أعمالنا. و ذلك قوله (جلّ و علا): «مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّٰ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»(1).
عندما أتّمت المرأة حديثها انطفأت شهوة الرجل تماما، و بدأ جسده بالارتعاش، فندم على ما بدر منه، و التجأ إلى اللّه، فتاب و أناب.
في هذه اللحظة، و عندما رأت المرأة الصالحة ما بدر من الرجل، دعت له و قالت: طالما انطفأت شهوتك المحرّمة، أسأل اللّه أن يطفئ عنك لظى النار في الدنيا و الآخرة.
تقول الحكاية في عاقبة الرجل الحدّاد، انّه كان يخرج أسياخ الحديد المحمية بالنار بيده دون أن يحترق أو يتأذّى.
إنّ محل الشاهد في القصّة، هو الإشارة إلى دور المعرفة و اليقين بالمبدأ و المعاد. إذ يتّضح بجلاء أنّ أي عامل ليس بمقدوره أن يسيطر على الإنسان وى هيمن على غرائزه و شهواته و ميوله كما يفعل ذلك عامل الإيمان و اليقين باللّه و اليوم الآخر.
1) ق: 18.
نظرا لأهميّة «المعد» و دوره، نرى الآيات المكيّة غالبا ما تتحدّث عن المعاد و يوم القيامة و الجنّة و النار، لأنّ المرحلة المكية استهدفت تحكيم قواعد الإسلام و ترسيخ أسسه. لقد كانت المسؤولية الكبرى على عاتق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مكّة هي إرساء قواعد الإسلام، لذلك استعان (صلّى اللّه عليه و آله) بالمعاد من أجل تحقيق هذه الغاية، حيث نجد الآيات المكية تتحدّث عن ألوان العذاب في جهنّم و مشاهد القيامة الأخرى و تكشف عمّا يجري للإنسان في الصف و المحشر.
أشرنا سابقا إلى أنّ العلم بالمعاد يستحصل من خلال مطالعة الكتب الفلسفية و الكلامية و دراستها، و الاطّلاع على التفاسير و الروايات. و لكن مجرّد «العلم» بالمعاد لا يعدّ عاملا مؤثّرا في سلوك الإنسان، و إنّما الذي يؤثّر هو «التصديق» بالمعاد و «اليقين» باليوم الآخر، و بالجنّة و النار.
بيد أنّ المشكلة التي سبق أن أشرنا إليها أيضاأنّ حالة التصديق و اليقين القلبي لا تكتسب بالتعلّم و الدرس، و إنّما الوسيلة الوحيدة لتحقيقها هي العمل.
بمعنى أنّ «اليقين» رهين بأداء الإنسان لصلاته في أوّل وقتها، مع حضور القلب و الخشوع، و اكتساب «اليقين» رهين بأداء الصوم الذي له أكبر الأثر في استحصال الحالة، و بالذات أداء «الصيام الخاص» أي الصوم عن كلّ ما يخالف رضا اللّه (سبحانه)، ففي الصيام الخاص تصوم جوارح الإنسان، أذنه و عينه و لسانه؛ و يصوم قلبه و أخفى نقاط ضميره، و في الصوم (الخاص) ينقطع الإنسان عن مشاهدة كلّ ما سوى اللّه، بحيث لا يرى غيره (جلّ و علا) و هذه أعلى مراتب الصيام.
إنّ صوما كهذا هو الذي يعقبه «العيد». و حقيقة مثل هذا «العيد» هو وصول الصائم إلى مقام التوحيد في الأفعال، و إلى درجة المعرفة و اليقين بالمعاد.
يقول (تعالى) في شأن الصيام: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»(1).
بمعنى أنّ الإنسان إذا وفّق للصوم شهرا كاملا بحيث تصوم جمع جوارحه و أعضائه، و يصوم قلبه و فكره و نيّته أيضا، فسيحصل على ملكه الورع و الامتناع عن الأعمال المحرّمة، و سيكون من بركة هذا الصيام و «عيد» الصائم بعده، حصوله على المعرفة و وصوله إلى درجة اليقين بالمعاد.
و من الأمور التي تعين الإنسان في الوصول إلى درجة م اليقين، هي قيامه في الليل و تهجّده ودعاؤه فيه(2). بالإضافة إلى المواظبة على الأدعية المختلفة كدعاء الافتتاح و دعاء السحر المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، و المناجاة الخمسة عشر، و الزيارة الشعبانية و دعاء كميل و الندبة و غيرها.
إنّ المناجاة و التهجّد و الدعاء بين يدي اللّه (سبحانه) تمنح الإنسان نورا في قلبه، و تجعله مستبصرا «موقنا».
لذلك، كلّ رجائي إلى إخوتي، أن يبتعدوا عن الذنوب، و يسعوا لترسيخ حالة «اليقين» في قلوبهم، و أن يستحضروا دائما الآية الكريمة: «وَ قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ. وَ سَتُرَدُّونَ إِلىٰ عٰالِمِ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهٰادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(3).
1) البقرة: 183.
2) في فضيلة قيام الليل و التهجّد فيه يمكن مراجعة «رسالة لقاء اللّه» الصفحات: 74-77، و كذلك: 90-95، و من الأحاديث الواردة في هذه الرسالة ما روي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «انّ شرف المؤمن صلاته بالليل». و ما رواه ابن مسعود عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «حسب الرجل من الخيبة أن يبيت ليلة لا يصلّي فيها ركعتين و لايذكر اللّه فيها حتّى يصبح» و كذلك قول الصادق (عليه السلام): «إنّ العبد إذا تخلّى بسيّده في جوف الليل المظلم وناجاه، أثبت النور في قلبه». [المترجم]
3) التوبة: 105.
علينا أن نتذكّر دائما بأننا في محضر اللّه (سبحانه) و بين يدي رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) و من بينهم الإمام المهدي (عليه السلام)، لذلك علينا أن نراعي حرمة حضورنا بين هؤلاء.
و من أجل رعاية هذه الحرمة، أوصى علماء الأخلاق و السير و السلوك برعاية مجموعة من الأمور، و أمروا ب «المشارطة» و «المراقبة» و «المحاسبة» و «المعاقبة و المعاتبة». و في الفقرات التالية، نشير بشكل إجمالي إلى معاني هذه «الحالات» و دلالاتها و المقصود منها:
ينبغي للمؤمن بعد استيقاظه من نومه، و بعد ادائه للنوافل و الفرائض، أن يجلس وحده و «يشارط» نفسه، بأن يذكّرها بالموت و بعقبات حياة ما بعد الموت، و يفكّر بيوم الحسرة و الندامة، يوم ينقطع الإنسان بالموت عن عمله و دنياه، و يكون عرضة لعذابات جهنّم و أهوال نيرانها و مقامعها، و هو المصير الذي يؤول إليه نتيجة أعماله السيّئة و معاصيه.
و عليه أيضا أن «يشارط» في هذا المقام جميع أعضائه بدنه، لا سيما عينه و أذنه و لسانه، و ان يتعاهدها بالخير و يحذّرها من المعاصي و الذنوب، لكي يضع بذلك قدمه على بداية المسيرة الإلهية التي تقوده أشواطها لتحقيق سعادة الدنيا و النجاة في الآخرة.
إنّ الركن الثاني من أركان الحركة التي ينتهجها الإنسان المؤمن نحو اللّه، هو «المراقبة». و «المراقبة» تعني انّ الإنسان ينبغي أن يكون على يقين بانّ اللّه (سبحانه) يراقب أعماله و أفعاله و أقواله. «إِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً».
فإذا أحرز الإنسان مثل هذا اليقين، و عرف يقينا انّ علم اللّه (سبحانه) يحيط بجميع عالم الوجود، و آمن بأنّه (سبحانه) مطّلع على نوايا الأفئدة و أسرار الضمائر
و ما تكنّه و ما يخفيه الإنسان و يضمره في سرّ السرّ، فسيراقب أعماله و يتحكّم بتصرّفاته.
و بصدد «المراقبة الإلهيّة» ينقل انّ أحدهم سأل وليّا من أولياء اللّه بقوله:
ماذا أفعل حتى أمتنع عن النظرة المحرّمة؟
فأجاب: «اعلم بأنّه قبل أن يقع نظرك على الشيء المحرّم، أنّ هناك عينا أخرى تنظر إليك و تراقبك».
إنّ الذي يريد أن يكون قريبا إلى ربّه، و الذي يرغب بفلاح الدنيا و الآخرة، عليه أن يبادر قبل النوم بل في جميع الأوقات إلى «محاسبة» نفسه، و مساءلتها عمّا بدر منه من أعمال و أقوال، و عليه أن يراجع أعماله و ما قام به، يوميا(1).
و قد جاء في ذلك عن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) قوله: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم»(2).
المقصود ب «المعاتبة» أن يقوم الإنسان بعد محاسبة نفسه، و فيما إذا صدر منه ذنب، بتذكير النفس و عتابها عن الذي صدر منها، و تذكيرها ب «المشارطة» الصباحية، و لومها و تبكيتها، لطغيانها و لتجاوزها للحدود الإلهية و اهمالها لعهدها.
و الإنسان في «المعاتبة» يسأل نفسه؛ لماذا فضحته أمام اللّه و رسوله و الأئمّة
1) جاء في الحديث النبوي المشهور: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا قبل أن توزونوا، و يحّزوا للعرض الأكبر». [المترجم].
2) في مسألة «محاسبة النفس» و شؤون ذلك، يمكن مراجعة رسالة «محاسبة النفس» للعالم الجليل السيّد علي بن طاووس، الذي تشتهر كتبه في الدعاء و التربية، و يتميّز بمنهج خاص في المعرفة و السلوك. [المترجم].
(صلوات اللّه عليهم أجمعين) و لما جعلت وجهه مسودّا أمامهم؟(1)
و «المعاتبة» هي أن يسأل الإنسان نفسه و يقرعها: لماذا جعلت «نكتة»(2)سوداء تستقرّ في قلبي؟
و الإنسان يعاتب نفسه و يقرعها بقوله: اني لا أطيق عذاب جهنّم، و الأسوأ، اني لا أتحمّل موقف الخجل أمام ربّ العالمين؛ فلماذا تعرّضيني لكل ذلك؟
و هكذا ينبغي للإنسان المؤمن أن يستمر ب «المعاتبة» و لوم نفسه و تقريعها حتى تزول آثار المعصية.
أمّا «المعاقبة» فهي مرحلة بعد «المعاتبة». و يأتي دورها عندها لا تنفع «المعاتبة» و لا تؤثّر في إرجاع النفس وردعها عن الذنب.
و في «المعاقبة» يحدّد الإنسان لنفسه عقوبة على كل ذنب يذنبه. فإذا بدرت منه «الغيبة» يقرّر فيما بينه و بين نفسه أن يمتنع عن الكلام في أي شيء لعدّة أيّام، إلاّ ما كان منه ضروريّا، و إذا مالت نفسه للشراهة في الأكل و عبادة الطعام، يقرّر الصيام عدّة أيّام، و هكذا.
أخيرا، كلّي أمل أن تقودنا المواظبة على الأعمال و مراعاة شروط «الحالات» الآنفة إلى الخير و النور، و ان تفتح عوالم الملكوت فتفيض بعطاياها على قلوبنا، حتى تضيء نفوسنا، و تنبض بإشراقات النور الإلهي. م
1) تستفيض الأخبار في انّ أعمال الأمّة تعرض على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في كل اثنين و خميس فيعرفها، و كذلك تعرض على الأئمّة (عليهم السلام) القائمين مقامه، و هم المعنيون بقوله: «و المؤمنون» في قوله تعالى: «وَ قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ»، رسالة محاسبة النفس، السيّد ابن طاووس، ص 17. [المترجم].
2) يشير المؤلّف بكلمة «النكتة» إلى المفهوم الذي تتحدّث عنه الروايات على هذا الصعيد، و منها، كما في الكافي، قول الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب انمحت، و إن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبدا» الكافي، ج 2، كتاب الإيمان و الكفر، ص 271. [المترجم].
لا يعدّ الموت فناء و عدما من وجهة نظر القرآن و روايات أهل البيت و الفلاسفة الإلهيين، و انّما هو انتقال من نشأة إلى نشأة(1).
فكما انّ الإنسان يفتح عينه على هذه الدنيا من خلال «الولادة»، فكذلك يسمّى حال مغادرته لها ب «الموت». و من هذه الزاوية بالذات، ليس ثمّة فرق بين «الولادة» و «الموت»، إذ انّ كليهما انتقال من مرحلة ناقصة إلى مرحلة أكثر كمالا. و هذا الانتقال و التحوّل (السير التكاملي) يعمّ جميع الموجودات، و يتجلّى فيها جميعا، بما في ذلك الإنسان(2)
و الشيخ الرئيس المشهور بابن سينا هو من كبار حكماء الإسلام، حفظ القرآن في العاشرة، و برع منذ صغرة بالمنطق و الهندسة و النجوم، ثم درس العلوم الطبيعية و الطب و علوم ما بعد الطبيعة. من أشهر مؤلّفاته «الشفاء» في المنطق و الطبيعيات و الالهيات، و «القانون» في الطب و غيرها.
.1) جء في الحديث الشريف: «ما خلقتم للفناء، بل خلقتم للبقاء، و انّما تنقلون من دار إلى دار» البحار، ج 6، ص 249. [المترجم].
2) يشير الشيخ الرئيس في «الشفاء» إلى حقيقة حركة الانتقال و التحوّل الدائم في حياة الإنسان، حينما يذكر بأننا لا نستطيع رؤية الإنسانس أكثر من مرّة واحدة، لأنّ الإنسان الذي ننظر إليه في المرّة الثانية، هو غير إنسان النظرة الأولى، حيث يكون قد انتقل إلى مرتبة أخرى.
و الذي نستفيده من القرآن الكريم و الأحاديث و و الروايات الشريفة، انّ الإنسان لا يعدم بالموت، و ان الموت لا يعدّ فناء، بل هو انتقال من عالم إلى عالم و من نشأة إلى أخرى، و حياة الإنسان تستمرّ بالتكامل من خلال هذا الانتقال؛ بمعنى انّ الإنسان يبقى على تماميته و لا ينقص منه شيء بالانتقال، بل تنقله حركة الموت إلى مرتبة أعلى من مراتب التكامل و الرقي.
انّ مثل الموت للإنسان مثل الولادة بالنسبة للطفل. فالدنيا بتمام سعتها و جمالها و حسنها هي بالقياس للآخرة كبطن الأمّ بالنسبة إلى الدنيا. و لكن المشكلة انّ الطفل لا يعي حقيقة العالم الخارجي الذي يقع خارج عالمه (بطن الأمّ) إلى أن يولد و يغادر ظلماته الثلاث. و هكذا بالنسبة للإنسان الذي يبقى في الأغلب غريبا على عالم الآخرة، إلى أن تأزف ساعة الرحيل و يكون على مشارف الموت.
يقول (تعالى) في تبيان أفق منآفاق الحياة الأخروية: «وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ»(1).
و لكن هل يصدّق الإنسان فعلا انّ الغذاء الذي يتناوله في هذه الدنيا، هو رغم لذّته بمثابة الدم القذر بالقياس إلى طعام المتّقين في الآخرة؟
ليس بوسع الإنسان أن يصدّق ذلك حقّا، و لكن بمقدوره أن يعود مجدّدا إلى مثال الطفل، فعلى صعيد قضية الأكل نرى الفارق بين غذاء الطفل الذي يعيش في بطن أمّه على الدم، و بين الإنسان الذي يعيش في الدنيا على اللذائذ و الطيّبات.
انّه من غير الميسّر للانسان أن يدرك حقيقة الآخرة و الجنّة و النار، و مثله في ذلك مثل الطفل في بطن أمّه عندما نحدّثه عن العالم الخارجي، بما يزخر به من نجوم و مجرّات و شموس و أقمار و جبال و غابات و شلالات تنبض بالحركة و تمنح الحياة.
الشيء الوحيد الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان هو تصوّره لملامح عن العالم
1) آل عمران: 133.
الآخر؛ ذلك انّ حقيقة الآخرة شيء عجيب يبعث على الدهشة و الذهول، فليس الشمس هناك كشمسنا، و ليس الفضاء كفضائنا، و ليس الأطعمة و الأشربة كالتي نأكلها و نشربها في حياتنا الدنيا. انّ عالم الآخرة هو عالم «الحيوان» و فيه يحيا الإنسان حياة الأبد و الخلود.
يذكر أحد كبار العلماء عن استاذه، انّ حواس الإنسان تلتذ جميعا في الجنّة، عندما يتناول أي لذّة من لذائذها. و توضيح ذلك: انّ الإنسان لو تناول جرعة من الماء، فإنّ هذه الجرعة تبعث الّلذة في جميع حواسّه، حيث تدرك اذنه اللّذة التي تكون من صنف حاستها، كالاستمتاع بأنواع الموسيقى و النغمات الشجية. و تلتذّ العين برؤية الصور الجميلة و الألوان الزاهية و الأشكال المتنوّعة(1).
و كذا الحال بالنسبة للحواس الأخرى، حيث تستمتع باللذائذ أيضا.
انّ عالم الآخرة هو عالم «جمع الجموع»(2).
يقول تعالى: «فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(3).
1) لمن يعسر عليه هضم بعض المسائل في عوالم الآخرة و نعيمها، عليه أن يعود إلى القاعدة الواردة في الحديث الشريف: «كلّ شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه، و كلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه». و يكفي في التشويق إلى لذائذ الجنّة قول المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): «لو انّ ثوبا من ثياب أهل الجنّة ألقي إلى أهل الدنيا لم يحتمله أبصارهم و لماتوا من شهوة النظر إليه». تسلية الفؤاد، السيّد عبد اللّه شبّر، ص 220، و سيعاود المؤلّف الحديث عن لذائذ الجنّة في الفصول القادمة. [المترجم].
2) أي انّ لجميع أجزاء و جوارح الإنسان حكما واحدا في القيامة. فإذا التذّت جارحة بنعمة معيّنة من نعم الآخرة، التذّت معها بقيّة الجوارح.
3) السجدة: 17، جاء في الخبر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في تفسير الآية الكريمة: «و انّ في الجنّة لنهرا حافتاه الجواري... إلى أن قال (صلّى اللّه عليه و آله): «فيرفع (المؤمن) رأسه فإذا هو بزوجة قد كادت يذهب نورها نور عينه، قال: فتناديه قد ان لنا أن تكون لنا منك دولة، فيقول (المؤمن) لها: و من أنت؟ فتقول: أنا مّمن ذكر اللّه في القرآن «لَهُمْ مٰا يَشٰاؤُنَ فِيهٰا وَ لَدَيْنٰا مَزِيدٌ» فيجامعها في قوّة مائة شاب و يعانقها سبعين سنة من أعمار الأوّلين... إلى أن قال (صلّى اللّه عليه و آله): «ثم تشرف عليه أخرى أحسن وجها و أطيب ريحا من الأولى، فتناديه: قد آن لنا أن تكون لنا منك دولة، فيقول لها: و من أنت؟ فتقول: أنا مّمن ذكر اللّه في القرآن «فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ». يلاحظ الخبر بطوله في الاختصاص، ص 345-356. [المترجم].
يبدأ الإنسان «نطفة» في بطن أمّه، ثم ينتقل إلى مرحلة أكثر رقيّا فيتحوّل إلى «علقة»، و من «العلقة» يتبدّل إلى «مضغة» من دون أن يفيد أيّ شيء، بل يرتقي إلى مرتبة أكمل. و بعد ذلك يستمرّ تكوين الجنين في بطن الأمّ من خلال طيّه للمراحل التي تقوده نحو الاكتمال حتى يخرج ب «الولادة» انسانا كاملا سويّا. و الإنسان لا يفقد شيئا بالولادة، و انّما يكون فيها قد قطع شوطا باتجاه تكامله.
وكذلك يقال بالنسبة للموت، فالإنسان الذي يمضي من هذه النشأة إلى النشأة الأخرى، لا يفقد شيئا، و لا ينقص منه، و انّما يسرع به «الموت» إلى مشارف حياة الخلد و الأبدية، و بهذا المعنى يعتبر «الموت» مرحلة على طريق تكامل الإنسان و سيره التصاعدي نحو الخلود.
يعيش الجنين في بطن أمّه و له عين و أذن و يد و رجل و ما سوى ذلك، إلاّ انّه لا يتعامل معها هناك و لا يستفيد منها. و الذي نستفيده من هذا المثال، انّ الجنين المزوّد بكل تلك الأعضاء و الجوارح، مخلوق لغير عالمه، و انّه لن يمكث أبدا في بطن أمّه، و انّما سيغادرها إلى عالم آخر خلقت من أجله الآذان و الأعين و الأيدي
و الأرجل التي سيستفيد منها جميعا في حياته الجديدة.
و بعد ذلك نستطيع تطوير المثال لنجد انّ الطفل الذي يستوي عوده بعد الولادة فيبلغ مرحلة النضج و الرشد، أودعت فيه أشياء من المتيقن انّها لم تخلق لهذا العالم، و من جملة ذلك ميله الفطري نحو حياة أبدية خالدة.
من هذه الزاوية بالذات نجد انّ من يعتقد بأنّ الموت فناء و عدم، يخاف الموت و يستوحشه، و ذلك بعكس من يتطلّع إلى الحياة الخالدة بعد الموت، و يعتبر الموت مجرّد جسر إلى الحياة الأخرى.
و من بين ما يوجد في الإنسان ممّا لم يخلق لحياته الدنيا، هو تطلّعه الدائم نحو لذّة من دون أن يرافقها ألم، و شراب لا تقارنه غصّة.
و الشيء الأكيد انّ الحياة الدنيا لا تحتمل الجمع بين طرفي الامنية. فالحياة الدنيا تحفل بالتداخلات و الاختلفات، و لن يكون مقدار الإنسان أن يحيا فيها حياة اجتماعية متكافلة مندون أن يضحي ببعض رغباته و يحول دون الكثير من ميوله.
نرى على سبيل المثال، انّ الإنسان في سعيه نحو تشكيل الأسرة و انجاب الأطفال يحقّق لنفسه ضربا من اللّذة و الاستقرار، و لكن ثمّة وجه آخر لهذه الحقيقة، يتمثّل بألوان الصعوبات التي يتكبّدها، و المشاكل التي يعاني منها، حتى ذهب علماء النفس إلى انّ تربية طفل واحد تربية سليمة صحيحة تكلّف الوالدين زهرة شبابهما. إذن ليس في الحياة الدنيا أمن و استقرار مطلقا، و لا ينعم فيها الإنسان بالصحّة و السلامة الكاملة، فلذّتها قرينة الألم، و هي منقطعة ليست دائمة.
نتبّين من ذلك انّ قوى الإنسا و ميوله و غرائزه لا تنحصر جميعها و لا تحدّ في هذه الدنيا، و انّ استعدادات الإنسان لا تتحوّل بتمامها في هذه الدنيا، من مرحلة القوّة إلى مرحلة الفعل؛ و بالتالي نصل إلى حقيقة وجود عالم آخر (بالضرورة)، أبدي و خالد لا تقترن لذّته بالألم و لا شرابه بالغصّة(1).
1) للارتباط بالدنيا انعكاسات خطيرة على حياة الإنسان و مصيره، فقد جاء في الحديث الشريف: «من تعلّق قلبه بالدنيا تعلّق منها بثلاث خصال: همّ لا ينفى، و أمل لا يدرك، و رجاء لا ينال». الخصال، ج 1، ص 88. [المترجم].
أي لا بدّ أن يكون ثمّة عالم آخر تكون الحياة فيه كاملة و مطلقة.
ثمّة علل أساسية تكمن وراء خوف الإنسان من الموت، يمكن أن نشير إليها كما يلي:
فعندما يجهل الإنسان حقيقة الموت و يعتبره فناء و عدما، فسيخافه و يخشاه. امّا عندما يعي حقيقة الموت كما هي، و يصل في ذلك الى درجة اليقين، فانّ خوفه سيهدأ و يقلّ، و ينظر إلى الموت على انّه كمال.
لذلك نجد الإمام أمير المؤمنين عليّا (عليه السلام) قد أدرك حقيقة الموت بشكل كامل، يقول: «و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه»(1).
و عن علاقة المؤمنين المّتقين بالموتى قول (عليه السلام): «لو لا الأجل الذي كتب اللّه عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب و خوفا من العقاب»(2).
و ينشأ الخوف من الموت أحيانا من ارتباط الإنسان بالدنيا و تعلّقه بها، بحيث يكون جسده و احتياجاته المادّية هو غاية همّه و منتهى جهده.
مثل هذا الإنسان يخشى الموت لأنّه مندمج بحياته الدنيا غاطس بملذّات عالم
1) نهج البلاغة، ص 57.
2) نهج البلاغة، ص 612. و بالنسبة إلى هذه النقطة بالذات، أي خوف الإنسان من الموت لجهله و سرور المؤمن لمعرفته، جاء في الخبر، انّ الإمام الحسن، سئل: ما الموت الذي جهلوه؟ قال (عليه السلام): «أعظم سرور يرد على المؤمنين إذا نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، و أعظم ثبور يرد على الكافرين إذا نقلوا عن جنّتهم إلى نار لا تبيد و لا تنقد» البحار، ج 6، ص 154. [المترجم].
المادة و الطبيعة، فهو غريب على العالم الجديد الذي ينتقل إليه بعد الموت، يجهله و لا يعرفه. لقد جعل الحياة الدنيا منزله الحقيقي، فأخلد إلى الأرض و تطبّع بطباع الدنيا و تعلّق بها أشدّ التعلّق(1).
لذلك تجد مثل هذا الإنسان ينقلب إلى حالة سيّئة عند احتضاره و قرب وفاته، و سيكون حاله كما يحكي عنه القرآن الكريم: «وَ لَوْ شِئْنٰا لَرَفَعْنٰاهُ بِهٰا وَ لٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوٰاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ»(2)، امّا إذا أحكم الإنسان علاقته و هو في هذه الدنيا، بعالم الآخرة، و أحبّ لقاء اللّه و ملائكته، و اشتقاق إلى رضوانه، و تمسّك بولاية أهل بيت رسول اللّه (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و لم يجعل الدنيا أكبر همّه، فسيغلبه الشوق إلى العالم الآخر، و يتمنّى الانتقال إلى الرضوان و دار السلام ليلقى الأحبة(3).
و عند ذلك لن يخاف الموت، بل سيكون إحلى من العسل(4).
و مّما ينسب للإمام علي (عليه السلام) في راحة النفس الصابرة بعد الموت:
1) قام رجل إلى الإمام الحسن (عليه السلام) فسأله: يا ابن رسول اللّه ما بالنا نكره الموت و لا نحبّه؟ فقال: انّكم أخربتم آخرتكم و عمّرتم دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب» بحار الأنوار، ج 6، ص 129. و ورد في الحديث أيضا انّ: «الدنيا جنّة الكافر، و القبر سجنه، و النار مأواه» نفس المصدر، ص 169. [المترجم]
2) الأعراف: 176.
3) جاء في الحديث الشريف عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من أحبّ لقاء اللّه، أحبّ اللّه لقاءه، و من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه».
4) انّما يكون الموت بهذه الصفة للمؤمن لأنّه يستريح من الدنيا و يكون على مشارف النعيم الأبدي، لذلك جاء في الخبر: قيل للإمام الصادق (عليه السلام): صف لنا الموت، قال: «للمؤمن كأطيب ريح يشمّه فينعس لطيبه، و ينقطع التعب و الألم كلّه عنه». و عن الإمام السجّاد عندما سئل: ما الموت؟ قال (عليه السلام): «للمؤمن كنزع ثياب و سخة قملة، و فك قيود و أغلال ثقيلة، و الاستبدال بأفخر الثياب و أطيبها روائح، و أوطأ المراكب، و آنس المنازل» البحار، ج 6، ص 152، 155. [المترجم].
إنّي أقول لنفسي و هي ضيقة *** و قد أناخ عليها الدهر بالعجب
صبرا على شدّة الأيّام إنّ لها *** عقبى و ما الصبر إلاّ عند ذي الحسب
سيفتح اللّه عن قرب بنافعة *** فيها لمثلك راحات من التعب
و قيل في منقلب النفس المطمئنة:
للّه نفس امرئ موفقة *** آوت إلى ربّها فآواها
شرّفها ربّها و أكرمها *** و من مياه اليقين أرواها
سمت إليه بحسن فكرتها *** ثم صفا ودّها فأصفاها
تلك التئ دعت لحاجتها *** أجابها مسرعا و لبّاها(1)
لذلك كلّه كان استاذنا الجليل الإمام الخميني يوصينا دائما أن نقطع دابر حبّ الدنيا من أنفسنا، و ان نبتعد عن حبّ المال و الرئاسة و اغراءات الدنيا الأخرى، و إلاّ فإذا جاءت ساعتنا و نزل بنا الموت، و قلوبنا مشدودة إلى هذه الدنيا، فسيحلّ بنا شديدا صعبا مهولا.
لقد جاء في الحديث الشريف: «انّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتّباع الهوى و طول الأمل. فأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحق، و أمّا طول الأمل فينسي الآخرة».
السبب الثالث الذي يدفع الإنسان للخوف من الموت، هو عدم تهيئته لمتاع الآخرة و زاد المعاد، فيخشى السفر إلى عالم ما بعد الموت، حيث لم يتزوّد بالعمل الصالح الذي يعوّل عليه في نجاته و خلاصه.
يقول تعالى: «قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ هٰادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيٰاءُ لِلّٰهِ مِنْ دُونِ اَلنّٰاسِ فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ. وَ لاٰ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ بِالظّٰالِمِينَ»(2).
يعتقد كل من يقرّ بوجود اللّه (سبحانه) بالمعاد، إذ لا يمكن فيما يبدوان نجد إنسانا يؤمن بالمبدأ و ينكر المعاد.
و بشأن إثبات أصل المعاد فقد جاؤوا بأدلّة كثيرة. و لكن لمّا كان بحثنا يدور في إطار الرؤية القرآنية، فسنشير إلى أدلّة القرآن في إثبات المسألة فقط.
في طليعة الأدلّة التي نوردها لإثبات يوم الجزاء، هو دليل الفطرة. و طبيعة هذا الدليل تقتضي أن يصل الإنسان بنفسه للاعتقاد ب «المبدأ» و الإيمان ب «المعاد» إذا تخلّى عن الاصطلاحات و الخرافات و كل ما يعكر صفو المعرفة النفسية الأصلية.
و معنى ذلك انّ الإنسان سيصل إلى حقيقة الاعتقاد باليوم الآخر، إذا ظلّت نفسه نقيّة صافية بعيدة عن التأثيرات الفكرية المكتسبة.
تعني الفطرة الابتداء و تدلّ على ما هو ذاتي، و ذلك في مقابل العلم الذي يعني المعرفة.
و لتوضيح الفارق بمثال نقول: اننا نعلم بوجود الشخص الذي يجلس أمامنا، و علمنا بوجوده هو من نوع «العلم بالعرض» لا «العلم بالذات»، أي ان علمنا انعكاس لما في ذهننا؛ و ما في ذهننا انعكاس للواقع الخارجي الذي أمامنا.
أمّا حينما نحّس بالعطش فانّ الحالة تعبّر عن نوع من الحصول الذاتي الداخلي.
يقول القرآن الكريم حول مسألة «المبدأ»: «فَإِذٰا رَكِبُوا فِي اَلْفُلْكِ دَعَوُا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ. فَلَمّٰا نَجّٰاهُمْ إِلَى اَلْبَرِّ إِذٰا هُمْ يُشْرِكُونَ»(1).
و هذه الآية الكريمة تكشف عن معنى عودة الإنسان إلى فطرته. فإذا ركب البحر و هبّت عاصفة عنيفة، بحيث أخذت الأمواج المتلاطمة تهدّد بابتلاعه و سحبه إلى قعر البحر، و القذف به بين لجحه، فإنّ الإنسان في مثل هذه الحالة، و حينما يفتقد كل وسائل النجاة، يبدأ بالتعلّق باللّه، و يعود إلى فطرته و ما جبل عليه، إذ يستيقن أن لا منجي له من المهلكة سوى اللّه.
و الإيمان ب «المبدأ» في هذه الحالة يشبه الاحساس بالعطش؛ أي انّه فطري، و لكن مشكلة الإنسان انّه ما ان يصل إلى ساحل الأمن و النجاة حتى ينسلخ من حالته هذه، و يدع فطرته التي آبت في لحظة الاحساس بالخطر، و يكون عرضة للنسيان، حيث يعود إلى شركه و ما كان عليه.
امّا إذا كان الإنسان سليم النفس، فان فطرته ستبقى يقظة دائما، و سترافقه و تهديه إلى الإيمان بالمبدأ و المعاد، و حينها سيكون مصداقا لقوله (تعالى): «لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ»(2).
انّ نور الفطرة في إنسان كهذا يبقى مشعّا دوما، فيضيء داخله فيرى ربّه بعين البصيرة القلبية المنوّرة بالفطرة؛ يراه حاضرا و موجودا في كل شيء؛ بل يراه حضورا دائما.
هذه الحالة يعبّر عنها الإمام الحسين في دعائه يوم عرفة، بقوله (عليه السلام):
«متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدل عليك، و متى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا ترا»(3).
و بهذا يتّضح انّ الإنسان يعتقد فطريّا ب «المبدأ» و «المعاد» بيد انّه من أجل أن يمكث قليلا في الحياة الدنيا، و يعيش لحياته و ملذّاته الخاصّة، نراه يلوّث فطرته حتى تعمى بصيرته القلبية، فينكر «المعاد» لكي يريح نفسه من تأنيب الضمير و عذاب الوجدان، و يتسعذب الدنيا و شهواتها!
يتمثّل الدليل الثاني لإثبات المعاد، بوجود الغاية من خلق الوجود (و بضمنه الإنسان)، و لازم ذلك أن يكون وجود العالم عبثا من دون المعاد؛ تماما كما نرى في عالم الأطفال حينما يبادر الطفل لصرف ساعات طويلة من وقته، يبذل فيها الجهود الكبيرة لبناء بيت صغير من الخشب أو الطين، ثم يقوم في نهاية المطاف، و بعد أن يتمّ تشييد البيت و اتمامه؛ يقوم بتخريبه و تهديمه برفسة من رجله، لتضيع بهذه الرفسة جهود يومه عبثا!
و ربّما كانت المقارنة بين المشهدين غير دقيقة، ذلك ان الطفل الذي يرفس برجله البيت الذي صرف في بنائه ساعات طويلة من الجهد و الاعتناء، انّما يفعل ذلك بهدف اللعب، و بذلك نجد انّ عمل الطفل و ان كان عبثيا بظاهره إلاّ انّه يستهدف تحقيق غاية، و هي اللعب. امّا إذا افترضنا عدم وجود «المعاد» فانّ الصورة ستبدو أسوأ، إذ سيظهر عالم الوجود و كأنّه مخلوق عبثا و باطلا من دون أن يكون ثمّة هدف لوجوده، أو غاية يسعى لتحقيقها.
لذلك تقضي الغاية المفترضة لوجود هذا العالم بضرورة المعاد و اليوم الآخر لكي تنتفي العبثية و لا يكون الهدف من الخلق عبثا و باطلا.
ثم انّ عالم الوجود برمّته يحكي حقيقة أنّ وراء هذا العالم مدبّرا حكيما، و هذه الحقيقة شاخصة للجميع، واضحة للعيان. و إلاّ فكيف نصدّق انّ الإنسان المخلوق من نطفة، المخلوقة بدورها من تراب، يعيش حياته بكل ما يرافقها من مشقّة
و أذى و ألم، من دون أن تكون لوجوده غاية، و لحياته هدف و عاقبة ينقلب إليها؟ و كيف نتعقّل أنّ كل شيء ينتهي بالموت و مع الموت بحيث تبدو كل أشواط الحياة بدون ثمرة و غاية؟ و إذا لم يكن ثمّة «معاد و جزاء» فكيف و من ينتصف للمظلوم من الظالم؛ و كيف نستطيع أصلا أن نوجّه فلسفة الخلق و الوجود و الغاية منهما؟
يعبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله (تعالى): «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لاٰ تُرْجَعُونَ»(1).
و كذلك قوله تعالى: «وَ مٰا خَلَقْنَا اَلسَّمٰاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا بٰاطِلاً ذٰلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنّٰارِ»(2).
و الآية واضحة في انّ من لا يتصوّر انّ للخلق هدفا و غاية و مآلا، هو الكافر الذي لا يعتقد ب «المبدأ»، و إلاّ فلو كان مؤمنا ب «المبدأ» لاعتقد بالمعاد حتما و ضرورة(3).
و يؤكّد القرآن الكريم في آيات أخرى، انه لو لم يكن مآل الخلق إلى المعاد و اليوم الآخر؛ و انّه لو لم يكن منتهى كلّ شيء في مسيرة عالم الوجود إلى اللّه (سبحانه)(4)، للزم أن يكون الخلق عبثا؛ و لمّا كان العبث و الباطل مستحيلي الصدور عن اللّه (سبحانه) لأنّه خالق العقل، و لا يصدر منه (سبحانه) غير المعقول، لذلك وجب ان يكون «المعاد» لكي لا يكون الوجود عبثا و باطلا(5).
1) المؤمنون: 115.
2) ص: 27.
3) ذلك انّ الأوّل ذاتا هو الآخر ذاتا، يقول (تعالى): «هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ»، الحديد: 3. [المترجم].
4) يقول (تعالى): «إِنَّ إِلىٰ رَبِّكَ اَلرُّجْعىٰ» (العلق: 8) «وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهىٰ» النجم: 42. [المترجم].
5) يقول (تعالى) في نفي العبث عن الخلق: «وَ مٰا خَلَقْنَا اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لاٰعِبِينَ». الدخان: 38. و يقول (سبحانه) في إثباته الغاية: «وَ مٰا خَلَقْنَا اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا إِلاّٰ بِالْحَقِّ»، الحجر: 85. [المترجم].
العدالة، هي الدليل الثالث من أدلّة إثبات المعاد.
انّ مقتضى عدل اللّه (سبحانه) أن يكون للناس يوم يجتمعون فيه، فيجزى كلّ ذي عمل بعمله. و يلزم من انكار ذلك تصوّر صدور الظلم منه (سبحانه)، أي انّ من ينكر المعاد و الحساب و الجزاء يكون كمن يقول بصدور الظلم عنه (سبحانه).
و بذلك لا يتسق القول بعدم وجود المعاد مع القول بالعدل الإلهي: ثم انّه مع انكار المعاد يبقى الإنسان في حيرة من هذه الأسئلة؛ إذ من يا ترى يقتصّ من الحكّام الظلمة الذين يهرقون دماء الأبرياء بالألوف، و ينتهكون أعراض النساء، و يهدرون و ينهبون ثروات المسلمين و ما حباهم اللّه به من خيرات؟ و من يذيقهم و بال ما كسبت أيديهم؟ و هل يمكن الاقتصاص من هؤلاء في الحياة الدنيا و حسب؟ و إذا حكم على هؤلاء في الدنيا بالاعدام و الموت و لو مئات المرّات - قصاصا لما جنت أيديهم، فهل يكافئ دماء الأبرياء و ظلاماتهم و آلامهم؟
اذن، لا سبيل في الاقتصاص الحق من الظالمين، و الانتصاف للمظلومين، سوى وجود «المعاد»(1).
ثم لما كان مقتضى العدل الالهي مجازاة الإنسان بدقّة، خيرا فعل أم شرّا، فسيكون تحقّق العدل الإلهي غير متيسّر إلاّ بوجود المعاد و يوم الجزاء(2).
يقول تعالى: «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ اَلنّٰاسُ أَشْتٰاتاً لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»(3).
1) و يوم المعاد كما يصفه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «و ذلك يوم يجمع اللّه فيه الأوّلين و الآخرين لنقاش الحساب و جزاء الأعمال» نهج البلاغة، خطبة 102. [المترجم].
2) قد يتصوّر البعض إمكان مجازاة الإنسان خيرا فعل أم شرّا، في الدنيا، و لكن فضلا عن عدم تيسّر ذلك، فإنّ الإمام علي (عليه السلام) يقول في الدنيا: «انّ اللّه تعالى لم يرضها ثوابا لأوليائه و لا عقابا لأعدائه» النهج، الكلمات القصار، 415. [المترجم]
3) الزلزلة 66-8.
و بمقتضى الآيات الكريمة، فإن عدم مجازاة الإنسان يوم القيامة على ذرّة من أعمال الخير أو الشرّ التي يقوم بها سعدّ مغايرا للعدالة الإلهية.
إذن وجود المعاد ضروري و حتمي، و هو «واجب» على اللّه سبحانه. و من الواضح انّ «الوجوب» المعنيّ هنا ليس من سنخ «الواجب» الملقى على عاتق الإنسان، و انّما هو من نوع وجوب النور و لزوم الضياء للشمس. إذ من البديهي انّ اشراق أنوار الشمس هو جزء ملازم لها و لا ينفك عنها، و إلاّ فإن الشمس التي لا تشرق بالنور و الضياء ستفقد خاصّيتها و لا تعتبر شمسا. و بهذا المعنى، يكون «العدل» و «المعاد» الذي يستتبعه من لوازم و ضرورات وجود البارئ.
و إذا أردنا أن ننتقل في معالجة هذا البعد إلى زاوية أخرى، فسنجد انّ المجاهد في سبيل اللّه، الذي ترك لذّات الدنيا و شهواتها ليقاتل العدو، لا يمكن أن يستوي - في حساب العدل الإلهي مع القاعد، بل هو أعلى منه درجة في الدنيا و في الآخرة. فالمجاهد يعيش في الدنيا و قرينه النور و صفاء القلب، مكلّل بالعطايا و المواهب المعنوية. أمّا في الآخرة، فسينال السعادة الأبدية و ينزل في الجنّة برفقة الأنبياء و الصديقين و الأولياء.
و سؤالي؛ ما هو وجه العدالة في مكافأة من لا يحمل همّ الإيمان، و لا يهتم بصراح الإسلام و الكفر، و مجازاته مجازاة المجاهد؟(1)
لذلك جاء الخطاب الإلهي يميّز بين الاثنين، و هو يزف البشرى لمن يدافع عن حريم الاسلام و مقدّساته، و ينافح عن قيم الإنسانية، و يعيش الحياة جهادا و حماسا ليصنع مآثر الخلد، إذ يقول (سبحانه): فيه: «يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُاِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبٰادِي. وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي»(2).
الدليل الرابع من أدلّة القرآن لإثبات المعاد، هو قانون التكامل. و قد عبّر القرآن عن هذا القانون من خلال بيانه لمراحل تكوين الإنسان و نشأته، فأصل الإنسان من تراب، ثم يمرّ بمرحلة النطفة التي تتبدّل إلى علقة، و العلقة تتغيّر إلى مضغة، إلى أن يتكامل التكوين الإنساني على شكل جنين في رحم الأمّ. و بعد الولادة يتدرّج الإنسان في مراحل النموّ و التكامل فيقطع مراحل الطفولة و الرشد و الفتوة و الكهولة إلى أن يصل إلى الموت.
و مع الموت يتحرّك الإنسان في رحلة تكاملية جديدة لكي لا تبقى أشواط وجوده ناقصة، حتى يصل إلى نقطة الذروة و المنتهى (التي هي الغاية من وجوده).
لذلك لا تطوى صفحة الإنسان مع الموت، بل ينتقل من نشأة إلى أخرى ليواصل سيره التكاملي(1).
و يؤكّد القرآن الكريم على هذه الحقيقة في آيات مختلفة، منها قوله (تعالى):
«إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ» (2). و قوله تعالى: «وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهىٰ»(3).
و كذلك تشير الآية الكريمة من سورة الحج إلى مراحل السير التكاملي التي يطويها الإنسان خلال وجوده، حيث يقول (تعالى): «يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ اَلْبَعْثِ فَإِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي اَلْأَرْحٰامِ مٰا نَشٰاءُ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّٰى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ اَلْعُمُرِ
لِكَيْلاٰ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَ تَرَى اَلْأَرْضَ هٰامِدَةً فَإِذٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْهَا اَلْمٰاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» (1)
اما من يبقي التعمّق في بحث المعاد بحثا فكرياكلاميّا فنحيله من كتب الأقدمين إلى كتاب: مفاتيح الغيب، ص 577-681 للفيلسوف الإسلامي محمّد بن إبراهيم المشهور بصدر المتألهين. و في مجال البحوث الفكرية المعاصرة يمكن أن نحيل القارئ المستزيد إلى:
الحياة بعد الموت، للعلاّمة محمّد حسين الطباطبائي مؤلّف تفسير الميزان.
الحياة الأخرى و أصالة الروح للشيخ مرتضى مطهري. [المترجم].
.1) الحج: 5، و في نهاية هذا الفصل نشيرلمن يريد المزيد من الاطّلاع حول بحوث المعاد في القرآن إلى كتاب الشيخ عبد اللّه جوادي آملي. إذ ربّما يكون بحثه أمتع و أعمق بحيث قرآني معاصر حول المعاد، فعندما يصل إلى أدلّة المعاد يشير إلى ثمانية براهين يستقيها من كتاب اللّه. فلمزيد من التفصيل يراجع كتابه: «عشر مقالات حول المبدأ و المعاد».
المقصود بالمعاد الجسماني هو أن يحشر الإنسان في القيامة بروحه و جسده و نفس خصائص شخصيّته التي كان عليها في الدنيا. و عندما ينتهى من حسابه يدفع به روحا و جسدا امّا إلى الجنّة منعما أو إلى الناى معذّبا. و الذي عليه عقيدتنا انّ الإيما بالمعاد الجسماني هو من ضرورات الإسلام، تماما كالصلاة و الصيام.
و فلسفة الحديث عن مصطلح «المعاد الجسماني» هو الاختلاف الذي نشأ بين الفلاسفة غير المسلمين في معنى المعاد، و فيما إذا كان روحيا فقط أم جسميا و روحيا. و في هذا السياق ذهب بعض الفلاسفة من غير المسلمين للقول بمعاد الروح دون الجسد، أمّا الفلاسفة المسلمون فكلمتهم مجمعة على الاعتقاد بالمعاد الجسماني الذي يعتبرونه من الثوابت و من المسلمات و الضروريات.
لذلك جاء في «الشفاء» عن الشيخ الرئيس ابن سينا عند بحثه للمعاد قوله؛ اننا حتى لو عجزنا عن اثبات المعاد الجسماني بالأدلّة الكافية، فيكفينا للايمان به ما جاء عن الصادق المصدّق (صلّى اللّه عليه و آله) حيث نقبله تعبّدا.
امّا الفيلسوف الكبير محمد بن ابراهيم المشهور بصدر المتألهين، فقد جاء بمبدأ «الحركة الجوهرية» ليثبت بها بشكل أساس المعاد الجسماني(1)
يعدّ الابداع الأهم في فلسفة صدر المتألهين هو ابتكاره لفرضية «الحركة الجوهرية» فقبل فيلسوفنا الشيرازي كان أكثر الحكماء يحصرون الحركة في اعراض الأجسام الطبيعية، و لكن مع صدر المتألهين اعتبرت الجواهر متحرّكة أيضا. فقد أثبت انّ جواهر الأجسام تتحرّك حركة شديدة و تكاملية من دون أن تخدش الحركة و التغير حقيقة الجسم و جوهره. و قد وصل الفيلسوف الشيرازي من حصيلة أفكاره في «الحركة الجوهرية» إلى ثمار جليلة، منها الاستدلال على «المعاد الجسماني».
.1) صدر المتألهين هو محمد بن ابراهيم بن يحيى الشيرازي الفيلسوف الحكيم و مجدّد الفلسفة الإسلامية في القرن الحادي عشر الهجري (توفي سنة: 1050 ه).
و بهذا يتّضح أنّ اجماع أهل الإسلام، من الشيعة و السنّة، و الفقهاء و الفلاسفة و المتكلّمين، على انّ «المعاد الجسماني» هو من أصول الدين، و انّ الإنسان يحشر في القيامة على هيئته التي كان عليها في الدنيا، فيحاسب ثم يذهب بنفس الهيئة إلى الجنّة أو النار(1).
و للقرآن الكريم منهجه الخاص في الاستدلال على «المعاد الجسماني» و إثباته، و سنشير في الفقرات الآتية إلى مناهج هذه الأدّلة و مضامينها.
تنقسم اللذائذ الأخروية في الجنّة إلى قسمين هما:
1 - اللذائذ الروحية: و منها محادثة اللّه (جلّ و علا) على نحو ما هو موضح في كتب العقائد، و مرافقة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته (عليهم السلام) و نظائر ذلك من الكرامات و الرضوان.
2 - اللذائذ الجسمية: و مثالها الأكل و الشرب، و مباضعة الحور العين، و السكن في قصور الجنّة و النزول في غرفها، و مشاهدة المناظر الجميلة، و غير ذلك ممّا نص عليه القرآن الكريم و السنّة الشريفة، ممّا يعدّ الخطاب فيه لغوا و باطلا من دون وجود «المعاد الجسماني».
1) بالنسبة للاستدلالات النظرية الفلسفية على المعاد الجسماني يمكن مراجعة كتاب «المبدأ و المعاد»، و فصل المعاد الجسماني من كتاب «مفاتيح الغيب» لصدر المتألهين الشيرازي. [المترجم].
ينقسم العذاب الأخروي في جهنّم هو الآخر إلى عذاب روحي، و آخر جسمي يصيب أعضاء الجسم و جوارحه، و تفصيل ذلك كما يلي:
1 - العذاب الروحي: و منه تأنيب الضمير و عذاب الوجدان، و التأسّف و تبكيت النفس و لومها، و نظائر ذلك من أشكال العذاب الروحي.
و القرآن الكريم يذهب أكثر من ذلك، حينما يخبر انّ نار جهنّم سبحانه:
«نٰارُ اَللّٰهِ اَلْمُوقَدَةُاَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِإِنَّهٰا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌفِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» (1).
2 - العذاب الجسدي: كاحتراق لحم الإنسان و جلده و عظامه، و الشراب من «حميم» و أكل «الزقوم».
يقول تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِنٰا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نٰاراً كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا اَلْعَذٰابَ»(2).
و من المؤكّد انّ مقتضى «العذاب الجسمي» هو «المعاد الجسماني» و إلاّ فمن غير ذلك لا يمكن توجيه الخطاب القرآني.
تتحدّث الآيات (259-260) من سورة البقرة عن قصّة «عزيز»(3)و خليل اللّه إبراهيم (عليه السلام)، و القصّتان كما سنرى تعالجان ما يمكن أنيكون شبهة أو استبعادا للمعاد الجسماني، ثم تثبتان هذا «المعاد» بشكل قاطع..
لقد كان «عزيز» من عباد اللّه الصالحين، و كان يتمتّع بمقام النبوّة، فخرج من منزله يوما، قاصدا إلى سفر بعيد، فمرّ في طريقه على قرية قد أصابتها حوادث الطبيعة بالهدم و الخراب، فتلاشت و ذهب أهلها، و أصبحوا عظاما رميما، بعد أن تفرّقت أجسادهم و ذهبت في التراب و أجواف الحيوانات.
يصوّر القرآن الكريم هذا الجزء من القصّة بقوله (تعالى): «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلىٰ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خٰاوِيَةٌ عَلىٰ عُرُوشِهٰا»(1).
تأخّر «عزير «في القرية برهة من الزمن و أخذ يفكّر و يتأمّل الوضع المؤسف الذي عليه القرية، ثم انقدح بذهنه هذا السؤال، إذ قال بتعجّب: «أَنّٰى يُحْيِي هٰذِهِ اَللّٰهُ بَعْدَ مَوْتِهٰا؟»(2).
لقد انتهت به رؤيته للأجساد المتلاشية و العظام البالية، إلى طرح السؤالين التاليين:
السؤال الأوّل: انّ احياء هذه الأجساد بعد مدّة طويلة من موتها، هو أمر عظيم.
السؤال الثاني: كيف تجتمع هذه الأجساد المتناثرة و العظام البالية، لتعود إلى هيئة الجسد الأولى؟
كان «عزير» يؤمن بالمعاد الجسماني و يعرف انّ اللّه (سبحانه) قادر على احياء من أمات، و لكنّه أراد أن يصل في إيمانه و اعتقاده إلى درجة «حق اليقين».
يستكمل السياق القرآني قصّة «عزير» النبي بقوله (تعالى): «فَأَمٰاتَهُ اَللّٰهُ مِائَةَ عٰامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ». حيث ذكر انّه بينما كان جالسا إلى جنب ماء، و إلى جانبه حماره، فإذا به يموت مع حماره.
و عندما أحياه اللّه «ثُمَّ بَعَثَهُ» سأله: «كَمْ لَبِثْتَ؟»
فأجاب: «لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ». فجاءه الجواب: «بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عٰامٍ».
ثم جاءه الخطاب: «فَانْظُرْ إِلىٰ طَعٰامِكَ وَ شَرٰابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ اُنْظُرْ إِلىٰ حِمٰارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّٰاسِ وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظٰامِ كَيْفَ نُنْشِزُهٰا ثُمَّ نَكْسُوهٰا لَحْماً».
لمّا نظر «عزيز» إلى حماره كيف يحيا، بعد مائة عام من موته؛ و لمّا تأمّل المشهد برمّته، قال، كما يحكي على لسانه القرآن: «أَعْلَمُ أَنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(1)
و في رواية الإمام الصادق (عليه السلام) في قصّة «عزير» انّ اللّه (سبحانه) أوّل (ما أحياء منه عينه...؛ فجعل ينظر إلى العظام البالية المنفطرة تجتمع إليه، و إلى اللحم الذي قد أكلته السباع يتألّف إلى العظام من هاهنا و هاهنا و يلتزق بهاحتى قام، و قام حماره، فقال: «أَعْلَمُ أَنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». البحار، ج 7، ص 34. [المترجم].
.و من المؤكّد انّ أحداث هذه القصّة القرآنية تثبت المعاد الجسماني بشكل قطعى و واضح.
يقول (تعالى) في قصّة مماثلة عن خليله إبراهيم (عليه السلام): «وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتىٰ، قٰالَ: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ؛ قٰالَ: بَلىٰ؛ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي»(2).
1) البقرة: 259، و قد جاء في بيان العلاّمة المجلسي على قوله: «أَعْلَمُ أَنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» أي أوقن «أَنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، أي لم أقل ما قلت عن شكّ و ارتياب. و يحتمل انّه انّما قال ذلك لأنّه ازدادلمّا عاين و شاهديقينا و علما، إذ كان قبل ذلك، علمه علم استدلال، فصار علم ضرورة و معاينة. البحار، ج 7، ص 35.
2) جاء في رواية عن الإمام الصادق قوله (عليه السلام): «انّ إبراهيم (عليه السلام) نظرإلى جيفه على ساحل البحر تأكلها سباع البرّ و سباع البحر، ثم يثب السباع بعضها على بعض، فيأكل بعضها بعضا، فتعجّب إبراهيم، و قال: «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتىٰ؟» البحار، ج 7، ص 36. [المترجم]
فجاءه الخطاب الإلهي: «قٰالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ اَلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً».
فعل إبراهيم (عليه السلام) ما أمره اللّه (سبحانه)، فقطع أربعة من الطير ثم خلط لحمهنّ، و فرّقه على الجبال، فدعاهن، فأجبنه باذن اللّه، فرأى (عليه السلام) كيف يجتمع و يتألف لحم كل واحد و عظمه، ثم طرن إليه، فقال (عليه السلام):
«أَنَّ اَللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (1).
و من الواضح انّ هذه القصّة القرآنية، تعطي نموذجا آخر على إحياء الموتى و بعثهم بأجسادهم.
عندما يتسلّم المفسدون و ذوو الصفات الشيطانية، صحيفة أعمالهم السوداء، و ما جنت أيديهم، يحاولون أن ينكروا نسبة أعمالهم إليهم، فيقول (سبحانه) عن هذا المشهد الأخروي: «اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ»(2).
و الذي نستفيده من قوله (تعالى): «تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ» هو حضور أجسادهم في القيامة، كي يكون بمقدور الجوارح ان تشهد، لأنّه ليس للروح، لو كان المعاد روحيا و حسب، يد أو رجل. و من البديهي انّ لازم هذا المعنى تحقّق «المعاد الجسماني».
لقد كان أبيّ بن كعب رجلا عنيدا يحاول أن يستهزئ بعقائد المسلمين
و يستخفّ بها، و قد جاء يوما إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بيده عظم بال متفتّت، ففركه بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و رمى بذرّاته في الهواء، و قال: يا محمّد، أتزعم أنّ اللّه يبعث هذا؟
فقال (صلّى اللّه عليه و آله): نعم.
فنزل في هذه المناسبة قوله تعالى: «وَ ضَرَبَ لَنٰا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قٰالَ: مَنْ يُحْيِ اَلْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ»(1).
لقد أقسم اللّه (سبحانه) في سورة القيامة، على جمع عظام الإنسان، بل على جمع «البنان» أي السلاميات و الأطراف رغم صغرها و لطافتها و دقّة خطوطها، و إعادتها إلى هيئتها و صورتها الأولى.
يقول (تعالى): «بَلىٰ قٰادِرِينَ عَلىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنٰانَهُ»(2).
و الآية دليل محكم و متقن يعود إلى أصل «المبدأ». و في معناها نجد انّ بين البشر من حيث أصل الخلقة، ما يشترك بينهم، و ما يفرّق بعضهم عن بعض.
فبشأن القواسم المشتركة، نجد انّ أربعة مليارات من البشر يشتركون جميعا بالشكل العام و الشمائل. و هذه النقطة بحدّ ذاتها من علائم قدرة اللّه (سبحانه).
يقول تعالى: «وَ مِنْ آيٰاتِهِ خَلْقُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوٰانِكُمْ
1) يس: 77-78. تنظر القصّة في: بحار الأنوار، ج 7، ص 21-22. [المترجم]
2) جاء في قصّة الآية انّها نزلت في عديّ بن ربيعة، حينما سأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن أمر القيامة فأخبره به، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم اصدّقك؛ أو يجمع اللّه هذه العظام؟! فنزل قوله (تعالى): «أَ يَحْسَبُ اَلْإِنْسٰانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظٰامَهُ. بَلىٰ قٰادِرِينَ عَلىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنٰانَهُ. بَلْ يُرِيدُ اَلْإِنْسٰانُ لِيَفْجُرَ أَمٰامَهُ» القيامة: 2-5. يراجع: بحار الأنوار، ج 7، ص 29-30. [المترجم]
إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِلْعٰالِمِينَ» (1).
و ثمّة علامة فارقة في كل إنسان، هي بحدّ ذاتها دليل على قدرة اللّه (سبحانه) و على «المبدأ». إذ نجد انّ خطوط ابهام كل إنسان تفترق عنها في الإنسان الآخر و تتميّز، حتى انّه ليس بمقدورنا أن نجد على وجه البسيطة شخصين تتشابه خطوط ابهامها!
و لهذا المعنى تشير الآية الكريمة في قوله (تعالى): «بَلىٰ قٰادِرِينَ عَلىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنٰانَهُ» أي قادرين على إعادة الخطوط المرتسمة على ابهام الإنسان في يوم القيامة، كما كانت صورتها في الدنيا، دون أن يكون هناك أدنى فارق(2).
في خاتمة هذا الفصل، نشير إلى رؤية قرآنية أخرى في إثبات «المعاد الجسماني» حيث يقول تعالى: «فَأَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هٰاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاٰقٍ حِسٰابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رٰاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عٰالِيَةٍ قُطُوفُهٰا دٰانِيَةٌ. كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمٰا أَسْلَفْتُمْ فِي اَلْأَيّٰامِ اَلْخٰالِيَةِ»(3).
انّ مقتضى الخطاب في قوله (تعالى): «كُلُوا وَ اِشْرَبُوا» أن يكون المعنى به هو الجسم (الفد و اليد) الذي ينبغي أن يكون مزوّدا بالجهاز الهضمي، و من دون ذلك يتحوّل الخطاب إلى لغو.
إذن يجب أن يكون المعاد معادا جسمانيا ليتسق مع معنى الآية و مفادها.
أخيرا؛ ثمّة في القرآن آيات أخرى كثيرة تصرّح ب «المعاد الجسماني» لا مجال لتأويلها لأنّها قطعية الدلالة عليه.
أثار بعضهم هذه الشبهات ازاء المعاد الجسماني، هي أقرب للاستبعادات منها إلى الشبهات(1).
بيد انّا نجد انّ هذه «الشبهات» لا تصمد أمام أدلّة المعاد الجسماني، و بالتالي ليس لها قيمة علمية. إذ يكفي هنا أن نيشير مجدّدا إلى ما ذكره «الشيخ الرئيس» ابن سينا في «الشفاء» من انّه يكفينا لتصديق المعاد الجسماني و الإيمان به، ما أخبر به الصادق المصدّق؛ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى لو لم يثبت لدينا بالبرهان(2).
على انّ «منطق» الشبهة و الاستبعاد في مقابل كلام اللّه (جلّ جلاله) هو الجهل في مقابل العلم؛ و هو في واقعه عدم معرفة لا شبهة.
تعدّ شبهة «الآكل و المأكول» ازاء المعاد الجسماني، من الشبهات العريقة،
1) معنى «الاستبعاد» هو الانكار بلا دليل أو شبهة. و الملاحظ أنّ معظم من تحدّث عنهم القرآن الكريم من منكري المعاد، هم من هذه الفئة. [المترجم]
2) و رغم ذلك فإن لهذا التصديق و لو كان بهذه الصورة مبنى عقليا، خلاصته؛ انّ ما أخير به النبي المتصف بجميع صفات الكمال و الجلال، و المعصوم عن الخطأ و الكذب، يجب تصديقه. للمزيد يلاحظ: شرح التجريد، للعلاّمة الحلّي، باب المعاد. و كذلك المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية في فصل المعاد من كتابه: معالم الفلسفة الإسلامية، ص 165. [المترجم]
حيث تعود في قدمها، و يمتدّ عمرها إلى ما قبل عصر السيّد المسيح (عليه السلام) ثم استمرت من بعده.
و نجد هذه الشبهة في كلمات افلاطون و الفلاسفة الذين جاؤوا من بعده؛ و نجدها أيضا في أقوال و مؤلّفات الفلاسفة و المتكلّمين المسلمين، الذين بلوروها و صاغوها بأشكال مختلفة. و لكن ثمّة من بين هذه التقريرات ما هو أجمع منها جميعا، إذ هو يضمّ أبرز الأقوال الواردة فيها، و يسبغ عليها لونا «علميّا».
و مفاد هذا التقرير قولهم: انّ الدنيا تتغيّر مئات المرّات منذ أن خلق اللّه (سبحانه) آدم (عليه السلام) إلى يوم القيامة. و بمقتضى هذا التغيّر يكون الإنسان جزءا من هذه الدورة، فيحيا و يعاد و هكذا. أي يموت الإنسان و يتحوّل جسده بالموت إلى تراب، و التراب إلى نبات، و النبات إلى نطفة، ثم يعاد إنسانا آخر.
و كلّما انتهت أشواط هذه الدورة و وصلت ذروتها عادت من جديد، و معها يعود الإنسان للتحوّل إلى تراب، ثم نبات، ثم نطفة ثم إنسان و هكذا.
و الذي يتغيّر في هذه الدورة هو صورة الإنسان لا مادّته. أي انّ مادّة الإنسان تبقى و لكّنها تستحيل مرّة إلى نبات و أخرى إلى حيوان و ثالثة إلى تراب، قبل أن يعود مجدّدا إلى صورة الإنسان.
و بهذا الشكل ينبثق السؤال الذي يعكس الجزء الأهم من شبهة الآكل و المأكول، و يكون منطوقه بالشكل التالي: من الذي يحشر في يوم القيامة، و أيّ الأجزاء تبعث؟! فمادّة الإنسان قد استحالت إلى صور مختلفة و تغيّرت عدّة مرّات.
ثم ان الإنسان الذي مات قبل ملايين السنين، و استحال جسمه إلى أسجام أخرى، و تغيّر عدّة مرّات إلى صور مختلفة؛ بأيّ الأجساد المتعدّدة تتعلّق روحه الواحدة؟
ثم يواصل هؤلاء منطقهم فيقولون: إذا أكل الكافر إنسانا مسلما، و استحال بدن المسلم و تحوّل إلى جزء من بدن الكافر، فماذا يكون مصير مثل هذا الجسد في القيامة؛ و هل يذهب بدن المسلم الذي استحال إلى جسم الكافر، مع الكافر إلى
النار، أم يرد جزء بدن الكافر الذي استحال من بدن المؤمن، مع المؤمن إلى الجنّة(1).
ثمّة تقرير آخر للشبهة يصدق معه السؤال، من دون اللجوء إلى قضية «الآكل و المأكول». فالإنسان يتغيّر بنفسه بشكل كلّي مرّة كل عدّة سنوات من دون أن يأكل أو يؤكل.
تتغيّر خلايا الجسم بأجمعها كل سبع سنوات، فيكون الإنسان في عمر الرابعة عشرة غيره في عمر السابعة، و عندما يصل إلى سن الحادية و العشرين يكون غير الذي كان في سن السابعة و الرابعة عشرة، و هكذا.
و بهذا الشكل يكون جسم الإنسان في معرض التحلّل و التبدّل الدائم، حيث تحلّ الخلايا الجديدة مكان الخلايا القديمة.
و الشبهة في هذا السياق تطرح بالشكل التالي: إذا ارتكب الإنسان في شبابه ذنوبا و معاصي، ثم تحوّل في كهولته و شيخوخته إلى الطاعة و العبادة، ثم مات، فبأي جسم تتعلّق روحه؛ بالجسد الذي عصى اللّه فيه، و هو في شبابه، أم في الجسد
1) بأسلوبه اليسير يلخّص المرحوم مغنية الشبهة بوجهين، فيقول: «و أشكلوا على من قال بإعادة الجسم بعينه (يوم القيامة) بأننا نفرض أن زيدا مات و استحال جسمه إلى تراب، ثم استحال التراب إلى نبات، فاغتذى عمرو بذلك النبات، فيستحيل جسم زيد إلى جسم عمرو، و حينئذ يقال: ان أعيد عمرو الآكل لم يكن زيد المأكول معادا، و عليه تنتفي الإعادة بالنسبة إلى أحدهما لا محالة. و هذه الشبهة تعرف بشبهة الآكل و المأكول. و قرّرها بعض الفلاسفة بأسلوب آخر، قال: إذا أكل إنسان إنسانا آخر، فإن كان الآكل كافرا، و المأكول مؤمنا لزم تعذيب المؤمن، لأنّه استحال إلى بدن الكافر و الكافر معذّب، و إن كان الآكل مؤمنا لزم أن يكون الكافر منعما، لأنّه استحال إلى جسم المؤمن، و المؤمن منعم». معالم الفلسفة الإسلامية، ص 166. [المترجم]
الذي أطاع اللّه فيه، و هو في سني زهده و عبادته؟
إذا أجيب بأنّ الروح تتعلّق بجسم الإنسان و هو شاب، وجب أن يذهب إلى جهنّم، و عندها سيكون السؤال: و ماذا عن سنوات عمره الأخرى (أي سنوات الكهولة) التي أمضاها بالزهد و الطاعة و العبادة؟
امّا إذا أجيب بأنّ الروح تتعلّق بجسم الإنسان الذي كان له في سن الكهولة حيث كان مطيعا عابدا فيذهب بذلك إلى الجنّة، فسيكون السؤال: ما هو مصير معاصيه أيّام شبابه؟!
يجيب استاذنا الجليل الإمام الخميني على الشبهة وفق ما يسمّى بالمنطق العقلائي السائد عرفا، فيقرّر انّ استحقاق الثواب و العقاب عرفي نرجع فيه إلى العقلاء.
و المقصود من ذلك، انّ ما يقرّره العقلاء من مواطن العقوبة نأخذ به، و ما يقرّرونه من مواطن الثواب نأخذ به أيضا.
و لتطبيق المعنى على مثال عملي نقول: إذا ارتكب شخص معيّنبحقّك ظلما ثم هرب، فوجدته بعد عشر سنوات، أفلا تقول انّ هذا الشخص هو نفسه الذي ظلمني قبل عشر سنوات، و انّه يستحق عقاب ما جنته يداه؟ ثم هل تجد من العقلاء من يعترض عليك في منطقك و سلوكك هذا لمجرّد انّ خلايا هذا الشخص قد تغيّرت؟
و بهذا الاسلوب نجد انّ المنطق العقلائي يذعن بأنّ الشخص الظالم هو هو، و إن تغيّرت خلاياه الجسمية بشكل كامل؛ و أنّ تغيّر خلاياه لا يعني تغييرا في حقيقته، و بالتالي لا يسقط عنه اللوم و العقاب.
و هكذا نصل إلى نفس النتيجة إذا أردنا أن نقلب المثال. فلنفترض ان رجلا أسدى إليك معروفا، و أعانك في معضلة كنت تعاني منها، ثم افتقدته لتراه بعد
عشرين سنة، فهل تلقاه بعد هذه السنين الطويلة بنظرة اللامبالاة و عدم الاهتمام، و تهمله و لا تشكره لما أسدى إليك من جميل، بحجّة انّ خلاياه الجسمية تغيّرت بشكل كامل أكثر من مرّة؟ لا نحسب ان عاقلا يوافقك على هذا «المنطق»، و انّما يوجب عرف العقلاء عليك، ان تبادر صاحبك بالتجليل و الاحترام لما قدّمه إليك من معروف.
انّ هذين المثالين العرفيّين في الثواب و العقاب، هما الجواب الشافي لشبهة «الآكل و المأكول»، على أساس ما يقضي به المبنى العقلائي في مقاييسه العرفيّة.
و في كل الأحوال، علينا أن نجدّد الإشارة إلى انّ قضية «الآكل و المأكول» نابعة أساسا من الجهل، و هي في حقيقتها ليست شبهة علمية، و لكن مع ذلك، عالجها القرآن الكريم، و وضع الفلاسفة لها الحلول المناسبة.
علينا أن لا نتوهّم انّ المبنى العقلائي (ذا الأساس العرفي) يفتقد إلى الأسس المحكمة، بل هو يقوم على قواعد فلسفية. و هذه القواعد مستمدة من المقولة الفلسفية المعروفة: «انّ حقيقة الشيء تتعلّق بصورته لا بمادّته». بمعنى انّ حقيقة الإنسان ب «إنّيّته» (من الأنا)(1).
و لتوضيح ذلك نقول: انّ حقيقة الإنسان هي ذلك الشيء الذي يشار له بالضمائر «أنا» و «أنت» و «هو». و من البديهي انّ «أنا» و «أنت» و «هو»
1) يقول صدر المتألهين في ذلك: «انّ هوية البدن و تشخصه انّما يكونان بنفسه لا بجرمه [أي بصورته لا بمادّته] فزيد مثلا، زيد بنفسه لا بجسده، و لأجل ذلك يستمرّ وجوده و تشخّصه ما دامت النفس باقية فيه، انّما تشخّص كل انسان انّما يكون بنفسه لا ببدنه، و انّ البدن المعتبر فيه أمر مبهم، لا تحصّل له إلاّ بنفسه» الأسفار، ج 8، ص 190 فما بعد. [المترجم]
لا تتغيّر بتقادم الزمان، و ان انتهى تقادم الزمن إلى تغيير بعض خلايا جسم الإنسان أو جميعها، لأنّ مثل هذا التغيير لا يطال «انيّته» و لا يؤثر في ال «أنا» و «أنت» و «هو».
و إذا أردنا أن نعود إلى مثال الفقرة السابقة، فسنجد انّ الإنسان الذي أسدى إلينا معروفا قبل عشرين سنة هو نفسه، و لو انقطعنا عن رؤيته عشرين عاما ثم رأيناه بعد ذلك، إذ سنبادره بالقول: «أنت» الذي فعلت كذا و كذا. أي انّ الشخص الذي أسدى المعروف يبقى «هو، هو» رغم مرور عشرين سنة، و في المقابل أبقى «أنا، أنا».
بناء على ذلك، فإنّ «أنا» و «أنت» و «هو» لا تعدم و لا تتغيّر، و انّما الذي يتغيّر هو «الجسم»، أو بتعبير حافظ الشيرازي «الخرقة»، لأنّ الجسم ما هو في واقعه سوى لباس. لذلك فانّ «الجسم الجديد» المتكوّن من الخلايا الجديدة هو بمثابة اللباس الجديد ليس إلاّ(1).
ثم انّ اللباس كما يحفظ الإنسان من الحر و البرد و يقيه شرورهما و أضرارهما، فكذلك يكون الجسم بالنسبة للإنسان، إذ هو الواسطة التي يستشعر من خلالها الإنسان اللّذة و الألم.
و بذلك فإنّ الإنسان الذي يعذّب، انّما تلقى روحه الجزاء بواسطة الجسد؛
1) يقول صدر المتألهين في ثبات المقوّمات و تغيّر المشخّصات، و بالتالي بقاء الشخص هو هو بعينه؛ يقول: «ان تشخّص كلّ شيء عبارة عن وجوده الخاص به مجرّدا كان أو جسمانيا. و امّا الاعراض التي تسمّى بالمشخصات عندهم فهي من لوازم الشخصية لا من مقوّمات الشخص، و يجوز أن يتبدّل كمياته و كيفياته و أوضاعه و أزمنته و أيونه تبدّلا من صنف إلى صنف، و من نوع إلى نوع، و الشخص هو هو بعينه». مفاتيح الغيب، ص 596. و لمن يبغي المزيد من الاطّلاع على الموضوع، بإمكانه مراجعة فصل «اثبات الحشر الجسماني و بعث الأبدان» من الكتاب المذكور. [المترجم]
و كذلك تستمتع الروح باللذائذ بواسطة الجسد. لذلك لا يمكن أن نزعم انّ جسد الميّت في القبر يلتذ لرمي الورود عليه، و هو فاقد الروح، لانّ اللّذة في واقعها ترتبط بالروح، و جسد الميت جسم بلا روح. و عليه، فإنّ الإنسان الحيّ هو الذي يلتذ دون سواه برمي الأزهار و الورود عليه.
يتّضح ممّا سبق، انّ جسم الإنسان بالنسبة إلى حقيقة الإنسان، هو بمنزلة اللباس إلى الإنسان. و بذلك فإنّ الذي يستمتع باللّذة أو يتألّم بالعذاب هو ال «أنا» أي حقيقة الإنسان. و انّ الجسم أيّ جسم كان هو مجرّد وسيلة لتحقّق اللذة و الألم.
انّ «أنت» و «أنا» أي حقيقة الإنسان لا تستطيع أن تستشعر اللذة و الألم من دون الجسم، لانّ «أنت» و «أنا» هي التي تمثّل «التشخّص الإنساني»، لذلك إذا افتقدنا الجسد، فانّ «أنت» و «أنا» لا تحرق، و بالتالي لا تحسّ بعذاب جهنّم.
اذن، المحصّلة الأخيرة التي ينتهي إليها بياننا للأساس الفلسفي لمبنى العقلاء، انّ «روح» الإنسان هي التي تستشعر و تلقى العقاب أو الثواب، و لكن الوسيلة إلى معاقبة و إثابة روح الإنسان هي «جسده».
لقد عالج الفلاسفة المسلمون و المتكلّمون و المفسّرون، شبهة «الآكل و المأكول» و أجابوا عليها(1). و لكن أفضل المعالجات نجدها في القرآن الكريم الذي أجابت
1) «أجاب المتكلّمون عن هذه الشبهة بأنّ للإنسان أجزاء أصلية، و أخرى عرضية، و التي تستحيل إلى بدن آخرهي الأجزاء العرضية، امّا الأصلية فلا تصير جزءا من غيرها، بل تبقى على حقيقتها من أوّل العمر إلى آخره. و من هذا الجواب يتّضح ان معنى الموت عند المتكلّمين هو تفريق أجزاء الجسم، و معنى الحياة بعد الموت جمع تلك الأجزاء و تأليفها مرّة ثانية». ثم يضيف: «و أجاب الفلاسفة عن شبهة الآكل و المأكول بأنّ حقيقة الإنسان هي نفسه، لا بدنه. و الأكل انّما وقع على البدن لا على النفس التي يكون الإنسان بها إنسانا» الشيخ محمد جواد مغنية في: معالم الفلسفة الإسلامية، ص 166. و يلاحظ أيضا: بحار الأنوار، ج 7، ص 37. [المترجم]
آياته على المسألة من دون أن تطرح أصل الشبهة.
لقد تناول القرآن الكريم هذا الموضوع الدقيق و أشار إليه في نطاق أربعة أبعاد، موزّعة على أربع سور، سنتناولها كما يلي:
يقول تعالى: «أَنَّ اَللّٰهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ قٰادِرٌ عَلىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ»(1).
يشير قوله (تعالى): «أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ» إلى انّ عالم الآخرة مثل عالم الدنيا، و لكن ليس نفسه، لأنّ العالم الأخروي لو كان نفس عالم الدنيا، لجاء التعبير القرآني بصيغة «ان يخلقهم».
و يعبّر القرآن عن هذه الحقيقة في مكان آخر، حيث يقول (تعالى): «يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ بَرَزُوا لِلّٰهِ اَلْوٰاحِدِ اَلْقَهّٰارِ»(2).
بمعنى انّ العالم الأخروي هو غير عالمنا الدنيوي هذا، و انّ المنظومة الشمسية تدكّ عند قيام القيامة و تبدّل، و تظلم الدنيا و ينطفئ نورها. أمّا العالم الأخروي فهو عالم حي. و الجسم الأخروي غير الجسم الدنيوي؛ فالجسم في الآخرة يتكلّم و يشهد على صاحبه؛ يقول تعالى: «حَتّٰى إِذٰا مٰا جٰاؤُهٰا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصٰارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(3).
فيخاطب الإنسان جلده و جوارحه: «لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنٰا»(4).
فتجيب الجوارح و الأعضاء، «أَنْطَقَنَا اَللّٰهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ»(1).
و في ذلك العالم، تتحدّث الأرض و تخبر عمّا جرى عليها من حوادث عظيمة و مهولة؛ يقول تعالى: «إِذٰا زُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ زِلْزٰالَهٰاوَ أَخْرَجَتِ اَلْأَرْضُ أَثْقٰالَهٰاوَ قٰالَ اَلْإِنْسٰانُ مٰا لَهٰايَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبٰارَهٰا»(2).
تتناول سورة «يس» الموضوع نفسه من خلال قوله تعالى: «أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقٰادِرٍ عَلىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلىٰ وَ هُوَ اَلْخَلاّٰقُ اَلْعَلِيمُ»(3).
و هي تشير إلى الفكرة التي نحن بصددها من خلال قوله تعالى: «نَحْنُ قَدَّرْنٰا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ وَ مٰا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَعَلىٰ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثٰالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ»(4).
و هي تتناول الموضوع من بعد آخر نتلمسه في قوله تعالى: «كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا اَلْعَذٰابَ»(5).
ما تنتهي إليه الآيات الكريمة الآنفة، هو إثبات الحقائق التالية:
أوّلا: انّ معاد الإنسان معاد جسماني (و روحي في نفس الآن).
ثانيا: انّ الجسم الأخروي للإنسان هو غير الجسم الدنيوي(1).
ثالثا: يلقى الإنسان بواسطة جسمه في الآخرة ألوان العذاب و أهواله، و به يستشعر اللذائذ و الثواب و كلّما نضج الجلد في الآخرة، استبدل ليتجرّع المجرمون سوء العذاب.
1) في الواقع انّ جسم الإنسان في الآخرة، هو هو، و هو غيره في نفس الوقت. و أروع ما يوضح هذه الحقيقة ما جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سأله ابن أبي العوجاء - و كان ملحدابحضور المنصور العبّاسي، فقال له: ماتقول في هذه الآية: «كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا» هب هذه الجلود عصت فعذّبت فما ذنب الغير؟ فقال الإمام أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام): «ويحك، هي هي، و هي غيرها. قال ابن أبي العوجاء: أعقلني هذا القول، فقال (عليه السلام) له: «أرأيت لو أنّ رجلا عمد إلى لبنة فكسرها ثم صبّعليها الماء و جلبها، ثم ردّها إلى هيئتها الأولى، ألم تكن هي هي، و هي غيرها؟ فقال ابن أبي العوجاء: بلى، أمتع اللّه بك» بحار الأنوار، ج 7، ص 39. [المترجم]
الذي نستفيده من القرآن الكريم انّ الإنسان يحشر في يوم القيامة على شاكلة هويته الدنيوية التي اصطنعها لنفسه. فإذا انتهج الإنسان في الدنيا مسيرا إنسانيا، و سار في حركة تكاملية، بحيث اكتشف هويّته الحقّة، و أدرك حقيقته، فانّه سيحشر في الآخر على صورة «الإنسان الكامل».
و تشير الروايات إلى انّ مثل هذا الإنسان عندما يرد المحشر يشعّ نوره، فيضيء كالقمر، و يجذب نظر أهل المحشر إليه(1).
امّا إذا افتقد الإنسان في حياته الدنيا هويّته و محتواه الإنساني، و انغمر في الشهوات و النوازع الحيوانية، فإنّه سيحشر في القيامة بنفس صورته الحيوانية، فسيكون على هيئة الكلب أو الذنب أو النملة و غير ذلك. و يرد المحشر على هذه الصورة(2).
1) من ذلك قوله أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفة هؤلاء: «يخرجون من قبورهم يوم القيامة مشرقة وجوههم، قرّت أعينهم، قد أعطوا الأمان، يخاف الناس و لا يخافون، و يحزن الناس و لا يحزنون». و روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «ألا و من أحبّ عليّا جاء يوم القيامة و وجهه كالقمر ليلة البدر». تسلية الفؤاد في بيان الموت و المعاد، السيّد عبد اللّه شبّر، ص 160-161. [المترجم]
2) الأحاديث فى ذلك كثيرة، منها ما روي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «و من بغى على فقير و تطاول عليه و استحقره، حشره اللّه يوم القيمة مثل الذرّة في صورة رجل حتى يدخل النار». و كذلك ما روي عن الإمام محمد الباقر، في قوله (عليه السلام):«يحشر المكذّبون بقدرة اللّه تعالى من قبورهم، قد مسخوا قردة و خنازير» بحار الأنوار، ج 7، ص 212، 214. [المترجم]
و مثل هذا الإنسان و ان حشر في عالم «جمع الجمع» على صورة الحيوان، إلاّ انّ جميع أهل المحشر يعرفونه، و يعلمون أنّه الشخص الفلاني(1).
و هذا هو المعنى الأوّل لتجسّم الأعمال في الآخرة.
يبّين القرآن الكريم في الكثير من آياته، انّ أفعال الإنسان و نيّاته تستمدّ من هويته، و انّ نفس الأعمال و النيّات تصنع بدورها ملكات الإنسان. فالإنسان الذي يتحرّز من الذنوب و يولي الواجبات اهتماما واضحا، سيتحلّى تدريجيا بملكة العدالة، و إذا ما حاز الإنسان ملكة العدالة، فإنّه سيمتنع طبيعيا عن ارتكاب الذنوب و ركوب المعاصي، و سيهتم بالواجبات و الطاعات أكثر فأكر.
بناء على ذلك، فإنّ الفكر (النيّة) و القول و العمل الصالح تمنح الإنسان سلامة النفس؛ و كلّ ذي نفس سليمة تكون أفعاله صالحة.
يقول القرآن الكريم: «أَلاٰ بِذِكْرِ اَللّٰهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ»(2). أي انّ الذي يطمع بالنفس المطمئنة التي تذهب عنه الحزن و الاضطراب، عليه أن يكون ذاكرا للّه.
و كذلك يقول (سبحانه): «فَمَنْ يُرِدِ اَللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ. وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمٰاءِ»(3)انّ اللّه (سبحانه) إذا أراد بعبد خيرا، و أراد أن يهديه، فإنّه يمهّد له سبل الهداية
و يوفّر له أرضيتها. و المقصود من ذلك ان اجتناب الذنوب و ترك المعاصي و الاهتمام بالواجبات توفّر للإنسان الأرضية بحيث ينشرح صدره و يتنوّر قلبه.
امّا إذا لم تشمل الإنسان عناية اللّه و توفيقه و رعايته، و امتلأت حياته بالغيبة و الذنوب و اهانة الآخرين و تحقيرهم، و لم يكن همّه إلاّ نقل الأقاويل و زرع بذور الاختلاف بين الناس، فإنّ نفسه ستتلوّث، و تمتلئ روحه كآبة، و قلبه همّا و حزنا و غصّة، و سيشمله الاضطراب و يحيط به القلق.
يقول (تعالى): «لاٰ يَزٰالُ بُنْيٰانُهُمُ اَلَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّٰ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»(1).
فالإنسان الذي يكتسب الملكات الإلهية يكون في الدنيا إنسانا كاملا، و يكون في الآخرة من ذوي الفلاح. امّا إذا لم تكن ملكات الإنسان إلهية، فإنّها ستؤثّر على نفسه و هويّته، بحيث تنقلب هويّته و تتغيّر حقيقته، فيحشر في المحشر في صورة هويّته التي تتغيّر إليها.
يقول تعالى: «وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ»(2).
ذلك انّ آذان هؤلاء لم تكن تصغي إلى الحقائق، و كانوا يعملون خلافا لما يأمر به الحقّ، و قد أعمى العناد و العصبية أبصارهم فأصبحوا عميا، حتى مسخت هويّتهم، و تحوّلوا إلى هويّة أخرى، يحشرون معها عميا و بكما و صمّا، قد مسخوا بصورة مختلفة.
انّ الذين يقفون في الحياة الدنيا في وجه اللّه، و يطغون و يتمرّدون على أحكام الإسلام، نجدهم في القيامة عاجزين صاغرين أذلّة.
يقول (تعالى) فيهم: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سٰاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلاٰ يَسْتَطِيعُونَ. خٰاشِعَةً أَبْصٰارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كٰانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سٰالِمُونَ»(1)تحيط هؤلاء الذلّة يوم القيمة امام عظمة اللّه و جبروته، و رغم انّهم يريدون السجود للّه، إلاّ انّهم لا يستطيعون ذلك، لأنّهم أمروا في الدنيا بالسجود و هم سالمون، فلم يچيبوا و لم يسجدوا.
و بهذا الشكل ترك طغيانهم و عتوّهم في الحياة الدنيا آثاره على هويّتهم، حتّى أضحت هويتهم في القيامة بكيفيّة لا يستطيعون معها السجود.
يقول تعالى في صنف آخر من الناس: «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللّٰهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمٰا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلىٰ شَيْءٍ أَلاٰ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكٰاذِبُونَ»(2).
يتحوّل الكذب بالتكرار إلى ملكة لدى الإنسان، و الملكة تغيّر هويته، فيحشر الإنسان في الآخرة بهويته (الجديدة) التي تغيّر إليها. و تصل الحالة بمثل هذا الإنسان، إلى ان يكذب على اللّه (جلّ جلاله) و يقسم على كذبه، و يزعم انّه لا يستحق جهنّم، بل هو من أهل الجنّة!
يقول تعالى في طائفة من الناس: «وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ
أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً» (1).
تتحدّث الآية الكريمة عن فئة من الناس، تفتقد المعنويات في دار الدنيا فيؤثّر ذلك على هويّتهم و يترك آثاره السيئة عليهم. و الإنسان الذي يفتقد المعنويات في الدنيا، و تتأثّر هويته بذلك، يحشر في القيامة بحيث يكون من سمات هويّته العمي و الضلالة، و الحرمان من مشاهدة جمال الحق.
و في آية أخرى يقول تعالى: «وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ»(2).
يؤدّي الإعراض عن ذكر اللّه (سبحانه) بالإنسان إلى أن يصاب بألمين مهلكين، أوّلهما في الدنيا، و هو: تحوّل معيشته إلى معيشة صعبة و ضنكة. و ثانيهما في الآخرة، حيث يرد صف المحشر و هو أعمى.
و حينها يقول مثل هذا الإنسان، كما يحكي على لسانه القرآن: «قٰالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمىٰ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قٰالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيٰاتُنٰا فَنَسِيتَهٰا. وَ كَذٰلِكَ اَلْيَوْمَ تُنْسىٰ»(3).
انّ الدنيا في الواقع، هي التي تبعث على عمى الإنسان في الآخرة. و الدنيا هي التي تغيّر «الهوية الإنسانية» للإنسان. فجرأة الإنسان على آيات القرآن، و نسيانه للتعاليم الإلهية و غفلته عنها، و عدم التزامه بالأحكام الشرعية، هذه الأسباب هي
1) الاسراء: 72.
2) طه: 124.
3) طه: 125-126، و قد جاء عن ابن عبّاس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في معنى الآية، قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و من قرأ القرآن و لم يعمل به حشره اللّه يوم القيامة أعمى، فيقول: ربّ لم حشرتني أعمى و قد كنت بصيرا؟ فيقال: كذلك أتتك آيتنا فنسيتها، و كذلك اليوم تنسى، فيؤمر به إلى النار». البحار، ج 7، ص 215. [المترجم]
التي تسبّب عماه في الآخرة.
و أمثال هؤلاء الأشخاص لا يتحلّن في الدنيا بالهوية الإنسانية، و هم يحشرون في الآخرة بنفس هويّتهم غير الإنسانية. لم يكن هؤلاء يشاهدون آيات اللّه، فحشروا و هم عمي.
ذكر الشيخ الجليل الطبرسي صاحب تفسير «مجمع البيان» عند تفسيره لقوله تعالى: «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوٰاجاً» الحديث التالي:
«عن البراء بن عازب، قال: كان معاذ بن جبل جالسا قريبا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في منزل أبي أيّوب الأنصاري، فقال معاذ: يا رسول اللّه، أرأيت قول اللّه تعالى: «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوٰاجاً» الآيات؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): يا معاذ سألت عن عظيم من الأمر، ثم أرسل عينيه [أي بكى] ثم قال: «تحشر عشرة أصناف من أمّتي اشتاتا قد ميّزهم اللّه تعالى من المسلمين و بدّل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، و بعضهم على صورة الخنازير، و بعضهم منكّسون، أرجلهم من فوق و وجوههم من تحت، ثم يسحبون عليها، و بعضهم عمي يترددون، و بعضهم بكم لا يعقلون، و بعضهم يمضغون ألسنتهم يسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذّرهم أهل الجمع، و بعضهم أشدّ نتنا من الجيف، و بعضهم يلبسون جبانا سابغة من قطران لازقة بجلودهم. فأمّا الذين على صورة القردة فالقتّات من الناس، و امّا الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، و امّا المنكّسون على رؤوسهم فآكلة الربا، و العمي: الجائرون في الحكم، و الصم البكم: المعجبون بأعمالهم، و الذين يمضغون بألسنتهم فالعلماء و القضاة الذين خالفت أعمالهم أقوالهم، و المقطّعة أيديهم و أرجلهم: الذين يؤذون الجيران،
و المصلّبون على جذوع من نار فالسعادة بالناس إلى السلطان، و الذين هم أشدّ نتنا من الجيف فالّذين يتمتّعون بالشهوات و اللّذات و يمنعون حقّ اللّه في أموالهم، و الذين يلبسون لاجباب فأهل التجبّر و الخيلاء»(1)
و هكذا يتّضح انّ كلّ إنسان يحشر في يوم القيامة و يظهر بنفس الصورة و السيماء التي تقتضيها أعماله في الدنيا، أي تكون صورته في الآخرة متناسبة مع صورة عمله في الدنيا(2).
يقول تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لاٰ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاٰ جَانٌّ. يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمٰاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوٰاصِي وَ اَلْأَقْدٰامِ» (3)
1) للحديث مصادر كثيرة، منها: مجمع البيان، ج 10، ص 423-424، و البحار، ج 7، ص 89. و كذلك جاء ما يشبهه في: جامع الأخبار، فصل: 140، و الدر المنثور، ج 6، ص 307. [المترجم]
2) يقول الفيض الكاشاني في توضيح ذلك: «فانّ تكرّر الأفاعيل يوجب حدوث الملكات، فكلّ ملكة تغلب في الدنيا على الإنسان، تتصوّر في الآخرة بصورة تناسبها: قل كلّ يعمل على شاكلته». علم اليقين في أصول الدين، ج 2، ص 900. [المترجم]
3) الرحمن: 38-40.
ثمّة معنيان لتجسّم الأعمال من وجهة نظر القرآن، المعنى الأوّل، هو الذي سبق أن أشرنا إليه(1).
امّا المعنى الثاني، فهو عبارة عن تجسّم أعمال الإنسان و نيّاته و أفكاره في يوم القيامة، و حضورها معه بصورها المجسّمة.
انّ أعمال الإنسان و نيّاته و أفكاره و إن بدت بصورة «عرضية»، إلاّ انّها في الواقع و نفس الأمر ليست كذلك، و انّما لها حقيقة و واقع. أي انّ أعمال الإنسان و ان بدت في الظاهر مرتبطة به؛ و انّها تعدم بعد القيام بها، إلاّ انّ هذا النظر لا يعكس إلاّ الصورة الظاهرية للحقيقة. امّا الوجه الآخر لهذه الحقيقة، فيتمثّل بتجسّم أفعال و نيّات الإنسان، و حضورها مع صورها التي تناسبها، معه و إلى جانبه في صف المحشر. و بهذا الشكل فإنّ أفعال و نيّات الإنسان لا تفنى و لا تعدم بعد قيامه بها، و انّما تستحيل إلى صور تتجسّم على هيئتها(2).
1) يقصد المؤلّف الإشارة إلى ما ورد في الفصل السابق (السابع) من انّ الإنسان يحشر في الآخرة على صورة هويّته الدنيوية التي اكتسبها من خلال أعماله الصالحة أو الطالحة. [المترجم]
2) جاء في الحديث الشريف: «يحشر الناس على نيّاتهم». و لتوضيح ما جاء في المتن، نقرأ في تجسّم الأعمال و تحوّلها إلى صور ترافق الإنسان في المحشر، ما يقوله الفيض الكاشاني (رحمه اللّه): «و السرّ في ذلك أنّ لكل خلق من الأخلاق المذمومة و الهيئات الردية المتمكّنة في النفس صورة نوع من أنواع الحيوانات، و بدن يختص بذلك، كصور أبدان الأسود و نحوها لخلق التكبّر و التهوّرمثلاو أبدان الثعالب و أمثالها للخبث و الروغان، و أبدان القرد و أشباهها للمحاكاة و السخرية...» علم اليقين، ج 2، ص 901-902. [المترجم]
الذي نستفيده من القرآن الكريم و الروايات و الأحاديث الإسلامية الشريفة، انّ «الجنّة» و «النار» كانتا من قبل، و هما الآن موجودتان أيضا، و ممّا يؤكّد ذلك ما نطق به الذكر الحكيم في قوله تعالى: «وَ اِتَّقُوا اَلنّٰارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ»(1).
و قوله تعالى: «وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ»(2).
لنعم الجنّة و لذائذها، و عذاب النار و أهوالها، صلة بأعمال الإنسان و ما يقدّمه لنفسه. فأعمال الإنسان، من وجهة نظر القرآن، هي التي تصنع قصوره في الجنّة؛
1) آل عمران: 131.
2) آل عمران: 133. و ثمّة آيات أخرى تدلّ على المقصود منها قوله (تعالى): «وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ». و أحاديث كثيرة تدلّ على ذلك منها ما رواه الشيخ الصدوق عن عبد السلام بن صالح الهروي أنّنه قال: «قلت لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام): يا ابن رسول اللّه، أخبرني عن الجنّة عن الجنّة و النار أهما اليوم مخلوقتان؟ فقال: «نعم. و انّ رسول اللّ رسول اللّه، أخبرني عن الجنّة و النار أهما اليوم مخلوقتان؟ فقال: «نعم. و انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دخل الجنّة و رأى النار لما عرج به إلى السماء. فقلت له: إنّ أقواما يقولون: انّهما اليوم مقدّرتان غير مخلوقتين؟ فقال (عليه السلام): ما أولئك منّا و لا نحن منهم، من أنكر خلق الجنّة و النار فقد كذّب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و كذّبنا، و ليس من و لا يتنا على شيء، و خلّد في النار. قال اللّه (عز و جل): «هٰذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا اَلْمُجْرِمُونَ. يَطُوفُونَ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ» و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلنى الجنّة...» التوحيد، ص 118. [المترجم]
و هي أيضا التي تدفع به إلى ألوان عذاب جهنّم، و ما فيها من عقارب و حيات و أقوال. فما يرسله من هذه الدنيا، يلقاه أمامه في الآخرة(1)
و قد جاء في الدعاء المأثور عن الإما علي بن الحسين السجّاد (عليه السلام): «و صارت الأعمال قلائد في الأعناق». الصحيفة السجّادية، الدعاء 42. [المترجم]
.لذلك ليس ثمّة عجب في قولنا: «انّ القيامة هي حصيلة أعمال الإنسان».
فقد ورد في الحديث النبوي الشريف: «انّما هي أعمالكم تردّ إليكم»(2).
امّا القرآن الكريم فقد عبّر عن هذه الحقيقة في آيات كثيرة، منها قوله (تعالى):
«كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمٰا أَسْلَفْتُمْ فِي اَلْأَيّٰامِ اَلْخٰالِيَةِ».
و قوله تعالى: «ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ».
تصرّح هاتان الآيتان و غيرهما بوضوح، انّ أعمال الإنسان في هذه الدنيا هي التي تحدّد مصيره في الآخرة و تبعثة على تنعّمه بلذائذ الجنّة أو نيله لعذاب النار، و انّ ما نرسله من هذه الدنيا نجده محضرا أمامنا هناك.
نفقطة الجنّة و غرسها نجد في روايات المعراج، انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا أسري به إلى السماء، و دخل الجنّة، كان يرى الملائكة تشتغل ببناء القصور لبنة من الذهب و لبنة من الفضّة، و ربّما كانت الملائكة تمسك أحيانا عن العمل.
فسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الملائكة عن سبب اشتغالها بالبناء حينا، و إمساكها عنه حينا آخر؟
1) يتحدّث القرآن عن ذلك بوضوح، يقول (تعالى): «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً» آل عمران: 30، و قوله (تعالى): «وَ لاٰ تُجْزَوْنَ إِلاّٰ مٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» يس: 54، و قوله (تعالى): «كَذٰلِكَ يُرِيهِمُ اَللّٰهُ أَعْمٰالَهُمْ» البقرة: 167.
2) علم اليقين، ج 2، ص 884.
فأجابوه: اننا ننتظر وصول النفقة من أهل الأرض.
فما دام الإنسان المسلم مشغولا بالعبادة، أو قائما بخدمة المسلمين، أو منفقا لماله، أو مجاهدا لنفسه مراقبا لها، أو قائما بأيّ طاعة أو عبادة، فإنّه يوفّر بذلك الأسباب اللازمة لبناء قصوره في الجنّة و تهيئة نعمها الأخرى(1)
فقالوا: حتى تجيئنا النفقة. فقلت لهم: و ما نفقتكم؟ فقالوا: قول المؤمن في الدنيا: (سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر) فإذا قال بنينا، و إذا أمسك أمسكنا». تفسير القمي، ص 20.
و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «ليلة أسري بي مرّ بي إبراهيم (عليه السلام)، فقال: مر أمّتك أن يكثروا من غرس الجنّة، فان أرضها واسعة و تربتها طيّبة. قلت: و ما غرس الجنّة؟ قال: «لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه». تنبيه الخواطر، ص 68. و قد توسّع المؤلف - و حسنا فعل في توسيع النفقة النفقة فجعلها شاملة لكلّ طاعة و فعل خير يقوم به الإنسان، سواء كان ذكرا أم عملا. [المترجم]
.أمّا حينما يغفل الإنسان عن عمل الخير و ينقطع عن الطاعة و يقصّر في العبادة، فإنّ نفقة الجنّة و مستلزماتها تنقطع تبعا لذلك، فيتوقّف الملائكة عن العمل.
لذلك من الممكن أن تكون للإنسان جنّة (أي يكون له نصيب من الجنّة) و لكنّها جنّة خالية من الأشجار و الأنهار و القصور، و ذلك بخلاف شخص آخر دأب من خلال أعماله الصالحة في الدنيا على اعمار جنّته الأخروية و ملئها بالقصور و البساتين و الحور العين و اللذائذ و النعم الأخرى(2).
1) من الأحاديث الدالّة على مراد المؤلّف، ما جاء عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «لمّا أسري بي الى السماء، دخلت فرأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب و لبنة من فضّة، و ربّما أمسكوا. فقلت لهم: ما لكم ربّما بنيتم و ربّما أمسكتم؟
2) ممّا يؤيّد هذا، ما ورد في الحديث النبوي الشريف من انّ «الجنّة قيعان» لذلك فهي بحاجة إلى غرس من فعال الإنسان و ذكره و طاعاته. يلاحظ نص الحديث في: علم اليقين، ج 2، ص 884 [المترجم]
يروي المحدّث القمّي (عليه الرحمة) انّ أحد رؤساء القبائل ورد في جماعة من قومه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و طلب منه موعظة نافعة تكون مرشدا له في حياته، لا سيما انّه ليس بمقدوره أن يصل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دائما، فوعظه روسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بموعظة منها: «و انّه لا بدّ لك يا قيس! من قرين يدفن معك و هو حي؛ و تدفن معه و أنت ميّت. فإن كان كريما أكرمك، و إن كان لئيما أسلمك»(1)
فقال قيس: يا نبي اللّه أحبّ أن يكون هذا الكلام في أبيات من لاشعر نفخر به على من يلينا من العرب و ندّخره...؛ فلما أذن له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بانشاد الشعر، نظم قيس بن عاصم المعنى الوارد في حديث رسول اللّه، بهذه الأبيات:
تخيّر خليطا من فعالك انّها قرين الفتى في القبر ما كان يفعل
و لا بدّ بعد الموت من ان تعدّه ليوم ينادى المرء فيه فيقبل
فإن كنت مشغولا بشيء فلا تكن بغير الذي يرضى به اللّه تشغل
فلن يصحب الإنسان من بعد موته و من قبله إلاّ الذي كان يعمل
ألا إنّما الإنسان ضيف لأهله يقيم قليلا بينهم ثمّ يرحل تلاحظ القصّة في: كتاب الخصال، الشيخ الصدوق، ص 114. [المترجم]
.و الرفيق الذي يعنيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هو فعل الإنسان و عمله، كما يتّضح من نهاية الخبر، فإذا كان فعل الإنسان صالحا، فسيكون قرينه في القبر و المحشر و الجنّة صالحا كريما لا يسلمه. و إن كان فعل الإنسان سيّئا، فسيكون رفيقه
1) يشير المؤلف بكلامه هذا إلى الواقعة التي رواها الشيخ الصدوق من انّ قيس بن عاصم المنقري وفد في جماعة من بني تميم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و طلب منه الموعظة، فكان ممّا قاله له (صلّى اللّه عليه و آله): «و انّه لا بدّ يا قيس من قرين يدفن معك و هو حي، و تدفن معه و أنت ميّت. فإن كان كريما أكرمك، و إن كان لئيما أسلمك، ثم لا يحشر إلاّ معك، و لا تحشر إلاّ معه، و لا تسأل إلاّ عنه. و لا تجعله إلاّ صالحا، فانّه إن صلح أنست به، و إن فسد لا تستوحش إلاّ منه، و هو فعلك».
في القبر و قرينة في عالم الآخرة سيّئا أيضا، و سيلازمه إلى أن يذهب به إلى النار.
انّ مرافقة عمل الإنسان للإنسان سيئا كان أم حسناهي من الأمور اليقينية التي نستفيدها من حديث رسول اللّه هذا.
إذا كانت أفعالنا و أعمالنا، بل كلّ شيء في هذا العالم، لا تفنى و لا تعدم، و انّما تعود إلينا، فما أحرانا إذن أن لا نبيع آخرتنا بدنيانا، و ان لا نضحّي بعالم البقاء من أجل عالم الفناء. انّ الحياة الدنيا مملوءة بالغصص و الآلام و المشاقّ و المصاعب، فعلينا إذن أن لا نستبدل نعم الجنّة و لذائذها الخالدة الباقية، بثمن بخس من متاع هذه الدنيا، و بالمعاصي و الآثام التي نرتكبها.
اننا نجلس في الجنّة و نعيش فيها برفقة رسول اللّه و الأئمّة الأطهار (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، فعلينا أن لا نضحّي بهذه الرفقة، و الأهمّ من ذلك أنّ علينا أن لا نحرم أنفسنا من مشاهدة جمال اللّه سبحانه.
انّ لأفعالنا و أعمالنا و أقوالنا أثرين؛ الأثر الأوّل ينطبع في النفس؛ بمعنى انّ أعمال الإنسان إذا كانت صالحة، فهي تترك آثارها الحسنة على نفسه. أمّا إذا كانت أعماله سيئة فستسقط نفسه لتصل إلى حضيض الحيوانية.
أمّا الأثر الثاني، فهو رجوع الأعمال في يوم القيامة إلينا. حيث جاء في الحديث الشريف: «انّما هي أعمالكم ردّت إليكم».
اذن، الأعمال بعد الموت تتجسّم بصورها الحقيقية و ترافق الإنسان و تبقى معه(1).
1) يقول صدر المتألهين في توضيح ذلك: «كلّ من شاهد بنور البصيرة باطنه في الدنيا لرآه مشحونا بأصناف السباع و أنواع المؤذيات، مثل الغضب و الشهوة و الحقد و الحسد و الكبر و العجب و الرياء و غيرها، و هي التي لا تزال تفترسه و تنهشه...؛ إلاّ انّ أكثر الناس محجوب العين عن مشاهدتها، فإذا انكشف الغطاء بالموت و وضع في قبره عاينها و هي محذقة عليه، و قد تمثّلت بصورها و أشكالها الموافقة لمعانيها، فيرى بعينه العقارب و الحيات قد أحدقت، و انّما هي ملكاته و صفاته الحاضرة الآن و قد انكشفت له صورها الطبيعية. فإنّ لكل معنى صورة تناسبه، و لكل حقيقة مثالا يحاكيه» ثم يضيف: «و قد مرّ انّ هذه الصورة حسّية عينية لا انّها وهمية محضة. و ان كان [الإنسان] سعيدا تمثّل له ما يناسب أخلاقه الحسنة و ملكاته المرضية». مفاتيح الغيب، ص 638. [المترجم]
إنّ تجسّم الأعمال في عالم الآخرة، و مرافقتها للإنسان بعد موته، هي من آثار أفعالنا في هذه الحياة. و يبيّن القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ وَ اَللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ»(1).
انّ إحاطة الذنوب بالإنسان في يوم الحساب، أمر مؤلم و ينطوي فضيحة، بل انّ تلك اللحظات أكثر ألما و مضّا في النفوس من وهج نيران جهنّم نفسها(2).
امّا إذا كانت أعمال الإنسان أعمالا صالحة فانّها تتجسّد بصور جميلة تحيط به من كلّ طرف(3)، و عندما ينظر الإنسان إلى ما حوله يأخذه السرور و الفرح، بل
1) آل عمران: 30.
2) جاء في مضمون الحديث انّه تحصل للإنسان ندامة في الآخرة على ما فرّط، أين منها ضخمة النار. و بالنسبة لألم الفضيحة نجد انّ المؤمن المذنب يطلب من ربّه الستر و يقول: «سيّدي: لتبعثني إلى النار أحبّ إلي من أن تعيرني». الاختصاص، عن تسلية الفؤاد، ص 227. [المترجم]
3) ثمّة أحاديث كثيرة في تجسّد الأعمال الصالحة و مرافقتها للإنسان المؤمن، من ذلك مثلا ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه: «إذا بعث اللّه المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدمه امامه، كلّما رأى المؤمن هولا من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لا تفزع و لا تحزن و ابشر بالسرور و الكرامة من اللّه عزّ و جلّ، حتى يقف بين يدي اللّه عز و جل فيحاسبه حسابا يسيرا و يأمر به الى الجنّة و المثال أمامه، فيقول له المؤمن: يرحمك اللّه، نعم الخارج، خرجت معي من قبري و ما زلت تبشرني بالسرور و الكرامة من اللّه حتى رأيت ذلك. فقول: من أنت؟ فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني اللّه عز و جل منه لا بشرّك». و في تجسّد الصدقة قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أرض القيامة نار ما خلا ظلّ المؤمن فإنّ صدقته تظلّه» البحار، ج 7، ص: 197، 292. [المترجم]
تصل به الحالة إلى الدرجة التي يخاطب عندها أهل المحشر بما يحكيه عنه القرآن الكريم في قوله (تعالى): «فَأَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هٰاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ».
و من الآيات الدالّة على تجسّم الأعمال قوله (تعالى): «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ اَلنّٰاسُ أَشْتٰاتاً لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْفَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»(1).
تتحدّث الآية الكريمة بصراحة عن رؤية الإنسان ل «أعماله» لا رؤيته ل «جزاء الأعمال» و إلاّ فلو كان المعنى الثاني هو المقصود لجاء التعبير القرآني بصيغة ليروا جزاء أعمالهم».
المقصود اذن هو «مشاهدة نفس الأعمال»، أي تجسّم الأعمال بالمعنى الثاني الذي نبحثه في هذا الفصل. و الذي يؤكّد هذا المعنى هو ما تقرّره الآية بوضوع من انّ الإنسان إذا عمل ذرّة من عمل الخير أو الشرّ فسيراه مقدّما امامه في الآخرة.
كان استاذنا الجليل الإمام الخميني يقرأ هذه الآيات (من سورة الزلزلة) مرارا، و يذكر في شرحها مضمون خبر عن الإمام الصادق (عليه السلام) يذكر فيه انّ آية «لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ» هي من المحكمات التي ليس فيها أي تقدير، فإذا كان عمل الإنسان صالحا فانّه يحشر في الصورة التي تناسب عمله، فيبعث منوّرا جذّابا
1) الزلزلة: 5-8.
مشعّا، امّا إذا كان عمله سيّئا، فإنّه يحشر في الصورة التي تناسب عمله السيّئ.
و بذلك فانّ مصير الإنسان في القيامة و منقلبه إلى الجنّة أو النار، و فضيحته أمام الأشهاد أو إسدال ستر اللّه عليه، انّما يرتبط بعمل الإنسان نفسه في هذه الدنيا(1)
و كذلك قوله (عليه السلام): «فان كان اللّه وليّا أتاه أطيب الناس ريحا و أحبّهم منظرا و أحسنهم رياشا، فقال: أبشر بروح و ريحان و جنّة نعيم و مقدمك خير مقدم. فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح»، امّا إذا كان من أهل الشرّ فسيأتيه عمله بصورة «أقبلح ما خلق اللّه زيا و أنتنه ريحا، فيقول: ابشر بنزل من حميم و تصلية جحيم». الكافي، ج 3، ص 231. [المترجم]
.من الآيات الأخرى التي ترتبط بموضوع بحثنا قوله تعالى في سورة الأنبياء:
«وَ إِنْ كٰانَ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنٰا بِهٰا وَ كَفىٰ بِنٰا حٰاسِبِينَ» (2).
الآية صريحة في احضار اللّه (سبحانه) لعمل الإنسان حتى لو بلغ من الصغر حبّة من خردل، و في الآية ما يشير كذلك إلى دقّة الحساب.
و بذلك يتّضح انّ ما يعمله الإنسان من خير أو شر و ان قلّ، سيأتي به اللّه و يحضر أمام الإنسان في صفّ المحشر.
و ثمّة آيات أخرى كثيرة تؤكّد هذا المعنى، نكتفي منها بقوله (تعالى): «وَ مٰا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللّٰهِ»(3).
و قوله (تعالى): «وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذٰابَ اَلْحَرِيقِذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اَللّٰهَ
لَيْسَ بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ» (1).
و قوله (تعالى): «وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللّٰهِ ثُمَّ تُوَفّٰى كُلُّ نَفْسٍ مٰا كَسَبَتْ وَ هُمْ لاٰ يُظْلَمُونَ»(2).
أجد من المناسب جدّا أن نفكّر و نتدبّر في آيات اللّه هذه، و ان لا نهملها أو نمرّ عليها مرور الكرام. انّ الدنيا زائلة لا تدوم، و لا بدّ أن يأزف يوم الرحيل. و في يوم رحيلنا علينا ان نحمل معنا متاعنا؛ و ما متاعنا في سفرنا، و ما زاد معادنا إلاّ ما نقوم به في حياتنا الدنيا و ما أعددناه في سني عمرنا و أيّامه و لحظاته.
يقول تعالى: «وَ مَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاّٰ مَتٰاعٌ».
و يقول تعالى في بيان مشهد من مشاهد أهل النار: «فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيٰابٌ مِنْ نٰارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ اَلْحَمِيمُيُصْهَرُ بِهِ مٰا فِي بُطُونِهِمْ وَ اَلْجُلُودُ وَ لَهُمْ مَقٰامِعُ مِنْ حَدِيدٍ»(3).
اتّضح من مباحث الفصول السابقة انّ أعمال الإنسان في الدنيا هي التي تقرّر مصيره و حياته في الآخرة، و انّ علاقة الدنيا بالآخرة كعلاقة «الزرع» ب «الحصاد»، فالإنسان يحصد هناك من ما يزرع هنا.
لذلك أصبح من السهل علينا الاجابة على الشبهة التي تصاغ بهذا السؤال:
هل ثمّة تناسب بين أعمال الإنسان و الجزاء الإلهي ثوابا كان أم عقابا؟
و سهولة الجواب تتأتّى ممّا أوضحنا سابقا من أنّ عدم رعاية الإنسان لأحكام الشرع الإسلامي كالصلاة و الصوم، تصنع في الإنسان ملكة، و الملكة تحدّد بدورها هويّة الإنسان و تصنعها له، و الإنسان في الآخرة يظهر و يحشر بهويته الدنيوية التي أحدثتها ملكته، و تتجسّم أعماله و تكون برفقته.
و بذلك يتّضح انّ عمل الإنسان و جزاءه لسا شيئين منفصلين و انّما هما شيء واحد.
و ينبغي أيضا أن لا ننظر إلى علاقة الجزاء بالعمل على شاكلة نظرتنا إلى القانون أو إلى اتفاق ما، بحيث ننتظر أن يكون التناسب بين الذنب و الجزاء شرطا في الموضوع. و انّما الجزاء و العمل يشبهان في علاقتهما، علاقة العلّة بالمعلول(1).
1) لذلك جاء في الحديث: انّ أهل النار يخلدون في النار بنيّاتهم، و كذا أهل الجنّة، فقد روي انّ رجلا يهوديّا سأل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: يا محمّد! ان كان ربك لا يظلم فكيف يخلّد في النار أبد الآبدين من لم يعصه إلاّ أيّاما معدودة؟ فأجاب (صلّى اللّه عليه و آله): «يخلّده على نيّته. فمن علم ان نيّته انّه لو بقي في الدنيا إلى انقضائها كان يعصي اللّه، خلّده في ناره على نيّته، و نيّته في ذلك شرّ من عمله». علم اليقين، ج 2، ص 1055. [المترجم]
عندما يشرب الإنسان جرعة من السم الزعاف و يموت على أثرها، فلن يكون ثمّة مجال للاعتراض بأن ليس هناك تناسب بين العلّة و المعلول؛ و لا مجال للسؤال؛ لماذا أدّت لحظة اشتباه واحدة و جرعة قليلة من السم إلى الموت؛ أو أن يقول قائل انّ الموت الذي هو نتيجة العمل لا يتناسب مع فعل الإنسان الذي قاد إليه.
انّ مثل «العمل» و «الجزاء» كمثل «تناول السم» و «الموت» اثر ذلك ثمّ، علينا أن نعي أن تجسّم الأعمال أعمق من علاقة العلّة بالمعلول، فتجسّم الأعمال بحث في «العينية»، أي انّ «العمل» و «الجزاء» هما عين بعضهما البعض.
أي: «ان كان خيرا فخيرا، و إن كان شرّا فشرّا»(1).
و نستطيع أن قنرّب صورة العلاقة هذه بين «الجزاء» و «العمل» من خلال مثال الوجود الذهني و الوجود الخارجي. حيث ستكون الدنيا بمثابة «الوجود الذهني»، فيما تكون الآخرة نظير «الوجود الخارجي».
و من الواضح انّ هذين الوجودين يعبّران عن حقيقة واحدة، بل هما حقيقة واحدة، و الفرق بينهما انّ الوجود الذهني يعتبر أضعف بقدر معيّن من الوجود الخارجي.
و بهذا البيان يتّضح انتفاء أصل الاشكال الذي يقوم عليه السؤال الذي افتتحنا به الفصل عن التناسب بين العمل و الجزاء.
من النقاط الأخرى التي ينبغي التذكير بها في بحوث هذا الفصل، هي مسألة
1) يراجع: علم اليقين، ج 2، ص 884.
التوبة و العفو عن الذنوب. و السرّ في اتصال هذه المسألة بما نحن فيه من بحث في علاقة العمل بالجزاء؛ انّ الإنسان قد يشتبه عليه الأمر فيسأل: إذا كان العمل و الجزاء يصدران و يعبران عن حقيقة واحدة، رغم كونهمافي الظاهر - وجودين مختلفين، فكيف إذا تغفر للإنسان ذنوبه بالتوبة، فلا يعدّ بعد التوبة مسؤولا عن أعماله، حاملا لتبعاتها؟
الذي نستفيده من الأحاديث و الروايات الشريفة انّ التوبة عن الذنب موجبة للتخلّص من نار جهنّم و أهوال عذاب الآخرة، من لسع الأفاعي و العقارب، و الغلّ بالسلاسل و الاصفاد، و أكل الزقوم و شرب الحميم و غير ذلك من صنوف العذاب الأخروي. كما تنقذ التوبة صاحبها من عذاب البرزخ أيضا(1).
و يشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله (تعالى): «يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ، إِنَّ اَللّٰهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً»(2).
على الإنسان اذن أن لا يقنط من رحمة اللّه و لا ييأس منها، مهما بلغت و طأة الذنوب، لأنّه (سبحانه) يقول: «وَ لاٰ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللّٰهِ إِنَّهُ لاٰ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللّٰهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكٰافِرُونَ»(3).
لذلك فإنّ اتائب عن ذنبه، الآيب إلى اللّه (سبحانه) يكون كمن لا ذنب له.
فقد جاء في الحديث النبوي الشريف: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»(4).
1) من الأحاديث التي يشير إليها المؤلف ما جاء عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في قوله: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ اللّه يقبل توبة عبده ما لم يغرغر، توبوا إلى ربّكم قبل أن تموتوا». و كذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «لا شفيع أنجح من التوبة». البحار، ج 6، ص 19، 21. [المترجم]
2) الزمر: 53.
3) يوسف: 87.
4) الوسائل، ج 11، ص 358.
ّو الذي نستخلصه من هذه الإشارات، انّ اللّه (سبحانه) يغفر للإنسان ذنوبه و معاصيه على أثر توبته، و قد سبق ان ذكرنا في فصل «تجسّم الأعمال» انّ ذنوب الإنسان تتجسّم فترافق الإنسان بعد موته و تحشر معه، و من هنا يمكن للمرء أن يسأل: ماذا سيكون مصير الأعمال المتجسّمة بعد التوبة، لا سيما انّ أعمال الإنسان لا تنفى و لا تعدم، كما تقدّم؟
و في الإجابة على هذا السؤال وجهتا نظر، نشير إليهما كما يلي:
الرأي الأوّل: ممّن يذهب إليه من العلماء المعاصرين العلاّمة الشيخ محمد حسين الأصفهاني (رحمه اللّه)، حيث يرى هذا الرجل الربّاني، انّ ذنوب الإنسان التائب تنفصل عنه بالتوبة، بحيث تبتعد عنه الأعمال السيّئة التي تجسّمت بصور تناسب المعاصي.
و هذا هو ما يودّه الإنسان المذنب في القيامة، حيث يرغب ان تبتعد عنه ذنوبه و أن يكون بينه و بينها أمدا بعيدا، و هذا الذي يمتنع حصوله هناك.
يقول تعالى في ذلك: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً»(1).
الذي عليه رأي المحقّق الاصفهاني اذن انّ التوبة تفصل بين الإنسان و بين أعماله السيّئة و ذنوبه، بحيث لا تكون هذه الأعمال و الذنوب باعثا على عذابه.
و الاصفهاني (رحمه اللّه) يفسّر غفران الذنوب أيضا بهذا الاسلوب.
الرأي الثاني: و يذهب إليه استاذنا الكبير الخميني الذي يرى انّ التوبة تمحو الذنوب و تفنيها، بحيث تمحى معها صحائف المعاصي السوداء و تطهّر بماء التوبة.
و معنى هذا الكلام انّ الصور المجسّمة للذنوب و التي تحشر في يوم القيامة مع الإنسان و ترافقه بصورة الكلب و الأفعى و العقرب و الزقوم و الحميم و سلاسل النار و أصفادها، تفنى بالتوبة و تعدم، و تطفأ عن التائب نيران جهنّم.
1) آل عمران: 30.
يظهر من البحث و التحقيق انّ الحق مع الصنف الثاني(1)
و كذلك ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) من انّ اللّه أوحى إلى نبيّه داوود (عليه السلام) قوله: «يا داوود إنّ عبدي المؤمن إذا أذنب ذنبا ثم رجع و تاب من ذلك الذنب و استحيا منّي عند ذكره، غفرت له، و أنسيته الحفظة، و أبدلته الحسنة».
و في حديث آخر قال (عليه السلام) في الستر على التائب: «ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، و أوحى إلى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه، و أوحى إلى الأرض: اكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب». البحار، ج 6، ص 22، 28. [المترجم]
، لأنّ القرآن الكريم ينص بصراحة على استبدال سيّئات التائب و خطاياه بالحسنات، و انّ المذنبين و أهل المعاصي يذهبون إلى النار، فيمكثون في ذلّها و نارها لأمد طويل و بعضهم يخلّد فيهاإلاّ التائبين الذين تستبدل صحائف أعمالهم السوداء بصحائف جديدة تكون فيها سيّئاتهم قد بدّلت إلى حسنات.يقول تعالى: «إِلاّٰ مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ وَ كٰانَ اَللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً»(2).
يتّضح ممّا مرّ انّ التوبة تبدّل عذاب النار إلى الجنّة و نعمها، و تستبدل الغل و الاصفاد و السلاسل بالأنهار و الأشجار و لذائذ الجنّة الأخرى.
نقرأ في الروايات انّ المؤمن لا يرد إلى جهنّم قدر الإمكان، فهو يبتلى في دار
1) تصرّح الأحاديث الشريفة بأنّ التوبة تؤول إلى محو ذنوب التائب و ابدالها بالحسنات، و انّ اللّه من لطفه ينسي الكرام الحافظين ما كانوا قد سجلوه من ذنوب الإنسان، بعد توبته. و من ذلك ما اشتهر عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «العجب ممّن يقنط و معه الممحاة! فقيل له: و ما الممحاة؟ قال: الاستغفار».
2) الفرقان: 70.
الدنيا بالفقر و الألم و المرض و ضروب المصائب الأخرى التي تحتسب كفارة له عن ذنوبه، أي انّ المؤمن يطهر من ذنوبه في الدنيا بألوان الابتلاء.
امّا إذا كانت ذنوبه أكثر من ذلك، بحيث لا تكفي في كفّارتها بلاءات الدنيا و مصائبها، فإنّ اللّه سبحانه يشدّد عليه حين الموت لكي يطهّره من ذنوبه(1)
و في المعنى نفسه قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما من شيعتنا أحد يقارف امرا نهيناه عنه فيموت حتى يبتلى ببلية تمحص بها ذنوبه؛ إمّا في مال أو ولد، و إمّا في نفسه، حتى يلقى اللّه محبنا و ما له من ذنب. و انّه ليبقى عليه شيء من ذنوبه فيشدّد عليه موته فتمحص ذنوبه». الخصال، ج 2، ص 637، في حديث الاربعمائة. [المترجم]
.و لو كانت ذنوبه أكبر من أن تغفر له بشدائد الموت، فإنّه يبتلى بعذات القبر و البرزخ حتى يكون ذلك كفّارة لذنوبه فيستحق بعدها الجنّة. و إذا كانت ثمّة بقيّة من الذنوب، فإنّ صاحبها يبتلى بشدائد يوم القيامة في الحشر و عند الحساب لتكون كفّارة له.
امّا إذا لم تستنفد كل هذه المراحل ذنوب المؤمن و لم تصل به إلى درجة التطهير، فهو يرد النار، و لكنّه يبقى فيها إلى الحدّ الذي ينقى فيه من الذنوب، ثم يخرج من النار، و يطهر بماء الكوثر و يذهب به إلى الجنّة.
يتّضح ممّا مرّ حكمة ما يذهب إليه استاذنا الإمام الخميني في قوله: «ان جهنّم
1) الأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدّا، منها: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قال اللّه (تعالى): ما من عبد أريد أن أدخله الجنّة إلاّ ابتليته في جسده، فإن كان ذلك كفّارة لذنوبه، و إلاّ سلّطت عليه سلطانا، فإن كان ذلك كفّارة لذنوبه، و إلاّ شددت عليه عند الموت حتى يأتيني و لا ذنب له، ثم أدخله الجنّة». علم اليقين، ج 2، ص 1050 و كذلك: بحار الأنوار، ج 6، ص 172.
واحدة من الألطاف الإلهية الكبرى». فهي تطهّر الإنسان من خبثه و كدورته، و تذهب بهويّته التي اكتسبها باقتراف الذنوب و تحوّل بها إلى صورة الخنزير أو غيره، لتعود به إلى هويته الإنسانية الأصيلة(1).
و علينا أن نعرف انّ هذا التطهير يتمّ بالنسبة للإنسان الذي يملك الاستعداد الكافي لذلك. امّا الذي يفتقد أرضية التطهير من الخباثة، فهو في النار مخلّد، و من هذا الصنف من تتحدّث عنه الآية الكريمة: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ»(2).
أكّدنا مرارا انّ لأعمال الإنسان و ما يقوم به آثارا متعدّدة، منها:
أوّلا: تجسّم الأعمال في الآخرة وفقا لأحد المعنيين اللذين شرحناهما فيما مضى.
ثانيا: الأثر الذي ينطبع على النفس و يبقى فيها، و هذا الأثر هو ما تؤدي إليه أفعالنا و أقوالنا و نيّاتنا من تفتّح الجنبة النسانية في شخصيتنا، أو استبدال الصفة الإنسانية بالحيوانية.
ثالثا: ما نودّ أن نشير إليه الآن، و هو ما تتركه أعمالنا و نيّاتنا على قلوبنا من انعكاسات، بحيث يمضي قلنا مضيئا في الحياة، أو يكون مظلما مدلهما.
و يشير القرآن الكريم إلى هذا الأثر في القلوب، بقوله (تعالى): «فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ أُولٰئِكَ فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ»(3).
انّ ذكر الحق لا يؤثّر في قلوب قست كقلوب هؤلاء، لأنّه أعرضوا عن أحكام اللّه و أوامره، و أهملوا الصلاة و الصيام، امّا تلك الفئة من الناس التي تتعبّد بأحكام اللّه، و تحافظ على الأموال العامّة (أموال بيت المال) و تقوم بخدمة الناس و ادخال السرور على قلوبهم، فإنّ قلوبها تضيء بالنور و تعمر بالصفاء و الاستقرار؛ و القلوب المنوّرة هي مساكن نزول رحمة اللّه تعالى.
ثمّة أثر رابع لأعمالنا و نيّاتنا يرتبط معها بعلاقة تشبه علاقة العلّة بالمعلول.
و المقصود من ذلك، انّ ذنب الإنسان يبتليه و عائلته أيضا، و بالتالي فإنّ عاقبة المذنب و عائلته لن تؤول إلى خير؛ أي انّ الذنب لا تنحصر آثاره و عواقبه على الإنسان نفسه و انّما تمتدّ إلى أولاده أيضا.
لذلك ينظر القرآن الكريم إلى تقوى الوالدين و قولهما قولا سديدا، بوصفهما عاملين مؤثرين على عاقبة الأولاد، التي ستنقلب إلى خير.
يقول (تعالى) في ذلك: «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعٰافاً خٰافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللّٰهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً»(1).
انّ التقوى و شهادة الحق لمن العوامل التي تبعث على صلاح الأولاد و فلاحهم.
و ليس لأحد أن يعترض بالقول: إذا أذنب الوالدان فما ذنب الأولاد في تحمّل جريرة ذنوب الوالدين و آثارها؟ و ذلك لأنّ هذين الشيئين هما من سنخ العلّة و المعلول، و انّ الوالدين اللّذين يدخلان النار إلى بيتهما (بارتكابهما الذنوب و المعاصي) عليهما أنى عيا جيّدا انّ نارهما هذه تحرق الأخضر و اليابس، و تصيب الجميع ببأسها و لهيبها.
و يحذّر القرآن الكريم بدوره من هذا الضرب من ضروب الفتنة في قوله
1) النساء: 9.
(تعالى): «وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاٰ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»(1).
انّ نزاعا جزئيا و خصاما محدودا في مدينة أو مكان عام ينتهي بإهانة مسلم و انتهاك كرامته، ربّما لا ترتد نتائجه و عواقبه السيئة على الشخص المذنب وحده، و انّما تصيب ناره الجميع فيحترقون.
و كذا الحال بالنسبة للأعمال الصالحة التي يقوم بها الوالدان، إذ انّ آثارها السعيدة لا تقتصر على الأب و الأمّ و حسب، و انّما تمتدّ لتشمل بخيرها أولادهم أيضا، ممّا يكون سببا لسعادتهم و خيرهم.
1) الانفال 52
للآخرة، في الرؤية المستقاة من القرآن و روايات أهل البيت (عليهم السلام)، منازل متعدّدة، أوّلها الاحتضار، و انفصال روح الإنسان عن بدنه بالموت(1)، و آخرها و منتهى سيرها جميعا، ورود المؤمنين إلى الجنّة ثوابا، و ورود المذنبين إلى النار عقابا.
الاحتضار هو المنزل الأوّل من منازل الآخرة الذي يعبّر عنه القرآن ب «سكرات الموت»(2)، و هذه المرحلة تعتبر لبعض الناس من منازل السرور و البركة. فهؤلاء يحضرهم عند الموت الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و أحيانا المعصومون الأربعة عشر؛ و حاملا يحين أجلهم يأتيهم «ملك الموت» بصورة جملة، و يتصرّف معهم بأسلوب حسن إلى أن يقبض أرواحهم(3)
الاختصاص، عن تسلية الفؤاد، ص 222. و كذلك أخرج الفريقان في المعتبر من كتبهم انّ إبراهيم الخليل (عليه السلام) سأل ملك الموت أن يريه الصورة التي يقبض فيها روح المؤمن «فإذا هو شابّ، فذكر من حسنه و ثيابه و طيب ريحه، فقال (عليه السلام): يا ملك الموت، لو لم يلق المؤمن من البشرى إلاّ حسن صورتك لكان حسبه». علم اليقين، ج 2، ص 846. و كذلك: احياء علوم الدين، ج 4، ص 464. [المترجم]
، ثم تتلقاهم ملائكة1) يقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «و الموت أوّل منزل من منازل الآخرة، و آخر منزل من منازل الدنيا». مصباح الشريعة، ص 58، عن تسلية الفؤاد، ص 18. [المترجم]
2) يشير المؤلف إلى قوله (تعالى): «وَ جٰاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذٰلِكَ مٰا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ» ق: 19. [المترجم]
3) يشير المؤلف إلى قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا أراد اللّه تبارك و تعالى قبض روح المؤمن قال: يا ملك الموت انطلق أنت و أعوانك إلى عبدي، فطالما نصب لنفسه من أجلي فأتني بروحه لأريحه عندي، فيأتيه ملك الموت بوجه حسن و ثياب طاهرة و ريح طيّبة...؛ معه خمسمائة ملك أعوان معهم طنان الريحان و الحرير الأبيض و المسك الأذفر...»
الرحمة (أي تتلقى أرواحهم) بالسلام و التحيّات، فتعرج بأرواحهم إلى عالم الملكوت، و عندما تصل حدود كلّ سماء من السماوات، فان أهلها و سكّانها يستقبلون روح هذا الإنسان بالفرح و يتلقونها بالسرور، إلى أن تصل الروح إلى عرش الربوبية و تكون في محضر اللّه (سبحانه)، ثم تعود إلى منزلها الأصلي بانتظار قيام الساعة(1)تصف الروايات و الأحاديث الشريفة الموت بالنسبة لهؤلاء كحال من يشمّ العطر(2)، فهؤلاء يبقون منعّمين في الجنّة البرزخية إلى أن تقوم الساعة و يحشر الناس.
و قد أشار القرآن الكريم في آيات كثيرة إلى موت المؤمنين و منقلبهم و ما يتلقونه من البشرى و السرور، نشير منها إلى ما ورد في الآيات التالية:
يقول تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ أَلاّٰ تَخٰافُوا وَ لاٰ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَنَحْنُ أَوْلِيٰاؤُكُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا
1) ثمّة حديث طويل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يشير فيه إلى انتقال روح المؤمن إلى السماوات و حضورها بين يدي اللّه (سبحانه) ثم عودتها إلى مكانها. و عند حضور الروح عند بارئها يخاطبها تعالى بقوله، كما في نص الحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «رحمتي عليك من روح» يراجع حديث الرسول الأعظم بهذا الشأن في: الاختصاص، و بحار الأنوار، ج 6، ص 161، و غيرهما. [المترجم]
2) يشير المؤلف إلى الحديث المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سئل أن يصف الموت، فقال: «للمؤمن كأطيب ريح، يشمه فينعس لطيبه، و ينقطع التعب و الألم كلّه عنه». و لذلك جاء في الحديث عن رسول اللّ (صلّى اللّه عليه و آله): «الموت تحفة المؤمن». البحار ج 6، ص 152، و علم اليقين، ج 2، ص 1083. [المترجم]
وَ فِي اَلْآخِرَةِ» (1).
و الآية الكريمة تشير إلى انّ من ترسّخت حقيقة التوحيد فيه، و وقر الإيمان في قلبه بأعماله الصالحة بحيث وصل إلى درجة الاستقامة، فهو لا يخاف الموت.
و هؤلاء هم من يؤدّون الصلاة في أوّل وقتها، و يؤدّون النوافل، و يحفظون ألسنتهم و جوارحهم عن الذنب و المعصية، و يؤدّون الصيام، و يؤتون الزكاة و الخمس، و يحجّون البيت الحرام، و يجاهدون في سبيل اللّه.
و يقول تعالى: «اَلَّذِينَ تَتَوَفّٰاهُمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(2).
و إذا كانت الآيتان الكريمتان السابقتان قد تحدّثتا عن حالات احتضار المؤمنين و مآلهم بعد الموت، فانّ القرآن الكريم يصف حال هؤلاء في صورة ثالثة و جديدة بقوله (تعالى): «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي اَلسَّمٰاءِتُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا وَ يَضْرِبُ اَللّٰهُ اَلْأَمْثٰالَ لِلنّٰاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ»(3).
تتضمّن هذه الآية الكريمة تشبيه المعقول بالمحسوس، بمعنى انّ كلمة «لا إله الاّ اللّه» إذا استحكمت في القلب بواسطة العمل الصالح و ترسّخت فيه، فانّها ستوجب استقرار الإيمان. و الإنسان الذي يدخل الإيمان إلى قلبه و يستقرّ فيه، لن يتعامل مع العبادات و صنوف الطاعات و الأعمال الحسنة الصالحة تعاملا زمنّيا طارئا، و انّما سيكون بعيدا عن المحرّمات باستمرار، منكبا على اداء الواجبات و القيام بالمستحبّات، و سيبذل جهده في إعانة الناس و في الجهاد. و مثل هذا الشخص سترافقه الخشية الدائمة من ارتكاب الذنوب، و الخوف و الوجل الدائب من نار جهنّم و عذابها.
و عبادة هذه الفئة من الناس لن تكون عبادة موسمية، كما يحصل للبعض، فهؤلاء كما يأنسون في شهر رمضان المبارك بكتاب اللّه، فيتلونه و يختمونه، فانّهم يتعاملون مع القرآن بنفس الروح بعد انتهاء شهر رمضان، حيث يواصلون تلاوته و التدبّر في آياته و التعاطي معه بما يناسبه؛ و السرّ في ذلك انّ الإيمان عند هؤلاء مستحكم الجذور، ثابت القواعد، و أغصانه محمّلة بالثمار القادرة على العطاء في كلّ حين.
أمام الإنسان أشواطا خطيرة و مراحل مهولة و منازل عظيمة، و الاحتضار أهم المنازل و أكثرها مشقّة و صعوبة(1)إلاّ لتلك الفئة التي اهتدت لطريق اللّه، و استعدّت للقائه بطيب خاطر؛ فالاحتضار بالنسبة لهؤلاء ليس سهلا و حسب، و انّما تجدهم على عجلة شوقا و حبّا للقاء اللّه سبحانه(2).
و من هؤلاء العالم الربّاني الميرزا جواد الملكي التربريزي (رحمه اللّه)(3)
كتاب أسرار الصلاة، طبع على الحجر سة 1339 ه و بالحروف سنة 1380 ه.
كتاب السير إلى اللّه، المعروف برسالة لقاء اللّه، و له طبعات متعدّد.
كتاب المراقبات أو أعمال السنة، و هو كتاب كبير النفع جليل الفائدة.
و قد توفي المرحوم في يوم عيد الضحى سنة 1343 ه بعد رحلة حافلة بالأخلاق و المعرفة أمضاها بين مدينتي قم (من مدن إيران) و النجف الأشرف (من مدن العراق). [المترجم]
، حيث1) جاء في الحديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قوله: «لسكرة من سكرات الموت أشدّ من ثلاثمائة ضربة بالسيف». و كذلك قول الإمام علي (عليه السلام): «إنّ للموت لغمرت هي أفظع من أن يستغرق (يستوصف) بصفة، أو تعتدل على عقول أهل الدنيا». يلاحظ في الأوّل: علم اليقين، ج 2، ص 851، و في الثاني: نهج البلاغة، الخطبة 219. [المترجم]
2) يقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حال هؤلاء: «من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه». مصباح الشريعة، ص 58.
3) سبق أن أشرنا اختصار إلى مكانة المرحوم الشيخ جواد التبريزي، و انّه رمز كبير في المدرسة التي يعود منهاجها في القول و العمل و السير و السلوك إلى اللّه؛ إلى السيّد الجليل جمال الدين بن طاووس. و من أبرز مؤلفات المرحوم التبريزي:
يذكر أحد أصدقائه في كيفية احتضاره انّ الميرزا جواد التبريزي أرسل إليه يوما و طلب منه الحضور، و يقول الصديق المذكور: عندما وصلت إلى الميرزا التبريزي وجدته قد استحمّ، و اختضب، ثم تمدّد بملابس نظيفة على فراش المرض بهدوء و استقرار، بانتظار حلول وقت صلاة الظهر. و عندما حلّ وقت الفريضة، شرع و هو على فراش المرض بالاذان ثم بالإقامة استعدادا لاداء فريضة الظهر. ثم بدأ بالتكبيرات المستحبة التي تكبيرة الاحرام، و لكّنه حالما لفظ الجملة الشريفة «اللّه أكبر» ليدخل بها إلى الفريضة، أسلم الروح بهدوء و اطمئنان، لتعود إلى بارئها، و تلتحق بالملأ الأعلى، و تحلّق عائدة إلى منزلها الأصلي.
ان الاحتضار بالنسبة للكفّار مؤلم جدّا، لأنّ ارتباطهم بالدنيا عميق الجذور، و قد أخذت منهم زخارف الدنيا و شهواتها مأخذا، بحيث يصعب لنفوسهم و قلوبهم أن تنفصل عنها.
لا يرى الكفّار أثناء احتضارهم «ملك الموت» في صورته الحقيقية الجميلة، لأنّ المعاصي قد ملكت وجودهم برمّته، و أغرقتهم في بحرها.
و في هذا السياق تحدّثت الروايات، انّ إبراهيم الخليل (عليه السلام) قال لملك الموت: «هل تستطيع أن تريني صورتك التي تقبض فيها روح الفاجر؟ قال: لا تطيق ذلك، قال: بلى، قال: فأعرض عنّي؛ فأعرض عنه ثم التفت فإذا هو برجل أسود، قائم الشعر، منتن الريح، أسود الثياب، يخرج من فيه و مناخره لهيب النار و الدخان، فغشي على إبراهيم، ثم أفاق، فقال: لو لم يلق الفاجر عند موته إلاّ
صورة وجهك لكان حسبه»(1).
و قد ورد في كيفية قبض روح الكافر، انّ ملائكة العذاب تحضر عند رأسه، و معهم سياط من قلب جهنم، فيضربون بها وجه الكافر و رأسه. ثم يبدأ ملك الموت بقبض روحه و هو على هذه الشدّة و العذاب، فتكون الروح و كأنّها تخرج من كلّ شريان و عضو و مفصل و شعرة. ثم تؤخذ روحه ليعرج بها نحو بارئها لتكون بين يديه، و في مسير الروح عبر السماوات تتجلّى بصورتها و هويتها الحقيقية، إذ تظهر أحيانا لأهل السماء بصورة الكلب، و أحيانا بصورة الخنزير، و ربّما تجلّت بهويّات أخرى. و عندماتكون الروح الروح بين يدي الله (سبحانه) يأتيها الخطاب القاهر بالمهانة و الطرد من محضر الله(2).
بعد هذه الرحلة الشاقّة المهينة تعود الروح إلى منزلها الأصلي لتذوق العذاب البرزخي القرآن الكريم في مشاهد مختلفة عن قبض أرواح هؤلاء، نشير منها إلى الصور التالية:
يقول (تعالى): «وَ لَوْ تَرىٰ إِذْ يَتَوَفَّى اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْمَلاٰئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبٰارَهُمْ وَ ذُوقُوا عَذٰابَ اَلْحَرِيقِ»(3).
1) سبق ان أشار المؤلف (في الفصل الثاني) إلى رواية الشيخ المفيد عن الإمام الصادق (عليه السلام) التي تصف بشكل مفصّل كيفيّة قبض روح الكافر. و الذي نجدّد الإشارة إليه، انّالخطاب الإلهي في طرد أرواح هؤلاء يأتي صيغة «يقول الله: ردوها عليه (أي روحه)، فمنها خلقتهم و فيها أعيدهم و منها أخرجهم تارة أخرى». [المترجم]
2) لذلك جاءت الإشارة في الحديث الشريف، إلى انّ الموت «للكافر كلسع الأفاعي و لدغ العقارب أو أشدّ». البحار، ج 6، ص 152. [المترجم]
3) الأنفال: 50.
و كذلك قوله (تعالى): «وَ لَوْ تَرىٰ إِذِ اَلظّٰالِمُونَ فِي غَمَرٰاتِ اَلْمَوْتِ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ بٰاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذٰابَ اَلْهُونِ بِمٰا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللّٰهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آيٰاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ»(1).
و أيضا؛ قوله (تعالى): «وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ اَلْأَرْضِ مٰا لَهٰا مِنْ قَرٰارٍ»(2).
تشير هذه الآية الكريمة إلى حقيقة مهمّة على هذا الصعيد، فالذي لا تترسّخ في وجوده كلمة «لا إله إلاّ الله»، أي الذي يفتقد قلبه لحقيقة التوحيد، فسيكون مهزوزا هشّا كمن لا قرار له، و سيمضي عن هذه الدنيا فقيرا من زاد الآخرة، مريضا، و قد نزلت به المصيبة من كلّ جانب.
انّ إنسانا كهذا يمثّله القرآن الكريم ب «الشجرة الخبيثة» حيث نما وجوده و تطاول بناء شخصيّته من خلال المعاصي و ارتكاب المحرّمات و الابتعاد عن الواجبات الإلهية؛ انّه موجود مملوء بالشؤم، و إنسان مثل هذا تجد كلامه و فكره و نيّته و عمله تنضح بالشرّ.
جاء في الحديث الشريف: انّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله) حضر شابا عند وفاته، فقال: قل «لا إله إلاّ الله».
قال: فاعتقل لسانه مرارا، فقال لامرأة عند رأسه: هل لهذا أمّ؟
قالت: نعم، أنا أمّه.
قال: أفساخطة أنت عليه؟
قالت: نعم، ما كلّمته منذ ست حجج.
قال لها: إرضي عنه.
قالت: رضي الله عنه يا رسول الله برضاك عنه.
فقال له رسول الله: قل «لا إله إلاّ الله».
قال: فقالها، فقال له النبي (صلّى الله عليه و آله): و ما ترى؟
قال: أرى رجلا أسود الوجه، قبيح المنظر، و سخ الثياب، منتن الريح، و قد وليني الساعة و أخذ بكظمي.
فقال له (صلّى الله عليه و آله): قل: يا من يقبل اليسير، و يعفو عن الكثير، اقبل منّي اليسير، و اعف عنّي الكثير، انّك أنت الغفور الرحيم.
فقالها الشاب، فقال: انظر ماذا ترى؟
قال: أرى رجلا أبيض اللون، حسن الوجه، طيّب الريح، حسن الثياب، و قد وليني، و أرى الأسود قد تولّى عنّي.
فقال له: أعدها، فأعادها. فقال له: ما ترى؟
قال: لست أرى الأسود، و أرى الأبيض قد وليني، ثم طفي على تلك الحال»(1).
تؤكّد الأحاديث الشريفة، حضور الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عند المحتضر سواء أكان مؤمنا أم كافرا أم منافقا(2)
و في ذلك أيضا روي عن الإمام علي (عليه السلام) قال: «تمسّكوا بما أمركم الله به، فما بين أحدكم و بين أن يغتبط و يرى ما يحبّ، إلاّ أن يحضره رسول الله (صلّى الله عليه و آله)، و ما عند الله خير و أبقى...». بحار الأنوار، ج 6، ص 194، 153، و من المفيد مراجعة الأحاديث الواردة في «باب ما يعاين المؤمن و الكافر عند الموت» من الكتاب ذاته. [المترجم]
. و لكن حضوره (عليه السلام)1) المستدرك، ج 1، ص 92، و كذلك تلاحظ في الفقيه و البحار. و لكن الذي نعنى به الآن ان نشير بشكل مؤكّد إلى وصيّة رسول الله في قوله (صلّى الله عليه و آله): «و لقّنوا موتاكم لا إله إلاّ الله، فانّها أنيس للمؤمن حين يمرق من قبره». البحار، ج 7، ص 200. [المترجم]
2) الروايات مستفيضة في رؤية المحتضر لرسول الله (صلّى الله عليه و آله) و أهل بيته (عليهم السلام)، من ذلك مثلا، ما في البحار: قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله): و الذي نفسي بيده لا تفارق روح جسد صاحبها حتى تأكل من ثمار الجنّة...؛ و حين ترى ملك الموت تراني و ترى عليّا و فاطمة و حسنا و حسينا (عليهم السلام).
يختلف من فئة إلى أخرى، إذ يحضر أحيانا على سبيل التلطّف و الرحمة، في حين يحضر أحيانا في حالة الغضب.
و حضوره (عليه السلام) عند المؤمنين يكون بمثابة العون لهم، و من باب اللطف بهم، أمّا حضوره عند الكفّار فيكون عن غضب و عدم رضا. و ما أسوأ حال من يحضر عند موته أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو عليه ساخط غير راض، إذ يعمد الشيطان في مثل هذه اللحظات الحاسمة و الأخيرة من حياة الإنسان، إلى سلب إيمانه منه (كما تؤكّد على ذلك الروايات) فيخرج من الدنيا بلا ايمان(1).
تؤكّد الروايات الشريفة (ثمّة رواية في كتاب جامع الأخبار بهذا المعنى) انّ الإنسان إذا لم يتصل في حياته بمنابع الهداية، و لم يكن يرتاد المسجد لكي يثبّت إيمانه، فانّه سيصاب في دينه، و سيخرج من هذه الدنيا بلا ايمان.
وهذه الحقيقة هي من أكبر المصائب التي تحل بالإنسان. إذ ما لم يكن القرآن محورا لحياة الإنسان في الدنيا، و ما لم يقتد بأئمّة الدين و العلماء العارفين، و يكون للمسجد و مجالات الهداية الأخرى حظ في حياته، فإنّ ملكة الإيمان لن تثبت أو تستقرّ في قلبه.
1) جاء في الحديث الشريف: «انّ الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا عند موته، يأتيه عن يمينه و عن يساره ليصدّه عمّا هو عليه فيأبى الله له ذلك». امّا إذا لم يكن من أهل الإيمان و الجّنة فانّه يسلب كلمة التوحيد و الإيمان: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله. و يمكن مراجعة نصوص الروايات بهذا الشأن في: البحار، ج 6، ص 188، 195. و كذلك: ج 7، ص 206. [المترجم]
و مثل هذا الإنسان الذي لم يكن للقرآن و ولاية أهل البيت نصيب في حياته، و كان قلبه خاليا من ملكه الإيمان، سيراوده الشيطان عند مماته و حال احتضاره، و يحاول أن يسلبه ايمانه (أو النصيب الذي لديه منه) بوسائل مختلفة، منها الترغيب و الوعود و الامنيات، و منها التخويف، و منها الخديعة. و خلاصة القول ان الشيطان و أعوانه يقعدون لمثل هذا الإنسان و يتربّصون به، ليسلبوه الإيمان و هو في اللحظات الأخيرة من عمره، لكي يخرجوه من الدنيا و هو على غير ايمان.
امّا الإنسان الذي يعيش حياته في كنف الرعاية الالهية، و ينال لطف الله و رضاه، و يحيا حياته على هدي النبي (صلّى الله عليه و آله) و ولاية الإمام علي (عليه السلام) و أهل بيته (عليهم السلام)، فانّه لن يقع بحال من الأحوال ضحية أحابيل الشيطان، بل ستكون أيدي الشيطان مغلولة عنه(1)
و ثمّة وصيّة رائعة في هذا المجال للامام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، حيث قال لأحد أصحابه و هو في لحظات الاحتضار: «فجدّد الإيمان باللّه و بالولاية تكن مستريحا». البحار، ج 6، ص 195. [المترجم]
.1) جاء في الحديث الشريف عن الإمام الصادق، قوله (عليه السلام): «ما من أحد يحضره الموت إلاّ و كّل به ابليس من شياطينه من يأمره بالكفر و يشككه في دينه حتى تخرج نفسه، فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه». البحار، ج 6، ص 195.
قد يعترض البعض على مسألة حضور الإمام علي (عليه السلام) عند المحتضر، فيقول: كيف يمكن للامام (عليه السلام) أن يحضر عند كلّ محتضر، و الناس يموتون في كلّ لحظة بالألوف؛ أي كيف نتصوّر حضوره عند جميع المحتضرين، و هم في أمكنة مختلفة، في وقت واحد؟
انّ هذا السؤال يرد أيضا على ملك الموت، و كيف يقبض أرواحا كثيرة في الوقت نفسه؟
لقد عالجت كتب الرواية و الحديث هذه الأسئلة و أجابت عليها(1).
فقد جاء في الحديث الشريف انّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله) لمّا أسري به إلى السماء نظر إلى «ملك الموت» و بين يديه لوح ينظر فيه، و عندما سأله رسول الله (صلّى الله عليه و آله) عن ذلك، أخبره بأنّ الدنيا بين يديه كهذا اللوح(2).
1) يلاحظ مثلا معالجة صاحب البحار في تعليقه حول رؤية المحتضر للنبي (صلّى الله عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) في: بحار الأنوار، ج 6، ص 200 فما بعد. [المترجم]
2) يراجع حديث اللوح هذا مع اختلاف يسير بالألفاظ في: البحار، ج 6، ص: 141، 142. و في الحديث الأوّل، انّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله) دنا من ملك الموت و سأله: يا ملك الموت، أكلّ من مات أو هو ميّت فيما بعد، أنت تقبض روحه؟ قال: نعم، قلت: و تحضرهم بنفسك؟ قال: نعم، ما الدنيا كلّها عندي فيما سخّرها الله لي و سكّنني منها، إلاّ كدرهم في كفّ الرجل يقلبه كيف يشاء. و في خبر آخر عن يكفية قبضه الأرواح في ساعة واحدة و بعضها في المشرق و بعضها في المغرب، أجاب ملك الموت: «أدعوها فتجيبني» و في خبر آخر قال: «إنّ الدنيا بين يديّ كالقصعة بين يدي أحدكم». نفس المصدر، ص: 141-144. [المترجم].
انّ هذه الرواية و نظائرها (حيث يشبّه بعضها الدنيا بين يدي ملك الموت بالدرهم بين أيدينا نقلّبه كيف نشاء) ممّا يشبّه الدنيا باللوح، تصوّر إحاطة ملك الموت بالدنيا و تسلّطه عليها.
يعبّر عن فلسفة هذا التسلّط و الإحاطة و التمكّن ب «السعة الوجودية». و بذلك فانّ تمتّع ملك الموت و النبي (صلّى الله عليه و آله) و الإمام علي (عليه السلام) ب «السعة الوجودية» يجعل قدراتهم لاتحدّ بحدود خاصّة، و يصبح وجودهم مشرفا بشكل تام و كامل على جميع عالم الوجود، فيكون بمقدور هؤلاء، بما زوّدوا به من قدرات ولائية من قبل الله (تعالى) أن يحضروا في تمام أرجاء عالم الوجود.
يقول تعالى: «وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى اَلنّٰاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً»(1).
ان ما نستفيده من الروايات و النصوص المفسّرة لهذه الآية الكريمة انّ المقصود من «الأمّة الوسط» هم أئمّة الهدى من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه و آله)، و انّ الله جعلهم شهداء على الناس يوم القيامة، حيث يشهدون للصالح بصلاحه و للفاجر بفجوره، ثم جعله (سبحانه) رسول الله (صلّى الله عليه و آله) شاهدا عليهم.
و الذي نستفيده من الآية الكريمة، هو:
أوّلا: تؤمن الشيعة في تفاسيرها انّ الآية ترتبط في دلالتها بشهادة الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) يوم القيامة.
ثانيا: نستفيد ممّا تقدّم انّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يشهد في يوم
1) البقرة: 143.
القيامة إلاّ على أمور كان حاضرها أو ناظرها، لانّ الشهادة في العرف و العقل و الشرع هي فرع الحضور و الرؤية.
اذن، ستكون النتيجة المستفادة من هاتين المقدّمتين، حضور الإمام علي (عليه السلام) عندجميع المحتضرين، ليتم القول بشهادته في الآخرة.
و في آية ثانية، يأتي الخطاب الإلهي لرسول الله (صلّى الله عليه و آله) في قوله (تعالى): «وَ قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلىٰ عٰالِمِ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهٰادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(1).
و فيما تفيده الآية من رؤية الأعمال من قبل رسول الله (صلّى الله عليه و آله) و المؤمنين، دلالة قاطعة على تسلّطهم و تمكّنهم من عالم الوجود.
لذا فإنّ تمتّع الإمام علي ب «السعة الوجودية» يعطيه قدرة الإحاطة الكاملة بعالم الوجود، و هذه بدورها تؤهّله لرؤية جميع الأعمال.
و من هذه الجهة بالذات، فانّ توجّهه (عليه السلام) للمحتضر هو عين حضوره عنده.
و كذا نقرأ في رواية أخرى، انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خاطب الحارث الهمداني بقوله: «و ابشّرك يا حارث لتعرفني عند الممات»(2)
و في رؤية الإمام علي ثمّة أحاديث كثيرة عن رسول الله تنص على ذلك، منها قوله (صلّى الله عليه و آله) لعلي: «يا علي انّ محبيك يفرحون في ثلاثة مواطن: عند خروج أنفسهم و أنت هناك تشهدهم...» نفس المصدر، ص 200. [المترجم]
.و هذا الكلام دال على السعة الوجودية التي يتمتّع بها الإمام (عليه السلام)، و هذه السعة الوجودية نلحظها أيضا في الملائكة الكرام ميكائيل و عزرائيل و اسرافيل
1) التوبة: 105.
2) أمالي الشيخ المفيد، ص 4. و في حديث آخر انّ الحارث زار الإمام عليّا في ظهيرة يوم، فسأله (عليه السلام) عن سرّ هذه الزيارة في هذا الوقت، فقال الحارث: «حبّك و الله» فقال له الإمام: «إن كنت صادقا لتراني في ثلاثة مواطن: حيث تبلغ نفسك هذه و أومأ بيده إلى حنجرته و عند الصراط، و عند الحوض». البحار، ج 6، ص 195.
و جبرائيل، فيما يؤدّونه من مهامّ ربّانية.
لذلك جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله) عندما سأل جبرئيل أن يريه نفسه على صورته، فواعده ذلك بحراء، فطلع له جبرئيل (عليه السلام) فسدّكما أخبر (صلّى الله عليه و آله) - الأفق من المشرق إلى المغرب»(1).
تعدّ مسألة واسطة الفيض من البديهيات الثابتة في فلسفة الوجود. ففي الفلسفة غير الإسلامية يعبّر عن واسطة الفيض ب «العقول العشرة». امّا في الفلسفة الإسلامية المستمدّة من الرؤية الشيعية، فإنّ المعصومين الأربعة عشر هم واسطة الفيض بين الحق و الخلق. و معنى ذلك اننا نملك القدرة على الرؤية و السمع و القتال في جبهات القتال من خلال الفيض الذي يكون بواسطة النبي (صلّى الله عليه و آله) و أئمّة الهدى (عليهم السلام)، و الذي يصلنا عنهم لحظة بلحظة.
و وساطتهم في الفيض هذه، هي دليل آخر على السعة الوجودية التي يتمتّع بها هؤلاء الهداة.
من المشكلات التي أثرناها في مطلع هذا الفصل، هي نسبة قبض الأرواح إلى الله تارة، و طلى ملك الموت تارة أخرى، و إلى الملائكة أحيانا.
ففي نسبة قبض الأرواح إلى الله (سبحانه) نقرأ في القرآن قوله تعالى: «اَللّٰهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهٰا»(2).
امّا نسبته إلى ملك الموت، فنجدها في قوله (تعالى): «قُلْ يَتَوَفّٰاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ
اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» (1).
و في نسبته إلى الرسل الكرام (الملائكة) يقول (تعالى): «حَتّٰى إِذٰا جٰاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنٰا وَ هُمْ لاٰ يُفَرِّطُونَ»(2).
لقد دأب الكثيرون على سؤال الأئمّة (عليهم السلام) عن هذه المشكلة، حتى ذهب البعض إلى انّ الآيات الآنفة تمثّل تناقضا في القرآن(3).
بيد ان الأئمّة عالجوا هذه المشكلة، و من ذلك ما جاء عن الإمام الصادق، حينما سئل (عليه السلام) عن قول الله عز و جلّ: «اَللّٰهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهٰا» و الآيات الأخرى التي ذكرنا بعضها قبل قليل، ثم أضاف السائل: و قد يموت في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلاّ الله عزّ و جلّ، فكيف هذا؟ فقال (عليه السلام): «إنّ الله تبارك و تعالى جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون الأرواح، [و ذلك] بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الإنس يبعثهم في حوائجه. فتتوفّاهم الملائكة؛ و يتوفّاهم ملك الموت من الملائكة، مع ما يقبض هو؛ و يتوفّاها الله عزّ و جلّ من ملك الموت».
تصحّ إذن نسبة القبض إلى الله، لانّه الذي أمر ملك الموت بذلك؛ و تصحّ نسبة الاماتة إلى ملك الموت حتى لو قام أعونه بذلك، لانّه الذي أرسلهم و أمرهم به.
1) السجدد: 11.
2) الأنعام: 61.
3) لقد جاء البعض إلى الإمام علي (عليه السلام) محتجّا عليه بأنّ هذه الآيات تمثّل الدليل على تناقض القرآن. و قد تمسّك الزنادقة بها أيضا أثناء اتساع نشاط حركتهم، فتصدّى لهم الإمام الصادق (عليه السلام). و الملاحظ انّ الإجابات الواردة عنهم تشترك جميعا في عناصرموحّدة. و كنموذج، يمكن مراجعة: الاحتجاج، ص 129، و البحار، ج 6، ص 142، و الفقيه، ج 1، ص 134. و بالنسبة للرواية التي في المتن يلاحظ الفقيه و البحار معا، و قد أخذنا النص عن البحار، ج 6، ص 144. [المترجم]
يمكن من زاوية القواعد العربية، أن يتعلّق الفعل بفاعل قريب؛ و يمكن أحيانا أن يتعلّق بفاعل بعيد، و ربّما تعلّق أحيانا بالاثنين معا.
و نموذج ذلك نجده في قصّة موسى (عليه السلام) و الخضر. و ذلك حينما عزم موسى على أن يتعلّم من الخضر، ممّا آتاه الله من الرشد، رغم انّ موسى (عليه السلام) من الأنبياء أولي العزم، و بالتالي فانّ «الخضر» لم يكن أعلم منه.
و الذي يعنينا في القصة انّ موسى و الخضر ترافقا في الصحبة التي يتحدّث عنها القرآن مفصّلا في سورة الكهف(1)فما كان من الخضر، إلاّ أن خرق السفينة، ثم قتل الغلام، و أخيرا أقام الجدار في القرية التي أبت اطعامها.
و عندما أراد «الخضر» أن يوضّح لموسى (عليه السلام) أسباب ما فعله، رأيناه ينسب الفعل أحيانا إلى نفسه، رغم انّه لم يفعل ذلك إلاّ عن أمر ربّه «و ما فعلته عن أمري».
و في ذلك يقول القرآن الكريم: «أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكٰانَتْ لِمَسٰاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهٰا وَ كٰانَ وَرٰاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً. وَ أَمَّا اَلْغُلاٰمُ فَكٰانَ أَبَوٰاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينٰا أَنْ يُرْهِقَهُمٰا طُغْيٰاناً وَ كُفْراً فَأَرَدْنٰا أَنْ يُبْدِلَهُمٰا رَبُّهُمٰا خَيْراً مِنْهُ زَكٰاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً. وَ أَمَّا اَلْجِدٰارُ فَكٰانَ لِغُلاٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ وَ كٰانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمٰا وَ كٰانَ أَبُوهُمٰا صٰالِحاً فَأَرٰادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغٰا أَشُدَّهُمٰا وَ يَسْتَخْرِجٰا كَنزَهُمٰا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ مٰا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذٰلِكَ تَأْوِيلُ مٰا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً»(2).
البرزخ هو عالم بين «الدنيا» و «الآخرة». و المعنى اللغوي ل «البرزخ» هو الحدّ بين الشيئين(1). أمّا المعنى الاصطلاحي فهو حالة ما بين الموت و البعث(2).
ف «القبر» هو المنزل الأوّل من منازل البرزخ.
يقول (تعالى): «حَتّٰى إِذٰا جٰاءَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قٰالَ رَبِّ اِرْجِعُونِلَعَلِّي أَعْمَلُ صٰالِحاً فِيمٰا تَرَكْتُ كَلاّٰ إِنَّهٰا كَلِمَةٌ هُوَ قٰائِلُهٰا وَ مِنْ وَرٰائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(3).
وفي سورة «يس»، عندما تذكر السورة أحداث مدينة «انطاكيا» و كيف قتل حبيب النجار من قبل أهلها، نجد انّ الخطاب الإلهي يأتي إلى هذا الرجل كي يدخل الجنّة، حيث يقول (تعالى) في ذلك: «قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ قٰالَ يٰا لَيْتَ قَوْمِي
1) يقول الراغب الاصفهاني: «البرزخ، الحجز و الحدّ بين الشيئين، و قيل: أصله برزه، فعرّب؛ و قيل: البرزخ ما بين الموت إلى القيامة». معجم مفردات ألفاظ القرآن، ص: 41.
2) يقول صاحب «مجمع البحرين» في معنى البرزخ اصطلاحا «هو ما بين الدنيا و الآخرة من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل البرزخ». مجمع البحرين، ج 2، ص 430. [المترجم]
3) المؤمنون: 100.
يَعْلَمُونَبِمٰا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ» (1).
و من الواضح انّ «الجنّة» المعنية في الآية الكريمة هي الجنّة البرزخية، التي يعبّر عنها في الحديث النبوي الشريف ب «روضة من رياض الجنّة»(2).
و الذي يشهد على هذا المعنى و يؤكّده قوله (تعالى) في الآيات الكريمة: «فَلَوْ لاٰ إِذٰا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ... فَأَمّٰا إِنْ كٰانَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَفَرَوْحٌ وَ رَيْحٰانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ.. وَ أَمّٰا إِنْ كٰانَ مِنَ اَلْمُكَذِّبِينَ اَلضّٰالِّينَفَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍوَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍإِنَّ هٰذٰا لَهُوَ حَقُّ اَلْيَقِينِ»(3).
و رغم انّ عذاب البرزخ ينصبّ على الروح، إلاّ انّه لصعوبته و مشقّته تنعكس آثاره على الجسم أيضا.
من الصعب علينا أن ندرك حقيقة عالم البرزخ، و بشكل عام يصعب علينا أن ندرك حقائق عالم ما بعد الموت، تماما كما يصعب على الجنين و هو في بطن أمّه أن يدرك حقيقة الدنيا.
انّ الطريق الوحيد الذي بين يدينا لتصوّر عوالم ما بعد الموت، يتمثّل فيما تعكسه الآيات و الروايات من معالم ذلك العالم.
و لتقريب صورة عالم البرزخ إلى أذهاننا، يمكن تشبيه «عالم البرزخ» ب «عالم المنام» و إن كنّا نقرّ سلفا ببعد المسافة بين العالمين. أمّا وجه الشبه، فهو ما تلتذّ به
1) يس: 26، 27.
2) يشير المؤلف إلى الحديث النبوي المشهور: «القبر امّا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران». و هذا الحديث ممّا يجمع على روايته الفريقان في أمّهات مصادرهما. يلاحظ مثلا: البحار، ج 6، ص 205، و كذلك: الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب 26، ج 4، ص 640. [المترجم]
3) الواقعة: 83، 86، 88، 92، 95.
روح الإنسان أثناء نومه من رؤية المشاهد و المناظر الجميلة. و من الثابت لنا جميعا انّ روح الإنسان هي التي تلتذ بالمنامات الجميلة، و ان كانت اللّذة تسري إلى الجسم أيضا؛ أي انّ ما يدخل الروح من اللّذة و الفرح يكون لجسم النائم نصيب منه. و نفس الكلام يقال بالنسبة للمنامات المؤذية التي تبعث مشاهدها على الخوف و الفزع و الألم، إذ الثابت أيضا انّ الروح هي مركز تلقي هذه المنغصات و الشدائد، إلاّ انّ لجسم النائم نصيبا منها أيضا. فكثيرا ما يرى النائم في منامه أنّه يضرب، و يلاحظ من قبل حيوان وحشي، و عندما يستيقظ من النوم نجد جسمه غارقا بالعرق، و آثار التعب و عدم الراحة بادية على جسمه، مع انّ الثابت انّ الضرب، أو الخوف من مطاردة الحيوان الوحشي، انّما يقع ألمهما على الروح، لا الجسد.
بعد أن يقبض ملك الموت روح الإنسان، و يرقى بها نحو السماء، ليضعها في محضر الله (سبحانه) - كما سبق ان أشرناتعود بعد ذلك إلى منزلها الأصلي.
و هكذا يكون القبر أوّل منزل من منازل البرزخ، أو ما يصطلح عليه عرفا بوحشة الليلة الأولى التي يمضيها الميّت في القبر. و الذي تنصّ عليه الروايات دون مجال للتأويل، انّ القبر امّا أن يكون روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النيران.
ففي الحديث النبوي الشريف: «القبر إمّا حفرة من حفرة النيران أو روضة من رياض الجنّة»(1).
عندما تعود روح الإنسان من عند محضر الله تعالى، يأتي ملكان باسم «منكر» و «نكير» فيسألانه عن التوحيد و النبوّة و الامامة و العدل(2).
1) علم اليقين، ج 2، ص 873.
2) «ألا و انّ أوّل ما يسألانك، عن ربك الذي كنت تعبده، و عن نبيّك الذي أرسل إليك، و عن دينك الذي كنت تدين به، و عن كتابك الذي كنت تتلوه، و عن إمامك الذي كنت تتولاّه، ثم عن عمرك فيما أفنيته؟ و مالك من أين اكتسبته و فيما أتلفته؟ فخذ حذرك و انظر لنفسك، و اعدّ للجواب قبل الامتحان» هذا ممّا كان يحدّث به الإمام علي بن الحسين السجّاد، في كل جمعة، في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه و آله) بالمدينة. يلاحظ: البحار، ج 6، ص 223. [المترجم]
ثم انّ هذين الملكين يأتيان الكفّار على صورة مفزعة مخيفة، حيث جاء في الخبر انّهما: «ملكان فظّان غليظان، أصواتهما كالرعد القاصف، و أبصارهما كالبرق الخاطف»(1).
و قد أخبرت بعض الروايات عن حضور الإمام علي (عليه السلام) في مثل هذا الموطن(2)، و قد أشرنا للموضوع في الفصل السابق.
تعتبر ضغطة القبر و ضمّته من الأمور الثابتة. و أكثر ما يكون عذاب القبر، على ما تنطق به الأحاديث و الروايات الشريفة، من النميمة و سوء الخلق و الاستخفاف بالبول، أي عدم المبالاة بالطهارة؛ و عدم مراعاة أحكامها(3).
1) يلاحظ نص الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله) في: البحار، ج 6، ص 215، 216. و هذه الصفة للملكين ممّا يشترك في نقلها الفريقان، حيث تذكر أمّهات المصادر السنّية انّ الميّت إذا وضع في قبره «أتاه ملكان أسودان أزرقان أصواتهما كالرعد القاصف، و أبصارهما كالبرق الخاطف، يخرقان الأرض بأنيابهما» يلاحظ مع اختلاف يسير: الترغيب و الترهيب، كتاب البعث، ج 4، ص 390. و قد ذكر انّ اسمي الملكين اللّذين ينزلان على الكافر «ناكر و نكير»، و على المؤمن «مبشر و بشير».
2) يشير المؤلف إلى حديث رسول الله (صلّى الله عليه و آله) في قوله لعلي: «يا عليّ انّ محبيك يفرحون في ثلاثة مواطن: عند خروج أنفسهم و أنت هناك تشهدهم، و عند المساءلة في القبور و أنت هناك تلقنهم...» البحار، ج 6، ص 200. [المترجم]
3) من ذلك ما جاء عن علي (عليه السلام): «عذاب القبر يكون من النميمة، و البول، و عزب الرجل عن أهله» أي اعتزاله زوجته. البحار، ج 6، ص 222. [المترجم]
و لأننا جميعا مبتلون بهذه الأمراض أو بقسم منهالذا فلن نكون في أمان من ضغطة القبر(1). و انّ شدّة الضغطة و ضعفها تتناسب مع شدّة الذنوب و ضعفها.
و الذي يؤكّد ضغطة القبر، و عدم النجاة منها إلاّ للقلّة، ما جاء في قصّة موت الصحابي الجليل سعد بن معاذ، حيث نزلت الملائكة لتشييعه حتى امتلأت منهم الأرض. و كان رسول الله (صلّى الله عليه و آله) هو القائم على غسل سعد و تحنيطه و تكفينه، حتى إذا ما وضع في السرير «تبعه رسول الله (صلّى الله عليه و آله) بلا حذاء و لا رداء. ثم كان يمنة السرير مرّة، و يسرة السرير مرّة، حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول الله (صلّى الله عليه و آله) حتى لحده و سوّى اللبن عليه».
فلمّا رأت أمّ سعد ذلك، قالت: يا سعد هنيئا لك الجنّة، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه و آله): «يا أمّ سعد مه، لا تجزمي على ربّك، فإنّ سعدا قد أصابته ضمّة».
و عندما استغرب الصحابة أن تصيب سعدا ضغطة القبر، مع ما فعل به رسول الله، و رغم مشاركة الملائكة في تشييعه، أجابهم (صلّى الله عليه و آله): «نعم، انّه كان في خلقه مع أهله سوء»(2).
و بشكل عام نستفيد من الروايات انّ ضمّة القبر و ضغطته تكون من الشدّة، بحيث يعصر الإنسان معها عصرا، و تكسر عظامه. و انّ أسوأ من يصاب بعذاب القبر من يمارس الغيبة و النميمة بين الناس.
يتّضح ممّا مرّ، انّ الإنسان إذا أجاب على أسئلة «منكر و نكير» فسيكون في «جنّة برزخية» إلى يوم يبعثون(1). امّا الذي يغلق فمه عن الكلام، و لا يستطيع أن يجيب من كثرة ذنوبه و معاصيه على أسئلة الملكين، أو يكون ممّن سلب الإيمان و كلمة التوحيد «لا إله إلاّ الله»، فسيضرب ضربة يمتلئ قبره على أثرها نارا، ثم يفتح له باب إلى جهنّم، فيبقى في «عذاب برزخي» إلى يوم يبعثون(2).
لا يتأذّى المؤمن من المكوث في القبر، و تبدو له مدّة البرزخ قصيرة جدّا. و لكن غير المؤمن يتأذّى من المكوث في القبر، و يحسّ بأنّ فترة البرزخ طويلة جدّا، لما يلاقيه من عذاب و آلام و أذى.
نستفيد هذا المعنى بشكل جلي من رواية عن المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام) عندما أحيا باذن الله شابّا كان قد دفن توّا، بحيث لم يجف لبن قبره بعد.
عندما قام الشاب من قبره كانت آثار التعب بادية على محياه، حتى كأنّه مغمور بالتراب لسنوات عدّة.
سأله (عليه السلام) عن زمان موته فذكر الشاب انه توفي منذ بضعة آلاف سنة. ثم سأله عمّا جرى له بعد الموت، فذكر الشاب انّ منكرا و نكيرا جاءاه و سألاه، و لمّا لم يدر ما يجيب، ضرباه بسفّود فالتهب قبره نارا و لم يزل يحترق حتى
1) جاء في الخبر انّ المؤمن عندما على أسئلة الملكين، عندها «فيرى مقعده من الجنّة، و يفسح له عن قبره، ثم يقولان له: نم نومة ليس فيها حلم في أطيب ما يكون النائم». البحار، ج 6، ص 222.
2) عندما يعجز عن الجواب، فإنّ الملكين «فيضربانه ضربة من عذاب الله يذعر لها كلّ شيء [إلاّ الثقلين]...؛ ثم يفتحان له بابا إلى النار، و ينزلان إليه من الحميم من جهنّم» نفس المصدر، ص 223، و كذا: أمالي الصدوق، ص 239. [المترجم]
اللحظة.
ثم عاد (عليه السلام) لقبر عجوز كان قد مضى على موته سنوات متمادية، بحيث لم تبق علامة تدلّ على قبره، فأحياه باذن الله. عندما برز الرجل العجوز من قبره كانت آثار النشاط و الحيوية بادية عليه؛ و بدا شابّا بهيّا. سأله السيّد المسيح و نكير و سألاني، فأجبت. فتراءى لي بستان من بساتين الجنّة؛ حتى أمرت باحيائي.
يمكن تقريب نسبية مدّة البرزخ؛ أي طولها للبعض (من الأموات) و قصرها للبعض الآخر، إلى الذهن بالتشبيه، حيث نلاحظ في حياتنا العملية انّ فترة المرض تطول بالنسبة للمريض، حتى ليحسّ من وقع آلام المرض و شدائده ان قد مرّ عليه دهر طويل و هو على هذه الحال، بحيث تعادل الساعة عنده أيّاما كثيرة.
و نلمس عكس هذه الحالة أثناء الفرح و السرور، حيث يحسّ صاحبها انّها تمرّ سريعا، حتّى ليحسب الأيّام و الأسابيع لحظات و ساعات(1).
و هذا المعنى نجده واضحا في المثل العربي المعروف: «سنة الفراق سنة، و سنة الوصال سنة».
و ممّا يقرّب الصورة أيضا، المنامات التي يراها الإنسان، فقد يرقد الإنسان في فراشه و ينام برهة قصيرة، إلاّ انّه يجد نفسه خلالها قد قام بزيارة مكة و المدنية و الشام و كربلاء و النجف الأشرف.
إنّ للصبر دوره الكبير في الدفاع عن الإنسان ضدّ مؤذيات عالم البرزخ و أهواله. و قبل أن نذكر دور الصبر، نذكّر بما تشير إليه الروايات من حضور
1) يقول المثل العربي: «أيام السرور قصار، و أيام الهموم طوال». [المترجم]
أعمال الإنسان معه بعد الموت كالصلاة و الصوم و الخمس و الصبر و ما أسداه للناس من خدمات و معروف، و منافحتها عنه، و دفع ما قد يصيبه من الأذى.
و نجد في الروايات انّ الصبر يتنحى جانباعندما ينزل «منكر و نكير» و يقول للصلاة و أعمال الإنسان الأخرى «دونكما صاحبكما»، أي بادروا لإنقاذه ممّا يتعرّض له و تخليصه من مشقّة المساءلة على يدي «منكر و نكير» و إذا عجزتم، فأنا له.
و الصبر هنا معنى عام له مصاديق كثيرة منها: الصبر على الفقر، و تحمّل سوء أخلاق الزوج أو الزوجة، و تحمّل الصديق أو الرفيق السيّئ الخلق؛ و منها أيضا الصبر على الطاعة و العبادة، و الصبر عن المعصية.
امّا الصبر الذي نعنيه، و الذي ينافح عن صاحبه في البرزخ، فهو الصبر عن المعصية. و الله (سبحانه) يخاطب أمثال هؤلاء الصابرين بقوله: «أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ».
و معنى «الصبر عن المعصية» انّ الإنسان يمتنع عن ارتكاب المعصية عندما تتوافّر مقدمّاتها، و تتهيّأ أسبابها بين يديه، و تكون نفسه توّاقة لارتكاب المعصية، فيصبّر، و يمنع نفسه عن الذنب، و يلوذ بالله و يلجأ إليه(1)
اما الرواية التي ذكرها المؤلف في المتن، فهي ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) انّه قال: «إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه و الزكاة عن يساره، و البرّ مطلّ عليه.
قال: فيتنحّى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللّذان يليان مساءلته، قال الصبر للصلاة و الزكاة: دونكما صاحبكم، فان عجزتم عنه فأنا دونه». ثواب الأعمال، ص 87. [المترجم]
.1) ثمّة أحاديث كثيرة تؤكّد المعنى الوارد في المتن، من ذلك ما روي عن الإمام الباقر في قوله (عليه السلام): «إذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره ست صور، فيهنّ صورة أحسنهن وجها و أبهاهن هيئة و أطيبهن ريحا... إلى أن قال: فتقول التي عن يمين العبد: أنا الصلاة، و تقول التي عن يساره: أنا الزكاة و تقول التي بين يديه: أنا الصيام، و تقول التي خلفه: أنا الحج و العمرة، و تقول التي عند رجليه: أنا برّ من وصلت من اخوانك. [امّا الأخيرة] فتقول: أنا الولاية لآل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين». المحاسن، ص 288، و البحار، ج 6، ص 234.
من الأمور الأخرى التي تنجي الإنسان من عذاب القبر و آلام البرزخ، هي محبّة أهل البيت (عليهم السلام) و ولايتهم، و هي أهمّها(1).
فمن ذلك ما جاء عن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) حيث قال: «من زارني على بعد داري أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتى أخلصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يمينا و شمالا، و عند الصراط، و عند الميزان»(2).
و كذلك قال (عليه السلام): «فمن زارني في غربتي وجبت له زيارتي يوم القيامة»(3).
و كذلك ينقل المحدّث الشيخ عباس القمي في كتابه «مفاتيح الجنان» انّه كان لأحد العلماء الصلحاء جار، نشأ معه منذ الصغر، بيد انّه انحراف و صار عشّارا، فلمّا مات و دفن في محلّ قريب إلى المكان الذي يسكن فيه الرجل الصالح، رآه في المنام على غير الصورة التي كان يتوقعها، إذ يحدّث الرجل الصالح بقوله؛ اني رأيته «بعد موته بأقل من شهر في المنام في زيّ حسن، و عليه نضرة النعيم» فتقدمّ إليه و قال له: «انّي عالم بمبدئك و منتهاك و باطنك و ظاهرك، و لم تكن ممّن يحتمل في
1) ثمّة أحاديث كثيرة تؤكّد على حبّ أهل البيت و ولايتهم، أبرزها في المقام قول رسول الله (صلّى الله عليه و آله): «حبّي و حبّ أهل بيتي نافع في سبعة مواطن (أهوالهنّ عظيمة): عند الوفاة، و في القبر، و عند النشور، و عند الكتاب، و عند الحساب، و عند الصراط». الخصال، ج 2، ص 360. [المترجم]
2) مفاتيح الجنان، ص 496.
3) مفاتيح الجنان، ص 496.
حقّه حسن الباطن، و لم يكن عملك مقتضيا إلاّ للعذاب و النكال، فبم نلت هذا المقام؟ قال: نعم، الأمر كما قلت، كنت مقيما في أشدّ العذاب من يوم وفاتي إلى أمس، و قد توفيت فيه زوجة الاستاذ أشرف الحدّاد، و دفنت في هذا المكان» و أشار إلى مكان على بعد مائة ذراع. ثم قال: «و في ليلة دفنها زارها الإمام الحسين (عليه السلام) ثلاث مرّات، و في المرّة الثالثة أمر برفع العذاب عن هذه المقبرة، فصرت في نعمة وسعة، و خفض عيش ودعة».
عندها جاء الرجل الصالح، إلى سوق الحدّادين، و سأل عن زوج المتوفّاة، ثم سأله عن شأن زوجته و ما كانت تقوم به من أعمال، بعد أن ذكر له القصّة، فقال الحدّاد: كانت زوجتي مواظبة على زيارة عاشوراء(1).
من الأمور المهولة في عالم البرزخ، و التي تؤدي إلى أن يعذّب صاحبها أشدّ العذاب، هو «حق الناس». و هذا الكلام لا يعني انّ الإنسان لا يحاسب أو يعذّب على ذنوبه الأخرى، و انّما يعني انّ ل «حق الناس» مكانة خاصة تتميّز على غيرها من الذنوب و المعاصي.
و للتدليل على عظيم ما يستوجبه حق الناس من الأذى للميت، يروي المحدّث النوري في كتاب «دار السلام» انّ أحد العلماء رأى والده في المنام، و قد كان واحدا من كبار العلماء المعروفين في زمانه، فسأله عن حاله و ما آل إليه، فقال:
كنت في ضيق، امّا الآن فقد فرّج عنّي ما كان بي من الضيق و الشدّة فتعجبت من ذلك، و قلت: أنت كنت في ضيق؟ قال: نعم، كان عليّ دين للحاج رضا، و قد ساء حالي بسبب دينه هذا.
يقول ابن هذا العالم: فزاد تعجّبي، و استيقظت من النوم فزعا. ثم كتبت رسالة إلى أخي، و أخبرته بالقصّة، و طلبت منه أن يتصل بالشخص المعني و يسأله عن دينه.
1) مفاتيح الجنان، ص 463.
فكتب إليّ أخي: انّي فتّشت في دفتر ديون الوالد، فلم أجد اسم هذا الرجل بين الدائنين.
يقول: فكتبت إليه ثانية: اسأل الرجل نفسه. فجاءني الجواب من أخي: لقد سألته، فقال: نعم كان لي على والدكم مبلغ من المال (ذكره) و قد سألتك بعد وفاته: هل وجدت اسمي في دفتره، فقلت: لا. فقلت في نفسي: السكوت أفضل، لأنّي لو أخبرت بذلك، فلا مجال عندي لإثباته. و تألّمت لأني أقرضته دون حجّته تثبت ذلك، اعتمادا على انّه سيدوّنه في دفتره الخاص، و لكن تبيّن انّه تساهل في ذلك، فيئست من المبلغ. و عندما أراد أخي أن يدفع إليه المبلغ، قال الحاج رضا:
قد سامحته لأنّه أخبركم بذلك(1).
من الأمور المهمّة الموجبة لعذاب البرزخ، انتهاك حرمات الناس و الإساءة إليهم بالغيبة أو المهانة و التعرّض لهم بالكلام الجارح و البذيء.
و يذكر في هذا السياق، انّ أحد الصالحين رأى في المنام أحد كبار العلماء، فسأله عن حاله، فقال: اني في راحة و أحسن حال؛ لو لا انّ هناك عقربا عند رجلي تلسعني بين حين و آخر.
و عندما سأله عن السبب، أجاب: آه آه من جراحات اللسان(2)!
حذار إذن من جراحات اللسان! لأنّ اساءة إلى شخص، أو توهينا لكرامة مسلم، أو انتقاصا من شخصية إنسان معيّن، أو كسر قلب بريء، تقود جميعها إلى
1) نقلنا القصّة بتصرّف من كتاب «منازل الآخرة» للمحدّث الشيخ عباس القمّي (رحمه الله)، و هو من ألمع تلاميذ المحدّث النوري صاحب الموسوعة الحديثية المعروفة «المستدرك»، و كتاب «دار السلام» الذي أخذي أخذ عنه المؤلف.
2) لذلك جاء في الحديث الشريف عن ابن عبّاس: «عذاب القبر ثلاثة أثلاث، ثلث للغيبة، و ثلث للنميمة، و ثلث للبول» البحار، ج 6، ص 245. [المترجم]
أن تلازمنا في قبورنا على شكل عقارب أو أفاع فتؤذينا إلى يوم القيامة.
لذلك تجد الإمام الصادق (عليه السلام) شفيقا بنا و بحالنا في القبر، إذ يقول مخاطبا أهل الولاية من شيعة النبي (صلّى الله عليه و آله) و أهل بيته: «امّا في القيامة فكلّكم في الجنّة بشفاعة النبي المطاع أو وصيّ النبي». بيد انّه يستدرك و يقول: «و لكنّي و الله أتخوّف عليكم في البرزخ».
و عندما يسأله الراوي، و هو عمر بن يزيد: و ما البرزخ؟
يقول (عليه السلام): «القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة»(1).
1) الكافي، ج 3، ص 242. [المترجم]
جاء في القرآن الكريم انّ «اسرافيل» ينفخ في «الصور» فيموت كلّ الأحياء.
و بعد فترة غير معلومة، ينفخ في «الصور» مرّة أخرى فيبعث جميع الأحياء من موتتهم ليساقوا إلى المحشر صفوفا.
يقول تعالى: «وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاّٰ مَنْ شٰاءَ اَللّٰهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرىٰ فَإِذٰا هُمْ قِيٰامٌ يَنْظُرُونَ»(1).
و نظير هذه الآية كثير في القرآن الكريم(2). و يعبّر في سورة يس عن النفخ في الصور ب «الصحيحة الواحدة»(3).
الذي يستفاد من ظاهر الآيات و الروايات انّ «اسرافيل» و هو الموكّل بالنفخ في «الصور» يؤمر من قبل الله (سبحانه) فينفخ في «الصور» نفخة أولى يموت على أثرها من في السماوات و الأرض، ثم ينفخ مرّة أخرى، فيبعث جميع الأحياء.
و لكن ربّما كانت هناك كناية في تعبير «النفخ في الصور»، إذ قد يكون المعنى المقصود من النفخ هو الايقاظ و تهيئة الناس و اعدادهم إلى أحداث يوم القيامة، لأنّ العادة جرت على الاستفادة من «البوق» أو «الطبل» لتحقيق هذه الغاية.
و ربّما كان المقصود من «النفخ في الصور» هو خطاب يوجّهه «اسرافيل» باذن الله تعالى إن الخلائق أجمع ان «موتوا» فيموت من في السماوات و الأرض، ثم يوجّه لهم الخطاب في المرّة الثانية أن «قوموا من موتتكم» فيقوم من في السماوات و الأرض.
و وفق المعنى الأخير، يكون المراد من «النفخ في الصور» هو القول المتضمّن لتنفيذ المر الإلهي(1).
الذي نستفيده من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليه السلام) انّ النفخ في الصور هو من المسلّمات الثابتة في الإسلام. فعن تفسير علي بن إبراهيم (عليه الرحمة) ينقل العلاّمة المجلسي حديثا عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين، انّ أحدهم سأله: فأخبرني يا ابن رسول الله كيف ينفخ فيه؟ (أي في الصور).
فقال (عليه السلام): امّا النفخة الأولى، فإنّ الله يأمر «إسرافيل» فيهبط إلى الدنيا و معه صور، و للصور رأس واحد و طرفان...؛ قال: فإذا رأت الملائكة اسرافيل و قد هبط إلى الدنيا و معه الصور، قالوا: قد اذن الله في موت أهل الأرض، و في موت أهل السماء...؛ قال: فينفخ فيه نفخة فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الأرض، فلا يبقى في الأرض ذو روح إلاّ صعق و مات. و يخرج الصوت من الطرف الذي يلي السماوات، فلا يبقى في السماوات ذو روح إلاّ صعق و مات، إلاّ إسرافيل.
1) يشار في الاصطلاح الفلسفي الى الحياء (و هو المرحلة الثانية من النفخ) ب «كن الرحمانية».
ثم قال (عليه السلام): «فيقول الله لإسرافيل: يا إسرافيل مت؛ فيموت إسرافيل. فيمكثون في ذلك ما شاء الله».
و في هذه الأثناء، يأتي النداء من الله سبحانه: «لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ»(1)؟
يقول الإمام السجّاد: فلا يجيبه مجيب، فعند ذلك ينادي الجبار جلّ جلاله، مجيبا لنفسه: «لِلّٰهِ اَلْوٰاحِدِ اَلْقَهّٰارِ»(2).
ثم قال (عليه السلام): «فنفخ الجبار فنخة في الصور(3)، فيخرج الصوت من أحد الطرفين الذي يلي السماوات، فلا يبقى في السماوات أحد إلاّ حيّ و قام كما كان، و يعود حملة العرش، و يحضر الجنّة و النار، و يحشر الخلائق للحساب».
يقول الراوي: فرأيت علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) يبكي عند ذلك بكاء شديدا(4).
سبق ان ذكرنا انّ الخلائق يحيون من موتتهم بعد النفخة الثانية في «الصور»؛ و ربّما تشير الآية في قوله (تعالى): «قٰالُوا رَبَّنٰا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ»(5)إلى الموتتين و الحياتين التي يمرّ بها الإنسان. فالموتة الأولى، هي التي تتمّ في الحياة الدنيا، عندما يقبض الإنسان، و يذهب به إلى القبر و البرزخ. و الاحياء الأوّل، في القبر و عالم البرزخ، عندما يحيا الإنسان لسؤال القبر و منكر و نكير. امّا الاماتة الثانية،
1) غافر: 16.
2) غافر: 16.
3) يذهب المؤلف في المتن، إلى ان الله (جل و علا) يحيي إسرافيل، و يأمره بالنفخ ثانية كي يقوم الأموات، و لكن رواية علي بن إبراهيم التي يعتمد عليها في المتن كما راجعناها في أكثر من مصدرتنص على: «نفخ الجبّار نفخة في الصور» لذلك أثبتنا نصّ الرواية. [المترجم]
4) البحار، ج 6، ص 324-325.
5) غافر: 11.
فهي عند النفخة الأولى في «الصور»، و امّا الاحياء الثاني، فمع النفخة الثانية، حيث يقوم الجميع للحساب.
و الذي نستفيده من ظاهر القرآن، انّ عالم الوجود يحيا، بعد النفخة الثانية، و حينما ينقلب الجميع إلى الله الواحد القهّار.
يقول تعالى: «أَلاٰ إِلَى اَللّٰهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ»(1).
يقول القرآن الكريم: «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوٰاجاً»(2).
و في مكان آخر يقول: «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ اَلنّٰاسُ أَشْتٰاتاً لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ»(3).
و ذلك اليوم، يوم عسير على غير المؤمنين، حيث يقول (تعالى): «فَإِذٰا نُقِرَ فِي اَلنّٰاقُورِفَذٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌعَلَى اَلْكٰافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ»(4).
و يقول (تعالى): «يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ اَلسّٰاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ»(5).
و ثمّة آية أخرى تصف أهوال ذلك اليوم؛ حيث يقول تعالى: «يَوْمَ تَرَوْنَهٰا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّٰا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذٰاتِ حَمْلٍ حَمْلَهٰا وَ تَرَى اَلنّٰاسَ سُكٰارىٰ وَ مٰا هُمْ بِسُكٰارىٰ وَ لٰكِنَّ عَذٰابَ اَللّٰهِ شَدِيدٌ»(6).
و يصرّح القرآن بعد ذلك، ان يوم المحشر مقداره خمسون ألف سنّة، حيث يقول تعالى: «تَعْرُجُ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كٰانَ مِقْدٰارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»(7).
و لكن سبق ان ذكرنا في الحديث عن مدّة البرزخ، انّ الاحساس بالزمن أمر نسبي، و كذا الحال بالنسبة لزمن المحشر، فالمؤمن لا يحسّ بطول زمن المحشر، و في ذلك روى أبو سعيد الخدري، انّه قيل لرسوله الله (صلّى الله عليه و آله):
يا رسول الله ما أطول هذا اليوم؟ فقال: و الذي نفس محمّد بيده، إنّه ليخفّف على المؤمن، حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدنيا»(1).
الذي نستفيده من القرآن الكريم و الروايات، انّ للقيامة مواقف كثيرة. فالقرآن يتحدّث عن خمسين موقفا طول كلّ واحد منها ألف سنة. بمعنى انّ الإنسان يمكث فيها للحساب في خمسين مكانا(2).
أمّا بعض الروايات فتتحدّث عن سبعين موقفا، و ربّما يكون حاصل الجمع بين القسمين، انّ المواقف على نوعين، نوع قبل الحساب، و نوع آخر أثناء الحساب و المساءلة.
و في هذا السياق نقرأ في الروايات و الأحاديث الشريفة، ان لا أحد يجوز على الصراط، إلاّ من كانت معه براءة بولاية علي (عليه السلام)، أي حتى يسأل عن الولاية و الصلاة و حق الناس(3).
1) محمع البيان، في ذيل الآية الآنفة (المعارج: 4).
2) جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله): «الظالم لنفسه يحبس في يوم مقداره خمسون ألف سنة، حتى يدخل الحزن في جوفه». البحار، ج 7، ص 199. [المترجم]
3) ذلك إشارة إلى قول النبي الأقدس (صلّى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام): «يا علي إذا كان يوم القيامة أقعد أنا و أنت و جبرئيل على الصراط، فلا يجوز على الصراط إلاّ من كانت معه براءة بولايتك». علم اليقين، ج 2، ص 974، نقلا عن معاني الأخبار، ص 32. [المترجم]
بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ذهب عدي بن حاتم إلى معاوية في الشام، فسأله الأخير عن أولاده، فأجاب عدي: قتلوا يوم صفّين بين يدي علي بن أبي طالب (عليه السلام).
فقال معاوية: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدّم بنيك و أخّر بنيه.
فقال عديّ: بل أنا ما أنصفت عليّا إذ قتل و بقيت.
ثم التفت معاوية إلى عدي و قال: صف لي عليّا.
فقال عدي: إن رأيت أن تعفيني.
فقال معاوية: لا أعفيك.
فكان ممّا قاله عدي في أمير المؤمنين (عليه السلام): «كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، و يدنيا إذا أتيناه، و نحن مع تقريبه لنا و قربه منّا لا نكلّمه لهيبته».
ثم أضاف عديّ:
«فأقسم لقد رأيته ليلة و قد مثل في محرابه، و أرخى الليل سرباله، و غارت نجومه، و دموعه تتحادر على لحيته، و هو يتململ تململ السليم، و يبكي بكاء الحزين، فكأنّي الآن أسمعه و هو يقول: يا دنيا إليّ تعرّضت، أم إليّ أقبلت، غرّي غيري، لا حان حينك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير، و خطرك يسر، آه من قلّة الزاد، و بعد السفر، و وحشة الطريق».
و هنا سأل معاوية عديّا؛ فكيف صبرك عليه؟
فأجاب: كصبر من ذبح ولدها في حجرها، فهي لا ترقأ دمعتها و لا تسكن(1).
ثمّة أقوال مختلفة حيال المواقف و العقبات و ما يجري فيها من أسئلة. ثم انّ
1) الكنى و الألقاب: ج 2، ص 103. [المترجم]
الروايات و الأحاديث لم تتحدّث عن المواقف بأجمعها(1).
و لكن رغم ذلك، نتعرّف، ممّا بين أيدينا على ثلاثة مواقف (عقبات) خطيرة جدّا، إذا نجا منها الإنسان، يكون قد نجا من المواقف و العقبات الأخرى، و هذه المواقف و العقبات هي:
و في هذا الموقف و هو أصعبها جميعايسأل الإنسان عن محبّة أهل البيت و ولايتهم (عليهم السلام)، فإذا أجاب فهو، و إلاّ سقط في الامتحان(2).
و في محبّة أهل البيت (عليهم السلام) جاء في الأثر النبوي الشريف: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ و شبابه فيم أبلاه؟ و عن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه؟ و عن حبّنا أهل البيت»(3).
و قد أورد «الزمخشري» و «الفخر الرازي» - و هما من كبار علماء السنّة في ظلال تفسيرهما لآية «المودّة»(4)في سورة الشورى، جملة مهمّة من الأحاديث في حبّ أهل البيت، منها: «ألا و من مات على بغض آل محمّد (ص) مات كافرا».
و الحديث الشريف: «ألا و من مات على بغض آل محمّد (ص) لا يشمّ فيه
1) مرّ الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله) في قوله لعلي (عليه السلام): «ياعلي إذا كان يوم القيامة أقعد أنا و أنت و جبرئيل على الصراط، فلا يجوز على الصراط إلاّمن كانت معه براءة بولايتك». علم اليقين، ج 2، ص 974.
2) الخصال، الشيخ الصدوق، ص 200.
3) يشير المؤلف إلى الآية الكريمة: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ» الشورى: 23. [المترجم]
4) التفسير الكبير، الفخر الرازي، ج 27، ص 166.
رائحة الجنة»(1). و كذلك الحديث الشريف: «ألا و من مات على حبّ آل محمد (ص) مات شهيدا. ألا و من مات على حبّ آل محمّد (ص) مات تائبا (مغفورا له). ألا و من مات على حبّ آل محمّد (ص) بشّره ملك الموت بالجنّة».(2).
و يسأل في هذا الموقف عن الصلاة(3)، كما يشير إلى ذلك الحديث الشريف:
«أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة، إن قبلت قبل ما سواها و إن ردّت ردّ ما سواها»(4).
و ذلك جاء في الخبر انّ الإمام الصادق (عليه السلام) عندما قاربته الوفاة، طلب و هو في لحظات عمره الأخيرة، أن يجمع عنده جميع من بينه و بينهم قرابة، فعندما اجتمعوا لديه، قال (عليه السلام): «لا ينال شفاعتي من استخفّ بصلاته، و لا يرد الحوض لا و الله»(5).
الموقف الثالث، و الذي ربّما كان أشكل من المؤقفين السابقين، هو السؤال عن «حقّ الناس». و قد ذكر العلاّمة المجلسي (في الجزء الثامن من البحار) في تفسير
1) نفس المصدر، ص 166 أيضا.
2) التفسير الكبير، ج 27، ص 166.
3) جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله) في حديث طويل عن القيامة، قوله: «ثم يوضع عليها صراط أدقّ من حدّ السيف عليه ثلاث قناطر، امّا واحدة فعليها الأمانة و الرحم، و امّا الأخرى فعليها الصلاة...» البحار، ج 7، ص 125. [المترجم]
4) بحار الأنوار، ج 83، ص 25.
5) بحار الأنوار، ج 84، ص 241، حديث 27.
قوله (تعالى): «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصٰادِ» انّ المرصاد بمعنى جسر الصراط، و عندها ينتهي الخلق إلى ربّ العالمين الذي يباشرهم بالحساب(1)، حيث يقول (عزّ و جلّ):
«و عزّتي و جلالي لا يجوزني ظلم ظالم».
انّ الله (سبحانه) - كما ذكرنا قبل قليل هو الذي يباشر الخلق بالحساب، في حين ان الملائكة هم الذين يتولّون ذلك في المواقف و العقبات الأخرى.
و من ذلك تتبّين صعوبة هذه العقبة، حتى ورد انّ أربعين صلاة مقبولة تؤخذ من الإنسان، في مقابل كلّ درهم عليه من حقّ الناس!
1) يقول العلاّمة المجلسي في بيانه الذي يشير إليه المؤلف: «أقول: قد مرّ برواية الصدوق؛ في باب انّه يؤتى بجهنّم في القيامة، قوله (عليه السلام): كان المنتهى إلى ربّ العالمين. أي إلى عدله و مجازاته عن مظالم العباد». البحار، ج 8، ص 65. [المترجم]
بي بحث المعاد يعتبر «حوض الكوثر» من الثوابت التي يتّفق عليها الشيعة و السّنة(1).
و سورة الكوثر ترتبط بحسب الظاهر ب «حوض الكوثر»، و إن كانت تؤوّل بالدلاة على فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) بضعة رسول الله (صلّى الله عليه و آله)، و قد ذكر للسورة معان أخرى أيضا.
من الثابت بحسب السنّة القطعية انّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله) حدّث أصحابه بحديث الثقلين في مواقع حسّاسة و مهمّة، كان من بينها أثناء رحلته (صلوات الله عليه) إلى الرفيق الأعلى. و في هذا السياق يذكر المرحوم مير حامد صاحب موسوعة «العبقات»، و الذي له على المسلمين حقّ كبير بما أسداه من خدمات علمية؛ انّ حديث الثقلين نقل عن طرق الشيعة و السنّة ب (502) سند(2). و في نص الحديث نقرأ انّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله) قال: «انّي
1) و ما أروع قول رسول الله (صلّى الله عليه و آله) في ذلك: «من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي». الأمالي، ص 7، و علم اليقين، ج 2، ص 984. [المترجم]
2) يشير المؤلف إلى السيّد حامد حسين اللكهنوي صاحب موسوعة «عبقات الأنوار» التي تعدّ من أكبر الموسوعات في موضعها، حيث اختص صاحبها بمنهج خاص في البحثّ و الاستدلال يقوم على الاستيعاب و التبع الهائل و إعادة الأسئلة إلى جذورها. و قد ولد صاحب العبقات سنة 1246 ه و توفي بلكهنو من بلاد الهند في 18 صفر سنة 1306 ه بعد أن ترك ما يقرب من مائتي مجلّد. يلاحظ في شأنه و ترجمته، ما كتبه السيّد المحقّق علي الحسيني الميلاني في مقدّمة المجلّد الأوّل من خلاصة عبقات الأنوار الصادر عن مؤسسة البعثة، 405 ه. [المترجم]
تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(1).
و الذي يفهم من قوله (صلّى الله عليه و آله) «حتى عليّ الحوض» انّ في المحشر نهرا باسم «الكوثر». و هذا المعنى تنصّ عليه الأحاديث المروية عن أئمّة الهدى (عليها السلام). و «الكوثر» صيغة مبالغة بمعنى «الخير الكثير»(2)، و المقصود انّ الحوض كبير و ذو بركة(3).
و لهذا السبب بالذات يطلق على فاطمة الزهراء بضعة رسول الله (صلّى الله عليه و آله) اسم الكوثر، لأنّ فيها الخير الكثير و البركة الواسعة.
و الذي يتّضح من حديث الثقلين، انّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله) يرد حوض الكوثر قبل الجميع، ثم يرد عليه كتاب الله و عترته أهل بيته كما هو واضح من قوله: «حتّى عليّ الحوض».
و على نحو التفصيل نجد انّ الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) تشير إلى انّ الخلق يبعثون صفوفا مختلفة و زرافات زرافات إلى المحشر، بعد النفخ في الصور للمرّة الثانية. يقول تعالى: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنٰاسٍ بِإِمٰامِهِمْ».
ففي ذلك اليوم يأتي الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بيده لواء رسول الله (صلّى الله عليه و آله) المعروف ب «لواء الحمد» و تحت اللواء الأبرار من شيعة علي و المتمسّكين بولايته، فيردون على رسول الله يتقدّمهم علي(4).
1) ذكر صاحب الغدير أسانيد كثيرة للحديث يمكن مراجعتها في موسوعة الغدير (11 مجلّدا).
2) و فسّر ابن عبّاس (الكوثر) ب: «الخير الكثير». الدر المنثور، ج 6، ص 402. [المترجم]
3) من الأحاديث الدالّة على سعته، ما جاء في الخبر: «ان حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء...، و أكوابه عدد نجوم السماء». المسند، ج 5، ص 275 و كذلك: الترمذي، ج 4، ص 629. [المترجم]
4) الروايات الدالّة على حمل علي (عليه السلام) للواء رسول الله (صلّى الله عليه و آله) في الآخرة، كثيرة، منها ما جاء عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله): إذا كان يوم القيامة أتاني جبرئيل و بيده لواء الحمد و هو سبعون شقّة؛ الشقة منه أوسعه من الشمس و القمر، فيدفعه إليّ فآخذه و أدفعه إلى علي بن أبي طالب. و قد تكرّر منه القول لعلي: «انّك صاحب لوائي في الآخرة، كما انّك صاحب لوائي في الدنيا». البحار، ج 8، ص 2، 6. [المترجم]
و من الثابت أيضا، انّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله) يقف مع علي بن أبي طالب و الأئمّة (عليهم السلام) و من والاهم و تبعهم باحسان، على مكان مرتفع باسم «الأعراف» يتسلّط من يقف عليه على عرصة المحشر، و ينظر إلى الخلق.
و تؤكّد الروايات أيضا، انّ شيعة علي (عليه السلام) و من والاه و اتبعه باحسان، يسقون بيده الكريمة من ماء الكوثر، فينزع ما في صدورهم من غل(1)(أي تنزع آخر رواسب الصفات غير الالهية) و يرتوون(2).
انّ مكان هؤلاء في علّ، تصدر منهم رائحة كريمة تعطّر أجواء المحشر و تملأ فضاءه، و لا يصيبهم تعب أو نصب أو ظمأ أو مخمصة أو جوع، حيث يمرّ عليهم زمن القيامة (خمسون ألف عام) و كأنّه لحظة واحدة.
يذكر «صعصعة بن صوحان» انّه أقبل إلى الإمام علي (عليه السلام) في أواخر لحظات حياته، و طلب منه النصيحة. فذكر الإمام لصعصعة انّ رأس رسول الله (صلّى الله عليه و آله) كان في حجره و هو في آخر لحظات عمره الشريف، و كانت يده في يدي، فحدّثني بهذا الحديث. (يقول صعصعة: أخذ الإمام علي يدي في هذه اللحظة، و أخذ يحدّثني الحديث).
يقول علي بن أبي طالب، فيما يحدّث فيه عن رسول الله (صلّى الله عليه
1) قال تعالى: «وَ نَزَعْنٰا مٰا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ اَلْأَنْهٰارُ» الاعراف: 43.
2) جاء في الحديث الشريف قول رسول الله (صلّى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام): «و أنت صاحب حوضي». و قال (صلّى الله عليه و آله) في حديث آخر بحق علي: «فإنّه صاحب حوضي، يذود عنه أعداءه، يسقي أولياءه». و قال علي (عليه السلام): «و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة لأقمعنّ بيديّ هاتين عن الحوض أعداءنا، إذا وردته أحباؤنا». البحار، ج 8، ص 19، 25. [المترجم]
و آله): «فأقبل، و أنا يومئذ مترز بريطة من نور، عليّ تاج الملك، و اكليل الكرامة، و علي بن أبي طالب أمامي، و بيده لوائي... إلى أن قال: حتى أعلو الدرجة [و يعني بها درجات الوسيلة، و هي درجة رسول الله في الجنّة]، و علي أسفل منّي بدرجة...؛ إلى أن قال: فبينا أنا كذلك إذ ملكان قد أقبلا إليّ: أمّا أحدهما فرضوان خازن الجنّة، و أمّا الآخر فمالك خازن النار» ثم قال (صلّى الله عليه و آله): «فيقول الملك: أنا رضوان خازن الجنّة، و هذه مفاتيح الجنّة بعث بها إليك ربّ العزّة، فخذها يا أحمد. فأقول: قد قبلت ذلك من ربّي، فله الحمد على ما فضّلني به، [ثم] أدفعها إلى أخي علي بن أبي طالب».
ثم يأتيه الملك الآخر، فيقول له (صلّى الله عليه و آله): «أنا مالك خازن النار، و هذه مقاليد النار بعث بها إليك ربّ العزّة، فخذها يا أحمد. فأقول: قد قبلت ذلك من ربّي، فله الحمد على ما فضّلني به، [ثم] أدفعها إلى أخي علي بن أبي طالب». ثم قال: «فيقبل عليّ، و مفاتيح الجنّة و مفاتيح النار [معه]...؛ فيقول لها عليّ: قرّي يا جهنّم، خذي هذا عدوّي و اتركي هذا وليّي». ثم قال:
«فلجهنّم يومئذ أشدّ مطاوعة لعلي من غلام أحدكم لصاحبه...؛ و للجنّة يومئذ أشدّ مطاوعة لعليّ، فيما يأمرها به، من جميع الخلائق»(1).
و لذلك جاء في الخبر انّ عليّا (عليه السلام) هو «قسيم الجنّة و النار»(2).
1) روى الخبر كاملا الشيخ الصدوق، باسناده عن أبي سعيد الخدري، في معاني الأخبار، باب معنى الوسيلة، ص 116، و كذلك يلاحظ في تفسير القمي، ص 644، و بالنسبة لنا فقد اعتمدنا في نقل النص على: علم اليقين، ج 2، ص 988-990. [المترجم]
2) تتّفق روايات الشيعة و السنّة على انّ عليّا (عليه السلام) هو قسيم الجنّة و النار، فمن ذلك ما يروى بإسنادهم عن عبد الله بن عمر قال: «قال رسول الله (ص) لعلي بن أبي طالب: إذا كان يوم القيامة يؤتى بك يا عليّ على نجيب من نور، على رأسك تاج قد أضاء نوره و كاد يخطف أبصار أهل الموقف، فيأتي النداء من عند الله جلّ جلاله أين خليفة محمّد رسول الله؟ فيقول علي: ها أنا ذا. فينادي المنادي: يا عليّ أدخل من أحبّك الجنّة، و من عاداك النار، و أنت قسيم الجنّة و النار». عن: علم اليقين، ج 2، ص 992، و الملاحظ انّ مؤلفه يروي في كتابه عن الشيعة و السنّة معا. [المترجم]
و يتّضح من الرواية انّ أصحاب علي و التابعين له باحسان و المتمسّكين بولايته و المتواجدين إلى جانبه على الحوض، لن يكون لهم حساب، و لن يتعرّضوا لأهوال الصراط و الميزان و عقابهما، و انّما ينتقلون من هذه النشأة إلى العالم الآخر من دون أن يمرّوا بذلك (كناية على اليسر) ليروا أنفسهم مع إمامهم.
تتحدّث بعض الأخبار عن انّ بعض الأموال يسقون أثناء موتهم من يد علي (عليه السلام) ماء الكوثر، و هؤلاء هم خلّص الرجال من أهل الولاية. و ربّما كان قول علي بن الحسين الأكبر (عليه السلام) ناظرا لهذا المعنى عندما خاطب أباه الحسين (عليه السلام) - و هو في الرمق الأخير من حياته بقوله: «وهذا جدّي قد سقاني بكأسه شربة لا أظما بعدها، و هو يقول إنّ لك كأسا مذخورة».
و ثمّة طائفة أخرى من الناس، تطلب عند موتها الماء، فيأتيها الشيطان بإناء فيه ماء بارد، و عندما يسلب منهم الإيمان، يسكب الماء أمام أعينهم إلى الأرض.
انّ مواقف المحشر صعبة و عقباته مهولة، بيد انّها يسيرة سهلة لأهل الولاية و التابعين لعلي (عليه السلام) باحسان، فشيعة علي و مواليه يسقون الكوثر من يديه فلا يظمأون بعد ذلك أبدا(1). و لكنّها ليست كذلك بالنسبة للكافرين و الظالمين و المنافقين. و لكن علينا أن نعي جيّدا، أنّ شيعة علي الذين تقصدهم الروايات، هم السائرون على منهاجه حقّا في الحياة الدنيا.
تحشر كل طائفة في يوم القيامة مع إمامهم الذي ائتمّت به في الحياة الدنيا(2).
1) ورد عن رسول الله، قوله (صلّى الله عليه و آله): «من أراد أن يتخلّص من هول القيامة، فليتولّ و ليّي، و ليتّبع وصيّي و خليفتي من بعدي عليّ بن أبي طالب، فإنّه صاحب حوضي، يذود عنه أعداءه؛ يسقي أولياءه، فمن لم يسق منه لم يزل عطشانا و لم يرو أبدا، و منس قي منه شربة لم يشق و لم يظمأ أبدا». بحار الأنوار، ج 8، ص: 18. [المترجم]
2) عن البي (صلى اللّه عليه و آله) قال: «فيه [القيامة] يدعى كل أناس بإمام زمانهم، و كتاب ربّهم و سنة نبيه». عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 33. [المترجم]
فبعد النفخة الثانية في «الصور» ينطلق كل واحد من جدثه ليلحق بإمامه، فترى الفاسق يقود الفاسقين، و الكافر يسوق الكفار، و الظلمة مع فرعون، و كلّ هناك يتلحق بطائفته و ينجذب إلى فئته(1).
امّا من كان يتولّى عليّا (عليه السلام) و يسير في الحياة الدنيا على نهجه، فسيلتحق به هناك و يكون تحت رايته و لوائه.
و فيما يتعلّق بأصحاب الذنوب من الشيعة و من لم تشبه صفاته في الحياة الدنيا صفات امامه، فلن يرد الحوض مع الإمام، و انّما يساق إلى الحساب.
امّا من كان من هؤلاء أهلا للشفاعة، فيشفع له أهل البيت (عليهم السلام) و يدخل الجنّة بشفاعتهم. و إن لم يستوجب الشفاعة يذهب به إلى النار، فيمكث بها إلى أن يتطهّر، ثم تناله الشفاعة (أي انّه لا يخلد في النار).
لذلك، إذا أراد الإنسان أن يحشر تحت لواء الحمد، خلف علي بن أبي طالب (عليه السلام) و يدخل الجنّة مباشرة دون حساب، فعليه أن يتهذّب في حياته الدنيا بالخلق الصالح، و أن يبتعد عن كل الصفات المذمومة، و يتعبّد بأحكام الله، و يتأدّب بآداب الشرع المقدّس، و عليه أن ينقّي قلبه و يطهّره من الغلّ، لكي لا يحتاج بعد ذلك إلى نار جهنّم ليتطهّر بها من ذنوبه.
لذلك لا يكفي الإنسان أن يوقل اني من شيعة علي (عليه السلام) و هو يرتكب المعاصي و الذنوب في الحياة. فإذا مضى إنسان كهذا على ذنوبه، فلن يستحق إلاّ النار، و قد يمكث بها آلاف السنوات قبل أن يتطهّر و يذهب إلى الجنّة.
إذا، علينا جميعا أن نتأسى في حياتنا بنهج أهل البيت (عليهم السلام) لكي تكون خطانا تبعا لهم في الدنيا و الآخرة. فالذي يسلك طريقهم و منهجهم في الحياة الدنيا، لا بدّ أن يكون تبعا لهم في الآخرة، فيأمن بهم أهوال يوم القيامة و نارها و حزنها، و ظلمات المحشر و عذابه.
1) و في ذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «اما انّه سيدعى كلّ اناس بامامهم، أصحاب الشمس بالشمس؛ و أصحاب القمر بالقمر؛ و أصحاب النار بالنار، و أصحاب الحجارة بالحجارة». تفسير العياشي، ج 2، ص 303. [المترجم]
امّا إذا انحرفنا عن مسيرهم في الحياة الدنيا، و ابتعدنا عن منهجهم؛ فماذا ننتظر سوى ان نلقى مصائب القبر و عذاب البرزخ و أهوال القيامة، و ان لا نكون في أمان من فزع تلك المشاهد؟
و خير ما نختم به هذا الفصل رواية ننقلها عن الكافي، حيث يحدّث الحكم بن عتيبة فيقول: «بينا أنا مع أبي جعفر (عليه السلام) و البيت غاصّ بأهله إذ أقبل شيخ يتوكّأ على عنزة له(1). حتى وقف على باب البيت، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله و رحمة الله و بركاته، ثم سكت، فقال أبو جعفر عليه السلام:
و عليك السلام و رحمة الله و بركاته، ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت و قال:
السلام عليكم، ثم سكت حتى أجابه القوم جميعا و ردّوا عليه السلام، ثم أقبل بوجهه على أبي جعفر عليه السلام، ثم قال: يا ابن رسول الله أدنني منك جعلني الله فداك، فو الله انّي لاحبّكم و أحبّ من يحبّكم، و و الله ما أحبّكم و أحبّ من يحبّكم لطمع في دنيا، و [الله] اني لأبغض عدوّكم و أبرأ منه، و و الله ما أبغضه و أبرأ منه لوتر كان بيني و بينه، و الله إنّي لأحلّ حلالكم و أحرمّ حرامكم و أنتظر أمركم فهل ترجو لي جعلني الله فداك؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: إليّ إليّ حتى أقعده إل يجنبه ثم قال: أيّها الشيخ إنّ أبي علي بن الحسين عليهما السلام، أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه، فقال له أبي عليه السلام: ان تمت ترد على رسول الله صلّى الله عليه و آله و على علي و الحسن و الحسين و علي بن الحسين، و يثلج قلبك و برد فؤادك و تقرّ عينك و تستقبل بالروح و الريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسك ههناو أهوى بيده إلى حلقه و إن تعش ترى ما يقرّ الله به عينك و تكون معنا في السنام الأعلى، قال الشيخ: و كيف قلت يا أبا جعفر؟ فأعاد عليه الكلام، فقال الشيخ: الله أكبر يا أبا جعفر ان أنا متّت أرد على رسول الله صلّى الله عليه و آله و على علي و الحسن و الحسينو علي بن الحسين عليها السلام، و تقرّ عيني و يثلج قلبي و يبرد فؤادي و استقبل بالروح
1) العنزة: عصا بي رأسها حديد.
و الريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسي إلى ههنا، و ان أعش أرى ما يقرّ الله به عيني فأكون معكم في السنام الأعلى؟!! ثم أقبل الشيخ ينتحب، ينشج هاهاها حتى لصق بالأرض، و أقبل أهل البيت ينتحبون و ينشجون لما يرون من حال الشيخ، و أقبل أبو جعفر عليه السلام يمسح بأصبعه الدموع من حماليق عينيه و ينفضها، ثم رفع الشيخ رأسه فقال لأبي جعفر عليه السلام: يا ابن رسول الله ناولني يدك جعلني الله فداك، فناوله يده فقبّلها و وضعها على عينيه و خدّه، ثم حسر عن بطنه و صدره فوضع يده على بطنه و صدره، ثم قال فقال: السلام عليكم. و أقبل أبو جعفر عليه السلام ينظر في قفاه و هو مدبر، ثم أقبل بوجهه على القوم فقال: من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا»(1).
علينا جميعا أن نكون من محبّي علي و أهل بيت علي (عليهم السلام)، و ينبغي لحبّنا أن لا يكون حبّا خطابيا، أي ينبغي للحب أن لا يبقى في دائرة الكلام و الألفاظ، و انّما يتجسّد عملا و اتباعا لمنهج هؤلاء الهداة و تطبيقا لتعليماتهم السامية.
انّ حبّ علي و أهل بيته معناه أن نجتنب المعاصي و نبتعد عن الذنوب، فنمتنع عن الغيبة و النميمة و إثارة الشائعات و التعرّض لكرامات الناس.
و حبّ علي و أهل بيته معناه الأخوّة و الانسجام الحقيقيّان بين أتباعه، و نزع الغلّ حتى تسود المحبّة و يعمّ الصفاء.
و حبّ أهل البيت معناه تحريم حرام الله و تحليل حلاله. و إذا ما بدر منّا ذنب أو معصية فعلينا أن نتبادرها بالتوبة الفورية التي تغسل الذنوب و تطهّر الإنسان من تبعاتها.
انّ حبّ علي على هذه الشاكلة هو الذي يجعل صاحبه في القيامة سائرا خلف علي أمير المؤمنين و هو يحمل لواء الحمد، لواء رسول الله، فيكتب من الناجين و يحشر في أصحاب الفلاح.
1) الروضة من الكافي (ج 8)، ص 76-77. [المترجم]
تؤكّد آيات القرآن الكريم بشكل جليّ و واضح، على انّ في القيامة حسابا و كتابا، أو ما يطلق عليه عند المتكلّمين ب «تطاير الكتب». انّ الإنسان يجد في القيامة أمامه «صحيفة أعماله» و هي تعرفه و تلتحم به كما يعرف الطير عشّه و يأنس به.
و لأنّ بحثنا قرآني (و لا يتحرّك في نطاق علم الكلام) فسنبقى في إطار دلالات آيات القرآن الكريم. و علينا أن ندرك جيّدا، اننا إذا أردنا أن ندخل الموضوع من خلال التفصيلات الروائية، و ما يتيحه لنا علم الكتاب و الفلسفة و العرفان، فلن نصل في العجالة التي نحن فيها إلى نتائج واضحة، و ربّما خرجنا عن المووضع الأصلي من دون أن نصل إلى نتائج متكاملة إلاّ بعد مضي وقت طويل من البحث و الدراسة.
لذلك سنبقى في إطار البحث القرآني حول المعاد، دون أن نهمل بعض الإشارات الروائية، أو تلك اللمحات ذات الطابع البرهاني و الفلسفي.
ثمّة في القرآن الكريم تأكيد خاص على صحيفة الأعمال أو الكتاب. و لذلك نجد أنفسنا بحاجة إلى أن نبقى في أجواء الآيات التي تتحدّث عن الموضوع، لنعرف بشكل دقيق و واضح، المقصود من صحيفة الأعمال.
نجد في القرآن الكريم تأكيدا، على انّ أصحاب الأعمال الصالحة يعطون
كتبهم بيمينهم. امّا أصحاب الذنوب و المعاصي من المجرمين و المنافقين و نظائرهم فيعطون كتبهم بشمالهم أو من وراء ظهورهم.
يقول (تعالى) فيمن يعطى كتابه بيمينه: «فَأَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هٰاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ»(1).
ثم يتحدّث القرآن الكريم عن سبب اهتمام مثل هذا الإنسان بصحيفة أعماله، فيقول في الآية التي تلي الآية الآنفة: «إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاٰقٍ حِسٰابِيَهْ»(2).
ثم ينعطف الخطاب القرآني، في الآيات التي تلي هذه الآية، لتبيان حال هؤلاء، فيقول في وصفهم: «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رٰاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عٰالِيَةٍ قُطُوفُهٰا دٰانِيَةٌ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمٰا أَسْلَفْتُمْ فِي اَلْأَيّٰامِ اَلْخٰالِيَةِ»(3)و من الواضح انّ هذه الثمرة هي نتيجة عمل الإنسان و ما أسلف في الأيّام الخالية.
امّا من يعطى كتابه بشماله، فيتحدّث عنهم القرآن، و يصف حالهم بقوله:
«وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِشِمٰالِهِ فَيَقُولُ يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتٰابِيَهْوَ لَمْ أَدْرِ مٰا حِسٰابِيَهْ يٰا لَيْتَهٰا كٰانَتِ اَلْقٰاضِيَةَمٰا أَغْنىٰ عَنِّي مٰالِيَهْهَلَكَ عَنِّي سُلْطٰانِيَهْ» (4).
يتجدّد المعنى القرآني الآنف في سورة الانشقاق، حيث يقول تعالى: «فَأَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِفَسَوْفَ يُحٰاسَبُ حِسٰاباً يَسِيراًوَ يَنْقَلِبُ إِلىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً»(5).
ثمّ تتحدّث الآيات عمّن يؤتى كتابه وراء ظهره: «وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ وَرٰاءَ ظَهْرِهِفَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراًوَ يَصْلىٰ سَعِيراًإِنَّهُ كٰانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً»(6).
ثم تأتي آية أخرى تتحدّث عن أعمال الفئة التي تستوجب ان تؤتى كتابها وراء ظهرها، حيث يقول تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ آمِنُوا بِمٰا نَزَّلْنٰا مُصَدِّقاً لِمٰا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهٰا عَلىٰ أَدْبٰارِهٰا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمٰا لَعَنّٰا أَصْحٰابَ اَلسَّبْتِ»(1).
و الذي نستفيده من الآية، انّ من يشهد بغير الحق و المنافق و المرائي، يحشرون يوم القيامة مطموسة وجوههم مردودة على أدبارها. و أمثال هؤلاء يعطون كتابهم من وراء ظهورهم.
ثمّة آية أخرى في سورة الإسراء، تهزّ الإنسان من أعماقه، و كثيرا ما كان يستشهد بها استاذنا الجليل الإمام الخميني، و يردّدها في دروسه.
و يشار أيضا إلى انّ علماء الأصول يستدلّون بالآية على انّ اللّه (سبحانه) لا يجازي و لا يعاقب دون حجّة، و انّ الحجّة على الإنسان تستكمل في هذه الدنيا، و الإنسان في الآخرة لا يجازى بالجنّة أو النار إلاّ بعد اتمام الحجّة عليه.
و الآية التي نعنيها، هي قوله تعالى: «وَ كُلَّ إِنسٰانٍ أَلْزَمْنٰاهُ طٰائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ كِتٰاباً يَلْقٰاهُ مَنْشُوراً. اِقْرَأْ كِتٰابَكَ كَفىٰ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً. مَنِ اِهْتَدىٰ فَإِنَّمٰا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمٰا يَضِلُّ عَلَيْهٰا وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولاً»(2).
ما هو الكتاب أو صحيفة العمل؟ فهل هما صفحة قلب الإنسان؟ انّ بعض الآيات تشير إلى هذا المعنى. و عليه تكون «هوية الإنسان» هي كتابه و صحيفة
عمله.
أو يكون المراد ب «صحيفة العمل» أعمال الإنسان التي تحيط به، و تأخذ بأطرافه كما تدلّ على هذا المعنى بعض الآيات الكريمة؟
و ربّما كان المقصود من «صحيفة العمل» نسخة من أصل عمل الإنسان، و خلاصة لحسابه. يقول القرآن الكريم: «مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّٰ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»(1).
و وفق الوجه الثالث، يكون المقصود من «صحيفة الأعمال» هي خلاصة ما يكتبه الملكان الموكّلان بالإنسان، ممّا يفعله من السيّئات و الحسنات، تعرض عليه يوم القيامة، و يحاسب بها.
و ما دامت الآيات الكريمة تدلّ على المعاني الثلاثة، فسيكون المقصود من «صحيفة الأعمال» ما يلي:
وفقا للمعنى الأوّل، تكون صحيفة عمل الإنسان هي صفحة نفسه، أي هويّته و ما تطويه سريرته.
يقول تعالى: «هُنٰالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مٰا أَسْلَفَتْ»(2).
و ثمّة ما يشير إلى ذلك في قوله تعالى من سورة المطففين: «يَوْمَ يَقُومُ اَلنّٰاسُ لِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ. كَلاّٰ إِنَّ كِتٰابَ اَلفُجّٰارِ لَفِي سِجِّينٍ»(3).
انّ «كلاّ» هنا تحقيقية، و المعنى: كونوا على يقين انّ كتاب (صحيفة عمل) الفجّار في سجّين؛ أي في جهنّم، و لا يستقيم المعنى، إلاّ إذا كانت صحائف أعمال
هؤلاء هي قلوبهم نفسها؛ أي هي صحائف قلوبهم و سرائر أنفسهم، التي يرمى بها في النار برميهم فيها.
و مع هذا المعنى، يكون من الواضح انّ صحيفة عمل الإنسان هي هويّته.
و هناك آية أخرى، تؤكّد هذا المعنى، حيث يقول تعالى: «يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمٰاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوٰاصِي وَ اَلْأَقْدٰامِ»(1). أي انّ الأفراد يعرفون في القيامة من سيماهم، حيث يميّز أصحاب النار من غيرهم.
يقول تعالى: «كَلاّٰ إِنَّ كِتٰابَ اَلْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَوَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا عِلِّيُّونَكِتٰابٌ مَرْقُومٌيَشْهَدُهُ اَلْمُقَرَّبُونَ»(2).
و وفق هذه الآية، فإنّ الجنّة هي ثمرة الأعمال الصالحة التي قام بها الإنسان، و شهد له بها الكرام الكاتبون، و انّ أعماله الصالحة هذه هي نفسها التي أدّت إلى أن تكون صحيفة أعماله بيضاء.
و في سورة الكهف، ثمّة ما يشير أيضا إلى انّ «صحيفة الأعمال» هي الأعمال المتجسّدة، أي أعمال الإنسان التي تحضر بصورها المجسّمة، حيث يقول (تعالى):
«وَ وُضِعَ اَلْكِتٰابُ فَتَرَى اَلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّٰا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يٰا وَيْلَتَنٰا مٰا لِهٰذَا اَلْكِتٰابِ لاٰ يُغٰادِرُ صَغِيرَةً وَ لاٰ كَبِيرَةً إِلاّٰ أَحْصٰاهٰا وَ وَجَدُوا مٰا عَمِلُوا حٰاضِراً وَ لاٰ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً» (3).
و الذي يؤيّد هذا المعنى و يؤكّده، انّ الملائكة الكرام الموكّلين بالإنسان، يحصون عليه في الدنيا حتى صوت (الصفير) الذي يصدر منه، و هما لا يغفلان عمّا يقوم به من أوّل حياته إلى نهايتها.
انّ الإنسان يلقى في الآخرة أمامه ما أرسله من هذه الدنيا و ما قام به من أعمال، بحيث تحيط به أعماله و تأخذه بأطرافه. (انّما هي أعمالكم ردّت إليكم).
لقد حذّر اللّه (سبحانه) عباده و خوّفهم من منقلب السوء في ذلك اليوم، و جاءت الآيات الكريمة لتؤكّد للإنسان انّ أعماله تحيط به يوم القيامة، فإن كان ما فعله خيرا فسيجده محضرا أمامه «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً».
امّا إذا كانت أعمال الإنسان سيئة، فسيودّ لو انّ بينه و بينها أمدا بعيدا «وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً»(1).
المعنى الثالث لصحيفة الأعمال، هي خلاصة الحساب.
يقول تعالى: «وَ تَرىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جٰاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعىٰ إِلىٰ كِتٰابِهَا اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(2).
بيد انّا نجد في ذلك الموقف الرهيب، أمّة من الناس لا تبحثو مع الأمم الجاثية، و هؤلاء هم أهل الولاية الحقّة من أتباع [النبي] و وصيّه من بعده أمير المؤمنين و من أتباع أهل بيته. فأصحاب الولاية السائرون على نهج محمّد و أهل بيته، لا يبحثون في الدنيا و لا في الآخرة(3).
تفيد آيات القرآن الكريم انّ هناك «ميزانا» توزن به الأعمال في يوم القيامة، فمن ترجح كفّه أعماله الصالحة يكون من أهل الجنّة؛ امّا من ترجّح كفّة أعماله (و اعتقاداته) السيّئة و غير الصالحة فيذهب به إلى جهنّم.
يقول تعالى في كتابه الكريم: «وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ. وَ مَنْ خَفَّتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ»(1).
و عن الموازين القسط، يقول (تعالى) في سورة الأنبياء: «وَ نَضَعُ اَلْمَوٰازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ فَلاٰ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كٰانَ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنٰا بِهٰا وَ كَفىٰ بِنٰا حٰاسِبِينَ»(2).
و نظير هاتين الآيتين، كثير في القرآن الكريم؛ فمن ذلك قوله تعالى: «فَأَمّٰا مَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُفَهُوَ فِي عِيشَةٍ رٰاضِيَةٍوَ أَمّٰا مَنْ خَفَّتْ مَوٰازِينُهُفَأُمُّهُ هٰاوِيَةٌوَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا هِيَهْنٰارٌ حٰامِيَةٌ»(3).
انّ ميزان كل شيء هو المعيار الذي يعرف به قدر ذلك الشيء، و لا يكون إلاّ
من جنسه و ممّا يناسبه، فالحنطة و الشعير و ما ماثلهما من الاثقال و الاجرام يوزن بالقبان و الميزان العادي ذي الكفّتين، امّا الذهب مثلا فلا يوزن بالقبّان العادي، و انّما يستخدم فيه معيار صغير جدّا هو القيراط. أمّا بالنسبة للأقمشة فبالامتار، و يعرف اعوجاج الجدران و استواؤها بالشاقول، فيما يكون ميزان الفلسفة المنطق، و هكذا.
المقدّمة الثانية الجديرة بالاهتمام لدرك المعنى الدقيق لميزان الأعمال، هي تناسب الموزون مع نفسه، بحيث يتسق الموضوع مع ما يدلّ عليه. فإذا قلنا: انّ الحنطة و الشعير ثقيلان فالمعني بالثقل نفس الحنطة و الشعير. امّا إذا قلنا: هذا القماش ثقيل، فلا ينصرف المعنى إلى ثقل القماش بالوزن، و انّما إلى صفته وجودته. كذلك الحال، عندما نقول انّ قطعة الماس هذه ثقيلة، فلا نعني وزنها الذي قد لا يتجاوز عدّة غرامات، و انّما قيمتها و ثمنها.
و نقول أحيانا في وصف الناس، انّ فلانا ذو وزن، و المقصود من ذلك الإشارة إلى أخلاقه و روحه العالية، و منطقه السليم، و ما يتّسم به سلوكه من رفعة و انسانية. بعكسه عندما نقول: لا نقيم لفلان وزنا(1)
و كذا يقول الشاعر:
قد كنت قبل لقائكم ذا قوّة عندي لكلّ مخاصم ميزانه
.و يتّضح ممّا مرّ انّ ثقل أي شيء يتناسب مع نفس الشيء، و انّ اطلاق وصف الخفة أو الثقل بالنسبة للأشياء، يراد منه «الكميّة» أحيانا و «الكيفية» في أحيان أخرى.
1) ورد هذا الاستعمال في قوله تعالى: «فَلاٰ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَزْناً» في إشارة منه تعالى إلى من كفر بربّه و آياته فحبطت أعماله كما يشير لذلك صدر الآية (الكهف: 105.
ليس المقصود من ميزان الأعمال في القيامة المعنى الاصطلاحي الذي يتبادر إلى الذهن عند سماع الكلمة؛ و بالتالي لا ينظر إلى ثقل الأعمال و وزنها من زاوية الكمية، و انّما للميزان في الآخرة مصاديق مختلفة نشير منها نشير منها إلى أربعة:
انّ هويّة الإنسان هي ميزان أعماله(1). و هذه الهوية تستوجب بذاتها أن يكون الإنسان ذا وزن أو بلا وزن في الآخرة. فلو ورد الإنسان المحشر و نوره يسعى بين يديه، و هو تحت لواء الإمام علي عليه السلام و قد أخذت الملائكة بأطرافه اعزازا له و إكراما، فانّ «ميزانه» في هذه الحال «أعماله»(2)و هويّته (و سيماه) التي تدلّ على انّه من أهل الجنّة.
امّا إذا ورد الإنسان المحشر و هو على صورة عقرب، تحيط به الاصفاد و الأغلال و السلاسل، فإنّ صورته هذه و هويته (و سيماه) هي نفسها ميزان أعماله.
و مع هذا المعنى يكون ثقل ميزان الإنسان في الآخرة هو كرامته و عزّته و مكانته (هويته). امّا خفّة الميزان، فيعبّر عن ذلّ الإنسان و افتقاده للحيثية الكريمة.
المصداق الثاني لميزان الأعمال، هو تجسّم الأعمال بالمعنى الثاني(3). أي ان
1) جاء في الحديث الشريف: «من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّف ميزانه» الامالي: 492. [المترجم]
2) يقول صدر المتألهين: «ميزان الأعمال، و هو كل أثر أو فعل يوجب الاطمئنان في نفس فاعله، و يقتضي له الثبات و الاستقرار، و يزيل عنه الاضطراب، و التزلزل» مفاتيح الغيب: 651. [المترجم]
3) يشير المؤلف إلى المعنى الذي تناوله في الفصل الثامن.
أعمال الإنسان في القيامة هي ميزانه. ذلك انّ الأعمال تستبطن بذاتها أوزانها، و تسودع في نفسها ثقلها و خفّتها.
فالدّر ثقيل بذاته، أمّا الصخر و الخرز فهما خفيفان بذاتهما و لو كانت اجرامها ثقيلة!
بناء على هذا المعنى، يرد المؤمنون المحشر يوم القيامة، تحيط بهم صور جميلة و جذّابة، و هي الصور المتجسّمة لأعمالهم الصالحة في الحياة الدنيا، و هذه الصور تدلّ بنفسها على انّ أصحابها من أهل الجنّة، و هي بذاتها ستكون ميزانا يعرف به الصالح من الطالح(1).
امّا الفجّار فيردون المحشر، و تحيط بهم صور موحشة مؤذية، تثير النفرة في نفوس أهل المحشر، إذ فيها ما يظهر بصورة الدم و القذارة، و فيها ما يظهر على صورة العقارب و الحيات و الوحوش؛ فيما هي جميعا تجسيد لأعمالهم السيّئة في الحياة الدنيا.
و في حال هؤلاء تكون هذا الصور المتجسّمة هي ميزان الأعمال(2).
انّ صحائف أعمال الإنسان، هي الميزان الثالث لأعماله. ففي يوم القيامة يعطى الإنسان بيديه خلاصة لما علمه. و هذه الصحائف هي أفضل ميزان.
و الذي عليه صريح القرآن، انّ الإنسان إذا أوتي كتابه (صحائف أعماله) بيمينه فهو من أهل الجنّة، امّا إذا أوتي كتابه بشماله (أو من وراء ظهره) فهو من
1) لذلك ذهب ابن عباس (رضي اللّه عنه) إلى انّ أعمال المؤمن تتصوّر بصور حسنة، و أعمال الكافر تتصوّر بصور قبيحة، فتوزن بتلك الصور، و هذا معنى ميزان الأعمال. يلاحظ: مجمع البيان في ظلال آيات الميزان. [المترجم]
2) أجمل ما يدل على هذا المعنى وى قرّبه قول صدر المتألهين: «الأعمال زي أهل الموقف، فيعرف المجرمون بسيماهم كما يعرف الاجناد هنا بزيّهم» مفاتيح الغيب: ص 54.
أهل النار.
و وفق هذا المعنى، يكون المقصود من ثقل ميزان الإنسان، هو ثقل «صحائف أعماله» امّا خفّة ميزانه، فدلالة على خفّة «صحائف أعماله»(1).
و هذا المعنى يتصل و يتشابك مع «صحائف الأعمال» أي انّ الذي أوتي كتابه بيمينه، فهو ممّن ثقلت موازينه و كثرت حسناته، أمّا من يعطاه بشماله فهو ممّن خفّت موازينه و قلّت حسناته(2).
الميزان الرابع للإنسان و الذي تؤكّد عليه الروايات كثيرا، هو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
و ممّا يدلّ على ذلك ما جاء في زيارته (عليه السلام): «السلاك عليك يا ميزان الأعمال»(3).
و جاء فى روايات أخرى، ما يدل على انّ الأنبياء و الأوصياء هم «الميزان»، و منذ لك: «انّ الموازين القسط هم الأنبياء و الأوصياء»(4).
و في رواية أخرى، عن هشام بن سالم، قال: سألن أبا عبد اللّه (الصادق)
1) و هذا هو مذهب المفسّرين، حيث يستدلّون بما جاء عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عندما سئل يوزن يوم القيامة، فقال: الصحف. يلاحظ: مجتمع البيان و التفسير الكبير في ظلال آيات الميزان. [المترجم]
2) يقول الإمام علي (عليه السلام) في كلام جامع: «الحسنات ثقل الميزان، و السيئات خفّة الميزان». التوحيد، ص 268. [المترجم]
3) وردت الكثير من الأحاديث التي تكد انّ الإمام عليا و الأئمّة من ولده (عليهم السلام) هم «الميزان» و في ذلك يقول الإمام الصادق: «نحن الموازين القسط» علم اليقين، ج 2، ص 44. [المترجم]
4) علم اليقين، ج 2، ص 944، و كذلك جاء في الحديث عن علي (عليه السلام): «انا الصراط الممدود بين الجنّة و النار، و أنا الميزان» المصدر، ص 967. [المترجم]
(عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ نَضَعُ اَلْمَوٰازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ فَلاٰ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً» قال: «هم الأنبياء و الأوصياء»(1).
و من المؤكّد، انّ الميزان بالنسبة لنا (وفق هذا المعنى) هو الالتزام بتوجيهات أئمة الهدى (عليهم السلام) و توجيه الخطى نحو منهاجهم و التخلّق بأخلاقهم، و التمسّك بجبلهم و حبّهم و ولايتهم.
انّ الإنسان الذي يجهل مكانة أهل البيت (عليهم السلام) في الدنيا و يتنكّب عن طريقهم و منهاجهم، من المؤكّد انّه لن يكون من أهل الهدى في الآخرة، لانّ ميزانه سيكون خفيفا. فالقريب إليهم إلى اللّه (سبحانه)، فيما البعيد عنهم بعيد عن اللّه (سبحانه).
لذلك يستوجب قربهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين) في الحياة الدنيا و موالاتهم و اتّباع نهجهم، ثقل ميزان الإنسان في الآخرة.
لا غرابة إذن أن يكون عليّ (عليه السلام) ميزان الأعمال. فالإنسان يرد المحشر، فتقارن أعماله و تقيّم و يحكم عليه إلى الجنّة أو النار، من خلال اقترابه أو ابتعاده عن علي و نهج علي. فمن كان في عمله و قوله أقرب إلى نهج علي في عمله و قوله، فاز و كان من أهل الجنّة و الرضوان، امّا من كان بعيدا في عمله و قوله و اعتقاده عن نهج علي، فهو من أهل النار و الخسران.
و بكلام آخر، انّ عليّا (عليه السلام) هو الميزان، و بالتالي فهو المعيار الفاصل بين لاحق و الباطل.
و إذا قيل انّ القرآن الكريم هو ميزان الأعمال و الأقوال، فبه تقاس و تقارن، فسنقول: انّ عليّا نفسه هو «القرآن الناطق».
لقد عبّر القرآن الكريم عن «الميزان» بصيغة الجمع، حيث قال تعالى: «وَ نَضَعُ اَلْمَوٰازِينَ». و من ذلك يظهر، انّ في القيامة أكثر من ميزان، و ليس ميزان واحد،
1) المصدر نفسه.
و انّ الإنسان يعرض على تلك الموازين.
و الذي يؤكّد أيضا انّ «الموازين» متعدّدة في الآخرة، هو قوله (تعالى): «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ».
و به يستقيم ما قدّمناه من انّ للميزان أكثر من صفة و مصداق، و انّه «موازين» و ليس ميزانا واحدا، فهو تارة يكون هوية الإنسان، و تارة «صحائف أعماله» و ثالثة تجسّم الأعمال و صورها، و أهم هذه الثلاثة جميعا، هو الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو الميزان الأكبر.
بعد الذي مرّ من حديث، نجد من المناسب ان نعطي لأنفسنا برهة تأمّل، ننظر فيها إلى أنفسنا، و نقارن بيننا و بين ما يمثّله الإمام علي و الذي هو ميزان الأعمال!
علينا أن نعطف خطى حياتنا نحو نهج علي الذي أعطى نفسه للّه، و لم يحد نحو اليسار أو اليمين في أي لحظة من لحظات عمره الشريف، و انّما بقي على الصراط السويّ.
علينا ان نحاسب أنفسنا وفق نهج علي لنطهّر أنفسنا، و نطرد عنّا الأهواء النفسانيّة و التأثيرات الشيطانية، و إلاّ فلن ينتظرنا إلاّ الخسران!
انّ عرض أنفسنا على ميزان علي (عليه السلام) يدعونا أن نتعرّف على حياة هذا الإمام العظيم، و فيم أمضى عمره الشريف.
لقد رافق الإمام علي النبيّ الأطهر من صدر البعثة حتى الوفاة، و أمضى معه (23) عاما كاملة، هي تمام الفترة الممتدّة من البعثة حتى الوفاة، فلم يتخلّف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله) و انّما اشترك في حروب النبي و مغازيه جميعا (74 حربا و غزوة) إلاّ اثنتين بقي فيهما في المدينة المنوّرة، لمواجهة حركة النفاق في الداخل، و ما كان ليتخلّف عن رسول اللّه أو يمكث في المدينة من أمر نفسه، و انما امتثالا لأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
امّا في مكّة، فقد أمضى (13) عاما مملوءة لحاظتها بالجهاد و المواجهة. بل كانت سنوات مكة أمضّ في ثقل الجهاد و وعورة الطريق، و ما تحمّلته الدعوة الناشئة خلالها من مشاق و تحدّيات، من حروب المدينة و غزواتها.
و بعد رحلة المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الرفيق الأعلى، مكث في بيته صابرا محتسبا، محتملا ما هضم من حقّه (عليه السلام) كما قال: «فرأيت أنّ الصبر على هاتان أحجى، فصبرت و في العين قذى، و في الحلق شجا» و قد فعل ذلك لكي يحفظ للمسلمين وحدتهم و انسجامهم.
فعلينا إذن، أن نستلهم الدروس من حياة علي، و علينا أن نضيء حياتنا بأنوار منهجه النبوي المصتبصر، كي نمضي على بصيرة، و إلاّ فلن يكون مصيرنا إلاّ الخسران في الدنيا و العذاب في الآخرة!
يصرّح القرآن الكريم و الروايات الواردة عن أهل البيت (عليه السلام) انّ في القيامة شهودا تشهد للإنسان أو عليه. و الذي يستفاد من النصوص، انّ هؤلاء الشهود، هم عشرة أصناف أو أكثر. و لكن الذي يعنينا التأكيد عليه في هذا الفصل، هو ثلاثة أصناف من الشهود، نتحدّث عنهم كما يلي:
ثمّة آيات كثيرة في كتاب اللّه تؤكّد انّ أعضاء الإنسان و جوارحه تشهد له أو عليه. و من ذلك انّ المجرمين عندما يواجهون مصيرهم يوم القيامة، يحاولون ان ينكروا أعمالهم و يتبرّؤوا من الصور المتجسّمة لأعمالهم القبيحة، و في هذه اللحظة يختم (سبحانه) على أفواههم فتنطق جوارحهم و تشهد عليهم.
و في ذلك يقول (تعالى): «اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ»(1).
و في آية أخرى نقرأ قوله (تعالى): «حَتّٰى إِذٰا مٰا جٰاؤُهٰا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصٰارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَوَ قٰالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنٰا قٰالُوا أَنْطَقَنَا اَللّٰهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»(2).
و في آية ثالثة يقول (تعالى): «وَ لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ
وَ اَلْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً» (1).
و تشير الآيتان الأوليان إلى شهادة أعضاء الإنسان و جوارحه عليه، مثل العين و الاذن و الجلد. امّا الآية الأخيرة فتشير إلى مسؤولية «الفؤاد» عمّا تقترفه جوارح الإنسان و أعضاؤه. و الذي نستفيده من ذلك أنّ هويّة الإنسان و شخصيّته تشهدان عليه؛ و انّ قلبه يشهد على ما كان يحمل صاحبه من أفكار و عقائد منحرفة، و ما كانت تطويه سريرته من نوايا سيّئة و خواطر شريّرة.
و لا شك انّ هذه الشهادة هي أصعب ما يواجهه الإنسان في ذلك الموقف؛ أي انّ شهادة القلب أبلغ من شهادة الجوارح و الأعضاء.
عظة لذلك كلّه علينا أن نكون على حذر ممّا نحمله من أفكار، و نتبناه من عقائد؛ و علينا أن نمعن النظر بهذه الآيات الكريمة، لأنّ أفكارنا و عقائدنا تشهد علينا، و تفضحنا في ذلك الموقف نوايانا و ما تكنّه سرائرنا.
و علينا أيضا أن لا نطلق الكلام جزافا، بل نفكّر و نتدبّر ثم نتكلّم.
الصنف الثاني من الشهود على الإنسان في يوم القيامة هم الملائكة. و في ذلك يقول تعالى: «كِتٰابٌ مَرْقُومٌيَشْهَدُهُ اَلْمُقَرَّبُونَ»(2).
و إذا كان المراد من الملائكة الشهود، هما «رقيب» و «عتيد» فإنّ الأمر صعب شاق على الإنسان. إذ الذي نستفيده من الروايات و الأحاديث الواردة، انّ هناك ملكين يراقبان الإنسان دوما، و يحصيان عليه؛ و يمليان صحيفة أعماله(3).
1) الإسراء: 36.
2) المطففين: 20-21.
3) قال الإمام علي (عليه السلام): «لا يزال الرجل المسلم يكتب محسنا ما دام ساكتا، فإذا تكلّم كتب إمّا محسنا أو مسيئا. و موضع الملكين من ابن آدم الشدقان؛ صاحب اليمين يكتب الحسنات، و صاحب الشمال يكتب السيئات، و ملكا النهار يكتبان عمل العبد بالنهار، و ملكا الليل يكتبان عمل العبد في الليل» البحار، ج 5، ص 327. [المترجم]
و لكن بعض الروايات تفيد انّ كلّ ملكين يراقبان الإنسان لمرّة واحدة، ثم لا يعودان إليه طوال حياته أبدا، بل يتركان الأمر لغيرهما و هكذا.
و بهذا الأسلوب يكون عدد الملائكة الشهود كبيرا جدّا. و هنا تكمن الصعوبة التي أشرنا إليها قبل قليل.
الصنف الثالث من الشهود، و هم أهم من الصنفين اللّذين سبقاهم، هم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فهم يشهدون للإنسان أو عليه؛ و ما أسوأ حظ من يشهد عليه أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).
لذلك جاء في الأثر: «ويل لمن كان شفعاؤه خصماءه».
و يشير القرآن الكريم إلى هذا النوع من الشهادة بقوله تعالى: «وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى اَلنّٰاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً»(1).
و قد ذكر المفسّرون معنيين للآية الكريمة هما:
أوّلا: انّ الخطاب فيها موجّه للمسلمين الذين جعلهم اللّه الأمّة الوسط، التي لا تميل صوب الافراط أو التفريط، لتمارس من موقعها دور هداية العالم و البشرية و أمم الأرض أجمع، و كي تكون نموذجا للجميع في سموّ خلقها و فضائلها، ثم يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شهيدا على أمّته.
ثانيا: ذهب بعض المفسّرين إلى معنى آخر، استقوه من الأحاديث الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليه السلام) في تبيان معنى الآية. فهؤلاء. المفسّرون و منهم
1) البقرة: 143.
المفسّر المعاصر العلاّمة الكبير السيّد الطباطبائي(1)- يعتقدون انّ الشهادة التي تتحدّث عنها الآية، تتمّ في الآخرة.
و مع هذا التفسير يكون المعني بخطاب الآية الكريمة، هم أئمّة أهل البيت، الذين جعلهم اللّه (سبحانه) شهودا على أعمال الناس في الآخرة(2).
ذكرنا قبل قليل، انّ الآية الكريمة من سورة البقرة تدلّ على شهادة أئمّة أهل البيت في الآخرة للإنسان أو عليه. و السؤال كيف يشهد الأئمّة (عليهم السلام) للإنسان أو عليه؟
يذكر العلاّمة الطباطبائي (رحمه اللّه) و غيره من العلماء القائلين بشهادة الأئمّة (عليهم السلام) ان لأئمّة أهل البيت شهودا على العالم أجمع. بمعنى انّ العالم الآن، بما فيه نحن البشر، تحت نظر الإمام المهدي (عليه السلام) امام الزمن المعاصر.
و معنى حضور الإمام و شهوده للعالم، هو اطّلاعه على قوالنا و أعمالنا؛ بل و على نيّاتنا و سرائرنا. و إذا أضفنا لهذا، ما سبق ان ذكرناه، من انّ شهادة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على الناس في يوم القيامة، لا تصحّ إلاّ إذا كانوا شهودا على أعمال الناس و أقوالهم و مطّلعين على نيّاتهم في هذه الحياة، فعندها ستكون النتيجة
1) صاحب التفسير الشهير المعروف الميزان (عشرون مجلّدا) و الذي ربّما لم يشهد العالم الإسلامي مثيلا له في السعة و الدّقة و العمق، خلال العقود الأخيرة. [المترجم]
2) وردت الكثير من الروايات عن أئمّة أهل البيت يؤكّد جميعها على القول: «نحن شهداء الناس». من ذلك ما يرويه أبو بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تبارك و تعالى: «وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى اَلنّٰاسِ» قال: «نحن الشهداء على الناس بما عندهم من الحلال و الحرام؛ و بما ضيّعوا منه» تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 134. [المترجم].
انّ للأئمّة سلطانا على القلوب، و شهودا في الحياة الدنيا، يؤهلهم للشهادة للإنسان أو عليه في الآخرة(1)
كتاب: علم الإمام، للشيخ محمد حسين المظفر.
بحث للعلاّمة المجلسي صاحب موسوعة البحار في أوائل شرحه للصحيفة السجادية. [المترجم]
.انّ الأرض و الزمان و المكان كلّها شهود على الإنسان في الآخرة(2)، بل نجد ما يؤكّد انّ الشيطان نفسه، كما يشير لذلك القرآن(3)، يشهد على الإنسان يوم القيامة، و يقول له؛ انّ الأولى به، أن يلوم نفسه و يقرعها، بدل أن يلوم الشيطان؛ ذلك انّ الشيطان لم يكن له دور في حياة الإنسان، سوى الوسوسة في الصدور، بينما وقف في مقابل الشيطان (124) ألف نبي و رسول، ثم كان دور الأوصياء و الأئمّة في الهداية، فهل يعقل أن يترك الإنسان خط الهداية هذا بما يحفل به من رسل و رسالات و أئمّة و صالحين، و ينقاد للشيطان وحده؟
بعد الحساب، و ملاحظة صحائف الأعمال، و بعد الميزان و حضور الشهود، يتميّز أهل الجنّة من أهل النار، و كلّ طائفة منهم تساق إلى مأواها و مستقرّها.
و يحدّثنا القرآن الكريم في سورتي الزمر و الحديد عن كيفيّة ذهاب أهل الجنّة إلى
1) البحث في هذه المسألة استوفته الكتب العقائدية، و في هذا الشأن يمكن مراجعة:
2) ثمّة حديث لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يدل على شهادة الايام و البقاع، ممّا جاء فيه: «و يستشهد البقاع و الشهور على أعمال العباد، فمن عمل صالحا شهدت له جوارحه و بقاعه و شهوره و أعوامه و ساعاته و أيّامه و ليالي الجمع و ساعاتها و أيّامها، فيسعد بذلك سعادة الابد» يلاحظ بطوله في: البحار، ج 7، ص: 315-317. [المترجم]
3) يشير المؤلّف إلى قوله تعالى: «كَمَثَلِ اَلشَّيْطٰانِ إِذْ قٰالَ لِلْإِنْسٰانِ اُكْفُرْ فَلَمّٰا كَفَرَ قٰالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخٰافُ اَللّٰهَ رَبَّ اَلْعٰالَمِينَ» الحشر: 16. [المترجم]
الجنّة، حيث تحيطهم الملائكة، و يسعى نورهم بين أيديهم، و النور المعني هنا، هو آثار أعمالهم الصالحة في الدنيا، ثم يذهبون إلى الجنّة، و هم على هذه الحالة من الشرف و التكريم.
و تصوّر لنا الآية التالية بعض املامح هذا المشهد: «يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ بُشْرٰاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنّٰاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ»(1).
امّا المنافقون و المنافقات، فلن تحيط بهم سوى الظلمة، حيث لم يكن لهم عمل صالح في الحياة الدنيا يوفّر لهم النور اللاّزم لأهوال الآخرة، و هم على هذه الحالة المزرية مبلسون في ظلماتهم، تسوقهم ملائكة العذاب إلى النار زمرا.
و في هذه اللحظة المصيرية المؤلمة يبدأ هؤلاء بالتماس أهل الجنّة طمعا في اقتباس بعض نورهم، و لكن يحاط بينهم و بين أهل الجنّة بسور له باب تكون الرحمة (الجنّة) من باطنه)، و العذاب (النار) من ظاهره.
يقول تعالى في ذلك: «يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونٰا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ اِرْجِعُوا وَرٰاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بٰابٌ بٰاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظٰاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذٰابُ»(2).
يقول الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) في كتابه المشهور «الاعتقادات»:
«اعتقادنا في الصراط انّه حق، و انّه جسر على جهنّم، و انّ عليه ممر جميع الخلق.
قال اللّه عزّ و جلّ «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا كٰانَ عَلىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا»(3).
و لكن ما هو المراد من الصراط؟
ربّما يكون المقصود من الصراط، ما يقوم به الإنسان في هذه الحياة الدنيا، من مجاهدة لنفسه، فإذا خرج ناجحا في مجاهدة نفسه الأمّارة، و تجاوز الأهواء و النوازع، فسيكون نجاحه هذا ضمانة له للجواز على الصراط في الآخرة، ليصل إلى أعلى عليّين. امّا من ينهزم في الحياة الدنيا أمام نفسه الامّارة و ضغوطاتها، و يرتكس في ظلمات الأهواء و المعاصي، فلن يكون في الآخرة قادرا على جواز الصراط، فتزلّ به قدمه إلى النار.
و وفق هذا المعنى، تكون الآخرة هي باطن هذه الدنيا. بمعنى انّ المصير يستبين في هذه الدنيا، و تكشف فيها الحقائق، حيث يكون واقع النفس الامّارة و حقيقتها، جسر الصراط في الآخرة.
أخيرا؛ نشير إلى انّ الصراط في اللغة هو «الطريق»، و في الاصطلاح الجسر أو الطريق المنتهي إلى الجنّة(1).
جاء في الأخبار و الأحاديث الشريفة؛ انّ الناس يختلفون في كيفية مرورهم على الصراط إلى الجنّة، فمنهم الذي يمرّ مثل البرق، و بعضهم يمرّ كمن يعدو على الفرس، و منهم الذي يمرّ حبوا، و الذي يمرّ مشيا، و منهم الذي يمرّ متعلّقا لن يصل إلى الجنّة إلاّ بعد صعوبات و مشاقّ(2).
1) ورد في الأثر في المعنى الاصطلاحي للصراط: «انّ الصراط جسر على متن جهنّم يمر عليه الخلائق». علم اليقين، ج 2، ص 967. [المترجم]
2) يشير المؤلّف إلى الحديث الشريف: «الناس يمرّون على الصراط طبقات، و الصراط أدقّ من الشعر و أحدّ من السيف؛ فمنهم من يمرّ مثل البرق؛ و منهم من يمرّ مثل عدو الفرس؛ و منهم من يمرّ حبوا، و منهم يمرّ مشيا، و منهم من يمرّ متعلّقا قد تأخذ النار منه شيئا و تترك شيئا». علم اليقين، ج 2، ص 973، الأمالي، ص 177، البحار، ج 8، ص 64. [المترجم]
و لكن الأصل في هؤلاء، رغم تفاوت سرعة مرورهم، انّهم جميعا من أهل الجنّة. انّ الذي يجوز الصراط كالبرق، كان في الدنيا متمسّكا بنهج النبي الأطهر (صلّى اللّه عليه و آله) و بولاية الوصيّ علي (عليه السلام) و الأئمّة الهداة (عليهم السلام)، و كان منتهجا في جميع فصول حياته نهج العبودية و الطاعة. و أمثال هؤلاء كانوا يعيشون حياتهم و هم في شوق دائم للّه، لذلك سارعوا إلى لقائه.
امّا الآخرون، فيتفاوت حال جوازهم على الصراط و مدّته، بما يناسب أعمالهم الصالحة في الحياة الدنيا، فكلّما كانوا ألزم في العبودية و أسرع في الطاعة و أثبت في الولاء، جازوا الصراط أسرع و ثبتت أقدامهم عليه(1).
يكون الصراط بالنسبة لأهل النادر أدقّ من الشعر و أحدّ من السيف و أظلم من الليل(2). و ربّما يكون المراد من وصف الصراط بهذا الشكل كما عليه الأحاديث الشريفة(3)- انّ الكفّار و الفجّار لن يستطيعوا المرو عليه، و بالتالي لن يكون لهم جواز إلى الجنّة. و في ذلك يقول (تعالى): «وَ لاٰ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتّٰى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيٰاطِ».
إذن؛ نستطيع أن نقول، انّ الكفّار و أهل المعاصي و الذنوب و الظالمين و من يتّهم الناس في أعراضهم و يبثّ الشائعات و يصطنعها، لن يكون بمقدورهم أن يجوزوا على الصراط، بل تزلّ بهم قدمهم، فيقعون في أعماق جهنّم.
1) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أثبتكم قدما على الصراط أشدّكم حبّا لأهل بيتي». البحار، ج 8، ص 69. [المترجم]
2) يشير المؤلّف إلى حديث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «الصراط أدقّ من الشعر، و أحدّ من السيف، و أظلم من الليل». علم اليقين، ج 2، ص 969. [المترجم]
3) انّ صفة الصراط تلك تكون بالنسبة للكفّار، أما بالنسبة للمؤمنين، فهو كما جاء في الأخبار «يجعله اللّه للمؤمنين عريضا و للمذنبين دقيقا».
نستفيد من مجموعة أخرى من الروايات و الأحاديث، انّ للصراط معنى آخر يتمثّل في متابعة نهج أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الدنيا و التمسّك بولايتهم. فمن يفعل ذلك يهتدي إلى طريق معرفة اللّه (سبحانه) و من اهتدى إلى طريق معرفة اللّه في الدنيا، يكون بمقدوره أن يجوز على الصراط في الآخرة.
و هذا المعنى نجده واضحا في كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) يقول فيه: «أنا صراط اللّه المستقيم و عروته الوثقى التي لا انفصام لها»(1).
لذلك، تعدّ معرفة أئمّة أهل البيت (عليه السلام) و التمسّك بنهجهم و ولايتهم، الطريق المهيع إلى اللّه (سبحانه). فمن يسلك الطريق إلى معرفة اللّه من خلال الأئمّة الهداة، يمرّ في الآخرة على الصراط سريعا و دون صعوبة أو مشاقّ(2).
1) سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الصراط فقال: «هو الطريق إلى معرفة اللّه عز و جل و هم صراطان؛ صراط في الدنيا و صراط في الآخرة، فامّا الصراط الذي في الدنيا، فهو الإمام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا و اقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنّم في الآخرة، و من لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردّى في نار جهنّم». اعتقادات الشيخ الصدوق، ص 153.
2) مرّ بنا حديث رسول اللّه في ذلك، حيث يقول (صلّى اللّه عليه و آله): «أثبتكم قدما على الصراط أشدّكم حبّا لأهل بيتي».
تعتبر الشفاعة من الأمور الثابتة من زاوية الرؤية القرآنية و الأحاديث و الروايات الشريفة(1)، و قد خصّص العلاّمة المجلسي في موسوعته الحديثية الكبيرة «بحار الأنوار» بابا كاملا للشفاعة، أورد فيه ما يناهز مائة حديث(2). إلاّ انّ الأحاديث المبثوثة في الكتاب حول الشفاعة تصل إلى ألف حديث و رواية.
ثمّة آيات كثيرة حول الشفاعة، نختار منها النماذج الخمسة التالية:
1 - يقول تعالى: «مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّٰ بِإِذْنِهِ»(3).
2 - و يقول تعالى: «لاٰ يَمْلِكُونَ اَلشَّفٰاعَةَ إِلاّٰ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ اَلرَّحْمٰنِ عَهْداً»(4).
1) جاء في الحديث النبوي الشريف عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «و من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله اللّه شفاعتي». و عن الصادق قوله (عليه السلام): «من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا: المعراج، و المساءلة في القبر و الشفاعة» البحار، ج 8، ص 34، 38. [المترجم]
2) يشير المؤلّف إلى: البحار، ج 8، ص 29-63، باب الشفاعة، و في الباب 86 حديثا. [المترجم]
3) البقرة: 255.
4) مريم: 87.
3 - و في صفة الشافعين يقول تعالى: «عِبٰادٌ مُكْرَمُونَ... وَ لاٰ يَشْفَعُونَ إِلاّٰ لِمَنِ اِرْتَضىٰ»(1).
4 - و من صور الحوار بين أهل الجنّة و أهل النار، ما يشير إلى الشفاعة؛ يقول تعالى: «وَ كُنّٰا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلدِّينِحَتّٰى أَتٰانَا اَلْيَقِينُفَمٰا تَنْفَعُهُمْ شَفٰاعَةُ اَلشّٰافِعِينَ»(2).
5 - و لكن ينبغي أن يكون واضحا، انّ الشفاعة في الآخرة، ليست على منوال ما يجري في الدنيا من «محسوبية و منسوبية»، لذلك ينفي القرآن الكريم هذا الظنّ الخاطئ في قوله (تعالى): «وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاٰ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لاٰ يُقْبَلُ مِنْهٰا شَفٰاعَةٌ وَ لاٰ يُؤْخَذُ مِنْهٰا عَدْلٌ وَ لاٰ هُمْ يُنْصَرُونَ»(3).
و معنى الآية، انّ إنسانا لا يؤخذ بدل آخر في القيامة، و لا يبدّل الحق بغيره، و لا تقبل منهم الفدية و الرشاوى.
نستطيع أن نذكر للشفاعة أربعة معان هي:
انّ الذي يتولّى عليّا (عليه السلام) في الحياة الدنيا و ينقاد لإمامته و قيادته، فسيكون علي إمامه و شفيعه في الآخرة أيضا.
انّ الإمان (عليه السلام) يمّثل في هذه الدنيا موقع القيادة التشريعية. امّا في الآخرة فيمثّل موقع القيادة التكوينيّة. و معنى ذلك، ان الذي يتّبع ولاية الإمام علي
في الدنيا و ينقاد إلى نهجه، فستترسّخ فيه هويّة تقوده في الآخرة للانقياد وراء لواء علي (عليه السلام) و الدخول معه إلى الجنّة.
و كذا الحال بالنسبة لمن يسير في حياته الدنيا تحت راية الحسين السبط (عليه السلام) و يتحرّك في إطار إمامته و ولايته، فإنّه يحشر يوم القيامة مع إمامه الذي تولاّه، أي مع سيّد الشهداء و تحت لوائه.
و هذا هو الذي نقصده من انّ القيادة هنا تشريعية، و لكنّها في الآخرة تأخذ شكلا تكوينيا، يتبع فيه الإنسان من تولاّه في الدنيا، و يكون تحت لواء من انقاد إلى امامته.
و هذا المعنى للشفاعة رجّحه العلاّمة الطباطبائي في تفسير المشهور الميزان.
و الملاحظ أيضا انّ أهل الفلسفة و العرفان يقبلون بهذا المعنى أيضا.
المعنى الثاني للشفاعة، هو أن يكون الشفعاء الواسطة في الفيض. و هذا المعنى يؤكّده القرآن الكريم و الأحاديث النبوية، و قد أقام الأدلّة البرهانية عليه الفيلسوف الكبير صدر المتألهين الشيرازي، حيث أثبت انّ الحقيقة المحمّدية و آل محمّد (صلوات اللّه عليهم أجمعين) هم واسطة هذا العالم.
و المقصود من ذلك انّ كل أعمالنا مرهونة بما يفيضه علينا الحقّ تعالى. و انّ واسطة الفيض هم بعد رسول اللّ (صلّى اللّه عليه و آله) الأئمّة الهداة من أهل بيته (عليهم السلام).
و بذلك تكون نعمة الوجود و العقل و العلم و العلم و السلامة و المال و غير ذلك، هي ممّا أفاضه اللّه (سبحانه) علينا بواسطة النبي و أهل بيته. و هذا المعنى الثاني للشفاعة، نجده واضحا في النصوص المأثورة؛ حيث نقرأ في زيارة الإمام المهدي (عليه السلام) مثلا: «بيمنه رزق الورى، و بوجوده ثبتت الأرض و السماء».
و يشير النصّ إلى ان الإمام (عليه السلام) هو الواسطة فيما يفيضه اللّه (سبحانه) على عباده من رزق، و هو الواسطة في ثبات عالم الوجود و ديمومته.
و في نص زيارة الجامعة الكبير (المرويّة عن الإمام علي الهادي عليه السلام) نقرأ: «بكم فتح اللّه و بكم يختم و بكم ينزّل الغيث و بكم يمسك السماء أن تقع عى الأرض، و بكم ينفّس الهم و يكشف الضرّ»(1).
انّ أهل المعرفة هم أهل البيت (عليهم السلام) و هم بواسطة الفيض، و انّ العالم جسد و هم بمثابة الروح لهذا الجسد، و الروح هي التي تدبّر شؤون الجسد. فمع وجود الإمام (عليه السلام) يستمد العالم وجوده من اللّه (سبحانه)، و هذا الاستمداد هو الذي يبقي العالم و يحفظ له ديمومته.
اتضح من البحوث السابقة انّ مصير الإنسان و كونه من أهل الجنّة أو أهل النار يتحدّد بواسطة شهادة الأئمّة (عليهم السلام). و قد ذكرنا أيضا انّ لأهل البيت (عليهم السلام) حضورا و شهودا كاملا و تسلّطا مطلقا على عالم الوجود، أي انّ لهم مقام الولاية الكلية المطلقة(2).
و هذا المعنى تؤكّده و توضّحه أحاديث كثيرة جمعها ثقة الإسلام الكليني في كتابه الحديثي المشهور «الكافي»(3).
و من تلك الأحاديث ما جاء عن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عندما سئل: تخلو الأرض من حجّة؟ فقال (عليه السلام): «لو خلت الأرض
1) زيارة الجامعة، مفاتيح الجنان، ص 544. [المترجم]
2) يبحث الإمام الخميني في كتاب «مصباح الهداية» مسألة الولاية الكليّة المطلقة التي يتحلّى بها الإمام علي (عليه السلام)، حيث يقول: «فهو عليه السلام بمقام ولايته الكليّة قائم على كلّ نفس بما كسبت، و مع كلّ الأشياء».
3) يشير المؤلّف إلى: أصول الكافي، ج 1، كتاب الحجّة، ص 168-554. [المترجم]
طرفة عين من حجّة لساخت بأهلها»(1).
و الحديث الشريف واضح الدلالة على انّ خلوّ الأرض من الإمام الذي يمثّل مقام الولاية الكلية المطلقة، يؤدي إلى أن تسيخ الأرض بأهلها.
و ما ينصّ عليه الحديث من ان الأرض تسيخ بألها لو خلت من الحجّة لحظة واحدة، هو من باب المثال، و إلاّ فالمسألة أدقّ من ذلك. و لكن يكفينا أن نشير بشكل كلّي إلى انّ الأرض لو خلت من حجة، لما أمكن بقاء عالم الوجود و لفقد ديمومة استمراره.
و بناء على هذا الأصل يكون أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هم محور الوجود. لذلك لا يرد الجنة في الآخرة إلاّ من كانوا هم واسطته. و هم أيضا الواسطة في دخول الأنبياء و الأوصياء و الصالحين، لأنّ الجنّة هي إفاضة من إفاضات الرحمة الإلهية، و هم (عليهم السلام) واسطة الفيض.
المعنى الثالث للشفاعة هو الدعاء، أي طلب المسألة و قضاء الحاجة من النبي الأطهر (صلّى اللّه عليه و آله) و أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و جعلهم الوسطاء و الشفعاء في قضاء الحوائج.
و لقد ثارت موجة من التشكيكات لمواجهة هذا المعنى للشفاعة، استندت جميعها على انّ الاستشفاع بالميت شرك! فكان ان تصدّت لهذه الموجة سلسلة من البحوث العقائدية العميقة التي أثبتت انّ من نطلب شفاعتهم، و هم رسول اللّه و أهل بيته (صلوات اللّه عليهم أجمعين) أحياء، و لا يعدون في الأموات، و انّ أرواحهم خالدة و هي تحيط بهذا العالم و تشرف عليه بشكل كامل.
لذلك لا يقال لمثل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام) انّهم مثل الحجارة و الخشب و العصا، و ان حكمهم حكم
1) البحار، ج 23، ص 29.
الجمادات الأخرى بعد موتهم و مفارقتهم للحياة الدنيا، و بالتالي يعدّ طلب شفاعتهم ضربا من الشرك، أو اللغو و العبث، كما يحلو لمنطق المشككين!
اذن معنى الشفاعة هنا، هو دعاء الرسول و الأئمّة و الاستشفاع بهم، لكي يغفر اللّه (سبحانه) ذنوب المذنبين بواسطتهم.
و الشفاعة بهذا المعنى ليست تدخّلا من الرسول و أهل بيته في الشؤون الإلهية، و انّما هي عمل يتمّ باذن اللّه، أي انّ اللّه (سبحانه) هو الذي أذن لهم بالشفاعة.
إذن، فكما ندعو نحن لأنفسنا و للآخرين و نطلب لهم المغفرة و الرحمة، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام) يقفون في القيامة و يتشفعون و يدعون لأمّتهم و يطلبون لها العفو و الصفح من ربّ العالمين.
و من الواضح انّ دعاء رسول اللّه و أهل بيته مقبول عند اللّه سبحانه، و هو مستجاب حتما(1)
كشف الارتياب للسيّد محس الأمين العاملي.
كتاب الشرك أو الوهابية في الميزان للشيخ جعفر سبحاني.
كتاب التوسّل في ضوء العقل و القرآن و الحديث للسيّد محمد ضياء آبادي، و الذي ستصدر ترجمته عن مؤسسة البعثة. [المترجم]
.المعنى الرابع للشفاعة، ان يأذن اللّه سبحانه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لأهل البيت (عليهم السلام) بالشفاعة يوم القيامة، و يمنحهم حقّ استنقاذ العباد، و ادخال من رضوا إلى الجنّة بحيث يكون لهم الاختيار التام في ذلك.
و مع هذا المعنى للشفاعة لا يبقى مجال للسؤال عمّا ذكرناه آنفا من انّ مفتاح
1) انّ الوهابية هي الاتجاه الوحيدالذي يثير الشبهات حول مسألة شفاعة رسول اللّه و أهل بيته (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، فيما اجتمعت كلمة أهل الإسلام على مواجهة هذا الاتجاه التشكيكي وردّ شبهاته، و يمكن للقارئ مراجعة ما يلي:
الجنّة و متفاح النار، يسلّمان يوم القيامة بأمر اللّه بيد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته، و انّ هؤلاء (صلوات اللّه عليهم أجمعين) هم قسماء الجنّة و النار(1).
انّ ظاهر آيات القرآن يدل على هذا المعنى للشفاعة، و لكن ينبغي أن ندرك جيّدا انّ إرادة النبي و أهل بيته فانية في إرادة اللّه، أي انّهم لا يريدون غير ما يريده اللّه (سبحانه)، و انّ ما يريدونه (صلوات اللّه عليهم أجمعين) هو تحقيق لإرادة اللّه و تمثّل لها.
فعن شفاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ورد في الخبر، انّه يسجد في القيامة، فيأتيه النداء أن ارفع رأسك و سل تعط، فيتشفّع لأمّتع، فتقبل شفاعته (صلّى اللّه عليه و آله)(2).
و قد ورد في الأخبار، انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يرضى أن يدخل الجنّة وحده و يترك مذنبي أمّته إلى النار، و انّما يظلّ ينادي: أمّتي، أمّتي(3).
1) عن عبابة قال: سمعت عليّا عليه السلام، و هو يقول: «أنا قسيم الجنّة و النار، فمن تبعني فهو منّي، و من لم يتبعني فهو أهل النار». علم اليقين، ج 1، ص 536.
2) و تمام الخبر؛ روى علي بن إبراهيم بسند مؤثّق عن الإمام الصادق انّه (عليه السلام) سئل عن شفاعة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يوم القيامة، فقال: «يلجم الناس يوم القيامة العرق، فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم يشفع لنا، فيأتون آدم، فيقولون: اشفع لنا عند ربّك؟ فيقول: إنّ لي ذنبا و خطيئة، فعليكم بنوح. فيأتون نوحا فيردّهم إلى من يليه، و يردّهم كلّ نبيي إلى من يليه حتى ينتهون إلى عيسى، فقيقول: عليكم بمحمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فيعرضون أنفسهم عليه و يسألونه، فيقول: انطلقوا، فينطلق بهم إلى باب الجنّة، و يستقبل باب الرحمن و يخرّ ساجدا، فيمكث ما شاء اللّه، فيقول: ارفع رأسك، و اشفع تشفع، و سل تعط. ذلك قول عزّ و جلّ: «عَسىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقٰاماً مَحْمُوداً». علم اليقين، ج 2، ص 976. [المترجم]
3) يذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انّ عنقا من النار يحيط الخلائق يوم القيامة (البرّ منهم و الفاجر، فما خلق اللّه عزّ و جلّ عبدا من عباده ملكا و لا نبيّا إلاّ نادى: ربّ! نفسي نفسي، و أنت [و الكلام لجبرائيل يرويه النبي] يا نبي اللّه تنادي: أمّتي أمّتي». يلاحظ الخبر بطوله في: بحار الأنوار، ج 7، ص 125-126. [المترجم]
و من الآيات الدالّة على عظيم شفاعة رسول اللّه في يوم القيامة، قوله تعالى:
«وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىٰ» (1). فقد ذكر الإمام الصادق (عليه السلام) ان هذه الآية هي أرجى آية في كتاب اللّه(2)، لأنّها أعطت رسول اللّ (صلّى اللّه عليه و آله) الفتح و النصر في الدنيا، و الشفاعة في الآخرة(3)
اما النووي فقد ذكر في شرح صحيح مسلم، انّ القاضي عياض، قال: «مذهب أهل السنّة جواز الشفاعة عقلا و وجوبها سمعا بصريح الآيات، و بخبر الصادق. و قد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحّة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، و أجمع السلف الصالح و من بعدهم من أهل السنّة عليها». عن البحار، ج 8، ص 62-63. [المترجم]
.لا يملك بعض الناس أهلية الشفاعة، و بالتالي لا ينالونها، و لا يذهبون ببركتها إلى الجنّة. و من أولئك «تارك الصلاة» و المستخف بصلاته، حيث مرّ معنا في
1) الضحى: 5.
2) و تمام الخبر؛ انّ بشر بن شريح البصري، قال: قلت لمحمّد بن علي (عليهما السلام): أية آية في كتاب اللّه أرجى؟ قال: ما يقول فيها قومك؟ قال: قلت: يقولون: «يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ» قال (عليه السلام): لكنّا أهل البيت لا نقول ذلك، قال: قلت: فأي شيء تقولون فيها؟ قال (عليه السلام): نقول: و لسوف يعطيك ربّك فترضي. الشفاعة، و اللّه الشفاعة، و اللّه الشفاعة». البحار، ج 8، ص 57. [المترجم]
3) اتفق أهل الإسلام جميعا على شفاعة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في القيامة، و في ذلك يقول الشيخ المفيد: «و اتفقت الامامية على انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمّته، و انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، و انّ أئمّة آل محمّد يشفعون كذلك، و ينجي اللّه بشفاعتهم كثيرا من الخاطئين». أوائل المقالات، ص 54.
الفصول السابقة قول الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تنال شفاعتنا من استخفّ بالصلاة».
و الذي يستفاد من آيات الكتاب الكريم و الأحاديث الشريفة، انّ «الظالم» لا تناله الشفاعة(1). غير انّ أحاديث أهل البيت تؤكّد انّ المسلم الموالي لأهل البيت لا يخلد في النار بذنوبه، و انّما يمكث فيها إلى أن يطهر، و بعد ذلك ينال شفاعة أهل البيت (عليه السلام) و ينجو من جهنّم(2).
و ثمّة أصناف أخرى لا تنالها الشفاعة، تعرّض لذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. إِلاّٰ أَصْحٰابَ اَلْيَمِينِ. فِي جَنّٰاتٍ يَتَسٰاءَلُونَ.
عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ. مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَ. وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ اَلْمِسْكِينَ. وَ كُنّٰا نَخُوضُ مَعَ اَلْخٰائِضِينَ. وَ كُنّٰا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلدِّينِ. حَتّٰى أَتٰانَا اَلْيَقِينُ.
فَمٰا تَنْفَعُهُمْ شَفٰاعَةُ اَلشّٰافِعِينَ. فَمٰا لَهُمْ عَنِ اَلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ» (3).
تؤول نهاية شوط أهل الفلاح إلى النجنّة، و أهل الخسران إلى النار. و قد جاء في القرآن انّ الجنّة و النار هما مآل مسير الإنسان و منتهى كدحه.
يقول تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاٰقِيهِ»(1). أي انّ لقاء اللّه هو منتهى الشوط فيما يتحمّله الإنسان من مشاق و أذى، و ما يواجهه في سبيل اللّه من آلام.
و إلى هذا المعنى تشير آيات أخرى، كقوله تعالى: «إِنَّ إِلىٰ رَبِّكَ اَلرُّجْعىٰ»(2).
و قوله تعالى: «وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهىٰ»(3).
و كذا قوله تعالى: «إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ»(4).
انّ منتهى سير الإنسان يكون إلى رحمة اللّه حينا، و التي تكون «الجنّة» مظهرا لها، و تارة يكون منقلبه إلى غضب اللّه و قهره، الذي تكون «جهنّم» مظهرا له.
انّ للنار طبقات و أبوابها. و قد أشار القرآن الكريم إلى أبواب جهنّم بقوله تعالى:
«لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ» (1).
و كذلك قوله تعالى: «وَ سِيقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّٰى إِذٰا جٰاؤُهٰا فُتِحَتْ أَبْوٰابُهٰا»(2).
لذلك فإنّ من يأكل حقّ الناس يرد جهنّم من باب خاصّة يدخل منها أهل هذا الصنف. و يبدو انّ هذه الباب أكثر أبواب جهنّم ازدحاما، لأنّ أصحابها أضرّوا بكرامات الناس و غصبوا أموالهم.
و عن طبقات جهنّم ينقل في الخبر انّ الإمام عليّا (عليه السلام) وضع يديه الوحدة فوق الأخرى، و ذكر انّ جهنّم طبقات.
و في دعاء كميل إشارة إلى انّ للنار طبقات: «أم كيف يتقلقل بين أطباقها»(3).
الذي يفهم من الروايات انّ جهنّم عميقة جدّا و لها سبع طبقات (دركات)(4).
الطبقة الأولى معدّة للناس العاديين. بينما تكون الطبقة الأخيرة و تسمّى (سقر»(5)- مأوى للمنافقين و المتكبّرين، و هي أكثر الطبقات عمقا، و للتدليل على
1) الحجر: 44.
2) الزمر: 71.
3) مفاتيح الجنان، ص 60. [المترجم]
4) انّ اللّه جعلها (النار) سبع دركات: أعلاها الجحيم و الثانية لظى و الثالثة سقر و الرابعة الحطمة و الخامسة الهاوية و السادسة السعير و السابعة جهنّم. البحار، ج 8، ص 289. [المترجم]
5) جاء في الحديث الشريف: «انّ في جهنّم لواديا للمتكّبرين يقال له سقر، شكا إلى اللّه شدّة حرّه و سأله أن يتنفّس، فاذن له، فتنفّس فأحرق جهنّم». البحار، ج 8، ص 294. [المترجم]
عمق جهنّم، جاء في الخبر المشهور عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:
«سمعت صوتا أفزعني، فقال لي جبرئيل: أتسمع يا محمّد؟ قلت: نعم، قال: هذه صخرة قذفتها عن شفير جهنّم منذ سبعين عاما، فهذا حين استقرت»(1).
بيدّ ان ما يذهب إليه استاذنا الكبير الإمام الخميني في معنى الحديث: انّ السبعين عاما التي مرّت في حديث رسول اللّه قبل قليل، هي نهاية عمر الإنسان.
و المعنى انّ موقعه في النار، على ضوء ما يفعله في الدنيا. و بهذا الشكل فإنّ الحجر الذي رمي في جهنّم هو كناية عن القلوب المتحجّرة من قسوتها لأمثال هؤلاء، فمع تراكم المعاصي و الذنوب، حجب الغفلة عن اللّه، يقسو القلب و يظلمّ، فيرمى بصاحبه إلى قعر جهنّم(2).
يبدو انّ لجهنّم مراتب كما للجنة مراتبها و درجاتها. بمعنى انّ العذاب يتناسب مع ذنب الإنسان و درجة غفلته عن اللّه سبحانه. و بهذا الشكل تكون جهنّم
1) البحار، ج 8، ص 291. [المترجم]
2) ثمّة حديث نبوي شديد الدلالة على هذا المعنى، فقد روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انّه كان قاعدا مع أصحابه في المسجد، فسمعوا هدّة عظيمة فارتاعوا، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): أتعرفون ما هذه الهدّة؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال: حجر ألقي من أعلى جهنّم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها، فكان وصوله إلى قعرها و سقوطه فيها هذه الهدّة. فما فرغ من كلامه إلاّ و الصراخ في دار منافق من المنافقين قد مات و عمره سبعون سنة فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اللّه أكبر، فعلمت علماء الصحابة أنّ هذا الحجر هو ذاك، و انّه منذ خلقه اللّه يهوي في جهنّم [بأعماله السيّئة في الدنيا] و بلغ عمره سبعين سنة، فلما مات حصل في قعرها. المسند، ج 2، ص 371. و كذا: مسلم، ج 17، ص 178. و ثمّة تعليق دال لصاحب علم اليقين، يراجع في: ج 2، ص 1002. [المترجم]
واحدة، و لكنّها ذات درجات و مراتب متعدّدة(1).
امّا أبواب جهنّم، فهي نفسها مداخل الإنسان إلى المعصية في الدنيا، أي انّ ما تقترفه يداه في هذه الدنيا يعود عليه في الآخرة.
تتحدّث الروايات عن وجود توابيت و بيوت من نار، هي أقرب ما تكون إلى الزنزانات في العرف المعاصر. و في جهنّم واد عميق باسم «ويل»(2).
يقول تعالى: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍاَلَّذِي جَمَعَ مٰالاً وَ عَدَّدَهُ»(3).
و قد روى الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في صفة أهل «ويل» و من ينادون في القيامة بالويل و الثبور، فقال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى، فيقول أهل النار بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء الأربعة قد آذونا على ما بنا من الأذى؟ فرجل معلّق في تابوت من جمر، و رجل يجرّ أمعاؤه، و رجل يسيل فوه قيحا و دما، و رجل يأكل لحمه. و أشدّهم من يأكل أموال الناس و لا يؤدّي لهم حقّهم، و الذي يأكل لحوم الناس بالغيبة و يمشي بين المسلمين بالنميمة؛ يقول الحديث النبوي الشريف في صفة الأوّل: «ما بال الابعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: انّ الابعد قد مات و في عنقه أموال الناس لم يجد لها في نفسه اداء و وفاء» ثم «يقال للذي كان يأكل لحمه: ما بال الابعد قد
1) جاء في الحديث الشريف: «النيران بعضها دون بعض» و في ذلك إشارة إلى درجاتها. البحار، ج 8، ص 314. [المترجم]
2) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «فويل ثم ويل ثم ويل، فسأله علي (عليه السلام): يا رسول اللّه و ما ويل؟ قال: واد في جهنّم أكثر أهله معادوك، و القاتلون لذريّتك، و الناكثون لبيعتك». البحار، ج 8، ص 412. [المترجم]
3) الهمزة: 1-2.
آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إنّ الابعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة و يمشيي بالنميمة»(1).
الخصلاصة التي ننتهي إليها؛ انّ النار مكان مهول و خطير. و كما انّ مظاهر نقمة اللّه و غضبه مهولة و عظيمة، فإنّ النار كذلك، لأنّها في واحدة من معانيها مظهر لغضب اللّه و قهره.
و يكفينا انّ القرآن، وصف العذاب الإلهي بالشدّة، حيث يقول تعالى: «إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ»(2). و كذلك يقول: «أَنَّ عَذٰابِي هُوَ اَلْعَذٰابُ اَلْأَلِيمُ»(3).
لقد حذّر (سبحانه) الناس من عذاب النار و أنذرهم و خوّفهم و أبان لهم مشاهد من عذاب النار و صورا من أهوالها.
و لكنّ المشكلة انّ الإنسان لا يستطيع أن يدرك حقائق الآخرة كالجنّة و النار، و العذاب و النعيم، و انّما يستطيع أن يتصوّر ملامح ذلك العالم.
انّ للجنّة أيضها (كما للنار) مراتب و درجات و طبقات مختلفة. يقول تعالى:
«وَ سِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً حَتّٰى إِذٰا جٰاؤُهٰا وَ فُتِحَتْ أَبْوٰابُهٰا» (4).
1) يلاحظ نصّ الحديث كاملا في: البحار، ج 8، ص 280-281، و الابعد في الحديث، معناه المتباعد عن الخير، أو الهالك أو الخائن. [المترجم]
2) إبراهيم: 7.
3) الحجر: 5.
4) جاء في الخبر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا كان يوم القيامة...؛ و نادى منادمن عند اللّه يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم، يقول: أين أهل الصبر؟ قال: فيقوم عنق من الناس، فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون لهم ما كان صبركم هذا الذي صبرتم؟ فيقولون صبرنا أنفسنا على طاعة اللّه، و صبّرناها عن معصيته. قال: فينادي مناد من عند اللّه: صدق عبادي، خلوا سبيلهم ليدخلوا الجنّة بغير حساب». أمالي الطوسي، ص 3. [المترجم]
فللجنّة أبواب متعدّدة، يفتحها الإنسان بأعماله الصالحة في الدنيا. و لقد جاء في الحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انّ للجنّة أبوابا بعضها يدخل منه الشهداء، و هي خاصّة بهم، و ثمّة باب للصابرين؛ و الصابرون هم الذين صبروا على بلاء الدنيا و محنها و ما فيها من فتن و فقر و مرض و علل و أسقام، و تحمّلوا جميع ذلك في سبيل مرضاة اللّه (سبحانه).
و لعلّ أبرز مصاديق الصبر، الصبر على الطاعة، و الصبر عن المعصية. فهؤلاء هم المعنيون بقوله تعالى: «إِنَّمٰا يُوَفَّى اَلصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ»(1).
انّ الصابرين يلقون في الآخرة أجرا و فيرا حتى ليتمنّون أن تكون أجسادهم قد قرّضت في الدنيا بالمقاريض و صبروا على ذلك، لكي ينالوا جزاء أوفر ممّا نالواه. مصاديق كثيرة، منها ان يصبر الإنسان عندما تقع عيناه على امرأة، فيغضّ الطرف قربة إلى اللّه سبحانه. و من مصاديق الصبر أن يصبر عن الشهوات، و ان لا يستمع إلى استغابة الآخرين، أي لا يحضر مجالس الغيبة، و لا يسعى للجاه و الرئاسة، و إذا فتحت عليه أبواب الرزق فينبغي أن لا يتكسّب إلاّ من الحلال.
و من مصادق الصبر أيضا، السيطرة على النفس الأمّارة.
انّ الذي يتمكّن في حالة أو موقف معيّن أن يسيطر على نفسه، و ينعطف بمسيرة حياته نتيجة تلك الهيمنة على النفس، فسيطوي الطريق نحو اللّه سريعا، إذ ربّما كان صبره هذا معادلا لمائة سنة يمضيها إنسان آخر في طريق المعرفة و السلوك و العبودية للّه.
1) الزمر: 10.
ثمّة باب آخر يدخل منه العباد الصالحون، و هم الراغبون إلى اللّه المستأنسون به، فهؤلاء كانوا يصلّون و يتهجدون و الناس نيام(1).
و ثمّة باب للذين يخدمون الناس، و يسعون في قضاء حوائجهم في الدنيا، و هي باب عظيمة و رفيعة.
ثمّة باب تختصّ بشيعة أهل البيت (عليهم السلام)، و هي باب كثيرة الأزدحام، و منها يدخل الشيعة الذين نالوا شفاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
ثم انّ الذي يسير على نهج الحسين ابن رسول اللّه في هذه الدنيا و يتشبّه بأخلاقه و يقتدي به، ينال شفاعته في الآخرة. و الذين ينالون شفاعة الحسين (صلوات اللّه عليه) كثيرون، لذلك يزدحم هؤلاء عند الباب الخاصّة به (عليه السلام) حتى لتكون هذه الباب أكثر ازدحاما من الأبواب الأخرى، فإذا دخل منها الداخل، وطئت قدماه الجنّة(2).
علينا إذن أن نتوسّل بأهل بيت رسول اللّه (صلوات اللّه عليهم أجمعين)
1) أشار رسول اللّه في حديث أبواب الجنّة إلى هذه الباب بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «فأمّا الباب الأعظم: فيدخل منه العباد الصالحون، و هم أهل الزهد و الورع، الراغبون إلى اللّه عزّ و جلّ و المستأنسون به». امالي الصدوق، ص 213، من علم اليقين، ج 2، ص 1016 [المترجم]
2) في حديث للإمام علي (عليه السلام) عن أبواب الجنّة قال: «إنّ للجنّة ثمانية أبواب...؛ إلى أن قال: و خمسة أبواب يدخل منها شيعتنا و محبّونا. فلا أزال واقفا على الصراط أدعو و أقول: ربّ سلّم شيعتي و محبّيّ و أنصاري و من تولاّني في دار الدنيا». علم اليقين، ج 2، ص 1016. [المترجم]
و خاصّة سيّد الشهداء الحسين (عليه السلام). و علينا أن نحيي مأتمه و نساهم في مجالس عزائه، و نواظب على زيارته، و لا سيما زيارتي «عاشوراء» و «وارث»، و ان نكنّ له الحبّ في القلب، و علينا قبل كلّ ذلك و بعده أن نقتدي بهذا الإمام العظيم في حياتنا و نسترشد به في سلوكنا.
و هو من أبواب الجنّة. فالذنوب مهما كانت كبيرة و عظيمة، فإنّ الإنسان إذا رجع عنها و ندم، و تغيّر داخله، و التزم شرائط التوبة و عمل بها، فإنّ اللّه يغفر له ذنوبه فيدخل الجنّة من باب التوبة.
يقول تعالى: «يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً»(1).
يذهب المذنبون إلى جهنّم إلاّ التائبين الذين عادوا إلى اللّه، فأبدل (سبحانه) سيّئاتهم حسنات، و محا الصحائف السوداء من أعمالهم و أبدلها بصحائف أخرى نقية. و التائبون هم السعداء الذين يجازون في الآخرة بالبشرى و الجنّة.
يقول تعالى: «إِلاّٰ مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ»(2).
تعتبر الجنّة رحمة اللّه، و النار مظهر قهر اللّه و غضبه. لذلك تعدّ الجنّة نعمة عظيمة لا توصف، و لا تستطيع عقولنا أن تدرك كنهها، لأنّ رحمة اللّه مطلقة غير متناهية، و كذلك تكون مظاهر الرحمة مطلقة أيضا و لا متناهية. و عذاب جهنّم هو مظهر للقهر الإلهي، لذلك فهو عظيم، و لا نقوى على إدراكه. فلجهنّم، كما سبق ان أشرنا في الفصل السابق، دركات و طبقات، و انّ المجرمين يردون إلى الدرك أو الطبقة التي تتناسب مع ذنوبهم و معاصيهم، أي انّ شدّة عذاب أهل النار تكون تبعا لأعمالهم أقوالهم، و ما كانوا عليه في الحياة الدنيا.
الذي يتّضح من صريح نص القرآن، انّ نار جهنّم لا تحرق الجلود و الأجسام و حسب، و انّما تحطّم العظام، و تحرق الجسم و الروح معا، و تجعل نفس الإنسان في عذاب أليم.
يقول تعالى: «كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا»(1).
امّا في سورة «الهمزة» فتتحدّث الآيات بوضوح عن سراية النار إلى عظام الإنسان، حيث يقول تعالى: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. اَلَّذِي جَمَعَ مٰالاً وَ عَدَّدَهُ.
يَحْسَبُ أَنَّ مٰالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلاّٰ لَيُنْبَذَنَّ فِي اَلْحُطَمَةِ. وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا اَلْحُطَمَةُ. نٰارُ اَللّٰهِ
1) النساء: 56.
اَلْمُوقَدَةُ. اَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِ» (1).
لقد جاء في معنى «الحطمة» انّه الشيء الذي يهشّم العظام، لذلك فإنّ تعبير «لَيُنْبَذَنَّ فِي اَلْحُطَمَةِ» يدلّ على الرمي في النار بحيث تتكسّر العظام و تتهشّم و تسحق.
يرمى أهل النار بين دركاتها و أطباقها فتحيط بهم من كل ناحية، يقول تعالى:
«إِنَّهٰا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ. فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» (2).
فالنار مسلّطة عليهم، و هي مطبقة؛ أي تطبق أبوابها عليهم، فلا سبيل للخروج منها.
و قد ورد في الدعاء «أم كيف يتقلقل بين أطباقها»(3).
إنّ الإنسان الذي يستمرّ على المعاصي و الذنوب في الدنيا و تترسّخ فيه الذنوب بحيث تتحول إلى ملكات، فانّه يبعد نفسه بنفسه عن اللّه و عن جنانه، و يرضى التثاقل إلى الأرض و الالتصاق بالدنيا. و مثل هذا الإنسان يهيّئ لنفسه من أعماله الدنيوية و جناياته فيها، سلاسله و أغلاله للآخرة. انّه يشدّ نفسه بشكل محكم بالسلاسل و الأغلال. يقول تعالى: «خُذُوهُ فَغُلُّوهُثُمَّ اَلْجَحِيمَ صَلُّوهُثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ»(4).
انّ غرور الإنسان و حسده و تكبّره و غير ذلك ممّا يعيشه في دنياه تتحوّل في
الآخرة إلى سلاسل و أغلال.
يقول تعالى: «إِنّٰا جَعَلْنٰا فِي أَعْنٰاقِهِمْ أَغْلاٰلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقٰانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ»(1).
يصرّح القرآن الكريم في سورة الحاقّة بأنّ «غسلين» هو طعام أهل النار، حيث يقول (تعالى): «وَ لاٰ طَعٰامٌ إِلاّٰ مِنْ غِسْلِينٍ»(2).
أمّا في سورة الواقعة فيقول (تعالى): «لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍفَمٰالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَفَشٰارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْحَمِيمِفَشٰارِبُونَ شُرْبَ اَلْهِيمِ. هٰذٰا نُزُلُهُمْ يَوْمَ اَلدِّينِ»(3).
يشرب أهل النار من فرط عطشهم من «الحميم» تماما مثل البعير العطشان الذي يأتي الماء و لها، و لكنّهم عندما يشربون منه، فستتقطّع أمعاؤهم و تذوب أنفسهم منحرّه و نتنه، ثم تعاد الكرّة عليهم بالشرب مجدّدا، و هكذا يستمرّ عذابهم.
و عطش أهل النار ناشئ من عطش شهواتهم في الحياة الدنيا و نفوسهم للرئاسة و الجاه و الغرور و التعالي. و هو أيضا نتيجة لأعمالهم و ما قاموا به في الدنيا من تتّبع عيوب الناس، و ثلم شخصياتهم و الانتقاص منها.
إنّ الذي يصرّ في حياته على الذنوب، يبتلى في النار بمرض الجوع، و لن يعطى و هؤلاء لا يروى عطشهم في النار و لا تسدّ نهمتهم، و انّما يزدادون عطشا وجوعا.
لقد كانت هذه إشارات طفيفة جدّا لمشاهد من النار، و علينا لتليين قلوبنا و تطويعها أن نتعمّق في دراسة الآيات القرآنية التي تصف النار، و تتحدّث عن مشاهد القيامة و أهوالها و حال أهل النار و ما يؤول إليه مصيرهم.
انّ القلوب لتقسو و يتراكم عليها الرين، فعلى الإنسان الذي يمرّ بمثل هذه الحالة أن يسارع إلى قراءة إحدى السور التي تتحدّث عن النار و أهوالها، و بالذات من سورة الواقعة إلى آخر القرآن، لأنّ السور القصيرة في أواخر القرآن تزخر بالصور و المشاهد المكثّفة من أحوال القيامة(1).
و ينبغي أن تكون القراءة بقلب محزون و بتفكير و تأمّل عميقين، و ان يعيش الإنسان ما يقرأه و يكرّره لكي يبعد أغلفة الحجب و ما ران على قلبه ليعود قلبه ليّنا بعد القسوة و طاهرا نقيّا بعد الاسود. و لنعلم جميعا ان تذكّر الآخرة هو أفضل طريق لزجر النفوس و ردعها و تنقية القلوب من صدئها.
ليس بمقدورنا كما أكّدنا ذلك مرارا أن ندرك حقيقة الجنّة، بل لا نستطيع أن نتصوّرها، و لكن نستطيع من خلال استعراض الآيات القرآنية ان نقف على بعض ملامحها، و ان بدت هذه الملامح ضعيفة و ناقصة.
يقول (تعالى): «فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(2).
1) يصف الإمام علي النار بأسلوبه البليغ المعروف فيقول (عليه السلام) من جملة خبر طويل في وصف النار: «قعرها بعيد، و حرّها شديد، و شرابها صديد، و عذابها جديد، و مقامعها حديد؛ لا يفتر عذابها، و لا يموت ساكنها، دار ليس فيها رحمة، و لا تسمع لأهلها دعوة». أمالي الطوسي، ص 18، و النص نقلناه عن: تسلية الفؤاد في ذكر الموت و المعاد، ص 242. [المترجم]
2) السجدة: 17.
و يقول (تعالى): «وَعَدَ اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا وَ مَسٰاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّٰاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوٰانٌ مِنَ اَللّٰهِ أَكْبَرُ»(1).
ذكرت الآية الكريمة الآنفة ثلاثة صنوف من الجنان هي: الجنّة، و جنّة عدن، و رضوان اللّه.
و لكن علينا أن نعلم انّ هذه الأنواع الثلاثة ليست جنّات مختلفة، و انّما هي مراتب لجنة واحدة. و الاختلاف في مراتب الجنّة، يكون تبعا لاختلاف درجات أهل الجنّة، من حيث مستوى ايمانهم و أعمالهم الصالحة و عقائدهم و غير ذلك.
لذائذ الجنّة على نوعين هما: لذائذ روحية، و لذائذ جسمية. و أحد خصوصيات نعم الجنّة و لذائذها انّ الإنسان لا يملّها و لا يكلّ منها.
و من جملة اللذائذ المادية التي يذكرها القرآن الكريم في آيات مختلفة، هي الفواكه بمختلف أنواعها، و اللحوم و الشراب و الانهار، و الحور.
تشير الآية الكريمة التالية إلى بعض اللذائذ المعنوية، حيث يقول (سبحانه):
«لاٰ يَسْمَعُونَ فِيهٰا لَغْواً وَ لاٰ تَأْثِيماًإِلاّٰ قِيلاً سَلاٰماً سَلاٰماً» (2).
و هذه الآية و نظائرها تشير إلى صنفين من اللّذة هما:
أ: انّ أهل الجنّة لا يسمعون لغو الكلام، و ليس في علاقاتهم مع بعضهم سعي وراء الفتنة، فهم مكرمون قد نزعت منهم الأغلال، و طهروا فلا ذنوب و لا
معاصي، و انّما السلام و التحية المتبادلة هما أساس علاقاتهم، و هم لا يسمعون غير ذلك.
ب: انّ الجنّة مكان لتجلّي الوحدة و الانسجام و النقاء؛ و لتجلّي التوحيد و النور الإلهي أيضا. فهي مقام لا فرقة فيه و لا اختلاف، ذلك انّ الفرقة و الاختلاف من خصائص موطن الكثرة، و لا مكان لها في مقام تجلّي التوحيد.
فالنقص و الفساد و الاختلاف و التضادّ و الموت و ما سواها هي من خصائص موطن الكثرة و عالم الأضداد (أي الدنيا). امّا العالم الأخروي المطبوع بالروحانية و الانسجام و النقاء، فليس ثمّة مكان للفساد و التضاد و الاختلاف و الموت و النقائص الأخرى. و ذلك العالم، هو عالم البقاء و الخلود، و هو مكان لتجلّي النور و وحدة الحقّ تعالى(1).
ثمّة مقطع من سورة يس يكشف عن جانب من جوانب اللّذة المعنوية التي ينعم بها أهل الجنّة، حيث يقول تعالى: «إِنَّ أَصْحٰابَ اَلْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فٰاكِهُونَهُمْ وَ أَزْوٰاجُهُمْ فِي ظِلاٰلٍ عَلَى اَلْأَرٰائِكِ مُتَّكِؤُنَلَهُمْ فِيهٰا فٰاكِهَةٌ وَ لَهُمْ مٰا يَدَّعُونَسَلاٰمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ»(2).
و التلذّذ بثمار الجنّة و الجلوس على الأرائك، حيث تجري من تحتهم الأنهار، هي من اللّذات الجسمية ذات الطابع المادّي. و لكن هناك ما هو أرفع من هذه اللّذة و أسمى؛ هناك لذّة الروح حين يصلها سلام الرّب (جل جلاله).
تحمل ملائكة اللّه من قبله (سبحانه) التحيّات و السلام إلى عباده من أهل الجنّة
و الرضوان. و هذه اللّذة تعدّ ألذّ لذّات الجنّة، حيث لا تناظرها اللّذات الحسّية كالتمتّع بالحور العين و تناول فواكه الجنّة و ثمارها، و مشاهدة آيات الجمال التي وعد بها الرحمن.
من اللّذات التي تأنس بها النفس الإنسانية و التي تنطوي على قيمة رفيعة بالنسبة لأهل الجنّة، هي مشاهدتهم لاشراقات الجلال و تجلّيات أنوار الجمال الإلهي.
لقد كان أئمّة الهدى (عليهم السلام) يمهّدون في حياتهم الدنيا إلى ذلك المقام الاخروي، كما يتّضح من مناجاتهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين) حيث نسمعهم يقولون: «إلهي: و لا تحرمني النظر إلى وجهك».
و قولهم: «إلهي؛ و ألحقني بنور عزّك الأبهج فأكون عارفا».
و قولهم: «إلهي؛ و أنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة و تصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك»(1).
من المظاهر الأخرى للّذائذ المعنوية التي يتنعّم بها أهل الجنّة، ما تحدّثنا به الروايات من انّ اللّه (سبحانه) يبعث إلى أهل الجنّة كتبا، فيها: «من الحيّ الذي لا يموت إلى الحيّ الذي لا يموت».
و هذا المظهر في توجّه اللّه لعباده الصالحين، انّمايكشف عمّا يناله هؤلاء من الرفعة و المقام بحيث يكونون أهلا لمكاتبات ربّ العالمين و مخاطباته، التي تأتيهم
1) مقاطع من المناجاة التي كان يناجي بها الإمام علي (عليه السلام) في شهر شعبان، و التي اشتهرت بعد ذلك بالمناجاة الشعبانية. و قد دأب من ولده على المناجاة بها من بعده. و ينبغي أن لا يفوت المسلم المناجاة بها و لو مرّة واحدة في حياته. يلاحظ: المفاتيح، 156.
و لا شك على قدر درجاتهم و مقاماتهم في الآخرة.
و لا يقوى الإنسان على تصوّر لذّة أعمق من هذه اللّذة المعنوية التي يرفل بها أهل السلام و الرضوان؛ أهل الجنّة!
نستفيد من قوله تعالى: «إِنَّ أَصْحٰابَ اَلْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِي شُغُلٍ...» انّ لكلّ إنسان في القيامة شأنا يعنيه، و مقاما يصل إليه و يتوغّل فيه. و هذا الشأن و المقام يرتبطان بما عمله في الدنيا، و ما قدّم لنفسه من أعمال صالحة، و ما قطعه من شوط على طريق مجاهدة نفسه و الارتقاء في سلّم الرفعة المعنوية.
فالذي عمل و بذل في الدنيا، و صرف همّته في طريق المعرفة و السلوك، فسيكون له في الآخر مقام و شأن عظيم يناسب ما قام به في حياته الدنيا.
و لأنّ السعي و الجهد يتفاوتان في الحياة الدنيا من واحد إلى آخر، لذلك فإنّ شأن أهل الجنّة و مقاماتهم تتفاوت هي الأخرى تبعا لاختلاف درجاتهم و منازلهم، و بما يناسب أعمالهم الصالحة.
و من هنا، يمكننا أن نذكر المستويات التالية التي نستفيدها من آيات الكتاب المبين.
ثمّة من عباد اللّه من يكون شأنهم في الجنّة الانغمار بأنعمها المادّية و لذائذها الحسيّة مثل الأنهار و الأشجار و القصور و الحور العين و غيرها ذلك. و ربّما وصل هؤلاء سلام من ربّ العالمين و تحيّات منه. و هذا بشكل عام شأن عامّة أهل الجنّة، و هو شأن عظيم، يحتاج الإنسان إلى ذوق و معرفة خاصّين لتصوّر لذّاته، مع انّه أدنى رتب الجنّة و أقلّ درجاتها!
هناك فئة أخرى من أهل الجنّة تحتل رتبة أرفع من التي سبقتها، حيث يكون من
شأن أهل هذه الطائفة الانغمار في عالم الوحدة، و يكون شغلهم التهليل و التسبيح و تمجيد الذات الربوبيّة.
يقول تعالى: «وَ قٰالُوا اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنٰا لَغَفُورٌ شَكُورٌ»(1).
و تصف الروايات حال هؤلاء بأنّهم من شدّة انغمارهم بعالم الوحدة لا يلتفتون إلى الحور العين و القصور و أشكال النعم المادّية الأخرى.
هناك طائفة أخرى من أهل الجنّة تأنس بمرافقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أئمّة أهل البيت (عليه السلام) و تكون لذّة هؤلاء مجالسة النبي و أهل بيته.
و ربّما كان هؤلاء أهل جنّات عدن.
يقول تعالى: «وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولٰئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدٰاءِ وَ اَلصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً»(2).
و لا ريب انّ مرافقة النبي و أهل بيته و الاستئناس بهذه الرفقة تعدّ نعمة عظيمة و لذّة رفيعة.
ثمّة صنف آخر من أهل الجنّة يكون لهم مقام أرفع، انّهم في جوار اللّه و رضوانه، و هم في قربه.
انّ نظر اللّه إلى هؤلاء يستوجب حصولهم على «السعة الوجودية»، و عنايته و لطفه بهم يبعث فيهم الفرح و السرور.
يقول تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌإِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ»(3).
فجملة «إِلىٰ رَبِّهٰا» هي جار و مجرور، و يدلّ تقدّمها على الحصر. و المعنى، انّ ثمّة مجموعة من أهل الجنّة ليس لها شأن سوى النظر إلى جلال الحقّ و مشاهدة جماله و الانغمار بأنواره جلّ و علا.
و هؤلاء ينظرون إلى وجه اللّه فقط، و منتهى لذّتهم في الجنّة هي مشاهدة وجهه الكريم.
و عندما نقرأ في الروايات انّ الشهيد ينظر إلى وجه اللّه، فالمراد من ذلك انّ الشهداء هم مصداق قوله تعالى: «يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُاِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةًفَادْخُلِي فِي عِبٰادِيوَ اُدْخُلِي جَنَّتِي»(1).
و قد روي عن رسول اللّه في حديث المعراج أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) سأل ربّه عن المخاطبين ب «المسجونين» من هم؟ فجاء البيان كما في حديث المعراج انّ «المسجونين» هم:؛ الذينسجنوا ألسنتهم من فضول الكلام، و بطونهم من فضول الطعام».
انّ هؤلاء لم يتوغّلوا في حياتهم الدنيا بالمشتهيات المحلّلة، و كانوا يمسكون ألسنتهم عن الكلام الذي لا ينتج لهم ثمرة أخروية، بل و لا ثمرة دنيوية. و كان هؤلاء لا يرتادون المجالس العابثة التي تهدر الوقت، و لم يكونوا ينامون كثيرا، و لا يستريحون دون علّة، بل كانت أعمارهم معمورة بعبادة اللّه و طاعاته، و كانت أوقاتهم مصروفة لطلب العلم و العمل بأحكام الشريعة السمحة.
لم يرتكب هؤلاء حتى المكروهات، بل احترزوا منها و تجنّبوها، و أقاموا حياتهم على أساس من التوازن و الضرورة، فسلكوا الطريق الوسط الذي ينأى عن الافراط و يتجنّب التفريط.
علينا جميعا ن نكثر من تلاوة السور الأخيرة في القرآن، لما تشتمل عليه من
1) الفجر: 26-30.
تركيز على مشاهد القيامة، و وصف الجنّة و النار(1)
بحار الأنوار، الأجزاء: 6-8، و على الأخصّ الجزء الثامن الذي يتحدّث عن الجنّة و النار.
علم اليقين، ج 2، ص 1015-1069، و يتحدّث عن أهل الجنّة و أهل النار.
تسلية الفؤاد في بيان الموت و المعاد، السيّد عبد اللّه شبّر. [المترجم]
. انّ هذه السور تبعث في الإنسان الخوف و الرجاء، و توجد فيه الباعث للسير و السلوك نحو اللّه.علينا أن نتحفظ بداخلنا بحالتي الخوف و الرجاء، فنشك في أنفسنا و نلومها و نزجرها و نخوّفها لما ترتكب من المعاصي و الذنوب، و لكن علينا إلى جانب الخوف أن نعيش الرجاء برحمة اللّه و نحسن الظن به سبحانه.
انّ على الإنسان أن يعي جيّدا، أنّ رحمة اللّه أوسع و أكبر من ذنوب العبد، مهما بلغت هذه الذنوب، ذلك ان رحمته وسعت كلّ شيء، و انّه (سبحانه) يغفر الذنوب جميعا.
تفيد آيات القرآن الكريم انّ أهل الجنّة و أهل النار يرى بعضهم البعض، و يدور حوار بينهم و كلام.
و من جهة ثانية يتحدّث القرآن الكريم عن محادثة أهل الجنّة و أهل النار للّه (سبحانه)، ففيما يلتذّ أهل الجنّة بحديثهم معه (سبحانه)، نجده ينهر أهل النار و يسخط عليهم، و يأتيهم الخطاب الإلهي: «اِخْسَؤُا فِيهٰا وَ لاٰ تُكَلِّمُونِ» و ذلك جوابا على ما كان قد طلبه أهل النار من اللّه سبحانه لإخراجهم من النار، حيث يحكي القرآن ذلك على لسانهم بقوله تعالى: «قٰالُوا رَبَّنٰا غَلَبَتْ عَلَيْنٰا شِقْوَتُنٰا وَ كُنّٰا قَوْماً ضٰالِّينَ. رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا مِنْهٰا فَإِنْ عُدْنٰا فَإِنّٰا ظٰالِمُونَ»(2).
و من مشاهد حوار القيامة التي يتحدّث عنها القرآن، هو مخاطبة الملائكة لأهل الجنّة و أهل النار، حيث نلاحظ التكريم واضح في اسلوب خطابهم لأهل الجنّة، فيما يتحدّثون مع أهل النار بعنف و إهمال. و هو أمر يبعث الألم و الأذى المضاعف في نفوس أهل النار، لأنّهم يتحوّلون في ذلك الموقف إلى هزأة للّه و ملائكته و أهل الجنّة ممّا يضاعف حسرتهم و يزيد تألّمهم.
يقول (تعالى) في سورة الأعراف: «وَ نٰادىٰ أَصْحٰابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحٰابَ اَلنّٰارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنٰا مٰا وَعَدَنٰا رَبُّنٰا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مٰا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قٰالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلظّٰالِمِينَ»(1).
و كذلك قوله (تعالى): «وَ نٰادىٰ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ أَصْحٰابَ اَلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنٰا مِنَ اَلْمٰاءِ أَوْ مِمّٰا رَزَقَكُمُ اَللّٰهُ قٰالُوا إِنَّ اَللّٰهَ حَرَّمَهُمٰا عَلَى اَلْكٰافِرِينَ»(2).
و من المؤكّد أنّ لهذا الجواب وقعه المؤلم في نفوس أهل النار.
من صور الحوار الأخرى، ما يتحدّث عنه القرآن الكريم في قوله (تعالى): «فِي جَنّٰاتٍ يَتَسٰاءَلُونَعَنِ اَلْمُجْرِمِينَمٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَقٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَوَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ اَلْمِسْكِينَوَ كُنّٰا نَخُوضُ مَعَ اَلْخٰائِضِينَ».
ثم يقول القرآن في حال هؤلاء: «فَمٰا تَنْفَعُهُمْ شَفٰاعَةُ اَلشّٰافِعِينَ»(3).
نحمد اللّه سبحانه على ما وفّقنا من إتمام هذا البحث، رغم أنّه كان بحثا عامّا لا يتضمّن سوى إشارات لهذا الموضوع، و لكن كلّنا أمل أن ينفع اللّه به إخواننا، و أن يكون أداء لقليل من حقّهم الكريم الذي علينا.
و صلّى اللّه على نبيّنا محمّد و على آله الطيّبين الطاهرين، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.