الهادی الى أحکام القضاء و الشهادات جلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

عنوان كتاب

الهادي الى أحكام القضاء و الشهادات

الجزء الثاني

شرح شرائع الاسلام

للمحقّق الحلّي رحمه الله

المجلّد الثامن و العشرون

لمولّفه المحقّق و الفقيه المدقّق سماحة آية اللّه

سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني الشيرازي

سرشناسه : دستغیب حسینی شیرازی، سیدعلی‌محمد، 1313 -

عنوان قراردادی : شرایع‌الاسلام فی مسائل‌الحلال والحرام .برگزیده .شرح

عنوان و نام پديدآور : الهادی الی احکام‌القضاء والشهادات: شرح شرائع‌الاسلام لمحقق‌الحلی رحمه‌الله‌المجلد‌الثامن والعشرون [کتاب]/ لمولف علی‌محمد دستغیب‌الحسینی‌الشیرازی.

مشخصات نشر : قم: موسسه‌الفلاح للنشر، 1431 ق.= 1388 -

مشخصات ظاهری : ج.

شابک : 57000 ریال: ج.1‌978-600-5645-22-4 : ؛ 57000 ریال: ج. 2‌978-600-5645-25-5 :

يادداشت : عربی.

يادداشت : این کتاب شرح و برگزیده کتاب "شرائع‌الاسلام فی‌المسائل‌الحلال والحرام" تالیف محقق حلی است.

يادداشت : ج. 2 (چاپ اول: 1431 ق.= 1388).

يادداشت : عنوان عطف: الهادی.

یادداشت : کتابنامه.

عنوان عطف : الهادی.

موضوع : محقق حلی، جعفربن حسن، 602 - 676ق . شرایع‌الاسلام فی مسائل‌الحلال والحرام -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 7ق.

موضوع : قضاوت (فقه)

شناسه افزوده : محقق حلی، جعفربن‌حسن، 602 - 676ق. شرایع‌الاسلام فی مسائل‌الحلال والحرام. برگزیده. شرح

رده بندی کنگره : BP182/م3ش40234 1300ی

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : 2645529

محرر رقمي: روح اله قاسمي

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحیم

عنوان كتاب

الهادي الى أحكام القضاء و الشهادات

الجزء الثاني

شرح شرائع الاسلام

للمحقّق الحلّي رحمه الله

المجلّد الثامن و العشرون

لمولّفه المحقّق و الفقيه المدقّق سماحة آية اللّه

سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني الشيرازي

الفهرس

النظر الرابع في أحكام الدعوى / 13

الفصل الأوّل في المدّعي / 15

في شرائط المدّعي ... 17

في لزوم كون الدعوى صحيحة لازمة ... 24

فيما لو ادّعى المنكر فسق الحاكم أو الشهود ... 26

فيما لو التمس المنكر يمين المدّعي منضمّة الى الشهادة ... 28

في الالزام بالجواب عن دعوى الاقرار ... 29

في أنّ صحّة الدعوى لاتفتقر الى الكشف ... 31

الفصل الثاني في التوصّل الى الحقّ / 35

فيما لو كانت الدعوى عينا في يد انسان ... 35

فيما لو كان المال وديعة عنده ... 39

فيما لو كان المال من غير جنس الموجود ... 41

فيمن ادّعى ما لا يد لأحد عليه ... 43

فيما لو انكسرت سفينة في البحر ... 45

المقصد الأوّل في الاختلاف في دعوى الأملاك / 49

فيما لو تنازعا عينا في يدهما ... 49

في تحقّق التعارض في الشهادة مع تحقّق التضادّ ... 53

في تحقّق التعارض بين الشاهدين و الشاهد و المرأتين ... 63

في مرجّحات البيّنات ... 68

فيما لو ادّعى شيئا فقال المدّعى عليه: هو لفلان ... 72

فيما لو ادّعى أنّه آجره الدابّة و ادّعى آخر أنّه أودعه ايّاها ... 75

فيما لو ادّعى دارا في يد انسان و أقام بيّنة أنّها كانت في يده أمس أو منذ شهر ... 76

المقصد الثاني في الاختلاف في العقود / 79

فيما اذا اتّفقا على استئجار دار معيّنة شهرا معيّنا و اختلفا في الأجرة ... 79

فيما لو ادّعى استئجار دار فقال المؤجر: بل آجرتك بيتا منها ... 82

فيما لو ادّعى كلّ منهما أنّه اشترى دارا معيّنة و أقبض الثمن و هي في يد البائع ... 83

فيما لو ادّعى اثنان أنّ ثالثا اشترى من كلّ منهما هذا المبيع ... 87

في تناقض الشهادة بملك الدابّة مع سنّها ... 90

فيما اذا ادّعى دابّة في يد زيد و أقام بيّنة أنّه اشتراها من عمرو ... 91

فيما اذا كان الصغير المجهول النسب في يد واحد ... 92

فيما لو ادّعى كلّ واحد منهما أنّ الذبيحة له ... 93

فيما لو أقام من يؤخذ منه المال بيّنة على أنّه له ... 94

فيما لو ادّعى دارا في يد زيد و ادّعى عمرو نصفها ... 95

فيما اذا تداعى الزوجان متاع البيت ... 101

تتمّة في ذكر بعض المسائل المرتبطة ... 107

المقصد الثالث في دعوى المواريث / 113

فيما لو مات المسلم عن ابنين فاختلفا في اسلام أحدهما قبل موت الأب ... 113

فيما لو ادّعى دارا في يد انسان أنّها له و لأخيه الغائب ارثا عن أبيهما ... 119

فيما اذا ماتت امرأة و ابنها فاختلف الزوج و أخو المرأة في ترتيب موتهما ... 123

فيما لو اختلف الزوجان في أمة أنّها ميراث أو صداق ... 125

المقصد الرابع في الاختلاف في الولد / 127

كتاب الشهادات / 135

المقدّمة ... 137

الطرف الأوّل في صفات الشهود / 141

«الأوّل»: البلوغ ... 141

«الثاني»: كمال العقل ... 148

«الثالث»: الايمان ... 149

في شهادة الذمّي ... 158

الفرع الأوّل في شهادة الذمّي على الوصاية ... 162

الفرع الثاني في شهادة الحربي ... 163

الفرع الثالث في قيد أرض الغربة ... 164

الفرع الرابع في شهادة الذمّي الواحد مع المؤمن أو المسلم ... 165

الفرع الخامس في كيفيّة احلاف الذمّي ... 166

في طرق ثبوت الايمان ... 167

في شهادة الذمّي على الذمّي ... 168

«الرابع»: العدالة ... 169

في المروءة ... 174

في شهادة المخالف في شيء من أصول العقائد ... 179

في شهادة القاذف ... 180

في اللعب بآلات القمار ... 183

في شهادة شارب المسكر ... 193

في فاعل مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب ... 196

تتمّة فيما استثناه المشهور من حرمة الغناء ... 202

في الشعر ... 204

«الخامس»: ارتفاع التهمة ... 209

في شهادة من يجرّ بشهادته نفعا ... 209

في أنّ العداوة الدينيّة لاتمنع القبول ... 215

في أنّ النسب و ان قرب لايمنع قبول الشهادة ... 218

الفرع الأوّل في شهادة الولد على والده ... 219

الفرع الثاني في شهادة كلّ من الزوجين للآخر ... 222

في شهادة السائل في كفّه ... 225

فرع في حكم السؤال من غير حاجة ... 228

في شهادة الأجير و الضيف ... 229

في لواحق التهمة ... 232

في قبول شهادة من لم يستكمل الشرائط بعد استكمالها ... 232

الفرع الأوّل فيما اذا زال المانع عن الصغير و الكافر و الفاسق المعلن فشهدوا ... 232

الفرع الثاني فيما اذا شهد أحدهم فردّت شهادته ثمّ أعادها بعد زوال المانع ... 234

الفرع الثالث في الفاسق المستتر ... 234

في شهادة المملوك ... 236

في أنّه اذا سمع الاقرار صار شاهدا ... 238

في التبرّع قبل الشهادة ... 241

فيما اذا تاب المشهور بالفسق لتقبل شهادته ... 245

فيما اذا حكم الحاكم ثمّ تبيّن في الشهود ما يمنع القبول ... 247

«السادس»: طهارة المولد ... 248

الطرف الثاني فيما يصير به الشاهد شاهدا / 253

فيما يكفي فيه السماع ... 255

في أنّ الشاهد بالاستفاضة لايشهد بالسبب ... 262

فيما اذا شهد بالملك مستندا الى الاستفاضة ... 263

في أنّ المتصرّف يشهد له بالملك المطلق ... 264

فرع في الشهادة بمضمون الكتابة ... 266

في ثبوت الوقف و النكاح بالاستفاضة ... 268

في شهادة الأخرس ... 270

فيما يفتقر الى السماع و المشاهدة ... 271

الطرف الثالث في أقسام الحقوق / 273

فيما يثبت به الزنا ... 276

فيما يثبت بشاهدين ... 280

فيما لايثبت الاّ بشاهدين ... 281

فيما يثبت بشاهدين و شاهد و امرأتين و شاهد و يمين ... 285

فيما يثبت بالرجال و النساء منفردات و منضمّات ... 290

الفرع الأوّل في ثبوت الدية بشهادة النساء ... 296

الفرع الثاني في شهادة المرأة في غير ما ذكر قبولها فيه ... 299

فيما يشترط فيه الشهادة من العقود ... 301

فرع في الاشهاد في غير الطلاق و الظهار ... 302

في أنّ حكم الحاكم تبع للشهادة ... 305

فيما اذا دعي من له أهليّة التحمّل ... 306

الطرف الرابع في الشهادة على الشهادة / 313

في موارد قبول الشهادة على الشهادة ... 313

في محلّها ... 315

في عدد الشهود المعتبرة فيها ... 317

في كيفيّة التحمّل ... 319

في شروط الحكم بها ... 321

الفرع الأوّل فيما يتحقّق به العذر ... 325

الفرع الثاني فيما لو أنكر شاهد الأصل شهادة الفرع ... 325

الفرع الثالث فيما لو تغيّرت حال الأصل بفسق أو كفر ... 328

الفرع الرابع في شهادة النساء على الشهادة ... 329

فيما لو سمّى الفرعان الأصل و لم يعدّلاه ... 331

فيما لو أقرّ باللواط أو بالزنا بالعمّة أو الخالة أو بوطي البهيمة ... 332

الطرف الخامس في اللواحق / 333

في اشتراط توارد الشاهدين على الشيء الواحد ... 333

فيما لو اختلف زمان متعلّق الشهادتين ... 334

فيما لو اختلف متعلّق الشهادتين ... 335

الفرع الأوّل في تغاير شهادة الشاهدين ... 335

الفرع الثاني في اختلاف شهادة البيّنتين ... 336

فيما لو شهدا بعقد و اختلفا في الثمن أو المبيع أو غير ذلك ... 337

في الطوارئ ... 340

فيما لو شهدا و لم يحكم بهما فماتا ... 340

فيما لو شهدا ثمّ فسقا ... 341

فيما لو شهدا لمن يرثانه فمات قبل الحكم ... 343

فيما لو رجعا عن الشهادة ... 344

فرع في توابع الحدود و غيرها ... 350

في الرجوع بعد الاستيفاء لو كان المشهود به قتلاً أو جرحا ... 353

فيما اذا ثبت أنّهم شهدوا بالزور ... 357

فيما اذا شهدا بالطلاق ثمّ رجعا ... 360

الفرع الأوّل فيما لو شهدا على طلاق بائن ... 361

الفرع الثاني فيما اذا شهدا بالطلاق فتزوّجت المرأة ... 361

في مقدار ضمان كلّ منهم اذا رجعوا أو رجع واحد منهم ... 365

فيما لو كان الشهود ثلاثة و رجعوا أو رجع واحد منهم ... 368

فيما لو قامت بيّنة بالجرح بعد الحكم ... 369

فيما اذا شهد شاهدان بالوصيّة و شهد عدلان من الورثة أنّه رجع عن ذلك ... 371

فيما اذا شهد شاهدان لزيد بالوصيّة و شهد شاهد بالرجوع ... 372

فيما لو أوصى بوصيّتين منفردتين فشهد آخران أنّه رجع عن احداهما ... 372

كتاب القضاء و الشهادات

«الجزء الثاني»

النظر الرابع: في أحكام الدعوى

و يستدعي بيان مقدّمة و مقاصد:

أمّا المقدّمة فتشتمل على فصلين:

الفصل الأوّل: في المدّعي

الفصل الثاني: في التوصّل الى الحقّ

و أمّا المقاصد فأربعة:

المقصد الأوّل: في الاختلاف في دعوى الأملاك

المقصد الثاني: في الاختلاف في العقود

المقصد الثالث: في دعوى المواريث

المقصد الرابع: في الاختلاف في الولد

النظر الرابع: في أحكام الدعوى

الفصل الأوّل : في المدّعي

إشارة:

و هو الذي يترك لو ترك الخصومة. و قيل: هو الذي يدّعي خلاف الأصل أو أمرا خفيّا. و كيف عرّفناه فالمنكر في مقابله.

قال في المسالك: «قد اختلف الفقهاء في حدّ المدّعي على أقوال:

الأوّل: هو الذي يترك لو ترك الخصومة.

الثاني: الذي يدّعي خلاف الأصل.

الثالث: هو الذي يذكر أمرا خفيّا يخالف الظاهر، و المدّعى عليه خلاف ذلك. فاذا ادّعى زيد دينا في ذمّة عمرو أو عينا في يده فأنكر فزيد هو الذي لو ترك الخصومة ترك، و هو الذي يذكر خلاف الأصل؛ لأنّ الأصل براءة ذمّة المنكر من الدين و فراغ يده من حقّ الغير و هو الذي يذكر أمرا خفيّا خلاف الظاهر؛ لأنّ الظاهر براءة ذمّة عمرو و فراغ يده من حقّ الغير. و عمرو هو الذي لايترك مع سكوته و يوافق قوله الأصل و الظاهر. فزيد مدّعٍ على جميع التعريفات و عمرو مدّعى عليه. و لايختلف موجبها في الأغلب و قد يختلف كما اذا أسلم الزوجان قبل المسيس و اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معا و النكاح باقٍ بيننا، و قالت المرأة:

بل على التعاقب و لا نكاح بيننا. فعلى القول الأوّل فالمرأة مدّعية و الزوج مدّعى عليه، و على الثاني فالمرأة مدّعية؛ لأنّ الأصل عدم تقدّم أحدهما على الآخر. و على الثالث فالزوج هو المدّعي؛ لأنّ التساوي أمر خفي خلاف الظاهر و المرأة مدّعى عليها. انتهى ملخّصا».(1)

و في الجواهر: «المرجع في حدّ المدّعي و المنكر العرف على حسب غيرهما من الألفاظ التي لم تثبت لها حقيقة شرعيّة و لا قرينة على ارادة معنى مجازي خاصّ. و لعلّه لذا اقتصر في الصحاح على قوله: «ادّعيت على فلان كذا، و الاسم الدعوى». و حينئذ فالواقع من المصنّف و غيره - بل قيل: انّه المشهور - من تفسيره بأنّه «هو الذي يترك لو ترك الخصومة» أي سكت عنه لو سكت عنها، لايراد منه الاّ الاشارة الى تميّز معناه العرفي في الجملة، نحو التعاريف اللفظيّة. و ليس شيء منها منطبقا على معنى المدّعي الذي قد عرفت، و انّما المراد بذلك التمييز بذكر شيء من خواصّه اللازمة أو الغالبة و ان خرجت عن مفهومه. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

ما ذهب اليه صاحب الجواهر و غيره هو الأصحّ، فانّ الموضوعات التي لم يبيّنها الشارع فالمرجع فيها هو العرف و ينكشف أنّ الشارع أحال تعريفه الى العرف و كأنّ من عرّف المدّعي و المنكر بأحد التعاريف المذكورة فقد أخذه من العرف، و الشاهد على ذلك انطباق جميع التعاريف على الذي يصدق عليه في العرف أنّه هو المدّعي.

و أمّا فيما اذا اختلف موجب التعاريف كما في المثال المتقدّم عن المسالك في الزوج الذي ادّعى أنّهما أسلما معا و الزوجة التي ادّعت اسلام هما على


1) - مسالك الأفهام 14: 59 و 60.

2) - جواهر الكلام 40: 371 - 373.

التعاقب فما هو المتفاهم من العرف أنّ الزوجة هي المدّعية و الزوج هو المدّعى عليه فقول الزوج مطابق للأصل و الظاهر عرفا، و أنّ الزوجة لو تركت دعواها تركت.

في شرائط المدّعي

و يشترط البلوغ و العقل و أن يدّعي لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه، ما يصحّ منه تملّكه، فهذه قيود أربعة. فلاتسمع دعوى الصغير و لا المجنون و لا دعواه مالاً لغيره الاّ أن يكون وكيلاً أو وصيّا أو وليّا أو حاكما أو أمينا لحاكم، و لاتسمع دعوى المسلم خمرا أو خنزيرا.

قال في الجواهر: «فلاتسمع دعوى الصغير و لا المجنون، بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل هو اجماع مضافا الى انسياق غيرهما من الأدلّة، بل الدعوى أيضا انشاء يترتّب عليه أحكام و عبارته مسلوبة عنه كغيرها من الانشاءات؛ لاتّفاق النصّ و الفتوى على أنّه لايجوز أمره حتّى يبلغ، و لا دعواه مالاً لغيره الاّ أن يكون وكيلاً أو وصيّا أو وليّا كالأب و الجدّ، أو حاكما أو أمينا لحاكم، بلا خلاف أجده في حكم المستثنى منه؛ لأصالة عدم وجوب الجواب لغيرهم ممّن لا حقّ له لكن قد يشكل بالمرتهن و الودعي و المستعير و الملتقط و نحوهم، فانّ التزام عدم سماع دعواهم على وجه لاتقبل منهم البيّنة على من غصب منهم ذلك مثلاً كما ترى، و لايندرج أحد منهم في أحد هؤلاء.

اللّهمّ الاّ أن يدّعى اندراجهم في الولي في المتن بدعوى عموم الولاية لمثل ذلك.

لكن فيه: انّ غير المصنّف قد صرّح بارادة الأب و الجدّ من الولي أو يقال: انّ المراد نفي سماع دعوى المال لغيرهم، لا نفي سماعها من حيث حقّ العارية و الرهانة مثلاً، كما أنّه قد يشكل أيضا بدعوى المحتسبين أموال الأطفال و المجانين مثلاً، فانّ عدم سماع دعواهم مشكل و اندراجهم في أحد هؤلاء أشكل، اللّهمّ الاّ

أن يتوكّلوا من الولي الذي هو غير عالم بالحال، و مع فرض عدم وجوده يكون المحتسب وليّا.

و لا في حكم المستثنى و ان قال بعض مشايخنا: «لايحلّف الولي و لايحلف؛ اذ لا فائدة للمولّى عليه في ذلك، اذ لعلّه اذا بلغ صالح». و فيه: انّ عموم الولاية يقتضي أنّ له التحليف الذي هو حقّ من حقوقه فله استيفاؤه، على أنّه قد تقتضي المصلحة ذلك أيضا. و كذا لاتسمع دعوى المسلم خمرا أو خنزيرا و نحوهما ممّا لايصحّ تملّكه له. نعم، لابأس بدعوى استحقاق ثمنها حال عدم الاسلام ».(1)

أقول:

أمّا العقل فلا اشكال في اعتباره في المدّعي و ذلك لأنّ المجنون لا اعتبار بكلامه و حركاته، فانّ كلامه ككلام الهازل فلاتشمله عمومات القضاء.

و أمّا البلوغ فقال في تكملة العروة: «يشترط في سماع دعوى المدّعي أن يكون كاملاً بالبلوغ و العقل فلاتسمع الدعوى من المجنون و غير البالغ و ان كان مميّزا مراهقا بلا خلاف.

الى أن قال: هذا ولكنّ القدر المتيقّن من الاجماع و غيره عدم سماع دعوى الصبي فيما يوجب تصرّفا في مال أو غيره ممّا هو ممنوع منه، و الاّ فمقتضى عمومات وجوب الحكم بالعدل و القسط و نحوهما سماعها في غير التصرّفات الممنوعة كما اذا ادّعى على شخص أنّه جنى عليه أو سلبه ثوبه أو أخذ منه ما في يده، بل لو ادّعى أنّه غصب دابّته أو نحو ذلك و أتى بشهود على مدّعاه، فلا دليل على عدم سماع دعواه خصوصا اذا كان الخصم ممّن يخاف منه الفرار أو كان من المسافرين».(2)


1) - جواهر الكلام 40: 376 و 377.

2) - تكملة العروة الوثقى 2: 36.

و قال الامام الخميني رحمه الله: «يشترط في سماع دعوى المدّعي البلوغ فلاتسمع من الطفل و لو كان مراهقا. نعم، لو رفع الطفل المميّز ظلامته الى القاضي فان كان له ولي أحضره لطرح الدعوى، و الاّ فأحضر المدّعى عليه ولاية أو نصب قيّما أو وكّل وكيلاً في الدعوى أو تكفّل بنفسه أو أحلف المنكر و لم تكن له بيّنة، و لو ردّ الحلف فلا أثر لحلف الصغير و لو علم الوكيل أو الولي صحّة دعواه جاز لهما الحلف. انتهى ملخّصا».(1)

و في مباني تكملة المنهاج: «و أمّا الصبي ففيه تفصيل: فانّ سماع الدعوى من المدّعي و تصدّي القضاء ان كان لأجل فصل الخصومة بين المترافعين فلا ريب في أنّ ذلك لايتحقّق في دعوى الصبي؛ اذ لا عبرة باعترافه كما أنّه ليس له احلاف المنكر؛ اذ لا أثر لحلفه باحلافه كما أنّه لا أثر لحلف الصبي اذا ردّ عليه الحلف.

و أمّا اذا كان لغير ذلك فقد يكون ولي الصبي قادرا على اقامة الدعوى باقامة البيّنة أو احلاف المنكر أو بحلفه اذا ردّ عليه، ففي مثل ذلك لايجب على الحاكم التصدّي للقضاء؛ لعدم الدليل عليه و يكفي في عدم سماع دعوى الصبي عدم الدليل على وجوب ذلك. و أمّا اذا لم يكن الولي متمكّنا من اقامة البيّنة كما اذا ادّعى الصبي أنّ زيدا فقأ عينيه أو احداهما و لايعلم الولي به، ففي مثل ذلك لايبعد وجوب السماع حفظا للنظام، فان أمكن الصبي اقامة البيّنة فعلى الحاكم أن يحكم له و الاّ سقطت الدعوى اذ ليس للصبي احلاف المنكر و ليس لوليّه ذلك لما تقدّم من اعتبار الجزم في المدّعي، فتؤجّل الدعوى الى أن يبلغ».(2)

فالمتحصّل أنّه اذا ادّعى الصبي عند الحاكم ظلامة فان كان له ولي أحضره، فان علم الولي بالظلم الواقع عليه يحكم له بما يقتضيه كما مرّ، و ان لم يكن له ولي أو كان و لم يعلم بالدعوى فان كان للصبي بيّنة فيحكم على ما شهدت، و ان


1) - تحرير الوسيلة 2: 410 و 411.

2) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 51 و 52.

لم تكن له بيّنة فالحاكم بولايته يحلّف المدّعى عليه فان نكل - و قضينا بالنكول - حكم للصبي عليه و ان ردّ فيوكّل القاضي من يعلم بالواقعة حتّى يحلف عن الصبي و ان كان الأظهر صحّة حلف الصبي لنفسه.

هذا في دعواه الظلامة، ولكن قد تقدّم منّا عدم اشتراط البلوغ في مواضع مختلفة من أبواب الفقه التي حكموا فيها باشتراطه و على هذا فلا فرق فيما نحن فيه أيضا بين دعوى الظلامة و غيرها و ذلك لشمول عمومات الحكم و القضاء و رفع الخصومة لدعوى الصبي أيضا و عدم الدليل على اخراج دعواه أو الفرق بين دعوى الظلامة و دعوى غيرها، الاّ ما يظهر من صاحب الجواهر و سيأتي الجواب عنه.

نعم، انّ تصرّفه في المال الكثير كبيع الدور و العقار لاينفذ الاّ باذن وليّه و كذا دعواه في ذلك.

و أمّا استدلال صاحب الجواهر لعدم سماع دعوى الصبي أوّلاً بعدم الخلاف.

و ثانيا بانسياق غير الصبي من العمومات.

و ثالثا بأنّ الدعوى انشاء يترتّب عليها أحكام و هو رهن كون عبارته معتبرة غير مسلوبة.

و رابعا بتضافر الفتوى على أنّه لايجوز أمره حتّى يبلغ.

ففيه: انّ الأوّل لايكون حجّة الاّ اذا انكشف منه رأي الامام عليه السلام و لم يكن هناك مدرك لاتّفاق المجمعين.

و أنّ الثاني دعوىً بلا دليل، فانّ الصبي اذا راجع الحاكم في ادّعاء الظلامة فيشمله عمومات القضاء و الحكم بالعدل و القسط من الكتاب و السنّة.

و أمّا الثالث ففيه: أنّ عبارة الصبي المميّز في الانشاء غير مسلوبة على الاطلاق، مضافا الى أنّ في كون طرح الظلامة من مصاديق الانشاء تأمّلاً.

و أمّا الرابع ففيه: انّ معنى «لايجوز أمره حتّى يبلغ» هو عدم اجراء الحدّ عليه

لو فعل ما يوجبه و عدم نفوذ تصرّفه في المال اذا كان كثيرا كبيع الدور و العقار و شرائها. و أمّا اذا تعلّقت دعواه بقذف أو جناية عليه أو نكاح أنكحه وليّه أو طلاق طلّق عنه وليّه و أمثال ذلك، فتسمع.

ثمّ انّه قد نسب الى المحقّق الأردبيلي و جماعة اعتبار الرشد في المدّعي أيضا.

ففي مباني تكملة المنهاج: «ولكنّ الأظهر عدم اعتباره، فانّ الدليل قد دلّ على حجر السفيه في تصرّفاته الماليّة، فان كان مورد الدعوى هو التصرّف المالي فلا شكّ في اعتبار الرشد في المدّعي، فانّ السفيه ممنوع من التصرّف فلا أثر لدعواه. و أمّا اذا كان متعلّق الدعوى أمرا آخر غير مربوط بالتصرّف المالي كدعوى القتل أو الجرح أو الغصب أو ما شاكل ذلك فلا دليل على اعتبار الرشد في مدّعيها، فتسمع الدعوى من السفيه كما تسمع من غيره».(1)

أقول:

الظاهر عدم اعتبار الرشد في المدّعي مطلقا سواء في الدعوى المتعلّقة بالمال أو غيرها، فانّ الدليل دلّ على حجر السفيه في التصرّف المالي و الدعوى لاتعدّ تصرّفا في المال، فاذا ادّعى المال الذي في يد شخص، و أقام على ما ادّعاه بيّنة فتسمع منه ولكن لايردّ المال اليه و يردّ الى وليّه و لايعدّ هذا تصرّفا في المال، و كذا اذا تعلّقت دعواه بأمر غير مالي كدعوى القتل أو الجرح أو الغصب أو غير ذلك.

و من جملة الشرائط التي عنونها المصنّف رحمه الله «أن لايدّعي مالاً لغيره الاّ أن يكون وكيلاً أو وصيّا أو وليّا أو حاكما أو أمينا لحاكم».

و قد تقدّم كلام صاحب الجواهر رحمه الله في ذلك.


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 52.

و قال في المستند في عداد شرائط المدّعي: «و أن يدّعي لنفسه أو لمن له الولاية عليه أبوّة أو حكومة أو قيمومة أو وصاية أو وكالة، بالاجماع مطلقا اثباتا و في الجملة نفيا. و قد يزاد دليلاً للنفي أنّ المدّعي من يطالب بحقّ مالي أو غيره، و لا حقّ لغير من ذكر و حقّ الغير ليس له مطالبته. و في كون المدّعي من ذكر مطلقا و عدم جواز مطالبة حقّ الغير كذلك و لو بمجرّد اثباته نظر. و قد يزاد أيضا الأصل، فانّ الأصل عدم وجوب سماع و عدم جواز اجبار الغريم على الجواب و عدم ترتّب سائر آثار الحكم.

و فيه: انّه حسن لولا عمومات الحكم نحو قوله سبحانه: «و أن احكم بينهم بما أنزل اللّه» و «لتحكم بين الناس بما أراك اللّه» و «فاحكم بينهم بما أنزل اللّه»، و قد أنزل سبحانه و أراه أنّ البيّنة على المدّعي، و الأصل عدم نزول غيره من ردّ الدعوى و عدم سماعها. و مقتضى الأمر بالمحاكمة بينهم هو التحاكم و رفع النزاع مطلقا فالمناط في جانب النفي هو الاجماع، فيقتصر فيه على الثابت فيه الاجماع، و هو المدّعي عن الغير بلا ولاية و لا وكالة و لا اذن صريح أو بالفحوى أو شاهد الحال، فلو ادّعى بأحد هذه الوجوه تسمع الدعوى و يحكم بما تقتضيه الشريعة.

و أمّا ما على الحاكم بعد السماع و ما يجوز للمدّعي بعد الدعوى فهو أمر آخر، اذ تختلف آثار الدعوى في الموارد فانّه ليس على الوكيل و الوصي الحلف و لا ردّ اليمين بدون التوكيل فيه للوكيل أو المصلحة للولي و لاينفذ اقرار الوكيل و لايجوز له الأخذ بدون التوكيل فيه.

و الحاصل أنّ المراد هنا بيان شرائط صحّة الدعوى و سماعها، و أمّا لوازمها و آثارها فيذكر كلّ منهما في موضعه. - الى أن قال: - و بما ذكرنا - من الاكتفاء بشاهد الحال - يصحّ سماع دعوى الأمين الذي بيده مال الغير و لايمكنه اثبات وكالته في الدعوى، مع ايجاب تأخيرها ضياع حقّ مالكه مع أنّ في مثله حقّا للأمين أيضا و

هو أنّه لولا الادّعاء للزم التفريط المستلزم للضمان بل له حقّ الأخذ منه.

و كذا يصحّ سماع دعوى مثل الجار الذي ادّعى لجاره الغير الحاضر على شخص بأنّه سرق مال جاره و يريد الفرار. و دعوى ردّ صديقه الغائب الدين الذي يدّعيه الدائن عند الحاكم ليأخذ من ماله أو ايفاء الميّت - الذي له صغار - دينا يدّعيه عليه غيره، و يعلمه شخص آخر و يعلم شهوده عليه، هذا اذا كانت الدعوى بشاهد الحال بقصد كونه من جانب المالك، و الاّ فقد يدخل في باب الشهادة».(1)

أقول:

ما أتى به من النقض و الابرام في هذه المسألة الى أن يتجلّى الحقّ - و هو سماع الدعوى اذا كانت الدعوى متعلّقة بأيّ وجه بالمدّعي و ان لم يكن المال ماله و لم يكن وصيّا و لا وكيلاً و لا حاكما و لا أمينا له - و ما هو وظيفة الحاكم في سماع دعوى من يدّعي حقّا لغيره مع ملاحظة الاجماع المدّعى في شرط سماع دعوى المدّعي حسن وجيه، و ان كان في مواضع من كلامه نظر يظهر ممّا تقدّم منّا في الفرع الأوّل من مسائل ردّ اليمين حيث قلنا هناك بجواز حلف الوصي و الوكيل و غيرهما اذا علما بالحقّ و تقدّم منّا في ذلك المقام ما يفيد لما هنا فراجع.

بقي من الشرائط المذكورة رابعها و هو «أن يدّعي ما يصحّ منه تملّكه، فلايصحّ أن يدّعي المسلم خمرا أو خنزيرا» اذ لايترتّب عليه أثر بعد ثبوت الدعوى، فانّ المسلم لايملك خمرا و لا خنزيرا و لا شيئا من الأعيان النجسة. نعم، لو ادّعى أنّ له حقّ اختصاص فيهما و في مثلهما و أنّ له حقّ استيفاء منفعة محلّلة منها مثل أن يستعمل الخنزير للسقي مكان البقر و الناضح أو أن يستفيد من جلده و شعره في الاستقاء و كذا اذا استفيد من الخمر للتخليل، و في كلّ ما يمكن أن يستفاد منهما و من أمثالهما في المنافع المحلّلة المقصودة، فلا دليل على عدم سماع


1) - مستند الشيعة 17: 146 - 148.

دعواه في هذه الموارد؛ اذ لا محذور فيه يمنع من دخولها تحت عمومات التحاكم عند القاضي و وجوب الحكم منه.

و مثل الأعيان النجسة و سماع الدعوى فيها سماع دعوى ملكيّة حشرات الأرض بالحيازة للمنفعة المقصودة كما اذا ادّعى على شخص أنّه أتلف حيّاته و عقاربه و خنافسه التي حفظها للتداوي و نحوه من المنافع.

و لا بدّ من كون الدعوى صحيحة لازمة، فلو ادّعى هبة لم تسمع حتّى يدّعي الاقباض و كذا لو ادّعى رهنا.

قد ذكر رحمه الله شرطين آخرين لكون الدعوى مسموعة:

في لزوم كون الدعوى صحيحة لازمة

أحدهما: أن تكون الدعوى صحيحة و أن يكون ما يدّعيه ممكنا فلا عبرة بالدعوى المحالة عقلاً أو عادة أو شرعا.

فالدعوى المحالة عقلاً كادّعاء أنّ فلانا ولده و الحال أنّه أكبر منه، و المحال الشرعي كدعوى زوجيّته للأختين معا، و المحال العادي كدعوى أنّه ولده مع أنّ التفاوت بينهما في السنّ لايتعدّى عن عشر سنوات مثلاً.

و الدليل على هذا الشرط لغويّة سماع الدعوى المحالة عقلاً، و عدم شمول الأدلّة للآخرين.

و فيه: انّه لو ترتّب أثر شرعي على سماع دعواه فلا دليل على عدم سماعه بل يشمله العمومات. فلو ادّعى - مثلاً - أنّه نكح أختين و هو غير عالم بحرمة الجمع بينهما و بطلان نكاح الثانية، فتسمع دعواه و يؤخذ منه المهر و يلحق به الولد من الثانية. و كذا لو ادّعت أخت زوجته أنّ المرء نكحها و هي لم تعلم فتأخذ منه مهرها بعد حكم القاضي بصحّة دعواها، و يحدّ الزوج لو نكحها مع علمه بالحرمة و البطلان.

اللّهمّ الاّ أن يدّعى أنّ الدعوى في هذه الموارد لاتكون محالة شرعا، بل الموارد من المسائل الواقعة في الشرع المقدّس و لها أحكام خاصّة.

و كذا دعوى من يدّعي شيئا يكون محالاً عادة فالظاهر أنّه لو اتّفق و لو نادرا فلا دليل على عدم سماع دعواه، و قد نقل أنّه تولّد الولد مع أنّ سنّ أبيه مثلاً دون السنّ المتعارفة لصلاحية الأبوّة. فأيّ مانع من أن تكون الدعوى من تلك الموارد؟

ثانيهما: أن تكون الدعوى لازمة للمدّعى عليه فلو قال: وهب لي كذا، لاتسمع حتّى يقول: و أقبضني؛ لأنّ الهبة أعمّ من المقبوضة و غيرها، و لأنّه قد يهب و يرجع و لاتلزم الهبة الاّ بقبضها كما في المسالك.(1)

و كذا لو ادّعى رهنا، بناءً على اشتراط القبض في صحّة الرهن.

و في المستند: «و فيه نظر؛ لأنّ أصل الملك شيء و لزومه أمر آخر و لكلّ منهما فوائد، فيمكن دعوى أحدهما بدون الآخر. فلايبعد سماع الدعوى و مع ثبوتها العمل بمقتضاها و لوازمها، ان متزلزلاً فمتزلزلاً و ان لازما فلازما. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

الظاهر أنّ مراد المصنّف رحمه الله من قوله: «لازمة» هو كون الدعوى بنحو اذا ثبتت عند القاضي تكون ملزمة للمدّعى عليه على المدّعى به أي تكون ذات أثر شرعي. فاذا ادّعى المدّعي أنّ زيدا وهب له دينارا فلو ثبت الهبة لم يلزمه الحاكم؛ لأنّ الالزام في مورد أقبضه الواهب، و كذا الرهن بناءً على اشتراط القبض في صحّته و كذا الوقف. فلو ادّعى عمرو أنّ زيدا وقف شجرا أو أرضا له، لم تسمع الاّ أن يدّعي أنّه أقبضه ايّاه، و في غير هذه الصورة فلو ثبت أصل الوقف لم يلزم المدّعى عليه؛


1) - مسالك الأفهام 14: 61.

2) - مستند الشيعة 17: 148 و 149.

لأنّ الوقف لايكون ملزما ما لم يقبضه الموقوف عليه أو المتولّي على قول.

و هذا هو الذي فسّر به كلام المصنّف رحمه الله في المسالك و الجواهر(1)و أمّا صاحب المستند و كذا المقدّس الأدربيلي(2)فلمّا فسّرا اللازمة في كلام المصنّف بالعقد اللازم في مقابل العقود الجائزة أشكلا على المصنّف باشكالات قد ذكر بعضها، ولكن الظاهر أنّ مراده رحمه الله هو ما فسّره به في المسالك و الجواهر.

فيما لو ادّعى المنكر فسق الحاكم أو الشهود

و لو ادّعى المنكر فسق الحاكم أو الشهود و لا بيّنة فادّعى علم المشهود له ففي توجّه اليمين على نفي العلم تردّد، أشبهه عدم التوجّه؛ لأنّه ليس حقّا لازما، و لايثبت بالنكول و لا باليمين المردودة و لأنّه يثير فسادا.

قال في المسالك: «اذا ادّعى المنكر جرح الحاكم أو الشهود كلّف البيّنة، فان فقدها و ادّعى علم المدّعي بذلك ففي توجّه اليمين على المدّعي وجهان: أحدهما نعم؛ لأنّه ينتفع به في حقّ لازم كما لو قذف الميّت و طلب الوارث الحدّ فادّعى على الوارث العلم بالزنا فأنكر فله تحليفه على نفي العلم. و الثاني لا؛ لأنّه لايدّعي حقّا لازما و لايثبت بالنكول و لا باليمين المردودة و لأنّه يثير فسادا و لأنّه كالدعوى على القاضي أو الشهود بالكذب و هي غير مسموعة بدون البيّنة قطعا، و ان كان ينتفع بتكذيبهما أنفسهما لأنّه يثير فسادا عامّا. و هذا هو الوجه».(3)

أقول:

اعلم أنّ المصنّف رحمه الله قد رتّب على اشتراط كون الدعوى لازمة عدّة مسائل:

الأولى: لو ادّعى المنكر فسق القاضي فان كان له بيّنة يجوز له الترافع الى


1) - جواهر الكلام 40: 378.

2) - مجمع الفائدة و البرهان 12: 117.

3) - مسالك الأفهام 14: 62 و 63.

قاضٍ آخر أو من نصب القاضي الأوّل من قاضي القضاة و نحوه، و كذا اذا ادّعى فسق الشهود فيجوز له الترافع الى القاضي الأوّل بلا كلام و لا اشكال؛ لشمول عمومات الحكم و القضاء لهذه الدعوى أيضا.

و أمّا ان لم يكن له بيّنة فتارة يدّعي فسق الشهود و يعترف المدّعي بفسقهم أيضا فيسقط حكم القاضي الاّ أنّ الدعوى بحالها، فيقيم بيّنة أخرى أو يرجع الى قاضٍ آخر ان ادّعى فسق القاضي و صدّقه المدّعي.

و أخرى لم يعترف المدّعي بما ادّعاه المنكر فان كانت دعواه فسق الشهود و يدّعي علم المشهود له بفسقهم فيحلف المشهود له على عدم العلم بالفسق، و ان لم يحلف و ردّ اليمين فعلى مدّعي الفسق اليمين المردودة و كذا اذا نكل و قلنا بوجوب ردّ اليمين على النكول، و أمّا على ما هو الحقّ من القضاء بالنكول فلو نكل و لم يحلف يحكم عليه ببطلان الحكم فعليه اقامة شهود آخرين لما يدّعيه.

و أمّا ان كانت الدعوى فسق القاضي فعليه الرجوع الى قاضٍ آخر أو الى من نصب الأوّل فيكون حكم الحلف و عدمه كالصورة السابقة.

و أمّا الاستدلال على عدم سماع دعوى المنكر فسق الشهود أو القاضي من غير بيّنة أوّلاً بأنّه لايدّعي حقّا لازما، و ثانيا بأنّه يثير فسادا و ثالثا بعدم فائدتها و رابعا بأنّه كدعوى كذب الشهود و القاضي و هي غير مسموعة - فممنوع كلّه:

أمّا الأوّل فبأنّه لا دليل على لزوم أن يكون المدّعى به حقّا لازما للمدّعى عليه بل تسمع الدعوى اذا كان المدّعي يريد اثبات حقّ له أو نفي حقّ عليه، و هنا يريد نفي الحقّ الذي ادّعاه صاحبه عليه.

و الثاني فيردّ بأنّ مثل ذلك لايثير فسادا فانّه ليس الاّ احقاق الحقّ و الخروج عن الجور، بل عدم سماعها يثير الفساد من جهة عدم طريق الى دفع خيانة الشهود و جور القاضي.

و أمّا الثالث ففيه: انّ الدعوى كذلك مفيدة و فائدتها دفع الحيف عن نفسه.

و أمّا الرابع فقد تقدّم التفصيل و الكلام في ذلك في المسألة الرابعة من المسائل المتعلّقة بالدعوى و غيرها من المسائل المتعلّقة بدعوى الكذب و الدعوى على القاضي و تقدّم أنّهما مسموعتان أيضا على بعض الوجوه.

فيما لو التمس المنكر يمين المدّعي منضمّة الى الشهادة

و كذا لو التمس المنكر يمين المدّعي منضمّة الى الشهادة لم تجب اجابته لنهوض البيّنة بثبوت الحقّ.

المسألة الثانية:

قال في المسالك: «فلاتجب الزيادة عليها؛ لأنّه تكليف حجّة بعد قيام حجّته و لأنّه كالطعن في الشهود. نعم، لو ادّعى ابراءً أو أداءً توجّهت اليمين. و قد تقدّم البحث في ذلك».(1)

و في الجواهر: «بلا خلاف فيه بيننا بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى النصّ من غير فرق في ذلك بين العين و الدين».(2)

أقول:

قد تقدّم منّا الكلام في الفرع الأوّل من فروع استحلاف المدّعي أنّه اذا كانت الدعوى على مكلّف حاضر فلا يمين على المدّعي مع بيّنته و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يقيم البيّنة على حقّه، هل عليه أن يستحلف؟ قال: لا».(3)


1) - مسالك الأفهام 14: 63.

2) - جواهر الكلام 40: 380.

3) - وسائل الشيعة 27: 243 / الباب 8 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

و صحيحة أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا أقام الرجل البيّنة على حقّه فليس عليه يمين، فان لم يقم البيّنة فردّ عليه الذي ادّعى عليه اليمين، فان أبى أن يحلف فلا حقّ له».(1)

و لايعارضهما رواية سلمة بن كهيل عن علي عليه السلام في وصيّته لشريح:

«و ردّ اليمين على المدّعي مع بيّنته، فانّ ذلك أجلى للعمى و أثبت للقضاء».(2)

لأنّها - مع ضعف سندها بسلمة - تحمل على الاستحباب أو على محامل أخر قد تقدّمت في محلّها، فراجع.

في الالزام بالجواب عن دعوى الاقرار

و في الالزام بالجواب عن دعوى الاقرار تردّد، منشؤه أنّ الاقرار لايثبت حقّا في نفس الأمر بل اذا ثبت قضي به ظاهرا.

المسألة الثالثة:

قال في المسالك: «المراد أنّه ان ادّعي عليه الاقرار له بالحقّ فهل تسمع الدعوى بمعنى توجّه اليمين على المدّعى عليه لو أنكر؟ فيه وجهان: نعم؛ لأنّه ينتفع به مع التصديق. و لا؛ لأنّ الحقّ لايستحقّ بالاقرار في نفس الأمر و ان كان ثبوته يوجب الحقّ ظاهرا.

و الأظهر هنا السماع، لأنّ المعتبر ثبوت الحق ظاهرا و اعترافه ينفعه و نكوله يثبت عليه الحقّ أو مع يمين المدّعي. و المدّعي يجوز له الحلف على أنّه أقرّ بذلك و يثبت به الحقّ؛ اذ لايشترط في استحقاق المقر له علمه بالسبب المقتضي للاقرار بل يجوز له أخذه تعويلاً على اقراره ما لم يعلم فساد السبب، فجاز استناد


1) - وسائل الشيعة 27: 243 / الباب 8 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 212 / الباب 1 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

الاقرار الى سبب لايعلمه المقرّ له كالنذر و الجناية و الاتلاف، و عموم «اقرار العقلاء على أنفهسم جائز» يشمله».(1)

أقول:

ما ذهب اليه في المسالك من أنّ الأظهر السماع هو المعتمد؛ لأنّه لا مانع من سماع دعوى المدّعي على المدّعى عليه بالاقرار على نفسه بشيء له.

و ما يقال من «أنّ الاقرار لايثبت حقّا في نفس الأمر بل اذا ثبت قضي به ظاهرا» صحيح نقول به الاّ أنّ المدّعي بصدد اثباته و هو يثبت امّا باقامة البيّنة أو نكول المنكر أو الحلف المردود من منكر الاقرار.

ثمّ انّه هل يحلف على عدم الاقرار أو على براءة ذمّته مطلقا من غير ذكر السبب؟ الظاهر هو الأوّل فانّ الجواب عن دعوى الاقرار منحصر في اليمين على عدم الاقرار.

و بذلك يظهر وجه التأمّل في كلام صاحب الجواهر حيث انّه رحمه الله- بعد ذكر الفرق بين ما نحن فيه من دعوى الاقرار، و بين ما لو كانت الدعوى ثبوت حقّ في الذمّة بسبب مذكور من المدّعي، كأن يقول: بعته و عليه ثمنه - قال: «و فيه: انّ الاقرار كما يؤخذ بظاهره و ان لم يعلم صحّته و قد ادّعاه على خصمه، كذلك البيع عليه مثلاً له الأخذ بظاهره أيضا ما لم يعلم فساده و قد ادّعاه على خصمه، فكما لايلزم هناك الجواب بنفي البيع و يكفيه الجواب ببراءة الذمّة كذلك هنا فتأمّل».(2)

فانّ وجه التأمّل ما ذكرنا من أنّ الجواب عن الاقرار منحصر في نفيه لا براءة الذمّة مطلقا فانّ الدعوى في الأوّل الشغل بسبب في الواقع فيكفي في جوابه نفي الواقع بخلاف الثاني فانّ الدعوى فيه بصدور سبب من المدّعى عليه يؤخذ به و ان لم يعلم الواقع، فعليه الجواب بنفي السبب.


1) - مسالك الأفهام 14: 63 و 64.

2) - جواهر الكلام 40: 382.

و لاتفتقر صحّة الدعوى الى الكشف في نكاح و لا غيره، و ربما افتقرت الى ذلك في دعوى القتل؛ لأنّ فائته لايستدرك. و لو اقتصرت على قولها «هذا زوجي» كفى في دعوى النكاح و لايفتقر ذلك الى دعوى شيء من حقوق الزوجيّة؛ لأنّ ذلك يتضمّن دعوى لوازم الزوجيّة، و لو أنكر النكاح لزمه اليمين و لو نكل قضي عليه - على القول بالنكول - و على القول الآخر تردّ اليمين عليها، فاذا حلفت ثبتت الزوجيّة و كذا السياق لو كان هو المدّعي.

المسألة الرابعة من المسائل التي رتّبها المحقّق رحمه الله على اشتراط كون الدعوى لازمة و ذات أثر شرعي.

في أنّ صحّة الدعوى لاتفتقر الى الكشف

و قد أورد الشيخ رحمه الله هذه المسألة في المبسوط مبسوطا فقال: «فاذا ثبت أنّ الدعوى لاتصحّ الاّ معلومة فاذا ادّعى معلوما فهل يفتقر الى الكشف بعد هذا أم لا؟ ينقسم ثلاثة أقسام: ما لايفتقر الى كشف و ما لا بدّ فيه من كشف و ما اختلف فيه.

فأمّا ما لايفتقر الى كشف فالأملاك المطلقة مثل أن يدّعي الدين و العين مثل الدابّة و الدار و العبد و الثوب فاذا قال لي كذا و كذا، سمعناها و لم يكلّفه الحاكم أن يكشف عن أسباب الملك لكونها متكثّرة متّسعة كالارث و الهبة و الشراء و غيرها و التكليف بالكشف كان فيه مشقّة عليه؛ لأنّه قد يخفى ذلك السبب.

و أمّا ما لا بدّ فيه من الكشف فهو ما اذا ادّعى القتل فقال: قتل هذا وليّا لنا، كلّف الكشف فيقول: صف لنا القتل عمدا أو خطأ فاذا قال: عمدا قال: صف العمد، فاذا وصفه قال: قتله وحده أو معه غيره؟ لأنّه من الأمور التي لايتدارك بعد فواتها فلهذا كشف عنها.

و أمّا ما اختلف فيه فهو النكاح فاذا ادّعى نكاحا فهل يفتقر الى الكشف أم لا؟ قال قوم: لايقبل حتّى يقول: نكحتها بولي و شاهدي عدل. و قال قوم: لايفتقر الى

الكشف سواء ادّعى الزوجيّة فقال: هذه زوجتي أو ادّعى العقد فقال: تزوّجت بها،

فاذا قال هذا أجزأه و ان لم يكشف عن هذا القول و هو الأقوى عندنا. و قال قوم: اذا كانت الدعوى عقد نكاح كان الكشف شرطا و ان كانت الدعوى الزوجيّة لم يفتقر الى الكشف. هذا اذا ادّعى الرجل الزوجيّة، فأمّا ان ادّعت المرأة الزوجيّة و ذكرت معها حقّا من حقوقها فجاء فيه ما ذكر في دعوى الرجل. و أمّا ان لم تذكر معها حقّا من الحقوق فقال قوم: ليست دعوى، و لايجب الجواب عنها بل هو اقرار بالزوجيّة و لايكلّف المقرّ له بالجواب، ولكن الصحيح عندنا أنّ الدعوى صحيحة يجب الجواب عنها، و لاتفتقر الى الكشف. و كذا الكلام في دعوى ما عداه من العقود كالبيع و الصلح و الاجارة و نحو ذلك فالأصحّ فيها عدم لزوم الكشف. انتهى ملخّصا».(1)

و قال السيّد الشيرازي رحمه الله: «قد ادّعى في محكي المبسوط عدم الخلاف في أنّه لايفتقر الى صحّة الدعوى الى الكشف بالنسبة الى النكاح و غيره. و في الجواهر الاجماع بقسميه عليه و في المستند نسبته الى كافّة الأصحاب بل يظهر من المسالك أيضا عدم الخلاف حيث نسب الخلاف الى بعض العامّة و يدلّ على ما ذكروه اطلاق الأدلّة بعد فقد وجود المقيّد و أصالة عدم لزوم ذلك. و أمّا بالنسبة الى القتل فقد ذكر غير واحد الاحتياج الى الكشف و استدلّوا لذلك بأنّ أمره شديد و فائته لايدرك فلا بدّ أن يذكر هل أنّه قتل عمدا أو خطأ بالمباشرة أو بالتسبيب قتله وحده أو مع غيره، لسبب شرعي أو بدون سبب و قد ادّعى في المبسوط فيما حكي عنه الاتّفاق على ذلك و أرسله المستند و غيره ارسال المسلّمات، لكن ظاهر الشرائع هنا التردّد بل قال في كتاب القصاص: الأقرب الاكتفاء في القتل بعدم التفصيل و عن الدروس و الأردبيلي و غيرهما عدم الاحتياج أيضا و قال في


1) - المبسوط 8: 259 - 261.

الجواهر: «الانصاف عدم خلوّ لزوم ذكر السبب عن الاشكال؛ اذ لم يتمّ الاجماع المزبور باقتضائه بطلان دم المسلم، خصوصا مع العذر من نسيان أو اشتباه و نحوها». انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

لو ادّعى شخص على آخر مالاً معيّنا عند القاضي تسمع دعواه و لايفتقر الى ذكر السبب من أنّه ثمن عين باعها منه أو أنّه أقرضه أو غير ذلك؛ لعدم لزوم ذلك فيشمله عمومات القضاء بين المتخاصمين.

و كذا لو ادّعت المرأة على رجل أنّه زوجها فلا مانع من شمول الدليل دعواها و ان لم تذكر سببه، فلو احتاج القاضي للحكم بينهما الى السؤال عنه وجب على المدّعي و صاحبه الاجابة.

و هذا الكلام جارٍ أيضا في القتل فاذا ادّعى أنّه قتل أباه، فلم يكن هناك دليل على عدم سماعه الاّ ما مرّ من أنّ أمره شديد و فائته لايدرك ولكنّه يدفع بما اذا سأل القاضي و تفحّص عن سببه حتّى يتمكّن من الحكم بالحقّ، فعليه أن يسمع الدعوى و يتفحّص عن سببه.

ثمّ انّ صاحب الجواهر قد شرح في كتاب النكاح العمل بلوازم النكاح اذا كان أحدهما مدّعٍ و الآخر منكر فقال: «ان أقام المدّعي بيّنة أو حلف اليمين المردودة ثبت النكاح ظاهرا و وجب عليها مع ذلك مراعاة الحكم في نفس الأمر فان كان المثبت الزوج فله الطلب ظاهرا و عليها الهرب باطنا و هكذا، و ان لم يتّفق أحد الأمرين و حلف المنكر انتفى عنه النكاح ظاهرا و لزم المدّعي أحكام الزوجيّة على ذلك الوجه لا مطلقا فان كان المدّعي الرجل فليس له التزويج بخامسة و لا أمّها و لا بنتها مع الدخول بها و لا بأختها و لا بنت أخيها و أختها بدون رضاها بل


1) - الفقه 85: 123.

يقدر بالنسبة اليها كأنّها زوجة و يجب عليه التوصّل الى ايصالها المهر بحسب الامكان، و أمّا النفقة فلاتجب عليه لعدم التمكين الذي هو شرط وجوبها.

و ان كانت المدّعية المرأة لم يصحّ لها التزويج بغيره و لا فعل ما يتوقّف على اذن الزوج بدونه كالسفر المندوب و العبادات المتوقّف عليه هذا. - الى أن قال: - و لو أوقع الرجل المنكر صورة الطلاق و لو بقول: «ان كانت زوجتي فهي طالق» فالظاهر انتفاء الزوجيّة عنها و جاز لها التزويج بغيره لا بأبيه و ابنه مطلقا؛ لاعترافها بما يوجب حرمة المصاهرة الاّ على الوجه الذي ذكرناه».(1)

أقول:

و كلامه رحمه الله في غاية المتانة و لعلّ الدليل عليه عموم «اقرار العقلاء» و أنّ حكم الحاكم لايغيّر الواقع عمّا هو عليه.


1) - جواهر الكلام 29: 152 و 153.

الفصل الثاني : في التوصّل الى الحقّ

فيما لو كانت الدعوى عينا في يد انسان

من كانت دعواه عينا في يد انسان فله انتزاعها و لو قهرا ما لم يثر فتنة و لايقف ذلك على اذن الحاكم.

قال في الجواهر: «ان كان الحقّ عقوبة كالقصاص و القذف ففي المسالك و غيرها بل في الكفاية لاأعرف فيه خلافا، لا بدّ فيه من الرفع الى الحاكم؛ لعظم خطره و الاحتياط في اثباته و لأنّ استيفاءه وظيفة الحاكم على ما تقتضيه السياسة و زجر الناس. و فيه: انّ اطلاق السلطان للولي و تسلّط الناس على استيفاء حقوقها و غير ذلك يقتضي عدم اعتبار الرفع الى الحاكم مع فرض معلوميّة الحال و اقرار الخصم، كما أنّه يقتضي مباشرته لا خصوص الحاكم».(1)

أقول:

ما ذهب اليه صاحب الجواهر و ان كان يقتضيه ظاهر قوله تعالى: «و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا»(2)الاّ أنّه يمكن أن يقال: فقد جعلنا لوليّه


1) - جواهر الكلام 40: 387.

2) - الاسراء 17: 33.

سلطانا من الرجوع الى الحاكم و احقاق الحقّ و بعبارة أخرى لا اطلاق في الآية بالنسبة الى كيفيّة السلطنة و طريق احقاق الحقّ، مضافا الى أنّ احقاق الحقّ من كلّ فرد من غير الرجوع الى الحاكم موجب للهرج و المرج.

و أمّا ان كان الحقّ عينا في يد الغير جاز له أخذه من دون اذن الحاكم؛ لقاعدة تسلّط الناس على أموالهم.

و في الجواهر: «فله انتزاعها منه و لو قهرا بمساعدة ظالم أو بنفسه و ان استلزم ضررا بتمزيق ثوب أو كسر قفل أو نحو ذلك، ما لم تثر فتنة بل و ان ثارت ما لم تصل الى حدّ وجوب الكفّ عن الحقّ له لترتّب تلف الأنفس و الأموال و غيره من الفساد الذي يمكن دعوى العلم من مذاق الشرع بعدم جواز فعل ما يترتّب عليه ذلك و ان كان مباحا في نفسه أو مستحبّا بل أو واجبا و ان لم يكن الترتيب ترتيب سببيّة أو علّيّة كما أشار رحمه الله اليه بقوله في بيع الوقف: «انّه ربما حصل من الاختلاف تلف الأنفس و الأموال» بل ربما أشير اليه بقوله تعالى: «الاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض و فساد كبير» و غير ذلك، بل قد يستفاد من الأوّل كون المدار على مظنّته بل احتماله احتمالاً معتدّا به فضلاً عن العلم».(1)

أقول:

اذا اعترف من بيده العين بأنّ العين للمدّعي فلا كلام في جواز انتزاعها من يده و لايحتاج الى اذن الحاكم، و كذا اذا لم يعترف ولكن يتمكّن من أخذهابدون اثارة فساد أو ضرر. و أمّا ان أوجب الأخذ ضررا على من بيده العين فضلاً عمّا اذا أثار فتنة، ففي جواز أخذها من غير مراجعة الحاكم اشكال، بل منع.

و أمّا الدين ففيه صور:

الأولى: ما اذا كان من عليه الدين مقرّا به غير ممتنع من الأداء، فعلى الدائن


1) - جواهر الكلام 40: 387 و 388.

أن يطالبه ليؤدّي و ليس له الاستقلال بالأخذ؛ لأنّ حقّه أمر كلي في ذمّة المديون و له التخيير في تعيينه من ماله، فلايتعيّن في شيء منه بدون تعيينه أو تعيين الحاكم مع امتناعه و المفروض أنّه لم يكن ممتنعا، و الظاهر أنّه لا خلاف و لا كلام في حكم هذه الصورة على ما هو ظاهر عبارة المحقّق و الشهيد و صاحب الجواهر فراجع.

الثانية: ما اذا كان المدين جاحدا للدين أو معترفا به ولكن يمتنع من أدائه أو كان مماهلاً، و لم يكن لصاحب الحقّ بيّنة يثبت بها الحقّ عند الحاكم أو كان له بيّنة و لم يمكنه الوصول الى الحاكم أو أمكن و لم تبسط يده بحيث يمكنه تولّي القضاء بينهما، فحينئذ جاز له الاقتصاص من ماله اذا ظفر به. و الدليل عليه رواية جميل بن درّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده، أيأخذه و ان لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم».(1)

و صحيحة داود بن زربي قال:

«قلت لأبي الحسنموسى عليه السلام : انّي أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها، و الدابّة الفارهة فيبعثون فيأخذونها ثمّ يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك و لاتزد عليه».(2)

و حسنة أبي بكر الحضرمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: رجل كان له على رجل مال فجحده ايّاه و ذهب به ثمّ صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله ماله قبله، أيأخذه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرجل؟ قال: نعم، ولكن لهذا كلام يقول: اللّهمّ انّى


1) - وسائل الشيعة 17: 275 / الباب 83 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 10.

2) - وسائل الشيعة 17: 275 / الباب 83 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه منّي و انّي لم آخذ الذي أخذته خيانة و لا ظلما».(1)

و رواية اسحاق بن ابراهيم:

«انّ موسى بن عبدالملك كتب الى أبي جعفر عليه السلام يسأله عن رجل دفع اليه رجل مالاً ليصرفه في بعض وجوه البرّ، فلم يمكنه صرف المال في الوجه الذي أمره به و قد كان له عليه مال بقدر هذا المال فسأل هل يجوز لي أن أقبض مالي أو أردّه عليه؟ فكتب: اقبض مالك ممّا في يدك».(2)

و صحيحة علي بن سليمان قال:

«كتبت اليه: رجل غصب رجلاً مالاً أو جارية ثمّ وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل خيانة أو غصب(3)، أيحلّ له حبسه عليه أم لا؟ فكتب: نعم، يحلّ له ذلك ان كان بقدر حقّه، و ان كان أكثر فيأخذ منه ما كان عليه و يسلّم الباقي اليه ان شاء اللّه».(4)

الصورة الثالثة: نفس الصورة الثانية الاّ أنّ لصاحب الحقّ بيّنة يثبت بها الحقّ عند الحاكم مع امكان الوصول الى الحاكم و بسط يده، ففي جواز أخذه قصاصا من دون اذن الحاكم قولان: أحدهما و هو الذي اختاره المصنّف رحمه الله هنا و الأكثر - على ما في المسالك(5)- الجواز؛ لعموم أدلّة القصاص.

و الثاني: لا؛ لأنّ التسلّط على مال الغير خلاف الأصل، فيقتصر فيه على موضع


1) - وسائل الشيعة 17: 274 / الباب 83 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 17: 275 / الباب 83 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 8.

3) - في الاستبصار: مثل ما خانه أو غصبه. هامش الوسائل

4) - وسائل الشيعة 17: 275 / الباب 83 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 9.

5) - مسالك الأفهام 14: 70.

الضرورة و هي هنا منتفية، و لأنّ الممتنع من أداء الدين يتولّى القضاء عليه الحاكم و يعيّن هو من ماله ما يشاء و لا ولاية لغيره عليه و هو الذي اختاره المصنّف رحمه الله في النافع.

و الأقوى ما ذهب اليه الأكثر و ذلك لاطلاق الروايات المتقدّمة في الصورة السابقة، فانّها لم يقيّد بعدم امكان الرجوع الى الحاكم مع كونهم عليهم السلام في مقام البيان، و كون التسلّط على مال الغير خلاف الأصل لاينفي الرجوع الى دليل دلّ على خلافه.

ولكن مع ذلك كلّه فالاحتياط بالاذن من الحاكم و الرجوع اليه حسن خروجا من خلاف من أوجبه.

نعم، لو كان التقاصّ هنا موجبا لاثارة فتنة أو ضرر على نفس مؤمن أو ماله فلايجوز كما مرّ في ابتداء المسألة.

فيما لو كان المال وديعة عنده

نعم، لو كان المال وديعة عنده ففي جواز الاقتصاص تردّد أشبهه الكراهة.

قال في المسالك: «اختلف الأصحاب في جواز الاقتصاص من الوديعة فذهب المصنّف و قبله الشيخ في الاستبصار و أكثر المتأخّرين الى الجواز على كراهية و ذهب الشيخ في النهاية و جماعة الى التحريم. و منشأ الخلاف اختلاف الروايات ظاهرا، و الأظهر الأوّل؛ لعموم الأدلّة السابقة و خصوص صحيحة أبي العبّاس البقباق - الى أن قال: - و حجّة القائل بالتحريم عموم قوله تعالى: «انّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات الى أهلها» و خصوص رواية ابن أبي عمير عن ابن أخي الفضيل بن يسار. و الجواب بحمل ذلك على الكراهة جمعا و أنّه لانسلّم تحقّق

الخيانة بذلك؛ لأنّ استيفاء الحقّ ليس بخيانة. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر جواز الاقتصاص من مال الوديعة و ذلك أوّلاً لاطلاق الروايات المتقدّمة.

و ثانيا لخصوص صحيحة أبي العبّاس البقباق:

«انّ شهابا مارآه في رجل ذهب له بألف درهم و استودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العبّاس: فقلت له: خذها مكان الألف التي أخذ منك فأبى شهاب، قال: فدخل شهاب على أبي عبداللّه عليه السلام فذكر له ذلك، فقال: أمّا أنا فأحبّ أن تأخذ و تحلف».(2)

و كذا صحيحة علي بن سليمان المتقدّمة آنفا.

و لاتعارضهما صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل يكون لي عليه حقّ فيجحدنيه ثمّ يستودعني مالاً، أ لي أن آخذ ما لي عنده؟ قال: لا، هذه الخيانة».(3)

و صحيحة سليمان بن خالد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه و حلف، ثمّ وقع له عندي مال آخذه لمكان مالي الذي أخذه و أجحده، و أحلف عليه كما صنع؟ قال: ان خانك فلاتخنه و لاتدخل فيما عبته عليه».(4)

لأنّهما تحملان على الكراهة جمعا.


1) - مسالك الأفهام 14: 71 - 73.

2) - وسائل الشيعة 17: 272 / الباب 83 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 17: 275 / الباب 83 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 17: 274 / الباب 83 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 7.

اللّهمّ الاّ أن يقال: اذا تعارضت الطائفتان من الروايات في الوديعة فاذا كانت احدى الطائفتين موافقة لعموم القرآن و سائر ما ورد في وجوب ردّ الأمانة من الروايات و الطائفة الأخرى مخالفة لها فوجب طرح الثانية و الأخذ بالأولى، فينتج عدم جواز التقاصّ من الوديعة.

و هو مدفوع أوّلاً بأنّه لايجب طرح ما خالف عموم الكتاب أو اطلاقه على وجه التخصيص أو التقييد، بل الثابت في محلّه هو جواز تخصيص الكتاب و تقييده بالخبر الصحيح.

و ثانيا بأنّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح.

و ثالثا بأنّه يرجّح الطائفة الثانية - الدالّة على الجواز - ذهاب المشهور الى الجواز كراهة، و على هذا فالأقوى هو ما ذهب اليه المشهور.

قال الامام الخميني رحمه الله: «الأقوى جواز المقاصّة من المال الذي جعل عنده وديعة على كراهية، و الأحوط عدمه».(1)

فيما لو كان المال من غير جنس الموجود

و لو كان المال من غير جنس الموجود جاز أخذه بالقيمة العدل، و يسقط اعتبار رضى المالك بالطاطه كما يسقط اعتبار رضاه في الجنس. و يجوز أن يتولّى بيعها و قبض دينه من ثمنها دفعا لمشقّة التربّص بها. و لو تلفت قبل البيع قال الشيخ: الأليق بمذهبنا أنّه لايضمنها. و الوجه الضمان؛ لأنّه قبض ما لم يأذن فيه المالك و يتقاصّان بقيمتها مع التلف.

الدليل على جواز المقاصّة من المال الذي عنده و لو كان من غير الجنس الذي أخذه هو اطلاق الروايات - التي تقدّمت - في جواز المقاصّة، فيأخذه بالقيمة العدل و يسقط اعتبار رضى المالك بالطاطه و جحوده بل و استئذان الحاكم كما يسقط


1) - تحرير الوسيلة 2: 438 ، المسألة 9.

اعتبار رضاه و استئذانه في متّحد الجنس.

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا. نعم، عن جماعة من العامّة الاقتصار على الجنس و هو واضح الضعف».(1)

ثمّ انّ مقتضى اطلاق الأدلّة السابقة أنّه يجوز له أن يتولّى البيع بنفسه، و أن يقبض دينه من ثمنه و ردّ ما زاد عن دينه الى صاحبه.

و لو تلفت العين التي بيدها فهل يضمنها أو قيمتها أم لا؟

فتارة تلفت العين قبل قصده المقاصّة عن دينه فان كان من دون تعدّ و لا تفريط فلايضمن اذا كانت يده يد أمانة كما في الوديعة و العارية و الاجارة و الرهن و المضاربة و غيرها و أمّا ان تعدّى أو فرّط أو كانت يده يد عدوان كما اذا غصبه من غير قصد المقاصّة فهو ضامن.

و أخرى كان التلف بعد قصد المقاصّة من غير بيع بأن قصد أخذ العين نفسها، فقد تلفت من ماله فان كان مساويا للذي أخذه فلا شيء عليه كما لا شيء على صاحبه الذي أخذ ماله، و ان كان أزيد منه فيضمن الزائد. و كذا اذا قصد المقاصّة ببيعها و أخذ ثمنها و تلفت قبل البيع فانّ الظاهر أنّ قصده بيعها و أخذ حقّه منها يكون هو المقاصّة.

و ثالثة يبيع العين و يأخذ الثمن فتلف الثمن في يده ففي هذه الصورة أيضا كان التلف من ماله بطريق أولى، فان كان مساويا للحقّ فلا اشكال و الاّ فيضمن الباقي.

ينبغي التنبيه على أمرين:

الأوّل: انّه لايختصّ جواز المقاصّة بمباشرة من له الحقّ فيجوز له أن يوكّل غيره فيها؛ لأنّ فعل الوكيل فعل موكّله و منسوب اليه فهو المقاصّ حقيقة.


1) - جواهر الكلام 40: 394.

بل يجوز ذلك للولي أيضا فلو كان للصغير أو المجنون أو السفيه مال عند آخر فيجحده، جاز لوليّهم المقاصّة منه؛ لأنّ الولي قائم مقام المولّى عليه في هذا المورد و نظائره.

و على ذلك يجوز للحاكم الشرعي - الذي هو ولي الفقراء في الزكاة و نائب الامام في أخذ حقّه و حقّ أقربائه من السادات في الخمس - أن يقبض من أموال من يمتنع عن أداء الحقوق الشرعيّة من خمس أو زكاة.

و في تقاصّ المستحقّ بنفسه من دون اذن الحاكم اشكال، ينشأ من عدم تعيين حقّه بالخصوص الاّ بتعيّن المالك، و الأحوط استئذان الحاكم.

الثاني: اذا كان المال المقاصّ منه مشتركا بين المديون و غيره فان كان كالفرش الواحد ممّا لم يمكن استيفاء الحقّ منه الاّ ببيعه أجمع فلايجوز التقاصّ منه بغير اذن الشريك بالبيع و أخذ الحقّ و ردّ الباقي، فلو باعه بغير اذنه كان فضوليّا يترتّب عليه أحكامه.

و أمّا لو كان ممّا يمكن فيه تمييز الحقّين أحدهما عن الآخر كالدراهم و الدنانير مثلاً، أو الأعيان التي يمكن قسمتها بدون بيع جميعها فيجوز المقاصّة منها بدون اذن الشريك و يقع القسمة قهرا، و ان كان الأحوط استئذانه.

فيمن ادّعى ما لا يد لأحد عليه

مسألتان: «الأولى»: من ادّعى ما لا يد لأحد عليه قضي له. و من بابه أن يكون كيس بين جماعة فيسألون: هو لكم؟ فيقولون: لا، و يقول واحد منهم: هو لي، فانّه يقضى به لمن ادّعاه.

قال في المسالك: «الأصل في مسألة الكيس رواية يونس بن عبدالرحمن عن منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «قلت: عشرة كانوا جلوسا و وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس؟ فقال كلّهم: لا، فقال

واحد منهم: هو لي قال: هو للذي ادّعاه». و لأنّه مع عدم المنازع لا وجه لمنع المدّعي منه و لا لطلب البيّنة منه و لا لاحلافه؛ اذ لا خصم له حتّى يترتّب عليه ذلك».(1)

أقول:

قد نقل الرواية في التهذيب مسندا عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الوليد عن يونس عن منصور بن حازم فهي بهذا السند موثّقة، و قد رواها في الكافي مقطوعة، و لابأس بالعمل على طبقها.

و قال في الجواهر: «من ادّعى ما لا يد لأحد عليه قضي له به من دون بيّنة و يمين بلا خلاف أجده فيه بل يمكن تحصيل الاجماع عليه؛ لأصالة صحّة قول المسلم و فعله بل كلّ مدّعٍ و لا معارض له. - ثمّ انّه رحمه اللهبعد طرح الفرع الثاني و الرواية المذكورة قال: - بل قد يظهر من الراوي المزبور المفروغيّة من هذا الأصل عند العقلاء أجمع».(2)

ثمّ استشهد بصحيحة منصور بن حازم و اليك نصّها، عن منصور بن حازم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّ اللّه أجلّ و أكرم من أن يعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون باللّه، قال: صدقت. قلت: انّ من عرف أنّ له ربّا فقد ينبغي له أن يعرف أنّ لذلك الربّ رضىً و سخطا و أنّه لايعرف رضاه و سخطه الاّ بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرسل فاذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة و أنّ لهم الطاعة المفترضة، و قلت للناس: تعلمون أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان هو الحجّة


1) - مسالك الأفهام 14: 76.

2) - جواهر الكلام 40: 398.

من اللّه على خلقه؟ قالوا: بلى قلت: فحين مضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله، من كان الحجّة على خلقه؟ فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فاذا هو يخاصم به المرجئ و القدري و الزنديق الذي لايؤمن به حتّى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أنّ القرآن لايكون حجّة الاّ بقيّم، فما قال فيه من شيء كان حقّا فقلت لهم: من قيّم القرآن؟ فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم و عمر يعلم و حذيفة يعلم، قلت: كلّه؟ قالوا: لا، فلم أجد أحدا يقال: انّه يعرف ذلك كلّه الاّ عليّا عليه السلام و اذا كان الشيء بين القوم فقال هذا: لاأدري و قال هذا: لاأدري و قال هذا: لاأدري، و قال هذا: أنا أدري فأشهد أنّ عليّا عليه السلام كان قيّم القرآن و كانت طاعته مفترضة و كان الحجّة على الناس بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أنّ ما قال في القرآن فهو حقّ، فقال: رحمك اللّه».(1)

فانّ وجه الاستشهاد تصديق أميرالمؤمنين علي عليه السلام في دعواه معرفته تمام القرآن حيث كان بلا منازع.

فيما لو انكسرت سفينة في البحر

«الثانية»: لو انكسرت سفينة في البحر فما أخرجه البحر فهو لأهله و ما أخرج بالغوص فهو لمخرجه. به رواية في سندها ضعف.

و في المسالك - بعد نقل الرواية و وجه ضعف السند و جبره بالشهرة - قال: «و الأصحّ جواز أخذ ما يتخلّف مشروط باعراض مالكه عنه مطلقا، و معه يكون اباحة لأخذه و لايحلّ أخذه بدون الاعراض مطلقا عملاً بالأصل».(2)

و في الجواهر - بعد نقل ما نقله في المسالك و نقل فتوى ابن ادريس و


1) - أصول الكافي 1: 189 / باب الاضطرار الى الحجّة / الحديث 2.

2) - مسالك الأفهام 14: 77.

شرحهما - قال: «من المعلوم توقّف زوال الملك على سبب شرعي كتوقّف حصوله، و لا دليل على ارتفاع الملك عن صاحبه بالاعراض على وجه يتملّكه من أخذه كالمباح - الى أن قال: - فالأولى أن يقال: ما علم انشاء اباحة من المالك لكلّ من يريد أن يتملّكه كنثار العرس و نحوه يملكه الآخذ بالقبض أو بالتصرّف الناقل أو المتلف أو مطلق التصرّف على الوجوه أو الأقوال المذكورة في المعاطاة بناءً على أنّها اباحة، و كذا ما جرت السيرة و الطريقة على تملّكه ممّا قام شاهد الحال بالاعراض عنه كحطب المسافر و نحوه أو ما كان كالمباحات الأصليّة باندراس المالك كأحجار القرى الدارسة.

و أمّا المال الذي امتنع على صاحبه تحصيله بسبب من الأسباب كغرق أو حرق و نحوها فيشكل تملّكه بالاستيلاء عليه خصوصا مع العلم بعدم اعراض صاحبه عنه على وجه يقتضي انشاء اباحة منه لمن أراد تملّكه أو رفع يد عن ملكيّته و انّما هو للعجز عن تحصيله نحو المال الذي يأخذه قطّاع الطريق و الظلمة و نحوهم.

و أمّا تملّك بعض المال بالالتقاط على التفصيل المذكور في كتاب اللقطة فهو قسم آخر خارج عمّا نحن فيه، أي التملّك مع العلم بصاحبه و وجوده و ارادة ماله؛لصيرورة الشيء بالامتناع في نفسه كسائر المباحات الأصليّة، و اللّه العالم».(1)

أقول:

الرواية الواردة في الباب قد نقلها في الوسائل عن الكافي عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:

«اذا غرقت السفينة و ما فيها فأصابه الناس فما قذف به البحر على


1) - جواهر الكلام 40: 401 و 402.

ساحله فهو لأهله، و هم أحقّ به و ما غاص عليه الناس و تركه صاحبه فهو لهم».(1)

و رواها عن التهذيب عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن أبي عبداللّه عن منصور بن العبّاس عن الحسن بن علي بن يقطين عن أميّة بن عمرو عن الشعيري قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن سفينة انكسرت في البحر فأخرج بعضها بالغوص و أخرج البحر بعض ما غرق فيها، فقال: أمّا ما أخرجه البحر فهو لأهله، اللّه أخرجه و أمّا ما أخرج بالغوص فهو لهم و هم أحقّ به».(2)

و في السند عدّة ضعاف بخلاف ما رواه الكليني فانّ في سنده النوفلي و هو حسين بن يزيد لم يرد فيه توثيق و لا مدح و لا ذمّ، و حيث عمل بها المشهور فيجبر ضعفها من هذه الناحية.

و قد ورد نظير الرواية المذكورة و هو صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لابأس بلقطة العصى و الشظاظ و الوتد و الحبل و العقال و أشباهه، قال: و قال أبو جعفر عليه السلام : ليس لهذا طالب».(3)

و صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«جاء رجل الى النبي صلى الله عليه و آله فقال: يا رسول اللّه، انّي وجدت شاة! فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: هي لك أو لأخيك أو للذئب. فقال: يا رسول اللّه، انّي وجدت بعيرا! فقال: معه حذاؤه و سقاؤه، حذاؤه خفّه و سقاؤه كرشه فلاتهجه».(4)


1) - وسائل الشيعة 25: 455 / الباب 11 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 25: 455 / الباب 11 من كتاب اللقطة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 25: 456 / الباب 12 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 25: 457 / الباب 13 من كتاب اللقطة / الحديث 2.

فما هو الظاهر من هاتين الصحيحتين يكون مفاد الرواية المذكورة بمعنى أنّه اذا أخرجه البحر فيكون غالبا من الأشياء التي تعلو على سطح الماء فيرجو صاحبه أن يلتقطه. و أمّا ان ذهب الى قعر البحر فيكون معرضا عنه فكأنّه تركه و أباحه لمن يأخذه بالغوص و نحوه الشاة التي مثّل بها النبي صلى الله عليه و آله.

فالمحصّل أنّه تارة يثبت اعراض صاحبه عنه فلا اشكال في خروجه عن ملكه فيكون كالمباحات الأصليّة و ان قذفه البحر خارجا؛ للنصّ و الفتوى.

و أخرى لم يعرض عنه صاحبه بل يكون بصدد اخراجه من الماء بالغوص و نحوه فهو لصاحبه بلا اشكال و لو علا سطح الماء.

و ثالثة لم يثبت اعراضه ولكن مرّ عليه زمان طويل بحيث يصدق الاعراض عنه عرفا فهو لمن أخذه بالغوص و غيره و يشهد لذلك الصحيحتان المتقدّمتان آنفا.

و رابعة يشكّ في اعراضه و قد أخرجه بالغوص، فان رجع اليه صاحبه ردّه و الاّ يكون له لرواية السكوني المنجبر ضعفها بعمل المشهور.

المقصد الأوّل : في الاختلاف في دعوى الأملاك

فيما لو تنازعا عينا في يدهما

و فيه مسائل: «الأولى»: لو تنازعا عينا في يدهما و لا بيّنة قضي بها بينهما نصفين، و قيل: يحلف كلّ منهما لصاحبه. و لو كانت يد أحدهما عليها قضي بها للمتشبّث مع يمينه ان التمسها الخصم. و لو كانت يدهما خارجة فان صدّق من هي في يده أحدهما أحلف و قضي له. و ان قال: هي لهما قضي بها بينهما نصفين و أحلف كلّ منهما لصاحبه. و لو دفعهما أقرّت في يده.

اعلم أنّ الشهيد رحمه الله في المسالك فقد خالف المصنّف رحمه الله في الصورة الأولى و قال: «كلّ واحد مدّعٍ في النصف و مدّعى عليه في النصف فيحلف كلّ واحد منهما على نفي ما يدّعيه الآخر و لايتعرّض واحد منهما في يمينه لاثبات ما في يده بل يقتصر على أنّه لا حقّ لصاحبه فيما في يده. و نقله الحلف قولاً يشعر بردّه، و المذهب ثبوته عملاً بالعموم بل لم ينقل الأكثر فيه خلافا، فاذا حلفا أو نكلا ترك المدّعى في يدهما كما كان، و ان حلف أحدهما دون الآخر قضي للحالف بالكلّ».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 78.

و في الجواهر قال: «و لو تنازعا عينا في يدهما و لا بيّنة قضي بها بينهما نصفين بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى المرسل: «انّ رجلين تنازعا دابّة ليس لأحدهما بيّنة فجعلها النبي صلى الله عليه و آلهبينهما». انّما الكلام في احتياج ذلك الى اليمين من كلّ منهما و عدمه فظاهر المصنّف و محكي الخلاف و الغنية و الكافي و الاصباح، الثاني بل عن الأوّلين الاجماع عليه و هو الحجّة بعد اشعار المرسل المزبور بذلك أو ظهوره.

و قيل - كما عن الأكثر بل المشهور على ما اعترف به في غاية المرام بل في المسالك و الكفاية: لم ينقل الأكثر فيه خلافا - : يحلف كلّ منهما لصاحبه؛ لقاعدة «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه» فانّ كلاًّ منهما مدّعٍ و مدّعى عليه، و لفحوى ما تسمعه من النصوص المشتملة على تحليفهما مع البيّنة فمع عدمها بطريق أولى.

ثمّ قال: و قد يناقش بعدم اندراجها في القاعدة المزبورة؛ اذ الفرض أنّ يد كلّ منهما على العين لا نصفها ضرورة عدم تعقّل كونها على النصف المشاع الاّ بكونها على العين أجمع في كلّ منهما و حينئذ فلا مدّعي و لا مدّعى عليه منهما، ضرورة تساويهما في ذلك الاّ أنّ الشارع قد جعل القضاء في ذلك بأنّ العين بينهما كما سمعته من النبوي المرسل فالنصف هو القضاء بينهما في الدعوى المزبورة التي كان مقتضى يد كلّ منهما الكلّ. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

هنا ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: ما اذا لم يكن لهما بيّنة ففيها ثلاث صور:

الأولى: أن يتنازعا عينا في يدهما و لم يكن لهما بيّنة فعلى القاضي أن يحكم


1) - جواهر الكلام 40: 402 و 403.

بينهما بالكتاب و السنّة حتّى يكون حكمه بالعدل و قد ورد أنّ «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» و حيث انّ كلاًّ منهما مدّعٍ إمّا الكلّ - بناءً على ما يظهر من عبارة الجواهر - أو النصف الذي تحت يده - بناءً على ما في المسالك - و منكر لما يدّعيه الآخر إمّا الكلّ أو النصف، فيصير كلّ منهما مدّعيا و منكرا و يكون الموضع موضع التحالف، فيأمر الحاكم من يتكلّم أوّلاً باليمين فان تكلّما معا فيأمر من كان على جانبه الأيمن - على ما تقدّم - فاذا حلف فيأمر الآخر بالحلف فاذا حلف، يقضي لكلّ واحد منهما بالنصف، و لو حلف أحدهما و لم يحلف الآخر و نكل يحكم بأنّ كلّه للحالف و لو ردّ الآخر اليمين على الحالف فحلف ثانيا يحكم له أيضا و لو لم يحلف اليمين المردودة يقضي لكلّ واحد منهما بالنصف.

الثانية: أن تكون العين في يد أحدهما و لا بيّنة لهما فيدّعي من لم تكن العين في يده أنّها له فالمنكر هو المتشبّث فيأمره القاضي باليمين فاذا حلف يقضي له بالعين، و لو لم يحلف و نكل حكم للآخر و كذا لو ردّ اليمين فحلف الآخر، و لو ردّ اليمين و لم يحلف الآخر يحكم بها للمتشبّث أيضا.

الثالثة: أن تكون العين في يد ثالث و لم تكن لهما بيّنة:

فتارة يصدّق من هي في يده أحدهما فيأمر القاضي المصدَّق - بالفتح - باليمين و ذلك لأنّه يصير ذا اليد بتصديق من هي بيده فحال هذه الصورة حال الصورة الثانية التي تكون العين فيها في يد أحدهما، فان حلف يحكم له و ان نكل يحكم للآخر و كذا لو حلف اليمين المردودة، و لو لم يحلف الآخر يحكم لمن صدّقه من هي بيده.

ثمّ انّ للمقرّ عليه اقامة دعوى أخرى على المقرّ بأنّه قد علم أنّ العين لي و معه أقرّ للآخر، و بعبارة أخرى يدّعي كذب المقرّ مع علمه بالواقع، و ينكره المقرّ فللمدّعي حينئذ احلاف المقرّ على ذلك فان حلف على عدم العلم فتنقطع الدعوى و ان نكل أو حلف المقرّ عليه اليمين المردودة يغرم المقرّ قيمة العين للمقرّ عليه.

و أخرى يصدّق كليهما فتدخل هذه الصورة في الصورة الأولى؛ لأنّهما يصيران كما كانت يدهما على العين باقرار ذي اليد لهما، فاذا ادّعى كلّ منهما الملكيّة يجري ما جرى في الصورة الأولى من التحالف.

و ثالثة يكذّبهما فيكونان مدّعيين و يكون هو المنكر فاذا لم يكن لهما بيّنة و يحلف ذو اليد فيحكم بالعين له و ان نكل أو ردّ اليمين و حلفا اليمين المردودة يحكم لهما بها، و ان ردّ اليمين و لم يحلفا يحكم له أيضا، و ان حلف أحدهما دون الآخر يكون العين له.

و رابعة يقول: «هو لأحدهما و لاأعرف صاحبه بعينه»، فحينئذ تصير الصورة كما اذا صدّقهما معا، و حكمها كما اذا كان كلّ واحد منهما ذا اليد.

و أمّا ما ذكره في الجواهر من الحكم بالتنصيف في الصورة الأولى من غير يمين ففيه: انّ ما استدلّ به لهذا القول من المرسلة - مضافا الى ضعفها - لاينافي ما ذكرنا من التنصيف بعد اليمين بعد ما ثبت في محلّه من القاعدة الكلّيّة في باب القضاء من كون البيّنة على المدّعي و اليمين على المنكر، فانّ ما ذكره من كون كلّ منهما مدّعيا لجميع العين لاينافي كون كلّ منهما منكرا بالنسبة الى الآخر.

في تحقّق التعارض في الشهادة مع تحقّق التضادّ

«الثانية»: يتحقّق التعارض في الشهادة مع تحقّق التضادّ، مثل أن يشهد شاهدان بحقّ لزيد، و يشهد آخران أنّ ذلك الحقّ بعينه لعمرو، أو يشهدا أنّه باع ثوبا مخصوصا لعمرو غدوة، و يشهد آخران ببيعه بعينه لخالد في ذلك الوقت. و مهما أمكن التوفيق بين الشهادتين وفّق. فان تحقّق التعارض فامّا أن تكون في يدهما أو يد أحدهما أو في يد ثالث. ففي الأوّل يقضى بها بينهما نصفين؛ لأنّ يد كلّ واحد على النصف و قد أقام الآخر بيّنة فيقضى له بما في يد غريمه.

المسألة الثانية: ما اذا كان لكلّ منهما بيّنة ففيها أربع صور:

الصورة الأولى: ما اذا تنازعا في مال و كان لكلّ منهما بيّنة بحيث تعارضتا، مع كون العين في يدهما معا فقد ذهب المشهور الى أنّه يقضى بينهما نصفين من دون اقراع و لا ملاحظة الترجيح بأعدليّة البيّنات و كثرتها عددا.

ففي المسالك: «اذا أقام المتداعيان بيّنتين فان أمكن التوفيق بينهما وفّق، و عمل بما دلّت على ملكه الآن، كما لو شهدت احداهما بملك المدّعي أمس و الأخرى أنّها ملك الآخر بسبب انتقالها عن ذلك المدّعي اليوم فيعمل بالثانية؛ لامكان صدقهما. و كذا لو أطلقت احداهما و فصّلت الأخرى كما ذكرناه. و ان تحقّق التعارض بحيث استلزم العمل باحداهما تكذيب الأخرى، كأن تشهد احداهما بهذه العين لزيد و تشهد الأخرى بها للآخر فانّه لايمكن أن يكون كلّها ملكا لكلّ واحد منهما فيفتقر الحكم بتقديم احداهما على الأخرى الى المرجّح، و حينئذ نقول: لو كانت العين في يدهما فلا اشكال في الحكم بها بينهما نصفين لكن اختلف في سببه، فقيل: لتساقط البيّنتين بسبب التساوي، و بقي الحكم كما لو لم يكن هناك بيّنة.

و قيل: لأنّ مع كلّ منهما مرجّحا باليد على نصفها، فقدّمت بيّنته على ما في

يده. و الذي اختاره المصنّف رحمه الله أنّ العلّة تقديم بيّنة الخارج، فيقضى لكلّ واحدمنهما بما في يد صاحبه. و هذا هو الأشهر. و تظهر الفائدة في اليمين على من قضي له، فعلى الأوّل يلزم كلاًّ منهما اليمين لصاحبه؛ لأنّ تساقط البيّنتين أوجب الرجوع الى اليمين كالمسألة السابقة.

و على الثاني لا يمين على أحدهما؛ لأنّ ترجيح البيّنة على الأخرى بسبب اليد أوجب العمل بالراجح و ترك الآخر كما لو تعارض الخبران. و على الثالث - و هو الأظهر - لا يمين؛ لأنّ القضاء له مستند الى بيّنته، و هي ناهضة بثبوت الحقّ فيستغنى عن اليمين. و في التحرير قوّى ثبوت اليمين على كلّ منهما، مع حكمه بتقديم بيّنة الخارج و أنّ القضاء هنا لكلّ منهما بما في يد الآخر و احتمل عدم اليمين».(1)

و في الجواهر: «يقضى بينهما نصفين من دون اقراع و لا ملاحظة ترجيح بأعدليّة أو أكثريّة بلا خلاف أجده بين من تأخّر عن القديمين: الحسن و أبي علي».(2)

و قال السيّد الطباطبائي: «الأشهر التنصيف سواء تفاوتت البيّنتان عدالة و عددا واطلاقا و تقييدا أم اختلفتا و عن المفاتيح: بلا خلاف. و عن بعضهم الرجوع الى المرجّحات من الأكثريّة أو الأعدليّة. و عن بعضهم: الحاجة الى الحلف أيضا. انتهى ملخّصا».(3)

أقول:

هذا ما ذهب اليه المشهور في هذه الصورة و هي ما اذا كانت العين في يدهما


1) - مسالك الأفهام 14: 80 و 81.

2) - جواهر الكلام 40: 410.

3) - تكملة العروة 2: 155 و 156.

مع تعارض بيّنتهما، و الأقوى أنّ على القاضي احلافهما جميعا فان حلف أحدهما دون الآخر - كما اذا حلف الأوّل دون الثاني أو نكل الأوّل أو ردّ اليمينعلى الثاني فحلف - قضى بها للحالف و ذلك لما في معتبرة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّ رجلين اختصما الى أميرالمؤمنين عليه السلام في دابّة في أيديهما و أقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها نتجت عنده، فأحلفهما علي عليه السلام ، فحلف أحدهما و أبى الآخر أن يحلف، فقضى بها للحالف. الحديث».(1)

و أمّا ان حلف كلاهما حكم لكلّ منهما بنصف المال و ذلك لما في ذيل المعتبرة:

«فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما و أقاما البيّنة؟ فقال: أحلّفهما فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين. الحديث».

بناءً على تساوي حكمه مع ما لو كان في يدهما معا.

و عن العلاّمة الخوئي رحمه الله: «ان حلف كلاهما أو لم يحلفا معا قسّم المال بينهما بالسويّة و ان حلف أحدهما دون الآخر حكم بأنّ المال له».(2)

ثمّ لايخفى أنّ هذا الحكم كان فيما اذا تساوت البيّنتان في العدد و أمّا اذا اختلفت فسيأتي أنّه لايبعد تقديم الأكثر بيّنة.

و في الثاني يقضى بها للخارج دون المتشبّث ان شهدتا لهما بالملك المطلق. و فيه قول آخر - ذكره في الخلاف - بعيد. و لو شهدتا بالسبب، قيل: يقضى لصاحب اليد؛ لقضاء علي عليه السلام في الدابّة. و قيل: يقضى للخارج؛ لأنّه


1) - وسائل الشيعة 27: 250 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

2) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 63.

لا بيّنة على ذي اليد، كما لا يمين على المدّعي، عملاً بقوله صلى الله عليه و آله: «و اليمين على من أنكر» و التفصيل قاطع للشركة. و هو أولى. أمّا لو شهدت للمتشبّث بالسبب و للخارج بالملك المطلق فانّه يقضى لصاحب اليد سواء كان السبب ممّا لايتكرّر كالنتاج و نساجة الثوب الكتّان أو يتكرّر كالبيع و الصياغة. و قيل: بل يقضى للخارج و ان شهدت بيّنته بالملك المطلق، عملاً بالخبر. و الأوّل أشبه.

و في المسالك: «اذا كانت العين المتنازع فيها في يد أحدهما، و أقام كلّ منهما بيّنة، ففي ترجيح أيّهما أقوال: أحدهما: ترجيح الخارج مطلقا أي سواء شهدتا بالملك المطلق أم المقيّد بالسبب أم تفرّقتا، بأن شهدت احداهما بالملك المطلق و الأخرى بالمقيّد. ذهب الى ذلك الصدوقان و سلاّر و ابن زهرة و ابن ادريس و الشيخ في موضع من الخلاف، لكن الصدوق قدّم أعدل البيّنتين و مع التساوي الخارج.

و الحجّة قوله صلى الله عليه و آله: «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه». و وجه الدلالة أنّه صلى الله عليه و آلهجعل لكلّ واحد منهما حجّة، فكما لا يمين على المدّعي لا بيّنة على المدّعى عليه، و التفصيل يقطع الاشتراك.

و لرواية محمّد بن حفص عن منصور عن الصادق عليه السلام قال: «قلت له: رجل في يده شاة فجاء رجل فادّعاها و أقام البيّنة العدول أنّها ولدت عنده و لم يهب و لم يبع، و جاء الذي في يده بالبيّنة مثلهم عدول أنّها ولدت عنده و لم يبع و لم يهب، قال عليه السلام : حقّها للمدّعي و لاأقبل من الذي في يده بيّنة، انّ اللّه عزّوجلّ انّما أمر أن تطلب البيّنة من المدّعي فان كانت له بيّنة و الاّ فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر اللّه عزّوجلّ». و طريق الرواية الى منصور حسن، أمّا هو فانّه مشترك بين الثقة و غيره.

و الثاني: ترجيح ذي اليد مطلقا. و هو قول الشيخ في كتاب الدعاوي من الخلاف. و هو الذي نسبه المصنّف رحمه الله الى البعد. و حجّته رواية جابر «أنّ رجلين اختصما عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله في دابّة أو بعير، فأقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّه أنتجها فقضى بها رسول اللّه صلى الله عليه و آله للذي هي في يده». و رواية غياث بن ابراهيم، و مدلول هذين الحديثين - مع ضعف سندهما بكون الأوّل عامّيا و الثاني بغياث - أخصّ من المدّعى؛ لأنّهما دلاّ على تقديم ذي اليد مع السبب لهما، لا مع الملك المطلق.

و الثالث: ترجيح الداخل ان شهدت بيّنته بالسبب سواء انفردت به أم شهدت بيّنة الخارج به أيضا و تقديم الخارج ان شهدتا بالملك المطلق أو انفردت بيّنته بالسبب. و هو الذي اختاره المصنّف رحمه الله و قبله الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار، و تلميذه القاضي و جماعة.

و حجّة هذا التفصيل الجمع بين الأخبار التي دلّ بعضها على تقديم الداخل مع بيان السبب و قد سمعته، و بعضها على تقديم الخارج و هو محمول على ما اذا أطلقتا أو اختصّت بيّنة الخارج بالسبب بطريق أولى، كما أنّ تقديم بيّنة الداخل مع انفرادها بالسبب ثابت بطريق أولى، لورود النصّ على تقديمها مع اشتراكهما في السبب.

و الرابع ترجيح الأعدل من البيّنتين أو الأكثر عددا مع تساويهما في العدالة مع اليمين و مع التساوي يقضى للخارج.

و هو قول المفيد رحمه الله، و قريب منه قول الصدوق فانّه قدّم أعدل البيّنتين و مع التساوي الخارج. و قد تقدّم. و الترجيح بهاتين الصفتين عمل به المتأخّرون على تقدير كون العين في يد ثالث، لورودها في بعض الأخبار كذلك مع أنّ في بعضها ما يدلّ على هذا القول كما دلّت صحيحة أبي بصير على الترجيح بالعدد مع تشبّث أحدهما و خروج الآخر و على ما لو ذكرا جميعا السبب، و هي أوضح سندا من الروايات السابقة. كما يشمل هذا القسم باطلاقها رواية عبدالرحمن. و بقي في

المسألة أقوال أخر نادرة ليس عليها دليل واضح. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الصورة الثانية: أن تكون العين في يد أحدهما فيحكم بالمال لذي اليد مع يمينه؛ لما في ذيل المعتبرة المذكورة:

«قيل: فان كانت في يد أحدهما و أقاما جميعا البيّنة؟ قال: أقضي بها للحالف الذي هي في يده».

فان لم يحلف ذو اليد و نكل حكم بالمال للخارج و ان ردّ اليمين و حلف الخارج حكم به له أيضا، و ان لم يحلفا جميعا حكم لكلّ منهما بنصف المال، كما هو مفاد المعتبرة أيضا.

و يؤيّد الحكم في هذه الصورة موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام اختصم اليه رجلان في دابّة و كلاهما أقام البيّنة أنّه أنتجها فقضى بها للذي في يده، و قال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين».(2)

بالجمع بينها و بين معتبرة اسحاق بن عمّار في وجوب الحلف.

ثمّ انّه في هذه الصورة لو كانت بيّنة أحدهما أكثر من الآخر فيقدّم في الحلف و ذلك للجمع بين صحيحة أبي بصير و معتبرة اسحاق بن عمّار.

ففي صحيحة أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يأتي القوم، فيدّعي دارا في أيديهم و يقيم البيّنة و يقيم الذي في يده الدار البيّنة أنّه ورثها عن أبيه، و لايدري كيف كان أمرها. قال: أكثرهم بيّنة يستحلف و تدفع اليه، و


1) - مسالك الأفهام 14: 82 - 86.

2) - وسائل الشيعة 27: 250 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 3.

ذكر أنّ عليّا عليه السلام أتاه قوم يختصمون في بغلة فقامت البيّنة لهؤلاء أنّهم أنتجوها على مذودهم و لم يبيعوا و لم يهبوا و قامت البيّنة لهؤلاء بمثل ذلك، فقضى عليه السلام بها لأكثرهم بيّنة و استحلفهم، قال: فسألته حينئذ فقلت: أرأيت ان كان الذي ادّعى الدار قال: انّ أبا هذا الذي هوفيها أخذها بغير ثمن. و لم يقم الذي هو فيها بيّنة الاّ أنّه ورثها عن أبيه، قال: اذا كان الأمر هكذا فهي للذي ادّعاها، و أقام البيّنة عليها».(1)

و لايبعد اجراء هذا الحكم في جميع الصور بمعنى أنّه يستحلف الطرف الذي هو أكثر بيّنة.

فتحصّل أنّه في هذا الفرض يجب تقديم الأكثر بيّنة مع يمينه فان تساوتا فذو اليد.

بقي الكلام في الأقوال الأخر التي ذكرها في المسالك:

أمّا الأوّل - و هو القول بتقديم بيّنة الخارج مطلقا - ففيه: انّ ما استدلّ به من القاعدة الكلّيّة المستفادة من قوله صلى الله عليه و آله: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر»، عامّ قابل للتخصيص بالمعتبرة، مضافا الى أنّه غاية ما يدلّ عليه هو أنّ الواجب على المدّعي في مقام الدعوى اقامة البيّنة و الواجب على المنكر اليمين، و لايدلّ على أنّه ان أقام المنكر البيّنة لاتقبل منه و لايعتنى بها كما سيرد عليك قبول بيّنة ذي اليد في المسألة الثالثة و هي ما اذا كان لأحدهما خاصّة بيّنة مع كون ذي اليد منكرا مطلقا.

و التحقيق أنّ لزوم اليمين كان لاثبات الحقّ اذا لم يكن في البين ما يثبته فاذا كان لذي اليد بيّنة فلايحتاج الى اليمين قطعا.


1) - وسائل الشيعة 27: 249 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

و أمّا ما أيّد به القول الأوّل من رواية محمّد بن حفص فهي و ان كانت دلالتها على المراد واضحة الاّ أنّ في سندها ضعف و جهالة، فانّ محمّد بن حفص الثقة هو وكيل الناحية مع أنّ منصور بن حازم الذي يروي عنه محمّد بن حفص كان يروي عن الامام الصادق عليه السلام ، و ابراهيم بن هاشم الذي يروي عن محمّد بن حفص كان في زمن الامام الرضا عليه السلام فلايمكن أن يكون ابن حفص الذي يرويعنه ابراهيم بن هاشم و يروي هو عن منصور بن حازم هو وكيل الناحية، و على هذا فمحمّد بن حفص مجهول لايدرى حاله و الرواية ضعيفة من حيث السند، فلاتقابل ما ورد من معتبرة اسحاق بن عمّار و صحيحة أبي بصير.

و أمّا القول الثاني - و هو تقديم ذي اليد مطلقا - فمطابق لما ذكرنا الاّ في مورد أكثريّة بيّنة أحدهما و قد تقدّم تخصيص الروايات بصحيحة أبي بصير.

و أمّا القول الثالث - الذي نسبه الشهيد رحمه الله الى المصنّف مع أنّ النسبة في غير محلّه - فضعيف بما تقدّم من معتبرة اسحاق بن عمّار، و كذا القول الرابع.

و لو كانت في يد ثالث قضي بأرجح البيّنتين عدالة، فان تساويا قضي لأكثرهما شهودا. و مع التساوي عددا و عدالة يقرع بينهما، فمن خرج اسمه أحلف و قضي له. و لو امتنع أحلف الآخر و قضي له. و ان نكلا قضي به بينهما بالسويّة. و قال في المبسوط: «يقضى بالقرعة ان شهدتا بالملك المطلق، و يقسّم بينهما ان شهدتا بالملك المقيّد، و لو اختصّت احداهما بالتقييد قضي بها دون الأخرى». و الأوّل أنسب بالمنقول.

و في المسالك - بعد ما شرح فتوى المصنّف و الشيخ في المبسوط - قال: «و بالجملة فالحكم في هذين القسمين لايخلو من اشكال لاختلاف الأخبار على وجه يعسر الجمع بينها، و ضعف ما ذكروه من طريق الجمع و ضعف سند أكثرها

و عدم عمل الأصحاب بما اعتبر أسناده مقتصرين عليه. و لأجل ما ذكرناه اقتصر الشهيد في الدروس على مجرّد نقل الأقوال من غير ترجيح لأحدها».(1)

أقول:

الصورة الثالثة: أن تكون العين في يد ثالث فان صدّق أحدهما يستحلف، فان حلف حكم له و ذلك لأنّه يصير ذا اليد مع تصديق من هي بيده ايّاه، و ان لم يحلف و نكل حكم للآخر، و ان ردّ اليمين و حلف صاحبه حكم له أيضا و ان لم يحلف أيضا حكم بينهما بالتنصيف، كلّ ذلك مستفاد من الصحيحة و المعتبرة.

ثمّ انّ مقتضى ما تقدّم من صحيحة أبي بصير هو تقديم أكثرهما بيّنة على المصدَّق كما يقدّم على ذي اليد في الصورة الثانية.

و لو صدّقهما معا و كان لهما بيّنة فيكون كالصورة الأولى؛ لأنّه كما لو كان في يدهما فيستحلفهما جميعا فان حلفا أو لم يحلفا جميعا يقسّم بينهما نصفين و الاّ حكم للذي حلف.

و الدليل على ذلك ما تقدّم من ذيل معتبرة اسحاق بن عمّار:

«فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما و أقاما البيّنة؟ فقال: أحلّفهما فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين. الحديث».

بحملها على ما اذا صدّقهما.

أمّا لو كذّبهما أو لم يعترف بشيء فالحكم أن يقرع بينهما فمن أخرجته القرعة يستحلف فان حلف حكم له و ان نكل أو ردّ اليمين على صاحبه فحلف حكم لصاحبه و ان لم يحلف صاحبه أيضا يقسّم بينهما نصفين، و ذلك للجمع بين معتبرة اسحاق بن عمّار و بين ما دلّ من الروايات على الحكم بالقرعة المحمول


1) - مسالك الأفهام 14: 88.

على ما اذا لم تكن في يد أحدهما و لا ترجيح لبيّنة أحدهما على الأخرى كما سيأتي.

الصورة الرابعة: لو لم تكن العين في يد واحد منهما و لا ثالث، فيعرف حكمها ممّا ذكر من الحكم بالقرعة.

المسألة الثالثة: التي لم يذكرها المصنّف رحمه الله و هي ما لو تنازعا في عين وكانت البيّنة لأحدهما خاصّة دون الآخر ففي المسألة أربع صور:

الأولى: ما اذا تنازعا في عين في أيديهما، فاذا كانت البيّنة لأحدهما خاصّة، قدّم صاحب البيّنة و ذلك لما تقدّم من دلالة أدلّة شرعيّة البيّنة على حجّيّتها مطلقا و لو كان من ذي اليد.

الثانية: ما اذا تنازعا عينا ليست في يد أحدهما فلا اشكال في تقديم صاحب البيّنة، و الدليل عليه ما تقدّم.

الثالثة: ما اذا تنازعا عينا في يد أحدهما مع كون البيّنة لغير ذي اليد، فلا اشكال أيضا في تقديم صاحب البيّنة الذي هو المدّعي.

و يدلّ عليه أيضا ما في ذيل صحيحة أبي بصير المتقدّمة:

«فسألته حينئذ فقلت: أرأيت ان كان الذي ادّعى الدار قال: انّ أبا هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن، و لم يقم الذي هو فيها بيّنة الاّ أنّه ورثها عن أبيه، قال: اذا كان الأمر هكذا فهي للذي ادّعاها و أقام البيّنة عليها».

الرابعة: عكس الصورة السابقة يعني اذا تنازعا عينا في يد أحدهما مع كون البيّنة لذي اليد، ففي هذه الصورة أيضا يعمل ببيّنة صاحب اليد و ان كان منكرا، و ذلك لأدلّة حجّيّة البيّنة و ما تقدّم منّا من عدم دلالة قوله صلى الله عليه و آله: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» على عدم قبول بيّنة المنكر لو كان له بيّنة كما أشار الى ذلك صاحب الجواهر رحمه الله حيث قال: «ضرورة عدم دلالته - النبوي - على أزيد من

استحقاق المدّعي على المنكر اليمين دون البيّنة بخلاف المنكر، فانّ له على المدّعي البيّنة و هو غير قبول البيّنة من المنكر و لو في الجملة المستفاد ممّا تسمعه من نصوص الباب و فتاوى الأصحاب، مضافا الى عموم ما دلّ على حجّيّة شهادة العدلين كتابا و سنّة و لا معارض لذلك كلّه الاّ خبر منصور المزبور الذي في سنده ما فيه و موافق لصريح المنقول عن ابن حنبل و لعلّ ذلك لايخلو من قوّة».(1)

ثمّ بعد الفراغ من صور المسألة ينبغي ذكر أمور لئلاّيغيب عن البال:

الأوّل: انّ ما ذكرنا من ترجيح أكثر البيّنتين على الأخرى لايجري فيما اذا شهد لأحدهما عدلان مثلاً و للآخر ثلاثة عدول بل اللازم للترجيح حصول بيّنتين فأكثر في أحد الطرفين و هي لاتحصل الاّ بأربعة عدول، فانّ العدلين معا بيّنة واحدة.

الثاني: قد ذكرنا الترجيح بأكثريّة البيّنة، ففي حكمها الترجيح بأعدليّتها، فاذا كانت احدى البيّنتين أعدل من الأخرى فالمقدّم هو الأعدل.

الثالث: قد ورد في بعض روايات الباب الحكم بالقرعة في تعارض البيّنات فمقتضى الجمع بين الروايات هو اختصاص القرعة بما اذا لم يكن أحدهما ذا اليد و لم تكن احدى البيّنتين أكثر أو أعدل من الأخرى، كما تقدّم في بعض الأقسام من الصورة الثالثة و الصورة الرابعة.

في تحقّق التعارض بين الشاهدين و الشاهد و المرأتين

و يتحقّق التعارض بين الشاهدين و الشاهد و المرأتين، و لايتحقّق بين شاهدين و شاهد و يمين. و ربما قال الشيخ نادرا: يتعارضان و يقرع بينهما. و لا بين شاهد و امرأتين و شاهد و يمين، بل يقضى بالشاهدين و الشاهد و المرأتين، دون الشاهد و اليمين.

قال في المسالك: «أمّا تحقّق التعارض بين الشاهدين و الشاهد و المرأتين،


1) - جواهر الكلام 40: 417.

فلأنّ كلاًّ منهما حجّة مستقلّة يثبت بها المال. و أمّا عدم معارضة الشاهد و اليمين لهما، فلأنّ الشاهد لايستقلّ بالحجّة و اليمين معه و ان أوجبت ثبوت المال الاّ أنّه حجّة ضعيفة و من ثمّ اختلف في ثبوته بها. و أيضا فالذي يحلف مع شاهده يصدّق نفسه و الذي يقيم شاهدين يصدّقه غيره فهو أقوى جانبا و أبعد عن التهمة. بهذا صرّح الشيخ في المبسوط في فصل الدعاوي و البيّنات، و فيالخلاف أيضا.

و القول النادر الذي نسبه المصنّف رحمه الله اليه بالتعارض بينهما و القرعة ذكره في المبسوط في فصل الرجوع عن الشهادة، و وجهه أنّ الشاهد و اليمين حجّة مستقلّة في اثبات المال كالشاهدين، فيعارضانهما كما يعارضهما الشاهد و المرأتان.

و انّما قال المصنّف: «و ربما قال الشيخ ... » لأنّ كلامه ليس صريحا و قد اختلف العلماء في فهم عبارته. - ثمّ انّه رحمه الله بعد نقل عبارة الشيخ في المبسوط قال: - و الذي يظهر أنّ هذا ليس حكما بالتعارض، بل هو باقٍ على تردّده حيث اقتصر على مجرّد نقلها و انّما فرّع ما يناسب القول الثاني من مذهبنا. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

البيّنة في اصطلاح الشرع تطلق على رجلين عدلين أو رجل عادل و امرأتين عادلتين، و قد قال اللّه تبارك و تعالى: «و استشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان»(2).

و كذا في السنّة ففي صحيحة الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجلين شهدا على أمر، و جاء آخران فشهدا


1) - مسالك الأفهام 14: 89 - 91.

2) - البقرة 2: 282.

على غير ذلك فاختلفوا، قال: يقرع بينهم فأيّهم قرع فعليه اليمين و هو أولى بالحقّ».(1)

و في مرسلة يونس قال:

«استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين فان لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان فان لم تكن امرأتان فرجل و يمين المدّعيفان لم يكن شاهد فاليمين على المدّعى عليه. الحديث».(2)

و قد تقدّم منّا أنّه تثبت حقوق الناس كلّها بشهادة رجل واحد مع يمينه و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يجيز في الدين شهادة رجل واحد و يمين صاحب الدين و لم يجز في الهلال الاّ شاهدي عدل».(3)

و صحيحته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لو كان الأمر الينا أجزنا شهادة الرجل الواحد، اذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأمّا ما كان من حقوق اللّه عزّوجلّ، أو رؤية الهلال فلا».(4)

و لاتنافيهما صحيحة حمّاد بن عثمان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كان علي عليه السلام يجيز في الدين شهادة رجل و يمين المدّعي».(5)


1) - وسائل الشيعة 27: 254 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 11.

2) - وسائل الشيعة 27: 271 / الباب 15 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 264 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 27: 268 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 12.

5) - وسائل الشيعة 27: 268 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 11.

و رواية القاسم بن سليمان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: قضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله بشهادة رجل مع يمين الطالب في الدين وحده».(1)

لأنّ الأولى لاتحصر قبول الشاهد و اليمين في الدين فقط، بل كأنّها ذكرت موردا من موارد قبولهما بقرينة صحيحتي محمّد بن مسلم، و الثانية و ان حصرت المورد الاّ أنّها ضعيفة السند لاتصلح لمعارضة الصحاح.

و أمّا الكلام في التعارض فالظاهر من هذه الروايات و أمثالها و كذا ظاهر الآيةو كلام الأصحاب أنّ التعارض يقع بين الشاهدين و رجل و امرأتين بلا خلاف و لا اشكال فانّ الرجل مع المرأتين في حكم الشاهدين.

و أمّا الشاهد مع اليمين فلايصلح لمعارضة الشاهدين و لا الشاهد مع المرأتين، فانّ حقوق الناس انّما تثبت بالشاهد و اليمين اذا لم يشهد للطرف الآخر رجلان أو رجل و امرأتان، و قد عرفت ما في المسالك من أنّ خلافه نادر.

و في الجواهر: «لا خلاف و لا اشكال في أنّه يتحقّق التعارض بين الشاهدين و الشاهد مع المرأتين؛ لصدق اسم البيّنة على كلّ منهما، فتشمله الأدلّة السابقة. و لايتحقّق بين الشاهدين و شاهد و يمين؛ لعدم صدق اسم البيّنة عليه. بل لا تعارض بين شاهد و امرأتين و شاهد و يمين، و يقضى بالشاهدين و الشاهد و المرأتين دون الشاهد و اليمين. انتهى ملخّصا».(2)


1) - وسائل الشيعة 27: 268 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 10.

2) - جواهر الكلام 40: 432.

و كلّ موضع قضينا فيه بالقسمة، فانّما هو في موضع يمكن فرضها كالأموال دون ما يمتنع كما اذا تداعى رجلان زوجة.

قال في المسالك: «اذا تداعيا زوجة و لم تترجّح بيّنة أحدهما لكونهما خارجين و نكلا عن اليمين، فانّه لايتصوّر القسمة هنا، كما يقسّم بينهما المال لو كانت الدعوى مالاً، بل الطريق هنا الحكم لمن أخرجته القرعة؛ اذ لا سبيل الى غيره».(1)

يدلّ على ذلك مرسلة داود بن أبي يزيد العطّار عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل كانت له امرأة فجاء رجل بشهود أنّ هذه المرأة امرأة فلان، و جاء آخران فشهدا أنّها امرأة فلان فاعتدل الشهود و عدّلوا فقال:

«يقرع بينهم، فمن خرج سهمه فهو المحقّ، و هو أولى».(2)

و لايخفى أنّ الحكم كما في الرواية فيما اذا لم يكن بيّنة أحدهما أكثر أو أعدل من الأخرى و الاّ فيحكم له، و الظاهر أنّه لا حاجة الى يمين من كانت بيّنته أكثر أو أعدل أو من أخرجته القرعة و ذلك أوّلاً لعدم ذكره في المرسلة المؤيّدة بعمل الأصحاب بها.

و ثانيا: لعدم الفائدة فيها؛ لأنّه لو نكل و لم يحلف لم يقض للطرف الآخر و ان حلف.

اللّهمّ الاّ أن يقال: ان صدّقت هي أحدهما أحلف المصدَّق و الاّ فالحكم هو الحلف على من أخرجته القرعة، و ذلك للجمع بين الروايات المتقدّمة الدالّة على وجوب الحلف و بين هذه المرسلة.

و هو - لولا الاجماع على خلافه - حسن.


1) - مسالك الأفهام 14: 91.

2) - وسائل الشيعة 27: 252 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 8.

و الشهادة بقديم الملك أولى من الشهادة بالحادث، مثل أن تشهد احداهما بالملك في الحال و الأخرى بقديمه أو احداهما بالقديم و الأخرى بالأقدم فالترجيح لجانب الأقدم. و كذا الشهادة بالملك أولى من الشهادة باليد؛ لأنّها محتملة. و كذا الشهادة بسبب الملك أولى من الشهادة بالتصرّف.

في مرجّحات البيّنات

قد ذكر المصنّف رحمه الله هنا ثلاثة مرجّحات لبيّنة على أخرى:

الأوّل: قدم زمان ما يثبت باحداهما على الأخرى.

قال في المسالك: «هنا مسائل: الأولى: اذا تعارضت البيّنتان في الملك ولكن اختصّت احداهما بزيادة التأريخ فالمشهور أنّه مرجّح، و وجهه أنّها تثبت الملك في وقت لاتعارضها البيّنة الأخرى فيه، و في وقت تعارضها الأخرى فتتساقطان في التعارض و يثبت موجبها فيما قبل محلّ التعارض، و الأصل في الثابت دوامه، و في المسألة وجه آخر بعدم الترجيح بذلك؛ لأنّ مناط الشهادة بالملك في الحال و قد استويا فيه فأشبه ما اذا كانتا مطلقتين أو مؤرّختين بتأريخ واحد و المسألة مفروضة فيما اذا كان المدّعى في يد ثالث. انتهى ملخّصا».(1)

و مراده رحمه الله من الأصل الاستصحاب.

و في الجواهر - بعد نقل كلام المصنّف رحمه الله - قال: «كما عن الشيخ و ابني ادريس و حمزة، بل في المسالك نسبه الى المشهور، و علّلوه بأنّ الزائدة تثبت الملك في وقت لاتعارضها الأخرى، و انّما يتساقطان في محلّ التعارض دون السابق الذي لا معارض له فيها، و الأصل في الثابت دوامه، و لهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان ممّن تصرّف فيه؛ لأنّه ملك لا معارض له فيه فيجب استدامته و ان لايثبت لغيره ملك الاّ من جهته، و لم أجد في شيء من النصوص اشارة اليه الاّ ما في


1) - مسالك الأفهام 14: 92.

صحيح ابن سنان عن الصادق عليه السلام عن علي عليه السلام : «انّه كان اذا اختصم الخصمان في جارية فزعم أحدهما أنّه اشتراها و زعم الآخر أنّه أنتجها و كانا اذا أقاما البيّنة جميعا قضى بها للذي انتجت عنده»».(1)

و استشكل في نظام القضاء و قال: «انّ الاستصحاب في المقام امّا مرجع في القضاء أو مرجّح لاحدى البيّنتين أو ضميمة لها حتّى يستند اليها القاضي، و الكلّ باطل؛ لأنّ المرجع هو البيّنة و اليمين. و الثاني و الثالث فهما يفيدان اذا لم يكن الاستصحاب محرزا بالبيّنة و في طولها، و الحال أنّ في المقام ليست الحالة السابقة محرزة الاّ بنفس البيّنة، و المفروض أنّها سقطت بالتعارض. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

اذا كانت العين في يد ثالث و تداعاها شخصان و كلّ منهما أقام البيّنة الاّ أنّ احداهما شهدت بملكيّتها لأحدهما في السابق و الأخرى شهدت بالملكيّة في الحال، و بالنتيجة أنّ كلاًّ منهما يدّعي ملكيّة العين في الحال فحكمه ما تقدّم في الصورة الثالثة فيما اذا لم يعترف الثالث لأحدهما و قلنا هناك بالقرعة جمعا بين رواياتها و بين معتبرة اسحاق بن عمّار، و ذلك لعدم ترجيح بين البيّنتين.

و أمّا رواية ابن سنان التي عبّر عنها في الجواهر و غيره بالصحيحة فالظاهر عدم صحّتها؛ لأنّ في سندها علي بن مطر و هو لم يوثّق في كتب الرجال.

الثاني: أن تشهد احداهما بالملك و الأخرى باليد، فتقدّم الأولى.

قال في المسالك: «الثانية: لو تعارضت البيّنة بالملك المطلق و البيّنة باليد، فالترجيح لبيّنة الملك؛ لأنّ اليد و ان كانت ظاهرة في الملك الاّ أنّها محتملة لغيره؛


1) - جواهر الكلام 40: 437.

2) - نظام القضاء و الشهادة 2: 133 و 134.

لجواز استنادها الى العارية و الاجارة و غيرهما بخلاف الملك فانّه صريح في المطلوب فكانت الشهادة به مرجّحة».(1)

و في الجواهر: «أمّا الشهادة بالملك فلا ريب أنّها أولى من الشهادة باليد لأنّها محتملة للملك و غيره و ان كانت ظاهرة فيه لكن مع عدم معارضة الصريح فيه، اذ من المعلوم عقلاً و نقلاً عدم معارضة الظاهر للنصّ، و لذا لم تعارض اليد الفعليّة الحسّيّة البيّنة على الملك فعلاً، كما هو المعلوم من قوله صلى الله عليه و آله: «البيّنة على المدّعي» و غيره فضلاً عن اليد الثابتة بالبيّنة».(2)

أقول:

اذا شهدت البيّنة أنّ مالك هذه العين زيد - مثلاً - و شهدت الأخرى أنّها تكون في يد عمرو - مع أنّ مفروض المسألة كون العين في يد ثالث - فمعلوم أنّ البيّنة على الملك مقدّمة على البيّنة على اليد؛ لأنّ اليد - كما قال في المسالك - يمكن أن تكون مستندة الى عارية أو اجارة و غيرهما بخلاف الملك فانّه صريح في المطلوب، فلا معارضة بين النصّ و الظاهر كما عرفت من الجواهر.

الثالث: أن تشهد احداهما بسبب الملك و الأخرى بالتصرّف، فتقدّم الأولى أيضا.

قال في المسالك: «الثالثة: لو تعارضت البيّنة بسبب الملك و البيّنة بالتصرّف، بأن شهدت الأولى أنّ العين لفلان اشتراها من فلان و شهدت بيّنة الآخر أنّها وجدته يتصرّف في العين تصرّف الملاّك، من البناء و الهدم و البيع و الرهن و نحو ذلك، قدّمت بيّنة الملك المسبّب؛ لأنّ التصرّف أعمّ من الملك المطلق، لجواز وقوعه من الوكيل و غيره بخلاف الملك المتبيّن سببه، فانّه صريح في المطلوب.


1) - مسالك الأفهام 14: 95.

2) - جواهر الكلام 40: 444.

و مقتضى هذا التعليل تقديم بيّنة الملك و ان لم يذكر سببه على بيّنة التصرّف كما رجّحت على بيّنة اليد و ان كان التصرّف أقوى من مطلق اليد؛ لاشتراكهما في قيام الاحتمال دون الملك».(1)

و في الجواهر: «و كذا الشهادة بسبب الملك من شراء و نحوه أولى من الشهادة بالتصرّف الذي يكون عن ملك و عن وكالة و عن غيرها و ان كان هو ظاهرا في الأوّل، لكن مع عدم معارضة الصريح فيه نحو ما سمعته في اليد الذي ما نحن فيه قسم منها في الحقيقة، و من هنا تقدّم البيّنة المزبورة على التصرّف المحسوس فعلاً فضلاً عن الثابت بالبيّنة».(2)

أقول:

اذا شهدت البيّنة على أنّ هذه الدار لزيد و أنّه مالكها و اشتراها من فلان و شهدت بيّنة أخرى بأنّا رأينا عمروا قد تصرّف في هذه الدار بالبناء و الهدم و البيع و الرهن و غيرها تقدّمت بيّنة الملك؛ لأنّها نصّ في الملك و هو المطلوب، و البيّنة على التصرّف الملكي ظاهرة في الملك و النصّ مقدّم على الظاهر.

و كذا الكلام لو شهدت احداهما بالملك المطلق و الأخرى بالتصرّف.


1) - مسالك الأفهام 14: 95.

2) - جواهر الكلام 40: 444.

فيما لو ادّعى شيئا فقال المدّعى عليه: هو لفلان

«الثالثة»: اذا ادّعى شيئا، فقال المدّعى عليه: هو لفلان، اندفعت عنه المخاصمة حاضرا كان المقرّ له أو غائبا. فان قال المدّعي: أحلفوه أنّه لايعلم أنّها لي، توجّهت اليمين؛ لأنّ فائدتها الغرم لو امتنع لا القضاء بالعين لو نكل أو ردّ. و قال الشيخ رحمه الله: لايحلف و لايغرم لو نكل. و الأقرب أنّه يغرم؛ لأنّه حال بين المالك و بين ماله باقراره لغيره. و لو أنكر المقرّ له حفظها الحاكم؛ لأنّها خرجت عن ملك المقرّ و لم تدخل في ملك المقرّ له. و لو أقام المدّعي بيّنة قضي له. أمّا لو أقرّ المدّعى عليه بها لمجهول لم تندفع الخصومة، و ألزم البيان.

في المسألة صور:

لأنّه اذا ادّعى شيئا في يد شخص، و لم يقم بيّنة على دعواه، فقال المدّعى عليه: انّه ليس لي و لا للمدّعي، فامّا أن يقتصر عليه أو يضيفه الى مجهول أو الى معلوم، ثمّ المعلوم امّا يمكن مخاصمته أو يمتنع، و الأوّل امّا حاضر أو غائب:

فالأولى: أن يقول: انّه ليس لي و لا للمدّعي فاقتصر عليه، فحينئذ يترك في يده و ذلك لعلّه كان عنده عارية أو اجارة أو نسي أنّه ملكه.

فان قال المدّعي: «أحلفوه أنّه لايعلم أنّها لي» فهل تجب اجابته؟ الظاهر أنّ وجوب الاجابة أو عدمه منوط بنظر الحاكم فان رأى المصلحة في حلفه يستجيب له، فان حلف فبها و ان نكل فالحكم للمدّعي بدون الحلف أو معه - على اقتضاء المصلحة، و الاّ فالقاعدة الأوّليّة كما تقدّم عدم وجوب حلفه مع نكول المنكر - و كذا ان ردّ اليمين و حلف المدّعي.

فعلى القاضي رعاية المصلحة بالنسبة الى احقاق الحقوق و عدم تضييعها.

و الثانية: أن يضيفه الى مجهول بأن يقول: «هو لرجل لاأعرفه أو لاأسمّيه» فهو كذلك أي مثل ما لو قال: ليس لي و لا للمدّعي و اقتصر عليه.

ففي المسالك - في حكم هاتين الصورتين - قال: «ففي انصراف الخصومة عنه و انتزاع المال من يده وجهان: أصحّهما - و هو الذي لم يذكر المصنّف غيره - أنّها لاتنصرف و لاينتزع المال من يده؛ لأنّ الظاهر أنّ ما في يده ملكه و ما صدر عنه ليس بمزيل و لم يظهر لغيره استحقاقا، و على هذا فان أقرّ بعد ذلك لمعيّن قبل، و انصرف الخصومة الى ذلك المعيّن، و الاّ فيقيم المدّعي البيّنة عليه أو يحلفه. و الوجه الثاني: انّها تنصرف عنه بذلك؛ لأنّه يبرأ من المدّعي و ينتزع الحاكم المال من يده، فان أقام المدّعي بيّنته على الاستحقاق فذاك و الاّ حفظه الى أن يظهر مالكه».(1)

فالظاهر أنّه تنصرف الدعوى عنه و يبقى المال عنده، و ذلك لعدم بيّنة للمدّعي على دعواه و عدم حضور خصم ليحلف على عدم صحّة الدعوى، الاّ أن يدّعي علم ذي اليد بأنّ المال له كما تقدّم.

و الثالثة: أن يضيفه الى معلوم تمتنع مخاصمته و تحليفه كما اذا قال هو وقف على الفقراء أو لمسجد كذا، فان أقام المدّعي البيّنة فلايسمع قول ذي اليد و ان لم يقم بيّنة فان استدعى المدّعي احلافه فعليه اليمين و ان نكل أو ردّ اليمين على المدّعي فحلف فيحكم له، و كذلك يكون الحال لو قال: هذا وقف على ابني الطفل أو ملك له.

أمّا صاحب المسالك فقال - في هذه الصورة - : «فتنصرف الخصومة عنه و لا سبيل الى تحليف الولي و لا طفله و لاتغني الاّ بالبيّنة. و اذا قضى له الحاكم بالبيّنة و كان الاقرار لطفل، كتب الحاكم صورة الحال في السجلّ، ليكون الطفل على حجّته اذا بلغ».(2)

و الرابعة: أن يضيفه الى معلوم لاتمتنع مخاصمته و لاتحليفه و هو حاضر كما


1) - مسالك الأفهام 14: 96.

2) - نفس المصدر: 97.

اذا أضافه الى شخص معيّن حاضر فروجع، فتارة صدّق المدّعى عليه فحينئذ تنصرف الدعوى عنه اليه فان أقام المدّعي البيّنة فهي له بحكم القاضي و ان لم يقم بيّنة فله احلاف المقرّ له؛ لأنّه صدّق المقرّ، فان حلف يحكم القاضي له و ذلك لأنّ المقرّ له يصير ذا اليد باقرار المقرّ و تصديقه ايّاه و يكون الحكم كما لو ادّعى شخص ما في يد آخر و لم يقم بيّنة و أنكره ذو اليد كما تقدّم. و ان نكل أو ردّ اليمين فكما سلف.

ثمّ انّه اذا حكم القاضي للمقرّ له، فهل للمدّعي احلاف المدّعى عليه على عدم علمه بكون الشيء للمدّعي؟

الظاهر جواز استدعائه احلافه من القاضي، فان حلف فهو و ان لم يحلف أو ردّ فحلف المدّعي فيغرم له؛ لأنّ الشيء الذي حكم للمقرّ له لايرجع. و هذا هو الذي اختاره الشهيد في المسالك مع أنّه مخالف للشيخ في أحد قوليه.(1)

و لايخفى أنّ كلّ ذلك فيما اذا لم يقم المقرّ له البيّنة، فان أقام البيّنة دون المدّعي فلايجاب المدّعي لو استدعى احلاف المقرّ ليغرمه أحيانا و ذلك لأنّ الملك استقرّ بالبيّنة و خرج الاقرار عن أن تكون الحيلولة به كما في المسالك.(2)

و أخرى يكذّب المقرّ في اقراره، فللمدّعي احلاف المقرّ فان حلف أنّه لايعلم بملكه لهذا الشيء، فيأخذه الحاكم فيعامل معه معاملة مجهول المالك، و ذلك لأنّه خرج عن ملكه و لم يدخل في ملك المقرّ له لتكذيبه، و ان لم يحلف و حلف المدّعي فيحكم له.

و الفرق بين هذه الصورة و الصورتين الأوليين أنّ دعوى المدّعي في هذه الصورة قريبة من الواقع مع تكذيب المقرّ له، و أنّ المال يصير مجهول المالك مع حلف ذي اليد على عدم كونه للمدّعي.


1) - مسالك الأفهام 14: 98.

2) - نفس المصدر: 99.

و في المسالك: «و ان كذّبه ففيه أوجه: أحدها - و هو الذي قطع به المصنّف رحمه الله هنا - : أنّه ينتزع منه و يحفظه الحاكم الى أن يظهر مالكه، لخروجه عن ملك المقرّ بالاقرار و عدم ظهور مالكه بانكار المقرّ له. و الثاني: انّه يترك في يد المدّعى عليه، اذ لا منازع له و لعلّه يرجع و يدّعيه. و الثالث: انّه يسلّم للمدّعي، لخروجه عن ملك المقرّ و لا منازع فيه للمدّعي».(1)

و الخامسة: أن يضيفه الى معلوم غائب، فيأخذه منه الحاكم و يحفظه حتّى يحضر الغائب، فاذا حضر فيجري ما ذكرناه في الصورة الرابعة المذكورة في من كان حاضرا من الأوّل.

فيما لو ادّعى أنّه آجره الدابّة و ادّعى آخر أنّه أودعه ايّاها

«الرابعة»: اذا ادّعى أنّه آجره الدابّة و ادّعى آخر أنّه أودعه ايّاها، تحقّق التعارض مع قيام البيّنتين بالدعويين و عمل بالقرعة مع تساوي البيّنتين في عدم الترجيح.

قال في المسالك: «المراد أنّ الدابّة في يد المدّعى عليه و المدّعيان خارجان، فادّعى أحدهما أنّه آجرها من صاحب اليد، و ادّعى الآخر أنّه أودعه ايّاها. فان لم يقيما بيّنة يحكم بها لمن يصدّقه المتشبّث، و ان أقام كلّ منهما بيّنة بدعواه تحقّق التعارض مع الاطلاق أو اتّحاد التأريخين. و حينئذ فيرجع الى الترجيح في احدى البيّنتين بالعدالة أو العدد، فان انتفى فالقرعة. و لو تقدّم تأريخ احداهما بني على الترجيح به و عدمه. و قد تقدّم نظيره في الملك و سيأتي مثله في اليد. و قد كان ذكر هذه المسألة في المقصد الثاني أولى؛ لأنّ الاختلاف فيها اختلاف في العقود».(2)


1) - مسالك الأفهام 14: 97.

2) - نفس المصدر: 99 و 100.

أقول:

اذا ادّعى زيد أنّ الدابّة التي بيد عمرو له و قد آجره ايّاها، و ادّعى خالد أنّه له و أودعه ايّاها فالظاهر أنّ الدعوى بين زيد و خالد في ملكيّة الدابّة و أنّ زيدا يدّعي أنّها له و قد آجرها و خالد يدّعي أنّها له و أودعها عمروا. فان لم تكن لهما بيّنة يحكم بها لمن يصدّقه المتشبّث و ان كانت البيّنة لأحدهما دون الآخر فالدابّة له، و لو أقام كلّ واحد منهما بيّنة، فحكمه كما تقدّم في المسألة الثانية.

فيما لو ادّعى دارا في يد انسان و أقام بيّنة أنّها كانت في يده أمس أو منذ شهر

«الخامسة»: لو ادّعى دارا في يد انسان و أقام بيّنة أنّها كانت في يده أمس أو منذ شهر، قيل: لاتسمع هذه البيّنة. و كذا لو شهدت له بالملك أمس؛ لأنّ ظاهر اليد الآن الملك فلايدفع بالمحتمل. و فيه اشكال و لعلّ الأقرب القبول. أمّا لو شهدت بيّنة المدّعي أنّ صاحب اليد غصبه و استأجرها منه حكم بها؛ لأنّها شهدت بالملك و سبب يد الثاني. و لو قال: غصبني ايّاها، و قال آخر: بل أقرّ لي بها، و أقاما البيّنة قضي للمغصوب منه، و لم يضمن المقرّ؛ لأنّ الحيلولة لم تحصل باقراره بل بالبيّنة.

في المسألة صور:

الأولى: لو ادّعى زيد دارا في يد عمرو و أقام بيّنة أنّها كانت في يده أمس أو منذ شهر، لاتسمع هذه البيّنة؛ لأنّ الشهادة لزيد على أنّها كانت في يده أمس لايثبت له الملك، لاحتمال أنّها كانت في يده عارية أمس فردّت الى صاحبها اليوم، و كذا لو شهدت له بالملك أمس، لاتسمع أيضا؛ لأنّ ظاهر اليد الآن الملك فلايدفع بالمحتمل؛ اذ من المحتمل أنّه انتقل اليه ببيعها منه مثلاً.

ثمّ انّ هذا الذي قلنا هو أحد قولي الشيخ في المبسوط و الخلاف - كما في المسالك - و أمّا المصنّف رحمه الله فلم يرتض به و قال: لعلّ الأقرب القبول.

و استدلّ له في المسالك ب- «أنّ اليد الحاضرة ان كانت دليل الملك فالسابقة المستصحبة أو الملك الفعلي المستصحب أولى، لمشاركتها لها في الدلالة على الملك الآن و انفرادهما بالزمن السابق، فيكونان أرجح، و الحكم باستصحابها أوجب المطابقة بين الدعوى و الشهادة».(1)

ولكن قد تقدّم الكلام في هذا الاستصحاب و ما فيه من الاشكال في المسألة الثانية تحت عنوان «الشهادة بقديم الملك أولى من الشهادة بالحادث».

الثانية: لو شهدت بيّنة المدّعي أنّ العين له و أنّه استأجرها صاحب اليد أو أنّ صاحب اليد غصبها منه حكم له بها؛ لأنّها شهدت بالملك و سبب يد الثاني، فانّها لو شهدت له بالملك خاصّة دون سبب يد الثاني قبلت منه أيضا، فهنا أولى.

قال في المسالك: «و اعلم أنّ موضع الخلاف في تقديم بيّنة الملك و اليد السابقين على اليد الحاليّة ما اذا لم تشهد بيّنة السابق بفساد اليد الحاليّة، بأن قالت: انّه غصبها من ذي الملك أو اليد القديمين أو بعدم استحقاقها للملك بأن شهدت أنّها في يد الثاني بالاجارة من الأوّل أو العارية و الاّ قدّمت السابقة بغير اشكال؛ لعدم التعارض على هذا الوجه».(2)

الثالثة: لو قال زيد: «انّ عمروا غصب داري هذه التي بيده» و أقام بيّنة على دعواه و ادّعى خالد أنّ عمروا أقرّ بالدار له و أقام بيّنة أيضا تقدّم بيّنة من ادّعى الغصب؛ لأنّها شهدت للمدّعي بملكيّته للدار و الغصب منه، و الثانية شهدت بأنّ عمروا أقرّ بملكيّة خالد للدار و لم تشهد بأنّها ملكه و من المعلوم أنّ الاقرار بالدار التي ليست له لآخر، اقرار للمغصوب فلا فائدة فيه، فلمّا كان اقرار المدّعى عليهبلا فائدة فالشهادة باقراره أيضا لاتجدي بطريق أولى.

ثمّ انّه لم يغرم المدّعى عليه للمقرّ له؛ لأنّه لم يحل بينه و بين ملكه و انّما الحائل


1) - مسالك الأفهام 14: 101.

2) - نفس المصدر: 102.

البيّنة. و كذا لم يغرم لو أقرّ نفسه بالعين لخالد و أقام عمرو البيّنة على ملكيّته للعين كما تقدّم ذلك في الصورة الرابعة من صور المسألة الثالثة فراجع.

المقصد الثاني : في الاختلاف في العقود

فيما اذا اتّفقا على استئجار دار معيّنة شهرا معيّنا و اختلفا في الأجرة

اذا اتّفقا على استئجار دار معيّنة شهرا معيّنا، و اختلفا في الأجرة، و أقام كلّ منهما بيّنة بما قدّره، فان تقدّم تأريخ أحدهما عمل به؛ لأنّ الثاني يكون باطلاً. و ان كان التأريخ واحدا تحقّق التعارض؛ اذ لايمكن في الوقت الواحد وقوع عقدين متنافيين. و حينئذ يقرع بينهما و يحكم لمن خرج اسمه مع يمينه. هذا اختيار شيخنا في المبسوط. و قال آخر: يقضى ببيّنة المؤجر؛ لأنّ القول قول المستأجر لو لم تكن بيّنة اذ هو يخالف على ما في ذمّة المستأجر فيكون القول قوله، و من كان القول قوله مع عدم البيّنة كانت البيّنة في طرف المدّعي. و حينئذ نقول: هو مدّعٍ زيادة، و قد أقام البيّنة بها فيجب أن تثبت. و في القولين تردّد.

اذا اتّفقا على استئجار دار معيّنة شهرا معيّنا و اختلفا في الأجرة فادّعى المؤجر أنّها عشرة دنانير - مثلاً - و ادّعى المستأجر أنّها خمسة، فهنا ثلاث صور؛ لأنّه امّا أن يقيم أحدهما بيّنة على ما ادّعاه و امّا أن لايقيمها واحد منهما و امّا أن يقيمها كلّ منهما، و المصنّف رحمه الله اقتصر على ما لو أقام كلّ واحد بيّنة، فنقول:

الصورة الأولى: أن يقيم أحدهما بيّنة على مدّعاه، فان أقام المؤجر الذي هوالمدّعي فيقضى بها و يثبت مدّعاه. و لو أقامها المستأجر الذي هو المنكر فيقدّم

قوله أيضا؛ لأنّه لو لم يقم بيّنة و لم يكن للمدّعي أيضا بيّنة فيقدّم قوله مع يمينه فتقديم قوله بالبيّنة أولى.

الصورة الثانية: لو لم تكن لواحد منهما بيّنة فحينئذ يقدّم قول المستأجر مع يمينه؛ لأنّه هو المنكر للزائد الذي يدّعيه المؤجر فاذا لم تكن للمدّعي بيّنة فتصل النوبة الى يمين المنكر.

و ذهب الشيخ رحمه الله في المبسوط(1)الى التحالف و ثبوت أجرة المثل؛ نظرا الى أنّ كلاًّ منهما مدّعٍ و مدّعى عليه، بناءً على افتراق العقد الى عقدين.

و يضعّف بأنّ العقد واحد باعترافهما و لا نزاع لهما فيه، و انّما النزاع في القدر الزائد.

و قال في موضع من الخلاف(2)في هذه الصورة بالقرعة؛ لأنّها لكلّ أمر مشكل.

و يضعّف بأنّه لا اشكال و لا ابهام هنا.

و لا فرق في هذه الصورة بين وقوع النزاع قبل انقضاء المدّة المشترطة أو بعدها؛ لاشتراك الجميع في المقتضي.

و قد نقل في موضع من المبسوط(3)عن جماعة الفرق بين وقوع النزاع قبل انقضاء المدّة فالحكم هو التحالف و بعده فالتردّد بين القرعة و بين تقديم قول المستأجر؛ لجريانه مجرى الاختلاف في ثمن المبيع اذا كان بعد تلفه.

و يظهر بما تقدّم ضعف هذا القول أيضا.

الصورة الثالثة: أن يقيم كلّ واحد منهما البيّنة فقال في المسالك: «فان تقدّم تأريخ احداهما على الأخرى عمل بالمتقدّم و بطل المتأخّر؛ لأنّه يكون عقدا على


1) - المبسوط 3: 265 و 266.

2) - كتاب الخلاف 3: 521 / مسألة 10.

3) - المبسوط 3: 266.

ما عقد عليه المتعاقدان أي عقدا بعد عقد بدون ابطال الأوّل أو بطلانه، فالثاني باطل.

و ان اتّحد التأريخان أو كانتا مطلقتين أو احداهما مطلقة و الأخرى مؤخّرة فان قلنا بتقديم قول المستأجر مع عدم البيّنة فالبيّنة بيّنة المؤجر هنا؛ لأنّ البيّنة من طرف من لم يكن القول قوله، كما قد علم مرارا، و هذا هو الذي اختاره ابن ادريس و أكثر المتأخّرين. و ان قلنا بالتحالف في الأوّل أو بالقرعة اتّجه القول بالقرعة هنا. و هو الذي اختاره الشيخ رحمه الله في المبسوط؛ لأنّها لكلّ أمر مشكل و لأنّهما دعويان فلا ترجيح لاحداهما على الأخرى. و حينئذ فيحلف من أخرجته القرعة و يثبت مدّعاه. و المصنّف رحمه الله تردّد في القولين. و قد ظهر من توجيه القولين منشأ التردّد. و الأصحّ هو الأوّل».(1)

أقول:

اذا أقام كلّ واحد من المؤجر و المستأجر بيّنة على دعواه ففي الصور المفروضة في المسألة - من تقدّم تأريخ احدى البيّنتين على الأخرى و تساويهما في التأريخ و اطلاقهما أو اطلاق أحدهما و شهادتهما بالاقالة أو عدمها أو بالتفصيل - فالعمل على ما دلّت عليه معتبرة اسحاق بن عمّار من التحالف ان تساوت البيّنتان من حيث العدد و العدالة.

قد تقدّم الكلام عند قول المحقّق: «و الشهادة بقديم الملك أولى من الشهادة بالحادث» و قلنا بعدم ترجيح البيّنة التي شهدت بالملك المتقدّم.

اللّهمّ الاّ أن يقال بتقديم بيّنة المدّعي و ذلك لقاعدة «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» كما ذهب اليه ابن ادريس، كما أنّه يحتمل تساقط البيّنتين و الرجوع الى يمين المنكر أو القرعة بعد التساقط، و قد تقدّم ضعفه.


1) - مسالك الأفهام 14: 105 و 106.

فيما لو ادّعى استئجار دار فقال المؤجر: بل آجرتك بيتا منها

و لو ادّعى استئجار دار، فقال المؤجر: بل آجرتك بيتا منها، قال الشيخ: يقرع بينهما. و قيل: القول قول المؤجر. و الأوّل أشبه؛ لأنّ كلاًّ منهما مدّعٍ. و لو أقام كلّ منهما بيّنة تحقّق التعارض مع اتّفاق التأريخ. و مع التفاوت يحكم للأقدم. لكن ان كان الأقدم بيّنة البيت حكم باجارة البيت بأجرته و باجارة بقيّة الدار بالنسبة من الأجرة.

لو ادّعى المستأجر استئجار دار من المؤجر فقال المؤجر: بل آجرتك بيتا منها، فالظاهر أنّ المؤجر هو المنكر فان لم تكن لهما بيّنة فيحلف و يحكم له، و ان كان للمدّعي أي المستأجر بيّنة فهو المقدّم.

و ان كانت لهما بيّنة فبناءً على ما تقدّم منّا - من حجّيّة بيّنة المنكر أيضا و عدم دلالة: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» على عدم قبول بيّنته - فيعمل بما في ذيل معتبرة اسحاق بن عمّار من التحالف اذا لم يكن في البين ترجيح، بلا فرق بين اتّفاق تأريخهما أو اختلافهما أو اطلاقهما، كما تقدّم في المسألة السابقة.

و أمّا ان كانت البيّنة للمنكر فقط فهو المقدّم كما هو ظاهر.

و على أيّ حال فاذا قدّمت بيّنة البيت حكم باجارة البيت بأجرته و باجارة بقيّة الدار بالنسبة من الأجرة.

قال في المسالك: «و البحث في هذه الصورة قريب من السابقة؛ لأنّ الاتّفاق هنا واقع على أصل الاجارة و على المدّة و مقدار الأجرة، و انّما الاختلاف في مقدار العين المؤجرة مع اتّفاقهما أيضا على ايجار البيت و اختلافهما في الزائد، فقيل: القول قول المؤجر؛ لأنّه ينكر الزائد كما أنّ القول في السابقة قول المستأجر لذلك. و قال الشيخ: يقرع بينهما؛ لما ذكر في السابقة. هذا اذا لم يقيما بيّنة. فلو أقاماها و اتّفق التأريخ أو أطلقتا أو احداهما تحقّق التعارض و رجع الى القرعة مع انتفاء المرجّح. و المصنّف رحمه الله هنا رجّح القرعة، و تردّد في السابقة. و الفرق بينهما

بعيد. و لو اختلف تأريخ البيّنتين فان كان المتقدّم تأريخ الدار بأسرها بطلت اجارةالبيت، لسبق ايجاره للمستأجر.

و ان كان المتقدّم تأريخ بيّنة البيت حكم به بالأجرة المسمّاة، و بطل من اجارة الدار ما قابله و صحّ في الباقي. فلو كان البيت يساوي نصف أجرة الدار صحّ في باقيها بنصف الأجرة، فيجتمع على المستأجر مجموع الأجرة للبيت و نصفها لبقيّة الدار. فلو كان الاتّفاق على أنّ الأجرة عشرة لكن ادّعى المستأجر أنّها أجرة الجميع و ادّعى المؤجر أنّها أجرة البيت و كان المتقدّم تأريخ بيّنة البيت ثبت على المستأجر خمسه عشر في مقابلة المجموع عشرة أجرة البيت ببيّنة المؤجر و خمسة في مقابلة باقي الدار ببيّنته».(1)

و لمّا قلنا بعدم الاعتبار بتقدّم التأريخ فلاتصل النوبة الى هذا الكلام.

فيما لو ادّعى كلّ منهما أنّه اشترى دارا معيّنة و أقبض الثمن و هي في يد البائع

و لو ادّعى كلّ منهما أنّه اشترى دارا معيّنة و أقبض الثمن و هي في يد البائع قضي بالقرعة مع تساوي البيّنتين عدالة و عددا و تأريخا، و حكم لمن يخرج اسمه مع يمينه. و لايقبل قول البائع لأحدهما و يلزمه اعادة الثمن على الآخر؛ لأنّ قبض الثمنين ممكن، فتزدحم البيّنتان فيه. و لو نكلا عن اليمين قسّمت بينهما، و يرجع كلّ منهما بنصف الثمن.

في المسألة ثلاث صور بالنسبة الى اقامة البيّنة:

الأولى: اذا لم يكن لأحدهما بيّنة فقال في المسالك: «اذا ادّعى كلّ منهما شراء العين من ذي اليد و ايفاء الثمن فان انتفت البيّنة رجع الى المالك، فان كذّبهما حلف لهما و اندفعا عنه، و ان صدّق أحدهما دفع اليه المبيع و حلف للآخر. و له احلاف الأوّل أيضا. و ان صدّق كلّ واحد منهما في النصف حكم لكلّ منهما بما


1) - مسالك الأفهام 14: 107.

أقرّ به و بقي النزاع في الباقي لكلّ منهما، فيحلف لهما كالسابق».(1)

أقول:

انّ المصنّف رحمه الله لم يذكر هذه الصورة و قد تقدّم منّا الكلام في مثل هذه الصورة فيما اذا ادّعى اثنان عينا في يد ثالث، و قلنا بأنّه يرجع الى تصديق من بيده العين فتارة يصدّق أحدهما و أخرى يصدّق كليهما و ثالثة يكذّبهما معا و رابعة يقول: «لاأعرف صاحبه» و قد تقدّم حكم الصور الأربع في ابتداء المقصد الأوّل فراجع.

الثانية: أن يقيم واحد منهما البيّنة فالدار له و لايعتنى بالآخر قطعا.

الثالثة: أن يقيم البيّنة كلّ واحد منهما فيعمل بما في ذيل معتبرة اسحاق بن عمّار عن علي عليه السلام :

«فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما و أقاما البيّنة؟ فقال: أحلّفهما فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين».(2)

و كذلك ان نكلا جميعا يجعل لهما نصفين و يرجع كلّ منهما بنصف الثمن.

و أمّا لو كانت بيّنة أحدهما أرجح بالعدد فيقدّم قوله بالحلف لصحيحة أبي بصير حيث قال الامام عليه السلام :

«أكثرهم بيّنة يستحلف و تدفع اليه».(3)

و أمّا بالنسبة الى الثمن الذي ادّعى الآخر ايفاءه من ذي اليد فان صدّق هذا الذي كان أكثر بيّنة فلايرجع الثاني الى ذي اليد و كذا ان كذّبهما.

و أمّا ان صدّق الآخر فيردّ العين الى من حكم له و ثمنه الى من صدّقه، و ان


1) - مسالك الأفهام 14: 108.

2) - وسائل الشيعة 27: 250 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 249 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

صدّقهما فيردّ العين الى من حكم له و نصف ثمنه الى الآخر.

ثمّ لايخفى أنّ الحكم في هذه الصورة الأخيرة و كذا الصور المتقدّمة متفرّععلى فرض تعارض البيّنتين، فاذا فرض عدم تعارضهما امّا من جهة تقدّم تأريخ احداهما على الأخرى في خصوص هذه الأخيرة و امّا من الجهات الأخر فلا وجه لهذه المسائل بل يجمع بين البيّنتين على وجه يعمل بكليهما معا.

فانّ البيّنتين في هذه الصورة الأخيرة اذا كانتا متفاوتتين من حيث التأريخ فلا تعارض بينهما؛ لامكان بيع الدار أوّلاً و قبض ثمنه ثمّ بيعه من آخر ثانيا و قبض ثمنه فعلى البائع المنكر دفع العين و الثمن معا.

و في المسألة فروع أخر يظهر حكمها ممّا تقدّم.

و هل لهما أن يفسخا؟ الأقرب نعم، لتبعّض الصفقة قبل قبضه. و لو فسخ أحدهما كان للآخر أخذ الجميع؛ لعدم المزاحم و في لزوم ذلك تردّد، أقربه اللزوم.

قال في المسالك: «و هل لهما الفسخ لتبعّض الصفقة؟ وجهان أصحّهما ذلك؛ لوجود المقتضي. و وجه العدم أنّ التبعّض جاء من قبلهما فانّ الخارج بالقرعة لو حلف لأخذ الجميع، فكأنّ التبعّض جاء من قبله كما لو أنّ الآخر لو حلف بعد نكول الأوّل لأخذ الجميع، فلا خيار لهما. و لو فسخ أحدهما أخذ الآخر الجميع؛ لعدم المزاحم. و هل يلزمه أخذ الجميع؟ وجهان، أصحّهما ذلك؛ لوجود المقتضي و هو قيام بيّنته بشرائه و انتفاء المانع؛ اذ ليس هناك مانع من أخذه الجميع الاّ دعوى الغريم الآخر و قد انتفت بتركه الأخذ و لأنّ المقتضي للخيار تبعيض الصفقة و قد انتفى. و وجه عدم اللزوم أنّه قد ثبت له الفسخ ابتداءً و الأصل البقاء. و يضعّف بأنّه كان مانعا و قد زال موجبه. هذا كلّه اذا كانت العين في

يد البائع. و لو كانت في يد أحدهما بني على تقديم بيّنة الداخل أو الخارج مع تسبّب البيّنتين. و قد تقدّم».(1)

و في الجواهر: «الأقرب الفسخ عند المصنّف و الفاضل و غيرهما، لتبعّض المبيع عليه قبل قبضه، و عدم حلفهما تنزيها عن القسم باللّه عذر. و أشار المصنّف بقوله: «قبل قبضه» الى ما صرّح به في كشف اللثام من أنّه «لا خيار لهما مع دعوى كلّ منهما قبض المبيع أو شهدت البيّنة به»، و فيه ما عرفت من عدم الفرق في ثبوت الخيار بالتبعّض قبل القبض أو بعده بعد أن كان ذلك لثبوت استحقاقه للغير بالبيّنة، و كذا بالنسبة الى الرجوع بالثمن. فان فسخا كانت العين للبائع و رجع كلّ منهما عليه بكمال الثمن. و لو فسخ أحدهما كان للآخر أخذ الجميع حينئذ الذي هو مقتضى بيّنته لعدم المزاحم له. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

اذا قسّمت العين بينهما فيما اذا نكلا عن الحلف أو حلفا جميعا فهل لهما الفسخ لتبعّض الصفقة؟ فقد اختار المصنّف و صاحب المسالك و صاحب الجواهر على ما هو الظاهر منه و المحكي عن العلاّمة و غيره على ما في الجواهر، جواز الفسخ لهما.

و الظاهر ذلك؛ لأنّ بيّنة كلّ واحد منهما تشهد باشتراء تمام الدار، و الحال أنّه قد أعطي نصفها و نصف الثمن و هو عين تبعّض الصفقة الذي يكون للمشتري فيه الخيار. و من المعلوم أنّ حكم القاضي لم يكن مانعا من سائر حقوق المتعاقدين التي من جملتها الخيار لتبعّض الصفقة.

كما أنّه لا فرق في جواز اعمال الخيار بين قبضها و عدمه.


1) - مسالك الأفهام 14: 109.

2) - جواهر الكلام 40: 465 و 466.

و لو فسخ أحدهما كان للآخر أخذ الجميع؛ لعدم المزاحم له.

هذا كلّه اذا كانت العين في يد البائع و أمّا لو كانت في يد أحدهما فيعمل بما في ذيل معتبرة اسحاق بن عمّار من قوله عليه السلام :

«قيل: فان كانت في يد أحدهما و أقاما جميعا البيّنة؟ قال: أقضي بها للحالف الذي هي في يده».(1)

فيما لو ادّعى اثنان أنّ ثالثا اشترى من كلّ منهما هذا المبيع

و لو ادّعى اثنان أنّ ثالثا اشترى من كلّ منهما هذا المبيع، و أقام كلّ منهما بيّنة فان اعترف لأحدهما قضي له عليه بالثمن، و كذا ان اعترف لهما قضي عليه بالثمنين. و لو أنكر و كان التأريخ مختلفا أو مطلقا قضي بالثمنين جميعا لمكان الاحتمال. و لو كان التأريخ واحدا تحقّق التعارض، اذ لايكون الملك الواحد في الوقت الواحد لاثنين، و لايمكن ايقاع عقدين في الزمان الواحد. و يقرع بينهما فمن خرج اسمه أحلف و قضي له و لو امتنعا من اليمين قسّم الثمن بينهما.

قال في المسالك: «هذه المسألة عكس السابقة، فانّه هناك ادّعى اثنان شراء ما في يده منه و كلّ يطالب بالمبيع، و هيهنا ادّعى اثنان بيع ما في يده منه و كلّ يطالبه بالثمن. فان أقرّ لهما طولب بالثمنين؛ لامكان صدقهما فيؤاخذ باقراره. و ان أقرّ لأحدهما طولب بالثمن الذي سمّاه، و حلف للآخر. و ان أنكر ما ادّعياه و لا بيّنة حلف لهما يمينين. و ان أقام أحدهما البيّنة قضي له، و حلف للآخر».(2)


1) - وسائل الشيعة 27: 250 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

2) - مسالك الأفهام 14: 110.

أقول:

الحكم اذا لم يكن لهما بيّنة و ادّعيا بيع ما في يد الثالث كما في المسالك، فانّ ذا اليد هو الذي يكون الأمر اليه فمتى صدّق أحدهما فعليه ايفاء ثمنه و متى صدّق كليهما فعليه ايفاء ثمنين لامكان فرض صدقهما، و ان كذّبهما فيكون هو المنكر و يكونان مدّعيين فعليه الحلف لهما.

و أمّا لو كانت لأحدهما بيّنة و لم تكن للآخر قضي لصاحب البيّنة على ما تقدّم من حجّيّتها ولكن على صاحب اليد الحلف للآخر، و ذلك لكونه منكرا و الآخر مدّعيا بلا بيّنة.

و في هذه الصورة ان صدّق صاحب اليد، صاحب البيّنة و كذّب الآخر فليس عليه شيء الاّ دفع الثمن لصاحب البيّنة و كذا لو كذّبهما.

و ان صدّق من ليس له بيّنة و كذّب صاحب البيّنة فعليه دفع ثمنين، ثمن لصاحب البيّنة؛ لمكان اقامة بيّنته و ثمن للطرف الآخر باقراره، و كذا لو صدّقهما.

و ان كانت البيّنة لهما فحكمه ما في ذيل معتبرة اسحاق بن عمّار و هو - كما تقدّم بعد فقد الترجيح بالأعدليّة أو الأكثريّة أو تصديق صاحب اليد - استحلافهما جميعا فان حلف أحدهما و نكل الآخر أعطي الثمن للحالف. و ان حلفا جميعا أعطي كلّ واحد منهما نصف الثمن، و كذلك لو نكلا جميعا.

و يأتي في تصديقهما أو أحدهما ما تقدّم في الصورة السابقة.

و لو ادّعى شراء المبيع من زيد و قبض الثمن و ادّعى آخر شراءه من عمرو و قبض الثمن أيضا، و أقاما بيّنتين متساويتين في العدالة و العدد و التأريخ، فالتعارض متحقّق فحينئذ يقضى بالقرعة و يحلف من خرج اسمه و يقضى له. و لو نكلا عن اليمين قسّم المبيع بينهما و رجع كلّ منهما على بائعه بنصف الثمن. و لهما الفسخ و الرجوع بالثمنين. و لو فسخ أحدهما

جاز، و لم يكن للآخر أخذ الجميع؛ لأنّ النصف الآخر لم يرجع الى بائعه.

لو ادّعى خالد أنّه اشترى دارا من زيد و أقبض الثمن، و ادّعى بكر أنّه اشترى تلك الدار من عمرو و أقبض الثمن أيضا فهنا صور:

الأولى: أن تكون الدار في يد البائعين و صدّق كلّ منهما ما ادّعاه المتداعيان و لم تكن هناك بيّنة، فيحكم على البائعين أن يعطيا الدار، المدّعيين بالتنصيف وأن يعطي كلّ من البائعين نصف ثمنها.

و أمّا ان كذّباهما في هذه الصورة فيحلف كلّ واحد منهما لمن ادّعى عليه، فيحلف زيد لخالد أنّه لم يشترِ منه الدار و لم يقبض الثمن و كذا عمرو لبكر، و تختم الدعويان.

و أمّا ان صدّق أحدهما مدّعيه و كذّب الثاني الآخر - كأن صدّق زيد خالدا و كذّب عمرو بكرا - فيحلف عمرو و يحكم بنصف الدار لخالد و على زيد أن يعطيه نصف ثمنه، ان كان البائعان شريكين في الدار.

الثانية: أن تكون الدار في يد البائعين أيضا و أقام واحد من المشتريين - كخالد مثلاً - البيّنة فيحكم له و يؤخذ نصف الدار مع نصف ثمنه من زيد و يعطى خالدا و يحلف عمرو لبكر.

الثالثة: الصورة بحالها الاّ أنّه أقام البيّنة كلّ واحد منهما فيعمل بما في ذيل معتبرة اسحاق بن عمّار، من استحلافهما جميعا فان حلفا أو نكلا جعلت الدار نصفين و رجع كلّ منهما على بائعه بنصف الثمن.

و في المسألة صور أخرى يظهر حكمها ممّا تقدّم منّا في المسائل السابقة فقس عليها.

ثمّ انّه كلّ موضع حكمنا فيه بأنّ الدار تقسّم بينهما فلهما الفسخ و الرجوع بالثمنين لتبعّض الصفقة. ولكن لو فسخ أحدهما جاز و لم يكن للآخر أخذ

الجميع؛ لأنّ النصف الآخر لم يرجع الى الذي باع منه بل رجع الى الذي باع من صاحبه الذي فسخ.

قال في المسالك: «هذه المسألة مركّبة من السابقتين، فانّ كلاًّ من البائع و المشتري هنا مغاير للآخر، و المراد أنّ العين خارجة عن يد المتداعيين فيحكم بترجيح احدى البيّنتين ثمّ بالقرعة، فلو كانت في يد أحدهما بني على تقديم بيّنة الداخل أو الخارج. و لو كانت في يدهما قسّمت بينهما بعد التحالف أو النكولكما سبق.

و التفريع في هذه المسألة كما سبق، الاّ أنّه على تقدير القسمة بنكولهما لو اختار أحدهما فسخ العقد و الآخر اجازته، لم يكن للمجيز أخذ النصف الآخر سواء تقدّم الفسخ أم تقدّمت الاجازة؛ لأنّ دعوى الشراء من شخصين فالمردود يعود الى غير من يدّعي المجيز الشراء منه فكيف يأخذ؟ و حيث قلنا بثبوت الخيار على تقدير القسمة فذلك اذا لم يتعرّض البيّنة لقبض المبيع و لا اعترف به المدّعي و الاّ فاذا جرى القبض استقرّ العقد و ما يحدث بعده فليس على البائع عهدته».(1)

في تناقض الشهادة بملك الدابّة مع سنّها

مسائل: «الأولى»: لو شهد للمدّعي أنّ الدابّة ملكه منذ مدّة، فدلّت سنّها على أقلّ من ذلك قطعا أو أكثر، سقطت البيّنة لتحقّق كذبها.

قال في المسالك: «أمّا على تقدير كون الدلالة قطعيّة فواضح؛ لأنّ الكذب حينئذ قطعي. و أمّا على تقدير الأكثريّة فالدلالة ظنيّة. و يشكل معارضتها للحكم الظاهر من عدالة الشاهد. و في التحرير اقتصر في الحكم بسقوط البيّنة الدلالة القطعيّة. و هو أولى».(2)


1) - مسالك الأفهام 14: 111.

2) - نفس المصدر: 116.

أقول:

البيّنة طريق الى الواقع، فاذا انكشف الواقع بالعلم خلاف البيّنة سقطت البيّنة عن الحجّيّة، و أمّا الظنّ بخلافها فلايعتنى به و «انّ الظنّ لايغني من الحقّ شيئا»(1)مع أنّ البيّنة ظنّ معتبر فهو المتّبع، كما ذهب اليه في التحرير و قبله في المسالك.

ثمّ انّ دلالة السنّ الأقلّ، على بطلان البيّنة معلومة. و أمّا السنّ الأكبر فمسقطة لدلالة البيّنة اذا شهدت البيّنة بالانتاج عند المدّعي منذ سنة مثلاً مع قول أهل الخبرة بأنّ سنّها أكبر من سنة.

أمّا ان شهدت بأنّها ملكه منذ سنة و كان سنّها أكثر من سنة فالظاهر عدم سقوط البيّنة عن الحجّيّة؛ لامكان صدقها.

فيما اذا ادّعى دابّة في يد زيد و أقام بيّنة أنّه اشتراها من عمرو

«الثانية»: اذا ادّعى دابّة في يد زيد، و أقام بيّنة أنّه اشتراها من عمرو فان شهدت البيّنة بالملكيّة مع ذلك للبائع أو للمشتري أو بالتسليم قضي للمدّعي. و ان شهدت بالشراء لا غير، قيل: لايحكم؛ لأنّ ذلك قد يفعل فيما ليس بملك، فلاتدفع اليد المعلومة بالمظنون. و هو قوي.

قال في المسالك: «القولان للشيخ رحمه الله أوّلهما في المبسوط. و اختاره المصنّف و الأكثر. و الثاني في الخلاف. و وافقه في المختلف. و تعليلهما واضح ممّا ذكره المصنّف. و أصحّهما الأوّل و يمنع من كون التصرّف مطلقا دالاًّ على الملكيّة».(2)


1) - النجم 53: 28.

2) - مسالك الأفهام 14: 117.

أقول:

الظاهر صحّة ما ذهب اليه المصنّف من القول الأوّل و ان كان دليله لنفي القول الثاني جاريا فيما لو شهدت البيّنة بالتسليم، فانّ صرف التسليم لايثبت الملكيّة للبائع أو المشتري.

فيما اذا كان الصغير المجهول النسب في يد واحد

«الثالثة»: الصغير المجهول النسب اذا كان في يد واحد، قضي له بذلك ظاهرا. و كذا لو كان في يد اثنين. أمّا لو كان كبيرا و أنكر فالقول قوله؛ لأنّالأصل الحرّيّة. و لو ادّعى اثنان رقّيّته فاعترف لهما، قضي عليه. و ان اعترف لأحدهما كان مملوكا له دون الآخر.

قال في المسالك: «احترز بمجهول النسب عن معلومه بالحرّيّة، فانّ دعوى رقّيّته لاتسمع، لظهور كذبها بخلاف المجهول فانّه و ان كان الأصل فيه الحرّيّة الاّ أنّ رقّيّته أمر ممكن، و قد ادّعاه ذو اليد و لا منازع له فيحكم به. و حيث تثبت الرقّيّة لايلتفت الى انكار الصغير بعد بلوغه، لسبق الحكم برقّيّته. و في حكم الصغير المجنون. أمّا البالغ فيعتبر تصديقه؛ لاستقلاله بنفسه و اعتبار قوله. و لا فرق بين تصديقه للواحد أو الأكثر، لاشتراك الجميع في المقتضي. و تقدّم البحث في ذلك كلّه في الاقرار بالنسب».(1)

أقول:

لايخفى أنّه لا بدّ في هذه الدعوى - كما في سائر الدعاوي - ملاحظة زمان الدعوى و مكانها بحيث يمكن صدقها، فان كان في مكان أو زمان لايمكن معه صدق الدعوى كما في زماننا هذا، فلاتسمع الدعوى.


1) - مسالك الأفهام 14: 118.

ثمّ بعد ما تقدّم منّا في مواضع مختلفة من سماع قول الصبي اذا كان مميّزا و الحكم عليه كحكم البالغين كما في صحّة عباداته و شرعيّتها و صحّة الائتمام به و غير ذلك فلا وجه لعدم سماع انكاره في هذا المقام اذا كان مميّزا ذا شعور، فاذا أنكر الرقّيّة أو أقام شاهدين على حرّيّته فلاتسمع دعوى المدّعي و ان كان ذا اليد؛ لأنّ الأصل الحرّيّة.

فيما لو ادّعى كلّ واحد منهما أنّ الذبيحة له

«الرابعة»: لو ادّعى كلّ واحد منهما أنّ الذبيحة له، و في يد كلّ واحدبعضها، و أقام كلّ واحد منهما بيّنة، قيل: قضي لكلّ واحد بما في يد الآخر. و هو الأليق بمذهبنا. و كذا لو كان في يد كلّ واحد شاة، و ادّعى كلّ منهما الجميع و أقاما بيّنة قضي لكلّ منهما بما في يد الآخر.

قال في المسالك: «انّما يقضى لكلّ واحد بما في يد الآخر على تقدير كون البعض الذي في يد كلّ منهما منفصلاً عن الآخر، لتحقّق اختصاص اليد به. أمّا لو كان متّصلاً كانت بينهما نصفين على الاشاعة، كما لو أقام المدّعيان بيّنتين و العين في يدهما. و القضاء لكلّ بما في يد الآخر مبني على تقديم بيّنة الخارج، و هو الذي أشار اليه بكونه أليق بمذهبنا. و على القول بتقديم بيّنة ذي اليد كما هو أحد قولي الشيخ، يقضى لكلّ منهما بما في يده. و لو تعدّدت الشياه و اختصّ كلّ واحد بواحدة، فالحكم كما لو اختصّ بجزء منها منفصلاً. و هذا واضح. و ممّا يتفرّع على ذلك أنّه لو كان أحدهما كافرا و الآخر مسلما، حكم بكون ما يقضى به للكافر ميتة و للمسلم مذكّى، و ان كان كلّ واحد من الجزأين قد انتزعه من الآخر، عملاً بظاهر اليد المعتبرة شرعا. و لايقدح في ذلك اليد السابقة، لظهور بطلانها شرعا».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 118 و 119.

أقول:

قد تقدّم في تعارض البيّنات تقديم بيّنة ذي اليد الذي هو الداخل، و استدللنا على ذلك بمعتبرة اسحاق بن عمّار الذي حكم فيها الامام عليه السلام بتقديم بيّنة ذي اليد مع حلفه، فعلى هذا فالحكم ما حكم به الشيخ رحمه الله في أحد قوليه من القضاء لكلّ واحد بما في يده، من غير فرق بين تعدّد الشياه أو تعدّد أجزاء شاة واحدة.

و أمّا الحلف فالظاهر لزومه.و أمّا الفرع الذي فرّعه الشهيد رحمه الله على المسألة فلمّا قلنا بالقضاء لكلّ واحد بما في يده فلو كان أحدهما كافرا فتقرّ يده على ما عنده و يحكم عليه بكونه ميتة و تقرّ يد المسلم على ما عنده و يحكم عليه بالتذكية.

و لو فرض في مسألة، سبق يد على لحم الذبيحة فالظاهر الحكم باليد السابقة اذا كانت شرعيّة.

فيما لو أقام من يؤخذ منه المال بيّنة على أنّه له

«الخامسة»: لو ادّعى شاة في يد عمرو و أقام بيّنة فتسلّمها، ثمّ أقام الذي كانت في يده بيّنة أنّها له، قال: الشيخ: ينقض الحكم و تعاد. و هو بناءً على القضاء لصاحب اليد مع التعارض. و الأولى أنّه لاينقض.

قال في المسالك: «اذا ادّعى زيد على عمرو شاة في يد عمرو، و أقام زيد فقط البيّنة حكم له قطعا؛ لنهوض البيّنة بالحقّ و لا معارض له. فاذا صارت في يد زيد فأقام عمرو بيّنة أنّها له فامّا أن يطلق دعوى الملك و هو الذي فرضه المصنّف رحمه الله أو يدّعي ملكا سابقا على ازالة يده، أو لاحقا عليها. فالصور ثلاث و حكم المطلقة متفرّع على الأخيرين».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 119.

أقول:

الصورة الأولى: اذا أقام عمرو البيّنة على ملكه سابقا على ازالة اليد، فلمّا حكم القاضي أوّلاً ببيّنة زيد له و صار ذا اليد فالقول قوله، فانّا نقول بتقديم بيّنة ذي اليد ولكن ذو اليد هنا زيد لا عمرو فالعمل على ما دلّت عليه المعتبرة من تقديم ذي اليد مع حلفه.

الصورة الثانية: أن يدّعي عمرو ملكا لاحقا بعد زوال يده و يدّعي مثلاً أنّهاشترى منه بعد الحكم لزيد، و أقام بيّنة على مدّعاه فان كانت لزيد بيّنة على أنّ الشاة له و لم يبعها و يحلف فيحكم له لما مرّ آنفا، و ان لم تكن له بيّنة على ذلك فالقول قول عمرو، لكونه ذا بيّنة بلا معارض.

الصورة الثالثة: أن يدّعي ملكا مطلقا، فالحكم - بعد ما تقدّم - واضح و هو تقديم بيّنة ذي اليد مع يمينه عملاً بالمعتبرة.

و لايخفى أنّ الحكم في هذه الصور بعد فرض تساوي البيّنتين عدالة و عددا و الاّ فالقول قول من رجّحت بيّنته مع حلفه.

فيما لو ادّعى دارا في يد زيد و ادّعى عمرو نصفها

«السادسة»: لو ادّعى دارا في يد زيد، و ادّعى عمرو نصفها و أقاما البيّنة قضي لمدّعي الكلّ بالنصف؛ لعدم المزاحم و تعارضت البيّنتان في النصف الآخر، فيقرع بينهما و يقضى لمن يخرج اسمه مع يمينه، و لو امتنعا من اليمين قضي بها بينهما بالسويّة، فيكون لمدّعي الكلّ ثلاثة أرباع و لمدّعي النصف الربع.

لو ادّعى دارا في يد زيد و ادّعى عمرو نصفها و أقاما البيّنة، قضي لمدّعي الكلّ بالنصف لعدم المزاحم، و تعارضت البيّنتان في النصف الآخر فيعمل بما في ذيل معتبرة اسحاق بن عمّار:

«فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما و أقاما البيّنة؟ فقال: أحلّفهما

فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين. الحديث».

فيقضى للحالف بالنصف فان كان الحالف يدّعي الكلّ فيقضى له به، و ان كان يدّعي النصف يقضى له به و ان حلفا أو نكلا جعل النصف بينهما بالسويّة فلمدّعي الكلّ ثلاثة أرباع و لمدّعي النصف الربع.

و ليكن في ذكرك أنّ العمل بالمعتبرة بعد فرض عدم ترجيح لاحدى البيّنتين على الأخرى و الاّ فالقول قول من رجّحت بيّنته مع يمينه، و كذا القول في تصديقصاحب اليد، فانّ المصدَّق يصير ذا اليد فترجّح بيّنته مع يمينه.

و لو كانت يدهما على الدار، و ادّعى أحدهما الكلّ و الآخر النصف و أقام كلّ منهما بيّنة كانت لمدّعي الكلّ و لم يكن لمدّعي النصف شيء؛ لأنّ بيّنة ذي اليد بما في يده غير مقبولة.

و لو كانت يدهما على الدار و ادّعى أحدهما الكلّ و الآخر النصف و أقام كلّ واحد منهما بيّنة، كان لمدّعي الكلّ النصف؛ لأنّه لا مزاحم له فيه، و وقع التعارض بالنسبة الى النصف الآخر اذا فرض تساوي البيّنتين في العدد و العدالة، و لمّا كان يدهما معا عليه فيعمل بصدر المعتبرة حيث قال أبو عبداللّه عليه السلام :

«انّ رجلين اختصما الى أميرالمؤمنين عليه السلام في دابّة في أيديهما و أقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها نتجت عنده، فأحلفهما علي عليه السلام ، فحلف أحدهما و أبى الآخر أن يحلف، فقضى بها للحالف».

فان حلفا جميعا قضي بالنصف بينهما بالسويّة فيكون لمدّعي الكلّ ثلاثة أرباع و لمدّعي النصف الربع و كذا لو نكلا، و ان حلف أحدهما دون الآخر قضي بالنصف له دون صاحبه.

هذا، ولكن يمكن أن يقال بأنّه في هذه الصورة يعمل باطلاق قوله عليه السلام في المعتبرة فيستحلفا جميعا فان حلف حكم بالمال بينهما نصفين و ان لم يحلفا فكذلك و ان حلف مدّعي الكلّ أحرز الكلّ و ان حلف مدّعي النصف أحرز النصف.

فانّه و لو كان الفرض أنّه لا تعارض في نصف الدار الاّ أنّ العرف يشهد بأنّ لكلّ واحد منهما يدا على الدار.

و لو ادّعى أحدهم النصف و الآخر الثلث و الثالث السدس، و كانت يدهمعليها، فيد كلّ واحد منهم على الثلث. لكن صاحب الثلث لايدّعي زيادة على ما في يده، و صاحب السدس يفضل في يده ما لايدّعيه هو و لا مدّعي الثلث، فيكون لمدّعي النصف، فيكمل له النصف. و كذا لو قامت لكلّ منهم بيّنة بدعواه.

انّه لا نزاع بين المدّعين في هذه الصورة حقيقة - كما في المسالك(1)- و لايحتاج الى حكم و قضاء الاّ في تقسيم الدار لو تنازعوا فيه، فانّ سهام المدّعين لاتزيد عن أجزاء العين فلايفرق فيها بين أن يقيم كلّ واحد منهم على دعواه بيّنة أو لايقيم أحد منهم أو يقيم بعضهم دون الآخرين، و لا يمين لأحدهم على الآخر لعدم المعارضة.

و لو ادّعى أحدهم الكلّ و الآخر النصف و الثالث الثلث، و لا بيّنة قضي لكلّ واحد منهم بالثلث؛ لأنّ يده عليه. و على الثاني و الثالث اليمين لمدّعي الكلّ و عليه و على مدّعي الثلث اليمين لمدّعي النصف.


1) - مسالك الأفهام 14: 123.

ما ذكره المصنّف - فيما اذا كانت أيديهم عليها و لا بيّنة لأحدهم - صحيح.

و قد شرحه في المسالك بكلام كان المتن أظهر منه في بيان المطلوب حيث قال: «ففي يد كلّ واحد ثلث، فمدّعي الثلث لايدّعي زائدا على ما في يده، و مدّعي النصف يدّعي سدسا عليهما و مدّعي الكلّ يدّعي جميع ما بأيديهما فيقدّم قول كلّ واحد فيما بيده، و يحلف مدّعي الثلث لكلّ واحد منهما؛ لأنّهما معا يدّعيان عليه. يحلف مدّعي النصف لمدّعي الجميع خاصّة، و بالعكس».(1)

و ان أقام كلّ منهم بيّنة فان قضينا مع التعارض ببيّنة الداخل، فالحكم كما لو لم تكن بيّنة؛ لأنّ لكلّ واحد بيّنة و يدا على الثلث، و ان قضينا ببيّنة الخارج و هو الأصحّ كان لمدّعي الكلّ ممّا في يده ثلاثة من اثنيعشر بغير منازع، و الأربعة التي في يد مدّعي النصف لقيام البيّنة لصاحب الكلّ بها و سقوط بيّنة صاحب النصف بالنظر اليها؛ اذ لاتقبل بيّنة ذي اليد و ثلاثة ممّا في يد مدّعي الثلث. و يبقى واحد ممّا في يد مدّعي الكلّ لمدّعي النصف، و واحد ممّا في يد مدّعي الثلث يدّعيه كلّ واحد من مدّعي النصف و مدّعى الكلّ، يقرع بينهما و يحلف من يخرج اسمه و يقضى له، فان امتنعا قسّم بينهما نصفين فيحصل لصاحب الكلّ عشرة و نصف و لصاحب النصف واحد و نصف و تسقط دعوى مدّعي الثلث.

و ان أقام كلّ منهم بيّنة فيعمل بما في معتبرة اسحاق بن عمّار من الحكم بالتحالف فان حلفوا جميعا استقرّت يد كلّ واحد على الثلث و كذا ان لم يحلفوا جميعا.

أمّا ان حلف مدّعي الكلّ دون الآخرين فيعطى الدار دونهما. و ان حلف


1) - مسالك الأفهام 14: 125.

مدّعي النصف دونهما يعطى نصف الدار و يقسّم النصف الآخر بينهما، و ان حلف مدّعي الثلث دونهما يعطى ثلث الدار و يقسّم الثلثان بين الآخرين.

و أمّا ان حلف مدّعي الكلّ و مدّعي النصف دون مدّعي الثلث، فتقسّم الدار بينهما دونه، و ان حلف مدّعي الكلّ و مدّعي الثلث دون مدّعي النصف فيعطى مدّعي الكلّ ثلثاها و يعطى مدّعي الثلث ثلثها، و ان حلف مدّعي النصف و مدّعي الثلث يعطى نصفها مدّعي النصف و ثلثها مدّعي الثلث و يعطى مدّعي الكلّ الباقي و هو السدس.

و أمّا كلام المصنّف رحمه الله: «فان قضينا ببيّنة الداخل فالحكم كما لو لم تكن بيّنة؛ لأنّ لكلّ واحد بيّنة و يدا على الثلث». ففيه: انّا قد تقدّم منّا مرارا سماع بيّنة الداخلو هو ذو اليد ولكن قضينا بها مع اليمين و لذا نحكم بيمين كلّ واحد منهم.

و لو كان المدّعى في يد الأربعة، ففي يد كلّ واحد منهم ربعها، فاذا أقام كلّ واحد منهم بيّنة بدعواه، قال الشيخ: يقضى لكلّ واحد منهم بالربع؛ لأنّ له بيّنة و يدا. و الوجه القضاء ببيّنة الخارج على ما قرّرناه، فيسقط اعتبار بيّنة كلّ واحد بالنظر الى ما في يده، و يكون ثمرتها في دعوى التكملة فيما يدّعيه ممّا في يد غيره. فيجمع بين كلّ ثلاثة على ما في يد الرابع و ينتزع لهم و يقضى فيه بالقرعة و اليمين، و مع الامتناع بالقسمة، الى آخر ما ذكره رحمه الله بطوله.

انّ فرض المسألة هو أن تكون العين في يد أربعة، فيدّعي أحدهم الكلّ و الآخر الثلثين و الثالث النصف و الرابع الثلث.

فلمّا كانوا جميعا ذوي يد على المال فيعمل بالمعتبرة و يحلف كلّ واحد منهم فان حلفوا جميعا يقسّم المال بينهم أرباعا و كذا ان لم يحلفوا و نكلوا جميعا، و أمّا

ان حلف واحد أو اثنان أو ثلاثة منهم فالحكم على قياس المسألة السابقة و نحن نذكر بعض فروضه:

ان حلف واحد منهم و نكل الثلاثة فان حلف مدّعي الكلّ يعطى كلّها و ان حلف مدّعي الثلثين يعطى الثلثان و يقسّم الثلث الباقي بين الثلاثة الآخرين، و ان حلف مدّعي النصف يعطى النصف و يقسّم النصف الآخر بين الثلاثة و ان حلف مدّعي الثلث يعطى ثلثها و يقسّم الثلثان بين الثلاثة.

و ان حلف اثنان منهم و نكل آخران فان حلف مدّعي الكلّ و الثلثين، يقسّم المال بينهما و لايعطى الآخران شيئا، و كذا ان حلف مدّعي الكلّ و النصف أو مدّعي الكلّ و الثلث، و كذا ان حلف مدّعي الثلثين و الثلث، فيقسّم بينهما على حسب دعواهما و لايعطى الآخران شيئا. و ان حلف مدّعي النصف و الثلث يعطىالأوّل نصفها و الآخر ثلثها و يقسّم السدس الباقي بين الآخرين. و هكذا.

فقس على ذلك جميع ما يرد عليك من المسائل، فانّ المبنى في الجميع معتبرة اسحاق بن عمّار و صحيحة أبي بصير، فانّ المستفاد منهما اعتبار بيّنة المنكر كالمدّعي و وقوع التعارض بينهما و تقديم قول الحالف دون الآخر.

و لمّا كان المبنى كذلك فكلّ ما ذكرنا كان في فرض عدم ترجيح احدى البيّنات على الأخر.

و المصنّف رحمه الله و غيره لمّا لم يقبلوا بيّنة المنكر و قالوا بتقديم بيّنة الخارج في المسائل المتقدّمة التجؤوا لحلّ المسألة الى هذا الكلام الطويل و أمثاله.

فيما اذا تداعى الزوجان متاع البيت

«السابعة»: اذا تداعى الزوجان متاع البيت، قضي لمن قامت له البيّنة. و لو لم تكن بيّنة، فيد كلّ واحد منهما على نصفه. قال في المبسوط: «يحلف كلّ واحد منهما لصاحبه، و يكون بينهما بالسويّة سواء كان ممّا يختصّ الرجال أو النساء أو يصلح لهما، و سواء كانت الدار لهما أو لأحدهما، و سواء كانت الزوجيّة باقية بينهما أو زائلة. و يستوي في ذلك تنازع الزوجين و الورّاث». و قال في الخلاف: «ما يصلح للرجال للرجل، و ما يصلح للنساء للمرأة، و ما يصلح لهما يقسّم بينهما. و في رواية أنّه للمرأة؛ لأنّها تأتي بالمتاع من أهلها». و ما ذكره في الخلاف أشهر في الروايات، و أظهر بين الأصحاب.

قال في المسالك: «اختلفوا في هذه المسألة على أربعة أقوال: الأوّل: ما أشار اليه المصنّف و هو تسوية كلّ شيء بينهما بل بين ورثتهم الذين يكون فيهم المنازعة، نصفين. و حجّة هذا القول الحاقه بسائر الدعاوي؛ لدخوله في العموم، و هذا القول للشيخ في المبسوط و تبعه العلاّمة و ولده الفخر في الشرح. الثاني: أنّ ما يصلح للرجال خاصّة يحكم به للزوج، و ما يصلح للنساء خاصّة يحكم به للمرأة، و ما يصلح لهما يقسّم بينهما بعد التحالف أو النكول، و هذا القول للشيخ في الخلاف و قبله ابن الجنيد و تبعهما ابن ادريس و المصنّف رحمه الله و العلاّمة في التحرير و الأكثر.

و المستند - مع قضاء العادة بذلك - صحيحة رفاعة النخّاس و ان لم تكن صريحة في ذلك. الثالث: أنّ القول قول المرأة مطلقا. ذهب الى ذلك الشيخ في الاستبصار؛ لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج. الرابع: الرجوع في ذلك الى العرف العامّ أو الخاصّ، فان وجد عمل به و ان انتفى أو اضطرب كان بينهما؛ لتصادم الدعويين و عدم الترجيح. ذهب الى ذلك العلاّمة في المختلف، و الشهيد في

الشرح و جماعة من المتأخّرين، و هو المعتمد؛ لما فيه من الرجوع الى العرف والجمع بين الأخبار مع مراعاة الأصول المقرّرة. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

لو لم تكن هناك روايات خاصّة في الباب نعمل بما في معتبرة اسحاق بن عمّار، من الحكم بالتحالف فيما اذا كانت لهما بيّنة، و الحكم لذي البيّنة فيما اذا كانت لأحدهما خاصّة، و الحكم بالتحالف فيما اذا لم تكن لهما بيّنة فيحلف كلّ واحد منهما و يقضى بينهما بالسويّة.

الاّ أنّ هناك روايات نذكرها حتّى يتّضح الحقّ في كيفيّة الحكم:

منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألني هل يقضي ابن أبي ليلى بالقضاء ثمّ يرجع عنه؟ فقلت له: بلغني أنّه قضى في متاع الرجل و المرأة - اذا مات أحدهما فادّعاه ورثة الحيّ و ورثة الميّت، أو طلّقها فادّعاه الرجل و ادّعته المرأة - بأربع قضايا، فقال: و ما ذاك؟ قلت: أمّا أوّلهنّ، فقضى فيه بقول ابراهيم النخعي كان يجعل متاع المرأة الذي لايصلح للرجل للمرأة و متاع الرجل الذي لايكون للمرأة للرجل و ما كان للرجال و النساء بينهما نصفان. ثمّ بلغني أنّه قال: انّهما مدّعيان جميعا فالذي بأيديهما جميعا (يدّعيان جميعا) بينهما نصفان، ثمّ قال: الرجل صاحب البيت و المرأة الداخلة عليه و هي المدّعية، فالمتاع كلّه للرجل الاّ متاع النساء الذي لايكون للرجال فهو للمرأة، ثمّ قضى بقضاء بعد ذلك لولا أنّي شهدته لم أروه عنه، ماتت امرأة منّا و لها زوج و تركت متاعا فرفعته اليه، فقال: أكتبوا المتاع فلمّا قرأه قال للزوج: هذا يكون للرجال و المرأة، فقد جعلناه للمرأة الاّ الميزان فانّه من متاع الرجل فهو


1) - مسالك الأفهام 14: 135 - 138.

لك، فقال عليه السلام لي: فعلى أيّ شيء هو اليوم؟ فقلت: رجع الى أن قال بقولابراهيم النخعي، أن جعل البيت للرجل، ثمّ سألته عليه السلام عن ذلك، فقلت: ما تقول أنت فيه؟ فقال: القول الذي أخبرتني أنّك شهدته و ان كان قد رجع عنه، فقلت: يكون المتاع للمرأة؟ فقال: أرأيت ان أقامت بيّنة الى كم كانت تحتاج؟ فقلت: شاهدين، فقال: لو سألت من بين لابتيها - يعني الجبلين و نحن يومئذ بمكّة - لأخبروك أنّ الجهاز و المتاع يهدى علانية من بيت المرأة الى بيت زوجها، فهي التي جاءت به و هذا المدّعي فان زعم أنّه أحدث فيه شيئا فليأت عليه البيّنة».(1)

فانّ الظاهر من هذه الصحيحة أنّ الجهاز و المتاع الذي يهدى علانية من بيت المرأة الى بيت زوجها، فهو لها.

و منها صحيحة رفاعة النخّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا طلّق الرجل امرأته و في بيتها متاع فلها ما يكون للنساء و ما للرجال و النساء قسّم بينهما، قال: و اذا طلّق الرجل المرأة فادّعت أنّ المتاع لها و ادّعى الرجل أنّ المتاع له، كان له ما للرجال و لها ما يكون للنساء، و ما يكون للرجال و النساء قسّم بينهما».(2)

فهذه الصحيحة مطلقة بالنسبة الى ما يهدى من بيت المرأة بعنوان الجهاز الى بيت الرجل و ما لايهدى، فتخصّص بصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج فتكون النتيجة أنّ ما يعلم أو تقام البيّنة أنّه من جهاز المرأة و أتت به من بيتها يكون لها، و ما أقيمت به البيّنة أنّه من مال الرجل يكون له و ما شكّ فيه فلم تكن بيّنة و لا شاهد حال فيعمل فيه بما في صحيحة رفاعة.

و ان تعارضت البيّنتان و شهدت احداهما بأنّه من مال الرجل و شهدت


1) - وسائل الشيعة 26: 213 / الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 26: 216 / الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 4.

الأخرى بأنّه من مال المرأة، فالحكم هو العمل بما في صحيحة عبدالرحمن؛لتساقط البيّنتين.

و منها معتبرة يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليه السلام في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة قال:

«ما كان من متاع النساء فهو للمرأة و ما كان من متاع الرجال و النساء فهو بينهما، و من استولى على شيء منه فهو له».(1)

فهذه الرواية أيضا كسابقتها تخصّص بما في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج.

قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «اذا اختلف الزوج و الزوجة في ملكيّة شيء فما كان من مختصّات أحدهما فهو له و على الآخر الاثبات، و ما كان مشتركا بينهما كأمتعة البيت و أثاثه، فان علم أو قامت البيّنة على أنّ المرأة جاءت بها فهي لها، و على الزوج اثبات مدّعاه من الزيادة، فان أقام البيّنة على ذلك فهو و الاّ فله احلاف الزوجة، و ان لم يعلم ذلك قسّم المال بينهما. و كذلك الحال فيما اذا كان الاختلاف بين ورثة أحدهما مع الآخر أو بين ورثة كليهما».(2)

و قال الامام الخميني رحمه الله: «لو تنازع الزوجان في متاع البيت سواء حال زوجيّتهما أو بعدها ففيه أقوال أرجحها أنّ ما يكون من المتاع للرجال فهو للرجل، و ما يكون للنساء فللمرأة و ما يكون للرجال و النساء فهو بينهما، فان ادّعى الرجل ما يكون للنساء كانت المرأة مدّعى عليها و عليها الحلف لو لم يكن للرجل بيّنة و ان ادّعت المرأة ما للرجال فهي مدّعيه، عليها البيّنة و على الرجل الحلف، و ما بينهما فمع عدم البيّنة و حلفهما يقسّم بينهما. هذا اذا لم يتبيّن كون الأمتعة تحت يد أحدهما و الاّ فلو فرض أنّ المتاع الخاصّ بالنساء كان في صندوق الرجل و تحت يده


1) - وسائل الشيعة 26: 216 / الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 3.

2) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 83 و 84.

أو العكس يحكم بملكيّة ذي اليد، و على غيره البيّنة».(1)

أقول:

فبناءً على ما يظهر من صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج ينظر أوّلاً الى ما علم أو قامت البيّنة على أنّها من جهاز المرأة و أتت به من بيتها فيحكم به لها، ثمّ القسمة على ما قالا من اختصاص ما للرجال بالرجل و ما للنساء بالمرأة، فيما شكّ فيه و لم تقم به البيّنة على كونه لأحدهما.

و لو ادّعى أبو الميّتة أنّه أعارها بعض ما في يدها من متاع أو غيره، كلّف البيّنة كغيره من الأنساب. و فيه رواية بالفرق بين الأب و غيره ضعيفة.

انّ القاعدة الأوّليّة في القضاء في أمثال هذه المسائل ما تقدّم من أنّ على المدّعي البيّنة فيما يدّعيه ولكن قد ورد في الباب رواية و هي ما رواه محمّد بن يعقوب عن محمّد بن جعفر الكوفي - يعني الأسدي - عن محمّد بن اسماعيل عن جعفر بن عيسى قال:

«كتبت الى أبي الحسن - يعني علي بن محمّد عليهماالسلام - : المرأة تموت فيدّعي أبوها أنّه كان أعارها بعض ما كان عندها من متاع و خدم، أتقبل دعواه بلا بيّنة، أم لاتقبل دعواه بلا بيّنة؟ فكتب اليه - يعني علي بن محمّد عليهماالسلام - : يجوز بلا بيّنة. قال: و كتبت اليه: ان ادّعى زوج المرأة الميّتة أو أبو زوجها أو أمّ زوجها في متاعها و خدمها مثل الذي ادّعى أبوها من عارية بعض المتاع و الخدم، أيكون في ذلك بمنزلة الأب في الدعوى؟ فكتب: لا».(2)


1) - تحرير الوسيلة 2: 432 ، المسألة 6.

2) - وسائل الشيعة 27: 290 / الباب 23 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

و الظاهر أنّ السند لابأس به و ان عدّها المجلسي رحمه الله في ملاذ الأخيار مجهولاً،ولكن الظاهر أنّها حسنة يجوز العمل بها.

فانّ القول بضعف الرواية ان كان من جهة محمّد بن جعفر الكوفي الأسدي الواقع في طريق الكليني دون الصدوق، فيدفعه أنّه محمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الأسدي الذي هو ثقة كما نقلنا توثيقه في معجم الثقات فراجع.

و ان كان من جهة محمّد بن عيسى الواقع في طريق الصدوق رحمه الله فهو أيضا ثقة على الصحيح و ان توقّف فيه ابن الوليد كما نبّه عليه غير واحد من علماء الرجال، كالنجاشي، فقد ذكرناه في معجم الثقات أيضا.

و أمّا ان كان من جهة جعفر بن عيسى الواقع في كلا الطريقين فقال السيّد الخوئي رحمه الله: «هو ممدوح مدحا لايقلّ عن التوثيق مع أنّه وارد في أسناد كامل الزيارات فالظاهر أنّه لا مانع من العمل بالرواية».(1)

و أمّا محمّد بن اسماعيل فالظاهر أنّه محمّد بن اسماعيل بن أحمد بشير البرمكي وثّقه النجاشي و كذا العلاّمة بتبعه، كما ذكرناه في معجم الثقات.

فالمتحصّل أنّه اذا ماتت المرأة فادّعى أبوها أنّ بعض ما عندها من الأموال عارية فالأظهر قبول دعواه بلا بيّنة؛ للحسنة المذكورة آنفا، اذا كان بلا معارض و كان المال من الأموال التي علم بأنّها قد جاءت به من بيت أبيها.

و أمّا اذا كان المدّعي غيره فعليه الاثبات بالبيّنة، و الاّ فهي لوارث المرأة مع اليمين؛ لأنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر. نعم، اذا اعترف الوارث بأنّ المال كان للمدّعي و ادّعى أنّه وهبه للمرأة المتوفّاة فانقلبت الدعوى و صار الوارث مدّعيا و عليه لاثبات دعواه البيّنة أو استحلاف منكر الهبة.


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 86.

تتمّة في ذكر بعض المسائل المرتبطة

لابأس بذكر بعض المسائل الأخر المرتبطة بالاختلاف في العقود التي ذكرها السيّد الخوئي رحمه الله في تكملة المنهاج(1)تمرينا لتطبيق الموارد على القواعد الكلّيّة التي مرّت شرحها:

الأولى: قال رحمه الله: «اذا اختلف الزوج و الزوجة في العقد بأن ادّعى الزوج الانقطاع و ادّعت الزوجة الدوام أو بالعكس، فالظاهر أنّ القول قول مدّعي الانقطاع و على مدّعي الدوام اقامة البيّنة على مدّعاه، فان لم يمكن حكم بالانقطاع مع يمين مدّعيه، و كذلك الحال اذا وقع الاختلاف بين ورثة الزوج و الزوجة».

و قال في توضيح مبنى المسألة: «و ذلك لأنّ الزوجيّة انّما تثبت باعتبار الزوجين و انشائهما، و القدر المتيقّن انّما هو اعتبار الزوجيّة فيما اتّفقا عليه، و أمّا الزائد عليه فاعتباره مشكوك فيه، فالأصل عدمه. و قد يتخيّل أنّ مقتضى الاستصحاب ثبوت الزوجيّة الدائمة، فعلى من يدّعي خلاف ذلك الاثبات بالبيّنة. ولكنّه يندفع بأنّ أصالة عدم اعتبار الزوجيّة الدائمة ترفع هذا الشكّ و بها يحرز عدم الزوجيّة في الزائد على المقدار المتّفق عليه.

و لو تنزّلنا و فرضنا أنّ الاستصحابين متعارضان، فالأمر أيضا كذلك فانّ مدّعي الدوام هو الذي يطالب الآخر بشيء ما، فهو المدّعي على ما ذكرناه من أنّ المدّعي هو الذي يطالب الآخر بشيء.

نعم، ان قلنا بأنّ ترك ذكر الأجل مطلقا حال العقد - و لو كان عن نسيان أو غفلة مع كون العاقد قاصدا التمتّع - يوجب انقلابه دائما كما هو أحد القولين في المسألة كان القول عند الاختلاف قول مدّعي الدوام؛ لأنّ الأصل عدم ذكر الأجل في حال العقد، و على مدّعي الانقطاع و ذكر الأجل اثبات ذلك. ولكنّ الصحيح هو عدم


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 71 و 75.

الانقلاب بل يحكم بعدم وقوع العقد مطلقا لا متعة و لا دواما. و عليه فالصحيح ما ذكرناه من أنّ مدّعي الدوام هو المدّعي فعليه الاثبات».

أقول:

تارة يكون النزاع بعد انقضاء المدّة المدّعاة في العقد المنقطع بمعنى أنّ مدّعي العقد المنقطع يدّعيه و يقول بانقضاء مدّته و بينونتهما، و مدّعي الدوام يدّعي الزوجيّة الفعليّة، ففي هذا الفرض يكون مدّعي الدوام مدّعيا و الآخر منكرا بلا اشكال فانّه يدّعي الزوجيّة و الآخر ينكرها فعلى المدّعي البيّنة و على المنكر اليمين، و السيّد الخوئي رحمه اللهلم يذكر هذا الفرض.

و أخرى يكون النزاع قبل انقضاء المدّة المدّعاة في العقد المنقطع بأن يدّعي الانقطاع و يقول ببقاء مدّته و عدم انقضائه فنقول:

انّ العقد الدائم و المنقطع ماهيّتان متفاوتتان، و لكلّ واحد خصوصيّات خاصّة به، و عليه يمكن أن يقال: انّ الزوجين في المثال مدّعيان كما يكونان منكرين فيكون المورد من قبيل التداعي و الحكم فيه هو التحالف و عليه فاذا تحالفا، لايثبت واحد من العقدين و على الزوج فيما بينه و بين اللّه أن يطلّق المرأة أو أن يهبها المدّة لئلاّتبقى المرأة على زوجيّته، فانّ حكم الحاكم لايرفع الزوجيّة الواقعيّة.

و يمكن أن يقال بأنّ على الحاكم أن يجبر الزوج على الأمرين معا.

كما أنّه يحتمل أن يقال بما ذكره السيّد الخوئي رحمه الله من أنّ مدّعي الدوام كان يطالب مدّعي الانقطاع بأشياء منها الارث و ينكره مدّعي الانقطاع فيصير مدّعي الدوام مدّعيا و مدّعي الانقطاع منكرا، فان كان للمدّعي بيّنة فأقامها و الاّ فيحلف المنكر و يثبت الانقطاع.

و على أيّ حال سواء حكم القاضي بالدوام أو الانقطاع، فعلى الطرفين

أن يفعلا ما يخرجهما عن عهدة التكليف بينهما و بين اللّه تعالى.

الثانية: قال رحمه الله: «اذا ثبتت الزوجيّة باعتراف كلّ من الرجل و المرأة، و ادّعى شخص آخر زوجيّتها له، فان أقام البيّنة على ذلك فهو و الاّ فله احلاف أيّهما شاء».

و الحكم في هذه المسألة مطابق لما هو الثابت من القواعد الكلّيّة:

فانّ الشخص الثالث في المثال هو المدّعي و الزوجين هما المنكران، فلمّا كانت الدعوى واحدة فان كانت للمدّعي بيّنة فليأت بها و الاّ فأيّهما حلف انقطعت الدعوى، و أمّا ان نكلا معا أو ردّا اليمين على المدّعي فان حلف ثبتت دعواه و ان لم يحلف سقطت.

الثالثة: قال رحمه الله: «اذا ادّعى رجل زوجيّة امرأة و هي غير معترفة بها و لو لجهلها بالحال، و ادّعى رجل آخر زوجيّتها كذلك، و أقام كلّ منهما البيّنة على مدّعاه حلف أكثرهما عددا في الشهود، فان تساويا أقرع بينهما فأيّهما أصابته القرعة كان الحلف له و اذا لم يحلف أكثرهما عددا أو من أصابته القرعة لم تثبت الزوجيّة، لسقوط البيّنتين بالتعارض».

و قد تقدّم منّا ما يفيد لهذه المسألة، و قلنا بأنّه لولا الاجماع على الحكم بالقرعة لقلنا بأنّه ان صدّقت هي أحدهما كان الحكم له مع حلفه، الاّ أن يكون أحدهما أكثر بيّنة فيحكم له مع حلفه؛ جمعا بين الروايات الدالّة على لزوم الحلف بعد القرعة كمعتبرة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه (1)و بين ما ذكرناه هناك من مرسلة داود بن أبي يزيد العطّار عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل كانت له امرأة فجاء رجل بشهود أنّ هذه المرأة امرأة فلان، و جاء آخران فشهدا أنّها امرأة فلان فاعتدل الشهود و عدّلوا فقال:


1) - وسائل الشيعة 27: 251 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 5.

«يقرع بينهم، فمن خرج سهمه فهو المحقّ، و هو أولى».(1)

كما أنّ السيّد الخوئي رحمه الله حكم بلزوم الحلف.

ولكن صاحب المسالك رحمه الله و كذا غيره حكموا في المسألة بعدم لزوم الحلف لعدم فائدته. و على ما ذكره السيّد الخوئي رحمه الله تظهر الفائدة و هي سقوط البيّنتين و لزوم الحكم على سائر القواعد المذكورة في باب النكاح.

الرابعة: قال رحمه الله: «اذا اختلفا في عقد، فكان الناقل للمال مدّعيا البيع و كان المنقول اليه المال مدّعيا الهبة فالقول قول مدّعي الهبة و على مدّعي البيع الاثبات، و أمّا اذا انعكس الأمر فادّعى الناقل الهبة و ادّعى المنقول اليه البيع فالقول قول مدّعي البيع و على مدّعي الهبة الاثبات».

أقول:

في الفرض الأوّل - الذي يكون الناقل فيه مدّعيا للبيع و المنقول اليه مدّعيا للهبة - فتارة تكون العين باقية، فان لم يكن المنقول اليه رحما فللناقل استرجاع العين فانّه اذا كان بيعا واقعا و لم يردّ المشتري الثمن فله خيار الفسخ و ان كان هبة فله فسخه لكونه عقدا جائزا.

و أخرى تكون تالفة فالقول قول مدّعي الهبة و على مدّعي المال الاثبات؛ لأنّه هو الذي يدّعي اشتغال ذمّة المنقول اليه بالثمن و المنقول اليه ينكره فان أقام المدّعي بيّنة فهو و الاّ فله احلاف المنقول اليه. و كذا الكلام اذا كان المنقول اليه ذا رحم.

و أمّا الفرض الثاني - و هو ما اذا كان الناقل مدّعيا للهبة و المنقول اليه مدّعيا للبيع - فعلى مدّعي الهبة الاثبات لأنّه يدّعي أنّ له الرجوع و أخذ العين من يد المنقول اليه و زوال ملكيّة المنقول اليه، و المنقول اليه ينكره.


1) - وسائل الشيعة 27: 252 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 8.

الخامسة: قال رحمه الله: «اذا ادّعى المالك الاجارة و ادّعى الآخر العارية، فالقول قول مدّعي العارية، و لو انعكس الأمر كان القول قول المالك».

و ذلك لأنّهما - في الفرض الأوّل - يتّفقان على جواز تصرّف غير المالك في العين و يختلفان في وجوب الأجرة فانّ المالك يدّعي اشتغال ذمّة غيره بالأجرة فعليه الاثبات، فان لم تكن له بيّنة فالقول قول مدّعي العارية مع يمينه.

قال رحمه الله في توضيح المبنى: «و أمّا ما قد يقال من أنّ القول قول من يدّعي الاجارة؛ لأنّ الأصل في الأموال الضمان، فان ثبتت دعواه فهو و الاّ لزم أجرة المثل، فهو لم يثبت؛ اذ لا دليل على الضمان على الاطلاق و انّما يثبت بأحد أمرين: أحدهما: الاستيلاء على مال الغير بغير اذنه. و ثانيهما: بالالتزام به بعقد. و الأوّل مفروض العدم في المقام. و الثاني لم يثبت على الفرض، فالقول قول مدّعي العارية».

و أمّا لو انعكس الأمر بأن ادّعى المالك العارية و ادّعى الآخر الاجارة - لأنّه يريد أن يبقى في الدار مثلاً و يريد المالك انتزاعه من يده - فالقول قول مدّعي العارية كما في الفرض المتقدّم و ذلك لأنّ الآخر يدّعي على المالك ملكيّة المنفعة و أنّه يستحقّ عليه ابقاء العين عنده الى انقضاء المدّة فعليه الاثبات.

السادسة: قال رحمه الله: «اذا اختلفا فادّعى المالك أنّ المال التالف كان قرضا و ادّعى القابض أنّه كان وديعة، فالقول قول المالك مع يمينه، و أمّا اذا كان المال موجودا و كان قيميّا فالقول قول من يدّعي الوديعة».

أقول:

انّ القاعدة الأوّليّة في مثل هذه المسألة هي تقديم قول مدّعي الوديعة؛ لأنّه ينكر ضمانه المال و المالك يدّعي ضمانه ولكن هنا رواية خاصّة تدلّ على تقديم قول المالك و هي موثّقة اسحاق بن عمّار - المعبّر عنها بالصحيح في كلمات كثير - قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل استودع رجلاً ألف درهم فضاعت، فقال الرجل: كانت عندي وديعة و قال الآخر: انّما كانت لي عليك قرضا، فقال: المال لازم له الاّ أن يقيم البيّنة أنّها كانت وديعة».(1)

و كذا موثّقته الأخرى عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل قال لرجل: لي عليك ألف درهم فقال: الرجل: لا ولكنّها وديعة، فقال أبو عبداللّه عليه السلام :

«القول قول صاحب المال مع يمينه».(2)

فانّ صريح المعتبرة الأولى ورودها في مورد ضياع المال.

أمّا اذا كان المال موجودا - و كان قيميّا - فالقول قول من يدّعي الوديعة و ذلك لأنّ الآخر يدّعي القرض و يدّعي اشتغال ذمّة المنقول اليه بالقيمة فعليه الاثبات باقامة البيّنة، و الاّ فالقول قول من يدّعي الوديعة مع يمينه.

نعم، لو كان المال المفروض مثليّا فلا أثر للدعوى في المقام، حيث انّه ليس لمدّعي القرض الامتناع عن قبول المال الموجود.


1) - وسائل الشيعة 19: 85 / الباب 7 من كتاب الوديعة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 18: 404 / الباب 18 من كتاب الرهن / الحديث 1.

المقصد الثالث : في دعوى المواريث

فيما لو مات المسلم عن ابنين فاختلفا في اسلام أحدهما قبل موت الأب

و فيه مسائل:

«الأولى»: لو مات المسلم عن ابنين، فتصادقا على تقدّم اسلام أحدهما على موت الأب، و ادّعى الآخر مثله فأنكر أخوه فالقول قول المتّفق على تقدّم اسلام ه مع يمينه أنّه لايعلم أنّ أخاه أسلم قبل موت أبيه. و كذا لو كانا مملوكين فأعتقا، و اتّفقا على تقدّم حرّيّة أحدهما و اختلفا في الآخر.

قال في المسالك: «اذا مات مسلم و له ابنان أسلم أحدهما قبل موت الأب بالاتّفاق، و قال الآخر: أسلمت أيضا قبله، و قال المتّفق على اسلامه: بل أسلمت بعد موته فله أحوال».(1)

ثمّ ذكر الأحوال و نحن نذكرها مع حكمها:

أقول:

الصورة الأولى: أن يكون تأريخ الاسلام و الموت مجهولين كما هو ظاهر


1) - مسالك الأفهام 14: 140.

المتن، و حينئذ فلا كلام بالنسبة الى الأخ المتّفق على اسلام ه، و أمّا الأخ الآخر فانّه مدّعٍ و الأوّل بالنسبة اليه منكر، فان لم تكن له بيّنة فيحلف الأوّل المتّفق على اسلام ه على أنّ أخاه لم يسلم قبل موت أبيه اذا كان منكرا للتقدّم، و أمّا اذا ادّعى الجهل بالحال فلمدّعي التقدّم احلافه على عدم العلم بتقدّم اسلام ه على موت الأب ان ادّعى عليه علمه به.

الصورة الثانية: أن يتّفقا على موت الأب في شهر رمضان مع اتّفاقهما على اسلام الأوّل قبل موت الأب، فقال الآخر: أسلمت في شعبان و ادّعى أخوه المتّفق على اسلام ه قبل موت الأب أنّ اسلام ه كان في شوّال أو أنّه لايعلم بتقدّم اسلام ه على موت الأب.

ففي المسالك: «فالقول قول المتّفق على اسلام ه مع يمينه أنّه لايعلم أنّ أخاه أسلم قبل موت أبيه في الحالين؛ لأنّ الأصل استمراره على دينه الى أن يثبت المزيل».(1)

ففي هذه الصورة أيضا يكون الأوّل المتّفق على اسلام ه منكرا و الآخر مدّعيا، فان كانت للمدّعي بيّنة أقامها و الاّ فيحلف المنكر على أنّه لايعلم باسلام ه قبل موت أبيه. و لك أن تقول: انّ قول الأوّل موافق للأصل و هو استصحاب استمرار الآخر على دينه الى أن يثبت المزيل، أو فقل: أصالة عدم تقدّم اسلام ه على موت الأب.

اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ هذا الأصل معارض بأصالة عدم تقدّم موت الأب على اسلام ه التي يثبت معها تقدّم الاسلام على الموت ليرث.

الاّ أنّ هذا هو الأصل المثبت الذي لانقول به.

بيانه: انّ الأثر - و هو الارث - يترتّب في المقام على تقدّم اسلام الابن على


1) - مسالك الأفهام 14: 140.

موت الأب، لا على عدم تقدّم موت الأب على اسلام ه، الاّ اذا ثبت منها تأخّرالموت مع أنّها لاتثبته - الاّ على القول بالأصل المثبت - مع أنّ الأصل الأوّل الجاري في المقام و هو أصالة عدم تقدّم اسلام ه على موت الأب، يكون ذا أثر و هو عدم ارثه من أبيه، فلا تعارض بين الأصلين.

الصورة الثالثة: اذا اتّفقا على أنّ أحدهما لم يزل مسلما و قال الآخر: لم أزل مسلما أيضا، و نازعه الأوّل و قال: كنتَ نصرانيّا - مثلاً - و انّما أسلمت بعد موت الأب.

ففي المسالك: «احتمل المساواة؛ لأصالة عدم الاسلام ، و تقديم قوله: انّي لم أزل مسلما؛ لأنّ ظاهر الدار يشهد له، و ليس مع صاحبه أصل يستصحب هنا، بخلاف السابق».(1)

أقول:

قد تقدّم في تعريف المنكر أنّه من يوافق قوله الأصل أو الظاهر، و في المقام يوافق قول أحدهما الأصل - و هو عدم اسلام الأخ قبل موت الأب - و قول أحدهما الظاهر و هو دعوى اسلام ه مع كونه في دار الاسلام ، فالظاهر تقديم قول مدّعي الاسلام الذي يوافق قوله الظاهر و ذلك لأنّ ظاهر الدار يشهد له و أنّ هذا الظاهر يعمل به في موارد في غير هذا المقام مثل ما اذا وجدت لقيطة في دار الاسلام لم يعلم باسلام ه أو كفره فيحكم باسلام ه أو وجد ميّت في دار الاسلام فيحكم باسلام ه و يجهّز تجهيز المسلمين الى غير ذلك، خصوصا اذا كان المدّعي على ظاهر الاسلام و كان أبوه مسلما.

الصورة الرابعة: ما لو قال كلّ منهما: انّي لم أزل مسلما، و أنكر كلّ منهما اسلام أخيه حين موت الأب، فيكون المورد من قبيل التداعي و الحكم فيه هو التحالف


1) - مسالك الأفهام 14: 140.

فاذا تحالفا يقسّم المال بينهما، و يمكن أن يستأنس لحكم هذه الصورة بما في ذيلمعتبرة اسحاق بن عمّار:

«فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما و أقاما البيّنة؟ فقال: أحلّفهما فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين. الحديث».(1)

و لايخفى أنّه في هذه الفروض اذا أقام واحد منهما بيّنة فهو المقدّم.

أمّا اذا أقام كلّ واحد منهما بيّنة فالظاهر تقديم قول مدّعي التقدّم اذا لم يكن بينهما تعارض.

و هكذا يكون الحكم لو كانا مملوكين فأعتقا، و اتّفقا على تقدّم حرّيّة أحدهما و اختلفا في الآخر أو اختلفا فيهما.

«الثانية»: لو اتّفقا أنّ أحدهما أسلم في شعبان و الآخر في غرّة رمضان، ثمّ قال المتقدّم: مات الأب قبل شهر رمضان و قال المتأخّر: مات بعد دخول شهر رمضان، كان الأصل بقاء الحياة و التركة بينهما نصفين.

قال في المبسوط: «فأمّا ان اتّفقا على وقت اسلام هما و اختلفا في وقت موته و هو أنّ أحدهما أسلم في غرّة شعبان و أسلم آخر في غرّة رمضان و أسلم الأب و مات، و اختلفا، فقال من أسلم في غرّة شعبان: مات أبي في شعبان قبل اسلام ك أيّها الأخ فالميراث كلّه لي، و قال الآخر: بل مات في رمضان فالميراث بيننا، فالقول قول من يدّعي موته في رمضان و يكون الميراث بينهما نصفين؛ لأنّ الأصل الحياة حتّى يعلم زوالها».(2)


1) - وسائل الشيعة 27: 250 / الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

2) - المبسوط 8: 273.

و في الجواهر - بعد نقل كلام المحقّق - قال: «بلا خلاف و لا اشكال و ان كانالمدرك عندنا عدم ثبوت المانع، فالمقتضي حينئذ بحاله لا استصحاب الحياة، فتأمّل جيّدا».(1)

و قال السيّد الخوئي رحمه الله: «اذا مات المسلم عن ولدين مسبوقين بالكفر و اتّفقا على تقدّم اسلام أحدهما على موت الأب و اختلفا في الآخر فعلى مدّعي التقدّم الاثبات و الاّ كان القول قول أخيه مع حلفه اذا كان منكرا للتقدّم. وجه ذلك: انّ استصحاب بقاء كفره الى زمان موت أبيه يترتّب عليه عدم ارثه منه. و أمّا استصحاب عدم موت أبيه قبل اسلام ه فلايثبت به تأخّر موت الأب عن اسلام ابنه ليترتّب عليه ارثه منه.

و لايفرق في ذلك بين ما اذا كان الاسلام و الموت مجهولي التأريخ أو كان تأريخ أحدهما معلوما و الآخر مجهولاً على ما بيّنّاه في محلّه و ان كان المعروف أنّ التركة تكون بينهما نصفين فيما اذا كان تأريخ اسلام الابن معلوما و كان الاختلاف في تقدّم موت الأب على اسلام ابنه و تأخّره عنه، فانّهم بنوا على أصاله تأخّر الحادث فاذا كان اسلام أحدهما في شهر شعبان - مثلاً - و كان اسلام الآخر في شهر رمضان و شكّ في أنّ الأب مات قبل دخول شهر رمضان أو بعده فقالوا: انّ الاستصحاب لايجري في معلوم التأريخ و يجري في المجهول فيحكم بذلك بتأخّر الموت عن الاسلام ، ولكنّا قد ذكرنا في محلّه بطلان ذلك بصورة مفصّلة».(2)

و قال الآشتياني: «الذي يقتضيه التحقيق أنّ استصحاب حياة المورّث لايثبت تأخّر زمان موته عن زمان الاسلام و بدونه لاينفع؛ لأنّ الشرط في الارث هو الموت عن قريب مسلم، و هذا العنوان لايمكن اثباته باستصحاب الحياة؛ لأنّه غير


1) - جواهر الكلام 40: 506.

2) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 88.

نفس الحياة الى زمان الاسلام و بعده. انتهى ملخّصا».(1)

و قد أجاب عنه في الفقه: «انّ الظاهر من الأدلّة أنّ موضوع الارث اسلام الوارث حال موت المورّث، و هذا ثابت بالاستصحاب و ليس كما ذكره من كون الشرط هو الموت عن قريب مسلم».(2)

أقول:

الظاهر تقديم قول مدّعي تأخّر موت الأب مع يمينه؛ لأنّه ينكر موته قبل شهر رمضان، فعلى مدّعي تقدّم الموت البيّنة و ان لم تكن له بيّنة فعلى المنكر أي مدّعي التأخّر اليمين؛ لأنّ الأصل بقاء الحياة.

فانّ الكلام هنا في وظيفة القاضي حينما رجعا اليه، فانّ أوّل وظيفة للقاضي اذا رجعا اليه هو تشخيص المدّعي عن المدّعى عليه فيما اذا لم تكن لهما بيّنة، و يمكن أن يتوسّل في تشخيصهما الى العرف و العرف قاضٍ بأنّ مدّعي التقدّم، مدّعٍ و ذلك لأنّه يدّعي تمام الارث بعد الاتّفاق على اسلام هما و يدّعي تأخّر اسلام الأخ عن موت الأب، و مدّعي التأخّر منكره؛ لأنّه ينكر ملكيّة الأوّل لتمام الارث و ينكر تأخّر اسلام ه عن موت الأب، فعلى المدّعي البيّنة و ان لم تكن له بيّنة فعلى المنكر اليمين أو فقل: انّ الأوّل يدّعي موت أبيه قبل شهر رمضان و الثاني ينكره و يقول بموته بعد شهر رمضان.

و عليه فلايكون المبنى الأصيل في هذه المسألة الاستصحاب بل قضاء العرف في تشخيص المدّعي و المنكر.


1) - كتاب القضاء للآشتياني 2: 1139.

2) - كتاب الفقه 85: 335 و 336.

فيما لو ادّعى دارا في يد انسان أنّها له و لأخيه الغائب ارثا عن أبيهما

«الثالثة»: دار في يد انسان ادّعى آخر أنّها له و لأخيه الغائب ارثا عن أبيهما و أقام بيّنة، فان كانت كاملة و شهدت أنّه لا وارث سواهما سلّم اليه النصف و كان الباقي في يد من كانت الدار في يده. و قال في الخلاف: «يجعل في يد أمين حتّى يعود» و لايلزم القابض للنصف اقامة ضمين بما قبض. و نعني بالكاملة ذات المعرفة المتقادمة و الخبرة الباطنة. و لو لم تكن البيّنة كاملة و شهدت أنّها لاتعلم وارثا غيرهما، أرجئ التسليم حتّى يبحث الحاكم عن الوارث مستقصيا بحيث لو كان وارث لظهر، و حينئذ يسلّم الى الحاضر نصيبه و يضمّنه استظهارا. و لو كان ذو فرض أعطي مع اليقين بانتفاء الوارث نصيبه تامّا. و على التقدير الثاني يعطيه اليقين أن لو كان وارث، فيعطى الزوج الربع، و الزوجة ربع الثمن، معجّلاً من غير تضمين و بعد البحث يتمّم الحصّة مع التضمين. و لو كان الوارث ممّن يحجبه غيره كالأخ فان أقام البيّنة الكاملة أعطي المال و ان أقام بيّنة غير كاملة أعطي بعد البحث و الاستظهار بالضمين.

للمسألة ثلاث صور:

الأولى: اذا أقام مدّعي الدار بيّنة على أنّها له و لأخيه الغائب ارثا عن أبيهما، و شهدت بأنّ المدّعي و أخاه وارثا أبيهما و ليس للميّت وارث سواهما، سلّم اليه النصف و لايلزم القابض اقامة ضمين بما قبض؛ لأنّ المطالبة به حينئذ طعن في الشهود.

و أمّا بالنسبة الى النصف الباقي فالمصنّف رحمه الله قائل ببقاء النصف الآخر في يد من كانت الدار في يده و هو قول الشيخ في المبسوط حيث قال: «فاذا شهدا بذلك انتزعناها ممّن هي في يده، و سلّمنا الى الحاضر نصفها و الباقي في يدي أمين الحاكم حتّى يعود الغائب، و قال قوم: يؤخذ من المدّعى عليه نصيب الحاضر و

يقرّ الباقي في يدي من هو في يده حتّى يحضر الغائب و هو الأقوى عندي».(1)

ولكن قال في الخلاف: « ... انتزعت ممّن هي في يده و يسلّم الى الحاضر نصفها، و الباقي يجعل في يد أمين حتّى يعود الغائب، و به قال يوسف و محمّد، و قال أبو حنيفة: يؤخذ من المدّعى عليه نصيب الحاضر، و يقرّ الباقي في يد من هي في يده حتّى يحضر الغائب. دليلنا: انّ الدعوى للميّت و البيّنة بالحقّ له بدليل أنّه اذا حكم بالدار يقضى منها ديونه و ينفذ وصاياه، فاذا كانت الدعوى للميّت و البيّنة له حكم له الحاكم».(2)

و الأصحّ أنّ الحاكم يأخذ الباقي ممّن هي في يده؛ لأنّ الدار قد ثبتت لغير من هي في يده و أنّها لغائب و الحاكم وليّ الغائب فيضعها في يد أمين.

و أمّا معنى البيّنة الكاملة فقد أخذها من كلام الشيخ في المبسوط حيث قال: «اذا ادّعى رجل فقال: هذه الدار التي في يديك كانت لأبي و قد ورثتها أنا و أخي الغائب منه، و أقام بذلك بيّنة لم يخل من أحد أمرين امّا أن تكون البيّنة من أهل الخبرة الباطنة و المعرفة المتقادمة أو لاتكون كذلك.

فان كانت من أهل الخبرة الباطنة و المعرفة المتقادمة و قد شرحناه في الاقرار و هي أن تكون البيّنة خبيرة بباطن أمره و لو كان له ولد عرفاه، و الخبرة المتقادمة حتّى لايخفى عليها قديم أمره و جديده، فاذا كانت كذلك فقالت: نعلم ذلك و أنّهما وارثاه لانعرف له وارثا سواهما، أو قالا: لا وارث له سواهما واحد فانّ القطع يعود الى العلم كقولهما: لانعرف، يعود الى أن لانعلم ذلك، فاذا شهدا بذلك انتزعناها ممّن هي في يده و سلّمنا الى الحاضر نصفها و الباقي في يدي أمين الحاكم حتّى يعود الغائب».(3)


1) - المبسوط 8: 274.

2) - كتاب الخلاف 3: 375 / مسألة 12.

3) - المبسوط 8: 274.

الصورة الثانية: ما اذا لم تكن البيّنة من أهل الخبرة، ولكن قالا: هذان وارثاه، لانعرف له وارثا سواهما أو كانا من أهل الخبرة لكنّهما قالا: هذان وارثاه أو هما ابناه و لم يقولا: لم نعلم سواهما فحكم هذه الصور - كما في المبسوط(1)- واحد و هو انتزاع الدار ممّن هي في يده؛ لأنّه قد ثبت أنّها للميّت موروثة و لانعطي الحاضر منها شيئا؛ لجواز أن يكون هناك وارث سواهما فلايدفع اليه شيء حتّى يبحث الحاكم في البلدان التي وطئها الميّت و دخلها و ينادي أنّ فلانا مات، هل تعرفون له ولدا؟ فان وجد وارث سواهما فهو و الاّ فاذا انتهى الى حدّ لو كان له وارث ما خفي أقيم هذا البحث مقام خبرة الشهود و تقادم معرفتهم به كما قال به الشيخ رحمه الله. فيعمل معها معاملة أهل الخبرة و المعرفة المتقادمة فيدفع الى الحاضر حقّه، و أمّا نصيب الغائب فقد عرفت أنّه يدفع الى أمين الى أن يعود الغائب، فان كان من بيده الدار أمينا عند الحاكم فلايجب أخذ الدار من يده.

ثمّ اذا دفع الى الحاضر نصيبه فهل يؤخذ منه ضمين؟ قولان، و الأقوى عدم وجوب الأخذ لما تقدّم آنفا، من اقامة هذا البحث مقام خبرة الشهود و قد تقدّم عدم وجوب الضمين في خبرة الشهود.

و بنى الشيخ رحمه الله على هذا الحكم، جواز الضمان في الأعيان و كذا الضمان بمجهول لايعرفه الضامن، فانّ قدر ما يضمنه مجهول للضامن.

الصورة الثالثة: كلّ ما ذكر في الصورتين السابقتين متعلّق بادّعاء الابن ارث الدار مع أخيه، أو ما شابههما من الورّاث الذين لا فرض لهم في كتاب اللّه، و أمّا الكلام في هذه الصورة ففي ذوي الفروض:

فنقول: فرض اقامة البيّنة الكاملة و غير الكاملة آتٍ هنا أيضا، فان أقام بيّنة كاملة و شهدت على أنّه لا وارث سواه، كما اذا ادّعت بنت واحدة أنّها الوارثة و


1) - المبسوط 8: 275.

أقامت شاهدين على مدّعاها فان كانت البيّنة ذات معرفة متقادمة و خبرة باطنةفيحكم لها بنصف المال فرضا و بنصفه الآخر قرابة و كذا غيره من ذوي الفروض.

و أمّا ان أقام بيّنة غير كاملة فيعطى ما يتيقّن أنّه له و لو وجد وارث غيره، من غير ضمين فيعطى البنت مثلاً نصف المال و الزوج ربعه و الزوجة ربع ثمنه لاحتمال وجود زوجات غيرها، ثمّ يبحث بعد ذلك على ما تقدّم في الصورة الثانية، فان وجد وارث غيره يعطى نصيبه و ان لم يوجد فيعطى المال كلّه للمدّعي.

و أمّا ان كان من الطبقة الثانية أو الثالثة المحجوبين على فرض وجود الطبقة الأولى فلايعطى شيئا الاّ بعد البحث و الفحص و أخذ الضمين.

قال في المسالك: «اذا ادّعى كونه وارثا مع الغائب و أقام البيّنة المذكورة، فلايخلو امّا أن يكون ذا فرض أو وارثا بالقرابة، و على تقدير كونه ذا فرض امّا أن يكون بحيث لاينقص عنه أو ينقص باختلاف الوارث. فان كان ذا فرض و أقام البيّنة الكاملة الشاهدة بانتفاء وارث ينقصه عن مدّعاه، أعطي نصيبه تامّا. و ان لم تكن البيّنة كذلك فان كان محجوبا على بعض التقادير أرجئ الى أن يبحث ثمّ دفع اليه بضمين. و لو اختلف فرضه أعطي الأقلّ، الاّ مع الكمال أو البحث و الضمين».(1)

ثمّ انّ الشهيد الثاني رحمه الله فرّع بعد ذلك على هذه المسألة ما اذا صدّق المتشبّث المدّعي في دعواه أنّه لا وارث سواه، و قال بعدم نفوذ اقراره و تصديقه في حقّه اذا كان المدّعى به عينا، و هو كذلك فانّ اقراره هذا اقرار في حقّ الغير. نعم، ان كان الحقّ دينا فالظاهر أنّه اقرار في حقّ نفسه و عليه اعطاء ما أقرّ به، فان ظهر سواه وارثا فعليه اعطاؤه سهمه فانّ الدين لايتعيّن الاّ بقبض الدائن أو وكيله.


1) - مسالك الأفهام 14: 144 و 145.

فيما اذا ماتت امرأة و ابنها فاختلف الزوج و أخو المرأة في ترتيب موتهما

«الرابعة»: اذا ماتت امرأة و ابنها، فقال أخوها: مات الولد أوّلاً ثمّ المرأة، فالميراث لي و للزوج نصفان، و قال الزوج: بل ماتت المرأة ثمّ الولد فالماللي، قضي لمن تشهد له البيّنة و مع عدمها لايقضى باحدى الدعويين؛ لأنّه لا ميراث الاّ مع تحقّق حياة الوارث. فلاترث الأمّ من الولد و لا الابن من أمّه و تكون تركة الابن لأبيه و تركة الزوجة بين الأخ و الزوج.

في المسالك: «اذا كان الرجل له زوجة و ابن فماتا، و اختلف الرجل و أخو الزوجة، فقال الرجل: ماتت الزوجة أوّلاً فورثتها أنا و ابني، ثمّ مات الابن فورثته أنا. و قال الأخ: بل مات الابن أوّلاً فورثته مع أختي ثمّ ماتت الأخت فورثناها. فان كان لأحدهما بيّنة قضي بها. و ان أقاما بيّنة متكافئة تعارضتا و أقرع. و ان لم تكن لهما معا بيّنة فالقول قول الرجل في مال ابنه و قول الأخ في مال أخته مع اليمين. فان حلفا أو نكلا فهي من صور استبهام الموت فلايورث أحد الميّتين من الآخر بل مال الابن لأبيه و مال الزوجة للزوج و الأخ. هذا اذا لم يتّفقا على وقت موت أحدهما. فان اتّفقا عليه و اختلفا في موت الآخر قبله أو بعده فالمصدّق مدّعي التأخّر؛ لأنّ الأصل دوام الحياة».(1)

قال في المبسوط: «اذا كانت امرأة لها ابن و أخ و زوج فماتت و ابنها، و اختلف الأخ و الزوج، فقال الزوج: ماتت الزوجة أوّلاً فورثتها أنا و ابني، ثمّ مات ابني فصار الكلّ لي و قال الأخ: بل مات الابن أوّلاً فورثته أنت و أختي ثمّ ماتت الأخت بعد هذا فتركتها بيننا نصفين، فان كان مع أحدهما بيّنة قضينا له بما يدّعيه و ان لم يكن مع أحدهما بيّنة فانّه لايورث أحدهما من صاحبه؛ لأنّ الوارث لايرث شيئا حتّى يتحقّق حياته حين موت مورّثه، و هيهنا ما تحقّقنا، فلايرث الابن من أمّه و لا الأمّ من ولدها، فالوجه أن يقسّم تركة الميّت كأنّه لا ولد لها، فيكون تركتها


1) - مسالك الأفهام 14: 145 و 146.

بينه و بين أخيها نصفين و يكون تركة الابن كأنّه مات و لا أمّ له، فيكون تركته لأبيه دون غيره».(1)

أقول:

ان كان مع أحدهما بيّنة قضي له بما يدّعيه، و ان لم يكن مع أحدهما بيّنة فالحكم كما قال الشيخ و المصنّف و غيرهما، و هو عدم ارث أحد الميّتين من الآخر؛ لأنّ الوارث لايرث شيئا حتّى يتحقّق حياته حين موت مورّثه و هيهنا ما تحقّقناها، فلايرث الابن من أمّه و لا الأمّ من ابنها فتقسّم تركة الزوجة بين زوجها و أخيها، لاجتماع الزوج مع جميع الطبقات في الارث و تركة الابن لأبيه دون غيره، لعدم ارث الخال مع وجود الأب.

و هذا الحكم جارٍ فيما اذا لم تكن لأحدهما بيّنة و حلفا أو نكلا، و أمّا ان كانت لأحدهما بيّنة حكم له دون الآخر و كذا لو لم تكن بيّنة لأحدهما فحلف أحدهما دون الآخر فحكم للحالف بالنسبة الى ما يدّعيه. و لو أقاما معا البيّنة ففي صورة التساوي سقطتا و حلفا كما ذكر.

و في الجواهر: «ان أقام أحدهما بيّنة قضي له بلا خلاف و لا اشكال، فان أقاما بيّنتين متكافئتين أقرع على حسب ما تقدّم، الاّ أنّ الظاهر هنا مع نكولهما معا بعد القرعة قسمة نصف المدّعى به بينهما؛ لأنّه الذي عليه النزاع دون النصف الآخر فانّه مفروغ منه للزوج، و مع عدمها أي البيّنة أصلاً لايقضى باحدى الدعويين؛ لأنّه لا ميراث الاّ مع تحقّق الحياة فلاترث الأمّ من الولد لعدم العلم بحياتها حال موته و لا الابن من أمّه؛ لعدم العلم بحياته حال موتها و حينئذ يكون تركة الابن لأبيه بعد يمينه أنّه ما مات قبل أمّه و تركة الزوجة بين الأخ و الزوج بعد يمينه أنّها ما ماتت قبل ولدها نصفين لا أرباعا، لأنّه لم يتعارض في النصف يمينان كما لايتعارض في


1) - المبسوط 8: 277.

تركة الولد يمينان فانّ الزوج يدّعيه بتقدّم موت الزوجة، فاذا حلف الأخ تعيّن له؛ لأنّه حلف سابقا ما مات قبل أمّه فيكون بمقتضى اليمينين ارثه لأبيه، كما أنّ الأمّارثها بينهما لانتفاء وارثيّة الولد بيمين الأخ.

و بذلك ظهر الفرق بين اليمينين و البيّنتين اللّتين قد عرفت الحكم فيهما، و كذا الحكم لو نكلا معا عن الأيمان أصلاً. هذا اذا لم يتّفقا على وقت موت أحدهما فان اتّفقا عليه و اختلفا في موت الآخر قبله أو بعده فالمصدّق مدّعي التأخّر؛ لأنّ الأصل دوام الحياة بناءً على الحكم بتأخّر مجهول التأريخ عن معلومه، و الاّ كان الحكم كما عرفت أيضا. و لو علم سبق أحدهما الآخر ولكن لم يعلم بخصوصه و لم يتداعيا فيه فالمتّجه القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل، كما أنّ المتّجه مع فرض عدم التداعي و اعترافهما معا بعدم معلوميّة السبق و الاقتران عدم التوارث بين الأمّ و الولد، فيختصّ ارثه بأبيه و قسمة تركة أمّه بينهما بالنصف، و اللّه العالم».(1)

فيما لو اختلف الزوجان في أمة أنّها ميراث أو صداق

«الخامسة»: لو قال: هذه الأمة ميراث من أبي، و قالت الزوجة: هذه أصدقني ايّاها أبوك، ثمّ أقام كلّ منهما بيّنة قضي ببيّنة المرأة؛ لأنّها تشهد بما يمكن خفاؤه على الأخرى.

قال في المسالك: «اذا ادّعت الزوجة اصداق عين من التركة، أو ادّعى أجنبي شراء عين منها و أنكره الوارث و ادّعى الارث فالقول قوله؛ لأصالة عدم انتقالها الى غيره. فان أقام المدّعي بيّنة قضي بها. و ان أقاما معا بيّنة فالمدّعي للاصداق و الشراء خارج، فيبنى على تقديم الخارج مع التعارض. فان قلنا به مطلقا فهنا أولى، و ان قلنا بتقديم الداخل فالأقوى هنا تقديم الخارج أيضا لشهادة البيّنة بأمر زائد يخفى على الأخرى. و لو كانت العين في يد أجنبي لايدّعيها فكذلك؛ لعدم


1) - جواهر الكلام 40: 513 و 514.

التعارض. نعم، لو تناقضتا قطعا بأن يدّعي الاصداق أو الشراء في وقت معيّن فتشهد البيّنة بموته قبل ذلك، أو بكونه غائبا عن موضع الدعوى بحيث لايمكنحضوره في ذلك الوقت، تحقّق التعارض و رجع الى القرعة مع عدم المرجّح».(1)

أقول:

اذا ادّعت الزوجة أنّ عينا مخصوصة من أعيان التركة كانت صداقها و أنكرها الولد و قال: انّه ميراث من أبي، فلو أقاما البيّنة معا، فالظاهر أنّ الفرض خارج عن فرض التعارض لعدم تعارض بين البيّنتين كما في المتن، فانّ بيّنة الزوجة تشهد بأمر قد يخفى على بيّنة الولد فلايرجع البحث الى الخلاف في تقديم بيّنة الداخل أو الخارج. نعم، لو شهدتا على نحو يقع التعارض بينهما كما في المسالك فالحكم كما تقدّم في تعارض البيّنات.

و أمّا لو لم يقيما بيّنة فالظاهر أنّ الولد هو المنكر كما يظهر ذلك من عبارة المسالك حيث جعل بيّنة الولد بيّنة الداخل و بيّنة الأمّ بيّنة الخارج، فانّ ذلك يدلّ على كون الولد منكرا فلو لم يكن بيّنة في البين فعليه الحلف، فانّ المرأة تدّعي أمرا زائدا على مقتضى الارث.


1) - مسالك الأفهام 14: 146.

المقصد الرابع : في الاختلاف في الولد

اذا وطئ اثنان امرأة وط ءا يلحق به النسب، امّا بأن تكون زوجة لأحدهما و مشتبهة على الآخر أو مشتبهة عليهما أو يعقد كلّ واحد منهما عليها عقدا فاسدا، ثمّ تأتي بولد لستّة أشهر فصاعدا ما لم يتجاوز أقصى الحمل فحينئذ يقرع بينهما و يلحق بمن تصيبه القرعة سواء كان الواطئان مسلمين أو كافرين أو عبدين أو حرّين أو مختلفين في الاسلام و الكفر و الحرّيّة و الرقّ أو أبا و ابنا. هذا اذا لم يكن لأحدهم بيّنة. و يلحق النسب بالفراش المنفرد و الدعوى المنفردة، و بالفراش المشترك و الدعوى المشتركة، و يقضى فيه بالبيّنة و مع عدمها بالقرعة.

قال في المبسوط: «اذا اشترك اثنان في وطي امرأة في طهر واحد و كان وط ءا يصحّ أن يلحق به النسب و أتت به لمدّة يمكن أن يكون من كلّ واحد منهما فاشتراكهما في هذا الوطي يكون بأحد أسباب ثلاثة: أحدها: أن يكون وطي شبهة من كلّ واحد منهما و هو أن يكون لكلّ واحد منهما زوجة فيجد على فراشه امرأة فيطأها معتقدا أنّها زوجته. و الثاني: أن يكون نكاح كلّ واحد منهما فاسدا، وطئها

أحدهم في نكاح فاسد ثمّ تزوّجت بآخر نكاحا فاسدا فوطئها. و الثالث: أن يكون وطي أحدهما في نكاح صحيح و الآخر في نكاح فاسد و هو أن يطأ زوجته ثمّ يطلّقها فيتزوّج نكاحا فاسدا فيطأها الثاني.

فأمّا مدّة الامكان فأن يأتي به من حين وطي كلّ واحد منهما لمدّة يمكن أن يكون منه، و هو أن يكون بين الوطي و الوضع ستّة أشهر فصاعدا الى تمام أكثر مدّة الحمل، و هي عندنا تسعة أشهر و عند قوم أربعة سنين و عند آخرين سنتان. فاذا تقرّر عن المسألة فأتت بالولد فانّه لايلحق بهما، و يقرع بينهما عندنا فمن خرج اسمه ألحق به. و قال قوم: يرى القافة فمن ألحقته به لحق به و انقطع نسبه عن الآخر و ان ألحقته القافة بهما أو لم تلحقه بواحد منهما أو أشكل الأمر عليها أو لم يكن قافة ترك حتّى يبلغ فينسب الى من يميل طبعه اليه منهما. و قال قوم: يلحقه بهما معا. و منهم من قال: يلحق بأبين نسبا حتّى قالوا اذا تداعى رجلان حرّ و عبد أو مسلم و كافر أو أب و ابن، أحدهما بنكاح و الآخر بوطي شبهة فلايلحق بهما بل بالأكمل منهما دون الأنقص».(1)

أقول:

اذا وطئ اثنان امرأة وط ءا يلحق به النسب كما في المتن و شرحه في المبسوط و المسالك و الجواهر، فان كان مع أحدهما بيّنة يمكن اقامتها و يمكن أن تشهد بالحاق الولد بأحدهما قضي للذي له البيّنة.

الاّ أن يقال: انّه لايمكن أن تشهد البيّنة بالالحاق لأنّه أمر لايكاد يطّلع عليه البيّنة.

و ان لم تكن بيّنة أو قلنا بعدم نفوذ شهادتها هنا، فيقرع بينهما و يلحق الولد بمن تصيبه القرعة.


1) - المبسوط 8: 305.

و الدليل على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا وقع الحرّ و العبد و المشرك على امرأة في طهر واحد و ادّعوا الولد أقرع بينهم و كان الولد للذي يقرع».(1)

و مرسلة عاصم بن حميد عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«بعث رسول اللّه صلى الله عليه و آله عليّا عليه السلام الى اليمن فقال له حين قدم: حدّثني بأعجب ما ورد عليك، فقال: يا رسول اللّه أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطأها جميعهم في طهر واحد فولدت غلاما فاحتجّوا فيه كلّهم يدّعيه فأسهمت بينهم فجعلته للذي خرج سهمه و ضمنته نصيبهم. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ليس من قوم تنازعوا ثمّ فوّضوا أمرهم الى اللّه الاّ خرج سهم المحقّ».(2)

و رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا وطئ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادّعوه جميعا أقرع الوالي بينهم فمن قرع كان الولد ولده و يردّ قيمة الولد على صاحب الجارية، قال: فان اشترى رجل جارية فجاء رجل فاستحقّها و قد ولدت من المشتري ردّ الجارية عليه و كان له ولدها بقيمته».(3)

و في المسالك: «الولد لايلحق بأبوين فصاعدا مطلقا عندنا، و لا عبرة بخبر القائف. و خبر المدلجي الذي سرّ النبي صلى الله عليه و آله باخباره أنّ أقدام زيد و أسامة بعضها من بعض، لايدلّ على الاعتماد عليه؛ لأنّه صلى الله عليه و آلهلم يكن في شكّ من ذلك و انّما سرّ بذلك لطعن المنافقين فيهما اغاظة له صلى الله عليه و آله و اعتمادهم على قول القائف. و قد روي


1) - وسائل الشيعة 27: 257 / الباب 13 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 258 / الباب 13 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 27: 261 / الباب 13 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 14.

عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال: «لايأخذ بقول عرّاف و لا قائف». و أنّه لم يكن يقبل شهادة أحد من هؤلاء. و عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: «من سمع قول قائف أو كاهن أو ساحر فصدّقه أكبّه اللّه على منخريه في النار»».(1)

أمّا مدرك العامّة في اعتمادهم على قول القائف فأحاديث ذكرها المسلم في صحيحه:

منها ما رواه عن عائشة قالت: «دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ذات يوم مسرورا، فقال: يا عائشة: ألم ترى أنّ مجزّزا المدلجي دخل عليّ فرأى أسامة و زيدا و عليهما قطيفة قد غطّيا رؤوسهما و بدت أقدامهما فقال: انّ هذه الأقدام بعضها من بعض».(2)

و منها رواية أخرى عن عائشة قالت: «دخل قائف رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أنا شاهد، و أسامة بن زيد و زيد بن حارثة مضطجعان. فقال: انّ هذه الأقدام بعضها من بعض فسرّ صلى الله عليه و آله بذلك و أعجبه و أخبر به عائشة».(3)

و غيرهما.

و في حاشيته: «انّ مجزّزا هو من بني مدلج. قال العلماء: و كانت القيافة فيهم و في بني أسد. تعترف لهم العرب بذلك. قال القاضي: قال المازني: كانت الجاهليّة تقدح في نسب أسامة لكونة أسود شديد السواد و كان زيد أبيض. فلمّا قضى هذا القائف بالحاق نسبه مع اختلاف اللون، و كانت الجاهليّة تعتمد قول القائف فرح النبي صلى الله عليه و آلهلكونه زاجرا لهم عن الطعن في النسب».(4)

و هذه الروايات مع ضعف سندها لاتدلّ على حجّيّة قول القائف، بل فرحة


1) - مسالك الأفهام 14: 147.

2) - صحيح مسلم 2: 1082 / الحديث 39.

3) - نفس المصدر / الحديث 40.

4) - نفس المصدر.

النبي صلى الله عليه و آله على تقدير الصحّة، كان لاسكات الطاعنين.

هذا تمام الكلام في بيان مسائل القضاء، فينبغي أن نختم الكتاب بذكر قضيّة من جملة ما قضى به مولانا أميرالمؤمنين - عليه أفضل صلوات المصلّين و على أعدائه اللعنة الى يوم الدين - ليصير ختامه مسكا:

فقد روى الكليني باسناده عن عاصم بن حمزة السلولي قال:

«سمعت غلاما بالمدينة و هو يقول: يا أحكم الحاكمين أحكم بيني و بين أمّي، فقال له عمر بن الخطّاب: يا غلام، لم تدعو على أمّك؟ فقال: يا أميرالمؤمنين، انّها حملتني في بطنها تسعة أشهر و أرضعتني حولين، فلمّا ترعرعت و عرفت الخير من الشرّ و يميني عن شمالي طردتني و انتفت منّي و زعمت أنّها لاتعرفني، فقال عمر: أين تكون الوالدة؟ قال: في سقيفة بني فلان، فقال عمر: عليّ بأمّ الغلام، قال: فأتوا بها مع أربعة اخوة لها و أربعين قسامة يشهدون لها أنّها لاتعرف الصبي و أنّ هذا الغلام غلام مدّعٍ ظلوم غشوم يريد أن يفضحها في عشيرتها و أنّ هذه جارية من قريش لم تتزوّج قطّ و أنّها بخاتم ربّها، فقال عمر: يا غلام، ما تقول؟ فقال: يا أميرالمؤمنين هذه واللّه أمّي حملتني في بطنها تسعة أشهر و أرضعتني حولين فلمّا ترعرعت و عرفت الخير من الشرّ و يميني عن شمالي طردتني و انتفت منّي زعمت أنّها لاتعرفني. فقال عمر: يا هذه ما يقول الغلام؟

فقالت: يا أميرالمؤمنين، و الذي احتجب بالنور فلا عين تراه و حقّ محمّد و ما ولد ماأعرفه و لاأدري من أيّ الناس هو و انّه غلام مدّعٍ يريد أن يفضحني في عشيرتي و انّي جارية من قريش لم أتزوّج قطّ و انّي بخاتم ربّي. فقال عمر: ألك شهود؟ فقالت: نعم، هؤلاء، فتقدّم الأربعون القسامة فشهدوا عند عمر أنّ الغلام مدّعٍ يريد أن يفضحها في عشيرتها

و أنّ هذه جارية من قريش لم تتزوّج قطّ و أنّها بخاتم ربّها. فقال عمر:خذوا هذا الغلام و انطلقوا به الى السجن حتّى نسأل عن الشهود فان عدّلت شهادتهم جلدته حدّ المفتري فأخذوا الغلام ينطلق به السجن، فتلقّاهم أميرالمؤمنين عليه السلام في بعض الطريق فنادى الغلام: يا ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهانّني غلام مظلوم و أعاد عليه الكلام الذي كلّم به عمر، ثمّ قال: و هذا عمر قد أمر بي الى الحبس. فقال علي عليه السلام : ردّوه الى عمر، فلمّا ردّوه قال لهم عمر: أمرت به الى السجن فرددتموه اليّ؟ فقالوا: يا أميرالمؤمنين أمرنا علي بن أبي طالب عليه السلام أن نردّه اليك و سمعناك و أنت تقول: لاتعصوا لعلي عليه السلام أمرا، فبينا هم كذلك اذ أقبل علي عليه السلام فقال: عليّ بأمّ الغلام فأتوا بها، فقال علي عليه السلام يا غلام، ما تقول؟ فأعاد الكلام فقال علي عليه السلام لعمر: أتأذن لي أن أقضي بينهم؟ فقال عمر: سبحان اللّه و كيف لا و قد سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آلهيقول: أعلمكم علي بن أبي طالب عليه السلام ، ثمّ قال عليه السلام للمرأة: يا هذه ألك شهود؟ قالت: نعم، فتقدّم الأربعون قسامة فشهدوا بالشهادة الأولى.

فقال علي عليه السلام : لأقضيّن اليوم بقضيّة بينكما هي مرضاة الربّ من فوق عرشه علّمنيها حبيبي رسول اللّه صلى الله عليه و آله، ثمّ قال عليه السلام لها: ألك ولي؟ قالت: نعم، هؤلاء اخوتي فقال عليه السلام لاخوتها: أمري فيكم و في أختكم جائز؟ فقالوا: نعم يابن عمّ محمّد صلى الله عليه و آله أمرك فينا و في أختنا جائز، فقال علي عليه السلام : أشهد اللّه و أشهد من حضر من المسلمين أنّي قد زوّجت هذا الغلام من هذه الجارية بأربعمائة درهم و النقد من مالي، يا قنبر عليّ بالدراهم فأتاه قنبر بها فصبّها في يد الغلام.

قال عليه السلام : خذها فصبّها في حجر امرأتك و لاتأتنا الاّ و بك أثر العرس - يعني الغسل - فقام الغلام فصبّ الدراهم في حجر المرأة ثمّ تلبّبها فقال

لها: قومي، فنادت المرأة: النار النار يابن عمّ محمّد صلى الله عليه و آله تريد أن تزوّجنيمن ولدي، هذا واللّه ولدي، زوّجني اخوتي هجينا فولدت منه هذا الغلام فلمّا ترعرع و شبّ أمروني أن أنتفي منه و أطرده و هذا واللّه ولدي و فؤادي يتلقّى أسفا على ولدي. قال: ثمّ أخذت بيد الغلام و انطلقت و نادى عمر: واعمراه لولا علي عليه السلام لهلك عمر».(1)


1) - الكافي 7: 423 / باب النوادر / الحديث 6.

كتاب الشهادات

إشارة:

و يشتمل على مقدّمة و أطراف خمسة:

الطرف الأوّل: في صفات الشاهد

الطرف الثاني: فيما يصير به الشاهد شاهدا

الطرف الثالث: في أقسام الحقوق

الطرف الرابع: في الشهادة على الشهادة

الطرف الخامس: في اللواحق

المقدّمة : في معنى الشهادة لغة و عرفا

قال في المسالك: «الشهادة لغة: الاخبار عن اليقين و شرعا: اخبار جازم عن حقّ لازم لغيره، واقع من غير حاكم. و بالقيد الأخير يخرج اخبار اللّه و رسوله و الأئمّة عليهم السلام و اخبار الحاكم حاكما آخر، فانّ ذلك لايسمّى شهادة».(1)

و في الجواهر: «الشهادة لغة: الحضور و منه قوله تعالى: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» أو العلم الذي عبّر بعضهم عنه بالاخبار عن اليقين. و شرعا: اخبار جازم عن حقّ لازم للغير واقع من غير حاكم. و المرجع فيهما العرف الذي يصلح فارقا بينها و بين غيرها من الأخبار. و ما ذيّله في المسالك من قوله: «و بالقيد الأخير ... » فيه اشكال، و لو قيل بخروج اخباره بالحقّ حال ارادة انشاء الحكم به لكان أولى، ضرورة عدم تسمية مثله شهادة عرفا من غير فرق بين الحاكم و غيره.

اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ ذلك من نحو اخباره بالأحكام الشرعيّة فانّها ليس شهادة قطعا و الأمر سهل بعد معلوميّة كون مرجع هذا التعريف الى تحقيق المعنى


1) - مسالك الأفهام 14: 153.

العرفي للشهادة. و من هنا كان الأصوب ايكال ذلك الى العرف للقطع بعدم معنى شرعي لها. و الغالب في المعاني العرفيّة عدم امكان ذكر حدّ تامّ شامل لجميع أفرادها. انتهى ملخّصا».(1)

و في مجمع البحرين: «الشاهد الحاضر، «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» أي من كان حاضرا في الشهر مقيما غير مسافر فليصمه ما حضر و أقام فيه، و انتصاب الشهر على الظرف. «و استشهدوا شهيدين من رجالكم» أي أطلبوا شهيدين. و الفرق بين الشاهد و الشهيد أنّ الأوّل بمعنى الحدوث و الثاني بمعنى الثبوت فانّه اذا تحمّل الشهادة فهو شاهد باعتبار حدوث تحمّله فاذا ثبت تحمّله لها زمانين أو أكثر فهو شهيد، ثمّ يطلق الشاهد عليه مجازا بعد تحمّله تسمية للشيء بما كان عليه كما يطلق الشهيد قبل تحمّله لها مجازا كما في الآية، فانّ الطلب انّما يكون قبل حصول المطلوب».

أقول:

الظاهر أنّ الفحص و البحث عن موارد استعمال الشاهد و الشهادة و الشهيد في القرآن الكريم يعطي أنّ معناها هو الحضور و الاخبار الجازم عمّا هو واقع و عمّا هو حقّ و حيث تكون موارد استعمالها الحضور فيكون اخبار الشاهد عن رؤية واضحة بلا شكّ و لا ترديد.

ثمّ الظاهر أنّ معناها لغة هو الذي يفهم منها العرف كما أنّ الظاهر أنّ موارد استعمالها في الكتاب و السنّة هو الذي يتعارف عند الناس.

و قد تعرّض الكتاب و السنّة للشهادة و أحكامها:

فمن الأوّل قوله تعالى «و استشهدوا شهيدين من رجالكم»(2).


1) - جواهر الكلام 41: 7 و 8.

2) - البقرة 2: 282.

و كذا قوله: «و لاتكتموا الشهادة و من يكتمها فانّه آثم قلبه».(1)

و من الثاني صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «و لايأب الشهداء» قال:

«قبل الشهادة، و قوله «و من يكتمها فانّه آثم قلبه»، قال بعد الشهادة».(2)

و رواية يزيد بن سليط عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام (في حديث النصّ على الرضا عليه السلام ) أنّه قال:

«و ان سئلت عن الشهادة فأدّها، فانّ اللّه يقول: «انّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات الى أهلها» و قال: «و من أظلم ممّن كتم شهادة عنده من اللّه»».(3)


1) - البقرة 2: 283.

2) - وسائل الشيعة 27: 309 / الباب 1 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 27: 313 / الباب 2 من كتاب الشهادات / الحديث 5.

الطرف الأوّل : في صفات الشهود

«الأوّل»: البلوغ

يشترط فيه ستّة أوصاف: «الأوّل»: البلوغ فلاتقبل شهادة الصبي ما لم يصر مكلّفا. و قيل: تقبل مطلقا اذا بلغ عشرا. و هو متروك.

ففي المسالك: «قد اختلف الأصحاب في شهادة الصبي بعد الاتّفاق على عدم قبول شهادة غير المميّز. و نقل جماعة منهم الشيخ فخرالدين الاتّفاق على عدم قبول شهادة من دون العشر، و الخلاف فيمن زاد عن ذلك، فالمشهور بينهم عدم قبول شهادته مطلقا الاّ في الجراح و القتل».(1)

أقول:

أمّا الصبي غير المميّز فلا معنى لقبول شهادته مطلقا، فانّ عقل كلّ عاقل و عرف كلّ قطر يشهد بأنّ كلام الصبي غير المميّز ككلام المجنون و الساهي و لا اعتبار به.

و أمّا ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالّة على شهادة الصبيان كما فيقوله تعالى: «و شهد شاهد من أهلها ان كان قميصه قدّ من قبل فصدقت و هو


1) - مسالك الأفهام 14: 154.

من الكاذبين»(1)و ما ورد من تكلّم عيسى - على نبيّنا و آله و عليه السلام - في المهد فهو معجزة من اللّه تعالى و عناية خاصّة منه و الشهادة من الصبيان غير اختياري منهم.

و أمّا الصبي المميّز فقد ورد في صحّة شهادته مطلقا روايتان:

احداهما رواية طلحة بن زيد عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام قال:

«شهادة الصبيان جائزة بينهم ما لم يتفرّقوا أو يرجعوا الى أهلهم».(2)

ثانيتهما موثّقة عبيد بن زرارة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شهادة الصبي و المملوك. فقال: على قدرها يوم أشهد تجوز في الأمر الدون و لاتجوز في الأمر الكبير. الحديث».(3)

و هناك رواية معتبرة السند تدلّ على جواز شهادة الصبي الذي بلغ عشرا مطلقا و هي صحيحة أبي أيّوب الخرّاز(4)قال:

«سألت اسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام. فقال: اذا بلغ عشر سنين. قلت: و يجوز أمره؟ قال: فقال: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهدخل بعائشة و هي بنت عشر سنين، و ليس يدخل بالجارية حتّى تكون امرأة فاذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره و جازت شهادته».(5)

ولكن لايمكن الاعتماد على هذه الروايات لاثبات صحّة شهادة الصبي:


1) - يوسف 12: 26.

2) - وسائل الشيعة 27: 345 / الباب 22 من كتاب الشهادات / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 27: 344 / الباب 22 من كتاب الشهادات / الحديث 5.

4) - و هو ابراهيم بن عثمان أو ابراهيم بن عيسى.

5) - وسائل الشيعة 27: 344 / الباب 22 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

أمّا الأخيرة فغير معتمدة أوّلاً من جهة أنّها من غير الامام عليه السلام و لايمكن استناد الحكم الى ما حكم غير المعصوم.

و ثانيا لأنّه استنباط غير صحيح فانّ قياس الغلام على الجارية قياس مع الفارق فانّ الجارية اذا بلغت عشر سنين فهي بالغة كاملة صالحة للزواج بخلاف الغلام فانّه اذا بلغ عشر سنين فلايكون بالغا.

و أمّا موثّقة عبيد بن زرارة فمطروحة أوّلاً بتقييد نفوذ شهادة المملوك فيها بالأمر الدون مع أنّ شهادته نافذة عند الاماميّة مطلقا.

و ثانيا بأنّها تكون مجملة فانّ الأمر الدون و الكبير ماهيّتان اضافيّتان لايذكر لهما معنى محصّل واحد في الشرع و لا في العرف. مع أنّه يمكن حملها على صحيحة جميل الآتية.

و أمّا رواية طلحة بن زيد فمع ضعف سندها بطلحة غير صريحة في المطلوب فانّ فيه قبول شهادتهم فيما بينهم، مع عدم تعيين عددهم و سنّهم، مع أنّه يمكن حملها أيضا على صحيحة جميل الآتية.

فالمحصّل أنّ الاعتماد على هذه الروايات لاثبات نفوذ شهادة الصبي المميّز في غاية الاشكال خصوصا مع ملاحظة الروايات الدالّة بمفهومها على عدم نفوذ شهادة الصبي في حال صباوته و ان كان مميّزا كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال في الصبي يشهد على الشهادة؟ فقال:

«ان عقله حين يدرك أنّه حقّ جازت شهادته».(1)

و صحيحة اسماعيل بن أبي زياد - السكوني - عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام :

«انّ شهادة الصبيان اذا شهدوا و هم صغار جازت اذا كبروا ما لم ينسوها. الحديث».(2)


1) - وسائل الشيعة 27: 342 / الباب 21 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 343 / الباب 21 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

و روايته عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : انّ شهادة الصبيان اذا أشهدوهم و هم صغار جازت اذا كبروا ما لم ينسوها».(1)

و موثّقة عبيد بن زرارة (في حديث) قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الذي يشهد على الشيء و هو صغير قد رآه في صغره، ثمّ قام به بعد ما كبر، فقال: تجعل شهادته نحوا من شهادة هؤلاء».(2)

و كذا ما يدلّ على رفع القلم عن الصبي و عدم نفوذ أمره مطلقا حتّى يبلغ الحلم كرواية ابن ظبيان قال:

«أتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي عليه السلام : أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم و عن المجنون حتّى يفيق و عن النائم حتّى يستيقظ؟».(3)

و ما في ذيل رواية حمران عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«و الغلام لايجوز أمره في الشراء و البيع و لايخرج من اليتم حتّى يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك».(4)

و عليه فالقول بنفوذ شهادة الصبي و ان لم يبلغ، متروك كما قاله المصنّف رحمه الله.

نعم، اذا بلغ و لم ينسَ ما شاهده في حال صباوته و تذكّر بالواقعة على ما هي عليه فالظاهر جواز شهادته كما استفيد ذلك من بعض ما تقدّم من الروايات. الاّ أنّه


1) - وسائل الشيعة 27: 342 / الباب 21 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 343 / الباب 21 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 1: 45 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 1: 43 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 2.

لا ربط له بعدم جواز شهادة الصبي في حال صباوته بل يدلّ على جواز شهادته بعد البلوغ لما يتحمّله قبله.

و اختلفت عبارة الأصحاب في قبول شهادتهم في الجراح و القتل، فروى جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام : «تقبل شهادتهم في القتل و يؤخذ بأوّل كلامهم». و مثله روى محمّد بن حمران عن أبي عبداللّه عليه السلام . و قال الشيخ في النهاية: «تقبل شهادتهم في الجراح و القصاص». و قال في الخلاف «تقبل شهادتهم في الجراح ما لم يتفرّقوا اذا اجتمعوا على مباح». و التهجّم على الدماء بخبر الواحد خطر. فالأولى الاقتصار على القبول في الجراح بالشروط الثلاثة: بلوغ العشر و بقاء الاجتماع اذا كان على مباح تمسّكا بموضع الوفاق.

قال الشيخ رحمه الله في الخلاف: «تقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح ما لم يتفرّقوا اذا اجتمعوا على أمر مباح كالرمي و غيره».(1)

و قال في النهاية: «و يجوز شهادة الصبيان اذا بلغوا عشر سنين فصاعدا الى أن يبلغوا، في الشجاج و القصاص و يؤخذ بأوّل كلامهم و لايؤخذ بآخره و لاتقبل شهادتهم فيما عدا ذلك من الديون و الحقوق و الحدود».(2)

و قال ابن البرّاج: «فأمّا شهادة الصبيان فهي ضربان جائز و غير جائز، فالجائز شهادة كلّ صبي بلغ عشر سنين الى أن يبلغ في الشجاج و القصاص و يؤخذ بأوّل كلامهم في ذلك و لايؤخذ بآخره و يفرّق بينهم في الشهادة فان اختلفوا لم يحكم بشيء من أقوالهم».(3)


1) - كتاب الخلاف 6: 270 / المسألة 20.

2) - النهاية: 331.

3) - المهذّب 2: 599.

و قال ابن ادريس: «و تجوز شهادة الصبيان دون الصبايا اذا بلغوا عشر سنين فصاعدا الى أن يبلغوا في شيئين فحسب، الشجاج و القصاص و يؤخذ بأوّل كلامهم و لايؤخذ بآخره و لاتقبل شهادتهم فيما عدا ذلك من جميع الأحكام».(1)

و قال العلاّمة: «فلاتقبل شهادة الصبي و ان راهق الاّ في الجرح بشرط بلوغ عشر سنين فصاعدا و عدم تفرّقهم في الشهادة و اجتماعهم على المباح».(2)

و به قال غيرهم كابن حمزة في الوسيلة و ابن سعيد في الجامع للشرائع و السيّد ابن زهرة في الغنية و السيّد علي في الرياض.(3)

أقول:

فلنذكر الروايات الواردة في الباب ليتّضح ما هو الحقّ، فمنها صحيحة جميل قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : تجوز شهادة الصبيان؟ قال: نعم، في القتل يؤخذ بأوّل كلامه و لايؤخذ بالثاني منه».(4)

و منها صحيحة محمّد بن حمران قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شهادة الصبي. قال: فقال: لا، الاّ في القتل يؤخذ بأوّل كلامه و لايؤخذ بالثاني».(5)

و منها رواية أخرى لجميل قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصبي تجوز شهادته في القتل. قال: يؤخذ بأوّل كلامه و لايؤخذ بالثاني».(6)


1) - السرائر 2: 136.

2) - ارشاد الأذهان 2: 156.

3) - الوسيلة: 231. الجامع للشرائع: 540. غنية النزوع: 440. رياض المسائل 15: 226.

4) - وسائل الشيعة 27: 343 / الباب 22 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 27: 343 / الباب 22 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

6) - وسائل الشيعة 27: 344 / الباب 22 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

و هذه الروايات كما ترى لايفتي أحد من الفقهاء على طبقها طابق النعل بالنعل، بل هم بين من يفتي بالجراح فقط أو به مع القتل أو بالقبول مطلقا أو عمده مطلقا، مع أنّهم أضافوا الى مضمونها شرائط كبلوغ العشر سنين أو عدم تفرّقهم أو اجتماعهم على أمر مباح أو غير ذلك.

هذا مع أنّ الروايات في نفسها مجملة من حيث عدم ذكر عدد الصبيان ففي الأولى ذكر الصبيان بلفظ الجمع و في الثانية و الثالثة ذكر بدله لفظ الصبي، و من حيث عدم سنّ الصبي الذي تقبل شهادته و لم يذكر فيه أنّه اذا اختلف الصبيان في شهادتهم فماذا يفعل؟ أيجب التفريق بينهم أو الجمع بينهم و السؤال عنهم.

و على أيّ حال فالظاهر أنّ شهادة الصبيان - فيما اذا فقد غيرهم من الرجال العدول - ان كانت موجبة لعلم القاضي بعد الفحص و البحث عن القرائن التي تظهر من كلامهم فعليه الحكم على طبقها في القتل الذي وقع فيما بينهم أو في الخارج عنهم اذا كان بمرآهم و منظرهم؛ فانّ شهادتهم كانت طريقا الى علم القاضي.

«الثاني»: كمال العقل

«الثاني»: كمال العقل، فلاتقبل شهادة المجنون اجماعا. أمّا من يناله الجنون أدوارا، فلابأس بشهادته في حال افاقته لكن بعد استظهار الحاكم بما تيقّن معه حضور ذهنه و استكمال فطنته. و كذا من يعرض له السهو غالبا، فربما سمع الشيء و أنسى بعضه، فيكون ذلك مغيّرا لفائدة اللفظ و ناقلاً لمعناه، فحينئذ يجب الاستظهار عليه حتّى يستثبت ما يشهد به. و كذا المغفّل الذي في جبلّته البله فربما استغلط؛ لعدم تفطّنه لمزايا الأمور. فالأولى الاعراض عن شهادته ما لم يكن الأمر الجلي الذي يتحقّق الحاكم استثبات الشاهد له، و أنّه لايسهو في مثله.

قال في المسالك: «لمّا كان الشاهد من شرطه أن يميّز المشهود به و عليه و له، و يكون متّصفا بالعدالة مرضيّا لم تجز شهادة المجنون سواء كان جنونه مطبقا أم يقع أدوارا و قد قال تعالى: «و أشهدوا ذوي عدل منكم». و قال: «ممّن ترضون من الشهداء». و المجنون بنوعيه غير مرضي. و هذا محلّ وفاق بين المسلمين، لكن غير المطبق اذا كمل عقله في غير دوره و استحكمت فطنته قبلت شهادته؛ لزوال المانع.

و في معناه المغفّل الذي لايحفظ و لايضبط و يدخل عليه التزوير و الغلط من حيث لايشعر، كما هو مشاهد لأنّه لايوثق بقوله. و كذا من يكثر غلطه و نسيانه و من لايتنبّه لمزايا الأمور و تفاصيلها الاّ أن يعلم الحاكم عدم غفلته فيما يشهد به لكون المشهود به ممّا لايسهو فيه غالبا. و من هذه حاله فعلى الحاكم أن يستظهر في أمره و يفتّش عن حاله الى أن يغلب على ظنّه علمه و تيقّظه. و أمّا الغلط القليل فلايقدح في الشهادة؛ لبعد السلام ة منه أو عدمها».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 159.

أقول:

أمّا المجنون فلاتقبل شهادته اجماعا و عقلاً؛ لأنّ الشاهد هو الذي يحضر الواقعة و يبيّن عند الحاكم ما ضبط في ذهنه مع أنّ المجنون لم يكن له درك تشخيص الواقعة و الضبط و البيان بما وقع كما هو الظاهر لأولي العقول.

و كذا المجنون الأدواري في دور جنونه، فاذا كان دور افاقته و قد شهد و ضبط في ذلك الدور فان حضر المحكمة في تلك الحال من دون أن يعرض بين التحمّل و الأداء جنون فلا اشكال في قبول شهادته و ان اتّفق دور جنونه بينهما فعلى الحاكم الفحص عن صحّة شهادته.

و أمّا الساهي لكهولة أو مرض قد عرض عليه فان شهد فعلى الحاكم استظهار حاله فان تيقّن بذكره و الاّ لم تقبل شهادته، و كذا المغفّل الذي في جبلّته البله فلايتمكّن من التفريق بين الأمور المهمّة و غيرها و قد يستغلط و يستغلظ بعض الأمور مع أنّها لم تكن بهذه المثابة فالاعراض عن شهادته أولى و أحوط الاّ مع استظهار الحاكم بصحّة ما شهد به.

كلّ ذلك لما تقدّم منّا في كتاب القضاء من أنّ على القاضي أوّلاً و بالذات أن يحكم بعلمه و الشارع جعل له بعض الظنون حجّة ليقوم مقام علمه فاذا شكّ في بعض الظنون و أنّه هل هو حجّة أو لا فعليه تحصيل العلم فشهادة هذه الثلاثة الأخيرة في الحقيقة تكون وسائط في علم القاضي.

«الثالث»: الايمان

«الثالث»: الايمان، فلاتقبل شهادة غير المؤمن و ان اتّصف بالاسلام ، لا على مؤمن و لا على غيره؛ لاتّصافه بالفسق و الظلم المانع من قبول الشهادة.

انّ المصنّف رحمه الله كما ترى اشترط الايمان في الشاهد و فرّعه على اشتراط

العدالة فجعل الايمان قيدا من قيود العدالة كما فعله كثير من أصحابنا:

و قال في الخلاف: «لايجوز قبول شهادة من لايعتقد امامة الأئمّةالاثنيعشر عليهم السلام و لا منهم الاّ من كان عدلاً يعتقد العدل و التوحيد و نفي القبائح عن اللّه تعالى و نفي التشبيه و من خالف في شيء من ذلك كان فاسقا لاتقبل شهادته».(1)

و قال في النهاية: «العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين و عليهم هو أن يكون ظاهره ظاهر الايمان ثمّ يعرف بالستر و الصلاح و العفاف - الى أن قال: - و يعتبر في شهادة النساء الايمان و الستر و العفاف و طاعة الأزواج و ترك البذاء و التبرّج الى أندية الرجال - الى أن قال في موضع آخر منه: - و لايجوز شهادة من خالف الحقّ من أهل البدع و الاعتقادات الباطلة و ان كانوا على ظاهر الاسلام و الستر و العفاف».(2)

و قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: «فالعدالة معتبرة في صحّة الشهادة على المسلم و تثبت في الانسان بشروط و هي البلوغ و كمال العقل و الحصول على ظاهر الايمان و الستر و العفاف و اجتناب القبائح و نفي الظنّة و الحسد و التهمة و العداوة - الى أن قال: - و لايجوز قبول شهادة مبطل على محقّ و ان كان على ظاهر الاسلام ».(3)

و في المختلف: «و قال أبو الصلاح: «العدالة شرط في قبول الشهادة على المسلم و يثبت حكمها بالبلوغ و كمال العقل و الايمان و اجتناب القبائح أجمع و انتفاء الظنّة بالعداوة أو الحسد أو المنافسة ... »».(4)


1) - كتاب الخلاف 6: 300 / المسألة 50.

2) - النهاية: 327.

3) - المهذّب 2: 556 و 557.

4) - مختلف الشيعة 8: 440.

و من الأصحاب من جعل الايمان شرطا برأسه:

قال الشيخ في المبسوط: «كلّ من خالف الحقّ قد بيّنّا أنّه لاتقبل شهادته، سواء كان ممّن يكفّر أو يفسّق و سواء كان فسقه على وجه التديّن أو على غير وجهالتديّن».(1)

قال في السرائر: «كلّ من خالف الحقّ لاتقبل شهادته على ما بيّنّاه، فأمّا من يختلف من أصحابنا المعتقدين للحقّ في شيء من الفروع التي لا دليل عليها موجبا للعلم فانّا لانردّ شهادتهم بل نقبلها الاّ أن يكون على ذلك دليل ظاهر قاطع من كتاب أو سنّة متواترة أو اجماع و يخالف فيه و يعاند و يكابر، فانّه تردّ شهادته. هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في مبسوطه و هو الحقّ و الصواب؛ لأنّه فسق ظاهر و خلاف الأدلّة».(2)

و قال في القواعد: «الثالث من صفات الشاهد: الايمان فلاتقبل شهادة من ليس بمؤمن و ان اتّصف بالاسلام لا على مؤمن و لا غيره - الى أن قال: - و المخالف في شيء من أصول العقائد تردّ شهادته، سواء استند الى تقليد أو اجتهاد».(3)

و في الجواهر: «الثالث: الايمان بالمعنى الأخصّ الذي هو الاقرار بامامة الأئمّة الاثنيعشر عليهم السلام بلا خلاف أجده فيه، بل عن جماعة الاجماع عليه بل لعلّه من ضروري المذهب في هذا الزمان؛ للأصل بعد اختصاص اطلاقات الكتاب و السنّة و لو للتبادر و غيره بالمؤمن خصوصا نحو «رجالكم» و «ممّن ترضون» بناءً على المعلوم من مذهب الاماميّة من اختصاص المخاطب بالمشافهين دون غيرهم و ليس المخالف بموجود في زمن الخطاب، و لو سلّم العموم فقد عرفت الخبر المفسّر لقوله تعالى: «ترضون» برضا دينه، و لا ريب في كونه غير مرضي


1) - المبسوط 8: 220.

2) - السرائر 2: 119.

3) - قواعد الأحكام 3: 494.

الدين. مضافا الى ما ورد في النصوص من لعن المخالفين و الدعاء عليهم و أنّهم مجوس هذه الأمّة و شرّ من اليهود و النصارى و أنّهم لغير رشدة.

و بالجملة لايمكن احصاء وجوه الدلالة في النصوص على عدم قبولشهادتهم: منها اطلاق الكفر و منها الفسق و منها الظلم و منها كونهم غير رشدة و منها ردّ شهادة الفحّاش و ذي المخزيّة في الدين و منها ممّن ترضون دينه و أمانته و منها اعتبار العدالة التي قد ذكر في النصوص ما هو كالصريح في عدم تحقّقها في مخالفي العقيدة الى غير ذلك من النصوص الظاهرة بل الصريحة عند متتبّعي آثارهم و العارفين بلسانهم و لحن خطابهم و رمزهم و خصوصا في الأمر المخالف للتقيّة اذا أرادوا الجمع بينها و بين الواقع.

و لعلّ من ذلك ما في الصحيح: «قلت للرضا عليه السلام : رجل طلّق امرأته و أشهد شاهدين ناصبيّين، قال: كلّ من ولد على فطرة الاسلام و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته». اذ من المعلوم عدم ارادته بذلك بيان قبول شهادة الناصب الذي هو كافر بلا خلاف و لا اشكال، بل قوله عليه السلام : «كلّ من ولد على فطرة الاسلام » الى آخره كالصريح في ارادة الشيعة و لو بضميمة قولهم عليهم السلام : «ما على فطرة ابراهيم غيرنا و غير شيعتنا» على أنّ معرفة الصلاح في نفسه لايكون الاّ في الشيعة بخلاف المخالفين الذين هم عين الفساد».(1)

و أمّا صاحب المسالك - فبعد أن قال بأنّ ظاهر الأصحاب الاتّفاق على اشتراط الايمان في الشاهد و قال بأنّه ينبغي أن يكون حجّة و بعد ذكر استدلال القوم على اشتراط الايمان - قال: «و فيه نظر؛ لأنّ الفسق انّما يتحقّق بفعل المعصية المخصوصة مع العلم بكونها معصية أمّا مع عدمه بل مع اعتقاد أنّها طاعة بل من أمّهات الطاعات فلا، و الأمر في المخالف للحقّ في الاعتقاد كذلك؛ لأنّه لايعتقد


1) - جواهر الكلام 41: 16 - 18.

المعصية بل يزعم أنّ اعتقاده من أهمّ الطاعات سواء كان اعتقاده صادرا عن نظر أم تقليد. و مع ذلك لايتحقّق الظلم أيضا، و انّما يتّفق ذلك ممّن يعاند الحقّ مع علمه به، و هذا لايكاد يتّفق و ان توهّمه من لا علم له بالحال. و العامّة مع اشتراطهم العدالة في الشاهد يقبلون شهادة المخالف لهم في الأصول ما لم يبلغ خلافه حدّالكفر أو يخالف اعتقاده دليلاً قطعيّا بحيث يكون اعتقاده ناشئا عن محض التقصير. و الحقّ أنّ العدالة تتحقّق في جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم، و يحتاج في اخراج بعض الأفراد الى الدليل. و سيأتي في شهادة أهل الذمّة في الوصيّة ما يدلّ عليه. و على ما ذكره المصنّف من فسق المخالف فاشتراط الايمان بخصوصه مع ما سيأتي من اشتراط العدالة لا حاجة اليه؛ لدخوله فيه».(1)

و في الجواهر قد أنكر عليه هذا الكلام و نقل تشديد التنكير عليه عن الأردبيلي و كشف اللثام.

هذا ما ذهب اليه علماؤنا في المسألة و قد عرفت أنّهم بين من جعل الايمان ركنا للعدالة و بين من جعله شرطا برأسه و بين من لايعتبره في الشهادة.

و لوضوح الحقّ في المسألة نذكر نحوا من الروايات المتعلّقة بالمقام:

فمنها ما دلّ على أنّ المخالفين لايقبل لهم عمل و لايكتب لهم ثواب و لاينفعهم ما فعلوا و أنّهم هم الذين ضلّوا و أضلّوا و أمثال ذلك كصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كلّ من دان اللّه عزّوجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه و لا امام له من اللّه فسعيه غير مقبول و هو ضالّ متحيّر و اللّه شانئ لأعماله - الى أن قال: - و ان مات على هذه الحال مات ميتة


1) - مسالك الأفهام 14: 160 و 161.

كفر و نفاق. و اعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّه قد ضلّوا و أضلّوا فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف لايقدرون ممّا كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد».(1)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشياء و رضى الرحمن، الطاعة للامام بعد معرفته، أما لو أنّ رجلاً قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره و لم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته اليه ما كان له على اللّه حقّ في ثوابه و لا كان من أهل الايمان».(2)

و صحيحة عبد الحميد بن أبي العلاء عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«واللّه لو أنّ ابليس سجد للّه بعد المعصية و التكبّر و عمّر الدنيا ما نفعه ذلك، و لا قبله اللّه عزّوجلّ ما لم يسجد لآدم كما أمره اللّه عزّوجلّ أن يسجد له، و كذلك هذه الأمّة العاصية المفتونة بعد نبيّها صلى الله عليه و آله و بعد تركهم الامام الذي نصبه نبيّهم صلى الله عليه و آلهلهم، فلن يقبل اللّه لهم عملاً و لن يرفع لهم حسنة حتّى يأتوا اللّه من حيث أمرهم و يتولّوا الامام الذي أمروا بولايته و يدخلوا من الباب الذي فتحه اللّه و رسوله لهم».(3)

و صحيحة أبي حمزة الثمالي قال:

«قال لنا علي بن الحسين عليه السلام : أيّ البقاع أفضل؟ فقلنا: اللّه و رسوله و


1) - وسائل الشيعة 1: 118 / الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 119 / الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 1: 119 / الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 5.

ابن رسوله أعلم، فقال لنا: أفضل البقاع ما بين الركن و المقام و لو أنّ رجلاً عمّر ما عمّر نوح في قومه، ألف سنة الاّ خمسين عاما يصوم النهار و يقوم الليل في ذلك المكان ثمّ لقي اللّه بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئا».(1)

قال العلاّمة الخوئي: «انّ غير المؤمن اذا كان مقصّرا فيما اختاره من المذهب فلا اشكال في أنّه فاسق أشدّ الفسق و تارك لأهمّ الواجبات الالهيّة بغير عذر فلايكون خيرا و مرضيّا و عادلاً كي تقبل شهادته بل هو مخزي في دينه. ففي معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام : «انّ أميرالمؤمنين عليه السلام كان لايقبل شهادة فحّاش و لا ذي مخزية في الدين»، و قريب منها روايته الثانية.

و أمّا اذا كان قاصرا كما اذا كان مستضعفا فمقتضى اطلاقات عدّة روايات قبول شهادته، ثمّ انّ ما ذكرنا من عدم قبول شهادة غير المؤمن اذا لم يكن معذورا يختصّ بما اذا كان المشهود عليه مؤمنا و أمّا اذا كان غير مؤمن فالظاهر قبول شهادته في حقّه بقاعدة الالزام، و لعلّه على ذلك كانت سيرة أميرالمؤمنين عليه السلام في قضاياه. و من المطمأنّ به أنّ الاجماع على اعتبار الايمان في الشاهد لو تمّ لايشمل المقام».(2)

أقول:

لا اشكال في أنّ الناصبين و المعاندين للأئمّة الاثنيعشر عليهم السلام كفّار نجس، كما أنّه لا خلاف فيه، بل هو ضروري المذهب و قد فصّلناه في كتاب الطهارة.(3)

و لا اشكال أيضا في أنّ من لم يعاند أهل بيت العصمة عليهم السلام كان مسلما طاهرا


1) - وسائل الشيعة 1: 122 / الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 12.

2) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 97 و 98.

3) - الهادي 1: 256.

يجوز أكل ذبيحته و يحقن دمه و يجرى عليه ما جرى على المؤمنين كما ورد في الروايات المتعدّدة في الفرق بين الاسلام و الايمان، أنّ الاسلام هو ما عليه الناس ظاهرا و هو يوجب الحكم عليه بظاهر الاسلام .(1)

و كذا لا اشكال في أنّ قبول الطاعات و الصعود الى الدرجات منوط بحبّ الأئمّة الاثنيعشر عليهم السلام و التديّن بهم و اتّباعهم في الفرائض و السنن كما ورد فيالروايات المتعدّدة عنهم عليهم السلام و قد عرفت نبذة منها.

و لا اشكال أيضا في أنّ غير المؤمن اذا كان مقصّرا فيما اختاره من المذهب و هو يعلم أنّ مذهب الأئمّة الاثنيعشر عليهم السلام هو الحقّ، فهو فاسق لاتقبل شهادته؛ لأنّه قد ترك أهمّ الواجبات الالهيّة عن تقصير.

و لا اشكال أيضا أنّه لو شهد غير الامامي لمن كان في مذهبه أو عليه، فتقبل؛ لالزامهم بما أقرّوا به أنفسهم.

انّما الكلام فيمن يكون من المستضعفين الذين لو كشف لهم الحقّ لاتّبعوه و لعلّ بعضهم محصور في مدينة أو قرية لم يعرفوا الحقّ لتبعيّتهم علماءهم و زعمهم أنّ كلامهم هو الكلام الحقّ و أنّهم لايقولون الاّ ما يعلمون، مع أنّ بعضهم قد كان على تقيّة من اظهار الحقّ مع ميله اليه؛ لأنّ اظهاره يوجب طرده عن أهله، فشهادة هؤلاء المستضعفين - و لو على الامامي - مقبولة اذا عرفوا بالستر و العفاف و العدالة في دينهم، و هم الذين ذهب الشهيد رحمه الله الى قبول شهادتهم.

و يمكن أن يستدلّ لقبول شهادتهم باطلاق بعض الروايات كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لو كان الأمر الينا أجزنا شهادة الرجل الواحد، اذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس. الحديث».(2)


1) - أصول الكافي 2: 25 / باب أنّ الايمان يشرك الاسلام و الاسلام لايشرك الايمان.

2) - وسائل الشيعة 27: 268 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 12.

فانّ اطلاق الرجل يشمل العامّي أيضا اذا عرف منه الخير.

و صحيحته الأخرى قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الذمّي و العبد يشهدان على شهادة، ثمّ يسلم الذمّي و يعتق العبد أتجوز شهادتهما على ما كانا أشهدا عليه؟ قال: نعم، اذا علم منهما بعد ذلك خير جازت شهادتهما».(1)

و يؤيّد هذا الحكم و هو قبول شهادة المستضعفين من غير الاماميّين ما ذكره بعض من أنّه كيف يمكن عدم قبول شهادة هؤلاء مع أنّه لا اشكال في قبول رواياتهم التي رووها عن أئمّتنا عليهم السلام مع أنّ الشهادة ترجع الى قضيّة شخصيّة بخلاف الرواية التي كان الحكم فيها متعلّقا بجميع العباد الى يوم القيامة.

و لمّا انجرّ الكلام الى ذكر الرواة و وثاقتهم فلابأس أن نذكر وجه توثيق الرواة من الاماميّين و غيرهم:

فنقول: انّ مدركنا في توثيق الرواة هو شهادة الرجالييّن كالعلاّمة أو النجاشي أو شيخ الطائفة، و وجه شهادتهم سماعهم توثيق الرواة من أساتذتهم الذين نقل لهم توثيق الرواة مسندا الى العدلين أو العدول الذين شهدوا على وثاقة هؤلاء الرواة، و لايكون شهادتهم هذه على حدس من عندهم قطعا، و هذا كنقل الروايات بلا تفاوت.

و أمّا رواة العامّة بجميع فرقهم فوجه قبول رواياتهم لايخلو عن أحد وجهين:

الأوّل: أنّهم نقلوا الروايات قبل ضلالتهم عن طريق الحقّ، كما في روايات اسحاق بن عمّار التي رواها عن مولانا الصادق عليه السلام ، فالظاهر أنّ رواياته كانت متعلّقة بزمان حياة الامام الصادق عليه السلام الذي كان اسحاق فيه مؤمنا.


1) - وسائل الشيعة 27: 387 / الباب 39 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

الثاني: أنّ قبول رواياتهم كان من باب ما ذكره الامام العسكري عليه السلام :

«خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا».(1)

فانّ السبب في قبول رواياتهم و ان كانوا على غير مذهب الحقّ هو وثاقتهم و أمانتهم عند الأئمّة عليهم السلام و أصحابهم على ما هو الظاهر عندي.

نعم، تقبل شهادة الذمّي خاصّة في الوصيّة اذا لم يوجد من عدولالمسلمين من يشهد بها. و لايشترط كون الموصي في غربة. و باشتراطه رواية مطّرحة.

لاتقبل شهادة الكافر على المسلم و تقبل شهادة المسلم على الكافر، و ذلك لصحيحة أبي عبيدة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل و لاتجوز شهادة أهل الذمّة على المسلمين».(2)

و موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شهادة أهل الملّة، قال: فقال: لاتجوز الاّ على أهل ملّتهم. الحديث».(3)

في شهادة الذمّي

إشارة:

نعم، تقبل شهادة الذمّي خاصّة من اليهود و النصارى و المجوس على الوصيّة خاصّة في الضرورة و هي ما اذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد عليها، و يدلّ على ذلك الكتاب و السنّة:

فمن الكتاب قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر


1) - وسائل الشيعة 27: 142 / الباب 11 من أبواب صفات القاضي / الحديث 13.

2) - وسائل الشيعة 27: 386 / الباب 38 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 27: 386 / الباب 38 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ان أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت».(1)

فانّ ظاهر الآية يدلّ أوّلاً: على جواز شهادة غير المسلم في الوصيّة و ذلك لظاهر قوله تعالى:«من غيركم».

و ثانيا: على عدم جواز شهادة الكافر الحربي و من لم يكن عدلاً في دينه من الذمّيّين و ذلك بقرينة عطف «أو آخران من غيركم» على قوله: «ذواعدل منكم» كما سيأتي البحث عن ذلك.

و من السنّة صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام هل تجوز شهادة أهل الذمّة على غير أهل ملّتهم؟ قال: نعم، ان لم يوجد من أهل ملّتهم، جازت شهادة غيرهم، انّه لايصلح ذهاب حقّ أحد».(2)

فانّها تدلّ على اشتراط عدم وجود المسلمين في قبول شهادة غير أهل ملّتهم.

و صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «أو آخران من غيركم»، فقال:

«اذا كان الرجل في أرض غربة لايوجد فيها مسلم، جازت شهادة من ليس بمسلم في الوصيّة».(3)

و صحيحة أحمد بن عمر قال:

«سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: «ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم» قال: اللذان منكم مسلمان و اللذان من غيركم من أهل الكتاب فان لم يجد من أهل الكتاب فمن المجوس؛ لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: سنّوا


1) - المائدة 5: 106.

2) - وسائل الشيعة 27: 389 / الباب 40 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 27: 390 / الباب 40 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

بهم سنّة أهل الكتاب، و ذلك اذا مات الرجل بأرض غربة فلم يجد مسلمين يشهدهما فرجلان من أهل الكتاب».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن شهادة أهل الملّة قال: فقال: لاتجوز الاّ على أهل ملّتهم فان لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصيّة، لأنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد».(2)

ثمّ انّ ظاهر الكتاب و السنّة أنّ جواز شهادة أهل الكتاب على وصيّة المسلممختصّ بما اذا لم يوجد مسلمان عدلان، كما عرفت في صحيحتي هشام بن الحكم و أحمد بن عمر، و كذا في رواية حمزة بن حمران.

و يدلّ عليه أيضا صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله عزّوجلّ: «أو آخران من غيركم»، قال:

«اذا كان الرجل في بلد ليس فيه مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصيّة».(3)

و لابأس بذكر ما ورد في مرفوعة علي بن ابراهيم من شأن نزول هذه الآية فانّه قال:

«خرج تميم الداري و ابن بندي و ابن أبي مارية في سفر و كان تميم الداري مسلما و ابن بندي و ابن أبي مارية نصرانيّين، و كان مع تميم الداري خُرج له فيه متاع و آنية منقوشة بالذهب و قلادة أخرجها الى بعض أسواق العرب للبيع، فاعتلّ تميم الداري علّة شديدة فلمّا حضره الموت دفع ما كان معه الى ابن بندي و ابن أبي مارية و أمرهما أن يوصلاه الى


1) - وسائل الشيعة 27: 390 / الباب 40 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 390 / الباب 40 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 19: 310 / الباب 20 من كتاب الوصايا / الحديث 4.

ورثته، فقدما الى المدينة و قد أخذا من المتاع الآنية و القلادة و أوصلا سائر ذلك الى ورثته، فافتقد القوم الآنية و القلادة فقالوا لهما: هل مرض صاحبنا مرضا طويلاً أنفق فيه نفقة كثيرة؟ قالا: لا ما مرض الاّ أيّاما قلائل. قالوا: فهل سرق منه شيء في سفره هذا؟ قالا: لا. قالوا: فهل اتّجر تجارة خسر فيها؟ قالا: لا. قالوا: فقد افتقدنا أفضل شيء كان معه آنية منقوشة بالذهب، مكلّلة بالجوهر و قلادة. فقالا: ما دفع الينا فأدّيناه اليكم. فقدّموهما الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فأوجب رسول اللّه صلى الله عليه و آلهعليهما اليمين فحلفا فخلّى عنهما. ثمّ ظهرت تلك الآنية و القلادة عليهما فجاء أولياء تميم الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقالوا: قد ظهر على ابن بندي و ابن أبي مارية ما ادّعيناهعليهما، فانتظر رسول اللّه صلى الله عليه و آلهالحكم من اللّه في ذلك فأنزل اللّه تبارك و تعالى: «يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ان أنتم ضربتم في الأرض» فأطلق اللّه شهادة أهل الكتاب على الوصيّة فقط اذا كان في سفر و لم يجد المسلمين. «فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان باللّه ان ارتبتم لانشتري به ثمنا و لو كان ذا قربى و لانكتم شهادة اللّه انّا اذا لمن الآثمين» فهذه الشهادة الأولى التي جعلها رسول اللّه صلى الله عليه و آله «فان عثر على أنّهما استحقّا اثما» أي أنّهما حلفا على كذب «فآخران يقومان مقامهما» يعني من أولياء المدّعي «من الذين استحقّ عليهم الأوليان فيقسمان باللّه»يحلفان باللّه أنّهما أحقّ بهذه الدعوى منهما فانّهما قد كذبا فيما حلفا باللّه «لشهادتنا أحقّ من شهادتهما و ما اعتدينا انّا اذا لمن الظالمين»فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آلهأولياء تميم الداري أن يحلفوا باللّه على ما أمرهم فحلفوا فأخذ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهالقلادة و الآنية من ابن بندي و ابن أبي مارية و ردّهما على أولياء تميم الداري «ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة

على وجهها أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم»».(1)

فتحصّل الى هنا أنّ شهادة اثنين من أهل الكتاب نافذة على وصيّة المسلمين اذا لم يوجد منهم اثنان عدلان بشرط أن يكون الذمّيّان عدلين في دينهم و لايكونان خائنين.

ثمّ انّ هنا فروعا:

الفرع الأوّل : في شهادة الذمّي على الوصاية

قال في المسالك: «و الحكم مختصّ بوصيّة المال فلاتثبت الوصيّة بالولاية المعبّر عنها بالوصاية؛ وقوفا فيما خالف الأصل على مورده».(2)

و عن الأردبيلي رحمه الله: «انّه يشعر بذلك بعض الروايات».(3)

أقول:

انّ الحكم يعمّ الوصيّة بالولاية - المعبّر عنها بالوصاية - أيضا؛ لأنّها وصيّة فيشملها عموم النصّ أو اطلاقه و ان خصّ الحكم بالوصيّة بالمال الشهيد في المسالك، و تبعه الأردبيلى رحمهماالله وقوفا فيما خالف الأصل على موضع اليقين ولكنّ ظاهر اطلاق الوصيّة في الآية و السنّة يدفعه.

و يؤيّد ما قلنا بل يدلّ عليه ما في بعض الروايات المتقدّمة من تعليل الحكم بأنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد، فانّ الوصاية أيضا حقّ للموصي و الموصى عليهم.

و لعلّ الأردبيلي أراد من اشعار بعض الروايات، ما ورد في شأن نزول الآية و


1) - وسائل الشيعة 19: 314 / الباب 21 من كتاب الوصايا / الحديث 1.

2) - مسالك الأفهام 14: 163.

3) - مجمع الفائدة و البرهان 12: 307.

أنّه مختصّ بالمال، ولكن قد ثبت في محلّه أنّ ذكر مورد لايخصّص الحكم به اذا شمل لفظ الوصيّة للوصاية أيضا.

الفرع الثاني : في شهادة الحربي

قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «انّ المذكور في كلمات غير واحد من الفقهاء اعتبار كون الشاهد ذمّيّا بل ادّعي عليه الاجماع و لم نعرف له وجها ظاهرا، فانّ الاجماعلم يتحقّق و عنوان الذمّي لم يذكر الاّ في صحيحة الحلبي و رواية حمزة بن حمران، و هاتان الروايتان لايمكن الاستدلال بهما على اعتبار كون الشاهد ذمّيّا. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ ذكر وجه عدم دلالة الروايتين على المطلوب.

أقول:

قد تقدّم نفوذ شهادة الذمّي على الوصيّة و عدم نفوذها من الحربي و الوجه الظاهر في ذلك عطف: «أو آخران من غيركم» على قوله: «ذوا عدل منكم»و يؤيّده رواية حمزة بن حمران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن قول اللّه عزّوجلّ «ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم»، قال: فقال: اللذان منكم مسلمان و اللذان من غيركم من أهل الكتاب، فقال: اذا مات الرجل المسلم بأرض غربة فطلب رجلين مسلمين يشهدهما على وصيّته فلم يجد مسلمين فليشهد على وصيّته رجلين ذمّيّين من أهل الكتاب مرضيّين عند أصحابهما».(2)


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 100 و 101.

2) - وسائل الشيعة 19: 312 / الباب 20 من كتاب الوصايا / الحديث 7.

فانّ الحربي لايكون مرضيّا و هو المذكور في كلمات غير واحد من الفقهاء.

و أمّا ما استدل به العلاّمة الخوئي رحمه الله فمخدوش من وجهين:

الأوّل: ما ورد في شأن نزول الآية من كون النصرانيّين في المدينة و خرجا مع المسلم ثمّ رجعا الى النبي صلى الله عليه و آله و حكم بينهما و بين أولياء الميّت، مع أنّ الحربي لايصلح لذلك و لايرجع الى النبي صلى الله عليه و آله قطعا.

و الثاني: ما تقدّم من ظاهر العطف في الآية.

الفرع الثالث : في قيد أرض الغربة

قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «ذهب أكثر الفقهاء الى عدم اختصاص الحكم بما اذا كان المسلم بأرض غربة. و ذهب جماعة الى الاشتراط منهم الشيخ رحمه الله في المبسوط و ابن الجنيد و أبو الصلاح، و هو الصحيح و تدلّ على ذلك صحيحة أحمد بن عمر و صحيحة هشام بن الحكم المتقدّمتان المؤيّدتان برواية حمزة بن حمران المتقدّمة».(1)

أقول:

قد تقدّم أنّ شهادة الذمّي مختصّة بموضع لايوجد مسلمان عدلان و ان لم يكن في أرض غربة، كما دلّ عليه صحيحة هشام بن سالم المتقدّمة فانّ فيها أنّه مات الرجل المسلم في بلد ليس فيه مسلم، و لايقيّد الحكم فيها بأرض غربة.

و أمّا قيد الغربة الذي ورد في بعض الروايات كما ذكره السيّد الخوئي رحمه الله فالظاهر أنّه قيد غالبي بمعنى أنّ عدم وجدان مسلمين عدلين كان يغلب في أرض


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 102.

غربة و الاّ فاذا كان في البلد فالغالب وجود مسلمين عدلين، و أمّا اذا لم يوجد في البلد أيضا فاطلاق الآية يشمله و هو حجّة؛ اذ لم يثبت المقيّد.

الفرع الرابع : في شهادة الذمّي الواحد مع المؤمن أو المسلم

يتقدّم في الشهادة المؤمن العادل، و ان لم يوجد فالمسلم العادل في مذهبه انلم يكن ناصبيّا، و ان لم يوجد فالذمّي المرضي عندهم.

و على هذا فان كان هناك مؤمن عادل واحد، أو مسلم كذلك يضمّ اليه ذمّي و لاينافيه ظاهر الآية و الروايات و ذلك لأنّ التقدّم أوّلاً للمؤمن و بعده للمسلم.

قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «هل تقبل شهادة مسلم واحد عدل مع واحد عدل من أهل الكتاب؟ فعن المستند: «عدم القبول، بدعوى الاقتصار فيما خالف الأصل على مورد النصّ. و دعوى الأوّليّة ممنوعة لعدم العلم بالعلّة. ولكن لايبعد القبول و ذلك لعدم احتمال أن تكون شهادة المسلم أقلّ من شهادة الكافر فالأولويّة ثابتة جزما».(1)

و لايخفى أنّ العلم بالعلّة حاصل فانّ الظاهر من قوله تعالى: «أو آخران من غيركم»هو عدم وجود شاهد مؤمن أو مسلم مطلقا و لو واحدا، فالأولويّة هنا قطعيّة، فانّ مناط الحكم لاينبغي أن يخفى على أحد.

نعم، لو كان هناك عدول أهل الذمّة و فسّاق المسلمين فشهادة أهل الذمّة أولى؛ عملاً بظاهر النصّ.

و في المسالك: «و قدّم في التذكرة عليهم فسّاق المسلمين اذا كان فسقهم بغير الكذب و الخيانة و هو بعيد. أمّا المستور من المسلمين، فان اكتفينا في العدالة


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 104.

بظاهر الاسلام مع عدم ظهور المعارض فلا ريب في ترجيحه على الذمّي و ان كان ظاهر العدالة، و ان منعنا من ذلك احتمل تقديم عدول أهل الذمّة للآية، و تقديم المستور و به قطع في التذكرة و هو أولى».(1)

قال الامام الخميني رحمه الله: «الثالث من صفات الشهود: الايمان، فلاتقبل شهادة غير المؤمن فضلاً عن غير المسلم مطلقا على مؤمن أو غيره أو لهما. نعم، تقبل شهادة الذمّي العدل في دينه، في الوصيّة بالمال اذا لم يوجد من عدول المسلمينمن يشهد بها، و لايعتبر كون الموصي في غربة، فلو كان في وطنه و لم يوجد عدول المسلمين تقبل شهادة الذمّي فيها، و لايلحق بالذمّي الفاسق من أهل الايمان و هل يلحق به المسلم غير المؤمن اذا كان عدلاً في مذهبه؟ لايبعد ذلك. و تقبل شهادة المؤمن الجامع للشرائط على جميع الناس من جميع الملل، و لاتقبل شهادة الحربي مطلقا و هل تقبل شهادة كلّ ملّة على ملّتهم؟ فيه رواية، و عمل بها الشيخ رحمه الله».(2)

و لايخفى أنّ في مواضع من كلامه رحمه الله نظرا يظهر ممّا تقدّم و سيأتي.

الفرع الخامس : في كيفيّة احلاف الذمّي

قال في المسالك: «و ظاهر الآية احلاف الذمّي بعد العصر بالصورة المذكورة في الآية و هو: أنّهما ماخانا و لاكتما شهادة اللّه تعالى و لا اشتريا به ثمنا و لو كان ذا قربى، و اعتبره العلاّمة أيضا في التحرير و لا ريب في أولويّته؛ اذ لا معارض له و عمومات النصوص غير منافية له».(3)


1) - مسالك الأفهام 14: 163.

2) - تحرير الوسيلة 2: 442.

3) - مسالك الأفهام 14: 163.

و استشكل فيه العلاّمة الخوئي(1)بأنّ الآية لاتدلّ على حلفهما مطلقا في الصورة المذكورة و انّما تدلّ على ذلك في صورة الارتياب فحسب، فلا دليل عليه مطلقا و ان لم يكونا محلاًّ للشبهة و الارتياب.

أقول:

لا ريب في أولويّة الحلف على طبق ما ورد في الآية الكريمة الاّ أنّ الظاهر عدم لزومه و ذلك لعدم ورود لزوم الحلف كذلك في الروايات المتقدّمة التي هيتفسير للآية الكريمة، عمل النبي صلى الله عليه و آله في واقعة لايكون مقيّدا للروايات المفسّرة لتلك الآية.

و أمّا ما استشكل به العلاّمة الخوئي رحمه الله فغير سديد؛ لأنّ أصل الاحلاف كان في صورة الارتياب و الاّ فان لم يرتابوا فلا حاجة الى الحلف أصلاً.

و يثبت الايمان بمعرفة الحاكم، أو قيام البيّنة أو الاقرار.

قال في المسالك: «و مرجع الثلاثة الى الاقرار؛ لأنّ الايمان أمر قلبي لايمكن معرفته الاّ من معتقده بالاقرار، ولكن المصنّف رحمه الله اعتبر الوسائط بينه و بين المقرّ».(2)

في طرق ثبوت الايمان

أقول:

قد يثبت الايمان بدون الاقرار كمن كان والداه من المؤمنين و لم يظهر منه ما ينكره. و كذا من يطابق أعماله على أعمال المؤمن العامل ان لم يكن فيه شبهة و ان لم يظهر منه قول دالّ على الايمان، فانّ من يعيش في بلاد المؤمنين و يعاشرهم


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 104.

2) - مسالك الأفهام 14: 164.

في أمورهم و يعاشرونه فلايلزم معه اقراره بالايمان، و لينظر الى أعماله فان طابق أعمال المؤمنين فهو مؤمن.

و هل تقبل شهادة الذمّي على الذمّي؟ قيل: لا. و كذا لاتقبل على غير الذمّي. و قيل: تقبل شهادة كلّ ملّة على ملّتهم. و هو استناد الى رواية سماعة. و المنع أشبه.

و في المسالك : « ما تقدّم حكم شهادة الكافر على المسلم أمّا على مثلهفالمشهور بين الأصحاب أنّ الحكم كذلك؛ عملاً بعموم الأدلّة. و ذهب الشيخ في النهاية الى قبول شهادة كلّ ملّة لملّتهم و عليهم لا على غيرهم و لهم. و ذهب ابن الجنيد الى قبول شهادة أهل العدالة منهم في دينه على ملّته و على غير ملّته. و مستند الشيخ رواية سماعة عن الصادق عليه السلام . و لايخفى ضعف المستند. و أولى بالمنع مذهب من عمّم. انتهى ملخّصا».(1)

في شهادة الذمّي على الذمّي

أقول:

قد تقدّم قبول شهادة كلّ ملّة على ملّتهم بما يقبلونه.

و يدلّ على ذلك موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شهادة أهل الملّة، قال: فقال: لاتجوز الاّ على أهل ملّتهم. الحديث».(2)


1) - مسالك الأفهام 14: 164 و 165.

2) - وسائل الشيعة 27: 386 / الباب 38 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

«الرابع»: العدالة

«الرابع»: العدالة؛ اذ لاطمأنينة مع التظاهر بالفسق و لا ريب في زوالها بمواقعة الكبائر، كالقتل و الزنا و اللواط و غصب الأموال المعصومة و كذا بمواقعة الصغائر مع الاصرار أو في الأغلب. أمّا لو كان في الندرة فقد قيل: لايقدح؛ لعدم الانفكاك منها الاّ فيما يقلّ فاشتراطه التزام للأشقّ. و قيل: يقدح؛ لامكان التدارك بالاستغفار، و الأوّل أشبه.

يشترط في الشاهد العدالة؛ اذ لايطمئنّ الحاكم بشهادة الفاسق، الاّ اذا علم من القرائن صدق شهادته و حينئذ يكون مستند حكمه علمه.

و قد دلّ على اعتبارها الكتاب و السنّة:

فمن الأوّل قوله تعالى: «و أشهدوا ذوي عدل منكم»(1)و قوله: «يا أيّها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم»(2).

لايقال: انّهما مختصّان بالطلاق و الوصيّة، فانّه يقال: يدخل غيرهما في مورد الآية امّا بالأولويّة في مثل القتل أو بتنقيح المناط في مثل بعض الأموال.

و قوله عزّوجلّ: «ان جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة»(3)و الشهادة نبأ، فيجب التبيين عندها الاّ اذا لم يكن المخبر و الشاهد فاسقا. و تمام الكلام في الآية في محلّه.

و قوله تعالي«ممّن ترضون من الشهداء»(4)و الفاسق ليس بمرضيّ.

و من الثاني صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام ما يردّ من الشهود؟ قال: فقال: الظنين و المتّهم.


1) - الطلاق 65: 2.

2) - المائدة 5: 106.

3) - الحجرات 49: 6.

4) - البقرة 2: 282.

قال: قلت: فالفاسق و الخائن؟ قال: ذلك يدخل في الظنين».(1)

و صحيحة سليمان بن خالد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام ، و ذكر مثله، الاّ أنّه قال الظنين و الخصم».(2)

و صحيحة أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام و ذكر مثله، الاّ أنّه قال: الظنين و المتّهم و الخصم».(3)

و مثلها صحيحة الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عمّا يردّ من الشهود، فقال: الظنين و المتّهم و الخصم. قال: قلت: فالفاسق و الخائن. فقال: هذا يدخل في الظنين».(4)

و رواية جرّاح المدائني عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«لاأقبل شهادة فاسق الاّ على نفسه»(5).

الى غير ذلك من روايات الباب.

قال في المسالك: «و الكلام في العدالة يتوقّف على أمرين: أحدهما: ما به يثبت. و الثاني: ما به يزول. فالأوّل: قد تقدّم البحث فيه في القضاء، و أنّه هل يحكم بها للمسلم من دون أن يعلم منه الاتّصاف بملكتها، أم لابدّ من اختباره و تزكيته؟»(6)

و قد تقدّم منّا البحث عن ذلك عند قول المصنّف رحمه الله: «الثامنة: الحاكم ان عرف عدالة الشهود حكم ... ».


1) - وسائل الشيعة 27: 373 / الباب 30 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 373 / الباب 30 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 373 / الباب 30 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 27: 374 / الباب 30 من كتاب الشهادات / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 27: 373 / الباب 30 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

6) - مسالك الأفهام 14: 165 و 166.

و قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «لاتقبل شهادة غير العادل بلا خلاف و لا اشكال، بل ادّعي عليه الاجماع في كلمات غير واحد منهم. و تدلّ عليه الآية الكريمة الواردة في الوصيّة، فانّ اعتبار العدالة في الشاهد على الوصيّة المبني أمرها على التوسعة - فتقبل فيها شهادة المرأة و شهادة غير المسلم اذا لم يوجد المسلم - يقتضي اعتبارها في غير الوصيّة جزما و كيف يمكن الالتزام بعدم ثبوت الوصيّة بشهادة رجلين غير عدلين و ثبوت الزواج و القتل و دعوى المال و ما شاكل ذلك بشهادتهما؟ و يؤيّد هذا اعتبار العدالة في الآية المباركة في شاهدي الطلاق».(1)

أمّا البحث عن العدالة و ماهيّتها، فقد ذكرناه في كتاب الصلاة في ضمن شرائط امام الجماعة(2)تفصيلاً، و لابأس بذكرها هنا ملخّصا:

فنقول: انّ العدالة لغة مأخوذة من العدل و هو القصد في الأمور ضدّ الجور، و قيل: من العدالة بمعنى الاستواء و الاستقامة. و في اصطلاح أرباب الحكمة و أهل العرفان عبارة عن تعديل قوى النفس و تقويم أفعالها بحيث لايغلب بعض على بعض. و في اصطلاح أهل الشرع فأقوال:

الأوّل: ما هو المشهور بين المتأخّرين من أنّها ملكة نفسانيّة (أو هيئة راسخة) تبعث على ملازمة التقوى و المروّة.

الثاني: القول بأنّها عبارة عن مجرّد الاسلام مع عدم ظهور الفسق.

الثالث: انّ العدالة نفس الأعمال الخارجيّة أي الاتيان بالواجب من الأعمال و الاجتناب عن محرّمها من دون اعتبار اقترانها بالملكة أو صدورها عنها.

الرابع: انّ العدالة هي حسن الظاهر فحسب.

و الظاهر أنّ العدالة هي الملكة المنبعثة عن الدين الذي هو الحبّ للّه و


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 106.

2) - الهادي 8: 259 - 270.

للرسول و للأئمّة الاثنيعشر أي علي و أولاده عليهم السلام و البغض لأعدائهم(1)، فهذاالحبّ يبعث الانسان الى الطاعة للّه و للرسول و لأولي الأمر كما قال اللّه تعالى: «قل ان كنتم تحبّون اللّه فاتّبعوني يحببكم اللّه»(2). فانّ ما ينبعث منه فعل الواجب و ترك المحرّم هو الملكة التي يعبّر عنها بالتقوى، و صاحب هذه الملكة يكسبها بتكرار فعل الواجب و ترك المحرّم، فاذا كان الرجل ملتزما باتيان الأعمال الواجبة التي من جملتها و أهمّها الصلاة و يعتني بما كان يعتني به الرسول و أوصياؤه عليهم السلام من الحضور في الجماعة و لم نره يرتكب ذنبا من كذب أو غيبة أو تهمة فبحسن ظاهره هذا نحكم بعدالته.

و هذا الذي قلناه في معنى العدالة، ظاهر كثير من الروايات التي وردت في أبواب مختلفة مناسبة لها، فمن جملتها صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك، و يجب عليهم تزكيته و اظهار عدالته في الناس و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس اذا واظب عليهنّ و حفظ مواقيتهنّ بحضور


1) - في الكافي في الصحيح عن فضيل بن يسار قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحبّ و البغض، أ من الايمان هو؟ فقال: و هل الايمان الاّ الحبّ و البغض؟ ثمّ تلا هذه الآية: «حبّب اليكم الايمان و زيّنه في قلوبكم و كرّه اليكم الكفر و الفسوق و العصيان أولئك هم الراشدون»». أصول الكافي، ج3 / باب الحبّ في اللّه / الحديث 5.

2) - آل عمران 3: 31.

جماعة من المسلمين و أن لايتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم الاّ من علّة فاذا كان كذلك لازما لمصلاّه عند حضور الصلوات الخمس فاذاسئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه الاّ خيرا مواظبا على الصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلاّه فانّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين و ذلك أنّ الصلاة ستر و كفّارة للذنوب و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي اذا كان لايحضر مصلاّه و يتعاهد جماعة المسلمين و انّما جعل الجماعة و الاجتماع الى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لايصلّي و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع و لولا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح لأنّ من لايصلّي لا صلاح له بين المسلمين فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله همّ بأن يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين و قد كان فيهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك و كيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من اللّه عزّوجلّ و من رسوله صلى الله عليه و آلهفيه الحرق في جوف بيته بالنار و قد كان يقول: لا صلاة لمن لايصلّي في المسجد مع المسلمين الاّ من علّة».(1)

و أنت اذا تأمّلت في الصحيحة تجد صحّة ما قلنا، فانّ قوله عليه السلام : «أن تعرفوه بالستر و العفاف» هو عبارة أخرى عن التقوى التي هي الملكة، فانّ الستر التغطية، و العفّة الامتناع.

فمن يكفّ و يحفظ نفسه عن فعل المحرّم و ترك الواجب و يستر عيوبه التي هي الطغيان و العصيان و الفجور بعدم ارتكاب الخبائث، نعرفه بالستر و العفاف. فما قاله عليه السلام بعد ذلك: (و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان)، هو أيضا عبارة


1) - وسائل الشيعة 27: 391 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

أخرى عن الستر و العفاف و تفسير لهما و كذلك ما بعده من قوله عليه السلام : «و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف و غير ذلك».

و ما قال عليه السلام : «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ماوراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك» هو حسن الظاهر، فحيث انّ احرازه يتوقّف على معاشرته أكّد عليه السلام بالحضور في الجماعة فقال: «و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس اذا واظب عليهنّ و حفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، و أن لايتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم الاّ من علّة».

و ما قال عليه السلام قبل ذلك من تحريم تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه، اشارة الى عدم لزوم التدقيق في ذلك و التجسّس فيما خفي عن المسلمين، فلعلّه لأنّ الانسان قد يذنب الذنب لعدم عصمته ولكنّه اذا كانت له ملكة العدالة و التقوى يتوب و يستغفر و يتدارك.

فتلخّص أنّ حسن الظاهر هو الساتريّة من جميع العيوب فيتوقّف احرازه على المعاشرة و هو كاشف تعبّدي عن العدالة و في الأغلب يوجب الاطمئنان. و قد تقدّم و سيأتي أنّ ارتكاب الكبائر موجب للخدشة في العدالة و كذلك الاصرار على الصغائر؛ لأنّه لا صغيرة مع الاصرار كما ورد في الحديث(1).

في المروءة

و أمّا المروءة فان كان المراد من عدمها، عدم الاعتناء بمكارم الأخلاق و العمل على خلاف محاسن الشيم و ان لم يكن حراما كالأكل في الشوارع و العدْو فيها و حمل الأشياء على الظهر أو الرأس، فليس في الروايات الواردة في معنى المروءة أثر ممّا ذكر، فمنها ما رواه الكليني عن جويرية بن مسهّر قال:


1) - وسائل الشيعة 15: 337 / الباب 48 من أبواب جهاد النفس / الحديث 3.

«اشتددت خلف أميرالمؤمنين عليه السلام فقال لي: يا جويرية، انّه لم يهلك هؤلاء الحمقى الاّ بخفق النعال خلفهم، ما جاء بك؟ قلت: جئت أسألك عن ثلاث: عن الشرف و عن المروءة و عن العقل. قال: أمّا الشرف فمن شرّفه السلطان شرف و أمّا المروءة فاصلاح المعيشة وأمّا العقل فمن اتّقى اللّه عقل».(1)

قال صاحب الحدائق بعد تفسير المروّة عن العلماء: «و الحقّ - كما ذكره جملة من أفاضل متأخّري المتأخّرين - أنّه لا دليل على اعتبار المروءة في معنى العدالة، و انّما وقع ذلك في كلام العلاّمة و من تأخّر عنه و الظاهر أنّه اقتفى في ذلك العامّة حيث انّهم عرّفوها بذلك. انتهى ملخّصا».(2)

و ربما توهّم واهم أنّ الصغائر لاتطلق على الذنب الاّ مع الاحباط. و هذا بالاعراض عنه حقيق، فانّ اطلاقها بالنسبة و لكلّ فريق اصطلاح.

قال في المسالك: «هذا الوهم ذهب اليه بعض الأصحاب حيث قال: «انّ الصغائر لاتطلق على الذنب الاّ على مذهب القائلين بالاحباط، على تقدير الموازنة بين الأعمال الصالحة و المعاصي كما نبّه عليه تعالى بقوله: «انّ الحسنات يذهبن السيّئات» و قال تعالى: «و حبط ما صنعوا» فجعل الذنب الذي يحبط بالطاعة صغيرة و الذنب الذي يحبط الطاعة كبيرة. و هذا بناء ضعيف لاينبغي للفقيه أن يذهب اليه فانّ الصغائر تطلق بالنسبة الى الكبائر؛ لامكان جعلها اضافيّة بالنسبة الى ذنب آخر، أو يقال: انّها مخصوصة بذنوب معيّنة و هو ما عدا


1) - روضة الكافي: 194 / الحديث 331.

2) - الحدائق الناضرة 10: 17.

الكبائر المحصورة في الكتاب و السنّة كما هو مذهب الأكثر. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قد ذكرنا تفصيل الكبائر و الصغائر في كتاب الصلاة في فصل شرائط امام الجماعة، و لنذكرها ملخّصا:

فنقول: أمّا تفسير الكبيرة و الصغيرة فقد نقل في الحدائق في تفسيرهما أقوالاً:

قال بعضهم: أنّ الكبيرة كلّ ذنب توعّد اللّه تعالى عليه بالعقاب في الكتاب العزيز.

و قال آخرون: هي كلّ ذنب رتّب عليه الشارع حدّا أو صرّح بالوعيد.

و قال طائفة: هي كلّ معصية تؤذن بقلّة اكتراث فاعلها بالدين.

و قال جماعة: هي كلّ ذنب علمت حرمته بدليل قاطع.

و قيل: كلّ ما توعّد عليه توعّدا شديدا في الكتاب أو السنّة.

و قيل: هي ما نهى اللّه عنه في سورة النساء من أوّلها الى قوله تعالى: «ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ... الآية».

و قال قوم: انّها سبع: الشرك باللّه و قتل النفس التي حرّم اللّه و قذف المحصنة و أكل مال اليتيم و الربا و الفرار من الزحف و عقوق الوالدين.

و قيل: انّها تسع بزيادة السحر و الالحاد في بيت اللّه أي الظلم فيه، الى غير ذلك من الأقوال الكثيرة المنسوبة الى العامّة.

ثمّ بعد ذكر الأقوال قال: «و المختار من هذه الأقوال الأوّل و الظاهر أنّه المشهور بين أصحابنا. بل قال بعض أفاضل متأخّري المتأخّرين بعد نسبة هذا القول الى الشهرة بينهم: و لم أجد في كلامهم اختيار قول آخر. انتهى».(2)


1) - مسالك الأفهام 14: 170 و 171.

2) - الحدائق الناضرة 10: 44.

أقول:

الظاهر أنّ هذه الأقوال التي نقلها صاحب الحدائق كلّها صحيحة و تنزل على مراتبها من الشدّة و الضعف و لذا قال الشيخ الأعظم في رسالته المسمّاة برسالة العدالة: انّ الكبيرة تثبت بأمور و عدّها خمسة(1):

الأوّل: النصّ المعتبر على أنّها كبيرة، كما ورد في بعض المعاصي، و قد عدّ منها في صحيحة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام من نيّف و ثلاثين.(2)

الثاني: النصّ المعتبر على أنّها ممّا أوجب اللّه عليها النار - سواء أوعد في الكتاب أو أخبر النبي صلى الله عليه و آله أو الامام عليه السلام بأنّه ممّا يوجب النار - كما دلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ «ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم و ندخلكم مدخلاً كريما» قال: الكبائر، التي أوجب اللّه عزّوجلّ عليها النار».

الثالث: النصّ في الكتاب الكريم على ثبوت العقاب عليه بالخصوص.

الرابع: دلالة العقل و النقل على أشدّيّة معصيته ممّا ثبت كونها من الكبيرة أو مساواتها، كما في قوله تعالى: «و الفتنة أكبر من القتل»(3)، و في الكذب: «شرّ من الشراب» و كما ورد أنّ «الغيبة أشدّ من الزنا».

و مثل حبس المحصنة للزنا، فانّه أشدّ من القذف بحكم العقل، و مثل اعلام الكفّار بما يوجب غلبتهم على المسلمين، فانّه أشدّ من الفرار من الزحف.

الخامس: أن يرد النصّ بعدم قبول شهادة عليه، كما ورد النهي عن الصلاة خلف العاقّ لوالديه.

ثمّ لا اشكال في أنّ الاصرار على الصغيرة من الكبائر، و يدلّ عليه - قبل


1) - رسائل فقهيّة (رسالة في العدالة): 44 - 48.

2) - وسائل الشيعة 15: 329 / الباب 46 من أبواب جهاد النفس / الحديث 33.

3) - البقرة 2: 217.

الاجماع المحكي عن التحرير و غيره - النصوص الواردة:

كما في خبر عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا صغيرة مع الاصرار و لا كبيرة مع الاستغفار».(1)

و قوله عليه السلام في صحيحة الفضل بن شاذان المتقدّمة التي كان يعدّ الكبائر:«الاصرار على الذنوب».

و قوله عليه السلام في خبر الأعمش:

«و الكبائر محرّمة و هي الشرك باللّه عزّوجلّ - الى أن قال: - و الاصرار على صغائر الذنوب».(2)

و لايقدح في العدالة ترك المندوبات و لو أصرّ مضربا عن الجميع ما لم يبلغ حدّا يؤذن بالتهاون بالسنن.

قال في المسالك: «ترك المندوبات لايقدح في التقوى، و لايؤثّر في العدالة الاّ أن يتركها أجمع فيقدح فيها؛ لدلالته على قلّة المبالاة بالدين و الاهتمام بكمالات الشرع. و لو اعتاد ترك صنف منها كالجماعة و النوافل و نحو ذلك فكترك الجميع؛ لاشتراكهما في العلّة المقتضية لذلك. نعم، لو تركها أحيانا لم يضرّ».(3)

أقول:

انّ ترك المندوبات ان كان بحيث يشعر بقلّة المبالاة بالدين و التهاون به فيضرّ بالعدالة و الاّ فلا.


1) - أصول الكافي 3: 395 / كتاب الايمان و الكفر / باب الاصرار على الذنب / الحديث 1.

2) - بحار الأنوار 10: 229 / الباب 14 (فيما بيّن عليه السلام من المسائل ... ) / الحديث 1.

3) - مسالك الأفهام 14: 171 و 172.

هنا مسائل:

في شهادة المخالف في شيء من أصول العقائد

«الأولى»: كلّ مخالف في شيء من أصول العقائد تردّ شهادته، سواء استند في ذلك الى التقليد أو الى الاجتهاد. و لاتردّ شهادة المخالف في الفروع من معتقدي الحقّ، اذا لم يخالف الاجماع. و لايفسق و ان كان مخطئا في اجتهاده.

قال في المسالك: «المراد بالأصول التي تردّ شهادة المخالف فيها أصول مسائل التوحيد و العدل و النبوّة و الامامة و المعاد. أمّا فروعها من المعاني و الأحوال و غيرهما من فروع علم الكلام فلايقدح الاختلاف فيها؛ لأنّها مباحث ظنّيّة. و المراد بالفروع التي لاتقدح فيها المخالفة المسائل الشرعيّة الفرعيّة؛ لأنّها مسائل اجتهاديّة و الأصول التي تبنى عليها من الكتاب والسنّة كلّها ظنّيّة. و ينبغي أن يراد بالاجماع الذي تقدح مخالفته فيها اجماع المسلمين قاطبة أو اجماع الاماميّة مع العلم بدخول قول المعصوم في جملة قولهم؛ لأنّ حجّيّة الاجماع في قوله على أصولهم لا مطلق اجماعهم. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

كلّ مخالف في شيء من أصول العقائد تردّ شهادته الاّ المستضعفين كما تقدّم، و المراد من أصول العقائد التوحيد و العدل و النبوّة و الامامة و المعاد، فمن خالف في شيء من هذه الأصول سواء كان مخالفا رأسا و لم يقبل الامامة أو العدل مثلاً أو يخالف بعض المسائل الراجعة الى هذه الأصول و يرجع مخالفته الى نصّ الكتاب أو السنّة المتواترة أو الاجماع الكاشف القطعي عن نظر الامام عليه السلام ، فمن كان قائلاً بجسميّة ذاته تعالى أو أنكر بعض صفاته الجماليّة أو الجلاليّة التي نصّ


1) - مسالك الأفهام 14: 172.

عليها في الكتاب أو ينسب الى النبي أو الوصي ما يخالف نصّ الكتاب و السنّة القطعيّة و كذا في العدل و المعاد، فهو فاسق لاتقبل شهادته، سواء كانت مخالفته هذه عن اجتهاد أو تقليد فانّ الاجتهاد و التقليد كليهما غير جائزين في نصوص الكتاب و الأخبار المتواترة القطعيّة الدلالة، و ما أجمع عليه قاطبة المسلمين أو قاطبة المؤمنين.

أمّا المخالفة في الفروع من المسائل الشرعيّة من معتقدي الحقّ فلايضرّ اذاكان مدركه ظواهر الكتاب و السنّة بحيث يمكن فيها الخطأ و لم يكن من القطعيّات كما هو الغالب و ان لم يوجد مخالفة الفروع القطعيّة من العلماء العاملين منّا.

ثمّ اعلم أنّ المراد من الاجماع الذي يقدح في العدالة مخالفته، هو الاتّفاق الذي يعلم بدخول الامام المعصوم عليه السلام فيه أو يعلم بموافقة نظره عليه السلام لهم بالقطع و اليقين. و من المعلوم أنّ المخالفة لهذا الاجماع كالمخالفة للسنّة القطعيّة.

في شهادة القاذف

«الثانية»: لاتقبل شهادة القاذف، و لو تاب قبلت، و حدّ التوبة أن يكذّب نفسه و ان كان صادقا و يورّي باطنا. و قيل: يكذّبها ان كان كاذبا و يخطّئها في الملأ ان كان صادقا. و الأوّل مروي. و في اشتراط اصلاح العمل زيادة عن التوبة تردّد. و الأقرب الاكتفاء بالاستمرار؛ لأنّ بقاءه على التوبة اصلاح و لو ساعة.

قال في المسالك: «لا خلاف في عدم قبول شهادة القاذف قبل توبته و لقوله تعالى: «و لاتقبلوا لهم شهادة أبدا» فاذا تاب قبلت شهادته. و اختلفوا في حدّ توبته فقيل: أن يكذّب نفسه فيما كان قذف به سواء كان صادقا في قذفه أم كاذبا. و قال في المبسوط و ابن ادريس و العلاّمة: حدّها أن يكذّب نفسه ان كان كاذبا و يعترف بالخطأ ان كان صادقا. و الأوّل أنسب بالحكمة المطلوبة للشارع من الستر

و جبر الفرية بالحدّ مؤيّد بظاهر الآية و صريح الرواية. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

من الفاسقين الذين لاتقبل شهادتهم القاذف، الاّ أن يتوب فتقبل شهادته و الدليل على ذلك قوله تعالى: «و الذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعةشهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة و لاتقبلوا لهم شهادة أبدا و أولئك هم الفاسقون * الاّ الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فانّ اللّه غفور رحيم»(2).

قد اختلفوا في أنّ الاستثناء في الآية هل هو راجع الى «لاتقبلوا» أو أنّه راجع الى «أولئك هم الفاسقون» و قد نقل في مجمع البيان عن بعض العامّة القول الأوّل و عن بعضهم القول الثاني، ولكن الاماميّة لمكان تمسّكهم بالروايات المفسّرة للآية قد قالوا برجوع الاستثناء الى عدم قبول الشهادة و حكموا بقبولها ان تاب القاذف.

و قد وردت روايات في تفسير الآية:

منها صحيحة أبي الصباح الكناني قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القاذف بعد ما يقام عليه الحدّ ما توبته؟ قال: يكذب نفسه قلت: أرأيت ان أكذب نفسه و تاب أتقبل شهادته؟ قال: نعم».(3)

و منها صحيحته الثانية قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القاذف اذا أكذب نفسه و تاب أتقبل شهادته؟ قال: نعم».(4)


1) - مسالك الأفهام 14: 173 - 175.

2) - النور 24: 4 و 5.

3) - وسائل الشيعة 27: 383 / الباب 36 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 27: 384 / الباب 36 من كتاب الشهادات / الحديث 5.

و منها رواية القاسم بن سليمان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حدّا ثمّ يتوب و لايعلم منه الاّ خير أتجوز شهادته؟ قال: نعم، ما يقال عندكم؟ قلت: يقولون: توبته فيما بينه و بين اللّه و لاتقبل شهادته أبدا، فقال: بئس ما قالوا كان أبي يقول: اذا تاب و لم يعلم منه الاّ خير جازت شهادته».(1)

و منها رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : ليس يصيب أحد حدّا فيقام عليه ثمّ يتوب الاّ جازت شهادته».(2)

و منها مرسلة يونس عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحدّ اذا تاب؟ قال: نعم، قلت: و ما توبته؟ قال: يجيء فيكذب نفسه عند الامام و يقول قد افتريت على فلانة و يتوب ممّا قال».(3)

و لاتعارضها رواية أخرى للسكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام قال:

«ليس أحد يصيب حدّا فيقام عليه ثمّ يتوب الاّ جازت شهادته الاّ القاذف فانّه لاتقبل شهادته، انّ توبته فيما كان بينه و بين اللّه تعالى».(4)

و ذلك لأنّها حملت على التقيّة بقرينة ما مرّ من الكتاب و السنّة و أقوال علماء الاماميّة.

و يؤيّد قبول شهادته أنّ القاذف لايكون أسوء حالاً من الكافر و مرتكب الفاحشة، فانّهما تقبل شهادتهما بعد الاسلام و التوبة فالقاذف أولى.


1) - وسائل الشيعة 27: 383 / الباب 36 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 384 / الباب 36 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 27: 384 / الباب 36 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 27: 384 / الباب 36 من كتاب الشهادات / الحديث 6.

ثمّ انّ الظاهر أنّه لا فرق بين كون المقذوف امرأة أو رجلاً كما أنّ القاذف كذلك.

و أمّا قيد الاصلاح الذي يذكر في الآية الشريفة بعد التوبة فالظاهر أنّه عبارة عن تكذيب نفسه و اعادة شرف و كرامة المقذوف كما نطقت به الروايات، فلايكون شيئا وراء التوبة.

و لو أقام بيّنة بالقذف أو صدّقه المقذوف، فلا حدّ عليه و لا ردّ؛ لأنّ اللّه تعالىشرط في ردّ شهادته عدم الاتيان بالشهداء حيث قال عزّوجلّ: «الذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء ... » و اقرار المقذوف أقوى من البيّنة فيسقطان به بطريق أولى.

في اللعب بآلات القمار

«الثالثة»: اللعب بآلات القمار كلّها حرام، كالشطرنج و النرد و الأربعه عشر و غير ذلك، سواء قصد الحذق أو اللهو أو القمار.

قال في المسالك: «مذهب الأصحاب تحريم اللعب بآلات القمار كلّها من الشطرنج و النرد و الأربعه عشر و غيرها. و وافقهم على ذلك جماعة من العامّة منهم أبو حنيفة و مالك و بعض الشافعيّة. و رووا عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «من لعب بالنرد فقد عصى اللّه و رسوله». و في رواية أخرى أنّه «من لعب بالنرد شير فكأنّما غمس يده في لحم الخنزير». و روى الأصحاب عن الصادق عليه السلام قال: «قال أميرالمؤمنين عليه السلام : الشطرنج و النرد هما الميسر». و عن الصادق عليه السلام قال: «انّ للّه عزّوجلّ في كلّ ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار، الاّ من أفطر على مسكر أو مشاحن أو صاحب شاهين، قلت: و أيّ شيء صاحب شاهين؟ قال: الشطرنج». و روى معمّر بن خلاّد في الصحيح عن أبي الحسن عليه السلام قال: «النرد و الشطرنج و الأربعه عشر بمنزلة واحدة و كلّ ما قومر عليه فهو ميسر». و في معناها أخبار كثيرة.

و ظاهر النهي أنّها من الصغائر فلايقدح في العدالة الاّ مع الاصرار عليها. ثمّ النرد و الشطرنج مشهوران. و أمّا الأربعه عشر ففسّروها بأنّها قطعة من خشب فيها حفر في ثلاثة أسطر، و يجعل في الحفر حصى صغار يلعب بها».(1)

أقول:

من الذنوب التي تسقط عدالة مرتكبها القمار و قد ورد في الكتاب العزيز النهي عنه حيث قال تعالى: «انّما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون * انّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر و يصدّكم عن ذكر اللّه و عن الصلاة فهل أنتم منتهون»(2).

و أمّا من السنّة فقد دلّت على حرمته روايات كثيرة و ان كانت كلّها - ما عدا اثنين أو ثلاثة - ضعاف الاّ أنّ في كثرتها اطمئنان النفس بصدور حرمة القمار من النرد و الشطرنج و كلّ ما قومر به منهم عليهم السلام .

فلا خلاف في حرمة الميسر، و اليك بعض ما تدلّ على حرمته من الروايات: منها صحيحة معمّر بن خلاّد عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«النرد و الشطرنج و الأربعه عشر بمنزلة واحدة و كلّ ما قومر عليه فهو ميسر».(3)

و صحيحة حمّاد بن عيسى قال:

«دخل رجل من البصريّين على أبي الحسن الأوّل عليه السلام فقال له: جعلت فداك، انّي أقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج و لست ألعب بها ولكن


1) - مسالك الأفهام 14: 176 و 177.

2) - المائدة 5: 90 و 91.

3) - وسائل الشيعة 17: 323 / الباب 104 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

أنظر، فقال: ما لك و لمجلس لاينظر اللّه الى أهله».(1)

و الظاهر أنّ القمار من المعاصي الكبيرة التي بها تسقط عدالة من ارتكبها و لو مرّة واحدة، فمن لعب به و لو مرّة واحدة سقطت عدالته، و كفى في أنّه من الكبائر قرائن وردت في الآية الكريمة:

ككونه رجسا من عمل الشيطان و كوجوب الاجتناب عنه و أنّ القمار كانبارادة الشيطان و أنّ نتيجته وقوع العداوة بين المقامرين و كذا البغضاء - التي هي الحقد - و الصدّ عن سبيل اللّه و عن الصلاة، أفلايكون هذه الخصوصيّات دالّة على كونه كبيرة موبقة.

و قد عدّ في الجواهر كلام الشهيد رحمه الله و من تبعه كصاحب الرياض رحمه اللهمن الغرائب حيث عدّوا القمار من الصغائر لضعف النصوص المقتضية لكونه من الكبائر و لا جابر.

و قال بأنّه قد عرفت التصريح بأنّها كبيرة موبقة.(2)و مراده رحمه اللهمن التصريح ما رواه في العيون بأسانيد متعدّدة من عدّ الميسر و هو القمار، من الكبائر.

و قد ورد في رواية العلاء بن سيابة قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لاتقبل شهادة صاحب النرد و الأربعه عشر و صاحب الشاهين يقول: لا واللّه و بلى واللّه مات واللّه شاه و قتل واللّه شاه و ما مات و لا قتل».(3)

قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله: «القمار حرام اجماعا، و يدلّ عليه الكتاب و السنّة المتواترة».(4)


1) - وسائل الشيعة 17: 322 / الباب 103 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 41: 44.

3) - وسائل الشيعة 27: 380 / الباب 33 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

4) - كتاب المكاسب 1: 371.

و نحن بعد ما قدّمنا الكلام في حكم بيع الآلات المعدّة للقمار وضعا و تكليفا في المكاسب المحرّمة، فقد استوفينا الكلام في اللعب بها في ضمن أربع مسائل، نذكر هنا خلاصة ما فصّلناه(1)بعون اللّه تعالى، فنقول:

المسألة الأولى: يحرم اللعب بالآلات المعدّة للقمار مع المراهنة و يدلّ عليها الكتاب و السنّة و الاجماع:

أمّا الكتاب فقوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا انّما الخمر و الميسر والأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون * انّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر و يصدّكم عن ذكر اللّه و عن الصلاة فهل أنتم منتهون»(2)

فقد ورد في تفسيرها عن علي بن ابراهيم في تفسيره عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشراب - الى أن قال: - و أمّا الميسر فالنرد و الشطرنج، و كلّ قمار ميسر، و أمّا الأنصاب فالأوثان التي كانت تعبدها المشركون، و أمّا الأزلام فالأقداح التي كانت تستقسم بها المشركون من العرب في الجاهليّة، كلّ هذا بيعه و شراؤه و الانتفاع بشيء من هذا حرام من اللّه محرّم، و هو رجس من عمل الشيطان، و قرن اللّه الخمر و الميسر مع الأوثان».(3)

و أمّا السنّة فرواية زيد الشحّام قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «فاجتنبوا الرجس من


1) - الهادي الى المكاسب 2 المحرّمة: 97 - 111.

2) - المائدة 5: 90 و 91.

3) - وسائل الشيعة 17: 321 / الباب 102 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 12.

الأوثان و اجتنبوا قول الزور». قال: الرجس من الأوثان الشطرنج، و قول الزور الغناء».(1)

و مثلها مرسلة ابن أبي عمير و بمعناها مرسلة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام (2)، و غيرهما ممّا سيأتي.

و أمّا الاجماع ففي المصباح: «لا خلاف بين الفقهاء من الشيعة و السنّة في حرمة اللعب بالآلات المعدّة للقمار مع المراهنة، بل على حرمته ضرورة مذهبالاسلام . انتهى ملخّصا».(3)

و قال الامام الخميني رحمه الله: «القمار حرام اجماعا و كتابا و سنّة اذا كان اللعب بالآلات المعدّة لذلك مع رهان و هو المتيقّن من عنوان القمار و الميسر في الكتاب و السنّة و معقد الاجماع».(4)

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، و النصوص مستفيضة أو متواترة فيه، و اتّفقت الأدلّة الشرعيّة الثلاثة على حرمته، بل حرمة المال الذي يؤخذ به. انتهى ملخّصا».(5)

و في الحدائق عن المنتهى: «القمار حرام بلا خلاف بين العلماء. و كذا ما يؤخذ منه. قال اللّه تعالى: «انّما الخمر و الميسر ... » و قال: و الأخبار بما ذكروه هنا مستفيضة متكاثرة. انتهى ملخّصا».(6)

المسألة الثانية: اللعب بآلات القمار من دون رهن.

الظاهر حرمة اللعب بآلات القمار من دون رهن، و الدليل عليه روايات


1) - وسائل الشيعة 17: 318 / الباب 102 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 17: 318 / الباب 102 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 2 و 3.

3) - مصباح الفقاهة 1: 569.

4) - المكاسب المحرّمة 2: 7.

5) - جواهر الكلام 22: 109.

6) - الحدائق الناضرة 18: 164.

مستفيضة بل متواترة:

منها ما تقدّم من رواية زيد الشحّام و مرسلة ابن أبي عمير في تفسير قوله تعالى: «فاجتنبوا الرجس من الأوثان و اجتنبوا قول الزور»(1)قال عليه السلام :

«الرجس من الأوثان الشطرنج، و قول الزور الغناء».(2)

و منها رواية عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ للّه عزّوجلّ في كلّ ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار الاّ منأفطر على مسكر، أو مشاحن أو صاحب شاهين، قلت: و أيّ شيء صاحب الشاهين؟ قال: الشطرنج».(3)

و منها رواية الحسين بن عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يغفر اللّه في شهر رمضان الاّ لثلاثة: صاحب مسكر، أو صاحب شاهين أو مشاحن».(4)

و منها موثّقة مسعدة بن زياد عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«أنّه سئل عن الشطرنج فقال: دعوا المجوسيّة لأهلها لعنها اللّه».(5)

و منها موثّقة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«أنّه سئل عن الشطرنج و عن لعبة شبيب التي يقال لها: لعبة الأمير و عن لعبة الثلاث، فقال: أرأيتك اذا ميّز اللّه الحقّ و الباطل مع أيّهما تكون؟ قال: مع الباطل، قال: فلا خير فيه».(6)


1) - الحجّ 22: 30.

2) - وسائل الشيعة 17: 318 / الباب 102 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1 و 2 و 3.

3) - وسائل الشيعة 17: 319 / الباب 102 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 17: 319 / الباب 102 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 17: 319 / الباب 102 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 7.

6) - وسائل الشيعة 17: 319 / الباب 102 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 5.

و منها صحيحة حمّاد بن عيسى قال:

«دخل رجل من البصريّين على أبي الحسن الأوّل عليه السلام فقال له: جعلت فداك انّي أقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج و لست ألعب بها، ولكن أنظر. فقال: ما لك و لمجلس لاينظر اللّه الى أهله».(1)

فاطلاق الروايات المذكورة و غيرها من المطلقات الكثيرة الناهية عن اللعب بالنرد و الشطرنج و بكلّ ما يكون معدّا للتقامر دليل على الحرمة، فانّه لا شبهة أنّ اللعب بالأمور المذكورة يعمّ ما كان مع المراهنة أو بدونها.

و ناقش الشيخ الأعظم رحمه الله في ذلك الاستدلال بأنّ المطلقات منصرفة الى الفردالغالب، و هو اللعب بالآلات المذكورة مع الرهن.

و أجيب أوّلاً: انّ اللعب بآلات القمار من غير رهن كثير في نفسه لو لم يكن أكثر من اللعب بها مع المراهنة أو مساويا له في الكثرة.

و ثانيا: انّ مجرّد غلبة الوجود في الخارج لايوجب الانصراف، الاّ أن يكون الفرد النادر أو غير الغالب على نحو لايراه العرف فردا للعمومات و المطلقات كانصراف الحيوان عن الانسان في نظر العرف، و ما نحن فيه ليس كذلك.

و قال الامام الخميني: «و دعوى الانصراف غير مسموعة، سيّما مع تداول المغالبة بلا رهن في عصر الصدور بين الخلفاء و أتباعهم، بل لايبعد أن يكون كثير من الأسئلة مربوطة باللعب بلا رهن، حيث كان محلّ الخلاف بين فقهاء العامّة: فعن الشافعيّة: حلّيّة اللعب بالشطرنج.

و عن الحنابلة: يكره اللعب به. و عن الشافعي: هو مكروه و ليس بمحظور و لاتردّ شهادة اللاعب به الاّ ما كان فيه قمار. و عنه: انّ النرد مكروه و ليس بمحظور لايفسق فاعله. و الخلاف انّما هو مع اللعب بها بلا رهن و الاّ فالقمار حرام عند


1) - وسائل الشيعة 17: 322 / الباب 103 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

الجميع. و لعلّ فتوى بعض العامّة بعدم حرمة اللعب بها بلا رهن لجلب نظر الخلفاء و الأمراء».(1)

أمّا الشيخ الأعظم رحمه الله فبعد أن ناقش في الاستدلال استقرّ نظره الشريف على الحرمة و قال: «فانّ مقتضى اناطة الحكم بالباطل و اللعب عدم اعتبار الرهن في حرمة اللعب بهذه الأشياء، و لايجري دعوى الانصراف هنا».(2)

قال في مفتاح الكرامة: «ثمّ انّه لا ريب في تحريم اللعب بذلك و ان لم يكن فيه رهان، سواء قصد الحذق أو اللهو كما نصّ على ذلك في الكتاب ] القواعد] و الدروس في باب الشهادات و جامع المقاصد في المقام عملاً باطلاق النصوص والفتاوى».(3)

و في الدروس في باب الشهادات في عداد من لاتقبل شهادته لفسقه قال: «و القمار حتّى بالجوز و البيض و الخاتم و البقيري و استعمال النرد و الشطرنج، و ان لم يكن فيه رهان، و اتّخاذ الحمام للرهان».(4)

و في جامع المقاصد: «و القمار حرام، أي: عمله و هو اللعب بالآلات المعدّة له على اختلاف أنواعها من الشطرنج و النرد و غير ذلك. و أصل القمار: الرهن على اللعب بشيء من هذه الأشياء، و ربّما أطلق على اللعب بها مطلقا، و لا ريب في تحريم اللعب بذلك و ان لم يكن رهن، و الاكتساب به، و بعمل آلاته. و ما يؤخذ به حتّى لعب الصبيان بالجوز أي: و يحرم ما يؤخذ به كما ذكرنا، حتّى ما يؤخذ بلعب الصبيان بالجوز و الخاتم».(5)


1) - المكاسب المحرّمة 2: 19.

2) - كتاب المكاسب 1: 374.

3) - مفتاح الكرامة 4: 56.

4) - الدروس الشرعيّة 2: 126.

5) - جامع المقاصد 4: 24.

و في المقنع: «و لاتجوز شهادة شارب الخمر، و لا مقامر و لا من يلعب بالشطرنج و النرد».(1)

و في المقنعة: «و لاتقبل شهادة مقامر و لا لاعب نرد و شطرنج و غيره من أنواع القمار».(2)

و في النهاية: «و تردّ شهادة اللاعب بالنرد و الشطرنج و غيرهما من أنواع القمار و الأربعه عشر و الشاهين».(3)

و في المهذّب: «و لايجوز شهادة الفسّاق و مرتكبي القبائح من شرب الخمر و الزنا و اللواط و اللعب بالشطرنج أو النرد أو ما يجري مجرى ذلك من آلاتالقمار».(4)

و في قواعد الأحكام: «و اللاعب بآلات القمار كلّها فاسق كالشطرنج و النرد و الأربعه عشر و الخاتم و ان قصد الحذق أو اللهو أو القمار تردّ شهادته».(5)

و في المبسوط: «اللاعب بالشطرنج عندنا لاتقبل شهادته بحال، و كذلك النرد و الأربعه عشر و غير ذلك من أنواع القمار سواء كان على وجه المقامرة أو لم يكن».(6)

و في المسالك: «مذهب الأصحاب تحريم اللعب بآلات القمار كلّها، من الشطرنج و النرد و الأربعه عشر و غيرها».(7)


1) - الينابيع الفقهيّة 11: 10.

2) - المقنعة: 726.

3) - نهاية الأحكام: 325.

4) - الينابيع الفقهيّة 11: 135.

5) - نفس المصدر: 446.

6) - المبسوط 8: 221.

7) - مسالك الأفهام 14: 176.

و في مجمع الفائدة: «و لا فرق عندنا في تحريم القمار بين أن يكون مقصوده تحصيل الحذاقة و ملكة فهم الدقائق أم لا».(1)

المسألة الثالثة: المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدّة للقمار، كالمراهنة على حمل الحجر الثقيل، و على المصارعة و على الطيور و على الطفرة و نحو ذلك ممّا عدّوها في باب السبق و الرماية من أفراد غير ما نصّ على جوازه، و الظاهر الالحاق بالقمار في الحرمة و الفساد، بل صريح بعض أنّه قمار.

و الدليل على ذلك الروايات الواردة الظاهرة في حرمة المراهنة على المسابقة في غير الموارد المنصوصة كالروايات التي وردت في نفار الملائكة عند الرهان و لعنها صاحبه، ماخلا الحافر و الخفّ و الريش و النصل كمرسلة الصدوق قال:

«قال الصادق عليه السلام : انّ الملائكة لتنفر عند الرهان، و تلعن صاحبهماخلا الحافر و الخفّ و الريش و النصل، و قد سابق رسول اللّه صلى الله عليه و آله أسامة بن زيد و أجرى الخيل».(2)

و صحيحة حفص عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا سبق الاّ في خفّ أو حافر أو نصل، يعني النضال».(3)

و رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: لا سبق الاّ في خفّ أو حافر أو نصل، يعني النضال».(4)


1) - مجمع الفائدة و البرهان 12: 334.

2) - وسائل الشيعة 19: 251 / الباب 1 من كتاب السبق و الرماية / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 19: 252 / الباب 3 من كتاب السبق و الرماية / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 19: 253 / الباب 3 من كتاب السبق و الرماية / الحديث 2.

المسألة الرابعة: المغالبة بغير عوض في غير ما نصّ على جواز المسابقة فيه. و استدلّ على الحرمة في هذا القسم بوجوه غير ناهضة ولكن الأقوى الجواز للأصل، و يؤيّده ما رواه في البحار عن الارشاد عن عبداللّه بن ميمون القدّاح عن جعفر بن محمّد الصادق عليهماالسلام قال:

«اصطرع الحسن والحسين بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ايها حسن خذ حسينا فقالت فاطمة عليهاالسلام : يا رسول اللّه تستنهض الكبير على الصغير؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: هذا جبرئيل عليه السلام يقول للحسين: ايها يا حسين خذ الحسن».(1)

في شهادة شارب المسكر

«الرابعة»: شارب المسكر تردّ شهادته و يفسق، خمرا كان أو نبيذا أو بتعا أو منصّفا أو فضيخا، و لو شرب منه قطرة. و كذا الفقّاع. و كذا العصير اذا غلى من نفسه أو بالنار، و لم يسكر الاّ أن يغلي حتّى يذهب ثلثاه. أمّا غيرالعصير من التمر أو البسر فالأصل أنّه حلال ما لم يسكر.

قال في المسالك: «لا فرق في تحريم المسكر بين اتّخاذه من العنب و غيره عند الأصحاب و أكثر العامّة؛ لقوله صلى الله عليه و آله: «كلّ مسكر حرام». و قول الصادق عليه السلام : «انّما حرّم الخمر لفعلها و فسادها. و روى علي بن يقطين في الصحيح عن الكاظم عليه السلام قال: «انّ اللّه تبارك و تعالى لم يحرّم الخمر لاسمها، ولكن حرّمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر». و في حديث له عنه عليه السلام : «فما فعل فعل الخمر فهو خمر».

و لا فرق في المسكر بين ما يسكر منه و غيره لتعليق التحريم على الاسم. و في معناه الفقّاع عندنا و كذا العصير العنبي اذا غلى و ان لم يشتدّ. و قد تقدّم البحث


1) - بحار الأنوار 43: 276 / الباب 12 من أبواب تأريخ الامامين ... / الحديث 45.

فيهما في باب الأطعمة. و أمّا ما لايسكر من الأشربة غير ما ورد النصّ بتحريمه فالأصل فيه الحلّ، و منه عصير الزبيب و التمر و غيرهما».(1)

أقول:

انّ الخمر اسم لكلّ مسكر مائع بالأصالة.

ففي صحيحة الفضيل بن يسار قال:

«ابتدأني أبو عبداللّه عليه السلام يوما من غير أن أسأله فقال: قال رسول اللّه عليه السلام : كلّ مسكر حرام، قال: قلت: أصلحك اللّه كلّه؟ قال: نعم، الجرعة منه حرام».(2)

و في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الخمر من خمسة: العصير من الكرم و النقيع من الزبيب و البتع من العسل و المزر من الشعير و النبيذ من التمر».(3)ثمّ انّه لايجوز التداوي بشرب الخمر و لا تقيّة في شربها.

ففي صحيحة عمر بن أذينة قال:

«كتبت الى أبي عبداللّه عليه السلام أسأله عن الرجل ينعت له الدواء من ريح البواسير فيشربه بقدر أسكرّجة من نبيذ، ليس يريد به اللذّة، انّما يريد به الدواء؟ فقال: لا، و لاجرعة، ثمّ قال: انّ اللّه عزّوجلّ لم يجعل في شيء ممّا حرّم دواء و لا شفاء».(4)


1) - مسالك الأفهام 14: 178.

2) - وسائل الشيعة 25: 325 / الباب 15 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 25: 279 / الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 25: 343 / الباب 20 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 1.

و في صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«سأل رجل أبا عبداللّه عليه السلام عن الخمر(1)يكتحل منها؟ فقال أبو عبداللّه عليه السلام : ما جعل اللّه في محرّم(2)شفاء».(3)

نعم اذا اضطرّ الى أكل الميتة و شرب النجس بحيث لو لم يأكل أو لم يشرب خاف على نفسه، فيجوز بل يجب الأكل و الشرب غير باغٍ و لا عادٍ كما قال اللّه تعالى: «انّما حرّم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ به لغير اللّه فمن اضطرّ غير باغٍ و لا عادٍ فلا اثم عليه انّ اللّه غفور رحيم».(4)

«الخامسة»: مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، يفسق فاعله و تردّ شهادته و كذا مستمعه، سواء استعمل في شعر أو قرآن، و لابأس بالحداء به.قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله: «لا خلاف في حرمة الغناء في الجملة، و الأخبار بها مستفيضة، و ادّعى في الايضاح تواترها».(5)

و في مصباح الفقاهة: «لا خلاف في حرمة الغناء في الجملة بين الشيعة، و أمّا العامّة فقد التزموا بحرمته لجهات خارجيّة و الاّ فهو بنفسه أمر مباح عندهم».(6)

و في المستند بعد ذكر موضوع الغناء قال: «فلا خلاف في حرمة ما ذكرناه أنّه غناء قطعا- و هو مدّ الصوت المفهم المشتمل على الترجيع و الاطراب، سيّما مع


1) - في المصدر: عن دواء عجن بالخمر. هامش الوسائل

2) - في المصدر: فيما حرّم. هامش الوسائل

3) - وسائل الشيعة 25: 349 / الباب 21 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 1.

4) - البقرة 2: 173.

5) - كتاب المكاسب 1: 285.

6) - مصباح الفقاهة 1: 476.

الضميمة المذكورة - في الجملة، و لعلّ عدم الخلاف بل الاجماع عليه مستفيض بل هو اجماع محقّق قطعا بل ضرورة دينيّة».(1)

و في متاجر الرياض: «بل عليه اجماع العلماء كما حكاه بعض الأجلاّء و هو الحجّة».(2)

في فاعل مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب

إشارة:

و في فقه المذاهب: «فالتغنّي من حيث كونه ترديد الصوت بالألحان مباح لا شيء فيه، ولكن قد يعرض له ما يجعله حراما أو مكروها. - و على هذا المنهج تفصيل المذاهب الأربعة، ثمّ قال: - فما نقل عن أبي حنيفة من أنّه كان يكره الغناء و يجعل سماعه من الذنوب، فهى محمول على النوع المحرّم منه».(3)

و نقل الغزالي في الاحياء عن الشافعي: «لاأعلم أحدا من علماء الحجاز كره السماع، و قد استدلّ الغزالي على الجواز برقص الحبشة و الزنوج في المسجد النبوي يوم عيد و أقرّهم الرسول صلى الله عليه و آله وسلم، ثمّ ذكر أنّ حرمة الغناء من جهة المحرّمات الخارجيّة».(4)

و استدلّ لحرمة الغناء بآيات من القرآن المجيد و ما ورد في تفسيرها:

فمنها قوله تعالى: «و اجتنبوا قول الزور».(5)

ففي صحيحة زيد الشحّام قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قوله عزّوجلّ «و اجتنبوا قول الزور». قال: قول الزور الغناء».(6)


1) - مستند الشيعة 14: 126.

2) - رياض المسائل 8: 62.

3) - الفقه على المذاهب الأربعة 2: 42 و 43.

4) - راجع: نفس المصدر: 43.

5) - الحجّ 22: 30.

6) - وسائل الشيعة 17: 303 / الباب 99 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 2.

و في مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه تعالى: «و اجتنبوا قول الزور»، قال:

«قول الزور الغناء».(1)

و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سمعته يقول: الغناء ممّا وعد اللّه عليه النار و تلا هذه الآية: «و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل اللّه بغير علم و يتّخذها هزوا»».(2)

و في صحيحة زيد الشحّام قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : بيت الغناء لاتؤمن فيه الفجيعة، و لاتجاب فيه الدعوة، و لايدخله الملك».(3)

الى غير ذلك ممّا ورد في ذمّ الغناء و أنّه يورث الفقر و القساوة و ينزع الحياء و يرفع البركة، و ينزل البلاء كما نزل البلاء على المغنّين من بنياسرائيل، و أنّه ممّا وعد اللّه عليه النار و بئس المصير، و أنّه عشّ النفاق، و أنّ مجلس الغناء لاينظر اللّه الى أهله و أنّ الاستماع الى الغناء نفاق و تعلّمه كفر، و أنّ صاحب الغناء يحشر من قبره أعمى و أخرس و أبكم، و أنّ من ضرب في بيته شيئا من الملاهي أربعين يوما فقد باء بغضب من اللّه فان مات في أربعين مات فاجرا فاسقا و مأواه النار و بئس المصير، و أنّ من أصغى الى ناطق نطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان، و أنّ الغناء أخبث ما خلق اللّه، و شرّ ما خلق اللّه، و أنّ من استمع الى الغناء يذاب في

أذنه الآنك.


1) - وسائل الشيعة 17: 305 / الباب 99 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 17: 304 / الباب 99 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 17: 303 / الباب 99 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

أقول:

الغناء الذي يراد من قول الزور، هو القول الذي يشتمل على الكلام الباطل، و المحرّم منه ما يورث الشكّ في الاعتقادات أو تهييج القوى الشهويّة أو التشجيع على ارتكاب المحارم، و حيث انّ ما كان هو الشائع في زمان الامام عليه السلام في مجالس الخلفاء هو الأقوال الباطلة من السخريّة و الاستهزاء بأئمّة الحقّ و أتباعهم و لم يكونوا يعتنون بما يوهن العقائد و الأحكام، فالظاهر أنّ الروايات المذكورة ناظرة الى تلك المجالس.

هذا ما ذهب اليه الشيخ الأعظم رحمه الله في أوّل كلامه، ولكن قد رجع عن هذا و قال بأنّ الغناء من مقولة الكيف - بمعنى أنّ حرمة الغناء من حيث كونه صوتا لهويّا و باطلاً في نفسه مع قطع النظر عن كون الكلام المتصوّت به لهوا أو باطلاً - و قد أيّد ما ذهب اليه بروايات، ولكن الظاهر أنّ كلّها ناظرة الى تلك المجالس القائمة عند بنيالعبّاس بل الأمويّة و أعوانهم الظلمة من اللهو و الباطل و استعمال آلات الملاهي و المغنّيات، و كانوا يشربون الخمور و يأتون بأعمال منكرة و الفواحش و الفجور.

مضافا الى أنّ الروايات المذكورة في نفسها مجملة فلم يذكر في الموثّقة الكيفيّة التي لو جيء بها تكون باطلة، مع أنّ الباطل له مصاديق بعضها حرام و بعضها مكروه.

و كذا معنى الغناء في سائر الروايات المذكورة مجمل، الاّ أن تحمل على ما كان رائجا في ذلك الزمان و كانوا يحلّونه، فنقول بأنّ المحرّم ما كان من لحون أهل الفسوق و المعاصي.

ثمّ قد استقرّ نظره الشريف على أنّ الغناء الذي قد تكرّر في الروايات مع ملاحظة معناه اللغوي هو الصوت المرجّع فيه على سبيل اللهو، الاّ أنّه مع ذلك كلّه جعل مناط حرمة الغناء من حيث كونه باطلاً و لهوا و لغوا و زورا و قال بأنّ كلّ ما

صدق عليه تلك العناوين فهو غناء سواء كان بالصوت المجرّد عن الآلة أو بآلة مجرّدة عن الصوت أو بهما.

و قد تقدّم منّا أنّ الروايات ناظرة الى ما كان جاريا في مجالس بني أميّة و بنيالعبّاس و قلنا بأنّ المحرّم من الغناء ما كان من لحون أهل الفسوق و المعاصي و نضيف اليه: استعمالهم الآلات المعدّة لذلك، و يصدق على هذا التعريف اللهو و الزور و اللغو و الباطل الاّ أنّه لايمكننا المساعدة عليه بأنّ كلّ ما صدق عليه اللهو و اللغو و الباطل فهو غناء كما هو واضح. فعلينا أن نبحث و نتفحّص عن معنى اللهو و الباطل و حدودهما ليعيننا على تعيين مصاديق الغناء المحرّم.

ثمّ قال رحمه الله: «ثمّ انّ اللهو يتحقّق بأمرين. أحدهما: قصد التلهّي و ان لم يكن لهوا. و الثاني: كونه لهوا في نفسه عند المستمعين و ان لم يقصد به التلهّي. و المرجع في اللهو الى العرف، والحاكم بتحقّقه هو الوجدان، حيث يجد الصوت المذكور مناسبا لبعض آلات اللهو و الرقص و حضور ما يستلذّ به القوى الشهويّة: من كون المغنّي جارية، أو أمردا أو نحو ذلك. و مراتب الوجدان المذكور مختلفة في الوضوح و الخفاء. و لا فرق بين استعمال هذه الكيفيّة في كلام حقّ أو باطل. انتهى ملخّصا».(1)

و فيه: انّ صرف استعمال آلات اللهو لايكون لهوا فانّه قد يستعمل الطنبور والمزمار و غيرهما لايجاد صوت بعض الطيور أو الحيوانات أو جريان الماء أو يناسب الشعر و النثر الممدوحين، فكلّيّة هذه الجملة ممنوعة. و أيضا الرقص له مراتب من حيث الفاعل و من حيث أفعاله، فما قال رحمه الله بعنوان نتيجة بحثه مجمل. مضافا الى قوله: «و لحضور ما يستلذّ به ... » خارج عن معنى الغناء. و الظاهر أنّ العرف لايمكن له تشخيص بعض مصاديق اللهو و لذا يرجع في معنى الغناء الى


1) - كتاب المكاسب 1: 296 و 297.

الفقهاء. و بعد ذلك يشكل قوله رحمه الله بأنّه لا فرق بين استعمال هذه الكيفيّة في كلام حقّ أو باطل فقراءة القرآن و الدعاء و المراثي بصوت يرجّع فيه على سبيل اللهو، و لا اشكال في حرمتها و لا في مضاعفة عقابها؛ لكونها معصية في مقام الطاعة، و استخفافا بالمقروء و المدعوّ و المرثيّ. فانّه لم يوضّح معنى اللهو حتّى يصدق كون هذا المقروء والمدعوّ و المرثيّ غناءً.

ثمّ انّه قد حكي عن الفيض رحمه الله أنّه خصّ الحرام من الغناء بما اشتمل على محرّم من خارج - مثل اللعب بآلات اللهو و دخول الرجال و الكلام بالباطل - و الاّ فهو في نفسه غير محرّم.

أقول:

ظاهر كلمات الفيض الكاشاني في الوافي و المحكي عن كفاية الأحكام أنّ الغناء على قسمين: قسم منه يكون مجرّدا عن آلات اللهو و دخول الرجال على النساء و المعاصي الأخر و لايكون لهوا و لو كان لم يكن لهوا محرّما، فهذا لابأس به و استشهدا لقولهما بكلمات اللغويّين و بعض الروايات الواردة في ذلك كصحيحة أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، و ليست بالتي يدخل عليها الرجال».(1)و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال:

«سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال: لابأس به ما لم يزمر به».(2)

و رواية علي بن جعفر عن أخيه قال:


1) - وسائل الشيعة 17: 121 / الباب 15 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 17: 121 / الباب 15 من أبواب ما يكتسب به / ذيل الحديث 5.

«سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال: لابأس به ما لم يعص به».(1)

و رواية علي بن أبي حمزة عن أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن كسب المغنّيات؟ فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى الى الأعراس ليس به بأس و هو قول اللّه عزّوجلّ: «و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل اللّه»».(2)

و رواية عبداللّه بن الحسن الدينوري قال:

«قلت لأبي الحسن عليه السلام : ... جعلت فداك فأشتري المغنّية أو الجارية تحسن أن تغنّي، أريد بها الرزق لا سوى ذلك؟ قال: اشتر و بع».(3)

و مرسلة الصدوق قال:

«سأل رجل علي بن الحسين عليه السلام عن شراء جارية لها صوت؟ فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنّة - يعني بقراءة القرآن - و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء، فأمّا الغناء فمحظور».(4)

و الظاهر أنّ ما أورد عليها من الاشكال غير وارد و أنّه خلاف ظاهر الروايات.و لعلّه لذلك قال الشيخ الأعظم: «نعم، الانصاف أنّه لايخلو من اشعار بكون المحرّم هو الذي يدخل فيه الرجال على المغنّيات، لكنّ المنصف لايرفع اليد عن الاطلاقات لأجل هذا الاشعار».(5)


1) - وسائل الشيعة 17: 121 / الباب 15 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 17: 120 / الباب 15 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 17: 122 / الباب 16 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 17: 122 / الباب 16 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 2.

5) - كتاب المكاسب 1: 306.

و فيه: انّ الروايات المتقدّمة المذكورة آنفا لاتكون مقيّدة للمطلقات بل هي مبيّنة لها بأنّ الغناء المحرّم و الذي يكون من مصاديق قول الزور، و لهو الحديث، و الباطل، هو الذي يدخل فيه الرجال على المغنّيات، و ما يكون فيه معصية اللّه.

ثمّ انّ الظاهر أنّ الصوت الحزين و المحرّك للبكاء، بل و الصعقة لشدّة الحزن خارج عن الصوت اللهوي المحرّم.

ففي مصباح الفقاهة: «و على الجملة لا ريب أنّ للصوت تأثيرا في النفوس، فان كان ايجاده للحزن و البكاء و ذكر الجنّة و النار بقراءة القرآن و نحوه لم يكن غناءً ليحكم بحرمته، بل يكون القارئ مأجورا عند اللّه، و ان كان ذلك للرقص و التلهّي كان غناءً و سماعا و مشمولاً للروايات المتواترة الدالّة على حرمة الغناء. و اللّه العالم».(1)

تتمّة : فيما استثناه المشهور من حرمة الغناء

و هو أمران:

الأوّل: الحداء: الحُداء - بالمدّ - وزان دعاء معناه السوق، و هو الشعر الذي يحثّ به الابل على الاسراع في السير. و قد روي(2)أنّه صلى الله عليه و آله قال لعبداللّه بن رواحة:«حرّك بالقوم، فاندفع يرتجز، و كان عبداللّه جيّد الحداء، و كان مع الرجال و كان أنجشة مع النساء، فلمّا سمعه أنجشة تبعه، فقال النبيّ صلى الله عليه و آله لأنجشة: رويدك رفقا بالقوارير يعني النساء».

فالظاهر أنّ الحداء ليس من معنى الغناء في شيء؛ لأنّه على قول المصنّف:


1) - مصباح الفقاهة 1: 489.

2) - مسالك الأفهام 14: 167.

الصوت اللهوي المناسب لمجالس أهل الفسق و أهل الكبائر، و المرسلة المرويّة في المسالك مع الشهرة المنقولة تكون مؤيّدة لعدم البأس بالحداء.

الثاني: غناء المغنّية في الأعراس:

و هو لابأس به اذا لم يكتنف بها محرّم آخر من التكلّم بالأباطيل، و اللعب بآلات الملاهي المحرّمة و دخول الرجال على النساء.

و يدلّ عليه صحيحة أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، و ليست بالتي يدخل عليها الرجال».(1)

و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المغنّية التي تزفّ العرائس لابأس بكسبها».(2)

و رواية أخرى لأبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن كسب المغنّيات؟ فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى الى الأعراس ليس به بأس و هو قول اللّه عزّوجلّ: «و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل اللّه»».(3)

و لاتعارضها رواية سعيد بن محمّد الطاطري عن أبيه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سأله رجل عن بيع الجواري المغنّيات. فقال: شراؤهنّ و بيعهنّ حرام، و تعليمهنّ كفر، و استماعهنّ نفاق».(4)

و رواية الحسن بن علي الوشّاء قال:


1) - وسائل الشيعة 17: 121 / الباب 15 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 17: 121 / الباب 15 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 17: 120 / الباب 15 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 17: 124 / الباب 16 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 7.

«سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام عن شراء المغنّية. قال: قد تكون للرجل الجارية تلهيه، و ما ثمنها الاّ ثمن كلب، و ثمن الكلب سحت، و السحت في النار».(1)

و رواية نضر بن قابوس قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: المغنّية ملعونة، ملعون من أكل كسبها».(2)

و رواية ابراهيم بن أبي البلاد قال:

«أوصى اسحاق بن عمر بجوارٍ له مغنّيات أن تبيعهنّ و يحمل ثمنهنّ الى أبي الحسن عليه السلام . قال ابراهيم: فبعت الجواري بثلاثمأة ألف درهم، و حملت الثمن اليه، فقلت له: انّ مولى لك يقال له: اسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوارٍ له مغنّيات و حمل الثمن اليك و قد بعتهنّ و هذا الثمن ثلاثمأة ألف درهم، فقال: لا حاجة لي فيه، انّ هذا سحت و تعليمهنّ كفر، و الاستماع منهنّ نفاق، و ثمنهنّ سحت».(3)

لأنّها - مع ضعف سندها - مطلقة، و ما تقدّم مقيّد لها.

في الشعر

و يحرم من الشعر ما تضمّن كذبا أو هجاء مؤمن أو تشبيبا بامرأة معروفة غير محلّلة له. و ماعداه مباح، و الاكثار منه مكروه.

قال في المسالك: «انشاء الشعر و انشاده و الاستماع اليه جائز، و كيف لا و كان للنبي صلى الله عليه و آله شعراء يصغي اليهم منهم حسّان بن ثابت و عبداللّه بن رواحة - رضي اللّه


1) - وسائل الشيعة 17: 124 / الباب 16 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 17: 121 / الباب 15 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 17: 123 / الباب 16 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 5.

عنهما - و استنشد الشريد شعر أميّة بن أبي الصلت و استمع اليه. و يحرم منه الهجاء لمؤمن صدقا كان أم كذبا و لا فرق فيه بين التعريض و التصريح، و كذا يحرم منه ما اشتمل على الفحش أو التشبيب بامرأة بعينها؛ لما فيه من الايذاء و الاشهار و ان كان صادقا. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

انّ الكلام في مباحث:

الأوّل: في حكم أصل انشاد الشعر و سماعه و قراءته، و لاينبغي الاشكال في جواز ذلك كلّه اذا لم يكتنف به ما يوجب حرمته و الدليل عليه - مضافا الى ما نقله في المسالك - ما نسب الى الأئمّة المعصومين عليهم السلام من الأشعار كالأشعار المنسوبة الى مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ، و ما نقل من انشاد الشعر عندهم عليهم السلام كما أنشد في مصيبة مولانا أبي عبداللّه الحسين عليه السلام .

ولكن قد ورد روايات في ذمّ الشعر و الشعراء كما رواه محمّد بن الحسين الرضي في المجازات النبويّة قال:

«قال صلى الله عليه و آله: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه أي يفسده، خير له من أن يمتلئ شعرا».(2)

و ما رواه الصدوق عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:

«الشعر من ابليس، انّ من الشعر لحكما و انّ من البيان لسحرا».(3)

و قال صلى الله عليه و آله في امرئ القيس:

«يجيء يوم القيامة يحمل لواء الشعراء الى النار».(4)


1) - مسالك الأفهام 14: 181 و 182.

2) - وسائل الشيعة 7: 405 / الباب 51 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها / الحديث 8.

3) - وسائل الشيعة 7: 404 / الباب 51 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 7: 405 / الباب 51 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها / الحديث 9.

فالجمع بين هذه الروايات و أمثالها و بين ما نقل من الأشعار عن الأئمّة عليهم السلام و ما نقل من الأشعار الحكميّة عن علمائنا الأعلام، امّا بحمل هذه الروايات على الشعر الذي تضمّن معاني باطلة كما في أشعار أعراب الجاهليّة قبل الاسلام و يؤيّد هذا الجمع الرواية الثانية المذكورة عن الصدوق عن النبي صلى الله عليه و آلهحيث قسّم الشعر و قال بأنّ منه حكمة.

و امّا بما نقله في الوسائل عن السيّد الرضي حيث قال: «المراد النهي عن أن يكون حفظ الشعر أغلب على قلب الانسان فيشغله عن حفظ القرآن و علوم الدين».(1)

و امّا بأن نحملها على ما اذا عرض على الشعر عنوان آخر محرّم كالكذب و التشبيب و غيره.

نعم، قد ورد روايات بكراهة الشعر و لو كان حقّا في بعض الأوقات المخصوصة كما في صحيحة حمّاد بن عثمان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: تكره رواية الشعر للصائم و المحرم و في الحرم و في يوم الجمعة و أن يروى بالليل، قال: قلت: و ان كان شعر حقّ؟ قال: و ان كان شعر حقّ».(2)

و يستثنى من ذلك قطعا الشعر الذي ورد في مدح الأئمّة عليهم السلام أو مراثيهم لاسيّما ما ورد في رثاء سيّد الشهداء عليه السلام كما كان ذلك سيرتهم عليهم السلام ، فانّ بكاءهم على الحسين عليه السلام و أمرهم الشعراء بانشاد الشعر في رثائه لايختصّ بوقت دون وقت.

الثاني في هجاء المؤمن و هو خلاف المدح و هو عامّ للشعر و غيره، غير خاصّ بذكر المعايب التي هي فيه كما في الصحاح. و ظاهر القاموس و النهاية و


1) - وسائل الشيعة 405 / الباب 51 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

2) - وسائل الشيعة 7: 403 / الباب 51 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها / الحديث 1.

المصباح اختصاصه بالشعر من غير قصر على المعايب التي فيه أيضا.

و الظاهر أنّ الكتاب و السنّة خاليتان من هذا العنوان و النهي عن هجاء المؤمنين الاّ أنّ العناوين الأخر صادقة عليه فانّ ذكر معايب المؤمنين همز و لمز و أكل اللحم كما في الكتاب و تعيير و اذاعة سرّ كما في السنّة و كلّ ذلك كبيرة موبقة. و لا فرق بين العادل و الفاسق غير المعلن بفسقه لاطلاق الأدلّة، و أمّا المتجاهر بالفسق فهجوه ان كان بنحو الاخبار عن ذنبه فيجوز كما تقدّم في الغيبة و أمّا الاخبار عن غير الذنب الذي هو متجاهر فيه، ففيه اشكال. و الاخبار عن فسقه أو الانشاء فيه من دون ذكر الذنب فجائز أيضا.

و أمّا هجاء المخالف ان كان ناصبيّا و الفاسق المبدع فيجوز، فالأوّل لعدم احترامه، و الثاني لئلاّيؤخذ ببدعه، بشرط الاقتصار على المعايب الموجودة فيه، فلايجوز بهته بما ليس فيه؛ لعموم حرمة الكذب. نعم، ورد في صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم: اذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبّهم و القول فيهم و الوقيعة و باهتوهم كيلايطمعوا في الفساد في الاسلام و يحذرهم الناس و لايتعلّموا من بدعهم يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة».(1)

الاّ أنّ معنى «باهتوهم» هو «حيّروهم»، و لايسوّغ التهمة و الكذب.

الثالث: في التشبيب، ففي المصباح: «شبّب الشاعر بفلانة تشبيبا: قال فيها الغزل و عرّض بحبّها. و شبّب قصيدته: حسّنها و زيّنها بذكر النساء. انتهى».و في المنجد: «شبّب: ذكر أيّام الشباب و اللهو و الغزل. انتهى».


1) - الكافي 2: 382 / باب مجالسة أهل المعاصي من كتاب الايمان و الكفر / الحديث 4.

فنقول: تارة يذكر الأجنبيّات و محاسنها بالشعر و غيره أو الغلمان لتمنّي الحرام و ترجّي الوصول الى المعاصي و الفواحش فانّ ذلك من مصاديق التشبيب فلا اشكال في حرمته. و الدليل على ذلك أنّه هتك لأحكام الشرع فهو حرام، سواء كانت المذكورة مؤمنة أو كافرة، و كذا المذكور. و الى هذه الصورة أشار في جامع المقاصد حيث قال: «و أمّا التشبيب بالغلام فحرام على كلّ حال».(1)

و في المسالك: «و كذا التشبيب بالغلام محرّم مطلقا لتحريم متعلّقه».(2)

و في الدروس: «و بالغلمان مطلقا».(3)

و في المبسوط: «و ان تشبّب بامرأة و وصفها في شعره نظرت فان كانت ممّن لايحلّ له وطؤها ردّت شهادته».(4)

و أخرى: يذكر الأجنبيّة و محاسنها بالشعر و غيره فيقصد به المدح و لا غير، فهذا أيضا تشبيب، فان استلزم هتكها و ادخال النقص عليها و على أهلها، أو ايذاءها، أو اغراء الفسّاق بها فلا اشكال في حرمته أيضا مع علمه بذلك. و كذا لو كان موجبا لمعصية أخرى. و ثالثة: يذكر المرأة المؤمنة و محاسنها و حبّها من دون أن يكون موجبا لشيء ممّا ذكر أو معصية أخرى كذكر حليلته فهذا أيضا تشبيب فلايكون حراما فتلخّص أنّ التشبيب من حيث هو ليس حراما ان تجرّد من معصية يوجبها التشبيب.


1) - جامع المقاصد 4: 28.

2) - مسالك الأفهام 14: 182.

3) - دروس الأحكام 3: 163.

4) - المبسوط 8: 228.

«السادسة»: الزمر و العود و الصنج و غير ذلك من آلات اللهو حرام، يفسق فاعله و مستمعه. و يكره الدفّ في الاملاك و الختان خاصّة.

و قد تقدّم الكلام في الغناء عن ذلك فلانعيد، و من أراد التفصيل فليراجع شرحنا على مكاسب الشيخ رحمه الله.(1)

هذا تمام الكلام في الشرط الرابع يعني العدالة.

«الخامس»: ارتفاع التهمة

إشارة:

الخامس: ارتفاع التهمة و يتحقّق ببيان مسائل:

في شهادة من يجرّ بشهادته نفعا

«الأولى»: لاتقبل شهادة من يجرّ بشهادته نفعا، كالشريك فيما هو شريك فيه، و صاحب الدين اذا شهد للمحجور عليه و السيّد لعبده المأذون و الوصيّ فيما هو وصيّ فيه. و كذا لايقبل شهادة من يستدفع بشهادته ضررا كشهادة أحد العاقلة بجرح شهود الجناية. و كذا شهادة الوكيل و الوصي بجرح الشهود المدّعي على الموصي أو الموكّل.

لاتقبل شهادة من يجرّ بشهادته نفعا، كالشريك فيما هو شريك فيه.

و الدليل عليه صحيحة أبان قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن شريكين شهد أحدهما لصاحبه، قال: تجوز شهادته الاّ في شيء له فيه نصيب».(2)

و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن ثلاثة شركاء شهد اثنان عن واحد، قال: لاتجوز شهادتهما».(3)


1) - الهادي الى المكاسب 1 المحرّمة: 153.

2) - وسائل الشيعة 27: 370 / الباب 27 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 27: 369 / الباب 27 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

و لاتعارضها رواية عبدالرحمن قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن ثلاثة شركاء ادّعى واحد و شهد الاثنان، قال: يجوز».(1)

لأنّها تحمل على ما اذا لم يكن لهما في شيء من المشهود به نصيب؛ جمعا بين هذه الرواية و الصحيحة الأولى من أبان، كما أنّ صحيحة عبدالرحمن تحمل على ما اذا كان لهما نصيب فيما شهدا به.

و لاتقبل شهادة الوصي للميّت و الوارث و الدليل عليه صحيحة محمّد بن يحيى قال:

«كتب محمّد بن الحسن - يعني الصفّار - الى أبي محمّد عليه السلام : هل تقبل شهادة الوصي للميّت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع: اذا شهد معه آخر عدل فعلى المدّعي يمين. و كتب: أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميّت صغيرا أو كبيرا و هو القابض للصغير(2)و ليس للكبير بقابض؟ فوقّع عليه السلام : نعم، و ينبغي للوصي أن يشهد بالحقّ و لايكتم الشهادة، و كتب: أو تقبل شهادة الوصي على الميّت مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع: نعم، من بعد يمين».(3)

فانّ جوابه عليه السلام : «فعلى المدّعي يمين» دليل على عدم الاعتناء بشهادة الوصي.

و كذا لاتقبل شهادة صاحب الدين اذا شهد للمحجور عليه، و الدليل عليه هو الدليل على عدم قبول شهادة الشريك لشريكه اذا كان له نصيب في شيء منه.

و كذا لاتقبل شهادة الأجير للمستأجر و العبد لمولاه، الاّ بعد مفارقة الأجير عن المستأجر أو عتق العبد، ولكن تجوز لغيرهما قبل ذلك أيضا، و يدلّ على ذلك


1) - وسائل الشيعة 27: 370 / الباب 27 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

2) - في المصدر: بحقّ له على الميّت أو على غيره، و هو القابض للوارث الصغير. هامش الوسائل

3) - وسائل الشيعة 27: 371 / الباب 28 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

صحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته عن رجل أشهد أجيره على شهادة ثمّ فارقه، أتجوز شهادته له بعد أن يفارقه؟ قال: نعم، و كذلك العبد اذا أعتق جازت شهادته».(1)

و موثّقة العلاء بن سيابة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان أميرالمؤمنين عليه السلام لايجيز شهادة الأجير».(2)

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لابأس بشهادة الضيف اذا كان عفيفا صائنا، قال: و يكره شهادة الأجير لصاحبه و لابأس بشهادته لغيره و لابأس به له بعد مفارقته(3)».(4)

و كذا لاتقبل شهادة من يستدفع بشهادته ضررا كشهادة أحد العاقلة بجرح شهود الجناية و يدلّ على ذلك معتبرة سماعة قال:

«سألته عمّا يردّ من الشهود، قال: المريب و الخصم و الشريك و دافع مغرم و الأجير و العبد و التابع و المتّهم، كلّ هؤلاء تردّ شهاداتهم».(5)

قال المجلسي في ملاذ الأخيار: «و المريب: كالفاسق أو جالب النفع أو الأعمّ ممّا بعده. و قيل: من يريب الانسان أداء شهادته. و دافع مغرم كشهادة العاقلة لجرح شهود الجناية. و في الصحاح: «الدين و الغرامة ما يلزم أداؤه، و كذلك المغرم و الغرم». و قال الوالد العلاّمة - طاب مضجعه - : «التابع كمن يخدم و يأكل


1) - وسائل الشيعة 27: 371 / الباب 29 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 372 / الباب 29 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

3) - في المصدر: و لابأس بها له عند مفارقته. هامش الوسائل

4) - وسائل الشيعة 27: 372 / الباب 29 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 27: 378 / الباب 32 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

لمهانة النفس. و المشهور فيه و في الأجير و العبد قبول شهادتهم فيحمل على مااذا لم يتحقّق شرائط القبول».

و اختلف الأصحاب في قبول شهادة الأجير فذهب الشيخ في النهاية و الصدوقان و أبو الصلاح و جماعة الى عدم قبول شهادته مادام أجيرا؛ لكثير من الروايات الدالّة بعضها بالمنطوق و بعضها بالمفهوم عليه. و المشهور بين المتأخّرين قبولها، فمنهم من قدح في طرق هذه الروايات و منهم من حملها على الكراهة؛ لظاهر خبر أبي بصير و لعلّ مرادهم كراهة الاشهاد، و الاّ فلا معنى له. و منهم من حملها على ما اذا كان هناك تهمة بجلب نفع أو دفع ضرر، كما لو شهد من استأجره لقصارة الثوب أو خياطته. و اللّه أعلم».(1)

قال في المسالك: «نبّه بقوله: «و يتحقّق المقصود» على أنّ مطلق التهمة غير قادح في الشهادة، بل التهمة في مواضع مخصوصة، و هي التي يذكرها فانّ شهادة الصديق لصديقه و الوارث لمورّثه مقبولة و ان كان مشرفا على التلف عندنا. و كذا شهادة رفقاء القافلة على اللصوص اذا لم يكونوا مأخوذين مع ظهور التهمة في جميع ذلك و سيأتي البحث فيه. و شهادة المتّهم مردودة اجماعا، لما روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «لاتقبل شهادة ظنين و لا خصم». و الظنين، المتّهم. و صحيحة أبي بصير قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّا يردّ من الشهود قال: الظنين و المتّهم و الخصم».

و للتهمة المانعة أسباب: منها: أن يجرّ الى نفسه بشهادته نفعا و لو بالولاية أو يدفع ضررا فلاتقبل شهادة السيّد لعبده المأذون و الغريم للميّت و المفلّس المحجور عليه و الوارث بجرح مورّثه؛ لأنّ الدية تجب له عند الموت بسبب الجرح، فيلزم أن يكون شاهدا لنفسه، و الشريك لشريكه فيما هو شريك فيه و


1) - ملاذ الأخيار 10: 79 و 80.

الوكيل للموكّل فيما هو وكيل فيه و الوصي و القيّم في محلّ تصرّفهما، خلافا لابن الجنيد حيث قبل شهادة الوصي لليتيم بمال. و مال اليه في الدروس. و المشهورالعدم. و لاتردّ شهادتهم في غير ذلك.

و كذا لاتقبل شهادة الشريك لشريكه في بيع الشقص و لا للمشتري؛ لأنّ شهادته تتضمّن اثبات الشفعة لنفسه. فان لم يكن فيه شفعة أو عفا عنها قبل الشهادة قبلت. و كذا تقبل شهادة الغريم لمديونه الموسر مطلقا، و المعسر قبل الحجر؛ لأنّ الحقّ متعلّق بذمّته حينئذ لا بعين أمواله. و يحتمل العدم؛ لأنّ المعسر لا مطالبة عليه، فاذا أثبت له شيئا أثبت المطالبة لنفسه. و في المنع من شهادة السيّد للمكاتب مطلقا قولان، من انتفاء سلطنته عنه و ظهور التهمة بعجزه خصوصا المشروط. و بالأوّل قطع العلاّمة في القواعد و بالثاني في التحرير، و لعلّه الأقوى. و لا فرق في التهمة المانعة بين كون الشهادة جالبة لنفع كما ذكر أو دافعة لضرر عن الشاهد، كجرح بعض العاقلة شهود الجناية خطأ؛ لأنّها تدفع عنه الغرم و كشهادة الوصي و الوكيل بجرح الشاهد على الموصي و الموكّل؛ لأنّهما يدفعان بها الغرم المأخوذ من أيديهما و ان لم يكن من مالهما. و مثله شهادة الزوج بزنا زوجته التي قذفها على الأظهر».(1)

و قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «انّ جماعة من الفقهاء - منهم المحقّق في الشرائع - قد اعتبروا في قبول شهادة الشاهد أن لايكون متّهما. و رتّب المحقّق عليه عدم قبول شهادة جملة ممّن ذكرناهم.

و قد استدلّوا على ذلك بعدّة روايات: منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما يردّ من الشهود؟ قال: فقال: الظنين و المتّهم، قال: قلت: فالفاسق و الخائن؟ قال: ذلك يدخل في الظنين».


1) - مسالك الأفهام 14: 189 - 191.

و منها صحيحة عبداللّه بن علي الحلبي قال: «سئل أبو عبداللّه عليه السلام عمّا يردّ من الشهود، فقال: الظنين و المتّهم و الخصم، قال: قلت: فالفاسق و الخائن؟ فقال: هذا يدخل في الظنين».

ثمّ قال رحمه الله: الظاهر أنّ المراد بالمتّهم في هذه الروايات من لم تثبت عدالته و كانت شهادته في معرض شهادة الزور، في قبال من كان عفيفا صائنا ثابت العدالة، فانّ ذلك هو المتفاهم العرفي من لفظ المتّهم كما يستفاد ذلك من رواية يحيى بن خالد الصيرفي عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: «كتبت اليه في رجل مات و له أمّ ولد و قد جعل لها سيّدها شيئا في حياته ثمّ مات، فكتب عليه السلام : لها ما أثابها به سيّدها في حياته معروف لها ذلك، تقبل على ذلك شهادة الرجل و المرأة و الخدم غير المتّهمين».

فانّه من الظاهر أنّ المراد من المتّهمين في هذه الرواية هو ما ذكرناه. و لو تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من الاجمال، فانّ من المقطوع به أنّه ليس مطلق التهمة لشخص - لاحتمال أنّه يريد بشهادته اثبات أمر يرجع نفعه اليه بوجه - يوجب ردّ شهادته كشهادة المرأة لزوجها و بالعكس و شهادة الولد لأبيه أو أخيه أو سائر أقاربه و بالعكس و شهادة الصديق لصديقه و نحو ذلك».(1)

أقول:

الظاهر أنّ المراد من المتّهم في الروايات هو الذي يجلب الى نفسه النفع بسبب شهادته أو يدفع بها الضرر عن نفسه الاّ أنّه كما قال في المسالك لا على الاطلاق بل في الجملة.


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 112 و 113.

في أنّ العداوة الدينيّة لاتمنع القبول

«الثانية»: العداوة الدينيّة لاتمنع القبول، فانّ المسلم تقبل شهادته على الكافر. أمّا الدنيويّة فانّها تمنع سواء تضمّنت فسقا أو لم تتضمّن. و تتحقّق العداوة بأن يعلم من حال أحدهما السرور بمساءة الآخر و المساءة بسروره أويقع بينهما تقاذف. و كذا لو شهد بعض الرفقاء لبعض على القاطع عليهم الطريق؛ لتحقّق التهمة. أمّا لو شهد العدوّ لعدوّه قبلت؛ لانتفاء التهمة.

العداوة الدينيّة لاتمنع القبول فانّ شهادة المسلم على الكافر مقبولة كما تقدّم منّا مفصّلاً؛ لصحيحة أبي عبيدة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل و لاتجوز شهادة أهل الذمّة على المسلمين».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شهادة أهل الملّة، قال: فقال: لاتجوز الاّ على أهل ملّتهم. الحديث».(2)

و قد تقدّم البحث عن ذلك و عن فروعاته فراجع.

و أمّا العداوة الدنيويّة فان تضمّنت فسقا فانّها مانعة عن القبول لسلب عدالته، و ذلك كما اذا أظهر عداوته و بغضه بلسانه أو بغير ذلك و انجرّ الى فعل بعض المحرّمات.

و ان لم تتضمّن فسقا - كما اذا كانت العداوة في نفسه بالنسبة الى من ظلمه أو قتل ولده، ولكن لم يظهرها - فانّ هذه العداوة أيضا مانعة من قبول شهادته؛ للنصّ.

ففي صحيحة سليمان بن خالد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام ما يردّ من الشهود؟ قال: الظنين و الخصم».(3)


1) - وسائل الشيعة 27: 386 / الباب 38 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 386 / الباب 38 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 373 / الباب 30 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

و في رواية اسماعيل بن مسلم عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:

«لاتقبل شهادة ذي شحناء أو ذي مخزية في الدين».(1)

و في روضة المتّقين: «ذي شحناء أي ذي العداوة الدنيويّة و ان لم توجب الفسق. المخزيّة: ما يوجب الخزي كولد الزنا و المحدود قبل التوبة».(2)

و في رواية رواها في معاني الأخبار قال:

«قال النبي صلى الله عليه و آله: لاتجوز شهادة خائن و لا خائنة و لا ذي غمر على أخيه و لا ظنين في ولاء و لا قرابة و لا القانع مع أهل البيت لهم».(3)

و قال الصدوق رحمه الله: «الغمر: الشحناء و العداوة. الظنين: المتّهم في دينه و الظنين في الولاء و القرابة: الذي يتّهم بالدعاوة الى غير أبيه أو المتولّي غير مواليه، و القانع مع أهل البيت: الرجل يكون مع قوم في حاشيتهم كالخادم لهم و التابع الأجير و نحوه».(4)

و في المسالك: «من أسباب التهمة العداوة الدنيويّة، فلاتقبل شهادة العدوّ على عدوّه عندنا و عند أكثر العامّة. و العداوة التي تردّ بها الشهادة هي التي تبلغ حدّا يتمنّى هذا زوال نعمة ذاك و يفرح بمصيباته و يحزن بمسرّاته. و ذلك قد يكون من الجانبين و قد يكون من أحدهما فيختصّ بردّ شهادته على الآخر. فان أفضت العداوة الى ارتكاب ما يوجب الفسق هو مردود الشهادة على الاطلاق. و ان عاداه من يريد أن يشهد عليه و بالغ في خصومته فلم يجب و سكت ثمّ شهد


1) - وسائل الشيعة 27: 378 / الباب 32 من كتاب الشهادات / الحديث 5.

2) - روضة المتّقين 6: 114.

3) - معاني الأخبار: 208 باب معنى القانع و المعترّ / الحديث 2. و قد رواها في الوسائل باختلاف يسير وسائل الشيعة 27: 379 / الباب 32 من كتاب الشهادات / الحديث 8.

4) - معاني الأخبار: 209.

عليه قبلت شهادته، و الاّ اتّخذ الخصماء ذلك ذريعة الى اسقاط الشهادات. انتهى ملخّصا».(1)

و لو شهد بعض الرفقاء لبعض على القاطع عليهم الطريق، فقد ذهب المصنّفالى عدم قبول شهادتهم لتحقّق التهمة.

و استدلّ على ذلك برواية محمّد بن الصلت قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن رفقة كانوا في طريق فقطع عليهم الطريق و أخذوا اللصوص، فشهد بعضهم لبعض، قال: لاتقبل شهادتهم الاّ باقرار من اللصوص أو شهادة من غيرهم عليهم».(2)

و في الجواهر(3)بعد أن ذكر أنّ الرواية منجبرة بعمل المشهور اعترض على الشهيد في الدروس بأنّ فتواه بقبول شهادة بعض رفقاء القافلة على اللصوص اجتهاد في مقابلة النصّ المعمول به.

و في المسالك قال: «فيه وجهان: من ظهور التهمة و اطلاق رواية محمّد بن الصلت و من وجود العدالة المانعة من التهجّم على غير الواقع».(4)

أقول:

الظاهر من الرواية أنّ وجه عدم قبول شهادة بعضهم لبعض، هو أنّهم مدّعون في الواقع، مضافا الى أنّ المورد من موارد التهمة. نعم، لو كانوا عدولاً و شهدوا بأنّ هؤلاء اللصوص قد أخذوا الطريق عليهم و أخذوا أموالهم، فيمكن القول بقبول شهادتهم و ان كان فيه اشكال من جهة أنّهم هم المدّعون و يخالفه اطلاق الرواية و على هذا فعلى القاضي أن يمشي على طريق الاطمئنان فان اطمأنّ من القرائن


1) - مسالك الأفهام 14: 191 و 192.

2) - وسائل الشيعة 27: 369 / الباب 27 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

3) - جواهر الكلام 41: 72 و 73.

4) - مسالك الأفهام 14: 192 و 193.

بالواقع يحكم و الاّ فيؤخّر الحكم و ينتظر انكشاف الحال.

ولكن لايخفى أنّ كلّ ذلك فيما اذا كان الشهداء مأخوذين أيضا و الاّ فان لم يكونوا مأخوذين فتقبل شهادتهم لعدم كونهم ذوي نفع بشهادتهم.

في أنّ النسب و ان قرب لايمنع قبول الشهادة
إشارة:

«الثالثة»: النسب و ان قرب لايمنع قبول الشهادة، كالأب لولده و عليه و الولد لوالده و الأخ لأخيه و عليه. و في قبول شهادة الولد على والده خلاف، و المنع أظهر سواء شهد بمال أو بحقّ متعلّق ببدنه كالقصاص و الحدّ. و كذا تقبل شهادة الزوج لزوجته و الزوجة لزوجها مع غيرها من أهل العدالة. و منهم من شرط في الزوج كالزوجة. و لا وجه له. و لعلّ الفرق انّما هو لاختصاص الزوج بمزيد القوّة في المزاج، من أن تجذبه دواعي الرغبة. و الفائدة تظهر لو شهد فيما تقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين. و تظهر الفائدة في الزوجة لو شهدت لزوجها في الوصيّة.

النسب و ان قرب لايمنع من قبول الشهادة، فتجوز شهادة الولد لوالده و بالعكس و الأخ لأخيه و عليه و الدليل على ذلك - مضافا الى أنّ الأصل في شهادة كلّ عادل القبول - صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تجوز شهادة الولد لوالده و الوالد لولده و الأخ لأخيه».(1)

و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن شهادة الوالد لولده و الولد لوالده و الأخ لأخيه، فقال: تجوز».(2)

و قد نقلها في الوسائل عن أبي بصير بسند موثّق و ذكر مثله.


1) - وسائل الشيعة 27: 367 / الباب 26 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 368 / الباب 26 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

و صحيحة عمّار بن مروان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام أو قال: سأله بعض أصحابنا عن الرجل يشهد لأبيه أو الأب لابنه أو الأخ لأخيه، فقال: لابأس بذلك اذا كان خيرا جازت شهادته لأبيه و الأب لابنه و الأخ لأخيه».(1)

قال في المسالك: «ليس من أسباب التهمة عندنا البعضيّة فتقبل شهادة جميع الأقرباء لأقربائهم حتّى الابن و الأب؛ للأصل و صحيحة الحلبي و موثّقة أبي بصير».(2)

هنا فرعان:

الفرع الأوّل: في شهادة الولد على والده

ففي المسالك: «و استثنى أكثر الأصحاب من شهادة القريب على القريب شهادة الولد على والده، فحكموا بعدم قبولها حتّى نقل الشيخ في الخلاف عليه الاجماع. و احتجّوا عليه مع ذلك بقوله تعالى: «و صاحبهما في الدنيا معروفا» و ليس من المعروف الشهادة عليه و الردّ لقوله و اظهار تكذيبه، فيكون ارتكاب ذلك عقوقا مانعا من قبول الشهادة».(3)

أقول:

الأظهر هو قبول شهادة الولد على والده و ذلك لقوله تعالى: «كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين».(4)فانّ الظاهر


1) - وسائل الشيعة 27: 367 / الباب 26 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - مسالك الأفهام 14: 194.

3) - نفس المصدر.

4) - النساء 4: 135.

من الآية أنّ الشهادة ان وجبت فلايمنع من وجوبها كونها من الولد على والديه.

و يؤيّده رواية داود بن الحصين قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: أقيموا الشهادة على الوالدين و الولد.الحديث».(1)

و رواية علي بن سويد السائي عن أبي الحسن عليه السلام - في حديث - قال:

«كتب اليّ في رسالته اليّ - و سألت عن الشهادات لهم؟ - فأقم الشهادة للّه و لو على نفسك أو الوالدين و الأقربين فيما بينك و بينهم، فان خفت على أخيك ضيما فلا».(2)

و استدلّ لعدم القبول أوّلاً بمرسلة الصدوق قال:

«و في خبر آخر أنّه لاتقبل شهادة الولد على والده».(3)

و فيه: أنّها - مع ضعف سندها - مخالفة لظاهر الكتاب و لاتقاوم ما تقدّم من الأخبار و ظاهر الآية.

و ثانيا بقوله تعالى: «و صاحبهما في الدنيا معروفا»(4).

و فيه: أنّ الأمر بالمصاحبة بالمعروف لا ربط له بأداء الشهادة عليهما بل يرتبط بما قبله و هو «و ان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلاتطعهما» أي اذا كانا مشركين فلايكون ذلك موجبا لايذائهما بل يجب مصاحبتهما بالحسن و المعروف.

و أمّا الاجماع ففيه أوّلاً: انّ الحجّة من الاجماع ما هو كاشف قطعي عن رأي المعصوم و هو غير محقّق في المقام من حيث مخالفة مثل السيّد المرتضى و


1) - وسائل الشيعة 27: 340 / الباب 19 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 27: 315 / الباب 3 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 27: 369 / الباب 26 من كتاب الشهادات / الحديث 6.

4) - لقمان 31: 15.

الشهيد في الدروس و ميل بعض المتأخّرين الى القبول و تردّد العلاّمة فيه، مع أنّ أكثر المتقدّمين - كابن الجنيد و ابن أبي عقيل - لم يتعرّضوا لهذه المسألة لا نفيا و لا اثباتا، كما في المباني.

و ثانيا: على فرض تحقّقه فهو مدركي لوضوح أنّ مدركهم الآية و الرواياتالمذكورة، و معلوم أنّ الاجماع هكذا غير حجّة.

و في المباني بعد ردّ الاجماع قال: «و أمّا دعوى أنّ الشهادة على الوالد عقوق و تكذيب له فهي واضحة البطلان؛ اذ لا ملازمة بين الشهادة و التكذيب، اذ قد يكون الوالد مشتبها و مخطئا في اعتقاده فلاتكون الشهادة عليه تكذيبا له، على أنّ تكذيبه اذا كان لاقامة الحقّ فهو احسان اليه و تفريغ لذمّته فكيف يكون ذلك عقوقا؟ و لو صحّ ذلك لما جازت الشهادة على الوالدة أيضا، مع أنّه لا خلاف في جوازها عليها».(1)

و في الجواهر بعد النقض و الابرام قال: «لكن قد يناقش بتخصيص العموم و الاطلاق بما عرفت، و بأنّ الآية و الخبر ليس شيء منهما نصّا في الشهادة على الحيّ و لا خلاف في قبولها على الميّت كما عن ابن زهرة الاجماع على ذلك، بل هو مقتضى الاستدلال بآية الصحبة بل ظاهرهم المفروغيّة منه في ما يأتي أيضا من كون العبرة في موانع الشهادة حال الأداء لا التحمّل و المراد من الآية على الظاهر تقديم حقوق اللّه على النفس و الوالدين فضلاً عن غيرهم، لا خصوص الشهادة بالمعنى الأخصّ. - الى أن قال: - و على كلّ حال فلا ريب حينئذ في أنّ المنع أظهر سواء شهد بمال أو بحقّ متعلّق ببدنه كالقصاص و الحدّ، خلافا للشافعيّة من جواز شهادته عليه في الأوّل دون الثاني و ضعفه واضح. نعم، ينبغي الاقتصار على المتيقّن و هو الأب الأدنى دون الجدّ و دون الأمّ فضلاً عن الأب الرضاعي».(2)


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 118.

2) - جواهر الكلام 41: 77 و 78.

أقول:

و فيه: انّ الظاهر من الآية أنّه يجب أن يكون قيام الانسان في كلّ شؤون حياته بالعدالة و القسط و منها الشهادة فيجب عليه أن تكون شهادته على العدل والقسط، و هو لايتحقّق الاّ بعدم كتمانه للشهادة و لو كانت على أبيه أو أمّه أو أقاربه، حتّى لو كان فيها ضرر على نفسه و هكذا، و الظاهر أنّه لا ربط للآية بحقوق اللّه تعالى.

الفرع الثاني : في شهادة كلّ من الزوجين للآخر

اختلفوا في جواز شهادة الرجل لامرأته، و شهادة المرأة لزوجها على أقوال، أقواها جوازهما بلا قيد؛ لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال: تجوز شهادة الرجل لامرأته و المرأة لزوجها اذا كان معها غيرها».(1)

و صحيحة عمّار بن مروان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام أو قال: سأله بعض أصحابنا عن الرجل يشهد لامرأته، قال: اذا كان خيرا جازت شهادته لامرأته».(2)

و موثّقة سماعة (في حديث) قال:

«سألته عن شهادة الرجل لامرأته، قال: نعم، و المرأة لزوجها؟ قال: لا، الاّ أن يكون معها غيرها».(3)

و أمّا اختلاف الأصحاب فقد نشأ من اختلاف فهمهم من هذه الروايات


1) - وسائل الشيعة 27: 366 / الباب 25 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 366 / الباب 25 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 367 / الباب 25 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

فمنهم من استفاد منها حكما خاصّا للزوجة بمعنى أنّها تكون مخصّصة لما دلّ على حجّيّة شهادة المرأة فيما هي حجّة فيه، فلاتقبل شهادة الزوجة في المواضع التي تكون شهادتها حجّة في حقّ غير زوجها، كما ذهب الى ذلك المصنّف رحمه الله وقال بعدم حجّيّة شهادة الزوجة في الوصيّة في حقّ زوجها الاّ مع غيرها.

و منهم من عمّم الحكم للزوج بل لسائر الأقارب و قال بعدم حجّيّة شهادة القريب لقريبه الاّ مع وجود غيره ممّن شهد معه، كما ذهب الى ذلك الشيخ في النهاية حيث قال: «لابأس بشهادة الوالد لولده و عليه مع غيره من أهل الشهادة، و لابأس بشهادة الأخ لأخيه و عليه اذا كان معه غيره من أهل الشهادات. و لابأس بشهادة الرجل لامرأته و عليها اذا كان معه غيره من أهل العدالة و لابأس بشهادتها له و عليه فيما يجوز قبول شهادة النساء فيه اذا كان معها غيرها من أهل الشهادة».(1)

و الحقّ أنّ الروايات ناظرة الى ما تقدّم و سيأتي من القواعد العامّة في الشهادة و أنّها في مقام دفع توهّم مانعيّة الزوجيّة في الشهادة، فانّ شهادة الرجل تكون حجّة مقبولة مطلقا الاّ فيما يتعلّق بالأمور الخفيّة المتعلّقة بالنساء، فاذا شهد رجلان على موضوع من المال أو غيره فشهادتهما مقبولة مطلقا اذا كانت واجدة لجميع شرائط الشهادة و ان كان المشهود له زوجة أحدهما، و كذا فيما اذا قبلت شهادة رجل واحد مع اليمين فشهادته مع سائر شرائطها مقبولة و ان كانت زوجته هي المدّعية.

و أمّا شهادة المرأة فغير مقبولة الاّ في موارد خاصّة كالأموال و الديون و الجناية التي توجب الدية و العقود و الولادة و الاستهلال و عيوب النساء الباطنة، مع أنّ شهادتها في هذه الموارد لاتقبل على الاطلاق بل في بعضها بضميمة نساء


1) - النهاية: 330.

أخر و في بعضها بضميمة رجل، فاذا انضمّ اليها ما يعتبر في قبول شهادتها فتكون شهادتها حجّة و ان كانت لزوجها.

و أمّا شهادة المرأة الواحدة فلاتقبل الاّ في ميراث المستهلّ و الوصيّة، ففيهما تقبل شهادتها منفردة في ربع الميراث و الوصيّة، فاذا شهدت المرأة الواحدةبالوصيّة فتثبت ربعها و ان كان المشهود له زوجها و اذا انضمّت اليها امرأة أخرى فتثبت نصفها و بالثلاث ربعها و بالأربع كلّها.

فتلخّص أنّ الروايات المتقدّمة على هذا لاتدلّ على حكم خاصّ و لاتكون ناظرة الى ما تقبل فيه شهادة المرأة منفردة.

قال في المسالك: «لا خلاف عندنا في قبول شهادة كلّ من الزوجين للآخر؛ لوجود المقتضي و انتفاء المانع و ضعف التهمة مع وصف العدالة، لكن شرط الشيخ رحمه الله انضمام عدل آخر الى كلّ منهما استنادا الى صحيحة الحلبي و موقوفة سماعة. و جوابه: منع الدلالة؛ لأنّه أطلق القبول في الزوج و قيّده في الزوجة فالحاقه بها قياس مع وجود الفارق. و أبعد منه الحاق باقي الأقارب كما مرّ.

و وجه التقييد في الرواية أنّ المرأة لايثبت بها الحقّ منفردة و لا منضمّة الى اليمين، بل يشترط أن يكون معها غيرها الاّ ما استثني نادرا و هو الوصيّة بخلاف الزوج فانّه يثبت بشهادته الحقّ مع اليمين و الرواية باشتراط الضميمة معها مبنيّة على الغالب في الحقوق و هي ما عدا الوصيّة. و المصنّف رحمه اللهوافق الشيخ في الزوجة دون الزوج؛ عملاً باطلاق الرواية الصحيحة. و جعل الفائدة في شهادتها بالوصيّة فلاتقبل في الربع بخلاف ما لو شهدت لغيره. و فرّق بينها و بين الزوج بقوّة مزاجه و سداد عقله بخلافها، و من ثمّ كانت شهادة امرأتين بشهادة رجل فلايوثق بعدالتها أن تميل الى مطلوبه بدواعي الطبع بخلاف الرجل. و الأظهر عدم اشتراط الضميمة مطلقا و على القول بها يكفي انضمام امرأة أخرى فيما يكتفى

فيه بشهادة المرأتين كنصف الوصيّة و المال الذي يكتفى فيه بهما مع اليمين».(1)

قال في الجواهر: «لايبعد القول بعدم اعتبارها فيها أيضا كما هو المحكي عن المتأخّرين كافّة و ظاهر أكثر القدماء؛ لقوّة احتمال ورود الشرط في الخبرين مورد الغالب و من عدم ثبوت الحقّ بالمرأة منفردة و لو مع اليمين الاّ نادرا في الوصيّة،بخلاف الزوج الذي قد يثبت الحقّ بشهادته مع اليمين، فلايصلحان حينئذ مخصّصين لعموم الأدلّة. بل يمكن جريان الاحتمال المزبور في عبارة المخالف فيرتفع الخلاف من البين خصوصا النهاية».(2)

ثمّ انّ مورد الروايات و ان كان شهادة كلّ من الزوجين للآخر، الاّ أنّه يعلم حكم شهادة كلّ منهما على الآخر أيضا من العمومات و الاطلاقات، فلايحتاج الى دليل خاصّ، كما في المباني.(3)

ثمّ انّه لا خلاف بيننا في قبول شهادة الصديق لصديقه و ان وكّدت بينهما الصحبة و الملاطفة، و الاجماع بقسميه عليه كما في الجواهر، و لأنّ العدالة تمنع التسامح فتبقى حينئذ على عموم الأدلّة و اطلاقها خصوصا بعد ما عرفت من أنّ المانع تهمة خاصّة لا مطلق التهمة، خلافا لمالك و بعض الشافعيّة فردّها مع الملاطفة و المهاداة، و ضعفه واضح كما في الجواهر.

«الرابعة»: لاتقبل شهادة السائل في كفّه؛ لأنّه يسخط اذا منع و لأنّ ذلك يؤذن بمهانة النفس فلايؤمن على المال. و لو كان ذلك مع الضرورة نادرا لم يقدح في شهادته.


1) - مسالك الأفهام 14: 197 و 198.

2) - جواهر الكلام 41: 79.

3) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 120.

في شهادة السائل في كفّه
إشارة:

قال في المسالك: «المشهور بين الأصحاب عدم قبول شهادة السائل في كفّه مطلقا؛ لصحيحة علي بن جعفر و موثّقة محمّد بن مسلم. و استثنى ابن ادريس من دعته الضرورة الى ذلك. و وافقه المصنّف و جماعة من المتأخّرين، و هو حسن. و في حكم السائل بكفّه الطفيلي. و المراد بالسائل في كفّه من يباشر السؤال و الأخذ بنفسه، و السؤال في الكفّ كناية عنه».(1)

و في الجواهر: «لاتقبل شهادة السائل في كفّه اذا اتّخذ ذلك صنعة و حرفة بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه - الى أن قال: - نعم، قد يتّجه الاقتصار في مخالفة اطلاق الأدلّة و عمومها على المتيقّن من النصوص المزبورة و هو ما ذكرناه من متّخذ ذلك حرفة. و لو كان ذلك مع الضروة نادرا لم يقدح في شهادته كما صرّح به جماعة بل قيل: انّه الأشهر بين المتأخّرين».(2)

أقول:

لا اشكال في عدم قبول شهادة السائل بكفّه في الجملة؛ لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته عن السائل الذي يسأل بكفّه هل تقبل شهادته؟ فقال: كان أبي لايقبل شهادته اذا سأل في كفّه».(3)

و موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ردّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله شهادة السائل الذي يسأل في كفّه، قال أبو جعفر عليه السلام : لأنّه لايؤمن على الشهادة و ذلك لأنّه ان أعطي رضي و ان منع سخط».(4)


1) - مسالك الأفهام 14: 199.

2) - جواهر الكلام 41: 81 و 82.

3) - وسائل الشيعة 27: 382 / الباب 35 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 27: 382 / الباب 35 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

فانّ الظاهر من هاتين الروايتين أوّلاً أنّ المراد بالسائل بكفّه هو الذي صار السؤال لحوائجه الدنيويّة عادته فانّهم هم الذين ذمّهم اللّه تعالى و قال فيهم: «و منهم من يلمزك في الصدقات فان أعطوا منها رضوا و ان لم يعطوا منها اذا هم يسخطون * و لو أنّهم رضوا ما آتاهم اللّه و رسوله و قالوا حسبنا اللّه سيؤتينا اللّه من فضله و رسوله انّا الى اللّه راغبون »(1)

فيخرج من يسأل أحيانا لحاجة.

و ثانيا أنّ قوله عليه السلام : «ان أعطي رضي و ان منع سخط» يدلّ على أنّه مورد التهمة، و لعلّه شهد على فرد منعه و لفرد أعطاه فيشمله أدلّة التهمة، بل فعل ذلك يضرّ بالعدالة. و كيف كان فانّ الروايتين مع فتوى المشهور - بل لعلّه لم يكن فيه خلاف - تكفينا للحكم بعدم قبول شهادة من كان عادته السؤال لحوائجه الدنيويّة و ان لم يتّخذ ذلك حرفة لنفسه، و أمّا الحاق الطفيلي بمن يسأل بكفّه، فان كان المراد منه الخدمة فانّ العدالة كافية في قبول شهادته مع بُعد شمول الروايتين له، و أمّا ان كان المراد منه من يدور مع انسان و لايرفع اليد عنه ليأكل من طعامه و يلبس من ثيابه و غير ذلك فلايبعد شمول الروايتين له اذا كان من عادته ذلك.

و أمّا من لم يكن من عادته السؤال بل تجرّه الضرورة الى ذلك و ان حصل منه كرارا، فلايمنع ذلك من قبول شهادته لانصراف الروايتين عنه.

فبذلك ظهر ضعف ما ذهب اليه صاحب الجواهر من اختصاص مانعيّة السؤال بالكفّ بما اذا اتّخذ ذلك حرفة و من استشكاله على قول الشهيد بالحاق الطفيلي بالسائل بالكفّ و تفسير السائل بالكفّ بمن يباشر بنفسه السؤال و الأخذ من الناس:


1) - التوبة 9: 58 و 59.

حيث قال: «و فيه ما لايخفى من النظر في الأوّل مع فرض العدالة فيه بل و الثاني ضرورة كون المنساق منه من يدور على الأبواب و على الناس في سؤال الشيء اليسير من الخبز و نحوه لا كلّ من سأل بنفسه و لو كان على طريق من الوقار و ان صرّح بالحاجة و طلب الاعانة و نحو ذلك، كما يستعمله الآن أكثر أبناء الزمان من طلبة العلم و الخدمة و غيرهم».(1)

فرع : في حكم السؤال من غير حاجة

قد عنون صاحب الوسائل في كتاب الزكاة بابا في تحريم السؤال من غير حاجة، ففيه روايات ناطقة بالوعيد لمن سأل الناس من غير حاجة كرواية مالك بن حصين السلولي (السكوني) قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : ما من عبد يسأل من غير حاجة فيموت حتّى يحوجه اللّه اليها و يكتب اللّه له بها النار».(2)

و في رواية أخرى عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله:

«من فتح على نفسه باب مسألة فتح اللّه عليه باب فقر».(3)

و في رواية عنبسة بن مصعب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من سأل الناس و عنده قوت ثلاثة أيّام لقي اللّه يوم يلقاه و ليس على وجهه لحم».(4)


1) - جواهر الكلام 41: 82.

2) - وسائل الشيعة 9: 436 / الباب 31 من أبواب الصدقة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 437 / الباب 31 من أبواب الصدقة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 437 / الباب 31 من أبواب الصدقة / الحديث 5.

الاّ أنّ كلّها ضعاف من جهة السند. نعم، اذا صدق عليه عنوان آخر كالتدليس و الكذب فهو حرام من هذه الجهة.

فلا بدّ من حمل الروايات على هذه الجهة أو على مرتبة فوق مرتبة العدالة الظاهريّة كالورع، قال الجواد عليه السلام :

«عزّ المؤمن غناؤه عن الناس».(1)

و عليه فانّ هذه الروايات و ان لم تكن دالّة على الحرمة الاّ أنّ أقلّ ما يستفادمنها الكراهة و الاشعار بمهانة النفس.

قال في الجواهر: «فانّ كثيرا من النصوص محمول على بعض مراتب الأولياء و هو الغناء عن الناس و الالتجاء الى اللّه تعالى و آخر محمول على المدلّس باظهار الحاجة و الفقر لتحصيل المال من الناس بهذا العنوان، و هم الذين يسألون الناس الحافا عكس الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف و أمّا حرمة السؤال من حيث كونه سؤالاً و لو بالكفّ فلا دليل مطمئنّ به على حرمته و ان كان ذلك مغروسا في الذهن، فتأمّل فانّه لم يحضرني كلام للأصحاب فيه منقّح».(2)

في شهادة الأجير و الضيف

«الخامسة»: تقبل شهادة الأجير و الضيف و ان كان لهما ميل الى المشهود له لكن يرفع التهمة تمسّكهما بالأمانة.

قال في المسالك: «لا خلاف في قبول شهادة الضيف من حيث هو ضيف؛ لعموم الأدلّة المتناولة له و ارتفاع ريبة التهمة بواسطة التقوى. و أمّا الأجير فاختلف الأصحاب في شأنه، فجزم المصنّف رحمه الله و قبله ابن ادريس بقبول شهادته، و عليه المتأخّرون؛ للأصل و عموم قوله تعالى: «و استشهدوا شهيدين من


1) - مستدرك الوسائل 7: 230 / الباب 33 من أبواب الصدقة / الحديث 5.

2) - جواهر الكلام 41: 82 و 83.

رجالكم» و «و أشهدوا ذوي عدل منكم».

و ذهب الشيخ و الصدوقان و أبو الصلاح و جماعة الى عدم قبول شهادته مادام أجيرا؛ لرواية العلاء و رواية زرعة و يمكن حملهما على الكراهة جمعا بينهما و بين رواية أبي بصير أو على ما اذا كان هناك تهمة جلب نفع أو دفع ضرر. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

أمّا الضيف فلا اشكال في قبول شهادته و ذلك لموثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لابأس بشهادة الضيف اذا كان عفيفا صائنا، قال: و يكره شهادة الأجير لصاحبه و لابأس بشهادته لغيره و لابأس به له بعد مفارقته(2)».(3)

و أمّا الأجير فقد تقدّم البحث عنه في المسألة الأولى من التهمة و قلنا بعدم قبول شهادته اذا اتّصف بالتهمة الاّ اذا فارق مستأجره و ذلك لصحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته عن رجل أشهد أجيره على شهادة ثمّ فارقه، أتجوز شهادته له بعد أن يفارقه؟ قال: نعم، و كذلك العبد اذا أعتق جازت شهادته».(4)

و موثّقة العلاء بن سيابة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان أميرالمؤمنين عليه السلام لايجيز شهادة الأجير».(5)


1) - مسالك الأفهام 14: 200 و 201.

2) - في المصدر: و لابأس بها له عند مفارقته. هامش الوسائل

3) - وسائل الشيعة 27: 372 / الباب 29 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 27: 371 / الباب 29 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 27: 372 / الباب 29 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

و لايخفى ضعف ما ذهب اليه صاحب المسالك و كذا صاحب الجواهر من القول بحمل الأخبار على الكراهة، فانّ معنى الكراهة في هذه الرواية ليس مرجوحيّة الفعل و هي الكراهة الاصطلاحيّة في باب العبادات و المعاملات، بل الشهادة لاتخلو امّا أن تكون واجبة أو محرّمة، فلاينبغي حمل الأخبار على الكراهة المصطلحة.

قال في الجواهر: «انّما الكلام في الأجير الذي جزم المصنّف بقبول شهادته وفاقا للمشهور بين المتأخّرين ولكن المحكي عن أكثر المتقدّمين كالصدوقين و الشيخ في النهاية و الحلبي و القاضي و ابن حمزة و ابن زهرة عدم القبول؛للنصوص المستفيضة - ثمّ بعد نقل الروايات و النقض و الابرام بالنسبة الى القبول و عدمه قال - نعم، يتّجه العدم مع فرض التهمة كما اذا كان هناك تهمة بجلب نفع أو دفع ضرر كما لو شهد بدفع الثوب لمن استأجره على قصارته أو خياطته - الى أن قال: - بل يمكن حمل النصوص أيضا على الكراهة ان كان المراد مطلق الأجير بأيّ عمل من الأعمال».(1)

و الظاهر من كلماته أنّ ما يمنع من قبول شهادة الأجير هو فرض التهمة، فاذا لم تكن تهمة أو شهد حين فارقه تقبل شهادته.


1) - جواهر الكلام 41: 81.

في لواحق التهمة : و هي ستّ

«الأولى»: الصغير و الكافر و الفاسق المعلن، اذا عرفوا شيئا ثمّ زال المانع عنهم فأقاموا تلك الشهادة قبلت؛ لاستكمال شرائط القبول. و لو أقامها أحدهم في حال المانع فردّت ثمّ أعادها بعد زوال المانع قبلت. و كذا العبد لو ردّت شهادته على مولاه، ثمّ أعادها بعد عتقه أو الولد على أبيه فردّت، ثمّ مات الأب و أعادها. و أمّا الفاسق المستتر اذا أقام فردّت ثمّ تاب و أعادها فهنا تهمة الحرص على دفع الشبهة عنه لاهتمامه باصلاح الظاهر، لكنّ الأشبه القبول.

هنا فروع:

في قبول شهادة من لم يستكمل الشرائط بعد استكمالها
الفرع الأوّل : فيما اذا زال المانع عن الصغير و الكافر و الفاسق المعلن فشهدوا

الصغير و الكافر و الفاسق المعلن اذا عرفوا شيئا ثمّ زال المانع عنهم فأقاموا تلك الشهادة قبلت، و الدليل عليه - مضافا الى استكمال شرائط القبول و شمول عمومات الشهادة له - ورود النصوص فيه:

منها صحيحة اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام :

«انّ شهادة الصبيان اذا شهدوا و هم صغار جازت اذا كبروا ما لم ينسوها و كذلك اليهود و النصارى اذا أسلموا جازت شهادتهم».(1)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:


1) - وسائل الشيعة 27: 389 / الباب 39 من كتاب الشهادات / الحديث 8.

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الذمّي و العبد يشهدان على شهادة ثمّ يسلم الذمّي و يعتق العبد أتجوز شهادتهما على ما كانا أشهدا عليه؟ قال: نعم، اذا علم منهما بعد ذلك خير جازت شهادتهما».(1)

و منها صحيحة صفوان بن يحيى:

«أنّه سأل أبا الحسن عليه السلام عن رجل أشهد أجيره على شهادة ثمّ فارقه أتجوز شهادته بعد أن يفارقه؟ قال: نعم، قلت: فيهودي أشهد على شهادة ثمّ أسلم أتجوز شهادته؟ قال: نعم».(2)

و منها صحيحة محمّد بن حمران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن نصراني أشهد على شهادة ثمّ أسلم بعد أتجوز شهادته؟ قال: نعم، هو على موضع الشهادة».(3)

و منها صحيحة أخرى لمحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الصبي و العبد و النصراني يشهدون شهادة فيسلم النصراني، أتجوز شهادته؟ قال: نعم».(4)

و مثلها صحيحة ثالثة له و رواية السكوني.(5)

و لاتعارضها صحيحة جميل قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن نصراني أشهد على شهادة ثمّ أسلم بعد، أتجوز شهادته؟ قال: لا».(6)


1) - وسائل الشيعة 27: 387 / الباب 39 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 387 / الباب 39 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 387 / الباب 39 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 27: 388 / الباب 39 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 27: 388 / الباب 39 من كتاب الشهادات / الحديث 5 و 6.

6) - وسائل الشيعة 27: 389 / الباب 39 من كتاب الشهادات / الحديث 7.

لأنّها تحمل على ما اذا لم تحرز عدالته أو تحمل على التقيّة؛ لأنّه مذهب بعض العامّة مع أنّها رواية شاذّة كما عن الشيخ.

فبعد تلك الصحاح الناطقة بالجواز لايمكن معارضة هذه لها مع كون تلك الصحاح موافقة للعمومات و الاطلاقات من الكتاب و السنّة.

و لايخفى أنّ هذه الروايات وردت في الصبي و الكافر و أمّا الفاسق المعلن بفسقه اذا شهد أمرا ثمّ تاب و ظهرت عدالته فتقبل شهادته أيضا و يستفاد حكمه من الروايات المتقدّمة بالأولويّة فانّه أولى من الكافر قطعا، و من العمومات و المطلقات، و قد مرّ الكلام في العبد و أنّه تقبل شهادته اذا أعتق.

الفرع الثاني : فيما اذا شهد أحدهم فردّت شهادته ثمّ أعادها بعد زوال المانع

اذا شهد أحد المذكورين فردّت شهادته ثمّ زال المانع عنه بأن بلغ الصغير و أسلم الكافر و تاب الفاسق المعلن، فظهرت منه العدالة ثمّ شهد مرّة أخرى على ما شهد عليه أوّلاً فتقبل شهادته؛ لاستكمال شرائط الشهادة و رفع المانع عن شمول العمومات و الاطلاقات من الكتاب و السنّة له.

الفرع الثالث : في الفاسق المستتر

و أمّا الفاسق المستتر فقال المصنّف فيه: «اذا أقام فردّت ثمّ تاب و أعادها فهنا تهمة الحرص على دفع الشبهة عنه لاهتمامه باصلاح الظاهر، لكنّ الأشبه القبول».

و الأقوى القبول؛ لأنّ التهمة المذكورة لم تكن في عداد التهمات المانعة كما مرّ من أنّ مطلق التهمة غير مانع، فردّ الحاكم شهادته أيضا غير مانع من قبولها ثانيا

فيشملها عمومات قبول شهادة العادل اذا ظهرت العدالة منه.

و في المسالك: «عدّ بعضهم من أسباب التهمة أن يدفع عار الكذب عن نفسه، فاذا شهد فاسق مستتر بفسقه فردّ الحاكم شهادته ثمّ تاب فشهادته مقبولة بعد ذلك لكن لو أعاد تلك الشهادة قيل: لاتقبل. و هذا بخلاف ما لو ردّت شهادة الفاسق المعلن فسقه أو العبد أو الصبي أو الكافر، ثمّ تاب الفاسق و أعتق العبد و بلغ الصبي و أسلم الكافر فأعادوا شهادتهم فانّها تقبل».(1)

ثمّ ذكر فرقين بين الفاسق المستتر و بين غيره:

أحدهما: أنّ العدالة و الفسق يدركان بالنظر و الاجتهاد، فاذا ردّ الحاكم شهادة الفاسق المستتر فكأنّه حكم بردّها و أبطلها فليس له أن يصحّح ما أبطله بخلاف سائر المذكورين فانّه لاينظر و لايحكم بل لو علم حالهم لم يصغ الى كلامهم.

و فيه أوّلاً: انّ ردّ شهادة الفاسق المستتر ليس حكما قضائيّا من الحاكم.

و ثانيا: على فرض كونه حكما فاذا تغيّر موضوعه فعلى الحاكم نقضه و الحكم على طبق الموضوع الجديد.

الفرق الثاني: انّ ردّ شهادة الفاسق المستتر عار له فيجحد ليرفع ذلك العار عن نفسه بخلاف سائر المذكورين.

و فيه: انّه قد تقدّم منّا عدم قدح مطلق التهمة.

و في المسالك: «و المصنّف رجّح المساواة بينهم في القبول؛ لتحقّق العدالة الدافعة لمثل هذه التهمة و هو حسن مع ظهور صدق توبته، و الثقة بعدم استنادها الى ما يوجب التهمة».(2)

و هكذا يكون الكلام في الكفر المستتر و العداوة المستترة.


1) - مسالك الأفهام 14: 202.

2) - نفس المصدر: 203.

في شهادة المملوك

«الثانية»: قيل: لاتقبل شهادة المملوك أصلاً. و قيل: تقبل مطلقا. و قيل تقبل الاّ على مولاه، و منهم من عكس، و الأشهر القبول الاّ على المولى. و لو أعتق قبلت شهادته و على مولاه. و كذا حكم المدبّر و المكاتب المشروط. أمّا المطلق اذا أدّى من مكاتبته شيئا قال في النهاية: تقبل على مولاه بقدر ما تحرّر منه، و فيه تردّد أقربه المنع.

قد اختلفوا في قبول شهادة المملوك لمولاه و لغيره و عليهما، و المشهور قبول شهادته مطلقا و هو الأقوى و الدليل عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : لابأس بشهادة المملوك اذا كان عدلاً».(1)

و قوله عليه السلام في صحيحة أخرى له نقلاً عن أميرالمؤمنين عليه السلام :

«و ما بأس بشهادة المملوك اذا كان عدلاً».(2)

و صحيحة محمّد بن قيس أنّه روى عن أبي جعفر عليه السلام قصّة علي عليه السلام مع شريح و زاد في آخرها:

«ثمّ قال: انّ أوّل من ردّ شهادة المملوك رمع».(3)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«تجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ المسلم».(4)

و صحيحة ثانية له عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب».(5)


1) - وسائل الشيعة 27: 345 / الباب 23 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 265 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 27: 265 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / ذيل الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 27: 346 / الباب 23 من كتاب الشهادات / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 27: 346 / الباب 23 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

و بازائها روايات تعارضها:

منها صحيحة ثالثة لمحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب، و قال: العبد المملوك لاتجوز شهادته».(1)

و منها صحيحته الرابعة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لاتجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ المسلم».(2)

و منها صحيحة الحلبي قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول في المكاتب - الى أن قال: - قلت: أرأيت ان أعتق نصفه، تجوز شهادته في الطلاق؟ قال: ان كان معه رجل و امرأة جازت شهادته».(3)

ولكن الطائفة الأولى تقدّم في العمل على طبقها لوجوه:

الأوّل: موافقتها لعمومات الكتاب و مطلقاتها.

الثاني: مخالفتها للعامّة و موافقة الثانية لهم، كما ذكر في بعض روايات الطائفة الأولى، فتحمل الثانية على التقيّة.

الثالث: تأييدها بما ورد في بعض الروايات من جواز شهادة المملوك في بعض الموضوعات الخطيرة و اليسيرة كصحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مواليه؟ قال: تجوز في الدين و الشيء اليسير».(4)


1) - وسائل الشيعة 27: 348 / الباب 23 من كتاب الشهادات / الحديث 10.

2) - وسائل الشيعة 27: 348 / الباب 23 من كتاب الشهادات / الحديث 12.

3) - وسائل الشيعة 27: 347 / الباب 23 من كتاب الشهادات / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 27: 347 / الباب 23 من كتاب الشهادات / الحديث 8.

و صحيحة جميل قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المكاتب تجوز شهادته؟ فقال: في القتل وحده».(1)

فانّهما قرينتان على حمل الطائفة الأولى على التقيّة، و دليل على جواز قبول شهادة المملوك في غير مورد الروايتين لعدم القول بالفصل.

في أنّه اذا سمع الاقرار صار شاهدا

«الثالثة»: اذا سمع الاقرار صار شاهدا و ان لم يستدعه المشهود عليه. و كذا لو سمع اثنين يوقعان عقدا كالبيع و الاجارة و النكاح و غيره. و كذا لو شاهد الغصب أو الجناية. و كذا لو قال له الغريمان: لاتشهد علينا فسمع منهما أو من أحدهما ما يوجب حكما، و كذا لو خبأ فنطق المشهود عليه مسترسلاً.

في المسالك: «المعتبر في قبول شهادة الشاهد مع استجماعه للصفات المعتبرة فيه علمه بما يشهد به سواء كان سبب العلم استدعاء المشهود له و عليه أم اتّفاق علمه بالواقعة لاشتراك الجميع في المقتضي و هو العلم حتّى لو فرض سماعه العقد و نحوه منهما أو تحاسبهما أو تصادقهما معا فقالا له: لاتشهد علينا فهذا القول لاغ و له بل عليه أن يشهد بما علم لشمول الأدلّة لذلك كلّه. و كذا تقبل شهادة من خبأ و جلس في زاوية مستخفيا لتحمّل الشهادة، و لايحمل ذلك على الحرص؛ اذ الحاجة قد تدعو اليه بأن يقرّ من عليه الحقّ اذا خلا به المستحقّ و يجحد اذا حضر غيره. و لأنّ الحرص على التحمّل لا على الأداء».(2)


1) - وسائل الشيعة 27: 348 / الباب 23 من كتاب الشهادات / الحديث 9.

2) - مسالك الأفهام 14: 213 و 214.

أقول:

الشاهد يصير شاهدا بطريقين:

أحدهما: أن يدعى الى تحمّل شهادة ليشهد بعد ذلك عند الحاكم، ففي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «و لايأب الشهداء»قال:

«قبل الشهادة، و قوله: «و من يكتمها فانّه آثم قلبه» قال: بعد الشهادة».(1)

فاذا دعي الى تحمّل الشهادة هذه يجب عليه الاجابة لظاهر الآية و لقوله عليه السلام في صحيحة أبي الصباح عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله تعالى: «و لايأب الشهداء اذا ما دعوا» قال:

«لاينبغي لأحد اذا دعي الى شهادة ليشهد عليها أن يقول: لاأشهد لكم عليها».(2)

و ثانيهما: أن يعلم شيئا و يتحمّله من غير أن يدعى الى تحمّله فهو بالخيار في اقامتها و أدائها الاّ أن يخاف ضياع حقّ المظلوم فيجب عليه أداؤها، و الدليل عليه صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها، فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت».(3)

و صحيحة ثانية لهشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و


1) - وسائل الشيعة 27: 309 / الباب 1 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 309 / الباب 1 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 317 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

ان شاء سكت و قال: اذا أشهد لم يكن له الاّ أن يشهد».(1)

و موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:«اذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت الاّ اذا علم من الظالم فيشهد و لايحلّ له الاّ أن يشهد».(2)

قال صاحب الوسائل: «حمل الصدوق ما تضمّن التخيير على ما اذا كان على الحقّ غيره من الشهود، فمتى علم أنّ صاحب الحقّ مظلوم و لايحيى حقّه الاّ بشهادته وجب عليه اقامتها، و لم يحلّ له كتمانها».

و استدلّ الصدوق رحمه الله بمرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها، فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت الاّ اذا علم من الظالم فيشهد، و لايحلّ له أن لايشهد».(3)

و كذا تقبل الشهادة لو قال الغريمان له: لاتشهد علينا، لعدم الدليل على وجوب تبعيّة قولهما.

كلّ ذلك لا اشكال فيه، انّما الكلام فيمن يختبئ و يجلس في ناحية مستخفيا لتحمّل الشهادة، فالمشهور ذهبوا الى قبول شهادته و هو الحقّ؛ لعدم المانع من قبولها ولكن خالف في ذلك العامّة و ابن الجنيد منّا.

قال الشيخ في الخلاف: «شهادة المختبي مقبولة و هو ما اذا كان على رجل دين يعترف به سرّا و يجحده جهرا، فخبئ له صاحب الدين شاهدين يريانه و


1) - وسائل الشيعة 27: 318 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 318 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 27: 320 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 10.

لايراهما ثمّ حاوره الحديث فاعترف به فسمعاه و شاهداه صحّت الشهادة».(1)

و قال ابن ادريس: «فأمّا شهادة المختبي فمقبولة عندنا و هو ما اذا كان على رجل دين يعترف به سرّا و يجحده جهرا، فاحتال صاحب الدين فخبئ لهشاهدين يسمعانه و لايراهما ثمّ جاراه فاعترف به و سمعاه و شهدا به صحّت الشهادة عندنا و خالف في ذلك شريح فقط».(2)

و لايمنع من القبول كونه خدعة؛ لمسيس الحاجة أحيانا الى ذلك لعدم طريق آخر للوصول الى الحقّ.

في التبرّع قبل الشهادة

«الرابعة»: التبرّع قبل الشهادة يطرّق التهمة، فيمنع القبول. أمّا في حقوق اللّه أو الشهادة للمصالح العامّة فلايمنع؛ اذ لا مدّعي لها. و فيه تردّد.

قال في المسالك: «من أسباب التهمة الحرص على الشهادة بالمبادرة اليها قبل استنطاق الحاكم، سواء كان بعد دعوى المدّعي أم قبله، فلاتقبل شهادة المتبرّع في حقوق الآدميّين المحضة، و أمّا حقوق اللّه المحضة أو المشترك فمختلف فيه، و الأقوى قبول شهادة المبادر قبل السؤال؛ لعدم التهمة و لعدم المدّعي لها فلو لم يشرع فيها التبرّع لتعطّلت و هو غير جائز، و لأنّه نوع من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و هو واجب، و أداء الواجب لايعدّ تبرّعا. انتهى ملخّصا».(3)

و في الجواهر استدلّ على عدم قبول التبرّع بالشهادة قبل السؤال في حقوق الآدميّين بالاجماع عليه سواء كان قبل دعوى المدّعي أو بعدها.

و أمّا في حقوق اللّه المحضة فذهب الى عدم المنع و قال: «و التحقيق ما


1) - كتاب الخلاف 6: 311 / المسألة 61.

2) - السرائر 2: 120 و 121.

3) - مسالك الأفهام 14: 214 و 215.

عرفت من القبول في المقام؛ لعدم الاجماع. و أمّا الحقّ المشترك بين اللّه تعالى و بين الآدمي فتقبل في حقّ اللّه و تردّ في حقّ الآدمي، فيقطع بالسرقة بشهادة المتبرّع و لايغرم، اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ محلّ الاجماع الردّ في حقّ الآدمي الخالص دون المشترك، فيبقى على عموم أدلّة القبول خصوصا في الحقّ المشترك الذي لايقبلالتوزيع. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّه لم يكن هناك دليل على عدم قبول شهادة المتبرّع من الكتاب و كذا من رواياتنا عن أهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السلام .

نعم، قد ورد في مسانيد أهل السنّة و الخلاف ما يدلّ على منع تلك الشهادة، كما ورد عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال في معرض الذمّ: «ثمّ يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها».

و في لفظ آخر: «ثمّ يفشوا الكذب حتّى يشهد الرجل قبل أن يستشهد».

و كذا نقل عنه صلى الله عليه و آله: «تقوم الساعة على قوم يشهدون من غير أن يستشهدوا». بضميمة ما ورد من أنّها تقوم الساعة على شرار الخلق، كما في المباني.(2)

و قد ثبت في محلّه أنّها ليست بحجّة مع كونها معارضة بالنبوي الآخر عنه صلى الله عليه و آله: «ألاأخبركم بخير الشهود؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد».

ولكن الأقوى مع ذلك المنع من شهادة المتبرّع في حقوق الآدميّين و العمدة في المسألة فتوى الأصحاب خصوصا القدماء في ذلك، بتقرير يأتي:


1) - جواهر الكلام 41: 104 و 108.

2) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 132.

قال المفيد رحمه الله: «ليس يجوز للشاهد أن يشهد قبل أن يسأل».(1)

قال الشيخ رحمه الله: «و لايجوز للشاهد أن يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة».(2)

و قال الحلبي: «و لايجوز أن يشهد الاّ أن يستشهد».(3)

و قال ابن البرّاج: «و لايجوز لانسان أن يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة».(4)

و قال ابن ادريس: «و لايجوز للشاهد أن يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة».(5)

بتقريب أنّ من البعيد جدّا أن يستند هؤلاء الأجلّة الذين هم مؤسّسوا الفقه الجعفري في فتواهم هذه الى ما لم يرد من طرق الأئمّة عليهم السلام و كان حجّتهم ما وجدوا في مسانيد العامّة و سننهم، فاذا أفتوا في مسألة و لم نجد في حكمها ما ورد من الأئمّة عليهم السلام فمن المظنون قويّا بل المطمئنّ به أنّه قد وصل اليهم روايات لم تصل الينا، خصوصا مع ما نقل من أنّ فتاواهم غالبا كانت متون الروايات الواردة عنهم عليهم السلام بحذف أسانيدها، و هذا هو اجماع القدماء الكاشف عن رأي المعصوم الذي نقول بحجّيّته.

و أمّا احتمال أنّ اجماعهم مدركي و كان مدركهم تطرّق التهمة على الشاهد، فمردود بأنّه ليس في كلامهم من التهمة عين و لا أثر بل أوّل من استند الحكم الى التهمة المحقّق صاحب الشرائع كما عرفت من كلامه.

و في نظام القضاء و الشهادة: «انّ اطباق القدماء خصوصا مثل المفيد و الشيخ على عدم الجواز، كاشف عن وجود دليل صالح على الحكم وصل اليهم و لم يصل الينا، و من البعيد أن يكون الدليل ما سيوافيك عن طريق غيرنا من الروايات التي


1) - المقنعة: 728.

2) - النهاية: 330.

3) - الكافي: 436.

4) - المهذّب 2: 561.

5) - السرائر 2: 133.

لايحتجّ بها الاّ بعد التأكّد من صحّة مضمونها و قد تقرّر في محلّه أنّ الرسم الدارج بين القدماء من عصر والد الصدوق (ت329) الى عصر الشيخ (ت460) هو الافتاء بنفس عبارة الرواية أو مضمونها كما هو الغالب بتجريد المتون عن الأسانيد و على هذا الغرار ألّف فقه الرضا لوالد الصدوق و المقنعة للمفيد و النهاية للشيخ و قد كان سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي يعتمد على ما ورد في الأخيرين بعض الاعتماد ان لم يجد نصّا في الكتب الحديثيّة، و قد مضى اتّفاقهم على لفظة«لايجوز»».(1)

و لايخفى أنّه اذا كان الدليل في الحكم هو الاجماع و هو دليل لبّي فعلينا الأخذ بالقدر المتيقّن منه و هو عدم قبول شهادة المتبرّع في حقوق الآدميّين، فلايلزم منه خروج المتبرّع عن العدالة فتقبل شهادته بعده مطلقا حتّى في موضع الشهادة الأولى و في نفس المجلس بعد سؤال القاضي عنها؛ لوجود المقتضي و فقد المانع فلا فرق بين أن يكون عالما أو جاهلاً؛ لعدم الاعتناء بها. و كذا لايجري الحكم في حقوق اللّه تعالى و لا الحقوق المشتركة مطلقا.

و قال العلاّمة الخوئي: «ان تمّ الاجماع على عدم قبول شهادة المتبرّع فهو، ولكنّه لايتمّ. و عن ظاهر المحقّق الأردبيلي قدس سرهالقبول و نسب الميل الى ذلك الى السبزواري قدس سره في الكفاية و اختاره صاحب المستند صريحا و نسبه الى صريح ابن ادريس في السرائر. و كيف كان فالاجماع غير محقّق و المنقول ليس بحجّة - الى أن قال: - فالأقرب حينئذ هو قبول شهادة المتبرّع اذا كان عادلاً جامعا لشرائط الشهادة».(2)

و فيه: انّ مخالفة مثل الأردبيلي و السبزواري و النراقي غير قادحة في اجماع القدماء الكاشف عن رأي المعصوم بالتقريب الذي تقدّم منّا آنفا.


1) - نظام القضاء و الشهادة 2: 302.

2) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 132 و 133.

و أمّا نسبة المخالفة الى ابن ادريس ففي غير محلّها لما قد عرفت من صريح كلامه في المنع.

و قال الامام الخميني رحمه الله: «التبرّع بالشهادة في حقوق الناس، فانّه يمنع عن القبول في قول معروف و فيه تردّد، و أمّا في حقوق اللّه كشرب الخمر و الزنا و المصالح العامّة فالأشبه القبول».(1)

فيما اذا تاب المشهور بالفسق لتقبل شهادته

«الخامسة»: المشهور بالفسق اذا تاب لتقبل شهادته، الوجه أنّها لاتقبل حتّى يستبان استمراره على الصلاح. و قال الشيخ: يجوز أن يقول: تب أقبل شهادتك.

انّ التوبة تنقسم الى قسمين:

الأوّل: توبة العبد بينه و بين اللّه تعالى، التي بها يغفر اللّه تعالى ذنوبه و يكفّر سيّئاته.

الثاني: توبته في الظاهر بينه و بين الناس و هي التي بها تجري على صاحبها الأحكام الظاهريّة للعدالة.

و يشترط في القسمين أمور:

منها الندم على ما سلف منه من الذنوب.

و منها العزم على عدم العود الى المعاصي التي صدرت منه.

و منها العزم على جبر ما عليه من حقوق اللّه تعالى من قضاء الصلوات و الصيام و غيرهما.

و أمّا حقوق اللّه التي لا جبر لها الاّ الحدّ الذي حدّ في الشرع لها فتارة تكون مستورة عن الناس فلصاحبها طريقان يتخيّر بينهما و هما أن يعرض نفسه للحدّ و


1) - تحرير الوسيلة 2: 444 ، المسألة 4.

يقرّ عند الحاكم بالذنب و أن يتوب بينه و بين ربّه فيتوب اللّه عليه، و ان كان يظهر من الأخبار التي تقدّم بعضها في كتاب القضاء أنّ الثاني أولى.

و أخرى تكون ظاهرة يراها الناس و شهدوا عليه عند الحاكم، فان تاب قبل شهادة الشهود فلايجري الحاكم عليه الحدّ و الاّ فعلى الحاكم اجراء الحدّ عليه ان تمّت شهادة الشهود.

و كذا العزم على جبر حقوق الناس التي في ذمّته من اعادة ما غصبه أو أكلهبباطل أو غير ذلك.

و من الحقوق، الغيبة و التهمة و القذف، فان بلغ صاحبها فالأمر كذلك و عليه تحصيل رضاه ان لم يخف من حصول نزاع آخر و الاّ فالاستغفار.

و ان لم يبلغه فالأصحّ أنّه ان لم يلزم من طلب الرضا من صاحب الحقّ زيادة الأذى أو النزاع فالأولى طلب العفو و الاّ فالاستغفار.

و أمّا اذا مات المستحقّ فينتقل الى وارثه و يبرأ المديون بدفعه الى الورّاث و أمّا ان لم يدفعه اليهم فيبقى في ذمّته الى يوم القيامة فقد روى عمر بن يزيد في الصحيح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا كان لرجل على رجل دين فمطله حتّى مات ثمّ صالح ورثته على شيء فالذي أخذ الورثة لهم و ما بقي فللميّت حتّى يستوفيه منه في الآخرة و ان هو لم يصالحهم على شيء حتّى مات و لم يقض عنه فهو كلّه للميّت يأخذه به».(1)

و المراد بالصلح في الأوّل امّا على بعض الحقّ أو الصلح على وجه غير صحيح.

و أمّا ما ذهب اليه الشيخ رحمه الله من القول بالاكتفاء باظهار التوبة بعد قول الحاكم له:


1) - وسائل الشيعة 18: 446 / الباب 5 من كتاب الصلح / الحديث 4.

«تب أقبل شهادتك»، فمحمول على من كان عادلاً فعرض له ذنب فقال له الحاكم: تب لتستقرّ عدالته على ما هي عليه و تقبل شهادته، و أمّا من كان فاسقا فلا معنى لقبول شهادته الاّ بعد ظهور عدالته كما قال به المصنّف رحمه الله.

و أمّا ظهور العدالة فيختلف بحسب الذنب الصادر و الشخص و الزمان الذي مضى بعده، و لايقيّد بوقت مخصوص مثل مضي سنة أو ستّة أشهر، بل الملاك فيه اطمئنان الحاكم بالعدالة.

فيما اذا حكم الحاكم ثمّ تبيّن في الشهود ما يمنع القبول

«السادسة»: اذا حكم الحاكم ثمّ تبيّن في الشهود ما يمنع القبول، فان كان متجدّدا بعد الحكم لم يقدح، و ان كان حاصلاً قبل الاقامة و خفي عن الحاكم، نقض الحكم اذا علم.

ظهور فسق الشهود يتصوّر على ثلاث صور:

الأولى: ما اذا تبيّن ما يوجب فسقهم بعد حكم الحاكم فلايضرّ بالحكم فانّ الحكم قد مضى و ثبت، و ليس يعرض ما يوجب نقضه.

الثانية: ما اذا تبيّن ما يوجبه بعد الشهادة و قبل الحكم ففي هذه الصورة أيضا لايضرّ ظهور الفسق في الحكم و على الحاكم أن يحكم طبق شهادتهم.

الثالثة: ما اذا تبيّن بعد حكم الحاكم أنّهم كانوا فاسقين قبله و قبل الشهادة فعلى الحاكم نقض الحكم، و ان لم يعرفه هو و عرفه حاكم آخر فعليه أيضا نقضه.

و قد تقدّم تمام الكلام في نقض الحاكم حكم نفسه و غيره، في كتاب القضاء.

قال في المسالك: «فرع: لو قال القاضي بعد الحكم بشهادة شاهدين: قد بان لي أنّهما كانا فاسقين، و لم يظهر بيّنة تشهد بفسقهما ففي تمكينه من نقضه وجهان أظهرهما ذلك بناءً على جواز قضائه بعلمه».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 221.

و قد تقدّم منّا جواز قضاء الحاكم بعلمه و عليه فالأقوى ما ذهب اليه من جواز نقض حكمه بعلمه، و كذا يجوز له النقض لو ادّعى الاكراه على الحكم، فان كانت هناك قرينة عليه فلا ريب في جوازه و الاّ فالأقوى أيضا جواز نقض الحكم بادّعائه الاكراه؛ لما ذكرنا.

«السادس»: طهارة المولد

السادس: طهارة المولد فلاتقبل شهادة ولد الزنا أصلاً. و قيل: تقبل في اليسير مع تمسّكه بالصلاح و به رواية نادرة. و لو جهلت حاله قبلتشهادته و ان نالته بعض الألسن.

قال في المسالك: «المشهور بين الأصحاب - و منهم الشيخ في الخلاف و المرتضى مدّعيا عليه الاجماع - عدم قبول شهادة ولد الزنا مطلقا. و اختلفوا في تعليله، فالجمهور علّلوه بورود الأخبار الصحيحة بذلك. و علّله ابن ادريس بأنّ ولد الزنا كافر محتجّا بالاجماع. و احتجّ المرتضى بالاجماع و بالخبر الذي ورد أنّ ولد الزنا لاينجب. و علّله ابن الجنيد رحمه الله بورود الخبر أنّه شرّ الثلاثة. و وراء هذا القول قولان آخران: أحدهما للشيخ في المبسوط أنّه تقبل شهادته مع عدالته في الزنا و غيره، نقل ذلك عن قوم. و الثاني قوله في النهاية أنّه تقبل شهادته في الشيء اليسير دون الكثير. فلاتعارض ما استدلّ به من الرواية تلك الأخبار الكثيرة أو عموم الكتاب و السنّة الدالّين على القبول مطلقا. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر عدم قبول شهادة ولد الزنا و الدليل على ذلك الروايات الواردة فيه: منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:


1) - مسالك الأفهام 14: 221 - 225.

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : لاتجوز شهادة ولد الزنا».(1)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا، و لا عبد».(2)

و منها موثّقة عبيد بن زرارة عن أبيه قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لو أنّ أربعة شهدوا عندي بالزنا على رجل و فيهم ولد زنا لحددتهم جميعا، لأنّه لاتجوز شهادته و لا يؤمّالناس».(3)

و منها رواية أبي بصير قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن ولد الزنا أتجوز شهادته؟ فقال: لا، فقلت: انّ الحكم بن عتيبة يزعم أنّها تجوز، فقال: اللّهمّ لاتغفر ذنبه ما قال اللّه للحكم: «و انّه لذكر لك و لقومك»».(4)

و رواها الصفّار في بصائر الدرجات عن السندي بن محمّد عن جعفر بن بشير عن أبان بن عثمان و زاد:

«فليذهب الحكم يمينا و شمالاً فواللّه لايجد العلم الاّ في أهل بيت نزل عليهم جبرئيل».(5)

و منها مرسلة العيّاشي عن عبيداللّه الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ينبغي لولد الزنا أن لاتجوز له شهادة و لايؤمّ بالناس. الحديث».(6)

و رواية علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال:


1) - وسائل الشيعة 27: 375 / الباب 31 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 27: 376 / الباب 31 من كتاب الشهادات / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 27: 376 / الباب 31 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 27: 374 / الباب 31 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 27: 375 / الباب 31 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

6) - وسائل الشيعة 27: 377 / الباب 31 من كتاب الشهادات / الحديث 9.

«سألته عن ولد الزنا هل تجوز شهادته؟ قال: لاتجوز شهادته و لايؤمّ».(1)

ثمّ اعلم أنّ عمومات الكتاب و السنّة و ان دلّت على قبول شهادة العادل الاّ أنّ عمومها قابل للتخصيص بالروايات المعتبرة بل برواية واحدة صحيحة سندها و دلالتها كما ثبت في الأصول، مع أنّ هنا روايات معتبرة عرفتها.

و في المسالك استشكل في الأحاديث التي نقلها فبالنسبة الى صحيحة الحلبي قال بأنّها و ان كانت أجودها سندا الاّ أنّ دلالتها لاتخلو من قصور.

و فيه: انّ اشتراكه مع العبد لايضعّف دلالتها و لعلّه للتقيّة، فانّ ذلك نحو من بيان الحكم بأن يقول في أحد الجزئين بحكم الاماميّة و في الآخر بخلافه.

و قال بالنسبة الى صحيحة محمّد بن مسلم بأنّ صحّتها ممنوعة؛ لأنّ في طريقها محمّد بن عيسى عن يونس و هو مقدوح.

و فيه: انّ محمّد بن عيسى بن عبيد ثقة على الأصحّ.

و الملخّص من جميع ذلك عدم نفوذ شهادة ولد الزنا مطلقا.

و استدلّ الشيخ رحمه الله بصحيحة عيسى بن عبداللّه قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شهادة ولد الزنا، فقال: لاتجوز الاّ في الشيء اليسير اذا رأيت منه صلاحا».(2)

و الرواية نقيّة من حيث السند و الدلالة، و لم يرد فيها ما استشكل به العلاّمة(3)و تبعه غيره من أنّ مفهوم اليسير اضافي و لا يسير الاّ و هو كثير بالنسبة الى ما دونه و أنّ ثبوت شهادته في اليسير يعطي المنع من قبول اليسير.

و وجه عدم ورود الاشكال أنّ اليسير منزّل على العرف.


1) - وسائل الشيعة 27: 377 / الباب 31 من كتاب الشهادات / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 27: 376 / الباب 31 من كتاب الشهادات / الحديث 5.

3) - مختلف الشيعة 8: 506.

الاّ أنّ الظاهر أنّ الاشكال في جهة صدور الرواية فانّ هذا النحو من البيان بملاحظة الروايات المذكورة يشمّ منه رائحة التقيّة كما حملها في الوسائل عليها، فراجع.

و لابأس بذكر فتوى الفقهاء في ذلك:

قال السيّد المرتضى في الانتصار: «و ممّا انفردت به الاماميّة القول بأنّ شهادة ولد الزنا لاتقبل و ان كان على ظاهر العدالة».(1)

ثمّ احتجّ باجماع الطائفة عليه.

و قال الشيخ في الخلاف: «شهادة ولد الزنا لاتقبل و ان كان عدلاً».(2)

و قال ابن البرّاج: «و لايجوز قبول شهادة مبطل على محقّ و ان كان على ظاهر الاسلام و كذلك شهادة ولد الزنا».(3)

و قال ابن زهرة: «و لاتقبل شهادة ولد الزنا بدليل اجماع الطائفة».(4)

و قال ابن ادريس: «و لاتجوز شهادة ولد الزنا؛ لأنّه عند أصحابنا كافر باجماعهم عليه».(5)

و أمّا قبول شهادته في الشيء اليسير فقال الشيخ في النهاية: «و لاتجوز شهادة ولد الزنا، فان عرفت منها عدالة قبلت شهادته في الشيء الدون».(6)

و قال ابن حمزة: «و لاتقدح في قبول الشهادة الولادة من الزنا اذا كان المشهود به شيئا قليلاً حقيرا».(7)


1) - الانتصار: 501.

2) - كتاب الخلاف 6: 309 / المسألة 57.

3) - المهذّب 2: 557.

4) - غنية النزوع: 440.

5) - السرائر 2: 122.

6) - النهاية: 326.

7) - الوسيلة: 230.

و أمّا فتوى العامّة في ذلك فقال الخرقي في المختصر: «و شهادة ولد الزنا جائز في الزنا و غيره».

و قال ابن قدامة في شرحه: «هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء و الحسن و الشعبي و الزهري و الشافعي و أبو عبيدة و أبو حنيفة و أصحابه، و قال مالك و الليث: لاتجوز شهادته في الزنا وحده؛ لأنّه منهم فانّ العادة فيمن فعل قبيحا أنّه يحبّ أن يكون له نظراء».(1)

ثمّ انّ كلّ ما تقدّم كان فيمن علم كونه ولد الزنا و أمّا ان شكّ فيه فتقبل شهادته و ان تناله الألسن.

قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «و تقبل شهادة من لم يثبت كونه ولد زنا و ان ناله بعض الألسن، فانّه اذا كان واجدا لشرائط قبول الشهادة من العدالة و غيرها فان ثبت بطريق شرعي كالفراش - مثلاً - أنّه ولد حلال فهو و ان لم يثبت فيكفي في قبول شهادته العمومات و الاطلاقات فانّ المخصّص عنوان وجودي فيثبت عدمه عند الشكّ فيه بالأصل».(2)


1) - المغني 10: 363.

2) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 136.

الطرف الثاني : فيما يصير به الشاهد شاهدا

إشارة:

و الضابط العلم؛ لقوله تعالى: «و لاتقف ما ليس لك به علم»، و لقوله عليه السلام و قد سئل عن الشهادة: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع». و مستندها امّا المشاهدة أو السماع أو هما. فما يفتقر الى المشاهدة الأفعال؛ لأنّ آلة السمع لاتدركها كالغصب و السرقة و القتل و الرضاع و الولادة و الزنا و اللواط، فلايصير شاهدا بشيء من ذلك الاّ مع المشاهدة. و يقبل فيه شهادة الأصمّ. و في رواية: يؤخذ بأوّل قوله لا بثانيه. و هي نادرة.

انّ المستند الأصيل و الضابط الأصلي في الشهادة هو العلم؛ لقوله تعالى: «و لاتقف ما ليس لك به علم»(1)و قوله تعالى: «الاّ من شهد بالحقّ و هم يعلمون».(2)

و يؤيّدهما رواية علي بن غياث عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاتشهدنّ بشهادة حتّى تعرفها كما تعرف كفّك».(3)


1) - الاسراء 17: 36.

2) - الزخرف 43: 86.

3) - وسائل الشيعة 27: 341 / الباب 20 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

و مرسلة الصدوق قال:

«و روي أنّه لاتكون الشهادة الاّ بعلم، من شاء كتب كتابا أو نقش خاتما».(1)

و مرسلة المحقّق في الشرائع عن النبي صلى الله عليه و آله و قد سئل عن الشهادة فقال:

«هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع».(2)

نعم، من الحقوق ما لايحصل اليقين فيه، مع عدم الاستغناء من اقامة البيّنة عليه فأقيم الظنّ ببعض مراتبه فيه مقام اليقين، و جوّزت الشهادة بناءً على ذلك الظنّ.

و أمّا مستند العلم للمشهود به فقد قسّمه المصنّف رحمه الله و غيره من الفقهاء الى ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما يفتقر فيه الى المشاهدة و هو الأفعال؛ لأنّها لاتدركها آلة السمع كما مثّل في المتن بالغصب و السرقة و القتل و الرضاع و الولادة و الزنا و اللواط، فلايصير شاهدا على ذلك الاّ مع المشاهدة؛ لأنّه كما عرفت أنّ الأصل في الشهادة هو العلم و مستنده الحسّ لأنّ الشهادة من الحضور و يؤيّده الروايات الواردة في الأبواب المختلفة من كتاب الشهادات و غيره و ما تقدّم.

و فيما يحتاج الى المشاهدة يقبل شهادة الأصمّ؛ اذ لا مدخل فيه للسمع و لعموم الأدلّة المتناولة له.

ولكن قد ورد عن جميل قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شهادة الأصمّ في القتل؟ فقال: يؤخذ بأوّل قوله و لايؤخذ بالثاني».(3)

ولكنّها مخدوشة سندا و متنا، أمّا السند ففيه «درست» و هو لم يوثّق.


1) - وسائل الشيعة 27: 341 / الباب 20 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 342 / الباب 20 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 27: 400 / الباب 42 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

و أمّا الدلالة و المتن فلأنّ القول الثاني منه امّا مطابق للأوّل أو مخالف له، فعلى الأوّل فلا وجه لعدم قبول قوله و على الثاني يوجب عدم قبول شهادته مطلقا و عدم جواز الأخذ بها حتّى بأوّلها.

فيما يكفي فيه السماع

و ما يكفي فيه السماع، فالنسب و الموت و الملك المطلق؛ لتعذّر الوقوف عليه مشاهدة في الأغلب. و يتحقّق كلّ من هذه بتوالي الأخبار من جماعة لايضمّهم قيد المواعدة أو يستفيض ذلك حتّى يتآخم العلم. و في هذا عندي تردّد. و قال الشيخ رحمه الله: لو شهد عدلان فصاعدا، صار السامع متحمّلاً و شاهد أصل لا شاهدا على شهادتهما؛ لأنّ ثمرة الاستفاضة الظنّ و هو حاصل بهما. و هو ضعيف؛ لأنّ الظنّ يحصل بالواحد.

ففي اللمعة و شرحها: «(و يثبت بالاستفاضة) و هي استفعال من الفيض و هو الظهور و الكثرة. و المراد بها هنا شياع الخبر الى حدّ يفيد السامع الظنّ الغالب المقارب للعلم، و لاتنحصر في عدد بل يختلف باختلاف المخبرين. نعم يعتبر أن يزيدوا عن عدد الشهود المعدّلين ليحصل الفرق بين خبر العدل و غيره و المشهور أنّه يثبت بها (سبعة: النسب و الموت و الملك المطلق و الوقف و النكاح و العتق و ولاية القاضي) لعسر اقامة البيّنة في هذه الأسباب مطلقا. (و يكفي) في الخبر بهذه الأسباب (متآخمة العلم) أي مقاربته (على قول قوي) و به جزم في الدروس. و قيل: يشترط أن يحصل العلم. و قيل: يكفي مطلق الظنّ حتّى لو سمع من شاهدين عدلين صار متحمّلاً؛ لافادة قولهما الظنّ».(1)


1) - الروضة البهيّة 3: 135 و 136.

أقول:

القسم الثاني ممّا يصلح أن يكون مستندا للشهادة و هو ما يكفي السماع لتعذّر تحصيل المشاهدة فيه غالبا، ولكن لايخفى أنّه لا بدّ أن يكون السماع من جماعة يبعد تواطؤهم على الكذب ليحصل من خبرهم العلم أو الظنّ المتآخم له المسمّى بالاطمئنان أو العلم العادي.

و قد تقدّم منّا الكلام في حجّيّة الاستفاضة في البحث عن ثبوت ولاية القاضي بها و قلنا بأنّ الاستفاضة - و هي الشياع - ان تفد العلم فدليل حجّيّتها هو دليل حجّيّة

العلم.

و ان لم تفد الاّ الاطمئنان أو الظنّ فانّ الدليل الأصيل على حجّيّتها هو أنّ المتعارف بين الناس قبول النسب و الموت و الملك بل النكاح و الوقف و ولاية القاضي من الشياع الحاصل بينهم، و هذا ممّا يجري في زمن الأئمّة عليهم السلام من غير ردع منهم بل وردت روايات بتأييد هذا البناء:

منها مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن البيّنة اذا أقيمت على الحقّ، أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة اذا لم يعرفهم من غير مسألة؟ فقال: خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات، فاذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لايسأل عن باطنه».(1)

و رواه الصدوق باسناده عن يونس بن عبدالرحمن نحوه، و ذكر الأنساب مكان المواريث.(2)


1) - وسائل الشيعة 27: 289 / الباب 22 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - من لايحضره الفقيه 3: 16 / باب ما يجب الأخذ فيه بظاهر الحكم / الحديث 1.

و رواه الشيخ باسناده عن علي بن ابراهيم الاّ أنّ فيه: «بظاهر الحال».(1).

فانّ الرواية دالّة على أنّ شياع عدالة شخص في الناس كافٍ في شهادته. و من المعلوم أنّه قد يحصل العلم و الاطمئنان بقولهم و قد لايحصل، و ظاهرها أنّ الشياع بنفسه حجّة، اذا لم تكن هناك علامة على كذبه بل كانت العلامة على صدقه. و لايبعد أن يقال: انّ الانحصار في الخمسة في المرسلة ليس تعبّدا، بل مثال لما هو المعمول بين الناس من الاكتفاء بالشياع فيه و امضاء أمثال ذلك، و لعلّه لتعسّر تحصيل العلم بها غالبا.

فتحصّل أنّ الشياع - فيما يتعسّر غالبا تحصيل العلم به، و يبعد تواطؤ الناس فيه على الكذب - حجّة شرعيّة بناءً على هذه الرواية. و ضعف سندها منجبر بتأييد صحيحة حريز الآتية، و فتوى جماعة من الفقهاء.

و منها صحيحة حريز قال:

«كانت لاسماعيل بن أبي عبداللّه عليه السلام دنانير و أراد رجل من قريش أن يخرج الى اليمن، فقال اسماعيل: يا أبه، انّ فلانا يريد الخروج الى اليمن و عندي كذا و كذا دينار، أ فترى أن أدفعها اليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟ فقال أبو عبداللّه عليه السلام : يا بنيّ أمابلغك أنّه يشرب الخمر؟ فقال اسماعيل: هكذا يقول الناس، فقال: يا بنيّ لاتفعل. فعصى اسماعيل أباه و دفع اليه دنانيره فاستهلكها و لم يأته بشيء منها، فخرج اسماعيل و قضي أنّ أبا عبداللّه عليه السلام حجّ و حجّ اسماعيل تلك السنة، فجعل يطوف بالبيت و يقول: اللّهمّ أجرني و أخلف عليّ. فلحقه أبو عبداللّه عليه السلام فهمزه بيده من خلفه و قال له: مه، يا بنيّ فلا واللّه مالك على اللّه هذا، و لا لك أن يأجرك و لايخلف عليك و


1) - تهذيب الأحكام 6: 288 / باب الزيادات في القضايا و الأحكام / الحديث 5.

قد بلغك أنّه يشرب الخمر فائتمنته، فقال اسماعيل: يا أبه، انّي لم أره يشرب الخمر، انّما سمعت الناس يقولون، فقال: يا بنيّ انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه: «يؤمن باللّه و يؤمن للمؤمنين» يقول: يصدّق للّه و يصدّق للمؤمنين، فاذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم، و لاتأتمن شارب الخمر؛ انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه: «و لاتؤتوا السفهاء أموالكم» فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؟ انّ شارب الخمر لايزوّج اذا خطب و لايشفّع اذا شفع و لايؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه على اللّه أن يأجره و لايخلف عليه».(1)

و هذه الصحيحة كما ذكر تكون مؤيّدة للمرسلة المتقدّمة بل استشهاد الامام عليه السلام بالآية يكون دليلاً على ما قلنا.

فتحصّل من جميع ذلك كلّه أنّه يجوز أن يشهد الشاهد شهادة منتسبة الى هذا الشياع الذي يحصّل العلم العادي أو الظنّ المقارب للعلم، فتقبل شهادته.

و في الجواهر بعد البحث مفصّلاً عن ذلك قال: «و بذلك كلّه يظهر لك سقوط البحث في أنّه هل يعتبر فيه الظنّ المتآخم أو العلم و أنّ في ذلك قولين؛ اذ قد عرفت أنّ هذه الأحوال لا مدخليّة لها في حجّيّة الشياع، كما أنّه ظهر لك منه أنّ الشياع و التسامع و الاستفاضة على أحوال ثلاثة: أحدها: استعمال الشائع المستفيض و اجراء الأحكام عليه. و الثاني: القضاء به، و الثالث: الشهادة بمقتضاه. أمّا الأوّل فالسيرة و الطريقة المعلومة على أزيد ممّا ذكره الأصحاب فيه، فانّ الناس لازالت تأخذ الفتوى بشياع الاجتهاد و تصلّي بشياع العدالة و تجتنب بشياع الفسق و غير ذلك ممّا هو في أيدي الناس.


1) - وسائل الشيعة 19: 82 / الباب 6 من كتاب الوديعة / الحديث 1.

و أمّا القضاء به و ان لم يفد العلم فالأولى الاقتصار فيه على السبعة بل الخمسة بل الثلاثة بل النسب خاصّة؛ لأنّه المتّفق عليه بين الأصحاب و أمّا الشهادة به فلاتجوز بحال الاّ في صورة مقارنته للعلم بناءً على الاكتفاء به في الشهادةمطلقا».(1)

و قد عرفت ما في كلامه ممّا تقدّم منّا، فلانعيد.

و سيأتي الكلام في القسم الثالث عند تعرّض المصنّف رحمه الله له.

بقي الكلام في الشهادة بالاستصحاب أو اليد و هي تفرض في صورتين:

الأولى: أن لايكون هناك مدّعٍ مقابل ما يشهد به بالاستصحاب، بأن لايكون الموضع موضع الترافع و الدعوى بأن يعلم الشاهد بشيء قبل سنوات عديدة، فمضت عليه سنوات و هو لايعلم بأنّه هل هو على طبق ما علمه فيما مضى أو تغيّرت حاله الى حالة أخرى كأن يعلم بأنّ زيدا ملك دارا قبل عشرين سنة أو ثلاثين فمات زيد و بقي في الدار عياله و لايعلم الشاهد بأنّ زيدا هل باع الدار أو وهبها أو وقفها أم لا؟

ففي هذه الصورة هل يجوز له أن يشهد ببقاء ملكيّة زيد عند القاضي؟ و هل يجوز للقاضي الحكم بملكيّته و ملكيّة ورثته بهذه الشهادة، و تقسيم الدار بينهم؟

الأظهر نعم، و ذلك لأنّه - مضافا الى أنّ الفرض فيما لايكون هناك مدّعٍ - أوّلاً يشهد به العرف، و دليل حجّيّته ما ذكر في الاستفاضة.

و ثانيا يظهر من الروايات صحّة هذه الشهادة و الحكم على طبقها كما في صحيحة معاوية بن وهب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يكون في داره ثمّ يغيب عنها ثلاثين سنة و يدع فيها عياله ثمّ يأتينا هلاكه و نحن لاندري ما أحدث في


1) - جواهر الكلام 41: 135.

داره و لاندري ما أحدث له من الولد الاّ أنّا لانعلم أنّه أحدث في داره شيئا و لا حدث له ولد، و لاتقسّم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتّى يشهد شاهدا عدل أنّ هذه الدار دار فلان بن فلان، مات و تركها ميراثا بين فلان و فلان أو نشهد على هذا؟ قال: نعم.الحديث».(1)

فانّها تدلّ على جواز الشهادة على ما ذكرنا و سيأتي ذيلها الذي توهّمه بعض في بدء النظر و قبل التأمّل معارضا مع الصدر و سنذكر وجه الجمع بينهما و بين سائرالروايات.

و كذا الحكم في الشهادة المستندة الى اليد فانّها فيما لايكون هناك مدّعٍ مقابلها جائزة بلا اشكال كما يظهر ذلك من رواية حفص بن غياث عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال له رجل: اذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال: نعم، قال الرجل: أشهد أنّه في يده و لا أشهد أنّه له فلعلّه لغيره، فقال أبو عبداللّه عليه السلام : أفيحلّ الشراء منه؟ قال: نعم، فقال أبو عبداللّه عليه السلام : فلعلّه لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك؟ ثمّ تقول بعد الملك: هو لي و تحلف عليه و لايجوز أن تنسبه الى من صار ملكه من قبله اليك؟ ثمّ قال أبو عبداللّه عليه السلام : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».(2)

فانّه يظهر من تعليله عليه السلام في ذيل الرواية - بأنّه لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق - أنّ اليد أمارة الملكيّة، ولكن لايخفى أنّ الرواية لاتكون في مقام بيان الترافع و الدعوى و رفع الخصومة كما هو الصورة الثانية و سيأتي بيان حكمها.


1) - وسائل الشيعة 27: 336 / الباب 17 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 292 / الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

الصورة الثانية: أن يكون في مقابل الشهادة بالاستصحاب مدّعٍ يدّعي المشهود به فهل يجوز للشاهد أن يشهد بالاستصحاب و للحاكم أن يحكم على طبقها؟ الظاهر لا، خصوصا مع معارضته بمثل اليد و يدلّ عليه ذيل الصحيحة المتقدّمة:

«قلت: الرجل يكون له العبد و الأمة فيقول: أبق غلامي أو أبقت أمتيفيوجد في البلد فيكلّفه القاضي البيّنة أنّ هذا غلام فلان لم يبعه و لم يهبه، أفنشهد على هذا اذا كلّفناه و نحن لم نعلم أنّه أحدث شيئا؟ فقال: كلّما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به».

فانّ الظاهر من هذه الفقرة هو الصورة الثانية و أنّ العبد أو الأمة كان في يد شخص آخر ادّعاه في مقابل من شهدت له البيّنة بالاستصحاب.

و كذا الحكم في اليد فانّها اذا تعارضت مع البيّنة على الملكيّة فلا شبهة في تقديم بيّنة الملك على اليد.

و على هذا فلا معارضة بين الفقرتين أصلاً فانّ الصدر يدلّ على الصورة الأولى و الذيل على الثانية.

و يشهد بهذا الجمع صحيحة أخرى لمعاوية بن وهب قال:

«قلت له: انّ ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان و تركها ميراثا و أنّه ليس له وارث غير الذي شهدنا له، فقال: اشهد بما هو علمك. الحديث».(1)

فتحمل على ما اذا كان هناك مدّعٍ كما هو ظاهر الرواية.

فرع: لو سمعه يقول للكبير: هذا ابني و هو ساكت أو قال: هذا أبي و هو ساكت، قال في المبسوط: «صار متحمّلاً؛ لأنّ سكوته في معرض ذلك رضا


1) - وسائل الشيعة 27: 292 / الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

بقوله عرفا». و هو بعيد؛ لاحتماله غير الرضا.

قد تقدّم أنّ الشيخ رحمه الله قال بأنّه ان سمع من شاهدين عدلين صار شاهد أصل و جعل مبنى فتواه هو حصول الظنّ من قول الشاهدين كما حصل من الاستفاضة، و هذا الفرع هو تفريع على ما اختاره رحمه الله فانّ الظنّ حاصل في هذه الصورة؛ لأنّسكوت الكبير عند دعوى الآخر للنسب مع عدم المانع من الانكار يفيد الظنّ الغالب بموافقته.

و فيه أوّلاً: انّ السكوت أعمّ من الرضا فيمنع من حصول الظنّ بذلك.

و ثانيا: على تقدير حصول الظنّ فلانسلّم حجّيّة مطلق الظنّ في الشهادة فانّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ تشمله، فانّ المبنى هو حصول الاطمئنان أو العلم العادي و هو غير حاصل هنا.

في أنّ الشاهد بالاستفاضة لايشهد بالسبب

تفريع على القول بالاستفاضة:

«الأوّل»: الشاهد بالاستفاضة لايشهد بالسبب مثل البيع و الهبة و الاستغنام؛ لأنّ ذلك لايثبت بالاستفاضة فلايعزّى الملك اليه مع اثباته بالشهادة المستندة الى الاستفاضة. أمّا لو عزّاه الى الميراث صحّ؛ لأنّه يكون عن الموت الذي يثبت بالاستفاضة. و الفرق تكلّف؛ لأنّ الملك اذا ثبت بالاستفاضة لم تقدح الضميمة، مع حصول ما يقتضي الجواز.

الشاهد بالاستفاضة لايشهد بالسبب مثل البيع و الهبة و الاستغنام؛ لأنّ ذلك لايثبت بها، بل ممّا يلزم فيه العلم بالسماع أو الابصار، فاذا سمع مستفيضا أنّ هذا الملك لزيد و اشتراه من عمرو، فلايشهد بالبيع بل يجوز له أن يشهد بالملك المطلق.

فان شهد بالملك المسبّب فلايثبت البيع، و هل يثبت به الملك المطلق؟ يحتمل عدم القبول؛ لأنّ الشهادة لاتتبعّض.

و ذهب الشهيد في المسالك(1)الى أنّها تقبل في الملك و تلغو الضميمة؛ لوجود المقتضي للقبول في أحدهما دون الآخر.

و الظاهر أنّه هو الصحيح، فيثبت الملك المطلق و ان شهد بالمسبّب.

و تظهر الفائدة على هذا الوجه أنّه لو كان هناك مدّعٍ آخر و له شهود بالملك و سببه من غير استفاضة بل بالعلم الجازم، فانّ بيّنته ترجّح على بيّنة هذا الذي لم يسمع الاّ في الملك المطلق المجرّد عن السبب.

و أمّا الملك الذي سببه يثبت بالاستفاضة كالميراث الذي يسبّب عن الموت فتقبل الشهادة فيه مسبّبا فاذا سمع الشاهد بالاستفاضة أنّ هذا الملك ملك زيد و ورثه من أبيه الميّت، فله أن يشهد بالملك و سببه؛ لأنّهما يثبتان بالاستفاضة، و لو كان هناك مدّعٍ آخر و له شهود بأنّه ملكه الذي ورثه عن أبيه أو اشتراه أو غير ذلك مع أنّ شهادة الشهود لاتكون مستندة الى الاستفاضة بل بالعلم الجازم، فيتكافئان.

فيما اذا شهد بالملك مستندا الى الاستفاضة

«الثاني»: اذا شهد بالملك مستندا الى الاستفاضة، هل يفتقر الى مشاهدة اليد و التصرّف؟ الوجه: لا، أمّا لو كان لواحد يد، و لآخر سماع مستفيض فالوجه ترجيح اليد؛ لأنّ السماع قد يحتمل اضافة الاختصاص المطلق المحتمل للملك و غيره، فلاتزال اليد بالمحتمل.

المقصود من هذه المسألة أنّ الشهادة المستندة الى الاستفاضة هل يتوقّف سماعها على رؤية الشاهد من استفاض الملك له - زائدا على الملك - يتصرّف فيه بالبناء و الهدم و الاجارة و نحوها و كونه ذا اليد أم تسمع من دون الأمرين؟

الوجه أنّه تكفي الاستفاضة بالملك في الشهادة؛ لأنّه أوّلاً قد تقدّم ما يدلّ على حجّيّتها مطلقا.


1) - مسالك الأفهام 14: 232.

في أنّ المتصرّف يشهد له بالملك المطلق

إشارة:

و ثانيا: انّ التصرّف بل اليد أعمّ من الملك، و ربما كان المتصرّف غير مالك بل وكيلاً له أو غير ذلك.

و لو كان لواحد يد و لآخر سماع مستفيض فالمصنّف رجّح اليد؛ لأنّ السماع قد يحتمل اضافة الاختصاص المطلق المحتمل للملك و غيره، و اليد ظاهرة في الملك و ان كانت محتملة له.

ولكنّ الوجه تقديم الاستفاضة بالملك؛ لأنّ الفرض أنّ الذي سمع بالاستفاضة هو الملك مع أنّ اليد كما قلنا أعمّ من الملك و ان كانت ظاهرة فيه. نعم، لو سمع بالاستفاضة أنّ هذه الدار مثلاً استحقّها الفلاني أو تختصّ به أو له، على وجه مردّد بين الملك و غيره فلايبعد أن يقال بأنّ اليد مقدّمة حيث انّها ظاهرة في الملك.

مسائل ثلاث: «الأولى»: لا ريب أنّ المتصرّف بالبناء و الهدم و الاجارة بغير منازع يشهد له بالملك المطلق. أمّا من في يده دار، فلا شبهة في جواز الشهادة له باليد. و هل يشهد له بالملك المطلق؟ قيل: نعم، و هو المروي. و فيه اشكال من حيث انّ اليد لو أوجبت الملك له، لم تسمع دعوى من يقول: الدار التي في يد هذا لي، كما لاتسمع لو قال: ملك هذا لي.

قال في المسالك: «هذه تتمّة أقسام المسألة السابقة و هي ما اذا انفرد التصرّف أو اليد عن التسامع، فهل يجوز الشهادة بالملك أم لا؟ فالمصنّف رحمه الله قطع بالجواز مع التصرّف المتكرّر بالبناء و الهدم و الاجارة و غيرها بغير منازع. و هذا اختيار الأكثر بل ادّعى عليه في الخلاف الاجماع؛ لقضاء العادة بأنّ ذلك لايكون الاّ في الملك و لجواز شرائه منه و متى حصل عند المشتري يدّعي ملكيّته و هو فرع على ملكيّة البائع.

و يترتّب على ذلك ما لو ادّعى على المشتري فأنكر فله أن يحلف على القطع قطعا. و ذلك يساوي الشهادة و ان كان أصل الشراء بناءً على الظاهر لايساويها.

و قيل: لاتجوز الشهادة بالملك بذلك كلّه لوقوع ذلك من غير المالك، كالوكيل و المستأجر و الغاصب، فانّهم أصحاب يد و تصرّف، خصوصا الاجارة؛ لأنّها و ان تكرّرت فقد تصدر من المستأجر طويلة و من الموصى له بالمنفعة و كذلك الرهن قد يصدر من المستعير متكرّرا.

و أمّا اذا انفردت اليد عن التصرّف فالحكم فيه أضعف. فان لم تجوّز الشهادة بالملك في الأوّل فهنا أولى.

و ان جوّزناها فهنا وجهان: أحدهما - و هو الذي اختاره العلاّمة و أكثر المتأخّرين - : الجواز؛ لدلالتها ظاهرا على الملك، كدلالة التصرّف و لما تقدّم من جواز شرائه منه و الحلف عليه و لرواية حفص بن غياث. و الثاني: عدم جواز الشهادة بالملك بمجرّد اليد. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قد تقدّم أنّ اليد دليل على الملك ظاهرا و هي التي عليها القواعد الشرعيّة، و يستقيم بها سوق المسلمين بل السوق مطلقا، و دلّت عليه رواية حفص بن غياث، و لا اشكال فيها بعد مطابقتها للقواعد الشرعيّة و عمل المشهور، و على هذا فلابأس بأن يشهد لذي اليد بالملكيّة الاّ أنّها مختصّة بغير مقام المرافعة و المعارضة، فاذا أقام شخص بيّنة على كون ما في يد فلان ملكي فتسمع و لاتسمع الشهادة المستندة الى اليد في مقابلها.

ثمّ انّ التصرّف بالبناء و الهدم و الاجارة دليل على اليد المالكيّة ان لم يكن هناك ما ينصرف عنها، فلا بدّ من الرجوع الى القرائن فان وجدت فبها و الاّ فظهور


1) - مسالك الأفهام 14: 234 - 236.

اليد هكذا في الملكيّة.

نعم، انّ في زماننا هذا يقع هذه التصرّفات مثل البناء و الهدم و الاجارة و الرهن و غيرها من غير المالك كثيرا كالوكيل و غيره، فاذا ادّعى المتصرّف الملكيّة و لا منازع له فتسمع و يحكم له بالملكيّة ولكن بملاحظة القرائن.

بقي الكلام في حكم الوثائق المالكيّة التي هي رائجة في زماننا هذا للدلالة على الملك، فاذا تعارضت هذه الوثائق مع اليد أو الاستفاضة أو البيّنة فما هووظيفة الحاكم؟

الظاهر أنّه لا تأثير لهذه الوثائق في مبنى الحكم فانّ مبنى حكم القاضي امّا علمه و امّا شهادة الشهود و الشهادة امّا مستندة الى العلم أو اليد أو الاستفاضة، فان حصل للقاضي من هذه الوثائق العلم بملكيّة صاحبها فهو، و الاّ فيعمل على طبق البيّنة، و ان تردّد الحكم فيقف حتّى يحصل له العلم بالفحص.

فرع : في الشهادة بمضمون الكتابة

اذا ادّعى أحد شيئا و أتى بورقة مكتوب فيها ما ادّعاه شهادة شخص و خطّه و خاتمه فطلب من الشاهد أن يشهد على طبق مضمون الكتابة ففي المسألة صور:

الأولى: أن يعلم بأنّ الخطّ خطّه و الخاتم خاتمه و يتذكّر الشهادة التي شهدها و الواقعة المشهود عليها فلا ريب في جواز الشهادة على طبق هذه الكتابة و ذلك للعلم بالمشهود به و هو المعتبر فيها.

الثانية: أن يعلم بأنّ الخطّ خطّه و الخاتم خاتمه الاّ أنّه لايتذكّر الواقعة و لا شهادته ولكن كان صاحبه ثقة و جاء ثقة آخر و شهدا له بشهادته فهل يجوز له الشهادة بالواقعة أم لا؟

ففي صحيحة عمر بن يزيد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يشهدني على شهادة فأعرف خطّي و خاتمي و لاأذكر من الباقي قليلاً و لا كثيرا، قال: فقال لي: اذا كان صاحبك ثقة و معه رجل ثقة فاشهد له».(1)

فانّ الظاهر من هذه الرواية جواز الشهادة في هذه الصورة الاّ أنّه لايبعدأن يكون مورد الرواية ما اذا حصل له العلم بشهادته بعد أن شهد له ثقتان بشهادته، فتذكّر الواقعة، و أمّا ان لم يحصل له العلم فتحمل الرواية على الشهادة و سيأتي الكلام فيها.

و يمكن الاستئناس لعدم جواز الشهادة في هذا الفرض - أي صورة عدم العلم - بصحيحة حسن بن سعيد قال:

«كتب اليه جعفر بن عيسى: جعلت فداك جاءني جيران لنا بكتاب زعموا أنّهم أشهدوني على ما فيه، و في الكتاب اسمي بخطّي قد عرفته و لست أذكر الشهادة و قد دعوني اليها فأشهد لهم على معرفتي أنّ اسمي في الكتاب و لست أذكر الشهادة، أو لاتجب الشهادة عليّ حتّى أذكرها، كان اسمي في الكتاب أم لم يكن؟ فكتب: لاتشهد».(2)

و كذا معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتشهد بشهادة لاتذكرها، فانّه من شاء كتب كتابا و نقش خاتما».(3)

الثالثة: أن لايعلم بأنّ الخطّ خطّه و لا بأنّ الخاتم خاتمه و احتمل التزوير فيهما أو التزوير في الورقة أو احتمل أنّ الخطّ لم يكن لأجل الشهادة بل كان بداعٍ آخر


1) - وسائل الشيعة 27: 321 / الباب 8 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 322 / الباب 8 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 323 / الباب 8 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

ففي هذه الصورة لاتجوز له الشهادة قطعا و الدليل عليه عدم جواز الشهادة الاّ عن العلم أو ما تقدّم من مستنداتها و كذا صحيحة حسن بن سعيد و معتبرة السكوني.

في ثبوت الوقف و النكاح بالاستفاضة

«الثانية»: الوقف و النكاح يثبت بالاستفاضة. أمّا على ما قلناه فلا ريب فيه. و أمّا على الاستفاضة المفيدة لغالب الظنّ، فلأنّ الوقف للتأبيد فلو لم تسمع فيه الاستفاضة لبطلت الوقوف، مع امتداد الأوقات و فناء الشهود.و أمّا النكاح فلأنّا نقضي بأنّ خديجة - عليها السلام - زوجة النبي صلى الله عليه و آلهكما نقضي بأنّها أمّ فاطمة - عليها السلام - و لو قيل: انّ الزوجيّة تثبت بالتواتر، كان لنا أن نقول: التواتر لايثمر الاّ اذا استند السماع الى محسوس. و من المعلوم أنّ المخبرين لم يخبروا عن مشاهدة العقد، و لا عن اقرار النبي صلى الله عليه و آله بل نقل الطبقات متّصل الى الاستفاضة التي هي الطبقة الأولى. و لعلّ هذا أشبه بالصواب.

الوقف و النكاح يثبتان بالاستفاضة المفيدة للظنّ المتآخم للعلم و المراد منه العلم العادي كما تقدّم منّا الكلام في ذلك و الدليل عليه هو الدليل المتقدّم من أنّها هي المتعارفة بين الناس في موضوعات كالنسب و الموت و منها النكاح و الوقف، و كانت متداولة في زمن المعصوم عليه السلام و لم يردع عنها.

قال الشيخ رحمه الله في الخلاف: «يجوز الشهادة على الوقف و الولاء و العتق و النكاح بالاستفاضة كالملك المطلق و النسب، و للشافعي فيه قولان. دليلنا: أنّه لا خلاف أنّه يجوز لنا الشهادة على أزواج النبي صلى الله عليه و آله و لم يثبت ذلك الاّ بالاستفاضة لأنّا ما شهدناهم، و أمّا الوقف فمبني على التأبيد فان لم تجز الشهادة بالاستفاضة أدّى الى بطلان الوقوف لأنّ شهود الوقف لايبقون أبدا. فان قيل: يجوز تجديد شهادة على شهادة أبدا، قلنا: الشهادة على الشهادة لاتجوز عندنا الاّ دفعة واحدة

فأمّا البطن الثالث فلايجوز على حال و على هذا يؤدّي الى ما قلناه».(1)

و اعترض على الأوّل بأنّ الشهادة لا بدّ و أن تكون بالعلم و في مورد الوقف يمكن أن يقال بسماع شهادة الثالثة للضرورة و لأن لايؤدّي الى بطلان الوقف و هذا التخصيص أولى من تخصيص لزوم العلم في الشهادة، بغير مورد الوقف، و يقال بكفاية الظنّ في الوقف مع أنّه لايغني من الحقّ شيئا.

و اعترض على الثاني بأنّ الشهادة على زوجيّة خديجة - سلام اللّه عليها - للنبي صلى الله عليه و آله لم تكن مستندة الى الاستفاضة بل الى التواتر؛ لاخبار جماعة كثيرة يفيد قولهم العلم بذلك في كلّ طبقة.

و أجيب عن الأوّل بأنّ المانع من سماع شهادة الثالثة النقل و الاجماع فلم يمكن معارضتهما بالتخصيص، بخلاف الشهادة بمجرّد الظنّ فانّه لا اجماع على منعها بل الأكثر على تجويزها. و يمنع من كون العقل دالاًّ على النهي عن ذلك؛ لأنّ الظنّ مبنى أكثر الأحكام الشرعيّة.

و عن الثاني بأنّ من شرط التواتر استناد المخبرين الى محسوس في كلّ طبقة و هو منتفٍ هنا؛ للعلم بأنّ الطبقة الأولى لم يشاهدوا العاقدين و لم يسمعوا العقد و انّما شاهده بعضهم و نقله الى الباقين و استمرّ الأمر.

و ان اعترض الشهيد في المسالك على ما أجيب به عن الثاني بأنّ زوجيّة خديجة للنبي صلى الله عليه و آله قد ثبتت بالتواتر في كلّ طبقة.

«الثالثة»: الأخرس يصحّ منه تحمّل الشهادة و أداؤها. و يبنى على ما


1) - كتاب الخلاف 6: 265 و 266 / المسألة 15.

يتحقّقه الحاكم من اشارته. فان جهلها اعتمد فيها على ترجمة العارف باشارته. نعم، يفتقر الى مترجمين. و لايكون المترجمان شاهدين على شهادته، بل يثبت الحكم بشهادته أصلاً لا بشهادة المترجمين فرعا.

في شهادة الأخرس

تارة يكون الأخرس أصمّ أيضا فيصحّ منه تحمّل الشهادة فيما يكفي فيه المشاهدة و أداؤها كما مرّ في أوّل هذا الفصل.

و أخرى لايكون كذلك بل يسمع و ان كان أخرس فيصحّ منه تحمّل الشهادة مطلقا و أداؤها، و الدليل على ذلك وجود المقتضي و عدم المانع عن شمولالعمومات له.

و كيفيّة أداء شهادته بالاشارة فيما يتحقّقه الحاكم و يحتاج حكمه الى البيّنة، فان عرف اشارته فبها و الاّ فيعتمد على ترجمة العارف باشارته و الظاهر كفاية عدل واحد بل من كان يوثق به و ان لم يكن عدلاً.

و ذلك أوّلاً لعدم كون المقام مقام الشهادة بل هو اخبار عن كلام الشهود.

و ثانيا لو سلّم كونه من الشهادة فما ورد فيه النصّ من اعتبار العدد يتّبع و في غيره يكتفى باطمئنان القاضي بما يتكلّم به الشهود.

و هو يكون شاهدا على معنى اشارة الأخرس و لايكون شاهدا على شهادته و لذا لايشترط غيبته عن مجلس الحكم حال ترجمته و لايلحقه سائر الأحكام المترتّبة على شهادة الفرع.

فيما يفتقر الى السماع و المشاهدة

الثالث: ما يفتقر الى السماع و المشاهدة، كالنكاح و البيع و الشراء و الصلح و الاجارة، فانّ حاسّة السمع تكفي في فهم اللفظ، و يحتاج الى البصر لمعرفة اللافظ. و لا لبس في شهادة من اجتمع له الحاسّتان. أمّا الأعمى فتقبل شهادته في العقد قطعا؛ لتحقّق الآلة الكافية في فهمه. فان انضمّ الى شهادته معرّفان، جاز له الشهادة على العاقد، مستندا الى تعريفهما كما يشهد المبصر على تعريف غيره. و لو لم يحصل ذلك و عرف هو صوت العاقد معرفة يزول معها الاشتباه، قيل: لايقبل؛ لأنّ الأصوات تتماثل. و الوجه أنّها تقبل فانّ الاحتمال يندفع باليقين؛ لأنّا نتكلّم على تقديره. و بالجملة فانّ الأعمى تصحّ شهادته متحمّلاً و مؤدّيا عن علمه و عن الاستفاضة فيما يشهد به بالاستفاضة. و لو تحمّل و هو مبصر ثمّ عمي فان عرف نسب المشهود أقام الشهادة. و ان شهد على العين و عرف الصوت يقينا جاز أيضا. أمّا شهادته على المقبوض فماضية قطعا. و تقبل شهادته اذا ترجم للحاكم عبارة حاضر عنده.

هذا هو القسم الثالث من مستندات الشهادة و قد تقدّم الكلام في القسمين الأوّلين.

ففي هذا القسم يفتقر الشاهد - ليصير شاهدا - الى السماع و المشاهدة كالنكاح و البيع و الشراء و الصلح و الاجارة، فانّها تحتاج الى السمع بمعنى أن يسمع الشاهد صيغة عقد النكاح الواقع بين الطرفين من الزوج و الزوجة و تحتاج الى البصر ليعرّفهما حتّى يكون قادرا على أن يشهد عند الحاكم بأنّ هذا الرجل و هذه المرأة قد حصل بينهما صيغة عقد النكاح بأنفسهما أو الوكيل عنهما.

و هكذا يكون الحال في البيع و الشراء و الصلح و الاجارة و غيرها من العقود و الايقاعات.

و أمّا العمي فانّ المشاهد منهم غالبا تمييز أصوات الأشخاص فان سمع الزوجو الزوجة يجريان العقد و ميّز صوتهما عن غيرهما عن علم فيجوز أن يؤدّي ما تحمّل من الشهادة عند الحاكم.

و أمّا لو لم يتبيّن عنده صوتهما، فلو شهد عنده العدلان بأنّ هذا الرجل و المرأة اسمهما فلان و فلانة حتّى يعلم بأنّهما اللذان جرى بينهما العقد فيجوز له الشهادة عند الحاكم.

و أمّا وظيفة الحاكم بالنسبة الى الأعمى فيما اذا لم يتبيّن أنّه من القسم الأوّل أو الثاني فهي أن يطمئنّ بأنّه من القسم الأوّل و يطمئنّ بصدقه.

و أمّا شهادة المقبوض التي ذكرها المصنّف رحمه الله ففيما اذا قبض الأعمى المشهود عليه في مجلس العقد مثلاً، الى أن يصل الى محضر الحاكم فشهد أنّه هو العاقد.

الطرف الثالث : في أقسام الحقوق

إشارة:

و هي قسمان حقّ للّه سبحانه و حقّ للآدمي. و الأوّل منه ما لايثبت الاّ بأربعة رجال كالزنا و اللواط و السحق. و في اتيان البهائم قولان، أصحّهما ثبوته بشاهدين.

قال في المسالك: «جعل العنوان في أقسام الحقوق ثمّ جعلها قسمين قد يوهم التنافي، من حيث جعل الجمع الذي أقلّه ثلاثة، شيئين. و الوجه فيه أنّ الأقسام أزيد من ثلاثة كما ستقف عليها ولكن جعل أصلها قسمين و قسّم كلّ واحد منهما الى أقسام. و الكلام في قوّة: أنّ أقسام الحقوق المتكثّرة ترجع الى أمرين، ثمّ كلّ منهما ينقسم الى أقسام. و الغرض من هذا الباب بيان العدد المعتبر في الشهادات و بيان مواضع اعتبار الذكورة و عدم اعتبارها. و اعلم أنّ قول الشاهد الواحد لايكفي للحكم به مطلقا الاّ ما قيل به في هلال رمضان. و مسألة الشاهد و اليمين ليست مستثناة؛ لأنّ القضاء ليس بالشاهد وحده بل اليمين امّا جزء أو شرط فيه».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 245.

و على كلّ حال فمن حقوق اللّه ما لايثبت الاّ بأربعة رجال كالزنا و اللواط و السحق:

أمّا الزنا فالدليل عليه من الكتاب قوله تعالى:«و الذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء»(1)و قوله تعالى:«لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء»(2).

و من السنّة احدى عشرة رواية قد جمعها في الوسائل في كتاب الحدود و التعزيرات:

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«حدّ الرجم أن يشهد أربعة أنّهم رأوه يدخل و يخرج».(3)

و منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : لايرجم رجل و لا امرأة حتّى يشهد عليه أربعة شهود على الايلاج و الاخراج».(4)

و منها موثّقة أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : لايرجم الرجل و المرأة حتّى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع و الايلاج و الادخال كالميل في المكحلة».(5)

و أمّا الثاني و الثالث فالظاهر أنّه لم يدلّ دليل من الكتاب و السنّة على لزوم ثبوتهما بشهادة أربعة رجال:

أمّا اللواط ففي صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - النور 24: 4.

2) - النور 24: 13.

3) - وسائل الشيعة 28: 94 / الباب 12 من حدّ الزنا / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 28: 94 / الباب 12 من حدّ الزنا / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 28: 95 / الباب 12 من حدّ الزنا / الحديث 4.

«سمعته يقول: انّ في كتاب علي عليه السلام اذا أخذ الرجل مع غلام فيلحاف مجرّدين ضرب الرجل و أدّب الغلام و ان كان ثقب و كان محصنا رجم».(1)

و قال تعالى: «و اللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا و أصلحا فأعرضوا عنهما انّ اللّه كان توّابا رحيما»(2).

و قد حمل هذه الآية أكثر المفسّرين على حكم الزنا بقرينة الآية السابقة.

و قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «انّ المراد من الفاحشة في الآية هو خصوص اللواط، فيقيّد الايذاء بآية الجلد أو الرجم بالسنّة القطعيّة».(3)

و أمّا السحق ففي صحيحة محمّد بن أبي حمزة و هشام و حفص كلّهم عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهنّ عن السحق فقال: حدّها حدّ الزاني، فقالت المرأة: ماذكر اللّه ذلك في القرآن؟ فقال: بلى، قالت: و أين هنّ؟ قال: هنّ أصحاب الرسّ».(4)

و في مرسلة الطبرسي في مكارم الأخلاق عن النبي صلى الله عليه و آله قال:

«السحق في النساء بمنزلة اللواط في الرجال، فمن فعل من ذلك شيئا فاقتلوهما ثمّ اقتلوهما».(5)

و على أيّ حال فلم يدلّ دليل من الكتاب و السنّة على اشتراط ثبوتهما بأربعة رجال.


1) - وسائل الشيعة 28: 159 / الباب 3 من أبواب حدّ اللواط / الحديث 7.

2) - النساء 4: 16.

3) - البيان: 311.

4) - وسائل الشيعة 28: 165 / الباب 1 من أبواب حدّ السحق و القيادة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 28: 166 / الباب 1 من أبواب حدّ السحق و القيادة / الحديث 3.

نعم، المسألة اجماعيّة لا خلاف فيها، فالدليل في المسألة هو الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السلام .

قال في الجواهر: «و لم نعثر في النصوص على ما يدلّ على اعتبار الأربعة في الأخيرين. نعم، فيها ثبوت اللواط بالاقرار أربعا كما أنّ فيها كون المساحقة في النساء كاللواط في الرجال و فيها أيضا تشديد أمرهما خصوصا الأوّل منهما».(1)

ثمّ انّ الكلام في حدّ الثلاثة موكول الى محلّه.

و أمّا اتيان البهائم ففي كيفيّة ثبوته قولان، أصحّهما و أشهرهما بل المشهور - كما في الجواهر - ثبوته بشاهدين؛ لاطلاق ما دلّ على الثبوت بهما و حجّيّة قولهما؛ خلافا للمحكي عن الشيخ حيث قال بلزوم الأربعة فيه أيضا.

و استدلّ أوّلاً بالأصل.

و ثانيا بمشاركته للزنا و نحوه في الهتك.

ولكن الأوّل مقطوع بما عرفت من الدليل. و الثاني قياس باطل.

فيما يثبت به الزنا

و يثبت الزنا خاصّة بثلاثة رجال و امرأتين و برجلين و أربع نساء، غير أنّ الأخير لايثبت به الرجم و يثبت به الجلد و لايثبت بغير ذلك.

يدلّ على ثبوت الزنا بثلاثة رجال و امرأتين مطلقا، و عدم ثبوت الرجم برجلين و أربع نسوة روايات كثيرة:

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن شهادة النساء في الرجم، فقال: اذا كان ثلاثة رجال و امرأتان، و اذا كان رجلان و أربع نسوة لم تجز في الرجم».(2)


1) - جواهر الكلام 41: 154.

2) - وسائل الشيعة 27: 351 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

و منها رواية ابراهيم الحارقي قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: تجوز شهادة النساء - الى أن قال: - وتجوز في حدّ الزنا اذا كان ثلاثة رجال و امرأتان، و لاتجوز اذا كان رجلان و أربع نسوة و لاتجوز شهادتهنّ في الرجم».(1)

و منها صحيحة محمّد بن الفضيل قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو رجم؟ قال: تجوز شهادة النساء فيما لاتستطيع الرجال أن ينظروا اليه و ليس معهنّ رجل و تجوز شهادتهنّ في النكاح اذا كان معهنّ رجل و تجوز شهادتهنّ في حدّ الزنا اذا كان ثلاثة رجال و امرأتان و لاتجوز شهادة رجلين و أربع نسوة في الزنا و الرجم و لاتجوز شهادتهنّ في الطلاق و لا في الدم».(2)

و منها ما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام عن علي عليه السلام قال:

«تجوز شهادة النساء في الرجل اذا كان ثلاثة رجال و امرأتان و اذا كان أربع نسوة و رجلان فلايجوز الرجم».(3)

و منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لاتجوز شهادة النساء في رؤية الهلال، و لايجوز في الرجم شهادة رجلين و أربع نسوة و يجوز في ذلك ثلاثة رجال و امرأتان. الحديث».(4)

و منها ما في صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام عن علي عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 27: 352 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 27: 352 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 27: 354 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 27: 353 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 10.

«اذا شهد ثلاثة رجال و امرأتان جاز في الرجم و اذا كان رجلان و أربع نسوة لم يجز».(1)

و منها صحيحة زيد الشحّام قال:

«سألته عن شهادة النساء قال: فقال: لاتجوز شهادة النساء في الرجم الاّ مع ثلاثة رجال و امرأتين، فان كان رجلان و أربع نسوة فلاتجوز في الرجم. الحديث».(2)

فانّها تدلّ على ثبوت الزنا مطلقا بثلاثة رجال مع امرأتين لتقوما مقام رجل واحد و كذا تدلّ على عدم ثبوت الرجم بأربع نسوة مع رجلين.

و لاتعارضها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا شهد ثلاثة رجال و امرأتان لم يجز في الرجم. الحديث».(3)

و ذلك لأنّها تحمل على التقيّة كما حملها الشيخ رحمه الله.

و أمّا ثبوت الجلد بشهادة رجلين مع أربع نسوة فقال فيه في المسالك: «و هي مع كثرتها ليس فيها تصريح بثبوت الجلد برجلين و أربع نسوة لكن الشيخ و جماعة استندوا في ثبوته الى رواية أبان عن عبدالرحمن.

و حيث انتفى الرجم بالأخبار الكثيرة ثبت الجلد. و فيه نظر؛ لضعف الطريق عن اثبات مثل ذلك، مع ورود روايات كثيرة بأنّه لاتقبل شهادتهنّ فى حدّ و من ثمّ ذهب جماعة - منهم الصدوقان و أبو الصلاح و العلاّمة في المختلف - الى عدم ثبوت الحدّ بذلك؛ عملاً بالأصل و بأنّه لو ثبت الزنا بشهادتهم لثبت الرجم و التالي باطل؛ للأخبار الكثيرة الدالّة على عدم سماع رجلين و أربع نسوة في الرجم فالمقدّم مثله. و بيان الملازمة دلالة الاجماع على وجوب الرجم على المحصن


1) - وسائل الشيعة 27: 357 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 25.

2) - وسائل الشيعة 27: 359 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 32.

3) - وسائل الشيعة 27: 358 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 28.

الزاني فان ثبت هذا الوصف ثبت الحكم، و الاّ فلا. و هذا الحكم متّجه».(1)

أقول:

قد دلّت روايات على عدم نفوذ شهادة النساء في مطلق الحدود:

منها صحيحة غياث بن ابراهيم عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي عليهم السلام قال:

«لاتجوز شهادة النساء في الحدود و لا في القود».(2)

و منها رواية موسى بن اسماعيل بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام قال:

«لاتجوز شهادة النساء في الحدود و لا قود».(3)

و منها رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام أنّه كان يقول:

«شهادة النساء لاتجوز في طلاق و لا نكاح و لا في حدود الاّ في الديون و ما لايستطيع الرجال النظر اليه».(4)

فانّها بعمومها تدلّ على عدم قبول شهادة النساء في مطلق الحدود الاّ أنّ هناك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال و امرأتان قال:

«فقال: اذا شهد عليه ثلاثة رجال و امرأتان وجب عليه الرجم و ان شهد عليه رجلان و أربع نسوة فلاتجوز شهادتهم و لايرجم ولكن يضرب حدّ الزاني».(5)

فتخصّص بها عمومات المنع من شهادة النساء في الحدود و تكون نتيجة الجمع نفوذ شهادة رجلين و أربع نسوة في الزنا و ثبوت الجلد بها و ان كان محصنا.


1) - مسالك الأفهام 14: 248 و 249.

2) - وسائل الشيعة 27: 358 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 29.

3) - وسائل الشيعة 27: 359 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 30.

4) - وسائل الشيعة 27: 362 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 42.

5) - وسائل الشيعة 28: 132 / الباب 30 من أبواب حدّ الزنا / الحديث 1.

و أمّا الرواية التي قال الشهيد رحمه الله باستناد الأصحاب اليها فهي ما رواه عبدالرحمن عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال».(1)

و هي كما ذكره ضعيفة لاتصلح للاستدلال و ان صلحت للتأييد.

ثمّ اعلم أنّه لايثبت اللواط و السحق بما ذكر ثبوت الزنا به و ذلك للعمومات المتقدّمة في عدم ثبوت الرجم بشهادتهنّ و الخروج منها يحتاج الى مخصّص و هو لايكون الاّ في الزنا، فلا مقتضي لالحاقهما بالزنا.

و أمّا الزنا فلايثبت الاّ بالطرق الثلاثة و لايتعدّى الحكم الى غيرها كما فعله الشيخ رحمه الله في الخلاف حيث ذهب الى ثبوت الحدّ دون الرجم بشهادة رجل واحد و ستّ نساء، و هو ضعيف؛ لعدم الدليل على ذلك الاّ ما يستأنس من رواية عبدالرحمن التي عرفت ضعفها.

فيما يثبت بشاهدين

و منه ما يثبت بشاهدين و هو ما عدا ذلك، و من الجنايات الموجبة للحدود كالسرقة و شرب الخمر و الردّة. و لايثبت شيء من حقوق اللّه تعالى بشاهد و امرأتين و لا بشاهد و يمين و لا بشهادة النساء منفردات و لو كثرن.

انّ الأصل في الشهادة شهادة رجلين عدلين كما تدلّ على ذلك أدلّة حجّيّة البيّنة، خرج منه الحقوق الثلاثة المتقدّمة و بقي الباقي تحته فيثبت حقوق اللّه سبحانه برجلين عدلين كحدّ السرقة و شرب الخمر و الردّة.

و أمّا شهادة رجل واحد مع امرأتين فلاتثبت شيئا من حقوق اللّه تعالى و ذلك لعدم دليل مخصّص للأصل المذكور، و اختصاص نفوذ هذه الشهادة بموارد خاصّة ليس منها حقوق اللّه تعالى.


1) - وسائل الشيعة 27: 356 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 21.

و كذا الكلام في الشاهد و اليمين فانّ لهما موارد خاصّة ستذكر ان شاء اللّه تعالى.

و أمّا شهادة النساء منفردات فقد تقدّم ما يدلّ على عدم قبول شهادتهنّ، في حقوق اللّه تعالى و سيأتي موارد نفوذها.

و أمّا حقوق الآدمي فثلاثة: منها ما لايثبت الاّ بشاهدين و هو الطلاق و الخلع و الوكالة و الوصيّة اليه و النسب و رؤية الأهلّة، و في العتق و القصاص و النكاح تردّد أظهره ثبوته بالشاهد و المرأتين.

فيما لايثبت الاّ بشاهدين

قال في المسالك: «مورد الشاهدين من حقوق الآدمي كلّ ما ليس بمال و لا المقصود منه المال، فمن ثمّ توقّفت الستّة الأول على الشاهدين، اذ لا تعلّق لها بالمال أصلاً. ولكن اختلف كلام الشيخ في ثبوت الطلاق بشهادة النساء منضمّات، ففي الخلاف و النهاية نصّ على المنع؛ عملاً بالقاعدة و لورود الروايات الكثيرة به و قوّى في المبسوط قبول شهادتهنّ فيه مع الرجال. و اليه ذهب جماعة و هو ضعيف. و أمّا الخلع فان كان مدّعيه المرأة فكالطلاق. و ان كان هو الرجل فهو متضمّن لدعوى المال، و مع ذلك فالمشهور عدم ثبوته بذلك مطلقا، من حيث تضمّنه البينونة و الحجّة لاتتبعّض».(1)

أقول:

من حقوق الآدمي ما لايثبت الاّ بشاهدين دون شاهد و امرأتين، كالطلاق و الخلع و الوكالة و الوصاية و النسب و رؤية الأهلّة و ذلك للروايات الواردة في الباب الدالّة عليه:


1) - مسالك الأفهام 14: 250 و 251.

أمّا بالنسبة الى الطلاق فقوله عليه السلام في صحيحة الحلبي:

«و كان علي عليه السلام يقول: لاأجيزها (شهادة النساء) في الطلاق».(1)

و قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن الفضيل:

«و لاتجوز شهادتهنّ في الطلاق».(2)

و قوله عليه السلام في صحيحة أبي الصباح الكناني:

«و لاتجوز في الطلاق».(3)

و كذا ما في روايات أخرى عن ابراهيم الحارقي و زرارة و السكوني.(4)

و أمّا بالنسبة الى رؤية الهلال فصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قال: لاتجوز شهادة النساء في الهلال و لا في الطلاق. الحديث».(5)

و كذا تدلّ على الطلاق.

و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لاتجوز شهادة النساء في رؤية الهلال. الحديث».(6)

و صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاتقبل شهادة النساء في رؤية الهلال و لايقبل في الهلال الاّ رجلان عدلان».(7)


1) - وسائل الشيعة 27: 351 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 352 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 27: 357 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 25.

4) - وسائل الشيعة 27: 350 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الأحاديث 5 و 11 و 42.

5) - وسائل الشيعة 27: 353 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 8.

6) - وسائل الشيعة 27: 353 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 10.

7) - وسائل الشيعة 27: 355 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 17.

و صحيحة العلاء عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«لاتجوز شهادة النساء في الهلال».(1)

و أمّا بالنسبة الى الوصاية - و هي تعيين الوصي - فصحيحة أخرى لعبداللّه بن سنان قال:

«سألته عن امرأة حضرها الموت و ليس عندها الاّ امرأة أتجوز شهادتها؟ فقال: لاتجوز شهادتها الاّ في المنفوس و العذرة».(2)

فانّها تدلّ على عدم قبول شهادتهنّ مطلقا الاّ أنّها قابلة للتقييد أو التخصيص كما سيأتي، فيستفاد منها باطلاقها عدم نفوذ الشهادة في الوصاية أيضا.

و يمكن أن يستفاد الحكم أيضا من صدر صحيحة محمّد بن الفضيل المتقدّمة حيث قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو رجم؟ قال: تجوز شهادة النساء فيما لاتستطيع الرجال أن ينظروا اليه و ليس معهنّ رجل. الحديث».

فانّه عليه السلام خصّ نفوذ شهادتهنّ بموارد خاصّة و لم يذكر غيرها، فيستفاد من هذه الروايات و أمثالها أنّ القاعدة الأوّليّة في الشهادة هي نفوذ شهادة الرجال أوّلاً و بالذات فلاتجوز شهادة النساء و ان انضممن الى الرجال الاّ مع ورود النصّ كما تقدّم في الرجم و في الجلد و سيأتي في الموارد المخصوصة و منها النكاح:

كما في صدر صحيحة الحلبي المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّه سئل عن شهادة النساء في النكاح، فقال: تجوز اذا كان معهنّ رجل. الحديث».

و قوله عليه السلام في رواية أبي بصير:


1) - وسائل الشيعة 27: 356 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 18.

2) - وسائل الشيعة 27: 357 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 24.

«و تجوز شهادتهنّ في النكاح اذا كان معهنّ رجل. الحديث».(1)

و قوله عليه السلام في رواية ابراهيم الحارقي المتقدّمة:

«و تجوز شهادتهنّ في النكاح».

و قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن الفضيل المتقدّمة:

«و تجوز شهادتهنّ في النكاح اذا كان معهنّ رجل».

و كذا رواية زرارة و صحيحة أبي الصباح الكناني المتقدّم ذكرهما.

و لاتعارضها رواية اسماعيل بن عيسى قال:

«سألت الرضا عليه السلام : هل تجوز شهادة النساء في التزويج من غير أن يكون معهنّ رجل؟ قال: لا، هذا لايستقيم».(2)

و رواية السكوني عن علي عليه السلام :

«انّه كان يقول: شهادة النساء لاتجوز في طلاق و لا نكاح و لا في حدود الاّ في الديون و ما لايستطيع الرجال النظر اليه».(3)

فانّهما أوّلاً: ضعيفتان من حيث السند.

و ثانيا: انّ الأولى مصرّحة بشهادة النساء وحدهنّ من غير أن يكون معهنّ رجل، و الثانية محمولة على ما صرّحت به الأولى، جمعا بينها و بين الروايات الأخر.

و أمّا القصاص و الدية، فسيأتي الكلام فيهما و أنّ الأوّل لايثبت الاّ بشاهدين عدلين و الثاني يثبت بشهادة النساء في الجملة.


1) - وسائل الشيعة 27: 351 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 27: 362 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 39.

3) - وسائل الشيعة 27: 362 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 42.

فيما يثبت بشاهدين و شاهد و امرأتين و شاهد و يمين

و منها ما يثبت بشاهدين و شاهد و امرأتين و شاهد و يمين. و هو الديون و الأموال كالقرض و القراض و الغصب و عقود المعاوضات كالبيع و الصرف و السلم و الصلح و الاجارات و المساقاة و الرهن و الوصيّة له و الجناية التي توجب الدية. و في الوقف تردّد أظهره أنّه يثبت بشاهد و امرأتين و بشاهد و يمين.

قد تقدّم منّا الكلام عن هذا في كتاب القضاء مفصّلاً و قلنا هناك بثبوت حقوق الناس كلّها بشاهد واحد مع امرأتين و كذا بشاهد و يمين فانّهم قد اختلفوا في موارد ثبوت الحكم بشاهد و يمين و كذا شاهد واحد مع امرأتين على أقوال:

فمنهم من اختصّ مورده بالدين فقط. و منهم من أضاف اليه العين أيضا.

و منهم من قال بعموميّته لما كان مالاً أو المقصود منه المال كما في المتن.

و منهم من قال بشموله لحقوق الناس مالاً أو غيره، بخلاف حقوق اللّه تعالى.

و التأمّل في طوائف مختلفة من الأخبار يعطي أنّه لا فرق بين شاهدين و بين شاهد واحد مع يمين المدّعي و كذا شاهد و امرأتين الاّ في حقوق اللّه عزّوجلّ و رؤية الهلال.

فلنذكر الروايات المعتبرة المختلفة الواردة في الباب حتّى يتبيّن الحال:

فمنها ما ذكر فيها لفظ الدين كما في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تجوز شهادة النساء مع الرجل في الدين؟ قال: نعم».(1)

و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله أجاز شهادة النساء في الدين و ليس معهنّ رجل».(2)


1) - وسائل الشيعة 27: 351 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 356 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 20.

و رواها في الوسائل بطريق آخر أيضا.(1)

و ما في موثّقة داود بن الحصين عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«فقلت: فأنّى ذكر اللّه تعالى قوله: «فرجل و امرأتان» فقال: ذلك في الدين اذا لم يكن رجلان فرجل و امرأتان و رجل واحد و يمين المدّعي اذا لم يكن امرأتان، قضى بذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أميرالمؤمنين عليه السلام بعده عندكم».(2)

و رواية السكوني عن علي عليه السلام :

«انّه كان يقول: شهادة النساء لاتجوز في طلاق و لا نكاح و لا في حدود الاّ في الديون و ما لايستطيع الرجال النظر اليه».(3)

و ما في صحيحة أخرى للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدين، يحلف باللّه أنّ حقّه لحقّ».(4)

و ما في صحيحة حمّاد بن عثمان من أنّه:

«كان علي عليه السلام يجيز في الدين شهادة رجل و يمين المدّعي».(5)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يجيز في الدين شهادة رجل واحد و يمين صاحب الحقّ، و لم يجز في الهلال الاّ شاهدي عدل».(6)

فهذه الطائفة تذكر الدين بالنسبة الى شاهد و يمين أو شهادة النساء.


1) - وسائل الشيعة 27: 363 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 43.

2) - وسائل الشيعة 27: 361 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 35.

3) - وسائل الشيعة 27: 362 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 42.

4) - وسائل الشيعة 27: 271 / الباب 15 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 27: 268 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 11.

6) - وسائل الشيعة 27: 264 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

و منها ما هي أعمّ من الطائفة السابقة فجاء فيها «صاحب الحقّ» أو «طالب الحقّ» أو لفظ الحقوق أو أطلق ثبوت الشهادة:

كما في صحيحة منصور بن حازم:

«انّ أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال: اذا شهد لطالب الحقّ امرأتان و يمينه فهو جائز».(1)

و روايته قال:

«حدّثني الثقة عن أبي الحسن عليه السلام قال: اذا شهد لصاحب الحقّ امرأتان و يمينه، فهو جائز».(2)

و قد شهد به الكتاب العزيز حيث قال تعالى: «فان لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان»(3).

و قد ورد في تفسيره عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:

«عدلت امرأتان في الشهادة برجل واحد، فاذا كان رجلان أو رجل و امرأتان أقاموا الشهادة، قضي بشهادتهم. الحديث».(4)

و كما في صحيحته الأخرى:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحقّ».(5)

و ما في صحيحة أبي مريم:

«أجاز رسول اللّه صلى الله عليه و آله شهادة شاهد مع يمين طالب الحقّ اذا حلف أنّه الحقّ».(6)


1) - وسائل الشيعة 27: 271 / الباب 15 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 271 / الباب 15 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 4.

3) - البقرة 2: 282.

4) - وسائل الشيعة 27: 272 / الباب 15 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 27: 264 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

6) - وسائل الشيعة 27: 267 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 9.

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لو كان الأمر الينا أجزنا شهادة الرجل الواحد، اذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأمّا ما كان من حقوق اللّه عزّوجلّ، أو رؤية الهلال فلا».(1)

و صحيحة حمّاد بن عيسى:

«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد قضى بشاهد و يمين».(2)

و في مضمرة يونس قال:

«استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين فان لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان فان لم تكن امرأتان فرجل و يمين المدّعي فان لم يكن شاهد فاليمين على المدّعى عليه. الحديث».(3)

بناءً على أنّ يونس بن عبدالرحمن الذي هو من أجلاّء أصحاب الأئمّة لايروي الاّ عن المعصوم عليه السلام .

فانّ الجمع بين هذه الروايات يعطي ثبوت شهادة المرأتين مع الرجل الواحد و كذا الشاهد و اليمين في حقوق الناس كلّها.

قال في الجواهر: «نعم، قد يناقش في ثبوت غير الدين بالشاهد و المرأتين؛ لاختصاص الأدلّة المزبورة حتّى الآية بذلك خصوصا بعد ما سمعته من خبر داود بن الحصين الوارد في تفسيرها، و خبر محمّد بن خالد الوارد في الوصيّة ظاهر في ارادة ثبوتها بشهادة جنس الرجل و جنس الامرأة؛ لأنّها وصيّة. ولكن قد يدفع بظهور ما في ذيل الآية من الاشهاد على البيع في ارادة الاشهاد السابق الذي كان منه الرجل و المرأتان متمّما بعدم القول بالفصل و بظهور خبر محمّد بن خالد


1) - وسائل الشيعة 27: 268 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 12.

2) - وسائل الشيعة 27: 267 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 27: 271 / الباب 15 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

المزبور في أنّ الشاهد و اليمين قائم مقام الشاهد و المرأتين و حينئذ فهما أولى من اليمين مع الرجل و بما ورد من اثبات الحقّ بالامرأتين مع اليمين.

بل الظاهر ثبوت ذلك كلّه بهما مع اليمين وفاقا للمشهور شهرة عظيمة بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع عليه؛ للصحيحتين المتقدّمتين عن منصور بن حازم المؤيّدتين بصحيح الحلبي المتقدّم بعد الاجماع الاّ النادر على عدم قبولهنّ بدون اليمين في الدين كما ستعرف و كذا صحيحته الأخرى و بغير ذلك ممّا يدلّ باطلاقه على قيام الامرأتين مقام الرجل. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّه بقي الكلام في الوقف و قد تقدّم أنّ فيه اشكالاً منشؤه النظر الى من ينتقل اليه، فهل هو الموقوف عليهم أم اللّه تعالى أو الأوّل مع الانحصار و الثاني مع عدمه أو يبقى على ملك الواقف؟

و الظاهر أنّ الوقف ينتقل الى الموقوف عليهم مطلقا مع تعلّق القربة باللّه تعالى في الوقف العامّ، فيثبت بالشاهد و اليمين و الشاهد مع المرأتين.

انّما الاشكال في اليمين المتعلّقة بالوقف العامّ و أنّه لايصحّ أن يحلفها أحد من الموقوف عليهم، ولكن يمكن حلّه بوقوع اليمين من المتولّي للوقف بلا فرق بين الوقف العامّ و الخاصّ و لو لم يكن متولّيا فالأمر الى نائب الفقيه في ذلك.


1) - جواهر الكلام 41: 167 و 168.

فيما يثبت بالرجال و النساء منفردات و منضمّات

إشارة:

«الثالث»: ما يثبت بالرجال و النساء منفردات و منضمّات و هو الولادة و الاستهلال و عيوب النساء الباطنة. و في قبول شهادة النساء منفردات في الرضاع خلاف أقربه الجواز. و تقبل شهادة امرأتين مع رجل في الديون و الأموال و شهادة امرأتين مع اليمين و لاتقبل فيه شهادة النساء منفردات و لو كثرن. و تقبل شهادة المرأة الواحدة في ربع ميراث المستهلّ و في ربع الوصيّة و كلّ موضع تقبل فيه شهادة النساء لايثبت بأقلّ من أربع.

قال في المسالك: «ضابط هذا القسم ما يعسر اطّلاع الرجال عليه غالبا و ذلك كالولادة و البكارة و الثيوبة و عيوب النساء الباطنة كالرتق و القرن و الحيض و استهلال المولود و أصله الصوت عند ولادته، و المراد منه ولادته حيّا ليرث. و احترز بالباطنة عن مثل العرج و الجذام في الوجه و ان كانت حرّة؛ لأنّه ليس من العورة. و اختلف في الرضاع و الأظهر أنّه كذلك لأنّه أمر لايطّلع عليه الرجال غالبا فمسّت الحاجة الى قبول شهادتهنّ فيه كغيره من الأمور الخفيّة على الرجال من عيوب النساء و غيرها - الى أن قال: - و قال الشيخ في الخلاف و موضع من المبسوط و ابن ادريس و نجيب الدين يحيى بن سعيد و الأكثر: انّه لاتقبل فيه شهادة النساء لأصالة الاباحة. و لايخفى ضعف الأصالة مع معارضة الشهادة».(1)

أقول:

تقبل شهادة النساء منفردات و منضمّات فيما يعسر اطّلاع الرجال عليه غالبا، كالولادة و الاستهلال و عيوب النساء الباطنة و غير ذلك ممّا ذكره في المسالك و الدليل على ذلك روايات:

منها صحيحة محمّد بن الفضيل قال:


1) - مسالك الأفهام 14: 258 و 259.

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو رجم؟ قال: تجوز شهادة النساء فيما لاتستطيع الرجال أن ينظروا اليه و ليس معهنّ رجل».(1)

و منها موثّقة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تجوز شهادة النساء في العذرة و كلّ عيب لايراه الرجل».(2)

و منها ما في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تجوز شهادة النساء وحدهنّ بلا رجال في كلّ ما لايجوز للرجال النظر اليه، و تجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس».(3)

و منها رواية أبي بصير قال:

«سألته عن شهادة النساء؟ فقال: تجوز شهادة النساء وحدهنّ على ما لايستطيع الرجال النظر اليه. الحديث».(4)

و نظيرها رواية ابراهيم الحارقي و رواية داود بن سرحان و رواية السكوني.(5)

و كذا تجوز شهادتهنّ منفردات و منضمّات في الرضاع لما مرّ في المسالك و الروايات العامّة التي دلّت على قبول شهادتهنّ في كلّ ما يعسر اطّلاع الرجال عليه غالبا الذي منه الرضاع و لخصوص مرسلة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام في امرأة أرضعت غلاما و جارية قال:

«يعلم ذلك غيرها؟ قال: لا، قال: فقال: لاتصدّق ان لم يكن غيرها».(6)


1) - وسائل الشيعة 27: 352 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 27: 353 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 27: 354 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 10.

4) - وسائل الشيعة 27: 351 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 27: / الباب 24 من كتاب الشهادات / الأحاديث 5 و 12 و 13.

6) - وسائل الشيعة 20: 401 / الباب 12 من أبواب ما يحرم بالرضاع / الحديث 3.

و هي - كما في المسالك - بمفهوم الشرط تدلّ على قبول قولها اذا كان معها غيرها؛ لأنّ عدم الشرط يقتضي عدم المشروط و هو عدم التصديق، فيثبت نقيضه و هو التصديق.

ثمّ اعلم أنّ كلّ موضع تقبل فيه شهادة النساء لايثبت بأقلّ من أربع و استثني من ذلك شهادة المرأة الواحدة في ربع ميراث المستهلّ و في ربع الوصيّة بالمال بنصّ خاصّ و نصفهما باثنين و ثلاثة أرباعهما بشهادة ثلاث. كما يثبت جميعهما بشهادة أربع نساء بالروايات المتقدّمة.

و الدليل على الاستثناء روايات:

منها صحيحة عمر بن يزيد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل مات و ترك امرأته و هي حامل فوضعت بعد موته غلاما ثمّ مات الغلام بعد ما وقع الى الأرض، فشهدت المرأة التي قبلتها أنّه استهلّ و صاح حين وقع الى الأرض ثمّ مات. قال: على الامام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام».(1)

و منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في وصيّة لم يشهدها الاّ امرأة فقضى أن تجاز شهادة المرأة في ربع الوصيّة».(2)

و منها صحيحة ربعي عن أبي عبداللّه عليه السلام في شهادة امرأة حضرت رجلاً يوصي فقال:

«يجوز في ربع ما أوصى بحساب شهادتها».(3)

و منها صحيحة ابن سنان قال:


1) - وسائل الشيعة 27: 352 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 27: 355 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 15.

3) - وسائل الشيعة 27: 355 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 16.

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: تجوز شهادة القابلة في المولود اذا استهلّ و صاح في الميراث و يورث الربع من الميراث بقدر شهادة امرأة واحدة، قلت: فان كانت امرأتين؟ قال: تجوز شهادتهما في النصف من الميراث».(1)

و منها صحيحة أخرى لمحمّد بن قيس قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في وصيّة لم يشهدها الاّ امرأة أن تجوز شهادة المرأة في ربع الوصيّة اذا كانت مسلمة غير مريبة في دينها».(2)

و لاتعارضها صحيحة عبدالرحمن قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة يحضرها الموت و ليس عندها الاّ امرأة تجوز شهادتها؟ قال: تجوز شهادة النساء في العذرة و المنفوس و قال: تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال».(3)

و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألته عن امرأة حضرها الموت و ليس عندها الاّ امرأة أتجوز شهادتها؟ فقال: لاتجوز شهادتها الاّ في المنفوس و العذرة».(4)

لأنّهما تحملان على عدم قبول شهادتها في تمام الوصيّة أو تمام الارث.

و يمكن أن يقال أيضا بأنّهما مطلقتان بالنسبة الى المنفوس و أنّ الروايات التي تقدّمت مقيّدة لهما، فانّ المراد من الشهادة في المنفوس في هذه الروايات هو الشهادة على ارث المستهلّ.


1) - وسائل الشيعة 27: 364 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 45.

2) - وسائل الشيعة 19: 317 / الباب 22 من كتاب الوصايا / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 27: 356 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 21.

4) - وسائل الشيعة 27: 357 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 24.

و هكذا يكون الحال بالنسبة الى رواية ابراهيم بن محمّد الهمداني قال:

«كتب أحمد بن هلال الى أبي الحسن عليه السلام : امرأة شهدت على وصيّة رجل لم يشهدها غيرها و في الورثة من يصدّقها و فيهم من يتّهمها، فكتب: لا، الاّ أن يكون رجل و امرأتان و ليس بواجب أن تنفذ شهادتها».(1)

مضافا الى أنّها ضعيفة السند.

و هكذا لاتعارض ما تقدّم صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«لاتجوز شهادة النساء في رؤية الهلال - الى أن قال: - و تجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس».(2)

و ما في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«و سألته عن شهادة القابلة في الولادة قال: تجوز شهادة الواحدة، و قال: تجوز شهادة النساء في المنفوس و العذرة».(3)

و كذا رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قال: تجوز شهادة امرأتين في استهلال».(4)

و ذلك لأنّ هذه الروايات و ان كانت مطلقة الاّ أنّه لا بدّ من رفع اليد عن اطلاقها بالروايات المتقدّمة و بموثّقة سماعة قال:

«قال: القابلة تجوز شهادتها في الولد على قدر شهادة امرأة واحدة».(5)


1) - وسائل الشيعة 27: 360 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 34.

2) - وسائل الشيعة 27: 353 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 10.

3) - وسائل الشيعة 27: 351 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 27: 362 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 41.

5) - وسائل الشيعة 27: 357 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 23.

فانّ هذه تكون مقيّدة لها بالنسبة الى الارث و الروايات المتقدّمة بالنسبة الى الوصيّة.

ثمّ اعلم أنّه كما يثبت ما ذكر بشهادة القابلة يثبت بشهادة غيرها من النساء و ان كانت واحدة ربع الارث و ذلك لما في صحيحة العلاء عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«و سألته هل تجوز شهادتهنّ وحدهنّ؟ قال: نعم، في العذرة و النفساء».(1)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألته تجوز شهادة النساء وحدهنّ؟ قال: نعم، في العذرة و النفساء».(2)

و كذا يدلّ عليه بعض ما تقدّم من الروايات.

بقي الكلام في صحيحة أخرى للحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن امرأة ادّعت أنّه أوصي لها في بلد بالثلث و ليس لها بيّنة. قال: تصدّق في ربع ما ادّعت».(3)

فانّها ظاهرة في ثبوت الربع و ان كانت الشاهدة تشهد لنفسها ولكنّها مطروحة لا عامل بظاهرها منّا.

و يمكن أن تؤوّل كما في الوسائل بكون «اللام» في «لها» بمعنى «الى» بمعنى أنّ المرأة ادّعت أنّه أوصي اليها ولكن شهدت لغيرها بالملكيّة.

و كذا يحتمل أن تحمل على الاستحباب أي استحباب تصديقها في الربع.


1) - وسائل الشيعة 27: 356 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 18.

2) - وسائل الشيعة 27: 356 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 19.

3) - وسائل الشيعة 19: 317 / الباب 22 من كتاب الوصايا / الحديث 5.

فرعان:

الفرع الأوّل : في ثبوت الدية بشهادة النساء

قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «و في ثبوت ربع الدية بشهادة المرأة الواحدة في القتل و نصفها بشهادة امرأتين و ثلاثة أرباعها بشهادة ثلاث اشكال و ان كان الأقرب الثبوت خلافا للمشهور».(1)

فانّه رحمه الله استدلّ على ما ذهب اليه بصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في غلام شهدت عليه امرأة أنّه دفع غلاما في بئر فقتله فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة».(2)

ثمّ قال: «انّ مقتضى اطلاق الصحيحة عدم الفرق بين أن تكون الشهادة على القتل متعمّدا أو غير متعمّد كما أنّ مقتضى قوله عليه السلام : «بحساب شهادة المرأة» ثبوت النصف بشهادة امرأتين و ثبوت ثلاثة أرباع بشهادة ثلاث نسوة. و أمّا ثبوت تمام الدية فقد تقدّم الكلام فيه. ثمّ انّ هذه الصحيحة رواها الصدوق في الفقيه و أسقط قوله: «بحساب شهادة المرأة» ولكن ذلك لايضرّ فانّ عدم ذكر هذه الجملة لايدلّ على عدم وجودها على أنّه لا بدّ من حملها على ذلك؛ اذ لا شكّ في عدم قبول شهادة المرأة الواحدة في تمام الدية».

ثمّ أيّد ما ذكره برواية عبداللّه بن الحكم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن امرأة شهدت على رجل أنّه دفع صبيّا في


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 165.

2) - وسائل الشيعة 27: 357 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 26.

بئر فمات، قال: على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة».(1)

فانّها و ان كانت ضعيفة لاتصلح للاستدلال الاّ أنّها تصلح للتأييد.

و قال في الجواهر: «و لاتقبل عندنا شهادة الواحدة في غير ذلك (أي الميراث و الوصيّة بالمال). نعم، في الكافي و الغنية و الاصباح ثبوت ربع الدية بشهادتهاأيضا لخبري ابني قيس و الحكم المتقدّمين سابقا اللذين لم يجمعا شرائط الحجّيّة، فالأصل حينئذ و غيره بحاله، كما هو واضح».(2)

أقول:

هنا طائفتان من الروايات:

الأولى منهما ناطقة بقبول شهادة النساء مطلقا:

منها صحيحة جميل بن درّاج و محمّد بن حمران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلنا: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: في القتل وحده، انّ عليّا عليه السلام كان يقول: لايبطل دم امرئ مسلم».(3)

و منها ما في صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام عن علي عليه السلام قال:

«تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم».(4)

و منها ما في صحيحة زيد الشحّام قال:

«فقلت: أفتجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال: نعم».(5)

فانّ هذه الروايات تدلّ على قبول شهادة النساء في القتل و تشمل باطلاقها ثبوت القصاص و الدية معا.


1) - وسائل الشيعة 27: 359 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 33.

2) - جواهر الكلام 41: 174.

3) - وسائل الشيعة 27: 350 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 27: 357 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 25.

5) - وسائل الشيعة 27: 359 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 32.

الثانية منهما ما بظاهرها معارضة للأولى:

منها معتبرة غياث بن ابراهيم عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي عليهم السلام قال:

«لاتجوز شهادة النساء في الحدود و لا في القود».(1)

و منها صحيحة ربعي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاتجوز شهادة النساء في القتل».(2)

و هاتان الروايتان تدلاّن على عدم قبول شهادتهنّ في القصاص فيقيّد اطلاق الروايات المتقدّمة بهما فيكون النتيجة ثبوت الدية بشهادة النساء دون القصاص.

و على ذلك يحمل ما في ذيل صحيحة محمّد بن فضيل عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«و لاتجوز شهادتهنّ في الطلاق و لا في الدم».(3)

و على هذا فلا اشكال في ثبوت الدية في الجملة بشهادة النساء الاّ أنّ القاعدة كما تقدّم في كلّ موضع يثبت بشهادة النساء، هي الثبوت بشهادة أربع نساء أو امرأتين مع رجل واحد.

و أمّا صحيحة محمّد بن قيس التي استدلّ بها المحقّق الخوئي رحمه اللهفيمكن أن يقال بأنّها غير منافية لهذا الجمع بل مؤيّدة له فانّ الظاهر أنّ مراده عليه السلام من قوله: «فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة» الاشارة الى القاعدة المذكورة، و لو لم يقبل هذا الحمل فتطرح أو تحمل على التقيّة لمخالفتها للمشهور.

و أمّا رواية عبداللّه بن الحكم فلاتقاوم القاعدة و الأصل لضعف سندها، و عليه فما ذهب اليه المشهور هو الصحيح.


1) - وسائل الشيعة 27: 358 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 29.

2) - وسائل الشيعة 27: 358 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 27.

3) - وسائل الشيعة 27: 353 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 7.

الفرع الثاني : في شهادة المرأة في غير ما ذكر قبولها فيه

ففي المسالك: «و قال المفيد: «و يقبل في عيوب النساء و الاستهلال و النفاس و الحيض و الولادة و الرضاع شهادة امرأتين مسلمتين و اذا لم يوجد الاّ شهادةامرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه». و تبعه سلاّر.

و أجاب في المختلف بالقول الموجب فانّه يثبت بشهادة الواحدة الربع مع أنّه لايدلّ على حكم غير الولادة. و ابن أبي عقيل خصّ القبول بالواحدة بالاستهلال عملاً بظاهر الخبر».(1)

و في الجواهر: «فما عن المفيد - من أنّه تقبل شهادة امرأتين مسلمتين مستورتين فيما لاتراه الرجال كالعذرة و عيوب النساء و النفاس و الحيض و الولادة و الاستهلال و الرضاع و اذا لم يوجد على ذلك الاّ شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه و نحوه في محكي المراسم بل عن متاجر التحرير: «و لو اشترى جارية على أنّها بكر فقال المشتري: انّها ثيّب أمر النساء بالنظر اليها و يقبل قول امرأة في ذلك» - واضح الضعف و ان كان قد يشهد له ظاهر قول الباقر عليه السلام في خبر أبي بصير: «تجوز شهادة امرأتين في الاستهلال» و صحيح الحلبي: «سئل الصادق عليه السلام عن شهادة القابلة وحدها في الولادة، قال: تجوز شهادة الواحدة» و في صحيح عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام : «و تجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس». الاّ أنّها لقصورها عن معارضة غيرها من وجوه يتّجه حينئذ حملها على ارادة القبول في الجملة لما عرفت من ثبوت بعض الحقّ بنسبة الشهادة في الاستهلال و الوصيّة».(2)


1) - مسالك الأفهام 14: 261.

2) - جواهر الكلام 41: 177.

أقول:

قد تقدّم الكلام في وجه الجمع بين هذه الروايات الدالّة على قبول قول امرأة واحدة في بعض الأمور كالمنفوس و العذرة و غير ذلك و بين الروايات الأخر و قلنا بأنّ الطائفة الأولى مطلقة قابلة للتقييد و الحمل، و حملناها على ثبوت بعضالحقّ في بعضها و على بيان القاعدة في بعضها الآخر، فراجع.

و على هذا فالمتحصّل ممّا تقدّم هو قبول شهادة النساء في بعض الأمور باشتراط كونهنّ أربعا الاّ في ميراث المستهلّ و الوصيّة.

فيما يشترط فيه الشهادة من العقود

إشارة:

مسائل: «الأولى»: الشهادة ليست شرطا في شيء من العقود الاّ في الطلاق و يستحبّ في النكاح و الرجعة و كذا في البيع.

ففي المسالك: «الاشهاد مستحبّ في البيع؛ لقوله تعالى: «و أشهدوا اذا تبايعتم» و في النكاح و الرجعة للأخبار الواردة بذلك، و قد تقدّمت في بابها. و لايجب في شيء من العقود و غيرها؛ عملاً بالأصل و ضعف الدليل الموجب. و قد تقدّم البحث في ذلك مرارا».(1)

أقول:

يشترط في صحّة الطلاق الاشهاد و ذلك لقوله تعالى في بيان أحكام الطلاق: «و أشهدوا ذوي عدل منكم»(2)، و الأمر ظاهر في الوجوب.

ففي تفسير الفضل بن الحسن الطبرسي (مجمع البيان) قال: «و أشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم، و هو المروي عن أئمّتنا عليهم السلام ».

و في تفسير العيّاشي عن أبي بصير قال:


1) - مسالك الأفهام 14: 261 و 262.

2) - الطلاق 65: 2.

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّ عمر بن رياح زعم أنّك قلت: لا طلاق الاّ ببيّنة، فقال: ما أنا قلته بل اللّه تبارك و تعالى يقوله. الحديث».(1)

و في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم و بكير و بريد و فضيل و اسماعيلالأزرق و معمر بن يحيى عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام (في حديث) أنّه قال:

«و ان طلّقها في استقبال عدّتها طاهرا من غير جماع و لم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه ايّاها بطلاق».(2)

و في صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل طلّق امرأته بعد ما غشيها بشهادة عدلين، قال: ليس هذا طلاقا، قلت: فكيف طلاق السنّة؟ فقال: يطلّقها اذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عدلين كما قال اللّه عزّوجلّ في كتابه، فان خالف ذلك ردّ الى كتاب اللّه، قلت: فان طلّق على طهر من غير جماع بشاهد و امرأتين؟ قال: لاتجوز شهادة النساء في الطلاق و قد تجوز شهادتهنّ مع غيرهنّ في الدم اذا حضرنه، قلت: فان أشهد رجلين ناصبيّين على الطلاق، أيكون طلاقا؟ فقال: من ولد على الفطرة أجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير».(3)

ثمّ انّه يعتبر الاشهاد في الظهار كما يشترط في الطلاق و تدلّ عليه عدّة روايات:

منها صحيحة حمران (في حديث) قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : لايكون ظهار في يمين و لا في اضرار و لا في


1) - وسائل الشيعة 22: 29 / الباب 10 من كتاب الطلاق / الحديث 13.

2) - وسائل الشيعة 22: 26 / الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 26 / الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه / الحديث 4.

غضب و لايكون ظهار الاّ في طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين».(1)

و منها صحيحة أخرى لحمران (في حديث) عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لايكون ظهارا الاّ على طهر بغير جماع بشهادة شاهدين مسلمين».(2)

فرع : في الاشهاد في غير الطلاق و الظهار

يستحبّ الاشهاد في النكاح؛ خلافا للعامّة حيث يوجبونه.

يدلّ على الاستحباب روايات:

منها موثّقة داود بن الحصين عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل معهنّ اذا كان المرأة منكرة، فقال: لابأس به ثمّ قال: ما يقول في ذلك فقهاؤكم؟ قلت: يقولون: لاتجوز الاّ شهادة رجلين عدلين فقال: كذبوا - لعنهم اللّه - هوّنوا و استخفّوا بعزائم اللّه و فرائضه و شدّدوا و عظّموا ما هوّن اللّه، انّ اللّه أمر في الطلاق بشهادة رجلين عدلين فأجازوا الطلاق بلا شاهد واحد و النكاح لم يجئ عن اللّه في تحريمه فسنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله في ذلك الشاهدين تأديبا و نظرا لئلاّ ينكر الولد و الميراث و قد ثبتت عقدة النكاح و استحلّ الفروج و لا أن يشهد و كان أميرالمؤمنين عليه السلام يجيز شهادة المرأتين في النكاح عند الانكار و


1) - وسائل الشيعة 22: 307 / الباب 2 من كتاب الظهار / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 22: 307 / الباب 2 من كتاب الظهار / الحديث 4.

لايجيز في الطلاق الاّ شاهدين عدلين، فقلت: فأنّى ذكر اللّه تعالى قوله: «فرجل و امرأتان» فقال: ذلك في الدين اذا لم يكن رجلان فرجل و امرأتان و رجل واحد و يمين المدّعي اذا لم يكن امرأتان، قضى بذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أميرالمؤمنين عليه السلام بعده عندكم».(1)

و منها صحيحة حفص بن البختري في الرجل يتزوّج بغير بيّنة قال: «لابأس».(2)

و منها صحيحة زرارة بن أعين قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتزوّج المرأة بغير شهود، فقال: لابأس بتزويج البتّة فيما بينه و بين اللّه انّما جعل الشهود في تزويج البتّة من أجل الولد، لولا ذلك لم يكن به بأس».(3)

و منها رواية محمّد بن الفضيل قال:

«قال أبو الحسن موسى عليه السلام لأبي يوسف القاضي: انّ اللّه أمر في كتابه بالطلاق و أكّد فيه بشاهدين و لم يرض بهما الاّ عدلين و أمر في كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود فأثبتّم شاهدين فيما أهمل و أبطلتم الشاهدين فيما أكّد».(4)

و منها رواية مسلم بن بشير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن رجل تزوّج امرأة و لم يشهدها، فقال: أمّا فيما بينه و بين اللّه عزّوجلّ فليس عليه شيء ولكن ان أخذه سلطان جائر عاقبه».(5)


1) - وسائل الشيعة 27: 360 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 35.

2) - وسائل الشيعة 20: 98 / الباب 43 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 20: 98 / الباب 43 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 20: 98 / الباب 43 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 20: 99 / الباب 43 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 7.

فانّ الظاهر منها عدم اشتراط النكاح بالاشهاد و لاتعارضها رواية مهلب الدلاّل:

«انّه كتب الى أبي الحسن عليه السلام : انّ امرأة كانت معي في الدار ثمّ انّها زوّجتني نفسها و أشهدت اللّه و ملائكته على ذلك ثمّ انّ أباها زوّجها من رجل آخر فما تقول؟ فكتب عليه السلام : التزويج الدائم لايكون الاّ بولي و شاهدين و لايكون تزويج متعة ببكر، أستر على نفسك و اكتمرحمك اللّه».(1)

و رواية المعلّى بن خنيس قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما يجزي في المتعة من الشهود؟ فقال: رجل و امرأتان يشهدهما قلت: أرأيت ان لم يجد واحدا؟ قال: انّه لايعوزهم قلت: أرأيت ان أشفق أن يعلم بهم أحد أيجزيهم رجل واحد؟ قال: نعم، قال: قلت: جعلت فداك كان المسلمون على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آلهيتزوّجون بغير بيّنة؟ قال: لا».(2)

لأنّ الأولى مع ضعف سندها تحمل على التقيّة.

و أمّا الثانية فتحمل عليها أيضا أو على الاستحباب جمعا بينهما و بين ما تقدّم و غيره من الروايات المعتبرة.

و كذا لايعتبر الاشهاد في غير النكاح من العقود و الايقاعات ولكن يستحبّ و الدليل عليه - مضافا الى عدم الدليل على وجوبه و اشتراطه - الروايات الواردة في الأبواب المختلفة:

كما في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه 7 في الذي يراجع و لم يشهد قال:

«يشهد أحبّ اليّ و لاأرى بالذي صنع بأسا».(3)


1) - وسائل الشيعة 21: 34 / الباب 11 من أبواب المتعة / الحديث 11.

2) - وسائل الشيعة 21: 65 / الباب 31 من أبواب المتعة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 22: 134 / الباب 13 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 2.

و صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«انّ الطلاق لايكون بغير شهود و انّ الرجعة بغير شهود رجعة ولكن ليشهد بعد فهو أفضل».(1)

في أنّ حكم الحاكم تبع للشهادة

«الثانية»: حكم الحاكم تبع للشهادة فان كانت محقّة نفذ الحكم باطنا وظاهرا و الاّ نفذ ظاهرا، و بالجملة الحكم ينفذ عندنا ظاهرا لا باطنا. و لايستبيح المشهود له ما حكم له، الاّ مع العلم بصحّة الشهادة أو الجهل بحالها.

قال في المسالك: «أطبق علماؤنا و أكثر الجمهور على أنّ الحكم لاينفذ الاّ ظاهرا و أمّا باطنا فيتّبع الحقّ فلايستبيح المحكوم له أخذ المحكوم به مع علمه بعدم الاستحقاق؛ لأصالة بقاء الحقّ على أصله و الحلّ و الحرمة كذلك. و خالف في ذلك أبو حنيفة فحكم باستباحة المحكوم له و ان علم بطلانه سواء في ذلك المال أو البضع. و قول المصنّف: «أو الجهل بحالها» يندرج فيه ما اذا شهد لشخص شاهدان بحقّ امّا لكونه متروكا له من مورّثه أو له مع احتمال نسيانه فانّه يستبيح أخذه مع الحكم بشهادتها ما لم يعلم فساد ذلك. و لو ظهرت براءة المشهود عليه له من غير أن يعلم الشهود فلايستحلّ له و لو توقّف الحكم على يمينه فان علم به فلابأس بيمينه و الاّ فلايجوز. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

انّ حكم القاضي يكون على طبق الظاهر و بالبيّنات و الأيمان، فان كانت الشهادة مطابقة للواقع فيكون الحكم على طبقها مطابقا للواقع أيضا و يثبت واقعا


1) - وسائل الشيعة 22: 134 / الباب 13 من أبواب أقسام الطلاق / الحديث 3.

2) - مسالك الأفهام 14: 262 و 263.

و الاّ ان علم المشهود له بفساد الشهادة فلايستبيح له ما حكم القاضي به.

يدلّ على ذلك صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان و بعضكم ألحن بحجّته من بعض فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فانّما قطعت له قطعة من النار».(1)

و ما رواه صاحب الوسائل مرسلاً عن الحسن بن علي العسكري عليه السلام في تفسيره عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يحكم بين الناس بالبيّنات و الأيمان في الدعاوي فكثرت المطالبات و المظالم، فقال: أيّها الناس انّما أنا بشر و أنتم تختصمون و لعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض و انّما أقضي على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له من حقّ أخيه بشيء فلايأخذنّه فانّما أقطع له قطعة من النار».(2)

و رواية الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عن النبي صلى الله عليه و آله(في حديث المناهي):

«انّه نهى عن أكل مال بشهادة الزور».(3)

و أمّا اذا جهل المحكوم له بالحال فالحكم ما حكم به الحاكم.

فيما اذا دعي من له أهليّة التحمّل

«الثالثة»: اذا دعي من له أهليّة التحمّل وجب عليه. و قيل: لايجب. و الأوّل مروي، و الوجوب على الكفاية و لايتعيّن الاّ مع عدم غيره ممّن يقوم بالتحمّل. أمّا الأداء فلا خلاف في وجوبه على الكفاية فان قام غيره سقط


1) - وسائل الشيعة 27: 232 / الباب 2 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 233 / الباب 2 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 27: 232 / الباب 2 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

عنه، و ان امتنعوا لحقهم الذمّ و العقاب. و لو عدم الشهود الاّ اثنان تعيّن عليهما و لايجوز لهما التخلّف الاّ أن تكون الشهادة مضرّة بهما ضررا غير مستحقّ.

قال في المسالك: «الكلام هنا في أداء الشهادة آخرا و تحمّلها أوّلاً. أمّا الأوّل فلا خلاف في وجوب أداء الشهادة و تحريم الامتناع منه كتابا و سنّة و وجوبه علىالكفاية ان زاد الشهود عن العدد المعتبر في ثبوت الحقّ و الاّ هو عيني. و المشهور عدم الفرق في الوجوب بين من استدعي و غيره؛ لعموم الأدلّة و أنّها أمانة حصلت عنده فوجب عليه الخروج منها كما أنّ الأمانات الماليّة تارة تحصل عنده بقبولها كالوديعة و أخرى بغيره كتطيّر الريح. و ذهب جماعة - منهم الشيخ و ابن الجنيد و أبو الصلاح - الى عدم الوجوب الاّ مع الاستدعاء للروايات. و في المختلف جعل النزاع لفظيّا. و فيه نظر. و لو لم يعلم صاحب الحقّ بشهادة الشهود وجب عليهم تعريفه مع خوفهم من بطلان الحقّ. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

يدلّ على وجوب أداء الشهادة في الجملة من الكتاب قوله تعالى: «و لاتكتموا الشهادة و من يكتمها فانّه آثم قلبه»(2).

و من السنّة صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «و لايأب الشهداء اذا ما دعوا» قال:

«قبل الشهادة، و قوله: «و من يكتمها فانّه آثم قلبه» قال: بعد الشهادة».(3)


1) - مسالك الأفهام 14: 263 - 266.

2) - البقرة 2: 283.

3) - وسائل الشيعة 27: 309 / الباب 1 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

و يؤيّده رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من كتم شهادة أو شهد بها ليهدر بها دم امرئ مسلم أو ليزوي بها مال امرئ مسلم أتي يوم القيامة و لوجهه ظلمة مدّ البصر و في وجهه كدوح تعرفه الخلائق باسمه و نسبه و من شهد شهادة حقّ ليحيي بها حقّ امرئ مسلم أتي يوم القيامة و لوجهه نور مدّ البصر تعرفه الخلائق باسمه و نسبه، ثمّ قال أبو جعفر عليه السلام : ألا ترىأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و أقيموا الشهادة للّه»».(1)

ثمّ انّ الظاهر أنّ وجوب أداء الشهادة ينحصر بموردين:

الأوّل: فيمن استدعي منه تحمّل الشهادة فيجب عليه أداؤها و أمّا اذا لم يستدع منه فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت و الدليل على ذلك روايات:

منها قوله عليه السلام في صحيحة هشام بن سالم المتقدّمة الظاهر في وجوب أداء شهادة دعي اليها قبلها.

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت».(2)

و منها صحيحته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت».(3)

و منها صحيحته الثالثة قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه


1) - وسائل الشيعة 27: 312 / الباب 2 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 317 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 27: 318 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

الشهادة على ما سمع منهما قال: ذلك اليه ان شاء شهد و ان شاء لم يشهد و ان شهد شهد بحقّ قد سمعه و ان لم يشهد فلا شيء؛ لأنّهما لم يشهداه».(1)

و منها صحيحته الرابعة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في الرجل يشهد حساب الرجلين ثمّ يدعى الى الشهادة قال:

«ان شاء شهد و ان شاء لم يشهد».(2)

و أمّا اذا دعي الى تحمّل الشهادة فأجاب - كما سيأتي أنّه يجب عليه الاجابة - فلم يكن له الاّ أن يشهد و ذلك لصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت و قال: اذا أشهد لم يكن له الاّ أن يشهد».(3)

و لاتعارضها موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يشهد حساب الرجلين ثمّ يدعى الى الشهادة قال: «يشهد».(4)

لأنّها تحمل على ما اذا دعي الى التحمّل أو على المورد الثاني و هو ما اذا كان أحد المتخاصمين في عرضة للظلم.

المورد الثاني: فيمن علم الظالم بعينه و أنّه لو لم يشهد لضاع حقّ المظلوم، و الدليل عليه صحيحة محمّد بن مسلم الخامسة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت الاّ اذا علم من الظالم فيشهد و لايحلّ له الاّ أن يشهد».(5)


1) - وسائل الشيعة 27: 318 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 27: 319 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 27: 318 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 27: 319 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 7.

5) - وسائل الشيعة 27: 318 / الباب 5 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

فالحقّ على هذا ما ذهب اليه الشيخ و ابن الجنيد و أبو الصلاح و القاضي و ابنا زهرة و حمزة فيما حكي عنهم من أنّ أداء الشهادة لايجب الاّ في الموردين و قد ذكرا.

و لايخفى أنّ الوجوب كفائي الاّ اذا لم يوجد غيره فيتعيّن عليه.

و في الجواهر: «نعم ظاهر الأكثر عدم الفرق في ذلك بين كون تحمّل الشهادة بالاستدعاء و عدمه؛ لصدق اسمها على وجه تندرج فيما سمعته من الأدلّة على وجوب الأداء و حرمة الكتمان خلافا للمحكي عن جماعة كالشيخ و ابن الجنيد و أبي الصلاح و القاضي و ابني زهرة و حمزة فلم يوجبوا الأداء مع عدم الاستدعاء للتحمّل الاّ اذا علم فوات الحقّ للنصوص المذكورة في محلّها.

الى أن قال: فالتحقيق في المسألة ما عرفت و هو الوجوب كفاية في صورة الاستدعاء للتحمّل و عدم الوجوب أصلاً في صورة عدم الاستدعاء الاّ اذا علم الظلم كما أوضحناه سابقا و نقول هنا زيادة على ذلك: يمكن أن يكون محلّ كلامهم في المقام خصوص الشهادة في صورة المخاصمة التي تقام عند الحاكم و أمّا الشهادات في غيرها كالشهادة بالاجتهاد و العدالة و نحوها ممّا لاترجع الى مخاصمة عند الحاكم و لايراد اثباتها عنده فلايبعد القول بوجوبها عينا على كلّ من كانت عنده و لا مدخليّة لكيفيّة التحمّل فيها؛ لظهور الأدلّة السالمة عن المعارض بالنسبة الى ذلك بعد تنزيل الاجماعات المزبورة على غير هذه الصورة التي لا غرض بمقدار مخصوص منها بل ربما كان الغرض تعدّد الشهادة فيها لكونه أتمّ للمقصود. فتأمّل جيّدا».(1)

هذا حال الأداء و أمّا التحمّل فالظاهر وجوبه اذا دعي اليه و الدليل عليه قوله تعالى: «و لايأب الشهداء اذا ما دعوا» الذي فسّر في قول الصادق عليه السلام المتقدّم بقبل الشهادة.


1) - جواهر الكلام 41: 184 - 186.

و كذا ما ورد في صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام في تفسير الآية المذكورة قال:

«لاينبغي لأحد اذا دعي الى شهادة ليشهد عليها أن يقول: لاأشهد لكم عليها».(1)

و كذا غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في الباب ولكن قد ورد الكلّ بلفظة «لاينبغي» الظاهرة في الكراهة الاّ أنّها لمّا فسّرت النهي في الآية مع أنّ النهي ظاهر في الحرمة فيحمل التفسير عليه كما في المسالك.

و يؤيّده رواية جرّاح المدائني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:«اذا دعيت الى الشهادة فأجب».(2)

الظاهرة في الوجوب.

و في المسالك بعد ذكر الروايات و التوجيه المذكور قال: «و لأنّه من الأمور الضروريّة التي لاينفكّ الانسان عنها؛ لوقوع الحاجة الى المعاملات و المناكحات فوجب في الحكمة ايجاب ذلك لتحسم مادّة النزاع المترتّب على تركه غالبا».(3)


1) - وسائل الشيعة 27: 309 / الباب 1 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 310 / الباب 1 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

3) - مسالك الأفهام 14: 267.

الطرف الرابع : في الشهادة على الشهادة

في موارد قبول الشهادة على الشهادة

و هي مقبولة في حقوق الناس عقوبة كانت القصاص أو غير عقوبة كالطلاق و النسب و العتق أو مالاً كالقراض و القرض و عقود المعاوضات أو ما لايطّلع عليه الرجال غالبا كعيوب النساء و الولادة و الاستهلال. و لاتقبل في الحدود سواء كانت للّه محضا كحدّ الزنا و اللواط و السحق أو مشتركة كحدّ السرقة و القذف على خلاف فيهما.

لا خلاف و لا اشكال في جواز الشهادة على الشهادة في الجملة و الدليل عليه من الكتاب عموم قوله تعالى: «و استشهدوا شهيدين من رجالكم»(1)و كذا سائر الآيات الواردة في الشهادة، من غير تفصيل بين شهادة نفس الواقعة أو الشهادة على شهادتها.

و من السنّة روايات ستجى ء عند البحث عن خصوصيّات الشهادة على الشهادة.

و هي و ان كانت ضعافا الاّ أنّ ضعفها ينجبر بعمل المشهور بل ادّعي فيه الاجماع كما في المسالك و الجواهر و سيأتي.


1) - البقرة 2: 282.

قال الشيخ رحمه الله في المبسوط: «الشهادة على الشهادة جائزة؛ لقوله تعالى: «و استشهدوا شهيدين من رجالكم» و لم يفصّل».(1)

و في المسالك: «الشهادة على الشهادة مقبولة مرّة واحدة في الجملة اجماعا لعموم «و استشهدوا شهيدين من رجالكم» و خصوص قول أبي جعفر عليه السلام في رواية محمّد بن مسلم حيث سأل عن الشهادة على شهادة الرجل و هو بالحضرة في البلد قال: «نعم، و لو كان خلف سارية(2)اذا كان لايمكنه أن يقيمها هو لعلّة تمنعه من أن يحضر و يقيمها». و لدعاء الحاجة اليها فانّ شهود الواقعة قد يغيبون أو يموتون و لأنّ الشهادة حقّ لازم الأداء فتجوز الشهادة عليه كسائر الحقوق».(3)

و في الجواهر: «و هي مقبولة عندنا في الجملة بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه بل لعلّ المحكي منه على ذلك متواترة كما أنّه يمكن دعوى القطع به من مجموع النصوص المستفادة منها ذلك صريحا أو فحوى كخبر محمّد بن مسلم و غيره من النصوص التي تسمعها في الأثناء العاضدة له مضافا الى ما عرفته من الاجماع و غيره التي منها يعلم أن لا وجه لوسوسة بعض الناس في سنده، فخبر غياث بن ابراهيم شاذّ أو محمول على التقيّة كما قيل، و ان كان فيه ما فيه. انتهى ملخّصا».(4)

و أمّا خبر غياث بن ابراهيم فهو ما رواه عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام :

«انّ عليّا عليه السلام قال: لاأقبل شهادة رجل على رجل حيّ و ان كان باليمين».(5)


1) - المبسوط 8: 231.

2) - سارية: أسطوانة من حجارة أو آجر. العين

3) - مسالك الأفهام 14: 269.

4) - جواهر الكلام 41: 189.

5) - وسائل الشيعة 27: 403 / الباب 44 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

و هو شاذّ لم يعمل به مع أنّه يمكن حمله على الرجل الواحد كما حملهالشيخ رحمه الله على ما نقل عنه في الوسائل.

و كيف كان فالنظر في أمور أربعة:

1 - المحلّ.

2 - العدد.

3 - كيفيّة التحمّل.

4 - شروط الحكم بها.

في محلّها

الأوّل: في المحلّ

في المسالك: «و محلّها ما عدا الحدود اجماعا سواء في ذلك الأموال و الأنكحة و العقود و الايقاعات و الفسوخ و غيرها، و سواء كانت حقّ الآدميّين أم حقّ اللّه تعالى، كالزكوات و أوقاف المساجد و الجهات العامّة و الأهلّة كهلال رمضان و غيره. و أمّا الحدود فان كانت مختصّة باللّه كحدّ الزنا لم تسمع اجماعا. و ان كانت مشتركة كحدّ السرقة و القذف فالمشهور بين الأصحاب أنّ الحكم فيها كغيرها من الحدود؛ لاطلاق النصوص بعدم قبولها في الحدّ».(1)

و قال الشيخ في المبسوط: «فاذا ثبت الجواز لم يخل الحقّ من أحد أمرين امّا أن يكون للّه أو للآدميّين، فان كان لآدمي ثبت بالشهادة على الشهادة سواء كان الحقّ ممّا لايثبت الاّ بشاهدين كالنكاح و الخلع و الطلاق و الرجعة و القذف و النسب و القصاص و الكتابة أو ممّا يثبت بشاهدين أو شاهد و امرأتين أو شاهد و يمين، و هو ما كان مالاً أو المقصود منه المال أو كان ممّا يثبت بالنساء وحدهنّ و هو ما لايطّلع عليه الرجال كالولادة و الرضاع و العيوب تحت الثياب و الاستهلال، و قال بعضهم: لايثبت بالشهادة على الشهادة.


1) - مسالك الأفهام 14: 269 و 270.

و ان كان حقّا للّه و هو حدّ الزنا و اللواط و القطع بالسرقة و شرب الخمر قالقوم: لايثبت بالشهادة على الشهادة و هو مذهبنا و قال بعضهم يثبت».(1)

و في الجواهر: «يقوى جريانها (الشهادة على الشهادة) في حقوق اللّه غير الحدّ كالزكاة و أوقاف المساجد و الجهات العامّة و الأهلّة كما نصّ عليه في المسالك؛ للاطلاق المؤيّد باشعار الاقتصار على الحدّ بالقبول في غيره».(2)

أقول:

الظاهر قبول الشهادة على الشهادة في الحقوق كلّها سواء كانت حقّا للّه تعالى أو لآدمي و استثني من ذلك الحدود فقط فلاتقبل فيها، و الدليل على ذلك الجمع بين اطلاق الآية و الروايات الدالّة على قبول الشهادة على الشهادة مطلقا و بين ما دلّ على عدم القبول في خصوص الحدود.

أمّا الأوّل فالآية المتقدّمة و هي قوله تعالى: «و استشهدوا شهيدين من رجالكم».

و الروايات الدالّة على ذلك على الاطلاق كرواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في الشهادة على شهادة الرجل و هو بالحضرة في البلد قال:

«نعم، و لو كان خلف سارية يجوز ذلك اذا كان لايمكنه أن يقيمها هو لعلّة تمنعه عن أن يحضره و يقيمها فلابأس باقامة الشهادة على شهادته».(3)

و نظيرها روايتا طلحة بن زيد و غياث بن ابراهيم و مرسلة الصدوق.(4)

و أمّا الثاني فرواية طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه عن علي عليه السلام :


1) - المبسوط 8: 231.

2) - جواهر الكلام 41: 191.

3) - وسائل الشيعة 27: 402 / الباب 44 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 27: 402 / الباب 44 من كتاب الشهادات / الأحاديث 2 و 4 و 5.

«انّه كان لايجيز شهادة على شهادة في حدّ».(1)

و رواية غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال:

«قال علي عليه السلام : لاتجوز شهادة على شهادة في حدّ و لا كفالة في حدّ».(2)

و أمّا الحقّ المشترك بين الحدّ و غيره فيثبت بالشهادة على الشهادة غير الحدّ كالسرقة فبالشهادة على الشهادة يثبت المال و لايثبت القطع.

في عدد الشهود المعتبرة فيها

الثاني: في العدد

و لا بدّ أن يشهد اثنان على الواحد؛ لأنّ المراد اثبات شهادة الأصل و هو لايتحقّق بشهادة الواحد. فلو شهد على كلّ واحد اثنان صحّ. و كذا لو شهد اثنان على شهادة كلّ واحد من شاهدي الأصل. و كذا لو شهد شاهد أصل و هو مع آخر على شهادة أصل آخر. و كذا لو شهد اثنان على جماعة كفى شهادة الاثنين على كلّ واحد منهم و كذا لو كان شهود الأصل شاهدا و امرأتين فشهد على شهادتهم اثنان أو كان الأصل نساءً ممّا تقبل فيه شهادتهنّ منفردات كفى شهادة اثنين عليهنّ.

في المسالك: «المقصود من الشهادة على الشهادة اثبات شهادة الأصل عند الحاكم، فكانت الشهادة كغيرها من الحقوق غير الماليّة فيفتقر اثباتها الى شاهدين ذكرين. ثمّ ان شهد شاهدان على أحدهما و آخران على شهادة الآخر تمّ النصاب بلا كلام. و ان شهد كلّ منهما على كلّ منهما أو أحدهما مع شاهد الأصل على الأصل الآخر فعندنا أنّ الحكم كذلك؛ لتحقّق اثبات شهادة الشاهد باثنين و هو المعتبر في الاثبات. و خالف في ذلك بعض العامّة فمنع من جميع هذه الصور


1) - وسائل الشيعة 27: 404 / الباب 45 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 404 / الباب 45 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

التي ذكرها المصنّف و اعتبر المغايرة في شهود كلّ فرع، فشرط شهادة أربعة علىالشاهدين و على رجل و امرأتين ستّة.

و لو شهدوا على أربع من النساء في مثل الولادة افتقر الى ثمانية يشهد على كلّ واحدة اثنان و هكذا. و الأكثر على ما اخترناه من الاجتزاء باثنين مطلقا؛ لأنّهما شهدا على الجميع كما لو شهدا على اقرار رجلين أو أربعة. و مبنى الخلاف في جواز كون الأصل فرعا مع آخر على أنّ الاشهاد على الشهادة هل هو لاثبات الشهادة أو هو بحكم النيابة عنها؟ فعلى الأوّل - و هو مذهب الأصحاب - يجوز أن يكون الأصل فرعا، لا على الثاني لأنّه لايصحّ كونه نائبا عن نفسه و غيره لأنّ قيامه بنفسه يستدعي استغناءه عن الغير و نيابته يقتضي افتقاره فلايجتمعان».(1)

و في الجواهر: «كلّ ذلك و غيره لعموم الأدلّة المقتضية قبول شهادة العدلين اتّحد المشهود به أو تعدّد و كذا المشهود عليه. خلافا للمحكي عن الشافعي في أحد قوليه فاعتبر المغايرة في شهود كلّ فرع - الى أن قال: - نعم، في القواعد الاشكال في الاجتزاء باثنين في شهود الزنا بالنسبة الى ترتّب نشر الحرمة و المهر لا الحدّ من أنّ المقصود حقّ الآدمي من المهر و غيره و من أنّه تابع للزنا و نحوه فلايثبت الاّ بثبوته و لايثبت الاّ بأربعة و أنّه لا بدّ في الأصل من أربعة و هو لايكون أسوأ حالاً من الفرع أو من أنّ الفرع نائب عن الأصل فيشترط الأربعة أو لايثبت به الاّ شهادة الأصل فيكفي الاثنان.

و فيه ما لايخفى بعد الاحاطة بما ذكرنا، على أنّ الذي سمعته من العامّة هو أحد قولي الشافعي و الاّ فالذي يظهر من خبري البزنطي و ابن هلال عن الرضا عليه السلام اكتفاؤهم بالواحد على شهادة المائة».(2)


1) - مسالك الأفهام 14: 271 و 272.

2) - جواهر الكلام 41: 193 و 194.

أقول:

انّ المقصود من الشهادة على الشهادة ثبوت شهادة الأصل بشهادة الفرع و اذا دلّ الدليل على جوازها و ثبوتها و لم يذكر فيه العدد فالمرجع اطلاق أدلّة الشهادة و حجّيّة شهادة العدلين فانّ الأصل في الشهادة أن يكونا رجلين و عليه فلا بدّ من شهادتهما على كلّ واحد من شاهدي الأصل سواء كان شاهدا الأصل رجلين أو رجلاً و امرأتين أو أربع نساء. و يجوز أن يكون شاهد الأصل شاهد فرع أيضا كما في المتن؛ لاطلاق الأدلّة.

و قد ذهب بعض العامّة الى لزوم التفكيك بين شهود الفرع لكلّ أصل و هو ضعيف لما تقدّم من عموم الأدلّة و اطلاقها.

و أمّا ما نقله صاحب الجواهر عن القواعد فتفصيل الكلام بالنسبة اليه:

الظاهر عدم الاشكال في أنّه لو شهد رجلان على شهادة أربعة عدول بالزنا لم يثبت الحدّ و في ثبوت غيره من الأحكام كنشر الحرمة بالنسبة الى ابن الزاني أو أبيه خلاف أظهره الثبوت.

أمّا عدم ثبوت الحدّ فلما تقدّم و أمّا ثبوت غيره من الأحكام فلاطلاق أدلّة قبول الشهادة على الشهادة و التفكيك بين الحدّ و غيره لا مانع منه كما هو الحال في السرقة و قد تقدّم.

في كيفيّة التحمّل

الثالث: في كيفيّة التحمّل

و للتحمّل مراتب أتمّها أن يقول شاهد الأصل: اشهد على شهادتي أنّني أشهد على فلان بن فلان لفلان بن فلان بكذا. و هو الاسترعاء. و أخفض منه أن يسمعه يشهد عند الحاكم؛ اذ لا ريب في تصريحه هناك بالشهادة. و يليه أن يسمعه يقول: أنا أشهد لفلان بن فلان على فلان بن فلان بكذا و يذكر السبب، مثل أن يقول: من ثمن ثوب أو عقار؛ اذ هي صورة جزم. و فيه تردّد.

أمّا لو لم يذكر سبب الحقّ بل اقتصر على قوله: أنا أشهد لفلان على فلان بكذا لم يصر متحمّلاً؛ لاعتياد التسامح بمثله. و في الفرق بين هذه و بين ذكرالسبب اشكال. ففي صورة الاسترعاء يقول: أشهدني فلان على شهادته. و في صورة سماعه عند الحاكم يقول: أشهد أنّ فلانا شهد عند الحاكم بكذا. و في صورة السماع لا عنده يقول: أشهد أنّ فلانا شهد على فلان لفلان بكذا بسبب كذا.

لمّا كان الأصل في هذه المسألة هو ما قاله شيخ الطائفة رحمه اللهنذكر كلامه فانّه قال في المبسوط: «فاذا ثبت هذا فالكلام في فصلين: في كيفيّة التحمّل و كيفيّة الأداء. و أمّا التحمّل و هو أن يصير شاهد الفرع متحمّلاً لشهادة شاهد الأصل فانّه يصحّ بأحد أسباب ثلاثة: أحدها الاسترعاء و هو أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع: أشهد أنّ لفلان بن فلان على فلان بن فلان ألف درهم، فاشهد على شهادتي فهذا هو الاسترعاء.

الثاني: أن يسمع شاهد الفرع شاهد الأصل يشهد بالحقّ عند الحاكم فاذا سمعه يشهد به عند الحاكم صار متحمّلاً لشهادته.

الثالث: أن يشهد الأصل بالحقّ و يعزيه الى سبب وجوبه فيقول: أشهد أنّ لفلان بن فلان على فلان بن فلان ألف درهم من ثمن ثوب أو عبد أو دار أو ضمان أو دين أو اتلاف و نحو هذا، فاذا عزاه الى سبب وجوبه صار متحمّلاً للشهادة.

فأمّا ان لم يكن هناك استرعاء و لا سمعه يشهد به عند الحاكم و لا عزاه الى سبب وجوبه مثل أن سمعه يقول: أشهد أنّ لفلان بن فلان على فلان بن فلان ألف درهم، فانّه لايصير بهذا متحمّلاً للشهادة على الشهادة؛ لأنّ قوله: أشهد بذلك، ينقسم الى الشهادة بالحقّ و يحتمل العلم به على وجه لايشهد به و هو أن يسمع

الناس يقولون لفلان على فلان كذا و كذا، وقف التحمّل بهذا الاحتمال فاذا استرعاه أو شهد به عند الحاكم أو عزاه الى سبب وجوبه زال الاشكال».(1)

أقول:

لا اشكال في الوجه الأوّل و الثاني و الثالث فانّ الفرع يصير بهذه الأمور متحمّلاً و أمّا الرابع فكلام الشيخ رحمه الله و ان كان صحيحا و أنّه يمكن أن سمعه من الناس الاّ أنّ ظهور لفظ الشهادة مع فرض عدالة الشاهد يرفع هذا الاحتمال فالظاهر ثبوت التحمّل به أيضا.

في شروط الحكم بها

إشارة:

الرابع: في شروط الحكم بها

و لاتقبل شهادة الفرع الاّ عند تعذّر حضور شاهد الأصل. و يتحقّق العذر بالمرض و ما ماثله و بالغيبة و لا تقدير لها. و ضابطه مراعاة المشقّة على شاهد الأصل في حضوره. و لو شهد شاهد الفرع فأنكر شاهد الأصل فالمروي العمل بشهادة أعدلهما. فان تساويا اطّرح الفرع. و هو يشكل بما أنّ الشرط في قبول الفرع عدم الأصل. و ربما أمكن لو قال الأصل: لاأعلم. و لو شهد الفرعان ثمّ حضر شاهد الأصل فان كان بعد الحكم لم يقدح في الحكم وافقا أو خالفا. و ان كان قبله سقط اعتبار الفرع و بقي الحكم لشاهد الأصل. و لو تغيّرت حال الأصل بفسق أو كفر، لم يحكم بالفرع لأنّ الحكم مستند الى شهادة الأصل. و تقبل شهادة النساء على الشهادة فيما تقبل فيه شهادة النساء منفردات كالعيوب الباطنة و الاستهلال و الوصيّة. و فيه تردّد، أشبهه المنع.


1) - المبسوط 8: 231 و 232.

قد ذكر المصنّف رحمه الله شرطين لقبول شهادة الفرع:

الأوّل عدم التمكّن من حضور الأصل:

قال في المسالك: «المشهور بين الأصحاب اشتراط تعذّر حضور شاهد الأصل في قبول شهادة الفرع. و نقل الشيخ في الخلاف عن بعض أصحابنا عدم اشتراط ذلك و مال اليه. و استدلّ بأنّ الأصل قبول الشهادة على الشهادة و تخصيصها بوقت دون وقت أو على وجه دون وجه يحتاج الى دليل.

قال: «و أيضا روى أصحابنا أنّه اذا اجتمع شاهد الأصل و شاهد الفرع و اختلفا فانّه تقبل شهادة أعدلهما» حتّى أنّ في أصحابنا من قال: تقبل شهادة الفرع و تسقط شهادة الأصل. و المذهب هو المشهور.

و اشترط بعض العامّة كونه فوق مسافة القصر و آخرون مسافة العدوى(1). انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

الظاهر اشتراط تعذّر حضور شاهد الأصل في قبول شهادة الفرع، و الدليل على ذلك رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في الشهادة على شهادة الرجل و هو بالحضرة في البلد قال:

«نعم، و لو كان خلف سارية يجوز ذلك اذا كان لايمكنه أن يقيمها هو لعلّة تمنعه عن أن يحضره و يقيمها فلابأس باقامة الشهادة على شهادته».(3)

و ليس في سندها من هو محكوم بالضعف، و انّما فيه ذبيان بن حكيم و هو


1) - و هي التي لو خرج اليها بكرة لأداء الشهادة أمكنه الرجوع الى أهله ليلاً.

2) - مسالك الأفهام 14: 277 و 278.

3) - وسائل الشيعة 27: 402 / الباب 44 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

محكوم بالاهمال في الرجال من حيث التوثيق و عدمه، الاّ أنّه ذكر العلاّمة الخوئي رحمه الله في معجم رجال الحديث: «انّ النجاشي ذكره في ترجمة أحمد بن يحيى بن حكيم و ظاهر كلامه أنّ ذبيان كان من المعاريف المشهورين. قال ابنالغضائري: انّ أمره مختلط. انتهى ملخّصا».(1)

و من الواضح أنّه اذا وقع التعارض بين النجاشي و ابن الغضائري فالأوّل أولى بالتصديق. مع أنّ المشهور قد أفتوا بهذه الرواية و عملوا بها:

قال الشيخ في الخلاف: «الظاهر من المذهب أنّه لاتقبل شهادة الفرع مع تمكّن حضور شاهد الأصل».(2)

و قال في المبسوط: «لايقضى بشهادة الفرع حتّى يتعذّر على الأصل اقامتها».(3)

و قال ابن البرّاج: «و تجوز الشهادة على شهادة و ان كان الشاهد الأوّل حاضرا غير غائب اذا منعه مانع من اقامة الشهادة من مرض أو غيره».(4)

و قال ابن حمزة: «و لاتسمع الشهادة من الفرع مع حضور الأصل فاذا غاب الأصل أو كان في حكم الغائب جاز و هو اذا كان مريضا أو ممنوعا أو تعذّر عليه الحضور».(5)

و قال ابن ادريس: «و لابأس بالشهادة على الشهادة و ان كان الشاهد الأوّل حاضرا غير غائب اذا منعه من اقامة الشهادة مانع من مرض أو نحوه».(6)

و في الجواهر: «و لاتقبل شهادة الفرع الاّ عند تعذّر حضور شاهد الأصل عند


1) - معجم رجال الحديث 8: 154.

2) - كتاب الخلاف 6: 314 / المسألة 56.

3) - المبسوط 8: 232.

4) - المهذّب 2: 561.

5) - الوسيلة: 223.

6) - السرائر 2: 130.

المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة بل عن الخلاف الاجماع عليه بل قيل: لايكاد يتحقّق فيه خلاف حتّى من الخلاف و ان حكي فيه عن بعض الأصحاب. و قيل: مال اليه لدعواه الاجماع على الاشتراط، و عدم وضوح ميله الى ما نقله عنالبعض الاّ من حيث ذكره دليله ساكتا عليه، و لعلّ وجهه اكتفاؤه في ردّه بالاجماع الذي قدّمه و لعلّ البعض الذي نقل الخلاف عنه هو والد الصدوق كما عن جماعة حكايته عنه، لكن عن مختلف الفاضل انكاره بعد أن حكى نسبته اليه عن الحلّي، و يحتمل أن يكون هو الاسكافي كما عن الدروس حكايته عنه - الى أن قال: - «و كيف كان فلا ريب في ندرته و مخالفته الاجماع الظاهر و المحكي».

قلت: ولكن مع ذلك كلّه ففي كشف اللثام تبعا له: «الأقوى عدم الاشتراط كما يظهر من الخلاف الميل اليه؛ لضعف هذه الأدلّة و الأصل القبول. قال الشيخ: و أيضا روى أصحابنا أنّه اذا اجتمع شاهد الأصل و الفرع و اختلفا فانّه تقبل شهادة أعدلهما حتّى أنّ في أصحابنا من قال: انّه تقبل شهادة الفرع و تسقط شهادة الأصل» و مثله المقدّس الأردبيلي حاكيا له عن الصدوق. و فيه: انّه يكفي في قطع الأصل خبر محمّد بن مسلم المتقدّم المنجبر بالاجماع المحكي المعتضد بالشهرة العظيمة أو الاجماع المحصّل و بما قيل: انّ الفرع أضعف. و لا جهة للعدول اليه عن الأقوى اذا أمكن».(1)

فالمتحصّل من هذا كلّه أنّه مع وجود شاهد الأصل لاتقبل شهادة الفرع في الجملة، انّما الكلام في الاختلاف بينهما و سيأتي.


1) - جواهر الكلام 41: 199 و 200.

ثمّ انّ هنا فروعا:

الفرع الأوّل : فيما يتحقّق به العذر

و يتحقّق العذر بالمرض و ما ماثله و بالغيبة و لا تقدير لها. و ضابطه كما في المتن مراعاة المشقّة على شاهد الأصل في حضوره. و يدلّ عليه ما في روايةمحمّد بن مسلم المتقدّمة حيث قال الامام عليه السلام : « ... اذا كان لايمكنه أن يقيمها هو لعلّة تمنعه عن أن يحضره و يقيمها».

و كذا ما ورد فيها من أنّه تجوز الشهادة و ان كان خلف سارية.

و في الجواهر: «فلا بدّ حينئذ في الاجتزاء بشهادة الفرع من العلم بتعذّر الاقامة على شاهد الأصل، و لايكفي تعذّر احضار صاحب الحقّ ايّاه - الى أن قال: - ثمّ انّ الظاهر مراعاة الشرط المزبور الى حين اقامتها فلو فرض ارتفاع العذر بعد اقامتها قبل حكم الحاكم لم يمنع ذلك من قبولها. نعم، لو ارتفع قبل الاقامة لم يجز بها كما تسمع تحقيق الحال فيه ان شاء اللّه».(1)

الفرع الثاني : فيما لو أنكر شاهد الأصل شهادة الفرع

لو أنكر شاهد الأصل شهادة الفرع فتارة يكون بعد حكم الحاكم فحينئذ لايعتدّ بانكاره.

و أخرى يكون قبل حكم الحاكم فمقتضى القاعدة سقوط شهادة الفرع لأنّ الشرط في قبولها تعذّر حضور شاهد الأصل فبحضوره قد زال الشرط.

و في المسالك: «و لأنّ مستند شهادة الفرع شهادة الأصل و هي مفقودة فيفقد


1) - جواهر الكلام 41: 200 و 201.

ما استند اليها. و هذا هو الذي اختاره المصنّف رحمه الله و قبله الشيخ في المبسوط و ابن ادريس و جماعة من المتأخّرين».(1)

أقول:

و ان كان مقتضى القاعدة ذلك و قد ذهب اليه المشهور الاّ أنّه قد ورد هناك صحيحة عبدالرحمن عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل شهد على شهادة رجل فجاء الرجل فقال: انّي لم أشهده قال:

«تجوز شهادة أعدلهما و ان كانت عدالتهما واحدة لم تجز شهادته».(2)

و قد رواها في الوسائل عن الفقيه و في التهذيب قد وردت روايتان احداهما نظير ما في الفقيه الاّ أنّها عن عبداللّه بن سنان، و ثانيتهما نظيرها الاّ أنّه لم يكن لها ذيل: «و ان كانت عدالتهما ... ».

و في المسالك: «و ذهب جماعة - منهم الصدوقان و الشيخ في النهاية و تلميذه القاضي - الى الحكم بشهادة أعدلهما لصحيحة عبداللّه بن سنان. و قد أوردوا على الرواية و وجّهوها بتوجيهات مخالفة لقول المشهور. و الأقوى أنّ انكاره بعد الحكم أيضا لايتلفت اليه. فالرواية تخالف الأصول على التقديرين. انتهى ملخّصا».(3)

و الظاهر أنّ الجمع بين هذه الصحيحة و رواية محمّد بن مسلم المتقدّمة امّا بحمل صحيحة عبدالرحمن على ما بعد الحكم و القول بأنّه قبل الحكم يقدّم قول شاهد الأصل و بعده يقدّم قول الأعدل كما ذهب الى ذلك الشيخ في النهاية و


1) - مسالك الأفهام 14: 279.

2) - وسائل الشيعة 27: 405 / الباب 46 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

3) - مسالك الأفهام 14: 279 - 281.

القاضي و الصدوقان - على ما حكى ذلك عنهم في الجواهر - الاّ أنّه لا شاهد لهذا الجمع بل لايساعد ما دلّ على عدم جواز نقض الحكم الاّ في موارد تبيّن اشتباه الحكم أو الموضوع. نعم، يمكن الحاقه بتلك الموارد.

و امّا بحملها على ما قبل الحكم و القول بتقديم الأعدل قبل الحكم ليساعد قول المشهور الاّ أنّه لايوافقه قوله عليه السلام : «تجوز شهادة أعدلهما» لأنّ حضور شاهدالأصل قبل الحكم موجب لردّ شهادة الفرع مطلقا و ان كان الفرع أعدل على القول المشهور.

و في الجواهر(1)أنكر ذلك كلّه و جمع بين الروايات بأنّه اذا حضر الأصل قبل اقامة الشهادة فالمورد من مصاديق رواية محمّد بن مسلم فيقبل قول الأصل و لايقبل قول الفرع، و أمّا اذا حضر بعد اقامة الشهادة و قبل الحكم فيعمل بصحيحة عبدالرحمن و يؤخذ بقول أعدلهما و أمّا ان حضر بعد الحكم فلايؤخذ بقول الأصل؛ لوقوع الحكم صحيحا فيستصحب و لاطلاق ما دلّ على نفوذ حكم الحاكم ما لم يعلم بطلانه.

ولكن الظاهر أنّ هذا الجمع يكون بلا دليل؛ لأنّ العمل برواية محمّد بن مسلم يقتضي عدم الاعتناء بشاهد الفرع اذا تمكّن شاهد الأصل من الحضور من غير فرق بين حضوره قبل اقامة الشهادة و بعدها و قبل حكم الحاكم فاذا حضر لم تنفع شهادة الفرع. و لذا أفتى ابن حمزة في الوسيلة و العلاّمة في المختلف بخلاف ذلك و قال الأوّل: «و اذا شهد الفرع ثمّ حضر الأصل لم يخل من وجهين امّا حكم الحاكم بشهادة الفرع أو لم يحكم فان حكم و صدّقه الأصل و كان عدلاً نفذ حكمه و ان كذّبه و تساويا في العدالة نقض الحكم و ان تفاوتا أخذ بقول أعدلهما و ان لم يحكم بقوله سمع من الأصل و حكم به».(2)


1) - جواهر الكلام 41: 204.

2) - الوسيلة: 234.

و قال العلاّمة رحمه الله(1)بحمل الرواية على ما اذا أنكر بعد الحكم فانّه لايقدح في الحكم حينئذ بشهادة أعدلهما اعتبارا بقوّة الظنّ، أمّا قبل الحكم فانّ شهادة الفرع تبطل قطعا.

ولكن قد تقدّم أنّه لا شاهد لهذا الجمع أيضا.فمع ذلك كلّه فقول صاحب الجواهر و جمعه بين الروايات هو الأرجح فهو الأقوى.

الفرع الثالث : فيما لو تغيّرت حال الأصل بفسق أو كفر

لو تغيّرت حال الأصل بفسق أو كفر فقال المصنّف رحمه الله: «لم يحكم بالفرع؛ لأنّ الحكم مستند الى شهادة الأصل».

و أيّده في المسالك و استدلّ عليه.

ولكن الظاهر أنّه لم تكن المسألة بهذا النحو من الاطلاق. نعم، لو كان الفرع يشهد على شهادة الأصل حين فسقه أو كفره فلاتقبل شهادته عند الحاكم كالأصل. و أمّا لو شهد على شهادة الأصل قبل فسقه أو كفره بل يشهدها و الأصل مؤمن عادل فلا دليل على عدم قبول شهادته و عدم الحكم على طبقه، بل يشمله عمومات الشهادة على الشهادة.

و أمّا ما استدلّ به المصنّف رحمه الله من أنّ الحكم مستند الى شهادة الأصل، ففيه: انّه ان كان الشهادة حين عدالته و عدم فسقه فأيّ اشكال في قبولها؟ و لذا لو طرأ عليه الجنون و النسيان بعد تحمّل الفرع فلا اشكال في جواز شهادة الفرع.


1) - مختلف الشيعة 8: 526.

الفرع الرابع : في شهادة النساء على الشهادة

اختلف الأصحاب في جواز شهادة النساء على الشهادة على قولين:

أحدهما: الجواز فيما تجوز شهادتهنّ فيه أصلاً و ذهب اليه الشيخ في الخلافو المبسوط و ابن الجنيد و العلاّمة في المختلف كما في المسالك(1).

و استدلّوا على هذا القول أوّلاً: بالاجماع.

و ثانيا: بعموم قوله تعالى: «فان لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان».(2)

و ثالثا: بعموم رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام أنّه كان يقول:

«شهادة النساء لاتجوز في طلاق و لا نكاح و لا في حدود الاّ في الديون و ما لايستطيع الرجال النظر اليه».(3)

و كذا غيرها من الروايات الدالّة على قبول شهادة النساء في موارد خاصّة و قالوا بأنّ ذلك شامل للشهادة الأصليّة و الفرعيّة.

و رابعا: بالأصل.

و خامسا: بأنّ شهادتهنّ أصلاً ثابتة فالفرع أولى، لاستناده الى شهادة الأصل أو مساوٍ لها كما في المسالك.

الثاني: المنع مطلقا، ذهب اليه الشيخ في موضع من المبسوط و ابن ادريس و العلاّمة في غير المختلف و المصنّف رحمه الله هنا و تردّد في النافع و كذا العلاّمة في الارشاد، كما نقل ذلك عنهم في المسالك.


1) - مسالك الأفهام 14: 283.

2) - البقرة 2: 282.

3) - وسائل الشيعة 27: 362 / الباب 24 من كتاب الشهادات / الحديث 42.

أقول:

الأقوى هو الثاني فلاتجوز شهادة النساء على شهادتهنّ و لا على شهادة غيرهنّ و وجهه عدم الدليل على ذلك فانّ الدليل الوارد في قبول الشهادة على الشهادة منصرف عن النساء و ظاهر في الرجال، فانّ الأصل في الشهادة هو شهادة الرجال و استثني في موارد قبول شهادة النساء منضمّات أو منفردات فأين ذلك من شهادة الفرع؟! و هو يحتاج الى دليل واضح.

كما أنّ الشهيد رحمه الله في المسالك(1)وجّه المنع أوّلاً بأنّ المجوّز له انّما هو الضرورة امّا لضرورة الانفراد أو لفقد الرجال كما في حالة الوصيّة و لا ضرورة هنا.

و ثانيا باختصاص النساء ببعض الأحكام غالبا.

و أمّا ما استدلّ به المجوّزون فالأوّل منه و هو الاجماع فموهون بعدم وجوده مع مخالفة مثل من ذكر، بل نقل في الجواهر فتوى المشهور على خلافه.

و أمّا الآية فكما تقدّم محلّها الأموال و الشهادة ليست مالاً، فانّ الآية قد خصّصت بالروايات المذكورة في محلّها.

و أمّا الروايات فوجه عدم دلالتها أنّها جعلت مورد شهادتهنّ الديون و ما لايستطيع الرجال النظر اليه و الشهادة كما تقدّم ليست مالاً و ليست ممّا لايستطيع الرجال النظر اليه.

و أمّا الأصل فمردود بوجود الدليل على خلافه. و أولويّة شهادة الفرع فيهنّ على الأصل ممنوعة.

و في الجواهر: «الأشبه المنع عن قبول شهادة النساء على شهادتهنّ، وفاقا للمشهور خصوصا المتأخّرين بل لم أقف فيهم على مخالف و ان تردّد فيه بعضهم لكنّه في غير محلّه للأصل بعد ظهور النصوص السابقة في اعتبار الرجلين في


1) - مسالك الأفهام 14: 284.

الشهادة على الشهادة السالم عن معارضة الاطلاق المزبور الظاهر في قبول شهادتهنّ عليه نفسه الذي لاتطّلع عليه الرجال غالبا لا الشهادة عليه التي هي عكس ذلك و الأوّليّة واضحة المنع».(1)

ثمّ الفرعان ان سمّيا الأصل و عدّلاه، قبل. و ان سمّياه و لم يعدّلاه سمعها الحاكم و بحث عن الأصل و حكم مع ثبوت ما يقتضي القبول و طرح معثبوت ما يمنع القبول لو حضر و شهد. أمّا لو عدّلاه و لم يسمّياه لم تقبل.

الشرط الثاني تسمية الأصل:

اعلم أنّ شهادة شاهد الفرع بالنسبة الى تسمية الأصل تقع على ثلاثة أنحاء:

فيما لو سمّى الفرعان الأصل و لم يعدّلاه

الأوّل: أن يسمّي شاهدا الفرع شاهد الأصل و يعدّلاه فهذا أوضح وجه من وجوه الشهادة على الشهادة فالحاكم يحكم بشهادتهما قطعا.

الثاني: أن يسمّياه و لايعدّلانه ففي هذه الصورة على الحاكم أن يبحث عن حال شاهد الأصل في العدالة و الفسق فان ثبت له العدالة حكم بشهادتهما و الاّ فلايقبل شهادة الفرعين، كما لو حضر شاهد الأصل و شهد بنفسه.

الثالث: أن يعدّلاه و لايسمّياه فالظاهر حينئذ عدم قبول شهادة الفرعين، و قد استدلّ في المسالك(2)للمنع بأمور: منها: أنّ الحاكم قد يعرفهم بالجرح لو سمّوا.

و منها: أنّهم قد يكونون عدولاً عند قوم و فسّاقا عند آخرين لأنّ العدالة مبنيّة على الظاهر.

و منها: أنّ ذلك يسدّ باب الجرح على الخصم.

فتحصّل أنّ الشرط الأصيل هو تسمية الأصل، لا تعديله.


1) - جواهر الكلام 41: 207 و 208.

2) - مسالك الأفهام 14: 285.

فيما لو أقرّ باللواط أو بالزنا بالعمّة أو الخالة أو بوطي البهيمة

و لو أقرّ باللواط أو بالزنا بالعمّة أو الخالة أو بوطي البهيمة ثبت بشهادة شاهدين. و تقبل في ذلك الشهادة على الشهادة. و لايثبت بها حدّ و يثبت انتشار حرمة النكاح. و كذا لايثبت التعزير في وطي البهيمة و يثبت تحريم الأكل في المأكولة. و في الأخرى وجوب بيعها في بلد آخر.

قد تقدّم أنّ شهادة الفرع تقبل في غير الحدود و تقدّم أيضا أنّه اذا كانت شهادة الفرع متضمّنة للحدّ و حقّ غير الحدّ تقبل فيما دون الحدود و لاتقبل في الحدود. و عليه فلو أقرّ باللواط أو بالزنا بالعمّة أو الخالة أربع مرّات و سمعه شاهدان وشهد على شهادتهما شاهدا الفرع فلايثبت بشهادتهما الحدّ و يثبت انتشار حرمة النكاح.

و كذا لو سمع شاهدان اقرار الشخص بوطي البهيمة ثمّ شهد شاهدا الفرع على شهادتهما فلايثبت التعزير و يثبت تحريم الأكل في المأكولة، و في غير المأكولة وجوب بيعها في بلد آخر.

نعم لو شهد شهود الأصل على أصل اللواط أو الزنا لا على الاقرار به فاللازم أن يسمع شاهدا الفرع من أربعة رجال كلّ شهد على حدة. ولكن يكفي في شهادة الفرع اثنان؛ لعدم الدليل على الزائد عن ذلك.

و في المسالك: «و ان كانت شهادة الأصل على نفس الزنا اعتبر كونهم أربعة. و هل يشترط ذلك العدد في شاهد الفرع أم يكفي على كلّ واحد اثنان؟ فيه وجهان منشؤهما من أنّها شهادة على الزنا و تلك الأحكام تابعة له، و أنّه لو اكتفي باثنين لكان شهود الأصل أسوء حالاً من شهود الفرع مع أنّ الظاهر العكس أو التساوي و من أنّ المقصود هو حقّ الآدمي من المال و غيره، و هو ممّا يكفي فيه اثنان و يمنع اشتراط مساواة شهود الفرع للأصل مطلقا؛ اذ لا دليل عليه. انتهى ملخّصا».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 286 - 288.

الطرف الخامس : في اللواحق

إشارة:

و هي قسمان:

في اشتراط توارد الشاهدين على الشيء الواحد

الأوّل: في اشتراط توارد الشاهدين على المعنى الواحد

و تترتّب عليه مسائل: «الأولى»: توارد الشاهدين على الشيء الواحد شرط في القبول، فان اتّفقا معنىً حكم بهما و ان اختلفا لفظا؛ اذ لا فرق بين أن يقولا: غصب و بين أن يقول أحدهما: غصب و الآخر: انتزع. و لايحكم لو اختلفا معنىً مثل أن يشهد أحدهما بالبيع و الآخر بالاقرار بالبيع؛ لأنّهما شيئان مختلفان. نعم، لو حلف مع أحدهما ثبت.

لا اشكال و لا خلاف في اشتراط توارد الشاهدين على المعنى الواحد فانّ دعوى المدّعي لاتثبت الاّ بشاهدين فلا بدّ من شاهدين لدعوىً واحدة فان شهد أحدهما بشيء و الآخر بشيء آخر فلايكون في كلّ منهما الاّ شاهد واحد و هو لايفيد الاّ مع ضمّ اليمين في موارد خاصّة تقدّمت، فان حلف المدّعي مع أحدالشاهدين يثبت ما شهد به ان كان ممّا يثبت بشاهد و يمين.

كلّ ذلك في الاتّحاد في المعنى. أمّا الاتّحاد اللفظي فلايعتبر في الشهادة اذا

اتّحد معناهما كما لو قال أحدهما: غصب و قال الآخر: انتزع قهرا، فانّه في مثل ذلك قد حصل شاهدان بالفعل الواحد.

و في المسالك: «و كذا لو كانت الشهادة على أمر واحد و اختلفا في زمانه أو مكانه أو وصفه بأن قال أحدهما: انّه غصبه الثوب يوم الجمعة و قال الآخر: يوم السبت أو في البيت و قال الآخر: في المسجد أو ثوب كتّان و قال الآخر: قطن، لاقتضاء ذلك تغاير الفعلين. و حينئذ فيحلف مع أحدهما سواء تكاذبا أم لا؛ لأنّ التعارض انّما يكون بين البيّنتين الكاملتين».(1)

و هو كذلك.

«الثانية»: لو شهد أحدهما أنّه سرق نصابا غدوة و شهد الآخر أنّه سرق عشيّة لم يحكم بها؛ لأنّها شهادة على فعلين. و كذا لو شهد الآخر أنّه سرق ذلك بعينه عشيّة؛ لتحقّق التعارض أو لتغاير الفعلين.

للمسألة صورتان:

الأولى: أن يشهد أحدهما بسرقة رجل شيئا كان بمقدار نصاب القطع غدوة و الثاني يشهد بسرقة ذلك الرجل شيئا آخر بذلك المقدار عشيّة، ففي هذه الصورة لايحكم بواحدة من الشهادتين؛ لتغاير الفعلين.

فيما لو اختلف زمان متعلّق الشهادتين

الثانية: أن يشهد أحدهما بسرقة رجل شيئا غدوة و يشهد الآخر بأنّه سرق ذلك الشيء بعينه عشيّة، فهنا يتحقّق التعارض بينهما فلايحكم بهما أيضا.

ثمّ انّه في الصورة الأولى لو ضمّ الى شهادة أحد الشاهدين يمين المدّعي يجوز للحاكم الحكم بالشهادة مع اليمين. و كذا لو ضمّ الى شهادة الثاني يمين المدّعي الآخر ان كان المسروق عنه اثنين؛ لتغاير الفعلين و عدم ربط أحدهما بالآخر.


1) - مسالك الأفهام 14: 289.

و أمّا ضمّ اليمين في الصورة الثانية الى شهادة أحدهما دون الآخر فالظاهر صحّته بخلاف ما لو ضمّ الى كليهما فلايحكم بشيء منهما؛ لوقوع التعارض بينهما فانّ الفعل فيهما واحد.

قال في المسالك: «في التعليل لفّ و نشر غير مرتّب، فانّ تحقّق التعارض الذي علّل به أوّلاً يحصل في الفرض الثاني و تغاير الفعلين يحصل في الأوّل؛ لأنّ النصاب المشهود به في الأوّل غير معيّن فكانت الشهادة على فعلين و في المسألتين لايثبت الفعل؛ لأنّ به شاهدا واحدا».(1)

فيما لو اختلف متعلّق الشهادتين

إشارة:

«الثالثة»: لو قال أحدهما: سرق دينارا و قال الآخر: درهما، أو قال أحدهما: سرق ثوبا أبيض و قال الآخر: أسود، و في كلّ واحد يجوز أن يحكم مع أحدهما و مع يمين المدّعي لكن يثبت له الغرم و لايثبت القطع. و لو تعارض في ذلك بيّنتان على عين واحدة سقط القطع للشبهة، و لم يسقط الغرم. و لو كان تعارض البيّنتين لا على عين واحدة، ثبت الثوبان و الدرهمان.

في المسألة فرعان:

الفرع الأوّل : في تغاير شهادة الشاهدين

لو قال أحدهما: سرق دينارا و قال الآخر: درهما أو قال أحدهما: سرق ثوبا أبيض و قال الآخر: ثوبا أسود، فلايحكم هنا؛ لتغاير الفعلين و أنّ لكلّ فعل شاهدا واحدا لا شاهدين. نعم، لو ضمّ يمين مدّعي كلّ من السرقتين مع شاهدها يحكم


1) - مسالك الأفهام 14: 289.

الحاكم؛ لعدم ارتباط أحدهما بالآخر الاّ أنّه لايثبت الحدّ بل يثبت الغرم؛ لأنّ الحدّ

لايثبت الاّ بشاهدين.

الفرع الثاني : في اختلاف شهادة البيّنتين

اذا شهد شاهدان بفعل و شهد آخران بآخر بحيث لم يمكن الجمع بينهما و تعارضت شهادتهما كما اذا شهد الأوّلان أنّه سرق دينارا يوم الجمعة عند الزوال و شهد آخران بسرقته ذلك الدينار بعينه في وقت آخر، ففي هذا الفرع يسقط القطع؛ للشبهة فانّه حدّ و هو يدرأ بالشبهات ولكن لايسقط الغرم لثبوت سرقة الدينار المعيّن بشهادتهم جميعا.

و أمّا لو لم تتعارضا بأن شهدت احداهما بسرقته غدوة و الأخرى عشيّة بحيث يمكن أن يستردّه المالك ثمّ يسرقه مرّة أخرى ثبت القطع و الغرم، فانّه في ذلك يمكن الجمع بين البيّنتين.

و في المسالك: «و كذا لو اختلفت العين بأن شهدت احداهما بسرقة الثوب الأبيض و الأخرى بسرقة الأسود و لو في وقت واحد أو شهدت احداهما بسرقة الدينار و الأخرى بسرقة الدرهم كذلك يثبت الأمران؛ لامكان الجمع حتّى مع اتّحاد الزمان؛ لجواز أن يسرق فيه الأمران. و في قول المصنّف رحمه الله: «و لو كان تعارض البيّنتين لا على عين واحدة» تجوّز؛ لأنّه لا تعارض حينئذ، و كذا في قوله: «تعارض في ذلك»؛ لأنّ الاشارة تعود الى الأمرين المختلفين و الفرض هنا اتّحادالعين. و أمّا قوله: «ثبت الدرهمان» فالمراد به الدينار و الدرهم و ثنّاهما باسم أحدهما أو باسم أخفّهما كالقمرين و العمرين».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 290 و 291.

فيما لو شهدا بعقد و اختلفا في الثمن أو المبيع أو غير ذلك

«الرابعة»: لو شهد أحدهما أنّه باعه هذا الثوب غدوة بدينار و شهد له الآخر أنّه باعه ذلك الثوب بعينه في ذلك الوقت بدينارين لم يثبتا؛ لتحقّق التعارض و كان له المطالبة بأيّهما شاء مع اليمين. و لو شهد له مع كلّ واحد شاهد آخر ثبت الديناران. و لا كذلك لو شهد واحد بالاقرار بألف و الآخر بألفين فانّه يثبت الألف بهما و الآخر بانضمام اليمين. و لو شهد بكلّ واحد شاهدان ثبت ألف بشهادة الجميع و الألف الآخر بشهادة اثنين. و كذا لو شهد أنّه سرق ثوبا قيمته درهم و شهد الآخر أنّه سرقه و قيمته درهمان ثبت الدرهم بشهادتهما و الآخر بالشاهد و اليمين. و لو شهد بكلّ صورة شاهدان ثبت الدرهم بشهادة الجميع و الآخر بشهادة الشاهدين بهما. و لو شهد أحدهما بالقذف غدوة و الآخر عشيّة أو بالقتل كذلك لم يحكم بشهادتهما؛ لأنّه على فعلين. أمّا لو شهد أحدهما باقراره بالعربيّة و الآخر بالعجميّة قبل لأنّه اخبار عن شيء واحد.

للمسألة صور:

الصورة الأولى: لو شهد أحد الشاهدين أنّ زيدا - مثلاً - باع هذا الثوب من عمرو غدوة بدينار و شهد الآخر أنّه باعه ذلك الثوب بعينه في ذلك الوقت بدينارين لم يثبت الديناران و لا الدينار الواحد؛ لعدم اكمال الشهادة في كليهما. نعم، لو ضمّ يمين المدّعي الى شهادة أحدهما ثبت بحكم القاضي الاّ أنّ له اليمينمع أحدهما بعينه و لايصحّ اليمين مع كلّ واحد منهما على حدة؛ لتحقّق التعارض.

و لو شهد مع أحد الشاهدين شاهد آخر ثبت شهادته كما لو شهد في الفرض شاهد آخر مع الشاهد على الدينارين فيثبت الديناران.

و أمّا لو شهد مع كليهما وقع التعارض، و لاتثبت واحدة من الشهادتين.

الصورة الثانية: لو شهد واحد أنّ زيدا أقرّ بألف و شهد الآخر أنّه أقرّ بألفين فقال في المتن بأنّه يثبت الألف بهما و الآخر بانضمام اليمين.

و أوضحه في المسالك و قال: «و الفرق بين الاقرار و البيع - حيث يثبت القدر الأقلّ بهما و يتوقّف الزائد على اليمين في الاقرار دون البيع - أنّ الاقرار ليس سببا في ثبوت الحقّ في ذمّته بل كاشف عن سبقه فجاز تعدّده و لم يناف أحد الاقرارين الآخر بخلاف البيع فانّه سبب لثبوت الحقّ و لم يقم بكلّ واحد من السببين بيّنة كاملة».(1)

أقول:

و ببيان آخر أنّ الشاهد الأوّل الذي يشهد باقرار زيد بألف لاينفي الزائد بخلاف ما لو شهد بأنّه باعه بدينار فانّه بشهادته ينفي الدينارين. فانّ الشهادة على الاقرار أمرها دائر بين الأقلّ و الأكثر فكأنّ كلّ واحد شهد باقراره بدينار و الشاهد الواحد شهد باقراره بدينارين ففي اثباته يحتاج الى ضمّ اليمين اليه. و أمّا الصورة الأولى فدار أمره بين المتباينين فلايثبت بشهادة الشاهد الواحد شيء.

الصورة الثالثة: لو شهد شاهدان أنّ زيدا أقرّ بألف و شهد آخران باقراره بألفين فقال المصنّف: «ثبت ألف بشهادة الجميع و الألف الآخر بشهادة اثنين».

و الظاهر أنّ الدليل على حكم هذه الصورة هو الذي مضى في الصورة الثانية من أنّ الأمر دائر بين الأقلّ و الأكثر فالأقلّ يثبت بهما؛ لأنّ الشاهدين الأوّلين اذاشهدا بالاقرار بالألف لاينفيان الألفين فالألف يثبت بشهادتهم جميعا و الألفان يثبتان بشهادة الآخرين من دون تعارض بينهما.

الصورة الرابعة: لو شهد شاهد أنّ زيدا سرق ثوبا قيمته درهم و شهد الآخر أنّه سرقه و قيمته درهمان فقال المصنّف رحمه الله: «ثبت الدرهم بشهادتهما و الآخر


1) - مسالك الأفهام 14: 291.

بالشاهد و اليمين»، ثمّ قال: «و لو شهد بكلّ صورة شاهدان ثبت الدرهم بشهادة الجميع و الآخر بشهادة الشاهدين».

أقول:

الظاهر أنّ هذه الصورة تكون كالصورة الثالثة فانّ أمره دائر بين الأقلّ و الأكثر لا بين المتباينين و لذلك قال في المسالك: «الكلام في سببيّة السرقة بالنسبة الى القيمة كالاقرار فانّ السرقة نفسها ليست سببا في كون قيمة الثوب درهما أو درهمين. و انّما القيمة أمر لازم للعين سواء سرق أم لم يسرق فكان ذلك بمنزلة ما لو شهد أحدهما أنّ له في ذمّته درهما و الآخر أنّ له في ذمّته درهمين فيثبت الدرهم بشهادتهما و الآخر مع اليمين. و لو شهد بكلّ واحد من الفرضين شاهدان ثبت الزائد بشهادة الاثنين و الأقلّ بشهادة الجميع؛ لعدم التنافي».(1)

و أمّا القطع فلايثبت في كلّ من الفرضين لثبوت الشبهة الدارئة للحدّ في الكلّ.

الصورة الخامسة: لو شهد أحد الشاهدين أنّ زيدا قذف عمروا غدوة و شهد الآخر أنّه قذفه عشيّة لم يحكم بشهادتهما؛ لأنّهما شهادتان على فعلين و لم يقم بكلّ واحد الاّ شاهد واحد فلايثبت أحدهما و ان أمكن تعدّده و حيث انّه من الحدود لا محلّ للشاهد و اليمين فيه، و كذلك القتل و يزيد على القذف أنّه لايقبل التكرار فالتكاذب متحقّق، مضافا الى أنّ الحدود تدرأ بالشبهات.

الصورة السادسة: لو شهد أحد الشاهدين أنّ زيدا أقرّ بأنّ ذمّته مشغولةلعمرو بدينار الاّ أنّه قال ذلك بالعربيّة و شهد الآخر أنّه أقرّ بذلك بالعجميّة، فان لم يكن شهادتهما باقراره في وقت واحد قبلتا؛ لأنّهما اخباران عن شيء واحد فيمكن وقوعهما في وقتين، و شهد الشاهدان بشيء واحد في المعنى و ان اختلف لفظهما.


1) - مسالك الأفهام 14: 292.

و أمّا لو اتّحد الوقت بحيث لايمكن اجتماعهما في وقت واحد لم يثبت؛ للتكاذب بأن شهد أحدهما أنّه أقرّ عند الزوال بلا فصل بالعربيّة و الآخر أنّه أقرّ في ذلك الوقت بعينه بالعجميّة.

القسم الثاني في الطوارئ

فيما لو شهدا و لم يحكم بهما فماتا

و هي مسائل: «الأولى»: لو شهدا و لم يحكم بهما فماتا، حكم بهما و كذالو شهدا ثمّ زكّيا بعد الموت.

ما ذهب اليه المصنّف رحمه الله هو الصحيح؛ لأنّ حكم القاضي مبني على أداء الشهادة و قد حصلت مع شرائطها و هذا كما لو شهدا ثمّ غابا أو جنّا أو أغمي عليهما أو على أحدهما. و ليس الحكم منوطا ببقائهما على الشرائط و كذا لو شهدا و كان الحاكم شاكّا في عدالتهما فماتا ثمّ زكّاهما عدلان، فيجوز له الحكم؛ لأنّ التزكية كاشفة عن عدالتهما حين الشهادة لا أنّها سببها و موجبها.

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده؛ لأصالة بقاء صحّتها بعد عدم ما يدلّ على بطلانها بذلك، بل مقتضى اطلاق الأدلّة خلافه بل ظاهر النصّ و الفتوى عدم الفرق في ذلك بين الحدّ و غيره. و كذا لو شهدا ثمّ زكّيا بعد عروض العوارض السابقة من الموت و نحوه؛ اذ التزكية كاشفة عن صحّة شهادتها السابقة التي هي مستند الحكم السابق».(1)


1) - جواهر الكلام 41: 217.

فيما لو شهدا ثمّ فسقا

«الثانية»: لو شهدا ثمّ فسقا قبل الحكم حكم بهما؛ لأنّ المعتبر بالعدالة عند الاقامة. و لو كان حقّا للّه لم يحكم لأنّه مبني على التخفيف و لأنّه نوع شبهة. و في الحكم بحدّ القذف و القصاص تردّد أشبهه الحكم؛ لتعلّق حقّ الآدمي به.

قال في المسالك: «اختلف الأصحاب في المسألة فذهب الشيخ في الخلاف و المبسوط و ابن ادريس و المصنّف رحمهم الله و كذا العلاّمة في القواعد الى جواز حكم القاضي بعد فسق الشاهدين أو أحدهما و استدلّوا أوّلاً بأنّ الاعتبار بالعدالة عند الاقامة لا عند الحكم و قد حصل. و ثانيا بأنّ الحكم بشهادتهما مع استمرار العدالة ثابت فكذا مع زوالها؛ عملاً بالاستصحاب. و ذهب العلاّمة في المختلف و الشهيد في الدروس و جماعة الى عدم جواز الحكم و ذلك أوّلاً لأنّهما فاسقان حال الحكم. و ثانيا لأنّ طروّ الفسق يضعّف ظنّ العدالة السابقة؛ لبعد طروّها دفعة. و أجابوا عن هذا الاستدلال بأنّ الأوّل مصادرة و الثاني بأنّ طروّ العدالة كطروّ الفسق، و اتّفق المجوّزون على أنّ المشهود به اذا كان حقّا للّه تعالى كحدّ الزنا و اللواط و شرب الخمر لم يحكم به؛ للشبهة الدارئة. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الحقّ جواز الحكم بشهادة العدلين و ان كان الحكم بعد فسقهما أو أحدهما و ذلك أوّلاً لأنّ الحكم قد بني على شهادة العدلين و قد حصل.

و ثانيا لأنّه لا فرق بين فسق الشاهدين بعد الشهادة و موتهما أو جنونهما أو غير ذلك من العوارض.

و ثالثا لضعف ما استدلّ به المخالفون فانّهم استدلّوا أوّلاً بأنّه لو حكم الحاكم


1) - مسالك الأفهام 14: 294 و 295.

على طبق شهادتهما بعد فسقهما لكان ذلك من الحكم بشهادة فاسقين و هو غير نافذ.

و فيه: انّ الاعتبار في الحكم على شهادة العدلين حين الأداء أو فقل: انّ المعتبر في نفوذ الشهادة عدالة الشاهدين حين الأداء لا حين الحكم.

و ثانيا: انّ طروّ الفسق عليهما أو على أحدهما كان كرجوعهما عن الشهادة قبل الحكم.

و فيه - مضافا الى أنّه قياس باطل - : انّ الرجوع عدول عن الشهادة الأولى و موجب لبطلانها و أمّا الفسق بعد الشهادة لايوجب بطلان الشهادة.

و ثالثا: انّ طروّ الفسق يضعّف ظنّ العدالة.

و فيه: لايكون كذلك دائما فانّ طروّ الفسق انّما يوجب عدم العصمة لا عدم العدالة فانّ العدل في معرض الهوى قطعا.

نعم، لو شكّ الحاكم حقيقة في العدالة السابقة بعد طروّ الفسق لايجوز له الحكم و هو خارج عن الموضوع.

ثمّ انّه لا فرق بين حقّ الناس و حقّ اللّه؛ فانّ ما سبق من الأدلّة عامّ للحقّين.

و استدلّوا على عدم النفوذ في حقّ اللّه تعالى أوّلاً بالاجماع و ثانيا بأنّ طروّ الفسق يوجب الشبهة الدارئة للحدّ.

و في الأوّل أنّ الاجماع الكاشف عن قول الامام عليه السلام لم يحصل أو مشكوك فيه.

و في الثاني انّه لا شبهة هناك؛ لأنّ المعتبر في نفوذ الشهادة للحكم هو حال أداء الشهادة، مع أنّه لو كان في الحكم بحقّ اللّه شبهة كان في حقّ الآدمي أيضا شبهة و الثاني باطل فالأوّل مثله.

ولكن مع ذلك كلّه لاينبغي للحاكم ترك الاحتياط بترك الحكم في حقوق اللّه تعالى فانّه واقع بين المحذورين - الحكم الواجب أصالة، و تركه الواجب للشبهة - خصوصا مع ملاحظة فتوى كثير من الفقهاء بعدم جواز الحكم في حقوق اللّه تعالى.

فيما لو شهدا لمن يرثانه فمات قبل الحكم

«الثالثة»: لو شهدا لمن يرثانه فمات قبل الحكم، فانتقل المشهود به اليهما لم يحكم لهما بشهادتهما.

لو شهدا لمن يرثانه فمات المشهود له قبل حكم الحاكم فانتقل المشهود به اليهما فذهب المصنّف رحمه الله الى أنّه لايجوز للحاكم أن يحكم بشهادتهما لهما و ذلك لاتّحاد المدّعي مع الشاهد في المسألة فانّهما بعد الموت يكونان مدّعيين فعليهما اقامة الشاهدين لدعواهما أو اليمين المردودة من المنكر الرادّ لليمين.

و لو كان لهما في الميراث شريك - فبناءً على ما ذهب اليه المصنّف - هل تثبت حصّة الشريك بشهادتهما بعد حكم الحاكم؟

ففي المسالك: «وجهان من انتفاء المانع من جهته و من أنّها شهادة واحدة فلاتتبعّض كما لو شهد بعض رفقاء القافلة المأخوذين لبعض، و هذا أقوى و به قطع في القواعد. و يجيء على القول بعدم قدح طروّ الفسق احتمال عدمه هنا اعتبارا بحالة الأداء كما علّل به السابق و عند الأداء لم يكن الشهادة لهما الاّ أنّ الجميع اتّفقوا على امتناع الحكم هنا».(1)

أقول:

الظاهر جواز حكم الحاكم بناءً على شهادتهما قبل موت المشهود له فانّ الاشكال المذكور آنفا غير وارد؛ لأنّه مادام الحاكم لم يحكم فلاينتقل المال الى الميّت فاذا حكم الحاكم انتقل المال الى الميّت ثمّ انتقل الى الوارثين اللذين هما الشاهدان، فلايكونان حين الشهادة مدّعيين و لا حين الحكم شاهدين.

و هكذا يكون الحكم فيما اذا كانا شريكين مع آخر.

و أمّا الاتّفاق بعدم القول بجواز الحكم أو القول بعدم جواز الحكم فلم يثبت ومع ثبوته لايكون حجّة لمعلوميّة مدركهم.


1) - مسالك الأفهام 14: 296.

فيما لو رجعا عن الشهادة

إشارة:

«الرابعة»: لو رجعا عن الشهادة قبل الحكم لم يحكم. و لو رجعا بعد الحكم و الاستيفاء و تلف المحكوم به لم ينقض الحكم و كان الضمان على الشهود. و لو رجعا بعد الحكم و قبل الاستيفاء فان كان حدّا للّه نقض الحكم؛ للشبهة الموجبة للسقوط. و كذا لو كان للآدمي كحدّ القذف أو مشتركا كحدّ السرقة. و في نقض الحكم لما عدا ذلك من الحقوق تردّد. أمّا لو حكم و سلّم فرجعوا و العين قائمة فالأصحّ أنّه لاينقض و لاتستعاد العين. و في النهاية: تردّ على صاحبها. و الأوّل أظهر.

في المسألة صور:

الأولى: اذا رجع الشاهدان عن شهادتهما قبل الحكم، ففي هذه الصورة لم يحكم الحاكم قطعا سواء كانت شهادتهما في حقّ آدمي أو حقّ للّه تعالى أو مشترك و سواء قالا: كذبنا أو قالا: غلطنا و سهونا.

و الدليل على ذلك - قبل الاجماع - انصراف أدلّة الشهادة و الحكم بها عن هذا المورد، و تؤيّده مرسلة جميل بن درّاج عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«في الشهود اذا رجعوا عن شهادتهم و قد قضي على الرجل ضمنوا ما شهدوا به و غرموا و ان لم يكن قضي طرحت شهادتهم و لم يغرموا الشهود شيئا».(1)

قال في المسالك: «رجوع الشهود عن الشهادة امّا أن يفرض قبل القضاء بشهادتهم أو بعده. فان كان قبله امتنع القضاء مطلقا؛ لأنّا لاندري أنّهم صدقوا في الأوّل أو في الآخر، فلايبقى ظنّ الصدق و لم يحصل حكم يمتنع نقضه. ثمّ اناعترفوا بأنّهم تعمّدوا الكذب فهم فسقة يستبرؤون. و ان قالوا: غلطنا، لم يفسقوا لكن لاتقبل تلك الشهادة لو أعادوها. و لو كانوا قد شهدوا بالزنا فرجعوا و اعترفوا


1) - وسائل الشيعة 27: 326 / الباب 10 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

بالتعمّد حدّوا للقذف. و ان قالوا: غلطنا، ففي حدّ القذف وجهان: أحدهما: المنع؛ لأنّ الغالط معذور. و أظهرهما الوجوب؛ لما فيه من التعيير و كان من حقّهم التثبّت و الاحتياط. و على هذا تردّ شهادتهم، و لو قلنا: لا حدّ فلا ردّ».(1)

و في الجواهر: «لو رجعا عن الشهادة قبل الحكم لم يحكم بها و لو بعد الاقامة و لا غرم بلا خلاف أجده فيهما بيننا؛ للأصل بعد ظهور النصوص في كون ميزان الحكم غير المفروض، خصوصا بعد مرسل جميل الذي هو كالصحيح سيّما بعد اعتضاده بما عرفت.

ثمّ ان اعترفوا بأنّهم تعمّدوا الكذب فهم فسقة. و لو كان المشهود به الزنا و اعترفوا بالتعمّد حدّوا للقذف. و لو قالوا: غلطنا فبالنسبة الى قبول شهادتهما في غير ذلك ففي المسالك و القواعد: عدمه و بالنسبة الى الحدّ فعن المبسوط و الجواهر: يحدّان أيضا، و في المسالك: وجهان أحدهما الوجوب و لعلّه لمرسل ابن محبوب. لكن فيه: انّ تكليف الغافل قبيح مضافا الى كونه من الشبهة الدارئة للحدّ، و المرسل مع عدم الجابر ليس بحجّة مع امكان حمله على المقصّر».(2)

أقول:

لا كلام و لا اشكال فيما اذا قالا: كذبنا، فانّهما يفسقان لكذبهما و لاتقبل شهادتهما فيما عدا ذلك أيضا.

و ان كانت شهادتهما في حدّ من حدود اللّه تعالى، فيحدّان حدّ القذف.

و أمّا لو قالا: غلطنا فلا دليل على عدم قبول شهادتهما في غير ذلك و ما لعلّهتمسّك به من صحيحة محمّد بن قيس فهي لما بعد الحكم فانّه روى عن أبي جعفر عليه السلام قال:


1) - مسالك الأفهام 14: 297.

2) - جواهر الكلام 41: 220 و 221.

«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في رجل شهد عليه رجلان بأنّه سرق فقطع يده حتّى اذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق و ليس الذي قطعت يده انّما شبّهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرّمهما نصف الدية و لم يجز شهادتهما على الآخر».(1)

و أمّا بالنسبة الى الحدّ لو كان المشهود الزنا، مع دعوى الغلط فالظاهر عدم ثبوت الحدّ و ذلك للشبهة الدارئة. و ما يمكن أن يستشهد من مرسلة ابن محبوب و غيرها فانّها تكون لما بعد الحكم و الاجراء فقد روى عن أبي عبداللّه عليه السلام في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ثمّ رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل قال:

«ان قال الرابع: أوهمت ضرب الحدّ و أغرم الدية، و ان قال: تعمّدت، قتل».(2)

الثانية: ما اذا رجع الشاهدان أو أحدهما بعد الحكم و بعد الاستيفاء في الحدود و بعد تلف المحكوم به في الحقوق الماليّة، و في هذه الصورة لاينقض الحكم بلا خلاف - كما في الجواهر - و يضمنان بالنسبة الى المال و هما محكومان بالحدّ أيضا و سيأتي في المسألة الآتية الكلام في كيفيّة الحكم عليهما.

و يدلّ على ذلك - مضافا الى عدم الخلاف و صحيحة محمّد بن قيس و مرسلة ابن محبوب الواردتين في الحدود و ضمان الشاهدين بناءً على عدم القول بالفصل - مرسلة جميل بن درّاج المذكورة في الصورة الأولى و صحيحته عن أبي عبداللّه عليه السلام في شاهد الزور قال:

«ان كان الشيء قائما بعينه ردّ على صاحبه و ان لم يكن قائما ضمنبقدر ما أتلف من مال الرجل».(3)


1) - وسائل الشيعة 27: 332 / الباب 14 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 328 / الباب 12 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 27: 327 / الباب 11 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

و مثله صحيحة أخرى له.(1)

ثمّ انّهما ان كذبا فلاتقبل شهادتهما بعد ذلك و يحدّان الاّ أن يتوبا.

هذا اذا لم تكن العين باقية و أمّا ان كانت باقية فالمشهور على أنّه لاينقض الحكم و لاتستعاد العين و يضمن الشاهدان.

بل قيل: انّ عليه عامّة المتأخّرين بل القدماء و هو الظاهر من محكي المبسوط، و قد نقل عن السرائر الاجماع عليه.

ثمّ انّ صاحب الجواهر بعد نقل ذلك كلّه و تأييد ما ذهب اليه المشهور و القول بحجّيّة الاجماع و جريان الأدلّة السابقة فيما نحن فيه، نقل عن النهاية و محكي الوسيلة و الكافي و القاضي أنّه تردّ العين على صاحبها و لا غرامة على الشهود و قد ذكر أنّهم استندوا في ذلك الى صحيحة جميل عن الصادق عليه السلام في شاهد الزور

قال:

«ان كان الشيء قائما بعينه ردّ على صاحبه و ان لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل».(2)

و استشكل فيه في الجواهر بأعمّيّة الرجوع من شاهد الزور الذي في الرواية.

أقول:

الظاهر صحّة ما ذهب اليه المشهور لاستصحاب صحّة الحكم و دلالة مرسل جميل.

و لعلّ المخالفين اعتمدوا على صحيحة جميل ولكنّها واردة في شاهد الزور الذي علم كذبه فأين هو من الشاهدين اللذين لمّا رجعا عن شهادتهما و قالا:أخطأنا أو اشتبه علينا بل لو قالا: كذبنا، لم يعلم صدقهما في ذلك.


1) - وسائل الشيعة 27: 327 / الباب 11 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 27: 328 / الباب 11 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

الثالثة: لو رجعا بعد الحكم و قبل الاستيفاء فان كان في الحدود نقض الحكم في المشهور - كما في الجواهر - للشبهة الدارئة للحدّ المبني على التخفيف. و كذا لو كان للآدمي كحدّ القذف أو مشتركا بينه و بين اللّه تعالى كحدّ السرقة؛ لاشتراك الجميع في السقوط بعروض الشبهة.

و في الجواهر: «لاأجد في شيء من ذلك خلافا محقّقا. نعم، في القواعد عبّر بلفظ الأقرب، مشعرا باحتمال العدم بل قال متّصلاً بذلك: و الاشكال في حدود الآدمي أقوى. و لعلّه لأنّه حكم شرعي صدر عن أهله في محلّه و لم يعلم له ناقض. و فيه: انّ ذلك لاينافي الشبهة».(1)

و ذهب المصنّف رحمه الله في هذه الصورة الى ما ذهب اليه المشهور من نقض الحكم و سقوط الحدّ للشبهة الدارئة و كذا في الحدود المختصّة بالآدمي أو المشتركة.

و قال الشيخ: «و ان رجعوا بعد الحكم و قبل القبض نظرت، فان كان الحقّ حدّا للّه كالزنا و السرقة و شرب الخمر لم يحكم بها؛ لأنّها حدود تدرأ بالشبهات و رجوعهم شبهة، و ان كان حقّا لآدمي يسقط بالشبهة كالقصاص و حدّ القذف لم يستوف لمثل ذلك».(2)

و يدلّ عليه صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في رجل جاء به رجلان و قالا: انّ هذا سرق درعا فجعل الرجل يناشده لمّا نظر في البيّنة و جعل يقول: واللّه لو كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله ما قطع يدي أبدا، قال: و لم؟ قال: يخبره ربّه أنّي بريء فيبرّئني ببراءتي فلمّا رأى مناشدته ايّاه دعى الشاهدين و قال:


1) - جواهر الكلام 41: 222.

2) - المبسوط 8: 246.

اتّقيا اللّه و لاتقطعا يد الرجل ظلما و ناشدهما ثمّ قال: ليقطع أحدكما يده و يمسك الآخر يده فلمّا تقدّما الى المصطبّة ليقطع يده ضرب الناس حتّى اختلطوا، فلمّا اختلطوا أرسلا الرجل في غمار الناس حتّى اختلطا بالناس فجاء الذي شهدا عليه فقال: يا أميرالمؤمنين شهد عليّ الرجلان ظلما فلمّا ضرب الناس و اختلطوا أرسلاني و فرّا و لو كانا صادقين لم يرسلاني، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : من يدلّني على هذين أنكّلهما».(1)

و تقريب الاستدلال بهذه الصحيحة أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام قضى بشهادتهما ولكن الظاهر من ذيل الحديث أنّهما لو رجعا عن شهادتهما لم يأمر عليه السلام بقطع يد المشهود عليه.

و في المباني: «انّ الحكم المذكور و ان كان مشهورا بين الأصحاب شهرة عظيمة بل لم يوجد الخلاف فيه صريحا. نعم، نسب التردّد في ذلك الى الفاضلين و فخر المحقّقين، الاّ أنّه مع ذلك لم يثبت دليل على نقض الحكم الاّ ما تكرّر ذكره في كلمات غير واحد منهم من أنّ رجوع الشاهد يحقّق الشبهة و أنّ الحدود تدرأ بالشبهات.

و هذا الدليل لايتمّ فانّ المراد بالشبهة التي يدرأ بها الحدّ ان أريد بها ما هو أعمّ من الواقع و الظاهر فلا شبهة في المقام بعد حكم الحاكم و عدم جواز نقضه. و ان أريد بها الشبهة بالاضافة الى خصوص الواقع و ان كان الحكم الظاهري معلوما فلا وجه لدرء الحدود بها لوجودها في أكثر موارد القضاء، على أنّ درء الحدود


1) - روضة الكافي 7: 264 / كتاب الحدود / الحديث 23. و قد أورد بعضها في الوسائل 28: 58 / الباب 33 من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث 2.

بالشبهات لم يثبت برواية معتبرة. و على ذلك فان تمّ الاجماع فهو ولكنّه غير تامّ.فاذن الأقرب نفوذ الحكم و عدم جواز نقضه».(1)

و فيه أوّلاً: انّ درء الحدود بالشبهات ممّا قد أخذ من الروايات الواردة في الباب، و هو ان لم يكن في رواية خاصّة معتبرة الاّ أنّها قاعدة قطعيّة جارية في لسان الفقهاء متصيّدة من روايات شتّى.

و ثانيا: انّ الصحيحة المتقدّمة آنفا دليل على نقض الحكم لو رجعا عن شهادتهما.

و ثالثا: اذا قالا: أوهمنا أو أخطأنا فاذا كانا عادلين انكشف الخطأ في الحكم فينقض قهرا أو يجب نقضه على الحاكم، و ان قالا: كذبنا فقال السيّد الخوئي نفسه بأنّهما صارا فاسقين و معناه أنّهما شهدا من غير واقع و قد سقط دليل الحكم.

فرع : في توابع الحدود و غيرها

انّ صاحب الجواهر رحمه الله بعد قبول نقض الحكم في الحدود للشبهة الموجبة لسقوطها قال: «نعم، يقوى بقاء حكم التوابع التي لم يثبت بالشرع سقوطها بالشبهة نحو ما سمعته في شهادة الفرع، فيحرم أخت الغلام الموطوء و أمّه و بنته و أكل البهيمة الموطوءة المأكولة و يجب بيع غيرها في بلد آخر، و كذا الحكم بردّته اذا رجع الشهود قبل قتله فانّه يسقط قتله للشبهة لكن تبقى قسمة ماله و اعتداد زوجته».(2)

و فيه: معنى نقض الحكم جعله كأن لم يكن من الأوّل و أنّ الحكم وقع خطأ


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 187.

2) - جواهر الكلام 41: 223.

كما لو أخطأ القاضي في مدرك الحكم، فاذا فرض الحكم كأن لم يكن فمامعنىبقاء حكم التوابع؟ فهل يكون ثبوتها الاّ بسبب الحكم فاذا صار الحكم منقوضا بالنسبة الى الحدّ فالتوابع منقوضة أيضا بتبعه.

كلّ ذلك فيما اذا كان المشهود به من الحدود و أمّا ان كان في غير الحدود من الحقوق فتردّد المصنّف رحمه الله في نقض الحكم بالنسبة اليها.

و في المسالك: «و ان كان حقّ آدمي أو مشتركا فوجهان من تغليب حقّ الآدمي و وجود الشبهة الدارئة له في الجملة، و هذا أولى. و المصنّف رحمه الله جزم بالحكم في القسمين استضعافا للفرق. و تردّد في نقض الحكم لما عدا الحدّ من الحقوق سواء في ذلك الماليّة و غيرها.

و منشأ التردّد ممّا ذكرناه في المال. و ينبغي الحاق العقوبات كالقتل و الجرح بالحدود، و العقود و الايقاعات بالمال لسهولة خطرها و ترجيحا لحقّ الآدمي و يحتمل الحاق النكاح بالحدود؛ لعظم خطره و عدم استدراك فائت البضع».(1)

و في الجواهر: «و في نقض الحكم فيما عدا ذلك من الحدود تردّد من مرسل جميل المعتضد باستصحاب الصحّة و اطلاقها بل ما قبل الاستيفاء مثل ما بعده بالنسبة الى دلالة الدليل و من امكان التدارك بعد الشكّ بسبب الرجوع في حصول ميزان الحكم. ولكن لا ريب في أنّ الأوّل أقوى حتّى في العقوبات كالقتل و الجرح التي لاتدخل في الحدود عرفا و الفروج و ان احتمل في المسالك الحاق هذه الثلاثة بالحدود؛ لعظم خطرها و عدم استدراك فائت البضع منها، لكنّه كما ترى لايصلح معارضا للدليل كما هو واضح».(2)


1) - مسالك الأفهام 14: 298.

2) - جواهر الكلام 41: 223.

أقول:

الظاهر صحّة ما ذهب اليه المشهور من عدم نقض الحكم؛ لعدم الدليلالموجب له فانّ الدليل الدالّ على النقض في الحدود اذا رجعوا قبل الاستيفاء هو الشبهة الدارئة و هي مفقودة هنا، مضافا الى دلالة مرسلة جميل عليه فانّه روى عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«في الشهود اذا رجعوا عن شهادتهم و قد قضي على الرجل ضمنوا ما شهدوا به و غرّموا و ان لم يكن قضي طرحت شهادتهم و لم يغرموا الشهود شيئا».(1)

حيث لم يفرّق بعد القضاء بين الاستيفاء و عدمه.

و الظاهر الحاق العقوبات و النكاح به كما في الجواهر و ان كان الاحتياط في محلّه؛ للتوصية المؤكّدة من الشارع بالنسبة الى الدماء و الفروج.


1) - وسائل الشيعة 27: 326 / الباب 10 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

في الرجوع بعد الاستيفاء لو كان المشهود به قتلاً أو جرحا

«الخامسة»: المشهود به ان كان قتلاً أو جرحا فاستوفي ثمّ رجعوا، فان قالوا: تعمّدنا اقتصّ منهم، و ان قالوا: أخطأنا كان عليهم الدية. و ان قال بعض: أخطأنا فعلى المقرّ بالعمد القصاص و على المقرّ بالخطأ نصيبه من الدية. و لولي الدم قتل المقرّين بالعمد جميعا و ردّ الفاضل عن دية صاحبه. و له قتل البعض و يردّ الباقون قدر جنايتهم. و لو قال أحد شهود الزنا بعد رجم المشهود عليه: تعمّدت، فان صدّقه الباقون كان لأولياء الدم قتل الجميع و يردّوا ما فضل عن دية المرجوم. و ان شاءوا قتلوا واحدا و يردّ الباقون تكملة ديته بالحصص بعد وضع نصيب المقتول. و ان شاءوا قتلوا أكثر من واحد و ردّ الأولياء ما فضل عن دية صاحبهم و أكمل الباقون من الشهود ما يعوز بعد وضع نصيب المقتولين. أمّا لو لم يصدّقه الباقون لم يمض اقراره الاّ على نفسه فحسب. و قال في النهاية: «يقتل و يردّ الباقون ثلاثة أرباع الدية». و لا وجه له. و لو شهدا بالعتق فحكم ثمّ رجعا، ضمنا القيمة تعمّدا أو أخطئا؛ لأنّهما أتلفاه بشهادتهما.

قال في المسالك: «اذا رجعوا بعد الاستيفاء و كان المشهود به ممّا يتعذّر تداركه كالقتل و الجرح، فان قالوا تعمّدنا فعليهم القصاص أو الدية في موضع لايقتصّ فيه من المتعمّد موزّعة على ما هو مذكور في الجنايات، و كذا لو شهدوا بالردّة فقتل أو على المحصن فرجم أو على غير المحصن فجلد و مات منه. لكن هنا يلزمهم الدية؛ لأنّه عمد شبيه الخطأ؛ لقصدهم الى الفعل المؤدّي الى القتل. و ان قالوا أخطأنا فعليهم الدية على ما يفصّل في قتل الخطأ. و ان تفرّقوا في الوصف اختصّ كلّ بحكمه».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 299.

أقول:

للمسألة ثلاث صور:

الأولى: ما اذا رجع الشهود و قالوا: تعمّدنا، ففي هذه الصورة اقتصّ منهم فان قتل المشهود عليه أو رجم كان لولي الدم اختيار أحد أمور:

أحدها: قتل الجميع و ردّ ما فضل عن دية المقتول ظلما الى ورّاثهم، فلو كان الشهود أربعة و شهدوا على الزنا مع الاحصان و رجم المشهود عليه ثمّ قالوا: تعمّدنا، فاختار الولي قتلهم جميعا فعليه دفع ثلاث ديات كاملة تقسّم بين أولياء المقتولين أرباعا.

ثانيها: اختيار الدية فعلى كلّ واحد من الشهود ربع دية المقتول.

ثالثها: قتل بعض و أخذ الدية من بعض آخر، فلو اختار قتل اثنين و أخذ الدية من الآخرين فعليه دية كاملة يقسّم بين أولياء المقتولين تنصيفا و يأخذ نصف دية كاملة من الآخرين على كلّ واحد منهما ربع الدية، يختصّ كلّ ربع بواحد من المقتولين فيعطيه أولياءهما.

الثانية: ما اذا رجعوا و قالوا: أخطأنا، فعليهم الدية ففي المثال المذكور على كلّ واحد منهم ربع الدية.

الثالثة: ما اذا رجعوا ولكن قال بعضهم: تعمّدنا و قال بعضهم الآخر: أخطأنا، فلولي المقتول ظلما اختيار أحد الأمور الثلاثة المتقدّمة بالنسبة الى الاثنين اللذين اعترفا بالتعمّد كما تقدّم.

و هكذا يكون الحال بالنسبة الى الجرح - كقطع يد السارق - فله أيضا ثلاث صور كما في القتل.

و يدلّ على ذلك كلّه روايات:

منها معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام في رجلين شهدا على رجل أنّه سرق فقطعت يده ثمّ رجع أحدهما فقال: شبّه علينا:

«غرّما دية اليد من أموالهما خاصّة و قال في أربعة شهدوا على رجلأنّهم رأوه مع امرأة يجامعها و هم ينظرون فرجم ثمّ رجع واحد منهم قال: يغرّم ربع الدية اذا قال: شبّه عليّ و اذا رجع اثنان و قالا: شبّه علينا غرّما نصف الدية و ان رجعوا كلّهم و قالوا: شبّه علينا غرّموا الدية فان قالوا: شهدنا بالزور قتلوا جميعا».(1)

و منها صحيحة محمّد بن قيس المتقدّمة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في رجل شهد عليه رجلان بأنّه سرق فقطع يده حتّى اذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر، فقالا: هذا السارق و ليس الذي قطعت يده انّما شبّهنا ذلك بهذا فقضى عليهما أن غرّمهما نصف الدية و لم يجز شهادتهما على الآخر».(2)

و منها مرسلة ابن محبوب عن أبي عبداللّه عليه السلام في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ثمّ رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل قال:

«ان قال الرابع: أوهمت ضرب الحدّ و أغرم الدية و ان قال: تعمّدت قتل».(3)

فتقيّد هذه المرسلة بما رواه السكوني من أنّ عليه ربع الدية و في صورة القتل اذا اختاره الولي فيرجع الى أوليائه ثلاثة أرباع الدية.

ثمّ انّه في صورة رجوع الشهود لم يفرق بين أن يقول كلّهم: تعمّدنا أو أخطأنا و بين أن يقوله واحد منهم و يصدّقه الباقون.

و أمّا اذا قال أحدهما أو أحدهم: تعمّدنا و لم يصدّقه غيره لم يمض اقراره الاّ على نفسه فحسب؛ لعدم مؤاخذة أحد باقرار غيره. و عليه فان اختار الولي قتله ردّ


1) - وسائل الشيعة 27: 332 / الباب 14 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 332 / الباب 14 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 27: 328 / الباب 12 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

عليه ثلاثة أرباع ديته و ان اختار أخذ الدية كان عليه الربع خاصّة؛ لأنّه أقر بالشركةفي القتل. و كذا لو قال: أخطأنا.

هذا، ولكن قال الشيخ في النهاية: «فان شهد أربعة رجال على رجل بالزنا و كان محصنا فرجم ثمّ رجع أحدهم فقال: تعمّدت ذلك قتل و أدّى الى ورثته الثلاثة الباقون ثلاثة أرباع الدية.

و ان قال: أوهمت ألزم ربع الدية. و ان رجع اثنان و قال: أوهمنا ألزما نصف الدية. و ان قالا: تعمّدنا و أراد أولياء المقتول بالرجم قتلهما، قتلوهما و أدّوا الى ورثتهما دية كاملة يتقاسمان بينهما على السويّة و يؤدّي الشاهدان الآخران على ورثتهما أيضا نصف الدية يتقاسمان بينهما بالسويّة. و ان اختار أولياء المقتول قتل واحد منهما، قتله و أدّى الآخر مع الباقين من الشهود على ورثة المقتول الثاني ثلاثة أرباع ديته».(1)

و وافقه ابن الجنيد - على ما حكي عنه في المسالك(2)- و لعلّهما استندا في فتواهما هذه الى صحيحة ابراهيم بن نعيم الأزدي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن أربعة شهدوا على رجل الزنا فلمّا قتل رجع أحدهم عن شهادته، قال فقال: يقتل الرابع(3)و يؤدّي الثلاثة الى أهله ثلاثة أرباع الدية».(4)

هي - مع مخالفتها للأصل المتّفق عليه من عدم مؤاخذة أحد باقرار غيره - محمولة على ما اذا رجعوا بأجمعهم و قال أحدهم: تعمّدت و قال الباقون: أخطأنا.

و في المختلف: «يحمل قول الشيخ و ابن الجنيد على أنّهم رجعوا بأجمعهم


1) - النهاية: 335.

2) - مسالك الأفهام 14: 301.

3) - في التهذيب: الراجع. هامش الوسائل

4) - وسائل الشيعة 27: 329 / الباب 12 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

ولكن قال بعضهم: تعمّدت و قال الباقون: أخطأنا، فهنا الغرم على الشهود دون أولياء المقتول».(1)

ولكن الشهيد في المسالك لم يرتض بهذا الحمل، و جعل الحمل محملاً للصحيحة.

ثمّ لو شهدا بالعتق فحكم ثمّ رجعا ضمنا القيمة، سواء قالا: تعمّدنا أو أخطأنا؛ لأنّهما أتلفاه بشهادتهما. و لا فرق فيه بين العمد و الخطأ، و قد فوّتا ماليّته على المالك بشهادتهما و هو لايرجع لبناء العتق على التغليب مع نفوذ الحكم فيه.

فيما اذا ثبت أنّهم شهدوا بالزور

«السادسة»: اذا ثبت أنّهم شهدوا بالزور نقض الحكم و استعيد المال، فان تعذّر غرّم الشهود. و لو كان قتلاً يثبت عليهم القصاص و كان حكمهم حكم الشهود اذا أقرّوا بالعمد. و لو باشر الولي القصاص و اعترف بالتزوير لم يضمن الشهود و كان القصاص على الولي.

قد تقدّم في المسألتين المتقدّمتين حكم رجوع الشهود عن شهادتهم، فانّ الرجوع أعمّ من أن يحصل للقاضي علم بفساد الحكم، و ما تقدّم هو حكم ما اذا لم يثبت للقاضي فساد الحكم و أمّا اذا ثبت للقاضي - من أيّ طريق - أنّهم شهدوا بالزور ينقض الحكم؛ لتبيّن اختلال شرط الشهادة و فسادها كما لو تبيّن فسقهما قبل الحكم، و يستعاد المال اذا كانت الشهادة في الحقوق الماليّة.

يدلّ على ذلك صحيحة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام في شاهد الزور قال:

«ان كان الشيء قائما بعينه ردّ على صاحبه و ان لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل».(2)


1) - مختلف الشيعة 8: 538.

2) - وسائل الشيعة 27: 327 / الباب 11 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام في شاهد الزور ما توبته؟ قال:

«يؤدّي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله ان كانالنصف أو الثلث ان كان شهد هذا و آخر معه».(1)

و في المسالك: «و اعلم أنّ الزور انّما يتحقّق بتعمّد الكذب لا بمطلق كون الشهادة باطلة و لذلك كان حكمهم حكم من أقرّ بالعمد. و انّما يثبت شهادتهم بالزور بأمر مقطوع به كعلم الحاكم أو الخبر المفيد للعلم لا بالبيّنة لأنّه تعارض و لا بالاقرار لأنّه رجوع».(2)

و هو كذلك.

هذا اذا كان مورد الشهادة هو المال و أمّا اذا كان قتلاً أو جرحا يكون حال الشهود مثل ما اذا قالوا تعمّدنا، بل هنا أسوأ حالاً؛ فينقض الحكم ان لم يستوف و يجري على الشهود الحدّ في القذف أو يقتصّ منهم ان استوفي.

ثمّ انّه لو شهد شاهدان بأنّ زيدا - مثلاً - قتل عمروا عمدا فباشر ولي المقتول القصاص قبل حكم الحاكم، ثمّ رجع و اعترف بأنّه قد علم كذب الشهود و تزويرهم، فيقتصّ منه دون الشهود؛ لأنّه المباشر بالقتل، و على تقدير اعترافه بالخطأ فعليه كمال الدية، كما في المسالك و الجواهر.(3)

نعم، لو باشر الولي بالقتل بعد حكم الحاكم فالظاهر أنّه كالشريك مع الشهود في القتل و كان كمن اعترف بأنّه قتل شخصا مع مشاركة اثنين آخرين فعليه الدية بالنسبة و كذا الحكم بالنسبة الى القصاص.

و الفرق أنّه في الأوّل لا عبرة بشهادة الشهود بدون حكم الحاكم، بخلاف الثاني.


1) - وسائل الشيعة 27: 327 / الباب 11 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - مسالك الأفهام 14: 304.

3) - جواهر الكلام 41: 231.

هذا اذا لم يرجع الشهود أمّا اذا رجعوا مع ولي المقتول و اعترفوا بالتزوير و التعمّد أو الخطأ فهل يكون القصاص أو الدية على ولي المقتول خاصّة أو عليه وعليهم وجهان، ذكرهما في المسالك(1)و اختار أوّلهما و قال بأنّ القصاص أو الدية بكمالها عليه لأنّه المباشر و هم معه كالممسك مع القاتل.

و الثاني أنّه معهم كالشريك؛ لتعاونهم على القتل و ليسوا كالممسك مع القاتل فانّهم صوّروه بصورة المحقّين، و على هذا فهم في القصاص و الدية مشتركون مع ولي المقتول امّا منصّفة - بأن يكون نصف الدية على الولي و نصفها الآخر على الشهود أو يحسب الولي مع الشهود بمنزلة قاتليَن في القصاص - أو بالحساب - بأن يحسب الولي و كلّ من الشهود على حدة فان كان الشهود اثنين تقسّم الدية أثلاثا و كذا في القصاص - و ينبغي على هذا الوجه أن لايجب كمال الدية على الولي اذا رجع وحده.

أقول:

الأظهر التفصيل بين ما قبل حكم الحاكم و ما بعده فان كان الثاني - و هو ما بعد الحكم - فالظاهر هو الوجه الثاني و أنّ الولي كالشريك معهم فانّ ذلك يطابق ما سبق في المسألة الخامسة و كذا بالنسبة الى الدية.

و أمّا ان لم يحكم الحاكم بعد فباشر الولي القصاص بمجرّد شهادة الشهود فالأجود هو الوجه الأوّل فانّه لا عبرة بشهادة الشهود بدون حكم الحاكم.


1) - مسالك الأفهام 14: 304.

فيما اذا شهدا بالطلاق ثمّ رجعا

إشارة:

«السابعة»: اذا شهدا بالطلاق ثمّ رجعا فان كان بعد الدخول لم يضمّنا. و ان كان قبل الدخول ضمّنا نصف المهر المسمّى؛ لأنّهما لايضمّنان الاّ ما دفعه المشهود عليه بسبب الشهادة.

اذا أنكر الزوج طلاق زوجته و هي مدّعية له و شهد شاهدان بطلاقها فحكم الحاكم به ثمّ رجعا و أظهرا خطأهما أو تعمّدهما للكذب فان كان بعد الدخول لم يضمّنا شيئا؛ لأنّهما و ان فوّتا على الزوج منفعة البضع بشهادتهما الاّ أنّهما لايضمّنان من دون خلاف معتدّ به في المسألة، فانّ الزوج بالدخول يجب عليه المهر كملاً سواء طلّق أو لا، فالشهادة بالطلاق لاتثبت شيئا في ذمّة الزوج.

و أمّا ان كان قبله ضمنا نصف المهر على المشهور كما في المسالك.

و قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «ولكنّه لايخلو من اشكال بل الأظهر عدم الضمان و ذلك لأنّهما لم يتلفا بشهادتهما شيئا على الزوج؛ لفرض أنّ نصف المهر قد استقرّ على ذمّته بالعقد سواء أطلّق أم لم يطلّق دخل بها أم لم يدخل، غاية الأمر أنّه بالدخول يستقرّ نصفه الآخر. و من هنا حكي عن الشيخ الاشكال في ضمانهما المهر المسمّى؛ نظرا الى أنّ رجوعهما عن الشهادة بالطلاق بعد حكم الحاكم به لايوجب تفويت شيء على الزوج ليضمّناه له. ولكن نسب اليه ضمان مهر المثل في هذه الصورة، نظرا الى أنّ الشاهدين قد فوّتا عليه البضع فيثبت مهر المثل. و يندفع ذلك بما عرفت من أنّه لا ضمان في تفويت البضع».(1)

أقول:

الظاهر أنّ الصحيح هو ما ذهب اليه المشهور و ذلك لأنّهما بشهادتهما قبل الدخول ألزماه نصف المهر المسمّى مع أنّه في معرض السقوط بالردّة و الفسخ


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 192.

من قبل الزوجة كما في المسالك(1)و قد أفتى به الشيخ في المبسوط(2)و لم أرَ في

النهاية و لا في المبسوط ما نسب اليه من الاشكال في نصف المهر المسمّى بل في المبسوط أثبت ما ذهب اليه المشهور.

هنا فرعان:

الفرع الأوّل : فيما لو شهدا على طلاق بائن

اذا شهد الشاهدان على طلاق بائن كالطلاق بعوض و الطلقة الثالثة أو على رضاع محرّم أو لعان أو فسخ بعيب أو غيرها من جهات الفراق و حكم الحاكم بشهادتهما ثمّ رجعا، لم يردّ الفراق؛ لأنّ قولهما في الرجوع محتمل الصدق و الكذب فلايردّ القضاء المبرم بقول محتمل كما في المسالك(3).

نعم، لو علم القاضي بأنّ الشاهدين كذبا حقّا و أنّهما شهدا بالزور فعلم خطأ حكمه قطعا ينقض الحكم و يردّ الفراق.

الفرع الثاني : فيما اذا شهدا بالطلاق فتزوّجت المرأة

اذا شهد شاهدان زورا بطلاق امرأة فاعتدّت المرأة و تزوّجت برجل آخر مستندة الى شهادتهما، فجاء الزوج و أنكر الطلاق فذهب العلاّمة الخوئي رحمه اللهالى أنّه يفرّق بينهما و ترجع الزوجة الى زوجها الأوّل و تعتدّ من الثاني و يضمنالشاهدان الصداق للزوج الثاني و يضربان الحدّ.


1) - مسالك الأفهام 14: 305.

2) - المبسوط 8: 247.

3) - مسالك الأفهام 14: 305.

و كذلك قال فيما اذا شهدا بموت الزوج فتزوّجت المرأة ثمّ جاءها زوجها الأوّل.

و في النهاية: «و ان شهد رجلان على رجل بطلاق امرأته فاعتدّت و تزوّجت و دخل بها ثمّ رجعا وجب عليهما الحدّ و ضمنا المهر للزوج الثاني و ترجع المرأة الى الأوّل بعد الاستبراء بعدّة من الثاني».(1)

أقول:

قد ورد في هذا الفرع ثلاث روايات:

الأولى صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في رجلين شهدا على رجل غائب عند امرأته أنّه طلّقها فاعتدّت المرأة و تزوّجت ثمّ انّ الزوج الغائب قدم فزعم أنّه لم يطلّقها و أكذب نفسه أحد الشاهدين فقال:

«لا سبيل للأخير عليها و يؤخذ الصداق من الذي شهد و رجع فيردّ على الأخير و يفرّق بينهما و تعتدّ من الأخير و لايقربها الأوّل حتّى تنقضي عدّتها».(2)

و هذه الرواية مطابقة للأصول و القواعد فانّ الظاهر منها أنّ الشاهدين لم يشهدا عند الحاكم و لم يحكم الحاكم بالطلاق بعد، بل شهدا عند المرأة ففعلت ما فعلت، فلايشكل بنقض الحكم. و كذا يظهر منها أنّ الصداق كلّه يؤخذ من الشاهد الذي رجع.

و لو حمل على ما اذا شهدا عند الحاكم و قد رجع أحدهما بعد الحكم فلا بدّ من تأويلها بما اذا علم الحاكم بأنّ هذه الشهادة وقعت زورا و لو بالنسبة الىالراجع، فعلم بخطأ الحكم يقينا.


1) - النهاية: 336.

2) - وسائل الشيعة 27: 331 / الباب 13 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

الثانية موثّقة ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي عبداللّه عليه السلام في شاهدين شهدا على امرأة بأنّ زوجها طلّقها فتزوّجت ثمّ جاء زوجها فأنكر الطلاق قال:

«يضربان الحدّ و يضمّنان الصداق للزوج ثمّ تعتدّ ثمّ ترجع الى زوجها الأوّل».(1)

الثالثة موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام في امرأة شهد عندها شاهدان بأنّ زوجها مات فتزوّجت ثمّ جاء زوجها الأوّل قال:

«لها المهر بما استحلّ من فرجها الأخير و يضرب الشاهدان الحدّ و يضمّنان المهر لها بما غرّا الرجل ثمّ تعتدّ و ترجع الى زوجها الأوّل».(2)

و في هاتين الروايتين مشكلتان: الأولى: من جهة ضرب الحدّ على الشهود فانّهما لم يفعلا أمرا يستحقّان به الحدّ و لم يكونا سببا لزنا المرأة أو الرجل فانّ وطأهما كان شبهة.

و تدفع بحمل الحدّ فيهما على التعزير و ذلك لأنّهما شهدا بالزور و قد ثبت عند الحاكم و لذا نقض الحكم.

الثانية: من جهة نقض الحكم فيهما و قد تدفع بما تقدّم من ثبوت شهادة الزور عند الحاكم، كما أنّه ظاهر الثانية فانّهما لمّا شهدا بالموت فجاء الزوج يظهر خطأ الحكم قطعا.

و أمّا عدم وجود الحدّ في الصحيحة الأولى فلما تقدّم من عدم شهادتهما عند الحاكم.

و أمّا العلاّمة الخوئي فقد أخذ الصحيحة دليلاً على كون رجوع أحدالشاهدين من جهة الخطأ و الاشتباه فقال: «اذا شهد شاهدان بطلاق امرأة فاعتدّت


1) - وسائل الشيعة 27: 330 / الباب 13 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 330 / الباب 13 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

المرأة فتزوّجت رجلاً آخر ثمّ جاء الزوج فأنكر الطلاق و رجع أحد الشاهدين و أبرز خطأه، فعندئذ يفرّق بينهما و ترجع الى زوجها الأوّل و تعتدّ من الثاني و يؤخذ الصداق من الذي شهد و رجع».(1)

و فيه: انّ هذا الحمل خلاف ظاهر الصحيحة فانّ الفرض فيها أنّ الشاهد الراجع أكذب نفسه مع أنّه في صورة الخطأ يشكل أخذ الصداق منه فضلاً عن كلّه.

فالنتيجة على هذا أنّه ان شهدا عند المرأة من دون أن يشهدا عند الحاكم فاعتدّت المرأة فتزوّجت بآخر، فعليها الاعتداد من الثاني و ترجع الى الأوّل و على الشاهدين أن يعطيا المهر للثاني و على الثاني أن يعطي المهر للمرأة.

و ان شهدا عند الحاكم بالطلاق أو الموت ثمّ تبيّن للحاكم أنّهما يشهدان بالزور، فالحكم ما سبق مضافا الى استحقاق الشاهدين تعزيرا بشهادتهما زورا.

و أمّا ان شهدا عند الحاكم بالطلاق ثمّ رجعا و أقرّا بالخطأ أو تعمّد الكذب أو جاء الزوج فأنكر الطلاق ولكن لم يثبت للحاكم صدقهم في ذلك فالظاهر عدم نقض الحكم لما تقدّم من عدم الدليل عليه، و الروايات الثلاث منصرفة عن هذا.

بقي الكلام في ضمان الراجع ان كان واحدا و الظاهر أنّه لصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة و لأنّه لو لم يشهد هذا لم يفرّق بين الزوجة و زوجها و لو كان الشاهد الآخر صادقا - بنظره - فكان المتلف هو هذا.


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 194.

في مقدار ضمان كلّ منهم اذا رجعوا أو رجع واحد منهم

فروع: «الأوّل»: اذا رجعا معا ضمنا بالسويّة فان رجع أحدهما ضمن النصف. و لو ثبت بشاهد و امرأتين فرجعوا ضمن الرجل النصف و ضمنت كلّ واحدة الربع. و لو كان عشر نسوة مع شاهد فرجع الرجل ضمن السدس. و فيه تردّد.

اذا حكم الحاكم بثبوت حقّ مالي مستندا الى شهادة رجلين عادلين فرجع أحدهما ضمن نصف المشهود به كما تقدّم و يدلّ عليه - مضافا الى أنّه موافق للقواعد - معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام :

«انّ النبي صلى الله عليه و آله قال: من شهد عندنا ثمّ غيّر أخذناه بالأوّل و طرحنا الأخير».(1)

بناءً على أنّ معنى الأخذ هو الزامه و مؤاخذته بما شهد اذا غيّر شهادته.

و يدلّ عليه أيضا الروايات الدالّة على ضمان الشاهد اذا رجع عن شهادته في الحدود.

و ان رجع كلاهما ضمنا تمام المشهود به بالسويّة. و اذا كان ثبوت الحقّ بشهادة رجل و امرأتين فرجعوا ضمن الرجل النصف و ضمنت كلّ واحدة الربع؛ لأنّهما بمنزلة رجل.

و لو ثبت بشاهد و يمين ضمن الشاهد النصف اذا رجع؛ لأنّ الظاهر ثبوت الحقّ بهما معا. أمّا لو أكذب المدّعي الحالف نفسه اختصّ بالضمان سواء رجع الشاهد أو لا، و كذا كلّ مقام يرجع فيه المدّعي يختصّ بضمان ما استوفاه و لا غرم على الشاهد.

هذا كلّه فيما لو كان الشاهد أقلّ عدد يثبت به المشهود به و لايزيد على النصاب.


1) - وسائل الشيعة 27: 328 / الباب 11 من كتاب الشهادات / الحديث 4.

أمّا لو شهد أكثر من العدد الذي يثبت به الحقّ كثلاثة شهود - مثلاً - في المال أو القصاص أو ستّة في الشهادة على الزنا، فرجع الزائد قبل الحكم أو بعده و قبل الاستيفاء لم يمنع ذلك من الحكم و لا الاستيفاء - ان كان حكم الحاكم مستندا الى النصاب منهم و لا أثر للزائد في حكمه وجودا و عدما - و لا ضمان على أحد ان كان الرجوع قبل الحكم.

و ان رجع بعد الحكم و الاستيفاء ضمن بقسطه؛ لأنّ الحكم و ان كان مستندا الى النصاب منهم الاّ أنّ النصاب لم يكن معيّنا بل كان في ضمن الكلّ فلو رجع أحدهم ضمن بقسطه و لا معنى محصّل لعدم الضمان - لأنّ الأقلّ الذي كان به الحكم باقٍ - لما ذكر.

هذا وفاقا للشيخ و يحيى بن سعيد و صاحب الجواهر.(1)

و عليه لو رجع أحد الثلاثة في الشهادة بالمال يضمن الثلث. و لو شهد بالزنا ستّة و رجع اثنان بعد القتل معترفين بالتعمّد فعليهما القصاص بناءً على ما مضى اذا اختار ولي الدم قصاصهما بعد ردّ ثلثي الدية عليهما لأنّ على كلّ من الشهود الستّة سدس الدية و على الاثنين ثلث الدية فاذا قتلا يطلب وارثهما ثلثي الدية من ولي المقتول ظلما.

و لو قالا: أخطأنا فعلى كلّ واحد منهما سدس الدية، و ان رجع واحد فالسدس أو القصاص - في صورة اقراره بالعمد - بعد ردّ خمسة أسداس الدية الى وليّه.

و احتمل صاحب الجواهر عدم الضمان في صورة رجوع الزائد؛ للاستغناء عنه في الحكم الاّ أن يكون مرجّحا بكثرة الشهود في صورة التعارض للاحتياج اليه حينئذ في الحكم، لكن الأظهر الأوّل و قد تقدّم دليله.


1) - جواهر الكلام 41: 238.

أمّا على ما احتمله لو رجع واحد أو اثنان من الستّة فلا شيء عليهم.

و ان رجع ثلاثة و أقرّوا بالخطأ فعلى المختار يضمنون نصف الدية و على الاحتمال ربعها بالسويّة؛ لاشتراك العلّة بينهم من غير مرجّح مع احتمال القرعة و هو الأقوى.

و ان رجع أربعة فالثلثان على المختار و النصف على الاحتمال بالسويّة أو بالقرعة.

و ان رجع خمسة فخمسة أسداس على الأوّل و ثلاثة أرباع على الاحتمال كذلك.

و ان رجع الستّة فعلى كلّ واحد السدس على القولين بل منه يستفاد تأييد المختار في الصور المتقدّمة؛ ضرورة أنّ المتّجه على الاحتمال حينئذ الاقراع في تعيين الزائد الخارج عن الضمان، على الحجّة.

و منه يظهر حكم ما لو كان الشهود عشر نسوة مع رجل فيما لايثبت بالنساء منفردات، فان رجع الرجل ضمن السدس لما عرفت من ثبوت الحكم بالجميع، و نقل صاحب الجواهر(1)عن أبي يوسف و محمّد أنّه يضمن النصف لأنّه نصف البيّنة و عليهنّ النصف؛ لأنّ الفرض توقّف الثبوت على الرجل و لا فرق فيهنّ بين اثنتين و ألف و لعلّه لذلك تردّد المصنّف رحمه الله، و قد عرفت أنّ الحقّ خلاف ذلك، و أنّ التردّد في غير محلّه.

و أمّا لو رجعت واحدة من النساء فعليها نصف السدس و على قول أبي يوسف عليهما نصف العشر و على الاحتمال الآخر لا شيء عليها. بل و لا على كلّ من يرجع منهنّ ممّا زاد على الاثنين.


1) - جواهر الكلام 41: 239.

فيما لو كان الشهود ثلاثة و رجعوا أو رجع واحد منهم

«الثاني»: لو كان الشهود ثلاثة ضمن كلّ واحد منهم الثلث و لو رجع واحد منفردا. و ربما خطر أنّه لايضمن؛ لأنّ في الباقي ثبوت الحقّ و لايضمنالشاهد ما يحكم به بشهادة غيره للمشهود له. و الأوّل اختيار الشيخ رحمه الله. و كذا لو شهد رجل و عشر نسوة فرجع ثمان منهنّ، قيل: كان على كلّ واحدة نصف السدس؛ لاشتراكهم في نقل المال و الاشكال فيه كما في الأوّل.

قد ظهر ممّا تقدّم في الفرع الأوّل حال هذا الفرع، فلو كان الشهود ثلاثة ضمن كلّ واحد منهم الثلث لو رجعوا جميعا أو رجع واحد منهم منفردا، فيما اذا كان المشهود به مالاً.

و على الاحتمال الذي تقدّم لايضمن لو رجع وحده كما خطر ببال المصنّف؛ لأنّ في الباقي ثبوت الحقّ و لايضمن الشاهد ما يحكم به بشهادة غيره للمشهود له، و قد تقدّم ضعف الاحتمال و أنّ الأوّل هو الأقوى.

و في الجواهر: «و قد عرفت أنّ الأوّل اختيار الشيخ و ابن سعيد بل لم نعرف قائلاً منّا بما خطر في بال المصنّف كما أنّا لم نعرف له وجها الاّ ما ذكره و فيه ما عرفت من صدق الثبوت بالجميع، و الصحيح السابق».(1)

و كذا تقدّم حكم رجل واحد مع عشر نسوة في الشهادة و أنّ على كلّ واحدة من النساء نصف السدس على المختار و أنّه لا شيء عليهنّ اذا رجعن سوى اثنتين منهنّ، كما اذا رجعت ثمان منهنّ.


1) - جواهر الكلام 41: 240.

فيما لو قامت بيّنة بالجرح بعد الحكم

«الثالث»: لو حكم فقامت بيّنة بالجرح مطلقا لم ينقض الحكم لاحتمال التجدّد بعد الحكم. و لو تعيّن الوقت و هو متقدّم على الشهادة نقض. و لو كان بعد الشهادة و قبل الحكم لم ينقض. و اذا نقض الحكم فان كان قتلاً أو جرحا فلا قود و الدية في بيت المال، و لو كان المباشر للقصاص هو الولي ففي ضمانه تردّد و الأشبه أنّه لايضمن مع حكم الحاكم و اذنه و لو قتل بعد الحكم و قبل الاذن ضمن الدية. أمّا لو كان مالاً فانّه يستعاد ان كانت العين باقية و ان كانت تالفة فعلى المشهود له لأنّه ضمن بالقبض بخلاف القصاص، و لو كان معسرا قال الشيخ: ضمن الامام و يرجع به على المحكوم له اذا أيسر، و فيه اشكال من حيث استقرار الضمان على المحكوم له بتلف المال في يده فلا وجه لضمان الحاكم.

ففي المسالك: «اذا حكم الحاكم بشهادة عدلين ثمّ ثبت جرحهما بعد الحكم فان كانت الشهادة بالجرح مطلقة - أي غير معيّنة بوقت خاصّ - لم ينقض الحكم؛ لاحتمال أن يكون الجرح متجدّدا عليه فيستصحب حكم العدالة الى أن يثبت المزيل. و ان عيّن الجارح وقته و كان متقدّما على الشهادة نقض؛ لظهور وقوع الحكم بشهادة فاسقين. و لو كان وقت الجرح بين الشهادة و الحكم لم ينقض؛ لأداء الشهادة حالة العدالة. و اذا نقض الحكم فان كان المشهود به طلاقا أو عتقا أو عقدا من العقود تبيّن أنّه لا طلاق و لا عتاق و لا عقد. فان كانت المرأة قد ماتت فقد ماتت و هي زوجته وان مات العبد مات و هو رقيق. و كان المشهود به قتلاً أو قطعا أو حدّا و استوفي و تعذّر التدارك فضمانه في بيت المال لأنّه من خطأ الحاكم و حكم خطئهم كذلك. انتهى ملخّصا».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 311 و 312.

أقول:

قد تقدّم أنّه اذا تبيّن أنّ الشاهدين قد فسقا بعد الشهادة و بعد الحكم لاينقض الحكم و كذا ان لم يكن فسقهما قبل الشهادة متيقّنا بل لو تبيّن أنّه كان قبل الحكم و بعد الشهادة فلا مانع من الحكم.

أمّا لو تبيّن فسقهما قبل أداء الشهادة و حينها نقض حكم الحاكم لتبيّن استناده الى شهادة فاسقين، فاذا نقض الحكم فان كان قتلاً أو جرحا فلا قود و الدية في بيت المال.

و ذلك لرواية الأصبغ بن نباتة قال:

«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام أنّ ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين».(1)

و لا فرق في ذلك بين كون مجري الحكم هو الحاكم نفسه أو وكيله أو ولي الدم باذنه أو من غير اذنه؛ لأنّ ولي الدم قد باشر باستناد حكم الحاكم و يشمله اطلاق الرواية.

و أمّا لو كان المشهود به مالاً فان كانت عينه باقية تردّ الى صاحبها و ان كانت تالفة ففيه أقوال: أحدها: كونه على المشهود له مثلاً أو قيمة.

ثانيها: كونه عليه ان كان موسرا و على القاضي ان كان معسرا فيرجع عليه ان صار موسرا.

ثالثها: أنّه على بيت المال، و الظاهر أنّ هذا الأخير هو الصحيح؛ لأنّ ضمان آخذ مال الغير مختصّ بغير موضع الغرور ولكن فيما نحن فيه فانّ حكم الحاكم غرّه فيرجع على الغارّ و حيث انّ الحاكم لم يكن مقصّرا - على الفرض - فيكون من بيت المال.


1) - وسائل الشيعة 27: 226 / الباب 10 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

و لو كان المشهود عليه طلاقا أو عتاقا أو عقدا من العقود فعلى كلّ حال يتبيّن أنّه لا طلاق و لا عتاق و لا عقد، فان ماتت المرأة ماتت و هي زوجة و ان مات العبدمات و هو رقّ.

مسائل من طوارئ الشهادة:

فيما اذا شهد شاهدان بالوصيّة و شهد عدلان من الورثة أنّه رجع عن ذلك

«الأولى»: اذا شهد شاهدان بالوصيّة لزيد و شهد من ورثته عدلان أنّه رجع عن ذلك و أوصى لخالد، قال الشيخ: تقبل شهادة الرجوع؛ لأنّهما لايجرّان نفعا. و فيه اشكال من حيث انّ المال يؤخذ من يدهما فهما غريما المدّعي.

اذا شهد شاهدان بالوصيّة لزيد و شهد من ورثته عدلان أنّه رجع عن ذلك فالعلاّمة الخوئي(1)يفصّل في المقام بين ما اذا كان المال المتنازع فيه تحت يد الوارث أو كان مشاعا و بين ما اذا كان المال المتنازع فيه عينا خارجيّة و لم يكن تحت يده.

و قال بأنّه على الأوّل فالموصى له - بمقتضى قيام البيّنة على أنّ الميّت قد أوصى له - مدّعٍ للشركة مع الوارث في المقدار الموصى به أو مدّعٍ للمال الموجود تحت يده و على كلا التقديرين يكون الوارث غريما له و هو لاتقبل شهادته.

و على الثاني فالوارث ليس غريما فلا مانع من قبول شهادته.

أقول:

انّ ظاهر التفصيل حسن الاّ أنّ اشكال المحقّق باقٍ بحاله؛ فانّ المال بعد موت المورّث يكون لورثته، فانّ زيدا - مثلاً - مدّعٍ و قد أقام بيّنة بما ادّعاه و العدلان من ورثة الميّت غريماه و ان لم يجرّا نفعا على الظاهر فانّهما لمكان أخذ المال من


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 198 و 199.

يدهما يكونان غريمين و هما في موضع التهمة و ان كان المال عينا خارجيّة. و على هذا فعدم القبول أولى مع كون شهادتهما مخالفة للأصل.

اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّهما لمّا لم يجرّا نفعا فكونهما في موضع التهمة لايضرّ بقبول شهادتهما. و على أيّ حال فلا وجه للتفصيل.

فيما اذا شهد شاهدان لزيد بالوصيّة و شهد شاهد بالرجوع

«الثانية»: اذا شهد شاهدان لزيد بالوصيّة و شهد شاهد بالرجوع و أنّه أوصى لعمرو، كان لعمرو أن يحلف مع شاهده؛ لأنّ شهادته منفردة لاتعارض الأولى.

الظاهر أنّه لا اشكال فيما ذهب اليه المصنّف رحمه الله و ذلك لأنّ المال يثبت بشهادة الرجل الواحد مع يمين المدّعي.

و لمّا كان العمل بالثانية لاتعارض العمل بالأولى؛ لتفاوت المشهود به فالعمل على الثانية. نعم، لو ادّعى الشاهدان أنّه لم يرجع عن الوصيّة الأولى و ادّعى الشاهد الواحد رجوعه وقع التعارض.

فيما لو أوصى بوصيّتين منفردتين فشهد آخران أنّه رجع عن احداهما

«الثالثة»: لو أوصى بوصيّتين منفردتين فشهد آخران أنّه رجع عن احداهما، قال الشيخ: لايقبل؛ لعدم التعيين فهي كما لو شهدت بدار لزيد أو عمرو.

في المسالك: «وجه ما اختاره الشيخ رحمه الله أنّ الابهام يمنع من قبول الشهادة. و هناك وجهان آخران: أحدهما القرعة؛ لأنّه لكلّ أمر مشكل. و الثاني: القسمة بينهما؛ لأنّه مال قد انحصر فيهما و نسبتهما اليه على السواء. و القرعة لاتخلو من قوّة».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 319

و قد رجّح السيّد الخوئي رحمه الله(1)و صاحب الجواهر(2)أيضا القول بالرجوع الىالقرعة، و هو الحقّ؛ اذ لا مانع من قبول مثل هذه الشهادة و يرجع في تعيينه الى القرعة، فانّ المستحقّ في نفس الأمر أحدهما و نسبته اليهما على السواء و قد تعذّر علمه بموت الموصي و الفرض حجّيّة شهادة العدلين؛ لاطلاق دليلها.

«الرابعة»: قال في الجواهر: «يجب تعزير شاهد الزور بلا خلاف أجده فيه بما يراه الحاكم من الجلد، و النداء في قبيلته و محلّته بأنّه كذلك ليرتدع غيره، بل هو فيما يأتي».(3)

و قال الامام الخميني رحمه الله: «يجب أن يشهّر شهود الزور في بلدهم أو حيّهم لتجتنب شهادتهم و يرتدع غيرهم و يعزّرهم الحاكم بما يراه و لاتقبل شهادتهم الاّ أن يتوبوا و يصلحوا و تظهر العدالة منهم و لايجري الحكم فيمن تبيّن غلطه أو ردّت شهادته لمعارضة بيّنة أخرى أو ظهور فسق بغير زور».(4)

أقول:

يدلّ على ذلك موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«شهود الزور يجلدون حدّا و ليس له وقت، ذلك الى الامام و يطاف بهم حتّى يعرفوا و لايعودوا، قال: قلت: فان تابوا و أصلحوا تقبل شهادتهم بعد؟ قال: اذا تابوا تاب اللّه عليهم و قبلت شهادتهم بعد».(5)

و موثّقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام :


1) - مباني تكملة المنهاج الموسوعة 41: 199.

2) - جواهر الكلام 41: 248.

3) - نفس المصدر: 252.

4) - تحرير الوسيلة 2: 454 ، المسألة 15.

5) - وسائل الشيعة 27: 333 / الباب 15 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

«انّ عليّا عليه السلام كان اذا أخذ شاهد زور فان كان غريبا بعث به الى حيّه و ان كان سوقيّا بعث به الى سوقه فطيف به ثمّ يحبسه أيّاما ثمّ يخلّيسبيله».(1)

و رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ شهود الزور يجلدون جلدا ليس له وقت، ذلك الى الامام و يطاف بهم حتّى تعرفهم الناس و تلا قوله تعالى: «لاتقبلوا لهم شهادة أبدا و أولئك هم الفاسقون * الاّ الذين تابوا» قلت: بم تعرف توبته؟ قال: يكذّب نفسه على رؤوس الأشهاد حيث يضرب و يستغفر ربّه عزّوجلّ فاذا هو فعل ذلك فثمّ ظهرت توبته».(2)


1) - وسائل الشيعة 27: 334 / الباب 15 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 27: 334 / الباب 15 من كتاب الشهادات / الحديث 2.

هذا تمام الكلام في الشرح على كتاب القضاء و الشهادات

من شرائع الاسلام

و قد فرغنا بعون اللّه الملك العلاّم من دراسته

في شهر جمادي الأولى سنة 1430 ه . ق

و تمّ استئناف النظر فيه

في شهر رمضان المبارك سنة 1431 ه . ق

و صلّى اللّه و سلّم على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين

سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني

ابن المرحوم سيّد علي أكبر

مكتب المرجع الديني سماحة آية اللّه الحاجّ

سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني

إيران (98+) - شيراز (711)

1 - ساحة أحمدي (شاهچراغ عليه السلام ) ، بداية شارع الشهيد دستغيب قدس سره

هاتف: 6-2229943 و 2241169

2 - شارع انقلاب (نادر) ، زنقة 19

هاتف: 2309583

البريد الإلكتروني: daftar@dastgheib.ir

الموقع على النت: www.dastgheib.ir