ghaemiyeh.com
موسوعة
سيرة أهل البيت علیهم السلام
الجزء التاسع والثَّلاثون
زید بن علی علیه السلام
تأليف : باقر شریف القرشي
تحقيق : مهدي باقر القرشي
موسسة الامام الحسن
لاحیاء تراث اهل البیت
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
موسوعة
سيرة أهل البيت علیهم السلام
الشهید الخالد
زید بن علی علیه السلام
موسوعة
سيرة اهل البیت علیهم السلام
الجزء التّاسع والثلاثون
الشّهيدُ الخَالِدِ
زید بن علي علیه السلام
تاليف : باقر شریف القرشي
تحقيق : مهدي باقي القرشي
موسسة
الأمانة الحسن
لاحیاء ترَاث اهل البیت علیهم السلام
موسوعة سيرة اهل البیت علیهم السلام
تأليف : باقر شریف القرشي
تحقيق : مهدي باقر القرشي
الناشر : .... دار المعروف - مؤسّسة الإمام الحسن علیه السلام
المطبعة : ....ستار
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )
آل عمران 3 : 169
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
التوبة 9: 111
1 - الأسرة النبويّة بما تحمله من مقوّمات الشرف والكرامة وحبّ الخير للناس هي امتداد ذاتي لنفس جدّهم الرسول صلی الله علیه وآله وسلم الثائر على الظلم والتخلّف والطغيان ، الذي صنع الحضارة الإنسانيّة ، وتبنّى بصورة إيجابية حقوق الإنسان ، وإنقاذه من العبوديّة والانحطاط ، وأقام له حياة رفيعة تتوفّر فيها العدالة والأمن والرخاء والمساواة .
على هذا الخطّ المشرق سار أبناء الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فكانوا الجبهة المعارضة للخطّ السياسي الذي انتهجه ملوك الأموييّن والعبّاسيّين الذين حوّلوا البلاد إلى مزرعة لهم ولأذنابهم وعملائهم الذين عاثوا في الأرض فساداً.
ولم يرتفع صوت غير أبناء النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم للإصلاح ، وإنقاذ البلاد من أولئك اللصوص والخونة ، أمثال معاوية ويزيد وبني مروان ، فقد تخدّرت الجماهير تحت ضغط هائل وإرهاب شامل من قبل الحكّام والولاة .
2 - ودوّى صوت الإسلام في سماء الدنيا بقيادة أبناء النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أن لا بقاء ولا مكان ولا ظلّ للظالمين في دنيا الإسلام ، فالحياة معهم ذلّ وعبوديّة ، وقد رفع راية التحرير بصلابة وشموخ أبو الأحرار وسيّد الشهداء الإمام الحسين علیه السلام،فانبرى يخوض أعنف المعارك وأشدّها ضراوة مع قلّة الناصر دفاعاً عن الإسلام الذي جهدت العصابة الأمويّة على محو سطوره ، ولفّ لوائه ، ودفاعاً عن حقوق المظلومين والمعذّبين الذين نهبت السلطة الأمويّة أقواتهم ، وتركت الفقر ينهش في أجسادهم .
واستشهد سلام الله عليه في ساحة الشرف ، وقد رُفع رأسه الشريف على أطراف الرماح يطاف به في الأقطار والأمصار ، وهو يضيء للناس طريق الحريّةوالكرامة .
وقد أحرز من النصر ما لم يحرزه أي مصلح قبله ولا بعده ، فقد نسف قلاع الظلم والجور، وأطاح برؤوس الطغاة والمستبدّين ، وأشعل الأرض ناراً تحت أقدامهم ، فقد تلاحقت الثورات والتمرّد على الظالمين حتّى اكتسحت الدولة الأمويّة .
3 -ورفع راية الجهاد بعد شهادة أبي الأحرار حفيده زيد الشهيد الخالد الذي كان مطعّماً بروج جدّه ، وقد رفع شعاره الذي كان نشيداً له ولكلّ الأحرار:
«ما کره قوم حرّ الجلاد إلّا ذلّوا » .
وخاض زيد بن عليّ في ميدان الشهادة ، وقد تردّى بثيابها الحمر المعطّرة بدمه الزاكي الذي شكّل قاعدة للجهاد والتمرّد على الظلم والطغيان ، ومقاومة أعداء الإسلام الذين تسلّطوا على رقاب المسلمين ، فأمعنوا في إذلالهم وإرغامهم على العبوديّة والذلّ .
ورفع رأس الشهيد زيد كما رفع رأس جدّه الإمام الحسين علیه السلام على رمح يطاف به في الأقطار ، حتّى انتهى إلى طاغية الشام ، فقابله بمزيد من الابتهاج والسرور ، كما فرح يزيد حين مثل رأس الإمام الحسين علیه السلام أمامه .
أمّا جسد زيد فقد أمر حاكم الكوفة بصلبه ، فصلب على جذع أحاط به حرس مكثّف مخافة أن يُسرق ويُدفن ، وبعد سنين أمر الطاغية بحرقه وذرّ رماده في حوض الفرات ، وعلى مناطق الزرع ليشربه العراقيّون ويأكلونه حسب قوله .
وهكذا كانت السياسة العفنة للأموييّن لم تتورّع في جرائمها وموبقاتها تجاه العترة النبويّة .
4 - ومن المؤكّد أنّ الرزايا التي أحاطت بالعترة النبويّة كانت ناجمة من دون شكّ من مؤتمر السقيفة والشورى ، فإنّ أعضاء هما قد مهّدوا الطريق للأمويّين
للاستيلاء على الحكم ، وليس في ذلك مجافاة للواقع ، وإنّما تمليه الدراسة الجادّة لوثائق التاريخ الإسلامي في عصوره الأولى .
إنّ العترة الطاهرة التي هي من منابع النور والحكمة ، ومن رموز الوعي والفكر في الإسلام قد قوبلت بمزيد من الأسف والحزن بالاضطهاد والتنكيل ، وعاملها ملوك الأمويّين ومن بعدهم العبّاسييّن معاملة عدائيّة اتّسمت بالقتل والتوهين وبجميع صنوف الارهاق والتعذيب .
5 - إنّ من الوفاء للإسلام وللعلم دراسة التاريخ الإسلامي دراسة موضوعيّة بإمعان ، مجرّدة عن النزعات المذهبيّة التي تحول بين المرء ومعرفة الواقع ، فقد خلط التاريخ بكثير من الموضوعات التي لا أساس لها ، فقد دوّنت الكثير من الأحداث والبحوث دعماً للسلطة الحاكمة ، وتبريراً لاتّجاهاتها السياسية ، كما أضفيت على بعض الأشخاص النعوت الكريمة والأوصاف الحسنة ، وهي لا تمتّ إلى واقعهم بصلة ، ولم تقتصر الموضوعات على وقائع التاريخ ، وإنّما امتدّت إلى كثير من الشؤون الدينيّة ، فقد ألصقت بالشريعة الإسلاميّة بعض الأحكام التي هي بعيدة كلّ البعد عمّا جاء به الإسلام من تطوّر وإبداع وما شرّعه من الأحكام .
وعلى أي حال ، فإنّه يجب على الباحث فيما يكتبه وينشره بين الناس أن يتحرّى الواقع ، ويكون بعيداً عن التيّارات المذهبيّة والعاطفية التي شوّهت الواقع وألقت الشبه على الواقع الإسلامي المشرق .
6 -ونعود للحديث عن زيد ، فقد كان فيما أجمع عليه الرواة والمترجمون له أنه من أقطاب العلماء ، ومن عيون الفقهاء ، وأنّ ما يملكه من القدرات العلميّة جعلته من أبرز علماء عصره، ولم تقتصر علومه على الحديث والفقه ، وإنّما كان متضلّعاً في علم الكلام ، وفي تفسير القرآن الكريم ، وذكرت الصحف العراقيّة قبل حفنة من السنين أنّه يوجد له تفسير للقرآن في خزائن المخطوطات في مكتبة
الكونغرس الأمريكي .
وقد تلقّى علومه من أبيه الإمام زين العابدين علیه السلام، و من أخيه الإمام الباقر علیه السلام باقر علوم الأوّلين والآخرين ، حسب ما يقول الرواة ، وكما كان على جانب كبير من الفضل ، وسعة الاطّلاع على العلوم ، فقد كان من أبرز علماء عصره في بلاغته وفصاحته ، وكان يسحر الجالسين بعذوبة بيانه ، حتّى خشى الطاغية هشام بن عبدالملك من إقامته في الشام ، فأمر بإخراجه خوفاً على ملكه منه .
7 -ألصقت بزيد تهمة هو بريء منها ، فقد اتّهم بأنّ ثورته على الحكم الأموي لم تكن شرعيّة لأنّها لم تكن بإذن إمام عصره ، وهو الإمام جعفر الصادق علیه السلام ، والذي نراه بمزيد من التأمّل أنه لا واقع لهذه التهمة ، وأنّ ثورته كانت شرعيّة ، وأنّ الأئمة علیه السلام قد أقرّوا ثورته .
فأبوه الإمام زين العابدين علیه السلام كان - فيما أوتي من علم - على دراية تامّة بشهادة ولده ، ولم يؤثر عنه أنه نهاه وحرّم عليه القيام بالثورة على حكم الأمويّين.
وأمّا الإمام الباقر علیه السلام أخوه ، فقد ترحّم عليه كثيراً ، وأقرّ ثورته .
وكذلك ابن أخيه الإمام الصادق علیه السلام، فقد أشاد بعمّه زيد وأثنى عليه ، وأبدى حزنه العميق على شهادته .
ومن المؤكّد أنّ الأئمّة العظام بعيدون عن المحاباة ، ولو كانت ثورة زيد غير شرعيّة لما أقرّوها ، وسنوضّح ذلك بمزيد من الاستدلال في بحوث هذا الكتاب .
8 -كنت قبل أربعين عاماً قد نشرت بحثاً مفصلاً عن سيرة زيد وشهادته ، وعن عقائد الزيديّة في أجوبة المسائل الدينيّة التي تصدر في كربلاء المقدّسة
السماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد عبدالرضا الشهرستاني نضّر الله مثواه .
كما تناول البحث مسند زيد الذي يستند إليه فقهاء الزيديّة فيما يفتون به من الشؤون الدينيّة ، وقد كان الفقه الزيدي عيالاً على الفقه الحنفي ، لأنّ أبا حنيفة
كان زيديّاً في عقيدته ، وقد أفتى بالجهاد بين يديه ، ويحتّل المكانة السامية عند
الزيدييّن .
وقد نالت بحوثي عن عقائد الزيديّة رضا الكثيرين من علمائهم ، وقد أوفد بعض علمائهم جماعة من مثقّفي الزيديّة شاكرين لي ما كتبته عنهم من بحوث حرّة لا تحيّز فيها ، وأهدوا لي كتاب (معالم الزلفى ) ، ويعرض إلى الكثير من عقائد الزيديّة .
وعلى أي حال ، فإنّ الزيديّين بفرقهم التي انتشرت معظمها في اليمن تشكّل شريحة مهمّة في المجتمع الإسلامي ، لهم عقائدهم وتقاليدهم وعاداتهم التي لا تشذّ عن الإسلام في كثير من شؤونها .
9 -نال زيد اهتمام العلماء والبّحاث من قدامى ومحدثين ، فعكفوا على دراسة جادّة لحياته ، ومعالم شخصيّته ، وما أثر عنه من أنواع العلوم ، كما عرضوا إلى أسباب ثورته الخالدة على الحكم الأموي الأسود الذي استهان بحقوق المسلمين وكرامتهم ، والتي منها ما جرى على زيد من الأمويّين من صنوف التنكيل التي أعقبت شهادته وصلب جثمانه وإحراقه بالنار .
إنّ اهتمام العلماء البالغ بشؤون حياة زيد وتدوينها يعزى إلى ما يتمتّع به من القابليّات الفذّة كقوّة إرادته ، وصلابته في الحقّ ، فلم تأخذه في الله تعالى لومة لائم ، كشأن آبائه الأئمّة الطاهرين الذين أخلصوا للحقّ .
ومضافاً لذلك فإنّه غصن من دوحة النبوة والإمامة ، وإنّه جاهد في الله تعالى كأعظم ما يكون الجهاد ، فخاض غمار الحرب من أجل أن يقيم في الشرق العربي وغيره حكومة القرآن ، وينقذ المسلمين من ظلم الأمويّين وجورهم .
10 -أمّا الكتب التي ألقت الأضواء على حياة زيد وسيرته وسائر شؤونه فهي :
1 - أخبار زيد بن عليّ لإبراهيم بن محمّد بن سعيد الثقفي (المتوفىّ سنة
283ھ ) (1).
2 - أخبار زيد بن عليّ لمحمّد بن زكريّا مولى بني غلّاب (المتوفى سنة 298ه )(2).
3 - أخبار زيد بن عليّ لعبدالعزيز بن يحيى الجلودي (المتوفّى بعد سنة 330ه-)(3)
4 - من روى أخبار زيد بن عليّ ومسنده لأحمد بن محمّد ، المعروف بابن عقدة
(المتوفى سنة 332ه- )(4)
5 - زيد بن عليّ للشيخ الصدوق أبي جعفر بن بابويه القمّي (5)
6 - فضائل زيد بن علي لمحمّد بن عبدالله بن عبيد الله بن البهلول (6)
7 - من روى عن زيد لمحمّد بن عبد الله بن عبيد الله بن البهلول (7)
8 - زيد بن علي لميرزا محمد الاسترآبادي الرجالي(8)
9 - مقتل زيد بن عليّ لأبي الحسين عمر بن الحسن الشيباني (9)
10 - زيد الشهيد للعلّامة المحقق السيّد عبد الرزاق المقرم ، وقد استفدنا منه .
11 - زيد بن علي ومشروعيّة الثورة عند أهل البيت للفاضل الشيخ نوري حاتم .
12 - ثورة زيد بن عليّ لناجي حسن .
13 - تاريخ الفرقة الزيدية للدكتورة فضيلة عبدالرزّاق الشامي .
هذه بعض الكتب التي عرضت لسيرة زيد .
وقبل أن أنهي هذا التقديم وأطوي الحديث عنه ، أعرض أني حينما فرغت -والحمد لله - من تأليف موسوعة أهل البیت علیهم السلام ألحت علَيَّ زوجتى أُمّ الرضا وفّقها الله تعالى لمراضيه أن أكتب عن حياة الشهيد الخالد زيد بن علىّ علیه السلام ، فرحّبت بفكرتها ، واستجبت لطلبها لما فيه من خدمة للعترة الطاهرة التي نرجوا من الله عزّ اسمه شفاعتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون .
والله تعالى وليّ التوفيق
مکتب الامام الحسن العامّه
النجف الاشرف
ليس في دنيا الأنساب من العرب وغيرهم نسب أسمى ، ولا أجلّ ، ولا أزكى من نسب زيد ، فهو من صميم الأسرة العلويّة التي اختارها الله تعالى لهداية عباده ، وفضّلها على العالمين.
فقد تفرّع منها خيرة النبييّن، وأخوه سيّد الوصييّن، وأنجبت هداة الإسلام ، ومعادن الإيمان، وعدلاء الذكر الحكيم .
هذه الأسرة التي نشرت الخير والرحمة ، وأشاعت الوعي والفضيلة بين الناس ، ومن فروعها زيد الثائر الملهم العظيم الذي أراد أن يعيد للإسلام نضارته ، ويقيم
أوده ، ويحيي معالمه ، بعد أن وقع فريسة بأيدي العصابة المجرمة من الأموييّن الذين جهدوا على محو سطوره ، وتدمير أرصدته ، وقلع جذوره .
لقد ورث زيد صفات آبائه ومكوّناتهم النفسيّة ، فكان صورة مشرقة عنهم ، وامتداداً لمسيرتهم في ميادين الجهاد والاصلاح الاجتماعي .
ومن هذه الأصول الكريمة التي تفرّع منها زيدعلیه السلام :
الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، وهو سيّد العترة الطاهرة ، وأخو النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، وباب مدينة علمه ، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى . إنّه الجد الأعلى لزيد .
الإمام الحسين علیه السلام، هو المنقذ لدين الإسلام، الذي رفع كلمة الله تعالى في تضحيته التي أعزّ الله تعالى بها الكتاب ، وجعلها عبرة لأولي الألباب ، فما أعظم
عائدته على الإسلام ، ولولا تضحيته لما أبقى الأمويّون ظلّاً ولا شبحاً للإسلام، وبهدي الإمام الحسين علیه السلام تغذّى حفيده زيد ، فكانت ثورته الخالدة امتداداً لثورة الإمام الحسين علیه السلام .
أمّا الأب لزيد فهو سيّد الساجدين، وزين العابدين، ومن ألمع سادات المسلمين ، وسنذكر عرضاً لشؤونه في البحوث الآتية .
أمّا أمّ زيد فهي الفاضلة الزكيّة من سيّدات نساء المسلمين في عفّتها وطهارتها وسموّ ذاتها ، وهي أمة اشتراها القائد الملهم المختار الثقفي بعد ما تبيّن طهارتها وعفّتها ، وكان يعتزّ بها ويكبرها (1)، فأهداها للإمام زين العابدين علیه السلام لتكون ذرّيتها امتداداً للإمام الحسين علیه السلام التي اجتثّت ذرّيته العصابة الأموّية في صعيد كربلاء ، وقد قبل الإمام زين العابدين علیه السلام هديّته بمزيد من الشكر والتقدير ، كما أرسل المختار ثلاثين ألف درهم ، فبنى الإمام بها دور السادة من آل عقيل ، وهي التي هدمتها السلطة الأمويّة بعد قتل الإمام الحسين علیه السلام.
تزوّج الإمام زين العابدين علیه السلام بهذه السيّدة الفاضلة فوجد عندها من الكمال والآداب ممّا ملأ نفسه الشريفة رضاً وإعجاباً بها، وقد رزقه الله تعالى منها خيرة السادة أدباً وفضلاً، وسنتحدّث عنهم في فصول هذا الكتاب.
ومن الجدير بالذكر أنّ أئمة أهل البیت علیهم السلام الذين تبنّوا الخطّ الإسلامي لا يرون تفاوتاً في الزواج من الأمة وغيرها من النساء العربيّات ، وأنّ التفاضل بينهنّ إنّما هو
1) مقاتل الطالبين : 137.
بالتقوى حسب ما قرّره الإسلام.
ولمّا تزوّج الإمام زين العابدين علیه السلام بهذه الأمة أو بغيرها رفعت السلطة في يثرب ذلك إلى حاكم دمشق عبد الملك بن مروان ، فاغتنم ذلك فرصة للتنديد بالإمام علیه السلام، فرفع إليه رسالة ينكر فيها ذلك أشدّ الإنكار ، وجاء في بعض فصولها : « وقد كان لك في قريش من تمجّد به في الصهر ، فلا لنفسك نظرت ، ولا لذرّيّتك » .
فأجابه الإمام بمنطق الإسلام إنّه لا ضير عليه في ذلك ، وإنّما اللؤم والانحطاط في السير على تقاليد الجاهليّة ومعالمها .
أمّا السيّدة أمّ زيد ، فقد كانت سندية ، وأمّا اسمها فقيل :
1- حيدان (1).
2- جيداء (2)
3 - جيدا (3)
4 - حوراء (4).
5 - غزالة(5).
وليس هناك أيّة فائدة تعود على القرّاء في تحقيق أي اسم من هذه الأسماء كان
اسماً لها .
يقول الرواة : إنّ الإمام زين العابدين علیه السلام الرأى جدّه رسول الله علیه السلام في منامه ، فأخذ بيده وأدخله الجنّة وزوّجه بحوراء، فعلقت منه ، فأمره النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أن يسمّي المولود بزيد ، ولمّا ولد زيد أخرجه لأصحابه وهو يقول :( هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّاً ) (1).
أشرقت يثرب بولادة زيد، وكان الإمام زين العابدين علیه السلام وبقيّة أهل البيت ينتظرونه بفارغ الصبر لأنّه امتداد لأسرته التي حصدتها سيوف الأمويّين ، وقد غمرت الإمام وأفراد أسرته موجات من الفرح بهذا المولود المبارك .
وبادر الإمام فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى ، وأجرى عليه المراسم الشرعيّة ، فعقّ عنه في اليوم السابع بكبش وتصدّق بلحمه على الفقراء، وخصّ القابلة ببعضه ، وكانت ولادته في يثرب في دار الإمام الباقر علیه السلام التي هي دار أبيه وجدّه الحسين علیه السلام.
أمّا الزمان الذي ولد فيه زيد ففيه أقوال للرواة ، وهذه بعضها :
1 - ولد سنة 75ه- (2)
2 - ولد سنة 78ه- (3)
3- وقيل غير ذلك .
وأخذ الإمام المصحف الشريف وتفأل فيه عن مصير ولده وفتحه ، فخرجت الآية
الكريمة: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (1).)وفتحه ثانياً فخرجت الآية : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (2))وطبق المصحف ثمّ فتحه ، فخرجت الآية : ( فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً (3))وتعجّب الإمام وراح يقول : عُزّيتُ عَنْ هذَا الْمَوْلودِ ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الشُّهداء (4.)لقد تنبّأ الإمام بشهادة ولده ، وأحاط أصحابه علماً بشهادته ، وأنّه من المجاهدين في سبيل الله تعالى والفائزين بكرامته .### تسميته علیه السلامأمّا تسميته فتعزوه بعض المصادر إلى النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وهو الذي سمّاه زيداً ، ففي حديث حذيفة بن اليمان ، قال : « نظر النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم إلى زيد بن حارثة فقال : الْمَظْلُومُ مِنْ أَهْلِ بَيْتي سَمِيُّ هذا ، وَالْمَقْتول في اللهِ تَعَالَى ، وَالْمَصْلَوبُ سَمِيٌّ هذا ، وأشار إلى زيد بن حارثة .
ثمّ قال : ادْنُ مِنّي يا زَيْدُ ، زادَكَ اللهُ حُبّاً عِنْدي ، فَأَنْتَ سَمِيُّ الْحَبِيبِ مِنْ وَلَدِي » . ونظير هذا الحديث أحاديث أخرى تؤكّد أن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم هو الذي سمّى زيداً بهذا الاسم.### كنيته علیه السلامكان زيد يكنّى بأبي الحسين نسبة لأحد السادة من أولاده، وهو ذو الدمعة (1.)### نقش خاتمه علیه السلامكان نقش الخاتم في العصور الأولى يحكي اتّجاهات الشخص وميوله ، ونقش خاتم زيد كان : « اصبر تؤجر ، اصدق تنج » (2)### ملامحه علیه السلاموذكر المؤرّخون ملامح زيد ، فقالوا : إنّه كان طويل القامة ، جميل المنظر ، أبيض اللون، وسيم الوجه ، واسع العينين، مقرون الحاجبين ، كثّ اللحية ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، دقيق المسربة ، واسع الجبهة ، أقنى الأنف ، أسود الرأس واللحية ، إلّا أنّ الشيب خالط عارضيه .(3)وهذه الملامح الكريمة شبيهة بملامح وصفات آبائه الأئمّة الطاهرين الذين أناروا الدنيا بإيمانهم وعلومهم .### هيبته علیه السلامأمّا هيبة زيد فكانت تعنو لها الجباه ، وتملأ النفوس إكباراً ، وهي تضارع هيبة آبائه
التي كانت من أنوار النبوّة والإمامة .يقول الوابشي : « إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور في وجهه» (1.)إنّه نور الإيمان ، ونور الإنابة إلى الله تعالى .### انطباعات عن شخصيته علیه السلاماحتلّ زيد المكانة الرفيعة عند الأئمّة الطاهرين، وعند العلماء المعاصرين له وغيرهم ، فقد أجمعوا على تقديمه بالفضل على غيره من علماء عصره، وهذه نماذج من كلمات الأئمّة أوّلاً :### 1 - الإمام الباقر علیه السلامكان الإمام أبو جعفر الباقر علیه السلام الهيجل أخاه زيداً ويعظّمه ، ويخلص له لأنه من أفذاذ العلماء ، ومثال للإيمان والتقوى ، وقد روى المؤرّخون صوراً من كلمات الإمام في حقّه ، وهذه بعضها :1 - قال الإمام أبو جعفر بإكبار ومودة لأخيه زيد : « لَقَدْ أَنْجَبَتْ أُمِّ وَلَدَتْكَ يا زَيْدُ ، اللهُمَّ اشْدُدْ أَزْرِي بِزَيْدٍ »(2.)حكى هذا الحديث الاخوّة الصادقة بين الإمام وأخيه زيد .2 - روى سدير الصيرفي ، قال : «كنت عند أبي جعفر الباقر علیه السلام ، فدخل زيد فضرب أبو جعفر على كتفه ، وقال له : «هذا سَيِّدُ بَني هاشم ، إِذا دَعاكُمْ فَأَجِيبُوهُ ، وإذا اسْتَنْصَرَكُمْ فَانْصروهُ »(3.)
وحكى هذا الحديث إقرار الإمام وتأييده لثورة زيد ، ولا مجال للكلام والشكّ فيها .3 - سئل الإمام أبو جعفر عن أخيه زيد ، فقال للسائل : « سَأَلْتَني عَنْ رَجُلٍ مُلِئَ إيْمَاناً وَعِلْماً مِنْ أَطْرَافِ شَعَرِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ ، وَهُوَ سَيِّدُ أَهْلِ بَيْتِهِ» (1.)4 - روى المؤرّخون أنّ الإمام أبا جعفر علیه السلام كان جالساً ومعه أخوه زيد ، فدخل عليه رجل من أهل الكوفة فقال له الإمام : إِنَّكَ لَتَرْوى طَرائِفَ مِنْ نَوادِرِ الشَّعْرِ ، فَكَيْفَ قالَ الأَنْصارِيُّ لأَخِيهِ ؟فأنشده :لَعَمرُكَ ما أَن أَبو مالِكٍ ***بوانٍ وَلا بِضَعيف قواهُوَلا بِأَلَدٌ لَهُ نازِعٌ ***يُعادي أَخاهُ إِذا ما نَهاهُولكنَّهُ غَيرُ مِخْلافَةٍ ***كَريمُ الطَّبَائِع حُلوّ ثناهُ (2)وَإِنْ سِدتَهُ سِدتَ مِطواعَةٌ ***وَمَهُما وَكَلتَ إِلَيْهِ كَفَاهُفوضع أبو جعفر علیه السلام يده على كتف زيد ، وقال له :« هذِهِ صِفَتُكَ يا أخى ، وَأَعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ تَكونَ قَتيلَ الْعِراقِ »(3.)ومعنى هذا الشعر أنّ زيداً كان قوي الشكيمة ، صلب الإرادة ، ماضي العزيمة ، منقاد لأخيه ، كريم في طبائعه، وأنه مهما وكل إليه من أمر عظيم فإنّه أهل للقيام به ، ولا يتصف بهذه الصفات الرفيعة إلّا الأفذاذ والنبلاء من الناس.لقد أضفى عليه الإمام الباقر علیه السلام أسمى النعوت والصفات ، ومنحه الودّ الخالص .
ومن المؤكد أنّ مقام الإمام علیه السلام بعيد كل البعد عن الاندفاع وراء العواطف والرغبات ، وإنّما رأى أخاه من أروع صور التكامل ، فمنحه هذا الحبّ والتكريم .### 2- الإمام الصادق علیه السلامكان الإمام الصادق علیه السلام يجلّ عمّه زيداً ويبجّله ويفضّله على بقيّة أعمامه من الهاشميّين والعلويّين ، وذلك لفضله وعلمه وتقواه، وكان من تعظيم الإمام الصادق علیه السلام وتبجيله لعمّه زيد أنه يمسك له بالركاب ، ويسوّي ثيابه على السرج (1.)وقد أثرت عنه بعض الأحاديث في فضله وسموّ ذاته ، كما أبدى أساه وحزنه على شهادته ، وهذه شذرات من أحاديثه :1 - قال الإمام الصادق علیه السلام الفضيل الرسّان : يَا فُضَيْلُ ، قُتِلَ عَمِّيَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ؟فقال له : نعم ، جعلت فداك .فأبدى الإمام تأثّره البالغ ، وقال مؤبَناً له : رَحِمَهُ الله ، أما إنَّهُ كانَ مُؤْمِناً ، وَكانَ عارِفاً ، وَكانَ عالِماً ، وَكانَ صَدوقاً ، أَما إِنَّهُ لَوْ ظَفَرَ لَوَفىٰ ، أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَلَكَ لَعَرَفَ كَيْفَ يَضَعُها »(2.)من المؤكّد أنّ زيداً لو طوى بثورته الخالدة الحكم الأموي لما تقلّد الحكم وأعطاه إلى من هو أولى به منه .2 -ولمّا بلغ الإمام الصادق علیه السلام الشهادة عمّه زيد ، وما جرى عليه من المصائب ، حزن حزناً شديداً وقال بألم وأسى : إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ ، عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَمِّي ، إِنَّهُ كانَ نِعْمَ الْعَمُّ ، إِنَّ عَمّي كانَ رَجُلاً لِدُنْيانا وَآخِرَتِنا ، مَضَى وَاللَّهِ شَهِيداً كَشُهَدَاءٍ
اسْتُشْهِدُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلِيَّ وَالْحُسَيْنِ ، مَضى وَاللهِ شَهيداً ».(1)3 - قال الإمام الصادق علیه السلام في حقّ عمّه : «كَانَ وَاللهِ سَيِّداً ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ فينا لِدُنْيانا وَلَا لَآخِرَتِنا مِثْلَهُ »(2.)وكثير من أمثال هذه الأحاديث أدلى بها الإمام الصادق علیه السلام في فضل عمّه ، وتأثّره بما جرى عليه من صنوف التنكيل من الأمويّين الذين لم يؤمنوا بالإسلام ولا بالقيم الإنسانيّة .### 3 - الإمام الرضا علیه السلامجرى حديث بين الإمام الرضا علیه السلام وبين المأمون في شأن زيد ابن الإمام موسى بن جعفر علیه السلام لمّا خرج على المأمون بالبصرة ، وأحرق دور بني العبّاس ، فوهبه المأمون للإمام علیه السلام وعفا عنه لأجل الإمام الرضا علیه السلام ، وقال له : لولا مكانك منّى لقتلته ، وقد خرج قبله زيد بن عليّ فقتل .فقال الرضا علیه السلام: لَا تَقِسٌ أَخِي زَيْداً بِزَيْدٍ ، فَإِنَّهُ مِنْ عُلَماءِ آلِ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه وآله وسلم ، غَضِبَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَجاهَدَ أَعْداءَهُ حَتَّىٰ قُتِلَ فِي سَبِيلِهِ ، وَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَىٰ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ جَعْفَرَ يَقولُ : رَحِمَ اللهُ عَمّي زَيْداً إِنَّهُ دَعَا إِلَى الرّضا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَلَوْ ظَفَرَ لَوَفى بِما دَعا إِلَيْهِ ، وَقَدِ اسْتَشارَهُ في خُرُوجِهِ ، فَقالَ : إِنْ رَضِيتَ أَنْ تَكونَ الْمَقْتُولَ بِالْكُنَاسَةِ فَشَأْنُكَ ، فَلَمّا انْصَرَفَ َقالَ جَعْفَرُ: وَيْلٌ لِمَنْ سَمِعَ واعِيَتَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ .وختم الإمام الرضاء علیه السلام حديثه مع المأمون عن زيد بقوله : كانَ زَيْدٌ - وَاللهِ - مِمَّنْ خُوطِبَ بِهِذِهِ الْآيَةِ : ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ (3).)
هذه بعض أحاديث الأئمة علیه السلام، وهي تحكي تعظيمهم لزيد ، ولوعتهم على ما أصابه من التنكيل .### 4 - عمر بن عبدالعزيزقال عمر بن عبد العزيز : « إنّ زيداً لمن الفاضلين في قوله ودينه »(1.)### 5 -يحيى بن زيدفجع يحيى بشهادة أبيه زيد ، وبكاه أمرّ البكاء ، وسار على منهجه ، واستشهد -كما سنذكر ذلك في بحوث هذا الكتاب -.وقد روى عمير بن المتوكّل البلخي عن أبيه هذا الحديث الذي جرى بين يحيى وبينه .قال المتوكّل : لقيت يحيى بن زيد بعد قتل أبيه ، وهو متوجّه إلى خراسان ، فما رأيت رجلاً في عقله وفضله مثله ، فسألته عن أبيه ، فقال : قتل وصلب بالكناسة ، ثمّ بكى وبكيت حتّى غشي عليه ، فلمّا سكن قلت له : يابن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ما الذي أخرجه إلى قتال هذا الطاغي ، وقد علم من أهل الكوفة ما علم ؟فقال يحيى : نعم ، لقد سألته عن ذلك ، فقال : سمعت أبي يحدّث عن أبيه الحسين بن عليّ علیه السلام، قال : وَضَعَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ عَلَى كَتِفي ، وَقَالَ : يَا حُسَيْنُ ، يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ رَجَلٌ يُقالُ لَهُ زَيْدٌ ، يُقْتَلُ شَهيداً ، فَإِذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ يَتَخَطَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ رِقابَ النَّاسِ ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ .فأحببت أن أكون كما وصفني رسول الله صلى الله عليه وسلم .ثمّ قال : رحم الله أبي ، كان أحد المتعبّدين ، قائماً ليله ، صائماً نهاره ، جاهد في
1) مجموعة كتب ورسائل الإمام الأعظم زيد : 79 .
سبيل الله تعالى حقّ جهاده.فقال له المتوكّل : يابن رسول الله علیه السلام، هكذا يكون الإمام بهذه الصفة ؟فأجابه يحيى : يا عبد الله ، إنّ أبي لم يكن بإمام ، ولكن كان من السادة الكرام وزهّادهم ، وكان من المجاهدين في سبيل الله .فقال المتوكّل : يابن رسول الله ، إنّ أباك قد ادعى الإمامة لنفسه ، وخرج مجاهداًفي سبيل الله ، وقد جاء عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فيمن ادّعى الإمامة كاذباً .فردّ عليه يحيى : يا عبد الله ، إن أبي كان أعقل أن يدّعي ما ليس له بحقّ ، إنّما قال :أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد ، عنى بذلك ابن عمّي جعفر .فقال المتوكّل : فهو اليوم صاحب فقه ؟فأجابه يحيى : نعم ، هو أفقه بني هاشم .(1)حكى هذا الحديث بعض ما اتّصف به زيد من الصفات الشريفة التي منها الإنابةإلى الله تعالى في صلاته وصيامه ، وقيامه بالليل يتلو كتاب الله تعالى .لقد خرج مجاهداً في سبيل الله تعالى لإحياء دينه ومناهضة أعدائه ، ولم يخرجالله في سبيل الملك والسلطان ، وإنّما كان يدعو للرضا من آل محمد صلی الله علیه وآله وسلم ، ولو استولى على الحكم لقلّده لسيّد العترة ابن أخيه الإمام الصادق علیه السلام .### 6 - عبدالله المحضأمّا السيّد عبد الله المحض فهو من أشراف العلوييّن ومن عيونهم ، وقد أدلى بحديث عن زيد مشفوع بالتعظيم والإكبار ، قال : «أما والله لقد أحيا زيد بن عليّ ما دثر من سنن المرسلين، وأقام عمود الدين إذ خرج ، لا يمحى أثره ، ولا يقتبس
1) زيد الشهيد : 55 و 56 ، نقلاً عن كفاية الأثر : 302 - 304 .
إلّا من نوره ، وزيد إمام، وأوّل من دعا إلى الله تعالى بعد الحسين بن عليّ» (1)### 7 - أبو حنيفةأمّا أبو حنيفة فهو من تلاميذ زيد ، ومن الذاهبين إلى إمامته ، وقد أفتى بالجهاد معه ، كما ساعده ببعض الأموال لإقامة دعوته ، وكان يكن له في أعماق قلبه المودّة والاحترام ، وقد صرّح بما يلي :«شاهدت زيد بن عليّ كما شاهدت أهله ، فما رأيت أفقه منه ، ولا أعلم ، ولا أسرع جواباً ، ولا أبين قولاً ، لقد كان منقطع القرين »(2.)ومعنى قوله إنّ زيداً أفقه أهل زمانه في أحكام الشريعة ، وأنّه أسرع العلماء جواباً، وأكثرهم فصاحة وبياناً .### 8 - سفيان الثورىأمّا سفيان الثوري فهو من أعلام عصره في فقهه وسعة علمه ، وقد أدلى ببعض أحاديثه عن إكباره لشخصيّة الإمام زيد ، قال :1 - «كان زيد أعلم خلق الله تعالى بكتاب الله تعالى ، وقد قام مقام الحسين بن علي علیه السلام» .(3)2 - «بذل زید مهجته لربّه ، وقام بالحق لخالقه، ولحق بالشهداء المرزوقين من آبائه »(4.)ومعنى حديثه أنّ زيداً أعلم أهل عصره بكتاب الله تعالى ، وأنّه كجدّه الحسين
وآبائه علیه السلام في جهاده.### 9- خالد بن صفوانمن المعجبين بزيد خالد بن صفوان ، قال : «ما رأيت رجلاً في الدنيا ، قرشيّاً ولا عربياً ، يضاهي زيداً في العقل والحجج ».وقال : « انتهت الفصاحة والخطابة ، والزهادة والعبادة من بني هاشم لزيد »(1.)### 10 - الطاغية هشامأبدى الطاغية هشام بن الحكم مخاوفه من زيد ، وذلك لما يتمتع به من الصفات الرفيعة التي تؤهّله لقيادة الأمّة ، قال : « قدم زيد بن علي على أمير المؤمنين - يعني نفسه - في خصومة ، فرأى - يعني هشاماً - رجلاً جدلاً لسناً ، يصوغ الكلام وتمويهه ، واجترار الرجال بحلاوة لسانه ، وكثرة مخارجه في حججه ، وما يدين به عند الخصام في العلوّ على الخصم بالقوّة المؤدية إلى الفلج »(2.)### 11 - أبو غسّان الأزدييقول أبو غسّان الأزدي : « قدم علينا زيد بن عليّ إلى الشام أيّام هشام بن عبد الملك ، فما رأيت رجلاً كان أعلم بكتاب الله منه » (3)### 12 - الطقطقيكان زيد من عظماء أهل البيت علماً وزهداً ، وورعاً وشجاعة ، وديناً وكرماً »(4.)
### 13 - عمرو بن خالدقال عمرو بن خالد الواسطي : « ما رأيت هاشميّاً قطّ مثل زيد بن عليّ، ولا أفصح ، ولا أزهد ، ولا أورع ، ولا أبلغ في قول ، ولا أعرف باختلاف الناس ، ولا أشدّ حالاً ، ولا أقوم بحجّة ، فلذلك اخترت صحبته على جميع الناس».(1)### 14 - الشعبيمن المعجبين بزيد : الشعبي ، فقد ذهب إلى أنّ النساء لم يلدن مثل زيد في الفقهوالعلم (2.)### 15 - الخزّارأثنى الخزار على زيد ، قال : «كان زيد بن عليّ معروفاً بالستر والصلاح مشهوراً عند الخاصّ والعامّ بالمحلّ الشريف الجليل ، وكان خروجه على سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا على سبيل المخالفة لابن أخيه جعفرعلیه السلام.(3)### 16 - الشيخ المفيدقال الشيخ المفيد الطائفة في المفيد شيخ علمه وتقواه : «كان زيد بن علي علیه السلام عين اخوته بعد أبي جعفر الباقر علیه السلام وأفضلهم ، وكان عابداً ، فقيهاً ، سخيّاً ، شجاعاً » (4.)هذه بعض الكلمات التي أدلى بها أئمّة أهل البیت علیهم السلام، والعلماء المعاصرون لزيد ، وغيرهم ، وهي تحمل آيات التبجيل والتعظيم لما يتمتّع به من الصفات
الكريمة والنزعات الشريفة التي احتلّ بها العواطف والقلوب .وقبل أن نطوي الحديث عن الانطباعات عن شخصيّته نترك الحديث له عن انطباعاته الخاصّة عن نفسه ، يقول : « إنّ زيد بن عليّ لم يهتك الله محرماً منذ عرف يمينه عن شماله » (1وهو تعبير عن دقيق إيمانه وإنابته إلى الله تعالى .)
1) مقاتل الطالبيين : 138 .
## في ظلال ابیه علیه السلام### اشارة
عاش زيد خمسة عشر عاماً في كنف أبيه الذي هو دنيا من الفضائل لا تحصى ولا تعدّ ، وقد تأثر بهديه وسلوكه ، فسار على منهاجه عزوفاً عن الدنيا ، نابذاً لمباهجها ، متّجهاً لكلّ ما يقربه إلى الله تعالى زلفى .وليس في هذا الشرق العربي الذي هو مهد النبوّات من يشابه الإمام زين العابدين في تقواه وورعه وفضائله عدا آبائه العظام هداة الإسلام وينابيع الحكمة ، وهو سراج الدنيا ، وجمال الإسلام ، كما يقول عمر بن عبد العزيز .(1)وهذه لمحات من بعض سيرته وشؤونه :### أخلاقه علیه السلام الرفيعةمن معالي أخلاقه وسمّو آدابه أنه كان يقابل من أساء إليه بالعفو والصفح الجميل ، ويغدق عليه البر والإحسان ، فقد روى المؤرّخون أنّ إسماعيل بن هشام المخزومي كان والياً في المدينة ، وهو من أعداء أهل البیت علیهم السلام ، وكان يجاهر في سبّهم وشتمهم ، كما كان لا يترك الإساءة للإمام زين العابدين علیه السلام ، فكان يقصده إلى داره ويبالغ في سبّه .ولمّا ولي الوليد بن عبدالملك الخلافة بادر إلى عزله ، والوقيعة به لهنات وبغض
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 48 .
كانت بينهما قبل أن يتقلّد الوليد الخلافة ، وقد أوعز إلى السلطة بعرضه على الناس لاستيفاء حقوقهم منه لعلمه بإساءته لهم وابتزازه لأموالهم .وفزع هشام من الإمام زين العابدين علیه السلام لكثرة إساءته له ، وقال : « ما أخاف إلا من عليّ بن الحسين ، فإنّه رجل صالح يسمع منه » .ولكنّ الإمام زين العابدين علیه السلام عهد إلى أصحابه ومحبّيه أن لا يتعرّضوا له بأذى أو مكروه، وانطلق إليه الإمام فقابله ببسمات فيّاضة بالبشر ، وعرض عليه القيام بما يحتاجه قائلاً: يابْنَ الْعَم ، عافاك الله ، لَقَدْ ساءَني ما صُنِعَ بِكَ ، فَادْعُنَا إِلَىٰما أَحْبَبْتَ .وذهل هشام وراح يقول : الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء .(1)ومن سموّ أخلاقه أنه كان في كل يوم من شهر رمضان يذبح شاة ويطبخها ويوزّعها على الفقراء ، وحمل غلامه إنّاءً فيه مرق شديد الحرارة ، فعثر بأحد أطفال الإمام فتوفّي بالوقت ، فارتفعت الصيحة من دار الإمام ، وكان الإمام يصلّي ، وبعد الفراغ صلاته أخبر بوفاة ولده ، فأسرع نحو الغلام فرآه يرعد من شدة الخوف ، فقابله بلطف ورحمة قائلاً له : «لَقَدْ ظَنَنْتَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الظُّنونَ ، ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُعاقِبُكَ وَيَقْتَصُّ مِنْكَ . اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرِّ لِوَجْهِ اللَّهِ ، وَهَذِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ هَدِيَّةٌ ، وَاجْعَلْنِي فِي حِلَّ مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي داخَلَكَ مِنْ أَجْلِي» (2)أية نفس ملائكيّة هذه النفس التي ارتفعت من عالم البشر وغرائزه إلى عالم الملكوت .ومن معالي أخلاقه أنّه كان خارجاً من المسجد فعرض له شخص من شانئيه
فقابله بالسبّ والشتم ، فثار عليه بعض أصحاب الإمام ، فنهاهم وأقبل على الرجل وقال له بلطف : ما سَتَرَ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِنا أَكْثَرُ ، أَلَكَ حَاجَةٌ نُعِينُكَ عَلَيْها ؟فاستحيى الرجل وبان عليه الخجل ، فبادر نحوه الإمام فألقى عليه خميصة وأمرله بألف درهم ، وراح الرجل يقول : أشهد أنّك من بني الرسل(1)هذه شذرات ونفحات من أخلاقه التي تفيض بالشرف والحلم ونكران الذات .عبادته علیه السلامكان الإمام أعبد الناس ، وأكثرهم إنابة إلى الله عزّ اسمه ، والانقطاع إليه ، وقد لقّب بهذه الألقاب :1 - ذو الثفنات ، وذلك لكثرة سجوده ، فكانت مواضع سجوده لها ثفنة كثفنة البعير .2 - زين العابدين .3 - سيّد العابدين.4 - السجّاد .5 - المتهجّد .وهذه الألقاب تشير إلى كثرة صلاته وعبادته علیه السلام، وقد روى المؤرّخون خشيته من الله تعالى أنّه إذا توضّأ اصفرّ لونه ، فيقول له أهله : ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء ؟فيقول : أَتَدْرُونَ بَيْنَ يَدَي مَنْ أَقومُ ؟!وإذا قام إلى الصلاة توجّه بقلبه نحو الله تعالى ، فلا يشغله شاغل ، ولا يصدّه صاد
1) وسيلة المآل في عد مناقب الآل : 208 .
عن الله تعالى . يقول الإمام الباقر علیه السلام : «كانَ أبى إذا وَقَفَ لِلصَّلاةِ لَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِها ، وَلَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا لِشُغْلِهِ بها »(1)وقد سقط بعض ولده فانكسرت يده ، فصاح أهله وجيء له بمجبّر فجبّر يده والصبيّ يصرخ من شدّة الألم، ولم يسمع الإمام ذلك ، فلمّا أصبح ورأى الصبيّ قد شدّت يده سأل عن ذلك ، فأخبره أهله بالأمر .(2)وقد أجهدته العبادة ، فخاف عليه أهله، فراحوا يتوسّلون إليه ليخفّف من عبادته ، فأبى ذلك ، يقول الإمام الباقر علیه السلام :«لَمّا رَأَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ الْإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام مَا يَفْعَلُ ابْنُ أَخِيهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بِنَفْسِهِ مِنَ الدَّأْبِ فِي الْعِبادَةِ أَقْبَلَتْ إِلى جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، فَقَالَتْ لَهُ : يا صاحِبَ رَسولِ اللهِ ، إِنَّا لَنا عَلَيْكُمْ حُقوقاً ، وَمِنْ حَقًّنا عَلَيْكُمْ إِذَا رَأَيْتُمْ أَحَدَنَا يُهْلِكُ نَفْسَهُ اجْتِهَاداً أَنْ تُذَكَّروهُ اللَّهَ وَتَدْعُوهُ إِلَى البَقْيَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَهَذَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بَقِيَّةُ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ قَدِ انْخَرَمَ أَنْفُهُ ، وَنُقِبَتْ جَبْهَتُهُ وَرُكْبَتاهُ وَراحَتاهُ مِمَّا دَأَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ فِي الْعِبادَةِ .وانطلق جابر إلى الإمام علیه السلام فوجده في محرابه قد أجهدته العبادة ، فنهض إليه الإمام وأجلسه إلى جانبه ، وسأله سؤالاً حفيّاً عن حاله ، وانبری جابر قائلاً: يابن رسول الله ، أما علمت أن الله تعالى إنّما خلق الجنّة لكم ولمن أحبّكم ، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم ، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك ؟وقابله الإمام بلطف قائلا له : يا صاحِبَ رَسولِ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، فَلَمْ يَدَعِ الْإِجْتِهَادَ لَهُ ، وَتَعَبُدَ - بِأَبِي وَأُمِّي
حَتَّى انْتَفَخَ ساقُهُ ، وَوَرِمَ قَدَمُهُ ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُ هذا وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟فَقالَ : أَفَلا أَكونُ عَبْداً شَكوراً.ولمّا نظر جابر إلى الإمام لا يغني معه قول يميل به من الجهد راح يقول له : يابن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، البقيا على نفسك ، فإنّك من أسرة بهم يستدفع البلاء ، وبهم تستكشف اللاواء ، وبهم تستمطر السماء .فأجابه الإمام بصوت خافت قائلاً: لَا أَزالُ عَلى مِنْهَاجِ أَبَوَيْ مُؤْتَسِياً بِهِما حَتَّى أَلْقاهُما .وبهر جابر وأقبل على من حوله قائلاً: ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل عليّ بن الحسين إلّا يوسف بن يعقوب، والله لذرّيّة الحسين أفضل من ذرّيّة يوسف بن يعقوب ، إنّ منهم لمن يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً (1)لقد اجتهد الإمام زين العابدين علیه السلام في عبادته ، وأخلص في طاعته الله عزّ اسمه ، ولم يؤثر عن الصالحين والمتّقين مثله في إنابته إلى الله تعالى .### صدقاته وبره علیه السلامكان الإمام زين العابدين علیه السلام من أبرّ الناس بالفقراء وأعطفهم بالمساكين ، وكان يؤثر أصحاب الفاقة والحاجة على نفسه وأهله ، وكان - فيما أجمع عليه الرواة - يحمل جراب الخبز على ظهره فيتصدّق به سراً ، ويقول : «إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ »(2.)
وكان يعول مائة بيت في المدينة .وإذا ناول الفقير الصدقة قبّله ثم ناوله (1لئلا تظهر عليه الحاجة والذلّ .)وروى المؤرّخون أنّ الإمام أبا جعفر علیه السلام لمّا غسّل أباه بعد موته نظر بعض من كان حاضراً غسله إلى مواضع المساجد من ركبته وظاهر قدميه كأنّهما مبارك البعير من كثرة سجوده ، إلّا أنّهم نظروا إلى عاتقه فوجدوا مثل ذلك الأثر ، فسألوه عن ذلك .فقال الإمام الباقر علیه السلام: «أما إِنَّهُ لَوْ كانَ حَيّاً ما حَدَّثْتُكُمْ عَنْهُ ، كَانَ لَا يَمُرُّ بِهِ يَوْمٌ مِنَ الْأَيَّامِ إِلَّا أَشْبَعَ فِيهِ مِسْكِيناً فَصاعِداً ما أَمْكَنَهُ ، فَإِذا كانَ اللَّيْلُ نَظَرَ إِلَىٰ مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِ عِبَالِهِ يَوْمَهُمْ ذلِكَ ، فَجَعَلَهُ في جِرابٍ ، فَإِذا هَدَأَ النَّاسُ وَضَعَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ، وَتَخَلَّلَ الْمَدِينَةَ وَقَصَدَ قَوْماً لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ الْحافاً ، فَوَصَلَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ ، وَلَا يَعْلَمُ بِذلِكَ مِنْ أَهْلِهِ غَيْرِي ، فَإِنِّي كُنْتُ اطَّلَعْتُ عَلى ذلِكَ مِنْهُ يَرْجُو بِذلِكَ فَضْلَ إِعْطاءِ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ ، وَدَفَعَها سِرّاً .وَكانَ يَقولُ : «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ »(2)وروى الإمام الباقر علیه السلام بعض مبرّات أبيه ، قال : «كانَ أَبِي رُبَّما يَشْتَرِي مِطْرَفَ الْخَز بِخَمْسِينَ ديناراً ، فَيَشْتو فِيهِ ، وَيَدْخُلُ بِهِ الْمَسْجِدَ فَإِذا كانَ الصَّيفُ تَصَدَّقَ بِهِ ، أَوْ بيعَ فَيَتَصَدِّقُ بِثَمَنِهِ »(3)لقد كان الإمام زين العابدين علیه السلام أروع مثل ، وأعزّ صورة للإسلام ، لا يدانيه أحد في فضائله النفسيّة التي سمت به إلى أرقى مستويات الإنسانيّة .
### احتفاف القرّاء به علیه السلاماحتفّ القرّاء بالإمام زين العابدين علیه السلام ينتهلون من نمير علومه ، ويتغذّون من مكارم أخلاقه ومحاسن صفاته ، وكانوا لايفارقونه حتّى إذا خرج إلى مكّة صحبوه (1.)### نشره علیه السلام للعلمانصرف سيّد الساجدين بعد كارثة كربلاء إلى نشر العلم وإشاعته بين الناس ، ولم تقتصر بحوثه على علم الفقه والحديث ، وإنّما كانت شاملة للفلسفة والحكمة والتربية والأخلاق .لقد أمدّ الإمام الفكر الإسلامى بطاقات من العلم والحكمة وآداب السلوك ، وقد حفلت بها صحيفته السجّاديّة ورسالته في الحقوق وغيرهما من موسوعات الحديث.### حثّه علیه السلام على طلب العلموكان الإمام يحثّ المسلمين على طلب العلم لأنّه أعظم وسيلة لرقيّهم وسعادتهم وازدهار حياتهم ، وكان يقول : «لَوْ عَلِمَ النَّاسُ ما في طَلَبِ الْعِلْمِ لَطَلَبُوهُ وَلَوْ بِسَفْكِ الْمُهَجِ ، وَخَوْضِ اللُّجَجِ ».(2)وأوصى الإمام بعض أصحابه بنشر العلم وعدم التجبّر والتكبّر على من يعلّمه ، قال علیه السلام: «فَإِنْ أَنتَ أَحْسَنْتَ في تَعْليم النّاسِ ، وَلَمْ تَتَجَبَّرْ عَلَيْهِمْ ، رَادَكَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، الله وَإِنْ أَنتَ مَنَعْتَ عِلْمَكَ ، وَأَخْرَقْتَ بِهِمْ عِنْدَ طَلَبِهِمُ الْعِلْمَ مِنْكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَسْلُبَكَ الْعِلْمَ وَبَهاءَهُ ، وَيُسْقِطَ مِنَ الْقُلوبِ مَحَلَّكَ »(3)
### تكريمه علیه السلام الطلاب العلومكان الإمام يعتني بطلّاب العلوم ، ويقابلهم بمزيد من الحفاوة والتكريم ، ويقول لهم :«مَرْحَباً بِوَصِيَّةِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم »(1)وتحدث الإمام الباقر علیه السلام عن تكريم أبيه لطلبة العلوم ، قال : «كان أَبي زَيْنُ الْعابِدِينَ إِذا نَظَرَ إِلَى الشَّبابِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ أَدْنَاهُمْ إِلَيْهِ ، وَقالَ : مَرْحَباً بِكُمْ ، أَنْتُمْ وَدائِعُ الْعِلْمِ ، وَيوشِكُ إِذْ أَنْتُمْ صِغَارُ قَوْمٍ أَنْ تَكونوا كِبارَ آخَرينَ »(2)### عتقه علیه السلام للموالىكان الإمام علیه السلام يعطف على الموالي ، ويغدق عليهم برّه وإحسانه ، وكان يشتريهم مع نسائهم وأطفالهم ويعتقهم ويمنحهم الأموال الطائلة ليستغنوا عمّا في أيدي الناس ، وقد تبنّى كوكبة منهم ، فجعل يغذّيهم بأنواع العلوم والمعارف .وقد تخرّج منهم مجموعة من العلماء كانوا من مصادر النهضة العلميّة في ذلك العصر، وقد أدّى هذا الإحسان إلى الموالي أن اعتنق معظمهم مذهب أهل البیت علیهم السلام وانضمّوا إلى الحركات السياسيّة المناهضة للحكم الأموي .(3)### وصاياه علیه السلام التربويّة لابنائهكان الإمام علیه السلام يغذّي أبناءه بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات ، ويحذّرهم من الصفات السيّئة ، ومن وصاياه لهم :1 - قال لأبنائه : « اتَّقوا الْكَذِبَ ، الصغيرَ مِنْهُ وَالْكَبِيرَ ، في كُلِّ جِدٌ وَهَزَلٍ ،
لأَنَّ الرَّجُلَ إِذا كَذَبَ فِي الصَّغِيرِ اجْتَرَأَ عَلَى الْكَبيرِ »(1)2 - قال علیه السلام لولده الإمام الباقر : «افْعَلِ الْخَيْرَ إِلى كُلُّ مَنْ طَلَبَهُ مِنْكَ ، فَإِنْ كَانَ أَهْلاً فَقَدْ أَصَبْتَ مَوْضِعَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَهْلِ كُنتَ أَنْتَ أَهْلَهُ ، وَإِنْ شَتَمَكَ رَجُلٌ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى يَسارِكَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْكَ فَاقْبَلْ عُذْرَهُ» (2)هذه وصايا أهل البیت علیهم السلام وهي حافلة بجميع ألوان الفضائل والآداب ، ومنهج كامل للحياة الرفيعة التي تتوفر فيها آداب السلوك .لقد ربّى الإمام أبناءه بمحاسن الأعمال ، وغرس في نفوسهم الصفات الكريمة والآداب الرفيعة .### أدعيته علیه السلام لولدهإنّ أدعيته علیه السلام لولده تمثل التربية الإسلامية الهادفة لتهذيب النفوس، وتنوير العقول ، ومن أدعيته علیه السلام لهم هذا الدعاء :بقول علیه السلام: اللَّهُمَّ وَمُنَّ عَلَيَّ بِبَقاءِ وُلدي ، وَبِاصْلاحِهِمْ لِي وَبِامْتَاعي بِهِمْ ، إلهي امْدُدْ لي في أَعْمارِهِمْ ، وَزِدْ لي في آجالِهِمْ ، وَرَبِّ لي صَغِيرَهُمْ، وَقَوَّ لي ضَعِيفَهُمْ، وَأَصِحَ لي أَبْدانَهُمْ وَأَدْيَانَهُمْ ، وَأَخْلاقَهُمْ ، وَعَافِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي جَوارِحِهِمْ، وَفي كُلِّ ما عُنِيتُ بِهِ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَأَدْرِرْ لي وَعَلى يَدَيَّ أَرْزاقَهُمْ ، وَاجْعَلْهُمْ أَبْرَاراً أَنْقِياءَ بُصَراءَ سامِعِينَ مُطيعينَ لَكَ ، وَلأَوْلِيائِكَ مُحِبِّينَ مُناصِحِينَ، وَلِجَميعِ أَعْدائِكَ مُعانِدِينَ
وَ مُبْغِضِينَ آمِينَ .اللهُمَّ اشْدُدْ بِهِمْ عَضُدِي ، وَأَقِمْ بِهِمْ أَوَدي(1، وَكَذَّرْ بِهِمْ عَدَدِي ، وَزَيَّنْ بِهِمْ مَحْضَرِي ، وَأَحْيِ بِهِمْ ذِكْرِي ، وَاكْفِنِي بِهِمْ فِي غَيْبَتِي ، وَأَعِنِّي بِهِمْ على حاجَتي ، وَاجْعَلْهُمْ لي مُحِبّينَ ، وَعَلَيَّ حَدِبينَ (2)مُقْبِلِينَ مُسْتَقِيمينَ لي ، مُطيعينَ غَيْرَ عَاصِينَ وَلَا عَافِّينَ وَلَا مُخالِفِينَ وَلَا خَاطِئِينَ ، وَأَعِنِّي عَلَى تَرْبِيَتِهِمْ وَتَأديبِهِمْ وَبِرهِمْ ، وَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ مَعَهُمْ أَوْلاداً ذُكُوراً ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ خَيْراً لي ، وَاجَعَلْهُمْ لي عَوْناً عَلَى ما سَأَلْتُكَ.)وَأَعِذْنِي وَذُرِّيَّتِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّكَ خَلَقْتَنَا وَأَمَرْتَنَا وَنَهَيْتَنَا، وَرَغَبْتَنا فِي ثَوابِ ما أَمَرْتَنا ، وَرَهَّبْتَنا عِقابَهُ ، وَجَعَلْتَ لَنَا عَدُوّاً يَكيدُنا سَلَّطْتَهُ مِنَا عَلَى مَالَمْ تُسَلِّطْنَا عَلَيْهِ مِنْهُ ، أَسْكَنْتَهُ صُدُورَنا ، وَأَجْرَيْتَهُ مَجارِيَ دِمائِنا ، لا يَغْفُلُ إِنْ غَفَلْنَا ، وَلَا يَنْسى إِنْ نَسِينَا ، يُؤْمِنُنا عِقابَكَ ، وَيُخَوِّفُنَا بِغَيْرِكَ ، إِنْ هَمَمْنا بِفَاحِشَةٍ شَجَّعَنا عَلَيْها ، وَإِنْ هَمَمْنا بِعَمَلٍ صالِحٍ ثَبَّطَنَا عَنْهُ، يَتَعَرَّضُ لَنَا بِالشَّهَواتِ ، وَيَنْصِبُ لَنَا بِالشُّبُهَاتِ ، إِنْ وَعَدَنا كَذَبَنَا ، وَإِنْ مَنَانَا أَخْلَفَنا ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنَّا كَيْدَهُ يُضِلَّنَا ، وَإِلَّا تَقِنا خَبالَهُ يَسْتَزِلْنا .اللهُمَّ فَاقْهَرْ سُلْطانَهُ عَنَا بِسُلْطانِكَ ، حَتَّىٰ تَحْبِسَهُ عَنَّا بِكَثْرَةِ الدُّعاءِ لَكَ ،
فَتُصْبِحَ مِنْ كَيْدِهِ فِي الْمَعْصُومِينَ بِكَ .اللهُمَّ أَعْطِني كُلَّ سُؤْلي ، وَاقْضِ لي حَوائِجِي، وَلَا تَمْنَعْنِي الْإِجابَةَ وَقَدْ ضَمِنْتَهَا لِي ، وَلَا تَحْجُبْ دُعائي عَنْكَ وَقَدْ أَمَرتَني بِهِ ، وَامْنُنْ عَلَيَّ بِكُلِّ ما يُصْلِحُني في دُنْيايَ وَآخِرَتي ، ما ذَكَرْتُ مِنْهُ وَمَا نَسِيتُ ، أَو أَظْهَرْتُ أَوْ أَخْفَيْتُ ، أَوْ أَعْلَنْتُ أَوْ أَسْرَرْتُ ...(1.)حكى هذا الدعاء صفحات مشرقة من تربية الإمام لأبنائه ، فقد ربّاهم بكلّ ما يسمو به الإنسان من الخلق الكامل والأدب الرفيع .### حزن الإمام علیه السلام وأساهوشاهد زيد أباه وقد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى مرير على ما أصاب أباه من النكبات القاسية ، وما جرى عليه من القتل والتمثيل في صعيد كربلاء ، وما عاناه بالذات من السبي مع عمّاته يطاف بهم في الأقطار والأمصار ، ومثولهم أمام المجرم السفّاك ابن مرجانة وسيّده الرجس الخبيث يزيد حفيد أبي سفيان وابن معاوية الذي لقّبوه بكسرى العرب ، وسلّطوه على رقاب المسلمين ، وقد أدمت تلك الأهوال والخطوب قلبه ، فكان دوماً مستمرّاً في البكاء ، وكان حزنه يزداد تحرّقاً كلما تقدمت الأيّام ، وقد بلغ من عظيم حزنه وأساه أنه ما قدّم له طعام أو شراب إلّا مزجه بدموع عينيه حزناً على أبيه .(2)وقد ألحّ عليه بعض مواليه أن يخلد إلى الراحة ، ويخفّف لوعة المصاب قائلا له :
إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين.فأجابه الإمام بأسى وحزن : يا هذا ، (إِنَّمَا أَشْكُوا بَنِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (1).)إِنَّ يَعقُوبَ كَانَ نَبِيَّاً فَغَيَّبَ اللهُ عَنْهُ واحِداً مِنْ أَوْلَادِهِ - وَعِنْدَهُ اثْنَا عَشَرَ وَلَداً - وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَيٍّ فَبَكَى عَلَيْهِ حَتَّى ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ ، وَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى أَبِي وَإِخْوَتِي وَعُمُومَتِي وَصَحْبِي مَقْتُولِينَ حَوْلِي ، فَكَيْفَ يَنْقَضِي حُزْنِي ؟!وَإِنِّي لَا أَذْكُرُ مَصْرَعَ بَنِي فَاطِمَةَ إِلَّا خَنَقَتْنِي الْعَبْرَةُ ، وَإِذَا نَظَرْتُ إِلَىٰ عَمَّاتِي وَأَخَوَاتِي ذَكَرْتُ فِرارَهُنَّ مِنَ خَيْمَةٍ إِلَى خَيْمَةٍ ، وَمُنادي الْقَوْمِ يُنادي : أَخْرِقوا بيوت الظَّالِمينَ» (2.)إنّ المشاهد المفزعة التي تمّ تمثيلها في صعيد كربلاء كانت تمزّق قلب الإمام وتحوّل حياته إلى بكاء ونحيب .وكان زيد ينظر إلى ما حلّ بأبيه من الحزن المرهق فيجزع أشدّ ما يكون الجزع وربّما شاركه في بكائه ولوعته .### رحيل الإمام علیه السلام إلى الله تعالىوآن لذلك القلب الرقيق المعذب بآلام كربلاء أن يرحل إلى الله تعالى ليشكو إليه ما ألمّ به من فوادح الرزايا والخطوب التي عاناها أبوه وهو من العصابة الأمويّة التي ما تركت رزيّة إلّا وصبّتها على أهل البیت علیهم السلام .لقد شقّ على الأمويين ما يتمتّع به الإمام من المكانة الرفيعة في قلوب
المسلمين ، فقد أجمعوا على تعظيمه والإقرار بالفضل له لأنّه بقيّة النبوة ، وكان من أشدّ الحاقدين عليه الرجس الخبيث الوليد بن يزيد ، فقد قال : « لا راحة لي وعلي بن الحسين موجود في دار الدنيا ».وأجمع رأيه على اغتيال الإمام حينما آل إليه الملك ، فأوعز إلى عامله على يثربأن يدسّ له سمّاً (1.)ونفّذ عامله ذلك ، فأخذ الإمام يعاني آلام السمّ وقسوته ، وبقي حفنة من الأيّام على فراش المرض يبثّ شكواه إلى الله تعالى ، ويحمده ويشكره على ما رزقه من الشهادة على يد شرار بريته .وثقل حال الإمام واشتدّ به النزع ، فأخبر أهله بانتقاله إلى جنّة المأوى في غلس الليل ، وقد أغمي عليه ثلاث مرّات ، فلما أفاق قرأ سورة الفاتحة وسورة( إِنَّا فتَحْنَا وسورة الواقعة ، ثم قال : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (2))ثمّ ارتفعت روحه العظيمة إلى بارئها تحفّها ملائكة الرحمن وأنبياء الله .لقد سمت تلك الروح العظيمة إلى جنّة المأوى بعد أن أضاءت سماء الدنيا بزهده وعلومه وصبره وشدّة إنابته إلى الله تعالى .وقام أبناؤه بتجهيزه وعلى رأسهم الإمام الباقر علیه السلام، فغسلوا الجسد الطاهر ، وأدرجوه في أكفانه ، وصلّوا عليه الصلاة المفروضة .
### تشييعه علیه السلامشيّع الجثمان المقدّس بتشييع حافل لم تشهد يثرب نظيراً له ، فقد شيعه البرّ والفاجر ، وبكاه الناس جميعاً ، فقد فقدوا بموته بقيّة النبوة والإمامة وهو الذي لم يخلق له مثيل في تقواه وورعه وروحانيّته وصبره ومحنه وبلواه .وجيء بالجثمان المقدّس وسط هالة من التكبير والتحميد إلى بقيع الغرقد فواروه في مقرّه الأخير بجوار عمّه الإمام الزّكي الحسن بن عليّ سيد شباب أهل الجنّة ، وقد واروا البرّ والتقوى والإيمان .وبعد الفراغ من الدفن هرع الناس يعزّون الإمام الباقر علیه السلام و زيداً وبقيّة أبناء الإمام وسائر بني هاشم ويشاركونهم في لوعة الحزن والمصاب.إلى هنا ينتهي بنا الحديث بايجاز عن حياة الإمام زين العابدين علیه السلام وقد تأثّر ولده زید بسلوكه وآدابه وتقواه ، وسار على منهاجه في الإعراض عن الدنيا والزهد في مباهجها ، والالتجاء نحو الله تعالى وما يقرّبه إليه زلفى .
## أخوتُه وَابناؤُهُ### اشارة
من الجدير بالذكر أن نعرض بايجاز إلى السادة الأفاضل من إخوة زيد وأبنائه الذين هم من أعلام الأسرة النبوية في هديهم وسلوكهم وفضلهم ، ومكانتهم العلميّة، فإنّ البحث عنهم من متمّمات الدراسة لشخصيّة زيد ، لأنّ البحث عن أفراد الأسرة تتّصل اتّصالاً وثيقاً بمعرفة الشخص والوقوف على ميوله واتّجاهاته ، وفيما يلي ذلك :### إخوة زيدأمّا إخوة زيد فهم من أفذاذ السادة العلوييّن، ومن حسنات عصرهم ، قد منحهم الله تعالى التقوى والإيمان، وفضّلهم على كثير من المسلمين ، وهم :### 1 - الإمام محمّد الباقر علیه السلاموهو الأخ الأكبر لزيد ، وهو من أبرز رجال العلم في الإسلام ، فقد قام بدور إيجابي في تكوين الثقافة الإسلاميّة ، وتأسيس الحركة العلميّة ، وكان له دورٌّ بارز في بسط العلم وإشاعته بين الناس في وقت تلبّدت الأفكار بالجمود ، فقد ضرب الجهل نطاقه على المسلمين ، ولم تعد فيهم أية نهضة علمّية ، فقد منوا بالثورات المتلاحقة للإطاحة بالحكم الأموي الذي جهد على إذلال المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون ، وقد ابتعد الإمام عن التيّارات السياسيّة ، واتّجه صوب العلم يرفع مناره
ويؤسّس أصوله وقواعده ، فكان الرائد والمعلّم لهذه الأمّة في مسيرتها الثقافيّةوالتربويّة .وكان من أهمّ ما عنى به الإمام في محاضراته نشر الفقه الإسلامي على ضوء أئمّةأهل البیت علیهم السلام الذين يمثّلون الإسلام على واقعه المشرق النازل من ربّ العالمين ، فأقام مدرسته الكبرى التي ضمت كبار الفقهاء ، كأبان بن تغلب العالم الفقيه ،ومحمّد بن مسلم ، ويريد ، وأبي بصير ، وزرارة بن أعين ، ومعروف بن خربوذ ، ونظرائهم من الفقهاء الأعلام الذين أجمعت العصابة على الإقرار لهم بالفقه والعدالة ، وإليهم يرجع الفضل في تدوين أحاديث أئمّة أهل البیت علیهم السلام ، ولولاهم لضاعت تلك الثروة الهائلة من أحاديث الأئمّة التي يرجع إليها الفقهاء في استنباطهم للأحكام الشرعيّة .وقد تبنّى الإمام الحياة الاقتصاديّة لهؤلاء الفقهاء ، كما أشاد بمعارفهم ويمايملكونه من ثروات علميّة ، وأرجع المسلمين إلى فتياهم ، فقال علیه السلام الأبان بن تغلب : «اجْلِسُ في مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَأَفْتِ النَّاسَ ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُرى في شيعَتِي مِثْلُكَ »(1.)وعهد إلى ولده الإمام الصادق علیه السلام أن يقوم بالإنفاق عليهم بعد وفاته (2. وقد قام هؤلاء الفقهاء بتدوين الأحاديث التي سموعها منه ، فقد روى عنه الفقيه جابر بن يزيد الجعفي سبعين ألف حديث .(3))وروى عنه أبان بن تغلب مجموعة كبيرة من الأحاديث التي عرضت لجميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات، والعقود والإيقاعات ، فكان حقّاً هو المؤسّس لفقه أهل البيت الذي يحتلّ الصدارة في الدقّة والعمق في الفقه الإسلامي .
ولم تقتصر بحوث الإمام على الفقه الإسلامي، فقد شملت الكثير من العلوم ، فقد ألقى محاضرة في بهو الجامع النبوي عن الفضاء الخارجي ، وكان من المستمعينلها الوليد بن يزيد حاكم دمشق ، فالتفت إلى عمر بن عبد العزيز وكان محافظاً في يثرب فقال له : إن محاضرة الإمام أبي جعفر ليست عن الفقه ولا عن التفسيروالحديث ، فما هذا البحث ؟فأجابه عمر : إنّ محاضرة الإمام وبحوثه تشمل جميع شؤون الكون ، والتي منهاالبحث عن الفضاء الفضاء الخارجي .(1)وعلى أي حال ، فإنّ التاريخ لم يحدّث عن إمام وعالم مثل الإمام أبي جعفر ، قدوقف حياته على نشر العلم وإذاعته بين الناس، فكان فيما يقول الرواة سادناً وأميناً كالبحر ، وهو يغذّي العلماء بجميع أنواع العلوم التي تحمل عناصر الوعي والتقدّم لا للمسلمين فحسب ، وإنّما للناس جميعاً .### عصر الإمام علیه السلامأمّا عصر الإمام فكان من أمرّ العصور الإسلامية ومن أشدّها محنة وبلاء ، والحياة فيه بشعة ومرهقة ، فقد ساس الأمويّون المسلمين سياسة قاتمة لا ظلّ فيها للحقّ والعدل، وتصرّفوا حسب رغباتهم من دون أن ينظروا إلى صالح الأمّة ، وكان من نتائج سياستهم السوداء أن تفجّرت البلاد الإسلاميّة ببركان من الثورات الشعبية التي كان منها ثورة الشهيد الخالد زيد بن عليّ وقبله ثورة جدّه سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين علیه السلام، وسنعرض للأحداث الجسام التي مني بها المسلمون عند دراسة عصر زيد .
1) الإمام الصادق علیه السلام كما عرفه علماء الغرب : 37 .
### تحرير النقد العربيومن مآثر الإمام الباقرعلیه السلام تحريره للنقد العربي والإسلامي من السيطرة الخارجيّة ، وجعله مستقلاً بنفسه غير مرتبط بالامبراطورية الرومانيّة ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا حياة الإمام محمّد الباقر علیه السلام.وعلى أي حال، فإنّ الإمام محمد الباقر كان من أبرز القادة الطليعييّن لهذه الأمّة ، وأحد عباقرة الدنيا ، وهو الذي تولّى تربية أخيه وتغذيته بالعلوم والمعارف حتّى كان من ألمع علماء عصره كما سنذكر ذلك .### وفاة الإمام الباقر علیه السلاموفجع العالم الإسلامي بوفاة سليل النبوّة ، وإمام المتّقين ، الإمام الباقر علیه السلام ، وقد كان أشدّ المصابين بفقده أخوه أخوه زيد ، وقد رثاه بذوب روحه ، فقال :توى باقِرُ العِلمِ في مُلحَدٍ ***إمامُ الوَرى طَيِّبُ المَولِدِفَمَنْ لي سوى جَعفَرٍ بَعدَهُ ***إِمَامِ الوَرَى الْأَزْهَرِ الْأَمْجَدِأَبا جَعْفَرٍ أَنْتَ خَيْرُ الْوَرى ***وَأَنْتَ المُرَجّى لِبَلوىٰ غَدِ (1)ورثاه أيضاً بقوله :يا مَوتُ أَنْتَ سَلَبَتَني إِلْفاً قَدَّمَتَهُ وَتَرَكْتَني خَلَفاوا حَسْرَتا لا نلتقي ابدا حَتَّى نَقومَ لِرَبِّنا صَفًّا (2)وحكى هذا الرثاء مدى الترابط الروحي بين الإمام وأخيه .وبهذا العرض الموجز عن حياة الإمام الباقر نطوي الحديث عنه .
### 2 - الحسين الأصغروهو الأخ الثاني لزيد (1، وأمّه أم ولد (2)، وكان من مفاخر السادة العلويّين فی فضله وعلمه وتقواه ، وهذا عرض لبعض شؤونه :)### حلمه ووقارهكان الحسين حليماً وقوراً ، تمثّلت فيه هيبة المتّقين والصالحين، وعلت على وجهه الشريف أسارير النور ، ووصفه أخوه الإمام أبو جعفر بقوله : «أَمَا الْحُسَيْنُ فَحَلِيمٌ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ، وَإِذا خَاطَبَهُمُ الْجاهِلونَ قالوا سَلاماً» (3.)### تقواه وورعهكان الحسين تقيّاً ، ورعاً ، شديد الخوف من الله تعالى . يقول سعيد : « لم أرَ أحداً أخوف من الله من الحسن بن صالح حتّى قدمت المدينة فرأيت الحسين بن عليّ بن الحسين ، فلم أرَ أشدّ خوفاً منه ، كأنّما أدخل النار ثمّ أخرج منها لشدّة خوفه منالله تعالى » (4)### علمهكان من العلماء البارزين في عصره، وقد روى أحاديثنا كثيرةً عن أبيه ، وعمّته
1) وللحسين الأصغر ابن زين العابدين الا عبدالله وعبيد الله ؛ فأما عبد الله فهو أبو القاسم العقيقي ، توفّي في حياة أبيه سنة 141ه- . وأما عبيد الله فهو أبو علي الأعرج ، توفّي في خراسان في حياة أبيه وهو ابن 37 سنة ، وأُمّهما خالدة بنت حمزة بن مصعب بن الزبير . سرّ السلسلة العلوية : 69 وما بعدها ، أعيان الشيعة : 8: 50 و 136 .
2) عمدة الطالب : 311 .
3) سفينة البحار : 2 273 .
4) الإرشاد : 2 : 174 .
السيّدة فاطمة بنت الإمام الحسن علیه السلام.كما روى عن أخيه الإمام أبو جعفر علیه السلام، وروى عنه ولده محمّد الحديث الوارد الله عن جدّه رسول الله صلی اله علیه واله وسلم في شهادة الإمام الحسين علیه السلام (1.)### وفاتهتوفّي الحسين في يثرب عن عمر يناهز 57 عاماً ، وقيل غير ذلك ، ودفن بها ببقيع الغرقد بجوار أبيه الإمام زين العابدين وأخيه محمّد الباقر علیه السلام.### 3 - عبدالله الباهرأخو الإمام زيد لأبيه ، وأخو الإمام محمّد الباقر لأبيه وأمّه ، وكان من مفاخر أبناء الأئمّة الطاهرين في علمه وتقواه وورعه ، وهذا عرض لبعض شؤونه:### لقبهلقّب بالباهر لجماله وحسنه ، وما جلس في مجلس إلّا بهر الحاضرون بجماله وحسن منظره. (2)### علمهكان من العلماء البارزين في عصره، ومن الفقهاء المعدودين من أهل البيت ، وقد أخذ علومه من أبيه وأخيه الإمام الباقر علیه السلام(3. روى عن آبائه عن رسول الله صلی اله علیه واله وسلم أخباراً كثيرة ، وكان راوية للأحاديث، وحمل الرواة عنه كثيراً من الآثار ، وروى مرسلاً)
عن جدّه الإمام أمير المؤمنين، وعن جده لأمه الإمام الزكيّ الحسن علیه السلام.روى عنه عمارة بن غزيّة ، وموسى بن عقبة ، وعيسى بن دينار ، ويزيد بن أبي زیاد ، عده ابن حبّان في الثقات ، وصحح الحاكم والترمذي حديثه .(1)### ولايته على صدقات النبي صلی اله علیه واله وسلمتولّى بالنيابة عن إخوانه صدقات النبّي صلی اله علیه واله وسلم، وصدقات جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام(2. وكان يوزّع الواردات على السادة حسب ما جاء في وصيّة النبيّ والإمام أمير المؤمنين علیه السلام .)### وفاتهانتقل إلى حظيرة القدس وعمره سبع وخمسون سنة (3.)ولم تعيّن لنا المصادر التي بأيدينا السنة التي توفّي فيها ، والمكان الذي دفن فيه.### 4 - عمر الأشرفوهو أخو زيد لأمّه وأبيه ، وكان من أفاضل المسلمين ومن خيارهم ، فقد نشأ في بيت التقوى والإيمان، وهذه لمحات عن شؤونه :### کنیتهيكنّى أبا عليّ ، وقيل : أبا جعفر (4، وهما ولداه .)
### لقبلقّب بالأشرف قبال عمر الأطرف عمّ أبيه ، وذلك لما ناله من الشرف والفضيلة بالنسبة إلى جدّه الإمام الحسين علیه السلام الذي كانت أمّه سيّدة نساء العالمين زهراء الرسول ، ولم يكن ذلك لعمر الأطرف.قال الأستاذ الخوئي : « وهو - أي عمر الأشرف - أشرف من الأطرف بحسبه وفضله وورعه ». (1.)### علمهكان من العلماء الأعلام ، عدّه الشيخ من أصحاب أخيه الإمام محمّد الباقر علیه السلام .روى عن أبيه ، وروى عنه فطر بن خليفة .(2)ولايته على صدقات النبيّ صلی اله علیه واله وسلم وصدقات جده الإمام أمير المؤمنين علیه السلام. يقول الحسين بن زيد : «رأيت عمر عمّي يشترط على من ابتاع صدقات علي أن يثلم في الحائط كذا وكذا ، لا يمنع من دخله أن يأكل» (3)وحكى ذلك عن سخائه وسمّو نفسه .### وفاتهانتقل إلى الرفيق الأعلى وعمره خمس وستّون سنة .(4)وأهملت المصار السنة التي توفّي فيها ، والمكان الذي حظي بجثمانه .
### عليّهو شقيق زيد من أمّه وأبيه (1، توفّي في ينبع (2)، ودفن بها ، وكان عمره ثلاثين سنة (3)، ولم نعثر على ترجمة له ، فقد أهملت المصادر ذلك.)إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن السادة الأفاضل من اخوة زيد علیه السلام .
1) هو أصغر أولاد الإمام السجاد الله الذين أعقبوا . سرّ السلسلة العلوية : 32. جمهرة أنساب العرب : 53 . الشجرة المباركة : 73 .
2) تقع عن يمين رضوى لمن كان منحدراً من المدينة إلى البحر ، وهي لبني الإمام الحسن ، فيها عيون عذاب غزيرة ، وفيها وقوف للإمام أمير المؤمنين يتولاها ولده. معجم البلدان : 0450:5
3) عمدة الطالب : 339 .
### أبناؤهأعقب زيد كوكبة من السادة الأفاضل ، الذين هم من مفاخر السادة العلويّين ،وهم :### 1 - يحيى بن زيدهو الشهيد الثائر على الجور والظلم ، شبيه أبيه في اندفاعه نحو الحقّ ، ومناهضته للباطل ، خاض غمار الحرب وهو في ريعان شبابه من أجل أن يقيم في هذا الشرق العربي حكومة القرآن ، وهذا عرض موجز لبعض شؤونه :### ولادتهولد سنة 107ه- ، وأجرى عليه والده زيد المراسيم الشرعيّة ، فأذّن في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى، وعقّ عنه في اليوم السابع من ولادته بكبش وسمّاه بیحیی .### صفتهتحدّث الرواة عن ملامحه وصفاته ، فقالوا : إنّه كان حسن الوجه ، أبيض البشرة ، قطط الشعر ، قويّ النفس ، شجاعاً لا ترهبه الكثرة ، ولا تثنيه الوحدة ».وكما حكت هذه الأوصاف ملامحه ، فقد تحدّثت عن صفاته النفسيّة التي تميّز بها ، والتي منها :
### 1 - قوّة النفسفقد كان قوّي النفس ، وذا إرادة قويّة ، ولم يكن خائر القوى ، وإنّما كان صلباً .### 2 - الشجاعةوظاهرة أخرى تميّز بها يحيى أنّه كان من أشجع الناس ، وقد ورث ذلك من آبائه الذين كانوا من أشجع ما خلق الله تعالى ، وكان من مظاهر شجاعته أنّه لا ترهبه الكثرة في الميادين العسكريّة ، ولا تثنيه عن إرادته الوحدة شأنه شأن أبيه وأجداده.### في ميادين الجهادانبرى يحيى بشوق عارم إلى ميادين الجهاد ليحطّم المنكر ويقاوم الجور والظلم، ويرفع كلمة الله تعالى في الأرض . رأى يحيى باطلاً يحيى ، وصادقاً يكذّب ، وكاذباً يصدّق ، وإثرة بغير تقى في ظلّ الحكم الأموي الأسود ، فاستهان بالموت ، وتغذّى بروح جدّه أبي الأحرار وأبيه الثائر العظيم ، وكان أبوه يوصيه بالخروج على الحكم الأموي قائلاً له : «جاهد يا بنيّ ، فإنّك والله لعلى حقّ ، وإنّهم لعلى باطل»(1)كان يحيى مع أبيه حينما استشهد ودفن ، وقد ضاقت عليه الأرض ، وتقطّع قلبه ألماً ممّا جرى على أبيه من خيانة أهل الكوفة وغدرهم به ، وعزم على مواصلة الجهاد والسير على خطّ أبيه وجدّه الذي لا يرى الموت إلّا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلّا برماً .وانطلق يحيى في مسيرته يجوب المدن والأرياف متخفياً تلاحقه السلطة وتراقبه ، وكان ينشد في مسيرته :یابْنَ زَيدٍ أَلَيسَ قَدْ قَالَ زَيدٌ ***مَنْ أَرادَ الحَياةَ عاش ذليلا
1) غاية الاختصار : 86
كُنْ كَزَيدٍ فَأَنتَ مُهجَةً زَيدٍ*** وَاتَّخِذْ في الجِنانِ ظلاً ظليلا### إلقاء القبض عليهوسار يحيى متخفيّاً من بلد إلى بلد حتّى انتهى إلى بلخ ، فنزل ضيفاً عند الحريش ابن عبد الرحمن الشيباني ، وكان من خيار الشيعة ، فقام بضيافته والبرّ به والإحسان إليه ، وكانت مباحث الأمن تراقبه وتلاحقه ، وقد رفعت أمره إلى يوسف بن عمر، فكتب إلى نصر بن سيار والي خراسان بأخذ يحيى ، وكتب نصر إلى عقيل بن معقل اللیثی عامله على بلخ بإلقاء القبض على الحريش أو يأتيه بيحيى ، فدعاه ، ولمّا مثل عنده ضربه ستمّائة سوط ، وقال له : لأرهقنّك أو تأتيني بيحيى ، فأقسم الحريش أنّه لو كان تحت قدميه ما رفعهما عنه .وكان للحريش ولد فخاف على أبيه ، فاستجاب لهم ، فوجّه معه جماعة من الشرطة ، فوجدوا يحيى في بيت في جوف بيت ، فألقوا عليه القبض مع صديق له ،وبعثهما الوالي إلى نصر بن سيّار فحبسهما وقيّد يحيى ، وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره .وكان لحبس يحيى صدى أسف وحزن عند شيعته ، وفي ذلك نظم بعض شيعتهمن بني ليث أبياتاً أعرب فيها عن حزنه العميق ، قال :أَلَيسَ بِعَينِ اللهِ ما تَفْعَلُونَهُ ***عَشِيَّةَ يَحيى مُوثَقٌ بِالسَّلاسِلِأَلَمْ تَرَ لَيْناً ما الَّذِي حَتَمَتْ بِهِ ***لَها الوَيلُ في سُلْطانِها المُتَزايللَقَدْ كَشَفَتْ لِلنَّاسِ عَن أستها ***أخيراً وَصَارَتْ ضِحْكَةً لِلقَبائِلِكلابٌ عَوَتْ لَا قَدَّسَ اللهُ أَمْرَها ***وَجَاءَتْ بِعَبْدٍ لَا يَحِلُّ لَآكِلِورفع يوسف بن عمر إلى الوليد رسالة أخبره فيها عن شأن يحيى ، فأمره بإطلاق سراحه ، وكتب يوسف إلى نصر بذلك ، فأحضره نصر ، وحذّره الفتنة ، فقال له
يحيى : وهل في أمّة محمّد علیه السلام فتنة أعظم ممّا أنتم عليه من سفك الدماء ، ثمّ أطلق سراحه .ومن الجدير بالذكر أنّ الخراسانييّن من شيعة أهل البیت علیهم السلام اشتروا القيد من الحديد الذي قيّد به يحيى بعشرين ألف درهم، فأخذوا منه فصوصاً للخواتيم يتبرّكون به (1.)كما أنّه ما ولدت امرأة في خراسان ولداً ذكراً إلّا سمّي بيحيى .مضى يحيى بعد خروجه من السجن داعياً إلى التحرير من ظلم الأموييّن وجورهم ، وكانت السلطة تلاحقه ، وقد انتهى في مسيرته إلى « ابوشهر » وكان معه سبعون رجلاً ، فزحفت لقتالهم فرقة من الجيش ، وكان عددهم عشرة آلاف ، فهزمهم يحيى ، وقتل قائد الجيش، واستولى على كثير من الغنائم ، وكان خروج يحيى بعد استشهاد أبيه بثلاث سنوات ، وكان ذلك في سنة 125ه-(2)### إعلان الحربوراح يحيى بعد الانتصار الذي أحرزه يدعو الأوساط الشعبيّة لنصرته والأخذ بثأر أبيه الشهيد زيد من العصابة الأمويّة المجرمة .### خطابه في جيشهخطب يحيى في جيشه خطاباً مؤثّراً يدعوهم إلى مناجزة عدوّهم ، والخلود إلى الصبر ، جاء فيه : «عباد الله تعالى ، إنّ الأجل الموت، والموت طالب حثيث لا يفوته الهارب ، ولا يعجزه المقيم ، فاقدموا رحمكم الله تعالى إلى عدوّكم والحقوا
بسلفكم . أقدموا إلى الجنّة فإنّه لا شرف أشرف من الشهادة ، فإنّ أشرف الموت قتل في سبيل الله عزّ اسمه ... »(1)حكى هذا الخطاب شوقه العارم إلى الشهادة في سبيل الله ، وأنّها الشرف للمجاهدين التي ليس مثلها شرف .### عتابه على العلويّينعتب يحيى على السادة من أبناء عمومته على التخلّف عن نصرته ، وكتب لهم هذه الأبيات :خَليلَى مِنَّا بِالمَدينَةِ بَلغا ***بني هاشم أَهْلَ النُّهى وَالتِّجارِبِفَحَتّى مَروانٌ يُقَتُلُ بَينكُمْ ***سُراتَكُمْ وَالدَّهْرُ فيهِ العَجائِبُلِكُلِّ قَبيل مَعشَرٌ يَطلُبُونَهُ ***وَلَيسَ لِزَيدٍ في العِراقينِ طالِبُ (2)أرأيتم هذا العتب للعلويين لعدم قيامهم بالطلب بثأر أبيه زيد ، فإنّ ذلك يدعو إلىالعجب .### التحامه مع الجيش الأمويوأرسل نصر بن سيّار جيشاً لمقاتلة يحيى بقيادة مسلم بن أحوز، فالتحم مع جيش يحيى ، واستمرّت الحرب ثلاثة أيّام ، فاستشهد جميع من كان مع يحيى ، وأصيب بنشّابة في جبهته رماه بها مجرم أثيم من موالي عنزة (3، ففارق الحياة وقد انطفأت تلك الشمعة التي أضاءت في دنيا الإسلام دفاعاً عن حقوق المظلومين)
والمعذّبين ، وكانت شهادته وقت العصر سنة 125ه-.### صلب جثّة يحيىصلبت جثّة يحيى على باب مدينة الجوزجان كما صلب جثمان أبيه زيد ، وبقي مصلوباً طرّياً (1إلى أن ظهر أبو مسلم الخراساني داعية بني العبّاس ، فأنزل الجسد الطاهر وصلّى عليه ودفنه ، وأظهر الخراسانيّون الحزن العميق عليه سبعة أيّام (2).)### إرسال رأس يحيى لأمّهواحتزّ سورة بن محمّد الكندي رأس يحيى ، وأرسله هديّة إلى الطاغية الفاجر الوليد بن عبدالملك ، فبعث به إلى المدينة ، ثمّ أرسله إلى أمّه ريطة بنت هاشم بن محمدبن الحنفية ، ولمّا نظرت إليه فزعت وقالت بذوب روحها : « شردتموه عنّي طويلاً، وأهديتموه إليَّ قتيلاً صلوات الله عليه وعلى آبائه بكرة وأصيلاً »(3)ففي ذمّة الله تعالى ما لاقاه السادة العلويّون من صنوف التنكيل والارهاق من الأمويّين وعملائهم الذين لا يرجون الله تعالى وقاراً ، فعمدوا إلى تقطع أواصر القربي التي أمر الله تعالى بها وبمودتّهم .وممّا لا شبهة أنّ المسؤول عن المآسي التي حلّت بهم هو الذي سلّط الأمويّين على رقاب المسلمين، وأضفى على عميدهم معاوية لقب كسرى العرب .### 2 - عيسى بن زيدمن أفذاذ العترة النبويّة الطاهرة ، ومن سادات المسلمين في علمه وورعه ، وتقواه
وجهاده ، وهذا عرض لبعض شؤونه :### ولادتهولد عيسى سنة 109ه- في شهر محرّم (1، وأجرى عليه أبوه المراسم الشرعيّة فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وعقّ عنه بكبش في اليوم السابع من ولادته عملاً بالسنّة الشريفة .)### تسميتهصادفت ولادة عيسى في ليلة ولادة السيّد المسيح علیه السلام ، فسمّاه أبوه زيد باسمه للتبرّك به (2.)### کنیتهكنّي عيسى بما يلي :1 - أبو يحيى .2 - أبو الحسين .(3)### لقبهلقّب بمؤتم الأشبال لأنه عرضت له في الطريق لبوة ومعها أشبالها فقتلها عيسى،فقيل له : أيتمت أشبالها .فقال : أنا مؤتم الأشبال ، فصار ذلك لقباً له .
### تقواهكان عيسى تقيّاً ، ورعاً ، مجتهداً في طاعة الله تعالى ، محتاطاً في دينه أشدّ ما يكون الاحتياط ، وقد ألصقت به بعض التهم ، إلّا أنّها عارية عن الصحّة ، ولم تستند إلى دليل وثيق سوى رواية ضعيفة أنّه تهجّم على الإمام الصادق علیه السلام ، وقد فنّد سند الرواية العلّامة المقرّم (1، وذكر أن غير واحد من رواتها قد اتّهموا بالكذب ، فكيف يعتمد عليها في الخدش بكرامة هذا السيّد الذي مُلئ إيماناً وتقوى وفضلاً.)### مع بني العبّاسولم يكن للعبّاسييّن أي دور يذكر في مناهضة الحكم الأموي ، فقد خلدوا إلى مساندته ، والتمتّع بالأموال التي يغدقها الأمويّون عليهم ، ولمّا تشّكل الحزب العلوي الذي استهدف الاطاحة بسلطان الأمويين بادر السفّاح وأخوه المنصور فأظهرا الطاعة والإخلاص للحزب، وبايعا محمّد ذا النفس الزكيّة ، ولكنّهما غدرا و عملا بمكيدة على سرقة الحكم والاستيلاء عليه بعد الاطاحة بسلطان الأموييّن ، فتقلّد السفّاح الحكم ولم تظهر أية بادرة من الخلاف بين العلوييّن والعباسييّن ، إلّا أن نفوس العلويّين قد انطوت على حزن عميق لغدر العبّاسيّين وسرقتهم للحكم . وبعد هلاك السفّاح وتقلّد المنصور للحكم أخذ يعمل جاهداً للقبض على محمّد وأخيه إبراهيم لتصفيتهما ، ولكنّهما اختفيا لعلمهما بغدر المنصور وأنّه لا يملك أي رصيد من الكرامة الإنسانيّة ، فقد تمرّس بالغدر والخيانة ، واتّصف بالخسّة واللؤم وفقر النفس ، وقد ألقى القبض على أبيهما عبد الله المحض ، وطالبه بتسليم ولديه محمّد وإبراهيم ، فأبى أن يدفعهما إليه ، فأمر باعتقاله وزجه في السجن ، والتضييق عليه ، وصبّ جميع ألوان العذاب عليه ، ثمّ حمله مع السادة إلى الهاشميّة في العراق ،
1) عمدة الطالب : 289 .
وأودعهم في سجن لم يعرف فيه الليل من النهار ، ثمّ أمر بهدم السجن عليهم ، فهدم ، وماتوا جميعاً ، وفيهم عبد الله ، كما أدخل بعضهم في اسطوانة وبنيت عليه.### ثورة الزكيّ محمّدأمّا محمّد فقد جمع في برديه كلّ فضل موروث ومكسوب ، سمّاه الناس بالمهدي الذي بشّر به النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وفيه يقول الشاعر :إنَّا لِنَرجو أن يكونَ مُحَمَّدٌ ***إماماً بِهِ يَحيا الكِتابُ المُنَزَّلُبِهِ يَصلُحُ الإِسلامُ بَعدَ فَسادِهِ ***وتحيا يتيم بائِسٌ وَمُعَلولوَتِملأُ عَدلاً أَرضَنَا بَعدَ مَليها ***ضَلالاً ويأتينا الذي كُنتُ أمَلُ (1)ولمّا بلغ محمّد وفاة أبيه مع أبناء عمومته من العلويّين من صنوف التنكيل والتعذيب على يد الرجس الخبيث الدوانيقي تواعد هو وأخوه إبراهيم على إعلان الثورة في يوم مخصوص ، فأعلن محمّد في يثرب في الوقت المقررّ البيعة ، فانبرى الناس إلى مبايعته، واستبشروا ببيعته ، وقام بالوقت باحتلال الدوائر الرسميّة وبيت المال ، وأمّا من بايعه فهم :1 - المكيّون .2 - اليمانيّون .3- المدنيّون .واجتمعت الجموع الحاشدة تظهر له الطاعة والولاء ، فقام فيهم خطيباً ، فقال بعدحمد الله والثناء عليه :« أمّا بعد أيّها الناس ، فإنّه كان من أمر هذا الطاغية - يعني المنصور - عدّو الله
1) مقاتل الطالسن: 164 . تهذيب الكمال : 25 468 .
ما لم يخف عليكم من بنائه القبّة الخضراء التي بناها معانداً الله في ملكه تصغيراً للكعبة الحرام ، وإنّما أخذ فرعون حين قال : أنا ربّكم الأعلى ، وإنّ أحقّ الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين والأنصار المواسين .اللّهمّ إنّهم قد أحلّوا حرماتك ، وحرّموا حلالك ، فآمنوا من أخفت ، وأخافوا من آمنت ، اللّهمّ فأحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً .أيّها الناس ، إنّي والله أخرجت من بين أظهركم ، وأنتم عندي لا أهل قوّة ولا شدّة ، ولكن اخترتكم لنفسي ، والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله تعالى فيه إلّا وقد أخذ لي البيعة فيه »(1)حكى آخر هذا الخطاب أنّ معظم الأقاليم الإسلاميّة قد دانت ببيعتها له ، وذهب بعض المحقّقين إلى أنّ المنصور قد أوعز إلى ولاته وعمّاله إلى دعوته لإعلان الثورة لإلقاء القبض عليه .### زحف القوّات العبّاسيّة لقتالهولمّا علم الطاغية الدوانيقي بثورة محمّد وجّه جيشاً لقتاله بقيادة وليّ عهده عيسى بن موسى ، وسارت جيوشه تطوي البيداء حتّى انتهت إلى المدينة فعسكرت فيها.### خطاب محمّدولمّا أحاطت جيوش الدوانيقي بالمدينة قام محمّد فخطب في أصحابه قائلاً: «أيها الناس ، إنّا قد جمعناكم للقتال ، وأخذنا عليكم المناقب ، وإنّ هذا العدوّ منكم قريب ، وهو في عدد كثير ، والنصر من الله والأمر بيده ، وإنّه قد بدا لي أن أذن لكم وأفرّج عنكم في المناقب، فمن أحبّ أن يقيم أقام ، ومن أحب أن يظعن ظعن».
1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 188 و 189 .
وحكى هذا الخطاب يأسه من النصر ، وذلك لكثافة جيش العدوّ ، وقلّة من معه ، ولم يرغم أصحابه على الخوض في الحرب شفقة عليهم ، كما اجتنب وسائل الخداع والتضليل شأنه شأن جده أبي الأحرار الإمام الحسين علیه السلام حينما سمح لأصحابه وأهل بيته بالتفرّق عنه ، وذلك لكثرة الجيوش التي أحاطت به ، وقد اقتدى محمّد به ، ولمّا سمع الانتهازيّون وذوو الأطماع خطابه تفرّقوا عنه ويقي في خلّص أصحابه ، وقد أشار عليه عبدالله بن جعفر بالخروج إلى مكّة لأن له قوة فيها تحميه ، فأبى خوفاً على أهل المدينة من القتل وانتهاك الحرمات .### التحام الجيشينولمّا أعلنت الحرب بين الفريقين جعل محمّد على ميمنة جيشه عيسى بن زيد ، وقد أبلى بلاء حسناً ، والتحم الجيشان ، وخاض محمّد المعركة بعنف وبسالة ، وقد أصيب بجراح خطيرة فسقط على الأرض وبرك على ركبتيه ، فبادر إليه الرجس الخبيث حميد بن قحطبة وهو يصيح بالجند لا تقتلوه ، فكفّوا عنه ، وقام الوغد فاحتز رأسه الشريف ليبوء بالإثم والتقرّب إلى سيّده الدوانيقي .(1)وانتهت بذلك صفحة من صفحات الشرف والنبل والجهاد ، كما انطوت أعظم ثورة إصلاحيّة في العالم الإسلامي كانت تهدف إلى إقامة الحقّ ، وبسط العدل في الأرض ، وقد انهارت القوى الخيّرة وتحطّمت آمالها بعد فقد عميدها العظيم .### ثورة إبراهيمأمّا إبراهيم فقد كان من أفذاذ العلويّين في علمه وأدبه ، وسموّ ذاته ، وكان من المتحرّجين في دينه ، وقد انطلق إلى ميادين الجهاد لإنقاذ الأمّة من سطوة الدوانيقي
1) حياة الإمام موسى بن جعفر علل : 1: 403 .
وجبروته ، وقد وافته الأنباء بشهادة أخيه وهو على المنبر ، فتمثل بهذه الأبيات :أَبا المَنازِلِ يا خيرَ الفَوارِسِ مَنْ ***يُفْجَعْ بِمِثْلِك في الدُّنْيا فَقَدْ فُجعااللهُ يَعلَمُ أَنَّى لَوْ خَشِيتُهُم ***وَأَوْجسً القلبُ مِنْ خُوفٍ لَهُمْ فَزَعالَمْ يَقْتُلُوهُ وَلَمْ أَسْلِمْ أَخي لَهُمْ ***(1حَتَّى نَموتَ جَميعاً أَوْ نَعيشَ مَعاً)ثمّ تبلورت دموعه على وجهه الشريف ، وأخذ يؤبّن أخاه قائلاً : « اللّهم إنّك تعلم أن محمداً إنّما خرج غضباً لك ، ونفياً لهذه المُسَوَّدة ، وإيثاراً لحقّك ، فارحمه ، واغفر له ، واجعل الآخرة خير مردّ له ، ومنقلب في الدنيا »(2)ورثى أخاه بهذه الأبيات :سأبكيك بِالبِيضِ الرِّقاقِ وَبِالقَنا *** فَإِن بها ما يُدرك الطَّالِبُ الوِثراوَإِنَّا أناس لا تفيضُ دُموعُنا *** على هالِك مِنا ولَوْ قَصَمَ الظُّهْراوَلَسْتُ كَمَنْ يَبْكِي أَخَاهُ بِعَبرة *** يُعَصِّرُها مِنْ ماءِ مُقْلَتِهِ عَصْراوَلكِنْ أُرَوَى النَّفْسَ مِنّي بِغارة *** تَلَهُبُ في قُطري كِتائبها جَمْرًا (3)لقد تمثّلت البطولة وقوة الإرادة وصلابة العزم بموقف إبراهيم ، فلم يوهن عزيمتهفقد أخيه محمّد الذي كان ملأ فم الدنيا سموّاً وكمالاً ، وقيادة وفكراً .وأعلن إبراهيم في البصرة ثورته الكبرى على حكومة الطاغية الدوانيقي ، فاستجاب له المسلمون ، وقد انضمّ إليه عيسى بن زيد ، فكان من أهمّ قادته ، كما أوصى له بالأمر من بعده ، كما كان من أنصاره والي البصرة سفيان بن معاوية ، فكان يطلعه على كلّ ما جدّ من أمر المنصور.
واحتلّ إبراهيم البصرة ، ووجّه دعاته إلى الأهواز وفارس وواسط والمدائن ، فاستجابت له هذه المناطق، ورحبّت بدعوته والبيعة له لتتخلّص من هؤلاءاللصوص والخونة أمثال الدوانيقي .### إعلان الحربولمّا توفّرت لإبراهيم القوّة الضاربة أعلن الحرب على الدوانيقي ، وزحف بجيوشه إلى احتلال الكوفة ، وقاد الحملة العسكريّة بنفسه ، وأشار عليه من ذوي الرأي الحصيف والخبرة العسكريّة أن يقيم في البصرة ويرسل جنوده إلى حرب الدوانيقي ، فإذا انهزموا أمدّهم بغيرهم ، ولم يستجب لهم ، ولو أجابهم لتغلّب على الموقف ، ولكنّ الله تعالى شؤوناً في عباده .### التحام الجيشينواندلعت الحرب بين الفريقين، وقد مني جيش المنصور بهزيمة ساحقة حتّى بلغ جيشه في هزيمته الكوفة ، ووجل الطاغية ورام الهزيمة ، وجعل يقول للربيع : أين قول صادقهم ؟ وكيف لم ينالها أبناؤنا ، فأين إمارة الصبيان ؟ متعرّضاً إلى ما أخبر به الإمام الصادق علیه السلام من استيلاء العبّاسيّين على الحكم .وأمر المنصور بجعل الإبل والدوابّ على أبواب الكوفة للهرب منها ، ولاقت جيوشه بعد هزيمتها نهراً فلم تقدر على اجتيازه ، فعادت ، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا في الماء ، فكرّت عليهم جيوش الدوانيقي المنهزمة وأخذوا يحصدون رؤوسهم ، وأصاب سهم غادر فم إبراهيم ، فتنحّى عن موقفه ، وقال لأصحابه : انزلوني عن مركبي ، فأنزلوه وهو يقول: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مقدوراً (1)، أردنا)
1) الأحزاب 33 : 38 .
أمراً وأراد الله تعالى غيره ، واجتمع أصحابه فأنزلوه وجعلوا يحمونه ويقاتلون دونه ، فقال حميد بن قحطبة : شدّوا على تلك الجماعة التي كانت تحمي إبراهيم ، فشدّوا عليهم ، وهجم الجناة عليه فاحتزّوا رأسه الشريف .وقد انتهت بذلك ثورة المضطهدين والمعذّبين، وصفا الملك للدوانيقي الذي هو أقذر إنسان عرفه التاريخ في لؤمه ووضاعة نفسه، وقد وضع الرأس الشريف أمامه ، وكاد أن يطير فرحاً ، وكان أمامه طعام قد استطابه ، فقال لمن حوله من بهائم البشر : « أراد إبراهيم أن يحرمني هذا وأشباهه (1.)إنّ ثورة إبراهيم لم تكن من أجل متع الحياة ، وإنّما كانت من أجل إقامة حكم القرآن والإسلام في هذا الشرق العربي ، ومن أجل أن تتوفّر العدالة بين الناس ، وتوزّع خيرات الله تعالى على عباده، فلايختصّ بها فريق دون فريق ، وقد راح الطاغية يمعن في ظلم الناس وإرهاقهم ، فقد انهارت القوى الخيّرة التي كانت تطالب بالعدل والحقّ .### اختفاء عيسىوكان عيسى هو المرشّح لقيادة الأمة بعد شهادة إبراهيم ، وقد خلد إلى الصبر ، وأحاط نفسه بكثير من السريّة والكتمان ، ويقي متستّراً في أرياض الكوفة لا يعلم به أحد سوى خواصّه الذي منهم الحسن بن صالح من علماء الكوفة ، وتزوّج عيسىبابنته ، وقد ضاقت الدنيا على عيسى ، فكان يقول :إلى اللهِ نَشْكو ما تلاقى فَإِنَّنا *** تقتل ظلماً جَهرَةً وَنَخافُوَيَسعَدُ أَقوامٌ بِحُبِّهِمْ لَنا *** وَنَشْفَىٰ بِهِمْ وَالأَمرُ فيهِ خِلافُ (2)
وخاف المنصور من عيسى فبث عيونه وجواسيسه لإلقاء القبض عليه ، فلم يتمكّنوا من معرفته وظلّ مختفياً حتى هلك المنصور واستولى على الحكم المهدي ، وقد اجتاز على حائط قد كتب عليه هذه الأبيات :وَاللهِ ما أَطعَمُ طَعَمَ الرُّقادُ ***خَوْفاً إِذا نامَتْ عُيونُ العِبادشَرَّدَني أَهْلُ اعْتِدَاءٍ وَما ***أَذنَبتُ ذَنْباً غَيرَ ذِكرِ المَعادْآمنتُ باللهِ وَلَمْ يُؤْمِنوا ***فَكانَ زادي عِندَهُمْ شَرَّ زادأَقولُ قَولاً قاله خائِفٌ ***مُطَّرِدٌ قَلبي كَثِيرُ السُّهادُمُنخَرِقُ الْخُفَّينِ يَشْكو الوجىٰ *** تَنكُبُهُ أَطْرافُ مَرْوِ حِدادفلمّا قرأها المهدي تأثر ويكى وكتب تحت كل بيت لك الأمان من الله ومنّي ، فاظهر متى شئت ، فقال له وزیره ابن داود: من قائل هذا الشعر ؟فردّ عليه المهدي : أتتجاهل علي ؟ قائل هذا الشعر عيسى بن زيد(1)ولم يثق عيسى بأمان المهدي لعلمه بعدم وفائهم بالعهد ، وظل مختفياً حتّى وافاه الأجل المحتوم.### معاشه وعملهكان عيسى يعمل في الكوفة سقاء يبيع الماء ويعيش بثمنه ، وقد روى ابن أخيه يحيى بن الحسين ذلك في حديثه التالي : قال : « سألت أبي عن عمي عيسى ،وقلت يقبح لمثلي ألا يرى مثله .فقال : إذا صرت إلى الكوفة فاسأل عن دور بني حيّ ، فإذا دللت عليه اقصد السكة ووصفها لي سترى باباً ووصفها له ، فاجلس أوّل السكّة فإنه سيقبل عليك عند
1) مقاتل الطالبيين : 411 و 412 .
المغرب كهل طويل قد أثر السجود في جبهته عليه جبّة صوف يسقي الماء على جمل يسوقه لا يضع قدماً ولا يرفعها إلا ودموعه تنحدر ، فقم وسلّم عليه ، فإنّه سيذعر منك ، فانتسب له ليسكن لك ويحدّثك ولا تطل معه وودعه فإنّه سيعفيك من العود ، فافعل ما يأمرك به .وسافر يحيى إلى الكوفة ، فلمّا انتهى إليها مضى إلى المكان الذي حدّده أبوه ، فلمّا غربت الشمس أقبل عيسى فقام إليه يحيى وسلّم عليه ، فذعر منه ، فانتسب له ، فسكن خوفه ، وراح عيسى يسأله عن أهله واحد بعد واحد ، ثمّ أخذ يشرح له حالته قائلاً له : إنّي أسقي الماء على هذا الجمل ، فأصرف نصف ما اكتسبه إلى صاحبه وأتقوّت في النصف الآخر ، وربّما عاقني عائق فأخرج إلى ظهر الكوفة فالتقط ما يرمي به الناس من البقول فأتقوّت به ، وتزّوجت من هذا الرجل الصالح ابنته ، وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا ، وقد ولدت لي بنتاً لا تعرفني ، فقالت أمّها : إنَّ ابن فلان السقا أيسر منّا ، وقد خطب ابنتك فزوجها منه ، وألحت عليَّ ، فلم أقدر على إخبارها بأن هذا الولد غير كفء لها ، فيشيع خبري فزادت في الإلحاح عليَّ ، ولم أزل أستكفي أمرها حتى ماتت البنت ، فما أسى على شيء من الدنيا على أنّها ماتت ، ولم تعلم موضعها من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم.ثمّ أقسم عليَّ بالانصراف وعدم العودة إليه ، وودّعني ومضى (1.)ففي ذمّة الله ما عانته الأسرة العلوية من الأذى والضيم ، وما قاسته من الخطوب والنكبات ، وممّا لا ريب فيه أنّ المسؤول عن هذه الأحداث الموجعة هو الذي أبى أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد ، فهو الذي مهّد الطريق وفتح الأبواب للصوص والخونة من أئمّة الظلم أن يقفزوا إلى الحكم ويمعنون في ظلم العلويّين وغيرهم .
1) مقاتل الطالبيين : 271
### 3 - الحسين بن زيدمن أبناء سيدنا زيد : الحسين ، وهو من أعلام الأسرة النبويّة في فضله وتقواه وأدبه ، هذا عرض موجز لحياته :### ولادتهولد الحسين في الشام وكانت ولادته سنة 114ه- ، وكان عمره يوم استشهد أبوه سبع سنين ، وقيل غير ذلك .(1)### کنیتهيكنّى بأبي عبدالله ، كما يكنّى بأبي عاتقة(2)### لقبهأمّا لقبه فهو « ذو الدمعة » وذلك لكثرة بكائه ، وسأله ابنه يحيى عن كثرة بكائه ،فقال : وهل ترك السهمان والنار سروراً يمنعني عن البكاء .أمّا السهمان : فهما اللذان أصيب بأحدهما أبوه زيد ، وأصيب بالآخر أخوه يحيى(3، وأمّا النار فهي التي أحرقت باب سيّدة نساء العالمين حينما هجم عليها عمر بن الخطّاب ، وقيل له : أتحرق الدار وفيها فاطمة ؟ ! فقال : وإن .)وكذلك أراد بالنار التي أحرقت أخبية الإمام الحسين علیه السلام بعد شهادته ، فقد حمل الجفاة أقبسة النار وهم يقولون : أحرقوا بيوت الظالمين .
### نشأتهنشأ الحسين في حجر أبيه زيد ، فغدّاه في مرحلة صباه بهديه وسلوكه ، وغرس في آفاق نفسه التقوى والإيمان ، وحبّ الخير ، وبعد وفاة أبيه تولّى تربيته سيّد المتّقين وإمام المسلمين الإمام الصادق علیه السلام، فقد عاش في ذرى عطفه وكنف مودّته ، وقد غذّاه بفيض من علومه ومعارفه حتّى صار من أعلام الإسلام في رواية الحديث والفقه والتفسير ، وقد أخذ عنه العلماء الشيء الكثير فيما يتعلّق بشؤون الشريعة ، وبنوا على وثاقته ، وتزكيته من كلّ جرح وإثم .وكان أثيراً عند الإمام الأعظم صادق أهل البیت علیهم السلام، فزوّده برسالة إلى معن بن زائدة الزعيم العربي الجواد أوصاه فيها بالبرّ والإحسان إليه ، ولمّا قرأها قابله بمزيد من التبجيل والتكريم وأعطاه عشرين ألف دينار ، كما منحه الكثير من الهداياوالألطاف.وكان من حبّ الإمام الصادق علیه السلام له أنه زوجه من السيّدة الفاضلة أمّ كلثوم بنت محمد بن الأرقط ، وكانت ذات جمال بارع ، وثراء عريض ، فحسنت حاله (1.)### وفاتهانتقل هذا السيّد الجليل إلى حظيرة القدس سنة 135ه- (2، وقيل غير ذلك .)### 4 - محمد بن زیدالسيّد محمّد (3بن الشهيد زيد من عيون السادة العلويّين وأجلاتهم . ولد بعد)
شهادة أبيه بأربعين يوماً ، وكان يكنّى بأبي عبد الله ، وأمّه الفاضلة من السند ، وليس في شريعة الإسلام فضل للمرأة العربيّة على غيرها من نساء المسلمين ، وإنّما التفاضل بالتقوى وعمل الخير .### سموّ ذاتهكان السيّد محمّد من سادات المسلمين في نبله وشرفه وسموّ ذاته، وكريم طباعه ، ومن معالي أخلاقه ما حدّث به الرواة أنّ المنصور الدوانيقي أخبرته مباحث أمنه أن هشام بن عبد الملك عنده كميّة من الجواهر الثمينة ، وهي عند ولده محمّد ، وهو من روّاد البيت الحرام في مكّة ، وقد أحاط أمره بكثير من الكتمان خوفاً من إلقاء القبض عليه .فأوعز المنصور إلى السلطة بغلق أبواب الجامع سوى باب واحدة لا يخرج منها أحد إلّا بعد معرفته والاطّلاع على هويّته ، وكان محمّد في الجامع ، فعرف أن هذا الاجراء إنّما اتخذ ضدّه ، فأخذ يتجوّل في الجامع وقد استولى عليه الخوف ، فرأى رجلاً عليه سيماء الصالحين، فألقى بنفسه عليه مستجيراً به ، فسأله محمّد عن نسبه ، فطلب منه الأمان إن أخبره به ، فعرّفه به ، وأنّ هذا الاجراء قد اتخذ لإلقاء القبض عليه ، فآمنه محمّد ، وقال له : اعذرني إذا اتّخذت بعض الاجراءات القاسية ضدّك عند باب الجامع .وقام فألقى رداءه عليه وأخذ يجرّه ، فلما قرب من الباب أخذ يضربه ، فقال له الربيع القائم على الحراسة : ما شأن الرجل ، فأخبره أنّه أكراني جماله ، وقد هرب منّي ، وأكرى جماله للخراسانيين ، ولي عليه بيّنة ، فضم إلى شرطييّن لأقدّمه إلى القضاء ، فضمّ إليه ما أراده ، ولمّا بعد عن الجامع قال له : يا خبيث ، تؤدّي حقّي ؟
قال له : نعم .فأمر محمّد بصرف الحارسين له ، فانصرفا وأخذ معه يسير حتّى انتهى به إلى مأمن ، فوقع على يديه يوسعهما تقبيلاً، فقد أنقذه من الموت ، وأخرج له بعض الجواهر هديّة له ، فتأثّر منه ، وقال له : إنّا أهل بيت لا نقبل على المعروف ثمناً، وقد تركت لك ما هو أعظم ، وهو دم أبي زيد ، انصرف راشداً وواري شخصك ، فإنّ الرجل - يعني المنصور - جاد في طلبك (1.)وحكت هذه البادرة سموّ محمّد وعظيم نبله وشهامته ، وهذا الخلق الرفيع من سمات العلويّين، ومن أبرز صفاتهم ، ويعكسهم الأمويّون ، فقد عرفوا باللؤم والخبث والغدر والخيانة ، وعدم الوفاء بالوعد والعهد ، فمعاوية هو الذي أعطى للحسن في الصلح شروطاً ثمّ خاس بعهده ، وقال أمام الجماهير : أعطيت للحسن شروطاً وها هي تحت قدمي لا أفي بشيء منها .
1) الفرج بعد الشدة : 2 : 200. عمدة الطالب : 299.
## عَنَاصِةُ النَّفَسِيةِ وَمَواهِبها### اشارة
كان زيد من أعلام عصره في مواهبه وعبقريّاته ، ومن أفذاذ الأسرة العلويّة في فضله وأدبه وروعة بيانه ، وكان يأخذ بمجامع القلوب ببلاغته وفصاحته ، وتقواه وورعه ، وقد ورث آداب آبائه ، ومعالي أخلاقهم ، ومحاسن صفاتهم ، وكان من ذخائر أبناء الأئمة الطاهرين، ومن كواكبهم المشرقة في سماء الإسلام في جهاده ومقاومته لطغيان الأمويّين وأباطيلهم ، وهذه نفحات من صفاته ومواهبه :### عناصره النفسيةأمّا عناصر زيد فإنّها امتداد مشرق لصفات آبائه الذين كانوا أمثلة للإسلام بجميع قيمه ومكوّناته ، وهذا عرض لبعضها :### 1 - إنابته علیه السلام إلى الله تعالىكان زيد من أعلام المتّقين والمنيبين والمطيعين الله تعالى ، وقد ورث هذه الظاهرة من آبائه الذين تفانوا في حبّ الله تعالى ، ووهبوا أرواحهم في طاعته .لقد نشأ زيد في كنف أبيه سيّد الساجدين، وإمام الموحّدين ، فتأثّر بسلوكه وهديه ، فأناب إلى الله تعالى كما أناب أبوه ، وقد روى عاصم بن عبيد الله العمري عن إيمان زيد وعظيم طاعته الله تعالى بقوله : « لقد رأيته وهو غلام حدث يسمع الشيء من ذكر الله تعالى فيبكي حتّى يغشى عليه ، فيقول القائل : والله ما هو بعائد إلى
الدنيا ، وكان إذا فتح المصحف وقرأ شيئاً من آياته أخذته الرعدة والبكاء ، ولقد قرأ يوماً قوله تعالى : ( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (1)، فقال : هذا الوعد والوعيد والتهديد من الله عزّ اسمه ، اللهم لا تجعلنا ممّن تولّى عنك فاستبدلت به بدلاً. ولم يزل يكرّر ذلك ، ويبكي حتّى يغشى عليه (2)
· 128
.حكت هذه الكلمات إنابة زيد إلى الله تعالى ، وأنه كأبيه سيد الساجدين الذي كان
في طليعة العارفين بالله والمنيبين إليه .
وحدّث يحيى عن إيمان أبيه وطاعته وعبادته الله تعالى بقوله : «كان يصلّي الفريضة - أراد بها صلاة العشاء - ثمّ يصلّي ما شاء الله ، ثمّ يقوم على قدميه يدعو الله تعالى إلى الفجر ، يتضرّع له ويبكي بدموع جارية حتّى يطلع الفجر ، فإذا طلع الفجر قام وصلّى الفريضة ، ثمّ جلس للتعقيب إلى أن يتعالى النهار ، ثمّ يقوم في حاجته ساعة ، فإذا كان قرب الزوال قعد في مصلّاه يسبّح الله ويمجّده إلى وقت الصلاة ، وقام فصلّى الأولى ، وجلس هنيهة وصلّى العصر ، وقعد في تعقيبه ساعة ، ثمّ سجد سجدة فإذا غابت الشمس صلّى المغرب والعتمة» .
وتحدّث عن صومه ، فقال : «كان يصوم في السنة ثلاثة أشهر ، وفي الشهر ثلاثة
أيام »(3).
وكان هذا السمت من العبادة ظاهرة من ذاتيّات أئمة أهل البیت علیهم السلام، ومن سار على هديهم ، وتأثّر بسلوكهم من أبنائهم الذين أخلصوا في طاعتهم إلى الله تعالى .
وروى سعيد بن خثیم ( جبير ) أنّه قال لمحمد بن خالد : كيف مقام زيد في قلوب أهل العراق ؟
فقال : إنّي لا أحدثك عن أهل العراق ، ولكن أحدّثك عن رجل يقال له النازلي بالمدينة يقول : صحبت زيداً ما بين مكة والمدينة ، فكان يصلّي الفريضة - أراد بها صلاة المغرب - ثمّ يصلّي ما بين الصلاة إلى الصلاة - وهي صلاة العشاء - ويصلّي الليل كلّه ، ويكثر التسبيح ، ويردد قوله تعالى : ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِك ما كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) (1)، فيصلى ليله ثمّ يردّد هذه الآية إلى قريب من نصف الليل ، فانتبهت وهو رافع يديه إلى السماء ويقول : إلهي عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة ، ثمّ انتحب ، فقمت إليه وقلت : يابن رسول الله ، لقد جزعت في ليلتك هذه جزعاً ما كنت أعرفه ؟
قال : ويحك يا نازلي، إنّي رأيت الليلة وأنا في سجودي إذ رفع لي زمرة عليهم ثياب ما رأنا الأبصار حتّى أحاطوا بي وأنا ساجد ، فقال كبيرهم الذي يسمعون منه :
أهو هذا ؟
قالوا : نعم .
قال : «ابشر يا زيد إنّك مقتول في الله ، ومصلوب ومحروق بالنار ، ولا تمسّك النار بعدها أبداً ، فانتبهت وأنا فزع ، والله لوددت أنّي أحرقت بالنار ثمّ أحرقت بالنار وأن الله أصلح لهذه الأمّة أمرها »(2)
حكى هذا الحديث عبادة الإمام زيد وعظيم طاعته الله تعالى ، كما حكى تصميمه على الشهادة ، غير حافل بما يلاقيه من الحرق لجثمانه المقدّس في سبيل إصلاح أمر المسلمين.
ومن مظاهر طاعته الله تعالى وإنابته إليه هذا الدعاء الذي كان يدعو به وهو :
«اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سُلُوا عَنِ الدُّنْيا ، وَبُغْضاً لَها وَلَأهَلُهَا ، فَإِنَّ خَيْرَها زَهِيدٌ ، وَشَرَّها عَنيدٌ ، وَجَمْعَها يَنْفَدُ ، وَصَفْوَها يَرْنَقُ ، وَجَديدَها وَخيرَها يَنْكَدُ ، وَما فاتَ مِنْها حَسْرَةً ، وما أصيبَ مِنْها فِتْنَةٌ إِلَّا مَنْ نَالَتْهُ مِنْكَ عِصْمَةٌ .
أَسْأَلُكَ اللهُمَّ الْعِصْمَةَ مِنْهَا ، وَلَا تَجْعَلْنَا كَمَنْ رَضِيَ بِهَا ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهَا ، فَإِنَّ مَنْ أَمِنَهَا حَانَتْهُ ، وَمَنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا فَجَعَتْهُ .
أَعوذُ بِكَ اللّهُمَّ مِنْ مِثْلِ عَمَلِهِ وَمِثْلِ مَصِيرِهِ .
ثمّ قال : كَمْ لِي مِنْ ذَنْبٍ وَسَرَفاً بَعْدَ سَرَفٍ قَدْ سَتَرَهُ رَبِّي ، وَمَا كَشَفَ ، أَجَلْ أَجَلْ سَتَرَ رَبِّي الْعَوْرَةَ ، وَأَقالَ الْعَشْرَةَ حَتَّى أَكْثَرْتُ فيهِ مِنَ الْإِساءَةِ ، وَأَكْثَرَ رَبِّي فِيهَا مِنَ الْمُعافاة ، إِنِّي لأَسْتَحِي مِنْ عَظَمَتِهِ أَنْ أَفْضِي إِلَيْهِ بِمَا أَسْتَخْفِي بِهِ مِنْ عَبْدِ لَهُ ، وَبِمَا أَنَّهُ لَيَفْضَحُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِني فيما هُوَ أَدْنى مِنْهُ ، ثُمَّ ما كَشَفَ رَبِّي لي فيه سِتْراً وَلَا سَلَّطَ عَلَيَّ فِيهِ عَدُوّاً ، فَكَمْ لَهُ فِي ذلِكَ مِنْ يَدٍ وَيَدٍ ما أنا إِنْ نَسيتُها بِذَكورٍ ، وَمَا إِنْ كَفَرْتُهَا بِشَكورٍ ، وَمَا نَدِمْتُ عَلَيْهَا إِذا لَمْ أَعْتِبْكَ مِنْهَا .
رَبِّ لَكَ الْعُتْبَى بِما تُحِبُّ وَتَرْضى ، فَهَذِهِ يَدي وَناصِيَتِي مُقِرٌّ بِذَنْبي، مُعْتَرِفٌ بِخَطيئَتي ، إِنْ أَنكُرُها أَكْذِبُ ، وَإِنْ أَعْتَرِفُ بِها أُعَذِّبُ إِنْ لَمْ يَعْفُ الرَّبُّ ، وَيَغْفِرِ الذَّنْبَ ، فَإِنْ يَغْفِرْ فَتَكَرُّماً وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ، فَهُوَ الْمُسْتَعانُ لَا يَزالُ يُعينُ ضَعِيفاً ، وَيُغِيثُ مُسْتَغيئاً ، وَيُجيبُ داعِياً ، وَيَكْشِفُ كَرْباً ، وَيَقْضِي حَاجَةَ ذِي الْحَاجَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، أَجَلْ أَنْتَ كَذلِكَ ... »(1)
وحكى هذا الدعاء صورة مشرقة من إنابة زيد وانقطاعه إلى الله تعالى ، كما حكى
1) تاريخ الشام : 6 : 18 .
زهده في الدنيا وإحاطته بشرورها وغرورها ، فهو يسأل من الله تعالى أن يملأ نفسه سلواً عنها وبغضاً لها .
من نزعات زيد ومن مكوّناته النفسيّة الإباء عن الضيم ، وقد ورث هذه الظاهرة من جدّه أبي الأحرار الإمام الحسين علیه السلام، الذي رفع منار الكرامة الإنسانيّة ، ورسم طريق الشرف والعزّة ، فلم يخضع ولم يخنع لقرود بني أميّة وآثر الموت تحت ظلال
الأسنّة في سبيل كرامته .
يقول عبد العزيز بن نباتة :
وَالحُسَينُ الَّذِي رَأى المَوتَ فِي الْعِ *** حياةً وَالعَيشَ في الذُّلُ قَبْلا
يقول ابن أبي الحديد : سيّد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف اختياراً على الدنية أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب الذي عرض عليه الأمان هو وأصحابه ، فأنف من الذلّ ، وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنّه لا يقتله، فاختار الموت على الدنية .
وسمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي يقول: «كأنّ أبيات أبي تمّام في محمّد
بن حميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين :
وَقَدْ كانَ فَوتُ المَوتِ سَهْلاً فَرَدَّهُ ***إليه الحفاظ المُرُّ وَالخُلُقُ الوَعْرُ
وَنَفسٌ تَخافُ العَارَ حَتَّى كَأَنَّما*** هُوَ الكُفْرُ يَومَ الرَّوْعِ أَوْ دونَهُ الْكُفْرُ
فَأَتْبَتَ فِي مُسْتَنْقَعِ المَوتِ رِجلَهُ ***وَقالَ لَها مِنْ تَحتِ أَخْمُصِكِ الحَشْرُ
غدا غَدَوَةً وَالحَمدُ نسَجُ رِدانِهِ *** فَلَمْ يَنْصَرِفْ إِلَّا وَأَكْفانُهُ الأَجْرُ
تَرَدَّى ثِياب المَوتِ حُمْراً فَما دَجا ***لَها اللَّيلُ إِلَّا وَهِيَ مِنْ سُندُسٍ خُضْرُ
لقد وقف أبو الأحرار يوم الطف كالجبل الأشم غير حافل بأولئك العبيد ، فقال
للدنيا : «أَلَا وَإِنَّ الدِّعِيُّ ابْنَ الدَّعِي قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَينِ بَيْنَ السَّلَةِ وَالذُّلَّةِ ، وَهَيْهاتَ مِنا الذَّلَّةَ . يَأْبَى اللَّهُ لَنا ذَلِكَ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤمِنُونَ ، وَحُجُورٌ طابَتْ وَطَهُرتْ ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ تُؤْثِرَ طَاعَةَ اللثام عَلَى مَصارع الكرام ....(1).
هكذا كان أبو الأحرار المعلم والقائد لكلّ شريف عصي على الظلم ، وقد اقتدى به وسار على منهجه حفيده البطل زيد الذي قال : «ماكره قوم حرّ السيوف إلا ذلّوا ».
وانبرى إلى ساحة الجهاد في سبيل عزّته وكرامته ، وسنوضّح ذلك في البحوث الآتية .
أمّا الشجاعة فإنّها من العناصر والذاتيات لأهل البیت علیهم السلام، فقد كان الإمام أمير المؤمنين علیه السلام من أشجع العرب على الاطلاق، وكان القوّة الضاربة التي احتمى بها النبي صلی الله علیه واله وسلم أيام محنة الإسلام وغربته .
وأما الإمام الحسين علیه السلام فهو أشجع خلق الله تعالى ، وقد أنست شجاعته شجاعة أبيه محطّم أصنام قريش وفاتح خيبر .
وقد ورث زيد شجاعته النادرة عن آبائه العظام ، فلم يعرف الخوف وأنكره أشدّ الإنكار ، وقد حذره بعض محبّيه من غدر أهل الكوفة ، فأجابه :
بَكَرَتْ تُخَوِّفُني المنونَ كَأَنَّني *** أَصْبَحْتُ عَنْ عَرَضِ الحَياةِ بِمَعَزَلِ
فَأَجَبْتُها أَن المَنِيَّةَ مَنهَل*** لا بُدَّ أَنْ أَسْقَى بِكَأْسِ المَنْهَلِ (2)
إِنَّ المَنيَّةَ لَوْ تَمَثلُ مُثلث ***مُثْلَتْ مَثَلي إذا نَزَلُوا بِضيق المنزل
فاقني حياؤك لَا أَبا لَكِ وَاعْلَمي ***أَنِّي امْرُؤٌ سَأَموتُ إِنْ لَمْ أَقْتَلِ
حكى هذا الشعر سخرية زيد من الحياة واستهانته بالموت ، وقد خاض الحرب ببسالة ضدّ الجيش الأموي ولم يكن معه إلّا القلّة من أصحابه ، فأوقع بهم الخسائر الفادحة ، وأبدى من البسالة ما يفوق حدّ الوصف ، ولولا السهم الذي أصاب جبينه لأتى على الجيش وطوى معالم السياسة الأموية .
وكما كان زيد أشجع الناس فقد كان يملك شجاعة أدبيّة نادرة ، فقد قابل الطاغية هشام بالردّ الحاسم ، لم يحفل بملكه وسلطانه وتركه يتميّز غيظاً وغضباً لا يدري ما يقول ، وسنعرض لذلك في بحوث هذا الكتاب .
وظاهرة أخرى من صفات زيد هو الكرم ، فقد كان من أندى الناس كفاً ، وأبسطهم يداً ، وأحبّهم للمعروف والبرِّ والإحسان ، وكان يغدق الأموال على الضعفاء والبؤساء شأن أبيه زين العابدين علیه السلام الذي كان الإحسان إلى الفقراء من أهمّ متعه النفسيّة ، فكان زيد يغدق عليهم بمبرّاته وإحسانه ، وقد التفت حوله الجماهير وبايعته ليعيد لهم حكومة القرآن التي كان من أهم برامجها القضاء على الفقر والحاجة .
وقد حكى زيد عن سخائه وكرمه بقوله :
يَقولونَ زَيداً لَا يُزَكي بِمَالِهِ ***وكيفَ يُزَكِّي المالَ مَنْ هُوَ باذِلُهُ
إِذا حالَ حَولٌ لَمْ يَكُنْ فِي دِيارِنا ***مِنَ المالِ إِلّا رَسْمُهُ وَفَضائِلُهُ (1)
1) أعيان الشيعة : 7: 124 .
وكان من صفات زيد الصبر على محن الدنيا وبلائها ، فقد أحاطت به ويسائر السادة العلويّين ألوان قاسية من المحن والخطوب، والتي منها سماعه لسب آبائه الطاهرين على المنابر في خطب الجمعة والأعياد بإيعاز من السلطة الحاكمة في دمشق تدعيماً لحكمهم القائم على الباطل والمنكر والتمرّد على جميع القيم الإنسانية .
لقد حسب الخطّ الأموي أن شتم أهل البیت علیهم السلام وانتقاصهم في الأندية والمحافل يثبت دعائم ملكهم ، وهيهات ذلك فقد انكشفت عورات الأمويّين وبرزت للمجتمع جاهليّتهم ، وما يؤمنون به من العداء للإسلام والتنكّر لمبادئه وقيمه .
وعلى أي حال، فقد صبر زيد على ذلك ، وقد ملئت نفسه ألماً وأسى على هذه الرزايا التي تعصف بالصبر .
من مقوّمات زيد ، ومن أبرز ذاتيّاته الأخلاق الرفيعة التي تميّز بها ، وجعلته في مصاف العظماء والمصلحين . إنّ أخلاقه السامية قد سيطر بها على جماهير أهل الكوفة ، وبايعته قلوبهم ، وآمنوا به قائداً ومصلحاً وإماماً .
إنّ هذه الظاهرة قد ورثها من جدّه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الذي بعث ليتمّم مكارم الأخلاق ، والتي غيّر بها مجرى التاريخ ، وأنقذ الإنسان من ظلام الجاهليّة وويلاتها ، فكذلك حفيده قد تميّز بهذه الظاهرة الكريمة .
كان زيد ملهماً موهوباً قد ساد على أقران عصره، وكان ممّا يشار إليه لفضله
وعبقريّاته ، وهذا عرض لبعض مكوّناته العلميّة :
نشأ زيد في مراكز العلم والتقوى ، وتلقّى تربيته وتهذيبه في أطهر بيت ، إنّه البيت الذي أذهب الله تعالى عن أهله الرجس وطهّرهم تطهيراً، وقد حفظ القرآن وهو في سنّ مبكّر وتأدّب بآداب أبيه الذي هو زين العابدين، وإمام الساجدين ، وكان لزيد دور نشط ومتميّز في طلب العلم ، وبناء شخصيّته على العلوم النافعة التي تملأ الفكر إشراقاً ووعياً .
أمّا أساتذته الذين أخذ عنهم العلوم، وانتهل من نمير معارفهم ، فهم :
وأوّل أساتذته ومربّيه أبوه الإمام زين العابدين ، فمنه علیه السلام أخذ علومه ،وقد انصرف زين العابدين علیه السلام بعد شهادة أبيه إلى نشر العلم وإشاعته بين طلّابه ، وقد وجد في ذلك سلوة نفسيّة له عن آلامه برزايا أبيه ، فكان فيما يقول الرواة يشتري العبيد ويعتقهم ويمنحهم الثراء ويطلب منهم الحضور في مجلس درسه ، وقد تخرّج من مدرسته كوكبة من العلماء تزيد على مائتين، ففي هذا الجوّ العلمي تلقّى زيد دروسه المتنّوعة من أبيه .
وهو باقر علوم الأوّلين والآخرين على حدّ تعبير بعض الرواة ، وقد انصرف إلى العلم ، ولم يشترك في الميادين السياسيّة ، وقد احتفّ به كبار العلماء ، وبعض أصحاب المذاهب وهم ينتهلون من نمير علومه ، وقد تخرّج من مدرسته جمهرة من
أساطين العلماء ، أمثال زرارة بن أعين ، ومحمّد بن مسلم الذين كان لهم الفضل في تدوين أحاديثه التي رجع إليها فقهاء الشيعة في استنباطهم للأحكام الشرعيّة .
ففي مدرسة الإمام الباقر علیه السلام الحافلة بكبار العلماء أخذ زيد علومه .
والشيء المحقّق أن زيداً لم يحضر دروس واصل بن عطاء ، ولم يأخذ منه العلم ، فقد كان يفوقه في فضله وعلومه ، ولا صحّة لما قيل إنّه تتلمذ عنده ، فإنّ هذا القول ليس بوثيق ، وقد نفى المرحوم الشيخ أبو زهرة أن يكون زيد تتلمذ عند واصل ، وذلك لتقاربهما في السنّ ، فقد ولد كلاهما في سنة 80ه أو قريباً من ذلك (1)، وبعيد جداً أن يكون التقارب في السنّ سبباً لعدم تلمذة زيد عند واصل ، وإنّما سعة علوم زيد وإحاطته بكثير من العلوم والمعارف ، وتفوّقه عليه ، الأمر الذي يمنع تلمذة زيد عند واصل ، والذي أراه أنّ واصلاً تتلمذ عند زيد وانتهل من نمير علومه التي تلقّاها من أبيه وأخيه اللذين هما من منابع العلم والفضل في الإسلام ، حتّى بلغ زيد أرقى درجة من العلوم ، ومنح لقب عالم آل محمد صلی الله علیه واله وسلم ، وكان واصل يرجع إليه في أهمّ المسائل الكلاميّة ، والتي منها :
سأل واصل بن عطاء الإمام زيداً عن الإمامة هل تكون بالانتخاب الشعبي أم بالنصّ والتعيين ، فأجابه زيد برسالة جاء فيها بعد البسملة :
«حاطك الله أبا حذيفة ، وعصمك ووفقك وسدّدك عن الإمامة ، وقلت عن خيرة كانت فتكون أو عن نصوص ؟ فأحببت أن أطرح خلاف الناس في ذلك ، ذلك ، وما قاله كلّ فريق منهم؛ إذ قد عنيتني بمسألتك ، وقصدت تحري قولي في ذلك ، فأقول : الحمد
1) الإمام زيد / الشيخ أبو زهرة .39 .
لله على ما خصّ وعمّ من إحسان ونعم وتوفيق وامتنان ، وصلّى الله على خيرة الله
تعالى من جميع خلقه وبارك الله عزّ اسمه لنا ولك في المنقلب وفي المثوى .
إنّ الإمامة أوّل خلاف وقع في الأمّة بعد مضيّ النبيّ صلی الله علیه واله وسلم وفاته ، انتهبها قوم كما ينتهب تراث الدنيا ، فكلّ يقول : إنّه أحقّ - برأيه وزعمه - وأنّه أخصّ وأولى .
فحاج أبو بكر الأنصار بحجج عامّة لسائر قريش ، ثمّ اختص بها دونهم من غير مشاورة من جميعهم ، ولا أخذ إقرارهم أنّه أولاهم بها ، ثمّ قام بها أيّام حياته ، وتضّمنها بعد وفاته ممّا جعل لعمر بن الخطّاب منها وما خصّه بها من تسليمها له دون غيره نصاً وتسمية وتعييناً ، فقام عمر ينحو نحوه، ولا يتغيّر عن طريقته حتّى من أمر عبد المغيرة بن شعبة (1)ماكان ، فجعلها في ستّة ليختاروا أحدهم ، وكان من عبد الرحمن بن عوف الذي كان فسلّمها إلى عثمان فيما خيّروه (2)وعاتبوه ، واستتابوه فلم يتب ، فهجموا على داره فقتلوه .
فأتى قوم من المهاجرين عليّاً، وهو لا يشعر فنعوا إليه عثمان بن عفّان وقالوا : قتله المصريّون ، وإنّا لا نجد عنك غنى ولا ملجأ ولا معاذاً ، فكان منه الجواب الذي أخفيه عنك ، فلا يضرك إن أخفيته ، ولا ينفعك إن رسمته في كتابي هذا ، فبايعوه على كتاب الله تعالى والعمل بما فيه ، فأقام لهم العدل وعمل فيهم بالقرآن »(3)
وهذه الرسالة من غرر الرسائل فى الإمامة ، وقد رسمت ببعض فصولها حسبما يقوله الطابع والمخرج لها ، وقد حكت أمر الخلافة بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على حقيقتها ، فقد تناهبها القوم كما يتناهبون تراث الدنيا، وقد تزعم هذه الحركة الانقلابيّة أبو بكر بدعوى أن المهاجرين أقرب نسباً إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم من الأنصار ،
ولمّا قرب أجله أدلى بالخلافة من بعده إلى ابن الخطّاب الذي كان عضده القويّ في تقلّده للخلافة .
ولمّا اغتاله أبو لؤلؤة نقل الخلافة إلى زعيم الأمويّين وعمدتهم عثمان بن عفّان ، وغلّف ذلك بالشورى التي هي بعيدة كلّ البعد عن الشورى الحقيقيّة التي يجب أن يشترك في عملية انتخاب الرئيس جميع قطعات الشعب .
ولمّا تقلّد شيخ الأمويّين عثمان أمر الخلافة منح جميع أجهزة الدولة إلى بني أميّة ، فاتخذوا مال الله تعالى دولاً وعباده خولاً ، فثار عليه المسلمون وقتلوه ، وتولّى الأمر بعده رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، وثارت عليه اللصوص والخونة حتّى استشهد سلام الله عليه وقد حكت رسالة زيد معظم هذه النقاط .
تتلمذ عنده كوكبة من العلماء ، كان منهم محمّد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وسليمان بن مهران الأعمش ، وسعيد بن خثيم الهلالي ، وإسماعيل بن عبدالرحمن ، الأجلح بن عبد الله الكندي ، وآدم بن عبدالله الخثعمي ، وإسحاق بن سالم ، وبسّام بن سالم ، وبسّام الصيرفي ، وأبو حمزة ثابت بن أبي صفية ، وابنه حسين بن زيد ، وخالد بن صفوان ، وأبو سليمة راشد بن صالح الصائغ الكوفي ، وزياد بن علاقة ، وسعيد بن منصور المشرفي الكوفي ، وشعبة بن الحجاج ، وعباد بن كثير ، وعبد الله بن عمر بن معاوية ، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعبد الرحمن بن أبي الزناد ، وعبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب الا ، وعبيد بن اصطفى ، وأبو هريرة عريف بن درهم، وعمر بن موسى ، والسدّي ، وزبيد اليامي ، وزكريّا بن أبي زائدة ، وعبد الرحمن بن الحارث بن عيّاش بن أبي ربيعة المخزومي ، وابنه عيسى بن زيد ، وكثير النوّاء ، وكيسان أبو عمر
القصّار الكوفي ، والمطّلب بن زياد ، وهارون بن سعد العجلي ، وأبو الزياد (1)، وابنه يحيى ، ومحمّد بن سالم ، ومحمد بن بكير ، وعبيد الله بن صالح ، وهاشم بن البريد ، وأبو جعفر بن أبي زياد الأحمر ، وأبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني ، وكثير بن طارق ، وعمر بن موسى بن الوجيهي ، وعبيد الله بن أبي العلاء ، ورزين بيّاع الأنماط ، وأبان بن عثمان ، والفضيل بن مرزوق ، وعمرو بن خالد الواسطي.(2)
وممّن أخذ عنه العلم أبو حنيفة (3)، وغيرهم من مشاهير ذلك العصر.
لقد كان زيد من نوابغ العلماء ومن عيون الفقهاء الذي انتهل العلماء من نمير علمه.
كما تتلمذ عنده أفاضل السادة العلويّين كإبراهيم بن الحسن المثنّى ، وأخيه الحسين ابن الإمام زين العابدين وعبيد الله وعبد الله ابني محمّد بن عمر ابن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام.(4)
وتحكي هذه الجمهرة من تلاميذه أنه كان من أساطين العلماء الذين أخذ منهم العلم ، وجهدوا على إشاعته بين الناس .
ومن الجدير بالذكر أن محاضرات زيد في العلوم كانت في بهو الجامع النبويّ الذي صار مركزاً ومدرسة للبحوث العلميّة في عصره .
خاض زيد في بحوثه ومحاضراته كثيراً من العلوم التي تمرّس فيها ، وكان من أساتذتها الماهرين ، وهذه بعضها :
كان زيد متضلّعاً في تفسير القرآن الكريم ومحيطاً بعامه وخاصّه ، ومطلقه ومقيّده ، وناسخه ومنسوخه ، ومجمله ومبيّنه ، ومحكمه ومتشابهه ، وقد أخذ ذلك من أخيه باقر علوم الأوّلين والآخرين، وقبل أن نعرض إلى ما أثر عنه في تفسير القرآن نذكر حديثاً له في فضله .
قال علیه السلام: « اعلموا رحمكم الله أن القرآن والعمل به يهدي للتي هي أقوم ، لأنّ الله تعالى شرّفه وكرّمه وعظّمه ، وسمّاه روحاً ورحمة وشفاء وهدى ، ونوراً وقطع عنه بمعجزة التأليف أطماع الكائدين ، وأبانه بعجيب النظم عن جعل المتكلّفين ، وجعله متلوّاً لا يمل ، ومسموعاً لا تمجّه الآذان، وغضّاً لا يخلق عنه كثرة التردّد ، وعجباً لا تنقضي عجائبه ، ومفيداً لا تنفد فوائده » (1).
حكى هذا الاطراء على كتاب الله العظيم مدى توغّل زيد في دراسته للقرآن ، وإحاطته ببنوده ، ونظراً لذلك فقد لقب بحليف القرآن (2).
وحدّث أبو غسّان الأزدي عن سعة اطّلاع زيد بالقرآن الكريم ، قال : « قدم زيد بن عليّ الشام أيّام هشام بن عبد الملك ، فما رأيت رجلاً أعلم بكتاب الله تعالى منه ، ولقد حبسه هشام خمسة أشهر وهو يقصّ علينا ونحن معه في الحبس تفسير سورة الحمد وسورة البقرة هذّ ذلك هذا .(3)
لقد اهتمّ زيداً اهتماماً بالغاً في تفسير القرآن وإشاعة معانيه بين الناس ، ومن الجدير بالذكر أن بعض الصحف المحليّة في بغداد نشرت أن لزيد كتاباً مخطوطاً في تفسير القرآن الكريم في خزائن المخطوطات في الكونكرس الأمريكي .
أمّا الإمام زيد فهو من الروّاد الأوائل المعنيين بتفسير القرآن الكريم ، فهو حليفه والمتمرّس في بحوثه ومعانيه ، وهذه شذرات من تفسيره لبعض الآيات :
1 - سئل الإمام زيد عن هذه الآية : (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ) (1).
فأجاب : أنّه لم يرد من الكفّار الذين كفروا بالله تعالى ، وإنّما أراد الزراع سمّوا بالكفرة ، وإنّما سمّوا بذلك لأنهم إذا ألقوا البذر في الأرض كفروه ، أي غطّوه ، وكلّ شيء غطيته فقد كفرته ، ومنه قيل : فلان تكفر بالسلاح أي تغطّى به ، ويقال لليل كافر لأنه يستر بظلامه ، ومنه قول لبيد : « في ليلة كفر النجوم غمامها » أي غطّاها (2)
2 - سئل الإمام عن العهد ، فقال : إنّه ذكر في كتاب الله تعالى في معانٍ متعدّدة بلفظ ، وهذا يسمّيه الأصوليّون بالمشترك اللفظي، وهو أن يوضع اللفظ لمعانٍ متعدّدة كلّ واحد منها بوضع خاصّ، ومن هذه المعاني المعاني المتعدّدة : الأمان . قال تعالى : ( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ) (3)، أي أتموا لهم أمانهم .
ومن هذه المعاني : اليمين . قال تعالى : ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ ) (4).
أي أوفوا بأيمانكم .
ومن معانيه : الوصية . قال تعالى : ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ ) (5)، أي ألم أوصكم .
ومن معانيه : الميثاق . قال تعالى : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1)، أي لا ينال ميثاقي ، وهو الإمامة لا ينالها الظالمون (2).
3 - سئل الإمام زيد عن« الضرّ » في كتاب الله تعالى ، ما هو ؟
فأجاب : إنّه في كوكبة من الآيات بمعان مختلفة :
منها : قوله تعالى : أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (3)ينفعوكم أي يحبّونكم ، يضرون أي يميتون .)ومنها : قوله تعالى : ﴿ قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (4)، أي لا أملك جرّ نفع ، ولا دفع ضرّ .)ومنها : قوله تعالى : ( وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ (5)الضرّ في الآية الشدّة والبلاء .)ومنها : قوله تعالى : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّنْهُ (6))4 - سئل الإمام زيد عن المراد بمكر الليل والنهار في الآية : (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار (7))فقال : إنّ لهذا مثلاً ، وهو قوله تعالى : ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ (8). إنّ القرية لا تسأل ، وكذلك العير لا تسأل ، وإنّما الذي يسأل أهلهما ، وكذلك مكر)
الليل والنهار ، أي مكر أهل الليل وأهل النهار .وأضاف زيد قائلاً: والعرب تقول : بنو فلان تطأهم الطريق ، أي أهل الطريق ، وكذلك في قوله تعالى : ( وَلَكِنَّ الْبِرِّ مَنِ اتَّقَى (1)، فإن من اتقى ليس البرّ، وإنّما هو البارّ والبرّ فعله .)وسمعت بعض العرب تقول : أطيب الناس الزبد ، والمراد أطيب طعام الناس الزبد ، واستشهد على ذلك بجملة من أشعار العرب التي فيها الإسناد المجازي .(2)5 - قال الإمام زيد في تفسير قوله تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ خُلتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ (3): إن المراد باليد هي النعمة والفضل لا اليد الجارحة ، ومنه قول العرب : «الفلان علَيَّ يد » ، أي نعمة .)6- قال له في تفسير قوله تعالى : ( وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (4)، أي مطويّات بقدرته وقبضته يوم القيامة ، وهذا مثل القول : « هذا في يدي» أي في ملكي ، وإن لم يكن قابضاً عليه ، ومنه قول الشاعر :)إذا ما رابَةٌ رُفِعَتْ لِمَجد *** تلقاها عَرابَةُ بِاليَمينِودعم ذلك ببعض أبيات من الشعر لكوكبة من الشعراء (5.)7 - سأله رجل عن تفسير قوله تعالى : ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا
فَفَسَقُوا فِيهَا (1)كيف يأمر الله تعالى بالفسق وهو القائل : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ)وَالْإِحْسَانِ (2)؟)فأجابه الإمام : ليس المعنى ما ذهبت إليه أنت تريد مثل قولك : « أمرته فضرب زيداً ، و أمرته فقام » ، وهذا ليس منه ، وإنّما هو يكون على معنيين :أحدهما : أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا فيها ، كقولك : « أمرتك فعصيتني » أي أمرتك بالخير فخالفتني .ثانيهما : أمرنا أي سلطنا أو كثّرنا ، وهذا ليس أمراً ، وقد دعم ذلك ببعض الشعر (3.)8 - عرض الإمام إلى الهدى في القرآن الكريم ، وأنّه على معان ووجوه ، وهي قوله تعالى : ( وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)، وقال تعالى : ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (5).)وقال تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (6).)تناولت هذه الآيات أنّ الله عزّ اسمه يهدي ، وكذلك النبي يهدي ، والمؤمنون يهدون .أمّا الهداية من الله تعالى فدلالته على الحقّ ودعوته إليه ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى (7)، أي دللناهم على الحقّ وبيّناه لهم .)
وأمّا الهداية من النبي صلی الله علیه واله وسلم فهو بيانه لوسائل الخير ، وما يقرّبهم إلى الله زلفى (1.)9 - سأل أبو خراش بن العامري الإمام زيداً عن تفسير قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْم كَافَّةً (2)، وكان أبو خراش من أبناء العامة .)فقال له زيد : ما يقول مفسّروكم فيها ؟قال : لم أسمع فيها شيئاً .وراح زيد يفسّر له الآية قائلاً: اختلف أهلنا فيها ، وعرض عليهم آراءهم :قال بعضهم : أمرهم - أي المسلمين - أن يدخلوا في الإسلام في سرّهم وعلانيتهم .قال آخرون : إنّها نزلت في قوم من اليهود وكانوا يبقون في السبت ولحوم الإبل، فقال الله تعالى : أدخلوا في كلّ الإسلام إذا أسلمتم .قال آخرون : عنى به المؤمنين ، يقول : كونوا فيما تستقبلون في الإسلام ولا تتبدّلوا به ، ولا تخرجوا منه ، وهو كقوله تبارك وتعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بالله (3))10 - سئل زيد عن قول الله عزّ اسمه : ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (4)كيف جاز ذلك ، والأرض قد خلقها الله تعالى قبل السماء ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ (5)؟)
فأجابه زيد : إنّ المعنى على وجهين :الأول : أن تكون كلمة « بعد » بمعنى « مع » فيكون المعنى والأرض مع ذلك دحاها ، ومجيء كلمة ( بعد بمعنى ء كلمة « بعد » بمعنى « قد وردت في التنزيل . قال تعالى : ( عُتُل بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم) (1)، وهذا كما يقول شخص لرجل يسبّه : أنت أحمق بخيل ، وبعد هذا الثيم ، أي مع هذا. الثاني : أن يكون خلق الأرض ولم يدحها ، فلمّا خلق السماء دحاها - أي بسطها - واستشهد بقول أُميّة بن الصلت :
دارٌ دَحاها ثُمَّ أَعمَرَ أَرضَها *** وَأَقامَ في الأخرى التي هِيَ أَمْجَدُ وقال أوس :
ينفي الحَصَى عَنْ جَدِيدِ الأَرضِ مُنتَزِل*** كَأَنَّهُ لا عِبٌ أَوْ فاحص داحِي(2)
11 - سئل الإمام زيد عن الصلاة الوسطى في الآية الكريمة : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى (3))فقال : إنّ الله تعالى أمر بحفظ الصلوات أن تؤدّى لأوقاتها وعدد ركوعها وسجودها وتمامها . أمّا الصلاة الوسطى فقد قيل هي العصر ، وقيل : الظهر ، وقيل : الصبح ، وعندنا المغرب .(4)12 - سئل الإمام زيد عن تفسير قوله تعالى : ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (5)
فقال : هذا وعيد من الله تعالى وتهديد ، كقول الرجل عند الغضب : « سأفرغ لك » ، وهو غير مشغول عنه ، وأنشد :
سَأَفْرُغُ لِلمَعروفِ غَيرُ مُفَرِّطٍ*** وَعادَتِيَ المَعروفُ وَالْعُرفُ أَجْمَلُ (1)
13 - سئل الإمام زيد عن قول الله عزّ وجلّ في قوم شعيب : إِنَّكَ لأنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (2).)فقال : هذا من الأمور المقلوبة ، وهو أن تصف الشيء بضدّ صفته ، كقولك للملدوغ أنت سليم ، ومن هذا الآية إنّهم يريدون قوم شعيب أنّه سفيه جاهل ، كما يقال للأحمق :يا حليم ، ثم أنشد :وَقُلتُ لِسَيِّدِنا يا حَليم *** إِنَّكَ تأس أسوأ رفيقاومن هذا النوع من الاستهزاء . قوله تعالى :( فَلَمَّا أَحَدُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (3)، فَإِنَّ الآية الثانية ( لَا تَرْكُضُوا ) فيها استهزاء وسخرية بهم .(4))14 - بين الإمام زيد السبب في تكرار قوله الله تعالى : ( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(5)في سورة الرحمن ، أنه تعالى عدّد نعماءه وألطافه على عباده ، ونبّههم على قدرته ، ثمّ اتبع كلّ نعمة أفاضها بقوله : ( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، وهذا كقولك لرجل : « أحسنت إليه طيلة حياته وهو ينكر ذلك ، فتقول له : ألم أويك منزلاً
وأنت بلا مأوى ، أتنكر ذلك ، ألم أحملك على دابة وأنت راجل ، أفتنكر ذلك ؟ ألم أحج بك وأنت صررة أفتنكر ذلك هذا ؟ ومثل هذا تكراره عزّ وجلّ : فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ (1)، أي هل من معتبر ومتّعظ (2))وبهذه المقتطفات من تفسير الإمام زيد لبعض آيات الذكر الحكيم نطوي الحديثعن تفسيره ، وهي تنسجم مع ما ذكره أئمّة المفسرين لمعاني لهذه الآيات .و هی تدلّ على أنّه كان من أعلام المفسّرين للقرآن الكريم ، وتدلّ على سعة علومه وتضلّعه في اللغة والأدب العربي .### 2 - الفقهكان زيد من أساطين الفقهاء ، وملمّ بجميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات ، والعقود والإيقاعات، وقد تلقى الفقه من أبيه سيّد الساجدين وإمام العابدين ، ومن أخيه الإمام محمّد الباقر ، باقر علوم الأوّلين والآخرين ، وقد أخذ هذا العلم من أصله ومعدنه ، وكان يفتي على ضوء ما أثر عنهما .وقد احتفّ به الفقهاء ورواة الحديث وهم ينتهلون من نمير علومه ، كما كان يلقي محاضراته في علم الفقه على طلاب العلوم الدينيّة في الجامع النبوّي وهم يسّجلون ما يأخذونه عنه .وقد طبع لبحوثه الفقهيّة مسند سمّي بمسند زيد طبع أولاً بإيطاليا - فيما أظن- وطبع ثانياً في بيروت ، وقد تصفحناه فلم نره يتفق مع فقه أهل البیت علیهم السلام، وإنّما كان منسجماً مع الفقه الحنفي المبني على القياس، وأكبر الظنّ أنّ فقهاء الزيديّة كانوا يجلّون أبا حنيفة ويعظمونه لأنه كان زيديّاً في عقيدته وميوله ، وقد أفتى بشرعيّة
ثورة زيد ولزوم مساندتها. وقد عانى من ذلك حرجاً من قبل السلطة الحاكمة في عصره .وقد شذّ الفقه الزيدي في كثير من قواعده وفروعه عن فقه أهل البیت علیهم السلام، ومن أمثله ذلك أن أدلة الحرج وهي ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ (1)لها حكومة على الأدّلة الأوّلية الواقعية في فقه أهل البیت علیهم السلام، فمثلاً إذا أصيب شخص بالجدري وأصابته جنابة ولا يتمكؤن من الغسل ، فإنّ الواجب عليه الانتقال إلى التيمّم ، ولا يقرّ ذلك الفقه الزيدي، فأوجبوا عليه الغسل وإن أدؤى إلى هلاكه ، وهذا يتّفق مع فتاوى أبي حنيفة .)وعلى أي حال ، فلسنا نحن بصدد دراسة الفقه الزيدي ، فإنّه خارج عن اطار البحث ويستدعي تأليف عدّة كتب فيه ، وقد عرض لكثير من فصوله المرحوم الشيخ أبو زهرة في كتابه ( الإمام زيد ، كما تعرّضنا لذلك في كتابنا ( عقائد الزيدية ) .)### رواياته الا عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلامروى الإمام زيد مجموعة من الأحاديث عن جده الإمام أمير المؤمنين علیه السلام تتعلق بآداب السلوك ، ومحاسن الصفات ، وهذه شذرات منها :1 - روى الإمام زيد بسنده عن جده الإمام أمير المؤمنين علیه السلام : « أنّ النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْحَيِي الْحَليم ، العَفيفَ المُتَعَفِّفَ ، وَيُبْغِضُ البَذِيءَ الْفَاحِشَ ، المُلح الْمُلْحِفَ »(2)وفي هذا الحديث دعوة إلى التحلي بمكارم الأخلاق التي يتزيّن بها الإنسان المسلم ، والتحذير من الاتصاف بالصفات الشريرة .
2 - روى الإمام زيد بسنده عن جده الإمام أمير المؤمنين علیه السلام: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يَكُونَ كَلَّا وَعِيالاً عَلَى الْمُسْلِمِينَ ».(1)وفي هذا الحديث دعوة إلى العمل ، والنهي عن الكسل والبطالة ، وقد ذكرنا كوكبة من الأحاديث في تحريض الإسلام على العمل في كتابنا ( العمل وحقوق العامل في الإسلام.)3 - قال زيد : «حدثني أبي، عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام : أَنَّ رَسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ لأَصْحَابِهِ : أَديموا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَاتِ .قالوا: يا رسول الله ، وما هادِمُ اللّذات ؟قالَ : الْمَوْتُ ، فَإِنَّهُ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ سَلِيَ عَنِ الشَّهَوَاتِ ، وَمَنْ سَلِيَ عَنِ الشَّهَواتِ هانَتْ عَلَيْهِ الْمُصيبَاتُ ، وَمَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصيبَاتُ سَارَعَ فِي الخَيْرَاتِ (2.)إنّ ذكر الموت يصدّ الإنسان عن اقتراف مآثم الحياة ويدفعه إلى فعل الخيرات والمبرّات .4 - روى زيد بسنده عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام : « أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال : لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنوا، وَلَا تُؤْمِنوا حَتَّى تَحابوا، أَلا أدلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ ؟قالوا: بلى يا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم.قالَ : أَفْشوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ ، وَتَواصَلوا وَتَباذَلوا »(3.)إنّ الإسلام من أهم قيمه إشاعة الحب والمودة بين المسلمين ، وقد أكد النبي صلی الله علیه واله وسلمفي كثير من أحاديثه على حثّ المسلمين على التعاون والمحبّة بينهم .
5 - روى الإمام زيد بسنده عن جده الإمام أمير المؤمنين علیه السلام : « أَنَّ رَسولَ الله الله قالَ لأَصْحابِهِ : إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي غَدَاً ، وَأَوْجَبَكُمْ عَلَيَّ شَفَاعَةٌ ، أَصْدَقُكُمْ لِساناً ، وَآداكُمْ لأمانَتِهِ ، وَأَحْسَنُكُمْ خُلُقاً ، وَأَقْرَبُكُمْ مِنَ النَّاسِ »(1.)الصدق ، وأداء الأمانة ، وحسن الخلق ، والقرب من الناس من أهمّ الصفات الرفيعة التي تقرّب الإنسان المسلم إلى نبيّ الرحمة وسيّد الكائنات صلوات الله عليه .6 - روى الشهيد الخالد زيد بسنده عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام : «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : إِنَّ أَفْضَلَكُمْ إيماناً ، وَأَحْسَنَكُمْ أَخْلاقاً ، الْمُوَطِّنونَ أَكْنافاً ، الواصلونَ لأَرحَامِهِمْ ، الْباذِلُونَ لِمَعْرُوفِهِمْ ، الْكافُونَ لأَذَاهُمْ ، العافونَ بَعْدَ قُدْرَةٍ (2.)إنّ هذه الصفات الرفيعة من ذخائر آداب السلوك التي دعا إليها الإسلام وحتّ المسلمين على الاتّصاف بها .7- روى زيد عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال : « يَكادُ النّاسُ أَنْ يَنْقُصوا لَا يَكونَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى امْرِى مُسْلِمٍ مِنْ أَخِ مُؤْمِنٍ ، أَوْ دِرْهَمٍ مِنْ حَلالٍ وَأَنَّىٰ لَهُ بِهِ »(3تحدّث الإمام أمير المؤمنين علیه السلام عن الأزمنة المظلمة التي من مظاهرها أنّه يعزّ على المسلم أن يتخذ صديقاً كما يعزّ عليه أن ينال درهماً من حلال .)8 - روی زید بسنده عن جده الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال : « مِنْ تَكْرِمَةِ الرَّجُلِ لأخيهِ أَنْ يَقْبَلَ برَّهُ وَ تُحْفَتَهُ ، وَأَنْ يُنْحِفَهُ بما عِنْدَهُ وَلَا يَتَكَلَّفُ لَهُ »(4)ما من صفة يسمو بها الإنسان وتتميز بها شخصيته إلّا وأمر الإمام أمير المؤمنين علیه السلام على التحلي بها ، ومن بينها أن يتقبّل الرجل المسلم بر أخيه وتحفته ، ويتحفه
بما عنده ولا يتكلّف .9 - روى الإمام زيد عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أَنَّه قال : « لَئِنْ أَخْرُجَ إِلَى سوقِكُمْ فَأَشْتَرِي صاعاً مِنْ طَعَامٍ وَذِراعاً مِنْ لَحْمِ ، ثُمَّ أَدْعُو نَفَراً مِنْ إِخْوَانِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ رَقَبَةً» (1.)إنّ بذل الطعام للاخوان ممّا يدعو إلى التآلف والمحبة بين المسلمين .10 - روى الإمام زيد بسنده عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أنّه قال : « لَا يَتْبَعُ الْمَيِّتَ بَعْدَ مَوْتِهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِ إِلَّا الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةً ، فَإِنَّها تُكْتَبُ لَهُ بَعْدَ وَفاتِهِ» (2.)إن الصدقة الجارية كتأسيس المستشفيات ومعاهد التربية والتعليم ، وإنشاء الطرق والجسور ، وغير ذلك مما ينتفع بها العامّة ، فإنّ ذلك من أفضل القربات ، وقد أجاز الفقه الشيعي الإنفاق عليها من الزكاة لأنها في سبيل الله ، وهو أحد مصاريفالزكاة .11 - روى الإمام زيد بسنده عن جده أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال : « بايَعْنا رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَ كُنا نبايعُهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَكْرَةِ وَالْمَنْشَطِ ، وَفِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ ، وَفِي الْإِثْرَةِ عَلَيْنا ، وَأَنْ نُقِيمَ الْسِنَتَنا بِالْعَدْلِ ، وَلَا تَأْخُذَنا في اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ ، فَلَمّا كَثرَ الْإِسْلامُ قالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ : الْحَقُّ فيهما ، وَأَنْ تَمْنَعوا رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَذُرِّيَّتَهُ مِمَّا تَمْنَعونَ مِنْهُ لله أَنْفُسَكُمْ وَدْرارِيَكُمْ ، قَالَ : فَوَضَعْتُها وَاللهِ عَلَى رِقابِ الْقَوْمِ فَوَفَىٰ بِهَا مَنْ وَفِي ، وَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ (3)إنَّ القوم لم يفوا الرسول صلی الله علیه واله وسلم بالبند الأخير من وصيّته ، فقد عمد ابن الخطّاب إلى دار بضعة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وديعته ، فوضع عليها حزمة من الحطب لإحراقها ،
وهو وصاحبه قد فتحا الأبواب لظلم العترة الطاهرة واضطهادها ، وليس في ذلك اعتداء عليهما ، وإنّما التاريخ هو الذي يحكي ذلك .12 - روى الإمام زيد بسنده عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال : « بِرُّ الْوالِدَيْنِ ، وَصِلَةُ الرَّحِم ، وَاصْطِنَاعُ الْمَعْرُوفِ زِيادَةٌ في الرِّزْقِ ، وَعِمارَةٌ في الدُّنْيا ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ» (1)إنّ هذه الأعمال الخيرة التي أدلى بها الإمام علیه السلام لها آثارها الوضعيّة في الدنيا ، وفي الآخرة لها الأجر العظيم .13 - روى الإمام بسنده عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، قال : « لَمّا ثَقُلَ رَسُولُ الله الله في مَرَضِهِ وَالْبَيْتُ عَاصٌ بِمَنْ فِيهِ قالَ : ادْعوا لي الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ، فَدَعَوْتُهُما ، فَجَعَلَ يَلْيْمُهُما حَتّى غُشِيَ عَلَيْهِ ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يَرْفَعَهُما عَنْ وَجْهِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ : دَعْهُما يَتَمَتَّعَانِ مِنّي وَأَتَمَتَّعُ مِنْهُما ، فَإِنَّهُ سَيُصيبَهُما بَعْدِي أَثَرَةٌ .ثُمَّ قالَ : أَيُّها النَّاسُ ، إِنِّي خَلَّفْتُ فيكُمْ كِتابَ اللهِ تَعَالَىٰ وَسُنَّتِي وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْتِي ، فَالْمُضَيَّعُ لِكِتابِ اللهِ كَالْمُضَيَّعَ لِسُنَّتي ، وَالْمُضَيَّعُ لِسُنَّتِي كَالْمُضَيَّعَ لِعِتْرَنِي ، أَمَا إِنَّ ذلِكَ لَنْ يَفْتَرِنَا حَتَّى أَلْقَاهُ عَلَى الْحَوْضِ »(2)لم تذكر « السنّة» في مصادر حديث الثقلين، وإنما الوارد الكتاب والعترة الطاهرة، وفقرات هذا الحديث غير موثوق بها .14 - روى زيد بسنده عن جده الإمام علي علیه السلام : «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ : : أَنْتَ أَخِي وَوَزيري وَخَيْرُ مَنْ أَخُلْفَهُ بَعْدي ، بِحُبِّكَ يُعْرَفُ الْمُؤْمِنونَ ، وَبِبُغْضِكَ يُعْرَفُ الْمُنافِقُونَ ، مَنْ أَحَبَّكَ مِنْ أُمِّتى فَقَدْ بَرئَ مِنَ النِّفاقِ ، وَمَنْ أَبْغَضَكَ لَقِيَ الله عَزَّ وَجَلَّ مُنافِقاً »(3.)
إنّ مودّة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام إيمان ، وبغضه نفاق ، لأنّه يمثّل القيم الإسلاميّة ، ويمثل أخاه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فالولاء له إيمان وبغضه كفر ونفاق .15 -روى الإمام زيد عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام: « أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقالَ لَهُ : يا رَسولَ اللهِ ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ مِنّي بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْبِرِّ؟قالَ : أُمُّكَ .قالَ : ثُمَّ مَنْ ؟قال : أمل .قال : ثُمَّ مَنْ ؟قالَ : أُمُّكَ .قالَ : ثُمَّ مَنْ ؟قال : أبوك .قالَ : ثُمَّ مَنْ ؟قالَ : أَقَارِبُكَ أَدْناكَ أَدْناك» (1.)إنِّ الأمّ ضمير الحياة ، فهي أولى وأحقّ بالبرّ والعطف والاحترام من كلّ أحد، وليس للأب في شريعة الإسلام مثل مكانة الأمّ .16- روى الإمام زيد عن جده الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال : «أَوَّلُ ما تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِأَيْدِيكُمْ ، ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ ، ثُمَّ بِقُلوبِكُمْ ، فَإِذا لَمْ يُنْكِرِ الْقَلْبُ الْمُنْكَرَ وَيَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ ، نُكِسَ فَجُعِلَ أَعْلاهُ أَسْفَلَهُ (2.)الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسس القيم الإسلامية ومعالم حضارتها
لتشيع فيها قوى الخير وتتلاشى قوى البغي والعدوان .وبهذا العرض الموجز من رواياته عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ننهي البحث ، وقد روى كوكبة من الأحاديث عن جده الإمام الحسين علیه السلام وأبيه الإمام زين العابدين ، ومعظمها في آداب السلوك ومحاسن الأخلاق .### 3 -مؤلّفاته علیه السلامنسبت لزيد المعظّم مجموعة من المؤلّفات والرسائل بعضها في تفسير القرآن الكريم ، وبعضها في علم الفقه ، وقسم منها في علم الكلام ، وقسم آخر في الحديث ، وقد نص على معظمها عبد السلام الوجيه في كتابه ( أعلام المؤلفين الزيديّة ، كما نص عليها المحقق السيّد عبد الرزّاق المقرّم نضّر الله مثواه في كتابه ( زيد الشهيد ) ، وهي :)1 - مسند الإمام زيد بن عليّيحتوي على جميع أبواب الفقه ، طبع غير مرّة ، كما طبعت شروحه والتعاليق التي عليه ، وتخريج أحاديثه .2 - تفسير غريب القرآنطبع بتحقيق الدكتور حسن محمِد الحكيم ، وأكبر الظنّ أنّه طبع في بيروت .3 - تفسير غريب القرآنرواه عطاء بن السائب ، ذكر في الروض النضير .(1)4 - المجموع الحديثييرويه أبو خالد الواسطي ، وقد نصت مجلة الهلال على طبعه .
1) الروض النضير : 1 : 65 .
5 - مدح القلّة وذمّ الكثرةطبع ضمن مجموع كتبه ورسائله بجمع وتحقيق إبراهيم يحيى الدرسي .6 - الإيمانوقد منع فيه من تسمية الفاسق مسلماً ، طبع بتحقيق أحمد ناصر المخلافي ، كما طبع في ضمن مجموع كتب الإمام زيد ورسائله .7 - إثبات الوصيةرواه خالد بن محمّد ، ذكر في الروض النضير ، وطبع في ضمن كتب الإمام زيد ورسائله .8 - تثبيت الوصيّةطبع بتحقيق محمّد بن سالم في دار التراث اليمني سنة 1412ه- ، وأعيد طبعه في ضمن مجموع كتب الإمام زيد ورسائله .9 -تفسير سورة الفاتحةطبع في ضمن مجموع كتب الإمام ورسائله ، المخطوطة منها في مكتبة «الامبروز بانا »10 - تثبيت الإمامةذكر في مقّدمة المجموع الفقهي المطبوع في مصر سنة 1340ه-.11 - قراءته الخاصّةجمعها أبو حيّان إمام النحاة في كتاب سمّاه ( النير الجليّ في قراءة زيد بن عليّ .)12 - قراءة الإمام عليّ علیه السلامرواه عنه عمر بن موسى الوجيهي ، ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست .
13 - مناسك الحجّيحتوي على معظم أبواب الفقه في الحجّ ، طبعه حجّة الإسلام السيّد هبة الدينالشهرستاني سنة 1342ه-.14 - ردّه على واصل بن عطاءفي الإمامة ، طبع في ضمن مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم زيد .15 - ردّه على خالد بن صفوانعرض فيه لشأن عثمان بن عفان عميد الأسرة الأمويّة ، طبع في ضمن مجموعكتب ورسائل الإمام زيد .16 - حقوق الله على الخلقطبع في ضمن المجموعة السابقة .17 - الردّ على المجبّرةعرض فيه بصورة موضوعية للردّ على شبهة المجبرة ، وفند جميع أوهامهم ، وقد طبع في ضمن المجموعة السابقة .18 - الردّ على المرجئةوقد تناول فيه الردّ على المرجئة الذين كانوا أداة بيد الحاكمين من الأمويّين والعباسيّين ، وقد طبع في ضمن المجموعة السابقة .19 - الرسالة المدنيةعرض فيها للإجابة عن أسئلة المدنيّين ، وقد طبع .20 - رسالة الإمام زيد إلى علماء الأمّةوقد تناولت علماء الأمّة من الصالحين والفاسقين ، وقد ذكرناها في بحوث
هذا الكتاب .21 - الصفوةوقد طبع مكرّراً ، كما طبع في ضمن مجموعة كتب زيد ورسائله .22 - مناظرته لاهل الشامتناول فيها الردّ على شبه الشاميين في شأن عثمان بن عفّان ، وقد طبع في ضمنالمجموعة السابقة.24 - أدعية الإمام زيدمخطوط في مكتبه السيّد محمّد عبد العظيم ، ونسخه مصوّرة .25 - مقالاته عن المتعةطبع في ضمن كتبه ورسائله .26 - مجموعة من كتبه وكلامهيوجد في ضمن المجموعة السابقة .27 - شعرهطبع في ضمن مجموع كتب ورسائل الإمام زيد .28 - نزول القرآن على سبعة أحرفطبع بتحقيق السيّد الحكيم .29 - مدخل إلى القرآنيحتوي على تفسير مواضع مختارة من القرآن الكريم نصّ عليه بروكلمان .هذه بعض الكتب التي ألّفها الإمام زيد ، وهي تدلّ على سعة تراثه العلمي ، وأنّه في طليعة علماء المسلمين.
وشيء آخر في مؤلّفات سيّدنا الشهيد الإمام زيد هو أنّها تركّزت في بحوثها على الكتاب والسنّة وحكومة العقل ، فلا تجد له رأياً إلا وهو مشفوع بكوكبة من الآيات ، وهو ينمّ عن سعة مداركه وعلومه، وتبحّره في البحوث الكلاميّة .4 -بلاغته وفصاحته علیه السلامكان زيد من أمراء البيان ، ومن أعمدة البلاغة والفصاحة ، قد أوتي الحكمة وفصل الخطاب ، وكان يأخذ بمجامع القلوب بروعة بيانه ، وجزالة لفظه ، وجميل أسلوبه . وقد ورث هذه الظاهرة من آبائه أئمة البيان الذين انتهل الأدباء والبلغاء من نمير تراثهم ، ومن مناجم آدابهم ، فكان نهج البلاغة لجدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلامالرصيد للأدب العربي والفكر الإسلامي .لقد كان زيد أعجوبة عصره بما أوتي من قوة البيان ، وروعة البلاغة ، الأمر الذي كان يشكّل خطراً على حكومة دمشق حسب ما أدلى به الطاغية هشام بن عبد الملك ، فقد كتب رسالة إلى عامله على العراق بإبعاد زيد منه ، جاء فيها :«امنع أهل الكوفة من حضور مجلس زيد بن عليّ ، فإنّ له لساناً أقطع من ظبّة السيف ، وأحد من شبا الأسنّة، وأبلغ من السحر والكهانة ، ومن كل نفث في عقده »(1.)لقد تسلّح زيد بهذه القابليّات الفذّة التي كان يهدّد بها عرش الملوك ، ولنترك الحديث لخالد بن صفوان يحدّثنا عن بلاغته وقوة حجّته بقوله : « أتينا زيد بن عليّ وهو يومئذ بالرصافة ، فدخلنا عليه في نفر من الشام وعلمائهم ، وقد جاءوا إليه برجل قد انقاد إلى بلاغته الشاميّون ، فكلّمنا زيداً في الجماعة وقلنا إنّ الله مع الجماعة ، وأنّهم حجّة الله على خلقه، وأنّ أهل القلة هم أهل البدع والضلالة .
1) زهر الآداب : 2 : 72
فانبری زید فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، وصلى على محمّد وآله وتكلم بكلام ما سمعت قرشيّاً ولا عربياً أبلغ موعظة ، ولا أظهر حجّة ، ولا أفصح لهجة منه ، ثمّ أخرج كتاباً قاله في الجماعة والقلّة ، ذكر فيه من كتاب الله تعالى ما يذم الكثير ، ويمدح القليل ، وأنّ القليل هم أهل في الطاعة هم أهل الجماعة ، والكثير في المعصية هم أهل البدع .فأفحم الشامي ولم يطق جواباً ، وانخذل من معه من الشاميين وهم في خجل ، وأقبلوا على صاحبهم يلومونه قائلين له : زعمت أنك لا تدع له حجّة إلّا رددتها حتّى إذا تكلّم خرست.فقال لهم : كيف أكلّم رجلاً حاججني بكتاب الله تعالى ، أفأستطيع أن أرد كلام الله تعالى ، فكان خالد بن صفوان يقول : ما رأيت رجلاً فى الدنيا قرشيّاً ولا عربيّاً يزيد في العقل والحجج على زيد بن علي (1)وشيء آخر أدلى به الحصري عن قوّة بيان زيد وعظيم بلاغته ، قال : «كانت بين جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليّ وبين زيد رضوان الله عليهما منازعة في وصيّة ، فكانا إذا تنازعا انثال الناس عليهما ليسمعوا محاورتهما ، فكان الرجل يحفظ على صاحبه اللفظة من كلام جعفر ، ويحفظ الآخر اللفظة من كلام زيد ، فإذا انفصلا وتفرّق الناس عنهما ، قال : هذا لصاحبه ، قال في موضع كذا وكذا ، وقال الآخر في موضع كذا وكذا ، فيكتبون ما قالا ويتعلّمونه كما يتعلّم الواجب من الفرض ، والنادر من الشعر ، والسائر من المثل ، وكانا أعجوبة دهرهما وأحدوثة عصرهما »(2)وحكى هذا الحديث أن زيداً وابن عمه جعفر كانا من منابع الثقافة ، وأنّهما يملكان ثروة هائلة من الأدب والبيان ممّا جعلهما أعجوبة الدهر ، وقد وصفه
الأعمش أنه أفصح أهل بيته لساناً ، وأكثرهم بياناً (1.)5 - نماذج من تراثه علیه السلامأمّا تراث زيد فكان يمثل الابداع ، وروعة البيان ، وسموّ التفكير ، وهو من ذخائر الأدب العربي ، ومن مناجم الفكر الإسلامي ، وهذه شذرات منه :### 1 - مناظرته علیه السلام مع هشامفي بهو بهو البلاط الأموي الحاشد بوجوه الأمويّين وقادة الجيش وزعماء الشام كان زيد حاضراً ، فأخذ هشام يفتخر بأسرته على العلويّين لإرغام زيد قائلاً: كان الأمويّون أشدّ قريشاً أركاناً ، وأعلاهم مكاناً وسلطاناً ، وكانوا رؤوس قريش في جاهليّتها ، وملوكها في إسلامها .فانبرى إليه زيد فسدّد له سهاماً من منطقه الفيّاض قائلاً: على من تفتخر على هاشم ، وهو أوّل من أطعم الطعام ، وضرب الهام، وخشعت له قريش بإرغام ؟أم على عبد المطلب سيّد مضر جميعاً ، وإن قلت معد كلّها صدقت ، إذا ركب مشوا ، وإذا انتعل احتفوا ، وإذا تكلّم سكتوا ، وهو مطعم الوحش في رؤوس الجبال ،والطير والسباع ، والإنس في السهل، حافر زمزم، وساقي الحجيج ، وربيع العمرتين ؟أم على بيته أشراف الرجال ؟ أم على سيد ولد آدم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ؟ أم على أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب علیه السلام أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمّه والمفرّج عنه الكرب ، وأوّل من قال : لا إله إلا الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبارزه فارس إلّا قتله ، وقال فيه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ما لم يقله في أحد من أصحابه ولا لأحد
1) خطط المقريزي : 4 : 307 . تاريخ الكوفة : 379 .
من أهل بيته (1.)وذهل هشام وبان عليه العجز ، وحار في الجواب ، فقد قارعته هذه الحجج التي لم يتمكن على جحدها وتفنيدها ، فليس للأسرة الأموية أية مأثرة أو مجد يتمسّكون به ، فقد كان تاريخهم حافلاً بالمساوئ في حين أن الأسرة الهاشمية لها من المناقبقبل الإسلام وبعده ما لا سبيل لإنكاره .### 2 - من وصاياه علیه السلام لولده يحيىأوصى زيد ولده يحيى الشهيد بعدّة وصايا ، كان منها :1 - أوصاه بالخط الجهادي بعده ، وأن يسلك مسلك أبيه في جهاد أعداء الله، قال : « جاهد الكفّار فإنّك لعلى الحقِّ ، وإنّهم لعلى الباطل ، وإنّ قتلاك في الجنّة وقتلاهم في النار» (2.)2 - قال علیه السلام لابنه يحيى : « يا بني ، خير الآباء من لا تدعه المودّة إلى الإفراط ، وخير الأبناء من لم يدعه التقصير إلى العقوق» (3.)الآباء عليهم أن لا يفرّطوا بالحبّ لأبنائهم ، فإنّ الإفراط يسبب بعض المضاعفات السيّئة للطفل التي منها تمرّده على الأبوين، وعدم القيام بالواجبات البيتيّة ، كما أنّ على الأبناء تقديم الخدمات للأبوين إلى حدّ لا يوجب العقوق .### 3 -مع العلماء الصالحينأشاد الإمام زيد بالعلماء الصالحين الذين هم القدوة الحسنة القدوة الحسنةللمجتمع والأدلاء
على قضايا الخير ، ولهم المكانة المتميّزة في نفوس الناس وعواطفهم ، وهذه نبذ من كلماته معهم :«وأنتم أيّها العلماء عصابة مشهورة ، وبالورع مذكورة ، وإلى عبادة الله تعالى منسوبة ، وبدراسة القرآن معروفة ، ولكم في أعين الناس مهابة ، وفي المدائن والأسواق مكرمة ، يهابكم الشريف ، ويكرمكم الضعيف ، ويرهبكم من لا فضل لكم عليه ، يبدأ بكم عند الدعوة والتحفة(1، ويشار لكم في المجالس ، وتشفعون في الحاجات إذا امتنعت على الطالبين ، وآثاركم متّبعة ، وطرقكم تسلك ، كلّ ذلك لما يرجوه عندكم من هو دونكم من النحاة من عرفان حق الله تعالى ، فلا تكونوا عند إيثار حقّ الله تعالى غافلين، ولأمره مضيّعين ، فتكونوا كالأطباء الذين أخذوا ثمن الدواء ، وأهلكوا المرضى ، وكرعاة استوفوا الأجر، وضلّوا عن المرعى ، وكحرّاس مدينة أسلموها إلى الأعداء هذا علماء السوء.)لا مالاً تبذلونه الله تعالى ، ولا نفوساً تخاطرون بها في جنب الله تعالى ، ولا داراً عطّلتموها ، ولا زوجة فارقتموها ، ولا عشيرة عاديتموها ».وأضاف الإمام قائلاً:«عباد الله ، لا تمكّنوا الظالمين من قيادكم في الطمع فيما بأيديهم من حطام الدنيا ، وثرائها الأقلّ فتخسروا حظّكم من الله عزّ وجلّ .عباد الله، استقدموا إلى الموت بالوثيقة في الدين والاعتصام بالكتاب المتين ، ولا تعجبوا بالحياة الفانية فما عند الله هو خير لكم وإنّ الآخرة هي دار القرار» .هذا بعض ما جاء في إشادته بعلماء الدين، ووصيّته لهم بالتقوى والتمسّك بالقرآن الكريم ، وحنّهم على فعل الخير ، وتحذيرهم من الاتّصال بأئمّة الظلم والجور
1) التحفة : البر واللطف
من حكّام الأمويين وعملائهم الذين امتحن المسلمون بشرورهم وآثارهم .### 4 - مع علماء السوءوخاطب الإمام زيد علماء السوء الذين هم الركيزة لحكّام الظلم والجور ، والذين ابتلي بهم الإسلام ، وامتحن بهم المسلمون ، فهم الجناح للظالمين ، وهذه فقرات من خطابه لهم :«يا علماء السوء ، إنّ مهادكم الذي مهدتموه للظالمين ، وهذا أمانكم الذي ائتمنتموه للخائنين ، وهذه شهادتكم للمبطلين ، فأنتم معهم في النار غداً خالدون (ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (1)، فلو كنتم سلمتم إلى أهل الحقّ حقّهم ، وأقررتم لأهل الفضل بفضلهم لكنتم أولياء الله تعالى ، ولكنتم من العلماء حقّاً الذين امتدحهم الله عزّ اسمه في كتابه بالخشية منه .)فلا أنتم علمتم الجاهل ، ولا أنتم أرشدتم الضالّ ، ولا أنتم في خلاص الضعفاء تعملون ، ولا بشرط الله تعالى عليكم تقومون ، ولا في فكاك رقابكم ولا السلب إلّا سليكم.يا علماء السوء ، اعتبروا حالكم ، وتفكّروا في أمركم ، وستذكرون ما أقول لكم .يا علماء السوء ، إنّما أمنتم عند الجبّارين بالإدهان ، وفزتم بما في أيديكم بالمقارية ، وقربتم منهم بالمصانعة ، قد أبحتم الدين، وعطّلتم القرآن ، فعاد عملكم حجة الله تعالى عليكم ، وستعلمون إذا حشرج الصدر وجاءت الطامة ، ونزلت الداهية .يا علماء السوء ، أنتم أعظم الخلق مصيبة ، وأشدّهم عقوبة إن كنتم تعقلون ذلك بأنّ الله تعالى قد احتج عليكم بما استحفظتم إذ جعل الأمور ترد إليكم ، وتصدر
1) غافر 40 :75 .
عنكم ، الأحكام من قبلكم تلتمس ، والسنين من جهتكم تختبر ، يقول المتّبعون لكم : أنتم حجّتنا بيننا وبين ربنا ، فبأي منزلة نزلتم من العباد هذه المنزلة ؟فوالذي نفس زيد بن عليّ بيده ، لو بينتم للناس ما تعلمون ، ودعوتموهم إلى الحقّ الذي تعرفون لتضعضع بنيان الجبّارين، ولتهدّم أساس الظالمين ، ولكنّكم اشتريتم بآيات الله تعالى ثمناً قليلاً، وأدهنتم في دينه ، وفارقتم كتابه .هذا ما أخذ الله عزّ اسمه عليكم من العهود والمواثيق كي تتعاونوا على البرّوالتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، فأمكنتم الظلمة من الظلم ، وزينتم لهم الجور، وشددتم لهم ملكهم بالمعاونة والمقاربة ، فهذا حالكم .يا علماء السوء ، محوتم كتاب الله تعالى محواً، وضربتم وجه الدين ضرباً ، فند والله نديد البعير الشارد هرباً منكم ، فبسوء صنيعكم سفكت دماء القائمين بالحق من ذرية النبي علیه السلام ورفعت رؤوسهم فوق الأسنة ، وصفدوا في الحديد ،وخلص إليهم الذل ، واستشعروا الكرب ، وتسربلوا الأحزان ، يتنفسون الصعداء ، ويتشاكون الجهد ، فهذا ما قدمتم لأنفسكم ، وهذا ما حملتموه على ظهوركم ، والله المستعان وهو الحكم بيننا وبينكم يقضي بالحق وهو خير الفاصلين »(1.)وهذه الرسالة مع علماء السوء ثورة على انحرافهم عن الحقّ ومناصرتهم للظالمين والطغاة من حكّام الأمويين طمعاً بما في أيديهم من المال الحرام ، والظفر بالمناصب التي فيها الباطل والبغي والإثم.لقد نعى سليل النبوة على علماء السوء مداهنتهم لأئمّة الجور الذين عاثوا في الأرض فساداً ، فقد أفتوا بشرعيّة مناصبهم وأحكامهم أمثال شريح القاضي الذي أفتى بالجهاد ضد المحرّر الأعظم أبي الأحرار سبط النبي ، وإباحة سفك دمه الذي هو دم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .
1) مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم زيد : 300 - 304 .
إنّ هؤلاء الخونة من وعّاظ السلاطين يتحملون ما عانت منه الأمّة في جميع عصورها من الظلم والخطوب، وسيردون على الله تعالى ووجوههم مسودّة بما اقترفوه من الإثم ومعاداة الحقّ .5 - مناظراته علیه السلامخاض الإمام زيد في البحوث الكلاميّة مع جمهرة من علماء الأديان السماويّة والمذاهب الإسلامية ، وقد أثبتت احتجاجاته ومناظراته معهم جدارته وتضلّعه وإحاطته بشؤون الأديان والمذاهب ، وكانت بحوثه في المواضيع المتعددة منسجمة مع مذهب أهل البیت علیهم السلام الذي يمثّل الأصالة والابداع ، وهذه شذرات منها :### مع راهب من علماء النصارىالتقى الإمام زيد مع راهب من علماء النصارى في مجلس الطاغية هشام ، فطلب منه أن يحاجج الراهب ، فأجابه إلى ذلك وقال : ألست تعترف معي أنّ شخصاً جسماً مجسّماً ومولوداً وناشئاً إلى أن دعاه الله تعالى .وانبرى الراهب قائلاً: إنّه ابن الله تعالى .فأجابه زيد بمنطقه الفيّاض : لم أسألك هذا ، إنما سألتك عن عيسى هل ولدته مريم طفلاً ؟- نعم ، أقرّ بذلك .- ما الذي نقله هذا الحدّ حتّى زعمت أنه ربِّ وإله ؟- ما كان من فعله؟- أي شيء كان من فعله ؟- يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص .
وراح الإمام يجيبه بالحجّة ، ويزيل هذه الأوهام قائلا له : هذا كلّه من آيات الله تعالى ، ودلالة عليه ، إذ جعل هذا على يديه ، ألم تر أنّ ذلك كلّه لم يخرج عن حال المحدث ، وصفة المخلوق، بل رجع جميع ما كان منه إلى الدلالة على الله تعالى ، أنت لا تعلم أن عيسى رجع جميع عيسى رجع جميع ما كان منه إلى الدلالة على الله تعالى ، أنت لا تعلم أن عيسى قد غاب أو في الأرض حتّى ظهر ما ظهر منه من المعاجز .وأذعن الراهب لحجّة الإمام ، ولم يجد منفذاً للردّ عليه ، وراح يعلن إسلامه قائلاً: أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، وأشهد أن عيسى كلمة الله تعالى ألقاها إلى مريم ، وأنّه عبد مخلوق (1.)وآمن الراهب بالإسلام لما استبان له زيف ما يذهب إليه النصارى ، من أن السيّد المسيح ابن الله تعالى ، فقد أوضح له زيد الحيثية وأرشده إلى الطريق القويم .### مع عالم شاميحكى خالد بن صفوان مواهب الإمام زيد وعبقريّاته إلى جماعة من أهل الشام ، فورمت أنوفهم حنقاً وغيظاً ، وفزعوا إلى عالم من علمائهم كان متمرساً بالبلاغة ، والبصر بالحجج والمسائل الكلاميّة ، وجمعوا بينه وبين زيد .وانبرى الشامي يمدح الكثرة ويذمّ القلّة، وهم الشيعة، قائلاً: إن أبا بكر وعمر وعثمان ولاة هذا الدين، وإن الجماعة كانت معهم ، وإنّ أهل الجماعة هم حجّة الله تعالى على خلقه ، وإن أهل القلّة - يعني الشيعة - هم أهل البدع والضلالة، وإنّه لم تكن جماعة إلّا كانوا هم أهل الحقِّ حتّى قتل عثمان ، فخرج عليّ بن أبي طالب باغياً مفرّقاً للجماعة حتّى هاجت الفتنة فاقتتلوا حتّى ردّ هذا الأمر إلى أهل بيت هذا الخليفة المظلوم عثمان .
1) مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم زيد : 354 .
وانبرى إليه فخر بني هاشم فأثنى على الله تعالى وعلى عبده ورسوله ، وتكلّم بكلام كان في منتهى الروعة والبلاغة وقوّة الحجّة ، حسبما يقول خالد بن صفوان ، ثمّ أخذ في الردّ على الشامي قائلاً:ذكرت الجماعة ، وزعمت أنه لم تكن جماعة قطّ إلّا كانوا هم أهل الحقّ والله تعالى يقول في كتابه : ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ (1).)وقال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (2).)وقال تعالى : ( وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ (3).)وقال تعالى : ( وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (4))وقال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ (5). وقال تعالى : ( إِلَّا مَنِ افْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ) (6).
وقال تعالى في ذمّ الكثرة والجماعة : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله (7).)
وقال : ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (1).)وقال في الجماعة : ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (2))وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَبَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ(3) وقال : ( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ )(4)
وأفحم الشامي ، ولم يطق جواباً ، فقد كان جواب زيد مشفعاً بالقرآن الذي لا سبيل للمناقشة فيه .
ومن الجدير بالذكر أن زيداً قد ألف كتاباً ممتعاً في فضل القلة على الكثرة ، وقد طبع في ضمن مجموع مؤلّفاته .
أسدى الإمام زيد بكوكبة من المواعظ تنير العقول، وتهدي للتي هي أقوم ،وتحذر من النزعات الشريرة التي تهوي بالإنسان إلى مستو سحيق ، كان منها :
1 - قال علیه السلام: « خليل لك في الله تعالى تخاله خير لك من مال تكنزه، وكلمة بالحقِّ تقولها في الله تعالى تكتب لك طاعة الله تعالى ، فلا تجهل من الحقّ ، ولا تنس نصيبك من الجنّة ، فإنّ الله عزّ اسمه دعا عباده إلى الجنّة ، واشترى منهم أنفسهم ،
فمن باع نفسه بدون الثمن الذي رضي الله تعالى له خسرها ، فالله الله عباد الله فما أقرب ما توعدون ، وما أبعد ما تؤمنون».
وأضاف :
«مَن قتل في سبيل الله تعالى كان عند الله حيّاً مرزوقاً، وكتبه الله تعالى شهيداً صديقاً ، إنّما يدعوكم إلى الفوز العظيم والنعيم المقيم (1).
دعا الإمام زيد إلى تقوى الله تعالى التي بها الفوز والنعيم المقيم ، فمن باع نفسه الله تعالى فقد فاز فوزاً عظيماً .
2 - ومن مواعظه قوله الا : « إنّ تقوى الله عزّ وجلّ حمت المتقين معصيته حتى حاسبوا أنفسهم في صغائر الأعمال ، وإنّ تقوى الله تعالى بعثت المتّقين على طاعته، وخففت على أبدانهم طول النصب ، فاستلذوا مناجاة الله تعالى وذكره ، وحمدوه على السرّاء والضرّاء ، أولئك الذين عملوا بالصالحات ، واجتنبوا المنكرات ، ومهّدوا لأنفسهم ، فطوبى لهم وحسن مآب»(2).
إنّ تقوى الله تعالى تهذّب النفس ، وتصقل العقل ، وتبعد الإنسان عن الجريمة ،
وتنزع منه غوائل الشرّ التي تهوى به إلى مستوى سحيق .
3 -ومن مواعظه التحذير من اقتراف الذنوب . قال علیه السلام : «كلّ ذنب يكون من العبد يذهب من إيمانه بقسط ، فإنّ راجع التوبة رجع إليه من إيمانه ما كان ذهب بذنبه الذي كان منه ، وإن تمادى بالتسويف ، ولجّ في المعصية وقع في متائه الشيطان وهلك».
إنّ اقتراف الذنوب تترك بصماتها السوداء في آفاق النفس فلا تنجلي عنها إلّا بالتوبة إلى الله تعالى ، ونستغفر الله تعالى ونتوب إليه .
4 - ومن مواعظه أنّه قال لأصحابه : « الدنيا تنصرم ، والأجل ينقطع ، وما أسلفه المرء فعليه يقدم ، وسيعلم العبد غبّ التفريط ، وعاقبة التسويف » ، ثمّ قام يصلّي ، وكان الإمام أبو جعفر علیه السلام حاضراً ، فقال لأصحابه : «هذا أَخي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ يَقومُ داعِياً إِلَى الْحَقِّ ، وَآمِراً بِالْحَقِّ ، وَإِنِ اسْتَنْصَرَكُمْ فَانْصُرُوهُ ، وَإِنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» (1).
إنّ مواعظ الإمام زيد تنفذ إلى أعماق القلوب ودخائل النفوس ، وتصقل الأفكار ، ففيها العبر والنصائح والتجارب ، وهي على غرار مواعظ ونصائح جدّه أمير البيان ، ورائد الحكمة في الإسلام.
1 - من نصائح الإمام زيد هذه النصيحة الرفيعة ، قال علیه السلام : « خلّتان ليستا من ديني ، ولا من دين آبائي : لا تظلموا فتمقتوا ، ولا تنازعوا فتفشلوا، ويذهب ريحكم ، وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، يسلم لكم دينكم ، وتحسن القالة فيكم ، والكتاب ناطق، والرسول صادق ، والحقّ أبلج ، والسبيل منهج ، والكلّ في الحقّ سعة ، ومن حاربنا حاربناه ، ومن سالمنا سالمناه ، والناس عندنا كلّهم آمنون إلا رجلاً نصب نفسه لنا ، أو رجلاً أعان علينا بماله أو شتمنا ، ولو شئت قلت : أو رجلاً قال فينا أو نال من أعراضنا ، ولكن حسب كلّ امرئ ما اكتسب ، وسيكفي الله الظالمين» (2)
حذّر الإمام من الظلم والنزاع ، وأمر بالبر والتقوى ، وحذّر من التعاون على الإثم والعدوان ، كما حذر من البغي والتطاول على أهل البيت الذين هم أرصدة التقوى
والإيمان .
2 - ومن نصائحه قوله علیه السلام: «یابن آدم ، فرض الله تعالى عليك الطاعة وضمن لك الرزق ، فأنت في طلب ما ضمن لك ، وتضييع ما فرض عليك ، كأنّ الذي فرض عليك طلبه ضمن لك ، والذي ضمن لك فرض عليك طلبه» (1).
إنّ الإنسان بطبيعته يسعى ليله ونهاره في طلب رزقه ، ولا يعلم أنّه مضمون له ، كما أنّه : ضيّع ما فرضه الله تعالى من طاعته وطلب رضاه .
3 - ومن نصائحه قوله علیه السلام: « إنّما سلامتك يابن آدم في الدنيا من الضلال ، مطيّتك إلى رضوان ربّك - تبارك وتعالى - فتعاهد نفسك بالحساب ، وناقشها فيما لها وعليها ، ولا ترخص لنفسك فيما ليس لك حتّى تحرزها لخالقها ، وتخلصها لربّها ، فحنيئذٍ أنت عبد الله ووليه فمن أهل جنّته .
يابن آدم ، كم أشهدته من عملك ما لا يرضى ، وإنما سعيت في هلكتك ،وكدحت إلى بوارك ، ثمّ ها أنت تغتر بجهل الجاهلين بك ، وتزهو بمدح المغترّين بما ظهر من ريائك .
يابن آدم ، من أعرف منك بنفسك ، ومن هو الذي أولى بصلاح أمرك منك ، بادر ثمّ يادر ، ثمّ بادر قبل اخترامك ، وقبل زوالك، وقبل رحيلك ، وقبل نزولك في قبرك ، لم تمهد فيه مهاداً ، ولم توسّد لنفسك فيه وساداً ، إنّما تسكنه فرداً خالياً تنوبك فيه بنات الأرض ، وتزورك فيه هوامها ، أيا غافلاً وما أغفلك ، أخلقت سدى ؟ أتترك فيما هاهنا آمناً ، انزعج إلى دار الخلود التي أعدّت للمتّقين »(2).
1 - قال علیه السلام في صفة الجاهل : « فيه ثمان خصال : أوبلها الغضب من غير شيء ،
والإعطاء بغير حقّ ، وإتعاب البدن في الباطل ، وقلّة معرفة الرجل لصديقه من عدوّه .
ووضع الشيء في غير موضعه وأهله ، وثقته بكلّ من لم يجربه ، وكثرة الكلام بغیر نفع ، وحسن ظنّه بمن لا عقل له ولا وفاء »(1)
حكت هذه الصفات الثمان التي وصف بها الجاهل حقيقته وواقعه ، فإن جهله قد هبط به إلى مستوى سحيق من الانحطاط .
2 - ومن حكمه القصار قوله علیه السلام:«من واقع المعصية اتكالاً على التوبة لم يوفقه الله تعالى لها »(2)
إنّ الذي يقترف الإثم اتكالاً على التوبة ليس برشيد ، فإنّ الواجب عليه أن يكف نفسه عن ارتكاب الذنوب، ويطهر ذاته من الإثم والمعصية .
3 - ومن كلماته الحكميّة قوله علیه السلام: من يقول إنّ الله تعالى يريد كفر المنافقين فهو كافر» (3).
إنّ من يقول ذلك فهو من المجبرة الذين ذهبوا إلى أنّ الإنسان مجبور على المعصية ، وأن الله تعالى يريد ذلك منه ، ومن المؤكد أنّ الذي يذهب إلى ذلك هو كافر ، إذ لا معنى لخلق الله تعالى للجنّة التي أعدّها للمتّقين والنار التي أعدّها للكافرين.
4- سئل زيد عن الصمت ، هل هو خير أم البيان ؟
فأجاب : « قبح الله المساكنة ما أفسدها للبيان ، وأجلبها للعي والحصر» (4).
علّق الشيخ أبو زهرة على هذا الكلام بقوله : «إنّ هذا الكلام يدلّ على أنّه كان
يربي عقله بالعلم ولسانه بالبيان ، ويروّضه عليه، ويتجنّب الصمت الكثير حتّى لا تموت موهبته البيانية ويعسر عليه القول عند حاجته إليه »(1)
5 - تحدّث عن المروءة قائلاً: «المروءة إنصاف من دونك ، والسمع إلى من فوقك ، والرضا بما أوتي إليك من خير أو شرّ» (2).
في هذه الكلمات تحديد للعقل الذي من معالمه المروءة التي هي الإنصاف لمن هو دون الشخص في مكانته الاجتماعيّة، والسمع والانقياد إلى من هو فوقه في وفورة عقله وتجاربه وأدبه ، كما أنّ من المروءة الرضا بما قسم للشخص من خير أو شر.
6 - براءته من القدريّة والمرجئة ، قال زيد : « أبرأ من القدريّة الذين حملوا ذنوبهم على الله عزّ وجلّ ومن المرجئة الذين أطمعوا الفسّاق في عفو الله تعالى »(3)
إنّ القدريّة والمرجئة كلاهما في ضلال ، فالقدريّة تحمل ذنوبها على الله تعالى ، وأن الإنسان غير مسؤول عمّا يعمله من منكر وإثم ، وأمّا المرجئة فهى التى تدعو إلى الإثم وتزّهد في اقتراف المنكر لأنّ الله تعالى يعفو عنه .
7- عزّاه شخص بوفاة ولد له ، فأجابه : « أما بعد ، فإنّا أموات آباء ، أموات أبناء ، فواعجبا من ميت يعزي ميّتاً عن ميت ، والسلام ».
8 - اقترف الزهري جريمة قتل فهام على وجهه خوفاً من الله تعالى ، فقال له : يا زهري ، لقنوطك من رحمة الله تعالى التي وسعت كلّ شيء أشدّ عليك من ذنبك .
فقال الزهري : الله تعالى يعلم حيث يضع علمه(4)
هذه بعض حكمه القصار التي تمثِل سموّ الفكر وروعة البيان .
نسبت لزيد أبيات متفرقة تنمّ عن مقدرته الشعريّة ، وهذه بعضها :
لِكُلِّ أُناسٍ مَقبَرٌ بِفِنائِهِمْ *** فَهُمْ يَنقُصُونَ وَالقُبورُ تَزيدُ
فَما أَنْ تُزال دارُ حَيٌّ قَدِ أُخرِبَتْ *** وَبَر بِأَفناء البيوتِ جَديدُ
هُمُ جيرَةُ الأحياءِ أَمَا مَزَارُهُمْ *** قفَدانٍ وَأَما المُلتقى فَبَعيدُ (1)
وله في مدح جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام:
وَمَنْ فَضَّلَ الأَقْوامَ يَوْماً بِرَأيهِ *** فَإِنَّ عَلِيّاً فَضَّلَتْهُ المَناقِبُ
وَقَولُ رَسول الله وَالحَقُّ قَوله *** وَإِنْ رَغِمَتْ مِنهُ الأنوفُ الكَواذِبُ
بِأَنَّكَ مِنّي يا عَلِيٌّ مُعالِناً *** كَهارونَ مِنْ مُوسى أخٌ لي وَصاحِبُ
دَاهُ بِبَدْرٍ فَاسْتَجابَ لأَمرِهِ *** فَبادَرَ في ذات الإلهِ يُضارِبُ (2)
وله في مدح العلويّين قوله :
نَحْنُ ساداتُ قَرَيْشٍ *** وقوام الحقٌّ فينا
نَحنُ أَنْوارُ التي مِنْ *** قَبل خَلْقِ الخَلْقِ كُنّا
نَحنُ مِنا المُصْطَفى *** المُختارُ وَالمَهدِيٌّ مِنا
فَبِنا قَدْ عُرِفَ اللهُ *** وَبِالْحَقِّ أَقَمْنا
سَوفَ يَصْلاهُ سَعِيراً *** مَنْ تَوَلَّى اليَومَ عَنا (3)
ونسب له من الشعر هذه الأبيات :
حكم الكِتابِ وَطاعَةُ الرَّحْمَنِ *** فَرَضا جهادَ الجائِرِ الخَوَانِ
فَالمُسْرِعونَ إِلَى فَرائِضِ رَبِّهِمْ *** برنوا من الآثام وَالعُدوان
والكافِرونَ بِفَرضِهِ وَبِحُكْمِهِ *** كَالسّاعِدين بصورَةِ الأَوْثان
كَيفَ النَّجاةُ لأمَّةٍ قَدْ بَدِّلَتْ *** ما جاءَ في القُرْآنِ وَالفُرْقان (1)
إلى غير ذلك من الشعر الذي نسب له ، وهو ينم عن تعاطيه لنظم الشعر في بعض المناسبات أو استشهاده به ، والشعر زينة الكلام، ويكسبه حسناً وبداعة .
1) اللآلي المضيئة : 1 : 328
منيت الحياة الإسلامية قبل عصر زيد وبعده بكثير من الأحداث الجسام التي غيّرت مجرى التاريخ ، وأخلدت للمسلمين الفتن ،وألقتهم في شرّ عظيم ، وكان لها من الأثر في تكوين شخصيّة زيد، واندفاعه بلا تردّد إلى التضحية وإلى مكافحة الظلم والطغيان ، وقد وجد في الشهادة أهمّ ما يصبو إليه ليتخلّص ويخلص الناس من ظلم الأمويّين وجورهم .
وقف المصلح العظيم الإمام زيد تجاه الخلافة الإسلاميّة موقفاً اتسم بالعمق والتحليل ، وروعة العرض ، وجمال التعبير ، فأكد واستدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عهد بالخلافة إلى سيّد عترته ، وأبي سبطيه الإمام أمير المؤمنين الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى ، مستدلاً في كل بند من حديثه بكوكبة من آيات الذكر الحكيم ، لم يخدش فيما ذهب إليه عاطفة ، ولم يجرح أي شخص أو ينال من كرامته ، وكان حقّاً هذا هو الأسلوب الناجح في البحوث العقائديّة .
لقد تحرّج الإمام زيد في بحوثه عن الخلافة من الطعن والمهاترات التي لا تجدي نفعاً في ميدان الاصلاح الاجتماعي ، وإنّما تجلب شيوع البغضاء والعداء بين الناس .
وعلى أي حال ، فقد عنى الإمام زيد في بحوثه العقائديّة بمخاطبة العقول وجمع الكلمة ، ووحدة الصفّ، ولم يستعمل في حديثه إلّا الكلمات الناعمة المعسولة
التي تتفاعل مع العواطف، وتنفذ إلى أعماق القلوب ودخائل النفوس .
أمّا بحوث الإمام الشهيد عن الخلافة الإسلاميّة فقد ألّف فيها كتابه القيّم « تثبيت الإمامة » ، وهو من أجلّ ما ألّف في هذا الموضوع فكراً واستدلالاً وأصالة ، وبعداً عن جميع النعرات ، وقد رتّبه على مقدّمات تمهيدية حسب ما نراه ، ونحن نذكر بعضها التي لها الربط الكامل في الموضوع.
إنّا قوم لم ندرك النبي صلی الله علیه واه وسلم ، ولا أحداً من أصحابه الذين اختلفوا بينهم ، فنعلم كيف كان الخلاف ، ونعلم أي الفريقين أولى بالحقّ والصدق فنتّبعهم ونتولّاهم ، ونكون معهم ، كما قال الله تعالى في كتابه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ (1)، ونعلم أي الفريقين أولى بالكذب والضلال ، فنحبّهم كما أمر الله تعالى ، فهذا غائب عنّا - يعني أمرهم ..
وكنّا كما قال الله تعالى : ( وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (2)، حتّى إذا أدركنا العقل طلبنا معرفة الذين من أهل الحقّ والصدق ، فوجدنا الناس مختلفين يتبرّأ بعضهم من بعض وقد يجمعهم في حال اختلافهم فريقان ، فريق قالوا : إن الرسول صلی الله علیه واه وسلم مضى ولم يستخلف أحداً بعينه، وأنه جعل ذلك إلينا معاشر المسلمين نختار لأنفسنا رجلاً فنستعمله علينا فاخترنا أبا بكر .
وفرقة قالوا : إنّ النبي صلی الله علیه واه وسلم استخلف عليّاً فجعله خليفة وإماماً نستبين به بعده ،فصارت كلّ فرقة مدّعية تدّعى الحقّ.
فلمّا رأينا ذلك أوقفنا الفريقين جميعاً حتّى يستبين ذلك ونعرف المحق من المبطل .
ثمّ سألنا الفريقين جميعاً كيف كان النبي صلی الله علیه واه وسلم يقضي بين الخصمين والفريقين إذا اجتمعوا إليه ؟
فاجتمع الفريقان جميعاً على أن النبي صلی الله علیه واه وسلم لم يكن يقضي بين الفريقين إذا اجتمعوا إلّا بالبيّنة العادلة من غير أهل الدعوى ممّن يجرّ إلى نفسه .
فقبلنا منهم حين اجتمعوا عليه ، وشهدنا أنّه الحقّ ، وأنّ من خالف حكم النبي صلی الله علیه واه وسلم فقد جار وظلم » .
أرأيتم هذا الاستدلال المنطقي القائم على إيضاح الحقّ والوصول إلى الواقع ، والتجنّب عن المغالطات والأضاليل التي هي بعيدة عن الإمام زيد عالم آل محمّد ؟ أرأيتم هذا الأدب العلوي الذي لا يجرح عاطفة ، ويتحفّظ على الآداب لإثبات الحقّ؟
ثمّ سألنا الذين زعموا أن النبي صلی الله علیه واه وسلم استخلف عليّ بن أبي طالب ومضى هل لكم بيّنة عدول من غيركم على ما ادّعيتم فنصدّقكم ونقضي لكم ؟
قالوا : لا نجد بيّنة عدول من غيرنا.
فلمّا لم يجد الفريقان البيّنة العدول من غيرهم على ما ادّعوا أوقفناهم حتّى نعلم المحقّ من المبطل » .
حكى هذا المقطع قوّة الاستدلال وسيره على المنهج الفقهي في باب الدعاوى الذي لا يخضع لعاطفة ولا لأي ميول سوى الوصول إلى الواقع بالطريق الواضح والحجّة البيّنة .
ثمّ سألنا الفريقين جميعاً هل للناس بد من وال يصلّي بهم ويقيم أعيادهم ، ويجبي زكاتهم ، ويعطيها فقراءهم ، ويأخذ غنائمهم ويقسمها ، ويقضي بينهم، ويأخذ لضعيفهم من قويّهم ، ويقيم حدودهم .
فاجتمع الفريقان على أنّه لا بد من وال يقوم فيهم بالحقّ ، ويعمل فيهم بالسنن ، فقبلنا منهم وشهدنا أنّه الحق وأنّه لا بدّ للناس من وال يقوم فيهم بالحقّ ويعمل فيهم بالسنن إماماً وخليفة عليهم قبل أن ينظروا في كتاب الله عزّ وجلّ والسنّة ، فإن وجدوا الكتاب والسنّة يدلّان على تولية رجل باسمه وفضله فإن لم يجدوا كانت لهم الشورى بعد ذلك بما وافق الكتاب والسنّة ، فلما أجمعوا على ذلك قبلنا منهم ، وشهدنا أنّه ليس للأمّة أن يتبرّعوا بتولية وال على أن يجعلوه الخليفة والإمام دون أن ينظروا في الكتاب والسنّة .
ثمّ سألنا الفريقين عن الإسلام الذي أمر الله تعالى به خلقه ما هو ؟
فاجتمعوا على أنّ الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له ، وأنّ محمداً عبده ورسوله صلی الله علیه واله وسلم و الإقرار بما جاء به النبي صلی الله علیه واله وسلم وصلاة الخمس وصوم شهر رمضان ، والحجّ إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً، والعمل بهذا القرآن أن يحلّ حلاله ويحرّم حرامه والعمل بما فيه، فقبلنا منهم حيث اجتمعوا عليه ، وشهدنا أنّه الحقّ» .
حكى هذا المقطع ضرورة نصب الإمام ، وأنّه من أهم مقومات الحياة الإسلاميّة، فقد أنيطت به مسؤوليّات مهمّة في المجتمع لا يمكن بأي حال الاستغناء عنه .
أمّا إقامة الإمام وترشيحه لهذا المنصب الخطير ، فيجب أن يكون على ضوء الكتاب والسنّة ، فمن تتوفّر فيه الصفات التي ينشدها الإسلام وتضمن للأمّة حقوقها وكرامتها ومستقبلها فهو ، وإن لم يكن هناك أضواء من الكتاب والسّنة على ترشّحه
فيجب أن يخضع لعمليّة الشورى التي تشترك في انتخاب الرئيس ، والشورى يجب أن تشترك فيها جميع قطاعات الشعب .
أمّا الشورى العمريّة فإنّها شورى مغلفة لإبعاد الإمام أمير المؤمنين علیه السلام عن منصب الحكم وتسليمه للأمويّين.
ثمّ سألنا الفريقين جميعاً هل لله خيرة من خلقه اختارهم واصطفاهم ، فاجتمع الفريقان على أنّ الله تعالى خيرة من خلقه اختارهم واصطفاهم ، فقلنا : هاتوا برهانكم عليه ؟
فقالوا : قول الله تبارك وتعالى : ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) (1)
فقبلنا منهم حيث اجتمعوا على ذلك، وشهدنا بأنّ الله تعالى خيرة من خلقه.
ثمّ سألناهم من خيرة الله تعالى من خلقه ؟
فقالوا : المتّقون .
فقلنا : هاتوا برهانكم عليه ؟
فقالوا : قول الله عزّ وجل : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْشُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (2).)فقلنا : حيث اجتمعوا وشهدنا أنّه الحقّ ، وأنّ خيرة الله تعالى من خلقه المتّقون .ثمّ سألنا الفريقين : هل الله خيرة من المتّقين ؟
فقالوا : نعم .فقلنا : من هم ؟فقالوا : المجاهدون في سبيل الله تعالى .فقلنا : هاتوا برهانكم عليه ؟فقالوا : قول الله عزّ وجلّ : ﴿ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةٌ وَرَحْمَةٌ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (1).)فقبلنا منهم ، وشهدنا أنّ خيرة الله تعالى من المتّقين المجاهدون في سبيل الله.ثمّ سألنا الفريقين : هل الله خيرة من المجاهدين في سبيل الله تعالى ؟قالوا : نعم .فقلنا : مَن هم ؟فقال : السابقون - من المهاجرين - إلى الجهاد .فقلنا : ما برهانكم عليه ؟فقالوا : قول الله تبارك وتعالى : ( لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْح وَقَاتَلَ﴿ أَوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلَا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (2).)فقبلنا ذلك منهم ، وشهدنا أنّ خيرة الله تعالى من المهاجرين المجاهدون السابقون إلى الجهاد .ثمّ سألنا الفريقين : هل الله تعالى خيرة من السابقين إلى الجهاد ؟
قالوا : نعم ، أكثرهم عملاً في الجهاد، وأكثرهم ضرباً وطعناً وقتالاً في سبيل الله تعالى .فقلنا : هاتوا برهانكم عليه ؟قالوا : قول الله تبارك وتعالى : (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (1) وقوله تعالى : ( وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً
وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (2)
فقبلنا منهم ، وشهدنا أنّ خيرته من السابقين إلى الجهاد أكثرهم عملاً في الجهاد ، وأبذلهم لمهجته الله عزّ اسمه ، وأكثرهم قتالاً لعدوّه .
وهذا الاستدلال وثيق ، فقد توفّرت فيه الأدلة الحاسمة التي لا مجال للشك فيها.
ثمّ سألنا الفريقين عن هذين الرجلين اللذين اختلفت فيهما هذه الأمّة - عليّ بن أبي طالب وأبي بكر بن أبي قحافة - أيّهما كان أكثر عملاً في الجهاد في سبيل الله تعالى ، وأكثر ضرباً وطعناً وصبراً وقتالاً ومنعة ويخاف منه من خالف الحقِّ ؟ فاجتمع الفريقان على أن علي بن أبي طالب أكثرهم عملاً في الجهاد في سبيل الله تعالى ؟
فلمّا اجتمع على ذلك الفريقان قبلنا منهم وشهدنا أنّ عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه خير من أبي بكر بما دلّ عليه الكتاب والسنة - فيما أجمعوا عليه من فضله في كتاب الله الذي لا خلاف فيه -
فدلّ ما أجمعت عليه الأمّة على أنّ خيرة الله تعالى المتقون ، وأن خيرة الله سبحانه وتعالى من المتّقين المجاهدون في سبيل الله تعالى ، وأن خيرة الله من المجاهدين السابقون إلى الجهاد ، وأن خيرة الله تعالى من السابقين أكثرهم عملاً في الجهاد . واجتمعت الأمّة على أن خيرة الله تعالى من السابقين إلى الجهاد البدريّون ، وأنّ خيرة البدريّين هذان الرجلان اللذان اختلفت فيهما الأمّة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة .
فلم يزل الفريقان يصدّق بعضهم بعضاً، ويدلّ بعضهم على بعض ، حتّى دلّوا على خيرة هذه الأمّة بعد نبيها صلی الله علیه واله وسلم ممّا اجتمعت عليه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلی الله علیه واله وسلم ».
ثمّ يأخذ الإمام زيد بالاستدلال الوثيق على تفضيل جدّه الإمام أمير المؤمنين على غيره من الصحابة ، وأنّهم لا يملكون الأرصدة العلمية التي يملكها ، وتالله إنّ القوم ما جهلوا ذلك فيه ولكنّ الأطماع السياسيّة وحبّ الإمرة والسلطان هي التي دفعتهم إلى إقصاء الإمام عن الحكم .
ورحم الله الشاعر إذ قال :
تَاللهِ ما جَهِلَ الأَقْوامُ مَوْضِعَها *** لكِنَّهُمْ سَتَرُوا وَجْهَ الَّذِي عَلِموا
لقد ألقوا الأمّة في كابوس مظلم ومزقوا وحدتها وتماسكها ، وفتحوا الأبواب لعشّاق الملك من اللصوص والخونة إلى الاستيلاء على الحكم ، ففاز الأمويّون وهم من أوّلهم إلى آخرهم من العناصر الفاسدة الذين حوّلوا الحياة الإسلامية إلى الدعارة والمجون ، ومقابلة أبناء النبيّ بالظلم والقهر ، وفاجعة كربلاء وفاجعة الإمام زيد كلّ ذلك من آثار السلف الصالح ، ثمّ أخذت السلطة من بعدهم تنتقل إلى الطغاة والفجّار من بني العبّاس ، فأشاعوا الفساد والظلم والجور والطغيان بين المسلمين ، ولا نقول ذلك عبثاً ، فإنّ وثائق التاريخ الإسلامي شاهدة على صدق ما ذكرنا .
إنّ تسلّق الأموييّن إلى الحكم وتسلّطهم على رقاب المسلمين بغير حقّ ولا سابقة لهم في الإسلام تدعو إلى الاستغراب ، وعلينا أن ننظر إلى مكانتهم في أيّام النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام الخلفاء .
والشيء الذي يدعو إلى التساؤل كيف استولى الأمويّون على الحكم ؟ ومن الذي مهد لهم الطريق ومكّنهم من رقاب المسلمين مع ما لهم من ماض أسود ؟ فهم الذين قاوموا الإسلام بعنف، وفتحوا باب الحرب لقلع جذوره ، ومحو سطوره ، وإزالة أرصدته ، فواقعة بدر وأحد والأحزاب التي استشهد فيها خيار المسلمين وصلحاؤهم كانت بسيوف الأموّيين المتعّطشة إلى إراقة دماء المسلمين .
وبعد ما أذلّهم الله تعالى وأعزّ عبده ورسوله ، ونصره عليهم بفتح مكّة ، دخل أبو سفيان وقومه في حضيرة الإسلام فراراً من حدّ السيف ، وقد قابلهم الرسول صلی الله علیه واله وسلم بمزيد من الاحتقار والتوهين ، فقد رأى أبو سفيان راكباً ناقته ومعاوية يسوقها وابنه يزيد يقودها ، فقال : «اللَّهُمَّ الْعَنِ الرَاكِبَ وَالْقائِدَ وَالسّائِقَ » ، كما قابل معاوية بالذات بالاحتقار ، فقد جاءته امرأة خطبها معاوية تستشيره في الزواج منه ، فقال لها : « لَا تَتَزَوَّجي بِهِ ، فَإِنَّهُ صُعلوك ».
إنّه صعلوك نذل حقير ، وهكذا قابل النبي الأسرة الأمويّة بالاستخفاف ، فقد لعن الحكم ونفاه إلى الطائف ، ولعن ولده مروان، ووصمهم بأنّهم الشجرة الملعونة في القرآن .
لقد كان النبي صلی الله علیه واله وسلم عالماً بما انطوت عليه نفوس الأمويّين من الحقد والعداء
للإسلام ، وأنّ إسلامهم كان ظاهريّاً لم ينفذ إلى أعماق قلوبهم ودخائل نفوسهم ، كما شكّك المسلمون في إسلامهم ، فابتعدوا عنهم فلم يجالسوهم ولم يتّخذوهم أخداناً .
لقد عاش الأمويّون في أيام النبي صلی الله علیه واله وسلم حياة تافهة لا ظلّ فيها للكرامة والعيش الرغيد ، ولمّا رزئ المسلمون بوفاة الرسول العظيم حدثت الفتنة الكبرى التي عبر عنها القرآن الكريم بالانقلاب على الأعقاب ، فقد ذهب الحزب القرشي بقيادة أبي بكر وعمر وابن الجرّاح إلى أن النبي صلی الله علیه واله وسلم لم يعهد لأي أحد بالخلافة ، وترك الأمر إلى الأمّة ، فبيدها الحلّ والعقد، وهي حرّة في انتخاب من تشاء لقيادتها وحكومتها ، وليس للعترة الطاهرة بزعامةعميدها بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين صلی الله علیه واله وسلم أي حق بالخلافة .
وقد دوّى صوتهم في يثرب قائلين بلهجة واحدة : أبت قريش أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد ، واعجباه من هذا الشعار المزيّف الذي لا رصيد له في الواقع ، هل أن قريشاً قلّدت الرسول النبوّة ، ومنحته الرسالة حتّى يكون لها الحقّ في إقصاء أهل بيته عن مركز الحكم وقيادة الأمّة ؟
أليست قريش هي التي حاربت النبي صلی الله علیه واله وسلم وجهدت بجميع طاقاتها على إزالة الإسلام ، وإعادة أوثانها وأصنامها إلى مسرح الحياة ، ورحم الله حكيم المعرّة إذ قال :
أَلَيسَ فُرَشُكُمْ قَتَلَتْ حُسَيْناً *** وَكانَ عَلَى خِلافَتِكُمْ يَزِيدُ
كيف يترك الرسول صلی الله علیه واله وسلم أمّته تموج في تيارات مهلكة من الفتن والاختلاف ولا يضع لها الحلول الحاسمة وهو الحريص عليها . قال تعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
مِن أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَتِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ (1)
بلى والله لقد عيّن لها القائد والمرشد ، وهو الإمام أمير المؤمنين علیه السلام الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى ، وقال في حقه في غدير خم حينما نصبه خليفة على المسلمين وبايعه الحاضرون : «اللَّهُمَّ والِ مَنْ والاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ، إِنَّ القوم يعلمون ذلك ويجحدونه .
ورحم الله الشاعر إذ قال :
تاللهِ ما جَهِلَ الأَقْوامُ مَوْضِعَها *** لكِنَّهُمْ سَتَروا وَجْهَ الَّذي عَلِموا
إنّ الأطماع السياسيّة والتهالك على السلطة الذي هام به الناس قديماً وحديثاً هي التي دفعتهم إلى إقصاء الإمام عن مركزه ، الأمر الذي نجم منه أن عانت الأمّة في جميع أدوار حياتها أقسى ألوان المحن والخطوب.
وعلى أي حال، فقد تقلد أبو بكر الخلافة وقيادة الأمّة في سقيفة بني ساعدة ، وقد احتّف به حزبه ، وكان في طليعتهم عمر بن الخطّاب ، فقد حمل الناس على بيعته ، وأرغمهم على قبول حكومته ، وقد رفض بيعته الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وباقي الأسرة النبويّة كما تخلّف عن بيعته خيار الصحابة وأعلام الإسلام ، أمثال الصحابي العظيم عمّار بن ياسر ، وأبي ذرّ ، والمقداد، ومعظم أبناء الأوس والخزرج .
وقد تجاوب الأمويّون أجمعون اكتعون ببيعة أبي بكر ورضوا بها ، وتبنّوها بجميع طاقاتهم لأنّها تضمن مصالحهم ، وتوفّر لهم ما يصبون إليه .
وأكبر الظنّ صحة ما ذهب إليه بعض المؤرّخين من أن هناك اتفاقاً سرياً بين أبي بكر وأبي سفيان في إشراك الأمويين بالحكم حتى ينضمّوا إليه ، وقد تمّ ذلك بالفعل ، فقد أسند أبو بكر ولاية الشام إلى يزيد بن أبي سفيان ، ولم يسندوا ولاية
1) التوبة 9 :128
هذا القطر إلى الأوس والخزرج ولا إلى بعض أبناء الأسرة العلويّة .
ولمّا خرج يزيد لتولّي منصبه شيّعه أبو بكر مسافة ليست قليلة ، وكان يزيد راكباً وأبو بكر ماشياً حسب ما يقول ابن شبة في أخبار المدينة ، كما أسند إلى الكثير من الأمويّين بعض المناصب في جهاز دولته ، ويرى العلائلي أنّ الذين فازوا بحكومة
أبي بكر هم الأمويّون.
ولم تطل حكومة أبي بكر ، فقد وافاه الأجل فأسند زعامة الدولة إلى صاحبه عمر بن الخطّاب الذي مهّد له الطريق، وبنى دولته ، ولمّا ولي الحكم ساس الأمّة بالشدّة والعنف حتّى تحاشى لقاءه أكابر الصحابة كابن عبّاس .
وقد أقرّ في جهاز دولته معظم الولاة والعمال من الأمويّين الذين كانوا في حكومة أبي بكر ، وكان من أعظم المنتفعين منه معاوية بن أبي سفيان ، فقد كان أثيراً عنده ، فكان يحاسب عمّاله ويقاسمهم الأموال التي استفادوها إلّا معاوية ، وقد كثرت الوشاية به ، فكان الوشاة يخبرونه أنّه يتعاطى المسكر ويشرب في أواني الذهب والفضّة ويتعاطى الربا فيعتذر عنه ، ويقول : ذاك كسرى العرب ، وهو اعتذار لا يحمل أي طابع من الشرعيّة، فإنّه ليس في دنيا الإسلام كسرويّة ولا قيصرية ، والناس في شريعة الإسلام سواء ، وكلّ إنسان مسؤول عن عمله إن خيراً فخيراً ، وإن شرّاً فشرّاً .
كما أنّ عمر كان من أقوى العوامل وأكثرها نشاطاً وفعالية في تقليد الخلافة لعثمان بن عفّان عميد الأسرة الأمويّة ، وصرفها عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، فقد وضع نظام الشورى لانتخاب الخليفة من بعده ، وهو نظام صوري مغلّف لا يمتّ بحال إلى نظام الشورى الواقعيّة التي يجب أن تشترك فيها جميع قطاعات الشعب في عمليّة الانتخاب .
لقد أناط عمر الشورى في ستّة أشخاص كان معظمهم ممّن له ميول مع عثمان ، إمّا من ناحية القرابة ، وإمّا من ناحية الحقد والكراهية للإمام ، وبذلك فقد تقلّد عثمان الخلافة بتصميم من عمر بن الخطّاب .
تسلّم عثمان قيادة الدولة بدعم من عمر ، وحينما باشر في عمله أسند جميع مهام الدولة إلى الأمويّين وآل بني معيط ، ولم يجعل فيها نصيباً لغيرهم من الأوس والخزرج ، ولا من الأسرة النبويّة ، ولم تكن للأمويّين أيّة دراية في أنظمة الحكم والإدارة، فقد نشأوا نشأة جاهليّة اتّسمت بالميل إلى اللهو والمجون والبذخ والترف ، فحوّلوا اقتصاد الدولة إلى جيوبهم ينفقونه على شهواتهم ودعارتهم في حين أن الفقر قد أخذ بخناق المواطنين ، وعمّ البؤس في كثير من الأوساط الشعبيّة .
وكان من معالم سياسة عثمان التنكيل بمن لا يقرّ سياسته ، فقد نكّل بأعلام الصحابة أمثال الصحابي العظيم أبي ذرّ الغفاري ، لأنه أنكر عليه سياسته الماليّة المبنيّة على الأثرة والاستغلال ، أنكر عليه تسليمه جهاز الدولة إلى الفسقة من الأمويّين ، فنفاه إلى الربذة التي انعدمت فيها جميع وسائل الحياة فمات هذا الصحابي جوعاً غريباً في حين أن أموال المسلمين قد تكّدست عند فتيان الأمويين الذين هم من بقايا الجاهليّة .
وحرّم على الصحابي عبد الله بن مسعود عطاءه ، فأخذ يعاني الفقر والحرمان ، فمرض فعاده عثمان وعرض عليه عطاءه الذي حرمه منه ، فأبى وقال : « حرمتني منه وكنت جائعاً ، وأعطيتني إيّاه وأنا ملاق الله عزّ وجلّ » ، وأوصى أن لا يصلّي على جنازته عثمان .
كذلك نكل بالصحابي العظيم عمّار بن ياسر ، لأنّه أنكر عليه أخذه للقلادة الذهبيّة التي كانت في بيت المال وأعطاها لبعض نسائه ، وهو تصرّف غير مشروع ، فثار
عثمان وأمر جلاوزته بضربه ، فضرب ضرباً عنيفاً ، وأراد أن ينفيه كما نفى صاحبه أبا ذرّ ، إلّا أنّه اضطر إلى العدول عن رأيه لضغظ الصحابة عليه .
وقد نقم خيار المسلمين على عثمان لتصرفاته المجافية للإسلام، فطالبوه بالاستقامة وتغيير سياسته ، فاستجاب إلّا أنّه عدل عن ذلك لضغط الأمويين ، ولمّا يئس المصلحون من إصلاحه بادر محمد بن أبي بكر إلى الإجهاز عليه ، وتوالت عليه الضربات حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ، ثم سحبوا جنازته فألقوها في مكان غير لائق مبالغين في الاستهانة به ، كما لم يسمحوا بمواراته حتى توسط الإمام في شأنه فأجابوه ودفن في حشّ كوكب وهو مقبرة لليهود.
وعلى أي حال ، فقد ربح الأمويون بحكومة عميدهم فكنزوا لأنفسهم الأموال الهائلة التي ادّخروها لمقاومة حكومة الإمام ، فقد أصبح الأمويون يملكون أموالاً هائلة حتى أصبح من العسير مقاومتهم .
وكان رأي زيد في مقتل عثمان منسجماً تماماً مع آراء المؤرّخين والرواة في أنّ السبب في قتله يعود إلى فشل سياسته الداعمة للأمويين وآل بني معيط ، ولنستمع إلى حديثه مع خالد المنقري الذي قال له : إنّ الذي قتل عثمان قوم ليسوا من المهاجرين والأنصار .
فرّد عليه زيد بعد حديث قائلاً: مال عثمان إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء - ويعني بهم الأمويّين - فاستنزلوه ، فنكث على نفسه ، فاجتمع في أمره المهاجرون والأنصار فاستعتبوه فأبى إلا تمادياً فيما لا يوافق الكتاب والسنّه - التي اجتمعوا عليها - فقتلوه .
فقال له خالد : أكلّ المسلمين قتلوه يابن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ؟
فأجاب زيد : لا ، لكن بعض قَتَلَ ، وبعض خَذَلَ ، والقاتل والخاذل سواء ، فمكث ملقى لا تدفن جنته أيّاماً ثلاثة .
وانبرى خالد قائلاً: ما منعهم من دفنه يابن رسول الله ؟
لو أنّهم أرادوا دَفْنَهُ لم يروا قَتْلَهُ ، فأقام ثلاثة أيام على المزبلة ، وكان الصبيان يمشون على بطنه ، وينشدون شعراً لم نذكره (1)
استقبل الأمويّون حكومة الإمام بمزيد من القلق والاضطراب لأنّها امتداد لحكومة النبي صلی الله علیه واله وسلم التي حاربوها بجميع طاقاتهم ، وفعلاً فقد قام الإمام فور تسلّمه اسلطة بإصدار القرارات التالية :
أمر الإمام بعزل ولاة عثمان عن جميع مناصبهم ، وكان معظمهم من الأمويّين، لأنّهم عاثوا في الأرض فساداً ، ولم يستثن أحداً منهم ، واستهدف بالذات معاوية بن أبي سفيان الذئب الجاهلي عن ولاية الشام ، وأشار عليه المغيرة بن شعبة بإبقائه فترة من الزمن ثمّ يعزله ، فأبى لأن بقائه في السلطة - ولو لحظة - إقرار للظلم والفساد .
وأصدر الإمام أوامره بمصادرة جميع أموال عثمان المنقولة وغيرها ، لأنّها اختلعت من بيت المال، وأخذت بغير حقّ ، وقد أثارت هذه الاجراءات العادلة غضب الأمويّين والرأسماليّين من القرشيّين من ولاة عثمان فراحوا يعملون بنشاط واسع لإسقاط حكومة الإمام ، وإفشال مخطّطاته الإسلاميّة.
وقد رصدوا الأموال التي نهبوها أيّام حكومة عثمان وبذلوها بسخاء لتشكيل قاعدة شعبيّة مناهضة لحكومة الإمام ، وإلى شراء الأسلحة والمعدّات الحربيّة حين
1) مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم زيد : 282
إعلان الثورة على الإمام علیه السلام .
وكان معاوية زعيم الأمويين يضع المخطّطات لإسقاط حكم الإمام ، فقد كاتب الزبير وطلحة كلاًّ على انفراد بإسناد رئاسة الدولة له بعد الاطاحة بسلطة الإمام ، وقد استجابا له ، فزحفا إلى مكّة للالتحاق بعائشة بنت أبي بكر التي كانت حاقدة على الإمام ومبغضة له بغضاً عارماً ، فوجدا عندها تجاوباً كاملاً لإعلان الحرب على الإمام ، وقد اتّخذ هذا المثلث شعاراً لهم ومبرّراً لتمرّدهم ، وهو المطالبة بدم عثمان ، وقد كانت عائشة قد أفتت بكفره وإباحة دمه ، فقالت : « اقتلوا نعثلاً فقد كفر» .
وعلى أي حال، فقد أمدّ الأمويوّن جيش عائشة بجميع نفقات الحرب ، وزحف لاحتلال البصرة واتّخاذها قاعدة عسكريّة لاحتلال المناطق الخاضعة لحكم الإمام ، ولمّا علم الإمام بهذا التمرّد خرج بجيوشه للقضاء عليه ، وبعد معارك رهيبة جرت بين الفريقين استطاع الإمام سحق جيش عائشة وإلقاء القبض عليها ، وقتل طلحة والزبير ، وبذلك انتهت هذه المعركة التي سمّاها المؤرّخون بواقعة الجمل ، وقد أعقبت متاركاً فظيعة امتحن بها الإمام امتحاناً عسيراً ، فقد فتحت باب الحرب بين المسلمين، ودمرت وحدتهم ، ومكّنت الذئب الجاهلي معاوية أن يعلن الحرب على الإمام ، وقد اتخذ عثمان بن عفان ورقة رابحة للمطالبة بدمه وإعلان العصيان المسلّح على الإمام .
تحدّث الإمام الشهيد زيد عن السبب في خلاف الزبير وطلحة للإمام أمير المؤمنين ، وأنّه كان مادّيّاً ، كما تحدّث عن مصرعهما بقوله :
«ثمّ انطلق المسلمون - أي بعد قتل عثمان - من المهاجرين والأنصار فتشاوروا ، فبايعوا عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه طائعين غير مكرهين ، راضين غير
ساخطين ، كلّهم من المهاجرين والأنصار ، والذين اتّبعوهم بإحسان ، حتّى نكث بيعته رجال من المهاجرين من غير حدث ، ما نقموا منه غير العدل في القضيّة ، والقسم بالسويّة ، وذلك أنّ طلحة والزبير أتيا ومعهما موليان لهما ، وحضرا العطاء فأعطاهما أمير المؤمنين صلوات الله عليه وأعطى الموليين كما أعطاهما ، فغضب طلحة والزبير فنكثا البيعة ، وأنشئا الحرب له ، فجدّ في قتالهما حتّى نصره الله تعالى فقتلا ناكثين.
أمّا طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم أصابه عند أصل الساق ، فنزفه الدم حتّى مات ، وفي ذلك يقول مروان بن الحكم :
شَفَيتُ عَليلاً كانَ في الصَّدرِ كَالشَّجا *** بِقَتْلِيَ قَتَالَ ابْنِ عَفَّانَ عُثْمَانا
وَما أَنْ أُبالي بَعدَ قَتْلِيَ طَلحَةٌ *** قَتَلتُ بِعُثمانَ بْنِ عَفَّانَ إِنْسانا
وأمّا الزبير بن العوّام فإنّه قتله رجل من تميم يقال له عمر و بن جرموز نظر إليه فارّاً حتّى قتله ، وفي ذلك يقول عمرو :
أَتيتُ عَلِيّاً برَأسِ الزُّبَيرِ ***وَقَدْ كُنتُ أَرْجُو بِهِ الزِّلْفَة
فَبَشِّرَ بِالنَّارِ قَبلَ العِيانِ *** فَبِئسَ التَّحِيَّةُ وَالنُّحْفَة
لقتل الزُّبَيرِ وَمِثل الزبير *** كَضَرْطَةِ عَنْزِ بِذِي الجُحْفَة (1)
وقد حكى هذا الحديث السبب في تمرّد طلحة والزبير على حكومة الإمام ، وأنّ السبب في ذلك هو مساواة الإمام بينهما وبين موليهما في العطاء ، فلم يخرجا على الإمام من أجل الصالح العام ، وإنّما مصالحهما الضيّقة التي هي بعيدة عن هدي الإسلام ، وهكذا كان السبب في حرب معاوية على الإمام هو سياسته العادلة التي هي من صميم الإسلام والتي لم يعوها ولم يؤمنوا بها .
1) مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم زيد : 284 .
ولا نريد أن نطيل الحديث عن حرب معاوية للإمام ، فقد استوعبنا الحديث عنها
في موسوعة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، وإنّما نشير إليه .
لقد استمرّت الحرب بين الإمام وبين معاوية ما يزيد على سنتين ، وأخيراً انتصر الجيش العراقي وهمّ معاوية بالفرار، ولم يبق من الانتصار عليه سوى حلبة شاة فيما يقول المؤرّخون ، إلّا أنّ ابن العاص باتّفاق مع بعض قادة الجيش العراقي وعلى رأسهم الأشعث بن قيس قد اتفقوا على رفع المصاحف ، والرجوع إلى حكم القرآن ، وحينما سمع العراقيون استجابوا لهذا النداء ، ومني جيش الإمام بانقلاب عسكري مدمّر ، فأحاطوا بالإمام ، وأجبروه على قبول التحكيم وهددوه بالقتل فاستجاب لهم ، ومنذ ذلك الوقت انتصرت الوثنيّة القرشيّة التي يمثّلها معاوية وبنو أميّة ، وقد أعقب هذا الانتصار ما يلي :
ومني جيش الإمام بالتمرّد والعصيان في جميع فرقه ، فقد أصبح يدعوهم الإمام فلا يستجيبون له ، قد خلدوا إلى الراحة والسأم من الحرب ، وقد نخرت أفكار
الخوارج وحدتهم وطاعتهم .
اغتيل رائد الحقّ والعدل على يد باغ أثيم ، وهو المجرم عبدالرحمن بن ملجم اغتال الإمام وهو واقف بين يدي الله تعالى والصلاة بين شفتيه ، وبذلك فقد انتهت حكومة الإمام التي هي حكومة البؤساء والمحرومين .
خلافة الإمام الحسن علیه السلام
تسلّم سبط رسول الله علیه السلام وريحنته الإمام الحسن علیه السلام بعد مواراته لجثمان أبيه قيادة الدولة الإسلاميّة ، وقد تسلّمها في أحرج الظروف ، ومن أشدّها بلاء ومحنة ،
فقد منيت قوّاته المسلّحة بالتمرّد والانحلال ولم تعد فيها قوّة عسكرية ولا قيادة عامّة فنصف لزعيمها بالولاء والإخلاص .
وعلى أي حال ، فإنّه لم يمض قليل من الوقت حتّى وافته رسل معاوية تطلب منه فتح باب الحرب حتّى يتخلّص منه معاوية، وينفرد بالحكم أو هو يتخلّص من معاوية ، وعرض ذلك على جيشه ، فكان كالصاعقة عليهم، فقد ساد فيه الوجوم ، ولم يعلنوا الطاعة والولاء لزعيمهم ، وقد دفع هذا التخاذل المفضوح إلى إنكار الزعيم عديّ بن حاتم ، وإعلانه الطاعة ، وخروجه إلى المعسكر وحده ، وقد أدّت الأحداث المروّعة التي مني بها الإمام الزكي إلى الالتجاء إلى كارثة الصلح ، كما دعت أبوه من قبل إلى إيقاف الحرب حينما أشرفت قوّاته على الفتح في معركة صفّين (1).
وأرغم الإمام الحسن علیه السلام على التنازل عن الخلافة لأنّ معاوية بكفره وغدره ونفاقه قد استطاع أن يجلب إليه قادة الفرق بما بذله لهم من الأموال وبإغرائهم بالزواج من إحدى بناته ، فاستجابوا له ، وضمنوا له اغتيال الإمام الحسن أو أسره وبعثه إليه مكتوفاً ، وقد اعتدوا على الإمام فطعنوه في فخذه وحكموا بكفره ، فاضطرّ الإمام الحسن إلى الصلح على ما فيه من قذى في العين وشجا في الحلق ، وقد أعطى معاوية الحسن شروطاً ولكنّه لم يف بشيء منها ، فقد أعلن بعد الصلح أنّها تحت قدمه لا يفي بشيء منها .
لقد ندم معاوية على الصلح لأنّ الإمام الحسن كان تحت قبضته ، وأراد أن يملي
1) يراجع في تفصيل هذه الأحداث المؤسفة الجزء الثاني من حياة الإمام الحسن بن عليّ
عليه شروطاً ، إلا أنّ الإمام قد سبقه وتغلّب عليه .
وحينما صفا الملك إلى معاوية أخذ في سحق الإسلام وتدميره ، وإعادة الحياة
الجاهليّة إلى مسرح الحياة ، فقد قام بما يلي :
وفرض معاوية سبّ أهل البيت على منابر المسلمين في أيام الجمعة والأعياد ، وجعل ذلك جزء من العقيدة الإسلاميّة ، كما أوعز بذلك إلى معاهد التربية والتعليم ، فأخذ الولاة يتقرّبون إليه بسب عملاق هذه الأمّة ورائد حضارتها العلميّة ، والذي لولاه لما كان لهذا الدين من ضوء في عالم الحياة .
أقام معاوية لجاناً لوضع الحديث وافتعاله ونسبته إلى النبيّ صلی الله علیه واله وسلم ، وكان المنهج الذي رسم لوضع الحديث هو ما يلي :
وأنّهم خيار المسلمين ، وبأيهم اقتديتم اهتديتم ، وفي الصحابة من مردوا على
النفاق ، وتسلّحوا بالغدر أمثال معاوية وأبيه .
وأنهم ليسوا بأولياء للرسول صلی الله علیه واله وسلم ، وأنّ أولياءه بنو أميّة وآل بني معيط وأمثالهم من الخونة واللصوص.
ووضعت الأحاديث في مدح الأموييّن، خصوصاً في فضل عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان .
من الأخبار الموضوعة الحطّ من قيم الإسلام وتشويه واقعة المشرق .
وجهد معاوية إلى تصفية المصلحين في الإسلام دعماً لحكمه القائم على الظلم
والجور ، وكان منهم :
اغتاله بالسمّ على يد زوجته جعدة بنت الأشعث ، ليصفو لابنه الملك .
أعدم الصحابي العظيم حجر بن عدي وجماعته المؤمنين الأخيار ، الذين أنكروا على الرجس الخبيث زياد بن أبيه سبّه لإمام المتّقين وسيد الموحدين الإمام على علیه السلام ، فقد قال له حجر : إنّ الذي تذمّونه - وهو الإمام - أولى بالمدح ، ومن تمدحونه - وهو معاوية - أولى بالذمّ ، اعتقله الطاغية وبعث به إلى معاوية ،
فأمر بإعدامه مع إخوانه .
وقد ذكرنا تفصيل هذه الحادثة المروّعة في كتابنا ( حياة الإمام الحسن بن علي علیه السلام )
أعدمه معاوية وأمر بحزّ رأسه والطواف به في الشام ، وهو أوّل رأس مسلم طيف به ، كما أمر بإلقائه في حجر زوجته التي كانت في سجنه ، فألقي في حجرها ،
فكادت تموت من الفزع.
ألقى زياد عليه القبض وأعدمه لولائه للإمام أمير المؤمنين علیه السلام.
ألقى زياد عليه القبض وأمر بقطع يده ورجله وصلبه على جذع قصير ، وذلك
لإخلاصه في المودة للإمام أمير المؤمنين علیه السلام.
أعدمه الخبيث الدنس ابن زياد لولائه للإمام أمير المؤمنين علیه السلام .
أعدمهم الرجس الخبيث زياد بن أبيه لولائهم لسيّد المتقين الإمام أمير المؤمنين علیه السلام.
هؤلاء بعض أعلام الإسلام وحماته الذين أعدمهم معاوية كسرى العرب(1).
جهد الطاغية الفاجر معاوية في ظلم الشيعة والاعتداء عليهم ، فقد كتب إلى
عمّاله وولاته هذه الوثيقة :
«انظروا إلى من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان ،
وأسقطوا عطاءه ورزقه » .
وشفع ذلك برسالة أخرى جاء فيها : «من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا
به، واهدموا داره».
أرأيتم هذا الجور الذي حل بشيعة أهل البیت علیهم السلام الذين يمثّلون الإسلام بسلوكهم وإيمانهم بحق العترة الطاهرة التي أمر الله تعالى بمودتهم . قال تعالى : (قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2).
وتحدث الإمام الباقر علیه السلام عمّا جرى على شيعتهم من صنوف التنكيل والارهاق بقوله : ( وَقُتِلَتْ شيعتنا بِكُلِّ بَلْدَةٍ ، وَقُطِعَتِ الأيْدي وَالْأَرْجُلُ عَلَى الظُّنْةِ ، وَكَانَ مَنْ يُذْكَرُ
بِحُبِّنَا وَالْإِنْقِطَاعِ إِلَيْنَا سُجِنَ ، أَوْ نُهِبَ مَالُهُ ، أَوْ هُدِمَتْ دارُهُ» (1).
ومن الإجراءات الظالمة التي اتخذها كسرى العرب ضدّ شيعة أهل البیت علیهم السلام عدم قبول شهادة الشيعة في مجالس القضاء (2)، وقد ردّت شهادتهم في القضاء وغيره .
ومن الجدير بالذكر أنّ محمّد بن مسلم فقيه الشيعة شهد عند قاضي الكوفة في
واقعة ، فقال له القاضي : لا تقبل شهادتك لأنك شيعي ، فبكى محمّد .
فقال له القاضي : لِمَ تبكي لأني رددت شهادتك ؟
فقال له محمّد : أبكي لأنك ظلمت الشيعة بنسبتي إليهم ، وهذه الطائفة لا ينتمي
إليها إلا الأنبياء وأوصياء الأنبياء .
فبهر القاضي وقال : هكذا فلتكن الرجال (3).
من الاجراءات القاسية التي اتّخذها معاوية ضدّ الشيعة أنّه أوعز إلى ولاته بهدم دورهم ، والتنكيل بهم ، وإبعادهم عن أوطانهم. هذه بعض الاجراءات القاسية التي اتّخذها هذا الصعلوك النذل ضدّ شيعة أهل البیت علیهم السلام، الذين يمثّلون جوهر الإسلام ، ويحكون هدي الأئمّة في ورعهم وتحرّجهم في الدين، وسيعلم من مكّن معاوية من رقاب المسلمين يوم عرض العباد على الله .
من موبقات معاوية وجرائمه أنّه أخذ البيعة بالخلافة من بعده لولده يزيد ، وهو يعلم فسقه ومروقه من الدين ، وأنّه لا يملك أيّة نزعة شريفة تؤهله لقيادة الأمة ، فقد نشأ نشأة جاهليّة ، وتربّى فى أحضان أمّه البدويّة المطلقة التي كانت تعتنق المسيحيّة ، ففي كنفها قطع دور الطفولة حتّى أشرف على ميعة الشباب ، وقد تربّى بعادات أخواله فشرب الخمر وتعاطى المنكرات . ولمّا ولي الحكم سار بسيرة جدّه أبي سفيان وبسيرة أبيه كسرى العرب الذي ملأ حياة المسلمين ظلماً وجوراً .
وبهذا نطوي الحديث عن معاوية لنستقبل حكومة ولده الفاسق الفاجر يزيد .
أمّا نزعات يزيد ، فقد كانت قائمة شديدة الظلام ، لا بصيص فيها من النور ، وهذه
بعضها :
كان يزيد كأبيه وجدّه في اعتناق الإلحاد وعدم الإيمان بالله تعالى ، ولمّا ولي الحكم أباد عترة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم و أخذ يترنّم بهذه الأبيات:
لَيتَ أَشْياخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا *** جُزَعَ الخَرْرَجِ مِن وَقعِ الأَسَلْ
لأَهَلُوا وَاستَهَلُوا فَرَحاً *** ثُمَّ قَالُوا يَا يَزيدُ لَا تُشَلْ
قَدْ قَتَلنا القَرمَ مِن ساداتِهِمْ *** وَعَدَلناهُ بِبَدْرٍ فَاعتَدَلْ
لَعِبتْ هَاشِمٌ بِالمُلكِ فَلَا *** خَيرٌ جَاءَ وَلَا وَحيَّ نَزَلْ
لَستُ مِن خِندِفَ إِن لَم أَنتَقِم *** من بَنِي أَحْمَدَ مَا كانَ فَعَل (1)
1) الأمالي / الصدوق : 229 - 231 . اللهوف : 105 - 106 . روضة الواعظين : 191. مقاتل الطالبيين : 119 . تذكرة الخواص : 235 البداية والنهاية : 8 194.
الويل ليزيد ولأتباعه من بهائم البشر الذين عميت قلوبهم وبصائرهم ، فراحوا
يمجّدونه ، وأكبر الظنّ إنّما بجّلوه لأنّه قد انتقم من النبي صلی الله علیه واله وسلم بإبادته لعترته علیه السلام
وظاهرة من صفاته وموبقاته ، وهي الادمان على الخمر ، وقد أسرف فيه إلى حدّ كبير ، فكان في معظم أوقاته ثملاً لا يعي من السكر ، وله شعر كثير في وصف
الخمر ، كان منه :
إسقني شُرِبَةٌ تُروِّي مُشاشِي *** ثُمَّ مِلْ فَاسِقِ مِثلَها ابنَ زِيَادِ
صاحِبُ السِّرُ وَالأَمانَةِ عِندِي *** وَلِتَسدِيدِ مَعْنَمِي وَجِهادِي (1)
وفي أنساب الأشراف : 5 : 311 ، هكذا :
إِسقِنِي مُزَّةٌ تُروّي مُشاشِي ***وَأَدِرْ مِثلَها عَلَى ابْنِ زِيَادِ
موضعُ السِّرِّ وَالأَمانَةِ عِندِي *** وَعَلَى ثَعْرٍ مَعْنُمِي وَجِهادِي
حكى هذا الشعر ولاءه العارم للارهابي المجرم ابن زياد الذي اقترف بأمره أعظم
جريمة في الأرض ، وهي قتل ريحانة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .
كان يزيد ولعاً بالقرود ، فهي تشبهه وتحكيه ، وكان له قرد كنّاه بأبي قيس يسقيه فضل كأسه من الخمر ويسكر معه ، ويقول فيه : «هذا شيخ بني إسرائيل أصابته خطيئة فمسخ » ، ومن شدّة أنسه به كان يجلسه على أتان وحشيّة ، ويرسله مع الخيل في حلبة السباق ، وقد سبق الخيل مرّة ، فقال :
تَمسَّك أبا قيس بِفَضل زمامها *** َلَيسَ عَلَيها إِنْ سَقَطتَ ضَمان
1) مروج الذهب : 3 : 67 .
فَقَدْ سَبَقَتْ خَيلَ الجَمَاعَةِ كُلها *** وَخَيلُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ أَتانُ (1)
وأرسله مرّة في حلبة السباق فطرحته الريح ، فمات ، فحزن عليه حزناً شديداً ، وأمر بتكفينه ودفنه في مقابر المسلمين ، وأوعز إلى رعيته أن تعزيه بفقيده العظيم ، وقد رثاه بهذه الأبيات :
كَمْ مِن كِرامِ وَقَومٌ ذُو مُحافظة *** جاءوا لَنا لِيُعَرُّوا فِي أَبِي قَيسِ
شَيخُ العَشِيرَةِ أَمْضاها وَأَجمَلُها *** عَلَى الرُّؤوسِ وَفِي الأَعناقِ وَالرِّيسِ
لا يُبْعِدُ الله قبراً أَنتَ ساكِنُهُ *** فِيهِ جَمالٌ وَفِيهِ لِحيَةُ النَّيس (2)
وشاع بين الناس شغفه بالقرود ، فهجاه رجل من تنوخ بهذين البيتين :
يَزِيدٌ صَدِيقُ القِرْدِ مَل جوارنا ***فَحنَّ إِلى أَرضِ القُرُودِ يَزِيدُ
فَتَباً لِمَنْ أَمْسَى عَلَينا خَلِيفَةً *** صحابَتُهُ الأَدنَونَ مِنهُ قُرُودُ (3)
أمثل هذا الفاسق المستهتر بجميع القيم الإنسانية يكون حاكماً على المسلمين
ووليّاً لأمورهم .
من الجرائم الكبرى التي اهتزّ لهولها الضمير العالمي إبادة هذا اللقيط لعترة رسول الله صلی الله علیه و اله وسلم في صعيد كربلاء ، وإنزال جميع النكبات والخطوب بهم ، فلم تبق كارثة من كوارث الدنيا إلّا صبّها على سيّد شباب أهل الجنّة في الآخرة وأبي الأحرار في هذه الدنيا ، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام الحسين علیه السلام ، فقد أحاطت به جيوش الأمويّين وشيعة آل أبي سفيان ، فحرموه وأهل بيته وأطفاله وأصحابه من الارتواء بالماء ،
وقد أخذ العطش من الأطفال وحرائر النبوّة مأخذاً عظيماً حتى أشرفوا على الموت ، والإمام الممتحن يسمع صراخ أطفاله من شدّة الظمأ فيذوب قلبه أسى وحزناً عليهم ، وقد بلغ من وحشيّة أولئك الممسوخين أن سدّدوا سهماً لطفل الإمام الذي حمله إليهم ليستدرّ عواطفهم فيسقوه جرعة من الماء ، فأصاب السهم - يا الله - رقبة الطفل وهو على ذراع أبيه ، فجعل يرفرف على صدره كالطير المذبوح حتّى فارق الحياة .
كما انثال الفسقة المجرمون على أصحاب الإمام الممبجدين والكوكبة المشرقة من ذربية رسول الله صلی الله علیه و اله وسلم فحصد و هم بسيوفهم ، ومزّقوا أجسامهم برماحهم ، ثمّ أحاطوا بالإمام من كل جانب وهم يوسعونه ضرباً بسيوفهم وطعناً برماحهم ، ورمياً بسهامهم ، وهو يتألّم لمصيرهم الأسود ، وتأخذه الشفقة عليهم فتنهل دموعه لأنّ مصيرهم سيكون إلى النار .
حقّاً لقد كان أبو الأحرار الوحيد في هذه الدنيا في سموّ ذاته ورحمته .
وبادر رجس من أرجاس وخدم الأمويّين فاحتز رأس الإمام الذي هو تاج هذه الدنيا في جميع الأحقاب والآباد ، لقد قدّم الإمام روحه لأجل أن يقيم في هذا الشرق حكومة القرآن وينقذ المسلمين من جور الأمويّين وعسفهم وجبروتهم ، ويسعد الفقراء والمحرومون ، وينفي عنهم الحاجة والبؤس .
لقد قدّم الإمام العظيم روحه ثمناً لكلّ ما تسمو به الإنسانيّة من شرف وعزّ وإباء ، وكان هذا الثمن غالياً وعظيماً ، فقد قتل غريباً مظلوماً عطشاناً ، ومثلت أمامه تلك الكواكب المشرقة من أبناء النبي صلی الله علیه و اله وسلم التي تقطعت أوصالهم بسيوف الأمويّين .
وتمادى شرّ أولئك الأرجاس الأنذال فأسرعوا إلى أخبية الإمام الحسين علیه السلام التي كانت تضمّ عقائل الوحي ومخدّرات الرسالة ، فأشعلوا فيها النار ، التي كانت امتداداً لتلك النار التي أشعلت من قبل باب دار سيّدة نساء العالمين زهراء الرسول علیه السلام. وقد رفع الأشرار أصواتهم قائلين : « احرقوا بيوت الظالمين».
بيوت آل النبيّ بيوت الظلم في عرف أولئك الممسوخين ، وبيوت الدعارة والفسق والظلم من الأمويّين بيوت العدالة .
وانثالوا على الجسد الطاهر فسحقوه بخيولهم امتداداً لوحشيّتهم وجرائمهم ، ثمّ عمدوا إلى دفن جيف قتلاهم ، وتركوا الأجسام الطاهرة التي أضاءت بها سماء العدالة ملقاة في صعيد كربلاء لم يواروها ، وانبرى إليها فريق من العرب لم يتلوّثوا بتلك الجرائم فواروها حيث هي الآن بأسمى مكان تحت الشمس .
وحملوا ودائع النبوّة سبايا إلى الكوفة ، فمثلن أمام الارهابي الخبيث ابن مرجانة وهو جذلان بإبادته لعترة رسول الله صلی الله علیه و اله وسلم ، وتقرّباً لنسبه اللصيق ببني أُميّة ، ثمّ أرسلت السبايا إلى الشام ومعها الرؤوس المشرقة ، فعرضت على حفيد أبي سفيان ، فأخذ ينكت رأس أبي الشهداء بمخصرته مظهراً الفرحة الكبرى بأخذه الثأر من ابن فاتح مكّة .
لقد كان جزاء النبي صلی الله علیه و اله وسلم الذي برّ بدين العرب ودنياهم ، وأقام لهم دولة من أعزّ دول العالم كان جزاؤه منهم أن عمدوا إلى استئصال عترته وسبي عقائله ، وممّا لا شبهة فيه أنّ هذه الرزايا التي حلّت بالعترة الطاهرة كانت امتداداً لأحداث السقيفة والشورى التي عمد أعضاؤها على الغضّ من شأنها رافعين عقيرتهم : « أبت قريش أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد » .
ورحم الله حكيم المعرّة إذ قال :
أَلَيسَ قُرَيشُكُمْ قَتَلَتْ حُسَيْناً *** وَكانَ عَلَى خِلافَتِكُمْ يَزيدُ
إنّ ما حلّ بسيد شباب أهل الجنّة من الرزايا والخطوب قد تركت بصماتها في نفس زيد وأبيه ، فكان دوماً يذكر مصائب جدّه بأسى بالغ وحزن عميق ، وقد كره الحياة وسئم من المجتمع الذي عاش فيه ، فقد غدر بجدّه ، ولم يحفظوا فيه وصيّة رسول الله صلی الله علیه و اله وسلم.
من جرائم يزيد وموبقاته انتهاكه لحرمة عاصمة الرسول صلی الله علیه و اله وسلم وإباحتها لجنده بما فيها من رجال وأموال وأعراض، فعاثوا فيها ، واقترفوا كلّ ما حرّم الله تعالى .
إنّ ثورة المدينة وتمّردها على حكومة يزيد كان من أسبابها ما جرى على عترة رسول الله صلی الله علیه و اله وسلم من القتل والسبي لعقائل النبوّة ، فقد كانت سيّدة نساء العالمين زينب الكبرى تحرّض المسلمين على الأخذ بثأر أخيها ، وبالإضافة لذلك خروج السيّدات العلويّات بمظاهرات نسويّة تجوب شوارع المدينة، وتتزعّمهن السيّدة زينب بنت عقيل وهي تخاطب المسلمين بهذه الأبيات الرقيقة :
ماذا تَقُولُونَ إِنْ قالَ النَّبِيُّ لَكُمْ ***ماذا فَعَلْتُمْ وَأَنْتُمْ آخِرُ الأُمَمِ
بِأَهلِ بَيتِي وَأَنصَارِي أَمَا لَكُمْ *** عَهْدٌ كَرِيمٌ أَمَا تُوفُونَ بالدِّمَمِ
ذُرِّيَّتِي وَبَنُو عَمِّي بِمَضيعَةٍ *** مِنْهُم أُسَارَى وَقَتلَى ضُرَّجُوا بِدَمِ
مَا كَانَ هَذَا جَزَائِي إِذْ نَصَحتُ لَكُم *** أن تَخلُفُونِي بِسُوءٍ فِي ذَوِي رَحِمِي (1)
أجل ، ماذا يقول المسلمون وبماذا يعتذرون إلى النبي صلی الله علیه و اله وسلم في إبادة عترته وسبي عقائله؟
لقد رأى زيد التوجّع على جدّه الحسين فقد ملئت القلوب أسى وحزناً عليه .
كما إنّ من أسباب ثورة المدينة فسق يزيد واستهتاره ، ورأى الأخيار من بقية الصحابة الخروج على يزيد واجباً شرعيّاً ، فقد قال عبد الله بن حنظلة وهو من زعماء الأنصار : « والله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء ، إنّه
1) أنساب الأشراف: 3: 420 . تاريخ مدينة دمشق : 19 : 178 - 179 . تذكرة الخواص : 240 . وقد ورد الشعر في الإرشاد / المفيد : 2 : 124 ، وروضة الواعظين : 163 ، أنّه لأم لقمان بنت عقيل . وفي بعض المصادر نسبه لامرأة من بني عبدالمطلب ولم يسمها .
رجل ينكح الأمّهات والبنات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة ، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلاء حسناً » (1).
وقال المنذر بن الزبير :« إنّه أي يزيد - قد أجازني بمائة ألف ، ولا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره ، والله إنه ليشرب الخمر ، والله إنّه ليسكر حتّى يدع الصلاة » (2)
وقام الثوّار بطرد حاكم المدينة وإقصائه عن منصبه، وطرد سائر الأمويين ، وشكلوا حكومة مؤقّتة ، وكان الحاكم على المدينة عثمان بن محمّد بن أبي سفيان ، وكان فتى مغروراً ، ولمّا أقصوه جعلوا يقذفونه بالحجارة (3).
فزع مروان من الثورة ، وخاف على نساء الأمويّين أن تنتهك ، فأسرع إلى عبد الله ابن عمر مستجيراً به ، فرفض إجابته ، فالتجأ إلى معدن الشرف والكرامة الإمام زين العابدين علیه السلام، فأجابه الإمام إلى ذلك ، وبادر مروان فأخرج نساء الأمويين وضمهنّ إلى بيت الإمام ، فخرج الإمام بهنّ إلى ينبع للحفاظ عليهّن ، وخرجت عائشة بنت عثمان بن عفّان زوجة مروان، وهي خائفة مضطربة ، فمرّت بالإمام زين العابدين علیه السلام، فخاف عليها ، فأرسل معها ولده عبد الله محافظاً عليها ، وبقي معها حتّى انتهت الواقعة ، فقفل راجعاً معها إلى المدينة ، وكان عدد النساء اللّاتي التجأن إلى الإمام أربعمائة امرأة ومعهن أولادهنّ وحشمهنّ ، وبقين في رعايته حتّى انتهت
الواقعة ، وأقسمت إحداهنّ أنّها ما رأت في دار أبيها من الرحمة والعيش الهني مثل ما رأته في دار زين العابدين(1)
ومن الغريب أنّ مسلم بن عقبة القائد العامّ لجيش يزيد لمّا احتلّ المدينة وجيء بالإمام زين العابدين علیه السلام إليه كان مروان إلى جانبه ، فأخذته الدهشة من هيبة الإمام ، فقال له مروان : أتعرفه إنّه عليّ بن الحسين ، اقتله واحسم الداء ، ولا تبق لهم بقيّة ، هكذا كان جزاء الإمام من هذا الخبيث النذل الذي لا يعرف الشرف ولا المعروف (2).
ندب الطاغية يزيد لحرب المدنيّين أخطر ارهابي عرفه التاريخ ، وهو مسلم بن عقبة ، ويحدّثنا المؤرخون عن صفاته القذرة ، فقد وصفه الفخري أنّه أحد جبابرة العرب ، وكان شيخاً كبيراً لما ندبه يزيد للحرب(3)
ووصفه صاحب العقد أنّه كان أعور ، أفغر ، ثائر الرأس ، كأنما يقلع رجليه عن
وحل إذا مشى (4).
يقول المستشرق دوزي أنّه كان لا يؤمن بالله تعالى ولا بالإسلام، وكان مريضاً ،فلمّا أسند إليه يزيد قيادة الجيش غمره السرور ، وقال له يزيد : إن شئت أن أعفيك فإنّي أراك دنفاً منهوكاً .
وتضرّع إليه الخبيث قائلاً: نشدتك الله أن لا تحرمني أجراً ساقه الله تعالى لي(5).
زوّد يزيد ابن عقبة بهذه الوصيّة الجهنّمية التي تحكي جرائمه، جاء فيها:
«إذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك حرباً فالسيف السيف ،
ولا تبق عليهم ، وانهبها ثلاثاً ، واجهز على جريحهم ، واقتل مدبرهم »(1).
حكت هذه الوصيّة نزعات الطاغية التي تحمل الخبث والشرّ لجميع المسلمين .
وزحفت جيوش الكفر والضلال إلى احتلال مدينة الرسول صلی الله علیه و اله وسلم ، وقد اجتازت على يزيد وهو واقف على نشز من الأرض تؤدّي لها التحيّة ، وهو مزهو فرح بقوّة جيشه ، وأنشأ يقول :
أَبْلِغْ أَبا بكر إِذا الأَمْرُ النبَرى *** وَانْحَطَّتِ الرايات من وادي القرى
أَجَمْعُ سَكْرانٍ مِنَ القَومِ تَرى *** أَمْ جَمْعُ يَقْطَانٍ نَفَىٰ عَنْهُ الْكَرَىٰ ؟(2)
ومعنى هذا الشعر أنّ هذه الجيوش التي ساقها للحرب هل هي منبعثة عن سكران أم عن يقظان نفى عنه الكرى ، أنّها انبعثت عن فاسق ، فاجر ، مدمن على الخمر، لا يرى الله تعالى حرمة .
وانتهت جيوش حفيد أبي سفيان ، وهي جيوش الكفر إلى المدينة ، ففرضت عليها حصاراً وطوقتها من جميع جهاتها ، وقام المدنيّون بحفر خندق وهو الخندق
الذي حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم في واقعة الأحزاب ، وانبرى شاعر المدينة قائلاً:
إِنَّ بِالخَنْدَقِ المُكَلَّلِ بِالْمَجْ- *** دِ لَضَرْباً يُبْدِي عَنِ النَّشَواتِ
لَسْتَ مِنًا، وَلَيْسَ خالك منا *** يا مضيعَ الصَّلاةِ بِالشَّهَواتِ
فإذا ما قَتَلْتَنا فَتَنَضّر و*** َاشْرَب الْخَمْرَ وَاتْرُكِ الْجُمُعات (1)
وعجزت جيوش الكفر من احتلال المدينة ، إلّا أنّ عبد الملك بن مروان بايعاز من أبيه خفّ مسرعاً إلى مسلم بن عقبة ، فدلّه على عورات البلد ، وفعلاً فقد نفذ منها جيش العدوّ ، فالتحم مع المدنيّين في معركة رهيبة استشهد فيها البطل المجاهد عبد الله بن حنظلة مع أبنائه وكوكبة من أبناء المهاجرين والأنصار ، وقد فقد ثمانون رجلاً من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله وسلم ، كما فقدسبعمائة من قريش والأنصار وعشرة آلاف من سائر الناس .(2)
واقترف الجيش الأموي أفظع الجرائم وأشدّها وحشية وقسوة في مدينة النبي صلی الله علیه و اله وسلم ، فقد أباحها مسلم بن عقبة لجيشه عملاً بوصيّة يزيد ، وراح الجيش يمعن في قتل الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ ، وهتك الأعراض ، وأخذ البيعة لمن بقي منهم أنّهم خول وعبيد ليزيد (3)يفعل بهم ما شاء .
وأمر الطاغية ابن عقبة بحزّ رؤوس الشهداء وإرسالها هدية إلى سيّده الطاغية
يزيد ، فلما وضعت بين يديه فرح وأخذ يترنّم بأبيات ابن الزبعرى :
ليتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا ****جَزَعَ الخزرج وَقعِ الأَسَلْ
لاهَلُوا وَاستَهَلُوا فَرَحاً *** ثُمَّ قَالُوا يَا يَزيدُ لَا تُشَل
قَدْ قَتَلنَا القَرمَ من سَادَاتِهِم *** وَعَدَلنَاهُ بِبَدْرٍ فَاعتَدَلْ
لَعِبتُ هَاشِمٌ بِالمُلكِ فَلَا *** خَبَرٌ جَاءَ وَلَا وَحَى نَزَلْ
لَستُ مِن خِندِفَ إِنْ لَم أَنتَقِمْ *** مِنْ بَنِي أَحْمَدَ مَا كَانَ فَعَل (1)
وقديماً تمثل بهذا الشعر حينما وضع رأس ريحانة رسول الله صلی الله علیه و اله وسلم بين يديه .
إنّ زيداً لم يكن مخلوقاً أيّام هذه المأساة التي حلّت بمدينة جده رسول الله صلی الله علیه و اله وسلم ، لكنه قد وعاها ودرس أبعادها بعد ولادته ونشأته لأنها من الأحداث الجسام، فحفّزته إلى الثورة والعمل الجاد للإطاحة بحكومة الأمويّين.
وقد أعلن زيد أنّ ثورته العملاقة كان من أسبابها انتهاك الأمويّين لحرمة مدينة جدّه ، حيث قال : إنّما خرجت على الذين أغاروا على المدينة يوم الحرّة ثمّ رموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار (2).
أمّا اللجنة التي وضعها معاوية لوضع الحديث فتتألف من الجماعة الآتية ، وهم :
1 - أبو هريرة الدوسي شيخ المضيرة .
2 - عمرو بن العاص الصحابي المنافق .
3 - سمرة بن جندب من سقطة المجتمع ومن أعلام المنافقين .
هؤلاء بعض الوضّاعين، وشاع الوضع وانتشرت الأحاديث المزيّفة ، ومن المؤسف أنّها دوّنت في الصحاح والسنن ، وأخذ بها المسلمون على أنّها جزء من عقيدتهم ، وقد انبرى علم الأعلام الشيخ محمود أبو رية إلى بيان ذلك في كتابه (أضواء على السنّة المحمّديّة ) وفي كتابه (شيخ المضيرة) .
وكذلك انبرى سماحة الإمام شرف الدين إلى تفنيد روايات أبي هريرة الدوسي في كتابه ( أبو هريرة ) .
لم يعد البحث عن دراسة العصر الذي نشأ فيه الشهيد الخالد زيد لوناً من ألوان الترف أو الفضول ، وإنّما هو من صميم الموضوع حسب الدراسات الحديثة ، فهو يصوّر لنا الحياة السياسيّة والعلميّة والاجتماعيّة التي عاش في ظلالها زيد والتي لها الأثر في اندفاعه بشوق إلى التضحية لمكافحة الظلم والطغيان ، وهذا ما سنتحدّث عنه في البحوث الآتية ، وهذا عرض لمكوّنات عصر زيد :
أمّا الخطّ السياسي للأمويّين في جميع أيام حكمهم ، فقد كان طابعه العامّ الظلم والجور والاستبداد ، وهذه لمحات منه :
والشيء البارز في السياسة الأمويّة هو احتقار الشعوب الإسلاميّة والاستخفاف بها ، وقد حكى ذلك الوليد بن يزيد الأموي بقوله :
فَدَعْ عَنكَ اذْكَارَكَ آلَ سُعْدى *** فَنَحْنُ الأَكْثَرُونَ حَصَى وَمالا
وَنَحنُ المالِكونَ النّاسَ قَسْراً *** نسومهم المذلة والنكالا (1)
1) وردت في الأصل : « والهوانا » .
ونوردُهُمْ حِياضَ الخَسْفِ ذُلّاً *** وَما نَأْلُوهُمْ إِلَّا خبالا (1)
حكى هذا الشعر مدى الاستهتار والطغيان والتجبّر على الأمة ، فإنّهم قد ملكوها بالقهر وفرضوا عليها سلطانهم ، يسومونها الذلّ والهوان والاحتقار .
وقال الطاغية عبدالملك بن مروان في خطابه الذي ألقاه في المدينة أمام أبناء المهاجرين والأنصار : « ألا وإنّي لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم ، وإنّكم تحفظون أعمال المهاجرين الأوّلين ، ولا تعملون مثل عملهم ، وإنّكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم ، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلّا ضربت عنقه». (2)
وهل هناك استهتار أفحش من هذا الاستهتار ، إنّه لا يداوي أمر الأمّة بالعدل ، وإنّما يداويها بالقتل والدمار.
ويقول ابن العاص - وهو من أجهزة الحكم الأموي-: «إنّما السواد بستان قريش» ، ومعنى هذا أن السواد ملك للسادة القرشيّين ليس لأهله حرمة ولا كرامة ، هذا هو منطق الأمويّين في جميع مراحل حكمهم .
الإسلام واضح في تشريعه بالنسبة إلى بقيّة الأديان والمذاهب ، فقد ضمن لهم جميع حقوقهم وكرامتهم ما داموا داخلين في ذمّة الإسلام ، فإنّه ليس من الإسلام أن يضطهد أي إنسان مهما كانت معتقداته ما لم يحدث فتنة أو فساداً في الأرض .
يقول الإمام أمير المؤمنين علیه السلام: « النَّاسُ صِنفانِ ، إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، أَوْ شَبيهٌ لَكَ في الْخَلْقِ » .
إنّ الإسلام تبنّى بصورة إيجابيّة الحقوق التالية لجميع الناس ، وهي :
1 - العدالة .
2 - المساواة .
3 - الحرية .
لكنّ السياسة الأموية كانت مخططاتها ظلم الذمّيّين واضطهادهم ، فقد روى المؤرّخون أنّ أسامة بن زيد التنوخي القائم بأمر الخراج في عهد يزيد بن عبدالملك قد أوقع بالذميين فأرهقهم ، وأخذ أموالهم ، ووسم أيديهم (1)
وفرض عبدالعزيز بن مروان الجزية على الرهبان ، وهي أول جزية أخذت منهم .(2)
إنّ ظلم الأموييّن وجورهم لم ينصبّ على المسلمين ، وإنّما كان شاملاً لغيرهم.
إنّ السياسة الأموية في جميع مراحل حكم ملوكها كانت ذات طابع خاصّ ، وهي ظلم الموالي وحرمانهم من جميع حقوقهم مع دخولهم في حضيرة الإسلام ، وأن كوكبة منهم كانوا من أعلام الإسلام .
كما اشترك الكثيرون منهم في الفتوحات الإسلاميّة ، وأوّل من فتح عليهم باب الظلم معاوية كسرى العرب ، فقد رام تصفيتهم ، وسفك دمائهم ، فقد دعا الأحنف بن قيس التميمي وسمرة بن جندب الصحابي الكذّاب ، وقال لهما : إنّي رأيت هذه الحمر - أي الموالي من الفرس - قد كثرت ، وأراها قد قطعت على السلف ، وكأنّي أنظر وثبة منهم على العرب والسلطان ، فقد رأيت أن أقتل شطراً منهم لإقامة السوق وعمارة الطريق ، فما ترون ؟
فأيّده سمرة وعارضه الأحنف وأقنعه بالترك(1).
وكان من نتائج هذه السياسة الخرقاء نقمة الموالي على الأمويّين ، وانضمامهم لكلّ ثورة مناهضة لحكمهم .
يقول الجاحظ في كتابه ( العرب والموالي ) : « إنّ الحجّاج بن يوسف لمّا خرج عليه عبد الرحمن بن الأشعث ، ولقي ما لقي من قرّاء أهل العراق ، كان أكثر من قاتله الموالي من أهل البصرة ، فجمعهم بعد إطفائه تلك الثورة ، وقال لهم : إنّما أنتم علوج وعجم ، وقرّاؤكم أولى بكم ، ثمّ فرقهم حيث شاء في البلاد النائية ، ونقش على يد كلّ رجل منهم اسم البلدة التي وجّهه إليها .
وبلغ من تعّصب الأمويّين ضدّ الموالي أنّهم كانوا لا يرونهم أكفاء لهم ، فكانوا ينادونهم بأسمائهم وألقابهم لا بالكنية لما فيها من الشعور بالتكريم ، كما لم يسمحوا لهم بالسير أمامهم أو معهم إلّا من ورائهم ، ولا يجعلون منهم قائداً على جيش عربي، كما لا يجيزون أن يصلّي احدمنهم على جنازة عربي .
ومن إهانتهم للموالي أنّه إذا أقبل عربي من السوق وهو حامل لشيء فعلى المولى حمله عنه ، إلى غير ذلك من صنوف التحقير والإهانة » .
وقد سببت هذه الاجراءات القاسية شيوع الأحقاد بين المسلمين ، كما سبّبت انضمام الموالي إلى الثورة التي أطاحت بالحكم الأموي.
أمّا الاقتصاد العام في عموم الأقاليم الإسلاميّة فقد كان مشلولاً قد استولى الأمويّون على معظم مناطق الزراعة وغيرها من موارد الاقتصاد العام ّ، وقد طالبهم عمر بن عبدالعزيز بإرجاع المناطق الزراعيّة التي نهبوها من أهلها ، فأبوا عليه ،
1) ضحى الإسلام 2 :271:
وهذا عرض لما عليه الناس من البؤس والحرمان في أّام حكمهم .
جهد الأمويّون على اختيار الجفاة والقساة ولاة وعمّالاً لهم أمثال المجرم زياد بن أبيه والفاجر المغيرة بن شعبة وسمرة بن أبي أرطاة وسمرة بن جندب وخالد القسري والحجّاج بن يوسف الثقفي ، من الذين تربوا على الجريمة وسفك الدماء ، ولم يكن لهم أي عهد بالرحمة والرأفة ، ولا بأي صفة كريمة يمتاز بها الإنسان عن الحيوان السائم.
لقد سلّط الأمويون هؤلاء الأرجاس على رقاب المسلمين ، فأمعنوا في ظلمهم ، وانتهاك حرماتهم ، وسلب أموالهم ، وقد أعرب النمري في قصيدة له ما عاناه قومه من الفقر والحرمان حتّى هربوا في البيداء تصحبهم إبل مهزولة ، يقول مخاطباً عبد الملك :
أخليفَةَ الرَّحمنِ إِنَّا مَعشَرٌ *** حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلا
إِنَّ السُّعاةَ عَصَوكَ يَوْمَ أَمَرتَهُمْ ***وأنوا دَواهِيَ لَوْ عَلِمْتَ وَغُولا
أَخَذوا العريف فَقَطعوا حَيرُومَهُ ***الأَصْبَحَيَّةِ قائماً مَغْلُولا (1)
الأصبحية : جمع أصبح : السياط ، كما أن الحيزوم وسط الظهر.
حَتَّى إذا لَمْ يَترُكُوا لِعظامِهِ ***لَحْماً وَلَا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا (2)
جاءوا بَصَكُهمْ وَأَحْدَبَ أَسْأَرَتْ ***مِنْهُ السياط بَراعَهُ إجفيلا (3)
أخذوا حُمُولَتَهُ فَأَصْبَحَ قاعِداً ***لَا يَسْتَطيعُ عَنِ الدِّيار حويلا
يَدعو أَميرَ الْمُؤْمِنينَ ودونَهُ *** خَرْقُ تَجُرُّ بِهِ الرياحُ ذُبُولا (1)
گهداهِد كَسَرَ الرُّماةُ جَناحَهُ *** تدعو بقارعَةِ الطَّريقِ هَدِيلا
أخَليفَةَ الرَّحمنِ إِنَّ عَشيرتي *** أَمْسَى سَوامُهُمْ عُرِينَ قُلُولا (2)
قومٌ عَلى الإِسلامِ لَمّا يَتْرُكوا *** ماعُونَهُم ويُضَيّعوا التَّهْلِيلا (3)
قطعوا اليمامةَ يَطْرُدُونَ كَأَنَّهُمْ *** قَومٌ أَصابوا ظَالِمينَ قَتِيلا
تَسَهْرَي رَبِيعِ ما تَذُوقُ لَبُونَهُمْ *** إِلَّا حُمُوضاً وَحْمَةٌ وَذَبِيلا (4)
وأَتاهُمْ يَحيى فَشَدَّ عَلَيْهِمْ *** عقداً يَراهُ الْمُسلِمُونَ ثَقِيلا (5)
كُتُباً تَرَكْنَ غَنِيّهُم ذا عَيلَةٍ *** بَعْدَ الغِنَى وَفَقيرَهُمْ مَهْزُولا
فَتَرَكْتُ قَوْمى لَا يَقْسِمُون أمورَهُمْ *** إليك أَمْ يَتَرَبَّصُونَ قَلِيلا (6)
جعفر علي الله : 304:1.
أرأيتم ما صوّره النمري بهذا الشعر من المظالم الفظيعة التي صبّها على قومه جباة الضرائب والولاة ، حتّى تركوهم بأقصى مكان من الذلّ والفقر والهوان .
واستمرّ هذا الظلم حتّى في دور عمر بن عبدالعزيز الذي هو أنبل ملوك
الأمويّين ، فإن عمّاله لم يألوا جهداً في نهب أموال الرعيّة . يقول كعب الأشعري :
إِن كُنتَ تَحفَظُ ما يليكَ فَإِنَّما *** عُمَالُ أَرضِكَ بِالبِلادِ ذئاب
لَنْ يَستَجيبُوا لِلَّذِي تَدعُو لَهُ *** حَتَّى تُجَلَّل بالسُّيوفِ رِقابُ
بِأَكُفُ مُنْصَلِتين أهلِ بَصائر *** في وَقْعِهِنَّ مَزاجِرٌ وعِقابُ (1)
وكان عمر يخطب فقطع رجل عليه خطابه قائلاً:
إنَّ الَّذينَ بَعَثْتَ في أَقْطارها ***نَبذُوا كِتابَكَ وَاسْتُحِلُ الْمَحْرَمُ
طلْسُ النِّيابِ (2)عَلَى مَنابِرِ أَرْضِنا ***كُل يَجورُ وَكُلُهُمْ يَتَظلم
وَأَرَدْتَ أَنْ يَلِيَ الأَمانَةَ مِنْهُمُ *** عَدْلٌ وهيهات الأمينُ المُسلِمُ (3)
ومن المؤكّد أنّ الجباة لم ينهبوا أموال الناس إلا بايعاز من ملوك الأمويّين ،
فهم كانوا يدفعونهم إلى النهب ويقاسمونهم إيّاه .
يقول فان فلوتن : « وبدل أن يتخذ الخلفاء - أي خلفاء الأمويّين - التدابير لمحاسبة الولاة ومنعهم من الظلم ، نجدهم يقاسمونهم في فوائدهم من الأموال التي جمعوها بتلك الطرق المفضوحة ، وهذا معناه رضى الخلفاء بسوء تصرّف العمّال مع أهل البلاد ، بالإضافة إلى أن الدليل على أن بعضهم كان يهمه مصالح الخزينة المركزية بالدرجة الأولى »(4).
إنّ ملوك الأمويّين هم الذين يدفعون ولاتهم إلى سلب أموال الناس ، فقد فزع والي مصر إلى العاهل الأموي سليمان بن عبدالملك شاكياً ما يعانيه المصريّون من الاضطهاد والثقل من الضرائب التي فرضت عليهم قائلاً: « يا أمير المؤمنين ، إنّي ما جئتك حتّى أنهكت الرعيّة وجهدت، فإن رأيت أن ترفق بها وتخفّف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها ، وصلاح معاشها ، فافعل ، فإنّه يستدرك ذلك في
العام المقبل » .
وهذا منطق حقّ و عدل ، إلّا أنّ الطاغية لم يع ذلك ، وردّ عليه قائلاً: «هبلتك
اُمّك ، احلب الدرّ ، فإذا انقطع فاحلب الدم والنجا »(1)
أي استهتار في حقوق الإنسان وكرامته يماثل هذا الاستهتار ، إنّه الحكم بالدمار
الشامل على الشعب المصري وسلب جميع مقوّماته .
ولمّا شاع هذا الظلم الفاحش عند ملوك الأمويين أخذ ولاتهم يتقرّبون لهم بذلك ، فقد أراد صاحب الخراج على مصر أن يتقرّب إلى هشام بن عبدالملك ، فكتب إليه أنّ أرض مصر تحتمل الزيادة ، فأمره أن يزيد في كلّ دينار قيراطاً (2).
وهكذا أخذت البلاد الإسلامية ترزح تحت كابوس مظلم من الفقر والجوع قد سلبت جميع مقوّماتها الاقتصاديّة، وصارت بأيدي اللصوص والخونة من ملوك الأمويّين وولاتهم.
وفرضت السلطات الأموية ضرائباً لم يألفها المسلمون ولم يقرّها الدين ، كان منها :
1 - الرسوم على الصناعات والحرف (3)
2 - الرسوم على من أراد الزواج (4).
3 - الرسوم على من يكتب عريضة (5)
4 - الرسوم على أجور البيوت (1).
5 - ضريبة النيروز ، وأوّل من سنّها معاوية بن أبي سفيان ، وقد بلغت في عهده عشرة ملايين درهم . (2)
6 - الضريبة على من أسلم (3)، والسبب في ذلك شل الحركة الإسلاميّة .
ولم تكن هذه الضرائب وغيرها محدودة ، وإنّما كان أمرها بيد الولاة والجباة ، فهم الذين يقدّرونها حسب رغباتهم وميولهم .
يقول بندلي جوزه : « إنّها - أي الضرائب الإضافية - كانت أشد وطأة من الخراج والجزية ، لأنّها لم تكن محدودة ، ولا مستندة إلى قاعدة مقبولة ، بل كان مقدارها يتوقف على رغبة العمّال » (4).
وكان ممّا ذكره المؤرخّون أنّ صاحب اخنا سأل عمرو بن العاص أن يخبره بمقدار ما عليه من الجزية ، فأجابه: «لو أعطيتني من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك إنّما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفّف عنا خفّفنا عنكم »(5)وليس من مفاهيم الظلم مثل هذا الظلم ولا أكثر وطأة وأشدّ نقمة منه ، فالشعوب خزانة لهؤلاء الحاكمين أو بستان لهم على حدّ تعبير ابن العاص .
قال معاوية : « الأرض الله ، وأنا خليفة الله ، فما أخذ من مال الله فهو لي ، وما تركته كان جائزاً لي »(6).
إنّ هذه السياسة النكراء قد أثارت سخط زيد وأمثاله من الأحرار ، فهبّوا إلى
مناهضتها ومقاومتها .
ومن بين الوسائل التي اتّخذها الأموّيون لإشاعة الفقر مصادرة أموال الناس بغير حقّ ، فقد كتب معاوية إلى زياد بن أبيه عامله على العراق أن يصطفي له الذهب والفضّة ، فأوعز زياد إلى جلاوزته بذلك، وأن لا يقسموا بين المسلمين ذهباً ولا فضّة (1).
كما كتب معاوية إلى وردان عامله على مصر أن يزيد على كّل امرئ من القبط ، فردّ عليه : كيف أزيد عليهم وفي عهدهم أن لا يزاد عليهم .(2)
لقد اتّخذ الأمويون مال الله تعالى دولاً ، وعباده خولاً ، ومن مظالمهم أنّ إخوة الحجّاج صادروا أملاك الأهالي ببلاد اليمن.
وقد أثارت هذه السياسة السوداء سخط الأحرار ونقمتهم ، وكان في طليعتهم الشهيد الخالد زيد بن عليّ ، فقد ثار على الأمويين من أجل كرامة الناس وحقوقهم .
ونظراً لفداحة الضرائب وثقلها ، فقد عمد المزارعون إلى التخلّي عن أملاكهم ، كما سجّل بعضهم أرضه باسم إحدى شخصيّات العرب أو باسم أحد رجال الدولة فراراً من الضرائب ، وكانوا يدفعون عوض هذا التسجيل قسماً من الحاصلات الزراعيّة (3).
وبقي هذا الحال مستمرّاً حتّى دور النبيل عمر بن عبدالعزيز ، فألغى ذلك ،
ولمّا انتهى دوره وولي الأمر يزيد بن عبدالملك عادت تلك الضرائب ، وكتب إلى عمّاله مذكّرة جاء فيها : « أمّا بعد ، فإنّ عمر كان مغروراً ، فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى ، أخصبوا أم أجدبوا ، أحبّوا أم كرهوا ، حيوا أم ماتوا .
ولمّا انتهى هذا المرسوم إلى العمّال أخذوا بخناق الناس وشدّدوا عليهم ، وأعادوا الضرائب إلى حالتها الأولى )(1)
إنّ الأمويّين بجميع أدوارهم مالوا عن العدل، وحكموا الناس بالظلم والجور، وهذا هو السبب في انحراف المسلمين عنهم وقيامهم بثورات مسلّحة ضدّهم . لقد ثار زيد من أجل أن يقيم حكومة القرآن ، وينقذ الناس من ظلم الأمويّين، واستبدادهم ، ويعيد للمسلمين كرامتهم .
وكان من أهمّ القيم والمبادئ التي تبنّاها الإسلام وجعلها شعاراً له ، نشر العلم وإشاعته بين المسلمين ، لأنّه لا يمكن بأي حال أن تنهض أمّة وتحتلّ لها مركزاً كريماً تحت الشمس ما لم تتسلّح بالعلم وتتحلّى به ، فقد جعل الرسول صلی الله علیه واله وسلم طلبه فريضة - لا واجباً -على كلّ مسلم ومسلمة ، وقال : « اطلبوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ» ، وقد نصب علیه السلام الإمام أمير المؤمنين علیه السلام خليفة من بعده لأنه كان أعلم أمّته ، وقال له : «أَنا مَدينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بابها » .
وفي أيّام الحكم الأموي ساد الجهل في جميع الأوساط ، وكان ذلك متعمّداً من قبل الأمويّين لأنّ فيه دعماً لحكمهم المبني على الظلم والجور والجهل ، فلو عرف المجتمع حقيقة الأمويّين لنبذوهم وناهضوهم ، وقد كان زيد أهم
1) الإمامة والسياسة : 1 : 141 . الفتوح: 8 238 .
عنصر مخيف لهم لأنّه يتمتّع بطاقات هائلة من العلم ، فخافوا منه ، وفرضوا عليه الرقابة الشديدة ، وجهدوا على الحط من شأنه ، كما سنعرض لذلك في البحوث الآتية .
وعلى أي حال، فلم يكن في العصر الأموي أي ظلّ للعلم ، ولم تكن هناك مدرسة تعنى بنشر القيم الإسلاميّة سوى مدرستين وهما :
أمّا مدرسة أهل البيت فكان لها دور متميز في الحفاظ على الفقه الإسلامي وتدوينه ، خصوصاً في عهد الإمام الباقرعلیه السلام ، فقد احتف به الفقهاء وهم يسجّلون أحاديثه وما يفتي به ، وما أسّسه من القواعد الأصوليّة كالاستصحاب والبراءة وغيرهما .
مضافاً إلى القواعد الفقهيّة كقاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز التي يفتي فقهاء الإماميّة على ضوئها ، وكان زيد من أبرز الفقهاء الذين يحضرون بحوث أخيه الإمام الباقر علیه السلام، وتخرّجوا من مدرسته ، كما كان يلقي في بهو الجامع النبوي بعض المحاضرات في الفقه والحديث وعلم الكلام وغير ذلك من العلوم التي تلقّاها من أخيه باقر علم الأوّلين والآخرين.
إنّ مدرسة الإمام الباقر علیه السلام هي المدرسة الوحيدة التي تبنّت أحاديث أهل البیت علیهم السلام وفقههم ، وقد ضمّت أساطين الفقهاء كمحمّد بن مسلم ، وزرارة بن أعين ، وهشام بن الحكم ، وأمثالهم من الفقهاء ، ومن الجدير بالذكر ، أنّ الإمام الباقر أوصى ولده الإمام الصادق علیه السلام بتعهد الفقهاء من تلامذته بعد وفاته حتّى يتفرّغوا للدراسة والاستفتاء ، وقد ذكرنا دورهم الايجابي في نشر علوم أهل البیت علیهم السلام بما دوّنوه من أحاديثهم في الأصول الأربعمائة التي جمعت في الكتب الأربعة ، التي يرجع إليها الفقهاء فيما يفتون به من الأحكام.
لقد قام الإمام الباقر علیه السلام بدور مشرق في نشر الفقه وبيان أحكام الدين في ذلك العصر الذي جهدت فيه الحكومة الأموية على إماتة الوعي الديني ، وإهمال الشؤون الدينية حتى خفيت معظم أحكام الإسلام على المسلمين ، فقد خطب ابن عبّاس في آخر شهر رمضان على منبر البصرة ، فقال : « اخرجوا صدقة صومكم »، ولم يعرف الناس ما هي تلك الصدقة ، فالتفت إلى الحاضرين من أهل المدينة ، وقال لهم :علّموا إخوانكم زكاة الفطرة ، فإنّهم لا يعلمونها (1).
كما كان جمع كبير من أهل الشام لا يعرفون عدد الصلوات المفروضة فراحوا يسألون الصحابة عنها (2)
وعلى أي حال، فقد كان الإمام محمّد الباقر رئيس مدرسة أهل البيت التي أخذت على عاتقها نشر أحكام الدين.
من مظاهر نشاط الحركة الفقهيّة في المدينة هي مدرسة التابعين ، أمّا أعضاؤها فقد نظم أسماءهم بعض الشعراء بقوله :
إذا قيلَ مَنْ فِي العِلْمِ سَبعَةُ أَبْحُرٍ ***رِوايَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ العِلْمِ خَارِجَة
فَقُلْ : هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُروَةٌ قاسِمٌ ***سعيدٌ أَبو بَكْرِ سُلَيْمَانُ خارِجَة (3)
وقال شاعر آخر :
أَلا كُلُّ مَنْ لا يَفْتَدي بِأَئِمَّةٍ *** فَقِسْمَتُهُ ضِيزى عَنِ العِلْمِ خارِجَة
فَخُذْهُمْ: عُبَيدُ اللهِ ، عُروَةُ ، قاسِمٌ *** سعيد ، سُلَيْمَانٌ ، أَبو بَكْرٍ ، خارِجَة (1)ونتحدّث بإيجاز عن هؤلاء الأعلام الذين كان لهم الفضل في نشر القيم الإسلامية ، كما أنّ معظمهم قد تخرّجوا من مدرسة الإمام أبي جعفر علیه السلام، وهم :
ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ، وتدرّج في طلب العلم حتى صار من عيون العلماء ، وقد روى محمّد بن إسحاق عن مكحول ، قال : « طفت الأرض كلّها في طلب العلم فما لقيت أعلم منه »(2)
وقال ابن المديني : « لا أعلم في التابعين أوسع علماً من سعيد بن المسيّب» (3). وأثرت كلمات من أعلام عصره في فضله وسعة علمه ، وهو من تلاميذ الإمام زين العابدين علیه السلام.
اختلف المترجمون له بين مادح وقادح ، ومال السيّد الخوئي إلى التوقّف في أمره ، وذلك لعدم حجّيّة المادحين والقادحين له (4)
وممّا قدح به ما رواه عمرو بن ميمون ، عن أبيه ، قال : «قدمت المدينة فسألت عن أعلم من فيها ، فدفعت - أي من قبل السلطة - إلى سعيد بن المسيّب » ، ومن المؤكّد أنّ تبنّي السلطة له ممّا يقدح في وثاقته لو صحّت هذه الرواية(5).
توفّي بالمدينة سنة 94ه- في خلافة الوليد ، وكان عمره خمساً وسبعين سنة(1)
من فقهاء المدينة السبعة ، وكان أعلم الناس بحديث خالته عائشة بنت أبي بكر ، وقد وعى جميع أخبارها وأحاديثها (2)
وقد حضر مع أبيه الزبير في حرب الجمل ضدّ وصيّ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وباب مدينة علمه ، وكان عمره 13 سنة (3)
وكان صديقاً حميماً لعبد الملك بن مروان ، قال فيه : « من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى عروة بن الزبير » (4)
وكفى بهذه الشهادة على وثاقته وعدالته ، فقد صدرت من عبد الملك صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام.
توفي عروة سنة 91ه (5).
الهذلي . قال العجلي : «كان أعمى ، وكان أحد فقهاء المدينة ، تابعي ، ثقه، رجل صالح ، جامع للعلم ، كان معلّماً لعمر بن عبد العزيز »(6)
تغزّل في امرأة من هذيل قدمت مكّة فقال فيها :
أحِبُّكِ حُبّاً لَوْ عَلِمَتِ بِبَعْضِهِ *** لَجُدتِ وَلَمْ يَصعَبٌ عَلَيكِ شَديدُ
وَحَسبُكِ يا أمّ الصَّبِيِّ مُدَلّهي *** شهيدي أبو بكر فذاك شهيد
وَتَعلَمُ وَجدي القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ *** وَعُروَةُ ما ألقى بِكُمْ وَسَعِيدُ
وَيَعلَمُ ما أضفى سُلَيمانُ عِلْمَهُ *** وَخارِجَةٌ يُبدِي لَنا وَيُعيدُ
متى تسألي عمّا أقولُ فَتُخبري *** فَلِلحُبُ عندي طارق وَتَليدُ
وبلغت هذه الأبيات سعيد بن المسيّب ، فقال : « والله لقد أمن أن تسألنا ، وعلم لو أنّها استشهدت بنا لم نشهد لها بالباطل ».(1)
توفّي سنة 99ه- (2).
ابن الحارث المخزومي . روى عن جماعة منهم الشهيد زيد والحسن البصري .
قال النسائي : «ليس بالقويّ » ، ولكن ابن سعد قال : «إنّه ثقة » ، وقال أحمد :
«متروك » ، وضعفهّ عليّ بن المديني .
توفّى في حكم أبي جعفر المنصور (3)
الهمداني . كان مكاتباً للسيّدة أمّ سلمة . روى عنها وعن عائشة ، وكان من العلماء . توفّي سنة 107ه- وهو ابن 73 سنة (4)
النّجاري، المدني. روى عن جماعة ، وروى عنه جماعة آخرون . قال ابن سعد :
«كان ثقة ، كثير الحديث» (1)
ابن محمّد بن أبي بكر . روى عن أبيه ، وعن عمّته عائشة ، وروى عنه جماعة آخرون . قال البخاري : « قتل أبوه وبقي في حجر عائشة »(2).
وقال أبو الزياد : « ما رأيت أحداً أعلم بالسنّة منه ، ولا أحد ذهناً »(3)
تزوّج الإمام محمد الباقر علیه السلام بابنته أمّ فروة ، فأولدت سيّد الدنيا وإمام المسلمين جعفر الصادق علیه السلام. عدّه الشيخ من أصحاب السجّاد علیه السلام ، ومن أصحاب الباقر علیه السلام(4)
توفّي سنة 102ه- ، وكانت وفاته بعد عمر بن عبدالعزيز(5).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الحياة العلمية في عصر زيد ، وقد كانت متّسمة بالخمول والركود؛ لأنّ السلطة الأموية قد أمعنت في نشر الجهل بين الناس مخافة أن يسود الوعي ، وتنتفض الجماهير ضدّهم .
من المؤكّد أن الفرق والمذاهب التي نشات بين المسلمين كانت ناجمة عن
الأحداث السياسيّة التي حدثت بعد وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم والتي مزقّت وحدة المسلمين وتركتهم شيعاً وأحزاباً .
إنّ أهمّ ما كان يصبو إليه النبي صلی الله علیه واله وسلم وحدة أمّته وتماسكها ، فوضع لها المنهاج الذي تسعد به في جميع مراحل حياتها الصاعدة ، وهو التمسّك بكتاب الله تعالى وعترته ، فردوا عليه :« حسبنا كتاب الله » ، ومعناه يكفينا الكتاب ويغنينا عن العترة ، وهم لا يفهمون الكتاب ولا يتدبرون آياته ، وبعد وفاته رفعوا شعارهم « أبت قريش أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد» ، وكان من نتائج هذا التمرّد اختلاف المسلمين وشيوع المذاهب بينهم والتي منها :
أمّا المعتزلة فهي من أقدم الفرق الإسلاميّة ، وقد لعبت دوراً خطيراً في تاريخ قادة الحياة الفكريّة في العصر الذي نشأ فيه الشهيد زيد ، وكان له دور متميّز مع الاعتزال كما كان لأخيه الإمام محمّد الباقرعلیه السلام، ونعرض بإيجاز إلى تأسيس الاعتزال، وبعض قيمه ومكوّناته :
تأسّس الاعتزال حينما بويع الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، فاعتزل جماعة بيعته ، كان منهم سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد ، ومحمد بن مسلمة الأنصاري ، فأطلق عليهم اسم المعتزلة ، كما اعتزلوا معركة الجمل وصفّين ، ويرى زهدي جار الله أنّ الاعتزال تأسّس في بداية القرن الثاني الهجري في مدينة البصرة التي كانت مجمعاً للعلم والأدب في الدولة الإسلاميّة (1).
1) المعتزلة : 1
إنّ الاعتزال كمدرسة كلاميّة لها منهجها الخاصّ في علم الكلام، ولها بحوثها الخاصّة في العقيدة الإسلاميّة ، فإنّها ظهرت في أواخر القرن الأوّل الهجري (1)
وبالرغم من سلامة بعض معتقدات المعتزلة الكلاميّة ، إلا أن أقطابه كانوا في خدمة السلطة ، فقد ذهبوا إلى إمامة المفضول وتقديمها على إمامة الفاضل ، وذلك المشروعيّة حكومة الأمويّين وغيرهم من الذين تسلّموا السلطة مع وجود من هو أفضل منهم وأكثر دراية في أنظمة الحكم والإدارة وغير ذلك من الصفات والنزعات الكريمة التي اتّصفوا بها .
وقد أقرّوا مشروعيّة الخلفاء الذين سبقوا الإمام أمير المؤمنين الذي هو أفضلهم في عبقريّاته ومواهبه وإيمانه وقربه من النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وهذا الرأي يجافي المنطق ويخالف شريعة الإسلام ، فقد قال الله تعالى في كتابه : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (2).
إن تقديم المفضول على الفاضل أو مساواته له هدم للقيم وتدمير لحكومة العقل ، وظلم للأمّة ، واعتداء على كرامتها ، وقد واجه المسلمون الكثير من الأزمات بتقديم المفضول ومن لا دراية له على غيره من ذوي المواهب والكفاءات ، وفي العصر الأموي والعبّاسي تسلّم الفسقة ومن لا حريجة له في الدين قيادة الأمّة ، فعاثوا في الأرض فساداً.
وعلى أي حال، فقد نال علماء المعتزلة التأييد والدعم الكامل من الأمويّين والعبّاسيّين ، لأنّهم كانوا من أجهزتهم والمؤيّدين لهم ، فالمنصور الدوانيقي الذي كان
من أراذل الملوك في خسّة طبعه ومعاداته للعلم والعلماء كان يكبر عمرو بن عبيد الزعيم الروحي للمعتزلة ، كما إن أحمد بن أبي دؤاد الزعيم الآخر للمعتزلة قد حظي بالاحترام البالغ من ملوك العبّاسيّين ، فقد قال فيه المعتصم : «هذا والله الذي يتزيّن بمثله ، ويبتهج بقربه ، ويعدل الوفا من جنسه »(1).
ومرض أحمد فعاده المعتصم ، وكان لا يعود أحداً من إخوته ، وأجلاء أهله ، ولمّا قيل له في ذلك أجاب: «كيف لا أعود رجلاً ما وقعت عيني عليه قطّ إلّا ساق لي أجراً ، وأوجب لي شكراً ، وأفادني فائدة تنفعني في ديني ودنياي» (2).
ومال المستشرق الايطالي نلينو ، والمستشرق وينسبوج إلى أن منشأ الاعتزال كان من أصل سياسي (3)لا ديني .
على أي حال، فإنّ الاعتزال قد حظى بدعم كامل وتكريم من حكّام الأمويّين والعبّاسيّين ، ولو كان الاعتزال بمعزل عن السياسة لما ظفر قادته بمثل ذلك التكريم والتبجيل .
إنّ زعماء المعتزلة كانوا القوّة المساندة للأمويّين والعبّاسيّين والمبرّرة لما صدر منهم من أعمال مجافية للإسلام .
أمّا الأصول الاعتقادية التي تدين بها المعتزلة فهي خمسة ، فمن زاد عليها فقد فارق الاعتزال (4)، وهي :
أمّا توحيد الله تعالى ، فقد فسّره المعتزلة بأنّه تعالى منزّه عن مشابهة المخلوقين ، فهو ليس جسماً ولا عرضاً ولا جوهراً ولا يحويه زمان ولا مكان ، ورّدوا كلّ من يعارض ذلك ، كما ذهبوا إلى أنّ صفات الله تعالى عين ذاته ، وأنكروا من يذهب إلى خلاف ذلك (1).
وأوّلوا الآيات التي تدل بظاهرها على التجسيم ، مثل قوله تعالى : ( يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ (2)، واستدلّوا على ما ذهبوا إليه بأوثق الأدلّة .
العدل الإلهي ، وقد فسروه بأنّ الله تعالى ليس بظلام للعبيد ، ولا جائر عليهم .وقد تشعّبت بحوثهم عن عدل الله تعالى إلى جهات كلاميّة متعدّدة ، وهي :
1 - نفي القدر.
2 - حرّية الإنسان وحرية إرادته واختياره .
3 - الإنسان هو الذي يوجد أفعاله بمقتضى حرّيّته ، وذلك نتيجة لعدالة الله تعالى ونزاهته عن الظلم ، فإنّ الله تعالى لا يعاقب إنساناً على فعل أجبره عليه .
4 - الثواب والعقاب تابعان للعمل وليسا خاضعين لشيء آخر .
5 - البحث عن الحسن والقبح العقليّين ، وذلك لارتباطهما بالعدالة ، فقد ذهبوا إلى أن الله تعالى لا يفعل ولا يأمر إلّا ما فيه الخير العامّ لعباده ، فهل أنّ الأعمال التي أمر الله بها حسنة لذاتها أو أنّها اكتسبت حسناً بأمر الشارع وتوجيهه ، أم أنّ حسن
الأشياء ذاتي وليس مكتسباً، وأن الشارع إنما يأمر بشيء لحسنه وينهى عن الشيء لقبحه . وقد مجّدوا العقل ، وفتحوا الطريق أمام تنميته ونضوجه (1).
هذا هو الأصل الثالث من أصولهم العقائديّة ويراد به ما وعد الله تعالى عباده المتّقين من الفوز بالجنّة ، وما توعّد به الظالمين من الخلود في الجحيم ، ورّتبوا على ذلك إنكار الشفاعة لأي أحد القيامة (2)، وتجاهلوا الآيات والأخبار الصحيحة
يوم التي دلّت على الشفاعة لأحبّ خلق الله تعالى وأقربهم إليه .
المراد منها هو أنّ مرتكب الكبيرة من الذنوب لا مؤمن ولا كافر ، بل هو فاسق ، والفسق مرتبة ثالثة بين الإيمان والكفر ، وهو وسط بينهما ، وقد قرّر ذلك واصل بن عطاء ، بقوله : « إنّ الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمّي المرء مؤمناً ، وهو اسم مدح ، والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا استحقّ اسم المدح ، فلا يسمّى مؤمناً ، وليس هو بكافر لأنّ الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة لا وجه لإنكارها ، لكنّه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالد فيها » (3).
وتابع عمرو بن عبيد مقالة واصل كما أنّ الحسن البصري أقرّ ذلك بعد أن كان مصرّاً على أن مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق .(4)
وهذا هو الأصل الخامس من الأصول الاعتقاديّة عند المعتزلة ، فقد ذهبوا إلى أنّ الواجب على كلّ مسلم إقامة المعروف ، وتحطيم المنكر ، فإن استطاعوا بالسيف فهو ، ويسمّى جهاداً ، وإن لم يستطيعوا به فبما دونه ، ولا فرق عندهم بين مقاومة الكافرين والفاسقين (1).
ولكنّهم لم يطبقوا هذا المبدأ في أيام الحكم الأموي الذي نشأ فيه المنكر مع مفاهيمه وصوره ، وإنّما كانوا مسالمين لهم ، وكذلك أيّام الحكم العبّاسي ، فلم يؤثر عن أحد منهم أنّه قاوم المنكر بسيفه أو بلسانه .
هذه هي الأصول العامة عند المعتزلة ، ويتفرّع عليها فروع كثيرة ذات أهميّة بالغة ذكرت في كتبهم الكلامية .
ذهب بعض المستشرقين إلى أنّ الشيعة اقتبست الكثير من بحوثها الكلامية من المعتزلة ، وإنّهما معاً يشتركان في قاسم واحد وهو وحدة العقيدة ووحدة الفكر ، أدلى بذلك كولد زيهر ، قال : « استقرّ الاعتزال في مؤلّفات الشيعة حتّى في يومنا هذا ، ولذا فإن من الخطأ الجسيم ، سواء من ناحية التاريخ الديني أو التاريخ الأدبي ، أن نزعم بأنّه لم يبق للاعتزال أثر محسوس بعد الفوز الحاسم الذي نالته العقائد الأشعريّة ، وعند الشيعة مؤلّفات اعتقاديّة كثيرة يرجعون إليها ،وينسجون على منوالها، وهي حجّة قائمة تدحض هذا الزعم وتفنّده ، ويمكن أن تعتبر كتب العقائد الشيعيّة كلّها مؤلّفات المعتزلة »(2).
وهذا الرأي ليس بسديد ، فإنّ للشيعة آراءهم الخاصة وفي بعض العقائد تباين آراؤهم ما ذهبت إليه المعتزلة -كما سنذكر ذلك ..
ويرى آدم متز أنّ الشيعة ورثة المعتزلة في عقائدهم ، قال : « إنّ الشيعة في القرن الرابع الهجري لم يكن لهم مذهب كلامي خاصّ بهم ، فاقتبسوا من المعتزلة أصول الكلام وأساليبه ، حتّى أنّ ابن بابويه القمّي أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري اتبع في كتابه ( علل الشرائع ) طريقة المعتزلة الذين كانوا يبحثون عن علل كلّ شيء .. إن الشيعة من حيث العقيدة والمذهب هم ورثة المعتزلة »(1).
وهذا الرأي سطحي ليس له ما يدعمه من الأدلّة العلميّة ، إنّ الشيعة لها أصالتها واستقلالها وليست عيالاً على أيّة فرقة من الفرق الإسلاميّة ، فقد أمدّها أئمة أهل البیت علیهم السلام البطاقات وأرصدة من البحوث الفقهيّة والكلاميّة ، وهم أوّل من فتق علم الكلام ، كما أنّهم الروّاد الأوائل في بحوث التوحيد ، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا ( التوحيد في مدرسة أهل البيت).
وقد حفلت خطب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ومناظراته بالكثير من المسائل الكلاميّة ، كما كانت أدعية الإمام زين العابدين علیه السلام ثريّة في البحوث الكلاميّة ، فقد عرضت لصفات الخالق وتنزيهه عن صفات المخلوقين، فكيف تكون الشيعة عيالاً على المعتزلة ؟
يقول الشيخ المفيد :« ليس تعرف الشيعة فقيهاً متكلّماً قد أخذ الكلام من المعتزلة »(2).
يقول الدكتور عرفان عبد الحميد : « أمّا علماء الشيعة ، قديماً وحديثاً ، فقد أنكروا دعوى الاقتباس والتقليد ، وردوا على القائلين به ، وذلك في نظرنا أمر طبيعي
منطقي لا بدّ منه ممن يعتنق مذهب الإمامية القاضي بأن الهيكل العامّ للتعاليم الشيعيّة إنّما قام على ما روي من أحاديث وأخبار عن الإمام المعصوم . فمنطوق المذهب يقضي يطرد كلّ احتمال للتأثير الخارجي ، لا بل وإنكاره باعتبار أنّ المذهب الشيعي وحدة فكرية قائمة بذاتها مستمدة من تعاليم الإمام »(1).
إنّ مذهب أهل البیت علیهم السلام القائم بنفسه ومستقلّ بذاته بجميع شرائحه وینوده ، فمنه اقتبس زعماء المذاهب الإسلاميّة ما يتعلّق في البحوث الكلامية وغيرها من المناهج العلميّة .
اتّفقت الشيعة مع المعتزلة في بعض المسائل الاعتقاديّة ، كالعدل الإلهي . يقول الإمام كاشف الغطاء : « والذي يجمعها - أي المعتزلة - مع الشيعة قولهم : بأن من صفاته تعالى العدل الذي ينكره الأشاعرة ، وعلى هذا تبتني مسألة الحسن والقبح العقلييّن التي تقول بها الإماميّة والمعتزلة ، وتنكرها الأشاعرة أيضاً، وبهذا الملاك يطلق على الفريقين - أي الشيعة والمعتزلة - اسم العدليةّ » (2)
كما أنّ من المسائل المتّفق عليها بين الشيعة والمعتزلة الوعد والوعيد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنّه واجب إسلامي عند الشيعة ، وأصل من أصول الدين عند المعتزلة .
اختلفت الشيعة والمعتزلة اختلافاً جوهريّاً في كثير من المسائل الكلاميّة والتي منها :
ذهبت المعتزلة إلى جواز إمامة المفضول وتقديمه على الفاضل . يقول ابن الحديد : « الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل » ، وتنكر الشيعة ذلك أشدّ الانكار وتراه ضرباً من ضروب التأخّر والانحطاط الفكري ، وأنه يتصادم مع القرآن الكريم . قال تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم.)### 2 - الشفاعةأنكرت المعتزلة الشفاعة لأي أحد من أولياء الله عزّ اسمه وأنّ الإنسان يجازى بأعماله إن خيراً فخيراً ، وإن شرّاً فشراً، ولا تنفعه شفاعة أي أحد مهما كانت منزلته عند الله تعالى ، وأنكرت الشيعة ذلك ، وذهبت بغير تردّد إلى أن أولياء الله تعالى لهم المكانة المرموقة والمنزلة الرفيعة عند الله تعالى ، وفي طليعتهم أئمّة الهدى ومصابيح الإسلام ، وأنّ الله تعالى يظهر فضلهم يوم يجمع عباده في حشرهم ونشرهم ، ويبيّن للناس مدى أهميّتهم ومنزلتهم عنده ، فهم يشفعون لمن ارتضى من عباده بالموالاة والمودّة لهم ، وإذا لم تكن لهم الشفاعة فما هي الميزة لهم على غيرهم في ذلك اليوم ؟هذه بعض الفوارق بين الشيعة والمعتزلة حسبما ذكرناه في الجزء الثاني من كتابنا ( حياة الإمام محمد الباقر علیه السلام .)### الإمام الباقر علیه السلام مع علماء الاعتزالوانبرى الإمام الأعظم محمّد الباقر علیه السلام إلى إبطال شبه المعتزلة وتفنيد ما ذهبوا إليه في بعض المسائل ، ومن المؤكّد أن أخاه زيداً عالم آل محمّد علیه السلام قد شاركه في هذا الجهاد ، وهذه بعض مناظرات الإمام الباقر علیه السلام مع قادة الاعتزال :
### 1- مع الحسن البصريالحسن البصري من كبار قادة الاعتزال، وقد حظي بمقابلة الإمام علیه السلام، وانبرى قائلاً: جئت لأسألك عن أشياء من كتاب الله تعالى .فرمقه الإمام بطرفه وقال له : أَلَسْتَ فَقية أَهْلِ الْبَصْرَةِ ؟- قد يقال ذلك.- هَلْ بِالْبَصْرَةِ أَحَدٌ تَأْخُذُ عَنْهُ ؟- لا .- جميعُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَأْخُذُونَ عَنْكَ ؟- نعم.- لَقَدْ تَقَلَّدْتَ عَظيماً مِنَ الْأَمْرِ ، بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ ، فَمَا أَدْرِي أَكَذَاكَ أَنْتَ أَمْ يُكْذَبُ عَلَيْكَ ؟- ما هو ؟- زَعَمُوا أَنَّكَ تَقولُ : إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْعِبادَ ، فَفَوَّضَ إِلَيْهِمْ أمورَهُمْ.وأطرق البصري برأسه إلى الأرض ويقي ساكناً لا يدري ما يقول.فبادره الإمام قائلاً : أَرَأَيْتَ مَنْ قالَ لَهُ اللهُ في كِتَابِهِ : إِنَّكَ آمِنٌ ، هَلْ عَلَيْهِ خَوْفٌ بَعْدَ هذَا الْقَوْلِ مِنْهُ ؟- لا .- إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ آيَةٌ ، وَأَنهي إِلَيْكَ خِطاباً ، وَلَا أَحْسَبُكَ إِلَّا وَقَدْ فَسُرْتَهُ عَلَىغَيْرِ وَجْهِهِ ، فَإِنْ كُنْتَ فَعَلْتَ ذلِكَ فَقَدْ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ .- ما هو ؟- أَرَأَيْتَ حَيْثُ يَقُولُ اللهُ: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرِى ظَاهِرَةً
وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (1)بَلَغَني أَنَّكَ أَفْتَيْتَ النَّاسَ فَقُلْتَ :)هِيَ مَكَّةً .- بلى.وأخذ الإمام يدلي بتفسير الآية ويفنّد ما ذهب إليه البصري ، وحار في الجواب، ثمّ نهاه الإمام عن التفويض وبيّن فساده (2.)ومن مآخذ الإمام على الحسن البصري أن عثمان الأعمى عرض رأياً للبصري فأنكره وقال : فليذهب الحسن يميناً وشمالاً ، فوالله ما يوجد العلم إلّا هاهنا ، وأوماً إلى صدره الشريف الذي هو خزانة علوم الأنبياء (3)### 2 - مع عمرو بن عبيدأمّا عمرو بن عبيد فهو شيخ المعتزلة وزعيمها الروحي الأعلى ، وقد حظى بإكبار الدوانيقي الذي هو أظلم إرهابي من حكّام بني العبّاس ، وقد مرّ على قبره فصلّى عليه ودعا له ، وأنشد :صَلَّى الإِلهُ عَلَيْكَ مِنْ مُتَوَسِّدٍ *** قَبْراً مَرَرْتُ بِهِ عَلى مَرَانِقَبْراً تَضَمَّنَ مُؤْمِناً مُتَخَشُعاً *** عَبَدَ الإِلهَ وَدانَ بِالْقُرْآنِوَإِذا الرَّجالُ تَنازَعوا في شُبْهَةٍ *** فَصَلَ الحَدِيثَ بِحُجَةٍ وَبَيانِوَلو أَنَّ هذا الدَّهرَ أَبْقى صالِحاً *** أَبْقَى لَنا عَمراً أَبا عُثْمَانِيقول ابن خلّكان : « إنّه لم يسمع بخليفة يرثي من دونه سواه » (4)
حكى هذا الشعر إكبار المنصور له ، لأنّه كان من أقوى الأجهزة التي اعتمد عليها الدوانيقي في دعم سلطانه وظلمه .وعلى أي حال ، فقد التقى عمرو بالإمام أبي جعفر علیه السلام قاصداً امتحانه فقال له : جعلت فداك ، ما معنى قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا (1))وفسّر الإمام له الآية قائلاً : كانَتِ السَّماءُ رَتْقًا لَا تُنْزِلُ الْقَطْرَ ، وَكانَتِ الْأَرْضَ فَتْقاً لَا تُخْرِجُ النَّبَاتَ .وحار عمرو ولم يقل شيئاً ، وخرج من المجلس ، إلّا أنّه لم يلبث إلّا قليلاً حتّى عاد وقال للإمام علیه السلام: جعلت فداك ، أخبرني عن قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (2)، ما معنى غضب الله ؟)فأجاب الإمام علیه السلام: غَضَبُ اللهِ عِقابُهُ ، وَمَنْ قالَ : إِنَّ اللهَ يُغَيِّرُهُ شَيْءٌ فَقَدْ كَفَرَ (3.)إنّ موقف الإمام محمّد الباقر علیه السلام مع بعض قادة المعتزلة كان هو النقد لما يذهبون إليه في بحوثهم الكلاميّة ، ولا شكّ أنّ أخاه زيداً الذي هو من مشاهير علماء آل البيت علیه السلام قد شارك أخاه في التصدّي لعقائد المعتزلة بالنقد .### المرجئةمن المذاهب التي ظهرت على الصعيد الإسلامي في عصر زيد هي المرجئة ، هي وكانت سنداً لتبرير سياسة ملوك الأمويّين والعباسيّين التي لا تّتفق مع الإسلام .والمرجئة هم الذين يرجئون أمر الذين اختلفوا وتنازعوا في الخلافة إلى يوم
القيامة ولا يقضون بحكم على أحد منهم .(1)يقول المأمون : «الإرجاء دين الملوك »(2.)إنِ أعلام المرجئة وقادتهم كانوا أداة بأيدي الملوك ، سواء أكانوا من الأمويِين أم من العباسييِن ، ويرى خدابخش : « أن أصل المرجئة يرجع إلى ما كان من ضرورة استنباط وسيلة للعيش في وفاق مع الحكم الأموي »(3)إنّ المرجئة كانت أجهزة الحكم في ذلك العصر، ولم تقم بأي دور في مكافحة الظلم ، وإنّما كانت تطلب العيش الرغيد في ظلِ الحكم القائم .### عداوة المرجئة للشيعةكانت المرجئة تبغض الشيعة بغضاً عارماً ، لأنّها ترى الحكم الأموي غير شرعي ، وكذلك الحكم العبّاسي ، أمّا المرجئة فكانت تضفي الشرعيّة عليهما ، وكان بينهما صراع حادّ وعنيف ، فكانت الشيعة تغيظ المرجئة بالثناء على الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وتبجيله .وفي ذلك يقول أحد الشعراء :إذا الْمُرْجِيُّ سَرَّكَ أَن تراه *** يَموتُ بِدائِهِ مِنْ قَبْلِ مَوْتِهِفَجَدُدْ عِنْدَهُ ذِكرى عَلِيٌّ *** وَصَلَّ عَلَى النَّبِيِّ وَالِ بَيْنِهِ(4)وقد نقمت الشيعة على المرجئة بتقديمهم الخلفاء على الإمام أمير المؤمنين علیه السلام.
يقول منصور النمري شاعر الشيعة في هجائه لمحارب الذي هو من المرجئة :يَوَدُّ مُحارَبٌ لَوْ قَدْ رآها *** وَأَبْصَرَهُمْ حَوالَيها جِثِبًاوَأَنَّ لِسَانَهُ مِنْ نابٍ أَفْعى *** وَمَا أَرْجى أَبا حَسَنٍ عَلِيّاوَأَنَّ عَجوزَهُ مُصِعَتْ بِكَلبٍ *** وَكانَ دِماءُ ساقيها جَرِيَامَتى تُرْجِئْ أَبا حَسَنٍ عَلِيّاً *** فَقَدْ أَرْجَيْتَ يا لُكَعْ نَبِيا (1)أرأيتم هذا الهجاء المرّ لمحارب الذي اعتنق مذهب المرجئة من دون وعي وإيمان .ومن شعراء الشيعة الذين عابوا على المرجئة السيّد الحميري يقول :خليلى لا تُرْجيا (2وَاعْلَما *** بأَنَّ الهُدى غَيرُ ما تَزْعَمانِ)وَأَنَّ عَمَى الشَّكُ بَعدَ اليَقين *** وَضَعفَ البَصيرةِ بَعدَ العِيانِضَلالٌ فَلا تَلْجَجًا فيهما *** فَبِئْسَتْ لَعَمرُكُما الخصلتانأَيُرجى عَلِيٌّ إمامُ الهُدى *** وَعُثمان ما أَعنَدَ المُرْجِيانِوَيُرجى ابنُ حَرب وَأَشْياعُهُ *** وَهُوجُ الخَوارِج بِالنَّهْرَوانِيكون إمامهم في المَعادِ *** خَبيثَ الهَوى مُؤْمِنَ الشَّيصَبانِ (3)### من مبادئ المرجئةو دانت المرجئة بأنّ الإيمان هو التصديق بالقلب ولا عبرة بالإقرار بالكلام ولا بالعمل ، فمن آمن بقلبه فهو مؤمن ولا يتوقف ذلك على صلاته وصومه وحجّه ،
وغيرها من الطقوس الدينيّة ، وقد سالموا النصارى واليهود مراعاة لهم ومجاراة العواطفهم .(1)### أبو حنيفة والارجاءأعلنت بعض المصادر أنّ أبا حنيفة كان يعتنق الارجاء (2.)وقال محمّد بن عمرو : « سمعت أبا مسهر يقول : كان أبو حنيفة رأس المرجئة » . وقال عمر بن سعيد : « سمعت جدّي يقول : قلت لأبي يوسف : أكان أبو حنيفة مرجباً ؟قال : نعم .- أكان جهميّاً ؟- نعم .- فأين أنت منه ؟- إنّما كان أبو حنيفة مدرّساً ، فما كان من قوله حسناً قبلناه ، وما كان من قوله قبيحاً تركناه»(3.)وقد سبّبت هذه التهمة الكثير من الطعون عليه ، وشنّت عليه بعض الأوساط حملات لاذعة ، ولكن لم يتبيّن لنا بصورة مؤكّدة صحتها .### الإمام الباقر علیه السلام مع عمر الماصرودان عمر بن قيس الماصر بالإرجاء ، وقد قصد مع صديق له الإمام الباقر علیه السلام
وانبرى قائلاً: إنّا لا نُخرج أهل دعوتنا وأهل ملتنا من الإيمان في المعاصي والذنوب .فردّ عليه الإمام :« يابْنَ قَيْسٍ ، أَمَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ قالَ : لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَسْرِقُ السّارِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَأَصْحابُكَ حَيْثُ شِئْتَ »(1.)إنّ ما ذهبت إليه المرجئة أنّ مرتكب الذنوب كالزنى والسرقة مؤمن منافٍ لما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنّ اقتراف الزنى والسرقة يخرجان الشخص من اطار الإيمان الذي يصون النفس ويردعها عن ارتكاب الذنوب .### الخوارجمن الفرق التي ظهرت على مسرح الحياة السياسيّة في الإسلام هي فكرة الخوارج ، فقد نشأت حينما تفلّلت قوى معاوية وهمت بالفرار ، فالتجأ إلى رفع المصاحف مطالباً بالرجوع إلى حكم القرآن ، وهذه المكيدة قد تمّ الاتّفاق عليها بين ابن العاص والأشعث بن قيس وبعض قادة الفرق في جيش الإمام ، وقد انخدعت زمرة من جيش الإمام الذين لا يملكون وعياً سياسيّاً ، ولا رصيداً من الإيمان ، فأحاطوا بالإمام طالبين منه الاستجابة لهذه الدعوة ، فعرّفهم أنّها خديعة ، وأنّ معاوية وابن العاص وسائر الزمرة الأموية لا يدينون بالكتاب ، ولا يرجون الله تعالى وقاراً، فلم ينصاعو الرأيه ، وأجمعوا على خلعه وقتاله إن لم يستجب لهم ، وشهروا السيوف بوجهه في حين أن طلائع جيشه بقيادة الزعيم الكبير مالك الأشتر قد أشرفت على الفتح ، ولم يبق بينه وبين الانتصار على معاوية إلا حلبة شاة ، أو أقلّ من ذلك ،حسبما يقول مالك الأشتر . وكادت الفتنة تقع بين الإمام وجيشه ، فاستجاب لإيقاف الحرب ، ومنذ ذلك
1) تفسير فاتحة الكتاب / الأميني : 164 .
الوقت مني جيش الإمام بالتمرّد والانقلاب على الأعقاب ، وكتبت وثيقة التحكيم حسبما يراه معاوية وابن العاص ، فقد جرّدت الإمام من لقب أمير المؤمنين علیه السلام وبعد أحداث مرعبة جرى التحكيم الهزيل ، ففاز معاوية واستبان لأولئك الوحوش الأنذال خديعة التحكيم ، فطلبوا من الإمام أن يعلن التوبة ، فلم يستجب لهم لأنّه لم يقترف ذنباً ، وإنّما هم الذين اقترفوه ، وأصروا على غيّهم ورفعوا شعارهم : « لا حكم إلّا الله» .ولم يكن الحكم الله وإنّما للسيف ، وأخذوا ينشرون الفساد ويشيعون الخوف والارهاب، ويقتلون الأبرياء ممّا اضطرّ الإمام إلى قتالهم ، وسفك دمائهم ، وهم في ضلال مبين .لقد اجتنّ الإمام أصولهم في واقعة النهروان ، إلّا أنّه فرّ منهم جماعة ، فأخذوا ينشرون مبادئهم الفاسدة التي تدعو إلى العصيان المسلّح وحلّيّة إراقة دماء المسلمين .وكان من آرائهم الحكم بتكفير مرتكب الذنوب الكبيرة وتخليده في النار ، كما ذهبوا إلى أنّه لا حاجة إلى نصب إمام ، وجواز أن يكون عبداً أو حراً ، أو قبطيّاًأو غيرهم (1)### الإمام الباقر علیه السلام مع نافعأمّا نافع الأزرق فكان من أعلام الخوارج ، وقد وفد على الإمام الباقر علیه السلام وسأله عن بعض المسائل، فأجابه عنها ، وبعدما انتهت مسائله قال له الإمام :قُلْ لِهَذِهِ الْمَارِقَةِ : بِمَ اسْتَحْلَلْتُمْ فِراقَ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام وَقَدْ سَفَكْتُمْ دِماءَكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي طَاعَتِهِ ، وَالْقُرْبَةِ إِلَى اللهِ فِي نُصْرَتِهِ؟
1) الملل والنحل : 1 : 158 .
وَسَيَقولونَ لَكَ : إِنَّهُ قَدْ حَكَّمَ فِي ِدينِ اللهِ .فَقُلْ لَهُمْ: قَدْ حَكَّمَ اللهُ فِي شَرِيعَةِ نَبِيِّهِ رَجُلَيْنِ مِنْ خَلْقِهِ ، فَقَالَ: (فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِن أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا (1)، وَحَكَمَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَعْدَ بْنَ مَعَادٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَحَكَمَ فِيهِمْ بِمَا أَمْضَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.)أَوَما عَلِمْتُمْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام إِنَّمَا أَمَرَ الْحَكَمَيْنِ أَنْ يَحْكُما بِالْقُرْآنِ ، وَلَا يَتَعَدَّياهُ ، وَاشْتَرَطَ رَدَّ ما خالَفَ الْقُرْآنَ مِنْ أَحْكامِ الرِّجَالِ ، وَقَالَ حِينَ قالوا لَهُ : قَدْ حَكَمْتَ عَلى نَفْسِكَ مَنْ حَكَمَ عَلَيْكَ .فَقالَ : ما حَكَمْتُ مَخْلوقاً ، وَإِنَّما حَكَمْتُ كِتابَ اللهِ ، فَأَيْنَ تَجِدُ الْمارِقَةُ تَضْلِيلَ مَنْ أَمَرَ الْحَكَمَيْنِ بِالْقُرْآنِ ، وَاشْتَرَطَ رَدَّ مَا خَالَفَهُ لَوْلَا ارْتِكَابُهُمْ فِي بِدْعَتِهِمُ الْبُهْتانَ .وبهر نافع وراح يقول : هذا والله كلام ما مرّ بسمعي قطّ ، ولا خطر ببالي ، وهو الحقّ إن شاء الله. (2)وللإمام أبي جعفر وأخيه العالم زيد احتجاجات على الخوارج حكت غباءهم وفساد آرائهم ، وأنهم لا يملكون أي رصيد من الوعي العلمي ، وأنّهم غارقون في الجهل .
### الشيعةوهي من أقدم الفرق الإسلاميّة ، وأكثرها وعياً وانفتاحاً، وألصقها بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد نشأت في أيّام النبي صلى الله عليه وسلم حسب الدراسات العلميّة البعيدة عن التيّارات الطائفيّة ، فقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم برامجها ، وأقام أصولها ، وشيّد بناءها ، ويكفي للتدليل على ذلك أنّه قال لعليّ :« يا عَلِيُّ ، أَنْتَ وَشِيعَتُكَ تَرِدونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِواءٌ مَرْويِّينَ مُبْيَضَةٌوُجُوهُكُمْ ، وَإِنَّ عَدُوَّكَ يَرِدُّونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ظِماء مُقْمَحِينَ »(1.)وقال له : « يا عَلِيُّ ، إِنَّكَ سَتَقْدِمُ عَلَى اللهِ وَشِيعَتُكَ رَاضِينَ مَرْضِيِّينَ ، وَيَقْدِمُ عَلَيْكَ عَدُوكَ غَضاباً مُقْمَحِينَ »(2.)وقال له : « أَنْتَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسى ، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي » ، ونصبه علماً لأمّته ، وقائداً لمسيرتها ، وأخذ له البيعة بالخلافة من بعده في غدير خم ، ودعا له بقوله : «اللَّهُمَّ والِ مَنْ والاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ» ، وأحاطه بهالة من الإكبار والتعظيم ، وأحاديثه بذلك متواترةومشهورة لا مجال للاغضاء وطوي النظر عنها .إنّ التشيّع للإمام ، والإقرار له بالخلافة والوصاية بعد النبي صلى الله عليه وسلم جزء من رسالة الإسلام، فمن أنكره فليس له رصيد من الفكر ، وليس في ذلك مدعاة للغلو أو التجنّي على غير الإمام من الصحابة ، لأنّ الأمر واضح كالشمس .إنّ الإسلام بجميع قيمه ومكوّناته التشريعيّة لم يحط بها أحد من الصحابة سوى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام الذي عاش في كنف النبي الله ورعايته ، فغرس في نفسه قيم الإسلام وغذّاه بروح الإيمان ، فكان صورة مشرقة عنه ، فكيف لا يرشحه إماماً
لأمّته ومرجعاً لها في حلّ مشاكلها .انظروا إلى ما أثر عن الإمام علیه السلام في نهج بلاغته من الإحاطة بنظم الحكم والإدارة وقواعد السياسة ، وأصول التربية ، وشؤون الاقتصاد والثقافة التي لا يعرفها أحد سواه ، وها هو التاريخ بوثائقه شاهد صدق ودليل حكم على صحّة ما نقوله ، فالصحابة من تولّى الخلافة وغيرهم كانوا كلّهم عيالاً على موائد الإمام القضائية والفقهيّة ، وقد اشتهرت كلمة عمر وحفظها الناس : «لولا على لهلك عمر » ، وقال : «حتى النساء أفقه منك يا عمر » ، والله تعالى يقول: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ .)وإنّا لنتساءل : من هو عملاق هذه الأمّة ورائد حضارتها العلميّة والفكريّة ؟من الذي بات على فراش النبي صلى الله عليه وسلم حينما أحاطت به قريش لتصفيته ؟من هو بطل الإسلام في بدر وأحد والأحزاب ؟مَن هو الذي أذل اليهود وفتح حصونهم ؟من هو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : وأَنا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بابها ؟من هو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٌّ ؟؟)إنّه الإمام أمير المؤمنين وصي النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته من بعده ، والأب الروحي والزعيم الأعلى لشيعة أهل البیت علیهم السلام·وهذه لمحات عن بعض قيم الشيعة ونماذج من أرصدتهم الفكرية والحضاريّة :### الفكر السياسي الشيعيإنّ الفكر السياسي الذي تبنّته الشيعة امتداد لقيم الإسلام وتجسيد لجوهره وعمقه وأصالته ، وهذه شذرات منه :
### 1- بسط العدلمن أوليّات المبادئ التي تؤمن بضرورتها الشيعة بسط العدل وإشاعته بين الناس ، وقد نشر الإمام أمير المؤمنين علیه السلام حينما تقلّد الحكم العدل السياسي والعدل الاجتماعي بين المسلمين ، وقد رأى الناس في عهد خلافته من صنوف العدل ما لم يشاهدوه في حكم غيره ، وقد حفل التاريخ الإسلامي بصور مشرقة من عدله الذي كان مثلاً أعلى لعظمة الإسلام.### 2 - مقاومة الظلموالشيء البارز في تاريخ الشيعة مقاومتهم للظلم والجور والطغيان ، ومن أعلام الشيعة الذين ثاروا على الظلم هو الصحابي الجليل أبو ذرّ الغفاري صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وصديق المحرومين والمضطهدين ، فقد قاوم سياسة عثمان بن عفان زعيم الأمويّين وشيخهم الذي تبنّى الأثرة والاستغلال ، وحمل الأمويّين وآل أبي معيط على رقاب المسلمين ، فأمعنوا في النهب والسلب ، وتركوا شبح الفقر جاثماً على رؤوس البؤساء والضعفاء ، وقد خضموا مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع -كما يقول الإمام أمير المؤمنين علیه السلام- فثار هذا البطل العظيم في وجه هذا الطغيان السافر .وسلك هذا المنهج المشرق عيون الشيعة من أصحاب الإمام أمير المؤمنين كحجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، ورشيد الهجري ، وأمثالهم من المجاهدين الصالحين الذين أنكروا سياسة معاوية القائمة على الظلم والغدر والجور ، فصبّ عليهم الطاغية جام غضبه ، وصفاهم جسديّاً ، إلّا أنّ سيرتهم بقيت نديّة تفوح بروح الإيمان والجهاد في سبيل الإسلام .أمّا عدوّهم معاوية ، فقد صار جيفة نتنة تلاحقه اللعنة في جميع الأحقاب والآباد .
وفي عصر الطاغية الفاجر يزيد بن معاوية وحفيد أبي سفيان أعلن الكفر والإلحاد والفسق والفجور والاستهانة بقيم الإسلام ومكوّناته ، فانبرى إليه أبو الأحرار بشموخ وصلابة مستهيناً بالقتل وهازئاً من الحياة قائلاً: «لا أرَى الْمَوْتَ إِلا سَعادَةً ، وَالْحَياةَ مَعَ من الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً »(1. فاستشهد في سبيل الإصلاح الاجتماعي ، وإنقاذ الأمة ويلات الأمويّين وكوارثهم ، وقد فتح للمسلمين أبواب المجد والكفاح ، فلم تمض إلّا حفنة من السنين حتّى ثار حفيده زيد بوجه الظلم والجور الأموي مقتدياً بجده سيّد الأحرار وزعیم التحرير في العالم العربي والإسلامي .)إنّ الثورة على الظلم قد تبنّتها الشيعة منذ فجر تاريخهم لإزالة الغبن الاجتماعي وإزالة ضروب الفساد والظلم من الأرض .إنّ الشيعة من أعظم الفرق والمذاهب الاجتماعية انطلاقاً في ميادين الكفاح دفاعاً عن حقوق المظلومين والمضطهدين، وتحقيقاً للعدالة الاجتماعيّة بين الناس .### 3- المساواةمن القيم الكريمة التي تبنّاها الفكر السياسي عند الشيعة نشر المساواة بين الناس ، أما ضروبها وأنواعها فهي :1 - المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، فلا يختصّ بها صنف دون صنف ، ولا قوم دون آخرين.2 - المساواة في الضرائب ، وهي عامة في الإسلام لجميع المواطنين من دونأن يختص بها صنف من الناس دون صنف .3 - المساواة أمام القانون ، من دون فرق بين الحاكم والمحكوم ، وبهذا تتحقّق
1) مناقب آل أبي طالب : 4 68 مثير الأحزان / ابن نما : 32 المعجم الكبير / الطبراني : : 114 - 115 . تاريخ مدينة دمشق : 14 : 217 و 218
العدالة التي ينشدها الإسلام .### 4- الحريةمن مقوّمات الفكر السياسي عند أهل البیت علیهم السلام إشاعة الحريّة ونشرها بين الناس ، وأنّ الدولة مسؤولة عن حماية الحرّيّة وصيانتها من التدخّل الخارجي والداخلي لحرمان المجتمع منها ، أمّا مظاهر الحريّة فهي :### 1 - حريّة الكلامالناس أحرار فيما يقولون ، وليس للسلطة وغيرها صدّهم ومنعهم فيما يتكلّمون به شريطة أن لا يمسوا العقائد الدينيّة، كالتطاول على الله تعالى وعلى نبيّه وشريعته ، فإنّ ذلك من الفساد الذي لا يسمح به.### 2 - حرية النقد للسلطةأمّا حرية النقد للسلطة فهي من الحقوق التي يجب حمايتها ، وقد تعرّض الإمام أمير المؤمنين علیه السلام إلى النقد اللاذع والسبّ من قبل الخوارج ، فقد قال ابن الكوّاء له وهو على المنبر : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنْ عَمَلُكَ (1).)فردّ عليه الإمام : ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (2).)وقال له ابن الكواء مرّة أخرى : إنّي لا أصلّي خلفك .فأجابه الإمام : ذاك إليك ، ولم يتخذ ضده أي إجراء ، كان يرى الناس أحراراً فينقدهم شريطة أن لا يحدثوا فساداً في الأرض فيقف ضدّهم حفظاً للأمن العامّ . ولم يتّخذ الإمام أي موقف ضدّ الذين تخلّفوا عن بيعته كعبد الله بن عمر ،
وسعد بن أبي وقّاص ، وأسامة بن زيد ، وغيرهم من المنحرفين عن الحقّ .### 3 - حرية العملمنح الإسلام حرّيّة العمل للمسلمين شريطة أن لا يكون العمل محرماً ، كصنع الخمور وآلات الطرب واللهو ، وذلك لما يتّرتب عليها من المفاسد الاجتماعيّة .### 4 - حرّيّة السفرأمّا حرّيّة السفر فهو حق لكلّ من استوطن في البلاد الإسلاميّة ، وقد سمح الإمام أمير المؤمنين لطلحة والزبير بمغادرة المدينة مع علمه أنّهما يريدان الغدرة لا العمرة ، وقد منع عمر بن الخطّاب الصحابة من السفر من المدينة مخافة أن يحدثوا فتنة بين بين المسلمين ، إلّا أنّ الإمام لم يقرّ ذلك الاجراء في أيّام خلافته .هذه بعض صور الحرية في الفكر السياسي الشيعي .### 5 - إلغاء التمايز العنصريمن بنود السياسة الإسلامية عند أهل البیت علیهم السلام لا إلغاء التمايز العنصري الذي يفرّق ولا يوحّد ، ويشتّت ولا يجمع ، وهو مجافٍ لتعاليم الإسلام التي لم تميّز عنصراً على عنصر .يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «ولا فَضْلَ لِعَرَبِيَّ عَلَى أَعْجَمِيٌّ ، وَلَا لَأَبْيَضض عَلَى أَسْوَدَ ، كُلُّكُمْ لَآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» .وقد تبنى هذه الظاهرة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، يقول : « النَّاسُ صِنْفَانِ ، إِمَا أَخٌ لَكَ في الدِّيْنِ ، أَوْ شَبيءٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ» .وقد طبّق الإمام علیه السلام ذلك حينما آل إليه الحكم فساوى في عطائه بين العرب والموالي ، ولم يميّز العرب على العجم ، ولمّا منيت حكومته بالانحلال نتيجة الأوضاع التي ألمّت بها جاء ابن عبّاس إلى الإمام مشيراً عليه أن يفضّل العرب على
العجم ، ويفضّل قريشاً على سائر العرب ، فقال علیه السلام: يابْنَ عَبّاسٍ ، أَتُرِيدُ مِنِّي أَنْ أَطْلُبَ لها النَّصْرَ بِالْجَوْرِ ، لَوْ كانَ الْمَالُ لى لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ بِالْعَطاءِ ، فَكَيْفَ وَالْمالُ مالُ اللهِ تَعالى .وهذه هي السياسة الرشيدة التي تمثّل الواقع الإسلامي والتي دفعت الموالي إلى ولاء أهل البيت وتفانيهم في حبّهم بعد أن رأوا الحرمان والذل في عهد الحكام السابقين على حكومة الإمام.### 6 - الاحتياط في أموال الدولةمن صميم سياسة أهل البیت علیهم السلام الاحتياط التام في أموال الدولة ، وإنفاقها على ما هو مقرّر في مقرّر في الاقتصاد الإسلامي من مكافحة الفقر وبسط الرخاء والإنفاق على المشاريع العامة التي تتطوّر بها البلاد، ولا يحقّ لرئيس الدولة وغيره من أجهزة الحكم أن ينفقوا أي شيء منها في غير الصالح العام ، فقد جاء عقيل شقيق الإمام أمير المؤمنين ، وقد أملق طالباً من الإمام أن يسعفه ويوفر له العيش الرغيد ، فأبى من إجابته ، ولمّا ألحّ عليه في الطلب أحمى له حديدة وأدناها منه ، وكاد أن يحترق من شدة حرارتها ، فقال له الإمام : أَتينُ مِنْ حَديدةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلْعِبِهِ ، أَتَيْنُ مِنْ أَدَى وَلَا أَئِنُ مِنْ لَظَى .وقصده عبدالله بن جعفر ابن أخيه وزوج ابنته سيّدة النساء زينب علیه السلام طالباً منه السعة في المال ، فقابله بعنف وشدّة ، ولم يمنحه أي شيء من مال المسلمين ، ولو أنّه بذل المال للوجوه والأعيان وشراء الضمائر لما آل الحكم إلى غيره .بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المذاهب التي سادت في عصر زيدعلیه السلام.### اللهو والمجونواتّسم العصر الذي نشأ فيه زيد بانتشار اللهو وشيوع الفسق عند ملوك الأمويّين ، فقد تهالكوا على اللذة والمجون ، وأنفقوا خزينة الدولة على شهواتهم ولياليهم
الحمراء ، وكان من مظاهر استهتارهم في اقتراف الإثم والمنكر ما يلي :### الخلاعةوكان معظم ملوك الأمويّين قد تهالكوا على الشهوات والتحللّ من جميع الأعراف والقيم ، فهذا الوليد بن يزيد الخليع أوّل من حمل المغنين من البلدان ، وجالس الملهّين ، وقد عكف على شرب الخمر ، وقال في وصفها :وَصَفَراءَ فِي الْكَاسِ كَالزُّعْفَرانِ *** سَباها لَنَا النُّجْرُ مِنْ عَسْقَلانِتريك القذاةَ وَعَرضَ الإناءِ *** وَسَترْ لَها دونَ مَس البَنانِلَها حَبَبٌ كُلَّما صُفِّقَتْ *** تراها كَلَمعَةِ بَرقٍ يَماني (1)وكان من مجونه أنّه أراد أن يبني فوق البيت الحرام قبّة يشرب فيها الخمور ويشرف منها على الطواف (2، ولكن الله تعالى حال بينه وبين ذلك ، فقصم ظهره ، وأخذه أخذ عزيز ذي انتقام ، فقد هجم عليه يزيد بن الوليد مع جماعة من أهل بيته فقتلوه واحتزّوا رأسه ونصبوه بدمشق (3).)ومن خلاعة هذا الماجن أن ابن عائشة المغنّى غنّاه بهذه الأبيات :إني رأيتُ صَبيحةَ النَّحرِ *** حُوراً نَفَينَ عَزيمَةَ الصَّبْرِمثل الكواكب في مطالعها *** يندَ العِشاء أطفنَ بِالبَدْرِوَخَرَجتُ أَبْغِي الأَجْرَ مُحتَسِباً *** فَرَجَعتُ مَوْقوراً مِنَ الوِزْرِفطرب حتى فقد صوابه ، وقال لابن عائشة : أحسنت والله يا أميري ، أعد بحقّ
عبد شمس.فأعادها عليه ، ثمّ قاله : أحسنت والله أعدها بحقّ أميّة .فأعادها عليه وهو ثمل ثمّ أقسم عليه بحقّ آبائه الذين مثله في الخلاعة والمجون فأعادها عليه ، وانكبّ عليه يقبّل أطرافه عضواً عضواً حتى انتهى إلى عورته ، فامتنع ابن عائشة من ذلك ، إلّا أنه استطاع تقبيلها ، ثمّ إنّه نزع ثيابه فألقاها عليه ، فبقي مجرّداً بادي العورة ، وأتوه بثياب فلبسها ، ومنحه ألف دينار، وحمله على بغلته ، وطلب منه أن يركبها على بساطه ، وودّعه قائلاً: قد تركتني على أحر من جمر الغضا (1)وهذا الخليع يحكي ملوك الأمويين في خلاعتهم ، وتجردهم من جميع القيم ،وتماديهم في اللهو والفساد.### انتشار الغناءوشاع الغناء في العصر الأموي ، وقد عمد الأمويّون إلى جعل المدينة مركزاً للغناء؛ وذلك لإسقاط مكانتها في نفوس المسلمين .يقول أبو الفرج الاصفهاني : «إنّ الغناء في المدينة لا ينكره عالمهم ، ولا يدفعه عابدهم »(2)وإنّ فقيه المدينة مالك بن أنس كانت له معرفة تامّة بالغناء ، فقد روى حسين بن فقدروی دحمان الأشقر ، قال : «كنت بالمدينة فخلالي الطريق وسط النهار ، فجعلت أغنّي :ما بال أهلك يا رباب *** خُزْراً كَأَنَّهُمْ غِضابُفإذا خوخة قد فتحت ، وإذا وجه قد بدا له لحية حمراء ، فقال : يا فاسق ، أسأت
التأدية ، ومنعت القائلة ، وأذعت الفاحشة ، ثمّ اندفع يغنّي فظننت أنّ طوياً (1قد نشر يغني ، فقلت له : أصلحك الله ، من أين لك هذا الغناء ؟)فقال : نشأت وأنا غلام حدث أتبّع المغنيّن ، وآخذ عنهم ، فقالت لي أمّي : يا بنيّ ، إنّ المغنّي إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه ، فإنّه لا يضر معه قبح الوجه ، فتركت المغنّين ، واتۀبعت الفقهاء .فقلت له : أعد جعلت فداك .فقال : لا ولا كرامة ، أتريد أن تقول :« أخذته من مالك بن أنس ، وإذا به مالك ولم أعلم ». (2)ومن طريف ما ينقل أن دحمان المغنّي شهد عند القاضي لرجل من أهل المدينةعلى عراقي ، فأجازه القاضي ، فقال له العراقي : إنّه دحمان .فقال القاضي : أعرفه ، ولو لم أعرفه لسألت عنه .فقال العراقي : إنّه يغني ويعلم الجواري الغناء .فقال القاضي : غفر الله لنا ولك وأينا لا يغنّي (3.)وهكذا تحوّلت المدينة عاصمة الإسلام إلى مركز من مراكز الغناء والعبث واللهو ، وكان ذلك بدعم من الحكومة الأمويّة ، فقد شجّعت الغناء ووهبت الثراء العريض للمغنّين ، فقد وفد على يزيد بن عبد الملك كلّاً من معبد ومالك بن أبي السمح وابن عائشة ، فرحّب بهم ، وأمر لكلّ واحد منهم بألف دينار (4.)أمّا الوليد بن يزيد ، فقد ضاعف جوائز المغنّين ، فأعطى معبداً اثني عشر ألف
دینار ، كما استقدم مغنّي الحجاز فأجازهم جوائز كثيرة (1.)وكان من ولع الأمويين بالغناء ما رواه المؤرّخون أنّ الوليد بن يزيد لمّا ولى الخلافة استدعى المغنّي عطرد من المدينة ، وكان جميل الوجه ، حسن الغناء ، طيّب الصوت ، فغنّاه ، فطرب ، فشقّ الوليد حلّة وشي كانت عليه ، ورمى بنفسه في بركة خمر ، فما زال بها حتّى أخرج كالميّت سكراً ، فلمّا أفاق قال له : كأنّي بك قد أتيت المدينة فقمت في مجالسها ومحافلها ، وقلت : دعاني أمير المؤمنين ، فدخلت عليه فغنّيته ، وأطربته ، فشقّ ثيابه وفعل ، والله لئن تحرّكت شفتاك بشيء ممّا جرى فبلغني لأضر بن عنقك ، ثمّ اعطاه ألف دينار، فأخذها وانصرف إلى المدينة (2)وكثير من هذا الاستهتار والفحش قد أثر عن ملوك الأ «ویّين» ، وهي تحكي خلاعتهم وفجورهم ومجونهم ، وأنّهم عصابة من المفسدين والضالّين .وبهذا العرض ينتهي بنا الحديث عن عصر سيّدنا الشهيد زيد .
## ثورة زيد اسبابها ومكوّناتها### اشارة
لم يفجّر زيد الشهيد الخالد ثورته الكبرى ضدّ الحكم الأموي أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ، وإنما كان كجّده أبي الأحرار الذي ثار من أجل إشاعة العدل والحقّ ، وإنقاذ الفقراء والبؤساء من غائلة الفقر والحرمان .لقد ثار زيد ليقيم في هذا الشرق حكومة القرآن التي طواها الأمويّون ، ويقضي على غطرستهم ومكرهم وظلمهم وطغيانهم ، ويعيد للإنسان المسلم كرامته وحريّته وعزّته التي حوّلها الأمويّون إلى العبوديّة المطلقة لهم .إنّ ثورة زيد كانت امتداداً لثورة جده أبي الشهداء التي أضاءت سماء الدنيا ، ونادت بفجر جديد لشعوب العالم ، وأمم الأرض أن لا حياة لهم مع الذل والعبودية لغير الله .إنّ الخطّ الذي سلكه زيد هو الشهادة ، فإنّها عزّ وكرامة ، وأمّا الحياة مع الظالمين فإنّها برم وذلّ ، وهيهات منهم الذلّة ، وكان هذا هو نشيد جده أبي الأحرار في صعيد كربلاء .لقد قاوم زيد البطل العلوي المدّ الجاهلي، وتحدّى رموزه احتقاراً واستهانة بهم ، ومضى إلى طريق الشهادة مرفوع الرأس ، هازئاً من الحياة ، ساخراً من الموت ، شأنه شأن جده سيّد الشهداء علیه السلام ، الذي ملأ الدنيا عزّاً وفخراً للإسلام وللمسلمين ، ونعرض بايجاز لبعض شؤون ثورته المباركة التي كان لها الأثر في الاطاحة بحكم بني أميّة .
### دوافع الثورةأمّا الأسباب التي دعت زيد إلى إعلان الثورة على الحكم الأموي ، فهذه بعضها :### 1- مروق الأمويّين من الدينوالشيء المؤكّد أنّ الأمويّين أعداء الإسلام وخصوم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان إسلامهم ظاهريّاً لم ينفذ إلى أعماق قلوبهم ودخائل نفوسهم ، ألم يخاطب أبو سفيان بني أمية أمام عميدهم وشيخهم عثمان بن عفّان قائلاً: «تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة بأيدي الصبيان ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنّة ولا نار ».وهذا هو منطق الكفر والإلحاد ، ولم يتّخذ معه عثمان أي إجراء ، ولم يعنّفه، وإنّما أعرض عنه ، وقابله بالرضا، وبعده معاوية أليس هو الذي أشار عليه المغيرة بن شعبة بصلة بني هاشم حينما آل إليه الحكم ، فردّ عليه بعنف قائلاً: « هيهات ، هيهات » ، ثمّ عرض إلى من تولّى الحكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنّهم لم يبق لهم ذكر ، وأعقب كلامه قائلاً: «إنّ أخا هاشم - يعني النبي صلى الله عليه وسلم يصرخ به في كل يوم خمس مرّات : أشهد أن محمداً رسول الله ، فأي عمل يبقى بعد هذا لا أُمّ لك إلّا دفناً دفناً(1)أليس هذا هو الكفر والمروق من الدين ؟ أليست هذه هي الجاهلية التي كان يدين بها هذا الذئب الجاهلي ؟ ألم يقل ولده يزيد بعد قتله لسيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين علیه السلام :لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالْمُلْكِ *** فَلَا خَبَرٌ جَاءَ وَلَا وَحْيٌ نَزَلْ ألم يقل الوليد بن يزيد :
1) الأخبار الموفقيات : 577 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 5: 130.
أَيُّها السّائِلُ عَنْ دِينِنا *** نَحْنُ عَلَى دِينِ ابی شَاكِر(1)نَشْرَبُها صِرْفاً وَمَمزوجةً *** بِالسُّخْنِ أَحْياناً وَبِالفاتِر (2)أليس هو الذي فتح المصحف فخرجت الآية: ﴿ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلِّ جَبَّارٍعَنِيدٍ (3)، فغضب ورمى المصحف بالسهام ، وأنشد :)تُهددني بِجَبَارٍ عَنيد *** فَها أَنا ذاكَ جَبَارٌ عَنيدإِذا ما جِئتَ رَبَّكَ يَومَ حَشْرٍ *** فَقُلْ يا رَبِّ مَزَّقَنِي الوَلِيدُ (4)وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبّ في مجلس هشام بن عبدالملك ، وكان زيد حاضراً فصاح به ، فنهره هشام وقال له : مهلاً يا زيد لا تؤذ جليسنا .وسار ولاة الأمويّين على هذا الخطّ ، فكان الحجّاج يخاطب الله تعالى أمام الجماهير قائلاً: أرسولك أفضل أم خليفتك ؟ يعني أنّ عبدالملك بن مروان أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ينقم على الذين يزورون قبر النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: تباً لهم إنّما يطوفون بأعواد ورقة بالية ، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ، ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله (5)وقال مثل هذه المقالة أمام هشام ، وكان هشام من المارقين عن الإسلام ، فقد دخل عليه عبدالله بن صيفي فقال له : يا أمير المؤمنين ، أخليفتك في أهلك أحبّإليك وآثر عندك أم رسولك ؟فقال هشام : بل خليفتي في أهلي .
فقال الأثيم له : أنت خليفة الله في أرضه ، ومحمّد رسوله إليهم ، فأنت أكرمهم على الله منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه هشام هذه الكفرة الصلعاء (1)وهكذا كان الجهاز الحاكم من رئيس الدولة إلى الولاة سائرين على خطّ واحد وهو الكفر بالله تعالى ، ومعاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا من العوامل التي حفّزت زيداً لإعلان الثورة على الأمويّين.إصلاح المسلمين من دوافع الثورة العظيمة لزيد ، فقد قال : « والله لوددت أن يدي ملصقة بالثريّا ثمّ أقع فأتقطع قطعة قطعة ويصلح الله تعالى بذلك أمر أمّة محمد صلى الله عليه وسلم (2)### 2- معاداة أهل البيت علیه السلامأمّا الخطّ السياسي للأمويّين ، فهو معاداة أهل البیت علیهم السلام، والحطّ من شأنهم ، وقد استخدموا جميع الوسائل لذلك ، كان منها :### 1 - سبّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلاماتّخذ معاوية سبّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وسيلة لدعم سلطانه ، وجعل ذلك سنّة من سنن الإسلام، فإنّه حينما رجع إلى الشام بعد الصلح قام خطيباً بين أهل الشام ، فقال : أيّها الناس ، إنّ رسول الله قال لي : إنّك ستلي الخلافة من بعدي ، فاختر الأرض المقدّسة - يعني الشام - فإنّ فيها الأبدال ، وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب .فأخذ الشاميّون وغيرهم يلعنون الإمام وينتقصونه (3.)
وكان هذا الوغد الجاهلي يقول في آخر خطابه : اللّهمّ إنّ أبا تراب ألحد في دينك ، وصدّ عن سبيلك ، فالعنه لعناً وبيلاً، وعذّبه عذاباً أليماً».وكان يشاد بهذه الكلمات على المنابر (1)وكتب إلى جميع عمّاله وولاته بلعن الإمام وسبّه ، فانبرت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون الإمام ويبرأون منه (2وقد امتنع سعيد بن العاص من سبّ الإمام ، وكان والياً له على يثرب ، فعزله ، وولّى مكانه مروان بن الحكم ، فبالغ في سبّ الإمام . (3)أمّا المغيرة بن شعبة واليه على العراق ، فقد بالغ في السبّ حتى لم يحص أحد كثرة سبّه .(4)
1) النصائح الكافية : 72 ، نقله عن أبي عثمان الجاحظ في كتاب الردّ على الإمامية .
2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 11: 211.)و من الخير أن نذكر موقف أمير المؤمنين وولده الحسن علیه السلام من سب معاوية ، فقد جاء في شرح نهج البلاغة : 1 : 420 : أنّ أمير المؤمنين لا سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام صفين ، فنهرهم ونهاهم وقال لهم : إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَابِينَ ، وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ ، وَذَكَرْتُمْ حالَهُمْ ، كانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ : اللَّهُمَّ احْقِنُ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقُّ مَنْ جَهِلَهُ ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ. وأما موقف الإمام الحسن الا لال لاله ممن سب معاوية ، فقد جاءه رسول معاوية ، فلما رأى الرسول هيبة الإمام وعظمته قال له : أسأل الله أن يحفظك ويهلك هؤلاء القوم . فنهره الإمام وقال له : رِفْقاً لا تَخُنْ مَنِ انْتَمَنَكَ ، وَحَسْبُكَ أَنْ تُحِبَّنِي لِحُبِّ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلأبي وأمي ، وَمِنَ الْخِيانَةِ أَنْ يَبْقَ بِكَ قَوْمٌ وَأَنتَ عَدُوٌّ لَهُمْ ، وَتَدْعو عَلَيْهِمْ .الملاحم والفتن : 143
3) تطهير الجنان واللسان : 142 .
4) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 361 .
ولمّا ولي زياد بن أبيه أخذ يحرّض الناس على لعن الإمام ، ومن أبى عرضه على السيف (1)وفي عهد عبدالملك بن مروان جعل في طليعة مهامّ دولته سبّ الإمام ، وعمّم ذلك على جميع الحواضر الإسلاميّة ، وكان الوغد الخبيث خالد القسري(2يجاهر في سبّ الإمام ويقول : اللّهمّ العن عليّ بن أبي طالب بن عبدالمطّلب بن هاشم صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته ، وأبا الحسن والحسين .ويلتفت إلى الناس فيقول لهم : هل كنّيت ؟ (3)وذكر الحافظ السيوطي أنّه كان في أيّام بني أمية أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وذلك بما سنّه لهم معاوية .يقول العلامة أحمد حفظي الشافعي في أرجوزته :وقَد حَكَى الشَّيخُ السَّيوطي أَنَّه *** قَدْ كانَ فيما يَجْعَلُوهُ سُنَّه
1) مروج الذهب على هامش الكامل في التاريخ : 6: 99
2) خالد بن عبدالله القسري : كان أمير العراقين من قبل هشام بن عبد الملك ، وكانت أمه نصرانية ، فبنى لها كنيسة تتعبد بها ، وفي ذلك يقول الفرزدق في هجائه :)أَلا قَبَّحَ الرَّحْمَنُ ظَهرَ مَطِيَّةٍ *** أَتَتْنَا تُهَادِي مِنْ دِمَشْقٍ بِخَالِدِوَكَيْفَ يَؤُمُّ النَّاسَ مَنْ كَانَتِ امُّهُ *** تُدينُ بِأَنَّ اللهَ لَيسَ بِواحِدِبَنى بَيْعَةً فيها الصَّليب لأُمِّهِ *** وَيَهدِمُ مِنْ بُعْضٍ مَنارَ الْمَساجِدِوعزله هشام عن العراقين ، لأنه قد أكره امرأة مسلمة على الزنا ، ثمّ قتله في أيام الوليد . وفيات الأعيان : 5 : 152 - 162 .وقريب منه ذكره ابن كثير في البداية والنهاية : 10 : 20 .والعجب من ابن حبّان حيث عدّ هذا المجرم الأثيم من الثقات ، كما ذكر ذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب : 3 : 101 قاتل الله العصبية فإنّها تلبس الباطل لباس الحقِّ .
3) النصائح الكافية : 80.
سبعون ألف منبرٍ وَعَشَرَة *** مِنْ فَوقِهِنَّ يَلعَنونَ حَيدَرَهوهذهِ في جَنْبِها العَظائِمُ *** تصغرُ بَلْ تُوجه اللوائِمُ (1)ولمّا رأى سواد الناس الذين يخضعون للسلطة أنّ أقوى سبب للاتصال بها سبّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وانتقاصه ، أخذوا يتقرّبون إليها بذلك ، فقد أقبل وغد خبيث إلى الحجّاج ليتقرب إليه قائلاً: أيّها الأمير ، إن أهلي عفّوني فسمّوني عليّاً ، وإنّي فقير بائس ، وأنا إلى صلة الأمير محتاج .فضحك الحجّاج وقال له : للطف ما توصّلت به ، فقد وليتك موضع كذا (2)وظلّ الأمويّون مصريّن على سبّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام حامي الإسلام ، وسيّد المسلمين إلى أن جاء دور الشريف عمر بن عبد العزيز ، فألغى ذلك ، وقد شكره على ذلك بعد سنين العلوي الشريف الرضي بقوله :يابنَ عَبدِ العَزيزِ لَوْ بَكَتِ العَ *** ينُ فَتى مِنْ أُمَيَّةَ لَبَكَيْتُكغَيرَ أَنِّي أَقولُ إِنَّكَ قَدْ طِبْ *** تَ وَإِنْ لَمْ يَطِبْ وَلَمْ يَزْكُ بَيْتُكأنتَ نَزُهْتَنا عَن السُبُ والقَذ *** فِ فَلَو أَمْكَنَ الجَزاءُ جَزَيْتُكوَلَو أَنِّي رَأَيْتُ قَبرَكَ لَاسْتَحْ *** يَيْتُ مِنْ أَنْ أُرى وَما حَيَّيْتُكوقليلٌ لَوْ أَن بَزَلْتُ دِماءَ ال *** بدنِ صِرْفاً عَلَى الذُّرى وَسَقَيْتُكدَيْرَ سَمْعَانَ فيك مأوى أَبِي حَ *** ف ص فَبِؤدي لو أنني آوَيْتُكدَيْرَ سَمْعَانَ لا أَغَبُكَ غَيتُ *** خَيرُ مَيْتٍ مِنْ آلِ مَروان مَيْتُك(3)وعلى أي حال، فقد امتلأت قلوب العلويين أسى وحزناً على ما اقترفه الأمويّون
من الظلم والاعتداء على سيّدهم الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وكان الشهيد البطل زيد يتحرّق شوقاً إلى الشهادة لمناهضة الحكم الأموي الذي ناهض الإسلام وحارب قيمه وأهدافه .### 2- اضطهاد الشيعةمن العوامل التي دفعت الشهيد الخالد لإعلان الثورة على الحكم الأموي هو ما عانته الشيعة من الظلم والجور والاضطهاد ، فقد قوبلوا بمنتهى الشدّة والقسوة ، يقول بعض محبّي أهل البيت لمحمّد بن الحنفيّة : « فما زال بنا الشين في حبّكم حتّى ضربت الأعناق ، وأبطلت الشهادات ، وشرّدنا في البلاد ، وأوذينا ، حتّى هممت أن أذهب في الأرض قفراً ، فأعبد الله حتّى ألقاه ، لولا أن يخفى على أمر آل محمّد صلى الله عليه وسلم، حتى هممت أن أخرج مع أقوام - يعني الخوارج - شهادتنا وشهادتهم واحدة على أمرائنا فيخرجون فيقاتلون »(1)لقد عانت الشيعة ضروباً قاسية من المحن في جميع أيام الحكم الأموي ، وكان من أشدّهم بلاء وأعظمهم محنة شيعة أهل الكوفة ، فقد استعمل الطاغية معاوية عليهم واليه الارهابي الخبيث زياد بن أبيه ، فأشاع فيهم القتل والإعدام ، وقتلهم تحت كلّ حجر ومدر ، وقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل عيونهم ، وصلبهم على جذوع النخل ، وشرّدهم وطردهم .(2)وقد رفع ابن هند مذكرّة إلى جميع عمّاله وولاته جاء فيها : « انظروا إلى من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه ». (3)
ثمّ شفع ذلك بنسخة أخرى جاء فيها : «ومن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره».لقد كانت بداية الظلم على محبّي أهل البیت علیهم السلام من أيام الخبيث معاوية بن هند ، فقد قتل بسر بن أبي أرطاة أحد قادة جيشه ثلاثين ألفاً من شيعة الإمام عدا من أحرقهم بالنار (1.)وقتل سمرة بن جندب ثمانية الآف من أهل البصرة (2، لأنهم من شيعة الإمام ، وقد بلغ الخوف أقصاه في نفوس الشيعة حتّى أصبح أن مودّة أهل البيت كفر والحاد .)يقول شاعر الإسلام الأكبر الكميت :يُشيرونَ بِالأَيْدي إِلَيَّ وقَولُهُم *** أَلا خابَ هذا وَالمُشيرونَ أَخْبَبُفَطَائِفَةٌ قَدْ كَفَّرتني بحُبِّكُمْ *** وَطائِفَةٌ قالوا مُسيءٌ وَمُذيبيعيبونَني مِنْ حُبِّهِمْ (3وَضَلالِهِمْ *** على حُبِّكُمْ بَل يَسخَرُونَ وَأَعْجَبُ)وقالوا تُرابِی هَواهُ وَرَأيه *** بذلك أدعى فيهِمْ وَأُلَقَّبُو مالي إلا أحمد شيعة *** وَما ليَ إِلَّا مَذهَبُ الحَقِّ مَذهَبُ (4)وسار الأمويّون في جميع أدوارهم على نهج معاوية في ظلم الشيعة وإبادتهم ، خصوصاً في أيّام الارهابي المجرم الحجّاج ، فقد تتبعهم وقتل الآلاف منهم ، وليس لهم ذنب سوى الولاء لأهل البیت علیهم السلام، الأمر الذي ألهب عواطف زيد وبقيّة أبناء الأسرة العلويّة ، فثاروا في ميادين الجهاد لإنقاذ شيعتهم من الظلم والجور.
### 3 - الثأر للإمام الحسين الانمن الأهداف الرئيسيّة لثورة الشهيد الخالد زيد هو الثأر لدم جدّه أبي الأحرار الإمام الحسين علیه السلام ، فإنّ الأسرة الأموية هي المطلوبة بدماء العترة الطاهرة ، فقد قرّت عيونهم ، وامتلأت نفوسهم فرحاً بإبادة آل النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وإنّ الشعار الذي رفعه الشهيد زيد في ساحة المعركة هو : « يا لثارات الحسين » .من أجل الدم المطلول في صعيد كربلاء ، ثار زيد ليأخذ بثأر جدّه المظلوم من الشجرة الملعونة ، ويطهر الأرض من هؤلاء الأرجاس الذين عاثوا في الأرض فساداً ، وتبنّوا كل ما حرّم الله تعالى من إثم .يقول زيد : « إنّما خرجت على الذين قاتلوا جدّي الحسين» (1)لقد ثار السيّد الشريف الزكيّ من أجل أن يقيم المُثل العليا والقيم الكريمة التي استشهد من أجلها جدّه العظيم ، ويحقق جميع ما كان يصبو إليه من إقامة العدل ، ونشر الحقِّ بين الناس .### 4 - الإباء وعزّة النفسمن الأهداف النبيلة التي ثار من أجلها الزّكي الشهيد زيد ، هو الإباء وعزّة النفس ، فقد جهدت الحكومة الأمويّة بقيادة الطاغية هشام بن عبدالملك على إذلاله وقهره ، وخضوعه لسلطانه ، إلّا أنّه أثر الموت تحت أظلّة السيوف والرماح ، وأن يعيش عزيزاً كريماً شأنه شأن جده أبي الضيم الذي وقف يوم الطف كالجبل الأشمّ ، وألقى على الدنيا كلمته الخالدة قائلاً: « أَلَا وَإِنَّ الدَّعِي ابْنَ الدَّعِي قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ ، بَيْنَ السَّلِّةِ والذُّلّة ، وَهَيْهات منا الذلة .يَأْبَى اللَّهُ لَنا ذَلِكَ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنونَ ، وَحُجُورٌ طابَتْ وَطَهُرَتْ ، ونُفُوسٌ أَبِيَّةٌ .
1) الفرق بين الفرق : 25 الإرشاد : 247 .
وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُوْثِرَ طاعَةَ اللِنامِ عَلَى مَصارع الكِرَامِ ...». (1وقد عنى العلويّ السيّد حيدر رحمه الله تعالى في تصوير منعة جدّه وسموّ إبائهفي كثير من روائعه التي هي من مناجم الأدب ، قال :طَمِعَتْ أَن تَسومَهُ القَومُ ضَيْماً *** وأبى الله والحُسامُ الصنيعكَيفَ يَلوي عَلى الدَّنِيَّةِ جَيداً *** لسوى اللهِ ما لَواهُ الخُضوعُوَلَدَيْهِ جَاسٌ أَرَدُّ مِنَ الدرع *** لِظمأى القَنا وَهُنَّ شُروعوَبِهِ يَرجِعُ الحِفاظ لِصَدرٍ *** ضاقَتِ الأَرْضُ وَهِيَ فِيهِ تَضِيعُفَأَبى أن يعيش إلا عَزيزاً *** أَوْ تَجَلَّى الكِفَاحُ وَهوَ صَرِيعُوقال له صلی الله علیه واله وسلم:وَسامَتهُ يَركَبُ إِحْدَى اثْنَتَيْنِ *** وَقَدْ صَرَّتِ الحَرْبُ أَسْنانَهافَإِمّا يُرى مُذعِناً أَوْ تَموتَ *** نَفسٌ أَبي العِزُّ إِذْعانَهافَقالَ لَها اعْتَصِمِي بِالإِباء *** فَنَفسُ الأَبِي وَما زانَهاإِذا لَمْ تَجِدْ غَيْرَ لِبْسِ الهَوانِ *** فَبِالمَوتِ تَنْزِعُ جُثْمانَهارأى القتل صَبْراً شِعار الكرام *** وَفَخْراً يُزينُ لَها شَانَهافَشَمَّرَ لِلحَرب في مَعْرَك *** بِهِ عَرَكَ المَوتُ فُرْسانَهالا أعرف وصفاً رائعاً لإباء الحسين علیه السلام مثل هذا الوصف في روعته وصدقه ، وقد ورث هذه الظاهرة الكريمة ولده عليّ بن الحسين الذي هو أنبل شابّ خلقه الله تعالى فقد ارتجز في حومة الحرب بقوله :أَنَا عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ بنِ عَلِي *** نَحْنُ وَرَبِّ البَيْتِ أُولَى بِالنَّبِي
1) بحار الأنوار : 45 9 مقتل الحسين الا / الخوارزمي : 2 : 7. تاريخ مدينة دمشق : 14 :)219 . حياة الإمام الحسين بن علي علام : 1 : 127 .
واللهِ لَا يَحْكُمُ فينا ابنُ الدَّعِي (1)لقد أنف كأبيه حكم الدعي الذي أقيم على الذلّ والعبوديّة ، وكانت هذه الظاهرة سمتاً وخُلقاً لحفيد الإمام الحسين الله الشهيد زيد ، فقد قال: «ماكره قوم حرّالسيوف إلا ذلّوا».ومضى في طريق العزّ والكرامة حتّى استشهد ، وقد أعلن بعد سنين أحد الأشراف من أحفاد الإمام موسى بن جعفر علیه السلام وهو الشريف الرضي هذا الميراث عن آبائه بقوله :وَلي إباءٌ مُحَلِّقٌ بي عَنِ الضّيمِ *** گما زاغَ طَائِرٌ وَحْشِيُّإنّ الإباء عن الضيم عنصر ذاتي من عناصر أهل البیت علیهم السلام الأصولاً وفروعاً .### 5- حقد هشام على العلويّينمن الأسباب المهمّة التي حفزت زيداً على إعلان الثورة على الأمويّين هو ازدراء هشام بن عبد الملك بزيد واحتقاره له ، ومضايقته له ، وقبل أن نعرض لذلك نذكر ما اتّصف به هشام من الصفات النفسيّة ، وفيما يلي ذلك :### صفات هشام#### اشارةارتدى هشام بكلّ رذيلة وسيّئة ، والتي منها :#### 1 - البخلمن أبرز صفاته البخل، ومن شحه كان يقول : «ضع الدرهم على الدرهم يكون مالاً» (2)
وقد جمع من المال ما لم يجمعه خليفة قبله (1. فلم ينفق أموال المسلمين على مصالحهم وتطوير حياتهم ، وإنّما كنزها في قصوره ، وترك البؤس مخيّماً على الناس .)ومن بخله المفرط أنّه كانت له بستان فيها فاكهة ، فجعل أصحابه يأكلون منها ، فأوعز إلى غلامه بقلع الأشجار منها لئلا يأكل منها أحد (2.)#### 2 - القسوةوكان الطاغية شديد القسوة لا يعرف الرأفة والرحمة (3، وقد قابل زيداً بكل شدّة ممّا اضطره إلى الثورة عليه .)#### 3 - طول اللسانمن صفاته أنّه كان طويل اللسان(4، ولا يتورّع في القذف والشتم مع خصومه ، وقد قابل زيداً بألفاظ بذيئة، فردّ عليه زيد بمنطقه الفيّاض حتّى لم يستطع الكلام .)#### 4 - الحقدوظاهرة أخرى من صفاته الحقد على ذوي الأنساب الكريمة الذين يتمتّعون بسمعة طيّبة ، ومكانة رفيعة في المجتمع ، وقد حقد على زيد وذلك لما له من مكانة متميّزة في المجتمع .هذه بعض صفاته النفسيّة ، أمّا صفة جسمه ، فقد كان أحولاً ، وفيه يقول الشاعر:يُقَلِّبُ رَأْساً لَمْ يَكُنْ رَأْسَ سَيْدٍ *** وَعَينٌ لَهُ حَولاءَ بادٍ عُيوبُها
### مع الإمام الباقر علیه السلامكان الطاغية حاقداً على رموز أهل البیت علیهم السلام، وقد تميّز غيظاً وغضباً حينما كانت توافيه الأنباء بتعظيم الناس وإكبارهم للإمام الباقر علیه السلام وأخيه زيد ، وقد حجّ في سنة بيت الله الحرام ، وكان الإمام جعفر الصادق علیه السلام في مجتمع حاشد من الحجّاج ، فيهم مسلمة بن عبد الملك ، فخطب الإمام الصادق علیه السلام على الحجاج ، وكان من خطابه قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ نَبِيَّاً ، وَأَكْرَمَنَا بِهِ ، فَنَحْنُ صَفْوَةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَخِيرَتُهُ مِنْ عِبَادِهِ ، فَالسَّعِيدُ مَنْ تَبِعَنا ، وَالشَّقِيُّ مَنْ عادانا وَخَالَفَنا .وبادر مسلمة إلى أخيه هشام فأخبره بخطاب الإمام ، فورم أنفه ، ولم يتعرّض للإمامين بسوء ، إلا أنه لما قفل راجعاً إلى الشام أوعز إلى عامله على المدينة بإشخاص الإمامين إليه ، وفعلاً فقد سافرا إلى دمشق ، ولم انتهيا إليه حجبهما عن مقابلته ثلاثة أيّام استهانة بهما .وفي اليوم الرابع أذن لهما ، وكان مجلسه مكتظاً بالشاميّين ، وسائر حاشيته ، وكان قد نصب غرضاً لرميه يرميه أشياخ الأمويين، فالتفت هشام إلى الإمام قائلاً له : يا مُحَمَّدُ ، ارْمِ مع أشياخ قومك .فقال له الإمام : اعْفِنِي عَنِ الرَّمْيِ ، فَإِنِّي قَدْ كَبُرْتُ .فصاح هشام بالإمام : وحق من أعزنا بدينه ونبيّه محمد علیه السلام لا أعفيك .وقد ظنّ أنّ الإمام لا يجيد الرمي فيخطئ فيه ، فيتّخذ ذلك وسيلة للسخرية منه ، وأوماً إلى شيخ من بني أميّة أن يناول الإمام قوساً وسهاماً ، فأخذها الإمام ورمى به الغرض ، فأصاب وسطه ، ثمّ تناول سهماً آخر فشق السهم الأوّل وثبت فيه ، وتابع الإمام الرمي حتّى شقّ أسهماً بعضها في جوف بعض ، ولم يتّفق مثل ذلك إلى أي رام في العالم ، فذهل الطاغية، ولم يملك صوابه ورفع عقيرته قائلاً: يا أبا جعفر ، أنت أرمى العرب والعجم ، وزعمت أنك قد كبرت ، ثمّ أدركه الندم على تقريضه للإمام ،
وكان الإمام واقفاً وقد بدا عليه الغضب ، وشعر بذلك الطاغية فقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جانبه ، وقال له : يا محمّد ، لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيها مثلك ، الله درّك من علّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلّمته ؟ أيرمي جعفر مثل رميك ؟وانبرى الإمام قائلاً: إِنَّا نَحْنُ نَتَوارَثُ الْكَمال .واحمرّ وجه الطاغية وراح يقول بأسى : ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟فردّ عليه الإمام قائلاً: نَحْنُ كَذلِكَ ، وَلكنَّ اللهَ اخْتَصَّنا في مَكْنُونِ سِرِّهِ ، وَخالِصِعِلْمِهِ بِمَا لَمْ يَخُصَّ بِهِ أَحَداً غَيْرَنا .وطفق هشام قائلاً: أليس الله بعث محمّداً من شجرة عبد مناف إلى الناس كافّة ، أبيضها وأسودها وأحمرها ، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم ورسول الله مبعوث إلى الناس كافّة ، وذلك قول الله عزّ وجلّ : ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاتُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ (1)، فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمّد نبيّ ، ولا أنتم أنبياء ؟ وردّ عليه الإمام ببالغ الحجّة قائلاً : مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : ( لَا تُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ (2)، فَالَّذِي لَمْ يُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهُ لِغَيْرِنا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخُصَّنَا بِهِ مِنْ دُونِ غَيْرِنَا ، فَلِذلِكَ كَانَ يُناجِي أَخاهُ عَلِيّاً مِنْ ُدونِ أَصْحَابِهِ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ قُرْآناً فِي قَوْلِهِ : وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (3)، فَقالَ رَسولُ اللهِ صلی الله علیه واله وسلم: سَأَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَها أُذْنَكَ يا عَلِيُّ . فَلِذلِكَ قالَ عَلِيٌّ : عَلَّمَني رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَلْفَ باب مِنَ الْعِلْمِ ، يُفْتَحُ (لي ) مِنْ كُلِّ بابٍ أَلْفُ بابٍ ، خَصَّهُ بِهِ النَّبِيُّ صلی الله علیه واله وسلممِنْ مَكْنُونِ سِرِّهِ ، كَما خَصَّ اللهُ نَبِيَّهُ ، وَعَلَّمَهُ ما لَمْ يَخُصُّ
بِهِ أَحَداً مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى صَارَ إِلَيْنَا فَتَوَارَثْنَاهُ مِنْ دُونِ أَهْلِنَا .
وغضب هشام وراح يقول : إنّ عليّاً كان يدري علم الغيب ؟ والله لم يُطلع على غيبه أحداً ، فمن أين ادّعى ذلك ؟
وأخذ الإمام يجيبه ويشرح له مكانة جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام عند الله تعالى قائلاً: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ كِتاباً بَيْنَ فيهِ ما كانَ ، وَما يَكون إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، في قَوْلِهِ تَعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ (1))وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (2))وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ (3))وفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَمَا مِن غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ.(4)
وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ أَنْ لَا يُبْقي فِي غَيْبِهِ وَسِرِّهِ ، وَمَكْنُونِ عِلْمِهِ شَيْئًا إِلَّا يُناجِي بِهِ عَلِيّاً ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَلِّفَ (5)الْقُرْآنَ مِنْ بَعْدِهِ ، وَيَتَوَلَّىٰ غُسْلَهُ وَتَحْنِيطَهُ مِنْ دُونِ قَوْمِهِ ، وَقَالَ لأَصْحَابِهِ : حَرَامٌ عَلَى أَصْحَابِي وَقَوْمِي أَنْ يَنْظُرُوا إِلَىٰ عَوْرَتي غَيْرِ أَخِي عَلِيَّ فَإِنَّهُ مِنِّي ، وَأَنَا مِنْهُ ، لَهُ ما لي ، وَعَلَيْهِ ما عَلَيَّ ، وَهُوَ قاضِي دَيْنِي ، وَمُنْجِزُ مَوْعِدي .
ثُمَّ قالَ لأَصْحَابِهِ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُقاتِلُ عَلى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَما قاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ بِكَمَالِهِ وَعامِّهِ إِلَّا عِنْدَ عَلِيَّ ، وَلِذلِكَ قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه واله وسلم: أَقْضاكُمْ عَلِيٌّ ، أَيْ هُوَ قاضِيكُمْ وَقالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ : لَوْلا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ ،
يَشْهَدُ لَهُ عُمَرُ ، وَيَجْحَدُهُ غَيْرُهُ .
وافحم هشام ولم يجد منفذاً يسلك فيه للردّ على الإمام ، فقال له : سل حاجتك .
فطلب منه الإمام أن يسمح له بالرجوع إلى أهله .
فأجابه هشام وطلب منه مغادرة الشام فوراً (1).
وذلك لئلا تتكهرب به العواطف ويظهر زيف هشام وتجرّده من مؤهّلات الخلافة وقيادة الأمّة.
كان زيد من علماء العلويۀين ومن سادات المسلمين، وكان يتمتع بمواهب وعبقريات ، والتي منها الاطّلاع الواسع بأحكام الدين وشؤون الشريعة ، وكان يحتلّ العواطف ، ويسيطر على العقول، وذلك بما يملك من الفصاحة والبلاغة وحسن الأداء والبيان ، وقد نقلت مباحث الأمويّين جميع ذلك إلى الطاغية هشام ، فورم أنفه ، وامتلأت نفسه غيظاً وغضباً، وخاف على ملكه وسلطانه ، وراح يمعن في إذلاله واحتقاره ، والحطّ من شأنه، ويتربّص به الدوائر للكيد به وتصفيته والقضاء عليه ، ليستريح من أقوى منافس له على الملك الذي يتمتّع بالنفوذ في الأوساط الشعبيّة .
يرتبط حديث الأوقاف ارتباطاً وثيقاً بثورة زيد ، وذلك لوقف السلطة في يثرب وفي دمشق موقفاً متسماً بالكراهية والبغضاء لزيد ، الأمر الذي حفّزه على الثورة ومناهضة الحكم الأموي .
أمّا الأوقاف فهي مجموعة من البساتين والأراضي العامرة بالزراعة قد وقف
1) دلائل الإمامة : 104 - 106 . حياة الإمام محمد الباقر الا : 2 : 61 - 64 .
بعضها النبي صلی الله علیه واله وسلم، وبعضها وقفها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، وبعضاً منها وقفتها سيدة نساء العالمين ، وهي ذات أهميّة بالغة، فقد قدّرت وارداتها بأربعمائة ألف دينار ، وقيل بأقلّ من ذلك ، أما موقوفات الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، فكانت تسع نفقات بني هاشم حسب ما قال الإمام علیه السلام .
فقد أوصى بثلث وارداتها لبني هاشم ، وثلث لبني سيدة النساء فاطمة علیه السلام، وبني عليّ ، وثلث منها في سبيل الله تعالى ، وجعل القيم عليها السيّد الزكيّ الإمام الحسن علیه السلام ، ومن بعده الإمام الحسين علیه السلام، ومن بعده من يراه صالحاً للقيام عليها (1).
وقد وقع الخلاف في التولية عليها بين السادة الحسنييّن والسادة الحسينيّين ، واشتدّ النزاع بينهما ، فكان زيد نائباً عن السادة الحسينيّين ، وجعفر بن الحسن المثنى وكيلاً عن آل الحسن، وتقدّما يختصمان عند والي المدينة إبراهيم بن هشام (2)- وقيل إنه خالد بن عبد الملك (3)- إلّا أنّهما لم يجدا حلاً لخصومتهما، -فأرجعاها إلى دمشق ، ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة أمام هذا الحادث المؤسف بين الأسرتين الكريمتين لنقف على أبعاده ومثيره ، وهو كما يلي :
أوّلاً : إنّ هذه المسألة ليست من المسائل الفقهيّة المعقّدة حتّى لم يتمكّن الوالي من حلّها وارجاعها إلى دمشق ، فإنّها من الوضوح بمكان ، فإنّ وثيقة الوقف تعين القائم على رعاية الوقف وكيفية صرفه على مستحقّيه.
ثانياً : كيف جاز للسادة العلويّين أن يتحاكموا إلى السلطة الأمويّة التي تمثّل الظلم والجور والتي لا يجوز الترافع إليها في مذهب أهل البیت علیهم السلام.
ثالثاً : كيف يترافعون في حسم نزاعهم إلى السلطة مع وجود إمام الفقهاء ، وأستاذ العلماء ، الإمام أبو جعفر الباقرعلیه السلام ؟ ! وهو المرجع في حسم هذا النزاع وغيره .
وأكبر الظنّ أنّ هذا النزاع والترافع إلى السلطة لم يكن عفويّاً، وإنما كان وليد مؤامرة دبّرها الأمويِّون لإلقاء الفتنة بين العلويّين ، والتعرّف على رموزهم الذين يملكون فصل الخطاب .
هذا ، وإن كان هناك وجه لنزاع العلويّين بعضهم مع بعض ، فهو راجع إلى الحكومة الأمويّة التي عمدت إلى إشاعة الفقر فيهم ، وحرمانهم من حقوقهم الطبيعيّة ، ومعاقبة من يمد إليهم يد المعونة .
شاعت في الأوساط الشعبيّة مكانة زيد ، وتحدّثت الأندية عن فضله وسموّ ذاته ، فخافت السلطة من قيامه بثورة ضدّ الحكم القائم ، فأخذت تدبّر ضدّه المؤامرات للنيل منه ، والتقليل من أهميته ، وقد قامت بما يلي :
1 - إحداث العداوة بين زيد علیه السلام والحسنيّين وكان ممّا اتّخذته السلطة في المدينة إحداث الفتنة بين الحسنيّين والحسينيّين ، وذلك لإسقاط مكانتهما اجتماعيّاً، فقد عمد خالد بن عبدالملك الوالي على المدينة إلى الجمع بينهما حتّى يحدث بينهما النزاع والتشاتم والتنافر ، فقد روى المؤرّخون أنّ زيداً التفت إلى ذلك ، فقال لابن عمّه عبد الله : اعتق زيد ما يملك إن خاصمتك إلى خالد أبداً .
ثمّ التفت إلى خالد قائلاً له : جمعت ذرّيّة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على أمر ما كان يجمعهما أبو بكر وعمر .
والتفت الوغد الخبيث إلى الحاضرين قائلاً: أما لهذا السفيه أحد ؟
فانبرى إليه شخص من عبيد السلطة قائلاً: يابن أبي تراب ، وابن الحسين ، أما ترى للوالي عليك حقاً ولا طاعة ؟
فردّ عليه زيد قائلاً: اسكت أيّها القحطاني ، فإنّا لا نجيب مثلك .
فقال له : لم ترغب عنّي ، فوالله إنّي لخير منك ، وأبي خير من أبيك ، وأمّي خير من أمّك .
وسخر منه زيد وقال للحاضرين : يا معشر قريش ، هذا الدين قد ذهب ، فذهبت الأحساب ، فوالله ليذهبن دين القوم ، وما تذهب أحسابهم .
ولم ينبر أحد لنصرته سوى عبد الله بن واقد ، فقال للقحطاني : كذبت ، فوالله إنّه لخير منك نفساً وأباً ومحتداً ، وأخذ بيده كفّاً من الحصباء فضرب به الأرض ، وقال : والله ما لنا على مثل هذا من صبر ، وساء ذلك إلى الوالي .(1)
حكت هذه البادرة مدى ارتباط السلطة بما حدث بين السادة العلوييّن من تنافر حول الوقف .
وقبل الدخول في بيان تهمة زيد بأموال لخالد القسري ، نعرض إلى أن خالداً كان والياً على المدينة ، فعزله عنها هشام وولّى مكانه يوسف بن عمر الثقفي ، وكانت بينهما عداوة وبغضاء ، فاتّهمه يوسف باختلاس أموال الدولة ، وعذّبه عذاباً شديداً تشفيّاً منه ، وبإيعاز من السلطة انّهم القسري أو قيل على لسانه أنه أودع عند زيد ستّمائة ألف درهم .(2)
وقد ذكر المؤرّخون صوراً مختلفة لهذا الحادث كان منها ما رواه اليعقوبي ،
ونحن نقتصر على روايته ، فقد ذكر أنّ زيداً وفد على هشام ، فقال له : إنّ خالد بن عبد الله القسري ذكر أنّ له عندك ستّمائة ألف درهم .
فقال له زيد : ما لخالد عندي شيء(1)
وقال هشام له : لا بدّ أن تشخص إلى يوسف بن عمر حتّى يجمع بينك وبين خالد .
فقال له زيد : لا توجّه بي إلى عبيد ثقيف فيتلاعب بي .
فلم يعن به هشام ،وأجبره على الشخوص إلى يوسف .
فلمّا انتهى إليه زيد قال له : لم أشخصتني ؟
فقال له : إنّ خالداً يزعم أن له عندك ستّمائة ألف درهم ، وأمر باحضاره ، فلمّا مثل عنده وكان مكبّلاً بالحديد قال له يوسف : هذا زيد بن عليّ ، قد أنكر أن يكون لك عنده مال .
فقال خالد : والله الذي لا إله إلّا هو ما لي عنده مال قليل ولا كثير ، فما أردتم بإحضاره إلّا ظلمه (2)
حكت هذه الرواية افتعال وديعة المال عند زيد ، وإنّ الغرض منه التنكيل به ، والحطّ من شأنه بجرّه إلى الدوائر الرسميّة ، وافتعال إيداع المال عنده الذي هو بريء منه ، وأنّ سبب ذلك دفعه إلى الثورة لتصفيته والقضاء عليه .
إشخاصه علیه السلام إلى دمشق أوعز الطاغية إلى عامله على المدينة بإشخاص فخر هاشم زيد إلى دمشق إذلالّاً له ووقوفاً على نشاطاته الفكرية والسياسيّة ، وكان زيد عالماً بقصده ، وكارهاً لمفارقة
مدينة جدّه ، فقال لمن حوله : والله ما من مدينة أحبّ إليَّ من مدينة تضمنت جسد جدّي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، وما كنت أحب أن أفارقه وقتاً واحداً ، ولكنّه سلطان طاغية ، وجبّار عنيد ، ولا عون لي عليه ، ولا مانع منه لي إلّا الله ربّ العالمين .
وصلّى زيد إلى جانب قبر جدّه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وعيناه تفيضان دموعاً، وخاطب جده قائلاً : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا نبيّ الله ، السلام عليك يا خيرة الأنبياء وأشرف الرسل ، السلام عليك يا حبيب الله .
هذا آخر عهدي بمدينتك ، وآخر عهدي بقبرك ومنبرك ، أخرجت يا أبة كارهاً، وسرت في البلاد أسيراً يا رسول الله ، وإنّي سائلك الشفاعة إلى الله عزّ وجلّ ، وأن يؤيدني بثقة اليقين وعزّ التقوى ، وأن يختم لي بشهادة تلحقني بآبائي الأكرمين ، وأهلي الطاهرين .
وانصرف فخر بني هاشم وهو مثقل بالهموم والأزمات ، فقد كان على علم بما يلقاه من الظلم من طاغية الأمويّين.
وأخذ الإمام الممتحن يدعو الله تعالى أن يكفيه شرّ الطاغية ، وأن يلقاه بشجاعة قائلاً: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي مكره مجبور ، مضطرّ غير مختار ، ولا مالك لنفسي . اللّهمّ اكفني كيده ، وألبسني جبّة عزّ لكيلا أخشع لسلطانه ، ولا أرهب لجنوده .
اللّهمّ وابسط لساني عليه بإعزاز الحقّ ونصرته ، كي أقول قول الحقّ ، ولا تأخذني لومة لائم ، ولا إذلال الجبّارين .
اللّهمّ واجمع قلبي على هدايتك ، وأرني من إعزازك إيّاي ما يصغر به عندي ملكه ، وتذلّ لي نخوته .
اللّهمّ فاطرح الهيبة في قلبه ، وذلل لي نفسه ، واحبس عنّي كيده (1)
ويلمس من هذا الدعاء عزّة الإمام زيد وسموّ نفسه ، واعتصامه بالله تعالى سائلاً منه أن لا يجعل للطاغية عليه سلطاناً .
وسار موكب زيد يطوي البيداء لا يلوي على شيء حتّى انتهى إلى دمشق .
ومكث أبي الضيم أيّاماً في دمشق لم يأذن له أحول بني أميّة إذلالاً واحتقاراً له ، ثمّ سمح له بعد أن أوصى حضار مجلسه بمقابلته بالجفاء والاحتقار ، وأن لا يردّوا عليه السلام ، وأن لا يتركوا له مقعداً يجلس عليه ، ودخل سليل النبوّة كالأسد ، فسلّم على الطاغية فلم يردّ عليه السلام ، والتفت إلى الحاضرين فرأى ما دبر له من المكيدة ، فوجّه سلاماً خاصاً إلى الطاغية قائلاًاله : السلام عليك يا أحول ، فإنّك ترى نفسك أهلاً لهذا الاسم (2)
إنّ الطاغية ليس أهلاً ليكون أميراً على المسلمين والمؤمنين ، وإنّما هو عبد نذل لا يستحقّ أي لون من ألوان التكريم ، وكان هذا الكلام عليه كالصاعقة ، فقد احتقره زيد أمام أوغاد أهل الشام .
فصاح به : ما يصنع أخوك البقرة ؟
فردّ عليه زيد بمنطقه الفياض قائلا له : سمّاه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الباقر ، وأنت تسميّه البقرة ، لشدّ ما اختلفتما ، فيدخل الجنّة وتدخل النار .
ولذعه هذا المنطق الرائع، وهالته هذه الشجاعة النادرة التي احتقرت ملكه وسلطانه . فقال وهو يتميّز من الغيظ : بلغني أنك تذكر الخلافة وتتمّناها ، ولست أهلاً
لها لأنّك ابن أمة .
فاحتقره زید ، واستهان به وردّه ببالغ الحجّة قائلاً: إنّ الأمّهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات ، لقد كانت أمّ إسماعيل أمة لأمّ إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن بعثه الله
ل الله تعالى نبيّاً وجعله أباً للعرب ، وأخرج من صلبه خير الأنبياء محمد صلی الله علیه واله وسلم (1).
وفقد أحول بني أميّة صوابه ، ولم يطق الردّ على زيد سوى أن أمر جلاوزته بضربه ثمانين سوطاً (2)
وخرج فخر بني هاشم، وقد عزم على الثورة قائلاً للطاغية : أخرج ، ولا أكون إلّا بحيث تكره (3).
وأدلى بما صمّم عليه قائلاً: ماكره قوم حرّ السيوف إلّا ذلّوا .
وتميّز الطاغية غضباً ، وراح يقول : ألستم زعمتم أنّ أهل هذا البيت - يعني البيت العلوي قد بادوا ، فلعمري ما انقرض من مثل هذا -يعنى زيداً - خلفهم .(4)
والتجأزيد إلى الله تعالى وتضرّع إليه أن ينزل عقابه الصارم بالطاغية الأثيم قائلاً: اللّهمّ وقد شملنا زيغ الفتن، واستولت علينا غشوة الحيرة ، وقارعنا الذل والصغار، وحكم علينا غير المأمونين على دينك ، فابتز أموال من نقض حكمك ، وسعى في تلف عبادك ، وعاد فيئنا دولة ، وإمامتنا غلبة ، وعهدنا ميراثاً بين الفسقة ،واشتريت الملاهي بسهم اليتيم والأرملة ، ورتع في مال الله تعالى من لا يرعى له
حرمة ، وحكم في أبشار المؤمنين أهل الذمّة ، وتولّى القيام فاسق كلّ محلّة ، فلا ذائد يذودهم عن هلكة ، ولا رادع يردعهم عن إرادتهم المظلمة ، ولا راع ينظر إليهم بعين الرحمة ، ولا ذو شفقة يشفي ذات الكبد الحرّاء من مسغبة ، فهم هؤلاء صرعى ضيعة ، وأسرى مسكنة ، وحلفاء كآبة وذلّة .
اللّهمّ وقد استحصد زرع الباطل ، وبلغ نهايته ، واستغلظ عموده ، وخرف وليده ، واستجمع طريده ، وضرب بجرانه . اللّهمّ فاتح له من الحقّ يداً حاصدة ، تصرع قائمه ، وتهسّم سوقه، وتحت سنامه ، وتخدع مرغمه .
اللّهمّ ولا تدع له دعامة إلّا قصمتها ، ولا جنّة إلّا هتكتها ، ولا كلمة مجتمعة إلّافرقتها ، ولا سريّة تعلو إلّا خفقتها ، ولا قائمة علم إلّا خفضتها ، ولا فائدة إلا أبدتها .
اللّهمّ وكوّر شمسه ، وحطّ نوره ،وادمع بالحق رأسه ، وفضّ جيوشه ، وأذعر قلوب أهله .
اللّهمّ لا تدعن منه بقيّة إلّا أفنيت ، ولا نبوّة (1)إلّا سوّيت ، ولا حلقة إلّا أكللت (2)، ولا حدّاً إلا أفللت ولا كراعاً (3)إلّا اجتحت ، ولا حامل علم إلّا نكست.
اللّهمّ وأرنا أنصاره عباديد (4)بعد الألفة ، وشتّى بعد اجتماع الكلمة ، ومقنعي الرؤوس بعد الظهور على الأمّة .
اللّهمّ واسفر عن نهار العدل، وأرناه سرمداً لا ليل فيه ، وأهطل علينا ناشئته ، وأدله ممّن ناواه (5).
اللّهمّ وأحيي به القلوب الميّتة ، واجمع به الأهواء المختلفة ، وأقسم به الحدود المعطّلة والأحكام المهملة ، وأشبع به الخماص (1)الساغبة(2)، وأرح به الأبدان اللاعبة من ذرّيّة محمّد صلی الله علیه واله وسلم وأشياعهم وأنصارهم ومحبيّهم ، وعجل فرجهم ، وانتياشهم (3)بقدرتك ورحمتك آمين ربّ العالمين(4)
حكى هذا الدعاء ما ألمّ بهذا السيد العظيم من المحن والأزمات وما يعانيه المسلمون من الظلم الذي صبّه عليهم الطاغية حتّى تركهم أشباحاً مبهمة قد صادر أقواتهم ، وأنفقها على الملاهي والخلاعة والمجون .
كما دعا عليه الإمام أن يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر فيجعل نصره جفاء ، ويسقيه الذلّ ، وينزل به أقسى العقوبات .
خرج سليل النبوّة من مجلس الطاغية علج بني أميّة ، ونفسه الشريفة مترعة بالألم العميق ممّا جرى عليه من الاعتداء والتوهين بشخصيّته ، وقد صمّم بعزم وشموخ على الثورة ومناهضة الحكم الأموي في سبيل عزّته وكرامته ، كيف يلوي على الدنيّة جيداً ، وجده أبو الأحرار ، وسيّد الأباة الذي رفع منار الكرامة ، وعلم شعوب العالم ، وأمم الأرض طريق الشرف ومقاومة الظلم ، وأن لا حياة في ذلّ العبوديّة والقهر .
لقد عزم بطل الإسلام على مناهضة الحكم الجائر والإطاحة بعرش الطاغية مهما كلّفه الأمر ، وأخذ في تخطيط الثورة ، ووضع برامجها ، والتي كان منها :
اختار بطل الإسلام المجاهد زيد الكوفة مركزاً ومقرّاً لإعلان الثورة ، ومقاومة الحكم الأموي ، وإنّما اختارها دون غيرها من مناطق العالم الإسلامي لما يلي :
1 - إنّ الكوفة كانت موطناً لشيعة أهل البیت علیهم السلام، ومنها انطلقت الدعوة لهم .
2 - كانت الكوفة تحقد على الأمويّين وتكنّ لهم العداء والبغضاء ، لأنّهم سلّطوا عليها ولاة من أشرار الخلق أمثال المغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه ، فصبّوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم ، ولا تختصّ كراهية المواطنين للأمويّين بالشيعة ، وإنّما كانت عامّة لمعظم من كان فيها من الشيعة والخوارج وغيرهم .
وبالإضافة إلى ذلك فإنّ مدينتهم كانت عاصمة الإسلام في زمان الإمام أمير
المؤمنين ، وفي العهد الأموي أصبحت كبقيّة البلدان ، وكان الأمويّون يحقدون عليها لأنّها من مراكز المعارضة لهم .
وعمّت الفرحة الكبرى معظم الأوساط الشعبية في الكوفة بتشريف الإمام لمصرهم ، وازدحمت عليه الجماهير مرحبة به ، وفادية له بأرواحها ، لينقذها من عنف الأمويّين وجورهم ، ويعيد في ديارهم نعمة الإمام أمير المؤمنين رائد العدالة الكبرى في الأرض ، وانثالوا عليه بحرارة ولهفة طالبين البيعة له ، إلا أنه لم يطمئن إليهم ، فقد حذّره جماعة من المخلصين له من غدرهم ونكثهم ، فقفل راجعاً إلى المدينة ، وخفّوا مسرعين خلفه حتّى أدركوه في القادسية أو الثعلبيّة ، وأخذوا يتوسّلون ويتضرّعون إليه أن يرجع إلى بلادهم لينقذهم من جور الأمويّين وظلمهم ، وقالوا له : نحن أربعون ألفاً نضرب بأسيافنا دونك ، وأعطوه العهود والمواثيق أن لا يخذلوه .
فقال لهم : إنّي أخاف أن تفعلوا معي كفعلكم مع أبي وجدي ، فأقسموا له بالأيمان المغلّظة أن يكونوا معه لا يخلعون يد الطاعة ، وأن يجاهدوا بين يديه ،فاستجاب لهم (1)، وبايعه الكوفيون ، وهذه صيغة البيعة :
« الدعوة إلى كتاب الله تعالى ، وسنّة نبيّه صلی الله علیه واله وسلم ، وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسمة الفيء بين المسلمين بالسويّة ، وردّ المظالم ، ونصرة أهل البيت على من نصب لهم العداوة وجهل حقّهم » .
وكانت هذه بنود البيعة ، فإذا استجابوا لها وضع يده على من بايعه ، ثمّ يقول له : عليك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله لتفين ببيعتي ، ولتقاتلنّ عدوّي ،
1) تاريخ الأمم والملوك : 8 : 294 .
ولتنصحنّ لي في السر والعلانيّة ، فإذا قال : نعم ، مسح يده على يده ويقول للحاضرين : اشهدوا عليه(1)
أمّا صيغة البيعة ، فإنّها حافلة بجميع القيم التي تضمن للأمّة سلامتها واستقلالها وكرامتها ، وهذه نظرة في بنودها :
1 - العمل بالكتاب والسنّة
وهما يضمنان سلامة الأمة واستقلالها وكرامتها .
2 - جهاد الظالمين
وهم آ أعداء الإسلام الذين يمعنون في ظلم الناس وقهرهم وإذلالهم
3 - الدفاع عن المستضعفين
أمّا المستضعفون كالموالي ، فقد أذلهم الأمويّون ، وسلبوهم حقوقهم ، وقد أشرنا في بحوث هذا الكتاب إلى ما عانوه من الظلم والاضطهاد.
4 - قسمة الفيء بالسويّة
وقد استأثرت السلطة الأموية بالفيء ، فلم تقسمّه بين المسلمين بالسوية وإنّما منحته لأذنابها وعملائها .
5 - ردّ المظالم
من بنود البيعة ردّ المظالم لأهلها ، فقد استباح الأمويّون أموال الناس وحقوقهم ،وغصبوا ضياعهم وممتلكاتهم.
6 - نصرة أهل البیت علیهم السلام
الذين ظلمتهم السلطة واستباحت دماءهم ، وأنزلت بهم أقسى العقوبات لأنّهم
1) تاريخ الأمم والملوك : 8 : 294 8: 294 .
دعاة العدل والحقّ في الأرض .
هذه بعض البنود التي حفلت بها بيعة زيد ، وهي تحقّق للأمّة جميع ما تصبو إليه من العزّة والكرامة .
وأشفق على زيد كوكبة من المحّبين له ، وحذّروه من غدر أهل الكوفة ، ونقضهم البيعة ، كان منهم :
وأشفق عبدالله المحض على زيد لأنّه بقيّة أهله ، فقد خاف عليه من غدر الكوفيّين ، ونقضهم لبيعته ، وقد كتب إليه بعد البسملة :
« أمّا بعد يا بن عمّ ، إنّ أهل الكوفة نفخ العلانية ، خور السريرة ، هرج في الرخاء ، جزع في اللقاء ، تقدمهم ألسنتهم ، ولا تشايعهم قلوبهم ، لا يبيتون بعد في الأحداث ، ولا ينوء ون بدولة مرجوّة ، ولقد تواترت إلى كتبهم بدعوتهم ، فصّممت عن ندائهم، وألبست غشاوة عن ذكرهم ، يأساً منهم واطّراحاً لهم ، وما لهم مثل إلّا كما قال علي بن أبي طالب : إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ ، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَتْتُمْ ، وَإِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ (1).
حكت هذه الرسالة الصفات السيّئة التي اتّصف بها أهل الكوفة من الغدر والخيانة ، وأنّ ألسنتهم تقدم قلوبهم ، فإذا وعدوا غدروا ، وفي المثل : الكوفي لا يوفي، وأنّهم قد كاتبوا عبد الله المحض ليأخذ البيعة منهم ، إلّا أنّه أعارهم أذناً صمّاء ، وذلك يأساً منهم وعدم ثقته بمواعيدهم .
1) نهج البلاغة : 2 : 100 ، الخطبة .180 . تاريخ الأمم والملوك : 5: 489 .
العبّاسي ، وكان مع زيد بالثعلبية ، وقد شاهد أهل الكوفة قد احتفّوا بزيد لمّا خرج عنهم ولم يستجب لهم ، فقال له ناصحاً ومشفقاً :
«لا يغررك هؤلاء من نفسك ، أليس قد خذلوا من كان أعزّ عليهم منك جدّك عليّ بن أبي طالب حتّى قتل ، والحسن من بعده بايعوه ثمّ وثبوا عليه ، فانتزعو رداءه عنقه ، وانتهبوا فسطاطه ، وجرحوه ، أوليس قد أخرجوا جدّك الحسين وحلفواله بأوكد الأيمان ثمّ خذلوه وأسلموه ، ثمّ لم يرضوا بذلك حتى قتلوه ، فلاترجع من معهم».
ووثب عليه أهل الكوفة فردّوا عليه بأعنف الكلام وأقساه قائلين له : إنّ هذا لا يريد أن تظهر أنت ، ويزعم أنّه وأهل بيته أحقّ بهذا الأمر منكم .
والتفت إليه زيد فقال له : إنّ معاوية كان يقاتل عليّاً بذهبه ، وإنّ الحسين قاتله يزيد ، والأمر عليه مقبل .
وانبرى داود محذراً لزيد من الكوفيين قائلاً له : إنّي لخائف إن رجعت إليهم ، ألا يكون أحد أشدّ عليك منهم .
وأحاط الكوفيّون بزيد وأرجعوه إليهم (1)
ووفد عليه محمّد بن عمر ، فقال له بحرارة وخوف عليه : أذكّرك يا زيد لما لحقت
بأهلك ، ولم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك ، وأنّهم لا يفون لك .
فقال له زيد : يا محمّد ، أخرجنا هشام أسرى على غير ذنب من الحجاز ، ثمّ إلى
1) الكامل في التاريخ : 5 : 85. الخطط المقريزية : 4: 310 .
الجزيرة ، ثمّ إلى العراق، ثمّ إلى تيس ثقيف يلعب بنا .
وقد أعرب عن ظلم الطاغية له ، وإنزال أقسى العقوبات به ، الأمر الذي دعاه إلى الثورة عليه ، ثمّ أنشد :
فإن أقتَل فَلَستُ بِذي خُلود *** وَإِنْ أَبْقَ اشْتَفَيتُ مِنَ العَبِيدِ
وأعرب هذا البيت عن تصميمه وعزمه على الثورة ، وعدم مبالاته بالحياة ، ثمّ
أنشد هذه الأبيات :
بكَرَتْ تُخَوِّفُني المنونَ كَأَنَّني*** أَصْبَحتُ عَنْ عَرَضِ الحَياةِ بِمَعْزِلِ
فَأَجَبْتُها إِنَّ المَنيَّةَ مَنْهَلٌ *** لا بُدَّ أَنْ أَسْقَى بِكَأْسِ المَنْهَلِ (1)
إِنَّ المَنيَّةَ لَوْ تُمَثَلُ مُثْلَتْ *** مِثْلي إِذا نَزَلُوا بِضَيقِ المَنزِلِ
فاقني حَياءَكِ لَا أَبا لَكِ وَاعْلَمي *** إنِّي امْرُؤٌ سَأَموتُ إِنْ لَمْ أَقْتَلِ
حكى هذا الشعر الذي تمثّل به بطل الإسلام عن تصميمه على التضحية والشهادة ، وأنّه لا يبالي بالحياة ويسخر من الموت .
وأشفق عليه جابر الجعفي ، وحدثه بما سمعه من أخيه الإمام الباقر علیه السلام في شهادته ، فأجابه : يا جابر ، لا يسعني أن أسكن وقد خولف كتاب الله تعالى ، وتُحوكم إلى الجبت والطاغوت، وذلك إنّي شاهدت هشاماً ورجل يهودي عنده يسبّ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، فقلت للسابّ : ويلك يا كافر ، أما إنّي لو تمكّنت منك لاختطفت روحك ، وعجّلتك إلى النار .
فقال لي هشام: مه عن جليسنا يا زيد، فوالله لو لم يكن إلّا أنا ويحيى ابني
1) الروض النضير : 1 75 الكامل في التاريخ : 5: 233 . زيد بن علي المقرّم : 114.
لخرجت عليه وجاهدته حتّى أفنى (1).
من أجل كرامة الإسلام ، والحفاظ على قيمه ورموزه ، ثار سليل النبوّة ليرفع كلمة الله تعالى ، ويدمّر الشرك وأقطابه .
تشرّف زكريّا بمقابلة زيد فسمعه يتمثّل بهذه الأبيات :
وَمَنْ يَطلب المَجدَ المُمَنِّعَ بالقنا *** يعش ماجداً أَوْ تَحْتَرِمُهُ المَخارِمُ
مَتى تَجمَعِ القَلبَ الذَّكِيَّ وَصارِماً *** وَأَنْفاً حَمِيّاً تَجْتَنِبُكَ المُظالِمُ
وَكُنتُ إِذا قَومٌ غَزَوْنِي غَزَوْتُهُمْ *** فَهَلْ أَنا في ذا يالَ هَمْدانَ ظالِمٌ(2)
وفهم زكريا ما قصده زيد من التصميم على الثورة ، ولمّا قدم الكوفة سأله عن قدومه ، فأخبره أنّ أهل الكوفة كتبوا إليه بالقدوم إليهم ، فأشار عليه زكريّا بالانصراف ، وذلك لما عرف به الكوفيّون من الغدر والخيانة (3).
استأذن بالدخول على زيد فأذن له، وعرض عليه زيد الانضمام إلى دعوته ، وبعد حديث بينهما قال له سلمة : كم بايعك ؟
كم بايع جدّك - يعني الإمام الحسين علیه السلام - ؟
ثمانون ألفاً .
كم حصل معه ؟
ثلاثمائة .
ناشدتك بالله ، قرنك خير أم القرن الذي خرج فيه جدّك ؟
بل القرن الذي خرج فيه جدّي .
أتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدروا بجدّك .
بايعوني ووجبت بيعتهم في عنقي وأعناقهم .
وطلب منه سلمة أن يخرج من الكوفة لئلا يرى غدر الكوفيين به ، فأذن له ، فخرج إلى اليمامة (1).
الأعمش من الشخصيّات العلميّة البارزة في الكوفة ، وقد بعث إليه زيد عثمان بن عمير الفقيه يدعوه إلى نصرته وبيعته ، فقال الأعمش له : اقرأه منّي السلام ، وقل له : يقول لك الأعمش : لست أثق لك - جعلت فداك - بالناس ، ولو أنّا وجدنا لك ثلاثمائة رجل أثق بهم لغيّرنا لك جوانبها (2).
هؤلاء بعض المشفقين على زيد والمخلصين له ، حذّروه من الاستجابة لأهل الكوفة الذين لا وفاء لهم ، ولا عهد لهم ، ولكنّ بطل الإسلام وفخر بني هاشم كان مصمّماً على التضحية والفداء للإسلام مهما كانت الظروف ملبّدة في غير صالحه ، كما أقدم جدّه الإمام الحسين علیه السلام على مقارعة الأمويّين مع علمه بقلّة الناصر ،
وخذلان من كاتبه من أهل الكوفة بالقدوم إليهم .
وانبرى معظم فقهاء الكوفة وعلماؤها إلى مبايعة زيد ، وتحريض الجماهير على نصرته ودعم دعوته ، وهؤلاء بعضهم :
كان أبو حنيفة زيديّاً في عقيدته بعث إليه الإمام زيد رسولين، وهما : زياد بن المنذر ، والفضيل بن الزبير يدعوانه إلى نصرته ، فأجاب إلى ذلك ، وكان مريضاً ، فقال لهما : هو والله صاحب الحقّ ، وهو أعلم من نعرفه في هذا الزمان.
وقدّم له ثلاثين ألف درهم ليستعين بها على حرب عدوّه ، وقال : إن شفيت من مرضي لأخرجنّ معه (1). وكان أبو حنيفة من تلاميذ زيد .
فقيه العراق ، وقاضي الكوفة ، وأحد الثقات ، وهو ممّن بايع الإمام زيد وخرج معه (2).
هو الإمام الثبت ، شيخ العراق ، بايع الإمام زيداً وخرج معه ، ودعا إلى بيعته (3)
هو سليمان بن مهران شیخ القرّاء والمحدّثين ، بايع زيداً ودان بإمامته (1).
البجلي ، كان من المبايعين للإمام زيد ، تولّى القضاء في بغداد في أيّام المنصور (2)
هو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي الإمام الحافظ ، من الفقهاء الذين بايعوا زيداً (3)
من أعلام الكوفة وفقهائها ، بايع الإمام زيداً (4)
الكوفي ، من فقهاء الكوفة وأعلامها البارزين ، بايع الإمام زيداً (5)
1) المصابيح : 402 . ترجم في الطبقات الكبرى : 6 : 342 ، وغيره .
2) المصابيح : 402 ، ترجم في تهذيب التهذيب : 2 : 304.
3) المصابيح : 402. ترجم في تاريخ الإسلام : 5 : 107 ، وسير أعلام النبلاء : 5 : 412 .
4) المصابيح : 403
5) المصابيح : 403 . تاريخ الإسلام : 5 : 81. وفي الطبقات الكبرى : 6: 316. تهذيب التهذيب : 4 : 155 . سير أعلام النبلاء : 5: 298 .
بايع الإمام زيداً (5)، من أعلام الفقهاء ومن الثقات المعروفين في الأوساط العلمية (6).
ابن الحسن بن الحسن ( النفس الزكيّة ) (7)، وقد حضر معه الواقعة .
ابن الحسين (8)، وهو أخوه.
هؤلاء بعض من بايعه من مشاهير الفقهاء وكبار القرّاء والعلماء ، ودعوا الناس إلى نصرته ومبايعته ، وحضر بعضهم في الواقعة، ولم يحضر البعض الآخر .
1) المصابيح : 403 .
2) ترجم له في تهذيب التهذيب : 11 : 16 و 17 . التاريخ الكبير : 8 : 2842 .
3) المصابيح : 403 .
4) ترجم له في تهذيب التهذيب : 2 : 200 خلاصة تهذيب الكمال : 72.
5) المصابيح : 403 .
6) تهذيب التهذيب : 11 : 6. تهذيب الكمال: 30 : 87
7) المصابيح : 403 .
8) ذكرنا ترجمته في البحث عن إخوان الإمام زيد .
وجّه بطل الإسلام أعلام أصحابه من الفقهاء إلى الدعوة له ، وأخذ البيعة له من الأوساط الشعبيّة ، وهؤلاء بعضهم :
العبسي (1)، وهو أول من قتل من أصحاب الإمام زيد ، وكان من أجلّ أصحابه
ومن أبطال المسلمين (2).
ابن خيثم العامري ، وهو من دعاة زيد (3)، ومن أنصار الحقّ .
الأسدي ، وهو من الدعاة الذين كانوا يدعون الناس إلى مبايعة زيد (4).
ابن زيد الأنصاري ، من الدعاة للبيعة لزيد(5)، ومن الناصرين للحقّ .
بعثه زيد داعياً له ، وكان غير حاضر في شهادة الإمام زيد ، فلمّا علم صام سنة كفّارة لتأخّره عن نصرته (6)
مولى لبني هاشم ، وهو من الدعاة وقد أجابه جمع من أهل الرقّة(1).
من الدعاة بعثه الإمام زيد إلى زبيد بن الحارث اليامي ، وهو من يدعوه للجهاد معه (2)
بعثه الإمام زيد داعياً له في خراسان (3).
الفقيه ، أرسله الإمام داعياً له في خراسان(4).
أبو اليقظان الفقيه الكوفي ، أرسله الإمام داعياً له إلى الأعمش.
11 - كتب الإمام زيد إلى هلال بن خباب بن الأرت قاضي المدائن ، فأجابه وبايعه أهل المدائن (5).
هؤلاء بعض الدعاة إلى بيعة الإمام زيد ، وقد جهدوا في أداء رسالتهم .
وكان يقول للدعاة : لا تقولوا خرجنا غضباً لكم ، ولكن قولوا خرجنا غضباً
الله ودينه (1)
أحيط مكان البيعة بكثير من السرّيّة والكتمان ، فقد كان أبو معمر وفضيل بن الزبير يدخلان الناس على زيد وعليهم براقع ، فيأتيان بهم من مكان لا يبصرون شيئاً حتّى يدخلونه على الإمام زيد فيبايعونه (2)لئلّا يعرف المكان الذي أقيم فيه زيد خوفاً عليه من السلطة .
أمّا عدد المبايعين للإمام زيد ، فقد ذكر المؤرّخون أقوالاً متعدّدة ، منها :
1 - خمسة وعشرون ألفاً (3).
2 - أربعون ألفاً (4).
3 - ثمانون ألفاً (5)
4 - خمسة عشر ألفاً (6)
وهؤلاء كلّهم من أهل الكوفة ، ومضافاً إليهم فقد بايعه جمع من أهل المدائن ،
والبصرة ، وواسط ، والموصل ، والجزيرة ، والريّ ، وخراسان ، وجرجان (7).
ولم تقتصر البيعة على الرجال ، وإنّما شملت كوكبة من النساء ، كان منهنّ أمّ عمر
بنت الصلت (1)، وأمّ خالد التي قطع يوسف يدها (2).
ومن المؤسف أنّهم لم يفوا ببيعتهم، فقد تخلّف معظمهم عن الالتحاق به حتّى استشهد كما سنذكر ذلك .
وحدّد الإمام زيد مع أعضاء ثورته وقتاً خاصاً للثورة ، وهو يوم الأربعاء أوّل ليلة من صفر سنة 122ه- (3)
استقبلت الأوساط الشعبيّة في الكوفة بمزيد من الفرح والابتهاج قدوم الإمام زيد إليهم ليقيم فيهم العدل السياسي والاجتماعي ، ويوفّر لهم الأمن والرخاء ، ويعيد لبلدهم ماضيه الزاهر حينما كان عاصمة للعالم الإسلامي في عهد الإمام أمير المؤمنين علیه السلام الرائد العدالة الكبرى في الأرض ، وينقذهم من ويلات الأمويّين الذين أشاعوا فيهم الفقر والحرمان ، وحرموهم من جميع حقوقهم الطبيعيّة .
وكانت الشيعة في طليعة المرحّبين والمبايعين للإمام زيد لأنّها عانت من الأمويّين الكوارث والخطوب، وسملت منهم العيون، وصلب قادتهم على جذوع النخل ، واقترف الأمويّون معهم كلّ ظلم وإثم ، وقد وجدوا بالإمام زيد المنقذ والمحرّر لهم ، فبايعوه عن رضاً ورغبة، وكذلك بايعه الخوارج الذين هم خصوم العلويّين لأنّهم وجدوا في زيد الحماية لهم من عنف الأمويّين وظلمهم .
وعلى أي حال، فإنّا نعرض إلى مجريات الأحداث القاسية التي انتهت بمصرع القائد والمحرّر الذي كان ينتظر حكمه المسلمون بفارغ الصبر، وفيما يلي ذلك :
وفزع طاغية الشام هشام أشدّ ما يكون الفزع من الإمام زيد حينما كان في الكوفة ، لأنّه يعلم بكرامة العراقيّين للأمويّين ، وذلك لما أفشوه فيهم من الظلم ، وما أشاعوه فيهم من الفقر والحرمان ، بالإضافة إلى أنّه لم تكن عند الأمويّين نزعة كريمة أو صفة
شريفة تحبّبهم إلى المجتمع ، وفعلاً فقد قام هشام بما يلي :
وبادر هشام إلى الاتّصال بوالي العراق يوسف بن عمر الثقفي ، فرفع له مذكّرتين ،
وهما :
الأولى: «أمّا بعد ، فإنّ رجلاً من بني أميّة كتب إلى باجتماع أهل الكوفة على زيد ، وقد تعجبت من غفلتك وجهلك ، وزيد غارز ذنبه بالكوفة يبايع له ، فإذا لم تستطع من إخراجه منها فقاتله » .
حكت هذه المذكّرة أنّ المخابرات الأمويّة قد رفعت إلى هشام باجتماع أهل الكوفة على زيد يبايعونه ، وأنّه ألقى بثقله في الكوفة لتجاوب أهلها معه ، وقد أمر الطاغية واليه بإخراج زيد منها ، وإذا لم يستطع فعليه أن يفتح معه باب الحرب .
الثانية : وهي ذات أهمّيّة بالغة ، وقد جاء فيها : « أمّا بعد ، فقد علمت حال أهل الكوفة ، وحبّهم أهل هذا البيت ، ووضعهم إيّاهم في غير مواضعهم ، لأنّهم افترضوا على أنفسهم طاعتهم ، ووظفوا عليهم شرائع دينهم ، ونحلوهم علم ما هو كائن ،
حتّى حملوهم من تفريق الجماعة على حال استخفوهم فيها إلى الخروج .
وقد قدم زيد بن عليّ على أمير المؤمنين في خصومة عمر بن الوليد ، ففصل أمير المؤمنين بينهما ، ورأى رجلاً جدلاً لسناً خليقاً لتمويه الكلام ، وصوغه ، واجترار
الرجال بحلاوة لسانه ، وكثرة مخارجه في حججه ، وما يدلي به عند لدد الخصام من السطوة بالقوّة الحادّة لنيل الفلج .
فعجّل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تخله والمقام قبلك ، فإنّه إن أعاره القوم أسماعهم فحشاها من لين لفظه ، وحلاوة منطقه مع ما يدلي به من القرابة لرسول الله ، وجدهم ميّلاً إليه غير متئدة قلوبهم ، ولا ساكنة أحلامهم ، ولا مصونة عندهم
أديانهم ، وبعض التحامل عليه فيه أذى له . وإخراجه وتركه مع السلامة للجميع ، والحقن للدماء ، والأمن للفرقة أحبّ إليَّ من أمر فيه سفك دمائهم ، وانتشار كلمتهم ، وقطع نسلهم والجماعة حبل الله تعالى المتين، ودين الله تعالى القويم ، وعروته
الوثقى .
فادع إليك أشراف أهل المصر ، وأوعدهم العقوبة في الأبشار واصطفاء الأموال ، فإنّ من له عقد أو عهد منهم سيبطئ عنه ، ولا يخفّ معه إلّا الرعاع وأهل السواد ، ومن تنهضه الحاجة استلذاذاً للفتنة ، وأولئك ممّن يستعبد إبليس وهو يستعبدهم فبادرهم بالوعيد ، وأعضضهم بسوطك ، وجرّد فيهم سيفك ، وأخف الأشراف قبل الأوساط ، والأوساط قبل السفلة .
واعلم أنّك قائم على باب الفة ، وداع إلى طاعة ، وحاضر إلى جماعة ، ومشمّر لدين الله تعالى ، فلا تستوحش لكثرتهم ، واجعل معقلك الذي تأوي إليه ، وصفوك الذي تخرج منه الثقة بربّك ، والغضب لدينك ، والمحاماة عن الجماعة ، ومناصبة من أراد كسر هذا الباب الذي أمرهم الله تعالى بالدخول فيه ، والتشاحّ عليه ، فإنّ أمير المؤمنين قد أعذر إليه وقضى من ذمامه ، فليس له منزى إلّا ادّعاء حق هو له ظُلِمَه من نصيبه نفسه ، أو فيء أو صلة لذي قربي ، إلّا الذي خاف أمير المؤمنين من حمل بادرة السفلة على الذي عسى أن يكونوا به أشقى وأضل ، ولهم أمر ، ولأمير المؤمنين أعزّ وأسهل إلى حياطة الدين، والذّب عنه ، فإنّه لا يحبّ أن يرى في أمّته حالاً متفاوتاً نكالاً لهم مغنياً فهو يستديم النظرة ، ويتأتى الإرشاد ، ويجتنبهم على المخاوف ، ويستجرّهم إلى المراشد ، ويعدل بهم عن المهالك ، فعل الوالد الشفيق على ولده والراعي الحدب على رعيّته .
واعلم أنّ من حجّتك عليهم في استحقاق نصر الله لك عند معاندتهم ، توفيتك أطماعهم ، وأعطية ذرّيّتهم ، ونهيك جندك أن ينزلوا حريمهم ودورهم ، فانتهز رضا الله فيما أنت بسبيله ، فإنّه ليس ذنب أسرع تعجيل عقوبة من بغي ، وقد أوقعهم
الشيطان فيه ، ودلّهم عليه ، والعصمة بتارك البغي أولى ، فإن أمير المؤمنين يستعين الله عليهم ، وعلى غيرهم من رعيته ، ويسأل إلٰهه ومولاه ووليّه أن يصلح ما كان فاسداً ، وأن يسرع بهم إلى النجاة والفوز ، إنّه سميع قريب» (1)
حكت البنود الأولى من هذه الرسالة مخاوف الطاغية من الإمام زيد ، وذلك لما يتمتّع به من القابليّات الفذّة التي منها أنه يجتذب القلوب والعواطف بقوّة بيانه ، وحلاوة حديثه ، وأنه لا يقف أحد أمام منطقه الفيّاض .
ومضافاً إلى ذلك قربه من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الذي يسيطر به على الموقف ، وعلى الوالي أن يقف بحزم أمامه ، فيتعامل مع الوجوه والأشراف من أتباعه بلغة خاصّة فيو عدهم بالعقوبة ، ويمنحهم الأموال ، التي يسيل لها لعاب الأبطال .
كما أنّ عليه أن يتعامل مع السواد من أتباعه بلغة خاصّة ، وهي استعمال القوّة
والبطش معهم ، وهذه اللغة لغة أسلافه ، فقد نهجوا مع الرعيّة هذا المنهج .
أمّا الفصول الأخيرة من هذه الرسالة فنحن نشكّ في صدورها من الطاغية ، وفيما أحسب أنّها من الموضوعات لأنّ بها الترفع عن سفك الدماء والاحتياط فيها ، وهذا لا يتّفق مع سياسة الأمويّين المبنيّة على القهر والعنف وعدم الاعتراف بأي حقّ للأمّة.
ولمّا انتهت المذكّرة الأولى أو الثانية إلى يوسف بن عمر الثقفي والي العراق كتب فوراً إلى والى الكوفة بأمره بالاسراع بطلب زيد وإلقاء القبض عليه ، وفعلاً فقد قام الوالي بتفتيش دقيق في رحاب الكوفة ، ومداهمة البيوت التي يظنّ أنّ زيداً فيها ، إلّا أنّه لم يهتد لمعرفته ، فقد أحيط بكثير من الكتمان والسرّية ، وأخيراً استعمل الطريقة
1) تاريخ الأمم والملوك : 5: 489 - 491 .
التي استعملها ابن مرجانة للتغلّب على الشهيد مسلم بن عقيل ، حينما بعث إليه الجاسوس معقل فتعرّف على محل إقامته ، ومعرفة أسرار الثورة ، وكذلك استعمل
نفس هذه الطريقة .
فقد بعث مملوكاً خراسانيّاً وزوده بخمسة آلاف درهم ، وأمره بالاتّصال بالشيعة ويخبرهم أنّه قدم من خراسان حبّاً لأهل البيت، ومعه مال يريد أن يوصله لزيد ، ولم يزل يتوسّل ببعض الشيعة حتّى أوصلوه إلى زيد ، فسلّمه المال ، ثمّ خرج من عنده
، فأعلم الوالي بمقامه ، ودلّه على رجلين من دعاته يعرفان مقامه ، وهما عامر وطعمة ، وكلاهما من بني تميم ، فأرسل خلفهما .
ولمّا حضرا عنده سألهما عن زيد ، ومكوّنات ثورته ، فأخبراه بذلك ، واستبان له أنّهما على معرفة تامة بشؤونه ، فأمر بضرب أعناقهما ، ولكنّه لم يهتد إلى معرفة مكانه .
كان زيد له إلمام تامّ بوضع المخططات العسكريّة ، ومعرفة تامّة بشؤون الثورة ،
خصوصاً في هذه المرحلة الحسّاسة الدقيقة ، وقد اتخذ من الاجراءات ما يلي :
أحاط زيد محل إقامته بكثير من السرّيّة والكتمان ، خوفاً من إلقاء القبض عليه ، فهو ينتقل من دار إلى أخرى ، ولا يمكث في دار إلّا وقتاً يسيراً .
أخفى زيد أسماء كوادر حزبه وأعضاء ثورته ، خوفاً عليهم ، وقد ظهر أسماء بعضهم بعد شهادة زيد.
وكان من رأيه الأصيل أنه وضع منهجاً خاصّاً للثورة لا تختص بمكان ، وإنّما تكون عامّة في جميع المناطق الإسلاميّة التي له دعاة فيها ليثورون في الوقت المقرّر حتّى لا تتمكّن الدولة من إخمادها ، بالإضافة إلى إلقاء الرعب في نفوس الحاكمين ، كما إنّ الثورة تكون أقل خسائر ممّا إذا كانت في موطن خاصّ .
رأى زيد أنّ تكون الثورة ليلاً لا في وضح النهار ، لأنّها تلقي الرعب في نفوس العدوّ، بالإضافة إلى من لا يحب الاشتراك في العمليّات العسكريّة ، فإنّه يتّخذ من الليل جملاً للهروب من ساحة الحرب.
هذه بعض المخطّطات العسكريّة التي وضع برامجها زيد .
اضطرّ زيد إلى الخروج في غير الموعد المقرّر ، وهو أول يوم من صفر سنة 122ه- لأسباب اضطرته إلى ذلك ، فقد خاف من الاغتيال وغير ذلك ، فخرج ليلة الأربعاء لسبع بقين من المحرّم سنة 122ه بدلاً من الاتفاق السابق ، وقد خرج في ليلة شديدة البرد (1)
وكان الخروج في غلس الليل له أهمّيّته البالغة في التعاليم العسكريّة ، وقد خرج علی برذون أشهب ، وقد ارتدى قباءً أبيضاً ، وعليه عمامة وبين يديه مصحف مشهور .(2)
ولمّا رأى زيد اللواء يخفق على رأسه قال : الحمد الله الذي أكمل لي ديني ، أما والله لقد كنت أستحي أن أقدم على محمّد صلی الله علیه واله وسلم ولم أمر في أمّته بمعروف ، ولم أنه عن منكر (1)
ثمّ وجه خطابه إلى القطعات العسكريّة قائلاً: والله لا ينصرني أحد إلّا كان في الرفيق الأعلى مع محمد صلی الله علیه واله وسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ، ونحو بنوه .
ثمّ وجّه خطابه إلى الفقهاء : يا معشر الفقهاء ، ويا أهل الحجي ، أنا حجّة الله عليكم، هذه يدي مع أيديكم على أن نقيم حدود الله تعالى ، ونعمل بكتاب الله تعالى ، ونقسّم بينكم فيئكم بالسويّة ، فاسألوني عن معالم دينكم ، فإن لم أنبئكم بكلّ ما سألتم عنه فولّوا من شئتم ممّن علمتم أنّه أعلم منّي.
وأضاف قائلاً: والله ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي ، ولا انتهكت محرّماً منذ عرفت أنّ الله تعالى يؤاخذني به .(2)
وأعرب في آخر خطابه عن قدراته العلميّة والفقهيّة ، كما أعرب عن تقواه وورعه وتحرّجه في الدين، وغير ذلك من الصفات والمميّزات التي يجب أن يتّصف بها قائد الأمّة .
نكث الكوفيّون بيعتهم للإمام زيد ، وغدروا به في وقت الشدّة ، كما غدروا بجدّه الإمام الحسين علیه السلام من قبل ، فقد ولّوا منهزمين يصحبون معهم العار والخزي ، وإذا بمعسكر زيد لم يحو إلّا كوكبة من الذين عاهدوا الله تعالى ورسوله على نصرته ، فلمّا رأى زيد نكوصهم اندفع قائلاً: فعلوها حسينيّة .
أجل فعلوها حسينيّة بغير حياء ولا خجل ، وإذا به في ساحة الحرب وحيد أليس معه إلّا الصفوة من أصحابه .
وكان من نفاق الكوفيين أنّهم خفّوا مسرعين إلى زيد بعد إعلانه الحرب على الأموييّن ، فسألوه عن رأيه في الشيخين ، ولم يكن باستطاعته أن يقدح فيهما ، وأن يعلن أنّ ما لحق العترة النبويّة الطاهرة من المحن والخطوب كان بسببهما ، فاتّخذوا ذلك وسيلة للطعن فيه والفرار من جيشه ، وراحوا يقولون له : إنّك لم تطلب بدم أهل البيت إلّا ان وثبا على سلطانكم فانتزعاه من أيديكم . (1)
وفارقوه ونكثوا بيعته.(2)
لقد فارقوه حينما زحفت جيوش الأمويّين لمحاربة زيد ، فخافوا منهم ، ومنذ ذلك الوقت نشأت فكرة الرفض .
وعلى أي حال ، فإنّ الجيش الذي بايع الإمام زيد قد تقلّل وانهزم ، ولم يبق معه سوى ثلاثمائة رجل (3)أو يزيد على ذلك بقليل ، وبقي مع هذه القلّة المؤمنة يصارع جيوش أهل النفاق .
كانت قوة عسكريّة من جيش زيد قد أقامت في الجامع لتلتحق بالمعسكر وتسانده ، فبادرت السلطة إلى غلق أبواب الجامع عليهم ، ولم تسمح لهم بالخروج
منه ، وكان زيد ينتظر بفارغ الصبر التحاقهم بمعسكره ، فأخبر أنّهم محاصرون في الجامع ، فقال : ما هذا لمن بايعنا بعذر ، فقد كان باستطاعتهم وهم قوّة ضاربة الهجوم على الحرس والخروج من الجامع ، إلّا أن الخوف قد قيّدتهم ، فلم يقوموا بأي عمل ضدّ السلطة ، وكان الطعام يأتيهم حتىّ انتهت المعركة فأفرج عنهم .
التحم الجيشان التحاماً رهيباً في أعنف المعارك وأشدّها ضراوة ، وقد أبدى الجيش العلوي من صنوف البسالة والصمود ما لا يوصف، وألحقوا بالجيش الأموي أفدح الخسائر في الأرواح ، فقد أبيد منهم ما يزيد على ألفي مقاتل ، وكانت القيادة العامة للجيش إلى الإمام زيد ، وكان ملماً وعالماً بالمخطّطات العسكرية ، فوضع أدقّ المناهج في العمليّات الحربيّة .
استشهد كوكبة من قادة جيش الإمام زيد بعد ما أبلوا في المعركة بلاء حسناً ، وقد أبدوا من البسالة ما يفوق حدّ الوصف كان منهم :
وهو من الأبطال في شجاعته وقوّة إيمانه ، وقد خاطب الإمام زيداً بقوله : والله يا أبا الحسين لأقاتلنّ معك عدوّك ، فإنّ عدوّك عدوّنا ، ونحن والله أشدّ عليه حنقاً وعداوة لما ارتكبوا من دمائكم ، ومنعوا من حقوقكم ، واستأثروا بالأمر دونكم ، فنحن لهم مفارقون ، ولأعمالهم مبغضون ، فانهض بنا إليهم إذا شئت ، وعلى الله تعالى فليتوكّل المتوكّلون .
ودخل ربيعة ميدان الجهاد ، وأبدى من البسالة ما بهر العدوّ وهو يرتجز :
وَاللهِ لَا أَرجِعُ حَتَّى أَعْذَرا *** أوْ أَقْتُلَ المَرة اللئيم الكافرا
ما كُنتُ يابنَ الطَّاهِرِينَ أَغْدُرا *** أَوْ أَسقِي الصَّعِدَةَ مِنّي أَحْمَرا
مِنْ شيعَةِ الكافِرِ أَرْجى الظُّفَرا *** وَأَنْصُر المُتَوَّجَ المُطَهَّرا
ابْنَ رَسولِ اللهِ ذاكَ الأَزْهَرا *** أَفضَلَ مَنْ هَلَّل رَبِّي الأَكْبَرا
***حَتَّى أَموتَ دونَهُ وَأَقْبَرا ***
حكى هذا الرجز تفانيه في عقيدته ، وأنّه يقاتل الكفار الذين لا علاقة لهم بالإسلام، وقد انبرى بشوق إلى ساحة الجهاد حتّى استشهد (1).
وهو من الفرسان الذين لم يخالجهم الخوف، وكان من كتاب الإمام زيد ، فقد اقتحم ساحة الحرب وهو يرتجز :
إِنِّي لَمِنْ نَهْدٍ لَفِي الذُّوائِبِ *** أَفْدِي زَيْداً بِأَبِي وَصاحِبي
وَكُلُّ ما أَملِكُ مِنْ مَكاسبي *** أَضْرِبُهُمْ بِذي غرارٍ قاضِبِ
ضَربَ هِزَبْرٍ ضَيغَمِ مُوائِبِ *** أَرْجُو بِهِ الحُورَ مَعَ الكَواعِبِ
وقد انبرى بعزم شامخ إلى ميدان الجهاد حتّى استشهد (2)
الأشجعي ، وهو من قادة الفرسان في معسكر زيد ، وقد تفانى في ولائه له ، وكان له شعر أنشده في ساحة الحرب ، وبقي صامداً حتّى استشهد (3).
4 - معمر بن خثیم .
5 - الصلت بن الحرّ .
6 - سلام بن حرب .
7 - عمر بن عمران الكوفي .
8 - معاوية بن إسحاق .
9 - عوف بن سالم العبسي .
10 - بشر بن سالم العبسي .
11 - خباب بن یزید .
وهؤلاء الأبطال من قادة جيش الإمام قد وهبوا أرواحهم الله تعالى وجاهدوا في سبيله دفاعاً عن الحقّ ونصرة لعلم من أعلام العترة الطاهرة التي تبنّت حقوق المظلومين والمضطهدين الذين استهانت بهم الحكومة الأمويّة .
واستمرّ القتال بأعنفه وأشدّه بين الفريقين يريد أصحاب زيد على قلّتهم نصرة الإمام زيد ليحقّقوا العدل السياسي والاجتماعي بين المسلمين ، ويريد أصحاب هشام التقرّب إلى الأمويّين والظفر بجوائزهم وهباتهم .
وقد أثبتت القلّة من أصحاب الإمام أنّها كفؤ للجيش الأموي على كثرته ووفرةأجهزته لأنّها كانت تقاتل عن إيمان لا عن أطماع رخيصة ، وكان زيد يجول في ميدان الحرب وهو يقول :
مَهْلاً بَني عَمْنا ظَلامَتُنا *** أَنَّ بِنا سَورَةَ مِنَ العَلَقِ
لِمِثْلِكُمْ تُحمَلُ السُّيوفُ وَلَا *** تُعْمَرُ أَحْسابُنَا مِنَ الرَّفَقِ
إِنِّي لأنمي إذا انتميتُ إلى *** عَنْ عَزيزِ وَمَعْشَرٍ صُدْقٍ
بيض سباطٌ كَأَنَّ أَعيُنَهُمْ *** تُكَحْلُ يَومَ الهياج بِالعَلَقِ
وحكى هذا الشعر شهامته ونبله وإباءه عن الضيم ، وأنّه ينتمي إلى أعزّ أسرة
وأشرف قبيلة .
وكان الإمام زيد يجول في ميدان القتال وهو ينشد هذين البيتين
أَذُلُ الحَياة وعِزُّ المَماتِ *** وكُلاً أَراه طَعاماً وبيلا
فَإِنْ كانَ لا بُدَّ مِن واحدٍ *** فَسِيري إلى المَوْتِ سَيراً جَمِيلا
لقد اخترت الشهادة والموت تحت ظلال الأسنّة في سبيل كرامتك ، كما اختار ذلك جدّك الإمام الحسين علیه السلام الأبي عن الضيم ، وأخذ زيد يحرّض أصحابه على الشهادة والذّب عن حياض الإسلام قائلاً: والله لو كنت أعلم عملاً أرضى الله تعالى من قتال هؤلاء لفعلت.
ثمّ أخذ ينصح جيشه قائلاً:
وقد كنت نهيتكم ألّا تتّبعوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تفتحوا باباً مغلقاً ، ولكنّي سمعتهم يسبّون عليّاً ، فاقتلوهم من كلّ وجه ، فوالله لا ينصرني رجل عليهم اليوم إلّا أخذت بيده وأدخلته الجنّة .
ثمّ قال :
اللّهمّ إنّ هؤلاء عدوّك وعدوّ رسولك ودينك الذي ارتضيته لعبادك .
اللّهمّ اجز هؤلاء الذين يقاتلونهم - أي يقاتلون أعداء الله تعالى - أفضل ما جزيت أحداً من عبادك المؤمنين ، والله لا أعلم أنّه ما أمسى على وجه الأرض عصابة أنصح لله تعالى ولرسوله وللإسلام منكم (1)
1) زيد الشهید : 138 و 139
وأخذ يجول في الميادين فلم ير الناس مثله في شجاعته وقوّة بأسه ، ولم تضعف عزيمته قلّة أنصاره ، وضخامة جيش عدوّه ، فإنّه كان يحسبهم كالحشرات يحصد رؤوسهم بسيفه ، ويذيقهم كأس المذلّة والهوان .
وواصل الإمام الممتحن سيرته الجهاديّة ، وقد فجع بقتل دعاته وأصحابه الذين يعرفون مقامه ، وقد حمل على أعداء الله تعالى وأعداء رسوله ، فيفرّون فرارالمعزى إذا شدّ فيها الأسد ، وقد قتل منهم زهاء سبعين رجلاً ، وقد هزمهم شرّ هزيمة ، وهو على أثرهم يحصد رؤوسهم بسيفه .
واستدعى العبّاس بن سعيد من يوسف بن عمر القائد العامّ للقوّات الأمويّة أن يمدّه بالرماة ، وأخذت السهام تتوالى على أصحاب زيد كالمطر ، وأصاب سهم جبين زيد الذي ما فكّر إلّا بسعادة الناس ، فسقط على أثره إلى الأرض كما تهوي
النجوم، وكان الرامي له مملوك ليوسف وقيل غيره .
وحمله أصحابه وهم يعجون بالبكاء والنحيب ، فأدخلوه بيت حران بن كريمة ، واحتضنه ولده يحيى ، وهو يبكي أمرّ البكاء وقال له : ابشر يابن رسول الله ، ترد على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وعليّ وفاطمة وخديجة والحسن والحسين ، وهم عنك راضون .
وأجابه أبوه بصوت خافت قائلاً: صدقت ، فأي شيء تصنع ؟
وابتهج زيد فقال له : يا بنيّ ، جاهدهم فوالله إنّك لعلى حقّ ، وأنّهم لعلى باطل ، وإنّ قتلاك في الجنّة ، وقتلاهم في النار (1).
1) عمدة الطالب : 257 . سرّ السلسلة العلوية : 58 و 59 .
لقد كان الإمام زيد حتّى النفس الأخير من حياته ، يرى وجوب مناهضة هؤلاء اللصوص والخونة من الأمويّين الذين لا يرجون لله وقاراً .
ودعوا طبيباً لمعالجته ، فقال له : إن نزعته منك متّ الساعة .
فقال له : الموت أهون عليّ ممّا أنا فيه .
وبادر الطبيب فانتزعه منه ، وفاضت روحه الزكيّة التي هي أسمى روح صعدت إلى الله تعالى في عصره .
لقد انتصرت الوثنية القرشيّة التي أبت أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد ، وأخمدت تلك الأنوار التي أضاءت في سماء الشرق تنير العقول ، وتهذّب النفوس ، وتقيم منار العدالة ، وتقضي على الظلم والطغيان .
واختلف أصحاب زيد فى مواراة جثمانه المقدّس ، وهذه بعض آرائهم :
1 - طرحه في الماء بعد تلبسه بدرعه (1).
2 - حزّ رأسه الشريف وطرح جنّته بين القتلى حتّى لا يُعرف ولم يوافق على ذلك ولده يحيى (2)
3 -دفنه في نهر وإجراء الماء عليه ، ووافق على ذلك الجميع ، فذهبوا إلى نهر ، وسدّوا جانبيه وحفروا له قبراً وواروا الجسد الطاهر فيه، ورفعوا الحواجز وأجروا الماء (3)
وراح الطاغية الفاجر يوسف بن عمر يفتّش عن جثمان سليل النبوّة ليتشفّى به تقرّباً إلى حاكم دمشق شريكه في جرائمه وآثامه ، وأخبره الطبيب الذي أخرج السهم من جبينه بمحل دفنه، لأنّه كان حاضراً (1). وقيل غيره ، فأمر بإخراجه من قبره ، و انبرى خدّام السلطة إلى القبر فأخرجوه وألقوه على باب قصر الإمارة ، فخرّ كأنّه جبل ، وأمر الخبيث بحزّ رأسه ، فاحتز وأرسله هدية إلى أحول قريش ، فأظهر الفرح ، وأمر بوضعه في مجلسه ، وأمر الأرجاس من جلسائه بوضع أحذيتهم على الرأس الشريف ، الذي يمثل الكرامة الإنسانيّة ، وراح العملاء يطأونه بأحذيتهم (2).
وأمر الطاغية يوسف الباغي اللئيم بصلب الجثمان المقدّس ، فصلب منكوساً (3)، ووضع مفرزة من الشرطة بحراسته خوفاً من أن يسرق ويدفن.
لقد كان هذا جزاء النبي صلی الله علیه واله وسلم من أمّته أن عمدوا إلى أبنائه فقتلوهم ، وأخرجوهم من قبورهم ثمّ صلبوهم ، وسيعلم من أوصل الأمويّين إلى مراكز الحكم ومكّنوهم من إبادة العترة الطاهرة ، وإنزال أقسى العقوبات بها .
وقد رأى الموكّل بحراسة الجثمان المقدّس النبي صلی الله علیه واله وسلم في منامه واقفا على الخشبة التي صلب عليها زيد وهو يقول بأسى وألم : «هكذا تَصْنَعُونَ بِوَلَدِي مِنْ بَعْدي ، يا بُنَيَّ يا زَيْدُ ، قَتَلُوكَ قَتَلَهُمُ اللهُ ، صَلَبوكَ صَلَبَهُمُ الله ».(4)
وبقي الجثمان المقدّس مرفوعاً على خشبة زمناً غير قليل حتّى عشعشت الفاختة في جوفه ، وقد ظنّ طاغية الشام أنّ هذا التمثيل الآثم يحطّ من كرامة زيد ،ويوهن
منزلته في نفوس المسلمين ، ولم يعلم أنّ ذلك رفعه إلى أعلى مستويات الصالحين الذين رفعوا كلمة الله في الأرض ، وقد بلغ من تقديس المسلمين له أنّهم كانوا يأتون الخشبة التي صلب عليها فيتعبّدون فيها في الليل .(1)
أمّا الزمن الذي بقي فيه جثمان سليل النبوّة مصلوباً ، فقد اختلف المؤّرخون في تحديده ، وهذه أقوالهم :
1 - سنة وأشهر .
2 - سنتان .
2 - ثلاث سنين .
4 - أربع سنين .
5 - خمس سنين .
6 - ست سنين(2)
ولمّا ظهر الشهيد الخالد يحيى بن زيد في زمن الخبيث الدنس الوليد بن يزيد بن عبد الملك كتب إلى الطاغية الفاجر يوسف بن عمر : إذا أتاك كتابي فأنزل عجل أهل العراق وانسفه في اليمّ نسفاً .
وقام الأثيم بتنفيذ أوامر سيّده ، فأوعز إلى خراش بن حوشب بإنزال الجثمان المقدس من الخشبة وإحراقه بالنار ، وقام الأثيم بتنفيذ ذلك ، فأحرق الجسد الطاهر بالنار ، ودقّ عظامه بالهواوين ، وذرّ بعضه في حوض الفرات ، وعقب ذلك بقوله :
ليشربه العراقيّون .
وبعث الخبيث الدنس يوسف بن عمر برأس الإمام زيد هديّة لسيّده الفاجر أحول بني أميّة هشام ، فوضعه في مجلسه وهو فرح ، وأوعز إلى وحوش أتباعه من الشاميّين بأن يطأوه بأحذيتهم مبالغة في توهينه ، وأقبل ديك فجعل ينقر الرأس الشريف ، فقال بعض من رآه :
اطْرُدِ الدِّيكَ عَنْ ذُوابَةِ زَيدٍ *** طَالَ ما كانَ لاقطاً للدجاج (1)
ابنُ بِنتِ النَّبِي أكرم خل *** ي الله زَينُ الوفودِ وَالحُجّاج
حَمَلُوا رَأْسَهُ إِلى الشَّامِ رَكْضاً *** بِالسُّرَى وَالبُكُورِ وَالإِدلاج (2)
ثمّ نصبه على باب دمشق إظهاراً لجبروته وبطشه بأبناء النبيّ صلی الله علیه واله وسلم.
وبعدما قضى الطاغية إربه برأس سليل النبوّة ، بعث به إلى المدينة إظهاراً لتشفّيه من العترة النبويّة ، وقد نصب عند قبر النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وكان الوالي على المدينة رجس خبيث وهو محمّد بن إبراهيم المخزومي ، فكلّمه جماعة برفعه عن القبر الشريف ، فأبى تشفياً من النبيّ صلی الله علیه واله وسلمبإبادته لرؤوس الأمويّين في واقعة بدر .
وقد ضجّت المدينة بالبكاء والنحيب ، فكان كيوم قتل الإمام الحسين علیه السلام، وأمر الوالي الأثيم بجمع الناس في الجامع النبوي ، وعرض الرأس الشريف عليهم ، وأمر الخطباء بلعن الإمام أمير المؤمين وولده الحسين علیه السلام ، وحفيده زيد، وكان أحفاد الشيخ عثمان بن عفّان عمید الأمويّين من أكثر الناس سروراً بمقتل زيد ،
وانبرى خبيث من شعراء الأنصار إلى جانب الرأس الشريف ، فقال :
الا يا ناقِصَ الميثا *** قِ أَبْشِرْ بِالذي ساكا
نقضتَ العَهد والميثا *** قَ قِدما كانَ قِدْماكا
لَقَدْ أَخلَفَ إِبْلِيسُ اللَّ *** ذي قَدْ كانَ مَنَاكَا
فأنكر عليه جماعة وقالوا له : المثل زيد تقول هذا ؟
فاعتذر بأوهى الأعذار وقال : إنّ الأمير علىَّ غضبان ، وأردت أن أرضيه ، وردّ عليه بعض شعراء المدينة :
أَلا يا شاعرَ السُّوءِ *** لَقَدْ أَصْبَحْتَ أَفَاكَا
تَسُبُّ ابْنَ رَسُولِ اللهِ *** وَتُرْضى مَنْ تَوَلاكا
وَيَومَ الحَشْر لا شَك *** بِأَنَّ النّارَ مَثْواكا (1)
بعث الطاغية برأس الشهيد العظيم إلى مصر لإظهار قدرته وسعة نفوذه في قهره لعترة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الذين يمثّلون طموح الأمة وقضاياها المصيريّة ، وقد نصب الرأس المقدّس بالجامع ، والناس بين واجم ونائح على ما حلّ بالعترة النبويّة من عظيم الرزايا والخطوب، وانبرى جماعة من خيار المصريّين فسرقوا الرأس الشريف ، ودفنوه في مسجد هناك ، وقيل دفنوه بالقرب من جامع ابن طولون ، وقد أحيط المرقد بهالة من التكريم والتعظيم ويتوافد المصريّون لزيارته ، فقد احتلّ عواطفهم وقلوبهم .
1) تاريخ الأمم والملوك : 5 : 506 . زيد الشهيد : 155 .
حزنت الشيعة حزناً عميقاً على ما جرى على سليل النبوّة من الماسي بعد شهادته من إخراجه من قبره وصلبه وإحراقه ، وقد بكاه شعراء الشيعة بكاء مرّاً ، ورثوه بأشجى ألوان الرثاء ، وممّن رثاه :
هو من شيوخ السادة العلويّين رثى الشهيد زيد بقصيدة أعرب فيها عن آلامه
وحزنه ، قال :
ألا يا عَيْنُ لا تَرْفَي وَجودِي *** بدمعِكِ لَيسَ ذا حِينُ الجُمودِ
غَداةَ ابْنُ النَّبِيِّ أَبو حُسَيْنٍ *** صليب بالكناسَةِ فَوقَ عود
يَظُلُّ عَلى عَمودِهِمْ وَيُمْسي *** بِنَفْسي أَعْظُمْ فَوقَ العَمودِ
تَعَدّى الكافِرُ الجَبَارُ فيهِ *** فَأَخْرَجَهُ مِنَ القَبر اللحيد
فَظَلُوا يَنبِشون أبا حُسَين *** خَضِيباً بَينَهُمْ بِدَمٍ جَسيدِ
قطالَ بهِ تَلَعبُهُمْ عُنُوا *** وما قدروا عَلى الرّوح الصعيد
وَجاوَرَ في الجِنانِ بَني أَبِيهِ *** وَأَجداداً هُمُ خَيرُ الحُدودِ
فَكَمْ مِنْ والِد لأبي حُسَين *** منَ الشُّهَداءِ أَوْ عَمَّ شَهيد
وَمِنْ أَبْناءِ أَعْمَام سَيَلْقى *** هُمْ أَوْلَى بِهِ عِندَ الوُرودِ
دَعاهُ مَعْشَرٌ نَكَثوا أَبَاهُ *** حُسَيناً بعد توكيدِ العُهودِ
فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى أَتَاهُمْ *** فَما أَرْعَوا عَلى تِلكَ الْعُقودِ
وَنَتْرُكُكُمْ بِأَرْضِ الشَّامِ صَرْعى *** وَشَتَىٰ مِنْ قَتيلِ أَوْ طَريدِ (1)
1) مقاتل الطالبيين : 148 و 150 .
ويلمس من هذه الأبيات مدى أساه وحزنه على الشهيد العظيم الذي كان من أعمدة الأسرة العلوية في جهاده وإيمانه .
وهو ممّن روى عن الإمام، وقد رثاه بقصيدة كان منها :
أبا الحُسَيْنِ أَعَارَ فَقدُكَ لَوْعَةٌ *** منْ يَلقَ ما لاقيتَ مِنْها يُكمَدِ
فَغَدا السُّهادُ وَلَوْ سِواكَ رَمَتْ بِهِ *** الأَقدارُ حَيثُ رَمَتْ بِهِ لَمْ يَشْهَدِ
وَنَقولُ لَا تَبعُدْ وَيُعَدُكَ داؤنا *** وَكَذاكَ مَنْ يَلقَ المَنِيَّةَ يَبْعُدِ
كُنتَ المُؤَمَّلَ لِلعَظَائِمِ وَالنُّهى *** ترجى لأمرِ الأُمَّةِ المُتَأَوّدِ
فَقُتِلتَ حينَ رَضيتَ كُلَّ مُناضِلٍ *** وَصَعَدتَ في العَلياءِ كُلَّ مُصَعَّدِ
فَطَلَبتَ غاية سابقين فيلتها *** بالله في سير كريم المورِدِ
وَأَبى إلهُكَ أَنْ تَموتَ وَلَمْ تَسِرْ *** فيهم بسيرَةِ صادِقٍ مُستَنْجِدِ
وَالقَتل في ذاتِ الإِلهِ سَجِيَّةٌ *** مِنْكُمْ وَأَخرى بِالفِعالِ الأَمْجَدِ
وَالنَّاسُ قَدْ أَمِنوا وَآلُ مُحَمَّدٍ *** مِنْ بَيْنِ مَقتولٍ وَبَينِ مُشَرَّدِ
ما حُجَّةُ المُسْتَبْشِرِينَ بِقَتلِهِ *** بالأَمسِ أَوْ ما عُذرُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ (1)
ورثاه جماعة آخرون قد انطوت نفوسهم على الحزن والأسى على ما حلّ بهذا القائد العظيم الذي أراد أن يحرّر المسلمين من عبوديّة الأمويين وطغيانهم . لقد احتلّ الشهيد العظيم عواطف المسلمين، وبكوا على ما حلّ به من الرزايا أمرّ البكاء ، وهاهو المرقد الذي أقيم تذكاراً له يعجّ بآلاف الزائرين تعظيماً له وتخليداً لذكراه ، وها هي شرائح من اليمن قد أقامت عشرات المؤسّسات العلميّة لإبراز
1) مقاتل الطالبيين : 150 .
مؤلّفاته وقيمه ، أمّا خصومه الحقراء ففي مزبلة التاريخ تلاحقهم اللعنة والخزي ،
وهذه عاقبة الظالمين.
ولم يملك الأمويّون أي وعي سياسي ، فقد ظنوا الغبائهم أنّهم باجتثاثهم لزيد قد صفا لهم الملك والسلطان ، وقضوا على كلّ تمرّد ضدّهم ، لقد خابت آمالهم ، فقد تكهربت العواطف بشهادة زيد ، وماجت الأرض بالفتن والثورات المحلّيّة ، فكانت ثورة يحيى نجل الإمام زيد التي أحدثت زلزالاً مدمّراً في أروقة الحكم الأموي ، وتشكلت الخلايا والكوادر الحزبيّة ، وأخذت تبثّ الوعي الاجتماعي في أوساط المجتمع الإسلامي حتّى عمّت الفتن في جميع أرجاء البلاد ، الأمر الذي نجم منه سقوط الدولة الأمويّة ، ورميها في مزبلة التاريخ .
لقد وضعت شهادة الإمام زيد العبوات الناسفة في قصور الأمويّين ، وحطّمت كيانهم ، وأزالت أرصدتهم وتركتهم أثراً بعد عين.
وندم الطاغية هشام على ما اقترفه من عظيم الإثم بقتله لزيد ، فقد روى الزهري
أنّ هشاماً قال له بعد شهادة زيد : ما رأني إلا أويقت نفسي .
فقال له الزهري : وكيف ذلك ؟
وراح هشام يحدّثه وهو فزع قائلاً: أتاني آتٍ ، فقال لي : ما أصاب أحد من دماء آل محمّد صلى الله عليه وسلم إلا أويق نفسه من رحمة الله . وخرج الزهري هو يقول : أما والله لقد أويقت نفسك من قبل ذلك ، وأنت الآن أويق (1).
1) تيسير المطالب في أمالي أبي طالب : 166 .
وظلّ شبح زيد يراوده ونفسه غير آمنة من سخط الله تعالى وعذابه .
ولاقى الطاغية المصير العادل ، فقد نبش قبره ، وأخرجوه ، وكان محنّطاً فصلبوه ،
ثمّ أحرقوه على خشبة ، وقال عبد الله العبّاسي :
حسِبَتْ أُمَيَّةُ أَن سَتَرضى هاشم *** عَنْها وَتَقْتُلُ زَيدَها وَحُسَيْنَها (1)
كما انتقم الله من المجرم يوسف بن عمر ، فقد قتل في دمشق وجعل في رجله حبل من مسد ، والصبيان يجرّونه ، وقد قطع رأسه (2)، وكانت هذه عاقبة الظالمين .
وانتقم الله تعالى من شهاب بن حوشب الذي نبش قبر زيد وأخرجه ، فقد ألقى القبض عليه أبو العبّاس وأمر بجلده ألف سوط وشقّ بطنه وطرحها للكلاب (3)
وهكذا انتقم الله تعالى من خراش بن حوشب الذي أحرق جثمان الشهيد زيد ، وصنع به مثل ما صنع بالذي قبله (4)
وبهذا نطوي الصفحات الأخيرة عن حياة هذا البطل الذي عاش للناس وعاش للحقِّ ، والسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً .
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الطاهرين
1 - الإتحاف بحُبِّ الأشراف: الشبراوي الشافعيّ ، عبد الله بن محمد بن عامر ( - 1172ه-) : تحقيق : سامي الغريريّ، مؤسسة دار الكتاب الإسلاميّ - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1423ه- / 2002م .
2 - الاحتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي ، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب ( - 5560 ) : تحقيق : إبراهيم البهادري و محمد هادي به ، الناشر : دار أسوة - ايران ، الطبعة السادسة / 1425ه- .
3 - أجوبة المسائل الصاغانيّة : الشيخ المفيد : أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413ه- ) : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد - قم المقدسة / 1413ه-.
4 - الإحكام في أصول الأحكام : الآمدي = أبو الحسن علي بن أبي علي ( - 631ه-) : نشر دار الكتب العلمية - بيروت / 1405ه- .
5 - الأخبار الطوال : ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبدالله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : منشورات الشريف الرضي ، قم المقدسة / 1409ه-.
6 - الأخبار الموفقيات : الزبير بن بكار بن عبد الله القرشي الأسدي ( 172 - 256ه-) : تحقيق : عبدالله د. سامي مكي العاني ، انتشارات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416ه-.
7 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: الشيخ المفيد : أبو عبدالله محمد بن محمد : النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413ه-) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت صلی الله علیه واله وسلم - قم المقدسة / 1416ه-.
الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري القرطبي الأندلسي ( 368 - 463ه- ) : دار الإسلام - عمان / 2002 م .
الاصيلي في أنساب الطالبيّين : ابن الطقطقي الحسني = صفيّ الدين محمد بن علي : مكتبة المرعشي النجفي - قم المقدسة / 1418ه- .
9 - الاعتبار وسلوة العارفين : الجرجاني - الحسين بن إسماعيل( - 430ه- ) ، الناشر :
مؤسّسة الإمام زيد بن عليّ الثقافية / 2001م.
10 - إعلام الورى بأعلام الهدى : الطبرسي ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن ( من أعلام القرن السادس) : مؤسسة آل البيت صلی الله علیه واله وسلم الإحياء التراث - قم المقدّسة / 1417ه-.
11 - أعيان الشيعة : الأمين العاملي ، محسن ( 1865 - 1952م) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت / 2000 م .
12 - الأغاني : أبو الفرج الأصفهاني ، علي بن حسين ( 284 - 356ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م.
13 - إقبال الأعمال : السيد ابن طاووس - رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه- ) : تقديم وتعليق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه- / 1996م.
14 - اللآلي المضيئة : الشرفي ، أحمد بن محمد :
15 - أمالي المرتضى = غرر الفوائد ودرر القلائد : الشريف المرتضى = علم الهدى أبي القاسم عليّ بن الحسين الموسوي ( 355 - 436ه- ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 1387ه-.
16 - الأمالي : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381ه- )تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1417ه-.
17 - الإمام زين العابدين صلی الله علیه واله وسلم : فهمي ، أحمد .
18 - الإمامة والسياسة : ابن قتيبة الدينوري = أبو محمد عبد الله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : المكتبة الحيدرية - قم المقدسة / 07
19 - أنساب الأشراف : البلاذري ، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي ( - 279ه-) : تحقيق : د. سهیل زکار و د. رياض زكلي ، دار الفكر - بيروت / 1417ه- .
20 - الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية : القمي ، الشيخ عباس ( 1254 - 1319ه-) ، تحقيق : فارس حسون کریم، انتشارات فدك - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1433ه- / 2012م.
21 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة المجلسي = محمدباقر بن محمد تقي ( 1037 - 1111ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
22 - البخلاء : الجاحظ عمرو بن بحر ( 150 - 255ه-) : دار مكتبة الهلال - بيروت ، الطبعة الثانية / 1985م.
23 - البداية والنهاية في التاريخ = تاريخ ابن كثير : ابن كثير الدمشقي ، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير ( 700 - (774ه- ) : تحقيق : مكتب تحقيق التراث ، نشر دار إحياء 700 التراث العربي - بيروت / 1993م.
24 - البيان والتبيين : الجاحظ ، عمرو بن بحر ( 150 - 255ه-) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1968م.
25 - تاريخ أبي الفداء - المختصر في أخبار البشر : أبو الفداء ، عماد الدين إسماعيل بن عليّ بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب ( 672 - 732ه-) : تعليق: محمود دیوب ، منشورات دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه- / 1997م.
26 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه-) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004م .
27 - تاريخ التمدن الإسلامي : زيدان ، جرجي : دار مكتبة الحياة - بيروت / 1964م. 28 - تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن عليّ ( 392 - 463ه-) : تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه- / 1997م.
29 - تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام : جوزة ، بندلي : مطبعة بيت المقدس - القدس / 1928م.
30 - تاريخ الشام :كرد علي ، محمد :
31 - تاريخ الطبري = تاريخ الأمم والملوك : الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد ( 224 - 310ه-) : مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الخامسة 1409ه- / 1989م.
32 - تاريخ الكوفة : البراقي = السيد حسين النجفي ( - 1332ه-) : المكتبة الحيدرية / 33 1424ه-.
33 - تاریخ مدينة دمشق : ابن عساكر = أبو القاسم عليّ بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي ( 499 - 571ه- ) : دار الفكر - دمشق / 1419ه-.
34 - تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح
35 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّاني ، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين ( من أعلام القرن الرابع الهجري ) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة / 1421ه-.
36 - تذكرة الحفّاظ : الذهبي ، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان وضع حواشیه : زكريا عميرات ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى / 1419ه- / 1998م ( 4 أجزاء في مجلدين).
37 - تذكرة خواص الأمة : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي ( 581 - 654ه- ) : منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1418ه- / 1997م.
38 - تطهير الجنان واللسان : ابن حجر العسقلاني ، شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن عليّ الشافعي ( 733 - 5852 ) :
39 - تفسير فاتحة الكتاب : العلامة الأميني ، عبد الحسين ( 1281 - 1349ه-) :
40 - تفسير فُرات الكوفي : فرات بن إبراهيم بن فرات 0 - 352ه- ) : تحقيق : محمد الكاظم ، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - طهران ، الطبعة الأولى / 1410ه-.
41 - التفسير والمفسرون : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه-) : السعادة - القاهرة ، الطبعة الأولى .
42 - التنبيه والإشراف : المسعودي = أبو الحسن علي بن الحسين بن علي ( 345ه- ) : دار مكتبة الهلال - بيروت / 1993م.
43 - تهذیب تاریخ دمشق : ابن عساكر = أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي ( 499 - 571ه-) : تحقيق : عبدالقادر بدران ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الثالثة 1407ه- / 1988م .
44 - تهذيب الأحكام : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه ) : مكتبة الصدوق - طهران / 1417ه- .
45 - تهذيب الأنساب ونهاية الأعقاب : أبو الحسن العبيدلي ، محمد :
46 - تهذيب التهذيب : ابن حجر العسقلاني ، أحمد بن عليّ بن محمّد ( 773 - 852ه- ) : دار الفكر - بيروت / 1995م .
47 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال : الحافظ المزي ، جمال الدين أبي الحجاج يوسف ( 654 - 742ه- :( : مراجعة سهيل زكار ، تحقيق : أحمد علي عبيد ، وحسن أحمد آقا ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1414 ه- / 1994م ( 22) مجلداً ( مجلدا +الفهارس).
48 - تيسير المطالب : ابن هارون ، يحيى بن الحسين : مؤسسة الأعلميللمطبوعات - بيروت / 1395ه- .
49 - جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والاسناد : الأردبيلي الحائري ، محمد بن عليّ : دار الأضواء - بيروت 1403ه- / 1983م .
50 -جمهرة أشعار العرب : ابن شبة ، أبو زيد عمر النميري البصري ، الطبعة الأميرية / 1308ه.
51 - جمهرة أنساب العرب : ابن حزم الأندلسي = أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري ( 456384ه- ) : دار المعارف - القاهرة / 1962م.
52 - جنّة المأوى : الإمام كاشف الغطاء ، محمد حسين ( 1877 - 1954ه-) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانة / 1988م.
53 - جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب : الباعوني ، شمس الدين محمد بن أحمد الدمشقي الشافعي ( 780 - 871ه-) : مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم المقدسة / 1415ه-.
54 - الحدائق الوردية في مناقب الزيدية : الشهيد المحلى = حسام الدين حميد بن أحمد بن ( - 652ه- ) : جامع النهرين - صنعاء / 1402ه-.
55 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني ، الحافظ أحمد بن عبدالله أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران ( 336 - 430ه-) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.
56 - حياة الإمام الحسن بن عليّ 8: القرشي ، باقر شريف ( 1926- م): تحقيق : مهدي باقر القرشي( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت الله ) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه- / 2009م .
57 - الإمام زين العابدين الا : فهمي ، أحمد .
58 - حياة الإمام محمد الباقر الا : القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) : تحقيق : مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت الله ) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه- / 2009 م .
59 - حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم علیه السلام : القرشي ، باقر شریف ( 1926 - م ) : تحقيق : مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت ا ا ) : دار المعروف ، الطبعة لأولى 1430ه- / 2009م.
60 - حياة الحيوان الكبرى : الدميري ، كمال الدين محمد بن موسی ( 742 - 808ھ ) : ناصر خسرو - طهران ( اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة 1390ه- / 1970م).
61 - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب : البغدادي ، عبدالقادر بن عمر ( 1030 -
1093ه- : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1983م.
62 - الخصال : الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381ه-) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين / 1424ه-.
63 - خطط الشام = المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار : تقي الدين المقريزي ، أحمد بن عليّ ( 766 - 845ه- ) : مشهد المقدّسة / 1379ه- . ش .
64 - خلاصة تهذيب الكمال : الخزرجي الأنصاري ، أحمد .
65 - دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية : د. عبد الحميد ، عرفان : بغداد / 1977م.
66 - رجال الكشي = اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : تحقيق : محمد تقي فاضل الميبدي والسيد أبو الفضل
الموسويان ، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران ، الطبعة الأولى / 1382ه- . ش .
67 - الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة : الشامي العاملي ، يوسف بن حاتم ( من أعلام القرن السابع الهجري ) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدسة / 1409ه-.
68 -دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام القاضي التميمي المغربي ، أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور ( - 363ه-) : اسماعيليان - قم المقدسة / 1372ه- . ش .
69 - دلائل الإمامة : ابن رستم الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير ( - 310ه- ) :مؤسسة البعثة - قم المقدسة / 1412ه-.
70 - ديوان الحميري : الحميري ، إسماعيل بن محمد ( 105 - 173ه-) : جمعه وحققه : هادي شاکر ، دار صادر - بيروت / 2005 م .
71 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة : آقا بزرك الطهراني ، محمد محسن ( 1255 - 1389ه-) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثالثة / 1403ه-.
72 - الذهب المسبوك : تقي الدين المقريزي ، أحمد بن علاء : ( 766 - 845ه- ) :
73 - الردّ على الإمامية : الجاحظ ، عمرو بن بحر ( 150 - 255ه-) :
74 - الروض النضير فيما يتعلق بآل بيت البشير النذير : السجاعي المصري = شهاب الدين أحمد بن أحمد بن محمّد الشافعي ( - 1197ه- ) ، القاهرة .
75 - الروضة المختارة - شرح القصائد الهاشميات والعلويات للكميت بن زياد ( 60 - 126ه- ) : ابن أبي الحديد المعتزلي (586 - 656ه- ) - : مؤسسة النعمان - بيروت ، الطبعة الأولى / 1979م.
76 - روضة الواعظين وبصيرة المتعلّمين : الفعّال النيشابوري ، محمد بن أحمد ( -
(508- )دار الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1386 ش .
77 - زهر الآداب وثمر الألباب : أبو إسحاق القيرواني ، إبراهيم بن علي الحصري : دار الجيل - بيروت / 1973م.
78 - زيد بن عليّ ومشروعية الثورة عند أهل البیت علیهم السلام: حاتم ، نوري :
79 - زيد :الشهيد : المقرم، عبد الرزاق : النهضة - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1995م .
80 - سرّ السلسلة العلويّة : البخاري ، أبو نصر سهل بن عبدالله بن داود ( - 341ه- ) : الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1413ه-.
81 - سعد السعود للنفوس : السيد ابن طاووس - رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه- ) :
82 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار : الشيخ القمي ، عباس بن محمد رضا ( 1254 - 1359ه-) : دار أسوة للطباعة والنشر - قم المقدسة ، الطبعة الرابعة / 1427ه-.
83 - السيادة العربيّة والشيعة والإسرائيليات : فلوتن، خراوف فان ( 1866 - 1903م) : القاهرة / 1934م.
84 - سير أعلام النبلاء : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه- ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1419ه-.
85 - الشجرة المباركة في أنساب الطالبيّة : الفخر الرازي = خطيب الريّ ، فخر الدين أبي عبدالله محمد بن ضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين ( 544 - 606ه-) : تحقيق : السيّد عبدالزهرة الحسيني الخطيب ، نشر مؤسسة الصادق الله - طهران / 1410ه-
86 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن عماد الحنبلي ، أبو الفلاح عبدالحي بن أحمد ( 1032 - 1089ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1967م.
87 - شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار : القاضي المغربيّ ، أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المصري ( - 363ه- ) : تحقيق : السيّد محمّد الحسيني الجلالي، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة / 1409ه- .
88 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد ، عز الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني المعتزليّ ( 586 - 656ه- ) ، قدّم له وعلق عليه : الشيخ حسين الأعلمي ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت ، الطبعة الأولى / 1415ه- - 1995م.
89 - صحيح البخاري : البخاري ، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي ( 194 - 256ه-) : ضبطه ورقمه : الدكتور مصطفى ديب البغا ، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق . الطبعة الخامسة 1414ه- / 1993م ( 6 مجلدات + مجلد الفهارس) .
90 - الصحيفة السجادية (أدعية الإمام زين العابدين علي بن الحسين علیه السلام ) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف - قم المقدسة - الطبعة الخامسة / 1423ه-. 91 - صفة الصفوة : ابن الجوزي ، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي بن محمد - (597ه- ) : دار المعرفة - بيروت /1979
92 - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة : ابن حجر الهيتمي ، أبو العبّاس شهاب الدين أحمد بن محمد بن عليّ ( 909 - 974ه- ) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمد الخرّاط ، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه- / 1997م ( مجلدان ).
93 - ضحى الإسلام : أمين ، أحمد : دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة العاشرة .
94 - الطبقات الكبرى : ابن سعد الواقدي = أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري ( 168 - 230ه-) : تحقيق : محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1410ه- / 1990م ( 8 مجلدات + مجلد الفهارس).
95 - طبقات فحول الشعراء ابن سلام ، محمد الجمحي ( - 232ه-) : شرح : محمود محمد شاكر ، مطبعة المدني ، المؤسسة السعودية بمصر / 1973م.
96 - العقد الفريد : ابن عبدربه الأندلسي ، أبو عمر أحمد بن محمد ( 246 - 328ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م .
97 - العقيدة والشريعة في الإسلام :جولد زيهر ، أجناس : ترجمة : محمد يوسف ، دار النهضة - بيروت / 1990م.
98 - عيون الأخبار : ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : دار الكتب المصرية - القاهرة / 1996م.
99 - عيون الأخبار وفنون الآثار القرشي ، عماد الدين: دار التراث الفاطمي - بيروت /
1972م.
100 - غاية الاختصار في البيوتات العلويّة المحفوظة من الغبار : الحسيني الحلبي ، ابن زهرة ، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف / 1382ه-.
...
101 - الفتوح : ابن أعثم الكوفي = أحمد بن محمد بن علي ( 314ه- ) تحقيق علي شيري ، : دار الأضواء للطباعة والنشر ، الطبعة الأولى / 1411ه-
102 - الفخري في أنساب الطالبيين : المروزي ، إسماعيل بن الحسين المروزي الأزورقاني : مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم المقدسة / 1409ه-.
103 - الفرج بعد الشدة : القاضي التنوخي ، أبو علي الحسن بن القاسم ( 384ھ) :
منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1364ه- .
104 - الفرق الإسلامية في العصر الأموي : عطون ، حسين .
105 - الفرق بين الفرق : البغدادي ، عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الاسفرائيني التميمي ( 429ه- ) : تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد ، مكتبة دار التراث - القاهرة.
106 - الفصل في الملل والأهواء والنحل : ابن حزم الأندلسي = أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري ( 384 - 456ه-) : بولاق - القاهرة / 1401ه-.
107 - الفصول المختارة من العيون والمحاسن : الشيخ المفيد = أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413ه- ) : تحقيق : السيّد علي مير شريفي ، دار المفيد - بيروت ، الطبعة الأولى 1414ه- / 1993م.
108 - الفصول المه الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة : ابن الصباغ = علي بن محمد بن أحمد المالكي - (855ه- ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1409ه- / 1988م.
109 - الفقه الإسلامى تأسيسه .. أصالته... مداركه : القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ):
110 - فوات الوفيات : ابن شاكر الكتبي = محمد بن شاكر ( 681 - 764ه-) : تحقيق : علي محمد بن يعوض الله و عادل أحمد عبدالموجود ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى / 2000 م .
111 - فهرست ابن الندیم ابن ندیم ، محمد بن إسحاق ( - 385ه- ) : تعليق : الشيخ إبراهيم رمضان ، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية 1417ه- / 1997م.
112 - الفهرست : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : تحقيق ونشر الفقاهة - قم المقدّسة / 1417ه-.
...
113 - الكافي : ثقة الإسلام الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي ( 328 - 329ه- ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1426ه- / 2005م .
114 - الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أبي الكرم الشيباني ( 555 - 630ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408ه- / 1989م.
115 - كشف الغمة في معرفة الأئمة : الإريلي ، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح ( 467 - 538ه-) : دار الأضواء - بيروت / 1985م.
116 - كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر : الخزار ، أبو القاسم علي بن محمد بن عليّ الرازي القمي ) - 400ه- ) : تحقيق : عبد اللطيف الحسيني : انتشارات بيدار - قم المقدّسة / 1401ه-.
117 - كنوز الحقائق : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي ( 952 - 1031ه-) : المكتبة الإسلامية - القاهرة / 1986م.
118 - اللهوف في قتلى الطفوف : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه- ) : أنوار الهدى - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1417ه-.
...
119 - المجدي في أنساب الطالبيين : العلوي العمري ، نجم الدين أبو الحسن علي بن محمد : مكتبة آية الله العظمى المرعشي 1 - قم المقدسة / 1409ه-.
120 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : الهيثمي ، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر المصري الشافعي ( 735 - 807ه- ) : دار الكتب العلمية - بيروت 1408ه- / 1988م.
121 - مجموعة كتب ورسائل الإمام الأعظم زيد : يحيى الحمزي ، إبراهيم :
122 - المختار الثقفى : القرشي ، باقر شریف ( 1926 - م ) :
123 - مروج الذهب ومعادن الجوهر : المسعودي ، أبو الحسن علي بن الحسين بن عليّ ( - 346ه- ) : تحقيق : عبد الأمير المهنا ، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى 1411ه- / 1991م
124 - مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل : المحدّث النوري ، الحاج الميرزا حسين بن محمد تقي بن تقي الطبرسي ( 1254 - 1320ه- ) : مؤسسة آل البيت علی السلام لإحياء التراث - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1408ه-.
125 - مسند زید بن عليّ : زيد بن علي علیه السلام( 79 - 122ه- ) : مكتبة اليمن الكبرى - صنعاء / - 1987م.
126 - مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار : عبدالله شبر ، السيد عبدالله بن محمد رضا بن محمد بن أحمد بن عليّ ( 1188 - 1242ه- ) : مكتبة بصيرتي - قم المقدسة .
127 - مصباح المتهجد : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : مؤسسة فقه الشيعة - بيروت ، الطبعة الأولى 1411ه- / 1991م.
128 - معالم العلماء: ابن شهر آشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي
المازندراني ( 488 - 588ه- ) : المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف / 1380ه-.
129 - معاوية بن أبي سفيان : أبو النصر ، عمر
130 - المعتزلة : زهدي ، حسن جار الله :
131 - المعتزلة : أحمد بن يحيى .
132 - المعجم الكبير : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (360ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1996م.
133 - معجم البلدان ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبدالله ال-روم-ي البغدادي
) - 626ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399ه- .
134 - معجم رجال الحديث : السيد الخوئي ، السيد أبو القاسم الموسوي ( 1413ه-) : الثقافة الإسلامية - قم المقدّسة الطبعة الخامسة 1413ه- / 1992م.
135 - مقاتل الطالبيين : أبو الفرج الأصفهاني ، عليّ بن الحسين بن محمد بن أحمد
(- 356ه- ) : مكتبة الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1416ه-.
136 - مقالات : ابن مسكويه = أبو علي أحمد بن محمد .
137 - مقتل الحسين علیه السلام : الخوارزمي = أخطب خوارزم، موفق بن أحمد بن محمد البكري الحنفي المكي ( 484 - 8568 ) : تحقيق : محمد السماوي، أنوار الهدى - قم المقدسة / 1418ه-.
138 - مقدّمة الحضارة الإسلامية : كريمر :
139 - مكارم الأخلاق : أمين الإسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي الطبرسي ( 468 - 548ه- ) : دار الفقه - قم المقدسة / 1425ه-.
140 - الملاحم والفتن : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه- ) : مؤسسة صاحب الأمر علیه السلام / 1416ه-.
141 - الملل والنحل : الشهرستاني ، أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم ( 479 - 548ه- ) : مؤسسة الصادق علیه السلام - طهران / 1387ه- .
142 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهرآشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني ( 488 - 588ه- ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1412ه- / 1991م.
143 - منتهى الآمال : الشيخ القمّيّ ، عبّاس بن محمد رضا ( 1254 - 1359ه-) :مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الخامسة / 1422ه-.
144 - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل : الخليل ، محمد بن محمد ( 902 - 954 ق ) ، دار صادر - بيروت / 1980 .
145 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال : الذهبي = شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه- ) : دار الفكر - بيروت / 1420ه- .
146 - النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم : تقي الدين المقريزي ، أحمد بن علي ( 766 - 845ه- ) : قم المقدّسة / 1419ه-.
147 - نسب قريش : الزبيري ، مصعب بن عبد الله : دار التعارف - القاهرة .
148 - النصائح الكافية لمن يتولى معاوية : العلوي ، محمد بن عقيل بن عبدالله بن عمر ( 1863 - 1931م ) : مؤسسة الفجر - بيروت / 1991م .
149 - نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي : علي حسن ، عبدالقادر .
150 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار : الشبلنجي ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمد عليّ ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1418ه- / 1997م.
...
151 - الوافي بالوفيات : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبدالله ( 696 - 764ه-) : أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى ، دار إحياء التراث - بيروت 1420ه- / 2000م .
152 - الوزراء والكتّاب : الجهشياري ، محمد بن عبدوس : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1938م.
153 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحر العاملي ، محمد بن الحسن بن عليّ بن محمد بن الحسين ( 1033 - 1104ه-) : مؤسسة آل البيت الالا - قم المقدّسة ، الطبعة 10 الثانية / 1416ه-.
154 - وسيلة المآل في عد مناقب الآل ( م ) : الحضرمي الشافعي ، شهاب الدين أحمد بن الفضل ( 1047ه- ) .
155 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلكان ، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر - 681ه-) : تحقيق : د . إحسان عباس ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 06 140ه-.
156 - هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين : البغدادي ، إسماعيل باشا
157 - ينابيع المودة لذوي القربي : القندوزي ، سليمان بن إبراهيم الحنفي ( - 1294ه- ) : تحقيق : السيد علي جمال أشرف الحسيني ، الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416ه-.
تقديم ... 7
أسرة زيد وولادته
الأب ... 18
الأم ... 18
اسمها المبارك ... 19
رؤيا الإمام زين العابدين علیه السلام... 20
الوليد المبارك ... 20
الزمان... 20
تفاؤل الإمام علیه السلام لولده ... 21
تسميته ... 21
كنيته علیه السلام ... 22
نقش خاتمه علیه السلام... 22
ملامحه علیه السلام... 22
هيبته علیه السلام... 22
انطباعات عن شخصيته علیه السلام... 23
1 - الإمام الباقر علیه السلام... 23
2 - الإمام الصادق علیه السلام... 25
3 - الإمام الرضا علیه السلام... 26
4- عمر بن عبدالعزيز ... 27
5- يحيى بن زيد ... 27
6- عبدالله المحض ... 28
7 - أبو حنيفة ... 29
8 - سفيان الثوري ... 29
9 - خالد بن صفوان ... 30
10 - الطاغية هشام ... 30
11 - أبو غسان الأزدي ...30
12 - الطقطقي ... 30
13 - عمرو بن خالد ... 31
14 - الشعبي ... 31
15 - الخزار ... 31
16 - الشيخ المفيد ... 31
في ظلال الليلية علیه السلام
أخلاقه علیه السلام الرفيعة ... 35
عبادته علیه السلام... 37
صدقاته وبره علیه السلام... 39
احتفاف القراء به علیه السلام... 41
نشره علیه السلام للعلم ... 41
حنّه علیه السلام على طلب العلم ... 41
تكريمه علیه السلام لطلاب العلوم ... 42
عنقه علیه السلام للموالي ... 42
وصاياه علیه السلام التربوية لأبنائه ... 42
أدعيته علیه السلام لولده ... 43
حزن الإمام علیه السلام وأساء ... 45
رحيل الإمام علیه السلام إلى الله تعالى ... 46
تشییعه علیه السلام... 48
اخوته وابناوه
إخوة زيدعلیه السلام ... 51
1 - الإمام محمد الباقر علیه السلام... 51
عصر الإمامعلیه السلام... 53
تحرير النقد العربي ... 54
وفاة الإمام الباقر علیه السلام... 54
2 - الحسين الأصغر ... 55
حلمه ووقاره ... 55
تقواه وورعه ... 55
علمه ... 55
وفاته ... 56
3- عبدالله الباهر ... 56
لقبه ... 56
علمه ... 56
ولايته على صدقات النبي صلی الله علیه و اله وسلم ... 57
وفاته ... 57
4 - عمر الأشرف ...57
كنيته ... 57
لقبه ... 58
علمه ... 58
وفاته ... 58
5 - عليّ ... 59
أبناؤه علیه السلام... 60
1 - يحيى بن زيد ... 60
ولادته ... 60
صفته ... 60
1 - قوّة النفس ... 61
2 - الشجاعة ... 61
في ميادين الجهاد ... 61
إلقاء القبض عليه ... 62
إعلان الحرب ... 63
خطابه في جيشه... 63
عتابه على العلويين ... 64
التحامه مع الجيش الأموي ... 64
صلب جنة يحيى ... 65
إرسال رأس يحيى لأمه ... 65
2 - عیسی بن زید ... 65
ولادته ... 66
تسميته ... 66
كنيته... 66
لقبه ... 66
تقواه ... 67
مع بني العباس ... 67
ثورة الزكي محمد ... 68
زحف القوّات العبّاسيّة لقتاله ... 69
خطاب محمد ... 69
التحام الجيشين ... 70
ثورة إبراهيم ... 70
إعلان الحرب ... 72
التحام الجيشين ... 72
اختفاء عيسى ... 73
معاشه وعمله ...74
3 - الحسين بن زيد ... 76
ولادته ... 76
كنيته ... 76
لقبه ... 76
نشأته ... 77
وفاته ... 77
4 - محمقد بن زید ... 77
سمو ذاته ... 78
عَنَاصِةُ النفسية ومواهبها
عناصره النفسيّة ... 83
1 - إنابتها علیه السلام إلى الله تعالى ... 83
2 - الإباء عن الضيم ... 87
3 - الشجاعة... 88
4 - السخاء ... 89
5 - الصبر ... 90
6 - الأخلاق الرفيعة ...90
مواهبه علیه السلام... 90
1 - دراسته علیه السلام... 91
أولاً : أساتذته علیه السلام... 91
ثانياً : تلامذته علیه السلام... 94
2 - علومه علیه السلام... 95
1 - تفسير القرآن ... 96
نماذج من تفسيره علیه السلام... 97
2 - الفقه... 104
رواياته علیه السلام عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام... 105
3 - مؤلّفاته علیه السلام... 111
4 - بلاغته وفصائحه علیه السلام... 115
ه - نماذج من تراثه علیه السلام... 117
1 - مناظرته علیه السلام مع هشام ... 117
2 - من وصاياه علیه السلام لولده يحيى ... 118
3- مع العلماء الصالحين ... 118
مع علماء السوء ... 120
مناظراته علیه السلام... . 122
مع راهب من علماء النصارى ... 122
مع عالم شامي ... 123
6 - مواعظه علیه السلام... 125
7 - نصائحه علیه السلام... 127
8 - من كلماته علیه السلام القصار ... 128
9 - نظمه علیه السلام للشعر ... 131
صُورُ مِنَ الأَحَدَاتِ
الخلافة الإسلامية في منظور زيد علیه السلام... 135
1 -اختلاف الأمة في تعيين الخليفة ... 136
2 - دعوى كلّ فريق والنظر في صحة قوله ... 137
3 -احتياج الناس إلى وال ..... . 138
4 - خيرة الله تعالى من خلقه ... 139
5 - تفضيل عليّ على أبي بكر ... 141
الأمويّون في عهد النبي علیه السلام... 143
الأمويّون في عهد أبي بكر ... 144
في أيّام عمر ... 146
حكومة عثمان ... 147
رأي زيد علیه السلام في مقتل عثمان ... 148
حكومة الإمام علیه السلام... 149
عزل ولاة عثمان ... 149
مصادرة أموال عثمان ... 149
حديث الإمام زيد علیه السلام عن طلحة والزبير ... 150
1 - تفال جيش الإمام علیه السلام... 152
2 - شهادة الإمام علیه السلام... 152
خلافة الإمام الحسن علیه السلام... 152
إرغام الإمام الحسن علیه السلام على الصلح ... 153
حكومة معاوية ... 154
أولاً : سبّ أهل البیت علیهم السلام... 154
ثانياً : لجان الوضع ... 154
1 - فضائل الصحابة ... 154
2 - ذمّ أهل البیت علیهم السلام... 154
3 - مدح بني أمية ... 155
4 - تشويه الإسلام ... 155
لجنة الوضع ... 155
ثالثاً : إبادة المصلحين ... 155
1 - الإمام الحسن علیه السلام... 156
2- حجر بن عدي ... 156
3 - عمرو بن الحمق ...156
4 - أوفى بن حصن ... 156
5 - جويرية بن مسهر ... ... 156
6 - رشيد الهجري ... 157
7 - عبدالله الحضرمي وجماعته ... 157
رابعاً : اضطهاد الشيعة ... 157
1- عدم قبول شهادة الشيعي ... 158
2 - هدم دور الشيعة ...... . 158
خامساً : البيعة ليزيد ... 159
نزعات يزيد ... 159
1 - الإلحاد ... 159
2 - إدمانه على الخمر ... 160
3- ولعه بالقرود ... 160
4 - إبادته لعترة النبي صلی الله علیه و اله وسلم ... 161
واقعة الحرّة ... 164
طرد حاكم المدينة ... 165
التجاء مروان للإمام علیه السلام... 165
انتداب مسلم بن عقبة للحرب ...166
وصيّة يزيد لابن عقبة ... 167
زحف الجيوش للحرب ... 167
محاصرة المدينة ... 167
احتلال المدينة ... 168
المجازر البشعة ... 168
الرؤوس بين يدي يزيد ... 169
الخط السياسي للأمويّين ... 173
احتقار الشعوب ... 173
اضطهاد الذميين ... 174
ظلم الموالي ... 175
الحياة الاقتصادية ... 176
ظلم الجباة والولاة ...177
ضرائب إضافية ... 180
مصادرة الأموال ... 182
تخلّي الناس عن أملاكهم ... 182
الحياة العلميّة ... 183
مدرسة أهل البیت علیهم السلام... 184
مدرسة التابعين ... 185
1 - سعيد بن المسيب ... 186
وثاقته ... 186
وفاته ... 187
2 - عروة بن الزبير ... 187
3 -عبيد الله بن عبدالله ... .187
4- عبدالرحمن ... 188
5 - سليمان بن يسار ... 188
6 - خارجة بن زيد ... 189
7 - القاسم ... 189
الفرق الدينية ... 189
المعتزلة ... 190
تأسيس الاعتزال ...190
الاعتزال في خدمة السلطة ... 191
الأصول الاعتقادية ... 192
الشيعة والمعتزلة ... 195
مسائل متفق عليها ... 197
المسائل الخلافية ... 197
1 - إمامة المفضول ... 198
2 - الشفاعة ... 198
الإمام الباقر علیه السلام مع علماء الاعتزال ... 198
1 - مع الحسن البصري ... 199
2 - مع عمرو بن عبيد ... 200
المرجئة... 201
عداوة المرجئة للشيعة ... 202
من مبادئ المرجئة... 203
أبو حنيفة والارجاء ... 204
الإمام الباقر علیه السلام مع عمر الماصر ... 204
الخوارج ... 205
الإمام الباقر علیه السلام مع نافع ... 206
الشيعة ... 208
الفكر السياسي الشيعي ... 209
1 - بسط العدل ... 210
2 - مقاومة الظلم ... 210
3 - المساواة ... 211
4 - الحرية ... 212
5 - إلغاء التمايز العنصري ... 213
6 - الاحتياط في أموال الدولة ... 214
اللهو والمجون ... 214
الخلاعة ... 215
انتشار الغناء ... 216
ثورة زيد اسبابها ومكوناتها
دوافع الثورة ...
1 - مروق الأمويين من الدين ... 222
2- معاداة أهل البیت علیهم السلام... 222
1 - سب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام... 224
2- اضطهاد الشيعة ...... . 224
3 - الثأر للإمام الحسين علیه السلام... 228
4 - الإباء وعزّة النفس ... 230
5- حقد هشام على العلويين ... 232
صفات هشام ... 232
1 - البخل ... 232
2 - القسوة ... 233
3 - طول اللسان ... 233
4- الحقد ... 233
مع الإمام الباقر علیه السلام... 234
مع زيد علیه السلام. . . . . . . . . 237
حديث الأوقاف ... 237
مكائد السلطة لزيد علیه السلام... 239
1 - إحداث العداوة بين زيد علیه السلام والحسنتين ... 239
2 - اتهام زيد علیه السلام بأموال لخالد القسري ... 240
إشخاصه علیه السلام إلى دمشق ... 241
وداعه علیه السلام القبر جده علیه السلام... 242
دعاؤه علیه السلام... 242
مع الطاغية هشام ... 243
دعاء زيد علیه السلام... 244
اعلان الثورة
السفر إلى الكوفة ... 249
البيعة لزيد علیه السلام...250
1 - العمل بالكتاب والسنة ... 251
2 - جهاد الظالمين ... 251
3 - الدفاع عن المستضعفين ... 251
4 - قسمة الفيء بالسوية ... 251
5 - ردّ المظالم ... 251
6- نصرة أهل البیت علیهم السلام... 251
مشفقون وناصحون ... 252
1- عبدالله المحض ... 252
2 - داود بن عليّ ... 253
3- محمد بن عمر ... 253
4 - جابر الجعفي ... 254
5 - زكريا بن أبي زائدة ... 255
6 - سلمة بن كهيل ... 255
7 - الأعمش ... 256
مبايعة الفقهاء والعلماء لزيد علیه السلام... 257
1 - أبو حنيفة ...... . 257
2 - ابن شبرمة ... 257
3- مسعر بن كدام ...257
4 - الأعمش ... 258
الحسن بن عمارة ... 258
6 - أبو الحصين ... 258
7 - قيس بن الربيع ... 258
8 - سلمة بن كهيل ... 258
9 - هاشم بن البريد ... 259
10 - الحجاج بن دينار ... 259
11 - هارون بن سعد ... 259
12 - محمد بن عبدالله ... 259
13 - عبدالله بن عليّ ... 259
الدعاة ... 260
1 - نصر بن معاوية ... 260
2 - أبو معمر ... 260
3- عبدالله بن الزبير ... 260
4 - معاوية بن إسحاق ... 260
5 - المنصور بن المعتمر ... 260
6- يزيد بن أبي زياد ... 261
7 - سالم بن أبي الحديد ... 261
8 - عبدة بن كثير الجرمي ... 261
9 - الحسن بن سعد ... 261
10 - عثمان بن عمير ... 261
إحاطة البيعة بالكتمان ... 262
عدد المبايعين ... 262
تحديد وقت الثورة ... 263
الشّادَةُ
فزع السلطة في دمشق ... 267
الاتصال بوالي العراق ... 268
التفتيش عن زيد علیه السلام... 270
مخططات زيد علیه السلام العسكرية ... 271
خروج زيد علیه السلام للساحة ... 272
خيانة الكوفيين ... 273
زيد علیه السلام والروافض ... 274
حبس فصائل من جيش زيد علیه السلام... 274
التحام الجيشين ... 275
الشهداء من قادة جيش الإمام علیه السلام... 275
استمرار القتال ... 277
مصرع الحق ... 279
مواراة الجثمان المقدّس ... 280
إخراج الجسد الطاهر ... 281
حرق الجثمان المقدّس ... 282
الرأس الشريف ... 283
الرأس الشريف في المدينة ... 283
الرأس الشريف في مصر ... 284
لوعة الشيعة ... 285
امتداد الثورة ... 286
ندم الطاغية ... 287
مصيره بعد دفنه ... 288
1 - انتقام الله تعالى من شهاب ... 288
2- خراش بن حوشب ... 288
مصادر الكتاب ... 289
محتويات الكتاب ...305