موسوعة سیرة أهل البیت علیهم السلام جلد 38

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الجزء الثامن والثلاثون

مسلم بن عقیل

تأليف: باقرشریف القرشی

تحقیق:مهدی باقر قرشی

الاحياء تراث أهل البيت

موسسه الامام الحسن (عَلَيهِم السَّلَامُ)

لإحياء تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م

عدد النسخ : .... 1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978

ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم

مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970

محرر الرقمي : ولي رادمرد

اشارة

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الشَهیدُ الخَالِدُ

مسلم بن عقیل(عَلَيهِ السَّلَامُ)

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الجزء الثامن والثلاثون

شهیدُ الخَالِدُ

مسلم بن عقیل (عَلَيهِ السَّلَامُ)

تأليف: باقرشریف القرشی

تحقیق:مهدی باقر قرشی

موسسه الامام الحسن (عَلَيهِم السَّلَامُ)

لإحياء تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

تأليف: باقر شريف القرشي

تحقيق: مهدی باقر القرشي

الناشر:... دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن(عَلَيهِ السَّلَامُ)

المطبعة:... ستار

الطبعة الثانية:... 1433هـ/2012م

عدد النسخ:... 1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة:... 1 - 42 - 8275 - 964 - 978

ردمك الجزء (38):... 3 - 80 - 275 - 964 - 978

اللَّهُ عنوان الناشر: النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)- هاتف 009647805694970

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحیم

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ آل عمران 3: 169 و 170

الإِهدا

إلى الفاتح العظيم الذي احتل عواطف الناس وقلوبهم إلى ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وسيد شباب أهل الجنة.

الأقامة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أرفع بتواضع لمقامه الرفيع هذه الدراسة عن ابن عمّه، والمفضّل عنده على أهل بيته، سفيره مسلم بن عقيل، راجياً من الله التفضّل واللطف بالقبول وهو حسبی.

المؤلّف

بين يَدَيكَ

بين يديكِ يا مجد بني هاشم، وفخر بني عدنان

أيها الثائر العظيم، قد أبرزت ببطولاتك الفذّة، وتضحياتك الهائلة في سبيل الله، القيم الإسلامية الخالدة، التي تأبى الخضوع للظالمين، والخنوع للطغاة المستبدين، فقد وقفت أمامهم بشموخ وعزّة صامداً، وأنت وحيد في الميدان، قد أحاطت بك جيوش البغي والغدر، فلم ترهبك، ولم تخذلك وحدتك، ورحت تخلع قلوبهم قبل أجسامهم، و ترمي بهم على أعلى الدور، فيا لها من بطولات نادرة لم يحدث التاريخ أن لها مثيلاً!

لقد مضيت في طريق الشهادة وأنت عزيز الجانب، لم تنحن أمام القوة الباغية وأنت تجسّد المفاخر والمآثر للأسرة العلوية، التي تمثل الكرامة والشرف في دنيا الإسلام.

أيها المجاهد العظيم، لقد كنتَ الفدائي الأول في النهضة الحسينية المباركة، التي حملت النور والوعي لشعوب العالم، وأمم الأرض، فأنارت لهم الطريق، وأوضحت لهم القصد، وفتحت لهم أبواب الحرية والكفاح المسلّح؛ للتخلّص من الذل والعبودية.

سيدي العظيم!

لقد وجد فيك أبو الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صفات الرائد الفاتح في ثورته الخالدة، فأوفدك إلى ذلك المجتمع، الذي عج بالتوسل إليه لينقذه من ذلك الحكم الإرهابي الأسود، الذي صبّ على الناس وابلاً من العذاب الأليم، فقمت - سلام الله عليك - بالواجب على أكمل الوجوه، فأدّيتَ الأمانة، وبلغت الرسالة، واستجابت لك الجماهير فبايعتك، وعاهدت الله على ذلك، ولكن من المؤسف سرعان ما انقلبوا عليك، فخذلوك، وقتلوك، وسحبوا جثمانك في شوارعهم، فكان هذا الانقلاب حديث الأجيال، قد سجّل لهم التاريخ صفحات سوداء في الخيانة والعار والخزي، وبقيت أنت وحدك رمز الخلود، محاطاً بهالة من النور والشرف والكرامة.

فسلام الله عليك رائد حقٌّ، وداعية صلاح

المؤلّف

1

التقدم

1 من الجدير بأن تدرس ملفّات حياة أعلام الأسرة الهاشميّة المعظَمة، لأنّهم من منابع الفكر والوعي في دنيا العرب والإسلام.

ومن المؤكّد أنه لم تقتصر عظمة هذه الأسرة المكرّمة على الأئمة الطاهرين حَمَلَة الرسالة الإسلامية، ومصدر الهداية لهذه الأمة، فقد كان لأبنائهم الممجدين دور إيجابي ومهم في ميادين الإصلاح الاجتماعي، فقد ساهموا مساهمة جادة في بلورة الفكر الإسلامي، ووقفوا بعزم وشموخ أمام الظلم والطغيان، وتبنوا حقوق المظلومين والمضطهدين.

ومن أعلام هؤلاء السادة الشهيد الخالد مسلم بن عقيل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد اندفع لتحرير الأمة بعد أو وقعت فريسة بأيدى الأمويين، الذين لم يألوا جهداً في إذلالهم ونهب ثرواتهم وإرغامهم على الذلّ والعبودية، فكانت تضحيته أّنشودة الأحرار في كلّ عصر ومكان، وقد سجّلت وسام شرف ومجد لا له فحسب وإنما للأّسرة الهاشمية على امتداد التاريخ.

2 إنّ شخصيّة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أعمدة الشرف والنور، ومن الشخصيات الفذة في دنيا الإسلام، فقد وهب حياته لله تعالى ولتحرير أُمّته من الظلم والطغيان، وبالإضافة إلى جهاده في ميادين التحرير، فقد كان يملك طاقات نديّة

خلّاقة من العلم والإيمان وأصالة الفكر، جعلته من أبرز السادة المكرّمين، وأكثرهم اتصالاً بريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجلّه ويكن له خالص المحبّة والودّ؛ لأنّه وجد في شخصيته جميع مظاهر الإنسانيّة ومكوّناتها، من العلم ووفور العقل وطيب النفس وسلامة الذات، فكان المفضّل عنده، والمقدّم على أبناء عمومته وإخوانه.

3 ورافق مسلم بن عقيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأحداث الجسام والأزمات الرهيبة، التي أحاطت بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أيام الحكم الأموي، فقد استهدفت السياسة الأموية تصفية أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وشيعتهم جسدياً، وسلّطت جميع أجهزتها السياسية والاقتصادية والتعليمية ضدّهم، ومطاردتهم، وتضليل الرأي العامّ، من أنّهم ليست لهم أية مكانة في العقيدة الإسلامية، وأنهم ليسوا أولياء لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإنّما وليه الله وصالح المؤمنين.

لقد ألقت السياسة الأموية الستار على أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، الذين هم مركز الوحي والحكمة في الإسلام، وأبعدتهم عن مسرح الحياة العامة، وراحت تبني للأمويين ولسائر الصحابة أمجاداً ومآثر، ليس لها أي نصيب في الواقع. وقد أسست لهذا الغرض أجهزة لوضع الأحاديث على لسان الرسول العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فافتعلت جمهرة من الأحاديث. ومن المؤسف حقاً أنّها دوّنت في الصحاح والسنن، ومن المؤكّد أن الأعلام لو علموا بوضعها لأعرضوا عنها وما دوّنوها.

وعلى أي حال، فقد عاش أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الكثير من الأزمات والمصاعب في ظلّ الحكم الأموي، وهذا ما سنتحدّث عنه في بحوث هذا الكتاب

4 وعهد معاوية بعد عام الصلح إلى أخيه اللاشرعي زياد بن أبيه بولاية الكوفة، وولاه ولاية هذا القطر العظيم، فجعل يتتبع القوى الواعية من شيعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فأنزل بهم أقسى العقوبات، فسمل منهم العيون، وقطع الألسن، من جميع الحقوق الطبيعية التي منها حرمانهم من العطاء، وردّ شهاداتهم

في مراكز القضاء.

لقد تفّجرت سياسة معاوية بكلّ ما خالف كتاب الله تعالى وسنة نبيه، فقد أزاح الستار الصفيق عن جاهليته، وما يكيده للإسلام من سوء وللمسلمين من شرّ.

وراح الكوفيّون يندبون حظهم التعيس على ما اقترفوه من الغدر والخيانة للإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما عانوه من الظلم والتنكيل في عهد معاوية، وأخذوا يذكرون بمزيد من اللوعة والأسى العدل الشامل والرفاهية والرخاء في حكومة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّ بلدهم كانت عاصمة الإسلام، فأصبحت قطراً كسائر الأقطار الإسلامية، وأخذوا يتطلعون إلى هلاك معاوية بفارغ الصبر؛ ليعيدوا في بلدهم حكومة أهل البيت(عَلَيهِم السَّلَامُ)، ويرجع لهم مجدهم الذي أضاعوه.

5 وختم معاوية أعماله المجافية لروح الإسلام وهديه بأن قلّد ولده، الماجن الخليع يزيد، الخلافة الإسلامية، التي هي ظلّ الله في الأرض مع علمه بأنه لا يتمتع بأية نزعة إسلامية، وإنما كان ممعناً في اقتناء القرود، وملاحقة القيان الملاح، ومعاقرة الخمور، وقد أخلد معاوية للمسلمين بذلك الفتن وألقاهم في شرّ عظيم.

ولقي معاوية معارضة شديدة بإقامة ولده الخليع خليفة على المسلمين، فقد نقم عليه الوجوه والأشراف والمتحرّجون في دينهم، وكان في طليعتهم ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الإمام الحسين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلا أنّ معاوية لم يحفل بالمعارضة، وأصرّ على فكرته، وحوّل الخلافة من إطارها المشرق إلى كابوس رهيب ليس فيه أي بصيص من النور.

6 ولمّا هلك معاوية ولاقى ربِّه بنفس غير آمنة ولا مطمئنة من عذاب الله تعالى استولى على عرش الخلافة ولده يزيد، الذي لم تهذبه الأيام، ولم تصقله التجارب، وكان سارحاً في ملذاته وخموره وفجوره. وقد برز الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

على ساحة المعارضة، فرفض بيعته رسمياً في أروقة الحكم الأموي في دار حاكم المدينة، ثم هاجر إلى مكة المكرّمة فأشاع بين الناس رفضه لحكم يزيد، وأخذ يذكر مساوئ معاوية وموبقاته، وما أحدثه من البدع بين المسلمين، وأن حكومة ولده تشكل أعظم خطر على الإسلام، وقد بلور بذلك الرأي العام، واستجابت له جماهير المسلمين.

7 واستقبل الكوفيون هلاك معاوية بمزيد من السرور والابتهاج، وأخذوا يذكرون مساوئه في أنديتهم وما عانوه في عهده من ضروب المحن والبلاء، وقد خلعوا بيعة يزيد، وأعلنوا سبّه، وعدم شرعيّة حكومته في مجالسهم وأنديتهم، كما أخذوا يذكرون بمزيد من التكريم والتعظيم الأسرة النبوية، التي تبنت سياستها العدل الخالص والحق المحض، وما نشرته في ربوع العالم الإسلامي من الراحة والأمن والاستقرار في أيام حكومة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وتطلع الكوفيون بجميع طبقاتهم إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، سيّد المسلمين، ورائد نهضتهم الحضارية والفكرية؛ ليقيم في بلادهم حكومة القرآن، فقد علموا رفضه لبيعة يزيد، ودعوته إلى إسقاط حكومته.

وأوفد الكوفيون رُسُلهم إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم مزودون برسائل متعدّدة من أهل الكوفة يحتونه فيها على القدوم لمصرهم ليشكل فيه حكومته. وفي بعض الرسائل أنه يتحمّل المسؤولية أمام الله تعالى والأمة إن امتنع من إجابتهم، وسنعرض لهذه الرسائل في غضون هذا الكتاب.

8 وكثرت الوفود على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتوافدت عليه آلاف الرسائل من الكوفة، فلم يجد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بداً من إجابتهم، فأوفد إليهم المفضّل من أهل بيته مسلم بن عقيل (عَلَيهِ السَّلَامُ). فقد وجد فيه صفات الرائد والسفير، الذي هو جدير للقيام بتحمّل هذه المسؤولية الخطيرة، التي هي من أعقد المسائل السياسية ومن أكثرها

صعوبة، فإنّ البلد الذي قصده مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاضع لسيطرة الحكم الأموي وفيه عملاؤه وأذنابه والسيطرة عليه في منتهى الخطورة والصعوبة.

وعلى أي حال، فقد قام مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالواجب خير قيام، فبلغ رسالة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستجابت له الجماهير بسرعة فائقة، فقد بايعه ما يزيد على عشرين ألف مقاتل، ولكن سرعان ما انقلبوا عليه، فقد سيطرت عليهم أوبئة الخوف، وبلغ من تخاذلهم أنّ الرجل منهم كان ينهزم وهو في أثناء الصلاة مرعوباً خائفاً يغلق عليه باب داره لئلا تعلم السلطة به فتعتقله، وتصب عليه وابلاً من عذابها الأليم.

9 ونحن ندرس هذه الأحداث الرهيبة، ونرى أنها ناجمة:

أولاً: عن طبيعة أهالى هذه المدينة، فقد كان البارز فى أخلاق أهلها الغد والخيانة والتذبذب، حتّى ضُرِب بهم المثل فقيل: أغدر من كوفي، وقيل: الكوفي لا يوفي.

ثانياً: إنّ هذه الهزيمة النكراء كانت ناشئة عن قسوة الحكم الأموي أيام زياد بن أبيه حاكم الكوفة، فقد منيت هذه المدينة بزلزال مدمر من الجور والظلم، فلم يعهد الكوفيون، ولا غيرهم من مناطق الشرق العربي حاكماً منحرفاً وظالماً كالطاغية زياد بن أبيه، الذي كان يقتل على الظنّة والتهمة، ويسمل العيون، ويقطع الألسنة، وينقب عن قلوب الناس، وقد ولي الكوفة ابنه، وهذا لا يقل قسوة وتمرداً على القيم والأعراف الإنسانية من أبيه! فلذا خافه الناس أشدّ ما يكون الخوف. (ويبحث هذا الكتاب عن ذلك).

10 من الجدير بالذكر أن أعرض على القّراء أنّ الفصول الأخيرة من هذا الكتاب قد اقتبست، أو أُخِذَت نصّاً من غير زيادة، وهو الأصحّ، من الجزء الثاني من كتابنا حياة الإمام الحسين بن على (عَلَيهِما السَّلَامُ)، فقد تناولت بصورة موضوعية وشاملة

قصة الشهيد مسلم بن عقيل(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبيعة أهل الكوفة على يده للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونقضهم لها حينما وُلّي عليهم الإرهابي المجرم عبيد الله بن زياد، وما قام به من نشر أوبئة الخوف بين المواطنين، وإعدامه لبعض الشخصيات البارزة من أعضاء الثورة، وزجّ الكثيرين في معتقلات السجون، وغير ذلك من الأحداث الجسام التي مسلم إلى حين شهادته، وليس عندنا زيادة عليها.

11 وفي أثناء دراستي فوجئت بعارض في أثناء صيامي في شهر رمضان المبارك، أزعجني إلى حدّ بعيد، فقصدت مرقد الشهيد الخالد مسلم بن عقيل المعروف عندنا بباب الحوائج، فنذرت الله تعالى إن عافاني الله ممّا ألمّ بي من المرض، أن أؤلِّف كتاباً عن سيرة مسلم الشهيد الخالد، وفعلاً برئت والحمد لله على يد الدكتور مكي الفياض الذي هو من أعمدة الطب في العالم العربي، فشكراً له غير مجذوذ، وقد جمدت التأليف الذي بين يدي، وبدأت الكتابة عن بطل بني هاشم مسلم بن عقيل وفاءً بالنذر وتقرباً إلى الله تعالى..

والله ولي التوفيق

مکتبة الامام الحسن العامّة

النجف الاشرف

باقرشریف القریشی

النَّسَبُ الوَضَّاءُ

اشارة:

وليس من شك أنّ للأسرة أثراً إيجابياً وفعّالاً في ميدان التربية وتكوين سلوك الشخص، وكسبه للعادات السائدة فيها، وأنّ مثلها وقيمها تنطبع في دخائل الذات وأعماق النفس، وتكون ملازمة للشخص طول حياته، وقد بحث علماء الوراثة عن هذه الظاهرة فيما ألفوه عن شؤون الوراثة.

وعلى ضوء بحوث علماء النفس والوراثة فإنّ الشهيد الخالد قد ورث من آبائه وأسرته، التي هي أعمدة الشرف، أهم صفاتهم ومميزاتهم، والتي منها التفاني في سبيل الحق، ونكران الذات، وابتغاء رضوان الله تعالى، ونجدة الضعيف وحماية الغريب، وإغاثة الملهوف، وغير ذلك من المُثل العليا، والصفات الرفيعة.

وعلى أي حال، فإنّنا نعرض - بإيجاز - لبعض مآثرها التي تفردّت بها من بين القبائل القاطنة في مكة المكرمة.

مآثر الأسرة الكريمة

وتمّيزت الأسرة الهاشمية منذ فجر تأريخها بأسمى المآثر والفضائل في حين كانت قبائل مكة قد سادت فيها الأنانيّة والتكبّر والقسوة والحسد، ووأد البنات، وعبادة الأصنام والأوثان، ولم تكن في مكّة قبيلة عُرفت بالنبل والشهامة ووفور الفضل والعقل سوى الأسرة الهاشمية الممجّدة، وهذه بعض مآثرها:

الإيمان بالله تعالى

كانت قبائل مكّة قد شاعت فيها عبادة الأوثان والأصنام، فكان لكل قبيلة صنم يعبدونه من دون الله، وقد عُلّقت على جدران الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، أمّا الأسرة الهاشمية فإنّها لم تسجد للأصنام، وكانت تعبد الله تعالى وحده، لم تشرك به أحداً، وكانت تدين بدين إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشيخ الأنبياء.

يقول الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ): « وَاللهِ! ما عَبَدَ أَبِي وَلَا جَدِّي عبد المطلّب وَلَا عَبْدُ منافٍ وَلَا هَاشِمٌ صَنَماً، وَإِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْبَيْتِ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ مُتَمَسْكِينَ بِهِ...» (1).

وهذه مكرمة للأسرة الهاشمية دلّت على نضوجهم الفكري، وعدم تخلقهم بأخلاق قومهم من عبادة الأصنام والأوثان، فقد سخروا منها، ونبذوها واعتنقوا ملة جدّهم إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي حارب الأوثان، ورفع راية الإيمان بالله تعالى.

إطعام الطعام

ومن مزاياهم الرفيعة الكرم والسخاء، والذي كان من مظاهره إطعام الفقراء والغرباء، وبذله بسخاء لهم، وقد عرف هاشم عميد هذه الأسرة بهذا النبل، فكان يهشم الثريد لقومه، ومن أجل ذلك لقب بهاشم، وفيه يقول الشاعر:

عَمْرُو الْعُلَى هَشَمَ الشَّرِيدَ لِقَوْمِهِ *** وَرِجالُ مَكَّةَ مُسْتِتُونَ عِجافُ

وورث هذا النبل والسخاء معظم أحفاده، وكان من أبرزهم ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيّد شباب أهل الجنّة، فقد كان - فيما أجمع عليه المؤرّخون - من أجود أهل زمانه، ومن أنداهم كفّاً، حتى لقّب بكريم أهل البيت(عَلَيهِم السَّلَامُ)، مع أنّهم


1) كمال الدين/الصدوق: 104

معدن الكرم، وكان يضارعه في سخائه أخوه أبو الأحرار سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كان من أسمى أمثلة السخاء في دنيا الإسلام، وشارك السبطين بهذه الفضيلة ابن عمهما عبد الله بن جعفر، فقد كان من ألمع الأسخياء في العالم العربي.

وهكذا كان الهاشميون، أصولاً وفروعاً، من أندى الناس كفاً، ومن أكثرهم برّاً وسخاءً، حتى عُدّ الكرم من ذاتياتهم وعناصرهم.

سقاية الحاج

من مكارم الهاشميين وأريحيتهم سقايتهم لحجاج بيت الله الحرام، وبذل الماء لهم بسخاء، وكان الماء نادر الوجود، وكان أوّل من بادر منهم إلى هذه المكرمة الأسرة الهاشمية هاشم، فإذا وفد الحجّاج إلى بيت الله قام خطيباً في قريش رافعاً عقيرته قائلاً:

«يا معشر قريشٍ، إِنَّكم جيرانُ الله، وأهلُ بيتِهِ، وَإِنَّكم يأتيكُمْ في هذا الموسم زوَّارُ اللهِ، وحُجّاج بيتِهِ، وهم ضيوف الله، وأحقُ بالكرامة ضيوفه، فاجمعوا لهم بِهِ طعاماً وماء أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة بها» (1).

وهذه دعوة نبل وشرف وشهامة، ويقوم القرشيّون بدورهم بجمع الماء وبذله وشرائه وتقديمه للحجاج.

انضمامهم لحلف الفضول

من أهم الأحداث الاجتماعية التي ظهرت في مكّة، هو تأسيس حلف الفضول، الذي كان من بنوده نجدة المظلوم، والأخذ بحقّ الغرباء، وكان هذا الحلف يتّفق


1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1: 22

مع طباع الهاشميين وميولهم، فانضموا إليه، وكانوا من أعوانه، وقد شهده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) واعتزّ به وقال:

«شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَدْعَانَ حِلْفاً ما أحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمُرَ النَّعَمِ، وَلَوْ دُعِيَ بِهِ فِي الإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ» (1).

لقد كان هذا الحلف يمثل المروءة والنجدة والشهامة والنبل، فانضم إليه الهاشميّون وكانوا من أبرز مؤسسيه.

هذه بعض مآثر هذه الأسرة الكريمة التي احتضنت الشرف وما ينفع الناس.

أجداد مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

اشارة:

أما أجداد مسلم من أبيه فقد كانوا من مفاخر العرب، ومن أعمدة الشرف،

ونلمّح إلى بعضهم:

1- هاشم

كان هاشم من أشراف مكة، وكان مضرب المثل في جوده وسخائه، وهو الذي كان يطعم الحجاج بمكة ومنى وعرفة (2).

وهو أوّل من سنّ الرحلتين لقريش؛ الرحلة إلى اليمن، والرحلة إلى الشام (3)، وفيه يقول الشاعر:

سنَّتْ إِلَيْهِ الرَّحْلَتَانِ كِلَاهُما *** سَفَرُ الشَّتاءِ وَرَحْلَةُ الأَصْيافِ (4)


1) السيرة النبوية/ابن هشام: 1: 134

2) السيرة النبوية: 3: 458

3) تاريخ الأمم والملوك: 2: 12

4) البداية والنهاية: 2: 311

2- عبدالمطلب

من سادات بني هاشم، ومن مفاخر قريش السيد الجليل عبد المطلّب، فقد كان في شبابه من أنبل فتيان قريش، وفي شيخوخته كان من أوقر وأجلّ شيوخ عصره، حتّى لقب بشيبة الحمد، وذلك لكثرة حمد الناس وثنائهم عليه (1).

وقد أسندت إليه وفادة الحجّاج وسقايتهم بعد وفاة عمّه، وقد لاقى جهداً شاقاً وعسيراً في جمع الماء، فقد كان يجمعه من المطر وغيره في أحواض من الأدم، ويقدمه إلى حجاج بيت الله الحرام، وهو الذي أخرج ماء زمزم بعد أن كانت مجهولة عند القرشيين، وقد نعمت به قريش، وعهد إلى ولده أبي طالب برعاية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحمايته، فقد استشفّ أنّ له شأناً عظيماً، وأنه المصلح الأعظم، الذي يبقى ذكره نديّاً خالداً على امتداد الأجيال. فقد أوصاه بهذه الوصية الذهبية:

«انظُرْ يا أبا طالب أن تكونَ حافظاً لهذا الوحيد الذي لم يَسمَّ رائحة أبيه، ولم يَذُقْ شفقة أمه.

انظر أن يكون من جَسدِكَ بمنزلة كبدِكَ فإنّي قد تركتُ بني كلهم، وخصصتك به، فانصرْهُ بلسانك ويدِكَ ومالك، فإِنَّ الله سيسوده ويملك ما لا يملك أحدٌ من آبائي». ثم التفت إلى أبي طالب قائلاً: هل قبلت وصيّتي؟

• نَعَم قبلتُ وصيَّتَكَ والله على ذلك شاهدٌ.

واستراح عبد المطلّب من هم ثقيل عليه فقال لأبي طالب: الآن خفف على عليَّ الموتُ. وأخذ يوسعه تقبيلاً، ويقول له: إني لم أر أحداً أطيب ريحاً منك، ولا أحسن وجهاً (2).


1) تاريخ الأمم والملوك: 3: 180

2) مرآة العقول: 1: 368

ثمّ لفظ أنفاسه الأخيرة، وكان لوفاته صدى وأسى وحزن في جميع الأوساط القرشيّة، ورثاه مطرود بن كعب بهذه الأبيات:

يا أَيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ *** أَلَّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ

هَبلَتْكَ أُمُّكَ لَوْ نَزَلْتَ عَلَيْهِمْ *** ضَمِنُوكَ مِنْ جُوعٍ وَمِنْ إِقْرَافِ

الآخِذُونَ الْعَهْدَ مِنْ آفَاقِها *** وَالرَّاحِلُونَ لِرَحْلَةِ الإِيْلَافِ

وَالمُطْعِمُونَ إِذَا الرِّياحُ تَناوَحَتْ *** وَرِجَالُ مَكَةً مُسْيَتُونَ عِجَافٍ

وَالمُفْضِلُونَ إِذَا المُحُولَ تَرَادَفَتْ *** والقائلون هَلُمَّ لِلأَضياف

والخالِطُونَ غَيْبُهُمْ بِفَقِيرِهِمْ *** حتى يَكُونَ فَقِيْرُهُمْ كَالكَافِي

كانَتْ قُرَيضٌ بَيْضَةً فَتَفَلَّقَتْ *** فَالمُحُّ (1)خالِصَةٌ لِعَبْدِ مَنافِ (2)

وحكى هذا الشعر كرم الأسرة الهاشمية وقرايتها للضيوف، وسخاءها اللامحدود. ومن الجدير بالذكر أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان عمره الشريف يوم وفاة جده عبد المطلّب ثماني سنين (3).

3- أبو طالب

اشارة:

انحناء وتقديساً وتعظيماً أمام شيخ البطحاء، ومؤمن قريش، وناصر الإسلام في أيام غربته ومحنته، ولولاه لما قام الإسلام على سوقه عبل الذراع، وما استطاع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن يبلغ رسالته بعزم وشموخ أمام تلك الوحوش الكاسرة من ذوبان


1) المحّ من كلّ شيء: خالصه

2) أمالي المرتضى: 2: 268، وذكرت هذه الأبيات باختلاف يسير في أمالي القالي: 1: 241

3) الامتاع والمؤانسة: 2: 81

قريش، فكان أبو طالب القوة الضاربة التي حمت الدعوة الإسلامية.

فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين!

ونعرض - بإيجاز - لبعض مواقفه في رعاية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ونصرته له، والذب عن دعوته، وفيما يلي ذلك:

رعايته (رحمة الله) للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

كان شيخ البطحاء يكن للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أعماق نفسه خالص المحبة والود؛ لعلمه في بما يصير إليه من السمو والرفعة، وأنّ ذِكْره سيطبق الدنيا، ويستوعب جميع لغات الأرض، فقام برعايته في طفولته، وقدّمه على أبنائه في الرعاية والعطف.

لقد أحاطه الكهان علماً بأمر ابن أخيه، وأنه سيملأ الدنيا نوراً ووعياً، وأنه رسول رب العالمين، وخاتم المرسلين، وقد حذروه من فتك اليهود به واغتيالهم له، وكان من بين ذلك أنّه سافر للتجارة إلى الشام وصحب معه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ، فسارع إليه راهب في أثناء الطريق وقال له: «إنّي أنصحك أن ترجع بابن أخيك من مكانك هذا، وإن أدّى ذلك إلى ذهاب أموالك، وخسارتك في تجارتك، فإنّي لا آمن عليه من دسائس الشرك، ومكائد اليهود، فإنّهم إن عرفوا الذي عرفته فلا يولون حتى يلحقوا به الأذى، بل يغتالوه بكل نشاط وقوة» (1).

فقفل أبو طالب راجعاً إلى مكة، ولم يمض في تجارته حفظاً على ابن أخيه. وبلغ من حرصه عليه ورعايته له أنّه كان يصحبه معه في فراشه خوفاً عليه (2).

كما كان ينقله في غلس الليل من مكان إلى مكان، وينفق ليله ساهراً على حراسته لئلا يصيبه أحد بأذى ومكروه.


1) السيرة النبوية: 1: 90

2) السيرة الحلبية: 1: 140

حمايته (رحمة الله) للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

ولمّا أعلن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) دعوته الخلّاقة الهادفة لتحرير الإنسان من الجهل والخرافات وعبادة الأصنام والأوثان، هبّت قريش عن بكرة أبيها بوجهه، وفزعت أشدّ ما يكون الفزع من دعوته التي أحدثت زلزالاً مدمّراً لأديانهم وعاداتهم وتقاليدهم، وساوت بين طغاتهم وعبيدهم، فورمت آنافهم، وانتفخ سحرهم، فأجمعوا على مناجزته، وإطفاء نور رسالته، وإقبار دعوته، إلا أنّ شيخ البطحاء وقف سداً منيعاً لحمايته، وكان يبعث النشاط والحماس في نفسه لإشاعة قيمه ومبادئه ونشرها بين الناس، وهو القائل له:

فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ *** وَابْشِرْ بِذاكَ وَقُرَّ مِنْكَ عُيونا

وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ صَادِقٌ *** إذ قَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينا

وَلَقَدْ عَلِمْتُ بأنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ *** مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينا

وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ *** حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرابِ دَفِينا (1)

حكت هذه الأبيات إيمان أبي طالب العميق بالإسلام، ووقوفه بعزم وإخلاص

لحماية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الله، وأنّ القوى المعادية له مهما بذلت من جهد في النيل منه فإنّها لا تستطيع سبيلاً إلى ذلك، وخاطب القرشيين بقوله:

كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ تُخْلِى مُحَمَّداً *** وَلَمّا نُطَاعِنُ دونَهُ وتُناضِل

وَنَنْصُرُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ *** وَنُذْهَلَ عَنْ أَبْنائِنا والحَلَائِل (2)

ومعنى ذلك أنه لا يتخلى عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ولا يتركه فريسة للقوى المعادية له،


1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1: 26 و 27

2) المغازي/ الواقدي: 1: 70

وإنّما يقف إلى جنبه أعظم قوة ضاربة تحميه وتذب عنه.

لقد أخلص أبو طالب أعظم ما يكون الإخلاص إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وهو القائل: فيه

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ *** يمالُ الْيَتامى عِصْمَةٌ لِلأرامل

وقد وقع هذا البيت من نفس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) موقعاً عظيماً، ويقول الرواة إنّ أهل المدينة أصابهم قحط شديد فشكوا ذلك إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ، فصعد المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما خاف منه أهل المدينة، ففزعوا إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فدعا ربِّه قائلاً: اللَّهُمَّ حَوالَيْنا وَلاَ عَلَيْنا. فإنجاب السحاب عن المدينة، وصار حواليها، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لَوْ أَدْرَكَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا الْيَوْمَ لَسَرَّهُ.

فالتفت إليه الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلا له: كأَنَّكَ أَرَدْتَ قَوْلَهُ:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ *** ثِمالُ الْيَتامى عِصْمَةٌ لِلْأَرامِلِ (1)

ويحدّثنا الرواة عن عميق إخلاص أبي طالب لابن أخيه إن جماعة من رؤساء قريش وأعمدتها خَفّت إليه وعرضت عليه أن يُسلّم لهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليقوموا بتصفيته جسدياً، ويعطوه عوضه عمارة، وهو من أنبل فتيان قريش، ومن أصبحهم وجهاً، فسخر منهم أبو طالب، وقال لهم:

لا والله ما أنصفتموني أيها الحمقى وتباً لكم وسحقاً! أتُريدون منّي أن أعطيكُم رُوحي وولدي لِتَقتلُوهُ، وتُعطوني ابنكم أرتيه لكم! ما لكم كيف تحكمون؟ أترجون مني أن أستبدل محمّداً بعمارة بن الوليد؟

فوالذي نفسي بيده لو أعطيتُموني العالَمَ كُلَّه لما استبدلتهُ بِظُفر من رجل محمّد،


1) خزانة الأدب: 2: 96

فإليكم عنّي، لا تُكلّموني، وإلا عَلَوْتُ رُؤُوسَكُم بالسَّيف!

وانصرفوا خائبين، خاسرين، قد خيب آمالهم أبو طالب، وسخر منهم، وعاب عليهم ما جاء وا به (1).

وقد حفّز ابنه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ملازمة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قائلاً: يا بني الزمه.

ورآه في أول أيام البعثة يصلي مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال له: ما هذا الذي أنت عليه؟

قال له: آمَنْتُ باللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَصَدَّقْتُ بما جاءَ بهِ، ودَخَلْتُ مَعَهُ، وَاتَّبَعْتُهُ، فشجّعه أبو طالب، وأمره بملازمته قائلاً: أما إِنَّهُ لَيْدعوك إلى خير فالزمه (2).

تبنّيه (رحمةالله) لدعوة الإسلام

وتبنّى أبو طالب بصورة إيجابية الدعوة إلى اعتناق الإسلام، ونشره بين الناس، وقد دعا ملك الحبشة إلى الإيمان بالإسلام، وكتب له رسالة بذلك وختمها بهذه الأبيات:

أَتَعْلَمُ مَلْكَ الْحُبْشِ أَن مُحَمَّداً *** نَبِيُّ كَمُوسَى وَالْمَسِيحِ بْنِ مَرْيَمٍ

أَتى بِالْهُدَى مِثْلَ الَّذِي فِي هُداهُما *** فَكُلْ بِأَمْرِ اللهِ يَهْدِي وَيَعْصِمِ

وَأَنَّكُمْ تَتْلُونَهُ فِي كِتابِكُمْ *** بصِدْقِ حَدِيثٍ لَا حَدِيثِ التَّراجُم

فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدَا وَأَسْلِمُوا *** فَإِنَّ طَريقَ الْحَقِّ لَيْسَ بِمُظْلِم (3)

لقد كان أبو طالب من أبرز الدعاة إلى الإسلام، وكان يشيع في الأوساط القرشية وغيرها فضائل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومناقبه ومآثره، وهو القائل فيه:


1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1: 28

2) تاريخ الأمم والملوك: 2: 214

3) سيرة ابن إسحاق: 4: 203 و 204

ظَهَرَتْ دَلَائِلُ نُورِهِ فَتَزَلْزَلَتْ *** منها البَسِيطَةُ وَازْدَهَتْ أَيامُ

وَهوَتْ عُرُوشُ الْكُفْرِ عِنْدَ ظُهُوره *** وَبِسَيْفِهِ قَدْ شُبُدَ الإِسْلامُ

وَأَتاهُمُ أَمْرٌ عَظِيمٌ فادح *** وَتَساقَطَتْ مِنْ حَوْلِهِ الْأَصْنامُ

صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ خَلاقُ الْوَرى *** ما أَعْقَبَ الصُّبْحَ الْمُضِيْءَ ظَلَامُ (1)

لقد أترعت نفس أبي طالب وامتلأت إيماناً بالإسلام وبالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبالكتاب، ولولاه لأتت قريش على الإسلام وما أبقت له أي أثر ووجود، وقال بعض الشعراء فيه وفي ولده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وَلَوْلا أَبُو طَالِبٍ وَابْنُهُ *** لَما مَثْلَ الدِّيْنُ شَخصاً وَقاما

فذاكَ بمَكَّةَ أوَى وحامي *** وهذا بِيَثْرِبَ جَسَ الحِماما

وصيّته (رحمة الله) الخالدة

أوصى شيخ البطحاء الأسر القرشيّة وأبناءه وسائر الهاشميين بهذه الوصية التي عرض فيها لمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، كما أوصاهم برعاية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ، وكان من بنودها:

«يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَنْتُمْ صَفْوَةُ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ، وَقَلْبُ الْعَرَبِ، وَأَنْتُمْ خَزَنَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَأَهْلُ حَرْبِهِ، وَفِيكُمُ السَّيْدُ الْمُطَاعُ الطويل الذراع، وَفِيكُمُ الْمُقَدِّمُ الشُّجاع الْوَاسِعُ الْبَاعِ.

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَمْ تَتْرُكُوا لِلْعَرَبِ فِي الْمَفاخِرِ نَصِيباً إِلَّا أَحْرَزْتُمُوهُ، وَلَا شَرَفاً إِلَّا أَدْرَكْتُمُوهُ، فَلَكُمْ عَلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ، وَلَهُمْ بِهِ إِلَيْكُمُ الْوَسِيلَةُ، وَالنَّاسُ لَكُمْ حَرْبٌ، وَعَلَى حَرْبِكُمْ إِلْبٌ، وَإِنِّي مُوصِيكُمْ بِوصيَّةٍ فَاحْفَظُوها.


1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ):1 :23

أوْصِيْكُمْ بِتَعْظِيم هذِهِ الْبَنِيَّةِ - يعني الكعبة -، فَإِنَّ فِيها مَرْضاةٌ لِلرَّبِّ، وَقَواماً لِلْمَعاشِ، وَثَباتاً لِلْوَطأة، صِلُوا أَرْحَامَكُمْ.

فَإِنَّ في صِلَتِها مَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ، وَزِيادَةٌ فِي الْعَدَدِ، وَاتْرُكُوا الْبَغْيَ وَالْعُقوقَ فَفِيها هَلَكَتِ الْقُرُونُ قَبْلَكُمْ.

أَجِيْبُوا الدّاعِيَ، وَأَعْطُوا السّائِلَ؛ فَإِنَّ فِيهِما شَرَفَ الْحَياةِ وَالْمَمَاتِ.

وَعَلَيْكُمْ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَداءِ الْأَمَانَةِ؛ فَإِنَّ فِيهِما نَفْياً لِلتُهمَةِ، وَجَلالَةٌ في الأعْيُنِ.

وَأَقِلُوا الْخِلَافَ عَلَى النَّاسِ وَتَفَضَّلُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ فِيهِما مَحَبَّةٌ لِلْخاص، وَمَكْرُمَةٌ في العام، وَقُوَّةً لِأَهْلِ الْبَيْتِ».

وحكت هذه الكلمات القيم الكريمة التي يسمو بها الإنسان، والتي توجد الترابط بين أبناء المجتمع.. ومن بنود هذه الوصيّة حنه للقرشيين وللأسرة الهاشمية على الولاء والإخلاص للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومناصرته والذب عنه.

«وَإِنِّي أَوْصِيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خَيْراً؛ فَإِنَّهُ الْأَمِينُ فِي قُرَيْشٍ، وَالصِّدِّيقُ فِي الْعَرَبِ، وَهُوَ جَامِعٌ لِهذِهِ الْخِصَالِ الَّتي أَوْصَيْتُكُمْ بها - يعني وصيته لهم بالفضائل والآداب - وقَدْ جَاءَكُمْ بِأَمْر قَبِلَهُ الْجِنانُ وَأَنْكَرَهُ النِّسَانُ مَخافَةَ الشَّنَآنِ.

وَأَيْمُ اللهِ، لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى صَعَالِيكِ الْعَرَبِ، وَأَهْلِ الْعِزَّ فِي الْأَطْرافِ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النَّاسِ وَقَدْ أَجَابُوا دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، وَعَظَمُوا أَمْرَهُ، فَحَاصَ بِهِمْ غَمَرات الْمَوْتِ، فَصارَتْ رُؤَسَاءُ قُرَيْشٍ وَصَناديدُها أَذْناباً، وَدُورُهَا خَراباً، وَضُعَفاؤُها أَرْباباً، وَإِذا بِأَعْظَمِهِمْ عَلَيْهِ أَحَوَجُهُمْ إِلَيْهِ، وَأَبْعَدِهِمْ عَنْهُ أَحْطَاهُمْ عِنْدَهُ، قَدْ مَحَضَتْهُ الْعَرَبُ وِدادَها، وَصَفَتْ لَهُ بِلَادُها، وَأَعْطَتْهُ قِيادَتَها.

فَدُونَكُمْ - يا مَعْشَرَ قُرَيْشِ ابْنُ أَبِيكُمْ وَأمُكُمْ، كُونُوا لَهُ وَلاةً وَلِحِزْبِهِ حُماة.

فَوَاللَّهِ لَا يَسْلُكُ أَحَدٌ مِنْكُمْ سبيلَه إِلَّا رَشَدَ، وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ بِهُداهُ إِلَّا سُعِدَ، وَلَوْ كَانَ لِنَفْسِي مُدَّةٌ، وَفِي أَجَلِي تَأْخِيرٌ لَكَفَفْتُ عَنْهُ الْهَرَاهِزَ، وَلَدَفَعْتُ عَنْهُ الدَّواهِيَ غَيْرَ أَنِّي أَشْهَدُ بِشَهادَتِهِ، وَعِظَم مَقالَتِهِ» (1).

حكت هذه الوصية إيمان أبي طالب بالإسلام، وولاءه العارم للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏). وقد استشف هذا العملاق العظيم المستقبل الزاهر للإسلام، وأنه سيحف به المستضعفون في الأرض، فيكونون القوة الضاربة للدفاع عنه، وستكون صناديد قريش وساداتهم أذلاء صاغرين يستعطفون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ، ويطلبون ود أصحابه.

ولم تمض الأيام حتى تحقق ذلك على مسرح الحياة، وإذا بجبابرة قريش أذلاء، وكان من هوانهم أنّ سيّدة من نساء المسلمين خطبها معاوية فاستشارت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في ذلك، فنهاها وقال لها: لَا تَتَزَوَّجي بِهِ فَإِنَّهُ صُعْلُوك (2).

وعلى أي حال، فإنّ وصيّة أبي طالب حافلة بالقيم الرفيعة، والإيمان العميق بالإسلام.

إلى جنة المأوى

ولاقى هذا العملاق العظيم جهداً شاقاً في نصرته للإسلام، وكفاحه للقوى المعادية لابن أخيه، وقد تعرّض لأقسى المحن من جبابرة قريش، وقد ألمت به الأمراض بعد جهاده المقدّس، وقد دنا إليه الموت وهو غارق بالهموم والأحزان على ابن أخيه وماذا سيلاقى بعده من ذئاب قومه، الذين أترعت نفوسهم بالبغض والعداء له؟ وكان يوصي أبناءه برعاية النبي أبناءه برعاية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحمايته والدفاع عنه، وكان لسانه


1) شرح نهج البلاغة/ابن أبي الحديد:2: 213 الدرجات الرفيعة: 60 و 61. أسنى المطالب: 20 ثمرات الأوراق: 294، وغيرها

2) حياة الإمام الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2: 150

في الساعات الأخيرة من حياته يلهج بذكر الله تعالى حتى وافته المنية، فجزاه الله عن الإسلام خيراً، وأجزل له المزيد من الأجر فما أعظم عائدته على الإسلام!

وقد وافته المنية في شهر شوال - أو في ذي القعدة -، وذلك بعد خروج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الشعب (1)، ولما أذيع نبأ وفاته اهتزت مكة من هول الفاجعة، وغامت بالدموع عيون المؤمنين، كما عمّت الفرحة قلوب الطغاة والفجرة من قريش. وسارع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع إخوانه فغسلوا الجسد الطاهر وأدرجوه أكفانه، وسارعت الجماهير إلى دار أبي طالب فحملوا الجثمان العظيم بمزيد من الحفاوة والتكريم، وواروه في مقره الأخير، وقد واروا معه الإيمان والشرف، والشهامة والنبل.

لقد انطوت حياة هذا المجاهد العظيم الذي وهب حياته لله تعالى، فنصر الإسلام في أيام محنته وغربته، فسلام الله عليه غادياً ورائحاً.

تأبين النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

ووقف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على حافة قبر عمّه وهو حزين، قد روی ثری قبره بدموع عينيه، وقد طافت به الآلام على فقده لهذا الركن الشديد الذي كان يُؤويه ويحميه، وقد أبنه بهذه الكلمات:

«وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يا عَمٌ، جُزِيتَ خَيْراً، فَلَقَدْ رَبَّيْتَ وَكَفَلْتَ صَغِيراً، وَآزَرْتَ وَنَصَرْتَ كَبِيراً، أَمَا وَاللَّهِ يَا عَمِّ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، وَأَشْفَعَنَّ فِيكَ شَفاعَةٌ يَعْجَبُ مِنْهَا الثَّقَلَانِ» (2).

وبلغ الحزن من النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أقصاه، فسمى العام الذي توفى فيه عمه عام الحزن، وقد استوحدته قريش فأجمعت على التنكيل به، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)


1) الكامل في التاريخ: 2: 34

2) أبو طالب وبنوه: 103

«ما نالَتْ مِنِّي قُرَيْضٌ شَيْئاً أَكْرَهُهُ حَتَّى ماتَ أَبُو طَالِبٍ» (1).

وقد بالغت قريش في أذاه، فجعلوا يحثون التراب على رأسه الشريف، وطرح بعضهم عليه رحم شاة وهو يصلّي... إلى غير ذلك من صنوف الأذى والتنكيل ، (2)وأجمعوا على قتله، فأحاطوا بداره فخرج في غلس الليل ميمماً وجهه نحو المدينة بعد أن أقام أخاه ووصيه وابن عمه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فراشه.

وعلى أي حال، فإنّ أبا طالب كان من أعظم المساهمين في إقامة دعائم الإسلام، وفي طليعة المجاهدين عن دين الله.

ومن سخف القول إنّه مات كافراً، وإنّه لم يكن يدين بدين الإسلام، فإنّ هذا البهتان من صنع الأمويين والعباسيين الحاقدين على الأسرة النبوية، ولو كان كما يقولون لما حزن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على موته، وسمّى عام موته عام الحزن؛ إذ كيف يحزن عليه ويترحم عليه؟

وكيف يأكل فى داره ويشرب بشرابه؟ وحكم الإسلام صريح واضح في نجاسة الكافر.

فكيف يخالف ذلك الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ وكيف يكون هذا المجاهد العظيم في النار وابنه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قسيم الجنة والنار؟

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن أجداد مسلم الذين هم من أعمدة الفضل والشرف والكرامة، وقد ورث مسلم خصائصهم الذاتية، وما امتازوا به من الصفات الرفيعة.

4- الأب عقيل

اشارة:

أما أبو مسلم فهو عقيل بن أبي طالب، وأخو الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام، ونعرض بإيجاز لبعض شؤونه:


1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1: 35

2) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1: 35

حبّ أبي طالب له

كان أبو طالب يقدّم ولده عقيلاً على بقية أبنائه. فقد أخلص له في المودّة والحبّ، ولما أصابته ضائقة اقتصادية حادة طلب النبي له من أعمامه أن يأخذ كل واحد منهم أحد أبنائه لينفق عليه، ويخفّفوا بذلك ثقل معيشته، فقال لهم أبو طالب: خذوا من شئتم واتركوا لي عقيلاً، وذلك لعظيم مودته له.

الاعتزاز به

كان عقيل من ألمع الشخصيات الهاشمية التي يُعتز بها، وقد افتخر به جعدة بن هبيرة المخزومي، وهو ابن أخته أمّ هاني قال:

أَبِي مِنْ بَنِي مَخْرُومٍ إِن كُنْتَ سَائِلاً *** وَمِنْ هاشم أُمِّي وَخَيْرٍ قَبِيل

فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْأَى عَلَيَّ بِحَالِهِ ***كَخالي عَلِيَّ ذِي العُلا وَعَقِيل؟

لقد اعتز المخزومي بخاليه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعقيل، وهما من أعمدة الفضل والشرف في دنيا الإسلام.

واعتز به قدامة بن موسى الجمحي لأنه من أخواله قال:

وخالِي بُعَاةُ الْخَيْرِ تَعْلَمُ أَنَّهُ *** جديرٌ بِقَوْلِ الْحَقِّ لَا يَتَوَعُرُ

وَخَالِي عَلِيٌّ ذُو التَّقى وَابْنُ أُمِّهِ *** عَقِيلٌ وَخالِي ذُو الْجَناحَيْنِ جَعْفَرُ

فَنَحْنُ وَلاهُ الْخَيْرِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ *** إذا ما وَنَى عَنْهُ رِجالٌ وَقَصَّرُوا

لقد كان أخواله من دعائم الشرف والمجد، ومن أصول الفضائل، وجدير به أن يسمو ويفتخر بهم.

وألمح إليه حسّان بن ثابت في مرثيته لجعفر الطيار قال:

وما زالَ فِي الإِسْلَامِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ *** دعائم عز لا تُرامُ وَمَفْخَرُ

بهالِيلُ مِنْهُمْ جَعْفَرٌ وَابْنُ أُمِّهِ عَلِيٌّ وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ المُتَخَيرُ

وَحَمْزَةُ وَالْعَبّاسُ مِنْهُمْ وَمِنْهُم عَقِيل وداءُ الْعُوْدِ مِنْ حَيْثُ يُعْصَرُ

حُبُّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) له

كان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)يكن في أعماق نفسه خالص المحبة والود لعقيل، وقد آثره بالحبّ لمودّة عمّه أبي طالب له، فقد روى ابن عباس: أنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إِنَّكَ لَتُحِبُّ عَقِيلاً؟

فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إِني وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّهُ حُبَيْنِ حُبَا لَهُ، وَحُبّاً لِحُبِّ أَبِي طَالِبٍ لَهُ، وَإِنَّ وَلَدَهُ لَمَقْتُولٌ فِي مَحَبَّةِ وَلَدِكَ، تَدْمَعُ عَلَيْهِ عُيُونُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.

وتمثلت أمام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المحن الكبرى التي تحيط بمسلم قبل أن يولد، وما سيعانيه أبناؤه من بعده من ضروب البلاء، فبكى حتّى جرت دموعه على صدره، وقال بصوت حزين النبرات: اللهمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ مَا تَلْقَى عِتْرَنِي مِنْ بَعْدِي (1).

وخاطبه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قائلاً: إِنِّي أحِبُّكَ لِقَرابَتِكَ مِنِّي، وَلِحُبِّ أَبِي طَالِبٍ لَكَ (2):

لقد أخلص له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الحبّ، وقد أعطاه بخيبر مائة وأربعين وسقاً، وأجرى عليه ذلك في كلّ سنة (3).

وقال عقيل للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حينما أسِرَ يوم بدر: مَنْ قَتَلْتَ مِنْ أَشرافِهِم ؟

فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): قُتِلَ أَبُو جَهْلِ.


1) أمالي الصدوق: 191، الحديث3

2) سير أعلام النبلاء: 3 139. الطبقات الكبرى: 4: 44

3) سير أعلام النبلاء: 3: 138

«الآن صفا لك الوادي» (1).

روايته عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

روى عقيل عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الله كوكبة من الأحاديث كان منها أنه تزوج بامرأة فقيل له: بالرفاء والبنين.

فقال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إذا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ فَلْيُقَلْ لَهُ: بارَكَ اللهُ لَكَ وَبارَكَ عَلَيْكَ (2).

وله روايات أخرى توجد في الصحاح.

من روى عنه

روى عنه جماعة منهم الحسن البصري، وذكوان أبو صالح السمان، وابن ابنه عبدالله بن محمد بن عقيل، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أبي عامر الأصْبَحيُّ، وابنه محمّد بن عقيل، وموسى بن طلحة بن عبيد الله (3).

معرفته بالأنساب وأيام العرب

وكان عقيل من علماء الأنساب، وكانت له طنفسة تطرح له في مسجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ويصلي عليها ويجتمع إليه في علم النسب وأيام العرب، وقال ابن عباس: كان في قريش أربعة يُتحاكم إليهم ويُوقف عند قولهم - يعن-ي ف-ي ع-لم النسب - عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل الزهري، وأبو جهم بن حذيفة العدوي، وحويطب بن عبد العُزَّى العامري، وكان أكثرهم ذكراً لمثالب قريش، فعادوه لذلك


1) تاریخ دمشق: 43: 153

2) تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 20: 236

3) تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 20: 236

وقالوا فيه بالباطل، ونسبوه إلى الحمق، واختلقوا عليه أحاديث مزوّرة (1)

سرعة البديهة

كان عقيل سريع الجواب والبديهة، وقد روى المؤرّخون من ذلك أمثلة منها:

1- كان عقيل عند معاوية، فقال معاوية: لولا علمه - أي عقيل - بأنّي خيرٌ له من أخيه لما أقام عندنا وتركه.

فأجابه عقيل: إنه خيرٌ لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي، وقد آثرت دنياي، واسأل الله تعالى خاتمة الخير (2).

2- قال معاوية لعقيل: أين ترى عمَّكَ أبا لهب من النار؟

فقال له: إِذا دَخَلْتَها فَهُوَ عَلَى شِمَالِكَ مُفْتَرِضٌ عَمَّتَكَ حَمَالَةَ الْحَطَبِ، وَالرَاكِبُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْكوبِ (3).

3- تزوّج عقيل فاطمة بنت عتبة بن عبد شمس، وكان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد قتل أباها فقالت لعقيل: يا بني هاشم، أين شيبة؟ أين الوليد بن عتبة؟

فأجابها عقيل: إذا دَخَلتِ النّارَ فاطلبيهم يُسرةً »، فغضبت ونشزت عليه (4).

4- قال معاوية لعقيل: ما أبينَ الشبقَ في رجالكم يا بني هاشم؟

قال: لكنَّه فى نسائكُم يا بني أميةً أَبين! (5).

5- ومن ذكائه وسرعة جوابه أنه دخل على معاوية وكان عنده الضحاك بن


1) الاستیعاب: 3: 158

2) الاستیعاب: 3: 1079

3) تاریخ دمشق: 41: 23

4) أنساب الأشراف: 76

5) أنساب الأشراف: 72

قيس، فقال عقيل لمعاوية: مَن هذا الذي معك؟

قال: هذا الضحاك بن قيس.

فقال عقيل: الحمدُ لله الذي رفع الخسيسة، وتمّمَ النقيصة، هذا الذي كان أبوه

يخصي بهمنا (1)بالأبطح، لقد كان بخصائها رفيقاً.

فقال الضحاك: إنّي لعالم بمحاسن قريش، وإن عقيلاً لعالم بمساوئها

ثمّ قال عقيل: ومن هذا الشيخ؟

فقال معاوية: أبو موسى الأشعري.

قال ابن المراقة: كانت أمه طيبة المرق.

فقال له معاوية: أبا يزيد، على رسلك فقد علمنا مقصدك ومرادك! (2)

وذكر المترجمون له بوادر كثيرة من ذكائه، وسرعة بديهته دلّت على نبوغه وفضله.

مع الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)

كان عقيل يكن في أعماق نفسه عظيم الولاء والإخلاص لأخيه الإمام أمير المؤمنين وصي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وباب مدينة علمه، لم ينحرف عنه ولم يفارقه إلى آخر لحظة من حياته، ويؤيد ذلك ما يلي:

1- رسالة عقيل للإمام ا(عَلَيهِ السَّلَامُ)

كتب عقيل هذه الرسالة وهو في مكة معتمر، حين غار الضحاك بن قيس على الكوفة، وذلك في سنة 39 هـ، وهي أواخر أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)،


1) البهم: جمع بهيم، وهو ما لاشية فيه من الخيل

2) تاريخ مدينة دمشق: 41: 23

وهذا نصها بعد البسملة:

«لِعَبْدِ اللهِ أميرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

سَلامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الذي لا إله إلا هو.

أما بعد.. فَإِنَّ الله حارِسُك من كُلِّ سُوءٍ، وعاصِمُكَ مِنْ كُلِّ مَكْروه، وعلى كلِّ حال إنّي قد خرجتُ إلى مكة معتمراً فلقيت عبد الله بن أبي سرح (1)

ولمّا فتح الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مكة أمر بقتله في جماعة سمّاهم، ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، فانهزم إلى أخيه عثمان عميد الأسرة الأموية، فغيبه عثمان، ثم أتى به إلى النبي فاستأمنه، فصمت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) طويلاً ثم قال: نعم، فلما انصرف عثمان التفت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى أصحابه فقال: ما صَمَتُ إِلَّا لِيَقُومَ إِلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ.

فقال رجل من الأنصار: فهلا أَوْ مَاتَ إِليَّ يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟

فقال: إِنَّ النَّبِيَّ لا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُن.

وأسلم مرّة ثانية، ولما ولي عثمان جعله والياً على مصر، وقد نقم عليه المصريون لسوء سيرته، كما نقموا على عثمان ولايته له، وهي من الأسباب التي أدت إلى مشاركة المصريين في الإجهاز على عثمان، ولم يبايع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانضم إلى معاوية.

توفي بعسقلان سنة 59هـ، توجد ترجمته في الإصابة والاستيعاب وأسد الغابة وغيرها

في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء، فقلتُ لهم: وعرفتُ المنكر في وجوههم إلى أين يا أبناء الشائين؟ أبمعاوية تلحَقُون؟ العداوة والله لنا منكم قديمة ظاهرة غير مستنكرة تُريدون بها إطفاء نُورِ اللهِ وتبديل أمرِه.

1) عبدالله بن أبي سرح: أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، أسلم قبل الفتح، وهاجر إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فجعله من كتابه، فكان يحرف ما يمليه عليه الرسول الله، ثم ارتد مشركاً، وصار إلى مكة، فالتحق بالمشركين من قومه، وكان من أعدى الناس للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فاسْمَعني القومُ، وَأَسْمعتُهم، ثم قدمت مكة فسمعتُ أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموال أهلها ما شاء، ثم انكفأ راجعاً سالماً، فأفَّ لِحياةٍ في دهرٍ جَراً عليك الضحاك، وما الضحاك إلَّا فَقَع (1)بِقَرْقَرٍ (2)، وقد وطئت وقد توهمت - حيث بلغني ذلك - أن شيعتك وَأَنصارَكَ خذلوك.

فاكتب إليَّ يابن أُمّ برأيك، فإن كنت الموتَ تريد تحملت إليك بولد أخيك أبيكَ، فعشنا معك ما عشت، ومتنا معك إذا متَّ.

فوالله ما أحب أن أبقى بعدك فواقاً (3)، وأقسم بالأعز الأجل أن عيشاً أعيشه في هذه الدنيا بعدَكَ لغيرُ هَنِيءٍ ولا نجيعٍ (4).

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» (5).

وحكت هذه الرسالة مدى تعاطفه وولائه لأخيه، وأنّه يفديه بروحه وأولاده، ومن سخف القول إنّه كان منحرفاً عن أخيه وبعيداً عنه.

جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأجاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عقيلاً بهذه الرسالة التي صوّرت وضعه، وما مني به من المحن والخطوب، وما عاناه من ضروب البلاء من قريش، وهذا نصها بعد البسملة:

«مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، سَلَامُ اللهِ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ الله الذى لا إلهَ إِلَّا هُوَ ..


1) الفقع: الرخوة من الكمأة

2) القرقر: الأرض المطمئنة

3) الفواق: ما بين الحلبتين

4) نجع هنا -: أكل الطعام

5) مصادر نهج البلاغة وأسانيده - قسم الرسائل والعهود والوصايا: 167

أَمَا بَعْدُ: كَلَأَنَا (1)اللَّهُ وَإِيَّاكَ كَلَاءَةَ مَنْ يَخْشَاهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

قَدْ وَصَلَ إِليَّ كِتابُكَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدِ الْأَزْدِيِّ، تَذْكُرُ فِيهِ أَنَّكَ لَقِيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سُرَحٍ مُقْبِلاً مِنْ قَدَيدٍ فِي نَحْوِ مِنْ أَرْبَعِينَ فارِساً مِنْ أَبْنَاءِ الطَّلَقاءِ مُتَوَجْهِينَ إِلى جِهَةِ الْغَرْبِ، وَإِنَّ ابْنَ أَبِي سَرَح طالما كادَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَكِتابَهُ، وَصَدَّ عَنْ سَبِيلِهِ.

فَدَعِ ابْنَ أَبِي سَرَحٍ، وَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشَاً، وَخَلِّهِمْ وَتَرْكاضَهُمْ فِي الضَّلَالِ، وَتَجْوالَهُمْ فِي الشَّقاقِ، وَجَماحَهُمْ فِي التِّيهِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلى حَرْبِ أَخِيْكَ الْيَوْمَ إِجْمَاعَها عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَبْلَ الْيَوْمِ، فَأَصْبَحُوا قَدْ جَهِلُوا حَقَّهُ، وَجَحَدُوا فَضْلَهُ، وَكَادُوهُ بِالْعَداوَةِ، وَنَصَبُوا لَهُ الْحَرْبَ، وَجَهَدُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْجُهْدِ، وَجَرُّوا إِلَيْهِ جَيْشَ الْأَحْزَابِ، وَجَدُوا فِي إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوازِي، فَقَدْ قَطَعَتْ رَحِمِي، وَتَظَاهَرَتْ عَلَيَّ (2)، وَدَفَعَتْنِي عَنْ حَقًّي، وَسَلَبَتْنِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي، وَسَلَّمَتْ ذلِكَ إِلَى مَنْ لَيْسَ مِثْلِي فِي قَرَابَتِي مِنَ الرَّسُولِ، وَسَابِقَتِي فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعِ ما لَا أَعْرِفُهُ، وَلَا أَظُنُّ اللهَ يَعْرِفُهُ، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حالٍ.

أَما ما ذَكَرْتَ مِنْ غَارَةِ الضَّحَاكِ عَلَى الْحِيْرَةِ فَهُوَ أَقَلُّ مِنْ أَنْ يُلم (3)بها أَوْ يَدْنُو مِنْها، وَلكِنَّهُ كانَ قَدْ أَقْبَلَ فِي جَرِيدَةٍ (4)، فَأَخَذَ عَلَى السَّماوَةِ، ثُمَّ قَرِبُوا واقِصَةَ وَشَرافَ وَالْقُطْقُطَانَةَ، وَما والى ذلِكَ الصُّفْع، فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشَاً كَثِيفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهُ ذلِكَ شَمَّرَ هارباً، ونَكَص نادِماً، فَاتَّبَعُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ أَمْعَنَ فِي السَّيْرِ،


1) كلانا الله: أي حرسنا

2) تظاهرت: تعاونت

3) يلم: أي يقرب

4) الجريدة: الخيل

وَقَدْ طَفَلَتِ الشَّمْسُ لِلْإِيابِ، فَتَناوَشُوا الْقِتَالَ قَلِيلاً.. فَمَا كانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ، فَلَمْ يَصْبِرْ لَوَقْعِ الْمَشْرَفِيَّةِ، فَوَلّى هارباً، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، وَنَجا جَريضاً بَعْدَ ما أُخِذَ مِنْهُ بِالْمَخْتَقِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ الرَّمَقِ.

وَأَمّا مَا سَأَلْتَنِي أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ بِرَأْيِي فِيمَا أَنَا فِيهِ، فَإِنَّ رَأْيِي قِتَالُ الْمُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ، لَا تَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةٌ، وَلَا تَفَرَّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً؛ لِأَنِّي مُحِقِّ، وَاللَّهُ مَعَ الْمُحِقِّ، وَاللهِ ما أَكْرَهُ الْمَوْتَ عَلَى الْحَقِّ وَما الْخَيْرُ كُلُّهُ، إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ لِمَنْ كانَ مُحِقِّاً.

وَأَمَّا مَا عَرَضْتَهُ عَلَيَّ مِنْ مَسِيرِكَ إِليَّ بِبَنِيكَ وَبَنِي أَبِيكَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِذلِكَ، فَأَقِمْ راشداً مَحْمُوداً، فَوَ اللهِ ما أُحِبُّ أَنْ تَهْلِكُوا مَعِي إِنْ هَلَكْتُ وَلَا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيك - وَلَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ - مُتَضَرِّعاً مُتَخَشَّعاً، وَلَا مُقِرّاً لِلْضَيْمِ وَاهِناً، وَلَا سَلِسَ الزَّمامِ لِلْقائِدِ، وَلَا وَطِيَّ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ الْمُتَقَعَدِ، وَلَكِنَّهُ كَما قَالَ أَخُو بَنِي سُلَيم:

فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي *** صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمانِ صَلِيبُ

يَعُزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَابَةٌ *** فَيَشْمُتَ عادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ (1)

وحكت هذه الرسالة أموراً بالغة الأهمّية، وهي:

أوّلاً: إنّها كشفت عن حقد القرشيين وعدائهم السافر للإمام(عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن مظاهر بغضهم له:

1- إنّهم جهلوا حقه، ومكانته من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعظيم بلائه في الإسلام، وما يتمتّع به من المواهب والعبقريات.

2- وكان من عداء القرشيين وبغضهم للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّهم ناجزوه الحرب لإسقاط حكومته، فلم تمض أيام معدودة على تقلّده للخلافة حتى قامت قيامتهم، وكانت


1) الأغاني: 16: 290. الإمامة والسياسة: 1: 44

واقعة الجمل بقيادة عائشة وطلحة والزبير، وقد أزهقت الأنفس، وسادت الفتن بين المسلمين وشاع الحزن والحداد لكثرة من قتل من المسلمين، ولم يمض وقت يسير حتى اندلعت نار الحرب في الشام، فقد أعلن معاوية العصيان المسلّح على حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وناجزه الحرب حتى تلاشت حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ثانياً: عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للغارة التي شنها الضحاك بن قيس على الكوفة، وأنّها باءت بالفشل، فقد طاردته مفرزة من جيش الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فولى الأثيم منصرفاً يطارده الرعب والخوف.

ثالثاً: أعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رأيه الوثيق المشرق في الحروب التي شنتها عليه عنهم القوى الباغية، وأنّه على بينة من أمرها، فإنّها لا تلتقي بالحق، قد سيرتها الأطماع والأحقاد، وهو على يقين من عدالة قضيّته، لا يشوبها شك ولا وهم.

رابعاً: كشف الإمام(عَلَيهِ السَّلَامُ) عن سمو شخصيته، وصلابة إرادته، وأنه مع الحق، لا يهمه التفاف الناس حوله، ولا تفرّقهم عنه، فتزيده وحشة، وهكذا كان إمام الحق ورائد العدالة الاجتماعية في سلوكه، الأمر الذي أدّى إلى محاربة القوى النفعية له.

خامساً: أنه أبدى التعاطف مع أخيه وأفراد أسرته، فقد أمرهم بالبقاء في ديارهم حتى لا يهلكوا معه.

سادساً: أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألمح إلى بعض خصائصه، وهي:

1- إنّه لا يستسلم ولا يرضخ لأيّة قوة قاهرة، ولا يضرع ولا ينحني إلا الله تعالى.

2- إنّه لا يقرّ على الضيم، فهو من أباة الضيم كما ورث هذه الصفة ابنه أبو الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد عاش عزيز الجانب وهو القائل: لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعادَةً، وَالْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً.

3- إنّه لم يكن سلس القيادة لأيّ قوّة وإنّما هو سلس القيادة الله تعالى واهب الحياة.

هذه بعض محتويات رسالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

الحديدة المحماة

واحتاط الإمام أشدّ ما يكون الاحتياط في أموال الدولة، وحمّل نفسه من أمرها رهقاً، فلم يتخذ لنفسه ولا لأبنائه أو أرحامه أي شيء منها، وقد وفد عليه عقيل، وقد لزمته ديون، كان يرجو أن يوفيها عنه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعرض عليه عقيل ديونه قائلاً: أتقضي ديني؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كَمْ دَيْنُكَ؟

فأجابه عقيل: أربعون ألفاً.

ونظر إليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بريبة وقال له: ما هي عِنْدِي، وَلَكِنِ اصْبِرْ حَتَّى يَخْرُجَ عَطائِي، فَإِنَّهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَأَدْفَعُهُ إِلَيْكَ.

ولم يملك عقيل صوابه، وصاح: بيوت المال بيدك، وأنت تسوّفني بعطائك.

وثار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وراح يقول له: اكْسِرْ صُنْدُوقاً مِنْ هذِهِ الصَّنادِيقِ، وَخُذْ ما فِيهِ، فَإِنَّ فِيهِ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ.

وغضب عقيل وقال له: أتأمرني بذلك - أي بالسرقة -؟

فردّ عليه الإمام(عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: أَتَأْمُرُنِي أَنْ أَدْفَعَ إِلَيْكَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدِ ائتَمَنُونِي عَلَيْها؟

وأخذ عقيل يلحّ على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويجد في مطالبته فلم يسعه إلا أن أحمي له حديدة، وأمره بالدنو منها، فظنّ أنّها صرّة فيها، مال، فألقى بنفسه عليها، وكاد أن يحترق من شدة حرارتها، وقد أعطى بذلك درساً للعامة والخاصة على لزوم التحرّج غائلة في أموال المسلمين، وإنفاقها على مصالحهم وتطوير حياتهم، وإنقاذهم من الفقر والحرمان.

وفادته على معاوية

وضاقت بعقيل أموره الاقتصادية، وأحاطت به الديون، فلم يجد مجالاً سوى السفر إلى معاوية لسعة معيشته وتسديد ديونه، وقابل معاوية بسهام من منطقة الفياض، وهذه بعض الصور من ملاقاته له:

1- إن معاوية قال له: يا أبا يزيد، أخبرني عن عسكري وعسكر أخيك.

ولم يحفل به عقيل وصارحه بالواقع فقال له: لقد مررتُ بعسكر أخي فإذا ليله کلیل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ونهاره كنهار رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، إلا أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليس في القوم، ما رأيتُ فيهم إلا مصلياً، ولا سمعتُ إلا قارناً، ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممّن نَفَّر برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليلة العقبة ناقته (1).

وأنت ترى في هذه الصراحة قوّة شخصية عقيل، وعدم خضوعه لسلطان معاوية، ولم يحفل بعطائه.

2- قال معاوية لعقيل وقد اكتظ مجلسه بأهل الشام: إن عليّاً قطع قرابتك ولم يصلك.

فردّ عليه عقيل قائلاً: لقد أجزل أخي العطيّة، وأعظمها، ووصل القرابة وحفظها، وحسن ظنه بالله إذ ساء به مثلك، وحفظ أمانته، وأصلح رعيته إذ خنتم وأفسدتم، فأكفف لا أبا لك، فإنّه عما تقول بمعزل (2).

وأنت ترى في جواب عقيل صرامة الحق، وقوة الشخصية، وسلامة النفس والتفت عقيل إلى أهل الشام رافعاً عقيرته قائلاً: «يا أهل الشام، لقد وجدت أخي قد جعل دينه فوق دنياه، وخشي الله على نفسه، ولم تأخذه في الله لومة لائم،


1) الدرجات الرفيعة: 160

2) العقد الفريد: 2: 134

ووجدت معاوية قد جعل دينه دون دنياه، وركب الضلالة، واتّبع الهوى، فأعطاني ما لم يعرَقُ فيه جبينه، ولم تكدح فيه يمينه، رزقاً أجراه الله على يديه، وهـو المحاسب عليه دوني لا محموداً ولا مشكوراً».

وقد أشاد بهذا الخطاب بالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي احتاط في دينه أشد ما يكون الاحتياط، فلم يؤثر أي أحد، ولم ينحرف قيد شعرة عمّا قننه الإسلام في الشؤون الاقتصادية، فأموال المسلمين يجب أن تتفق على تطوير حياتهم، وإنقاذهم غائلة الفقر والحرمان، وليس لأبنائه وإخوانه وسائر من يتصل به أي حق زائد على غيرهم من المسلمين، ويعكس هذه الخطة سار معاوية فآثر بأموال المسلمين كل من ن أشاد بملكه، وأقام سلطانه، ولم يكن للاقتصاد الإسلامي أي ظلّ في من دور حکومته.

والتفت عقيل إلى معاوية فقال له: أما والله يا بن هند، ما تزال منك سوالف (1)يمرها منك قول وفعل، فكأني بك وقد أحاط بك الذي منه تحاذر.

وضاق معاوية ذرعاً من عقيل، فقد فضحه، وأبان مآثمه ومخازيه، فقال له بمرارة: ما الذي يعذرني من بني هاشم؟

ثم أنشأ قائلاً:

أزيدُهُمُ الْاِكْرامَ كَيْ يَشْعَبُوا العَصا *** فَيَأْبَوْا لَدَى الْإِكْرامِ أَنْ يَتَكَرَّمُوا

وإذا عَطَفَتْنِي رَأْفَتانِ عَلَيْهِمْ *** نأوا حَسَداً عَنِّي فكانوا هُمْ هُمْ

وَأَعْطَيْتُهُمْ صَفْوَ الْإِخاءِ كَأَنَّنِي *** معاوٍ عَطايايَ المُباحَةَ عَلْقَمُ

وَاغْضِي عَنِ الذُّنْبِ الذي لا يُقابلة *** مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا الْهَزْبَرِيُّ الْمُعَمَّمُ

فَحُبّاً وَتَصْباراً وَعَطفاً وَرِقَّةٌ *** وَأَكْظِمُ غَيْظَ الْقَلْبِ إذْ لَيْسَ يُكْظَمُ


1) السوالف: جمع سالفة

أما والله يابن أبي طالب لولا أن يقال: عجّل معاوية ونكل عن جوابك لتركتُ هامتك أخذاً على أيدي الرجال.

وحكى خطاب معاوية عن تأثره البالغ من عقيل، وأنّ ما قدّمه له من الأموال لم يجد معه شيئاً، فلم يخضع له، ولم يستجب لسياسته، وإنّما فضحه أمام أهل الشام، وأشاد بأخيه رائد العدالة الإسلامية والتفت إليه عقيل فقال له:

عَذِيرَكَ مِنْهُمْ مَنْ يَلُومُ عَلَيْهِم *** وَمَنْ هُوَ مِنْهُمْ فِي الْمَقَالَةِ أَظْلَمُ

لَعَمْرُكَ ما أَعْطَيْتَهُمْ مِنْكَ رَأْفَةٌ *** وَلكِنْ لأَسْبَابٍ وَحَوْلَكَ عَلْقَمُ

أبى لَهُمْ أَنْ يَنزِلَ الذُّلُّ عَنْوَةٌ *** إذا ما طغى الْجَبَّارُ كانُوا هُمْ هُمُ

فَدُوْنَكَ مَا أَسْدَيْتَ فَاشْدُدْ يَداً بِهِ *** وَخَيْرُكُمُ الْمَبْسُوطُ وَالشَّرَّ فَالزَمُوا

ثمّ رمى عقيل الأموال التي وهبها له معاوية، وقام من مجلسه، وهو يتميّز غضباً، فلم يحفل بما منحه من الأموال وردّها عليه، وأعرب أنّه ما أعطاه من الأموال رأفة به، ولكن لأسباب سياسية ليس لها أية صلة بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات.

وعلى أي حال، فقد ندم معاوية على ما فرط تجاه عقيل فكتب إليه يسترضيه بهذه الكلمات الناعمة:

«أما بعد يا بني عبد المطلّب، أنتم والله فرع قصي، ولُباب عبد مناف، وصفوةً هاشم، فإن أحلامكم الراسخة، وعقولكم لكاسية.. ولكم الصفح الجميل، والعفو الجزيل، مقرونين بشرف النبوّة، وعزّ الرسالة، وقد - والله - ساءني ما كان جرى ولن أعود لمثله إلى أن أغيب في الثرى».

وأنت ترى في هذه الرسالة من صنوف المكر والخداع الذي يتمتع به هذا الذئب الذي تربّى على مآثم الجاهليّة وطباعها. وأجابه عقيل بهذين البيتين:

صَدَقْتَ وَقُلْتَ غَيْرَ أَنِّي *** أرى ألا أراك ولا تراني

وَلَسْتُ أَقُولُ سُوْءاً فِي صَدِيقِي *** وَلكِنِّي أَصُدُّ إِذا جَفانِي

وكتب إليه معاوية يستعطفه، ويطلب منه الصفح والعفو (1)، وقد استبان لنا أنّ عقيلاً لم تكن له أية صلة ودّية مع معاوية، وإنما كانت نفسه مترعة بالبغض والكراهية له، وقد كتب عقيل له:

«یا معاوية، لئن كانت الدنيا أفرشتك مهادَها، وأظلّتك بسرادقاتها، ومدت عليك أطناب سلطانها، ذاك بالذي يزيدك منّي رغبة وتخشعاً لرهبته» (2).

وفي هذه الرسائل المتبادلة بينهما يستبين لنا زيف ما ذهب إليه بعض الكتاب من أن عقيلاً كان له هوى وود ومحبّة مع معاوية، فإنّ ذلك لا نصيب له من الصحة والواقع.

رواية مرفوضة

من الروايات - التي فيما نحسب أنّها من الموضوعات - ما رواه المدائني أنّ معاوية قال لعقيل: هل من حاجة فأقضيها لك.

نعم، جارية عُرضت عليّ، وأبى أصحابها أن يبيعوها إلا بأربعين ألفاً.

فأراد معاوية أن يمازحه فقال له: ما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفاً، وأنت أعمى؟ تجتزي بجارية قيمتها خمسون درهماً.

فأجابه عقيل: أرجو أن أطأها فتلد لي غلاماً إذا أغضبته يضرب عنقك!

فضحك معاوية، وقال له: مازحناك يا أبا يزيد، فأمر، فابتيعت له الجارية وهي أم الشهيد الخالد مسلم بن عقيل (3).


1) مسلم بن عقيل - المقرّم: 29، نقلاً عن ربيع الأبرار/الزمخشري: باب المعاتبات

2) المصدر المتقدّم نقلاً عن العقد الفريد: 1: 135

3) بحار الأنوار: 42: 116

وقد تكفّل أصحاب هذه الرواية أن يجعلوا معاوية حليماً ولعقيل شدّة اتصال به.وسنعرض إلى بقيّة هذه الرواية في البحوث الآتية.

عقب عقيل

اشارة:

أما أبناء عقيل فكانوا من طلائع الشرف ومن أفذاذ الأسرة الهاشمية في سلوكهم وإيمانهم وتفانيهم في التضحية من أجل الإسلام، ويكفيهم سموّاً وشرفاً أنّ معظمهم قد استشهد مع أبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ثار ليقيم في هذا الشرق العربي حكومة القرآن، ويقضي على الردّة الجاهلية الماثلة في الحكم الأموي..

ونعرض إلى السادة الأفاضل الذكور من أبنائه، وإلى السيدات الفاضلات من بناته:

أوّلاً: الذكور

اشارة:

أما السادة الأماثل من أبناء عقيل فكانوا من أمثلة الإيمان والشرف، وسموّ الذات، وهذه لمحة موجزة عنهم:

1- الشهيد مسلم

أمّا مسلم بن عقيل فهو البطل الخالد في دنيا الإسلام، ونعرض لسيرته وشؤون حياته في هذه الدراسة التي سنقدّمها في البحوث الآتية من هذا الكتاب.

2- جعفر الأكبر

أمّه الخوصاء الكلابية، تُكنّى أُمّ البنين، وهو من أفذاذ المجاهدين، كان مع ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في كربلاء، وقد انبرى بعزم وصلابة وشموخ إلى نصرته

والذبّ عنه، وقد برز إلى ميدان القتال وهو يرتجز:

أَنا الغُلامُ الأَبْطَحِيُّ الطَّالِبِي *** مِنْ مَعْشَرٍ في هاشم وَغالِبِ

وَنَحْنُ حَقاً سادَةُ الذُّوائب *** هذا حُسَيْنٌ أَطيبُ الأَطائبِ (1)

لقد عرّف نفسه للجيش الأموي بأنّه من صميم الأسرة الهاشمية التي هي من أعزّ الأسر وأشرفها، وأنّه يدافع بشرف وفخر عن سيّد الشهداء الذي هو فخر هذه الدنيا، وقاتل الفتى قتالاً عنيفاً فرماه الوغد الأثيم عروة بن عبدالله الخثعمي بسهم فقتله (2).

3- عبد الرحمن بن عقيل

أمّه أمّ ولد (3)، وهو من مفاخر الأسرة الهاشمية، وكان في غضارة العمر، وقد صحب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد انبرى بشجاعة نادرة إلى نصرته، وأخذ يصول ويجول في ميدان القتال وهو يرتجز:

أَبِي عَقِيلٌ فَاعْرِفُوا مَكَانِي *** مِنْ هَاشِمٍ وَهاشِمٌ إِخواني

شهولُ صِدْقٍ سادَةُ القُرآنِ *** هذا حُسَيْنُ شامِخُ البنيان (4)

لقد أدلى بنسبه الوضاح فهو نجل عقيل، وأنه من السادة الأماجد الهاشميين الذين هم من! الشرف والفضيلة في دنيا العرب والإسلام، وأنّه يدافع بصدقٍ ووفاء عن سيّده الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الذي هو شامخ البنيان بمثله وقيمه وسموّ


1) مناقب آل أبي طالب: 3 254

2) مقاتل الطالبيين: 93

3) مقاتل الطالبيين: 92

4) الفتوح: 5: 203

ذاته، وقاتل الفتى قتال الأبطال، فاشترك في قتله من أرجاس البشرية عثمان بن خالد بن أسيد الجهني، ويشير بن حوط القايضي (1).

4- محمد بن عقيل

أمّه أمّ ولد، وهو من الفقهاء العظام، يكنى بأبي عبد الله، تزوّج بابنة عمه الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ) زينب الصغرى، حظي بالشهادة مع ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

5- عليّ الأكبر

كان في شرخ الشباب، وقد صحب أبا الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانبرى بعزم وشموخ إلى نصرته والذب عنه، واستشهد بين يديه (3).

6- عبدالله الأكبر

أمّه أمّ ولد، صحب سيّد الأباة وأبا الأحرار من المدينة إلى مكة ثمّ إلى كربلاء، برز إلى ميدان الشرف بين يدي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فشدّ عليه الوغد عثمان بن خالد ورجل من همدان فقتلاه (4).

7- ابو سعيد

أمّه الخوصاء الكلابية، كان مفوهاً سريع الجواب يشبه أباه عقيلاً في هذه


1) مقاتل الطالبيين: 92

2) مقاتل الطالبيين: 94

3) الطبقات الكبرى: 5: 211. الأخبار الطوال: 256

4) مقاتل الطالبيين: 92

الظاهرة (1)، وكان من أفذاذ السادة لا يجاريه أحد في محاججاته التي أفحم بها خصومه، والتي منها أنّ الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)دخل على معاوية، وكان عنده ابن الزبير، فأراد معاوية أن يغري بينهما فقال للإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا محمد، أيهما أكبر سنّاً عليّ أم الزبير؟

فأجابه الإمام: ما أَقْرَبَ ما بَيْنَهُما عَلِيٌّ أَسَنُّ مِنَ الزُّبَيْرِ، رَحِمَ اللهُ عَلِيّاً.

فاندفع ابن الزبير قائلاً: رحم الله الزبير.

وكان في المجلس أبو سعيد بن عقيل، فالتفت إلى ابن الزبير قائلا له: ما يهيجك من أن يترحّم الرجل على أبيه.

وأنا أيضاً ترحمت على أبي.

وثار أبو سعيد فقال له بمنطقه الفياض قائلاً: أتظنه - أي الزبير - نداً له - أي للإمام - وكفؤاً.

قال: وما يقعد به عن ذلك كلاهما من قريش، وكلاهما دعا إلى نفسه ولم يتم له؟

وانبرى ثانياً فسدّد له سهماً نافذاً قائلاً: «يا عبد الله، إنّ عليّاً من قريش ومن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، حيث تعلم، ولما دعا إلى نفسه اتَّبِع فيه، وكان رأساً.

ولما دعا الزبير إلى أمر كان الرأس فيه امرأة - يعني عائشة -، ولما تراءت الفئتان نكص على عَقِبيه، وولّى مديراً قبل أن يظهر الحق فيأخذه، أو يدحض الباطل فيتركه، فأدركه رجلٌ لو قيسَ ببعض أعضائه لكان أصغر، فضرب عنقه وأخذ سلبه، ومضى عليّ قُدماً كعادته مع ابن عمه، رحم الله عليّاً».

وجرت مشادة كلامية بينهما، فأمر معاوية بإسكاتهما... (2)، وأنت ترى في هذه


1) المحبّر: 304

2) شرح نهج البلاغة/ابن أبي الحديد: 11: 19

المحاججة مدى قوة عارضة أبي سعيد، وإسكاته للخصم، وعدم قدرته على مجابهته.

8- عبدالله الأصغر

أمّه أمّ ولد، تزوّج السيّدة الفاضلة نفيسة بنت الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، نال

الشهادة مع سبط رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)(1).

9- عون

أمّه أمّ ولد، استشهد في كربلاء مع سيّد الشهداء الإمام الحسين(عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

10- محمّد

استشهد مع ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ، رماه لقيط بن ياسر بسهم فقتله (3)، وله ولد اسمه أحمد، برزيوم الطف وهو يرتجز:

اليَوْمَ أَتْلُو حَسَبِي وَدِيني *** بِصارِمٍ تَحْمِلُهُ يَمِيني

أَحْمِي بِهِ عَنْ سَيِّدِي وَدِينِي *** ابنِ علي الطاهر الأمين(4)

وانعطف عليه أعداء الله بسيوفهم فخر صريعاً إلى الأرض، ومضى إلى الله شهيداً في أقدس قضيّة في تاريخ الإسلام.

11- يزيد

أمّه كلابية، وكان عقيل يكنّى به (5).


1) سفير الحسين مسلم بن عقيل: 26

2) ناسخ التواريخ: 6: 282

3) ناسخ التواريخ: 6: 282

4) سفير الحسين مسلم بن عقیل: 29

5) ناسخ التواريخ: 6: 282

12- حمزة

أمه أم ولد (1).

13- عيسى

أمه أم ولد (2).

14- عثمان

اُمّه أمّ ولد (3).

هؤلاء معظم أبناء عقيل، وقد استشهد معظمهم مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد رثاهم بعض الشعراء بقوله:

عَيْنُ جُودِي بِعَبْرَةٍ وَعَوِيل *** وَانْدُبِي إِنْ نَدَبْتِ آلَ الرَّسُولِ

سَبْعَةٌ كُلُّهُمْ لِصُلْبِ عَلِيٌّ ***قَدْ أَبِيْدُوا وَيَسْعَةٌ لِعَقِيلٍ (4)

ورأى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تفانيهم في نصرته والذب عنه، فقال: اللهمَّ اقْتُلْ قَتَلَةَ آلِ عَقِيلٍ.

وكان الإمام زين العابدين يذكر بمزيد من التبجيل والتكريم آل عقيل، ويقول: «إِنِّي لَأَذْكُرُ يَوْمَهُمْ مَعَ أَبِي أَبِي عَبْدِ اللهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَأَرِقُ لَهُمْ.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن السادة المبجلين من أبناء عقيل.

ثانيا: الإناث

اشارةُ:

أمّا السيّدات الفاضلات من بنات عقيل فهنّ:


1) ناسخ التواريخ: 6: 282

2) ناسخ التواريخ: 6: 282

3) ناسخ التواريخ: 6: 282

4) المعارف: 88

1- زينب بنت عقيل

قال العبيدلي: هي أكبر بنات عقيل، وأوفرهنّ عقلاً، وأمها أم ولد، وكانت تندب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأشجى ندبة وتقول في رثائها له:

ماذا تَقُولُونَ إِنْ قالَ النَّبِيُّ لَكُمْ ماذا فَعَلْتُمْ وَأَنْتُمْ آخِرُ الأمم؟

بِعِتْرَتِي وَبِأَهْلِي بَعْدَ مُفْتَقَدِي مِنْهُمْ أسارَى وَمِنْهُمْ ضُرَّجُوا بِدَم؟

ما كان هذا جزائي إِذْ نَصَحْتُ لَكُمْ أَنْ تَخْلُفُونِي بِسُوءٍ فِي ذَوِي رَحِمِي (1)

2 - اُمّ عبد الله.

3- رملة.

4 - أمّ القاسم.

5-أم هاني.

6- فاطمة.

7- أمّ النعمان

(2). هؤلاء السيدات قد نكبن بعد سيّد الشهداء بالسادة الممجدين من إخوانهن، فكُنَّ يَرثينَهم بذوب أرواحهنّ، وقد خلدن إلى البكاء والحزن.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الأسرة الممجّدة لسيدنا مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بقي علینا شیء بالغ الأهمية وهو التعرّف على السيّدة أُمّ مسلم.


1) الكامل في التاريخ: 4: 36

2) سفير الحسين مسلم بن عقيل: 33

أمّا السيّدة أمّ مُسلم فكانت في طليعة النساء في عفتها وفضلها وطهارة ذيلها، فقد كان عقيل يختار أفضل النساء لتلد له الذرّيّة المباركة، وفعلاً فقد كانت ذرّيّته من خيرة أبناء المسلمين تفانياً في الحق، وسلوكاً مشرقاً، وجهاداً في سبيل الله،

اُمّ مسلم

أمّا السيّدة الزكية أمّ مسلم، فقد اختلف فيها النسابون، وهذه بعض أقوالهم:

1- إنّ أمّه من النبط ومن ساداتهم وأشرافهم، وهم من سكنة العراق قديماً، وكانت لهم الملوكية قبل الفرس، ولما غلبهم الفرس اختلطوا بهم، وللمسعودي كلام فيهم (1).

ویری العلامة السيد المقرم (رحمة الله) أنه ليس مبتعداً عن الواقع من يرتئي أن عقيلاً خطب لنفسه من بعض عشائر النبطيّين الذين يجمعهم وإيّاه الوقوف بتلك المشاعر المعظمة التي حث الله تعالى العباد إليها ذللاً، أو الواردين للتجارة في مكة أو الزائرين مرقد الرسول الأمين، الذي استضاء العالم بنوره المتألق (2).

2- إنّ السيّدة أمّ مسلم جارية اشتراها عقيل من الشام، وإنّ اسمها عليّة. وهنا رواية تدعم ذلك ناقشنا في صحتها في البحوث السابقة، ولم نعثر على معلومات عن هذه السيدة الكريمة، التي أنجبت فذاً من أفذاذ الإسلام وعلماً من أعلام العقيدة والفكر.


1) التنبيه والأشراف: 34

2) الشهيد مسلم: 44

وِلَادَةُ مُسلِمٍ(عَلَيهِ السَّلَامُ) وَنَشاَتُهُ

اشارة:

استقبلت الأسرة النبوية بمزيد من الابتهاج والسرور ولادة مسلم بن عقيل الذي أشاع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) شهادته من أجل ريحانته وسبطه الإمام الحسين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونعرض - بإيجاز - إلى ولادته ونشأته، وغير ذلك مما يرتبط بالموضوع:

زمان ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أهمل المؤرخون سنة ولادة مسلم، فلم تعرف على سبيل التحقيق، ويعود السبب في ذلك إلى الاختلاف في سنه حينما فاز بالشهادة، وهذه بعض الأقوال:

1- عمره 28 سنة.

2- عمره 34 سنة.

3- عمره 38 سنة (1).

واستبعد العلّامة المظفّر القول الأول؛ لأنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد قلده قيادة فيلق حربي في صفّين، والإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوفده سفيراً إلى أهل الكوفة، وهو في شرخ الشباب، فكيف يرشّح لهذه المهمة وهو بهذا السنّ؟

والذي نراه لا مانع من ذلك فقد رشح النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أسامة بن زيد وهو ابن الثمانية


1) سفير الحسين مسلم بن عقیل: 12

عشر من عمره وقدّمه على شيوخ أصحابه كأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح وغيرهم.

مكان ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولد مسلم في المدينة المنوّرة في دار أبيه عقيل، وهي التي صارت مقبرة لآل أبي طالب، وتقع في أوّل البقيع (1).

مراسيم الولادة

وأجريت على مسلم مراسيم الولادة الشرعية، فأذن أبوه في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، فكان أوّل صوت قرعه: «اللهُ أَكْبَرُ»، «لا إلهَ إِلَّا الله».

وارتسم هذا الصوت في أعماق قلبه ودخائل نفسه، وصار أنشودة له في حياته حتى استشهد من أجله.

وفي اليوم السابع عق عنه أبوه بكبش عملاً بالسنة الإسلامية التي قننها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حينما ولد ولده الزكي الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكذلك صنع مثل ذلك حينما ولد ولده أبو الأحرار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

تربيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وقامت أمه الزكية بتربييته، فغدته بالعفّة والطهارة، وكذلك قام أبوه عقيل الذي أترعت نفسه بالفضائل بتغذية ولده، فغذاه بآداب الإسلام، وحكم القرآن، فكان مسلم بحكم تربيته فذاً من أفذاذ المسلمين في دينه وتقواه، وشدّة تحرّجه في قضايا الدين حتى فاق أقرانه وتميز عليهم.


1) سفير الحسين مسلم بن عقيل: 12

نشأته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

نشأ مسلم في مراكز العلم والتقوى، وترعرع في بيوت الوحي والتنزيل، فغذاه عمّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) باب مدينة علم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمواهبه وعبقرياته، وقد لازم السبطين ريحانتي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وسيدي شباب أهل الجنة الإمامين الحسن والحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ)، فتأثر بسلوكهما، وانطبعت مثلهما في أعماق نفسه ودخائل ذاته، وقد اتصل اتصالاً وثيقاً بأبي الأحرار الإمام الحسين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان المقدم عنده على سائر أبناء الأسرة الهاشمية؛ فلذا رشّحه للنيابة عنه ليقوم بأخطر عملية ثورية على الحكم الأموي.

عناصره (عَلَيهِ السَّلَامُ) النفسية

اشارة:

كان مسلم يتمتّع بالنزعات الشريفة والصفات الفاضلة، والتي منها:

1- الإيمان بالله تعالى

أمّا الإيمان بالله تعالى وبالقيم الإسلامية الخالدة، فهو من ذاتيات الشهيد، مسلم، وكان من عظيم إيمانه أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قلده منصب النيابة عنه ليقوم بتبليغ رسالته، ويصلّي في الناس ويأخذ الحقوق المالية منهم.

ومن المؤكد أنّ من يتولّى ذلك لا بد أن يكون له رصيد وثيق من الإيمان والتقوى والحريجة في الدين.

2- الشجاعة

من أبرز صفات الأسرة الهاشمية الشجاعة وقوّة البأس، فكان سيّد الكائنات الرسول محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أشجع إنسان ضمّته ساحة الموجودات، وتحدّث الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن عظيم شجاعته بما مضمونه أنه كلما اشتدت الأزمات في ساحة

الحروب التي شنتها عليه جبابرة قريش، كان المجاهدون من المسلمين بما فيهم الإمام يلوذون به، وكان قوّة ضاربة لأعدائه يبعث في نفوس أصحابه العزم والنشاط وقوّة البأس.

أما الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو بطل الإسلام في شجاعته التي استوعبت - بفخر واعتزاز - جميع لغات الأرض، فهو الذي حصد ببتّاره رؤوس الطغاة من الجبابرة الذين أرادوا إطفاء نور الله وإحياء معالم الجاهلية الحافلة بمآثم الحياة، ولولا جهاده وجهوده وقوّة بأسه لما قام الإسلام على سوقه عبل الذراع، وقد ضارعه في هذه الظاهرة الفذة ولده أبو الأحرار وسيّد شباب أهل الجنة، فقد أعاد إلى الأذهان بموقفه يوم الطف شجاعة أبيه، وكان مضرب المثل.

يقول السيّد حيدر:

فَما أَجْلَتِ الْحَرْبُ عَنْ مِثْلِهِ *** صَرِيعاً يُجِبْنُ شُجعانَها

ووصف السيد حيدر شجاعة أبي الأحرار النادرة بهذه الأبيات الرائعة:

طمَعَتْ أَن تَسُوْمَهُ الْقَوْمُ ضَيْماً *** وَأَبَى اللهُ وَالْحُسامُ الصَّنِيع

كَيْفَ يَلْوِي عَلى الدَّنِيَّةِ جِيْداً *** لِسِوَى اللهِ مَا لَوَاهُ الخُضُوعُ

وَلَدَيْهِ جَأْسٌ أَرَدُّ مِنَ الدِّرْ *** عِ لِمَمْضِي القَنا وَهُنَّ شُرُوْعُ

وَبِهِ يَرْجِعُ الْحِفاظُ لِصَدْرِ ضَاقَتِ *** الْأَرْضُ وَهْيَ فِيْهِ تَضِيْعُ

وَأَبِى أَنْ يَعِيْشَ إِلَّا عَزِيزاً *** أَوْ تَجَلَى الْكِفَاحُ وَهُوَ صَرِيْعُ

وَتَلَقَّى الْجُمُوعَ فَرْداً وَلكِنْ *** كُلُّ عُضْوِ فِي الرَّوْعِ مِنْهُ جُمُوعُ

أرأيتم هذا الوصف الجميل لشجاعة أبي الأحرار وأبائه الذي لا حدود له؟ وكانت هذه الشجاعة سائدة عند الهاشميين، وقد وصف السيد حيدر شجاعة أبناء

عمومته السادة الأماجد بقوله:

قَوْمِي الألى عُقِدَتْ قِدْماً مَازِرُهُمْ *** عَلَى الْحَمِيَّة ما ضِيمُوا ولا اهْتَضَمُوا

عَهْدِي بِهِمْ قِصَرُ الأَعمارِ شَأْنهُمْ *** لا يَهْرَمُونَ وَلِلْهَيَابَةِ الهَرَمُ

ويفتخر ويعتز بهم فيقول:

وَحَى مِنْهُمْ حُماةً لَيْسَ بِابْنِهم *** مَنْ لَا يَرِفُ عَلَيْهِ فِي الْوَغَى الْعَلَمُ

الْمُشْبِعِيْنَ قِرَى طَيْرَ السَّما وَلَهُمْ *** بِمَنْعَةِ الْجارِ فِيْهِمْ يَشْهَدُ الْحَرَمُ

وَالهاشِمِيْنَ وَكُلُّ النَّاسِ قَدْ عَلِمُوا *** بِأَنَّ لِلضَّيْفِ أَوْ لِلسَّيْفِ ما هَشَمُوا

كُماة حَرْبٍ تَرَى فِي كُلِّ بَادِيَةٍ قتلى *** بِأَسْيَافِهِمْ لَمْ تَحْوِها الرُّجَمُ

كَأَنَّ كُلُّ فنا دارٍ لَهُمْ وَبِها *** عِيالُها الْوَحْشُ أَوْ أَضْيافُها الرَّجمُ

وبرزت الشجاعة بأسمى صورها وأروع معانيها عند بطل الهاشميين مسلم بن عقيل، فقد أحاطت به الوحوش الكاسرة من جيوش الأمويين، وهو وحده في أزقّة الكوفة، التي ليست فيها ساحة لعمليات الحرب فاستقبلهم بجأش وقوة بأس فلم يحفل بجموعهم، وأبدى من البسالة ما يفوق كلّ وصف، فقد فرّوا من بين يديه يطاردهم الرعب والفزع ويُهر قائد العملية الحربية ابن الأشعث من بسالته، فاستنجد بسیده ابن مرجانة يطلب منه أن يمده بالرجال فأنكر ابن مرجانة ذلك وقال له:

بعثتك إلى رجل واحد فعل بجيشك هذا العمل فكيف لو بعثتك إلى غيره؟ - يعني الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)..

فأجابه الوغد: هل بعثتني إلى بقّال من بقاقيل الكوفة؟ أو إلى جرمقاني من جرامقة الحيرة؟ وإنّما وجهتني إلى سيف من أسياف محمد بن عبدالله، فأمده بخمسمائة فارس. لقد كان مسلم من أبرز فتيان بني هاشم في شجاعته وبسالته،

فكانت شجاعته تُضرب بها الأمثال، ويعتز بها العلويون على امتداد التأريخ، فلم يعهد الناس أنّ شخصاً واحداً قام وحده بمقاومة جيش مكثف فأنزل به أفدح الخسائر، وهو ثابت الجنان لم يداخله رعب ولا خوف.

3- الإباء

من العناصر النفسية التي تحلّى بها الشهيد البطل مسلم أنه كان في الرعيل الأول من أباة الضيم، فقد آثر العزة والكرامة، وأبى الخضوع إلى الذل والعبودية، وكان من مظاهر إبائه أنّه لمّا جيء به أسيراً إلى الطاغية الارهابي ابن مرجانة فلم يحفل به، ولم يسلّم عليه، وكلّمه بعزّة وشموخ، فلم يظهر عليه أي أثر من آثار الضعف والذل. وكان عزيز الجانب، مرفوع الرأس، قد كلّم خصمه بمنتهى الشجاعة والصلابة وعزّة النفس.

وسنعرض إلى حديثه مع الوغد الفاجر ابن مرجانة في فصول هذا الكتاب

4- قوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) النادرة

كان من صفاته النادرة التي تذهل الأفكار، قوّته البدنية، فقد روى المؤرّخون أنّه لما هجم عليه الأنذال من جيش ابن زياد كان يأخذ الرجل من تلابيب ثوبه ويرمي به إلى أعلى القصر! ولم يعهد مثل هذه القوّة الهائلة لأيّ أحد من فرسان العرب.

5- الصبر

وتسلّح مسلم بالصبر، فلم يحفل بما ألم به من مكاره الدنيا وخطوب الأيام، فقد أحاطت به أقسى المحن فلم يجزع منها، وقابلها بمنتهى الرضا وطمأنينة النفس.

وكان من مظاهر صبره أنّه بعد ما كان أميراً في الكوفة قد أحيط بهالة من التكريم والتعظيم، وبصورة مفاجئة قد انقلب عليه الكوفيون، وغدروا به، وعمدوا إلى

حربه، فلم يظهر عليه أمام تلك المحنة القاسية أي جزع، وراح يحمد الله تعالى ويمجده ويسبّحه، ويقي على هذه الحالة حتى نفّذوا فيه الإعدام. وبهذا العرض الموجز ينتهي بنا الحديث عن بعض مثله ومكوناته النفسية

زوجاته واولاده (عَلَيهِ السَّلَامُ)

اشارة:

تزوّج مسلم كوكبة من السيدات الفاضلات، وهنّ خيرة نساء المسلمين عفة وفضلاً وكمالاً، وهذه أسماؤهن:

1- رقية

وهذه السيّدة الفاضلة بنت الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ولدت له عبد الله وعليّاً (1)، واستشهد عبد الله مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

2- أم كلثوم

بنت الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولدت له بنتاً أسماها حميدة (2)

وإلى حميدة يشير بعض الشعراء في رثائه للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله:

مَسَحُ الحُسَينُ بِرَأْسِهَا فَاسْتَشْعَرَتْ *** بِاليُثْمِ وَهيَ عَلامَةٌ تَكْفيها

لَمْ يُبْكِها عَدَمُ الوُثوقِ بِعَمها *** كَلًا وَلَا الوَجْدُ المُبَرِّحُ فيها

لكنَّها تَبْكِي مَخافَةَ أَنَّها *** تُمْسى يَتِيمَةَ عَمِّها وَأَبيها

، ولا بد أن يكون

1) المعارف: 88

2) حميدة من سيّدات النساء، تزوّج بها ابن عمها وابن خالتها عبد الله بن محمد بن عقيل، وأمه زينب الصغرى بنت الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان شيخاً جليلاً فقيهاً، وأعقبت حميدة ولداً اسمه محمد، فأعقب خمسة رجال: القاسم وعقيل وعلي والطاهر وإبراهيم، جاء ذلك في عمدة الطالب: 17.

زواجها منه، إما بعد موت زوجته الأولى أو مفارقته لها بالطلاق لأنّ الجمع بين الأختين غير جائز.

3- أمّ ولد

أعقبت له محمّداً (1)، وقد استشهد مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما استشهد معظم أبنائه في صعيد كربلا مع ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) .

هذا عرض موجز للحرائر الزاكيات من زوجاته وبعض أبنائه.

قصة الشهيدين من أبناء مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

من الكوارث والخطوب المروعة التي أحاطت بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بعد كارثة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان قصة الطفلين الزكيّين إبراهيم وعبد الرحمن (2)، فإنّ ما جرى عليهما من المآسي ما تذوب النفس من أهواله أسى وحسرات، ففي ذمة الله ما عاناه أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) من النكبات التي تعصف بالصبر.

وعلى أي حال، فإنّا نعرض لبعض ما يتصل بشؤون هذين الطفلين الزكيّين، وإلى ما عانياه من التنكيل والقتل على يد مجرم أثيم ممسوخ، وفيما يلي ذلك:

أولاً: لا شبهة في قصة الطفلين، فقد دوّنها القدامى من الرواة والمؤرّخين.

ثانياً: تضاربت الأقوال في أبيهما، فقيل: إنّهما من ولد عبد الله بن جعفر الطيار، كما هو رأي المؤرّخ الطبري (3).

وقيل: إنّهما من وُلد مسلم بن عقيل، وهو الأقوى والأشهر عند المحقق العلّامة


1) مقاتل الطالبيين: 37

2) وقيل اسمه محمد، وقيل: جعفر

3) سفير الحسين مسلم بن عقيل: 19. رياض الأحزان: 3

الشيخ عبد الواحد المظفّر (1).

ثالثاً: إنّ القبتين المشيّدتين لهما في المسيب باسمهما لعلهما موضع شهادتهما أو سجنهما، فإنّ جثتيهما قد ألقيتا في الفرات.

رابعاً: إنا نذكر نص ما ذكره الشيخ الصدوق وهو من أعلام الفكر الشيعي، قال ما نصه، مع تصرّف واختصار في بعض ما قاله:

«أسر طفلان من عسكر الحسين فجيء بهما إلى ابن زياد، فدفعهما إلى رجل وأوصاه بالتضييق عليهما حتى في الطعام والشراب، فمكثا في السجن سنة، فقال أحدهما للآخر: لقد طال الحبس بنا، ويوشك أن تفنى أعمارنا، فإذا جاء الشيخ فأعلمه بمكاننا من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعله يوسع علينا.

ولما جاء الرجل سألاه: هل تعرف محمد بن عبد الله؟

قال: هو نبيّي.

ثمّ سألاه عن جعفر الطيّار.

قال: إنّه ذو الجناحين يطير بهما مع الملائكة، فسألاه عن عليّ بن أبي طالب؟

قال: ابن عم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فقالا له: نحن من عترة رسول الله نبيك، ومن أولاد مسلم بن عقيل، وقد ضيّقت علينا حتّى في الطعام والشراب.

فانكبّ الرجل يقبلهما ويعتذر من التقصير معهما، ثمّ قال لهما: إذا جنّ الليل افتح لكما باب السجن، وخذا أي طريق شئتما.

ولما أن جاء الليل أخرجهما، وقال: سيرا في الليل واكمنا في النهار حتى يجعل الله لكما من أمركما فرجاً.


1) سفير الحسين: 19

فهرب الغلامان ولما أن جنّ عليهما الليل فانتهيا إلى عجوز كانت واقفة على باب دارها، فوقفا عليها وعرفاها أنّهما غريبان من عترة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يهتديان إلى الطريق واستضافاها سواد هذه الليلة فأدخلتهما الدار، وقدمت لهما الطعام والشراب فأكلا وناما، وأقبل ختن العجوز وهو مجهد قد أعياه طلب الغلامين لأنهما هربا من السجن، وقد جعل ابن زياد لمن أتاه برأسيهما ألفي درهم، وحذرته العجوز من عذاب الله فارتاب منها، وأخذ يفحص البيت فوجد الطفلين نائمين، فأيقظهما وقال لهما: من أنتما؟

فقالا له: إن صدقناك فلنا الأمان؟

قال: نعم، فأخبراه بحالهما.

ولما اندلع نور الصبح أمر الفاجر غلاماً له أسود بأخذهما إلى شاطئ الفرات وذبحهما والإتيان برأسيهما.

وأخذهما الغلام فقالا له: يا أسود، ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أتقتلنا ونحن من عترة نبيّك، وعرفاه بأمرهما فرق لهما الغلام واعتذر منهما ورمى السيف وألقى نفسه بالفرات وعبر إلى الجانب الآخر.

ودعا المجرم ولده وأمره بضرب عنقي الغلامين فانبرى إليهما فقالا له: أما تخاف على شبابك من نار جهنّم ونحن عترة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ، فرق الشاب لهما وفعل مثل فعل العبد.

وسارع الأثيم نحوهما فقال له الغلامان: إن كنت تريد المال فانطلق بنا إلى السوق فبعنا، ولا يكن رسول الله خصمك يوم القيامة، فلم يرعو عن غيّه.

ثم قالا له: انطلق بنا إلى ابن زياد ليرى فينا رأيه، فلم يرق قلبه، فطلبا منه أن يصلّيا، فاستجاب لهما، فصليا، وبعد الفراغ من الصلاة رفعا أيديهما بالدعاء إلى الله قائلين: يا حيُّ، يا حليمُ، احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بِالْحَقِّ

وقدّم الأكبر وذبحه، فتمرّغ الأصغر بدمه وهو يقول: هكذا ألقى الله ورسوله وأنا مخضب بدم أخي، ثمّ ضرب عنقه ورمى ببدنهما في الفرات وأقبل بالرأسين إلى ابن زياد، وقص عليه ما شاهده منهما، فغضب ابن زياد منه وأمر أن يُذبح في الموضع الذي قتل فيه الغلامان، فذبح ونُصب رأسه على قناة والصبيان يرمونه بالحجارة. وهكذا انتقم الله من هذا الباغي الأثيم (1).

ونحن لا نستبعد هذه القصة، فكم من أمثال هذا المجرم في ذلك المجتمع! وهو لا يقل جرأة عن حرملة بن كاهل الذي ذبح طفل الإمام الحسين وهو على صدر أبيه تقرباً لسيده ابن مرجانة.


1) أمالي الصدوق: 143 - 149

مَعَ الأَحَداثِ

اشارة:

وحفل عصر سيدنا مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكثير من الأحداث الجسام التي مني بها المسلمون بعد وفاة النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والتي أحدثت زلزالاً مدمّراً للحياة العقائدية التي جاء بهـا الإسلام، فقد طويت الكثير من معالمها، والتي منها إقصاء العترة الطاهرة عن مسرح الحياة السياسية ومعاملتها معاملة عادية، الأمر الذي نجم عنه حجب الجماهير عن معرفة أهل بيت النبوّة ومركز العلم والفكر في دنيا الإسلام، وعدم معرفتهم بالواقع المشرق لهم، وجهلهم بما لهم من الأهمية البالغة عند الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، الذي قرنهم بمحكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وجعلهم سفن النجاة، وأمن العباد، وجعل سيد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين الا باب مدينة علمه وأنّه منه بمنزلة هارون من موسى.

وعلى أي حال، فإنا لا نعرض إلى الأزمات والمصاعب التي عاناها أهل البيت في عهد الخلفاء، الذين سبقوا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنا قد استوعبنا البحث عن ذلك في موسوعة الأئمة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وإنما نذكر ما عاناه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيّام حكومته من الكوارث والخطوب من الأمويين والرأسمالية القرشية التي حاربت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وجهدت لإطفاء نوره، وفيما يلي ذلك:

حكومة الأمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

تسلّم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قيادة الدولة الإسلامية بعد الاطاحة بحكومة عثمان بن عفان، عميد الأسرة الأموية، فقد أحاطت بالإمام القوات العسكرية التي أجهزت على عثمان ومعها جماهير الشعب، وفي طليعتهم الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، وهم يهتفون بحياته، مبدين رغباتهم الملحة ليتولى إدارة شؤون الأمة، وقد وصف الإمام اجتماعهم عليه بقوله:

فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ، يَنْتَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى لَقَدْ وطِئَ الحَسَنَانِ، وَشُقٌ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الغَنَم.

وضاق الإمام ذرعاً بالجماهير التي احتفت حوله، وأعلن رفضه الكامل لبيعتهم قائلاً: «لَا حاجَةَ لِي فِي أَمْرِكُمْ، فَمَنِ اخْتَرْتُمْ رَضِيتُ بِهِ..».

إنّ الإمام لم تكن له أية مصلحة في الخلافة فإنّه لا ينشد أي مكسب مادي أو معنوي له أو لأسرته، ولكنّ الجماهير رفضت بإصرار قوله، قائلين له: ما نختار غيرك.

وتدافعت القوات المسلّحة التي أجهزت على عثمان صوب المدنيين وهدّدوهم بقوّة السلاح إن لم ينتخبوا إماماً للمسلمين قائلين لهم: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وحكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلاً تنصبونه، ونحن لكم تبع، وقد أجلناكم يومكم، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلنّ عليّاً وطلحة والزبير، وتذهب من أضحية ذلك أُمّة من الناس.

وفزع المدنيون، وخيّم عليهم الرعب، فهُرِعوا بلهفة نحو الإمام وهم يهتفون: البيعة.. البيعة.

أما ترى ما نزل بالإسلام؟

فأجابهم مصرّاً على رفضه الكامل قائلاً: دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي.

ثمّ أحاطهم الإمام علماً بمجريات الأحداث التي سيواجهها إن قبل خلافتهم قائلاً: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَلَهُ أَلْوَانٌ، لَا تَقُومُ بِهِ الْقُلُوبُ، وَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْعُقُولُ (1).

لقد كان على علم لا يخامره شك بالأحداث الجسام التي سيعانيها من القبائل القرشية إن قبل الخلافة، ولم تذعن الجماهير لقوله، وأصرّت عليه قائلة: أمير المؤمنين، أمير المؤمنين (2).

وتدافعت الجماهير صوب الإمام، وهي تنادي البيعة لك، أنت خليفة هذه الأمّة، وصارحهم الإمام بالواقع قائلاً:

إِنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أَصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتَبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ؛ وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً!

لقد أعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن سياسته التي يسير عليها، ويطبقها على مسرح الحياة؛ فإنه يتبنّى العدل الخالص والحق المحض، لا يحابي ولا يصانع أي إنسان، وأذعنت الجماهير لما أراده، وانثالوا عليه قائلين: ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك.

وأجلهم الإمام إلى صباح اليوم الثاني لينظر في الأمر، وافترقوا على ذلك وأخذ الإمام يطيل النظر في الأمر، فقد خاف على الإسلام إن رفض خلافتهم ولم يستجب لهم.


1) شرح نهج البلاغة/محمد عبده: 1: 182

2) أنساب الأشراف: 5: 7

البيعة

وازدحمت الجماهير في بهو الجامع النبوي تنتظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعله قد أجابهم لما يريدون، واعتلى الإمام أعواد المنبر فخطب خطاباً بليغاً، ألقى فيه الأضواء على سیاسته قائلاً:

أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ هذا أَمْرُكُمْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إِلَّا مَنْ أَمَّرْتُمْ، وَقَدِ افْتَرَقْنَا بِالْأَمْسِ وَكُنْتُ كَارِها لأَمْرِكُمْ، فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أَكُونَ عَلَيْكُمْ، أَلَا وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ أَخُذَ دِرْهَماً دُونَكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَعَدْتُ لَكُمْ، وَإِلَّا فَلا أخُذُ عَلى أَحَدٍ.

وقد حكى خطابه عن سياسته المالية، فهو يحتاط أشدّ ما يكون الاحتياط بأموال الدولة، فلا يستأثر بأي شيء منها، ولا ينفق درهماً على مصالحه، مشيراً بذلك إلى من تمرغوا بأموال المسلمين وأخذوها بغير حق وأنه سوف لا يمنحهم أي شيء منها.

وتعالت الهتافات من جميع جنبات المسجد وهي تعلن إصرارها على انتخابه قائلین بلسان واحد: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس.

وتدافعت الجماهير كالموج المتلاطم صوب الإمام لتبايعه، وتقدّم طلحة بيده الشلاء فبايع، ولكنّه سرعان ما نكث عهد الله، وتطير منه الإمام، وطفق يقول: ما أَخْلَقَهُ أَنْ يَنْكُث.

وتوالت الجماهير لبيعة الإمام، وهي إنّما تبايع الله ورسوله، وتبايع الحق والعدل... وسارعت القوات المسلّحة من المصريين والعراقيين فبايعته كما بايعته عرب الأمصار، وأهل بدر والمهاجرون والأنصار (1).

عرب ولم يظفر أحد من الخلفاء بمثل هذه البيعة في شمولها واتساعها، فلم تكن بيعته


1) العقد الفريد: 3: 93

«فلتة »! ولا شورى لا تمثل قطعات الشعب.

ابتهاج المسلمين

وعمّت الأفراح والمسرات جميع المسلمين، فقد رجع الحق إلى نصابه، وقد وصف الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مدى الفرحة الكبرى للمسلمين ببيعته قائلاً:

وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَجَ (1)إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ» (2).

وقد أعلن أعلام الصحابة دعمهم الكامل لبيعة الإمام، وتأييدهم الشامل له.

وجوم القرشيّين

وفزع القرشيّون، وأصابهم الذهول من بيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد خافوا على ثرائهم العريض الذي اكتسبوه في أيام حكومة عثمان بن عفان، فقد كتب ابن العاص إلى معاوية رسالة جاء فيها: «ما كنتَ صانعاً فاصنع، إذا قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشّر عن العصا لحاها» (3).

كما أيقنت قريش أنّه سيعاملهم معاملة عادية، ويلغي امتيازاتهم الخاصة، وقد وصف ابن أبي الحديد فزعهم وذهولهم من بيعة الإمام بقوله:

كأنّها حالة لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه من إظهار ما في النفوس، وهيجان ما في القلوب، حتّى الأحلاف من قريش، والأحداث، والفتيان، الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم، فعلوا ما لو كانت أسلافهم أحياء


1) هدج: الشيخ الكبير الذي يمشي في ارتعاش

2) نهج البلاغة: 2: 222. بحار الأنوار: 32: 51

3) الغدير: 8: 288

لقصرت عن فعله» (1).

لهذا نهش الحسد قلوب القرشيين، ونخر عظامهم من بيعة الإمام، فأعلنوا العصيان المسلّح والتمرد على حكومته.

التياع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم

وامتحن الإمام امتحاناً عسيراً من القرشيين، فقد عانى منهم أقسى ألوان الكوارث والخطوب، فقد نصبوا له العداء في جميع أدوار حياته. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ):

لَقَدْ أَخافَتْنِي قُرَيْسٍ صَغِيراً، وَأَنْصَبَتْنِي كَبِيراً، حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ، فَكانَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (2).

وأعرب الإمام لأخيه عقيل عن إجماعهم على حربه كما أجمعوا على حرب أخيه وابن عمه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، يقول(عَلَيهِ السَّلَامُ):

فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشاً فِي الضَّلَالِ، وَتَجْوالَهُمْ فِي الشَّقاقِ، وَجِمَاحَهُمْ فِي التَّيْهِ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَبْلِي، فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوازِي، فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي - يعني رسول الله (3).

ولم يُعنّ بهم الإمام، فقد أجمع رأيه على مقابلتهم بالمثل إن أصروا على غيّهم وتمردهم على الحق. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ):

مَالِي وَلِقُرَيْشٍ، وَاللهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ، وَلَا قَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ،... وَاللهِ! الأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلِ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ! فَقُلْ لِقُرَيْشٍ فَلْتَضِجَ ضَحِيجَها.

لقد جهدت قريش على إطفاء نور الله تعالى ومناجزة الإمام، وتدمير سياسته


1) شرح نهج البلاغة/ابن أبي الحديد: 11: 114

2) المصدر المتقدم: 4: 108

3) المصدر المتقدم: 16: 36

الهادفة إلى بسط العدل، وإقامة المُثل الكريمة بين الناس.

سياسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وليس في تاريخ هذا الشرق حاكم أقام موازين العدل والحق، وتبنّى ذلك بصورة إيجابية وجادّة في رعاية حقوق العامة، ورعاية المظلومين والمضطهدين على اختلاف قومياتهم وأديانهم كالإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فقد كان يشرف على كل بادرة في رقاع دولته، ويتفقد جميع شؤون رعيته، وقد شاركهم في جشوبة العيش وخشونة اللباس، وقد ضيّق على نفسه، وحمّلها من أمره رهقاً.

وكان من أهمّ ما عُنِي به إقصاء شبح الفقر والحرمان عن المواطنين في الدولة الإسلامية، فقد كانت سياسته تنظر إلى الفقر أنّه كارثة مدمرة وأنه والكفر على حدّ سواء؛ لذا جهد لإنعاش الفقراء، وبسط الرخاء بينهم، وقد عرضنا بصورة مفصلة إلى سياسته المالية في كتابنا (حياة الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)).

وعلى أي حال، فإنّ الإنسانية على ما جربت من تجارب، وبلغت من الإبداع والتطوّر في أنظمتها السياسية والإدارية فإنّها لم تصل إلى ما وصلت إليه سياسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الميدان الاقتصادي والتربية والتعليم، وغير ذلك من شؤون الحياة العامة، وقد شاهد مسلم بن عقيل السياسة التي سار عليها عمه، فانطبعت في أعماق نفسه ودخائل ذاته.

تمرّد القرشيّين

وفزعت القبائل القرشيّة أشدّ ما يكون الفزع من حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأيقنت أنه سيقضي على مصالحهم، ومصادرة أموالهم التي اختلسوها أيام الحكم المباد، فأجمعوا على مناهضة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و مناجزته والإطاحة بحكومته، ونعرض - بإيجاز -

للحروب الطاحنة التي شنتها القوى المنحرفة عن الحقِّ، على الإمام رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام.

حرب الجمل

اشارة:

أمّا القائمون بهذه الحرب فهم الذين بايعوا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكنهم خاسوا بما عاهدوا عليه الله من الطاعة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعدم التمرّد على حكومته، وقد أجمع فقهاء المسلمين على تأثيمهم، ومسؤوليتهم أمام الله تعالى.

أعلام الناكثين

أما أعلام الناكثين البيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والخارجين عليه فمنهم

1- الزبير.

2- طلحة.

3- عائشة.

4- مروان بن الحكم.

5- سائر بني أمية.

وهؤلاء قد ضاقوا ذرعاً من عدل الإمام، ومساواته بين جميع المسلمين في العطاء وغيره من سائر الحقوق الاجتماعية، ولم يكن لهم أي هدف إصلاحي، أمّا طلحة والزبير فكانا يرومان الملك والظفر بخيرات البلاد، وأما عائشة فكانت تسعى لإرجاع الخلافة إلى طلحة، فكانت تشيد به في كل مناسبة، وأما بنو أمية فقد طلبوا من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يترك لهم الثراء العريض الذي غنموه أيام حكومة عثمان، فرفض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جابتهم.

الخطاب السياسي لعائشة

وخطبت عائشة في مكة، فحملت في خطابها المسؤولية في إراقة دم عثمان على الغوغاء، فهم الذين سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام، فقد قتلوا عثمان بعد ما أقلع عن ذنوبه، وأخلص في توبته (1)، وانبرت هي مطالبة بدمه، وهـو اتهـام رخيص، فإنّ الغوغاء لم يسفكوا دمه، وإنّما سفك دمه كبار الصحابة كعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود، وهي بالذات! فقد أفتت بقتله ومروقه من الدين وقالت: ه اقتلوا نعثلاً فقد كفر»!

لقد كان خطاب عائشة أوّل بادرة لإعلان العصيان المسلّح على حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان الأولى بها والواجب عليها، بحسب مكانتها الاجتماعية، أن تدعو إلى وحدة الصف، وجمع كلمة المسلمين، وأن تدعم حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي هی امتداد ذاتي لأهداف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسيرته.

مؤتمر مكّة

وعقد المتأّمرون على حكومة الإمام مؤتمراً سياسياً في مكة ضمّ طلحة والزبير وعائشة ومروان وسائر بني أمية، وقد اتخذوا من القرارات ما يلي:

1- المطالبة بدم عثمان، وقد اتخذوه شعاراً لتمردهم.

2- اتهام الإمام في إراقة دم عثمان؛ لأنّه أوى قتلته، ولم يقتص منهم.

3- احتلال البصرة واتخاذها المركز الرئيسي لثورتهم؛ لأن لهم بها حزباً وأنصاراً.

الزحف إلى البصرة

وتحركت قوات المعارضة صوب البصرة، وهي تضمّ ذوي الأطماع، والحاقدين


1) نص خطاب عائشة في تاريخ الأمم والملوك: 3: 468

على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم ينادون: يا لثارات عثمان!

مع العلم أن قادة المعارضة هم الذين سفكوا دمه، وأجهزوا عليه، وقد اتجهوا لشقّ كلمة المسلمين، وإغراق البلاد بالشكل والحزن والحداد.

عسکر

وسارت قوات عائشة في البيداء تجد في السير، لا تلوي على شيء، فصادفها العرني، صاحب «عسكر» جمل عائشة، فقال له بعضهم: يا صاحب الجمل، أتبيع جملك؟

•

نعم.

•

بکم.

•

بألف درهم.

•

وَيْحَكَ أمجنون أنتَ، جمل يباع بألف درهم؟

•

نعم، جملي هذا ما طلبت عليه أحداً قط إلا أدركته، ولا طلبني وأنا عليه أحد قط إلا فنّه.

•

لو تعلم لمن نريده لأحسنت بيعنا.

•

لمن تريده؟

•

لأمك.

•

تركت أمي في بيتها قاعدة ما تريد براحاً.

•

إنما نريده لأم المؤمنين عائشة.

•

هو لكم خذوه بلا ثمن!

•

ارجع معنا إلى الرحل، فنعطيك ناقة مهرية، ونزيدك دراهم.

•

فذهب معهم فأعطوه الناقة وأربعمائة درهم، وقدّموه لعائشة، فاعتلت عليه،

وقد أصبح كعجل بني إسرائيل، فقطعت حوله الأيدي وأزهقت الأنفس.

الحوأب

واجتازت قوات عائشة على مكان يقال له الحوأب، فتلقتها كلاب الحي بهرير وعواء، فذعرت منها عائشة، والتفتت إلى محمّد بن طلحة فقالت له: أي ماء هذا يا محمد؟

• ماء الحوأب يا أم المؤمنينن.

فهتفت وهي تلهت مذعورة قائلة: ما أراني إلا راجعة.

• لِمَ يا أمّ المؤمنين.

سمعت رسول الله يقول لنسائه: كَأَني بإحداكُنَّ قَدْ نَبَحَتْها كِلَابُ الْحَوْابِ، وَإِيَاكِ أَنْ تَكُونِي يَا حُمَيْراءُ (1)

• تقدمي يرحمك الله، ودعي هذا القول.

فلم تحفل به، وبقيت واجمة لم تبرح من مكانها، قد طافت بها الهموم والآلام، فقد أيقنت بضلالة قصدها، ولما أذيع ذلك في قواتها فزع قادة جيشها من ذلك، فخفوا إليها مسرعين قائلين لها بدهشة وذهول: ما النبأ يا أماه.

فقطعت عليهم الكلام وراحت تقول، وقد نخر الحزن قلبها: أنا والله صاحبة كلاب الحوأب.

ردّوني، ردّوني.


1) روى ابن عباس أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال يوماً لنسائه وهن جميعاً عنده: «أَيَّتُكُنَّ صاحِبَةً الْجَمَلِ الأَدَبُ، تَنْبَحُها كِلَابُ الْحَوْابِ، يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِها وَشِمَالِها قَتْلَى كَثِيرَةٌ، كُلُّها فِي النّارِ، وَتَنْجُو بَعْدَ ما كادَتْ». شرح النهج: 9: 311 البداية والنهاية: 6: 216. الخصائص الكبرى: 2: 137. الاستيعاب: 4: 1885، وجاء فيه أن هذا الحديث من أعلام النبوة

فأسرع إليها ابن أختها عبد الله بن الزبير، وكانت تخلص له في الحب والمودة فانهارت أمامه، وقد جاء لها بشهود فشهدوا عندها أنه ليس بماء الحوأب، وهي أوّل شهادة زور في الإسلام (1).

وأقلعت عن فكرتها، وأخذت تقود الجيش لحرب وصي رسول الله وباب مدينة علمه.

احتلال البصرة

و داهمت جيوش عائشة مدينة البصرة فذعر أهلها، فقد أحاطت بهم وهم لا يعلمون ما يرومون، وتقدّم أبو الأسود الدؤلي إلى عائشة فقال لها: ما أقدمك يا أم المؤمنين؟

• أطلب بدم عثمان.

فردّها بمنطقه الفياض قائلاً: ليس في البصرة أحد من قتلة عثمان.

وراحت تلتمس لها المعاذير الواهية قائلة: صدقت، ولكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة، وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله، أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم؟

وردّ عليها أبو الأسود بالحجّة البالغة قائلاً: ما أنت من السوط والسيف، إنّما أنت حبيبة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَمَرَ لا أن تقري في بيتك، وتتلي كتاب ربّك، وليس على النساء قتال، ولا لهنّ الطلب بالدماء، وإنّ عليّاً لأولى منك، وأمس رحماً، فإنّهما ابنا عبد مناف.

ولم تستجب لنداء الحق وراحت مصرّة على رأيها قائلة: لست منصرفة حتى أمضي لما قدمت عليه، أفتظنُّ يا أبا الأسود أن أحداً يقدم على قتالي؟


1) مروج الذهب: 2: 347. تاريخ اليعقوبي: 2: 181

وحسبت عائشة أنه لا يقدم أحد على قتالها لأنها تتمتع بحصانة لعلاقتها الزوجية من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ولم تعلم أنّها أهدرت هذه الحرمة، وأجابها أبو الأسود بالواقع: أما واللهِ لَتُقاتَلِنَّ قتالاً أهونه الشديد.

ثم انصرف عنها، ولم ينفع معها نصح أبي الأسود.

وجرت بعد ذلك أحداث رهيبة، فقد احتلت قوات عائشة البصرة، وأسر حاكمها سهل بن حنيف، وأودع في السجن.

وقد ذكرنا عرضاً مفصلاً لتلك الأحداث في كتابنا (حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ))، وإنا نلمح إلى بعضها لصلتها الوثيقة بحياة مسلم، فقد شاهد هذه الأحداث الرهيبة، وهو في فجر الصبا، وروعة الشباب، وقد اطلع على مجرياتها وأسبابها، وعرفته مدى الأحقاد التي تكنّها قريش لعمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

القضاء على تمرّد عائشة

ولما علم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)لها باحتلال البصرة من قبل عائشة سارع للقضاء على هذا الجيب المتمرّد، وقد صحب معه جيشاً قوياً في طليعته أعلام الصحابة كعمار بن ياسر والمقداد ومالك الأشتر، وغيرهم من المؤمنين منزلة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومكانته من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وقد أوفد الإمام رسل السلام إلى عائشة فذكروها بمكانتها من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأنّ واجبها الشرعي أن تقيم في بيتها ولا تشقّ كلمة المسلمين، فلم تستجب لهم وراحت مصرّة على الحرب.

الحرب العامة

ولما يئس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من استجابة عائشة وأعضاء حزبها عبّاً جنده تعبئة عامة، وكذلك فعل أصحاب عائشة، وقد حملوها على جملها (عسكر)، وأدخلت في

هودجها المصفّح بالدروع، فالتحم الجيشان التحاماً رهيباً، وقد تكبّدت قوّات عائشة خسائر فادحة في الأرواح، وصُرع طلحة والزبير، وظلّت تقود المعركة وتصدر أوامرها إلى الجيش حتى أطيح بجملها، وسارع أخوها محمد وغيره من أبناء الإمام، فأخذوها إلى بيت في البصرة، وقد انتهت المعركة، وقد أشاعت الحزن والحداد في بيوت المسلمين، وألقت بينهم العداوة والبغضاء، وبهذا الإيجاز ينتهي بنا الحديث عن حرب الجمل.

حرب صفّين

اشارة:

ولم يسترح الإمام وقتاً قصيراً من حرب الجمل، وما عاناه من متاركها حتى اندلع خطر رهيب محدق بالدولة من ابن أبي سفيان، الذي هو أمكر سياسي في تأريخ العرب على الإطلاق، فقد استطاع بمكره وخداعه أن يسيطر على الخليفة الثاني، ويكسب عواطفه وودّه، فلم يفتح معه سجل المحاسبة الذي فتحه أمام ولاته لأواني وعماله، كما لم يحاسبه على تصرفاته الشاذة عن تعاليم الإسلام كاستعماله الذهب والفضّة، ولبس الحرير، وغير ذلك مما هو محرّم في الإسلام، وقد اتهم بشرب الخمر فلم يعر اهتماماً لذلك وراح يبالغ في تسديده، وقد قال في حقه: ذاك كسرى العرب! وهو اعتذار مهلهل حسبما يقوله المحققون.

وعلى أي حال، فقد أعلن معاوية رفضه رسمياً لبيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأعلن عصيانه المسلّح لحكومته، وقد اتخذ دم عثمان ورقة رابحة لتمرده على الحكومة الشرعية التي حظيت بالتأييد الشامل من جميع المسلمين، وفي طليعتهم صحابة الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)من المهاجرين والأنصار.

وقد أوفد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكوكبة من أصحابه لملاقاة معاوية، وعذله على التمرّد والخروج عليه إلا أنه رفض الاستجابة لهم، وأصرّ على الغي والعدوان، وأخذ يجمع الجموع، وينظم الجيوش لمحاربة سيّد المتقين وإمام الموحدين.

زحف معاوية لصفّين

ولما تهيأت لمعاوية جميع الوسائل التي يستطيع بها محاربة الإمام، وكان من أهمها إغراؤه لأهل الشام بأنّ الإمام هو الذي قتل عثمان بن عفان، فكان ينشر على المنبر قميصه الملطّخ بدمه، فيعج الشاميون بالبكاء، وكان كلّما فتر حزنهم يقول له ابن العاص بسخرية:

حرك لها حوارها تحنّ! فيخرج لهم القميص الذي هو كعجل بني إسرائيل، فيعود لهم الحزن، وبلغ من أساهم على عثمان، أنّهم أقسموا بالله تعالى أن لا يمسهم الماء من غسل الجنابة ولا يمسوا النساء، ولا يناموا على الفراش حتى يقتلوا قتلة عثمان (1).

وعلى أي حال، فقد زحف معاوية بجيشه المغرر المخدوع لمحاربة وصيّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وباب مدينة علمه، وقدم بين يديه الطلائع، وسارت فرق من جيوشه لا تلوي على شيء حتى انتهت إلى القرب من حوض الفرات، فأوعز معاوية إلى فرقة من جيشه باحتلال نهر الفرات، وعدّ هذا أوّل النصر والفتح، وبقيت جيوشه مرابطة في ذلك المكان المسمى بصفين.

خروج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحرب

ولما علم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بزحف معاوية إلى صفين تهيّأ لحرب عدوّه الماكر الخبيث، فنظم قواه العسكرية، وأعدّ جميع ما يحتاجه للحرب، وخرج بكتائب جيشه كأنها السيل ترفرف عليها ألوية الحق، وهي على يقين أنها تحارب القوى الباغية على الإسلام والمعادية لأهدافه.


1) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ):11: 155

وانتهت كتائب جيش الإمام إلى صفين فلم تجد شريعة تستقي منها الماء إلا وهي محاطة بقوى مكثّفة من جيش معاوية وهم يمنعونهم أشدّ المنع من الارتواء منه، والوصول إليه، ولما رأى الإمام ذلك أوفد بعض أصحابه إلى معاوية طالباً منه أن يخلي بين جيشه وبين الماء ليشربوا منه، وعرض معاوية ذلك على الأمويين وقادة الفرق من جيشه، فأبوا أن يسمحوا لهم بذلك، ورجعت رسل الإمام بالخيبة فأخبرته بذلك، وأضرّ العطش بجيشه، وانبرى الأشعث بن قيس فرفع عقيرته في جيش الإمام قائلاً:

«من كان يريد الماء أو الموت فإنّي ناهض إلى الماء»، فاستجاب له اثنا عشر ألف جندي، وفي الصباح الباكر هجم بهم على القوم وهو يقول:

ميعادنا الْيَومَ بَياضُ الصُّبْح *** هَلْ يَصلُحُ الزَّادُ بِغَيْرِ مِلْحِ؟

لا لَا، وَلَا أَمْرٌ بِغَيْرِ نُصْحِ *** دِبُّوا إِلَى الْقَوْمِ بِطَعْنٍ سَمْحٍ

مثل العَزَالِي بِطِعانٍ نَفْحِ (1)*** لَا صُلْحَ لِلْقَوْمِ وَأَيْنَ صُلح

حَسْبِي مِنَ الْإِقْحَامِ قَابُ رُمْحِ (2)

وهجم الأشعث ومعه كتائب من جيش الإمام على عسكر معاوية، فانهاروا أمام قوات العدل، وتكبدوا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وفروا منهزمين يلاحقهم العار والخزي.

وأحكمت جيوش الإمام سيطرتها على حوض الفرات، وأرادوا أن يقابلوا جيش معاوية بالمثل فيحرموهم من الماء، كما منعوهم منه، إلّا أنّ الإمام أبى ذلك، وعاملهم معاملة المحسن الكريم، فخلى بينهم وبين الماء، وكانت هذه طبيعته،


1) العَزالي - بالفتح -: جمع عزلاء، وهي فم المزادة شبه بها اتساع الطعنة واندفاق الدماء

2) شرح نهج البلاغة: 3: 323. وقعة صفين: 166

وهي تحكي مكارم الأخلاق، وسموّ الذات، وقد أفلس منها معاوية فليست له أية نزعة كريمة أو صفة شريفة.

قيادة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفيلق في الجيش

وبعد أن فشلت رسل السلام التي بعثها الإمام إلى معاوية عبأ الإمام جيوشه للحرب، وعيّن لها القادة الذين تستند إليهم عمليات الحرب، كان منهم الشهيد الخالد مسلم بن عقیل، حسب رواية المحقق ابن شهر آشوب(1)، ومعنى ذلك إن مسلماً كان في وضع متميز من نواح متعددة وهي:

1- إن مسلماً كان في شرخ الشباب في حرب صفين حينما أسندت له قيادة فيلق في جيش الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و من المستبعد جداً أن لا يكون في غير هذا السنّ.

2- إنّ مسلماً كانت له الدراية الكاملة في عمليات الحرب وشؤون القتال، فإنّه لا يُعهد بالقيادة في الجيش لأي أحد ما لم تتوفّر فيه قابليات القيادة من الشجاعة والبسالة والإيمان بعدالة قضية ما يقاتل من أجلها.

3- إن مسلماً في ترشيحه لمنصب القيادة في الجيش لأنه كان بمكانة مرموقة يضارع عظماء القادة في جيش الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)كالزعيم مالك الأشتر، وهاشم المرقال، وقيس بن سعد، وغيرهم من أفذاذ القادة في إيمانهم وسموّ مكانتهم.

التحام الجيشين

والتحمت جيوش أهل الشام مع فيالق عسكر الإمام، وقد أبلى جيش الإمام بلاءً حسناً، فأشاع الخوف والرعب في نفوس الشاميين، واستمرت الحرب بين الفريقين، فتارة تكون عامة، وأخرى تكون مقتصرة على بعض الفيالق، وثالثاً تكون


1) مناقب آل أبي طالب: 2: 352

مبارزة، وقد سئم الجند من ذلك فلم تنحسم النهاية لأي من الفريقين.

ليلة الهرير

أمّا ليلة الهرير فهي أقسى ليلة، وأشدّها هولاً وعنفاً في جميع في جميع حروب صفين وقد وصفها الرواة بأنّ الجيشين زحف بعضهما إلى بعض، فتراموا بالنبل والحجارة حتى فُنيت، ثمّ تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت، ثم مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيوف وأعمدة الحديد، فلم يسمع السامع إلا وقع الحديد على الحديد، وبقوا على هذا الصراع العنيف حتّى الصباح، وكانت الضحايا من الفريقين سبعين ألف قتيل، وكان الإمام ا في قلب المعركة يجندل الأبطال، ويحصد رؤوس البغاة، في حين أن معاوية بن هند كان في خبائه تحوط به حراسه وجيشه.

رفع المصاحف

أنّ أبشع مهزلة في التأريخ البشري هي مكيدة رفع المصاحف التي جرت للمسلمين الكوارث وألقتهم في شرّ عظيم. لقد بدت الهزيمة المنكرة في جيش معاوية، وتفلّلت جميع قواه العسكرية، وصار تحت قبضة جيش الإمام، وقد همّ بالفرار، فأشار عليه ابن العاص برفع المصاحف، فاستجاب له، فرفعت زهاء خمسمائة مصحف على الرماح، وتعالت أصوات أهل الشام بفزع وخوف قائلين:

يا أهل العراق، هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته إلى خاتمته، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق، ومَن لجهاد الروم؟ ومَن للترك؟ ومَن للكفّار؟

وقعت هذه الهتافات كالصاعقة على رؤوس أفراد الجيش العراقي، فقد مُني بانقلاب مدمّر، فخلع طاعة الإمام، واستجاب استجابة مطلقة لهذه الدعوى، وراح الإمام يفند هذه المزاعم، وأنّها مكيدة منهم، فلم يستجيبوا له وأجبروه على

الاستجابة لهم، وهنا بحوث ذكرناها بالتفصيل في كتابنا (موسوعة الإمام أمير المؤمنين على بن أبي طالب(عَلَيهِ السَّلَامُ)).

وعلى أي حال، فإنّ دولة الإمام قد انهارت، وطويت معالمها بعد رفع المصاحف مباشرة، فقد أصبح الإمام يأمر فلا يُستجاب له، وينهى فلا يمتثل له، قد أحاطت به الكوارث والخطوب.

التحكيم

واختار العراقيون أبا موسى الأشعري ممثلاً عنهم في التحكيم، وكان منافقاً غبياً ومعادياً للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واختار أهل الشام عمرو بن العاص السياسي الم-اك-ر، فخلع الإمام وأقام معاوية، ووقعت الفتنة الكبرى في جيش الإمام، واعتزلت فرقة منه وهم الخوارج، فاتخذوا شعاراً لهم «لَا حُكْمَ إِلَّا الله»، وسرعان ما تبدّل هذا الحكم إلى السيف، فقد اعتزلوا الإمام، وحكموا عليه بالمروق من الدين لأنه استجاب لهم ولم يحارب معاوية.

وقام معاوية بعد انتهاء التحكيم بشن غارات على البلاد الخاضعة لحكم الإمام؛ لاحتلال بعض المناطق الإسلامية، وقد وصلت غارات معاوية إلى الكوفة ولم يتمكن الإمام من حماية المواطنين، واستجاب معظم قادة الفرق في جيش الإمام إلى معاوية، وراح يغدق عليهم الأموال ويمنّيهم بالثراء العريض.

شهادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وبقي الإمام في أرباض الكوفة يصعد آهاته، يرى باطل معاوية قد استحكم، و دولته قد طويت، ولم يعد له أي نفوذ في جيشه، وقد تمرّد عليه الخوارج وراحوا يسبّونه أمامه، وهو ساكت صابر، وأخذ يدعو الله تعالى أن يريحه من ذلك المجتمع، ويعجل في رحيله إلى حظيرة القدس، فاستجاب الله دعاءه، فقد قام

العُتُل الزنيم عبد الرحمن بن ملجم فَعَلا رأس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو في بيت الله تعالى، وفي شهر رمضان المبارك، وهو قائم يصلّي، فَقَدَّ رأسه الشريف، ذلك الرأس الذي هو خزانة علوم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ووقع الإمام صريعاً في محرابه قائلاً:

نفُرْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَة».

ولم يبق بعد الضربة الغادرة إلا يومين، وانتقلت روحه المقدّسة إلى الله تعالى تحفها ملائكة الرحمن، وقام الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غلس الليل فوارى الجثمان المقدس في مقره الأخير.

وقد عرضنا بصورة شاملة إلى تفصيل اغتيال الإمام ومواراته، وما رافق ذلك من أحداث في كتابنا (موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)).

وعلى أي حال، فقد انطوت حياة هذا العملاق العظيم الذي هو نفس رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وباب مدينة علمه، وقد شاهد مسلم بن عقيل الأحداث الجسام في تلك الفترات السود من الزمن فكوت قلبه وعرفته حقيقة ذلك المجتمع، الذي لم يع الأهداف الأصلية التي ينشدها الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتي هي امتداد ذاتي لأهداف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

خلافَةُ الأمامِ الحَسَن(عَلَيهِ السَّلَامُ)

تسلّم الإمام الحسن سبط رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قيادة الدولة بعد اغتيال أبيه في ظرف كان من أدق الظروف وأكثرها تعقيداً، فقد مُني جيشه بالتمرد والعصيان، فقد خلد معظمهم إلى الراحة والسأم من الحرب، وشاعت فيه فكرة الخوارج الذين حكموا على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالكفر والمروق من الدين، فكانوا يدعون الجيش إلى التمرّد وخلع طاعة الإمام.

وقد خرج الإمام إلى مناجزة معاوية، ومعظم قادة الفرق قد كاتبوا معاوية وضمنواله تسليم الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو اغتياله، وكان من الخائنين للإمام عبيد الله بن العباس، فقد أرشاه معاوية، فانساب له في غلس الليل، وترك الجيش في حيرة وذهول، فعيّن الإمام قائداً عاماً لعسكره فخان، وهكذا عيّن قادة يربو عددهم على اثني عشر شخصاً فخانوا الإمام والتحقوا بمعاوية بعد أن تسلموا منه الأموال، وقد اعتدي على الإمام وهو في أثناء صلاته، فطعنه شخص من عملاء الأمويين في فخذه، وكان الأمر منحصراً في جهتين:

الأولى: أن يفتح الإمام باب الحرب على معاوية بجيشه المنهزم نفسياً. ومن المؤكّد أنّه لا أمل للإمام بالفتح والنصر، ويغامر بذلك بنفسه وبأهل بيته، ويضحي بالكوكبة المؤمنة من خلص شيعته، كما إنه لو حُمِل الإمام أسيراً إلى معاوية فإنّه سيمن عليه، ويجعله طليقاً، وسيمحو بذلك عنه وعن أسرته وصمة الطلقاء التي من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بها على الأمويين يوم فتح مكة، وبذلك ينتصر معاوية انتصاراً ساحقاً على الهاشميين. الثانية: أن يصالح الإمام معاوية على ما في الصلح من قذى في العين وشجاً

في الحلق، ويترك معاوية وطغيانه، ويكشف سوء سريرته، وخبث طويته وما يضمره للمسلمين من سوء.

واختار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصلح، وكان هو المتعين عليه شرعاً، ولولاه لعانت الأمة من الخطوب والأزمات ما لا يعلم بها إلا الله تعالى، وقد عرضنا بصورة موضوعية وشاملة إلى كيفية الصلح وضرورته وشروطه، في الجزء الثاني من كتابنا (حياة الإمام الحسن بن عليّ (عَلَيهِما السَّلَامُ)).

حكومة معاوية

وتسلّم معاوية قيادة الدولة الإسلامية بعد الصلح، وقد تفجرت سياسته بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه، فقد قَتَلَ أعمدة المتقين والصالحين من شيعة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمثال الصحابي العظيم حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، واغتال بالسمّ ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الإمام الحسن(عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما اغتال غيره من الشخصيات البارزة، وأحاط جهاز دولته بالأشرار وعينهم ولاة على الأقطار والأمصار أمثال المغيرة بن شعبة وبسر بن أرطاة وزياد بن أبيه ونغله عبيد الله، وختم معاوية جرائمه وموبقاته بفرض ولده المهتوك يزيد خليفة على المسلمين يعيث فساداً في دينهم ودنياهم، ولم يترك موبقة ولا فاحشة إلا اقترفها، والتي منها إبادة العترة الطاهرة في صعيد كربلاء، وسبي مخدّرات الرسالة وعقائل الوحي يطاف بهنّ من بلد إلى بلد، وانتهاكه لحرمة مدينة الرسول وعاصمته وإباحتها لجنوده وحرقه للكعبة وغير ذلك من الجرائم التي سوّد بها وجه وجه التأريخ.

وقد شاهد مسلم هذه الأحداث الجسام، ووقف على ما ألحقت بالمسلمين من الأضرار والنكبات.

كابُوسٌ رَهِيبٌ

اشارة:

تسلّم يزيد قيادة الدولة الإسلامية بعد هلاك أبيه، وبإجماع المؤرّخين إنّه لم تتوفّر فيه أية صفة كريمة أو نزعة شريفة، فقد خلد إلى اللهو وشرب الخمر والقنص، وغير ذلك الأعمال من التي يقترفها سفلة المجتمع، الذين لا يرجون الله وقاراً، وقد ابتدأ حكومته بإشاعة الظلم، ونشر الجور والفساد في الأرض.

وقد رافق مسلم الأحداث الجسام التي أغرقت العالم الإسلامي بالفتن والخطوب وألقت المسلمين في شرّ عظيم، وقد عانت الأسرة النبوية أقسى ألوان الاضطهاد والتنكيل، والتصفية الجسدية، وكان مسلم من بين تلك الضحايا التي قدمتها هذه الأسرة الممجدة لوقاية الإسلام وحمايته من الخطر الأموي، الذي هدّد العقيدة الإسلامية بإقصاء جميع ما أسسته من المعالم في بناء الحضارة الإنسانيّة.

وعلى أي حال، فإنّ معظم ما ذكرناه من البحوث السابقة كان من المقدمات التمهيدية كما اصطلح علماء الأصول على التعبير عنها، ونخوض في البحوث الآتية إلى سفارة الشهيد مسلم بن عقيل عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتبنيه للثورة الحسينية المباركة التي استهدفت إقامة العدل الخالص بين الناس، وإنقاذهم من جور الأمويين وظلمهم.

وفيما يلى عرض لذلك:

رفض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) البيعة يزيد

رفض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) البيعة يزيد رسمياً في أروقة الحكم الأموي، وذلك حينما استدعاه حاكم المدينة الوليد بن عقبة في غلس الليل، وفهم الإمام ما أراد منه فاستدعى أهل بيته.

ومن المؤكد أنّ مسلماً كان من بينهم فأمرهم بمصاحبته ليقوموا بحمايته، وقال لهم: إِذا سَمِعْتُمْ صَوْتِي قَدْ عَلَا فَادْخُلُوا عَلَيَّ بِأَجْمَعِكُمْ.

وسار الإمام فصحبته الفتية، فدخل على الوليد، ولما استقر به المجلس نعى إليه معاوية، فاسترجع الإمام الحسين وقال له:

لِماذا دَعَوْتَنِي؟

• دعوتك للبيعة.

واستمهله الإمام حتّى الصبح ليجتمع الناس، وقد أراد بذلك أن يعلن أمام الجماهير رفضه الكامل لبيعة يزيد ويدعوهم إلى التمرّد على حكومته، وخلع طاعته، وكان في المجلس مروان بن الحكم الذي هو من أعمدة الباطل، فاندفع لإشعال نار الفتنة، فصاح بالوليد: لئن فارقك الساعة، ولم يبايع لا قدرت على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينك وبينه، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه.

ووثب أبي الضيم في وجه الخبيث الدنس مروان فقال له:

يابْنَ الزَّرْقاءِ أَأَنْتَ تَقْتُلُنِي أَمْ هُوَ؟ كَذَبْتَ وَاللهِ وَلَؤُمْتَ.

ثم التفت أبو الأحرار إلى الوليد فأعلن رفضه لبيعة يزيد وعدم استجابته قائلاً:

أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنُ الرِّسالَةِ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ، وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ، بنا فَتَحَ اللهُ وَبِنا خَتَمَ، وَيَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِقٌ، شاربُ الْخَمْر، قاتِلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ، مُعْلِنُ بِالْفِسْقِ، وَمِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلُهُ، وَلكِنْ نُصْبِحُ وَتُصْبِحُونَ، وَنَنْظُرُ

وَتَنْظُرُونَ أَيُّنا أَحَقُّ ِبالْخِلَافَةِ وَالْبَيْعَةِ».

لقد جاء تصريحه بالرفض لبيعة يزيد معبّراً عن تصميمه، وتوطين نفسه على التضحية ولا يبايع هذا الممسوخ المجرّد من جميع القيم الإنسانية، ولو بايعه الإمام لأقره على قروده وخموره وموبقاته، وعرّض العقيدة الإسلامية إلى الانهيار والدمار، وعصف بها في متاهات سحيقة من مجاهل الحياة.

ولم يتخذ الوليد مع الإمام أي إجراء، وإنّما قابله بالتكريم، فخرج الإمام منه، واستاء منه مروان، ووجّه له لوماً وعتاباً قائلاً: عصيتني! لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبداً.

وردّ عليه الوليد ببالغ الحجّة قائلاً: ويحك يا مروان، أشرت علي بذهاب ديني ودنياي، والله ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها، وأنّى قتلتُ حسيناً، سبحان الله! أقتل حسيناً أن قال: لا أبايع؟

والله ما أظنّ أنّ أحداً يلقى الله بدم الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) وهو خفيف الميزان، لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.

وسخر منه مروان وراح يقول له بسخرية: إذا كان هذا رأيك فقد أصبت (1).

مغادرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يثرب

وعزم الإمام بعد إعلانه الرفض الكامل لبيعة يزيد على مغادرة يثرب والالتجاء إلى بيت الله الحرام لينشر دعوته فيه، وقبل أن يغادر المدينة خف إلى مرقد جده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليودّعه، وهو كتيب حزين قد طافت به الهموم، ولما استقبل الضريح المبارك رفع شكواه إلى الله تعالى قائلاً:


1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 351

اللهُمَّ إِنَّ هذا قَبْرُ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَأَنَا ابْنُ بِنْتِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ حَضَرَني مِنَ الأمْر ما قَدْ عَلِمْتَ.

اللهُمَّ إِنِّي أحِبُّ الْمَعْرُوفَ، وَانْكِرُ الْمُنْكَرَ، وَأَنا أَسْأَلُكَ يا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِحَقِّ هَذَا الْقَبْرِ وَمَنْ فِيهِ إِلَّا مَا اخْتَرْتَ لِي مَا هُوَ لَكَ رِضى، وَلِرَسُولِكَ رِضاً (1).

وتوجّه الإمام في غلس الليل البهيم إلى قبر أمه سيدة نساء العالمين سلام الله عليها، فودعها الوداع الأخير، وقد انفجر بالبكاء وذابت نفسه أسى وحسرات، ثم انصرف إلى قبر أخيه الزكي الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد روى ثراه بدموع عينيه، وهو حزين قد تمثلت أمامه الكوارث والخطوب التي سيعانيها من الأمويين.

إلى مكة

وغادر الإمام المدينة متوجهاً صوب مكّة ومعه أهل بيته، كان منهم فيما نحسب مسلم بن عقيل، وكان سيّد الشهداء يتلو في طريقه قوله تعالى: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (2).

لقد شبّه الإمام خروجه على طاغية زمانه يزيد بخروج كليم الله موسى على فرعون زمانه، فكلاهما خرجا لإقامة الحق، وتدمير حصون الباطل.

وسلك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سفره الطريق العام الذي يسلكه المسافرون ولم يتجنّب عنه، وقد أشار عليه بعضهم أن يتجنّب عنه خوفاً عليه من السلطة السلطة في يثرب، فأجابه الإمام بكل بساطة وثقة في النفس قائلاً:

لَا وَاللَّهِ! لَا فَارَقْتُ هذَا الطَّرِيقَ أَبَداً أَوْ أَنْظُرَ إِلى أَبْيَاتِ مَكَّةَ، أَوْ يَقْضِيَ اللَّهُ فِي ذلِكَ ما يُحِبُّ وَيَرْضى.


1) مقتل الحسين/الخوارزمي: 1: 186

2) القصص 28: 21

لقد سلك الطريق العام بعزّة وشموخ، لم توهن عزيمته الأحداث الهائلة، ولا تَتَبُّع السلطة له، وكان يتمثل بشعر يزيد بن المفرغ:

لَا ذَعَرْتُ السُّوامَ فِي فَلَقِ الصُّبْـ *** ـح مُغِيراً وَلَا دُعِيْتُ يزيدا

يَوْمَ أُعْطِي مِنَ المَهانَةِ ضَيماً *** وَالْمَنايا يَرْصُدْنَنِي أَنْ أَحِيدا (1)

لقد كان أبي الضيم على ثقة أن المنايا ترصده ما دام مصمماً على عزمه الجبار وهو أن يعيش عزيزاً لا يضام ولا يذل، ولا يخضع للفاسق الفاجر يزيد بن معاوية.

وسار موكب الإمام يجد بالسير، لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى مكة، ولما نظر إلى جبالها تلا قوله تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (2).

في مكة

وانتهى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مكة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من شعبان (3).

وحط رحله في دار العباس بن عبد المطلّب (4)، وقد استقبل استقبالاً حاشداً من المكيّين، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشية، وهم يسألونه عن أحكام دينهم وأحاديث نبيهم، وهو يجيبهم عنها.

يقول ابن كثير: «وعكف الناس بمكة يفدون إليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه، ويضبطون ما يروون عنه» (5).


1) تاريخ الأمم والملوك: 4 253. الكامل في التاريخ: 4: 17

2) القصص 28: 22 حياة الإمام الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2: 307

3) تاريخ الأمم والملوك: 4: 286

4) تاريخ مدينة دمشق: 13: 68

5) البداية والنهاية: 8: 162

وتوافد القادمون لحج بيت الله بالتشرف بمقابلته والاستماع لحديثه، ولم يترك الإمام لحظة من وقته تمرّ عليه من دون أن يبثّ الوعي الاجتماعي ف-ي ن-ف-وس الوافدين عليه، ويدعوهم إلى اليقظة والحذر من الحكم الأموي الذي لا يألوا جهداً في استعباد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون.

فزع السلطة المحلّية

وفزعت السلطة المحلية في مكة من قدوم الإمام، واتخاذها مقراً لنشر دعوته، ومنطلقاً لإعلان الثورة على حكومة يزيد، فخف حاكم مكة عمرو بن سعيد الأشدق المقابلة الإمام فقال له: ما أقدمك.

• عائذاً باللهِ وَبِهَذَا الْبَيْتِ (1).

ورفع الأشدق رسالة إلى يزيد أحاطه بها علماً بقدوم الإمام إلى مكة واختلاف الناس إليه، وتعظيمهم له، وأن ذلك يشكل خطراً على الدولة الأموية.

ولما قرأ يزيد رسالة واليه فزع أشدّ ما يكون الفزع، ورفع رسالة إلى ابن عباس يستجلب فيها وده، ويهدد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأجابه ابن عباس عن السبب في خروج الحسين، وأنه إنما خرج من مدينة جده لأنّ السلطة الحاكمة فيها لم ترع مقامه، ولم تحترم مركزه، فلذا لجأ إلى بيت الله الحرام عائذاً به، وقد ذكرنا رسالة يزيد وجواب ابن عباس في الجزء الثاني من كتابنا (حياة الإمام الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ))، كما ذكرنا فيه الأحداث التي جرت في مكة في أثناء إقامة الإمام فيها.

إعلان التمرّد في الكوفة

وأيقن الكوفيون بعد هلاك معاوية بانهيار الدولة الأموية، فرفضوا البيعة ليزيد


1) تذكرة الخواص: 248

وخلعوا طاعته، وراحت أنديتهم تتحدث عن مساوئ معاوية وسوء سياسته، وما ألحقه ببلدهم من الدمار الشامل، وما استهدفه من تصفية أعلام الإسلام في بلدهم كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي، وغيرهم من الأخيار والصلحاء

وعلى أي حال، فقد أجمعت الشيعة على الخروج على سلطان يزيد، والبيعة للإمام الحسين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد عقدوا مؤتمراً عاماً في بيت أكبر زعمائهم وهو سليمان بن صرد الخزاعي، فألقوا الخطب الحماسية التي شجبت الحكم الأموي، وأشادت بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وخطب سلیمان بن صرد خطاباً بليغاً رائعاً جاء فيه:

«إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد قبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه، ومجاهد و عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرُّوا الرجل من نفسه».

وتعالت أصواتهم بحماس بالغ قائلين: نقتل أنفسنا دونه.

لا، بل نقتل عدوه (1).

وأيّدوا بالإجماع القرارات التالية:

1- الدعم الکامل للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

2- خلع بيعة يزيد.

3 - إرسال وفد للإمام يدعونه للقدوم إليهم.

4- بعث الرسائل من مختلف الطبقات والشخصيات للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدعونه فيها لتسلّم قيادة الأمّة، وهذا ما سنتحدث عنه


1) الإرشاد: 223 و 224

نماذج من رسائل الكوفيين للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وانبرى الكوفيون بجميع طبقاتهم فبعثوا الرسائل إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد سطروها بالولاء والإخلاص له، والحثّ على القدوم لمصرهم ليتولى قيادة الأمة، وهذه بعض رسائلهم:

1- قد جاء فيها بعد البسملة ما نصه:

«من سليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر وشيعته والمسلمين من أهل الكوفة.

أما بعد.. فالحمد لله الذي قصم ظهر عدوّك الجبّار العنيد - يعني معاوية - الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها واغتصبها فيئها، وتآمر عليها بغير رضى منها، ثمّ قتل خیارها و استبقى، شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعداً له كما بعدت ثمود. إنّه ليس علينا إمام فأَقْبِلْ لعل الله يجمعنا بك على الحق، والنعمان بن بشير في قصر الامارة، لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» (1).

كتبت هذه الرسالة في أواخر شهر شعبان، وحملها عبدالله بن سبع الهمداني وعبدالله بن وال، وقد أوصيا بالاسراع وكتمان أمرهما خوفاً من العدوّ، وأخذا يجدان في السير لا يلويان على شيء، وقدما مكة لعشر مضين من رمضان، وسلّما الرسالة إلى الإمام، وعرّفاه بشوق الناس وتلهفهم لقدومه (2).


1) الإمامة والسياسة: 2: 3 و 4 تاريخ الأمم والملوك: 4: 261

2) الكامل في التاريخ: 4: 20

وحكت هذه الرسالة جور معاوية وظلمه وابتزازه لأمر الأمّة بالقهر والغلبة، وإبادته لأعلام الإسلام كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي.

كما حكت هذه الرسالة تلاعب معاوية باقتصاد المسلمين، وهبته الثراء العريض للأغنياء والعملاء، وقد أشاع بذلك الفقر والحرمان بين أوساط الشعب، كما عرضت هذه الرسالة إلى مقاطعة الشيعة لحاكم الكوفة النعمان بن بشير، وأنهم إذا بلغهم قدوم الإمام أخرجوه من مصرهم وألحقوه بالشام.

2- أرسل هذه الرسالة جماعة من أهل الكوفة جاء فيها بعد البسملة:

«إلى الحسين بن عليّ من شيعته والمسلمين.

أما بعد.. فحَيَّ هلا (1)، فإنّ الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم غيرك، فالعجل، ثم العجل، والسلام» (2).

وحمل هذه الرسالة قيس بن مسهر الصيداوي من قبل بني أسد وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي، وعمارة بن عبد الله السلولي، كما حملوا معهم نحو خمسين رسالة موقعة من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة (3)، وهي تحت الإمام على الاسراع في القدوم عليهم، والترحيب به، والدعم الكامل له.

3- أرسل هذه الرسالة عصابة من المجرمين والانتهازيين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وهم: شبث بن ربعي اليربوعي، ومحمد بن عمر التميمي، وحجار بن أبجر العجلي، ويزيد بن الحارث الشيباني، وعزرة بن قيس الأحمسي، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، وهؤلاء الأرجاس كانوا قادة الجيش الذي خرج لحرب ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ، وهذا نص رسالتهم:


1) اسم فعل بمعنى اقبل وعجل

2) الإرشاد: 224

3) أنساب الأشراف: 3: 370

«أما بعد.. فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام (1)، فأقدم على جند لك مجندة، والسلام» (2).

حكت هذه الرسالة شيوع الأمل، وازدهار الحياة، وتهيئة البلاد عسكرياً للأخذ بحق الإمام، ومناجزة خصومه.

ومن المؤكد أنّهم كانوا مدفوعين من قبل الأمويين بهذه الرسالة لجلب الإمام إلى الكوفة ومناجزته فيها كما أعرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك أمام أصحابه (3).

4- ومن بين تلك الرسائل هذه الرسالة:

«إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الصلاة مع الولاة، فأقدم علينا فنحن في مائة ألف سيف، فقد فشا فينا الجور، وعُمِل فينا بغير كتاب الله وسنّة نبيه، ونرجو أن يجمعنا الله بك على الحق، وينفي عنا بك الظلم، فأنت أحق بهذا الأمر من يزيد وأبيه، الذي غصب الأمّة وشرب الخمور، ولعب بالقرود والطنابير: وتلاعب بالدين» (4).

حكت هذه الرسالة ما مُني به أهل الكوفة من الظلم والجور، من ولاة معاوية، الذين حكموا بغير كتاب الله وسنّة نبيه، وهم ينتظرون الإمام بفارغ الصبر لينقذهم من واقعهم المرير.

5- كتب هذه الرسالة جمهور كبير من أهل الكوفة هذا نصها:

«للحسين بن علي أمير المؤمنين من شيعة أبيه.

أما بعد.. فإنّ الناس ينتظرونك. لا رأي لهم في غيرك. العجل، العجل،


1) الجمام: يعني الآبار

2) أنساب الأشراف: 3: 370 مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 74

3) حياة الإمام الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ): 2: 334

4) تذكرة الخواص: 248

یابن رسول الله، لعل الله أن يجمعنا بك على الحق، ويؤيد بك المسلمين والإسلام» (1).

وأعربت هذه الرسالة عن تعطش الكوفيين لقدوم الإمام، وليس لهم أي رأي سوى نصرة الإمام والتشرف بخدماته، وقد أبدوا رغباتهم الملحة في العجل لقدومه.

6- وآخر الرسائل التي وفدت على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)هذه الرسالة:

«عَجِّلْ يابنَ رَسُولِ الله القدوم، فإنّ لك بالكوفة مائة ألف سيف فلا تتأخر» (2).

لقد تتابعت الرسائل على الإمام كان منها ما ملأ خرجين (3).

ويقول المؤرخون: اجتمع عنده في نُوَب متفرّقة اثنا عشر ألف كتاب (4).

كما وردت إليه قائمة بأسماء مائة وأربعين ألف شخص يعربون فيها عن نصرته حال ما يصل إليهم (5). كما وردت عليه في يوم واحد ستمائة كتاب (6).

وعلى أيّ حال، فقد توافدت الكتب من أهل الكوفة على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتبع بعضها بعضاً، وهي موقعة من الأشراف والوجوه وقرّاء المصر، وهي تمثل تعطّشهم لقدومه ليقيم في بلدهم حكومة القرآن ويعيد لها ماضيها الزاهر يوم كانت عاصمة للإسلام، ولكن من المؤسف إنّهم سرعان ما انقلبوا على أعقابهم حينما وفد عليهم الإمام، فقد وثبوا عليه فوزعوا بسيوفهم جسده الشريف ومزقوا بدنه برماحهم وسحقوا بخيولهم جسده وسبوا عياله وأطفاله.


1) وسيلة المآل: 185. الفصول المهمة/ابن الصباغ: 170

2) حياة الإمام الحسين بن علي عليه: 2: 335

3) حياة الإمام الحسين بن علي عليه: 2: 335

4) الوافي في المسألة الشرقية: 1: 48

5) حياة الإمام الحسين بن علي الله: 2: 334

6) الدرّ المسلوك فى أحوال الأنبياء والأوصياء والملوك: 1: 107

سَفَارَةُ مُسلم إلى العراق

اشارة:

وتتابعت رسائل الكوفيين على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي تحثّه على القدوم إليهم لينقذهم من جور الأمويين وظلمهم، ورأى الإمام الواجب الشرعي يدعوه للقيام بهذه المهمة الخطيرة التي لا يقوم بها أحد سواه، فاستجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع علمه بنفسيات الكوفيين واتجاهاتهم إلا أن الواجب يلزمه بذلك.

ورأى الإمام - قبل كلّ شيء- أن يختار سفيراً له يعرفه بصدق نياتهم، فإن رأى منهم عزيمة صادقة فيأخذ البيعة منهم ثمّ يتوجه لهم. وقد قام بما يلي:

انتخاب مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) للسفارة

اختار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سفارته ثقته، وكبير أهل بيته، والمبرز بالفضل فيهم مسلم بن عقيل، وهو من أفذاذ الرجال، ومن أمهر الساسة وأكثرهم قابلية على مواجهة الظروف، والصمود أمام الأحداث.

يقول العلّامة المظفّر الشيخ عبدالواحد:

تَصَفَّحْتُ أَخْبَارَ السَّفَارَةِ لَمْ أَجِد *** سفيراً يُداني مُسْلِمَ بْنَ عَقِيْلِ

أَرى ذِكْرَهُ حَيّاً وَإِنْ عَابَ شَخْصُهُ *** لَدَى تدى كُلِّ دَوْرٍ فِي الْحَيَاةِ وَجِيْلِ

فنِّى يَنتَخِيهُ السَّبْطُ سِبْطُ مُحَمَّدٍ *** متَى تَسْمَحُ الدُّنيا لَهُ بِمَثِيل؟

وعرض الإمام على ابن عمه مسلم القيام بهذه المهمة ورشّحه لها من دون إخوانه

وأبناء عمومته، فاستجاب لذلك عن رضى ورغبة.

وثيقة سفارته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وزوّده الإمام بوثيقة عهد فيها إلى تعيينه نائباً عنه، وقد رويت بصور متعدّدة:

1- رواها أبو حنيفة الدينوري، وهذا نصها:

«مِنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيَّ إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتابِي هذا مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَشِيْعَتِهِ فِي الْكُوفَةِ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، أَمَا بَعْدُ:

فَقَدْ أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ، وَفَهِمْتُ ما ذَكَرْتُمْ مِنْ مَحَبَّتِكُمْ بِقُدُومِي عَلَيْكُمْ، وَأَنا بَاعِتْ إِلَيْكُمْ بِأَخِي، وَابْنِ عَمِّي، وَثِقَنِي مِنْ أَهْلِي مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ لِيَعْلَمَ لِي كُنْهَ أَمْرِكُمْ، وَيَكْتُبَ إِلَيَّ بِما يَتَبَيَّنُ لَهُ مِنِ اجْتِمَاعِكُمْ، فَإِنْ كَانَ أَمْرُكُمْ عَلَى مَا أَتَتْنِي بِهِ كُتُبُكُمْ، وَأَخْبَرَتْنِي بِهِ رُسُلُكُمْ أَسْرَعْتُ بِالْقُدُومِ إِلَيْكُمْ وَالسَّلَامُ» (1).

2- رواها صفى الدين، وقد جاء فيها بعد البسملة:

«أَمَا بَعْدُ.. فَقَدْ وَصَلَتْنِي كُتُبُكُمْ، وَفَهِمْتُ ما اقْتَضَتْهُ آرَاؤُكُمْ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُم ثِقَتِي وَابْنَ عَمِّي مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ، وَسَأَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَشِيكاً فِي أَثَرِهِ وَالسَّلَامُ» (2).

وأهملت هذه الرواية مهمة مسلم من أخذ البيعة للإمام الذي هـو من صمیم الموضوع.

3- رواها الطبري وقد جاء فيها بعد البسملة:

«مِنَ الْحُسَيْنِ بْن عَلِيَّ إِلَى الْمَلَأُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ هاتناً وسَعِيداً (3)،


1) الأخبار الطوال: 210

2) وسيلة المآل: 186، من مصوّرات مكتبة الإمام الحكيم

3) هما هانئ بن هانئ السبيعي، وسعيد بن عبدالله الحنفي

قَدِما عَلَيَّ بِكُتُبِكُمْ وَكانا آخِرَ مَنْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ رُسُلِكُمْ، وَقَدْ فَهِمْتُ كُلَّ الَّذِي اقْتَصَصْتُمْ وَذَكَرْتُمْ، وَمَقالَةٌ جُلِّكُم إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنا إِمامٌ، فَأَقْبِلْ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُنَا بِكَ عَلَى الْهُدَى وَالْحَقِّ.

وَقَدْ بَعَثْتُ لَكُمْ أَخِي وَابْنَ عَمِّي، وَثِقَتِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَأَمَرْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيَّ بِحالِكُمْ وَأَمْرِكُمْ وَرَأْيِكُمْ، فَإِنْ كَتَبَ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ وَذَوِي الْفَضْلِ وَالْحِجي مِنْكُمْ عَلى مِثْلِ ما قَدِمَتْ عَلَى بِهِ رُسُلُكُمْ، وَقَرَأْتُ في كُتبكُمْ، أَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَشِيكاً إِنْ شاءَ اللهُ، فَلَعَمْرِي ما الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الْعامِلُ بِالْكِتَابِ، وَالْآخِذُ بِالْقِسْطِ، وَالدَائِنُ بِالْحَقِّ، وَالْحابِسُ نَفْسَهُ عَلى ذاتِ اللهِ، وَالسَّلَامُ» (1).

حكت هذه الرسالة - حسب نص الطبري الأمور التالية:

أولاً: توافد رسائل الكوفيين على الإمام طالبين منه القدوم لمصرهم.

ثانياً: الإشادة بمسلم فهو ثقة الإمام وابن عمه، ويكفي في ذلك دلالة على سموّ مكانته وعظيم منزلته.

ثالثاً: تحديد صلاحية مسلم وهو اكتشاف الوضع السياسي في الكوفة، ومدى صدق القوم فيما كتبوه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومن المؤكّد أنّه لا تناط هذه الصلاحيات إلا بمن كانت له معرفة بشؤون المجتمع وأحوال الناس.

رابعاً: إنّه أوقف قدومه على الكوفة بتعريف مسلم له بأحوال الكوفيين.

خامساً: إن هذه الرسالة حددت الصفات التي يجب أن تتوفر في زعيم الأمة وقائد مسيرتها وهي:

• العمل بكتاب الله.

1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 262

•

الأخذ بالقسط.

•

الديانة بالحق

•

حبس النفس على ذات الله تعالى، وعدم انسيابها في لذائذ الحياة.

سفر مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وغادر مسلم مكّة ليلة النصف من رمضان (1)، وعرج في طريقه على المدينة، فصلى في جامع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وطاف بضريحه، وودّع أهله وأصحابه (2)، وكان ذلك هو الوداع الأخير، واتجه صوب العراق ومعه الذوات التالية:

•

قيس بن مسهر الصيداوي.

•

عمارة بن عبدالله السلولي.

•

عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي.

واستأجر من المدينة دليلين من قيس يدلانه على الطريق (3)، وسار مسلم مع أصحابه في صحراء الحجاز لا يلوون على شيء يتقدمهم الدليلان، وهما يتنكبان الطريق خوفاً من طلب السلطة لهم، فضلا عن الطريق ولم يهتديا له، وأعياهما السير، واشتدّ بهما العطش، فأشارا إلى مسلم بسنن الطريق بعد أن بان لهما، وتوفّيا في ذلك المكان، وسار مسلم مع رفاقه حتى أفضوا إلى الطريق، فوجدوا ماءاً، فأقاموا فيه ليستريحوا مما ألم بهم من عظيم الجهد والعناء.


1) الكامل في التاريخ: 3: 267

2) مروج الذهب: 2: 86

3) تاريخ الأمم والملوك: 6: 198

رواية مخدوشة

و خلط التاريخ الإسلامي بكثير من الموضوعات كان منها - فيما أحسب - هذه الرواية وهي:

إنّ مسلماً بعد ما عاناه من الجهد في سفره وموت الدليلين رفع للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة يرجو فيها الاستقالة من سفارته، وهذا نصها بعد البسملة:

«أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ مَعَ دَلِيلَيْنِ، فَجازا (1)عَنِ الطَّرِيقِ فَضَلَا، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِما الْعَطَشُ، فَلَمْ يَلْبَنا أَن ماتا، وَأَقْبَلْنا حَتَّى انْتَهَيْنا إِلَى الْماءِ، فَلَمْ نَنْجُ إِلَّا بِحُشاشة أَنْفُسِنا، وَذلِكَ الْمَاءُ بِمَكانٍ يُدْعَى الْمَضِيقَ مِنْ بَطْنِ الْخَبْتِ، وَقَدَ تَطَيَّرْتُ مِنْ تَوَجُهِي هذا فَإِنْ رَأَيْتَ أَعْفَيْتَنِي مِنْهُ وَيُعَثْتَ غَيْرِي، وَالسَّلَامُ».

وأجابه الإمام بالرسالة التالية ندّد فيها بموقفه، متهماً له بالجبن، وهذا نصها:

«أَمّا بَعْدُ، فَقَدْ خَشِيتُ أَن لا يَكُونَ حَمَلَكَ عَلَى الْكِتَابِ إِلَيَّ فِي الْإِسْتِعْفَاءِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي وَجُهْتُكَ لَهُ إِلَّا الْجُبْنُ، فَامْضِ لِوَجْهِكَ الَّذِي وَجُهْتُكَ فِيهِ وَالسَّلَام» (2).

وقد دلّلنا على عدم صحة هذه الرواية في الجزء الثاني من كتابنا (حياة الإمام الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ))، ونذكر ما أوردنا فيه:

1- إنّ مضيق الخبت الذي بعث منه مسلم برسالة إلى الإمام الحسين يقع ما بين مكة والمدينة، حسب ما نص عليه الحموي (3)، ولم يكن هناك موضع يسمى بهذا الاسم يقع ما بين المدينة والعراق، وقد نصت الرواية على أنه استأجر دليلين


1) جازا عن الطريق: أي تركاه خلفهما

2) الإرشاد: 226

3) معجم البلدان: 2: 343

من المدينة، وخرجوا إلى العراق فضل الدليلان وتوفيا في الطريق.

2- لو سلمنا أنّ هناك مكاناً يسمّى بمضيق الخبت يقع ما بين المدينة والعراق لم يذكره الحموي، فإنّ السفر منه إلى مكة لمقابلة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستوعب زماناً يزيد على عشرة أيام، في حين أن سفر مسلم من مكة إلى العراق مع مروره بالمدينة وتوديعه إلى أهله قد حدده المؤرخون بعشرين يوماً، وهي أسرع مدة يقطعها المسافر، فإذا استثنينا مدّة سفر رسول مسلم من ذلك المكان ورجوعه إليه، وهي تساوي عشرة أيام على الأقل، فيكون مجموع المدّة في سفر مسلم عشرة أيام، ويستحيل أن يقطع الطريق من مكة إلى الكوفة عشرة أيام.

3- إنّ الإمام انّهم مسلماً - في هذه الرسالة بالجبن - وهو مناقض لتوثيقه له من أنّه ثقته والمبرز بالفضل من أهل بيته.

4- إنّ اتهام مسلم بالجبن يتنافى مع سيرته، فقد أبدى من الشجاعة ما يبهر العقول، وقد استقبل الموت بثغر باسم، ولم يخضع لأولئك السفكة المجرمين.

يقول عنه البلاذري: «إنّه أشجع بني عقيل وأرجلهم» (1)، بل إنّه أشجع هاشمي عرفه التاريخ بعد الأئمة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ».

إنّ هذا الحديث من المفتريات الذي وضع للحط من قيمة هذا القائد العظيم الذي هو من مفاخر الأمة العربية والإسلامية.

في بيت المختار

وسار مسلم مع جماعته حتى انتهى إلى الكوفة، فاختار النزول في بيت المختار الثقفي (2)، وهو من أشهر أعلام الشيعة، وأحد سيوفهم، ومن أخلص الناس للإمام


1) حياة الإمام الحسين بن عليّ (عَلَيهِما السَّلَامُ): 2: 345 و 346

2) حياة الإمام الحسين بن عليّ (عَلَيهِما السَّلَامُ): 2: 345 و 346

الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأحبهم له.

لقد اختار مسلم النزول في بيت المختار دون غيره من زعماء الشيعة وذلك لوثوقه بإخلاصه وولائه للإمام الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ومضافاً لذلك فقد كان المختار زوجاً لعمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري حاكم الكوفة، ولا شك أن يده لا تمتد إلى مسلم طالما كان مقيماً في بيت صهره، وقد دلّ ذلك على خبرة مسلم وإحاطته بالشؤون الاجتماعية.

وعلى أي حال، فقد فتح المختار أبواب داره لمسلم، وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم، ودعا الشيعة إلى مقابلته، فاقبلوا إليه من كل حدب وصوب وهم يظهرون له الولاء والطاعة، وصار بيت المختار مركزاً سياسياً مناهضاً للدولة الأموية.

ومن المؤكد أنّ السلطة كانت على علم بذلك وكانت تغض النظر عن ذلك، فقد كان حاكم الكوفة من الناقمين على يزيد.

ابتهاج الكوفيين

وعمّت الأفراح والمسرات جميع الأوساط الشعبية في الكوفة بمقدم مسلم الذي جاء ليحرّرهم وینقذهم من جور الأمويين وظلمهم، وقد وجد مسلم منهم ترحيباً حاراً وتأييداً شاملاً، وكان يقرأ عليهم رسالة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم يبكون، ويبدون التعطّش لقدومه والتفاني في نصرته ليعيد لهم حكم أبيه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مؤسس العدالة الكبرى في الأرض، والذي ازدهرت الكوفة بحكمه، المؤسس وكان مسلم يوصي الكوفيين بتقوى الله تعالى، وكتمان الأمر حتى يقدم إليهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أخذ البيعة للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وانثالت الجماهير على مسلم تبايعه للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم إنما يبايعون الله

ورسوله، ويُرْجِعون الحق إلى نصابه وأهله.

صيغة البيعة

أمّا صيغة البيعة التي جرت للإمام الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) على يد ممثله مسلم، فهي كما يلي:

«الدعوة إلى كتاب الله تعالى، وسنّة رسوله، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسمة الغنائم بين المسلمين بالسوية، وردّ المظالم إلى أهلها، والمسالمة لمن سالموا، والمحاربة لمن حاربوا» (1).

حكت هذه البنود مدى ما تحمله البيعة للإمام الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) من العدل وإقامة حكم الله في الأرض الذي تنعم به جميع شعوب العالم وأمم الأرض. لقد حفلت صيغة البيعة بجميع مقوّمات السياسة التي ينشدها الإسلام والتي هي جزء من رسالته.

وكان حبيب بن مظاهر الأسدي هو الذي يأخذ البيعة من أهل الكوفة للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

كلمة عابس الشاكرى

أمّا عابس الشاكري فلم تكن له ثقة بجماهير الكوفة، وإنّما أخبر عن نفسه وتعهد بنصرته للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واستعداده للشهادة بين يديه، فقال مخاطباً مسلماً:

«أما بعد.. فإنّي لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في نفوسهم، وما أغرك منهم، والله إنّي محدِّثك عما أنا موطن عليه نفسي، والله لأجيبنكم إذا دعوتم،


1) حياة الإمام الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ): 2: 345 و 346

2) الحدائق الوردية: 1: 125، من مخطوطات مكتبة الإمام كاشف الغطاء العامة

ولأقاتل معكم عدوّكم، ولأخرج بسيفي دونكم، حتى ألقى الله لا أريد بذلك إلا ما عند الله».

وقد صدق عابس ما عاهد عليه الله، فلم يخن ضميره، ولم ينقض بيعته للإمام كما فعل أهل الكوفة، فقد قدّم نفسه يوم عاشوراء فداء لسيد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)...

وانبری حبیب بن مظاهر فأيّد عابساً قائلاً له: «رحمك الله، فقد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك، وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما أنتَ عليه».

فاندفع سعيد الحنفي فأيد ما قاله صاحباه (1)، وهؤلاء الأبطال فقد وفوا ببيعتهم للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد بذلوا أرواحهم للإمام، واستشهدوا بين يديه.

عدد المبايعين

وتسابقت جماهير الكوفة إلى بيعة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على يد سفيره مسلم، وقد اختلف المؤرّخون في عدد من بايعه، وهذه بعض الأقوال:

1- أربعون ألفاً (2).

2- ثلاثون ألفاً من بينهم حاكم الكوفة بن بشير (3).

3- ثمانية وعشرون ألفاً (4).

4- ثمانية عشر ألفاً حسب ما جاء في رسالة مسلم إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول فيها: وَقَدْ بايَعَنِي مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلفاً، فَعَجِّلِ الْإِقبال.


1) تاريخ الأمم والملوك: 6: 196

2) مثير الأحزان/ابن نما: 6. شرح شافية أبي فراس:1: 90

3) دائرة المعارف الإسلامية: 3: 444

4) تاريخ أبي الفداء: 1: 300

5- اثنا عشر ألفاً (1).

رسالة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وازداد مسلم إيماناً ووثوقاً بنجاح الدعوة حينما بايعه ذلك العدد الهائل من الكوفيين، فكتب للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرسالة يستحثّه فيها على القدوم إليهم، وقد كتبها قبل شهادته ببضع وعشرين ليلة، هذا نصّها:

أَمَّا بَعْد.. فَإِنَّ الرّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَقَدْ بايَعَنِي مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلفاً، فَعَجُلِ الْإِقبال حِيْنَ يَأْتِيكَ كِتابِي، فَإِنَّ النّاسَ كُلَّهُمْ مَعَكَ، لَيْسَ لَهُمْ فِي آلِ مُعَاوِيَةَ رَأْي وَلَا هَوًى والسَّلَام» (2).

لقد كتب مسلم هذه الرسالة لأنه لم ير أيّة مقاومة لدعوته، وإنّما رأى إجماعاً شاملاً على بيعة الإمام، وتلهفاً حاراً لحكمه، وحمل الرسالة جماعة من أهل الكوفة، يرأسهم البطل المجاهد عابس الشاكري، وقدم الوفد مكة، وسلّم الرسالة إلى الإمام، واستحقِّوه على الاسراع إلى الكوفة، وذكروا ما لاقاه سفيره من الحفاوة البالغة، وعند ذلك تهيّأ الإمام إلى السفر للكوفة.

موقف حاكم الكوفة

أمّا موقف حاكم الكوفة، النعمان بن بشير، من الثورة فقد كان متسماً باللين والتسامح، وقد اتهمه الحزب الأموي بالضعف، وعدم الاهتمام في حفظ مصلحة الدولة وسلامتها فأجابهم: «لأن أكون ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحبُّ إليَّ من أن أكون قوياً في معصية الله، وما كنت لأهتك ستراً ستره الله» (3).


1) مروج الذهب: 3 4 تهذيب التهذيب: 2: 250

2) تاريخ الأمم والملوك: 6: 224

3) سير أعلام النبلاء: 3: 206

وأعطى النعمان بموقفه المتخاذل الشيعة قوّة، وشجعهم على العمل ضد الدولة، ولعل السبب في موقفه المتخاذل يعود لأمرين:

1- إنّ مسلماً كان ضيفاً على المختار، وهو زوج ابنته عمرة، فلم يعرض للثورة بسوء رعاية للمختار.

2- إنّ النعمان كان ناقماً على يزيد، وذلك لبغضه وكراهيته للأنصار، فقد أغرى الأخطل الشاعر المسيحي بهجائهم، ولعلّ هذا وغيره من الأسباب قد دعت النعمان لأن لا يتخذ أي إجراء ضد الثورة.

وعلى أي حال، فقد نقم الحزب الأموي على النعمان، وحرّضوه على ضرب الشيعة، وإخماد الثورة، فصعد المنبر وقال بعد ما حمد الله والثناء عليه:

«أما بعد.. فاتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإنّ فيهما تهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الأموال..

إني لم أقاتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب عليَّ، ولا أشاتمكم، ولا أتحرّش بكم، ولا آخذ بالقرف (1)، ولا الظنة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله إلا لأضر بنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحقِّ منكم أكثر ممّن يريد الباطل» (2).

وليس في هذا الحديث أي ركون أو ميل إلى وسائل العنف والشدة ضد الثورة، وإنما فيه تحذير من مغبة الفتنة والفرقة وحبّ العافية، وعدم التعرّض لمن لا يثب على السلطة، وعدم أخذ الناس بالظنّة والتهمة كما كان يفعل زياد بن أبيه والي العراق أيام معاوية.


1) القرف: التهمة

2) الكامل في التاريخ: 3: 267

وعلّق أنيس زكريا على خطاب النعمان بقوله:

«ولنا من خطبه - أي خطب النعمان - في الكوفة برهان آخر على أنه كان يرى الفتنة يقظى، ولا بد أن تشتعل، وأنه لن يهاجم القائمين بها قبل أن يهاجموه، فجعل لأنصارها قوة وطيدة الأركان، ويداً فعّالة في ترتيب المؤامرة وتنظيمها على الأسس المثبتة (1).

سخط الحزب الاموي

ونقم الحزب الأموي على النعمان موقفه المتخاذل الذي لم يركن فيه إلى الشدّة والعنف، فانبرى إليه عبد الله بن مسلم الحضرمي حليف بني أمية قائلا له:

«إنّه لا يصلح ما ترى إلا الغشم (2)، إنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك رأي المستضعفين» (3).

ودافع النعمان عن نفسه بأنّه لا يعتمد على أيّة وسيلة تبعده عن الله تعالى وتتجافى مع دينه، واستبان للحزب الأموي ضعف النعمان، وتجاوبه مع الثورة.

اتصال الحزب الأموى بدمشق

وفزع الحزب الأموي من تجاوب الرأي العام مع مسلم واتساع نطاق الثورة في ن أنّ السلطة المحلّية قد غضت النظر عن مجريات الأحداث، واتهمتها بالضعف حين أو التواطؤ مع الثورة. وقام الحزب الأموي باتصال سريع بحكومة دمشق، وطلبوا منها اتخاذ الاجراءات الفورية قبل أن يتسع نطاق الثورة، وينفصل العراق عن دمشق


1) الدولة الأموية في الشام: 41

2) الغشم: الظلم

3) الكامل في التاريخ: 3: 267

ويأخذ استقلاله، وقد رفعوا إلى يزيد عدة رسائل كان منها هذه الرسالة التي كتبها عبد الله الحضرمي، جاء فيها:

«أما بعد.. فإنّ مسلم بن عقيل قدم الكوفة، وبايعته الشيعة للحسين بن علي، فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ينفّذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف» (1).

لقد طلب الحضرمي من يزيد إقصاء النعمان عن مركزه، واستعمال شخص قوي مكانه ليتمكن من القضاء على الثورة، وكتب إليه بمثل ذلك عمارة بن الوليد بن عقبة، وعمر بن سعد.

فزع يزيد

وفزع يزيد حينما توافدت عليه رسائل عملائه في الكوفة بمبايعة أهلها للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فراودته الهواجس، وظل ينفق ليله ساهراً، فهو يعلم أن العراق مركز القوّة في العالم الإسلامي، وهو يبغضه ويحقد عليه وعلى أبيه، وأن العالم الإسلامي لا يساوي بينه وبين الإمام الحسين، فهو حفيد أبي سفيان، العدو الأول للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والإمام الحسين حفيد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأحب الخلق إليه فهو ريحانته، ولا يرضون بغيره بديلاً.

استشارته لسرجون

وشعر يزيد بالخطر الذي يهدّد سلطانه، فاستدعى سرجون الرومي، وكان مستشار أبيه، ومستودع أسراره، وكان من أدهى الناس وأمكرهم في السياسة، وعرض عليه يزيد الأمر قائلاً: ما رأيك إن حسيناً قد توجّه إلى الكوفة، ومسلم بن


1) الكامل في التاريخ: 3: 267

عقيل بالكوفة يبايع للحسين، فقد بلغني عن النعمان أنه ضعيف وفيه قول سيء، فما ترى؟ من أستعمل على الكوفه.

وتأمّل سرجون وأطال التفكير، وقد اهتدى إلى الحلّ فقال له: أرأيت أن معاوية لو نُشِر أكنت آخذاً برأيه؟

نعم.

فأخرج له سرجون عهد معاوية لعبيد الله بن زياد على الكوفة، وقال له: هذا رأي معاوية، وقد مات، وقد أمر بهذا الكتاب (1).

أما دوافع سرجون لاختيار ابن زياد على ولاية الكوفة فإنّها لا تخلو - فيما أحسب - من أمرين وهما:

1- إنّه يعرف قسوة ابن زياد وبطشه، وإنّه لا يقوى على إخضاع العراق ليزيد غيره، وإنّه هو الذي يتمكّن من القضاء على الثورة بما يملك من وسائل الارهاب والعنف.

2- إنّ العصبية القومية هي التي دفعته لترشيح ابن زياد لهذا المنصب لأنه رومي وابن زياد رومي.

ولاية ابن زياد على الكوفة

كان يزيد ناقماً على ابن زياد، وغير مرتاح منه، وأراد عزله عن البصرة؛ وذلك المعارضة أبيه زياد في البيعة له (2)إلا أنه استجاب لرأي سرجون، وذلك للحفاظ على دولته، فعهد له بولاية البصرة والكوفة وزاد في رقعة سلطانه، وبذلك فقد أخضع العراق جميعه لحكمه، وكتب إليه هذه الرسالة:


1) الكامل في التاريخ: 3: 268

2) البداية والنهاية: 8: 652

«أما بعد.. فإنّه كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشقّ عصا المسلمين، فَسِرْ حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتى الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه، والسلام» (1).

وحكت هذه الرسالة قلق يزيد وفزعه من مسلم، وقد شدّدت على ابن زياد في الاسراع بالسفر إلى الكوفة لإلقاء القبض على مسلم، وصرّحت بعض المصادر أن یزید كتب إلى ابن زياد يستحثّه على السفر إلى الكوفة والإسراع إليها، فقد جاء فيها:

«إن كان لك جناحان فَطِرْ إلى الكوفة» (2).

وهذا مما ينم عن مدى الفزع والخوف الذي ألم بيزيد من الثورة في العراق.

وتسلّم هذه الوثيقة مسلم بن عمر و الباهلي لإعطائها لابن زياد، وكان الباهلي من عيون بني أمية في الكوفة، ومن عملائهم البارزين، كما كان من أجلاف العرب وبخلائهم، وهو الذي ضنّ على مسلم أن يشرب جرعة من الماء حينما الماء حينما جيء به أسيراً لابن زياد.

وعلى أي حال، فقد تسلّم ابن مرجانة العهد بولاية الكوفة من الباهلي، وقد طار فرحاً، فقد تمّ له الحكم المطلق على جميع أنحاء العراق بعد ما كان مهدداً بالعزل عن ولاية البصرة.

كما ازداد فرحاً ووثوقاً بنفسه حينما خوّلته دمشق من الحكم المطلق على العراق، وأباحت له استعمال الشدّة والقسوة وسفك الدماء لكل من لا يدخل في الطاعة لسيّده يزيد، وكان هذا التفويض المطلق ممّا يتفق مع رغبات ابن زياد وميوله، فقد كان من عوامل استمتاعاته النفسية حبّ الجريمة، والإساءة إلى الناس، وعدم التردد في سفك الدماء.


1) سير أعلام النبلاء: 3: 201

2) سير أعلام النبلاء: 3: 201

خطبة ابن زياد في البصرة

وتهيّأ ابن مرجانة لمغادرة البصرة والتوجه إلى الكوفة وقبل مغادرته خطب بالناس خطاباً قاسياً جاء فيه:

«أما بعد، فوالله إنّي ما تقرن بي الصعبة، ولا يتقعقع لي بالشنان، وأني لنكل لمن عاداني، وسم لمن حاربني، انصف القارة من راماها.

يا أهل البصرة، إن أمير المؤمنين ولاني الكوفة وأنا عاد إليها الغداة وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان، وإياكم والخلاف والإرجاف، فوالله الذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعرينه (1)، ووليه، ولأخذن الأدنى بالأقصى حتى تستمعوالي، ولا يكون فيكم مخالف ولا مُشاقّ.

أنا ابن زياد أشبهته بين من وطئ الحصى، ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم» (2).

حكى هذا الخطاب نفسيّة هذا الإنسان الممسوخ، الذي خُلق للجريمة وسفك الدماء، فهو يأخذ البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر، والأدنى بالأقصى، ويقتل على الظنّة والتهمة، كما كان يفعل المجرم الأثيم أبوه زياد الذي أغرق الكوفة بالدماء وأشاع فيها الخوف و

الإرهاب وقد شابهه ابنه في جرائمه وآثامه.

سفر الطاغية إلى الكوفة

وغادر الخبيث الدنس البصرة متجهاً نحو الكوفة ليقترف أعظم جريمة لم يقترفها شقيّ غيره. وقد صحبه من أهل البصرة خمسمائة رجل، فيهم عبدالله بن


1) العرين: الجماعة

2) تاريخ الأمم والملوك: 4: 266

الحارث بن نوفل، وشريك بن الأعور الحارثي (1)، وهو من أفذاذ الشيعة، ومر أخلص أصحاب الإمام الحسين، وقد صحب الطاغية ليكون عيناً عليه، ويتعرف على خططه.

وقد صحب ابن زياد معه هذه العدد ليستعين بهم على بن الإرهاب وإشاعة الخوف في الكوفة، وأخذ يجد في السير لا يلوي على شيء مخافة أن يسبقه الإمام الحسين إلى الكوفة، وقد جهد أصحابه وأعياهم المسير، فسقط منهم جماعة، منهم عبد الله عبد الله بن الحارث، فلم يعبأ بهم، ولما ورد القادسية سقط مولاه (مهران)، فقال له ابن زياد: إن أمسكت على هذا الحال فتنظر إلى القصر فلك مائة الف.

فقال له مهران: لا والله لا أستطيع.

ونزل ابن مرجانة فلبس ثياباً يمانية وعمامة سوداء، وتلثّم ليوهم من رآه أنّه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسار فدخل الكوفة ممّا يلي النجف (2)، وقد بلغ به الخوف أقصاه، فقد كان قلبه يخفق كجناح طائر من شدة الخوف ولو كانت عنده مسكة من البسالة والشجاعة لما تنكر وغير ملابسه، ليوهم على الناس أنّه الحسين، فقد تذرّع الجبان بهذه الوسائل لحماية نفسه، وتنص بعض المصادر أنه حبس نفسه حتى عن الكلام مخافة أن يعرفه الناس من منطقه فتأخذه سيوفهم.

في قصر الإمارة

وأسرع الخبيث الدنس نحو قصر الإمارة وهو خائف فزع، فقد أرعبه تباشر الناس وفرحهم ظانّين أنّه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانتهى المجرم الأثيم نحو باب القصر فوجده مغلقاً، والنعمان بن بشير مشرف من أعلى القصر، وقد توهم أن القادم هو الحسين


1) تاريخ الأمم والملوك: 6: 199

2) مقتل الحسين/المقرم: 165

لأنّ أصوات الناس قد تعالت بالترحيب به والهتاف بحياته، وانبرى مخاطباً له: ما أنا بمؤد إليك أمانتي يابن رسول الله، وما لي في قتالك من أرب.

ولمس ابن مرجانة في كلام النعمان الضعف والانهيار فصاح به: افتح لا فتحت، فقد طال ليلك.

ولما تكلّم عرفه بعض الحاضرين فصاح بالناس: إنّه ابن مرجانة ورب الكعبة. ولما علم الناس أنه ابن مرجانة جفلوا وعلاهم الرعب، وساد فيهم الخوف، وخفّوا مسرعين إلى دورهم، وهم يتحدثون عن ظلم أبيه وما عانوه منه من صنوف الاضطهاد والتنكيل، وأوجسوا من ابنه الخوف.

وعلى أي حال، فقد بادر ابن زياد إلى الاستيلاء على المال والسلاح وجعلهما فى قبضته (1)، وأنفق ليله ساهراً، فقد أحاط به عملاؤه الأمويون، فأخذوا يحدثونه عن اتساع الثورة، ويعرفونه بأعضائها البارزين، ويضعون معه المخططات للقضاء عليها.

خطابه في الكوفة

وعندما انبثق نور الصبح أمر ابن مرجانة بجمع الناس في المسجد الأعظم، فأسرعت الجماهير، وقد خيّم عليها الفزع والذعر، وخرج الطاغية من قصر الإمارة متقلّداً سيفه، ومعتماً بعمامة، فاعتلى أعواد المنبر، وخطب في الناس قائلاً:

«أمّا بعد.. فإنّ أمير المؤمنين - أصلحه الله - ولاني مصركم وثغركم، وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدّة على مريبكم، فأنا لمطيعكم كالوالد الب-ر الشفيق، وسيفي وسوطي على من ترك أمري، وخالف عهدي، فَلْيُبْقِ امرؤ على نفسه، الصدق ينبئ


1) حياة الإمام الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ): 2: 358

عنك لا الوعيد» (1).

أمّا محتويات هذا الخطاب:

أولاً: إعلام أهل الكوفة بولايته على مصرهم، وعزل النعمان بن بشير عنها.

ثانياً: إنّ حكومة دمشق قد عهدت له بالإحسان لمن يتبع السلطة، ولم يتمرّد عليها، كما عهدت له بالقسوة على الخارجين عليها.

ثالثاً: لم يتعرّض هذا الخطاب إلى الثورة، وإلى مسلم بن عقيل، سفير الإمام الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد أهمل هذه الجهة خوفاً من الانتفاضة عليه، وهو بعد لم يُحكم أمره.

نشر الارهاب

ولم يلبث ابن زياد حتى أحكم أمره، فقد احتف به وجوه أهل الكوفة وذوو الأطماع، وقد قام بما يلي:

1- ألقى القبض على جماعة، وأمر باعدامهم بالوقت؛ لأنهم من أعضاء الثورة، وقد عمد إلى ذلك لنشر الرعب، وصرف الناس عن الثورة (2).

2- ألقى الطاغية خطاباً في الجامع الأعظم هدّد فيه وتوعد، وجاء فيه:

«أما بعد.. فإنّه لا يصلح هذا الأمر إلا في شدّة من غير عنف، ولين من غير ضعف، وأن آخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، والولي بالوليّ ».

فانبرى إليه رجل فقطع عليه خطابه فقال له: «أيها الأمير، إنّ الله تبارك وتعالى يقول: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (3)، إنّما المرء بجدّه، والسيف بحده، والفرس


1) مقاتل الطالبيين: 97

2) الفصول المهمة: 197. وسيلة المآل: 186

3) الأنعام 6 164. الإسراء 17: 15 فاطر 35 18 الزمر 39: 7

بشدّه، وعليك أن تقول وعلينا أن نسمع، فلا تقدّم فينا السيّئة قبل الحسنة).

وأفحم ابن زياد، ولم ينبس ببنت شفة، ونزل عن المنبر واحتمى بقصر الإمارة (1).

أمّا هذا الخطاب فقد حفل بالقسوة والصرامة، كما حكى السياسة الارهابية التي يتبعها الطاغية، فهو يأخذ البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر، كما كان يفعل أبوه زياد.

تحوّل مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى دار هانئ

وبعد ما فوجئ مسلم بمجيء ابن مرجانة للكوفة وولايته عليها شعر بالخطر الذي داهمه، فهو يعلم بخبث هذا الطاغية، وأنّه لا يتحرّج من اقتراف أي إثم أو منكر، فأجمع رأيه على مغادرة دار المختار؛ لأنه لم تكن عنده قوة تحميه، ولم يكن يأوي إلى ركن شديد، فالتجأ إلى دار هانئ بن عروة، فهو سيّد المصر وزعيم مراد، وعنده من القوّة ما يضمن حماية الثورة والتغلب على الأحداث، فكان فيما يقول المؤرّخون - إذا ركب يركب معه أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، وإذا أجابته أحلافه من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع (2)، كما كانت له ألطاف وأيادٍ على أسرته، فكانوا يُكنّون له أعمق الود والإخلاص.

ومضى مسلم إلى دار هذا الزعيم العربي الكبير، فاستقبله بحفاوة بالغة، ورحب به ترحيباً حاراً، وصارت داره مركزاً لنشاط مسلم السياسي، ومحلاً لاجتماع الشيعة عنده.

ومن أوهى الأقوال ما ذكرته بعض المصادر (3)من أنّه قد ثقل على هانئ استجارة


1) حياة الإمام الحسين بن علي (عَلَيهِا السَّلَامُ): 360. الفتوح: 5: 67

2) مروج الذهب: 2: 89

3) الأخبار الطوال: 213

مسلم به، واتخاذ داره معقلاً للثورة، ومركزاً للتجمعات ضد الدولة؛ فإنّه بذلك قد عرّض نفسه للنقمة والبلاء، إلا أنه استجاب - على كره - لاستجارة مسلم به، خضوعاً للعادات العربية التي لا تطرد اللاجئ إليها، وإن عانت من ذلك أقسى ألوان المصاعب والمشاكل. والذي أراه - بمزيد من التأمّل - أنّه لا صحة لهذا الرأي، فإنّ مسلماً لو شعر بعدم الرضا والقبول من هانئ، لما ركن إليه وتحرّج من الدخول لداره، وذلك لما توفّرت في مسلم من الطاقات التربوية الدينية، التي تصدّه من الالتجاء إلى من يكره وفادته، مضافاً إلى ما عرف به مسلم من الشمم والإباء الذي يبعده كل البعد من أن يفرض نفسه على أحد لا يرغب فيه، فإنّ مسلماً لو لم يحرز من هانئ التجاوب التام والإيمان الخالص بدعوته لما التجأ إليه في تلك الفترة العصيبة التي تحيط به.

إنّ من المؤكّد أنّ هانئاً لم يستجب لحماية مسلم والدفاع عنه على كره أو حياء، وإنّما استجاب له عن رضى وإيمان بوحي من دينه وعقيدته.

وعلى أي حال، فقد استقر مسلم في دار هانئ واتخذها مقراً للثورة، وقد احتف به هانئ، ودعا القبائل لمبايعته، فبايعه في منزله ثمانية عشر ألفاً (1)، وقد عرف مسلم هانئاً بشؤون الثورة، وأحاطه علماً بدعاتها وأعضائها البارزين.

امتناع مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اغتيال ابن زیاد

وذهب معظم المؤرّخين إلى أنّ شريك بن الأعور مرض مرضاً شديداً في بيت هانئ بن عروة أو في بيته (2)

والمشهور بين المؤرّخين أن شريكاً كان في بيت هانئ لا في بيته، فقد كان له مقيماً بالبصرة، وجاء مع ابن زياد إلى الكوفة

، فانتهى خبره إلى ابن زياد فأرسل إليه رسولاً يعلمه أنّه

1) الأخبار الطوال: 214

2) البداية والنهاية: 8: 153.

آتٍ لعيادته، فاغتنم شريك هذه الفرصة فقال لمسلم:

«إنّما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد أمكنك الله منه وهو صائر إليَّ ليعودني، فقم فادخل الخزانة حتى إذا اطمأن عندي فاخرج إليه فاقتله، ثمّ صر إلى قصر الإمارة فاجلس فيه فإنّه لا ينازعك فيه أحد من الناس، وإن رزقني الله العافية صرت إلى البصرة فكفيتك أمرها، وبايع لك أهلها» (1).

وكره هانئ أن يُقتل ابن زياد في داره تمسكاً بالعادات العربية التي لا تبيح قتل الضيف والقاصد إليها في بيوتها (2)، فقال له: ما أحبّ أن يُقتل في داري.

فقال له شريك: ولِمَ؟ فوالله إن قتله قربان إلى الله.

ولم يُعن شريك بهانئ والتفت إلى مسلم يحثه على اغتيال ابن زياد قائلاً له: لا تقصُرْ في ذلك.

وبينما هم في الحديث وإذا بالضجة على الباب، فقد أقبل ابن مرجانة مع حاشيته، فقام مسلم ودخل الخزانة مختفياً بها، ودخل ابن زياد، فجعل يسأل شريكاً عن مرضه وشريك يجيبه، ولما استبطأ شريك خروج مسلم جعل يقول:

ما الْإِنْتِظارُ بِسَلْمَى أَنْ تُحَبُّوها *** حيوا سُلَيْمَى وَحَبُّوا مَنْ يُحَيْبها

كَأْسَ الْمَنِيَّةِ بِالتَّعْجِيلِ فَاسْقُوها (3)

ما تَنْظُرُونَ بِسَلْمى لا تُحَيوها *** حَبّوا سُلَيْمَى وَحَبّوا مَنْ يُحَيَّيها

هَلْ شُرْبَةٌ عَذَبَةٌ أَسْقَى عَلى ظَمَأُ *** وَلَو تَلَفْتُ وَكَانَتْ مُنْيَتي فيهـا

وَإِن تَخَشَّيْتَ مِنْ سَلْمَى مُراقَبَةً *** فَلَسْتُ تَأْمَنُ يَوْماً مِنْ دَواهيها

وفي الفتوح: 5: 72 والأخبار الطوال: 214، أنه أنشد هذا البيت:

ما تَنْظُرُونَ بِسَلمى عِندَ فُرْصَتِها *** قَدْ أَفْقَدُوا وُدَّها وَاسْتَوسَقَ الصَّرَمُ


1) الأخبار الطوال: 214، مقاتل الطالبيين: 198. البداية والنهاية: 3: 369. وذهب بعض المؤرخين إلى أن الذي دعا مسلماً لاغتيال ابن زياد هانئ بن عروة كما في الإمامة والسياسة: 2: 4

2) يشير إلى ذلك ما جاء في مقاتل الطالبيين: 98 أن هانئاً استقبح قتل ابن زياد في داره

3) مقاتل الطالبيين: 98، وفي مقتل أبي مخنف أنّه أنشد هذه الأبيات:

ورفع صوته ليسمع مسلماً قائلاً: لله أبوك اسقنيها وإن كانت بها نفسي (1)، وغفل ابن زیاد عن مراده، وظنّ أنّه يهجر فقال لهانئ: أيهجر؟

نعم، أصلح الله الأمير، لم يزل هكذا منذ أصبح (2).

وفطن مهران مولی ابن زیاد، وكان ذكيّاً إلى ما دُبّر لسيّده، فغمزه، ونهض به سریعاً، فقال له شريك: أيها الأمير، إنّي أريد أن أوصي إليك.

فقال له ابن زياد: إنّي أعود إليك.

والتفت مهران وهو مذعور إلى ابن زياد فقال له: إنّه أراد قتلك!

فبهر ابن زياد، وقال: كيف مع إكرامي له؟!! وفي بيت هانئ ويد أبي عنده!

ولمّا ولى الطاغية خرج مسلم من الحجرة، فالتفت إليه شريك وقلبه يذوب أسئ وحسرات قال له: ما منعك من قتله؟ (3).

فقال مسلم: مَنَعَنِي مِنْهُ خَلَّتَانِ: إِحْدَاهُما كَرَاهِيَةً هَانِي لِقَتْلِهِ فِي مَنْزِلِهِ، وَالْأُخْرَى قَوْلُ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إِنَّ الإيمان قَيْدَ الْفَتْكَ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ.

فقال له شريك: أما والله لو قتلته لاستقام لك أمرُك، واستوسق لك سلطانك (4)

وذكر ابن نما: «أنّ امرأة هانئ تعلقت بمسلم وأقسمت عليه بالله أن لا يقتل ابن زياد في دارها، فلما علم هانئ قال يا ويلها قتلتني وقتلت نفسها، والذي فرت منه وقعت فيه»

.

1) مقاتل الطالبيين: 99

2) البداية والنهاية: 3: 270

3) البداية والنهاية: 3: 269 و 270

4) الأخبار الطوال: 214 وفي البداية والنهاية: 3: 270: « أنّ هانئاً قال المسلم: لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً».

ولم يلبث شريك بعد الحادثة إلا ثلاثة أيام حتى توفّي فصلى عليه ابن زياد ودفنه بالثوية، ولما تبين له ما دبّره طفق يقول: والله لا أصلي على جنازة عراقي، ولولا أنّ قبر أبي زياد فيهم، لنبشت شريكاً (1).

أضواء على الموقف

ويتساءل الكثيرون من الناس عن موقف مسلم، فيلقون عليه اللوم والتقريع، ويحملونه مسؤولية ما وقع من الأحداث، فلو اغتال الطاغية لأنقذ المسلمين من شرّ عظيم، وما مُنِي المسلمون بتلك الأزمات الموجعة التي أغرقتهم في المحن والخطوب...

أمّا هذا النقد فليس موضوعيّاً، ولا يحمل أي طابع من التوازن والتحقيق، وذلك لعدم التقائه بسيرة مسلم ولا بواقع شخصيّته، فقد كان الرجل فذاً من أفذاذ الإسلام في ورعه وتقواه، وتحرّجه في الدين؛ فقد تربّى في بيت عمه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحمل اتّجاهاته الفكرية، واتّخذ سيرته المشرقة منهاجاً يسير على أضوائها في حياته، وقد بنى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واقع حياته على الحق المحض الذي لا التواء فيه، وتحرّج أعظم ما يكون التحرّج في سلوكه، فلم يرتكب أي شيء شذ عن هدي الإسلام وواقعه، وهو القائل: قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيْلَةِ وَدُونَها حاجز مِنْ تَقوى الله.

وعلى ضوء هذه السيرة بنى ابن عقيل حياته الفكرية، وتكاد أن تكون هذه السيرة


1) تاريخ الأمم والملوك: 6: 202 الأغاني: 6: 59

هي المنهاج البارز في سلوك العلويين.

يقول الدكتور محمد طاهر درویش:

«كان للهاشميين مجال يحيون فيه، ولا يعرفون سواه، فهم منذ جاهليتهم للرئاسة الدينية، قد طبعوا على ما توحي به من الإيمان والصراحة والصدق والعفة والشرف والفضيلة والترفع، والخلائق المثالية، والمزايا الأدبية، والشمائل الدينية، والآداب النبويّة» (1).

إنّ مسلماً لم يُقدِم على اغتيال عدوّه الماكر لأنّ الإيمان قيَّد الفتك، ولا يفتك مؤمنٌ.

وعلّق هبة الدين على هذه الكلمة بقوله:

«كلمة كبيرة المغزى، بعيدة المدى، فإنّ آل علي من قوة تمسكهم بالحق والصدق نبذوا الغدر والمكر حتى لدى الضرورة، واختاروا النصر الآجل بقوة الحق على النصر العاجل بالخديعة، شنشنة فيهم معروفة عن أسلافهم، وموروثة في أحفادهم، كأنّهم مخلوقون لإقامة حكم العدل والفضيلة في قلوب العرفاء الأصفياء، وقد حفظ التاريخ لهم الكراسي في القلوب» (2).

ويقول الشيخ أحمد فهمي:

«فهذا عبيدالله بن زياد، وهو مَنْ هو في دهائه، وشدّة مراسه، أمكنت مسلماً الفرصة منه؛ إذ كان منه؛ إذ كان بين يديه، ورأسه قريب المنال منه، وكان في استطاعته قتله، ولو أنه فعل ذلك لحرم يزيد نفساً جبارة، ويداً فتاكة، وقوة لا يستهان بها، لكن مسلماً متأثر بهدي ابن عمّه، عاف هذا المسلك وصان نفسه من أن يقتله


1) الخطابة في صدر الإسلام 2: 13

2) نهضة الحسين: 84

حيلة ومكراً»(1).

إن مهمة مسلم التي عهد بها إليه هي أخذ البيعة من الناس والتعرّف على مجريات الأحداث، ولم يعهد إليه بأكثر من ذلك، ولو قام باغتيال الطاغية لخرج عن حدود مسؤولياته.. على أن الحكومة التي جاء ممثلاً لها إنّما هي حكومة دينية تُعنى قبل كلّ شيء بمبادئ الدين والالتزام بتطبيق سننه وأحكامه، وليس من الإسلام في شيء القيام بعملية الاغتيال.

وقد كان أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) يتحرّجون أشدّ ما يكون التحرّج من السلوك في المنعطفات، وكانوا ينعون على الأمويين شذوذ أعمالهم التي لا تتفق مع نواميس الدين، وما قام به الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنهضته الكبرى إلا لتصحيح الأوضاع الراهنة وإعادة المنهج الإسلامي إلى الناس.. وماذا يقول مسلم للأخيار والمتحرّجين في دينهم لو قام بهذه العمليّة التي لا يقرها الدين؟

وعلى أي حال، فقد استمسك مسلم بفضائل دينه وشرف عقيدته من اغتيال ابن زياد، وكان تحت قبضته، وإن من أهزل الأقوال وأوهنها القول بأنّ عدم فتكه به ناشئ عن ضعفه وخوره، فإنّ هذا أمر لا يمكن أن يصغى إليه، فقد أثبت في مواقفه البطولية في الكوفة حينما غدر به أهلها ما لم يشاهد التاريخ له نظيراً في جميع مراحله، فقد صمد أمام ذلك الزحف الهائل من الجيوش فقابلها وحده ولم تظهر عليه أي بادرة من الخوف والوهن، فقد قام بعزم ثابت يحصد الرؤوس ويحطم الجيوش حتّى ضجّت الكوفة من كثرة من قتل منها، فكيف يتهم بطل هاشم وفخر عدنان بالوهن والضعف؟


1) ريحانة الرسول: 178

المخططات الرهيبة

اشارة:

وأدت المخططات الرهيبة التي صمّمها الطاغية إلى نجاحه في الميادين السياسية وتغلبه على الأحداث، فبعد أن كانت الكوفة تحت قبضة مسلم انقلبت عليه رأساً على عقب، فزج بها الماكر الخبيث إلى حرب، مسلم، والقضاء عليه، هذه المخططات:

ومن بين

1- التجسس على المسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأوّل بادرة سلكها ابن زياد هي التجسس على مسلم، ومعرفة جميع نشاطاته السياسية، والوقوف على نقاط القوة والضعف عنده، وقد اختار للقيام بهذه المهمة مولاه، معقلاً، وكان من صنائعه، وتربّى في كنفه، ودرس طباعه، ووثق بإخلاصه، وكان فطناً ذكياً، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وأمره أن يتصل بالشيعة، ويعرفهم أنّه من أهل الشام، وأنّه مولى لذي الكلاع الحميري.

وكانت الصبغة السائدة على الموالي هي الإخلاص لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ولذا أمره بالانتساب إلى الموالي، حتّى ينفي الشك والريب عنه، وقال له: إنّه إذا التقى بهم فليعرفهم بأنّه ممّن أنعم الله عليه بحب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد بلغه قدوم رجل إلى الكوفة يدعو للإمام الحسين، وعنده مال يريد أن يلقاه ليوصله إليه حتى يستعين به على حرب عدوّه، ومضى معقل في مهمته فدخل الجامع، وجعل يفحص ويسأل عمّن له معرفة بمسلم، فأرشد إلى مسلم بن عوسجة، فانبرى إليه وهـو يظهر الإخلاص والولاء للعترة الطاهرة قائلاًله: إنّي أتيتك لتقبض منّي هذا المال، وتدلّني على صاحبك لأبايعه، وإن شئتَ أخذت بيعتي قبل لقائي إيَّاه.

فقال مسلم بن عوسجة: لَقَدْ سَرَّنِي لِقاؤُكَ إِيَّايَ لِتَنالَ الَّذِي تُحِبُّ، وَيَنْصُرَ اللهُ بِكَ أَهْلَ نَبِيِّهِ، وَقَدْ سَاءَنِي مَعْرِفَةُ النَّاسِ إِيَّايَ مِنْ قَبْل أَنْ يَتِمُ الْأَمْرُ مَخَافَةَ هَذَا الطَّاغِيَةِ

وَسَطْوَتِهِ، ثمّ أخذ منه البيعة وأخذ منه المواثيق المغلظة على النصيحة وكتمان الأمر(1).

وفي اليوم الثاني أدخله على مسلم بن عقيل، فبايعه وأخذ منه المال وأعطاه إلى أبي تمامة الصائدي، وكان قد عيّنه لقبض المال ليشتري به السلاح والكراع، وكان معقل فيما يقول المؤرخون أوّل من يدخل على مسلم، وآخر من يخرج منه، وجميع البوادر والأحداث التي تصدر ينقلها بتحفظ في المساء إلى ابن زياد (2)، حتى وقف على جميع أسرار الثورة.

مع أعضاء الثورة

والذي يواجه أعضاء الثورة من المؤاخذات ما يلي:

أوّلاً: إنّ معقلاً كان من أهل الشام الذين عُرفوا بالبغض والكراهية لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) والولاء لبني أمية، والتفاني في حبّهم، فما معنى الركون إليه؟

ثانياً: إن اللازم التريث حينما أعطى المال لمسلم بن عوسجة وهو يبكي، فما معنى بكائه أو تباكيه؟

أليس ذلك مما يوجب الريب في شأنه؟

ثالثاً: إنّه حينما اتصل به كان أوّل داخل وآخر خارج، فما معنى هذا الاستمرار والمكث الطويل في مقر القيادة العامة؟

أليس ذلك مما يوجب الشك في أمره؟

لقد كان الأولى بالقوم التحرّز منه، ولكنّ القوم قد خدعتهم المظاهر المزيفة،


1) الكامل في التاريخ: 3: 269

2) الأخبار الطوال: 215

ومن الحقّ أنّ هذا الجاسوس كان ماهراً في صناعته، وخبيراً فيما انتدب إليه، وعلى أي حال، فإنّ ابن زياد قد استفاد من عملية التجسّس أموراً بالغة الخطورة؛ فقد عرف العناصر الفعّالة في الثورة، وعرف مواطن الضعف فيها، وغير ذلك من الأمور التي ساعدته على التغلب على الأحداث.

2- رشوة الزعماء والوجوه

ووقف ابن زياد على نبض الكوفة، وعرف كيف يستدرج أهلها، فبادر إلى إرشاء الوجوه والزعماء، فبذل لهم المال بسخاء، فاستمال وُدّهم، واستولى على قلوبهم، فصارت ألسنتهم تكيل له المدح والثناء، وكانوا ساعده القوي في تشتيت شمل الناس، وتفريق جموعهم عن مسلم.

لقد استعبدهم ابن مرجانة بما بذله من الأموال، فأخلصواله ومنحوه النصيحة، و خانوا عهودهم ومواثيقهم التي أعطوها لمسلم، وقد أخبر بعض أهل الكوفة الإمام عن هذه الظاهرة حينما التقى به في أثناء الطريق فقال له: أما أشراف الناس فقد عظمت رشوتهم، وملئت غرائزهم، يستمال وُدُّهم، ويستخلص به نصیحتهم، وأما سائر الناس فإنّ أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورة عليك (1).

لقد تناسى الكوفيون كتبهم التي أرسلوها للإمام وبيعتهم له على يد سفيره من أجل الأموال التي أغدقتها عليهم السلطة.

يقول بعض الكتاب:

«أنّ الجماعات التي أقامها النكير على بني أمية، وراسلت الحسين، وأكدت له إخلاصها، وذرفت أمام مسلم أعزّ دموعها، هي الجماعات التي ابتاعها عبيد الله بن زياد بالدرهم والدينار، وقد ابتاعها فيما بعد مصعب بن الزبير فتخلّوا عن المختار،


1) تاريخ الأمم والملوك: 6: 233

وتركوه وحيداً يلقى حتفه ثم اشتراها الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان فتخلوا عن مصعب، وتركوه يلقى مصيره على يد عبد الملك بن مروان» (1).

الإحجام عن كبس دار هانئ

وعلم الطاغية أنّ هانئاً هو العضو البارز في الثورة، فقد أطلعه الجاسوس الخطير معقل على الدور الفعّال الذي يقوم به هانئ في دعم الثورة، ومساندتها بجميع قدراته، وعرّفه أنّ داره أصبحت المركز العام للشيعة، والمقر الرئيسي لسفير الحسين مسلم.. فلماذا لم يقم بكبسها وتطويقها بالجيش ليقضي بذلك على الثورة؟

وإنّما أحجم عن ذلك لعجزه عسكرياً، وعدم مقدرته على فتح باب الحرب، فإنّ دار هانئ، مع الدور التي كانت محيطة بها، كانت تضم أربعة آلاف مقاتل ممّن بايعوا مسلماً بالإضافة إلى أتباع هانئ ومكانته المرموقة في المصر، فلهذا لم يستطع ابن زياد القيام بذلك نظراً للمضاعفات السيّئة.

رسل الغدر

وأنفق ابن زياد لياليه ساهراً يطيل التفكير، ويطيل البحث مع حاشيته في شأن هانئ فهو أعزّ مَن في المصر، وأقوى شخصية يستطيع القيام بحماية الثورة، ولا يدع مسلماً فريسة لأعدائه، فإذا قضى عليه فقد استأصل الثورة من جذورها، وقد أعرضوا عن إلقاء القبض عليه وتطويق داره، فإنّ ذلك ليس بالأمر الممكن، فقد اتفق رأيهم على خديعته بإرسال وفد إليه من قبل السلطة يعرض عليه رغبة ابن زياد في زيارته، فإذا وقع تحت قبضته فقد تمّ كلّ شيء، ويكون تشتيت أتباعه ليس بالأمر العسير، وشكلوا وفداً لدعوته وهم:


1) المختار الثقفي مرآة العصر الأموي: 69 و 70

1- حسّان بن أسماء بن خارجة، زعيم فزارة.

2- محمد بن الأشعث، زعيم كندة.

3- عمرو بن الحجاج.

ولم يكن لحسّان بن أسماء علم بالمؤامرة التي دبّرت ضدّ هانئ، وإنما كان يعلم بها محمد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج، وقد أمرهم ابن زياد أن يحملوا له عواطفه ورغبته الملحة في زيارته، ويعملوا جاهدين على إقناعه.

اعتقال هانئ

وأسرع الوفد إلى هانئ عشية فوجدوه جالساً على باب داره، فسلّموا عليه وقالوا له: ما يمنعك لقاء الأمير فإنّه قد ذكرك؟ »، وقال: «لو أعلم أنه شاك من لعدتُه.

فقال لهم: الشكوى تمنعني.

وأبطلوا هذا الزعم وقالوا له: إنّه قد بلغه أنك تجلس كلّ عشية على باب دارك، وقد استبطأك، والإبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا.

وأخذوا يلحون عليه في زيارته، فاستجاب لهم على كره، فدعا بثيابه فلبسها، ودعا ببغلة فركبها، فلمّا كان قريباً من القصر أحسّت نفسه بالشر، فعزم على الانصراف، وقال لحسّان بن أسماء: يابن الأخ، إنّي والله لخائف من هذا الرجل، فماذا ترى؟

فقال حسان: يا عم، والله ما أتخوّف عليك شيئاً، ولم تجعل على نفسك سبيلاً؟

وأخذ القوم يلحون عليه حتى أدخلوه على ابن مرجانة، فاستقبله بعنف وشراسة، وقال: أتتك بخائن رجلاه.

وكان شريح إلى جانبه، فقال له:

أريدُ حَياتَهُ (1)وَيُرِيدُ قَتْلِي *** عَذِيْرَكَ مِنْ خَلِيْلِكَ مِنْ مُرادِ

وذعر هانئ فقال له: ما ذاك أيّها الأمير؟

فصاح به الطاغية بعنف: إيه يا هانئ! ما هذه الأمور التي تتربص في دارك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك، وظننت أن ذلك يخفى عليَّ.

فأنكر ذلك هانئ وقال: ما فعلت ذلك، وما مسلم عندي.

• بلی، قد فعلت.

وطال النزاع واحتدم الجدال بينهما، فرأى ابن زياد أن يحسم النزاع، فدعا معقلاً الذي جعله عيناً عليهم، فلمّا مثل عنده قال لهانئ: أتعرف هذا؟

• نعم.

وأُسقط ما في يدي هانئ، وأطرق برأسه إلى الأرض، ولكن سرعان ما سيطرت شجاعته على الموقف، فانتفض كالأسد، وقال لابن مرجانة: قد كان الذي بلغك ولن أضيّع يَدَكَ عندي (2)تشخص لأهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم، فإنّه جاء حقٌّ مَنْ هو أحقُّ من حقك وحقِّ صاحبك (3).

فثار ابن زیاد وصاحبه: والله لا تفارقني حتى تأتيني به.

وسخر منه هانئ، وأنكر عليه قائلاًله مقالة الرجل الشريف: لا آتيك بضيفي أبداً.


1) يروى: «حباءه » من العطاء

2) الكامل في التاريخ: 3: 271

3) مروج الذهب:3 : 7 سمط النجوم العوالي: 3 61. تاريخ الإسلام/الذهبي: 2: 269، وروي كلامه بصورة أخرى وهي تخالف ما رواه مشهور المؤرّخين

ولمّا طال الجدال بينهما انبرى إلى هانئ مسلم بن عمر و الباهلي، وهو من خدّام السلطة، ولم يكن رجل في المجلس غريب غيره فطلب من ابن زياد أن يختلي بهانئ ليقنعه فأذن له، فقام وخلابه ناحية بحيث يراهما ابن زياد ويسمع صوتهما إذا علا.

وحاول الباهلي اقناع هانئ وحذره من نقمة السلطان وأنّ السلطة لا تنوي السوء بمسلم قائلاً: يا هانئ، أنشدك الله ألا تقتل نفسك، وتدخل البلاء على قومك. إنّ هذا الرجل - يعني مسلما ابن عمّ القوم، وليسوا بقاتليه، ولا ضائريه، فادفعه إليه، فليس عليك بذلك مخزاة، ولا منقصة إنّما تدفعه إلى السلطان.

ولم يخف علیه هذا المنطق الرخيص، فهو يعلم أن السلطة إذا ظفرت بمسلم فسوف تنكل به، ولا تدعه حيّاً وأنّ ذلك يعود عليه بالعار والخزي أن يسلم ضيفه وافد آل محمّد فريسة لهم قائلاً: بلى والله عليَّ في ذلك أعظم العار أن يكون مسلم في جواري وضيفي وهو رسول ابن بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأنا حتي صحيح الساعدين كثير الأعوان، والله لو لم أكن إلا وحدي لما سلّمته أبداً.

وحفل هذا الكلام بمنطق الأحرار الذين يهبون حياتهم للمثل العليا، ولا يخضعون لما يخل بشرفهم.

ولمّا يئس الباهلي من إقناع هانئ انطلق نحو ابن زياد فقال له: أيها الأمير، قد أبى أن يسلّم مسلماً أو يقتل (1).

وصاح الطاغية بهانئ: أتأتيني به أو لأضربن عنقك؟

فلم يعبأ به هانئ وقال: إذا تكثر البارقة حولك.

فثار الطاغية وانتفخت أوداجه فقال: والهفا عليك، أبالبارقة (2)تخوفني؟


1) الفتوح: 5: 83

2) البارقة: السيوف التي يلمع بريقها

وصاح بغلامه مهران وقال: خذه.

فأخذ بضفيرتي هانئ، وأخذ ابن زياد القضيب فاستعرض به وجهه، وضربه ضرباً عنيفاً حتى كسر أنفه ونثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته حتى تحطم القضيب وسالت الدماء على ثيابه، وعمد هانئ إلى قائم سيف شرطي محاولاً اختطافه ليدافع به عن نفسه فمنعه منه، فصاح به ابن زياد أحروري أحللت بنفسك وحلّ لنا قتلك.

وأمر ابن زياد باعتقاله في أحد بيوت القصر (1)، واندفع حسّان بن أسماء بن خارجة، وكان ممن آمن هانئاً، وجاء به إلى ابن زياد، وقد خاف من سطوة عشيرته ونقمتهم عليه، فأنكر عليه ما فعله بهانئ قائلاً: أرسله يا غادر؟ أمرتنا أن نجيئك بالرجل، فلما أتيناك به هشمت وجهه، وسیلت دماءه، وزعمت أنك تقتله!

وغضب منه ابن زياد فأوعز إلى شرطته بتأديبه فلهز وتعتع ثم ترك، وأمّا ابن الأشعث المتملّق الحقير فجعل يحرّك رأسه ويقول لِيُسْمِعَ الطاغية: قد رضينا بما رأى الأمير لنا كان أم علينا، إنّما الأمير مؤدّب (2).

ولا يهم ابن الأشعث ما اقترفه الطاغية من جريمة في سبيل تأمين مصالحه ورغباته.

انتفاضة مذحج

وانتهى خبر هانئ إلى أسرته فاندفعت بتثاقل كالحشرات، فقاد جموعها الانتهازي الجبان عمرو بن الحجاج، الذي لا عهد له بالشرف والمروءة، فأقبل ومعه مذحج وهو يرفع عقيرته لتسمع السلطة مقالته قائلاً: أنا عمرو بن الحجاج، وهذه


1) الكامل في التاريخ: 3: 271

2) الكامل في التاريخ: 3: 271

فرسان مذحج ووجوهها، لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة.

وحفل كلامه بالخنوع والمسالمة للسلطة، وليس فيه اندفاع لإنقاذ هانئ؛ ولذا لم يحفل به ابن زياد، فالتفت إلى شريح القاضي وقال له: ادخل على صاحبهم فانظر إليه، ثم اخرج إليهم وأعلمهم أنه حيّ.

وخرج شريح، فدخل على هانئ، فلمّا بَصُرَ به صاح مستجيراً: يا للمسلمين! أهَلَكَتْ عشيرتي؟!

أين أهل الدين؟!

أين أهل المصر!

أيحذرونني عدوهم (1).

وكان قد سمع الأصوات وضجيج الناس، فالتفت إلى شريح (2)قائلاً: یا شریح، إنِّي لأظنّها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين إنّه إن دخل علي عشرة أنفر أنقذوني (3).

وخرج شريح وكان عليه عين لابن زياد مخافة أن يدلي بشيء على خلاف رغبات السلطة فيفسد عليها أمرها فقال لهم: قد نظرت إلى صاحبكم وإنّه حي لم يُقتل.

وبادر عمرو بن الحجاج فقال: إذا لم يُقتل، فالحمد الله (4).


1) في رواية تاريخ الأمم والملوك: «ايخلوني وعدوهم»

2) شريح القاضي ينتمي لإحدى بطون كندة. الكامل للمبرد: 21

3) الكامل في التاريخ: 3: 271. وجاء في تهذيب التهذيب: 2: 351: « أنّ هانئاً قال لشريح: يا شريح، اتَّقِ اللهِ فإنّه قاتلي

4) الكامل في التاريخ: 3: 271

وولوا منهزمين كأنّما أتيح لهم الخلاص من السجن، وهم يصحبون ال-ع-ار والخزي، وظلوا مثالاً للخيانة والجبن على امتداد التاريخ، وفيما أحسب أن هزيمة مذحج بهذه السرعة وعدم تأكدها من سلامة زعيمها جاءت نتيجة اتفاق سري بين زعماء مذحج وبين ابن زياد للقضاء على هانئ، ولولا ذلك لنفرت مذحج حينما أخرج هانئ من السجن في وضح النهار، ونُفّذ فيه حكم الإعدام في سوق الحذائين.

وعلى أيّ حال، فقد خلدت مذحج للذل، ورضيت بالهوان، وانبری شاعر مجهول أخفى اسمه حذراً من نقمة الأمويين وبطشهم فرثى هانئاً، وندّد بأسرته، محاولاً بذلك أن يثير في نفوسهم روح العصبية القبلية ليثأروا القتيلهم، يقول:

فَإِن كُنْتِ لا تَدْرِينَ ما المَوْتُ فَانظُرِي إلى هاني في السُّوقِ وَابْنِ عَقِيلٍ

إِلى بَطَلٍ قَدْ هَنَّمَ السَّيْفُ وَجْهَهُ وَآخَرَ يَهْوِي من طمارٍ قَتِيل (1)

تَرَيْ جَسَداً قَدْ غَيَّرَ الْمَوْتُ لَونَهُ وَنَضْحَ دَمٍ قَدْ سالَ كُلَّ مَسِيلِ

فَتِّى هُوَ أَحْيَى مِنْ فَتاةٍ حَبِيَّةٍ وَأَقْطَعَ مِنْ ذِي شَفْرَتَيْنِ صَقِيْلِ

أَيَرْكَبُ أَسْماءُ الهَماليجَ آمِناً وَقَدْ طَلَبَتْهُ مَذْحِجٌ بِذُحُولِ (2)

تَطيفُ حَوالَيْهِ (مُراد) وَكُلُّهُمْ عَلَى رَقْبَةٍ مِنْ سَائِلٍ وَمَسُوْلِ

فَإِن أَنْتُمْ لَمْ تَثْأَرُوا بأخيكم فَكُونُوا بَغايا أُرْضِيَتْ بِقَلِيلِ (3)

وفي جمهرة أنساب العرب: 228 إنّها للأخطل.

وفي مقاتل الطالبيين: 108 إنّها لعبد الله بن الزبير الأسدي.

وفي تاريخ الأمم والملوك: 4: 285: إنّها للفرزدق.

وفي الأخبار الطوال: 219 إنها لعبد الرحمن بن الزبير الأسدي.

وفي لسان العرب: 6: 174 إنّها لسليم بن سلام الحنفيص: 146


1) الطمار: اسم لغرفة شيّدت فوق قصر الإمارة، وفي أعلاها قتل مسلم بن عقيل، ورميت جنّته إلى الأرض، وما ذكره ابن أبي الحديد أن الطمار هو الجدار فليس بصحيح

2) الهماليج: جمع هملاج، وهو نوع من البرذون، والذحول: جمع ذحل، الثأر

3) في مروج الذهب: 2: 70 والأغاني: 13: 35 إنّها لشاعر مجهول.

وعلّق الدكتور يوسف خليف على هذه الأبيات بقوله:

«واللحن هنا تأثر عنيف، والتعبير فيه قوي صريح، بل تصل فيه الصراحة إلى درجة الجرأة، وشجّع الشاعر على هذه الجرأة أنّه كان في مأمن من بطش الأمويين لأنه استطاع أن يخفي اسمه، حتى أصبح شخصاً مختلفاً فيه عند بعض الرواة، ومجهولاً تماماً عند بعضهم، وهو في هذا اللحن لا يتحدث عن الحسين، ولا عن السياسة، وإنما كل حرصه أن يثير روح العصبية القبلية في نفوس اليمنية ليثأروا لقتيلهم وهو - من أجل هذا - أغفل متعمداً من غير شك ذكر محمد بن الأشعث اليمني ولم يذكر إلّا أسماء بن خارجة الفزاري على أنه هو المسؤول عن دم هانئ مع أن كليهما كان رسولاً لابن زياد إليه.

ولكنّ الشاعر حرص على أن يغفل ذكر ابن الأشعث حتّى لا يثير فتنة أو انقساماً بين اليمنية، وهو في أشد الحاجة إلى أن يوحد صفوفهم حتى يدركوا ثأرهم، واعتمد الشاعر في قصيدته على هذه الصورة المفزعة التي رسمها للقتيلين اللذين هَسَّم السيف وجة أحدهما وألقي بالآخر من أعلى القصر، واللذين أصبحا أحاديث للناس في كلّ مكان.

وهو حريص في هذه الصورة على أن يعرض للناس منظرين رهيبين يثيران في نفوسهم كلّ عواطف الحزن والسخط والانتقام منظر هذين الجسدين، وقد غيّر الموت من لونهما، وهذا الدم الذي ينضح منهما ويسيل كلَّ مسيل، ثمّ منظر أسماء ابن خارجة وهو يختال في طرقات الكوفة على دوابه التي تتبختر به آمناً مطمئناً،

ويسأل إلى متى سيظل هذا الرجل في أمنه وخيلائه؟ ومن حوله قبيلة القتيل تطالبه بالثأر، فلا يجد أشدّ من طعنها في كرامتها، فيقول لهم إن لم تثأروا لقتيلكم فكونوا بغايا يُبغى شرفهنّ بثمن بخس دراهم معدودات (1).

لقد تنكّرت مذحج لزعيمها الكبير فلم تف له حقوقه فتركته أسيراً بيد ابن مرجانة يمعن في إرهاقه من دون أن تحرك ساكناً، في حين أنها كانت لها السيادة والسيطرة على الكوفة كما يرى ذلك (فلهوزن).

وعلى أي حال، فقد كان لاعتقال هانئ الأثر الكبير في ذيوع الفزع والخوف في نفوس الكوفيين، مما أدى إلى تفرّق الناس عن مسلم وإخفاق الثورة.

ثورة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولمّا علم مسلم بما جرى على هانئ بادر لإعلان الثورة على ابن زياد لعلمه بأنّه سيلقى نفس المصير الذي لاقاه هانئ، فأوعز إلى عبد الله بن حازم أن ينادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور، فاجتمع إليه أربعة آلاف (2)، أو أربعون ألفاً (3)، وهم ينادون بشعار المسلمين يوم بدر: «يا مَنْصُورُ أَمِتْ (4).

وقام مسلم بتنظيم جيشه، وأسند القيادات العامة في الجيش إلى من عرفوا بالولاء والإخلاص لأهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم:


1) حياة الشعر في الكوفة إلى نهاية القرن الثاني للهجرة: 463 و 464

2) الكامل في التاريخ: 3 271 مناقب آل أبي طالب: 3: 243، من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

3) تهذيب التهذيب: 2: 351 تذهيب التهذيب/الذهبي:1: 150

4) هذا الشعار فيه تحريض للجيش على الموت في الحرب للتغلب على الأعداء، وفيه تفاؤل بالنصر

1- عبد الله بن عزيز الكندي، جعله على ربع كندة.

2- مسلم بن عوسجة، جعله على ربع مذحج.

3- أبو ثمامة الصائدي، جعله على ربع قبائل بني تميم وهمدان.

4- العبّاس بن جعدة الجدلي، جعله على ربع المدينة.

واتجه مسلم بجيشه نحو قصر الإمارة فأحاطوا به (1)، وكان ابن زیاد قد خرج من القصر ليخطب الناس على أثر اعتقاله لهانئ، فجاء إلى المسجد الأعظم فاعتلى أعواد المنبر، ثم التفت إلى أصحابه فرآهم عن يمينه وشماله وفي أيديهم الأعمدة وقد شهروا سيوفهم للحفاظ عليه، فهدأ روعه وخاطب أهل الكوفة قائلاً:

«أمّا بعد! يا أهل الكوفة فاعتصموا بطاعة الله ورسوله، وطاعة أئمتكم ولا تختلفوا، ولا تفرقوا فتهلكوا، وتذلوا، وتندموا، وتقهروا، فلا يجعلن أحد على نفسه سبيلاً، وقد أعذر من أنذر».

وما أتم الطاغية خطابه حتى سمع الضجّة، وأصوات الناس قد علت، فسأل عن ذلك فقيل له: الحذَرَ، الحذر، هذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع من بايعه.

واختطف الرعب لونه، وسرت الرعدة بجميع أوصاله، فأسرع الجبان نحو القصر وهو يلهث من شدة الخوف فدخل القصر، وأغلق عليه أبوابه (2)، وامتلأ المسجد والسوق من أصحاب مسلم، وضاقت الدنيا على ابن زياد، وأيقن بالهلاك إذ لم تكن عنده قوة تحميه سوى ثلاثين رجلاً من الشرط، وعشرين رجلاً من الأشراف الذين هم من عملاته (3).

وقد تزايد جيش مسلم حتى بلغ فيما يقول بعض المؤرّخين ثمانية عشر ألفاً


1) الكامل في التاريخ: 3: 271

2) البداية والنهاية: 8: 154 الفتوح: 5: 85

3) الكامل في التاريخ: 3: 271

وقد نشروا الأعلام وشهروا السيوف، وقد ارتفعت أصواتهم بقذف ابن زياد وشتمه، وجرى بين أتباع ابن زياد وبين جيش مسلم قتال شديد، كما نص على ذلك بعض المؤرخين.

وأمعن الطاغية في أقرب الوسائل التي تمكنه من إنقاذ حكومته من الثورة، فرأى أن لا طريق له سوى حرب الأعصاب ودعايات الارهاب، فسلك ذلك.

حرب الأعصاب

وأوعز الطاغية إلى جماعة من وجوه أهل الكوفة أن يبادروا ببثّ الذعر ونشر الخوف بين الناس، وقد انتدب للقيام بهذه المهمة الذوات التالية:

1- كثير بن شهاب الحارثي.

2- القعقاع بن شورالذهلي.

3- شبث بن ربعي التميمي.

4- حجّار بن أبجر.

5- شمر بن ذي الجوشن الضبابي (1).

وانطلق هؤلاء إلى صفوف جيش مسلم فأخذوا يشيعون الخوف، ويبتون الأراجيف فيهم، ويظهرون لهم الإخلاص والولاء خوفاً عليهم من جيوش أهـل الشام، فكان ما قاله كثير بن شهاب:

«أيّها الناس، الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشرّ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين - يعني يزيد - قد أقبلت، وقد أعطى الأمير - يعني ابن زياد - العهد لئن أقمتم على حربه، ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم


1) الكامل في التاريخ: 3: 272

العطاء، ويفرّق مقاتلكم في مغازي أهل الشام من غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتّى لا تبقى فيكم بقيّة من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها» (1).

وكان هذا التهديد كالصاعقة على رؤوس أهل الكوفة، فقد كان يحمل ألواناً قاسية من الإرهاب وهي:

1- التهديد بجيوش أهل الشام، فقد زحفت إليهم، وهي ستشيع فيهم القتل والتنكيل إن بقوا مصرين على المعصية والعناد.

2- حرمانهم من العطاء، وقد كانت الكوفة حامية عسكرية تتلقى جميع مواردها الاقتصادية من الدولة.

3- تجميره (2)في مغازي أهل الشام، وزجهم في ساحات الحروب.

4- أنّهم إذا أصروا على التمرّد فإنّ ابن زياد سيعلن الأحكام العرفية ويسوسهم بسياسة أبيه، التي تحمل شارات الموت والدمار حتّى يقضي على جميع ألوان الشغب والعصيان.

وقام بقيّة عملاء السلطة بنشر الإرهاب وإذاعة الذعر، وكان من جملة ما أذاعوه بين الناس.

«يا أهل الكوفة، اتقوا الله، ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقوا عصا هذه الأمة، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموها، وجربتم شوكتها».


1) تاريخ الأمم والملوك: 6: 208

2) تجميرهم: جمعهم

أوبئة الفزع والخوف

وسرت أوبئة الخوف والفزع في نفوس الكوفيين، وانهارت أعصابهم، وكأنّ الموت قد خيم عليهم، فجعل بعضهم يقول لبعض: ما نصنع بتعجيل الفتنة وغداً يأتينا جموع أهل الشام؟ ينبغي لنا أن نقيم في منازلنا، وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم (1). وكانت المرأة تأتى ابنها أو أخاها أو زوجها، وهى مصفرة الوجه من الخوف فتتوسل إليه قائلة: الناس يكفونك (2).

وكان الرجل يأتي إلى ولده وأخيه فيملأ قلبه رعباً وخوفاً. وقد نجح ابن زياد فی ذلك إلى حدّ بعيد، فقد تغلّب على الأحداث، وسيطر على الموقف سيطرة تامة، وقد خلع الكوفيون ما كانوا يرتدونه من ثياب التمرّد على بني أمية، ولبسوا ثياب الذل والعبودية من جراء ذلك الارهاب الهائل والقسوة في الحكم.

هزيمة الجيش

ومُنِي جيش مسلم بهزيمة مخزية لم يحدث لها نظير في جميع فترات التاريخ، فقد هزمته الدعايات المضللة من دون أن تكون فى قباله أية قوة عسكرية. ويقول المؤرّخون: إن مسلماً كلّما انتهى إلى زقاق انسلّ جماعة من أصحابه، وفرّوا منهزمين وهم يقولون: ما لنا والدخول بين السلاطين (3).

ولم يمض قليل من الوقت حتى انهزم معظمهم، وقد صلّى بجماعة منهم صلاة العشاء في الجامع الأعظم فكانوا يفرون في أثناء الصلاة، وما أنهى ابن عقيل صلاته


1) الفتوح: 5: 87

2) تاريخ أبي الفداء: 1: 300. الكامل في التاريخ: 3: 272

3) الدرّ المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء: 1: 108

حتى انهزموا بأجمعهم بما فيهم قادة جيشه، ولم يجد أحداً يدله على الطريق، ويقي حيراناً لا يدري إلى أين مسراه ومولجه (1)، وكان قد أثخن بالجراح فيما يقوله بعض المؤرّخين (2)، وقد أمسى طريداً مشرداً لا مأوى يأوي إليه، ولا قلب يعطف عليه.

في ضيافة طوعة

وسار القائد العظيم سليل هاشم وفخر عدنان متلدّداً في أزقة الكوفة وشوارعها، ومضى هائماً على وجهه في جهة كندة (3)، يلتمس داراً لينفق فيها بقية الليل، وقد خلت المدينة من المارة، وعادت كأنها واحة موحشة، فقد أسرع كل واحد من جيشه وأعوانه إلى داره، وأغلق عليه الأبواب مخافة أن تعرفه مباحث الأمن وعيون ابن زياد بأنّه كان مع ابن عقيل فتلقي عليه القبض.

وأحاطت بمسلم تيارات مذهلة من الهموم، وكاد قلبه ينفجر من شدة الألم وعظيم الحزن، وقد هاله إجماع القوم على نكث بيعته وغدرهم به، واستبان له أنه ليس في المصر رجل شريف يقوم بضيافته وحمايته أو يدله على الطريق، فقد كان لا يعرف مسالك البلد وطرقها..

وسار وهو حائر الفكر، خائر القوى، حتى انتهى إلى سيّدة يقال لها طوعة، هي سيدة من في المصر رجالاً ونساءاً، بما تملكه من إنسانية ونبل، وكانت أم ولد للأشعث بن قيس أعتقها، فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالاً (4)، وكانت


1) مقامات الحريري: 1: 192

2) الفتوح: 5: 87

3) الأخبار الطوال: 240

4) الكامل في التاريخ: 3: 272 وفي الفتوح: 88: «إنّها كانت فيما مضى امرأة قيس الكندي، فتزوجها رجل من بعده من حضرموت يقال له أسد بن البطين، فأولدها ولداً يقال له أسد»

السيّدة واقفة على الباب تنتظر ابنها، وترتقب طلوعه للأحداث الرهيبة التي حلت في المصر، ولما رآها مسلم بادر إليها، فسلم عليها، فردت عليه السلام بتثاقل، وقالت له: ما حاجتك؟

• اسقيني ماء.

فبادرت إلى دارها وجاءته بالماء، فشرب منه، ثم جلس، فارتابت منه فقالت له: ألم تشرب الماء؟

•

بلی.

•

اذهب إلى أهلك إن مجلسك مجلس ريبة (1).

وسكت، مسلم، فأعادت عليه القول بالانصراف وهو ساكت، وكرّرت عليه القول ثالثاً فلم يجبها، فذعرت منه، وصاحت به: سبحان الله!! إِنِّي لا أُحِلُّ لك الجلوس على بأبي.

ولمّا حرّمت عليه الجلوس لم يجد بداً من الانصراف، فقال لها بصوت خافت حزين النبرات: ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة، فهل لكِ إلى أجر ومعروف، ولعلّي أكافئك بعد اليوم؟

وشعرت المرأة بأنّ الرجل غريب، وأنه ذو شأن كبير، وله مكانة عظمى يستطيع أن يجازيها على معروفها وإحسانها فبادرته قائلةً: ما ذاك؟

فقال لها وعيناه تفيضان دموعاً: أنا مسلم بن عقيل، كذَّبني القوم وغرّوني.

فقالت المرأة في دهشة وإكبار: أنت مسلم بن عقيل.


1) تذهيب التهذيب/الذهبي: 1: 151

• نعم (1).

وانبرت السيدة بكل خضوع وتقدير فسمحت لضيفها الكبير بالدخول إلى منزلها، وقد حازت الشرف والمجد، فقد آوت سليل هاشم، وسفير ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأدخلته في بيت في دارها غير البيت الذي كانت تأوي إليه، وجاءته بالضياء والطعام، فأبى أن يأكل، فقد مزق الأسى قلبه الشريف، وأيقن بالرزء القاصم، وتمثلت أمامه الأحداث الرهيبة التي سيواجهها، وكان أكثر ما يفكر به كتابه للإمام الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالقدوم إلى الكوفة.

ولم يمض قليل من الوقت حتى جاء بلال ابن السيّدة طوعة، فرأى أُمّه تكثر الدخول والخروج إلى ذلك البيت لتقوم برعاية ضيفها، فأنكر عليها ذلك، واستراب منه، فسألها عنه، فأنكرته، فألح عليها، فأخبرته بالأمر، بعد أن أخذت عليه العهود والمواثيق بكتمان الأمر.. وطارت نفس الخبيث فرحاً وسروراً، وقد أنفق ليله ساهراً يترقب بفارغ الصبر انبثاق نور الصبح ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم.. وقد تنكر هذا الخبيث للأخلاق العربية التي تلتزم بقري الضيف وحمايته، فقد كان هذا الخُلق سائداً حتى في العصر الجاهلي.. وإنا لنتخذ من هذه البادرة مقياساً عاماً وشاملاً لانهيار القيم الأخلاقية والإنسانية في ذلك المجتمع الذي تنكر لجميع العادات والقيم العربية.

وعلى أي حال، فقد طوى مسلم ليلته حزيناً قد ساورته الهموم، وتوسد الأرق، وكان فيما يقول المؤرّخون قد قضى شطراً من الليل في عبادة الله ما الصلاة بین وقراءة القرآن، وقد خفق في بعض الليل فرأى عمه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبره بسرعة اللحاق به، فأيقن عند ذلك بدنو الأجل المحتوم منه


1) الكامل في التاريخ: 3: 272

تأكّد الطاغية من فشل الثورة

ولما انهزمت جيوش أهل الكوفة، وولّت الأدبار تصحب معها العار والخيانة، وقد خلا الجامع الأعظم منهم، فلم يطمئنّ الطاغية الجبان من ذلك، خوفاً من أن يكون ذلك مكيدة وخديعة، فعهد إلى أذنابه بالتأكد من انهزام جيش مسلم، وأمرهم بأن يشرفوا على رحاب المسجد لينظروا هل كمن أحد من الثوار فيه؟ وأخذوا يدلون القناديل، ويشعلون النار في القصب، ويدلونها بالحبال فتصل إلى صحن الجامع، وفعلوا ذلك بالظلة التي فيها المنبر، فلم يروا إنساناً، فأخبروه بذلك، فاطمأن بفشل الثورة وأيقن بالقضاء عليها (1).

إعلان حالة الطوارئ

وأعلن الطاغية في الصباح الباكر حالة الطوارئ في جميع أنحاء المصر، وقد شدّد على المدير العام لشرطته الحصين بن تميم بتنفيذ ما يلي:

1- تفتيش جميع الدور والمنازل في الكوفة تفتيشاً دقيقاً للبحث عن مسلم.

2- الإحاطة بالطرق والسكك لئلا يهرب منها مسلم.

3- الاعتقالات الواسعة لجميع المؤيدين للثورة، وقد ألقت الشرطة القبض على هؤلاء:

•

عبد الأعلى بن يزيد الكلبي.

•

عمارة بن صلخب الأزدي.

•

عبد الله بن نوفل بن الحارث.

•

المختار الثقفي.


1) تاريخ الأمم والملوك: 6: 209 و 210

•

الأصبغ بن نباتة.

•

الحارث بن الأعور الهمداني (1).

راية الأمان

وأوعز الطاغية إلى محمّد بن الأشعث أن يرفع راية الأمان، ويعلن إلى الملأ أنّ من انضم إليها كان آمناً، ولعل سبب ذلك ما يلي:

1- التعرّف على العناصر الموالية لمسلم لإلقاء القبض عليها.

2- إعلان الانتصار والقضاء على الثورة.

3- شلّ حركة المقاومة، وإظهار سيطرة الدولة على جميع الأوضاع في البلاد.

ورفعت راية الأمان فسارع الكوفيون الذين كانوا مع مسلم إلى الانضمام إليها لنفي التهمة وإظهار إخلاصهم للحكم القائم آنذاك.

اشتباه

ومن الغريب ما ذكره ابن قتيبة (2)، والحر العاملي (3)، من أنّ مسلماً كان في بيت المختار ثمّ خرج لحرب ابن زياد، وبعد فشل ثورته التجأ إلى بيت هانئ، فأجاره هانئ، وقال له: إنّ ابن زياد يدخل داري فاضرب عنقه، فامتنع مسلم من الفتك به، وقام ابن زياد باعتقال هانئ ثم أرسل شرطة لإلقاء القبض على مسلم، فقاتلهم حتى ضعف عن المقاومة، فوقع أسيراً بأيديهم، وهذا الذي أفاداه لم يذهب إليه أحد من المؤرّخين، فإن تفصيل الحادثة حسب ما ذكرناه، وما عداه فهو من الأقوال الشاذة


1) أنساب الأشراف: 5: 314

2) الإمامة والسياسة: 2: 4

3) الدر المسلوك: 1: 108

التي نشأت من قلّة التتبع.

خطبة ابن زياد

ولمّا أيقن الطاغية بفشل ثورة مسلم، وتفلل قواته المسلّحة أمر بجمع الناس في الجامع، فتوافدت الجماهير، وقد خيم عليها الذعر والخوف، فجاء الطاغية وهو يرعد ويبرق ويتهدّد ويتوعد، فصعد المنبر، فقال:

«أيها الناس، إنّ مسلم بن عقيل أتى هذه البلاد، وأظهر العناد، وشقّ العصا، وقد برئت الذمة من رجل أصبناه في داره.. ومن جاء به فله ديته، اتقوا الله عباد الله، والزموا طاعتكم وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، ومن أتاني بمسلم بن عقيل فله عشرة آلاف درهم، والمنزلة الرفيعة من يزيد بن معاوية، وله في كلّ يوم حاجة مقضيّة» (1).

وحفل هذا الخطاب بالقسوة والصرامة، وفيه هذه النقاط التالية:

1- الحكم بالإعدام على كلّ من أوى مسلماً، مهما كانت لذلك الشخص من مكانة اجتماعية في المصر.

2- إنّ دية مسلم تكون لمن جاء به.

3- إنّ من ظفر بمسلم تمنحه السلطة عشرة آلاف درهم.

4- إنّ من يأتي به يكون من المقربين عند يزيد، وينال ثقته.

5- تكافئ السلطة من جاء به بقضاء حاجة له في كلّ يوم.

وتمنّى أكثر أولئك الأوغاد الظفر بمسلم لينالوا المكافأة من ابن مرجانة والتقرب إلى يزيد بن معاوية.


1) الفتوح: 4: 90

الإفشاء بمسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وطالت تلك الليلة على بلال ابن السيدة الكريمة طوعة التي أوت مسلماً، فقد ظل يترقب بفارغ الصبر طلوع الصبح ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم، ولم يرقد تلك الليلة من الفرح والسرور، فقد تمّت فيما يحسب - بوارق آماله وأحلامه.

ولما طلع الصبح بادر إلى القصر بحالة تلفت النظر إليها من الدهشة، فقصد عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وهو من الأسرة الخبيثة التي لا عهد لها بالشرف والمروءة، فساره وأعلمه بمكان مسلم عنده، فأمره عبدالرحمن بالسكوت لئلا يسمع غیره فيبادر بإخبار ابن زياد فينال الجائزة منه.

وأسرع عبد الرحمن إلى أبيه محمد بن الأشعث فأخبره بالأمر، وفطن ابن زياد إلى خطورة الأمر، فبادر يسأل ابن الأشعث قائلاً: ما قال لك عبد الرحمن؟

•

أصلح الله الأمير، البشارة العظمى

•

ما ذاك؟ مثلك من بَشَّر بخير.

•

إنّ ابني هذا يخبرني أنّ مسلم بن عقيل في دار طوعة.

وسرّ ابن زياد، ولم يملك صوابه من الفرح، فانبرى يمني ابن الأشعث بالمال والجاه، قائلاً: قم فأتِنِى به، ولك ما أردت من الجائزة والحظ الأوفى.

لقد تمكن ابن مرجانة من الظفر بسليل هاشم ليجعله قرباناً إلى أمويته اللصيقة التي نحر في سبيلها هو وأبوه جميع القيم الإنسانيّة، واستباحا كل ما حرّمه الله من إثم وفساد.

الهجوم على مسلم(عَلَيهِ السَّلَامُ)

وندب الطاغية لحرب مسلم عمرو بن حريث المخزومي صاحب شرطته و محمّد بن الأشعث (1). وضم إليهما ثلاثمائة رجل من صناديد الكوفة وفرسانها وأقبلت تلك الوحوش الكاسرة لحرب القائد العظيم الذي أراد أن يحررها من الذل والعبودية، وينقذها من الظلم والجور. .

ولما سمع وقع حوافر الخيل وزعقات الرجال علم أنه قد أتي إليه، فبادر إلى فرسه فأسرجه وألجمه وصبّ عليه درعه، وتقلّد سيفه، والتفت إلى السيدة الكريمة طوعة فشكرها على ضيافتها، وأخبرها أنّ ما أتى إليه من قبل ابنها الباغي اللئيم قائلاً: رَحِمَكِ اللهِ، وَجَزاكِ عَنِّي خَيْراً.. اعْلَمِي إِنَّما أُوتيت مِنْ قِبَلِ ابْنِكِ (2).

واقتحم الجيش عليه الدار فشدّ عليهم يضربهم بسيفه، ففروا منهزمين، ثمّ عادوا إليه فأخرجهم منها وانطلق نحوهم في السكة شاهراً سيفه لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب، فجعل يحصد رؤوسهم بسيفه، وقد أبدى من البطولات النادرة ما لم يشاهد لها التاريخ نظيراً في جميع عمليات الحروب، وكان يقاتلهم وهو يرتجز:

هُوَ الْمَوْتُ فَاصْنَعْ وَيْكَ مَا أَنْتَ صانِعُ *** فَأَنْتَ بِكَأَسِ الْمَوْتِ لَا شَكٍّ جارعُ

فَصَبْراً لأمر الله جل جلاله *** فَحُكْمُ قَضاءِ اللهِ فِي الْخَلْقِ ذايعُ (3)

وأبدى سليل هاشم من الشجاعة وقوة البأس ما حيّر الألباب، وأبهر العقول، فقد قتل منهم فيما يقول بعض المؤرّخين واحداً وأربعين رجلاً (4)ما عدا الجرحى،


1) تذهيب التهذيب: 1: 151

2) الفتوح: 5: 92 و 93

3) مناقب آل أبي طالب: 2: 212

4) مناقب آل أبي طالب: 2: 212

وكان من قوته النادرة أنه يأخذ الرجل بيده ويرمي به إلى فوق البيت (1). وليس في تاريخ الإنسانيّة مثل هذه البطولة، ولا مثل هذه القوّة، وليس هذا غريباً عليه، فعمه عليّ بن أبي طالب أشجع الناس وأقواهم بأساً، وأشدّهم عزيمة.

واستعمل معه الجبناء من أنذال أهل الكوفة ألواناً قاسية وشاذة في الحرب، فقد اعتلوا سطوح بيوتهم، وجعلوا يرمونه بالحجارة وقذائف النار (2)، ولو كانت الحرب في ميدان فسيح لأتى عليهم ولكنّها كانت في الأزقة والشوارع.

فشل الجيوش

وفشلت جيوش أهل الكوفة، وعجزت عن مقاومة البطل العظيم، فقد أشاع فيهم القتل وألحق بهم خسائر فادحة، وأسرع الخائن الجبان محمد بن الأشعث يطلب من سيّده ابن مرجانة أن يمده بالخيل والرجال، فقد عجز عن مقاومة مسلم، ولامه الطاغية قائلاً: سبحان الله! بعثناك إلى رجل واحد تأتينا به، فثلم في أصحابك هذه الثلمة العظيمة (3).

وثقل هذا التقريع على ابن الأشعث، وراح يشيد بابن عقيل قائلاً: أتظن أنك أرسلتني إلى بقال من بقالي الكوفة أو جرمقاني من جرامقة (4)الحيرة (5)، وإنما بعثتني إلى أسد ضرغام وسيف حسام في كف بطل همام من آل خير الأنام (6).

وأمده ابن زياد بقوى مكثفة من الجيش، فجعل البطل العظيم يقاتل وحده


1) الدر النضيد: 164. نفس المهموم: 57

2) المحاسن والمساوئ/البيهقي: 1: 43

3) الفتوح: 5: 63

4) الجرامقة: قوم من العجم صاروا إلى الموصل

5) مقتل الحسين/المقرّم: 160

6) الفتوح: 5: 93

وهو يرتجز:

أَقْسَمْتُ لَا أُقْتَلُ إِلَّا حُرّاً *** وإن رَأَيْتُ الْمَوْتَ شَيْئاً نكرا

كُلُّ امرِئ يَوماً مُلاقٍ شَرّاً *** ويُخْلَطُ الباردُ سُخناً مُرًا

رُدَّ شُعاعُ الشَّمْسِ فَاسْتَقرًا *** أَخافُ أَنْ أَكْذَبَ أَوْ أَغَرًا (1)

لقد كنت يابن عقيل سيّد الأحرار، فقد رفعت لواء العزة والكرامة، ورفعت شعار الحرية والإباء، وأما خصومك الحقراء فهم العبيد الذين رضوا بالذل والهوان..

وحلّل الدكتور يوسف خليف هذا الرجز بقوله:

«هو رجز - من الناحية النفسية - صادق كل الصدق، معبراً تعبيراً دقيقاً عن الموجات النفسية التي كانت تندفع في نفس الشاعر، وهو في موقفه الضيق الحرج، فهو قبل كلّ شيء مصمّم على أن يحتفظ بحريته ولو أدّى هذا إلى قتله، وهو يعلن في صراحة وصدق أن الموت شيء منكر ولا يقول هذاكما يقوله غيره ممن يغالطون أنفسهم أنّ الموت شيء محبّب إلى نفسه، وإنّما يعبّر عن نفسيته تعبيراً صادقاً، فالموت شيء لا يحبّه، ولكنه لا يفرّ منه ما دام قد صمّم على الاحتفاظ بحريته. ثمّ يحاول أن يهدّئ من روعه، ويجعل هذه الموجة العالية الرهيبة تنحسر عن نفسه دون أن يجذبها في تيارات من الهلع والفزع، فيحدّث عن نفسه بأنّ الدنيا متقلبة وكل امرئ فيها لا بد أن يلاقي ما يسوءه، وهو يعرض هذا الحديث النفسي في صورة فنّية رائعة.

وأضاف يقول:

«إنّه غير حريص على الحياة، ولكنّه حريص على الحرية، وهذا يجعله متردّداً لأنّه يخشى - بل يخاف - أن يكذب عليه أعداؤه أو يخدعوه فيقتلوه دون محاولة منه


1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 280

لتنفيذ عهده بأن يموت في سبيل حريته، أو يأسروه فيفقد حريته التي يحرص عليها حرصه على الحياة.

أرأيت كيف استطاع أن يصوّر موقفه الضيق الحرج هذا التصوير الفنّي الرائع الذي يشمل روعته من تعبيره عن نفسيّته تعبيراً صادقاً لا رياء فيه ولا تضليل؟ إنّ هذا هو السرّ الذي يجعل هذه السطور القليلة تؤثر في نفوسنا تأثيراً يجعلنا نشعر بما كان يعانيه قائلها من صراع داخلي هائل لا يعدّ له إلا صراعه الخارجي مع أعدائه» (1).

أمان ابن الأشعث

ولمّا سمع محمد بن الأشعث رجز، مسلم، الذي أقسم فيه أن يموت ميتة الأحرار، وأن لا يُخْدع ولا يُغَرّ، انبرى إليه قائلاً: إنّك لا تُكذب ولا تُخدع، إنّ القوم بنو عمّك وليسوا بقاتليك ولا ضارّيك (2).

فلم يعتن به مسلم، وإنّما مضى يقاتلهم أعنف القتال وأشدّه، ففروا منهزمين من بين يديه، واعتلوا فوق بيوتهم يرمونه بالحجارة، فأنكر عليهم مسلم ذلك قائلاً: وَيْلَكُمْ ما لَكُمْ تَرْمُونَنِي بِالْحِجَارَةِ، كَما تُرْمَى الْكَفَارُ وَأَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْأَبْرارِ. وَيْلَكُمْ أَما تَرْعَوْنَ حَقٌّ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَذُرِّيَّتِهِ.

ولم يستطيعوا مقابلته، وجبنوا عن مقاتلته، وضاق بابن الأشعث أمره فصاح بالجيش: ذروه حتّى أكلّمه.

ودنا منه، فخاطبه: يابن عقيل، لا تَقْتُلْ نَفْسَكَ، أنت آمن، ودمك في عنقي.

فلم يحفل به مسلم فإنّه على علم بأنّ الأشعث لم يمر في تاريخه ولا في تاريخ أسرته أي معنى من معاني الشرف والنبل والوفاء، فاندفع يقول له: يابن الأشعث،


1) حياة الشعر فى الكوفة: 371 و 372

2) الكامل في التاريخ: 3

لا أعطي بيدي أبداً، وأنا أقدر على القتال، والله لا كان ذلك أبداً.

وحمل مسلم على ابن الأشعث، ففرّ الجبان يلهث كأنه الكلب، وأخذ العطش القاسي من مسلم مأخذاً عظيماً فجعل يقول: اللهمَّ إِنَّ الْعَطَشَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي.

وتكاثرت الجنود عليه إلا أنها منيت بالذعر والجبن، وصاح بهم ابن الأشعث: إنّ هذا هو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع، احملوا عليه بأجمعكم حملة واحدة (1).

وحملوا عليه حملة واحدة فضربه بكير بن حمران الأحمري ضربة منكرة على شفته العليا، وأسرع السيف إلى السفلى، وضربه مسلم ضربة أردته إلى الأرض.

أسره (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وبعدما أثخن مسلم بالجراح، وأعياه نزيف الدم، انهارت قواه وضعف عن المقاومة فوقع أسيراً بأيدي أولئك الأوغاد، فتسابقوا إلى ابن زياد، يحملون له البشرى بأسرهم للقائد العظيم، الذي جاء ليحرّرهم من الذل والعبودية، وقد طار الطاغية فرحاً، فقد ظفر بخصمه، وتم له القضاء على الثورة.. أما كيفية أسره فقد اختلفت فيها أقوال المؤرّخين وهذه بعضها:

1- ما ذكره ابن الأعثم الكوفي أنّ مسلماً وقف يستريح مما ألم به من الجروح، خلفه رجل من أهل الكوفة طعنة غادرة فسقط إلى الأرض، فأسرعوا من فطعنه إلى أسره (2).

2- ما ذكره الشيخ المفيد أنّ مسلماً لما أثخن بالحجارة وعجز عن القتال أسند ظهره إلى جنب دار فقال له ابن الأشعث: لك الأمان!


1) الفتوح: 5: 94 و 95

2) الفتوح: 5: 59

فقال مسلم: أَأَمْنٌ؟

قال: نعم.

فقال للقوم الذين معه: أَلِيَ الْأَمانُ؟

قالوا: نعم.

إلا عبيد الله بن العباس السلمي فإنّه قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وتنحى. فقال مسلم: أَما لَوْ لَمْ تُؤْمِنُونِي ما وَضَعْتُ يَدِيَ فِي أَيْدِيكُمْ، وَأتِي ببغلة فحمل عليها، فاجتمعوا حوله، وانتزعوا سيفه فكأنّه عند ذلك أيس، فقال: هذا أوَّلُ الْغَدْرِ (1).

3- ما ذكره أبو مخنف أنّهم عملوا له حفيرة وستروها بالتراب، فحمل عليهم فانكشفوا بين يديه، فلما انتهى إليها سقط فيها، فازدحموا عليه وأسروه (2)، وهذا القول لم يذهب إليه غير أبي مخنف.

مع عبيد الله السلمى

ولم يفكر مسلم في تلك الساعة الحرجة بما سيعانيه من القتل والتنكيل على يد الطاغية ابن مرجانة، وإنّما شغل فكره ما كتبه للإمام الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالقدوم إلى هذا المصر، فقد أيقن أنّه سيلاقي نفس المصير الذي لاقاه، فدمعت عيناه، وظنّ عبيد الله بن العباس السلمي أنه يبكي لما صار إليه من الأسر، فأنكر عليه ذلك فقال له: إن من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك.

فردّ عليه مسلم ما توهّمه فيه قائلاً: إِنِّي والله ما لِنَفْسِي بَكيْتُ، وَلَا لَها مِنَ الْقَتْلِ


1) الإرشاد: 238. الكامل في التاريخ: 3: 273

2) مقتل أبي مخنف (مخطوط) بمكتبة السيد محمد سعيد ثابت في كربلاء، وذكر ذلك الطريحي في المنتخب: 299.

أَرْثِي، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَجِبْ لَها طَرْفَةَ عَيْنٍ تَلَفاً، وَلكِنْ أَبْكِي لِأَهْلِيَ الْمُقْبِلِينَ.. أَبْكِي لِحُسَيْنِ (1).

وازدحمت الشوارع والأزقة بالجماهير الحاشدة لتنظر ما يؤول إليه أسر القائد العظيم وما سيلاقيه من الأمويين، ولم يستطع أحد منهم أن ينبس ببنت شفة حذراً من السلطة العاتية.

مع الباهلي

وجيء بمسلم أسيراً تحف به الشرطة، وقد شهرت عليه السيوف، فلمّا انتهي بهإلى قصر الإمارة رأى جرّة فيها ماء بارد، وقد أخذ العطش منه مأخذاً أليماً، فالتفت إلى من حوله قائلاً: اسْقُونِي مِنْ هذَا الْماءِ.

فانبرى إليه اللئيم الدنس مسلم بن عمرو الباهلي فقال له: أتراها ما أبردها؟! والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم.

ولا حد لظلم الإنسان، ولا منتهى لوحشيته وجفائه، فما يضر أولئك الجفاة لو سقوه الماء وهو أسير بين أيديهم لا يملك من أمره شيئاً؟ وكان هذا السمت من التردّي وسقوط الأخلاق قد عُرِف به عُرِف به جميع السفلة الساقطين من قتلة المصلحين. فانبرى مسلم فأراد التعرّف على هذا الإنسان الممسوخ، الذي تنكر لأبسط القيم الإنسانية قائلاً له: مَنْ أَنْتَ؟

فأجابه مفتخراً بأنّه من عملاء السلطة الأموية وأذنابها قائلاً: أنا ابن من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته.. أنا مسلم بن عمرو. أيُّ حقّ عرفه الباهلي؟ وأي نصيحة أسداها للأمة هذا الجلف الجافي، الذي ارتطم في الباطل وماج في الضلال؟


1) الإرشاد: 238

لقد كان منتهى ما يفخر به تماديه في خدمة ابن مرجانة، الذي هو صفحة عار وخزي على الإنسانية في جميع مراحل التأريخ. وردّ عليه مسلم بمنطقه الفياض قائلاً: لأمِّكَ التَّكْلُ، ما أَجْفاكَ وَما أَفَضَّكَ وَأَقْسَى قَلْبَكَ وَأَغْلَظَكَ؟! أَنْتَ يَابْنَ بِاهِلَةَ أَوْلَى بِالْحَمِيمِ وَالْخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ مِنِّي.

واستحيا عمارة بن عقبة (1)من جفوة الباهلي وقسوته، فدعا بماء بارد، فصبّه في قدح، فأخذه مسلم فكلما أراد أن يشرب يمتلئ القدح دماً، وفعل ذلك ثلاثاً، فقال وقد ذاب قلبه من الظمأ: لَوْ كانَ مِنَ الرِّزْقِ الْمَقْسُومِ لَشَرِبْتُهُ (2).

وهكذا شاءت المقادير أن يحرم من الماء ويموت، ظماً، كما حرم من الماء ابن عمه ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسيد شباب أهل الجنة.

مع ابن زیاد

وكان من أعظم ما رزئ به مسلم أن يدخل أسيراً على الدعي ابن مرجانة، فقد ودّ أنّ الأرض وارته، ولا يمثل أمامه، وقد شاءت المقادير أن يدخل عليه وقد دخل تحف به الشرطة، فلم يحفل البطل بابن زياد ولم يعن به، فسلم على الناس ولم يسلّم عليه، فأنكر عليه الحرسي وهو من صعاليك الكوفة قائلاً: هلا تسلّم على الأمير؟

فصاح به مسلم محتقراً له ولأميره: اسْكُتْ لا أمَّ لَكَ، مَا لَكَ وَالْكَلَامِ؟ وَاللَّهِ لَيْسَ لِي بِأَمِيرٍ فَأَسَلَّمَ عَلَيْهِ.

وكيف يكون ابن مرجانة أميراً على مسلم سيّد الأحرار، وأحد المستشهدين


1) في الإرشاد: 239: «وبعث عمرو بن حريث غلاماً له فجاء بقلة عليها منديل وقدح فصب فيه ماء، وقال له: اشرب..»

2) الكامل في التاريخ: 3: 273

في سبيل الكرامة الإنسانية؟ إنما هو أمير على أولئك الممسوخين الذين لم يألفوا إلّا الخنوع والذل والعار.

والتاع الطاغية من احتقار مسلم له، وتبدد جبروته، فصاح به: لا عليك سلمت أم لم تسلّم فإنّك مقتول.

ولم يملك الطاغية سوى سفك الدم الحرام، وحَسِبَ أن ذلك يخيف مسلماً، أو يوجب انهياره وخضوعه له، فانبرى إليه بطل عدنان قائلاً بكل ثقة واعتزاز بالنفس: إِنْ قَتَلْتَنِي فَقَدْ قَتَلَ مَنْ هَوَ شَرٌّ مِنْكَ مِنْ كانَ خَيْراً مِنِّي.

ولذعه هذا الكلام الصارم، وأطاح بغلوائه، فقد ألحقه مسلم بالجلادين والسفاكين من قتلة الأحرار والمصلحين، واندفع الطاغية يصيح بمسلم: يا شاقُ يا عاقُ خرجت على إمام زمانك، وشققت عصا المسلمين، وألقحت الفتنة.

أي إمام خرج عليه مسلم؟

وأيّ عصاً للمسلمين شقّها؟

وأي فتنة ألقحها؟ إنّما خرج على قرين الفهود والقرود

لقد خرج لينقذ الأمة من محنتها أيام ذلك الحكم الأسود، وانبرى مسلم يردّ عليه قائلاً: والله ما كان معاويةَ خَلِيفَةٌ بإجماع الأمة، بَلْ تَغَلَّبَ عَلَى وَصِيَّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بِالْحِيْلَةِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْخِلَافَةَ بِالْغَصْبِ، وَكَذلِكَ ابْنُهُ يَزِيدُ..

وَأَمَّا الْفِتْنَةُ فَإِنَّمَا أَلْفَحْتَها أَنْتَ وَأَبُوكَ زِيادٌ مِنْ بَنِي عِلَاجِ، وَأَنا أَرْجُو أَنْ يَرْزُقَنِي اللهُ الشَّهَادَةَ عَلَى يَدِ شَرِّ بَرِيَّتِهِ، فَوَاللهِ ما خالفتُ وَلَا كَفَرْتُ وَلَا بَدَّلْتُ، وَإِنَّما أَنَا فِي طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَنَحْنُ أَوْلَى بِالْخِلَافَةِ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَابِنِهِ يَزِيدَ».

وكانت هذه الكلمات أشدّ على ابن مرجانة من الموت، لقد كشفت واقعه أمام شرطته وعملائه، وجرّدته من كلّ نزعة إنسانية، وأبرزته كأحقر مخلوق على وجه

الأرض، ولم يجد الدعي وسيلة يلجأ إليها سوى الافتعالات الكاذبة التي هي بضاعته وبضاعة أبيه زياد من قبل، فأخذ يتهم مسلماً بما هو بريء منه قائلاً: يا فاسقُ، ألم تكن تشرب الخمر في المدينة.

فصاح به مسلم: أَحَقُّ واللهِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مَنْ يَقْتُلُ النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ وَهُوَ يَلْهُو وَيَلْعَبُ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئاً.

واستردّ الطاغية تفكيره فرأى أنّ هذه الأكاذيب لا تجديه شيئاً، فراح يقول له: مَنَّتْك نفسك أمراً حال الله بينك وبينه وجعله لأهله.

فقال مسلم باستهزاء وسخرية: مَنْ أَهْلُهُ؟

•

يزيد بن معاوية

•

الْحَمْدُ لِلهِ، كَفى بالله حاكماً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ.

•

أتظن أن لك من الأمر شيئاً؟

•

لا واللهِ مَا هُوَ الظَّنُّ وَلَكِنِ الْيَقِينُ.

•

قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يُقتلها أحد في الإسلام.

•

إِنَّكَ لَا تَدَعُ سُوءَ الْقَتْلَةِ، وَقُبْحَ الْمُثْلَةِ، وَحُبْثَ السَّرِيرَةِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي عَشَرَةٌ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِمْ، وَقَدْرتُ عَلَى شُرْبَةِ ماءٍ لَطالَ عَلَيْكَ أَنْ تَرَانِي فِي هَذَا الْقَصْرِ، وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ عَزَمْتَ عَلَى قَتْلِي فَأَقِمْ لِي رَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ أَوْصِي لَهُ بِمَا أُرِيدُ (1).

وسمح له الطاغية بأن يوصي بما أهمه.


1) الفتوح: 5: 97 - 99

وصيّة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

نظر مسلم في مجلس ابن زياد فرأى عمر بن سعد فأحبّ أن يعهد إليه بوصيّته وقال له: لا أرى فِي الْمَجْلِسِ قَرَشِيّاً غَيْرَكَ (1)، وَلِيَ إِلَيْكَ حَاجَةٌ وَهِيَ سِر (2).

واستشاط ابن زياد غضباً حيث نفاه مسلم من قريش، وأبطل استلحاقه ببني أميّة، فقد أبطل ذلك النسب اللصيق الذي ثبت بشهادة أبي مريم الخمار، ولم يستطع أن يقول ابن زياد شيئاً.

وامتنع ابن سعد من الإجابة لمسلم إرضاءً لعواطف سيّده ابن مرجانة، وكسباً لمودته، وقد لمس ابن زياد خوره وخنوعه فأسرّها في نفسه، ورأى أنه خليق بأن يرشحه لقيادة قواته المسلّحة التى يزج بها لحرب ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وأمر ابن زياد عمر بن سعد بأن يقوم مع مسلم ليعهد إليه بوصيته، وقام ابن سعد مع مسلم فأوصاه مسلم بما يلي:

1- إنّ عليه دَيناً بالكوفة يبلغ سبعمائة درهم، فيبيع سيفه ودرعه ليوفيها عنه (3)

وفي تاريخ الأمم والملوك: 6: 212: «أنّ عليه ستمائة درهم».

وفي الأخبار الطوال: 214: «أن عليه ألف درهم»

. وقد دلّ ذلك على شدّة احتياطه وتحرّجه في دينه، كما أوصى أن يعطى لطوعة ما يفضل من وفاء دينه.

2- أن يستوهب جنّته من ابن زياد فيواريها (4)، وذلك لعلمه بخبث الأمويين وأنّهم لا يتركون المثلة.


1) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب: 134

2) الكامل في التاريخ: 3: 274. الإرشاد: 239

3) الكامل في التاريخ: 3: 247.

4) تاريخ الأمم والملوك: 6: 212

3- أن يكتب للحسين بخبره (1)، فقد شغله أمره لأنه كتب إليه بالقدوم إلى الكوفة، وأقبل ابن سعد يلهث على ابن زياد فقال له: أتدري أيها الأمير ما قال لي؟ إنّه قال كذا وكذا (2).

وأنكر عليه ابن زياد إبداءه للسرّ فقال: لا يخونك الأمين، ولكن قد يؤتمن الخائن، أما ماله فهو لك تصنع به ما شئت، وأما الحسين فإن لم يُردنا لم نُرِده، وإن أرادنا لم نكفَّ عنه، وأمّا جنَّتُه فإنّا لم نُشفّعك فيها (3).

لقد ترك الطاغية شفاعة ابن سعد في جنّة مسلم، فقد عزم على التمثيل بهـا للتشفّي منه، وليتّخذ من ذلك وسيلة لإرهاب الناس وخوفهم.

الطاغية مع المسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وصاح ابن مرجانة بمسلم فقال له: بماذا أتيتَ إلى هذا البلد؟ شتت أمرهم، وفرّقت كلمتهم، ورميت بعضهم على بعض؟

وانطلق فخر هاشم قائلاً بكل ثقة واعتزاز بالنفس: لَسْتُ لِذلِك أَتَيْتُ هذَا الْبَلَدَ، وَلكِنكُمْ أَظْهَرْتُمُ الْمُنْكَرَ، وَدَفَتُتُمُ الْمَعْرُوفَ، وَتأَمَرْتُمْ عَلَى النَّاسِ مِنْ غَيْرِ رِضَى، وَحَمَلْتُمُوهُمْ عَلَى غَيْرِ ما أَمَرَكُمُ اللهُ بِهِ، وَعَمِلْتُمْ فِيهِمْ بِأَعْمَالِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، فَأَتَيْنَاهُمْ لِنَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَنَدْعُوَهُمْ إِلى حُكْم الكِتابِ وَالسُّنَّةِ، وَكُنَّا أَهْلاً لِذلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ تَزَلِ الْخِلافَةُ لَنا مُنْذُ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَلَا تَزالُ الْخِلَافَةُ لَنا فَإِنَّا قُهِرْنا عَلَيْها.. إِنَّكُمْ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ عَلى إمام هُدًى، وَشَقَّ عَصا الْمُسْلِمِينَ، وَأَخَذَ هَذَا الأَمْرَ


1) الإرشاد: 239

2) الكامل في التاريخ: 3: 274

3) وفي الإرشاد: 239: «أمّا جنّته فإنا لا نبالي إذا قتلناه ما نصنع بها»

غَصْباً، وَنَازَعَ أَهْلَهُ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوانِ (1).

وأدلى مسلم بهذا الحديث عن أسباب الثورة التي أعلنها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الحكم الأموي، وقد التاع الطاغية من كلام مسلم، وتبددت نشوة ظفره، فلم يجد مسلكاً ينفذ منه لإطفاء غضبه سوى السبّ للعترة الطاهرة، فأخذ يسبّ عليّاً والحسن والحسين، وثار مسلم في وجهه فقال له: أَنْتَ وَأَبُوكَ أَحَقُّ بِالشَّتم مِنْهُمْ، فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، فَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ مُوَكَلٌ بِنا الْبَلاءُ (2).

لقد ظل مسلم حتى الرمق الأخير من حياته عالي الهمة، وجابه الأخطار، ببأس شديد، فكان في دفاعه ومنطقه مع ابن مرجانة مثالاً للبطولات النادرة.

إلى الرفيق الأعلى

وآن للقائد العظيم أن ينتقل عن هذه الحياة بعد ما أدى رسالته بأمانة وإخلاص وقد رُزق الشهادة على يد الممسوخ القذر ابن مرجانة، فندب لقتله بُكَيْرَ بنَ حمران، الذي ضربه مسلم، فقال له: خذ مسلماً، واصعد به إلى أعلى القصر، واضرب عنقه بيدك ليكون ذلك أشفى لصدرك.

والتفت مسلم إلى ابن الأشعث الذي أعطاه الأمان فقال له: يابْنَ الْأَشْعَثِ، أَما واللهِ لَوْلَا أَنَّكَ آمَنْتَنِي مَا اسْتَسْلَمْتُ، قُمْ بِسَيْفِكَ دُونِي فَقَدْ أَخْفَرْتَ ذِمَّتَكَ.

فلم يحفل به ابن الأشعث (3).

واستقبل مسلم الموت بثغر باسم، فصعد به إلى أعلى القصر وهـو يسبح


1) الفتوح: 5: 101

2) الفتوح: 5: 102. وفي الكامل في التاريخ والإرشاد: «أنّ مسلماً لم يكلم ابن زياد بعد شتمه له»

3) الفتوح: 5: 103

ويستغفره بكل طمأنينة ورضا وهو يقول: اللهم احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ غَرُّونا، وَخَذَلُونا (1).

وأشرف به الجلّاد على موضع الحذائين فضرب عنقه، ورمى برأسه وجسده إلى الأرض (2)، وهكذا انتهت حياة هذا البطل العظيم الذي يحمل نزعات عمّه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومثل ابن عمه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد استشهد دفاعاً عن الحقّ، ودفاعاً عن حقوق المظلومين والمضطهدين.

ونزل القاتل الأثيم فاستقبله ابن زياد فقال له: ما كان يقول وأنتم تصعدون به؟

«كان يسبح الله ويستغفره، فلما أردتُ قتله قلتُ له: الحمد لله الذي أمكنني منك، وأقادني منك فضربته ضربة لم تغن شيئاً فقال لي: أما ترى في خدشاً تخدشُنيه، وفاء من دمك أيّها العبد.

فبهر ابن زياد وراح يبدي إعجابه وإكباره له قائلاً: أو فخراً عند الموت؟ (3).

وقد انطوت بقتل مسلم صفحة مشرقة من أروع صفحات العقيدة والجهاد في الإسلام. لقد استشهد في سبيل العدالة الاجتماعية، ومن أجل إنقاذ الأمة وتحريرها من الظلم والجور. وهو أول شهيد من الأسرة النبوية يُقتل علناً أمام المسلمين، ولم يقوموا بحمايته والذب عنه.

سلبه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وانبرى سليل الخيانة محمد بن الأشعث (4)إلى سلب مسلم، فسلب سیفه


1) تاريخ الأمم والملوك: 6: 213

2) مروج الذهب: 3: 9

3) الكامل في التاريخ: 3: 274

4) الأشعث بن قيس: إنّما سمّي بالأشعث لشعوثة رأسه، واسمه معدي كرب، هلك بعد مقتل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأربعين ليلة، وكان عمره 63 سنة، جاء ذلك في تاريخ الصحابة: 5، أما محمد بن الأشعث فأمه أم فروة أخت أبي بكر لأبيه. الرياض المستطاب: 8

ودرعه وهو غير حافل بالعار والخزي، وقد تعرّض للنقد اللاذع من جميع الأوساط في الكوفة. يقول بعض الشعراء في هجائه له:

وَتَرَكْتَ إِبْنَ عَمَّكَ أَنْ تُقَاتِلَ دُوْنَهُ *** فَشَلاً ولولا أَنْتَ كانَ مَنِيعا

وَقَتَلْتَ وافِدَ آلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ *** وَسَلَّبْتُ أَسْيافاً لَهُ وَدُرُوعا (1)

وعمد بعض أجلاف أهل الكوفة فسلبوا رداء مسلم وثيابه.

تنفيذ الإعدام في هانئ

وأمر الطاغية بإعدام الزعيم الكبير هانئ بن عروة، وإلحاقه بمسلم مبالغة في إذلال زعماء الكوفة وإذاعة الذعر والخوف بين الناس، وقام محمّد بن الأشعث فتشفع فيه خوفاً من بطش أسرته قائلاً: «أصلح الله الأمير، إنك قد عرفت شرفه في عشيرته (2)، وقد عرف قومه أنّي وأسماء بن خارجة جئنا به إليك، فأنشدك الله أيّها الأمير لما وهبته لي، فإنّي أخاف عداوة أهل بيته، وإنهم سادات أهل الكوفة، وأكثرهم عدداً».

فلم يحفل به ابن زیاد، وإنّما زَبَرَهُ وصاح به فسكت العبد، وأخرج البطل إلى السوق في موضع تباع فيه الأغنام مبالغة في إذلاله، ولما علم أنه ملاق حتفه جعل يستنجد بأسرته، وقد رفع عقيرته وا مذحجاه! ولا مذحج لي اليوم. واعشيرتاه! (3)


1) مروج الذهب: 3: 59

2) وفي رواية: «عرفت شرفه في مصره»

3) أنساب الأشراف: 1: 155

ولو كانت عند مذحج صبابة من الشرف والنبل لانبرت إلى إنقاذ زعيمها، ولكنها كانت كغيرها من قبائل الكوفة، فقد طلقت المعروف ثلاثاً.. وعمد هانئ إلى إخراج يده من الكتاف، وهو يطلب السلاح ليدافع به عن نفسه، فلما بصروا به بادروا إليه فأوثقوه كتافاً وقالوا له: امدد عنقك!

فأجاب برباطة جأش ورسوخ ويقين: لا، والله ما كنت بالذي أعينكم على نفسي.

وانبرى إليه وغد من شرطة ابن زياد يقال له رشيد التركي (1)

إِنِّي قَتَلتُ راشِدَ التُركيا *** وَليتُهُ أَبيضَ مَشْرَفِيًا

أرضي بذاك الله وَالنَّبِيا أنساب الأشراف: 1: 155

، فضربه بالسيف فلم يصنع به شيئاً، ورفع هانئ صوته قائلاً: اللهم إلى رحمتك ورضوانك. اللهم اجعل هذا اليوم كفّارة لذنوبي، فإنّي إنّما تعصبتُ لابن بنت نبيك محمد.

وضربه الباغي ضربة أخرى فهوى إلى الأرض يتخبط بدمه الزاكي، ولم يلبث قليلاً حتى فارق الحياة (2).

وكان عمره يوم استشهد تسعاً وتسعين سنة (3)، لقد مضى شهيداً دون مبادئه وعقيدته، وجزع لقتله الأحرار والمصلحون، وقد رثاه أبو الأسود الدولي بقوله:

أَقُولُ وَذاكَ مِنْ جَزَعِ وَوَجْدٍ *** أَزالَ اللهُ مُلْكَ بَنِي زِيادٍ

همُ جَدَعُوا الأنوف وَكُنْ شُمّاً *** بِقَتْلِهِمُ الْكَرِيمَ أَخَا مُرادِ (4)


1) وقد ثأر لدم هانئ عبد الرحمن بن حصين المرادي فقتل رشيداً وفي ذلك يقول:

2) الدر النظيم: 160. أنساب الأشراف: 1: 341

3) مرآة الزمان: 85

4) أنساب الأشراف: 2: 341. ديوان أبي الأسود: 336

ورثاه الأخطل بقوله:

وَلَمْ يَكُ عَنْ يَوْمِ ابْنِ عُرْوَةَ غَائِباً ***كَما لَمْ يَغِبْ عَنْ لَيْلَةِ ابْنِ عَقِيْلِ

أَخُوْ الْحَرْبِ صَرّاها (1)فَلَيْسَ بِناكِلٍ *** جباراً وَلَا وَجْبَ الْفُؤادِ ثَقِيل (2)

السحل في الشوارع

وعهد الطاغية إلى زبانيته وعملائه بسحل جنّتي مسلم وهانئ في الشوارع والأسواق، فعمدوا إلى شدّ أرجلهما بالحبال، وأخذوا يسحلونهما في الطرق(3)، وذلك لإخافة العامة وشيوع الارهاب، وليكونا عبرة لكل من تحدثه نفسه بالخروج على الحكم الأموي. لقد سحب هانئ أمام أسرته وقومه، ولو كان عندهم ذرّة من الشرف والحمية لانبروا إلى تخليص جنّة زعيمهم من أيدي الغوغاء، الذين بالغوا في إهانتها.

صلب الجثتين

ولمّا قضى الطاغية إربه في سحل جثتي مسلم وهانئ أمر بصلبهما، فصليا منكوسين (4)في الكناسة (5).

فكان مسلم - فيما يقول المؤرخون - أول قتيل صلبت جنّته من بني هاشم (6).


1) صرّاها: تقدّم إليها، وجُبّار: مهدور الدم

2) أنساب الأشراف: 2: 341

3) أنساب الأشراف: 1: 155. الدر النظيم: 160. مقتل الخوارزمي: 1: 215

4) مناقب آل أبي طالب: 2: 94

5) المناقب والمثالب: 172

6) مروج الذهب: 3: 7

وقد استعظم المسلمون أشدّ ما يكون الاستعظام هذا الحادث الخطير، فإنّ هذا التمثيل الفظيع إنّما هو جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً، ومسلم وهانئ إنّما هما من روّاد الحق ودعاة الإصلاح في الأرض.

وعلى أي حال فقد أخضع الطاغية بعد قتله لمسلم وهانئ العراق الثائر، وارتمت جميع أوساطه تحت قدميه بدون أية مقاومة.

الرؤوس إلى دمشق

وعمد ابن مرجانة إلى إرسال رؤوس مسلم وهانئ وعمارة بن صلحب الأزدي (1)هدية إلى سيّده يزيد، لينال الجائزة ويحرز إخلاص الأسرة المالكة له، وقد أرسل معها هذه الرسالة:

«أمّا بعد.. فالمد الله الذي أخذ الأمير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤونة عدوّه. أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي، وإني جعلت عليهما العيون، ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتى استخرجتهما، وأمكن الله منهما فضربت أعناقهما، وبعثت إليك برأسيهما مع هانئ بن أبي حية الوداعي الهمداني، والزبير بن الأروح التميمي، وهما من أهل السمع والطاعة، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ فإنّ عندهما علماً وصدقاً وفهماً وورعاً، والسلام» (2).

واحتوت هذه الرسالة على العمليات التي قام بها الطاغية للقضاء على الثورة، والتي كان من أهمها:

1- استعانته بالعيون والجواسيس في معرفة شؤون الثورة، والوقوف على


1) أنساب الأشراف: 1: 155

2) تاريخ الأمم والملوك: 6: 214

أسرارها، وقد قام بهذه العملية معقل مولاه.

2- إنّه دسّ لهانئ العضو البارز فى الثورة، الرجال حتى صار تحت قبضته، واعتقله، وكذلك كاد لمسلم حينما ثار عليه، فقد أرسل عيون أهل الكوفة ووجوهها مع العرفاء، فأخذوا يذيعون الذعر، وينشرون الارهاب حتى انهزم جيشه

جواب یزید

ولمّا انتهت الرؤوس إلى دمشق سُرّ يزيد بذلك سروراً بالغاً، وكتب لابن مرجانة جواباً على رسالته شكره فيها، وهذا نصها:

«أمّا بعد، فإنّك لم تَعْدُ أن كنت كما أحبّ، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد كفيت وصدقت ظني بك، ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما عن الذين ذكرت، فقد وجدتهما في رأيهما وعقلهما وفهمهما وفضلهما ومذهبهما، كما ذكرت، وقد أمرت لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم، وسرحتهما إليك، فاستوص بهما خيراً. وقد بلغني أنّ الحسين بن علي قد عزم على المسير إلى العراق، فضع المراصد والمناظر واحترس واحبس على الظنّ. واكتب إليَّ في كل يوم بما يتجدّد لك من خير أو شرّ والسلام» (1)

ولم يعرض المؤرّخون إلى شؤون هذه الرؤوس الكريمة، فهل دفنت في دمشق أو في مكان آخر؟ فقد أهملوا ذلك، إلا أنه جاء في مرآة الزمان: 59 فيما يخص رأس هانئ ما نصه:

«إنّه في هذه السنة - أي سنة 302هـ - ورد الخبر إلى بغداد أنّه وُجِدَ بخراسان بالقصر أزج -البيت يُبنى طولاً-، فيه ألف رأس، في برج، في أذن كلّ واحد خيط من ابريسم، فيه رقعة فيها اسم صاحبه. وكان من جملتها رأس هانئ بن عروة، وحاتم بن حنّة، وطلق ابن معاذ وغيرهم، وتاريخهم - أي تاريخ وضعهم في ذلك الأزج - سنة 70 من الهجرة. ونقل الزركلي في هامش أعلامه: 9: 51 عن صلة تاريخ الأمم والملوك: 62 من حوادث سنة 304هـ أنّه ورد إلى بغداد كتاب من خراسان يذكر فيه أنه وجد بقندهار في أبراج سورها برج متصل بها فيه خمسة آلاف رأس في سلال من حشيش، ومن هذه الرؤوس 29 رأساً في أذن كل رأس منها رقعة مشدودة بخيط ابريسم باسم كل رجل منهم، وعدّ منهم هانی بن عروة، وقال: إنّهم قد وجدوا على حالهم إلا أنهم قد جفت جلودهم والشعر عليها بحالته لم يتغيّر

.

1) الفتوح: 5: 109. أنساب الأشراف 2: 342.

وحفلت هذه الرسالة بالتقدير البالغ لابن زياد، وأضفت عليه صفة الحازم اليقظ، وأنه قد حقق ظنّ يزيد فيه أنّه أهل للقيام بمثل هذه الأعمال الخطيرة.. وقد عرّفه يزيد بعزم الإمام الحسين على التوجّه إلى العراق، وأوصاه باتخاذ التدابير التالية:

1- وضع المراصد والحرس على جميع الطرق والمواصلات.

2- التحرّس في أعماله، وأن يكون حذراً يقظاً.

3- أخذ الناس بسياسة البطش والارهاب.

4- أن يكون على اتصال دائم مع يزيد، ويكتب له بجميع ما يحدث في القطر، و طبق ابن مرجانة جميع ما عهده إليه سيده، ونفّذ ما يلي:

إعلان الأحكام العرفية

وبعدما أطاح الطاغية بثورة مسلم، قبض على العراق بيد من حديد، وأعلن الأحكام العرفية في جميع أنحاء العراق، واعتمد في تنفيذ خططه على القسوة البالغة، فأشاع من الظلم والجور ما لا يوصف. فكان اسمه موجباً لإثارة الفزع والخوف في نفوس العراقيين، كما كان اسم أبيه زياد من قبل.

لقد فوّضت إليه حكومة دمشق السلطات الواسعة، وأمرته بأخذ الناس بالظنّة، وإعدام كلّ من يحقد على الحكم الأموي، أوله ضلع بالاشتراك في أية مؤامرة تحاك

ضده. وبهذه الأساليب الرهيبة ساق الناس لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كان يحكم بالموت على كل من يتخلّف أو يرتدع من الخوض في المعركة (1).

احتلال الحدود العراقية

واحتلّ ابن زياد جميع الحدود العراقية احتلالاً عسكرياً، ومنع الناس من الدخول للعراق والخروج منه إلا بإذن وتأشير خاص من شرطة الحدود، وكانوا إذا أخذوا رجلاً أجروا معه التحقيق الكامل، فإن علموا براءته أطلقوا سراحه، وإلا بعثوه مخفوراً إلى السلطة المركزية في الكوفة لتجري معه المزيد من التحقيق، وقد احتاط في هذه الجهة أشدّ الاحتياط مخافة أن يلج أحد إلى العراق أو يخرج منه من شيعة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ويقول المؤرخون إنّه جعل على جميع المفارق وأعالي المنازل عيوناً من عسکره.

كما عيّن في البر نقاطاً ومسالح ترصد جميع الحركات، وقد بعث الحصين بن نمير رئيس شرطته إلى القادسية، ومنها إلى خفّان، ثمّ القطقطانة، وجبل لعلع ورتب في كلّ مكان جماعة من الفرسان والخيالة لتفتيش الداخل والخارج.

وقد حفظت هذه الإجراءات تلك المناطق من الاشتراك بأي عمل ضدّ الدولة، كما حفظت خطوط المواصلات بين الكوفة والشام، وقد ألقت الشرطة القبض على مسهر الصيداوي رسول الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الكوفة، وبعثته مخفوراً إلى ابن زياد.

الاعتقالات الواسعة

وقام ابن زياد بحملة اعتقالات واسعة النطاق في صفوف الشيعة، فاعتقل منهم،


1) الدولة الأموية في الشام: 56

فيما يقول المؤرّخون، اثني عشر ألفاً (1)، وكان من بين المعتقلين سليمان بن صرد الخزاعي، والمختار بن أبي عبيد الثقفي، وأربعمائة من الأعيان والوجوه (2). وقد أثارت هذه الإجراءات عاصفة من الفزع والهلع لا في الكوفة فحسب، وإنّما في أنحاء العراق، وقد ابتعد الكوفيون عن التدخل في أية مشكلة سياسية، جميع ولم تبد منهم أي حركة من حركات المعارضة، وأيقنوا أن لا قدرة لهم على الإطاحة بالعرش الأموي، وظلّوا قابعين تحت وطأة سياطه القاسية.


1) المختار مرأة العصر الأموي: 74 و 75

2) الدرّ المسلوك فى أحوال الأنبياء والأوصياء والملوك: 1: 109

اِخْفَاقُ الثَّوْرَةِ

اشارة:

ويتساءل الكثيرون عن الأسباب التي أدت إلى إخفاق مسلم في ثورته مع ماكان يتمتع به من القوى العسكرية، في حين أنّ خصمه لم تكن عنده أيّة قوّة يستطيع أن يدافع بها عن نفسه، فضلاً عن الهجوم والدخول في عمليات القتال، ويعزو بعضهم السبب في ذلك إلى قلة خبرة مسلم في الشؤون السياسية، وعجزه عن السيطرة على الموقف، فترك المجال مفتوحاً لعدوّه حتى تغلب عليه... وهذا الرأي فيما يبدو - سطحي ليس له أية صبغة من التحقيق، وذلك لعدم ابتنائه على دراسة الأحداث بعمق وشمول، ومن أهمها - فيما یبدو - دراسة المجتمع الكوفي، وما مني به من التناقض في سلوكه الفردي والاجتماعي، والوقوف على المخططات السياسية التي اعتمد عليها ابن زياد للتغلب على الأحداث، والنظر في الصلاحيات المعطاة المسلم بن عقيل من قبل الإمام، فإنّ الإحاطة بهذه الأمور توضح لنا الأسباب في إخفاق الثورة، وفيما يلى ذلك:

المجتمع الكوفي

اشارة:

ولا بدّ لنا أن نتحدّث بمزيد من التحقيق عن طبيعة المجتمع الكوفي في ذلك العهد، فإنّه المرآة التي تنعكس عليها الأحداث الهائلة، التي لعبت دورها الخطير في تاريخ الإسلام السياسي، وأن نبين العناصر التي سكنت الكوفة، وننظر إلى طبيعة الصلات الاجتماعية فيما بينها، والحياة الاقتصادية التي كانت تعيش فيها،

فإنّ البحث عن ذلك يُلقي الأضواء على فشل الثورة، كما يلقي الأضواء على التذبذب والانحرافات الفكرية التي مُني بها هذا المجتمع، والتي كان من نتائجها ارتكابه لأبشع جريمة في تاريخ الإنسانية، وهي إقدامه على قتل ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإلى القرّاء ذلك:

الظواهر الاجتماعية

اشارة:

أمّا الظواهر الاجتماعية التي تفرّد بها المجتمع الكوفي دون بقية الشعوب فهي:

1- التناقض في السلوك

والظاهرة الغريبة في المجتمع الكوفي أنّه كان في تناقض صريح مع حياته الواقعيّة، فهو يقول شيئاً ويفعل ضدّه، ويؤمن بشيء ويفعل ما ينافيه، والحال أنّه يجب أن تتطابق أعمال الإنسان مع ما يؤمن به، وقد أدلى الفرزدق بهذا التناقض حينما سأله الإمام عن أهل الكوفة فقال له: خلّفتُ قلوب الناس معك، وسيوفهم مشهرة عليك.

وكان الواجب يقضي أن تذبّ سيوفهم عمّا يؤمنون به، وأن يناضلوا عمّا يعتقدون به، ولا توجد مثل هذه الظاهرة في تاريخ أي شعب من الشعوب. ومن غرائب هذا التناقض أنّ المجتمع الكوفي قد تدخل تدخلاً إيجابياً في المجالات السياسية، وهام في تياراتها، فكان يهتف بسقوط الدولة الأموية، وقد كاتبوا الإمام الحسين ال لينقذهم من جور الأمويين وبطشهم، وبعثوا الوفود إليه، م-ع آلاف الرسائل التي تحنّه على القدوم لمصرهم.

ولمّا بعث إليهم سفيره مسلم بن عقیل قابلوه بحماس بالغ، وأظهروا له الدعم الكامل، حتى كاتب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقدوم إليهم، ولكن لما داهمهم ابن مرجانة ونشر الرعب والفزع في بلادهم تخلّوا عن مسلم، وأقفلوا عليهم بيوتهم، وراحوا

يقولون: ما لنا والدخول بين السلاطين؟

إن حياتهم العملية لم تكن صدى لعقيدتهم التي آمنوا بها، فقد كانوا يمنّون قادتهم بالوقوف معهم ثمّ يتخلون عنهم في اللحظات الحاسمة. ومن مظاهر ذلك التناقض أنّهم بعدما أرغموا الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الصلح مع معاوية، وغادر مصرهم جعلوا ينوحون ويبكون على ما فرطوه تجاهه، ولما قتلوا الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودخلت سبايا أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) مدينتهم أخذوا يعجون بالنياحة والبكاء، فاستغرب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك منهم وراح يقول: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَبْكُونَ وَيَنُوحُونَ مِنْ أَجْلِنا، فَمَنْ قَتَلَنا؟

إنّ فقدان التوازن في حياة ذلك المجتمع جرّ لهم الويلات والخطوب وألقاهم في شرّ عظيم.

2- الغدر والتذبذب

والظاهرة الأخرى في المجتمع الكوفي الغدر، فقد كان من خصائصهم التي اشتهروا بها، وقد ضرب بهم المثل فقيل: «أغدر من كوفي» (1)، كما ضُرِب المثل بعدم وفاءهم فقيل: «الكوفي لا يوفي» (2).

وقد وصفهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله: «أسُودٌ رَوَاغَةٌ، وَثَعَالِبُ رَوَاغَةٌ».

وقال فيهم: «إِنَّهُمْ أَناسٌ مُجْتَمِعَةٌ أَبْدانُهُمْ، مُخْتَلِفَةٌ أَهْوَاؤُهُمْ، وَإِنَّ مَنْ فَازَ بِهِمْ فَازَ بِالسَّهْمِ الأَخْيَبِ، أَصْبَحتُ لَا أَطْمَعُ فِي نُصْرَتِهِمْ وَلَا أَصَدِّقُ قَوْلَهُمْ» (3).

لقد كان الجانب العملي في حياتهم هو التقلب والتردّد والتخاذل، وقد غروا


1) الفرق بين الفرق/عبد القاهر البغدادي: 26

2) آثار البلاد/زكريا القزويني: 167

3) الإمامة والسياسة: 1: 238

زید بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثائر العظيم فقالوا له: «إنّ معك مائة ألف رجل من أهل الكوفة يضربون دونك بأسيافهم» (1).

وقد أحصى ديوانه منهم خمسة عشر ألفا كانوا قد بايعوه على النصرة (2)، ثمّ لمّا أعلن الثورة هبط عددهم إلى مائتين وثمانية عشر رجلاً (3)، وقد نصح داود بن عليّ زيداً بأن لا ينخدع بأهل الكوفة فقال له: يابن عم، إن هؤلاء يغرونك من نفسك، أليس قد خذلوا من كان أعزّ عليهم منك؟ جدَّك عليّ بن أبي طالب حتّى قُتل؟ والحسن من بعده، بايعوه ثمّ وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه، وانتهبوا فسطاطه وجرحوه؟ أوليس قد أخرجوا جدّك الحسين وحلفوا له بأوكد الأيمان ثم خذلوه وأسلموه ثمّ لم يرضوا بذلك حتى قتلوه (4).

وكان ينكثون البيعة بعد البيعة، وقد ألمح إلى هذه الظاهرة أعشى همدان، الذي كان شاعر ثورة محمّد بن الأشعث، الذي ثار على الحجاج. يقول داعياً على أهل الكوفة:

أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتَمِمَّ نُوْرِهِ *** وَيُطْفِي نُورَ الْفاسِقِينَ فَيَحْمَدا

وَيُنْزِلَ ذلاً بِالْعِراقِ وَأَهْلِهِ *** لمَّا نَقَضُوا الْعَهْدَ الْوَثِيق الْمُؤكدا

وما أَحْدَثُوا مِنْ بِدْعَةٍ وَعَظِيمَةٍ *** مِنَ الْقَوْلِ لَمْ تَصْعَدْ إِلَى اللهِ مَصْعَدا

وَما نَكَثُوا مِنْ بَيْعَةٍ بَعْدَ بَيْعَةٍ *** إِذا ضَمِنُوها الْيَوْمَ خاسُوا بِها غَدا (5)


1) تاريخ الأمم والملوك: 5: 487

2) المصدر المتقدم: 491

3) المصدر المتقدم: 500

4) المصدر المتقدم: 488

5) المصدر المتقدم: 178

وقد عرفوا بهذا السمت عند جميع الباحثين، ويرى (فلهوزن) أنّهم متردّدون متقلبون وأنهم لم يألفوا النظام والطاعة، وأنّ الإخلاص السياسي والعسكري لم يكن معروفاً لهم على الإطلاق.

وأكد ذلك الباحث (وزتر شلين) يقول: «إنّ من صفاتهم المميزة البارزة الهوائية، والتقلب، ونقص الثقة بأنفسهم» (1).

ولم يكن هذا التذبذب في حياتهم مقتصراً على العامة، وإنما كان شائعاً حتّى عند رجال الفكر والأدب، فَسُراقةُ، الشاعر المعروف، وقف في وجه المختار، واشترك في قتاله يوم جبانة السبيع فلما انتصر المختار وقع سراقة أسيراً بين يدي أصحابه، فزج به في السجن، فأخذ سراقة يستعطفه وينظم القصيدة في مدحه، ويذكر مبادئ ثورته، ويبالغ في تمجيده، فكان مما قاله فيه:

نُصِرْتَ عَلَى عَدُوكَ كُلَّ يَوْمٍ *** بِكُل كتيبةٍ تَنْعَى حُسَيْنا

كَنَصْرِ مُحَمَّدٍ فِي يَوْمِ بَدْرٍ *** وَيَوْمَ الشَّعْبِ إِذْ لَاقَى حُنَينا

فَأَسْجِحْ (2)إِذْ مَلَكْتَ فَلَو مَلَكْنا *** لَجُرْنَا فِي الْحُكُومَةِ وَاعْتَدَينا

تَقَبَّلُ تَوْبَةً مِنِـّي فَـإِنِّي *** سَأَشْكُرُ إِنْ جَعَلْتَ النَّقْدَ دَيْنا

ولما عفا عنه المختار خرج من الكوفة فلم يبعد عنها قليلاً حتى أخذ يهجو المختار ويحرّض عليه، وقد قال في هجائه:.

أَلَا أَبْلِغْ أَبَا إِسْحَاقَ أَنَّي *** رَأَيْتُ الشُّهَبَ كُمْتاً مُصْمَتَاتِ

كَفَرْتُ بِدِينَكُمْ وَبَربْتُ مِنْكُمُ *** عَلَيَّ قِتالَكُمْ حَتَّى الْمَمَاتِ


1) السيادة العربية: 74

2) السجح: حسن العفو

أرِي عَيْني ما لَمْ تُبْصِراهُ ***كلانا عالم بالترهات

إذا قالُوا أَقُولُ لَهُم كَذَبْتُم ***وَإِنْ خَرَجُوا لَبِسْتُ لَهُم أَداتِي(1)

لقد مضى يصبّ ثورته وسخريته على المختار وأصحابه في نفس الوزن الذي نظم فيه قصيدته السابقة. ومن الطبيعي أنّ هذا التناقض في حياتهم كان ناجماً من الاضطراب النفسي، وعدم التوازن في السلوك.

ومن غرائب ذلك التناقض أنّ بعضهم كان يحتاط في أبسط الأمور ولا يتحرّج من اقتراف أعظم الموبقات، فقد جاء رجل من أهل الكوفة إلى عبد الله بن عمر يستفتيه في دم البعوض يكون على الثوب أطاهر أم نجس؟ فقال له ابن عمر: من أين أنت؟

• من أهل العراق.

فبهر ابن عمر وراح يقول: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض! وقد قتلوا ابن بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)وقد سمعته يقول فيه وفي أخيه: هُما رَيْحانَتايِ مِنَ الدُّنْيا (2).

ويعزو بعضهم السبب في هذا الاضطراب إلى الظروف السياسية القاسية التي مرّت عليهم، فإنّ الحكم الأموي كان قد عاملهم بمنتهى القسوة والشدة، فرماهم بأقسى الولاة وأشدّهم عنفاً، أمثال المغيرة بن شعبة، وزياد بن سميّة، مما جعل الحياة السياسية ضيّقة متحرّجة ممّا نجم عنه هذا التناقض في السلوك.

3- التمرد على الولاة

والطابع الخاص الذي عُرف به المجتمع الكوفي التمرّد على الولاة والتبرّم منهم، فلا يكاد يتولّى عليهم وال وحاكم حتى يعلنوا الطعن عليه، فقد طعنوا في سعد بن


1) أنساب الأشراف: 5: 234. الأخبار الطوال: 264

2) الصراط السوي في مناقب آل النبي: 94، من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أبي وقاص مؤسس مدينتهم، واتهموه بأنه لا يحسن الصلاة (1).

فعزله عمر وولّى مكانه الصحابي الجليل عمار بن ياسر، ولم يلبثوا أن شكوه إلى عمر فعزله، وولّى مكانه أبا موسى الأشعري، ولم تمض أيام من ولايته حتى طعنوا فيه، وقالوا: لا حاجة لنا في أبي موسى (2).

وضاق عمر بهم ذرعاً، وبدا عليه الضجر، فسأله المغيرة عن شأنه فقال له: ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من عظيم، فهل نابك من نائب؟

فانبرى عمر يشكو إليه الألم الذي داخله من أهل الكوفة قائلاً: وأي نائب أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير، ولا يرضى عنهم أمير؟ (3).

وتحدّث عمر عنهم فقال: من عذيري من أهل الكوفة؟ إن استعملت عليهم القويّ فَجَّروه، وإن وليت عليهم الضعيف حقروه (4).

لقد جبلوا على التمرّد، فهم لا يطيقون الهدوء والاستقرار.

ويرى (ديموبين) أنّ هذه الظاهرة اعتادها الكوفيون من أيام الفرس الذين دأبوا على تغيير حكامهم دوماً (5).

ويذهب (فان فلوتن) إلى أنّ العرب المستقرين بالكوفة كانوا قد تعوّدوا على حياة الصحراء بما فيها من ضغن وشحناء، وحب الانتقام، والتخريب، والأخذ بالثأر؛ فلذا تعوّدوا على التمرّد، وعدم الطاعة للنظام (6).


1) فتوح البلدان: 287

2) تاريخ الأمم والملوك: 3: 243، وجاء فيه: «إنّهم اتهموه بأنه يتاجر في أقواتهم»

3) فتوح البلدان: 279

4) مختصر کتاب البلدان/ابن الفقيه: 184

5) النظم الإسلامية: 26

6) السيادة العربية: 11

4- الانهزاميّة

والظاهرة الغريبة التي عرف بها المجتمع الكوفي في تلك العصور هي الانهزامية، وعدم الصمود أمام الأحداث، فإذا جد الجد ولوا منهزمين على أعقابهم، فقد أجمعوا في حماس على مبايعة مسلم ونصرته، ولما أعلن الثورة على ابن مرجانة انفضوا من حوله حتى لم يبق معه إنسان يدله على الطريق، وقد وقفوا مثل هذا الموقف مع زيد بن علي، فقد تركوه وحده يصارع جيوش الأمويين، وراح يقول: «فعلوها حسينية». وبايعوا عبد الله بن معاوية فقالوا له: «ادعُ إلى نفسك فبنو هاشم أولى بالأمر من بني مروان» (1).

وأخرجوه حيث كان مقيماً وأدخلوه القصر فبايعوه، ولما زحف لقتاله والي الأمويين عبد الله بن عمر فروا منهزمين، ونظر عبدالله بن معاوية فإذا الأرض بيضاء من أصحابه، فقد غدر به قائد قواته لأنه كان على اتفاق مع والي الأمويين، فانهزم وانهزم معه الجيش (2).

وكان عيسى بن زيد يقول فيهم: « لا أعرف فيهم موضع ثقة يفي ببيعته، ويثبت عند اللقاء» (3).

5- مساوئ الأخلاق

واتّصفت الأكثرية الساحقة من أهل الكوفة بمساوئ الأخلاق. يقول فيهم عبد الله بن الحسن: «إنّ أهل الكوفة نفخ العلانية، خور السريرة، هرج في الرخاء، جزع في اللقاء، تقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم» (4).


1) تاريخ الأمم والملوك: 5: 599

2) تاريخ الأمم والملوك: 5: 599

3) مقاتل الطالبيين: 418

4) تاريخ الأمم والملوك: 5: 489

ووصفهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله: إِنْ أهْمِلْتُمْ خُضْتُمْ (1)، وَإِنْ حُوربْتُمْ خُرْتُمْ (2)، وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ، وَإِنْ أجِبْتُمْ - أو أجِبْتُم - إِلى مُشَاقَّةٍ (3)نَكَصتُمْ (4)» (5).

ووصفهم المختار لعبد الله بن الزبير حينما سأله عنهم فقال: لسلطانهم في العلانية أولياء، وفي السر أعداء.

وعلّق ابن الزبير على قول المختار فقال: هذه صفة عبيد السوء، إذا رأوا أربابهم خدموهم وأطاعوهم، فإذا غابوا عنهم شتموهم (6)

وهجاهم أعشى همدان بقوله:

وَجبْناً حَشَاهُ رَبُّهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ *** فَما يَقْرَبُونَ النّاسَ إِلَّا تَهَدُّدا

فَلَا صِدْقَ فِي قَوْلِ وَلَا صَبْرَ عِنْدَهُمْ *** وَلَكِنَّ فَخْراً فِيْهِمْ وَتَزَيُّدا (7)

ويقول فيهم أبو السرايا:

مارَسْتُ أَقْطَارَ الْبِلَادِ فَلَمْ أَجِدْ *** لَكُمْ شَبَهاً فيما وَطِنْتُ مِنَ الْأَرْضِ

خُلْفاً وَجَهْلاً وَانْتِشَارَ عَزِيْمَةٍ *** وَهْناً وَعَجْزاً فِي الشَّدائِدِ وَالْخَفْضِ

لَقَدْ سَبَقَتْ فِيكُمْ إِلَى الْحَشْرِ دَعْوَةٌ *** لا عَنْكُمْ راضٍ وَلَا فِيْكُمْ مَرْضِي (8)


1) أي في الكلام الباطل

2) خرتم: أي ضعفتم وجبنتم

3) المشاقة: المراد بها الحرب

4) نكصتم: رجعتم القهقرى

5) تاريخ الأمم والملوك: 5: 489

6) المصدر المتقدم: 4: 444

7) المصدر المتقدم: 5: 178

8) يشير إلى دعوة الإمام الشهيد الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) على أهل الكوفة يوم عاشوراء بقوله: « وَلَا يُرْضَى الْوِلاةَ عَنْكُمْ أَبَداً»

سَأَبْعِدُ داري مِنْ قِلَى عَنْ دِيارِكُمْ *** فذُوقُوا إِذا وَلَّيْتُ عاقِبَةَ الْبُغْضِ (1)

وحلّل الدكتور يوسف خليف هذه الأبيات بقوله:

«وأبو السرايا في هذه الأبيات يردّد تلك الفكرة القديمة التي عرفت عن أهل الكوفة من أنّهم أهل شقاق ونفاق ومساوئ الأخلاق، فيصفهم بالشقاق والجهل وتفرّق العزيمة والضعف والعجز.

ويرى أنّ هذه صفاتهم التي تلازمهم دائماً في الحرب والسلم، وهي صفات لم تجعل أحداً من زعمائهم، أو أئمتهم يرضى عنهم، وهم منفردون بها من بين سائر البشر في جميع أقطار الأرض التي وطئتها قدماه، ثمّ يعلن في النهاية ببغضه لهم واعتزامه البعد عنهم ليذوقوا من بعده سوء العاقبة، وسوء المصير» (2).

ووصفهم أبو بكر الهذلي بقوله:

«إنّ أهل الكوفة قطعوا الرَّحِمَ، ووصلوا المَثانَةَ، كتبوا إلى الحسين بن عليّ إنا معك مائة ألف، وغرّوه حتّى إذا جاء خرجوا إليه فقتلوه وأهل بيته صغيرهم وكبيرهم، ثم ذهبوا يطلبون دمه، فهل سمع السامعون بمثل هذا؟» (3).

6- الجشع والطمع

وهناك نزعة عامة سادت في أوساط المجتمع الكوفي، وهي التهالك ع-ل-ى المادة، والسعي على حصولها بكل طريق، فلا يبالون في سبيلها بالعار والخزي، ولقد لعبت هذه الجهة دورها الخطير في إخفاق ثورة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد بذل ابن زیاد


1) مقاتل الطالبيين: 544 - 546

2) حياة الشعر في الكوفة: 445

3) مختصر البلدان: 173

الأموال بسخاء للوجوه والأشراف، فخفّوا إليه سراعاً فغدروا بمسلم، ونكثوا عهودهم، وقد ملكهم ابن زياد بعطائه فأخرجهم لحرب ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد أن أقسموا الأيمان المغلّظة على نصرته والذبّ عنه

7- التأثر بالدعايات

وظاهرة أخرى من ظواهر المجتمع الكوفي وهي سرعة التأثّر بالدعايات من دون فحص ووقوف على واقعها، وقد استغل هذه الظاهرة الأمويون أيام (مسكن)، فأشاعوا في أوساط الجيش العراقي أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صالحا معاوية، وحينما سمعوا بذلك ماجوا في الفتنة، وارتطموا في الاختلاف، فعمدوا إلى أمتعة الإمام فنهبوها، كما اعتدوا عليه، فطعنوه في فخذه، ولما أذاعت عصابة ابن زياد بين جيوش مسلم أن جيش أهل الشام قد أقبل إليكم فلا تجعلوا أنفسكم عرضة للنقمة والعذاب، فلما سمعوا ذلك انهارت أعصابهم، وولّوا منهزمين، وأمسى ابن عقيل وحده ليس معه إنسان يدله على الطريق.

هذه بعض مظاهر الحياة الاجتماعية في الكوفة، وهي تكشف عن ضحالة ذلك المجتمع، وانهياره أمام الأحداث، فلم تكن له إرادة صلبة، ولا وعي اجتماعي أصيل، وقد جرّوا لهم بذلك الويل، فدمروا قضاياهم المصيرية، وتنكروا لجميع حقوقهم، وفتحوا المجال للطاغية ابن مرجانة أن يتحكّم فيهم، ويصبّ عليهم وابلاً من العذاب الأليم.

الحياة الاقتصادية

اشارة:

أمّا الحياة الاقتصادية في الكوفة فكانت تتسم بعدم التوازن، فقد كانت فيها الطبقة الارستقراطية التي غرقت في الثراء العريض، فقد منحتها الدولة الأموية أيام عثمان ومعاوية الهبات والامتيازات الخاصة، فأثرت على حساب الضعفاء والمحرومين،

ومن بين هؤلاء:

1- الأشعث بن قيس

وقد اشترى في أيام عثمان أراضي واسعة في العراق، وكان في طليعة الاقطاعيين ذلك العصر، وهو الذي أرغم الإمام على قبول التحكيم؛ لأن حكومته كانت تهدّد مصالحه وامتيازاته الخاصّة.

2- عمرو بن حريث

وكان أثرى رجل فى الكوفة (1)، وقد لعب دوراً خطيراً في إفساد ثورة مسلم وشل حركتها.

3- شبث بن ربعي

وهو من الطبقة الارستقراطية البارزة في الكوفة (2)، وهو أحد المخذلين عن مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما تولى قيادة بعض الفرق التي حاربت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وهؤلاء بعض أثرياء ذلك العصر، وكانوا يداً لابن مرجانة، وساعده القويّ، الذي أطاح بثورة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كانوا يملكون نفوذاً واسعاً في الكوفة، وقد استطاعوا أن يعلنوا معارضتهم للمختار رغم ما كان يتمتع به من الكتل الشعبية الضخمة المؤلّفة من الموالي والعبيد، وهم الذين أطاحوا بحكومته.

أمّا الأكثرية الساحقة في المجتمع الكوفي فكانت مرتبطة بالدولة، تتلقى مواردها المعاشية منها، باعتبارها المعسكر الرئيسي للدولة، فهي التي تقوم بالإنفاق عليها


1) «أنّ عمرو بن حريث كان أكثر أهل الكوفة مالاً» تاريخ الأمم والملوك: 3: 205

2) حياة الشعر في الكوفة: 168

وقد عانى بعضهم الحرمان والبؤس، وقد صوّر الشاعر الأسدي سوء حياته الاقتصادية بقصيدة يمدح بها بعض نبلاء الكوفة لينال من معروفه وكرمه. يقول فيها:

يا أَبا طَلْحَةَ الْجَوادَ أَغِثْنِي *** بسجالٍ مِنْ سَيْبِكَ الْمَقْسُوم

أخي نَفْسِي - فَدَتْكَ نَفْسِي فَإِنِّي *** مُفْلِسٌ قَدْ عَلِمْتَ ذاكَ عَدِيْم

أوْ تَطَوْعْ لَنا بِسُلْتِ دَقِيْقٍ *** أَجْرُهُ - إِنْ فَعَلْتَ ذاكَ عَظِيْمِ

قَدْ عَلِمْتُمْ - فَلَا تَعامَسَ عَنِّي - *** ما قَضَى اللهُ فِي طَعامِ الْيَتِيمِ

لَيْسَ لِي غَيْرُ جَرَّةٍ وَأَصِيْصٍ *** وَكِتابٍ مُنَمْنَم كَالْوُشُوم

وَكِساءٍ أَبِيْعُهُ بِرَغِيْف *** قَدْ رَفَعْنا خُرُوقَهُ بِأَدِيمِ

وأكافٍ (1)أَعارَنِيْهِ نَشِيْط *** وَلِحافٌ لِكُلِّ ضَيْفَ كَرِيْم (2)

أرأيت هذا الفقر المدقع، الذي دعا الشاعر إلى هذا الاستعطاف والتذلّل؟ إنّها مشكلة الفقر الذي أخذ بخناقه.

وعلّق شوقي ضيف على هذه الأبيات بقوله:

«ومن هنا ارتفع صوت المال في القصيدة الأموية، واحتل جوانب غير قليلة منها؛ فقد كان أساسياً في حياة الناس، فطبيعي أن يكون أساسياً في فنّهم وشعرهم، أليس هو من دعائم الحياة؟ فلِمَ لا يكون دعامة هامة من دعائم البناء الفنّي؟ إنّه يستتر في قاع الحياة، وقاع الشعر؛ لأنّ الشعر إنّما هو تعبير عن الحياة» (3).


1) الأكافُ: البرذعة

2) حياة الحيوان/الجاحظ: 5: 297 - 299

3) التطوّر والتجدّد في الشعر الأموي: 134

إن الحياة الاقتصادية تؤثر أثراً عميقاً وفعّالاً في كيان المجتمع، وتلعب دوراً خطيراً في توجيه المجتمع نحو الخير أو الشر، وقد ثبت أن كثيراً من الجرائم التي يقترفها بعض المصابين في سلوكهم إنما جاءت نتيجة لفقرهم وبؤسهم أو لجشعهم على تحصيل المادة، وقد اندفع أكثر الجيش من الكوفة لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما مناهم ابن مرجانة بزيادة مرتباتهم التي يتقاضونها من الدولة، وعلى أي حال، فإنّ سوء الحالة الاقتصادية في الكوفة كانت من الأسباب الفعالة في إخفاق ثورة مسلم، وتحوّل الجماهير عنه حينما أغدق ابن زياد الأموال على الوجوه والعرفاء، وغيرهم، فاندفعوا إلى القيام بمناهضة مسلم، وصرف الناس عنه.

عناصر السكّان

اشارة:

كانت الكوفة أممية، قد امتزجت فيها عناصر مختلفة في لغاتها، ومتباينة في طباعها وعاداتها وتقاليدها، فكان فيها العربي والفارسي والنبطي إلى جانب العبيد وغيرهم، ولم تعد مدينة عربية خالصة كمكة والمدينة، وإنّما كانت مدينةً أهلها أخلاط من الناس كما يقول اليعقوبي، وقد هاجرت إليها هذه العناصر باعتبارها المركز الرئيسي للمعسكر الإسلامي، فمنها تتدفّق الجيوش الإسلامية للجهاد، كما تتدفق فيها المغانم الكثيرة التي وعد الله بها المجاهدين، وقد بلغ نصيب الجندي المقاتل من في المدائن اثني عشر ألفاً (1)، مما دعا ذلك إلى الهجرة إليها باعتبارها السبيل إلى الثروة، ونلمح إلى تلك العناصر:

أوّلاً: العرب

اشارة:

وحينما تم تأسيس الكوفة على يد فاتح العراق سعد بن أبي وقاص اتجهت إليها


1) الطبقات الكبرى/ابن سعد: 6 4 مختصر كتاب البلدان: 166

أنظار العرب، وتسابقوا إلى الهجرة إليها، فقد سكنها في وقت مبكر سبعون بدرياً وثلاثمائة من أصحاب الشجرة (1).

وقد ترجم ابن سعد في طبقاته مائة وخمسين صحابياً ممّن نزلوا الكوفة (2).

ويقول فيها السفّاح: «وهي - أي الكوفة - منزل خيار الصحابة وأهل الشرف» (3).

أمّا القبائل العربية التي سكنتها فهي:

1- القبائل اليمنية

وتسابقت القبائل اليمنية إلى سكنى الكوفة، فكان عددهم فيما يقول المؤرّخون - اثني عشر ألفاً (4)، وهي:

1- قضاعة.

2- غسان.

3- بجيلة.

4- خثعم.

5- كندة.

6- حضرموت.

7- الأزد.

8- مذحج.


1) الطبقات الكبرى ابن سعد: 6: 9

2) المصدر المتقدم: 43

3) مختصر کتاب البلدان: 73

4) معجم قبائل العرب: 1: 15. فتوح البلدان: 276 معجم البلدان: 7 267

9- حمير.

10- همدان.

11- النخع.

فهذه هي الأسر التي تنتمي إلى اليمن، وقد استوطنت الكوفة. ونزلت في الجانب الشرقي من المسجد.

ويرى (فلهوزن) أنّ القبائل المشهورة من اليمن وهي مذحج وهمدان وكندة قد كانت لها السيطرة والسيادة على الكوفة.

يقول عبدالملك بن مروان بعد دخوله إلى الكوفة حينما جاءته قبائل مذحج وهمدان: ما أرى لأحد مع هؤلاء شيئاً.

2- القبائل العدنانية

أما القبائل العدنانية التي سكنت الكوفة فكان عددها ثمانية آلاف شخص، وهي تتشكل من أسرتين:

1- تميم.

2- بنو أعصر.

3- قبائل بني بكر.

وسكنت الكوفة قبائل بني بكر، وهى عدة أسر منها:

1- بنو أسد

2- غطفان

3- محارب.

4- نمير.

وهناك مجموعة أخرى من القبائل العربية استوطنت الكوفة، وهي كنانة، جديلة، وضبيعة، وعبد القيس، وتغلب، وأياد، وطى، وثقيف، وعامر، ومزينة (1).

ويرى (ماسنيون) أنّه إلى جانب القرشيّين الذين سكنوا الكوفة سكنت عناصر شديدة البداوة من سكان الخيام وبيوت الشعر، وأصحاب الأبل من بني دارم التميمي وجيرانهم اليمنيين القدماء من طيء، وعناصر نصف رحالة من ربيعة، وأسد من الغرب والشمال الغربي، وبكر من الشرق والجنوب الشرقي، وعبد القيس الذين جاءوا من هجر من الجنوب الشرقي، ثمّ عناصر متحضرة من القبائل الجنوبية الأصيلة من العربية الذين نزحوا من اليمن وحضرموت، وهؤلاء كانوا قسمين:

عناصر نصف متحضرة من كندة وبجيله، وعناصر متحضرة تماماً من سكان المدن والقرى اليمنية من مذحج وحمير وهمدان (2).

إنّ العنصر العربي الذي استوطن الكوفة منذ تأسيسها كان مزيجاً من اليمانية والنزارية وغيرها، ولكن اليمانية كانت أكثر عدداً، كما كان تأثيرها في حياة المجتمع الكوفى أشدّ من غيرها.

الروح القبلية

وسادت في قبائل المجتمع العربي في الكوفة الروح القبلية، فكانت كل قبيلة تنزل في حي معيّن لها لا يشاركها فيه إلا حلفاؤها، كما كان لكل قبيلة مسجدها الخاص، ومقبرتها الخاصة، ويرى (ماسنيون) أنّ جبّانات الكوفة هي إحدى الصفات المميزة لطبوغرافيتها ا (3).


1) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة: 42

2) خطط الكوفة: 12 و 13

3) خطط الكوفة: 18

كما سمّيت شوارعها وسككها بالقبائل التي كانت تقطن فيها (1).

وغدت المدينة صورة تامة للحياة القبلية، وبلغ الاحساس بالروح القبلية والتعصب لها إلى درجات عالية، فكانت القبائل تتنافس فيما بينها على إحراز النصر كما حدث في واقعة الجمل.

ومن هنا غلب على الحياة فيها طابع الحياة الجاهلية (2)، ويحدثنا ابن أبي الحديد عن الروح القبلية السائدة في الكوفة بقوله:

«إنّ أهل الكوفة كانوا قد فسدوا في آخر خلافة أمير المؤمنين، وكانوا قبائل في الكوفة، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته، فيمرّ بمنازل قبيلة أخرى، فينادي باسم قبيلته: يا للنخع.

أو: يا لكندة نداء عالياً يقصد به الفتنة وإثارة الشرّ، فيتألب عليه فتيان القبيلة التي مرّ بها فينادون: يا لتميم.

أو: يا لربيعة، ويُقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه، فيمضي إلى قبيلته فيستصرخها فتُسلّ السيوف، وتثور الفتنة» (3).

لقد كانت الروح القبلية هي العنصر البارز في حياة المجتمع الكوفي، وقد استغلّ ابن سمية هذه الظاهرة في إلقاء القبض على حجرٍ وإخماد ثورته، فضرب بعض الأسر ببعض، وكذلك استغل هذه الظاهرة ابنه للقضاء على حركة مسلم وهانئ، و عبدالله بن عفيف الأزدي.


1) خطط الكوفة: 18

2) التطوّر والتجدّد في الشعر الأموي: 80 و 81

3) شرح نهج البلاغة/ابن أبي الحديد: 13: 167 و 168

ثانياً: الفُرس

وإلى جانب العنصر العربي الذي استوطن الكوفة كان العنصر الفارسي، وكان يسمون الحمراء (1)، وقد سألوا عن أمنع القبائل العربية فقيل لهم تميم، فتحالفوا معهم.

وأكبر موجة فارسية استوطنت الكوفة عقيب تأسيسها هي المجموعة الضخمة من بقايا فلول الجيوش الساسانية التي انضمت إلى الجيش العربي، وأخذت تقاتل معه، وقد عرفت في التاريخ باسم (حمراء ديلم)، فكان عددهم - فيما يقول المؤرّخون - أربعة آلاف جندي يرأسهم رجل يسمّى (ديلم)، قاتلوا معه تحت قيادة (رستم) في القادسية، فلما انهزمت الفرس، وقتل رستم عقدوا أماناً مع سعد بن أبي وقاص، وشرطوا عليه أن ينزلوا حيث شاءوا، ويحالفوا من أحبّوا، وأن يفرض لهم العطاء، وقد حالفوا زهير بن جُويَّة التميمي، أحد قادة الفتح، وفرض لهم سعد ألف ألف، وأسلموا وشهد وافتح المدائن معه، كما شهد وافتح جلولاء، ثمّ تحوّلوا فنزلوا الكوفة (2).

وقد كوّنت هذه الجالية مجموعة كبيرة في المجتمع الكوفي. ويذكر (فلهوزن) أنهم كانوا أكثر من نصف سكان الكوفة، وقد أخذ عددهم بازدياد حتى تضاءلت نسبة العرب فى الكوفة، وتغلبوا في عصر المأمون حتّى كانت اللغة الفارسية تحتل الصدارة في ذلك العصر (3).

ويقول الجاحظ: «إنّ اللغة الفارسية أثرت تأثيراً كبيراً في لغة الكوفة» (4).


1) الأخبار الطوال: 296

2) فتوح البلدان: 280. خطط الكوفة: 11

3) فك العربية: 83 و 84

4) البيان والتبيين: 1: 19 و 20

وعلى أيّ حال، فإنّ الفرس كانوا يشكلون عنصراً مهماً في الكوفة، وكونوا بها جالية متميّزة، فكان أهل الكوفة يقولون: « جئت من حمراء ديلم» (1).

ويقول البلاذري: «إنّ زياداً سيّر بعضهم إلى الشام، وسير قوماً منهم إلى البصرة» (2).

وقد شاركت هذه الجالية في كثير من الفتوحات الإسلامية، كما شكلت المدّ العالي للإطاحة بالحكم الأموي.

ثالثاً: الأنباط

وكانت الأنباط من العناصر التي سكنت الكوفة، وقد أثروا في الحياة العامة تأثيراً عقلياً واجتماعياً. يقول المؤرخون: أنّ الأنباط ليسوا عنصراً خاصاً من البشر وإنّما هم من العرب، وكانوا يستخدمون اللغة الآرامية في كتابتهم، وكانوا يستوطنون بلاد العرب الصخرية، وقد انتقلوا منها إلى العراق، واشتغلوا بالزراعة، وكانوا ينطقون بلغتهم الآرامية (3). وقد أثروا تأثيراً بالغاً في حياة الكوفة.

يقول أبو عمرو بن العلاء لأهل الكوفة:

«لكم حذلقة (4)النبط وصلفهم، ولنا دهاء الفرس وأحلامها» (5).

ويروي الطبري أنّ رجلاً من بني عبس أسر رجلاً من أهل نهاوند اسمه دينار، وكان يواصل العبسي ويهدي إليه، وقد قدم الكوفة في أيام معاوية، فقام في الناس


1) اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري: 55

2) فتوح البلدان 279

3) الحضارة الإسلامية: 97

4) حذلقة: ظرف، كياسة

5) البيان والتبيين: 2: 106

وقال لهم: «يا معشر أهل الكوفة، أنتم أوّل من مررتم، بنا، كنتم خيار الناس، فعمّرتم بذلك زمان عمر وعثمان ثمّ تغيّرتم، وفشت فيكم خصال أربع: بخل، وخب، وغدر، وضيق، ولم يكن فيكم واحدة منهنّ فرمقتكم، فإذا ذلك في موليدكم، فعلمت من أين أتيتم» (1).

ويرى (دي بود) أنّ التغير الاجتماعي وتبدّل الأخلاق في الكوفة قد نشأ في وقت مبكر أيام معاوية بن أبي سفيان (2).

ومن الطبيعي أن للأنباط ضلعاً كبيراً في هذا التغيير.

رابعا: السريانية

والعنصر الرابع الذي شارك في تكوين الكوفة هي السريانية، فقد كانت منتشرة في العراق قبل الفتح الإسلامي، وكان الكثيرون منهم مقيمين على حوض دجلة، وبعضهم كان مقيماً في الحيرة والكوفة، وقد ارتبطوا بأهل الكوفة، وتأثروا بعاداتهم وأخلاقهم، فإنّ الحياة الاجتماعية كما يقول علماء الاجتماع - حياة تأثير وتأثر، فكلّ إنسان يتأثر ويؤثر فيمن حوله.

هذه هي العناصر التي شاركت في استيطان الكوفة، وبناء مجتمعها، فهي لم تكن عربية خالصة وإنّما امتزجت بها هذه العناصر، وقد نشأت بينها المصاهرة، فنشأ جیل مختلط من هذه العناصر، ولكن التغلّب الجنسي كان للعرب باعتبارهم الأكثرية الساحقة في القطر، فقد أصبحت التقاليد الدينية والعادات الاجتماعية خاضعة للعرب، كما كانت لهم الكلمة العليا في البلاد.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عناصر السكان في الكوفة.

الأديان

اشارة:


1) تاريخ الأمم والملوك: 3: 220

2) تاريخ الفلسفة في الإسلام: 15 - 18

ولم يكن المجتمع الكوفي يدين بدين واحد، وإنّما كانت فيه أديان متعدّدة، ولكل دين الحرية في إقامة طقوسه الدينية، وهذه بعضها:

أولاً: الإسلام

اشارة:

وكان الإسلام دين الأكثرية الساحقة للعرب، الذين استوطنوا الكوفه، فإنّها إنّما أُنشئت لتكون حامية للجنود الإسلامية، التي كانت تبعث بهم الدولة لحركات الفتوح، وعمليات الجهاد، ولكنّ الإسلام لم ينفذ إلى أعماق قلوب الكثيرين منهم، وإنّما جرى على ألسنتهم طمعاً بثمرات الفتوح التي أفاء الله بها على المجاهدين. وقد أكد علم الاجتماع أنّ التحوّل الاجتماعي لا يكون إلا بعد أجيال وأجيال، وأن المجتمع يظل محافظاً على عاداته وتقاليده التي اكتسبها من آبائه، ويؤيد ذلك ما مني به من الحركات الفكرية التي تتنافى مع الإسلام، وإلى الانقسامات الخطيرة بین صفوفه، ونلمح إلى بعض تلك الانقسامات:

1- الخوارج

واعتنق هذه الفكرة القرّاء وأصحاب الجباه السود، حينما رفعت المصاحف صفين، وقد أرغموا الإمام على قبول التحكيم، بعدما مُني معاوية بالهزيمة الساحقة، فاستجاب لهم الإمام على كُره، وقد حذرهم من أنّها مكيدة وخديعة، فلم يكن يجدي ذلك معهم، وأصروا على فكرتهم، فلما استبان لهم ضلال ما اقترفوه أقبلوا على الإمام وهم يقولون له: إنا قد كفرنا وتُبنا، فَأَعْلِنْ توبتك وَقِرَّ على نفسك بالكفر، لنكون معك!

فأبى(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاعتزلوه، واتخذوا لهم شعاراً و لا حكم إلا لله »، وانغمسوا في

الباطل، وماجوا في الضلال، فحاربهم الإمام وقضى على الكثيرين منهم، إلّا أنّ البقية الباقية منهم ظلت تواصل نشر أفكارها بنشاط، وقد لعبت دوراً مهماً في إفساد جيش الإمام الحسن حتى اضطر إلى الصلح مع معاوية، كما كان أكثر الجيش الذي زجّه ابن زياد لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الخوارج، وكانوا موتورين من الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرووا أحقادهم من أبنائه الطيبين في كارثة كربلاء.

2- الحزب الأموي

وهؤلاء يمثلون وجوه الكوفة وزعماءها كمحمّد بن الأشعث، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، ويزيد بن الحرث، وشبث بن ربعي، وعمرو بن حريث، وعمر بن سعد، وكانوا يدينون بالولاء لبني أمية، ويرون أنهم أحق بالخلافة، وأولى بزعامة الأمة من آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد لعبوا دوراً خطيراً في فشل ثورة مسلم كما زجوا الناس لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3- الشيعة

وهي التي تدين بالولاء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وترى أنه فرض ديني، وقد أخلصت شيعة الكوفة في الولاء لهم، أمّا مظاهر حبّهم فهي:

1- الخطب الحماسية التي يمجدون فيها أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ويذكرون فضلهم ومآثرهم، وماشاهدوه من صنوف العدل والحق في ظل حكومة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

2- الدموع السخية التي يذرفونها حينما يذكرون آلام آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وما عانوه فی عهد معاوية من التوهين والتنكيل، ولكنّهم لم يبذلوا أي تضحية تذكر لعقيدتهم فقد كان تشيّعهم عاطفياً لا عقائدياً، وقد تخلّوا عن مسلم وتركوه فريسة بيد الطاغية ابن مرجانة.

ويروي البلاذري أنهم كانوا في كربلاء، وهم ينظرون إلى ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

وقد تناهبت جسمه الشريف السيوف والرماح، فكانوا يبكون، ويدعون الله قائلين: اللّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ عَلَى ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّكَ!

فانبرى إليهم أحدهم فأنكر عليهم ذلك الدعاء، وقال لهم: هلا تهبون إلى نصرته بدل هذا الدعاء؟

وقد جردهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اطار التشيع، وصاح بهم: يا شِيْعَةَ آلَ أَبِي سفيان!

والحق أنّ الشيعة بالمعنى الصحيح لم تكن إلا فئة نادرة في ذلك العصر، وقد التحق بعضهم بالإمام الحسين واستشهدوا معه، كما زُج الكثيرون منهم في ظلمات السجون.

وعلى أي حال، فلم يكن المسلمون في الكوفة على رأي واحد، وإنما كانت هناك انقسامات خطيرة بين صفوفهم.

ثانياً: النصارى

اشارة:

من العناصر التي سكنت الكوفة النصارى، فقد أقبلوا إليها من الحيرة بعد زوال مجدها، وقد أقاموا لهم في الكوفة عدّة كنائس، فقد كانت لهم كنيسة في ظهر قبلة المسجد الأعظم (1)، وكان لهم أسقفان أحدهما نسطوري، والآخر يعقوبي (2)، وكانوا طائفتين:

1- نصاری تغلب

وقد استوطنوا الكوفة عند تخطيطها مع سعد، وكانت لهذه الطائفة عزّة


1) فتوح البلدان: 284

2) خطط الكوفة: 35

ومنعة (1). وقد رفض أبناؤها دفع الجزية مما اضطرّ عمر أن يعاملهم معاملة المسلمين، فجعل جزيتهم مثل صدقة المسلمين (2).

2- نصاری نجران

نزلوا الكوفة في خلافة عمر، واستوطنوا في ناحية منها سمّيت محلّة (النجرانية)(3).

وقد شاركت النصارى مشاركة إيجابية في كثير من أعمال الدولة، فقد اتخذ أبو موسى الأشعري أمير الكوفة كاتباً نصرانياً (4).

كما ولى الوليد بن عقبة والى عثمان رجلاً مسيحياً لإدارة شؤون مسجد قريب من الكوفة (5).

وقد شغل المسيحيون في الكوفة أعمال الصيرفة، وكونوا أسواقاً لها (6)، وكانت الحركة المصرفية بأيديهم، كما كانوا يقومون بعقد القروض لتسهيل التجارة، وكانت تجارة التبادل والصيرفة بأيديهم (7)، وقد مهروا في الصيرفة، ونظموها على شكل يشبه البنوك في هذا العصر.

وكانت هذه البنوك الأهلية تستقرض منها الحكومة المحلّية الأموال إذا حدثت ثورة في القطر، فكانت الأموال توزّع على أعضاء الثورة لإخمادها، وقد استقرض


1) تاريخ الأمم والملوك

2) تاريخ الأمم والملوك

3) حياة الشعر في الكوفة: 144

4) عيون الأخبار: 1: 43

5) الأغاني الأغاني: 4: 184

6) تاريخ الكوفة: 146، يبدأ سوق البنوك والصيرفة من مسجد سهيل إلى المسجد الأعظم، كما نصت على ذلك بعض المصادر

7) خطط الكوفة: 146

منها ابن زياد الأموال فوزّعها على وجوه الكوفة وأشرافها للقضاء على ثورة المسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وعلى أي حال، فإنّ المجتمع الكوفي كان مزيجاً بين المسلمين والمسيحيين، وكانت العلاقة بينهما وثيقة للغاية

ثالثاً: اليهود

واستوطن اليهود في الكوفة سنة 20هـ (1)، وقد قَدِمَ قسم كبير منهم من الحجاز بعد أن أجلاهم منها عمر بن الخطاب (2).

وقد كانت لهم محلة تعرف باسمهم في الكوفة، كما بنوا فيها معابد لهم، ويذكر الرحالة (بنيامين) إنّ بالكوفة سبعة آلاف يهودي، وفيها قبر يسكنه اليهود، وحوله كنيس لهم (3).

وقد زاولوا بعض الحرف التي كان العرب يأنفون منها كالصياغة وغيرها.. وكانت اليهود تحقد على الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أعظم ما يكون الحقد؛ لأنّه أباد الكثيرين منهم، وألحق بهم العار والهزيمة، وقد قاموا بدور فعّال - فيما يقول بعض المحققين - في مجزرة كربلاء تشفياً من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بأبنائه وذريته.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأديان السائدة في الكوفة، وقد اشترك معظمها في حركات الجهاد وعمليات الحروب في ذلك العصر.

تنظيم الجيش

اشارة:

وأنشئت الكوفة لتكون معسكراً للجيوش الإسلامية، وقد نُظم الجيش فيها على


1) نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق/يوسف رزق الله غنيمة: 103

2) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة: 105

3) رحلة بنيامين/ترجمة عزار حداد: 146

أساس قبلي، كما كانوا مرتبين وفق قبائلهم، وكانوا يقسمون الأرزاق في معسكراتهم باعتبار القبائل والبطون التي ينتمون إليها، وقد رتبت كما يلي:

نظام الأسباع

ووُزّع الجيش توزيعاً سباعياً يقوم قبل كل شيء على أساس قبلي بالرغم من أنهم كانوا يقاتلون في سبيل الله، إلّا أنّ الروح القبلية كانت سائدة ولم تضعف، وفيما يلي أنظمتها:

السبع الأول:

كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وجديلة وغيرهم، وكانوا أعواناً طيعين للولاة القرشيين منذ امارة سعد، وتولوا بإخلاص عمّال بني أمية وولاتهم.

السبع الثاني:

قضاعة، وغسان، وبجيله، وخثعم، وكندة، وحضرموت، والأزد.

السبع الثالث:

مذحج، وحمير، وهمدان وحلفاؤهم، وقد اتسموا بالعداء لبني أميّة والمساندة الكاملة للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبنائه.

السبع الرابع:

تميم، وسائر الرباب وحلفاؤهم.

السبع الخامس:

أسد، وغطفان، ومحارب، وضبيعة، وتغلب، ونمير

السبع السادس:

أياد، وعك، وعبد القيس (أهل الهجر)، والحمراء (حمراء ديلم).

السبع السابع:

طيء (1)وتحتوي هذه الأسباع على قطعات قبلية من الجيش، وقد استعمل هذا النظام لأجل التعبئة العامة للحروب، التي جرت في ذلك العصر، وتوزيع الغنائم عليها بعد العودة من الحرب، وظلت الكوفة على هذا التقسيم،


1) حياة الشعر في الكوفة: 29 و 30

حتى إذا كانت (سنة 50هـ) عمد زياد ابن أبيه حاكم العراق فغيّر ذلك المنهج وجعله رباعياً، فكان على النحو التالي:

1- أهل المدينة، وجعل عليهم عمرو بن حريث.

2- تميم وهمدان، وعليهم خالد بن عرفطة.

3- ربيعة وبكر وكندة، وعليهم قيس بن الوليد بن عبد شمس

4- مذحج وأسد (1)، وعليهم أبو بردة بن أبي موسى.

وإنما عمد إلى هذا التغيير لإخضاع الكوفة لنظام حكمه، كما إن الذين انتخبهم لرئاسة الأنظمة قد عُرفوا بالولاء والإخلاص للدولة، وقد استعان بهم ابن زياد لقمع ثورة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما تولّى بعضهم قيادة الفرق التي زجها الطاغية لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كان عمرو بن حريث وخالد بن عرفطة من قادة ذلك الجيش.

أمّا رؤساء الأنظمة فقد كانت الدولة لا تنتخب إلّا من ذوي المكانة الاجتماعية المعروفين بالنجدة والبسالة والتجربة في الحرب (2)، ورؤساء الأرباع يكونون خاضعين للسلطة الحكومية، كما إن اتصال السلطة بالشعب يكون عن طريقهم، ونظراً لأهميتهم البالغة في المصر فقد كتب إليهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدعوهم إلى نصرته والذبّ عنه (3)

العرافة

وكانت الدولة تعتمد على العرفاء (4)

والعريف هو القائم بأمور القبيلة والجماعة من الناس يلي أمورهم، ويتعرف الأميرمنه أحوالهم. جاء ذلك في تاج العروس: 1: 194

، فكانوا يقومون بأمور القبائل، ويوزّعون

1) خطط الكوفة: 15 و 16

2) تاريخ الأمم والملوك: 7: 207

3) أنساب الأشراف: 5: 245

4) العرفاء: جمع مفرده عريف - وهو من يعرف أصحابه، ومنه الحديث: «فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ».

عليهم العطاء، كما كانوا يقومون بتنظيم السجلات العامة، التي فيها أسماء الرجال والنساء والأطفال، وتسجيل من يولد ليفرض له العطاء من الدولة، وحذف العطاء لمن يموت (1).

كما كانوا مسؤولين عن شؤون الأمن والنظام، وكانوا في أيام الحرب يندبون الناس للقتال ويحثّونهم على الحرب، ويخبرون السلطة بأسماء الذين يتخلّفون عن القتال (2)، وإذا قصر العرفاء أو أهملوا واجباتهم فإنّ الحكومة تعاقبهم أقسى العقوبات وأشدّها (3).

ومن أهم الأسباب التي فرّقت الناس عن مسلم هو قيام العرفاء في تخذيل الناس عن الثورة وإشاعة الارهاب والأراجيف بين الناس (4). كما كانوا السبب الفعال في زج الناس وإخراجهم لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن مظاهر الحياة الاجتماعية في الكوفة، وكان الإلمام بها من ضرورات البحث، وذلك لما لها من الأثر في إخفاق الثورة.

الطاغية ابن مرجانة

اشارة:

ولا بد لنا أن نتعرّف على قائد الانقلاب الطاغية ابن مرجانة، فنقف على نشأته


1) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة: 53

2) تاريخ الأمم والملوك: 7: 226

3) الأغاني: 2: 189

4) البداية والنهاية: 8: 154

وصفاته ومخططاته الرهيبة التي أدت إلى القضاء على الثورة. وإلى القرّاء ذلك:

ولادته

ولد الطاغية سنة 33هـ (1)، وقد ولد لخلق الكوارث وإشاعة الخطوب في الأرض، وعلى هذا فيكون عمره يوم قتله لريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) (28 سنة)، ولم تعيّن المصادر التي بأيدينا المكان الذي ولد فيه.

أبواه

أما أبوه فهو زياد بن سمية، وهو من عناصر الشر والفساد في الأرض، فقد سمل عيون الناس وصلبهم على جذوع النخل، وقتل على الظنّة والتهمة، وأخذ البريء بذنب السقيم، وأغرق العراق بالحزن والشكل والحداد. وأما أمه مرجانة فكانت مجوسية (2)وقد عُرفت بالبغي.

وقد عرّض بها عبيد الله التميمي أمام ابنها عبيد الله فقال: إنّ عمر بن الخطاب كان يقول: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الزانيات وأبناء الزانيات!».

فالتاع ابن زياد وردّ عليه: أن عمر كان يقول لم يقم جنين في بطن حمقاء تسعة أشهر إلا خرج مائقاً (3). وفارق زياد مرجانة فتزوج بها شيرويه (4).

نشأته

نشأ الطاغية في بيت الجريمة، وقد قطع دور طفولته في بيت زوج أمه شيرويه،


1) البداية والنهاية: 8: 284

2) البداية والنهاية: 8: 284

3) البيان والتبيين: 1: 242

4) المصدر المتقدم: 1: 72

ولم يكن مسلماً، ولما ترعرع أخذه أبوه زياد، وقد ربّاه على سفك الدماء والبطش بالناس، وربّاه على الغدر والمكر، وقد ورث جميع صفات أبيه الشريرة من الظلم والتلذذ بالإساءة إلى الناس، وقد كان لا يقل قسوة عن أبيه. وقد قال الطاغية في بعض خطبه: « أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى، ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم» (1).

لقد كان كأبيه بشدته وصرامته في الباطل وتنكره للحق.

صفاته

اشارة:

أمّا صفاته النفسية فكان من أبرزها القسوة والتلذذ بسفك الدماء. وقد أخذ امرأة من الخوارج فقطع يديها ورجليها، وأمر بعرضها في السوق (2).

ووصفه الحسن البصري بأنّه غلام سفيه، سفك الدماء سفكاً شديداً (3).

ويقول فيه مسلم بن عقيل: وَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ قَتْلَها عَلَى الْغَضَبِ وَالْعَداوَةِ، وَسُوءِ الظَّنَّ، وَهُوَ يَلْهُو وَيَلْعَبُ كَأَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئاً.

وكان متكبّراً لا يسمع من أحدٍ نصيحة، وقد دخل عليه الصحابي عائذ بن عمرو فقال له: أي بني، إنّي سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: إِنَّ شَرَّ الرُّعاءِ الْحُطَمَةُ (4)، فإِيَّاكَ أَن تَكُونَ مِنْهُمْ.

فلذعه قوله وصاح به: اجلس إنّما أنت من نخالة أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فأنكر عليه عائذ وقال: وهل كان فيهم نخالة؟ إنّما كانت النخالة بعدهم


1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 266

2) قصص العرب: 1: 214

3) سير أعلام النبلاء: 3: 354

4) الحطمة: القاسي الذي يظلم الناس

وفي غيرهم (1).

وعُرِف في أثناء ولايته على البصرة بالغش للرعية والخديعة لها، فقد نصحه معقل بن يسار أن يترك ذلك، وقال له: «إني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)يقول: ما مِنْ عَبْدِ يَسْتَرْعِيْهِ اللَّهُ رَعِيَّةٌ يَمُوتُ يَوْمَ يَموتُ وَهُوَ عَاشُ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (2).

هذه بعض نزعاته وصفاته النفسية.

أمّا صفاته الجسمية فقد كان منها ما يلي:

1- اللُّكْنَة

ونشأ الطاغية في بيت أمه مرجانة، ولم تكن عربية، فأخذ لكنتها، ولم يكن يفهم اللغة العربية، فقد قال لجماعة: « افتحوا سيوفكم»، وهو يريد شلُوا سيوفكم، وإلى هذا يشير يزيد بن المفرغ في هجائه له:

وَيَوْمَ فَتَحْتَ سَيْفَكَ مِنْ بَعِيدٍ *** أَضَعْتَ وَكُلُّ أَمْرِكَ لِلضّياعِ

وجرت بينه وبين سويد مشادة فقال له عبيد الله: اجلس على است الأرض.

فسخر منه سويد وقال: ما كنت أظن أن للأرض استاً (3).

وكان لا ينطق بالحاء، وقد قال لهانئ: أهروري سائر اليوم؟ يريد أحروري، وكان يقلب العين همزة، كما كان يقلب القاف كافاً، فقد قال يوماً: من كاتلنا كاتلناه، يريد من قاتلنا قاتلناه (4).


1) البداية والنهاية: 8: 285

2) صحیح مسلم: 6: 9

3) البيان والتبيين: 1: 73

4) البداية والنهاية: 1: 284

2- نهمه في الطعام

ويقول المؤرّخون: إنّه كان نَهِماً في الطعام، فكان في كل يوم يأكل خمس أكلات، آخرها جنبة بغل، ويوضع بين يديه بعدما يفرغ عناق (1)، أو جدي، فيأتي عليه وحده (2). وكذلك كان مسرفاً في النساء، فقد بنى ليلة قدومه إلى الكوفة بأم نافع بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط (3).

هذه بعض صفاته الجسمية.

ولايته على البصرة

وأسند إليه معاوية إمارة البصرة وولاه أمور المسلمين، وكان في ميعة الشباب وغروره وطيشه، وقد ساس البصرة كما ساسها أبوه، فكان يقتل على الظنّة والتهمة، ويأخذ البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر، وقد وثق به معاوية وارتضى سيرته، وكتب إليه بولايته الكوفة إلا أنّه هلك قبل أن يبعث إليه بهذا العهد.

أحقاد يزيد على ابن مرجانة

وكان يزيد ناقماً على ابن مرجانة أشدّ ما يكون الانتقام لأمور كان من أهمها:

أنّ أباه زياداً كان من المنكرين على معاوية ولايته ليزيد؛ لاستهتاره وإقباله على اللهو والمجون، وقد أراد يزيد أن يعزل عبيد الله من البصرة، ويجرده من جميع الامتيازات إلّا أنّه لما أعلن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثورة وبعث سفيره مسلماً لأخذ البيعة من أهل الكوفة أشار عليه (سرجون) بأن يقره على ولاية البصرة، ويضم إليه


1) العناق: الأنثى من أولاد المعز

2) نهاية الارب: 3: 343

3) مرآة الزمان: 285

الكوفة، ويندبه للقضاء على الثورة، فاستجاب له يزيد، وقد خلص العراق بأسره لحكم ابن زياد، فقبض عليه بيد من حديد، واندفع كالمسعور للقضاء على الثورة ليحرز بذلك ثقة يزيد به، وينال إخلاص البيت الأموي له.

مخططات الانقلاب

وبالرغم من حداثة سن ابن زياد فإنّه كان من أمهر السياسيين في الانقلابات، وأكثرهم تغلّباً على الأحداث، وقد استطاع بغدره ومكره أن يسيطر على حامية الكوفة، ويقضي على جذور الثورة ويخمد نارها، وقد كانت أهم مخططاته ما يلي:

1- التجسس على مسلم والوقوف على جميع شؤون الثورة.

2- نشر أوبئة الخوف، وقد أثار جوّاً من الفزع والارهاب لم تشهد له الكوفة نظيراً وانشغل الناس بنفوسهم عن التدخل في أي شأن من الشؤون السياسية.

3- بذل المال للوجوه والأشراف، وقد صاروا عملاء عنده يوجههم حيثما شاء وقد أفسدوا عشائرهم، وألحقوا الهزيمة بجيش مسلم.

4 - الاحتيال على هانئ لإلقاء القبض عليه، وهو ألمع شخصيّة في المصر، وقد قضى بذلك على أهم العناصر الفعّالة في الثورة.

هذه بعض المخططات الرهيبة التي استطاع أن يسيطر بها الطاغية على الموقف، ويقضي على الثورة، ويزج حامية الكوفة في حرب ريحانة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

مسلم بن عقیل (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أما مسلم بن عقيل فكان من أعلام التقوى في الإسلام، وكان متحرّجاً في دينه أشدّ ما يكون التحرّج، فلم يسلك أي منعطف في طريقه، ولم يقرّ أي وسيلة من وسائل المكر والخداع، وإن توقف عليها النصر السياسي، شأنه في ذلك شأن عمه

أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بالاضافة إلى ذلك أنه لم يُبعث إلى الكوفة كوال مطلق حتى يتصرّف حسبما يراه، وإنما كانت مهمته محدودة، وهي أخذ البيعة للإمام، والاطلاع على حقيقة الكوفيين؛ فإن رآهم مجتمعين بعث إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقدوم إليهم ولم يؤمر بغير ذلك، وقد أطلنا الحديث في هذه الجهة في البحوث السابقة.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن إخفاق ثورة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، التي كانت فاتحة لفاجعة كربلاء، ومصدراً لآلامها العميقة.

أَلحَمدُ ِللهِ رَبِّ العَالَمين وَصَلَى اللهُ عَلَى سَیِّدَنا محمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَالظَّاهِرينَ

المُصَادِرُ

القرآن الکریم

1- اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني: هدارة، محمد مصطفى: دار النهضة - بيروت/1994م.

2- آثار البلاد و أخبار العباد: القزويني، زكريا بن محمد بن محمود: دار صادر - بيروت/1960م.

3- الأخبار الطوال: ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم (213 - 276هـ): منشورات الشريف الرضي، قم المقدسة/1409هـ. .

4- الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: الشيخ المفيد: أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ): طبع وتحقيق: مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)- قم المقدسة/1416هـ.

5- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري القرطبي الأندلسي (368 - 463هـ): دار الإسلام - عمان/002 6 - أسنى المطالب في نجاة أبي طالب: زيني دحلان، نورالدين أحمد الشافعي (1816 - 1886م): نی - طهران/1990م.

7- الأعلام: الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمد (- 1410هـ): دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة التاسعة/1990م.

8- الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني، علي بن حسين (284 - 5356): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1994م.

9- التنبيه والإشراف: المسعودي = أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (- 345هـ): دار مكتبة الهلال - بيروت/1993م.

10- الأمالي: الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) تحقيق و نشر: قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1417هـ.

11- الأمالي والنوادر: القالي البغدادي = إسماعيل بن القاسم (288 - 356هـ):

12- أمالي المرتضى = غرر الفوائد ودرر القلائد: الشريف المرتضى = علم الهدى أبي القاسم عليّ بن الحسين الموسوي (355 - 436هـ): دار الكتاب العربي - بيروت/1387هـ.

13- الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري = أبو محمد عبدالله بن مسلم (213 - 276هـ): المكتبة الحيدرية - قم المقدسة/07 2007 م.

14- الامتاع والمؤانسة: أبو حيان التوحيدي = عليّ بن محمّد: مكتبة الهلال - بيروت/

2002م.

15- أنساب الأشراف: البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (- 279هـ): تحقيق: د. سهیل زکار و د. رياض زكلي، دار الفكر - بيروت/1417هـ.

16- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: العلّامة المجلسي = محمدباقر بن محمّد تقي (1037 - 1111هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1989م.

17- البداية والنهاية في التاريخ = تاريخ ابن كثير: ابن كثير الدمشقي، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير (700 - 774هـ): تحقيق: مكتب تحقيق التراث، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت/1993م.

18- البيان والتبيين: الجاحظ، عمرو بن بحر (150 - 255هـ): مكتبة الخانجي - القاهرة/1968م.

19- تاج العروس من جواهر القاموس: الزبيدي الحنفي = محب الدين أبي فيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي (1145 - 1205هـ): دراسة وتحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ/1994م (20 مجلداً).

20- تاريخ أبي الفداء = المختصر في أخبار البشر: أبو الفداء، عماد الدين إسماعيل بن عليّ بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب (672 - 732هـ): تعليق محمود دیوب، منشورات دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ/1997م.

21- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام: شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ): دار الكتاب العربي - بيروت/04/2004 م.

22 - تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك: الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد (224 - 310هـ): مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الخامسة 1409 هـ/1989م.

23- تاريخ الكوفة: البراقي = السيّد حسين النجفي) - (1332هـ): المكتبة الحيدرية/

1424هـ.

24- تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر = أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقى (499 - 571هـ): دار الفكر - دمشق/1419هـ.

25- تاريخ اليعقوبي: اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (-278هـ) دار صادر - بيروت/1984م.

26- تذكرة خواص الأمة: سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي (581 - 654هـ): منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1418هـ/1997م.

27- تذهيب التهذيب:(م) الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (673 -: 748هـ):

28- التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية: عبدالرزاق، مصطفى: لجنة التأليف - القاهرة، الطبعة الثالثة/1966م.

29- التطور والتجديد في الشعر الأموي: ضيف، شوقي: دار المعارف - القاهرة، الطبعة الخامسة/1972م.

30- تهذيب الكمال في أسماء الرجال: الحافظ المزي، جمال الدين أبي الحجاج يوسف (654 - 742هـ:): مراجعة: سهيل زكار، تحقيق: أحمد علي عبيد، وحسن أحمد آقا، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414 هـ/1994م (22 مجلداً + مجلدا الفهارس).

31- تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد (773 - 852هـ): دار الفكر - بيروت/1995م.

32- ثمرات الأوراق: أبو بكر الحموي = أحمد بن محمد (من أعلام القرن الحادي عشر): دار الكتب العلمية - بيروت/1983م.

33- جمهرة أنساب العرب: ابن حزم الأندلسي = أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري (456384هـ): دار المعارف - القاهرة/1962م.

34- جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: الباعوني، شمس الدين محمد بن أحمد الدمشقي الشافعي (780 - 871هـ): مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم المقدسة/

1415هـ.

35- الحدائق الوردية في مناقب الزيدية: الشهيد المحلى = حسام الدين حميد بن أحمد (- 652هـ): جامع النهرين - صنعاء/1402هـ.

36- الحضارة الإسلامية في القرن الرابع: متز، آدم: مصر/1377هـ.

37- الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة: الزبيدي، محمد حسين: المطبعة العالمية - القاهرة/1971م.

38- حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 القرشي، باقر شريف (1926 - م): تحقيق: مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)): دار المعروف، الطبعة الأولى 1430هـ/2009م.

39- حياة الإمام الحسين بن عليّ: القرشي، باقر شريف (1926 - م): تحقيق: مهدي - باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)): دار المعروف، الطبعة الأولى 1430هـ/2009 م.

40- حياة الحيوان الكبرى: الدميري، كمال الدين محمد بن موسی (742 - 808هـ): ناصر خسرو - طهران) اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة 1390هـ/1970م).

41- حياة الشعر في الكوفة: خليف، يوسف: دار الكتاب العربي - القاهرة/1968م.

المَصَادِرُ

42- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: البغدادي، عبدالقادر بن عمر (1030 - 1093هـ): مكتبة الخانجي - القاهرة/1983م.

43- الخصائص الكبرى: السيوطي، جلال الدين عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911هـ): دار الكتب العلمية - بيروت/1405هـ.

44- الخطابة في صدر الإسلام: درویش، محمد طاهر:

45- خطط الكوفة: ماسينيون، لويس: ترجمة: تقي المصعبي، صيدا/1939م.

46- دائرة معارف القرن العشرين: فريد وجدي، محمد: دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثالثة/1971م.

47- الدرّ المسلوك (م): الحرّ العاملي، محمد بن الحسن (1033 - 1104هـ).

48- الدر النضيد في مراثي السبط الشهيد: الهروي، أحمد بن يحيى: جمع: السيد محسن العاملي، منشورات مكتبة الداوري - قم المقدسة.

49- الدر النظيم في مناقب الأئمة: الشامي العاملي، يوسف بن حاتم (من أعلام القرن السابع الهجري): مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة/1409هـ.

50- الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: المدني، صدر الدين علي خان بن أحمد الشيرازي الحسيني (1052 - 1120هـ): مكتبة بصيرتي - قم المقدسة، الطبعة الثانية/1397هـ.

51- الدولة الأموية في الشام: زكريا النصولي، أنيس.

52- ديوان أبي الأسود أبو الأسود الدؤلي، ظالم بن سفيان) - 69هـ): المعارف - بغداد، الطبعة الثانية/1964م.

53- ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538هـ): دار الذخائر - قم المقدسة/1410هـ.

54- رحلة بنيامين: ترجمة: عزار حداد.

55- رياض الأحزان: ابن نما الحلي، جعفر بن محمد بن هبة الله (- 645هـ):

56- الرياض المستطاب: يحيى اليمني:

57- ريحانة الرسول: فهمي، أحمد.

58- سفير الحسين مسلم بن عقيل: المظفر: مطبعه شریعت - قم المقدسة/1422هـ.

59- سمط النجوم العوالي: العصامي، عبدالملك: السلفية - القاهرة/1380هـ.

60- السيادة العربيّة والشيعة والإسرائيليّات: فلوتن، خراوف فان (1866 - 1903م): القاهرة/1934م.

61- سير أعلام النبلاء: شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ): مؤسسة الرسالة - بيروت/1419هـ.

62- سيرة ابن إسحاق = السير والمغازي: ابن إسحاق، محمد بن يسار (85 - 151هـ): دار العلم للملايين - دمشق/1994م.

63- السيرة الحلبية: الحلبي = عليّ بن برهان الدين (975 - 1044هـ): دار الكتب العلمية - بيروت/2006 م.

64- السيرة النبوية: ابن هشام = أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري (- 218هـ:): دار إحياء التراث العربي - بيروت/2000م.

65- شرح شافية أبي فراس (م): الحسسيني، محمد بن أمير الحاج: دار الطباعة - طهران/1296هـ. ش.

66- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، عز الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني المعتزليّ (586 - 656هـ)، قدّم له وعلّق عليه: الشيخ حسين الأعلمي، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى/1415هـ - 1995م.

67- شرح نهج البلاغة: عبدة، محمد (1849 - 1905 م): مؤسسة الأعلمي - بيروت/1985م.

68- الشهيد مسلم بن عقيل: المقرّم، عبد الرزاق الموسوي: الحيدرية - النجف الأشرف/1950م.

69 - صحيح مسلم = الجامع الصحيح: القشيري النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن حجاج (206 - 261هـ): دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى 1416هـ/1995م.

70- الصراط السوي في مناقب آل النبي (م): الشيخاني القادري، محمود.

71- الطبقات الكبرى: ابن سعد الواقدي = أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (168 - 230هـ): تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ/1990م (8 مجلدات + مجلد الفهارس).

72- العقد الفريد: ابن عبدربه الأندلسي، أبو عمر أحمد بن محمد (246 - 328هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1989م.

73- عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ابن عنبة = جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين الحسيني (741 - 828هـ): المكتبة الثقافية - قم المقدسة/2004 م.

74- عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، عبدالله بن مسلم (213 - 276هـ): دار الكتب المصرية - القاهرة/1996م.

75- الغدير في الكتاب والسنة والأدب: العلامة الأميني، عبدالحسین (1281 - 1349 هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1990م.

76- فتوح البلدان: البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي) - 279هـ):

77- الفرق بين الفرق: البغدادي، عبدالقاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الاسفرائيني التميمي (429هـ): تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث - القاهرة. 78- الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة: ابن الصباغ = علي بن محمد بن أحمد

المالكي (-855هـ): دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1409هـ/1988م.

79- قصص العرب: جاد المولى، محمد، وغيره: دار إحياء الكتب العربية - القاهرة.

80- الكامل في التاريخ: ابن الأثير، عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أبي الك--رم الشيباني (555 - 630هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408هـ/1989م.

81- الكامل في اللغة والأدب: المبرد، أبو العباس محمد بن يزيد (210 - 286هـ): دار الفكر العربي - القاهرة/1997م.

82- كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ): صححه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة/1422هـ.

83- لسان العرب: ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي المصري (630 - 711هـ): تنسيق وتعليق: علي شيري، دار صادر - بيروت/1995م.

84- مثير الأحزان: ابن نما الحلي، جعفر بن محمد بن هبة الله (- 645هـ): تحقيق ونشر: مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف) - قم المقدسة/1406هـ.

85- المحاسن والمساوئ: البيهقي = إبراهيم بن محمد (من أعلام القرن الرابع): دار بيروت - بيروت 1404هـ/1984م.

86- المحبّر: ابن حبيب الهاشمي البغدادي، محمد: دار الغد العربي - القاهرة/2000م.

87- المختار الثقفي مرآة العصر الأموي: حسن الخربوطلي، عثمان غالب بن محمد (1261 - 1338هـ):

88- مختصر کتاب البلدان: ابن الفقيه = أحمد بن محمد الهمداني.

89- مرآة الزمان في تاريخ الأعيان: سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي (581 - 654هـ:): مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قم المقدسة/1366هـ.

90- مرآة العقول: العلامة المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي (1037 - 1111هـ): منشورات دار الكتب الإسلامية - طهران/1404هـ.

91- مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (- 346هـ): تحقيق: عبد الأمير المهنا، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ/1991م.

92- مسلم بن عقيل: علي دخيل

93- مصادر نهج البلاغة وأسانيده: الحسيني، عبد الزهراء: القضاء - النجف الأشرف/1966م.

94- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: القرشي، كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن الشافعي (583 - 652هـ:): مؤسسة أم القرى - قم المقدسة/1420هـ .

95- المعارف: ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم (213 - 276هـ): دار الكتب العلمية، بيروت/1407هـ.

96- معجم قبائل العرب: د. رضا كحالة، عمر: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الثانية/1968م.

97- المغازي: الواقدي، محمد بن عمر بن واقد (135 - 207): مركز النشر - قم المقدسة/1418هـ.

98- مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد (- 356هـ): مكتبة الشريف الرضي - قم المقدّسة/1416هـ.

99- مقامات الحريري: الحريري، القاسم بن علي (- 516هـ):

100- مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أبو مخنف الأزدي، لوط بن يحيى (- 157هـ): الزهراء - النجف الأشرف/1948م.

101- مقتل الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ): الخوارزمي = أخطب خوارزم، موفق بن أحمد بن محمد البكري الحنفي المكّي (484 - 568هـ): تحقيق: محمد السماوي، أنوار الهدى - قم المقدسة/1418هـ.

102- مقتل الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) = حديث كربلاء: المقرّم، عبد الرزاق الموسوي: قدّم له محمد حسين المقرّم، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة/1414هـ.

103- مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني (488 - 588): دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1412هـ/1991م.

104- المناقب والمثالب: القاضي المغربي، أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المصري (- 363هـ):

105- المنتخب: فخر الدين الطريحي = محمد بن عليّ (979 - 1085هـ): الحيدرية - النجف الأشرف/1981هـ.

106- موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: القرشي، باقر شريف (- 1926 م): دار الهدى - قم المقدّسة/2002م

107- ناسخ التواريخ: تقي خان سپهر، الميرزا محمد: قلم - قم المقدسة، الطبعه الأولى/2007م.

108- نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق: رزق الله غنيمة، يوسف: دار الوراق - لندن، الطبعة الثانية/1997م.

109- النظم الإسلامية: موریس گود فروا، دیمومین (1863 - 1957م): دار المعارف - القاهرة/1982م.

110- فرج المهموم: السيد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ): منشورات الرضي، قم المقدّسة/1363هـ. ش.

111- نهاية الإرب في فنون الأدب: النويري، أحمد بن عبدالوهاب (- 733هـ): طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومى، المؤسسة المصرية، مطبعة دار الكتب المصرية.

112- نهج البلاغة (مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)): دار التعارف للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى/1410هـ - 1990م.

113 - نهضة الحسين الشهرستاني، هبة الدين: منشورات الرضي - قم المقدسة/1363هـ ش.

114- الوافي في المسألة الشرقية: إبراهيم شميل، أمين.

115- وسيلة المآل وسيلة المآل في عد مناقب الآل (م): الحضرمي الشافعي، شهاب الدين أحمد بن الفضل (1047هـ).

116- وقعة صفّين: المنقري، نصر بن مزاحم (212هـ): طبع مكتبة المرعشي النجفي - قم المقدّسة/1404هـ) بالأفسيت عن الطبعة الثانية للمؤسسة العربية الحديثة - القاهرة/

1382هـ).

المحتويات

الإهداء...7

بين يديك...9

التقديم...11

النِّسَبُ الوَضَاءُ

17-56

مآثر الأسرة الكريمة...19

الإيمان بالله تعالى...20

إطعام الطعام...20

سقاية الحاج...21

انضمامهم لحلف الفضول...21

أجداد مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...22

1- هاشم...22

2- عبدالمطلب...23

3- أبو طالب...24

رعايته للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...25

حمايته للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...25

تبنّيه لدعوة الإسلام...28

وصيته الخالدة...29

إلى جنّة المأوى...31

تأبين النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...32

4- الأب عقيل...33

حبّ أبي طالب له...34

الاعتزاز به...34

حُبُّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...35

روايته عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...36

مَنْ روى عنه...36

معرفته بالأنساب وأيام العرب...36

سرعة البديهة...37

مع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...38

1 - رسالة عقيل للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...38

جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...40

الحديدة المحماة...40

وفادته على معاوية...44

رواية مرفوضة...48

عقب عقيل...49

أولاً: الذكور...49

1- الشهيد مسلم...49

2 - جعفر الأكبر...49

3- عبد الرحمن بن عقيل...50

4- محمد بن عقيل...51

علي الأكبر...51

6 - عبدالله الأكبر...51

7- أبو سعيد...51

8- عبدالله الأصغر...53

9- عون...53

10- محمد...53

11- يزيد...53

12- حمزة...54

13- عيسى...54

14- عثمان...54

ثانياً: الإناث...54

1 - زينب بنت عقيل...55

2- اُمّ عبدالله...55

3- رملة...55

4- أم القاسم...55

5- أم هاني...55

6- فاطمة...55

7- أم النعمان...55

اُمّ مسلم...56

ولادة مسام ونشانه

57 - 69

زمان ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...59

مكان ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...60

مراسيم الولادة...60

تربيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...60

نشأته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...61

عناصره (عَلَيهِ السَّلَامُ) النفسية...61

1- الإيمان بالله تعالى 61

2- الشجاعة... 61

3- الإباء ... 64

4- قوّته الا النادرة... 64

5- الصبر... 64

زوجاته وأولاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...65

1- رقيّة... 65

2- أُمّ كلثوم... 65

3- أم ولد...66

قصة الشهيدين من أبناء مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)...66

مَعَ الْأَحْداثِ

71 - 94

حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...74

البيعة...76

ابتهاج المسلمين...77

وجوم القرشيين...77

التباع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)منهم...78

سياسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 79

تمرد القرشيين...79

حرب الجمل...0 8

أعلام الناكثين... 80

الخطاب السياسي لعائشة... 81

مؤتمر مكة... 81

الزحف إلى البصرة... 81

عسكر... 82

الحوأب... 83

احتلال البصرة... 84

القضاء على تمرّد عائشة... 85

الحرب العامة... 85

حرب صفين... 86

زحف معاوية لصفين... 87

خروج الإمام الها إلى الحرب...87

قيادة مسلم الالفيلق في الجيش... 89 98

التحام الجيشين... 89

ليلة الهرير... 90

رفع المصاحف... 90

التحكيم... 91

شهادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 91

خلافة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 93

حكومة معاوية... 94

كابوس رهيب

95 - 107

رفض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبيعة يزيد... 98

مغادرة الإمام لا يثرب... 99

إلى مكة... 100

في مكة... 101

فزع السلطة المحلية...102

إعلان التمرّد في الكوفة... 102

نماذج من رسائل الكوفيين للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...

سفارة مسالمة الى العراق...104

109 - 181

انتخاب مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) للسفارة... 111

وثيقة سفارته (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 112

سفر مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 114

رواية مخدوشة... 115

في بيت المختار... 116

ابتهاج الكوفيين... 117

أخذ البيعة للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 117

صيغة البيعة... 118

كلمة عابس الشاكري... 118

عدد المبايعين... 119

رسالة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 120

موقف حاكم الكوفة... 120

سخط الحزب الأموى... 122

اتصال الحزب الأموي بدمشق... 122

فزع يزيد... 123

استشارته لسرجون... 123

ولاية ابن زياد على الكوفة... 124

خطبة ابن زياد في البصرة... 126

سفر الطاغية إلى الكوفة... 126

في قصر الإمارة... 127

خطابه في الكوفة... 128

نشر الارهاب... 129

تحوّل مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى دار هانئ... 130

امتناع مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اغتيال ابن زیاد...131

أضواء على الموقف... 134

المخططات الرهيبة... 137

1- التجسس على المسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 137

مع أعضاء الثورة...138

2- رشوة الزعماء والوجوه... 139

الإحجام عن كبس دار هانئ... 140

رسل الغدر... 140

اعتقال هانئ... 141

انتفاضة مذحج ... 144

ثورة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 148

حرب الأعصاب... 150

أوبئة الفزع والخوف... 152

هزيمة الجيش... 152

في ضيافة طوعة... 153

تأكّد الطاغية من فشل الثورة... 156

إعلان حالة الطوارئ...156

راية الأمان...157

اشتباه...157

خطبة ابن زياد...158

الإفشاء بمسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 159

الهجوم على المسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 160

فشل الجيوش... 161

أمان ابن الأشعث... 163

أسره (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 164

مع عبيد الله السلمي...165

مع الباهلي... 166

مع ابن زياد... 167

وصيّة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 170

الطاغية مع مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 171

إلى الرفيق الأعلى... 172

سلبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 173

تنفيذ الإعدام في هانئ... 174

السحل في الشوارع... 176

صلب الجنّتين... 176

الرؤوس إلى دمشق... 177

جواب یزید... 178

إعلان الأحكام العرفية... 179

احتلال الحدود العراقية... 180

الاعتقالات الواسعة...180

اخْفَاقُ الثَّوْرَة

183 - 219

المجتمع الكوفى...185

الظواهر الاجتماعية...186

1- التناقض في السلوك...186

2- الغدر والتذبذب...187

التمرّد على الولاة...190

4- الانهزامية... 192

5- مساوئ الأخلاق ... 192

6- الجشع والطمع... 194

7- التأثر بالدعايات... 195

الحياة الاقتصادية... 195

1- الأشعث بن قيس... 195

2- عمرو بن حريث... 196

3- شبث بن ربعي... 196

عناصر السكان... 198

أولاً: العرب... 198

1- القبائل اليمنية... 199

2- القبائل العدنانية... 200

3- قبائل بني بكر... 200

الروح القبلية... 201

ثانياً: الفُرس... 203

ثالثاً: الأنباط... 204

رابعاً: السريانية... 205

الأديان... 206

أولاً: الإسلام... 206

1 - الخوارج... 206

2- الحزب الأموي... 207

3- الشيعة...207

ثانياً: النصارى... 208

1- نصاری تغلب... 208

2- نصاری نجران... 209

ثالثاً: اليهود... 210

تنظيم الجيش...210

نظام الأسباع...211

السبع الأول...211

السبع الثاني...211

السبع الثالث...211

السبع الرابع...211

السبع الخامس...211

السبع السادس...211

السبع السابع...211

العرّافة...212

الطاغية ابن مرجانة...213

ولادته...214

أبواه...214

نشأته...214

صفاته...215

1- اللُّكْنَة...216

2- نهمه في الطعام...217

ولايته على البصرة...217

أحقاد يزيد على ابن مرجانة...217

مخططات الانقلاب...218

مسلم بن عقيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...218

مصادر الكتاب...221

محتويات الكتاب...231