ghaemiyeh.com
نظام الحکم و ادارة الدولة ضوء في عهد الامام امیر المؤمنین علیه السلام مالك الاشتر رضی الله عنه أعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الأول المؤسسة علوم نهج البلاغة ومركز دراسات الكوفة
أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله / بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة. بيانات الطبع: الطبعة الاولى. بيانات النشر: كربلاء العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة.
الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم.
سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386).
سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية: (1).
تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الأخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي. تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية. موضوع شخصي:
الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الاشتر موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات.
موضوع شخصي: علي ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات.
موضوع شخصي: علي ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات.
موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - قضائه - مؤتمرات.
موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات.
موضوع شخصي: مالك بن الحارث الأشتر النخعي، توفي 39 للهجرة - نقد وتفسير. مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والدولة - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: النظام الإداري في الاسلام - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والاقتصاد - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والتعايش السلمي - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والمجتمع - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام وحقوق الانسان - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: اللغة العربية - بلاغة - مؤتمرات. مؤلف اضافي:
شرح ل(عمل): الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الأشتر.
اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق). مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة. اسم هيئة اضافي: مركز دراسات الكوفة (النجف، العراق). عنوان اضافي: عهد مالك الأشتر.
تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية
ISBN 9789933582395 رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية 1214 لسنة 2018 م مصدر الفهرسة:
IQ-KaPLI ara IQ-KaPLIrda رقم تصنيف LC BP38.02.M8 N5 2018 المؤلف المؤتمر: المؤتمر العلمي الوطني المشترك (1: 2016: كربلاء، العراق). العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله / بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة. بيانات الطبع: الطبعة الاولى. بيانات النشر: كربلاء العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة.
الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم.
سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386).
سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية: (1).
تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الأخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي. تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية. موضوع شخصي:
الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الاشتر موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات.
موضوع شخصي: علي ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات.
موضوع شخصي: علي ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات.
موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - قضائه - مؤتمرات.
موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات.
موضوع شخصي: مالك بن الحارث الأشتر النخعي، توفي 39 للهجرة - نقد وتفسير. مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والدولة - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: النظام الإداري في الاسلام - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والاقتصاد - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والتعايش السلمي - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والمجتمع - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام وحقوق الانسان - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: اللغة العربية - بلاغة - مؤتمرات. مؤلف اضافي:
شرح ل(عمل): الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الأشتر.
اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق). مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة. اسم هيئة اضافي: مركز دراسات الكوفة (النجف، العراق). عنوان اضافي: عهد مالك الأشتر.
تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية
سلسلة المؤتمرات العلمية (1) نظام الحکم و ادارة الدولة ضوء في عهد الامام امیر المؤمنین علیه السلام مالك الاشتر رضی الله عنه أعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الأول لمؤسسة علوم نهج البلاغة ومركز دراسات الكوفة لسنة 1438 ه - 2016 م (المحور اللغوي والأدبي) الجزء التاسع اصدار ا 7 مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة
جميع الحقوق محفوظة للعتبة الحسينية المقدسة الطبعة الأولى 1439 ه - 2018 م العراق: كربلاء المقدسة - شارع السدرة - مجاور مقام علي الاكبر (عليه السلام) مؤسسة علوم نهج البلاغة هاتف: 07728243600 - 07815016633 الموقع الالكتروني: www.inahj.org الايميل: Inahj.org@gmail.com تنويه:
إن الآراء والأفكار الواردة في هذا الكتاب تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسينية المقدسة
أ. د. علي كاظم المصلاوي أ. د. كريمة نوماس المدني جامعة كربلاء / كلية التربية للعلوم الإنسانية
إن اللُّغة لاتظهر خصائصها إلاَّ من خلال (المُنجز التلفظي) في سياق معين، فالتلفظ هو عبارة عن فاعلية اجتماعية تنشأ بين شخصين منتميين عضوياً الى مجتمع ما. هذا يقتضي ان يقع كل تلفظ في نمط إطار معين أو اكثر يُطلق عليه (خطاب).
ومن هنا عُرف إميل بنفنست (E-Benvensite) الخطاب إنّه: ((كل تلفظ يفترضُ متكلماً ومستعملاً، وعند الأوّل هدف التأثير على الثاني بطريقةِ ما)) (1).
ويُحاول بنفنست أن يجسّدّ العلاقة التأثيرية بين مُنتجِ الخطاب ومتلّقيه استناداً الى طريقةٍ ما، وهذه الطريقة هي ما نطلق عليها مُصطلح (الأستراتيجية)، ويُقصد بها: ((مجموع عمليات المعالجة الموّجهة الى هدف، والجارية عند وعي إنتاج الخطاب)) (2).
وكل محاولة للوصول الى أهداف معينة لا يتم إلاّ من خلال (فعل التلفظ) وهو فعل لغوي موّجه لشخص آخر تتضمنهِ خطة وأبعاد تأويلية وهذه العملية التفاعلية - الإجتماعية لا تتم إلاّ من خلال وظيفة التواصل.
ولذا تُعدُ الوظيفة التواصلية من أهمّ وظائف اللّغة كونها تسمح لمستعمليها بالدخول في علاقات مع بعضهم البعض؛ فهي تكون غالباً متعلقة: ((بالبُعد الاجتماعي للمتخاطبين، وفيها يتمُّ تحديد زاوية المتكلم ووضعه، وأحكامه، وتشفيره وهو لا لدور علاقته في المقام، وحوافز قوله لشيء ما في علاقته مع المخاطب)) (3).
ويرى علماء اللسانيات، ولعل من أبرزهم في هذا المجال هو العالم اللساني فيليب بروتون، إن الحجاج هو من أبرز أشكال التواصل مع الآخر من أجل التأثير، وهذا التأثير ينتجُ من خلال استعمال وسائل مختلفة، وذلك في قوله: ((الحجاج وسيلة
قوية يهدفُ الى تقسيم وجهة النظر مع الغير، والذي يمكن أن تكون نتائجه التأثير؛ مُستَبعِداً ممارسة العنف، مستعيناً بالإغواء أو البرهنة العلمية)) (4).
فالحجاج التواصلي يمثلُ دراسة العلاقة بين مصطلحي أو فهوميّ (الحجاج) و (التواصل) عبرَ دراسة أثرهما في الاستعمال التداولي، أي اننا ندرس الحجاج بعدهِ لغة تداولية - اقناعية، ولذا عُرّف الحجاج بأنه: ((حاملٌ نصیٌّ من مكونات مختلفة تتعلق بمقامٍ ذي هدف اقناعي)) (5). والتواصل هو الفاعلية الاجتماعية بين أطراف هذا التواصل، وقد عدّ دايفيد لوبیس التواصل انتاجاً و تأويلاً للمعطيات، فهو إجراء يضعُ طرفين في معالجة المعلومة، ولهذا سُمّي منوالاً استدلالياً زيادة على صفة الإفادة التي تلازم الحدث التواصلي بعده مبدأً مركزياً لتحقيق نجاعة الملفوظ (6).
فعملية التواصل التي تشمل أطراف مستعملي اللَّغة التداولية كل من: المرسل والمرسل إليه، والرسالة، والسياق. وهنا تكمن أهمية المنهج التداولي في احتوائِهِ أطراف العملية التواصلية، فدراسة العلاقة التخاطبية بين مستعملي هذه العلامات اللغوية يعني الجمع بين جانبين مهمين هما: التواصل والتفاعل، ولذا يُعدّ الحجاج عنصراً مهماً وشکلاً من أشكال التواصل والتخاطب.
فهو: ((ظاهرة اجتماعية وثقافية له علاقة بالاستدلال والمنطق ومحایث لنظام اللغة الداخلي، ومنفتح على العالم الخارجي، و مرتبط بدواعي القول)) (7).
وتقومُ العملية التواصلية بحسب تصوِّر جاكسبون على ستة عوامل هي (المرسل، الرسالة، المرسل اليه، السُنن المرجع، والقناة)، وكل عنصر تقابله وظيفة معينة (التعبيرية، الانتباهية، الإِفهامية، المرجعية، وظيفة ما وراء اللغة، و الوظيفة الشعرية) (8).
وتجدر الإِشارة الى أن السياقات القائمة على التواصل في الخطاب الحجاجي متنوعة ومتعددة، فهذا يستتبع بالضرورة تنوّعاً في الاستيراتيجيّات، فما يكون مناسباً
في سياق معين قد لا يكون كذلك في سياق آخر، وهكذا تأخذ الاستراتيجية بُعدين: (9) الأوّل: البُعد التخطيطي: وهو الذي يتحقق على مستوى الذهني.
الثاني: البُعد المادي: وهو الذي يتحقق على مستوى الفعل مجسداً الاستراتيجيّة.
ویری د. طه عبد الرحمن أنه كلما كان الحجاج تواصلاً، فاننا نحصل على ثلاثة نماذج تواصلية للحُجة وهي على النحو الآتي: (10)
تكون فيه الوظيفة التواصلية للحُجة وظيفة وصل، إذ يُعامل الحُجة معاملة البناء الاستدلالي المستقل الذي تكون عناصره موصولة وصلاً تاماً.
وتكون فيه الوظيفة التواصلية للحُجة وظيفة إيصال لانه يجعل من الحُجة فعلاً استدلالياً يتوجه به المتكلم الى المستمع.
تكون فيه الوظيفة التواصلية للحُجة وظيفة اتصال، اذ يُنظر في الحُجة بوصفها فعلاً مشتركاً، بين المتكلم والمستمع، جامعاً بين توجيه الأوّل، وتقويم الثاني.
وهذا يدلُّ على سعة العملية التواصلية للحجاج وعمقها وشموليتها ليشمل كل هذه الأطراف. فأنجع الحجاج ما وفِّق في جعل حدَّة الاذعان تقوی در جتها لدى المتلقي او المستمع بشكل يحمله على المطلوب انجازه، أو الامتناع عنه، وتحقيق الإقناع في منطقة وسطى بين الاستدلال والإقناع (11).
وإذا كان الإقناع مجال البحث الحجاجي، فان التواصل هو الفعل الانجازي
الأهم في الوظيفة الحجاجية حيث تتطلب وعياً بآليات من شأنها تحريك المعنيين بالكلام صوب الفعل وتغييره بما ينسجمُ مع المقام، وتتطلبُ مقاصد النصّ وطموحات الخطيب بوصفهِ مفكراً وحاملاً لرؤية معينة يسعى الى إرسالها أو جعلها راجحة في مواجهة أخرى مناوئة (12).
وتجسدّ في خطاب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى مالك الأشتر حين ولاه على مصر، استراتيجيّات عدة أهمها، وأكثرها حضورا، الاستراتيجية التضامنية، والاستراتيجية التوجيهية.
وتُعرفّ بأنها: ((الاستراتيجيّة التي يُحاولُ المرسل فيها أن يجسّد درجة علاقته بالمرسل إليه ونوعها، وإن يعبر عن مدى احترامه لها ورغبته في المحافظة عليها أو تطويرها بإزالة معالم الفروق بينهما... والتقرب من المرسل إليه وتقريبه)) (13).
وفيها يكون طرف العملية التواصلية (المرسل - المرسل إليه) من الأقران لغة التأسيس العلاقة الودِّية بين طرفي الخطاب، ولتفعيل التضامن في علاقات المجتمع وكسب المحبة والتودد بينهم وبين حاكمهم، وتحسين صورة الخلفية أو راعي الرعية.
وتتجسد الاستراتيجيّة التضامنية من خلال علامات لغوية معينة تشير الى رغبة المرسل في التضامن مع المرسل إليه، مما يجعله يستنتج انَّ المرسل قدّم تنازلات عن سلطتِهِ التي يتمتع بنفوذها (14).
وتُعدُّ هذه العلامات اللغوية من الوسائل اللسانية التي يجعلها المرسل علامة لتوجيه الخطاب الى المرسل إِليه من الناحية النفسية والاجتماعية، وهذه تشملُ (الضمائر، الأسماء، الاعلام، الألقاب، الکُنی)، التي تمثلُ كلاً من علامات التضامن بين طرفي الخطاب.
ولعل من أبرز الأمثلة التي تضمنت الاستراتيجية التضامنية في كتاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر قوله (عليه السلام):
((ثم أعلم يا مالك، أنَّي قد وجهّتك الى بلادٍ قَد جرت عليها دُولٌ قبلك بين عدلٍ وجورٍ، وإنّ الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ويقولون فيك ماکنت تقول فيهم، وإنما يُستدلُّ على الصالحين بما يجري الله لهم على
ألسنِ عباده)) (15).
إنَّ من شأن هذه الاستراتيجيّة ان تساوي بين درجات أطرافه وإنَّ تقلّص المسافات المتباعدة بين النفوس، فتؤثر في طبيعة العلاقة الاجتماعية بين الطرفين، وهنا تحقق للتضامن سمته الغالبة في الاحترام والتهذيب والتودد لكسب الطرف الآخر، وقد برز هذا النوع في الخطاب التضامني لأمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك حين بدأ قوله ((واعلم يامالك...،) فتوظيف الاعلام من آليات الحوار التضامني المتسم بالتخلق والتواضع من دون اعتبار للسلطة العُليا التي يتمتعُ بها.
فيقول (عليه السلام): ((يا مالك، وانَّ الناس ينظرون إليك في مثل ما کنت تنظر اليهم، وانما يستدل الله على ألسن عباده على الصالحين)).
كلها علامات إشارية تجسد درجة التضامن من التعامل الأخلاقي: ((لان للتعامل الأخلاقي الأولوية في الاستراتيجيّة التضامنية، وهذا ما يسميه طه عبد الرحمن ب (التخلّق)) (16).
ومن أمثلة الاستراتيجيّة التضامنية أيضاً ما ورَدَ في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) بما يخصُّ الجنود الذين هم أساس السلطة وحُماة الرعية، إذ كتب (عليه السلام):
((وليكن آثُر رؤوس جندكَ عندكَ مَن واساهم في معونتِهِ، وأفضلَ عليهم من جدَّتِهِ، بما يسعهم ويسع من ورائهم من خلوف أهليهم حتّى يكون همّهم همَّا واحداً في جهاد العدوِّ، فإن عطفك عليهم يعطفُ قلوبهم عليك، وانَّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدلِ في البلاد...)) (17).
ففي الخطاب اعلاه يظهرُ حرص الإمام (عليه السلام) على البُعد التضامني في التخاطب، والاشارة الى أهمية هؤلاء الفئة (الجنود) والاهتمام بهم والتضامن معهم،
لانهم يشکِّلون العمود الفقري لبناء الدولة وحماية أمنها واستقرارها، ففي هذا الخطاب التضامني تبرز كفاءة المحاجج وغايته في بناء خططه القولية ورؤيته المنهجية القيام دولة اسلامية صحيحة الأسس.
ويظهر ذلك البُعد التضامني في العلامات الإشارية بقوله (عليه السلام): ((حتى یکون همهم هماً واحداً في جهاد العدوّ، فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك، وان أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل)). ومن هنا أصبحت العبارة الأخيرة في الخطاب الحجاجي اعلاه نتيجة حجاجية لتجعل السلطة أداة حجاجية ناجعةً في نجاح المجمع، وهذه العلامات الاشارية: ((تُعدُّ تقنيات حجاجية وكيانات مجردة يشغلها المحاجج بجملة من القيم والحقائق حتى تصبح فاعلة في الخطاب الحجاجي موّجهة حركته)) (18).
ثم يختتمُ الإمام (عليه السلام) كتابه الى مالك الأشتر بدعوته التضامنية التي يبين فيها مدى حبه لصاحبه مالك بعيداً عن أمور السلطة والدنيا التي يرجو بها رضا الله (سبحانه) اذ يدعو بقوله (عليه السلام): ((وأنا أسألُ الله بسعةِ رحمتِهِ، وعظيم قُدرتِهِ على إعطاء كل رغبة، أن يوفقني وإياك لما فيه رضَاه من الإقامة على العُذر الواضح وإليه والى خلقِهِ)) (19).
ولعل من أبرز الآثار الإيجابية التي دعت إليها الاستراتيجيّة التضامنية هو درجة التالف وتطابق الشعور والأهداف والتفكير، وهذا ما تبلور في خاتمة رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر حین خاطبه بهذا الخطاب الذي يبرز فيه دلالته القريبة، وتقوّي أسباب الانتفاع العاجل به، لنفسهِ ولمخاطبِه، ومعلوم انَّ كل تبادل بين طرفين يكون مبناه أساساً على سعي كل منهما تحقيق أغراض تكون مشتركة أو متساوية... (20)
ولذا كان من أهداف هذه الاستراتيجيّة ومسوغاتها هو تأسيس الصداقة بين طرفي الخطاب، والعمل على تحرير العلاقة بين طرفين لهما علاقة دائمة، ونحن نعلم مدى العلاقة الطيبة بين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين مالك الأشتر فهو صاحبه في الحروب وفي السراء والضرّاء ولذا قيل: ((ان التضامنية هي السبيل الى الصداقة، حيث تماثل ما ندعوه بالألفة)) (21).
وهي النوع الثاني من أنواع الأستراتيجيّات التخاطبية وتُعرف بأنها: ((الاستراتيجيّة التي يرغب المرسل بها بتقديم توجيهات ونصائح وأوامر و نواهي، يُفترض أنها لصالح المخاطب أو المرسل إليه)) (22).
وتجدر الإشارة إلى أنَّ القيم التوجيهية بكل مسوغاتها لأتُعدُّ أفعالاً لغوية فحسب، وأنما تُعدُّ من وظائف اللغُّة التي تُعنى بالعلاقات الشخصية بحسب تصنیف هاليداي، اذا یُعدُّ اللغة هي ((تعبير عن سلوك المرسل وتأثيره في توّجيهات المرسل إليه وسلوكه)) (23).
ويمكن القول ان في دراسة الاستراتيجيّة التوجيهية اتجاهين مهمين: (24) الأتجاه الأوّل: يهتمُّ بالدراسات التي تحضُّ على التأدّب، ويمثله كل من (لتيش وروبين لاكوف، وبراون وليفنسون).
الاتجاه الثاني: ويهتم بالدراسات التي تبينُّ كيفية التلفظ بالخطاب وفقاً للتوجيهية مع عرض بعض آلياتها وأدواتها، ومَن مثّل هذا الاتجاه هو كل (جرایس وسيرل وبراون وليفنسون وباخ).
وقد صنَّف ((باخ)) الأفعال التوجيهية ضمن الأصناف الأربعة التي حدَّدها للأفعال الكلامية وهي الأفعال التقريرية أو الوصفية والتوجيهية والالتزامية وأفعال التعبير عن المشاعر، وتشملُ الأفعال التوجيهية عند باخ الأصناف الآتية: (25) 1. الطلبات: وتأتي على شكل سؤال أو تضرّع أو توسل أو مناشدة أو إلحاح أو دعوة، أو طلب، أو حثّ، أو استدعاء، أو ابتهال أو حجاج.
الأسئلة: وتأتي في الأمور الآتية (السؤال، الاستعلام، الاستجواب، التشكك).
المتطلبات: وتمثل (العرض، التكليف، الأمر، الطلب، الارشاد، المنع، التعليم، الغرض).
التحريمات: وتمثل (المنع، الحظر، التحريم، التقييد).
أفعال النصح: وتأتي على أشكال منها (الحثّ، النصح، التحذير، الاقتراح، الانذار، التوصيات).
وقد مثلَّت الاستراتيجية التوجيهية حضوراً مكثفاً في رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر بتنوع وحضور أفعال الأمر والتوجيه والحث والطاعة والارشاد والنهي والالتزام بأوامر الله، ووصايا رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) والنهي عن الأمور الدنيوية.
وقد صنَّف العلماء المرسل إليه عند استعمال هذه الاستراتيجيّة صنفين، المرسل إليه (المتخيل) وهنا يكون المرسل على معرفة مستقيمة بالمرسل إِليه ويمتاز الخطاب في هذه الحالة بالعموم والديمومة والمناسبة لكل وقت.
أما الصنف الثاني فهو المرسل إليه الحاضر عند التلفظ بالخطاب هنا قد يكون الخطاب او التوجيه مقتصراً عليه، والسبب في ذلك هو ضيق السياق الذي يدور فيه الخطاب. مما يعطي للفعل التوجيهي قوته الانجازية هي (سلطة المرسل).
وقد يعتبر الفعل الانجازي - التوجيهي من خلال نتيجته إلزاماً للمرسل إليه لانه خاضع لسلطة المرسل؛ لأن الأفعال التوجيهية قائمة على علاقة سلطوية بين المرسل المرسلُ إليه، والسلطة في هذه الحالة هي مؤشر لنجاح هذه الأفعال.
أن الخطاب الأمري يستندُ عموماً إلى الإيعازات الاستدعائية التي يُطلقها المخاطب تعبيراً عن الوظيفة الإفهامية والادراكية (الطلبية) التي تمنحه طاقة وهيأة تأثيرية يخضعُ لها المُخاطَب بوصفِهِ المحور الثاني في العملية التخاطبية والمستجيب قولاً وفعلاً للإيعازات الصادرة من المخاطِب الذي يمثلُّ المحور الأول في العملية التخاطبية ذاتها، وبذلك يتأصّل الخطاب الأمري بعقد آصرة تواصلية بين الطرفين بحيث يشترطُ في الطرف الثاني الوجود الحضوري لإتمام الحلقة الحوارية التخاطيبة مما يُعينُ على فهم العلاقات الأكثر عمومية بين الطرفين (26).
وعُرّف الأمر بأنه: ((صِفة تستدعي الفعل، أو قول يُنبئ عن استدعاء الفعل من جهة الغير على جهة الاستعلاء)) (27).
وقد أظهرَ لنا استقصاؤنا لصيغ الأمر بأنواعها في كتاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر ميلاً واضحاً نحو هذه الأفعال الأمرية وتوظيفها في سياقات توجيهية مختلفة.
وقد مثَّلث صيغ الأمر الصريحة المباشرة حضوراً فاعلاً وتوجيهياً عِبرَ تلك الرسالة الموجهة الى مالك الأشتر، وتتدرج غايات هذه الأفعال الأمرية بالتمسك بعبادة الله ورضاه وكسر شهوات النفس، والإرشاد والتوجيه والاهتمام بطبقات الرعية واختلاف مستوياتهم.
ومن أمثلة ذلك، ما بدأ به الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه الى مالك الأشتر حين ولاه مصر، بمجموعة أوامر توجيهية، وهذه الأفعال الأمرية بصيغها المتنوعة عبّرت عن مكنونات الخطاب الحجاجي ومقاصده الدلالية - التوجيهية إذ كتب (عليه السلام): ((أَمَرهُ بتقوى الله، وإِيثار طاعته، واتّباع ما أمرَ به في كتابِهِ من فرائضِهِ وسُنِنِه التي لا
يُسعد أحدٌ إلاَّ باتباعهِا، ولا يشقَىَ إلاّ مَعَ جحودِهِا وإضاعتها)) (28).
تُفصح الرسالة في بنيتِها الاستهلالية على مقدمات حجاجية متمثلةً بأفعال الأمر الإيعازية - الصريحة (المباشرة) لتوجيه الوالي في الالتزام بطاعة الله (سبحانه) والعمل بفرائضِهِ وكتابه وسنِنِه وبمخالفتها يكون الخسران والشقاء.
وهذه الحجة الكبرى التي تُبني عليها أسس الدولة الصحيحة وإدارة أمور الرعية بالعدل والتقوى ورضاء الله والبُعد عما يُغضبه، انَّ هذه الأوامر الإيعازية تمثلُ سلطة حجاجية على المتلقي فهي استراتيجية توجيهية - إقناعية يمارسها الباث على المتلقي.
ثم تبدأ القوة الإنجازية لأفعال الأمر الأخرى لأنَّها تستند عليها الحجة الكبرى التي استهّل بها مقدمة كتابه (عليه السلام)، إذ قال: ((وأمرُه أن یکسر نَفسَهُ من الشهواتِ، وينزعَهَا عند الجمحات، فانَّ النفسَ أمَّارةٌ بالسوء الا ما رحم الله)) (29).
وهنا تبدأ العملية التخاطبية ضمن هذه الاستراتيجيّة في التواصل مع (الذات) في السيطرة على هواها وقمع شهواتِهِا والابتعاد عما لا يُرضي الله (سبحانه)؛ فهذه الحجة ضمن هذا الفعل التوجيهي، يحيل بالضرورة إلى مجموعة أهداف منطقية يترتب عليها أمور كثيرة، وفي ذلك تعظيم الدولة والوقوف على الأسس القويمة التي يتحققُ بها أمن الرعية وسلامتهم واستقرارهم.
ثم نلحظ توالي أفعال الأمر الأنجازية والربط بين المقدّمات والآليات الحجاجية، التي سهَّلَت وظيفة المُحاجج.
فمن حُجية السلطة، ما أورده أمير المؤمنين (عليه السلام) في قولِهِ: ((فأعطهم مِن عَفوِكَ وصَفحكَ مثل الذي تُحبُّ أَن يُعطيكَ اللهُ من عفوه وَصفحِهِ، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقَكَ، واللهُ فوق مَن ولاّك .....)) (30).
إذ يتجلى واضحاً مفاد الحُجة التوجيهية في الفعل الأمر واعطهم في نسق لغوي يعكسُ
ترنماً وفضاء حجاجياً يمتدُ نحو الخضوع والإنصات لتلك الأوامر التي احتلت مساحة واسعة بين مفردات الرسالة، وقد أدّت فضلاً عن كونها صيغ أمر صريحة صدرت من سلطة (عليا) (الحاكم) الى (الوالي) وظيفة دلالية في انتاج معنى النصَّ، فنحن ((عندما نتكلمُ عن العلاقات الدلالية بين الجمل التتابع ما؛ فإنَّ المقصود في النتيجة هو وجود علاقات بين معاني هذه الجمل أو الأفعال و مراجعها)) (31).
ثم نراه في رسالته (عليه السلام) يدعم الحجج المتقدمة بحجة فعل انجازي أكبر في قوله (عليه السلام): ((أنصف الله؛ وأنِصفِ الناسَ من نفسكَ، ومن خاصةِ أهلكَ، ومن لكَ فيه هویً من رعیتك، فإنك إلاَّ تفعل تظلم، ...)) (32).
إذ نجد ان الإمام (عليه السلام) يوظَّف الحجج القائمة على العلاقات التواصلية مع الله (سبحانه - وتعالى)، ومع الناس (الآخر) ومع النفس (الذات)، اذ افتتح تلك الأوامر التوجيهية والوصايا بصيغة (فعل الأمر الصريح) التي شكلت سلسلة من الترابطات النسقية، أفصحت عن دلالات وأحداث مطابقة لمتطلبات الموقف بما يوحي باستكناه البنية العميقة للنصّ الحجاجي؛ لان فعل الأمر في أصله لا يصدر إلاَّ ممَنَّ كان الأمر فيه أقوى وأعلى من المأمور (33)، وموجّهة الى المتعلق مأمور وجبَ عليه تنفيذ الأوامر والوصايا.
ويوظَّفُ أمير المؤمنين (عليه السلام) الأسلوب الخبري مع الفعل الأمري لإنجاز الاستراتيجيّة التوجيهية، وذلك مما نراه في مقاطع كثيرة من الرسالة، إذ كتب (عليه السلام): ((وأعلم أن الرعيةَ طبقاتٌ لا يصلح بَعضُها إلاّ ببعض، ولاغنى ببعضها عن بعضٍ، فمنها جنودُ الله، ومنها كُتَّابُ العامّةِ والخاصة، ومنها قُضاةُ العدل، ومنها عُمّال الانصاف والرفقَ، ومنها أهل الجزية والخراج، ومنها أهل الذمة، ومسلمة الناس، ومنها التّجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السُّفلى من ذوي الحاجات
والمسكنة، وکُلاَّ قد سّمى الله سهمه)) (34).
انَّ قيمة التخاطبية للنصّ تكمن في مقدرتها على اختزال الخطاب وتشكيل قوة الانجاز الحجاجي على نحو ارتبط بوجود حُجية السلطة الذي لايمكن انُ يفصح عنه الا من يملك المسوّغ للتوجيه الفعلي الإنجازي مترادفاً معه الخبر الاسنادي، ولذا تؤدي حُجة السلطة هنا الى ((التقليل من المجازفة في استعمال هذه الاستراتيجية في انتاج الخطاب، وذات السبب هو ما يسوّغ استعمال الأمر والنهي الصريحة)) (35).
وتجدر الإشارة ان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يدعمُ حججه الكبرى باستشهادات قرآنية لتقوية تلك الحجج. إذ كتب (عليه السلام): ((واردد الى اللهِ ورسولِهِ ما يُضلُعكَ من الخطوب، واشتبه عليك من الأمور، فقد قال الله تعالى لقوم أحبَّ إرشادهم «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» (36)))(37).
ويمكن القول ان الميزة الرئيسة والمهمة للحجة حين تُدعم بنص قرآني تقّوي تلك الحُجة، فهي تُعدّ في الحقل التداولي - الحجاجي صورة تدعم الحجج وتوضحها، اذ يقول بيرلمان في هذا الصدد: ((لما كان الاستشهاد يهدفُ الى تقوية حضور الحُجة، بجعل القاعدة المجردة ملموسة بواسطة حالة خاصة، فقد نظر الى الاستشهاد على أنَّه صورة)) (38).
وهذه كلها تُعدُّ مؤشرات على الاستراتيجيّة التوجيهية للإمام علي (عليه السلام) للأخذ بمبادئ الدولة الصحيحة الأسس، ولقيام مجتمع اسلامي يتبنی قوانين القرآن الكريم وأسسه المستقيمة لبناء مجتمع سليم.
ومن صيغ الأمر التي وردت بكثرة في رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر، صيغة لام الأمر الداخلة على المضارع، إذ بدأها بقوله (عليه السلام):
((وليكنَّ أحبَّ الذخائر إليكَ ذخيرةُ العمل الصالح)) (39)، وفي موضع آخر يقول (عليه السلام): ((وليكن أحبَّ الأمور إليك أوسطها في الحقَّ، وأعمَّها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية، فإنَّ سخط العامة يُجحف برضى الخاصة)) (40).
نرى انَّ دلالة (النصح والارشاد والتوجيه) التي حملتها هذه الأفعال الأمرية لام الأمر الداخلة على الفعل المضارع في صيغة (ليكن) نجدها تتحرك في مجال الوظيفة الانفعالية وتتجه بؤرتها نحو المخاطب مع حضوره في الدائرة الحجاجية.
وفي موضوع آخر يكتب أمير المؤمنين (عليه السلام) بما يخصُّ الجنود و طبقات المجتمع الأخرى، وبدأها بهذه الطبقة لانَّهم رُعاه أمن الدولة واستقرارها. إذ يقول (عليه السلام): ((وليكن آثرُ رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جندته، ...)) ثم يُوجه استراتيجيّته نحو عمارة الأرض والاهتمام بها اذ يقول: ((وليكن نظرك في عمارة الأرض، وأبلغ من نظرك في استجلاب الخراج وأهله؛ لأن ذلك لايُدرك إلاّ بالعمارة ...)) (41).
ثم يختتم رسالته في اسلوب الأمر ذاته اذ يقول (عليه السلام): ((وليكن في خاصة ما تخلص به الله دينك)) اذا شكَّلت هذه الأفعال الأمرية رابطاً صميمياً عدِلَ به الإمام (عليه السلام) عن دلالة لطلب الى دور توجيهي في اطار الوعظ تنضوي تحته كثير من الدلالات التي يسعى المحاجج الى تحقيقها.
وم-ن صيغ الأمر الأخرى (اسماء الأفعال) لا سيما (إياك) اذ شكّل رابطاً حججياً صميمياً عدل به الإمام (عليه السلام) عن دلالة الطلب الى دور توجيهي في اطار الوعظ والحذر والتنبيه تنضوي تحته كثير من الدلالات التي يسعى الواعظ او المحاجج الى تحقيقها. فمن أمثلة ذلك؛ ماكتبه الإمام (عليه السلام) ((إيّاكَ ومُساواة
الله في عظمتِهِ، والتشبه في جبروتِهِ، فإنَّ الله يَذلُّ كلَّ جبَّار، ويهينُ كلَّ مختال)) (42).
ففي النصّ اعلاه شكَّلت صيغة الأمر سلسلة من الترابطات النسقية التي خرجت الى اغراض مجازية أفصحت عن درجة العلاقة بين المخاطِب (الحاكم) والمخاطَب (الوالي) التي تعكسُ مدى اعتزاز الأمر بالمأمور ليرغبه في ذلك الأمر، لذا عُدَّ (الأمر المجازي) اسلوباً انشائياً طلبياً مهماً له قيمة إيحائية - وحجاجية في بنية النصّ.
وقد يكون الامر موجهاً (للتنبيه والتحذير)، ومن أمثلة ذلك ما كتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) ((وإيّاك والدماء وسفكما بغير حِلِّهَا، فإنَّهُ ليس شيءٌ أدعى لنقمةٍ، ولا أعظمَ لتبعةٍ ولا أحرى بزوالٍ نعمةٍ، وانقطاع مُدةٍ من سفكِ الدماء بغير حقِّها)) (43).
اذ تفصحُ صيغة اسم فعل الأمر (إيّاك) عن بنية حجاجية أخذت دور المنبه الأسلوبي لتوجيه ذهنية المتلقي نحو ثيمة الخطاب التواصلي.
أمثلة ذلك أيضاً ما ورَدَ في كتابه (عليه السلام) في مسألة العُجب بالنفس؛ لانه فيها دمار للنفس، إذ قال: ((وإيّاكَ والاعجابَ بنفسكَ، والثقة بما يُعجبكَ منها، وحُبَّ الأطراء، فإنَّ ذلَك من أوثق فُرص الشيطان في نفسِهِ ليمحق ما يكون من إحسان المُحسنين)) (44).
ويمكن القول انَّ التنوع في صيغ أفعال الأمر بين الأفعال الأمرية الصريحة، والأفعال المضارعة الداخلة عليها لام الأمر، وأسماء الأفعال، أسهمت في توسيع دائرة التخاطب الحجاجي لتحقيق التوافق بين هذه الحجج المتنوعة وسياقاتها الدلالية تلك الأفعال الأمرية - الإيعازية التوجيهية المعبَّرة عن فكرة الرسالة التي كتبها أمير المؤمنين (عليه السلام) الى عامله مالك الأشتر على استشعار المسؤولية والطاعة لتلك الأوامر.
الخطبة - الملفظ - الفعل التوجيهي - الغرض التداولي كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر لما ولاة على مصر وعُمالها أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباعه ما أمر بهِ كتابه - أمره، وايثار، واتباع - الوجوب أمره أن يكسر نفسه من الشهوات - أمره ان يكسرَ نفسه - النصح والإرشاد ثم اعلم يا مالك اني قد وجهتك الى بلاد - أعلم يامالك - أمر حقيقي فأملك هواك وشُحّ بنفسكِ - فأملك هواك وشُح بنفسك - توجيه وارشاد وأشعر قَلبكَ الرحمة للرعية - وأشعر - الاستعطاف فأعطهم من عفوك - فأعطهم - الوجوب والارشاد فانظر الى عظم ملك الله فوقك - فانظر - النظر والأعتبار أنصف الله وأنصف الناس - انصف - النصح والارشاد والتوجيه وأكثر من مدارسة العلماء - أکثر - التوجيه وأعلم ان الرعية طبقات - اعلم - التنبه والتحذير الصق بذوي الأحتساب وأهل البيوتات الصالحة - ألصق - توجيه
الخطبة - الملفظ - الفعل التوجيهي - الغرض التداولي كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر حين ولاه مصر واردد الى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب - وارددُ - وجوب واختر للحكم أفضل رعيتك - اختر - توجيه وتنبيه وأنظر في أمور عُمالِكِ - انظر - النصح والإرشاد والتوجيه وتفقد أعمالهمَ - تفقد - والتوجيه وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم - ابعث - التحذير والتنبيه استوصى بالتجارة وذوي الصناعات واوصِ بهم - استوصى، أوص بهم - الأستعطاف والرحمة واحفظ لله ما أستحفظك - أحفظ - الوجوب والتوجيه وتعهد أهل اليتيم وذوي الرقة في السنِ - تعهد - الأستعطاف والرحمة فاعَط الله من بدنكَ في ليلكَ ونهاركَ - اعطِ - التوجيه والأرشاد والزم الحقَ مَن لزمه - الزم - التوجيه والوجوب فليكنَّ أحب الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح - فلیکنَّ - الارشاد والتوجيه وليكنّ آثر رؤوس جندك - لکفَّ - تنبيه وتوجيه وتحذير وليكن البيع بيعاً سمحاً - لیکنَّ - توجيه وتحذير
وهی أحدى آليات الاستراتيجيَّة التوجيهيَّة ويصدر من هو أعلى مرتبة الى من هو دونه، ويمثل (النهي) بنية حجاجية يُنسجُ منها المحاجج خطابه الإقناعي لأنَّه يتخذُ منه وسيلة اقناعية بما يخدم المقصد الذي يسعى إليه وتشكيل بنية النهي داخل السياق حُجة وعلى المرسل إليه ان يلتزم بها، وكلها تدخل في إِطار التوجيه والتحذير؛ فمن أمثلة ذلك ما كتبه (عليه السلام) الى مالك الأشتر، وردت فيه أفعال نهي تحمل التوجيه وهو قوله: ((ولا تندمَنَّ على عفوٍ، ولاتَبجَحَنَّ بعُقوبةٍ، ولاتُسر عَنَّ الى بادرَة وجدتَ منها مندُوحةً، ولا تقولنَّ إني مُؤمَّرٌ أمرُ فأطاعُ)) (45).
عبرَ هذا الفعل التوجيهي استطاع الإمام (عليه السلام) ان يماسكَ الشدّ النصيّ التركيبي الذي أحدثه فعل النهي بوصفه حجَّة برهانية - اقناعية تقتضيها العملية التواصلية بين المخاطِب والمخاطَب، وهي تسمى علاقات حوارية تشدّ الخطاب الى عوامل انتاجه وتجعله فعلاً خطابياً ديناميكياً وملتحماً بشروط تداولية)) (46).
الأمثلة الأخرى التي تُشير الى صُحبة السلطة والاخذ بأفعال التوجيه والنهي عنها، ما كتبه الإمام (عليه السلام) في باب النصح والارشاد وهو قوله: ((ولا تنقض سُنَّةً صالحةً عَمَلَ بها صُدورُ هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعيَّة، ولا تُحدِثَنّ سُنّةً تضرُّ بشيءً من ماضي تلك السَّنن فيكون الأجرُ لمن سنَّها، والوزرُ عليك بما نقضتَ منها)) (47).
فأفعال النهي الواردة في (لاتنقض، ولا تحدثن) أفادت قوة انجازية تكمنُ في عرض النصح والأرشاد والتنبيه وتبيين الحقائق والدعوة الى النهي عنها وقوتها التأثيرية في إقناع المتلقي بفكرة المرسل، فيتعظ المرسل إليه بما سيقَ له من ارشادات ومواعظ، وهذا ما نلحظه في سلطة الخطيب وهي إدارة النصح والارشاد وتوجيه
الخطاب وجهة نفعية، بحيث أن الخطاب يتمحور في منفعة المتلقي (48).
ومن أمثلة القوة الإنجازية الأخرى الاستراتيجيّة التوجيه - النهي - ما وردت في رسالته (عليه السلام): ((ولا يكونُ المُحسنُ والمُسيءُ عندكَ بمنزلةٍ سواء، فإنَّ ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كُلاً منهم ما ألزمَ نفسه)) (49).
إنَّ الفعل الخطابي التوجيهي التنبيهي لا يُنجز إلا في مواقف اجتماعية وتواصلية معينة تقتضيها العملية التواصلية، ففي النص المتقدم تكمن قوة انجاز الفعل في صورة التضاد التي وصف عبرها الإمام (عليه السلام) فكرة (الإحسان والإساءة) على مستوى البنية السطحية، ليؤسس حجته على بنية تضادية قائمة على المقارنة.
الملفظ الفعل التوجيهي الغرض التداولي كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر حين ولاه مصر وعُمّالها ولا تكوننَّ عليهم سَبعاً ضارياً لا تكوننَّ النصح والأرشاد لاتندمنَّ على عفو و لاتبجحنَّ بعقوبةٍ لاتسرعنّ الى بادرة ولا تقولنَّ إني مُؤمرٌ أمرُ فأطاع لاتندمنَّ لاتبجحنّ لاتسرعنّ لاتقولنَّ تنبيه، وتوجيه تنبیه، توجیه تنبیه، توجیه توجيه وارشاد ولا تدخلنَّ في مشورتكَ بخيلاً يعدلُ بك عن الفضل لاتدخلنً النُصح، والأرشاد ولا تطولنَّ احتجابكَ عن رَعيتك لاتطولنَّ توجیه، تنبیه ولا تدفعنَّ صُلحاً دَعاكَ إليه لاتدفعنً نصح وتوجيه وتنبيه ولا تختلنَّ عدُوّكَ فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقيّ لاتختلنَّ تنبيه وتوجيه ولا تعولنَّ على لحن قولٍ بعد التأكيد والتوثيقة لاتعولنَّ تحذير وتنبيه لا تقوينَّ سُلطانك بنفسك دمَ حرام لا تقوين تنبيه وتوجيه وتحذير إياك والدماء إياك (النهي) تحذير وتنبيه
مثَّل نهج البلاغة في خطابه التداولي دستوراً تبليغياً مؤسساً لشؤون الدولة والمجتمع الإسلامي، إذ استطاع ان يؤثر في المتلقي لاعتماده استراتيجيّات تواجه روح المتلقي وعقله وضميره.
يمثلُ مصطلح (الحجاج التواصلي) فاعلية اجتماعية - تداولية انتاجية للمعطيات الخطابية - الإقناعية لتحقيق نجاعة الملفوظات وأهدافها الفكرية والدينية والسياسية.
اتضحت في رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر سعة العملية التواصلية للحجاج وعمقها، اذ تمثلت في استراتجيتين مهمتين هما (الاستراتيجيّة التضامنية) و (الاستراتيجيّة التوجيهية).
تنوَّعت أدوار الآليات التداولية الحجاجية، فكان لأفعال الكلام القوة الإنجازية في توجيه الخطاب لاسيما في أفعال الأمر والنهي.
أن الاسلوب التفاعلي - التداولي الناجع في كتاب امير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر يُكمن فيه السلوك الحميد الذي يتجلى في التأدب والتوجيه والقول السديد والنصح والارشاد والتنبيه والتحذير لكل والٍ يتولى المسلمين وقيادة شؤونهم لبناء دولة صحيحة الأسس.
تحليل الخطاب الروائي، سعيد يقطين: 19.
الاستراتيجيات التخاطبية في السنة النبوية (بحث منشور)، ادریس مقبول، مجلة كلية العلوم الاسلامية، العدد 2 - 15، السنة 2014، 541.
من لسانيات الجملة الى علم النص، بشير ابرير، مجلة التواصل باجي مختار، عنابة، الجزائر، عدد 14، سنة 2005، 17.
تاريخ نظريات الحجاج، فيليب بروتون وجيل جوتييه، ترجمة محمد صالح المغامدي: 85.
ينظر استراتيجية الخطاب الحجاجي (دراسة تداولية في الارسالية الاشهارية العربية)، د. بلقاسم دفة، مجلة المخبر جامعة بسكرة، الجزائر، العدد 10 السنة 2014، 496.
الحجاج في خطابات النبي ابراهيم (عليه السلام )، سعدية لكحل: 20.
عندما نتواصل نغير (مقاربة تداولية - معرفية لاليات التواصل والحجاج)، عبد السلام عشير: 505.
ينظر التواصل اللساني والشعرية، الطاهر بومزبر: 35 - 36.
استراتيجيات الخطاب (مقاربة لغوية - تداولية)، د. عبد الهادي ظافر الشهري: 53.
التواصل والحجاج: 6.
ينظر: م. ن: 7 - 8.
ينظر: نظرية الحجاج عند بيرلمان: 38.
استراتيجيات الخطاب (مقاربة لغوية - تداولية): 257.
پ14. ينظر المصدر نفسه: 257.
نهج البلاغة: ج 3/ 572.
التواصل والحجاج: 7-8.
نهج البلاغة: ج3/ 580.
ينظر الحجاج والحقيقة وآفاق التأويل (بحث في الأشكال والاستراتيجيات)، د.علي الشبعان: 263.
نهج البلاغة: ج 3: 596.
ينظر اللسان والميزان أو التكوثر العقلي: طه عبد الرحمن: 218.
استراتيجيات الخطاب (مقاربة لغوية- تداولية): 266.
ينظر استراتيجيات الخطاب (مقاربة لغوية - تداولية): 323.
ينظر الاستراتيجيات التخاطبية في السنة النبوية: 549.
ينظر الأفعال اللغوية عند أوستن وسيرل: 159 - 160.
ينظر الاستراتيجية وعلاقتها بالنصّ والخطاب: عبد الكريم جمعات ينظر استراتيجيات الخطاب الحجاجي في الحديث النبوي الشريف: 68.
ينظر المقاربة التداولية: 12، اللغة العربية في أطارها الإجتماعي: 231.
ينظر الطراز المتضمن لأسرار البلاغة: 531.
نهج البلاغة: ج 3/ 571 - 572.
نهج البلاغة: ج 3/ 572. والجمحات ان يكفها عن مطامعها اذا جمحت عليه.
نهج البلاغة: ج 3/ 573 - 573.
العلاماتية وعلم النص: 156.
نهج البلاغة: ج 3/ 574.
ينظر دروس البلاغة العربية (نحو رؤية جديدة): 120.
نهج البلاغة : ج 3/ 577 - 578.
استراتيجيّات الخطاب (مقاربة لغوية - تداولية): 347.
سورة النساء: 59.
نهج البلاغة:ج 3/ 581.
نهج البلاغة: ج 3/ 581.
نهج البلاغة: ج 3/ 572.
نهج البلاغة: ج 3/ 574.
نهج البلاغة: ج 3/ 584.
نهج البلاغة: ج 3/ 573.
نهج البلاغة: ج 3/ 593.
نهج البلاغة:ج 3/ 594.
نهج البلاغة: 3/ 573.
نقد النقد: 52 مجلة الأقلام، العدد 26 السنة 25، بغداد، 1990، د. محمد الدعمومي، مدخل ابستمولوجي.
نهج البلاغة: 3/ 577.
ينظر الحجاج وتوجيه الخطاب مفهومه ومجالاته: 204.
نهج البلاغة: 3/ 576.
الاستراتيجيّات التخاطبية في السُّنة النبوية أ. م. د. أدريس مقبول، مجلة كلية العلوم الإسلامية العدد 2 - 15، سنة 2014 - 1435 ه.
استراتيجيّات الخطاب (مقاربة لغوية - تداولية) د. عبد الهادي ظافر الشهري، دار الكتاب الجديد المتحدة ليبيا، ط 1، 2004 م.
استراتيجيّة الخطاب الحجاجي (دراسته تداولية في الاشهارية العربية)، د. بلقاسم دفة، مجلة المخبر، جامعة بسكرة - الجزائر، العدد 10، 2014 م.
الاستراتيجيّة وعلاقاتها بالنصّ والخطاب، عبد الكريم جمعان،...
تاریخ نظريات الحجاج، فليب بروتون، جيل جويتية، ترجمة محمد صالح ناجي الغامدي، ط 1، مركز النشر العلمي، مطابع الملك عبد العزيز، 2011 م.
تحليل الخطاب الروائي، سعيد يقطين، ط 4، المركز العربي الثقافي، 2005 م.
التواصل اللساني والشعرية، الطاهر بومزبر، ط 1، منشورات الاختلاف - الجزائر، 2007 م.
التواصل والحجاج، عبد الرحمن والحجاج، عبد الرحمن طه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط منتديات سور الأزبيكة.
الحجاج في خطابات النبي إبراهيم (عليه السلام)، سعدية لكحل، رسالة ماجستير، جامعة مولود معمري.
الحجاج والحقيقة وآفاق التأويل (بحث في الأشكال والأستراتيجيّات)، د. علي الشعبان، تقديم حمادي صمّود، دار الكتاب الجديد، ط 1، 2010 م.
الحجاج وتوجيه الخطاب (مفهوم و مجالاته وتطبيقات في خطب ابن نباته)، د، باسم خيري خضير، ط 1، دار نیبور، 2016 م.
دروس في البلاغة العربية (نحو رؤوية جديدة)، الأزهر الزناد، ط 1، المركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، بیروت، 1992 م.
الطراز المتضمن الأسرار البلاغة وعلوم حقائق الاعجاز العلوي بن حمزة (ت 754) مراجعة وضبط وتدقيق محمد عبد السلام شاهين، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1999 م.
العلاماتية وعلم النصّ، د. منذر عیاشي، مركز الانماء الحضاري، دمشق 1949 ه، 2009 م.
عندما نتواصل نغيّر (مقاربة تداولية معرفية الآليات، عبد السلام عشير التواصل والحجاج) أفريقيا الشرق، المغرب، 2006 م.
اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، طه عبد الرحمن، ط 1، المركز الثقافي العربي، 1998 م.
اللغة العربية في أطارها الإجتماعي (دراسة في علم اللغة الحديث) مصطفی لطفي، ط 1، معهد الأناء، بیروت، 1976 م.
المقاربة التداولية، فرانسواز ارمینکو، ترجمة د. سعدية علوش، مركز الأنماء القومي، الرباط، 1986 م.
من لسانیات الجميلة الى علم النصّ، بشير إبرير، مجلة التواصل، عدد 14، باجي مختار عناية - الجزائر، 2005 م.
نظرية الحجاج عن بيرلمان، د. عبد الحسين بنو هاشم، ط 1، دار الكتاب الجديد، 2014 م.
نقد النقد (مدخل ابستمولوجي)، د. محمد الدعمومي، مجلة الإقلام، العدد 6، السنة 25 بغداد، 1999 م.
د. ماهر خضير هاشم جامعة بابل
هذا البحث يتناول فكرة أثر المرجعيات الفكرية لشُرّاح نهج البلاغةِ في شرحهم العهد العلويّ، فالذي يتابع سير الشُرّاح في كُتُبِ التراجم يجد واضحًا تعدّدَ مرجعياتهم الفكرية، ومنطلقاتهم، وأُصولهم، وهذا تعدّد أدى الى تعدّدِ وجهات نظرهم واختلافهم في عبارة الشّرح، ومن المعلوم أنَّ شرُوح نهج البلاغة قد تجاوزت المئة شرح وقراءة؛ غير أنّني في هذا البحث سأركز على المرجعيات الفكرية شيوعًا، والشرّاح الذين ينتمون لها.
وعليه وقع اختياري على ثلاثة شُروحٍ، وهم: شرح ابن أبي الحديد المعتزليّ (ت 656 ه) وهو ممثل الفكر الاعتزليّ، وشرح ابن میثم البحرانيّ (ت 679 ه) وهو ممثل الفكر الصّوفيّ، وشرح حبيب الله الهاشميّ الخوئيّ (ت 1324 ه) وهو ممثل الفكر الامامي الاثني عشرية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنَّ هذه الشروح تتسم بالسّعة والشمولية في مادتها ومصادرها، وتأويلها علاوة على هذا أنَّ هذه الشّروح قد أهديت الى أمراء زمانهم، أنَّها کُتبت بطلب أو بإشارة من أولئك الأمراء الى هؤلاء الشُّرّاح.
وقبل البدء في بيان مرجعياتهم الفكريّة لهؤلاء الشرّاح وأثرها في شرحِهم العهد العلويّ، لا بدّ من ذكر سير موجزة لهم؛ لبيان منابعهم الفكرية والثقافيّة، وهم:
هو عزُّ الدين عبد الحميد بن هبة الله بن محمّد بن محمّد بن حسين بن أبي الحديد المدائنيّ البغداديّ المعتزليّ، وُلِد بالمدائن في اليوم سنة (586 ه)، وكان والده خریج المدرسة النظاميّة، وشيخًا من شيوخ الحديثِ في بغداد والمدائن، تولّى القضاء في المدائن مدّة طويلةً، وكان خطيبها، وأحد العدول فيها، وفقيهًا على المذهب الشافعيّ. وعليه أنّ ابن أبي الحديد نشأ من أسرة عربيّة، كان والده من رجال العلم والحديث، ومن متقلدي القضاء والتدريس وعلى المذهب الشافعيّ.
وكان ابن أبي الحديد المعتزلیّ عالماً شهيراً ذا رأي في ميدان التّاريخ، والأدب، والفقه، والكلام، جدّ في طلب العلوم المتداولة في عصره منذ نعومة أظفاره، ثمّ رحل إلى بغداد إبّان شبابه، وفي تلك الحاضرة التي كانت عاصمة العلم في العالم الإسلاميّ يوماً ما تعلّم الفقه والكلام، واشترك في أوساطها الأدبيّة، وتسنّم في بغداد مكانةً مرموقةً، وكانت له علاقات وثيقة بوزير المستعصم: ابن العلقميّ العالم، وأصبح في عِداد کتّاب دیوان دار الخلافة بفضله، فكان كاتب دار التّشريفات أوّلاً، ثمّ كاتب الخزانة، وبعد ذلك كاتب الدّيوان. وكان ناظر الحلّة في سنة (642 ه)، ثمّ وزيراً للأمير علاء الدين الطبرسيّ، وبعد ذلك صار ناظراً للمستشفى العضديّ، ثمّ ناظراً لمكتبات بغداد، وكان شاعراً مقتدراً وأديباً عالماً مع مزاولته للمناصب الحكوميّة المذكورة الّتي استمرّت حتّى آخر عمره. ونظم الشّعر في أغراض شعريّة متنوّعة من مدح، ورثاء، وحكمة، ووصف، وغزل، ومع ذلك كلّه غلب على شعره المناجاة والعرفان، وأورد بعض أشعاره في شرحه على النّهج، وكان شافعيّ الفقه والأصول، معتزليّ الكلام؛ إذ يُنسب إلى مدرسة بغداد في الاعتزال، ويرى رأيها في تفضيل عليٍّ على الحكام الثّلاثة، لكنه لا يعدّ الأفضليّة شرطاً للإمامة، مثلما قال في بداية شرحه
لنهج البلاغة: ((... وقدّم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف، واختصّ الأفضل من جلائل المأثر، ونفائس المفاخر...)).
ترك ابن أبي الحديد مصنّفات عديدة، وأورد محمّد أبو الفضل إبراهيم في مقدّمته على الشّرح أسماء خمسة عشر منها، هي:
الاعتبار على كتاب الذّريعة في أُصول الشّريعة، وهو شرح لذريعة الشّريف المرتضى.
انتقاد المستصفى، وهو نقد لكتاب (المستصفي في الأُصول) للغزاليّ.
الحواشي على كتاب المفصّل في النّحو.
شرح المحصّل، وهو شرح لكتاب المحصل الكلاميّ للفخر الرّازيّ.
شرح مشکلات الغُرَرر لأبي الحسين البصريّ، وقد أوضح فيه ما أشكل في الكتاب الكلاميّ المذكور.
ديوان شعره.
شرح نهج البلاغة.
شرح (الياقوت) لابن نوبخت في علم الكلام.
العبقريّ الحسان، وهو مجموعة من مختارات الكلام، والتّاريخ، والشّعر، ونظائرها.
الفلَك الدّائر على الملك السّائر، وهو نقد على كتاب (الفلك السّائر في أدب الكاتب والشّاعر) لابن الأثير الجزريّ.
القصائد السّبع العلَويّات أو السبع العلويّات، وهي قصائد في مدح النّبي صلّى الله عليه وآله، وعلي عليه السّلام، وفتح خيبر، وفتح مكّة، واستشهاد الإمام
الحسين عليه السّلام، نظمها سنة (611 ه).
المستنصريّات.
نظم فصيح ثعلب، وهو نظم لكتاب (الفصيح) لثعلب.
14.نقض المحصول في علم الأُصول، وهو نقد وردّ على كتاب (المحصول في علم الأُصول) للفخر الرّازيّ.
اسمه میثم بن علي بن میثم وهذه التسمية أجمعت عليها المصادر التي تحدثت عنه، ولم تتناول هذه المصادر بالتفصيل مراحل حياته مثل: ولادته وتدرجه العلمي وأفكاره الشخصية. وما حصلنا عليه في المصادر التي تيسرت لنا بأن الشيخ سليمان البحراني هو الشيخ الوحيد الذي ذکر سنة ولادته وهي سنة 636 هجرية، إلا أنّه لم يشر إلى مكان ولادته. أما السيد خاتمي بروجردي مصحح شرح نهج البلاغة فقد أشار الى أنَّ الشيخ ميثم قد ولد في البحرين ولم يحدد القرية أو المدينة التي ولد فيها (5)، وبدأت حياته العلمية في سنٍّ مبكرة، وتتلمذ على علماء البحرين. انكبّ في أوائل حياته على طلب العلم مبتعداً عن مشاكل الحياة ومتاعبها، وعاش منعزلاً وانشغل في التحقيق في حقائق الأصول والفروع، وبعد هذه المرحلة اتجه إلى العراق وذلك من أجل البحث عن حياة أفضل إلّا أنه لم يذكر تاریخ سفره، ومكان إقامته ومدتها في العراق بشكل دقيق وواضح، وبناءً على القرائن والمؤشرات التي ظهرت في تلك الفترة يمكن القول بأن هذه الرحلة وقعت في المدّة بين سنة 665 و 675 هجرية، وكان من أهداف سفر الشيخ میثم إلى العراق هو اللقاء بالعلماء الذين يرفضون
آراءه حول المال ومدى تأثيره على حياة الإنسان والتباحث معهم، وفعلاً التقى بهم وشرح لهم وجهة نظره حول ذلك، فضلًا عن أنَّ الشيخ ميثم اطلع في العراق على الكتب العلمية، وهذه التحولات أسهمت في تعميق أفكاره، وهذا ما جعله يغيّر نظرته للظواهر بحيث جعله مثلاً ينظر إلى العرفان بمنظار أوسع، وهذا التطور ظهر بوضوح في كتبه خاصة في شرحه لنهج البلاغة الذي يحتمل أنَّه كتبه في العراق، كذلك يبدو أنَّ وضعه المعيشي قد تحسّن بعد أن توطّدت علاقته بالجويني والي بغداد آنذاك؛ لأن الجويني کان یکن احتراماً كبيراً للعلماء ويرعاهم، والشيخ ميثم أشاد بوالي بغداد في مقدمته لكتاب شرح نهج البلاغة (6).
ويعدّ الشيخ ميثم من أشهر فقهاء المذهب الإمامي الاثني عشري، فهو يحمل أفكارًا وعقائد ورؤي هذا المذهب ولا غرابة في ذلك؛ لأن البحرين تعدّ منذ القدم أحدى مراکز علماء الإمامية، وفقه أهل البيت عليهم السلام، والذين تناولوا سيرته يشيرون إلى مكانته وموقعه في الفكر الإمامي، وما نعتوه من صفات يعكس مدى عظمة هذه المكانة التي لم يبلغها من العلماء إلا النزر اليسير. ومما جاء في وصفه (7):
(شیخ صدوق ثقة)، و (علامة وفیلسوف مشهور)، و (قدوة المتكلمين وزبدة الفقهاء والمحدثين)، و (عالم فاضل مدقق و متکلم لامع)، و (فقيه وأديب إمامي وعالم بالأدب والكلام)، و (أديب حکیم و متکلم من فقهاء الامامية) يدل على أن له مكانة ومنزلة عالية لدى الباحثين والمؤرخين.
وتضمنت هذه الأوصاف مضامين تعكس المكانة العلمية في شخصية الشيخ ومن أبرزها: الفقه، والفلسفة، وعلم الكلام والعرفان، والأدب، من هنا نستطيع القول بأن الشيخ كان ضمن تأطره بإطاره المذهبي الفقهي ملماً بالعلوم بالإسلامية المعروفة آنذاك والتي تحمل في طياتها شيئاً من التجدد والحداثة.
ترك الأساتذة الذين تتلمذ الشيخ على أيديهم أثراً كبيراً في توسيع أفكاره وتطلعاته، وأنه لم يكن يدخر جهداً في كسب العلم والمعرفة من خلال مطالعاته ومتابعاته، ومن أساتذته (8):
الخواجة نصير الدين الطوسي أبرز أساتذة الشيخ ميثم، وهو فیلسوف و منجم، وعالم في الرياضيات و متکلم وصاحب العديد من المصنفات، وكان يمثل الفكر الفلسفي للشيعة آنذاك، والأستاذ الثاني هو علي بن سليمان البحراني المعروف الشيخ الفيلسوف الحكيم، والشيخ ميثم شرح أحد كتب أستاذه هذا وهو كتاب (الإشارات).
والأستاذ الثالث هو نجم الدين أبو القاسم جعفر بن حسين الحلي المعروف بالمحقق الحلي، وقد عرف هذا الشيخ بالفقاهة وكتابه المشهور (شرائع الإسلام) الذي يعدّ في مقدمة المناهج التدريسية في الحوزات العلمية (المؤسسة العلمية الدينية) في مجال الفقه الاستدلالي.
وآخر أساتذته هو أبو السعادات أسعد بن عبد القاهر بن أسعد الصفرعاني، صاحب المؤلفات الكثيرة منها: توجيه السؤالات لحل الإشكالات، وجامع الدلائل، ومجمع الفضائل، ومجمع البحرين ومطلع السعادتين.
أما تلامذته فهم: جمال الدين أبو منصور حسن يوسف المطهر الحالي الملقب بالعلامة، سید غیاث الدين أبو المظفر أحمد بن طاووس وهو ينتسب لأسرة علمية ويحظى بمكانة خاصة في مدينة الحلة، ويطلق عليه اسم الفقيه النسابة والنحوي والعروضي، و کمال الدين أبو الحسن علي بن شیخ شرف الدين حسين بن حماد بن خير الليثي الواسطي وهو فقيه وعالم وشاعر ومحدّث، والشيخ مفيد الدين محمد بن جهم الأسدي الحلي، ويسمی شیخ فقهاء الحلة، وهو عالم صدوق وفقيه وشاعر أديب.
تحتل علوم الفلسفة وعلم الكلام والعرفان مكاناً متميزاً في منظومة الشيخ العلمية والفكرية حتى غدت أفكاره تحمل خليطاً من هذه العلوم يصعب تصنيفها بل حتى دراستها بشكل منفصل عن بعضها.
للشيخ ميثم مؤلفات عديدة في مواضيع مختلفة كالفقه، والفلسفة، والكلام، والتصوف، والأدب، وهي في ما يأتي:
شرح نهج البلاغة.
القواعد في علم الكلام.
رسالة في أدب البحث.
البحر الخضم.
النجاة في القيامة في تحقيق الإمامة.
أصول البلاغة.
رسالة في الوحي والإلهام.
شرح حديث المنزلة.
شرح المائة كلمة المرتضوية.
المعراج السماوي.
الاستقصاء والنظر في إمامة الأئمة الاثني عشر.
شرح إشارات علي بن سليمان البحراني.
وهو إيراني (آذري) ترجع أصوله إلى مدينة خوي التي يتكلّم أهلها اللغة الأذرية، واشتهر بكونه أحد شُرّاح کتاب نهج البلاغة (10)، وولد في مدينة خوي ثم هاجر إلى النجف؛ ليتتلمذ هناك عند حسين الترك، وعلي بن خليل الطهراني، وسافر في أواخر أيام حياته إلى طهران، وتُوفيّ بها سنة 1324 ه (11).
أما مؤلفاته فهي:
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ويقع هذا الكتاب في ثمانية مجلدات.
ترجمة نهج البلاغة. ترجمة فارسية لكتاب نهج البلاغة (12).
حاشية القوانين. حاشية على بعض أبواب کتاب القوانين.
منتخب الفن في حجة القطع والظن.
إحقاق الحق في تحقيق المشتق.
الجنة الواقية. هذا الكتاب مُخصّص في أدعية نهار شهر رمضان مع شرحها.
يتلخص منهج شُرَّاح نهج البلاغة في الشرح بنقطتين:
النقطة الأولى: شرح ابن أبي الحديد المعتزليّ يتلخص منهجه بذكر الأصل الّذي يقصد به نص كلام الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ يذكر الشرح الذي يتضمن به المعنى اللغويّ للكلمات التي تحتاج الى ايضاح معناها، والقضايا النحوية والصرفية، والوقائع التاريخية والأحداث التي تلازم مقام الشرح، كذلك یكثر من الشواهد الشعرية التي تناسب المقام. أما منهج شرح کمال الدين ميثم البَحرانيّ فهو أقل اختصارًا، وأقل اطنابًّا من شرح ابن أبي الحديد المعتزليّ، يذكر نص کلام الامام
ثُمَّ يعرج بالشرح اللغويّ والدلاليّ والنحويّ، أما منهج صاحب (منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة) للميرزا حبیب الله الهاشميّ الخوئيّ فيذكر النَّص (المتن)، ثُمَّ يبدأ بالشَّرح، ويقسمه على أقسام: اللغة، والاعراب، والمعنى، والترجمة يقصد بها ترجمة المعنى الى اللغة الفارسيّة.
النّقطة الأخرى: وضع مؤلّفو هذه الشروح الثلاثة مقدمات لشروحهم، فابن أبي الحديد المعتزليّ وضع مقدمةً تحدث فيها عن ثلاثة أقوال (13):
القول الأوَّل: في ما يذهب اليه المعتزلة في الامامة والتفضيل والبغاة والخوارج.
القول الثاني: في نسب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وذكر لمع يسيرة من فضائله.
القول الثالث: في نسب شريف الرضيّ (رحمه الله) وذكر طرف من خصائصه، ومناقبه. أما مقدمة الشيّخ ميثم البحرانيّ فقد وضع ثلاث قواعد قبل البدء بالشرح، وهي (14):
القاعدة الأولى: في مباحث الألفاظ، وهي مرتبة على قسمين: الأول: في دلالة الألفاظ وأقسامها، وأحكامها، والقسم الآخر: في كيفيات تلحق الألفاظ بالنسبة الى معانيها، فتوجب لها الحسن والمزية، وتعدها أتم الاعداد لأداء المعاني وتهيئ الذهن للقبول، وقدّم لهذا القسم بحثين: الأول في حدِّ البلاغة والفصاحة، والأخر في موضوع علم الفصاحة والبلاغة، ثُمّ قسم هذا القسم على جملتين تحدث فيهما عن المفردات ودلالاتها، وعن النظم وحقيقتِه وأقسامه (التقديم والتأخير، والفصل والوصل، والحذف والاضمار، وفي أحکام ان وانما وما في حكمهما).
القاعدة الثانية: في الخطابة، وجعل لها أبحاثًا تضمّ (حقيقة الخطابة وفائدتها، وموضع الخطابة وأجزاءها، ومبادئ الخطابة، وأقسام الخطابة، وأنواع مشتركة للأمور الخطابية، تحسينات الخطابة).
القاعدة الثالثة: في بيان أن عليًا (عليه السلام) كان مستجمعًا ففضائل الانسانية، وفصّل القول في ثلاثة فصول: في فضائله اللاحقة له من خارج، وفي بيان فضائله النفسانيّة، وفي صدور الكرامات عنه.
وتضمنت مقدمة حبيب الله الهاشمي الخوئيّ لشرح نهج البلاغة حديثه عن اللفظ والمعنى، وعلوم البلاغة والبديع والفصاحة، ثمَّ تحدثّ عن نسب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وبيان کناه الرفيعة، وألقابه الشامخة، وصفاته، كذلك عرض الى نسب الرضي (رحمه الله) (15).
قبل البدء في بيان أثر المرجعيات الفكرية للشرّاح، فلا بد من ایضاح مصطلح المرجعية الذي يتمثل في إطارين: الأول یعنی بالمراجع المعتمدة، ونوعها، وطرائق اختيارها، وكيفية الإحالة عليها أو عدم الإحالة عليها، أما الإطار الأخر فیکون بالخلفية الثقافية والعلمية التي تؤطّر وضع الأفكار والمصطلحات والأساليب (16)، وهذا الإطار هو الذي نقصد به هنا، أما في العُرف الاصطلاحي العام فتعني بأنها ((حقيقة غير لسانية تستدعيها العلامةُ)) (17)، أيضًا يقصد بها ((كلّ الطبقات المتعددة والمختلفة من البنى المعرفية المتجسدة في النّص، والسابقة في وجودها الجزئي عليه، وهي كذلك شبيهها أو مثليها عند القارئ)) (18)، ففي الاصطلاح الإجرائي نقصد بها أنّها هي المورد الذّي يستمد منه شارحُ نهج البلاغة أفكارَه، وآراءه، وأسلوبه، وفلسفته في كتابة شرحه.
ويمكننا اجمال أثر المرجعيات الفكرية للشرّاح في شرحِهم العهد العلويّ بما يأتي:
1- قسّم کمال الدين میثم بن علي بن میثم البحرانيّ العهد العلويّ على أربعة فصولٍ؛ من أجل بيان المحاور التي أراد الامام العمل بها في قيادة الدولة، وهذه الفصول هي: الفصل الأول: تضمن غرض الولاية وبيان مفهومه، أيضًا تضمن خمسة أوامر لمالك يلزم عليه في اصلاح نفسه من التأديب والحزم؛ ليقدر على اجراء أمر ولاية مصر، والفصل الثاني: في أوامره ووصاياه بالأعمال الصالحة المتعلقة بأحوال الولاية وتدبير الملك والمدينة، والفصل الثالث: ارشاده فيه الى ما يستصلح به النّاس وأمورهم، والتنبيه على طبقات النَّاس الذين ينتظم بهم أمر المدينة، ووضع كلّ على حدّة وطبقته التي يقتضي الحكمة النبويّة وضعه فيها، والاشارة الى تعلّق كلّ طبقة بالأخرى حيث لا صلاح لبعضهم الا بالبعض، وبذلك يكون قوام المدينة، ثُم بالإشارة إلى من يستصلح من كلِّ صنفٍ، وطبقةٍ يكون أهلًا لتلك المرتبة، والوصية في كلِّ ما يليق به، أما الفصل الرابع فيتعلق بالأوامر والنواهي المصلحية، والآداب الخلقيّة والسياسية، بعضها عامّة، وبعضها خاصّة يتعلق بعماله وبخاصته، وببطانته، وبنفسه وأحوال عبادته الى غير ذلك.
أما الميرزا حبیب الله الهاشمي الخوئيّ فقد توسع شرحه للعهد العلوي، فجعل العهد على أربعة عشر فصلًا، وهي:
الفصل الأوَّل: محوره عقد لمالك ولاية عامّة على كلِّ أمور مصر وجمعها في أربع: الأمور المالية والاقتصادية، والأمور العسكرية، والأمور الاجتماعيّة والنظم الحقوقية الراجعة الى كلِّ فردٍ.
الفصل الثاني: بیان روابط مالك مع رعيته، والمسوسين له العامّة والخاصّة.
الفصل الثالث: تضمن بیان طبقات النّاس والرعيّة، وأثبت الامام أن الرعيّة سبع
طبقات، وليس المقصود من ذلك اثبات نظام الطبقات وتأييده فان نظام الطبقات مخالف للعدل والديمقراطية الحاكمة بتساوي الرَّعية في الحقوق.
الفصل الرابع: محوره بیان ما يلزم أن يتّصف به الجندي من الأوصاف حتّى يستحق لمقام الولاية على السائرين، وهذا هو من أهم أمور النظام العسكري.
الفصل الخامس: يتعلق بالجند وأمرائه للعدالة؛ وذلك لارتباط اجراء العدل في البلاد بالجند؛ لكونه هو المالك والقائم بالسيف في الرعية بحيث يكون القوّة والقدرة على اجراء الأُمور بیدِه.
الفصل السادس: تعرَّض إلى القوّةِ القضائية، وما يلزم في القاضي من الأوصاف والألقاب؛ ليكون أهلًا لتصدّي منصب القضاء والحكم بين النَّاس.
الفصل السابع: تضمن بيان النّظام السياسيّ للبلاد، وكان النظام السياسي في صدر حكومة الاسلام بسيطاً جداً، فهو العِلة الرئيسة لتقدّم الاسلام، ونفوذه في الأمم والشعوب، فكان ينبعث قبل الخليفة لكلِّ ناحية عامل، والشغل الرئيس لهذا العامل مهما كان مدار عمله وسعيًا أمران: الأول: اقامة الصلاة للناس بإمامته، فكان حضور الجماعة والصلاة خلف العامل واجبًا على كلِّ المكلّفين، والأخر: جمع الخراج من الدهاقين والزارعين، ويدخل في ضمنه الجزية المفروضة على أهل الكتاب الداخلين في ذمة الاسلام من اليهود والنصارى، والمجوس.
الفصل الثامن: محوره نظام الديوان والكتّاب، وهو من الأنظمة الرئيسة في الدّول الراقية والمتمدّنة، وتضمن هذا الفصل تنظیم نظام الديوان، وألقاب الكتّاب اللائقين الأنجاب، وبيان ما يلزم من آداب الكتّاب.
الفصل التاسع: يتضمن ما يصلح به أمر الأمّة، وركنه التجارة والصناعة، والتجارة شغلٌ شریفٌ حثَّ عليها في الشرع الإسلامي؛ لكونها وسيلة لتبادل الحاصلات الأوليّة، والتوليدات الصناعيّة، وهذا التّبادل ركن الحياة الاجتماعيّة، ونظام الحيوية المدنيّة.
الفصل العاشر: أوضح فيه الامام الطبقة السّفلى، نظرًا الى ظاهر حالهم عند النَّاس حيث عاجزون عن الحيلة والاكتساب، وهم مساكين، ومحتاجون، والمبتلون بالبؤس، والزِمانة؛ لكن سوّاهم مع جميع النَّاس في الحقوق، وأظهر بهم أشد العناية، وقسّمهم على ثلاثة: القانع، وقد فسّر يمن يسأل لرفع حاجته، ويعرض حاجته على مظانّ قضائه، والمعترّ: وهو السيئ الحال الذي لا يسأل الحاجة بلسانه؛ لكن يعرض نفسه في مظان التّرحم والتوجّه اليه، فكان يسأل بلسان الحال، من اعتزل في زاوية بيته لا يسأل بلسانّه، ولا يعرض نفسه على مظانّ قضاء حوائجه، اما لرسوخ العفاف وعزّة النّفس فيه، واما لعدم قدرته.
الفصل الحادي عشر: يتضمن بیان ما يربط الوالي نفسه، وبيّنه الامام في ثلاثة أمورٍ:
الأوّل: ما يلزم على الوالي بشأن العموم من يرجع اليه من حاجة ويشكو اليه في مظلمة، ووصّاه بأن يعيّن وقتًا من أوقاته لإجابة المراجعين اليه.
الثاني: ما يلزم عليه في ما بينه وبين أعوانه وعمّاله المخصوصین به من الكتّب والخدمة. الثالث: ما يلزم عليه في ما بينه وبين الله فوصّاه بأن الولاية بما فيها من المشاغل والمشاكل، لا تحول بينه وبين ربّه، وأداء ما يوجب عليه من العبادة، والتوجّه الى الله. الفصل الثاني عشرة: محوره هو النهي عن غيبة الوالي من بين النَّاس وعدم الاختلاط معهم؛ اذ لا يعرف أحوالهم، فينتهز خواصّه هذه الفرصة فيموهوّن عليه الحقائق مثلما یریدون، ويعرضون عليه الأمور بخلاف ما هي عليه، فيستصغر عنده الكبير
بالعکس، ويقبح بإضلالهم عند الحسن و بالعكس، ولا يميّز عنده الحقّ من الباطلِ. الفصل الثالث عشر: يتضمن نواحي العدالة يجب أن تكون متساوية، وعليه يلزم الولاة، والحكّام، والسلاطين، والزعماء، العدالة في خصوص الأولياء، والأحبّاء، والأقرباء، والأرحام، من حيث منعهم عن الظّلم بالرعيّة اعتمادًا على تقرّبهم بالحاكم، ومن بيده الأمر والنهي.
الفصل الرابع عشر: هذا الفصل يتعلق في الرّوابط الحكوميّة الاسلاميّة الخارجيّة، وحثَّ على رعاية الصّلح، وقبول الدّعوة اليه، وهذا الدّستور ناشئ من جوهر الاسلام الذي كان شريعة الصّلح والسّلام، والأمن، فانّه نهض بشعارين ذهبيين وهو الاسلام والايمان، والاسلام مأخوذ من السّلم، والايمان مأخوذ من الأمن، وهذان الشعاران اللّذان نهض الاسلام بهما.
2- الاختلاف في تأويل کلام الامام، ومن أمثلة ذلك: قوله: ((... وأن ينصرَ الله سبحانَه بيدِه، وقلبِه، ولسانِه، فانَّه جلّ اسمه قد تكفَّل بِنصرٍ من نَصرَه، واعزاز مَن أعزَّ)) (19)؛ اذ شرح ابن أبي الحديد عبارة (نصرة الله بیده: بالسيف، وبالقلب الاعتقاد للحقِّ...) (20)، بينما توسع في معنى تأويل هذه العبارة الميرزا حبیب الله الخوئي؛ إذ قال: ((لا ينحصر نصرة الله باليد على الجهاد بالسيف، فإنّها تحقق كلِّ أعمال الجوارح المرضية لله تعالى، ومنها الجهاد بالسيف، اذا حان الوقت، وحظر شرطه)) (21).
كذلك اختلافهم في تأويل في دلالة العُمّال، في قول الامام: ((ثُمَّ انظر في أُمورِ عُمَّالِك، فاستعملهم اختبارًا، ولا تُولّيهم مُحابَاةً وأثرَةً، فانهما جِمَاعٌ من شُعَب الجورِ والخيانةِ)) (22)، فقد قال ابن أبي الحديد في دلالة العمّال: ((... وهم العُمَّال السّواد والصّدقات، والوقوف، والمصالح وغيرها...)) (23)، بينما توسّع في دلالة تأويل العُمّال، وردّ کلام ابن أبي الحديد؛ اذ قال: ((لا وجه لاختصاص بصنف من العُمّال،
بل المقصود منه مطلق العُمّال، ومن يلي أمر ناحية البلاد، والاثرة هو اظهار المحبّة لأحد، أو التعطّف له لتودُّده، أو حاجته، وغير ذلك من دواعي الخصوصيّة...)) (24).
واختلفوا في توجيه عبارة الامام: ((... وَوفِّ ما تقرَّبتَ به الى الله سُبحانك من ذلك كاملاً غيرَ مثلُومٍ، ولا منقوصٍ..)) (25)، اذ قال ابن أبي حديد في توجيه هذه العبارة: ((کاملاً غیر مَثلومٍ)، أي لا يحملنّك شُغُل السلطان على أن تختصرَ الصلاة اختصارًا، بل صلّها بفرائضها، وسُنتها، وشعائرها في نهارك وليلك....)) (26)، بينما الميرزا حبیب الله الهاشميّ الخوئيّ أخذ ظاهر التأويل؛ اذ قال: (الظاهر أن المقصود من قولِه (غير مَثلومٍ) هو النهي عن الاخلال بواجب في العبادة من شرط أو جزء، بحيث يوجب بطلان، والمقصود من قوله (غير منقوص) النهي عن النقصان غير المبطل کالاختصار، والتعجيل في الأداء أو التأخير من وقت الفضيلة)) (27).
كذلك اختلف شرّاح نهج البلاغة في تأويل دلالة الاحتجاب، في قول الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام): ((وأمّا بعد هذا، فلا تُطوّ احتجابَك عن رعيّتك...)) (28)، فقد أوضح ابن أبي الحديد دلالة الاحتجاب؛ اذ قال: ((نهاه عن الاحتجاب؛ فانّه مَظِنّة انطواء الأُمور عنه، واذا رُفِع الحجاب دخل عليه أحد فعرَف الأخبار، ولم يخفَ عليه شيء من أحوال عَمله)) (29)، بينما خالف حبیب الله الخوئي ما أوضحه ابن أبي الحديد من دلالة (الاحتجاب)، فقد ذكر أنَّ المقصود بالاحتجاب هو النهي عن غيبة الوالي من بين النَّاس وعدم الاختلاط معهم؛ اذ لا يعرف أحوالهم، فينتهز خواصّه هذه الفرصة فيموّهون عليه الحقائق مثلما يريدون، ويعرضون عليه الأمور بخلاف ما هي عليه، فيستصغر عنده الكبير وبالعكس، ويقبح بإضلالهم عند الحسن وبالعكس، ولا يميّز عنده الحقّ من الباطلِ (30).
3- الاكثار من التقسيمات، وهذا الاكثار يعدّ ضربًا من ضروب ایضاح کلام الامام علي (عليه السلام)، ومن ذلك: تفصيلهم في طبقات أهل المدينة، وبيان تفضيل الجنود على الطبقات الأخرى (31)، كذلك تفصيلهم في ذكر أوصاف تعيين الجنود (32)، والقضاة (33)، وتفصيلهم أوصاف الكتّاب (34)، وتفصيلهم في أوصاف الخاصّة بالوالي (35).
كثُر الاستشهاد بالحوادث التاريخية (36)، والرسائل (37)، والأحاديث (38) ، والعهود، فضلًا عن كثرة الشواهد الشعرية والقرآنية، ومن أمثلة ذلك: تاريخ مصر (39)، ورسالة الاسكندر الى أرسطو وردّ أرسطو عليه (40).
عرض المسائل الفقهية في أثناء شرحهم العهد العلويّ، ومن ذلك: مسألة شرائط القاضي عند الفقهاء (41)، ومسألة الاحتكار الأجناس (42).
ففي نهاية بحثنا يمكننا الوقوف على أبرز ما هدف اليه؛ وذلك في ما يأتي:
أ- وقف هذا البحث على أهم المرجعيات الفكرية عند شراح نهج البلاغة في شرحهم العهد العلويّ.
ب- أوضح البحث اختلاف تعدد وجهات نظرهم في تأويل عبارة نص العهد.
ت- استقى الشرّاح من روافد متعددة، منها: القرآن الكريم، والسنّة النبويّة، والفقه، والرافد التاريخي، والرافد اللغويّ والنحويّ، فضلا عن مصطلحات مدارسهم الفكرية، كل هذه الروافد وغيرها مكنتهم من شرح العهد العلويّ.
ث- يمكن دراسة العهد العلوي على وفق الفصول التي تناولها الشرّاح، لبيان مضامینه.
أن تتبنى أقسام اللغة الانكليزية واللغة العربية، واللغات الأخرى بترجمة العهد العلويّ؛ لكونه يمثل دستور هذه الأمّة، وسرَّ نجاحها ان التزمت به، وبأوامره ونواهي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
أن تتبنى وزارة التربية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتدریس مضامين العهد العلويّ، بدلا من دراسة الحضارات القديمة كاليونانية والرومانيّة، والعهود الاوربيّة التي استقت مادتها من العهد العلويّ.
دراسة مضامين عهد الامام علي بن أبي طالب من خلال شروح نهج البلاغة.
يُنظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلکان (ت 681 ه)، تح: احسان عباس: 391/5 -392، وسير أعلام النبلاء، لشمس الدين الذهبي (ت 748 ه)، تح: د. بشار عواد، ود. محيي هلال سرحان: 23/ 372، والبداية والنهاية لابن کثیر عماد الدين الدمشقي (ت 774 ه)، تح: علي شيري: 13/ 223.
يُنظر: ذیل تاريخ مدينة السلام، لأبي عبد الله محمد بن سعيد الدبيثيّ (ت 637 ه)، تح: د. بشار عواد معروف: 5/ 95، ومصادر السيرة النبويّة والتأريخ الاسلاميّ السيد سامي البدريّ: 133.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ، تح: محمد أبو الفضل ابراهیم: 3.
يُنظر: المصدر نفسه (مقدمة المحقق): 1/ 18 - 19.
يُنظر: ما كتبه الشيخ محمد رضا خاتمي (بروجردي) في مقدمة شرح نهج البلاغة لكمال میثم علي بن میثم البحراني: 14 - 15، وكتاب لؤلؤة البحرين في الاجازات وتراجم رجال الحدیث، للشيخ يوسف ابن أحمد البحرانيّ (ت 1186 ه)، حققه: العلامة الكبير السيّد محمّد صادق بحر العلوم: 245 - 246.
يُنظر: شرح نهج البلاغة، لكمال میثم بن علي بن میثم البحرانيّ: 21.
ينظر: لؤلؤة البحرين في الاجازات وتراجم رجال الحديث: 244.
ينظر: مقدمة محقق شرح نهج البلاغة، لكمال میثم بن علي بن میثم البحرانيّ: 13، لؤلؤة البحرين في الاجازات وتراجم رجال الحدیث: 243.
ينظر: شرح نهج البلاغة، لكمال میثم بن علي بن میثم البحرانيّ: 11 وما بعدها، لؤلؤة البحرين في الاجازات وتراجم رجال الحديث: 248 - 249.
ينظر: أعيان الشيعة، للسيد محسن الأمين: 561.
ينظر: مرآة الكتب، لثقة الاسلام التبريزي علي بن موسی، تح: محمد علي الحائري: 481.
ينظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للسیّد آغا بزرك الطهراني: 4/ 145.
ينظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم: 1/ 7 - 41.
ينظر: مقدمة شرح نهج البلاغة، کمال الدین میثم البحراني، تقديم: د. عبد القادر حسين: 19 - 223.
ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للميرزا حبیب الله الهاشمي الخوئيّ: 18 - 202.
ينظر: المرجعيّة اللّغوية في النّظرية التداوليّة، د. عبد الحليم موسی، منشور في مجلة دراسات أدبيّة/ الجزائر، العدد 1، 2008 م: 14.
ينظر: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، د. سعید علوش: 97.
ينظر: مسارات النّصوص... مسارات القراءة داخل في قراءة النص الشعريّ، زیاد الزغبي، بحث منشور في مجلة الموقف الأدبي، العدد 412: 45.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم: 17/ 22.
المصدر نفسه والصفحة نفسها.
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي: 20/ 152.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ: 17/ 47.
المصدر نفسه والصفحة نفسها.
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي: 20/ 216.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزلي: 17/ 60.
المصدر نفسه: 17/ 61.
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي: 20/ 246.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ: 17/ 61.
المصدر نفسه والمصدر نفسه.
ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي: 20/ 251.
ينظر: شرح نهج البلاغة، لميثم البحراني: 5/ 148 - 149.
ينظر: المصدر نفسه: 5/ 150.
ينظر: المصدر نفسه: 5/ 152.
ينظر: المصدر نفسه: 5/ 157.
ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي: 20/ 165.
ينظر: المصدر نفسه: 20/ 217.
يُنظر: المصدر نفسه: 20/ 224 - 225.
يُنظر: المصدر نفسه: 20/ 231 39. ينظر: المصدر نفسه: 20/ 153 - 159.
ينظر: المصدر نفسه: 20/ 185 - 187.
ينظر: المصدر نفسه: 20/ 208 وما بعدها.
ينظر: المصدر نفسه: 20/ 235 وما بعدها.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلکان (ت 681 ه)، تح: احسان عباس: 391/5 -392، وسير أعلام النبلاء، لشمس الدين الذهبي (ت 748 ه)، تح: د. بشار عواد، ود. محيي هلال سرحان: 23/ 372، والبداية والنهاية لابن كثير عماد الدين الدمشقيّ (ت 774 ه)، تح: علي شيري: 13/ 223.
يُنظر: ذیل تاريخ مدينة السلام، لأبي عبد الله محمد بن سعيد الدبيثيّ (ت 637 ه)، تح: د. بشار عواد معروف: 5/ 95، ومصادر السيرة النبويّة والتأريخ الاسلاميّ السيد سامي البدريّ: 133.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم: 3.
يُنظر: المصدر نفسه (مقدمة المحقق): 1/ 18 - 19.
يُنظر: ما كتبه الشيخ محمد رضا خاتمی (بروجردي) في مقدمة شرح نهج البلاغة لكمال میثم علي بن میثم البحراني: 14 - 15، وكتاب لؤلؤة البحرين في الاجازات وتراجم رجال الحدیث، للشيخ يوسف ابن أحمد البحراني (ت 1186 ه)، حققه: العلامة الكبير السيّد محمّد صادق بحر العلوم: 245- 246.
يُنظر: شرح نهج البلاغة، لكمال میثم بن علي بن میثم البحرانيّ: 21.
ينظر: لؤلؤة البحرين في الاجازات وتراجم رجال الحديث: 244.
ينظر: مقدمة محقق شرح نهج البلاغة، لكمال میثم بن علي بن میثم البحرانيّ: 13، لؤلؤة البحرين في الاجازات وتراجم رجال الحدیث: 243.
ينظر: شرح نهج البلاغة، لكمال میثم بن علي بن میثم البحرانيّ: 11 وما بعدها، لؤلؤة البحرين في الاجازات وتراجم رجال الحدیث: 248 - 249.
ينظر: أعيان الشيعة، للسيد محسن الأمين: 561.
ينظر: مرآة الكتب، لثقة الاسلام التبريزي علي بن موسی، تح: محمد علي الحائری: 481.
ينظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للسيّد آغا بزرك الطهراني: 4/ 145.
ينظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ، تح: محمد أبو الفضل ابراهیم: 1/ 7 - 41.
ينظر: مقدمة شرح نهج البلاغة، کمال الدين ميثم البحراني، تقديم: د. عبد القادر حسين: 19 - 223.
ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للميرزا حبیب الله الهاشمي الخوئيّ: 18 - 202.
ينظر: المرجعيّة اللّغوية في النّظرية التداوليّة، د. عبد الحليم موسی، منشور في مجلة دراسات أدبيّة / الجزائر، العدد 1، 2008 م: 14.
ينظر: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، د. سعید علوش: 97.
ينظر: مسارات النّصوص... مسارات القراءة داخل في قراءة النص الشعريّ، زیاد الزغبي، بحث منشور في مجلة الموقف الأدبي، العدد 412: 45.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ، تح: محمد أبو الفضل ابراهیم: 17/ 22.
المصدر نفسه والصفحة نفسها.
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي: 20/ 152.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ: 17/ 47.
المصدر نفسه والصفحة نفسها.
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي: 20/ 216.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ: 17/ 60.
المصدر نفسه: 17/ 61.
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي: 20/ 246.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزليّ: 17/ 61.
المصدر نفسه والمصدر نفسه.
ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي: 20/ 251.
ينظر: شرح نهج البلاغة، لميثم البحراني: 5/ 148 - 149.
ينظر: المصدر نفسه: 5/ 150.
ينظر: المصدر نفسه: 5/ 152.
ينظر: المصدر نفسه: 5/ 157.
ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي: 20/ 165.
ينظر: المصدر نفسه: 20/ 217.
يُنظر: المصدر نفسه: 20/ 224 - 225.
يُنظر: المصدر نفسه: 20/ 231.
ينظر: المصدر نفسه: 20/ 153 - 159.
ينظر: المصدر نفسه: 20/ 185 - 187.
ينظر: المصدر نفسه: 20/ 208 وما بعدها.
ينظر: المصدر نفسه: 20/ 235 وما بعدها.
م. د. مجيب سعد أبوكطيفة
يشهد البحث اللغوي المعاصر تطورًا مذهلًا وكبيرًا، إذ تعددت النظريات، والاتجاهات، والمناهج التي تعنى باللغة، وأنظمتها، وخصائصها، ويهدف ذلك إلى تقديم أوضح تفسير ممكن لمختلف الظواهر اللغوية من أجل خدمة الإنسان.
ومن العلوم التي اهتمت بدراسة اللغة "اللسانيات النصية"، وهو العلم الذي يدرس النص بعدِّه البنية الكبرى في اللغة ومن ثمَّ تجاوز حدود الجملة.
وقد اعتمد النصيون على مجموعة من المعايير في تحليل النص، تُمثِلُ هذه المعاييرُ طرائقَ يُنظر بها إلى النَّصِّ على أنَّه وحدةٌ مستقلةٌ في ذاتها وتُحدِدُ ابتداءً ماذا يُشكِلُ نَصَّاً ما.
وقد نتجت هذه المعايير عن سؤال، ما الذي يجعل تتابعاً جُملیَّاً نصَّاً؟ وما الشروط التي.
يجب أن تُقدَّم في تكوين النَّصِّ؟ وبالإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن يتحدث عن النص، ويمكن أن يُفصَل ذلك النَّصُّ عن تتابعات جُمليَّة عارضة يجب أن توصف بأنَّها لیست نُصوصاً.
فتصنيفَ هذه المعاييرِ "جاء على وفقِ معاييرَ تخصُّ النّصَّ، ومعاييرَ تخصُّ المشاركين، وأخرى تخصُّ المحيطَ الثّقافي".
إنَّ هذه المعاييرِ بعضها لغويّ، كما في الاتّساق، والانسجام، وبعضها غيرُ لغويّ، كما في القصديّة، والمقبوليّة، وبعضها مشتركٌ بين اللّغويّ، وغيرِ اللّغويّ، كما في الموقفيّةِ والإعلاميّة والتّناصّ.
ونحن في بحثنا هذا سنقتصر على معيار واحد وهو معيار الاتساق محاولين أن نتخذ من الاستبدال الذي يمثل أحد وسائله منطلقاً لتحلیل عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر (رضي الله عنه).
الحمد لله الذي لا يخلف وعده رسله ومضت إرادته أن يمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، ثم الصلاة والسلام على الرسول الشاهد على خلقه المبشِّر بأن المهدي من ذريته، وعلى خلفائه من أهل بيته الموعدين باستخلافهم في الأرض وتمكين الدين ليظهروه رغم كره الكارهين الجاحدين لهم.
و بعد يشهد البحث اللغوي المعاصر تطورًا مذهلًا وكبيرًا، إذ تعددت النظريات، والاتجاهات، والمناهج التي تعنى باللغة، وأنظمتها، وخصائصها، ويهدف ذلك إلى تقديم أوضح تفسير ممكن لمختلف الظواهر اللغوية من أجل خدمة الإنسان.
ومن العلوم التي اهتمت بدراسة اللغة "اللسانيات النصية"، وهو العلم الذي يدرس النص بعدِّه البنية الكبرى في اللغة ومن ثمَّ تجاوز حدود الجملة.
يدين هذا العلم بوجوده إلى التطور الحاصل في مجالين مختلفين، ولكنهما متقاربان كثيرًا:
المجال الأول: يتمثل بظهور ما أطلق عليه تون. أ. فان دايك: "علم متداخل الاختصاصات" يهدف أساساً إلى تحليل عام للنصوص (1). ف "اللسانيات النصية" تكون بذلك جزءًا من نزعة طغت على التوجه العام للأبحاث الحاصلة في العلوم المجاورة للدراسات اللغوية، والأدبية، لعلَّ أهمها "علم النفس والاجتماع مثلما يكون الشأن في علم الاتصال الجماهيري" (2).
ويذهب اللساني الأمريكي روبرت دي بوجراند إلى تعميمها على العلوم التي لها صلة باللسانيات "كعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة وعلوم الحاسب الآلي والسيمو طيقا والتربية والدراسات الأدبية" (3).
ويعدٌّ منهج تحليل المحتوى أو تحليل المضمون في علم الاجتماع، ومنهج تحليل المحادثة أو الحوار في علم النفس، وعلم الطب النفسي، والعلاج النفسي الأكثر تبلورًا بين مناهج التحليلات النصية التي عرفتها العلوم الإنسانية، والاجتماعية، وإنها شديدة الارتباط بمنهج التحليل النصي للأدب (4). وهذا ما ذهب إليه فان دايك الذي يرى أنَّ التحليل اللغوي للنص الأدبي ما هو في الحقيقة إلا تيار مواكب لما تعرفه العلوم المجاورة من تطور (5).
المجال الثاني: يتمثَّل بالتطور الذي شهدته الدراسات اللسانية الحديثة والمعاصرة، ولاسيما في نقل الاهتمام من الجملة إلى النص (6). إذ المنطلقات النظريَّة في النظريات النحوية المختلفة تَعُدُّ الجملة دائرة البحث، وهي أقصى درجات التركيب؛ ممَّا جعل هذه النظريات تُغيِّبُ المبحث المتمثل في تحليل النَّصِّ، وتغفل الطرائق الإجرائية في بيان الحدود الفاصلة بين الجمل المكونة للنَّصِّ (7)، وتتمسك بمبدأين هما (8):
الإصرار على استقلال النحو عن رعاية المواقف العملية.
إخضاع كُلِّ الجمل المركبة لمجموعة ثابتة من التراكيب البسيطة، قد كوَّنا عقبة كأداء أمام نظريات الصياغة اللغويَّة.
ويمكن النظر إلى التَّطوّر الحاصل في الدرس اللسانيّ على أنه أمرٌ ناتجٌ عن الإحساس بالوظيفة الاجتماعيَّة للغة، وإلى ضرورة وجود الأثر التواصلي الذي يعدُّه الألسنيون جوهر العمليات الاجتماعية (9) إذ إنَّ "كثيرًا من الظواهر التي تعالج في إطار النص كوحدة كبرى هي في حقيقة الأمر قد كانت محور كثير من البحوث النحوية التي كانت تعدُّ الجملة أكبر وحدة في التحليل، غير أن النص يراعي في وصفه وتحليلاته عناصر أخرى لم توضع في الاعتبار، ويلجأ في تفسيراته إلى قواعد
دلالية ومنطقية إلى جوار القواعد التركيبية، ويحاول أن يقدم صياغات كلية دقيقة للبنية النصية وقواعد ترابطها" (10).
تُمثِلُ معاييرُ النَّصِّ طرائقَ يُنظر بها إلى النَّصِّ على أنَّه وحدةٌ مستقلةٌ في ذاتها، وتُحدِدُ ابتداءً ماذا يُشكِلُ نَصَّاً ما.
وقد نتجت هذه المعايير عن سؤال، ما الذي يجعل تتابعاً جُملیَّاً نصَّاً؟ وما الشروط التي يجب أن تُقدَّم في تكوين النَّصِّ؟ وبالإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن يتحدث عن النص، ويمكن أن يُفصَل ذلك النَّصُّ عن تتابعات جُمليَّة عارضة يجب أن توصف بأنَّها ليست نُصوصاً (11).
تباين اللسانيون "بعضهم عن بعضهم الآخر في التصورات والإجراءات التي يعتمدونها في التمييز بين النَّصِّ واللانَّصّ، أو السِّمات الكافية لإطلاق اسم النَّصِّ على مقاربة ما" (12).
لمَّا رأى بو جراند ودریسلر عدم شمولية الدراسات اللسانية السابقة في كشف نماذج مقبولة للنشاط الإنساني اقترحا معايير النَّصيَّة "Textulity" أساساً مشروعاً لإيجاد النُّصوص واستعمالها، وصنَّفا المعايير التي يُحَلَّلُ النَّص على أسَاسِها بالنحو الآتی:
أ- ما يتّصلُ بالنّصِّ في ذاتِه، وهما معيارا الاتّساقِ والانسجام.
ب- ما يتّصلُ بمستعملي الّنصِّ - سواء أمنتِجاً كان المستعملُ أم مُتلقِّياً - وهما معیارا القصديّةُ والمقبوليّة.
ت- ما يتّصلُ بالسّياقِ الخارجيّ: وهو بقيّة المعايير: "الإعلاميّة والموقفيّة والتّناصّ" (13).
فتصنيفَ هذه المعاييرِ "جاء على وفقِ معاييرَ تخصُّ النّصَّ، ومعاييرَ تخصُّ المشاركين، وأخرى تخصُّ المحيطَ الثّقافي" (14).
إنَّ هذه المعاييرِ بعضها لغويّ، كما في الاتّساق، والانسجام، وبعضها غيرُ لغويّ، كما في القصديّة، والمقبوليّة، وبعضها مشتركٌ بين اللّغويّ، وغيرِ اللّغويّ، كما في الموقفيّةِ والإعلاميّة والتّناصّ.
ونحن في بحثنا هذا سنقتصر على معيار واحد وهو معيار الاتساق محاولين أن نتخذ من الاستبدال الذي يمثل أحد وسائل الاتساق وسيلة لتحلیل عهد الإمام على (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه).
يحكمُ ترابط الجملِ معَ بعضها أدوات شكلية أو دلالية، وإنَّ خلو النص من هذه الأدوات يُصيُّره جملاً متراصة لا يربط بينها رابط "ويصبح النص - إذا عددناه نصاً - جسداً بلا روح" (15). من هنا ظهرت الحاجة إلى عنصر جوهري يدخل في تشكيل النَّصِّ وتفسيره، فيعمل على جعل الكلام مفيداً، ويعمل على استقرار النَّصِّ وثباته، بعدم تشتت الدَّلالة الواردة في النَّصِّ، و تنظیم بنية المعلومات داخل النَّصِّ مما يساعد القارئ على فهمه بمتابعةِ خيوط التَّرابط المتحركة عبر النَّصِّ التي تمكنه من ملء الفجوات أو معلومات ما بين السُّطور التي لا تظهر فيه ولكنَّها ضرورية (16). وقد أطلق الغربيون على هذا المعيار مصطلح "cohesion" الذي يُعدُّ المعيار الأوَّل من المعايير النَّصيَّة التي وضعها بو جراند و دريسلر، وعَدَّاه "سمة تعكس تبعية الأبنية السطحية في النص بعضها إلى بعض وتعتمد على الأبنية القواعدية " (17). ولقي
هذا المصطلح عناية اللسانيين الكبيرة، بتوضيح مفهومه، وأدواته، وإبراز عوامله وشروطه، ولم يتفق الباحثون العرب حول المصطلح العربي المقابل له، فاستعملوا مصطلحات متعددة بتعدد الدراسات النصية العربية (18).
آثر البحث استعمالَ مصطلح الاتّساقِ من دونِ غيرِه من المصطلحات، نحو السّبك، والتّضامِّ، والتّناسق، والتّرابط الرّصفيّ، على الرّغمِ من أنّ هذه المفرداتِ جميعَها تحملُ معنى التّرابطِ الشّكليّ (19)؛ لأنّ السّبكَ مصطلحٌ تراثيٌّ، حتى لا تختلطَ المفهوماتُ القديمةُ بالحديثة، وأمّا مصطلحا التّضامِّ والتّناسقِ فلیسا متداولين في أوساطِ اللّسانييّن النّصّيّين، والتّرابطُ الرّصفيّ مصطلحٌ مركّبٌ يستحسنُ الابتعادُ عنه" (20)، فيكونُ الاتّساقُ هو المصطلحَ الأنسبَ، اعتماداً على ترجمةِ محمّد خطابي؛ إذ تبدو هذه التّرجمةُ أقربَ إلى المفهومِ المراد، وأكثرَ شيوعاً في الدّرسِ اللّسانيّ الحديث (21).
لم يخلُ مفهومُ الاتّساقِ من الاضطرابِ في تعريفه؛ فهناك اتجاهانِ مختلفانِ في تحديدّه:
الاتّجاه الأوّل: يرى أنّ الاتّساقَ هو ذلك التّماسكُ الشّديدُ بينَ الأجزاءِ المؤلِّفة لنصٍّ لغويٍّ ما، ويهتمُ بالوسائلِ اللّغويّةِ الشّكليّة المُوصِلةِ بين العناصرِ المكوِّنةِ لجزءٍ من النص أو النص برمّتِه (22).
فالاتّساقُ يتعلّقُ بأجزاءِ النّصِّ اللّغويّ الظّاهرةِ على سطحهِ، نحو أدواتِ العطفِ، والتكرارِ، والإحالةِ، وغيرِها من الوسائل الّتي تحقّقُ التّرابطَ بين أجزائه.
الاتّجاه الثاني: يرى أنَّ مفهومَ الاتّساقِ مفهومٌ دلاليٌّ، فهو يحيلُ إلى العَلاقاتِ المعنويّةِ الموجودةِ داخلَ النِصِّ الّتي تحدّدُه نصّلً (23). فالاتساق على هذا "خاصيَّة
دلالیَّة للخطاب؛ تعتمد على فهم كلِّ جملة مكونة للنَّصِّ في علاقتها بما يفهم من الجمل الأخرى" (24).
يبدو أنّ ما دفع الباحثين إلى الاتجاه الثّاني هو أنّ أدواتِ الرّبطِ تؤدّي مهمة وظيفيّةً؛ لا لأنَّها وحداتٌ نحويةٌ تربطُ بينَ الجملِ بعضِها ببعضٍ؛ بل لكونِها وحداتٍ وظيفيةً تؤدّي أثراً في جعلِ النّصِّ وحدةً دلاليّة (25)، "فنظروا إليها على أنّها تتعلّقُ بالدّلالةِ، فمتى ما تغيرّت أداة ربطٍ أو استُبدِلَت أخرى بها في نصٍّ لغويّ ما أو جملةٍ ما، تغيّرَت الدّلالة" (26).
الاتساق خاصيَّة دلاليةَّ للنَّصِّ، يعتمد على فهم کُلِّ جملة مكوِّنة للنَّصِّ في علاقتها بما يفهم من الجمل الأخرى، وتقوم أدواته بوظيفة إبراز ترابط العلاقات السببية بين العناصر المكوِّنة للنَّصِّ في مستواه الخطي المباشر (27)، ويمثل الاتساق انطلاقاً من الشَّكل إلى الدَّلالة؛ فالرَّوابط التي تربط ظاهر النَّصِّ تحتوي على قدرٍ من الدَّلالة تم الرَّبط على وفقه، فيتحقق الرَّبط بوساطة علاقات دلاليَّة أساسيَّة؛ إذ يعتمد تفسیر أحد العناصر في النَّصِّ على العنصر الآخر؛ لذا قد يقع الرَّبط داخل الجملة أو بين الجمل (28). هذا الترابط المنظَّم بين الجمل يعرف بالاتساق؛ وهو الذي يضمن تماسك النص وتمييزه عن اللا نص.
وقد أسهمت في عملية الاتساق مجموعة من الوسائل والأدوات النحوية، والدلالية، وهذا جعل الاتساق یکون ترکیبیاً ودلالياً. إذ رصد الألسنيون الوسائل التي تسهم في تحقيق الاتساق وعَدُّوا من أبرزها الرّبطُ المعجميُّ، والرّبطُ النّحويُّ (29) . ونحن في بحثنا هذا سنقتصر على وسيلة واحدة من وسائل الاتساق وهي الاستبدال، وعلى النحو الآتي:
الاستبدال وسيلة من وسائل الاتساق النحوية تعمل على الترابط بين أجزائه. ويُعَرَّف بأنَّه: "عملية تتم داخل النص، وهو يتم في المستوى النحوي والمعجمي بين کلمات و عبارات" (30) أو هو إحلالُ تعبيرٍ لغويٍّ محلَّ تعبيرٍ لغويٍّ آخرَ، ويسمَّى التّعبيرُ الأوّلُ من التّعبيرين، المنقولَ أو المستبدلَ، والآخرُ الذي حلّ محلّهُ المستبدل منه (31). والاستبدال على هذا هو عمليّةٌ تكون داخلَ النّصّ.
وعملية الاحلال هذه تجعل من السهل الربط بين الاستبدال والإحالة، ((حيث يستبدل لفظ لاحق ب (لفظ أو فعل أو جملة) سابقة على النص فيعمل على سبك النص وتماسكه، ويعمل أيضاً على اختصاره)) (32)، وربما تتضح العلاقة بين الاستبدال والإحالة إذا علمنا اشتراط المطابقة الإحالية بين المستبدل والمستبدل به (33). إلا أن ثمة فروقاً بين الإحالة والاستبدال، وهي التي تميز الاستبدال وتمنحه خصوصية، ومن هذه الفروق: (34) 1. إن الاستبدال لا يقع إلا داخل النص، في حين تقع الإحالة داخل النص وخارجه، فالاستبدال أخص من الإحالة.
إن الاستبدال يعد علاقة بين طرفيه على المستويين النحوي والمعجمي، أما الاحالة فهي علاقة على المستوى الدلالي (35).
إنه يشترط في الاستبدال کون عنصراه مشتركين في البنية الوظيفية، في حين لا يشترط ذلك في الإحالة.
ويعد الاستبدال وسيلة قوية تكفل اتساق النص، فإذا كان النص تتابعاً لوحدات لغوية، فالتسلسل الضميري هو الوسيلة الحاسمة لتشكيله، وعن طريقه يمكن ربط الجمل مع ضمان تنوع الأسلوب، واختصاره، والاستبدال هو الذي يحقق ذلك (36).
وفي الاستبدال خاصية غير حقيقية الصقها به أغلب الباحثين في البحوث النصية، وهي كونه محدود العبارات والأساليب کما سيظهر لنا في بيان أنواع الاستبدال ((فجعلوا في الاستبدال محدودية بشكل ما تختلف عن الاتساع والثراء الذي نجده في وسائل الاحالة المتنوعة الضمائر، أسماء الإشارة، الموصولات، بعض الظروف) (37). وإن انعام النظر في النصوص النثرية يظهر أن عناصر الاستبدال أوسع مجالاً من هذه الألفاظ التي ذكروها وأرادوا حصر الاستبدال فيها (38)، وهذا ما سنقف عليه في بيان مواطن الاستبدال في هذا العهد.
والاستبدال على ثلاثة أنواع هي (39):
الاستبدال الاسمي: يكون باستعمال عناصرَ لغويّةٍ اسميةٍ نحو: "آخر، نفس، ذات، واحد، إحدى".
الاستبدال الفعلي: يَتِمُّ باستعمالِ الفعل "يفعل"، واشتقاقاتِه، وما شابهه، فيكونُ الاستبدالُ بفعل أو جملةٍ، من ذلك قوله (عز وجل): «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ» المائدة من الآية 67. إذ أُستُبدِلت كلمةُ "تفعل" بكلمةِ" بلّغ" (40).
الاستبدال القولي أو العباري: یكونُ باستعمالِ "ذلك، هذا". وهذا النّوعُ من الاستبدالِ ليس استبدالاً لكلمةٍ داخلَ الجملة، بل هو استبدالٌ بجملةٍ أو تتابعاتٍ جمليّةٍ (41)، من نحو قوله (عز وجل): «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ» "النساء من 48" إذ استبدلت بجملة «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» لفظة «ذلك».
وانطلاقاً من هذا التقسيم شرعنا في إظهار الموارد التي حصل فيها الاستبدال، وبيان أثرها في تماسك النص وترابط أجزائه، و تحديد دلالته متخذين من عهد الإمام
علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك بن الحارث الأشتر لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر إنموذجا في تحليل الموارد التي جرى فيها الاستبدال، وقد جاء البحث في ثلاثة مباحث وعلى النحو الآتي:
تقدم أنَّ الاستبدال يكون على أنواعٍ، ومن هذه الأنواع ما يسمى بالاستبدال القولي، وهو مجموعة المقولات التي يمكن أن تَحُلَّ محل قولٍ ما مؤديةً وظيفته التركيبية" (42). كقوله تعالى: «يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ» النازعات: 6 - 13.
فجاءت لفظة «تلك» لتكون استبدالاً عن مجموعة من الجمل، يمكن تمثيلها بما يأتي:
يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ
وفي هذا النص استبدال آخر يتمثل بلفظة «هي» في قوله تعالى: «فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ» "النازعات: 13" المستبدلة من قوله تعالى: «يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ» النازعات: 6 - 7.
وقد تحقق الاستبدال القول في هذا العهد في موارد متعددة، واستعمل فيه الإمام أكثر من اسم إشارة ويمكن بيان ذلك بما يأتي:
يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ هي (دلت على المستبدل منه المتمثل بهاتين الجملتين)
ونجد مصداق استعمال اسم الإشارة (هذا) في الجملة الأولى التي افتتح بها الإمام (عليه السلام) كتابه موجاً به مالك بن الحارث الأشتر لمَّا ولاه مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر قائلا: ((هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ حِینَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَایَةَ خَرَاجِهَا وَجِهَادَ عَدُوِّهَا وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا)) (43) فللجملة الأولى أهمية كبيرة في التحليل النصي ((فالاستهلال يحتل مكانة بارزة من حيث الأهمية من ناحية ومن حيث علاقته ببقية أجزاء النص من ناحية أخرى، وتَحَكَمَه كذلك في هذه الأجزاء)) (90). ففي الغالب یرکز منتج النص كل جهوده في هذه الجملة، إذ يكون ما بعدها تفسيرا لها، وتمثل المحور الذي يدور عليه النص فيما بعد، إذ تتعلق الأجزاء الباقية من النص في الجملة الأولى بوسيلة ما (91).
وقد أدرك القدماء أهمية الجملة الأولى في النص بل الكلمة الأولى في الجملة وهذا ما لمسناه في تفسيرهم لبدايات السور القرآنية ولاسيما ما يخص الأحرف المقتطعة في أوائل بعض السور القرآنية (92).
ولم يكن موقف المحدثين مخالفاً لموقف القدماء بل أكدوه، فيذكر أحد الباحثين المحدثين ((أن الجملة الأولى في أي نصِّ تمثل معلماً عليه يقوم اللاحق منها ويعود وداخل تلك الجملة نفسها يمثل اللفظ الأول منها معلماً تقوم عليه سائر مكوناتها، فالمسند يقتضي المسند إليه، وهذا الأخير يقتضي الأول و هما معاً يقتضیان متممات، فهذه حلقة أولى تنتهي دون أن تنغلق على نفسها، فهي مستقلة من حيث التركيب، ولكنها منطلق في كل شيء لما يأتي بعدها من حلقات هي جمل أخرى)) (93).
ونجد مصداق هذا في الجملة الأولى التي افتتح بها الإمام (عليه السلام) کتابه موجهاً به مالك بن الحارث الأشتر لمَّا ولاه مصر قائلا: ((هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ حِینَ وَلاَّهُ مِصْرَ جِبَایَةَ خَرَاجِهَا وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا وَ اسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَةَ بِلاَدِهَا أَمَرَهُ بِتَقْوَی اللَّهِ وَ إِیْثَارِ طَاعَتِهِ وَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِی کِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَ سُنَنِهِ الَّتِی لاَ یَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا وَ لاَ یَشْقَی إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَ إِضَاعَتِهَا وَ أَنْ یَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِیَدِهِ وَ قَلْبِهِ بِقَلْبِهِ وَ یَدِهِ وَ لِسَانِهِ ....)) (94) إلى نهاية العهد فجاء لفظ الإشارة (هذا) ليكون بديلا عن جميع الأوامر التي ذكرت في النص على طوله والدليل على ذلك أن الإمام (عليه السلام) أوردها في أول النص في قوله: ((هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ حِینَ وَلاَّهُ مِصْرَ)) وعقب بعد ذلك بقوله: ((أَمَرَهُ بِتَقْوَی اللَّهِ وَ إِیْثَارِ طَاعَتِهِ وَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِی کِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَ سُنَنِهِ الَّتِی لاَ یَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا وَ لاَ یَشْقَی إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا
وَ إِضَاعَتِهَا وَ أَنْ یَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِیَدِهِ وَ قَلْبِهِ بِقَلْبِهِ وَ یَدِهِ وَ لِسَانِهِ... وَ أَمَرَهُ أَنْ یَکْسِرَ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَ یَنْزَعَهَا یَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ اللَّهُ)) وهكذا يستمر الإمام علي (عليه السلام) بسرد الأوامر الى نهاية النص التي ختمها بقوله في آخر العهد: ((وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِی اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَیكَ فِی عَهْدِی هذَا وَ اسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِی عَلَیكَ لِکَیلَا تَکُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَی هَوَاهَا)) (95).
وتظهر بذلك أهمية اللفظة الأولى المتمثلة باسم الإشارة (هذا) الوارد في الجملة الأولى التي استفتح بها الإمام علي (عليه السلام) عهده لتشير إلى جميع المضامين التي ذكرت فيه، فهي تشير إلى وحدة الموضوع، وتماسك أجزاءه، وتؤكد أن كل فقرة في هذا العهد مرتبطة بالأخرى وإن اختلفت في مضمونها، ففي اسم الإشارة (هذا) من قول الإمام (عليه السلام): ((هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ)) استبدال قولي؛ لأنه يشير إلى كل ما ذكر في نصوص هذا العهد. ومن ثم فإتيانه (عليه السلام) باسم الإشارة (هذا) ليس من قبيل الإحالة؛ لعدم وجود مرجع لهذه الأسماء مذكور في ما سبق من النص.
فَتحَصَّلَ من كُلِّ ذلك نَصٌّ مُنسَجِمٌ مُرَتَّبٌ ترتيباً مُنَظَّماً تَعَالَقَت فيه الوقائع تَعَالقاً مُقَيَّداً؛ إذ كانَت کُلُّ واقعةٍ مرتبطة بما قبلها، ونتيجة لها، وكل ذلك كان لتحقيق غرض أساس وهو العدل.
وظف الإمام علي (عليه السلام) اسم الإشارة (ذلك) الذي يشير للبعيد في عهده هذا ليكون بديلاً عن جملة واحدة أو جملتين أو جمل عدة في موارد كثيرة في هذا العهد يمكن أن نجملها بما يأتي:
أ- الاستبدال بجملة واحدة: ونلمس هذا في قوله (عليه السلام): ((وَلَاتَقُولَنَّ: إِنِّی مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ فِی الْقَلْبِ، وَ مَنْهَکَةٌ لِلدِّینِ، وَ تَقَرُّبٌ مِنَ الْغِیرِ)) (96).
فجاء لفظ الإشارة (ذلك) ليكون بديلا عن جملة (وَ لَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ) فأغنى عن تكرارها، فبدلا من أن يقول: فإن قولك إني مؤمم آمر فأطاع إدغال في القلب ومنهك للدين وتقترب من الغير، قال: فإن ذلك، وبهذا تظهر فائدة استبدال اسم الإشارة (ذلك) بالجملة التي قبلها في اختصار الجملة مع الاحتفاظ بدلالتها كاملة.
ب - استبدال اسم الإشارة (ذلك) بجملتين وهذا في قوله (عليه السلام): ((وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً، فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللهِ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مَنْكَ عَلَى مَا لاَ تَقْدرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ، يَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَاً_ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ)) (97) . فالملاحظ أن اسم الإشارة (ذلك) جاء بديلا عن جملتين، الأولى تتمثل بقوله (عليه السلام) (انظر إلى عظم مل الله فوق) والثانية بقوله (عليه السلام): (قدرته من على ما لا تقدر عليه من نفسك) فجاء اسم الإشارة (ذلك) ليزيد في سبك النص ويشد في تماسكه فبدلا من ان يعيد ذكر الجملتين كأن يقول فَانْظُرْ إِلَی عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَی مَا لَا تَقْدِرُ عَلَیْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِك يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ، يَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَاً_ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ
قُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلىَ مَا لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ وَ يَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ وَ يَفِيءُ إِلَيْكَ بِاَم عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ استبدلها بقوله: ((فإنَّ ذلك)) وهكذا يسهم الاستبدال باختصار النص وسبکه.
ومن الموارد الأخرى التي استبدل بها اسم الإشارة (ذلك) من جملتين وما ورد في قول أمير المؤمنين عندما كان يحث مالك الأشتر على اختيار كُتَّابه في قوله: ((ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الاَخْلاَقِ....)) فيستمر بذكر ما ينبغي أن يتوفر في الكاتب من مكارم الأخلاق التي ينبغي توافرها فيه لتوكل إليه هذه المهمة. وهنا يعطي الإمام (عليه السلام) طريقة لواليه يبين له فيها كيفية اختيار الكاتب في قوله: ((ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاَةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ))(99).
في هذا النص استبدال باسم الاشارة (ذلك) الوارد في قوله: (وَ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ
مِنَ اَلنَّصِيحَةِ وَ اَلْأَمَانَةِ شَيْءٌ) المستبدل من قوله ))ثُمَّ لاَ يَكُنِ اِخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلىَ
فِرَاسَتِكَ وَ اِسْتِنَامَتِكَ وَ حُسْنِ اَلظَّنِّ مِنْكَ فَإِنَّ اَلرِّجَالَ يَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ اَلْوُلاَةِ
بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ))
والمخطط الآتي يبين طريقة استبدال اسم الإشارة بهاتين الجملتين:
ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك... فإن الرجال يتعرفون لِفِراسات الولاة بتصعهم...
ذلك (دل على المستبدل منه المتمثل بهاتين الجملتين)
ويكمل الإمام (عليه السلام) الطريقة التي يمكن من خلالها اختيار الكاتب في قوله: ((وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ فَاعْمِدْ لاَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً وَ أَعْرَفِهِمْ بِالاَمَانَةِ وَجْهاً فَإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلّهِ وَلِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ)). وفي هذا النص استبدال ايضا لاسم الإشارة (ذلك) بجملتين الأولى هي قوله (عليه السلام): (وَ لَكِنِ اِخْتَبِرْهُمْ بِاَم وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ)، والثانية متمثلة بقوله: (فَاعْمِدْ
لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي اَلْعَامَّةِ أَثَراً وَ أَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً).
ج - استبدال اسم الإشارة (ذلك) بجمل عدة
ومن موارد الاستبدال الأخرى استبدال اسم الإشارة (ذلك) بثلاث جمل فصاعدا بل ربما استبدل بفقرة كاملة من قبيل ما ورد في وصية الإمام مالك الأشتر بالاهتمام بالتجار وذوي الصناعات إذ قال (عليه السلام): (ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَذَوِی الصِّنَاعَاتِ وَأَوْصِ بِهِمْ خَیْراً الْمُقِیمِ مِنْهُمْ وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَالْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ وَجُلاَّبُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِوَ الْمَطَارِحِ فِی بَرِّكَ وَبَحْرِكَ وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ وَحَیْثُ لاَ یَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا وَلاَ یَجْتَرِؤُونَ عَلَیْهَا فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لاَ تُخَافُ بَائِقَتُهُ وَصُلْحٌ لاَ تُخْشَی غَائِلَتُهُ وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِی حَوَاشِی بِلاَدِكَ)) ثم عقب بعد ذكر هذا النص مباشرة بقوله: ((وَ اِعْلَمْ - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً وَ شُحّاً قَبِيحاً...))
فاستبدل منتج النص الجمل التي وردت في الفقرة أعلاه جميعها باسم الإشارة (ذلك) والمخطط الآتي يبين طريقة الاستبدال
ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ.. وَ ذَوِی الصِّنَاعَاتِ، وَ أَوْصِ بِهِمْ خَیْراً: الْمُقِیمِ مِنْهُمْ، وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ، وَ الْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَاتُخَافُ بَائِقَتُهُ، وَ صُلْحٌ لَاتُخْشَى غَائِلَتُهُ، وَ تَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ
واعْلَمْ - مع ذلك -
يظهر بذلك أثر استبدال اسم الإشارة (ذلك) بربط النص وشد ازره واکمال دلالته بما يغني عن إعادة الجمل التي يرد ذكرها.
ثالثاً: الاستبدال باستعمال اسم الإشارة أولئك:
نال اسم الإشارة (أولئك) نصيبا وافرا من الذكر في هذا العهد المقدس وكان له دور كبير في سبك النص وتماسكه إذ وُظِفَ ليكون بديلاً عن جملة واحدة، وبديلاً عن جملتين، وبديلاً عن جمل عدة، من ذلك ما ورد في وصف الإمام علي (عليه السلام) للإشارة إلى شر الوزراء وبيان صفاتهم ووجوب تجنبهم، إذ قال مخاطباً مالك الأشتر: ((إِنَّ شَرّ وُزَرَائِكَ مَن كَانَ لِلأَشرَارِ قَبلَكَ وَزِيراً))(103) وَيسرد بعدها صفات الاشرار من الوزراء ثم يعقب بعد ذلك مبينا لواليه على مصر الصفات الواجب توفرها في الشخص لكي يتخذه وزيرا له في قوله (عليه السلام): ((وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ. وَأَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ، مِمَّنْ
لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلىَ ظُلْمِهِ وَ لا آثمِاً عَلىَ إِثْمِهِ))(104)، ويقول بعد ذلك مباشرة: ((أُولئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَؤُونَةً، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً))(105)، فاستبدل باسم الإشارة (أولئك) الجمل الواردة في النص أعلاه ثم يعقب الإمام (عليه السلام) بعد ذلك مباشرة بقوله: ((فَاتَّخِذْ أُولئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلاَتِكَ))(106) فوظف اسم الإشارة (أولئك) في هذه الجملة ليكون بديلاً عن جميع الجمل التي ذكرت في هذه الفقرة. والمخطط الآتي يبين طريقة الاستبدال الحاصلة في هذه الفقرة:
ثُمَّ اِسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ..
أَوْصِ بِهِمْ خَيْاً
اَلْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَالمضطرب..
فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ اَلْمَنَافِعِ و...
فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ
لاَ تُخَافُ بائقته...
تَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ...
فاتخذ أولئك
ولم يقتصر استعمال اسم الإشارة (أولئك) على هذين الموردين فحسب بل وظفها الإمام (عليه السلام) في مورد آخر لتكون أكثر شمولية في الاستبدال ونجد ذلك في وصيته لمالك الأشتر بضرورة الاهتمام بالطبقة الفقيرة من المساكين والمحتاجين، إذ يورد (عليه السلام) نصا طويلا في بيان صفاتهم وما ينبغي أن يفعله لهم فيقول له: ((ثُمّ اللّهَ اللّهَ فِي الطّبَقَةِ السّفلَي مِنَ الّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُم مِنَ المَسَاكِينِ وَ المُحتَاجِينَ وَ أَهلِ البُؤسَي وَ الزّمنَي فَإِنّ فِي هَذِهِ الطّبَقَةِ قَانِعاً وَ مُعتَرّاً وَ احفَظِ لِلّهِ مَا استَحفَظَكَ مِن حَقّهِ فِيهِم وَ اجعَل لَهُم قِسماً مِن بَيتِ مَالِكِ وَ قِسماً مِن غَلّاتِ صوَاَفيِ الإِسلَامِ فِي كُلّ بَلَدٍ فَإِنّ لِلأَقصَي مِنهُم مِثلَ ألّذِي لِلأَدنَي وَ كُلّ قَدِ استُرعِيتَ حَقّهُ وَ لَا يَشغَلَنّكَ عَنهُم بَطَرٌ فَإِنّكَ لَا تُعذَرُ بِتَضيِيعِكَ التّافِهَ لِإِحكَامِكَ الكَثِيرَ المُهِمّ فَلَا تُشخِص هَمّكَ عَنهُم وَ لَا تُصَعّر خَدّكَ لَهُم وَ تَفَقّد أُمُورَ مَن لَا يَصِلُ إِلَيكَ مِنهُم مِمّن تَقتَحِمُهُ العُيُونُ وَ تَحقِرُهُ الرّجَالُ
لِلْأَقْصَی مِنْهُمْ مِثْلَ اَلَّذِي لِلْأَدْنَى وَ كُلٌّ قَدِ اِسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ فلاَ يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ فَإِنَّكَ لاَ تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِ اَلتَّافِهِ لِإِحْكَامِكَ اَلْكَثِيرَ اَلْمُهِمَّ فَلاَ تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ وَ لاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ وَ تَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لاَ يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ اَلْعُيُونُ وَ تَحْقِرُهُ اَلرِّجَالُ))(107)
فبعد أن ذكر الإمام (عليه السلام) صفات هذه الطبقة وما يجب عليه أن يفعله لهم، وكيف ينبغي أن يتعامل معهم عقب بعد ذلك مباشرة بقوله: ((فَفَرّغ لِأُولَئِكَ ثِقَتَكَ مِن أَهلِ الخَشيَةِ))(108)
فاستعمل اسم الإشارة (أولئك) ليكون بديلا عن ما سبق ذكره في هذه الفقرة فيظهر بذلك أثر استبدال اسم الإشارة (أولئك) مما يذكر قبله بربط النص وإكمال صورته الدلالية بأسلوب بليغ بعيدا عن التطويل والتكرار لما لا ينبغي تكراره.
المبحث الثاني - الاستبدال الاسمي:
مَرَّ أنَّ الاستبدال عملية تتم داخل النص، وهو يتم في المستوى النحوي والمعجمي بين كلمات وعبارات، وإنَّ من أنواع الاستبدال: الاستبدال الاسمي الذي يعني استبدال اسم باسم بيد أن الباحثين في الدراسات النصية يرون أنَّ الاستبدال الاسمي يتركز في استبدال الاسم من كلمة مثل: (آخر، آخرون، أخرى، نفس، واحد، واحدة) غير أن هذا لا يعني أن الاستبدال يقتصر على استبدال الاسم من هذه الألفاظ فقط بل أثبت بعض الباحثين أن يمكن أن يستبدل من الفاظ أخرى ((فمثلا بعض الاحالات لغير مذکور تدخل في مفهوم الاستبدال الاسمي وكذلك صنوف الاستعارات، حيث يحمل اسم ظاهر مكان آخر من غير أن تتحقق شروط الإحالة كذلك يدخل في الاستبدال الاسمي قضية التنوين المعوض عن اسم مفرد، وإقامة الصفة مقام الموصوف، والمضاف إليه مقام المضاف..))(109).
ويظهر أثر الاستبدال الاسمي بصورة جلية في قوله (عليه السلام): ((وَلاَ تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللهِ فَإِنَّهْ لاَيَدَيْ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلاَ غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ))(110)
فحينما يسمع المتلقي جملة وعظية من قبيل قولك: (ولا تنصبنَّ نفسك) فأول ما يتبادر إلى ذهنه أن تكون التتمة هكذا: ولا تنصبن نفسك لمخالفة شريعة الله أو لفعل ما نهی عنه الله بيد أن استبدال هذا الاسم بقوله: (لحرب الله) يرفع اعلامية النص، ويزيد في وقع الوعظ لدى المتلقي، ويولد في ذهنه أن عصيان أوامر الله تعالى والتجرؤ على مخالفة أحكامه کرفع الرمح بوجه الله تعالى وهذا ما ذكره ابن أبي الحديد في قوله: ((أي لا تبارزه بالمعاصي))(111). ففي هذا المورد جاءت لفظة (حرب) بدلاً عن لفظة (مخالفة) في المفهوم من اللفظ، وطريق الاستبدال هنا الاستعارة، وقد جاءت وسيلةَ سبكٍ دلالية المقصد، وبعيدة الغور. وفي مجيئها على هذا النحو إيحاء بقضية يريد منتج النص أنْ يوصلها الى متلقيه، وهي إن مخالفة أوامر الله = إعلان الحرب ضده.
ولا يقف الاستبدال الاسمي عند هذا فحسب بل يتوسع فيه الامام علي (عليه السلام) فيوظف أسماء أخرى لم يجر لها ذكر عند علماء النص الذي نظَّروا لمحور الاستبدال من ذلك قوله (عليه السلام): ((فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِی تُحِبُّ وَتَرْضَی أَنْ یعْطِیكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَ وَآلِی الْأَمْرِ عَلَیكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ))(112).
فالضمير (الهاء) في قوله: (فأعْطِهِمْ)، والكاف في قوله: (عفوك، صفحك، يعطيك، فأنك، عليك، فوقك، وَلاَّك)، والضمير المستتر(أنت) في قوله: (تحب، ترضى) يعود إلى المتلقي وهو هنا مالك الأشتر، والضمائر تكتسب عناية عند المختصين في علم النص بصفتها نائبة عن الأسماءِ، والعباراتِ، والجُمَلِ المتتالية "فالتعيين الاسمي البديل هو إعادة نصية لاسمٍ ما من خلال الضمير... وعادة ما تتعاون في النص
الضمائر مع الأسماء المكررة وتشكل معاً شبكة اسمية إحالية، وحين يحيل نص ما شبكات اسمية عِدَّةُ فإن واحدة منها في الغالب هي موضوع النص"(49).
ولما كان منتج هذا النص الإمام علي (عليه السلام) - هو المقصود بكونه فوق المتلقي - مالك الاشتر - فأول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع جملة (فإنك فوقهم) أن يكون ما بعدها جملة (وأنا فوقك) في (أنا) تعود إلى منتج النص وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) غير أنه استبدل الضمير (أنا) بلفظة (والي الأمر) فيخيل إلى المتلقي في الوهلة الأولى أن لفظة (والي الأمر) تشير إلى شخص آخر غير الإمام عليه السلام سوى أن انعام النظر في سياق النص ومتابعة النصوص السابقة واللاحقة تولد في ذهن المتلقي دلالة قطعية على أن المقصود منها هو شخص الإمام (عليه السلام) دون غيره، ومن ثم فإن استبدال الضمير (أنا) بلفظة (والي الأمر) تضيف بعداً دلالياً آخر للنص.
ولا يقف الاستبدال عند هذا فحسب بل يتعداه الى الجملة التي تليها مباشرة وهي قوله (عليه السلام): (وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ) إذ كان المتوقع أن يقول: (والله فوقي) فيستعمل الضمير (الياء) ليعود على شخصه الكريم (عليه السلام) إلا أنه استبدله بالاسم الموصول (مَنْ) ولفظة (ولاَّك) فيعود إلى الذهن مرة أخرى أن المقصود بعبارة (مَنْ وَلاَّكَ) الإشارة إلى شخص آخر غير الإمام علي (عليه السلام). والتعبير عن المتكلم بضمير الغائب اسلوب عربي فصيح يحمل في طياته دلالة أوسع من استعمال ضمير المتكلم أو التصريح بذكر الاسم المسمی به.
ومن موارد الاستبدال الاسمي استبدال لفظة (الناس) بلفظة (الرعية) الواردة في قوله (عليه السلام): ((وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ))50 إذ المتبادر إلى الذهن عند سماع جملة (وأشعر قلبك الرحمة) أن يقول: (للناس) أو
(للأمة) أو (للشعب) الا أنه استبدلها بلفظة (الرعية) وإن استعارة لفظة (الراعي) في هذا المورد يحمل زخما دلاليا واسعاً يولد في نفس المتلقي ضرورة الاهتمام بمن کُلِّف الأن يكون والياً عليهم، إذ لفظة (الرعية) مأخوذة من الفعل (رعی)، ورعى الشيء رعيا ورعاية حفظه. قال تعالى: ((فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)) الحديد: 27، ورعی الشيء راقبه ورعاه: تولى أمره، ورعي له عهده أو حرمته: لاحظها، وحفظها 51، وفي التنزيل قال تعالى: ((وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)) المؤمنون:8. ومن ثم فلفظة رعی: تستبطن المبالغة في الاهتمام بالشيء والمحافظة عليه، من هنا تجد النبي (صلى الله عليه وآله يؤكد هذه القضية بقوله: ((كلكم راع و کلکم مسئول عن رعيته))52، ويبدو أن الإمام کان قاصداً في استعمال هذه اللفظة للإشارة إلى هذا المعنى ولا سيما أنه كرر استعمالها في هذا العهد أكثر من خمس عشرة مرة، منها قوله ((وَ صَلَحَتْ عَلَيْهَا اَلرَّعِيَّةُ... أَنَّ اَلرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ... فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اَللَّهِ حُصُونُ اَلرَّعِيَّةِ.... وَ ظُهُورِ مَوَدَّةِ اَلرَّعِيَّةِ... ثُمَّ اِخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ اَلنَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ.... وَ اَلرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ...... فَإِنَّ هَؤُلاَءِ مِنْ بَيْنِ اَلرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَی اَلْإِنْصَافِ.... وَ سَلِمَتْ مِنْهَا
اَلرَّعِيَّةُ.... فَلاَ تُطَوِّلَنَّ اِحْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّ اِحْتِجَابَ اَلْوُلاَةِ عَنِ اَلرَّعِيَّةِ.... وَ إِنْ ظَنَّتِ اَلرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً.... وَ رِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ... وَ إِيَّاكَ وَ اَلْمَنَّ عَلىَ رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ))(53)
فيظهر بذلك مدى اصرار الإمام (عليه السلام) على شحذ همة واليه ليبالغ بالاهتمام بالناس الذين کُلِّف بالحاكمية عليهم، فتجد ابن أبي الحديد يقول في تفسير قول الامام علي (عليه السلام) ((أشعر قلبك الرحمة أي اجعلها كالشعار له و هو الثوب الملاصق للجسد))54.
المبحث الثالث: الاستبدال الفعلي
ذكرنا في بداية البحث أن المقصود بالاستبدال الفعلي هو أن يَتِمُّ باستعمالِ الفعلِ "يفعل"، أو إحدى اشتقاقاتِه، فيكونُ الاستبدالُ بفعلٍ أو جملةٍ،
ولم يذكر النصویون سوى الصيغة (یفعل) واشتقاقاتها في الاستبدال الفعلي، مع انه يمكن استعمال غير هذه الصيغة العامة وسيلة للاستبدال، فمثلاً التضمين في الافعال من الاستبدال 55، واستعمال اسماء الافعال من الاستبدال أيضاً 56، ((وإذا سألت شخصا مثلاً لتقريره: أقابلت فلاناً أمس؟ فأجاب: حدث، أو حصل، كان الفعل المذكور في الجواب بديلاً عن الفعل الوارد في السؤال، فكأنه قال: قابلته))57
ونجد مصداق هذا في عهد الإمام علي (عليه السلام) إذ استعمل الصيغة المباشرة للاستبدال الفعلي المتمثلة بايراد مفردة (فعل) أو إحدى اشتقاقات هذه الصيغة، ونجد هذا في قوله (عليه السلام): ((أَنْصِفِ اَللَّهَ وَ أَنْصِفِ اَلنَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ مِنْ خَاصَّةً أَهْلِكَ وَ مَنْ لَكَ هَوًى فِيهِ هُدًى مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ!))58 فاستعمل الفعل (تفعل) ليكون بديلاً عن الجمل الواردة قبله، فبدلا من قوله: فإنك إلاَّ تنصف الله وتنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك هویً فيه من رعیتك قال: (الا تفعل) فاختزل التركيب هذا كله في هذا الفعل، فحقق بذلك سبك النص وأثبت الدلالة التي يريد بيانها لعاملة على مصر.
وبعد هذا ينتقل الإمام علي (عليه السلام) ليستعمل فعلا آخر غير الفعل الذي تعاهد عليه المؤلفون في الاستبدال والمتمثل في قوله (عليه السلام): ((هَذَا مَا أَمَرَ
بِهِ عَبْدُ اَللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ اَلْحَارِثِ اَلْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا وَ اِسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا وَ عِاَمرَةَ بِلاَدِهَا))
فنجد أن الإمام (عليه السلام) يستبدل الجمل المتمثلة بقوله: ((جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَ
جِهَادَ عَدُوِّهَا وَ اِسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا وَ عِاَمرَةَ بِلاَدِهَا)) بالفعل (ولاه) الذي يختصر الجمل الآنفة بما يغني عن ذكرها بيد أن التعقيب بذكر هذه الجمل يرفع درجة الاعلامية في النص ويثير في الأذهان أن الولاية تعني جباية الخراج، وجهاد العدو، واستصلاح شؤون الرعية وعمارة البلاد. مما يسهم في اثراء النص ويزيد في تراص عباراته وتماسكها.
الخاتمة
بعد أن أنهت هذه الدراسة صفحتها الأخيرة من البحث ولمّا يزل الفكر متأملاً بحيثياتها، أفضت إلى مجموعة من النتائج يمكن القول إنَّ من أهمّها أن عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك بن الحارث الأشتر على طوله وكثرة الفقرات التي ذكرت فيه وعظم القضايا التي ذكرها، وخطورة المسائل التي عرضها والمشكلات التي وقف عليها، والحلول التي قدمها، والطرق التي بينها العاملة على مصر وأثبت فيها كيفية اختيار الوزراء والقضاة وقادة الجيش وكتاب الرسائل وكيفية التعامل مع النفس إذا أصابها العجب أو الغرور والأبهة وتأثرت بمظاهر الحكم من كثرة الحاشية حوله وتخضع كل من حوله وتعلقهم له یریدون رضاه، ثم بيان الاشخاص الذين يتوجب عليه أن يتخذهم للمشورة، وبيان من يجب أن يتجنبهم من الاشرار الذين ينبغي عليه أن يبعدهم عن دكة الحكم وبيان الطريقة التي يكتشف بها الاشرار والطريقة التي يكتشف بها الاخیار، ثم بيان كيفية التعامل مع الجنود، وأهل المروءات والأحساب، وأهل البيوتات الصالحة، وأهل النجدة والشجاعة، وكيف يتفقَّد أمر الخراج، ومن ثم الإشارة إلى أهمية عمارة الأرض التي تعد وسيلة مهمة في إدارة اقتصاد البلاد، والتركيز على الاهتمام بالتجار وذوي الصناعات وملاحظة تصرفاتهم في السوق، من احتكار للمنافع، وتحكما في المبيعات مما يسبب مضرة للعامة، ثم الوصية في الطبقة السفلي من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤسي، وتعهد اليتيم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له، وبيان کيفة التعامل من الحراس والشرطة وكيفية التصرف مع خاصة الوالي وبطانته، ثم بيان أهمية مجالسة الوالي للعلماء والفقهاء ورد ما أشكل عليه الى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و آله. فمع تنوع هذه الفقرات وكثرت المسائل التي عالجتها إلا أن هذا العهد جاء متماسکًا متراصًا، كل فقرة تؤدي إلى الأخرى بواحدة
من وسائل الربط بحيث أن رفع أي فقرة أو جملة تؤدي إلى خلخلة النص الذي جاء مترابطا، مسبوکا کحلقات العقد.
وكان في اعتمادنا على الاستبدال الذي يمثل أحد وسائل الاتساق دور كبير في الوقوف على هذا الحقيقة. بل ظهر للبحث أن في هذا العهد أدوات والفاظ وظَّفها الإمام للاستبدال، وأدت دورها في ربط النص وتماسكه بصورة كاملة على الرغم من أن هذه الألفاظ لم تذكر ضمن الألفاظ التي توصل إليها المختصون في الدراسات النصية. وما ذكر في صلب هذا البحث من الفاظ وظفت للاستبدال من لفظ آخر أو جملة أو جملتين أو من فقرة كاملة يؤكد هذه الحقيقة.
الهوامش
ينظر: علم النص: مدخل متداخل الاختصاصات، تون. أ. فان دایك، ترجمة: د. سعید بحيري، 17.
المرجع نفسه: 17.
النص والخطاب والإجراء، روبرت دي بوجراند، ترجمة د. تمام حسان: 15.
ينظر: تحليل الخطاب وعلم النص، د. صلاح فضل: 319.
ينظر: علم النص. مدخل متداخل الاختصاصات: 10
ينظر: علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق دراسة تطبيقية على السور المكية، د. صبحي الفقي: 1 / 49.
ينظر: أصول تحليل الخطاب، د. محمد الشاوش: 1 / 240 - 241.
النص والخطاب والإجراء: 129.
ينظر: نظرية علم النص رؤية منهجية في بناء النص النثري، د. حسام أحمد فرج: 17.
علم لغة النص المفاهيم والاتجاهات، د. سعید حسن بحيري: 135.
ينظر: لسانيات التي مدخل إلى انسجام الخطاب: 55.
السبك النصي في القرآن الكريم دراسة تطبيقية في سورة الأنعام: 28.
ينظر: نحو النّصّ بين الأصالة والحداثة: 82 - 83، وفي البلاغة العربيّة والأسلوبيّات اللّسانيّة: 229.
سورة البقرة في ضوء علم لغة النص، رسالة ماجستير، خالد سعد جبر، التربية ابن رشد / بغداد / 2012 م: 9.
علم اللغة النصي: 1 / 93.
ينظر: علم اللغة النَّصي بين النظريَّة والتطبيق: 1 / 74، و نظرية علم النَّصِّ: 80.
مدخل إلى علم اللغة النصي، فولفجانج وديتر: 93.
استعملوا الباحثون العرب مصطلحات عدة مقابل للمصطلح الغربي cohesion+، منها:
الاتساق، لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب، د. محمد خطابي: 11.
الانسجام، ولسانيات ال نحو منهج لتحليل الخطاب الشعري، د. أحمد مداس: 83.
الترابط، أصول تحليل الخطاب، د. محمد الشاوش: 1 / 25.
التناسق، من لسانیات الجملة إلى علم النَّصِّ، بشیر بریر: 23.
التضام، مدخل الى علم لغة النص: 11.
التماسك، علم اللغة الصي بين النظريَّة والتطبيق: 1 / 93.
الربط اللفظي، علم لغة النَّصِّ بين النظريَّة والتطبيق، عزة شبل: 99.
الربط النحوي، علم لغة النَّصِّ المفاهيم والاتجاهات، د. سعید حسن بحيري: 145.
السبك، نحو النَّصِّ اتجاه جديد في الدرس النحوي، د. أحمد عفيفي: 75.
ينظر: لسان العرب، ابن منظور: "رصف" و"سبك" و"ضم"، و"وسق"، ولسانيّات النّصّ، ليندة قيّاس: 27.
سورة البقرة دراسة في ضوء علم لغة النص: 13.
ينظر: لسانیّات النّصّ، ليندة قيّاس: 27. وممّن استعمل مصطلح الاتّساق د. نعمان بوقرة في كتابه مدخل الى التّحليل اللّسانيّ للخطاب الشعري: 36. وعثمان أبو زنيد في كتابه نحو النّصّ إطار نظريّ ودراسات تطبيقيّة: 28. وليندة قيّاس في
کتابها لسانيّات النّصّ: 27. ومحمّد خطابي في كتابه لسانيّات النّصّ: 31، ومحمّد الشّاوش في كتابه أصول تحليل الخطاب: 123، ومحمّد الأخضر في كتابه مدخل إلى علم النّصّ: 89.
ينظر: لسانيّات النّصّ، محمّد خطابي: 5.
ينظر: لسانيّات النّصّ: 15، و مدخل إلى علم النّصّ، محمّد الصّبيحي: 82.
بلاغة الخطاب وعلم النص: 44.
ينظر: نظريّة علم النص، حسام أحمد: 82.
سورة البقرة في ضوء علم لغة النص: 15.
ينظر: علم لغة النص المفاهيم والاتجاهات: 123، علم النص، عبد المجيد جميل: 145.
ينظر: علم لغة النص بين النظرية والتطبيق: 99.
ينظر: علم لغة النّصّ، عزّة شبل: 105.
لسانیات النص: 19.
ينظر: مدخل إلى علم لغة النّصّ، مشکلات بناء النّصّ: 61.
معايير النصية، 59.
مدخل الى علم لغة النص: 61.
ينظر: علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق: 20.
ينظر: علم النص: 310
ينظر: مدخل إلى علم لغة النص: 23
شعر محمد مهدي الجواهري: دراسة نحوية نصية، للباحث صالح عبد العظيم
الشاعر:، اشراف محمد عبد المجيد الطويل، كلية دار العلوم، بتاريخ 2009 م.
الرسالة نفسها
ينظر: مدخل إلى التّحليل اللّسانيّ للخطاب الشّعري، د. نعمان بوقرة،: 49.
ينظر: تفسير بحر العلوم، السمر قندي: 1 / 449.
ينظر: علم لغة النّصّ، عزّة شبل: 115.
نحو النص: 20، و: ينظر: أصول تحليل الخطاب: 133.
نهج البلاغة: 561.
نهج البلاغة: 560 561.
الرسالة نفسها: 46.
نهج البلاغة: 545
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 5 / 17
نهج البلاغة: 545.
مدخل الى علم النص، زتسیسلاف وأورزیناك، ترجمة: د. سعید بحيري: 125.
نهج البلاغة: 545
ينظر: تهذيب اللغة، مادة رعي، والصحاح، مادة رعی.
بحار الأنوار، المجلسي: 27 / 146، ومرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، المجلسي: 389.
نهج البلاغة: 547 - 569.
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
ينظر في التضمين: الخصائص، ابن جني، 2 / 310.
ينظر: کتاب: من وظائف الصوت اللغوي، 86، ففهي معالجة مميزة لقايا اسم الفعل وبيان لعلاقاته النحوية والصوتية.
شعر محمد مهدي الجواهري:
نهج البلاغة: 547
قائمة المصادر والمراجع
نهج البلاغة، وهو مجموع ما اختاره الشريف ابو الحسن محمد الرضي الموسوي من كلام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، ضبط نصه وابتكر فهارسه العلمية د. صبحي الصالح.
أدوات الاتساق وآليات الانسجام في القصيدة الهمزية النبوية لاحمد شوقي، لسوداني عبد الحق، رسالة ماجستير، جامعة الحاج لخضر كلية الاداب قسم اللغة العربية، 2009.
البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النصية، جميل عبد المجيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د، ط، د، ت.
بلاغة الخطاب وعلم النص، د. صلاح فضل، الشركة المصرية العالمية للنشر، ط: 1 / 1996 م.
تحليل الخطاب، جلیان براون وجورج يول، ترجمة: مصطفى الزليطي ومنير التركي، جامعة الملك سعود، دار النشر العلمي، الرياض / 1997 م.
تحليل الخطاب الشعري استراتيجية التناص، د. محمد مفتاح، المركز الثقافي، الدار البيضاء، ط: 2 / 1986 م.
التماسك النصي من خلال العطف والتكرار دراسة تطبيقية في ديوان المواكب الجبران خليل جبران، بوزينة رياض، رسالة ماجستير، جامعة الحاج لخضر - كلية الاداب - قسم اللغة العربية / 2008 م.
التناص التأريخي والديني مقدمة نظرية مع دراسة تطبيقية في رواية رؤيا لها، مجلة ابحاث اليرموك، عدد 1 / 1990 م. ال جمهرة اللغة، لمحمد بن درید (321 ه)،
تحقيق: ابراهيم شمس الدین عطا، دار الكتب العلمية بيروت، ط: 1 / 2005 م.
16 / 2004 م.
دراسات في النص والتناصية، ترجمها وقدم لها د. محمد خير البقاعي، مرکز الانماء الحضاري، حلب، ط: 1 / 1998 م.
شرح نهج البلاغة الجامع لخطب و حکم ورسائل الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)، عبد الحميد بن هبة الله الشهير بابي الحديد(ت 656ه)، مؤسسة الاعلامي للمطبوعات، بیروت، ط: 1/ 1995 م.
شرح نهج البلاغة، الشيخ محمد کاظم القزويني الحائري.
علم اللغة مقدمة للقارئ العربي، د. محمود السعران، دار المعارف / 1962.
علم لغة النص المفاهيم والاتجاهات، د. سعید بحيري، مكتبة لبنان ناشرون، ط: ا.
علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، د. صبحي ابراهيم الفقي، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، ط: 1 / 2000 م.
علم النفس في نهج البلاغة، هاشم حسين ناصر المحنك، دار انباء للطباعة والنشر، ط: 3 / 2011.
علم النص، جولیا کرستيفيا، ترجمة: فريج الزاهي، مراجعة عبد الجلیل ناظم، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب، ط: 2 / 1997 م.
علم النص مدخل متداخل الاختصاصات، تون.أ. فان دایك، ترجمة:د. سعید بحيري، دار القاهرة للكتاب، ط: 1 / 20001 م.
فكرة السرقات الأدبية ونظرية التناص، عبد المالك مرتاض، مجلة علامات، عدد 1، 1991 م.
لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب، د. محمد خطابي، المركز الثقلفي العربي، ط: 2 / 2007 م.
اللغة الشعرية و تجلياتها في الرواية العربية، د. ناصر يعقوب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط: 1 / 2004 م.
المخصص، علي بن اسماعيل بن سيدة، مط: دار الكتب العلمية لبيروت.
مدخل إلى علم النص مشکلات بناء النصنز تسيسلاف وآورزینال، ترجمة: د. سعید بحيري، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، ط: 1 / 2003 م.
معجم مقاییس اللغة، احمد بن فارس (ت 395 ه)، تحقيق: د. عبد السلام هارون،، الدار الاسلامية، ط: 1 / 1990 م.
المفاهيم معالم، د. محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، ط: 1 / 1997 م.
من اشكال الربط، د. سعید حسن بحيري، مقال ضمن مجموعة مقالات مهداة للعالم الالماني فيشر، اشراف د. محمود فهمي حجازي، مركز اللغة العربية القاهرة / 1997 م.
نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي، د. محمد عفيفي، مکتبة زهراء الشرق القاهرة، ط: 1 / 1997 م.
نسيج النص بحث فيما يكون فيه الملفوظ نصا، د. الأزهر الزناد، المركز الثقافي العربي، ط: 1 / 1993 م.
النص والتناص، رجاء عید، مجلة علامات، عدد 18، 12 / 1995 م.
النص والخطاب والاجراء، روبرت دي بو جراند، ترجمة: د. تمام حسان، عالم الكتب، ط: 1 / 1998 م.
نظرية النص الأدبي، عبد المالك مرتاض، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، ط: 1 / 2007 م.
نفحات الولاية شرح عصري جديد جامع لنهج البلاغة، آية الله العظمی مکارم الشيرازي بمساعدة مجموعة من الفضلاء، سلیمانزادة، ط: 2 / 1426 ه.
أ. م. د. وفاء عبّاس فيّاض
جامعة كربلاء / كليّة العلوم الإسلاميّة / قسم اللغة العربيّة
يتناول البحث مسألة مهمة من مسائل الدرس اللغوي، وهي دراسة الألفاظ الغريبة في كتاب يعد قمة في الفصاحة والبلاغة ويعد صاحبه فصيحا بليغا لا منازع فيه؛ ذلك هو کتاب (نهج البلاغة) للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وسيكون عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر میدان التطبيق، وسنلج عن طريق هذا البحث في معنى الغريب في اللغة والاصطلاح، والغريب في نهج البلاغة، وكذلك دراسة المفردات الغريبة في العهد في الألفاظ والمعاني والاشتقاق.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الغر الميامين الطيبين الطاهرين. أما بعد: فيعد کلام أمير المؤمنين وسيد الوصييّن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قمة الفصاحة والبلاغة بعد كلام سيد الأنبياء والمرسلين النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويعد کتاب (نهج البلاغة) من أمات الكتب التي تضمنت أروع الكلام وافصح لغة وهي لسيد البلغاء والمتكلمين، وهو في الفصاحة والبلاغة يكون في المرتبة الثانية بعد كتاب الله عز وجل القرآن الكريم وكلام صاحبه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين. وهو الموروث التاريخي الوحيد الذي أثر عن الإمام علي (عليه السلام) والمدونة المكتوبة التي جاءت عنه والكتاب عبارة عن مجموعة من الخطب والحكم والمواعظ والرسائل والكتب والعهود والمواثيق التي قالها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجمعها الشريف الرضي (ت 406 ه)، ولا شك أن كلام أمير المؤمنين هو كلام دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين، وعلى الرغم من كل ما ذكرناه إلا أننا نجد أن هنالك کما هائلا من غريب الألفاظ قد وقع فيه لذا نجد الحاجة ضرورية للوقوف على دلالة بعض الألفاظ الغريبة التي وردت في تلكم الخطب وسيكون عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر أنموذجا تطبيقيا لذلك. وعملنا هذا يُعدُّ خطوة من خطوات الدراسة اللغوية، يدخل - بقدر كبير - تحت عنوان الدراسة الدلالية للألفاظ.
وعهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لواليه مالك الأشتر (رضي الله عنه) واحد من أهم المواثيق الرائعة التي كتبت في ذلك الوقت واختصرت الزمن، وعلى الرغم مما يتضمنه هذا العهد من مضامين سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية وغيرها من المضامين الروحية العالية التي نحن بأمس الحاجة إليها اليوم؛ لأنها تمثل
وثيقة تاريخية ودستورية ينبغي الرجوع إليها في حكم البلاد والعباد إلا أننا نترك الحديث عن هذه الزوايا والجوانب المشرقة لنخوض في غمار حديث آخر عنه يتناول الألفاظ الغريبة فيه للوقوف على دلالتها وبيان معانيها.
ويتناول البحث ألفاظ الغريب التي وردت في عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر، وسيكون البحث مقسما على تمهيد يسلط الضوء على معنى الغريب لغة واصطلاحا وسبب التأليف فيه، وأوائل من ألفوا في هذا الجانب، وثلاثة مباحث يتناول المبحث الأول الغريب في نهج البلاغة ويتناول الثاني الغريب في العهد في الألفاظ والمعاني ويتناول المبحث الثالث الغريب في الاشتقاق، وينتهي البحث بخاتمة تعرض أهم ما توصل إليه البحث و تسبقهما مقدمة نذكر فيها سبب اختيار الموضوع، وبيان مباحثه ومصادره.
أما المصادر التي نستقي وننهل منها هذا البحث فقد تنوعت بتنوع المادة التي نعرض لها فهناك كتب اللغة والمعجمات وكتب الغريب وكتب النحو والبلاغة فضلا عن البحوث المتعلقة بنهج البلاغة عموما وبعهد مالك الأشتر خصوصا وغيرها مما يتطلبه البحث.
إذا حاولنا أن نتتبع لفظة (الغريب) في المعجمات اللغوية سنجدها تعطي دلالات مختلفة فقد جاء في العين قول الخليل (ت 175 ه): ((الغُربَةُ: الاغتِرابُ من الوطن. وغَرَبَ فلانٌ عَنَا یَغرُبُ غَرباً أي تنحی، فَأَغرَبتهُ غَرَّبتُه أي نحيته. والغُربَةُ: النَّوَى البعيد، يقال: شقت بهم غُربَةُ النوى)) (1) وفي سياق آخر يقول: ((والغَريبُ: الغامض من الكلام)) (2) ومنها قولهم: ((الغُرُبُ بِضَمَّتَينِ: الغَريبُ)) (3) وكذلك ((النَّوَی والبُعدُ کالغَربَةِ وقد تَغَرَّبَ. وبالضم: النُّزُوحُ عنِ الوَطَنِ كالغُرْبَة والاغْترابِ
والتَّغَرُّبِ)) (4)
ويقول ابن منظور (ت 711 ه): ((والغَريبُ الغامِضُ من الكلام وكَلمة غَريبةٌ وقد غَرُبَت وهو من ذلك وفرس غَربٌ مُتَرامٍ بنفسه مُتَتابعٌ في حُضره لا يُنزِعُ حتى يَبعَدَ بفارسه وغَربُ الفَرَسِ حِدَّتُه وأَوَّلُ جَريِه)) (5) وقوله: ((وفي الحديث أَن النبي صلى اللهّ عليه [وآله] وسلم سُئِلَ عن الغُرباء فقال الذين يُحيُونَ ما أَماتَ الناسُ من سُنَّتِي وفي حديث آخر إِنّ الإِسلامَ بَدأَ غريباً وسيعود غریباً کما بَدأَ فطوبَى للغُرباءِ أَي إِنه كان في أَوّلِ أَمرِه کالغريبِ الوحي الذي لا أَهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ وسيعودُ غريباً كما كان أَي يَقِلُّ المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغُرباء فطُوبی للغُرَباء أَي الجنةُ لأُولئك المسلمين الذين كانوا في أَوّل الإِسلام ويكونون في آخره وإِنما خَصَّهم بها لصبرهم على أَذى الكفار أَوَّلاً وآخراً ولُزومهم دينَ الإِسلام وفي حديث آخر أُمَّتِي كالمطر لا يُدرَي أَوَّلُها خير أَو آخِرُها قال وليس شيءٌ من هذه الأُحاديث مخالفاً للآخر وإِنما أَراد أَن أَهلَ الإِسلام حين بَدأَ كانوا قليلاً وهم في آخر الزمان يَقِلُّون إِلاَّ أَنهم خیارٌ و مما يَدُلُّ على هذا المعنى الحديثُ الآخر خِيارُ أُمَّتِي أَوَّلُها وآخِرُها وبين ذلك ثَبَجٌ أَعوَجُ ليس منكَ ولَستَ منه)) (6)
ومما تقدم من نصوص يتضح أن المعنى اللغوي لكلمة الغريب هو ما غمض في الكلام وما كان بعيدا عن الفهم وكذلك عدم الوضوح، وعليه تنحصر هذه اللفظة بعدة معان منها الغموض والابتعاد والقلة والندرة.
أما الغريب في الاصطلاح فقد خصصه الشريف الجرجاني (ت 816 ه) بالحديث فقال: ((الغريب من الحديث: ما یکون إسناده متّصلا إلى رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، ولكن يرويه واحد إما من التّابعين أو من أتباع التّابعين)) (7) وذكر في موضع آخر أن مصطلح ((الغرابة: كون الكلمة وحشية، غير ظاهرة المعني
ولا مأنوسة الاستعمال)) (8)
ولعل من الاسباب التي دفعت العلماء واللغويين إلى تأليف غريب الحديث هو ما ذكره مجد الدين بن الأثير (ت 606 ه) في مقدمة كتابه (9) الذي تصدره بشرح مستفيض لهذا الموضوع تحدث فيه عن علم الحديث والآثار ووصفه بأنه من أشرف العلوم الإسلامية قَدرا، وأحسنِها ذكرا، وأكملها نفعا وأعظمها أجرا. وأنه أحَدُ أَقطاب الإسلام التي يَدُورُ عليها، ومعاقِدِهِ التي أضيفَ إليها، وأنه فَرضٌ من فروض الكفايات يجب التزامُه، وحق من حقوق الدين يتعين إحكامه واغتزَامُه. وجعله على قسمين أحدُهما معرفة ألفاظه، والثاني معرفة معانيه. وأخذ يشرع في تقسيم الألفاظ إلى مفردة ومركبة، والألفاظ المفردة تنقسم قسمين: أحدهما خاصٌّ والآخر عامٌّ. أما العام فهو ما يَشتَرِك في معرفته جُمهور أهل اللسان العربي مما يَدُورُ بَينَهم في الخطاب، وأما الخاصُّ فهو ما يدور فيه من الألفاظ اللُّغَوية، والكلمات الغريبة الحشويَّة، التي لا يعرفها إلا من عُنِيَ بها، وحافَظَ عليها واستخرَجَها من مظانّها.
وقد ظهرت التصانيف العديدة في (الغريب) منذ منتصف القرن الأول الهجري فكان أول كتاب في هذا الباب هو (غريب القرآن) المنسوب إلى الصحابي ابن عباس (ت 67 ه) وتوالت الانجازات في هذا المضمار من أمثال أبان البكري (ت 141 ه) والكسائي (ت 189 ه) ومؤرج السدوسي (ت 195 ه) وغيرهم ممن لم يصل إلينا شيئا من مؤلفاتهم (10)، ولعل أول كتاب مطبوع في هذا المجال هو (تفسير غريب القرآن) لابن قتيبة (ت 276 ه) (11)، وأما كتب (غريب الحديث) فقد ظهرت لأول مرة على يد أبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224 ه) (12)، وهناك من ألف كتابا في الغريبين (القرآن والحديث) وهو لأبي عبيد الهروي (ت 401 ه) (13) وغيرها كثير مما وصلت إلينا وحققت وطبعت (14).
وكتب الغريب هذه كتب لغة، على الرغم من أنّها لم تكن خالصة للغة، ألّفها لغويون بارزون عند العرب، وهذا شيء طبيعي؛ لأن علم الغريب علم یُعنی بشرح الكلمات الغريبة. ويفسّر المعاني الخفيّة والأساليب الغامضة، فيجلو معناها ويكشف عن مراميها. (15)
وقد حظيت هذه المؤلفات بالاهتمام والعناية من قبل مؤسسيها، وكان الغرض منها هو بيان معاني مفردات القرآن الكريم ودلالاتها وكذلك بيان مفردات الحديث ودلالاته، ولا شك أن وجود القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، كان ((سبب ظهور (علم الغريب) لوجود کلمات فيهما تحتاج إلى تفسير وتوضيح، باعتماد العرف اللغوي السائد آنذاك. فبدأت الدراسة في هذا الميدان من ميادين اللغة بالبحث عن معاني الألفاظ الغريبة فيهما، وتوضیح معانيها ومراميها وأساليبها، وتأييد ذلك التفسير والتوضيح، بالشواهد من شعر العرب. ولقد اهتمّ العلماء بهذا الجانب من البحث اللغوي اهتماماً كبيراً فذكرت لهم كتب التراجم والطبقات کتباً كثيرة في هذا الميدان)) (16).
وهذا ما دفع الأستاذ الدكتور مسعود بوبو إلى الحديث عن عناية هؤلاء العلماء بهذا الجانب اللغوي، فقال: ((لقد أولى اللغويون العرب القدماء هذا الجانب اللغوي عناية خاصة، تناولوا فيه الغريب من الألفاظ بالبحث الجاد والمعالجة المتأنية، بل لقد كان هذا اللون من البحث الذي أقيمت عليه الدراسات اللغوية عندهم بصورة عامة غداة شرعوا في التماس المعاني الدقيقة لما غمض واشتبه عليهم من ألفاظ القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، وأفردوا لهذا الغرض الكتب المطولة التي ما زالت مراجع لا غنى عنها للاطمئنان إلى سلامة الدّلالة اللغوية وصحتها عند تحري الدّقة وصحة الاحتجاج في قضايا الغريب)) (17)
ذكر أبو سليمان محمد الخطابي (ت 388 ه) - وهو ممن كتب في غريب الحديث - في شرح معنى الغريب واشتقاقه قوله: ((أن الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم كالغريب من الناس)) (18)، وقال: ((إن الغريب من الكلام يستعمل على وجهين: أحدهما أن يراد أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر، والوجه الآخر أن يراد به کلام من بعدت به الدار ونأى به المحلل من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت الكلمة من لغاتهم استغربناها)) (19)
وبما أن البحث له علاقة بكتاب (نهج البلاغة) وما به من خطب ورسائل وكتب كانت في غاية الفصاحة والبلاغة فإن هناك من النقاد والبلاغيين من يقفون من الغريب في الكلام موقف الرافض لذلك؛ لأن هذا الأمر يتنافي والبلاغة والفصاحة في الكلام؛ فالفصاحة عند هؤلاء تعني الظهور والوضوح والابتعاد عن الغريب والمبهم. فهذا أبو هلال العسكري (ت 395 ه) في كتابه الصناعتين يقول: ((الغريب لم يكثر في كلام إلا أفسده وفيه دلالة الاستكراه والتكلف)) (20) في حين وقف آخرون من الغريب موقفا آخر إذ عدوه من الفصاحة فهذا أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي (ت 370 ه) له رأي في الغريب کما جاء في كتابه الموازنة بين شعر ابي تمام والبحتري، فيقول: (وان يجعله (اي اللفظ الغريب) متفرقاً في تضاعيف الفاظه، ويضعه في مواضعه فيكون قد اتسع مجاله بالاستعانة به، ودل على فصاحته وعلمه، وتخلص من الهجنة)) (21).
ولعل العلة في ذلك هو أن ((العربية لغة صحراوية وانها لم تخل من الفاظ کثيرة اتسمت بالثقل، وحين هجر الناس الصحراء ونزعوا إلى الحواضر اختاروا من المادة
اللغوية الينها واسهلها وعمدوا إلى كل شيء ذي أسماء كثيرة، فاختاروا أحسنها سمعاً والطفها من القلب موقعاً) (22).
والحديث عن الألفاظ الغريبة في نهج البلاغة يجرنا إلى الحديث عن وجود الغريب في القرآن الكريم والحديث النبوي، وعلينا معرفة أن الغريب ليس المراد بغرابته؛ كونه شاذاً، أو نافراً، أو منکراً (23)، فالقرآن منزّه عن هذا جميعه، وكذلك الحديث الشريف بدليل أن الغرابة أو الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم وجه من أوجه الإعجاز. والقول نفسه في الحديث النبوي يعد: ((قمّة شامخة في البلاغة، وهي الذروة الرفيعة في الفصاحة وقوة البيان، إذ هي قبس من لغة الوحي)) (24) وقد قال النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): ((أنا أفصح العرب، بيد أنّي من قريش ونشأتُ في بني سعد بن بكر ...)) (25) وعلى هذا الأساس ((فالحديث النبوي أرقى الأساليب العربية صياغة بعد القرآن الكريم، ولم؟ يتعمّد الرسول في حديثه لفظاً غريباً أو ترکیباً شاذّاً وإنّما كان لعلوّ نصّ الحديث، سببٌ كبيرٌ في عدِّ بعضه غريباً، عند بعض اللغويين، وهذا الاعتقاد دفع بهم إلى أن يفردوا كتباً في إيضاح (غريب الحديث) كما فعل النَّضر بن شميل (ت 204 ه)، وأبو عبيدة معمّر بن المثنى (ت 209 ه)، أو أن يفيدوا من بلاغته وفصاحته في أنماط أساليب العربية کما صنع الجاحظ (ت 255 ه) والمبرّد (ت 285 ه). وقد أفاد أئمّة الأدب واللغة والتفسير من کتب (الغريب) ونقلوا عنها)) (26).
ولا ريب أن ما يقال عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وأحاديثه يقال عن أصحابه الكرام ((الذين كانت لغتهم مادّة أفاد منها علماء اللغة الكثير من أقوالهم العالية الفصاحة، يقرّبها علوُّها، من الغرابة، فنقلوا منها ما شاء لهم النقل، وفسّروا فيها ما طاب لهم التفسير. فكان لأقوال الإمام علي (عليه السلام) نصيب كبير في
هذا المورد تحفل بجمع بعض تلك الأحادیث کتب (غريب الحديث)؛ لأنَّه تربى في حجر النبوة منذ ولادته في الكعبة، فشهد مطالع الرسالة الاسلامية من يومها الأوّل وتلقّى عن النبي مفردات الرسالة بداية وختاماً، وما بين ذلك ممّا نزل به الوحي من آیات الله جل جلاله فكان الإمام يتبع النبي ((إتِّباع الفصيل إثر أمِّه...)) (27)، لا يفارقه في سلمٍ أو حربٍ، فكان يصحبه صُحبة الظل لصاحبه، فهو ربیبٌ وطالبٌ، تعلّم من النبي أشياءً كثيرةً، ومن بينها اللغة إذ إنّها عادةٌ مكتسبة، فكان أقرب الناس إلى فصاحته وبلاغته وأحفظهم لأحاديثه، فتكلّم بكلام وصف بالعصمة والحكمة، فكلّ مَن سمعه راقه ولهذا قال (عليه السلام): ((ونحن لأُمَراء الكَلامِ، وَفِينَا تَنَشَّبَت عُرُوقُهُ، وعَلينا تَهدّلَت غصُونُه)) (28) ...))(29).
وخلاصة الكلام أن الغريب في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) وصحابته الكرام ليس هو الوحشي الشاذّ، أو العامي المرذول، وإنّما هو؛ ما يمنح النصَّ علوّاً في الفصاحة، وروعةً في التعبير، وجزالةً في الألفاظ، ولا يخرج (الغريب) في حديث الإمام عن هذه الصفة لأنّه في كلامه يترسّم أثرَ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديثه. (30)
والمتأمل في كتاب نهج البلاغة يجد أن الغريب قد وقع كثيرا فيه فلا تكاد تقع عينك على صفحة فيه إلا فيها ألفاظ غريبة تستحق الوقوف عند دلالتها وبيان معانيها، ولقد قام جمع كبير من العلماء الأفذاذ بشرح كثير من تلك الألفاظ وبیان دلالاتها ومعانيها من ذلك كتب شروح (نهج البلاغة) (31)، وفي الوقت الحاضر قدمت دراسات علمية مستفيضة في هذا الجانب ولعلّ من أبرزها وأكثرها توفيقا ((غريب نهج البلاغة أسبابه، أنواعه، توثیق نسبته، دراسته)) وهي أطروحة دكتوراه حاول الباحث فيها وضع خطة متكاملة في هذا الموضوع شملت دراسته من زاوية
لغوية وبلاغية وسياقية للوصول إلى نتائج طيّبة وثمرات نافعة.
لقد وضع أحد الباحثين معايير متعددة للكشف عن الألفاظ الغريبة في النهج لعل من أبرزها (32): المعيار الأول: أَنَّ الغريب ما جاء بسبب بداوة صاحبه واعتياده الغرابة في الكلام، ممّا يكسبها غموضاً، لوحشَّيتها، وندرتها، ومادّة تعابيرها، المتأتّية من طبيعة الحياة في الصحراء.
المعيار الثاني: أنّ غرابة الكلمة؛ ناتجة من كونها شاذّة أو نافرة أو منكرة.
المعيار الثالث: الغرابة قائمة على فرادة النظم وغرابة ضمّ السياق.
المعيار الرابع: أنَّ اللفظة، لا تكون غريبة بلفظها، بل مستغربة في التأويل، وقد تكون حسنة بحيث لا يتساوی بها أهلها وسائر الناس في الفهم.
المعيار الخامس: ما اتفق عليه علماء غريب القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فقد ورد في (النهج) تضمین كثير لآي القرآن الكريم والاقتباسات الأحاديث النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان منها ما حققه العلماء بكونه غريباً.
المعيار السادس: بعد شقّة الزمن بيننا وبين نصوص (النهج) وخطبه، إذ بيّنتُ أنَّ الحكم على الغريب، يتأتّی من غرابته في زمن قوله، وأنَّ ما هو غريب علينا، ونادر الاستعال في عصرنا، لم يكن غريباً وقت قوله، إلّا أنَّ وجهة نظرنا هذه لا تتفق مع باحث حدیث، إذ يرى أنَّ شيوع الألفاظ ومن ثم غرابتها يرجع إلى تباين الذوق بين القديم والحاضر.
ومهما يكن من أمر فإن المعيار الأول يسقط إذا علمنا أن ((الفصاحة أُخذت عن الأعراب، إذ يتفق النحاة واللغويون على أنَّ اللغة الفصيحة، أُخذت ممَّن خَلُصت طبائعهم اللغوية، وصفت فطرتهم من القبائل التي لم تخالط من فسدت سليقتهم من الأعاجم، ولم تقترب من الحواضر؛ لأنَّ حواضر العرب كانت محطَّ قوافل التجارة
ومختلطاً لأقوام غير العرب ...)) (33) أما المعيار الثاني الذي يفسر غرابة اللفظة بكونها شاذة تعني مخالفة القياس المستند على المطّرد من السماع فيسقط لأن الإمام علي (عليه السلام) ممن يحتج بكلامه، وأما التنافر فيُوعز إلى استحسان الأذن لجرسه، واستساغة اللسان لنطقه، وكذلك اللفظة المنكرة لا مقياس له، إذا أرادوا بها الألفاظ التي تنبو عن الذوق، ولا تطمئنّ عند سماعها النفس، فهي كلمة بذيئة، فإنّ هذه الأمور محكومة بالسياق لا باللفظة، فلا تكون الكلمة بذيئةً بعد ذلك إلّا عن طريق سياقها، فاللفظة الشاذة والمتنافرة والمنكرة لا محل لها في النهج.
أما المعيار الثالث يسقط حتما لأنه يتعلق بموضوع المجاز والاستعارة والتشبيه وغيرها من الموضوعات البلاغية وهو ليس محل بحثنا.
وعليه فالغريب الوارد في نهج البلاغة ((غريب يصبُّ في باب الفصاحة لا غريب ينافر الفصاحة)) (34). ولذا فإن ((الغريب على ثلاثة أنواع؛ غريب في المفرد، وغریب في التركيب، وغريب في النظم.)) (35) والذي يعنينا في بحثنا هذا ما يتعلق بالنوع الأول وهو الغريب في المفرد؛ لأن الثاني میدانه النحو والثالث میدانه البلاغة وأنّ الحكم على غریب نصّ معين، يُحكم عليه من خلوّ كلام العرب السابق عليه، والمعاصر له، منه ومن مثيله ولذلك ((فإنّ الحكم في غرابة نصٍّ قديم، ليس ذوقنا المعاصر، بل نصوص الشعر، والنثر السابقة له، وأعني بذلك؛ کلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) المجموع بين دفتي كتاب (النهج)، وليس لأحد أن يدَّعي أنَّه سمع، أو وُضِع بين يديه كلام العرب جميعهم، ليعرف ما سَبَق إليه الإمام مما لم يُسبق، إذ ((لا يُحيط بكلام العرب إلّا نبي)) (36) (37)
وقد أمكن لأحد الباحثين المعاصرين رَصدَ ظواهر غريب اللفظ المفرد عبر ما ينوف على الألف والمئتين من ألفاظ الإمام علي (عليه السلام) في (نهج البلاغة)
((توزّعت على هذه الأصناف الثلاثة، كان أكبرها القسم الخاص بجدّة الاشتقاق، وهو القسم الثالث، ثم يليه القسم الخاص بالندرة وهو القسم الأول، واختصّ القسم الثاني، وهو؛ غرابة المعنى الممنوح للفظة بالاستعمال، بأصغر قدر، ذلك أنّ جدّة المعاني المضافة للألفاظ تتداخل بقدر كبير مع بحث التركيب، وبحث المعنى المجازي)) (38)
تعددت الألفاظ المترادفة للفظة الغريب فكان منها اللفظ (الغريب النادر) (39) والمراد منه هي ألفاظ جاءت غرابتها من ندرتها التي يمكن تحديدها بما يحمله مدلول الندرة من قلّة الاستعمال لا غير. ومنها اللفظ (الغريب الشارد) (40) والشوارد هي الغرائب؛ التي لا تبلغ حدَّ الشذوذ، وإنّما هي: ألفاظ مفرّقة على معانٍ طريفةٍ أو غير مألوفة. وقد استعملها الإمام (عليه السلام) في زمانه، أوّل مرة في معنى جديد يغاير ما ألِفَه الناس قبله، ثم شاعت بعده وشُهر معناها الجديد كما في لفظة (مُندَحِق) في قوله (عليه السلام):(أَمَّا إِنَّهُ سَیَظْهَرُ عَلَیْکُمْ بَعْدِی رَجُلٌ رَحْبُ اَلْبُلْعُومِ، مُنْدَحِقُ اَلْبَطْنِ یَأْکُلُ مَا یَجِدُ، وَ یَطْلُبُ مَا لاَ یَجِدُ...)) (41) وتعني (الطّرد والإبعاد) (42) و (الدَّفع) (43) غير أنّ الإمام (عليه السلام) استعمل المفردة (مندحق) في معنى لم يكن متداولاً، ذلك هو الاتساع لأنّه بعيد عن معنى (الدفع) و (المنع) و (الإبعاد)، فهو حين يقول (مندحق البطن) فإنه يعني؛ عِظَمَ بطن الرجل، واندلاقها إلى الأمام وانبعاجها إلى الجانبين، فالرجل إذن على هذا الوصف، منبعج البطن ممتلئها وكأن فيها اتساعاً من جهاتها كلّها لا من جهة واحدة كما يوحي به لفظ الدفع، وقد أورد لفظة (مندحق) بمعنى الامتلاء (44).
ومنها (الحوشي) وقد يُقلب اللفظ فيسمى (الوحشي)، وهو أحد أنواط (الغريب)، والوحشي لاشكّ منسوب إلى (الوحش). واللفظتان لا تتعديان معنی نفور الكلمة عن الذوق العام وقلّة استعمالها. ومنها (الغريب القليل) وكلها تخضع لمقياس (النادر) (45).
إن المتأمل في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكتاب الذي كتبة إلى عامله مالك الأشتر (رحمه الله) لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر وهو ((أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن)) (47) كما وصفه الشريف الرضي يجد المتعة والفائدة المرجوة في كونها ((توجيهاً لأحد ولاته في ممارسة ما عُهِد إليه من الأمور، حرصاً على سلامة سلوكه ومواقفه كمسؤولٍ اجتماعيّ، أو كإنسانٍ مسلم. وهذا ما جعل هذه الوثيقة من أهمّ المصادر التي تُستسقى منها المبادئ التي تُنير طريق الولاة في إدارة ما تَولَّوه، في كلِّ زمان، وفي كلّ مكان)) (47) ولذلك يعتبر ((إنّ أفضل نموذجٍ لتأسيس حكمٍ إسلاميٍّ عادل، أو للسير نحوه، هو نظام الحكم الذي أسّسه النبيّ (صلّى الله علیه و آله) في المدينة، والذي بني عليه الإمام عليٌّ (عليه السلام) حكمه. ومن اليقين أنّ مشروع عهد الإمام إلى مالك الأشتر يستطيع أن يشمل الواقع من كلّ نواحيه، حيث هو دستورٌ للحكم العَلَوي في أتمّ النصوص عَرضاً لصورةٍ واضحةٍ للحكم الإسلامي. أضِف إلى ذلك أنّ التعابير والمسائل المطروحة في العهد هذا جاءت بصورةٍ لا تتقيّد بزمانٍ دون زمان، ولا بمكانٍ دون مکان، فالعهد يتحدّث حول حقائق ومفاهيم يصبو إلى تحقيقها كلُّ الأجيال في كلّ مكان.)) (48) بمعنى أنه يتخطى عامل الزمان والمكان في كل بقاع المعمورة؛ فالكل بحاجة إلى تطبيقه بغض النظر عن الطائفة أو المذهب أو العقيدة.
ولا شك أن هذا العهد مكتوب من قبل الإمام علي (عليه السلام) إلى واليه وهذا
يعني أن ألفاظه ومعانيه معلومة ومفهومة بين المتكلم والمخاطب أي بين المرسل والمتلقي، وتتضح من القراءة الأولى للعهد الذي كتبه الإمام علي (عليه السلام) لواليه مالك الأشتر النخعي (رضوان الله تعالى عليه) أن مفرداته سهلة يسيرة ومفهومة المعاني، ولكن عند تكرار القراءة لهذا العهد نجد أن هنالك مجموعة من الألفاظ الغريبة التي تستحق الوقوف عندها هذا من ناحية ومن ناحية أخرى سنجد حتما دقة اختيار بعض المفردات لدقة معانيها وسياقاتها وإذا ما حاولنا احصاءها جميعها سيطول بنا المقام ولا يسعه هذا البحث لكثرتها وسنعرض إلى بعض منها النشبت حقيقة ما ذهبنا إليه، ولنتبين حقيقة المعنى المراد منه دون غيره.
فالألفاظ الغريبة في النصّ وإنّ كانت متغايرة إلّا أنّ سمات غرابتها قد تتشابه، بل لابدّ لها من التشابه، وإلّا؛ فإنّ مفهوم الغرابة سيتعدد بتعدد الألفاظ الغريبة وعليه فأن اللفظة تكون غريبةً؛ إمّا بندرة الاستعمال وقلّته، أو بغرابة المعنى الممنوح للفظة في الاستعمال، أو جدّة الاشتقاق بما لا يُعرف لمادة اللفظة فإنّ صاحب اللفظة يلجأ إلى طرقٍ متعددة على أساسها؛ یکون کُلُّ صنف من أصناف الألفاظ الغريبة هذه، وكلّما تردّدت هذه الطرق في كلِّ صنفٍ أمكن عدُّ المتردد ظاهرةً بنفسها، وعن طريقه يمكنني ترسُّم ملامح أسلوب القائل (49).
وعلى هذا الأساس سنحاول تقسيم المفردات الغريبة التي وردت في العهد على قسمين يتعلق الأول بالألفاظ وتكون على محورين الأول يتعلق بالأسماء والآخر يتعلق بالأفعال وأما القسم الثاني فيتعلق بالمعنى الممنوح له في الاستعمال.
فمن جملة الأسماء التي نراها غريبة ووردت في عهد مالك الأشتر هي: ((الشره، المساماة، الصغر، خلوف، بَالَّة، شكاة، دعة، التَّزيُّد والتسقط، اللجاجة، الاستئثار، التغابي.))
من الألفاظ الغريبة الواردة في عهد الإمام علي (عليه السلام) لعاملة على مصر وأعمالها مالك الأشتر (رضي الله عنه) التي يمكن أن نلحظها تكون مقسمة على قسمين هما الأسماء والأفعال وسنعرض بعضا منها تجنبا للإطالة، فمن غريب الأسماء لفظة (المساماة) في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللهِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ فَإِنَّ اللهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ، وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ)) (50)
ففي النص يحذر الإمام علي (عليه السلام) ويستعمل لفظة (المساماة) وتعني المفاخرة ((قال أبو عمرو: المُساماةُ المفاخرة.)) (51) وهي مأخوذة من سما بمعنی السمو وهو العلو والارتفاع ((االسُّمُوُّ الارْتِفاعُ والعُلُوُّ تقول منه سَمَوْتُ وسَمَيْتُ مِثْلَ عَلَوْت وعَلَيْت وسَلَوْت وسَلَيْت عَنْ ثَعْلَبٍ وسَمَا الشيءُ يَسْمُو سُمُوّاً فَهُوَ سامٍ ارْتَفَع وسَمَا بِهِ وأَسْماهُ أَعلاهُ وَيُقَالُ للحَسيب وَلِلشَّرِيفِ قَدْ سَما وَإِذَا رَفَعْتَ بَصَرك إِلَى الشَّيْءِ قُلْتَ سَما إِلَيْهِ بَصَرِي وَإِذَا رُفِعَ لَكَ شيءٌ مِنْ بعيدٍ فاسْتَبَنْتَه قُلْتُ سَما لِي شيءٌ وسَما لِي شخصُ فُلَانٍ ارْتَفَع حَتَّى اسْتَثْبَتّه وسَمَا بصرُه عَلَاه...)) (52) وهذا كله مروي عن الليث (ت ه) (53)
والمساماة التباري في الشيء والمفاخرة به والذي يؤكد ذلك قول ابن منظور: ((تَسامَوا أَي تَبارَوا... وفي حديث عائشة الذي رُوِيَ في أَهلِ الإفكِ إنه لم يكن في نِساءِ النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) امرأَةٌ تُسامِيها غيرُ زَینَبَ فَعَصَمها الله تعالى و معنی تُسامِيها أَي تُبارِيها وتُفاخِرُها... وفي الحديث قالت زینبُ یا رسولَ الله أَحمِي سَمعي وبَصَري وهي التي كانت تُسامِينِي منهنّ أَي تُعاليني وتفاخِرُني وهي مُفاعَلة من السُّموّ أَي تُطاوِلُنِي في الحُظوة عنده ومنه حديث أَهلِ أُحُدٍ أَنهم خرَجُوا بسيُوفِهم يَتسامَونَ كأَنهمُ الفُحول أي يَتبارَونَ ويَتفاخَرُون ويجوز أَن يكون يَتداعَون
بأَسمائهم)) (54) ومساماة الله تعالى مباراته في السمو وهو العلو (55) ولعلنا نلمح الدقة في اختيار لفظة المساماة دون المفاخرة والمباراة لأنهما تختصان بالبشر وبالأشياء المادية الزائلة والزائفة وأما المساماة فهي تختص بالله خالق الخلق ومبدعه، فالحذر كل الحذر من التشبه بالله في جبروته وعظمته لأنه يذل كل جبار ويهين كل محتال؛ فهو درس تربوي وأخلاقي يعرضه الإمام في هذه الأسطر القليلة من كتابة هذا.
ومن الأسماء التي وردت في العهد، ونراها من الغريب النادر التي وردت في قول الإمام علي (عليه السلام): ((وَ لْیَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِی مَعُونَتِهِ، وَ أَفْضَلَ عَلَیْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ، بِمَا یَسَعُهُمْ وَ یَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِیهِمْ، حَتَّی یَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ...)) (56)
وشرح ابن أبي الحديد هذا القول للإمام (عليه السلام) وذكر أن هذه الأوامر جاءت في الوصاة فيما يتعلق بأمراء الجيش بقوله: ((وأمره أن يكون آثر رءوس جنوده عنده وأحظاهم عنده وأقربهم إليه من واساهم في معونته هذا هو الضمير الدال على أن الضمير المذكور أولا للجندلا لأمراء الجند لولا ذلك لما انتظم الكلام. قوله من خلوف أهليهم أي ممن يخلفونه من أولادهم وأهليهم.)) (57) وجاء في المعنى اللغوي لمادة هذه اللفظة (خلف عن الليث (ت ه) وابن سيده (ت 458 ه) قولهما: ((الليث الخَلفُ ضدّ قُدّام. قال ابن سيده خَلفٌ نَقِیضُ قُدَّام مؤنثة وهي تكون اسماً و ظَرفاً)) (58) وذكر ابن الجوزي (ت 597 ه) في غريبه كلمة (الخلوف) بقوله:((في الحديثِ والحَيُّ خُلُوفٌ أي قَدْ ذَهَبَ الرِّجَالُ وبَقِيَ النِّسَاءُ)) (59) وقال في موضع آخر: ((قَولُهُ لَخُلُوف فَمِ الصَّائِمِ الخَاءُ مَضمُومَةٌ وهو تَغَيُّرُهُ بالصّوم، وسُئِلَ عَلِيُّ (عليه السلام) عن قُبْلَةِ الصَّائِمِ فقال ما أَرَبُكَ إِلى خُلُوفٍ فيها ويقال يَوْمُ الضُّحَی مُخلِفَةٌ لِلْفَمِ أي مُغَيِّرَةٌ)) (60)
لقد وظف الإمام علي (عليه السلام) المعنى اللغوي لهذه اللفظة خير توظيف إذ استعمله بمعنى ما يخلفه الرجل من الأولاد والأهل، والخلف يكون ضد القدّام وما يخلفه الشخص فهو ما یترکه خلفه من الأهل والولد. على الرغم من اختصاصها بالفم و أنها تأتي في معنى التغيير.
من الألفاظ الغريبة التي جاءت على صيغة فعل سواء كان فعلا ماضيا أو مضارعا أو أمرا وفعلا أسند إلى واو الجماعة أو نون التوكيد الثقيلة فهي كثيرة منها: ((ألصق (2)، یُطرُوكَ، أصحر، ثلموا، استوبلوا، تبجح (3)، تغاب، تُمحکه، يطامن، يعيا، يتفاقمن تطوِّلنَّ، تقوینَّ، تطمحن.))
وأول ما يطالعنا من الأفعال فعل الأمر (ألصق) وقد ورد مرتين في سياقين مختلفين الأول قوله (عليه السلام): ((وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ، ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلاَّ يُطْرُوكَ وَلاَ يُبَجِّحُوكَ بباطِلٍ لم تَفْعَلْهُ)) (61) وأما السياق الثاني فقوله (عليه السلام): ((ثُمَّ الْصَقْ بَذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالاْحْسَابِ، وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ، ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّماحَةِ، فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ)) (62)
والمراد من السياق الأول قوله: (والصق بأهل الورع كلمة فصيحة يقول اجعلهم خاصتك و خلصاءك. قال ثم رضهم على ألا يطروك أي عودهم ألا يمدحوك في وجهك ولا يبجحوك بباطل لا يجعلوك ممن يبجح أي يفخر بباطل لم يفعله)) (63)
أما المعنى العام للسياق الثاني فقوله: ((ثم أمره أن يلصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات أي يكرمهم ويجعل معوله في ذلك عليهم ولا يتعداهم إلى غيرهم وكان يقال علیکم بذوي الأحساب فإنهم لم يتكرموا استحيوا. ثم ذكر بعدهم أهل الشجاعة
والسخاء ثم قال إنها جماع من الكرم وشعب من العرف من هاهنا زائدة وإن كانت في الإيجاب على مذهب أبي الحسن الأخفش أي جماع الكرم أي يجمعه كقول النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] الخمر جماع الإثم و العرف المعروف.)) (64)
وألصق من الألفاظ الغريبة التي ذكرها ابن الأثير (ت 606 ه) في النهاية إذ يقول: ((في حديث قَيس بن عاصم قال له رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: فكيف أنتَ عند القِرَى؟ قال: ألصِق بالناب الفانِيِة والضَّرَعِ الصغير أراد أنه يُلصِق بها السيف فيُعَرقِبُها للضيافة وفي حديث حاطب [إنّي كنتُ امرَأ مُلصَقاً في قُرَيش] المُلصَق: هو الرجُل المُقِيم في الحَيِّ وليس منهم بنَسب)) (65)
ووردت هذه اللفظة في عدة لغات منها ((لَصِقَ به يَلصَق لَصُوقاً وهي لغة تميم وقيس تقول لَسق بالسين وربيعة تقول لَزَق وهي أقبحها إلا في أَشياء نصفها في حدودها والتَصَقَ وأَلصَقَ غیره... قال الراعي فقلتُ له أَلصِق بأيبَس ساقِها فإن نُحِرَ العُرقُوبُ لا يَرقأ النَّسَا... أَراد أَلصِق السيف بساقها واعقِرها...)) (66)
ومن الأفعال التي وردت في العهد (يطامن)، وجاءت في سياق قول الإمام علي (عليه السلام): ((فَانْظُرْ إِلَی عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَی مَا لَا تَقْدِرُ عَلَیْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِك يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ، يَفِيءُ إِلَیْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ!)) (67). والمراد بهذا الكلام ((ثم أمره عند حدوث الأبهة والعظمة عنده لأجل الرئاسة والإمرة أن يذكر عظمة الله تعالى وقدرته على إعدامه وإيجاده وإماتته وإحيائه فإن تذكر ذلك يطامن من غلوائه أي يغض من تعظمه و تكبره و يطأطئ منه.)) (68)
وجاءت هذه اللفظة في القرآن الكريم في عدة آيات منها قوله تعالى: «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ» (الفجر 27)، وقوله تعالى: «وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» (سورة البقرة 260)،
وقوله تعالى: «وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ» (آل عمران 126)، وفي آية أخرى: «وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ» (الأنفال 10)، وقوله تعالى: «وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ» (النحل 106)، وقوله تعالى: «فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ» (النساء 103)، وأخيرا قوله تعالى: «وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا» (یونس 7).
ويلحظ في سياق هذه الآيات أن القرآن الكريم استعمل هذه اللفظة في أكثر من صورة منها الفعل الماضي وقد أسند إلى تاء الفاعل وواو الجماعة و منها الفعل المضارع الذي أسند إلى نون التوكيد الثقيلة ومنها اسم الفاعل للمذكر والمؤنث وغيرها ومن الملفت للنظر أن الإمام علي (عليه السلام) استعمل هذه اللفظة ولأول مرة على صورة فعل مضارع غير مسبوق للاستعمال ولعل هذا من باب الغريب النادر لقلة الاستعمال؛ لأن المراد بالكلام هو الانخفاض والغض من غلوائه، وهو المعنى اللغوي الذي حدده ابن منظور(ت 711 ه) بقوله: ((واطمَأَنَّت الأَرضُ وتَطَامَنَت انخفضت وطَمأَنَ ظهره وطَأمَنَ بمعنى على القلب التهذيب في الثلاثي اطمَأَنَّ قلبه إذا سكن واطمَأَنَّت نفسه وهو مُطمَئِنّ إلى كذا)) (69)
وأما من جهة بيان دلالة هذه اللفظة فقد قال الراغب الأصفهاني (ت 502 ه): ((طمن: الطمأنينة والاطمئنان السكون بعد الانزعاج،...)) (70) وذكر في موضع آخر ((واطمأن وتطامن يتقاربان لفظا ومعنى.)) (71)
ومن ألفاظ الغريب في الأفعال في المعنى الممنوح في الاستعمال التي ذكرت في العهد ونص عليها ابن الجوزي (ت 597 ه) لفظة (الضلع) في دعاء وارد عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): ((قوله أَعوذُ بِكَ مِن ضَلَعِ الدِّينِ يعني ثقله حَتَّی یُمِیلَ صاحِبَه عن الاستواءِ لِثِقَلِه) (72) وأما ما ورد في العهد فقول الإمام علي (عليه السلام): ((وَلَا یَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ صَغِیراً،
وَلَا ضَعَهُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ عَظِیماً. وَارْدُدْ إِلَی اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا یُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ، وَیَشْتَبِهُ عَلَیْكَ مِنَ الْأُمُورِ)) (73)
وجاء في توضيح هذه اللفظة قول ابن أبي الحديد ((ثم أمره أن يرد إلى الله ورسوله ما يضلعه من الخطوب أي ما يئوده ويميله لثقله وهذه الرواية أصح من رواية من رواها بالظاء و إن كان لتلك وجه)) (74)
وقال ابن منظور (ت 711 ه): ((والضَّلعُ المَيلُ وضَلَعَ عن الشيء بالفتح يَضلَعُ ضَلعاً بالتسكين مالَ وجَنَفَ على المثل وضَلَعَ عليه ضَلعاً حافَ والضالِعُ الجائِرُ والضالِعُ المائِلُ ومنه قيل ضَلعُك مع فلان أَي مَیلُكَ معه وهواك... وفي الحديث أَنه صلى الله عليه وسلم قال اللهم إني أَعوذ بك من الهَمِّ والحَزَن والعَجز والكَسَل والبُخلِ والجُبنِ وضَلَعَ الدَّينِ وغَلَبةِ الرجال قال ابن الأَثير أَي ثِقَلِ الدَّينِ قال والضَّلَعُ الاعوِجاجُ أَي يُثقلُه حتى يميل صاحبُه عن الاستواءِ والاعتدال لثقله وفي حديث علي كرم الله وجهه واردُد إِلى الله ورسوله ما يُضلِعُكَ من الخُطوبِ أي يُثقِلُك) (75)
ومن صيغ بعض الأفعال الزوائد التي وردت في العهد (استكفاك) في قول الإمام علي (عليه السلام): ((فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَ وَآلِی الْأَمْرِ عَلَیكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ! وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ.) (76)، ولفظة (واستنامتك) في قوله (عليه السلام): ((فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ)) (77)
وجمع الصرفيون معاني صيغة (استفعل) فوجدوها ستة معانٍ (78)، ولعل من أهمها: الطلب حقيقة ك (استغفرت الله)، ولذلك يقول سيبويه: ((هذا باب استفعلت تقول: استجدته أي أصبته جيداً، واستكر مته أي أصبته کریماً. واستعظمته أي أصبته عظيماً، واستسمته أي أصبته سميناً. وقد يجئ استفعلت على غير هذا المعنى... وتقول:
استعطيت أي طلبت العطية، واستعتبته أي طلبت إليه العتبی. ومثل ذلك استفهمت واستخبرت، أي طلبت إليه أن يخبرني؟ ومثله: استثرته. وتقول: استخرجته، أي لم أزل أطلب إليه حتى خرج.)) (79)، وذكر ابن فارس (ت 395 ه): ((وأما استفعلَ فيكون بمعنى التكلف، نحو تعظَّمَ. واستَعظَمَ وتكَّبَر. واستَكبَر ويكون استفعل بمعنى الاستدعاء والطلب نحو: استَوهبَ ويكون بمعنی فَعلَ: قرَّ. واستَقرَّ.)) (80)
وهاتان اللفظتان (استكفاك) و (استنامتك) جاءتا على وزن (استفعل) والمراد بالأولى طلب منك كفاية أمرهم لأن ((کَفَی يَكفِي كِفايةً إِذا قام بالأَمر، ويقال: استَکفَيته أمراً فكفانيه، ويقال كَفاك هذا الأَمرُ أَي حَسبُك، وکَفاكَ هذا الشيء)) (81) وهذا ما أكده الدكتور صبحي الصالح في بيان معنى هذه الصيغة بقوله: ((واستكفاك أمرهم بمعنی طلب منك كفاية أمرك، والقيام بتدبير مصالحهم.)) (82)
أما لفظة (الاستنامة) فتعني السكون والثقة (83)، وجاء في دلالة السياق ((أن يكون عارفا بنفسه فمن لم يعرف قدر نفسه لم يعرف قدر غيره. ثم نهاه أن يكون مستند اختياره لهؤلاء فراسته فيهم وغلبة ظنه بأحوالهم فإن التدليس ينم في ذلك كثيرا وما زال الكتاب يتصنعون للأمراء بحسن الظاهر وليس وراء ذلك كثير طائل في النصيحة والمعرفة ولكن ينبغي أن يرجع في ذلك إلى ما حکمت)) (84)
يتناول هذا المبحث الألفاظ الغريبة في عهد الإمام علي (عليه السلام) لواليه مالك الأشتر من ناحية الاشتقاق الذي نعني به تبیان الغرابة للألفاظ لا على أساس معرفة جذرها اللغوي من السامع، أو القارئ، بل هي قد تكون معروفة لديهما، جذراً لغوياً، ومادّة معجمية، وهي حاضرة في ذهنيها، ولكنّ الصيغة الصرفية التي جاءت عليها يندر أن تجيء لمثلها، ولم يذكر الصرفيون لها هذه الصيغة.
بدأ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) العهد بقوله:((بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ حِینَ وَلَّاهُ مِصْرَ: جِبَایَةَ خَرَاجِهَا وَجِهَادَ عَدُوِّهَا وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا أَمَرَهُ بِتَقْوَی اللّهِ وَإِیْثَارِ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِی کِتَابِهِ: مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ الَّتِی لَایَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا وَلَا یَشْقَی إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا)) (85) فبعد أن بدأ أمير المؤمنين كتابه بالبسملة إذ إن هذا العهد کان ککتاب مستقل افتتحه بالبسملة، وإلاّ فليس في باقي كتبه ووصاياه وعهوده بسملة.
وكالعادة المعروفة في مخاطباته الرسمية أشار إلى أن هذا الكتاب موجه من عبد من عباد الله وهو في الوقت نفسه أمير للمؤمنين، وهي حقيقة أكد عليها الإمام علي (عليه السلام) في أكثر من رسالة وكتاب حين قدم العبودية على الإمارة ويدلل دلالة واضحة على إقراره بالعبودية لله تعالى ويرى نفسه عبدا من عباد الله قبل أن يكون
أميرا للمؤمنين. ووجه كتابه هذا إلى أحد ولاته أولا من أجل استحصال الضرائب وجبايتها من أهلها وقتال عدوها، ويأمره بتقوى الله وإتباع أوامره بتقديمه طاعة الله على غيره؛ لأنها من مستلزمات السعادة في الدنيا والآخرة، وأنه يشقی من خالف أوامر الله و فرائضه وسننه وقال (لا يشقى ألا مع جحودها)
ولعل أول لفظة غريبة تطالعنا في عهد مالك (رضي الله عنه) هي (الجحود) وهي مصدر وتعني في اللغة: ((الإنكار مع العلم)) (86) و ((يقال جَحَده حَقَّه وجَحَده بحقه وبابه قَطَع وخَضَع.) (87) ویری ابن منظور (ت 711 ه) أن الجحود: ((نقیض الإِقرار كالإِنكار والمعرفة جَحَدَهُ يَجحَدهُ جُحداً وجُحوداً)) (88) و ((جَحَدَهُ حَقَّهُ وَبِحَقِّهِ جَحدًا وجُحُودًا أَنکَرَهُ وَلاَیَکُونُ إلَّا عَلَى عِلمٍ مِن الجَاحِدِ بِهِ.)) (89) وقولهم مرة (نقیض) ومرة (ضد) كما في قول الأزهري (ت 370 ه) فيما رواه عن الليث ((قال الليث: الجحود: ضد الاقرار.)) (90) يوحي بأنها من الألفاظ المتقابلة، ولكن الإقرار يقابله الإنكار ولا يقابله الجحود لأن اختيار الإمام (عليه السلام) واستعماله لهذه اللفظة دون غيرها كأمثال نفيها أو عدم اقرارها فضلا عن كونها مصدرا بحد ذاته يدل على الحدث يجعله دالا على الثبات والاستقرار، فالشقاء في هذه الحياة يكون مع الإنكار لهذه الأوامر مع العلم بها وهذه طامة كبرى في حياة الإنسان.
وجعل سیبویه (ت 180 ه) هذه اللفظة من النادر الذي لا يقاس عليه وذلك بقوله: ((وقد جاء على فعلانٍ نحو الشكران والغفران. وقالوا: الشکور کما قالوا: الجحود. فإنما هذا الأقل نوادر تحفظ عن العرب ولا يقاس عليها، ولكن الأكثر يقاس عليه.)) (91) جاء ذلك في ((باب بناء الأفعال التي هي أعمال تعداك إلى غيرك وتوقعها به ومصادرها)) (92) وقال فيه أيضاً ((وقد جاء بعض ما ذكرنا من هذه الأبنية على فُعول. وذلك: لزمه يلزمه لزوماً، ونهکه ینهکه نهوكاً، ووردت وروداً،
وجحدته جُحُوداً، شبهوه بجلس جلوساً، وقعد يقعد قعوداً، ورکن یرکن رکوناً، لأن بناء الفعل واحد.)) (93) وقد جعله ابن سيده (ت 458 ه) في أبواب النّفي إذ يقول: ((النّفي ضدُّ الإِيجاب، نفيتُه نَفياً وأهل المنطق يسمونه سَلباً. صاحب العين: الجُحودُ: نقيض الإِقرار جحَدَه يجحَده جَحداً)) (94)
ولا شك أن معرفة السياق الذي وضعت فيه اللفظة وقت استعمالها لها بالغ الأثر في بيان دلالتها ووضوح معناها، نرى ذلك في سياق قول الإمام علي (عليه السلام) في عهده إذ يقول: ((ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع؛ فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الغير)) (95) وقوله ((ولا تقولن إني مؤمر أي لا تقل إني أمير و وال آمر بالشيء فأطاع.)) (96) أما الإدغال فهو ((الإفساد ومنهكة للدين ضعف وسقم)) (97)
واستعمل الإمام علي (عليه السلام) هذه اللفظة ووظفها في نص آخر من نهج البلاغة وفي خطبة خطبها بصفين في حق الوالي وحق الرعية بقوله: ((وَإِذَا غَلَبَتِ
اَلرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا أَوْ أَجْحَفَ اَلْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ اِخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ اَلْكَلِمَةُ وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ اَلْجَوْرِ
وَكَثُرَ اَلْإِدْغَالُ فِي اَلدِّينِ وَتَرَكَتْ مَحَاجُّ اَلسُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى وَعُطِّلَتِ اَلْأَحْكَامُ وَكَثُرَتْ عِلَلُ اَلنُّفُوسِ فَلاَ يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ وَلاَ لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ فَهُنَالِكَ تَذِلُّ
اَلْأَبْرَارُ وَتَعِزُّ اَلْأَشْرَارُ وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اَللِّهَ سُبْحَانَهُ عِنْدَ اَلْعِبَادِ.))(98)
فقد وردت كلمة (الإدغال) وهي من المصادر، والإدغال على ما يبدو أنها من الألفاظ المشتركة التي تكون لها عدة دلالات منها الفساد، والشجر الكثير الملتفُّ وقيل هواشتباك النبت وكثرته وقيل الدَّغَل كل موضع يخاف فيه الاغتيال والجمع أَدغال ودِغال (99).
وذكر سیبویه (ت 180 ه) ذلك في ((باب مصادر ما لحقته الزوائد من الفعل من بنات الثلاثة فالمصدر على أفعلت إفعالاً، أبداً. وذلك قولك: أعطيت إعطاءً، وأخرجت إخراجاً.)) (100)
ووظف الإمام علي (عليه السلام) لفظة (الإدغال) وهي مصدر بمعنى الفساد ولذلك جاء مرة معلقا بالجار والمجرور (في القلب) وأخرى (في الدين) لأن أخطر ما تمر به الأمة هو الفساد في القلب وكذلك الفساد في الدين ((وهو أن يدخل في الشيء ما ليس منه وهو الإبداع والتلبيس. وبفتح الهمزة: جمع الدغل - کجبل - وهو الفساد...)) (101)
وقد ظهر في العهد لفظ (حدوة) والذي يبدو للوهلة الأولى أنها من المصدر الدال على المرة، وذلك في سياق قول الإمام علي (عليه السلام) بقوله: ((... فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لاُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الاْمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ. وَتَحَفَّظْ مِنَ الاَعْوَانِ...)) (102) وذكر ابن أبي الحديد في توضيح هذه اللفظة ((وحدوة باعث، يُقال: حداني هذا الأمر حَدوةً على كذا، وأصله؛ سَوق الإبل، ويُقال: للشّمال حَدواء؛ لأنَّها تسوق السحاب.)) (103)
وظاهر غرابة التركيب في (حَدوة)، أنّها جاءت على زنة (المرّة)، وليس الموضع موضع مرّة، ولكنّه موضع المصدر الدّال على الحدث بعينه، لا بعدد مراته، والمعنى: (فإن تعاهدك في السرِّ لأمورهم حَدوٌ لهم...)، إذ ذكر الصرفيون قیاس (فَعَلَ) إذا كان متعدياً فمصدره علی زنة (فَعل) إذ ذكر الخليل: ((حدا يحدو حَدواً، وأعرفه حُداءً - ممدود - إذا رجز الحادي، خلف الإبل وَحَدا يحدو حَدواً، إذا تبع شيئا)) (104). وقال ابن دريد: ((حدوتُ الإبل، أحدوها حدواً)) (105)، ولم يذكر ابن السکِّیت (الحَدوة) في باب (فَعلة وفُعلة) ولا في باب
(فَعلة وفُعلة وفِعلة) ولا في باب (فَعلة وفِعلة) (106). ولم نجد - في ما وقع بين يدي من المعاجم، والكتب - من أشار إلى (حدوة) ولو حتى بمعنى المرّة، إلّا أنَّ ابن أبي الحديد، يقول في معرض شرحه للكلام: ((وحدوة باعث، يُقال: حداني هذا الأمر حَدوةً على كذا، وأصله؛ سَوق الإبل، ويُقال: ((للشّمأل حَدواء؛ لأنَّها تسوق السحاب)). ولا أدري من أين جاء بقوله: (حداني هذا الأمر...) ولعلّه أراد (حَدوة من حداني هذا الأمر حَدوة) أي لبيان اشتقاقها وإلّا فإنَّ قوله: (يقال...) يوهم بأنَّ هذا التصريف مسموع عند العرب، ولم نجد له ذكراً في كتب اللغة (107).
من الألفاظ التي وردت في العهد من الجموع ونرى أنها غريبة هي (الجمحات) التي وردت بصيغة الجمع في قوله (عليه السلام): ((فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَکَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ وَ أَمَرَهُ أَنْ یکْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَ یزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ)) (108).
وورد في المعجمات أن ((الجمحات من جمح الفرس براكبه ذهب يجري جربا غالبا واعتزّ فارسه وغلبه، يقال: دابة ما بهارمحة ولا جمحة)) (109) وعليه فإن الجمحات منازعة النفس إلى شهواتها ومآربها ونزعها بكفها.
وقد ذكر سيبويه هذا النوع من الجمع في ((باب جمع الاسم الذي في آخره هاء التأنيث زعم یونس أنَّك إذا سمّيت رجلا طلحة أو امرأة أو سلمة أو جبلة، ثم أردت أن تجمع جمعته بالتاء، كما کنت جامعه قبل أن يكون اسماً لرجل أو امرأة على الأصل. ألا تراهم وصفوا المذكّر والمؤنث، قالوا: رجل ربعة وجمعوها بالتاء: فقالوا ربعات ولم يقولوا: ربعون. وقالوا: طلحة الطلحات ولم يقولوا:
طلحة الطَّلحين. فهذا يجمع على الأصل لا يتغيّر عن ذلك، كما أنَّه إذا صار وصفا للمذكّر لم تذهب الهاء.)) (110) وعليه فالكلمة التي استعملها الإمام (عليه السلام) جاءت على الأصل الذي وضعت له في اللغة.
جاء في العهد مجموعة لا بأس بها من المشتقات لعل من أبرزها ((الناكل، أشنأهم)) وسوف نستعرض بعضا من تلك المشتقات ونبدأ أولا في لفظة (الناكل) وهي اسم فاعل جاءت في سياق قول الإمام علي (عليه السلام): ((وَوَاصِلْ فِی حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَیْهِمْ وَتَعْدِیدِ مَا أَبْلَی ذُوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ فَإِنَّ کَثْرَةَ الذِّکْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ وَتُحَرِّضُ النَّاکِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَی وَلَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَی غَیْرِهِ وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهُ دُونَ غَایَةِ بَلَائِهِ)) (111) وجاء هذا القول في سياق جملة من الأوامر التي وجهها الإمام علي (عليه السلام) في کتابه وتحديدا ((أمره أن يذكر في المجالس والمحافل بلاء ذوي البلاء منهم فإن ذلك مما يرهف عزم الشجاع ويحرك الجبان. قوله ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره أي أذكر كل من أبلى منهم مفردا غير مضموم ذکر بلائه إلى غيره كي لا يكون مغمورا في جنب ذكر غيره.)) (112)
والمعنى المعجمي لهذه اللفظة هو الجبن والصرف عن الشيء جاء ذلك في لسان العرب بقوله: ((نكل عنه کضرب ونصر وعلم نکولاً نكص وجبن) ویَنکُل نَکولاً ونَكِلَ نَکَصَ يقال نَکَل عن العدوّ وعن اليمين يَنکُل بالضم أَي جَبُنَ ونَکَّله عن الشيء صرفه عنه ويقال نکّل الرجل عن الأَمر يَنکُل نُکولاً إذا جَبُنَ عنه ولغة أُخرى نَكِل بالكسر یَنکَل والأُولى أَجود الليث النّكل)) (113)
وهذه اللفظة وردت بصيغة مصدر آخر غير (نکول) الواردة في المعجمات في
القرآن الكريم في قوله تعالى: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ» (المائدة 38) وقوله تعالى: «فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا» (البقرة: 66) ووردت مرة أخرى بصيغة الجمع في قوله تعالى: «إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا» (المزمل 12) ولكن الإمام (عليه السلام) استعمل هذه اللفظة بصيغة اسم الفاعل وهي صيغة جديدة حاول الإمام استعمالها من باب تكثيف الدلالة لهذه اللفظة.
ومن المشتقات الأخرى في العهد لفظة (أشنأهم) وهي أفعل التفضيل من الشنآن ويلحظ ذلك في قوله (عليه السلام): ((وَلْيَکُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وَأشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبُهُمْ لَمِعَائِبِ النَّاسِ فإنَّ في النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا فَلاَ تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا فَإنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ)) (114) فإنه استعمل لفظة (وأشنأهم) التي يراد بها ((الشَّناءة مثل الشَّناعةِ البُغضُ)) (115) وهي مما نضعه في قائمة اسم التفضيل وغریب الوزن فيها ذلك أنها لم ترد بهذه الصيغة في القرآن إذ ورد قوله تعالى: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ» (المائدة 2، 8) وقرئَ بهما أي بفتح النون وإسكانها ((وشَنَاناً وشَناناً بالتحريك والتسكين أَبغَضَه... فمن سکَّن فقد يكون مصدراً کَلَیَّان ویکون صفة کَسَکرانَ أَي مُبغضُ قوم قال الجوهري وهو شاذ في اللفظ لأَنه لم يجئ شيءٌ من المصادر عليه ومن حرَّك فإنما هو شاذ في المعنى؛ لأَن فَعَلانَ إِنما هو من بِناءِ ما كان معناه الحركةَ والاضطِرابَ کالضَّرَبانِ والخَفَقَانِ)) (116)
أما في التهذيب فقد ذكر أن ((الشَّنَآنُ مصدر على فَعَلان کالنَّزَوانِ والضَّرَبانِ وقرأَ عاصم شَنان بإِسكان النون وهذا يكون اسماً كأنه قال ولا يَجرِ مَنَّكم بَغِیضُ قوم)) (117) وفي التنزيل العزيز قوله تعالى: «إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» (الكوثر 3) وقال الفرَّاءُ في تفسير الآية: ((قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه [وآله] وسلم إِنَّ شانِئك أَي
مُبغِضَك وعَدُوَّكَ هو الأَبتَر)) (118)
وجاء غريب هذه اللفظة من كونها جاءت على هذه الصيغة (أفعل) والمعروف لدى الصرفيين أنهم وضعوا عدّة شروط في صياغة اسم التفضيل، بلغت الثمانية؛ (119) منها لا يُصاغ من العيوب والخلال الظاهرة والألوان، عند البصريين، وأجاز الكوفيّون صياغته، من نحو: (أسود منه) وغيرها، أمّا ما كان عيباً باطناً على (فعل)، فجائز عند البصريين؛ من نحو: (أبلَه منه)، و (أحمق منه). ولكن (أشنأ) جاءت على وزن (أفعل) واستعملها الإمام (عليه السلام) من باب اختلاف الصيغة وندرة الاستعمال.
بعد هذه الجولة في الألفاظ الغريبة في عهد الإمام (عليه السلام) نخلص إلى عدة نتائج أبرزها:
ما نصت عليه المعجمات العربية في دلالة لفظة (الغريب) لا تخرج عن كونه الغامض في الكلام والابتعاد به والنأي عنه.
الغريب الذي وقع في نهج البلاغة هو غريب يصب في الفصاحة، لا غريب ينافر الفصاحة.
الغريب الذي وقع في عهد الإمام علي (عليه السلام) في الألفاظ والمعاني والاشتقاق.
ألفاظ الغريب التي ظهرت في العهد كانت موزعة ما بين الأسماء والأفعال.
وجد البحث كثيرا من الصيغ الصرفية فكان هنالك المصادر والجموع واسم الفاعل وأفعل التفضيل وغيرها.
قدّم البحث دراسة للغريب لجميع ما ذكر في العهد وحاول الكشف عن دلالتها ومعناها اللغوي وعن معناها في السياق الذي وضعت فيه مبينا وجه الغرابة فيها.
قد ترد ألفاظ غريبة ولا يفهم من غرابتها إلا إذا فهم معنى السياق الذي وضعت فيه.
استعمل الإمام (عليه السلام) بعض الصيغ وجاءت موافقة للمعنى الأصل في اللغة.
أثر الدخيل على العربية الفصحى في عصر الاحتجاج: د. مسعود بوبو، وزارة الثقافة، دمشق 1982 م.
الاشتقاق: لابن درید، محمد بن الحسن، (ت 321 ه) تح: عبد السلام محمد هارون، مطبعة السنة المحمدية، 1958 م.
إصلاح المنطق: لابن السکِّیت، يعقوب بن إسحاق، (ت 244 ه)، تح: أحمد محمد شاكر، وعبد السلام محمد هارون، مصر، 1949 م.
التطور اللغوي التاريخي: د. إبراهيم السامرائي، ط 2، دار الأندلس، 1401 ه - 1981 م.
تهذيب اللغة: الأزهري (ت 370 ه) 6. الفهرست: لابن النديم (ت ه)، ح رضا - تجدد، طهران 1391 ه - 1971 م.
البحث والمكتبة: تأليف الدكتور نوري حمودي القيسي والدكتور حاتم صالح الضامن، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي / جامعة بغداد - بيت الحكمة، 1988 م.
بذور الدّراسة الدلالية لألفاظ القُرآن الكَريم: د. سَعُد الكردي مجلة التراث العربي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب - دمشق العدد 66 - السنة 17 - كانون الثاني - يناير 1997 - شعبان 1417.
الرسالة: للشافعي، محمد بن إدريس، (ت 204 ه)، تح: أحمد محمد شاكر، مصر، 1940 م.
رواية اللغة: د. عبد الحميد الشلقاني، دار المعارف بمصر- 1971 م.
شرح الكافية: للرضي الأسترابادي، طبع على الحجر، طهران، د. ت. وطبع؛ مطبعة الرضي سنة، 1275 ه.
شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن محمد المعتزلي (ت 656 ه)، بيروت، د. ت.
الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها: أحمد بن فارس (ت 395 ه)، حققه وقدّم له مصطفى الشويمي، مؤسسة أ. بدران للطباعة والنشر، بيروت لبنان 1383 ه - 1964 م.
عهد الإمام عليّ إلى مالك الأشتر لمؤلّفه علي الأنصاري الناشر: دار سروش للطباعة والنشر - طهران، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة. الطبعة: الأولى سنة 1403 ه/ 1983 م.
العين: الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 ه)، تح: د. مهدي المخزومي، ود. إبراهيم السامرائي، الكويت، 1981 م.
غُرر الحكم ودرر الكلم: للآمدي، عبد الواحد بن محمد، (ت 436 ه)، صيدا، 1930 م، وطبع مصر، ت-ح: أحمد شوقي، د. ت.
غريب الحديث: ابن الجوزي(ت ه)، تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية - بيروت، 1985 م.
غريب الحديث: القاسم بن سلام الهروي أبو عبيد
الغريب في اللغة العربية: محمد فلح العثمان
غريب نهج البلاغة أسبابه، أنواعه، توثيق نسبته، دراسته: تأليف د. عبدالكريم حسين السعداوي مكتبة الروضة الحيدرية
الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة، لابن الصباغ المالكي، علي بن محمد (ت 855 ه)، النجف، 1960 م.
الفهرست: ابن النديم محمد بن إسحاق أبو الفرج النديم دار المعرفة - بيروت، - 1398 - 1978.
القاموس المحيط: الفيروزآبادي (ت 817 ه)، إعداد وتقديم: محمد عبد الرحمن المرعشلي، بيروت، 2001 م. وطبع بيروت في 1403 ه.
كتاب الدلائل في غريب الحديث، للسرقسطي، دراسة د. شاكر الفحام، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق - 1396 ه - 1976 م.
كتاب الصناعتين: أبو هلال العسكري (ت 395 ه)، بعناية السيد محمد أمين الخانكي. طبعة الأستانة سنة 1320 ه.
كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر: ابن الأثير(ت 606 ه)، تحقيق: محمود محمد الطباحي، وطاهر أحمد الزاوي، مؤسسة التاريخ العربي.
كتاب سيبويه: أبي بشر عمرو بن عثمان(ت 180 ه)، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، عالم الكتب / بيروت.
لسان العرب: ابن منظور(ت 711 ه)، 29. المحاسن و المساوئ: للبيهقي، إبراهيم بن محمد، (ت قبل 320ه)، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، القاهرة، 1961 م.
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء البلغاء، للراغب الأصفهاني، الحسين ابن
محمد، (ت/ 502 ه)، القاهرة، 1326 ه.
مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر الرازي (ت 666 ه)، دار الرسالة - كويت، 1403 ه - 1983 م.
المخصص: ابن سيده الاندلسي(ت 458 ه)،
المصباح المنير: الفيومي
المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري محمد بن عبدالله (ت 405 ه)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، 1990 م.
مصادر التراث العربي: د. عمر دقاق، مكتبة دار الشرق، بيروت (بلا تاريخ).
معاني القرآن: للفراء، يحيى بن زياد (ت 207 ه) (1 - 3) تحقيق: أحمد يوسف نجاتي، وآخرين، القاهرة، 1955 - 1980 م.
معرفة علوم الحديث: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري تحقيق: السيد معظم حسين الطبعة الثانية دار الكتب العلمية - بيروت، 1397 ه - 1977 م.
المفردات في غريب
الموازنة بين شعر ابي تمام والبحتري: أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي (ت 370 ه)
نهج البلاغة: تعليق الدكتور صبحي الصالح، الطبعة الثانية، مطبعة برستش، مؤسسة انتشارات أنوار الهدى، 1424 ه. ق.
الوساطة بين المتنبي وخصومه: القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني(ت 392 ه)
العين/ مادة (غرب).
المصدر السابق.
القاموس المحيط/ مادة (غرب).
المصدر السابق.
لسان العرب/ مادة (غرب).
لسان العرب/ مادة (غرب). وينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 5/ 28.
التعريفات 92.
المصدر السابق.
ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 1/1 وما بعدها.
10 . ثم تعاقبت كتب كثيرة في غريب القرآن، ومن الذين ألفوا فيه: أبو محمد يحيى ابن المبارك اليزيدي (ت 202 ه) والنضر بن شميل (ت 203 ه)، وقطرب (210 ه)، وأبو عبيدة مَعمَر بن المثنى (ت 213 ه)، وأبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت 216 ه) والأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (ت 215 أو 221 ه)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224 ه) ومحمد بن سلام الجمحي (ت 231 ه)، والمبرد (ت 285 ه)، وابن قتيبة (ت 276 ه) وثعلب (ت 291 ه)، والمفضل بن سلمة (ت 291 ه)، وابن الأنباري (ت 328 ه). ينظر: البحث والمكتبة 128 - 129.
طَبَعَتهُ دار إحياء الكتب بالقاهرة سنة 1958 م بتحقيق الأستاذ السيد أحمر صقر.
طَبَعَتهُ مطبعة مجلس دار المعارف الإسلامية / تحت مراقبة: د. محمد عبد المعين خان، الطبعة الأولى 1965 م.
طَبَعَتهُ بمكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى 1419 ه - 1999 م. بتحقيق ودراسة أحمد فريد المزيدي.
ينظر في هذا كتاب البحث والمكتبة للدكتور نوري حمودي القيسي، والدكتور حاتم صالح الضامن.
ينظر: الفهرست 52، رواية اللغة 90 - 91، مصادر التراث العربي 137.
بُذور الدّراسة الدلالية لألفاظ القُرآن الكَريم - د. سَعُد الكردي - الفهرست: 78، 96. النهاية في غريب الحديث والأثر: 1/ 4 - 5. كتاب الدلائل في غريب الحديث للسرقسطي، دارسة الدكتور شاكر الفحام: 4 التطور اللغوي التاريخي: 42.
أثر الدخيل على العربية الفصحى في عصر الاحتجاج 351.
غريب الحديث: لابن سلام 1/ 1 المقدمة.
المصدر السابق.
كتاب الصناعتين 1.
الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري 1/ 104.
الوساطة بين المتنبي 5، وينظر: الغريب في اللغة العربية محمد فلح العثمان
ينظر: سر الفصاحة 212 214، والمثل السائر 34.
غريب الحديث 1/ 27.
الفائق في غريب الحديث 1/ 141.
ينظر: غريب نهج البلاغة وينظر المصادر التي ذكرها في هامش(20 و 21 و 22) من الصفحة نفسها. وقد ذكر الحافظ النيسابوري: ((فأول من صنف الغريب في الإسلام النضر بن شميل له فيه كتاب هو عندنا بلا سماع)) معرفة علوم الحديث 1/ 146.
المحاسن والمساوئ 1/ 36 - 37. وينظر: المستدرك على الصحيحين 3/ 481، والفصول المهمة 14.
محاضرات الأدباء 1/ 89، وغرر الحكم 82.
غريب نهج البلاغة 16 - 17.
ينظر: غريب نهج البلاغة 22.
ينظر على سبيل المثال لا الحصر: بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة:، ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: الحاج مير حبيب الله بن السيّد محمّد الملقب بأمين الرعايا (ت 1324 ه)، وفي ظلال نهج البلاغة، منهاج البراعة (الراوندي)، وشرح نهج البلاغة (الحائري)، وشرح نهج البلاغة (الجعفري)، وشرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد. وشرح كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) - عبد الوهاب، وشرح نهج البلاغة المقتط-ف من بحار الأنوار، ونهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة تأليف الشيخ محمد باقر المحمودي.
ينظر: غريب نهج البلاغة أسبابه 22 -30 .
غريب نهج البلاغة أسبابه 22.
غريب نهج البلاغة 25.
المصدر السابق 29.
الرسالة: للشافعي 13. والنص هكذا ورد في المصدر: ((ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي)).
غريب نهج البلاغة أسبابه 30.
غريب نهج البلاغة أسبابه 102 - 103.
ينظر: المصدر السابق 104.
ينظر: المصدر السابق 106.
نهج البلاغة 92. رقم الخطبة (57).
ينظر: الفائق في غريب الحديث والأثر 1/ 388، و (النهاية) (د/ح/ ق): 2/ 103.
ينظر: العين، و (الصحاح)، و (الأساس)، و (اللسان) مادة (دحق).
ينظر: غريب نهج البلاغة أسبابه 107.
ينظر: المصدر السابق 108 وما بعدها.
نهج البلاغة 426، شرح نهج البلاغة 17/ 30، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة 8/ 474.
كتاب في مقالة (عهد الإمام عليّ إلى مالك الأشتر) شبكة الإمام الرضا (عليه السلام).
المصدر السابق.
ينظر: غريب نهج البلاغة أسبابه 102.
نهج البلاغة 428.
لسان العرب مادة (سما).
لسان العرب مادة (سما).
ينظر: تهذيب اللغة مادة (سما) 54. لسان العرب مادة (سما) 55. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد 17/ 34.
نهج البلاغة 433.
شرح نهج البلاغة 17/ 54. وينظر الصفحة 52 من الكتاب نفسه.
لسان العرب مادة (خلف).
غريب الحديث ابن الجوزي 1/ 297.
المصدر السابق 1/ 298.
نهج البلاغة 430.
نهج البلاغة 433
شرح نهج البلاغة 17/ 45.
شرح نهج البلاغة 17/ 53.
النهاية في غريب الأثر ابن الأثير 4/ 249.
لسان العرب مادة (لصق).
نهج البلاغة 428.
شرح نهج البلاغة 17/ 34.
لسان العرب مادة (طمن).
المفردات في غريب القرآن
المصدر السابق.
غريب الحديث ابن الجوزي 2/ 16
نهج البلاغة 434.
شرح ابن أبي الحديد 54 - 55.
ينظر: لسان العرب مادة (ضلع).
نهج البلاغة 428.
نهج البلاغة 437.
ينظر: الكتاب 2/ 235، 236، 239، 241، وشرح الشافية للرضي 1/ 110 - 111. ومن معانيها الأخر هي: الصيرورة حقيقة ك (استحجر الطين)، أو مجازاً ك (إنَّ البُغاث بأرضنا يستنسر)، واعتقاد صفة الشيء ك (استحسن) واختصار حكاية ك (استرجع)، أي: قال: (إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون)، والشدّة ك (استهتر)،
أي: اشتدّ هتره، والمصادفة والوجدان ك (استكرمته واستبخلته) أي وجدته كريماً أو بخيلاً.
الكتاب 4/ 70.
الصاحبي في فقه اللغة 223.
لسان العرب مادة (كفى).
نهج البلاغة 696.
ينظر: نهج البلاغة 700.
شرح نهج البلاغة 17/ 78.
نهج البلاغة 426 - 427.
تاج اللغة وصحاح العربية مادة (جحد).
مختار الصحاح 93.
لسان العرب مادة (جحد).
المصباح المنير 1/ 72.
تهذيب اللغة مادة (جحد).
الكتاب 4 / 8.
الكتاب 4/ 5.
الكتاب 4/ 5 - 6 94. المخصص
نهج البلاغة 428.
شرح نهج البلاغة 17/ 33.
شرح نهج البلاغة 17/ 34.
نهج البلاغة 333 - 334.
ينظر: لسان العرب مادة (دغل).
الكتاب 4/ 78.
نهج السعادة - الشيخ المحمودي 2/ 180.
نهج البلاغة 435.
شرح نهج البلاغة 17/ 70
العين مادة (ح دی).
الاشتقاق 406.
ينظر: اصلاح المنطق 127 - 130، 131 - 133.
ينظر: غريب نهج البلاغة أسبابه 149.
نهج البلاغة 427.
أساس البلاغة 63 (جمع)، ولسان العرب مادة (جمع).
الكتاب 3/ 111. نهج البلاغة 434 112. شرح نهج البلاغة 17/ 54.
لسان العرب مادة (نكل).
نهج البلاغة 429.
لسان العرب مادة (شنأ).
المصدر السابق.
تهذيب اللغة مادة (شنأ).
معاني القرآن
ينظر: الكتاب 2/ 251 252، شرح الكافية للرضي 2/ 235.
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه الغر الميامين ومن والاهم الى يوم الدين.
وبعد يعد أسلوب الأمر أحد الأنماط التي تنتمي الى أسلوب الطلب وقد قسم النحاة الجمل العربية على قسمين جمل اسمية وجمل فعلية، وأما البلاغيون فقد قسموا الجمل على صنفين أما طلبية أو إنشائية ولهذا الأسلوب صيغ مختلفة يتردد عليها من ضمن سنن العرب في كلامها كما وضع الدارسون آليات محددة يدرس على أساسها هذا الأسلوب أو أي أسلوب آخر وبما أن أسلوب الطلب من أنماط علم المعاني الذي حده البلاغيون بأنه العلم الذي يدرس بغية الاحتراز من الوقوع في الأخطاء المعنوية، فلا بد من تبني مجموعة أو منظومة أسلوبية تأخذ على عاتقها هذه المسؤولية.
وقد قسّمت البحث الموسوم ب ((الأمر وأنماطه الفنية في عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر)) على أربعة مباحث، سبقت بمقدمة وانتهت بخاتمة تبين أهم النتائج التي توصل إليها الباحث فضلاً عن قائمتين إحداهما لهوامش البحث والأخرى لمظان البحث الرئيسة، وقد أطلقت على المبحث الأول: مفهوم مصطلحات البحث اللغوية والاصطلاحية و قد درس هذا المبحث لثلاثة محاور جاءت على النحو الآتي: (الأمر لغة واصطلاحا، والأنماط لغة واصطلاحاً، والعهد لغة واصطلاحا).
فيما وسم المبحث الثاني ب: مضامين عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر وتضمن هذا المبحث محورين الأول منهما: نبذة مختصرة عن حياة مالك الأشتر، والثاني مضامين هذا العهد.
فيما أطلقت على المبحث الثالث: أسلوب الأمر وصيغه ودلالاته في اللغة العربية وقد قسم على محورين: ضم الأول: الأنماط الحقيقية فيما اشتمل الثاني على الأنماط المجازية
وتضمن المبحث الرابع دراسة ل (أنماط الأمر ودلالاتها في عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر)
وقد استعان الباحث بمجموعة من المصادر التاريخية والأدبية واللغوية والدينية، ومصادر العقيدة كي ينجز هذا البحث المتواضع فهو لا يدعي الكمال في كل ما قام به وما بذله من جهد؛ لأن الكمال لله عز وجل والعصمة له وحده لا شريك له فإن أصاب فهو حسبه وإن أخطأ فجل بني البشر خطائين والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
الباحث
أولاً: الأمر (لغةً واصطلاحاً):
هو المصدر من الفعل الماضي الثلاثي أمر، يأمر، أمراً
واصطلاحاً: بمعنى الطلب أو الحال والشأن والسلطة (1) ومنه قوله تعالى: ((لله الأمر من قبل ومن بعد)) (2)
والأمر: هو أحد أنواع الفعل ويمكن تقسيم الفعل على ثلاثة أنواع: (الماضي والمضارع والأمر) (3)
ويمكن تعريف فعل الأمر بأنه لفظ يطلب به تنفيذ فعل في زمن الحال (4) والأمر أسلوب بلاغي يعني طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام (5)
ثانياً: مصطلح الأنماط الفنية في اللغة والاصطلاح:
النمط في اللغة: النمط لغة من الجذر الماضي نمط ينمط تنميطا فهو منمِط اسم فاعل ومنمَط وهو اسم مفعول ويعني ظهارة الفراش وهو ضرب من البسط وهو أيضا ثوب من الصوف وهو كذلك جمع من الناس اجتمعوا على أمر واحد (6) وجاء في حديث الامام علي (عليه السلام): ((خير الناس هذا النمط الأوسط يرجع إليه العالي ويرتفع إليه التالي)) (7)
أما في الاصطلاح: فالنمط هو طريقة أو أسلوب وقد يأتي بمعنی صنف أو نوع (8).
والفنيّة: مصدر صناعي من الفعل فنن والفن طريق ومسلك وقد يأتي بمعنی اللون (9) ألا ترى قوله تعالى ((ذواتا أفنان)) (10) نسبةً الى الفن وهي تعني التفنن في
استعمال اللغة لأجل الإبداع الجملي والجمالي الذي يتوخاه المتلقي
ثالثاً: العهد في اللغة والاصطلاح
العهد في اللغة
والعهد لغة: مأخوذ من الفعل الماضي الثلاثي (عهد) و مضارعه يعهد والمصدر عهداً (11)
العهد اصطلاحاً أما اصطلاحا فهو بمعنى الميثاق وقد يأتي بمعنى الوصية والأمر وهذا ما ذهب اليه الزبيدي في تاج العروس (12) وهذا المعنى يتناغم مع مانريده وما يدل على ذلك قوله تعالى: ((ألم أعهد إليكم يا بني آدم)) (13)، وقوله: ((وعهدنا إلى إبراهيم)) (14)، في حين يرى آخرون مثل الرازي في مختار الصحاح أن العهد هو الأمان واليمين والموثق والذمة والحفاظ فضلاً عن الوصية وعهد إليه أي فهم أي أوصاه ويحتج أصحاب هذا الرأي بقوله عز وجل: ((وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة)) (15) ومنه اشتق العهد (16)
ثانياً: الأنماط الفنية: الأنماط بصيغة جمع التكسير على زنة أفعال ومفردها نمط وهو على معاني مختلفة منها: ((ظهارة الفراش، وضرب من البسط وثوب من صوف)) (17)، وقد تأتي بمعنى: ((جماعة من الناس أمرهم واحد)) (18)
أما في المصطلح فهو طريقة أو أسلوب وشكل أو مذهب، وقد ترد بمعنی صنف أو طراز أو نوع من شيء (19).
والفنية: مصدر صناعي وهو كل مصدر اتصل بالياء المشددة والتاء المربوطة والفن: هو أسلوب وقد ورد في محكم التنزيل بقوله: ((ذواتا أفنان)) (20)، والأفنان هنا بمعنى الألوان المختلفة.
أولًا: نبذة من حياة مالك الأشتر هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن خزيمة بن سعد بن مالك بن نخع (21) الكوفي، المعروف بالأشتر، ويكنى بأبي ابراهيم وبكبش العراق (22) من صحابة أمير المؤمنين ومن أثبتهم ولد في سنة (25 ق. ه) في اليمن
أدرك رسول الله. وهو من ثقاة التابعين. وكان رئیس قومه.
وكان الإمام عليّ (عليه السلام) يثق به ويعتمد عليه، وطالما كان يُثني على وعيه وخبرته وبطولته وبصيرته وعظمته، ويفتخر بذلك.
أوّل حرب حضرها كانت في فتح دمشق فضلاً عن حرب اليرموك (23)، وقد أُصيبت عينه فيها فعرف لذلك بالأشتر (24)
عاش مالك في الكوفة. وكان فارساً شجاعاً طويل القامة، عريض الصدر، عدیم النظير في الفروسيّة. وكان لمزاياه الأخلاقية ومروءته ومُنعته وهيبته وأُبّهته وحياته، أثر كبير في نفوس الكوفيّين (25).
نُفي مع عدد من أصحابه إلى حمص في أيّام عثمان بسبب اصطدامه بسعید بن العاص والي عثمان على الكوفة. ولمّا اشتدّت المعارضة لعثمان رجع إلى الكوفة، ومنع والي عثمان الّذي كان قد ذهب إلى المدينة آنذاك من دخولها. واشترك في ثورة المسلمين على عثمان، وتولّى قيادة الكوفيّين الّذين كانوا قد توجّهوا إلى المدينة، وكان له دور
حاسم في الانقضاض على حكومة عثمان (26).
وقد أسند إليه الإمام علي (عليه السلام) عدة سلطات وهي:
جباية الخراج
جهاد العدو
استصلاح الأهل
عمارة البلاد (27)
توفي سنة 39 ه وهو في طريقه إلى مصر لأداء مهامه التي كلفه بها الإمام علي (عليه السلام)، وقيل إنه مات مسموماً (38) فتأثر الإمام لوفاته كثيراً حتى ظن بعض النخعيين أن الإمام هو صاحب المصيبة.
ثانياً: نبذة مختصرة عن عهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر / وهو ذلك العهد الذي عهده به الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفة المسلمين الى عامله على مصر مالك بن الحارث الأشتر النخعي في سنة 39 ه ويتألف هذا العهد من أربعين فقرة منها: (السيرة الحسنة والعلاقة مع الرعية وعدم التكبر والانصاف، والعدل، والوشاة، والاستشارة فضلاً عن دور الوزراء وصفاتهم) (29) علاوة على ذلك فإن هذا العهد قد احتوى على عدة مواضيع نذكر منها: (صفات الوزراء المفضلين، ومحاسبة الوزراء فوائد إعطاء الحرية للمواطنين وحسن الظن بهم احترام العادات الاجتماعية وتحسينها المشاورون الكبار في القضايا الاستراتيجية، و تكوَّن كل مجتمع في العالم من فئات وطبقات، و سياسة الحاكم مع القوات المسلحة، وسياسة الحاكم مع قادة الجيش، و سیاسة الوزراء والولاة في القضايا المشتبهة، سياسة الحاكم مع القوة القضائية، و سياسة الحاكم مع ولاة المحافظات وكبار الموظفين، وجهاز المخابرات الخاص برئيس الدولة، والسياسة المالية والضرائبية، وديوان الحاكم أو الجهاز الخاص به) (30)
أولاً: الأنماط الحقيقية: وتأتي غالباً من خلال الصيغ الآتية
صيغة فعل الأمر كقوله تعالى: ((اذهب الى فرعون انه طغى)) (31) فأسلوب الأمر في هذه الآية يتمثل في فعل الأمر اذهب.
صيغة الفعل المضارع المسبوق بلام الأمر كقوله تعالى: ((ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم)) (32). فصيغة الامر تمخضت في الفعلين المضارعين المجزومين ب (اللام) وهما: (يتفقهوا وينذروا).
صيغة اسم فعل الأمر كقول العزيز الحكيم:
((عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم)) (33). فاسم الفعل عليكم أدّى الدور الذي يقوم به فعل الأمر والتقدير التزموا أنفسكم.
صيغة المصدر النائب عن فعله، وهو كقوله تعالى:
((وقضى ربك ألا تعبد إلا إياه وبالوالدين إحسانا)) (34). فلفظة إحسانا نابت عن فعل الأمر المحذوف وعوض عنه بالمصدر النائب عن الفعل والتقدير (وبالوالدينِ أحسِن إحسانا) (35).
ثانياً: أغراض الأمر المجازية
قد تخرج صيغ الأمر من معانيها الحقيقية الموضوعة لها من قبل النحاة الى أغراض أخرى (36) أي إلى أغراض بلاغية وجمالية وهي:
الدعاء: وهو أسلوب طلبي من الأدنى شأناً إلى الأعلى مرتبة (37)، وقد أطلق احمد
بن فارس عليه ب (المسألة) (38) كقوله تعالى: ((ربِ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني)) (39).
الالتماس عندما يكون الطرفان بالدرجة نفسها كقول امرئ القيس:
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول فحومل (40)
التهديد: وتستعمل في مقام الرفض بالمأمور به کما في قوله تعالى: ((اعملوا ما شئتم انه بما تعملون بصير)) (41)
التعجيز: وتستعمل الصيغة في مقام اظهار عجز من يرى أن في وسعه وطاقته أن يفعل أمراً وليس بوسعه أن يفعل (42) كقوله عز وجل: ((ان کنتم فی ریب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءکم من دون الله ان کنتم صادقين)) (43)
التسخير: ونقصد به جعل الشيء مسخراً منقاداً فالمأمور لاحول له ولا قوة في تغيير هذا الأمر كقوله تعالى: ((كونوا قردةً خاسئين)) (44)، فهو ليس طلباً وانما صيرورتهم قردة بإذن الله (45).
التحقير والاستهانة / كقوله تعالى: ((كونوا حجارة أو حديدا)) (46) فهو لا يطلب منهم أن يكونوا حجارة وانما من باب التحقير والاستهانة والاستصغار بهم ().
التسوية بين حالتين: ومثاله في قول العزيز الرحيم: ((فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم انما تجزون ماکنتم تعملون)) (47)
التمني ومثاله قول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ *** بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ (48)
فحصول انجلاء الليل هنا محال؛ لأن الليل ليس مما يخاطب ويؤمر وانما تمني الشاعر انجلاءه حتى يسفر الصباح بديلا عنه ().
الإرشاد: كقوله عز وجل: ((ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)) (49)، فالأمر هنا جاء لغرض النصح والموعظة والإرشاد (50).
وتتمثل في قوله (عليه السلام): ((ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما کنت تقول فيهم. وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده. فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح. فاملك هواك، وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحبت أو كرهت.)) (51)
فمن خلال النص السابق يمكن ان نورد أنماط الأمر وصيغها ودلالاتها من خلال الجدول الآتي:
أسلوب الأمر - نوعه - صيغته - دلالته
اعلم - حقيقي - فعل الأمر - يدل على التوصية
فليكن - حقيقي - لام الأمر المقترنة بالفعل المضارع المجزوم بسببها - يدل على التوصية
املك - أمر مجازي - صيغة فعل الأمر - يدل على التوصية
شح - أمر مجازي - صيغة فعل الأمر -يدل على التوصية
فقد خرجت اثنتان من ألفاظ الأمر في هذا المقطع الى الغرض الحقيقي ولفظتان الى صيغه المجازية المتمثلة بالفعل شح من شحَ يشح شحاً والشح بالنفس يختلف دلاليا عن الشح بالأشياء لأن الأول يتطلب ضوابط أصعب من الثاني فهو يقتضي
عصمة النفس عن الطمع ولزمها طاعة العقل البشري فالأول يعني مسك النفس البشرية والثاني يعني البخل.
أما الفعل الثاني الذي خرج الى غرض مجازي هو (املك) الذي يعني تارةً تملك الأشياء الظاهرية الملموسة كالنقود والأشياء المادية وتارةً أخرى يستعمل بمعنی القدرة على ضبط النفس وردعها قيادةً للعقل وردعاً للشهوات الأمارة بالسوء وهو ما تم استعماله في سياق العهد فقد اختلف معنى الأمر من الملك الحقيقي الى لزم النفس بدلالة السياق الذي وقعت فيه هذه اللفظة.
ومن المواضع الأخرى قوله (عليه السلام): ((وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط (52) منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك. وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدي لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته. الأمر عليك وفوقك، والله فوق من ولاك. وقد استكفاك (53) أمرهم وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب الله (54) فإنه لا يدلك بنقمته (55)، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته.)) (56).
فقد تضمن النص المتقدم صيغتي الأمر الحقيقي (اشعر، واعطهم) فالأول أسند الى ضمير مستتر وهو الفاعل يعود على مالك والآخر مفعوله الضمير المتصل المبني وهو يعود على الرعية وكلا الفعلين بصيغة فعل الأمر المبني على السكون.
ومنه قوله في العهد نفسه: ((وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أُبَهَةٌ (57) أو مَخِیلةٌ (58) فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من
نفسك، فإن ذلك يطامن (59) إليك من طماحك (60)، ويكف عنك من غَربِك (61)، ويفي إليك (62) بما عزب (63) عنك من عقلك إياك ومساماة (64) الله في عظمته والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل محتال أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى (65) من رعیتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض (66) حجته وكان الله حرباً (67) حتى ينزع ويتوب. وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد.)) (68). فقد وردت في هذا النص أربع صيغ للأمر ثلاث منها بصيغة فعل الأمر وهي على التتالي: (انظر، أنصف لمرتين، صيغة التحذير إياك) ثلاث منها تمثل الأمر الحقيقي وواحدة الأمر المجازي والصيغة المجازية تكمن في قوله (أنصف الله): فالإنصاف لا يراد منه اعطاء الحق المادي كما هو في التركيب الذي سبقه إنما يحتمل وجهين: الأول هو طاعة الله تعالى والالتزام بكتابه.
والوجه الآخر: يحتمل انصاف فقراء الله من باب حذف المضاف واقامة المضاف إليه لوجود القرينة وهو مجاز عقلي فحذف الفقراء وأقام لفظ الجلالة لفعالية فعل الأمر (أنصف) الذي أدى هذا المعنى.
ومن صيغ الأمر التي وردت في هذا العهد قوله (عليه السلام): ((وليكن أبعد رعيتك منك وأشنؤهم عندك أطلبهم لمعائب الناس، فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها. فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك. فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك. وأطلق عن الناس عقدة كل حقد. واقطع عنك سبب كل وتر. وتغاب عن كل ما لا يصح لك، ولا تعجلن إلى تصدیق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبّه
بالناصحين. ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله.)) (69).
فقد اشتمل النص أعلاه على ست صيغ من صيغ أسلوب الأمر أربع منها بأفعال الأمر وهي على التالي: (استر، اطلق، اقطع، تغابَ) وصيغة جاءت باسم فعل الأمر عليك والأخرى وردت بصيغة الفعل المضارع المقترن بلام الأمر (ولیکن) والأفعال الثلاثة الأولى جذورها ثلاثية وهي: (ستر، وطلق، وقطع) والفعل الرابع جذره خماسي وهو تغابی والأفعال الثلاثة تخص الناس الذين يحكمهم مالك الأشتر بینما الفعل الرابع يخص مالکا نفسه أي طريقة سلوکه لذا جاء بهذه الصيغة التي تشير الى التغافل والتغاضي عن تصرفات الآخرين وقد ورد هذا الفعل بمعنى المشاركة بين الحاكم والمحكوم.
ومن صيغ الأمر الأخرى قوله (عليه السلام): ((ثم لیکن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلهم مساعدة فيما یکون منك مما كره الله لأوليائه، واقعاً ذلك من هواك حيث وقع، والصق بأهل الورع والصدق، ثم رُضهُم (70) على أن لا يطروك، ولا يَبجَحُوك (71) بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تُحدث الزهوة، وتدني من الغِرَّة. ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه.)) (72)
فصيغ الأمر في النص المتقدم جاءت بوساطة ثلاثة أفعال: الصق والزم المبنيين للمعلوم و رُض المبني للمجهول المتصل بضمير جماعة الغائبين فضلا عن فعل المضارع المسبوق بلام الأمر (لیکن) ومعظم هذه الأفعال دلت على النصح والارشاد والوصية ونمطها أمر حقيقي
ومنه قوله (عليه السلام) أيضاً: ((إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها! والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوین سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لأن فيه قود البدن. وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم. وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين، وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزيد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن المن يبطل الإحسان والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس، قال الله تعالى: ((کَبُرَ مَقتاً عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفعَلُونَ)) (73). وإياك والعجلة بالأمور قبل أو انها، أو التسقط (74) فيها عند إمكانها، أو اللجاجة (75) فيها إذا تنكرت، أو الوهن (76) عنها إذا استوضحت. فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه. وإياك والإستئثار (77) بما الناس فيه أسوة (78)، والتغابي (79) عما یعنی به مما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك. وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم.)) (80)
النسبة الأكبر لصيغ الأمر الواردة في الفقرة أعلاه تمثلت في استعمال أسلوب التحذير بوساطة (إياك) التي تخللت النص في خمسة مواضع وغرضها حقيقي بحت يهدف إلى الوصية والنصح ثم صيغة فعل الأمر في موضعين هما ضع وأوقع وصيغة الفعل المضارع الذي سبق بفعل الأمر (لیمحق) وغرض هذا الفعل الأمر الحقيقي الذي يؤدي غرض القضاء على شيء معين.
في نهاية هذه الرحلة المثمرة مع عهد الامام علي (عليه السلام) وأسلوب الأمر وأنماطه الفنية فقد توصل البحث الى مجموعة من النتائج تتمخض في النقاط الآتية:
استعمل الإمام علي (عليه السلام) أسلوب الأمر بنوعيه: الحقيقي والمجازي.
ان النسبة الأكبر من أنماط الأمر المستعملة في هذا العهد كانت أناط حقيقية.
النسبة الأقل من الأنماط الفنية المستعملة هي أنماط مجازية.
استعمل الامام علي (عليه السلام) الأمر الحقيقي والمجازي لأغراض رئيسة هي النصح والارشاد والموعظة والوصية.
استعمل الامام علي (عليه السلام) في ثلاث صيغ هي: ((صيغة فعل الأمر، وصيغة أسماء الأفعال، وصيغة الفعل المضارع المسبوق بلام الأمر).
غابت صيغة فعل الأمر النائب عن فعله في هذا العهد ويرى الباحث: أن السبب في غياب هذه الصيغة هو الحاجة الى التصريح أكثر من التلميح للضرورة القصوى والظروف التي كانت تحيط بالدولة.
توزعت صيغ الأمر على الألفاظ الآتية:
صيغة فعل الأمر وترددت في سبعة عشر موضعاً.
اسم فعل الأمر (عليك) وتكررت في تسعة مواضع.
لفظة اياك وترددت لثاني مرات.
الفعل المضارع المسبوق بالفاء ولام الأمر (فليكن) وترددت لسبع مرات.
ينظر: لسان العرب، ابن منظور، مادة (أمر).
(سورة الروم، الآية 6).
ينظر: جامع الدروس العربية، المؤلف: مصطفی بن محمد سلیم الغلاييني، منشورات: المكتبة المصرية صيدا لبنان، الطبعة: 28، 1993 م - 1414 ه، 1/ 278 - 279.
ينظر: المصدر نفسه، 1/ 278 - 279.
ينظر: جواهر البلاغة: 69.
ينظر: لسان العرب، (نمط) 7. العقد الفرید: 1/ 289.
ينظر: لسان العرب، (نمط).
ينظر: المصدر نفسه، (فنن).
(سورة الرحمن: الآية 48)
ينظر: لسان العرب، مادة (عهد).
ينظر: تاج العروس، الزبيدي: مادة (عهد).
(سورة يس، الآية 60).
(سورة البقرة، الآية 125).
(سورة التوبة، الآية 8).
ينظر: مختار الصحاح، أبو بكر الرازي، مادة (عهد)
لسان العرب، مادة (نمط).
تاج العروس، مادة (نمط).
ينظر: لسان العرب مادة (نمط).
(سورة الرحمن: الآية 48).
ينظر: شرح نهج البلاغة 6/ 315 وسفينة البحار: 4/ 379.
ينظر: الكنى والألقاب، 2/ 24.
ينظر: شرح نهج البلاغة، 15/ 99.
ينظر: تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر، 56/ 379.
ينظر: تاریخ الاسلام، الذهبي، 3/ 594.
ينظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري 4/ 332.
عهد الامام علي بن أبي طالب لمالك الأشتر (وثيقة اسلامية ذات أبعاد قانونية سیاسية، اجتماعية، ادارية، اقتصادية، عسكرية)، 5.
ينظر: تاریخ الاسلام الذهبي، 3/ 448.
عهد الامام علي لمالك الأشتر: 10.
المصدر نفسه: 12.
(سورة النازعات: الآية 17).
(سورة التوبة، الآية 122).
(سورة المائدة، الآية 105).
(سورة الإسراء، الآية 17).
ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة (المعاني والبيان والبديع): محمد بن عبد الرحمن بن عمر ( جلال الدين القزويني)، 123.
ينظر: أساليب الأمر والنهي في القرآن الكريم وأسرارهما البلاغية، الباحث: يوسف عبد الله الأنصاري، 111.
مفتاح العلوم: المؤلف، يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي، 237.
الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها: ابن فارس (أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء، ت: 396 ه)، 138.
(سورة طه: الآيات، (24 - 26).
دیوان امرؤ القيس بن حجر الكندي، تحقيق: عبد الرحمن المصطاوي، 177.
(سورة فصلت: الآية 40).
ينظر: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، تأليف: السيد أحمد الهاشمي، 78.
(سورة آل عمران: الآية 193).
(سورة البقرة: الآية 65).
ينظر: أساليب الأمر والنهي في القران الكريم وأسرارهما البلاغية، 83.
(سورة الاسراء: الآية 50).
(سورة الطور: الآية 7).
دیوان امرؤ القيس بن حجر الكندي، 177.
(سورة النحل: الآية 125).
ينظر: جواهر البلاغة، 80.
عهد الإمام علي الى مالك الأشتر: 15
يفرط: يسبق، ينظر: لسان العرب، فرط.
استكفاك: أي طلب منك كفاية أمرك والقيام بتدبير مصالحهم، ينظر: لسان العرب، (کفی)
حرب الله: كناية عن صفة الظلم والجور ومخالفة شريعة الله عز وجل
لا يد لك: أي لاحول لك ولا قوة مقارنة بحول الله وقوته، (كناية عن صفة الضعف).
عهد الامام علي: (16 - 17).
الأبهة: العظمة والكبرياء، ينظر: المعجم الوسيط، (كبر)
المَخِيلة: الخيلاء والعجب.
يطامن: أي يخفض منه، ينظر : لسان العرب، (خفض).
طماح: على زنة فعال، وهي مصدر بمعنى النشوز والجماع، ينظر: المصدر نفسه، (نشز).
الغَرب: أي الحدة.
يفيء: أي يعود الى رشده ووردت في محكم التنزيل: ((حتى تفيء إلى أمر الله))، ينظر: لسان العرب (عود).
عزب: غلب، ينظر: لسان العرب، (غلب).
المساماة: التنافس في السمو وهي مصدر ميمي من الفعل الثلاثي سما، يسمو، سمواً، ومساماة، ينظر : المصدر نفسه (سما).
أي تميل اليه، ينظر: لسان العرب، (میل).
أدحض: أي أبطل، ينظر: لسان العرب، (دحض).
من باب ذكر المصدر وإرادة اسم الفاعل أي محاربا وهو مجاز عقلي.
عهد الإمام علي: (18 - 19).
عهد الإمام علي: 21.
أي عودهم على أن لا يبالغوا في مديحك، ينظر: لسان العرب، (رضا).
أي يفرحوك بنسبة عمل عظيم اليك لم تكن عملته، ينظر: لسان العرب، (بجح).
عهد الامام علي: 24.
سورة الصف: الآية 3.
التسقط: التهاون، ينظر: لسان العرب، (هين).
اللجاجة: الإصرار على النزاع، ينظر: لسان العرب (لحج).
الوهن: الضعف، ينظر: لسان العرب (ضعف).
الاستئثار: تحضيض النفس بالزيادة، ينظر: لسان العرب، (أثر).
أسوة: أي متساوون في الحقوق والواجبات، ينظر: المصدر نفسه، (سوي).
التغابي: التغافل، ينظر: لسان العرب، (غفل).
عهد الامام علي : (57 و 58 و 59 و 60)
أساليب الأمر والنهي في القرآن الكريم وأسرارهما البلاغية، رسالة ماجستير، الباحث: يوسف عبد الله الأنصاري، بإشراف: أ. د صباح عبيد دراز.
الإيضاح في علوم البلاغة (المعاني والبيان والبديع): محمد بن عبد الرحمن بن عمر (جلال الدين القزويني)، تحقيق: ابراهيم شمس الدين، مطبعة دار الكتب العلمية- بيروت، ط 1، 1424 ه - - 2003 م.
تاج العروس من جواهر النفوس: محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني المعروف ب (أبي الفيض) الملقب ب (مرتضى) الزبيدي المتوفى سنة (1205 ه)، تحقيق: مجموعة من المحققين، منشورات: دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، ط 4، بيروت، 2010 م.
تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والأعلام، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (المتوفى: 748 ه(المحقق: الدكتور بشار عواد معروف، منشورات: دار الغرب الاسلامي، الطبعة الاولى، 2003 م، عدد الأجزاء 15.
تاريخ الأمم والملوك تاريخ الطبري المعروف ب (تاريخ الرسل والملوك)، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الأملي (أبو جعفر الطبري)، الناشر: دار التراث بيروت، الطبعة الثانية، 1387 ه.
تاريخ مدينة دمشق تاريخ ابن عساكر: المؤلف / أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر المتوفى (571 ه)، المحقق: عمرو بن غرامه العمروري، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، تاريخ النشر: 1415 ه
جامع الدروس العربية، المؤلف: مصطفی بن محمد سليم الغلاييني، منشورات: المكتبة المصرية صيدا لبنان، الطبعة: 28، 1993 م - 1414 ه.
جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، تأليف: السيد أحمد الهاشمي، علق عليه: محمد رضوان الدايه، منشورات: مكتبة الايمان مصر، ط 1، 1424 ه - 1999.
دیوان امرؤ القيس بن حجر الكندي، تحقيق: عبد الرحمن المصطاوي، منشورات: دار المعرفة بيروت، لبنان، ط 2، 1425 - 2004 م.
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار: المؤلف / المحدث الشيخ عباس القمي (1294 - 1359 ه)، تحقيق: مجمع البحوث الاسلامية التابع للاستانة الرضوية المقدسة، منشورات: مؤسسة الطباعة والنشر في الاستانة الرضوية المقدسة، ط 1، 1416 ه.
شرح نهج البلاغة: تأليف / ابن أبي الحديد المعتزلي، تحقيق: محمد ابراهیم، منشورات: دار الكتاب العربي، بیروت، ودار الأميرة، ط 1، 2007 م.
الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها: ابن فارس (أبو الحسين أحمد بن فارس بن زکریاء، ت: 396 ه)، ط 2، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، 1428 م.
العقد الفريد: المؤلف / أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، تحقيق: مفید محمد قميحه، منشورات: دار الكتب العلمية، بيروت البنان، ط 1، 1404 ه - 1983 م، عدد المجلدات 9.
عهد الامام علي بن أبي طالب المالك الأشتر (وثيقة اسلامية ذات أبعاد قانونية،
سیاسية، اجتماعية، ادارية، اقتصادية، عسكرية)، منشورات: مؤسسة الرياضي للطباعة والنشر (د. ت).
الكنى والألقاب: العلامة المحدث الشهير الشيخ عباس القمي، منشورات: مطبعة بيدار، قم - إيران، ط 3، 1417 ه، ج 1 و 2 وج 3.
لسان العرب: لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مکرم بن منظور، سنة النشر، 2003 م (د. ت)، منشورات: دار صادر، بیروت، عدد الأجزاء (15).
17.: مختار الصحاح: الشيخ الإمام زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي، تحقيق: يوسف الشيخ أحمد، منشورات: مكتبة لبنان للطباعة والتوزيع والنشر، ط 5، 1420 ه.
المعجم الوسيط: ابراهيم مصطفی و ابراهيم أنيس وآخرون، تحقیق / مجمع اللغة العربية في القاهرة (ج. م. ع)، عدد الأجزاء / 2.
مفتاح العلوم: المؤلف، يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي، تحقيق: نعیم زرزور، منشورات: دار العلم للملايين لابيروت، ط 2، 1407 ه- 1987 م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وبه نستعين وصلى الله على محمد وعلى اله الطيبين الطاهرين وبعد:
لا تبدو مركزية خطاب الجمهور في رؤية امير المؤمنين (عليه السلام) هاجسا من الترف او المساءلة السطحية للواقع الاجتماعي، بل ان نزوعا من الباعث الإنساني المسؤول المتلاحق أفكارا ورؤى هو منهج علي (عليه السلام) في خلق المتوقع والمحتمل لفعل المجتمع وسلوكه، بفهم يضاعف دلالة القيمة الإنسانية ويؤطر وجودها بتلك الدقائق من التفصيلات والاشارات المنفتحة على افق تتكامل فيها الرؤية للحاكم حين تكون له سلطة على الجمهور وحين تغدو إمكانية الاختلاف مشروعة في مساحة الحوار باطار يؤنسن لحقائق عدم التطابق في الرؤى بين الناس في الواقع المعاش أحيانا.
ومن ثم فان مركزية الجمهور في خطاب علي (عليه السلام) لا تنتج معنی احادیا ولا تفضي بالضرورة الى قراءة مطابقة متماثلة مع التصور الذهني الذي يبتغيه الناس في علاقتهم بالحاكم او فيما بينهم، بل ان تلك المركزية هي حيز كلامي يتعدد معناه وتتنوع مقاماته وتتفاضل دلالاته حين تكون الصلة بين الحاكم ورعيته سائرة في منطق من التطور والإنتاج المثمرين لتحولات سلوكية وثقافية في الواقع الاجتماعي.
وهو ما اراده الامام (علیه السلام) في ممارسته الإجرائية عند خطاب مالك الاشتر رضوان الله عليه، في قالب من الاهتمام يستبطن الحفر في بواعث تلك التأسيسات
الاجتماعية المصنفة في سلم من الطبقات لها وجودها وشانيتها حين تكون في ثنائية تبادلية مع الحاكم، وحين يكون الحاكم سلطة واعية لا تتوخى تجريد الجمهور من وجوده وماهيته وحقوقه، بل أداة لاستشعار تصورات وهواجس المجتمع وبتفصيل دقیق کاشف عن الفاعلية المؤثرة في كل طبقة من تلك الطبقات، بما لها من أثر وقرار لا يتباهى بمجرد المشورة، بل بما تمنحه من استراتيجيات يتكامل معها قرار الحاكم وسلطته.
من هذا المنظور حاول البحث مقاربة تلك المركزية في خطاب الجمهور من خلال عهد الإمام (عليه السلام) لمالك، لدواع واشتغالات لها هيمنة تفرض انتخاب تلك الثيمة من الموضوع، فالقراءة الفاحصة لخطاب الإمام (عليه السلام) في هذا العهد مقارنة بنصوصه الأخرى، تكشف عن منزع من التفرد والتمايز في الاشتغال على الجمهور في هذا العهد اكثر من غيره، فلم يحظ أي نص بمثل تلك الرؤية من الحفر والتفكيك لكل مكون او طبقة من طبقات المجتمع، حتى غدا القول ان ذلك العهد يمثل وثيقة دستورية لكيفية تأسيس علاقة الحاكم برعيته، أي أن الرعية او (الجمهور) هو مراد الخطاب في صناعة الامام (عليه السلام) بعيدا عن المحتوى الأيديولوجي او التمثلات العالقة بخصائص المجتمعات، فالهاجس هو ابتکارات تصورات بديلة لنمط قادر على مواكبة الاحداث والتطورات من الحاكم حين يكون منظوره فاعلا في تشخيص المجتمع ومعرفة اسرار التعاطي معه. وهذا ما توخاه البحث في تلك الإجرائية بمدخل ومبحثين، تلي ذلك هوامش البحث وخاتمته ومصادره.
مدخل أولي: أولا: سلطة الجمهور في خطابات الامام(علیه السلام):
ينطلق هذا البحث في مقاربة قرائية تتوخى تحليل نص تراثي مكتنز له من الحضور التاريخي والسياسي والاجتماعي بمكان قديما وحديثا، حتى تعددت مقولات التلقي والقراءة له على وفق قبليات المتلقي وميوله المعرفية. مما شكل بالنهاية منطقة خصبة للحفر في مكوناته واسسه وتشكلاته، تساعد القاريء على استنطاق محمولاته وادواته في دائرة النوع والموضوع والتمثل النصي.
فعلى مستوى نوع النص يمكن القول ان هذا الخطاب المصنف وفق رؤية الجامع لنص النهج (الشريف الرضي) ورؤية الشراح انه يندرج في سياق الرسائل كقسيم يشارك الخطب والحكم التي تتكون منها نصوص الامام (علیه السلام)، بلا خلاف في ذلك، اما نوعه فانه الأقرب الى حقل الخطاب السياسي بوصفه توجيهات توثق لعلاقة الحاكم بالرعية سلوكا وتداولا ورؤية وتخطيطا، بثنائية تفترض حوارا بين الحاكم والوالي لايصال رسالة الى مركز قصدية تلك الحوارية وهم الجمهور. سعيا في الترميم والتعاطي والاستجابة في تلك الارسالية التواصلية التي يسعى الامام (عليه السلام) بوصفه حاكما الى تشييدها في المخيال المتلقي المتحرك من خلال مخاطبة الوالي الرمز الذي به تقوم أسس دعامة الحكومات واستقرارها.
اما لماذا تلك المركزية للجمهور في خطاب الامام (عليه السلام)؟ فلان الأسس التي تتشكل منها مرجعيات الامام (عليه السلام) في نظرته لطبيعة العلاقة بين السلطة والناس تفترض انهم شركاء في الحكم وانهم المقومون لعمل الحاكم وانهم الوسيلة في فلسفة الحاكم وصولا الى مرادات المولى في حقيقة القيمومة على الناس وإدارة شؤونهم. ولعل تصريحاته الكثيرة (عليه السلام) تنبيء بتلك الفلسفة التي اعترض عليها الكثيرون ونشبت بسببها حروب اودت بعماد الدولة الإسلامية
وجعلتها منقسمة الى يومنا هذا جراء النظر الى أحادية السلطة وتغييب الجمهور عن دوره الحقيقي في تقييم الحاكم ومحاسبته والتصدي له.
فهو القائل (عليه السلام): ((اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ یَکُنِ الَّذِی کَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِی سُلْطَانٍ وَ لاَ الْتِمَاسَ شَیْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ وَ لَکِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِینِكَ وَ نُظْهِرَ الْإِصْلاَحَ فِی بِلاَدِكَ فَیَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَ تُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ)) (1) ويتكشف الحدث الخطابي لمركزية الجمهور عند الامام (عليه السلام) اكثر حين يقارن الامرة بالنعل حين تكون فاقدة لقيمتها الحقيقية حيث انصاف الناس واحقاق لعدالة: ((قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ عليه السلام بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي مَا قِيمَةُ هَذِهِ النَّعْلِ فَقُلْتُ لا قِيمَةَ لَهَا فَقَالَ عليه السلام وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً)) (2)، وهذا التأكيد على تلك المركزية نابع من تطور في فكرة استقرار الدولة وضرورة ترصين الحقوق الاجتماعية وتفعيل مبادئ المساواة بين افراد الدولة، وهو ما يقوله محمد عباس العقاد: ((كانت الظاهرة الكبرى في عصر علي - عليه السلام - ظاهرة اجتماعية خاصة به دون عصور الخلفاء من قبله ولم تكن في حقيقتها ظاهرة سياسية أو حزبية او عسكرية على شدة القتال فيها وغزارة الدماء التي اريقت في حروبها)) (3)، لذلك تضمن الحدث الخطابي عند الامام (عليه السلام) في رؤيته بشكل عام او في عهده لمالك الاشتر الذي مثل صورة خالصة لمركزية العلاقة بين الحاكم والمحكوم، في ثنائية تبرز منزلة الجمهور کوجود به وعليه تقوم فلسفة الحكم. تلك التجربة الاجتماعية التي تقنن لحالة مثلى من الاشتغال على استجابات الجمهور.
ويتمثل الامام (عليه السلام) صورة أخرى للواقع تنطلق من وعي الى فعل يروم اشعار المخاطب بمنهج العلاقة بين الحاكم والوالي إدراكا لما يمتلكه الجمهور
من صورة حقيقية لوجوده يقول: (عليه السلام): ((أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِی بِأَنْ یُقَالَ: أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ، وَلَا أُشَارِکُهُمْ فِی مَکَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَکُونَ أُسْوَهً لَهُمْ فِی جُشُوبَهِ الْعَیْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِیَشْغَلَنِی أَکْلُ الطَّیِّبَاتِ، کَالْبَهِیمَهِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَکْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا یُرَادُ بِهَا، أَوْ أُتْرَكَ سُدًی، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِیقَ الْمَتَاهَةِ)) (4). وبذلك يمكن ان تتبلور مركزية الجمهور في خطابات الامام (عليه السلام) كمبدا اولي له بواعثه ورؤيته ووظائفه ليس بوصف الامام حاكما فحسب بل هو تعزيز لحقيقة ماثلة يرتكن اليها الخطاب السياسي تعتمد تلك الثنائية من المحاور (الجمهور) بوصفه المتعين في دائرة الخطاب.
يقترح هذا المؤشر مقاربة محور الجمهور في الخطاب السياسي، بوصف الخطاب السياسي الهاجس الأكثر احتضانا لمنظومة الجمهور (احتجاجيا وادائيا سلوكا وتنظيرا واستجابة وغير ذلك)، من هنا فتواشج العلاقة يحتكم الى بؤرة مشتركة يندمج فيها الطرفان لإنتاج اوليات التشكيل والدلالة.
ولعل الخطاب السياسي مقترح اجرائي له محددات تقوم على سلسلة من المنطوقات المعجمية او المؤشرات التواصلية في سياق تداولي يتوخى حقولا مقيدة تتضح في خطاب السلطة اكثر من غيرها على وفق ممارسات ادائية ومهارات من القول تؤشر الى تلك الملامح من الخطاب، حيث يقوم بها صاحب الخطاب بما يمتلكه من سلطة على من دونه منزلة في أسس الحاكمية لا في الأسس الإنسانية تتوخى الجمهور امرا وتكليفا وامتثالا. وصاحب الخطاب هنا هو الامام علي (عليه السلام) حيث يرتكز في خطابه على منظومة عقدية تجعل له سيادة في إدارة أمور الناس باختلاف مرجعيات
تلك الحاكمية سواء اكانت بالنص كما يعتقد اغلب الشيعة او بالشورى كما تری المذاهب الأخرى، فانه في كلا الحالين لا ينطلق من فرضية بل من تكليف وأداء دور يقوم على فلسفة تأخذ الناس الى ما فيه رضا الله سبحانه من جانب وتحقيق مصالحهم من جانب اخر. فالسلطة التي يمتلكها الامام (عليه السلام) آلية يمارس فيها التوجيه كحقيقة واقعية يعيشها المسلمون في ظل البنية التكوينية التي نشات عليها الدولة، من هنا فبؤرة الخطاب السياسي هي لازمة لمكانة الامام في موقعيته من الدولة وبلا شك ان تلك اللازمة تستهدف جمهورا له احواله ومزاجاته وحقوقه وخصائصه التي تبدو متنافرة أحيانا ومتواشجة أحيانا أخرى.
فتلك الفئة المخاطبة اذن تسمى بالجمهور حيث تكون هي قبلة الخطاب في تلك الثنائية الحوارية، وان كانت تلك المركزية للجمهور لها مساحة من الغياب والحضور استنادا الى فلسفة الحاكم واجرائيته في النظر الى السلطة باعتبارها أداة بناء او قمع کما يدون التاريخ تلك المقاربات من الحكم في الموروث الإنساني.
فهناك جمهور مغيب لا يمتلك سلطة البيان او المعارضة، فيغيب الاحتجاج عند ذلك نتيجة لهيمنة قوة الخطاب المتمثل تقنيات سلوكية تعمد الى سياستي اللجم وتكميم الافواه على وفق أيديولوجيا يشرعها الحاكم لضمان الوجود، كان تكون تلك الادلجة دينية او قهرية او غير ذلك، وهناك جمهور يقف على سلسلة من الموجهات تتيح له المعارضة والمشاركة في التوجيه حين تكون هناك فلسفة تشر عن له ابداء الراي والحوار والمطالبة بالحقوق والانصاف انطلاقا من فهم واع يمهد لهم بذلك الظهور، وهذا كله يرتبط برؤية الحاكم الذي يفتح مساحة الحضور او التهميش.
ولعل قراءة عهد الامام (عليه السلام) لمالك الاشتر تشير الى انه يمثل نسقا من تلك التساندية في ابراز منزلة الجمهور على وفق انساق تحاول تمتين العلاقة بين طرفي
الحكم (الوالي والرعية) من جانب وتنشا تأسيسا لمعالم مركزية توطد حقوق الجمهور في تلك الحاكمية من جانب آخر. ففي حقوق الرعية على الوالي وحقوق الخاصة والعامة والضمان الاجتماعي واحترام الامة والعطف على الرعية والاثار السلبية لاحتجاب الحاكم عن جمهوره والعدالة في توزيع الحقوق، كلها قرائن تؤكد تلك المركزية في ميزان الخطاب السياسي للحاكم الناجح. وشواهد ذلك قوله (عليه السلام): ((وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَاتَکُونَنَّ عَلَیهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ، أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ)) (5) وقوله (عليه السلام): ((وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ؛ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاَءِ، وَأَکْرَهَ لِلاْنْصَافِ... مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ. وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَالْعُدَّةُ لِلاْعْدَاءِ، الْعَامَّةُ مِنَ الاْمَّةِ. فَلْيَکُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ)) (6) وقوله (عليه السلام): ((وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّةَ طَبَقَاتٌ، لَایَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَ لَاغِنَی بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ، وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْل، وَ مِنْهَا: عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ، وَ مِنْهَا: أَهْلُ الْجِزْیةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَ مِنْهَا: التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَ مِنْهَا: الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ ذَوِی الْحَاجَةِ وَالْمَسْکَنَةِ، وَ کُلٌّ قَدْ سَمَّی اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ. وَ وَضَعَ عَلَی حَدِّهِ فَرِیضَهً فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِیِّهِ (صلَّى الله عليه وآله)) (7). وقوله (عليه السلام): ((ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى، مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ: مِنَ الْمَسَاکِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَ (شدة الفقر) وَ الزَّمْنَ (أصحاب العاهات)؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً. وَاحْفَظ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ)) (8). ولعل تلك الرؤية التي ترجح كفة الجمهور هي ما تميل اليه الدراسات المختصة بالجمهور: يقول غوستاف لوبون: ((التقاليد السياسية والتوجهات الفردية للملوك والحكام والمناقشات الكائنة بينهم لا تؤثر على مسار الاحداث الا قليلا وقد أصبح صوت
الجماهير راجحا وغالبا فهو الذي يملي على الملوك تصرفاتهم)) (9)
أولا: السياق التاريخي: لعل فهم الواقع التاريخي في لحظة انتاج النص كفيل بإيضاح مقامات التكوين والإخراج للبنى النصية، وعهد بمثل تلك السعة والاحاطة والتوجيه لابد ان تكتنفه ظروف مقامية دشنت تخطيطا استراتيجيا لبلورته عند الامام (عليه السلام) ومن ثم تلقينه لمحرك الحدث المخاطب في النص (مالك الاشتر) لتفعيل مبانيه المتعلقة بمركزية الجمهور حين تكون هناك سلطة حاكمة تريد احقاق الحق للطبقات المحكومة. فالمشهور ان هذا الكتاب كتبه الامام علي (عليه السلام) الى عامله على مصر (مالك الاشتر) حين ولاه اعمال مصر سنة 39 ه، وان كانت هناك شكوك أثيرت حول سنده وعدم مناسبة مضامينه لعصر الامام وهي إشكالات قد اجيب عنها من قبل الدارسين *.
ولعل هناك مسكوتا عنه في مقامات تصدير النص، منها مايتعلق ببوا بواعث تأكيد الامام على تلك الإصلاحات التي تقوم بها الدولة لمالك في امارته لمصر، أي هل ان هناك دلائل من القصدية توخاها الامام في كشفه للطبيعة النفسية للمجتمع المصري حين امر مالكا بالتعامل معهم وفق انساق خاصة لم تكشف قبل ذلك في رسائله لولاته؟ ثم هل ان العهد ارسل لمالك ام كتب له مباشرة؟ فضلا عن حال الامام في تدوينه لتلك الوثيقة وفي أي وقت وغير ذلك من المتلازمات الظرفية الراهنة لتدوين النص؟.
قد تكون هذه الأسئلة هي منطلقات لتوليد دلالات باعثة كاشفة عن المحددات الرئيسة للغايات والمقاصد المبتغاة في ذلك الخطاب، وان كانت النية التي يعلنها النص تحتضن تأويلية تاريخية، فان مقامات الجمهور في ذلك النموذج لا تعدو ان تكون مؤشرا يستوجب التدقيق والحفر في بواعثه، فالمتتالية التاريخية تقودنا الى طبيعة الاحداث آنذاك، حيث النزاعات الراهنة في اطراف الدولة الإسلامية بين معسكري معاوية واتباع الامام (عليه السلام)، ومصر في تلك الفترة تمثل حالة من الخطر الاستراتيجي في إرساء عوامل الاستقرار من عدمه، فضلا عن انها لها طبائعها ما تختلف فيه عن غيرها فقد حكمت بسياسات دونها التاريخ الإنساني من قبل فكانت محطة تستحق التامل والتعاطي بدقة مع أهلها يقول (عليه السلام): ((ثُمَّ اعْلَمْ یَا مَالِكُ أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَی بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ وَأَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ وَیَقُولُونَ فِیكَ مَا کُنْتَ تَقُولُ فِیهِمْ وَإِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحِینَ بِمَا یُجْرِی اللَّهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ)) (10) فالملاحظ ان صيغة الامر المشفوعة بالتأكيد متتالية لغوية تستميل الاثارة في تحريك المخاطب الى طبيعة المجتمع المكلف بإدارة شؤونهم وقيادتهم. وكما قيل: ((الخطاب السياسي خطاب اجتماعي يرتبط بالمجتمع السياسي الذي يوجه إليه ويحمل قيمه)) (11) وهذا يضعنا امام خطاب سياسي له بواعثه الاجتماعية تمت فيه المواجهة بين الملفوظ والسياق الاجتماعي لترهين النص بجملة من المؤكدات تستظهر مركزية الجمهور النوع لا المخاطب فحسب في ذلك الزمن.
ثانیا: السياق النفسي: تتجلى علاقة المتكلم بالمخاطب في صورة من حركة إجرائية تعتمد ممارسة اجتماعية ودينية وثقافية لإنتاج الخطاب، تقتضي في غايتها النهائية تشكيل دلالة من القصد الكامن في النص المتداول، والفعل القرائي الذي نروم بناءه في تلك العلاقة الخطابية هو التجاور النفسي بين المتكلم (الامام علي (عليه السلام)
والمخاطب (مالك الاشتر) لما في ذلك من تفكيك لمحورية الباعث في ذلك الخطاب كنص أولا وكشخص محدد متلق لخطاب الامام (علیه السلام) ثانيا، لان الإجابة على ذلك تربط لنا بين النص وسياقه النفسي المتوفر على بلاغة في الخطاب استدعت هذا المتلقي دون غيره.
والحقيقة ان السرد التاريخي في هذا الصدد قد يخلق لنا مفتاحا من الفهم في تاشير تلك العلاقة السياقية النفسية بين الامام (عليه السلام) وبين مالك الاشتر التي انتجت لنا ذلك العهد الذي شرح مرارا وتكرارا (12)، فالمالوف ان ظاهرة الاصحاب في التاريخ الإسلامي دونت كظاهرة لها وجودها ومبرراتها في تكوين الفكر الإسلامي اذ وردت جملة من الإشارات على لسان النبي (ص) بخصوص أصحابه لدلالات مقصودة تتوخى مسلكا تاثيريا في وجدان الامة وكذلك امير المؤمنين (عليه السلام) فان هذا الفعل عنده يقوم على القصد والدلالة فاشاراته لمالك توزعت في اطار بياني يتوخى مكانة هذا الصحابي الجليل ايمانا وتقوى وصلابة وعقيدة، ففي بيان صحبته له وقربه منه يقول (عليه السلام): "كان الأشتر لي كما كنت لرسول الله (ص)" (13)
ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في كتاب له عندما ولّي محمد بن أبي بكر خلفاً للأشتر، موضحا سبب اختياره مالك الأشتر لولاية "إن الذي كنت وليته أمر مصر كان رجلاً لنا ناصحاً وعلى عدونا شديداً ناقماً، فرحمه الله، فلقد استكمل أيامه ولاقی حمامه، ونحن عنه راضون، أولاه الله رضوانه، وضاعف الثواب له" (14) ويقول (عليه السلام): "لله در مالك، لو كان من جبل لكان أعظم أركانه، ولو كان من حجر كان صلداً. أما والله ليهدن موتك عالماً، فعلى مثلك فلتبك البواكي" (15) ويقول عند فقده حين سم على ايدي جنود معاوية "إنا لله وإنّا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين، اللهم إني أحتسبه عندك، فان موته من مصائب الدهر، فرحم الله
مالكاً، فقد وفى بعهده وقضى نحبه ولقي ربه، مع أنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر بعد مصابنا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فانها من أعظم المصيبة" (16) وبذلك فان انتاج الصورة النهائية لتلك العلاقة السياقية تطرح واقعا حقيقيا يمثل يقينية ثابتة عن افق المخاطب في ذلك العهد (مالك الاشتر) بما له من مركزية في الايمان والعقيدة والقرب من بيت النبوة منهجا وسلوكا ونقمة على أعداء الحق والدين لامقايسة فيها مع الاخرين في ذلك التصور الذي كفه الامام بتلك الانساق الابلاغية عن مالك و حقيقته.
اما دلالات العهد ولماذا أو كلت تلك الوثيقة الدستورية لمالك دون غيره؟ فان ذلك لا يخلو من نسق نفسي حتما بين الامام (عليه السلام) ومالك الاشتر، يقول الشيخ المفيد (رحمه الله) في الاختصاص عن مالك الأشتر أنه نموذج واقعي للانسان المتكامل ومن خاصّة أمير المؤمنين علي (عليه السلام)) (17) من دون ان تكون العلاقة حبيسة النسق النفسي، فاغلب المعطيات تؤكد ان الفاعل المعرفي في المنظور السياسي لدى مالك كان على دقة وتصور عاليين، تقول بعض المصادر: ((أن الأشتر كان من دُهاة وعقلاء العرب، وأبطال الدهر وشجعانه، وسيّد قومه وخطيبهم وفارسهم)) (18) فتوافر عوامل التكاملية في الذات فكرا ونزاهة عوامل تفضي الى ترابط في انتاج خطاب فاعل مؤثر في الواقع وان كان الامام (عليه السلام) هو الفاعل والصانع للخطاب الا ان مالكا هو المامور في تحقيق تلك التمثلات الخطابية التي تمثل مكانة الجمهور وقيمتهم الحقيقة، ومن ثم فان هذا التاسيس لتلك المدونة التاريخية (وثيقة العهد) تبدو انها حالة قصدية لصيرورة حدث يقوم على الانتقاء والتشكيل ذاتا وموضوعا.
أولا: التقنيات الاسلوبية: ان عملية التواصل في النص المنطوق او المكتوب تتأسس بين المخاطبين، وفق نسق من الطابع التعاقدي في عملية الافهام و الحوار او الجدل، وفي منحى آخر تغدو العملية التواصلية سياقا للتأويل، حينما تكون هناك رمزية في النص فيغيب تحصيل الفهم وإنتاج الدلالة في مركزية الخطاب الحواري.
لذلك نرى ان الإبلاغ بوصفه تقنية لغوية يتوخى تنميطا من الممارسة الاقناعية لخلق المقبولية عند المتلقي بالاستمالة او الاستدلال تارة او الحفر في المهيمنات التي تشكل ذهنية متلقي الخطاب تارة اخرى، فيصبح التواصل آلية للتساند والتثاقف لا في افتراض المقاصد بل أداة لتعددية القراءة في تلك الممارسة القولية لإبراز أنماط الوعي المتحكمة والمستنطقة لطبيعة النص بما له من أدوات او مرجعيات تؤمن دور قضايا إزاحة المختلف في تلك التركيبة من الخطاب.
والتحليل الفاحص للنص يؤمن مساحة من التقنين اللغوي في تحريك الجمهور من خلال القنوات التي أراد الامام (عليه السلام) منها إيصال رسالته اليهم عن طريق الحامل والوسيط المتمثل بمالك الاشتر، فظاهرة تنوع مراتب الخطاب في سلسلة لغوية مختلفة تمثل دوالا كاشفة لمهيمنات تتوخى الاثارة والاقناع في عهد الامام (عليه السلام) لواليه.
من ذلك تنوع الخطاب في النظر الى تقسيم المجتمع الى طبقات يقول (عليه السلام): ((وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّةَ طَبَقَاتٌ لَایَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ وَ لَاغِنَی بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْل وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ ذَوِی الْحَاجَةِ وَالْمَسْکَنَةِ وَ کُلٌّ
قَدْ سَمَّی اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ وَ وَضَعَ عَلَی حَدِّهِ فَرِیضَةً فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِیِّهِ (صلی الله علیه و آله) عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً)) (19) من ذلك قوله (عليه السلام): ((فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّهِ حُصُونُ الرَّعِیَّةِ وَزَیْنُ الْوُلَاةِ وَعِزُّ الدِّینِ وَسُبُلُ الْأَمْنِ وَلَیْسَ تَقُومُ الرَّعِیَّةُ إِلَّا بِهِمْ ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلَّا بِمَا یُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِی یَقْوَوْنَ بِهِ عَلَی جِهَادِ عَدُوِّهِمْ وَیَعْتَمِدُونَ عَلَیْهِ فِیمَا یُصْلِحُهُمْ وَیَکُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَیْنِ الصِّنْفَیْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْکُتَّابِ لِمَا یُحْکِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَیَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَیُؤْتَمَنُونَ عَلَیْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِیعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ وَذَوِی الصِّنَاعَاتِ فِیمَا یَجْتَمِعُونَ عَلَیْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ وَیُقِیمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَیَکْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَیْدِیهِمْ مَا لَا یَبْلُغُهُ رِفْقُ غَیْرِهِمْ ثُمَّ الطَّبَقَهُ السُّفْلَی مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْکَنَةِ الَّذِینَ یَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ وَفِی اللَّهِ لِکُلٍّ سَعَةٌ وَلِکُلٍّ عَلَی الْوَالِی حَقٌّ بِقَدْرِ مَا یُصْلِحُهُ)) (20) فالتدرج في التصنيف الطبقي بدءا بالجنود يعطي سمة دلالية يعتورها أسلوب التقديم والتاخير فالعرب لاتقدم الا بما كانت عنايته اهم واوفر يقول سيبويه: ((كأنّهم إنَّما يقدّمون الذي بيانه أهمُّ لهم وهم ببيانه أَعنَى؛ وإن كانا جميعاً یُهِمّانِهم ويَعنِيانهم)) (21) وهو بلاشك نمط يقوم على كشف التنميط الأعلى لتلك الطبقة الاجتماعية (فالجنود) صمام امان لحماية الدولة واستقرار مواطنيها لذلك يلحظ ذلك القصد من علة التقديم والتاكيد عليهم تفصيلا في مركزية مهمة من الخطاب. ثم يولي القادة العسكرية العليا مكانة خاصة منهم يقول (عليه السلام): ((ففَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِى نَفْسِكَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِكَ وَ أَنْقَاهُمْ جَيْباً وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَ يَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ وَ يَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَ يَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ وَ مِمَّنْ لايُثِيرُهُ الْعُنْفُ وَ لايَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِى الْأَحْسَابِ وَ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَ السَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَ شُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ)) (22) بمحورية تقوم على التعدد
في سمات تلك الثلة من طبقات المجتمع بمتتالية تقوم على الانتخاب والتوظيف المعتمدين على (افعل التفضيل) تارة (انصحهم، وانقاهم، وافضلهم) والتكرار في العطف بالواو والتكثيف في اعتماد الفعل المضارع والتوكيد، وكلها مؤشرات لاتقوم الا على دلالة تستجمع الثبوت والاشتراك والاستمرارية في تمثل تلك الصفات من الحاكمين كمنطق من التوجيه.
واذا كان ((المتكلم هو الذّات المحورية في إنتاج الخطاب، لأنّه هو الذي يتلفظ به، من أجل التعبير عن مقاصد معيّنة وبغرض تحقيق هدف فيه")) (23) فان تاكيداته على تلك الطبقات الاجتماعية يأتي من فلسفة تقوم على يقين وتصور في أهميتها السياسية والاجتماعية.
من ذلك قوله عن طبقتي الخاصة والعامة ففي الطبقة السفلى، يقول (عليه السلام): ((وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةً فِي الرَّخَاءِ وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاَءِ وَأَكْرَهَ لِلاْنْصَافِ وَأَسْأَلَ بِالاْلْحَافِ وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الاْعْطَاءِ وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ وَإِنَّمَا عَمُودُ الدِّينِ وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَالْعُدَّةُ لِلاْعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الاْمَّةِ فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ)) (24) ويقول عن الطبقة السفلى (عليه السلام): ((ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى، مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ: مِنَ الْمَسَاکِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَ (شدة الفقر) وَ الزَّمْنَ (أصحاب العاهات)؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً. وَاحْفَظ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ)) (25) اذ يظهر الترتيب كتقنية اسلوبية في منطق استحضار مركزية الجمهور في تلك الوثيقة الدستورية، فالخطاب: ((يعتمد نوعا من البناء المعتمد على الكلمات والتفكير ولايتم هذا البناء على محض الصدفة بل لابد من
احترام معايير المعار وقواعده)) (26) وترتيب البناء هنا يقوم على المقارنة بين اسلوبين في التعامل مع الجمهور لتكون النهاية ترجيح كفة العامة من الناس فبهم تكون القوة ودوام عوامل الاستمرارية، يقول عزيز السيد جاسم: ((فمن يربح الفئات العليا يخسر ماتحتها في السلم الاجتماعي في حين ان من يربح القاعدة الاجتماعية العريضة يربح اغلبية المجتمع وقد لايخسر كل الخاصة ثم ان العامة من الامة هم المصدر الدائم للواردات الاجتماعية المتجددة.. فيترتب على ذلك ان التعامل المبدئي مع عامة الامة يصبح حتما تعاملا تاريخيا بعيد المدى لانه ينطوي على عوامل الاستمرارية والثبات والقوة.. ويشخص ابلغ تشخيص خصائص الخاصة فافرادها اثقل على الوالي في الرخاء واقل معونة لهم في البلاء واكره للانصاف)) (27) ثم يأتي التوكيد بالتكرار مع الطبقة السفلى بلفظ الجلالة (الله الله) لاحداث مؤشر من التنبيه على أهمية تلك الطبقة التي لاحيلة لها الا عطف الحاكم وانصافه، لمزيد من العناية والترغيب في النظر والاهتمام بهم.
ثانيا: التقنيات الاقناعية: ولعل اكثر ما يحدد تلك التقنيات نوع الخطاب، والممارسة الواعية بمقاصد الرسالة المتوخاة من قبل المنشيء، وفي الخطاب السياسي، بلا شك ان الممارسة تقوم على حركة من الامتداد القصدي في تشكيل وعي المخاطب واستمالته او تضليله في أدوات أخرى بعض الأحيان، على وفق اهداف الباث ونظره الى السلطة كوسيلة او غاية في إدارة أمور الناس.
واستنادا الى سياسة امير المؤمنين (عليه السلام) في الحكم كما ترويه المدونة التاريخية، فان اول مايلحظ ان تقنيات الاقناع في مخاطبة الجمهور لاتتكلف الاجرائيات في التاثير والاستمالة بل، ان الطريقة هي تحريك منطقة الفطرة او اثارة الهاجس العقلي أحيانا، وهذا مايلحظ ويبرز بشكل جلي في عهده (عليه السلام) الى مالك، فالمتامل للنص يلتمس ان مركزية الجمهور عنده (عليه السلام) تقوم على ادراك واع بطبيعة
الجمهور واحتياجاته، لذا فالاساس عنده (عليه السلام) الاشتغال على حفريات البنى المكونة للنسيج الجمعي في رؤيته للحاكم والسلطة، فتاتي المخاطبة مقرونة بالتعاطي مع تلك السلوكيات والمكونات على ضوء منهج اختط وفق أسس متينة لها اثرها في احراز النتائج.
من ذلك ما يلحظ في الاستمالة العاطفية للجمهور حين يوصي مالكا بقوله: ((وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَاتَکُونَنَّ عَلَیهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ یفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَیؤْتَی عَلَی أَیدِیهِمْ فِی الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِی تُحِبُّ وَتَرْضَی أَنْ یعْطِیكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَ وَآلِی الْأَمْرِ عَلَیكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ)) (28)
فالسعي المتأصل عند الامام بتلك الموجهات المركزية، يقود الى أسئلة تتوالد من النص تتكور عن اسرار تلك التأكيدات بالإلحاح عن فلسفة الاهتمام بالجمهور، فالمطلوب من صانع الحدث ان يقوم بما يلي: (الرحمة والمحبة واللطف والرفق والعفو والصفح) وهي قيم تخلق انموذجا لسياسة مثالية في التعامل بين الحاكم والرعية، وتؤثث لأداء مؤهل لقيادة ناجحة، وربما هذا النحو من الاقتراح الخطابي يعبر عن حقيقة تفكير العامة ومنظارها الى الحاكم، لذلك جاء الفهم العميق بتلك المكنونات إجابة عن قلق حيرة الجمهور، وبالقدر الذي تتبين به تلك المركزية للجمهور فان التقنيات المستعملة في اثارة المخاطب (الجمهور) شکلت تو اصلا مشتركا في حصول مستوى معين من التفاهم بين الأطراف في تلك القيم المنصوص عليها، ولعل الذي يبرز منزلة الجمهور اكثر ان اطار الاشتغال على الوصايا المتعلقة بهم هي الأكبر والاوسع ورودا في تدوين النص، مع مزيد من التأثير في تركيب صورة بلاغية ذات
دلالة تؤمن مسارا من الاطمئنان عند الجمهور بان الحاكم ليس له الحق ان يكون كالسبع الذي يتجاوز على حقوقهم وامالهم.
ويقول (عليه السلام): ((وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيسَ شَيءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ وَالٍ بِرَعِيتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيهِمْ وَ تَخْفِيفِهِ لِلْمَئُونَاتِ عَنْهُمْ وَ تَرْك اسْتِكرَامِهِ إِياهُمْ عَلَى مَا لَيسَ لَهُ قِبَلَهُمْ فَلْيكنْ مِنْك فِي ذَلِك أَمْرٌ يجْتَمِعُ لَك بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيتِك فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يقْطَعُ عَنْك نَصَباً طَوِيلًا وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّك بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤك عِنْدَهُ وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّك بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤك عِنْدَهُ)) (29) وهنا يقترن مفهوم التعاطي مع الجمهور بادوات لابد ان تكون حاضرة في مشهد حركة الامرة والإدارة، فالفاعل القرائي الجوهري في تلك المعادلة هو حسن الظن بالرعية وهو الفهم الصحيح القابل للتصديق بوصفه التجربة الحقيقية لتطمين هاجس الرضا عند الجمهور. يقول ابن ابي الحديد: ((ان من احسن اليك حسن ظنه فيك، و من اساء اليك استوحش منك، وذلك لأنك اذا احسنت الى انسان، و تكرر منك ذلك الاحسان تبع اعتقادك انه احبك، ثم يتبع ذلك الاعتقاد امر آخر، و هو انك تحبه، لان الانسان مجبول على ان يحب من يحبه، و اذا احببته سكنت اليه، و حسن ظنك فيك، و بالعكس من ذلك اذا أسأت الى زيد، لأنك اذا أسأت اليه و تكررت الإساءة تبع ذلك اعتقادك انه قد ابغضك، ثم يتبع ذلك الاعتقاد امر آخر، و هو ان تبغضه انت، و اذا ابغضته انقبضت منه و استوحشت، وساء ظنك به)) (30) وفي ذلك كثافة لإنتاج تلك المشهدية بوساطة سلسلة من السلوكيات تمثل شبكة من المعاني الإنسانية المفتوحة في الواقع الاجتماعي حين تكون سياسة ينطلق بها الحاكم ويجعلها ثقافة تتحرك في الناس من خلال تعاطيه بها مع الناس، يقول احد الباحثين: ((يرى الاجتماعيون ان ذوي القلوب الرقيقة والعواطف الشريفة السامية يحاولون ان يخففوا الويلات والالام والبؤس عن الطبقات التعسة الشقية بالإحسان)) (31) والأولى من هؤلاء في نظر الامام (عليه
السلام) هم الحكام في تعاملهم مع الجمهور بتلك الطريقة والأسلوب.
وفي نص آخر يقول (عليه السلام): ((وَأَمَّا بَعْدُ فَلاَ تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِیَّتِكَ فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاَةِ عَنِ الرَّعِیَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّیقِ وَ قِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ وَ الاِحْتِجَابُ مِنْهُمْ یَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ فَیَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْکَبِیرُ وَ یَعْظُمُ الصَّغِیرُ وَ یَقْبُحُ الْحَسَنُ وَ یَحْسُنُ الْقَبِیحُ وَ یُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ وَ إِنَّمَا الْوَالِی بَشَرٌ لاَ یَعْرِفُ مَا تَوَارَی عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ وَ لَیْسَتْ عَلَی الْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْکَذِبِ وَ إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَیْنِ إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِی الْحَقِّ فَفِیمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِیهِ أَوْ فِعْلٍ کَرِیمٍ تُسْدِیهِ أَوْ مُبْتَلًی بِالْمَنْعِ فَمَا أَسْرَعَ کَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَیِسُوا مِنْ بَذْلِكَ مَعَ أَنَّ أَکْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَیْكَ مِمَّا لاَ مَئُونَةَ فِیهِ عَلَیْكَ مِنْ شَکَاةِ مَظْلِمَةٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَةٍ)) (32) وهنا الامام (عليه السلام) في اطار تمكين حيز التواصل يستثمر الطاقة التي يتمتع بها الحاكم من سلطة ومال واعوان قد تكون أدوات تمويه و خداع وايقاع في فخ الترف واللهو والاحتجاب عن الناس، لان تنصرف كل تلك الوسائل في طريق تضعيف العلاقة بالجماهير وفق تفاعلية وحوارية وديمومة لما في ذلك من اثار تقود الى زعزعة الدولة وانهيارها ومن ثم سخط الجمهور وانقلابه على فلسفة الدولة وحكمها.
وهنا تم الاشتغال في تلك الاستمالة على المنزع النفسي عند الجمهور، كون (الجمهور) يؤمن بقبول فكرة عدم احتجاب الوالي عنهم والنظر في مصالحهم واحتياجاتهم، لذلك جاء الميثاق باستظهار سمات الاحتياجات المنبثقة من واقعهم ومن سجاياهم النفسية، وبطريقة تقوم على الاثارة من خلال تقنيات الاجمال والتفصيل فالاحتجاب مثل مفهوما مجملا ليأتي بعد ذلك تفصيل اثار ذلك المجمل ونتائجه الوخيمة على الواقع لأنه یَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ فَیَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْکَبِیرُ
وَیَعْظُمُ الصَّغِیرُ وَیَقْبُحُ الْحَسَنَ وَیَحْسُنُ الْقَبِیحُ وَیُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ. ويتوافر خطاب الامام (عليه السلام) في عهده على تقنية أخرى تقوم على الاستمالة بالتقريظ، بوصفه أسلوبا يستعمل عادة من اجل الشروع في التأثير على المخاطب من خلال الاشتغال على ما يحركه وجدانا وصولا الى ما يمكن التوغل به الى قناعات المخاطب ومن ثم تحريكها وفق مسار المبتغى والمقصد.
ولعل تقريظ بعض الطبقات من الجمهور في خطاب الامام لم يكن عملا اعتباطيا بل هو ايحاء لضمان تأييد تلك الفئات وما تشكله من اثر في استقرار الممارسة السياسية للدولة، او ما تمنحه من توافق لموجهات الحاكم في تعاطيه السياسي مع الناس، يقول احد الباحثين: ((تقريظ الجمهور الحقيقي او المستهدف احد الاستمالات الأكثر شيوعا في الخطاب السياسي بوجه عام)) (33)، يقول(عليه السلام): ((وَلَا یَکُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِیءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ فِی ذَلِكَ تَزْهِیداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِی الْإِحْسَانِ وَتَدْرِیباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَهِ عَلَی الْإِسَاءَهِ وَأَلْزِمْ کُلّاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ)) () فمن الجمهور يكون المحسن والمسيء ولكل منهم قوة وتمثل في تشكيل مساحته، داخل المجتمع لذلك اوجد الامام (عليه السلام) فلسفة للتعاطي مع ذلك النسيج لا تمثل رؤية للحاكم فحسب بل هو تمييز لتلك الطبقة من فئات المجتمع على وفق معطيات الاحسان والإساءة وصولا الى الاقتراب الحقيقي من إيجاد الجمهور الأمثل الصانع لمبادئ الوعي والايمان. من خلال الاشتغال على اهل الاحسان وبيان قيمتهم الحقيقية في المجتمع، وفي ذلك أيضا تحييد لأهل الإساءة في مشاركتهم لأهل الاحسان في الحقوق والامتيازات والقيم. لاسيما ان المعطيات الثقافية في عصر الامام (علیه السلام) مثلت تداخلا في تلك القيم فمنهم المؤيد ومنهم المحايد ومنهم الرافض واغلبهم يبحث عن مساحة حضور في الدولة الجديدة ولو كان مسيئا بعيدا عن تعاليم وسياسة علي (عليه السلام) في الحكم.
ويؤكد الامام (عليه السلام) في نص آخر على طبقة اخرى: ((ثُمَّ الْصَقْ بَذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالاْحْسَابِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَالسَّماحَةِ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُهُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا وَلاَ يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ وَلاَ تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ)) (34) ففي المقام الأول تبدو العناية منصبة على تحفيز الاهتمام بتلك الطبقات وفق أولويات في الذكر، لما لهم من آثار في تشكيل الحقيقة النوعية للمجتمع كرما وقيما وعرفا (ذوو المروءات والاحساب واهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم اهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة) اذ ان كل طبقة منهم تشغل حيزا من المنظور الانجازي في توطيد التماسك الاجتماعي وتعميق استقرار هيكلية الدولة، لذلك توخاهم الامام (عليه السلام) واكد على الالتصاق بهم لانهم مناط الارتقاء ونواته اجتماعيا.
و في سياق المدح والتقريظ لطبقة الجنود يقول (عليه السلام): ((وَلْيَكُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِى مَعُونَتِهِ، وَ أَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ وَ يَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ حَتّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِى جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْك.)) (35) مبديا (عليه السلام) اهتماما واسعا وعميقا ليس بالجنود بشكل عام بل هناك خصوصية لمن امتلك ايثارا في المواساة والنبل، لانجاز وظائف عملية تتمثل بتحقيق غاية الانسجام بين معسكر الجيش دفعا للخلاف والتفرقة اللذين يوديان بالهزيمة والانكسار المعنويين ومن ثم ضياع الرسالة والمبدأ.
وفي سياق تأسيس وظيفة تراتبية تتشكل منها سلطة الدولة من خلال إقرار الاصلح في الحاكمية والقيادة، يقوم الامام (عليه السلام) بالدفع الى تقنين معيار
يكون مقياسا يتجاوز مساحة الزمن التاريخية، ليكون أداة تنفيذ واحتكام يرجع اليها عند القيام بتولية من هو اهل للقيادة والممارسة في عملية إدارة شؤون الناس وتلبية احتياجاتهم وهواجسهم.
يقول (عليه السلام): ((ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَیْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِیَّتِكَ فِی نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِیقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ، وَلَا یَتَمَادَی فِی الزَّلَّةِ، وَلَا یَحْصَرُ مِنَ الْفَیْءِ إِلَی الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَی طَمَعٍ، وَلَا یَکْتَفِی بِأَدْنَی فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ))(36) فيبيح الامام (عليه السلام) احقية التولية لأفضل الرعية على وفق تأسيسات تتمخض عنها عوامل الاختيار، بعيدا عم الممارسة التي تقوم على الاهواء والانتخاب للأقربين بلا احراز لتلك الأفضلية من المواصفات. وبذلك فان اغلب تلك الإشارات من الاهتمام بطبقات المجتمع المنصوص عليها في خطابه (عليه السلام) تستلهم منظومة تقوم عليها فكرة الدولة، وهي القيام على تساند من العلاقة التبادلية بينها وبين الجمهور دون تغييب او تهميش او تشكيل لأحادية في الراي على حساب تلك الفئة الواسعة من الناس. فالانفتاح بالاختيار والتواصل والتقييم كلها تقنيات لا تنحصر في انها كيانات نصية بل هي خطاطة عمل تشتغل على بث تلك الاواصر في النسيج الاجتماعي لان مستودع حركة الدولة وقيمومتها يقوم على مركزية الجمهور في أي تصور يريد الديمومة والتفاعلية والاستقرار.
ويشكل إعادة بناء الخطاب في صيرورة تقوم على التناص الديني وهو: ((تداخل نصوص دينية مختارة - عن طريق الاقتباس أو التضمين من القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو الخطب أو الأخبار الدينية)) (37) لتفعيل الحضور والتأكيد على كيان الجمهور في ذلك الإنتاج، فالتضعيف بالإحالة الى تلك التمثلات له دور في إضفاء تكثيف المعنى الدلالي المراد في اخراج النص وانتاجه على وفق قصدية متينة، لان
تعدد الأصوات للفاعل النصي سواء من القران او من الحديث النبوي يقود الى حالة من التعضيد الدلالي في امر الموضوع المتحدث عنه، من ذلك يقول(عليه السلام): ((وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ، أَوِ التَّزَيُّدَ فِيَما كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الاْحْسَانَ، وَالتَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَاللهِ وَالنَّاسِ، قَالَ اللهُ تعالی: [كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ].)) (38) فالعلاقة هنا تكشف عن استراتيجية تتبلور في إضفاء نوع من السلوك على الحاكم ان يتعاطى به مع الجمهور لانه المن على الرعية والمبالغة في الفخر واخلاف الوعد هو من المقت السيء الذي أكدته السماء في الكتاب المجيد، وتلك تقنية توفر إجرائية اقناعية تحقق مستويين من الابلاغية الأول تعزيز آصرة المكاشفة في التعاطي مع الجمهور بلا من او تزيد او كذب والثاني، استثمار التبليغ السماوي في تأكيد تلك الموجهات السلوكية التي تعزز قيمة الجمهور في منظار الحاكم.
وهو استدعاء لا يخلو من مرجعيات تقوم على استحضار النص القرآني كعرف درج عليه المخيال العربي، ايمانا بقداسته وتأثيره وإقناعيه الكبرى لمتلقيه يقول ابن وهب: ((وكل خطبة لم توشح بالقران او الامثال توصف بالشوهاء)) (39)
ويقول (عليه السلام) في نص آخر مستثمرا الحديث النبوي الشريف: ((وَاجْعَلْ لِذَوِی الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِیهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً، فَتَتَوَاضَعُ فِیهِ لِلَّهِ الَّذِی خَلَقَكَ، وَتُقْعِدَ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ حَتَّی یُکَلِّمَكَ مُتَکَلِّمُهُمْ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ فَإِنِّی سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ علیه السلام یَقُولُ فِی غَیْرِ مَوْطِنٍ "لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّهٌ لَا یُؤْخَذُ لِلضَّعِیفِ فِیهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِیِّ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ)) (40) فالتناص مع مضمون الحديث النبوي يوحد فكرة تتظافر فيها الدلالات لإنتاج معنى التركيز والاهتمام بالضعفاء من الامة، فالضعفاء ان تعالى عليهم الحاكم فذلك
فيه تعرية لما أراده الله من حقوق لهم تقوم على الإنسانية والرأفة بعباده، وهنا ينتقل الامام (عليه السلام) الى توزيع تلك الثقافة في رؤية الحكام بوصفها منهجا نبويا يعبر عن الانفتاح والتسامي في تحقيق اقتراب حميم من تلك الطبقة من الجمهور بسياسة تقوم على التواضع والتقرب بهم الى الله سبحانه.
نهج البلاغة: 231
م. ن: 551
عبقرية علي: 53
نهج البلاغة: 562
م. ن: 474
م. ن: 475
م. ن: 478
م. ن: 486
سيكولوجية الجماهير: 91
نهج البلاغة: 473
الخطاب الإعلامي: محمود عكاشة: 62
الراعي والرعية:
شرح نهج البلاغة: 8/ 32
نهج البلاغة: 231
م. ن: 477
بحار الانوار: 8/ 67
الاختصاص: 56
مجالس المؤمنين: 1/ 289.
نهج البلاغة: 478
م. ن:978/ 479
الكتاب: 1/ 36
نهج البلاغة: 88
استراتيجيات الخطاب، مقاربة لغوية تداولية: ص 45.
نهج البلاغة: 475
م. ن: 486
الحجاج في الخطابة النبوية: 27
علي سلطة الحق: 452
نهج البلاغة: 474
م. ن: 477
شرح نهج البلاغة: 8/ 221
الراعي والرعية: 243
نهج البلاغة: 488
اطار مقترح لتحليل خطاب تراثي: 14
نهج البلاغة: 477
م. ن 480
م. ن: 481
التناص نظرياً وتطبيقياً: 46
نهج البلاغة: 491
البرهان في وجوه البيان: 153
نهج البلاغة: 487
مثل الخطاب حركة من التواصلية بين طرفي الخطاب (الامام (عليه السلام) ومالك الاشتر) لانتاج انساق من الموجهات تحتضن الجمهور وتمنحه المركزية في رؤية الحاكم.
انفتاح الخطاب على الجمهور في عهد الامام لصانع الحدث (مالك الاشتر) لم يكن ترفا فکريا بل لقواعد حاكمة في التفكير السياسي والعقدي والاجتماعي في منظومة علي (عليه السلام).
تعدد الاستهداف والقصد في خطاب طبقات الجمهور على وفق سمات ومحددات من المؤشرات الموضوعية واللغوية يمثل نتاجا واحاطة بسياق اجتماعي له مؤثراته في تكوين رؤية الدولة واستقرارها.
بين البحث حمولة من المتواليات الدلالية لم تقف عند ضبط المفاهيم في الطبقات الاجتماعية، بل ان التساند والتقابل في التفصيل والترتيب والتقديم انساق اثبتت قدرتها على اشباع المعنى وتحريك المخاطب صوب نافذة المقصودين بالخطاب من تلك الطبقات.
ایراد مركزية الجمهور في تلك المثاقفة الخطابية دليل على تناسق وانسجام بين موضوع الخطاب السياسي واستجابات الجمهور، فالانتاج المباشر في معاينة خطاب الجمهور ضمن نطاق الفعل السياسي كفيل بخلق لغة إجرائية مؤثرة في المتلقي.
تلاقي ملامح الأسس الأولية في تشكيل خطاب الامام وفق سياقات خلقت التفاتات مثيرة في تقنين تلك الموجهات الخطابية من خلال السياق النفسي
والتاريخي اللذين اثبت من خلالهما بواعث تلك السردية والحميمية في ذلك الاجراء القائم على السعة والاحاطة والقرب من المخاطب.
الاختصاص: الشيخ المفيد، دار العلم للملايين، د. ت.
استراتيجيات الخطاب، مقاربة لغوية تداولية، عبدالهادي ظافر الشهري، ط 1، دار الكتاب الجديدة، بیروت 2004،
اطار مقترح لتحليل خطاب تراثي، عماد عبد اللطيف، منشورات مخبر تحليل الخطاب، العدد 14، 2013
بحار الانوار: العلامة المجلسي، دار الكتب العلمية بيروت. د. ت
البرهان في وجوه البيان، ابن وهب، تحقیق حفني محمد شرف، مطبعة الرسالة، مصر.
التناص نظرياً وتطبيقياً، أحمد الزعبي، مؤسسة عمون للنشر والتوزيع / عمّان، الطبعة الثانية 1998.
الحجاج في الخطابة النبوية، عبد الجليل العشراوي، عالم الكتب الحديث، اربد الأردن، ط 1 2012.
الراعي والرعية، توفيق الفکیکي، دار الغدیر، ط 14291
سيكولوجية الجماهير، غوستاف لوبون، ترجمة هشام صالح، دار الساقي، بیروت، 1991.
شرح نهج البلاغة، ابن ابی الحدید، تحقيق محمد ابي الفضل إبراهيم، بيروت. 1979.
عبقرية الامام علي، عباس محمود العقاد، دار التربية للطباعة والنشر، 2001
علي سلطة الحق، عزيز السيد جاسم، منشورات الاجتهاد، ط 1 2000.
الكتاب، لابي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، تح عبد السلام محمد هارون، مطبعة المدني، المؤسسة السعودية بمصر، القاهرة، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط 3، 1488 - 1988 م.
نهج البلاغة، محمد عبدة، منشورات ذوي القربی، ط 1 1427.
الإحالةُ من الوسائل المهمةً في السبك النصي، وظاهرةٌ من الظواهر النحويَّة التي تخرجُ عن إطار الجملة المفردة إلى العناية بالجوانب الدلالية والتواصلية في النصوص، وأداة ذات أثر فاعل في ربط أجزاء النص وسبکه، فهي تقع في أساس كلّ منظومة فكريّة، وقد رأى اللسانيون ضرورة دراستها في إطار لسانیّات النصّ؛ لأنها من أهمّ وسائل السبك، ومن المعايير المهمّة التي تسهم بنحو فعّال في الكفاءة النصيّة، وهي من أكثر وسائل السبك انتشاراً في نصوص العهد العلوي المبارك، إذ لا تكاد تخلو فقرة أو جملةً من ضميرٍ، أو عنصر إشاري، أو موصول، يربطُها بمواطنَ أخرى في النص، لذلك فهي من أهمِّ عوامل سبك النصوص التي تقفُ وراءَ خلقِ نصِّيَّتها.
وبناء على ما ذكر وقع اختيار الباحث على هذا الموضوع، بما ظهر له من ملامح جلية في العهد المبارك وقف عندها وحللها. واقتضت طبيعة البحث أن يقسم على مقدمة، وثلاثة مباحث، جاء الأول بعنوان: معنى النص، والثاني: معنى السبك، والثالث: معنى الاحالة، وتناول اقسامها، وعناصرها المتمثلة ب (الضمائر، وأسماء الاشارة، والاسماء الموصولة)، بعدها سجل الباحث خلاصة لأهم نتائج البحث.
إنّ النظر إلى النصّ هو افراز حتميّ لمجموعة من التحوّلات المعرفيّة، والمنهجيّة التي حدثت في نظريّة اللغة، وأصولها، ومستوياتها، ووظائفها، والفلسفة العلميّة الكامنة وراءها (1)؛ إذ تطوَّرَ النسق المعرفيّ اللغويّ عبر الزمن حتى وصل إلى لسانيّات النصّ (2)، فبعد أن وقَفَت جُلّ البحوث اللسانيّة عند حدود الجملة، ونَظَرَت إليها على أنّها الوحدة الكبرى للتحليل، تطوّرَ البحث اللسانيّ، وأثبتَ محدوديّة هذا النوع من الدراسات، وقصوره في تحليل اللغة (3)، إذ لحظ الباحثون أنّ البشر عندما يتواصلون لغويّاً لا يمارسون ذلك في جُمل منعزلة (4) بل ((في تتابعات مجاوزة للجملة مترابطة متماسكة)) (5)، فأدركوا أنّ وصف الكلام بالوقوف عند الجملة الواحدة وصفٌ غيرُ كافٍ، ولا بدّ من الانتقال إلى وحدة أخرى؛ هي النصّ (6)، فأشار عدد من العلماء إلى ضرورة تجاوز حدود الجملة الواحدة في الدراسات اللغوية، وتعدُّ هذه الإشارات البذرة الأولى في ظهور هذا الاتجاه في الدرس اللغويّ المعاصر، فقد كان ظهوره في اللسانيات الغربية بعد إرهاصات قدَّمها (هيالمسلاف)، و (هاريس)، إذ عدَّ الأولُ النصَّ قسماً أكبر قابلاً للتحليل، وتجاوز الثاني الجملةَ واعتنى بتحليل الخطاب (7)، ثُمَّ توالت بعدها الدراسات والبحوث والمقالات التي خَصَّت هذا العلم - النص - بالدراسة، فتعدَّدت تعريفاتُّه، وتشعَّبت مفاهيمُه.
والفرق بين نظامي الجملة، والنصّ، هو أنّ: ((نظام الجملة يوضّح كيفيّة ارتباط المفردات الواحدة بالأخرى في أبنية معيّنة، أمّا لسانيّات النصّ؛ فتبحث فيما فوق الجملة... ويتجاوزها الى أفكار كليّة)) (8).
وتعددت تعريفات النص باختلاف المرجعيات والمنطلقات المعرفية والغايات والإجراءات لأصحابها، فمنها ما كان بنيوياً، ومنها ما كان سيميائياً، وبعضها ما كان اجتماعياً، وبعضها الآخر ما صدر عن لسانیات النصّ وتحليل الخطاب ويلحظ ذلك عند النصِّيِّينَ أنفُسِهم (9)، وهو ما دعا بعض علماء النصّ إلى تصنيف تعریفات النصيين على ثلاثة أصناف (10): صنفٍ اعتمدَ تكوّنَ النص من بني سطحية، وثانٍ يرى أنَّ مجالَ النص هو الدلالة والمضمون، وثالث دمج بين الصياغة والدلالة وعدَّها وسيلةً تتحقق بها استقلالية النص.
فذهب (برينك) إلى أنَّ النصَّ ((تتابع مترابط من الجمل، ويستنتج من ذلك أن الجملة بوصفها جزءاً صغيراً ترمز إلى النص، ويمكن تحديد هذا الجزء بوضع نقطة أو علامة استفهام أو علامة تعجب، ثم يمكن بعد ذلك وصفها على أنَّها وحدة مستقلة نسبياً)) (11)، وهو تعريف يوضح النص بالجملة، فهو تتابع من الجمل، والجملة جزء منه وثمة علاقة بينها وبين الأجزاء الأخرى المكوِّنة للنص (12).
وحَدَّهُ (فاینرش) بأنَّه ((كلٌّ تترابط أجزاؤه من جهتي التحديد والاستلزام، إذ يؤدي الفصل بين الأجزاء إلى عدم وضوح النص، کما یؤدي عزل أو إسقاط عنصر من عناصره إلى عدم تحقق الفَهم، ويفسر هذا بوضوح من خلال مصطلحي (الوحدة الكلية) و (التماسك الدلالي) للنص)) (13).
وقد أشار هاليداي، ورقية حسن إلى أنَّ ((كلمة نص Text تستخدم في علم اللغويات لتشير إلى أي فقرة مكتوبة، أو منطوقة مهما كان طولها، شريطة أن تكون وحدة متكاملة، ويظهر واضحاً هذا التركيز على أن النص يتضمن المكتوب والمنطوق على أن يكون وحدة متكاملة دون تحديد حجمه طولاً أو قصراً)) (14).
وقد وضع د. عثمان أحمد أبو زنید بعد أن ذكر تعريفات النص في ضوء الاتجاهات
والمدارس المختلفة تعريفاً للنص، هو أنَّه: ((نظامٌ کُلِّي ينطوي على أبعاد دلالية و محمولات معرفية تشكل وحدة تواصلية في فضاء نصي مركب من مجموعة من العلاقات المتبادلة بين مجريات لغوية ومعطيات إنجازية خاضعة للدلالة العميقة المنتجة له، ولإطار التلقي المفترض في مرحلة الإنتاج)) (15).
إلا أنَّ أهمَّ هذه التعريفات هو تعريف (دي بوجراند) و (دریسلر) ويعني أنَّ النص: ((حدث تواصلي يلزم لكونه نصاً أن تتوافر له سبعة معايير للنصية مجتمعة، ويزول عنه هذا الوصف إذا تخلف واحد من هذه المعايير)) (16).
وهذه المعايير هي (17): السبك (Cohesion) أو الربط النحوي، والحبك (-Co herence) أو التماسك الدلالي، والقصد (Intentionality) أي هدف النص، والمقبولية (Acceptability) وتتعلق بموقف المتلقي من قبول النص، والإخبارية أو الإعلام (Informativity) أي توقع المعلومات الواردة فيه أو عدمه، والمقامية (Situationality) و تتعلق بمناسبة النص للموقف، والتناص (Intertextuality) ويختص بالتعبير عن تبعية النص لنصوص أخرى، أو تداخله معها. وقد صُنِّفت هذه المعايير على النحو الآتي (18):
ما يتّصل بالنصّ: (السبك، والالتحام (الحبك)).
ما يتّصل بمستعمل النصّ: منتجًا أو متلقيًا، (القصد، والقبول).
ما يتّصل بالسياق الماديّ، والثقافيّ المحيط بالنصّ: (الإعلام، والمقاميّة، والتناص).
ويؤكد الدكتور سعيد بحيري أنَّ (دی بو جراند ودریسلر) لا يعنيان ضرورة تحقق هذه المعايير كلِّها في نص ما كي يوصفَ بالنصية، وإنما تتحقق النصية بوجودها، وأحياناً تتكون نصوص بأقل قدر منها (19). ويُعدُّ هذا التعريف ثمرة جناها دي
بوجراند من التعريفات السابقة على تعريفه، وهو شامل لجميع الجوانب التي أُهملَ بعضُها فيما سبقه من الحدود؛ لذلك آثر عدد من الدارسين (20) هذا التعريف على غيره؛ لأنه ((يراعي المتحدث، أو المرسل والمستقبل، ويراعي كذلك السياق، وكذا يراعي النواحي الشكلية والدلالية...)) (21)، وهو ما يذهب اليه الباحث مع من ذهب.
السبك: أوَّلِ وأهمِّ المعايير النصية السبعة التي ذكرها (دي بوجراند) (22)، والتي يجبُ توافرها في النَّص كي يحكمَ له بالنَّصِّيَّة، وقد نال عناية كبيرة من قبل اللسانيين النصيين فهو جوهري في تشكيل النص وفهمه وتفسيره، فيعمل على جعل الكلام مفيداً، ويعمل على ثبات النص واستقراره، بعدم تشتت الدلالة الواردة في نص معين، ويقوم بتنظيم بنية المعلومات داخل النص مما يساعد في عملية فهم النص؛ عبر متابعة خيوط الترابط المتحركة داخل النص التي تمكّن المتلقي من ملء الفجوات، ویری (فان دایك) أن السمات الشكلية في النص تحدد بنيته الدلالية (23).
فالسبك هو: ((خاصية دلالية للخطاب؛ تعتمد على فهم كل جُملة مكونة للنص في علاقتها بما يفهم من الجُمل)) (24). وقيل بأنّه: ((ذلك التماسك الشديد بين الأجزاء المشكّلة لنصّ / خطاب ما، ويُهتمّ فيه بالوسائل اللغويّة الشكليّة التي تصل بين العناصر المكوّنة لجزء خطاب، أو الخطاب برمته)) (25)، فهو يدرس إحكام علاقات الأجزاء (26)؛ أي: ((يقف على مجموع الإمكانيّات المتاحة في اللغة؛ لجعل أجزاء النصّ متماسكة بعضها ببعض)) (27)، وأهمّ ما
يحقّقه السبك في النص صفة الاطّراد، والاستمراريّة في ظاهره، فإنّنا نجد في كلّ مرحلة من مراحل النص نقاط اتصال بالسابقة (28). إذن هو ذو طبيعة خطيّة أفقيّة شكليّة، يُعني بالتتابع والترابط الجُملي للنصّ، والإجراءات المستعملة في توافر الترابط بين عناصره الظاهرة، فضلًا عن تحقيقه استمراريّة الوقائع في النصّ؛ مما يساعد القارئ على متابعة خيوط الترابط المتحركة عبره، ويقود إلى الانسجام النصّيّ، فيظهر النصّ ككلٍّ واحدٍ، يُسهم في تماسكه عدد من الروابط، أهمّها الروابط السطحيّة التي تؤدِّي إلى الروابط العميقة للبنى النصّيّة السطحيّة (29).
أمَا أهم وسائل واشكال السبك، فهي:
الاتساق الصوتيّ؛ ويشمل: السجع، الجناس، التنغيم.
الاتساق المعجميّ؛ ويشمل: التكرار، المصاحبة المعجميّة.
الاتساق النحويّ؛ ويشمل: الإحالة، الحذف، الربط. وسيقتصر بحثنا على الاحالة بما يناسب المقام والموضوع. وسيتمّ بحثها من وجهة نظر نصيّة في هذا البحث، وإسهامها في تحقيق السبك بين مكوِّنات النصّ.
الإحالةُ وسيلةً مهمةً من وسائلِ السبك النصي، وظاهرةٌ من الظواهر النحويَّة التي تخرجُ عن إطار الجملة المفردة إلى العناية بالجوانب الدلالية والتواصلية في النصوص، وأداةٌ ذات أثر فاعل في ربط أجزاء النص وسبکه (30)، ثم إنَّ دراسة العلاقات الإحالية في النص تثيرُ البنيةَ الدلاليةَ فيها بشيوع صيغها في النص بالقدرِ الذي يَجعلُ منهُ وحدةً مسبوكة منسجمة فهي تقع في أساس كلّ منظومة فكريّة، ف ((اللغة نفسها نظام إحاليّ، إذ تحيل إلى ما هو غير اللغة)) (31). وقد رأى (فان دايك) ضرورة دراسة الإحالة في إطار لسانیّات النصّ (32)، فهي من أهمّ وسائل السبك، ومن المعايير المهمّة التي تسهم بنحو فعّال في الكفاءة النصيّة (33).
وقد عرَّف بعضُ علماء النصّ الإحالةَ بأنَّها: العلاقة القائمة بين الأسماء والمسمَّيات (34)، ومنهم من ذكر أنَّها علاقةٌ ((بين العبارات من جهة وبين الأشياء والمواقف في العالم الخارجي الذي تشير إليه العبارات)) (35)، وهذه العلاقة علاقة دلالية تخضع لقيد دلالي هو وجوب التطابق بين العنصر المُحيل والآخر المحال إليه (36)، وتحدثُ بوساطة قسم من الألفاظ تسمى (العناصر الإحالية)، وهي ألفاظ لا تمتلك دلالة مستقلة ولا تكتفي بذاتها من حيث التأويل، إذ لا بدَّ من العودة إلى ما تشير إليه في أجزاء أخرى من الخطاب؛ من أجل تأويلها (37).
ويمكننا القول: إنّها ((عمليّة ذات طبيعة تداوليّة، تقوم بين المتكلّم، والمخاطب في موقف تواصلي معيّن، يحيل فيه المتكلّمُ المخاطبَ إلى ذات معيّنة)) (38) بإحالة لفظة مُستَعمَلة إلى لفظة متقدّمة عليها (39)، لذلك فصَّل أحدُ الباحِثينَ في تعريفها فَقَال: ((إنَّ الإحالة هي علاقة بين عنصر لغوي وآخر لغوي أو خارجي بحيث يتوقَّف تفسيرُ الأوَّل على الثاني؛ ولذا فإنَّ فهم العناصر الإحالية التي يتضمَّنها نصٌّ ما يقتضي أن يبحثَ المخاطبُ في مكان آخر داخل النص أو خارجه)) (40).
ويتضح من هذا أنَّ الإحالةَ علاقةٌ دلاليةٌ بينَ عنصرين تشير إلى عملية استرجاع المعنى الاحالي في النصّ مرة أخرى من طريق مجموعة من الكلمات، يُسمى الأوَّلُ مُحِيلاً، والثاني مُحَالاً إليه، والأوَّلُ ليس له معنی مستقلٌ في ذاته، ويمكن معرفة دلالته بالرجوع إلى العنصر الثاني الذي يقع في أجزاء أخرى من النص، كالضمائر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة ونحوها، أو قد يكون خارجياً يفهم من المقام، وبذلك يتمُّ استرجاعُ المعنى الدلالي مرة أخرى. فالمُحال قد يكون داخل الجملة نفسها، فتنحصر وظيفة الإحالة هنا في ربط عناصر الجملة، ومن ثُمَّ تقلُّ نسبةُ وجود الإحالة، ((وكلما كان المُحال إليه بعیداً اتَّسعَ الربطُ ليتحول إلى ربطٍ نَصّي)) (41)، فهي تقوم بمدِّ شبكة من العلاقات الإحالية بين العناصر المتباعدة في فضاء النصّ، فتجتمع عناصره مشکِّلة كلّا واحدا (46)، فضلًا عن ذلك تُجنِّب المتكلّم التكرار المشتِّت للذهن؛ فيتحقّق بذلك الاقتصاد في اللغة، فهي تختصر هذه العناصر الإحاليّة، وتجنِّب مستعملها إعادتها.
للإحالة أقسام متعدّدة، تبعًا للزوايا التي يُنظَر منها إلى الإحالة، وتشترك في عملية الإحالة مجموعة من العناصر، تبدأ بالمتكلّم، ثم اللفظ المحيل، والمحال إليه، والعلاقة
بين اللفظ المحيل، والمحال إليه (43) ومن أكثر أقسام الإحالة تداولاً بين الباحثينَ نوعان (44) هما:
وبهذا تتحدّد نوعيّة الإحالة قبليّة، أو بعديّة، وكلتا الإحالتين القبليّة، والبعديّة، متّفقة من حيث الطبيعة، ومختلفة من حيث صور الإجراء؛ إذ تقومان على صورة خاصة من الإحالة غير المباشرة بالنسبة إلى ضرب خاص من العناصر اللغويّة، تتمثّل في قصور العنصر عن الإحالة بمفرده إلى مرجعه، أو خارجه، ولا يكون ذلك إلّا بالاتّكاء على عنصر آخر يعضِّده في القيام بهذه الوظيفة، لكنّ الإحالة القبليّة تقوم على تقدّم العنصر المُتَّكأ عليه، أمّا الإحالة البعديّة فإنّها بخلاف ذلك، تقوم على تأخّر ذلك العنصر (48).
ويمكن الاستعانة بالمخطط الآتي لتوضيح أقسام الإحالة السابقة (49):
الإحالة - نصیة - مقامية - إحالة داخل النص - إحالة إلى خارج النص - (إلى سابق) قبلية - (إلى لاحق) بعدية أما عناصر تتحقّق الإحالة، فتتحقّق الإحالة داخل النصّ بمجموعة من العناصر النحويّة، التي من وظائفها الأساسيّة الربط بين الجُمل، وأهمها: الضمائر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة (50).
الضمير من أعرف المعارف لكنّه مبهم لا يُفهم إلّا بما يرتبط به (51)، فهو ((الاسم المتضمِّن للإشارة إلى المتكلّم، أو المخاطب، أو إلى غيرهما بعد سبق ذكره)) (52) وإذا كان الضمير من المبهمات في ذاتها، فالواجب البحث عن الظاهر الذي يفسِّر المضمر، أي تحديد المشار إليه (العنصر الإشاري) الذي يقيم علاقة الربط مع الضمير
المحيل (العنصر الإحالي) (53)، وتُعدُّ الإحالةُ بالضمير أهم مُعطيات النص التي تُصهِمُ في نصيّته وكفاءَته، وله مهامّ عدِّة منها: الاختصار، وأمن اللبس بالتكرار، وإعادة الذكر (54)، إلّا أنّ تركيز الدراسات النصيّة كان على أثره في ربط الجُمل بعضها ببعض داخل النصّ، فهو ((على وجه العموم فارغ الدلالة، بمعنى أنّ دلالته في المعجم تمثّل صفراً، ومن ثم لا يقوم بوظيفته إذا استُعمِل منفرداً، بل لا بدّ له من ترکیب يعمل به، كالحرف الذي يحتاج إلى مجرور، فهو يحتاج إلى تركيب يستطيع به أن يقوم بوظيفته، وليس المُراد بالإبهام في الضمير التنكير، بل إنّ وقوع الضمائر على كلّ شيء من حيوان، وجماد، أو غيرهما، هو مدار الإبهام في الضمائر)) (55)، فهي تمثل العصب الرئيس في بناء النصّ، فيها يتبدّی سبکه، وبها يمكن تلقّيه، ومن دونها يغدو مفکّکًا، إذ تقوم بوظيفة الرابط بين أجزاء النصّ بنحوٍ عام (56).
وقد قسَّمَ محمد خطابي الضمائر على (57):
وجوديَّة مثل: أنا، أنت، نحن، هو، هم، هن... إلخ. وهي ضمائر (المتكلمين، والمخاطبين، والغائبين).
وضمائر الملكية أو الضمائر المتصلة مثل: كتابي، كتابك، كتابهم، کتابه، کتابنا... إلخ.
ومن زاوية السبك میَّز الباحثان هاليداي ورقية حسن بين نوعين من الضمائر: الأوَّل ما سَمَّیَاه ب (أدوار الكلام)، وتندرجُ تحتَه كل الضمائر الدالة على المتكلم والمخاطب، وتكون الإحالة فيها مقامية خارج النص، والثاني ما أطلقا عليه (أدواراً أخرى)، ويخلفُ هذا النوعُ من الضمائر أثراً مُهِمَّاً في اتساق النص، فهي تربطُ أجزاءُهُ، وتَصِلُ بين أقسامِه، وتندرجُ ضمنَها ضمائرُ الغيبة إفراداً وتثنية وجمعاً (58).
وقد حقَّقتِ الضمائرُ السبك بين العناصر المُكوِّنة لنصوص العهد المبارك؛
فتكرارُها في أكثر من موضع، وعودتُّها على مرجع واحد يخلقُ شبكة إحالية تربطُ الجملَ، وتغني عن إعادة لفظ المحال إليه.
ومن أمثلة ذلك قوله (عليه السلام): ((وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَاتَکُونَنَّ عَلَیهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ یفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَیؤْتَی عَلَی أَیدِیهِمْ فِی الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِی تُحِبُّ وَتَرْضَی أَنْ یعْطِیكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَآلِی الْأَمْرِ عَلَیْكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَقَدِ اسْتَکْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ.
وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا یَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلَا غِنَی بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَی عَفْوٍ وَلَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَی بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً وَلَا تَقُولَنَّ إِنِّی مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ فَإِنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ فِی الْقَلْبِ وَمَنْهَکَهٌ لِلدِّینِ وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِیَرِ)) (59).
المحال إليه مالك الأشتر (رضي الله عنه) الإحالة أشعر قلبك لا تكونن تغتنم لك، لك، لك فأعطهم عفوك صفحك تحب وترضى يعطيك فإنك عليك فوقك ولاك استكفاك ابتلاك لا تنصين نفسك لك، بك لا تندمن لا تبجحنّ لا تشرعنّ وجدت لا تقولن إني فأطاع العنصر المحيل الضمير المستتر (أنت) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المستتر (أنت) الضمير المستتر (أنت) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المستتر (أنت) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المستتر (أنت) الضمير المستتر (أنت) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المستتر (أنت) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المتصل (الكاف) الضمير المستتر (أنت) الضمير المستتر (أنت) الضمير المستتر (أنت) الضمير المتصل (التاء) الضمير المستتر (أنت) الضمير المتصل (الياء) الضمير المستتر (أنا) نوع الإحالة نصية - قبلية
جميع الضمائر الواردة في الجدول تحيلُ إلى نواةٍ واحدةٍ هي لفظة (مالك الأشتر (رضي الله عنه))، وفي وحدةِ النواةِ، وكثرةِ الضمائِر التي تُحيلُ إليها تحقيقٌ لسبك النص ووحدتِه الدلالية، وزيادةٌ في قوة الربط وقدرة الإحالات على السبك، ودعمٌ لسمة النصية (60)، وهذه ظاهرة بارزة في الاحالة النصية، إذ إنّ أهم عنصر إشاري في النص يرتبط به أكبر عدد من العناصر الإحالية وقد سماها د. الزناد ب ((السُلَّميَّة الإحالية)) (61).
كلُّ الإحالات الواردة في هذا الجدول إحالاتٌ نصيةٌ قبليةٌ، وفي هذا تأكيدٌ لما قاله بعض الباحثين من أنَّ هذا النوع هو الأكثر دوراناً في الكلام (62) 3. للضمائِر المتَّصلةِ الغلبةُ على غيرها، فقد تجلّت وسائل الإحالة على نحو واضح في ظاهر النصّ؛ إذ بلغ عدد الضمائر التي أسهمت في تحقيق السبك على مستوى النص (30) ضميراً، منها (18) ضميراً متَّصلاً، و (12) ضميراً مستتراً، وهذا التوزيع للضمائر جاء مطابقاً لما أقره النحويون القدماء، من أنّ الضمير المتَّصل له الغَلبَة في الحضور على غيره؛ ((لأنّه أكثر وأسيَر في الاستعمال)) (63)، يُضافُ إلى ذلك أنَّ ((الضمير إذا اتصل فلربَّما أضاف إلى الخفة والاختصار عنصراً ثالثاً هو الاقتصار، وهذه العناصر الثلاثة هي من مطالب الاستعمال اللغوي)) (64).
كشفت هذه الضائرُ عن دلالة النص الكلية، وعملت على ربط أوَّل نسيج النصِّ بآخره ربطاً أفقياً (65)، وقد صنع هذا الربطُ جسوراً كبرى للتواصل بين أجزاء النص التي تُفصِح عن معناها، وتجمعُ شتاتَها - على الرغم من تباعدها - وحدةُ المرجع المفسِّر.
وقد مثل هذا المقطع أول شيء أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) به مالكاً الأشتر أراد منه أن يكون خطاباً موجهاً لجميع حكام المسلمين، وغير المسلمين من خلال شخص واحد أراده أن يكون حاكماً على مصر، وهو مالك الأشتر، الصديق الصدوق للإمام علي (عليه السلام). أوصاه أن يكون محبَّاً للرعية، محترماً لمشاعر الناس من أي فئة كانوا، سواء كانوا مسلمين أم من أهل الأديان الأخرى، ولا يخفى أن في ذلك تثبيتاً لإنسانية الإسلام واحترامه لمشاعر الناس، وتقوية لبنية النظام والحكومة، ثمَّ أوصاه أن يعفو ويصفح عمَّن أساء واجترأ عليه، أو على خاصته، وليس في قواميس الأديان ومذاهب السياسة مثل ما سنه (عليه السلام) من الرفق بالرعية على اختلاف ميولها وأديانها، فليس للوالي إلا اللطف والمبرة بها، وأن لا يشمخ عليهم بولايته ويكون سبعاً ضارياً عليهم، وعليه أن لا يحاسبهم على ما صدر منهم من علل أو زلل، ويمنحهم العفو والرضا، وعدم التبجح بعقوبة انزلوها على أحد، وليس له الاعتزال بالسلطة والغرور بالحكم، فإن في ذلك مفسدة للدين ومفسدة للمواطنين، وعليهم أن ينظروا إلى قدرة الله، الى عليهم فإنه المالك لهم، لتنعم البلاد بالأمن وتسود فيها.
ومثال الاحالة النصية البعدية على متأخر قول الإمام (عليه السلام): ((اَعلَم أَنَّهُ
لَيسَ شَيءٌ بِأَدعَى إِلَى حُسنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعيَّتِه مِن إِحسَانِهِ إِلَيهِم وتَخفِيفِهِ المُئونَاتِ عَلَيهِم وَتَركِ استِكرَاهِهِ إِيَّاهُم عَلَى مَا لَيسَ لَهُ قِبَلَهُم)) (66).
فالضمير الهاء في (إنة)، احالة على جملة (حُسنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ)، فهي التي تفسره، وفي هذه الحالة تنتقل دلالة الضمير من الاحالة على الاسم الظاهر الى الكناية عن مضمون الجملة الواقعة بعده، إذ تؤدي وظيفة التفسير له، وتسمى حينئذٍ عند النحاة ب (ضمير الشأن)، قال ابن يعيش: ((اعلم أنّهم إذا أرادوا ذِكرَ جملة من الجُمَل الاسميّة، أو الفعليّة، فقد يُقدِّمون قبلها ضميراً يكون كناية عن تلك الجملة، وتكون الجملة خبراً عن ذلك الضمير، وتفسيراً له ويُوَحِّدون الضمير؛ لأنّهم يريدون الأمَر والحديثَ؛ لأنّ كلَّ جملة شأنٌ وحديثٌ، ولا يفعلون ذلك إلّا في مواضع التفخيم والتعظيم)) (67). فالقصد من هذا الضمير شدّ الانتباه بالإبهام الى ما يليه رغبة في تعظيم شأنه، ليصبح ذهن السامع في غاية التنبه والترصد لما سيبين الضمير.
ومثال الاحالة المقامية قوله (عليه السلام): ((اخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَیْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِیَّتِكَ فِی نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِیقُ بِهِ الْأُمُورُ وَلَا تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ وَلَا یَتَمَادَی فِی الزَّلَّهِ وَلَا یَحْصَرُ مِنَ الْفَیْءِ إِلَی الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَی طَمَعٍ وَلَا یَکْتَفِی بِأَدْنَی فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ وَأَوْقَفَهُمْ فِی الشُّبُهَاتِ وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَهِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَی تَکَشُّفِ الْأُمُورِ وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُکْمِ، مِمَّنْ لَا یَزْدَهِیهِ إِطْرَاءٌ وَلَا یَسْتَمِیلُهُ إِغْرَاءٌ وَأُولَئِكَ قَلِیلٌ)) (68).
لم يبين الامام الحاكم بعينه وشخصه، بل وضع له خصائص وصفات إن وجدت كان الواجب اختياره ويترك للمقام الحالي آنذاك الكشف عنه واختيار، ومثلت الضمائر المتصلة والمستترة العائدة إليه شبكة من أحداث الترابط الشكلي تبعه احداث التماسك الدلالي، مع قصدية في تحقيق الغاية التي يسعى الامام لإبرازها وهي انتخاب
الحكام غير خاضع للمؤثرات التقليدية، وإنما يكون عن دراسة جادة للحاكم نفسياً وفكرياً وإدارة ومعرفة بشؤون الحكم والإدارة على ضوء الشريعة المقدسة، وما كانت لتبرز على هذا النحو من السبك والدقة والانسجام، لو لم تسهم الضمائر مساهمة فاعلة في النص.
فظهر أنَّ الإحالة المقامية زادت من وحدة النصَّ، واكسبته صفة الاستمرارية والسبك بوجود العنصر المحال إليه؛ لأنّ الإحالة في هذا النوع أحدَ طرفيها لا يظهرُ على سطح النص، ولا يحدثُ الربط بين ركنيها إلا بالتوصل إلى المفقود، فاستحضاره إذن يفضي إلى الترابط والسبك، بخلاف الإحالة النصِّية التي يوجد طرفا الإحالة داخل النص فيحصلُ الربطُ بينَهما مقالياً.
تعدِّ أسماء الإشارة من المبهمات كما نصّ النحويون على ذلك (69)، فقد عدَّها سيبويه من المبهمات؛ لأنّها تقع على كل شيء (70). فمثلها كمثل الضمائر لا تفهم إلا إذا رُبِطت بما تُشير إليه (71)؛ إذ إنَّها من المعاني اللغوية غير القائمة بذاتها، وتُصنَّف من المعارف الاستعماليّة، وليست من المعارف الوضعيِّة؛ أي: أسماء الأعلام، إذ يجتمع فيها الإبهام والتعريف (72)، أمّا الإبهام فشأنه شأن إبهام الضمير، وكونه من المعارف؛ إذ لا بدّ من أن يرد اسم الإشارة في سياق تركيبيّ، يحضر فيه أطراف الخطاب حضوراً عينياً، أو حضوراً ذهنياً؛ من أجل إدراك مرجعيّتها (73)، وتُصنّف في اللغة بحسب معايير كثيرة، نحو: العدد، والجنس، وبعد المرجع عن المرسل، أو قربه (74)، فلها وظيفةٌ توضِّحُ مدى قرب المشار إليه أو بعده من موقع المتكلم مكاناً وزَماناً؛ لذلك جرى تقسيمُها في اللغة العربية باعتمادِ المسافة (75)، وجمهورُ النحاةِ على أنَّ لها ثلاثَ مراتبَ: قُربي، ووُسطى، وبُعدى (76)، غير أنَّ علماء النص ذهبوا إلى أنَّ هنالك
عدةَ إمكانيات لتصنيفها: إما حسب الظرفية: الزمان (الآن، غداً...)، والمكان (هنا، هناك...) (77) أو حسب الإشارة المحايدة، وتكون بأداة التعريف، أو الانتقاء (هذا، هؤلاء...)، أو البعد (ذاك، تلك...) والقرب (هذا، وهذه ...)(78).
ولأسماء الاشارة أهمِّيَّةٍ كبيرةٍ في سبك النص واتساق أجزائه (79)، ويمكن لها أن تحيل إحالة قبلية أو بعدية، بمعنى إنَّها تربط جزءاً لاحقاً بجزءٍ سابق أو العكس، فهي تحيل بشتّى أصنافها إمّا إلى عنصر إشاريّ قبل العنصر الإحاليّ، أو بعده، فتحقق السبك بين الجُمل، كما يتميّز اسم الإشارة المفرد منها ((بما يسميه المؤلفان - هاليداي ورقية حسن - (الإحالة الموسعة)، أي إمكانية الإحالة إلى جملة بأكملها أو متتالية من الجمل)) (80).
واركان أسماء الإشارة هي (81): معنى من المعاني اللغوية غير القائمة بذاتها، ولها أركان:
المُشير - المتكلم المشار إليه - الشيء في الخارج المشار له بالمشار إليه - المخاطب المشار به - عبارة الإشارة (اللفظ الذي تتحقق به) عمل الإشارة - الحاصل معنى وخارجاً من الإشارة).
وقَسَّمَ الدكتور سعيد بحيري الإحالة الإشارية بأسماء الإشارة، استناداً إلى تقسيم الإشارة على نوعين حسيّة، ومعنويّة على نوعين:
النوع الأول: إحالة ذات مدى قريب، وتجري في مستوى الجملة الواحدة إذ لا
توجد فواصل تركيبية جملية.
النوع الثاني: إحالة ذات مدى بعيد، وهي تجري بين الجمل المتصلة أو المتباعدة في فضاء النص، وهي تتجاوز الفواصل أو الحدود التركيبية القائمة بين الجمل (82)، وهذا التقسيم هو ما سنعتمده في التطبيق على أمثلة مختارة من العهد الشريف.
مثال النوع الأول، قوله (عليه السلام): ((ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأرْزَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ وغِنًی لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وحُجَّةٌ عَلَیْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ)) (83).
فقد احال اسم الاشارة (ذلك) احالة قبلية على اسباغ الارزاق على أهل التجربة والنصيحة الذين ذكرهم الإمام قبل الاحالة ((وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَیَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالْقَدَمِ فِی الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُمْ أَکْرَمُ أَخْلَاقاً وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً وَأَقَلُّ فِی الْمَطَامِعِ إِشْرَاقاً وَأَبْلَغُ فِی عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً)) (84).
وأركان الاحالة في هذا النص على النحو الآتي:
المُشير - الإمام علي (عليه السلام).
المشار إليه - أهل التجربة والحياء.
المشار له بالمشار إليه - مالك الأشتر (رضي الله عنه).
المشار به - (ذلك).
عمل الإشارة - الإحالة إلى المشار إليه، وربطه ب (اسباغ الارزاق على أهل التجربة)، والجمع بين أجزاء المحال إليه كلها. وبدا واضحاً ما لاسم الإشارة من أثر كبير ومهم في بناء النصِّ العلوي وسبك أجزائه وانسجام معانيه، عندما أَغنى عن إعادة التكرار للألفاظ التي أحالَ إليها.
ومثال النوع الآخر - احالة ذات مدى بعيد - قوله (عليه السلام): ((وَ لاَ تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِیَتِكَ وَ حَامَّتِكَ قَطِیعَةً وَ لاَ یَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِی اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ یَلِیهَا مِنَ النَّاسِ فِی شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ یَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُ عَلَی غَیْرِهِمْ فَیَکُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ وَ عَیْبُهُ عَلَیْكَ فِی الدُّنْیَا وَ الآْخِرَةِ وَ أَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِیبِ وَ الْبَعِیدِ وَ کُنْ فِی ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَ خَاصَّتِكَ حَیْثُ وَقَعَ وَ ابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا یَثْقُلُ عَلَیْكَ مِنْهُ فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ وَ إِنْ ظَنَّتِ الرَّعِیَّةُ بِكَ حَیْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ وَ اعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ فَإِنَّ فِی ذَلِكَ رِیَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ وَ رِفْقاً بِرَعِیَّتِكَ وَ إِعْذَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِیمِهِمْ عَلَی الْحَقِّ)) (85).
وردت في النص عدة احالات عن طريق اسم الاشارة (ذلك)، فأحال الأول الى اقتطاع الارض للمقربين من الحاكم، واعطاء العقود لهم، وعمل الصفقات بينهم،
واحال الثاني والثالث الى لزوم الحق والصبر عليه، واحال الرابع الى العاقبة المحمودة لمتبع الحق والمنصف أهله، واحال الخامس الى دفع التهم الموجه من الرعية إليه ومكاشفتهم بالواقع الصحيح.
فهذه الاحالات شكلت مفصلاً أساسياً في عقدِ صلةٍ وثيقةٍ بين أجزاء النص، وجعلها منسبكة ذات وسائل متلاحمة، فقد ربطت عناصرَ الجملة، الواحدَ منها بالآخر، وتجاوز ذلك الجملة الواحدةَ إلى سائِر الجمل في النص، فربطت بين عناصرَ منفصلةٍ متباعدةٍ من حيثُ التركيب النحوي، متصلةٍ أشدَّ الاتصال من حيثُ الدلالة والمعنى، وإذا ترابطت أجزاءُ الملفوظ فإنَّه سيكتملُ نصاً (86).
لقد كان أمر الإمام حاسماً في شؤون خاصة الولاة وبطانتهم، فقد سد عليهم جميع ألوان الطمع والتلاعب بأموال الدولة، فأراد إنصاف الناس والاطلاع على شؤونهم بشكل مباشر، وحذر عامله من خاصته وبطانته، وما يقع لهم من استغلال للنفوذ واستئثار وتطاول وقلة إنصاف للناس في المعاملة، وأمره بردع هؤلاء والامتناع عن أن يحملهم على رقاب الناس ويمكنهم من الاستئثار بالنعم دونهم والإذلال لهم، وأضاف الإمام يأمره بإتباع الحق ولزومه، ثم أكد على الرفق بالرعية ومراعاة عواطفها، وإذا ظنت به حيفاً فعليه أن ينطلق إلى ساحتها، ويقدم لها الاعتذار، والحجة القاطعة على أمانته، وبهذه الصراحة المخلصة تطمئن القلوب اليه وتثق به النفوس، وبهذا الهمل يروض نفسه بالتواضع للحق والعدل.
تُعدّ الاسماء الموصولة من ضروب المبهماتِ؛ لأنَّها، كالضمائر وأسماء الإشارة، تقعُ على كلِّ شيءٍ من حيوان وجماد وغيرهما (87)، فهي اسماء ناقص الدلالة لا يتَّضِح معناها إلّا إذا وصلَ بصلتِها (88)، وسُمي الاسم الموصول بذلك؛ لأنَّه يوصلُ بكلام
بعدَه هو من تمام معناه، وهذا ما أكَّده النحويون المتقدمون، قالَ ابن يعيش: ((معنی الموصول أن لا يتمَّ بنفسه، ويفتقر إلى كلام بعدَه، تصله به ليَتِمَّ اسماً، فإذا تمَّ ما بعدَه، كان حكمُه حكم سائر الأسماء التامة)) (89)، وبهذا المعنى يُعدّ من المبهمات التي يُزال الإبهام عنها بالتركيب الذي يلحقها، فالأسماء الموصولة ((تشارك بقية الأدوات الاتساقية الإحالية في عملية التعويض، فهي ألفاظ كنائية لا تحمل دلالة خاصة، وكأنها جاءَت تعويضاً عما تُحيل إليه) (90)، فهي تقوم بالربط والسبك من خلال ما يأتي بعدها من صلة الموصول (التي تضع ربطاً مفهومياً بين ما قبل (الذي) وما بعده، إذ إنّ تلك الصلة ينبغي أن تكون معلومة للمتلقي قبل ذكر اسم الموصول) (91).
ويُعَدُّ (دي بوجراند) أول من أشارَ إلى الاسم الموصول بوصفه ((وسيلةً من وسائل الإحالة)) (92)، وأَيَّده الزناد بقوله: ((أنّها من الألفاظ الإحالية التي لا تملك دلالة مستقلة، بَل تعود إلى عنصر، أَو عناصر أُخرى مذكورة في أجزاءٍ أُخرى من الخطاب)) (93).
وتمارس الأسماء الموصولة وظيفتها في تحقيق السبك النصي، وممّن لفت الانتباه إلى وظيفة الربط في الاسم الموصول د. تمّام حسّان؛ إذ قال: ((لم يُشَر من قبل إلى هذا النوع من الربط... وما ألفت النظر هنا، فهو ما في الموصول من طاقة الربط بين أوصال الجملة، أو السياق القائم على أكثر من جملة... والدليل على أنّ الموصول رابط، أنّه کما قال البلاغيّون، حلّ محلّ الضمير، فلو عدلت عن الموصول واستعملت الضمير المطابق له لحدث الربط المطلوب)) (94)، فالاسم الموصول من الأدوات التي تشدّ من التلاحم النحويّ بين ما تقدّم ذكره، والعلم به، وما يُراد من المتكلُم أن يعلم به، أو أن يضمّه إلى ما سبق من العلم به (95)، إذ تربط أجزاء الجملة بعضها ببعض أو تربط بين الجمل، كذلك تربط النص بسياقه المقامي الذي قيل فيه (96)، وبذلك فهي
تؤدي وظيفة السبك النصّي.
والموصولات من العناصر الإحالية (97) التي تقومُ على مبدأ التَّماثِل والتَّطابِق بينَها وبينَ ما تعوضه (98)، ويظهرُ هذا المبدأُ في اسم الموصول المختص مثل: (الذي، التي اللذان، اللتان، الذين، اللاتي... إلخ)، أمَّا الموصولات العامة (من، وما،...) فإنَّ فكرة التطابق والتماثل لا تنطبق عليها (99).
مثال ذلك قوله (عليه السلام): ((إِنّ شَرّ وُزَرَائِكَ مَن كَانَ لِلأَشرَارِ قَبلَكَ وَزِيراً وَ مَن شَرِكَهُم فِي الآثَامِ فَلَا يَكُونَنّ لَكَ بِطَانَةً فَإِنّهُم أَعوَانُ الأَثَمَةِ وَ إِخوَانُ الظّلَمَةِ)) (100).
ورد في هذا النص إحالتان بالاسم الموصول، کلاهما بالموصول (مَن)، فالمُحيل هو الموصول، والمُحال إليه هو السابق المُعوَّض، کما هو واضح في المخطط الآتي:
شر الوزراء - مَن، - كان للأشرار وزیر شر الوزراء - مَن - شركهم في الاثام.
يظهر من المخطط اعلاه أنَّ الاسم الموصول الأول قد أحال إلى الاسم الظاهر (شر الوزراء)، وأحال الثاني إلى الاسم ذاته، فعوَّضَ كلٌ منهما عمَّا يسبقه، واكتسب دلالتَهُ منه، ويلحظ أنَّ كلاً منهما يرتبطُ بصلتِه سبكياً من جهة، ويصنعُ ربطاً مفهومياً بين هذه الصلة والمُحال إليه الذي يسبقه من جهة أخرى (101)، من خلال اشتراك الاسم الموصول بالاسم الذي قبله، وجملة صلة الموصول التي بعده، في جعل النص على مستوى واحد من السبك والتماسك یُدرکُه المتلقي حالَ النظر إليها.
ومثال ذلك أيضاً، قوله (عليه السلام): ((وَاجْعَلْ لِذَوِی الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِیهِ شَخْصَكَ وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِیهِ لِلَّهِ الَّذِی خَلَقَكَ وَتُقْعِدَ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ حَتَّی یُکَلِّمَكَ مُتَکَلِّمُهُمْ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ)) (102).
التواضع لله - الذي - خلقك.
حَقَّقَ الاسم الموصول وصلته مع احالته على سابق الربط السبكي من الربط المفهومي بين ما قبل (الذي) وهو (التواضع لله) وما بعدها، وهو (خلقك)، إذ ربط أجزاء الجملة بعضها ببعض، وربط النص بسياقه الذي قيل فيه كما هو واضح في المخطط اعلاه.
الزم الامام مالكاً بتخصيص ساعات من وقته للمحتاجين عنده، يتفرغ لهم فيه، ويرفع عنهم كلفة المراسيم بتنحية الحرس والجنود، لإزالة الرهبة عن نفوسهم، حتى يكلموه بغير تلجلج ولا ارتباك، بعد أن يتبسط معهم ويحتمل منهم السذاجة والعي ويبعد عنهم الضيق والأنف، ففي ذلك رحمة من الله ساقها اليه، وذخر له في يوم الحساب والجزاء، وهذا منتهى العدل الذي أسسه رائد الحضارة والعدالة في الإسلام.
وبعد ذلك يمكن أن نخلُصَ إلى أنَّ الإحالة من أكثر وسائل السبك انتشاراً في نصوص العهد العلوي المبارك، إذ لا تكاد تخلو فقرة أو جملةٌ من ضميرٍ، أو عنصر إشاري، أو موصول، يربطُها بمواطنَ أخرَى في النص، لذلك فهي من أهمِّ عوامل سبك النصوص التي تقفُ وراءَ خلقِ نصِّيَّتها.
إنّ وصف الكلام بالوقوف عند الجملة الواحدة وصفٌ غيرُ كافٍ، ولا بدّ من الانتقال إلى وحدة أخرى؛ هي النصّ؛ لأنّ نظام الجملة يوضّح كيفيّة ارتباط المفردات الواحدة بالأخرى في أبنية معيّنة، أمّا لسانیّات النصّ؛ فتبحث فيما فوق الجملة ويتجاوزها إلى أفكار كليّة، وهو افراز حتميّ لمجموعة من التحوّلات المعرفيّة، والمنهجيّة التي حدثت في نظريّة اللغة، وأصولها، ومستوياتها، ووظائفها، والفلسفة العلميّة الكامنة وراءها.
يعد السبك أوَّلِ وأهمِّ المعايير النصية السبعة التي ذكرها (دي بوجراند) في النَّص کي يحكمَ له بالنَّصِّيَّة، وقد نال عناية كبيرة من قبل اللسانيين النصيين فهو جوهري في تشكيل النص وفهمه وتفسيره.
ظهر أن السبك في نصوص العهد العلوي المدروسة عمل على ثبات النص واستقراره، بعدم تشتت الدلالة الواردة فيه، وتنظيم بنية المعلومات داخله مما ساعد في عملية فهم النص؛ عبر متابعة خيوط الترابط المتحركة داخله، فهو خاصية دلالية للخطاب؛ تعتمد على فهم كل جُملة مكونة للنص في علاقتها بما يفهم من الجُمل، فضلاً عن تحقيقه استمراريّة الوقائع في النصّ؛ مما يساعد القارئ على متابعة تلك الخيوط المتحركة عبره، ويقود إلى الانسجام النّصّي، فيظهر النصّ ككلٍّ واحدٍ.
الإحالةُ من الوسائل المهمةً في السبك النصي، وظاهرةٌ من الظواهر النحويَّة التي تخرجُ عن إطار الجملة المفردة إلى العناية بالجوانب الدلالية والتواصلية في النصوص، وأداةٌ ذات أثر فاعل في ربط أجزاء النص وسبکه، فهي تقع في أساس كلّ منظومة فكريّة، وقد رأى اللسانيون ضرورة دراستها في إطار لسانیّات
النصّ؛ لأنها من أهمّ وسائل السبك، ومن المعايير المهمّة التي تسهم بنحو فعّال في الكفاءة النصيّة.
مثلت الاحالة بالضمير في العهد العلوي أهم مُعطيات النص التي تُسهِمُ في نصيّته وكفاءَته، وقد حقَّقتِ الضمائرُ السبك بين العناصر المُكوِّنة لنصوص العهد المبارك، فهي تمثل العصب الرئيس في بنائه، فيها يتبدّی سبکه، وبها يمكن تلقيّه، ومن دونها يغدو مفكّكاً، إذ تقوم الاحالة بمدِّ شبكة من العلاقات الإحالية بين العناصر المتباعدة في فضاء النصّ، فتجتمع عناصره مشکِّلة كلّا واحدا، فضلًا عن ذلك تُجنِّب المتكلّم التكرار المشتِّت للذهن؛ فيتحقّق بذلك الاقتصاد في اللغة؛ لأنها تختصر هذه العناصر الإحاليّة، وتجنِّب مستعملها إعادتها.
كثرة الضمائِر التي تُحيلُ الى وحدةِ النواةِ ((مالك الأشتر))؛ لتحقيقٌ السبك النصي ووحدتِه الدلالية، وزيادة قوة الربط وقدرة الإحالات على السبك، ودعمٌ لسمة النصية، إذ إنّ أهم عنصر إشاري في النص يرتبط به أكبر عدد من العناصر الإحالية، وقد صنع هذا الربطُ جسوراً کبری للتواصل بين أجزاء النص التي تُفصِحُ عن معناها، وتجمعُ شتاتَها على الرغم من تباعدها - وحدةُ المرجع المفسِّر.
حققت أسماء الإشارة أهمِّيَّةٍ كبيرةٍ في العهد العلوي في سبك نصّه واتساق أجزائه، إذ أمكن لها أنَّ تربط جزءاً لاحقاً بجزءٍ سابق أو العكس، فهذه الاحالات شكلت مفصلاً أساسياً في عقدِ صلةٍ وثيقةٍ بين أجزاء النص، وجعلها منسبكة ذات وسائل متلاحمة، فقد ربطت عناصرَ الجملة، الواحدَ منها بالآخر، وتجاوز ذلك الجملةَ الواحدةَ إلى سائرِ الجملِ في النص، فربطت بين عناصرَ منفصلةٍ متباعدةٍ من حيثُ التركيب النحوي، متصلةٍ أشدَّ الاتصال من حيثُ الدلالة
والمعنى، وإذا ترابطت أجزاءُ الملفوظ فإنَّه سيكتملُ نصاً.
ينظر: نحو النصّ، إطار نظري ودراسات تطبيقية، عثمان أبو زنيد: 35.
ينظر: بلاغة الخطاب وعلم النصّ، صلاح فضل: 14.
ينظر: لسانیات النصّ بين النظرية والتطبيق، ليندة قياس: 9.
ينظر: لسانیات النصّ عرض تأسيسي، کریستین آدمستيك: 49.
مدخل الى علم النصّ، زیتسلاف واورزنیاك، 36 - 37، وينظر، مدخل الى علم اللغة النصيّ، فولفجانج 6. هاینه، ديتر فيهفيجر، ترجمة صالح شبيب العجمي: 22.
في اللسانيات ونحو النصّ، ابراهيم محمود: 196.
ينظر: أصول تحليل الخطاب، محمد الشاوش: 1/ 183.
الدرس النحوي النصيّ في كتب إعجاز القرآن، أشرف عبد البديع: 71.
ينظر: نحو النص إطار نظري ودراسات تطبيقية : 13 - 30.
ينظر: المصدر نفسه: 20 - 30.
علم لغة النص المفاهيم والاتجاهات، د. سعيد بحيري: 103.
ينظر: المصدر نفسه: 103، ونحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي، د. أحمد عفيفي: 22.
علم لغة النص المفاهيم والاتجاهات: 108.
نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي: 22.
نحو النص إطار نظري ودراسات تطبيقية: 30.
نحو أجرومية للنص الشعري دراسة في قصيدة جاهلية، د. سعد مصلوح، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مج 10، العدد 1 و 2، يوليو 1991 م: 154،
وينظر: علم لغة النص المفاهيم والاتجاهات: 146.
ينظر: النص والخطاب والإجراء، روبرت دي بوجراند،: 103 - 107، ونحو أجرومية للنص الشعري: 154، وعلم لغة النص المفاهيم والاتجاهات: 145 - 146، وعلم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، صبحي ابراهيم الفقى: 1/ 33 - 34.
ينظر: النصّ والخطاب والاجراء: 106.
ينظر: علم لغة النص المفاهيم والاتجاهات: 146.
ينظر: نحو أجرومية للنص الشعري: 154، وعلم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق: 1/ 34، ونحو النص إطار نظري ودراسات تطبيقية: 28.
علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق: 1/ 34.
ينظر: النص والخطاب والإجراء: 103 - 105.
ينظر: علم النص مدخل متداخل الاختصاصات، فان دايك، ترجمة سعيد حسن بحيري: 275.
بلاغة الخطاب وعلم النص: 44.
لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب، محمد الخطابي: 5.
ينظر: السبك في العربية، محمد سالم أبو عفرة: 4.
أصول تحليل الخطاب: 1/ 124.
ينظر: بلاغة النص، جميل عبد المجيد: 16.
ينظر: في البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية، سعد مصلوح: 229.
ينظر: علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق: 1/ 71.
نسيج النص، الأزهر الزّناد: 115.
ينظر: دراسات لغوية تطبيقية بين البنية والدلالة، سعید حسن بحيري: 99.
ينظر: الإحالة في نحو النص، د. أحمد عفيفي: 2، وعلم لغة النص، عزّة شبل: 119.
ينظر: نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي: 116.
النص والخطاب والإجراء: 172.
ينظر: لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب: 17.
ينظر: المصدر نفسه: 17، ونسيج النص: 118.
قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية، أحمد المتوكل: 138.
ينظر: المصطلحات الاساسية في لسانیات النص، نعمان بوقرة: 81.
قضايا في اللغة واللسانيات وتحليل الخطاب، د. محمد محمد یونس علي: 58.
نظرية علم النص رؤية منهجيّة في بناء النصّ النثريّ: د. حسام أحمد فرج: 86.
ينظ: نسيج النص: 121، وعلم لغة النص: 12، ونظرية علم النص: 84.
ينظر: الإحالة في نحو النص: 12.
ينظر: لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب: 17، ونسيج النص: 118 - 119، وأصول تحليل الخطاب: 1/ 125، ونحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي: 117 - 118، والترابط النصي في ضوء التحليل اللساني للخطاب، خلیل ياسر البطاشي: 165 - 166.
ينظر: قضايا في اللغة واللسانيات وتحليل الخطاب: 60.
ينظر: نسيج النص: 119، والمعايير النصية في القرآن الكريم، د. أحمد محمد عبد الراضي: 103.
النص والخطاب والإجراء: 327.
ينظر: أصول تحليل الخطاب: 2/ 1213.
ينظر: لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب: 17، ونحو النص اتجاه جديد في
الدرس النحوي: 118، ولسانيات النص بين النظرية والتطبيق: 28.
ينظر: لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب: 17، وأصول تحليل الخطاب: 126، نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي: 118، نظرية علم النص رؤية منهجية في بناء النص النثري: 83.
ينظر: دراسات لغوية تطبيقية بين البنية والدلالة: 134.
مفتاح العلوم، السكاكي، 190.
ينظر: دراسات لغوية تطبيقية بين البنية والدلالة: 114.
ينظر: نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية، مصطفی حميدة: 153.
الاتساق في الصحيفة السجادية، حیدر فاضل (رسالة ماجستير): 125، وينظر: شرح المفصل، ابن یعیش: 5/ 58.
ينظر: النص والخطاب قراءة في علوم القرآن، محمد عبد الباسط عيد: 214.
ينظر: لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب: 18.
ينظر: لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب: 18.
نهج البلاغة، الشريف الرضي، تحقیق صبحي الصالح: 427 - 428.
ينظر: علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق: 1/ 203، وقضايا في اللغة واللسانيات وتحليل الخطاب: 60، 62.
ينظر: نسيج النص: 134.
ينظر: المصدر نفسه: 119، والمعايير النصية في القرآن الكريم: 103.
الخصائص، ابن جني: 2/ 194.
البيان في روائع القرآن، د. تمام حسان: 1/ 137.
ينظر: لسانیات النص النظرية والتطبيق: 109.
نهج البلاغة: 431.
شرح المفصل: 3/ 114.
نهج البلاغة: 434 - 435.
ينظر: النحو الوافي، عباس حسن: 1/ 267 هامش 2، وأصول تحليل الخطاب: 2/ 1051.
ينظر: الكتاب، سيبويه: 1/ 125.
ينظر: شرح الرضي على الكافية، رضي الدين الاسترابادي: 2/ 479، ونسيج النص: 118.
أصول تحليل الخطاب: 2/ 1069.
ينظر: استراتيجيات الخطاب، عبد الهادي ظافر الشهري: 80.
ينظر: المصدر نفسه، 282، والإحالة في نحو النص: 20 - 21.
ينظر: نسيج النص: 118، وقضايا في اللغة واللسانيات وتحليل الخطاب: 73.
ينظر: شرح الرضي على الكافية: 2/ 471 - 484، وشرح ابن عقیل، ابن عقیل: 1/ 135 - 136، وهمع الهوامع، السيوطي: 1/ 247.
ينظر: لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب: 19.
ينظر: المصدر نفسه: 19، وأصول تحليل الخطاب: 1/ 128.
ينظر: لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب: 19، ونحو النص إطار نظري ودراسات تطبيقية: 119.
لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب: 19.
ينظر: أصول تحليل الخطاب: 2/ 1062 - 1063، ونحو النص، اطار نظري ودراسات تطبيقية: 119.
ينظر: دراسات لغوية تطبيقية في العلاقة بين البنية والدلالة: 150 - 151.
نهج البلاغة: 435.
86 نهج البلاغة: 441.
ينظر: نسيج النص: 124، ودراسات لغوية تطبيقية في العلاقة بين البنية والدلالة: 151.
ينظر: شرح المفصل: 2/ 372.
ينظر: معاني النحو، د. فاضل السامرائي: 1/ 119.
شرح المفصل: 2/ 371.
الإحالة في نحو النص: 26.
المصدر نفسه: 26.
النص والخطاب والاجراء: 5/ 32.
نسيج النص: 118.
مقالات في اللغة والادب، د. تمام حسان: 1/ 200.
ينظر: في اللسانيات ونحو النص: 230.
ينظر: مقالات في اللغة والأدب: 1/ 200.
ينظر: النص والخطاب والإجراء: 32.
ينظر: نسيج النص: 118.
ينظر: الإحالة في نحو النص: 26.
نهج البلاغة: 430.
ينظر: الإحالة في نحو النص: 26.
نهج البلاغة: 439.
استراتيجيّات الخطاب مقاربة لغويّة تداوليّة، عبد الهادي ظافر الشهري، ط 1، دار الكتاب الجديد المتّحدة، بیروت، 2004 م.
أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية، تأسيس نحو النص، محمد الشاوش، ط 1، كلية الآداب منوبة تونس بالاشتراك مع المؤسّسة العربيّة للتوزيع، 1421 ه - 2001 م.
بلاغة الخطاب وعلم النصّ، صلاح فضل، عالم المعرفة، المجلس الوطنيّ للثقافة للفنون والآداب، الكويت، 1992 م.
بلاغة النصّ، مدخل نظريّ ودراسة تطبيقيّة: د. جميل عبد المجيد، دار غریب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1999 م.
البيان في روائع القرآن، د. تمَّام حسَّان، ط 2، عالم الكتب، القاهرة، 1420 ه - 2000 م.
الترابط النَّصِّي في ضوء التحليل اللساني للخطاب، خلیل یاسر البطاشي ط 1، دار جرير، عمّان الأردن، 1434 ه 2013 م.
دراسات لغوية تطبيقية في العلاقة بين البنية والدلالة، د. سعید حسن بحيري، ط 1، مكتبة الآداب، القاهرة، 1426 ه - 2005 م.
الدرس النحوي النصي في كتب إعجاز القرآن الكريم، د. أشرف عبد البديع
عبد الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة، 2008 م.
السبك في العربيّة المعاصرة بين المنطوق والمكتوب، د. محمد سالم أبو عفرة، تقديم: د. محمد العبد، ط 1، مكتبة الآداب، القاهرة، 2010 م.
شرح ابن عقیل، بهاء الدين عبد الله بن عقيل (ت 769 ه)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط 20، دار التراث، القاهرة، 1400 ه 1980 م.
شرح الرضي على الكافية، محمد بن الحسن الاستراباذي (ت 688 ه)، تصحیح وتعليق: د. يوسف حسن عمر، ط 2، منشورات جامعة قار یونس، بنغازي، 1996 م.
علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، دراسة تطبيقية على السور المكيِّة، د. صبحي إبراهيم الفقي، ط 1، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1421 ه - 2000 م.
علم لغة النص المفاهيم والاتجاهات، د. سعید حسن بحيري، ط 1، الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان، القاهرة، 1997 م.
علم لغة النص النظرية والتطبيق، د. عزة شبل محمد، تقديم: د. سليمان العطار، ط 1، مكتبة الآداب، القاهرة، 1428 ه - 2007 م.
علم النص مدخل متداخل الاختصاصات، تون ا. فان دايك، ترجمة وتعليق: د. سعید حسن بحيري، ط 2، دار القاهرة، القاهرة، 2005 م.
في البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية آفاق جديدة، د. سعد عبد العزيز مصلوح، ط 1، مجلس النشر العلمي، لجنة التأليف والتعريب والنشر، جامعة الكويت الكويت، 2003 م.
في اللسانيات ونحو النص، د. إبراهيم محمود خليل، ط 2، دار المسيرة للنشر
والتوزيع والطباعة، عمَّان - الأردن، 1430 ه - 2009 م.
قضايا في اللغة واللسانيات وتحليل الخطاب، د. محمد محمد یونس علي، ط 1، دار الكتاب الجديد المتَّحدة، بيروت لبنان، 2013 م.
قضايا اللغة العربيّة في اللسانيّات الوظيفيّة، بنية الخطاب من الجملة إلى النصّ، د. أحمد المتوكّل، د ط، دار الامان للنشر والتوزيع، الرباط، د ت.
لسانیّات النصّ عرض تأسیسيّ، کریستین آدمتیسك، ترجمة: د. سعید حسن بحيري، ط 1، مکتبة زهراء الشرق، القاهرة، 2009 م.
لسانیات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، محمد خطابي، ط 1، المركز الثقافي العربي، بیروت، 1991 م.
مدخل إلى علم اللغة النصّيّ، فولفجانج هاینه و دیتر فيهفيجر، ترجمة: صالح شبيب العجميّ، د ط، جامعة الملك سعود، 1419 ه - 1999 م.
مدخل إلى علم النصّ، مشکلات بناء النصّ، زيتسيسلاف واورزنیاك، ترجمة: د. سعید حسن بحيري، ط 1، مؤسّسة المختار للطبع والتوزيع، القاهرة، 1424 ه - 2003 م.
المصطلحات الأساسيّة في لسانیّات النصّ وتحليل الخطاب، دراسة معجميّة، د. نعمان بوقرة، ط 1، عالم الكتب الحديث، جدارا للكتاب العالميّ، عمّان، 1429 ه - 2009 م.
معاني النحو، د. فاضل صالح السَّامرَّائي، ط 2، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عمَّان، 1420 ه 2000 م.
المعاييرُ النَّصِّيَّة في القرآن الكريم، د. أحمد محمد عبد الراضي، ط 1، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 1432 ه 2011 م.
مفتاح العلوم، أبو يعقوب يوسف بن محمد السكاكي (ت 626 ه)، حققه وقدَّم له وفهرسة: د. عبد الحميد هنداوي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1620 2000 م.
نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي، د. أحمد عفيفي، ط 1، مکتبة زهراء الشرق، القاهرة، 2001 م.
نحو النص إطار نظري ودراسات تطبيقية، د. عثمان حسين أبو زنيد، ط 1، عالم الكتب الحديثة، إربد، 2010 م.
النحو الوافي، مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغويّة المتجدِّدة، عباس حسن، ط 1، مكتبة المحمّديّ، بیروت، 1428 ه - 2007 م.
نسيج النص، بحث فيما يكون به الملفوظ نصاً، الأزهر الزناد، ط 1، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1993 م.
النص والخطاب والإجراء، روبرت دي بوجراند، ترجمة: د. تمام حسان، طا، عالم الكتب، القاهرة، 1418 ه - 1998 م.
النصّ والخطاب، قراءة في علوم القرآن، د. محمد عبد الباسط عيد، تقديم: د. صلاح رزق، ط 1، مكتبة الآداب، القاهرة، 2009 م.
نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية، د. مصطفى حميدة، ط 1، الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان، الجيزة - مصر، ومكتبة لبنان ناشرون، بیروت لبنان، 1997 م.
نظرية علم النص، رؤية منهجية في بناء النص النثري، د. حسام أحمد فرج، تقديم: د. سليمان العطّار، ود. محمود فهمي حجازي، ط 1، مكتبة الآداب، القاهرة، 1428 ه - 2007 م.
همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، جلال الدين السيوطي، تحقيق: أحمد شمس الدين، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1418 ه - 1998 م.
نهج البلاغة للإمام علي (عليه السلام) جمع أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي، (ت: 406 ه) ضبط نصّه وابتكر فهارسه، د. صبحي الصالح، ط/4، الناشر: دار الكتاب المصري - القاهرة، ودار الكتاب اللبناني - بیروت، 1425 ه - 2004 م.
الرسائل الجامعية 1. الاتساق في الصحيفة السجادية، دِراسَةٌ في ضَوءِ لِسانِيّاتِ النّصِّ، حیدر فاضل العزاوي (رسالة ماجستير)، مقدمة إلى مجلس كليّة التربية للعلوم الإنسانيّة في جامعة كربلاء، 1435 ه - 2014 م.
البحوث المنشورة 1. نحو أجرومية للنص الشعري دراسة في قصيدة جاهلية، د. سعد مصلوح مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مج 10، العدد 1 و 2، يوليو 1991 م.
د. حامد بدر عبد الحسين م. م: حسن رحيم حنون جامعة بابل / كلية الدراسات القرآنية
تعد الإعلامية إحدى معايير لسانیات النصّ التي وضعها العالم اللغوي اللساني (روبرت دي بوجراند)، ويستعملها علماء اللسانيات في مباحث التداولية، والحجاج، فالإعلامية تشارك في الكشف عن ابعاد الخطاب وموضوعاته، فيعالِج هذا المعيار بمكونات البلاغة لما لها من وظيفة تداولية تهتمَّ بالمقاصد الفكرية والعاطفية وما يتفرع عنها، وعلاقة هذه المقاصد بأجناس الخطاب و تكونيه، فالبلاغة تنقل المتلقي من أسلوب إلى أسلوب وهذا يكون أحسن، تطرية لنشاط السامع، وأيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وللإعلامية مكونات أخرى لها دلالة عميقة كالحذف والرتبة والقرينة والمطابقة ودلالة المشتقات والصيغ الصرفية والصوت و الأساليب اللغوية، وغيرها من تراكيب اللغة وظواهرها الفاعلة في إنتاجية النصّ المؤثر، فهي تهتم بخطاب النص وتكشف عن بنيته العميقة ثم تفسر مكوناته، فهي تبين مقاصد المتكلم ومدى تأثيرها على المتلقي وعلى هذا الاساس تسعى هذه الدراسة لبيان احد معايير اللسانيات الحديثة في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه)، لأنه يحتوي على لغة سامية ذات بنية زاخرة بالوان مكونات الإعلامية.
الكلمات المفتاحية:- اللسانيات - الإعلامية - الخطاب - النص - المتكلم المتلقي -
تعني الإعلامية: مدى التوقعِ الذي تحظى به أحداث الخطاب في مقابل عدم التوقع، أو المعلوم في مقابل المجهول، ومن المظاهر التي تسهم في ارتفاع مستوى الكفاءة الإعلامية في الخطاب لدى العلماء العرب القدامى هو اتساع المعنى، إذ يعرفه (ابن رشیق، ت 463 ه)، بقوله: (( أن يقول الشاعر بيتا يتسع فيه التأويل فيأتي كلّ واحد بمعنی؛ وإنّما يقع ذلك لاحتمال اللفظ وقوته واتساع المعنى)) (1)، وسبب ارتفاع مستوى الكفاءة الإعلامية لهذه النصّوص التي يتسع فيها المعنى هو كثرة الاحتمالات للمعنى واللفظ.
وللإعلامية مظهر آخر ذكره (الجرجاني، ت 471 ه) في فصل (معنى المعنى)، إذ يقول: ((وإذ قد عرفت هذه الجملة، فهاهنا عبارة مختصرة وهي أن تقول: (المعنی)، و (معنی المعنی) تعني بالمعنى المفهوم من ظاهرة اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة و (بمعنى المعنی)، أن تعقل من اللفظ معنی، ثمّ يفضي بك ذلك المعنى إلى معنی آخر)) (2)، ويفهم من هذا القول إن للنصّ بنية ظاهرة والبحث فيه يخلق معنی آخر جديد بالاعتماد على قرائن وأساليب، ولذلك یری: عز الدين إسماعيل ((إنَّ معنى المعنى هو تعقد شبكة من العلاقات المتبادلة بين عدد من العناصر اللغويّة وغير اللغويّة، وإن تحقّقه - من ثمّ - فضلاً عن إدراكه يقتضي تآزر الأدوار التي تؤديها هذه العناصر من أجل أن تلتقي جميعا في ذلك الموقع المركزي منها)) (3).
ويعدّ معيار الإعلامية مهمّا جدًا في تحفيز التواصل بين النصّ والمتلقي، وجعله أكثر تشويقاً، ومن المحتمل أن يؤدي ضعف الإعلامية بوجه خاص إلى الارتباك وإلى الملل، بل إلى رفض النصّ في بعض الأحيان (4)، لذا يعدّ مدى التوقع الذي تحظى
به وقائع النصّ المعروض في مقابل عدم التوقع، أو المعلوم مقابل المجهول وسائل تبعد الملل عن القارئ وخاصة عندما يتلقى مستعملو النصّ نصًّا يرونه خارج المتوقع والمحتمل و خارج الاعتياد اللّغويّ عندهم، فكلما زاد عدد البدائل الممكنة في نصّ ما ارتفعت القيمة الإعلامية لاستعمال أيّ منها (5)، لذا تعمل على الارتقاء بالنصّ إلى المستوى الذي تتفاعل فيه اللغة والعقل والمجتمع بصورة فعالة ومعبرة (6)، وقسم البحث على:
المبحث الأول: المكونات التركيبية (الأفعال الاعلانية، الأبنية السطحية للتراكيب، الأبنية العميقة للتراكيب، أبنية المطابقة).
المبحث الثاني: المكونات التصويرية (الكناية، المجاز، الاستعارة، البديع) الخاتمة، قائمة المصادر.
تحتوي الإعلامية على مجموعة من الظواهر التركيبية التي تكشف عن المعاني المبتغاة من النص، لذلك تشكل هذه المكونات احد الجوانب الأساسية لكفاءة النص اللغوي وتعبيراته عن مقاصد الخطاب.
تعد هذه الأفعال احدى تقسيمات (اوستن) لأفعال الكلام، فيطابق محتواها القضوي للعالم الخارجي، فإذ أديت أنا فعل تعيينك رئيسًا للوفد أداءً ناجحًا فأنت رئيس الوفد، وإذا أديتُ فعل إعلان الحرب أداءً ناجحًا، فالحرب معلنة، فهي تحدث تغيرًا في الوضع القائم (7).
نجد هذه الأفعال الاعلانية التداولية في قول امير المؤمنين (عليه السلام) ((هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين، مالك بن الحارث الاشتر في عهده إليه، حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، عمارة بلادها)).
إن المتكلم الذي ينتج الخطاب ينجز نشاطًا خاصًا، أي ممارسة لغوية أو قصدًا أو هدفًا اجتماعيًا، فقد ينتج المتكلم خطابًا ليبلغ السامع معلومات معينة، وليحفز السامع على عمل فعل، أو ليشجعه على انجاز نشاط، أو ليقنع السامع، أو ليضع لديه احاسيس جمالية معينة (8)، ففي هذا الكلام المبارك من الإمام (عليه السلام) إلى مالك الاشتر (رضي الله عنه) يتضمن الكثير من المؤثرات الإعلامية التي تشد ذهن المتلقي للخطاب، فالفعل (أمر) مركز الخطاب الذي استندت عليه الأوامر الأخرى فهو يكشف عن الأمور الأتية:
الصحابي الجليل مالك الأشتر مؤهل لقيادة مصر فالإمام (عليه السلام) لديه معرفة سابقة بقدراته الإدارية والعسكرية وواثق من عدالته لأهل مصر فهو من ابرز أصحاب الإمام (عليه السلام)، وبهذه الأوامر وهذا العهد اصبح مالك الاشتر مكلف شرعيا من خليفة المسلمين ليكون واليًا على مصر.
وهذا الخطاب أمر من الخليفة ووصي الرسول صلى الله عليه و آله وسلم لكافة المسلمين أن يلتزموا بهذه الأوامر؛ لأن كلام الإمام المعصوم من بعد كلام الله والرسول وبذلك لا يختلف عنهما (القرآن الكريم والحديث الشريف) بالاطار العام لكن بالمضامين اكثر توسعا.
يتكون النص من تراكيب سطحية وأخرى عميقة، فالسطحية تتضمن مجموعة من الوسائل الظاهرة للمتلقي كالتكرار والحذف والتضاد والترادف والاشتراك والربط، فالتراكيب السطحية ذو طبيعة أفقية شكلية، يُعنى بالتتابع والترابط الجُملي للنصّ، والإجراءات المستعملة في توافر الترابط بين عناصره الظاهرة، فهي تؤدِّي إلى الربط بين للبنى النصّية (9).
وللمحدثين تعريفات للتكرار يمكن أن نلاحظ في ضوئها البعد الإعلامي منهم تمام حسان: ((و للتكرار أكثر من صورة فقد يكون تكراراً للفظ، وقد يكون تكرارًا للمعنى، كما قد يكون التكرار لمطلع الجملة لأداء غرض أسلوبي ما والتكرار إنّما يكون للتذكير أو للتعرف الذي كان غرض الأدوات)) (11)، بينما وصفه الازهر الزناد بالإحالة ((وتشمل الإحالة بالعودة على نوع آخر من الإحالة، يتمثّل في تكرار
لفظ، أو عدد من الألفاظ في بداية كلّ جملة من جُمل النصّ، قصد التأكيد، وهو إحالة تكراريّة)) (12)، وللتكرار انواع كثيرة عند المحدثين وسنكتفي بذكر نوعين:
قال الإمام (عليه السلام) في موضع آخر ((وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت))، ثم قال (عليه السلام) ((لا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يد لك بنقمته ولا غنى بك من عفوه ورحمته)).
ابانة هذه الاقوال المباركة عن تكرار اللفظ العام (النفس) بسياقات متنوعة ففي القول الأول ابانة عن أمر الإمام (عليه السلام) لمالك بان يكفي نفسه عن الشهوات عند منازعة النفس له، والثاني و شح بنفسك) عما لا يحل لك: الشح: البخل، و المراد: لا تسمح لها بالاسترسال في المحرمات، فإن الشح بالنفس الأنصاف: العدل، منها فيما أحبّت: من الرذائل، أو كرهت: من الفضائل، و المراد: أخذها على طريق الاستقامة والسداد، والثالث (لا تنصبن نفسك لحر الله) في مقام الظلم للعباد والمعنى لا تنصبن نفسك بالحرب لعباده، و إدخال الأذى عليهم، فإنه لا يدى لك: لا طاقة لك بدفعها.
نلاحظ قد عبرت النفس عن معاني متنوعة بتداخلها مع السياقات، فهذه المركبات تعد ذي اعلامية عالية التأثير في المتلقي فيقف في كل مرة إمام تعبير جديد.
التكرار بالمعنى، فهو دلالة عدة كلمات مختلفة، ومنفردة على المسمى الواحد، أو المعنى الواحد دلالة واحدة (14).
قال الإمام علي (عليه السلام) ((وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فأنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق))، يتضمن هذا القول المبارك معاني سامية ذات البعد الإنساني الذي لايفرق بين الدين او العرق او اللون، فالإنسانية هي الرابط المشترك بين الناس، ف (الشعار): الثوب الذي يلي البدن، و المراد: عاملهم بمنتهى الرحمّة و المودّة، و اللطف بهم: ارأف بهم، و لا تكونن عليهم سبعا ضاريا: المولع بأكل اللحم و المراد: لا تشتد و تتنمّر عليهم، فالثراء اللغوي الذي تضمنه قول الإمام (عليه السلام) يدل على عنايته بالمتلقي لذا نجد كل الالفاظ المتنوعة اشتركت بدلالة واحدة وهي الرحمة والرفق وعدم ظلم العباد.
قوله (عليه السلام): ((وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله و تعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإنّ الله سميع دعوة المضطهدين و هو للظّالمين بالمرصاد))، نجد التضاد بين لفظتا (المضطهدين و الظالمين)، فإن النعمة ستسلب وسيسرع العقاب، وذِكرُ أحد المتضادين يدعونا إلى أن نّستدعي ذِكر الأخرى، فالضدّ أكثر حضورًا في البال عند ذكر ضدّه فالتضاد الموجودَ يوسع للمتلقي زاوية النظر بين المُتضادات فالجمع بين وحدتين متقابلتين يمتاز بالتعبيرية والقدرة على الإيحاء وإثارة الانفعال وتمثيل التباين السطحي والعميق في الصورة والحدث، فإنّ استحضار المسمى ومقابله من أهم الوسائل اللغوية الأسلوبية لنقل الإحساس بالمعنىً والفكرة، والموقف نقلاً صادقاً (21).
حديثه عن العطف، قائلًا: ((ولا يكون العطف في الكلام حتى يكون المعطوف والمعطوف عليه مجموعاً برابط يجعل من ضمهما أمراً مُمكِناً)) (24)، وتمثله الأدوات (الواو، أو) والتعبيرات (بالمثل، وأعني، وكذلك، وفضلًا عن ذلك وبالإضافة إلى ذلك ومثلًا ونحو) (25) ف (الواو) تفيد معنى التشريك، و (أو) تعطي معنى البديل (26).
قال الإمام علي (عليه السلام) ((أنصف الله و أنصف النّاس من نفسك، و من خاصّة أهلك، و من لك فيه هوى من رعيّتك، فإنك إلا تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان الله حربًا حتى ينزع أو يتوب)).
يتضح الاتصال بين هذه الجمل بسبب وجود (الواو) التي تربط بينهما، فالعطف خلق توافقًا دلاليًا في المعنى، ثم أن الربط له دور رئيس في إفهام متلقيه عبر تشابك التسلسل الكلامي واللغوي، فيربط بين معاني الكلمات المتجاورة وكذلك الجمل المتجاورة ويكون حسنًا ذلك الربط إذا كانت الكلمات متتاليات معطوفات متلاحمات تلاحمًا سليمًا، فالربط يحدد الأجزاء المراد تحليلها، من أجل أعادته بناء مكونات الخطاب (27) - الربط الاستدراكي: يعني تعقيب الكلامِ بنفي ما توهم منه ثبوته، أو إثبات ما يتوهم منه نفيه (28) و يستعمل اللسانيون النصيون مصطلح وصل النقيض حيث تكون العلاقة بين الأشياء متنافرة أو متعارضة في عالم النص، ويتمثل بالأداة (لكن، بل)، فالمعنى الأساسي لعلاقة الاستدراك هو عكس التوقع (29) قال الإمام علي (عليه السلام) ((إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء أدنى لنقمةٍ، ولا أعظم لتبعيةٍ، ولا أحرى بزوال نعمةٍ، وانقطاع مدةٍ... والله سبحانه
مبتدئ بالحكم بين العبادِ، فيما تسافكوا من الدماء يومِ القيامةِ، فلا تُقوِّينَّ سلطانك بسفك دمٍ حرامٍ، فإن ذلك مما يضعفهُ ويوهنهُ، بل يزيلهُ وينقلهُ. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتلٍ العمدٍ، لأن فيهٍ قودَ البدنٍ))، نجد في هذه الوصايا توافر أداة الربط بين الجملتين وهي (لكن) التي أدت إلى الربط عن طريق ربط الجملتين ومخالفة معنى الجملة الثانية من الجملة الأولى كما في مخالفة (مما يضعفه ويوهنه) والمراد به اضعاف سلطانك في حال مخالفة هذه الوصايا، ثم جاء الاستدراك ب (بل يزيله وينقله)، فكشف الخطاب عن مكون اعلامي ذات دلالة وهو التوكيد على إزالة الحكم إذ سفكت دماء الناس، فبهذه الأدوات يترابط الخطاب بين الجمل ويرتبط ترتيبها بطبيعة النصّ من حيث شكله وموضوعه، فالعطف يجمع عددا من الجمل على مستوى في نسق متزامن.
توضيح الخطاب لمتلقيه (31) 2. تراكيب العموم والخصوص: في بعض النصوص ترد ألفاظ وقضايا عامة تنمو بتتابع النصّ وتتلاحم فيما بينها مما يعطي النصّ حيوية تجعله في حالة تفاعل وتأثير، فالخطاب قام بين لفظ عام وأخر خاص أو محدد وهذا يخلق نصًا دلالیًا (32)، مع الكشف عن المضمون الرابط بين العلاقة، والثعالبي أطلق على هذا النوع (الكليات) ومثل له بلفظ (كل) وما تضاف إليه (33).
قال الإمام علي (عليه السلام) ((ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسي والزمني، فإن في هذه الطبقة قانعًا ومعترًا، واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسمًا من بيت مالك، وقسمًا من غلاتٍ صوافي الإسلام في كل بلد، فغن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قدٍ استرعت حقه؛ فلا يشغلنك عنهم بطرٌ))، ورد في هذه العهد المبارك اللفاظ تدل على العموم ك (من): فهي مبهمة وعبارة عن ذات من يعقل، وتحتمل الخصوص والعموم، فتضمن هذا اللفظ العام (المساكين والمحتاجين وأهل البؤسي والزمني)، 3. التراكيب الترتيبية: انتظام الجمل في النصّ دليل على تماسك الخطاب الذي خلقه النص، ثم الروابط المكونة لذلك النص تنسج الخيوط التي يتوصل بها الفكر لتنظيم عناصر عالم الخطاب (34)، فالأدلة اللغوية في النصّ تؤدي إلى التعبير عن المفاهيم مثل الأشياء أو الأحداث وهذا يخلق ترابطًا بين العبارات المتتالية (35).
قال الإمام علي (عليه السلام) ((واعلم أن الرعية طبقات بعضها إلا ببعضٍ، و لاغنى ببعضها عن بعضٍ: فمنها جنود الله ومنها كُتابُ العامةٍ والخاصةٍ ومنها
قضاة العدلٍ، ومنها عُمالُ الإنصاف والرفقٍ، ومنها أهل الجزية والخراجٍ من أهل الذمةٍ ومسلمةٍ الناس، ومنها التجارة وأهل الصناعات ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمى الله له سمه))، جاء الترتيب في هذا القول المبارك وفقًا لرؤية صائبة من بيت الوحي والرسالة ومن ولي الله ووصي الرسول الأعظم وخليفة المسلمين، إذًا هذا الرؤية شاملة لأصناف الدولة وطبقات المجتمع ففي كل طبقة يضع الامام (عليه السلام) شروطًا لها ويبين ما تحتاجه من مقومات النهوض بها.
فالإعلامية كشفت لقارئ هذا الخطاب الترتيب والتصنيف الناتج عن حكمة وادراك واسع لإدارة الدولة والتشخيص الصحيح لمعالجة كل ضعف في طبقات المجتمع فإنه خطابا شاملًا يراعي فيه الإمام (عليه السلام) أصناف المتلقين.
قال الإمام علي (عليه السلام): ((فالجنودُ، بإذن اللهِ، حُصونُ الرعية، وزينُ الولاةِ، وعزُّ الدينِ، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم، قم لا قيام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يَقوَونَ به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكونُ من وراءٍ حاجتهم))، فالإمام (عليه السلام) يذكر الجنود ثم يستمر خطابه بذكر جمل المدح لهم فيجد المتلقي نفسه إمام تراكيب إعلامية عميقة المعنى في كل جملة حتى يصل الخطاب إلى المعنى الکلي هو (وليس تقوم الرعية إلا بهم) نستشف
من هذا الخطاب إن الإمام (عليه السلام) يعد المؤسسة العسكرية أحدى اركان الدولة إذ بها تحفظ الشعوب کرامته واستقرارها.
للمطابقة تأثيرا في تشكيل مكونات الإعلامية التي تتوزع بين ابنية الخطاب، وأجزاءه المتصلة بروابط تساعد على خلق معانٍ جديدة في كل مراحل الخطاب، فالمطابقة، مجموعة من العناصر اللغوية التي تؤدي وظائف متماثلة أو متشابهة، أو تدل على معان نحوية، كالأعراب، والعدد من إفراد و تثنية وجمع، وکالتنكير والتعريف، وكالجنس من تذکیر وتأنيث، وكالشخص من تكلم وخطاب وغيبة.
المطابقة بضمير الشأن، ويؤتي لتعظيم الامر وتفخيم الشأن ومن ذلك قوله: (عليه السلام) ((وليس شيءٌ أدعى إلى تغييرِ نعمهِ اللهِ وتعجيلِ نقمتهِ من إقامةٍ على ظلمٍ، فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد))، طابق ضمير الشأن (هو) لفظ الله جل جلاله و مطابقا له في التذكير والافراد.
المطابقة بين الضمير المتصل ومرجعه بالجمع، كقوله (عليه السلام): ((فولَّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسولِه ولإمامكَ، وأنقاهم جيبًا، وأفضلهم حلمًا، من يبطئُ عن الغضب، ويبنوا على الأقوياءِ))، فالضمائر في اللفاظ (أنصحهم، أنقاهم، أفضلهم) تطابق المرجع (جنودك) في التذكير والجمع.
المطابقة بين الضمير المتصل ومرجعه بالأفراد، كو قله: (عليه السلام) ((إياك ومساماة الله في عظمته، والتشبه به في جبروتهِ، فإن الله يُذلَّ كل جبارٍ، ويهين کُل محتالٍ))، مطابقة بين الضمير في اللفظ (عظمته، به، جبروته) مع لفظ الجلالة (الله).
إذًا المطابقة بين الاسم المحال والمحال إليه، تخلق ترابط بين أجزاء الخطاب،
فالشخص يميز بالضمائر بين التكلم والخطاب والغيبة والعدد ويميز بين الاسم والاسم والصفة، وعلى هذا المعنى يشكل تأثيرًا على ابعاد الخطاب.
يشكل المجاز اهم مكونات الإعلامية؛ لأنه يشمل على أساليب التعبير الغير المباشر الذي يكون في معظم الأحيان أوقع في النفوس وأكثر تأثيرًا من التعبير المباشر، فينتج استعمال المجاز للمتكلم ابتکار معاني جديدة وصور بديعية، فهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب العلاقةٍ مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي، والعلاقة هي المناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي (39) فهو ينتقل بذهن السامع إلى آفاق جديدة ذات أبعاد جديدة والتخطي معه إلى صور رائعة ومشاهد متناسقة لا تتأتي بالاستعمال الحقيقي ويحمل إعلامية تصّور حيوية النصّ في ضوء انفتاحه للمتلقي، مما يديم العملية الوظيفية التفاعلية بين المتلقي وبين النصّ، وخلق نوع من التقارب بينهما (40).
البؤسی: بضم أوله - شدة الفقر.
الزمني: بفتح أوله - جمع زمين وهو المصاب بالزمانة لابفتح الزاي - أي العاهة ویرید أرباب العاهات المانعة لهم عن الأسباب.
القانع: السائل.
المعتر: بتشديد الراء - المتعرض للعطاء بلا سؤال غلات: ثمرات.
صواني الإسلام - جمع صافية - وهي أرض الغنيمة استعار الإمام (عليه السلام) هذه الكلمات وأراد بها معاني أخرى، إذ صرح بها بذات اللفظ المستعار.
وفي الاستعارة المكنية، التي لم يصرح المتكلم باللفظ المستعار، وإنما ذُكِرَ فيها شيئًا من صفاته أو لوازمه القريبة أو البعيدة (42)، كقول الإمام (عليه السلام): ((وأوقفهم في الشبهات، واخذهم بالحجج، وأقلهم تبرمًا بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشُّفِ الأمور، واصر معهم عن اتضاح الحكم))، استعار الإمام (عليه السلام) كلمة (الشبهات) واراد بها: مالا يتضح الحكم فيه بالنص، وفيها ينبغي الوقوف على القضاء حتى یرد الحادثة على اصل الصحيح، وهذا فيه تعبير عن تشريع القوانين في المحاكم، استعار كلمة (تبرمًا) والمعنى أن تكون اقلهم مللاً وضجرًا، واستعمل (اصر معهم) والمعنى أقطعهم للخصومة وامضاهم، فأبانت الاستعارة عن أُصدق تعبير تجعل القارئ يحس بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه وتصور المنظر للعين وتنقل الصوت الأذن و تجعل الأمر المعنوي ملموسًا محسوسًا هذه المعنى حقيقة الإعلامية في النصّ (43)، فالاستعارة مكون إعلامي مؤثر يرسم البعد الخطابي لقصد المتكلم، لما فيها من استثارة لإعجاب المتلقي وتملك انتباه وتؤثر فيه، ولاسيما حينما
تكون استعارة غريبة غير متداولة ولا يتنبهُ لاصطيادها إلا فطناء البلغاء، فنجد عهد الإمام (عليه السلام) لمالك (رضي الله عنه) خطاب لكافة طبقات الناس ويفهمه كل المتلقين.
ويتضمن كلام الإمام (عليه السلام) كثير الكثير من المجاز ومن ذلك ((أنصف الله وانصف الناس...، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ومن خاصمه الله ادحض حجةُ، وكان الله حربًا ينزع أو يتوب))، (من ظلم عباد الله) مجاز مرسل، علاقته العموم، فان المراد من منه هو مالك (رضي الله عنه).
ووجدنا الصيغة الخبرية المسوقة للدلالة بها على إنشاء الأمر أو النهي، ومن ذلك قوله (عليه السلام): ((ولا تدخلن في مشورتك بخيلًا يعدلُ بك عن الفضلِ، ويعدك الفقرَ، ولا جبانًا يضعفك عن الأمور، ولا حريصًا يزين لك الشرة بالجورِ، فإن البخل والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الضن باللهِ))، فالصيغة موضوعة للنفي الخبري وقد استعملت في النهي عن هذه المور مجازًا، والعلاقة المسببية لأن حصول النفي في الواقع مسبب عن البخل والحرص سوء الضن، لأن إنشاء المتكلم للعبارة سبب الأخباره بما تتضمنه، فظاهره أمرُ، ومعناه خبر.
((ما يتكلم به الإنسان، ويريد به غيره، وهي: مصدر کنیت، أو كنوت بكذا، عن كذا، إذا تركت التصريح به، واصطلاحاً: لفظ أريد به غيرُ معناهُ الذي وضع له، مع جواز إرادة المعنى)) (45) قال الإمام (عليه السلام): ((ثُم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكهُ الخصومُ، ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمعٍ، ولا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاهُ))، في هذا القول المبارك جاءت الكناية عن موصوف، إذ ذكر الإمام (عليه السلام) صفات رجل القضاء منها لا يكون ماحقا لجوجًا - أصر على رأيه - ولا يستمر ويسترسل بالزلة، ولا يعيا في المنطق، وعليه الرجوع إلى الحق، فالكناية احدثت ترابط بين الألفاظ والكلمات التي تدل على تصورات و تحكمها علاقات القرابة ثم تؤثر في مجالات الوعي البشري وتشكل إعلامية الخطاب في توسع الدائرة الوجدانية للمتلقي الذي يستطيع استشفافها من خلال السياق الفني (46).
((أعراضُ الكلام ومعارضهُ ومعاريضهُ، كلام غير ظاهر الدلالة على المراد)) (47)، وفي التعريض مزيد من إخفاء يجعلهُ أكثر قبولًا حينما يكون التصريح مثيرًا لغضبِ، أو نقد، أو اتهام أو عدل وتلويم، أو يكشف أمرًا يجب ستره عن الرُّقباء، فيقوم التعريض مقام الألغاز والرمز الخفي (48).
قال الإمام (عليه السلام): ((ثم انظر في أمور عُمالك فاستعملهم اختبارًا، ولا توهم محاباة وأثرة فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة وتوخ منم أهل التجربة والحياء، من أهل البيوتاتِ الصالحةِ، والقدم في الإسلامِ المتقدمةِ، فإنهم أكرمُ أخلاقاً،
وأصح أعراضًا، وأقل في المطامع إشراقًا، وأبلغ في عواقب الأمور نظرًا)).
في هذا القول المبارك تعريض لاختيار الموظفين لتولي مناصب الدولة وقدد وضع الإمام (عليه السلام) معايير لاختيارهم، ثم إشار الإمام (عليه السلام) إلى الاختيار من أهل البيوت الصالحةِ والقدم في الإسلام، فهذه إشارة لكل القادة عليهم التحقق من اختيار الموظف المنصب ما، فالنظر في دينه واخلاقه واصله مهم،
((عقد مماثلة بين أمرين، أو: أكثر، قصد اشتراكهما في صفة: أو: أكثر، بأداة: لغرض يقصد المتكلم للعلم)) (49)، و للتّشبيه ((روعة وجمال، وموقع حسنٌ في البلاغة: وذلك لإخراجه الخفي إلى الجلي، وإدنائه البعيد من القريب، یزید المعاني رفعة ووضوحاً ويكسبُها جمالا وفضلا، ويكسوها شرفا ونُبلا، فهو فن واسع النطاق، فسيح الخطو، ممتدُ الحواشي مُتَشعب الأطراف مُتوعر المسلك، غامض المدرك، دقیق المجرى غزير الجدَوى)) (50).
قال الإمام علي (عليه السلام): ((وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخُّ لك في الدين، أو نظيرُّ لك في الخلقِ))، يحمل قول الإمام (عليه السلام) صورة بليغية تشبيهية متمثل بالسبع الضاري الذي يغتنم أكلهم، فشبه الإمام (عليه السلام) القائد الذي ينتهز الفرص للانقضاض على رعية وسلب حقهم بأنه سبعًا ضاریًا، التشبيه يعد مكون إعلامي يبين عن بعد خطابي هو ((يزيد المعنی وُضوحًا، ويُكسبه تأكيدًا، ولهذا أطبق المتكلمين من العرب والعجم عليه ولم يستغن أحدٌ عنه)) (51)، فالصور التشبيهية ذات جمالٍ يُرضي أذواق المتلقين ويمتعهم، ويقدم لهم لوحاتٍ جمالية مختلفة، تؤثر في النفوس وتعبر عن مراد المتكلم (52)
قال الإمام (عليه السلام): (( ولا تدخلن في مشورتك بخيلًا يعدلُ بك عن الفضل، ويعدك الفقر، وجبانًا يضعفك عن الأمور، ولا حريصًا يُزين لك الشرة بالجور، فإن البخل والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الضن بالله)).
شبه الإمام (عليه السلام) المستشار البخيل بأنه يعدل القائد عن الإحسان بالبدل ويخوفك لو بذلت، وشبه المستشار الجبان بأنه يزين لك الحرص، ثم شبه البخل والحرص طبائع متفرقة. فهذا التشبيه مؤكد مفصل ذكر فيه وجه الشبه ولم تُذكر فيه أداة التشبيه، فالأنواع السابقة للتشبيه ابانة عن شحذ ذهن المتلقي وتحريكُ طاقاته الفكرية، أو استرضاء ذكائه، لتوجيه عناية، حتى يتأمل ويتفكر ويصل إلى إدراك المراد عن طريق التفكير، وتقديم أفكار جديدة ودقيقة وهي مما يحتاج بیانه عن طريق التشبيه كلامًا كثيرًا بأخصر عبارة، وهنا يكمن جوهلا الإعلامية الفعالة ذات الكفاءة الإنتاجية العالية المؤثرة في تشكيل ابعاد الخطاب (53).
علم یعرف به الوجوه كتحسين أساليب وطرق معلومة وضعت لتزيين الكلام وتنميقه وتحسين الكلام والمزايا التي تزيد الكلام حسنا وطلاوة، وتسکوه بهاءً، ورونقاً، بعد مطابقته لمقتضى الحال مع وضوح دلالته على المراد لفظا ومعنى (54) ويتضمن عهد الإمام (عليه السلام) الكثير من المحسنات البديعية، منها المعنوية کالاتي:
الآخر المراد (55).
قال الإمام (عليه السلام): ((والصق بأهل الورع والصدق، ثم رضهم على ألا يُطروك ولا يبجحوك بباطلٍ لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تُحدثُ الزهو وتدني من العزة))، نجد التورية في هذا القول المبارك تحمل معنيين، الأول: يامالك (رضي الله عنه) کون قريبًا جدًا من أهل الورع والصدق وعبر الإمام (عليه السلام) الفعل المتعدي لصق تعبيرًا مبالغًا عن القرب من هؤلاء الناس، والمعنى الثاني، رغم انهم أهل ورع وصدق بمدحهم المبالغ لك و تعظیم عمل لم تفعله، فهذه الأمور تسبب لك العجب.
المقابلة بين (فيصغر عندهم الكبير، ويعظم، الصغير)، والمقابلة بين (ويقبح الحسن، ويحسن القبيح)، نلاحظ أن في كل من الجملتين طباقًا، وأن في الجملتين معًا مقابلة، فالصغير في الأولى يضاد الكبير، والعظيم يقابل في الثانية الصغير، وكذلك في القول النص الثاني، يقبح يضاد الحسن في الجملة الأولى، وفي الجملة الثانية، يحسن يقابل القبيح، وجاء هذا التقابل في الثانية على الترتيب الذي جاء في الأولى.
الطباق بين (الحق، الباطل) - الطباق بين (الصدق، الكذب).
فالعنصر الجمالي للطباق في الخطاب يشكل استدعاء بين الأفكار في الأذهان، فهي المقابلات أقرب تخاطرًا إلى الأذهان المتلقي من المتشابهات، ويزيد على ذلك تشكل جانبًا مهمًا من مكونات الإعلامية.
الجناس: يتشابه اللفظان في النطق ويختلفان في المعنى (59)، نحو قوله (عليه السلام): ((فلا تُقوَّين سلطانك بسفكِ دمٍ حرامٍ، فإن ذلك مما يضعفهُ ويوهنه سلطانك، بل يزيلهُ وينقلهُ... وإن ابتليت بخطاءٍ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بالعقوبة))، نجد الجناس بين بين (يضعفه ويوهنه)، (يزيلهُ و ينقلهُ)، (سوطك أو سيفك)، وهذا النوع من جناس القلب، وهو ما اختلف فيه اللفظان في ترتيب الحروف (اختلاف الكل).
السجعُ: هو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير، وهو في النثر کالقافية في الشعر، من ذلك قوله (عليه السلام): ((واجعل لذوي الحاجات منك قسمًا تفرعُ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسًا عاًما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك و أعوانك، من أحرسك وشرطك))، نحد السجع المتوازي في قول الإمام (عليه السلام) المتمثل ب (شخصك، خلقك) (جندك، أعوانك، أحرسك، شرطك)، وهو الذي تكون الكلمتان الأخيرتان من السجعتين متفقتين في الوزن وفي الحرف الخير منهما مع وجود اختلافٍ ما قبلهما.
رد العجزُ على الصَّدر: ((عبارة عن كل كلام بين صدره وعجزه رابطة لفظية غالبا، أو معنوية نادرة، تحصل بها الملامة والتلاحم بين كل کلام)) (60)، ومن ذلك قوله (عليه السلام): ((وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك))، وهذا النوع ما وفق اخر كلمة من الكلام بعض كلمات صدره.
ائتلاف اللفظ مع المعنى: ((ألفاظ المعنى يلائم بعضها بعضا ليس فيها لفظة نافرة عن اخواتها، غير لائقة بمكانها، كلها موصوف بحسن الجوار)) (61).
قال الإمام علي (عليه السلام): ((ما أنتَ فيهِ من سلطانك أبيةً أو مخيلةً فانظر إلى عظم ملكِ الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك،
فإن ذلك يُطامنُ إليك من طماحك، ويكف عنك من غرابك، ويفي إليك بما عزب)) جاء في هذه النص تلاؤم بين اللفظ المختار والمعنى المراد به، فاختار الإمام (عليه السلام) لفظة (ابهة) وتدل على العظمة والكبرياء ولفظة (مخيلة) التي تدل على الخيلاء والعجب، مناسبة لقوله (عليه السلام) انظر لملك الله، والمعنى كل التكبر والعظمة والخيلاء لا تساوي شيئًا إمام ملك الله العظيم، ثم استمر التناسق بين مفردات النص وصولاً إلى قوله قدرته منك على ما لا تقدر عليه ناسب لفظ (يطامن) ومعناه يخفض ذلك من طموحك إمام عظمة الخالق، وجاء بلفظة (ويفي)، (عزب) ومعناه يرجع إليك بما غاب عنك عقلك من ملك الله وقدرة سبحانه.
ولو تتبعنا ذلك لوجدنا هناك بعض الأمثلة المحتوية على ذلك إلا أننا اكتفينا في عرض هذه الأمثلة لبيان مدى مساهمتها في تماسك النصّ لفظیًا ومعنويًا مع مساعدتها ببعض وسائل الاتساق الأخرى.
يعني التعبير عن المراد بكلامٍ قصير ناقص عن الالفاظ التي يؤدي بها عادة في متعارف الناس، مع وفائه بالدلالة على المقصود (62)، ومن ذلك:
مع جحودها واضاعتها)) في هذا النص قصر إضافي وهو ما كان الاختصاص فيه بحسب الإضافة إلى شيء معين، نحو ما علي إلا قائم، أي أن له صفة القيام لا صفة القعود، فخص الإمام (عليه السلام) السعادة بطاعة الله، وبجحودها وإضاعتها يشقى الانسان وهو كلام خاص لمالك (رضي الله عنه) يتضمن معنى العموم إلى كافة الناس، فالطرف الآخر في عملية الاتصال هو المتلقّي فالوظيفة التي تقابله هي الوظيفة إلافهامية وتتمثّل في العبارات التي يطلقها المرسل (المتكلّم) لإثارة انتباه المرسل إليه (المستمع)، لطلب القيام بعمل ما، ويأخذ بوساطتها النصّ قيمته التداولية.
تضمن هذا النص محذوفا متمثل ب (مصر)، کون مالك ارسله الإمام علي (عليه السلام) واليًا عليها، ثم کشف قوله (عليه السلام) ((وجهتك إلى بلاد... من عدلٍ وجورٍ)) دلالة ذات بعد خطابي يجذب انتباه المتلقي بحكم التفكير بالتاريخ البعيد الحكام هذه البلاد من جور مثله فرعون وعد مثله یوسف (عليه السلام)، فالحذف يعد اختصارًا واقتصادًا في التعبير، وتحقق المطلوب بظهور المعنى المراد لدى المتلقي، لذلك يشكل الحذف اهم مكون إعلامي يرفع كفاءة النصّ.
((كون الكلام زائدًا عما يُمكن أن يُؤدي به من المعاني في معتاد، لفائدة تقصد)) (65)، ونجد هذا المكون المؤثر في قول الإمام (عليه السلام): ((ولیکن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، واجتمعها لرضي الرعية، فإن سُخط العالمة يجحف برض الخاصة وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنةً في الرخاءِ وأقل معونة له في البلاد، وأكرهَ للإنصاف وأسال بالإلحاق، وأقل شُكرًا عند الإعطاءِ، وأبطأ عذرًا عن المنع، وأضعف صبر عند ملماتِ الدهر من أهل الخاصة، وإنما عمادُ الدينِ، وجماعُ المسلمينَ والعدَّةُ للأعداء، والعامة من الأمةِ؛ فليكن صغوكَ لهم وميلك معهم))، في هذا النصّ إطناب، يتضمن توجيه مالك لأساسيات قيادة البلاد وأهمها العدل بين الناس، فعندما يعدل القائد بين رعية الخاصة وعامة الناس، يرضى عليه العامة وعكس هذا الأمر يخلق سخطًا عند العامة، وعلى القائد العادل أن يقلل شكره عند إعطائه للرعية لأن هذا واجبه اتجاه شعبه، وأهم ركيزة تجعل القائد ناجحًا هي جعل جمع المسلمين هم عمادُ الدين وليس خاصة، فعليه أن يميل للعامة من الأمة، فذكر الإمام (عليه السلام) هذه الطائفة من وجبات القائد اتجاه شعبه، فكلُّ واحدة منها تضمن مجموعة من الصفات، وعلى هذا المعنى إقامة الإمام (عليه السلام) الأدلة دون زيادة في الألفاظ عند ذكر كل واجب.
الإعلامية متأصلة الجذر في النصّ العربي؛ لأنها تشارك في الكشف عن ابعاد الخطاب وموضوعاته.
أظهرت الدراسة عن لغة سامية ذات بنية عميقة لها دلائل متنوعة الأهداف في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه)، فتضمن هذا النصّ المكونات المختلفة للإعلامية.
تضمن العهد المبارك التراكيب السطحية كالحذف والتكرار والربط، وكذلك التراكيب العميقة كالإجمال والتفصيل والعموم و الخصوص، فساهمت هذه الظواهر عن إخراج نص ذات مستوى عالٍ من السبك والأسلوب الراقي في معناه.
أوضح النصّ المكونات التصويرية كالمجاز والكناية والتعريض والتشبيه والايجاز والاطناب وغيرها من الأساليب التي ساهمت على الارتقاء بالنص إلى المستوى الذي تتفاعل فيه اللغة والعقل والمجتمع بصورة فعالة ومعبرة.
العمدة في محاسن الشعر: 2/ 93.
دلائل الإعجاز: 263.
قراءة في (معنى المعنى) عند عبد القاهر الجرجاني: 40.
ينظر: مدخل إلى علم لغة النصّ، إلهام أبو غزالة: 33.
ينظر: مدخل إلى علم لغة النصّ، د. الهام أبو غزالة: 185.
ينظر: النصّ والخطاب والأجراء: 8.
ينظر: افاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر، محمود احمد نخلة، 80 8. ينظر: علم لغة النص: 48 9. ينظر: في البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية: 229.
المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع: 477 - 478.
مقالات في اللغة والأدب: 1/ 189.
نسيج النصّ: 119.
ينظر الترابط النصّي في ضوء التحليل اللساني للخاطب: 66.
ينظر: المزهر: 1/ 402.
المعنى وضلال المعنى: 122.
ينظر: نظريّة علم النصّ:
111 17. البديع بين البلاغة العربية: 107.
البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النصّية: 107.
ينظر: إشكالات النصّ: 366.
ينظر: إبداع الدلالة: 71.
نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية: 1.
ينظر: النصّ والخطاب والإجراء: 346.
دلائل الأعجاز: 225.
ينظر لسانیات النصّ مدخل إلى انسجام الخطاب: 23.
ينظر: علم لغة النصّ، عزة شبل: 111.
ينظر: الأبداع الموازي (التحليل النصّي للشعر): 15.
ينظر: حاشية الصبان: 1/ 423.
ينظر: علم لغة النص، عزة شبل: 111 - 112.
ينظر: بلاغة النصّ مدخل نظري ودراسة تطبيقية: 17.
ينظر: لسانیات النصّ النظرية والتطبيق: 144 - 145.
ينظر: النصّ والخطاب والأجراء: 195 - 314.
ينظر: علم الدلاة التطبيقي في التراث العربي: 622 34. ينظر: نسيج النصّ: 67.
ينظر: اللسانيات، جان بیرو: 117.
ينظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده: 2/ 50.
ينظر: لسانیات النص، د. أحمد مداس: 81.
ينظر: البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النصّية 144.
ينظر: اسرار البلاغة: 249، جواهر البلاغة: 251.
أصول البيان العربي: 38، اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة: 103.
البلاغة العربية أساسها علومها: 229 42. المصدر نفسه: 243.
ينظر: البلاغة العربية في ضوء منهج متكامل: 109.
ينر البلاغة العربية أساسها وفنونها: 271.
جواهر البلاغة: 286 - 287.
ينظر: اتجاهات البحث اللساني: 36.
البلاغة العربية: 152 48. ينظر: المصدر نفسه: 154 49. جواهر البلاغة: 219 50. المصدر نفسه: 219 51. الصناعتين:
ينظر البلاغة العربية: 167.
البلاغة العربية: 170.
ينظر: جواهر البلاغة: 298.
ينظر: البلاغة العربية: 373.
جواهر البلاغة: 304.
جواهر البلاغة: 301.
ينطر: البلاغة العربية: 401 59. ينظر المصدر نفسه: 485 60. بديع القرآن: 2/ 36.
المصدر نفسه: 67.
ينظر: البلاغة العربية: 26.
ينظر: علوم البلاغة البيان، المعاني البديع: 150، البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها: 523.
ينظر: بلاغة التركيب دراسة في علم المعاني: 218.
ينظر البلاغة العربية: 60
إبداع الدلالة في الشعر الجاهلي (مدخل لغوي أسلوبي)، د. محمد العبد، ط 2، جامعة عين شمس، مكتبة الآداب، 1428 - 2002 م.
الأبداع الموازي (التحليل النصي للشعر)، محمد عبد اللطيف حماسة، دار غریب للطباعة والنشر، ط 1، 2001.
اتجاهات البحث اللساني، ميلكا إفيش، ترجمة، سعد مصلوح، وفاء کامل، المجلس الأعلى للثقافة، ط 2، 200.
أسرار البلاغة في علم البيان، الجرجاني الدار (ت: 471 ه)، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 1422 ه - 2001 م.
أشكال النص دراسة لسانية نصية، جمعان بن عبد الكريم، الدار البيضاء، بیروت، ط 1، 2009.
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم، محمد حسين علي الصغير الناشر: دار المؤرخ العربي، بيروت، ط 1، 1420 ه - 1999 م.
أفاق جدية في البحث اللغوي المعاصر، د. محمود احمد نخلة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية - مصر، 2002.
بدیع القرآن، ابن أبي الإصبع المصريّ (ت 654)، تحقيق، حفني محمد شرف، نهضة مصر للطباعة والنشر، 2008.
البديع بين البلاغة العربيّة واللسانيّات النّصيّة، د. جميل عبد المجيد، الهيئة المصرية للكتاب، الإسكندرية، 1998.
البلاغة أسسها وعلومها وفنونها، عبد الرحمن حنكة الميداني، دار القلم، دمشق، ط 1، 1416 ه - 1996 م.
البلاغة العربية في ضوء منهج متكامل، د. محمد بركات، دار البشير للتوزيع والنشر، عمان، ط 1، 1412 ه - 1992 م.
بلاغة النص مدخل نظري ودراسة تطبيقية، د. جميل عبد المجيد، درار غریب للطباعة والنشر، القاهرة، 1999 م.
بلاغة التركيب دراسة في علم المعاني، د. توفيق الفيل، مكتبة الآداب القاهرة، 1991.
الترابط النصي في ضوء تحليل الخطاب، خليل بن ياسر البطاشي، دار جریر، ط 1، 1430 ه - 2009 م.
جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، أحمد مصطفی الهاشمي (ت: 136 ه)، ضبط وتدقیق وتوثيق: د. يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، بيروت، 1999.
حاشية الصبان على شرح الأشموني في شرح ألفية ابن مالك، ومعها شرح الشواهد اللعيني، الصبان محمّد بن علي (ت 1206 ه)، تحقيق: محمود بن الجميل، مكتبة الصفا، القاهرة، ط 1 1423ه - 2002 م.
دلائل الإعجاز في علم المعاني، عبد القاهر الجرجاني (ت: 471 ه)، تحقيق: د. عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، ه - 2001 م.
الصناعتين، أبو هلال العسكري (ت: 395 ه)، تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية لبيروت، 1419 ه.
علم الدلالة التطبيقي في التراث العربي، د. هادي نهر، دار الأمل، اربد - الأردن، ط 1، 1527 ه - 2007 م.
علم لغة النص النظرية والتطبيق، عزة شبل، مكتبة الآداب، القاهرة، ط 2، 1430 ه - 2009 م.
العمدة في محاسن الشعر وآدابه، أبو على الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي (ت: 463 ه)، تحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، لبنان، ط 5، 1401 ه - 1981 م.
في البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية: 229.
لسانيات النصّ النظرية والتطبيق: 144 - 145.
لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخطاب، محمد خطابي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط 1، 1991 م.
لسانيات النص، نحو منهج لتحليل الخطاب الشعري، أحمد مداس، ط 2، عالم الكتب الحديثة، أربد، الأردن، 2009 م.
اللسانيات جان بيرو، ترجمة: الحواس مسعودي، مفتاح بن عروس، دار الأفاق، الجزائر، 2001 م.
اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة (دراسة تحليله نقدية في قضايا التلقي وإشكالاته)، د. حافظ إسماعيلي علوي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت لبنان، ط 1، 2009.
المزهر في علوم اللغة وأنواعها، جلال الدين السيوطي (ت: 911 ه)، تحقق: فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418 ه - 1998 م.
المعنى وظلال المعنى أنظمة الدلالة في العربية، د. محمد محمد يونس علي، درار المدار الإسلامي، لبنان، ط 3، 2007 م.
271
مقالات في اللغة والأدب، تمّام حسان، عالم الكتب، القاهرة، ط 1، 1427 ه - 2006 م.
المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، أبو محمد قاسم السلجاسي(ت 704 ه)، تحقيق: علال الغازي، مكتبة المعارف، الرباط، ط 1، 1401 ه - 1980 م.
نحو النص، اتجاه جديد في الدرس النحوي، أحمد عفيفي مكتبة زهراء الشرق، مصر، ط 1، 2000 م.
نسيج النص بحث ما يكون به الملفوظ نصاً، الأزهر الزناد، المركز الثقافي العربي - بيروت ط 1، 1993 م.
النص والخطاب والإجراء، روبرت دي بوجراند، ترجمة تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، ط، 1، 1418 ه، 1998 م.
نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية، مصطفى حميدة، دار مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط 1، 1997.
نظرية علم النص - رؤية منهجية في بناء النَّصِّ النثري، د. حسام أحمد فرج، مكتبة الآداب القاهرة، ط 1، 1428 ه - 2007 م.
دلالات توصيل الخطاب بالصيغة الأمرية في عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الاشتر دراسة في ضوء لسانيات التداول أ. د. نادية هناوي سعدون الجامعة المستنصرية
التداولية علم يختص "بدراسة المعنى كما يوصله المتكلم أو الكاتب ويفسره المستمع أو القارئ لذا فإنها مرتبطة بتحليل ما يعنيه الناس بألفاظهم أكثر من ارتباطها بما يمكن أن تعنيه كلمات أو عبارات هذه الألفاظ منفصلة" (1) وهو يعتمد على الطبيعة التي بها يتم التعاضد في الموضوعات والمباني التي تجعل الخطابات زاخرة بالأبعاد التداولية التي يدركها المتلقي سامعا أو قارئا ويستوعب معانيها التي قصدها المتكلم أو الكاتب.
وكل هذا يتأتى من اتساعية المنظور التواصلي الذي يقصده المتكلم ويبني خطابه للآخر عليه.. لتتخذ في المفهوم التداولي للتواصل الكتابي تعادلية: الكاتب/ الكتاب/ المكتوب له.
وبهذه الأطراف تتحقق عملية التوصيل اللساني للمضامين وإدراك غاياتها وبلوغ المراد من وراءها سواء أكانت أفعال انجاز أو أفعال كلام واستلزام أو إشارات استدراك وتنويه أو صفات تفضيل أو محادثة.. الخ.
وتتضمن التداولية حل المسائل من وجهتي نظر المتكلم والمخاطب الأول المتكلم من ناحية التصور والتخطيط والآخر المخاطب من ناحية التأويل (2) باعتبار أنه "يفسر التلفظ بالعبارة في محاولة تعيين القوة الانجازية أو التداولية.. بواسطة صياغة الافتراضات والقيام بتحقيقها والتأكد منها" (3) ولا بد لأي متكلم أن يستعمل استراتيجيات لسانية في التداول هي عبارة عن علاقات توصيل تتشكل بين الصيغ القولية والقوالب اللغوية وتتضافر كلاميا ضمن مقام معين يحدده سياق حال ما، ليتم إنتاجها بتوفر الحافز أو المثير على شكل أبنية معرفية مخزونة في ذهن المتكلم وتستدعى من مرجعية مستمدة من ذخيرة مخزونة لديه.
واذا ما علمنا أن النظرية التداولية "في طور تكوينها الكامل لا ينبغي أن تصاغ صياغة حوارية بل يجب أن تنتج افتراضات يمكن أن تخضع للاختبار التجريبي" (4)؛ فستكون الاستعمالات اللسانية المخزونة والتي تستدعي عند الكلام متضمنة استعمال التعبيرات الاشارية أو التأشير الذي هو "مصطلح تقني يستعمل لوصف أهم الأشياء التي نقوم بها في أثناء الكلام والتأشير يعني الإشارة من خلال اللغة ويطلق على أية صيغة لغوية تستعمل للقيام بهذه الإشارة مصطلح التعبير الاشاريه" (5) وكذلك استعمال التعابير الوصفية والاسمية بالضائر أو أسماء الإشارة البعيدة والقريبة أو بالظروف الزمانية والمكانية، وهو ما يتطلب التحديد ومعرفة القصد ليتم الترابط التداولي بين أسماء الأشياء وصفاتها.
وهناك استعمالات لسانية أخرى هي عبارة عن تعابير وظيفية تتوقف مدلولاتها التوصيلية على السياق وعلى قصد المتكلم، ولكي تحقق تلك التعابير وظائف تداولية توصل المتكلم بالمتلقي؛ فلا بد من وجود الافتراض المسبق الذي هو موجود عند كل متکلم ويتبعه الاستلزام..
وبحسب أدبيات النظرية التداولية فان الافتراض المسبق هو "شيء يفترضه المتكلم يسبق التفوه بالكلام أي ان الافتراض المسبق موجود عند المتكلمين وليس في الجمل أما الاستلزام فهو شيء ينبع منطقيا مما قيل في الكلام" (6) وقد يستدعي الاستلزام الاستدراك لما هو متداول من صيغ لسانية بين المتكلمين والمتلقين بوجود أفعال الانجاز التي تسمى أيضا أفعال الكلام وهي لا تتحقق إلا بوجود متکلمین ومتلقين.
وما يهمنا في هذا المقام من أصناف الأفعال الانجازية صنف الأفعال الطلبية بصيغة الأمر التي تمتاز بالقوة الوظيفية سواء أكان توظيفها على المباشرة والحقيقة أم
على غير المباشرة والمجازية..
وتتحد قوة تداولية فعل الطلب الأمري بناء على طبيعة الطلب كأن يكون تقريرا بالتصريح أو إيحاء بالتلميح ولا يمكن أن يكونا معا إذ لو تمت "مساواة منهج التصريح مع جميع الصيغ الامرية المباشرة.. سيكون هذا مضللا لأن الصيغ الامرية يستعملها المتعارفون دون تفسيرها على أنها أوامر.. فقولنا: "رجاء من فضلك تستعمل لتلطيف الطلب وتسمى وسائل التلطيف" (7) وكان ابن فارس قد أشار إلى أن الامر "إذا لم يفعله المأمور به سمي المأمور به عاصيا ويكون بلفظ افعل وليفعل" (8) وترتبط أفعال الطلب الامرية غير المباشرة عموما" بتهذيب أعم.. يفوق ما يتطلبه الفعل المباشر" (9) ولهذا تتحقق فيها تداولية أكثر سعة بسبب ما تتحمله من أبعاد دلالية ذات سمات بلاغية.
يعد كتاب العهد الذي كتبه الإمام علي عليه السلام إلى مالك الاشتر النخعي واليه على مصر وأعمالها أطول العهود وأجمعها للمحاسن (10).
وهذا الكتاب بمثابة دستور حياتي يصلح لتنظيم أحوال البلاد والعباد في كل أوان وفي أي مكان لانه يجمع مسائل الحياة جميعها ويعلم الحكام أساليب الإدارة ويمكنهم من الحكم والقيادة ليعرفوا كيف يسيسون الناس ويديرون أمورهم بالعدل والإحسان.
والكتاب أيضا وثيقة تربوية ومدونة روحية وأخلاقية تحمل العبر والعظات والدروس الموجهة لمن هم مسؤولون أمام الله في تولي أمور الرعية وإداراتها بحزم لا يخلو من الرحمة وباتزان يحقق التآلف.
وإذ يمثل كتاب العهد أنموذجا راقيا للخطابات السياسية ودستورا اجتماعيا راقيا لتنظيم الأمور الإدارية والحياتية؛ فانه أيضا يعد مدونة أدبية رفيعة لما تحمله من وظائفية تداولية تحقق غايات تواصلية بسبب ما تحفل به من الصيغ البلاغية العالية والأساليب المتميزة فصاحة وبيانا والتي أسهمت إسهاما مهما في تعميق مغزى العهد ومدلولاته شكلا ومضمونا.
وفي المدونة العهدية صيغ أمرية طلبية هي ليست مجرد أفعال منجزة على المباشرة والحقيقة أو قائمة على المجاز وعدم المباشرة؛ بل هي مقولات تشيد على بنيان من الإبانة وعبارات توضح الأمر بميزان من الدقة والعمق حتى اذا ما اقتطع فعل ما من سياقه النصي الذي جاء فيه افضى إلى تغيير الدلالة أو حرفها عن عائدية القول فيها.
ولصيغة الطلب وقع مؤثر وفاعل على المخاطبين فإذا كان الطلب رائقا شفافا سلسا بلغ ذلك المتلقين المخاطبين فترك فيهم أثرا مريحا ولطيفا وإذا كان الطلب صادقا قويا حمل المتلقين المخاطبين على استنهاض هممهم وإعلاء جذوتها وإذا كان فعل الطلب ناهرا هادرا كان حريا أن يولَّد في نفوس المخاطبين هولا ويترك في جوانحهم أثرا يحملهم طوعا لا كرها على السمع والطاعة والانجاز والإقرار.
وهذا ما كانت العرب تنشده من استعمال فعل الأمر في خطاباتها المنطوية على دلالات قولية ذات غايات براغماتية تتحدد تبعا لطبيعة الفعل الامري الموظف؛ فإن افترضنا أن الخطاب كان مباشرا فحينذاك سيكون محملا بطلب محتم الانجاز، لا يقبل التأويل أو التأجيل أو المهادنة أو التسويف وبلا ادنى تهاون او تماد كأن يقول القائل افعل كذا فلا يكون من المقول له إلا السمع والطاعة من غير تقليل ولا تكثير وبلا تقديم ولا تأخير ومن دون اشتراط التفكير او النقاش أو التدبر.
وإن كان الخطاب بفعل الأمر يتجاوز الغرض المباشر إلى أغراض غير مباشرة
فستتعدد حينذاك تداولية فهمه عند المتلقين ومديات إدراكه، كأن يقال (عليك نفسك) ليعرف المستمع أو القارئ أن ليس مطلوبا منه الرد المباشر بنعم أو لا، لأن المقصود ليس مباشرا؛ بل هو مجاز يتطلب أمدا زمنيا مناسبا تأملا في الطلب وتدبرا وتقليبا على كل الوجوه ليحدد المقصود ومن ثم يتم انجاز الفعل وتنفيذه.
للأمر أربع صيغ طلبية فأما أن يكون الفعل صحيحا مسكنا أو معتلا مجزوما أو يكون الطلب اسم فعل أمر أو مصدرا نائبا عن فعل الأمر أو مضارعا مقرونا بلام الأمر.. وفي الحالات كلها يكون العامل المخاطَب مستتراً عن الظهور تقديره (أنت) وإذا كانت الوظائفية مباشرة في تداولية صيغ الطلب هذه؛ فإنها تتطلب انجاز الفعل على وجه الاستعلاء الذي يمارسه الآمر ووجه الإلزام الذي يتوجب على المأمور القيام به.
وتتلخص وظائفية الطلب المباشر في توصيل الانتباه للسامع بغية حمله على الانصياع والتنفيذ بعد توفر الأسباب والظروف الملائمة التي تهيئ له الإتمام لفعل الانجاز بلا لبس أو تأجيل أو بالعكس وذلك حين يتعذر على المأمور الأداء لعدم وجود الظرف الملائم فيرفض التنفيذ أو يؤجل القيام به.
وفي كلا الحالين فإن الوظيفة الاتصالية ستكون محققة لتداولية فعل الانجاز بالأمر ما دام المأمور قد تلقى الأمر وعرف المقصود منه أو أدرك المطلوب منه عمله وبغض النظر عن كونه قام بالمطلوب أو لم يقم لكون التداولية ستظل رهنا بالمخاطَب / المأمور لا بالمخاطِب الآمر بينما تظل الوظيفة التواصلية مرهونة بهما معا.
وهذا ما يجعل تداولية الأمر بصيغته المباشرة تداولية محصورة أو محدودة وهو ما توضحه الترسيمة الآتية:
الأمر (افعل كذا) المأمور (لا افعل) = المتحقق توصيل = تداول سالب (رفض، عصيان، تمرد، تغاضي) الأمر (افعل كذا) المأمور (نعم افعل) = المتحقق توصيل = تداول موجب (قبول، انصياع، تسلیم، تنفیذ) وما بين الإجابة ب (لا) أو (نعم) تتحدد عملية التداول بالرفض أو القبول وقبل ذلك تتبين فاعلية الخطاب ومديات التأثير على المأمور بوصفه متلقيا حقيقيا، فالأعلى يأمر وما على الأدنى إلا أن يتلقى ما يؤمر به لينفذ أو لا ينفذ وهذا يعني أن التوصيل سابق على التداول.
وعادة ما يكون هذا الصنف من التداول المباشر للطلب بين الأشخاص العاديين الذي يعملون في ميادين الحياة المختلفة من قبيل الرئيس والمرؤوس والضابط والجندي والمعلم والتلميذ والمدير والموظف ورئيس العمل والعامل وغيرهم.
وليس غريبا أن يطغى على أحاديثنا وأقوالنا هذا الصنف من الطلب بفعل الأمر لتكون الوظيفة المباشرة هي التوضيح والمباشرة اعني في اللحظة الآنية نفسها التي يتم فيها إرسال فعل الأمر أو على الافتراضية اعني في اللحظة الاتصالية التفاعلية التي تتحقق فيها عملية التوصيل بشكلها الرقمي / التقني كأن يكون على شكل اتصال منقول بالصوت فقط او محمول بالصورة والصوت معا.
وعادة ما تصلح تداولية الطلب بالأمر على المباشرة والتصريح مع المرؤوسين الذين يتلقون الأوامر على وفق ضوابط عادة ما تكون لصالح الرئيس تسانده في تعزيز مكانته وتمكنه من تحقيق مركزية منصبه ونفوذه بما يمتلكه من وسائل صارمة
في العقاب والترهيب ولعل اقرب الميادين التي يغلب فيها هذا اللون من التداولية الميدان العسكري فالضابط يلفظ (استعد استرح) والجندي ينفذ بالحركة والصوت بلا تردد وبطريقة دراماتيكية كمشهد معتاد ويومي يتكرر باستمرار.
ووفقا للنظرية الحوارية او التفاعل الكلامي فإن الخطاب يكون جسرا محدودا بيت شخصين محددين اجتماعيا وبينهما التلفظ بأطرافه: متلفظ ملفوظ متلفظ إليه (11)، وقد رأى تودوروف أن كل ملفوظ يحمل في ذاته آثار تلفظه وفعل انتاجه الدقيق بناء على سلسلتين: الاشارات الى هويات المتحادثين والى المعطيات الزمكانية للتلفظ والاشارات الى سلوك المتحدث او المخاطب (12)، ولما كانت لوضعية التداول اللساني لفعل الامر أطراف أربعة (13):
متکلم / أنا قوة الكلام / فعل أمر مخاطب / أنت تلفظ / أن تفعل فإن العملية التداولية ستستدعي على المستوى الكتابي وليس اللساني لصيغة الأمر، أن يقوم المأمور بإتمام تداولية التوصيل الكتابي من خلال معادلة ذات ثلاثة أطراف هي:
آمر / الكاتب أمر / مکتوب مأمور / مكتوب إليه وعادة ما تصلح الوظائفية التداولية المباشرة لاستعمال أفعال الأمر في الحالات التي تقتضي قصر المدة الزمنية ما بين الآمر والمأمور فضلا عن تقاربهما في الرقعة المكانية ليكون احدهما مقابلا الآخر على الحقيقة.
تداول الخطاب بالأمر على وجه المجاز والخروج به عن معناه الأصلي الحقيقي إلى معان أخرى مجازية انما يتم فهمه بناء على سياق الكلام.
وعلى هذا الفهم يتوقف تداول الفعلية الامرية لتتخذ طابعا تلميحيا مبنيا على قصدية التأويل لمدلولية الفعل الانجازي وبما يفترض تعدد دلالات الخطاب الطلبي من خلال حمله على الأوجه البلاغية كلها کاستعارات أو تشبیهات أو کنایات أو توریات.
وتعد صيغ الامر كلها فاعلة في هذه التداولية غير المباشرة كونها تتفادى القسر والإجبار متجهة صوب الإغراء والتحبيب..
وهي صالحة للمتلقين ذوي المكانة المرموقة من زاوية المهمات ذات البعد الجماعي التي توكل إليهم، كأن تتهدد الجماعة أو تتعرض إلى مأزق خطير أو تمر بظروف قاهرة.
ومن زاوية أخرى تناسب أولئك المتلقين الذين يتمتعون بمستوى أدبي رفيع من البلاغة والبيان جنبا إلى جنب تميزهم بالمنزلة المجتمعية المتأتية من الإحساس العالي بالمسؤولية حرصا ودراية.
وبسبب أهمية هذه الصيغة التداولية غير المباشرة فقد كثر استعمالها في القرآن الكريم بصور عديدة. ولما كان الإمام هو القرآن الذي يمشي على الأرض لذلك تعالقت او تناصت كثير من صيغ الأمر لديه مع التوظيف التداولي في القرآن الكريم.
ولقد كان للنقاد العرب القدماء دور مهم في بيان كيفية تعدد دلالات الفعل الواحد بحسب مظان استعمالها ومن هؤلاء أبو هلال العسكري والباقلاني (14) ولابن فارس بن زکریا قول في ذلك وهو الذي نفى الترادف في اللغة لان لكل مسمی دلالية والشيء إذا كثرت مسمياته فان له معان بحسب تلك المسميات نحو السيف والحسام
والأدغال (15).
وهذا ما سعت النظريات البراغماتية اليوم إلى دراسته موجهة الانظار صوب التداول وقصدية الخطاب الادبي من خلال معرفة كيفية تنوع المعاني واثرها في توصيل الدلالات و مشروطية السياقات التي يكون فيها للبعد النفسي أثر في الكشف عما يمور في النفس من مشاعر، مع الدقة في التعبير عنها تبعا لمقامات القول وأحواله وبما يحقق الإجلال للكاتب / الأمر.
ولقد امتازت تداولية أفعال الأمر في كتاب العهد؛ بأنها تجاوزت الصيغ المباشرة للطلب بفعل الأمر متعدية التداول من الأعلى إلى الأدنى لتدخل منطقة الإلماح والإيحاء بالمجاز منتقلة من التوضيح والتصريح إلى اتساعية التعميم والشمول والتدليل والسبب أن الذي أُريد توصيله إلى المأمور لا يتحدد انجازه الفعلي كاستعلاء وإلزام؛ بل يتحدد على التداول للمجاز.
وهذا ما أخرج مدونة العهد من أن تكون مجرد وثيقة تخص زمانا معينا ومكانا محددا إلى وثيقة خالدة صالحة لكل زمان ومکان وقد حوت من النصح والإرشاد والتعليم، ما لا غنى عنه لأي امرئ يسعى إلى إفادة مجتمعه بوعي وإدراك وبنفس مجبولة على فعل الخير والسير على طريق الاستقامة والتقوی.
ولذلك لم تكن تداولية الطلب في مدونة العهد على وجه واحد لا ثاني له أو على صيغة بعينها؛ بل هي ذات أوجه عديدة وصيغ تتجاوز التوصيل المباشر متجهة صوب التداول العام وباعتماد الخطاب الأحادي الموجه للمفرد المذكر وفي احيان قليلة بصيغة الأمر ذي الخطاب الجماعي أو الثنائي.
وتظل الوظائفية الامرية رهنا بسياق الكلام الصادر من المرسل / الأمر إلى المرسل إليه المأمور، وبما يفترض تنوع صيغ التداول ما بين التوظيف الحقيقي والتوظيف
المجازي للطلب الإنشائي.
ولقد انماز کتاب العهد أنه لم يحو كل الصيغ المجازية التي تستعمل في الطلب الإنشائي بفعل الأمر، مما كان القدماء البلاغيون قد حصروها و بینوا مواضعها. فلقد تجنب الكتاب الصيغ التي تقتضي تعالي الكاتب / الآمر وتدني المأمور او تتطلب أن يتمنى الأول من الآخر القيام بالطلب تمنيا أو تعجيزا عن قيام المامور به أو بتهديده بالقسر أو التسويف أو التكذيب والتحسر أو بالتسخير الذي فيه الاهانة والتحقير وغيرها من الدلالات التي خلا الكتاب من تداولها.
ولا غرو أن يخلو العهد أيضا من تداولية الطلب بالأمر على نية التضرع أو الالتماس والدعاء لأن هذا ما لا يكون إلا بين الخالق الموصوف بالربوبية والوحدانية والصمدانية الذي ملك القلوب واستعبدها والمخلوق الذي لا ينطلق في خطابه للباري ومنادته له ومطالبته بالاستجابة والقبول إلا من موضع الدنو والخشوع والرجاء والخوف والإذعان.
وفي ما سيأتي تحدید لساني تواصلي لدلالات الخطاب الطلبي بصيغة الأمر مما كان کتاب العهد قد تضمنها ليتم تداولها على الحقيقة تارة وتارة أخرى على المجاز..
تتمثل دلالة الوجوب في حالة تداول فعل الانجاز الامري على المباشرة والحقيقة وهو ما يقتضي إلزام المأمور بالتنفيذ سمعا وطاعة كاقتضاء وقسر، ليغدو التداول ضروريا وحتميا لا يقبل التأجيل أو الإبدال حيث لا تراجع عن الاداء ولا تعليل ولا نقاش، وفي أي حال كان عليها المأمور.
ويطلق سيرل على الافعال الكلامية ذات الوظائفية التداولية المباشرة اسم العبارات التقريرية (16) وأن إنجاز فعل الكلام "هو تأدية الفعل بأن نقول شيئا ما" (17)
وفي الأغلب تقتضي دلالة الوجوب والإلزام تداول فعل الأمر تداولا حقيقيا يستوجب الحسم والحزم والصرامة قوله عليه السلام (ثم ان للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال..) (18) فتداولية الفعل الانجازي (احسم) تستدعي الوجوب لا محالة. وكل ما هو خلاف الحسم والقطع بإزاء البطانة وفي أي شكل وبأي لون فإنه محرم محظور البتة.
ومثلما اوجب الامام عليه السلام الحسم والقطع بشأن الحاشية، كذلك او جب الحزم مع العدو (.. فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن) (19) وقد يكون الوجوب متمثلا في الأمر بالإنصاف و إحقاق الحق وذلك في قوله عليه السلام (أنصف الله وأنصف الناس من نفسك) (20) أو عدم المهادنة في التحلي بالأخلاق القويمة والصفات الحميدة (أطلق عن الناس عقدة كل حقد و اقطع عنك سبب كل وتر وتغاب عن كل ما لا يصح لك) (21) والوتر هو العداوة "أي احلل عقدة الأحقاد من قلوب الناس بحسن السيرة معهم واقطع عنك أسباب الأوتار أي العداوات بترك الإساءة إلى الرعية" (22) وتدلل صيغة الفعل (اردد) على الحزم والوجوب إذ لا مناص من الرجوع إلى الله ورسوله في الملمات صغيرها وكبيرها (واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور) (23) كما أن اشتقاقية المفعول المطلق من الفعل الطلبي (فانظر في ذلك نظرا بليغا) تؤدي دورها في تحقيق تداولية أكبر لمعنى الوجوب.
وربما تكون صيغة التداول بفعل الأمر واجبة على الحقيقة لا المجاز بالفعل امنع (فامنع من الاحتكار فان رسول الله صلى الله عليه واله منع منه) وأن في تكرار الطلب بالفعلين (امض / اجعل) ما يوجب التنفيذ (وامض لكل يوم عمله فان لكل يوم ما
فيه واجعل لنفسك في ما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت) (24) ومن دلالة الوجوب الإخلاص في الأداء والإيفاء في التقرب إلى الله تعالى (وليكن في خاصة ما تخلص به لله دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك کاملا غير مثلوم ولا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ) (25) ولا غرو أن التزام الحق واجب والحسم له مطلوب عند من تمتع بالصبر والاحتساب لله لتكون عاقبته الحسنی (وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابرا محتسبا واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فان مغبة ذلك محمودة) (26) ولا مناص من التزام أوامر الله تعالى وأوامر رسوله الكريم بالفعل الانجازي بصيغة اسم فعل الأمر (عليك) (عليك ان تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاصلة أو اثر عن نبينا صلى الله عليه واله أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدته مما عملنا به فيها وتجتهد لنفسك في إتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها) (27) وليس شيء يستوجب الإيفاء ورعاية الذمة والأمانة ومغالبة النفس والهوى مثل الوفاء بالعهد (فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت) (28) ومن تداولية الوجوب على غير المباشرة أن يرد الطلب بقصد التحذير والاعتبار والتخويف والترهيب بلا تهديد أو وعید ولكن تعظيما لله وتقديسا له. ومن ذلك قوله عليه السلام محذرا المأمور من خيانة الأعوان له مشيرا عليه بتتبع أخبار الرقباء
وتحفظ من الأعوان فان احد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك) (29) وقد تتخذ دلالة الوجوب التحذير في التعامل مع الاخرين وضرورة أخذ الحيطة والتنبه للمكيدة (واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة) (30) وتكون في تداولية التحذير (فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك) (31)، إلزاما للمأمور بالاعتبار لأخذ العبرة والعظة والدرس من الذين سبقوه ليتعظ ويتعلم..
ولعل اكثر ما يتوجب فيه التحذير انما تأتي في معرض الحديث عن سوء العاقبة (فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك) (32) ومن الدلالات الطلبية التي تم تداولها على المباشرة والوجوب ما جاءت على نية الإخبار مما كان الإمام عليه السلام قد نقله عن الرسول صلى الله عليه واله من توصيات مقدسة ومن ذلك قوله عليه السلام: (وقد سألت رسول الله صلى الله عليه واله حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم فقال: "صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما") (33) ليكون هو المأمور هنا.
وقد يخرج الطلب عن معناه الحقيقي بالوجوب على نية الإلزام ومقصدية التنفيذ إلى الطلب بمعان أخر تفهم من السياق لتتحدد على وفقها دلالات التداول للمكتوب.
ومن ذلك دلالة التداول الطلبي القائم على نية الارشاد وإبداء الرأي وتقديم التوجيه وإسداء النصح من طرف الآمر / الكاتب قاصدا التوعية والتذكير للمأمور من دون وجوب ولا ترهيب ولا إجبار فعلى سبيل المثال يرد فعل الأمر (اشعر) على
سبيل المناصحة بغية إيجاد نوع من الأمان والاطمئنان ما بين الأمر والمأمور (واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم) (34) والمعرفة والدراية لا تتأتی؛ إلا إذا عرف الآمر خصائص المأمورين وصفاتهم کلا على حدة (ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلی..) (35) أو (فانظر في ذلك نظرا بليغا) (36) وإذ ينصح الإمام بوصفه المخاطب الآمر واليه بوصفه المأمور فانه إنما يناصحه ویرشده و كأنه يناصح نفسه شاعرا بالرعية مشارکا معه الرحمة والمصالحة والتواصي والتوئدة والتراحم، ولذلك يردف عليه السلام الطلب ب (اشعر) بالفعل (فأعطهم) مناصحا واليه بالصفح والعفو (فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب ان يعطيك الله من عفوه و صفحه) (37) وقد يتضمن النصح الإعانة على الانجاز وهذا ما يدلل على روح الإيثار التي تمتع بها الإمام عليه السلام معرفا مالك الاشتر بالطرق الموصلة لها موضحا له مسالك الخير للرعية فينصحه (فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح) (38) أو يذكره بأهمية المداراة للمعایب والتكتم عليها بالستر وعدم الفضح (فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعیتك) (39) وليس خافيا ما ينطوي عليه هذا الطلب من بعد أخلاقي وتربوي كبير.
ولا تخلو المناصحة من الإغراء كتحبيب مجالسة العلماء والفقهاء والتزود منهم بالعلم والخلق (وأكثر مدارسة العلماء ومنافئة الحكماء في تثبیت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك) (40) وفي موضع آخر استعمل الدلالة ذاتها لكن بفعل الأمر الصقر (والصق بأهل الورع والصدق ثم رضهم على أن لا يطروك) (41) فملازمة ذوي الورع تقرب الانسان من التواضع أما إذا أحب الإطراء منهم له فذلك سيستدعي الزهو والزهو يقرب من التكبر والعجب، ولذلك يتبع
تلك النصيحة بقوله عليه السلام (.. وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه) (42) ومن النصح التوصية بذوي الاحساب وتفقد أحوالهم وان تكون رأفة الوالي بهم کرأفته بالوالدين (ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما) (43) وكذلك العامة (وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للاعداء العامة من الامة فلیکن صغوك لهم وميلك معهم) (44) ويحض عليه السلام واليه على ضرورة الاهتمام بذوي الحاجات الذين يفتقرون إلى تفرغ المسؤول للنظر في مظالمهم.. ولقد خصص الإمام عليه السلام لهم مساحة مهمة من خطابه الطلبي ناصحا ومرشدا (واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه الله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك) (45) ومن الطلب إرشادا وتعلیما توجيه المأمور إلى أن يضع الأمور والأعمال في مواضعها التي تناسبها (فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه) (46) وأهمية التوسع والإكمال في الكرم والعطاء لعمال أموره بما یزید الصلاح في نفوسهم (ثم أسبغ عليهم الأرزاق فان ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم) (47) وعادة ما يستدعي الإرشاد باتجاه انجاز الطلب الإعجاب والمباهاة.
ليكون الانجاز سالبا بالنفي (وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك) (53) وبالقياس بالميزان يتوكد عدم الإجحاف بحق البائع والمبتاع سماحة وعدلا (وليكن البيع بيعا سمحا بموازین عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع) (54) ومن يحتكر وينهب فلا بد من التنكيل به وعقابه لكن باتزان من غير إسراف (فمن قارف حكرة بعد نهبك اياه فنكل به وعاقبه في غير اسراف) (55) أو بالاتزان في التساهل في تطبيق الأوامر أو الضوابط أو المقتضيات مع بعض الفئات المستضعفة التي تستدعي من المسؤول الرعاية الخاصة (واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الاسلام في كل بلد فان للاقصى منهم مثل الذي للادني) (56) وكذلك في تقسيم وقته ليجعل لهم منه نصيبا وهذا ما يوصله الى الرفعة بالتواضع (واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك) (57) ويتبع ذلك اتساع صدره لهم فلا يضجر من هذا ولا يغضب من ذاك (ثم احتمل الخرق منهم والعي ونح عنك الضيق والأنف) (58) وبالموازنة والعدالة والتسوية يتحقق رضا الله تعالى وهذا ما يبتغيه الآمر والمأمور. ولقد كان الإمام أكثر أصحاب رسول الله التزاما بالعدل والإنصاف ولذا قلده صلى الله عليه واله القضاء في اليمن.
وبالتوازن يتحقق للوالي / المأمور إدراك الصحيح من الزائف وتبيان الحق من الباطل باستعمال صيغة الطلب باسم فعل الأمر (عليك) (فإنما عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ماغاب عنك) (59) بما يستطيع إدراكه ويتمكن منه وما خلا ذلك فمرده إلى الله تعالى ليحكم فيه (فإنما عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب
عنك) (60) أو قوله عليه السلام (... وكل فاعذر الى الله في تأدية حقه إليه) (61) والنفوس تتفاوت في قدرتها على أداء الأفعال وانجازها تناصا مع قوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (62) ويقتضي الاتزان ترجيح الأمور على خيرها وهو عادة ما يكون في أوسطها باستعمال ليکن (وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل واجمعها لرضى الرعية) (63) وإذا ما غفل عن أمر ما، كان إبراز الخطأ وبيان العذر فيه هو المرجح (وان ظنت الرعية بك حيفا فاصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم باصحارك) (64)
إذا كان فعل الانجاز للطلب لا يقتضي الإلزام فعند ذاك سيكون إتمامه مرتبطا بالتوافق اقتناعا ورضا بين الكاتب / الأمر والمكتوب إليه / المأمور من دون تحريم أو حظر.
وبالجواز والقبول تتحقق إباحة الاختيار عند تداول الطلب بالأمر كما في قوله عليه السلام (ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختیارا ولا تولهم محاباة وأثرة فأنهما جماع من شعب الجور والخيانة) (65) والتذكير بأهمية الثواب والإطراء في شد عزيمة الجند على القتال يقتضي ترك تحديد دلالة ذوي البلاء في القتال ليقدرها المأمور بتقديره الخاص فيبني عليها الحال كل واحد من الجند كيف أبل ومتى وأين؟ (فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء
عليهم وتحديد ما أبلی ذوو البلاء منهم..) (66) وبذلك يتوصل الوالي / المأمور حتما إلى بلوغ تداولية الفعل الانجازي (فافسح) بإجازة تمييز "ما صنع أهل الأعمال العظيمة منهم فتحديد ذلك يهز الشجاع أي يحركه للإقدام ويحرض الناكل أي المتأخر القاعد" (67) ثم ينتقل عليه السلام من الكلام في فئة الجند إلى الكلام في فئة ذوي الاحساب والنجدة فيجيز للمأمور أن يقرب إليه من يراه منهم صالحا (ثم الصق بذوي الاحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والساحة..) (68) لينتقل بعدها الى الكلام في العمال متيحا لواليه النظر في أمورهم وأن يختار منهم من يمكنه من أداء المهمة الموكلة إليه مستعملا فعلي الأمر (تفقد وابعث) (ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم) (69) وليس في اختيار أفضلهم محاباة أو ميل؛ بل هو من باب التشاور والإجازة.
ويذكر بعدها عليه السلام الخراج ليأمر واليه بالصلاح تاركا له غير فارض انتقاء الوسيلة التي تمكنه من بلوغ هذا الإصلاح (وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فان في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم) (70) وبعدها يأتي الجواز في تداولية أفعال النظر والتولية والتخصيص (ثم انظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك واسرارك باجمعهم لوجوه صالح الاخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجتزئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأٍ) (71) فقوله عليه السلام (ثم انظر) "انتقال من الكلام في أهل الخراج الى الكلام في الكتاب جمع کاتب" (72) وهذا الترتيب في الانتقال بالكلام من فئة الجند إلى طبقة العمال
الى مجمع الكتاب انما يشير الى أن التداولية لصيغة الخطاب بالامر انما تنتقل من المهم الى المهم باستعمال حرف العطف (ثم) و دلالتها على التراتب بتراخ ليتبعها حرف العطف بالفاء ودلالته على السرعة في التتابع والتعاقب تلاحقا وتواترا بالفعل (فولِ) فالنظر متبوع بسرعة التولية مجيزا عليه السلام غير موجِب على الوالي مالك الاشتر تخصیص من يثق بهم لحمل الرسائل التي هي غاية في السرية.
وأن القول باجمعهم برأي الشيخ محمد عبده "متعلق باخصص أي ما يكون من رسائلك حاويا لشيء من المكائد للأعداء وما يشبه ذلك من أسرارك فاخصصه بمن فاق غيره في جميع الأخلاق الصالحة ولا تبطره أي لا تطغيه الكرامة فيجرؤ على مخالفتك في حضور ملأ وجماعة من الناس ذلك بمنزلتك منهم" (73) ويلحق العطف بالفاء عطف آخر متلاحق بلا فاصل (فاعمد لأحسنهم كان في العامة اثرا واعرفهم بالامانة وجها فان ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت امره واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها ولا يشتت عليه كثيرها ومهما كان في كتابك من عيب فتغابیت عنه ألزمته) (74) وانجازية تداول فعلي الأمر(اعمد/ اجعل) تتحدد جوازا لا وجوبا تحليلا لا تحريما في تقليد رئاسة دائرة من دوائر الاعمال لمن هو أهل لها مقتدر "على ضبطها لا يقهره عظيم تلك الاعمال ولا يخرج عن ضبطه كثيرها وإذا تغابيت إي تغافلت عن عيب في كتابك كان ذلك العيب لاصقا بك" (75) بمعنى أن هذا الوالي الذي قد اتيحت له مساحة من الاجازة والاباحة، سيتحمل وزر ما يختار، مصيبا كان الاختيار أو مخفقا..!! وينتقل عليه السلام من الكلام في الكتّاب إلى الكلام في طبقة التجار والصناع (ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات واوص بهم خيرا المقيم منهم والمضطرب
بماله والمترفق ببدنه) (76) مخيِّرا الوالي في التعامل معهم من باب أن التجار والصناع عادة ما يكونون مسالمين طائعين لا يتمردون ولا يعصون مؤكدا عليه السلام أهمية تفقد أمور هذه الطبقة (وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك) (77)، مذكرا له أيضا بأن من هؤلاء من يتمكن الجشع والشح من نفسه فيدفعه إلى الاحتكار والمضرة (واعلم مع ذلك ان في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع وتحكما في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة) (78)
وفي هذه الدلالة يتوقف تداول الطلب على ما يتصوره المأمور / المسؤول وما يتحسب له في كيفية إدراكه للموقف المطلوب انجاز الفعل فيه.
وهي تخالف دلالة الجواز والقبول كونها لا تعطي المأمور حرية الاختيار والتعيين؛ بل هي تتطلب منه الانجاز بحتمية إتمام الفعل وليس بجوازية الخيارات في التنفيذ له كما في قوله تعالى مخاطبا رسوله الكريم (فاقضِ ما أنت قاض) (79) وبهذا التصور يغدو المسؤول مفوضا إليه البت في الأمور وتقليبها على الوجه الذي يجده جديرا بالاختيار مرتئيا الوصول إلى الخير والفلاح، ومما ورد في كتاب العهد عن صيغة الطلب بالأمر بدلالة تفويض احدهم قيادة الجيش قوله عليه السلام (فول من جنودك انصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك وأنقاهم جيبا وأفضلهم حلما..) (80) فالإمام عليه السلام يجيز لواليه اختيار قائد للجيش بلا فرض أو إلزام بتعيين احدهم والسبب تلك التوافقية والقناعة حول الصفات التي سيتحلى بها هذا القائد والمتمثلة بالطاعة والنقاء والأمانة.
وليس ذلك فحسب بل يتبع جوازية تداول هذا الفعل الانجازي ضرورة ألا يفرض على المأمور / الوالي متابعة من يوليه على الجيش فرضا بل يبيح له ذلك
ليعرف كيف يتعامل ذلك القائد مع الجند وما الطريقة المثلى لاختيار الأفضل منهم (وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته و أفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو..) (81) وقد شرح الشيخ محمد عبده دلالة الأمر (وليكن) فقال: "فليكن أفضل رؤساء الجند من واسي الجند أي ساعدهم بمعونته لهم وأفضل عليهم أي أفاض وجاد من جدتاه والجدة بكسر ففتح الغني والمراد ما بيده من أرزاق الجند وما سلم إليه من وظائف المجاهدين لا يقدر عليهم في الفرض ولا ينقصهم شيئا مما فرض لهم بل يجعل العطاء شاملا لمن تركوهم في الديار من خلوف الآهلين جمع خلف بفتح فسكون من يبقى في الحي من النساء والعجزة بعد سفر الرجال" (82) وفي الكلام عن القضاة يتحول الطلب إلى شكل تفویض بانتقاء القاضي الذي يتسم برحابة النفس وحسن الخلق فلا يستطيع ان يمحكه أو يغضبه الخصوم (ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحکه الخصوم) (83) "أي لا تحمله مخاصمة الخصوم على اللجاج والإصرار على رأيه" (84) ويترتب على تفويض الوالي بتولية احدهم أمر القضاء أن يدعمه بالمال ويوسع له فيه لكي يتمكن القاضي من العمل والعطاء وبها يحفظ له هيبته و منزلته ويأمن من الاشرار (ثم أكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته الى الناس وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك) (85) ولا يقتصر انجاز الطلب بالتفويض على المهام الجسيمة؛ بل يشمل ايضا المهام التي تعد ثانوية وليست بالاهمية نفسها التي تكون عليها المهام الاساسية ومن ذلك تفويض أحدهم رعاية أناس لا تتاح للوالي رؤيتهم او الاطلاع على احوالهم
او الفقراء "أي اجعل للبحث عنهم اشخاصا يتفرغون لمعرفة احوالهم يكونون ممن تثق بهم يخافون الله ويتواضعون لعظمته لا يانفون من تعرف حال الفقراء ليرفعوها اليك" (86) ويكون في فعلي الامر (تفقد وفرغ) دلالة تفویض بانابة أهل الخشية والورع عنه في (تفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمة العيون وتحقره الرجال ففرغ لأولئك ثقتك من اهل الخشية والتواضع) (87) ويتوقف فعل الانجاز (التيام في التفويض) بحسب ما يرفعه هؤلاء من الامور الى الوالي (فليرفع إليك أمورهم ثم اعمل فيهم بالأعذار إلى الله يوم تلقاه فان هؤلاء من بين الرعية احوج الى الانصاف من غيرهم وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه إليه وتعهد اهل اليتم وذوي الرقة في ممن لا حيلة له) (88)
فرّق ابو هلال العسكري بين الخبر والأمر في أن الأمر لا يتناول الأمر لأنه لا يصح أن يأمر الانسان نفسه (89) لكن يمكن أن يكون للأمر دلالة الخبر ومن ذلك استعمال فعل الامر (اعلم) ليغدو الأمر مخبِرا والمأمور هو المقصود بالاخبار ومما ورد في مدونة العهد من هذه الدلالة التداولية النصوص الاتية:
(واعلم انه ليس شيء ادعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤونات عليهم وترك استكراهه إياهم على ما ليس قبلهم) (90) (واعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض فمنها جنود الله ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ومنها عمال الانصاف والرفق ومنها أهل الجزية والخراج من اهل الذمة ومسلمة الناس ومنها التجار واهل الصناعات ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة) (91)
(اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور وان الناس ينظرون من امورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك..) (92) وجدير بالاشارة إلى أن دلالة الأمر بالإخبار تأتي ايضا بصيغة المضي (أمر) وهو ما افتتحت به مدونة العهد ليكون بمثابة ابتداء يمهد لفحوى الكتاب بانسياب و بلا مباشرة (أمره بتقوى الله وإيثار طاعته وإتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا بإتباعها ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها وان ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه.. وأمره ان يكسر نفسه من الشهوات وينزعها عند الجمحات فان النفس إمارة بالسوء إلا ما رحم الله) (93) فقوله عليه السلام (أمره) وتكرارها مرة أخرى يجعل للقول الأول دلالة انجاز الطلب بالامر بحتمية المضي في الفعل (أمر) والدلالة الثانية توكيد ماتم تو کیده في الدلالة الأولى بهدف قطع أي شك في مدلولية توصيل الفعل بين الأمر / القائل والمأمور/ المقول له.
وقد ترد دلالات اخرى تفيد معنى الطلب لكن بصيغة النهي بلا الناهية او بالالفاظ المنصوبات على التحذير (94) والاغراء والتخصيص والدعاء (وأنا اسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة ان يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه والى خلقه.. وان يختم لي ولك بالسعادة والشهادة وأنا إليه راغبون) فكان له عليه السلام ذلك حقا.
تنطوي صيغة الطلب في تداول الأفعال الامرية المنجزة في كتاب العهد على توحد عقائدي بين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بوصفه الكاتب / الآمر وواليه الاشتر النخعي بوصفه المكتوب إليه / المأمور.
وليس بين أفعال الانجاز في المدونة العهدية إلا فروق في الأبعاد التداولية والتي تبين عن معناها للقارئ حين يدركها مستوعبا مدلولات الطلب فيها وهذا ما تتيحه الوظيفة التداولية بناء على قصدية الفعل الانجازي بالحقيقة او المجاز.
ولقد تواترت دلالات افعال الانجاز في الخطاب بصيغة الطلب مشتملة على ابعاد تداولية ووظائف تواصلية استلزاما وافتراضا وبما يجعل كتاب العهد وثيقة شاملة تامة حافلة بالغايات والمعاني.
ومن الدلالات التي نتجت عن تداولية أفعال الانجاز الطلبية: الوجوب والالزام والجواز والنصح والارشاد والتفويض والترجيح والاختيار والتوازن والاخبار ولقد انطوت وراء رصد كل واحدة من هذه الدلالات مقصدية الترابط الجدلي بين وظائفية الألفاظ باسانیدها التركيبية وبين السياقات التي وردت فيها وتعابيرها التأشيرية.
التداولية (براغماتية) تأليف جورج يول، ترجمة الدكتور قصي العتابي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت طبعة أولى، 210 / 19.
ينظر مبادئ التداولية، جيوفري ليتش، ترجمة عبد القادر قنیني، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء المغرب، 2013/ 51 3. م. ن/ 57 4. م. ن/ 296 5. التداولية (براغماتية)/ 27 6. م. ن/ 51 7. م. ن/ 103 8. ينظر: الصاجبي في فقه اللغة ومسائلها وسنن العرب في كلامها، تالیف ابي الحسين احمد بن فارس بن زکریا، علق عليه ووضع حواشيه احمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1997/ 138 9. التداولية (براغماتية)/ 83 10. وهذا ما كان الشريف الرضي قد قدم به للكتاب ينظر: نهج البلاغة للامام علي بن أبي طالب علیه السلام، شرحه الامام الاكبر الشيخ محمد عبده، خرّج مصادره الشيخ حسين الاعلمي، الجزء الثالث، شركة الاعلمی للمطبوعات، بیروت لبنان، الطبعة الثانية. 2011 11. نقد النقد رواية تعلم، تزفتان تودوروف، ترجمة د. سامي سويدان، مراجعة ليليان سویدان، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986/ 84.
الشعرية، تزفيطان طودوروف، ترجمة شكري المبخوت، ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الاولى، 1987/ 43 13. مبادئ التداولية/ 238 14. ينظر: الفروق اللغوية، لابي هلال العسكري، تحقيق محمد ابراهيم سليم، دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع، 1977 وينظر: اعجاز القرآن، لابي بكر محمد بن الطيب الباقلاني، تحقيق السيد احمد صقر، دار المعارف، الطبعة الاولى، د. ت.
ينظر: الصاحبي في فقه اللغة العربية/ 97 - 98 16. مبادئ التد اولية/ 235 17. مبادئ التداولية/ 260 18. م. ن/ 591 18. م. ن/ 592 19. م. ن/ 592 20. نهج البلاغة، الجزء الثالث/ 574 21. م. ن/ 575 22. م. ن/ 575 هامش رقم 3.
م. ن/ 581 24. م. ن/ 589 25. م. ن/ 589 - 590 26. م. ن/ 591 27. م. ن/ 595 - 596 28. م. ن/ 592
م. ن/ 583 70. م. ن/ 583 - 584 71. م. ن/ 585 72. م. ن/ 585 هامش رقم 2 73. ينظر: م. ن/ 585 هامش رقم 3 74. م. ن/ 586 75. م. ن/ 586 هامش 2 و 3 76. م. ن/ 586 77.
م. ن/ 586 - 587 79. الآية 72 سورة طه 80. م. ن/ 579 81. م. ن/ 580 82. م. ن/ 580 هامش رقم 1 83. م. ن/ 581 84. م. ن/ 581 هامش رقم 6 85. م. ن/ 582 86. م. ن/ 588 هامش رقم 3 87. م. ن/ 588 88. م. ن/ 588
-مقاربة تطبيقية - د. أحمد عبد العال سعيد أستاذ الأدب العربي القديم كلية التربية / جامعة واسط
تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن الآلية التي يعمل بها التوازي الصوتي في عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، وتسليط الضوء على أهم أنماطه وبيان إمكاناته التأثيرية والجمالية، ذلك أن التوازي الصوتي في هذا العهد يتعدى حدود التشكيل والإثارة الصوتية إلى تكوين بنية نصية ذات قيمة جوهرية من حيث التوظيف والعلاقات السياقية والاشتغالات النصية: صوتاً وبناءً ودلالة، مما أسس لفرادته عن الخطابات الأخرى (نثراً أو شعراً). من ذلك انه يشتغل في بنية متنامية تمتد على مساحة واسعة من الخطاب، ليغطي فقرات كاملة ومستقلة، أو قد ينبني في صورة دائرية تواصلية، فضلاً عن أنماط التوازي الصوتي الأخرى التي يشترك فيها مع أشكال الخطاب الأخرى. بما يكشف أن التوازي الصوتي من أهم الأنساق التعبيرية التي انبنى عليها خطاب العهد.
يعدّ التوازي من المفاهيم اللسانية الحديثة التي انتقلت إلى ميدان النقد الأدبي من طريق كتابات (رومان ياكبسون)، الذي تحدث عن المصطلح وتمثّلاته في النصوص الإبداعية في ض-وء نظرة شمولية فاحصة تجمع بين اللسانيات والشعرية، إذ رأى في التوازي عنصراً تأليفيا ((يحتل المنزلة الأولى بالنسبة للفن الأدبي)) (1). وعلى الرغم من أن محاولته قد سُبقت بأخرى مشابهة تتعلق بالحديث عن المصطلح أو ما يقرب منه إلا أنها كانت محاولات جزئية ترتبط بجوانب محددة من اشتغالات المصطلح. إذ أفاد ياكبسون من الأرث السابق عليه ل (فوكس) و (هُوبكِنس) و (بيسيلي) (2) ولكنه
تجاوز الرؤية الجزئية ألى رؤية أشمل، يتمظهر فيها التوازي بوصفه تقنية بنائية فاعلة، تُفسَّر في ضوئه القيم الإبداعية أو الشعرية في النص. إذ يبرز في ((نسق من التناسبات المستمرة على مستويات متعددة: في مستوى تنظيم وترتيب البنى التركيبية وفي مستوى تنظيم وترتيب الأشكال والمقولات النحوية وفي مستوى تنظيم وترتيب الترادفات المعجمية وتطابقات المعجم التامة. وفي الأخير، في مستوى تنظيم وترتيب الأصوات والهياكل التطريزية)) (3). والتوزاي على أساس هذا الفهم ((عنصر بنائي مركزي يقوم على تكرار أجزاء متساوية ترتبط ببنية النص)) (4) في مستوياتها المتعددة: الصوتية والتركيبية والدلالية. وهذا التكرار يأتي في ((تأليف ثنائي)) (5) تتماثل فيه الأجزاء وتتشابه في عناصرها من دون أن تتطابق، لأنه يلتزم الخصائص البنائية ذاتها في التشكيل، ومن ثم فهو ((تكرير بنية تملأ بعناصر جديدة)) (6) على وفق دوبوكراند وجفرسون. على أن هذا التأليف الثنائي قد يتسع ليؤلف وحدات بنائية أكبر ثلاثية أو رباعية أو أكثر، بمعنى أن المفهوم قد تمّ وصفه في جهود ياكبسون بأبسط تمثلاته النصية.
وفي محاولة تأصيل المفهوم في النقد العربي، هناك شبه إجماع على أن التوازي مفهوم جديد إذا ما قورن بالمفاهيم المتواضع عليها في البلاغة العربية، تلك المفاهيم وإن كان بعضها يقترب منه، إلّا أنها لاتشكل معادله التام. ذلك أن التوازي بديل لساني حل محل المفاهيم التي تختزل كل أشكال التوازن والتناظر البلاغية (7)، كما أن تلك الأشكال التي تم الربط بينها وبين التوازي تضيء جانبا محدودا من اشتغالات المصطلح ولا تتعداها الى استيعاب الجوانب الأخرى التي استوعبها التوازي.
ومع ذلك فإن أشكال: (الجناس، والتسميط، والتكرار، والترصيع، والتصدير، والترديد، والتقسيم، والتشطير، والمشاكلة، وغيرها من فنون البديع) وإن كانت
تقتصر على جانب محدد (صوتي) فهي تمثل جذورا تراثية رائدة في إدراك خاصية التوازن الصوتي في النص التراثي، مما ((ينقل الدائرة النقدية القديمة في النظر إلى (التوازي) من محور الغياب إلى محور الحضور)) (8) وإن كانت بطاقات محدودة. لأن هذه المحاولات كانت تردد هذه الأشكال في صور جزئية منفصمة عن بعضها لم تتح لها أن تتبلور في نظرة أشمل تعي الخاصية البنائية التي قام عليها التوازي، ((وليست هذه الحالة خاصة بالبلاغة العربية بل هي طابع البحث القديم في التوازي، كما يذهب الى ذلك ياكبسون، الذي يرى أن مبحث التوازي مبحث لايعدو عمل القدماء فيه ملاحظات واعدة سرعان مانسيت، إذ لم تتح لها فرصة التطوير)) (9).
إن التوازي في أوضح حدوده هو ((تماثل أو تعادل المباني أو المعاني، في سطور متطابقة الكلمات أو العبارات، قائمة على الأزواج الفني وترتبط ببعضها، وتسمى عندئذ بالمتطابقة أو المتعادلة، أو المتوازية)) (10). وبلحاظ هذه الخصائص فإن التوازي یُعنی برصد مظاهر الانتظام في البنيات النصية على أساس من العلاقة المتماثلة، في الشعر أو النثر، فإذا كانت ((بنية الشعر هي بنية التوازي المستمر)) (11)، فإن ((هناك أنماطا من النثر الأدبي تتشكل وفق المبدأ المنسجم للتوازي)) (12)، وطبقا لهذا التصور يبدو التوازي في مظهرين:
الأول: ملازم للغة الشعرية، التي تتألف من منظومة متكررة من المقاطع المتوالية المتتالية المتوازية و هو مايبدو بوضوح في البنية الايقاعية.
والثاني: يشير إلى ألوان من التقابل كوسيلة دقيقة منسجمة، وسائدة في اللغة، وبذا يصير التوازي مبدأ من المبادئ الفنية (13)، التي تمتد في الشعر والنثر.
إن التوازي يتغلغل في نسيج النص الإبداعي، ويتحقق في مستوياته التعبيرية
كافة، إلا أنه في المستوى الصوتي أكثر ظهورا (14)؛ ولذا فإن تناول (التوازي الصوتي) في عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر یعني (إجرائيا) الوقوف عند أكثر أشكال التوازي وضوحا في هذا العهد.
وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن التوازي الصوتي لايعمل بمعزل عن أشكال التوازي الأخرى التي قد تظهر في النص، بل هي تنصهر جميعا في بوتقة النص الكلية بقصد السمو بالغاية التأثيرية والجمالية، ولذا فإن هذا التحديد بالمستوى الصوتي غايته بحثية، فمن وظائف التوازي الصوتي ووظائفه متعددة هو تعضيد البنيات النصية الأخرى التركيبية والدلالية من أجل خلق بنية نصية نابضة قادرة على إدهاش الملقي وإثارته وإقناعه.
يمثل العهد خطابا شموليا يكتنز بالأبعاد الفكرية المختلفة: السياسية والأجتماعية والثقافية وغيرها، وهو مايتبدى في هذه الصورة التنظيمية للعلاقة التواصلية بين السلطة والرعية؛ ومن وراء ذلك هذا القانون التنظيمي المعالم المجتمع الإنساني في ظل الحكومة الإسلامية الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان اللذين ولد فيهما إلى مديات إنسانية أبعد. وإذ يستعين العهد باللغة في أداء ذلك فإنها تحقق ذلك عبر وظيفتين: إفهامية تعتمد الوضوح والدقة لإنجاز فعل التوصيل وترسيخ الدلالة، وجمالية تعتمد مجموعة من التقنيات اللغوية التي تعمق الأفكار وتستقطب المتلقي وتعضد الوظيفة الإفهامية. ومن هذه التقنيات التوازي الصوتي، الذي يلفت انتباه المتلقي في مجموعة من التماثلات الصوتية التي تغطي مساحة واسعة من لغة العهد.
إذ وصل عدد العبارات المتوازية صوتيا في العهد إلى مائة وثمان وتسعين (198) عبارة، تنوعت في بنائها بين التوازي التام الذي جاء في (132) عبارة أي بنسبة 66، ٪7 والتوازي غير التام الذي تجسد في (66) عبارة أي بنسبة 33، 3٪.
وتأمل هذه النسبة يفضي إلى أن العهد يميل في تشكيل لغة الخطاب إلى خلق لون من التنظيم الخاص، للارتقاء بمستوى اللغة وطاقاتها الأدائية والتأثيرية، وذلك بزيادة مستوى التناسب اللفظي والتجانس الصوتي.
ومن نماذج التوازي التام قول الإمام علي (عليه السلام) في خطابه الأشتر: ((وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده)) (15). أما التوازي غير التام فيمثله قوله عن الفرائض: ((لايسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها )) (16) إذ نلحظ في التوازي التام أن ثمة تماثلا بين العبارتين (وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده)، (وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده) في عدد العناصر وبنائها الصوتي بل إن أكثر العناصر تكررت بذاتها مما رفع من الفاعلية الصوتية في العبارتين، إذ يشعر المتلقي أنه بإزاء بناء ترکیبي وصوتي متوازن، يتلقاه بانسيابية وبصورة منتظمة على الرغم من أنه تحقق في عناصر لفظية كثيرة، عشرة (10) عناصر في كل عبارة، مما يدل على قدرة على إحكام الصياغة والتعامل مع أسرار اللغة. بينما في التوازي غير التام تتباين العناصر اللغوية بين العبارتين إذ غاب الفاعل (أحد) عن العبارة الثانية لظهوره دلاليا فيها، وفي الوقت نفسه زِید عنصر لغوي جديد وهو الاسم المعطوف (وإضاعتها) مما أسهم في توسيع المعنى ونمو العبارتين دلاليا، لإظهار هذا التعارض التام بين (الاتباع) و (الإضاعة)، ومع هذه الزيادة اللغوية والدلالية إلا أن ذلك لم يفسد الألفة الموسيقية، لأن الزيادة (إضاعتها) وردت
بصياغة صوتية متقاربة لقوله (اتباعها).
إن أنماط التوازي الصوتي تتعدد في العهد بحسب طبيعتها الوظيفية والعلائقية، ولذلك فإن خطة البحث في تناولها ستعتمد عل طبيعة التوازنات المرصودة فيه، إذ احتوي على عدة أنماط هي: التوازي المتنامي، والتوازي المتضاد، و التوازي التأليفي، والتوازي الدائري.
1- التوازي المتنامي: وهو تنمية لنواة صوتية بإرکام قسري أو اختياري في عدة توازيات جديدة، ضمانا لانسجام الخطاب (17) بمعنى أن هناك نواة معنوية ذات صورة صوتية متوازية يمنحها المرسل إمكانية التفصيل لتتفتق عن توازيات نصية جديدة.
وهذا النمط من التوازي يمتلك خصوصية في العهد لأنه من التقنيات البنائية التي ينفرد بها إذ لانجده - بحسب اطلاع الباحث - في الخطابات الأخرى، وربما يعود ذلك إلى أنه يتطلب مهارة فائقة وخصوصية في التأليف، تتجاوز التوازي الأصل إلى إحداث توازيات متراكمة تمتد في فقرة كاملة قد تتألف من عدة أسطر، ولذا يؤدي هذا النمط وظيفة مزدوجة: الأولى الجمع بين الجزئيات وتوحيدها، والثانية: ((الوظيفة التداولية المعبر عنها بالاهتمام بالخطاب، أي لفت أسماع المتلقين إلى أن هذا الكلام أهمية لا ينبغي إغفالها)) (18). ومن صور هذا النمط قوله (عليه السلام): ((وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة)) (19) تمثل لفظة (أحبّ) بؤرة مركزية في هذا النص التوجيهي، إذ انعكست صيغتها الصرفية في التوافقات الصوتية الثلاثة بعدها (أوسطها في الحق، وأعمها في العدل،
وأجمعها لرضى الرعية). هذه التوافقات تتّحد في المقطع الأول (أوسطها، أعمها، أجمعها)، کما تتحد الأولى والثانية منها في المقطع الثاني (في الحق) (في العدل) إذ تحقق توافقا إيقاعيا منتظما، ((فعلى الرغم من أن هذه المقاطع لا تنتهي بنهايات (سجعات) موحدة إلّا أنها تحقق ضربات متعادلة في المقاطع)) (20). بيد أن نهاية المتوالية الثالثة (لرضى الرعية) أحدثت مخالفة وسکونية إيقاعية، سرعان ما يتصاعد أداء النص صوتيا ودلاليا بعدها، لتمثل نقطة توقف آنية، يتبدل الحديث معها من العلاقة بين الحاكم والرعية إلى الحديث عن الرعية نفسها وعن طبقاتها ليتفتق النص عند هذه النقطة عن توازٍ متنامٍ جديد، إذ ينتهي الأمر إلى موقفين مختلفين ومتعارضين تماما، ولكنهما متناسبين أداء وصوتا، فقد اتفقت العبارتان بشكل كامل في عدد الكلمات وفي عدد حروف كل كلمة - تقريبا - وفي نهاية كل جملة بحرف السجع نفسه (التاء)، وبالنحو الآتي:
إن - إن سخط - سخط العامة - الخاصة يجحف - يغتفر برضى - مع رضی الخاصة - العامة ومن النصوص التي تحقق هذا النمط من التوازي قول الإمام (عليه السلام) في الحث على اختيار بدائل عن الوزراء الأشرار: ((وأنت واجد منهم خير الخلف، ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم وآثامهم، ممن لم يعاون ظالماعلى ظلمه، ولا آثما على إثمه، أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة،
وأحني عليك عطفا، وأقلّ لغيرك إلفا)) (21).
إذ يخلق النص فضاء صوتيا متناميا من خلال سلسلة من التناظرات الإيقاعية المتوازنة التي تأخذ بعضها برقاب بعض في صورة تفاعلية مثّلت أعلى درجات الانتظام الصوتي، وهو ما ظهر في توازيات ثلاثة. يبدأ الأول منها بقوله:
ممن - له مثل آرائهم ونفاذهم ليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم وآثامهم إذ يكتسب هذا التوازي ألفة صوتية وإن كانت ثمة مخالفة صوتية في عناصره الأولى (له) و (ليس عليه)، لأن الضمير (الهاء) الذي ناب عن المخاطب ظل متحكما في البنية، ولأن النص أضاف عنصرا صوتيا جديدا ( آثامهم) في المتوالية الثانية آزر المماثلة الصوتية ورفع من طاقتها. بينما يظهر التوازي الثاني في مماثلة صوتية تكاد تغيب عنها أي مخالفة سوى ذكر (لا) في الجملة الثانية وهو قوله:
لم یعاون ظالما على ظلمه ولا آثها على إثمه ليتنامى التوازي بعد هذا في صورة من المماثلة التامة في أربعة توافقات، ترتبط كل اثنتين منها بتقفية واحدة:
أولئك أخف عليك مؤونة أحسن لك معونة أحنى عليك عطفا أقلّ لغيرك إلفا ومما يلاحظ في النص أنه اعتمد بناء صوتيا مختلفا في كل نسق من أنساق التوازيات الثلاثة، مما يعكس تعددية وتباين التوازنات المستعملة فيه، هذا التلوين الصوتي جاء لإحداث تناسب بين المبنى والمعنى، وكذلك لشحن النص بطاقات صوتية متراكمة تمدّه بفاعلية تأثيرية تتجاوز الوعي بالدلالات الظاهرة إلى أخرى متخفية، يشعر بها المتلقي عبر هذه الإيحاءات الصوتية، ومن هنا يمكن القول: إن التوازي الصوتي ينطوي على منحى إيحائي ينشر الظلال ويعمق الدلالة ويسمح بتعالق الصور وتوالدها في نسق من التناظر، وهو ما يبدو في الصورتين (أحنى عليك عطفا) و (أقلّ لغيرك إلفا)، بحيث يأتي السياق المتوازي على هيئة لوحة مكتملة الظلال والألوان، يتمازج فيها الصوتي والدلالي.
2- التوازي المتضاد: تشابه بين طرفين متعادلين ومتتالين على مستوى البنية الصوتية، ولكنهما متقابلان تقابلا ضديا من حيث العناصر اللغوية (22). وهذه البنية المتضادة تظهر بوصفها مكونا صوتيا تعالقيا تتأسس وفقها بعض خطابات العهد الفكرية والوجدانية. فمن أهم الأصول المنهجية المتبعة في العهد اعتماد العقل والاستدلال والكشف كآلية متبعة لإرساء مشروعه، وتعضيد هدفه في التأثير، وهو ما يبدو في أحيان كثيرة في رؤية جدلية تعرض الأمر على وجوهه المتعارضة بحثا عن الحقيقة اليقينية، وهذا الاستدلال يتخذ طابعا تقابليا في
الغالب، ويظل حاضرا بقوة في تناول العديد من الظواهر والقضايا التي تبدو مسايرة ومصاحبة لكل زمان ومكان، فالعهد وإن كان يتوجه في خطابه إلى متلق محدد (مالك الأشتر الحاكم الجديد) إلّا أنه في عمومه ينفتح على أفق التلقي العام الذي تحضر فيه كل إدارة متميزة، وذلك لأن العهد استند إلى الحقائق المعرفية الثابتة في النفس الإنسانية والمستوحاة من روح الإسلام ومبادئه، وهي - بالتأكيد- صالحة للناس في كل زمان ومكان. وهذا النسق من التوازي في نص العهد من عناصره الاستدلالية التي ضمنت لنتاجه قوة حجاجية وإقناعية (23). ويمكن أن نقف على بعض صوره، ومنها قول الإمام في عدم المساواة بين (المحسن والمسيء): ((فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة)). فالجملتان المتوازيتان (تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان) و (تدريبا لأهل الإساءة على الإساءة) اتفقتا صوتا و ترکیبا ودلالة، وهذا التعاضد لصور التوازي الثلاث، صعّد من حركية النص باتجاه التعارض، فتكرار الملفوضات صوتيا (أهل الإحسان) و (أهل الإساءة) وتكرار (الإحسان والإساءة) فضلا عن توازيها ركّز في مخيلة المتلقي هذه الصور المتناقضة، بل إن النص فعل من ذلك حينما اختار لكل من الإحسان والإساءة (أهلا)، ليجعل من هذه الصفة ملازمة لكل صنف، زاد من رسوخ مبدأ التعارض بين الطرفين وضرورة الأخذ بميزان العدل بينهما مجيء التوازي مؤكدا ب (إن). ومن أمثلة هذا التوازي أيضا قول الإمام (عليه السلام) في العناية الشديدة بشؤون الرعية: ((فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به، وللجسیم موقعا لا يستغنون عنه)).
إذ رسم هذا القول صورتين متوازيتين للمنفعة، بأسلوب مرکز ومكثف، نجح في تنظيم المتضادات ومراعاة ترتيبها. ففي النص مماثلة صوتية بين الملفوضات (لليسير - للجسیم) و (موقعا - موضعا) و (ينتفعون - يستغنون)
و (به - عنه) بيد أن بينها مفارقة دلالية، عززت من العلاقة الجدلية داخل النص. فاليسير يباين الجسيم ولذلك فإن ما يتصل بهما جاء متباينا أيضا، وقد يبدو أن (موضعا) و (موقعا) متقاربان في المعنى إلّا أن تعلق كل واحد منهما بمستوى معين للمنفعة منحهما فارقا دلاليا دقيقا. ومما يلفت الانتباه في النص أنه قدّم المهم (اليسير) وأخرّ الأهم (الجسيم) مما يعني أن التوازي قد لا يلتزم بالمواصفات المعيارية ويتخذ طابعا انزياحيا، غايته هنا العناية بالمتقدم ولفت الأنظار إلى أهميته أيضا، إذ لا يمكن تصور تلبية (اليسير) دائما، أي إن العهد ينطوي على رؤية متوازنة في تفحص شؤون الرعية وتلبية حاجاتها جميعا الأساسية منها والثانوية بما يخلق حياة أمثل.
3- التوازي التأليفي: هو التوازي الذي تكون فيه الجملة الثانية وأحيانا عدة جمل متتالية مكملة أو ملحقة بالجملة الأولى (24). بما يعين على إتمام المعنى وبلورته في إطار بنية صوتية منسجمة، ويمكن أن نرصد هذا النمط من التوازي في الفقرة الآتية من العهد: ((أنصف الله وأنصف الناس؛ من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوی من رعیتك)) (25).
فالجملة الثانية (أنصف الناس) متوازية صوتا ودلالة مع الجملة الأولى (أنصف الله) وربما كان لتكرار (أنصف) أثر في ذلك إذ لم يكتف النص بها مرة واحدة، وإنما کررها لتحقيق قيمة إيقاعية وقيمة دلالية لكي لا يساوي النص بين إنصاف الله وإنصاف الناس، وهذا التوازي التأليفي إيضاحي استدعى مكملات جديدة، جاءت بصيغ متوازية، فكأنه ينطوي على سؤال مؤداه: أنصف الله وأنصف الناس ممن؟ لتأتي المكملات الجديدة في نسق من التوازي الثلاثي تكشف عن ذلك و تجليه. وهذه التوازيات الثلاثة ذات ملامح صوتية متماثلة على الرغم من أن الثانية والثالثة
منه ضمّت عناصر لغوية جديدة، ألّا أن ذلك لم يفسد سمة التناسب الصوتي فيها، لأن الإضافة في الجملة الثانية اقتصرت على عنصر واحد (خاصة)، أما الجملة الثانية التي اشتملت على أكثر من إضافة (من لك فيه هوى) في حفظ الخاصية الصوتية المنسجمة فيها إن الإضافة الجديدة لم تتخلَّ عن (الكاف) في (من لك) الذي مثّل النهاية المسجوعة في هذه التوازيات الثلاثة.
إن هذا التوازي ((يشعر المتلقي إزاءه بقيم دلالية، وطاقات جمالية نابعة من مستويات التناسب اللفظي... الذي ينهض بالنص، وينظم الفاعلية الإيقاعية التي تعمق المعنى، وتزيد من فاعلية الجرس الموسيقي المؤثر)) (26) الذي يبدو في صورة منتظمة مؤتلفة أكثر من أنماط التوازي الصوتي الأخرى في العهد إلى درجة أنه يكاد يدخل النص الذي يرد فيه في بنية صوتية متطابقة، ويظهر ذلك في حث الإمام للأشتر بأن يختار لعبادته: ((أفضل تلك المواقيت، وأجزل تلك الأقسام، وإن كانت كلها لله، إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية)) (27).
فقد ضمّ هذا النص أنموذجين للتوازي التأليفي ذي العلاقات الثنائية، اللذين يتوقف تمام المعنى فيهما على العلاقة الثانية. وقد جاءت الجملتان في كل نسق من هذه الأنساق المتوازية متماثلة تماثلا تاما في عدد الكلمات و تطابق الحرف الأخير من كل كلمة تقريبا. وبالنحو الآتي:
أفضل تلك المواقیت أجزل تلك الأقسام صلحت فيها النية سلمت منها الرعية مما يمنح النص فاعلية صوتية منسجمة تبعث على هدوء الإرسال ووصول
في دفقات منتظمة إلى المتلقي، ولذا لا نبالغ إذا قلنا: إن هذا النص يدخل في تألیف شعري أكثر منه في تأليف نثري. ويمكن أن نطالع نصوصا أخرى مشابهة في التوازي التأليفي منها: ((املك حَميّة أنفك، وسَورة حَدِّك، وسطوة يدك، وغَرب لسانك)) (28).
4- التوازي الدائري: من خلال قراءتنا للعهد، وجدنا أنه يعتمد على نمط من التوازي الصوتي يمكن أن نطلق عليه (التوازي الدائري) الذي يعني أن تتألف الفقرة من توازيات صوتية عدة يتشاكل الأخير منها مع أنساق متقدمة الأمر الذي يؤلف تواصلا صوتيا دائريا، وهذا النمط يأتي في مواضع قليلة من العهد منها: ((وليس أحد من الرعية، أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند الإعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة)) (29).
فهذا النص ضمّ مجموعة من الجمل المتوازية، إذ تتآلف الجملتان الأولى والثانية منها ثم الثالثة والرابعة، لتأتي الجملة الخامسة بعد ذلك فتشّكل من جديد نسقا توافقيا مع التوازي الأول، فقوله: (وأقل شكرا عند الإعطاء) يماثل قوله: (وأقل معونة له في البلاء). وهو ما يصعّد من الطاقة الإيقاعية في النص، ویکسر ما قد يترتب على ذلك من رتابة أو استمرارية ربما تنتهي به إلى الاعتيادية (30). ويمكن أن نرصد توازيا دائریا آخر في النص فقوله (من أهل الخاصة) يمثل عودة على نقطة البداية (من العامة)، فبين العبارتين علاقة صوتية ودلالية، وهذا التوافق بين نقطتي البداية والنهاية وازن النص وعمل على شد أجزائه، وأضفى عليه طابعا تشويقيا يجذب المتلقي الذي يتشوق في تلقيه البداية إلى معرفة النهاية. وبذلك يخرج التوازي الصوتي ((عن وصفه ظاهرة (صوتية) أو (شكلية) أو (جمالية) ليكتسب قواما بنائیا وأسلوبيا يرفد النص بالتلاحم والترابط)) (31)
أسلوبية الانزياح في شعر المعلقات، عبدالله خضر حمد، عالم الكتب الحديث، ط 1، الأردن، 2013 م.
البديع والتوازي، د. عبدالواحد حسن الشيخ، مطبعة الإشعاع الفنية، ط 1، الاسكندرية، 1999 م.
بنية التكرار في شعر أدونيس، د. محمد مصطفی کلاب، مجلة الجامعة الإسلامية للبحوث الإنسانية، مج 23، 16، 2015 م.
تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص)، د. محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، ط 4، الدار البيضاء، 2005 م.
التوازي التركيبي في ديوان فجر الندى لناصر لوحيشي، حلاب نور الهدى، رسالة ماجستير، جامعة العقيد أكلي محند أولحاج، الجزائر، 2014 2015 م.
الثنائيات الضدية في شعر أبي العلاء المعري، د. علي عبدالإمام الأسدي، تموز للطباعة والنشر، ط 1، دمشق، 2013 م.
قضايا الشعرية، رومان یا کبسون، ترجمة محمد الولي ومبارك حنون، دار توبقال، ط 1، الدار البيضاء، 1988 م.
لسانیات النص مدخل إلى انسجام الخطاب، محمد خطابي، المركز الثقافي العربي، ط 2، الدار البيضاء، 2006 م.
مدارات نقدية في إشكالية النقد والحداثة والإبداع، فاضل ثامر، دار الشؤون الثقافية العامة، ط 1، بغداد، 1987 م.
المستويات الجمالية في نهج البلاغة، دراسة في شعرية النثر، نوفل أبو رغيف، دار الشؤون الثقافية العامة، ط 1، بغداد، 2008 م.
المفكرة النقدية، د. بشری موسی صالح، دار الشؤون الثقافية العامة، ط 1، بغداد، 2008 م.
الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية والممارسة الشعرية، د. محمد العمري، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2001 م.
نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، مؤسسة المختار، ط 1، القاهرة، 2006 م.
قضايا الشعرية، رومان یا کبسون: 103.
ينظر: المصدر السابق: 104، 105، 108.
قضايا الشعرية: 106.
المفكرة النقدية، د. بشری موسی صالح: 53.
قضايا الشعرية: 103.
لسانیات النص، محمد خطابي: 229.
ينظر: التوازي التركيبي في ديوان فجر الندی، حلاب نور الهدی: 18.
المفكرة النقدية: 55.
الموازنات الصوتية، د. محمد العمري: 35.
البديع والتوازي، د. عبدالواحد حسن الشيخ: 24.
قضايا الشعرية: 105 106.
المصدر السابق: 108.
ينظر: البديع والتوازي: 8.
ينظر: المفكرة النقدية: 54.
نهج البلاغة، تحقيق الشيخ محمد عبده: 421.
المصدر السابق: 416.
ينظر: تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص)، د. محمد مفتاح: 25 18. لسانیات النص: 179.
نهج البلاغة: 418 419.
المستويات الجمالية في نهج البلاغة، نوفل أبو رغيف: 86.
نهج البلاغة: 420.
ينظر: مدارات نقدية، فاضل ثامر: 231، أسلوبية الانزياح في شعر المعلقات، عبدالله خضر حمد: 260.
ينظر: الثنائيات الضدية في شعر أبي العلاء المعري، د. علي عبدالإمام الأسدي: 152.
ينظر: مدارات نقدية: 232.
نهج البلاغة: 418.
بنية التكرار في شعر أدونيس، د. محمد مصطفی کلاب: 88.
نهج البلاغة: 431.
نهج البلاغة: 435.
المصدر السابق: 419.
ينظر: المستويات الجمالية في نهج البلاغة: 95.
المفكرة النقدية: 56.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.... وبعد يمتاز اسلوب امير المؤمنين الامام علي (عليه السلام) بالبلاغة والفصاحة والاقناع فضلا عن جمالية السياق اللفظي والتركيبي والتصويري والايقاعي، فهو سيد البلغاء يمتلك زمام الكلمة وسر ابداعها في خطبه وشعره ومؤلفاته برمتها. ومن هنا كانت الرغبة في دراسة أسلوبية الحجاج في واحد من مآثره الخالدة وهو العهد الذي وجهه الى والي مصر مالك الاشتر. فبعد ان قرأنا العهد وما فيه من مضامين ادارية وقضائية متعددة تمثلت من خلال موضوعات جانبية متفردة في هذا العهد القضائي والوصايا الادارية التي تخوض في صميم العمل القضائي فضلا عن خوضه في جوانب النفس الانسانية وما تشعر به ازاء الحاكم في مختلف تصرفاته وبته في الامور وحكمته التي تنطلق من نفس بشرية تخاطب النفس البشرية المخاطبة. وجدنا قضایا حجاجية متعددة يحتاج اليها المحتوى النصي السياقي بموضوعاته المختلفة تمثلت من خلال الالفاظ والتراكيب والصور والايقاع. وعلى هذا الاساس كان البحث بمحاور متعددة. جاء المبحث الاول ليسلط الضوء على العهد و موضوعاته في نظرة شمولية تعريفية ومن ثم جاء المحور الثاني في مفهوم الحجاج ومضامينه التعريفية، وجاء المحور الثالث ليخوض في الاساليب والتراكيب الحجاجية في العهد، وكان المحور الرابع خاصا في حجاجية الصورة في تشخيصها و تجسیمها ورسمها الابداعي، ولابد لنا من الاشارة الى اننا في محوري التراكيب والصور اعتمدنا المنهج التحليلي الفني فعرجنا من خلال التجليل الى ايقاعية الاصوات ودلالة الالفاظ ان تطلب الامر ذلك بما ينسجم والسياق النصي. ثم خاتمة البحث التي عرضنا فيها النتائج البحثية. وفهرس بالهوامش ومصادر البحث.
لاشك قبل ان نعرف بالعهد ومضامينه الموضوعية علينا ان نتحدث قليلا عن المؤلف او المرسل (الامام علي عليه السلام) ونتحدث عن المرسل اليه المباشر او المتلقي المباشر او المخاطب المباشر (مالك الاشتر) وقلنا المرسل اليه المباشر لان هناك متلقي او مرسل اليه ضمني او خارجي وهو القارئ من اي زمان ومکان.، وبعدها نتحدث عن الرسالة (العهد) ومضامينه الموضوعية المتعددة.
هو علي بن ابي طالب، بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، بن کلاب، بن مرة بن لؤي، بن غالب. بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن الخزيمة، بن مدركة، بن الياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان. ومن القابه، امير المؤمنين، اسد الله الغالب، یعسوب الدين، ولي الله الاعظم، المرتضی، حیدر، الكرار، ومن الكنى التي عرف بها: ابي تراب، ابي الحسن، ابي زينب. ابي الحسنين، ابي السبطين. (1) ابوه عمران وقيل اسمه عبد مناف، ویکنی بابي طالب، وهو شيخ البطحاء، وامه فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف ولقد كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمنزلة الام. (2) ولد يوم الجمعة 13 رجب بعد عام الفيل بثلاثين عاما، ایام سلطنة خسرو وبرویز من ملوك الفرس، وكان محل ولادته في مكة المكرمة وفي جوف الكعبة المعظمة، عاش 63 سنة. وكانت مدة امامته 29 عاما من سنة 11 هجرية والى سنة 40 هجرية. (3) تزوج من سيدة نساء العالمين بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) السيدة فاطمة الزهراء البتول (عليها السلام). استشهد يوم الاثنين او الاحد 21 رمضان
وقيل ليلة الجمعة 40 هجرية. وكان سبب شهادته ضربة الملعون عبد الرحمن بن الملجم المرادي بالسيف المسموم على رأسه وهو في المحراب يصلي صلاة الفجر في مسجد الكوفة، وقد دفن في النجف الاشرف في العراق (4).
وكان (عليه السلام) معروفا بشمائله الاصيلة وابرزها الشجاعة والبلاغة، وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب مقابله فهو ما بارز احدا الاقتله، ولافرقط، اذ يقول عن نفسه (ما بارزت احدا الا وكنت انا ونفسه عليه)، ومن الشواهد الباررزة على شجاعته التي لاتضاهى مبيته في فراش الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فوقی الرسول وفداه بروحه (5).
وعرف فارسا شجاعا في واقعة بدر حيث بارز الوليد بن عتبة حتى ارداه قتيلا وشارك عمه الحمزة في قتل عتبة واشترك هو والحمزة في قتل شيبة (6).
اما عن بلاغته فهو سيد البلغاء فالنص عنده ينقل الافكار بصدق تام فهو كان قادرا في فنونه البلاغية المبدعة، وكان فصيحا فكلامه اشرف الكلام بعد كلام الله تعالى وابلغه واغزره مادة وارفعه اسلوبا، وهو يقدم النص الوصفي بقدرة رائعة ويستنطق الصفات واهبا اياها المقدرة على ان تستعرض نفسها، وقد تميز بقوة ملاحظته النادرة وذاكرة قوية تغذي الفكر والخيال (7).
ونحن في هذا المقام لانريد الاطالة في سيرته (عليه السلام) لانه اشهر من نار على علم وقد كتب في سيرته الجليلة المجلدات الكثيرة، ونكتفي بهذه النبذة المبسطة عن سيرته العظيمة (عليه السلام).
هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن سلمة بن ربيعة النخعي، ولقب بالاشتر لان احدى عينيه (شترت) اي شقت في معركة اليرموك، ولد مابين سنة (25 - 30) قبل الهجرة، عاصر مالك الاشتر النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنه لم يره ولم يسمع حديثه وقال عنه الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) انه المؤمن حقا، وهذه الشهادة ما بعدها شهادة بالتاكيد. ومالك الاشتر من المجاهدين الذين شاركوا في حروب الردة، والفتوحات الاسلامية وله الدور المميز في معركة اليرموك التي نشبت بين المسلمين والروم سنة 13 هجرية. (8) وكان الاشتر لسان صدق يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لما اصاب الدولة الاسلامية من الانشقاق والفتن، وكان مواليا لامير المؤمنين ولم يفارقه قط لاقبل توليته الخلافة ولا بعدها اذ كان جنديا وفيا مخلصا له، وبعد خلافته (عليه السلام) سنة 36 هجرية جعله واليا على مصر وارسله الى مصر، استشهد مالك الاشتر سنة 37 هجرية بعد ان دس له السم معاوية عن طريق رجل من أهل الخوارج فاستشهد ودفن في مصر (9) وبعد ان تحدثنا عن المرسل و المرسل اليه (النصي)، نقول ان المتلقي الضمني او القارئ الضمني شاخصا من خلال القراء لهذا الاثر الجليل الذي مازال عالقا في الاذهان وسيبقى دستورا ارشاديا لكل والي الى يوم يبعثون، وها نحن اليوم نری الاف البحوث تكتب عن هذا الاثر الخالد والجليل. وجاء الدور الان لنتحدث عن الرسالة النصية او مضمون و محتوى العهد بصورة موجزة من خلال الاستعراض الموجز لموضوعاته.
تألف العهد من ثلاثة واربعين موضوعا اداريا وتصب هذه الموضوعات في صميم العمل القضائي والاحكام الادارية وكانت مواضيعها كالآتي: (10) اولا: الامر بالتقيد بالقانون وضبط النفس ثانيا: اخذ العبرة ممن سبقه في الحكم ثالثا: العمل الصالح والرحمة بالناس والعفو رابعا: اطاعة القانون وعدم التكبر خامسا: العدل والإنصاف وتجنب ظلم العباد سادسا: سخط الناس سابعا: المخبر والواشي ثامنا: المستشار البخيل والجبان تاسعا: عدم استخدام مسؤول سابق خائن لشعبه عاشرا: استخدام التقاة الصادقين حادي عشر: الاحسان وحسن الظن ثاني عشر: ادامة العمل الجيد السابق ثالث عشر: مجالسة العلماء والخبراء رابع عشر: الاجهزة الامنية والقضاء خامس عشر: مراعاة التجار والكسبة سادس عشر: مراعاة المستضعفين من الناس
سابع عشر: قيادة الجيش ثامن عشر: رعاية وجهاء الناس تاسع عشر: صفات قادة الجيش ورعايتهم للجنود عشرون: العدل والتواصل مع الناس احدى وعشرون: اختيار المدراء والقضاة اثنتان وعشرون: اختيار الولاة (المحافظين) ثلاث وعشرون: مراقبة اعمال المحافظ والمسؤولين المقربين اربع وعشرون: متابعة الضرائب واعمار البنى التحتية خمس وعشرون: توفير الخدمات للناس اولا ثم الضرائب سادس وعشرون: اختيار السكرتير والجهاز الإداري والمالي سابع وعشرون: التجارة والصناعة ثامن وعشرون: منع الاحتكار ومعاقبة المحتكر تاسع وعشرون: رعاية ذوي الدخل المحدود من الناس ثلاثون: رعاية الايتام والمسنين احدى وثلاثون: لقاء المسؤول المباشر مع الناس وآدابه اثنتان وثلاثون: اجابة المسؤولين في درجة اسفل ثلاث وثلاثون: جدولة العمل اليومي وبذل الجهد رابع وثلاثون: امامة الناس في الصلاة وبساطتها خامس وثلاثون: اطالة الاحتجاب عن الناس
سادس وثلاثون: الحذر من الحاشية ومراقبتهم سابع وثلاثون: الركون الى السلم والصلح ومنع الحرب ثامن وثلاثون: الحفاظ على العهد مع العدو تاسع وثلاثون: صفة وثيقة العهد اربعون: حفظ حرمة دم المواطن احدى واربعون: النهي عن المنة واعجاب المسؤول بنفسه ثاني واربعون: نهي المسؤول عن التسرع والاستئثار ثالث واربعون: الاتعاظ بسلوك الحكومات السابقة اربع والابعون: الامام علي (عليه السلام) يذكر مالكا بوصية الرسول (ص) خمس واربعون: يدعو لنفسه ولمالك بالتوفيق وعاقبة الشهادة ولاشك ان الامام علي (عليه السلام) في تلك المضامين لم يدع صغيرة ولاكبيرة في امور الولية والحكم الا وذكرها ضمن هذه المضامين الموضوعية والتي تضم بين سطورها الاسلوب البلاغي المقنع والرصين وذلك ما دعانا الى البحث في قضية الحجاج الاسلوبي في تلك المعاني السامية.
الحجاج هو تقديم الحجج المؤدية الى نتيجة معينة، وهو يتمثل في انجاز تسلسلات استنتاجية ومعنوية داخل الخطاب. وبعبارة اخرى يتمثل الحجاج في انجاز متواليات من الاقوال بعضها بمثابة الحجج اللغوية وبعضها بمثابة النتائج التي تستنتج منها. (11) ويعد الحجاج من اهم النظريات التي تهتم بها التداولية الى جانب نظرية التلفظ وافعال الكلام، وهو يرتكز أساسا على دراسة الاسلوب الذي ينسجه المتكلم للتعبير واقناع المتلقي بالموضوع او الرسالة النصية التي يريد ايصالها الى المتلقي المباشر والغير مباشر بمختلف الطرائق الاسلوبية كالاشارات والعبارات والحجج، اذ لايمكن لاي مخاطب شاعر او كاتب ان يستغني عن هذا الاسلوب الذي يستهوي المتلقي، ومصطلح الحجاج له جذور عميقة في البلاغة اليونانية عند سقراط و افلاطون وارسطو. (12) والحجاج هو الحجة والبرهان، وقيل الحجة مادوفع به الخصم، والتحاج التخاصم وجمع الحجة حجج وحجاج وحاجه محاجة وحجاجا نازعه الحجة. والحجة هي الدليل والبرهان ومنه تخرج لفظة الحجاج مرادفة للجدل. (13) وتذهب معظم التعاريف الاصطلاحية للحجاج الى ان الحجاج عبارة عن علاقة تخاطبية بين المتكلم والمستمع حول قضية ما، متکلم یدعم قوله بالحجج والبراهين لاقناع الغير والمستمع له حق الاعترض عليه ان لم يقتنع، والصفة الثانية للحجاج هي كونه جدلي لان هدفه اقناعي، والحجاج عملية تواصل مع الاخر من اجل التاثير وهذا التاثير ينتج من خلال استعمال وسائل مختلفة، ويعتمد الحجاج اساسا على مرسل و مرسل اليه، والدور الكبير في هذه العملية يعود الى المرسل نظرا لما يبذله
من جهود ذهنية للحصول على حجج مقنعة وعلى المرسل ان يكون بارعا في اختياره لهذه الحجج نظرا لتفاوتها في درحات الاقناع. (14) ويعد البيان من اهم الاساليب الاقناعية فضلا عن الاساليب التركيبة والبنی الايقاعية فهناك الكثير من الاليات الحجاجية والاسلوبية التي تسهم في تعزيز الدور الاقناعي في النص كالاطناب والفصل والوصل والتكرار والنفي، فضلا عن ادوات الربط التي تسهم في تعزيز المعنى وتقويته والتضاد والترادف، ولاننسى الاستعارة ودورها الهام في الحجاج حيث تعد الاستعارة الحجاجية بانها تمثيل ناتج عن الانصهار بين عناصر الصورة الحجاجية. (15) ووفقا للنظريات النقدية الحديثة اصبحت بنية الحجاج تعالج معالجة لسانية محظة وفق المرسل والمرسل اليه (المتلقي)، والرسالة (النص او الخطبة)، وتقسم وظائف الحجاج الى: القناع الفكري الخالص اولا، والاعداد لقبول أطروحة ما ثانيا، والدفع إلى العمل ثالثا. (16) والحجاج هو "حرية وحوار عقليين، ولا يمكن الاستغناء عن الاطر المكونة له والمحيطة به ولاسيما الاستدلال والخطابة.» (17) ولا نريد ان نفصل القول اكثر في هذا التنظير عن الحجاج ومفهومه. لان الغرض من البحث هو الدراسة التحليلية الاجرائية والتي سنتناولها في المحاور القادمة.
شكلت الاساليب النحوية والبلاغية تقنية حجاجية في مختلف مضامين العهد وبمواضع مختلفة تنسجم والسياق الحجاجي الابلاغي المقنع ولا يفوتنا القول اننا نجد ان الاسلوب الحجاجي توالد من اساليب متعددة ولكننا حين نقسم دراستنا الى محاور غرضنا تسلسط الضوع على الاسلوب الاساس الذي شكل الهيمنة الحضورية في السياق النصي ومن ثم نهرج الى الاساليب الاخرى الموشحة مع هذا الاسلوب الاساس او المهيمن. فمن اسلوبية القصر في تعزيز النص الحجاجي قوله وهو يأمره بطاعة الله واتباع اوامره اذ يقول: «امره بتقوى الله، وایثار طاعته، واتباع ما امر به في کتابه من فرائضه، وسنته، التي لايسعد احد الابأتباعها، ولا يشقى الا مع جحودها، واضاعتها» (18) فمن خلال توظيفه لاسلوبية القصر الذي هو تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص (19) وبشكل متواز تقسیمي فضلا عن الصورة التجسيمية المتجسدة من خلالتجسيمه للفرائض الدينية بالاتباع والجحود فتلك الثنائية جسدت ذلك الابداع الاسلوبيي الحجاجي الذي بني على القصر ثم توالدت منه الفنون البلاغية الاخرى کالتقسيم والتضاد والاستعارة لتكتمل الصورة الحجاجية.
فلايسعد احد الا باتباعها = ولا يشقى الامع جحودها واضاعتها وقد وظف الامام علي (عليه السلام) الجمل الخيرية التوكيدية كثيرا في بناء النص الحجاجي ومن ذلك قوله "ثم أعلم يا مالك اني قد وجهتك الى بلاد قد جرت عليها دول قبلك. من عدل و جور، وان الناس ينظرون من امورك في مثل ما کنت تنظر فيه من امور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما کنت تقول فيهم، انما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على السن عباده" (20)
فالنص قائم على التقريرية والاسلوب التوكيدي الخالي من المجاز وقد اعتمد السياق الحجاجي على التكرار التوكيدي ومن خلال اسلوبية الاطناب المتحققة في التكرار المعنوي بقوله "وان الناس ينظرون من امورك في مثل ما کنت تنظر فيه من امور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما کنت تقول فيهم، انما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على السن عباده" (21) وقد حققت اسلوبية الوصل، ثم الفصل المتحقق في الجملة الاخيرة من خلال (ما) التي كفت ان عن العمل لتحقق اسلوبية التوكيد المتواصل في هذ السياق النصي مما عزز الابداع الاقناعي الحجاجي التوجيهي المتضمن في هذا النص.
وقد اتخذ الامام علي (عليه السلام) من النص القرآني والحديث النبوي الشريف وسيلة وحجة ودليلا اقناعيا برهانيا اذ تأتي "فاعلية هذا الاخذ في دعم النص الخطابي وتأكيده بمصدر الاحتجاج الاول وهو القرآن الكريم" (22) وبمصدر الاحتجاج الثاني وهو الحديث النبوي الشريف، اذ يأتي الامام بالنص القرآني کاملا غیر محور أو مقتبس ليكون خطاب المرسل مدعوما بحجة وبرهان لا يمكن الحياد عنه من جهة ومن جهة اخرى تكون ابلاغية النص متيسرة مقبولة لدى المتلقي.» و اردد الى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الامور، فقد قال الله سبحانه وتعالى لقوم احب ارشادهم "یا ایها الذين امنوا اطیعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منکم فأن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول" (23)، فالرد الى الله الاخذ من كتابه، والرد الى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المتفرقة. (24) فالنص القرآني يأتي متعالقا دلاليا ومعنويا ونفسيا مع حديث الامام وحثه لمتلقيه في رد ما یضلعه من الامور الجسام ويشتبه عليه من الامور الى الله سبحانه، والى
الرسول مبينا ان الرد الى الله يكون بمحكم كتابه والرد على الرسول هو الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة فالنص القرآني جاء مكملا ومؤكدا لما اراد الامام ایصاله للمتلقي بوصفه بنية احتجاجية ووسيلة اقناعية فتطابقت مع ما يقول الامام في تصوير امر نفسي فمفتاح الاقناع كامن في تعلم المتلقي من خلال المعلومات التي يقدمها القائم بالاتصال حتى يتغير البناء النفسي الداخلي للفرد، المستهدف (الاحتياجات، المخاوف التصرفات) مما يؤدي إلى السلوك العلني المرغوب. (25) وفي حثه لمالك وتحذيره من المن على رعيته يلجأ إلى ختام خطابه بالنص القرآني اذ يقول: «اياك والمن على رعيتك باحسانك او التزيد فيما كان من فعلك، او ان تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فان المن يبطل الاحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس، قال سبحانه: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما الاتفعلون)» (26) اذ جاءت الآية القرآنية بنية تفسيرية للمرسل اليه لما تقدم من خطاب، اما الحديث النبوي الشريف فنجده يلجأ اليه كوسيلة اقناعية غير مباشرة لخطابه، اذ يقول في الحديث عن الاحتکار» و اعلم مع ذلك ان في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا، واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات، وذلك في باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار، فان رسول الله منع منه» (27) فقد اشار الى منع رسول الله للاحتكار والنهي عنه، كما ورد في أحاديث كثيرة منها ما ورد عن ابن ماجة والحاكم عن ابن عمران، ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» (28) وما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)" من احتكر الطعام اربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه" (29) ومن الاحاديث النبوية التي احتج بها الامام بصورة مباشرة في خطابه وحديثه
عن المسؤول المباشر مع الناس وادابه اذ يقول: "واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرع لهم فيه شخصك. وتجلس لهم مجلسا عاما، فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتفقدك جندك، واعوانك من احراسك وشرطك، حتى يكلمك فتكلمهم غير متمنع، فاني سمعت رسول الله يقول في غير موطن "لن تقدس امة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متمتع" (30) اذ جاء الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف لاقناع المخاطب بوجود هذا الصنف من ذوي الاحتياجات (المتظلمين) والذي يجب على مالك ان يجعل قسما منه يفرع لهم فيه شخصه بشروط ان يجلس لهم مجلسا عاما متواضعا لله، بشرط عدم تعرض الجند والاعوان والحراس والشرطة يكلمه فيكلمهم دون تردد.اذ ان مجئ الامام بوسيلة اقناعية وحجاجية، تؤكد خطابه في تقويم التكوين والسلوك.
وكذلك قوله في الامامة بالناس: "واذا اقمت في صلاتك للناس فلاتكونن منفرا ولا مضيعا، فأن من الناس من به العلة وله الحاجة، وقد سألت رسول الله حين وجهني الى اليمن كيف اصلي بهم؟ فقال "صلي بهم كصلاة اضعفهم، وكن بالمؤمنين رحیما" (31) اذ يكون الاستدلال بالحديث النبوي الشريف بصورة مباشرة في "صل بهم كصلاة اضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيما" (32) فهي تؤكد مسألة اخلاقية من حهة ومسألة اجتماعية ونفسية من جهة اخرى. فلا تكونن منفرا ولا مضيعا هنا اراد به الامام التوسط في الصلاة والظروف الصحية والنفسية، ومراعاة الاصحاب العلة والحاجة من جهة ودعوة للرحمة من جهة ثانية، فضلا عما تمتاز به من الاستمالة العاطفية "التاثير على وجدان المتلقي وانفعالاته، واثارة حاجاته النفسية والاجتماعية ومخاطبة حواسه، بما يحقق اهداف القائم بالاتصال" (33) من خلال الاعتماد على النص القرآني والحديث
النبوي دعما لذلك الاتصال بالمتلقي، فكلما كان الخطاب في حدود فهم المتلقي كان امر تحققه سهلا.
ولاشك ان اسلوب النهي مع نون التوكيد كان له طاقة اسلوبية وحجاجية فاعلة في رفد النص بالرؤى والطاقات المعنوية المتعددة ومن ذلك قوله "ولا تنصبن نفسك لحرب الله (مخالفة شريعته بالظلم والجور)، فأنه لايدي لك بنقمته (اي لاطاقة لك بها)، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، ولا تندمن على عفو، ولاتبجحن (تفرح بزهو) بعقوبة، ولاتسر عن الى بادرة (يبدر من الحدة عند الغضب) وجدت منها مندوحة (متسعا)، ولا تقولن: اني مؤمر (مسلط) امر فاطاع، فأن ذلك ادغال (ادخال الفساد) في القلب، ومنهكة (مضعفة) للدين، وتقرب من الغير (حادثات الدهر بتبدل الدول) (34) وبذلك نجد ان التكرار المتناوب لصيغة (لا الناهية مع فعل المضارع المضاف لنون التوكيد الثقيلة اسهم في رفد النصب بشحنات اقناعية متعددة المعاني (لاتنصبن، لاتندمن، لاتبجحن، لاتسرعن، لاتقولن) فضلا عن التكرار التدويمي للفونيمات للصيغة الصرفية (لاتفعلن) تلك الصيغة التي وجهت الخطاب في سياق توجيهي اقناعي.
وتاتي الصيغة الشرطية فعل الشرط وجواب الشرط الموشحة بالتاكيد الخبري في قوله: "واذا حدث لك ما انت فيه من سلطانك ابهة (الكبرياء) او مخيلة (الخيلاء)، فأنظر الى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فأن ذلك يطامن (يخفض) اليك من طماحك (النشوز والجماح)، ويكف عنك من غربك (الحدة)، يفيء (يرجع) اليك بما عزب (غاب) عنك من عقلك." (35) فالصيغة الشرطية اذا وظفها الامام ليجسد خطابه للنفس البشرية عامة من خلال
مالك الاشتر، وما يصيب تلك النفس من كبر وزهو، ثم يأتي بفعل جواب الشرط (فأنظر) ليحقق الحجاجية الاقناعية في ردع هوى النفس وكبرها وتيهها من خلال التاأمل بدلالة القدرة، ثم تتوالى الاقعال المضارعة مع ان التوكيدية (يخفض، يكف، يفي) لتجسد صورة النفس بعد التأمل بدلائل القدرة الالهية. ولاشك ان هذ التكرار المتناوب لصيغة الفعل المضارع اسهم في رفد النص بالطاقات الايقاعية امتوازية التي اثرت الجانب الدلالي فكان السياق منسجما في صوته ودلالته.
ومن بديع الاقتباس اللفظي من القرآن الكريم قوله "اياك ومساملة (السمو) الله في عظمته، والتشبه به في جبروته، فأن الله يذل كل جبار، ويهين كل مختال" (36) فالجبار والمختال الفاظ قرآنية وظفها الامام مع (ان) الناصبة باسلوب توكيدي خبري ليحقق الاقناع والحجاج الاسلوبي الفاعل.
ويتوالد الحجاج الاقناعي من مغبة الظلم وعواقبه الوخيمة من خلال تكرار (من) الاستفهامية عن العاقل، ومن خلال اسلوبية الوصل بالواو العاطفة التي اسهمت في ذلك الاثراء الحجاجي، ويتمثل ذلك بقوله "انصف الله وانصف الناس من نفسك، ومن خاصة اهلك، ومن خاصة اهلك، ومن لك فيه هوى (تميل اليه) من رعيتك، فانك الا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عبادة، ومن خاصمه الله ادحض (ابطل) حجته، وكان لله حربا حتى ينزع (يقلع عن ظلمه) ويتوب وليس شئ ادعى الى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من اقامة على ظلم، فأن الله اقامة على ظلم، فأن الله سميع دعوة المظطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد". (37) وتشكل (لا) بمختلف انواعها اداة فاعلة في رسم السياقات الحجاجية والاقناعية في العهد بمختلف مضامينه كما ذكرنا من قبل، ومن ذلك قوله في المستشار البخيل والجبان "ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل (الاحسان بالبذل
)، ويعدك الفقر (يخوفك منه لو بذلت)،ولا جبانا يضعفك عن الامور، ولاحريصا يزين لك الشره (اشد الحرص) بالجور، فأن البخل والجبن والحرص غرائز (طبائع متفرقة) شتى يجمعها سوء الظن بالله" (38) فكرر (لا) ثلاث مرات ليجسد الدلالات الجاجية المتضمنة في النص حول البخيل والجبان، ثم يختم النص بالجملة الخبرية والتوكيد ب (ان) الناصبة ليبين ان من يحمل تلك الصفات السلبية يسيئ الظن بالله جل وعلا.
وتتراصف (لا) مع افعل التفضيل في بيان عدم استخدام مسؤول سابق خائن لشعبه اذ جاء "شر وزرائك من كان للاشرار قبلك وزيرا، ومن شركهم في الآثام، فلايكونن لك بطانة (خاصته وحاشيته)،فأنهم أعوان الاثمة (المذنبين)، واخوان الظلمة وانت واحد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل اصارهم (الذنب والاثم)، واوزارهم (الذنوب) واثامهم، ممن لم يعاون ظالما على ظلمه، ولا أثما على أثمه، اؤلئك أخف عليك مؤونة، واحسن لك معونة، واحنى عليك عطفا، واقل لغيرك الفا (الالفة والمحبة)،فأتحذ اؤلئك خاصة لخلواتك وحفلاتك، ثم لكن آثرهم عندك اقولهم بمر الحق لك، واقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لاوليائه، واقعا ذلك من هواك حيث وقع" (39) وكثيرا ما يوظف الجمل الخبرية باطار متواز وتقسيم صوتي يحقق الحجاجية والاقناع بشكل متناسق ترتيبي اذ يقول "وأكثر مدارسة العلماء، ومنافئة (مجالسة) الحكماء في تثبيت ما صلح عليه امر بلادك، واقامة ما استقام به الناس قبلك. واعلم ان الرعية طبقات لايصلح بعضها الاببعض، ولاغنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود الله، منها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها اهل الجزية والخراج من اهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار
واهل الصناعات، ومنهم الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمى سهمه (نصيبه من الحق)، ووضع على حده وفريضته في كتابه او سنة نبيه عهدا منه عندنا محفوظا." (فاستطاع التقسيم الخبري ان يثري النص بالمعاني الحجاجية للطبقات العامة والخاصة وتقسيماتها الوظائفية ومهامها الاجتماعية.
وتتوالى الجمل الخبرية في نسج المعاني الحجاجية وقد تأتي متواشجة مع اسلوب القصر لتحقق ابلغ المعاني الحجاجية ومن ذلك قوله» وتفقد امر الخراج بما يصلح اهله، فأن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولاصلاح لمن سواهم الابهم، لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في عمارة الارض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لان ذلك لا يدرك الا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة اخرب البلاد، واهلك العباد، ولم يستقم أمره الا قليلا» (40) فالحجاجية الابلاغية تمثلت في توظيف ان التوكيدية مع اسلوب القصر المتحقق بالاستثناء القصري ب (الا) وتكراره المتناوب في النص فضلا عن التوازي الصوتي بين الجمل (اخرب البلاد، واهلك العباد).
وحققت اسلوبية التوازي الصوتي الدور الفاعل والمميز في رفد السياق التركيبي بالشحنات الاقناعية" والتوازي هو مجموعة بناء في وحدة الوزن بغض النظر عن اختلاف دلالة كل بنية وهو من اشكال النظام النحوي الذي يتمثل في تقسيم الفقرات بشكل متماثل في الطول، والنغمة، والتكوين النحوي، بحيث تبرز عناصر متماثلة في موقع متقابلة في الخطاب" (41) ومن ذلك قوله "ولايدعونك شرف امرئ الى ان تعظم من ثلاثة ما كان صغيرا ولاضعة امرئء الى ان تستصغر من ثلاثة ما كان عظيما (42) فالتوازي هنا قائم على التشابه والتضاد بين وحداته وبين حياة الجنود وليحقق لنا التوازي قيمة اقناعية حجاجية جاءت الصيغة متشابهة بنائيا مختلفة دلاليا عبر التضاد
بين (شرف، ضعة) (وتعظم وتستصغر) (وصغيرا وعظيما)، اذ ان فاعلية التوازي قامت على النهي عن تعظيم ما يقويهم به وان عظم، وان لايستحقر شيئا تعهدهم به وان قل. فالجمل الثلاثة شكلت نسقا متوازيا وفق البنية التكرارية المؤلفة من تكرار لا الناهية الجازمة والفعل المضارع المجزوم والمتصل بنون التوكيد الثقيلة مع شبه الجملة (الجار والمجرور)، اذ قام الامام باحداث نوع من الموازنة الصوتية التي تقوم على اساس الموازنة بين الالفاظ صوتيا مع اختلاف الدلالة.
الا ان الرابط الاساس بينها هو اسلوب النهي الذي تميزت به فاعلية الخطاب الحجاجي اذاحتوت على غلبة وقصد في احداث الموازنة بين الوحدات اللغوية التي تتكرر صوتيا بايقاع واحد في بنى متجاورة، اذ ان وظيفة التوازي هنا وظيفة احتجاجية لايقاع الرهبة في في نفوس المتلقين من خلال قوله "فانه لا يجترئء على الله الا جاهل" (43) ومن ذلك ايضا قوله واياك والعجلة بالامور قبل اوانها، او التسقط فيها عند امکانها اواللجاجة فيها اذا تنكرت، او الوهن عنها اذا استوحشت، فضع كل موضعه، واوقع كل عمل موقعه" (44) عند قراءة النص سوف نجد ثلاث بنى متوازية: الاولى: اياك والعجلة بالامور قبل اوانها، او السقط فيها عند امكانها.
والثانية: او اللجاجة فيها اذا تنكرت، او الوهن عنها اذا استوضحت والثالثة: فضع كل امر موضعه، واوقع كل عمل موقعه
وظف الامام علي (عليه السلام) الاساليب البلاغية من تشبيه واستعارة وكناية وتضاد لينسج منها السياق الحجاجي والاقناعي الذي ينسجم والنص المقول، ومن تلك الصور الحجاجية قوله: «وان ينصر الله سبحانه بيده وقلبه ولسانه، فأنه، جل اسمه، قد تكفل بنصر من نصره، واعزاز من أعزه" (45) فلاشك ان قوله (وان ينصر الله سبحانه بيده وقلبه ولسانه) صورة كنائية تجسد النصر الالهي والعز الرباني الكامن في قلب المؤمن المنتصر وبيده ولسانه، فقلبه بذكر الله جهرا وخفاء، وبيده التي تكرم الفقير وتنال من الاعداء، وبلسانه في حكمته وموعظته، ففي اليد والقلب واللسان تجاور دلالي يجسد نسبة تلك الصفات الى الموصوف، ثم يأتي بالجمل التوكيدية التقريرية التي تاكد تلك الصورة الكنائية الحجاجية موظفا اسلوبية التوازي او التقسيم الصوتي فضلا عن التكرار اللفظي للالفاظ (النصر والعز)، ليحقق من تلك الالفاظ وتكرارها والتكرار الفونيمي للفونيمات (النون، والصاد، والعين والراء والزاي) ولاشك ان تكرار تلك الفونيمات المجهورة اسهم في اثراء المعنى الاقناعي والحجاجي لمعاني النصر والعز.
وتتوالى الصور التجسيمية الاقناعية من خلال الاستعارات المكنية في قوله "فليكن أحب الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح، فأملك هواك، وشح بنفسك (ابتعد) عما لا يحل لك، فأن الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحببت وكرهت، واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولاتكونن عليهم سبعا ضاربا تغتنم أكلهم، فأنهم صنفان: اما أخ لك في الدين، واما نظير لك في الخلق" (46) فالصور الاستعارية (ذخيرة العمل الصالح، واملك هواك وشح بنفسك) جسدت صورا تجيسمية مع الصيغة الامرية وتكرارها المتواتر الذي اسهم في تعزيز
المعنى الحجاجي، فضلا عن الاقتباس القرآني (لشح النفوس)، ومن ثم يوظف الامام الصيغة التشبيهية الموشحة بلا الناهية الجازمة لينسج مشبها به وهو صورة السبع الضاري الذي يأكل الاغنام.
ويوظف التشبيه في صيغة ذهنية منسجمة مع السياق النصي اذ يقول "فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب ان يعطيك الله من عفوه وصفحه" (47) ولاشك ان المشبه به وهي رغبة الانسان في عفو وصفح الخالق اسهم في رفد المعنى بالحجة والاقناع الفاعل.
وتتراصف الصور الاستعارية التجسيمية مع التوازس الصوتي في التقسيم الجملي لتنبثق الدلالات الحجاجية والرؤى الاقناعية المنسجمة مع السياق النصي ويتمثل ذلك في قوله "وليكن احب الامور اليك اوسطها في الحق، واعمها في العدل، واجمعها لرضى الرعية، فأن سخط العامة يجحف برضى الخاصة (يذهب برضاهم) وان سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة" (48) فقد جسم الامور من خلال قوله اوسطها واعمها واجمعها، ثم جسم السخط وجعله يجحف، ووظف التوازي الصوتي بتقسيمه الجملي المتوازن للجمل مما حقق ايقاعا اثرى الدلالة الحجاجية، ووظف الفونيمات المجهورة ليحقق الشدة والصوت الفاعل الذي ينسجم والسياق النصي التوجيهي. ثم نراه يكمل ويفصل في حجاجه واقناعه حول الخاصة والعامة اذ يقول "وليس احد من الرعية اثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، واقل معونة له في البلاء، واكره للانصاف، واسأل بالالحاف (الالحاح والشدة في السؤال)، واقل شكرا عند الاعطاء، وابطأ عذرا عند المنع، واضعف صبرا عند ملمات الدهر من اهل الخاصة، وانما عماد الدين، وجماع (جماعة)، المسلمين والعدة للاعداء، العامة من الامة، فليكن صفوك (الميل) لهم، وميلك معهم" (49).
ولاشك ان صيغة اسم التفضيل (افعل) وتكرارها التدويمي رفد النص بالطاقات الحجاجية التراكمية التي اثرت النص بالدلالة والايقاع المتوازن في تقسيمات صوتية بینت اهل الخاصفة وصفاتهم مع الوالي مقارنة بأهل العامة الذي وظف لوصفهم صيغة المبالغة (جماع) مع التكرار الصوتي للفونيمات الميم واللام والعين. ومن الصور الاستعارية التجسيمية قوله في المخبر والواشي "اطلق عن الناس عقدة كل حقد (احلل عقد الاحقاد من قلوب الناس بحسن السيرة معهم)،واقطع كل وتر (العداوة)، وتغاب (تغافل) عن كل ما لا يضح (يظهر) لك، ولاتعجلن الى تصديق ساع، فأن الساعي (النمام بمعائب الناس) غاش، وان تشبه بالناصحين" (50).
فقد وظف الامام الصور الاستعارية المكنية في قوله (عقدة كل حقد)، (واقطع سبب كل وتر) ثم يبين صورة النمام من خلال تصوير ظاهره وباطنه فان تشبه الظاهر بالناصحين لكن باطنه نمام وغاش، ولاشك ان الصيغة الامرية لفعل الامر اسهمت ايضا جنبا الى جنب مع الطاقات التجسيمية الكامنة في الاستعارات المكنية في نسج السياق الحجاجي والاقناعي في النص.
ومن الصور الحجاجية قوله "وألصق بأهل الورع والصدق، ثم رضهم (عودهم) على الايطروك ولا يبجحوك (يفرحوك بنسبة عمل عظيم اليك ولم تكن فعلته) بباطل لم تفعله، فأن كثرة الاطراء تحدث الزهو (العجب)، وتدني من العزة (الكبر)» (51) فالتجسيم التصويري لاهل الورع والصدق بالفعل (الصق)،ثم يعزز تلك الصورة التجسيمية بالتوكيد الخبري ب (ان) التوكيدية والتجسيم التصويري للعزة والكبر ولاشك ان تلك الوسائل اسهمت في بيان الاسلوب الحجاجي الاقناعي الذي يثري السياق النصي بمعان ثرة.
ومن الصور الحجاجية ما تقوم على التضاد اوا لتقابل اللفظي الذي يفضي الى
صور حجاجية ومن ذلك قوله "ولايكزنن المحسن والمسيئ عندك بمنزلة سواء، فأن في ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان، وتدريبا لاهل الاساءة على الاساءة، والزم كلا منهم ما الزم نفسه. واعلم انه ليس شيء بأدعى الى حسن ظن وال برعيته من احسانه اليهم، وتخفيفه المؤونات عليهم وترك استكراهه اياهم على ماليس له قبلهم (عندهم)، فليكن منك في ذلك امر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فأن حسن الظن يقطع عنك نصبا (التعب) طويلا، وان احق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وان احق من أساء ظنك به لمن ساء بلاؤك (صنيعك وفعلك) عنده (52).
فالتقابل بين الاحسان والاساءة، وحسن البلاء وساء البلاء اسهم في رفد السياق النصي بالحجاج الفاعل الذي ينسجم والسياق المعنوي في هذا النص. فضلا عن اسلوبية التوازي او التقسيم الصوتي في خاتمة النص اثرى النص بالطاقات الايقاعية المتوازنة مما عزز الجانب الدلالي وطاقته الاقناعية.
ومن الصور الحجاجية قوله في مراقبة اعمال المحافظ والمسؤولين المقربين "ثم تفقد اعمالهم، وابعث العيون (الرقباء) من اهل الصدق والوفاء عليهم، فأن تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم (سوق لهم وحث) على استعمال الامانة، والرفق بالرعية. وتحفظ من الاعوان، فأن احد منهم بسط يده الى خيانة اجتمعت بها عليه عندك اخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، واخذته بما اصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة" (53) فابعث عيون الرقباء، واخبار العيون، وقلدته عار التهمة كلها صور تشخيصية وتجسيمية تجسد الابعاد الحجاجية في ذلك النص التوجيهي. ولايخفى ملحروف العطف وتعاقبها السردي القصصي من اثر فاعل في الاستنطاق الحجاجي السردي.
ونعود ثانية الى التقابل اللفظي بين اللالفاظ لدعم النص بالابداع الحجاجي الاقناعي ومن ذلك قوله "واما بعد، فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فأن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وانما الوالي بشر لايعرف ما توارى عنه الناس به من الامور، وليست على الحق سات (علامات) تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وانما انت احد رجلين: اما امرؤ سخت نفسك بالبذل (العطاء) في الحق، ففيم احتجاجك من واجب حق تعطيه، او فعل کریم تسديه، او مبتلى بالمنع، فما اسرع كف الناس عن مسالتك اذ ایسوا من بذلك، مع ان اكثر حاجات الناس اليك ما لا مؤونة فيه عليك، من شكاة (شكاية) مظلمة، او طلب انصاف في معاملة" (54) فالمطابقة بين (الحسن والقبح، والصدق والكذب، والمظلمة والانصاف) اثری النص بسياقه الموضوعي بالمعاني الحجاجية الاقناعية الابلاغية ولاشك ان توظيف حروف العطف الواو والفاء اسهم في تعزيز الاسلوب الحجاجي وبيان الفاعلية الاقناعية للنص.
أ. م. د. أناهيد الركابي كلية التربية / الجامعة المستنصرية
مما لا يخفى على أحد أهمية عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك بن الأشتر النخعي (رضي الله عنه) ذلك الرجل الشجاع الذي ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب محمد بن ابي بكر، وهو أطول عهد وأجمع كتبه للمحاسن وقد ابتدأه (عليه السلام) بالبسملة ثم الأمر، شرع في هذا الأمر الواجبات التي ينبغي على مالك بن الأشتر القيام بها والأمور التي عليه مراعاتها وحقوق الرعية التي عليه تأديتها لأنه المسؤول عن هذه الرعية وحقوقها. وبين في هذا العهد أن العدل أساس الحكم فيجب على الحاكم والحكومة أن يكونوا في خدمة الناس ومهاراتهم وإلا تحولت الحكومة الى منصب دنیوي يلهث وراءه كل باحث عن المال والجاه. ولأهمية هذا العهد تناولته الأقلام بالدراسة والتمحيص والتفسير والشرح وقد ترجم الى كثير من اللغات العالمية لما يحتويه هذا العهد من معاني إنسانية سامية وعظيمة تخص مختلف شؤون الحياة وواجبات الحاكم والمحكوم فأكد (عليه السلام) جملة من القوانين والقواعد التي تدار و تحكم من خلالها الدولة وتراعي شؤون الرعية. وقد أكد العهد أيضاً على الحكم الناصح وإقامة العدل والمساواة بين الرعية وحفظ كرامة الإنسان وحقوقه والإبتعاد عن الطمع وحب الشهوات والالتزام بالذكر الحسن وعدم ظلم الآخرين وغيرها من المعاني الإنسانية السامية التي يحتويها هذا العهد ليكون دستور حکم ناضج وكامل في مصر.
كل ذلك تم بين الإمام علي ومالك عن طريق اللغة التي هي في جوهرها لا تعدو أن تكون وسيلةً من وسائل تنظيم المجتمعات الإنسانية إذ إنها تساعد على الربط بين الأفراد والمجتمعات بل أنها وسيلة من وسائل التواصل اذ احتل هذا المصطلح
(التواصل) موقعاً مركزياً في الأبحاث والدراسات وفي عدة مجالات وهو من الموضوعات التي أولاها البحث اللساني عامة الأهمية القصوى سعياً منه للوصول الى طبيعته ولعله مصطلح يكتنفه الغموض لتداخله مع غيره من المصطلحات کالوصل والإيصال والإتصال والإبلاغ.... الخ ولكون هذا العهد قد ظفر بقسط وافر من التواصل لاحتوائه على مظاهر وآليات التواصل وقع اختيارنا على العهد الذي كان بمثابة التواصل بين ثلاثة أركان رئيسية هي المرسل وهو الأمام علي (عليه السلام)، والمتلقي وهم الرعية والواسطة وهو مالك بن الأشتر (رضي الله عنه) سبب اختيارنا الموضوع: من هنا يأخذ بحثي الموسوم: مقصدية التواصل في العهد دواعي وجوده ممثلة في رغبتي الملحة في تشريف دراستي بإمام الغر المحجلين ويعسوب الدين ولا سيما عهدهارتسم البحث في هيكل تنظيمي قوامه تمهید و مبحثين وخاتمة ثم مظانً بأهم مصادر البحث ومراجعه. في التمهید عرفنا مفهوم التواصل لغة واصطلاحاً ثم عرفنا بشخصية مالك بن الأشتر وفي المبحث الأول درسنا مصطلح التواصل في التراث العربي عرضنا فيه آراء كوكبة من العلماء العرب وكيف كانت نظرتهم الى هذا المصطلح وكذلك آراء و نظرة بعض من اللسانيين الغربيين في تعريفهم للتواصل ثم المبحث الثاني الذي تضمن دراسة نماذج من العهد دراسة تواصلية وقد اعتمدت في دراستي هذه على مجموعةً من المصادر العربية التراثية والحديثة فمن الحديثة اللسانيات ونظرية التواصل لعبد القادر غزالي واللغة والحواس لمحمد کشاش وغيرها.
وفي الختام أقول أسأل الله أن ينفعني ويسدد خطاي انه قريب مجيب وما توفيقي آلا بالله عليه توكلت واليه أنيب.
مصطلح التواصل: (مشتق من الفعل وصل الذي جذرهُ (و، ص، ل) خلاف الفصل والانقطاع) (1) والتواصل على وزن (تفاعل) لما يصدر من أثنين فصاعداً، و (تواصل) من (واصل) المتعدي إلى مفعول واحد، وبهذا سيكون (تواصل) مكتفياً بالفاعل لأن المقصود منه قيام الفعل بالفاعل، فلا ينظر إلى تعلق الفعل بالمفعول هنا، لأن وضع (تفاعل) لنسبته إلى المشتركين فيه من غير قصد إلى ما تعلق به. (2) وفي المعجم الوسيط: "وصل الشيء بالشيء وصلاً ومثله: ضمهُ بهِ و جمعه ولامه، تصارما (3) أما معجم (Lepetit Robert) فأنه يُعرّف التواصل بأنهُ: الإبلاغ ومسافة الاطلاع والأخبار أي نقل خبر ما من شخص إلى آخر، أو إقامة علاقة مع شخصٍ آخر) (4) وعليه فالتواصل في اللغة هي أحدى صيغ الفعل التي توحي من معناها العام بمعاني الاقتران والترابط والالتئام والجمع والإبلاغ والتلاقي والاحتكاك، والتمازج، والتفاعل والتبادل والتلاقح والاتصال المثمر.
أما في الاصطلاح فيعرفهُ شارل کولي (Charles Cooley) بقوله: «التواصل هو الميكانزم الذي بواسطته توجد العلاقات الإنسانية وتتطور، أنه يتضمن كل رموز الذهن مع وسائل تبليغها عبر المجال وتعزيزها في الزمان ويتضمن أيضاً تعابير الوجه وهيئات الجسم والحركات ونبرة الصوت والكلمات والكتابات والمطبوعات والقطارات والتلغراف والتلفون وكل ما يشمله آخر ما تم في الاكتشافات في المكان والزمان» (5)
أذن نستطيع أن نتبين أن هناك فرقٌ بين مصطلحي الإيصال والتواصل من حيث الدلالة، الاتصال من الفعل (أتصل، يتصل) نقول: أتصل المعلم بالمتعلم، أي أقام معهُ صلة، ويفيد هذا المعنى أن الفاعل واحد وهو المعلم الذي قام بالمبادرة.
أما التواصل فهو من الفعل (تواصل - يتواصل) إذ نقول: تواصل المعلم والتلاميذ، ويفيد ذلك المشاركة لأن الفاعل أكثر من فرد واحد.
کما جاء في معجم (Dictionnaire desconcepts) التواصل: "هو تبادل المعلومات والرسائل اللغوية وغير اللغوية، سواء كان هذا التبادل قصديا أو غير قصدي، بين الأفراد والجماعات" (6) أما مفهوم الخطاب فقد عرفهُ ابن منظور بقوله «مراجعة الكلام وقد خاطبهُ بالكلام مخاطبةً وخطاباً وهما يتخاطبان» (7) ويبدو أن مفهوم الخطاب يقترب كثيراً من مفهوم الحوار عند ابن منظور وسوف نأتي عليه لاحقاً.
أما في المعجم الوسيط فالخطاب «أن يُفسر بالكلام دون بيان نوعه والخطاب بمعنى الرسالة» (8) ويُحدد عندهارسن في الاصطلاح بأنه: «متوالية من الملفوظات ذات علاقة معينة، أما بنفینست فيرى أن الخطاب هو الملفوظ منظور إليه من وجهة آليات و عملیات اشتغاله في التواصل» (9) أما مفهوم الحوار فقد قال عنه الزمخشري أنه مأخوذٌ من «حاورته، راجعتهُ الكلام، وهو حسن الكلام وكلمتهُ فما رد على محوره، وما صار جواباً أي ما رجع» (10) أما ابن منظور فيرى أن الحوار هو من «الحَور بفتح الحاء وسكون الواو، وهو الرجوع من الشيء وإلى الشيء، فيقال حار إلى الشيء، وعنهُ حوراً، ومحاراً ويحاره، وحؤوراً: رجع عنهُ واليه، والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة" (11) أما الفيروزآبادي فيقول في معناه: «الرجوع کالمحار والمحارة، والحؤور، والنقصان
والمحاورة والمحورة: الجواب کالحوير والحوار والحيرة والحويرة، مراجعة المنطق وتحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم» (12) أما في الاصطلاح فأن الحوار (Dialogue) فهو شكل من أشكال التواصل بين جميع البشر حيث يحمل كل متحاور مجموعة من الأفكار يسعى لإيصالها للطرف الثاني وهو «طريقة من طرائق التعبير المختلفة وهو من أهم الأساليب التي نعتمدها في حياتنا اليومية لكونه وسيلة أساسية للتخاطب والتواصل» (13) من خلال هذا العرض التفصيل لهذه المصطلحات الثلاث (التواصل، الخطاب، الحوار) لغة واصطلاحاً نجد أن هذه المصطلحات تتفاوت معانيها دلالياً، إلا أنها تنتمي في مجملها إلى حقل التواصل الذي يشمل أسلوب الحوار وأسلوب الخطاب «إذا أن كل منهما يقتضي الأخر بالضرورة، إذ لا يمكن أن نبلغ شيئاً ما دون وجود الآخر، ولا يكون هذا الأمر مستقبلاً أو سامعاً محايداً، بل يكون فاعلاً، أي سائلاً ومجيباً في الآن نفسه» (14) فالحوار يُعَدُ جزءاً مهماً من أجزاء التواصل البشري لأن أي تداخل بين طرفين أو أكثر يتطلب الفعل وردة الفعل، من أجل غاية إخبارية أو اقناعية أو تواصلية أو حجاجية.
فالعملية التواصلية أذن تتشكل من مصطلحين رئيسين هما: مصطلح التفاعل (Interaction) ومصطلح التواصل (communication) ونعني بالتفاعل: «مشاركة طرفي الحوار في الكلام حول مضامين إنسانية معينة، أما التواصل فهو التبادل الكلامي بين شخص متکلم (Sujetparlant) ينتج ملفوظاً موجهاً إلى مخاطب (Lnterlocuteure) وهذا الأخير، يلتمس الاستماع أو الجواب الصريح أو المضمر حين يكون الملفوظ» (15)
للتواصل مجموعة من العناصر تتآزر فيما بينها لتشكل العملية التواصلية وهي:
المرسل: وهو شخص أو مجموعة من الأشخاص تريد أن تتصل بالآخرين وفق طريقة معينة من طرائق الاتصال سواء أكانت لغوية أو غير لغوية ولكي يتمكن المرسل من أنجاز رسالته لا بد أن يراعي التحكم في لغته إضافة إلى مراعاة البيئة المحيطة به لأنهُ «مصدر الخطاب المقدم إذ يعتبر ركناً حيوياً في الدائرة التواصلية، وهو الباعث الأول على أنشاء خطاب يوجه إلى المرسل إليه في شكل رسالة» (16) الرسالة: وهي «عملية فك الرموز التي تنتقل في الصوت إلى المعنى فتنتقل الرسالة من المرسل إلى المرسل أليه» (17) وتتضمن الخطاب الذي يود المرسل إيصاله إلى المخاطب وهي مجموعة من العناصر اللغوية المادية والمعنوية التي يصوغها المرسل لكي يوجهها إلى المرسل إليه أي أنها ثمرة العملية التواصلية بين (المرسل والمرسل أليه) وهي تتخذ عدة أشكال فقد تكون كلاماً شفوياً أو إيحائياً عن طريق الإشارة وقد تكون كتابة. إذن هي النص الكلامي أو الشفوي أو الرمزي. القناة: «وهي الوسيلة التي تنتقل عبرها الرسالة من المرسل إلى المرسل إليه وهي التي تسمح بقيام التواصل بين المرسل و المرسل إليه وعبرها تصل الرسالة من نقطة معينة إلى نقطة أخرى» (18) وقد تكون لفظية أو كتابية أو رمزية.
المرسَل إليه: وهو «الجهة التي توجه له الرسالة من المرسل ولا بد من أن يكون المرسل إليه مؤهلاً لفهم الرسالة» (19) أي أن المرسل إليه هو متلقي الرسالة حيث يتلقى ما يوجهه إليه المرسل ثم يقوم بعملية فك رموزها باعتماد الإشارات المخزونة في ذاكرته وهذا يعتمد على ثقافته وتجاربه إذ أن قيام التواصل مرتبط أصلاً بوجود مخاطب يتفاعل معهُ المرسل ومن خلال معرفته للمرسل إليه تكون طريقة الخطاب.
السنن: وهو «نسق القاعدة المشتركة بين الباعث والمتلقي، والذي بدونه لا يمكن للرسالة أن تفهم أو تؤول» (20) أي أن وجود السنن المشتركة بين المرسل والمرسل إليه يبين قصدية المتكلم ويعين السامع على الفهم ومن ثم تستمر العملية التواصلية وإذا جهل المتلقي السنن فأن عملية التواصل لا تتم أصلاً.
السياق: وهو وضع ما يتحدث عنه المرسل من موضوعات في سياق معين، حيث يتشكل السياق الاتصالي ويتضمن المكونات الفكرية والاجتماعية للمرسل والمرسل أليه إذ تظهر الرسالة داخل سياق معين من خلاله يتوصل المتلقي إلى قصد الملقي ليستمر التواصل بينهما. إذ «ينشأ السياق نتيجة تطبيق إجراءات تأسيس محددة وفق بروتوكول مقبول بالإجماع ونتيجة وجود إمكان متاح لأي كان من أجل متابعة هذا التطبيق متی عَن له ذلك» (21) وقد وضع جاكسون خطاطة صغيرة يوضح بها هذه العناصر التي لا يستغني عنها التواصل اللفظي» مرسل - سیاق - رسالة - أتصال - سنن - مرسل اليه
أشار النقاد العرب القدامى إلى مصطلح التواصل أشارة غير مباشرة عند تعريفهم لللغة والبلاغة والبيان، فهذا أبن سنان أشار إلى مصطلح التواصل في قوله: ومن شروط الفصاحة والبلاغة أن يكون معنى الكلام ظاهراً جلياً لا يحتاج إلى فكر في استخراجه وتأمل لفهمه... والدليل على صحة ما ذهبنا أليه.... أن الكلام غير مقصود في نفسه وإنما احتيج ليعبر الناس عن أغراضهم ويفهموا المعاني" (23) ففي هذا النص أشارة صريحة إلى التواصل من خلال توجيه رسالة من المتكلم إلى السامع عبر قناة هي الكلام غاية المتكلم هي إرسال هذه الرسالة إلى السامع عن طريق الكلام وهذا يعني أن عملية التواصل تقوم على عناصر أربعة عند الخفاجي هي (المتكلم، السامع، الرسالة، القناة) و «وهكذا تجد أن حاجة الإنسان إلى اللغة شرط من شروط تواصله مع الآخرين» (24) وكذلك يظهر مفهوم التواصل عند ابن سنان في قوله «يكفي من حظ البلاغة إلا يؤتى السامع من سوء فهم الناطق، ولا الناطق من سوء فهم السامع» وهنا يركز الخفاجي على الوظيفة الإفهامية للغة فهي فهم وإفهام بين السامع والمتكلم.
أما العسكري فيشير إلى مصطلح التواصل عند تعريفة البلاغة فيقول «البلاغة كل ما تبلغ به المعنی قلب السامع فتمكنه من نفسه کتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن" (25) نفهم من هذا النص أن العسكري في تعريفه هذا يركز على تواصل المتكلم مع نفسه أولاً وتفكيره وبعد أن يفهم المعنى يحاول إيصاله إلى المتلقي.
أما ابن المقفع «البلاغة أسم لمعانٍ... منها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع.... ومنها ما يكون خطياً" (26) ومن خلال هذا النص نفهم أشارة المقفع إلى السامع والمتكلم وهما يمثلان عنصرين من عناصر العملية التواصلية.
أما الجاحظ فيشير إلى مصطلح التواصل عندما يعرف البيان في قوله: «البيان أسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائناً ما كان ذلك البيان ومن أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع» (27).
الجاحظ في هذا النص حدد لنا عناصر العملية التواصلية كاملة وهي (المتكلم السامع، الرسالة، القناة، الشفرة) فالرسالة تصل من المتكلم إلى السامع غايتهما الفهم والإفهام عن طريق اللغة أما الشفرة فأنها تمثل (کشف قناع المعنى وهتك الحجاب).
ولم يكتف الجاحظ بالإشارة إلى عناصر العملية التواصلية وإنما نجده في موضع آخر يشير إلى أنماط وأنواع التواصل إذ يقول «جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء، لا تنقص ولا تزيد، أولها اللفظ ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصية» (28).
فالتواصل حسب رأي الجاحظ في هذا النص يكون عن طريق الكتابة أو الخط أو الإشارة أو الإيحاء أما قوله نصية فيقصد بها الحال الناطقة بالدلالة وهي ناتجة عن التأمل أو التفكر.
من خلال هذه الآراء النقدية والبلاغية المهمة للعلماء العرب اتضحت لنا رؤيتهم للتواصل وكيف نظروا إلى هذا المصطلح من خلال اللغة باعتبارها أداة مهمة للتواصل.
ويمكن توضيح ذلك من خلال المخطط الأتي:
السياق - المتكلم (الملقي) - الخبر (الرسالة) - السامع (المتلقي) - اللغة (أداة التواصل) - الشفرة
أما مفهوم التواصل عند الغرب فيُعد دي سوسير من أوائل النقاد الذين أشاروا إلى نظرية التواصل في قوله «أن نقل الدماغ الإشارة المناسبة للصورة إلى الأعضاء المستعملة لإنتاج الأصوات فينتقل الكلام من الشخص (أ المتكلم) إلى الشخص (ب المتلقي) فإذا تكلم الشخص (ب) بدأ حقل جديد من دماغه إلى دماغ الشخص (أ)... وقد وضع خطاطه لعملية التواصل وهي كالأتي" (29) Phonation فكرة C= concept ... ( CS) صورة صوتية S = sound-image Audition ثم جاء بعد دي سوسير الباحث النفسي الألماني كارل بوهلر وأشار إلى عمل دي سوسير ومكملا له فذكر ثلاثة محاور تقوم عليها العملية التخاطبية وهي: «المرسل (ضمير المتكلم)، والمرسل إليه (ضمير المخاطب) والموضوع، ويتولى عن المرسل الوظيفة الانفعالية وعن المرسل إليه الوظيفة الإفهامية وعن الموضوع المرجعية" (30) أما مارتينيه فيرى أن: "احدي وظائف اللغة، الاتصال وهي الوسيلة التي تسمح لمستعمليها الدخول في علاقات مع بعضهم بعض، وهي التي تضمن التفاهم المتبادل بينهم" (31) نفهم من سياق النص أن مارتينيه يشير إلى التواصل الذي يعد أهم وظائف اللغة.
أما لینش فیری: «أن اللغة تُعَدُ شکلاً اتصاليا يعمل في أنظمة اجتماعية كبرى» (32) وهنا يشير إلى أن التواصل من بين أهم الوظائف التي تؤديها اللغة.
ویری (هنري سوين) اللغة بأنها: "التعبير عن الفكر عن طريق الأصوات
اللغوية (33) وهذا يستوجب عناصراً لكي تتم العملية التواصلية هذه العناصر تتمثل بالمتكلم، السامع، الرسالة، القناة.
أما (سابیر) فيرى اللغة بأنها: «وسيلة لتوصيل الأفكار والانفعالات والرغبات عن طريق نظام من الرموز التي يستخدمها الفرد باختياره» (34) هذه التعريفات المختلفة للغرب تتفق على أن الوظيفة الأساسية للغة هي الوظيفة التواصلية وخلاصة وظيفة التواصل ما يلاحظه (بینیت) إذیری: ’’إن وظيفة التواصل تتمثل أساساً في سعي المتكلم إلى أبلاغ المتلقي بأمر ما أو إلى نسبة عمل ما أليه» (35) وهكذا يتبين لنا أن الإنسان هو أساس العملية التواصلية إذ قد يكون متكلماً أو سامعاً بينه وبين فرد آخر أو جماعة أو يكون تواصله عن طريق اللغة والكتاب وهو ما يسمى بالتواصل الثقافي.
المبحث الثاني دراسة تطبيقية لنظرة التواصل ووظائفها في العهد يمثل هذا المبحث لبنة اساسية للبحث وهو الحقل الاجرائي والتطبيقي الذي يبين لنا مهام الوظيفة التواصلية في نصوص هذا العهد من خلال استعراض هذه النصوص وبيان الوظائف التواصلية فيه من خلال بعض المفاهيم منها:
يعتبر الاقناع من اهم وظائف التواصل وغاياته حتى ان علم البلاغة العربية جاء من اجل (التواصل والإقناع والإمتاع) (36). والامتاع هو احد طرفي العلاقة بين رسالة هادفة الى توجيه الفكر او الاعتقاد وطرفها الاخر هو الاقناع، وهذان الطرفان متلازمان وجودا او عدماً فلا وجود للاقتناع دون وجود الامتاع (37) لان الاقتناع يكون من طرف المرسل اليه (الملقي) و الاقناع یکون من طرف الاول وهو المرسل (المتلقي) فان لم يكن الاول فلا وجود للثاني، وعندما نأتي الى العهد نجد ان المرسل هو الامام علي (عليه السلام) والمتلقي هو مالك بن الاشتر (رضوان الله عليه) والمخطط التالي يوضح ذالك:
ملقي - الرسالة - متلقي - إمتاع إقتناع والاقناع لابد ان يكون بطريقة منظمة يستجمع فيها الملقي كل ما يملك من وسائل مختلفة للتأثير في آراء الآخرين وأفكارهم بحيث يجعلهم يقبلون ويوافقون وهذا ما وجدناه في شخص الإمام علي (عليه السلام) الامام الحكيم العادل الرشيد.
فتتم الموافقة على وجهة نظره في موضوع معين وارتياح نفس الملتقي الى ما كان من الملقي خصوصاً اذا كان الاقناع مباشر من الامام علي (عليه السلام) وهو يخاطب الفرد وهو مالك بن الاشتر (رضوان الله عليه) في عهده هذا.
ان غاية الامام علي (عليه السلام) في كتابه هذا أن يصل موضوعه الى ذهن المتلقي فيقع الفهم، فمضمون العهد يقع على الفهم والافهام فنجده ركز في مقدمته بذكر الله وتوصية أصحابه بتقوى الله واتباع أوامره في قوله «امره بتقوى الله واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد الا باتباعها ولا يشقى الا مع جحودها واضاعتها» (38) فقد ركز (عليه السلام) على المقدمة الخطابية لشد انتباه الجمهور ويمكن توضيح ذلك في المخطط الآتي:
المرسل - الموضوع - المرسل الیه - إفهام - فهم وفي هذه الحال لا بد أن يُراعى حال المرسل اليه ومنزلته ف «مدار الامر على أفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، والحمل عليهم على أقدار منازلهم» (39) فغاية الامام علي (عليه السلام) من التواصل هو التركيز على المتلقي حتى يستطيع الوصول الى إفهامه.
المقصود من الكلام هو التفاهم والتخاطب أي ما يحقق التواصل، لان التفاهم على وزن تفاعل دال على المشاركة كما تقدم في وزن (تخاطب) في اول البحث ومعنى التفاهم أن يكون الكلام دالا على مقصود، أي يفيد معلومة جديدة عند المتلقي كما يحث النحاة على مفهوم (حسن السكوت) فهل هو وصف للمتكلم ام للمتلقي؟ اي هل يقصد سكوت المتكلم ام سكوت المتلقي؟ بحيث لا ينتظر شيئا من اجل اتمام المعنى المقصود وقد رجح أكثر النحاة ان يكون وصفا للمتكلم فيكون معنى التعريف «لفظ مفيد يحسن سكوت المتكلم بحيث لا يصير السامع منتظرا لشيء آخر» (40).
ونلاحظ من هذا التعريف ما يأتي:
ذكر اركان النظرية التواصلية من المرسل (المتكلم) والمرسل اليه (المتلقي) والرسالة (الموضوع) وهذه الاركان مجتمعة نجدها متحققة في عهد الامام علي (عليه السلام).
الوظيفة التعبيرية لتواصل الامام علي (عليه السلام) في عهده تتمثل في شخص الامام علي (عليه السلام) وهو المتكلم اذ شرطوا فيه أن يكون قاصدا لكلامه.
الوظيفة الافهامية وتعني ذكر السامع (المرسل اليه) وقد شرطوا أن يكون السامع (المرسل اليه) موجوداً فيحصل الإفهام عند المتلقي حينئذ.
لكي تتحقق عملية التواصل لا بد من وجود الصلة بين المتكلم والمتلقي في الكلام فاذا وجد ما يوهم المتلقي في الايهام واللبس تعني على المتلقي أن يرفع هذا الإيهام بالقرائن الحسية كما هو الحال في اسماء الإشارة او بالقرائن اللفظية كما في قوله
عليه السلام «فانظر في ذلك نظراً بليغا، فان هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الاشرار» (41). فلا بد أذن أن يكون المتكلم على علمٍ بوضع المخاطب وما يحتاجه وما يمتلكه من المعرفة وهذا هو اساس العملية التواصلية.
من خلال قراءتنا لعهد الامام علي (عليه السلام) وجدنا هيمنة الجمل الإنشائية وكذلك هيمنة اسلوب الامر مثل قوله: "والصق باهل الورع والصدق" (42) وكذلك قوله: «واعلم انه ليس شيء بادعى الى حسن ظن برعيته في احسانه اليهم» (43). الغرض من هذا الامر هو ان يبقى المتلقي على صلة وثيقة مع الحدث الذي اراد الملقي ان يوصله الى المتلقي فيصوغ الامام علي (عليه السلام) خطابه الامري من خلال تحشيد مجموعة من أفعال الأمر التي تضيف الى النص شكلا هندسيا، وقد خرجت جميع هذه الافعال الى طلب النصح والارشاد. وسبب غلبة اسلوب الامر لان المتلقي شخصية قيادية فلا بد أن تحقق هذه الشخصية العطاء والتقدم لذلك ناسبه اسلوب الامر.
أما اسلوب النهي فنجده حاضرا أيضا في هذا العهد ليؤدي معنى التوكيد، فالملقي يؤكد قوة ذلك المتلقي وقدرته على اداء مهامه بالصورة الصحيحة كما في قوله: وافضلهم حلما ممن يبطيء عن الغضب ويستريح الى العذر ويرأف بالضعفاء" (44).
وفي باب المشورة يشدد الامام علي (عليه السلام) على مالك بن الاشتر في النهي عن ادخال البخيل والجبان والحريص في مشورته بقوله: "لا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الامور ولا حريصاً يزين لك الشره" (45).
کما یلاحظ ميل الجمل عموماً في العهد الى تحقيق الايقاع الصوتي عن طريق اعتماد اسلوب السجع الذي كان حاضرا بوضوح في مجمل العهد، والغرض منه اثارة عاطفة المتلقي وتحريكها لتحقيق العزيمة على المضي في الامور كلها. ونجد كذلك ان الامام علي (عليه السلام) في عهده لا يكتفي بتوجيه الامر او النهي فقط وانما يتبعه بذكر السبب الذي كان لأجله الأمر أو النهي وهذا إن دل على شيء فانما يدل على سعة علم الامام بحقائق الامور وبواعثها كما في قوله: "ثم انظر في حال كتّابك فول على امورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك واسرارك باجمعهم لوجود صالح الاخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجتزيء بها عليك في خلاف لك» (46).
ونلاحظ ايضا غلبة الجمل القصيرة على العهد وغاية المرسل من ذلك تقبلها من قبل المتلقي فيتمكن من متابعتها وتحصيل مطالبها بيسر وسهولة لانها اعتمدت على الايجاز وتركيز المعنى.
وفي نهاية بحثنا لا بد ان نقول:
ان اهم غاية من عهد الامام علي (عليه السلام) هو التوصيل لافكاره الى الرعية.
الاهم من التوصيل هو بقاء هذه الافكار جيلا بعد جيل وبقاء هذه الافكار في ذهن المتلقين، هذا البقاء الذي ان دل على شيء فانما يدل على توازن الفاظه (عليه السلام) واعتدالها.
مقصديته (عليه السلام) من هذا العهد تتجلى في الربط بين التراكيز اللغوية ومراعاة غرض المتكلم والمقصد العام لان الامام علي (عليه السلام) حين كتب هذا العهد كان له قصد لجعل الكلام يصلح لان يفهم عن طريق التواصل، لان التواصل لا يتم بنجاح اذا لم يحدث التطابق بين قصد المرسل والمعنى المؤول من لدن المرسل اليه سواء أكان القصد مطابقا للمعنى الحرفي ام مفارقا له، لان التواصل مشروط القصدية وإرادة المتكلم في التأثير على الغير. وتعتبر هذه القصدية مميز منهجي في اللسانيات التداولية.
وضوح الجانب الادبي في عهد الامام علي (عليه السلام) حيث تم اشاؤه من شخص عربي ملم بكل خفايا اللغة ودقائقها وهو رجل قضاء وفقيه وفيلسوف وصاحب المام بالسياسة والادارة وعلم الاجتماع والاخلاق والدين من خلال اعتماده اساليب ادبية متنوعة.
ينظر استراتيجيات الخطاب، عبد الهادي بن ظافر الشهري، ص 185، دار الكتب الوطنية، بنغازي، ليبيا، ط 1، د. ت.
سورة البقرة: الآية 260 3. لسان العرب: مادة وصل، دار لسان العرب، 1970 4. ينظر: شرح التفتازاني على تصريف الزنجاني: 38 5. المعجم الوسيط للزمخشري مجمع اللغة العربية، دار الحديث للطبع والنشر بیروت، 1980، ص 1037 Edition suniversitaires، 1969، p 42 .6 Charles cooley، Social organisation in " alcomuniation ano- .7 "nyme A Dictionnare des conceptss eles Francoise Raynal etalain Rieunier، 1977، P31 9. لسان العرب: مادة خطب 10. المعجم الوسيط، إبراهيم مصطفى وآخرون، دار الدعوة، أستنبول 1980، ص 243 11. إشكالات النص، جمعان بن عبد الكريم، ص 35 12. أساس البلاغة، جار الله محمود أبو القاسم الزمخشري، تحقيق عبد الرحيم محمود، انتشارات دفتر تبلیغات الأمير، د. ط، د. ت، ص 98 13. لسان العرب، ابن منظور، دار صادر مادة: حور، د. ط، ج 2، بیروت، 1997،
ص 182 14. القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ج 2، د. ط، د. ت، ص 151 15. التعبير والتواصل (التقنيات والمجالات) دیداکيتك، علي آيت أوشان، دار أبي مرامر للطباعة والنشر، الرباط، 2010، ص 61.
عندما نتواصل نغير (معادية تداولية معرفية لآليات الحجاج)، عبد السلام عشير، أفريقيا الشرق، المغرب، 2006، ص 200.
الحوار وخصائص التفاعل التواصلي، محمد نظيف، أفريقيا الشرق، د. ط، الدار البيضاء، ص 15 18. التواصل اللساني والشعرية، الطاهر بومزیر، منشورات الضلاف، ط 1، 2007، ص 24.
لسانیات النص نحو منهج التحليل الخطاب الشعري، أحمد مداس عالم الكتب الحديثة، أربد، عمان، ط 2، 2009.
اللغة والخطاب، عمر أركان، أفريقيا الشرق، المغرب، 2000، ص 49.
قضايا الشعرية، رومان یاکوبسن، ترجمة: محمد الولي ومبارك حنون، دار تويقال، الدار البيضاء، المغرب، 1988، ص 30.
اللغة والخطاب، عمر أركان، ص 48، أفريقيا الشرق، ط1، 2001 23. حدود التواصل الأجماع والتنازع بين هابرماس وليوبار فرانك مانفرد، ترجمة وتقديم: عز العرب لحكيم، أفريقيا الشرق، المغرب، 2003، 45.
قضايا الشعرية: 28 25. سر الفصاحة، أبن سنان الخفاجي: ص 220 - 221، ط 1، دار الكتب العلمية،
د. ت 26. اللغة والفكر والمعنى، محمد بو عمامة، ص 236، أفريقيا الشرق، ط 1، 2000.
الصناعتين، ص 19 28. م. ن.: 23 29. البيان والتبيين: ص 76 30. المصدر نفسه والصفحة.
علم اللغة العام: فريائيد دي سوسير، ترجمة ديوئيل يوسف، مراجعة النص العربي د. مالك يوسف المطلبي، أفاق عربية، 1985، ص 30 32. قضايا الشعرية: ص 30، رومان جاكسون، ترجمة محمد الوالي ومبارك حنون، دار توفيال للنشر، الدار البيضاء، 1988 33. استراتيجيات التواصل، سعيد بنكراد، ص 9 34. استراتيجيات الخطاب، عبد الهادي الشهري، ص 14 35. علم الأعلام اللغوي، عبد العزيز شرف: ص 70 36. تحليل الخطاب: ج. بول، ص 2 37. التواصل اللساني والشعرية، الطاهر بومزير، منشورات الضلاف، ط 1، 2007، ص 24.
هو أبو يعقوب يوسف بن الجذع، وتختلف المصادر في تخطيط هذا الرجل وتجليته فبعضها كالبيان المغرب لابن عذاري المراكشي يحيله بالوزير بينما نعته ابن سعيد في المغرب بانه كاتب ابن مردنيش (تنظر أخباره في: البيان المغرب قسم الموحدين، 108 - 120 والمغرب: 2/ 386 ويبدو ان الصفة الاولى أقرب
الى الدقة من الأخرى ولهذا كان له أن يتخذ ابن مغاور کاتبا له) 39. ينظر: ابن مغاور الشاطبي حياته وآثاره - دراسة وتحقيق محمد بن شريفة، ط 1 1994، 207.
سورة التوبة: 18 41. ابن مغاور الشاطبي: 207.
من والصفحة.
قضايا الشعرية:30 44. هو سلیمان بن موسی بن سالم ابو الربيع الكلاعي الاندلسي الحافظ خطیب بلنسيا من علماء الاندلس المعروفين في عصره في مجال الحديث والفقه له تصانيف نافعة وبلاغة وفضائل قتل في ذي الحجة سنة 634 ه وله سبعون سنة: سير اعلام النبلاء شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان الذهبي، تحقيق سعيد الأفغاني، دار الفکر، بیروت، 1969، (21/ 151).
ابن مغاور الشاطبي: 186.
المائدة: 251.
ابن مغاور الشاطبي: 187 - 188.
سورة النحل: 77 49. سورة آل عمران: 139 50. سورة محمد: 35.
من: 188.
الأسلوب والأسلوبية: عبد السلام المسدي، الدار العربية للكتاب، ط 2، 158.
ابن مغاور الشاطبي: 200 - 201.
م ن والصفحة 55. سورة الكهف: 18 56. سورة الأعراف: 107.
ابن مغاور الشاطبي: 138 58. سورة الفتح: 10 59. البيان والتبيين، الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ج 1، 89.
ابن مغاور الشاطبي: 208.
سورة الفتح: 29 62. ابن مغاور الشاطبي: 213.
سورة النمل: 23.
ابن مغاور الشاطبي: 231.
سورة النساء: 58.
ابن مغاور الشاطبي: 119.
سورة النصر: 1 - 2.
العهد: 22 وهناك الكثير من الامثلة في هذا الباب وكذلك قوله «ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم» (7).
العهد: 20.
العهد: 18.
م. ن. وللمزيد من الامثلة ينظر: العهد: 17، 19، 21، 24، 25، 26، 27، 29، 30.
م. ن.: 20.
م. ن.: 22.
م. ن.: 24.
حاشية يس على شرح الفاكهي على قطر الندى، يس بن زید الدين الحمصي الشافعي (ت 1061 ه) مكتبة الارشاد، تركيا، 1/ 88
أستراتيجيات الخطاب، عبد الهادي بن ظافر الشهري، ص 185، دار الكتب الوطنية، بنغازي، ليبيا، ط 1، د. ت.
الاسلوب والاسلوبية، عبد السلام المسدي، الدار العربية للكتاب، ط 2.
أشكالات النص، جمعان بن عبد الكريم.
البيان والتبيين، الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ج 1 7. تحليل الخطاب: ج. بول 8. التعبير والتواصل (التقنيات والمجالات) دیداکيتك، علي آيت أوشان، دار أبي مرامر للطباعة والنشر، الرباط، 2010.
التواصل اللساني والشعرية، الطاهر بومزیر، منشورات الضلاف، ط 1، 2007.
الحوار وخصائص التفاعل التواصلي، محمد نظيف، أفريقيا الشرق، د. ط، الدار البيضاء.
سر الفصاحة، أبن سنان الخفاجي: ص 220 - 221، ط 1، دار الكتب العلمية، د. ت 12. سیر اعلام النبلاء شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان الذهبي، تحقيق سعید الافغاني، دار الفکر، بیروت، 1969.
علم الأعلام اللغوي، عبد العزيز شرف.
علم اللغة العام: فریائید دي سوسير، ترجمة ديوئيل يوسف، مراجعة النص العربي د. مالك يوسف المطلبي، أفاق عربية، 1985 15. عندما نتواصل نغير (معادية تداولية معرفية لآليات الحجاج)، عبد السلام عشير، أفريقيا الشرق، المغرب، 2006.
عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، اعداد: المستشار فليح سوادي، العتبة العلوية المقدسة، النجف، 2010.
القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ج 2، د. ط، د. ت 18. قضايا الشعرية: ص 30، رومان جاكسون، ترجمة محمد الوالي ومبارك حنون، دار توفیال للنشر، الدار البيضاء، 1988 19. اللغة والخطاب، عمر أركان، أفريقيا الشرق، المغرب، 2000.
لسان العرب: مادة وصل، دار لسان العرب، 1970.
اللغة والفكر والمعنی، محمد بو عمامة، ص 236، أفريقيا الشرق، ط 1، 2000.
المعجم الوسيط، إبراهيم مصطفى وآخرون، دار الدعوة، أستنبول 1980.
المصادر الاجنبية 1. Charles cooley. Social organisation in " alcomuniation ano nyme" 2. Dictionnare des concepts, eles Francoise Raynal etalain Rieunier، 1977 3. Edition suniversitaires، 1969
م. د. صباح حسن عبيد التميمي 1438 ه - 2016 م
للإمام علي (عليه السلام) في عهده - موضع الدرس هنا - استراتيجيات خاصة في تشكيل الخطاب الموجّه نحو المتلقي الخاص (مالك الأشتر) بوساطة خطاب قريب المدى، والعام (الساسة في كلّ زمان و مکان) بوساطة خطاب بعيد المدى، ومن هذه الإستراتيجيات (الخطاب المتداخل) الذي يتمّ انتاجه بوسائل استدعائية تشتغل على توظيف المخزون المعرفي الثقافي الخطاب الماضي، وإعادة تشكيله في الخطاب الحاضر (عهد مالك الأشتر)؛ لينتج عن ذلك تداخلٌ خطابيٌّ له دورٌ كبيرٌ في الحِجاج، والإقناع، وإيصال الخطاب للمتلقي بقوّة اقناعية شديدة، ولاسيما المتلقي المسلم عامة / والموالي لأمير المؤمنين بخاصة، وكل ذلك يتمّ بوساطة آلية التداخل النصيّ.
ويتولّد هذا التداخل الخطابي من تلاقي نصوص شمولية موروثة تربط المُخاطِب بالمُخاطَب بأواصر مشتركة متّفق عليها منها: (النصوص العليا)، - القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف -؛ لكونها نصوصا تمارسٌ سلطة عقدية على المتلقي، فتُسهم في استنالته، وتساعد على إقناعه بشكل أسرع مما لو كان الخطاب إحاديا خاليا من التداخلية المتشابكة.
وقد اقتضت طبيعة الدراسة أن تتشكّل من مبحثين، وقع على عاتق الأول منهما مهمّة الكشف النظري عن مصطلحات الدراسة ومنهجها المتّبع فكان عنوانه (البعد التنظيري - في مصطلحات الدراسة ومنهجها المتّبع)، وانقسم لذلك على محورين أولهما وُسِم ب (الخطاب، الإستراتيجية، الخطاب المتداخل - المفهوم والأبعاد) والآخر عُنوِنَ ب (في المنهج المتّبع - أبعاده و آلياته) بوصفه منهجا مقترحا ستتبناه الدراسة وستنهض على حيثياته، وتستهدف ترسيخه إجرائيا، فلا بدّ - بعد ذلك - من تجليته قبل الدخول في متنها الرئيس ذي البعد الإجرائي المتمثّل بالمبحث الثاني الذي وُسِمَ ب
(البعد الإجرائي - استراتيجيات الخطاب المتداخل مع الخطاب القرآني) وفيه اشتغال على استراتيجيات (الاجترار، والامتصاص والحوار).
وبعد فأسألُ الله تعالى أن يوفِّقَنا لمراضيه ويجنبنا معاصيه، ويجعل عملنا هذا خالصا لخدمة دينه ووليه أمير المؤمنين - عليه السلام -، ولا أجلّ من أن نختمَ بختامه لعهدِه - عليه السلام - حين قال: ((إِنَّا إلَی اللّه رَاغِبُونَ وَالسَّلاَمُ عَلَی رَسُولِ اللّهِ َلَّی اللّهُ عَلَیْهِ وَعلی آلِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ وَسَلَّمَ تَسلِیماً کَثِيراً)).
1- الخطاب:
يُعدّ مفهوم الخطاب - في الأدبيات الحديثة - من المفاهيم التي نالها التعدّد والتنوّع، وذلك بتأثير الدراسات التي أجراها عليه الباحثون، بحسب اتجاهَي الدراسات اللغوية الشكليّة والدراسات التواصلية؛ ولذا فهو يُطلق - إجمالاً - على أحد مفهومين يتّفق في أحدهما مع ما ورد قديما عند العرب، أما في المفهوم الآخر، فيتّسم بجدّته في الدرس اللساني الحديث، وهذان المفهومان هما:
الأوّل: أنّه ذلك الملفوظ الموجّه إلى الغير، بإفهامه قصدا معيّنا.
الآخر: الشكل اللغوي الذي يتجاوز الجملة، وهذا المفهوم هو الغالب في الدراسات اللغوية اللسانية الحديثة (1).
وبحسب فهم لساني حديث تعميمي آخر يُعدّ خطاباً كلُّ ملفوظٍ / مکتوب يشكّل وحدة تواصلية قائمة الذات، ويُفاد من هذا الفهم الحداثي للخطاب ثلاثة أمور هي:
أولا: تحييد الثنائية التقابلية جملة / خطاب حيث أصبح الخطاب شاملا للجملة.
ثانيا: اعتماد التواصلية معيارا للخطابية.
ثالثا: إقصاء معيار الحجم من تحديد الخطاب؛ إذ أصبح من الممكن أن يُعدّ خطاباً نصّ كاملٌ أو جملةٌ أو مركّبٌ أو شبه جملة (2).
ويطلق وصف (الملفوظ) - الوارد في التعريف السابق - على الحديث / الكلام أو الخطاب؛ فهو مظهر کلامي لغوي يتألف من تقطيعات وجمل، وهو أكبر من الجملة دلالة، كما أنه يمثّل موقفا كلامياً فيه متكلّم ومُخاطَب وسياق داخلي (لغوي) وخارجي (مقام)، ولا يمكن فهم هذا الملفوظ بمعزل عن هذين السياقين وهو عملية اتّصال وإبلاغ متنوّعة المظاهر، وهذا يعني أنّ الملفوظ قد يكون مجرّد وحدة كلامية، أو قد يكون خطاباً.
والخطاب مثلما يتجلّى في معظم الدراسات اللسانية المختلفة عمليّة اتّصال تتمُّ في إطارين: الإطار اللّغوي؛ فقد يكون متوالية جملية من الجمل المكتوبة أو المنطوقة، ينتجها مرسلٌ واحد أو عدّة متخاطبين مثلما يحدث في الحوار أو غيره، وإطار غير لغوي يشمل منظومة العادات والأعراف والتقاليد، وهو ما أُطلق عليه مصطلح (إثنوجرافيا الخطاب)، والخطاب بوصفه حدثاً كلاميّاً يتشكّل من عدة عناصر هي: المرسِل، والمستَقبِل أو الجمهور، والرسالة أو الموضوع، والهدف، ويؤثّر هذا الهدف تأثیرا جليّا في استراتيجية المرسِل فيملي عليه اختیارات معيّنة من بين البدائل التي يتيحها له النظام اللغوي، وقد يؤثّر في شكل الحديث و صورته وبنيته (3).
وفي النهاية يمكن القول إن مصطلح (الخطاب) يشير إلى الطريقة التي تُشكّل بها الجُملُ نظاماً متتابعاً تُسهم به نسق كلّي متغاير ومتحد الخواص، وعلى نحو يمكن معه أن تتألف الجُمل في نظام بعينه لتشكّل نصا مفردا، أو تتألف النصوص نفسها في نظام متابع لتشكّل خطاباً أوسع ينطوي على أكثر من نص مفرد، وقد يوصف الخطاب بأنّه مجموعة دالة من أشكال الأداء اللفظي تنتجها مجموعة من العلامات، أو يوصف بأنّه مساق من العلاقات المتعينة التي تستخدم لتحقيق أغراض متعيّنة (4)، أو هو جملة من المنطوقات أو التشكّلات الأدائية التي تنظم في سلسلة معيّنة لتنتج دلالة ما،
وتُحقّق أثراً معيّناً (5).
ويتداخل مفهوما النصّ والخطاب تداخلا كبيرا في الخطاب النقدي العربي الحديث عامة، لدرجة تصل أحيانا إلى صعوبة التمييز بينهما، فذهب بعض النّقاد والباحثين إلى قصر النص على المظهر الكتابي فيما يقصر مفهوم الخطاب على المظهر الشفوي (6).
وفي الحقيقة أنّ (الخطاب) متصل بالكتابة العامة وهو ملك مشاع للعامة من القراء، بينما يختصّ النصّ بالكتابة الإبداعية الخاصة بنوع من الكتّاب والمبدعين بسبب من طابع التمرّد والفرادة والتجديد التي يتميّز بها النص عن الخطاب (7).
ومن وجهة نظرنا الاستخلاصية يمكن عدّ (الخطاب) متوالية شمولية سياقية تتشكّل من جملة أو جمل أو نص أو نصوص ترتبط فيما بينها برابط سیاقي واحد ينشأ في ظل مقصدية (المُخاطِب) الذي يحاول إيصال (رسالة) لغوية شكلاً (صورة مادية ملموسة) تحمل صورة ذهنية دلالية سطحية (المدلول المباشر) وعميقة (المدلول الإيحائي) إلى (مُخاطَب قریب) وهو الذي يتجلّى في السياق القريب من الخطاب أو (مُخاطَب بعيد) ليس له نجل مباشر، بل أن الخطاب يقصده دون تحديد مباشر، وهو يحمل سمة التراكم القريب الأمد أو البعيد الأمد، بمعنى أنّ الخطاب يمكن أن يتمثّل في نتاج واحد أو سلسلة من النتاجات.
وقد يتعدّى شكل (الرسالة) في الخطاب ماديتها الملموسة (بصریا) في مجال تحققها الكتابي، إلى ماديتها الملموسة (بصریا أيضا) في مجال تحققها البصري (الرسم والنحت والإشهار) فكلّها تنطوي على خطابات ذهنية معيّنة يضمنها المبدع / المُخاطِب فيها؛ لإيصالها للجمهور الذي يُدخِل هذه الأعمال في نمذجة ذهنية يستشفُّ منها الفحوى المطلوب كلٌّ بحسب خبرته في التلقي.
وفي ظلّ تصورنا هذا يمكن التفريق بين النص والخطاب في أن الأول تجلٍ كتابي
تتلبسه صفة (الخصوص)، والثاني تجلٍ عامٍ (بصري، كتابي، مشهدي...) يتّسم بصفة (العموم) فهو يشتمل على النص ويتعداه، أما النص فلا يشتمل إلاّ على متوالية جملية لها حيز دلالي معيّن، فضلا عن عمومية الخطاب المتأتية من منحاه الجماهيري العام من خلال توجهه لكلّ الفئات، وخصوصية النص الأدبي الذي ينحصر على فئة خاصة من المتلقين في الغالب ومن هنا شاع استعمال أنواع متعددة من الخطابات التي تُوصف ب (سياسية، اجتماعية، دينية، أدبية)، في حين أننا لا نجد شيوع (نص سیاسي، دیني، اجتماعي) بل نجد نصّاً واحدا يشتمل على دلالات دينية اجتماعية أدبية سياسية وما إلى ذلك.
وقد لا يتحدّد الخطاب بمساحة تلفُّظيّة معيّنة، فربما يتشكّل الخطاب من حيّز تلفُّظي موجز جدّا لكنَّ أبعاده التأويلية والدلالية تتمدد لمساحات شاسعة بعد أن تستقبل منظومة التلقي الموجه نحوها شِيفراته المحمّلة بتأثيرات متعددة تُسهم في إخضاع هذه المنظومة للاستجابة لذلك الخطاب الموجز.
وبالاستناد إلى الخصوصية التي يتمتّع بها الخطاب المدروس (العهد) بوصفه خطابا ينتمي لخطاب أعلى وهو (نهج البلاغة) الذي يمثّل أروع ما أنشأه العقل الإنساني الأكمل، حتى صار ((دون كلام الخالق وفوق کلام المخلوق)) - كما وُصِف قديما - فإن الخطاب فيه ((يمثّل أيدلوجيا تنتظم عبر ممارسات غايتها الإخضاع غير القسري الذي لا يمكن أن تمارسه الخطابات الدكتاتورية أو تلك التي تصادر الرأي الآخر أو تسعى إلى مصادرته، ولكنّها تؤسّسُ لعملية إقناع عقلية تنشأ أساسا على جذر من الصدق والممارسة العملية التي تتألف مع المعتقد، وبذلك فهي تهيئ لرسوخ غير مهدّد بالقلق)) (8).
يمكن الانطلاق من فهمٍ عامٍ للإستراتيجية في دراستنا هذه ينطلق من أنها تكتيكٌ إنتاجيٌ؛ يوظّفه مُنتِج الخطاب لإنتاج (ملفوظ) يتشكّل منه خطابه الموجّه نحو متلقٍ متعدد، مع مراعاة السياق العام بين المُنتِج والمتلقي، وبتعبير آخر فإنّها ((خطة في المقام الأوّل للوصول إلى الغرض المنشود، وبما أنها كذلك، أي خطة، فهي ذات بعدين؛ أولهما: البعد التخطيطي، وهذا البعد يتحقق في المستوى الذهني، وثانيهما: البعد المادي الذي يجسّد الاستراتيجيّة لتتبلور فيه فعلا، ويرتكز العمل في كلا البعدين على الفاعل الرئيس، فهو الذي يُحلّل السياق، ويخطّط لفعله، ليختار من الامكانات ما يفي بما يريد فعله حقّا، ويضمن له تحقيق أهدافه)) (9).
ويختار المرسل إستراتيجية خطابه على وفق دواعي السياق التي تصبح معاییر لتصنيف استراتيجيات الخطاب، انطلاقا من أحد تعريفات الخطاب الذي ينظر إليه بأنّه: كلّ منطوق موجّه به إلى الغير للتعبير عن قصد المرسل ولتحقيق هدفه؛ إذ يتركّب هذا التعريف من محاور ثلاثة هي: أنّ الخطاب يجري بين ذاتين، وأنّه يُعبّر به المرسل عن قصده، وأنّه يحقق هدفاً، ومن هنا كانت هذه المحاور الثلاثة هي معايير تصنيف الإستراتيجية التي يراعيها المُرسِل عن إنتاج خطَابَه، ممّا يؤصّل علاقة الاستراتيجيات بمعطيات إنتاج الخطاب، أي بعناصر السياق التواصلية التي نتج فيها، وكذلك بالتفاعل أو العلاقة بين أطرافه من مُرسِل ومُرسَل إليه، ومن ثمَّ علاقة الخطاب ذاته بالمرسل؛ لإدراك الآليات المستعملة فيه مثل الاستدلال والحجاج (10).
وفي ضوء هذا الفهم العام للإستراتيجية سيُمثّل (النص الغائب / القرآن) المخزون في ذهن المُخاطِب / الإمام (عليه السلام) جانبا مهمّا من البعد التخطيطي الذي يتشكّل بوساطته البعد المادي المتمثّل بملفوظ الخطاب المُتَدَاخِل ودلالته / العمل (النص
الحاضر / نص العهد)، وهو تكتيكٌ ينفّذ بوساطة آلية التناص المتداعي مع القرآن.
نروم في إطار هذه الفقرة من الدراسة طرح تسمية جديدة، وقد قلنا تسميةً ولم نقل مصطلحا من منظور أن المصطلحَ تسميةٌ حقّقت الشيوع، ولكنّنا نأمل أن تكتسب تسميتنا المطروحة القابلية الكافية في المستقبل لتظهر بوصفها مصطلحا نقديا ناجزا بعد أن يُكتب لها الشيوع والإنجاز النقدي.
و تنهض هذه التسمية على مقولة (التداخل) وهي وإن كانت مقولة ليست بالجديدة إلاّ أن امتزاجها - في تركيب واحد - مع مصطلح (الخطاب) على وفق المنظور الذي طرحناه في هذه الدراسة هو ما يمنحها بعدا مغايرا قد يُكسبها الجِدة.
لقد ظهرت مقولة (التداخل) في خضمّ مقولات (ما بعد البنيوية) في طروحات باختين، وكرستيفا وغيرهم، وهي في عمومها توصیف یکرّس مفهوم (التناص) القائم على تشكّل متعدد الأوجه، وتجميع من نصوص سابقة مع نصّ لاحق بحيث يصير الجزء کلاّ في ظل آلية تفتيت الماضي وصهره في جسد الحاضر.
وقد أشارت کرستيفا لخاصية التداخل هذه في مقاربتها لمفهوم (النص) حين رأت أنّه - في بعض حالاته - ((ترحال للنصوص وتداخل نصّي. ففي فضاء نصٍّ معيّنٍ تتقاطع وتتنافي ملفوظات عديدة مُقتَطَعَة من نصوصٍ أخرى)) (11).
إنّ مصطلح (النصوص المتداخلة / Intertextuality) أو التداخل النصّي - کما في نص كرستيفا هو مصطلح سيميولوجي (تشريحي)، وقد أشار اليه روبرت شولز قائلا: ((النصوص المتداخلة اصطلاح أخذ به السيميولوجيون مثل بارت وجينيه وكرستيفا وريفاتير وهو اصطلاح يحمل معاني وثيقة الخصوصية، تختلف بين ناقد وآخر، والمبدأ العام فيه هو إنَّ النصوص تشير إلى نصوص أخرى، مثلما إنَّ الإشارات
تشير إلى إشارات أُخَر، وليس إلى الأشياء المعنية مباشرة، والفنان يكتب ويرسم، لا من الطبيعة، وإنّما من وسائل أسلافه في تحويل الطبيعة إلى نص، لذا فإن النص المتداخل هو: نص يتسرب إلى داخل نص آخر، ليجسد المدلولات، سواء وعی الكاتب بذلك أو لم يعِ) (12).
وإذ كان هذا الطرح يتجه في مقصدیته نحو (النص) لیکرّس مقولة تداخله بنصوص أخرى سالفة، فإن طرحنا هذا يتجه نحو مقولة (تداخل خطاب) لا تداخل نص، وبما أنّنا فيما مضى قد فرّقنا بين مصطلحي (الخطاب) و (النص) من منطلق عمومية الأول، وخصوصية الثاني، انفتاح أفق الأول، وضيق أفق الثاني، كليّة الأول وجزئية الثاني فإن هذا يُشر عن مقولة (الخطاب المتداخل)؛ ليكتسب صفات التداخل المأخوذة من الطرح (ما بعد البنيوي)، وصفات (الخطاب) الذي انماز عن النصّ بخصائص أثبتناها سابقا، وفي ضوء ذلك يأخذ هذا التركيب الجديد شرعيته من طروحات سبقت (التداخل) ورؤية جديدة لمطروح سابق (الخطاب).
ويمكننا تحديد بعده المفهومي بالقول: هو تعالق خطابات سابقة متعددة، مع خطاب لاحق في طور الولادة، بغية انتاج حضور جديد من الغياب الماضي المتراكم الذي أُعيد انتاجه بعد دخوله في عملية إنتاجية ذهنية تدور تفاصيلها في أروقة عقلية المبدع الذي يرتكز في انتاجها على الذاكرة طويلة الأمد المخزونة في ذهنه، فضلا عن وسائل تشكيله الابداعية الأخرى التي تُتيح له تشکیل خطاب إبداعي مغاير يتركّب من الماضي والحاضر.
تسير هذه الدراسة في ضوء طرح مغاير في منظوره تجاه مقولة (التناص)، فهو ينظر إليه بوصفه منهجاً تحليليّا، وآلية قرائية لمقاربة الخطابات المتداخلة، وهو طرح
يستهدف تحطيم النظرة الإحادية للتناص القائمة على مسلّمة كونه تحقّقا نصّیا متلبّسا في النص الرئيس (المُتناص) فقط؛ ذلك أنّ الكشف عن نويات النصّ الماضية التي أسهمت في تشكّله الحاضر لا يتمّ إلاّ عن طريق آلية فرز وتصنيف ثمّ تلفيق، وذلك متحقق في آلية (التناص)، انطلاقا من رؤى جملة من الدارسين الذين ((جعلوا التناص ممارسة قرائية للنص تكشف عن خفاياه ومحتوياته العلامية الراجعة إلى متن سابق)) (13).
فهو وإن كان مصطلحا يدلّ على طبيعة التكوّن والنمو للدلالات في النص الحاضر قيد القراءة؛ إذ تتمخّض عنه أبعاد ذلك النص، وتتجلّى حيثياته، إلاّ أن ذلك لا يعفيه من أن يكون منهجا يستعين به المتلقي الواعي لاستشراف أبعاد الخطاب الذي يروم مقاربته.
فهذا الطرح لايُقصي المقولات التي ترى أنّ التناص ((تشکیل نصّ جدید من نصوص سابقة أو معاصرة، بحيث يغدو النّص المتناصّ خلاصة لعدد من النصوص التي تمحي الحدود بينها، وأعيدت صياغتها بشكل جديد، بحيث لم يبق من النصوص السابقة سوى مادتها. وغاب (الأصل) فلا يدركه إلا ذوو الخبرة والمران. هكذا يبدو (التّناصّ) علاقة تفاعل بين نصوص سابقة، ونصّ حاضر. أو هو تعالق (الدخول في علاقة) نصوص مع نصّ، حدث بكيفيات مختلفة)) (14)، غير أن هذه الكيفيات المختلفة بحاجة إلى آلية كشف قرائي تقاربها، وتوضّح فضاءها التكويني.
وفي ضوء ذلك تنظر هذه الدراسة إلى (التناص) نظرة ثنائية يتوزعها بعدان الأول يرى أن (التناص) تشكّلٌ إبداعيٌّ يستوعبُ ويمتصُ كلَّ هذه التداخلات التي حصلت به ويتفاعل معها، والآخر ينظر إليه بوصفه منهجاً قرائياً يمتلك الكفاية لممارسة قراءة واعية تسبر أغوار النص / الخطاب، وتخترق كلَّ خطوطه الأفقية والعمودية.
وتنطلق الدراسة في تبنيها هذا من آلية التلفيق التي استند إليها (المنهج التناصي)
ومعه (المنهج القرائي)؛ إذ يمثّل الأول أحد أهم المناهج الحداثية التي تجمع بين المنهج الداخلي والخارجي في النقد والتحليل، وهي دعوى قال بها الناقد الدكتور مشتاق عباس معن، وردّها إلى أمور منها:
1- كلاهما - المنهج التناصي والمنهج القرائي - يشتغلان على نقطتي الداخل والخارج في التحليل.
2- کلاهما يربطان النص بثقافة المتلقي والمنتج، وذلك من خلال كشف المؤثرات الخارجية في النص أو الإفادة العلامية للنص من الخارج - كما هو الحال في التناص -، أو من خلال الربط بين إمكان التحليل المنتج أو الاستهلاكي أو المضيف من المتلقي نحو تفكيك شفرات النص ومغزاه الداخلي - كما هو الحال في القراءة، وتأسيسا على هذا الطرح يكون الفكر التناصي فکرا نقديا / فلسفيا مغايرا لبقية المناهج النقدية الأخرى لا على سبيل المضمون النقدي وبنود التحليل فقط، بل على أساس الكيفية الاشتغالية لأدوات التحليل أيضا (15).
فمثلما يقارب (المنهج الأسلوبي) - على سبيل المثال - النصَّ، ويفكّك أواصره مقسّما إياه إلى مستويات متعددة، فكذلك (المنهج التناصي) يشتغل على الكشف عن تشکیل واقع التكويانات النصيّة المبنينة للنص المدروس، عِبر تقسيمها إلى أنماط مختلفة تتحدّد بالآليات التي اشتغل عليها مبدع النص نفسه والتي سمّيت بقوانين التناص؛ وهي ممارسة لا تكتفي بتعيين النص المتناص وإرجاعه إلى أصوله ومؤثّراته فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى تحديد قانون هذا التناص، ومحاولة تصنيف النصوص المتناصة مع نصوص أخرى ضمن هذه القوانين - التي سيرد ذكرها فيما بعد -، وللقارئ - في هذه الممارسة - دورٌ فاعلٌ؛ لما يقوم به من استرجاع ومقارنة وموازنة ورصد ومعاينة وتأويل؛ إذ يزيل ويمحو ويحفر وينقّب وبينما هو يحفر فإنّه يدمّر، ويفتّت، إنه يحفر خلف النص للعثور على نصّ فرعيٍّ غائب يمثّل الأصل الحقيقي للنص الحاضر (16).
تجلّت في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر استراتيجيات متعددة لإنتاج الخطاب المتداخل مع الخطاب القرآني المُستدعی، وهي استراتيجيات نقسمها على وفق قوانين التناص المعروفة؛ لأنّ كلَّ قانونٍ من تلك القوانين هو بمثابة استراتيجية كتابية يتّبعها منشيء النص لانتاج خطابه المتداخل المولود من جرّاء إلتقاء الغائب بالحاضر في توليفة إبداعية محكمة الصنع أتقنَ صنعَها سيّدُ البلغاء:
وتتحدّد هذه الإستراتيجية بتكرار النص الغائب من دون تغيير أو تحوير والإكتفاء بإعادته کما هو أو مع إجراء تغيير طفيف لا يمسّ جوهره؛ بسبب من نظرة التقديس والاحترام التي تُحاط بها بعض النصوص والمرجعيات لاسيّما الدينية منها (17).
على أنّ منتج الخطاب المدروس الإمام (عليه السلام) کان مغايرا لأي مُنتِج عادي، وهذه المغايرة متأتّية من كونه خلاصة الحكمة الإلهية والنبوية؛ لذا فإنّ استحضاره للنصوص المقدّسة كان بمثابة توكيد أيدلوجيّ يشتغل تأثيره على المتلقي الخاص - مالك -، والعام - كلّ سياسي بل كل إنسان مسلم -، فيكون الإقناع مضاعفا، وهذه الثنائية في التأثير، والمضاعفة فيه نابعة من صدوره عن حقلين حقلٌ مقدّس غائب - القرآن الكريم -، وحقل حاضر - کلام الإمام علي (عليه السلام)، وبهذا ترتفع نسبة التأثير وإن كان الغائب - القرآن - ملتبسا بالحاضر العهد - کما هو دون تغيير؛ نتیجةً
لما يحتفظ به النصّ الغائب من منزلة مقدّسة في نظر المتلقين.
وقد اشتغل الامام (عليه السلام) على هذه الإستراتيجية في مواطن متعددة من العهد منها قوله: ((وَارْدُدْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الاُمُورِ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِقَوْم أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاَمْرِ مِنْکُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ فَالرَّدُّ إِلَى اللهِ الاَخْذُ بِمُحْکَمِ کِتَابِهِ وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الاَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ))(18).
إنّ ثيمة الخطاب الرئيسية في الخطاب المتداخل المُقتَبَس هي (الرد)، وهو إرجاعٌ الأمور إلى نصابها الصحيح إرجاعا عقائديا بحتا، يَعتمدُ على الكتاب المقدّس (القرآن)، والسُّنة النبوية الشريفة، وهنا وجب استحضار نص القرآن كما هو دون تغيير؛ لانتاج خطاب متداخل إقناعي يمارس سلطته الدينية الضاغطة على التابع؛ لأنّ النبنّي العقائدي يحتّم على المُتبنِّي الأخذ بما يمليه المُتَبَنَّى بوصفه مسلمات عقائدية، وهي مسلّمات تمارس تأثيرا عالي الدرجة في المتلقي الواقع تحت سلطتها الروحية.
ويبدو أن الإمام - (عليه السلام) لم يشتغل على النص المجلوب - الآية القرآنية - اشتغالا تحویریا تغییریا؛ لأسباب أهمّها: إن تأثير الاقتباس من القرآن نصيّا أقوى من تأثير استجلابه بالفحوی؛ ذلك أنّه الخطاب المقدّس الأعلى، فحضوره يضاهي حضور خطاب الإمام نفسه، ومن هنا فإن استدعاءه کما هو سيكون ذا تأثير واسع النطاق على المتلقي؛ لأنّ استحضار هذا النصّ المقدّس هو - من دون شك - استحضارٌ للذات المُنتِجة له في ذهنية المتلقي، وهي ذات قدسية لها تأثيرها الخاص.
وفي خطاب متداخل آخر يستعين الإمام (عليه السلام) بالاستراتيجية نفسها؛ لانتاج خطابه المتداخل ذي التأثير الثنائي وذلك في قوله: ((وَ إِیَّاكَ وَ اَلْمَنَّ عَلَی رَعِیَّتِكَ
بِإِحْسَانِكَ أَوِ اَلتَّزَیُّدَ فِیمَا کَانَ مِنْ فِعْلِكَ وَ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعُودَكَ بخُلْفِكَ فَإِنَّ اَلْمَنَّ یُبْطِلُ اَلْإِحْسَانَ وَ اَلتَّزَیُّدَ یَذْهَبُ بِنُورِ اَلْحَقِّ وَ اَلْخُلْفَ یُوجِبُ اَلْمَقْتَ عِنْدَ اَللَّهِ وَ عِنْدَ اَلنَّاسِ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ [کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُون])) (19).
يتركّب الخطاب المتداخل المُقتَبَس من حقل ألفاظ معجمّي مستجلب من حقل قدسيّ أعلى ابتداء من مدخله وحتی ختامه، فألفاظ (المَنَّ، والإحسان، والوعد، والخلف، والإبطال، والنور، والمقت، والله) كلّها ألفاظ قدسية تنتمي لحقل الكتاب العزيز، وهذا التباهي العام يُضفي على النص المتداخل قدسيّة من نوع خاص، ويكشف عن واقعية مقولة سبق ذكرُها تنظر للإمام على أنّه: خلاصة الحكمة الإلهية، وأنّ تداخل خطابه مع النص القرآني إنّما یتأتّي من المخزون القرآني الذي ورثه عن نبيّ الرحمة، مدينة العلم الذي كان هو بابُها، وقد خُتِم هذا الخطاب المتداخل ختاما نصيّا مباشرا مُقتبساً من الكتاب العزيز، ليُضفي على صياغته قدسية مباشرة بعد أن تدخلت الألفاظ القدسية في تشكّله من مبدئه إلى منتهاه.
تُعد إستراتيجية الامتصاص مرحلة أعلى في قراءة النص الغائب، فهي - على الرغم من انطلاقها من الإقرار بأهمية هذا النص وقداسته - تتعامل معه تعاملا حرکیا تحویليا لا ينفي الأصل بل يُسهم في استمراره جوهرا قابلا للتجديد، ومعنی هذا أن الامتصاص لا يجمّد النص الغائب ولا ينقده أنه يُعيد صوغه فحسب على وفق متطلبات تاريخية لم يكن يعيشها ذلك النص في المرحلة التي أُنتِج بها، وبذلك يستمر النص غائبا غیر ممحو ويحيا بدل أن يموت (20).
ونعثر - في الخطاب حيّز الدراسة - على تطبيقات هذه الإستراتيجية في أكثر من موضع؛ إذ يُعيد الإمام على إنتاج النص الديني الغائب - القرآن الكريم - في ضوء
المتطلبات الجديدة التي يتطلبها الخطاب الحاضر، فيُحوّرُ الدلالات القرآنية الغائبة ويحوّلُها ويدمجها في خطابه الحاضر بطريقة لا تُعفي آثارها، ولا تدع صورتها الأصلية كما هي دون تغيير، بل تشتغل عليها اشتغالا يجعلها تتبدّی غائبةً حاضرة في المُنتَج الجديد.
ومن أمثلة ذلك قوله - سلام الله عليه -: ((وَأَنْ يَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بَيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ)) (21).
في هذه القطعة يتداخل الخطاب الموجّه مع الخطاب الأعلى وهو الخطاب القرآني العمومي الموجّه للبشر عامة ومنه قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» (محمد: الآية 7)، وقد أدى استعمال ضمائر الغائب في النص: (يَنصُر، بِيَدِهِ، لِسَانِهِ، بِقَلبِهِ، يَدِهِ، قَلبِهِ) إلى تعميم الخطاب، وإحاطته بالشمولية التي تجعل (المُخاطَب) مفتوح الأفق، غير محدد بشخص معيّن، وهنا يتداخل الخطاب الخاص الذي حوّله الامام بوساطة لغة الضمائر الى عام مع الخطاب العمومي الشمولي (القرآن الكريم)؛ لتُخلق من ذلك دلالة عمومية مزدوجة تمنح النص أبعادا عمومية توجّه لكلّ متلقٍ يتلقى النص في كلّ فضاء زماني و مكاني، ويأتي هذا الانفتاح الدلالي؛ ليُعطي لخطاب الإمام مساحة شرعية تعميمية تكتسب شرعيتها من (التداخل الخطابي) الحاصل عن طريق (استراتيجية الامتصاص) التي أفاد الخطاب من خلالها من الآية السابقة، فضلا عن أنها منحت النص المقتطع - الذي صار خطابا - بعدا تقدیسیا نابعا من قداسة النص المستجلَب - نص الآية -، الذي أضفى على النص قداسة وشرعية وعمومية شملت المجتمع الإسلامي كلّه.
إنّ الخطاب المتجلّي في العهد هو خطاب ثنائي الأبعاد يتّجه إلى مُخَاطَب قریب
وهو مالك الأشتر - خاص، ومُخاطَب بعيد عام - وهو الحاكم السياسي المنتمي للمنظومة الاسلامية -، لذا فإنّنا لا يجب أن نفهمه في سياقه الخاص فقط؛ إذ إنّ قصدية الخطاب في أساسها تستهدف العموم؛ لأنّ المخاطب القريب الخاص - مالك الأشتر -، هو من خُلَّص أصحاب الإمام (عليه السلام)، فهو متبنٍّ واعٍ لمنظورات الإمام كلّها، ومن هنا فالوصايا السياسية الواردة في العهد معروفة سلفا عنده، وفي ضوء ذلك يكون القصد البعيد المدى هو الهدف الرئيس في انتاج هذا الخطاب بوساطة استراتيجيات التداخل الخطابي.
ومن هذا النمط من الاستراتيجية قول الإمام في العهد: ((وَلَاتُدْخِلَنَّ فِی مَشُورَتِكَ بَخِیلاً یعْدِلُ عَنِ الْفَضْلِ، وَ یعِدُكَ الْفَقْرَ وَلَاجَبَاناً یضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ وَلَاحَرِیصاً یزَینُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّی یجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ)) (22).
ينطلق الخطاب المتداخل من قاعدة (الشورى) التي تمنح السياسة الإسلامية بعدا ديمقراطيًا قبل أن تُعرف الديمقراطية في العالم السياسي المعاصر، وهي تنهض على التشاور، وتقبّل الرأي الآخر في الحكم، وعدم الاعتداد بالرأي الفردي الذي يُكرّس مقولة (الدكتاتورية) المضادة لمقولة الشورى، على أن للتشاور السياسي قواعد مهمة يجب أنّ تؤخذ بنظر الاعتبار، وقد فصّل فيها القول الامام علي - عليه السلام في خطابه المتداخل هذا، وصنّف أنماط الشخصيات التي لا بدّ للسياسي أن يستبعدهم في ميدان التشاور، ويحرص على عدم الأخذ بآرائهم، وهم: (البخيل، والجبان، والحريص) ثمّ يستجلب - سلام الله عليه - حجّته في استبعاد هذه الفئات من سياسة التشاور فيقول: (فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّی یَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللّهِ)، وبناء على هذه المقولة لا يمكن أن يعتمد السياسي المُشاور على بطانة يشاورها و فيها
هؤلاء الثلاثة؛ لأنّ سوء الظن بالله سبب من أسباب القنوط من رحمته، وسعته، وهي أسباب يُجذّرها الشيطان في نفس الإنسان حتى يصل إلى مرحلة: سوء الظن بالله.
وقد استدعى هذا الخطاب المتداخل قوله تعالى: «الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (الآية 286 من البقرة)، وأفاد منه بطريقة تُغيّر صورته النصيّة ولا تنفيها، وتُعيد إنتاجه بما يتلاءم وأهداف الخطاب المُتَناص، بوساطة (استراتيجية الامتصاص)، فتعامل معه تعاملا حركيا تحویليا لا يُلغي أصله بل يُسهم في استمراره وامتداده، من خلال إعادة صوغه على وفق متطلبات جديدة ظهرت في الخطاب المتداخل الجديد.
من كلّ ما تقدّم يمكننا أن نخرج بنتائج عدّة أهمها:
إنّ طرح (الخطاب المتداخل) يتعدّى مقولة (التداخل) التناصية التي تتجه نحو (النص) فحسب، فيوسّع من دائرة التداخل، وينقلها من مساحة النص الضيّقة إلى مساحة الخطاب الشاسعة، متكئا على انفتاحية (الخطاب)، واتساعه، وشموليته، وكلّيته، بالمقارنة مع النص.
كان (الخطاب المتداخل) في عهد الامام على مُكَوِّناً لسانیا ذا أبعادٍ مزدوجة القصدية منبنية على ثنائية (الحضور والغياب) التي تأتت له بوساطة تركيب هذا الخطاب من خطاب أعلى مُستَدعَى - القرآن الكريم - وخطاب أدني مُستَدعِي، کلام الإمام علي عليه السلام؛ لتقوية حجاجية الخطاب بعد تشكّله من خطابين مؤثّرین.
مثّلت (إستراتيجية الاجترار) إحدى أهم آليات الاستدعاء التي اشتغل عليها عهد الامام (عليه السلام)؛ لانتاج خطابه المتداخل المزدوج؛ لأنّها تُتيح استجلاب النص القرآني الغائب وتکراره من دون إجراء تعديلات معيّنة والإكتفاء بإعادته کما هو أو مع إجراء تغييرات طفيفة لا تمسّ جوهره؛ بسبب من نظرة التقديس والاحترام التي تُحاط بها بعض النصوص والمرجعيات لاسيّما الدينية منها؛ وهذا يؤمّن للمُستَقبِل مساحة إقناعية شاسعة، ويُعزّز قناعته بخطاب الامام المتداخل؛ لأنّه تناغم مع أبرز منظومة تشريعية إسلامية يتّفق المسلمون على قدسيتها، وقد شاعت هذه الاستراتيجية في متن العهد شيوعا فاق غيرها من الاستراتيجيات، على أنّ ضيق مساحة الدراسة الآن قيّد استجلاب شواهد متعددة، والاكتفاء بالنماذج المذكورة.
جاءت (إستراتيجية الامتصاص) لتشتغل على إعادة انتاج النص المقدّس المُستَدعَى في ضوء خصوصيات الخطاب المتداخل الجديد، الذي أفاد من النص الغائب، بعد أن أعاد هیکلیته، وحوّره، وفكّك أواصر شکليته؛ ليُوظّف أبعاده المضمونية العامة، ويقوي بها الخطاب المُنتَج الجديد.
ينظر: استراتيجيات الخطاب: 36 - 37.
الخطاب وخصائص اللغة العربية، دراسة في الوظيفة والبنية والنمط: 24.
ينظر: الخطاب القرآني، دراسة في العلاقة بين النص والسياق: 23.
ينظر: مفهوم الخطاب في النظرية النقدية المعاصرة، مجلة علامات، ج 57، م 15: 125 - 126.
ينظر: النص القرآني من الجملة إلى العالم: 17.
ينظر: النص بوصفه إشكالية راهنة في النقد الحديث، مجلة الأقلام، ع 3 - 4: 16.
ينظر: التناص في شعر الرواد: 13.
الخطاب في نهج البلاغة، بنيته وأنماطه ومستوياته - دراسة تحليلية -: 11 - 12.
استراتيجيات الخطاب، مقاربة لغوية تداولية: 53.
استراتيجيات الخطاب: 86.
علم النص: 21.
الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية - قراءة نقدية لنموذج معاصر: 324 - 325.
تأصيل النص «قراءة في أيدلوجيا التناص»: 119.
النص الغائب، تجليات التناص في الشعر العربي: 29.
ينظر: تأصيل النص: 9.
ينظر: التناص في شعر الرواد: 42.
ينظر: م. ن: 43.
شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: مج 9/ ج 17/ 36.
م. ن: مج 9/ ج 17: 76 - 77.
ينظر: التناص في شعر الرواد: 47 - 48.
شرح نهج البلاغة: مج 9/ ج 17: 22.
م. ن: مج 9/ ج 17: 26.
استراتيجيات الخطاب، مقاربة لغوية تداولية، عبد الهادي بن ظافر الشهري، ط 1، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بیروت، 2004 م.
تأصيل النص «قراءة في أيدلوجيا التناص»، د. مشتاق عباس معن، ط 1، مرکز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، الجمهورية اليمنية، 2003 م.
التناص في شعر الرواد، أحمد ناهم، ط 1، دار الشؤون الثقافية، بغداد - الأعظمية، 2004 م.
الخطاب القرآني - دراسة في العلاقة بين النص والسياق، الدكتورة خلود العموش ط 1، جدارا للكتاب العالمي، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2008 م.
الخطاب في نهج البلاغة، بنيته وأنماطه ومستوياته - دراسة تحليلية -، الدكتور حسين العمري، ط 1، دار الكتب العلمية - بيروت، 2010 م.
الخطاب وخصائص اللغة العربية، دراسة في الوظيفة والبنية والنمط، أحمد المتوكّل، ط 1، دار الأمان، الرباط، منشورات الاختلاف، الجزائر، الدرا العربية للعلوم ناشرون، بيروت - لبنان، 2010 م.
الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية - قراءة نقدية لنموذج معاصر، د. عبد الله محمد الغذامي، ط 4، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998 م.
شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد (656 ه)، تحقيق محمّد إبراهيم، ط 1، الأميرة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، دار الكتاب العربي، شارع المتنبّي بغداد، 2007 م.
علم النص، جولیا کرستیفا، ترجمة: فرید الزاهي، مراجعة: عبد الجلیل ناظم، ط 2، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1997 م.
مفهوم الخطاب في النظرية النقدية المعاصرة، عبد الرحمن حجازي، مجلة علامات، ج 57، م 10، 2005 م.
النص بوصفه إشكالية راهنة في النقد الحديث، فاضل ثامر، مجلة الأقلام، ع 3 - 4، سنة 1992 م.
النص الغائب، تجليات التناص في الشعر العربي، محمّد عزَّام، من منشورات اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 2001 م.
النص القرآني من الجملة إلى العالم، د. وليد منير، المعهد العالمي للفكر الاسلامي، القاهرة، 1997 م.
دراسة في اللفظ والتركيب - الدكتورة سحر ناجي فاضل المشهدي
كان العرب في أقطار الجزيرة العربية في بساطة عيشهم لا يفهمون دقائق القوانين وأنواع المعاش من زراعة وتجارة وقضاء؛ لانعدام ممارستها في حياتهم، فدعاهم الاسلام الى العقائد، والأخلاق، ونشر الاسلام مهد السبيل في مصر؛ لوجود الأقباط، والفلاسفة، والبطالسة الذين مارسوا الحياة المدنية، ولمَّا تجلت الإمامة لأميرنا، و مولانا علي بن ابي طالب (عليه السلام) هيأ تعاليم الدين المهمة، فكان صدور عهده هذا الواليه الصحابي مالك الأشتر (رضوان الله عليه) بمثابة إنشاء حياة جديدة في مصر وسنرى في حديثنا في هذا البحث ما تمخض من هذه الحياة.
فقد عهد الإمام عليه السلام ولاية عن أمور مصر بأجمعها ومنها (الأمور المالية والاقتصادية من جمع الخراج، الأمور العسكرية، الأمور الاجتماعية، عمران البلاد) ولا نجد ذكراً للعاطل عن العمل، وبذلك فإننا لا نجد لمن لا عمل له ذكر في هذا العهد مما يدلُّ على عناية الإمام بتنظيم أمور الحياة فلا وجود لعاطلين، اذ إنّ المجتمع الإسلامي متساوو في الحقوق والواجبات، ويتضح التنظيم الإداري للدولة اتجاه مواطنيها، فتتشكل أعمدة المجتمع؛ إذ أقام الإمام علي بن أبي طالب (عليه السَّلام) حكومة أساسها العدالة، والمساواة، وجاءنا بأروع، وأوثق الوصایا، والعهود في عالم الإنسانية، وعهده للصحابي الجليل مالك الأشتر (رضوان الله عليه) أكبر مثال على ذلك، إذ عُدَّ وثيقة دولية أذهلت الشعوب من أقصى الشرق وحتى الغرب، وعبّرَّ فيه عن دروس وقيم إنسانية، وأخلاقية في تولية الحاكم والوالي، وتعامله مع رعيته، فقد أكدّ مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ونبَّه على الاختيار القائم على الكفاءة، فقدّم طبقات الرَّعية على وفق تقسيم أذهل
الجميع، نجد خطابه العلوي السياسي على طريقة أخلاقية لا يبتغي به السيطرة على الأمة؛ بل إبداء الرأي والمشورة، فأشاع العدل، وربط بين صلاح الحاكم واستصلاحه مع حفظ حقوق الرَّعية، ووضع ركيزة أساسية في تعامل الناس، فأسس منهج قائم على التعاليم الإسلامية، و مجتمع متساوي في جميع الحقوق والواجبات، فقدمَّ مفهوم الطبقات جاعلاً طبقة الجنود هي الأولى؛ لأهميتهم في حفظ الأمن والسلام، وإقامة أركان المجمع الإسلامي، وأخرَّ الحديث عن الطبقة السُّفلى؛ لأنّها القسم الأكبر في المجتمع، ولحاجتها لجميع الطبقات المتقدمة، لتتحقق العدالة الإنسانية سواء أكانت السياسية أم الاجتماعية أم الاقتصادية، ومضى ساعيا لرفع الظلم والغبن خلال الفترة التي حكم فيها. ومحققا لقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»(1)، فقد أوصى العهد العلوي لمحاولة تأسيسية معرفية منها تجنب الوالي لزلاته، ورفقه بالشعب، يقول جورج جرداق (للإمام علي بن ابي طالب في حقوق الإنسان وغاية المجتمع أصول و آراء، تمتد لها في الأرض جذور وتعلو لها فروع)(2)لذلك حقَّ لنا تشبيه الامام بالسيف المسلط على الطغاة والجبابرة والرأسماليين آنذاك، ولابدَّ لنا ونحن نخوض في غمار البحث عن طبقات الرَّعية ان نعطي مفهوما عن معنى الطبقات.
الطَّبَقُ: عظیمٌ رقيقٌ يفصل بين الفقارين، وطبَّق بالسَّيف عُنُقه، أبانه، وهو كل غطاء لازم، والسَّماواتُ طِباقُ بعضها فوق بعض، واحدتها طَبَقةٌ، والطَّبَق: جماعة من
الناس يعدلون طبقا مثل جماعة، وجاء في المثل (وافق شنٌّ طبقة)(1).
وعرَّفها ابن فارس (ت 395 ه) بقوله: (الطاء والباء والقاف أصل صحيح واحد، وهو يدلُّ على وضع شيء مبسوط على مثله حتى يغطيه. من ذلك الطَّبق. تقول: أطبقت الشّيءَ على الشّيء، فالأول طبق للثاني؛ وقد تطابقا،... والطبق: الحال في قوله تعالى: «فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ» وقولهم: (إحدى بنات طبق) هي الدَّاهية، وسميت طبقا، لأنها تعمٌّ وتشمل. ويقال لما علا الارض حتى غطاها: هو طبق الارض)(2)والطَّبِقُ غِطَاءُ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ أَطْباق، وَقَدْ أَطْبَقَه و طَبَّقَه انْطَبَقَ وتَطَبَّقَ: غَطَّاه وَجَعَلَهُ مُطَبَّقا؛ الطَّبَقُ: كلُّ غِطَاءٍ لَازِمٍ عَلَى الشَّيْءِ. وطَبَقُ كلِّ شَيء: مَا سَاوَاهُ، وَجَمعُه أَطباقٌ؛ ومِنهُ قَولُهُم: وافَقَ شنٌّ طَبَقَه.. والسمواتُ الطُّباقُ: سُمِّیت بذلِكَ لمُطابَقَة بَعْضِها بَعْضاً أَی:بَعضها فَوْقَ بعْض، وَفِي التَّنْزِيلِ: «أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا»؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَی طِباقاً مُطبِقٌ بَعضُها عَلَی بَعْضٍ، و نَصَب طِباقاً علی وَجْهَیْنِ: أَحدهما: مطابَقة طِباقاً، وَ الْآخَرُ مِنْ نَعْت سَبْعٍ أَی خَلَقَ سَبْعاً ذَاتَ طِباقٍ. وَکَذَلِك طَبقات النَّاسِ کُلُّ طَبَقة طَبقت زَمَانَهَا. والطَّبَة: الْحَالُ، يُقَالُ: كَانَ فُلَانٌ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى طَبَقات شَتَّى أَيْ حَالَاتٍ. والطَّبَقُ والطَّبَقة: الْحَالُ. وَفِي التَّنزِيلِ: لَتَرْکَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ؛ أَيْ حَالاً عنْ حَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قِيلَ لِلْحَیَّةِ أمُّ طَبَقٍ وبنتُ طَبَقٍ لإِطْبَاقها وتحَوّیها، وَقِيلَ: قِيلَ لِلْحَيَّاتِ بناتُ طَبَقٍ لإِطْبَاقها عَلَى مَنْ تَلْسَعُهُ، وَقِيلَ: إِنما قِیلَ: لَهَا بناتُ طَبَقٍ لأَن
الحَوَّاء یُمْسِکُهَا تحت أَطْبَاق الأَسْفاط المُجَلّدة(1). وتعني المرتبة والمنزلة التي تقسم عليها فئات المجتمع، ولفظة (الطَّبقة) للإشارة الى طبقات المجتمع. وقد شاع هذا الاستعمال في عهده عليه السلام الى مالك الأشتر رضوان الله عليه في سياق وصيته له بمرعاة الفروق بين الطبقات. إذ يقول في سياق ذكره آخر طبقة من طبقات المجتمع: الفئة أو المرتبة الخاصة بالفقرء والضعفاء من الرعية.
واستعمل لفظ (طبقات) بصيغة الجمع، إذ خصصها الإمام للدلالة على مراتب الناس، فقال في سياق تقسيم الرعية على مراتب، ولفظ (طبقات) - هنا - عام لا يختص بفئة من هذه الطبقات، وإنما هو إشارة إلى تعدد هذه الدلالة جاء في فئات الرعية ومنازلهم من حيث المنزلة الإدارية، أو من حيث الغني والفقر، وقد حوى کتاب الامام في عهده للصحابي مالك الاشتر هذه الطبقات لارتباط بعضها ببعض فحاجة الاول منوطة بالثاني وبمجموعهم يقوم صورة المدينة، فبدأ بالجنود؛ لأنهم الاصل شؤون الحياة المادية والمعنوية، ولتنظيم القوانين والاسس التي من شأنها الرفعة والرقي من الشرائع السماوية، ثمَّ الكُتَّاب، وقضاة العدل،.... إلى أن وصل الى الطبقة الاخيرة وهم (الفقراء والمحتاجون)، وقد ذكر الامام سبع من طبقات المجتمع الاسلامي في عهده الى واليه على الكوفة الصحابي مالك الاشتر (رضوان الله عليه) وهي:
1) ظ: لسان العرب: 10/
قال الإمام علي (عليه السلام) في خطابه للصحابي الجليل مالك الأشتر (رضوان الله علیه): «وَاعْلَمْ: أَنَّ الرَّعِیَّةَ طَبَقَاتٌ لَایَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَ لَاغِنَی بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ: فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ، وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْل، وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ، وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ ذَوِی الْحَاجَةِ وَالْمَسْکَنَةِ، وَ کُلٌّ قَدْ سَمَّی اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ وَ وَضَعَ عَلَی حَدِّهِ فَرِیضَهً فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِیِّهِ (صلی الله علیه و آله) عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً»(1).
فالرَّعية عامة الناس، وهي مفردة جمعها رعايا، وهم أناس يخضعون لسلطة الحاكم أو الوالي، فقد قسَّم الرَّعية على طبقات فذكر (الجنود، والكتاب، والقضاة، والعال، وأرباب الجزية من أهل الذمة وأرباب الخراج من المسلمين، والتجار، ومنهم أرباب الصناعات، وذوو الحاجة والمسكنة، ولابد لهم جميعا من التجار، لان البيع والشراء الاغناء عنه(2).
قدم الجنود لأهميتهم وأخر التجار واهل الصناعات ثم اردفهم بالفقراء والمحتاجين. وجملة (منها جنود الله) اسمية قدم الخبر لأنه ظرف فقال: «ولابد لهم جميعا الا بالتجار وذوي الصناعات؛ فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من
أسواقهم، ويكفونهم من الترفق بأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم)(1).
فأوصى بهم؛ لأنهم دعامة من دعائم الاقتصاد، وقد أخر الحديث عنهم لاهتمامه بهم.
جمع جند و واحده جندي وهو العسكر. وهم كل صِنفٍ من الخلق، وفي الحديث: «الأرواح جنودٌ مُجَنَّدةٌ فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»، يستعمل للمفرد والجمع فيقال: هذا جُندٌ وهؤلاءِ جُندٌ(2).
فالجيم والنون والذال يدلُّ على التجمع والنصة. يقال هم جنده اي اعوانه ونصّاره، والجَنَد الأرض الغليضة فيها حجارة بِيض، واصله الجَلَد(3).
ويُقال للعسكر الجُندُ اعتباراً بالغلظة من الجند، من الارض الغليظة التي فيها حجارة؛ لذا يقال لكل مجتمع: جَندٌ: نحو: الأرواحُ جنود مُجَنَّدَةٌ، وجمعه: أجناد وجُنُود(4).
ولرُبَّ سائل أن يسأل لمَ أوصى الامام عليه السلام عامله بهم وجعلهم اولى الطبقات؟ والاجابة تكون ان اضافة الامام للفظ جنود الله فنسبهم اليه؛ لتشريفهم وتقدسيهم ولمكانتهم فهم من يرفعون راية الاسلام ويذلون الطغاة والاعداء، ولأنَّهم
(حصون الرعية، زين الولاة، عز الدين)(1).
قال الإمام: «فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِى نَفْسِكَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِكَ، [وَ أَنْقَاهُمْ] جَيْباً، وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، وَ يَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَ يَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَ يَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ، وَ مِمَّنْ لايُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَ لايَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ»(2)، وهم حماة الدولة والمجتمع، واستعار لهم لفظ (الحصون) لأنهم يحفظون الرّعية فيحاطونهم كالحصن، وهم زينة للولاة فالوالي بلا جنود لا يبالي به، وهو عز للدِّين، ولفظ العز لاسم اللازم، ولفظ الأمن من باب اللزوم للجند، فقد تصدرت هذه الطبقة فئات المجتمع كافة؛ لأنهم حصون الامة والامن والدفاع وهم زينة الولاة، وقد جاء النهج بكلا الجمعین (جُند وجُنُود)؛ فلكل منهما مزية تختلف عن الآخرى، فلفظ (جُند) على زنة (فُعل) من أبنية المفرد، ويدلُّ على صنف من الخلق.
وذكر سيبويه إن الجمع على بناء العدد الأدنى (أفعال) فيقال جند وأجناد وجاءوا ب (فعول) لإرادتهم الكثرة(3).
ومنها قوله «کنتُم جُندُ المرأةِ وأتباعُ البهيمةِ»(4)، فجعل جند المرأة هم طلحة والزبير ومن سار مسارهما للدلالة على التحقير والتوبيخ، زيادة على ذلك في اضافتها إلى لفظ (المرأة) ما يدل على ضعفها، وهذا ما أكده المعنى القرآني في قوله: «جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ»(5).
ف (أنصحهم، انقاهم، افضلهم) كلها تدل على المفاضلة، وبدأ عهده بفعل الأمر (ولِّ)، وجيباً: تمييز لقوله (أنقاهم)، و (حلماً) تمييز لقوله (أفضلهم)، و(اتکالا) مفعول لأجل الفعل (تدع)، و (أفضلهم عن الغضب) متعلق ب (يبطيء) ويفيد المجاوزة، وقد تفرع من الجند (إدارة الشرطة وحراس الامن، إدارة الجيش الحافظ للأمن)، وکنّی عن العفة والأمانة بقوله (أنقاهم جيبا) وهي صفات ذاتية روحية تتعلق بالجنود أكثر من تعلقها بجباة الخراج 1. أنصح الجند لله والرسول والإمام 2. أطهرهم جيبا 3. افضلهم حلما 4. بطيء الغضب 5. يستريح الى العذر 6. يرأف بالضعفاء 7. ينبو على الأقوياء 8. لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف وهنالك صفات موضوعية:
وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ.
ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُهُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلاَ يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلاَتَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ. وَلاَ تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطيِفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَا لاً عَلَى جَسِيمِهَا، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ»(1)، أكدَّ على (أنقاهم جيبا): كناية عن الاخلاص والنزاهة، فجعل الإلصاق بذوي الاحساب، أهل البيوتات الصالحة، أهل النجدة والشجاعة، والسخاء، والسماحة)، فجعل الالصاق بمثابة التقريب ممن عرفهم الناس بمكارم الاخلاق، ومن جمل تعليماته: ضابطة الاسرة والبيت، و(من) في قوله إنّها جماع من الكرم، وشُعَب من العرف) زائدة، وعلى قول الاخفش (جماع الكرم) أمّا ابن ابي الحديد فاحتمل کونها تبعيضية على حقيقتها، وفي قوله «تفقد من أمورهم الضمير يرجع الى الجنود لا الامراء(2).
فالانتساب لبيت صالح، واسرة معروفة دعامة لقيامه، والضابط الثاني: حال الفرد بنفسه ومن صفاته (النجدة، الشجاعة، السخاء، السماحة). و (ثم الصق): حرف عطف يفيد التراخي، ول من جنودك في الدرجة الثانية من ذوي الأحساب، (أهل النجدة) تراخ ثانٍ، و(لا يتفاقمنَّ) نهي مؤكد، و (ينتفعون به) جملة فعلية صفة لقوله: موضعا.
وآثر: اسم تفضيل من الأثرة: أحبهم، على الجندي أن يتصف بأوصاف تستحق مقام الولاية، فقد انأت في عهد الامام مدارس ومعاهد لتعليم الضباط وتربية الأمراء والضباط، فيوجه الاسلام بتوجيهات روحية فعليه أن يتصدى للعدو بالروح
والايمان وليست قوة الجسد وحدها كفيلة بالنصر، فعليه ان يكون ناصحا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وللامام عليه السلام، وأن يكون طاهر القلب ليتجنب الفواحش، وثابتا في الحلم غير متسلط على نفسه، وعافيا صافحا عن المذنب، حليما صبورا، فإنَّ ذلك كله عوامل هامة في تقوية الجندي ورفع معنوياته. ولابدَّ لأختیار رئيسا للجيش ناصحا لأمته، ومخلصا لدينه: لأنّ قيادة الجيش عبء ثقيل وخطير(1).
وأكمل الامام (عليه السلام) قائلا: «وَلْیکُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِی مَعُونَتِهِ، وَ أَفْضَلَ عَلَیهِمْ مِنْ جِدَتِهِ، بِمَا یسَعُهُمْ وَ یسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِیهِمْ حَتَّی یکُونَ هَمَّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَیهِمْ یعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَیكَ.
وَ إِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَینِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِی الْبِلَادِ، وَ ظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِیةِ، وَ إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ، وَ لَا تَصِحُّ نَصِیحَتُهُمْ إِلَّا بِحِیطَتِهِمْ عَلَی وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ. فَافْسَحْ فِی آمَالِهِمْ، وَ وَاصِلْ فِی حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَیهِمْ، وَ تَعْدِیدِ مَا أَبْلَی ذُوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ کَثْرَةَ الذِّکْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ، وَ تُحَرِّضُ النَّاکِلَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَی، وَ لَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَی غَیرِهِ، وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَایَةِ بَلَائِهِ، وَلَا یَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ صَغِیراً، وَلَا ضَعَهُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ عَظِیماً. وَارْدُدْ إِلَی اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا یُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ وَیَشْتَبِهُ عَلَیْكَ مِنَ الْأُمُورِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَی لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ: (یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، فَالرَّدُّ إِلَی اَللَّهِ: اَلْأَخْذُ بِمُحْکَمِ کِتَابِهِ وَ اَلرَّدُّ إِلَی اَلرَّسُولِ: اَلْأَخْذُ
1) نهج البلاغة: ك 53، 324
بِسُنَّتِهِ اَلْجَامِعَهِ غَیْرِ اَلْمُفَرِّقَهِ»(1).
وعليه فإنّ قائد الجنود محصنا ضد الاغراءات فیکشف النص أن هنالك معان ركز عليها الإمام في شخصية القائد، فأشار بصفات ذاتية تتواءم وعقيدة الإسلام، وأردفها بموضوعية تمت اکثر صلة الى المفهوم القبلي(2).
وآثر رؤساء الجنود وأمراء الجند من يواسيهم ويوفر لهم المعونة، فإن أراد القائد أن يستمع له الجيش فعليه أن يحسن اليهم ولا يقتصر على خصوص رواتبهم المحدودة ومؤونة أهلهم الذين خلفوهم في منازلهم بعيدا عنهم.
ولا بدَّ لهم من سد حاجاتهم ويتم بتحصيل الخَراج؛ فقد يكون مالا، وقد يكون محصولا زراعيا، وبعد تحصيل الخراج لابد من وجود القضاة والعمال والكتّاب، وكل الطبقات لابدَّ لها من (التجار وذوي الصناعات) مما يلزم ان يتصف به الجندي لكون ایمانه بروحه وقوة عقيدته.
فكتّاب العامّة هم من يحررون الشؤون العامة كالضرائب، والخاصة من يحرر لشخص معين؛ كالقاضي أو الوالي، أو امير الجيش المتصدرون لكتابة العقود والمعاهدات والحقوق، فالكَتبُ: خرز الشّيء بسير، والكِتابُ والكتابة: مصدران، والكِتبةُ: اكتتابك كتاباً تكتبه وتنسخه(3).
وعرَّفت أصول حروفه بأنّ الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على جمع شيء
الى شيء من ذلك الکِتابُ والكتابة. يقال: كتبت الكتابَ أكتُبه كَتباً. ومنه الكِتابُ الفَرضُ، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»(1). الكتاب: معروف وجمعه کُتُب وكُتب، والكِتابةُ لمن تكون له صناعة مثل الصياغة والخياطة والكتاب: مطلق: التوراة، ويجوز أن يكون القرآن، وهو الصحيفة والدواة، وما كتب على بني آدم من أعمالهم، والكاتب والكُتَّاب معروفان(2).
الكَتبُ (ضَمُّ أديمٍ الى أديمٍ بالخياطة، والأصل في الكتابة: النَّظمُ بالخطِّ لكن يستعار كلُّ واحدٍ للآخر، ولهذا سُمِّي کلام الله وان لم يكتب كتاباً، كقوله تعالى: «ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ»)(3).
وقال (عليه السَّلام): «ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ، فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الاَخْلاَقِ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ، فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَف لَكَ بِحَضْرَةِ مَلاَ، وَلاَ تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ، فِيَما يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلاَ يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاَقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ، وَلاَ يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الاُمُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ.
ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاَةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ
النَّصِيحَةِ وَالاَمَانَةِ شَيْءٌ، وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لاَحْسَنِهِمْ كَان فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَ أَعْرَفِهِمْ بِالاَمَانَةِ وَجْهاً، فَإِنّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَي نَصِيحَتِكَ لِلّهِ وَ لِمَن وُلّيتَ أَمرَهُ. وَ اجعَل لِرَأسِ كُلّ أَمرٍ مِن أُمُورِكَ رَأساً مِنهُم، لَا يَقهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَ لَا يَتَشَتّتُ عَلَيهِ كَثِيرُهَا، وَ مَهمَا كَانَ فِي كُتّابِكَ مِن عَيبٍ فَتَغَابَيتَ عَنهُ أُلزِمتَهُ»(1).
جاء بجمع كاتب على زنة (فُعَّال) واضاف كاف الخطاب، وقسَّمهم على صنفين (كتاب العامة: الذين يتصدرون لكتابة العقود والمعاهدات، ذهب الشارح ابن ابي الحديد الى ان المراد بهم الوزراء قائلاً: «الكاتب الذي يشير إليه الامام هو الذي يسمى الآن في الاصطلاح العرفي وزيراً، لأنّه صاحب تدبير الأمير والنائب عنه في اموره»(2)وأشار الى الشروط الواجب توافرها في الوزير بقوله: «واخصُص رَسائِلك التَي تَدخُل فيها مكائِدك وأسرارك أجمَعُهم» فأختر من أهل الوعي والفطنة بحيث لا يخدع ويؤخذ من غير شعور، ومن أهل الدِّين والوفاء أيضا، يفي بالعهد، ويحافظ على الأمانة ويقدس الواجب لا يتهاون فيه ويحرص على سمعته وكرامته، ولا تبطره الكرامة وتجعله اخ لك) واختبرهم على مقياس الحقيقة باختلاف طبيعتها، فالحقيقة الدينية تقاس بالوحي من الله سبحانه، واختيار الكتّاب من الوجهة الاخلاقية ورعاية الامانة والصداقة، فيجب ان يكون تقيا يراد منه مصالح العمل، ومن اخير الرعية، وحافظا للسر، وحسن الاثر ومعروفا بالامانة وأشار ابن ابي الحديد الى ان الكاتب هنا (الوزير) لانه النائب عن الامير واليه تصل مکتوبات العمال وعنه تصدر الاجوبة، وذهب الخوئي الى أن الكتابة في عصرنا منصب ممتاز، وفي العصور السابقة
ایضا، فكان يشتغل بالكتابة وانشاء مايهم من الكتب، الا انه لا يدل على كون الكاتب وزیرا. وهم درجات: كاتب السر وهو من أجمع الكتّاب للأخلاق الصالحة، غير خفيف المزاج، كاتب الديوان علیه مکاتبات العمال حافظا يقظا لايسامح في اصدار جواب الکتب فطنا لائقا في تنظيم العهود والعقود بين الوالي والرعايا أو يجرى لهم اختبارا ليتعرف على صلاحيتهم(1).
العدلُ صفة الله وبه اراد في بعثه للأنبياء، ويعد الامام اول من فصل عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية، قال (عليه السّلام): «ثُمَّ لاَقِوَامَ لِهذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْکُتَّابِ، لَمِا يُحْکِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَيَجْمَعُونَ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا»(2).
فالقضاء: الحكم، وقضى يقضي قضاء وقضية: حكم، ومنه الوصية قال تعالى: «وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ»، وقضاء الشيء: فناءه وذهابه(3)، فالقاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمرٍ وإتقانه وإنفاذه لجهته، قال الله تعالى: «فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ» أي أحكم خلقهنَّ، والقضاء هو الحكم قال تعالى: «فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ» اصنع واحكم، ولذا سمي القاضي قاضياً ليحكم الأحكام وينفذها(4).
فالقضاء: فصل الأمر قولاً كان ذلك أو فعلا وكل واحدٍ منهما على وجهين: إلهي
وبشرى فمن الأول قوله تعالى: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»(1).
فأمر بذلك، ومن الثاني قوله: «وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»(2)، والقضاء من الله تعالى أخصُّ من القَدَر، لأنّه الفصل بين التقدير، فالقَدَر هو التقدير والقضاء هو الفصل والقطع(3).
وقد حددت شروطا مهمة لانتخابه منها (ان يختار بالتعيين، وألا تضيق به الأمور، واسع الصدر، عفيفا لا يقضي بالهوى، وألا يعلن الحكم النهائي الا بعد التحرير والتدقيق، والا تطريه الأقوال،. ثم أشار باسم الإشارة (اولئك) اي الذين اكتملت فيهم هذه الصفات (قليلون)(4)قال (عليه السّلام): «وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَیْنِ الْوُلاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِی الْبِلَادِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِیَّةِ، وَإِنَّهُ لاَ تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلاّ بِسَلاَمَةِ صُدُورِهِمْ، ولاَ تَصِحُّ نَصِیحَتُهُمْ إِلاّ بِحِیطَتِهِمْ عَلَی وُلاَةِ اْلأُمورِ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ. فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ، وَوَاصِلْ فِی حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَیْهِمْ، وَتَعْدِیدِ مَا أَبْلی ذَوُو الْبَلاَءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ کَثْرَهَ الذِّکْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ، وَتُحَرِّضُ النَّاکِلَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُّ»(5).
وقرة العين: الفرح والسرور، والحيطة على زنة (شيمة) تعرض الامام لأمراء
العدل، لإرتباط إجراء العدل في البلاد بالجنود من وجوه شتی، فالجند هو المالك والقائم بالسيف في الرعية فالقوة والقدرة على إجراء الامور بیده.
أمور البلاد تحتاج الى قانون يتضمن تعيين الحقوق والحدود بين الأفراد، وعند وقوع الخلافات والنزاعات وقوة اجراء القوانين فقوى المجتمع التي هي اركان شعب (القوة المقننة والقضائية والمجرية) ومن هنا كان لوجود القضاة أهمية في عهد الامام قائلا: «ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لاَ تَضِيقُ بِهِ الاْمُورُ، وَلاَ تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ، وَلاَ يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلاَ يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلاَ تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع، وَلاَ يَکْتَفِي بِأَدْنَى فَهْم دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَکَشُّفِ الاْمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُکْمِ، مِمَّنْ لاَ يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ وَلاَ يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ. ثُمَّ أَکْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ، وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لاَ يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ. فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ کَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الاْشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا»(1).
فممارسة القاضي لمهنته أهمية كبيرة، وأوصى بهم فلا يضيق عليهم ولا تمحكهم الخصوم، ويكون مستقلا. «وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فلا تضيق به الامور ولا تمحکه الخصوم»، اختلف فيه فذهب ابن ابي الحديد: جعله ما حکا اي لجوجا، وقيل: كناية عن كونه ممن يرتضيه الخصوم(2).
وذهب الخوئي قدس سره الى القول: (يمكن ان يكون كناية عن كونه بشدة صلابته في أمره وهيبة ایمانه و تمسكه بالحق بحيث لا يطمع الخصوم في جعله محکا يمتحنونه هل يقبل الرشوة ام لا وهل يؤثر فيه التطميع والتهديد أم لا)(1).
والا يتمادى في الزلة، ولايحرص من الرجوع الى الحق اذا عرفه فالقضاء من شؤون النبوة، والرئاسة، دقیقا في كشف القضية.
الولاة ممن يعينهم الخليفة أو الوالي لإنصاف الناس.
العمالة: أجر ماعمل لك، والمعاملة: مصدر عاملته، والعَمَلَة: الذين يعملون بأيديهم ضروباً من العمل حَفراً وطينا، ونقول: أعطه أجر عملته وعمله(2).
العمل: العين والميم واللام أصلٌ صحيح، وهو عام في كل فعل یٌفعا، قال الخليل: عَمِل عَمَلاً فهو عامل، اذا عمل بنفسه. والعمالة: أجر ما عُمِل. والمعاملة: مصدر من قولك عاملته، وأنا أعامله معاملة(3).
والعملُ: كلٌّ فعل يكون من الحيوان بقصد فهو أخصُّ من الفعل لأنّ الفعل قد يُنسَب الى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب الى الجمادات، ويستعمل للأعمال الصالحة والسيئة، لقوله تعالى: «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا»(4)
«ثُمَّ انْظُرْ فِی أُمُورِ عُمَّالِكَ، فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً، وَلَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةً، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِیَانَةِ وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَیَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ فِی الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَکْرَمُ أَخْلَاقاً، وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً، وَأَقَلُّ فِی الْمَطَامِعِ إِشْرَاقاً، وَأَبْلَغُ فِی عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً»(1)جاء في هذا الفصل في ذكر طبقة (العُمّال) واختلف فيهم؛ فقال ابن ابي الحديد هم (عمال السواد والصدقات والوقوف والمصالح فانهما جماع من شعب الجور والخيانة)(2).
وقال الخوئي: (لا وجه لاختصاص كلامه بصنف من العمال، بل المقصود منه مطلق العمال ومن يلي أمر ناحية من البلاد)(3).
و زاد البحراني (فيتحفظ من خيانة الاعوان من العمال، فأستعار لفظ التقليد التعليق نسبة التهمة اليه ملاحظة لشبهها بما یقلد به من الشعار المحسوس واللفظ في غاية الفصاحة «فإنهم جماع من الجور والخيانة» ففي عهد عثمان العمال الشاغلين للاعمال كانوا شعب الجور والخيانة)(4).
وذهب الخوئي الى أنهم جماع من شعب الجور والخيانة على الانتخاب بالمحاباة والأثرة من التكلف والتعسف، فهذا الانتخاب جور وخيانة لانه لا ينطبق عليه انه شعب الجور والخيانة الا بالتكلف فهذا الكلام راجع الى العمال الشاغلين للاعمال
قبل حكومة الامام(1)وذهب محمد جواد مغنية الى القول: (ان هذا المقطع خاص بعمال العامل وحده اي الوالي المنصوب من الامام. أجل، إنَّ الخطاب خاص بظاهره، ولكنّ المراد به العام، لأنّ الكفاءة التي ذكرها كشرط للاختيار والتوظيف. تعم كل عامل وموظف دون استثناء)(2). فاستعمالهم يتم بعد اختبارهم وتجربتهم افعال الامر (انظر، استعمل، توخ، اسبغ) و (أهل التجربة: مفعول للأمر توخ والمتقدمة صفة ل (البيوتات)، أخلاقا: تمييز من النسبة في قوله (أكرم)، (إلاّ بهم) استثناء مفرغ، وعملهم الاشراف على مصالح الناس، وقد اسند الامام كاف الخطاب الى الوالي الصحابي مالك الاشتر (ثم انظر في امور عمالك)، وقد أوصاه أن مواصفات يجب ان يتحلوا بها امينا ناصحا، کما هو حال اختياره للولاة، وذكر سبب ذلك «فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ، وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ «ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأرْزَاقَ فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاَحِ أَنْفُسِهِمْ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ، ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لأمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الأمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ. وَتَحَفَّظْ مِنَ الأعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِيانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ».
وواضح عودة الضمير في (هم) اليهم «قوة لهم... وغنى لهم... وحجة عليهم وواضح اسباب الاهتمام بهم فلا يحتاج الى تفسير، وتجدر الاشارة الى الاهتمام البالغ
من قبل الامام الى (العمال (الموظفين) فیتلافي الامام الضرر والفساد بقوله (اسبغ الارزاق عليهم) «ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من اهل الصدق والوفاء عليهم» فيعد مبدأ التفتيش عن الموظفين كما هو حال القضاة(1).
قال في حقهم وفي سياق كلامه عن اصحاب الجمل: «فقِدموا على عمالي، وخُزَّان بيت مال المسلمين الذي في يدي، وعلى أهل مصر، كلهم في طاعتي وعلى بيعتي، فشتتوا كلمتهم، وأفسدوا علىّ جماعتهم، ووثبوا على شيعتي، فقتلوا طائفة منهم غدرا»(2)أضاف ياء المتكلم للفظ (عمالیّ)؛ لينسبهم اليه، وعطف عليهم لفظ (خزّان بیت مال المسلمين) وخزّان علی زنة (فُعّال) الذي يدلُّ على المبالغة والكثرة؛ فمجيئه بهذا البناء يدلُّ على كونهم أفضل العمال وأنقاهم، وأوصى الامام بجملة من الأمور التي تتعلق بانتخاب طبقة العمال: فيجب ان يكونوا من أهل البيوتات الصالحة إذ نجد فيهم کرم الاخلاق وصيانة العرض وقلة الطمع والحلم والتأني في عواقب الامور(3).
أوصى بأن تسبغ الأرزاق والرواتب عليهم، کیلا تتعرض نفوسهم للاختلاس من أموال الخراج فهم (وكلاء الامة وسفراء الائمة)، وتوخُ منهم أهل التجربة والحياء، من أهل البيوتات الصالحة «فالتجربة المعرفة شرط اساسي للكفاءة، واضيف اليها الأمانة.
انتقل الإمام بعد حديثه عن (الجنود، والقضاة، والعمّال) الى الخراج، والعمالة: أجر ما عمل لك. والمعاملة: مصدر عاملتهُ، وقولنا: أعطه أجر عملته وعمله(1).
فالعين والميم واللام أصل صحيح واحد، وهو عام في كل فِعلٍ يُفعَل، والعمالة: أجر ما عمِل، والمعاملة: مصدر من قولك عاملته، والعَمَلة: القوم يعملون بأيديهم ضروباً من العمل(2).
قال امامنا (عليه السلام): «وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاَحِهِ وَصَلاَحِهِمْ صَلاَحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ، لاِنَّ النَّاسَ کُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ. وَلْيَکُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الاْرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ، لاِنَّ ذَلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ؛ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة. أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً، فَإِنْ شَکَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْب أَوْ بَالَّة أَوْ إِحَالَةَ أَرْض اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ، وَلاَ يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَؤُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلاَدِكَ، وَتَزْيِينِ وِلاَيَتِكَ، مَعَ اسْتِجْلاَبِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ، وَتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ، وَالثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الاْمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الاْرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لاِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاَةِ عَلَى
الْجَمْعِ، وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ»(1).
والخراج هو المصدر الوحيد في عصره لخزانة الحكومة وما يقوم مقام المصارف من سد (أرزاق الجند، رواتب العمال والخدم). ومراده ب (تفقد أمر الخراج) استيفاؤه من قبل الجُباة کاملاً من دون زيادة أو نقصان، لأنّ نقصانه ظلم يضر مصالح الرّعية، وزيادته يضرُّ من يدفعه، فأوصى عماله بالرفق والاستماع للمصالح. الفرق بين الخِرجِ والخَرَاج هو أنَّ الخَرجَ: ماتبرعت به، أمَّا الخَراج: مالزمك أداؤه، قال بعضهم: الخرج من (الرؤوس) والخَراج من الأرض، وهذا يعني أنَّ الخَرجَ مبلغ غير منتظم. وغير متكرر يُدفَع إلى شخص مُعَيَّن مقابل تقديم خدمة عليه قال تعالى: «قالُوا یا ذَا الْقَرْنَیْنِ إِنَّ یَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِی الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً»(2)، أمَّا الخَراج فهو مبلغ معلوم يُدفَع بصورة منتظمة، ومتكررة في نهاية كلِّ حولٍ أو محصولٍ من قبل مستثمري الأرض إلى الدولة(3).
قال الطريحي: (إنّ اسم الخراج يطلق على الضريبية، والفيء، والجِزية، والغلة، ومنه خراج العراقين)(4).
ولنا في الخراج أنواع:- (الزَّكاة، الخُمُس، الجِزية، الفيء، الغنيمة)(5)، ويُعَدُّ أحد واردات الدولة الإسلامية وهو «الضَريبة التي كانت تُدفَع لخزينة الدَولة عن الأراضي
التي احتلها المسلمون حتى لو أسلم صاحبها. ويَختَلفُ مقدار الخَراج بحسب نوعية الأرض وطريقة ريعها واستغلالها ونوعية المحصول. وكانت هذه الضَّريبة عادةً تُفرَض على محاصيل الحبوبِ والأشجار المُثمِرة. وكانت تُدفَعُ سَنَويا بعدَ المَوسِم»(1).
استعمله الإمام (عليه السلام) للدَّلالة على (خَراجِ الأرض)، قائلاً في كتابه السابق إلى الصحابي الأشتر النَخَعَي (عليهما السلام): «وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیَةِ وَالْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ»(2)، إذ فضَّل الإمام (عليه السلام) هنا الناس إلى طبقات: وذكر أرباب الخَراج من المسلمين، وخصً بصرف الخراج الجُند والقُضَاة والعُمَّال والكُتَّاب؛ لما يحكمونه من المَعاقد، ويجمعونه من المنافع، ولابدَّ لهم جميعا من التُّجار لأجل البَيع والشِّراء الذي لاغناء عنه(3).
إذ قال: «ثُمَّ لَاقِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلَّا بِمَا یُخْرِجُ اللّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِی یَقْوَوْنَ بِهِ عَلَی جِهَادِ...... وَلْيَکُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الاَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ، لاَنَّ ذَلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً»(4). فضَّل باسم التفضيل (أبلغ) عمارة الارض على استجلاب الخراج.
إذ لا حياةَ للدَّولة ولا الجنود أو أية هيأة أو فردٍ إلاَّ بالنفقة الكافية لسدِّ الحاجات، ومن البديهي أنَّه لا موارد للدولة إلاَّ بفرض الضَّرائب وجبايتها وقد أقرَّ الإنكليزي الاقتصادي (آدم سمث) شروطاً أربعة للضِرائب: فتفرض على النَّاس بنسبة قدرتهم
على تحملها، وتنطبق على (فريضة الخُمس والزَّكاة والجِزيَة) في الإسلام وأن تكون معينة، وأن تُجبَی بدون إزعاج وتُنتَظم بحيث لا تُكلِف الشَّعب إلاَّ الضَروري لخزينة الدَّولة(1).
دعوة الإمام (عليه السلام) للصحابي مالكٍ (رضوان الله عليه) حين ولَّاه إدارة شؤون مصر الإهتمام بأرباب الخراج (وهم المستثمرون الزراعيون)؛ لأن الأراضي التي عليها الخَراج أراضٍ واسعة تتميز بالخصوبة وزراعة المحاصيل المهمة ك (الحِنطة والشَعير والتَّمر والزَبيب) إذ يتحقق للدَّولة فيها مورداً كبيراً، لذا أكد الإمام (عليه السلام) أهمية تفقد أمر الخَراج (فعلى العمال أن ينصفوا الناس من أنفسهم ويصبروا على قضاء حوائجهم فهم خزان الرّعية ووكلاء الامة، فالإمام (عليه السلام) يقرأ المستقبل إذ يبصر نهاية الأحداث قبل بدايتها فالنتيجة ستكون خراب البلاد أو صلاحها، وأوصى الإمام (عليه السلام) بعمارة الأرض أكثر من إستجلاب الخراج. وهو عهد من الرَّاعي إلى رعيته فالأمَّة عيال على الخراج، فأعطى للخَراج قيمته، وطريقة صرفه فإن إهتمّ بالأرض وعمارتها تيسَّر الرِّبح، وانتقل هنا من سياق حديثه عن العُمَّال إلى ذكر أرباب الخراج، فقال: تفقد أمرهم، لأنَّ الناس عيال عليهم، وكان يقول: استوصوا بأهل الخَراج؛ فإنَّكم لا تزالون سمانا ما سمنوا. ورُفِعَ إلى انوشروان(2)أنَّ عامل الأهواز قد حمل من مال الخراج ما يزيد على العادة؛ وربما يكون ذلك قد أجحف بالرَّعية، فوقع: يرد هذا المال على من قد استوفي منه؛ فإنَّه تكثير الملك ماله بأموال رعيته بمنزلة من يحصن سطوحه بما يقتلعه من قواعد بنیانه،
ثم قال: «فان شکوا ثقلا» أي: ثقل طسق. وهو شبه الخراج له مقدار معلوم؛ وليس بعربي خالص، ويعني الخراج المضروب عليهم، أو ثقل وطأة العامل وارتفاع نسبة الخراج. قال: «أو عِلة «كإصابة الغلة آفة كالجراد أو البرق أو البرد أو إنقطاع شربٍ: نقص المياه في الأنهار، أو مطرٍ أو إحالة الأرض أو اتلفت بالعطش أو بالة، قلة مياه الأمطار، فإن لحَقَها ذلك فأمرهم بالتخفيف، وهو بمنزلة التِجَارة التي لابدَّ فيها من إخراج رأس المَّال وإنتظار عوده ورِبحِهِ(1).
فإن شكوا (ثقلاً): إرتفاعا في نسبة الخراج إلى حجم الإنتاج، أو (عِلَّةً): الأمراض التي تصيب المحاصيل الزراعية، والظروف الجوية والمناخية التي تُمِيتُ المحاصيل، أو إنقطاعاً في المياه المتأتية من الأنهار، أو بالة: نقصاً في مياه السَّقي من الأمطار؛ لقلتها، أو تلفاً في المحاصيل بفعل الأمطار الغزيرة، أو (عطشًا) بسبب الجفاف.
فإنَّ نسبةَ الخراج ستقل إلى الحَد الذي يُغَطي التكاليف والخَسائر، فمعظم الجباية إنَّما هي من الفلاحين والتُّجار، فإن إنقبضَ الفلاحون عن الفِلاحة، وقعدَ التُجَّار عن التِجارة ذهبت جملةً، والدَّولة هي السُّوق الأعظم للعالم، ومعظم السَواد، ونفقاتهم أكثر أمادة للاسواق، وتضاعف الأرباح في المتاجر، فيقل الخراج لذلك، لأنَّ الخراج والجباية في الإعتماد، والمعاملات عائد بالطبع على الدَولة بالنقص؛ لِقلتِه عند السَّلطان بقلةِ الخَراج(2).
وأوصى الإمام (عليه السلام) العاملين على جباية الخَراج والصَدَّقات بآداب عامة تتضح في قوله: «إنطلق إلى تقوى الله وحده لاشريكَ له، ولاتروعَنَّ مُسلِماً، ولا تجتازَنَّ علیه کارِهاً، ولا تأخذَنَّ منه أكثر من حقِّ اللهِ في مالهِ، فإذا قدمتَ على الحَيِّ فانزل بمائِهم
من غير أن تخالطَ أبياتهم، ثم أمضِ إليِّهم بالسَّكينةِ والوقارِ حتى تقومَ بينهم فتسلم عليهم، ولا تخدج بالتحيةِ لهم، ثم تقول، عبادُ الله أرسلني إليكم وليُّ الله وخليفته لآخذَ منكم حقُّ الله في اموالكم، فهل لله في أموالكم حق فتؤدوه الى وليه. فان قال قائل، لا، فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه فلا تخيفه، او توعده، او تعسفه، أو ترهقه فخذ ما أعطاك من ذهبٍ أو فضةٍ فاذا كان له ماشية او ابل فلا تدخلها إلا بإذنه»(1)فوصف الإسلام حق الله ما فرضه الشرع للمجتمع من ضرائب وهي لبيت المال تُوزع على الرَّعية بالعدل، فخاطب عامله آمرا له بالإنطلاق على بركة الله حتى يحسن في التصرف مع أهل الخَراج، وألاَّ يسيء إليهم بالترويع والتهديد والتخويف، أو بالتسلط عليهم وإكراههم على دفع حقوق الله والاعتداء بأخذ الأكثر من المقرر، ثم فصَّل ذلك قائلا: بأن عليه ألاّ يسكن في بيوتهم؛ بل ينزل في مائِهم (خارج بيوتهم) للسلامة له من أية إشاعة أو قول يُساء إليه، إذ أنَّ السَّکَن بين البيوت يُعَرِّضه إلى التعرف على الأمور والأسرار التي لا يرغب سُكان الحَيِّان يفشوها الى الغرباء، فذلك مِمَّا يُعَزِّز مكانة المسؤولين (الجُبَاة) ويجعل لهم هيبة في عيون الناس والخليفة، ومثال على ذلك رفض الإمام (عليه السلام) التصرَّف الذي قام به عثمان بنُ حنيف وهو عامله على البصرة؛ إذ دُعي من قبل أهالي البصرة على وليمة فقبلها، ومما لاشكَ فيه أنَّ هنالكَ أموراً ترتبت على قبول هذه الدَّعوة(2).
فالخرجُ والخَراج: «ما يخرج من المَّال في السَّنة بقدرٍ معلومٍ»(3).
قال ابن فارس: (الخاء والراء والجيم أصلان، وقد يمكن الجمع بينهما، إلاَّ أنا
سلكنا الطريق الواضح. فالأول: النفاذ عن الشيء. والثاني: اختلاف لونين. فأما الأوّل فقولنا خرج يخرج خروجا. والخراج بالجسد. والخراج والخَرج: الإتاوة؛ لأنه مال يخرجه المعطي»(1).
والخَرج والخَرَاج، واحد عند بعض اللغويين: وهو شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم(2).
قال الزجاج: الخرج المصدر، والرعية تؤدى الخرج الى الولاة، والخَرج واخراج: الإتاوة: «وهي هديةُ المَلَللِك»(3).
وفي علم المالية الحديث: «هي مبلغ من المال يفرض جبرا على مالك العقار بنسبة المنفعة التي عادت إليه من الأعمال العامة التي قامت بها الدولة أو الهيئات المحلية، ولفظ الأتاوة غير مستعمل عند الفقهاء؛ بل المستعمل عندهم: الكلف السلطانية، النوائب، المكوس، المغارم، الضرائب(4).
وفَسَّر ابن الأثير «الخَراج بالضَمَّان» قائلا: «يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدا کان او امة او ملكا، وذلك أن يشتريه فيستغله زماناً، ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه، او لم يعرفه فله رد العين المبيعة واخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله، لان المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء(5).
ويجمع على أخراج واخاریج وأخرجة. وفي التنزيل: «أم تَسئلُهُم خَرَجَاً فَخَرَاجُ
رَبِّكَ خَيرٌ وَ هو خَيرُ الرَّازقين»(1).
قال الزجاج: الخراج الفيء، والخرج الضريبة والجزية، وقريء: ام تسألهم خراجا، قال الفراء: ام تسألهم اجراً على ما جئت به، فأجر ربك وثوابه خير. والخرج أعمُّ من الخَراجو جعل الخَرج بإزاء الدَّخل(2).
قال تعالى: «قَالوا یَا ذَا الْقَرْنَیْنِ إِنَّ یَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِی الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَی أَن تَجْعَلَ بَیْنَنَا وَبَیْنَهُمْ سَدّاً»(3)وقيل: العبد يؤدی خرجه أي غلته والرعية تؤدى الى الامير الخراج. وفي الإصطلاح الفقهي: حقوق تؤدى عنها إلى بيت المال، ذلك ان الفلاحين الذين يعملون فيها قد اکتروها بغلة معلومة، «ولیکن نظرك في عمارة الارض......» فالعناية بالارض وزراعتها هو المخرج لحل الازمة الاقتصادية وهو المورد الاول لبيت المال، فالعمران محتمل ماحملته فعلى الدولة ان تهتم بالمزارعين فهم الذخر الحقيقي(4).
انتقل الامام عليه السلام هنا الى ما يصلح امر الامة وركناه (التجارة والصناعة) فبدأ بالجند، ثم القضاة، والعمال والموظفين، ثم أهل الخراج، والكُتّاب، وجعل الطبقة السادسة عن (التُّجار وأهل الصناعة)، اذ حثنا ديننا الحنيف على هذين العملين. قال الإمام (عليه السَّلام) بعد أن ذكر الطبقات: «ولاَ قِوَامَ لَهُم جَمِيعاً إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي
الصِّنَاعَاتِ، فِیما یجْتَمِعُونَ عَلَیهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ وَیقِیمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَیکْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَیدِیهِمْ مَا لَا یبْلُغُهُ رِفْقُ غَیرِهِمْ»(1).
والتَّجرُّ والتِّجارةُ بمعنى واحد وهو الجمع من تاجِر، أرضٌ مَتجَرةٌ: يُتجَرُ إليها(2).
فالتاء والجيم والراء: التجارة معروفة، يقال تاجر و تَجرٌ بمعنى واحد(3).
أمَا الصِّناعةُ: فالصُّناع: هم الذين يعملون بأيديهم، وامرأة صَناعٌ: الصناعة الرقيقة بعمل يديها، والمصانع: ما يصنعه العباد من الأبنية والآبار والأشياء(4).
فالصاد والنون والعين أصل واحد صحيح، وهو عمل الشّيء صُنعاً. وامرأة صَناع ورجلٌ صَنَعٌ اذا كانا حاذقين فما يصنعانه(5).
فالتِّجارة: التصرف في رأس المال لطلب الربح(6).
فبدأ ب (التجار وذوي الصناعات) فأوصى واستوصی بهم، قائلاً: «ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِی الصِّنَاعَاتِ، وَ أَوْصِ بِهِمْ خَیْراً: الْمُقِیمِ مِنْهُمْ، وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ، وَ الْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ، وَ أَسْبَابُ الْمَرَافِقِ، وَ جُلاَّبُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَ الْمَطَارِحِ، فِی بَرِّكَ وَ بَحْرِكَ، وَ سَهْلِكَ وَ جَبَلِكَ، وَ حَیْثُ لاَ یَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا، وَ لاَ یَجْتَرِءُونَ عَلَیْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَاتُخَافُ بَائِقَتُهُ وَصُلْحٌ لَاتُخْشَی غَائِلَتُهُ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِی حَوَاشِی بِلَادِكَ».
وَ اعْلَمْ مَعَ ذلِكَ أَنَّ فِی کَثِیرٍ مِنْهُمْ ضِیقاً فَاحِشاً، وَشُحّاً قَبِیحاً، وَاحْتِکَاراً لِلْمَنَافِعِ، وَتَحَکُّماً فِی الْبِیاعَاتِ، وَذلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَیبٌ عَلَی الْوُلَاةِ. فَامْنَعْ مِنَ الْإِحْتِکَارِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّی اللَّهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسلَّم) مَنَعَ مِنْهُ. وَلْیکُنِ الْبَیعُ بَیعاً سَمْحاً: بِمَوَازِینِ عَدْلٍ، وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِیقَینِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ. فَمَنْ قَارَفَ حُکْرَةً بَعْدَ نَهْیكَ إِیاهُ فَنَکِّلْ بِهِ، وَعَاقِبْهُ فِی غَیرِ إِسْرَافٍ»(1).
أوصاف وصف بها أهل التجارة فتدلُّ دلالة قاطعة على أنَّ أكثرهم كانوا من الكادحين لسد حاجتهم والعيش بأمان، واستوص فعل لمفعول محذوف تقديره: أوصِ نفسك، (وأوص بهم خيرا) حذف للمفعول اي او ص عمالك، ولفظ (المقيم وما بعده بدل من مفصل من مجمل، والمبدل منه الضمير (بهم)، وبيعاً: مفعول مطلق لبيع.
وقسَّم أنواع التُّجار الى (المضطرب بماله: وهو الذي يدور بماله من بلد الى آخر للكسب، فيجعل ماله متاعا يدور به في البلاد اللبعيدة يعرض نفسه للخطر، و (المترفق ببدنه) العامل بعضلاته، (فانهم مواد المنافع واسباب المرافق) وجاءت (المواد) جمعا تفيد العموم، و (المنافع) جمعا معرفا مفيدا للاستغراق، فالتجارة تحتاج الى الامتعة والى الاسواق التي تباع فيها، فيؤخذ بدلها متاعا اخرا(2).
وجعل للفظي (أستوص، وأوص) لأنّهم يصنعون ما تحتاجه الرَّعية من کساء أو غذاء، فعلى الراعي ان يهتم بهما، وبيَّن السبب «فإنَّهم مواد المنافع، وأرباب المرافق، وجُلابها من المباعد والمطارح «ينقلون سلع البلاد التي تزيد عن حاجة أهلها إلى بلاد أخرى(3).
«فانهم سلم لا تخشی بائقته وصلح لا تخشى غائلته»(1)، فالتجار والصُّناع (سِلمٌ) مما يدلُّ دلالة قاطعة على انَّهم في ذلك الوقت من الكادحين ممن يعيشون بکدِّ اليمين، لايثيرون الفتن، ولايتأمرون مع الأعداء فهم سبب لاستقرار الصلح العالمي والعام بين الشعوب. فالروابط التجارية تفيد الشعوب وتنشأ بينهم رابطة تجارية على أساس تبادل المنافع والحوائج وهي أخوية وودية، وفسرت (البائقة) بالداهية فالتجارة الحرة ليس فيها دهاءٌ ومكرٌ، وأمر بتفقد أحوال التجار لتوصيته لهم بالخير، في بلادهم وفي الطرق والأماكن البعيدة. وفي الوقت الذي يوصي بهم فهو يحذر وينبه على ألَّا يحتكروا بالمصالح العليا فيخزنون السلع، ويعدُّ من عيوب الولاة «واعلم - مع ذلك - أنَّ في كثيرٍ منهم ضيقاً فاحشاً، وشُحَّاً قبيحاً»(2)ف (الضيق الفاحش): حبا بالغا في جلب المنافع، و (شحا قبيحا): يمنع من السماح على سائر الأفراد بما يزيد على حاجته (و احتکارا للمنافع) بلا حد ولاحساب، (و تحكما في البياعات) يؤول ذلك الحرص الى تشكيل شركات، وانحصارات جبارة فيجمعون حوائج الناس بقوة رؤوس اموالهم. وهو باب مضرة للعامة: أعظم من الأسر الاقتصادي، وعيبٌ على الولاة: أشنع من تسليم الأمة إلى هذه الأسر.
وعطف على قوله (الضيق الفاحش) قوله (تحكما في البياعات)، وهو جمع معرَّف ب (ال) يفيد العموم، في التحكم في البياعات والتسلط على الاسواق.
وقد جاءت التجارة في عهد الإمام حاملة المعنى المجازي، إذ لا يراد بها التعاملات السُّوقية ک (الرِّبح والخسارة)؛ بل المراد بها الربح المجازي المتحصل بالثواب، والأعمال الصَّالحة سواء أكانت الدنيوية منها أم الاخروية وقال (عليه السَّلام) في
خطب الملاحم متحدثا عن فتنة بني امية: «مالي أراكم أشباحاً بلا أرواح، وأرواحاً بلا أشباح، ونُسَّاکا بلا صَلاح، وتُجَّارا بلا أرباح»(1).
وقد قسم العباد على ثلاثة أقسام: قسم للرغبة في الحصول على منفعة، وهذه عبادة تشبه حالة التاجر الذي يبتغي الربح في تجارة، وآخرون يعبدون خوفا، ولو لم يخافوا لما عبدوه وحالتهم هذه كحالة العبد الذي يخاف من سيده فيطيعه، اما العبادة الحقيقية فهي العبادة المبنية على أن الله (سبحانه وتعالى) يستحق العبادة سواء أنعم أم لم ينعم.
تعرض الإمام (عليه السّلام) الى هذه الطبقة فوسمها ب (الطبقة السفلى) وتتألف من الجماهير الشعبية ممَّن هم عاجزون عن الحيلة والاكتساب وهم (المساكين والمحتاجون وأهل البؤس والزمانة، وقسّمهم على ثلاثة أصناف (القانع): السائل الحاجته والمعتر: السَّيء الحال ممن لا يسأل حاجته بلسانه «ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْکنَةِ الَّذِینَ یحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ. وَفِی اللهِ لِکلّ سَعَةٌ، وَلِکلّ عَلَی الْوَالِی حَقٌّ بِقَدْرِ مَا یصْلِحُهُ.
وَلَیسَ یخْرُجُ الْوَالِی مِنْ حَقِیقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللهُ مِنْ ذَلِك إِلاَّ بِالاِهْتِمَامِ وَالاِسْتِعَانَةِ بِاللهِ، وَتَوْطِینِ نَفْسِهِ عَلَی لُزُومِ الْحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَیهِ فِیمَا خَفَّ عَلَیهِ أَوْ ثَقُلَ»(2)فقد أوصى فيهم (بحفظ حقوقهم، جعل لهم قسما من بیت المال، جعل لهم قسما من صوافي الاسلام، فذهب ابن ابي الحديد الى القول فيها هي الاراضي التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكانت صافية لرسول الله فلما توفي اصبحت للفقراء وما يراه
الامام من مصالح الاسلام، ثم أوصى بالطبقة الثالثة الى (الايتام، والمعمرون)(1).
فقال: «ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِی الطَّبَقَةِ السُّفْلَی مِنَ الَّذِینَ لَاحِیلَةَ لَهُمْ مِنَ الْمَسَاکِینِ وَ الْمُحْتَاجِینَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَی وَالزَّمْنَی، فَإِنَّ فِی هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً، وَاحْفَظْ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِیهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَیتِ مَالِكَ، وَقِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِی الْإِسْلَامِ فِی کُلِّ بَلَدٍ، فَإِنَّ لِلْأَقْصَی مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِی لِلْأَدْنَی، وَ کُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِیتَ حَقَّهُ، فَلَایشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ، فَإِنَّكَ لَاتُعْذَرُ بِتَضْییعِكَ التَّافِهَ لِأَحْکَامِكَ الْکَثِیرَ الْمُهِمَّ. فَلَاتُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ، وَلَاتُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَایصِلُ إِلَیكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُیونُ وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ، فَفَرِّغْ لِأُلئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْیةِ وَ التَّوَاضُعِ، فَلْیرْفَعْ إِلَیكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ اعْمَلْ فِیهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَی اللَّهِ تَعَالَی یوْمَ تَلْقَاهُ، فَإِنَّ هؤُلَاءِ مِنْ بَینِ الرَّعِیةِ أَحْوَجُ إِلَی الْإِنْصَافِ مِنْ غَیرِهِمْ، وَکُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَی اللَّهِ فِی تَأْدِیةِ حَقِّهِ إِلَیهِ.
وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْیتْمِ وَذَوِی الرِّقَّةِ فِی السِّنِّ مِمَّنْ لَاحِیلَةَ لَهُ، وَلَا ینْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَذلِكَ عَلَی الْوُلَاةِ ثَقِیلٌ، وَ الْحَقٌّ کُلُّهُ ثَقِیلٌ؛ وَقَدْ یخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَی أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ. وَاجْعَلْ لِذَوِی الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِیهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً، فَتَتَوَاضَعُ فِیهِ لِلَّهِ الَّذِی خَلَقَكَ، وَتُقْعِدَ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ، حَتَّی یُکَلِّمَكَ مُتَکَلِّمُهُمْ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ، فَإِنِّی سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله) یَقُولُ فِی غَیْرِ مَوْطِنٍ: لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّهٌ لَا یُؤْخَذُ لِلضَّعِیفِ فِیهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِیِّ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ». ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِیَّ، وَنَحِّ عَنْهُمُ الضِّیقَ وَالْأَنْفَ، یَبْسُطِ اللَّهُ عَلَیْكَ بِذلِكَ أَکْنَافَ رَحْمَتِهِ، وَیُوجِبُ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ،
1) ظ: منهاج البراعة: 20/ 242، وظ: الديباج الوضي: 5/ 2570
وَأَعْطِ مَا أَعْطَیْتَ هَنِیئاً وَامْنَعْ فِی إِجْمَالٍ وَإِعْذَارٍ!»(1).
جاء تعبير الامام (عليه السلام) (الطبقة السفلى) ويلحظ شدة حرص الامام على هذه الطبقة؛ لضعفهم وعدم امتلاك حاجاتهم. وقد أخذ الامام (علیه السلام) الفاظ القانع، والسائل، والمعتر من قوله تعالى: «وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»)(2).
والمحتاجين: الحاء والواو والجيم أصل واحد، وهو الاضطرار الى الشيء. فالحاجة واحدة الحاجات(3).
وأهل البؤسى: الباء والهمزة والسين أصل واحد، الشدة وماضارعها، ويقال: رجل ذو بأس وبئيس شجاع، فإن نعته بالبؤس قلت بَؤُسَ، وهي الشدة في العيش(4).
الزّمني: الزَّمني في الذكر والانثى، وأزمن الشّيء: طال عليه الزمن(5).
فالزاء والميم والنون أصل واحد يدلُّ على وقت من الوقت. من ذلك الزَّمان، وهو الحين، قليله وكثيره. يقال زمانٌ وزَمَن وجمعه أزمنة، والزّمانة التي تصيب الإنسان فتُقعِدهُ(6).
القانع: القاف والنون والعين أصلان صحيحان، أحدهما يدلُّ على الإقبال على
الشيء، ثم تختلف معانيه مع اتفاق القياس؛ والآخر يدلُّ على استدارة في شيء، فالأول الإقناع: الإقبال بالوجه على الشيء، والإقناع: مَدُّ اليد عند الدُّعاء. وسمِّي بذلك عند إقباله على الجهة التي يمدُّ يده إليها(1). والقناعة: الاجتزاء باليسير من الأعراض المحتاج اليها، وهو السائل الذي لايلحُ في السؤال ويرضى بما يأتيه لقوله تعالى: «فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»(2).
والعين والتاء والراء أصل صحيح يدلُّ على معنيين، أحدهما الأصل والنِّصاب، والآخر التفرُّق. فالأول ما ذكره الخليل أن عِترَ كلِّ شيء نصابه، والثاني الذي يقال له المَرزَنجُوش، وهو لا ينبت الا متفرقا(3)، وجاءت (من) بيانية، ولفظ الجلال (الله) المكرر منصوب على التحذير، والمضاف اليه بعد (كل) وتقديره (هم): وكلهم قد استرعيت حقّه.
«واجعل لذوي الحاجات منك قِسما تُفرِّع لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشُرَطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول في غير موطن: (لن تُقَدَّس أمَّةٌ لا يؤخذُ للضعيف فيها حَقهُ من القوي غير متتعتعٍ»(4).
ذوي الحاجات: (أهل المسكنة) وعطف عليها بقوله (الفقر) وأختلف في معنى (الفقر): فقيل: هو من لا مال له ولا كسب، والمسكين: له مال او كسب لكنه لا يكفيه(5).
وقيل بل هو العكس، فالفقير له مال لايكفيه، والمسكين أشدُّ فقرا منه(1).
وقد ذهب شُرَّاح النهج الى اتجاهين في تعريفهم لهذه اللفظة؛ فقيل: هي تدلُّ على شدة الفقر، وقيل: تدل على خمول القدرة وركة الهمة(2).
قال ابن فارس: (الحاء والواو والجيم اصل واحد، وهو الاضطرار الى الشيء)(3).
وفرق اللغويون بين (الحاجة والفقر) فالحاجة: القصور عن بلوغ المطلوب، والفقر:
والزمانة: العاهة، وهي العلل والأمراض التي تصيب الانسان، وقد تصيب الحيوانات وهو جمع وواحده زَمين، فخصص لهم الامام جزءا من بيت مال المسلمين ومن غلات اراضي الخراج، وذهب شرّاح النهج الى أنّه المتعرض للناس دون سؤالهم(4).
فالحرس: حرس السلطان، وهو اسم مفرد بمعنى الحُرّاس كالخدّام، و (الشرط): قوم من أعوان الحكومة يعلّمون أنفسهم بعلامات الخدمة يعرفون بها، المحتاجين والذين يشتكون.
«واجعل لهم قِسماً من بيت مالك «أمر الامام أن يكون لهؤلاء قسما او نصيبا من ميزانية الدولة فيكون حقا مفروضا كرواتب الجنود والقضاة، و «قِسماً من غلات صوافي الاسلام في كل بلدٍ «والمراد ب (صوافي الاسلام): الأموال المشاع بين المسلمين كافة، ولا تختص بسهم النبي، وهذا ما فهمه ابن ابي الحديد، إذ عاش الامام (عليه السّلام) مع المساكين، يشعر بالامهم ويوصي بهم(5).
بعد هذه الرحلة الموجزة مع الفاظ طبقات الرّعية في عهد الامام (عليه السلام) الى الصحابي الجليل مالك الاشتر (رضوان الله عليه) نوجز أهم ماتوصل اليه بحثنا من نتائج وهي:
أن الإمام (عليه السلام) وضع تقسيم اجتماعي خاص للطبقات، فاليه يرجع الفضل في تقسيمها؛ إذ وضع حماة البلاد وهم الجنود أولى طبقاته وتعليله لذلك.
أولى كل طبقة ماتستحقه وضمن حقها في العيش بسلام وأمان وحرية واطمئنان، وذلك بتوفير الخراج لتوزيعه كمعاش لمختلف الطبقات.
اعطی صفات خاصة لكل طبقة من الطبقات وما ذلك الا لتأكيده على أهمية الصفات الانسانية في المجتمع الاسلامي.
بدأ بطبقة الجنود؛ لأنها الطبقة الاكثر اهمية في حفظ عرض البلاد وصيانتها من الاعتداء الخارجي، وجعل طبقة الفقراء والمحتاجين آخرها، لأنها لاتقوم ولاتتكل الا على الطبقات المتقدمة.
يعد عهد الامام (عليه السلام) وثيقة دولية لمختلف شرائح المجتمع فقد تضمن الحقوق والحريات الواجب تنفيذها من قبل الوالي الى رعيته، وفي مقابل ذلك ضمن واجبات الرعية الى الامة.
ونوصي في نهاية البحث ونأمل من الله (سبحانه وتعالى) ومن اللجنة العلمية لهذا المؤتمر أن يحظى هذا العهد بأهمية كبيرة من حيث الدراسة والبحث، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه المنتجبين.
خير ما يبتدئ به القرآن الكريم.
الأحكام السلطانية: لأبي يعلى محمد بن الحسين الفرّاء الحنبلي (ت 458 ه)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 2000.
الإسلام والاقتصاد: الإسلام والاقتصاد (دراسة في المنظور الإسلامي لأبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة): عبد الهادي علي النجار، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 1978.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي: لناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي (ت 691 ه) تحقيق: محمد عبد الرضا المرعشلي، دار احياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي، بيروت، د. ت.
الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي ابو عبد الله محمد بن احمد الانصاري (ت 671 ه)، دار الشعب - القاهرة، د. ت.
الخطاب في نهج البلاغة (بنيته وأنماطه ومستوياته دراسة تحليلية): د. حسين العمري، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 2010.
الديباج الوضي في الكشف عن اسرار كلام الوصي «شرح نهج البلاغة» لابي الحسين يحيى بن حمزة بن علي الحسيني (ت 749 ه، تحقيق: خالد بن قاسم بن محمد المتوكل، ط 1، 2003.
رسائل الامام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة: دراسة لغوية، رملة خضير مظلوم البديري، العتبة العلوية المقدسة، 2011، - موسوعة الرسائل الجامعية.
السياسة المالية في عهد الإمام علي (عليه السلام): السياسة المالية في عهد الامام علي: رضا صاحب ابوحمد، ط 1، مركز الامير لاحياء التراث الاسلامي، 2006.
شرح نهج البلاغة: البحراني شرح نهج البلاغة: كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني (ت 679 ه)، ط 1، دار الثقلين، بيروت - لبنان، 1999.
شرح نهج البلاغة: عز الدين ابو حامد عبد الحميد بن هبة الله المدائني الشهير بابن ابي الحديد (ت 656 ه) تحقيق: محمد ابو الفضل ابراهيم، ط 1، دار الكتاب العربي، العراق - بغداد، 2005.
علي وحقوق الانسان: جورج جرداق، الدار العربية للموسوعات، ط 1، 2006
العين: لابي عبد الرحمن الخليل بن احمد الفراهيدي (ت 100 175 ه)، تحقيق: د مهدي المخزومي ود. ابراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، د. ت.
في ظلال نهج البلاغة - محاولة لفهم جديد - محمد جواد مغنية، تحقيق: سامي الغريري، دار الكتاب الاسلامي، 2005 14. كتاب سيبويه: لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر: تحقيق: عبد السلام محمد هارون، 1999 15. لسان العرب: لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الافريقي المصري، تح: عبد الله علي الكبير ومحمد احمد حسب الله وهاش-م محمد الشاذلي، دار صادر، بيروت لبنان (د. ت) 16. مجمع البحرين: فخر الدين الطريحي (ت 1085 ه) تحقيق: أحمد الحسيني، ط 1، دار الكتب العلمية، النجف، 1386 ه.
المرجع في الحضارة العربية الاسلامية: ابراهيم سلمان الكروي وعبد التواب شرف الدین، ط 2، ذات السلاسل، الكويت، 1987 18. معاني القرآن: لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرّاء (ت 207 ه)، ط 3، عالم الكتب، بیروت، 1933.
معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء: د. نزيه حماد، ط 1، 2008.
المفردات في غريب القرآن: لابي القاسم الحسين بن محمد المعروف ب (الراغب الاصفهاني)،، نزار مصطفى الباز، د. ت.
مقاييس اللغة: احمد بن فرس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الكتب العلمية، د، ت.
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، لميرزا حبيب الله الهاشمي الخوئي، تحقيق: علي عاشور، ط 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، 2003 23. النهاية في غريب الحديث والأثر: النهاية في غريب الحديث والاثر: مجد الدين السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الاثير، ط 1، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، 1421.
نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه: كاظم محمدي ومحمد دشتي، ط 1، دار التعارف للمطبوعات، 1990
قال الإمام عليّ:
((و أَشعِر قلبكَ الرّحمةَ للرعيّةِ، والمحبَّة لهم، واللطفَ بهمِ، ولاتكونَنّ عليهم سبُعًا ضاريًا تغتَنِمَ أكلهُم، فإنّهم صنفان أمّا أخ لك في الدينّ، وأمّا نظيرّ لك في الخلقِ)) دراسة تحليلية في ضوء اللسانيات التواصليّة الدكتور حسين صالح ظاهر
اتسم البحث اللغويّ الحديث بمحاولات تنظيرية موسوعية حاولت أن تصف اللغة والعمليات الذهنية التي يتبعها المتكلم للإنتاج الكلام، ونقطة انطلاق هذه التوجهات كانت آراء سوسير اللغوية الذي ربط اللغة بالمجتمع متأثرا بالاتجاه الاجتماعي في علم النفس، تبع ذلك محاولات من أشهرها الآراء التوليدية التحويلية على يد (تشومسكي) وتلامذته، وبقيت في واجهة البحث اللغوي حقبة طويلة نسبيا؛ لأنّها مرّت بأطوار مختلفة من التعديلات المستمرة في محاولة الوصول إلى منهج محدد يلمّ بجوانب اللغة كلها، وكان الأساس في بحثها هو الكلمة المفردة، أو العناصر اللغويّة؛ وكل مراحلها كانت تحاول وصف الإنتاج والكفاية عند المتكلم / المستمع، ولكنها أغفلت عنصر المعنى مؤجلة دراسته؛ لذلك ما أن ظهر الاتجاه السياقي واهتمامه بالمعنى وجد له صدىّ واسعا عند الباحثين، ثم زاد الباحثون مع السياق مسائل أخرى مكملة ليصلوا بها إلى الاتجاه التداولي التواصلي؛ لأنهم في الغالب يرون أنّ التواصل يعدّ من أهم وظائف اللغة؛ وكي يصلوا إلى جهاز متكامل يفسر الظواهر اللغويّة في الاستعمال بين المتخاطبين وليضعوا بعض الأسس في البحث التواصلي اتفقوا على أنّ ((هناك مفهومان للغة الأول: يعدّها وسيلة للتمثيل، والثاني: وسيلة للتواصل، وباختصار يمكن القول: أنّ الإشكالية الأولى تحدد المعنى انطلاقا من العلاقة بين المتكلم والموجود «الشيء»، والثانية استنادا إلى العلاقة التي تربط المتكلمين. وتقترن الإشكالية الأولى بالعلامة وبالقضية وتطرح بالتالي مشاكل المرجعية والحقيقة أي ما يعرفه الآخر والمتكلم. أمّا الإشكالية الثانية تتخذ النصوص والخطابات موضوعا لها لتدرسها من ناحية الإنتاج والتأويل، ويمكن القول إنّ محورها التواصل)) (1) وتعدّ عملية التواصل الاجتماعي من أهم مباحث اللغة؛ لأنّه يمثل السمات لأي مجتمع قائم على أسس تعكس حضارته فقد أظهر الباحثون عناية متزايدة بالوظيفة
التواصلية للغة، فضلا عن دراسة المجتمعات وعاداتها وتقاليدها وثقافتها؛ لأنّ اللغة لصيقة المجتمع، وتمثل نظامه الخاص في التواصل وتبادل الأفكار ((فاللغة البشريّة هي أساس معطى اجتماعي في مقام تأريخي مؤكدا الرابط العضوي الوثيق بين اللغة والثقافة)) (2) ولأهمية هذه الرابطة بين اللغة والمجتمع، يرى أغلب الباحثين أنّ اللغة ودلالة ألفاظها هي أمر تواضع عليه الناس واتفقوا عليه للتعبير عن مقاصدهم، من مثل الاتفاق في استعمال كلمة (الأسد) بين أبناء المجتمع اللغوي الواحد أنّ التشبيه بالأسد يمثل جانب السطوة والشجاعة والمكانة، أمّا لو أنّك ((قصدت عند التشبيه بالأسد إلى فكرة تصلب العنق، أو كراهة ما يتضوع به الفم من رائحة لما استقام لك الأمر لعدم اطراد العرف)) (3)، وظهور مصطلح (علم اللغة الاجتماعي) يعكس مدى عناية الباحثين بهذا الجانب من دراسة اللغة كون هذا المصطلح ((يعنى بدراسة تأثير العوامل الاجتماعية لطبقات المجتمع في اللغة)) (4)، وحينما استقر البحث اللساني أصبح مصطلح اللسانيات الاجتماعية بديلا منطقيا عن علم اللغة الاجتماعي، إذ صار متداولا بين الدارسين ويعني الفكرة نفسها مع تخصصه في الدلالة على فكرة أنّ ((تأريخ اللغات ليس إلاّ جزء من تأريخ المجتمع، أو هو الجانب اللغوي من هذا التأريخ)) (5) ووضع الباحثون لدراسة علاقة اللغة بالمجتمع أسس ومصطلحات خاصة و ثابتة فقد ((اندمجت الدراسات حول العلاقات بين اللغة والمجتمع لتشكل مجال البحث الأكاديمي المعروف ب» السوسيولسانيات «... إنّ الموضوع الأول للدرس هو دراسة الترابطات بين استعمال اللغة والبنية الاجتماعية)) (6) وأيد أصحاب التوجه الوظيفي هذه الفكرة فقرروا أنّ اللغة ((حسب المقاربة الوظيفية أداة تسخر لتحقيق التواصل داخل المجتمعات البشرية)) (7).
وقد عرّف الباحثون التواصل اللغوي من مثل قولهم: ((إنّ التواصل... هو تبادل كلاميّ بين متكلم محدث
لملفوظ موجه لمتكلم آخر)) (8)، و قولهم ((التواصل هو تعبير عن رسالة تجريدية عبر الإشارة المادية، والرسائل المعنية مقيدة بإشارة معينة على وفق القوانين التي تشترك بالحدث التواصليّ، وهذه القوانين تسمح للمتلقي استرجاع المعنى المقصود في تلك الإشارة ) (9)، وتركز الدراسات التواصلية على الحدث الكلاميّ وعناصره سواء أكان نصّا مكتوبا أم مسموعا مع مشاركة المجتمع وما يمثله بوصفه كلا متكاملا في إنجاح عملية التواصل؛ لذلك قامت ((اللسانيات التواصليّة على منظومة ثلاثيّة الأقطاب: أولهما المرسل باعتباره صاحب المبادأة في التواصل، وثانيهما: المستقبل باعتباره هدفا مباشرا للرسالة، وثالثهما: المجتمع باعتباره مصدر العلاقة بين أطراف التواصل، وكذلك مصدر النظام الذي تنبني على أسسه هذه العملية)) (10).
وعلى ذلك ستكون الدراسة على محورين، الأول نظري: يوضح العلاقة بين التداولية والإحالة في اللسانيات، والثاني: تطبيقي نبني تحليلنا فيه على أساس أنّ الإمام علي (عليه السلام) هو المرسل أو المتكلم ومالك الأشتر هو المستقبل أو المتلقي أمّا المجتمع الذي يمثل الوجه التداوليّ للمرجعيات الإحالية فهو الثقافة الإسلاميّة بكل ما تحمله من مظاهر دينية واجتماعية على وفق توجيهات القرآن الكريم والسنّة النبويّة.
وسيكون ذلك على منهج اللسانيات العامة سيما في الجانب التطبيقي؛ لأنّ موضع عناية هذه اللسانيات هو ((دراسة الأنظمة العامة للألسن المتمثلة في المستوى الصوتيّ والصرفيّ والنحويّ والتركيبيّ والدلاليّ والبراغماتيّ... ثمّ تطبيقها على لسان معين قصد التحليل والتفسير والإلمام بقواعده النظاميّة)) (11) والمقصود بالبراغماتي هو التداولي. مع ملاحظة أنّ البحث في هذا الاتجاه مبني على قناعة هي ((أنّ كلّ نصّ مركزيّ يحتوي بالضرورة على نصوص فرعيّة تختلف نسب وجودها، فما على المحلل؛ إلاّ أن يبين درجة حجيتها ووظائفها المختلفة، والعلاقات فيما بينها)) (12) وهو ما سنحاول إثباته في الجانب التطبيقي من هذه الدراسة.
توسعت الدراسات اللسانية النظرية بصورة ملحوظة، فقد اعتنى الباحثون باللغة وما يمثلها، فبحثوا في مجال استعمالها بحثا دقيقا لقناعتهم أنّ الاستعمال هو الوجه الحقيقي والواقعي الذي يمثل اللغة في المجتمع، ((فهي الواقعة الاجتماعية؛ لأنّها عامة داخل المجتمع، وهي تمارس فرضا على المتكلمين)) (13)، وهذا التوسع جاء نتيجة طبيعية لتعدد الاتجاهات المنفردة في بحث اللغة من مثل (الاتجاه التحويليّ، والاتجاه النفسيّ، والاتجاه الاجتماعي وغيرها) وقد أثبتت هذه الاتجاهات قصورها النظري في تفسير ظواهر اللغة؛ لأنّ منها قد درس المفردة اللغوية لوحدها ولم يعتني بالمعنى؛ لأنّنا حينما نتكلم ((نعبر عن أفكارنا بجمل وليس بكلمات)) (14)، ومنها من تناول جانبا واحدا من جوانب اللغة، والعامل المشترك الذي استبعدها هو إهمالها جانب المعنى أو القصديّة؛ لذلك سعى الباحثون لإيجاد منهج يضمّ آلية يستطيع الباحث فيها أن يفسر النصوص، ويتوصل عبرها إلى إظهار علاقات تراكيبها، ويحدد معانيها؛ كون المعنى هو الركيزة الأساس في فهم النصوص، ولعل السمة الأبرز في هذه الآلية هي فكرة تداخل العلوم في الوصول إلى الهدف ((فعلم النصّ يتسم بالتداخل المعرفيّ والتشعب، وهذا أمر منطقيّ مسوغه ذلك الهدف الجوهريّ الذي تسعى إليه هذه العلوم والمعارف وعلم النصّ جميعها، وهو فهم النصّ)) (15)؛ وليفهم النصّ فهما صحيحا لا لبس فيه سعت الاتجاهات اللسانية إلى التأكيد أنّ التحليل يجب أن ينظر إلى أي نصّ خطابيّ على أنّه كتلة واحدة لا مجزأة ((فالحدث اللغويّ كلّ متلازم ضرورة، صوتا وصرفا، ونحوا وتركيبا، فبيانا)) (16) وحددوا معنى الحدث اللغويّ ب (النصّ) وأدخل في مجال بحث ((اللسانيات النصّية وليس له وظيفة سوى التذكير بأنّ النصّ هو البعد الأساس للغات)) (17). فأصبح كلّ مكتوب أو مسموع يدخل في
دائرة البحث اللسانيّ، وبهذه الرؤية انتقل البحث اللغوي إلى مستويات جديدة فلم يعد يبحث في مكونات الجملة (فعل + فاعل + فضلة) فقط، بل يبحث في جهات أهمها نقطتين يعدّان الأساس في البحث هما: كيف قيل هذا النصّ؟، ولماذا قيل؟؛ فالسؤال الأول: يتعلق بنسق الكلمات التي تؤدي لمعنى ما، والثاني: يهتم بالعلاقات الظاهرة والضمنية بين الكلمات التي رتّبها المتكلم على هذا النسق؛ فصارت الكلمات في النصّ على هذه الفكرة علامات هي ((مجموع من الاستعمالات يتبين عبرها أنّ العلامة هي إشارة واضحة تمكننا من التوصل إلى استنتاجات بشأن أمر خفي)) (18) ومما يساعد في تفسير العلامات هو مجموع المفردات التي يضعها المتكلم في نسق معين على وفق النظام اللغوي ليضمن وضوح مقصده، وفهمه من قبل المتلقي ((فما من شكّ أنّ التركيب عمل اسلوبيّ يأتي تاليا لاختيار العناصر اللغويّة، ويكون ناتج ذلك تركيبا لغويا تظهر فيه مجموعة من الظواهر والسمات)) (19) وهذه الظواهر التي يساعد السياقُ والمقامُ في إبرازها، يعدّها الباحثون إشارات مقصودة يرسلها المتكلم إلى المستمع، مما يجعلها تعمل ((كمحفز أو منشط صورته الذهنية مشتركة مع تفكيرنا، ومرتبط بمنشط آخر وظيفته أن يُستدعىَ تمهيدا للاتصال)) (20)، فالعلامات في البحث اللساني الحديث مقابلة للمفردات في البحث اللغويّ التراثيّ فقد عدّ التركيب ((رموز لغويّة تحوي دلالة مطابقة لما هو كائن في الذهن، إذ يتم عن طريق ربط الصورة الذهنيّة للمفردة بعضها ببعض على نحو تحقق معه صلة ونسبة بين هذه الصور)) (21)، لذلك نجد أغلب الاتجاهات بدأت تنظر إلى دراسة الإشارة على أنّها علما قائما، وله علاقة مباشرة بتداولية اللغة وبثقافة المجتمع فأدخلت ((التيارات الحديثة للسيميائيات في ضمن أقسام العلامات، كلّ المظاهر الثقافية للحياة الاجتماعية)) (22)، فصارت لهذه العلامات وظيفة مرجعية تدلّ على معنى متداول بين المتخاطبين، وتقدّم ((تبرير أساسي لعملية التواصل)) (23).
وارتبطت هذه العلامات بمصطلح (الإحالة) على معنى في الثقافة الاجتماعية، مما جعلها تساهم في إيضاح المقصد وتسهيل عملية الاستنتاج بمساعدة مقام الحال المصاحب للسياق؛ لذلك تعدّ اللسانيات الوظيفية الإحالة ((عملية ذات طبيعة تداولية، تقوم بين المتكلم والمخاطَب في موقف تواصليّ معين، يستهدف بها المتكلم أن يحيل المخاطب على ذات معينة)) (24)؛ فلا يكون الاتصال ناجحا بين المتخاطبين إذا كان هناك خللا ما في النسق الملفوظ؛ لذلك أكد الباحثون أنّ للاتساق التركيبيّ بعده اللسانيّ ((فالخطاب يكون متسقا حقّا إذا وُجدت علاقات قضويّة بين الأقوال التي تكونه، فالخطاب الذي يعقد علاقات... يكون متسقا)) (25). فلذلك صار التركيز على الاستعمال اللغويّ وأدواته للوصول إلى مقصد المتكلم من أهم مرتكزات البحث في الاتجاه التداولي؛ كونه يمنح الباحث إمكانيات تحليل منفتحة على مسارات تلتقي كلّها في إظهار مقصد المتكلم والعلاقة بينه وبين المتلقي، فتفهَم المعاني التي تطرأ على الكلام بحسب السياق والمقام فحُدِدت عناية التداولية ((بدراسة التواصل اللغويّ داخل الخطابات، والبحث في طبيعة العلاقة بين الأقوال الخطابية، والأفعال الاجتماعية، وثمّ التعامل مع الخطاب الابداعيّ بوصفه تعبيرا عن تواصل معرفيّ / اجتماعيّ في سياق ثقافيّ، فهي تدرس الظواهر اللغويّة في مجال الاستعمال)) (26)، ولعل من أهم عوامل نجاح الاتجاه التداوليّ في تحليل النصوص، هي الفكرة العامة التي اتبعها والتي ترى أنّ الانفتاح وعدم الانغلاق هو الطريق الوحيد للوصول إلى استنطاق النصّ ليعطي أقصى ما عنده من معان وأسست لمنهج صارت التداولية فيه ((حلقة وصل علمية بين حقول معرفية مختلفة)) (27)، وقرر الباحثون على وفق التنظير اللساني أنّ هناك قواعد خاصة تتحكم في عمليّة التواصل وهي تدخل ضمن التداول اللغويّ بين أبناء المجتمع اللغويّ الواحد، ومنها (مبدأ التعاون) الذي وضعه غرايس، وهذا المبدأ ((ينتج عن واقع أنّهم أشخاص يتمتعون بالإدراك، وينبغي تصوره تطبيقا لعقلانية السلوك
البشري)) (28)؛ وموضع عنايتنا في مبدأ التعاون هو الفكرة التي تجعل كل لفظة يضعها المتكلم في نسق التركيب فإنها تعطي في المعنى بعدا معجميا وآخرا تداوليا يدخل في (الإحالة) على معنى خارجيا يُستدعى عن طريق المحفز في ذهن المتلقي، وفكرة (مبدأ التعاون) تتأسس على ((إعطاء القدر الضروري من المعلومات، لكن دون زيادة، إنّ الشريك في التلفظ بالخطاب ينشىء دلالة بتصرفه في الاستدلالات السياقية المنطقية والاجتماعية... وإنّ احترام حكمة من حكم المحادثة، وهي مبدأ التعاون يعدّ ضروريا لهذه العملية)) (28)، فضلا عن العوامل الأخرى غير اللغوية والتي تساعد في وضوح المقصد ((فمستعمل اللغة الطبيعية، يلجأ أثناء عملية التواصل،... إلى مَلكات ذات طبيعة غير لغويّة تسهم في إنجاح هذه العملية)) (29)؛ والسبب في ذلك أنّ الأدوات التي يمتلكها المتكلم محدودة في توصيل الرسالة قياسا على المعاني الواسعة التي تظهرها النصوص، فيلجأ المتخاطبون إتباع طريقة معينة للتواصل، أو استعمال (طريقة) خاصة بالمجتمع اللغويّ الواحد مما يجعلها تأتي بتراكيب بنسق معين فيؤدي إلى اتساع المعنى مع ((القول بإيجاز في أخصر لفظ يجمع دلالة صريحة... بدلالة ضمنيّة)) (30)، وهناك عامل آخر يضبط هذه العملية هو الإحالة المرجعية التي يحكمها السياق للموقف الذي قیل فيه النصّ ((فالمعلومة المنقولة متشابهة، وتكمن نقطة الاختلاف الجوهرية في التبدل المرجعيّ)) (31) فالمرجعيات التي يمتلكها المتكلم والمخاطب هي التي تتحكم بالمعنى المراد من ترتيب النسق اللفظيّ، إذ تحيل هذه الألفاظ على معنى ظاهريّ وآخر تداوليّ فالإحالة ((فعلا تداوليا بالأساس يربط بين عناصر منها: الخطاب وما يحيل عليه حضورا أو ذكرا، والمتخاطبين، والمخزون الذهنيّ الذي يعتقد المتكلم توافره لدى المخاطَب إبان التخاطب)) (32).
وعلى هذا الإطار سيكون تحليلنا معتمدا على المبادىء التداولية وهي تحديدا ((ثلاث تداوليات أساسية
متجاورة: التداولية اللفظيّة، أو لسانيات التلفظ التي تهتم بوصف العلاقات بين بعض المعطيات الداخلية للملفوظ، وبعض خصائص الجهاز التلفظي «مرسل»، «متلقي»، «وضعية التلفظ». والتداوليّة التخاطبيّة، أو نظرية أفعال اللغة «أوستن و سيرل» التي تخصَص لدراسة القيم التخاطبية داخل الملفوظ. والتداولية التحاورية، التي تهتم بدراسة اشتغال هذا النمط الخاص من التفاعلات التواصلية)) (33)؛ فضلا عمّا يُعضدها من تفرعات متعلقة بالنصّ، من مثل المنهج المتكامل، وعلى فكرة تداخل المعارف؛ للوصول إلى أقصى دلالات النصّ (عنوان البحث) والمقتطع من عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر رضي الله عنه، مستعينا بالجانب النظري الذي يغلّف أغلب الدراسات اللسانية المعاصرة؛ لإظهار الجانب المنسجم مع واقع اللغة وتداولها وهو الجانب التطبيقيّ، فالتحليل يوظف مسارات منهجية عديدة؛ لإظهار أنّ كلام الإمام (عليه السلام) يمثل واقعا تطبيقا يستوعب البحث اللسانيّ بأحدث توجهاته.
كلام الإمام عليّ (عليه السلام) واقعا استعماليا ينتمي إلى الفصاحة اللغويّة العالية التي تمثل النظام الخاص باللغة العربية، فحينما ننظر إلى كلامه (علیه السلام) کترکیب نسقيّ نجده غاية في الدقة في استعمال الأدوات النحوية، مما يحيل على دقة المعنى المراد، وحين التدقيق ظهر لنا أنّ هناك علاقات دلالية وإحالية تستدعيها الألفاظ (الإشارة) المستعملة في البنيّة أو النسق ((فثمة تقارب بين مفهوم النسق، ومفهوم البنية فكلاهما يستند إلى فكرة العلاقات)) (34)، وبحث العلاقات الدلالية على وفق منظومة الثقافة الإسلامية المستمدّة من مصدري التشريع وهما القرآن والسنة؛ لأنّهما يمثلان المنظومة المرجعية لكل المسلمين فيجعلهم يحملون الإدراك المطلوب لتحقيق مبدأ التعاون في
الخطاب والتواصل.
فعندما ننظر إلى النصّ موضع البحث ((وأشعِر قلبَكَ الرحمة للرعيةِ، والمحبة لهم، واللطفَ بهم، ولا تكوننّ عليهم سبُعًا ضارياً تغتنمَ أكلهم؛ فإنّهم صنفان: أما أخٌ لك في الدين، وأمّا أخٌ لك في الخلق)) (35) سنجد أنّه اختار كلماته بما يتناسب مع الفكرة التي أراد إيصالها، وهو عند اللسانيين يعرف بالاتساق التركيبي إذ ((تكون الكلمات ملائمة لفضائها الدلاليّ ومتلائمة فيما بينها، فارتباط الكلمة بأخواتها في التركيب يمنحه معنى كليا ذا نسق مقبول)) (36) فقد استعمل الإمام (عليه السلام) (الواو) الرابطة للإحالة على متقدم في الكلام وهو تركيب ((فاملك هواك وشح بنفسك)) (37) يدلّ على أمر وليبقي حيز المعنى مرتبطا جاء بالفعل (أشعِر) بصيغة الأمر فيكون الأمر إلزاميا في هذه الحالة؛ لأنّه صدر من أعلى مكانة إلى من هو أدنى، وصُنفت أفعال الأمر في الدرس اللساني ضمن التوجيهات في (أفعال اللغة لأوستن)، أو ((ما يسمى دليل القوة الإنجازية)) (38) أي: الإنجاز اللغوي في الفعل الكلاميّ وفيه ((يمارس المتكلم فعلا تجاه سامع، وهو يتكون من محتوى قضويّ ووظيفة إنجازيّة، فالمحتوى القضويّ هو جوانب الإحالة والحمل، وتتعلق الوظيفة الإنجازيّة بدور ما يقصده المتكلم)) (39)، فالإمام (عليه السلام) يحث عامله مالك على جعل قلبه يشعر بالرحمة، وليس آنيا بل باستمرار؛ لذلك استعمل صيغة الأمر المزيدة بالهمزة فقد قيل: ((التصريف: اختلاف الصيغ لاختلاف المعاني)) (40)؛ لأنّ الفعل في الأصل (شعر) فالهمزة زادت معنى جديدا ((فالزيادة في المبنى زيادة في المعنى)) (41)، ومنها جعلت الفعل يتعدى بنفسه، وزادت في دلالته على الصيرورة والتحول، يقول سيبويه في هذه الصيغة ((إذا أردت أنّ غيره أدخله
في ذلك يبنى الفعل منه على «أفعلت»)) (42)، ويقول ابن درستويه: ((ذهب زيدٌ وأذهبه غيره، أي: جعله ذاهبا)) (43)، ومن معاني أفعلت ((التعدية غالبا، ويأتي للصيرورة)) (44)، فالإمام لم يستعمل صيغة (إفعل) الخاصة بالأمر المباشر على وجه الاستعلاء لما تحمله من معنى قد يجعل المتلقي يفعل دون قناعة، أمّا صيغة (أفعل) فهي فضلا عمّا تحمله من تلطف من قبل المتكلم ب (الأمر)، تجعل المتلقي وكأنه هو الذي قام بالإنجاز لا لأنّه مأمور فيحاول أن يتصف بالرحمة بصورة دائمة؛ وهو ما يعكس تفكير الإمام (عليه السلام) المستوعب لمعاني القرآن والسنة النبويّة فلا يخرج عن هذه المنظومة؛ لأنّها مصدر التشريع الوحيد لديه، لذلك فحينما يتكلم (عليه السلام) يستحضر في فكره معاني القرآن والسنة، فيسير على سمتهما مع مراعاة حال الموقف، وسياق الحال، وطبيعة المناسبة للمقال.
فإختيار الإمام للفظة (قلبك) بعد صيغة الأمر لها فضائها الدلالي، فبوقوع الفعل عليها كون القلب في الثقافة القرآنية استعمل ليعطي معنى الثبات الراسخ في الدلالة السياقية سلبا أو إيجابا ف (القلب) إشارة محفزة تجعل عقل المتلقي يستحضر الآيات التي ورد فيهل ذكر القلب واستظهار العلاقة للإحساس الموجب مثل قوله تعالى: «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ» (45) وقوله تعالى: «وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ» (46) وقوله تعالى: «وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ» (47) أو الإحساس السالب م-ن مثل قوله تعالى: «يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ» (48) وقوله تعالى: «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا» (49) وقوله تعالى: «وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ» (50) والإشراب شدّة المخالطة فلا ينفصلان بعده، لذلك يقال: ((أشربت الخبز اللبن؛ لأنّ شرب الخبز للبن والماء
ليس كشرب زيد له)) (51) فصيغة (أَشرب) في الأصل على الوزن نفسه لصيغة (أشعر) وكذلك في الدلالة أي: خالط قلبك بشعور الرحمة.
وجاء الإمام (عليه السلام) بلفظة الرحمة؛ لأنّها سمة من السمات المهمة التي رسّخها الإسلام في منظومة الثقافة الاجتماعية عند المؤمنين عبر ذكرها في القرآن الكريم وإقرارها في سنة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهي تعدّ من أكثر الألفاظ ورودا في النسق القرآني، فقد ورد الجذر (رحم) وتصريفاته في موارد وصلت إلى حدود مائتين وعشر مرات، من مثل قوله تعالى: «قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» (52) وقوله تعالى: «فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» (53) وقوله تعالى: «وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ» (54) وقوله تعالى: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ» (55) فالرحمة قد وصف الله عزّ وجلّ بها نفسه وهو مالك الملك، فعبده الضعيف المحتاج أولى أن يتصف بهذه الصفة، أو يحاول إدخال نفسه في صفتها، فضلا عن توصيات الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأفعاله في رحمة المسلمين وغير المسلمين، والتي تعدّ مصدرا من مصادر التشريع إلى جانب القرآن؛ لقوله تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ» (56) فقد وصف الله سبحانه وتعالى رسوله بالرأفة والرحمة فقال في حقه (صلى الله عليه وآله): «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» (57)، وقيل في تفسيرها: ((فسماه باسمين من أسمائه، والرأفة أشد من الرحمة وأبلغها)) (58) وقال النبي (صلى الله عليه وآله): ((«إنّما أنا رحمة مهداة «وقال المناويّ: إنما أنا رحمة، أي: ذو رحمة، أو بالغ في الرحمة، حتى كأنّه عينها؛ لأنّ الرحمة ما يترتب عليه النفع)) (59)
وتأكيدا منه (صلى الله عليه وآله) في بيان رحمة الإسلام قال: ((لا يدخل الجنّة منكم إلاّ رحيم، قالوا يا رسول الله كلّنا رحيم، قال (صلى الله عليه وآله): ليس رحمة أحدكم نفسه وأهل بيته حتى يرحم الناس)) (60) ولفظة الناس لها دلالته العامة .
واستعمال الإمام (عليه السلام) ترکیب (أشعر قلبك الرحمة) أظهر الإحالات وارتباطها بالثقافة الإسلامية فيجعل المتلقي يتقبلها بوعي وإدراك، مما يفسر اختیار لفظة (الرعية) ليلحقها بالتركيب بعد لفظة الرحمة؛ لأنّ الدلالة تحيل على علاقة تكليفية من قبل الشرع المقدس في ذهن المسلم الذي يتولى أمرا من أمور المسلمين، وهي هنا منصب الوالي، أو عامل الخليفة والعلاقة المتبادرة هنا هي الأمانة في العمل لقول الله: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (61)، والمسؤولية المشتركة بين الحاكم والمحكومين لقول الرسول (صلى الله عليه وآله): ((كلكم راع وكلكم مسؤول فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته)) (62)، وحينما أكمل تكثيفه الدلالي بالنسق (أشعر قلبك الرحمة للرعية) ربط ب (الواو) العاطفة التي تشرك ما بعدها بما قبلها، وهما ترکيبي (المحبة لهم) و (اللطف بهم) بالدلالات المستنبطة من ترکیب (أشعر قلبك الرحمة للرعية) عند المتلقي ليكون مجالهما الدلاليّ نفسه لما سبقهما وهو ما يصطلح عليه في بحث اللسانيات النصّية بالربط النحوي ((ويقصد به ربط العناصر السطحية للنصّ عبر وسائل معينة)) (63) فالمرسل يوصّل مقصده بصورة لا لبس فيها إلى المتلقي عبر ربط دلالات ترکیبها ربطا محكما، ولهذا الربط أدواته الخاصة التي يحويها نظام اللغة ((فيتم الربط لتحقيق التضام بتوظيف مجموعة من الأدوات والألفاظ منها: أدوات تفيد مطلق الجمع، مثل: واو العطف)) (65)، فالمتكلم باتباعه طريقة الربط بالواو بين التراكيب يعزز
متانة النصّ وسبکه، فضلا عن اعتقاده أنّ دلالة التركيبين (المحبة لهم واللطف بهم) تعضد فكرة الإحالات التي حفزها التركيب (أشعر قلبك الرحمة للرعية)؛ لأنّهما يقعان في النسق الدلالي نفسه الذي استدعاه المعطوف عليه، فهما يقعان في السياق نفسه، فيدخلان في ما اصطلح عليه ب (مبدأ المناسبة) الدلالية ((ومفاده إجمالا أنّ تأويل الأقوال يقوم على استدلالات تستند إلى السياق وتفضي إلى نتائج، بحيث يكون القول مناسبا كلما كان الجهد المبذول في تأويله أقل، والنتائج التي نتوصل إليها أكثر)) (65).
ولزيادة القدرة الإنجازية على المتلقي انتقل الإمام (عليه السلام) إلى النهي المقترن بنون التوكيد الثقيلة، مستعملا العناصر الخاصة لهذا المعنى في نظام العربية وهي (لا الناهية + الفعل المضارع + النون الثقيلة)؛ وذلك ليصل بالإنجاز الدلاليّ المؤثر إلى مداه فزاد الإمام (عليه السلام) نون التوكيد الثقيلة؛ لأنّ التوكيد طريق يلجأ إليه المتكلم ((لتمكين الشيء في النفس وتقوية أمره)) (66) إذ يقول سیبویه مبينا الواقع اللغوي في استعمال النون: ((إذا جئت بالخفيفة فأنت مؤكد، وإذا جئت بالثقيلة فأنت أشدُ توکیدا... ومن مواضعها الأمر والنهي)) (67) ويقول المالقي في شرحه: ((فهي مؤكدة للفعل، مخففة ومثقلة... ومدخلها أبدا في فعل الطلب)) (68)، وحقيقة أنّ الأمر والنهي يقعان في الحيز الدلاليّ نفسه، فيفسّر انتقال الإمام من الأمر إلى النهي، فهما في واقع الاستعمال أمر، فالأمر هو طلب ايقاع الفعل والحث عليه، والنهي هو طلب ترك الفعل، فلا يكون هناك خلل في النسق الدلالي حين الانتقال من واحد إلى آخر؛ لذلك قال السكاكيّ: ((للنهي حرف واحد هو «لا» الجازم في قولك: لا تفعل والنهي محذو به حذو الأمر في أصل الاستعمال «لاتفعل»)) (69).
أمّا دلالات استعمال هذا التركيب و الإحالات عليه يفسرها السياق نفسه، فالرحمة، واللطف، والمحبة للرعية لاتكتمل مالم يحرص الحاكم على رفاهيتهم، بما
يقوّم حياتهم ويضمن لهم العيش الكريم بعدم الحاجة فضلا عن شعورهم بالأمان؛ فإحالة النهي مرتبطة بفكرة غاية في الأهميّة في منظومة الثقافة الإسلامية، وهي فكرة الأمانة ونزاهة الحاكم مما ينعكس ايجابيا على الرعية وحياتهم، فالوالي شخص مؤتمن على رعاية مصالح الناس مسلمين وغير مسلمين، وعليه النظر في كل صغيرة وكبيرة مما يخص مصالحهم، وما من طریق له سوى أن يسير بهم بسيرة العدل والإحسان التي أمر القرآن بها لقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (70)، فالله أمر المسلمين بأداء الأمانة والحكم بالعدل وأكد عليهم بإتباعه مهما كانت المواقف فقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ» (71)، وأمر أن ينظر الحاكم إلى الناس بمنظار الحقّ والعدل لا بمنظار المحاباة والميل لأحد من قرابة أو غيرها فقال تعالى: «وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (72)، ولم يكتفي بأمرهم بالعدل، بل أمرهم أن يحسنوا للناس في كل حال وموقف فقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» (73)، وتظهر فكرة العلاقات الدلالية عند الإمام (عليه السلام) في محاكاته للنسق القرآني في اختيار الألفاظ المناسبة لسياق الحال؛ لأنّ اختيار النسق المناسب للتركيب يعدّ ((وسيلة تعبير ذات إمكانيات متعددة، وأشكال مختلفة لا يمكن حصرها أو الإحاطة بها، فظاهره مكونات البنية السطحيّة وباطنه البنيّة الدلاليّة، إذ يخضع المستوى التركيبيّ للمستوى الدلاليّ والآخر يخضع للمعرفة والقصديّة)) (74)، فاختياره للفظة (أكلهم) لها دلالتها الشاملة لكلّ أنواع الاستحواذ على أموال الآخرين سواء أكانت عينيّة أم نقديّة، فقد استعمل القرآن الكريم هذه اللفظة للإشارة إلى حقوق الآخرين من أموال وغيرها، وعدم الاستيلاء عليه دون وجه حقّ من مثل قوله تعالى: «وَلَا
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (75)، وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ» (76)، وقوله تعالى: «وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (77)، فالإمام حينما يستعمل الألفاظ القرآنية ((لا يريد أن يفصّل وإنّما يحيل بتكثيف إلى قصة أو حدث، أو قولة مأثورة... مما يجعل التوجيه ممكنا، خاضعا لشرط التأويل المحلي)) (78)، ويعني ذلك توجيه الوالي توجيها شرعيا في مسألة الأموال وجبايتها على ضوء الحقوق الشرعيّة لكلا الطرفين الحاكم والناس، ثمّ صرفها في مواضعها المقررة على وفق الشرع، لا هوى الحاكم؛ يتساوى في هذه المسألة كلّ الرعية، وعلى الحاكم ألاّ يتبع الجور والتعسف في استحصال الحقوق بل عليه التلطف والرفق بهم؛ وليؤكد الإنسانيّة في الفكر الإسلامي اختار مفردة (الضبع) ليعقد المتلقي صورة المشابهة البلاغية ويستوعب الرسالة.
وحين استيقن الإمام (عليه السلام) أنّ المتلقي أخذ العبر الشرعيّة المستنبطة من القرآن والسنة المهمة الوالي، أراد الإمام (عليه السلام) أن يذكره بأهم ما جاء به الإسلام وهي النظرة الإنسانيّة للمسلم وغير المسلم؛ خاصة أنّ المسألة متعلقة بمصر وهي من الأمصار التي تمتاز بالخليط العقائديّ؛ فاستعمل الإمام ترکیبا يكثف الثقافة الإسلامية، وتفكيرها في النظر إلى الناس، مسلم وغیر مسلم، فأتی بترکیب مختصر يعكس هذه الثقافة ويختزلها يظهر فهم الإمام (عليه السلام) للقرآن والسنة، وكيف لا يكون كذلك وسيد الخلق الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله) قال فيه: ((عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتی یردا عليَ الحوض)) (79)، فالإسلام ينظر بنظرة الإنسانية إلى كلّ الناس لا فرق بين أحد منهم، وحين أنهی مقدماته بتصوير
العلاقة الشرعيّة بين الوالي والرعية، وليفهم العامل المكلف وهو مالك الأشتر مکانه من هذه العلاقة المبنية فكرا على الأخوة في الدين، وفي الإنسانية وانه مكلف في نظر الشرع فعليه اتباع القرآن والسنة حتى يُثابُ في الآخرة، فاستعمل (عليه السلام) ترکیبا جديدا فقال:
(فإنّهم صنفان: أمّا أخٌ لك في الدين، وأمّا أخٌ لك في النظير)، ولم يستعمل لربط النصّ (الواو)؛ لأنّ التركيب يحيل على دلالة جديدة، وهو ما سماه النحويون بالقطع؛ وعليه يجب أن يستأنف برابط جديد وهنا يأتي ب (الفاء)؛ لأنّ التركيب الجديد ((جملة مستأنفة لأنّ الفاء... الأغلب أن يستأنف بعدها الكلام)) (80)، واقتران الفاء مع (إنّ) ثمّ اتصال الضمير (هم) ب (إنّ) يحيل على من يقصده الإمام (عليه السلام) وهم الرعية أو الناس ((فالإحالة بالضمائر صراحة على الأشخاص... وقد يُحالُ على فحوی کلام ورد سابقا)) (81)، ونوعا الإحالة متحقق في النصّ، فقد ورد لفظ (الناس) في كلام سابق، والضمير هم يعود عليهم أو على (الرعية).
أمّا (إنّ) فهي من الأحرف المشبهة ب (الفعل)، وحسب نظام اللغة العربية لها الصدارة في الكلام وتستعمل ((لتحقيق زيادة في المعنى، بحيث يمكن أن تضيف فائدة تركيبية مثل: التوكيد، قوة الربط)) (82)، فالإمام قدّمها للتوكيد، فضلا عمّا تحمله من معنى القصر حينما اتصلت بها (ما) الكافة و ((حاصل معنى القصر راجع إلى تخصيص الموصوف عند السامع)) (83)، ولتأكيد الفكرة واقعا وهي الأخوة استعمل القصر؛ لأنّه ((ليس إلا تأكيد على تأكيد)) (84) وعناية الإمام بهذه المسألة نابع من متابعته القرآن في تشريعه فقد أقرّ الشرع أخوّة الدين لقوله تعالى: «إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (85) وقوله تعالى: «فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا» (7) وقال تعالى: «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ» (87)، والفكرة المتصورة للأخوة الدينيّة هي فكرة واقعيّة ومعنويّة أقرها الإسلام عبر السنّة النبويّة ومسألة الأخوّة بين المهاجرين والأنصار متواترة، إذ صار له من الحقوق والواجبات ما للأخ الحقيقي، بل تعدی ذلك في الصدر الأول من الإسلام، واستعمال الإمام (عليه السلام) لمفردة (أخٌ) بصيغة النكرة متناسب مع الفكرة التي أرادها لما يحمله تنكير الاسم من دلالات مفتوحة ((لأنّ أصل الأسماء النكرة، وذلك؛ لأنّ الاسم المنكر هو الواقع على كل شيء من مثله لا يختص واحدا من الجنس دون سائره)) (88)، وهو ما يظهر دقة اختيار اللفظ لسماته الدلالية والمعجمية لعلاقتها بالنسق ودلالته.
أمّا أخوّة النظير، أو أخوة الخلق الإنسانيّ فقد تناولها القرآن بآيات محددة، ومنه الآيات التي ذكِرَ الأصل الواحد في الخلق إذ قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا» (89) و قوله: «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا» (90) وقد فسر الزمخشريّ الآية (خلقكم من نفس واحدة) فقال ((«يا أيها الناس» يا بني آدم «خلقكم من نفس واحدة» فرّعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم)) (91)، وفي تفسير الآية (خلقكم من تراب) قال الطبرسيّ: ((يعني به آدم، والمعنى أنشأ أباكم واخترعه من طين، وأنتم ذريته، فلما كان آدم أصلنا ونحن نسله، جاز أن يقول لنا "خلقكم من طين")) (92). فالرسالة هي أننا من أصل واحد فلا فضل لأحد على آخر في صفة الإنسانيّة سوى ما يتبعه من سلوك اجتماعيّ ودينيّ يقربه من الله أو يبعده، وحدد القرآن ما يجعل الفرد قريبا من الله في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (93)، ومن أهم مظاهر التقوى عند الإنسان، هي الطاعة لله ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وإتباع ما أمرنا الله به عن طريق القرآن والسنّة النبويّة لقوله تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (94)، ويؤكد الرسول بأنّ إتباعه وطاعته طريق إلى الجنّة فقال (صلى الله عليه وآله): ((كلّ أمتي يدخلون الجنّة إلاّ مَن أبی، قالوا: يا رسول ومن يأبی، قال: من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبی)) (95). والإمام عليّ (عليه السلام) في حقبته يمثل مصدر التشريع المتمثل بالقرآن والسنّة، فهو ممن لاتخفی مكانته وعلمه، فطاعته هي طاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد قيل فيه (عليه السلام): ((من اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى لقول النبيّ (صلى الله عليه وآله): «اللهم أدر الحقّ مع عليّ حيث دار)) (96)؛ لذلك حينما يوصي الإمام (عليه السلام) أصحابه أو يأمرهم فهو يعتقد تماما بما يقول، فينطبق عليه (شرط الإخلاص) الذي يجب وجوده على شرط تجاه (أفعال اللغة) في البحث اللسانيّ لتكون الرسالة مقبولة ((فيجب أن تتطابق مقاصد المتكلمين وآرائهم مع ما يقولون، فحين يصدر أمرا فإنّ الأمر يجب أن يكون مقتنعا بأنّ السامع قادر على أداء الأمر)) (97)؛ فضلا عن ثقافتنة المُستمدَة من القرآن والسنّة، فالإسلام قد (خالط لحمه ودمه) مما يبرر دقته في اختيار المعاني والألفاظ الموصلة لها، وبنسق يظهر فهما لنظام اللغة العربية بأعلى مستويات الفصاحة، وكل ذلك وظفه الإمام (عليه السلام) ليسهل على المتلقي فهم الرسالة القوليّة الموجهة إليه و ما المقصود منها، وهو تحقيق عمليّ لما اصطلح عليه ب (الافتراض السابق) في العمليات التواصلية ويعني به ((ما يقتضيه اللفظ ويفترضه التركيب، وتشكل هذه الافتراضات الخلفية التواصلية الضروريّة؛ لتحقيق النجاح
في العمليّة التواصليّة... ويتسع مفهوم الافتراض السابق؛ ليشمل المعلومات العامة، وسياق الحال، والعرف الاجتماعيّ، والعهد بين المتخاطبين، وما يفترضه الخطاب من مسلمات يأتي المعنى من منطلق وجودها)) (98).
فالإمام علي (عليه السلام) قد استعمل المرجعيّة الشرعيّة غطاء ثقافيّ وقيد للمعنى يستند عليه المتلقي لفهم واستيعاب الرسالة المقصودة بدقة لا تخرج عمّا أراده المتكلم الذي اختار ألفاظ مُتداولة لها ارتباط دلاليّ بالقران والسنّة، ووضعها في نسق نحويّ على حسب النظام اللغوي العربيّ، مما جعل النصّ المقدس يساهم في تأويل الرسالة وفهم المعاني، وهذا من الوسائل الناجحة جدا في العملية التواصليّة: ((وذلك لخاصية جوهريّة في هذه النصوص... وهي أنّها مما ینزع الذهن البشريّ لحفظه ومداومة تذكره)) (99).
وجد البحث أن نصوص الإمام (عليه السلام) ومنها النصّ موضع البحث محملة بالمعاني وتعدّ ألفاظها عبارة عن إشارات لغويّة محملة بطاقات دلاليّة متفرعة ومتشعبة، مما يستدعي أن ننظر إلى الإحالات التي ترتبط بالألفاظ من جهة، وأخرى بالمرجعية الثقافيّة وإطارها الذي اعتمد عليه الإمام (عليه السلام) في خطابه مع أتباعه من المسلمين، ومنهم مالك الأشتر عامله على مصر فأكتبَ له عهدا، وهو دستور العمل المفصل للحاكم، وامتاز العهد بألفاظه المختصرة، والواسعة بدلالتها. فالإمام (عليه السلام) يؤكد النظرة الإنسانيّة الرحيمة في الدين الإسلاميّ؛ كونه (عليه السلام) يمثل المرجعيّة العامة في منصبه الشرعيّ لقيادة المسلمين، فاختار وصاياه العامة بألفاظ تداوليّة مشحونة بطاقات دلالية وإشارية على إحالات في الثقافة الإسلاميّة عند المجتمع وظهرت في النصّ المُقتطَع من
العهد الموجه، وهذه الملاحظات تجعل النصّ يدخل في صنف النصوص الإبداعيّة، والتي تجعل معانياها مناسبة لكل الأزمان وليس الوقت الذي قيلت فيه، فتقرأ على أساس أصالتها إذ تناسب الأفكار المتداولة في المجتمع، فنحن نقرأ النصّ ونفهمه كأنّه موجه إلينا، وهذه من أهم الصفات في النصّ الموصوف بالأصالة، فنفهم الإشارات والإحالات مع وجود الفارق الزمنيّ الذي يزيد أربعة عشر قرنا، مما يؤكد نجاح الرسالة الموجهة إلى المتلقي حين ذاك.
وقد وجد البحث أنّ الدراسة التطبيقيّة على ضوء المباحث اللسانيّة المعاصرة لنصّ الإمام (عليه السلام) موضع البحث قد تحلّ كثيرا من المشكلات التنظيريّة لهذه التوجهات، إذ تظهر أحيانا عقبات، وإشكالات فنية حينما يُطبَق هذا التنظير، وهذا ما لم نجده في تطبيقنا على هذا النصّ، مما يعكس تمكنه اللغويّ، أي: صاحب سليقة لغويّة متمكنة من نظام اللغة ومعرفة مسارات الألفاظ و مواضع دلالتها، وهو ما أطلق عليه الباحثون في اللسانيات بالكفاية التواصليّة، والتي يجب توافرها عند المتكلم لتكون لرسالته ناجحة عند المتلقيّ وأهم هذه الشروط: الكفاية النحويّة (صوت و صرف و نحو)، والكفاية الثقافيّة، والكفاية الاجتماعيّة، والكفاية الإدراكيّة وغيرها من الشروط التي وضعها باحثو اللسانيات التواصليّة.
2013، 129 17. فنون النص وعلومه، 25 18. السيميائية وفلسفة اللغة، امبرتو ایکو، ترجمة أحمد الصميدعي، بيروت، المنظمة العربية، 2005، 46 19. التفكير الأسلوبي، سامي محمد عبابنة، إربد، عالم الكتاب الحديث، 2010، 196 20. علم الإشارة، بيير جيرو، ترجمة منذر عیاشی، دمشق، دار طلاس، 1993، 51 21. مقاربات في فقه اللغة العربية، خالد نعیم الشناوي، لندن، دار السياب، 2012، 46 22. العلامة تحليل المفهوم وتأريخه، امبرتو ایکو، ترجمة سعيد بن کراد، الدار البيضاء، المركز الثقافي للترجمة، ط 2، 2010، 70 23. لسانیات النص، ليندة قياس، القاهرة، مكتبة الآداب، 2009، 225 24. قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية، أحمد المتوكل، الرباط، دار الأمان، 133 25. القاموس الموسوعي للتداولية، جاك موشلار وآن ریبول، ترجمة مشتركة، تونس، المركز الوطني للترجمة، 2010، 501 26. لسانیات الخطاب وأنساق الثقافة، عبد الفتاح أحمد، بیروت، الدار العربية للعلوم، 2010، 34، 35 27. المرجع نفسه، 35 28. التداولية من أوستن إلى غوفمان، فيليب بلانشيه، ترجمة صابر حباشة، إربد، عالم الكتب الحديث، 2012، 117 29. الوظيفة بين الكلية والنمطية، أحمد المتوكل، الرباط، دار الأمان، 2003، 19 30. الاستدلال البلاغي، شكري المبخوت، بیروت، دار الكتاب الجديد، 2010، 32 31. المعنى في علم المصطلحات، هنري بيجوان، ترجمة ريتا الخاطر، بیروت، المنظمة العربية، 2009، 243 32. الخطاب وخصائص اللغة العربية، أحمد المتوكل، الجزائر، منشورات الاختلاف، 78، 2010 33. الأسس الأبستمولوجية والتداولية، إدريس مقبول، عمّان، جدارا للكتاب، 2007، 263
العربية، 2008 19. خصائص الوحي المبين، ابن بطريق، تحقيق مالك المحمودي، قم، دار القرآن، 1427 20. الخطاب وخصائص اللغة العربية، أحمد المتوكل، الجزائر، منشورات الاختلاف، 2010 21. دلالة النص وتداوله، فهيمة لحلوحي، الجزائر، مجلة كلية الآداب في جامعة بسكرة، العدد 10/ 11، 2012 22. دينامية النص، محمد مفتاح، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط 4، 2010 23. الرسول والتنمية البشرية، محمد صادق الخرسان، النجف، الكلمة الطيبة، 2014 24. السوسيولسانیات، فلوريان كولمان، ترجمة مشتركة، بيروت، المنظمة العربية، 2009 25. السيميائية وفلسفة اللغة، امبرتو ایکو، ترجمة أحمد الصميدعي، بیروت، المنظمة العربية، 2005 26. شرح حروف المعاني، المالقي، تحقيق، أحمد خرّاط، دمشق، مجمع اللغة العربية 27. شرح قصيدة الكافية، السيوطي، تحقيق ناصر حسن، دمشق، المطبعة التعاونية، 1989 28. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، بیروت، دار الفكر، 1954 29. شظايا لسانية، مجید الماشطة، لندن، دار السياب، 2009 30. صحيح البخاري، البخاري، بیروت، دار الفكر، 1981 31. العلاماتية قراءة في العلامة اللغوية العربية، منذر عياشي إربد، عالم الكتب الحديث، 2013 32. العلامة تحليل المفهوم وتأريخه، امبرتوایکو، ترجمة سعيد بن کراد، الدار البيضاء، المركز الثقافي للترجمة، ط 2، 2010 33. علم الإشارة، بيير جيرو، ترجمة منذر عیاشي، دمشق، دار طلاس، 1993 34. علم اللغة الاجتماعي، کمال بشر، القاهرة، دار غریب 35. الفاءات في النحو العربي، شرف الدين الراجحي، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1995 36. فنون النص وعلومه، فرانسو راستبي، ترجمة إدريس الخطاب، الدار البيضاء، دار توبقال، 2010
مفتاح العلوم، السكاكي، تحقيق عبد الحميد الهنداوي، بیروت، دار الكتب، 2004 56. مفتاح العلوم، السکاکی، تحقيق محمد قابيل، القاهرة، المكتبة التوفيقية 57. مقاربات في فقه اللغة العربية، خالد نعيم الشناوي، لندن، دار السياب، 2012 58. المقتضب، المبرد، تحقیق حسن محمد، بیروت، دار الكتب العلمية، 1999 59. المقدمة الجزولية، الجزولي، تحقيق شعبان عبد الوهاب، مكة الكرمة، أم القرى 60. المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي، أحمد المتوكل، الربتط، دار الأمان، 2006 61. النحو العربي والدرس الحديث، عبده الراجحي، بیروت، دار النهضة، 1986 62. نحو النص، عثمان أبو زنيد، إربد، عالم الكتب الحديث، 2009 63. النظرية البراغماتية اللسانية، محمود عكاشة، القاهرة، مكتبة الآداب، 2013 64. نظرية التواصل واللسانيات الحديثة، رايص نور الدين، فاس، مطبعة سايس، 2007 65. الوظيفة بين الكلية والنمطية، أحمد المتوكل، الرباط، دار الأمان، 2003 66. ينابيع المودة لذوي القربى، القندوزي، تحقيق جمال الحسيني، قم، دار الأسوة، 1422 ه
دراسة في هدي التحليل النقدي للخطاب الدكتور خالد حويِّر الشمس كلية الاداب / جامعة ذي قار
اللهم انا ننحمد، ونستعين بك، ونتوب اليك من كل ذنب عظيم، ونصلي، ونسلم على محمد المصطفى افضل الصلاة والتسليم، وعلى آله وصحبه الغر الميامين. وبعد فهذا بحث تطبيقي على عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك بن حارث الأشتر رضي الله عنه على وفق مقولات المنهج النقدي لتحليل الخطاب، ذاك المنهج الذي انماز بميزات عد؛ إذ إنه جمع بين الاستعانة بالنظام اللغوي، وبين الاستعانة بالنظام الاجتماعي، ومدى الممازجة بينها، وأحيانا ينتقل صوب ضروب من الخطاب أخر، مثل الخطاب السياسي، والخطاب الاقتصادي في ضوء توظيفهما في رفد الحركة الاجتماعية التي يسعى الى کشف زيغ الخطاب التسويقي، أو العيوب المخفية فيه، تلك العيوب التي مررت عبر الأنساق اللغوية، ولا يخفى أن العهد العلوي ثري بنقد الإمام (عليه السلام) للخطاب الاجتماعي، ومدى رغبته في خلق قائد مثال منطلق من هُويَّة الإسلام، وعالميته، ورؤاه التي تعد سبیل از دها، وتحقيق لتلك السعادة التي تنشدها شعوب العالم جميعها.
جاءت اهمية هذا البحث من عوامل عدة، أهمها حاثة هذا المنهج في المنهج اللساني الحديث اذ انه من اخر منتجات المناهج اللسانية اذ ولد في تسعينيات القرن العشرين. وكذلك غنى العهد العلوي بمفاصل الخطاب الاجتماعي، فضلا عن معالجة الإمام (عليه السلام) لمناطق الخلل عند القائد السابق على مالك الاشتر، ومن ثم يكون العهد العلوي بيئة رحبة لهذا المنهج، وجاءت الخطة على أربعة محاور.
بين الأول المقولات التأسيسية للمنهج على يد نورمان فاكلوف، وفان دایك،
وروث فوداك، وميشيل فوكو، وغيرهم، من جهة المفهوم، والميزات، والمكونات، وطبيعة تناوله للنص.
ثم سلط المحور الثاني الضوء على ضروب الخطاب، أو کما سماها فوکو جدائل الخطاب المتضافرة في العهد وهي الخطاب الاجتماعي، والسياسي، والإداري، والاقتصادي، والقانوني، واحيانا تمازجها، وتداخلها، ولاشك أنها تصب كلها في ساقية التنظيم الاجتماعي للدولة.
وتحرى المحور الثالث انماط المعنى في الخطاب وهي ما يقارب وظائف الخطاب في البحث اللساني فكانت باصطلاح المنهج الفعال، والتمثيل، وتحديد الهوية.
ثم المحور الرابع سجل التكوين اللساني في العهد، فجاء بأربع جزئیات وهي التركيب النحوي، والعلاقات الدلالية، وحجاجية الطرح، وتداوليته على وفق الأفعال الكلامية.
وآخر دعوانا اللهم إنا نرغب إليك بدولة كریمة کما رغب بها الإمام علي (عليه السلام).
مر البحث الألسني قبل سوسير بمراحل ثلاث، الاولى: مرحلة التقعيد علبي الأساس المعياري، ثم المرحلة الفيلولوجية بتتبع تاريخ الأدب، والعادات، والنظم الاجتماعية، وقد كانت هذه المرحلة مهادا لعلم اللغة التاريخي، ثم المرحلة الثالثة ظهور المقارنة على أساس إبداء التشابهات، والاختلافات في الظاهرة اللسانية (1)، وهنا یری سوسیر قصور التعاطي اللغوي، فيرشح دراسة اللغة بنيويا على وفق المعطيات اللسانية في التركيب، فناقشها صوتيا، وصرفيا،
ونحويا، ودلاليا مبديا ما سماه بالوصفية على وفق ارتباط علم اللغة بالعلوم الأخر، نحو: علم النفس، وعلم الاجتماع، وغيرهما بعيدا عن المفهوم الصرف لتلك العلوم (2). ثم نضَّج هذه الزاوية البنائية بلومفيلد الذي حلل الكلام بناء على الموقع، والتوزيع، وصولا إلى رؤية جومسكي القائمة على دراسة التوليد والتحويل في الجمل، وفهمها وتفسيرها، و تحلیل تراكيبها استنادا الى الحدس الذي يملكه المتكلم، ومعرفته الضمنية بالقواعد (3)، ثم انفتحت البوتقة اللسانية على الجنبة الوظيفية في اللغة، فأصبح السياق عاملا رئيسا في فهم التركيب وهنا توالت المناهج الوظيفية بنظريات عدة، فكان الأبرز فيها المنهج التداولي بمقولاته الكثيرة، بناء على دراسة التركيب في ضوء مثلث موريس المكون من النحو، والدلالة، والتداولية التي درست النص في ضوء أفعال الكلام، ومبادئ التعاون، والمعنى الحرفي والمضمر، ثم يتزامن مع النظر التداولي لسانیات الحجاج أي دراسة الححج التي تصنع الإقناع.
في خضم ذلك البحث الجملي أحس الدارسون بقصور النتائج التي تظهر من البحث الوصفي أو البنيوي، فتغيرت بوصلة البحث إلى النظر النصي بناء على دراسة الجمل المتعددة فيه، والعزوف عن دراسة التجزيء فيه، وهنا ما يسمى لسانیات النص القائمة على السير النحوي، والدلالي، والتداولي في جزء منه وهو أفعال الكلام حصرا، أضيف إلى لسانیات النص منهح تحليل الخطاب الذي ينطلق من التفريق بين النص والخطاب لدی فوكو مثلا، الذي يدل مفهوم الخطاب عنده على المجالات المحركة للنص والصانعة له، فقد تكون مثلا المجال السياسي، والمجال الاقتصادي، والمجال الاجتماعي، والمجال العلمي، والمجال الأدبي، وحينها يتولد ما يسمى الخطاب السياسي، والخطاب
الاقتصادي، والخطاب الاجتماعي، والخطاب العلمي، والخطاب الأدبي وهكذا تقوم هذه الخطابات على النسق المضمر فيها عبر التنسيقات اللسانية المحملة بالمقاصد، مع الإلماع لعدم التقيد ببعض المقولات التي وردت في تلك المناهج السابقة عليه، فقد يستعين باللغة، وبالسياق، وبالنيوية، وبالوظيفية وغير ذلك.
ونظرا لأن هذا المنهج يتسم بالشمول والاتساع في فهم الظاهرة النصية، ونظرا لشيوع ثقافة الهيمنة، والتسلط، وارتكاز سياسة العالم على الأدلجات التي ترى خلق المركزية في صياغة الخطاب وفي معالجة الوضع السياسي الراهن، وتمرير الأنساق على الذهن الاجتماعي في العالم ولد ما يسمى منهج التحليل النقدي للخطاب، الذي يقوم على التتبع اللساني في المجال السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي؛ بهدف معالجة الأخطاء الراهنة، مثل الظلم، وعدم المساواة، ومصادرة الحرية (4)، وهنا يفيد من أطروحات اللسانيين كافة في محاورهم اللغوية، مع وجود العيوب الخطابية، ومحاولة التغطية عليها، ثم انطلاقه من أطروحات ميشيل فوكو في مجالي الأدلجة في الخطاب والسلطة فيه. ثم إعادة النظر في مفهوم اللغة، والخطاب، فتكون اللغة فيه ممارسة اجتماعية، ويكون الخطاب: استعمال اللغة المقروءة والمكتوبة في ضوء الممارسة الاجتماعية (5)، يضاف إليه البعد العلاماتي الذي يرتبط بالمجتمع ارتباطا جدليا، ومن ثَمَّ يشتغل عليه تحليل الخطاب والتحليل النقدي للخطاب (6).
ومن هذه الخطوة التمهيدية البسيطة المتلعقة بنشأة اللسانيات والنظريات اللسانية ينبغي طرح السؤال المهم هل ينتميان منهج تحليل الخطاب، والمنهج النقدي لتحليل الخطاب إلى تلك المناهج اللسانية؟ لاشك في ذلك كونه يشتغل على النص بلحاظ ما يتفوه به اللسان بغض النظر عن استراتيجياته اللسانية أو
التواصلية، وسنكون معنيين ببيان مفهوم المنهج النقدي لتحليل الخطاب عبر الأساسيات فيه، وإجلاء مقولاته الرئيسة.
قبل ذكر المفهوم له يحبذ ترشيح واحد من التوصيفات التي أطلقت على ذلك المدلول، فقد وصفوه بأنه برنامج، ونظرية، ومذهب، ومدرسة، وتیار، وممارسة، وظاهرة.
ومع وجود التقاربات بين هذه المفاهيم وبين طبيعة الأداء، والسيرورة في هذا الطرح النصي الجديد القائم على النقد، والتحليل، والألسنيات، إلا أن (مدرسة) أقرب إلى الاختيار وذلك بسبب أن رواده قد اجتمعوا، وأسسوا منطلقاته في الغرب، وهذا ما لا يتوفر في غالب الطرح الألسني السابق عليه؛ لذا يفضل روث فوداك اختيار (مدرسة) وأحيانا يستبدله ب (برنامج) إلا أن غلبة الجنبة المدرسية والأكاديمية فيه جعلته يختار توصیف مدرسة (7). وقد جمع لنا فوداك مجموعة أبحاث عن فان دایك، وفاکلوف، وفوکو، وأطلق عليها (مناهج التحليل النقدي للخطاب) وكما يبدو من عنوان الكتاب أنه وصف بالمنهج.
وعلى الرغم من الاستقرار الذي ينعم به هذا المنهج، وتحديد التاريخ المضبوط لنشأته، إلا أن ذلك لا يشفع له من تعدد مصطلحاته، فقد توافرت عليه مصطلحات ومنها: اللغويات النقدية، الدراسات النقدية للخطاب، التحليل النقدي للخطاب، ويبدو أن فان دايك يختار التسمية الثانية، والسبب في هذا الاختيار أن هذه التسمية تشعرك بالنقد وبالتحليل، وتجنبك سوء الفهم المنتشر بأن المقاربة النقدية هي منهج التحليل الخطاب، بل هو يؤكد التحليل النقدي الاجتماعي (8) وورث فوداك يختار التسمية الثالثة؛ كونها الأكثر انتشارا
وتفضيلا في البيئة المعرفية (9).
قيل في تعريفه: ((باختصار يمكن تعريف التحليل النقدي للخطاب على أنه ما يهتم أساسا بتحليل العلاقات البنائية الغامضة، والجلية المهيمنة، والتمييز، والسلطة، والتحكم، کما تتجلى في اللغة، وبعبارة أخرى، يهدف التحليل النقدي للخطاب إلى فحص عدم المساواة الاجتماعية التي تم التعبير عنها، وتشكيلها، وإضفاء الشرعية عليها من خلال استخدام اللغة (أو في الخطاب))) (10).
وإذا أُريد التحدث عن طبيعة هذا المنهج، فستختصر بمحورين. الأول: يتمثل باتسامه بالسعة، والشمول، والتنوع، والانفتاح على المعطيات اللسانية بتعدد سیروراتها، وكينوناتها، ناهيك عن الخارج لساني المتمثل بتداخل العلوم مع اللسانيات أي الفلسفة والاجتماع، وعلم النفس، وغيرها من المعارف فقيل في هذا الصدد: ((وتعتمد الجذور المتعددة للتحليل النقدي للخطاب على البلاغة، واللغويات النصية، والانثربولوجيا، والفلسفة، وعلم النفس الاجتماعي، والعلوم المعرفية، والدراسات الأدبية، واللغويات الاجتماعية، وكذلك اللغويات التطبيقية والتداولية)) (11)، توظَّف تلك الإجراءات في ضوء المعطى الاجتماعي، وهذا المد النوعي والكمي في التناول - في نظر بعضهم يربك هذا التوجه الألسنى الحديث، ويفقده المنهجية الصارمة، حتى نعت بفقدان المنهج ((إن الدراسات النقدية للخطاب ليست منهجا، ولكنها بالأحرى (منظور) نقدي أو (وضع) أو (موقف) في إطار نظام بيني لدراسات الخطاب...)) (12).
ويمكن النظر إلى العكس من ذلك، أي التدقيق من زاوية أخرى لذلك التنوع، فیکون عدم إغراء المناهج السابقة لمنظور التحليل النقدي في اعتماد أحدها لا يعني الإرباك، والاضطراب فيه، بل عهد على خطواته التباين في المنهجيات، والاختلاف
في الرؤى لتحدي الخطاب المؤدلج، والمتسم بالعالمية الذي يمرر غاياته عبر الانساق الدلالية، والاستعارية، والنحوية. وهذا بدوره يشكل عامل ثراء له، ومراكز قوة كونه يشرك اللساني وغير اللساني، أي ينطلق من اللغة، ومن العلوم الأخر في رصد الظاهرة الاجتماعية، والتمعن فيها من زواياها كافة.
وإذا حاولت تتبع النشأة التاريخية لهذا المنهج يصادفنا قول نورمان فاکلوف راجعا به إلى التأثر بفلسفة ميشيل فوكو بقوله: ((وغالبا ما يكون تحليل الخطاب في العلوم الاجتماعية متاثرا جدا بكتابات فوکو)) (13)، ويعد فان دايك أول من دشن هذا المنهج بحسب قول فوداك: ((وقد كانت لحظة تدشين التحليل النقدي للخطاب هو الاستهلال الذي قدمه فان دايك في جريدة Discourse and Scciety 1990، وكذلك بتلك الكتب المتعددة التي تم نشرها بالمصادفة في وقت واحد، وأدت إلى إيجاد أهداف ماثلة للبحث)) (14).
وقد اختلفت نشأة المناهج الألسنية بتقدم المعرفة في العصر الحديث؛ إذ غلب الطابع المؤسساتي على نشأتها كما الحال في اجتماع علماء هذا المنهج في امستردام في ندوة صغيرة في يناير 1991، وبدعم من جامعة امستردام بحضور فان دايك، وفاكلوف، وجنئیر کرسي، و ثيوفان ليفن، وروث فوداك (15).
ومن أهم صفات هذا المنهج هي التحليل، والنقد، والاشتغال على بوصلة الخطاب العالمي، والانطلاق اللغوي، والبحث عن المهيمنات في الخطاب (السلطة).
أي تحليل المشكلات الاجتماعية الخطيرة، ومحاولة طرح الحلول البديلة لتلك المشكلات التي يتولد من جرائها الظلم الخطابي، وتبعاته (16).
وقد يحمل مفهوم النقد مفهوما مغايرا للنقد الأدبي، أي نقد الظاهرة الخطابية، وتحري خطابها، وهنا يكون غير نقد النص عبر معايير الجمال ومقومات النص التي
تعورف عليها في المنظومة النقدية الحديثة أو القديمة.
ويتحاشى النقد الاجتماعي الخطاب المحلي قدر الإمكان، وينطلق من المسلمات، والمشتركات في الخطاب، تلك المشتركات التي تسعى إلى الهيمنة على العالم عبر المنطلقات اللغوية، وتزويقها باستعارات، ومجازات، واختيارات لغوية، إن استبدلت لا يتوفر معها المعنى المطلوب، المعنى الذي يسعى إلى ((استعمال السلطة من قبل جماعة ما ضد جماعات أخرى، وكيف أن المجموعات المهيمن عليها يمكن أن تقاوم هذا التعسف بشكل خطابي)) (17).
والذي يلفت النظر أن الهدف من هذا المنهج يفصح به عنوانه ((اخيرا وليس آخرا يهدف التحليل النقدي للخطاب على نحو ما يتفق مع اسمه إلى مساءلة الخطابات وإخضاعها للنقد) (18)، أي فك كتلة الخطاب، وتشخيص ما قيل وما يمكن أن يقال في مجتمع بعينه، وكشف الإرساليات اللغوية التي ترسخ ذلك الخطاب، وتعرية التناقضات التي يتسم بها ذلك الخطاب (19)، و ((صياغة المعايير التي تعرف الظلم الخطابي، والمساعدة في تجنب هذا الظلم، وتهدف الدراسات النقدية للخطاب إلى تعرية هذا الظلم وتساهم في القضاء عليه)) (20).
وقد تعدد المؤسسون لهذا المنهج، وهذا التعدد يقود إلى طرح السؤال المهم: هل اتفق أم افترق هؤلاء المؤسسين في تفصيلهم النقدي للخطاب؟ وقد جاءت جهودهم على شكل نظريات تلتقي في بعض مفاصلها لاسيما اللغة، وتفترق في مفاصل أخر، وسيتضح من تلخيص تلك النظريات تحققات ثنائية الالتقاء والافتراق.
فهنالك نظرية فوكو في التحليل النقدي للخطاب تركز على المعرفة، والسلطة في تحري الخطاب الاجتماعي. أي دراسة علاقة الخطاب بالواقع، وتعيين سلطة الخطاب،
والجدائل المتضافرة في ذلك الخطاب أي الموضوعات المحمولة فيه (21).
ثم نظرية فان دايك التي تقوم على المعرفة الاجتماعية التي توضع في نطاق البعد النفسي والاجتماعي في التحليل، ثم تحليل البنى الكبرى، والمعاني الجزئية والداخلية، والتركيبات الشكلية غير المباشرة، والصيغ والبنيات، ثم الجزئيات البلاغية كل ذلك في نظومة السياق، منطلقا من المثلث المهم: الخطاب، والإدراك، والمجتمع.
ونظرية الفواعل الاجتماعية لمالينوفسكي وبارسنز أي أثر الحدث في تأسيس الهيكل الاجتماعي.
ونظرية فاكلوف التي تنطلق من المقاربة الجلية - العلائقية: توضيح المظاهر اللغوية في الخطاب بناء على الصراع الاجتماعي الذي تحمل كل ممارسة فيه عنصرا سيميائيا محددا، في ضوء التوجه البراکماتي، الساعي إلى حل المشكلات، بعد التعريف بالمشكلة الاجتماعية، التي يجب وصفها وتحليلها، ثم التركيز على الاختيارات اللسانية، والتراكيب من لدن الفاعلين في زمن معين.
وهناك نظرية ريزيجل وفوداك التي ترى أثر المدونة اللغوية في صياغة الخطاب وتحليله، ونقده (22).
فمن هذا الإيجاز المخل في عرض النظريات والعجالة يتضح أنها تعمل كلها في ضوء الاشتغال اللساني، والوازع الاجتماعي في الخطاب، مع الاضافات المتنوعة من لدن بعض من العلماء كأن يكون الجانب النفسي، أو الجانب المعرفي التاريخي لدى فوکو، والنظر الحفري الجينالوجي في الظاهرة.
وقد درج العاملون على هذا المنهج، أو المؤسسون له أوليات تعد نقاط انطلاق فيه (23):
1- فهم التأثير الاقتصادي على المجتمع.
كيفية تجاوز الرؤى المركزية الأوربية، والسياق الثقافي الغربي.
تحليل وتفسير الظواهر الجديدة في النظم الغربية السياسية.
تحلیل، و تفسیر تأثير وسائل الإعلام الجديدة.
تحليل العمليات التاريخية وسياقات الهُويَّة.
وثمة أبعاد مرکزية فيه (24):
التركيز على الاستعمال اللغوي.
التركيز على النص او الخطاب بدلا من الجمل المنفصلة.
التوسع في اللغويات إلى ما وراء نحو الجملة في اتجاه الفعل ورد الفعل.
التعويل على الجوانب السيميائية لقياس التفاعل والاتصال.
التركيز على الاستراتيجيات والتحركات الديناميكية، والاجتماعية، والمعرفية.
دراسة سياقات الاستعمال اللغوي.
تحليل عدد غير محدد من ظواهر نحو النص: الحبك، الإحالة الموضوعات، البنى الكبرى، أفعال الكلام.
ثم يأتي الدور للحديث عن المقولات الأساسية في هذا المنهج، اذكرها منتخبا ایاها من كتابات المؤسسين وهم فوکو، وفان دايك، وفاکلوف.
انفتاح بوتقتها على علوم البلاغة، والنحو، والصوت، والمعجم، والتداولية، والحجاج، وغير ذلك. وما هو جدير بالذكر أن العطاء اللغوي لم ينحصر في زاوية محددة من زوايا المنهج، بل يتكرر حضورها في اساسيات عدة منه، فقد يكون حضورها في الضروب الاجتماعية وعلاقتها بها، وقد يكون في انماط الخطاب، وقد يكون في مبحث الصياغات التعبيرية، والاساليب وهكذا...
التأويل: تقتضي صناعة النص الاجتماعي المؤهل للتحليل والنقد الاجتماعي أن تحضر رهانات التأويل فيه؛ لأن النصوص التي يشتغل عليها لم تتسم بالصرامة، وانما تتسم بالمنزع الاحتمالي؛ لذا ((يضع التحليل النقدي للخطاب منهجيته على النمط التأويلي (التفسيري) أكثر من النمط التحليلي الاستنتاجي)) (26).
الايديولوجيا: أي الجانب الأُحادي في الرؤية للعالم، وتعد المحرك الأساسي للخطاب، وهي المقولة الأهم في هذا المنهج؛ إذ العلاقة بينهما متبادلة كلاهما يصنع بعض: ((إن النتائج الايديولوجية هي أحد أنواع النتائج التي تسببها النصوص، والتي تحظى باهتمام التحليل النقدي للخطاب: تأثير النصوص في تثبيت الايديولوجيات أو دعمها او تغييرها)).
السلطة: وتبني على المقولة السابقة ((والسلطة تشير إلى العلاقة غير المتكافئة بين الفاعلين الاجتماعيين الذين يتولون وظائف اجتماعية مختلفة، أو ينتمون المجموعات اجتماعية متباينة)) (27).
النقد: ويقوم مفهوم النقد على التشخيص الاجتماعي، ونقد القيم الاجتماعية المنزوية في الخطاب عن طريق النسق اللغوي، بعيدا عن التقليدية في دراسة النقد (28)، وهنا يهدف إلى دراسة التجاوزات، والتناقضات الذاتية المنتشرة في
الهياكل التركيبية للنص أو للخطاب (29).
الخطاب: وينظر إلى الخطاب على أنه الذاكرة الاجتماعية عبر اللغة، المرئية أو المسموعة (30)، وامكانية تحليله على وفق التجزئة للمكنوناته.
السياق: قد يتسع مفهوم السياق في هذا المنهج فيكون فضلا عن الظروف المصاحبة للنص هنالك التمثيل العقلي. وهذا ما يتضح في قول فان دايك: ((ويجب التأكيد على أن السياق كما أعرفه ليس فقط نوعا ما من البيئة أو الموقف أو الهيكل الاجتماعي، مثل المتغيرات الاجتماعية للجنس أو العمر أو العنصر في اللغويات الاجتماعية الكلاسيكية. ولكن السياق هو تمثيل عقلي ذاتي، ونموذج آني فعال للمشاركة حول الصفات النسبية بالنسبة لهم الآن للموقف الاتصالي، وأنا أسمي هذا التمثيل (نموذج السياق) وهو هذا التعريف العقلي للموقف الذي يتحكم في التكليف الكافي لإنتاج الخطاب وفهمه في بيئته الاجتماعية) (31).
ونعني بها العوالم التي تصنع النص، الذي حفل بتمثلات لها، بطرائق مختلفة، وهي المائز الأساس في الخطاب، وقد أرجعها فاکلوف إلى ميشيل فوكو وآرائه، وقد تنتمي إلى العالم العقلي الذي ينماز بأفكار، ومشاعر خاصة مستوحاة من معتقد ما، يقول في ذلك فاکلوف: ((أری أن ضروب الخطاب طرق مختلفة في تمثيل العالم: السيرورات، والعلاقات، والبنى في العالم المحسوس، والعالم العقلي الذي يحوي الأفكار، والمشاعر، والمعتقدات وما إلى ذلك، والعالم الاجتماعي)) (32).
وهذه الضروب لها سمات تتصف بها، وهدف (33)، فمن سمات هذه
الضروب وجود الصلة المتواشجة بين عوالمها ومواقع المنتج لها في نقاط محددة، ومنها الهُويَّة الاجتماعية، والشخصية، والعلاقات الاجتماعية بين الناس، فضلا عن أنها تخضع للتجربة الفردية، ومن ثم تتسم بالإسقاطية، و خیاليتها. ولابد من أنها تتسم بالتكرار والجماعية، أي أن الناس يشتركون بها بوصفها مسلما من مسلمات الحياة، شريطة التوصيف العالمي والابتعاد عن النطاق المحلي في التأسيس للتغيير، ذلك التغيير بوصفه هدفا لإنجاز العالم في اتجاهات معينة بحسب الفلسفة التي تنتظم الخطاب ذي التمثلات النصية، والمشحون برؤى تسيِّر العالم نحو بوصلة النجاح.
وبمفهوم بعيد عن طرح المنهج النقدي لتحليل الخطاب يقترب معنی الضرب من الصنف، والمجال؛ ولأن المنهج يعطي الصنف فهما خاصا متصلا بطريقة طرح النص كأن يكون تقريرا أو محادثة، أو سردا أو غير ذلك رغبت عن تسمية الصنف، وكذلك المجال فإنه مما يجعلنا أن نتمسك بمقولات تحليل الخطاب، حاولت أن التزم مفهوم الضرب، وهو مما يدل على الحقل الذي يولِّد النص، وقد يكون هذا الحقل: السياسة، أو الاقتصاد، أو الإدارة، أو الجنبة العسكري، أو القانون في العهد العلوي لمالك الأشتر، ثم بحث النسيج النصي بين أوتار الضرب الواحد، ثم بين الضروب نفسها أو فلنقل العناية بتداخلها.
جاءت تلك الضروب الخطابية ممتزجة في نوع محدد من أنواع الخطاب وهو الرسالة التي أرسلها الإمام علي (عليه السلام) إلى وليه و حاكم مصر مالك بن حارث الأشتر.
جاءت تلك الضروب موزعة على طول مساحة العهد العلوي، مبتعدة عن الترتيب، أي ما يخص الضرب السياسي قد يكون جزء منه في بداية العهد
ثم يقاطعه الضرب الاقتصادي مثلا، فيأتي بعده السياسي وهكذا...
تتضح تلك الضروب في العهد بصورتين الأولى يمكن تسميتها بالصورة الإجمالية، والأخرى بالصورة التفصيلية. فقد أجمل الإمام (عليه السلام) تلك الضروب في استهلاله للعهد بقوله: ((هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه، حين ولاه مِصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها)) (34).
فتتضح الجنبة الاقتصادية في الفقرة الأولى (جباية الخَرَاج) أي الوظائف المالية، والجنبة السياسية في الفقرة الثانية (جهاد عدوها) عن طريق التعامل مع الدول، وصناعة العلاقات، والجنبة القانونية،، والجنية الاجتماعية في الفقرة الثالثة (استصلاح أهلها)، والجنبة القانونية عن طريق اتخاذ القانون بوصفه منظما يصلح سيرة الناس، فضلا عن خلق التماسك الاجتماعي عن طريق الاصلاح بين الأهل والطبقات، والجنبة الإدارية في الفقرة الاخيرة وعمارة بلادها) عبر اختيار المستشارين، والموظفين.
ثم جاء الحديث بالتفصيل عن التفكير بتلك المجالات، تفکير يسير في عامل الأدلجة التي ترى في الإسلام مسارا لها - إن صح أن نسمي الخط الاسلامي أدلجة - أي عبر الذوبان فيه، وتطبيق رؤاه، بحسب الخط القرآني الذي ينسجم مع الاصلاح الاجتماعي المنطلق من الاصلاح النفسي أو الاصلاح الفردي.
ويمكن تقسيم الضرب السياسي في العهد على نمطين. الأول السياسة الداخلية، والآخر السياسة الخارجية. وقبل أن يبدأ بالسياسة الداخلية يعرض لمؤهلات الحاكم الذاتية على مستوى صناعة الفرد، أو الذات، التي تراعي الآخر بعد أن تتسم بالانشراح الديني؛ لذا تجد عليا (عليه السلام) أول ما يطلبه من
الحاكم بوصفه سیاسيا لبلده تحقيق التقوى في داخله، والعمل بكتاب الله ((أمره بتقوى الله، وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه: من فرائضه وسننه، التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها واضاعتها، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه: فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره، واعزاز من أعزه)) (35).
فقد يكون هذا السلوك الشخصي للحاکم تأسيسا لنَفَس نقدي ينطلق من تشخیص عیوب الحاكم بصورة عامة لاسيما غير المتحلي بالهُويَّة الإسلامية، وكذلك تأسیسا لرقابة جماهيرية على الحاكم وهذا ما يميزه الإمام (عليه السلام) بقوله: ((وإن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما کنت تقول فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده)) (36).
ثم يساق الضرب السياسي الداخلي في فقرة لاحقة ومتسلسلة مع المفصلين السابقين بقضية التعامل مع الرعية، والانفتاح على الآخر من لدن الحاكم انطلاقا من التداخل القرآني الذي سنأتي عليه لاحقا أي عن طريق الرقة بالتعامل، وممارسة العفو، والصفح، وتذكر فوقية الله تعالى: ((وأشعِر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سُبعا ضاريا، تغتنم أَكلَهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يُعطيُك الله من عفوه و صفحه...)) (37). وهذه من أهم المفاهيم المنضوية في الالتماس النقدي للخطاب السياسي في زمن طغى فيه عدم الصفح، وعدم العفو، وعدم التسامح او الغفران لزلل الرعية، وهذا معول
من معاول تحطيم النسق الظلامي الممارس من لدن الطبقات السياسية الحاكمة.
جرى هذا التحليل من الباحث في ضوء فهم السياسة على أنها ليس فن الخديعة أو المكر، بل تعني ساسة أمور البلاد، والعباد في ضوء المنهاج الإسلامي، وعلى هذا الأساس يعرض الإمام (عليه السلام) سياسة الحاكم تجاه رعيته من جهة اللقاء بهم، والسماع لحاجاتهم، والانتصار للضعيف فيهم، أو تمشية أمور العمل بأوقاتها، مبديا ذلك بأسلوب الأمر (واجعل لذوي الحاجات منك قسما تُفَرِّعُ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما، فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتَقعِدُ عنهم جندك و أعوانك... وأمضِ لكل يوم عمله، فإن لكل يوم ما فيه)) (38).
فضلا عن هذه السياسة الداخلية يرسم لنا الإمام (عليه السلام) السياسة الخارجية للحاكم، والتأكيد على منزع واحد يقوم على ترك العداوة، والبغضاء، واللجوء إلى الصلح مع العدو، وهنا يتحقق عامل الصداقة، و تتحقق معه المكاسب الأُخر التي تنفع الدولة، وتسعى إلى تقدمها، وتحقيق مصالحها لاسيما عدم بذل المجهود الحربي من لدن الجند، وعدم هتك الأموال التي تبذخ بالحرب، فيوجه الحاكم ناهيا إياه من عدم قبول الصلح إن توفر، وفي الوقت نفسه يحذر من الغدر، والمباغتة من لدن العدو، وينبه بخديعة الأعداء، ومما بلغ حد التحذير هنا، أن قلب الموازين الاجتماعية التي يراها الإسلام الذي يوجه بحسن الظن تجاه الأمة، أو الفرد، أما هنا فلا يشتغل حسن الظن مع العدو ((ولا تدفعن صُلحا دعاك إليه عدوك، ولله فيه رضى، فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمنا لبلادك، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فإن العدو ربما قارب ليتغفَّل، فخذ بالحزم، واتهِم في ذلك حسن الظن)) (39).
ومن آخر القوالب السياسية التي تنضوي في مفصل السياسة الخارجية للحاكم
في بلده قالب التحذير من إراقة الدماء مع العدو؛ لأنه يعود بالضرر على مسببه، وينزل النقمة عليه، ويزيل النعمة: ((إياك والدماء، وسفكها بغير حلها؛ فإنه ليس شيء أدني لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ولا أحرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها،.... ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لأن فيه قود البدن...)) (40) وبمراجعة بسيطة للإسهام السياسي في العهد العلوي بنوعيه الداخلي والخارجي يتضح مدى إثبات الهوية الإسلامية في الفن السياسي، وأولى مصادیق ذلك تحقيق الهوية الإلهية عبر إيكال الأمر إليه، فهو الناصر لعباده المخلصين، والمتوكلين، وكذلك هوية الشعب المحكوم في سياقه التاريخي من لدن حكومات سابقة، وتجربة قد تكون مغايرة لتجربة النظام الإسلامي، فما ينبغي إلا ممارسة الحكم ذي الهوية الإسلامية القائم على العمل الصالح.
وقد يدعوه السياق التوجيهي أن يفصح عن طبيعة المكونات للشعب المصري، وكما يتضح من المسكوت عنه أنه مزيج من ألوان عدة، فجاءت الوصية لخط العلاقة بين القائد والمقوود على أساس التراحم، والايقان بأن الشعب المصري - إذا خصصنا العهد فيه بعيدا عن الرسالة العالمية مع أنع مستحيل هذا- أفراده أما أخ لك أو نظير لك في الخلق. ويؤكد على هوية الحاكم القائمة على التواضع لله، المتذكرة له، وغير المتجبرة.
وما يهم في العهد العلوي حديثه عن الضرب الاجتماعي السائر في ضوء سياسة العدل ((في الفكر وفي السلوك، متكاملة الجذور، والأغصان، والأزهار، والثار، في جدلية النمو الدائم))(1) لمنهاجه (عليه السلام)، بوصفها -أي العدالة - باعثا على خطوط متوازية تسعى إلى تحقيق المبتغى الإلهي الذي يتسم بالعمومية والكلية في
العدل بعيدا الفردية کما یری عزیز السيد جاسم ((وما من فائدة في العدل الفردي، فيما إذا كانت شروط العدل الاجتماعي معدومة؛ لأن العدل الفردي يخص فردا بعينه...)) (42).
ولا نكاد نبدأ بالضرب الاجتماعي إلا والأمر بالإنصاف والعدالة أول ما يبدأ به بقوله: ((أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوی من رعیتك)) (43).
وفي سياق التأكيد على الهُويَّة الإسلامية في إقرار العدالة الاجتماعية بين العباد، وأفراد المجتمع، يحذر الإمام (عليه السلام) من العواقب المترتبة على ظلم العباد، وتلك العواقب لیست ردود افعال المجتمع وإنما ردة فعل ربانية تتمثل بالخصومة بين الله وبين الظالم ((ومَن ظَلَم عبادَ الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حربا حتى ينزع أو يتوب)) (44). والجزئية الأخيرة التي ذیل فيها قولته جعلها من حصة باب التوبة للحاكم الذي نظر سوءا في رعيته.
ويحاول بطراز نقدي يُستنتج بالمسكوت عنه معالجة بعض العيوب من لدن الحكام، أهم تلك العيوب هي عدم القدرة على حل المشكلات الاجتماعية، والتشهير بعيوب الناس، لاسيما المعارضين من العامة لسياسة حاكم ما مثلا، فالحاكم أولى بلم الهوة الاجتماعية ((فإن في الناس عیوبا، الوالي أحق مَن ستَرَها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك... فاسترِ العورةَ ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعیتك)) (45).
ولكي يُكسب العلاقة بين الحاكم وشعبه المتانةَ حاول توجیه سهام النقد الاجتماعي إلى الساعين بالوشاية، وتحذير الحاكم منهم، كون تصديق وشايتهم، وحطهم للناس أدعى إلى الانهيار الاجتماعي، والعلاقة الاجتماعية بين الحاكم ومحكوميه: ((ولا
تعجلن إلى تصدیق ساع، فإن الساعي غاشٌ، وإن تشبَّه بالناصحين)) (46).
وأناط بالحاكم مسؤولية تفهم الأعراف، والسُّنن السابقة في المجتمع، وإجماعه عليها رغبة بصناعة التاسك الاجتماعي والمجتمع المستقر البعيد عن البدع، والابتكارات التي تثير القلق في أذهان الرعية ((ولا تَنقُض سُنَّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعية، ولا تُحدِثُن سنة تضر بشي من ماضي تلك السُّنن...)) (47).
وفي الضرب الاجتماعي يذکِّر الإمام (عليه السلام) بأنواع المجتمع المحكوم، ويصنفه على طبقات، ويسن طريقة التعامل مع تلك الطبقات. فكانت طبقة الجند، والكتَّاب، والقضاة، والعمال، و جباة الجزية، والتجار، والحرفيين، والطبقة السفلى ويضع خريطة التعامل مع تلك الطبقات المتنوعة: ((واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض)) (48). أي قضية اصلاحها لا تنبني على أساس المنوال الواحد، بل على أساس الخصوصية ((ويركز علي بن ابي طالب على الوحدة والتنوع في التركيبة الاجتماعية للرعية، فهو يرفض عمومية التحدث عن وحدة الرعية... فهو شخص ببعد نظر شديد طبيعة كل طبقة، وموقف السلطة الإسلامية منها، ملغيا النظرة العمومية السطحية)) (49).
ويؤكد التلازمات بين هذ التنوعات المجتمعية، فبعد أن يعرض مهمة الجنود، والجباية للخراج يركز على التلازمية مع القضاة ((ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب... ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار، وذوي الصناعات)) (50).
وبولوج مسافة التأويل يتبين أن الأساس الأنطولوجي لعرض فكرة الطبقات هو لإثبات هوية التعامل مع هذه الطبقات الواردة في المجتمع تعاملا منبثقا من الإلزام
الإلهي لها، فجاء هذا الأفق في آخر المفصل الاجتماعي من العهد العلوي ((وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر عليه فيها خف عليه أو ثَقُل)) (51). فجاء التصنيف الطبقي منبثقا من رؤية نقدية اجتماعية لمعالجة مساحة القصور الممتد من لدن الحاكم بصورة عامة في مدن الأمة، وبصورة خاصة في مصر، وما كان من النقد الاجتماعي إلا تمييز هذا من ذاك في صلاح الجمهور.
وشرح الإمام (عليه السلام) في الضرب الإداري طريقة اختيار المستشار ((ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور...)) (52).
وبعد ديناميكية الاختيار التي تنعكس إيجابا وسلبا على إدارة الدولة، يضع منهاجا لاختيار الوزير، وطريقة تعامل للحاكم مع الوزير أو الوزراء الذين يصنفون ضمن بطانة السوء ((إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا، ومن شَرِکَهم في الآثام، فلا يكونن لك بِطانة، فإنهم أعوان الأَئَمة، وإخوان الظَّلَمة...ثم لیکن آثرُهم عندك أقولُهم بِمُرِّ الحق لك... وألصَق بأهل الورع والصدق، ثم رُضهم على ألا يُطروك ولا يُبَجِّحُوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تُحدِث الزَّهو، وتدني من العزة)) (53). ثم يستمر بعرض كيفية إدارة الموظفين أو الوزراء باتباع سياسة التكريم أو التمييز بين الصالح والطالح منهم: ((ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه)) (54).
ثم يستمر الضرب الإداري بتحديد كيفية اختيار الموظفين للإدارة عن طريق التجربة وانجاز العمل: ((ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا، ولا وتُوَلِّهم
محاباة وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخَّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة)) (55).
ونتيجة لإنجاز الاختيار السليم للوزراء والموظفين سيجري العمل بأتم حال، وقد ركز على إنجاز الأعمال الإدارية كلا بوقته؛ لتمشية أمور البلاد ((ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها: منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كُتَّابُّك، ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك. وامض لكل يوم عمله، فإن لكل يوم ما فيه)) (56).
وبسياسة النقد يوجه الحديث صوب أحد عيوب المدير وهي الاحتجاب عن الرعية، فجاء سياق النهي: ((أما بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك؛ فإن احتجاب الولاة عن الرعية شُعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور.... ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه، أو فعل کریم تسديه او مبتلى بالمنع)) (57).
يلحظ على الضرب الإداري ارتباطه بالضرب الاجتماعي؛ لأن العاملين على الإدارة جزء من المجتمع، وفي سياسته النقدية للاتجاه الإداري للبلاد يدحض الأشخاص المنتخبين للوزارة المصابين بأمراض المجتمع نحو البخل، والجبن؛ إذ توفرهما لا يحقق المسعى الإلهي وأداء الأمانة (الإدارة) تجاه المدارين عامة الشعب، وهنا تتلاشى الهُويَّة الإسلامية ((فإن البخل، والجُبن، والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله)) (58). فضلا عن تقريب بطانة السوء فيه استنزاف لمبدأ الإحسان الذي تبحث عنه الهُويَّة الإسلامية، وتدريب المسلمين عليه: ((ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة)) (59).
وفي الضرب العسكري من خطابه في العهد تحرك على نوعين من
الاستراتيجيات العسكرية التي توصله إلى الانتصار على العدو وتحفظ ماء الأمة، يتعلق النوع الأول بالقائد، والثاني بطريقة تواصل الحاكم مع القائد، وهذان الخطان هما الضلعان المتوازيان أو اللذان يشكلان زاوية قائمة في تحقيق النصر المؤزر. فوضعَ سمات القائد العام التي تنتمي إلى جهة النصيحة لله ولرسوله، والأمانة، والحلم، والرأفة بالضعيف، وهذه تجليات الهوية الاسلامية: ((فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيبا، وأفضلهم حلما، ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء)) (60).
ثم ينتقل إلى توصيف العلاقة بين القيادات العسكرية بعد أن يحدد الأفضل منزلة بينهم عند الحاكم، فيقول: ((وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضَل عليهم من جِدَتِهِ، بما يسعهم، ويسعُ مَن وراءهم من خُلُوف أهليهم، حتی یکون همهم هَمًّا واحدا في جهاد العدو)) (61). وبعد ذاك يأتي الحديث عن طبيعة العلاقة بين مالك بوصفه حاكما وبين القائد بوصفه مرشحا للقيادة العسكرية ويؤسس لسياسة الجزل عليه، والتعامل معه بعطف وحنو، وتشجيع، وثناء: ((فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك... فانسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلی ذوو البلاء منهم، فإن كثرة الذكر الحسن أفعالهم تهُزُّ الشجاع، وتحرض الناكل، إن شاء الله)) (62).
كل تلك الخطوات في سياسة التعامل العسكري تعد بحثا عن هوية النجاح في خلق جيش قوي يحفظ هيبة الدولة التي تأخذ بأسنة الرماح ضد الطامعين بالنيل من وجودها، أو ممن يسعون إلى استصغارها ممن تشبعوا بحب السلطة.
ثم يشرع العهد العلوي ببيان الضرب القانوني، وأثره في تمشية أمور الدولة على تنوع معطياتها الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والعسكرية، ومدی
احتياج تلك القطاعات في الحياة إلى قانون، وسلطة، وقاض يشرعون الأحکام، ويضعون حدودا للجريمة، والتنكيل بالمشروع الإسلامي، فيبرز الخطاب القانوني بجزئيتين مهمتين هما اختيار القاضي، وكيفية التعامل معه.
وقد حدد صفات القاضي الذي يجب اختياره: ((ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تُمحِکُه الخصوم، ولا يتمادي في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عَرَفه، ولا تُشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاه) (63). ثم يوجه باتباع سياسة العطاء الكبير على القاضي حتى يتمكن من ردع نفسه عن الإغراءات المالية، فضلا عن تقريبه من الحاكم: ((وافسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيالَ الرجال له عندك)) (64).
وتكتمل هذه الضروب الخطابية بالضرب الاقتصادي، اذ يعد العامل الاقتصادي المفصل المهم في مباحث التحليل النقدي للخطاب؛ لِما له من أثر على المجتمع وتقدمه، وتأخره، لذا يعول عليه الإمام (عليه السلام) في العهد العلوي عبر الإحاطة بتعداد سلبيات، وإيجابيات طريقة جمع المال لخزينة الدولة، فكانت الطرق المعتمدة هي الخَرَاج، المبنية على عمارة الأرض، فهناك علاقة تلازم بينهما، متی ما صلحت الأرض، زاد الخَرَاج، ومتى ما ساءت الارض قل الخَرَاج ((وتفقد أمر الخَرَاج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخَرَاج وأهله. ولیکن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخَرَاج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخَرَاج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك
العباد)) (65)، ويجمل عوامل التدهور الاقتصادي المرتكز على إصلاح الأرض، ومنها حدوث الامراض للزروع، أو انقطاع الماء، أو تكاثر المطر، وغرقها ((فإن شکوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة، أو إحالة أرض اغتمرها غرق)) (66)، ومن تلك الأسباب التدهور والعوز الذي يمر به أهل الفلاحة ((وانما یؤتی خراب الأرض من إعوازِ أهلها) (67)، فيأمر الإمام بتخفيف الخَرَاج، ومدخول الدولة متى ما حدث ذلك؛ إذ فعله مع توافر الأجواء السلبية، والمحصول القليل يسبب تدنیا حیاتیا، يقول توفيق الفکیکي: ((وصفوة القول فإن الخَرَاج الثقيل يخرب البلاد، وينشر الفساد، ويعرقل الاقتصاد، وينفر العباد)) (68).
وتحتم الظروف الاقتصادية أن يتم جمع المال لخزينة الدولة، وتمشية الأحوال المعيشية للرعية عن طريق مسلكي التجارة، والصناعة، والاهتمام بالتجار، والصنَّاع؛ لذا اقتضى الاهتمام بهم، وعمل الخير معهم: ((ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوص بهم خيرا: المقيم منهم والمضطرب بماله، والمترفق ببدنه،...)) (69).
وهناك مستوى من مستويات الخطاب الاقتصادي قائم على محاربة الامراض التي تحدث في المسار الاقتصادي لاسيما حدوث الاحتكار للبضائع والسلع، وضرورة التخلص منه ((واعلم - مع ذلك - أن في كثير منهم ضيقا فاحشا، وشحا قبيحا، واحتکارا للمنافع، وتحكما في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار...)) (70).
والقدر الجامع بين هذه القطاعات الاقتصادية الثلاثة، الزراعة، والتجارة، والصناعة هي طبقة العمال، إذ يستوصیه بهم خيرا، ويشرح حالهم ((فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترَّا، واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسما
من بيت مالك، وقسما من غلَّات صوافي الإسلام)) (71).
ملامسة المرفق الاقتصادي في العهد العلوي نتيجة هوية الحاكم المثالي المتتبع لهذا الضرب، تلك الهُويَّة التي تنادي بشعار النجاح الاقتصادي عبر الملازمة بين الضرائب والإنتاج المحلي، ومحاربة الاحتكار، وعدم محاربته يعد من عيوب ذلك الحاكم الفاقد لهويته الاسلامية اذ يقول فيه الإمام ((وعيب على الولاة)) (72). وكذلك عن طريق إنزال العقوبة بالمحتكرين ((فمن قارف حُكرة بعد نهيك إياه فنکِّل به، وعاقبه في غير إسراف)) (73). واللجوء إلى هذه الكيفية من الصرامة في تحقيق النمو الاقتصادي يعد ممارسة الانصاف للرعية لاسيما اليتيم وكبار السن ((وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن، ممن لا حيلة اله)) (74).
ومطالعة العهد العلوي، والتحري عن الضروب الخطابية فيه لا تمل وليس بودك مفارقته؛ والسبب في ذلك التمسك بالنظرية المتقنة التي ينطلق منها الخطاب العلوي في عهده؛ إذ تسير تلك الطبقات الواردة فيه في ضوء الحركة الاجتماعية، أي انعکاس تلك المسائل الجوهرية من تجارة وصناعة وإدارة، وسیاسة على الوجهة الاجتماعية، فمتی ما صلحت الادارة والقضاء، والسياسة، والاقتصاد، صلح المجتمع الذي ينبغي الحفاظ على هويته الاسلامية المنطلقة من العدالة بوصفها مؤدلِجا جوهريا في الخطاب العلوي، وتحقيق الأبعاد العلمية؛ إذ الرقي الاجتماعي والسياسي لا يكون إلا بالتقدم العلمي، وكذلك الاقتصادي والصناعي، وهنا بحث عن دولة متقدمة نامية: ((وأما النظرية المالية والاقتصادية الحديثة فقد اعتبرت مؤازرة الصناعة والتجارة من أهم المرافق لإنهاء الانتاج القومي)) (75).
يقترب مفهوم (نمط المعنى) من مفهوم الوظيفة في اللغة، وتعدد النظر إلى وظائف اللغة في البحث الالسني، بين التعبيرية، والندائية، والمرجعية، والتنبيهية، والشعرية، وما وراء اللغة عند یاکوبسن (76)، والنصية عند دي بو کراند، والثقافية عند الغذامي، والإنجازية عند أوستين، والفكرية، والتبادلية عند هاليداي، ثم هنالك وظائف أخر تضاف من لدن فاکلوف في منهجه النقدي لتحليل الخطاب هي: طرق الفعل، وطرق التمثيل، وطرق الكينونة، إلا أنه يفضل أن يتحدث عن أنماط المعنى التي تقابل تلك الوظائف الثلاثة التي تقابل الوظائف اللغوية في البحث الألسني السابق عليه، ويجري موازنة بين هذه الأنماط والوظائف تلك، فيكون التمثيل مطابقا للوظيفة الفكرية عند هاليداي، والفعال قريبا من الوظفية التبادلية، ثم الوظيفة الكينونة التي تعني تحديد الهوية ليس لها مقابل في المناهج السابقة (77).
ويستلزم في هذا المقام بیان معاني هذه الأنماط:
التمثيل: العلاقة التي يمثلها النص المنتج، أي التي يتحدث عنها المتكلم، فمثلا عند الحديث عن منجزات نظام العراق السابق قبل 2003 ومن ثم الحديث عن منجزات نظام العراق بعد 2003 ستكون تلك العلاقة هي الممثل للخطاب، أي الحديث عن دولتين مختلفتين کليا.
الفعال: أي الكم اللساني (التركيب) الذي ينتجه المتكلم على ممثل ما كأن تكون كمية الاخبار والمعلومات، وابداء الرأي، والوعد، والتهديد، والتحذير، والتوبيخ، والاستهزاء أو غير ذلك.
تحديد الهُويَّة: يقوم مفهوم الهُويَّة على اعتبارات عدة، الأول اعتبار الماهية، والثاني اعتبار الوجود الخارجي، والثالث الاعتبار الشخصي، والرابع باعتبار الاخر المضاد
للأنا، وبذا تكون ((هي الحقيقة الجزئية، حيث قالوا الحقيقة الجزئية تسمى هوية يعني أن الماهية اذا اعتبرت مع التشخص سميت هوية، وقد تستعمل الهُويَّة بمعنى الوجود الخارجي، وقد يراد بها بها التشخص، وقالوا الهُويَّة مأخوذة من الهوهو وهي في مقابلة الغيرية)) (78).
وقد نظر إليها المنهج النقدي لتحليل الخطاب باعتبارین. الأول هو الشخصي، وهذا ما حدد في تعريفها قديما كما رأينا في النص السابق، والآخر الاجتماعي وهو مما يضاف إليها، فيبقى المنهج باحثا عن تحديد تلك الهُويَّة، وصور تجميلها مع لحاظ الفارق بين الهويتين يقول فاکلوف: ((يميز التحليل بين الهوية الاجتماعية والشخصية (أو الهُويَّة الشخصية)؛ إذ هما جانبان مختلفان من الهُويَّة)) (79) . ثم يتحدث عن طبيعة الهُويَّة الاجتماعية: ((يرتبط جزء من هوية المرء الاجتماعية بالظروف الاجتماعية التي يولد فيها، ومرحلة الدمج الاجتماعي الأولى في حياته - جواني الهُويَّة الجنسية على سبيل المثال. ويكتسب المرء لاحقا جزءا آخر من هويته الاجتماعية - على سبيل المثال، الدمج الاجتماعي في (أدوار اجتماعية) كدور السياسي أو المعلم)) (80).
يتجلى التمثيل في عهد الإمام (عليه السلام) إلى مالك عبر مستويين. الأول كلي، والآخر جزئي. يتمثل المستوى الكلي بالعلاقة بين كيانين هما الكائن واللا کائن، الكائن بانتشار حاکم بعيد عن الله وعن الرعية، واللا كائن الذي ينبغي أن يكون ذلك الحاكم العامل بشرع الله، وبأحكام دينه. وهذا ما يشتغل عليه العهد من أوله إلى ختامه.
ويتضح المستوى الجزئي بعلاقة جدلية بين منهجين مختلفين يمکنی ملاحظتهما عبر معول الثنائيات ومنها ثنائية المصادرة والإرجاع، مصادرة
الحياة الرغيدة للرعية من الحاكم غير المتزن بالشريعة الإسلامية، والفاقد لمعايير الإدارة، وإرجاع تلك الحياة المُصادرَة على يد ذلك الحاكم المأمور بالشريعة التي يذكِّر الإمام (عليه السلام) بمعالمها، ومعالم ذلك الحاكم في عهده فيقول: ((هذا ما أمر به عبد الله علي أمير مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه... أمره بتقوى الله، وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه: من فرائضه وسننه ..)) (81)، ويشرح ذلك الظرف الذي يمر به الحاكم حين ما يصادف أمرا في دكة الحكم فيأمره بالرجوع إلى تعاليم الله: ((واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الأمور)) (82).
ومن التمثيلات الجزئية الاتزان وعدم الاتزان، الحاكم غير المتزن الذي تؤثر به الخطوب، والمغريات عكس ذلك الذي لايهتز امامها فيوصي الإمام (عليه السلام) الحاكم أن يكون متزنا، له آداب الولاة الحقيقية: ((وإياك والإعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، وحب الاطراء... وإياك والمن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك... وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها او التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، ... وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما یُعنی به مما قد وضح للعيون...)) (83) ومنها ثنائية الوجود وعدم الوجود، عدم وجود بعض الحكام المتصفين بتقوى الله، وطاعته، ووجود من يتصف بتلك الصفات التي تحقق سعادة الرعية انطلاقا من الإقرار بأوامر الله تعالى وتطبيقها على الرعية في مدة الحكم: ((أمره بتقوى الله، و ایثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقة إلا مع جحودها واضاعتها، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه)) (84).
ثم يدعو الإمام إلى التحرك تجاه ثنائية العدل والجور، على أساس محاربة الجور، وتجاوزه، وإرساء ثقافة العدل: ((ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك، من عدل و جور، وأن الناس ينظرون من امورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك)) (85).
ومن الأمور التي تحدث بين الرعية والحاكم ثنائية الرحمة والقسوة؛ إذ يتعامل الحكام بقسوة ليس لها نظیر تتجافي مع منطق الإنسانية: ((واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان أما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق)) (86).
ثم يعرض ما وقع به الحكام من جهة الاختيار الموفق وغير الموفق للمستشار: ((ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور)) (87). وكذلك اختيار القائد العسكري، والقاضي، وانتخاب الموظفين وهكذا...
ثم ركز الحديث عن ثنائية الهدم والبناء الاقتصادي للبلد، فوضع طريقين اقتصاديين، الأول عدم الاهتمام بالعلاقة بين الضريبة وعمارة الأرض، والآخر الاعتماد على تلازمهما، فسيكون الأوفق، وهو الذي يترتب عليه انضاج البلاد اقتصاديا: ((وتفقد أمر الخَرَاج بما يصلح أهله...ولیکن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخَرَاج؛ لا، ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخَرَاج بغیر عمارة أخرب البلاد)) (88). ثم يستمر الحديث بتمثيل البناء الاقتصادي عبر الاهتمام بالتجارة والصناعة، وعدم الاحتکار: ((ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوص بهم خيرا...)) (89).
ذلك التمثيل للأفكار ذات المردود الاجتماعي، ينحصر في ضوء خطين متوازيين
متسابقين في ما بينهما يقع أحدهما أسفل الآخر، وذلك الخط المتسافل هو ما ينعش العيوب الاجتماعية، ويصادر وجود ذلك المجتمع، أما الخط المتعالي أو الأعلى ما ينعش صورة المجتمع، ويتجنب العيوب فيه، ومن ثم يوصله إلى سلم العُلى، وهو الهدف الأساسي من خلق الإنسان، المرتبط بجانب العبادة المتوقفة على تطبيق الشريعة الإسلامية، جاء ذلك التمثيل بلا شك عبر فعال لسانية، كأن تكون جملا أو تراکیب في العهد العلوي هذه الفعال اللسانية تتنوع بين الإخبار، والأمر، والنهي، والتحذير ، وهكذا ما سنقف عليه بأمثلته:
لا انفكاك بين التمثيل والفعال ويلحق بهما الهُويَّة، وتحديدها، فقد مثل جزء من العهد ثنائية الاهتمام بالجند والعسكريين، وعدم الاهتمام بهم، ففي قالب الاهتمام بهم أصدر فعلا لسانیا مبنيا على الإخبار بقوله: ((فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم)) (90). ويستمر بشرح هذا الكلام، وإلقاء الحجة على المتلقي الحاكم إذا نظرنا إلى الخطاب عامة أو مالك إذا نظرنا بخصوصية، ثم يأتي في سياق تمثيل علاقة الحاكم بامته فعلا تحذيريا: ((إياك ومساماة الله في عظمته، والتشبه في جبروته، فإن الله يذل كل جبار، ويهين كل مختال)) (91). ويتكرر فعل التحذير في مواضع عدة، وبالأداة إياك.
ولأن السياق في العهد سياق تشخیص للعيب، وسياق إقرار للطريقة المثلى في فن القيادة يتكرر فعل النهي لاسيما في تمثيل العلاقة بين البطانة الصالحة والطالحة، فيأتي النهي: ((ولا يكوننَّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء؛ فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان)) (92).
وكذلك للعلة نفسها يظهر فعل الأمر في مواضع كثر غلبت كل الفعال الأخر، ومنه النظر في امور العال عنده: ((ثم انظر في امور عمالك فاستعملهم اختبارا... ثم
اسبغ عليهم الارزاق... ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم...)) (93).
ذلك التمثيل والفعال النصية جاء بغية تحديد الهُويَّة التي يسعى الإمام (عليه السلام) إلى تحقيقها لدى المجتمع ولدى الحاكم بصورة عامة ولدى مالك بصورة خاصة، والحكم على عمومية تلك الهُويَّة لا سيما أن مالكا ممن عرف بالفضل، والتقوى، والحنكة بالسياسة، وعدم احتياجه إلى وصية؛ لانه موضع ثقة عند الإمام (عليه السلام) حتى قال الإمام (عليه السلام) بعد موته: ((رحم الله مالکا، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم)) (94).
سعى الإمام إلى تحديد الهُويَّة الإسلامية وعدم التماس ما يضادها لدى الحاكم ولدى المحكوم، فجاء العهد تذكيرا بالله، وتجديدا لتلك الهُويَّة لاسيما وأن الهُويَّة متجددة كل حين، ومتنامية بتنامي المجتمع كما يرى أليكس ميکشيللي في تعريفه لها: ((الهُويَّة ببساطة هي مركب من العناصر المرجعية المادية والاجتماعية والذاتية المصطفاة والتي تسمح بتعريف خاص للفاعل الاجتماعي، فهي ليست کیانا يعطى دفعة واحدة وإلى الابدانها حقيقة تولد وتنمو وتتكون وتتغير وتشخُّ وتعاني من الأزمات الوجودية والاستلاب)) (95).
ويبقى السؤال المهم ما هي تلك الهُويَّة التي أراد الإمام (عليه السلام) تحديدها في عهده إلى مالك؟ يتضح أنها الهُويَّة الشخصية الاسلامية حصرا المندمجة بالهُويَّة الاجتماعية، وهذا ما يريده المنهج النقدي لتحليل الخطاب أي الفاعل الاجتماعي هو الذي يستطيع أن يوظف الأدوار الاجتماعية توظيفا شخصيا ويجعلها مطواعة لها عبر الدمج بين الهويتين (96)، ويتضح تطبيق هذا في كلام الإمام؛ إذ يأمر مالكا بالتقوى والالتزام بأوامر الكتاب والسنة، ثم يأتي أمر لاحق بتفهم المجتمع والتدقيق فيه:
((أمره بتقوى الله، وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه، ...ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك، من عدل وجور...)) (97).
ويبدو أن الهُويَّة الاجتماعية لا تتحقق في المجتمع وفي نظر الحاكم إلا بالانعکاس الإسلامي عليها عبر إبراز حاکمية الإسلام في المجتمع، وعالميته كذلك، وإرساء مبدأ العدل، و تشخیص عیوب الحكام.
ولابد من عزل مفهوم الحاكمية لدى الإمام (عليه السلام) عن مفهومها لدى مجموعة من القوم لاسيما في نظر أبي الأعلم المودودي، وتلميذه سید قطب؛ إذ تعني عند سید افراد الحكم لله وحده في مناهج الحياة كافة (98). بينما تكون في نظر الإمام (عليه السلام) ما يشكل مثلثا مهما مكونا من النص والنبوة والإمامة وهذا ما يتضح في قوله لمالك: ((فولِّ من جنودك أنصحهم في نفسك الله ولرسوله ولإمامك)) (99). ويقول جعفر عبد الهادي في كتابه مفاهیم القرآن: ((بحيث يتبين بوضوح أن الحكم والولاية في منطق القران ليس إلا لله تعالى وحده، وأنه لا يحق لأحد أن يحكم العباد دونه، وأنه لا شرعية لحاكمية الآخرين، إلا إذا كانت مستمدة من الولاية والحاكمية الإلهية... إن الله تعالى أمر بطاعة الأنبياء، والأولياء؛ لذا وجبت طاعتهم واتباع أوامرهم والإنقياد لأقوالهم...)) (100).
وتعني الحاكمية في المنهج النقدي لتحليل الخطاب ((كل نشاط في مؤسسة أو تنظیم هدفه تنظيم ممارسة اجتماعية أخرى أو شبكة من الممارسات الاجتماعية أو إدارتها)) (101)، وهو تماما المسعى النبوي والعلوي شريطة اقترانه ب (الإسلامي)، فتدل الحاكمية الإسلامية على أن الإسلام هو الحاكم الوحيد للمجتمع وللفرد ومهمة الخطاب هي الإبحار في سلوك الحاكم ومدى تطبيق القرآن الكريم واتباع أوامر الله، والتذكير باتباع الأخلاق العالية مع الرعية، والعدل والإنصاف، والتذكير بالعمل
الصالح ((فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح) (102). ومن ثَمَّ الائتمان على العباد، والتعامل معهم بعفو ورحمة: ((ولا تنصبن نفسك لحرب الله، فإنه لا يد لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته)) (103).
وتحدد الهُويَّة الإسلامية بالبحث عن عالمية الإسلام عبر انفتاح الحاكم على القرآن والسنة لإدارة مرافق الحياة من جانب الهداية، والعبادات، وأحكام الصلاة والصيام وغير ذلك، ثم صلاحية توظيفه في ميدان الحكم، وجاء هذا في مقتبل عهده ليدل على أنه المشغل الأساس في الحكم ((أمره بتقوى الله واتباع ما أمر به في كتابه)) (104)، ثم الإحالة على أن تطبيق هذا الدين الإسلامي يحقق السعادة الدنيوية التي تقود إلى السعادة الأخروية ((التي لا يسعد أحد إلا باتباعها...)) (105) والتأكيد على أن من تخلى عنها تخلى عن الله، وسلب تلك السعادة، واستبدلها بالشقاء: ((ولا يشقى إلا مع جحودها واضاعتها)) (106).
ثم من مصادیق تلك العالمية التي تحقق الهُويَّة الإسلامية وضع دستور للراعي يرجع إليه في كيفية الصناعة مع الحكم، والمحكوم لكي تقوده تلك الصناعة إلى تحقيق رضا المواطن، ومن ثم يحقق رضا الله تعالى، وليس أدل على ذلك من تطبيق نظرية الإحسان التي سجلها الإمام في العهد: ((ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم)) (107). ولا يوجد مثال على الهُويَّة الإسلامية في العهد أجلى من مسألة احتواء الآخر عند الحاكم بغض النظر عن دين ذلك المحكوم أو جنسه بوصفه مواطنا، فعلى الحاكم عدم الالتزام بضيق الأفق، والتخندق تجاه الطبقة الواحدة، التي ترى التعصب، بل الأجدر النظر في اكثر من ذلك الميزان بناء على أن المحكوم إنسان أكثر منه مسلما أو غیر مسلم فجاء النص: ((واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم... فإنهم صنفان أما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق)) (108)
يتضح من سرد ذلك الخطاب الخاص بالحكم تذويب الهُويَّة الشخصية للحاکم، والارتكاز على الهُويَّة الدينية التي تؤمِّن الهُويَّة الاجتماعية، وتحقق العدالة الاجتماعية التي تنادي بالإنصاف، والعدل، لتصل إلى سلم النجاح الذي يؤمن بخلق سلطة إسلامية مهيمنة على الحاكم والمحكوم، ولا تتوفر تلك السلطة إلا بتوجيه سهام النقد الاجتماعي الذي سلكها الإمام في خطابه، نقدا مختصا بالحاكم السابق لمالك الأشتر واللاحق عليه أيضا؛ لأنه وضع مرايا للحكام تدخلهم في دائرة الإنجاز، والفعل الاجتماعي.
وسيجري التناول اللغوي في العهد على الآتي:
الصياغة النحوية.
العلاقات الدلالية.
الجنبة الحجاجية.
الجنبة التداولية / أفعال الكلام.
مع لحاظ التوظيف الاجتماعي لتلك المعطيات، ومدى إضافتها له على أساس دعم قيم مشروع التحليل النقدي للخطاب انطلاقا من الحقيقة التي تری ارتباط اللغة بالمجتمع ارتباطا وثيقا (110).
ولا شك أن تأشير الجزئيات النحوية سيكون بحثا عن الدلالات التي ينطلق من أجلها العهد العلوي، وتنضوي تلك الدلالات في القضايا المجتمعية، والسياسية، والاقتصادية، والعسكرية أو فلنقل في جدائل الخطاب التي أحصيت فيه. ومن تلك الجزئيات جزئية العطف بالحرف الواو بين الجمل في قول الإمام (عليه السلام) ((واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم)) (111). ليدل على تناسق الأفعال في وقت واحد، وفي مفعول واحد هم الرعية، وهذا بدوره يخدم المنظومة الاجتماعية المكونة من الحاكم والمحكوم. وقد يحدث العطف بالأداة (ثم) في مفصل الوصية بالجنود: ((فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمة، وليس تقوم الرعية إلا بهم. ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم)) (112)، فتأتي الأداة في سياق التراخي الرابط بين وجود الجنود والاهتمام بالخَرَاج الذي يدر بالقوت عليهم وبالعطايا والمراتب، فكانت الأداة العاطفة محققة تماسكين هما التماسك النصي بحسب اصطلاح لسانیات النص، والتماسك الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.
وقد حدثت الإحالة في في العهد، ومنها الإحالة بالضمير المنفصل (هو) على لفظ الجلالة في سياق سابق: ((وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته
من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المظطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد)) (113).
وقد اتسمت بعض العناصر النحوية في العهد بالهيمنة، ومنها هيمنة أفعل التفضيل فيه على طوله ومنها تفضيل الشخص المستحق أن يكون قاضيا: ((ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك... وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصر مهم عند اتضاح الحكم)) (114). فقد رسم الإمام (عليه السلام) طريق الحاكم في اختيار الشخص المتسم بالأفضلية على أقرانه من جهة حكمه بالحقائق والنصوص بعيدا عن الشبهات، وأكثرهم التماسا للحجة، وأقلهم شعورا بالملل، ومتسما بالصبر، وقطع الخصومة مع غيره، ودواعي التفضيل؛ لأن القاضي يعد الطريق الأوحد لإقرار العدل الاجتماعي، والتحقيق الكامل الذي يسعى إليه الإمام (عليه السلام) في فلسفته، وحكمه، وإدارته للدولة، وحرصه على الرعية.
وهنالك حضور كثيف لأفعل التفضيل في العهد العلوي، يحمل في طياته منظورا نقديا، قائما على المفاضلة بين ضربين، الاول صالح، الاخر طالح، ويدعو الامام الى تجنب الطالح منه، والعمل بالصالح، وقد توزع على مساحات متكررة من العهد لاسيما في اختيار الموظف، والقاضي، والقائد، والجندي، والتعامل السليم.
ولكي يحقق الثبوت والتجدد في صفات القائد العسكري لدى الحاكم يختار صيغ المضارع - بوصفها عنصرا مهیمنا - في عهده ليُلِبس بها صفات القائد ذات العلاقة بحياة الأمة، التي تسعى إلى التعامل مع طبقات المجتمع: ((ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، ممن لا يثيره العنف، ولا يقعد به الضعف)) (115).
ولم يقف الأمر عند القائد العسكري، بل سبقه باختيار القائد العام المسلم،
المنتمي لدين الله، ومن تابعي النبي ص، والإمام علي (عليه السلام)، فجاء طريقة انتقائه على أساس السيرة الحسنة، والنسل الطیب کما وصفه الإمام (عليه السلام) بلفظ (البيوتات) الدالة على جمع الجمع لبيت، ليعطيها دلالة استحبابية، أو انتقائية مع تمتعها بطابع الشرف، والحسب، والمكانة اللافتة، فجاء الأسلوب أسلوب أمر بذلك ((ثم أمره أن يلصق بذوي الأحساب، وأهل البيوتات، أي يكرمهم ويجعل معوّله في ذلك عليهم ولا يتعداهم إلى غيرهم، وكان يقال: عليكم بذوي الأحساب؛ فإنهم لم يتكرموا استحيوا)) (116).
ويصادفنا المضارع المؤكد بالنون بصورة مهيمنة كذلك في العهد، ويكاد يمتلئ العهد العلوي من أوله إلى آخره بهذا العنصر المهيمن، للتوكيد على تلك المعاني الواردة في الأفعال المؤكدة أشد التوكيد، لا سيما أن التشديد يبعث زيادة المعنى الذي يحمله اللفظ، وقد تزامن مع هذا التوكيد النهي بلا الناهية، ومن الأمثلة على ذلك في موضوع سياسة الدولة مع العدو الخارجي، وتوجيه الإمام (عليه السلام) بالالتزام بالعهود والمواثيق، وطريقة مقاتلة العدو: ((فلا تغدرنَّ بذمتك، ولا تخیسنَّ بعهدك، ولا تختلنَّ عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي)) (117).
ومن تلك المهيمنات النحوية التكرار، ووقفت منه على تكرار الصيغة، وتكرار المفردة، وتكرار العبارة. فيأتي تكرار صيغة الأمر (افعل) بصورة مفرطة ((وأشعر قلبك الرحمة)) (118) وقوله: ((فأعطهم من عفوك وصفحك)) (119) وقوله: ((أنصف الله وأنصف الناس)) (120) وقوله: ((وأرعَ ذمتك بالأمانة)) (121)، ومنه صيغة (تفعَّل) في الفعل (تفقَّد) مصاحبة للفظ أمر أو بصيغة الجمع أمور، في جانب متابعة عمل القائد للأمة بعد اختياره بناء على معايير وضعها له: ((ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما)) (122)، وكذلك أمره بتفقد العمال في الدولة: ((ثم تفقد أعمالهم،
وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء)) (123)، ثم يأتي الفعل في تفقد الخَرَاج: ((وتفقَّد أمر الخَرَاج بما يصلح أهله))، ثم في سياق متابعة التجار، وأهل الصناعات: ((وتفقَّد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك)) (124)، وهكذا مما ينم عن سلطه خطابه تجاه الحاكم بوصفه خريطة عمل اجتماعية أو سياسية، أو اقتصادية. ثم تأتي صيغة المضارع وتكرارها بكثرة كما وضحت في ما سبق من أمثلة.
وبعدها يأتي تكرار لفظ (خاصة) بحسب سياقها مرة دالة على الأهل، ومرة دالة على خاصة الوالي، وهكذا هو ينبه على الاهتمام بها أو الحذر منها: ((أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك)) (125)، وقوله: ((ثم إن للوالي خاصة وبطانة، فيهم استئثار وتطاول، وقلة انصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال) (126).
ثم يأتي تكرار العبارة (حسن الظن بالله) مرات عدة، ومنه قوله: ((واعلم أنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه اليهم... فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا)) (127)، ليضع قاعدة حسن الظن من قواعد التعامل بين الراعي والرعية.
تلك الرعية التي شغلت ممارساته الخطابية الفعلية، والتنظيرية، فقد ذكر الإمام (عليه السلام) الأشتر بأن الجنود هم من يحفظ الرعية، ويزين الولاة، ويعز الدين، فاستعمل صيغة المبالغة (فعول) في قوله: ((فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين)) (128). فحصون مبالغة في الحماية التي يقوم بها الجنود تجاه دولتهم كي يلفت انتباه المتلقي الأشتر أو غيره. كما أشار على الحاكم بالرجوع إلى الله تعالى في كل خطب یلم به عند الملمات العسكرية
مستعملا صيغة المبالغة نفسها في لفظة الخطوب: ((واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ما يشتبه عليك من الأمور)) (129).
وهناك ذكر الصفة والموصوف في العهد حينما يتكلم على التجار، فيصفهم بالضيق الفاحش، والشح القبيح: ((واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا، وشحا قبيحا، واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة)) (130)، فالإيغال بالصفات الخاصة بالتجار لرسم سياسة الحذر تجاههم، وهذا الحذر بدوره باب من أبواب تمشية أمور الاقتصاد، وتحديدا اقتصاد الطبقة العادية من الناس أو كما يسميهم الإمام (عليه السلام) في آخر نصه (العامة).
شكلت نسبة حضور العامة (الرعية) في خطابة رقما عاليا، ولا أبالغ إذا قلت إن العهد كله أمر بالإحسان إليهم، وكذلك أمر من مغبة الوقوع بحيز ظلمها، وتحذير من سلطتها، كونها الفاضح الأول لسيرة الحكام وهذا ما نلمسه في استعماله الاشتقاقات أو التصريفات للفعل (ستر) لما يوجه الإمام (عليه السلام) بحل المشكلات التي تواجه الحاكم: ((فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك)) (131). فجاء الاشتقاق محملا بدلالة التوالي التي تبدأ بناء على الشرط والجزاء، أو بناء على تبادل الأدوار بين الحاكم والمحكوم، فمتى ما سُتر العامة، سُتِر الحاكم.
ويأخذ الإمام (عليه السلام) بتحذير الحاكم من سفك الدماء، والإيضاح أنه ادعى لنقمة الله، ولزوال نعمته، ويستمر، فيقول: ((ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد،؛ لأن فيه قود البدن)) (132)، فجاء بتركيب المتضايفين: قود البدن بدل من غيره لبلاغته ((والمراد إرهابه بهذه اللفظة أنها أبلغ من أن يقول
له: فإن فيه القود)) (133).
ثم هنالك العلاقات الدلالية ذات الانعاكسات النصية في صياغة الخطاب الاجتماعي، وقبل المباشرة بأمثلتها في العهد العلوي، يستحسن بيان مدلولها في المنهج النقدي لتحليل الخطاب، فقد يفهم منها ما يتعلق بالمفردة كأن يكون الترادف، أو المشترك اللفظي أو الأضداد في المنظور العام لعلم اللغة. وقد دلت العلاقات الدلالية في منظور فاكلوف على علاقات المعنى بين الكلمات والتعابير الطويلة، أو العبارات الطويلة، أو الجمل، وأحيانا حتى بين أجزاء لنص الكبيرة، فمنها علاقة السببية، والشرط، والإسهاب، والاستدراك (134)، والزمن.
وحاول الإمام (عليه السلام) تعليل بعض السلوكات الاجتماعية في العهد، وبيان الأسباب والنتائج عليه-ا ليكون مأخوذا بالحسبان من لدن الحاكم لاسيما في موضع اختيار المستشار، وبطريقة تقديم النتيجة على السبب ((((ولا تدخلن في مشورتك بخيلا بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والحِرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله)) (135). فجاءت الأداة السببية (إن) الدالة على توكيد الابلاغ الذي يحمله النص بأنه من حبائل سوء الظن بالله.
ولأن العهد رسالة تتضمن تأسيس نظام يدير الكون بطريقة منبثقة من الشريعة الاسلامية حاول الإمام (عليه السلام) يوضح بعض الحقائق على أساس الشرط والجزاء في سياق الحديث عن العدل الاجتماعي، فجاء اسم الشط (مَن) محيلا عاما على كل ظالم في قول الإمام (عليه السلام): ((ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته)) (136). فيستمر الحديث عن إقامة الظلم إلى أن يختم بنسق تذكيري يراد به تجنب الاضطهاد.
وقد زخر العهد العلوي بالإسهاب في عرض بعض أفكاره على أساس علاقات العطف بالواو ليكون أدعى إلى الاستيعاب والعمل به في النظام الاجتماعي، أو في حدود العلاقة بين الحاكم والمحكوم لاسيما في موضوع سفك الدماء والتخلص من هذا الأمر: ((إياك والدماء وسفكها بغير حِلِّها، فإنه ليس شئ أدعى لنقمة، ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها! والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله)) (137). فأخذ يسهب في تعداد التبعات المترتبة على سفك الدماء؛ إذ إنها مدعاة للنقمة، وحدوث التبعات، وبه زوال النعمة، وانقطاع المدة، وكذلك يسهل في زوال الملك والسلطة.
وكذلك تفرض طبيعة النص أن يلجأ إلى علاقة التباين أو الاستدراك حينما يوجه الإمام (عليه السلام) الحاكم بعدم دفع الصلح مع العدو الخارجي، وتجنب الحروب، وخوضها لأنه يدر على جنوده بالراحة، والدعة، وينعش أمن البلاد، ثم يستدرك: ((ولا تدفعن صلحا دعاك اليه عدوك والله فيه رضا... ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه)) (138).
ويستعمل العلاقة الزمنية الماضية في تذكيره بانجلاء الزمن وانكشاف الأمور، بعد (قليل) ثم يوجب عليه مراجعة الحكومات السابقة العادلة والإفادة مما (مضى): ((وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم... والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدته مما عملنا به فيها)) (139).
واقتضت الممارسة الخطابية في العهد العلوي استعمال تقنيات البرهنة على بعض الأفكار، ومن تلك التقنيات الروابط الحجاجية في موضع إقرار دخل البلد عن طريق الخَرَاج، وضرورة التعويل عليه فيبدأ بإقناع المتلقي / الحاكم عبر الأداة (لأن): ((وتفقد أمر الخَرَاج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم؛ لأن الناس كلهم عيال على الخَرَاج وأهله)) (140).
ومن التقنيات الحجاجية التي أسهمت في خلق العلاقة بين النص وقاعدته التي يتحدث عنها الإمام القرآن الكريم بوصفه حجة يتوخاها الإمام (عليه السلام) في إحداث الإقناع في فرض السلطة الإسلامية على الحاكم والمحكوم فيوجه الحاكم باتباع الشريعة الاسلامية في إدارة الدولة، وإدارة الأزمات أيضا: ((واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ»))، فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة» (141).
ويستمر الإمام (عليه السلام) بالنقر على هذا المعول أي معول الأدلجة الإسلامي، والانطلاق منه في الحكم الإسلامي، فكما وجه باتباع القرآن، وجهه باتباع السنة المحمدية وحاول ابداء حجة تتمثل بقول النبي ص في ارجاع حقوق الضعفاء والانتصار لهم، وعدم الانقطاع عن الرعية، فهذه التشكيلة الحجاجية ذات الموضوع، والهدف، والمتلقي احتاج لتعضيدها بحجة نبوية: ((واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من
أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله ص يقول في غير موطن: «لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع». ثم احتمل الخرق منهم والعيّ، ونحِّ عنك الضيق والأنَفَ يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته)) (142).
وتوافر على الخطاب الحجاجي العلوي في العهد تعدد الحجج، وتدرجها، وهذا ما يدرس في اللسانيات الحجاجية في السلم الحجاجي، وبصورة غزيرة بوصفه مهيمنا حجاجيا في صناعة النصوص التي تتعلق بعلاقة الحاكم بالمحكوم التي يفترض أن تقوم على غفران الزلل، والعمل بالعفو، والصفح، وهذه علاقة متبادلة يتمناها المحكوم من الحاكم، ويتمناها الحاكم من الله تعالى، ثم تأتي الحجج بسلمية أولها أن الحاكم الأشتر فوق المحكومين، ثم الإمام (عليه السلام) فوق الحاكم، ثم الله فوق الإمام وهذا منبع الوصية، والاهتمام بتلك العلاقة بين الحاكم والمحكوم: ((فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولَّاك)) (143).
وفي طور خلق التواصل مع المتلقي على أساس النص الحاوي للقيم اللسانية يحتوي العهد العلوي على بعض القيم التداولية التي يوظفها المنهج النقدي لتحليل الخطاب في البحث عن سلطة الخطاب، وتمرير أنساقه، ومن تلك الحيثيات اللسانية ما يسمى أفعال الكلام، بنوعيها الكلي والجزئي، ويضم الجزئي المعنى المباشر وغير المباشر. مع الجزم أن المعنى المباشر هو الأبرز، والأكثر في العهد مقارنة بغير المباشر، يكاد يشغل مسافة تمثل 80٪ قياسا بغير المباشر، والسبب في ذلك أن العهد العلوي ورقة تأسيسية لنظام حكم ذي منطلق
إسلامي فلا مبرر لاستعمال النسق غير المضمر إلا في الحالات التي تستوجب هذا النسق، فجاء كله أوامر ببعض المحامد، ونواه عن بعض المعايب.
ومن ذلك أمر الإمام (عليه السلام) للحاكم بان يزج نفسه في المسلك الاجتماعي للرعية، لاسيما مراجعة العلماء، ومدارستهم، ومداولة الأمور مع أهل الحكمة للإدرار عليه بالمنافع الروحية، وتعلم استرتيجيات حل العقد الإدارية، والأزمات المجتمعية، فيقول: ((وأكثر مدارسة العلماء ومنافثة الحكماء، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك)) (144).
وكذلك الحال مع الخبراء العسكريين، وقواد العسكر يكون تواصله معه عبر الفعل الإنجازي المباشر، بالتشجيع، والمؤازرة، والمتابعة، والثناء عليهم، ((فافسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم)) (145).
وهنالك الفعل الكلامي غير المباشر في مقطع الاهتمام بطبقات الرعية، فجاء السياق النصي إخبارا عنهم، وعن وظائفهم، وقيمتهم في بناء الدولة، ويحمل هذا الاخبار في طياته الداخلية بعدا انجازيا غير مباشر يقوم على التوجيه، والتوصية، والامر، والنهي وهذا ما ينتجه الإضمار قد لا يتوفر مع الإظهار: ((واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخَرَاج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة)) (146)، ثم يستمر بالحديث عن الجنود: ((فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا
بهم. ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخَرَاج الذي يقوون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيمها يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم)) (147).
يوظف الإمام (عليه السلام) في خطابه الممتزج بين الاقتصاد، والسياسة، وقضايا المجتمع بعض السياسات اللغوية التي تخدم القصد الخطابي الذي يشتغل عليه وهو صناعة خطاب الحكم الذي يسيِّر الدولة على أساس الهُويَّة العالمية التي ترى الإسلام منهجا ناصعا في فك أزمة الاختلاف بين الحاكم والمحكوم على وفق الرجوع إلى التبر المسبوك بوساطة ماء القرآن، وتطبيقات الرسول، والأئمة الأطهار.
في الختام يجدر التنبيه أن العهد العلوي وثيقة متعددة الرؤى، وميزة تلك الرؤى أنها متماسة مع صناعة خطاب اجتماعي يسعى إلى تلمس العيوب التي تحق الهوية الاجتماعية، وتُغلِّب الهُويَّة الشخصية المتعلقة بالتجربة الفردية، وسعى الإمام علي (عليه السلام) إلى تشخيص تلك العيوب لقائد من قادته، وهو مالك الأشتر في مدة كلفه بها لإدارة مصر، هذه المفاهيم المتوافرة عليه انطلق منها المنهج النقدي لتحليل الخطاب على وفق معيار النقد، والتحليل لذلك الخطاب السياسي والاجتماعي بحثا عن مقاصد يتغياها الناقد مقاصد يتغياها الناقد وهي مسألة تمرير العيوب عبر الأنساق اللسانية التي تجلت عبر لحاظين. الأول المفهوم نفسه، أي عدم تغيير في مكوناته اللسانية أو الاجرائية مثل تقنيات الحجاج، والعلاقات الدلالية، والجزئيات النحوية، والافعال الكلامية، والآخر إضافة مفاهيم جديدة لها مثل النص، والخطاب، واللغة، وهكذا ما يميز هذا المنهج جدته، وانفتاحه على المناهج اللسانية كلها.
سعى الإمام (عليه السلام) إلى تغليب الهُويَّة الإسلامية في نظرية الحكم، مستوحاة تلك النظرية من القرآن الكريم، ومن العطاء المجتمعي المحكوم، بعيدا عن الشخصنة، وتحقيق تلك الهوية يكون في ضروب الحياة كافة نحو الادارة، والمجتمع، والاقتصاد، والقضاء، وغير ذلك. يضاف الى تلك الهوية ابراز حاكمية الله تعالى المنطلقة من النص والمُكَمَّلَة بالعطاء النبوي والمد العلوي الإمامي، مع مسير تلك الحاكمية بموازة الأدلجة التي ترى في الإسلام سلطة كبرى على الحاكم والمحكوم
ينظر: علم اللغة العام (سوسير): 19 وما بعدها.
ينظر: علم اللغة العام: 24.
الألسنية التوليدية والتحويلية وقواعد اللغة العربية (د. ميشال زكريا): 12.
مقاربة جدلية - علائقية للتحليل النقدي للخطاب في البحث الاجتماعي (نورمان فاكلوف)، بحث منشور في كتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب: 340.
ينظر: التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية، (روث فوداك وميشيل ماير)، بحث منشور في كتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب: 25 - 26.
ينظر: مقاربة جدلية - علائقية للتحليل النقدي للخطاب في البحث الاجتماعي: 238.
ينظر: التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 25.
ينظر: دراسات الخطاب النقدي: المقاربة المعرفية الاجتماعية، (تون أ فان دايك) بحث منشور في کتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب: 138.
ينظر: دراسات الخطاب النقدي: المقاربة المعرفية الاجتماعية: 138، وينظر: التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 18.
مناهج التحليل النقدي للخطاب: 34 - 35.
التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 18.
دراسات الخطاب النقدي: المقاربة المعرفية الاجتماعية: 138.
تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي: 20.
التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 22.
ينظر: التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 21.
ينظر: دراسات الخطاب النقدي: المقاربة المعرفية الاجتماعية: 140.
دراسات الخطاب النقدي: المقاربة المعرفية الاجتماعية: 138 - 139.
لجوانب النظرية والمنهجية في التحليل النقدي للخطاب وتحليل التصرفات لدى فوكوه، (سيجفريد ياجر وفلورينتاين ماير)، بحث منشور ضمن كتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب: 83.
ينظر: الجوانب النظرية والمنهجية في التحليل النقدي للخطاب وتحليل التصرفات لدى فوكوه: 82 - 83.
دراسات الخطاب النقدي: المقاربة المعرفية الاجتماعية: 139.
ينظر: الجوانب النظرية والمنهجية في التحليل النقدي للخطاب وتحليل التصرفات لدى فوكوه: 85، 105 22. التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 60 - 73.
التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 35 - 36.
التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 19.
التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 67 - 69.
التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 67.
المقاربة التاريخية للخطاب، (مارتن زايزيجل وروث فوداك): 184.
ينظر: التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 27.
المقاربة التاريخية للخطاب: 182 - 183.
التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية: 27.
دراسات الخطاب النقدي: المقاربة المعرفية الاجتماعية: 144.
تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي: 235.
ينظر تلك السمات والهدف في: ينظر: تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي: 235.
نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 400 - 401.
نهج البلاغة: 412 - 413.
نهج البلاغة: 415.
نهج البلاغة: 416.
علي بن أبي طالب سلطة الحق (عزيز السيد جاسم): 290.
علي بن أبي طالب سلطة الحق: 292.
نهج البلاغة: 401.
نهج البلاغة: 401 - 402.
نهج البلاغة: 402.
نهج البلاغة: 402.
نهج البلاغة: 404.
نهج البلاغة: 404.
علي بن أبي طالب سلطة الحق: 293.
نهج البلاغة: 405.
نهج البلاغة: 405.
نهج البلاغة: 403.
نهج البلاغة: 403.
نهج البلاغة: 403.
نهج البلاغة: 408.
نهج البلاغة: 413.
نهج البلاغة: 413 - 414.
نهج البلاغة: 403.
نهج البلاغة: 403.
نهج البلاغة: 405 61. نهج البلاغة: 406.
نهج البلاغة: 406 - 407.
نهج البلاغة: 407.
نهج البلاغة: 408.
نهج البلاغة: 409.
نهج البلاغة: 409.
نهج البلاغة: 409.
الراعي والرعية: 292.
نهج البلاغة: 410 - 411.
نهج البلاغة: 411.
نهج البلاغة: 411.
نهج البلاغة: 411.
نهج البلاغة: 411.
نهج البلاغة: 412.
الراعي والرعية: 320.
ينظر: وظائف اللغة عند یاکوبسن، مقال منشور على الشبكة العنكبوتية، 12 مایو 2013م، محمد عبد الودود أبغش، wedoud.blogspot.com 77. ينظر: تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي: 66 - 67.
دستور العلماء أو جامع العلوم في اصطلاحات الفنون القاضي عبد النبي الاحمد نکري): 3/ 330.
تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي: 314.
تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي: 314.
نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 407.
نهج البلاغة: 416 - 417.
نهج البلاغة: 400.
86 نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 403.
نهج البلاغة: 409.
نهج البلاغة: 410.
نهج البلاغة: 405 91. نهج البلاغة: 401.
نهج البلاغة: 403.
نهج البلاغة: 408.
شرح نهج البلاغة: 15/ 67.
الهُويَّة، (اليكس میکشیللی): 169 - 170.
ينظر: تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي: 414.
نهج البلاغة: 400.
ينظر: الحاكمية في ظلال القرآن: 16.
نهج البلاغة: 405.
مفاهيم القرآن: 1/ 10 - 12 نقلا عن الحاكمية في ظلال القرآن: 18.
تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي: 76.
نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 401.
نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 411.
نهج البلاغة: 400.
التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية المنهجية: 55.
ينظر: فحوص وتوازنات كيف تضيف المدونات اللغوية إلى التحليل النقدي للخطاب، (جيرلند ماونتر)، بحث منشور ضمن کتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب: 263.
نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 405.
نهج البلاغة: 402.
نهج البلاغة: 407.
نهج البلاغة: 405.
شرح نهج البلاغة: 9/ 38.
نهج البلاغة: 415.
نهج البلاغة: 400.
نهج البلاغة: 401.
نهج البلاغة: 401.
نهج البلاغة: 415.
نهج البلاغة: 406.
نهج البلاغة: 408.
نهج البلاغة: 409.
نهج البلاغة: 401.
نهج البلاغة: 414.
نهج البلاغة: 404.
نهج البلاغة:
نهج البلاغة: 407.
نهج البلاغة: 411.
نهج البلاغة: 402.
نهج البلاغة: 416.
شرح نهج البلاغة: 9/ 80.
ينظر: تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي: 84 و: 179.
نهج البلاغة: 403.
نهج البلاغة: 401 - 402.
نهج البلاغة: 416.
نهج البلاغة: 415.
نهج البلاغة: 417.
نهج البلاغة: 409.
نهج البلاغة: 407.
نهج البلاغة: 412.
نهج البلاغة: 401.
نهج البلاغة: 404.
نهج البلاغة: 406.
نهج البلاغة: 404.
نهج البلاغة: 405.
الألسنية التوليدية والتحويلية وقواعد اللغة العربية، تأليف الدكتور ميشال زکریا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، د. ط، 1982 م.
تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي، تأليف نورمان فاكلوف، ترجمة دكتور طلال وهبه، منشورات المنظمة العربية للترجمة، بيروت - الحمراء، ط 1 ، 2009 م.
التحليل النقدي للخطاب التاريخ والبرنامج والنظرية والمنهجية، تأليف روث فوداك و میشیل مایر، بحث منشور في كتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب، تحریر روث فوداك، و میشیل مایر، ترجمة حسام أحمد الفرج وعزة شبل، مراجعة عماد عبد اللطيف، منشورات المركز القومي للترجمة، مصر - القاهرة، ط 1، 2014 م.
الجوانب النظرية والمنهجية في التحليل النقدي للخطاب وتحليل التصرفات لدى فوکوه، تأليف سيجفريد ياجر وفلورينتاین مایر، بحث منشور ضمن کتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب، تحریر روث فوداك، وميشيل مایر، ترجمة حسام أحمد الفرج وعزة شبل، مراجعة عماد عبد اللطيف، منشورات المركز القومي للترجمة، مصر - القاهرة، ط 1، 2014 م.
الحاكمية في ظلال القران الكريم، تأليف عبد الحميد عمر عبد الحميد عبد الواحد، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، كلية الدراسات العليا، 2004 م.
دراسات الخطاب النقدي: المقاربة المعرفية الاجتماعية، (تون أفان دايك) بحث منشور في كتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب، تحریر روث فوداك، و میشیل مایر، ترجمة حسام أحمد الفرج وعزة شبل، مراجعة عماد عبد اللطيف، منشورات المركز القومي للترجمة، مصر - القاهرة، ط 1، 2014 م.
دستور العلماء أو جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، تأليف القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نکري، عرب عباراته الفارسية حسن هاني فحص، منشورات دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، ط 1، 1421 ه - 2000 م.
الراعي والرعية، تأليف توفيق الفكيكي، صحح وضبط متونه سيد إياد الحسيني، منشورات دار الغدیر، مطبعة معراج، ط 1، 1429 ه.
شرح نهج البلاغة، تأليف ابن أبي الحديد، مؤسسة الصفاء للمطبوعات، دار الكتاب العربي، لبنان - بيروت، ط 2، 2012 - 1433 ه.
علم اللغة العام، تألیف فردینان دي سوسير، ترجمة الدكتور يوئيل يوسف عزيز، ط 2، مطبعة جامعة الموصل، 1988 م.
علي بن أبي طالب سلطة الحق، تأليف عزیز السيد جاسم، منشورات دار الشؤون الثقافية العامة، العراق - بغداد، ط 2، 2012 م.
فحوص وتوازنات كيف تضيف المدونات اللغوية إلى التحليل النقدي للخطاب، (جيرلند ماونتر)، بحث منشور ضمن کتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب، تحریر روث فوداك، و میشیل مایر، ترجمة حسام أحمد الفرج وعزة شبل، مراجعة عماد عبد اللطيف، منشورات المركز القومي للترجمة، مصر - القاهرة، ط 1، 2014 م.
مقاربة جدلية - علائقية للتحليل النقدي للخطاب في البحث الاجتماعي، تأليف نورمان فاكلوف، بحث منشور في كتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب، تحریر روث فوداك، وميشيل مایر، ترجمة حسام أحمد الفرج وعزة شبل، مراجعة عماد عبد اللطيف، منشورات المركز القومي للترجمة، مصر - القاهرة، ط 1، 2014 م.
نهج البلاغة. تحقيق محمد عبده، الناشر ذوي القربی، ط 3، 1429 ه، مطبعة ستارة، قم ایران.
وظائف اللغة عند پاکوبسن، مقال منشور على الشبكة العنكبوتية، 12 مایو 2013 م، محمد عبد الودود أبغش، Wedoud.blogspot.com 16. الهُويَّة، تأليف أليكس ميکشيللي، ترجمة علي وطغة، دار الوسیم، دمشق، 1993 م.
استراتيجية الحجاج التواصلي في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (مقاربة تداولية) المدخل...7 مفهوم الحجاج التواصلي...7 أ- النموذج الوصلي للحُجة:...9 ب- النمُوذج الإيصالي للحُجة:...9 ج- النموذج الاتصالي للحُجة:...9 المحور الأول: الاستراتيجية التضامنية:...11 المحور الثاني: الاستراتيجيِة التوجيهية:...15 أولاً: الأمر...17 ثانياً: النهي...25 الفعل التوجيهي (النهي)...27 الخاتمة:...28 الهوامش:...29 مصادر البحث:...32 أثر المرجعيات الفكرية لشرّاح نهجِ البلاغة في شرحهم (العُهد العلويّ) المقدّمة...37 أولاً: ابن أبي الحديد المعتزليّ:...38 ثانيًا: ابن میثم البحرانيّ:...40
مؤلفاته:...43 ثالثًا: حبیب الله الهاشميّ الخوئيّ:...44 منهج شرّاح نهج البلاغة في الشّرح:...44 أثر المرجعيات الفكريّة للشراح في شرحِهم العهد العلويّ:...46 الخاتمة:...53 التوصيات:...54 الهوامش...55 المصادر...58 الاستبدال وأثره في اتساق النص عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر إنموذجا الملخص...63 المقدمة...64 معايير النص...66 الاتساق...67 مفهوم الاتّساق:...68 وسائل الاتّساق...69 - الاستبدال:...70 المبحث الأول: الاستبدال القولي أو العباري...72 أولاً: الاستبدال باستعمال اسم الإشارة (هذا)...73 ثانياً: الاستبدال باستعمال اسم الإشارة (ذلك)...76 ثالثاً: الاستبدال باستعمال اسم الإشارة أولئك:...79 المبحث الثاني: الاستبدال الاسمي:...81 المبحث الثالث: الاستبدال الفعلي...85 الخاتمة...87 الهوامش...89 قائمة المصادر والمراجع...94
الألفاظ الغريبة في نهج البلاغة عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر أنموذجا ملخص البحث:...100 المقدمة:...101 التمهيد: الغريب في اللغة والاصطلاح...102 المبحث الأول: الغريب في نهج البلاغة...106 المبحث الثاني: الغريب من الألفاظ والمعاني في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك (رضوان الله علیه):...111 أولا: الأسماء الغريبة في العهد...114 ثانيا: الأفعال الغريبة في العهد...116 المبحث الثالث: الغريب من الاشتقاق في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك (رضوان الله عليه)...121 أولا: المصادر الغريبة في العهد...121 ثانيا: الجموع الغريبة في العهد...125 ثالثا: المشتقات الغريبة في العهد...126 الخاتمة:...129 ثبت المصادر...130 الهوامش...134 الأمر وأنماطه الفنية في عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر الى المؤتمر المختص ب ((عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر)) المقدمة...143 المبحث الأول: مفهوم مصطلحات البحث اللغوية والاصطلاحية...145 المبحث الثاني: مضامين عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر...147
المبحث الثالث: أسلوب الأمر وصيغه ودلالاته في اللغة العربية...149 المبحث الرابع: أنماط الأمر ودلالاتها في عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضوان الله عليه)...152 الخاتمة...157 هوامش البحث...158 المظان الأساسية للبحث (المصادر والمراجع)...163 الجمهور مركزا للخطاب قراءة في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) المقدمة...169 ثانيا: سلطة الجمهور في الخطاب السياسي:...173 المحور الأول: الأسس الأولية لملامح انتاج الخطاب...176 المحور الثاني: تقنيات الاستعمال اللغوي في انتاج الخطاب...180 هوامش البحث...192 الخاتمة...194 المصادر...196 السّبك النصّي في العهد العلويّ الإحالة أنموذجاً مقدمة...199 المبحث الأول: معنى النص...200 المبحث الثاني: معنى السبك...203 المبحث الثالث: معنى الاحالة...205 اقسام الاحالة...206 أولاً / الإحالة بالضَّمائر...205 ومن النظر إلى الجدول السابق يتبيَّن الآتي:...212 ثانياً / الإحالة بأسماء الإشارة...215 ثالثاً / الإحالة بالأسماء الموصولة...219
نتائج البحث...223 هوامش البحث...226 المصادر والمراجع...232 المكونات الإعلامية وأثرها في ابعاد الخطاب دراسة لسانية في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر(رضي الله عنه) الملخص...239 المقدمة...240 المبحث الأول: المكونات التركيبية...242 اولاً: الأفعال الاعلانية...242 ثانياً: التراكيب السطحية...243 ثالثا: التراكيب العميقة...248 رابعًا: أبنية المطابقة...251 المبحث الثاني: المكونات التصورية...252 أولاً: المجاز...252 ثانيًا: الكناية...255 ثالثا: التعريض:...255 رابعًا: التشبيه...256 خامساً: البديع...257 خامساً: الايجاز...261 سادسًا: الاطناب...263 الخاتمة...264 الهوامش...265 روافد البحث...269
دلالات توصيل الخطاب بالصيغة الأمرية في عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر دراسة في ضوء لسانيات التداول مدخل / التداولية ولسانيات التوصيل...275 کتاب العهد وتداولية الصيغ الامرية...277 تداولية صيغ الأمر المباشرة...279 تداولية صيغ الأمر غير المباشرة...282 1- دلالة الوجوب بالإلزام والتنفيذ...284 2- دلالة المناصحة والإرسترشاد...287 3- دلالة الاختيار والترجيح...290 4- دلالة الجواز والقبول...292 5- دلالة التفويض...295 دلالة الإخبار...297 الخاتمة...299 الهوامش...300 أسلوبية التوازي الصوتي في عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه) - مقاربة تطبيقية - ملخص البحث:...309 مهاد نظري:...309 أنماط التوازي:...312 ثبت المصادر...322 الهوامش...324 اسلوبية الحجاج في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) توطئة:...290 المحور الأول: التعريف بالعهد ومضامينه الموضوعية...330
اولا: المؤلف او المرسل (الامام علي بن ابي طالب عليه السلام)...330 ثانيا: المتلقي النصي (المرسل اليه) وهو مالك الأشتر:...332 ثالثا:مضامين العهد (الرسالة النصية):...333 المحور الثاني: مفهوم الحجاج...336 المحور الثالث:حجاجية التراكيب والاساليب...338 المحور الرابع: حجاجية الصورة...347 قائمة الهوامش والمصادر:...352 مقصدية التواصل في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك بن الأشتر (رضي الله عنه) ملخص البحث...359 تمهيد للموضوع وبيان الأهمية:...359 التمهيد...361 التواصل لغةً واصطلاحاً...361 عناصر العملية التواصلية...364 المبحث الأول: مفهوم التواصل بين العرب والغرب...366 المبحث الثاني: دراسة تطبيقية لنظرة التواصل ووظائفها في العهد...371 1- الاقناع و التواصل...371 2- الافهام والتواصل...372 3- الكلام والتواصل...373 4- التواصل واسماء الاشارة والاسماء الموصولة...373 5- التواصل والاسلوب الانشائي...374 6- التواصل والايقاع الصوتي...375 الخاتمة...376 الهوامش...377 قائمة المظان:...383
إستراتيجية الخطاب المتداخل في عهد الإمام علي عليه السلام - لمالك الأشتر - رضي الله عنه - (مقاربة في ضوء المنهج التناصّي التحليلي) المقدمة:...387 المبحث الأوّل: البعد التنظيري في مصطلحات الدراسة ومنهجها المتّبع...389 أوّلا: الخطاب، الإستراتيجية، الخطاب المتداخل - المفهوم والأبعاد:...389 2- الإستراتيجية:...393 3- الخطاب المتداخل:...394 ثانيا: في المنهج المتّبع - أبعاده وآلياته -:...395 المبحث الثاني: البعد الإجرائي: استراتيجيات الخطاب المتداخل مع الخطاب القرآني...398 1- إستراتيجية الاجترار:...398 2- إستراتيجية الامتصاص:...400 خاتمةُ الدراسةِ ونتائجها...404 هوامش الدراسة...405 مصادر الدراسة ومراجعها:...406 ألفاظ طبقات الرَّعية في عهد الامام علي بن ابي طالب علیه السلام - إلى واليه مالك الأشتر رحمه الله - دراسة في اللفظ و التركيب - توطئة:...409 الطبقة:...410 نبدأ بأولى الطبقات وهي 1- الجنود:...414 2- کتاب العامة والخاصة:...419 3- قضاة العدل...422 4- عمال الانصاف والرفق:...425 5- عمال الخراج:...429
6- التجار وذوي الصناعات:...436 7- الطبقي السفلى:...440 الخاتمة:...445 المصادر والمراجع:...446 قال الإمام علي (عليه السلام) ((واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم...)) دراسة تحليلية في ضوء اللسانيات التواصلية المدخل:...451 المحور النظري الإطار التأسيسي:...454 المحور التطبيقي:...458 الخاتمة:...469 هوامش البحث:...471 المصادر والمراجع:...477 عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) دراسة في هدي التحليل النقدي للخطاب دیباجة البحث:...483 المحور الأول: أساسيات المنهج النقدي لتحليل الخطاب:...484 المحور الثاني: ضروب الخطاب:...494 المحور الثالث: انماط المعاني النصية:...508 المحور الرابع: الصياغات اللسانية:...516 الخاتمة:...527 الهوامش:...529 المصادر:...534