موسوعة سیرة أهل البیت علیهم السلام جلد 36

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

موسوعة سيرة اهل البيت (علیه السّلام)

الجزء السادس و الثلاثون

السيدة زينت (علیها السّلام)

تأليف

باقرشریف القرشي

تحقيق

مهدي باقر القرشي

موسسة الأمام الحسن (علیه السّلام)

لإحياء تراث أهل البيت (علیهم السّلام)

الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م

عدد النسخ : .... 1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978

ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم

مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970

محرر الرقمي: سيد جلال الدين عمراني

اشارة

موسوعة سيرة اهل البيت (علیه السّلام)

السيدة زينت (علیها السّلام)

رائدةُ الجِهاد في الاسلام

موسوعة سيرة اهل البيت (علیه السّلام)

السيدة زينت (علیها السّلام)

رائدةُ الجِهاد في الاسلام

تأليف

باقرشریف القرشي

تحقيق

مهدي باقر القرشي

موسوعة سيرة اهل البيت (علیه السّلام)

تأليف : باقر شريف القرشي

تحقيق : مهدی باقر القرشي

الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (علیه السّلام)

المطبعة . .... ستار

الطبعة الثانية ... 1433ه/ 2012م

عدد النسخ ... 1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك اللدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978

ردمك الجزء ( 5 ) : 6- 47 - 275 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم)

مكتبة الإمام الحسن (علیه السّلام) - هاتف 009647805694970

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »

( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

آل عمران : 33 و 34

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً )

الأحزاب 33 : 33

(قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَيَ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ )

الشورى 42 : 23

الأهداء

إلى ريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم)

وسيّد شباب أهل الجنة ،

الأمام الحسين (علیه السّلام)

أرفع إلى مقامه الرفيع هذه الدراسة عن شقيقته وشريكته فى نهضته ، والمطالبة بثأره حفيدة الرسول

السيدة زینب (علیها السّلام)

راجياً أن يتفضل علىّ بالقبول

ويمنحني السعادة والشفاعة يوم ألقى الله

المؤلّف

تقدیم

1 السيدة زینب (علیها السّلام)حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) هي أول سيدة في دنيا الإسلام صنعت التاريخ ، و أقامت صروح الحق والعدل ، ونسفت قلاع الظلم والجور وسجّلت في مواقفها المشرفة شرفاً للإسلام وعزاً للمسلمين على امتداد التاريخ .

لقد أقامت سيدة النساء صروح النهضة الفكرية ، ونشرت الوعي السياسي والديني في وقت تلبدت فيه أفكار الجماهير وتخدّرت وخفي عليها الواقع ، وذلك من جراء ما تنشره وسائل الحكم الأموي من أن الأمويين أعلام الإسلام وحماة الدين وقادة المتقين ، فأفشلت مخططاتهم وأبطلت وسائل إعلامهم ، وأبرزت بصورة إيجابية واقعهم الملوّث بالجرائم والموبقات وانتهاك حقوق الإنسان ، كما دلّلت على خيانتهم وعدم شرعية حكمهم ، وأنهم سرقوا الحكم من أهله ، وتسلّطوا على رقاب المسلمين بغير رضا ومشورة منهم . لقد أعلنت ذلك كله بخطبها الثورية الرائعة التي وضعت فيها النقاط على الحروف ، وسلطت الأضواء على جميع مخططاتهم السياسية وجردتها من جميع المقومات الشرعية .

2 وتجسّدت في حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) جميع الصفات الكريمة والنزعات الشريفة ، فكانت أروع مثل للشرف والعفاف والكرامة ولكل ما تعتز به المرأة و تسمو به في دنيا الإسلام .

لقد ورثت العقيلة من جدّها الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم)و من أبيها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) جميع ما امتازا به من المثل الكريمة ، والذي كان من أبرزها الإيمان العميق بالله تعالى

فقد ضارعتهما العقيلة في هذه الظاهرة ، وقد روى المؤرخون عن إيمانها صوراً مذهلة كان منها أنها صلّت ليلة الحادي عشر من محرم ، وهي أقسى ليلة في تاريخ الإسلام ، صلاة الشكر الله تعالى على هذه الكارثة الكبرى التي حلت بهم والتي فيها خدمة للإسلام ورفع لكلمة التوحيد .

وكان من عظيم إيمانها وإنابتها إلى الله تعالى أنها في اليوم العاشر من المحرم وقفت على جثمان أخيها ، وقد مزقته سيوف الكفر ومثلت به العصابة المجرمة ، فقالت كلمتها الخالدة التي دارت مع الفلك وارتسمت فيه قائلة : «اللهم تقبل هذا القربان وأثبه على عمله ....» .

تدول الدول وتفنى الحضارات وهذا الإيمان أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش عليه .

3 و أقسى كارثة مدمّرة مُني بها العالم الإسلامي في جميع مراحل تاريخه إقصاء أهل بيت النبوة ومعدن الرحمة عن المسرح السياسي ، وتسليم قيادة الأمة ومقدراتها إلى غيرهم ، فقد اندفع قادة الانقلاب بعد وفاة النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم)- فيما أجمع عليه المؤرخون - رافعين عقيرتهم قائلين: « لا تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد ... ) .

ولم يحفلوا بوصايا النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) في حق أهل بيته من أنّهم سفن نجاة الأمة وأعلام هدايتها وباب حطتها ، وقال فيهم : «لا تَتَقَدَّموهُمْ فَتَهلكوا ، وَلَا تُعَلموهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ» .

وقرنهم بمحكم التنزيل فقال مكرراً : «إِنِّي تَرَكْتُ فيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً: كِتابَ اللهِ حَبْلُ مَمْدودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْنِي ، وَلَنْ يَفْتَرِقا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفوني فيهما ... »(1).


1) معجم الكبير ( الطبراني) : 5: 166 - 497/167 ، مجمع الزوائد : 9 : 163 - 164 ، م ،کنز العمال : 1 : 44 .

إنّ الإمعان والتدبر في الوثائق السياسية التي ذكرها المؤرخون بعد وفاة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) تبدو فيها بصورة واضحة حقيقة المؤامرة ودوافعها التي دبرت ضد أهل البيت ، والتي كان من أظهرها الحسد لعترة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) على ما منحهم الله من الفضل وما خصهم من المنزلة والكرامة . مضافاً إلى التهالك على السلطة والاستيلاء على مقدرات الدولة ، وتلقي هذه الدراسة الأضواء على ذلك بصورة أمينة وبعيدة عن المؤثرات التقليدية .

4 وحرمت الأمة بجميع شرائحها من الانتهال من نمير علوم أهل البيت الذين هم خزنة علم النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وسدنة حكمته ، فكان سيد العترة وعملاق الفكر الإسلامي الإمام أمير المؤمنين لها بمعزل تام عن الحياة السياسية والعملية طيلة حكم الخلفاء .

ولما آل إليه الأمر وتقلد زمام الحكم ثارت عليه الرأسمالية القرشية التي ناجزت الرسول الأعظم (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، كما ثار عليه الطامعون والمنحرفون عن نهج الحق ، فجرعوه الغصص والآلام وشغلوه حتى عن نفسه ، ومُني العالم الإسلامي بخسارة عظمى ، فلم يفسح المجال لهذا الإمام الملهم العظيم أن ينشر علومه بين الناس .

ومن المؤسف حقاً أن الأئمة من بعده واجهوا المصير الذي لاقاه جدهم الإمام أمير المؤمنين ؛ فقد عمد الأمويون والعباسيون إلى حجبهم عن الأوساط الشعبية حتى لا تعرف قدراتهم العلمية ، وكل هذه الضربات القاسية التي عانتها الأمة من جراء فصل القيادة العامة عن أهل البيت (علیهم السّلام).

5 ومن النتائج المؤسفة والمحزنة بعد إقصاء العترة الطاهرة عن شؤون الحكم أن آلت الخلافة الإسلامية التي هي ظلّ الله في الأرض إلى ( بني أمية ) ، الذين هم الشجرة الملعونة في القرآن ، فاتخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً ، وأشاعوا

الجور والظلم بين الناس ، واستهدفوا المصلحين ورجال الوعي بالإعدام والتنكيل ، فقد أعدم معاوية بن أبي سفيان أعلام الإسلام وحماته أمثال : حجر بن عدي وأصحابه المجددين ، وعمرو بن الحمق الخزاعي وغيرهم ، وتتبع أخوه اللاشرعي الارهابي زياد ابن أبيه شيعة الإمام أمير المؤمنين الذين يمثلون الوعي الديني والسياسي في المجتمع الإسلامي ، فنفّذ في معظمهم الإعدام ، وأخلد الكثيرين منهم في ظلمات السجون ، وسار على هذه السياسة الخرقاء السوداء عماله وولاته وسائر ملوك بني أمية من بعده ، فأوعزوا إلى رجال أمنهم وأجهزة حكمهم بمطاردة شيعة آل البيت وإبادتهم تحت كل حجر ومدر .

لقد كانت سياستهم شعلة من النار تحرق المصلحين وتبيد المؤمنين وتحمي الفاسقين وتساند الضالين .

6 وظهر على مسرح السياسة الإسلامية بعد هلاك معاوية ولده يزيد ، وهو فيما أجمع عليه المؤرخون : حاكم ظالم ، جاهلي ، لم يؤمن بالله طرفة عين ، قد خلد إلى الفسق والفجور واقتراف كل ما حرم الله من إثم ، وقد أعلن كفره وإلحاده و مروقه عن الدين بقوله :

لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالْمُلْكِ فَلَا *** خَبَرٌ جَاءَ وَلَا وَحْيٌ نَزَلْ

وقد تفجرت سياسته في جميع مراحل حكمه بكل ما خالف كتاب الله وسنّة نبيه ، من إشاعة المنكر والفجور ، واستعباد المسلمين ، وإرغامهم على ما يكرهون .. ، لقد سلّطه أبوه معاوية على جميع مقدّرات الدولة الإسلامية ، ومكنه من رقاب المسلمين مع علمه وإحاطته التامة بنزعاته الجاهلية وتحلّله من جميع القيم والأعراف الإنسانية فهو المسؤول أمام الله و أمام التاريخ والأمة عن موبقات هذا الوغد الجاهلي الذي حوّل حياة المسلمين إلى جحيم لا يطاق .

7 وليس في العالم الإسلامي من يستطيع أن يقول كلمة الحق ، ويغيّر مجرى التاريخ غير سبط رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وريحانته ووارث علمه الإمام الحسين (علیه السّلام) ففجر ثورته الكبرى التي أعزّ الله بها الإسلام ، وأوضح بها الكتاب ، وجعلها عبرة لأولي الألباب ، تُمد المسلمين على امتداد التاريخ بالعزة والكرامة والتمرد على الظلم ، ومصارعة الطغاة ، ومناجزة المستبدين .

لقد كانت ثورة الإمام الحسين (علیه السّلام) من أهم الثورات الإصلاحية التي عرفها التاريخ الإنساني ، فقد هزّت الضمير العالمي وذلك بفصولها المروّعة ، ومآسيها الخالدة في دنيا الأحزان ، كما أنها تحمل عطاءً فكرياً ودروساً مشرقة لجميع شعوب العالم لإنقاذها من ويلات الاستعمار والاستعباد ، وستبقى حيّةً مشرقة حتى يرث الله الأرض ومن عليها

8 وكانت الأحداث المفزعة التي مُني بها العالم الإسلامي في أيام معاوية وولده يزيد بمرأى ومسمع من الإمام الحسين (علیه السّلام)، فقد رأى باطلاً يحيى ، وصادقاً يكذب ، وكاذباً يصدق ، ومفسداً يُعظم ، وأثرة بغير تقى ، قد عطلت حدود الله و جمدت أحكام الإسلام ، لا آمر بمعروف ، ولا ناه عن منكر ، فلم يستطع سبط رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الصبر على هذه الكوراث التي مني بها العالم الإسلامي ، فأعلن سلام الله عليه ثورته الكبرى على الحكم الأموي مستهيناً بالموت ، عازماً على الشهادة ، و أعلن كلمته الخالدة التي هي وسام شرف وفخر للإسلام ، ونشيد لأحرار العالم في كل زمان ومكان قائلاً: «لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعادَةٌ ، وَالْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَمَا...». واستقبل الموت هو و أهل بيته و أصحابه بثغور باسمة ونفوس مطمئنة لإنقاذ المسلمين من استعباد الأمويين وظلمهم ، وإعادة الحياة الإسلامية إلى مجراها الصحيح .

9 وساهمت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) السيدة زینب (علیها السّلام) في الثورة الحسينية ، وشاركت في جميع ملاحمها وفصولها مشاركة إيجابية وفاعلة ، فقد وقفت

إلى جانب شقيقها في أول مرحلة من مراحل جهاده ، وهي على علم لا يخامره أدنى شك من شهادته ، وما يجري عليه وعليها من صنوف الكوارث والخطوب ، أخبرها بذلك أبوها الإمام أمير المؤمنين باب مدينة علم النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، كما أسر إليها بذلك أخوها الإمام الحسين (علیه السّلام) ، فانطلقت سلام الله عليها بإرادة وعزم وتصميم إلى مساندة أخيها ومشاركته في ثورته الكبرى التي غيّرت مجرى التاريخ ، وأمدت العالم الإسلامي بجميع عوامل النهوض والارتقاء .

لقد آمنت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) بثورة أخيها أبي الأحرار ، وجاهدت جهاداً لم يعرف التاريخ مثله في مرارته و في مرارته وأهواله ، وتبنّت جميع مخططات الثورة وأهدافها ، وهي التي أبرزت قيمها الأصيلة في خطبها التاريخية في أروقة الحكم الأموي ، فبلورت الرأي العام ، وأوجدت وعياً أصيلاً كان من نتائجه الثورات الشعبية المتلاحقة التي أطاحت بالحكم الأموي وأزالت ذلك الكابوس المظلم عن الأمة الإسلامية .

10 وليس في العالم الإسلامي وغيره امرأة تضارع سيدة النساء السيدة زینب (علیها السّلام)في قوة شخصيتها ، وصلابة عزيمتها ، وعظيم إيمانها ، فقد رأت ما حلّ بأهلها من الرزايا والكوارث التي تميد من هولها الجبال ، وهي صامدة قد تسلّحت بالصبر ، وسلمت أمرها إلى الله تعالى .

رأت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الشباب الذين هم كالبدور من أبنائها ، وأبناء اخوتها وعمومتها قد تقطعت أوصالهم على صعيد كربلاء ، رأت الأطفال الأبرياء من أهل البيت يذبحون بوحشية لا مثيل لها بأيدي أولئك القساة الممسوخين .

رأت حرائر النبوة قد أشرفن على الهلاك من ألم العطش القاتل وهنّ يندبن بذوب أرواحهنّ قتلاهن ، وهي سلام الله عليها تسليهن وتأمرهن بالخلود إلى الصبر .

رأت أخاها سيّد الشهداء الذي هو عندها أعزّ من الحياة قد أحاطت به أوغاد

البشرية ، وهم يوسعونه ضرباً بسيوفهم ورماحهم ونبالهم حتى احتزوا رأسه الشريف .

رأت هجوم الكفرة العتاة بعد مقتل أخيها على خيام النساء وقد أضرموا النار فيها ، والمخدرات من بنات الرسول يتراكضن في البيداء خوفاً من الحريق وقد تكالب على نهبهن أعداء الله ..

كلّ هذه المصائب والرزايا قد حلت بحفيدة النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم)، فما استكانت ولا وهنت وإنما زادتها إيماناً وتماسكاً وتسليماً لأمر الله .

11 إنّ كارثة كربلاء وما جرى على بنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من صنوف الأسر والذل والتنكيل تستدعي أن ننظر إلى الوثائق السياسية وإلى الاحداث التي جرت بعد وفاة النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) مباشرة ، فإنّها المصدر الأساسي لما حلّ بأهل البيت من عظيم الرزايا والخطوب .

إن مؤتمر السقيفة ونظام الشورى هما من أهم العوامل التي أدت إلى استيلاء بني أمية على كرسي الحكم ، وتسلّطهم على رقاب المسلمين ، وإبادتهم لعترة النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فلولا السقيفة والشورى لما حلم الأمويون بأي منصب من مناصب الدولة الإسلامية ، فقد أذلهم الإسلام منذ فجر تاريخه ، واستهان بهم المسلمون لأنهم من ألد أعدائهم الذين ناجزوهم الحرب ، وجهدوا على محو دين الله ، وحاولوا قتل رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم).

إن الأجهزة الحاكمة بعد وفاة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، قربت الأسرة الأموية وأزالت عنهم كابوس الذل والهوان الذي ضربه عليهم الإسلام ، فمنحتهم الثراء العريض وقلدتهم معظم المناصب في الدولة الإسلامية ، وكان من أعظم المنتفعين منهم الذئب الجاهلي معاوية بن أبي سفيان فقد أسندوا إليه ولاية الشام ، وزادوا في رقعة سلطانه ، ومنحوه كل تسديد وتأييد ، تتوافد الأخبار إلى الخليفة الثاني أن معاوية يسرف في أموال المسلمين ، ويشيد القصور ، ويقترف كل ما حرم الله ، فيلبس الحرير ، ويشرب

ويأكل في أواني الذهب والفضة ، وذلك محرم في الإسلام ، فيعتذر عنه ويقول : ذاك كسرى العرب ، وليس - والحمد لله - في شريعة الإسلام كسروية ولا قيصرية ، فجميع المسلمين سواء أمام القانون لا يفضّل بعضهم على بعض إلا بالتقوى وعمل الخير ، ثم هل يباح لكسرى العرب أن يقترف ما حرم الله وتنتفى عنه المسؤولية الشرعية ، ومتى كان معاوية كسرى العرب ، فقد أذله الإسلام و أسقطه اجتماعياً ، ووسمه و أفراد أسرته بالشجرة الملعونة في القرآن ، كما وسمهم الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم)بالطلقاء .

وعلى أي حال ، فإنّ أدنى تأمل في أحداث كربلاء وما عانته عترة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من الويلات والكوارث يستند بصورة أولية لا تقبل الجدل والشك إلى مؤتمر السقيفة والشورى ، فهما مصدران لكل كارثة جرت على آل البيت ، كما هما السبب في كل فتنة مني بها المسلمون على امتداد التاريخ .

12 إنّ أعظم خدمة تُؤدى للأمة، وأكثر عائدة عليها بفضل ، هي إبراز القيم الأصيلة والمثل العليا لأهل البيت (علیه السّلام)، وإشاعة فضائلهم ومآثرهم بين الناس ، فإنّ لها التأثير المباشر في نشر الفضيلة وتهذيب الأخلاق وتنمية السلوك نحو الافضل ، فإنهم سلام الله عليهم أشعة من نور الله في كلامهم وسيرتهم وسلوكهم ، وهم سفن نجاة هذه الأمة وعُدلاء الذكر الحكيم حسبما تواترت الأخبار بذلك عن جدهم رسول الله الا (صلّی الله علیه و آله و سلّم).

إن حياة أهل البيت مدرسة من مدارس التقوى والإيمان والجهاد والكفاح ، قد وهبوا حياتهم الله تعالى ، وأخلصوا كأعظم ما يكون الإخلاص له ، فلا تقرأ سيرة أحدٍ منهم إلا تجد ملف حياته حافلاً بتقوى الله وطاعته ، صياماً في النهار ، وقياماً بالصلاة ، وتلاوة الكتاب بالليل ، كما أن البارز في سيرتهم إشاعة العلم والحكمة والآداب بين الناس ، والبرّ بالفقراء ، والعطف على البؤساء ، ومقارعة الباطل ، و مناجزة الظلم ، ومقاومة حكّام الجور ، فقد تبنّوا سلام الله عليهم قضايا المسلمين

فناجزوا حكام عصورهم الذين أشاعوا الظلم والفساد في الأرض ، فتعرضوا جميعاً إلى التنكيل والاضطهاد من الحاكمين حتى استشهدوا جميعاً بين مقتول ومسموم .

13 ومن بين أهل البيت الذين رفعوا كلمة الله عالية في الأرض سيدة النساء السيدة زینب (علیها السّلام)، فهي أول سيّدة مجاهدة في الإسلام ، وقد عانت أشقّ وأقسى أنواع المحن والخطوب ، فقد سبيت بعد مقتل أخيها من كربلاء إلى الكوفة ، ومعها باقي بنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وأدخلن على ابن مرجانة الذي هو أقذر إرهابي مجرم عرفه التاريخ ، فجرت مشادة بينه وبين السيدة زینب (علیها السّلام)فاستهانت به واحتقرته ، فاستشاط الخبيث الدنس غضباً وهم بضرب حفيدة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، إلا أنه امتنع ، فقد عذله بعض الحاضرين مخافة الفتنة والاضطراب .

ثم حملن إلى الشام سبايا فادخلن على يزيد حفيد أبي سفيان ، فخطبت السيدة زینب (علیها السّلام)في بلد يزيد خطابها التاريخي الخالد الذي نعت فيه قتله لسيد الشهداء وأسره لبنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، يتصفّح وجوههن القريب والبعيد ، وقد بلورت فيه الرأي العام ، وأيقظت الجماهير من سباتها ، وجردت الحكم القائم من كل شرعية ودعت المسلمين إلى الإطاحة به .

لقد تجرّعت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الغصص والمصائب التي تذوب من هولها الجبال ، كل ذلك من أجل الإسلام والحفاظ على مبادئه وقيمه ومناهضة الظلم والاستبداد .

إنّ السيدة زینب (علیها السّلام)سلام الله عليها بمواقفها البطولية وكفاحها المشرف ضد الظلم والطغيان يجب أن تكون قدوة فذة لجميع السيدات من نساء المسلمين ، وأن يتخذنها قائدة لمقارعة الظلم ونشر العدل في الأرض .

14 وفي ختام هذا التقديم أرجو أن أكون قد أديت في هذه الدراسة عن حفيدة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم)بعض فروض المحبة والولاء لأهل بيت النبوة الذين فرض الله

مودتهم في كتابه الكريم ، وأن أكون قد ساهمت في إبراز بعض قيم هذه السيدة الجليلة التي هي أسمى وأرفع امرأة في الإسلام بعد أمها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(علیها السّلام).

آملاً من الله تعالى أن تنالني شفاعتها يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

إنه تعالى ولي التوفيق

مکتبة الامام الحسن العامة

باقر شریف القرشي

النجم الأَشْرَفُ

النَّسَبُ الوَضَّاحُ

الجدّ

ليس في دنيا الإسلام وغيره نسب أرفع ولا أسمى من نسب السيدة زینب (علیها السّلام)سلام الله عليها ، فقد تفرعت من دوحة النبوة والإمامة ، والتقت بها جميع أواصر الشرف والكرامة ، فهي فرع زاك من رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ومن الإمام علي (علیه السّلام) ، وهما من أفضل ما خلق الله من بني الإنسان .

فتبارك هذا النسب الوضّاح وتعالت تلك الأسرة الكريمة التي أعز الله بها العرب والمسلمين وجعلها مصدر الوعي والإلهام للمسلمين على امتداد التاريخ . إنّ الأسرة العلويّة هي أسمى أسرة عرفها التاريخ بجهادها ونضالها وتبنيها لحقوق الإنسان وقضايا مصيره ، ومقاومتها للظلم والطغيان ، فليس في أمم العالم وشعوب الأرض مثل أسرة العلويين في دفاعهم عن حقوق المظلومين والمضطهدين ، وقد استشهد المئات منهم من أجل حرية الإنسان وكرامته .

وعلى أي حال ، فهذه لمحة موجزة عن الأصول الكريمة التي تفرعت منها سيدة النساء زینب (علیها السّلام).

الجد

أمّا جدّ السيدة زینب (علیها السّلام)فهو سيّد الكائنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، والذي فجّر ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وأسس معالم الحضارة والتطوّر ، وبنى مجتمعاً كريماً تسوده

العدالة والقانون ، وسحق خرافات الجاهلية وعاداتها ودمر أصنامها وأوثانها ، ودعا إلى توحيد الله خالق الكون وواهب الحياة ، وجاء بالخير العميم لأمته ، ولكلّ ما تسمو به من التقاليد والعادات ، فما أعظم عائدته عليها وعلى البشرية جمعاء ، لقد أرسله الله تعالى رحمة للعالمين ، ومنار هداية لخلقه أجمعين ، فكان صلوات الله عليه كما قال الله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (1)، فهو رحمة للناس جميعاً على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ، حريص على هدايتهم وإسعادهم قال تعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾(2).

لقد تشرفت الإنسانية برسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وأشرقت الدنيا بدعوته ، وتوطدت أركان العدالة بدينه ، فهو (صلّی الله علیه و آله و سلّم) القائد الملهم لقضايا الفكر والوعي في الأرض .

هذا رسول الله ، ونبي الرحمة جد سيدة النساء زینب (علیها السّلام)، وقد ورثت منه خصائصه ومميزاته ، والتي منها الدفاع عن الحق ، ورفع كلمة الله عالية في الأرض .

الجدّة

أما جدة السيدة زینب (علیها السّلام)فهي أُمّ المؤمنين وسيدة نساء النبي صلى الله عليه وسلم خديجة الكبرى التي نصرت الإسلام في أيام محنته وغربته ، وجاهدت في سبيل الله أعظم ما يكون الجهاد ، وقد بذلت جميع ما تملكه في نصرة الإسلام ، وكانت من أثرى قريش، فلم تعد بعد ثرائها العريض تملك ما تجلس عليه سوى حصیر بال ، فكانت رضوان الله عليها من أهم الدعائم لإقامة دين الإسلام .

وهي التي أمدّت النبيّ النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ومن كان معه طوال المدة التي اعتقلتهم فيها طغاة


1) الأنبياء 21 : 107 .

2) التوبة 9 : 128 .

قريش في ( الشعب ) ، وكانت تهوّن على النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) المصاعب والمصائب التي كان يعانيها من جهال قريش وأوغادها .

وكان النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) يشكر أياديها البيضاء ، وما أسدته عليه من عظيم اللطف والفضل فكان يذكرها دوماً بعد وفاتها ويترحم عليها ، وكان إذا ذبح شاة بعث بأطيب ما فيها إلى صديقاتها وفاء لها .

وكانت عائشة يثقل عليها ذلك ، فكانت تندّد بها وتقول الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) (صلّی الله علیه و آله و سلّم) :«ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيراً منها » .

فيردّ النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ويقول : «ما أَبْدَلَني اللهُ خَيْراً مِنْها ، آمَنَتْ بِي حِينَ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ ، وَواسَتْني بِمالِها حينَ حَرَمَنِي النَّاسِ ، وَرُزِقْتُ مِنْهَا الْوَلَدُ وَقَدْ حُرِمْتُهُ مِنْ غَيْرِها » .

لقد رزقه الله منها سيدة نساء العالمين الصديقة فاطمة الزهراء (علیها السّلام) التي هي نفحة من روح الله تعالى .

إن السيدة خديجة أسمى امرأة مجاهدة في الإسلام هي جدة الصديقة زینب (علیها السّلام)، وقد ورثت صفات جدتها التي منها الاندفاع في نصرة الحق والذبّ عن المثل العليا ، وقد ظهرت هذه الصفات بوضوح عند العقيلة ، فقد وقفت إلى جانب أخيها الإمام الحسين (علیه السّلام) فهي شريكته في نهضته وجهاده ، وهي التي أمدت ثورته الجبارة الخالدة بعناصر البقاء والخلود .

الأم

أمّا اُمّ السيّدة زینب (علیها السّلام)فهي البتول الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، سيدة نساء العالمين في فضلها وعفتها وطهارتها من الزيغ والرجس ، وهي بضعة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وريحانته وأعزّ أبنائه وبناته عنده ، وبلغ من عظيم حبّه لها أنه إذا سافر جعلها آخر من يودعها لتكون صورتها ماثلة أمامه ، كما أنه إذا قدم من

سفره كان أوّل من يستقبلها (1)، وذلك لسموّ مكانتها وعظيم شأنها ، وقد عنى بها عناية بالغة فغذاها بمكرماته ، وأفاض عليها أشعة من روحه التي ملأ سناها الكون ، وغرس في نفسها عناصر حكمته وفضائله ، فكانت صورة تحكيه ومثالاً صادقاً عنه .

ويقول الرواة : « إنّها كانت من أشبه الناس به هدياً وحديثاً ومنطقاً » (2).

وكانت فيما أجمع عليه الرواة من أشفق الناس وأخلصهم لأبيها وأبرهم به فإذا رأته متأثراً أو حزيناً ذابت أسى وموجدة .

ومن أمثلة ذلك ما رواه أبو نعيم : بسنده عن أبي ثعلبة ، قال : «قدم رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من غزاة له المسجد فصلى فيه ركعتين - وكان يعجبه إذا قدم أن يدخل المسجد فيصلي فيه ركعتين - ثم خرج فأتى فاطمة (علیها السّلام) فبدأ بها قبل بيوت أزواجه فجعلت تقبل وجهه وعينيه وتبكي .

فقال لها رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) : ما يُبكيكِ ؟

قالت : أَراكَ قَدْ شَحَبَ لَوْنُكَ .

فقال لها : يا فاطِمَةُ ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ أَبَاكِ بِأَمْرِ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مَدَرٌ وَلَا شَعَرٌ إِلَّا أَدْخَلَهُ بِهِ عِزّاً أَوْ ذلاً (3)، حَيْثُ سَطَعَ اللَّيْلُ»(4).


1) مسند أحمد بن حنبل : 5 : 275. المستدرك على الصحيحين: 3: 156 . السنن الكبرى / البيهقي : 1 : 26 .

2) صحيح الترمذي : 2 : 319 ، بسنده عن عائشة . وروي في المستدرك على الصحيحين : بسنده عن عائشة : 3 : 154 . الأدب المفرد : 141 . الاستيعاب : 2 : 751 .

3) معنى الحديث أنّ البيوت التي دخلها العزّ هي التي آمنت بالإسلام ، وأما البيوت التي دخلها الذلّ فهي التي لم تؤمن بالإسلام وبقيت على كفرها وضلالها .

4) حلية الأولياء : 2 : 30 . كنز العمال : 1 : 77 . مجمع الزوائد : 8 : 262 .

تكريم وتعظيم

وأحاط النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) بضعته الطاهرة بهالة من التقديس والتكريم إظهاراً لعظيم شأنها ، وسموّ مكانتها عند الله تعالى وعنده ، وقد نقل الرواة عنه كوكبة من الأحاديث في ذلك كان منها ما يلي :

1 - قال رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) : « يا فاطِمَةُ ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَغْضِبُ لِغَضَبِكِ ، وَيَرْضَى لرضاك »(1)

ومثله رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وعلّق عليه : « هذا حديث صحيح الإسناد » ، كما جاء في أسد الغابة : 5 : 522 . الإصابة : 8: 159 .

.

2 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة : ( إِنَّ الرَّبِّ يَغْضِبُ لِغَضَبِكِ ، وَيَرْضى لرضاكِ ) (2).

قال رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) : « يا فاطِمَةُ ، إِنَّ اللهَ لَيَغْضِبُ لِغَضَبِكِ وَيَرْضَى لِرضاكِ »(3).

ومعنى هذه الأحاديث التي تقاربت في مؤداها أنّ لسيدة النساء سلام الله عليها منزلة سامية عند الله ، فقد أناط رضاه برضاها ، وأناط غضبه بغضبها ، وهذه أسمى وأرفع منزلة يصل إليها القديسون من عباد الله .

لقد انتهت سيدة النساء إلى هذه المكانة عند الله تعالى ، وذلك لما تتمتع به من طاقات هائلة من الإيمان والتقوى حتى كان ذلك من عناصرها ومقوماتها .

4 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي ، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي » (4).


1) ذخائر العقبي : 39 .

2) میزان الاعتدال : 2 : 72 .

3) كنز العمال : 6 : 219 .

4) صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق في باب مناقب قرابة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) : 3 : 1361 ، الحديث 3510 .

5 - قال رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم): «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي ، يُؤذيني ما آذاها، وَيُصيبني ما أصابها»(1).

6 - قال رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم): «فاطِمَةً بِضْعَةٌ مِنّي ، يُريبُني ما أَرابَها ، وَيُؤذيني له ما آذاها»(2).

7 الله - قال رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم): «إِنَّ فاطِمَةَ شَجِنَةٌ مِنِّي ، يَبْسُطُني ما يَبْسُطُها ، وَيَقْبِضُني ما يَقْبِضُها »(3).

وحكت هذه الأحاديث بصورة واضحة أنّ من يخدش عاطفة الزهراء (علیه السّلام) أو يسيئ إليها بأي لون من ألوان الإساءة ، فقد واجه أباها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ لأنها كنفسه ، وأنها بمقتضى هذه الأحاديث نسخة لا ثاني لها في فضائلها ومواهبها .

8- روت عائشة : « أن النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) قال في مرضه الذي توفي فيه لفاطمة : يا فاطِمَةُ ، أَلَا تَرْضِينَ أَنْ تكوني سَيِّدَةَ نِساءِ الْعالَمينَ ، وَسَيَّدَةَ نِساءِ هذِهِ الْأُمَّةِ ، وَسَيَّدَةَ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ ) (4).

9 - روی عمران بن حصين : ( أن النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) قال : أَلَا تَنْطَلِقُ بِنا نَعودُ فاطِمَةَ فَإِنَّها تَشْتَكِي .

فقلت : بلى .

فانطلقنا حتى إذا انتهينا إلى بابها فسلّم واستأذن ، فقال : أَدْخُلُ أَنا وَمَنْ مَعي .

قالت : نَعَمْ ، وَمَنْ مَعَكَ يا أَبَتاهُ ؟ فَوَاللَّهِ ما عَلَيَّ إِلَّا عَبَاءَة.


1) صحيح الترمذي : 2 : 319. مسند أحمد بن حنبل : 4 : 5 .

2) صحيح الترمذي : 2 : 319 .

3) كنز العمال : 6 : 219 . المستدرك على الصحيحين : 3 : 154 .

4) المستدرك على الصحيحين : 3: 156 .

فقال : اصْنَعى بها كذا ، فعلمها كيف تستتر

فقالت : وَاللَّهِ مَا عَلَى رَأْسِي مِنْ خِمار .

فأخذ ملاءة كانت عليه فقال : اخْتَمِري بها .

ثمّ أذنت لهما فدخلا ، فقال : كَيْفَ تَجِدينَكِ يا بُنَيَّة ؟

قالت : إِنِّي لَوَجِعَةٌ ، وَإِنَّهُ لَيَزيدُني أَنَّهُ ما لي طَعام أكله .

قال : يا بُنَيَّة ، أَما تَرْضِينَ إِنَّكِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ.

قالت : يا أَبَتِ ، فَأَيْنَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ ؟

قال : تِلْكَ سَيْدَةُ نِساءِ عالَمِها ، وَأَنْتِ سَيَّدَةُ نِساءِ الْعالَمينَ ، أَما وَاللَّهِ زَوَّجْتُكِ سَيْداً في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ (1).

10 - روى الإمام أمير المؤمنين الا : « أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لِفَاطِمَةَ سَلامُ اللهِ عَلَيْهَا : أَلَا تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِساءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَابْنَيْكِ سَيِّدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ » (2).

11 - روى أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خَيْرُ نِساءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ : مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَونَ ، وَخَديجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةً بِنْتُ مُحَمَّدٍ (صلّی الله علیه و آله و سلّم) (3).

وكثير من أمثال هذه الروايات دونت في الصحاح والسنن وغيرهما وهي تشيد بفضل سيدة النساء ، وأنّ الله تعالى قد قلّدها أسمى أوسمة الشرف ، وفضلها


1) حلية الأولياء : 2 : 42. مشكل الآثار : 1 : 50 . ذخائر العقبي : 43 .

2) کنز العمّال : 7 : 111 .

3) تفسير الطبري : 3 : 180 .

على جميع نساء العالمين .

وهذه البتول سيدة نساء العالمين هي أم السيدة زینب سلام الله عليها ، وهي التي تولت تربيتها ونشأتها ، فغذتها بمعارف الإسلام وحكمه وآدابه ، وغرست في أعماق نفسها الإيمان بالله والانقطاع إليه ، حتى صار ذلك من مقوماتها وذاتياتها ،فكانت نسخة لا ثاني لها في فضائلها وصفاتها ، فلم ير مثلها في نساء المسلمين وغيرهم في كمالها وآدابها وسائر نزعاتها .

الأب

أما أبو الصديقة الطاهرة زینب (علیها السّلام) فهو الإمام أمير المؤمنين رائد الحكمة والعدالة في الإسلام ، أخو النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وباب مدينة علمه ، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، وهو - فيما أجمع عليه الرواة - أوّل من آمن برسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) واعتنق مبادئه وأهدافه ، وقام إلى جانبه كأعظم قوة ضاربة ، يحمي دعوته ويصون رسالته ويخمد بسيفه نار الحروب التي أشعلتها قريش لتطفئ نور الله وتقضي على الإسلام في مهده ، فوهب سلام الله عليه روحه الله تعالى ، فحصد ببتّاره رؤوس الطغاة من القرشيين وأنصارهم المشركين .

لقد كان الإمام أبرز بطل في جيوش المسلمين نازل ببسالة وصمود قوى الكفر والإلحاد ، وأنزل بها الخسائر حتى فلت وشلّت جميع فعالياتها العسكرية وباءت بالهزيمة والخسران ، ولولا جهاد الإمام وكفاحه لما قام الإسلام على سوقه عبل الذراع مفتول الساعد ، فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين .

وكان من عظيم إيمان الإمام ونصرته للإسلام مبيته على فراش النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ووقايته له بنفسه ، حينما أجمعت قريش على قتله ، وكانت هذه المواساة الرائعة أعظم نصر للإسلام ، فقد نجا النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من أخطر مؤامرة دُبرت لاغتياله ، فقد فشلت ،

وأنقذ الله تعالى نبيه من تلك الوحوش الكاسرة التي أرادت أن تطفئ نور الإسلام وتعيد الظلام للأرض .

لقد صحب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) منذ نعومة أظفاره النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وتخلق بطباعه وأفكاره ، وتغذّى بحِكَمِه وعلومه ، فكان باب مدينة علمه ، وقد أثرت عنه من العلوم ما يبهر العقول ، يقول العقاد : إنّه فتح ما يربو على ثلاثين علماً لم تكن معروفة قبله كعلم الكلام والفلسفة والقضاء والحساب وغيرها ، وهو القائل :

سلوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدوني » ، ولم يفه أحد بمثل هذه الكلمة غيره .

وقد أخبر عن علمه وإحاطته بأسرار الكون والفضاء ، فقال : «سَلوني عَنْ طُرُقِ السَّمَاءِ فَإِنِّي أَعْرَفُ بِهَا مِنْ طُرُقِ الْأَرْضِ».

كما تحدّث عن عن درايته بما احتوت عليه الكتب السماوية من أحكام قائلاً: «لَوْ تُنيَتْ لي الْوِسَادَةُ لأَفتَيْتُ أَهْلَ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ ، وَأَهْلَ الزَّبورِ بِزَبورِهِمْ ، وَأَهْلَ الْفُرْقانِ بِفُرْقانِهِمْ ، وَأَهْلَ الْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ» .

لقد كان الإمام (علیه السّلام) أعظم عملاق في الميادين العلمية عرفته الإنسانية بعد النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، ويدل على طاقاته العلمية الهائلة كتابه نهج البلاغة الذي هو من أعظم ما تملكه الإنسانية من تراث بعد القرآن الكريم .

ومن مظاهر شخصية الإمام (علیه السّلام) زهده في الدنيا وعدم احتفائه بأي زينةٍ من زين الحياة ، فقد تقلد الحكم وتشرفت الدولة الإسلامية بقيادته ، فزهد في جميع مظاهر السلطة ، وجعل الحكم وسيلة لإقامة الحق والعدل ونشر المساواة بين الناس ، ولم يستخدم السلطة لتنفيذ رغباته ، والظفر بالثراء العريض ، ومن المقطوع به إنّه ليس في تاريخ الشرق العربي وغيره حاكم كالإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، قد عنى بالصالح العام ، وتجرّد عن كل منفعة شخصية له .

وهو القائل لابن عباس ، وكان يصلح نعله الذي هو من ليف :

«يابْنَ عَبّاس ما قيمَةُ هذَا النَّعْلِ ؟ ».

لا قيمة له يا أمير المؤمنين !

«وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِليَّ من إِمْرَتِكُمْ ، إِلَّا أَن أُقِيمَ حَقًّاً ، أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً ».

لقد تبنّى العدل الخالص والحق المحض في جميع مراحل حكمه ، فالقريب والبعيد عنده سواء ، والقوي عنده ضعيف حتى يأخذ منه الحق ، والضعيف عنده قوي حتى يأخذ له بحقه ، وقد أوجد في أيام خلافته وعياً سياسياً أصيلاً وهو التمرّد على الظلم ومقارعة الجبابرة والطغاة .

وكان أبرز من تغذى بهذا الوعي ولده أبو الأحرار الإمام الحسين (علیه السّلام) وبطلة الإسلام ابنته سيدة النساء زینب (علیها السّلام)، وكوكبة من مشاهير أصحابه كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي وميثم التمار وغيرهم من بناة المجد الإسلامي الذين ثاروا على الظالمين .

وعلى أي حال ، فهذا العملاق العظيم هو أبو الصديقة الطاهرة زینب (علیها السّلام)، فقد غذاها بمثله ومكوناته النفسية ، وأفرغ عليها أشعة من روحه الثائرة على الظلم والطغيان ، فكانت تحكيه في انطباعاته واتجاهاته ، فقارعت الظالمين ، وناجزت الطغاة المستبدين ، وأذلت الجبابرة المتكبّرين، وألحقت بهم الخزي والعار .

لقد وقفت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، ومفخرة الإسلام إلى جانب أخيها أبي الأحرار حينما فجر ثورته الكبرى التي هي أعظم ثورة إصلاحية عرفها التاريخ الإنساني ، وقد شابهت بذلك أباها رائد العدالة الاجتماعية حينما وقف إلى جانب جدها الرسول الأعظم الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) حينما أعلن دعوته الخالدة الهادفة إلى تحرير الفكر البشري من عوامل الانحطاط والتأخر ، وإنارته بالعلوم والعرفان ودفعه إلى إقامة مجتمع متوازن

في سلوكه وإرادته .

لقد كانت هذه السيدة العظيمة في سيرتها وسلوكها من أشبه الناس بأبيها الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام)، فقد تبنت بصورة إيجابية جميع أهدافه ومخططاته ومواقفه التي منها نصرته للإسلام في أيام محنته وغربته ، وكذلك هذه السيدة العملاقة نصرت الإسلام حينما عاد غريباً في ظل الحكم الأموي الذي استهدف قلع جذور الإسلام ولف لوائه ، وإعادة الحياة الجاهلية بأوثانها وأصنامها ، ولكنها مع أخيها سلام الله عليها قد أفسدت مخططات الأمويين ، وأعادت للإسلام نضارته ومجده .

جدّها (علیها السّلام) لأبيها

أمّا جد السيدة الزكية زینب (علیها السّلام)لأبيها فهو حامي الإسلام وبطل الجهاد المقدس أبو طالب ( مؤمن قريش ) الذي نافح عن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وجاهد في سبيله كأعظم ما يكون الجهاد ، ولولا حمايته للنبي وقيامه بدور مشرق في الذب عنه لأتت عليه قريش وقضت على الدعوة في مهدها .

لقد كان أبو طالب من أوثق المسلمين إيماناً ، ومن أكثرهم إخلاصاً لدين التوحيد ، وهو القائل :

وَلَقَد عَلِمْتُ بأن دينَ مُحَمَّدٍ *** مِنْ خَيْرِ أَديانِ الْبَرِيَّةِ ديناً

وحكى هذا البيت إيمانه العميق بأن دين النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من خير أديان البرية ، ولهذا اندفع كأعظم قوة ضاربة إلى حماية النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وحراسته من ذئاب الأسر القرشية التي أجمعت أن تلف لواء الإسلام وتطوي رسالته ·

لقد وقف هذا العملاق العظيم محامياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو القائل :

وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ *** حَتَّى أُوسَّدَ في التُّرابِ دَفيناً

وظل رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) تحت حراسة أبي طالب وحمايته ، ينشر دعوته ويذيع مبادئه آمناً عزيزاً مهاباً ، وقد جنّد أولاده لخدمة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وألزمهم بالذب عنه ، فكان ولده الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام)من أقوى حرسه ، ومن أكثرهم دفاعاً عنه فخاض أعنف الحروب وأقساها لحمايته ، ونشر مبادئه وأهدافه .

ولما انتقل هذا الصرح العظيم إلى حظيرة القدس حزن عليه النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) كأعظم ما يكون الحزن ، فلقد فقد بموته المحامي والناصر ، وأعز ما كان يحنو عليه ويعطف ، وأطلق على العام الذي توفي فيه مع أم المؤمنين خديجة ( عام الحزن )(1)، وقد أجمعت قريش بعد موت أبي طالب على قتل النبي ، فاضطر (صلّی الله علیه و آله و سلّم) إلى الهرب من مكة في غلس الليل البهيم بعد أن ترك أخاه وابن عمه الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام) في فراشه ، فرحم الله أبا طالب فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين ، وما أكثر ألطافه وأياديه على النبي صلى الله عليه وسلم .

إنّ هذا العملاق العظيم هو جد سيدة النساء زینب (علیها السّلام) لأبيها ، وقد ورثت منه خصائصه وذاتياته التي من أبرزها التفاني في الحق ونكران الذات .

جدتها (علیها السّلام) لأبيها

وجدة السيدة زینب (علیها السّلام) لأبيها هي السيدة الزكية فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف زوجة أبي طالب ، وهي من سيدات النساء في إيمانها وطهارتها .


1) من العجب ما ذكره بعض السذج من المؤلفين أن أبا طالب حامي الإسلام مات غير مسلم ، وليس ذلك إلا من وضع الأمويين الذين كادوا للإسلام وطعنوا في أعظم حماته ورجاله ، ولو مات غير مسلم لما حزن عليه النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فإنّه لا يخضع بأي حال من الأحوال لأي مؤثر لا يمت إلى الحق والواقع بصلة ، فحزنه عليه مع كونه غير مسلم موجب للطعن بشخصية النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، ولولاه لأقبرت قريش الدعوة الإسلامية من أوّل بزوغها فجزاه الله عن الإسلام خيراً وأجزل له المزيد من رحمته .

وقد برّت بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وتولت تربيته وكانت ترعاه وتعطف عليه أكثر مما تعطف على أبنائها ، وقدّمت له أعظم الخدمات ، وقد قطع (صلّی الله علیه و آله و سلّم) شوطاً من حياته تحت رعاية هذه السيدة الزكية التي ما تركت لوناً من ألوان الرعاية والبر إلا قدّمتها إلى الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وكانت من أعز الناس عنده ، ولمّا فجع بوفاتها ألبسها قميصه واضطجع معها في قبرها ، فبهر أصحابه وقالوا له :

يا رسول الله ، ما رأيناك صنعت بأحدٍ ما صنعت بهذه ؟

فأخبرهم النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) عظيم برّها ومعروفها قائلاً:

«إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بَعْدَ أَبي طَالِبٍ أَبَرَّ بي مِنْهَا ، إِنَّمَا أَلْبَسْتُها قَميصي لِتَكْى مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ ، وَاضْطَجَعْتُ مَعَهَا فِي قَبْرِهَا لِيُهَوْنَ عَلَيْها »(1).

إن هذه الأصول العملاقة التي اتسمت بالإيمان والشرف والكرامة وبكل ما يسمو به الإنسان من القيم والمبادئ الكريمة ، قد تفرعت منها بطلة الإسلام وصانعة التاريخ السيدة زینب (علیها السّلام)، فقد ورثت جميع نزعات آبائها وخصائصهم وصفاتهم ، حتى صارت صورة مشرقة عنهم .

إخوانها (علیها السّلام)

1 - الإمام الحسن (علیه السّلام)

تسميته (علیه السّلام)

ويجدر بنا بعد هذا العرض الموجز لشؤون الأسرة الكريمة التي تفرعت منها سيدة النساء زینب (علیها السّلام) أن نذكر - بإيجاز - إخوانها الذين عاشرتهم وهم الذين ملأوا فم الدنيا بفضائلهم ومآثرهم ، وفيما يلي ذلك :


1) توجد ترجمتها في : الطبقات الكبرى ، الاستيعاب ، أعيان الشيعة ، أعلام النساء ، تنقيح المقال، وغيرها .

1- الإمام الحسن (علیه السّلام)

هو ريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وسيد شباب أهل الجنة ، وسبطه الأوّل ، وكانت ولادته في النصف من شهر رمضان المبارك للسنة الثالثة من الهجرة (1).

وقد شوهدت في طلعته شمائل النبوة وأنوار الإمامة ، وهو أول مولود سعدت به الأسرة النبوية ، فقد عمّها السرور بهذا المولود المبارك .

وقد سارع النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) إلى بيت بضعته وحبيبته السيّدة فاطمة الزهراء (علیها السّلام) فهناها بوليدها ، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، فكان أوّل صوت اخترق سمعه صوت جده العظيم داعية الله في الأرض وأنشودة ذلك الصوت : «الله أكبر ، لا إله إلا الله » .

وهل في دنيا الوجود كلمات هي أسمى وأعظم من هذه الكلمات ، وقد غرسها النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) في قلب وليده لتكون منهجاً له في حياته .

وفي اليوم السابع من ولادته عق عنه النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) بكبش ، وحلق رأسه ، وتصدق بزنة شعره فضة على المساكين (2)، وكان ذلك سنة في الإسلام لكل وليد .

تسميته (علیه السّلام)

وأقبل النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقال له : «هَلْ سَمَّيْتَ الوَلِيدَ الْمُبارَكِ؟.

فأجابه الإمام بأدب واحترام ، قائلاً: «ما كُنْتُ لِأَسْبِقَكَ يا رَسُولَ اللهِ » .

وانبرى النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) قائلاً: «ما كُنْتُ لِأَسْبِقَ رَبِّي» .


1) الإصابة : 1 : 338 . الاستيعاب : 1 : 368 .

2) تاريخ الخميس : 1 : 470 نور الأبصار : 237 صحيح الترمذي : 1: 286 ، وجاء فيها : «إن زنة شعره كانت درهماً أو بعض درهم».

وهبط الوحي على النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وهو يحمل تسميته من السماء ، قائلاً: « سمّه حسناً »(1).

وكفى بهذا الإسم جمالاً وعظمة أنّ الخالق العظيم هو الذي اختاره لسبط النبي وریحانته .

كنيته وألقابه (علیه السّلام)

وكناه النبي : « أبا محمد (2)، ولاكنية له غيرها ، أما ألقابه فهي : « السبط ، الله الزكي ، المجتبى ، السيد ، التقي » .

ملامحه (علیه السّلام)

أما ملامحه فكانت تحكي ملامح جده الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، تقول عائشة : من أحب أن ينظر إلى رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) فلينظر إلى هذا الغلام - يعني الحسن (علیه السّلام)(3).

ويقول أنس بن مالك : « لم يكن أحد أشبه بالنبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من الحسن بن علي »(4).

لقد كان الإمام الحسن (علیه السّلام) صورة مشرقة عن جده الرسول الأعظم (صلّی الله علیه و آله و سلّم) في ملامحه وصورته فحسب ، وإنما كان يحكيه في نزعاته وصفاته ومعالي أخلاقه ، التي امتاز بها على سائر النبيين .

مظاهر شخصيّته (علیه السّلام)

ونتحدث - بإيجاز - عن بعض مظاهر شخصية الإمام الحسن (علیه السّلام) ، وهي :


1) تاريخ الخميس : 1 : 47 .

2) أسد الغابة : 2 : 9.

3) الفتوح : 2 : 340 .

4) فضائل الأصحاب : 166 .

الحلم : من ذاتيات الإمام السبط : الحلم ، فقد كان من أحلم الناس ، وقد تعرّض لموجات عاتية من الإساءة من الأسرة الأموية التي أترعت نفوسها بالحقد والكراهية لآل النبى (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فما قابل الإمام أحداً بإساءة وإنما كظم غيظه ، وقد شهد مروان بن الحكم وهو من أخبث الناس ، وأشدهم عداوة للإمام الحسن ، بعظيم حلمه ، فقد أسرع بعد وفاته إلى حمل جثمانه ، فقيل له : أتحمل جثمانه وكنت تجرعه الغصص ؟ فأجاب : « إنِّي أحمل جثمان من كان يوازي حلمه الجبال » .

لقد كان الحلم من أبرز عناصره النفسية ، وقد أجمع الرواة على أنه كان من أوسع الناس صدراً ، وأنه ما جازى من أذنب في حقه ، وإنما قابله بالبر والإحسان شأنه في ذلك جده الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الذي وسع الناس جميعاً بمعالي أخلاقه .

الجود: وكان الإمام السبط من أندى الناس كفاً ، ومن أكثرهم براً وإحساناً للفقراء ، وكان لا يرى للمال قيمة سوى ما يرد به جوع جائع أو يكسو عرياناً ، وقد حفلت مصادر التاريخ والتراجم بذكر بوادر كثيرة من كرمه وسخائه ، وقد لقب (علیه السّلام) ب( كريم أهل البيت ) ، وهم من معادن الكرم والجود .

سمو الأخلاق: و من عناصر الإمام الحسن (علیه السّلام) سمو الأخلاق ، فكان آية من آيات الله العظام في هذه الظاهرة الفذة ، ومن معالي أخلاقه أنه كان يوقر ويحترم كلّ من قصده ولا يفرّق بين القريب والبعيد ، وكان يواسي الناس في مصائبهم ويشاركهم في مسراتهم ، ويوقر الكبير ، ويحنو على الصغير ، ويعطف على الضعيف ، وكان للمسلمين أباً رؤوفاً ، وكهفاً حصيناً ، يلجأ إليه غارمهم ، ويفزع إليه مظلومهم ، وقد شابه جده الرسول الأعظم (صلّی الله علیه و آله و سلّم) في سمو أخلاقه التي مدحه الله تعالى بها ، قال الله عزّ وجلّ : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(1).)


1) القلم 68 : 4 .

هذه بعض صفات الإمام الحسن القلم 68 : 4 . ، وقد ألمحنا إلى الكثير منها في كتابنا ( حياة الإمام الحسن (علیه السّلام) .)مع السيدة زینب (علیها السّلام: نشأت سيدة النساء زینب (علیها السّلام)مع أخيها الإمام الحسن (علیه السّلام) وقطعت شوطاً من حياتها مع هذا الإمام العظيم ريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وسيد شباب أهل الجنة ، وتطبعت بأخلاقه وآدابه ، وكان يجلها كثيراً ، ويحدب عليها ويقابلها بمزيد من الرعاية والعناية ، فقد رأى جده وأبويه قد أحاطوها بكل تبجيل واحترام ، وأشادوا بمواهبها وفضائلها ، وقدّموها على بقية السيدات من نساء أهلها وقومها .)هذه لمحة موجزة عن علاقة الإمام الحسن بشقيقته السيدة زینب (علیها السّلام .)#### 2 - الإمام الحسين (علیه السّلام)أما الإمام الحسين فهو الشقيق الثاني لسيدة النساء زینب (علیها السّلام، وقد نشأت معه وتطبعت بطباعه ، وكانت بينهما أعمق المودة ، وهو عندها أعز من الحياة ، وكانت تشاركه في آماله وآلامه ، وهي من أبر أهله به ، وقد احتلت عواطفه ومشاعره ، وذلك بما تملكه من أصالة الرأي ، وسمو الآداب ، ومعالي الأخلاق ، فقد تجسّدت فيها مواريث النبوة والإمامة ، وكانت صورة صادقة لأمها بضعة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وسيدة نساء العالمين السيّدة الزكية فاطمة الزهراء سلام الله عليها ،)لقد كانت سيدة النساء زینب (علیها السّلام موضع أسرار أخيها الإمام الحسين (علیه السّلام) والعالمة بجميع شؤونه ، وكان يستشيرها في جميع أموره ، وقد رافقته في ثورته الخالدة وأمدتها بعناصر البقاء والخلود ، ولولا جهادها وجهودها ومواقفها المشرّفة في أروقة بلاط الحكم الأموي لضاعت ثورة أخيها ، وذهبت أدراج الرياح .)وبلغ من سمو مكانتها عند الحسين أنه لما ودعها الوداع الأخير يوم الطف طلب

منها أن لا تنساه من الدعاء في نافلة الليل(1.)#### 3 - العبّاس (علیه السّلام)هو ( قمر بني هاشم ، وفخر الإسلام ، ومجد المسلمين ، وهو أخو سيّدة النساء زینب (علیها السّلام) لأبيها ، وأمّه : أمّ البنين ، وهي من سيدات نساء المسلمين في فضلها وشرفها وطهارتها ، تزوّجها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بعد وفاة الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، وقد قامت بدور إيجابي في خدمة السبطين وشقيقتهما السيّدة زینب (علیها السّلام)، فكانت تقدّمهم في الرعاية والعطف على أبنائها ، لأنهم ذرية رسول الله رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الذي ألزم الله المسلمين بمودّتهم ومحبتهم ، وكان أوّل مولود لها : أبا الفضل العباس (علیه السّلام) ، وقد ترعرع ونشأ مع أخويه سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين ، فغذياه بالفضائل والآداب ، وغرسا في نفسه تقوى الله ، فكان من أروع أمثلة الإيمان ، وكانت علاقته مع أخيه الإمام الحسين (علیه السّلام) وثيقة للغاية ، فكان منذ نعومة أظفاره يتسابق لخدمته ، ويبادر لقضاء حوائجه ، ولا يفارقه في حلّه وترحاله ، وكان من أشفق الناس عليه وأبرهم به .)وكان العباس من أحبّ الناس لأخته العقيلة زینب (علیها السّلام، فقد وجدت فيه من الرعاية والبر والعطف ما لم تجده في السادة من اخوتها لأبيها ، فقد كان ملازماً لخدمتها كما كان ملازماً لخدمة أخيه الإمام الحسین (علیه السّلام) ، وقد قدم لها جميع ألوان البر والإحسان ، ولما ارتحلت مع أخيها أبي الشهداء من المدينة إلى مكة ثم إلى كربلاء كان العباس هو الذي يقوم بخدمتها ولم يدع أحداً من السادة العلويين أن يتولى رعايتها سواه ، ولما استشهد سلام الله عليه في كربلاء ذابت نفسها عليه أسئ وحسرات ، وودت أنّ المنية قد وافتها قبله ، وشعرت بالوحدة والضياع من بعده .)


1) زینب الكبرى : 60 .

#### 4 - محمّد بن الحنفيةومحمد ابن الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلامهو المعروف ب-( ابن الحنفية ) (1)، وكان من أفذاذ العلويين ومن ساداتهم ، وكان يجلّ ويعظم السيدة زینب (علیها السّلام) ؛ لأنها حفيدة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وسيدة نساء المسلمين ، كما كانت تُكِنُّ له أعظم الود والإخلاص .)وكان محمد من المعارضين لابن الزبير والناقمين عليه ، ولا يراه أهلاً لقيادة الأمّة فامتنع عن بيعته ، وتبعه على ذلك بقية الهاشميين ، فأمر بحبسهم في (قبة زمزم وضرب لهم أجلاً مسمّى فإن لم يبايعوه فيه وإلّا أحرقهم بالنار ، ودلّ ذلك على تجرّده من كل نزعة إسلامية وإنسانية ، وقد شابه بذلك قرينه يزيد بن معاوية ولو تمّله الأمر لزاد على جرائمه .)وأرسل محمد رسالة إلى المجاهد العظيم بطل الإسلام المختار الثقفي عرّفه فيها بما جرى عليه من ابن الزبير ، وكتب في آخرها : « يا أهل الكوفة ، لا تخذلونا كما خذلتم حسيناً .ولما انتهت إليه أجهش بالبكاء وقرأها على أهل الكوفة وخاطبهم قائلاً: «هذا كتاب مهديكم وسيّد أهل بيت نبيكم ، وقد تركهم الرسول ينتظرون القتل والحريق ». وأخذ يتهدّد ابن الزبير قائلاً: «لستُ أبا إسحاق إن لم أنصرهم » وأسرب الخيل إثر الخيل كالسيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل .


1) اسم أمه خولة بنت جعفر بن قيس ، من بني حنيفة ، ولد في خلافة أبي بكر ، وقيل : في خلافة عمر ، يكنى أبا القاسم .)روى عن أبيه وعن جماعة من الصحابة ، وذهب فريق من المسلمين إلى إمامته كان منهم : كثير عزة ، وله فيه أشعار ، وقال بإمامته السيد الحميري إلا أنه عدل عنه وقال بإمامة الإمام الصادق (علیه السّلام ، توفي سنة 73ه ، وقيل : سنة ثمانين ، وقيل غير ذلك - تهذيب التهذيب : 9 : 354 .

وجهز جيشاً قوامه ألف فارس بقيادة عبد الله الجدلي ثم أتبعه بثلاثة آلاف فارس ، وأخذوا يجدون السير حتى انتهوا إلى (مكة وهم ينادون : « يا لثارات الحسين » .)وهجموا على ( قبة زمزم فرأوا الحطب قد وضع عليها ولم يبق من الأجل الذي حدده الطاغية لإحراقهم سوى يومين فأخرجوهم من القبة وطلبوا من محمد أن يناجزوا ابن الزبير الحرب فأعرب له محمّد عن سموّ ذاته وطهارة نفسه قائلاً :«لا أستحل القتال في حرم الله » .)يقول كُثَيِّر عزة ( توفّي سنة (105ه- وهو من الكيسانية يخاطب ابن الزبير :)يُخَبُرُ مَنْ لا قَيتُ أَنكَ عائذ *** بَلِ الْعائِذُ المَظلومُ في حَبسِ عارِمِوَمَنْ يَرَ هذا الشيخ في الخَيْفِ وَالمِنى *** مِنَ النّاسِ يَعْلَمْ أَنَّهُ غَيْرُ ظَالِمسَمِيٌّ نَبيّ اللهِ وَابْنُ وَصِيه *** وَفَكَاكُ أَغْلالٍ وَقاضي المَغارِمِوتعتقد الكيسانية إمامته وأنّه مقيم بجبل (رضوى وإلى هذا أشار كثير عزة ، بقوله :)وَسِبْطُ لَا يَذوقُ الْمَوْتَ حَتَّى *** يَقودَ الخَيْلَ يَقْدِمُها اللواءتَغَيَّبَ لَا يُرى فيهِمْ زَماناً *** بِرَضوی عِنْدَهُ عَسَلٌ وَمَاءُتوفي سنة ( 81ه وقيل غير ذلك (1).)وبهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض أشقّاء العقيلة .


1) وفيات الأعيان : 3 : 110 - 113 .

## وِلادتها وَنَشَأتها### الوليدة المباركة

ازدهرت حياة الأسرة النبوية بالسبطين الكريمين الإمامين : الحسن والحسين (علیهما السّلام فكانا كالقمرين في ذلك البيت الكريم، الذي أذن الله أن يرفع ويُذكر فيه اسمه ، وقد استوعبا قلب جدّهما الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) مودة ورحمة وحناناً ، فكان يرعاهما برعايته ، ويغدق عليهما بإحسانه ويفيض عليهما من مكرمات نفسه التي استوعب شذاها جميع آفاق الوجود .)لقد كان النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم يكن في دخائل نفسه أعمق الود السبطيه ، فكان يقول : (هُما رَیحانَتاى مِنَ الدُّنْيا ) (1).)وبلغ من عظيم حبّه لهما أنه كان على المنبر يخطب ، فأقبل الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران ، وهما يمشيان ويعثران فنزل عن المنبر فحملهما ، ووضعهما بين يديه وقال : «صَدَقَ اللهُ إِذْ يَقولُ: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ (2)لَقَدْ نَظَرْتُ إِلى هذينِ الصَّبِيِّينِ وَهُما يَمْشَيانِ وَيَعْثَرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّىٰ قَطَعْتُ حديثي وَرَفَعْتُهُما»(3).)


1) كنز العمّال : 7 : 110 مجمع الزوائد : 9 : 181 . تاريخ مدينة دمشق : 13 : 39 .

2) الأنفال 8 : 28 .

3) صحيح الترمذي : 2 : 306. مسند أحمد بن حنبل : 5 : 354 . أسد الغابة : 2 : 12. 2 .صحيح النسائي : 1 : 201 . السنن الكبرى / البيهقي : 3 : 218 .

وكان يقول لسيدة النساء (علیها السّلام: « ادعي لي ابْنَيَّ ، فيشمهما ، ويضمهما إليه» (1).)وفي تلك الفترة السعيدة التي عاشتها الأسرة النبوية وهي مترعة بالولاء والعطف من الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم عَرَضَ للصدّيقة الطاهرة سيّدة نساء العالمين فاطمة (علیها السّلام) حملٌ ، فأخذ النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ينتظره بفارغ الصبر ليبارك به لحبيبته فاطمة ، ولباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).)أمّا ذلك الحمل فهو :الوليدة المباركةووضعت الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء(علیها السّلام وليدتها المباركة التي لم تولد مثلها امرأة في الإسلام إيماناً وشرفاً وطهارة وعفةً وجهاداً ، وقد استقبلها أهل البيت وسائر الصحابة بمزيد من الابتهاج والفرح والسرور .)وأجرى الإمام أمير المؤمنين على وليدته المراسيم الشرعية ، فأذن في أذنها اليمنى ، وأقام في اليسرى .لقد كان أوّل صوت قرع سمعها هو : « الله أكبر ، لا إله إلا الله » وهذه الكلمات أنشودة الأنبياء ، وجوهر القيم العظيمة في الأكوان .وانطبعت هذه الأنشودة في أعماق قلب حفيدة الرسول فصارت عنصراً من عناصرها ، ومقوماً من مقوماتها .### وجوم النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم وبكاؤه)وحينما علم النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّمبهذه المولودة المباركة سارع إلى بيت بضعته ، وهو خائر)


1) تيسير الوصول : 3 : 276 .

القوى حزين النفس ، فأخذها ودموعه تتبلور على سحنات وجهه الكريم ، وضمها إلى صدره ، وجعل يوسعها تقبيلاً ، وبهرت سيدة النساء فاطمة (علیها السّلام من بكاء أبيها فانبرت قائلة :)ما يُبكيكَ يا أَبَنِي ؟ لَا أَبْكَى اللَّهُ لَكَ عَيْناً».فأجابها بصوت خافت حزين النبرات : « يا فاطِمَةُ ، اعْلَمي أَنَّ هَذِهِ الْبِنْتَ بَعْدِي وَيَعْدَكِ سَوْفَ تَنصَبُّ عَلَيْها الْمَصائِبَ وَالرَّزايا »(1.)لقد استشف النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم ما يجري على حفيدته من الرزايا القاصمة التي تذوب من هولها الجبال ، وسوف تمتحن بما لم تمتحن به أي سيّدة من بنات حواء .)ومن الطبيعي أن بضعته وباب مدينة علمه قد شاركا النبي في آلامه وأحزانه ، وأقبل سلمان الفارسي الصديق الحميم للأسرة النبوية يهنئ الإمام أمير المؤمنين بوليدته المباركة فألفاه حزيناً واجماً ، وهو يتحدّث عما تعانيه ابنته من المآسي والخطوب (2، وشارك سلمان أهل البيت في آلامهم وأحزانهم .)### تسميتها (علیها السّلام)وحملت زهراء الرسول وليدتها المباركة إلى الإمام فأخذها وجعل يقبلها والتفتت إليه فقالت له : «سَمٌ هذِهِ الْمَولودة » .فأجابها الإمام بأدب وتواضع : «مَا كُنتُ لأَسْبِقَ رَسولَ اللَّهِ »وعرض الإمام على النبي صلى الله عليه وسلم أن يسميها ، فقال : «ما كُنْتُ لأَسْبِقَ رَبِّي » .


1) الطراز المذهب : 38 .

2) بطلة كربلاء : 21 .

وهبط رسول السماء على النبي ، فقال له : سمّ هذه المولودة ( زینب ، فقد اختار الله لها هذا الإسم .)وأخبره بما تعانيه حفيدته من أهوال الخطوب والكوارث فأغرق هو وأهل البيت في البكاء (1.)### كنيتها (علیها السّلام)وكنيت الصدّيقة الطاهرة زینب ب- ( أم كلثوم .)وقيل : إنها تكنى ب( أم الحسن (2).)### ألقابها (علیها السّلام)#### عقيلة بني هاشمأما ألقابها فإنّها تنم عن صفاتها الكريمة ، ونزعاتها الشريفة وهي :عقيلة بني هاشمو ( العقيلة هي : المرأة الكريمة على قومها ، والعزيزة في بيتها ، والسيدة زینب (علیها السّلام)أفضل امرأة ، وأشرف سيّدة في دنيا العرب والإسلام ، وكان هذا اللقب وساماً لذريتها فكانوا يلقبون ب- ( بني العقيلة ) .)#### العالمةوحفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم من السيدات العالمات في الأسرة النبوية ، فكانت فيما يقول بعض المؤرخين : مرجعاً للسيدات من نساء المسلمين يرجعن إليها في شؤونهن الدينية .)


1) زینب الكبرى : 16 و 17 .

2) المصدر المتقدم : 17 .

#### عابدة آل عليوكانت زینب (علیها السّلاممن عابدات نساء المسلمين ، فلم تترك نافلة من النوافل الإسلامية إلا أتت بها ، ويقول بعض الرواة : إنها صلّت النوافل في أقسى ليلة وأمرها وهي ليلة الحادي عشر من المحرم .)#### الكاملةوهي أكمل امرأة في الإسلام في فضلها وعفتها وطهارتها من الرجس والزيغ#### الفاضلةوهي من أفضل نساء المسلمين في جهادها وخدمتها للإسلام ، ويلاتها في سبيل الله . هذه بعض ألقابها التي تدلّل على سموّ ذاتها وعظيم شأنها .### سنة ولادتها (علیها السّلام)أما السنة التي ولدت فيها عقيلة آل أبي طالب ، فقد اختلف المؤرخون والرواة فيها ، وهذه بعض أقوالهم :1 - السنة الخامسة من الهجرة في شهر جمادى الأولى2 - السنة السادسة من الهجرة .3 - السنة التاسعة من الهجرة .وفند هذا القول الشيخ جعفر النقدي ، فقال : « وهذا القول غير صحيح لأن فاطمة (علیها السّلام توفيت بعد والدها في السنة العاشرة أو الحادية عشر على اختلاف الروايات ، فإذا كانت ولادة السيدة زینب (علیها السّلام)في السنة التاسعة وهي كبرى بناتها فمتى كانت ولادة أم كلثوم ، ومتى حملت بالمحسن وأسقطته لستة أشهر) .)وقال : « والذي يترجّح عندنا هو أن ولادة زینب كانت في السنة الخامسة من

الهجرة ، وذكر مؤيدات أخرى لما ذهب إليه »(1.)### نشأتها (علیها السّلام)نشأت الصديقة الطاهرة زینب (علیها السّلام في بيت النبوة ومهبط الوحي والتنزيل وقد غذتها أمها سيّدة نساء العالمين بالعفّة والكرامة ومحاسن الأخلاق والآداب ، وحفظتها القرآن ، وعلمتها أحكام الإسلام ، وأفرغت عليها أشعة من مثلها وقيمها حتى صارت صورة صادقة عنها .)لقد قطعت شوطاً من طفولتها في بيت الشرف والكرامة والرحمة والمودة ، فقد شاهدت أباها الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام يشارك أمها زهراء الرسول في شؤون البيت ، ويعينها في مهامها ، ولم تتردّد في أجواء البيت أية كلمة من مر القول وهجره ، وشاهدت جدّها الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) يغلق عليهم بفيض من تكريمه وتبجيله وعطفه وحنانه ، كما شاهدت الانتصارات الباهرة التي أحرزها الإسلام في الميادين العسكرية ، والقضاء على خصومه القرشيين وأتباعهم من عبدة الأوثان والأصنام ، فقد ساد الإسلام ، وارتفعت كلمة الله عالية في الأرض ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً .)لقد ظفرت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم بأروع وأسمى ألوان التربية الإسلامية ، فقد شاهدت أخاها الإمام الحسين يعظم أخاه الإمام الحسن (علیه السّلام) ويبجّله ، فلم يتكلم بكلمة قاسية معه ، ولم يرفع صوته عليه ولم يجلس إلى جانبه ، وشاهدت أخوتها من أبيها ، وهم يعظمون أخويها الحسن والحسين ، ويقدمون لهما آيات التكريم والتبجيل ، وكانت هي بالذات موضع احترام اخوتها ، فكانت إذا زارت أخاها الإمام الحسين (علیه السّلام) قام لها إجلالاً وإكباراً وأجلسها في مكانه ، وكانت إذا أرادت الخروج)


1) زینب الكبرى : 18 .

لزيارة قبر جدها رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم خرج معها أبوها الإمام أمير المؤمنين وأخواها الحسنان، ويبادر الإمام أمير المؤمنين إلى إخماد ضوء القناديل التي على المرقد المعظم ، فسأله الإمام الحسن (علیه السّلام) عن ذلك ، فقال له : « أَخْشَىٰ أَنْ يَنْظُرَ أَحَدٌ إِلَى شَخْصِ أُخْتِكَ الْحَوْراء» (1).)لقد أحيطت عقيلة بني هاشم بهالة من التعظيم والتبجيل من أبيها وأخوتها فهي حفيدة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، ووريثة مثله وقيمه وآدابه ، كما كانت لها المكانة الرفيعة عند العلماء والرواة ، فكانوا إذا رووا حديثاً عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في أيام الحكم الأموي ، يقولون : روى أبو زینب ، ولم يقولوا : « روى أبو الحسنين » ، وذلك إشادة بفضلها وعظيم منزلتها .)### قدراتها (علیها السّلام العلمية)كانت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم في فجر الصبا آيةً فى ذكائها وعبقرياتها ، فقد حفظت القرآن الكريم ، كما حفظت أحاديث جدها الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) فيما يتعلق بأحكام الدين وقواعد التربية وأصول الأخلاق .)وقد حفظت الخطاب التاريخي الخالد الذي ألقته أمها سيدة النساء فاطمة (علیها السّلام في ( الجامع النبوي ) احتجاجاً على أبي بكر لتقمصه للخلافة ، ومصادرته ل( فدك ) التي أنحلها إياها أبوها رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وقد روت خطبة أمها التي ألقتها على السيدات من نساء المسلمين حينما عُدنها في مرضها الذي توفيت فيه ، كما روت عنها كوكبة من الأحاديث .)وقد بهر الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام من شدّة ذكائها ، فقد قالت له : « أَتُحِبُّنا يا أبتاه ؟ ».)


1) زینب الكبرى : 22 .

فأسرع الإمام قائلاً: «وَكَيْفَ لَا أُحِبُّكُمْ وَأَنْتُمْ ثَمَرَةُ فُؤادِي » .فأجابته بأدب واحترام : يا أبتاهُ ، إِنَّ الْحُبُّ لِلهِ تَعَالَى ، وَالشَّفَقَةَ لَنَا . . »(1.)وعجب الإمام (علیه السّلام من فطنتها ، فقد أجابته جواب العالم المنيب إلى الله تعالى ، وكان من فضلها واعتصامها بالله تعالى أنّها قالت : « مَنْ أَرادَ أَنْ لَا يَكونَ الْخُلْقُ شُفَعاوُهُ إِلَى اللهِ فَلْيَحْمِدُهُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلى قَوْلِهِ : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه ، فَخِفِ اللهَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْكَ ، وَاسْتَحِ مِنْهُ لِقُرْبِهِ مِنْكَ »(2).)وممّا يدلّ على مزيد فضلها أنّها كانت تنوب عن أخيها الإمام الحسين في حال غيابه فيرجع إليها المسلمون في المسائل الشرعية ، ونظراً لسعة معارفها كان الإمام زين العابدين (علیه السّلام يروي عنها ، وكذلك كان يروي عنها عبد الله بن جعفر ، والسيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين .)ولما كانت في الكوفة في أيام أبيها كان لها مجلس خاص تزدحم عليها السيدات فكانت تلقي عليهن محاضرات في تفسير القرآن الكريم ، كما كانت المرجع الأعلى للسيدات من نساء المسلمين ، فكنّ يأخذن منها أحكام الدين وتعاليمه وآدابه ، ويكفي للتدليل على فضلها أن ابن عباس حبر الأمة كان يسألها عن بعض المسائل التي لا يهتدي لحلّها ، كما روى عنها كوكبة من الأخبار ، وكان يعتز بالرواية عنها ويقول : « حدثتنا عقيلتنا زینب بنت علي » .وقد روى عنها الخطاب التاريخي الذي ألقته أمّها سيدة النساء فاطمة (علیها السّلام في جامع أبيها (صلّی الله علیه و آله و سلّم)، وقد نابت عن ابن أخيها الإمام زين العابدين (علیه السّلام) في أيام مرضه ، فكانت تجيب عمّا يرد عليه من المسائل الشرعية ، وقد قال (علیه السّلام)في حقها :)


1) زینب الكبرى : 35 .

2) أعيان الشيعة : 7 : 140 .

إِنَّها عالِمَةٌ غَيْرُ مُعَلَّمَة » .وكانت ألمع خطيبة في الإسلام ، فقد هزت العواطف ، وقلبت الرأي العام وجندته للثورة على الحكم الأموي ، وذلك في خطبها التاريخية الخالدة التي ألقتها في الكوفة ودمشق ، وهي تدلل على مدى ثرواتها الثقافية والأدبية .لقد نشأت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم في بيت الوحي ومركز العلم والفضل ، فنهلت من نمیر علوم جدّها وأبيها وأخويها ، فكانت من أجل العالمات ، ومن أكثرهن إحاطة بشؤون الشريعة وأحكام الدين .)### اقترانها (علیها السّلام بابن عمها)#### أبوه جعفرولما تقدمت سيدة النساء زینب في السنّ انبرى الأشراف والوجوه إلى خطبتها ، والتشرف بالاقتران بها ، فامتنع الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلاممن إجابتهم ، وتقدّم لخطبتها فتى من أنبل فتيان بني هاشم وأحبهم إلى الإمام وأقربهم إليه ، وهو ابن أخيه : عبد الله بن جعفر ، من أعلام النبلاء والكرماء في دنيا العرب والإسلام ، فأجابه الإمام إلى ذلك ورحّب به ، ونعرض - بإيجاز - إلى بعض شؤونه .)أبوه جعفرأما جعفر فقد كان - فيما يقول الرواة - : من أشبه الناس خلقاً وخلقاً بالنبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم(1).)يقول فيه أبو هريرة : « ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ، ولا وطأ التراب بعد رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم أفضل من جعفر بن أبي طالب (2)».)


1) الاستيعاب : 1 : 242 ، وجاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقي يا جَعْفَر » .

2) الاستيعاب : 1: 243 .

وهو من السابقين للإسلام وقد رآه أبوه أبو طالب يصلى مع أخيه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام خلف النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) فقال له : « صل جناح ابن عمك ، وصل عن يساره » وكان علي يصلّي عن يمينه» (1).)وله هجرتان : هجرة إلى الحبشة ، وهجرة إلى المدينة (2.)وكان من أبر الناس بالفقراء والضعفاء ، وقد برّ بأبي هريرة وأحسن إليه أيام بؤسه وفقره ، وقد تحدث عن ذلك ، قال : كنت لألصق بطني بالحصباء من الجوع ، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان أبر الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب فيطعمنا ما كان في بيته حتى كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها (3.)وقدم إلى المدينة من هجرته إلى الحبشة فاستبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرح فقد صادف قدومه فتح خيبر ، فقال (صلّی الله علیه و آله و سلّم: «ما أَدْرِي بِأَيْهِما أَنا أَدْرِي بِأَيْهِما أَنا أَشَدُّ فَرَحاً أَبِقدومٍ جَعْفَرٍ أَمْ بِفَتْحِ خَيْبَر . . »(4).)واختطّ له النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم داراً إلى جنب المسجد ، وكان أثيراً عنده ، لا لأنه ابن عمه فحسب ، وإنما لإيمانه الوثيق وتفانيه في نشر كلمة الإسلام ، وإشاعة مبادئه وأحكامه . .)بعثه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم في جيش إلى مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة فاستشهد فيها ، ويقول الرواة : إنّ اللواء كان بيده اليمنى فقطعت ، فرفعه بیده الیسری ، فلما قطعت رفعه بيديه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبْدَلَهُ بِيَدَيْهِ جَناحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شاء» (5).)


1) أسد الغابة : 1 : 287 .

2) أسد الغابة : 1 : 287 .

3) أسد الغابة : 1 : 287 .

4) الاستيعاب : 1 : 242 ، كان قدوم جعفر إلى يثرب في السنة السابعة من الهجرة .

5) الاستيعاب : 1 : 242 .

ولهذا لقب ب-( ذي الجناحين وب( الطيار ) .)وحزن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم على جعفر ، فقصد داره ليواسي زوجته وأبناءه بمصابهم الأليم ، فقال لزوجته أسماء : « ائتيني بِبَني جَعْفَر» ، فأتته بهم ، فجعل يوسعهم تقبيلاً ودموعه ودموعه تتبلور على سحنات وجهه الكريم ، وفهمت أسماء نبأ شهادة زوجها فقالت له : « يا رسول الله ، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء » .)فأجابها بنبرات تقطر أسى وحزناً قائلاً : «نَعَمْ أُصيبَ هَذَا الْيَوْم» .وأخذت أسماء تنوح على زوجها ، وأقبلت السيّدات من نساء المسلمين يعزينها بمصابها الأليم ، وأمر النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم أن يصنع طعام لآل جعفر (1).)وأقبلت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (علیها السّلام على أسماء تعزيها وهي باكية العين ، وقد رفعت صوتها قائلة : « واعمّاه » .)وطفق رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم يقول : « عَلَى مِثْلِ جَعْفَرٍ فَلْتَبْكِ الْبَواكي» (2).)صلى الله لقد كانت شهادة جعفر من أقسى النكبات على النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم، فقد فَقَد بشهادته أعز أبناء عمومته وأخلصهم إليه .)#### الأم أسماءأمّا أمّ عبدالله فهي السيّدة الشريفة أسماء بنت عميس ، وهي من السابقات إلى اعتناق الإسلام ، هاجرت مع زوجها الشهيد الخالد جعفر الطيار إلى الحبشة ، وقد ولدت فيها عبدالله وعوناً ومحمداً ، ثم هاجرت إلى المدينة .ولما استشهد جعفر تزوّجها أبو بكر فولدت له محمداً ، وهو من أعلام الإسلام ، ثم توفي أبو بكر فتزوجها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام ، فولدت له يحيى (3).)


1) أسد الغابة : 1 : 289 .

2) أسد الغابة : 1 : 289 .

3) المصدر المتقدم : 5 : 395 .

وقد أخلصت الأهل البيت (علیهم السّلام فكانت من حزبهم ، ولها علاقة وثيقة مع سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (علیها السّلام)، فقد قامت بخدمتها ، وقد عهدت إليها في مرضها أن لا تدخل عليها عائشة بنت أبي بكر ، فجاءت عائشة عائدة لها فمنعتها أسماء فاغتاظت وشكتها إلى أبي بكر فعاتبها ، فأخبرته بعدم رضاء الزهراء في زيارتها (1).)لقد كانت أسماء من خيرة نساء المسلمين في عفتها وطهارتها وولائها لأهل بيت النبوّة ، كما كانت من الراويات للحديث ، ويقول المؤرخون : إنها روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ستين حديثاً .وعلى أي حال ، فإن أسماء حينما تزوجها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام قامت بخدمة الحسنين وأختهما زینب (علیها السّلام)، وصارت لهم أماً رؤوماً ، ترعاهم كما ترعى أبناءها ، لأنهم البقية الباقية من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أخلصوا لها كأعظم ما يكون الإخلاص وشكروا لها رعايتها وعطفها .)#### عبد اللهونعود للحديث عن عبد الله بن جعفر ، فقد كان فذاً من أفذاذ الإسلام ، وسيّداً من سادات بني هاشم . يقول فيه معاوية : « هو أهل لكلّ شرف ، والله ما سبقه أحدٌ إلى شرف إلا وسبقه » (2.)وكان يُسمى (بحر الجود (3).)ويقال : لم يكن في الإسلام أسخى منه (4.)


1) حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام): 1 : 271 .

2) تهذيب التهذيب : 5 : 171 .

3) أسد الغابة : 3 : 134 .

4) الاستیعاب : 3 : 288 .

مدحه نصيب فأجزل له في العطاء ، فقيل له : «تعطي لهذا الأسود مثل هذا ؟ !فقال : إن كان أسود فشعره أبيض ، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال وهل أعطيناه إلا ما يبلى ، وأعطانا مدحاً يروى ، وثناء يبقى »(1.)« وعوتب على كثرة برّه وإحسانه إلى الناس ، فقال : إن الله عوّدني عادة ، وعوّدت الناس عادة ، فأخاف إن قطعتها قطعت عني (2. وأنشد :)لَسْتُ أَخْشى قِلةَ الْعَدَم *** ما اتَّقَيْتُ اللهَ فِي كَرَميكُلَّما أَنْفَقْتُ يُخلفه *** لي رَبِّ واسِعُ النِّعَم (3)ونقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه وسخائه ، وقد وسع الله عليه لدعاء النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم له فكان من أثرى أهل المدينة ، ومضافاً إلى سخائه فقد كان من ذوي الفضيلة ، فقد روى عن عمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وعن الحسن والحسين (علیهما السّلام).)#### أبناؤهورُزق هذا السيد الجليل من سيدة النساء زینب (علیها السّلام كوكبة من السادة الأجلاء وهم :)#### 1 - عونوكان من أبرز فتيان بني هاشم في فضله وكماله ، صحب خاله الإمام الحسين (علیه السّلام حينما هاجر من يثرب إلى العراق ، ولازمه في رحلته ، فلما كان يوم العاشر من المحرم ، اليوم الخالد في دنيا الأحزان ، تقدم إلى الشهادة بين يدي خاله ، فبرز إلى حومة الحرب وهو يرتجز :)


1) الاستيعاب : 3 : 288 .

2) الاستيعاب : 3 : 288 .

3) عمدة الطالب : 37 - 38 .

إِن تُنكِرُونِي فَأَنَا ابْنُ جَعْفَر *** شهِيدِ صِدْقٍ في الجِنانِ أَزْهَرْيَطِيرُ فيها بِجَناحٍ أَخْضَرْ *** كَفى بِهَذا شَرَفاً مِنْ مَعشَرْ (1)لقد عرف نفسه - بهذا الرجز - فقد انتسب إلى جده الشهيد العظيم جعفر الذي قطعت يداه في سبيل الإسلام ، ويكفيه بذلك شرفاً وفخراً ، وجعل الفتى يقاتل قتال الأبطال غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة ، فحمل عليه وغد خبيث هو عبد الله الطائي فقتله (2.)ورثاه سليمان بن قتة بقوله :واندبي إِنْ يَكيتِ عَوْناً أَخاهُ *** ليس فيما ينوبُهُمْ بِخَذولِفَلَعَمْرِي لَقَدْ أَصَبتَ ذَوِي الْقُر *** بى فَبكي عَلَى المُصابِ الطُّويل (3)#### 2 - علي الزينبي .#### 3- محمد .#### 4 - عباس .#### 5 - السيدة أم كلثومالسيدة أم كلثوم (4)وبلغت هذه السيّدة مبلغ النساء ، وكانت فريدة في جمالها وعفافها واحترامها عند أهلها وعامة بني هاشم ، وأراد معاوية أن يتقرّب إلى بني هاشم ويعزّز مكانته في نفوس المسلمين ، في أن يخطبها لولده يزيد ، فكتب إلى واليه على يثرب


1) الفتوح : 112 . مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 2 : 27 .

2) الإرشاد : 268 .

3) مقاتل الطالبيين : 91 .

4) زینب الكبرى : 126 .

مروان بن الحكم كتاباً جاء فيه :«أما بعد : فإنّ أمير المؤمنين أحب أن يرد الألفة ، ويسل السخيمة ، ويصل الرحم ، فإذا وصل إليك كتابي ، فاخطب إلى عبد الله بن جعفر ابنته أم كلثوم على يزيد ابن أمير المؤمنين ، وارغب إليه في الصداق . . . » .وظنّ معاوية أنّ سلطته المزيفة ، وما يبذله من الأموال الطائلة تغري السادة العلويين الذين تربوا على الكرامة والشرف ، وكل ما يسمو به الإنسان ، ولم يعلم أن سلطته وأمواله لا تساوي عندهم قلامة ظفر .ولما انتهى كتاب معاوية إلى مروان خاف جانب الإمام الحسين ، لأنه يعلم أنه يفسد عليه الأمر ، وسافر الحسين ، فاغتنم مروان فرصة سفره فبادر مسرعاً إلى عبدالله بن جعفر ، فعرض عليه كتاب معاوية ، وجعل يحبّذ له الأمر ، ويطالبه بالإسراع فيه لأنّ في ذلك إصلاحاً لذات البين ، واجتماعاً للكلمة ولم يخف عن عبدالله الأمر ، فقال لمروان : « إن خالها الحسين في ينبع(1، وليس لي من سبيل أن أقدم على هذا الأمر من دون أخذ رأيه وموافقته » .)ولما رجع الإمام الحسين (علیه السّلام إلى يثرب خف إليه عبدالله بن جعفر مسرعاً ، فعرض عليه الأمر ، وما أجاب به مروان ، فالتاع الإمام الحسين (علیه السّلام) من ذلك ؛ إذ كيف تكون ابنة أخته عند فاجر بني أمية ، حفيد أبي سفيان .)فانطلق الإمام (علیه السّلام إلى شقيقته زینب (علیها السّلام)وأمرها بإحضار ابنتها أم كلثوم ، فلما مثلت أمامه ، قال لها : «إِنَّ ابْن عَمَكِ القاسِمَ بِنْ مُحَمَّد بْنِ جَعْفَرٍ أَحَقُّ بِكِ ،)


1) ينبع : تبعد عن المدينة بسبع مراحل ، فيها عيون ماء عذب غزيرة .)قيل : إنّها لبني الحسن .وقيل : إنّها حصن به نخيل وزرع ، وبها وقوف الإمام علي (علیه السّلام يتولاها ولده ، جاء ذلك في معجم البلدان 5 : 450 .

وَلَعَلَّكِ تَرْغَبِينَ فِي كَثرَةِ الصَّدَاقِ ».واستجابت الفتاة لرأي خالها ، ورحبت أمها العقيلة بذلك ، ورضي أبوها عبد الله برغبة الإمام الحسين ، وقدم لها الإمام مهراً كثيراً ، وكتم الإمام الأمر .فلما كانت ليلة الزواج أقام دعوة عامة دعا فيها جمهرة كبيرة من أبناء المدينة ، وكان من جملة المدعوين : مروان ، وقد ظنّ أنّه دعي وقد ظنّ أنّه دعي لتلبية ما رغب فيه معاوية من زواج السيّدة أمّ كلثوم بابنه يزيد ، فقام خطيباً فأثنى على معاوية وما قصده من جمع الكلمة وصلة الرحم، ولما أنهى كلامه قام الإمام الحسین (علیه السّلام فأعلن أنه زوّج السيدة أم كلثوم بابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر .)ولما سمع مروان تميز غيظاً وغضباً ، وفقد صوابه ، فقد أفشل الإمام رغبته فرفع عقيرته قائلاً: « أغدراً يا حسين » (1.)وخرج مروان يتعثّر بأذياله ، وانتهى الأمر إلى معاوية ، فحقد على الحسين وساءه ذلك ، فقد فشلت محاولاته في خداع العلويين ، وخداع المسلمين بمصاهرة ولده للأسرة النبوية.


1) عقيلة بني هاشم : 27 .

## عناصرها النفسية### الإيمان الوثيق

وما من صفةٍ كريمةٍ أو نزعة شريفة يفتخر بها الإنسان ، ويسمو بها على غيره من الكائنات الحية إلا وهي من عناصر عقيلة بني هاشم ، وسيدة النساء زینب (علیها السّلام فقد تحلّت بجميع الفضائل التي وهبها الله تعالى لجدّها الرسول الأعظم (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وأبيها الإمام علي أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأمها فاطمة سيدة نساء العالمين (علیها السّلام) وأخويها الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ورثت خصائصهم ، وحكت مميزاتهم ، وشابهتهم في سموّ ذاتهم ومكارم أخلاقهم .)لقد كانت حفيدة الرسول بحكم مواريثها وخصائصها أعظم وأجلّ سيدة في دنيا ، فقد أقامت صروح العدل، وشيّدت معالم الحق ، وأبرزت قيم الإسلام ومبادئه على حقيقتها النازلة من رب العالمينفقد جاهدت هي وأمها زهراء الرسول كأعظم ما يكون الجهاد ، ووقفتا بصلابة لا يعرف لها مثيل أمام التيارات الحزبية التي حاولت بجميع ما تملك من وسائل القوة أن تلقي الستار على قادة الأمة وهداتها الواقعيين ، الذين أقامهم الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم أعلاماً لأمته ، وخزنة لحكمته وعلومه ، فقد أظهرت زهراء الرسول بقوة وصلابة عن حق سيّد العترة الإمام أمير المؤمنين ، رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام ،)

فناهضت حكومة أبي بكر في خطابها التاريخي الخالد ، وسائر مواقفها المشرّفة التي وضعت فيها الأساس المشرق لمبادئ شيعة أهل البيت ، فهي المؤسسة الأولى بعد أبيها (صلّی الله علیه و آله و سلّم لمذهب أهل البيت (علیهم السّلام) ، وكذلك وقفت ابنتها العقيلة أمام الحكم الأموي الأسود الذي استهدف قلع الإسلام من جذوره ومحو سطوره ، وإقصاء أهل البيت (علیهم السّلام) عن واقعهم الاجتماعي والسياسي ، وإبعادهم عن المجتمع الإسلامي ، فوقفت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) مع أخيها أبي الأحرار في خندق واحد ، فحطم أخوها بشهادته وهي بخطبها في أروقة بلاط الحكم الأموي ، ذلك الكابوس المظلم الذي كان جاثماً على رقاب المسلمين .)وعلى أي حال، فإنا نعرض بصورة موجزة لبعض العناصر النفسية لحفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وما تتمتّع به من القابليات الفذة، التي جعلتها في طليعة نساء المسلمين ، وفيما يلي ذلك :)الإيمان الوثيقوتربت عقيلة بني هاشم في بيت الدعوة إلى الله تعالى ، ذلك البيت الذي كان فيه مهبط الوحي والتنزيل ، ومنه انطلقت كلمة التوحيد وامتدت أشعتها المشرقة على جميع شعوب العالم وأمم الأرض ، وكان ذلك أهم المعطيات لرسالة جدّها العظيم .لقد تغذت حفيدة الرسول بجوهر الإيمان وواقع الإسلام ، وانطبع حبّ الله تعالى في عواطفها ومشاعرها حتى صار ذلك من مقوماتها وذاتياتها ، وقد أحاطت بها المحن والخطوب منذ نعومة أظفارها ، وتجرعت أقسى وأمر ألوان المصائب ، كلّ ذلك من أجل رفع كلمة الله عالية خفاقة .إن الإيمان الوثيق بالله تعالى والانقطاع الكامل إليه كانا من ذاتيات الأسرة النبوية

ومن أبرز خصائصهم ، ألم يقل سيد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين في دعائه : «عَبَدْتُكَ لا طَمَعاً في جَنَّتِكَ ، وَلَا خَوْفاً مِنْ نارِكَ ، وَلكِنِّي وَجَدتُكَ أَهْلاً لِلْعِبادَةِ فَعَبَدْتُك » .وهو القائل : « لَوْ كُشِفَ لى الْغِطَاءُ ما ازْدَدْتُ يَقيناً» .أما سيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسین (علیه السّلام ، فقد أخلص الله تعالى كأعظم ما يكون الإخلاص ، وذاب في محبته وقد قدّم نفسه والكواكب المشرقة من أبنائه وأخوته وأبناء عمومته قرابين خالصة لوجه الله ، وقد طافت به المصائب والأزمات التي يذوب من هولها الجبال ، وامتحن بمالم يمتحن به أحدٌ من أنبياء الله وأوليائه كل ذلك في سبيل الله تعالى ، فقد رأى أهل بيته وأصحابه الممجدين صرعى ، ونظر إلى حرائر النبوّة وعقائل الوحي ، وهنّ بحالة تميد من هولها الجبال ، وقد أحاطت به أرجاس البشرية وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ، ليتقربوا بقتله إلى سيّدهم ابن مرجانة .)لقد قال وهو بتلك الحالة كلمته الخالدة ، قال : « لَكَ الْعُتْبِى يَا رَبِّ إِنْ كَانَ يُرْضِيكَ هذا ، فَهَذَا إِلَى رِضاكَ قَليل» .ولما ذُبح ولده الرضيع بين يديه ، قال : « هَوَّنَ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ »(1.)أرأيتم هذا الإيمان الذي لا حدود له !أرأيتم هذا الانقطاع والتبتل إلى الله !وكانت حفيدة الرسول زینب سلام الله عليها كأبيها وأخيها في عظيم إيمانها وانقطاعها إلى الله ، فقد وقفت على جثمان شقيقها الذي مزقته سيوف الشرك ، هو جثة هامدة بلا رأس ، فرمقت السماء بطرفها ، وقالت كلمتها الخالدة التي دارت


1) حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام) : 3 : 276 .

مع الفلك وارتسمت فيه : « اللهم تقبل منا هذَا الْقُرْبان (1.)إن الإنسانية تنحني إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإيمان الذي هو السر في خلودها وخلود أخيها .لقد تضرّعت بطلة الإسلام بخشوع إلى الله تعالى أن يتقبل ذلك القربان العظيم الذي هو ريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم .)فأيّ إيمان يماثل هذا الإيمان ؟!وأي تبتل إلى الله تعالى يضارع هذا التبتل ؟!لقد أظهرت حفيدة الرسول بهذه الكلمات الخالدة معاني الوراثة النبوية ، وأظهرت الواقع الإسلامي وأنارت السبيل أمام كلّ مصلح اجتماعي ، وأنّ كلّ تضحية تُؤدّى للأمة يجب أن تكون خالصة لوجه الله غير مشفوعة بأي غرض من أغراض الدنيا .ومن عظيم إيمانها الذي يبهر العقول ، ويحيّر الألباب أنها أدت صلاة الشكر إلى الله تعالى ليلة الحادي عشر من المحرّم على ما وفق أخاها ووفقها لخدمة الإسلام ورفع كلمة الله .لقد أدت الشكر في أقسى ليلة وأفجعها ، والتي لم تمرّ مثلها على أي أحدٍ من بني الإنسان ، فقد أحاطت بها المآسي التي تذوب من هولها الجبال ، فالجثث الزواكي من أبناء الرسول وأصحابهم أمامها لا مغسلين ولا مكفنين ، وخيام العلويات قد أحرقها الطغاة اللثام ، وسلبوا ما على بنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم من حُلي وما عندهنّ من أمتعة وهن يعجن بالبكاء لا يعرفن ماذا يجري عليهن من الأسر والذلّ إلى غير ذلك من المآسي التي أحاطت بحفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وهي تؤدي صلاة الشكر لله)


1) مقتل الحسين (علیه السّلام)/ المقرم : 396 .

تعالى على هذه النعمة التي أضفاها عليها وعلى أخيها .تدول الدول وتفنى الحضارات وهذا الإيمان العلوي أحق بالبقاء ، وأجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش فيه.### الصبرمن النزعات الفذة التي تسلّحت بها مفخرة الإسلام وسيدة النساء زینب (علیها السّلام هي الصبر على نوائب الدنيا وفجائع الأيام ، فقد تواكبت عليها الكوارث منذ فجر الصبا ، فرزئت بجدّها الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الذي كان يحدب عليها ، ويفيض عليها بحنانه وعطفه .)وشاهدت الأحداث الرهيبة المروعة التي دهمت أباها وأمها بعد وفاة جدها فقد أقصي أبوها عن مركزه الذي أقامه فيه النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وأجمع القوم على هضم أمها حتى توفيت وهي في روعة الشباب وغضارة العمر ، وقد كوت هذه الخطوب قلب العقيلة إلا أنها خلدت إلى الصبر .)وتوالت بعد ذلك عليها المصائب ، فقد رأت شقيقها الإمام الحسن الزكي (علیه السّلام قد غدر به أهل الكوفة ، حتى اضطر إلى الصلح مع معاوية الذي هو خصم أبيها وعدوّه الألد ، ولم تمض سنين يسيرة حتى اغتاله بالسم ، وشاهدته وهو يتقيأ دماً من شدة السمّ حتى لفظ أنفاسه الأخيرة .)وكان من أقسى ما تجرّعته من المحن والمصاعب يوم الطف ، فقد رأت شقيقها الإمام الحسین (علیه السّلام قد استسلم للموت لا ناصر له ولا معين ، وشاهدت الكواكب المشرقة من شباب العلويين صرعى قد حصدتهم سيوف الأمويين ، وشاهدت الأطفال الرضع يذبحون أمامها .)إن أي واحدة من رزايا سيدة النساء زینب لو ابتلي بها أي إنسان مهما تذرّع

بالصبر وقوة النفس لأوهنت قواه ، واستسلم للضعف النفسي ، وما تمكن ع-ل-ى مقاومة الأحداث ، ولكنّها سلام الله عليها قد صمدت أمام ذلك البلاء العارم ، وقاومت الأحداث بنفس آمنة مطمئنة راضية بقضاء الله تعالى وصابرة على بلائه ، فكانت من أبرز المعنيين بقوله تعالى : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ (1).)وقوله تعالى : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (2).)وقوله تعالى : ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُو يَعْمَلُونَ .)لقد صبرت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم وأظهرت التجلّد وقوة النفس أمام أعداء الله وقاومتهم بصلابة وشموخ ، فلم يشاهد في جميع فترات التاريخ سيدة مثلها في قوة عزيمتها وصمودها أمام الكوارث والخطوب .)يقول الحجّة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في صبرها وعظيم محنتها :لِلَّهِ صَبْرُ زَيْنَب العَقيلة *** کم شاهَدَتْ مَصائِباً مَهولةرَأَتْ مِنَ الخُطوب والرزايا *** أَمْراً تَهون دونَهُ الْمَنايارَأَتْ كِرَامَ قَوْمِها الأماجد *** مُجَزَّرِينَ في صَعِيدٍ واحدتَسفي عَلى جُسومها الرِّیاحُ *** وَهيَ لِذُوبان الْفَلا تُباحُرَأَتْ رُؤوساً بِالْقَنا تُشالُ *** وَجُثَنَا أَكْفانُها الرمالرَأَتْ رَضِيعاً بِالسِّهامِ يُفْطَمُ *** وَصِبْيَةٌ بَعْدَ أَبِيهِمْ أَيْتِموا


1) البقرة 2 : 155 - 157 .

2) الزمر 39 : 10 .

رَأَتْ شَمانَةَ الْعَدُوِّ فيها *** وصنعَهُ ما شاء في أخيهاوَإِنَّ مِنْ أَدْهَى الخُطوبِ السّودِ *** وقوفُها بَيْنَ يَدَي يَزِيدِوقال السيد حسن البغدادي :يا قلب زَيْنَبَ ما لاقيتَ مِنْ مِحَنٍ *** فيك الرّزايا وَكُلُّ الصَّبْرِ قَدْ جُمِعالَوْ كانَ ما فيكَ مِنْ صَبْرٍ وَمِنْ مِحَنٍ *** في قَلبِ أَقوى جِبالِ الْأَرْضِ لَانْصَدَعايكفيك صَبْراً قُلوبُ النّاسِ كُلّهم *** تَفطّرَتْ لِلذي لاقيتَهُ جَزَعاًلقد قابلت العقيلة ما عانته من الكوارث المذهلة والخطوب السود بصبر يذهل كل كائن حي .### العزة والكرامةمن أبرز الصفات النفسية الماثلة في شخصية سيدة النساء زینب (علیها السّلامهي : العزة والكرامة ، فقد كانت من سيّدات نساء الدنيا في هذه الظاهرة الفذة ، فقد حملت بعد مقتل أخيها من كربلاء إلى الكوفة سبيّة ومعها بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نُهب جميع ما عليهن من حُلي وما عندهن من أمتعة ، وقد أضر الجوع بأطفال أهل البيت وعقائلهم ، فترفعت العقيلة أن تطلب من أولئك الممسوخين - من شرطة ابن مرجانة - شيئاً من الطعام لهم .)ولما انتهى موكب السبايا إلى الكوفة ، وعلمن النساء أنّ السبايا من أهل بيت النبوّة سارعن إلى تقديم الطعام إلى الأطفال الذين ذوت أجسامهم من الجوع ، فانبرت السيدة زینب (علیها السّلاممخاطبة نساء أهل الكوفة قائلة : « الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْنا أَهْلَ الْبَيْتِ ... ».)ولما سمع أطفال أهل البيت من عمّتهم ذلك ألقوا ما في أيديهم وأفواههم من

الطعام ، وأخذ بعضهم يقول لبعض : إن عمتنا تقول : الصدقة حرام علينا أهل البيت .أي تربية فذة تربّى عليها أطفال أهل البيت إنّها تربية الأنبياء والصديقين التي تسمو بالإنسان فترفعه إلى مستوى رفيع يكون من أفضل خلق الله .ولمّا سُيّرت سبايا أهل البيت من الكوفة إلى الشام لم تطلب السيدة زینب طيلة الطريق أي شيء من الاسعافات إلى الأطفال والنساء مع شدة الحاجة إليها فقد أنفت أن تطلب أي مساعدة من أولئك الجفاة الأنذال الذين رافقوا الموكب .لقد ورثت عقيلة بني هاشم من جدّها وأبيها العزة والكرامة والشرف والإباء ، فلم تخضع لأي أحدٍ مهما قست الأيام وتلبدت الظروف ، إنها لم تخضع إلا إلى الله تعالى .### الشجاعةولم يشاهد الناس في جميع مراحل التاريخ أشجع ولا أربط جأشاً ولا أقوى جناناً من الأسرة النبوية الكريمة ، فالإمام أمير المؤمنين ( سلام الله عليه عميد العترة الطاهرة كان من أشجع خلق الله ، وهو القائل : « لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا » .)وقد خاض أعنف المعارك وأشدّها قسوة ، فجندل الأبطال ، وألحق بجيوش الشرك أفدح الخسائر ، وقد قام الإسلام عبل الذراع مفتول الساعد بجهاده وجهوده ، فهو معجزة الإسلام الكبرى .وكان ولده أبو الأحرار الإمام الحسين (علیه السّلام مضرب المثل في بسالته وشجاعته ، فقد حيّر الألباب وأذهل العقول بشجاعته وصلابته وقوة بأسه ، فقد وقف يوم العاشر من المحرم موقفاً لم يقفه أي أحدٍ من أبطال العالم ، فإنه لم ينهار أمام تلك النكبات المذهلة التي تعصف بالحلم والصبر ، فكان يزداد انطلاقاً وبشراً كلما ازداد)

الموقف بلاءً ومحنةٌ ، فإنه بعدما صُرعَ أصحابه وأهل بيته زحف عليه الجيش بأسره وكان عدده - فيما يقول الرواة ثلاثين ألفاً فحمل عليهم وحده ، وقد طارت أفئدتهم من الخوف والرعب ، فانهزموا أمامه كالمعزى إذا شدّ عليها الذئب - على حد تعبير بعض الرواة - وبقي صامداً كالجبل يتلقى الطعنات والسهام من كل جانب ، لم يوهن له ركن ، ولم تضعف له عزيمة .يقول العلوي السيد حيدر :فَتَلَقَّى الجُموعَ فَرْداً وَلكِنْ *** كُلُّ عُضْرٍ في الرَّوْعِ مِنْهُ جُموعرمحُهُ مِنْ بِنانِهِ وَكَأَنَّ مِنْ *** عَزمِهِ حَدُّ سَيْفِهِ مَطبوعزَوَّجَ السَّيفَ بِالنُّفوسِ وَلكِنْ *** مَهرَها الْمَوتُ وَالْخِضابُ النَّجيعُولما سقط ( سلام الله عليه على الأرض جريحاً قد أعياه نزف الدماء تحامي الجيش الأموي من الإجهاز عليه خوفاً ورعباً منه .)يقول السيد حيدر :عفيراً مَتى عايَنَتْهُ الكُماة *** يَخْتَطِفُ الرُّعبُ أَلوانهافَما أَجْلَتِ الْحَرب عَنْ مِثْلِهِ *** صريعاً يُجَبّنُ شُجْعَانَهاوتمثلت هذه البطولة العلوية بجميع صورها وألوانها عند حفيدة الرسول وعقيلة بني هاشم السيدة زینب (سلام الله عليها ، فإنّها لما مثلت أمام الإرهابي المجرم سليل الأدعياء ابن مرجانة احتقرته واستهانت به .)فاندفع الأثيم يظهر الشماتة بلسانه الألكن قائلاً: الحمد لله الذي فضحكم ، وقتلكم ، وكذب أحد وثتكم ...فانبرت حفيدة الرسول بشجاعة وصلابة قائلة : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ

وَطَهَّرَنَا مِنَ الرَّجْسِ تَطْهِيراً ، إِنَّمَا يُفْتَضَحُ الْفَاسِقُ وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنا يَابْنَ مَرْجَانَة . . »(1.)لقد قالت هذا القول الصارم الذي هو أمضٌ من السلاح ، وهي والمخدّرات من آل محمد في قيد الأسر ، وقد رفعت فوق رؤوسهن رؤوس حماتهن ، وشهرت عليهن سيوف الملحدين .لقد أنزلت العقيلة - بهذه الكلمات - الطاغية من عرشه إلى قبره ، وعرفته أمام خدمه وعبيده أنّه المفتضح والمنهزم ، وأن أخاها هو المنتصر .ولم يجد ابن مرجانة كلاماً يقوله سوى التشفّي بقتل عترة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، قائلاً :كيف رأيت صنع الله بأخيك . . ؟(2).)وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود ، فأجابت بكلمات الظفر والنصر لها ولأخيها قائلة : « ما رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً ، هَؤُلاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْقَتَلَ ، فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، فَتُحَاجُ وَتُخَاصَمُ ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلَجُ يَوْمَئِذٍ ، تَكَلَتْكَ أُمُّكَ يَابْنَ مَرْجَانَةَ . . . ».أرأيتم هذا التبكيت الموجع ؟أرأيتم هذه الشجاعة العلوية ؟ فقد سجلت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم بموقفها وكلماتها فخراً للإسلام وعزاً للمسلمين ومجداً خالداً للأسرة النبوية .)أما موقفها في بلاط يزيد ، وموقفها مع الشامي وخطابها الثوري الخالد فقد هزّ العرش الأموي ، وكشف الواقع الجاهلي ليزيد ومن مكنه من رقاب المسلمين ، وسنعرض لخطابها وسائر مواقفها المشرفة في البحوث الآتية .


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 263 .

2) زینب الكبرى : 61

### الزهد في الدنياومن عناصر سيدة النساء زینب (علیها السّلام: الزهد في الدنيا ، قد بذلت جميع زينتها ومباهجها مقتدية بأبيها الذي طلّق الدنيا ثلاثاً لا رجعة له فيها ، ومقتدية بأمها سيّدة نساء العالمين زهراء الرسول .)فقد كانت - فيما رواه المؤرّخون - لا تملك في دارها سوى حصير من سعف النخل وجلد شاة ، وكانت تلبس الكساء من صوف الإبل ، وتطحن بيدها الشعير ، إلى غير ذلك من صنوف الزهد والإعراض عن الدنيا ، وقد تأثرت عقيلة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم بهذه الروح الكريمة فزهدت في جميع مظاهر الدنيا ، وكان من زهدها أنها ما ادخرت شيئاً من يومها لغدها حسب ما رواه عنها الإمام زين العابدين (علیه السّلام) (1).)وقد طلقت الدنيا وزهدت فيها وذلك بمصاحبتها لأخيها أبي الأحرار ، فقد علمت أنه سيستشهد في كربلاء أخبرها بذلك أبوها ، فصحبته وتركت زوجها الذي كان يرفل بيته بالنعيم ومتع الحياة ، رفضت ذلك كله وآثرت القيام مع أخيها لنصرة الإسلام والذب عن مبادئه وقيمه ، وهي على علم بما تشاهده من مصرع أخيها ، وما يجري عليها بالذات من الأسر والذل ، لقد قدّمت على ذلك خدمة لدين الله تعالى .


1) صحيح الترمذي : 2 : 319 ، وقريب منه رواه الحاكم في مستدركه : 3 : 149 ، وابن الأثير في أسد الغابة : 5: 523 ، والخطيب في تاريخ بغداد : 7 : 36 ، وغيرهم .

## أحَدَاثُ مُرَوِّعَة### خطوب مروّعة

وقطعت عقيلة بني هاشم شوطاً من حياة الصبا في كنف جدها الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم وفي ذرى عطفه ، وهي ، وهي ناعمة البال قريرة العين ، يتلقاها بمزيد من الحفاوة والتكريم ، وترى أبويها وقد غمرتهما المودّة والألفة والتعاون ، فكانت حياتهما أسمى مثل للحياة الزوجيّة في الإسلام ، وقد نشأت في ذلك البيت الذي سادت فيه تلاوة كتاب الله العزيز ، وآداب الإسلام وأحكامه وتعاليمه ، فكان مركزاً للتقوى ومعهداً لمعارف الإسلام .)كما شاهدت الانتصارات الرائعة التي أحرزها الإسلام في الميادين العسكرية ، واندحار القبائل القرشيّة التي ناهضت الإسلام وناجزته بجميع ما تملك من قوة ، فقد اندحرت وأذلها الله ، فقد فتحت مكة وطهر بيتها الحرام من الأصنام والأوثان التي كانت تُعبد من دون الله تعالى .ولعلّ من أهمّ ما شاهدته العقيلة في أدوار طفولتها هو احتفاء جدها الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم بأبيها وأمها وأخويها ، فقد كانوا موضع اهتمامه وعنايته .)وقد أثرت عنه كوكبة من الروايات أجمع المسلمون على صحتها ، وهذه بعضها :1 - روى أبو بكر ، قال : رأيت رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم خيم خيمة ، وهو متكئ على - قوس عربية ، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : مَعاشِرَ)

الْمُسْلِمِينَ ، أَنَا سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَ أَهْلَ الْخَيْمَةِ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَهُمْ ، وَوَليُّ لِمَنْ والاهُمْ ، لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا سَعِيدُ الْجَدْ ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا شَقِيُّ الْجَدِّ رَديءُ الْوِلادَة (1.)2 - روى زيد بن أرقم : « أنّ رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السّلام): أَنا حَرْبٌ لِمَنْ حارَبْتُمْ ، وَسِلْمٌ لِمَنْ سالَمْتُمْ(2)».)3 - روى أحمد بن حنبل بسنده : « أن النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم أخذ بيد الحسن والحسين ، وقال : مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَينِ وَأَبَاهُما وَأَمَّهُما كَانَ مَعي في دَرَجَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (3).)4 - روى ابن عباس : « أن النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم قال : النُّجومُ أَمانٌ لأَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْفَرَقِ ، وَأَهْلُ بَيْتي أَمانٌ لأُمَّتِي مِنَ الاخْتِلافِ ، فَإِذا خالَفَتْها قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ اخْتَلَفُوا فَصاروا حِزْبَ إِبليس (4)»)5 - روى زيد بن أرقم : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلِينِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي ، أَحَدُهُما أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ: كِتابَ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْنِي ، وَلَنْ يَفْتَرِنَا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَانْظُرُوا .


1) المستدرك على الصحيحين : 3 : 149 . كنز العمال : 6 : 116 . الصواعق المحرقة : 111 .

2) مسند أحمد : 1 : 77 صحيح الترمذي : 2 : 301 تهذيب التهذيب : 10: 430 ، وجاء فيه : أن نصر بن عليّ حدّث بهذا الحديث، فأمر المتوكل بضربه ألف سوط ، فكلّمه فيه جعفر بن عبدالواحد وجعل يقول له : إنّه من أهل السنّة ، فلم يزل يترجاه حتى تركه .

3) الرياض النضرة : 2 : 252 .

4) صحيح الترمذي : 2 : 308. أسد الغابة : 2 : 12 . وما وقريب منه روي في : كنز العمال:1 : 48 . مجمع الزوائد : 9 : 163 . نص الحديث : « النُّجومُ أَمانٌ لأَهْلِ الْأَرْضِ وَأَهْلُ بَيْتِي أَمانٌ لأُمَّتِي ».

كَيْفَ تَخْلُفوني فيهما »(1.)6 - روى أبو سعيد الخدري ، قال : سمعت النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم يقول : إِنَّما مَثَلُ أَهْل بَيْتي فيكُمْ كَسَفينة نوحٍ مَنْ رَكِبَها نَجا ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْنِي فِيكُمْ مَثَلُ باب حِطَّةَ في بَني إِسْرَائِيلَ مَنْ دَخَلَهُ غُفِرَ لَهُ»(2).)2- روى أبو برزة ، قال : « صليت مع رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم سبعة أشهر ، فإذا خرج من بيته ، أتى باب فاطمة (علیها السّلام) ، فقال : السَّلامُ عَلَيْكُمْ ، إِنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » (3).)رأت العقيلة هذا الاحتفاء البالغ من جدها الرسول ل (صلّی الله علیه و آله و سلّم لأبيها وأمها وأخويها ، ووعت الغاية من صنوف هذا التكريم والتعظيم ، وأنه ليس مجرد عاطفة وولاء لهذه الأسرة الكريمة ، وإنما هو للإشادة بما تتمتع به من الصفات الفاضلة ، والقابليات الفذة التي ترشحهم لقيادة الأمة ، وتطويرها فكرياً واجتماعياً ، وأنّه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحتل أمته مركزاً كريماً تحت الشمس ، وتكون رائدة لأمم العالم وشعوب الأرض إلا بقيادة السادة من عترته الذين وعوا الإسلام ، والتزموا بحرفية الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) .)


1) مجمع الزوائد : 9: 168 . المستدرك على الصحيحين : 2 : 43. تاریخ بغداد : 2 : 19. ذخائر العقبی : 20 .

2) ذخائر العقبى : 24 .

3) الخصائص الكبرى : 2 : 368 .)روى أنس بن مالك : « أن النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى الفجر ويقول : الصَّلاة يا أَهْلَ الْبَيْتِ ، ويتلو الآية الكريمة » . جاء ذلك في : مجمع الزوائد : 9: 169 . أنساب الأشراف : 1 : 157 ، القسم الأول .

خطوب مروّعةولم تدم الحالة الهانئة للأسرة النبوية فقد دهمتهم كارثة مروعة ، فقد بدت طلائع الرحيل عن هذه الدنيا تلوح أمام الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، فكان القرآن الكريم قد نزل عليه مرتين فاستشعر بدنو الأجل المحتوم منه (1).)وأخبر بضعته الزهراء (علیها السّلام ، فقال لها : «إِنَّ جبرئيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً ، وَإِنَّهُ عَارَضَني بِهَذَا الْعامِ مَرَّتَينِ ، وَما أَرى ذلِكَ إِلَّا اقْتِرابَ أَجَلي» (2).)وتقطع قلب زهراء الرسول ألماً وحزناً ، وشاعت الكآبة والحزن على أهل البيت وذوت عقيلة بني هاشم من هذا النبأ المريع ، وطافت بها وهي في فجر الصبا تيارات من الأسى .ونزلت على النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم سورة النصر فكان يسكت بين التكبير والقراءة ويقول : «سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ »)وذُهل المسلمون ، وفزعوا إليه يسألونه عن هذه الحالة الراهنة ، فأجابهم (إِنَّ نَفْسي قَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ (3).)وكادت نفوس المسلمين أن تزهق من هذا النبأ المريع ، فقد وقع عليهم كالصاعقة ، فلا يدرون ماذا سيجري عليهم لو خلت الدنيا من منقذهم ومعلمهم وقائدهم .


1) البداية والنهاية : 5: 223 .

2) مناقب آل أبي طالب : 1 : 167 .

3) زینب الكبرى : 19 .

### رؤيا العقيلة (علیها السّلام)ورأت العقيلة في منامها رؤيا أفزعتها ، وأذهلتها فأسرعت إلى جدها الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم تقصها عليه ، ولما مثلت عنده أجلسها في حجره وجعل يوسعها تقبيلاً ، فقالت له : يا جَدّاه ، رَأَيْتُ رُؤياً الْبارِحة ...)- قُصِّيها عَلَيَّ .- رَأَيْتُ ريحاً عاصفاً اسْوَدَّتِ الدُّنْيا مِنْها وَأَظْلَمتْ ، فَفَزِعْتُ إِلَى شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ فَتَعَلَّقْتُ بِها مِنْ شِدَّةِ الْعاصِفَةِ ، فَقَلَعَتْها الرِّياحُ وَأَلْقَتْها عَلَى الْأَرْضِ ، فَتَعَلَّقْتُ بِغُصْنٍ قَوِيٌّ مِنْ تِلكَ الشَّجَرَةِ فَقَطَعَتْها الرِّياحُ ، فَتَعَلَّقْتُ بِفَرْعَ آخَرٍ فَكَسَرَتْهُ الرِّياحُ أَيْضاً وَسارَعْتُ فَتَعَلَّقْتُ بِأَحَدٍ فَرْعَينِ مِنْ فُروعِهِما فَكَسَرَتْهُ الْعَاصِفَةُ أَيْضاً ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ مِنْ نَوْمِي .فأجهش النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم بالبكاء ، وفسر لها رؤياها قائلاً: «أَمَا الشَّجَرَةُ: فَجَدُّكِ ، وَأَمَا الْفَرْعُ الْأَوَّلُ : فَأُمِّكِ فَاطِمَةُ ، وَالثاني : أَبوكِ عَلَيٌّ ، وَالْفَرْعَانِ الْآخَرانِ هُما : أَخَواكِ الْحَسَنانِ ، تَسْوَدُّ الدُّنْيا لِفَقْدِهِمْ وَتَلْبَسِينَ لِباسَ الْحِدادِ فِي رَزِيَّتِهِم(1).)وساد الحزن والأسى في البيت النبوي ، وصدقت رؤيا العقيلة فلم تمض أيام حتى رزئت بجدّها وأمها ، وتتابعت عليها بعد ذلك الرزايا ، فقد استشهد أبوها وأخواها ، ولبست عليهم لباس الحزن والحداد .### حجّة الوداعولما علم النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم أن لقاءه بربّه قريب ، رأى أن يحج إلى بيت الله الحر بالمسلمين ، ويضع لهم الخطوط السليمة لنجاتهم ، ويقيم فيهم القادة والمراجع)


1) صحيح الترمذي : 2 : 308 .

الذين يقيمون فيهم الحق والعدل .وحج النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم لهذا الغرض ، وهي حجّته الأخيرة الشهيرة ب- ( حجة الوداع ) وقد أشاع بين حجاج بيت الله أنّ التقاءه بهم في هذا العام هو آخر التقاء بهم ، وأنه سيسافر إلى الفردوس الأعلى ، وجعل يطوف بين الجماهير ، ويعرفهم سبل النجاة ، ويرشدهم إلى ولاة أمورهم من بعده قائلاً: «أَيُّها النَّاس ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ : كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْتِي »(1).)ثم وقف النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم عند بئر زمزم وخطب خطاباً رائعاً وحافلاً بما تحتاج إليه الأمة في مجالاتها الاجتماعية والسياسية ، وقال فيما يخص القيادة الروحية والزمنية للأمة : « إِنِّي خَلَّفْتُ فِيكُمْ ما إِنْ تَمَسَّكُتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا : كِتابَ اللهِ ، وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْتي أَلَا هَلْ بَلَّغْت» .)فانبرت الجماهير بصوتٍ واحدٍ قائلين : اللّهمّ نعم (2.)لقد عيّن الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم القيادة العامة لأمته وجعلها مختصة بأهل بيته ، فهم ورثة علومه ، وخزنة حكمته ، الذين يعنون بالإصلاح الاجتماعي ، ويؤثرون مصلحة الأمة على كل شيء .)### مؤتمر غدیر خموقفل النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم بعد أداء مراسيم الحج إلى يثرب وحينما انتهى موكبه إلى ( غدير خم ) نزل عليه الوحي برسالة من السماء أن يُنصب الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام) خليفةً من بعده ، ومرجعاً عاماً للأمة ، لقد نزل عليه الوحي بهذه الآية :)


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 91 - 92 .

2) الغدير : 2: 34 .

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (1).)ففي هذه الآية إنذار خطير إلى الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، إذ أنه إن لم يقم بهذه المهمة فما بلغ رسالة ربّه ، وضاعت جميع جهوده وأتعابه في سبيل هذا الدين ، فانبرى (صلّی الله علیه و آله و سلّم) فحط أعباء المسير ، ووضع رحله في رمضاء الهجير ، وأمر قوافل الحج أن تفعل مثل ذلك ، وكان الوقت قاسياً في حرارته فكان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتقي به من حرارة الأرض ، وقام النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) فصلى بالناس ، وبعد أداء فريضة الصلاة أمر بأن يوضع له منبر من حدائج الإبل ، فصُنع له ذلك ، فاعتلى عليه ، واتجهت الجماهير بعواطفها وقلوبها نحو النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فخطب خطاباً مهماً ، أعلن فيه ما لاقاه من عناء شاق في سبيل هدايتهم ، وتحرير إرادتهم ، وإنقاذهم من خرافات الجاهلية وعاداتها .)ثم ذكر طائفة من أحكام الإسلام وتعاليمه ، وألزمهم بتطبيقها على واقع حياتهم ، ثم التفت إليهم فقال : « انظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفوني في الثَّقَلَين ...».فناداه منادٍ من القوم : « ما الثقلان يا رسول الله ؟ » .فأجابه : « التَّقَلُ الْأَكْبَرُ : كِتابَ اللهِ ، طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا ، وَالْآخَرُ الْأَصْغَرُ: عِتْرَتي ، وَإِنَّ اللَّطيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِّي أَنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتَّى يَردا عَلَى الْحَوْضَ ، فَسَأَلْتُ ذلِكَ لَهُما رَبِّي ، فَلَا تَقَدَّموهُما فَتَهْلَكوا ، وَلَا تُقَصِّروا عَنْهُما فَتَهْلَكُوا . . .» .


1) المائدة 5 : 67. نص على نزول هذه الآية في يوم الغدير : الواحدي في أسباب النزول والرازي في تفسيره ، وغيرهما .

ثم أخذ بيد وصيّه وباب مدينة علمه وناصر دعوته الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام ليفرض ولايته على جميع المسلمين فرفعها حتى بان بياض إبطيهما ، ونظر إليهما القوم ، ورفع النبي صوته قائلاً :)«أَيُّها النَّاسُ ، مَنْ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم ؟ ».فانبرت قوافل الحجاج رافعة عقيرتها :الله ورسوله أعلم ...ووضع النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم القاعدة الأصلية التي تصون المسلمين من الانحراف قائلاً:« إِنَّ اللَّهَ مَوْلايَ ، وَأَنَا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنَا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاه .)وكرّر هذا القول ثلاث مرات ، أو أربع : ثم قال: «اللَّهُمَّ والِ مَنْ والاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَأَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهُ ، وَأَبْغِضُ مَنْ أَبْغَضَهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذِلْ مَنْ خَذَلَهُ ، وَأَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ ، أَلَا فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ... ».لقد أدى النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم رسالة ربّه ، فنصب الإمام أمير المؤمنين خليفة من بعده ، وقلّده منصب الإمامة والمرجعية العامة ، وأقبل المسلمون يهرعون صوب الإمام وهم يبايعونه بالخلافة ويهنئونه بإمرة المسلمين وقيادتهم ، وأمر النبي أمهات المؤمنين أن يهنئن الإمام بهذا المنصب العظيم ، ففعلن ، وأقبل عمر بن الخطاب نحو الإمام فصافحه وهنأه ، وقال له : هنيئاً يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة(1).)وفي ذلك اليوم الخالد نزلت الآية الكريمة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ


1) مسند أحمد : 4 : 281 .

عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1).)لقد تمّت نعمة الله الكبرى على المسلمين بولاية بطل الإسلام ورائد العدالة الاجتماعية في الأرض الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام ، وقد خطا النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الخطوة الأخيرة في أداء رسالته ، فصان أمته من الزيغ والانحراف ، فنصب له-ا القائد والموجّه ولم يتركها فوضى كما يزعمون - تتلاعب بها الفتن والأهواء وتتقاذفها أمواج من الضلال ، إنّ وثيقة الغدير من أروع الأدلة وأوثقها على اختصاص الخلافة والإمامة بباب مدينة علم النبيّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وهي جزء من رسالة الإسلام وبند من أهم بنوده ؛ لأنّها تبنّت القضايا المصيرية للعالم الإسلامي على امتداد التاريخ .)لقد وعت سيدة النساء زینب (علیها السّلام، وهي في فجر الصبا هذه البيعة لأبيها ، وأن جدها قد قلّده هذا المنصب الخطير لسلامة الأمة وتطورها ، والبلوغ بها إلى أعلى المستويات من التقدّم ، والقيادة العامة لشعوب العالم وأمم الأرض ولكن القوم قد سلبوا أباها هذا المنصب ، وجعلوه في معزل عن الحياة الاجتماعية والسياسية ، وقد أخلدوا بذلك للأمّة المحن والخطوب ، وتجرعت حفيدة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم)بالذات أهو الاً من المصائب والكوارث كانت ناجمة - من دون شك - عن هذه المؤامرة التي حيكت ضد أبيها ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .)### مرض النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم)ولما قفل النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم بعد حجة الوداع راجعاً إلى يثرب بدأت صحته تنهار يوماً بعد يوم يوم ، فقد ألمّ به المرض ، وأصابته حمى مبرحة ، حتى كأن به لهباً منها ،)


1) المائدة 5: 3. نص على نزول هذه الآية في يوم الغدير : الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : 8 : 29 ، السيوطي في الدر المنثور ، وغيرهما من أعلام أهل السنة .

وكانت عليه قطيفة فإذا وضع أزواجه وعواده عليها أيديهم شعروا بحرّها (1.وقد وضعوا إلى جواره إناءً فيه ماء بارد فكان يضع يده فيه ويمسح به وجهه الشريف ، وكان لهلهلهله يقول : «ما أَزالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعامِ الَّذِي أَكَلْتُهُ بِ( خَيْبَر ) ، فَهذا أَوان وَجَدْتُ انْقِطاعَ أَبْهَرى مِنْ ذلِكَ السُّم» (2). فقد قدمت له امرأة يهودية في خيبر ذلك الطعام الذي سمّته فأثر فيه .)ولما أشيع مرض النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم هرع المسلمون إلى عيادته ، وقد خيم عليهم الأسى والذهول ، فنعى (صلّی الله علیه و آله و سلّم) إليهم نفسه ، وأوصاهم بما يسعدون ويفلحون به قائلاً:)«أَيُّها النَّاسُ ، يوشِكُ أَنْ أَقْبَضَ قَبْضاً سريعاً فَيُنْطَلَقُ بي ، وَقَدَّمْتُ إِلَيْكُمُ الْقَولَ بی مَعْذِرَةً إِلَيْكُمْ ، أَلَا إِنِّي مُخَلَّفٌ فِيكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْتِي ..».ثم أخذ بيد وصيّه وخليفته الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام، فقال لهم :)«هذا عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ لَا يَفْتَرِقانِ حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ .. »(3.)لقد قرر النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم أهم القضايا المصيرية لأمته ، فعين لها القائد العظيم الذي يحقق لها جميع أهدافها وما تصبو إليه في حياتها .)### سرية أسامةورأى النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم وهو في المرحلة الأخيرة من حياته التيارات الحزبية التي صممت على إقصاء عترته عن قيادة الأمة ، فرأى أن خير وسيلة يتدارك بها الموقف)


1) البداية والنهاية : 5 : 226 .

2) صحيح البخاري : 6 : 28. المستدرك على الصحيحين: 3 58. السنن الكبرى 10 : 11 - البداية والنهاية : 5 : 199 .

3) أمالي الطوسي : 478 - 479 ، الحديث 1045. بحار الأنوار: 22: 476 و : 38: 36 . المستدرك على الصحيحين: 3 124 . الصواعق المحرقة : 126 . ينابيع المودة : 2 : 403 .

أن يزج بجميع أصحابه في بعثة عسكرية حتى إذا وافاه الأجل المحتوم تكون عاصمته خالية من العناصر المضادة لولي عهده ، فأسند قيادة البعثة إلى أسامة بن زید ، وهو شاب في مقتبل العمر ، وكان من بين الجنود أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ، وبشير بن سعد (1.)وقال النبي لأسامة : « سِرْ إِلى مَوْضِع قَتْلِ أَبِيكَ ، فَأَوْطِتْهُمُ الْخَيْلَ ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هذا الْجَيْشَ ، فَاغْرُ صَباحاً عَلى أَهْلِ أَبنى (2، وَحَرِّقْ عَلَيْهِمْ ، وَأَسْرِع السَّيْرَ لِتَسْبِقَ الْأَخْبَارَ ، فَإِنْ أَظْفَرَكَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَاقْلِلْ اللَّبْثَ فِيهِمْ ، وَخُذْ مَعَكَ الأَدِلّاءَ ، وَقَدِّمِ الْعُيونَ وَالطَّلائِعَ مَعَكَ... ».)ومُني الجيش بالتمرد وعدم الطاعة ، فلم يلتحق أعلام الصحابة بوحداتهم العسكرية ، ولما علم النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم بذلك تألّم ، فخرج مع ما به من المرض ، فحت الجند على المسير ، وعقد بنفسه اللواء لأسامة ، وقال له : « اغْزُ بِسْمِ اللهِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللهِ . . » .)فخرج أسامة بلوائه معقوداً ، ودفعه إلى بريدة ، وعسكر ب( الجرف ، وتثاقل جمع من الصحابة عن الالتحاق بالمعسكر ، وأظهروا الطعن والاستخفاف بأسامة القائد العام للجيش ، يقول له عمر : مات رسول الله وأنت عليّ أمير ...)وانتهت كلماته إلى النبي ، وقد أخذت منه الحمّى مأخذاً عظيماً ، فخرج وهو معصب الرأس قد برح به المرض ، فصعد المنبر والتأثر بادٍ عليه ، فقال :«أَيُّها النَّاسُ ، ما مَقالَةٌ بَلَغَتْني عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأمِيري أسَامَةَ ، وَلَئِنْ طَعَمْتُمْ فِي


1) كنز العمّال : 5 : 312 . الطبقات الكبرى : 4 : 46 . تاريخ الخميس : 2 : 46 .

2) ابنى ناحية بالبلقاء من أرض سوريا، بين عسقلان والرملة، تقع بالقرب من مؤتة التي استشهد فيها زيد بن حارثة وجعفر الطيار .

تَأْميري أسامَةَ لَقَدْ طَعَتْتُمْ فِي تَأْميري أَبَاهُ مِنْ قَبْلِهِ ، وَأَيْمُ اللَّهِ ، إِنَّهُ كَانَ خَلِيقاً بِالْإِمَارَةِ وَإِنَّ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ بِها ..».ثم نزل عن المنبر ودخل بيته والتأثر باد عليه(1. وجعل يوصي أصحابه بالالتحاق بالجيش قائلاً : « جَهَرُوا جَيْشَ أَسامَة ... ».)« نَفِّذوا جَيْشَ أَسامَة . . » .« لَعَنَ اللهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ جَيْشِ أَسامَة . . .».ولم ترهف عزائم القوم هذه الأوامر المشدّدة ، فقد تثاقلوا عن الالتحاق بالجيش ، واعتذروا للرسول بشتى المعاذير ، وهو (صلّی الله علیه و آله و سلّم لم يمنحهم العذر ، وإنّما أظهر لهم السخط وعدم الرضا ، فقد استبانت له بصورة جلية نياتهم وتأمرهم ، كما عرفوا قصده بهذا الاهتمام البالغ من إخراجهم من يثرب .)### رزية يوم الخميسوأحاط النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم علماً بالتحركات السياسية من بعض أصحابه وأنّهم عازمون ومصرون على صرف الخلافة عن أهل بيته ، وإفساد ما أعلنه غير مرة من أن عترته الأزكياء هم ولاة أمر المسلمين من بعده ، فرأى (صلّی الله علیه و آله و سلّم) أن يحكم الأمر ، ويحمي أمته من الفتن والزيغ ، فقال لمن حضر في مجلسه : « إنتوني بِالْكَتِفِ وَالدَّواةِ ، أَكْتُبُ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً » (2).)حقاً إنّها فرصة من أثمن الفرص وأندرها في تاريخ الإسلام ، إنّه التزام واضح وصريح من سيّد الكائنات أن أمته لا تصاب بنكسة وانحراف بعد هذا الكتاب


1) السيرة الحلبية : 3 : 34 .

2) الرواية أخرجها البخاري ومسلم ، والطبراني في الأوسط ، وغيرهم .

ما أعظم هذه النعمة على المسلمين ، إنّه ضمان من سيد الأنبياء أن لا تضل أمته في مسيرتها وتهتدي إلى سواء السبيل في جميع مراحل تاريخها ، واستبان لبعض القوم ماذا يكتب رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، إنه سينص على خلافة عليّ من بعده ، ويعزّز بيعة يوم الغدير ، وتضيع بذلك أطماعهم ومصالحهم ، فردّ عليه أحدهم قائلاً بعنف : حسبنا کتاب الله . .)ولو كان هذا القائل يحتمل أن النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم الله يوصي بحماية الثغور أو بالمحافظة على الشؤون الدينية ما ردّ عليه بهذه الجرأة ، ولكنه علم قصده أنه سيوصي بأهل بيته وينص على خلافة عليّ من بعده .)وكثر الخلاف بين القوم ، فطائفة حاولت تنفيذ ما أمر به النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وطائفة أخرى أصرّت على معارضتها والحيلولة بين ما أراده النبي ، ، وانطلقت بعض السيدات فأنكرن على القوم هذا الموقف المتسم بالجرأة على النبي وهو في الساعات الأخيرة من حياته ، فقلن لهم : ألا تسمعون ما يقول رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ...)فثار عمر وصاح فيهنّ ، خوفاً أن يفلت الأمر منه ومن حزبه ، فقال للسيدات : إنكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن أعينكن ، وإذا صح ركبتن عنقه .....فنظر إليه النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، بغضب وغيظ ، وقال له : «دَعُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ خَيْرٌ مِنْكُم . . .».)وبدا صراع رهيب بين القوم ، وكادت أن تفوز الجهة التي أرادت تنفيذ أمر النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، فانبرى أحدهم فأفشل ما أراده النبي وحال بينه وبين ما أراد من إسعاد أمته ، فقال ويا لهول ما قال : إنّ النبي ليهجر .. (1).)


1) نص على هذه الحادثة المؤلمة جميع الرواة والمؤرّخين في الإسلام ، ذكرها : البخاري في صحيحه عدة مرات ، إلا أنه كتم اسم قائلها ، وفي نهاية غريب الحديث ، وشرح نهج البلاغة : 3 : 114 ( صُرّح باسم القائل ) .

ألم يسمع هذا القائل كلام الله تعالى الذي يتلى في آناء الليل وأطراف النهار وهو يعلن تكامل النبي في جميع مراحل حياته ، فقد زكاه وعصمه من الهجر وغيره من ألوان الزيغ والانحراف ، وإنه أسمى شخصية في تكامله وسمو ذاته .قال تعالى : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىَ (1). وقال تعالى : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينِ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ) (2).

إنّ القوم لم يخامرهم أدنى شك في عصمة النبي وتكامل ذاته ، ولكن حبّ الدنيا ، والتهالك على السلطة دفعهم للجرأة على النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، ومقابلتهم له بمرّ القول والطعن بشخصيته .

وكان ابن عباس إذا ذكر هذا الحادث الرهيب يبكي حتى تسيل دموعه على خديه كأنّها نظام اللؤلؤ ، وهو يصعد آهاته ، ويقول : «يوم الخميس وما يوم الخميس !! قال رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) : ائتوني بِالْكَتِفِ وَالدَّواةِ ، أَكْتُبُ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً .

فقالوا : إن رسول الله يهجر ..»(3).

حقاً إنّها رزية الإسلام الكبرى ، فقد حيل بين المسلمين وسعادتهم ونجاتهم من الزيغ والضلال .

لقد وعت السيدة زینب هذا الحادث الخطير ، ووقفت على أهداف القوم


1) النجم 53 : 2 - 5 .

2) التكوير 81 : 19 - 22 .

3) مسند أحمد : 1 : 355 ، وغيره .

من إبعاد أبيها عن المركز الذي نصبه جدّها فيه ، فقد جرّ هذا الحادث وغيره مما صدر من القوى المعارضة لأهل البيت الكوارث والخطوب لهم ، وما كارثة كربلاء إلا من نتائج هذه الأحداث .

لوعة الزهراء (علیها السّلام)

ونخب الحزن قلب بضعة الرسول ، وبرح بها الألم القاسي وذهبت نفسها شعاعاً حينما علمت أن أباها مفارق لهذه الحياة ، فقد جلست إلى جانبه وهي مذهولة كأنها تعاني آلام الاحتضار وسمعته يقول : « واکرباه . . . » .

فأسرعت وهي تجهش بالبكاء قائلة : « واكَرْبِي لِكَرْبِكَ يا أَبَني . . » .

وأشفق الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) على بضعته ، فقال لها مسلّياً : « لَا كَرْبَ عَلى أَبِيكِ بَعْدَ اليوم .. (1).

وهامت زهراء الرسول في تيارات مروعة من الأسى والحزن فقد أيقنت أن أباها سيفارقها ، وأراد النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) أن يسلّيها ويخفف لوعة مصابها فأسر إليها بحديث ، فلم تملك نفسها أن غامت عيناها بالدموع ، ثم أسرّ إليها ثانياً ، فقابلته ببسمات فيّاضة بالبشر والسرور ، فعجبت عائشة من ذلك وراحت تقول : ( ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن . . .».

وأسرعت عائشة فسألت زهراء الرسول عما أسرّ إليها أبوها ، فأشاحت بوجهها الكريم عنها وأبت أن تخبرها ، ولكنها أخبرت بعض السيدات بذلك ، فقالت :

«أَخْبَرَنِي أَنَّ جَبْرَئِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً ، وَأَنَّهُ عَارَضَني في هذَا الْعامِ بِهِ مَرَّتَينِ ، وَلَا أَراهُ إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلي ... ».


1) کشف الغمّة : 1 : 40 . أنساب الأشراف: 2 : 225 .

وكان هذا هو السبب في لوعتها وبكائها ، أما سبب سرورها وابتهاجها ، فقالت : أَخْبَرَنِي أَنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحوقاً بي ، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ، أَلَا تَرْضِينَ أَنْ تَكوني سَيِّدَةَ نِساءِ هَذِهِ الأُمَّة . . (1).

ونظر إليها النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وهي خائرة القوى، منهدة الركن ، فأخذ يخفف عنها لوعة المصاب ، قائلاً: « يا بُنَيَّة ، لَا تَبْكي ، وَإِذا متُّ فقولي : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ، فَإِنَّ فيها مِنْ كُلِّ مَيِّتِ مَعوضة ...».

وأجهشت بضعة الرسول بالبكاء قائلة : « وَمِنْكَ يا رَسولَ الله ...».

« نَعَمْ وَمِنّي . . . » (2).

واشتد المرض برسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) والزهراء إلى جانبه وهي تبكي وتقول لأبيها : «يا أَبَتِ ، أَنْتَ كَما قالَ الْقَائِلُ فيك :

وَأَبْيَضُ يَسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ *** تُمَالُ الْيَتامى ، عِصْمَةٌ لِلْأَرامِلِ»

فقال لها رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) : «هذا قَوْلُ عَمَّكِ أَبي طالب ، وتلا قوله تعالى : ( وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (3).

وتقطع قلب زهراء الرسول ألماً وحزناً على أبيها ، فانكبت عليه ومعها الحسنان ،


1) الأمالي / الصدوق : 692 ، الحديث 948. روضة الواعظين : 150. شرح الأخبار : : 23 و 24 . كشف الغمّة : 1 : 430 . سنن ابن ماجة : 1 : 518 ، الحديث 1621 . مسند أحمد بن حنبل : 7: 401 ، الحدیث 25874 - 25875. المعجم الكبير : 22 : 417 - 421 ، الرقم 1030 - 1038 . الذرية الطاهرة : 99 - 101 . تاريخ مدينة دمشق : 3: 155 ، وقد ذكر هذه الحادثة أكثر أصحاب الحديث والسير .

2) أنساب الأشراف : 1 : 133 ، القسم الأول .

3) أنساب الأشراف : 1 : 133 ، القسم الأول .

فألصقت صدرها بصدره وهي غارقة في البكاء ، فأجهش النبي بالبكاء ، وهو يقول : اللهمَّ أَهْلُ بَيْنِي ، وَأَنَا مُسْتَودِعُهُم كُلِّ مُؤْمِن . . » .

وجعل يردّد ذلك ثلاث مرات حسبما يرويه أنس بن مالك (1).

أما حفيدة الرسول زینب (علیها السّلام)، فقد شاركت أمها في لوعتها وأحزانها ، وقد ذابت نفسها حزناً وموجدة على أمها التي هامت في تيارات مذهلة من الأسى والشجون على أبيها الذي هو عندها أعزّ من الحياة .

إلى الفردوس الأعلى

وبعدما أدّى النبيّ العظيم رسالة ربّه إلى المسلمين ، وأقام صروح الإسلام ، وعيّن القائد العام لأمته الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، فقد اختاره الله تعالى إلى جواره لينعم في الفردوس الاعلى .

فقد هبط عليه ملك الموت ، فاستأذن بالدخول عليه ، فخرجت إليه زهراء الرسول فأخبرته أن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم)مشغول بنفسه عنه ، فانصرف ثم عاد بعد قليل يطلب الإذن ، فأفاق النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من إغمائه ، والتفت إلى بضعته فقال لها :

«يا بُنَيَّة ، أَتَعْرِفينَه ؟ »

« لَا يا رَسولَ اللهِ ...».

« إِنَّهُ مُعَمِّرُ الْقُبورِ ، وَمُخَرِّبِ الدّورِ ، وَمُفَرِّقِ الْجَمَاعَاتِ .. ».

ووجمت بضعة الرسول ، وأخرسها الخطب ، ولم تملك نفسها أن رفعت صوتها ودموعها تتبلور على وجهها الشريف قائلةً:


1) بحار الأنوار: 22 461. تاريخ مدينة دمشق : 14 : 170 . ينابيع المودة : 2 : 71.

« وا أَبَتاهُ لِخَاتَمِ الْأَنْبِياءِ ، وَا مُصيبَنَاهُ لِمَمَاتِ خَيْرِ الْأَنْقِياءِ ، وَلَانْقِطَاعِ سَيْدِ الْأَصْفِياءِ وا حَسْرَتاهُ لانْقِطَاعِ الْوَحْيِ مِنَ السَّماءِ ، فَقَدْ حُرِمْتُ الْيَوْمَ كَلَامَكَ ... ».

وتصدّع قلب النبي على بضعته وأشفق عليها ، فقال لها مسلياً :

«لا تَبْكي فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلي لحوقاً بي ..» (1).

وسكنت روعتها لما أخبرها أنها لا تبقى بعده إلا قليلاً . . وأذن النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) لملك الموت ، فلما مثل أمامه ، قال له : « يا رَسولَ اللهِ ، إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ ، وَأَمَرَني أَنْ أطيعك في كُلِّ ما أَمَرْتَني ، إِنْ أَمَرْتَنى أَنْ أَقْبضَ نَفْسَكَ قَبَضْتُهَا ، وَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَتْرُكَهَا تَرَكْتُها ...».

فبهر النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وقال له : « أَتَفْعَلُ يا مَلَكَ الْمَوْتِ ذلِكَ . . »

-«بِذلِكَ أُمِرْتُ أَنْ أُطيعَكَ فِي كُلِّ ما أَمَرْتَني ..».

وهبط جبرئيل على النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فقال له : « يا أَحْمَدُ ، إِنَّ اللهَ قَدِ اشْتاقُ إِلَيْكَ (2).

واختار النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) جوار ربه والرحيل عن هذه الدنيا ، فأذن لملك الموت بقبض روحه العظيمة ، وفي هذه اللحظات ألقى الحسنان بأنفسيهما على جدّهما وهما يذرفان الدموع ، والنبي يوسعهما تقبيلاً ، وأراد الإمام أمير المؤمنين أن ينحيهما عنه فأبى النبي ، وقال له :

«دَعْهُما يَتَمَتَّعانِ مِنِّي وَأَتَمَتَّعُ مِنْهُما فَسَيُصِيبُهُما بَعْدِي إِثْرَة .. ».

والتفت النبي إلى عوّاده فأوصاهم بعترته قائلاً: «قَدْ خَلَّفْتُ فيكُمْ كِتابَ الله وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْنِي ، فَالْمُضَيَّعُ لِكِتابِ اللهِ كَالْمُضَيِّعِ لِسُنّتي ، وَالْمُضَيَّعُ لِسُنّي كَالْمُضَيِّع


1) درّة الناصحين : 66 .

2) الطبقات الكبرى : 2 : 48 .

لِعِترَتي ، إِنَّهُما لَنْ يَفْتَرِنَا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضِ . . »(1).

والتفت النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) إلى باب مدينة علمه الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام)، فقال له :

«ضَعْ رَأْسي في حِجْرِكَ فَقَدْ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ ، فَإِذا فَاضَتْ نَفْسِي فَتَناوَلُها وَامْسَحْ بِها وَجْهَكَ ، ثُمَّ وَجَّهْني إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَتَوَلَّ أَمْرِي ، وَصَلِّ عَلَيَّ أَوَّلَ النَّاسِ ، وَلَا تُفارِقْني حَتَّى تُواريني في رمسي ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»(2).

وأخذ الإمام أمير المؤمنين رأس النبي فوضعه في حجره ، ومد يده اليمنى تحت حنكه وشرع ملك الموت بقبض روحه الطاهرة ، والرسول يعاني آلام الموت وقسوته حتى فاضت روحه العظيمة فمسح بها الإمام وجهه به (3).

لقد ارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي أضاء العقول وحرّر الأفكار ، وأقام مشاعل النور في جميع بقاع الأرض.

لقد سمت روح النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) إلى بارئها ، وهي أقدس روح سمت إلى السماء منذ خلق الله هذه الأرض .

لقد أشرقت الآخرة لقدومه ، وأظلمت الدنيا لفقده ، وما أصيبت الإنسانية بكارثة أقسى وأعظم من فقد الرسول العظيم .

تجهیزه (صلّی الله علیه و آله و سلّم)

وانبرى الإمام أمير المؤمنين الا وهو خائر القوى ، منهد الركن إلى تجهيز جثمان


1) مقتل الحسين (علیه السّلام) / الخوارزمي : 1 : 114 .

2) الإرشاد / المفيد : 1 : 187. مناقب آل أبي طالب : 1 : 237 .

3) مناقب آل أبي طالب : 1 : 29 ، وتظافرت الأخبار بأنّ النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) توفي ورأسه الشريف في حجر الإمام (علیه السّلام)، جاء ذلك في : كنز العمال : 2 : 55 ، الطبقات الكبرى ، وغيرهما .

سيد الأنبياء (صلّی الله علیه و آله و سلّم) فغسل الجسد الطاهر ، وهو يقول بذوب روحه :

«بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي ، لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ ما لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وَأَخْبارِ السَّمَاءِ ، خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِواكَ ، وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فيكَ سَواءٌ ، وَلَوْلَا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَع لَأَنْفَدْنا عَلَيْكَ مَاءَ النُّوُونِ ، وَلَكانَ الدّاءُ مُماطِلاً ، وَالْكَمَدُ مُخالِفاً » (1).

وكان العباس وأسامة يناولانه الماء من وراء الستر (2).

وكان بدن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الله تفوح منه روائح الطيب ، والإمام(علیه السّلام) يقول :

«بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ ، طِبْتَ حَيّاً وَمِيّتاً ... » (3).

وبعد الفراغ من غسله أدرجه الإمام في أكفانه ووضعه على السرير .

وأوّل من صلى على الجثمان العظيم هو الله تعالى من فوق عرشه ، ثمّ جبرئيل ثم إسرافيل ، ثم الملائكة زمراً زمراً (4).

وبعد ذلك صلّى عليه الإمام أمير المؤمنين ، ثم أقبل المسلمون للصلاة عليه ، فقال لهم الإمام : ( لا يقوم عليه إمام منكم ، هو إمامكم حياً وميتاً ، فكانوا يدخلون رسلاً رسلاً فيصلون عليه صفاً واحداً ليس لهم إمام ، وأمير المؤمنين واقف إلى جانب الجثمان وهو يقول :

«السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ .. اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْهِ ، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أَعَزَّ اللَّه دِينَهُ وَتَمَّتْ كَلِمَتُهُ ، اللهم فاجْعَلْنا


1) نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 355 .

2) وفاء الوفاء : 1 : 227 . البداية والنهاية : 5: 63 .

3) حلية الأولياء : 4 : 77 .

4) حلية الأولياء : 4 : 77 .

مِمَّنْ يَتَّبِعَ مَا أُنزِلَ إِلَيْهِ ، وَثَبَتْنَا بَعْدَهُ ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ».

وكانت الجماهير تقول : آمين (1). وقد نخب الحزن قلوبهم فقد مات من دعاهم إلى الحق ، وحرّرهم من خرافات الجاهلية وأوثانها ، وأقام لهم دولة تدعو إلى إنصاف المظلوم ، وردع الظالم ، وإشاعة الرفاهية والرخاء والأمن بين الناس .

مواراة الجثمان المقدس

وبعد أن فرغ المسلمون من الصلاة على الجثمان العظيم وودعوه الوداع الأخير قام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فوارى الجسد الطاهر في مثواه الأخير ووقف على حافة القبر وهو يروي ثراه بدموع عينيه ، ويقول : إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَجَلَلٌ »(2).

لقد مادت أركان العدل وانطوت ألوية الحق ، فقد غاب عن ، فقد غاب عن هذه الحياة سيد الكائنات الذي غيّر مجرى التاريخ ، وأقام صروح الوعي والفكر في دنيا العرب والإسلام .

فجيعة الزهراء (علیها السّلام)

وكان أكثر أهل بيت النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) جزعاً وأشدهم مصاباً بضعة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وحبيبته فاطمة الزهراء ، فقد أشرفت على الموت ، وهي تبكي أمر البكاء وأقساه ، وتقول :

« وا أَبناهُ ، وا رَسولَ اللهِ ، وا نَبِيَّ الرَّحْمَناه ، الآنَ لَا يَأْتِي الْوَحْيُ ، الآنَ يَنْقَطِعْ عَنا


1) كنز العمال : 4 : 54 .

2) نهج البلاغة / محمد عبده : 3 : 224 .

جَبْرَئِيلُ . اللَّهُمَّ الْحِقِّ روحي بروحهِ ، وَاشْفعني بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ ، وَلَا تَحْرِمْني أَجْرَهُ وَشَفاعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (1).

وقالت بذوب روحها : ( وا أَبَتاهُ إِلى جَبْرَئِيلَ أَنْعاهُ ، وا أَبَتاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوسِ مَأْواهُ ، وا أَبَتاهُ وا أَبَتاهُ أَجَابَ رَبِّاً دَعاه ...».

وأحاطت بالأسرة النبوية موجات من الأسى والحزن على هذا المصاب العظيم كما أحاطت بها تيارات من الفزع والخوف ؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وتر الأقربين والأبعدين فخافوا من انقضاض العرب عليهم .

يقول الإمام الصادق (علیه السّلام) : «لمّا مات النَّبِيُّ (صلّی الله علیه و آله و سلّم) باتَ أَهْلُ بَيْتِهِ كَأَنْ لَا سَماءَ تُظِلُّهُم ، وَلَا أَرْضَ تُقِلُّهم ؛ لِأَنَّهُ وَتَرَ الْأَقْرَبَ وَالْأَبْعَدَ..».

لقد عانت حفيدة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) زینب (علیها السّلام) وهي في سنها المبكر هذه المصيبة الكبرى وما تنطوي عليه من أبعاد ، وما ستعانيه هي وأهلها من فوادح الرزايا بعد وفاة جدها كما فقدت بموته العطف والحنان الذي كان يغدقه عليها ، وكان عمرها الشريف خمس سنين ، وقد غزت قلبها هذه المحنة الشاقة ، فقد رأت جدّها يوارى في مثواه الأخير ، ورأت أباها بادي الهم والحزن على فراق ابن عمه ، وشاهدت أمها الرؤوم وهي ولهى قد ذابت من الأسى ، وهي تندب أباها بأشجى ما تكون الندبة ومنذ ذلك اليوم لازمها الأسى والحزن حتى لحقت بالرفيق الأعلى .


1) تاريخ الخميس : 2 : 192 .

في عهد الخلفاء

مؤتمر السقيفة

لا يستطيع أي كاتب مهما كان بارعاً في تصوير دقائق النفوس ، وكشف أسرار المجتمع وأحداث التاريخ أن يصوّر بدقة عمق الكوارث والأوبئة التي داهمت الأمة الإسلامية بعد وفاة نبيّها العظيم ، كما صوّرها القرآن الكريم .

قال تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ... ) (1).

إنّه تصوير هائل للأزمات المفجعة والنكبات السود التي مُني بها العالم الإسلامي ، إنه انقلاب على الأعقاب ، وانسلاخ عن العقيدة الإسلامية ، وتدمير لشريعة الله ، فأي زلزال مدمر كهذا الزلزال الذي عصف بالأمة الإسلامية وأخلد لها الفتن والكوارث على امتداد التاريخ .

وكان من أقسى ما فجعت به الأمة إبعاد العترة الطاهرة عن المسرح السياسي وتحويل القيادة إلى غيرها ، الأمر الذي نجم عنه فوز الأمويين وغيرهم بالحكم ، وإمعانهم بوحشية قاسية في ظلم العلويين ومطاردتهم ، ومجزرة كربلاء كانت من النتائج المباشرة لصرف الخلافة عن أهل البيت (علیهم السّلام).


1) آل عمران 3: 144 .

وعلى أيّ حال ، فإنّا نعرض - بإيجاز - لبعض تلك الأحداث ، والتي منها حكومة الخلفاء الذين عاصرتهم حفيدة الرسول(صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فإنها ترتبط ارتباطاً موضوعياً بالكشف عن حياتها وما عانته من كوارث وأهوال ، وفيما يلي ذلك :

مؤتمر السقيفة

أمّا مؤتمر السقيفة فهو مصدر الفتنة الكبرى التي مُني بها المسلمون والتي كان من جرائها الأحداث المروّعة التي رزئ بها أهل البيت ، يقول الإمام محمد حسين آل كاشف الغطاء :

تَاللهِ ما كَرْبَلا لَوْلا ( سَقِيفَتُهُمْ ) *** وَمِثْلُ هذا الفرع ذاكَ الْأَصْلُ أَنْتَجَهُ

ويقول بولس سلامة :

وَتَوالَتْ تَحْتَ السَّقِيفَةِ أَحْدا *** ث أَثَارَتْ كَوامِناً وَمُيولا

نَزَعاتٌ تَفَرَّقَتْ كَغُصون ال*** عوسَجِ الْخَفِيّ شائكاً مَدْخولاً

لقد أسرع الأنصار إلى عقد مؤتمرهم في ( سقيفة بني ساعدة ) ، لترشيح أحدهم لمنصب الخلافة ، وإقامة حكومة تضمن مصالحهم وترعى شؤونهم ، لقد عقدوا مؤتمرهم في وقت كان جثمان الرسول الأعظم (صلّی الله علیه و آله و سلّم) لم يوار في مثواه الأخير وأكبر الظنّ إنّما قاموا بهذه السرعة الخاطفة بذلك لأنهم خافوا من استيلاء المهاجرين على الحكم ، فقد رأوا تحركهم السياسي في صرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين وكراهيتهم له .

وعلى أي حال ، فقد خطب سعد بن عبادة زعيم الخزرج في الأنصار ، وكان منطق خطابه الإشادة بنضال الأنصار وجهادهم في نصرة الإسلام وقهر القوى

المعادية لهم ، فهم الذين حموا النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ونصروه في أيام محنته ، فإذا هم أولى بمركز النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وأحق بمنصبه من غيرهم ، كما حفل خطابه بالتنديد بالأسر القرشية التي ناهضت النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وناجزته الحرب حتى اضطر للهجرة إلى يثرب ، فهم خصومه وأعداؤه ولا حق لهم بأي حالٍ في التدخل بشؤون الدولة ومصيرها . وقام زعيم آخر من الأنصار هو الحباب بن المنذر ، فحذر الأنصار من القرشيين ، وأهاب بهم أن يجعلوا لهم نصيباً في الحكم ، قائلاً: «لكنّنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم .. ».

وتحقق تنبؤ الحباب ، فإنّه لم يكد ينتهي حكم الخلفاء حتى آل الأمر إلى الأمويين فأمعنوا في إذلال الأنصار وإشاعة البؤس والفقر فيهم ، وقد انتقم منهم معاوية كأشر وأقسى ما يكون الانتقام . ولما ولي الأمر من بعده يزيد جهد في الوقيعة بهم ، فأباح أموالهم ودماءهم وأعراضهم لجيوشه في واقعة ( الحرة ) التي انتهك فيها جميع ما حرمه الله .

وعلى أي حال ، فقد تجاهل سعد وغيره من الأنصار الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام) الذي هو من النبي بمنزلة هارون من موسى ، وأبو سبطيه ، وباب مدينة علمه ، وسيّد عترته .

ولا نرى أي مبرر لسعد في إغضائه وتجاهله حق الإمام (علیه السّلام) ، فقد فتح باب الشرّ على الأمة ، وأخلد لها المصاعب والفتن على امتداد التاريخ .

مباغتة الأنصار

وحينما كان الأنصار في سقيفتهم يدبرون أمرهم ويتداولون الرأي في شؤون الخلافة إذ خرج من مؤتمرهم عويم بن ساعدة الأوسي ومعن بن عدي حليف الأنصار ، وكانا من أولياء أبي بكر ومن أعضاء حزبه ، وكانا يحقدان على سعد ،

فانطلقا مسرعين إلى أبي بكر فأخبراه بالأمر ، ففزع أبو بكر ، واسرع ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وآخرون من المهاجرين (1)تاريخ الأمم والملوك : 3 : 62 . (2)، فكبسوا الأنصار في ندوتهم ، فذهل الأنصار وأسقط ما بأيديهم لأنهم أحاطوا ندوتهم بسرية وكتمان ، وتغيّر لون سعد ، فقد انهارت جميع مخططاته ، وفشلت جميع تدابيره .

خطاب أبي بكر

واستغل أبو بكر الموقف ، وأراد صاحبه عمر أن يفتح الحديث مع الأنصار فنهره أبو بكر لعلمه بشدّته ، وهي لا تساعد في مثل هذا الموقف الملبد الذي يجب أن تستعمل فيه الأساليب السياسية والكلمات الناعمة لكسب الموقف ، فبادر

أبو بكر فخاطب الأنصار بكلمات معسولة وبسمات فياضة بالبشر ، قائلاً :

«نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ، وأحسنهم وجوهاً ، وأمسهم برسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وأنتم اخواننا في الإسلام ، وشركاؤنا في الدين ، نصرتم الإسلام ، وواسيتم ، فجزاكم الله خيراً ، فنحن الأمراء ، وأنتم الوزراء ، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش ، فلا تنفسوا على اخوتكم المهاجرين ما فضّلهم الله به ، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين - يعني : عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح - ..»(3).

ولم يعرض هذا الخطاب إلى وفاة النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) التي هي أعظم كارثة مني بها المسلمون ، فكان الواجب أن يعزي المسلمين بوفاة منقذهم ونبيهم ، كما أنّ الواجب يقضي بتأخير المؤتمر إلى بعد مواراة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) حتى يجتمع جميع المسلمين وينتخبوا عن إرادتهم وحريتهم من شاء وا .

وشيء آخر في هذا الخطاب أنه لم يمعن إلا بطلب الإمرة والسلطان ، فقد طلب


1)

2) .

3) تاريخ الأمم والملوك : 3 : 62 .

من الأنصار أن يتنازلوا عن الخلافة إلى المهاجرين ، وأنّهم سينالون عوض ذلك الوزارة ، إلا أنه لما تم الأمر لأبي بكر أقصاهم ولم يمنحهم أي منصب من مناصب الدولة .

وممّا يؤخذ على هذا الخطاب أنّه تجاهل بصورة كاملة أهل البيت (علیهم السّلام) الذين هم وديعة النبي في أمته ، والثقل الأكبر فيها ، فلم يشر إليهم أبو بكر بقليل ولا بكثير .

بيعة أبي بكر

وانبرى حزب أبي بكر إلى تأييده ، فكان من أعظم المناصرين له عمر بن الخطاب ، وسارع إلى بيعته مع بقية أعضاء حزبه خوفاً من تطور الأحداث واشتدّ عمر في إرغام الناس على بيعة أبي بكر ، وقد لعبت درته شوطاً في الميدان الانصار يقولون : قتلتم سعداً ! ، فجعل يقول بعنف : اقتلوه ، قتله الله ، وقد سمع فإنّه صاحب فتنة (1).

وبعدما تمت البيعة لأبي بكر بهذه السرعة الخاطفة أقبل به حزبه يزفونه زفاف العروس إلى مسجد رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، ولم يشترك أبو بكر ولا أي فرد من حزبه في تشييع جثمان رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ومواراته ، فقد انشغلوا بالملك والسلطان وتدبير أمورهم .

لقد أهمل في بيعة أبي بكر رأي العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم ، فلم يُعنَ بها ولم يؤخذ رأيها ، ومنذ ذلك اليوم واجهت جميع ألوان الرزايا والنكبات ، وما كارثة كربلاء وغيرها من مآسي العترة الطاهرة إلا وهي متفرّعة من يوم السقيفة ، حسبما نصت عليه الوثائق التاريخية والدراسات العلمية .


1) العقد الفريد : 3 : 62 .

امتناع الإمام (علیه السّلام) عن البيعة

والتاع الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام) من بيعة أبي بكر ، واعتبرها تعدياً صارخاً عليه فقد كان محله من الخلافة محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير - على حدّ تعبيره - ، وقد تخلف عن بيعة أبي بكر وأعلن معارضته لها : وقد شاع ذلك بين المسلمين ، ومن يقرأ نهج البلاغة يجد فيه لوحات من تذمره وأساه على ضياع حقه .

إرغامه (علیه السّلام) على البيعة

وأجمع أبو بكر وسائر أعضاء حزبه على إرغام الإمام على البيعة لأبي بكر وحمله بالقوّة عليها ، فأرسلوا إليه شرطتهم، فكبسوا داره وأخرجوه منها بالقسر والقوة ، وجاءوا به إلى أبي بكر ، فصاحوا به : بايع أبا بكر ...

فأجابهم الإمام بمنطقه الفياض وحجته الحاسمة ، قائلاً:

«أَنَا أَحَقُّ بِهِذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ ، لَا أبايِعُكُمْ وَأَنتُمْ أَوْلى بِالْبَيْعَةِ لِي ، أَخَذْتُمْ هذَا الْأَمْرَ مِنَ الأنصارِ ، وَاحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَالْخُدُونَهُ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ غَصْباً!

أَلَسْتُم زَعَمْتُمْ لِلأَنْصَارِ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِهذا الْأَمْرِ مِنْهُمْ لِمَكانِ مُحَمَّدٌ (صلّی الله علیه و آله و سلّم) مِنْكُمْ ، فَأَعْطَوكُمُ الْمَقَادَةَ ، وَسَلَّمُوْا إِلَيْكُمُ الْإِمَارَةَ ، وَأَنا أَحْتَجُ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الْأَنْصارِ ، نَحْنُ أَوْلَى بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَيّاً وَمَيَّنَا ، فَأَنْصِفُونا إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ ، وَإِلَّا فَبُوء وا بِالظُّلْمِ وَأَنتُم تَعْلَمُونَ».

وأعلن الإمام بهذا الخطاب الرائع أنّه أولى بمركز النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وأحق بخلافته من غيره ، فهو أقرب الناس وألصق بالرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من المهاجرين الذين فازوا بالحكم لقربهم من النبي ، فهو ابن عمّه وأبو سبطيه ، ولا يملك أحد من القرب إلى النبي

غيره . . وثار ابن الخطاب بعد أن أعوزته الحجة والبرهان ، فاندفع بعنف قائلاً: :«إنّك لست متروكاً حتى تبايع . . . » .

فزجره الإمام قائلاً: «احْلِبْ حَلْباً لَكَ شَطْرَهُ ، وَاشْدُدْ لَهُ الْيَوْمَ أَمْرَهُ ، يَرْدُدُهُ عَلَيْكَ غَداً . . » .

وكشف الإمام الوجه في اندفاع ابن الخطاب وتهالكه على نصرة أبي بكر ،فإنّه يأمل أن ترجع إليه الخلافة والملك بعد أبي بكر .

وثار الإمام وهتف قائلاً: « وَاللهِ يا عُمَرُ لَا أَقْبَلُ قَوْلَكَ وَلَا أُبايعهُ . . . » .

وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث ، وخشي أن ترجع إلى المسلمين حوازب أحلامهم فيقصوه عن منصبه ، فخاطب الإمام بناعم القول : « إن لم تبايع فلا أكرهك . . . ».

وانبرى أبو عبيدة بن الجراح وهو من أبرز حزب أبي بكر ، فخاطبالإمام قائلاً: يا بن عمّ ، إنك حدث السن ، وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى إلا أبا بكر أقوى على هذا الأمر منك ، وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به ، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر ، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق ، ويه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك . . » .

وليس في هذا القول إلا الخداع والتضليل فإن التقدّم في السن ليس له أي ترجيح في منصب الخلافة التي تتطلب الطاقات الخلاقة بما تحتاج إليه الأمة في الميادين السياسية والاقتصادية والقضائية ، ولا يملك أحد من المسلمين ذلك غير الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام).

وأثارت مخادعة أبي عبيدة كوامن الألم في نفس الإمام ، فانبرى يخاطب المهاجرين قائلاً:

«اللهَ اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ، لَا تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ فِي الْعَرَبِ عَنْ دَارِهِ ، وَقَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُورِكُم وَقُعْرِ بُيوتِكُمْ ، وَلَا تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ مَقامِهِ فِي النَّاسِ وَحَقَّهُ.. فَوَاللَّهِ يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ لِأَنَا أَهْلُ الْبَيْتِ ، وَنَحْنُ أَحَقُّ بهذا الأمر مِنْكُمْ ، ما كانَ فِينَا إِلَّا الْقارِئُ لِكِتابِ اللهِ ، الْفَقِيهُ في دِينِ اللهِ ، الْعَالِمُ بِسُنَنِ رَسُولِ اللهِ ، الْمُضْطَلِعُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ ، الدَّافِعُ عَنْهُمُ الْأمورَ السَّيِّئَةَ ، الْقَاسِمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةَ ، وَاللَّهِ! إِنَّهُ لَفِينا فَلَا تَتَّبِعوا الهوى فَتَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَتَزْدادُوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً» (1).

وحفلت هذه الكلمات بالصفات الرفيعة الماثلة في أهل بيت النبوة من الفقه بدين الله ، والعلم بسنن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، والإحاطة بما تحتاج إليه الأمة في مجالاتها الاقتصادية والسياسية ، ولا تتوفر بعض هذه ، في غيرهم ، ولو ان القوم استجابوا لنداء الإمام لجنّبوا العالم الإسلامي الكثير من المشكلات والأزمات ولكنّهم انسابوا وراء أطماعهم وشهواتهم وتهالكهم على الإمرة والسلطان .

وعلى أي حال ، فقد رجع الإمام (علیه السّلام) إلى داره لم يبايع أبا بكر ، وقد أحاطت به موجات الأسى على ضياع حقه وحرمان الأمة من قيادته ، وقد التاعت سيدة النساء زینب وغزاها الحزن على ما حلّ بأبيها من الآلام والكوارث ، فقد رأته جالساً في بيته يساور الهموم والأحزان ، وحوله أمّها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (علیها السّلام) وهي تبكي أباها وتندبه بأشجى ما تكون الندبة ، وقد شاركت زوجها في مصابه على ضياع حقه ، ونهب مركزه ومقامه .

إجراءات صارمة

1 - إسقاط الخمس

وقضت سياسة أبي بكر أن يقابل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بجميع الإجراءات


1) الإمامة والسياسة : 1 : 11 و 12 .

الصارمة لأنّه الممثل الوحيد للقوى المعارضة لحكومته ، ومن بين تلك الوسائل التي سلكها أبو بكر :

1 - إسقاط الخمس

أمّا الخمس فهو حق مفروض لآل رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) نص عليه القرآن الكريم ، قال تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (1)، وأجمع الرواة أنّ النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) كان يختص بسهم من الخمس ويخص أرحامه بسهم آخر منه ، وكانت هذه سيرته إلى أن اختاره الله إلى جواره ، ولما ولي أبو بكر أسقط سهم النبي وسهم ذي القربى ، ومنع بني هاشم من الخمس (2).

وبذلك فقد قضى على أهم مورد اقتصادي لهم ، وقد أرسلت سيدة النساء فاطمة (علیها السّلام) إلى أبي بكر تسأله أن يدفع إليها ما بقي من خمس ( خيبر ) ، فأبى أن يدفع إليها شيئاً (3). وبذلك فقد ترك شبح الفقر على آل النبي ، وحجب عنهم ما فرضه الله لهم .

2 - الاستيلاء على تركة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم)

واستولى أبو بكر على جميع ما تركه الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) م من بلغة العيش وحازه إلى بيت المال ، وبذلك فقد فرض حصاراً اقتصادياً على آل الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) حتى لا يتمكنون من القيام بأي حركة ضده .


1) الأنفال 8: 41 .

2) الكشاف : 2 : 158 و 159 ( في تفسير آية الخمس ) .

3) صحيح البخاري : 5 : 91 ، الحدیث 207. صحيح مسلم : 5: 153 .

3 - تأميم فدك

وأمم أبو بكر (فدكاً ) وصادرها من أهل البيت ، ومنعهم من أخذ وارداتها ، وقد ضيّق عليهم بذلك غاية التضييق . ومنع عنهم جميع وسائل العيش .

الزهراء (علیها السّلام) مع أبي بكر

والتاعت بضعة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من أبي بكر ، فقد سدّ عليها جميع نوافذ الحياة الاقتصادية ، فخرجت سلام الله عليها غضبي ، فلاثت خمارها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية أبيها رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) حتى دخلت على أبي بكر وهو في جامع أبيها ، وكان في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاءة فوقفت مفخرة الإسلام فأنت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء ، وارتجّ المجلس، فأمهلتهم حتى إذا سكن نشيجهم وهدأت فورتهم افتتحت خطابها الخالد بحمد الله والثناء عليه ، وانحدرت في خطابها كالسيل ، فلم يُسمع أخطب ولا أبلغ منها ، وحسبها أنّها بضعة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الذي أفاض عليها بمكرمات نفسه ، وغذاها بحكمه وآدابه .

وتحدثت في خطابها عن معارف الإسلام ، وفلسفة تشريعاته ، وعلل أحكامه وعرضت إلى الحالة الراهنة التي كانت عليها أمم العالم وشعوب الأرض قبل أن يشرق عليها نور الإسلام ، فقد غرقت الأمم بالجهل والانحطاط خصوصاً ( الجزيرة العربية ) فقد كانت في أقصى مكان الذل والهوان ، وكانت الأكثرية الساحقة من تقتات القِدَّ ، وتشرب الطَّرْقَ ، وترسف في قيود الفقر والبؤس إلى أن أنقذها الله بنبيه محمد الله ، فرفعها إلى واحات الحضارة وجعلها سادة الأمم والشعوب ، فما أعظم عائدته على العرب والمسلمين !

وعرضت سيدة نساء العالمين في خطبتها إلى فضل ابن عمها الإمام أمير

المؤمنين (علیه السّلام) ، وعظيم جهاده في نصرة الإسلام ، وذبّه عن حياض الدين ، في حين أنّ المهاجرين من قريش بالخصوص كانوا في رفاهية من العيش وادعين آمنين ، لم يكن لهم أي ضلع في نصرة القضية الإسلامية والدفاع عنها . فلم يُؤثر عن عن أعلامهم أنّهم قتلوا مشركاً أو برزوا ببسالة وصمود إلى مقارعة الأقران في الحروب ، وإنّما كانوا ينكصون عند النزال ، ويفرّون من القتال - على حدّ تعبيرها - وكانوا يتربصون الدوائر بأهل بيت النبوة ويتوقعون بهم نزول الأحداث .

وأعربت مفخرة الإسلام في خطابها عن أسفها البالغ على ما مني به المسلمون من الزيغ والانحراف والاستجابة لدواعي الهوى والغرور وذلك بإقصائهم لأهل البيت عن مركز القيادة العامة ، وتنبأت عما سيحل بهم من الكوارث والخطوب التي تدع فيئهم حصيداً ، وجمعهم بديداً من جراء إبعادهم لأهل بيت النبوة عن مقامهم الذي نصبهم فيه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) .

ثم عرضت إلى حرمانها من إرث أبيها رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فقالت :

«وَأَنتُم تَزْعُمُونَ أَنْ لَا إِرْتَ لِي مِن أَبِي ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .. وَيْها أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَأَغْلَبُ عَلَى تُرَاثِ أَبِي ...».

ثم وجهت خطابها إلى أبي بكر :

«يَابْنَ أَبِي قُحَافَةَ !! أَفِي كِتَابِ اللهِ أَن تَرِثَ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيَاً . أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتَابَ اللهِ وَنَبَذْ تُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ إِذْ يَقُولُ: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ (1).)وَقَالَ فِيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيِي بن زَكَرِيَّا ، إِذْ يَقُولُ : ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً *


1) النمل 27 : 16 .

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (1).)وَقَالَ : (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ (2).)وَقَالَ : ﴿ يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (3).)وَقَالَ : (إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (4).)وَزَعَمْتُمْ أَنْ لَا حَظْوَةَ لِي وَلَا إِرْتَ مِنْ أَبِي ، وَلَا رَحِمَ بَيْنَنَا أَفَخَصَّكُمُ اللَّهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ مِنْهَا أَبِي ؟ أَمْ تَقُولُونَ : إِنَّ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ لَا يَتَوَارَثَانِ ، أَوَ لَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمِّي ؟ ».وبعدما أدلت بهذه الحجج الدامغة المدعمة بآيات من القرآن الكريم التي فندت فيها مزاعم أبي بكر من أنّ الأنبياء لا يورثون ، ثم التفتت إليه فوجهت إليه هذه الكلمات اللاذعة قائلة :فدُونَكَهَا مَرْحُولَةٌ مَزْمُومَةٌ تَكُونُ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ ، وَتَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ ، فَنِعْمَ الْحَكَمُ الله ، وَنِعْمَ الزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ ، وَالْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ ، وَعِنْدَ السَّاعَةِ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ، (و لِكُلِّ نَبِاً مُسْتَقَرٌّ (5))


1) مريم 19 : 5 و 6 .

2) الأنفال 8: 75 .الأحزاب 33: 6 .

3) النساء 11:4 .

4) البقرة :2 : 180 .

5) الأنعام 6: 67 .

(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ(1))ثم اتجهت نحو فتيان المسلمين تستنهض هممهم ، وتوقظ عزائمهم للمطالبة بحقها والثورة على الحكم القائم ، قائلة :« يَا مَعْشَرَ النَّقِيبَةِ ، وَأَعْضَادَ المِلَّةِ ، وَحَضَنَةَ الْإِسْلَامِ ، مَا هَذِهِ الْغَمِيرَةُ فِي حَقًّي وَالسَّنَةُ عَنْ ظُلَامَتِي ؟ أَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ ؟ لَسَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُم ! وعَجْلَانَ ذَا إِهَالَةٌ !أَتَقُولُونَ : مَاتَ مُحَمَّدٌ ؟ لَعَمْرِي ، خَطْبٌ جَلِيلٌ ، اسْتَوْسَعَ وَهُيُهُ ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ ، وَفُقِدَ رَائِقُهُ ، وَأَظْلَمتِ الْأَرْضُ لِغَيْتِهِ ، واكْتَابَتْ خِيرَةُ اللهِ المُصِيبَتِهِ ، وَخَشَعَتِ الْجِبَالُ ، وَأَكْدَتِ الْآمَالُ ، وَأَضِيعَ الْحَرِيمُ ، وَأُزِيلَتِ الْحُرْمَةُ ، فَتلك نَازِلَةٌ أَعْلَنَ بِهَا كِتَابُ اللهِ فِي أَفْنِيَتِكُمْ ، مُمْساكُمْ وَمُصْبَحِكُمْ ، هِتافاً هِتافاً : ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (2).)وأخذت سيّدة النساء تحفّز الأنصار ، وتذكرهم بجهادهم المشرق في نصرة الإسلام وحماية مبادئه وأهدافه وكفاحهم لأعدائه القرشيين ، طالبة منهم الثورة ضد الحكم القائم وإرجاع الحق إلى عترة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم قائلة :)«إيهاً بَنِي قِيلَةَ (3أَأُهضَمُ تُرَاثَ أَبِي وَأَنتُمْ بِمَرْأَى مِنِّي وَمَسْمَعِ وَمُنْتَدَى وَمَجْمَعِ تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ ، وَتَشْمَلَكُمُ الْخَيْرَةُ ، وَأَنتُمْ ذَوُو الْعُدَّةِ وَالْعَدَدِ وَالْآدَاةِ وَالْقُوَّةِ ، وَعِنْدَكُمُ)


1) هود 11: 39 .

2) آل عمران 3: 144 .

3) بنو قيلة : هم الأوس والخزرج من الأنصار .

السَّلَاحُ وَالْجُنَّةُ (1تُوَافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلَا تُجِيبُونَ ، وَتَأْتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلَا تُغِيثُونَ وَأَنتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفَاحِ ، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاح ، وَالنُّخْبَةُ الَّتِي انْتُخِبَتْ ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتِيرَتْ لَنَا - أهل البيت - قَاتَلْتُمُ الْعَرَبَ ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ ، وَنَا طَحْتُمُ الْأُمَمَ ، وَكَافَحْتُمُ الْبُهَمَ ، فَلَا تَبْرَحُ أَوْ تَبْرَحُونَ ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ ، حَتَّىٰ إِذَا دَارَتْ بِنَا رَحَى الْإِسْلَامِ ، وَدَرَّ حَلَبُ الْأَيَّامِ ، وَخَضَعَتْ نُعْرَةُ الشِّرْكِ ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الْإِفْكِ ، وَخَمَدَتْ نِيرَانُ الْكُفْرِ ، وَهَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرَجِ ، وَاسْتَوْسَقَ نِظَامُ الدِّينِ ، فَأَنَّى جَرْتُمْ (2)بَعْدَ الْبَيَانِ ، وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الإِعْلَانِ ، وَنَكَرْتُمْ بَعْدَ الْأَقْدَامِ ، وَأَشْرَكْتُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ بُوسَاً لِقَوْمٍ نَكَنُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » .)ولما رأت وهن الأنصار وتخاذلهم عن إجابة الحق ، وجهت لهم أعنف القول وأشد العتب والتقريع قائلة لهم :« أَلَا وَقَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ هَذَا عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْجِذْلَةِ الَّتِي خَامَرَتْكُمْ ، وَالْغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُكُمْ ، وَلكِنَّهَا فَيْضَةُ النَّفْسِ ، وَبَنَّةُ الصَّدْر ، وَنَفْتَةُ الْغَيْظِ ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ ، فَدُونَكُمُوهَا فَاحْتَقِبُوهَا دَبِرَةَ الظَّهْرِ ، نَقِبَةَ الْخُفَّ ، بَاقِيَةَ الْعَارِ ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللَّهِ ، وَشَنَارِ الْأَبَدِ ، مَوْصُولَةٌ بِ-( نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُؤْصَدَةَ عَيْنِ اللَّهِ مَا تَفْعَلُونَ (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ )(3)».)


1) الجنّة - بالضم ما يستتر به من السلاح.

2) جرتم : أي ملتم .

3) الشعراء 26 : 227 .

وَأَنَا إِبْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ، (فَاعْمَلُوا إِنَّا عَامِلُونَ ، وَانْتَظِرُوا إِنَّا منتظرُونَ (1)» (2).)وهذا أروع خطاب ثوري عرفه التاريخ الإسلامي ، فقد وضعت فيه مفخرة الإسلام النقاط على الحروف ، ووضعت المسلمين أمام الأمر الواقع ، وكشفت لهم عما سيواجهونه من الويلات والكوارث والأزمات من جراء تخاذلهم عن نصرة الإسلام أمام هذه المحنة الحازبة .وقد وجلت القلوب وخشعت الأبصار ، وأوشكت الثورة أن تحدث على أبي بكر ويقصى عن منصبه إلا أنّه سيطر على الموقف بلباقة مذهلة فقد قابل بضعة الرسول بكل حفاوة وتكريم ، وتصاغر أمامها ، وأظهر لها أنه لم يتقلد منصب الحكم ، ولم يتّخذ معها الإجراءات القاسية عن رأيه الخاص ، وإنّما كان عن رأي المسلمين واتفاقهم ، متى ولا نعلم أنه حتى استشار أحداً في تقمصه للخلافة ، ومصادرته لتركة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وتأميمه لفدك وغيرها ، مما أوجب التضييق الاقتصادي على العترة الطاهرة .)وعلى أي حال ، فقد حفظت السيدة زینب (علیها السّلام وهي في عهد الصبا هذا الخطاب الخالد ، وهي إحدى رواته ، وكان ذلك آية في نبوغها فقد روته بحرفيته ، وكانت مع أمها حينما أدلت بهذا الخطاب الذي هو أحد الركائز المهمة في مذهب أهل البيت (علیهم السّلام)، وقد رجعت معها وهي تجر أذيال الخيبة ، قد مزق الأسى فؤادها فلم يرع أبو بكر مكانتها ، ولم يستجب المسلمون لمطالبها ، وقد استولت عليها الآلام والهموم على ما تُمنى به الأمّة من الكوارث والأزمات من جراء إقصاء أهل)


1) إشارة إلى قوله تعالى : ( اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) هود 11 : 21 و 22 .

2) أعلام النساء : 3 : 208 . بلاغات النساء : 12 - 19 .

البيت (علیهم السّلام عن القيادة العامة للعالم الإسلامي .)### اعتذار مرفوضوجهد أبو بكر وعمر على إرضاء زهراء الرسول وتطييب خاطرها على ما اقترفاه في حقها ، فاستأذنا بالدخول عليها فأبت أن تأذن لهما ، وعرضا على الإمام (علیه السّلام رغبتهما الملحة في مقابلة سيدة النساء .)فانطلق الإمام نحو الصدّيقة والتمس منها إجابتهما ، فسمحت لهما بالدخول ، فلمّا مثلا عندها أشاحت بوجهها عنهما ، وقدّما إليها اعتذارهما ، فقالت :«أَرَأَيْتَكُما إِن حَدَّثْتُكُما حَديثاً عَنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَعْرِفانِهِ وَتَعْمَلَانِ بِهِ ؟ » .فأجابا : نعمفقالت : « نَشَدْتُكُما الله ، أَلَمْ تَسْمَعًا رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: رِضا فاطِمَةَ مِنْ رِضاي ، وَسَخَطُ فَاطِمَةَ مِنْ سَخَطى ، فَمَنْ أَحَبَّ فاطِمَةَ ابْتَنى فَقَدْ أَحَبَّنِي ، وَمَنْ أَرْضَىٰ فَاطِمَةَ فَقَدْ أَرْضانِي ، وَمَنْ أَسْخَطَ فَاطِمَةَ فَقَدْ أَسْخَطَني ؟ »فقالا : نعم ، سمعناه من رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم .)فانبرت حبيبة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وهي مغيظة محنقة فخاطبت أبا بكر وشاركت معه صاحبه قائلة :)«إِنِّي أَشْهِدُ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ أَنَّكُما أَسْخَطْتُمَانِي وَما أَرْضَيْتُمَانِي ، وَلَئِنْ لَقيتُ النَّبِيَّ لأَشْكُوَنَّكُما إِلَيْهِ .. » .وفزع أبو بكر وقال رافعاً عقيرته : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة .ووجهت إليه أعنف القول قائلة :

وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ اللَّهَ عَلَيْكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُصَلِّيها»(1.)وخرج أبو بكر ولم يظفر برضا زهراء الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم وكان ذلك من أعظم الصدمات التي واجهها في أيام حكومته .)ومن الطبيعي أن عقيلة بني هاشم قد شاركت أمها البتول في سخطها على أبي بكر ، وعدم رضائها عنه .### مآسى البتولوطافت موجات قاسية من الآلام والأحزان ببضعة الرسول ووديعته ، فقد استغرق الأسى قلبها الرقيق المعذب وغشيتها سُحب قاتمة من اللوعة والحزن على فقد أبيها الذي كان عندها أعزّ من الحياة ، وكانت تزور بلهفة جسده الطاهر فتطوف حوله وهي ذاهلة اللب منهدّة الكيان فتلقي بنفسها عليه ، وتأخذ حفنة من ترابه الطاهر فتضعه على عينيها ، وهي تبكي أمر البكاء وأقساه ، وتقول :مَاذَا عَلى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدٍ *** أَنْ لَا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِياصُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّها *** صُبَّتْ عَلَى الْآيَامِ صِرْنَ لَيالياقُلْ لِلْمُغَيَّبِ تَحْتَ أَطْباقِ الثّرى *** إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَرْخَتِي وَنِدَائِياقَدْ كُنْتُ ذَاتَ حِمَى بِظِلُّ مُحَمَّدٍ *** لَا أَخْشَ مِنْ ضَيْمٍ وَكَانَ جَمَالِيافَالْيَوْمَ أَخْشَعُ لِلْذَلِيلِ وَأَتَّقى *** ضَيْمي وَأَدْفَعُ ظَالِمِي بِرِدائِيافَإِذَا بَكَتْ قُمْرِيَّةٌ في لَيْلِها *** شَجَنَا عَلَى غُصْنٍ بَكَيْتُ صَبَاحِيافَلَأَجْعَلَنَّ الْحُزْنَ بَعْدَكَ مُونِسي *** وَلَأَجْعَلَنَّ الدَّمْعَ فيك وِشَاحِیا (2)


1) الإمامة والسياسة : 1 : 14 .

2) مناقب آل أبي طالب : 2 : 131 .

وحكت هذه الأبيات ما عانته زهراء الرسول من لوعة وشجون على فراق أبيها الذي استوعب حبّه عواطفها ومشاعرها ، وقد بلغ من عظيم حزنها عليه أنّه لو صبت مصائبها على الأيام لخلعت ضياءها ولبست السواد القاتم .كما صوّرت هذه الأبيات الرقيقة مدى عزتها وعظيم مكانتها في أيام أبيها سيّد الكائنات ، فقد كانت من أعزّ وأمنع نساء المسلمين ، ولكنها بعد فقد أبيها تنكر لها أصحابه ، وأجمعوا على هضمها والغضّ من شأنها حتى صارت تخضع للذليل وتتقي الظالمين لها بردائها ، إذ ليس عندها قوة تحميها ولم تكن تأوي إلى رکن شدید .وقد خلدت بضعة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم وديعته إلى الأسى والحزن ، وقد وجدت في البكاء راحة نفسية لها ، وبلغ من عظيم وجدها على أبيها أن أنس بن مالك استأذن عليها ليعزيها بمصاب أبيها ، وكان ممن وسّد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثواه الأخير فقالت له : « هذا أَنس بن مالك ؟ ».)- نعم ، يا بنت رسول اللهفانبرت وهي تلفظ قطعاً من قلبها المذاب قائلة :«كَيْفَ طابَتْ نُفوسُكُمْ أَنْ تَحْثوا التّرابَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟»(1.)وغرق أنس في البكاء ، وانصرف وقد نخب الأسى فؤاده . وبلغ من عظيم حزن الصدّيقة على أبيها أنّها كانت تطالب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام أن يريها القميص الذي غُسل فيه أبوها رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فإذا جاء به إليها تأخذه بلهفة وتوسعه تقبيلاً وشمّاً لأنّها تجد فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه .)وخلدت زهراء الرسول إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل ، وظل شبح


1) سنن ابن ماحة : 18 . المواهب اللدنية : 2 : 381 .

أبيها يطاردها في كل فترة من حياتها القصيرة الأمد ، وكانت ابنتها الصدّيقة الطاهرة زینب (علیها السّلامفي حزن بهيم تنظر إلى أمها وقد أشرفت على الموت من كثرة البكاء على أبيها فكانت تشاركها في أحزانها وآلامها ولوعتها .)وثقل على أتباع أبي بكر بكاء الصدّيقة على أبيها فشكوا ذلك إلى الإمام أمير المؤمنين ، وطلبوا منه أن يجعل لبكائها وقتاً خاصاً ، فعرض الإمام عليها ذلك فأجابته ، فكانت في نهارها تمضي إلى خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسین وزینب فتجلس تحت شجرة من الأراك ، وتأخذ باللوعة والبكاء على أبيها طيلة النهار فإذا أوشكت الشمس أن تغرب قفلت مع أبنائها إلى الدار ، وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقلعوها فكانت تبكي في حرّ الشمس ، فسارع الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلامفبنى لها بيتاً سماه ( بيت الأحزان ) ، وظل هذا البيت رمزاً لأساها وغضبها على القوم على مرّ العصور .)ويقول الرواة إن الإمام قائم آل محمد (علیه السّلام قال في هذا البيت :)أَمْ تَراني اتَّخَذْتُ لا وَعُلاها *** بَعْدَ بَيْتِ الأحْزانِ بَيْتَ سُروروكانت بضعة رسول الله وحبيبته مع أطفالها يمكثون طيلة النهار في ذلك البيت الحزين ، وهي تناجي أباها وتندبه وتبكيه ، فإذا جاء الليل أقبل الإمام لها فأرجعها مع أطفالها إلى الدار .واستولى الحزن على بضعة الرسول وذاب جسمها ، وقد فتكت بها الأمراض فلازمت فراشها ، ولم تتمكن من النهوض والقيام ، وكانت ابنتها العقيلة إلى جانبها تقوم بخدماتها ورعايتها ، وبادرت السيّدات من نساء المسلمين إلى عيادتها فقلن لها : «كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله ؟ » .فرمقتهن بطرفها وأجابتهن بصوت خافت مشفوع بالأسى والحسرات قائلة :

« أَجِدُنى كارِهَةٌ لِدُنْيَا كُنَّ ، مَسْرُورَةٌ لِفِراقِكُنَّ ، أَلْقَى اللَّهُ وَرَسُولَهُ بِحَسْراتٍ ، فَما حُفِظَ لِي الْحَقُّ ، وَلَا رُعِيَتْ مِنِّي الذَّمَّةُ ، وَلَا قُبِلَتِ الْوَصِيَّةُ ، وَلَا عُرِفَتِ الْحُرْمَة .. » (1.)أجل لم يحفظ حقها ، ولم ترع ذمتها ، فقد أصرّ القوم على هضمها والتنكر لها ، وانصرفن النسوة وقد غامت عيونهن بالدموع، وعرضن على أزواجهن كلمات زهراء الرسول وغضبها عليهم ، وقد عرفوا مدى تقصيرهم في حقها . . وهرعت بعض أمهات المؤمنين إلى عيادتها فقلن لها : يا بنت رسول الله ، صيري لنا في حضور غسلك حظاً .فلم تجبهن إلى ذلك ، وقالت : « لاحاجَةً لي في حُضورِكُنَّ»(2.)### إلى جنة المأوىوذوت بضعة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم كما تذوي الأزهار ، ومشى إليها الموت سريعاً وهي في شبابها الغضّ الأهاب ، وبدت لها طلائع الرحيل عن هذه الحياة التي استهانت بها ، وطلبت حضور ابن عمها أمیر المؤمنین (علیه السّلام) ، فعهدت إليه بوصيتها ، وأهم ما فيها :)1 - أن يواري جثمانها المقدّس في غلس الليل البهيم .2 - أن لا يحضر جنازتها أحد من الذين هضموها وظلموها فإنّهم أعداؤها وأعداء أبيها على حدّ تعبيرها .3 - أن يعفي موضع قبرها ويخفيه ليكون رمزاً لغضبها على القوم غير قابل للتأويل والتصحيح على مرّ الأجيال الصاعدة . وضمن لها الإمام جميع ما عهدت به


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 95 .

2) تاريخ اليعقوبي : 1 : 446 .

إليه ، وانصرف عنها وهو غارق في الأسى والشجون .وطلبت بضعة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم من أسماء بنت عميس أن يصنع لها سرير يواري جسدها الطاهر ، فقد كانت العادة بوضع الأموات على لوحة تبدو فيها أجسامهم ، وكرهت ذلك سيّدة النساء ، فعملت لها أسماء سريراً يستر من فيه كانت قد رأته حينما كانت في الحبشة ، فلما نظرت إليه ابتسمت وهي أول ابتسامة شوهدت لها منذ أن لحق أبوها بالرفيق الأعلى(1).)وفي آخر يوم من حياة الصدّيقة أصبحت وقد ظهر عليها بعض التحسّن ، وبدا عليها الفرح والسرور فقد علمت أن هذا اليوم هو خاتمة حياتها وفيه تلتحق بأبيها الذي هو عندها أعزّ من الحياة .وعمدت الصدّيقة إلى أطفالها فغسلتهم وصنعت لهم من الطعام ما يكفيهم رمهم ، ثم أمرت ولديها الحسن والحسين أن يخرجا لزيارة قبر جدهما ولا يشاهدا وفاتها ، وألقت عليهما وعلى بنتها زینب نظرة الوداع وقلبها الزاكي يذوب ألماً وحزناً ، وخرج الحسنان وقد هاما في تيارات من الهواجس وأحسّا ببوادر مخيفة أغرقتهما بالهموم والأحزان .والتفتت وديعة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم إلى أسماء بنت عميس ، وكانت تتولى تمريضها وخدمتها ، فقالت لها : « يا أماه » .)- نعم يا حبيبة رسول الله .-« اسكبي لي غُسْلاً ».فسارعت أسماء وأتتها بالماء فاغتسلت فيه ، وقالت لها : « ايتيني بثيابي الجُدد».


1) المستدرك على الصحيحين : 3 : 162 .

فأحضرتها لها ، وقالت لها : « اجْعَلي فِراشِي فِي وَسَطِ الْبَيْتِ »وذعرت أسماء ، وعلمت أن الموت قد دنا من وديعة النبي ، وصنعت لها ما أرادت فاضطجعت في فراشها ، واستقبلت القبلة ونادت أسماء قائلة بصوت خافت : « يا أمّاهُ ، إِنِّي مَقْبوضَةٌ الآنَ ، وَقَدْ تَطَهَّرْتُ فَلَا يَكْشِفْنى أَحَدٍ » .وأخذت تتلو آيات من القرآن الكريم حتى صعدت روحها الطاهرة إلى الله تحفّها ملائكة الرحمن ، ويستقبلها أبوها الذي كرهت الحياة من بعده .لقد سمت تلك الروح إلى جنان الخلد فأشرقت الآخرة بقدومها ، وأظلمت الأرض لفقدها ، فما أضلّت سماء الدنيا مثلها في قداستها وطهرها ، وقد انقطع بموتها آخر من كان في الدنيا من نسل رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وكانت زینب إلى جانب أمها وقد رأتها جثة هامدة قد انقطعت عنها الحياة فذابت أسى ، وعجّت بالبكاء والعويل .)وقفل الحسنان من مسجد رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم إلى الدار فلم يجدا أمهما فيها فبادرا يسألان أسماء قائلين : « أَينَ أمنا ؟ » .)فأجابتهما وهي غارقة في البكاء قائلة : يا سيدي ، إن أمكما قد ماتت فأخبرا بذلك أباكما .وكانت هذه المفاجأة كالصاعقة فهرعا إلى جثمان أمهما ، فوقع عليها الحسن وهو يقول : « يا أمّاهُ ، كَلميني قَبْلَ أَنْ تُفارِقَ روحي بَدَني ...» .وألقى الحسين بنفسه عليها وهو يعج بالبكاء قائلاً: « يا أُمَاهُ ، أَنَا ابْنُكِ الحُسَيْنُ كَلِّمِينِي قَبْلَ أَنْ يَنْصَدِعَ قَلْبي ...».وأخذت أسماء توسعهما تقبيلاً وتواسيهما بمصابهما الأليم ، وطلبت منهما أن يخبرا أباهما بموت سيّدة النساء وسارعا نحو مسجد رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وقد علا صوتهما بالبكاء فاستقبلهما المسلمون قائلين : ما يبكيكما يا بني رسول الله ، لعلكما)

نظرتما قبر جدكما فبكيتما .فأجابا : « أَوَلَيْسَ قَدْ مَاتَتْ أُمُّنَا فَاطِمَة ! »وهزّ النبأ المؤلم مشاعرهم ، فقد ندموا على تقصيرهم تجاه بضعة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ماتت وهي ساخطة عليهم لأنهم لم يحفظوا مكانتها من رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم .)ولما علم الإمام بموت الصدّيقة تصدّع قلبه وود مفارقة الحياة ، ورفع صوته قائلاً : «بمَن العَزاء يا بنتَ مُحَمَّدٍ ، كُنْتُ بِك أَتَعَزَى ، فَقِيمَ الْعَزاءُ مِنْ بَعْدِك . . .».وخف مسرعاً نحو البيت وهو يذرف أحر الدموع ، وألقي نظرة على جثمان حبيبة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وهو يقول :)لِكُلِّ اجْتِمَاعِ مِنْ خَليلَينِ فِرقَةٌ *** وكُلُّ الذي دونَ الْفِراقُ قَليلُوَإِنَّ افْتِقادي فاطِمَا بَعْدَ أَحْمَدٍ *** دَليلٌ عَلى أَن لَا يَدومَ خَلِيلُوكانت العقيلة زینب إلى جانب أمها وهي تعج بالبكاء قد ذاب قلبها فقد فقدت جميع آمالها ، وليس شيء أوجع على الطفل من فراق أمه .وهرع الناس من كل صوب نحو بيت الإمام ، وقد ساد فيهم وجوم رهيب ، وعهد الإمام إلى سلمان الفارسي أن يخبر الجماهير بأن مواراة جثمان بضعة الرسول قد أجل هذه العشية فقفلوا إلى منازلهم .وأقبلت عائشة وهي تريد الدخول إلى بيت الإمام لتشاهد جثمان حبيبة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم فيحجبتها أسماء ومنعتها من الدخول قائلة : « قد عهدت إلىّ أن لا يدخل عليها أحد »(1).)ولما مضى شطر من الليل قام الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام فغسل الجسد الطاهر ،)


1) مناقب آل أبي طالب : 3: 365 .

ومعه الحسنان وأسماء وزینب (علیها السّلام وهي تنظر إلى جثمان أمها وقد نخب الحزن قلبها ، وتبكي عليها كأقسى وأمر ما يكون البكاء .)وبعد الفراغ من الغسل أدرجها في أكفانها ، ودعا بأطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان أمهم ليلقوا عليها نظرة الوداع ، فألقوا بأنفسهم على جثمان أمّهم وهم يوسعونها تقبيلاً وقد مادت الأرض من كثرة صراخهم وبكائهم ، وبعد انتهائهم من الوداع عقد الإمام عليها الرداء .ولما حلّ الهزيع الأخير من الليل قام فصلى على الجسد الطيب ، وعهد إلى من كان معه من خلّص صحابة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم أمثال سلمان الفارسي وبني هاشم فحملوا الجثمان المقدّس إلى مثواه الأخير ، وأودعها في قبرها ، وأهال عليها التراب ، وعفى موضع قبرها ليكون دليلاً حاسماً على غضبها ونقمتها على من غصب حقها ووقف الإمام الثاكل الحزين على حافة القبر وهو يروي ثراه بدموع عينيه ، وقد طافت به موجات من الحزن والألم القاسي ، فأخذ يؤبن زهراء الرسول بهذه الكلمات التي تحكي لوعته وأساه على هذا الرزء القاصم وقد وجّه خطابه إلى رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم)يعزيه قائلاً :)«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي ، وَعَنِ ابْتَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوارِكَ ، السَّرِيعَةِ اللحاقِ بِكَ. قَلَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي ، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدي ، إِلَّا أَنَّ فِي التَّأْسِي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ ، وَفَادح مُصِيبَتِكَ ، مَوْضِعَ تَعَزَّ ، فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».لَقَدْ اسْتَرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ ! أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ إِلَىٰ أَنْ يَخْتَارَ اللهُ لي دَارَكَ الَّتي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ. وَسَتُنَبِّئُكَ ابْتَتُكَ بِتَظَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِها ، فَأَحْفِها السؤالَ ، وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ ؛ هذا وَلَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذَّكْرُ ،

وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمَا سَلَامَ مُوَدِّعِ ، لَا قَالٍ وَلَا سَيْمٍ ، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ ، وَإِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءٍ ظَنّ بمَا وَعَدَ الله الصابرينَ » (1.)وحكت هذه الكلمات الحزن العميق والألم الممض الذي في نفس الإمام ، فقد أعلن شكواه إلى رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم علی ما منیت به حبيبته من الخطوب والنكبات ، ويطلب منه أن يلح في السؤال منها لتخبره بما جرى عليها من الظلم في الفترة القصيرة التي عاشتها بعده .)كما أعلن الإمام عن أساه وشجاه على فقده لبضعة الرسول ، فهو في حزن دائم ولیل مسهد ، لا تنطفئ عنه نار اللوعة عليها حتى يلتحق إلى جوار الله ، وإنّه إذ ينصرف عن قبرها المقدّس فليس ذلك عن سأم ولا عن ملالة وكراهية ، ولكن استجابة لتعاليم الإسلام الآمرة بالخلود إلى الصبر ، ولولا ذلك لأقام عنده ولا يريم عنه .وعاد الإمام إلى داره بعد أن وارى جثمان سيدة نساء العالمين في مثواها الأخير ، وقد نخب الحزن فؤاده ينظر إلى أطفاله وهم يبكون أمهم أمر البكاء وأشجاه خصوصاً العقيلة زینب (علیها السّلامفكانت تندب أمها بذوب روحها تبكي عليها صباحاً ومساءً قد خلدت إلى الأسى والحزن .)لقد قطعت عقيلة بني هاشم دور طفولتها الحزينة وقد طافت بها الآلام القاسية والرزايا الموجعة ، فقد فقدت جدّها رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم الذي كان يفيض عليها بعطفه وحنانه ، ولم تمض بعد وفاته إلا أيام يسيرة حتى فقدت أمها الرؤوم التي عاشت في هذه الدنيا وعمرها كعمر الزهور ، وفاجأها الموت وهي في شبابها الغضّ الأهاب ، فقد صبّت عليها الكوارث والمصائب ، والتي كان من أقساها جحد القوم لحقها)


1) نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 207.

وإجماعهم على هضمها وهي ابنة نبيهم الذي بر بدينهم ودنياهم .لقد وعت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم وهي في سنها الباكر الأهداف الأساسية التي دعت القوم إلى هضم أمها وجحد حقوقها وإقصاء أبيها عن قيادة الأمة ، كل ذلك طمعاً بالحكم والظفر بالامرة والسلطان .)### وفاة أبي بكرولم يطل سلطان أبي بكر فقد ألمت به الأمراض بعد مضي ما يزيد على سنتين من حكمه ، وقد قلّد صاحبه عمر شؤون الخلافة ، وقد لاقى معارضة شديدة من أعلام الصحابة كان من بينهم طلحة ، فقد قال له : « ماذا تقول لربك وقد وليت علينا فظاً غليظاً ، تفرق منه النفوس ، وتنفض منه القلوب »(1.)وسكت أبو بكر فاندفع طلحة يشجب عهده لعمر قائلاً: « يا خليفة رسول الله ، إنا كنا لا نحتمل شراسته وأنت حي تأخذ على يده ، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميت وهو الخليفة » .وسارع أكثر المهاجرين والأنصار إلى أبي بكر وهم يعلنون رفضهم وسخطهم وكراهيتهم لخلافة عمر قائلين : نراك استخلفت علينا عمراً وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا ، فكيف إذا وليت عنا ، وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسائلك ، فما أنت قائل »فأجابهم أبو بكر : لئن سألني الله لأقولنّ استخلفت عليهم خيرهم من نفسي»(2.)وكان الأجدر به أن يستجيب لعواطف أكثر المسلمين ورغباتهم إلا أنه لم يحفل بهم ، وأقام صاحبه خليفة من بعده ، وتوفّي أبو بكر وانتهت بذلك خلافته القصيرة


1) شرح نهج البلاغة : 1 : 55 .

2) شرح نهج البلاغة : 6: 343 .

الأمد ، وقد حفلت بأحداث رهيبة كان من بينها معاملة العترة الطاهرة التي هي وديعة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم في أمته كأشخاص عاديين فقد جرّد عنها هالة التقديس الذي أضفاه عليها النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، كما فتحت الباب للحكومات التي تلت حكومة الخلفاء إلى ظلم آل البيت والإمعان في قتلهم تحت كل حجر ومدر .)ولعلّ أقسى ما جرى عليهم من الكوارث فاجعة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان فقد استشهد الإمام الحسين ريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم بصورة مروّعة ومُثل بجثمانه المقدّس بوحشية لم يعهد لها مثيل ، وسبيت عائلته ومعها حفيدة الرسول وعقيلة بني هاشم من كربلاء إلى الشام ، كل هذه الرزايا كانت ناجمة عن إقصاء أهل البيت عن مركز القيادة العامة للمسلمين .)### في عهد عمروتولّى عمر بعد وفاة أبي بكر شؤون الدولة الإسلامية ، وقد قبض على الحكم بيد من حديد ، وساس البلاد بعنف حتى تحامى لقاءه أكابر الصحابة ، فإنّ درته - فيما يقول المؤرخون كانت أهيب من سيف الحجاج ، حتى أن ابن عباس مع قربه للنبي (صلّی الله علیه و آله و سلّمومكانته العلمية لم يستطع أن يجهر برأيه في حلّية المتعة إلا بعد وفاته ، كما تحاماه أهله وعياله فلم يستطع أحد منهم أن يجهر برأيه أو يفرض إرادته عليه .)وعلى أي حال فقد نهج عمر في سياسته منهجاً خاصاً لا يتفق في كثير من بنودها مع سياسة أبي بكر ، خصوصاً في السياسة المالية ، فقد كان السائد في سياسة أبي بكر المساواة بين المسلمين إلا أنّ عمر عدل عنها ، وميّز بعض المسلمين على بعض ، ففضل العرب على الموالي ، وقريشاً على سائر العرب ، وقد أدى ذلك إلى إيجاد الطبقية بين المسلمين(1.)


1) العصبية القبلية : 190 .

### اعتزال الإمام (علیه السّلام)واعتزل الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام عن الحياة الاجتماعية والسياسية طيلة خلافة عمر كما اعتزل في أيام أبي بكر ، وقد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى مرير على ضياع حقه وسلب تراثه ، فقد جهد القوم على الغضّ من شأنه ، وعزله عن جميع ما يتعلّق بأمر الدولة ، حتى ألصق خده بالتراب - على حد تعبير بعض المؤرخين - .)يقول محمد بن سليمان في أجوبته عن أسئلة جعفر بن مكي : « إنّ عليّاً وضعه الأولون - يعني الشيخين - وأسقطاه وكسرا ناموسه بين الناس ، فصار نسياً منسياً »(1.)وقد صار جليس بيته تساوره الهموم ، ويسامر النجوم ، ويتوسد الأرق ، ويتجرّع الغصص ، قد كظم غيظه ، وأسلم أمره إلى الله .وانطوت نفوس أبنائه على حزن لاذع وأسى عميق على عمر ، فقد روى المؤرخون أن الحسين خف إلى عمر وكان على المنبر يخطب فصاح به :«انْزِلْ ، انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي وَاذْهَبْ إِلَىٰ مِنْبَرِ أَبِيكَ أَبيك . . » .وبهت عمر ، واستولت عليه الحيرة ، وراح يقول : صدقت لم يكن لأبي منبر .وأخذه فأجلسه إلى جنبه وجعل يفحص عمّن أوعز إليه بذلك قائلاً: من علّمك ؟- ( واللهِ ما عَلَّمَني أَحد .)شعور طافح بالأسى والألم انبعث عن إلهام وعبقرية ، رأى الإمام الحسين (علیه السّلام)


1) شرح نهج البلاغة : 9 : 28 .

منبر جده الملهم الأول لقضايا الفكر الإنساني وأنّه لا يليق أن يرقاه غير أبيه باب مدينة علم النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم ورائد العلم والحكمة في دنيا الإسلام .)وعلى أي حال فقد كان هذا الشعور سائداً عند ذرّية رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، ولم يقتصر على الإمام الحسين وإنّما كان شاملاً للعقيلة زینب (علیها السّلام)كما يدل على ذلك خطابها الرائع في البلاط الأموي ، فقد قالت ليزيد : « وَسَيَعْلَمُ مَنْ سَوَّلَ لَكَ وَمَكَّنَكَ مِنْ رِقابِ الْمُسْلَمينَ » ، وهذه الكلمات صريحة فيما ذكرناه .)وقد بحثنا عن شؤون عمر وأيام حكومته في كتابنا ( حياة الإمام الحسين ، فلا نعيد تلك البحوث .)### اغتيال عمروبقي عمر على دست الحكم يتصرّف في شؤون الدولة حسب رغباته وميوله ، وكان فيما يقول المؤرخون شديد البغض والكراهية للفرس ، يبغضهم ويبغضونه ، فقد حظر عليهم دخول يثرب إلا من كان سنه دون البلوغ(1. وتمنّى أن يحول بينهم وبينه جبل من حديد ، وأفتى بعدم إرثهم إلا من ولد منهم في بلاد العرب (2).وكان يعبر عنهم بالعلوج(3).)وقد قام باغتياله أبو لؤلؤة وهو فارسي ، أما السبب في اغتياله له فهو أنه كان فتى متحمّساً لوطنه وأمته ، ورأى عمر قد بالغ في احتقار الفرس وإذلالهم ، وقد خفّ إليه يشكو ممّا ألم به من ضيق وجهد من جراء ما فرض عليه المغيرة من ثقل الخراج ، وكان مولى له ، فزجره عمر وصاح به : ما خراجك بكثير من أجل الحرف


1) شرح نهج البلاغة : 1 : 185

2) الموطأ : 2 : 12 .

3) شرح نهج البلاغة : 12 : 185 .

التي تحسنها .وألهبت هذه الكلمات قلبه فأضمر له الشر ، وزاد في حنقه عليه أنه اجتاز على عمر فسخر منه وقال له : بلغني أنك تقول : لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت .ولذعته هذه السخرية فخاطب عمر : لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها .وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال (1، فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرّة فخرقت الصفاق(2)، وهي التي قضت عليه .)ثم هجم على من في المسجد فطعن أحد عشر رجلاً ، وعمد إلى نفسه فانتحر(3.)وحمل عمر إلى داره وجراحاته تنزف دماً ، فقال لمن حوله : من طعنني ؟- غلام المغيرة .- ألم أقل لكم لا تجلبوا لنا من العلوج أحداً فغلبتموني (4.)وأحضر أهله له طبيباً فقال له : أي الشراب أحب إليك ؟- النبيذ .فسقوه منه فخرج من بعض طعناته صديداً ، ثم سقوه لبناً فخرج من بعض طعناته ، فينس منه الطبيب ، وقال له : لا أرى أن تمسي (5.)


1) مروج الذهب : 2 : 212 .

2) الصفاق : الجلد الأسفل الذي تحت الجلد .

3) شرح نهج البلاغة : 12 : 185 .

4) شرح نهج البلاغة : 12 : 187 .

5) الاستيعاب ( المطبوع على هامش الإصابة ) : 2 : 461 .

### الشورىولما أيقن عمر بدنو الأجل المحتوم منه أخذ يطيل التفكير فيمن يتولى شؤون الحكم من بعده ، وقد تذكّر أعضاء حزبه الذين شاركوه في تمهيد الحكم لأبي بكر ، فأخذ يبدي حسراته عليهم لأنهم جميعاً قد اقتطفتهم المنية ، فقال بأسي وأسف :«لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته لأنه أمين هذه الأمة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته لأنه شديد الحبّ الله تعالى »لقد استعرض الأموات ، وتمنّى أن يقلدهم الحكم ولم يعرض لسيّد العترة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام ولا للصفوة الطاهرة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أمثال عمار بن ياسر الطيب ابن الطيب ، ولا لأبي ذرّ ، ولا لرؤساء الأنصار من الذين ساهموا في بناء الإسلام واستشهد أبناؤهم في سبيله .)لقد تمنّى حضور أبي عبيدة وسالم ليقلّدهما منصب رئاسة الدولة ، مع العلم أنهما لم يكن لهما أية سابقة تُذكر في خدمة الإسلام .لقد رأى عمر أن يجعلها شورى بين المسلمين وانتخب من يمثلهم ، وهم ستة :1 - الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام.)2 - عثمان بن عفان الأموي .3 - طلحة .4 - عبدالرحمن بن عوف .5 - الزبير .6 - سعد بن أبي وقاص .وقد اختار عمر هؤلاء النفر لصرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين ، فقد كان معظم أعضائها من المنحرفين عن الإمام والموالين لبني أمية ، ولم يكن مع الإمام

سوى الزبير ، وهو لا يغني شيئاً ، وقد جمع عمر أعضاء الشورى ، وقدم في كلّ واحد منهم سوى الإمام فانصرف عنه .فقال عمر لمن حضر عنده : « والله إني لأعلم مكان رجل لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء »فقالوا له : من هو ؟- هذا المولي من بينكم .- ما يمنعك من ذلك ؟- ليس إلى ذلك من سبيل» (1.)ودعا عمر أبا طلحة الأنصاري فعهد إليه بما يحكم أمر الشورى فقال له :يا أبا طلحة ، إن الله أعزّ بكم الإسلام فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فالزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله ، والتفت إلى المقداد فعهد إليه بمثل ما عهد إلى أبي طلحة ثم قال له : « إذا اتفق خمسة وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه ، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقهما ، وإن اتفق ثلاثة على رجل ورضي ثلاثة منهم برجل آخر فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس » .والتاع الإمام وعرف أنها مكيدة دبّرت ضدّه ، فقد قال لعمه العباس :«يا عَمَ ، لَقَدْ عُدِلَتْ عَنّا » .وسارع العباس قائلاً : من أعلمك بذلك ؟وكشف الإمام الغطاء عما دبّره عمر ضدّه قائلاً:


1) شرح نهج البلاغة : 12 : 195 .

« لَقَدْ قَرَنَ فِي عُثْمَانَ ، وقال : كونوا مَعَ الأَكْثَرِ ، ثُمَّ قَالَ : كونوا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعدٌ لَا يُخالِفُ ابْنَ عَمِّهِ عَبْدَ الرَّحْمنِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ صِهْرٌ لِعُثمانَ ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفون ، فَإِما أَنْ يُوَلّيها عَبدُ الرَّحْمَنِ عُثْمَانَ أَوْ يُوَلّيها عُثْمَانُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ» .وصدق تفرّس الإمام ، فقد ولاها عبد الرحمن لعثمان إيثاراً لمصالحه ، وابتغاء لرجوعها إليه من بعده .إن أدنى تأمل في وضع الشورى يتضح منه صرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام، ووضعها عند القوى المنحرفة عنه .)وعلى أي حال فإنّ الشورى بأسلوبها الهزيل ، قد ألقت الأمة في شرّ عظيم وفرّقت كلمتها ، وأشاعت الطمع والتهالك على الحكم والسلطان بين أبنائها وقد أعلن هذه الظاهرة معاوية بن أبي سفيان .فقد قال لأبي الحصين : بلغني أن عندك ذهناً وعقلاً فأخبرني عن شيء أسألك عنه .- سلني عما بدا لك .- أخبرني ما الذي شتّت شمل أمر المسلمين وملأهم وخالف بينهم ؟- قتل الناس عثمان .- ما صنعت شيئاً .- مسیر عليّ إليك وقتاله إياك .- ما صنعت شيئاً .- مسیر طلحة والزبير وعائشة وقتال على إياهم .- ما صنعت شيئاً .- ما عندي غير هذا .

وطفق معاوية يبيّن أسباب الخلاف والفرقة بين المسلمين قائلاً: «أنا أخبرك أنّه لم يشتت بين المسلمين ، ولا فرق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر » .وأضاف يقول : « ثم جعلها - عمر - شورى بين سنّة نفر ، فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه ورجاها له قومه ، وتطلعت إلى ذلك نفسه» (1.)لقد شاعت الأطماع السياسية بشكل سافر عند بعض أعضاء الشورى وغيرهم ، فاندفعوا إلى خلق الحزبية في المجتمع الإسلامي للوصول إلى كرسي الحكم والظفر بخيرات البلاد .وعلى أي حال فقد ذكرنا بصورة موضوعية وشاملة آفات الشورى في كتابنا ( حياة الإمام الحسين ، وقد ألمحنا إليها في هذه البحوث ؛ وذلك لأنها تلقي الأضواء على الحياة الاجتماعية والسياسية في ذلك العصر الذي عاشت فيه عقيلة بني هاشم والتي أدت إلى ما عانته من الأهوال والكوارث التي تذهل كل كائن حي .)### انتخاب عثمان وحكومتهواجتمع أعضاء الشورى في بيت المال ، وقيل في بيت مسور بن مخرمة ، وتداولوا الحديث عمن هو أحق بأمر المسلمين ، وكثر الجدل فيما بينهم ، فانبرى الإمام أمير المؤمنين فحذرهم من الخلاف والفتنة إن استجابوا لعواطفهم ، ولم يؤثروا المصلحة العامة للمسلمين قائلاً:لَمْ ،یُسرعْ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٌّ وَصِلَةِ رَحِمٍ وَعائِدَةِ كَرَمٍ ، فَاسْمَعُوا قَوْلِي ، وَعوا مَنْطِقي عَسَى أَنْ تَروا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ تُقضى فيهِ السُّيوفُ ، وَتُخَالَفُ فِيهِ


1) العقد الفريد 3 : 73 و 74 .

الْعُهودُ حَتَّى يَكونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لأَهْلِ الضَّلَالِ وَشِيعَةً لأَهْلِ الْجَهَالَةِ ».ولم يعوا منطق الإمام ونصيحته ، فقد استجابوا لعواطفهم ، وكان الأمويون قد حفوا بأهل الشورى وهم يقدمون لهم الوعود المعسولة إن انتخبوا عميدهم عثمان .وانقضت الثلاثة أيام التي حدّدها عمر ولم ينتخب أعضاء الشورى أحداً منهم فحذرهم أبو طلحة الأنصاري وجعل يتهدّدهم ويتوعدهم إن لم ينتخبوا ا أحداً منهم ، وانبرى طلحة فوهب حقه لعثمان لأنه كان شديد الكراهية للإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام لأنه نافس ابن عمه أبا بكر على الخلافة ، ووهب سعد بن أبي وقاص حقه لابن عمه عبد الرحمن بن عوف ، وأصبح رأيه هو الفيصل لأن عمر وضع ثقته به ، وكان رأيه مع عثمان لأنه صهره وقد زهده القرشيون في الإمام وحرّضوه على انتخاب عثمان ؛ لأنه يحقق رغباتهم وأطماعهم ، وأمر عبد الرحمن مسوراً بإحضار الإمام أمير المؤمنين وعثمان بن عفان ، فلما حضرا عنده في الجامع النبوي التفت إلى الحاضرين فقال لهم : « أيها الناس ، إن الناس قد اجتمعوا على أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم فأشيروا عليّ ) .)وانبرى الطيب ابن الطيب عمّار بن ياسر فأشار عليه بما يضمن للأمة مصالحها ويصونها من الاختلاف والفرقة قائلاً: «إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع علياً» .وأيد المقداد مقالة صاحبه عمار فقال : صدق عمار إن بايعت علياً سمعنا وأطعنا . . . » .وشجبت الأسر القرشية المعادية للإسلام والحاقدة عليه مقالة عمار ، ورشحت عميد الأمويين عثمان بن عفان ، وقد كان الممثل لها عبدالله بن أبي سرح فخاطب ابن عوف قائلاً: « إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان » .وكأن شؤون الخلافة ومصير المسلمين موكول إلى قريش وهي التي حاربت

رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وناهضت دعوته وعذبت أنصاره حتى هرب منها ، وتابعته إلى يثرب بجيوش مكثفة لاستئصال دعوته ومحو دينه ، ولكن الله تعالى ردّ كيدهم وأفشل خططهم ، ونصر نبيه العظيم ، ولولا سماحة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) و رأفته الأجرى عليهم حكم بني قريظة ، ولكنّه عفا عنهم ، وجعلهم من الطلقاء وعلى أي حال فقد اندفع عبد الله بن أبي ربيعة فأيّد مقالة ابن سرح قائلاً: «إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا » .)وانبرى الصحابي الجليل عمّار بن ياسر فردّ على ابن أبي سرح قائلاً : «متى كنت تنصح للمسلمين» .وصدق عمار فمتى كان ابن أبي سرح ينصح المسلمين وهو من ألد أعداء رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وقد أمر بقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة (1).)واحتدم الجدال بين الهاشميين وخصومهم الأمويين ، وانبرى ابن الإسلام البار عمار بن ياسر فجعل يدعو لصالح المسلمين قائلاً: « أيّها الناس ، إن الله أكرمنا بنبيه ، وأعزنا بدينه فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ؟ ».و انبرى رجل من مخزوم فقطع على عمّار كلامه قائلاً: «لقد عدوت طورك يابن سميّة ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها ».و طفحت الروح الجاهلية على هذه الكلمات ، فليس فيها إلا الدعوة إلى الباطل ، فقد اعتبر المخزومي أمر الخلافة وشؤونها إلى قريش التي ما آمنت بالله وكفرت بقيم الإسلام ، فأي حق لها في خلافة المسلمين ، وقبله أعلن أحد أعلام القرشيين : أبت قريش أن تجتمع النبوة والإمامة في بيت واحد .إن أمر الخلافة بيد جميع المسلمين يشترك فيه ابن سميّة وغيره من الضعفاء


1) الاستيعاب : 2 : 375 .

الذين أعزهم الله بدينه ، وليس لأي قرشي الحق في التدخل بشؤون المسلمين لو كان هناك منطق وحساب .وعلى أي حال فقد احتدم النزاع بين القوى الإسلامية وبين القرشيين ، فخاف سعد أن يفلت الأمر من أيديهم وتفوز الأسرة النبوية بالحكم فالتفت إلى عبد الرحمن قائلا له : « يا عبد الرحمن ، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس » .والتفت عبد الرحمن إلى الإمام فقال له :« هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر ؟ » .فرمقه الإمام بطرفه وأجابه بمنطق الإسلام قائلاً :«بَلْ عَلَى كِتابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَاجْتِهَادَ رَأْيِي ».إن ابن عوف يعلم علماً جازماً أن الإمام لا يسوس المسلمين بسيرة الشيخين ولا يحفل بها ، وإنّما يسوسهم بكتاب الله وسنّة نبيه ورأيه المشرق الذي هو امتداد ذاتي لرأي النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وإنما شرط عليه ذلك لصرف الخلافة عنه .)ولو كان الإمام ممّن يبغي الحكم والسلطان لوافق على هذا الشرط ، ثم خالفه ، ولكنه سلام الله عليه في جميع أدوار حياته واكب الصدق والحق ولم يحد عنهما مهما كانت الظروف .وعلى أي حال فإنّ عبد الرحمن لما يئس من إجابة الإمام اتجه صوب عثمان فعرض عليه شروطه فأجابه بلا تردد ، فصفق بكفّه على يده وقال له : اللهم إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان .والتاع الإمام فخاطب ابن عوف : « وَاللهِ ما فَعَلْتَها إِلَّا لأَنَّكَ رَجَوْتَ مِنهُ ما رَجا صاحِبُها مِنْ صاحبِهِ ، دَقَّ اللَّهُ بَيْنَكُما عِطْرَ مَنْشِم » .لقد رجا ابن عوف من بيعته لعثمان أن يكون خليفة من بعده كما كان ذلك بالنسبة

للشيخين . واتجه الإمام صوب القرشيين فقال لهم : « لَيْسَ هَذا أَوَّلُ يَوْمٍ تَظاهَرْتُمْ فِيهِ عَلَيْنَا ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلى ما تَصِفُون».ولذع منطق الإمام ابن عوف فراح يهدّده : « يا علي ، لا تجعل على نفسك سبيلاً .وغادر الإمام المظلوم قاعة الاجتماع وهو يقول : « سَيَبلغُ الْكِتابُ أَجَلَه . . » .والتفت الصحابي العظيم عمّار بن ياسر فخاطب ابن عوف : « یا عبدالرحمن أما والله لقد تركته ، وإنّه من الذين يقضون بالحق وبه كانوا يعدلون » .وانبرى المقداد فرفع صوته قائلاً: « تالله ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم ! واعجباً لقريش لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أن أحداً أقضى بالعدل ولا أعلم ولا أنقى منه ، لو أجد أعواناً»وصاح به عبد الرحمن : « اتق الله يا مقداد ، فإنّي خائف عليك الفتنة »وانتهت بذلك مأساة الشورى التي وضعها عمر لصرف الخلافة عن أهل بيت النبوة ومنحها لبني أمية ، وقد رأت عقيلة الوحي السيدة زینب (علیها السّلام أضغان القرشيين وحقدهم على أبيها ، وإنّهم قد عملوا جاهدين على إطفاء نور الله ، والإجهاز على رسالة الإسلام الهادفة لتطوير الوعي الاجتماعي ، وإشاعة الخير والهدى بين الناس .)لقد خلقت الشورى العمرية الفتن والضغائن بين المسلمين وحجبت الأسرة النبوية عن القيادة العامة للعالم الإسلامي ، وسلّطت عليهم شرار خلق الله ، فأمعنوا في ظلمهم والتنكيل بهم .وما كارثة كربلاء وما عانته عقيلة بني هاشم السيدة زینب (علیها السّلام من صنوف الظلم والكوارث التي هي - من دون شك - من النتائج المباشرة لأحداث الشورى والسقيفة)

فإنهما الأساس لكل ما لحق بآل النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم من الكوارث والخطوب .)### حكومة عثمانوتسلّم عثمان قيادة الأمة ، وقد احتف به بنو أمية وآل أبي معيط ، وأخذوا يتصرفون في شؤون الدولة حسب رغباتهم وميولهم ولا شأن لعثمان في جميع المناحي السياسية والاقتصادية ، فقد كان بمعزل عنها ، وقد سيطر عليها وتسلّم قيادتها مروان بن الحكم الوزغ ابن الوزغ ، والذي يسميه معاصروه بالخيط الباطل ؛ وذلك لخبثه وسوء سريرته ، فكان وزيره ومستشاره .وقد هام عثمان بحبّ أسرته ، وتفانى في الولاء لهم فكان يقول : لو كانت مفاتيح الجنة بيدي لأعطيتها لبني أمية (1.)وقد أسند مناصب الدولة لهم ، كما عينهم ولاة في معظم الأقاليم الإسلامية ، ووهبهم الثراء العريض فكانوا في طليعة الرأسماليين في العالم الإسلامي ، وقد عرضنا في بعض كتبنا (2بصورة موضوعية وشاملة إلى الهبات المالية الهائلة التي منحها عثمان لأسرته ، كما عرض لها الحجّة الأميني والدكتور طه حسين والعقاد وغيرهم ، وقد أدت هباته ومنحه الامتيازات الخاصة لهم إلى نقمة المسلمين وشيوع السخط والتذمر عليه في معظم الأقاليم الإسلامية .)### الجبهة المعارضةونقمت على عثمان ، وسخطت على سياسته معظم الصحابة وأعلام الإسلام وفي طليعتهم .


1) مسند أحمد : 1 : 62 .

2) حياة الإمام الحسن بن عليّ ، وحياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام).

1 - أبو ذر الغفاري2 - عمار بن ياسر3 - السيدة عائشة4 - طلحة5 - الزبير6 - عبد الرحمن بن عوف7- عبدالله بن مسعود ، وغيرهم من أقطاب الإسلام وحماته وقد نكل عثمان بالكثيرين من معارضيه ، فقد نفى الصحابي العظيم أبا ذر الغفاري إلى الشام ، ثمّ نفاه إلى الربذة ، وهي صحراء قاحلة خالية من جميع مقومات الحياة ، وقد أنهكه الجوع حتى توفي غريباً جائعاً مظلوماً .كما نكل بالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ، وقطع عنه مرتبه فلم يسعفه شيء حتى أهلكه الفقر وفي يد عثمان ذهب الأرض وخيراتها .كما نكل بأعظم صحابي وأجل مجاهد إسلامي وهو الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر فقد ضربه ضرباً مبرحاً حتى أصابه فتق وأغمي عليه .وقد رفعت السيدة عائشة قميص رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وهي تقول : « هذا قميص رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) لم يبل وعثمان قد أبلى سنّته » ، كما أفتت بحلّية قتله فقالت : « اقتلوا نعثلاً فقد كفر - .)وقد اشتدت عليه المعارضة وقويت ، وامتدت إلى معظم الأقاليم الإسلامية ، وقد استجارت المعارضة بالعراق ومصر وغيرها لإنقاذ المسلمين من عثمان وبطانته ، فخفت بعض الكتائب العسكرية فزحفت إلى يثرب ، وأحاطت بدار عثمان وطلبت منه إبعاد مروان وإقصاء بني أمية عنه أو الاستقالة من منصبه ، فوعدهم بتنفيذ أهم متطلباتهم وهي إقصاء بني أمية إلا أنه خان بوعده ، وكتب إلى

ولاته على الأقطار بالتنكيل بمن استجاب للمعارضة ممن قدموا إلى يثرب .وقبض الثوار في أثناء رجوعهم إلى مدنهم على رسائله التي بعثها إلى ولاته في التنكيل بهم ففزعوا وقفلوا راجعين إلى يثرب ، وعرضوا عليه رسائله ، وطالبوه بالاستقالة الفورية من منصبه ، فلم يستجب لهم ، وأصرّ على الاحتفاظ بكرسي الحكم ، فعمدوا إلى الإجهاز عليه فقتلوه شر قتلة ، وتركوا جسده مرمياً على مزبلة من مزابل يثرب استهانة به ، ولم يسمحوا بمواراته إلا أنّ الإمام أمير المؤمنين توسط في دفنه فاستجاب له الثوار على كره فدفنوه في حش كوكب .لقد انتهت حكومة عثمان ، وقد أخلدت للمسلمين المصاعب والفتن ، وألقتهم في شرّ عظيم ، فقد اتخذت عائشة قتله وسيلة لتحقيق مآربها وأطماعها السياسية فراحت تطالب الإمام بدمه ، وهي التي أفتت بقتله وكفره ، كما اتخذ الذئب الجاهلي معاوية بن هند قتل عثمان ورقة رابحة للتمرّد على حكومة الإمام والمطالبة بدمه .وعلى أي حال فقد ، رأت حفيدة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم السيدة زینب (علیها السّلام)هذه الأحداث الجسام ووعت أهدافها السياسية فكان لها أعمق الأثر في نفسها ، فقد كان لها من المضاعفات السيئة ما اهتز من هولها العالم الإسلامي ، والتي كان من نتائجها كارثة كربلاء التي رزئت فيها السيدة زینب (علیها السّلام)، فقد عانت من الكوارث والخطوب ما تذوب من هولها الجبال .)### حكومة الإمام (علیه السّلام)وبعدما أطاح الثوار بحكومة عثمان أحاطوا بالإمام أمير المؤمنين وهم يهتفون بحياته ، ويعلنون ترشيحه لقيادة الأمة فليس غيره أولى وأحق بهذا المركز الخطير فهو ابن عم النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم وأبو سبطيه ، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى ،)

وهو صاحب المواقف المشهورة في نصرة الإسلام والذب عنه ، وليس في المسلمين من يساويه في فضائله وعلومه وعبقرياته ، إلا أن الإمام رفض دعوتهم ولم يستجب لهم لعلمه بما سيواجهه من الأزمات السياسية ، فإنّ منهجه في عالم الحكم يتصادم مع رغبات الأسر القرشية التي تريد السيطرة على السلطة وإخضاعها لرغباتها الخاصة ، فقال لا للثوار :« لا حاجَةً لي في أَمْرِكُمْ فَمَنِ اخْتَرْتُمْ رَضيتُ بهِ . . . ».فهتفوا بلسان واحد : « ما نختار غيرك » .وعقدت القوات المسلحة مؤتمراً خاصاً عرضت فيه ما تواجهه الأمة من الأخطار إن بقيت بلا إمام يدير شؤونها ، وقد قرّرت إحضار المدنيين وإرغامهم على انتخاب إمام للمسلمين ، فلما حضروا هدّدوهم بالتنكيل إن لم ينتخبوا إماماً وخليفة للمسلمين ، ففزعوا إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام وأحاطوا به رافعين عقيرتهم :)البيعة . . البيعة . .فامتنع الإمام من إجابتهم ، فأخذوا يتضرعون إليه قائلين: «أما ترى ما نزل بالإسلام ، وما ابتلينا به من أبناء القرى » .فأجابهم الإمام بالرفض الكامل قائلاً : « دَعوني ، وَالْتَمِسُوا غَيْري سوا غَيْرى . . .».ثم أعرب لهم الإمام عما ستعانيه الأمة من الأزمات قائلاً: «أَيُّها النَّاسُ إِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجوهٌ وَلَهُ أَلْوانٌ لَا تَقومُ بِهِ الْقُلوبُ ، وَلَا تَثْبِتُ لَهُ الْعُقولُ . . » .لقد كشف الإمام عمّا سيواجهه المسلمون من الأحداث المروّعة التي تعصف بالحلم وتميد بالصبر ، الناجمة من الحكم المباد الذي عاث فساداً في الأرض فقد أقام عثمان أسرته حكاماً وولاة على الأقاليم الإسلامية ، فاستأثروا بأموال المسلمين واحتكروها لأنفسهم ، وإنهم حتماً سيقاومون كل من يريد الإصلاح الاجتماعي ، فلذلك امتنع الإمام من إجابة القوم .

ثم عرض الإمام على القوات المسلحة ، وعلى الصحابة وغيرهم منهجه فيما إذا ولي أمورهم قائلاً:إِنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ ما أَعْلَمُ ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَإِنَّمَا أَنَا كَأَحَدِكُمْ ، أَلَا وَإِنِّي مِنْ أَسْمَعِكُمْ وَأَطْوَعِكُمْ لِمَنْ وَلّيْتُموه ..».واستجاب الجميع لما عرضه الإمام عليهم قائلين : « ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك»وأجلهم الإمام إلى الغد لينظر في الأمور ، ولما أصبح الصبح هرعت الجماهير إلى الجامع الأعظم ، فأقبل الإمام فاعتلى أعواد المنبر فخطب الناس ، وكان من جملة خطابه :«أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّ هذا أَمْرُكُمْ لَيْسَ لأَحَدٍ ِفيهِ حَقٌّ إِلَّا مَنْ أَمَّرْتُمْ ، وَقَدِ افْتَرَقْنَا بِالْأَمْسِ ، وَكُنتُ كارِها لأَمْرِكُمْ ، فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أَكُونَ عَلَيْكُمْ ، أَلَا وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ أَخذَ دِرْهَماً دونَكُمْ ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَعَدْتُ لَكُمْ وَإِلَّا فَلَا آخذُ عَلى أَحَد ...» .وتعالى هتاف الجماهير بالتأييد والرضا قائلين : «نحن على ما فارقناك عليه بالأمس .وطفق الإمام قائلاً: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِم . . .» .وقد اتجهت الناس كالموج صوب الإمام لتبايعه ، وأول من بايعه طلحة فبايعه بيده الشلاء التي سرعان ما نكث بها عهد الله فتطير منها الإمام وقال :«ما أَخْلَفَهُ أَنْ يَنكُث . . »(1.)ثم بايعه الزبير وهو ممّن نكث بيعته ، وبايعته القوات العسكرية ، كما بايعه


1) العقد الفريد : 3 : 93 .

من بقي من أهل بدر والمهاجرين والأنصار كافة (1 ، ولم يظفر أحد من خلفاء المسلمين بمثل هذه البيعة في شمولها ، وقد فرح بها المسلمون وابتهجوا ووصف الإمام (علیه السّلام) مدى سرورهم بقوله :)«وَبَلَغَ مِنْ سُرورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِها الصَّغِيرُ وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ ، وَتَحامَلَ نَحْوها الْعَليلُ ، وَحسَرَتْ إِلَيْهَا الكِعاب . . ».لقد ابتهج المسلمون ، وعمّت الفرحة الكبرى جميع الأوساط الإسلامية بخلافة الإمام أمیر المؤمنین (علیهالسّلام رائد العدالة الاجتماعية ، والمتبني لحقوق الإنسان الذي شارك البؤساء والمحرومين في سغبهم ومحنهم ، القائل :)« أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا أَشارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ ، أَوْ أَكونَ أَسْوَةً لَهُمْ فِي جُشوبَةِ الْعَيْشِ» .### وجوم القرشيينواستقبلت قريش خلافة الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلامبكثير من الوجوم والقلق والاضطراب ، كما استقبلوا نبوة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فإنّ الروح الجاهلية بما تحمل من عادات وتقاليد وكراهية للحق لم تزل مائلة فيهم ولم يغيّر الإسلام من طباعهم أي شيء.)وقريش تعرف الإمام جيداً فهو الذي حصد رؤوس أعلامهم بسيفه ، ومحق كبرياءهم في سبيل الإسلام الذي ناهضوه ، وقد خفّ إليه الأمويون ، وفي طليعتهم الوليد فقال للإمام : « إنك قد وترتنا جميعاً ، أما أنا فقتلت أبي صبراً يوم بدر ، وأما سعید فقتلت أباه يوم بدر ، وكان أبوه من نور قريش ، وأما مروان فشتمت أباه ،(1 حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام) : 1 : 376 .)

وعبت على عثمان حين ضمه إليه . فنبايع على أن تضع عنا ما أصبنا ، وتعفو عنّا عمّا في أيدينا ، وتقتل قتلة صاحبنا »فرد الإمام عليه مقالته التي لا بصيص فيها من نور الحق قائلاً:«أَما ما ذَكَرْتَ مِنْ وَتْرِي إِيَّاكُمْ فَالْحَقُّ وَتَرَكُمْ.وَأَمَا وَضْعِي عَنْكُمْ عَمَا فِي أَيْدِيكُمْ فَلَيْسَ لِي أَنْ أَضَعَ حَقَّ اللَّهِ .وَأَمَا إِعْفَانِي عَمَّا فِي أَيْدِيكُمْ ، فَما كَانَ لِلَّهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فَالْعَدْلُ يَسَعُكُمْ.وَأَمَا قَتْلِي قَتَلَةَ عُثْمَانَ ، فَلَوْ لَزِمَنِي قِتَالُهُمُ الْيَوْمَ لَزَمَنِي قِتَالُهُمْ غَداً ، وَلَكِنْ لَكُمْ أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى كِتابِ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ، فَمَنْ ضاقَ عَلَيْهِ الْحَقُّ َفالْبَاطِلُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ ، وَإِنْ شَتُمْ فَالْحَقُوا بِمَلَاحِقِكُمْ.. »(1.)إنّ الأمويين أرادوا المساومة فيما نهبوه من أموال المسلمين وما اختلسوه من بيت المال ، وهيهات أن يستجيب لهم رائد الحق والعدالة في دنيا الإسلام الذي لا تساوي السلطة عنده قيمة حذائه الذي كان من ليف ، وقد انصرفوا عنه وقلوبهم مترعة بالحقد والكراهية له .وعلى أي حال فقد فزع القرشيّون من حكومة الإمام (علیه السّلام وخافوا على مصالحهم ونفوذهم وامتيازاتهم التي ظفروا بها في عهد الخلفاء ، لقد أيقنوا أن الإمام سيعاملهم معاملة عادية ، ولا يميزهم على أي أحد من المسلمين ، وقد كان الظنّ بهم ، وقد أعرب عن مدى استيائه منهم بقوله :)«مَالِي وَلِقُرَيْشٍ ! وَاللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ ، وَلَا قَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ » .


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 155 .

وَايْمُ اللَّهِ ، لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلِ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقُّ مِنْ خَاصِرَتِهِ ! » .لقد حقدت قريش على الإمام كما حقدت على ابن عمه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وقد صرفت الخلافة تارة عنه إلى تيم ، وإلى عدي أخرى ، وإلى بني أمية ثالثة ، وقد جهدت على محاربته وإشاعة التمرّد في أيام خلافته ، وقد ظهرت بوادر ذلك في حرب الجمل وصفين .)### إجراءات حاسمة#### 1 - مصادرة الأموال المنهوبةوقام الإمام رائد العدالة الاجتماعية بإجراءات حاسمة ضد الحكم المباد كان منها :1 - مصادرة الأموال المنهوبةوأول عمل قام به الإمام أنه أصدر أوامره بمصادرة القطائع التي اقتطعها عثمان وباسترجاع الأموال التي استأثر بها لنفسه ، والأموال التي منحها لبني أمية وآل أبي معيط لأنها أخذت بغير وجه مشروع ، وقد صودرت أموال عثمان حتى سيفه ودرعه ، وقد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية رسالة جاء فيها : « ما كنت صانعاً فاصنع إذا قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه ، كما تقشّر عن العصا الحاها ...» .وعمّ الذعر والخوف جميع الرأسماليين القرشيين الذين أقطعهم عثمان ووهبهم الثراء العريض ، فقد خافوا من مصادرتها وتأميمها للدولة كما صنع الإمام بأموال عثمان فلذا أعلنوا التمرّد والبغي على حكومة الإمام .#### 2 - عزل الولاةوقام رائد العدالة الاجتماعية بعزل ولاة عثمان لأنّهم أظهروا الجور والفساد في الأرض ، فقد عزل معاوية بن هند ، وقد نصحه جماعة من المخلصين له وطلبوا

منه إبقاء معاوية فأبى وامتنع من المداهنة في دينه ، وكيف يبقي الإمام في جهاز حكمه هذا الذئب الجاهلي ، ويقرّه على عمله وهو رأس المنافقين ومصدر قوتهم .وكذلك عزل غير معاوية من ولاة عثمان ، ولم يبق واحداً منهم والياً على قطر من الأقطار .#### 3- المساواة بين المسلمينوأعلن الإمام (علیه السّلام المساواة العادلة بين جميع المسلمين ، مساواة في العطاء ومساواة في الحقوق وغيرهما من الشؤون الاجتماعية ، وقد عوتب على مساواته في العطاء ، فأجاب :)« أَتَأْمُرُونَي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وَلَّيتُ عَلَيْهِ وَاللَّهِ لَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً ! لَوْ كَانَ الْمَالُ لِى لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ ! أَلَا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ ، وَيُكْرِمُهُ في النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ » .وهكذا سلك عليّ في أيام حكومته مسلكاً مشرقاً لا التواء فيه ولا منعطف ، فطبق العدل ونشر المساواة ، فلم يؤثر أي أحد من أبنائه وأرحامه على غيرهم ، ولم يمنحهم أي امتياز في دولته .وكان من بوادر عدله أنه دخل بيت المال فقسمه فجاءت طفلة إما للحسن أو للحسين فتناولت منه شيئاً فلما بصر بها أسرع إليها فأخذه منها وأرجعه إلى بيت المال .فقال له أصحابه : يا أمير المؤمنين ، إن لها فيه حقاً . . .فأنكر عليهم ذلك وقال :

« إِذا أَخَذَ أَبوها مِنْهُ فَلْيُعْطِها مِنْهُ ما شاء »(1.)لقد تحرج في سلوكه أشد وأقسى ما يكون التحرج وأرهق نفسه إرهاقاً شديداً . فلم يلق الناس مثل عدله في جميع فترات التاريخ .على خطة العدل والشرف غذى أبناءه ، وقد رأت ابنته حفيدة الرسول زینب (علیها السّلام هذه السيرة المشرقة التي تأخذ بأعماق القلوب قد سار عليها أبوها فكانت من عناصر تربيتها ومن مقوّمات ذاتها ، وهي التي خلقت له الخصوم و والأعداء .)


1) أنساب الأشراف : 1 : 160 ، القسم الأوّل .

## التمرّد على حكومة الامام (علیه السّلام)### طلحة والزبير

وثارت القوى المنحرفة عن الحق والمعادية للإصلاح الاجتماعي على حكومة الإمام رائد الحق والعدالة في دنيا الإسلام ، وقد أرادوا منه أن يعدل عن منهجه ، ويسير وفق مخططاتهم الهادفة إلى ضمان مصالحهم ، ومنحهم الامتيازات الخاصة ، فأبى (علیه السّلام إلا أن يسير بسيرة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، ويطبق قانون الإسلام وتعاليم القرآن .)ونشير إلى بعض هؤلاء المتمردين الذين شقوا صفوف المسلمين ، وأغرقوا البلد في المحن والاضطراب ، وأشاعوا بين المسلمين الحزن والحداد ، وهم :طلحة والزبيروبايع طلحة والزبير الإمام أمير المؤمنين ، وانعقدت بيعته في أعناقهما ، ولكن الأطماع السياسية والشورى العمرية التي نفخت فيهما روح الطموح ، وساوت بينهما وبين بطل الإسلام وأخي رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، هي التي دفعتهما إلى إعلان التمرد ، وقد خفا إلى الإمام وقد أترعت نفوسهما بالأطماع والكيد للإسلام ، فقالا للإمام : «هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين ؟ » .)فأسرع الإمام قائلاً :

« نَعَمْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَعَلى ما بايَعْتُمْ عَلَيْهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ...» .فرفضا ذلك ، وقالا : « لا ، ولكن بايعناك على أنا شريكاك في الأمر».فرمقهما الإمام بطرفه ، وأوضح لهما ما ينبغي أن يكونا شريكين له قائلاً :«لَا ، وَلَكِنَّكُما شَريكانِ فِي الْقَوْلِ وَالإِسْتِقامَةِ ، وَالْعَوْنِ عَلَى الْعَجْزِ وَالْأَوْلاد » .لقد أعربا عن أطماعهما وأنّ بيعتهما للإمام لم تكن من أجل صالح المسلمين وجمع كلمتهم ، وقاما مغضبين ، فقال الزبير في ملأ من قريش :« هذا جزاؤنا من عليّ ، قمناله في أمر عثمان حتى أثبتنا عليه الذنب ، وسبّبنا له القتل ، وهو جالس في بيته ، وكفي الأمر ، فلما نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا ...».وقال طلحة : « ما اللوم إلا أنا كنا ثلاثة من أهل الشورى كرهه أحدنا(1 وبايعناه ، وأعطيناه ما في أيدينا ومنعنا ما في يده ، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا ... ».)والشيء المؤكد أنهما لم يعرفا عليّاً ، ولم يعيا أهدافه في عالم الحكم ، ولو عرفاه ما نازعاه ، أو أنّهما عرفاه وحالت أطماعهما وجشعهما على منازعته ، وانتهى حديثهما إلى الإمام فاستدعى مستشاره عبدالله بن عباس فقال له :«بَلَغَكَ قَوْلُ الرَّجُلَين . . » .- نعم .-«أَرى أَنَّهُما أَحَبّا الولايَةَ فَوَلَّ الْبَصْرَةَ الزُّبَيرَ ، وَوَلَّ طَلْحَةَ الْكُوفَةَ . .»ولم يرتض الإمام رأي ابن عباس ، فقال مفنداً لرأيه :« وَيْحَكَ إِنَّ الْعِراقَينِ - البصرة والكوفة - بهما الرّجالُ وَالْأَمْوالُ ، وَمَتى تَمَلَّكا رِقابَ النَّاسِ يَسْتَمِيلا السَّفيهَ بِالطَّمَعِ ، وَيَضْرِبا الضعيفَ بِالْبَلاءِ ، وَيَقْوَيا عَلَى


1) یرید به سعد بن أبي وقاص فإنّه امتنع عن بيعة الإمام (علیه السّلام) والذي دفعه على ذلك حقده له .

الْقَوِيِّ بالسُّلْطَانِ .وَلَوْ كُنتُ مُسْتَعْمِلاً أَحَداً لِضُرِّهِ وَنَفْعِهِ لَاسْتَعْمَلُتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى الشَّامِ ، وَلَوْلَا مَا ظَهَرَ لي مِنْ حِرْصِهِما عَلَى الْوِلايَةِ لَكَانَ لي فيهما رَأْي .. ».لقد كان الإمام عالماً بأطماعهما ، وما انطوت عليه نفوسهما من التهالك على الامرة والسلطان ، ولو كان يعلم نزاهتهما واستقامتهما لولاهما البصرة والكوفة .ولما علم طلحة والزبير أنّ الإمام لا يولّيهما على قطر من أقطار المسلمين خفّا إليه طالبين منه الإذن بالخروج قائلين : « ائذن لنا يا أمير المؤمنين .. ».- إلى أين ؟- نريد العمرة .فرمقهما الإمام بطرفه ، وعرفهما ما يريدان قائلاً لهما :«وَاللهِ ما الْعُمْرَةَ تُريدانِ ، بَلِ الْغَدْرَةَ وَنَكْثَ الْبَيْعَة ...».فأقسما له بالأيمان المغلّظة أنّهما لا يخلعان بيعته ، وأنّهما يريدان أن يعتمرا بالبيت الحرام ، وطلب منهما الإمام أن يعيدا له البيعة ثانياً ، ففعلا دون تردد ، ومضيا منهزمين إلى مكة يثيران الفتنة ، ويلحقان بعائشة ليتخذوها واجهة لتمرّدهما على الحق وشق كلمة المسلمين .### تمرّد عائشةويجمع المؤرخون على أنّ عائشة في طليعة من أشعل نار الثورة على عثمان ، فقد أفتت بقتله ومروقه من الدين ، وكانت تسمّيه نعثلاً ، ولمّا أحاط به الثوار خرجت إلى مكة ، وبعد أدائها لمناسك الحج قفلت راجعة إلى يثرب ، وهي تجدّ في السير لتنظر ما آل إليه أمر عثمان ، فلما انتهت إلى سرف لقيها رجل من أخوالها

كان قادماً من المدينة ، فأسرعت قائلة :« مهيم .. »(1.)- قتلوا عثمان ...وأسرعت قائلة : « ثم صنعوا ماذا ؟ » .واجتمعوا على بيعة عليّ فجازت بهم إلى خير مجاز .ولما سمعت أنّ الخلافة قد آلت إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام انهارت أعصابها وتحطمت قواها ، وهتفت وهي حانقة ، وبصرها يشير إلى السماء ثم ينخفض فيشير إلى الأرض قائلة : « والله ليت هذه انطبقت على هذه ، إن تم الأمر لابن أبي طالب ، قتل عثمان مظلوماً ، والله لأطلبن بدمه ...».)وبهر عبيد من منطقها ، فقال لها باستهزاء وسخرية : « ولم ؟ فوالله إنّ أول من أمال حرفه لأنت ، ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر !! .)و انبرت عائشة تبرّر هذا التناقض في كلامها وسلوكها ، فقالت له : « إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل » .وهي حجّة واهية لا واقع لها ، فهل أنها كانت حاضرة حينما أحاط الثوار بعثمان فأعلن لهم توبته فلم يحفلوا بها ، وعدوا عليه فقتلوه ، كما تقول ولم يخف على ابن خالها هذا التناقض الصريح في قولها ، فراح يرد عليها :مِنكِ البَداءُ وَمِنكِ الغِيَرُ *** وَمِنْكِ الريَاحُ وَمِنْكِ المَطروأنتِ أمرت بقتل الإمام *** وقُلْتِ لنا إنّه قد كَفَرفَهَبْنا (2أَطَعْنَاكِ فِي قَتلِهِ *** وقاتِلُهُ عِنْدَنَا مَن أمر)


1) مهيم : كلمة استفهام من معانيها ما وراءك .

2) في رواية : ونحن .

ولم يسقط السقْفُ من فَوْقِنا *** ولَمْ يَنْكَسِفْ شَمْسُنَا وَالقَمَروقد بايع الناسُ ذو تُدْرَءٍ (1*** يُزيلُ الشَّبَا ويُقيمُ الصَّعرَ)وَيَلْبَسُ للحرب أثوابها *** وما مَنْ وفى مِثْلُ مَنْ قد غَدَروغاظها قوله فأعرضت عنه ، وقفلت راجعة إلى مكة (2وهي كئيبة حزينة ؛ لأن الخلافة آلت إلى باب مدينة علم النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وأبي سبطيه .)وراحت تندب عثمان ، فقد اتخذت قتله ورقة رابحة للإطاحة بحكم الإمام .يقول شوقي :أَثَأْرُ عُثْمَانَ الَّذي شَجاها *** أَمْ غُصْةٌ لَمْ يُنْتَزَعْ شَجاهاذلِكَ فَتقُ لَمْ يَكُنْ بِالْبَالِ *** كَيدُ النِّساءِ موهِنُ الجِبالِإنّ دم عثمان لا يصلح بأي حال من الأحوال أن يكون من بواعث ثورتها على حكومة الإمام ، فقد كانت هناك أسباب وثيقة دعتها إلى هذا الموقف الذي لا تحمد عليه ، وقد ذكرناها بالتفصيل في كتابنا ( حياة الإمام الحسن .)### الزحف إلى البصرةوانضمّ طلحة والزبير إلى عائشة ، ومعهما جميع رجال الحكم المباد من ولاة عثمان وغيرهم من المعادين لحكومة الإمام ، وقد قرّر زعماء الفتنة الزحف إلى البصرة لاحتلالها ، ونادى المنادي في مكة : ( أيها الناس ، إن أم المؤمنين وطلحة


1) ذو تدْرَءٍ : أي ذو عزيمة ومنعة . الشبا : المكروه . الصعر : ميل في الوجه أو في أحد الشفتين ، والمراد أنه يقيم الشيء الملتوي .

2) تاريخ الأمم والملوك : 3 : 454 ، وغيره .

والزبير شاخصون إلى البصرة ، فمن كان يريد إعزاز الإسلام ، وقتال المحلين والطلب بدم عثمان ، ولم يكن عنده مركب ولا جهاز فهذا جهازه ، وهذه نفقته ... » .وزوّدوا الجند بالسلاح والعتاد والأموال ، وقد كان قسم من النفقات من يعلى بن أمية والى عثمان ، فقد أعان بأربعمائة ألف وحمل سبعين رجلاً (1.)واعتلت عائشة على جملها ، ولم ترغب فيه ، وصادفوا في الطريق العرني ، وكان عنده جمل أعجب به أتباع عائشة ، فقالوا للعرني : « يا صاحب الجمل تبيع جملك ؟- نعم .- بِکَم؟- بألف درهم .- مجنون أنت ، جمل يباع بألف درهم !!- نعم ، جملي هذا .- ومم ذلك ؟- ما طلبت عليه أحداً إلا أدركته ، ولا طلبني وأنا عليه قط إلا فته .- لو تعلم لمن نريده لأحسنت بيعنا .- لمن تريده ؟- لأمّك .قد تركت أُمّي في بيتها قاعدة ما تريد براحاً .إنما نريده لأم المؤمنين عائشة .


1) تاريخ الأمم والملوك : 3 : 454 ، وغيره .

- هو لكم ، خذوه بغير ثمن .- لا .- ارجع معنا إلى الرحل نعطيك ناقة ونزيدك دراهم .ورجع معهم فأعطوه ناقة مهرية وزادوه أربعمائة أو ستمائة درهم » (1.)واعتلت عليه عائشة ، وقد احتفى بها أنصارها من الأمويين وغيرهم من الطامعين في الحكم .### ماء الحوأبوسارت قافلة عائشة تجد في السير لا تلوي على شيء ، فاجتازت على مكان يقال له الحوأب ، فتلقت كلاب الحيّ القافلة بهرير وعواء ، فذعرت عائشة من شدّة ذلك النباح ، فقالت لمحمّد بن طلحة : أي ماء هذا ؟- ماء الحوأب .فذعرت عائشة ، وقالت : ما أراني إلا راجعة- لم يا أم المؤمنين ؟سمعت رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم يقول لنسائه : « كَأَنِّي بِإِحْداكُنَّ قَدْ نَبَحَتْها كِلابُ الْحَوْأَب (2)، وَإِيَّاكَ أَنْ تَكوني يا حُمَيْراء . . » .)فرد عليها محمد وقال لها : « تقدمي رحمك الله ، ودعي هذا القول هذا القول . . . » .


1) تاريخ الأمم والملوك : 3 : 475 .

2) روى ابن عباس عن النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) أنه قال يوماً لنسائه وهنّ جميعاً عنده : « أَيَّتُكُنَّ صاحِبَةُ الْجَمَلِ الْأَدْبَبِ تَنْبَحُها كِلابُ الْحَوْابِ ، يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِها وَشِمالها قَتْلَى كَثيرَةٌ كُلُّهُمْ في النّارِ، وَتَنْجو بَعْدَ ما كادَتْ » ، جاء ذلك في : شرح نهج البلاغة : 2 : 497 ، وهذا الحديث من أعلام النبوة ، ومن إخباره بالمغيبات .

ولم تقتنع عائشة وذاب قلبها أسى على ما فرطت في أمرها . وعلم طلحة والزبير بإصرارها على الرجوع إلى يثرب فأقبلا يلهثان ؛ لأنها متى انفصلت عن الجيش تفرّق وذهبت آمالهما أدراج الرياح ، فتكلّما معها في الأمر فامتنعت من إجابتهما ، فجاء وا لها بشهود اشتروا ضمائرهم فشهدوا عندها أنّه ليس بماء الحوأب ، وهي أول شهادة زور تقام في الإسلام (1، وبهذه الشهادة الكاذبة استطاعوا أن يحرفوها عمّا صمّمت عليه .)### في ربوع البصرةوأشرفت قافلة عائشة على البصرة ، فلما علم ذلك عثمان بن حنيف والي البصرة أرسل إلى عائشة أبا الأسود الدؤلي ليسألها عن قدومها .ولما التقى بها قال : ما أقدمك يا أمّ المؤمنين ؟- أطلب بدم عثمان .فردّ عليها من منطقه الفياض قائلاً : ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد .صدقت ولكنهم مع عليّ بن أبي طالب بالمدينة ، وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله ، أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم .فردّ عليها أبو الأسود ببالغ الحجة قائلاً: ما أنت من السوط والسيف ، إنما أنت حبيبة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، أمرك أن تقرّي في بيتك وتتلي كتاب ربّك ، وليس على النساء قتال ، ولا لهنّ الطلب بالدماء ، وأنّ عليّاً لأولى منك وأمس رحماً ، فإنّهما إبنا عبد مناف .)ولم تقنع عائشة وأصرّت على محاربة الإمام ، وقالت لأبي الأسود : لست


1) مروج الذهب : 2 : 342 . تاريخ اليعقوبي : 2 : 181 .

بمنصرفة حتى أمضي لما قدمت إليه ، أفتظنّ أبا الأسود أن أحداً يقدم على قتالي .فأجابها أبو الأسود : أما والله لتقاتلن قتالاً أهونه الشديدثم تركها وانصرف صوب الزبير فقابله ، وذكره بماضي جهاده وولائه للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام قائلا له : يا أبا عبد الله ، عهد الناس بك وأنت يوم بويع أبوبكر آخذ بقائم سيفك تقول : لا أحد أولى بهذا الأمر من ابن أبي طالب ، وأين هذا المقام من ذاك ؟)فأجابه الزبير : نطلب بدم عثمان .ونظر إليه أبو الأسود فأجابه بسخرية : أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغنا .ورأى الزبير في كلام أبي الأسود النصح والسداد فانصاع لقوله ، إلا أنه طلب منه مواجهة طلحة وعرض الأمر عليه ، فمضى أبو الأسود مسرعاً نحو طلحة وكلّمه في الأمر فلم يجد منه أيّة استجابة ، وقفل أبو الأسود راجعاً إلى ابن حنيف فأخبره بنية القوم وإصرارهم على الحرب .وعقد الفريقان هدنة مؤقتة ، وكتبا في ذلك وثيقة وقعها كلا الطرفين على أن لا يفتح أحدهما على الآخر باب الحرب ، حتى يستبين في ذلك رأي الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام.)### مظاهرة نسوية لتأييد عائشةوقامت بعض السيدات من النساء بمظاهرة لتأييد عائشة وهن يجبن شوارع يثرب ويضربن بالدفوف ، وقد رفعن أصواتهن بهذا النشيد : ما الخبر ، ما الخبر ، إن عليّاً كالأشقر ، إن تقدم عقر ، وإن تأخر نحر ...ولما سمعت ذلك أمّ المؤمنين السيّدة أم سلمة ، خرجت هي وحفيدة الرسول العقيلة زینب (علیها السّلام تحف بها إماؤها فجعلت توبخهنّ ، وقالت لهنَّ : « إِنْ تَظاهَرْتُنَّ)

عَلَى أَبي ، فَقَدْ تَظاهَرْتُنَّ مِنْ قَبْلُ عَلَى جَدّي رَسولِ اللهِ (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، فاستحيت النساء وتفرّقن ، وعادت السيدة زینب (علیها السّلام)إلى بيتها (1).)### نقض الاتفاقوعمد حزب عائشة إلى نقض الهدنة ، فقد هجموا على والي البصرة ابن حنيف ، وكان مقيماً في دار الإمارة ، فاعتقلوه ونكلوا به ، فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه ، ونهبوا ما في بيت المال ، وثارت الفتنة في البصرة ، فقد قتلوا خزان بيت المال وبعض الشرطة ، ووقعت معركة رهيبة بين أنصار الإمام وحزب عائشة ، وقد حملوها على جمل ، وسمّيت تلك الوقعة بيوم الجمل الأصغر ، وقد استشهد فيها جمع من المسلمين (2.)### زحف الإمام (علیه السّلام للبصرة)وزحف الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام بجيوشه إلى البصرة للقضاء على هذا الجيب المتمرّد الذي ينذر بانتشار التمرّد وسقوط الحكم ، وحينما انتهى إلى البصرة بعث عبدالله بن عباس وزيد بن صوحان إلى عائشة وطلحة والزبير يدعوهم إلى السلم وعدم إراقة الدماء ، فلم يستجيبوا لدعوته وأصروا على التمرد والبغي ومناجزة الإمام .)وأرسل الإمام فتى نبيلاً وأمره أن يحمل كتاب الله تعالى ويدعوهم إلى تحكيمه ، فأخذ الفتى الكتاب العزيز وجعل يلوّح به أمام عسكر عائشة وهو يدعوهم إلى العمل بما فيه ويدعوهم إلى السلم والوئام ، فحملوا عليه فقطعوا يمينه فأخذ


1) زینب الكبرى : 25 .

2) عرضنا لهذه الأحداث بصورة مفصلة في كتابنا حياة الإمام الحسن بن عليّ (علیهما السّلام).

المصحف بيساره ، وجعل يدعوهم إلى السلم والعمل بما في الكتاب ، فحملوا عليه فقطعوا يساره ، فأخذ المصحف بأسنانه ، وجعل يناديهم : الله في دمائنا ودمائكم .فانثالوا عليه يرشقونه بسهامهم حتى سقط إلى الأرض جثة هامدة ، ولم تجد معهم هذه الدعوة الكريمة وأصروا على الحرب .### إعلان الحربولم تُجدِ مع عائشة وحزبها دعوة الإمام إلى السلم وعدم إراقة الدماء ، فقد أصروا على الحرب والتمرّد على الحق ، فاضطرّ الإمام إلى مناجزتهم فعباً جنوده ، ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفوف فقالت : انظروا إليه كأن فعله فعل رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم يوم بدر ، أما والله ما ينتظر بكم إلا زوال الشمس.)ومع علمها بأن فعله كفعل رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم كيف ساغ لها أن تحاربه ، وخاطبها الإمام فقال لها :)«يا عائِشَةُ ، عَمَّا قَليلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِين» (1.)وأعطى الإمام خطته العسكرية لجنوده ، فقال لهم :«لَا تُقاتِلُوا الْقَوْمَ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ ، فَأَنتُمْ بِحَمْدِ اللهِ - عَلَى حُجَةٍ وَتَرَكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ حُجَّةٌ أخرى لَكُمْ عَلَيْهِم ، فَإِذا قَاتَلْتُمُوهُمْ فَهَزَمْتُمُوهُمْ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً ، وَلَا تَجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ ، وَلَا تَكْشِفُوا عَوْرَةٌ ، وَلَا تُمَتِّلُوا بِقَتِيلِ ، فَإِذا وَصَلْتُمْ إِلَى رِحالِ الْقَوْمِ فَلا تَهْتِكُوا سِتْراً ، وَلا تَدْخُلُوا داراً إِلَّا بِإِذْنِ ، وَلا تَأْخُذُوا شَيْئاً مِنْ أَمْوَالِهِم


1) حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام) : 1 : 447 .

إِلَّا ما وَجَدْتُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ، وَلا تُهَيَّجُوا امْرَأَةٌ بِأَذى وإِنْ شَتَمْنَ أَعْراضَكُمْ وَسَبَيْنَ أمَراءَكُمْ وَصُلَحاءَ كُم ؛ فَإِنَّهُنَّ ضِعَافُ الْقُوى »(1.)ومثلت هذه الوصية الشرف والرأفة والرحمة ، كما وضعت الأصول الفقهية في حرب المسلمين بعضهم مع بعض ، كما أعلن ذلك بعض الفقهاء .واعتلت عائشة جملها المسمّى بعسكر وأخذت كفاً من حصباء فرمت به أصحاب الإمام (علیه السّلاموقالت : شاهت الوجوه .)فأجابها رجل من شيعة الإمام : يا عائشة ، وما رميت إذ رميت ولكن الشيطان رمی .وتولّت عائشة القيادة العامة للقوات المسلحة ، فكانت هي التي تصدر الأوامر للجيش .وبدأ القتال كأشدّه ، وقد حمل الإمام على معسكر عائشة وقد رفع العلم بيسراه ، وشهر بيمينه ذا الفقار الذي طالما كشف به الكرب عن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم .)واشتد القتال ، وقد بان الانكسار في جيش عائشة وقد قتل طلحة والزبير والكثيرون من قادة عسكر عائشة ، وأخذت عائشة تبثّ في نفوس عسكرها روح التضحية والنضال ، وقد دافعوا عنها بحماس بالغ ، وقد شاعت القتلى بين الفريقين .### عقر الجملوأحاط أصحاب عائشة بجمل أمّهم ، فدعا الإمام عمّار بن ياسر ومالك الأشتر وأمرهما بعقر الجمل قائلاً:


1) وقعة صفّين : 266 . نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 8 : 346 - 347 .

«اذْهَبا فاعْقِرا هذَا الْجَمَلَ ، فَإِنَّ الْحَرْبَ لَا يَحْمَدُ ضِرامُها ما دامَ حَيّاً ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اتَّخَذُوهُ قِبْلَةٌ لَهُم .. ».وانطلق الأشتر وعمار ومعهما فتية من مراد ، فوثب فتى يعرف بمعمر بن عبدالله إلى الجمل فضربه على عرقوبه فهوى إلى الأرض وله صوت منكر لم يُسمع مثله ، وتفرّق أصحاب عائشة حينما هوى الصنم الذي قدّموا له آلاف القتلى ، وأمر ا الامام (علیه السّلام بحرقه وذر رماده في الهواء لئلا تبقى منه بقية يفتتن بها الغوغاء ، وبعدما فرغ من ذلك قال :)«لَعَنَهُ اللهُ مِنْ دابَّةٍ فَما أَشْبَهَهُ بِعِجْلٍ بَنِي إِسْرائيل ...».ثمّ مدّ بصره نحو الرماد الذي تناهبته الريح وتلا قوله تعالى : ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنَحَرْقَنَّهُ ثُمَّ لَتَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (1).)وانتهت بذلك حرب الجمل التي أثارتها الأحقاد والأطماع ، وقد أشاعت بين المسلمين الضغائن والفتن ، وألقتهم في شرّ عظيم .### العفو العامّوأصدر الإمام أوامره بالعفو العام عن جميع أعدائه وخصومه ، وطلبت عائشة من الإمام أن يعفو عن ابن أختها عبد الله بن الزبير وهو من ألد أعدائه فعفا عنه ، وكذلك عفا عن مروان بن الحكم ، وقد توسط فى أمره الحسن والحسين (علیهما السّلاموآمن الأسود والأحمر - على حد تعبير اليعقوبي ، ولم ينكل بأي أحد من خصومه وأعدائه .)


1) طه 97:20 .

### تسريح عائشةوسرّح الإمام (علیه السّلام عائشة ، وردّها إلى يثرب ، ولم يعرض لها بأي مكروه أو أذى ، وقد غادرت البصرة ونشرت في ربوعها الحزن والحداد والثكل ، وتصدّعت الوحدة بين المسلمين ، وشاعت بينهم الكراهية والبغضاء .)وعلى أي حال فقد وعت سيدة النساء زینب (علیها السّلام هذه الأحداث وعرفت ما تحمله الأسر القرشية من العداء العارم والبغض الشديد لأبيها (علیه السّلام)، وأنها قد شنت الحرب عليه كما شنّته على أخيه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من قبل .)### تمرّد معاويةومهدت عائشة الطريق إلى معاوية ، وفتحت له أبواب المعارضة لحكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام، فلولاها لما تمكن ابن هند من مناجزة الإمام ورفضه لبيعته .)وقد اتخذ معاوية دم عثمان ورقة رابحة للمطالبة بدمه ، ومن المؤكد زيف هذه الدعوى وعدم واقعيتها ، فقد استنجد به عثمان حينما حوصر وطلب منه أن يسعفه بقوة عسكرية لرفع الحصار عنه فلم يستجب له حتى أجهز عليه الثوار ..إن الذي دعا معاوية إلى التمرّد على حكومة الإمام هو ما يعلمه من سيرة الإمام وسياسته الهادفة إلى إقامة الحق وتدمير الباطل ، فالإمام لا يُبقي معاوية في جهاز الحكم لحظة واحدة ، ويجرده من جميع أمواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين ، ويحاسبه حساباً عسيراً على جميع تصرفاته المجافية لروح الإسلام من لبس الحرير والديباج واستعمال أواني الذهب والفضة والإسراف الفظيع في بناء القصور ، ولا يقرّ شرعية دعم عمر له وثنائه عليه ومبالغته في تأييده ، فهو الذي لم يحاسبه على أعماله التي تصادمت مع تعاليم الإسلام وقال فيه : إنه كسرى العرب ، واعتبر الإمام ذلك تعدٍ على سياسة العدل التي تبناها في جميع

مراحل حكمه وحياته .وعلى أي حال، فقد بعث الإمام إلى معاوية جرير بن عبدالله البجلي ، وزوّده برسالة يدعوه فيها إلى مبايعته والدخول في طاعته، إلا أن معاوية أصرّ على غيّه ورفض الاستجابة لدعوة الحق والوئام ، فقد توفّرت عنده القوة العسكرية التي يستطيع بها محاربة الإمام .### زحف معاوية لصفينوبعدما توفّرت لمعاوية الإمكانيات العسكرية والقوى المكثفة زحف بها إلى صفين وأقام فيها ، وكان أوّل عمل قام به احتلال الفرات واعتبر ذلك أوّل الفتح ؛ لأنه حبس الماء على عدوّه ، وظلّت جيوشه مقيمة هناك تصلح أمرها وتنظم قواها لتستعد إلى حرب وصيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وباب مدينة علمه .### مسير الإمام (علیه السّلام إلى صفين)وتهيأ الإمام (علیه السّلام للخروج إلى صفين ، وأمر الحارث بن الأعور أن ينادي في الناس بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة فعجت الكوفة بالنفار ، وخرج الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) تحف به البقية الخيرة من صحابة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وفي طليعتهم الصحابي العظيم عمّار بن ياسر .)ولزمت جيوش الإمام في زحفها السريع الفرات حتى انتهت إلى صفين ، فلم يجدوا شريعة يستقون منها الماء إلا وعليها الحرس الكثير وهم يمانعونهم أشد الممانعة من الوصول إليه ، فأخبروا الإمام (علیه السّلام فدعا صعصعة بن صوحان وأمره بمقابلة معاوية ليسمح لجنوده بورود الماء ، وسار إليه صعصعة وعرض عليه مقالة الإمام ، فامتنع من إجابته واعتبر ذلك أوّل الفتح .)

وحملت جيوش الإمام حتى احتلت الفرات وانهزمت جيوش معاوية ، وطلب أصحاب الإمام منه أن يمنع الماء عن عسكر معاوية فأبى (علیه السّلام، وأبى أن يكيل لهم الصاع بالصاع ، وقابلهم مقابلة المحسن الكريم إلى أعدائه وخصومه .)### الحربوأوفد الإمام إلى معاوية رسل السلام رجاءً في الصلح وحقن الدماء ، فردّهم بعنف وأعلمهم أنه مصمّم على الحرب ، ورجعت كتائب السلام إلى الإمام ، و عرفته برفض معاوية لدعوته وإصراره على الحرب .ولم يجد الإمام بداً من الحرب، فأصدر تعاليمه لعموم جيشه بعدم قتل المدبر وعدم الإجهاز على الجريح ، وعدم المُثلة بأي قتيل منهم ، وعدم أخذ أموالهم إلا ما وجد في معسكرهم ، وغير ذلك من صنوف الشرف والرحمة التي لم يعهد لها نظير في عالم الحروب .وبدت الحرب بين جيش الإمام وجيش معاوية فكانت كتائب من عسكر الإمام تخرج إلى فرق من أهل الشام فيقتتل الفريقان نهاراً كاملاً أو طرفاً منه ، ولم يرغب الإمام أن تقع حرب عامة بين الفريقين رجاء أن يجيب معاوية إلى الصلح .وخرج الزعيم الكبير مالك الأشتر يتأمل في رايات أهل الشام فإذا هي رايات المشركين التي خرجت الحرب رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم راح يقول لأصحابه :)أكثر ما معكم رايات كانت مع رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم، ومع معاوية رايات كانت مع المشركين على عهد رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فما يشك في قتال هؤلاء إلّا ميت القلب .)وخطب الصحابي العظيم عمار بن ياسر فجعل يبيّن للمسلمين واقع معاوية وأنّه جاهلي لا إيمان له ، وأنه معاد لله ورسوله .وعلى أي حال فلم تقع حرب عامة بين الفريقين ، وقد سئم الجيش العراقي هذه

الحرب وآثر العافية ، كما سئم ذلك جيش أهل الشام .### الحرب العامةولمّا رأى الإمام أنّه لا أمل في الإصلاح وجمع الكلمة عباً أصحابه وتهيأ للحرب العامة ، وفعل معاوية مثل ذلك ، وبدأ الهجوم العام ، وبذلك فقد استعرت نار الحرب واشتد أوارها ، وقد خيّم الذعر والفزع على كلا الجيشين ، وقد انكشفت ميمنة الإمام وتضعضع قلب جيشه إلا أنصار ربيعة قد ثبتت في الميدان ، وأخذت على عاتقها أن تقوم بحماية الإمام ونصرة الحق .وقد استشهد في المعركة بطل الإسلام المجاهد العظيم عمار بن ياسر ، وقد حزن عليه الإمام أشد ما يكون الحزن ، وكذلك استشهد غيره من أعلام الإسلام وكان لفقدهم أثر كبير في انهيار الجيش العراقي .### هزيمة معاويةوبدا الانكسار في جيش ابن هند وكاد أصحابه يبلغون فسطاطه ، وهم بالفرار إلا أنه تذكر قول ابن الإطنابة :أَبَتْ لي عِفْتِي وَحَياءُ نَفْسي *** وَإِقْدامِي عَلَى الْبَطَلِ الْمُشيحوَإِعْطاني عَلَى الْمَكْرُوهِ مالي *** وَأَخْذِي الْحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبيحِوقولى كُلَّما جَشَأَتْ وَجاشَتْ *** مكانكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَريحيفردّه هذا الشعر إلى الثبات وعدم الهزيمة كما كان يتحدّث بذلك أيام العافية .### مكيدة رفع المصاحفولم تكن مكيدة رفع المصاحف وليدة الساعة ولم تأت عفواً ، وإنما كانت نتيجة

مؤامرة سرّية بين عمرو بن العاص وبعض قادة الجيش العراقي وعلى رأسهم الخائن العميل الأشعث بن قيس .لقد رفع أهل الشام المصاحف على أطراف الرماح وهم يدعون الجيش العراقي إلى تحكيم كتاب الله ، فاندفعت كتائب من عسكر الإمام وهم يهتفون :لقد أعطاك معاوية الحقِّ ، دعاك إلى كتاب الله فاقبل منه .لقد استجاب لهذه الدعوة الكاذبة السذج والسائمون من الحرب والطامعون في الحكم وعملاء الحكم الأموي ، وجعل الأشعث بن قيس يشتد كالكلب رافعاً صوته ليسمع الجيش : ما أرى الناس إلا قد رضوا ، وسرّهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن ، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد .وأخذ الأشعث يلح على الإمام وهو يمتنع من إجابته وكثرة إلحاحه ، وقد استجابت له فرق من الجيش فلم يجد الإمام بُدّاً من إجابته ، فمضى مسرعاً نحو معاوية فقال له : « لأيَّ شَيْءٍ رَفَعْتُمْ هَذِهِ الْمَصاحِف ؟ . . » .والأشعث يعلم لِمَ رفعوا المصاحف ولاذوا بها فأجابه معاوية : لنرجع نحن وأنتم إلى أمر الله عزّ وجلّ في كتابه، تبعثون منكم رجلاً ترضون به ونبعث منّا رجلاً ، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ، ثم نتبع ما اتفقا عليه .وهل ابن هند يؤمن بكتاب الله ويتبع ما حكم به ؟ ! أوليس خروجه على السلطة الشرعية مجافية لتعاليم القرآن .وعلى أي حال فقد انبرى الخائن الأشعث يصدّق مقالة معاوية قائلاً:هذا هو الحق .وانبرى الإمام فزيف دعوة التحكيم ، وعرّف الجماهير أنها خدعة ومكيدة ، وأن معاوية وحزبه لا يؤمنون بالقرآن ، وأنهم على ضلالهم القديم ، وأصرّ جيش الإمام على الاستجابة لدعوة معاوية وهدّدوه بالقتل إن رفض ما أرادوه ،

فاستجاب (علیه السّلام مرغماً مكرهاً على ذلك ، وقد أشرفت بعض قطعات جيشه بقيادة الزعيم الكبير مالك الأشتر على الفتح ، ولم يبق بينها وبين القبض على معاوية إلّا مقدار حلبة شاة ، فطلب منه الإمام في تلك الساعة الحرجة أن يسحب الجيش ويوقف القتال ، فلم يستجب أوّلاً إلى ذلك ، فأمره الإمام ثانياً بالانسحاب ؛ لأنّ جيشه قد أحاط به وأعلنوا العصيان وهدّدوه بالقتل ، فاستجاب الأشتر وانسحب عن ميدان القتال .)وعلى أي حال فقد أوقف القتال ، وكان ذلك فوزاً ساحقاً لمعاوية ، فقد سلم من الخطر المحدق به ، ومني جيش الإمام بالتمرّد والعصيان ، وشاع في جميع قطعاته التفرّق والخلاف .### انتخاب الأشعريوأصرّ المتمردون على انتخاب الأشعري ليكون ممثلاً للجيش العراقي ، فرفض الإمام ذلك ورشّح عبد الله بن عباس أو مالك الأشتر ، فلم يستجيبواله وأرغموه ثانياً على انتخابه ، فخلى بينهم وبين رغباتهم ، وقد ذابت نفسه أسى وحسرات على ذلك ، فقد أيقن بانتهاء حكومته وفوز معاوية بالحكموانتخب الشاميون عمرو بن العاص ممثلاً لهم ، وهو أدهى سياسي في ذلك العصر ، وبذلك فقد عقدت هدنة مؤقتة راح فيها معاوية يبني جيشه ويصلح شؤونه ، وأمّا جيش الإمام فقد مُني بالتفكك والانحلال والتخاذل ، وانتشرت في جميع قطعاته الفكرة الهدامة وهي فكرة الخوارج كما سنتحدّث عن ذلك .### اجتماع الحكمينوأوفد معاوية إلى الإمام رسله يستنجزه الوفاء بالتحكيم ، وإنما طلب منه ذلك لعلمه بما أصيب به جيش الإمام من التخاذل والفتن والانحلال ، وأجابه الإمام إلى

ذلك فأوفد أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثي وهو من أجل أصحاب الإمام ، كما كان معهم عبد الله بن عباس حبر الأمّة ، ومعهم قاضي التحكيم الحامل الغبي أبو موسى الأشعري ، فرشاه ابن العاص بالولائم وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ليجعله طوع إرادته ، وقد اتفق معه على أن يعزل كلاً صاحبه ، ويرشّحا عبد الله بن عمر ، وقدّم ابن العاص الأشعري فاعتلى المنبر ، فخلع عليّاً عن منصبه وكذلك خلع معاوية ورشّح ابن عمر ، وقام بعده ابن العاص فأقرّ صاحبه وخلع علياً .ولما أعلن ابن العاص خلعه لعلي وإقامته لمعاوية انطلق صوبه الأشعري فقال له :ما لك عليك لعنة الله ما أنت إلا كمثل الكلب تلهثفصاح ابن العاص : لكنّك مثل الحمار يحمل أسفاراً .نعم هما كلب وحمار ، وهرب الأشعري إلى مكة يصحب معه الخزي والعار بعدما أحدث الفتنة والانشقاق بين جيش الإمام ، وقد أكثر شعراء ذلك العصر في ذمه يقول فيه أيمن بن خزيم الأسدي :لو كانَ لِلْقَوْمِ رَأْي يُعصَمونَ بِهِ *** مِنَ الضَّلالِ رَموكُمْ بِابْن عَباسِلِلَّهِ دَر أَبيهِ أَيما رَجُل*** ما مِثْلَهُ لِفِصالِ الخَطب في النَّاسِلكِنْ رَمُوكُمْ بِشَيخ مِنْ ذَوي يَمَنٍ *** لَمْ يَدْرِ ما ضَرَبُ أَخْمَاسٍ بِأَسْداسإِنْ يَخْلُ عَمرو بِهِ يَقْذِفْهُ فِي لُجَجِ *** يَهْوي بِهِ النَّجْمُ تَيساً بَينَ أَتْيَاسِأَبْلِغْ لَدَيكَ عَلِيّاً غَيرَ عاتِبهِ *** قولَ امْرِيُّ لا يَرَى بِالْحَقِّ مِنْ باسِما الْأَشْعَرِيُّ بِمَأْمُونٍ أَبا حَسَنٍ *** فاعْلَمْ هُديتَ وَلَيسَ الْعَجْرُ كَالرّاسِفاصدِمْ بِصاحِبِكَ الأذنى زَعيمَهُمُ *** إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ عَبّاسٌ هُوَ الآسيلقد امتحن الإمام أشد وأقسى ما يكون الامتحان بهؤلاء الأوغاد الذين وقفوا

أمام الإصلاح الاجتماعي ، ومكنوا الظالمين والمنحرفين من الاستبداد بأمور المسلمين .### فتنة الخوارجوتمرد الخوارج على الإمام وألزموه بأمر التحكيم ، وهم الذين أرغموه على ذلك وهددوه بالقتل إن لم يوقف القتال مع معاوية ، وأخذوا يعيثون في الأرض فساداً ، فقد رحلوا عن الكوفة وعسكروا في النهروان ، فاجتاز عليهم الصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت فأحاطوا به قائلين :- من أنت ؟- رجل مؤمن .- ما تقول في عليّ بن أبي طالب .- إنه أمير المؤمنين ، وأوّل المسلمين إيماناً بالله ورسوله .- ما اسمك ؟- عبدالله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله .- أفزعناك ؟- نعم .- لا روع عليك .- حدثنا عن أبيك بحديث سمعه عن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم لعل الله أن ينفعنا به ؟)-نعم ، حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « سَتَكونُ فِتْنَةٌ بَعْدِي يَموتُ فيها قَلْبُ الرَّجُلِ كَما يَموتُ بَدَنُهُ ، يُمْسى مُؤْمِناً ، وَيُصْبِحُ كَافِراً» .فهتفوا جميعاً : لهذا الحديث سألناك والله لنقتلنك قتلة ما قتلنا بمثلها أحداً

وعمدوا مصرين على الغي والعدوان فأوثقوه كتافاً وأقبلوا به ويامرأته ، وكانت حبلى قد أشرفت على الولادة ، فأنزلوهما تحت نخل فسقطت رطبة منها فبادر بعضهم إليها فوضعها في فيه ، فأقبل إليه بعضهم منكراً عليه قائلاً : بغير حلّ أكلتها .فألقاها بالوقت من فيه ، واخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيراً لأهل الذمة فقتله ، فصاح به بعضهم : إنّ هذا من الفساد في الأرض .فبادر الرجل إلى الذمّي فأرضاه ، ولما نظر عبد الله بن خباب احتياط هؤلاء في هذه الأمور سكن روعه وقال لهم : لئن كنتم صادقين فيما أرى ، ما عليَّ منكم بأس ووالله ما أحدثت حدثاً في الإسلام ، وإنّي لمؤمن وقد آمنتموني وقلتم لا روع عليك .فلم يعن هؤلاء الأخباث الذين هم صفحة خزي وعار على البشرية ، فجاءوا به ويامرأته فأضجعوه على شفير النهر ووضعوه على ذلك الخنزير الذي قتلوه ، ثم ذبحوه ، وأقبلوا على امرأته ، وهي ترتعد من الخوف فقالت لهم مسترحمة :إنّما أنا امرأة ، أما تتقون الله .فلم يعنوا باسترحامها وأقبلوا عليها كالكلاب فقتلوها ، ويقروا بطنها ، وانعطفوا على ثلاث نسوة فقتلوهنّ ، وفيهنّ أمّ سنان الصيداوية ، وكانت قد صحبت النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم، ولم يقف شرّ هؤلاء الأرجاس عند هذا الحدّ ، وإنّما أخذوا يذيعون الذعر وينشرون القتل والفساد في الأرض .)### واقعة النهروانوبعدما أعلن الخوارج تمردهم على حكومة الإمام ، ورفعوا شعارهم « لا حكم إلا لله » ولكنّه لم يعد في جميع تصرفاتهم وشؤونهم ظلاً وواقعاً لهذا الشعار ، فقد كان شعارهم الحقيقي لا حكم إلا للسيف والفساد .

ولما أراد الإمام الخروج إلى محاربة معاوية ، وعباً أصحابه وجنوده لذلك ، أشار عليه بعض أصحابه بمناجزة الخوارج ، فإنّ خطرهم أعظم من خطر معاوية ، وإنّهم إذا نزحوا من الكوفة سوف يُحدثون القتل والدمار فيها ، فاستصوب الإمام رأيهم وتحرّكت قوات الإمام لقتالهم ، وقبل أن تندلع نار الحرب ، وجه الإمام إليهم الحارث بن مرّة يطلب منهم قتلة عبد الله بن خباب ليقتص منهم فأجابوا جميعاً :إنا كلنا قتلناهم ، وكلنا مستحلّ لدمائكم ودمائهم .وأقبل الإمام (علیه السّلام بنفسه ، فوجه لهم خطاباً رائعاً يدعوهم فيه إلى الطاعة ورفض التمرّد ، فلم يفهموا خطاب الإمام ونصيحته وطلبوا منه أن يشهد على نفسه بالكفر ويتوب إلى الله تعالى على قبوله للتحكيم ، فامتنع الإمام من إجابتهم ، فإنّه لم يقترف أي ذنب في أمر التحكيم وإنما هم أرغموه على ذلك .)ولما يئس الإمام من إرجاعهم إلى الحق عبّأ جنوده لحربهم ، وفعل الخوارج مثل ذلك ، وهتف بعضهم : «هل من رائح إلى الجنة . . ».فأجابوه جميعاً الرواح إلى الجنة ، وهم يهتفون بشعارهم « لا حكم إلا الله » ، وحملوا حملة منكرة على جيش الإمام ، وما هي إلا ساعة حتى قتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم إلا تسعة .وبذلك فقد انتهت حرب النهروان ، وقد أعقبت هي وحرب صفين تمرّد الجيش العراقي، فقد مُني بالتمرّد والانحلال والسأم من الحرب ، وأصبح الإمام يدعوهم فلا يستجيبون له .كما فقد الإمام في هذين الحربين أعلام أصحابه وخيارهم الذين يعتمد على إخلاصهم وتفانيهم في الولاء له .وعلى أي حال فقد رجع الجيش من النهروان إلى الكوفة ، وجبن عن ملاقاة معاوية ، وأخذ الإمام يدعوهم إلى حربه فامتنعوا من إجابته .

### أُفول دولة الحقوأفلت دولة الحق التي تبنّت حقوق الإنسان وقضاياه المصيرية ، وواكبت العدل الاجتماعي والعدل السياسي ، وأقامت صروح الحق ومعاقل الشرف والفضيلة لكل إنسان .ولم يعهد الشرق في جميع مراحل تاريخه حكماً نزيهاً وعادلاً كحكم الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام الذي لم يخضع في جميع فتراته لأية عاطفة لا تتصل بالحق ، فقد تجرّد حكمه عن كل نزعة يؤول أمرها إلى التراب ..)وقد نقمت عليه أشدّ ما يكون الانتقام الرأسمالية القرشية ، فقد خافت على مصالحها وخافت على أموالها التي استولت عليها بغير حق ، فوضعت الحواجز والسدود أمام مخططاته السياسية الهادفة إلى الإصلاح الشامل ، واتهمته بالتآمر على قتل عثمان عميد الأسرة الأموية ، واتخذت من قتله ورقة رابحة لفتح أبواب الحرب عليه ، فكانت حرب الجمل وصفين والنهروان .وقد انهارت حكومة الإمام ، وبقي (علیه السّلام في أرض الكوفة يصعد زفراته وآهاته وقد استفحل شرّ معاوية وقوي سلطانه واتسع نفوذه ، وزادت قواته العسكرية وتسلّحت بجميع المعدات الحربية في ذلك العصر ، وأخذ معاوية يشنّ الغارات على معظم الأقاليم الإسلامية الخاضعة لحكم الإمام ، فكانت جيوشه تقتل وتنهب الأموال ، وذلك لإسقاط هيبة حكومة الإمام وأنّها لا تقدر على حماية الأمن العام للمواطنين ، وقد انتهت الغارات إلى الكوفة ، والإمام يدعو جيشه لحماية البلاد وصدّ العدوان الغادر على الناس فلم يستجيبوا له ، فقد خلدوا إلى الراحة وسأموا الحرب وشاعت في أوساطهم أوبئة الخوف من معاوية ، وأخذ الإمام الممتحن يناجي ربه ويدعوه أن ينقذه من ذلك المجتمع الذي لم يع مبادئه وسياسته الهادفة إلى نشر العدل وإشاعة المساواة بين الناس .)

وتوالت المحن الشاقة يتبع بعضها بعضاً على الإمام ، وكان من أشقها عليه الغارات المتصلة التي تشنها قوات معاوية على أطراف البلاد الإسلامية ، وترويعها للنساء والأطفال والعُجز ، والإمام مسؤول عن توفير الأمن لهم وحمايتهم من كلّ أذى أو مكروه ، ولكنّه لم يجد سبيلاً لذلك لأن جيشه قد تمرد عليه ، وسرت فيه أوبئة الخوف وأفكار الخوارج مما جعلته أعصاباً رخوة لا حراك فيها ولا حياة .وكان من بين الذين اعتنقوا مبادئ الخوارج الأثيم المجرم عبدالرحمن بن ملجم ، فنزح مع عصابة من الخوارج إلى مكة وعقدوا فيها مؤتمراً عرضوا فيه ما لاقاه حزبهم من القتل والتنكيل ، وما مني به العالم الإسلامي من الفتن والخطوب وعزوا ذلك إلى الإمام ومعاوية وابن العاص فصمموا على اغتيالهم فقال ابن ملجم : أنا أكفيكم عليّ بن أبي طالب .وقال عمرو بن بكير التميمي : أنا أكفيكم عمرو بن العاص .وضمن الحجاج بن عبد الله الصريمي اغتيال معاوية .واتفقوا على يوم معيّن وهو يوم الثامن عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، كما عيّنوا ساعة الاغتيال وهي ساعة خروجهم إلى صلاة الصبح ، وقفل ابن ملجم إلى الكوفة ، وهو يحمل معه الشر والشقاء لجميع سكان الأرض ، والتقى بقطام وكان هائماً في حبّها ، وكانت تعتنق فكرة الخوارج فقد قتل أبوها وأخوها في واقعة النهروان ، وعرض عليها الزواج ، فشرطت عليه مهراً وهو ثلاثة آلاف درهم ، وعبد وقينة ، وقتل الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام، واتفقا على هذا المهر المشؤوم .)وفيه يقول الفرزدق ( المتوفى سنة 110ه :)وَلَمْ أَرَ مَهْراً ساقَهُ ذو سَماحَةٍ *** كَمَهِرٍ قَطَامٍ مِنْ فَصيحٍ وَأَعْجَمِثلاثة آلافٍ وَعَبْدٌ وَقَينَةٌ ***وَضَرَبُ عَلي بِالْحُسَامِ المُسَمَّمِ

فَلَا مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَلَيَّ وَإِنْ غَلى *** وَلَا فَتْكَ إِلَّا دونَ فَتْكِ ابْنِ مُلْجم (1)ولما أطلّت ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك اضطرب الإمام ، وجعل يمشي في صحن الدار وهو محزون النفس خائر القوى ، وهو ينظر إلى الكواكب ويتأمل فيها يزداد قلقه وهو يقول :« ما كَذَبْتُ وَلَا كُذَّبْتُ ، إِنَّهَا اللَّيْلَةُ الَّتي وُعِدْتُ فيها » .وصادفت تلك الليلة ليلة الجمعة ، وقد أحياها بالصلاة وتلاوة كتاب الله ، ولما عزم على الخروج إلى الجامع ليؤدي الصلاة صاحت في وجهه وز أهديت إلى الإمام الحسن ، فتنبأ عن وقوع الحادث العظيم قائلاً:« لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ، صَوائِحٌ تَتْبَعُها نَوائِحٌ »(2.)وأقبل الإمام على الباب ليفتحه فعسر عليه ، لأنها كانت من جذوع النخل لا من الساج فاقتلعها فانحل إزاره فشده وهو يقول :اشْدُدْ حَيازيمَكَ لِلْمَوتِ *** فَإِنَّ المَوتَ لاقيكاوَلَا تَجْزَعْ مِنَ الْمَوْت *** إذا حَلَّ بناديكا (3)وخرج الإمام فلما انتهى إلى بيت الله جعل على عادته يوقظ الناس لصلاة الصبح ، وشرع الإمام في أداء الصلاة ، فلما استوى من السجدة الأولى هوى عليه الوغد الأثيم ابن ملجم بسيفه وهو يهتف بشعار الخوارج : « الحكم لله لا لك » .وضرب الإمام على رأسه فقد جبهته الشريفة ، وانتهت الضربة القاسية إلى دماغه


1) المستدرك على الصحيحين: 3: 143 .

2) مروج الذهب : 3 : 291 .

3) حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام) : 1 : 557 .

المقدّس الذي ما فكّر إلا في إقامة العدل وتدمير الظلم وإسعاد البؤساء والفقراء .ولما أحسن الإمام بلذع السيف رفع صوته قائلاً: « فُرْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَة..».لقد فزت يا إمام المتقين ويعسوب الدين ، فأي فوز أعظم من فوزك ، لقد أقمت الإسلام بسيفك ، وجاهدت في سبيل الله كأعظم ما يكون الجهاد ، وحطمت الشرك وأفكار الجاهلية وتقاليدها ، ورفعت كلمة الله مع ابن عمك رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم عالية في الأرض .)لقد فزت أيها الإمام العظيم ، فأنت أوّل حاكم في دنيا الإسلام طلقت الدنيا ثلاثاً فلم تغرّك مباهجها ، ولم تخدعك السلطة ، فلم تبن لك بيتاً ، ولم تدخر لعيالك وأبنائك شيئاً من حطام الدنيا .لقد فزت فقد كانت نهايتك المشرّفة في أقدس بيت من بيوت الله ، وفي أعظم شهر من شهور الله ، فبداية حياتك في الكعبة ونهايتها في هذا الجامع العظيم ، ولسانك يلهج بذكر الله .ولما وقع الإمام صريعاً في محرابه هتف معرفاً بقاتله قائلاً:« قَتَلَنِي ابْنُ الْيَهُودِيَّةِ عَبْدُ الرَّحمنِ بنِ مُلْجِم فَلَا يَفوتَنَّكُمْ ..».وهرع الناس من كل جانب قد أذهلهم الخطب وأضناهم المصاب ، وبلغ بهم الحزن إلى قرار سحيق ، فوجدوا الإمام صريعاً في محرابه فأخذوا يندبونه بذوب أرواحهم ولم يستطع الإمام الصلاة بالناس ، فصلّى وهو جالس والدم ينزف منه ، وأمر ولده الإمام الحسن فصلّى بالناس ، وحمل الإمام إلى منزله ، وألقي القبض على الوغد ابن ملجم فجيء به مخفوراً إلى الإمام (علیه السّلام فقال له بصوت خافت :)« لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِذاً ، وَأَمْراً عَظيماً ، أَلَمْ أَشْفِقْ عَلَيْكَ وَأَقَدِّمَكَ عَلى غَيْرِكَ في الْعَطاءِ فَلِمَاذَا تُجازِينِي بِهَذَا الْجَزاء ؟ » .

والتفت الإمام إلى ولده الحسن فأوصاه بالبر والإحسان بابن ملجم قائلاً:« يا بُنَيَّ ، ارْفِقُ بِأَسيركَ وَارْحَمْهُ ، وَاشْفِقْ عَلَيْهِ . . » .فيهر الحسن وقال : « يا أَبَناهُ ، قَتَلَكَ هذَا اللعينُ ، وَفَجَعَنا بِكَ ، وَأَنْتَ تَأْمُرُنا بالرِّفْقِ بِهِ ! » .فأجابه الإمام بما انطوت عليه نفسه من المُثل العليا قائلاً :« يا بُنَيَّ ، نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ ، أَطْعِمْهُ مِمَا تَأْكُلْ ، وَاسْقِهِ مِمَا تَشْرَبْ ، فَإِنْ أَنَا مُتُّ فَاقْتَصَّ مِنْهُ بِأَنْ تَقْتُلَهُ ، وَلَا تُمَثَّلْ بِالرَّجُلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ : إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ ، وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقورِ ، وَإِنْ أَنَا عِشْتُ فَأَعْلَمُ مَا أَفْعَلُهُ بِهِ ، وَأَنَا أَوْلَى بِالْعَفْوِ ، فَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَزْدادُ عَلَى الْمُذْنِبِ إِلَيْنَا إِلَّا عَفْواً وَكَرَماً ...».أي نفس ملائكية هذه النفس التي توصي بالبر والإحسان لقاتلها .### السيدة أم كلثوم مع ابن ملجموبكت السيدة أم كلثوم وأخذت تندب أباها بأشجى ما تكون الندبة ، وأكبر الظنّ أنّها العقيلة زینبفقالت للباغي الأثيم ابن ملجم : «يا عدو الله ، قتلت أمير المؤمنين .. » .فردّ عليها الباغي الزنيم : لم أقتل أمير المؤمنين ولكن قتلت أباك .فردت عليه : « والله إنّي لأرجو أن لا يكون عليه بأس . . . ».فأجابها ابن ملجم بصلف وشماتة : فلِمَ تبكين إذاً علي تبكين ، والله لقد أرهقت السيف ، ونفيت الخوف ، وخسئت الأجل ، وقطعت الأمل ، وضربته ضربة لو كانت بأهل عكاظ - وقيل : بربيعة أو مضر - لأتت عليهم ، والله لقد سممته شهراً

فإن أخلفني فأبعده سيفاً وأسحقه (1.)لك الويل أيّها الأثيم فقد عمدت لاغتيال أقدس إنسان بعد الرسول ع ، أراد أن يقيم الحق ويوزّع خيرات الله في الأرض على المحرومين والمضطهدين ، لقد خسرت صفقتك ويؤت بغضب الله وعذابه الدائم .### العقيلة (علیها السّلام مع أبيها)وهرعت عقيلة بني هاشم السيدة زینب (علیها السّلامإلى أبيها وهي تبكيه وتندبه ، وقد ذابت نفسها حزناً وألماً ، وطلبت منه أن يحدّثها بالحديث الذي سمعته من المرأة الصالحة ام أيمن عن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) عما يجري عليها من الكوارث والخطوب ، ولم يكن عند الإمام (علیه السّلام) قوة على الكلام فقال لها :)«الْحَديثُ كَمَا حَدَّثَكِ أُمُّ أَيْمَن ، وَكَأَنِّي بِكِ وَبِنِساءِ أَهْلِكِ سَبَايَا بِهِذَا الْبَلَدِ ، أَذِلَاءَ خاشِعِينَ تَخافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ، فَصَبْراً صَبْراً ، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسمَةَ . ما لِلَّهِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ وَلِيٌّ غَيْرُكُمْ وَغَيْرُ مُحِتِيكُمْ وَشِيعَتِكُمْ ، وَلَقَد قالَ لَنا رَسولُ الله له حينَ أَخْبَرَنَا بِهَذَا الْخَبَرِ : إِنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ - أَي يَوْمَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ يَطيرُ فَرَحاً فَيَجولُ الْأَرْضَ كُلَّها بِشَيَاطِينِهِ وَعَفاريتِهِ ، فَيَقولُ : يَا مَعاشِرَ الشَّياطينِ ، قَدْ أَدْرَكْنَا مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ الطَّلْبَةَ ، وَبَلَغْنا في مَلاكِهِمُ الْغَايَةَ ، وَأَوْرَثْناهُمُ النّارَ ، أَلا مَنِ اعْتَصَمَ بِهذِهِ الْعِصابَةِ فَاجْعَلُوا شُغْلَكُمْ بِتَشْكيكِ النَّاسِ فِيهِمْ وَحَمْلِهِمْ عَلَى عَداوَتِهِمْ ، وَإِغْرائِهِمْ بِهِمْ وَأَوْلِيانِهِمْ ، حَتَّى تَسْتَحْكِمَ ضَلالَةُ الْخَلْقِ وَكُفْرُهُمْ ، وَلَا يَنْجو مِنْهُمْ نَاجِ ، وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ وَهُوَ كَذُوبٌ ، أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ مَعَ عَداوَتِكُمْ


1) أنساب الأشراف : 1 : 216 ، القسم الأول .

عَمَلٌ صالِحٍ ، وَلَا يَضُرُّ مَعَ مَحَبَّتِكُمْ وَمُوالاتِكُمْ ذَنْبٌ غَيْرُ الْكَبَائِرِ »(1.)### وصاياه (علیه السّلام)وجعل الإمام (علیه السّلاموهو في الساعات الأخيرة من حياته يوصي أبناءه وفي طليعتهم سيدا شباب أهل الجنة الإمام الحسن والإمام الحسين (علیهما السّلام) بمكارم الأخلاق والزهد في الدنيا ، ومن بنود وصيّته هذه الوصايا الخالدة ، قال (علیه السّلام) :)«أُوصِيكُما بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَأَنْ لَا تَبْغِيا الدُّنْيا وَإِنْ بَغَتْكُما ، وَلَا تَأْسَفًا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُما ، وَقُولَا لِلْحَقِّ ، وَاعْمَلَا لِلْأَجْرِ ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً ، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً».أوصيكما ، وَجَميعَ وُلدي وَأَهْلي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابي ، بِتَقْوَى اللهِ ، وَنَظْم أَمْرِكُمْ . وَصَلَاحٍ ذَاتِ بَيْنِكُمْ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُما يَقُولُ : صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصَّيامِ.الله اللهَ فِي الْأَيْتَامِ ! فَلَا تُغِبُوا أَفْوَاهَهُمْ (2، وَلَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ.)وَاللهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةٌ نَبِيِّكُمْ؛ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُّهُمْ.وَاللهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ الَا يَسْبِقْكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ.والله الله في الصَّلَاةِ فَإِنَّها عَمُودُ دِينِكُمْ.وَاللهَ اللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ ، لَا تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا(3.)


1) كامل الزيارات : 266 .

2) لا تغبوا أفواههم : أي لا تقطعوا صلتكم عنهم ، وصلوا أفواههم بالطعام دوماً .

3) أي لم ينظر إليكم بالكرامة .

وَالله الله في الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ !وَعَلَيْكُمْ بِالتَّواصُلِ وَالتَّباذُلِ (1، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدابَرَ وَالتَّقاطِعَ ، لَا تَتْرُكوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَتَوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرارُكُمْ ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ.)ثم وجّه وصيته إلى آله وذويه قائلاً :يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ فِي دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً ، تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (2أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قاتِلِي.)انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةٌ بِضَرْبَةٍ ، وَلَا تُمَثَّلُوا بِالرَّجُلِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بَالْكَلْبِ الْعَقُور »(3.)وحفلت هذه الوصية بالقيم الخالدة التي هي من أروع ما خلفه الأنبياء والمصلحون لأممهم وشعوبهم .### إقامة الإمام الحسن (علیه السّلام من بعده)وأقام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلامولده الأكبر سبط رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الإمام الحسن (علیه السّلام)خليفة على المسلمين من بعده ، وأجمعت الشيعة على ذلك .)وذهب بعض أهل السنّة إلى أن الإمام الا لم يستخلف أحداً من بعده ، مستدلّين على ذلك بما رواه شعيب بن ميمون الواسطي أنه قيل لعلي : ألا تستخلف ؟


1) التباذل : العطاء والصلة .

2) يشير بذلك إلى مصرع عثمان الذي اتخذ الأمويون دمه ورقة رابحة في سبيل أطماعهم السياسية .

3) نهج البلاغة : 3: 85 .

فقال : « إِنْ يُرِدِ اللهُ بِالأُمَّةِ خَيْراً يَجْمَعُهُمْ عَلَى خَيْرِهِم » .وهذه الرواية من موضوعات شعيب ومن مناكيره ، كما نص على ذلك ابن حجر (1.)إنّ الإمام الحسن (علیه السّلام هو أفضل إنسان في المجتمع الإسلامي ، فهو سيد شباب أهل الجنة ، وإمام إن قام أو قعد - على حد تعبير رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وقد توفرت فيه جميع الصفات الكريمة والنزعات الرفيعة فكيف لا يرشّحه الإمام لهذا المنصب الخطير ومن هو أحق به منه .)### الوصية الأخيرة للإمام (علیه السّلام)أمّا الوصية الأخيرة للإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام فقد روتها عقيلة بني هاشم السيدة زینب (علیها السّلام)قالت : «كان آخر عهد أبي إلى أخوي - الحسن والحسين (علیهما السّلام) - أنه قال لهما : يا بُنَيَّ ، إِذا أَنَا مِتُّ فَغَسَّلاني ، ثُمَّ نَشَّفاني بِالْبَرْدَةِ الَّتِي نُشَّفَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وفاطِمَةُ (علیها السّلام)، وَحَنَّطاني وَسَجِّياني عَلى سَريري ، ثُمَّ انْظُرُوا حَتَّىٰ إِذَا ارْتَفَعَ لَكُما مُقَدَّمُ السَّرِيرِ فَاحْمِلا مُؤَخَّرَه»(2).)### إلى جنة المأوىولمّا أدلى الإمام (علیه السّلام بوصاياه أخذ يعاني آلام الموت وهو يتلو آيات الذكر الحكيم ويكثر من الدعاء والاستغفار ، ولما دنا منه الأجل المحتوم كان آخر ما نطق به : ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) (3)، ثم فاضت روحه الزكية إلى جنة المأوى ،)


1) تهذيب التهذيب : 4 : 357 .

2) زینب الكبرى : 38 .

3) الصافات 37 : 61 .

لقد ارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي أضاء الدنيا بعدله وعمله وكماله ، فما أظلت سماء الدنيا قط أفضل ولا أسمى منه ما عدا أخاه وابن عمه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم .)لقد مادت أركان العدل ، وانطمست معالم الحق ، ومات أبو الغرباء والبؤساء .سيّدي أبا الحسن ، لقد مضيت إلى عالم الخلود ، وأنت مكدود مجهود ، قد جهل حقك ، وأبعدت عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وقد تظافرت الأسر القرشية على حربك ، ووضعت الحواجز والسدود أمام مخططاتك الإصلاحية ، كما فعلت مثل ذلك مع ابن عمّك رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. .)### تجهيزه ودفنه (علیه السّلام)وقام الإمام الحسن مع بقية إخوانه بتجهيز أبيه ، فغسلوا الجسد الطاهر وأدرجوه في أكفانه ، وصلّوا عليه ، وفي الهزيع الأخير من الليل حملوا الجثمان المقدّس إلى مقرّه الأخير ، وكانت معهم العقيلة زینب(1وهي تذرف الدموع ، وقد نخب الحزن فؤادها ، ودفنوا الجثمان المعظم في النجف الأشرف حيث مقره الآن كعبة للوافدين وجامعة من أهم الجامعات في الإسلام .)لقد شاهدت السيدة زینب (علیها السّلامالكوارث والخطوب التي أحاطت بأبيها فملأت قلبها الزاكي أسى وحزناً ، وعرفتها بما تكنه قريش من الحقد والحسد لأبيها ، وسائر أبناء الأسرة النبوية .)### عهد الإمام الحسن (علیه السّلام)وفي صبيحة اليوم الذي وارى فيه الإمام الحسن (علیه السّلامجثمان أبيه انبرى إلى جامع)


1) زینب الكبرى : 38 .

الكوفة يحفّ به أخوته وسائر بني هاشم ، وقد اكتظ الجامع بمعظم قطعات الجيش وقادة الفرق والوجوه والأشراف، فاعتلى المنبر فابتدأ خطابه بتأبين أبيه عملاق الفكر الإسلامي ، وكان تأبينه منسجماً تمام الانسجام مع سموّ شخصية أبيه ، فقد وصفه بأبلغ وأروع ما يكون الوصف وصفه بهذه الكلمات الذهبية :«لَقَدْ قُبِضَ في هذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ لَمْ يَسْبِقُهُ الْأَوَّلُونَ بِعَمَلِ وَلَمْ يُدْرِكْهُ الْآخِرُونَ بِعَمَلٍ .. ».ومعنى ذلك أن أباه نسخة فريدة لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية في جميع الأزمان والآباد ، فإن من المحقق أنه ليس في ميدان الاصلاح الاجتماعي والسياسي زعيم كالإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام في نزاهته وتجرّده من جميع النزعات المادية ، فقد تقلّد زمام الحكم وكان معظم الشرق خاضعاً لحكمه ، وكانت الأموال تجبى له كالسيل فلم يؤثر نفسه وأهله بشيء منها ، ولم يخلّف صفراء ولا بيضاء سوى سبعمائة درهم كان قد ادّخرها من راتبه ليشتري بها عبداً يستعين به أهله في حاجاتهم إلا أنه عدل عن ذلك ، وأمر ولده الحسن بإرجاعها إلى بيت المال ، كما أعلن ذلك الإمام الحسن في خطابه استمعوا له ، قال (علیه السّلام):)« وَما خَلَّفَ صَفْراءً وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا سَبْعَمَانَةِ دِرْهَم فَضْلَتْ مِنْ عَطَائِهِ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا خادِماً لأَهْلِهِ ، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَرُدَّهَا إِلَىٰ بَيْتِ الْمَالِ .. ».وكان ذلك حقاً هو منتهى السموّ والعظمة ، ومنتهى التجرّد عن الدنيا والزهد في جميع مظاهرها وملاذها .ولما أنهى الإمام الحسن (علیه السّلام خطابه الرائع بايعه الجمهور وكانوا أصنافاً و أ وهم :)1 - قادة الفرق والزعماء ، وهؤلاء كان معظمهم مع معاوية فقد استمالهم بأمواله وذهبه ، ووعدهم بالمناصب العالية إن انضموا إليه .

2 - الخوارج ، وهم من ألد أعدائه وأعداء أبيه ، وكانوا يكيدون له في وضح النهار وغلس الليل .3 -المؤمنون من شيعته ممن عرفوا حقه ، ودانوا له بالولاء والطاعة ، وهم قلة قليلة .وعلى أي حال فقد علم معاوية ما مُني به جيش الإمام الحسن من الضعف والانحلال والتمرّد على قيادته ، فكتب إلى الإمام يستنجزه الحرب ، وزحف بجيوشه الذين تسودهم الطاعة والإخلاص له ، فانتهى إلى المدائن فعسكر فيها ولما أذيع ذلك سرت أوبئة الرعب والخوف في نفوس جيش الإمام ، وقد دعاهم إلى مناجزة معاوية ، فلم يستجب له سوى بعض المؤمنين من أصحابه ، وجعل يستحثّ الناس على الخروج لحرب معاوية ، وبعد جهد شاق خرج معه أخلاط من الناس - على حدّ تعبير الشيخ المفيد - متباينون في أفكارهم وميولهم ، وأخذوا يجدون في السير لا يلوون على شيء حتى انتهوا إلى المدائن فعسكروا فيها .### حوادث رهيبة#### 1 - خيانة القائد العامّومني الإمام الحسن (علیه السّلام بحوادث مروّعة حينما كان في مسكن كان من أقساها وأفجعها ما يلي :)1 - خيانة القائد العامّوكان عبيد الله بن العباس قائداً لجميع القوات المسلحة في جيش الإمام ، ولما تيقن أن الدنيا قد تنكرت للإمام انحرف عنه ومال إلى معسكر معاوية بعد أن تسلّم الرشوة منه ، وقد اضطرب جيش الإمام وماج بالفتن ، وكانت خيانته من أفجع النكبات التي مُني بها الإمام .

#### 2 - تسلل الوجوه إلى معاويةوتسلّل الوجوه والأشراف فى جيش الإمام إلى معاوية بعد أن تسلّموا منه الأموال .#### 3- خيانة ثمانية آلافوالتحق بمعسكر معاوية ثمانية آلاف جندي مع قادتهم ، وأكبر الظنّ أنّهم من أتباع الخائن العميل الأشعث بن قيس ، وقد بان الانكسار والضعف بجيش الإمام بعد خيانة هذا العدد الكبير منهم .#### 4 - خيانة ربيعةوتعتبر قبائل ربيعة العمود الفقري في جيش الإمام ، فقد أقبل زعيمها خالد بن معمر إلى معاوية فقال له : أبايعك عن ربيعة كلّها ، فبايعه على ذلك .وفيه يقول الشاعر مخاطباً معاوية :مُعاوِيَ أَكْرِمْ خالِدَ بنَ مُعَمَّرٍ *** فَإِنَّكَ لَولا خَالِدٌ لَمْ تُؤَمَّرِولما انتهى الخبر إلى الإمام الحسن (علیه السّلام انهارت قواه واتجه صوب الجیش فقال لهم :)«يا أَهْلَ الْعِراقِ ، أَنْتُمُ الَّذِينَ أَكْرَمْتُمْ أَبي عَلَى الْقِتالِ وَالْحُكومَةِ ثُمَّ اخْتَلَفْتُمْ عَلَيْهِ وَقَدْ أَتاني أَنَّ أَهْلَ الشَّرَفِ مِنْكُمْ قَدْ أَتَوا مُعاوِيَةَ فَبَايَعوهُ ، فَحَسْبِي مِنْكُمْ لا تَغُرُوني في نفسي وديني» (1.)


1) أنساب الأشراف: 1 : 223 ، القسم الأوّل .

وكذلك بايع معاوية سرّاً عثمان بن شرحبيل زعيم بني تميم (1.)#### 5 - نهب أمتعة الإمام (علیه السّلام)وعمدت تلك العصابة التي انمحت عن نفوسها جميع أفانين الشرف والكرامة إلى نهب أمتعة الإمام وأجهزته ، وأكبر الظنّ أنّ للخوارج ضلعاً كبيراً في هذه الجريمة .#### 6 - محاولة اغتيال الإمام (علیه السّلام)ولم تقف محنة الإمام الحسن (علیه السّلام في جيشه عند حد ، فقد عظم بلاؤه إلى أكثر من ذلك ، فقد أقدم المرتشون والخوارج على اغتياله وذلك في عدة محاولات وهي :)1 - إنه كان يصلي فرماه شخص بسهم .2 - طعنه الجرّاح بن سنان في فخذه .3 - طعنه بخنجر في أثناء الصلاة .واتضحت للإمام (علیه السّلام بعد هذه الاعتداءات الصارخة على حياته أنه ليس عنده جيش يركن إليه لمناجزة معاوية .)#### 7 - الحكم عليه بالكفرومن بين المحن الشاقة التي امتحن بها الإمام الحسن (علیه السّلام أن بعض العناصر في جيشه حكموا عليه بالشرك والإلحاد، وأكبر الظنّ أنّهم الخوارج الذين لا نصيب لهم من الإيمان والإسلام .)


1) حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام) : 2 : 127 .

وعلى أي حال فقد انبرى الجراح بن سنان نحو الإمام وهو رافع صوته قائلاً:أشرکت یا حسن كما أشرك أبوك من قبل .إنّ مجتمعاً يضمّ أمثال هؤلاء الأوغاد لهو مجتمع غير سليم .### ضرورة الصلحو درس الإمام الحسن (علیه السّلام الموقف من جميع جوانبه ووجوهه ورأى أنه بين محذورين وهما :)الأول : أن يناجز معاوية ويفتح معه باب الحرب ، وهذا ما يطلبه ويبغيه لإنقاذ العالم الإسلامي من هذا العدو الظالم الذي يكيد له في الليل إذا يغشى وفي النهار إذا تجلى ، فحربه أمر لازم وضروري ، ولكن ذلك لا سبيل له ، ولا تساعده الحكمة وعمق النظر وذلك لما يلي :1 - إنّه ليس عند الإمام قوة عسكرية يستطيع أن يخوض بها الحرب ، فإنّ الأكثرية الساحقة من جيشه قد استجابت لمعاوية ، وآثرت السلم والعافية.2 - إنّ معاوية قد أرشى معظم قادة الفرق في جيش الإمام ، فصاروا طوع إرادته ، وضمنوا إنجاز ما يريد من اغتيال الإمام أو تسليمه له أسيراً .3 - إن من المؤكد أن معاوية هو الذي ينجح في الحرب - حسب الفنون العسكرية - فإذا استشهد الإمام فإنّه لا يستشهد وحده ، وإنما يستشهد معه جميع أفراد أسرته وخلص شيعته ، ولا تستفيد القضية الإسلامية من تضحيتهم شيئاً ، فإنّ دهاء معاوية وما يتمتع به من وسائل المكر والخداع يجعل تبعة ذلك على الإمام ، وبذلك يخسر العالم الإسلامي أهم رصيد روحي وفكري .4 - إنّ الإمام إذا لم يستشهد وأخذ أسيراً لمعاوية ، فإنّ من المحقق أنه يمن عليه ، ويوصمه مع بقية أهل البيت بالطلقاء ، ويسجّل له بذلك يداً على العلويين

ويمحو عنه وعن الأمويين وصمة الطلقاء التي أطلقها عليهم النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم حينما فتح مكة .)الثاني : أن يصالح معاوية على ما في الصلح من قذى العين وشجا الحلق ، وهذا هو المتعيّن في عرف السياسة وقوانين الحكمة ، وله مرجّحاته الواقعية والظاهرية التي أشرنا إليها .وكان من أعظم فوائد الصلح ومن أهم ثمراته إبراز الواقع الأموي الذي خفي على المسلمين فقد تظاهر الأمويون بالإسلام، وأشاعوا أنهم حماة الدين ، وأقرب الناس إلى النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم وأمسهم رحماً به ، وبعد الصلح انكشف زيفهم ، وظهر واقعهم الجاهلي ، فقد تفجرت سياسة معاوية بكل ما خالف كتاب الله وسنّة نبيه ، فقد أعلن بعد الصلح مباشرة أمام الحشود فخاطب أهل العراق قائلاً:)إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتزكوا ولا لتحجوا وإنّما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك ، وإنّي قد أعطيت الحسن بن علي شروطاً لا أفي بواحد منها وها هي تحت قدمي .ولو لم يكن للصلح من فائدة إلا إبراز حقيقة معاوية وتجريده من كل إطار ديني لكفى ، فقد أبرز معاوية واقعه بهذا الخطاب ، فهو لم يقاتل أهل العراق من أجل الطلب بدم عثمان ، ولا من أجل ظاهرة إسلامية ، وإنّما قاتلهم من أجل الإمرة والسلطان ، ولو كان يملك ذرّة من الشرف والكرامة لما فاه بذلك ، ولما أعلن نقضه للعهود والمواثيق التي أعطاها للإمام الحسن (علیه السّلام.)وعلى أي حال فإنّا قد بسطنا القول بصورة موضوعية وشاملة في بيان ضرورة الصلح ، وإنّه هو المتعيّن على الإمام شرعاً وسياسة في كتابنا ( حياة الإمام الحسن (علیه السّلام ) ، كما استوفينا البحث من الشروط التي شرطها الإمام على معاوية والتي لم يف بشيء منها ، فمن أراد الإلمام بهذه البحوث عليه بمراجعة الكتاب .)

### السفر إلى يثربوأخذ الإمام الحسن (علیه السّلام يتهيأ للسفر إلى يثرب ، ويترك البلد الذي خذله وخذل أباه من قبل ، ولما تمت وسائل النقل خرج أهل الكوفة إلى توديعه وهم ما بين باك وآسف ، يندبون حظهم التعيس ، فقد أصبح بلدهم مصراً من الأمصار بعد أن كانت عاصمة الدولة الإسلامية ، وأصبحت القطع السورية من الجيش تدخل مصرهم وتسيطر عليهم ، ويقام في بلدهم حكم إرهابي لا يعرف الرحمة ولا الرأفة .)وعلى أي حال فقد انتهى الإمام إلى يثرب فخف أهلها إلى استقباله ، فقد أقبل إليهم الخير ، وحلّت في ديارهم السعادة .وعلى أي حال فقد أفلت دولة الحق وقامت على أنقاضها دولة الباطل ، وكان ذلك من أعظم النكبات التي عانتها حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم وعقيلة بني هاشم السيّدة زینب (علیها السّلام)، فكانت عالمة بمجريات الأحداث ونتائجها التي كان منها ما عانته من الرزايا والخطوب في كربلاء .)

## حكومة معاوية### عداؤه للنبي صلى الله عليه وسلم

واستقبل المسلمون حكومة معاوية بكثير من الوجوم والقلق والاضطراب واعتبروها نكسة للإسلام ، ونصراً حاسماً للقوى المعادية له والحاقدة عليه ، وفي طليعتها الأسرة الأموية ومن شايعها من القبائل القرشية .فقد انتعشت الأفكار الجاهلية وعادت لها الحياة من جديد ، وانطوت الديمقراطية الإسلامية ، وما تنشده من التقدم والتطوّر للإنسان في مجالاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .يقول السيّد مير علي الهندي : « ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم التوليغارشية الوثنية السابقة ، فاحتل موقع ديمقراطية الإسلام ، وانتعشت الوثنية بكل ما يرافقها من خلاعات ، وكأنها بعثت من جديد ، كما وجدت الرذيلة والتبذل الخُلقي لنفسها متسعاً في كل مكان ارتادته رايات حكم الأمويين من جند الشام . . » (1.)لقد وقعت الأمة فريسة تحت أنياب معاوية فساسها سياسة سوداء تفجرت بكل ما خالف كتاب الله وسنّة نبيه ، فأشاع فيها البؤس والحرمان والقتل والدمار ،


1) روح الإسلام : 296 .

ونعرض - بإيجاز - لبعض نزعاته وصورة عن سياسته .عداؤه للنبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم)وورث معاوية عداءه للرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم من أبيه أبي سفيان الذي هو من ألد أعدائه وخصومه ، وقد ناجزه الحرب في بدر وأحد وغيرهما ، وقد حاول جاهداً أن يلف لواء الإسلام ويطفىء نور الله ، ولكن الله تعالى ردّ كيده ونصر رسوله وأعز جنده .)وأمّا أمّ معاوية فهي الباغية هند ، وهي التي عُرفت بالعداء العارم للأسرة العلوية ، وهي التي حرّضت وحشياً على قتل سيّد الشهداء حمزة فقتله ، وبعد قتله مثلت به شرّ تمثیل .ولا يقل معاوية في عدائه للنبي عن أبويه ، فقد أترع بالكراهية والبغض له وكان من حقده له أنّه سمع المؤذن يؤذن : أشهد أن محمداً رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم، فلم يملك إهابه ، واندفع قائلاً: « الله أبوك يابن عبد الله ، لقد كنت عالي الهمة ، ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم ربّ العالمين» (1).)وكان من حقده على النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم ما حدث به مطرف بن المغيرة قال : وفدت مع أبي على معاوية فكان يتحدث عنده ، ثمّ ينصرف إليَّ ، وهو يذكر معاوية وعقله ، ويعجب بما يرى منه ، وأقبل ذات ليلة وهو غضبان ، فأمسك عن العشاء فانتظرته ساعة ، وقد ظننت أنه شيء حدث فينا أو في عملنا فقلت له :)ما لي أراك مغتماً هذه الليلة ؟- يا بني ، جئتك من أخبث الناس .- ما ذاك ؟


1) شرح نهج البلاغة : 10 : 101 .

خلوت بمعاوية فقلت له : إنّك قد بلغت مناك يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدلاً ، وبسطت خيراً فإنّك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه .فثار معاوية وقال : هيهات هيهات ، ملك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل أبو بكر ثم ملك أخو عدي فاجتهد عشر سنين ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر ، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، فعمل به ما عمل ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، وأن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات أشهد أن محمداً رسول الله ، فأي عمل يبقى بعد هذا لا أُمّ لك إلا دفناً دفناً (1.)وتحكي هذه البادرة مدى حقده وبغضه للنبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم، وأنه يسعى جاهداً لمحو ذكره وإطفاء نوره .)### بغضه لآل النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم)### أولاً: ستر فضائلهم (علیهم السّلام)وكان معاوية من أبغض الناس وأحقدهم على آل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قام بما يلي :أولاً: ستر فضائلهم (علیهم السّلام)وأوعز معاوية إلى جميععماله وولاته بستر فضائل آل النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم وحجبها عن الناس ، وقد حج بيت الله الحرام بعد عام الصلح فقام إليه جماعة من الناس سوى ابن عباس فبادره معاوية قائلاً : يابن عباس ، ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا لموجدة عليّ بقتالي إيّاكم يوم صفين ، يابن عباس ، إن ابن عمّي عثمان قتل مظلوماً ..)


1) شرح نهج البلاغة : 2 : 297 .

فردّ عليه ابن عباس : فعمر بن الخطاب قتل مظلوماً ، فسلم الأمر إلى ولده ، وهذا ابنه - وأشار إلى عبد الله بن عمر - .فأجابه معاوية : إنّ عمر قتله مشرك ...فانبری ابن عباس قائلاً : فمن قتل عثمان ؟- قتله المسلمون .وأمسك ابن عباس بزمامه قائلاً : فذلك أدحض لحجّتك إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه ، فليس إلا بحق .ووجم معاوية ثمّ قال : إنا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته فكف لسانك يابن عباس .فأجابه ابن عباس ببليغ منطقه : أفتنهانا عن قراءة القرآن ؟- لا .- أفتنهانا عن تأويله ؟- نعم .- فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به ؟- نعم .- فأيهن أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟- العمل به .- فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟- سل عن ذلك فمن يتأوّله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك .- إنّما نزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط .فاقرأوا القرآن ، ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم وممّا قاله رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم)

فيكم، وارووا ما سوى ذلك .وسخر منه ابن عباس وتلا قوله تعالى : (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (1).)وصاح به معاوية : اكفف نفسك ، وكفّ عنّي لسانك ، وإن كنت فاعلاً فليكن سراً ، ولا تسمعه أحداً علانية .لقد جهد معاوية في ستر فضائل أهل البيت (علیه السّلام و محو ذكرهم حتى لا يبقى لهم أي رصيد شعبي في الأوساط الإسلامية .)### ثانياً : اضطهاد الشيعة#### 1 - القتل الجماعيواضطهدت الشيعة اضطهاداً مريراً وقاسياً في أيام معاوية ، فقد انتقم منهم كأقسى وأشدّ ما يكون الانتقام ، وكان ما عانوه منه لا يوصف لشدة قسوته ومرارته ، وهذه صورة موجزة لما عانوه .1 - القتل الجماعيوعهد معاوية إلى الجلادين من شرطته بقتل الشيعة وإبادتهم ، فقتل المجرم بسر بن أرطأة بعد التحكيم ثلاثين ألفاً عدا من أحرقهم بالنار (2.)وقتل سمرة بن جندب ثمانية آلاف من أهل البصرة (3.)وأما زياد ابن أبيه فقد اقترف أفظع الجرائم فقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وأنزل بالشيعة جميع صنوف العذاب ، كما صفّى معاوية جميع العناصر الواعية


1) التوبة 9 : 32 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 17 .

3) شرح نهج البلاغة : 2 : 6 .

من الشيعة وكان منهم :1 - حجر بن عدي وجماعته2 - عمرو بن الحمق الخزاعي .3 - رشيد الهجري .4 - أوفى بن حصن .5 - عبد الله الحضرمي وجماعته .6 - جويرية العبدي .7 - عبد الرحمن العنزي .8 - صيفي بن فسيل .وقد ذكرنا بصورة مفصلة كيفية شهادتهم وما لاقوه من التنكيل من معاوية لمحبتهم لأهل البيت .#### 2 - ترويع النساءوروّع معاوية جمهرة من سيّدات نساء الشيعة كان من بينهنّ :1 - الزرقاء بنت عدي .1 - أم الخير البارقية .3- سودة بنت عمارة .4 - أم البراء بنت صفوان5 - بكارة الهلالية .6 - أروى بنت الحارث .7 - عكرشة بنت الأطرش .

8 - الدارمية الحجونية .لقد لاقت هؤلاء السيدات التوهين والتقريع والترويع من معاوية لولائهن لأهل البيت .#### 3 - هدم دور الشيعةوأوعز معاوية إلى عماله بهدم دور الشيعة فقاموا بهدمها (1، وتركوهم بلا مأوى يأوون إليه .)#### 4 - حرمان الشيعة من العطاءوكتب معاوية إلى عماله نسخة واحدة بحرمان الشيعة من العطاء وهذا نصها :«انظروا إلى من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه »(2.)وقام عملاؤه بالفحص في سجلاتهم فمن وجدوه يتعاطف مع أهل البيت (علیهمالسّلام محوا اسمه ، وأسقطوا عطاءه .)#### 5 - رفض شهادة الشيعةوعمد معاوية إلى إذلال الشيعة وتجريحهم فأوعز إلى ولاته بعدم قبول شهادة الشيعة في دور القضاء وغيره (3مبالغة في التوهين بهم .)#### 6 - إبعاد الشيعة إلى خراسانومن الإجراءات القاسية التي اتخذها زياد ابن أبيه عمدة ولاة معاوية وأخوه


1) شرح نهج البلاغة : 11 : 44 .

2) شرح نهج البلاغة : 11 : 44 .

3) حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام) : 2 : 178 .

اللاشرعى ضدّ شيعة أهل البيت وكسر شوكتهم أنّه أجلى خمسين ألفاً منهم من الكوفة إلى خراسان المقاطعة الشرقية في فارس(1.)وقد عمل المبعدون على نشر التشيّع في تلك البلاد حتى تحوّلت إلى جبهة قوية للمعارضة ضدّ الحكم الأموي ، وقد استغلها أبو مسلم الخراساني فجندها وحارب بها الأمويين حتى أطاح بدولتهم .هذه بعض الإجراءات الرهيبة التي اتخذها معاوية ضد الشيعة ، وهي تمثل مدى حقده وعدائه لأهل البيت (علیهم السّلام.)أما البحث عن نزعاته الشريرة وسائر أعماله المجافية لروح الإسلام والقانون فقد ذكرناها بصورة مفصلة في الجزء الثاني من كتابنا ( حياة الإمام الحسین (علیه السّلام ) فلا حاجة لذكرها .)### اغتيال الإمام الحسن (علیه السّلام)وأكبر موبقة اقترفها معاوية ضدّ الإسلام والمسلمين اغتياله لسبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام الحسن (علیه السّلام الذي أعطاه عهداً بأن تكون الخلافة له من بعده إلا أنه خان بعهده ، وراح ينشئ دولة أموية تنتقل بالوراثة إلى أبنائه وأعقابه .)وقد وصفه ( الميجر أوزبورن بأنّه مخادع وذو قلب خال من كل شفقة ، وأنّه كان لا يتهيب من الإقدام على أيّة جريمة من أجل أن يضمن مركزه ، فالقتل إحدى وسائله لإزالة خصومه ، وهو الذي دبّر تسميم حفيد الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، كما تخلّص من مالك الأشتر قائد على بنفس الطريقة (2).)واستعرض الطاغية السفاك المجرمين ليعهد إلى أخسهم باغتيال ريحانة


1) تاريخ الشعوب الإسلامية : 1 : 147 .

2) روح الإسلام : 295 .

رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم، فلم يجد أحداً خليقاً باقتراف هذه الجريمة سوى جعدة بنت الأشعث ، فهي من بيت جبل على الجريمة وطبع على الغدر والخيانة ، فأرسل إلى مروان بن الحكم سمّاً فاتكاً كان قد جلبه من ملك الروم ، وأمره بإغراء جعدة بالأموال وزواج ولده يزيد إن استجابت له ، وعرض عليها مروان ذلك فاستجابت له فأخذت السم ودسته للإمام ، وكان صائماً في وقت شديد الحرّ ، وما إن وصل السمّ إلى جوف الإمام حتى تقطعت أمعاؤه .)فالتفت (علیه السّلامإلى الخبيثة الماكرة وقال لها :« قَتَلْتيني قَتَلَكِ اللَّهُ ، وَاللَّهُ لَا تَصيبينَ مِنِّي خَلَفاً ، لَقَدْ غَرَّكِ - يعني معاوية - وَسَخِرَ مِنْكِ ، يُخْزِيكِ اللهُ وَيُخْزيه . . »(1).)وأخذ ريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم يعاني من شدّة السم وقسوته وكان يتقيأ قطعاً من الدم في طشت ، فدخلت عليه شقيقته سيّدة النساء العقيلة ، فأمر برفع الطشت لئلا ترى ما فيه فيذوب قلبها ، فنظرت العقيلة إلى أخيها وهو مصفر الوجه قد فتك السمّ به ، فانهارت قواها ، وطافت بها موجات مذهلة من الألم والحزن ، فقد علمت أن أخاها سيفارقها عما قريب .)وأخذ الإمام يقبل أخوته وخلّص أصحابه وهو يوصيهم بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، وتقوى الله ، والاجتناب عن معاصيه ، واشتدت حالته ، وأخذ يتلو آيات من كتاب الله العزيز ويطلب من الله تعالى أن يجعله في أعلى مراتب المتقين والصالحين ، ووافاه الأجل المحتوم ولسانه لهج بذكر الله ، وقد سمت روحه العظيمة إلى بارئها وهي مليئة بالآلام التي عانتها من معاوية العدوّ الماكر للإسلام .وقام الإمام الحسین (علیه السّلام بتجهيز جثمان أخيه ، وبعد الانتهاء من مراسيم الغسل)


1) تحف العقول: 391 .

والتكفين رأى الإمام أن يدفن أخاه بجوار جده رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم، فمنعته بنو أمية وقد استعانوا بعائشة ، فقد خرجت على بغل وهي تقول : « لا يدفن الحسن بجوار جده أو بيتي هذه ، وأومأت إلى شعر رأسها وصاحت بالهاشميين : « لا تدخلوا بيتي من لا أحبّ ، وكادت الفتنة أن تقع وتراق الدماء .)فعدل الإمام عن دفن أخيه بجوار جده ودفنه في البقيع ، وقد ذكرنا الأحداث التي رافقت دفن الإمام الحسن (علیه السّلام في كتابنا ( حياة الإمام الحسن) فلا نرى حاجة لذكرها .)### البيعة ليزيدوختم معاوية حياته الملوّثة بالجرائم والموبقات بفرض ولده يزيد خليفة على المسلمين ، وقد استخدم جميع الوسائل المنحطة في جعل الخلافة في أبنائه وتحويلها إلى ملك عضوض لا محل فيه لأي قيمة من القيم الدينية .وقد ورث يزيد صفات جده أبي سفيان وأبيه معاوية من النفاق والغدر والطيش والعداء للإسلام .يقول السيّد مير على الهندي : « وكان يزيد غدّاراً كأبيه ولكن ليس داهية مثله ، كانت تنقصه القدرة على تغليف تصرفاته القاسية بستار من اللباقة الدبلوماسية الناعمة ، وكانت طبيعته المنحلة ، وخُلقه المنحط لا تتسرّب إليهما شفقة ولا عدل ، كان يقتل ويعذب نشداناً للمتعة واللذة التي يشعر بهما وهو ينظر إلى آلام الآخرين ، وكان بؤرة لأبشع الرذائل ، وها هم ندماؤه من الجنسين خير شاهد على ذلك لقد كانوا من حثالة المجتمع »(1.)لقد كان يزيد مستهتراً بعيداً عن جميع القيم الإنسانية لا يحفل بما يقترفه


1) روح الإسلام : 296 .

من الموبقات والرذائل ، وحسبه أنّه حفيد أبي سفيان وابن معاوية الذئب الجاهلي ، ووصفه المؤرخون بأنه كان معرى من كل صفة إنسانية ، وأنه جاهلي بما تحويه هذه الكلمة من معنى .ومن مظاهر استهتاره ولعه بشرب الخمر ، ويعزو بعض المؤرخين سبب وفاته إلى أنه شرب خمراً كثيراً حتى أولد فيه انفجاراً في دماغه ، ومن أنّه كان ولعاً بالقرود ، فكان له فهد يجعله بين يديه ويكنيه بأبي قيس ، ويسقيه فضل كأسه ويقول هذا شيخ من بني إسرائيل أصابته خطيئة فمُسخ ، وكان يحمله على أتان وحشية ويرسله مع الخيل في حلبة السباق ، فحمله يوماً فسبق الخيل فسر بذلك وجعل يقول :تَمَسُك أبا قيس بفضل زمامها *** فَلَيسَ عَلَيها إِن سَقَطتَ ضَمانفَقَدْ سَبَقَتْ خَيلَ الجَمَاعَةِ كُلَّها *** وَخَيلَ أمير الْمُؤْمِنِينَ أَتانُوأرسله مرة في حلبة السباق فطرحته الريح فمات فحزن عليه حزناً شديداً وأمر بتكفينه ودفنه ، وأوعز إلى أهل الشام أن يعزوه بمصابه الأليم بهذا الفقيد العزيز ورثاه بهذه الأبيات :كَمْ مِنْ كِرامٍ وَقَومٍ ذَوو مُحافَظَةٍ *** جاءوا لَنا لِيُعَزّوا في أَبِي قَيسِشَيخُ الْعَشيرَةِ أمضاها وَأَجْمَلها *** عَلى الرُّؤوسِ وَفي الاعناقِ وَالرِّيسِلا يُبعِدُ اللهُ قَبْراً أَنْتَ ساكِنُهُ *** فيهِ جَمالٌ وَفِيهِ لِحيَةُ التّيسِ(1)وشاع بين الناس ولعه بالقرود ، وقد هجاه شاعر من تنوخ بقوله :يَزِيدٌ صَديقُ القِردِ مَل جوارنا *** فَحَنُ إِلى أَرْضِ القُرودِ يَزيدُ


1) جواهر المطالب لمناقب الإمام عليّ بن أبي طالب (علیه السّلام) : 143 .

فَتَباً لِمَنْ أَمْسَى عَلَينا خَليفَةً *** صحابَتُهُ الأَدنَونَ مِنْهُ قُرودُ (1)وكان كلفاً بالصيد لاهياً به ، وكان يُلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه ويهب لكل كلب عبداً يخدمه (2.)لقد كان يزيد عنواناً لكل رذيلة وموبقة وهو أخبث إنسان على وجه الأرض ، وأصبح علماً للانحطاط الخُلقي والظلم الاجتماعي ، وحيث ما ذكر اسمه فإنّه مثال للفساد والاستبداد والتهتك والخلاعة ، وقد ذكرنا المزيد من صفاته ونزعاته في كتابنا ( حياة الإمام الحسين .)


1) أنساب الأشراف: 2 : 2 .

2) الفخري : 45 .

## الحكم الأسود### خطابه في أهل الشام

وخيّم على العالم الإسلامي حكم إرهابي عنيف لا يخضع لعرف ولا لقانون ، ولا يستجيب لأية عاطفة إنسانية ، شعاره الظلم والاستبداد واللامبالاة ، هذا هو السمت الظاهر والواقع لحكم يزيد بن معاوية الذي بلي به المسلمون ، وامتحنوا امتحاناً عسيراً .لقد عانت عقيلة بني هاشم السيدة زینب (علیها السّلامفي عهد هذا الطاغية أشقّ وأقسى ألوان المصائب والكوارث ، كما تعرّضت الأسرة النبوية إلى الإبادة الشاملة ، فقد جزروا كالأضاحي ، ومثلت الجيوش الأموية شرّ تمثيل بأجسامهم الطاهرة كل ذلك كان بمرأى من حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فذابت نفسها أسى وحسرات ، ولم تقتصر محنتها على ذلك وإنّما تعدّت إلى ما هو أقسى وأشدّ ، فقد سبيت مع عقائل الوحي ومخدّرات الرسالة يطاف بهنّ من بلد إلى بلد .)فتارة يمثلن أمام ابن مرجانة ، وأخرى في مجلس يزيد ، فلم تبق محنة من محن الدنيا ، ولا فاجعة من فواجع الدهر إلا جرت على حفيدة الرسول صلى الله عليه وسلم في عهد هذا الطاغية الأثيم .وعلى أي حال فقد تسلّم يزيد - بعد هلاك أبيه - قيادة الدولة الإسلامية ، وهو في غضارة العمر ، وريعان الشباب لم تصقله التجارب ، ولم تهذبه الأيام ، قد استسلم

لشهواته وملذاته التي كان البارز فيها سفك الدماء وإشاعة الفزع والخوف بين الناس .ولم يكن الطاغية حينما وافت المنية أباه في دمشق ، وإنما كان في رحلة الصيد في حوارين الثنية ، فأرسل إليه الضحاك بن قيس رسالة يعزيه فيها بوفاة أبيه ويهنئه بالخلافة ، ويطلب منه الإسراع إلى عاصمته ليتولى شؤون الحكم .وحينما انتهت إليه الرسالة أسرع نحو عاصمته ، ومعه أخواله وبنو أمية والمغنّون والعابثون من أصحابه ، وقد شعث في الطريق ، فأقبل الناس يسلمون عليه ويعزّونه ، وقد عابوا عليه ما هو فيه فانتقدوه وقالوا : هذا الأعرابي الذي ولاه معاوية أمر الناس والله سائل عنه (1.)ومضى صوب قبر أبيه فجلس عنده وهو باكي العين وأنشأ يقول :جاءَ البريد بقرطاس يَخبُّ بِهِ *** فَأَوْجَسَ القَلبُ مِنْ قِرطاسِهِ فَزَعاقُلنا لَكَ الوَيلُ ماذا في كِتابِكُمُ *** قالَ الخَليفَةُ أَمْسى مُدْيفاً وجعا (2)ثم سار نحو القبة الخضراء في موكب رسمي تحف به بنو أمية وأخواله وشرطته .خطابه في أهل الشاموخطب يزيد في أهل الشام خطاباً أعلن فيه عن عزمه على خوض حرب مدمرة مع أهل العراق جاء فيه :«يا أهل الشام ، فإنّ الخير لم يزل فيكم ، وسيكون بيني وبين أهل العراق حرب شديدة ، وقد رأيت في منامي كأنّ نهراً يجري بيني وبينهم دماً عبيطاً ، وجعلت


1) تاريخ الإسلام : 1 : 267 .

2) الكامل في التاريخ : 3 : 266 .

أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر فلم أقدر على ذلك ، حتى جاءني عبيد الله بن زياد فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه . . . » .وانبرى أهل الشام فأعلنوا دعمهم الكامل له قائلين : يا أمير المؤمنين امض بنا حيث شئت، واقدم بنا على من أحببت ، فنحن بين يديك ، وسيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفين .وشكرهم يزيد على ولائهم ، وأثنى على إخلاصهم (1.)وقد كشف خطابه عن تصميمه على حرب أهل العراق ، وذلك لعلمه بكراهيتهم له ، وتجاوبهم الكامل مع الإمام الحسين .### مع المعارضة في يثرب#### 1 - الإمام الحسين (علیه السّلام)وكان يزيد يتحرّق غيظاً وغضباً على الجبهة المعارضة له في يثرب والتي كانت لا تراه أهلاً لولاية أمر المسلمين ، أما أعلام المعارضة فهم :1 - الإمام الحسين (علیه السّلام)وهو ابن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وريحانته ، وكان يتمتع بنفوذ واسع النطاق في معظم الأقاليم الإسلامية .)#### 2 - عبد الله بن الزبيروهو من أعلام المعارضة ، إلا أنه لم تكن له شعبية ولم يتمتع بصفة فاضلة ، وكان يرى أنّه أفضل من يزيد وأحق بالبيعة والخلافة منه .


1) الفتوح : 5 : 7 و 8 .

### أوامره المشدّدة إلى الوليدوأصدر الطاغية أوامره المشدّدة إلى الوليد بن عتبة عامله على يثرب بإرغام المعارضين له على أخذ البيعة منهم فإن امتنعوا نفّذ فيهم حكم الإعدام ، وقد جاء في رسالته :« إذا أتاك كتابي فأحضر الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير فخذهما بالبيعة ، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث إليَّ برؤوسهما ، وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم ، وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ، والسلام (1.)### فزع الوليدولما انتهت رسالة يزيد إلى الوليد فزع فزعاً شديداً فإن التنكيل بالمعارضين وإنزال العقاب الصارم بهم ليس بالأمر السهل ، فإنّ معاوية مع ما يتمتع به من القابليات الدبلوماسية لم يستطع إرغام الإمام الحسين على أخذ البيعة منه ليزيد فكيف يستطيع الوليد تنفيذ ذلك .ورأى الوليد أن يعرض الأمر على مروان عميد الأسرة الأموية ويستشيره في الأمر ، فبعث خلفه وأطلعه على رسالة يزيد فقال له مروان :ابعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في طاعة يزيد ، فإن فعلوا قبلت منهم ذلك ، وإن أبوا قدّمهم واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية ، فإنّهم إن علموا ذلك وثب كل رجل منهم فأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه ، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قبل لك به ، إلّا عبد الله بن عمر فإنّه لا ينازع في هذا الأمر أحداً ، مع أني أعلم أن الحسين بن علي لا يجيبك إلى بيعة


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 215 .

يزيد ولا يرى له عليه طاعة ، والله لو كنت في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة واحدة حتى أضرب رقبته كائناً في ذلك ما كان .وعظم ذلك على الوليد فقد اختار له مروان هلاك دينه ودنياه ، فقال له : يا ليت الوليد لم يولد ، ولم يك شيئاً مذكوراً .وسخر منه مروان ، وراح يندد به قائلاً : لا تجزع مما قلت لك ، فإن آل أبي تراب هم الأعداء من قديم الدهر ولم يزالوا ، وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان ، ثم ساروا إلى أمير المؤمنين - يعني معاوية - فحاربوه .ونهره الوليد ونصحه قائلاً: ويحك يا مروان عن كلامك هذا ، وأحسن القول في ابن فاطمة فإنّه بقية النبوة(1.)واتفق رأي الوليد ومروان على استدعاء الإمام الحسين وابن الزبير وعرض الأمر عليهما ، والنظر في رأيهما .### استدعاء الإمام الحسين (علیه السّلام)وأرسل الوليد في منتصف الليل (2عبد الله بن عمرو بن عفان خلف الإمام الحسين وابن الزبير ، ومضى الفتى يدعوهما فوجدهما في الجامع النبوي ، فعرض عليهما الأمر فأجاباه إلى ذلك وأمراه بالانصراف ، والتفت ابن الزبير إلى الإمام فقال له : ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ؟)فأجابه الإمام :


1) الفتوح: 5 : 12 - 13 ، ذكرنا عرضاً مفصلاً للأسباب التي دعت مروان إلى هذا الموقف مع المعارضة في كتابنا (حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام) .

2) البداية والنهاية : 8 : 160 .

«أَظُنُّ أَنَّ طَاغِيَتَهُمْ - يعني معاوية - قَدْ هَلَكَ فَبَعَثَ إِلَيْنَا بِالْبَيْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَفْسُو بِالنَّاسِ الْخَبَر . . .» .واستصوب ابن الزبير رأي الإمام قائلاً: وأنا ما أظنّ غيره ، فما تريد أن تصنع ؟«أَجْمَعُ فِتْياني في السَّاعَةِ ثُمَّ أَسِيرُ إِلَيْهِ ، وَأَجْلِسُهُمْ عَلَى الْبَابِ» .وانبرى ابن الزبير يبدي مخاوفه على الإمام قائلاً: إني أخاف عليك إذا دخلت .- « لا آتیهِ إِلَّا وَأَنَا قَادِرٌ عَلَى الإِمتناع ...»(1.)واتجه الإمام الحسين (علیه السّلامصوب الوليد ، فلما التقى به نعى إليه معاوية فاسترجع الإمام ، وقال له : لِماذا دَعَوْتَني ؟ »)-دعوتك للبيعة .فطلب منه الإمام تأجيل البيعة قائلاً :« إِنَّ مِثْلي لا يُبايِعُ سِرّاً ، وَلَا يَجْتَزِئُ بِها مِنّي سِرّاً ، فَإِذَا خَرَجْتَ إِلَى النَّاسِ وَدَعوتَهُمْ لِلْبَيْعَةِ دَعَوْتَنا مَعَهُمْ كَانَ الْأَمْرُ واحِداً .. ».لقد أراد الإمام أن يعلن رأيه أمام الجماهير في رفضه البيعة ليزيد ، وعرف مروان قصده فصاح بالوليد : ولئن فارقك - يعني الحسين - الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه .ووثب أبي الضيم كالأسد . فقال للوزغ ابن الوزغ :« يابْنَ الزَّرْقاءِ ، أَأَنْتَ تَقْتُلُنِي أَمْ هُوَ ؟ كَذَبْتَ وَاللَّهِ وَلَؤُمْتَ»(2.)وأقبل على الوليد فأخبره عن عزمه وتصميمه على رفضه الكامل للبيعة ليزيد قائلاً :


1) الكامل في التاريخ : 3 : 264 .

2) الكامل في التاريخ : 3 : 264 .

« أَيُّها الأميرُ إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ، وَمَعْدِنُ الرَّسالَةِ ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ ، وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ ، بِنا فَتَحَ اللهُ وَبِنا خَتَمْ ، وَيَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِقٌ ، شارِبُ الْخَمْرِ ، وَقاتِلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ ، مُعْلِنُ بِالْفِسْقِ ، وَمِثْلى لا يُبَايِعُ مِثْلَهُ ، وَلكِنْ تُصْبِحُ وَتُصْبِحُونَ ، وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرُونَ أَيُّنا أَحَقُّ بِالْخِلافَةِ وَالْبَيْعَةِ . .»(1.)وكان هذا أوّل إعلان من الإمام الحسين (علیه السّلام بعد هلاك معاوية في رفضه البيعة ليزيد ، لقد أعلن ذلك في بيت الإمارة من دون مبالاة ولا خوف من السلطة ، كيف يبايع حفيد رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) يزيد الفاسق شارب الخمر وقاتل النفس المحرمة ، ولو بايعه لأقره إماماً على المسلمين ، وعرّض العقيدة الإسلامية إلى الانهيار والدمار وعصف بها في متاهات سحيقة من محامل هذه الحياة .)واستاء مروان من موقف الإمام ووجّه لوماً وعتاباً إلى الوليد قائلاً: عصيتني ، لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبداً .وردّ عليه الوليد ببالغ الحجّة قائلاً : ويحك يا مروان أشرت على بذهاب ديني ودنياي والله ما أحبّ أن أملك الدنيا بأسرها ، وإنّي قتلت حسيناً سبحان الله ! ! أأقتل حسيناً إن قال لا أبايع ، والله ما أظنّ أحداً يلقى الله بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان لا ينظر الله إليه يوم القيامة ، ولا يزكيه وله عذاب أليم .وسخر منه مروان وراح يقول : إذا كان هذا رأيك فقد أصبت .. (2.)### مغادرة الإمام (علیه السّلام يثرب)وعزم الإمام (علیه السّلام على مغادرة يثرب ليلوذ بالبيت الحرام ، وينشر دعوته فيه)


1) اللهوف : 10 . الفتوح : 5 : 14. مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 184 .

2) تاريخ الأمم والملوك : 5 : 340 .

### وداعه (علیه السّلام لقبر جده (صلّی الله علیه و آله و سلّم))وخف الإمام الحسین (علیه السّلام إلى قبر جده ، وهو حزين كثيب يشكو إلى الله ما ألم به من الخطوب قائلاً :)«اللَّهُمَّ إِنَّ هذا قَبْرُ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا ابْنُ بِنْتِ مُحَمَّدٍ ، وَقَدْ حَضَرَنِي مِنَ الْأَمْرِ ما قَدْ عَلِمْتَ ، اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ الْمَعْرُوفَ وَأَنْكِرُ الْمُنْكَرَ ، وَأَنا أَسْأَلُكَ يا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ بِحَقِّ هذَا الْقَبْرِ وَمَنْ فِيهِ إِلَّا مَا اخْتَرْتَ لي ما هُوَ لَكَ رِضى وَلِرَسولِكَ رِضى ..» (1.)ويلمس في هذا الدعاء مدى انقطاعه الكامل إلى الله تعالى ، وحبّه العارم إلى إقامة المعروف وتدمير الباطل ، وهو يسأل الله - بلهفة - أن يختار له الصالح في دينه ودنياه .وتوجّه الإمام في غلس الليل البهيم إلى قبر أمه سيّدة نساء العالمين فودعها الوداع الأخير ، ووقف قبال قبرها الشريف ، وتمثلت أمامه ذكريات عواطفها الفياضة ، وشدّة حنوها عليه فانفجر بالبكاء ، وذابت نفسه أسى وحسرات ، ثمّ ودّع القبر وداعاً حارّاً ، وانصرف إلى مرقد أخيه الزكي الإمام أبي محمد (صلّی الله علیه و آله و سلّم فأخذ يروي ثراه بدموع عينيه وقد طافت به الآلام ، ثمّ قفل راجعاً إلى منزله .)


1) بحار الأنوار : 44: 328 . الفتوح : 5 : 19 . مقتل الحسین (علیه السّلام) / الخوارزمي : 1 : 186 .

## إلى مكة### احتفاف الحجاج والمعتمرين بالإمام (علیه السّلام)

وبعدما أعلن الإمام رفضه الكامل لبيعة الطاغية يزيد عزم على مغادرة يثرب والتوجّه إلى مكة المشرفة ليبت دعوته فيها ، وقد دعا أخته العقيلة السيّدة زینب (علیها السّلام وعرفها بعزمه وما سيجري عليه من الأحداث ، وطلب منها أن تشاركه في محنته ، فاستجابت له ، وصممت على مساعدته في نهضته وثورته التي يقيم فيها الحق ويدحر الباطل .)كما دعا أولاده وزوجاته وأخوته وبني عمومته إلى مصاحبته فلبوا جميعاً ولم يتخلّف منهم أحد إلا لعذر قاهر .ولما أصبحوا جاء الموالي بالإبل فحملوا عليها الخيام وأدوات المياه والأرزاق وغيرها وأعدوها للسفر .وخرجت حفيدة الرسول السيدة زینب (علیها السّلام تجر أذيالها ونفسها مترعة بالهموم والآلام ، وقد أحاطت بها جواريها ، وكان إلى جانبها أخوها أبو الفضل العباس قمر بني هاشم ، فكان هو الذي يتولّى رعايتها وخدماتها ، وقد ملئت نفسه إجلالاً وإكباراً وولاء لها ، واستقلت الإبل بعترة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وحدا بهم الحادي إلى مكة المكرمة ، وقد خيم الحزن والأسى على المدنيين حينما رأوا آل النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) قد نزحوا عنهم إلى غير مآب . وكان سيّد الشهداء (علیه السّلام) يتلو في طريقه قوله تعالى : ( رَبِّ)

نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (1).)لقد شبه خروجه بخروج نبي الله موسى بن عمران على فرعون زمانه ، وكذلك هو خرج على طاغية عصره حفيد أبي سفيان ليقيم الحق وينشر العدل بين الناس وسلك (علیه السّلام في سفره الطريق العام من دون أن يتجنّب عنه كما فعل ابن الزبير مخافة أن يدركه الطلب من قبل السلطة في يثرب ، فامتنع وأجاب :)« لَا وَاللَّهِ لَا فارَقْتُ هَذَا الطَّريقَ أَبَداً أَوْ أَنْظُرَ إِلى أَبْيَاتِ مَكَّةَ ، أَوْ يَقْضِيَ اللَّهُ فِي ذلِكَ ما يُحِبُّ وَيَرْضى » .لقد رضي بما كتب الله وقدّر له ، لم تضعف همته ، ولم توهن عزيمته ، ولم يبال بالأحداث المروعة التي سيواجهها ، وكان يتمثل في أثناء مسيرته بشعر يزيد بن المفرغ :لا ذَعْرتُ السَّوامَ في فَلَقِ الصُّبْ ***حِ مُغيراً وَلا دُعيتُ يَزيدايَومَ أَعْطى مَخافَةَ الْمَوْتِ ضَيْماً *** وَالمَنايا يَرصُدْنَني أَنْ أَحيدا (2)لقد كان على ثقة أن المنايا ترصده لا تحيد عنه ما دام مصمّماً على عزمه الجبار في أن يعيش عزيزاً ولا يخضع لحكم يزيد .احتفاف الحجاج والمعتمرين بالإمام (علیه السّلام)وانتهى الإمام (علیه السّلام إلى مكة المكرمة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من شعبان (3).)


1) القصص 28 : 21 .

2) خطط المقريزي : 2 : 285 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 253 .

3) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 190 .

وقد حطّ رحله في دار العباس بن عبد المطلب (1، وقد استقبله المكيون استقبالاً حافلاً ، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشية وهم يسألونه عن أحكام دينهم ، كما يسألونه عن موقفه تجاه الحكم القائم .)وأخذ القادمون إلى بيت الله الحرام من الحجاج والمعتمرين يختلفون إليه ويطوفون حوله، ويتبركون بتقبيل يده ، ويلتمسون منه العلم والحديث ، ولم يترك الإمام لحظة واحدة من الوقت تمرّ دون أن يبث الوعي الاجتماعي والسياسي في نفوس القادمين إلى بيت الله الحرام ويدعوهم إلى اليقظة والحذر من الحكم الأموي الهادف إلى استعباد المسلمين وإذلالهم .### فزع السلطة المحليّةوفزعت السلطة المحلية في مكة من قدوم الإمام ، وخافت أن يتخذها مقرّاً سياسياً لدعوته ومنطلقاً لإعلان الثورة على حكومة يزيد ، وقد خف حاكم مكة عمرو بن سعيد الأشدق إلى الإمام ، وقال له : ما أقدمك ؟- «عائِدَاً بِاللَّهِ وَبِهذا الْبَيْت . . »(2.)لقد جاء الإمام إلى مكة عائذاً ببيت الله الحرام الذي من دخله كان آمناً من كل ظلم واعتداء .ولم يحفل الأشدق بكلام الإمام ، وإنّما رفع رسالة إلى يزيد أحاطه بها علماً بمجيء الإمام إلى مكة ، واختلاف الناس إليه ، وازدحامهم على مجلسه ، وإجماعهم على تعظيمه ، وأنّ ذلك يشكل خطراً على الدولة الأموية ، واضطرب


1) تاريخ مدينة دمشق : 13 : 68 .

2) تذكرة الخواص : 248 .

يزيد حينما وافته رسالة عامله الأشدق ، فرفع إلى ابن عباس رسالة يمنّي فيها الإمام الحسين بالسلامة إن استجاب لبيعته ، ويتهدّده إن لم يستجب لذلك ، وقد أجابه ابن عباس : إنّ الحسين إنّما نزح عن يثرب لمضايقة السلطة المحلية له ، كما وعده أن يلقى الإمام ويعرض عليه ما طلبه منه ، وقد ذكرنا ذلك في ( حياة الإمام الحسين - نص رسالة يزيد وجواب ابن عباس .)### إعلان التمرّد في العراقوبعدما هلك معاوية أعلن العراقيون رفضهم لبيعة يزيد وخلعهم لطاعته ، فكانت أندية الكوفة تعج بمساوئ معاوية وابنه الخليع يزيد .وذهب المستشرق (كريمر إلى أنّ الأخيار والصلحاء من الشيعة ينظرون إلى يزيد نظرتهم إلى ورثة أعداء الإسلام (1).)وعلى أي حال، فإن أهل الكوفة لم يرضوا بحكم يزيد وأجمعوا على خلع بيعته ، وقد عقدت الشيعة مؤتمراً عاماً في بيت سليمان بن صرد الخزاعي ، وهو من أكابر زعمائهم ، وألقوا الخطب الحماسية التي أظهرت مساوئ الأمويين وما اقترفوه من الظلم والجور ضد شيعة أهل البيت ، ودعوا إلى البيعة للإمام الحسين (علیه السّلام، وكان من جملة الخطباء سليمان بن صرد ، وقد جاء في خطابه :)« إنّ معاوية قد هلك ، وأنّ حسيناً قد قبض على القوم بيعته ، وقد خرج إلى مكة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهد و عدوّه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه » .وتعالت أصواتهم من كل جانب ، وهم يقولون بحماس بالغ : نقتل أنفسنا دونه . . نقاتل عدوّه . وأظهروا بالإجماع دعمهم الكامل للحسين ، ورغبتهم الملحّة


1) العقيدة والشريعة في الإسلام : 69 .

في نصرته والدفاع عنه ، وأجمعوا على إرسال وفد إليه يدعونه للقدوم إليهم .### وفود أهل الكوفة على الإمام (علیه السّلام)وأرسلت الكوفة وفوداً متعدّدة إلى الإمام يدعونه إلى القدوم إلى مصرهم لينقذهم من ظلم الأمويين وجورهم ، ويعلنون دعمهم الكامل له ، وكان من بين الوافدين أبو عبدالله الجدلي(1.)### رسائل أهل الكوفةوعمد أهل الكوفة إلى كتابة جمهرة من الرسائل إلى الإمام يحثّونه على القدوم إليهم لينقذ الأمّة من شرّ الأمويين ، وكان من بين تلك الرسائل رسالة بعثها جماعة من شيعة الإمام وجاء فيها بعد البسملة : « من سليمان بن صرد ، والمسيب بن نجبة ، ورفاعة بن شداد ، وحبيب بن مظاهر وشيعته والمسلمين من أهل الكوفة :أما بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبار العنيد - يعني معاوية - الذي انتزا على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتآمر عليها بغير رضى منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبُعداً له كما بعدت ثمود .إنّه ليس علينا إمام فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق ، واعلم أن النعمان ابن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله .والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (2.)


1) مقاتل الطالبيين : 95 .

2) أنساب الأشراف : 157 .

كما وردت إليه رسائل من الانتهازيين وشيوخ الكوفة ، كان منها ما أرسله شبث بن ربعي اليربوعي ، ومحمد بن عمر التميمي ، وحجار بن أبجر العجلي ويزيد بن الحارث الشيباني ، وعزرة بن قيس الأحمسي ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، وهذا نصها : « أما بعد ، فقد إخضر الجناب ، وأينعت الثمار ، وطمت الجمام (1، فاقدم على جند لك مجندة ، والسلام عليك» (2).)وأعربت هذه الرسالة عن شيوع الأمل وازدهار الحياة ، وتهيئة البلاد عسكرياً للأخذ بحق الإمام ومناجزة خصومه ، وقد وقعها أولئك الأشخاص الذين لا يؤمنون بالله ، وكانوا في طليعة القوى العسكرية التي زجّها ابن مرجانة لحرب الإمام .وعلى أي حال فقد توافدت الرسائل يتبع بعضها بعضاً على الإمام ، حتى اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب ، ووردت عليه قائمة فيها مائة وأربعون ألف اسم ، يعربون فيها عن نصرتهم واستعدادهم الكامل لطاعته حال ما يصل إلى مقرهم .ولكن بمزيد الأسف لقد انطوت تلك الصحيفة ، وتبدلت الأوضاع إلى ضدّها ، وإذا بالكوفة تنتظر الحسين لتثب عليه فتريق دمه ودماء أهل بيته وأصحابه وتسبي عياله ، وهكذا شاءت المقادير ، ولا راد لأمر الله تعالى وقضائه .


1) الجمام : الآبار .

2) أنساب الأشراف : 158 و 159 .

## ايفادُ مُسلمٍ إلى العراق### مسلم (علیه السّلام في بيت المختار)

وعزم الإمام على أن يلبي طلب أهل الكوفة ويستجيب لدعوتهم ، فأوفد إليهم ممثله العظيم ابن عمّه مسلم بن عقيل ليعرفه باتجاهاتهم وصدق نياتهم ، فإن رأى منهم عزيمة مصمّمة فيأخذ منهم البيعة ، وزوّده بهذه الرسالة .«مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيَّ إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتابي هذا مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَشِيعَتِهِ بِالْكُوفَةِسَلامٌ عَلَيْكُمْأَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ أَتَتْني كُتُبُكُمْ ، وَفَهِمْتُ ما ذَكَرْتُمْ مِنْ مَحَبَّتِكُمْ لِقُدومي عَلَيْكُمْ ، وَأَنَا بَاعِثُ إِلَيْكُمْ بِأَخِي وَابْنِ عَمِّي وَثِقَنِي مِنْ أَهْلِي مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ لِيَعْلَمَ لِي كُنْهَ أَمْرِكُمْ ، وَيَكْتُبَ إِلَيَّ بِما يَتَبَيَّنُ لَهُ مِن اجْتِمَاعِكُمْ فَإِنْ كَانَ أَمْرُكُمْ عَلى ما أَتَتْني بِهِ كُتُبِكُمْ وَأَخْبَرَتْنى بِهِ رُسُلُكُمْ أَسْرَعْتُ الْقُدومُ إِلَيْكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ ، وَالسَّلامُ »(1.)مسلم (علیه السّلام في بيت المختار)وسار ابن عقيل يطوي البيداء حتى انتهى إلى الكوفة فنزل في بيت المختار (2،)


1) الأخبار الطوال : 210 .

2) الحدائق الوردية : 1 : 125 ، ( مخطوط ) .

وهو من أشهر أعلام الشيعة ، ومن أحب الناس وأنصحهم وأخلصهم للإمام الحسين (علیه السّلام.)وفتح المختار أبواب داره لمسلم ، وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ودعا الشيعة لمقابلته ، فهرعوا إليه من كل حدب وصوب، وهم يظهرون له الولاء والطاعة ، وكان مسلم يقرأ عليهم رسالة الإمام الحسين (علیه السّلام وهم يبكون ، ويبدون تعطشهم لقدومه والتفاني في نصرتهم له ليعيد في مصرهم حكم الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام)، وينقذهم من جور الأمويين وظلمهم .)### البيعة للإمام الحسين (علیه السّلام)وانهالت الشيعة على مسلم تبايع للإمام الحسین (علیه السّلام ، وكان حبيب بن مظاهرهو الذي يأخذ منهم البيعة للحسين (1)، وكان عدد المبايعين أربعين ألفاً ، وقيل :أقل من ذلك (2).)### رسالة مسلم (علیه السّلام للإمام الحسين (علیه السّلام))وازداد مسلم إيماناً ووثوقاً بنجاح الدعوة ، ويهر من العدد الهائل الذين بايعوا الحسين فكتب له :« أَمَا بَعْدُ ، فَإِنَّ الرّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ ، وَقَدْ بايَعَنِي مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفاً (3، فَعَجِّلْ حِينَ يَأْتيك كتابي هذا فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مَعَكَ لَيْسَ لَهُمْ فِي آلِ مُعَاوِيَةَ رَأْيّ وَلَا هَوى ...».)


1) الحدائق الوردية : 1 : 125 من مخطوطات مكتبة الإمام كاشف الغطاء العامة .

2) وفي رواية البلاذري أن جميع أهل الكوفة معه .

3) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 224 .

لقد حكت هذه الرسالة إنّ هناك إجماعاً عاماً على بيعة الإمام وتلهفاً حارّاً لقدومه ، وقد حمل الرسالة جماعة من أهل الكوفة وعليهم البطل عابس الشاكري ، وعند ذلك تهيّأ الإمام الحسين للخروج من مكة إلى العراق .### فزع يزيدوفزع يزيد حينما وافته الأنباء من عملائه بمجيء مسلم بن عقيل إلى الكوفة وأخذه البيعة للإمام الحسين (علیه السّلام، واستجابة الجماهير لبيعة الإمام ، وشعر يزيد بالخطر الذي يهدّد ملكه ، فاستدعى سرجون الرومي ، وكان مستودع أسرار أبيه ومن أدهى الناس ، وعرض عليه الأمر قائلاً: ما رأيك ، إن حسيناً قد توجّه إلى الكوفة ، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين ، وقد بلغني عن النعمان -وهو والي الكوفة - ضعف وقول سيء ، فما ترى من استعمل على الكوفة ؟)وأخذ سرجون يطيل التأمل ، حتى توصل إلى نتيجة حاسمة فقال له : أرأيت أن معاوية لو نُشر أكنت آخذاً رأيه .-نعم .فأخرج سرجون عهد معاوية لعبيد الله بن زياد على الكوفة وقال له : هذا رأي معاوية ، وقد مات ، وقد أمر بهذا الكتاب(1.)واستجاب يزيد لرأي مستشار أبيه ، فعهد بولاية الكوفة إلى ابن زياد .### ولاية ابن زياد على الكوفةوكان يزيد ناقماً على ابن زياد وأراد عزله عن ولاية البصرة (2وذلك لموقف أبيه)


1) الكامل في التاريخ : 3 : 268 .

2) البداية والنهاية : 8 : 152 .

زياد من يزيد ، فقد عذل أباه معاوية عن ترشيحه للخلافة من بعده .وعلى أي حال فقد عهد يزيد بولاية البصرة والكوفة إلى ابن زياد ، وبذلك فقد خضع العراق بأسره لحكمه ، وكتب إليه ما يلي :«أما بعد : فقد كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشقّ عصا المسلمين ، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة ، فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة ، حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه ، والسلام» (1.)وبعث إليه برسالة أخرى يطلب فيها الإسراع منه إلى الكوفة ، وقد جاء فيها :«إن كان لك جناحان فطر إلى الكوفة . . »(2.)وحمل رسالة يزيد مسلم بن عمرو الباهلي إلى ابن زياد ، وأخذ يجد في السير حتى انتهى إلى البصرة فسلّم الرسالة إلى ابن زياد ، وقد طار فرحاً فقد تمّ له الحكم على جميع العراق بعدما كان مهدّداً بالعزل عن ولاية البصرة .### ابن زياد في الكوفةوسار ابن زياد إلى الكوفة وقد قطع الطريق بسرعة خاطفة فكان يسير ليلاً ونهاراً مخافة أن يسبقه الحسين إليها ، وقد صحب معه خمسمائة رجل من أهل البصرة كان فيهم شريك بن الأعور الحارثي وهو من خلص أصحاب الإمام الحسين (3. وقد لبس ثياباً يمانية وعمامة سوداء ليوهم من رآه أنه الحسين ، ودخل الكوفة)


1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 564 .

2) سير أعلام النبلاء : 3 : 201 .

3) تاريخ الأمم و الملوك : 6 : 199.

مما يلي النجف ، وأسرع نحو قصر الامارة وهو فزع مذعور مخافة أن يعرفه الناس ، وساءه أشدّ ما يكون الاستياء من تباشير الناس بقدومه ظانين أنّه الحسين .وانتهى ابن مرجانة إلى باب القصر فوجده مغلقاً ، والنعمان بن بشير حاكم الكوفة قد أشرف من أعلى القصر ، وقد توهّم أنّ القادم هو الحسين لأن أصوات الجماهير قد تعالت بالترحيب به والهتاف بحياته فانبری مخاطباً له : ما أنا بمؤد إليك أمانتي يابن رسول الله ، وما لي في قتالك من إرب .ولمس ابن مرجانة الضعف والانهيار في كلام النعمان فصاح به : افتح لا فتحت فقد طال ليلك .ولما تكلّم عرفه الناس فصاحوا إنّه ابن مرجانة ورب الكعبة ، وجفل الناس وخافوا وهربوا مسرعين إلى دورهم . وبادر ابن زياد في ليلته فاستولى على المال والسلاح ، وأنفق ليله ساهراً قد جمع حوله عملاء الحكم الأموي وهم يحدثونه عن الثورة ، ويعرفونه بأعضائها البارزين ، ويضعون أمامه المخططات الرهيبة للقضاء عليها .وقام ابن زياد في الصباح الباكر فأمر عملاءه بجمع الناس في المسجد الأعظم فاجتمعت الجماهير الحاشدة وقد خيّم عليها الذعر والخوف ، وخرج ابن زیاد متقلّداً سيفه ومعتماً بعمامة ، فاعتلى المنبر وخطب الناس ، وكان من جملة خطابه : « أما بعد : فإنّ أمير المؤمنين يزيد - أصلحه الله - ولاني مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم ، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم ، وبالشدّة على مريبكم ، فأنا لمطيعكم كالوالد البار الشفيق ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي ، فليتق امرؤ على نفسه الصدق ينبئ عنك لا الوعيد . . »(1.)


1) مقاتل الطالبيين : 97 .

وقام بنشر الإرهاب وإشاعة الخوف بين الناس ، ويقول بعض المؤرخين : إنّه لمّا أصبح ابن زياد - بعد قدومه إلى الكوفة - صال وجال وأرعد وأبرق ، وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في الساعة .. »(1.)وفي اليوم الثاني أمر بجمع الناس ، وخرج إليهم بزي غير ما كان يخرج به . فخطب خطاباً عنيفاً تهدّد فيه وتوعد ، وقال :«أما بعد : فإنّه لا يصلح هذا الأمر إلا في شدّة من غير عنف ولين من غير ضعف ، وأن آخذ البريء بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، والولي بالولي ... ».فردّ عليه رجل من أهل الكوفة يقال له أسد بن عبدالله المري قائلاً: أيها الأمير إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (2)إنما المرء بجده ، والفرس بشده ، وعليك أن تقول علينا أن نسمع ، فلا تقدم فينا السيئة قبل الحسنة .)وأفحم ابن زياد فنزل عن المنبر ودخل قصر الامارة (3.)### مسلم (علیه السّلام في بيت هانئ)وبعدما كان مسلم في بيت المختار اضطر إلى تغيير مقره ، فقد شعر بالخطر الذي داهمه بقدوم الطاغية ابن مرجانة ، فهو يعلم أن هذا الوغد لا يتحرّج من اقتراف أي جريمة في سبيل الوصول إلى أهدافه .والتجأ مسلم إلى دار الزعيم الكبير زعيم الكوفة هانئ بن عروة فهو سيد مراد ، وعنده من القوة ما يضمن حماية مسلم ، فاتخذ داره معقلاً للثورة ومركزاً للدعوة ، وقد قابله هانئ بمزيد زائد من الحفاوة والتكريم ، وأخذ الكوفيون يتوافدون


1) الفصول المهمة : 197 .

2) الأنعام :6 164 الإسراء :17 : 15 فاطر 35 : 18 - الزمر 39 : 7 .

3) الفتوح : 5: 39 و 40 .

على مسلم زرافات ووحداناً ، وهم يلحون عليه أن يكتب إلى الإمام الحسين (علیه السّلام بالمجيء إليهم .)### التجسّس على مسلم (علیه السّلام)وأوّل بادرة وأخطرها قام بها ابن زياد هي التجسس على مسلم ، ومعرفة نشاطاته السياسية ، والوقوف على نقاط القوة والضعف عنده ، وقد اختار للقيام بهذه المهمة معقلاً مولاه ، وكان فطناً ذكياً ، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم وأمره أن يتصل بالشيعة ، ويعرفهم أنّه من أهل الشام وأنّه من موالى ذي الكلاع الحميري ، وإنما أمره بالانتساب للموالي لأنّ الصبغة السائدة لهم هي الولاء لأهل البيت (علیه مالسّلام، وقال له : إذا التقيت بأحد من الشيعة فقل له : إنّه ممّن أنعم الله عليه بحبّ أهل البيت (علیهم السّلام) ، وقد سمع أنّه قدم رجل منهم إلى الكوفة يدعو للإمام الحسين ، وعنده مال يريد أن يلقاه ليوصله إليه حتى يستعين به على حرب عدوّه ، ومضى معقل في مهمته ، فدخل الجامع الأعظم ، وجعل يسأل عمّن له معرفة بمسلم فأرشدوه إلى مسلم بن عوسجة ، وهو من ألمع شخصيات الشيعة في الكوفة ، فانبرى إليه يظهر الإخلاص والولاء لأهل البيت (علیهم السّلام) قائلاً : إني أتيتك لتقبض منّي هذا المال ، وتدلني على صاحبك لأبايعه ، وإن شئت أخذت بيعتي قبل لقائي إيَّاه .)وخدع مسلم بقوله ، فقال له : لقد سرّني لقاؤك إياي لتنال الذي تنال والذي تحبّ ، وينصر الله بك أهل نبيّه ، وقد ساءني معرفة الناس إياي من قبل أن يتمّ مخافة هذا الطاغية وسطوته ، ثمّ أخذ منه البيعة والمواثيق المغلظة على النصيحة وكتمان الأمر (1.)وفي اليوم الثاني أدخله على مسلم فبايعه وأخذ منه المال وأعطاه إلى أبي ثمامة


1) الكامل في التاريخ : 3 : 269 .

الصائدي ، وكان موكلاً بقبض المال ليشتري به السلاح والكلاع ، وكان هذا الجاسوس الخطير معقل أوّل داخل على مسلم وآخر خارج منه ، وقد أحاط بجميع أسرار الثورة ونقلها إلى ابن زياد ، حتى وقف على جميع مخططات الثورة وأعضائها .### اعتقال هانئوعرف ابن زياد أنّ أهم أعضاء الثورة هانئ بن عروة الزعيم الكبير ، وفي بيته مسلم بن عقيل ، فأرسل وفداً خلفه كان منهم حسان بن أسماء بن خارجة زعيم فزارة ، ومحمّد بن الأشعث زعيم كندة ، وعمرو بن الحجاج وهو من زعماء مذحج ، ولما التقوا به قالوا له : ما يمنعك من لقاء الأمير فإنّه قد ذكرك وقال : لو علم أنّه شاك لعدته ..فاعتذر لهم ، وقال : الشكوى تمنعني ، فلم يقنعوا بذلك ، وأخذوا يلحون عليه في زيارته ، فاستجاب لهم على كره وسار معهم .فلمّا كان قريباً من القصر أحسّت نفسه بالشرّ ، فقال لحسان بن أسماء : يابن الأخ ، إنّي والله لخائف من هذا الرجل فما ترى ؟فقال له حسان : يا عمّ ، والله ما أتخوّف عليك شيئاً ، ولم تجعل على نفسك سبيلاً ، وأخذ القوم يلحون عليه بمقابلة ابن مرجانة ، فاستجاب لهم .ولما مثل أمامه استقبله ابن مرجانة بعنف ، وقال له : أتتك بخائن رجلاه .وذعر هانئ فقال له : ما ذاك أيّها الأمير ؟فصاح به الطاغية : إيه يا هانئ ما هذه الأمور التي تتربص في دارك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين ، جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك ، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك ، وظننت أن ذلك يخفى عليّ .

فانکر هانئ وقال : ما فعلت ذلك ، وما مسلم عندي .- بلی ، قد فعلت .وطال النزاع واحتدم الجدال بينهما ، فرأى ابن زياد أن يحسم النزاع فدعا الجاسوس معقلاً ، فلما مثل أمامه قال لهانيء : أتعرف هذا ؟- نعم .وأسقط ما في يدي هانئ ، وأطرق برأسه إلى الأرض ، ولكن سرعان ما سيطر على الموقف .فقال لابن مرجانة : قد كان الذي بلغك ، ولن أضيع يدك عندي (1تشخص لأهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم فإنه جاء حقّ من هو أحق من حقك وحق صاحبك (2).)وثار ابن زیاد فرفع صوته : والله لا تفارقني حتى تأتيني به أي بمسلم -وسخر منه هانئ ، وردّ عليه : لا آتيك بضيفي أبداً .وطال الجدال بين هانئ وبين ابن مرجانة ، فانبرى مسلم بن عمر الباهلي وهو من خدام السلطة إلى ابن زياد طالباً منه أن يختلي بهانىء ليقنعه ، فسمح له بذلك فاختلی به ، وقال له : يا هانئ ، أنشدك الله أن لا تقتل نفسك ، وتدخل البلاء على قومك ، إنّ هذا الرجل - يعني مسلماً - ابن عمّ القوم ، وليسوا بقاتليه ، ولا ضائريه ، فادفعه إليه ، فليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة ، إنّما تدفعه إلى السلطان .ولم يحفل هانئ بهذا المنطق الرخيص فهو على علم لا يخامره شك أن ابن زياد لو ظفر بمسلم لقطعه إرباً .


1) الكامل في التاريخ : 3 : 271 .

2) مروج الذهب : 3 : 7 .

ومن الطبيعي أن ذلك يعود بالعار والخزي على هانئ ، فكيف يسلّم وافد آل محمّد إلى هذا الإنسان الممسوخ .قال هانئ : بلى والله عليّ في ذلك أعظم العار أن يكون مسلم في جواري وضيفي وهو رسول ابن بنت رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وأنا حتي صحيح الساعدين ، كثير الأعوان ، والله لو لم أكن إلا وحدي لما سلمته أبداً .)وحفل كلام هانئ بمنطق الأحرار الذين وهبوا حياتهم للمثل العليا والقيم الكريمة .ولما يئس الباهلي من هانئ قال لابن زياد : أيها الأمير ، قد أبى أن يسلّم مسلماً أو يقتل (1.)والتفت الطاغية إلى هانئ فصاح به : أتأتيني به أو لأضرب عنقك .فلم يعبأ به هانئ ، وقال : إذن تكثر البارقة حولك(2.)فثار ابن مرجانة وقال : والهفا عليك أبالبارقة تخوفني .وصاح بغلامه مهران وقال له : خذه ، فأخذ بضفيرتي هانئ ، وأخذ ابن زياد القضيب فاستعرض به وجهه ، وضربه ضرباً قاسياً حتى كسر أنفه ، ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى تحطّم القضيب ، وسالت الدماء على ثيابه ، وعمد هانئ إلى قائم سيف شرطي محاولاً اختطافه ليدافع به عن نفسه فمنعه منه .فصاح به ابن زیاد : احروري أحللت بنفسك ، وحلّ لنا قتلك .ثم أمر ابن زياد باعتقاله في أحد بيوت القصر (3.)


1) الفتوح : 5 : 47 .

2) البارقة : السيوف .

3) الكامل في التاريخ : 3 : 271 .

وانتهى خبره إلى أسرته من مذحج ، وهي من أكثر قبائل الكوفة عدداً ، إلا أنّها لم تكن متماسكة ، وقد شاعت الانتهازية في جميع أفرادها .وعلى أي حال، فقد سارعت مذحج بقيادة العميل الخائن عمرو بن الحجاج وقد رفع عقيرته لتسمعه السلطة قائلاً : أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها ، لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة .ولم یعن به ابن زیاد ولا بقومه ، فالتفت إلى شريح القاضي فقال له : ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حيّ .وخرج شريح فدخل على هانئ فلما نظر إليه صاح مستجيراً : يا للمسلمين أهلكت عشيرتي ، أين أهل الدين ؟ أين أهل المصر؟والتفت هانئ إلى شريح فقال له : يا شريح، إنّي لأظنّها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ، إنه إن دخل عليّ عشرة أنفر أنقذوني .ولم يحفل شريح بكلام هانئ ، وإنّما مضى منفذاً لأمر سيده ابن مرجانة فخاطب مذحج قائلاً : قد نظرت إلى صاحبكم وإنه حي لم يُقتل .وبادر عمرو بن الحجاج قائلاً : إذا لم يُقتل فالحمد الله (1.)وولوا منهزمين كأنما أتيح لهم الخلاص من سجن ، وقد صحبوا معهم الخزي والعار ، وانطلقت الألسنة بذمهم ، وقد ذمّهم شاعر أخفى اسمه حذراً من بطش الأمويين ونقمتهم قال :فَإِنْ كُنْتِ لَا تَدْرِينَ مَا الْمَوْتُ فَانْظُرِي *** إلى هَانِي فِي السُّوقِ وَابْنِ عَقِيلإِلَى بَطَلٍ قَدْ هَشَّمَ السَّيْفُ وَجْهَهُ *** وَآخَرُ يَهْوِي مِنْ طَمَارِ قَتِيلِ (2)


1) الكامل في التاريخ : 3 : 271 .

2) الطمار : اسم لغرفة شيّدت فوق قصر الامارة وفي أعلاها قتل مسلم .

أَصَابَهُمَا فَرْجُ الْبَغِيِّ فَأَصْبَحَا *** أَحَادِيثَ مَنْ يَسْرِيَ بِكُلِّ سَبِيلِترى جَسَداً قَدْ غَيْرَ الْمَوْتُ لَوْنَهُ *** وَنَصْحَ دَمٍ قَدْ سَالَ كُلِّ مَسِيلفَتى كَانَ أحْيى مِنْ فَتَاةٍ حَبِيةٍ *** وَأَقْطَع مِنْ ذِي شَفْرَتَيْنَ صَقِيلأَيَرْكَبُ أَسْمَاءُ الْهَمَالِيجَ آمِناً *** وَقَدْ طَلِبْتَهُ مَذْحِجُ بِذُحُولِ (1)تَطُوفُ حَوَالِيهِ مُرَادٌ وَكُلُّهم *** عَلى رَقْبَةٍ مِنْ سَائِلٍ وَمَسُولفَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَتَارُوا بِأَخِيكُم *** فَكُونُوا بَغايَا أُرْضِيَتْ بِقَلِيل (2)لقد تنكرت مذحج لزعيمها الكبير فلم تف له حقوقه ومعروفه الذي أسداه عليها ، وتركته أسيراً بيد ابن مرجانة يمعن في إرهاقه والتنكيل به حتى أعدمه في وضح النهار بمرأى ومسمع منهم .### ثورة مسلم (علیه السّلام)ولما علم مسلم بما جرى على هانئ بادر لإعلان الثورة على ابن زياد ، فأوعز إلى عبد الله بن حازم أن ينادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور ، فاجتمع إليه أربعة آلاف (3، وقيل : أربعون ألفاً (4)، وكانوا ينادون بشعار المسلمين يوم بدر :(يا منصور أمت) ، وأسند القيادات العامة في جيشه إلى أحبّ الناس لأهل البيت (علیهم السّلام) وهم :)1 - عبد الله بن عزيز الكندي : جعله على ربع كندة .


1) الهماليج : جمع هملاج ، نوع من البرذون .

2) مروج الذهب : 2 : 70 ، والشاعر مجهول .

3) الكامل في التاريخ : 3 : 271 .

4) تهذيب التهذيب : 2 : 351 .

2 - مسلم بن عوسجة : جعله على ربع مذحج .3 - أبو ثمامة الصائدي : جعله على ربع قبائل بني تميم وهمدان .4 - العباس بن جعدة الجدلي : جعله على ربع المدينةواتجه مسلم بجيشه نحو قصر الإمارة فأحاطوا به(1 .)وكان ابن مرجانة قد خرج من القصر ليخطب في الناس على أثر اعتقاله لهانيء ، ولما دخل الجامع الأعظم قام خطيباً فقال : « أمّا بعد يا أهل الكوفة ، فاعتصموا بطاعة الله ورسوله ، وطاعة أتمّتكم ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتندموا وتقهروا ، فلا يجعلن أحد على نفسه سبيلاً وقد أعذر من أنذر .وما أتمّ الطاغية خطابه حتى سمع الصيحة وأصوات الناس قد علت فسأل عن ذلك فقيل له : الحذر الحذر ، هذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع من بايعه ، واختطف الرعب لونه فأسرع الجبان يلهث كالكلب من شدة الخوف فدخل القصر وأغلق عليه أبوابه (1.)وامتلأ المسجد والسوق من أصحاب مسلم ، وضاقت الدنيا على ابن زياد ، وأيقن بالهلاك ؛ إذ لم تكن عنده قوة تحميه سوى ثلاثين رجلاً من الشرطة وعشرين رجلاً من الأشراف والوجوه الذين هم عملاء السلطة (2.)### حرب الأعصابولم يجد الطاغية وسيلة يلجأ إليها لإنقاذه سوى حرب الأعصاب ، فأوعز إلى عملائه بإشاعة الخوف والرعب بين أصحاب مسلم ، وانبرى للقيام بهذه المهمة


1) البداية والنهاية : 8 : 154 .

2) الكامل في التاريخ : 3 : 271 .

من يلي من عملائه وهم :1 - كثير بن شهاب الحارثي2 - القعقاع بن شور الذهلي3 - شبث بن ربعي التميمي .4 - حجّار بن أبجر5 - شمر بن ذي الجوشن الضبابي (1.)وأسرع هؤلاء العملاء إلى صفوف جيش مسلم بن عقيل فأخذوا ينشرون الخوف والأراجيف ، ويظهرون لهم الحرص والولاء لهم .وكان مما قاله كثير بن شهاب : « أيها الناس ، إلحقوا بأهاليكم ، ولا تعجلوا بالشرّ ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل ، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين - يعني يزيد - قد أقبلت ، وقد أعطى الله الأمير - يعني ابن زياد - العهد لئن أقمتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيّتكم ، أن يحرم ذرّيتكم العطاء ، ويفرّق مقاتلكم في مغازي أهل الشام من غير طمع ، وأن يأخذ البريء بالسقيم والشاهد بالغائب ، حتى لا تبقى فيكم بقية من أهل المعصية إلّا أذاقها وبال ما جنت أيديها . . » (2.)وكان هذا الكلام كالصاعقة على رؤوس أهل الكوفة ، فقد سرت فيهم أوبئة الخوف وانهارت معنوياتهم ، وجعل بعضهم يقول لبعض : ما نصنع بتعجيل الفتنة وغداً تأتينا جموع أهل الشام ينبغي لنا أن نقيم في منازلنا ، وندع هؤلاء القوم حتی يصلح الله ذات بينهم (3.)


1) الكامل في التاريخ : 3 : 272 .

2) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 576 .

3) الفتوح : 5 : 50 .

وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها أو زوجها وهي مصفرة الوجه من الخوف فتخذله وتقول له : الناس يكفونك (1.)وقد نجح ابن زياد في هذه الخطة إلى حد بعيد .### هزيمة جيش مسلم (علیه السّلام)ومني جيش مسلم بهزيمة ساحقة بعد حرب الأعصاب والدعايات المضلّلة ،لقد انهزم جيشه من دون أن يكون قباله أية قوة عسكرية .ويقول المؤرخون : إنّ مسلماً كلما انتهى إلى زقاق انهزم جماعة من أصحابه ، وهم يقولون : « ما لنا والدخول بين السلاطين . . » (2.)ولم يمض قليل من الوقت حتى انهزم معظمهم يصحبون الخزي والعار ، وصلّى ابن عقيل صلاة العشاء في الجامع الأعظم ، فكان من بقي من جيشه يفرون أثناء الصلاة ، وما أنهى مسلم صلاة العشاء حتى انهزموا جميعاً قادةً وجنوداً ولم يبق منهم أحد يدله على الطريق ، ويقي حيراناً لا يدري إلى أين مسراه ومولجه ، فقد أمسى طريداً مشرداً لا مأوى يأوي إليه ، ولا قلب يعطف عليه .### في ضيافة طوعةوسار مسلم في أزقة الكوفة وشوارعها ، ومضى هائماً على وجهه في جهة كندة يلتمس داراً ليبقى فيها بقية الليل ، وقد خلت المدينة من المارة ، فقد أسرع جنده إلى دورهم ، وأغلقوا عليهم الأبواب مخافة أن تعرفهم مباحث الأمن وعيون ابن زیاد فتخبر السلطة بأنّه كان مع ابن عقيل فتلقي عليه القبض .


1) تاريخ أبي الفداء : 1 : 300 .

2) الدرّ المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء : 1 : 108 . الفوائد الرجالية : 4 : 37 .

وسار مسلم وهو خائر القوى قد أحاطت به تيارات مذهلة من الهموم والأفكار ، وقد انتهى في مسيرته إلى باب سيّدة يقال لها (طوعة وهي سيدة من في المصر رجالاً ونساءً وذلك بما تملكه من شرف ونبل ، وكانت أم ولد للأشعث بن قيس أعتقها فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له ولداً يقال له بلال ، وكانت طوعة تنتظره خوفاً عليه من الأحداث الرهيبة ، ولما رآها مسلم بادر إليها فسلّم عليها فردت عليه السلام ، وقالت له : ما حاجتك ؟)- «اسقنى ماءً . . » .فبادرت المرأة إلى دارها وجاءته بالماء فشرب منه ، ثم جلس .فارتابت منه ، وقالت له : ألم تشرب الماء ؟- «بلی» .اذهب إلى أهلك إنّ مجلسك مجلس ريبة ... (1.)وسکت مسلم فأعادت عليه القول وهو ساكت فلم يجبها .فذعرت منه وقالت له : سبحان الله . . إنّي لا أحل لك الجلوس على باب داري .ولما حرمت عليه الجلوس لم يجد بداً من الانصراف عنها ، فقال بصوت خافت حزين النبرات : « لَيْسَ لي في هذا الْمِصْرِ مَنْزِل وَلَا عَشيرَةٌ ، فَهَلْ لَكِ في أَجْرٍ وَمَعْرُوفٍ ، وَلَعَلّي مُكَافِتُكِ بَعْدَ هَذَا الْيَوْم . . .».وشعرت المرأة بأنّ الرجل غريب وأنّه على شأن كبير يستطيع أن يجازيها على معروفها وإحسانها فقالت له : وما ذاك ؟- «أَنا مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ كَذَّبَنِي الْقَوْمُ وَغَرُونِي ..».فدهشت المرأة وقالت له : أنت مسلم ! !


1) تهذيب التهذيب : 1 : 151 .

«نعم . . »(1.)وانبرت السيّدة بكل خضوع وتقدير فسمحت لضيفها الكبير بالدخول إلى دارها وقد حازت الشرف والفخر ، وعرضت عليه الطعام فأبى أن يأكل ، فقد مزق الأسى قلبه ، وتمثلت أمامه الأحداث الرهيبة التي سيواجهها ، وكان أهم ما شغل فكره كتابه إلى الإمام الحسين بالقدوم إلى الكوفة .ولم يمض قليل من الوقت حتى جاء بلال ابن السيّدة طوعة فرأى أُمّه تكثر الدخول والخروج إلى البيت الذي فيه مسلم فاستراب من ذلك ، فسألها عنه فلم تجبه .فألح عليها فأخبرته بالأمر بعد أن أخذت عليه العهود والمواثيق بكتمان الأمر ، وطارت نفس الخبيث فرحاً وسروراً ، وقد أنفق ليله ساهراً يترقب طلوع الشمس ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم ، وقد تنكر هذا الوغد الخبيث للأخلاق العربية التي تلزم بقرى الضيف وحمايته من كل سوء ، ولكن هذا القزم على غرار أهل الكوفة الذين طلّقوا المعروف ثلاثاً ، راح مسرعاً وقد ملك الفرح فؤاده نحو قصر الامارة ، وكان بحالة من الارتباك تلفت النظر .فلما دخل القصر بادر عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث ، وهو من أخبث أسرة عرفها التاريخ ، فأعلمه بمكان مسلم ، فأمره بالسكوت لئلا يفشي بالخبر فينقله غيره إلى ابن مرجانة فتفوت جائزته ، وأسرع عبد الرحمن إلى أبيه محمد بن الأشعث فأخبره بالأمر .وفطن ابن زياد إلى خطورة الأمر فالتفت إلى ابن الأشعث فقال له : ما قال لك عبد الرحمن ؟


1) الكامل في التاريخ : 3 : 272 .

- أصلح الله الأمير البشارة العظمى .- ما ذاك مثلك من بشر بخير .- إن ابني هذا يخبرني أن مسلم بن عقيل في دار طوعة .وفرح ابن مرجانة وتمت بوارق آماله وأحلامه ، فراح يمد ابن الأشعث بالمال والجاه قائلاً : قم فاتني به ، ولك ما أردت من الجائزة والحظ الأوفى .لقد تمكن ابن مرجانة سليل البغايا والأدعياء من الظفر بفخر هاشم ومجد عدنان ليجعله قرباناً إلى أمويته اللصيقة .### الهجوم على مسلم (علیه السّلام)وندب ابن مرجانة لحرب مسلم ، عمرو بن حريث المخزومي صاحب شرطته و محمّد بن الأشعث ، وضم إليهما ثلثمائة رجل من صناديد الكوفة وفرسانها وأقبلت تلك الوحوش الكاسرة مسرعة لحرب القائد العظيم الذي أراد أن يحرّرهم من الذل والعبودية ويقيم فيهم عدالة الإسلام وحكم القرآن .ولما سمع مسلم حوافر الخيل وزعقات الرجال علم أنه قد أتي إليه ، فبادر إلى فرسه فأسرجه وألجمه وصبّ عليه درعه وتقلّد سيفه ، وشكر السيّدة طوعة على حسن ضيافتها ورعايتها له .واقتحم الجيش عليه الدار فشدّ عليهم يضربهم بسيفه ففروا منهزمين ، ثم عادوا عليه فأخرجهم منها ، وانطلق نحوهم في السكة شاهراً سيفه لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب ، وقد أبدى من البطولات النادرة ما لم يشاهد مثله في جميع فترات التاريخ ، وقد قتل م واحداً وأربعين رجلاً (1.)


1) الدر النضيد : 164 .

وكان من قوته النادرة أن يأخذ الرجل بيده ويرمي به من فوق البيت (1وليس في تاريخ الإنسانية مثل هذه البطولة ، ولا مثل هذه القوة الخارقة .)وجعل أنذال أهل الكوفة يصعدون فوق بيوتهم ويرمونه بالحجارة وقذائف النار (2. وفشلت جيوش ابن مرجانة من مقاومة البطل العظيم ، فقد أشاع فيهم القتل ، وطلب محمّد بن الأشعث من سيّده ابن مرجانة أن يمده بالخيل والرجال فلامه الطاغية ، وقال : سبحان الله !! بعثناك إلى رجل واحد تأتينا به ، فثلم في أصحابك هذه الثلمة العظيمة (3).)وثقل ذلك على ابن الأشعث ، وقال لابن مرجانة : أتظن أنك أرسلتني إلى بقال من بقالي الكوفة ، أو إلى جرمقاني من جرامقة الحيرة(4وإنما بعثتني إلى أسد ضرغام وسيف حسام في كف بطل همام من آل خير الأنام . . »(5).)وأمده ابن مرجانة بقوى مكثّفة فجعل البطل العظيم يحصد رؤوسهم بسيفه ، وهو يرتجز :أَقْسَمْتُ لا أُقْتَلُ إِلَّا حُراً *** وَإِنْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ شَيْئاً نُكْراأَوْ يُخْلَطَ الْبارِدُ سُخناً مُرّاً *** رُدَّ شُعاعُ الشَّمْسِ فَاسْتَقَرًاكُلُّ امْرِي يَوْماً يُلاقي شَرّاً *** أَخافُ أَنْ أُكْذَبَ أَوْ أُغَرًا (6)


1) المحاسن والمساوئ : 1: 43 .

2) المحاسن والمساوئ : 1: 43. مقتل الحسين (علیه السّلام) / الخوارزمي : 1 209 الكامل في التاريخ : 3 : 273 .

3) الفتوح : 5: 63 .

4) الجرامقة : قوم من العجم صاروا إلى الموصل .

5) الفتوح : 5: 93 .

6) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 579. الكامل في التاريخ : 3 : 273 .

ولما سمع الخائن العميل محمد بن الأشعث هذا الشعر من مسلم رفع صوته قائلاً : إنّك لا تكذب ولا تخدع ، إن القوم بنو عمّك ، وليسوا بقاتليك ولا ضاريك .فلم يحفل به مسلم ، ومضى يقاتلهم أعنف القتال وأشده ، ففروا منهزمين لا يلوون على شيء ، واعتلوا فوق منازلهم يرمونه بالحجارة ، فأنكر عليهم مسلم قائلاً: « وَيْلَكُمْ ما لَكُمْ تَرْمُونَني بِالْحِجَارَةِ كَما تُرْمَى الْكَفَارُ ، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْأَبْرارِ . وَيْلَكُمْ أَما تَرْعونَ حَقَّ رَسولِ اللهِ (صلّی الله علیه و آله و سلّم وَذُرِّيَّتِهِ ... ».)وضاق بابن الأشعث أمر مسلم فصاح بالجيش ذروه حتى أكلمه فدنا منه ، وقال له : يابن عقيل ، لا تقتل نفسك أنت آمن ، ودمك في عنقي .ولم یعن به مسلم ، فقد عرفه وعرف قومه أنّهم لا وفاء ولا دين لهم ، وأجابه : «يابْنَ الْأَشْعَثِ ، لا أعطي بِيَدِي أَبَداً وَأَنا أَقْدرُ عَلَى الْقِتالِ ، وَاللَّهِ لا كانَ ذلِكَ أَبَداً » .وحمل مسلم على ابن الأشعث فولى منهزماً يطارده الرعب والخوف ، واشتدّ العطش بمسلم فجعل يقول : « اللهم إنَّ الْعَطَشَ قَدْ بَلَغَ مِنّي.. ».وتكاثرت عليه الجموع فصاح بهم ابن الأشعث : إنّ هذا هو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع، احملوا عليه بأجمعكم حملة واحدة ، فحملوا عليه ضرباً بأسيافهم وطعناً برماحهم وضربه الوغد الأثيم بكر بن حمران ضربة منكرة على شفته العليا وأسرع السيف إلى الأسفل ، وضربه مسلم ضربة أردته إلى الأرض .### أسره (علیه السّلام)وبعدما أثخن مسلم بالجراح و أعياه نزف الدم ، انهارت قواه وضعف عن المقاومة ، فوقع أسيراً بأيدي أولئك الفجرة الكفار ، وانتزعوا منه سيفه ، وحملوه أسيراً إلى ابن مرجانة ، وكان من أعظم ما رزى به مسلم أن يدخل أسيراً على أقذر إرهابي عرفه التاريخ .

ولما دخل لم يسلّم عليه بالإمرة ، وإنّما سلّم على الجميع ، فأنكر عليه بعض خدام السلطة ذلك ، فأجابه أنه ليس لي بأمير .فتميز ابن مرجانة غيظاً وغضباً ، وقال له : سلّمت أو لم تسلّم فإنّك مقتول .فردّ عليه مسلم بجواب أخرجه من إهابه ، وجرت مناورات كلامية بينهما ، وكانت أجوبة مسلم كالسهام على ابن مرجانة ، فلجأ إلى سبه وسبّ العترة الطاهرة والافتراء عليهم ، ثم أمر أن يُصعد به إلى أعلى القصر وينفّذ فيه حكم الإعدام ، وقد استقبل مسلم الموت بثغر باسم ، وكان يسبح الله ويستغفره وأشرف به الجلاد على موضع الحذائين فضرب عنقه ، ورمى برأسه وجسده إلى الأرض ، وانتهت بذلك حياة هذا المجاهد العظيم الذي وهب حياته الله ، واستشهد دفاعاً عن الحق ودفاعاً عن حقوق المظلومين والمضطهدين .ثم أمر الطاغية السفاك بإعدام الزعيم الكبير هانئ بن عروة ، فأخرج من السجن في وضح النهار ، وجعل يستنجد بأسرته وكانوا بمرأى ومسمع منه فلم يستجب له أحد منهم ، وضربه الجلاد بالسيف فلم يصنع به شيئاً .فرفع هانئ صوته قائلاً : اللّهمّ إلى رحمتك ورضوانك ، اللهم اجعل هذا اليوم كفارة لذنوبي ، فإنّي إنّما تعصبت لابن بنت نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، وضربه الجلاد ضربة أخرى فهوى إلى الأرض ، وجعل يتخبّط بدمه الزاكي ، ولم يلبث قليلاً حتى فارق الحياة وقد مضى شهيداً دون مبادئه وعقيدته .وعهد الطاغية الجلّاد إلى زبانيته بسحل جثة مسلم وهانئ في الشوارع والأسواق ، فعمدوا إلى شدّ أرجلهما بالحبال وأخذوا يسحلونهما في الطرق (1وذلك لنشر الخوف والإرهاب، وليكونا عبرة لكل من تحدثه نفسه بالخروج على)


1) أنساب الأشراف : 1 : 155 ، القسم الأوّل .

حکم یزید .ثم قام ابن مرجانة باعتقالات واسعة لجميع العناصر الموالية لأهل البيت ، كما أعدم جماعة منهم ، وذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا ( حياة الإمام الحسين (علیه السّلام ) .)لقد سمعت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم السيدة زینب (علیها السّلام)هذه المآسي المروّعة التي جرت على ابن عمها مسلم ، فكوت قلبها وأضافتها إلى همومها ومصائبها ، وأيقنت أنّ شقيقها وبقية أهلها سيواجهون المصير الذي واجهه ابن عمها .)

## إلَى العِرَاقِ### خطاب الإمام الحسین (علیه السّلام في مكة)

ورافقت عقيلة بني هاشم أخاها أبا الأحرار في مسيرته الخالدة لتكون معه في خندق واحد ، وتشاركه في جهوده وجهاده لحماية الإسلام ، وإنقاذ المسلمين من جور الأمويين وظلمهم .وقبل أن تغادر العقيلة الحجاز استأذنت من زوجها عبد الله بن جعفر أن يسمح لها بالسفر مع شقيقها سيّد الشهداء فأذن لها في ذلك ، وقبل أن يسافر الإمام دخل عليه عبد الله بن عباس ليعدله عن السفر إلى العراق ، فقال له الإمام :« يابن عباس ، ما تَقولُ في قَوْمٍ أَخْرَجوا ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّهِمْ مِنْ وَطَيْهِ وَدَارِهِ وَقَرارِهِ وَحَرَمِ جَدِّهِ ، وَتَرَكُوهُ خَائِفاً مَرْعوباً ، لَا يَسْتَقِرُّ فِي قَرَارٍ وَلَا يَأْوِي إِلى جوارٍ ، يُريدون بِذلِكَ قَتْلَهُ وَسَفْكَ دَمِهِ ، وَلَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئًا ، وَلَمْ يَرْتَكِبْ مُنْكَراً وَلَا إِثْماً ... ».فأجابه ابن عباس بصوت حزين النبرات قائلاً: جعلت فداك يا حسين إن كانلا بد لك من المسير إلى الكوفة فلا تسري بأهلك ونسائك .فقال له الإمام الحسين :« يابْنَ الْعَمْ ، إِنِّي رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ (صلّی الله علیه و آله و سلّم في منامي ، وَقَدْ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ لَا أَقْدِرُ عَلَى خِلافِهِ .. إِنَّهُ أَمَرَنِي بِأَخْذِهِنَّ مَعِي .)

يابْنَ الْعَمِّ ، إِنَّهُنَّ وَدائِعُ رَسولِ اللَّهِ ، وَلَا آمَنُ عَلَيْهِنَّ أَحَداً . . . » .ويقول بعض الرواة : إنّ حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم السيدة زینب (علیها السّلام) قالت لابن عباس وهي باكية العين : « يابنَ عَبّاسٍ ، تُشيرُ عَلَى شَيْخِنا وَسَيّدِنا أَنْ يُخَلَّفَنا هاهنا وَيَمْضي وَحْدَهُ ، لَا وَاللهِ بَلْ نَحْيا مَعَهُ وَنَموتُ مَعَهُ ، وَهَلْ أَبْقَى الزَّمانُ لَنا غَيْرَه ... ».)وأجهش ابن عباس في البكاء وجعل يقول : يعزّ والله على فراقك يابن العمّ (1.)لقد كان من أروع ما خططه الإمام في ثورته الكبرى حمله عقيلة بني هاشم وسائر مخدّرات الرسالة معه إلى العراق ، فقد كان على علم بما يجري عليهن من النكبات والخطوب ، وما يقمن به من دور مشرّف في إكمال نهضته ، وإيضاح تضحيته ، وإشاعة مبادئه وأهدافه ، وقد قمن حرائر النبوّة بإيقاظ المجتمع من سباته ، وأسقطن هيبة الحكم الأموي ، وفتحن باب الثورة عليه ، فقد ألقين من الخطب الحماسية ما زعزع كيان الدولة الأموية .لقد كان خروج العقيلة وسائر بنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ضرورة ملحة لا غنى عنها ، فقد أخلدن نهضة أبي الأحرار .)يقول الإمام كاشف الغطاء : « وهل تشك وترتاب في أن الحسين لو قتل هو وولده ، ولم يتعقبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحديات لذهب قتله جباراً ، ولم يطلب به أحد ثأراً ، ولضاع دمه هدراً فكان الحسين يعلم أن هذا عمل لابد منه ، وأنّه لا يقوم به إلا تلك العقائل فوجب عليه حتماً أن يحملهن معه لا لأجل المظلومية بسبيهن فقط ، بل لنظر سياسي وفكر عميق ، وهو تكميل الغرض ، وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد ، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام ، ويعود الناس إلى جاهليتهم الأولى» (2.)


1) زینب الكبرى : 94 .

2) السياسة الحسينية : 46 و 47 .

ويقول الدكتور أحمد محمود صبحي : « ثمّ رفض - يعني الحسين - إلا أن يصحب معه أهله ليشهد الناس على ما يقترفه أعداؤه ممّا لا يبرره دين ، ولا وازع من إنسانية ، فلا تضيع قضيّته مع دمه المراق في الصحراء ، فيفتري عليه أشد الافتراء حين يعدم الشاهد العادل على ما جرى بينه وبين أعدائه » .تقول الدكتورة بنت الشاطئ : « أفسدت زینب أخت الحسين على ابن زياد وبني أمية لذة النصر ، وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين ، وأنّ كل الأحداث السياسية التي ترتبت بعد ذلك من خروج المختار وثورة ابن الزبير وسقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية ثمّ تأصل مذهب الشيعة إنما كانت زینب (علیها السّلامهي باعثة ذلك ومثيرته» (1).)أريد أن أقول : ماذا يكون الحال لو قتل الحسين ومن معه جميعاً من الرجال إلا أن يسجل التاريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه فيضيع كل أثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء(2.)إن من ألمع الأسباب في استمرار خلود مأساة الإمام الحسین (علیه السّلام واستمرار فعالياتها في نشر الإصلاح الاجتماعي هو حمل عقيلة الوحي وبنات الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) مع الإمام الحسين ، فقد قمن ببلورة الرأي العام، ونشرن مبادئ الإمام الحسين وأسباب نهضته الكبرى ، وقد قامت السيدة زینب (علیها السّلام) بتدمير ما أحرزه يزيد من الانتصارات، وألحقت به الهزيمة والعار .)وسنوضح ذلك بمزيد من البيان في البحوث الآتية :


1) بطلة كربلاء : 176 - 180 .

2) نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية : 343 .

خطاب الإمام الحسین (علیه السّلام في مكة)وأمر الإمام الحسين (علیه السّلام بجمع الناس من أهالي مكة ومن المعتمرين والحجّاج فيها ، فقام فيهم خطيباً فقال :)«الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَمَا شَاءَ اللهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَسَلَّمَ ، خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيْدِ الْفَتَاةِ ، وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي إِشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلى يُوسُفَ ، وَخِيْرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاتِيهِ ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُها عُسْلَانُ (1الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاءِ ، فَيَمْلَانَ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفًا وَأَجْرِبَةٌ سَغْباً ، لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمِ خُطَّ بِالْقَلَم ، رِضا اللهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ ، نَصْبِرُ عَلى بَلَائِهِ وَيُوَفِّينَا أَجْرَ الصَّابِرِينَ ، لَنْ تَشَدَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لُحْمَتُهُ ، وَهِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ ، تَفَرُّ بهمْ عَيْنُهُ وَيُنْجَزُ بهمْ وَعْدَهُ ، مَنْ كَانَ بَاذِلاً فِينَا مُهْجَتَهُ ، وَمُوَطِّناً عَلىَ لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا ، فَإِنَّنِي رَاحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى » (2).)ونعى الإمام نفسه في هذا الخطاب التاريخي الخالد ، واعتبر الشهادة في سبيل الله زينة للإنسان كالقلادة التي تكون زينة للفتاة ، كما أعلن عن شوقه العارم لملاقاة الله تعالى ، وأن اشتياقه للذين استشهدوا في سبيل الله كاشتياق يعقوب إلى يوسف .وأخبر (علیه السّلام عن البقعة الطاهرة التي يستشهد فيها وهي ما بين النواويس وكربلاء فيها تقطع أوصاله ويراق دمه الزاكي.)وعلى أي حال ، فقد حلّلنا هذا الخطاب وذكرنا أبعاده في كتابنا ( حياة الإمام الحسين )


1) العسلان : هي . الذئاب .

2) كشف الغمة : 2 : 241 .

### السفر إلى العراقوقبل أن يغادر الإمام مكة مضى إلى البيت الحرام فأدى له التحية بطوافه وصلاته ، وبقي فيه حتى أدى صلاة الظهر ثم خرج مودعاً له (1.)وخرج الإمام من مكة وهو يحمل معه مخدّرات الرسالة وعقائل النبوة ، وكان خروجه في اليوم الثامن من ذي الحجّة سنة ستين من الهجرة (2، وخيم الحزن والأسى على أهل مكة وعلى حجاج بيت الله الحرام ، وكان الإمام لا ينزل منزلاً إلا حدّث أهل بيته عن مقتل يحيى بن زكريا (3).)وسار موكب الإمام لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى موضع يسمّى ب- « الصفاح فالتقى بالشاعر الكبير الفرزدق فسلّم على الإمام ، وقال له : بأبي أنت وأمي يابن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ما أعجلك عن الحج ؟ فأجابه الإمام عن سبب خروجه : « لَوْ لَمْ أُعَجِّلْ لَأُخِذْت ...».)إن السبب في خروج الإمام قبل أن يتم العمرة هو أن السلطة قد عهدت إلى عصابة منها باغتيال الإمام ، ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة ، فلذا سارع الإمام بالخروج من مكة .وبادر الإمام فسأل الفرزدق فقال له : « مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يا أَبا فراس ؟؟ » .- من الكوفة .- « بَيِّنْ لي خَبَرَ النَّاسِ ؟ »على الخبير سقطت ، قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية ، والقضاء


1) الحسين بن عليّ : 557 .

2) خطط المقريزي : 2 : 286 .

3) نظم درر السمطين: 215 .

ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء ، وربنا كل يوم هو في شأن (1.)واستصوب الإمام كلام الفرزدق فقال له : « صَدَقْتَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَكُلَّ يَوْمٍ رَبُّنَا فِي شَأْنٍ .إِنْ نَزَلَ الْقَضاءُ بِما نُحِبُّ فَنَحْمَدُ اللهَ عَلَى نَعْمَانِهِ ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى أَداءِ الشُّكْرِ وَإِنْ حالَ الْقَضاءُ دونَ الرّجاءِ فَلَمْ يَتَعَدَّ مَنْ كانَ الْحَقُّ نِيَّتَهُ وَالتَّقْوى سَرِيرَتَه ..» (2.)وواصل الإمام مسيرته الخالدة بعزم وثبات لم يثنه عن عزيمته قول الفرزدق في تخاذل الناس عنه ، وتجاوبهم مع بني أمية .### مع أبي هرّةوسار الإمام مع موكبه حتى انتهى إلى ذات عرق فخف إليه أبو هرة فقال له : يابن رسول الله ، ما الذي أخرجك من حرم الله وحرم جدك رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ؟)فأجابه الإمام بتأثر قائلاً: « وَيْحَكَ يَا أَبَا هِرَّةَ ، إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ أَخَذُوا مَالِي فَصَبَرْتُ ، وَشَتَمُوا عِرْضِي فَصَبَرْتُ ، وَطَلَبُوا دَمِي فَهَرَبْتُ ، وَأَيْمُ اللهِ لَتَقْتُلَنِى الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ، وَلَيُلْبِسَنَّهُمُ اللهُ ذُلّاً شَامِلاً وَسَيْفاً قَاطِعاً ، وَلَيْسَلِّطَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُذِلُّهُمْ ، حَتَّىٰ يَكُونُوا أَذَلَّ مِنْ قَوْمِ سَبَأَ إِذْ مَلَكَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ فَحَكَمَتْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَدِمَائهِمْ .. » (3.)


1) الإرشاد / المفيد : 2 : 67. بحار الأنوار: 44 365 أنساب الأشراف: 3: 376. تاريخ الأمم والملوك : 4 590 الفتوح : 5: 71 - 73. الكامل في التاريخ : 3: 276. وسيلة المآل : 188 .

2) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 590. الكامل في التاريخ : 3: 276. الصواعق المحرقة : 196 . البداية والنهاية : 8: 168 .

3) الدرّ المسلوك : 1 : 110 . الفتوح : 5 : 71. مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1: 239 .

وانصرف الإمام وهو حزين من هؤلاء الناس الذين لا يملكون وعياً لنصرة الحق والدفاع عن الإسلام .### فزع السيدة زینب (علیها السّلام)وكانت السيدة زینب (علیها السّلام فزعة حزينة قد ذابت نفسها أسى وحسرات ، فقد علمت ما سيجري على أهلها من القتل فخفت إلى أخيها حينما كانوا في الخزيمية وهي تقول له بنبرات مشفوعة بالبكاء : « يا أخي إِنِّي سَمِعْتُ هاتفاً يَقولُ :)أَلا يا عَينُ فَاحتفلي بجهد *** فَمَنْ يَبْكَي عَلَى الشُّهَدَاءِ بَعْدَىعَلى قَوْمِ تَسوقُهُمُ الْمَنايا *** بمقدار إلى إنجاز وعديفأجابها أبي الضيم غير حافل بما سيلقاه من النكبات والخطوب : « يا أُخْتاهُ كُلُّ الَّذِي قُضِيَ فَهُوَ كَائِنٌ »(1.)لقد أراد الإمام من شقيقته أن تتسلّح بالصبر وأن تقابل الرزايا والمصائب برباطة جأش وعزم حتى تقوى على أداء رسالته .### النبأ المروع بشهادة مسلم (علیه السّلام)وانتهى النبأ المروّع بشهادة البطل مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين حينما كان في زرود ، فقد أقبل رجل من أهل الكوفة ، فلما رأى الحسين عدل عن الطريق فتبعه بعض أصحاب الإمام فالتقيا به وانتسباله ، وسألاه عن خبر الكوفة ، فقال : إنّه لم يخرج منها حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، ورآهما يجران بأرجلهما في الأسواق ، وأسرعا إلى الإمام فقالا له : رحمك الله ، إن عندنا خبراً إن شئت


1) مناقب آل أبي طالب : 127 .

حدثناك به علانية وإن شئت سرّاً .ونظر الإمام إلى أصحابه فقال : « ما دون هؤلاء سرّ » .وأخبراه بما سمعاه من الرجل من شهادة مسلم وهانئ ، فكان هذا النبأ كالصاعقة على العلويين فانفجروا بالبكاء على فقيدهم العظيم حتى ارتج الموضع من شدة البكاء ، والتفت الإمام إلى بني عقيل فقال لهم : « ما تَرَوْن فَقَدْ قُتِلَ مُسْلِم ...» .ووثبت الفتية كالأسود الضارية ، وهم يعلنون استهانتهم بالموت وتصميمهم على الشهادة قائلين : لا والله لا نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق مسلم .وراح الإمام يقول : « لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلاءِوتمثل (علیه السّلام بهذين البيتين :)سَأَمْضِي وَمَا بِالْمَوْتِ عَارٌ عَلَى الْفَتَى *** إذا ما نوى حقاً وجاهَدَ مُسْلِمافَإِنْ مُتُّ لَمْ أَنْدَمُ وَإِنْ عِشْتُ لَمْ أَلَمْ *** كَفَى بِكَ عاراً أَنْ تُذَلَّ وَتُرْغَما (1)لقد مضى إلى ساحات الجهاد مرفوع الرأس ، وهو على يقين لا يخامره شك في أنه يسير إلى الفتح الذي لا فتح ولا ظفر مثله .### رؤيا الإمام الحسين (علیه السّلام)وخفق الإمام الحسين وقت الظهيرة فرأى رؤياً أفزعته ، فانتبه مذعوراً فأسرع إليه ولده مفخرة الإسلام علي الأكبر قائلاً: « يا أَبَتِ ، ما لي أراكَ فَزِعاً ؟ » .- « رَأَيْتُ رُؤْياً أَفْزَعَتْنى .. ».- « خَيْراً رَأَيْتَ . . » .


1) الدر النظيم : 167 .

- « رَأَيْتُ فارساً وَقَفَ عَلَيَّ ، وَهُوَ يَقولُ: أَنتُمْ تُسْرِعونَ ، وَالْمَنايا تُسْرِعُ بِكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، فَعَلِمْتُ أَنْ أَنْفُسَنَا نُعِيَتْ إِلَيْنَا . . » (1.)وبادر على قائلاً: «أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ ؟ . . » .أجل يا فخر هاشم أنتم معدن الحق وأصله ومنتهاه، وأجابه أبوه قائلاً: « بَلى وَالَّذِي إِلَيْهِ مَرْجِعُ أَمْرِ الْعِبَادِ الْعِبادِ . . » .وطفق عليّ يلقي كلمته الذهبية الخالدة قائلاً: «يا أَبَتِ ، لا تُبالي بِالْمَوْتِ ... ».ووجد الإمام الحسين في ولده البار خير عون له على أداء رسالته الكبرى ، فشكره على ذلك قائلاً: « جَزاك الله يا بُنَيَّ خَيْرَ ما جَرىٰ بِهِ وَلَداً عَنْ وَالِدِهِ . .»(2.)### الالتقاء بالحرّوانتهى ركب الإمام إلى شراف وفيها عين للماء ، فأمر الإمام فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا منه ، ففعلوا ذلك ، ثمّ سارت قافلة الإمام تطوي البيداء ، فبادر رجل من أصحاب الإمام فكبّر .فاستغرب الإمام وقال له : « لِمَ كَبَّرت ؟ » .- رأيت النخل .وأنكر عليه رجل ممّن خبر الطريق وعرفه فقال له : ليس هاهنا نخل ، ولكنها أسنة الرماح وآذان الخيل .وتأمّلها الإمام الحسين ، فقال : « وَأَنَا أَرى ذلِكَ » .وعرف الإمام أنها طلائع الجيش الأموي جاءت لإلقاء القبض عليه ، فقال


1) تاريخ الإسلام : 2 : 346 .

2) مقاتل الطالبيين : 111 .

لأصحابه : « أَما لَنا مَلْجَأَ نَلْجَأَ إِلَيْهِ نَجْعَلُهُ في ظُهورِنا ، وَنَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ مِنْ وَجْهِ وَاحِد » .فقال له بعض أصحابه : هذا ذو حسم (1إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت إليه فهو كما تريد .)ومال ركب الإمام إليه ، فلم يسيروا إلا قليلاً حتى أدركهم جيش مكتف بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي ، وكان ابن مرجانة قد عهد إليه أن يجوب في صحراء الجزيرة للتفتيش عن الإمام ، وكان عدد ذلك الجيش ألف فارس بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي ، ووقفوا قبال الإمام ، وكان الوقت شديد الحرّ ، وقد أشرفوا على الهلاك من شدة العطش فرقّ عليهم الإمام ، وغضّ نظره من أنّهم جاؤوا لقتاله وسفك دمه ، فأمر أصحابه وأهل بيته أن يسقوهم الماء ، ويرشفوا خيولهم وقام أصحاب الإمام فسقوا القوم عن آخرهم ، ثمّ انعطفوا إلى الخيل فجعلوا يملأون القصاص والطساس فإذا عُب فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت ، وسقي الآخر حتى سقوها جميعاً» (2.)لقد تكرّم الإمام بإنقاذ هذا الجيش الذي جاء لحربه ، ولم تهز هذه الأريحية ولا هذا النبل نفس هذا الجيش ، ولم يتأثروا بهذا الخلق الرفيع ، فقد أحاطوا بالفرات في كربلاء ، وحرموا ذرّية نبيهم من الماء ولم يسقوهم قطرة حتى توفواعطاشی .### خطاب الإمام (علیه السّلام)وخطب الإمام في قطعات ذلك الجيش فقال بعد حمد الله والثناء عليه :«أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّها مَعْذِرَةٌ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَيْكُمْ .. إِنِّي لَمْ آتِكُمْ حَتَّى أَتَتْني


1) ذو حسم : بضم الحاء وفتح السين جبل هناك .

2) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 226 .

كتبكُمْ ، وَقَدِمَتْ بِها عَلَيَّ رُسُلُكُمْ ، أَنْ أَقْدِمْ عَلَيْنا فَإِنَّهُ لَيْسَ لَنَا إِمَامٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَنا بِكَ عَلَى الْهُدى .فَإِنْ كُنتُمْ عَلَى ذلِكَ فَقَدْ جِئْتُكُمْ ، فَأَعْطوني ما أَطْمَئِنُّ بِهِ مِنْ عُهَودِكُمْ وَمَوَاثِيقِكُمْ ، وَإِنْ كُنتُمْ لِمَقْدَمي كَارِهِينَ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ إِلَى الْمَكانِ الَّذِي جِنْتُ مِنْهُ إِلَيْكُمْ .. » .وأحجموا عن الجواب فإنّ الأكثرية الساحقة منهم قد كاتبوا الإمام وبايعوه على يد سفیره مسلم بن عقیل .وحلّ وقت الصلاة فأمر الإمام مؤذنه الحجاج بن مسروق أن يؤذن ويقيم الصلاة الظهر ، وبعد فراغه قال الإمام للحرّ : « أَتُريدُ أَنْ تُصَلِّي بِأَصْحَابِكَ ؟ .فقال : بل نصلّي بصلاتك ، وائتموا بالإمام فصلى بهم صلاة الظهر .وبعد أدائه للصلاة قام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :« أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّكُمْ إِن تَتَّقُوا اللهَ وَتَعْرِفُوا الْحَقِّ لأَهْلِهِ يَكُنْ أَرْضى لِلَّهِ ، وَنَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ أَوْلَى بِوَلايَةِ هذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلاءِ الْمُدَّعِينَ ما لَيْسَ لَهُمْ ، وَالسَّائِرِينَ فِيكُمْ بِالْجَوْرِ وَالْعُدْوانِ ، فَإِنْ أَنتُمْ كَرِهْتُمُونَا وَجَهِلْتُمْ حَقًّنَا وَكَانَ رَأْيُكُمُ الآنَ عَلَى غَيْرِ ما أَتَتْني بِهِ كتبكُمُ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ ».ولم يعلم الحرّ بشأن الكتب التي بعثها أهل الكوفة للإمام ، فقال له : ما هذه الكتب التي تذكرها ؟فأمر الإمام عقبة بن سمعان بإحضارها ، وكانت قد ملأت خرجين فنثرها بين يدي الحرّ ، فبهر منها ، وقال : لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك .وأراد الإمام أن يتجه إلى يثرب فقال له الحرّ : قد أمرت أن لا أفارقك إذا لقيتك حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد .وتأثر الإمام وصاح به : « الْمَوْتُ أَدْنى إِلَيْكَ مِنْ ذلِكَ »

وجرت مشادة عنيفة بين الإمام والحرّ ، فقد حال الحرّ من توجه الإمام إلى يثرب ، وكاد الوضع أن ينفجر باندلاع نار الحرب إلّا أنّ الحرّ ثاب إلى الهدوء ، وقال للإمام : إنّما لم أؤمر بقتالك وإنّما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ، ولا يردّك إلى المدينة ، واتفقا على ذلك ، فتياسر الإمام عن طريق العذيب والقادسية (1.)وأخذت قافلة الإمام تطوي البيداء ، وكان الحرّ يتابعه عن كثب ، ويراقبه أشدّ ما تكون المراقبة .وفزعت حفيدة الرسول أشدّ ما يكون الفزع وأيقنت بنزول الرزء القاصم و أن أخاها مصمّم على الشهادة ، ومناجزة الحكم الأموي .### خطبة الإمام (علیه السّلام)ولما انتهى موكب الإمام إلى ( البيضة ألقى الإمام خطاباً على الحرّ وأصحابه قال فيه :)« أَيُّها النَّاسُ : إِنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَنْ رَأى سُلْطاناً جائِراً مُسْتَحِلَا لِحُرَمِ اللهِ ، ناكِثا لِعَهْدِ اللَّهِ ، مُخالِفاً لِسُنَّةِ رَسولِ اللهِ ، يَعْمَلُ فِي عِبادِ اللَّهِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ، فَلَمْ يُغَيِّرُ ما هُوَ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَه ...أَلا إِنَّ هؤلاءِ قَدْ لَزِموا طاعَةَ الشَّيْطَانِ ، وَتَرَكوا طاعَةَ الرَّحْمَنِ ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ ، وَأَحَلُوا حَرَامَ اللَّهِ ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ ، وَأَنَا أَحَقُّ مِمَّنْ غَيَّرَ.


1) الكامل في التاريخ : 3 : 280 .

وَقَدْ أَتَتني كُتبكُمْ ، وَقَدِمَتْ عَلَى رُسُلُكُمْ بِبَيْعَتِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تُسَلِّموني وَلَا تَخْذُلُوني ، فَإِنْ أَقَمْتُمْ عَلى بَيْعَنِكُمْ تُصيبوا رُشْدَكُمْ ، وَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٌّ وَابْنُ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَفْسي مَعَ أَنْفُسِكُمْ ، وَأَهْلِي مَعَ أَهْلِيكُمْ ، وَلَكُمْ فِي أسْوَةٌ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَنَقَضْتُمْ عَهْدَكُمْ وَخَلَعْتُمْ بَيْعَتي ، فَلَعَمْرِي مَا هِيَ لَكُمْ بِنُكْرٍ ، لَقَدْ فَعَلْتُموها بِأَبي وَأَخِي وَابْنِ عَمّي مُسْلِمٍ ، فَالْمَغْرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِكُمْ ، فَحَظُكُمْ أَخْطَأْتُمْ وَنَصِيبُكُمْ ضَيَّعْتُمْ ، وَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَسَيُغْنِي اللهُ عَنْكُم عَنْكُم . . . . ».وحفل هذا الخطاب الرائع بأمور بالغة الأهمية ذكرناها في كتابنا ( حياة الإمام الحسين .)ولما سمع الحرّ خطاب الإمام ووعاه أقبل عليه فقال له : إنّي أذكرك الله في نفسك ، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلن ..فأجابه الإمام : «أَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُني ، وَهَلْ يَعْدو بِكُمُ الْخَطْبُ أَنْ تَقْتُلُونِي ، وَمَا أَدْري ما أَقولُ لَكَ ، وَلكِنِّي أَقولُ كَما قالَ أَخو الْأَوْسِ لَابْنِ عَمِّهِ وَهُوَ يُريدُ نَصْرَةَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَيْنُ تَذْهَبُ فَإِنَّكَ مَقْتُولٌ ، فَقَالَ لَهُ:سَأَمْضِي وَمَا بِالْمَوْتِ عَارٌ عَلَى الْقَتى *** إذا ما نوى خَيْراً وَجاهَدَ مُسْلِماًوَواسَى الرَّجالَ الصَّالِحينَ بنَفْسِهِ *** وَخالَفَ مَكْبُوراً وفارقَ مُجْرِماًفَإِنْ عِشْتُ لَمْ أَنْدَمْ وَإِنْ مُنُّ لَمْ أَلَمْ *** كَفَىٰ بِكَ ذُلَا أَنْ تَعَيشَ وَتُرْغَمَا (1)ولما سمع الحرّ مقالة الإمام عرف أنه مصمّم على الشهادة في سبيل أهدافه النبيلة .


1) الكامل في التاريخ : 3 : 281 .

والتاعت السيدة زینب (علیها السّلام حينما سمعت مقالة أخيها وأيقنت أنه مصمّم على الموت والشهادة في سبيل الله .)### مع الطرمّاحوصحب الطرماح الإمام (علیه السّلام في أثناء الطريق ، وأقبل الإمام على أصحابه ،فقال لهم : « هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يُخْبرُ الطَّريقَ عَلى غَيْر الْجادة ؟ ».)فقال له الطرماح : أنا أخبر الطريق .فقال (علیه السّلام له : « سِربنا » .)فسار بهم الطرماح وجعل يحدو بالابل بصوت حزين قائلاً :يا ناقتي لا تُذْعَرِي مِنْ زَجْري *** وَامْضِي بِنا قَبْلَ طُلوعِ الْفَجرِبِخَيْرِ فِتْيانٍ وَخَيْرِ سَفَرِ *** آلِ رَسولِ اللهِ أَهْلِ الْفَخْرِالسّادَةِ البيض الوجوه الزُّهْرِ *** الطَّاعِنينَ بِالرِّماحِ السُّمْرِالضاربينَ بِالسُّيوفِ البُتْرِ *** حتى تَحِلّي بِكَريمِ النَّجربماجِدِ الْجَدِّ رَحيبِ الصَّدْرِ *** أَتَى بِهِ اللهُ لِخَيْرِ أَمْرِعَمَّرَهُ اللهُ بَقاءَ الدَّهْرِ *** يا مالِك النَّفْعِ مَعاً وَالضُّرُأمْدِدْ حُسَيْناً سَيدي بِالنَّصْرِ *** عَلَى الطَّعَاةِ مِنْ بَقايا الْكُفْرِعَلَى اللَّعينَيْنِ سَليلَي صَخْرِ *** يَزيدَ لازالَ خَليفَ الْخَمْرِوالعودِ وَالصَّنج معاً والزمر*** وَابنِ زِيَادِ الْعُهْرِ وَابْنِ الْعُهْرِ (1)وأسرعت الإبل في سيرها على نغمات هذا الشعر الحزين ، وقد فاضت عيون


1) مقاتل الطالسّن : 111 .

السيدات من بنات رسول الله وفي طليعتهن السيدة زینب (علیها السّلامبالبكاء وهن يدعون للإمام بالنصر والتأييد على أعدائه .)### رسالة ابن زياد للحرّوسارت قافلة الإمام تطوي البيداء ، وهي تارة تتيامن وأخرى تتياسر ، وجنود الحرّ يذودون الركب عن البادية ، ويدفعونه تجاه الكوفة ، والركب يمتنع عليهم وإذا براكب قد أقبل وهو رسول من قبل ابن زياد إلى الحرّ فسلّم الخبيث الدنس على الحرّ ولم يسلّم على الحسين ، وناول الحرّ رسالة من ابن مرجانة جاء فيها :«أمّا بعد : فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ، ويقدم عليك رسولي ، فلا تنزله إلّا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري ، والسلام» (1.)وقرأ الحرّ الكتاب على الإمام الحسين ، وقد أراد أن يستأنف سيره متجهاً صوب قرية أو ماء فمنعه الحرّ .وانبرى زهير بن القين ، وهو من أفذاذ أصحاب الإمام فقال له : يابن رسول الله ، إن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به .فقال له الحسين : « ما كُنْتُ لأَبْدَأَهُمْ بِقِتال » .وتابع زهير حديثه قائلاً: سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنّها حصينة ، وهي على شاطئ الفرات ، فإن منعونا قاتلناهم ، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم ، ولكن الحرّ أصرّ على الإمام أن ينزل في ذلك المكان ولا يتجاوزه ، ولم يجد الإمام بداً من النزول فيه ، والتفت إلى أصحابه فقال لهم :


1) أنساب الأشراف : 240 .

« ما اسْمُ هَذَا الْمَكَان ؟ » .فقالوا له : كربلا .وفاضت عيناه بالدموع وقال : « اللهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنَ الْكَرْبِ وَالْبَلاء ..» (1.وطافت به الذكريات ، ومثل أمامه ما قاله جده رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وأبوه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) من أن دمه الزاكي سيراق في هذه الأرض فيها تتقطع أوصاله وتسفك دماء أهل بيته وأصحابه ، وخلد الإمام إلى الصبر واستسلم لقضاء الله .)ونهض أصحاب الإمام وأهل بيته فنصبوا الخيام لمخدّرات الرسالة وعقائل الوحي كما نصبوا الخيام لهم ، وأسرع فتيان بني هاشم وأمامهم سيدهم أبو الفضل العباس فأنزلوا السيّدات من المحامل ، وجاؤوا بهن إلى خيامهن ، وقد أحست حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم السيدة زینب (علیها السّلام)بالأخطار الهائلة والكوارث التي ستجري عليها وعلى أهلها في هذه الأرض .)


1) الفتوح: 5 : 81 .)وفي تذكرة الخواص : 225 : « أنّه لما قيل للحسين الا : هذه أرض كربلاء أخذ ترابها فشتها ، وقال : هذِهِ وَاللَّهِ هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أَخْبَرَ بِها جَبْرَئِيلُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّنِي أَقْتَلُ فيها » .وجاء في حياة الحيوان / الدميري : 1 : 87 : « أنّ الحسين سأل عن اسم المكان فقيل له : كربلاء ، فقال : ذاتُ كَرْبِ وَبَلاءِ ، لَقَدْ مَرَّ أَبِي بِهَذَا الْمَكَانِ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى صِفِّينَ وَأَنَا مَعَهُ ، فَوَقَفَ وَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ بِاسْمِهِ.فَقالَ : هَاهُنا مَحَطُّ رحالِهِمْ ، وَهاهنا مُهْراقُ دِمائِهِمْ .فَسُئِلَ عَنْ ذلِكَ ، فَقالَ : نَفَرٌ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ يَنْزِلُونَها هُنا ، ثم أمر بأثقاله فحطّت في ذلك المكان». وكذلك جاء في مختصر صفة الصفوة : 262 .

## في كَرْبَلاءَ### خطبة ابن مرجانة

وذاب قلب الصديقة الطاهرة زینب (علیها السّلام أسى وحسرات ، واستولى عليها الألم العاصف ، فقد أيقنت أنها ستشاهد في هذه الأرض مصرع أخيها وأهل بيته ، وستجري عليها من النكبات والخطوب ما تذوب من هولها الجبال ، وقد خلدت إلى الصبر ، وسلمت أمرها إلى الله تعالى .)وحينما استقر الإمام الحسين في كربلاء جمع أهل بيته وأصحابه فألقى عليهم نظرة حنان وعطف ، ورفع يديه بالدعاء يناجي ربه ، ويشكو إليه ما ألم به من المحن والخطوب قائلاً:اللَّهُمَّ إِنَّا عِتْرَةً نَبِيَّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَخْرِجْنَا وَطُرِدْنَا وَأَزْعِجنَا عَنْ حَرَمِ جَدْنا وَتَعَدَّتْ بَنو أُمَيَّةَ عَلَيْنا .اللهُمَّ فَخُذْ لَنَا بِحَقْنا ، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الظَّالِمِينَ » .ثمّ أقبل على تلك الصفوة فقال لهم :النّاسُ عَبيدُ الدُّنْيا ، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلى أَلْسِنَتِهِمْ يَحوطونَهُ ما دَرَّتْ مَعائِشهُمْ ، فإذا مُحّصوا بِالْبَلاءِ ، قَلَّ الدَّيَّانون ...» .وحكت هذه الكلمات الذهبية واقع الناس واتجاهاتهم فهم في جميع مراحل

التاريخ عبيد الدنيا ، أما الدين فإنّما يجري على ألسنتهم فإذا مخصوا بالبلاء مالوا عنه وتنكروا له .ثم خاطب أصحابه قائلاً: « أَمَا بَعْدُ فَقَدْ نَزَلَ بِنا ما قَدْ تَرونَ ، وَإِنَّ الدُّنْيا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَتَنَكَّرَتْ ، وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُها ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِناءِ ، وَخَسِيسُ عَيْشِ كَالْمَرْعَى الْوَبيل (1.)أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ ، وَإِلَى الْبَاطِلِ لَا يُتَنَاهِيَ عَنْهُ ، لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِي لِقاءِ اللَّهِ ، فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعادَةً ، وَالْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً . . » (2.)والتاعت سيدة النساء زینب (علیها السّلامحينما سمعت خطاب أخيها ، وهو مصمم على الموت فقد اعتبره سعادة ، واعتبر الحياة والعيش مع الظالمين برماً .)وحينما أنهى الإمام خطابه هبّ أصحابه وأهل بيته ، وهم يعلنون الدعم الكامل له ، ويهزأون بالحياة ، ويسخرون من الموت من أجله ، فشكرهم الإمام وأثنى عليهم .خطبة ابن مرجانةوحينما انتهى النبأ بنزول الإمام في كربلاء ، وإحاطة الحرّبه ، دعا ابن مرجانة الناس إلى الجامع الأعظم فامتلأ منهم ، فقام فيهم خطيباً فقال :« أيها الناس ، إنّكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبّون ، وهذا أمير المؤمنین یزید قد عرفتموه ، حسن السيرة ، محمود الطريقة ، محسناً إلى الرعية ،


1) المرعى الوبيل : هو الطعام الوخيم الذي يخاف وباله .

2) تاريخ مدينة دمشق : 14 : 178 .

يعطي العطاء في حقه ، وقد أمنت السبل على عهده ، وكذلك كان أبوه معاوية في عصره ، وهذا ابنه يزيد يكرم العباد ، ويغنيهم بالأموال ، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة ، وأمرني أن أوفّرها عليكم ، وأخرجكم إلى حرب عدوه الحسين ، فاسمعواله وأطيعوا »(1.)لقد منّاهم بالأموال التي يعبدونها من دون الله فاستجابوا له ، وخرجوا كالكلاب لحرب ريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وسيد شباب أهل الجنة .)### انتخاب ابن سعد للقيادة العامةوانتخب الوغد الأثيم عبيد الله بن زیاد عمر بن سعد قائداً عاماً لقواته المسلّحة وكان ابن سعد من أخس الناس ومن أرذلهم ، ولا يملك أي رصيد من الشرف والكرامة ، وكان ضعيف النفس خائر العزيمة ، لقد انتخبه ابن زياد لأفظع جريمة منذ خلق الله الأرض ، فقاد الجيوش الحرب ابن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وأحاط به من كل جانب ، وفرض عليه الحصار فاستولى على جميع الطرق مخافة أن يصل إليه أي إمداد من الخارج .)كما عهد إلى أربعة آلاف فارس بقيادة المجرم عمرو بن الحجاج فاحتلوا نهر الفرات وجميع الشرائع والأنهر المتفرّعة منه ، وقد حيل بين الإمام الحسين وبين الماء قبل قتله بثلاثة أيام (2.)وقد عانت العقيلة أعظم المحن ، فقد أحاطت بها الأطفال وحرائر الرسالة وهم يعجون من ألم الظمأ ، وهي تصبرهم وتمنيهم بوصول الماء إليهم ، لقد ذاب قلبها رحمةً وحناناً على أطفال أخيها الذين ذبلت شفاههم وذوى عودهم .


1) الأخبار الطوال : 253 .

2) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان : 89 .

يقول أنور الجندي :وَذِئاب السُّرورِ تَنعُمُ بِالماءِ *** وَأَهْلُ النَّبي مِنْ غَير ماءيا لِظُلْمِ الأَقدارِ يَظْمَأُ قَلبُ *** اللَّيْثِ وَاللَّيْثِ موثَقُ الأَعْضَاءِوَصِغَارُ الْحُسَينِ يَبْكُونَ فِي الصَّحراء *** يا رَبِّ أَيْنَ غَوْتُ الْقَضاءِإنّ جميع الشرائع والمذاهب لا تبيح منع الماء عن الأطفال والنساء ، فالناس جميعاً شركاء فيه ، ولكن شريعة آل أبي سفيان التي تحكي طباع الأسر القرشية التي أبت أن تجتمع الخلافة والنبوّة في بيت واحد هي التي حرّمت الماء على آل الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم.)### الإمام (علیه السّلام مع ابن سعد)وطلب الإمام من ابن سعد الاجتماع به ، فأجابه الباغي اللئيم - على كره - وعقد الإمام معه اجتماعاً مغلقاً حضره أبو الفضل العباس وعلي الأكبر ، ومع ابن سعد ابنه حفص وغلام له .فقال له الإمام : « يا بْنَ سَعْدِ ، أَتُقاتِلُني أَما تَتَّقى اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ مَعَادُكَ ، فَإِنِّي ابْنُ مَنْ قَدْ عَلِمْتَ ، أَلا تَكُونَ مَعِي وَتَدَعَ هَؤُلاءِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ... ».وألقى ابن سعد معاذيره الواهية قائلاً: أخاف أن تهدم داري .- « أَنا أَبنيها .. ».- أخاف أن تؤخذ ضيعتي .- « أَنا أَخْلُفُ عَلَيْكَ خَيْراً مِنْها ... ».- إن لي بالكوفة عيالاً ، وأخاف عليهم من القتل من ابن زياد » .

ولما رأى الإمام إصراره على الغي والعدوان ، ولا ينفع معه النصح والإرشاد راح يدعو عليه قائلاً:« ما لَكَ ذَبَحَكَ اللهُ عَلَى فِرَاشِكَ ، وَلَا غَفَرَ لَكَ يَوْمَ حَشْرِكَ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنْ بُرِّ الْعِرَاقِ إِلَّا يَسِيراً .. ».وولى ابن سعد ، وهو يقول للإمام بسخرية : إن في الشعير كفاية .واستجاب الله دعاء الإمام المظلوم في هذا الخبيث ، فقد ذبحته جنود البطل العظيم المختار بن أبي عبيد نصر الله مثواه وهو على فراشه ، وسيقت روحه الخبيثة إلى نار جهنم خالداً فيها مع أمثاله من المجرمين وأسياده الأمويين .وكانت العقيلة على علم بجميع ما يجري من الأحداث ، وأيقنت أن أخاها سيلاقي حتفه على يد هذه العصابة المجرمة التي لم تؤمن بالله ، والتي ساقتها الأطماع إلى اقتراف أفظع جريمة في الأرض .

## المأسَاةُ الخَالِدَةُ### الإمام (علیه السّلاميأذن لأصحابه بالتفرّق)

ولم تبق كارثة من كوارث الدنيا ولا رزية من رزايا الدنيا إلا جرت على حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم وعقيلة بني هاشم في كربلاء ، فقد أحاطت بها المصائب يتبع بعضها بعضاً ، فقد شاهدت أعداء الله وجيوش آل أبي سفيان قد اجتمعت على إبادة أهلها ، وقد احتلوا ماء الفرات ومنعوا ذرية الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من الانتهال منه ، وقد عجّت أطفال أهل البيت ونساؤهم بالصراخ والعويل من شدّة الظمأ وقد أحاطوا بالعقيلة يطلبون منها الماء ، وهي حائرة مذهولة تأمرهم بالصبر ، كيف الصبر والعطش قد مزق قلوبهم .)وقد زحفت جيوش الأمويين نحو الإمام الحسين في ليلة التاسع من المحرم ، وكان سيّد الشهداء جالساً أمام بيته محتبياً بسيفه إذ خفق برأسه ، فسمعت أخته العقيلة أصوات الجيش قد تدانت نحو أخيها فانبرت إليه وهي مذهولة مرعوبة فأيقظته ، وقالت له :« إِنَّ الْعَدُوّ قَدْ دَنَا مِنا ».فقال لها : « إِنِّي رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنامِ فَقَالَ : إ« ِنَّكَ تَروحُ إِلَيْنا ... ».وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس العقيلة فقد خرقت قلبها الرقيق المعذب ، فلطمت وجهها وقالت :

«يا وَيْلَيتاه . . » (1.)وكان أبو الفضل العباس إلى جانب أخيه لا يفارقه ، فقال له : « يا أخى أتاك الْقَومُ . .. ».وطلب منه الإمام أن يتعرّف على خبرهم فقال له : « ارْكَبْ بِنَفْسِي أَنْتَ يَا أَخي حَتَّى تَلْقاهُمْ ، فَتَقولَ لَهُمْ: ما بَدا لَكُمْ ، وَما تُريدون . . .» .وبادر قمر بني هاشم ومعه عشرون فارساً نحو القوم ، وفيهم حبيب بن مظاهر وزهير بن القين ، فسألهم العباس عن زحفهم .فقالوا له : جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه أو نناجزكم (2.)وقفل أبو الفضل إلى أخيه فعرفه ما عرضوه عليهم .فقال (علیه السّلام : « ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُؤَخِّرَهُمْ إِلَى غَدْوَةٍ لَعَلَّنا نُصَلَى لِرَبِّنا هذِهِ اللَّيْلَةَ وَنَدْعوهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، فَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي أحِبُّ الصَّلاةَ ، وَتِلاوَةَ كِتابِهِ ، وَكَثْرَةَ الدُّعاءِ وَالإِسْتِغْفار » .)وكان ذكر الله والدعاء والصلاة من أهم ما يصبو إليه الإمام في هذه الحياة (3.)وقفل قمر بني هاشم راجعاً إلى تلك الوحوش الكاسرة فعرض عليهم مقالة أخيه ، وتردّد القوم في إجابته.فأنكر عليهم عمرو بن الحجّاج الزبيدي إحجامهم ، وقال : سبحان الله ! والله لو كان من الديلم ثم سألكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوه !ولم يزد ابن الحجّاج على ذلك ، ولم يقل إنّه ابن رسول الله خوفاً أن يُنقل كلامه


1) الكامل في التاريخ : 3 : 384 .

2) أنساب الأشراف : 184 .

3) الكامل في التاريخ : 3 : 285 .

إلى ابن مرجانة فينال العقاب والحرمان .وأيد ابن الأشعث مقالة ابن الحجاج فقال له ابن سعد : أجبهم إلى ما سألوا فلعمري ليصبحنك بالقتال غداً .واستجاب ابن سعد إلى تأجيل الحرب بعد أن رضيت به الأكثرية من قادة جيشه ، وأوعز ابن سعد إلى رجل من أصحابه أن يعلن ذلك أمام معسكر الحسين فدنا منه وقال رافعاً صوته : يا أصحاب الحسين بن عليّ ، قد أجلناكم يومكم هذا إلى غد فإن استسلمتم ونزلتم على حكم الأمير وجهنا بكم إليه ، وإن أبيتم ناجزناكم .وأرجئ القتال إلى اليوم الثاني المصادف يوم العاشر من المحرم .الإمام (علیه السّلاميأذن لأصحابه بالتفرّق)وجمع سيّد الشهداء أصحابه وأهل بيته في غلس الليل وطلب منهم أن يتفرقوا في سواده ليلقى مصيره المحتوم وحده ، فقال لهم :أثني عَلَى اللهِ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ ، وَأَحْمَدُهُ عَلَى السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ .. اللهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ عَلَى أَنْ أَكْرَمْتَنا بِالنُّبُوَّةِ ، وَعَلَّمْتَنا الْقُرْآنَ ، وَفَهُمْتَنا فِي الدِّينِ ، وَجَعَلْتَ لَنا أَسْمَاعاً وَأَفْئِدَةٌ ، وَلَمْ تَجْعَلْنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ .أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَصْحاباً أَوْفى وَلَا خَيْراً مِنْ أَصْحَابِي فَجَزاكُمُ اللهُ جَميعاً عَنِّي خَيْراً ، أَلَا وَإِنِّي لَأَظُنُّ يَوْمَنَا مِنْ هَؤُلاءِ الْأَعْداءِ غَداً ، وَإِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ جَمِيعاً فانْطَلِقوا في حِلُّ لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنّي ذِمَامٌ ، وَهذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلاً ، وَلْيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْنِي ، فَجَزاكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً خَيْراً ، ثُمَّ تَفَرَّقوا في سَوادِكُمْ وَمَدَانِكُمْ حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ ، فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا يَطْلُبُونَنِي ، وَلَوْ أَصابوني

لَلَهَوا عَنْ طَلَبِ غَيْري »(1.)لقد جعل الإمام أصحابه وأهل بيته أمام الأمر الواقع وهي الشهادة التي لابد منها في مصاحبته ، وليس شيء آخر غيرها ، قد سمح لهم بالتفرّق عنه في سواد الليل فيتخذونه ستاراً لهم دون كل عين ، كما عرفهم أنه هو المطلوب للحكم الأموي دون غيره فإذا قتلوه فلا إرب لهم في غيره .وعلى أي حال، فإنّ الإمام لم يكد ينتهي من خطابه حتى هبت الصفوة الطاهرة من أهل بيته وأصحابه وهي تعلن ولاءها الكامل له ، وأنهم جميعاً يلاقون المصير الذي يلقاه . وقد بدأهم بالكلام قمر بني هاشم وفخر عدنان أبو الفضل العباس قائلاً: « لِمَ نَفْعَلُ ذلِكَ لِتَبْقى بَعْدَكَ ، لَا أَرانا الله ذلك أبداً . .»(2.)وتتابعت أصوات أصحابه والفتية من بني هاشم ، وهم يرحبون بالموت والشهادة في سبيله ، حقاً لقد كانوا من خيرة بني آدم صدقاً ووفاء وشهامة ونبلاً .### لوعة السيدة زینب (علیها السّلام)وفزعت عقيلة بني هاشم أشدّ ما يكون الفزع وأقساه حينما سمعت أخاها وبقية أهلها يعالج سيفه ويصلحه وهو ينشد هذه الأبيات التي ينعى فيها نفسه :يَا دَهْرُ أُفُ لَكَ مِنْ خَلِيل *** كَمْ لَكَ بِالْإِشْرَاقِ وَالْأَصِيلِمِنْ طَالِبٍ وَصَاحِبٍ قَتِيلِ *** وَالدَّهْرُ لاَ يَقْنَعُ بِالْبَدِيلوَكُلُّ حَيٍّ سَالِكُ سَبِيلِ *** مَا أَقْرَبَ الْوَعْدَ إِلَى الرَّحِيلِوَإِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى الْجَلِيل


1) الكامل في التاريخ : 3: 285 .

2) حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام) : 3 : 167 .

وكان مع الإمام في خيمته الإمام زين العابدين (علیه السّلام والعقيلة . أما الإمام زين العابدين فإنّه لما سمع هذه الأبيات خنقته العبرة ولزم السكوت ، وعلم أن البلاء قد نزل .)وأما العقيلة فقد أيقنت أن أخاها عازم على الموت ، فأمسكت قلبها الرقيق المعذب ووثبت وهي تجرّ ذيلها وقد غامت عيناها بالدموع فقالت لأخيها :«واثكلاَهُ ، وَاحُزْنَاهُ ، لَيْتَ الْمَوْتَ أَعْدَمَنى الْحَيَاةَ ، يَا حُسَيْنَاهُ يَا سَيْدَاهُ ، يَا بَقِيَّةَ أَهْلَ بَيْنَاهُ ، اسْتَسْلَمْتَ لِلْمَوْتِ وَيَسْتَ مِنَ الْحَيَاةِ ، الْيَوْمَ مَاتَ جَدِّي رَسُولُ اللهِ ، الْيَوْمَ مَاتَتْ أُمِّي فَاطِمَةُ الزَّهْراءِ ، وَأَبِي عَلِيُّ الْمُرْتَضَى ، وَأَخِي الْحَسَنُ الزَّكِيُّ ، يَا بَقِيَّةَ الْمَاضِينَ وَثِمَالَ الْباقِينَ»(1.)وذاب قلب الإمام أسى وحزناً ، والتفت إلى شقيقته فقال لها الإمام بحنان :« يَا اُخَيَّةُ ، لَا يَذْهَبَنَّ بِحِلْمِكِ الشَّيْطَانُ ... ».وسرت الرعدة والفزع بقلب الصديقة وطافت بها آلام مبرحة فخاطبت أخاها بأسى والتياع قائلة: «أَتَعْتَصِبُ نَفْسَكَ اغْتِصَاباً ، فَدَاكَ أَطْوَلُ لِحُزْنِي وَأَشْجى لِقَلْبِي » (2.)ولم تملك صبرها بعدما أيقنت أن أخاها وبقيّة أهلها سيستشهدون لا محالة ، فعمدت إلى جيبها ، فشقّته ، ولطمت وجهها ، وخرّت إلى الأرض فاقدة لوعيها ، وأثر منظرها الرهيب في نفس الإمام فالتاع أشدّ ما تكون اللوعة ، ورفع يديه بالدعاء أن يلهم شقيقته الصبر والسلوان ، وأن يعينها على تحمل المحن الشاقة التي أحاطت بها .


1) مقاتل الطالبيين : 113 .

2) أنساب الأشراف: 3 393 الفتوح 5 84 المنتظم: 5: 338. البداية والنهاية : 179:8 . السيدة زینب وأخبار الزينبيات : 20 و 21 .

### إحياء الليل بالعبادةوأقبل الإمام مع أهل بيته وأصحابه على العبادة ، فقد علموا أن تلك الليلة هي آخر ليالي حياتهم ، ولم يذق أي واحد منهم طعم الرقاد ، فقد اتجهوا بقلوبهم وعواطفهم نحو الله وهم يمجدونه ويتلون كتابه ويقيمون الصلاة ، ويسألونه العفو والغفران .وكانوا يترقبون بشوق لا حد له طلوع الفجر ليكونوا قرابيناً للإسلام وفداءً لا بن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وكان حبيب بن مظاهر ، وهو من ألمع أصحاب الحسين وقد خرج إلى أصحابه وهو يضحك .)فأنكر عليه بعض أصحابه وقال له : يا حبيب ، ما هذه ساعة ضحك .فأجابه حبيب عن إيمانه العميق قائلاً: أي موضع أحق من هذا بالسرور والله ما هو إلا أن تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانق الحور العين(1.)وداعب برير عبد الرحمن الأنصاري فاستغرب من مداعبته قائلاً: ما هذه ساعة باطل .انظروا إلى جواب برير فقد قال : لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً ، ولكنّي مستبشر بما نحن لاقون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ، وددت أنهم مالوا علينا الساعة (2.)أي إيمان هذا الذي تسلّح به أصحاب الحسين ، فقد فاقوا جميع شهداء الحق والفضيلة في جميع الأعصار والآباد .


1) رجال الکشّي : 53 .

2) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 241 .

### رؤيا الإمام الحسين (علیه السّلام)وخفق الإمام الحسين خفقة ثم انتبه ، والتفت إلى أصحابه وأهل بيته فقال لهم :«أَتَعْلَمُونَ مَا رَأَيْتُ في منامي ؟ » .)- ما رأيت يابن رسول الله ...- « رَأَيْتُ كَأَنَّ كِلاباً قَدْ شَدَّتْ عَلَيَّ تَنْهَشُني وَفِيها كَلْبٌ أَبْقَعُ أَشَدُّها عَلَيَّ ، وَأَظُنُّ الَّذى يَتَولّى قَتْلى رَجُلٌ أَبْرَصُ مِنْ هَؤُلاءِ القَومِ .ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُ جَدّي رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُوَ يَقولُ لي: أَنْتَ شَهِيدُ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَقَدِ اسْتَبْشَرَتْ بِكَ أَهْلُ السَّماواتِ وَأَهْلُ الصفيح الأعلى ، فَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ عِنْدِي اللَّيْلَةَ ، عَجِّلْ وَلَا تُؤَخَّرْ ، هذا ما رَأَيْتُ ، وَقَدْ أَزِفَ الْأَمْرُ وَاقْتَرَبَ الرَّحيلُ مِنْ هذِهِ الدُّنْيا (1.)وخيم على أهل البيت حزن عميق ، وأيقنوا بنزول الرزء القاصم والاقتراب من دار الآخرة .### فزع عقائل الوحيوفزعت عقائل الوحي ، وخيّم عليهن الذعر والخوف ، ولم يهدأن في تلك الليلة ، فقد طافت بهن موجات من الهواجس وتمثل أمامهن المستقبل الملىء بالخطوب والكوارث ، وقد خلدن إلى الدعاء والبكاء ، وكان من أشدّهن عقيلة النبوة السيدة زینب (علیها السّلام، فقد كانت تراقب الأحداث ، وهي على علم لا يخامره شك)


1) الفتوح: 5 : 99 و 100 . كامل الزيارات : 156 و 157 ، الحديث 194. تاريخ مدينة دمشق : 23 : 190 و : 55 : 16 . مقتل الحسين (علیه السّلام) / الخوارزمي : 1 : 251 و 252 .

أنّ المسؤولية الكبرى سوف تنتقل عن كاهل الحسين إليها لو قتل ، كما علمت أنّه لا يبقى من أهلها أحد ، لقد فزعت وذهلت من الأحداث الجسام التي أحاطت بها .### العقيلة (علیها السّلام مع الهاشميين والأصحاب)ولم تهدأ عقيلة الرسالة ، فقد هامت في تيارات مذهلة من الأسى والشجون ، فكانت على علم أنّ ليلة العاشر من المحرم هي آخر ليلة لأهلها ، وهم على قيد الحياة ، وقد وجلت على أخيها فمضت تراقب خيم الهاشميين والأصحاب لتسمع ما يدور عندهم من حديث ، فانبرت إلى خيمة أخيها قمر بني هاشم وقد اجتمع فيها فتيان بني هاشم ، وقد أحاطوا بسيّدهم أبي الفضل ، فسمعته يخاطب الهاشميين قائلاً :«إِخْوَتي وبَني اخْوَتِي وَأَبْنَاء عُمومتي ، إذا كانَ الصَّباحُ فَما تَصْنَعون ؟ ».فهبوا جميعاً قائلين : الأمر إليك .«إِنَّ أَصْحابَنا وَأَنْصارَنا قَوْمٌ غُرَباءُ ، وَالْحَمْلُ ثقيل لَا يَقومُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ، فَإِذا كانَ الصَّباحُ كُنتُمْ أَوَّلَ مَنْ يَبْرزُ لِلْقِتالِ ، فَنَسْبِقُ أَنْصارَنا إِلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا يَقُولَ النَّاسُ قَدَّموا أَصْحابَهُمْ ... ».ولم ينته من مقالته حتى هبوا قائلين : نحن على ما أنت عليه .ثمّ مضت العقيلة إلى خيمة حبيب بن مظاهر عميد أصحاب الإمام ، وقد أحاط به الأصحاب ، فسمعته يحدثهم قائلاً : يا أصحابي ، إذا كان الصباح ماذا تفعلون ؟- الأمر إليك .- إذا صار الصباح كنا أول من يبرز إلى القتال ، نسبق بني هاشم إلى الموت فلانرى هاشمياً مضرجاً بدمه ، لئلا يقول الناس قد بدأوهم إلى القتال ، ويخلنا عليهم بأنفسنا .

واستجابت الصفوة الطاهرة لمقالة زعيمهم حبيب ، وراحوا يقولون : نحن على ما أنت عليهوسرّت زینب بوفاء الأنصار وتصميمهم على نصرة أخيها ، والذب عنه حتى النفس الأخير من حياته ، وانطلقت العقيلة إلى أخيها فأخبرته بما سمعت من الهاشميين والأنصار من الذود عنه ، وحمايته من كل سوء ومكروه ، وأخبرها الإمام أنهم من أنبل الناس ، ومن أكثرهم شهامة وإيماناً ، وأن الله تعالى قد اختارهم من بين عباده لنصرته ، والوقوف معه لمناجزة القوى المنحرفة والمعادية للإسلام .### يوم عاشوراءويوم عاشوراء من أفجع الأيام وأقساها وأشدّها محنة على العقيلة زینب (علیها السّلام وعلى أهل البيت ، فلم تبق رزية من رزايا الدهر إلا جرت عليهم ، ونتحدث - بإيجاز - عن فصول هذه المأساة الخالدة في دنيا الأحزان .)### خطاب الإمام الحسين (علیه السّلام)ولما تهيّأت عساكر ابن سعد الحرب الإمام (علیه السّلام رأى من الواجب أن يعظهم ، ويرشدهم حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم ، فخطب فيهم خطاباً مؤثراً ، وقد نشر كتاب الله العظيم ، واعتم بعمامة جدّه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، ولبس لامته ، فقال لهم :)«تَبّاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الْجَمَاعَةُ وَتَرَحاً حِينَ اسْتَصْرَخْتُمُونَا وَالِهِينَ فَأَصْرَخْنَاكُمْ مُوجِفِينَ (1، سَلَلْتُمْ عَلَيْنَا سَيْفاً لَنَا فِي أَيمَانِكُمْ ، وَحَشَشْتُمْ (2)عَلَيْنَا نَاراً افْتَدَحْنَاهَا عَلَى عَدُوِّنَا)


1) موجفين : أي مسرعين في السير إليكم .

2) حششتم : النار التي توقد .

وَعَدُوِّكُمْ ، فَأَصْبَحْتُمْ إِلْبَا (1لِأَعْدَائِكُمْ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُمْ وَلَا أَمَلٍ أَصْبَحَ لَكُمْ فِيهِمْ.)فَهَلا - لَكُمُ الْوَيْلاتُ تَرَكْتُمُونَا وَالسَّيْفُ مَشِيمٌ (2وَالْجَاشُ طَامِنٌ وَالرَّأْيُ لَمَّا يُسْتَحْصَفُ ، وَلَكِنْ أَسْرَعْتُم إِلَيْهَا كَطَيْرَةِ الدَّبى (3)، وَتَدَاعَيْتُمْ إِلَيْهَا كَتَهَافُتِ الْفَرَاشِ.)فَسُحْقاً لَكُمْ يَا عَبِيدَ الْأُمَّةِ ، وَشُذَادَ الْأَحْزَابِ ، وَنَبَذَةَ الْكِتَابِ ، ومُحَرِّفِي الْكَلِمَ ، وَعُصْبَةَ الْآثَامِ ، وَنَفْثَةَ الشَّيْطَانِ ، وَمُطْفِنِي السُّنَنِ .أَهَؤُلاَءِ تَعْضُدُونَ ، وَعَنَّا تَتَخَاذَلُونَ؟ أَجَلْ وَاللهِ غَدْرٌ فِيكُمْ قَدِيمٌ وَشَجَتْ إِلَيْهِ أُصُولُكُمْ وَتَأَزّرَتْ (4عَلَيْهِ فُرُوعُكُمْ ، فَكُنتُمْ أَخْبَثَ شَجَرٍ شَجاً لِلنَّاظِرِ وَأَكُلَةٌ لِلْغَاصِبِ. أَلاَ وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِي قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: بَيْنَ السِّلَّةِ (5)وَالذَّلَةِ ، وَهَيْهَاتَ مِنا الذِّلَّةُ ، يَأْبَى اللهُ لَنَا ذَلِكَ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ وَنُقُوسٌ أَبِيَّةٌ: مِنْ أَنْ تُؤْثِرَ طَاعَةَ اللُّثَامِ عَلَىَ مَصَارِعِ الْكِرَامِ .)أَلاَ وَإِنِّي زَاحِفٌ بِهَذِهِ الْأَسْرَةِ مَعَ قِلَّةِ الْعَدَدِ وَخَذْلَةِ النَّاصِرِ».ثم أنشد أبيات فروة بن مسيك المرادي :«فَإِنْ نَهْزِمْ فَهَزَّامُونَ *** قِدْماً وَإِنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلِّبِينَا


1) إلباً : أي مجتمعين .

2) مشيم السيف : غمده .

3) الدبا : الجراد قبل أن يطير .

4) تأزرت : أي نبتت عليه فروعكم .

5) السلّة : استلال السيوف .

وَمَا إِنْ طِبْنَا جُبْنُ وَلَكِنْ *** تنَايَانَا وَدَوْلَة آخَرِينَاإِذَا مَا الْمَوْتُ رَفَّعَ عَنْ أُنَاسٍ *** كَلاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخِرِينَافَأَفْنى ذَلِكُمْ سَرَوَاتٍ قَوْمِي *** كَمَا أَفْنى الْقُرُونَ الْأَوَّلِينَافَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إِذا خَلُدْنا *** وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذا بَقِينَافَقُلْ لِلشَّامِنِينَ بنَا: أَفيقوا *** سَيَلْقى الشَّامِنُونَ كَمَا لَقِينَا»أَمَا وَاللهِ لَا تَلْبَثُونَ بَعْدَهَا إِلَّا كَرَيْنِ مَا يُرْكَبُ الْفَرَسُ حَتَّى يَدُورَ بِكُمْ دَوْرَ الرَّحَى وَتَقْلَقَ بِكُمْ فَلَقَ الْمِحْوَرِ ، عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ أَبِي عَنْ جَدِّي ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ، ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةٌ ، ثُمَّ اقْضُو إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونَ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ، ما مِنْ دابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِها ، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.ورفع يديه بالدعاء على أولئك السفكة المجرمين قائلاً:اللَّهُمَّ احْبِسْ عَنْهُمْ قَطْرَ السَّمَاءِ ، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ ، وَسَلَّطْ عَلَيْهِمْ غُلاَمَ ثَقِيفٍ يَسُومُهُمْ كَأْساً مُصَبَّرَةً ، فَإِنَّهُمْ كَذَّبُونَا وَخَذَلُونَا ، وَأَنْتَ رَبُّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَتَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» (1.)لقد انفجر أبو الأحرار في خطابه كالبركان ، وأبدى من صلابة العزم وعزة النفس ما لم يشاهد مثله ، فقد استهان بالموت ، ولا يخضع لأولئك الأقزام الذين سودوا وجه التاريخ ، وكانوا سوءة عار لمجتمعهم .### استجابة الحرّواستيقظ ضمير الحرّ حينما سمع خطاب الإمام ، وجعل يتأمل ويفكر في


1) تاريخ مدينة دمشق : 13 : 74 و 75 .

مصيره ، وأنّه لا محالة يصير إلى النار خالداً فيها ، واختار الدار الآخرة والالتحاق بآل النبي .وقبل أن يتوجه إلى الإمام الحسين أسرع نحو ابن سعد فقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟فأجابه بلا تردد ليظهر أمام قادة الفرق إخلاصه لسيّده ابن مرجانة قائلاً : إي والله قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي .فقال له الحرّ برنّة المستريب : أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرضها عليكم رضاً ؟فأجابه ابن سعد : لو كان الأمر لي لفعلت ، ولكن أميرك أبى ذلك .وأيقن الحرّ أنّ القوم مصممون على حرب ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمضى يشق الصفوف ، وقد سرت الرعدة بأوصاله .فأنكر عليه ذلك المهاجر بن أوس ، وهو من شرطة ابن زياد فقال له : والله إنّ أمرك لمريب ، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل ما أراه الآن ، ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك .وكشف له الحرّ عن عزمه فقال له : إني والله أُخيِّر نفسي بين الجنة والنار ، ولا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وأحرقت .ولوی بعنان فرسه صوب الإمام (1، وهو مطرق برأسه إلى الأرض حياءً وندماً على ما فرّط في حق الإمام ، ولما دنا منه رفع صوته قائلاً: اللهم إليك أنيب ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك .)يا أبا عبد الله ، إنّي تائب فهل لي من توبة ؟


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 244 .

ونزل عن فرسه ، ووقف قبال الإمام ، ودموعه تتبلور على سحنات وجهه قائلاً: جعلني الله فداك يابن رسول الله ، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وجعجعت بك في هذا المكان ، ووالله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبداً ، فقلت في نفسي : لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم ، وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه ، ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك ، وإني قد جئتك تائباً مما كان منّي إلى ربّي ، مواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك ، أفترى لي توبة ؟واستبشر به الإمام ، ومنحه الرضا والعفو ، وقال له :نَعَمْ يَتوبُ اللهُ عَلَيْكَ وَيَغْفِر . . »(1.)وانطلق الحرّ بعد أن منحه الإمام العفو وقبل توبته ، فخطب في أهل الكوفة ودعاهم إلى التوبة ، ونُغَب عليهم حصارهم للإمام ، ومنعه مع أهل بيته وأصحابه عن ماء الفرات الذي هو حق مشاع للجميع ، ولم يستجيبواله ، ورموه بالنبال .### الحربوارتبك ابن سعد من التحاق الحر بالإمام ، وخاف أن يحصل التمرد في جيشه ، فزحف الباغي الأثيم نحو معسكر الحسين ، وأخذ سهماً فأطلقه صوب الإمام ، وقد رفع صوته قائلاً: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أول من رمى الحسين .وفتح ابن سعد من السهم الذي أطلقه باب الحرب ، وطلب من الجيش أن يشهدوا له عند سيّده ابن مرجانة بأنّه أوّل من رمى معسكر ابن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم .)


1) الكامل في التاريخ : 3 : 289 .

وتتابعت السهام كأنها المطر على معسكر الإمام الحسين ، فلم يبق أحد منهم إلا أصابه سهم .فالتفت الإمام إلى أصحابه قائلاً: « قوموا يا كرامُ فَهَذِهِ رُسُلُ الْقَوْمِ إِلَيْكُم .. ».وتقدمت طلائع الحق من أصحاب أبي الأحرار إلى ساحة الشرف والمجد وهي تعلن ولاءها للإسلام ، وتفانيها في الذب عن إمام المسلمين وسيد شباب أهل الجنة ، وبذلك بدأت المعركة واحتدم القتال كأشدّه وأعنفه .ومن المقطوع به أنّه لم تكن مثل تلك المعركة في جميع الحروب التي جرت في الأرض ، فقد تقابل اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً مع عشرات الألوف ، وقد أبدى أصحاب الإمام من الشجاعة والبسالة ما يبهر العقول ويحيّر الألباب .### مصارع أصحاب الإمام (علیه السّلام)وشنّت قوات ابن سعد هجوماً عاماً وعنيفاً على أصحاب الإمام وخاضوا معهم معركة رهيبة ، وقد ثبت لهم أصحاب الإمام ، فهزموا جموعهم بقلوب أقوى من الحديد ، وأنزلوا بهم أفدح الخسائر ، وقد استشهد في هذه الحملة نصف أصحاب الإمام .ثم بدأت بعد ذلك المبارزة بين العسكرين ، فكان الرجل من أصحاب الإمام يبرز ويقاتل ثمّ يُقتل ، وهكذا حتى فنوا عن آخرهم ، وقد أبلوا في المعركة بلاءً يقصر عنه كل وصف وإطراء ، فقد خاضوا تلك المعركة الرهيبة ، ولم تضعف لأي رجل منهم عزيمة ولم تلن لهم قناة ، وقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الأعلى وهي أنضر ما تكون تفانياً في مرضاة الله تعالى وطاعته .وأن أعطر ما نقدّمه لهم من تحية كلمات الإمام الصادق عملاق الفكر الإسلامي ، في حقهم قال مخاطباً لهم :

«بِأَبي أَنتُمْ وَأُمِّي ، طِبْتُمْ وَطابَتِ الْأَرْضُ الَّتي فيها دُفِتْتُمْ ، وَفُرْتُمْ فَوْزاً عَظيماً » .### مصارع أهل البيت (علیهم السّلام)وبعدما نالت الشهادة الصفوة الطاهرة من أصحاب الإمام هبّ أبناء الأسرة النبوية شباباً وأطفالاً إلى التضحية والفداء ، فكانوا كالليوث وكالصاعقة على جيوش الكفر والضلال ، وأخذ بعضهم يودّع البعض الآخر ، وهم يذرفون الدموع على وحدة سيّدهم أبي الأحرار حيث يرونه وحيداً قد أحاطت به من كل جانب جيوش الأمويين ليتقربوا بقتله إلى ابن مرجانة ، وفي طليعة الذين استشهدوا من آل البيت (علیهم السّلام :)### عليّ الأكبر (علیه السّلام)وكان عليّ الأكبر شبيه جده رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم في ملامحه وفي أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين ، وكانت الأسرة النبوية والصحابة إذا اشتاقوا إلى رؤية رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) نظروا إلى وجه علي الأكبر ، وكان دنيا من الفضائل والمواهب والعبقريات فقد تسلّح بكل فضيلة وأدب ، وكان أعزّ أبناء الإمام الحسين لعمّته العقيلة وسائر بني عمومته وأعمامه ، وهو أول هاشمي اندفع بحماس بالغ إلى الحرب ، وكان عمره الشريف ثماني عشرة سنة (1)، وقد وقف أمام أبيه طالباً منه الرخصة لمناجزة أعداء الله ، فلما رآه الإمام ذابت نفسه أسى وحسرات ، وأشرف على الاحتضار فقد رأى فلذة كبده قد ساق نفسه إلى الموت .)فرفع الإمام شيبته الكريمة نحو السماء ، وهو يقول بنبرات قد لفظ فيها شظايا


1) الفتوح: 5 : 114. مقتل الحسين (علیه السّلام) / الخوارزمي : 2 : 30. وقيل : كان عمره سبعاً وعشرين سنة ، حسبما ذكره المقرم في مقتل الحسین (علیه السّلام) : 318. ويقال : ابن خمس وعشرين سنة . مناقب آل أبي طالب : 4: 109 . 9:4 .

قلبه : « اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَى هؤُلاءِ الْقَوْمِ ، فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ غُلامٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسولِك مُحَمَّد خَلْقاً وَخُلْقاً وَمَنْطِقاً ، وَكُنا إِذا اشْتَقْنا إِلَى رُؤْيَةِ نَبِيِّكَ نَظَرْنَا إِلَيْهِ ..«اللهمَّ امْنَعْهُمْ بَرَكاتِ الْأَرْضِ ، وَفَرَّقْهُمْ تَفْريقاً ، وَمَزْقُهُمْ تَمْزِيقاً ، وَاجْعَلْهُمْ طَرَائِقَ قِدَداً ، وَلَا تُرْضِ الولاةَ عَنْهُمْ أَبَداً ، فَإِنَّهُمْ دَعَوْنَا لِيَنْصرونا ثُمَّ عَدَوا عَلَيْنا يُقاتِلونَنا . . » .والتفت الإمام إلى المجرم الأثيم عمر بن سعد عبد ابن مرجانة ، فصاح به : ا« ما لَكَ قَطَعَ اللهُ رَحِمَكَ ، وَلَا بَارَكَ لَكَ فِي أَمْرِكَ ، وَسَلَّطَ عَلَيْكَ مَنْ يَذْبَحُكَ بَعْدِي عَلَى فِرَاشِكَ ، كَما قَطَعْتَ رَحِمي ، وَلَمْ تَحْفَظْ قَرابتي مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وتلا قوله تعالى : ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)» .)وشيّع الإمام ولده بدموع مشفوعة بالأسى والحزن ، وخلفه عمته العقيلة وسائر عقائل الوحي ، وقد علا منهن الصراخ والعويل على شبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.وانطلق فخر هاشم إلى ساحة الحرب ، وقد امتلأ قلبه حزماً وعزماً ، ووجها الشريف يتألق نوراً ، فقد حكى بهيبته هيبة جده رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وبشجاعته شجاعة جده الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وتوسط حراب الأعداء وسيوفهم وهو يرتجز قائلاً:)أَنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ *** نَحْنُ وَرَبُّ الْبَيْتِ أَوْلَى بِالنَّبيتاللهِ لَا يَحْكُمُ فينا ابْنُ الدَّعيأنت يا شرف هذه الأمة أولى بالنبي وأحق بمقامه من هؤلاء الأدعياء الذين


1) آل عمران 3: 33 و 34 .

سلّطتهم عليكم الطغمة الحاكمة من قريش التي أبت أن تجتمع الخلافة والنبوة فيكم .والتحم عليّ الأكبر مع أعداء الله ، وقد ملأ قلوبهم خوفاً ورعباً ، وأبدى من البسالة والشجاعة ما يقصر عنه كل وصف ، فقد ذكرهم ببطولات جدّه الإمام أمير المؤمنين ، ومحطم أوثان القرشيين ، وقد قتل مائة وعشرين فارساً سوى المجروحين .وألح عليه العطش وأضرّ به ، فقفل راجعاً إلى أبيه يشكو ظمأه القاتل قائلاً: «يا أَبَتِ الْعَطَشُ قَدْ قَتَلَني ، وَثِقَلُ الْحَديدِ قَدْ أَجْهَدَنِي ، فَهَلْ إِلَى شُرْبَةِ مَاءٍ مِنْ سَبِيلٍ أَتَقَوَّىٰ بِها عَلَى الْأَعْداء ؟» (1.)والتاع الإمام ، فقال له بصوت خافت ، وعيناه تفیضان دموعاً : « واغَوْثاهُ ما أَسْرَعَ الْمُلْتقى بِجَدِّكَ فَيَسْقِيكَ بِكَأْسِهِ شَرْبَةٌ لَا تَطْمَأْ بَعْدَها أَبَداً » .وأخذ لسانه فمصه ليريه شدة عطشه فكان كشقة مبرد من شدة العطش .يقول الحجّة الشيخ عبد الحسين صادق في رائعته :يَشْكُو لِخَيْرِ أَبِ ظَمَاهُ وَمَا اشْتَكَى *** ظَمَأُ الْحَشَا إِلَّا إِلَى الظَّامِي الصَّدِيكُلِّ حَشَاشَتُهُ كَصالِيَةِ الْغَضا *** ولِسانُهُ ظَميٌّ كَشَقِّةٍ مبردفَانْصاعَ يُؤْثِرُهُ عَلَيْهِ بِرِيقِهِ *** لَوْ كانَ ثَمَّةَ ريقُهُ لَمْ يَجْمَدِلقد كان هذا المنظر الرهيب لعلي الأكبر من أفجع وأقسى ما رزئ به أبو الأحرار ، فقد رأى ولده الذي هو من أنبل واشرف ما خلق الله ، وهو في غضارة العمر وريعان الشباب قد أشرف على الهلاك من شدة العطش ، وهو لم يستطع أن يسعفه بجرعة


1) بحار الأنوار: 45 43. الدمعة الساكية : 4 330 الفتوح: 5: 114 و 115. مقتل الحسین (علیه السّلام) / الخوارزمي : 2 : 31 .

ماء ليروي عطشه .وقفل فخر الإسلام عليّ الأكبر راجعاً إلى حومة الحرب ، قد فتكت الجراح بجسمه ، وفتت العطش فؤاده، وجعل يقاتل أشدّ ما يكون القتال وأعنفه حتى ضجّ العسكر من كثرة من قتل منهم .ولما رأى ذلك الوضر الخبيث مرّة بن منقذ العبدي قال : عليَّ آثام العرب إن لم أشكل أباه ، وأسرع الخبيث الدنس إلى شبيه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم فطعنه بالرمح في ظهره وضربه ضربة منكرة على رأسه ، ففلق هامته ، واعتنق فرسه يظنّ أنّه يرجعه إلى أبيه إلّا أنّ الفرس حمله إلى معسكر الأعداء فأحاطوا به من كل جانب ، ومزقوا جسده الشريف بالسيوف ، ونادى فخر هاشم ومجد عدنان رافعاً صوته :)«عَلَيْكَ مِنِّي السَّلامُ أَبا عَبْدِ اللهِ ، هذا جَدِّي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ سَقاني بِكَأْسِهِ شَرْبَةً لَا أَظْمَأْ بَعْدها أَبَداً ، وَهُوَ يَقولُ : إِنَّ لَكَ كَأْساً مَذْخَورَةً .. ».وحمل الأثير هذه الكلمات إلى أبيه الشاكل الحزين فقطعت قلبه ومزقت أحشاءه ، ففزع إليه وهو خائر القوى منهد الركن ، فانكب عليه فوضع خدّه على خده ، وهو جثة هامدة قد قطعت شلوه السيوف إربا إرباً ، وأخذ الإمام يذرف أحرّ الدموع على ولده الذي لا يشابهه أحد في كمال فضله ، وجعل يلفظ شظايا قلبه بهذه الكلمات :« قَتَلَ اللهُ قَوْماً قَتَلُوكَ يا بُنَي ، ما أَجْرَأَهُمْ عَلَى اللهِ وَعَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الرَّسُولِ ، عَلَى الدُّنْيا بَعْدَكَ الْعَفا . . »(1.)وما كاد الخبر يبلغ الخيام حتى هرعت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم زینب من خدرها ، وكان ذلك أوّل ما خرجت إلى المعركة فأكبّت بنفسها على ابن أخيها الذي كان أعزّ)


1) العفا : التراب .

ما عندها من أبنائها وجعلت تضمّخه بدموعها ، وقد انهارت قواها ، وانبرى إليها الإمام وجعل يعزّيها بمصابها الأليم ، وهو يردّد هذه الكلمات :عَلَى الدُّنْيا بَعْدَكَ الْعَفا » .وأخذ الإمام بيد أخته وردّها إلى الفسطاط، وأمر فتيانه بحمل ولده إلى الفسطاط .لقد كان علي بن الحسين الرائد والزعيم لكل حر شريف مات أبياً على الضيم في دنيا الإباء ، فسلام الله عليه غادية ورائحة ونودعه بالأسى والحزن ، ونردّد كلمات أبيه : « عَلَى الدُّنْيا بَعْدَكَ الْعَفا .. » .### مصرع القاسموبزرت الفتية من آل الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تذرف الدموع على وحدة سيّدهم أبي الأحرار ، وكان من بينهم القاسم بن الحسن ، وكان كالقمر في بهائه وجماله وقد ربّاه عمه وغذاه بمواهبه وآدابه ، وأفرغ عليه أشعة من روحه حتى صار صورة عنه ، وكان أحبّ إليه من أبناء إخوته وأعمامه وكان القاسم يتطلع إلى محنة عمه ، وينظر إلى جيوش الكفر قد أحاطت به وقد ذابت نفسه أسى وحسرات ، وجعل يردد :لا يقتل عمي وأنا أنظر إليه(1.)واندفع بلهفة نحو عمّه يطلب منه الإذن ليكون فداءً له ، فاعتنقه عمه وعيناه تفيضان دموعاً ، وجعل القاسم يقبل يديه طالباً منه الإذن ، فسمح له بعد إلحاحه وترجيه ، وبرز القاسم إلى حومة الحرب وهو بشوق عارم إلى الشهادة ، ولم يضف على جسده لامة الحرب ، وإنّما صحب معه سيفه ، والتحم مع أولئك القرود ،


1) البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان : 25 .

فجعل يحصد رؤوسهم بسيفه ، وبينما هو يقاتل إذ انقطع شسع نعله ، فأنف سليل النبوة أن تكون أحد رجليه بلا نعل فوقف يشدّه متحدّياً تلك الوحوش الكاسرة التي لا تساوي نعله .واغتنم هذه الفرصة الوغد الخبيث عمرو بن سعد الأزدي ، فقال : والله لأشدن عليه .فأنكر عليه حميد بن مسلم ، وقال له : سبحان الله ! وما تريد بذلك يكفيك هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم ، فلم يعن به ، وشد الخبيث عليه فعلاه بالسيف على رأسه الشريف ، فهوى الفتى إلى الأرض صريعاً كما تهوي النجوم ونادى رافعاً صوته : يا عمّاه .وذاب قلب الإمام ، وأسرع إليه فعمد إلى القاتل الأثيم فضربه بالسيف فاتقاها بساعده فقطعها من المرفق وطرحه أرضاً ، فحملت خيل أهل الكوفة لاستنقاذه إلّا أنّه هلك تحت حوافرها ، وانعطف الإمام نحو ابن أخيه فجعل يقبله ، والفتى يفحص بيديه ورجليه ، وهو يعاني آلام الاحتضار فخاطبه الإمام :« بُعْداً لِقَوْمٍ قَتَلُوكَ ، وَمَنْ خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيكَ جَدُّكَ .. عَزَّ وَاللَّهِ عَلَى عَمِّكَ أَنْ تَدْعُوهُ فَلَا يُجيبُكَ ، أَوْ يُجيبُكَ فَلَا يَنْفَعُكَ صَوْتٌ وَاللهِ كَثُرَ واتِرُهُ ، وَاللَّهِ هَذَا يَوْمٌ كَثُرَ واتِرُهُ ، وَقَلَّ ناصِرُه . . » .وحمله الإمام والفتى يفحص برجليه كالطير المذبوح (1وجاء به فألقاه بجوار ولده على الأكبر وسائر الشهداء من أهل البيت ، وأخذ يطيل النظر إليهم ، وجعل يدعو على السفكة المجرمين قائلاً:)«اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَداً ، وَلَا تُغادِرُ مِنْهُمْ أَحَداً ، وَلَا تَغْفِرْ لَهُمْ أَبَداً ، صَبْراً يا بَني


1) البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان : 25 .

عُمومتي ، صَبْراً يا أَهْلَ بَيْتي ، لَا رَأَيْتُمْ هَوَاناً بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَبَداً .. ».وكل هذه المناظر المفجعة التي تميد بالصبر وتعصف كانت بمرأى من عقيلة بني هاشم ، فكانت تستقبل في كل لحظة فتى من الأسرة النبوية ، وهو مضرّج بدمائه ، لها الله ولأخيها على هذه الرزايا التي تميد من هولها الجبال .### مصرع عونويرز إلى حومة الحرب عون بن عبد الله بن جعفر ، وأمه الصديقة الطاهرة زینب (علیها السّلامبنت أمير المؤمنين ، فجعل يقاتل على صغر سنه قتال الأبطال وهو يرتجز :)إِن تَنكُرُونِي فَأَنَا ابْنُ جَعْفَرِ *** شَهيدِ صِدْقٍ فِي الْجِنانِ أَزْهَرِيطير فيها بِجَناحٍ أَخْضَرِ *** كَفَىٰ بِهذا شَرَفاً مِنْ مَعْشَرِأنت أيها الشهم حفيد الشهيد الخالد جعفر الطيار الذي قطعت يداه في سبيل الدعوة الإسلامية ، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الفردوس الأعلى .وجعل الفتى يقاتل قتال الأبطال فحمل عليه الوغد الأثيم عبد الله بن قطبة الطائي فقتله .وحمل إلى المخيم فاستقبلته أمه الصديقة الطاهرة ، ونظرت إليه وهو جثة هامدة فاحتسبته عند الله .وحلّ بعده أبناء الأسرة الهاشمية فاستشهدوا جميعاً قرابين للإسلام ، وفداءً لريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم .)### مصرع أبي الفضل (علیه السّلام)وكان أبو الفضل العباس من أحبّ الناس وأخلصهم للإمام الحسین (علیه السّلام ، فقد ربّاه)

وغذاه بمكارم أخلاقه ومحاسن صفاته ، وعلّمه أحكام الدين حتى صار من أفاضل العلماء ، وكان ملازماً لأخيه في حلّه وترحاله ، وواساه في أقسى المحن والخطوب ، وكانت اخوّته لأبي عبدالله مضرب المثل عند جميع الناس .وكانت أسارير النور بادية على وجهه الكريم حتى لقب بقمر بني هاشم ، وكان من الأبطال البارزين في الإسلام، فكان إذا ركب الفرس المطهم رجلاه تخطّان في الأرض ، وقد أسند إليه الإمام الحسين (علیه السّلام يوم الطف قيادة جيشه ودفع إليه رايته .)وكان أبو الفضل هو المتعهد لرعاية الصدّيقة سيدة النساء زینب (علیها السّلام، وقد احتل قلبها ، فكانت تكنّ له أعمق الود والولاء .)ولما رأى قمر بني هاشم وحدة أخيه وقتل أصحابه وأهل بيته الذين قدّموا أرواحهم قرابين للإسلام انبرى يطلب الرخصة من أخيه ليلاقي مصيره المشرق .فقال له الإمام بصوت خافت : « أَنْتَ صاحِبُ لِوائي ... ».لقد كان الإمام يشعر بالقوة والمنعة ما دام أبو الفضل حيّاً .وألح عليه أبو الفضل قائلاً: «لَقَدْ ضاقَ صَدْري مِنْ هؤلاء الْمُنافِقِينَ ، وَأريدُ أَنْ أخُذَ تَأْرِي مِنْهُم مِنْهُم . . » .وطلب منه الإمام أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال الذين صرعهم العطش ، فانعطف فخر بني هاشم نحو أولئك الأنذال فجعل يعظهم ويطلب منهم أن يرفعوا الحصار عن الماء ، فقد أشرفت عائلة آل رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم على الموت .)فأجابه الرجس الأثيم شمر بن ذي الجوشن قائلاً : يابن أبي تراب ، لو كان وجه الأرض كله ماءً ، وهو تحت أيدينا ، لما سقيناكم منه قطرة إلا أن تدخلوا في بيعة يزيد .وقفل أبو الفضل راجعاً إلى أخيه فأخبره بعتو القوم وإجماعهم على حرمان

أهل البيت من الماء ، وسمع الأبي الشهم صراخ الأطفال وهم ينادون : العطش ، العطش ، الماء ، الماء .وذاب قلب أبي الفضل حينما رأى الأطفال قد ذبلت شفاههم وأشرفوا على الهلاك ، فسرى الألم العاصف في محياه واندفع ببسالة لإغاثتهم ، فركب جواده وأخذ معه القربة ، فاقتحم الفرات غير حافل بالقوى المكثفة التي تقدّر بأربعة آلاف جندي مسلّح قد احتلوا حوض الفرات ، فانهزموا من بین یدیه ، فقد ذكرهم ببطولات أبيه فاتح خيبر ومحطم أوثان القرشيين ، وانتهى إلى الماء ، وكان قلبه الشريف قد تفتت من العطش، فاغترف من الماء ليشرب منه إلا أنه تذكر عطش أخيه ومن معه من النساء والأطفال فرمى الماء من يده ، وامتنع أن يروي غليله من الماء . وقد سجّل بذلك شرفاً للعلويين تردّده الأجيال مقروناً بالإكبار والتعظيم لهذه الاخوّة النادرة التي لم يحدث التاريخ بمثلها .لقد رمى أبو الفضل الماء من يده وهو يقول :يَا نَفْسُ مِن بَعْدِ الحُسِينِ هُونِي *** وَبَعْدَهُ لَا كُنْتِ أَنْ تَكُونِيهذَا الحُسَينُ وارِدُ المَنُونِ *** وَتَشْرَبين بارِدَ المَعِينِتَاللهِ مَا هذا فِعالُ دِينِي*** وَلَا فِعَالُ صادِقِ اليَقِينِ (1)إن الإنسانية بكل إجلال وإكبار لتحيي هذه الروح العظيمة التي تألقت في دنيا الإسلام وهي تلقي على الأجيال أسمى أمثلة للكرامة الإنسانية .أي إيثار أنبل من هذا الإيثار ؟أي اخوّة أسمى من هذه الاخوة ؟واتجه فخر هاشم بعد أن ملأ القربة نحو المخيم ، والتحم مع الأرجاس


1) مقتل الحسين (علیه السّلام) / أبو مخنف : 61 . مقتل الحسين (علیه السّلام) / المقرم : 336 .

فقد أحاطوا به من كل جانب ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى أهل البيت ،وقد أشاع فيهم بطل الإسلام القتل وهو يرتجز :لَا أَرْهَبُ الْمَوْتَ إِذا الْمَوْتُ رَقا *** حتى أوارى في المصاليت لُقىنَفْسِي لِسِبْطِ الْمُصْطَفَى الطَّهْرِ وِقَا *** إِنِّي أَنَا الْعَبَاسُ أَغْدو بِالسِّقاوَلَا أَخَافُ الشَّرَ يَوْمَ الْمُلْتَقىلقد أعلن قمر الهاشميين عن بطولاته النادرة فهو لا يرهب الموت ، ويسخر من الحياة دفاعاً عن الحق ودفاعاً عن إمام المسلمين وريحانة الرسول .وانهزمت جيوش الأمويين أمامه ، ولكن الوضر الجبان زيد بن الرقاد الجهني كمن له من وراء نخلة ، ولم يستقبله بوجهه فضربه على يده فقطعها ، فلم يحفل بها أبو الفضل وراح يرتجز :وَاللهِ إِنْ قَطَعْتُمُ يَميني *** إِنِّي أُحامي أَبَداً عَنْ دينيوَعَنْ إِمَامٍ صَادِقِ الْيَقِينِ *** نَجْلِ النَّبِيِّ الطَّاهِرِ الْأَمينِودلل بهذا الرجز عن الأهداف العظيمة التي ناضل من أجلها وهي الدفاع عن الدين ، والدفاع عن إمام المسلمين وريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، ولم يبعد قمر بني هاشم وفخر عدنان حتى كمن له وراء نخلة رجس من أرجاس المجرمين ، وهو الحكيم بن الطفيل الطائي فضربه على يساره فبراها .)وحمل الشهم النبيل القربة بأسنانه ، وجعل يركض بالماء إلى عطاشى آل النبي غير حافل بما كان يعانيه من نزف الدماء وآلام الجروح وشدة الظمأ . . وهذا منتهى ما وصلت إليه الإنسانية في جميع أدوارها من الرحمة والحنان والوفاء ، وبينما هو يركض إذ أصاب القربة سهم غادر فاريق ماؤها ووقف البطل حزيناً ، فقد كان إراقة الماء أشدّ عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح .

وشدّ عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على هامة رأسه ففلق هامته ، فهوى إلى الأرض ، وهو يؤدي تحيّته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلاً : « عَلَيْكَ مِنّي السَّلامُ أَبا عَبْدِ اللهِ . . » .وحمل الأثير كلماته إلى أخيه فمزقت أحشاءه ، وانطلق وهو خائر القوى منهدّ الركن حتى انتهى إلى أخيه وهو يعاني آلام الاحتضار ، فألقى بنفسه عليه وجعل يوسعه تقبيلاً قائلاً: « الآنَ انْكَسَرَ ظَهْرِي ، وَقَلَّتْ حِيلَتي .. ».وجعل أبو الأحرار يطيل النظر إلى أخيه وهو شاحب اللون وتمثلت أمامه مثل أبي الفضل التي لا ندّ لها في جميع مراحل التاريخ .فليس هناك اخوّة تضارع اخوة أبي الفضل لأخيه أبي الأحرار ، فقد أبدى من الوفاء والولاء لأخيه ما يفوق حد الوصف .وقام الثاكل الحزين عن أخيه بعدما فارقته الحياة ، وهو لا يتمكن أن يقل قدميه من الأسى والحزن ، وقد بان عليه الانكسار ، واتّجه صوب المخيم وهو يكفكف دموعه .فاستقبلته سكينة بلهفة قائلة : أين عمي ؟فأجابها بنبرات مشفوعة بالبكاء والعبرات بشهادته ، وذعرت حفيدة الرسول سيّدة النساء زینب (علیها السّلام، فوضعت يدها على قلبها الذي مزقته كوارث كربلاء وصاحت : ( وا أَخاهُ ، َواعَبّاساهُ ، وا ضَيْعَتَنا بَعْدَك . . »)وشارك الإمام شقيقته في النياحة على أخيه ، ورفع صوته : « وا ضَيْعَتَنا بَعْدَكَ يا أَبَا الْفَضْل ...» .لقد شعر الإمام وشقيقته بالضياع والغربة بعد أن فقد أبا الفضل ، وكانت هذه الكارثة من أفجع الكوارث التي رزئت بها حفيدة الرسول .فسلام عليك يا أبا الفضل يوم ولدت ، ويوم استشهدت ، ويوم تبعث حياً .

### مصرع الرضيعومن الفجائع التي منيت بها سيدة النساء مصرع الرضيع ، فقد أغمي عليه من شدّة الظمأ ، فجاءت به أمّه إلى السيدة زینب (علیها السّلاممستجيرة بها وعرضته على أخيها فأخذه وجعل يوسعه تقبيلاً ، وقد غارت عيناه ، وذبلت شفتاه من شدة العطش ، فحمله الإمام إلى الجيش الأموي لعلهم يسقونه جرعة من الماء ، فلم ترق قلوب أولئك الممسوخين ، وانبرى إليه الرجس الخبيث حرملة بن كاهل ، فسدّد له سهماً ، وجعل يفتخر أمام أصحابه قائلاً : خذ هذا فاسقه .)واخترق السهم - يالله - رقبة الطفل ، فلما أحس بحرارة السهم أخرج يديه من القماط ، وجعل يرفرف على صدر أبيه كالطير المذبوح ، وانحنى رافعاً رأسه إلى السماء فمات على ذراع أبيه .. أي صبر كان صبر أبي عبدالله ، كيف استطاع أن يتحمّل هذه الرزايا والكوارث التي تميد من هولها الجبال .والتفت الإمام إلى شقيقته فناولها ولده المذبوح (1ورفع الإمام يديه وكانتا مملوءتين من دم طفله ، فرمى به إلى السماء وقال : « هَوَّنَ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْن الله . . » .)ولم تسقط من ذلك الدم الطاهر قطرة واحدة إلى الأرض ، كما روى ذلك الإمام الباقر (علیه السّلام.)### الفاجعة الكبرىووقف أبو الأحرار في الميدان ، وقد أحاطت به جيوش الأمويين وهو ثابت الجنان لم يوهن عزيمته مصارع أصحابه وأهل بيته وكان كالطود الشامخ .


1) اللهوف : 50 .

وقد روى الإمام زين العابدين (علیه السّلام صمود أبيه قال : «كان كلّما يشتد الأمر يشرق لونه ، وتطمئن جوارحه» . فقال بعضهم : انظروا كيف لا يبالي بالموت .)وقال عبدالله بن عمار : فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأصحابه أربط جأشاً منه منه ، ولا أمضى جناناً منه ، ووالله ما رأيت قبله ولا بعده مثله (1.)وحمل أبي الضيم على أرجاس البشرية فجعل يقاتلهم أعنف قتال وأشده ، وحمل على الميمنة وهو يرتجز :الْقَتْلُ أَوْلى مِنْ رُكُوبِ الْعَارِ *** وَالْعَارُ أَوْلى مِنْ دُخُولِ النَّارِوحمل على الميسرة وهو يرتجز :أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلي *** آلَيْتُ أَنْ لَا أَنْثنيأَحْمي عِبالاتِ أَبي *** أَمْضِي عَلى دينِ النبيأجل أنت الحسين ، وأنت ملأت فم الدنيا شرفاً ومجداً ، فلم تشاهد أمم العالم وشعوب الأرض مثلك يا مفخرة الإسلام ، فقد صمدت أمام الأهوال والكوارث التي لا يطيق حملها أي مصلح على وجه الأرض ... وقد مضيت على دین جدك الرسول مجدداً له ولولاك لما أبقى الأمويون والقرشيون أي ظل لدين الله .### وداعه (علیه السّلام لعقائل الوحى)ومضى الحسين يودع عقائل النبوّة ، وسيّدات نساء الدنيا ، ويأمرهن بالخلود إلى الصبر ، ونظر إلى شقيقته زینب وهي غارقة بالدموع ، فعزّاها وأمرها بالصبر ، وأن تقوم برعاية أطفاله ، ولما أراد الخروج أحطن به السيدات ليتزوّدن منه ،


1) البداية والنهاية : 8 : 188 .

وهنّ يذرفن أحر الدموع ، والتفت الإمام زين العابدين (علیه السّلام إلى عمته زینب ، فقال لها : « عَلَيَّ بِالْعَصا وَالسَّيْفِ ))- ما تَصْنَعُ بهما ؟- أَمَا الْعَصا فَأَتَوَكَّأْ عَلَيْها ، وَأَمَا السَّيْفُ فَأَذُبُّ بِهِ عَنِ ابْن رَسولِ اللَّهِ .وكانت الأمراض قد ألمت به فنهاه الإمام الحسین (علیه السّلام وأمسكته عمته زینب (علیها السّلام).)وأمر الإمام حرم الرسالة بلبس الأزر ، والاستعداد للبلاء ، والتسليم لقضاء الله ، وقال لهن :« اسْتَعِدُوا لِلْبَلاءِ ، وَاعْلَموا أَنَّ اللهَ تَعالى حاميكُمْ وَحافِظُكُمْ وَسَيُنْجِيكُمْ مِنْ شَرِّ الْأَعْداءِ ، وَيَجْعَلُ عَاقِبَةَ أَمْرِكُمْ إِلَى خَيْرٍ ، وَيُعَذِّبَ عَدُوَّكُمْ بِأَنْواعِ الْعَذابِ ، وَيُعَوِّضُكُمْ عَنْ هذِهِ الْبَلِيَّةِ بِأَنواعِ النَّعَمِ وَالْكَرَامَةِ فَلَا تَشُكّوا ، وَلَا تَقولوا بِأَلْسِتَتِكُمْ ما يُنْقِصُ قَدْرَكُم . .. ».إنّ هذا الإيمان ، وهذا الصبر أجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش عليه إن هذه الرزايا تتصدّع من هولها الجبال ، وتميد بحلم أي مصلح كان ، وقد تجرعها أبي الضيم من أجل رفع كلمة التوحيد التي جهدت الأسر القرشية على إطفاء نورها .### مناجاته (علیه السّلام مع الله تعالى)واتجه الإمام العظيم في تلك اللحظات الحاسمة من حياته إلى الله تعالى ، فأخذ يناجيه ويتضرع إليه ، ويشكو إليه ما ألم به من الخطوب قائلاً:«صَبْراً عَلَى قَضائِكَ يا رَبِّ ، لا إلهَ سِواكَ ، يا غِياثَ الْمُسْتَغِيثِينَ ، ما لي رَبٌّ سواكَ ، وَلَا مَعْبودَ غَيْرُكَ ، صَبْراً عَلى حُكْمِكَ ، يا غِياثَ مَنْ لَا غِياثَ لَه ، يا دائماً

لَا نَفادَ لَه ، يا مُحْيِيَ الْمَوْتَى ، يا قائِماً عَلَى كُلِّ نَفْسٍ ، احْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ »(1.)أرأيتم هذا الإيمان الذي تفاعل مع شعور الإمام وعواطفه فقد صبر على قضائه ، وفوّض إليه جميع ما نزل به من الخطوب .يقول الدكتور الشيخ أحمد الوائلي :يا أبا الطَّف وازدهى بالضحايا *** مِنْ أَديمِ الطُّفوفِ رَوضٌ خَمِيلُنُخْبَةٌ مِنْ صَحابة وشقيق *** ورضيع مُطَوّق وشُبولوَالشَّبابُ الفَيْنانُ جَفَّ فَفَاضَتْ *** طَلْعَةٌ حُلوَةٌ وَوَجْهُ جَميلُوَتَوَغِّلْتَ تَسْتَبِينُ الضحايا *** وزواكي الدماء مِنْها تَسيلُوَمَشَتْ في شِفاهِكَ الْغُرْ نَجْوى *** نَمَّ عَنْها التحميدُ وَالتَّهْليللَكَ عُتْبى يا رَبِّ إِنْ كَانَ يُرْضِيكَ *** فهذا إلى رضاك قليل### الهجوم عليه (علیه السّلام)وهجمت على سبط رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم العصابة المجرمة التي تحمل رجس الأرض وخبث اللثام ، فحملوا عليه من كل جانب ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح .)يقول بعض المؤرخين : « إنّه لم يضرب أحد في الإسلام كما ضرب الحسين ، فقد وجد به مائة وعشرون جراحة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم »(2.)ومكث أبو الأحرار مدة مدةمن الزمن على وجه الأرض ، وقد فتكت الجراحات


1) الخصائص الحسينية: 77 مقتل الحسين (علیه السّلام) / المقرم : 357.

2) الحدائق الوردية : 1 : 126 .

بجسمه ، وقد هابه الجميع ، ونكصوا من الإجهاز عليه .يقول السيد حيدرفَما أَجْلَتِ الْحَرْبُ عَنْ مِثْلِهِ *** صريعاً يُجَبَنُ شُجعانَها### خروج العقيلة (علیه السّلام)وخرجت حفيدة الرسول من خبائها ، وهي تندب أخاها بأشجى ما تكون الندبة ، وتقول بذوب روحها : « لَيْتَ السَّمَاءُ وَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ ... ».وصاحت بالخبيث الدنس عمر بن سعد قائلة : « يا عُمَرُ ، أَرَضِيتَ أَنْ يُقْتَلَ أَبو عَبْدِ اللَّهِ وَأَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ ... » .فأشاح الخبيث بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته المشؤومة (1.)ولم تعد العقيلة الطاهرة تقوى على النظر إلى أخيها وهو بتلك الحالة فانصرفت إلى خبائها لترعى المذاعير من النساء والأطفال .### الإجهاز على الإمام (علیه السّلام)أحاط أعداء الله بالإمام من كل جانب وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ورمياً بالحجارة ، فصاح بهم :« أَعَلى قَتْلِي تَجْتَمِعُونَ ، أَمَا وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَ بَعْدِي عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنِّي لأَرْجو أَنْ يُكْرِمَنى اللَّهُ بِهَوانِكُمْ ثُمَّ يَنتَقِمُ لي مِنْكُمْ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُونَ ...».والتفت الخبيث عمر بن سعد إلى شبث بن ربعي ، فقال :


1) الإرشاد / المفيد : 2 : 112 . تاريخ الأمم والملوك : 4 : 647. جواهر المطالب : 139 .

انزل فجئني برأسه ، فامتنع ، وقال : أنا بايعته ، ثمّ غدرت به ، ثمّ أنزل فأحتز رأسه ! لا والله لا أفعل ذلك .فأنكر ابن سعد كلامه وقال : إذا أكتب إلى ابن زياد .ولم يعتن شبث بذلك ، وقال : اكتب له (1.)وبادر المجرم الخبيث شمر بن ذي الجوشن ، وكان من أعدى المجرمين على الإمام ، فاحتز رأسه الشريف كما في بعض الروايات (2.)لقد استشهد الإمام العظيم من أجل أن يرفع كلمة الله في الأرض ويطيح بدولة الظلم والبغي التي أقامتها الأحقاد القرشية على الإسلام .لقد قدم الإمام روحه ثمناً للقرآن ، وثمناً لكل ما تسمو به الإنسانية من شرف وعزّ وإباء .لقد رفع الإمام راية الإسلام عالية خفاقة ، وهي ملطخة بدمه ودم الشهداء من أهل بيته وأصحابه الممجدين ، وهي تضيء في رحاب الكون ، وتفتح الآفاق الكريمة لشعوب العالم وأمم الأرض .### العقيلة أمام الجثمان المقدسوانبرت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم إلى جثمان أخيها ، وقد رأت - ويا لهول ما رأت - رأت الجثمان المقدّس وقد مزقته سيوف البغاة ورماحهم ، وقد مُثل به كأفظع وأقسى ما يكون التمثيل ، لقد كان منظراً تلجم منه الألسن ، وتجمد منه الدماء ، وتهلع منه القلوب ، لقد وقفت العقيلة أمامه بجلال وحشمة ، وقد أحاط بها)


1) الدر النظيم : 168 .

2) مقتل الخوارزمي : 2 : 36 ، وغيره .

الأعداء ، فرمقت السماء بطرفها ، وقالت هذه الكلمات التي ارتسمت مع الفلك ثم دارت فيه ، وهي تشعّ بروح الإيمان والإخلاص إلى الله تعالى قائلة : « اللَّهُم تَقَبَّلْ منا هذا الْقُرْبان ... ».لقد رضيت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم بما عانته من أهوال هذه الكارثة التي تذوب من هولها الجبال ، لأنها في ذات الله تعالى ، الذي هامت في الإنابة إليه .)لقد تجلت معاني الوراثة النبوية في سيّدة النساء زینب وبرزت في شخصيتها معالم شخصية جدّها الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم وصيّة أبيها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) .)### حرق الخياموأوعزت القيادة العامة إلى الجند بحرق خيام آل النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم فحملوا أقبسة منالنار وهم ينادون : احرقوا بيوت الظالمين (1).)لقد كان بيت الإمام - حسب ما يزعمون - بيت الظلم وبيت ابن مرجانة وسيده يزيد حفيد أبي سفيان بيت العدل ! فيالله أمام هذا الظلم الذي لم يقع نظيره في تاريخ الأمم والشعوب .وتنص بعض المصادر إلى أن عمر بن سعد أمر بحرق الخيام بما فيها من النساء والأطفال ، وقد حاول الشمر ذلك إلا أن شبث بن ربعي عذله ومنعه عن ذلك .وعلى أي حال فحينما التهبت النار فيخيم آل النبي فررن بنات الرسالة وعقائل الوحي من خباء إلى خباء ، أمّا اليتامى فقد علا صراخهم وتعلّق بعضهم بأذيال عمّته الحوراء لتحميه من النار ، وهام بعضهم على وجهه لا يلوي على شيء .لقد كان ذلك المنظر من أفجع وأقسى ما مر على آل النبي ، ولم يغب عن ذهن


1) تاريخ المظفري : 228 .

الإمام زين العابدين (علیه السّلام طيلة المدة التى عاشها بعد أبيه ، وكان يذكره مشفوعاً بالأسى والحزن ، وهو يقول :)«وَاللهِ ما نَظَرْتُ إِلَى عَمّاتِي وَأَخَواتِي إِلَّا وَخَنَقَتْنِي الْعَبْرَةُ ، وَتَذَكَّرْتُ فِرارَهُنَّ يَوْمَ الطَّفِّ مِنْ خَيْمَةٍ إِلَى خَيْمَةٍ وَمِنْ خِبَاءٍ إِلَى خِباء ، وَمُنَادِي الْقَوْمِ يُنَادِي : أَحْرِقوا بُيوتَ الظَّالِمِينَ . . » .### سلب حرائر الوحىوعمد أراذل أهل الكوفة ، وعبيد ابن مرجانة إلى سلب حرائر النبوّة وعقائل الوحي ، فسلبوا ما عليهن من حلي وحلل ، وعمد بعض الأنذال إلى السيّدة أم كلثوم فسلب قرطيها ، وأسرع وغد خبيث نحو السيّدة فاطمة بنت الحسين فانتزع خلخالها وهو يبكي .فقالت له السيدة : ما لك تبكي ؟كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم.)ولما رأت ذلك أنكرت عليه ، وطلبت منه أن لا يسلبها فأجابها : أخاف أن يأخذه غيري (1.)وعمد الأرجاس إلى نهب جميع ما في الخيام من ثقل ومتاع ، كما عمدوا إلى ضرب بنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم بكعوب رماحهم وهن يلذن بعضهن ببعض من الرعب ، وقد سقطت السيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين مغشياً عليها من شدة الضرب فلما أفاقت رأت عمّتها السيدة أم كلثوم تبكي عند رأسها (2).)


1) سير أعلام النبلاء : 3 : 204 .

2) مقتل الحسين (علیه السّلام)/ المقرم : 386 .

إن مأساة بنات الوحي وعقائل الرسالة تذوب من هولها الجبال .### إنقاذ العقيلة (علیها السّلام لزين العابدين (علیه السّلام))وهجم الفجرة الجفاة على الإمام زين العابدين ، وكان مريضاً قد أنهكته العلة ، فأراد الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن قتله فنهره حمید بن مسلم وقال له : سبحان الله أتقتل الصبيان ، إنّما هو مريض .فلم يعن به الخبيث ، ورام قتل الإمام إلّا أنّ العقيلة سارعت نحوه ، فتعلقت به ، وقالت : « لَا يُقْتَلُ حَتَّى أَقْتَلَ دونَه . . » (1.)فكف اللئيم عنه ، ولولا السيدة زینب (علیها السّلام لمحيت ذرية أخيها الحسين .)### ليلة الحادي عشروأقسى ليلة مرّت على حفيدة ال رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم له هي ليلة الحادي عشر من المحرم . فقد أحاطت بها جميع رزايا الدنيا ومصائب الأيام ، فقد تسلّحت بالصبر ، وقامت برعاية أيتام أخيها ، فقد سارعت تلتقط الأطفال الذين هاموا على وجوههم من الخوف ، وتجمّع العيال في تلك البيداء الموحشة ، وهي تسليهم وتصبرهم على تحمل تلك الرزايا ، وأمامها الأشلاء الطاهرة قد تناثرت في البيداء ، وأحرقت أخبيتها ، وقد أحاط بها أرجاس البشرية ووحوش الأرض .)### العقيلة (علیها السّلام تؤدى صلاة الشكر)وقامت العقيلة في تلك الليلة القاسية فأدّت صلاة الشكر الله تعالى على ما حلّ بها وبأهلها من الكوارث والخطوب ، طالبة من الله أن يتقبل ما منيت به من الرزايا ، وأن


1) تاريخ القرماني : 108 .

يثيبها على ذلك ، ويتقبل ما جرى عليها وعلى أخيها من المصائب (1. كما أدّت وردها من صلاة الليل ، وقد استولى عليها الضعف فأدّت الصلاة من جلوس (2).)### العقيلة (علیها السّلام تندب أخاها)ونظرت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم إلى جثمان أخيها ، وهو مقطع الأعضاء قد فصل منه الرأس الشريف ، فلم تملك نفسها ، وصاحت بصوت يذيب القلوب :)«يا مُحَمَّداهُ ، هذا حُسَيْنُ بِالْعَراء ، مُرَمَّلٌ بِالدّماءِ ، مُقَطَّعُ الْأَعْضَاءِ ، وَبَناتُكَ سَبايا ، وَذُرِّيَّتُكَ مُقَتَّلَة . . »(3.)ووجم القوم مبهوتين ، وفاضت دموعهم ، وبكى العدو والصديق (4فقد استبان عظم الجريمة التي اقترفوها وودوا أن الأرض قد ساخت بهم .)### العقيلة (علیها السّلام تخفّف لوعة زين العابدين (علیه السّلام))وحزن الإمام زين العابدين أشدّ ما يكون الحزن حينما رأى جثمان أبيه وجثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء لم ينبر أحد إلى مواراتها ، وبصرت به العقيلة وهو يجود بنفسه ، فقالت له :مالى أَراكَ تَجودُ بِنَفْسِكَ يا بَقِيَّةَ جَدّي وَإِخْوَتِي ، فَوَاللَّهِ إِنّ هذا لَعَهْدٌ مِنَ اللَّهِ إِلَى جَدِّكَ وَأَبيكَ ، وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق أُناس لا تَعْرِفُهُمْ فَراعِنَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ ، وَهُمْ مَعْروفونَ في أَهْلِ السَّماواتِ ، إِنَّهُمْ يَجْمَعُونَ هذهِ الأَعْضاء المُقَطَّعَةَ وَالجُسوم


1) زینب الكبرى : 62 .

2) حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام): 3 : 309 .

3) خطط المقريزي : 2 : 280 البداية والنهاية : 8 : 193 .

4) جواهر المطالب في مناقب علي بن أبي طالب : 140 .

الْمُضَرَّجَةَ فَيُوارونَها ، وَيَنْصِبونَ بِهذَا الطَّفْ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيْدِ الشُّهَداءِ لَا يُدْرِسُ أَثَرُهُ ، وَلَا يُمحى رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اللَّيالي وَالْأَيَّامِ ، وَلَيَجْتَهِدَنْ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَأَشْياعُ الضَّلالِ فِي مَحْوِهِ وَطَمْسِهِ فَلَا يَزْدادُ أَثَرُهُ إِلَّا عُلُوّاً . .» (1.)وأزالت سيّدة النساء ما ألم بابن أخيها من الحزن العميق ، فقد أحاطته علماً بما سمعته من جدّها وأبيها من قيام جماعة من المؤمنين بمواراة الجثث الطاهرة وسينصب لها علم لا يمحى أثره حتى يرث الله الأرض ومن عليها .وقد جدّ الأقزام من ملوك الأمويين وإخوانهم العباسيين على محو تلك المراقد العظيمة فلم تزدد إلا علواً ، وبقيت شامخة على الدهر كأعز مراقد على وجه الأرض .لقد مضت ذكرى أبي الأحرار تملأ الدنيا إشراقاً وفخراً كأسمى ذكرى تعتزّ بها الإنسانية في جميع أدوارها .


1) كامل الزيارات : 221 .

## سَبايا اهل البيت (علیهم السّلام في الكوفة)### خطاب العقيلة زینب (علیها السّلام)

وحملت عقائل النبوة وحرائر الوحي سبايا إلى الكوفة ومعهن الأيتام ، وقد ربطوا بالحبال ، وحملوا على جمال بغير وطاء ، وقد عزفت أبواق الجيش ، وخفقت راياتهم ، وكان منظراً رهيباً تهلع منه القلوب .وقد وصفه مسلم الجصاص ، يقول : « دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة فبينما أُجصص الأبواب ، وإذا بالزعقات قد ارتفعت من جميع الكوفة ، فقلت لأحد خدام القصر : ما لي أرى الكوفة تضجّ ؟الساعة يأتون برأس خارجي خرج على يزيد .من هذا الخارجي ؟الحسين بن عليّ .وكان هذا النبأ كالصاعقة على رأسه ، فقد أخذ يلطم على وجهه حتى خشي على عينيه أن تذهبا ، وغسل يديه من الجص ، وخرج من القصر .يقول : فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس إذ أقبل أربعون جملاً تحمل النساء والأطفال ، وإذا بعلي بن الحسين على بعير بغير غطاء ، وأوداجه تشخب دماً ، وهو يبكي ويقول :يا أُمَّةَ السّوءِ لَا سُقيا لِرَبِّعِكُمُ ***يا أُمَّةً لَمْ تُراعي جَدَّنا فينا

لَوْ أَنَّنا وَرَسولُ اللهِ يَجْمَعُنا *** يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ تَقولوناتُسَيّرونا عَلَى الْأَقْتابِ عاريَةً *** كَأَنَّنا لَمْ نُشَيَّد فيكُمُ دينا (1)وتحدّث حديم بن شريك الأسدي عن ذلك المنظر المؤلم يقول : « قدمت إلى الكوفة سنة ( 61ه عند مجيء عليّ بن الحسين من كربلاء إلى الكوفة ، ومعه النسوة وقد أحاطت بهم الجنود ، وقد خرج الناس ينظرون إليهم ، وكانوا على جمال بغير غطاء ، فجعلت نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن.)ورأيت عليّ بن الحسين قد أنهكته العلة ، وفي عنقه الجامعة ، ويده مغلولة إلى عنقه ، وهو يقول بصوت ضعيف : « إِنَّ هؤلاءِ يَبْكُونَ وَيَنوحونَ مِنْ أَجْلِنا فَمَنْ قَتَلَنا » .وانبرت إحدى السيدات فسألت إحدى العلويات وقالت لها : من أي الأسارى أنتن ؟فأجابتها العلوية : نحن أسارى أهل البيت .وكان هذا النبأ كالصاعقة عليها فصرخت ، وصرخت اللاتي كن معها ، ودوّى صراخهن في أرجاء الكوفة ، وبادرت المرأة إلى بيتها فجمعت ما فيه من أزر ومقانع فجعلت تناولها إلى العلويات ليتستّرن بها عن أعين الناس .كما بادرت سيدة أخرى فجاءت بطعام وتمر ، وأخذت تلقيه على الصبية التي أضناها الجوع .ونادت السيدة أم كلثوم من خلف الركب : « إِنَّ الصَّدَقَةَ حَرامٌ عَلَيْنا أَهْلَ الْبَيْت . . » (2.)


1) بحار الأنوار: 45 : 114 و 115 . عوالم العلوم : 17 : 373 .

2) حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام) : 3: 335 .

ولما سمعت الصبية التي تربت بآداب أهل البيت مقالة عمتهم رمى كل واحد ما في يده أو ما في فمه من الطعام ، وراح يقول لمن معه : إن عمتي تقول :«الصَّدَقَةُ حَرامٌ عَلَيْنا أَهْلَ الْبَيْت . . . ».خطاب العقيلة زینب (علیها السّلام:)وحينما رأت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم زینب الجموع الزاخرة التي ملأت الشوارع والأزقة ، وقد أحاطت بها اندفعت إلى الخطابة لبلورة الرأي العام ، وإظهار المصيبة الكبرى التي داهمت العالم الإسلامي بقتل ريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وتحميل الكوفيين مسؤولية هذه الجريمة النكراء ، فهم الذين نقضوا ما عاهدوا الله عليه من نصرة الإمام الحسين (علیه السّلام)والذب عنه ، ولكنهم خسروا ذلك وقتلوه ثم راحوا ينوحون ويبكون كأنهم لم يقترفوا هذا الإثم العظيم ، وهذا نص خطابها :)الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى جَدِّي مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الْأَخْيَارِ.أَمَّا بَعْدُ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، يَا أَهْلَ الْخَتْلِ (1وَالْغَدْرِ ، أَتَبْكُونَ ؟ ! فَلَا رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ ، وَلَا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ ، إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثا ، تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ. أَلاَ وَهَلْ فِيكُمْ إِلَّا الصَّلِفُ وَالنَّطِفُ ، وَالصَّدْرُ الشَّنِفُ ، وَمَلَقُ الْإِمَاءِ ، وَغَمْرُ الْأَعْدَاءِ ؟! أَوْ كَمَرْعَى عَلَى دِمْنَةٍ ، أَوْ كَقَصَّةٍ عَلَى مَلْحُودَةٍ ، أَلَا سَاءَ مَا قَدَّمْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَفِي الْعَذَابِ أَنتُمْ خَالِدُونَ.)أَتَبْكُونَ وَتَنتَحِبُونَ ؟! إِيْ وَاللهِ فَابْكُوا كَثِيراً ، وَاضْحَكُوا قَلِيلاً ، فَلَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِعَارِهَا وَشَنَارِهَا ، وَلَنْ تَرْحَضُوهَا بِغَسْلِ بَعْدَهَا أَبَداً ، وَأَنَّى تَرْحَضُونَ قَتْلَ سَلِيلِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ ،


1) في نسخة : « الغدر » .

وَمَعْدِنِ الرِّسَالَةِ ، وَسَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَمَلَاذِ خِيَرَتِكُمْ ، وَمَفْزَع نَازِلَتِكُمْ ، وَمَنَارِ حُجَّتِكُمْ ، وَمِدْرَةِ سُنَّتِكُمْ . أَلَا سَاءَ مَا تَزِرُونَ ، وَبُعْداً لَكُمْ وَسُحْقاً ، فَلَقَدْ خَابَ السَّعْيُّ ، وَتَبَّتِ الْأَيْدِي ، وَخَسِرَتِ الصَّفْقَةُ ، وَبُؤْتُمْ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ، وَضُرِبَتْ عَلَيْكُمُ الذُّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ.وَيْلَكُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ، أَتَدْرُونَ أَيَّ كَبِدِ لِرَسُولِ اللَّهِ فَرَيْتُمْ ؟! وَأَيَّ كَرِيمَةٍ لَهُ أَبْرَزْتُمْ ؟! وَأَيَّ دَمٍ لَهُ سَفَكْتُمْ ؟! وَأَيَّ حُرْمَةٍ لَهُ انْتَهَكَّتُمْ ؟ لَقَدْ جِئْتُمْ بِهَا صَلْعَاءَ عَنْقَاءَ سَوْدَاءَ فَقْماءَ.وَفِي بَعْضِهَا : خَرْقَاءَ شَوْهَاءَ ، كَطِلاَعِ الْأَرْضِ وَمِلاءِ السَّمَاءِ .أَفَعَجِبْتُمْ أَنْ مَطَرَتِ السَّمَاءُ دَماً ، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أُخْرَى وَأَنْتُمْ لَا تُنْصَرُونَ ، فَلَا يَسْتَخِفَّنَّكُمُ الْمَهْلُ ، فَإِنَّهُ لَا يَحْفِزُهُ الْبِدَارُ وَلَا يَخَافُ فَوْتَ الثَّارِ ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَبِالْمِرْصَادِ » (1.)لقد قرعتهم عقيلة الرسول بخطابها البليغ ، وعرفتهم زيف إسلامهم ، وكذب دموعهم ، وأنّهم من أحط المجرمين ، فقد اقترفوا أفضع جريمة وقعت في الأرض ، فقد قتلوا المنقذ والمحرّر الذي أراد لهم الخير ، وفروا بقتله كبد رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم وانتهكوا حرمته ، وسبوا عياله ، فأي جريمة أبشع من هذه الجريمة .)### اضطراب الرأى العامواضطرب أهل الكوفة من خطاب سليلة النبوّة ، ووصف حديم الأسدي مدى


1) الأمالي / المفيد : 321 - 323 . الاحتجاج : 2 : 110 - 113. مناقب آل أبي طالب : 4 : 115 . اللهوف : 86 - 87. بحار الأنوار : 45 : 108 و 109. مقتل الحسين (علیه السّلام) / المقرم: 403 و 404 . الفتوح : 5 : 121 . بلاغات النساء : 37 - 39 نور الأبصار: 378 و 379 .

الأثر البالغ الذي أحدثته العقيلة في خطابها يقول: «لم أر والله خفرة أنطق منها ، كأنّما تفرغ عن لسان الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام، ورأيت الناس بعد خطابها حيارى ، واضعي أيديهم على أفواههم ، ورأيت شيخاً قد دنا منها يبكي حتى اخضبت لحيته وهو يقول : بأبي أنتم وأمي ، كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبداً » (1).)ورأى الإمام زين العابدين (علیه السّلام ان الوضع الراهن لا يساعد على استمرارها في الخطاب ، فقطع عليها خطبتها قائلاً: « اسكتي يا عَمَّةٍ فَأَنْتِ بِحَمْدِ اللهِ عَالِمَةٌ غَيْرُ مُعَلَّمَةٍ ، وَفَهِمَةٌ غَيْرُ مُفَهَّمَة » (2).)### خطاب السيّدة فاطمةوانبرت السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين (علیه السّلام فخطبت أبلغ خطاب وأروعه ،وكانت طفلة وقد برزت فيها معالم الوراثة النبوية ، فقالت :)الْحَمْدُ لِلَّهِ عَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى ، وَزِنَةَ الْعَرْشِ إِلَى الثّرِيَ ، أَحْمَدُهُ وَأُؤْمِنُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً (صلّی الله علیه و آله و سلّم عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ذُبِحُوا بِشَطُ الْفُرَاتِ بِغَيْرِ ذَحْلٍ وَلَا تِرَاتٍ .)إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَرِيَ عَلَيْكَ الْكَذِبَ ، وَأَنْ أَقُولَ عَلَيْكَ خِلَافَ مَا أَنْزَلْتَ مِنْ أَخْذِ الْعُهُودِ لِوَصِيَّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (علیه السّلام، الْمَسْلُوبِ حَقَّهُ ، الْمَقْتُولِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ - كَمَا قُتِلَ وَلَدُهُ بِالْأَمْسِ - فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ ، فِيهِ مَعْشَرٌ مُسْلِمَةٌ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، نَفْساً لِرُؤُوسِهِمْ ، مَا دَفَعَتْ عَنْهُ ضَيْماً فِي حَيَاتِهِ وَلَا عِنْدَ مَمَاتِهِ ، حَتَّى قَبَضْتَهُ إِلَيْكَ مَحْمُودَ النَّقِيبَةِ ، طَيِّبَ)


1) نور الأبصار : 276 .

2) الاحتجاج : 2 : 304 - 305 .

الْعَرِيكَةِ ، مَعْرُوفَ الْمَنَاقِبِ ، مَشْهُورَ الْمَذَاهِبِ ، لَمْ تَأْخُذْهُ اللَّهُمَّ فِيكَ لَوْمَةُ لَائِم وَلَا عَدْلُ عَاذِلٍ ، هَدَيْتَهُ يَا رَبِّ لِلْإِسْلَامِ صَغِيراً ، وَحَمِدْتَ مَنَاقِبَهُ كَبِيرًا ، وَلَم يَزَلْ نَاصِحَا لَكَ وَلِرَسُولِكَ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ حَتَّى قَبَضْتَهُ إِلَيْكَ ، زَاهِداً فِي الدُّنْيَا ، غَيْرَ حَرِيصٍ عَلَيْهَا ، رَاغِباً فِي الْآخِرَةِ ، مُجَاهِداً لَكَ فِي سَبِيلِكَ ، رَضِيتَهُ فَاخْتَرْتَهُ وَهَدَيْتَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.أَمَّا بَعْدُ ، يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ، يَا أَهْلَ الْمَكْرِ وَالْغَدْرِ وَالْخُيَلَاءِ ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ ابْتَلَانَا اللَّهُ بِكُمْ ، وَابْتَلَاكُمْ بِنَا ، فَجَعَلَ بَلَاءَنَا حَسَناً ، وَجَعَلَ عِلْمَهُ عِنْدَنَا وَفَهْمَهُ لَدَيْنَا ، فَنَحْنُ عَيْبَةُ عِلْمِهِ وَوِعَاءُ فَهْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَحُجَّتِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فِي بِلَادِهِ لِعِبَادِهِ ، أَكْرَمَنَا اللهُ بِكَرَامَتِهِ وَفَضَّلَنَا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (صلّی الله علیه و آله و سلّم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً بَيْناً.)فَكَذَّبْتُمُونَا ، وَكَفَّرْتُمُونَا ، وَرَأَيْتُمْ قِتَالَنَا حَلَالًا وَأَمْوَالَنَا نَهْباً ، كَأَنَّنَا أَوْلَادُ تُرْكِ أَوْ كَابُلَ ، كَمَا قَتَلْتُمْ جَدَّنَا بِالْأَمْسِ ، وَسُيُوفُكُمْ تَقْطُرُ مِنْ دِمَائَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ، لِحِفْدٍ مُتَقَدِّمٍ ، قَرَّتْ لِذَلِكَ عُيُونُكُمْ ، وَفَرِحَتْ قُلُوبُكُمْ ، إِفْتِرَاء عَلَى اللهِ وَمَكْراً مَكَرْتُمْ ، وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.فَلَا تَدْعُوَنَّكُمْ أَنْفُسُكُمْ إِلَى الْجَذَلِ بِمَا أَصَبْتُمْ مِنْ دِمَائِنَا وَنَالَتْ أَيْدِيكُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا ، فَإِنَّ مَا أَصَابَنَا مِنَ الْمَصَائِبِ الْجَلِيلَةِ وَالرَّزَايَا الْعَظِيمَةِ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ، لِكَيْلَا تَأْسَوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ.تَباً لَكُمْ ، فَانتَظِرُوا اللَّعْنَةَ وَالْعَذَابَ ، فَكَأَنْ قَدْ حَلَّ بِكُمْ، وَتَوَاتَرَتْ مِنَ السَّمَاءِ نَقِمَاتٌ ، فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ثُمَّ تُخَلَّدُونَ فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا ظَلَمْتُمُونَا ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.وَيْلَكُمْ ، أَتَدْرُونَ أَيَّةَ يَدٍ طَاعَتَتْنَا مِنْكُمْ ؟ ! وَأَيَّةَ نَفْسٍ نَزَعَتْ إِلَى قِتَالِنَا ؟ ! أَمْ بِأَيَّةِ رِجْلٍ

مَشَيْتُمْ إِلَيْنَا تَبْغُونَ مُحَارَبَتَنَا ؟ !قَسَتْ وَاللهِ قُلُوبُكُمْ ، وَغَلُظَتْ أَكْبَادُكُمْ ، وَطُبِعَ عَلى أَفْئِدَتِكُمْ ، وَخُتِمَ عَلَى أَسْمَاعِكُمْ وَأَبْصَارِكُمْ سَوَّلَ لَكُمُ الشَّيْطَانُ وَأَمْلَى لَكُمْ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِكُمْ غِشَاوَةٌ فَأَنتُمْ لَا تَهْتَدُونَ.فَتَباً لَكُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ، أَيُّ تِرَاتٍ لِرَسُولِ اللهِ (صلّی الله علیه و آله و سلّم قِبْلَكُمْ وَذُحُولٍ لَهُ لَدَيْكُمْ بِمَا غَدَرْتُمْ بِأَخِيهِ عَلِي بْنِ أَبِي طَالِبٍ جَدِّي وَبَنِيهِ وَعِتْرَةِ النَّبِيِّ الْأَخْيَارِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ ، وَافْتَخَرَ بِذَلِكَ مُفْتَخِرُكُمْ فَقَالَ:)نَحْنُ قَتَلْنَا عَلِيّاً وَبَنِي عَلِيٌّ *** بِسُيُوفِ هِنْدِيَّةٍ وَرِمَاحٍوَسَبَيْنَا نِسَاءَهُمْ سَبْيَ تُرْكِ *** وَنَطَحْنَاهُمْ فَأَيُّ نِطَاحبِفِيكَ أَيُّهَا الْقَائِلُ الْكَثكَثُ وَالْأَثلَبُ (1، إِفْتَخَرْتَ بِقَتْلِ قَوْمٍ زَكَاهُمُ اللَّهُ وَأَذْهَبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا ، فَاكْظِمْ وَاقْعِ كَمَا أَقْعَيَ أَبُوكَ ، فَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِءٍ مَا اكْتَسَبَ وَمَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ. أَحَسَدْتُمُونا - وَيْلاً لَكُمْ - عَلى مَا فَضَّلَنَا الله.)فَمَا ذَنْبُنَا إِنْ جَاشَ دَهْراً بُحُورُنَا *** وَبَحْرُكَ سَاجِ لَا يُوَارِي الدَّعَامِصَا(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (2).)وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ(3)(4)


1) الكَثكَث : التراب . الأثلب : فتات الحجارة والتراب .

2) الحديد 57 : 21 الجمعة 62 : 4 .

3) النور 24 : 40 .

4) الاحتجاج : 2 : 104 - 108 . اللهوف 88 - 90 . عوالم العلوم : 17 : 379 .

تحدثت سليلة النبوّة في خطابها الرائع البليغ عن أمور بالغة الأهمية ذكرناها بالتفصيل في كتابنا ( حياة الإمام الحسين ) .

صدى خطابها

وأثر خطاب السيّدة الزكية فاطمة في نفوس الجماهير ، فقد بكت منه عيونهم ووجلت قلوبهم ، وعرفوا عظيم ما اقترفوه من الإثم فاندفعوا ببكاء قائلين :

حسبك يا ابنة الطاهرين ، فقد أحرقت قلوبنا ، وأنضجت نحورنا ، وأضمرت أجوافنا .

وأمسكت السيّدة عن الكلام ، وتركت جماهير الكوفيين في محنتهم وشقائهم .

خطاب السيدة أم كلثوم

وانبرت حفيدة الرسول السيدة أم كلثوم (1)إلى الخطابة فأومأت إلى الناس بالسكوت ، فلما سكنت الأنفاس بدأت بحمد الله والثناء عليه ، ثم قالت :

« مَه يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ، سُوْءاً لَكُمْ ، مَا لَكُمْ خَذَلْتُمْ حُسَيْناً وَقَتَلْتُمُوهُ وَانْتَهَبْتُمْ أَمْوَالَهُ وَوَرِثْتُمُوهُ وَسَبَيْتُمْ نِسَاءَهُ وَنَكَبْتُمُوهُ ؟ ! فَتَبَاً لَكُمْ وَسُحْقاً.

وَيْلَكُمْ، أَتَدْرُونَ أَيَّ دَوَاءٍ دَهَتْكُمْ ؟ وَأَيَّ وِزْرٍ عَلَى ظُهُورِكُمْ حَمَلْتُمْ ؟ وَأَيَّ دِمَاءٍ سَفَكْتُمُوهَا ؟ !

قَتَلْتُمْ خَيْرَ رِجَالَاتِ بَعْدَ النَّبِيِّ (صلّی الله علیه و آله و سلّم)، وَنُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قُلُوبِكُمْ ، أَلَا إِنَّ حُزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ وَحِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ».


1) ذهب السيد المقرّم وغيره إلى أن السيدة أم كلثوم هي السيدة زینب (علیها السّلام).

واضطرب الكوفيون من خطابها فنشرت النساء شعورهن ولطمن الخدود ولم ير أكثر باك ولا باكية مثل ذلك اليوم .

خطاب الإمام زين العابدين (علیه السّلام)

و انبرى إلى الخطاب الإمام زين العابدين (علیه السّلام) فقال بعد حمد الله والثناء عليه :

«أَيُّهَا النَّاسُ ، مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا أُعَرِّفُهُ بِنَفْسِي أَنَا عَلِيٌّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَنَا ابْنُ الْمَذْبُوحِ بِشَطُ الْفُرَاتِ مِنْ غَيْرِ ذَحْلٍ وَلَا تِرَاتٍ (1)، أَنَا ابْنُ مَنِ انْتِهِكَ حَرِيمُهُ وَسُلِبَ نَعِيمُهُ وَانْتُهِبَ مَالُهُ وَسُبِيَ عِیالُهُ ، أَنَا ابْنُ مَنْ قُتِلَ صَبْراً وَكَفَى بِذَلِكَ فَخْراً .

أَيُّهَا النَّاسُ ، نَاشَدْتُكُمُ اللهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ كَتَبْتُمْ إِلى أَبِي وَخَدَعْتُمُوهُ وَأَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ أَنفُسِكُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَالْبَيْعَةَ وَقَاتَلْتُمُوهُ وَخَذَلْتُمُوهُ ؟ ! فَتَباً لِمَا قَدَّمْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَسَوْءاً لِرَأْيِكُمْ بِأَيَّةِ عَيْنٍ تَنْظُرُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ (صلّی الله علیه و آله و سلّم) إِذْ يَقُولُ لَكُمْ : قَتَلْتُمْ عِتْرَتِي وَانْتَهَكْتُمْ حُرْمَتِي فَلَسْتُمْ مِنْ أُمَّتِي ؟!».

وجردهم بهذه الكلمات من الإسلام ، ودلّهم على جرائمهم وآثامهم التي سودت وجه التاريخ ، وقد علت أصواتهم بالبكاء ، ونادى مناد منهم هلكتم وما تعلمون .

واستمر الإمام في خطابه قائلاً: «فَقَالَ : رَحِمَ اللهُ امْراً قَبِلَ نَصِيحَتِي وَحَفِظَ وَصِيَّتِي فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، فَإِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ».

فهتفوا قائلين : نحن يابن رسول الله سامعون ، مطيعون ، حافظون لذمامك غير


1) الترات : هو من ظلم حقه .

زاهدين فيك ، ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك الله ، فإنّا حرب لحربك وسلم لسلمك ، نبرأ ممن ظلمك وظلمنا .

وردّ الإمام عليهم هذا الولاء الكاذب قائلاً :

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ، أَيَّتُهَا الْغَدَرَةُ الْمَكَرَةُ ، حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ شَهَوَاتِ أَنْفُسِكُمْ ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ كَمَا أَتَيْتُمْ إِلَى أَبِي مِنْ قَبْلُ ؟ ! كَلَّا وَرَبِّ الرَّاقِصَاتِ(1)، فَإِنَّ الْجُرْحَ لَمَّا يَنْدَمِلُ ، قُتِلَ أَبِي صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ مَعَهُ ، وَلَمْ يُنْسَ تَكْلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَكْلُ أَبِي وَيَنِي أَبِي ، وَوَجْدُهُ بَيْنَ لَهاتي وَمَرَارَتُهُ بَيْنَ حَنَاجِرِي وَحَلْقِي ، وَغُصَصُهُ تَجْرِي فِي فِرَاشِ صَدْرِي (2).

وأمسك الإمام عن الكلام ، وتركهم حيارى يندبون حظهم التعيس .

في مجلس ابن زیاد

وأدخلت عقائل الوحي ومخدّرات النبوة مجلس ابن زیاد ، قد شهرت على رؤوسهن سيوف الكافر ابن مرجانة سليل الأرجاس والخيانة ، وهو في قصر الإمارة وقد امتلأ القصر بالسفكة المجرمين من جنوده ، وهم يهنئونه بالظفر ، ويحدثونه بجرائمهم التي اقترفوها يوم الطف جذلان مسرور يهز أعطافه فرحاً وسروراً وهو وبين يديه رأس زعيم الأمة وريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) فجعل الخبيث يعبث بالرأس الشريف ، وينكته بمخصرته ، وهو يقول متشمتاً : ما رأيت مثل هذا الوجه قط .

إنه وجه النبوة والإمامة ، ووجه الإسلام بجميع مبادئه وقيمه .

ولم ينه ابن مرجانة كلامه حتى سدّد له الصحابي أنس بن مالك سهماً فقال له :


1) الراقصات : هي النجوم .

2) مثير الأحزان : 69 و 70. اللهوف : 92 و 93 . الاحتجاج : 2 : 117 - 119 .

إنه كان يشبه النبي (1).

والتاع الخبيث من كلامه ، ولم يجد أي مجال للردّ عليه .

الطاغية مع عقيلة الوحي (علیها السّلام)

ولما روّى المجرم الخبيث ابن مرجانة أحقاده من رأس ريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) التفت إلى عائلة الإمام الحسين فرأى سيّدة منحازة في ناحية من مجلسه ، وعليها أرذل الثياب وقد حفت بها المهابة والجلال .

فانبرى ابن مرجانة سائلاً عنها ، فقال : مَن هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها ؟ فأعرضت عنه احتقاراً واستهانة به ، وكرّر السؤال فلم تجبه فانبرت إحدى السيّدات فأجابته : هذه زینب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) .

فالتاع الخبيث الدنس من احتقارها له ، واندفع يظهر الشماتة بلسانه الألكن قائلاً : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم ، وأبطل أحدوثتكم .

فثارت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وأجابته بشجاعة أبيها محتقرة له قائلة : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِنَبِيْهِ ، وَطَهَّرَنَا مِنَ الرِّجْسِ تَطْهِيراً ، إِنَّمَا يُفْتَضَحُ الْفَاسِقُ وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ ، وَهُوَ غَيْرُنَا ، يَابْنَ مَرْجَانَة » (2).

وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس هذا الوضر الخبيث ، لقد قالت هذا القول الصارم وهي مع بنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) في قيد الأسر قد نصبت فوق رؤوسهن حراب الظالمين وشهرت عليهن سيوف الشامتين .

ولم يجد ابن مرجانة كلاماً يجيب به سوى التشفي قائلاً : كيف رأيت صنع


1) أنساب الأشراف : 3 : 421 .

2) تاريخ الأمم والملوك : 6: 263 .

الله بأخيك ؟

فأجابته حفيدة الرسول ، ومفخرة الإسلام بكلمات الظفر والنصر لها ولأخيها قائلة: « ما رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْقَتَلَ ، فَبَرَزُوا إلى مَضَاجِعِهِمْ ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ ، فَانْظُرْ لِمَن الفَلَجُ يَوْمَئِذٍ ، ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ يَابْنَ مَرْجَانَةَ ، . . ».

وفقد الحقير الدنس إهابه من هذا التبكيت ، والاحتقار اللاذع ، فهم أن يضرب العقيلة فنهاه عمرو بن حريث وقال له : إنها امرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها .

يالله ، يا للمسلمين ، ابن مرجانة يروم أن يعتدي على عقيلة بني هاشم وحفيدة الرسول .

إنّ المسؤول عن هذا الاعتداء الصارخ على الأسرة النبوية وعلى عقائل الوحي مؤتمر السقيفة والشورى ، فهم الذين سلطوا على المسلمين الأمويين خصوم الإسلام وأعداء البيت العلوي ، وحجبوا آل البيت عن القيادة الروحية لهذه الأمة .

وعلى أي حال، فإن ابن مرجانة التفت إلى العقيلة مظهراً لها التشفّي بقتل أخيها قائلاً : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك .

وغلب الأسى والحزن على العقيلة من هذا التشفّي الآثم ، وتذكرت حماتها الصفوة من الأسرة النبوية ، فأدركتها لوعة الأسى ، وقالت: «لَعَمْرِي لَقَدْ قَتَلْتَ كَهْلِي ، وَقَطَعْتَ فَرْعِي ، وَاجْتَثَثتَ أَصْلِي ، فَإِنْ كَانَ هَذَا شِفَاؤُكَ فَقَدِ اشْتَفَيْتَ » .

وتهافت غيظ ابن مرجانة ، وراح يقول : هذه سجّاعة ، لعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً .

فردت عليه العقيلة : « إِنَّ لِي عَنِ السَّجَاعَةِ لَشغلاً ، مَا لِلْمَرْأَةِ وَالسَّجَاعَةِ » (1).


1) الإرشاد / المفيد : 2: 116. مثير الأحزان : 70 و 71 اللهوف : 94. تاريخ الأمم والملوك : 4: 651 و 652 . الفتوح: 5: 122 و 123 .

ما أخس هذه الحياة وما ألأمها التي جعلت حفيدة الرسول أسيرة عند ابن مرجانة ، وهو يبالغ في احتقارها .

إنقاذ العقيلة (علیها السّلام) للإمام زين العابدين (علیه السّلام)

وأدار ابن مرجانة بصره في بقية الأسرى من أهل البيت فوقع بصره على الإمام زين العابدين ، وقد أنهكته العلّة فسأله : من أنت ؟

«عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ . . » .

فصاح به الرجس الخبيث : أولم يقتل الله علي بن الحسين .

فأجابه الإمام بإناة : « قَدْ كَانَ لِي أَخٌ يُسَمّى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَتَلْتُمُوهُ ، وَإِنَّ لَهُ مِنْكُم مطالباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ . . » .

فثار ابن مرجانة ، ورفع صوته قائلاً: الله قتله .

فأجابه الإمام بكل شجاعة وثبات : « اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ... »

ودارت الأرض بابن مرجانة ولم يعرف ما يقول ، وغاظه أن يتكلّم هذا الغلام الأسير بقوّة الحجّة ، والاستشهاد بالقرآن الكريم .

فرفع عقيرته قائلاً : ويك جرأة على ردّ جوابي !! وفيك بقية للردّ عليّ ... » .

والتفت إلى بعض جلاديه فقال له : خذ هذا الغلام واضرب عنقه .

وطاشت أحلام العقيلة وانبرت بشجاعة لا يرهبها سلطان ، فاحتضنت ابن أخيها ، وقالت لابن مرجانة : ( حسبك يَابْنَ زِيَادٍ مَا سَفَكْتَ مِن دِمَائِنَا ، إِنَّكَ لَمْ تُبْقِ مِنَا أَحَداً ، فَإِنْ كُنْتَ عَزَمْتَ عَلى قَتْلِهِ فَاقْتُلْني مَعَهُ ...» .

وبهر الطاغية وانخذل ، وقال متعجباً : دعوه لها ، عجباً للرحم ودَّت أن تقتل معه(1).

ولولا موقف العقيلة لذهبت البقية من نسل أخيها التي هي مصدر الخير والفضيلة في دنيا العرب والإسلام .

لقد أنجا الله زين العابدين من القتل المحتم ببركة العقيلة فهي التي أنقذته من هذا الطاغية الجبار .

حبس عقائل الوحى

وأمر ابن مرجانة بحبس مخدّرات الرسالة وعقائل الوحي ، فأدخلن في سجن يقع إلى جانب المسجد الأعظم ، وقد ضيّق عليهن أشد التضييق ، فكان يجري على كل واحدة في اليوم رغيفاً واحداً من الخبز ، وكانت العقيلة تؤثر أطفال أخيها برغيفها وتبقى ممسكة حتى بان عليها الضعف ، فلم تتمكن من النهوض وكانت تصلّي من جلوس ، وفزع الإمام زين العابدين (علیه السّلام) من حالتها فأخبرته بالأمر .

ورفضت عقيلة بني هاشم مقابلة أيّة امرأة من الكوفيات وقالت :

«لا يَدْخُلَنْ عَلَيْنَا إِلَّا أُمُّ وَلَدٍ أَوْ مَمْلُوكَةٌ ، فَإِنَّهُنَّ سُبِينَ كَمَا سُبِينَا ) .

وألقى على بنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) حجر قد ربط فيه كتاب جاء فيه : إن البريد قد سار بأمركم إلى يزيد فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالهلاك ، وإن لم تسمعوا التكبير فهو الأمان ، وحدّد والمجيء الكتاب وقتاً ، وفزعت العلويات وذعرن ، وقبل قدوم البريد بيومين القي عليهم حجر آخر فيه كتاب جاء فيه : أوصوا واعهدوا فقد قارب


1) اللهوف : 94 و 95. مثير الأحزان : 71. بحار الأنوار: 45 : 117 . الحدائق الوردية: 1 : 128 . المنتظم : 5 : 345 الكامل في التاريخ : 3 : 297 .

وصول البريد ، وبعد انتهاء المدّة جاء أمر يزيد بحمل الأسرى إلى دمشق (1).

وصرح بعض المؤرخين أن يزيد كان عازماً على استئصال نسل الإمام أمير المؤمنين إلّا أنّه بعد ذلك عدل عن نيته .

وبقيت العائلة النبوية في السجن ، إلى أن جاءت أوامر يزيد بحملهم إلى دمشق لتعرض على أهل الشام ، كما عرضت على أهل الكوفة ، وبذلك فقد حملت السبايا ، وأما رؤوس العترة الطاهرة الذين أرادوا أن يقيموا في هذا الشرق حكومة الإسلام والقرآن فقد حملت ليراها أهل الشام ويتلذذ بمنظرها يزيد .


1) الكامل في التاريخ : 3 : 37 .

سَبابا آل الرسول في دِمَشْقَ

تزيين الشام

وعانت عقائل الوحي ومخدّرات النبوة والإمامة جميع ضروب المحن والبلاء أيام مكثهن في الكوفة ، فقد عانين مرارة السجن وشماتة الأعداء ، وذلّ الأسر ، وبعدما صدرت الأوامر من دمشق بحملهن إلى يزيد أمر ابن مرجانة بتسيير رؤوس أبناء النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وأصحابهم إلى الشام لتعرض على الشاميين ، كما عرضت على الكوفيين حتى تمتلئ قلوب الناس فزعاً وخوفاً وتظهر مقدرة الأمويين ، وغلبتهم على آل الرسول .

وقد سيّرت رؤوس العترة الطاهرة مع الأثيم زجر بن قيس النخعي ، كما سيرت العائلة النبوية مع محفر بن ثعلبة من عائدة قريش ، وشمر بن ذي الجوشن ، وقد أوثقت بالحبال ، وأركبت على أقتاب الجمال ، وهن بحالة تقشعر منها ومن ذكرها الأبدان وترتعد لها فرائص كل إنسان(1).

وسارت قافلة الأسرى لا تلوي على شيء حتى انتهت إلى القرب من دمشق ، فأقيمت هناك حتى تتزيّن البلد بمظهر الزهو والأفراح ، ومن الجدير بالذكر أن مخدّرات النبوّة وباقي الأسرى قد التزموا جانب الصمت فلم يطلبوا أي شيء


1) تحفة الأنام في مختصر الإسلام : 84 .

من أولئك الأنذال الموكلين بهم ، وذلك لعلم العلويات بعدم الاستجابة لأي شيء من مطالبهن .

تزيين الشام :

وأمرت حكومة دمشق الدوائر الرسمية وشبه الرسمية بإظهار الزينة والفرح للنصر الذي أحرزته بقتل أبناء النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) .

ووصف بعض المؤرخين تلك الزينة بقوله : « ولما بلغوا - أي أسارى أهل البيت - ما دون دمشق بأربعة فراسخ استقبلهم أهل الشام وهم ينثرون النثار فرحاً وسروراً حتى بلغوا بهم قريب البلد ، فوقفوهم عن الدخول ثلاثة أيام وحبسوهم هناك ، حتى تتوفّر زينة الشام وتزويقها بالحلي والحلل والحرير والديباج والفضة والذهب وأنواع الجواهر ، على صفة لم ير الراؤون مثلها لا قبل ذلك اليوم ولا بعده .

ثم خرج الرجال والنساء ، والأصاغر والأكابر ، والوزراء والأمراء ، واليهود والمجوس والنصارى وسائر الملل ، إلى التفرّج ومعهم الطبول والدفوف والبوقات والمزامير ، وسائر آلات اللهو والطرب ، وقد كحلوا العيون ، وخضبوا الأيدي ، ولبسوا أفخر الملابس ، وتزينوا أحسن الزينة ، ولم ير الراؤون أشد احتفالاً ولا أكثر اجتماعاً منه منه ، حتى ، حتى كأن الناس كلّهم حشروا جميعاً في صعيد دمشق »(1).

لقد أبدى ذلك المجتمع الذي تربّى على بغض أهل البيت جميع ألوان الفرح والسرور بإبادة العترة الطاهرة وسبي حرائر النبوة .

وروى سهل بن سعد الساعدي ما رآه من استبشار الناس بقتل الحسين ، قال : خرجت إلى بيت المقدس حتى توسّطت الشام ، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار


1) بحار الأنوار : 45 : 136 و 137 ، 155 و 156 .

كثيرة الأشجار ، قد علّقت عليها الحجب والديباج ، والناس فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول ، فقلت في نفسي : إنّ لأهل الشام عيداً لا نعرفه .

فرأيت قوماً يتحدّثون فقلت لهم : ألكم بالشام عيد لا نعرفه ؟

نراك يا شيخ غريباً ؟

أنا سهل بن سعد قد رأيت رسول الله .

يا سهل ، ما أعجبك أن السماء لا تمطر دماً ، والأرض لا تنخسف بأهلها .

وما ذاك ؟

هذا رأس الحسين يُهدى من أرض العراق .

واعجباً ، يهدى رأس الحسين والناس يفرحون !

من أي باب يدخل ؟

وأشاروا إلى باب الساعات ، فأسرع سهل إليها ، وبينما هو واقف وإذا بالرايات يتبع بعضها بعضاً ، وإذا بفارس بيده لواء منزوع السنان ، وعليه رأس من أشبه الناس وجهاً ب رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وهو رأس أبي الأحرار ، وخلفه السبايا محمولة على جمال بغير وطاء .

وبادر سهل إلى إحدى السيدات فسألها : من أنتِ ؟

« أنا سكينَةُ بِنْتُ الْحُسَيْن ».

ألك حاجة ؟ فأنا سهل صاحب جدك رسول الله .

« قُلْ لِصاحِب هذا الرَّأْسِ أَنْ يُقَدِّمَهُ أَمامَنا حَتَّى يَشْتَغِلَ النَّاسُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ ، وَلَا يَنظرُونَ إِلى حَرَمِ رَسولِ اللهِ (صلّی الله علیه و آله و سلّم)».

وأسرع سهل بن سعد الساعدي إلى حامل الرأس فأعطاه أربعمائة درهم فباعد

الرأس عن النساء (1).

الشامي مع الإمام زين العابدين (علیه السّلام)

وانبرى شيخ هرم يتوكأ على عصاه ليمتع نظره بالسبايا ، فدنا من الإمام زين العابدين فرفع عقيرته قائلاً: الحمد لله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم .

وبصر به الإمام فرآه مخدوعاً قد ضلّلته الدعاية الأموية فقال له : « يا شَيْخُ ، أَقَرَأْتَ الْقُرْآنِ ؟ » .

فبهت الشيخ من أسير مكبول ، فقال له بدهشة : بلى

أَقَرَأْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (2).)وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (3).

وَقَوْلَهُ تَعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى (4)؟ » .

وبهر الشيخ وتهافت فقال : نعم ، قرأت ذلك .

فقال له الإمام : (نَحْنُ وَاللهِ الْقُرْبى في هذِهِ الْآيَاتِ ..

يا شَيْخُ ، أَقَرَأْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (5)؟ » .)


1) عوالم العلوم : 17 : 427 - 428. مقتل الحسين (علیه السّلام) / الخوارزمي : 2 : 60 .

2) الشورى 42: 23 .

3) الإسراء 17: 26 .

4) الأنفال 8: 41 .

5) الأحزاب 33 :33 .

- بلى .- « نَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ الَّذينَ خَصَّهُمُ اللهُ بالتطهير » .ولما سمع الشيخ ذلك من الإمام ذهبت نفسه حسرات على ما فرط في أمر نفسه ، وتلجلج وقال للإمام بنبرات مرتعشة : بالله عليكم أنتم هم ؟- ( وَحَقٌّ جَدْنا رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّا لَنَحْنُ هُمْ مِنْ غَيْرِ شَك ....».وود الشيخ أنّ الأرض قد وارته ولم يجابه الإمام بتلك الكلمات القاسية ، وألقى بنفسه على الإمام وهو يوسع يديه تقبيلاً ، ودموعه تجري على سحنات وجهه قائلاً : أبرأ إلى الله ممن قتلكم .وطلب من الإمام أن يمنحه العفو والرضا فعفا الإمام عنه (1.)### سرور یزیدوغمرت يزيد موجات من الفرح حينما جيء له بسبايا أهل البيت ، وكان مطلاً على منظر في جيرون، فلما نظر إلى الرؤوس والسبايا قال :لَمّا بَدَتْ تِلْكَ الحُمولُ وَأَشْرَقَتْ *** تِلْكَ الرُّؤوسُ عَلَى شَفا جيرونِنَعَبَ الغُرابُ فَقُلْتُ : قُلْ أَوْ لَا تَقُلْ *** فَقَدِ اقْتَضَيتُ مِنَ الرَّسولِ ديوني (2)لقد أخذ ابن هند ثأره من ابن فاتح مكة ومحطم أوثان قريش ، فقد أباد العترة الطاهرة وسبى ذراريها تشفياً وانتقاماً من الرسول الذي قتل أعلام الأمويين .


1) اللهوف : 102 و 103 . الصواعق المحرقة : 170 .

2) مقتل الحسين (علیه السّلام) / المقرم : 437 .

### رأس الإمام (علیه السّلام عند يزيد)وحمل الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن ومحفّز بن ثعلبة العائدي رأس ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنة هدية إلى الفاجر يزيد بن معاوية ، فسرّ بذلك سروراً بالغاً ، فقد استوفى ثأره وديون الأمويين من ابن رسول الله ، وقد أذن للناس إذناً عاماً ليظهر لهم قدرته وقهره لآل النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وازدحم الأوباش والأنذال من أهل الشام على البلاط الأموي ، وهم يعلنون فرحتهم الكبرى ، ويهنئون يزيد بهذا النصر الكاذب (1).)وقد وضع الرأس الشريف بين يدي سليل الخيانة ، فجعل ينكثه بمخصرته ، ويقرع ثناياه اللتين كان رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم يرشفهما ، وجعل يقول :)«لقد لقيت بغيك يا حسين » (2.ثم التفت إلى عملائه وأذنابه فقال لهم : ( ما كنت أظنّ أبا عبد الله قد بلغ هذا السنّ ، وإذا لحيته ورأسه قد نصلا من الخضاب الأسود»(3.)وتأمل في وجه الإمام (علیه السّلام غمرته هيبته وراح يقول : « ما رأيت مثل هذا الوجه)


1) البداية والنهاية : 8 : 198 .

2) الكواكب الدرّية / المناوي : 1 : 56 .)وجاء في تذهيب التهذيب : 1 : 157 عن ابن حمزة ، قال : « رأيت امرأة من أعقل الناس وأجملهن يقال لها : ( ربا ( حاضنة يزيد بن معاوية ، وقد بلغت من العمر مائة سنة ، قالت : دخل رجل على يزيد فقال له : أبشر فقد أمكنك الله من الحسين ، فقد قتل وجيء برأسه إليك ، ووضع في طست فأمر غلامه فكشفه فحين رآه أحمر وجهه ، فقلت لربا : أقرع ثناياه بالقضيب ؟قالت : إي والله » . سير أعلام النبلاء : 3: 319 .

3) تاريخ الإسلام : 2 : 351 .

حسناً قط» (1.)أجل إنه كوجه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم الذي تحنو له الوجوه والرقاب ، والذي يشع بروح الإيمان ، وراح ابن معاوية يوسع ثغر الإمام بالضرب وهو يقول : إنّ هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام :)أبي قَومُنا أَن يُنْصِفونا فَأَنْصَفَتْ *** قَواضِبُ في أَيْمانِنا تَقْطُرُ الدِّمانُفَلِقُ هاماً مِنْ رِجالٍ أَعِزَّةٍ *** عَلَيْنا وَهُمْ كانوا أَعَقَّ وَأَظْلَماولم يتم الخبيث كلامه حتى أنكر عليه أبو برزة الأسلمي فقال له : أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين ، أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً لطالما رأيت رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم يرشفه ، أما انك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجيء هذا ومحمد (صلّی الله علیه و آله و سلّم) شفيعه » . ثمّ قام منصرفاً عنه (2).)### السبايا في مجلس يزيدوعمد الأنذال من جلاوزة الخبيث ابن الخبيث يزيد بن معاوية إلى عقائل الوحي وسائر الصبية فربقوهم بالحبال كما تربق الأغنام ، فكان الحبل في عنق الإمام زين العابدين إلى عنق العقيلة زینب وباقي بنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم ، وكانوا كلما قصروا عن المشي أوسعوهم ضرباً بالسياط ، وجاء وا بهم على مثل هذه الحالة التي تتصدّع من هولها الجبال ، وهم يكبرون ويهللون بسبيهم لبنات رسول الله وإبادتهم لعترته .)وأوقفت مخدّرات الرسالة بين يدي يزيد ، فالتفت إليه الإمام زين العابدين (علیه السّلامفقال له : « ما ظَنُّكَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَوْ رَآنَا عَلَى هَذِهِ الصَّفَةِ ؟ »)


1) تاريخ القضاعي : 70 .

2) الكامل في التاريخ : 3 : 398.

فتأثر يزيد ، ولم يبق أحد في مجلسه إلا بكى ، وكان منظر العلويات مثيراً للعواطف ، فقال يزيد : قبح الله ابن مرجانة لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا (1. ثم أمر بالحبال فقطعت عنهم .)إنه لم يصنع بالسيّدات العلويات بمثل هذه الأعمال إلا بأمر يزيد وإرضاءً لعواطفه ورغباته واستجابة لعواطف القرشيين الذين ما آمنوا بالإسلام وكانت نفوسهم مترعة بالحقد الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم .)والتفت الطاغية إلى الإمام زين العابدين فقال له : إيه يا علي بن الحسين ، أبوك الذي قطع رحمي وجهل حقي ، ونازعني سلطاني ، فصنع الله به ما رأيت .فأجابه شبل الحسين بكل طمأنينة وهدوء بقوله تعالى :مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (2)».)وثار الطاغية وقال للإمام : ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (3).)فرد عليه الإمام : « هذا في حَقٌّ مَنْ ظَلَمَ لَا فِي حَقٌّ مَنْ ظُلِم .. ».وزوى الإمام بوجهه عنه ولم يكلمه استهانة به (4.)### خطاب العقيلة (علیها السّلام)وأظهر الطاغية الآثم فرحته الكبرى بإبادته لعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صفاله


1) أنساب الأشراف : 3: 435 المنتظم : 5 : 342. تذكرة الخواص : 234 .

2) الحدید 57 : 22 و 23 .

3) الشورى 42: 30 .

4) الإرشاد : 276 .

الملك ، واستوسقت له الأمور ، وأخذ يهزّ أعطافه جذلاناً متمنياً حضور القتلى من أهل بيته ببدر ليريهم كيف أخذ بثأرهم من النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم في ذريته ، وراح يترنم بأبيات ابن الزبعري قائلاً أمام الملأ بصوت يسمعه الجميع :)لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا *** جَزَعَ الْخَزْرَحِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلْلأَهَلُّوا وَاسْتَهَلُوا فَرَحاً *** ثُمَّ قَالُوا: يَا يَزِيدُ لَا تُشَلْقَدْ قَتَلْنَا الْقَرْمَ مِنْ سَادَاتِهِمْ *** وَعَدَلْنَاهُ بِبَدْرٍ فَاعْتَدَلْلعِبَتْ هَاشِمُ بِالْمُلْكِ فَلا خَبَرٌ *** جَاءَ وَلَا وَحْيٌ نَزَلْلَسْتُ مِنْ خِنْدِفَ إِنْ لَمْ أَنْتَقِمْ *** مِنْ بَنِي أَحْمَدَ مَا كَانَ فَعَلْولما سمعت العقيلة هذه الأبيات التي أظهر فيها التشفّي بقتل عترة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم انتقاماً منهم لقتلى بدر ، وثبت كالأسد ، فسحقت جبروته وطغيانه فكأنها هي الحاكمة والمنتصرة والطاغية هو المخذول والمغلوب على أمره ، وقد خطبت هذه الخطبة التي هي من متممات النهضة الحسينية ، قالت (علیها السّلام) :)(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ ، صَدَقَ اللَّهُ كَذَلِكَ يَقُولُ: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (1)، أَظَنَنْتَ - يَا يَزِيدُ - حَيْثُ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ وَآفَاقَ السَّمَاءِ فَأَصْبَحْنَا نُسَاقُ كَمَا تُسَاقُ الْإِمَامُ - أَنَّ بِنَا عَلَى اللهِ هَوَاناً ، وَبِكَ عَلَيْهِ كَرَامَةٌ !! وَأَنَّ ذَلِكَ لِعَظِيمِ خَطَرِكَ عِنْدَهُ !! فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ وَنَظَرْتَ فِي عِطْفِكَ ، جَزْلَانَ مَسْرُوراً ، حِينَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْسِفَةٌ ، وَالْأُمُورَ مُتّسِقَةٌ ، وَحِينَ صَفَا لَكَ مُلْكُنَا وَسُلْطَانُنَا ، فَمَهْلاً)


1) الروم 30 : 10 .

مَهْلاً ، أَنَسِيتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (1). أَمِنَ الْعَدْلِ يَابْنَ الطَّلَقَاءِ تَحْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإِمَاءَكَ وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا ؟ ! قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ ، وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ ، تَحْدُو بهنَّ الْأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلى بَلَدٍ، وَيَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ الْمَنَازِلِ وَالْمَنَاهِلِ (2)

المعاقل : سكنة الحصون .

، وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، وَالدَّنِيُّ وَالشَّرِيفُ ، لَيْسَ مَعَهُنَّ مِنْ رِجَالِهِنَّ وَلِيٍّ ، وَلَا مِنْ حُمَاتِهِنَّ حَمِيٌّ .

وَكَيْفَ تُرْتَجيَ مُرَاقَبَةُ مَنْ لَفَظَ فُوهُ أَكْبَادَ الْأَزْكِيَاءِ ، وَنَبَتَ لَحْمُهُ بِدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ ؟ ! وَكَيْفَ لَا يَسْتَبْطِئُ فِي بُغْضِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ نَظَرَ إِلَيْنَا بِالشَّنَفِ (3)وَالشَّنَآنِ وَالْإِحَنِ وَالْأَضْغَانِ ؟ ! ثُمَّ تَقُولُ غَيْرَ مُتَأَنَّمٍ وَلَا مُسْتَعْظِمٍ:

لأمَلُوا وَاسْتَهَلُوا فَرَحاً *** ثُمَّ قَالُوا : يَا يَزِيدُ لَا تُشَلْ

مُنْحَنِياً عَلَى ثَنَايَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام)سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَنْكُتُهَا بِمِخْصَرَتِكَ.

وَكَيْفَ لَا تَقُولُ ذَلِكَ ، وَقَدْ نَكَأْتَ الْقَرْحَةَ ، وَاسْتَأْصَلْتَ الشَّأْفَةَ ، بِإِرَاقَتِكَ دِمَاءَ ذُرِّيَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وَنُجُومِ الْأَرْضِ مِنْ آلِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟! وَتَهْتِفُ بِأَشْيَاتِكَ ، زَعَمْتَ أَنَّكَ تُنَادِيهِمْ فَلَتَرِدَنَّ وَشِيكاً مَوْرِدَهُمْ ، وَلَتَوَدَّنَّ أَنَّكَ سُلِلْتَ وَيُكِمْتَ وَلَمْ تَكُنْ قُلْتَ مَا قُلْتَ وَفَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ . أَللَّهُمَّ خُذْ بِحَقِّنَا ، وَانْتَقِمْ مِمَّنْ ظَلَمَنَا ، وَاحْلُلْ غَضَبَكَ بِمَنْ سَفَكَ دِمَاءَنَا وَقَتَلَ حُمَاتَنَا .


1) آل عمران 3 : 178 .

2) المناهل : جمع منهل ، وهو موضع الشرب من العيون، والمراد من يسكن فيها .

3) الشنف : البغض والعداء .

فَوَاللَّهِ مَا فَرَيْتَ إِلَّا جِلْدَكَ ، وَلَا حَزَزْتَ إِلَّا لَحْمَكَ ، وَلَتَرِدَنَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمَا تَحَمَّلْتَ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ ذُرِّيَّتِهِ ، وَانْتَهَكْتَ مِنْ حُرْمَتِهِ فِي عِتْرَتِهِ وَلُحْمَتِهِ ، وَحَيْتُ يَجْمَعُ اللَّهُ شَمْلَهُمْ وَيَكُمُ شَعْتَهُمْ وَيَأْخُذُ بِحَقِّهِمْ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ (1).

وَحَسْبُكَ بِاللهِ حَاكِماً ، وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خَصِيماً ، وَبِجَبْرَئِيلَ ظَهِيراً ، وَسَيَعْلَمُ مَنْ سَوَّلَ لَكَ وَمَكَنكَ مِنْ رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ ، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً وَأَيُّكُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً .

وَلَئِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ ، إِنِّي لَأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ ، وَأَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ ، وَأَسْتَكْثِرُ تَوْبِيخَكَ ، لَكِن الْعُيُونُ عَبْرَى ، وَالصُّدُورُ حَرّى .

أَلَا فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِقَتْلِ حِزْبِ اللهِ النُّجَبَاءِ بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ الطَّلَقَاءِ ، فَهَذِهِ الْأَيْدِي تَنْطِفُ (2)مِنْ دِمَائِنَا ، وَالْأَنْوَاهُ تَتَحَلَّبُ مِنْ لُحُومِنَا ، وَتِلْكَ الْجُثَثُ الطَّوَاهِرُ الزَّوَاكِي تَنتَابُهَا الْعَوَاسِلُ (3)وَتَغْفِرُهَا أُمَّهَاتُ الْفَرَاعِلِ (4)، وَلَئِنِ اتَّخَذْتَنَا مَعْنَما لَتَجِدُنَا وَشِيكاً مُغْرَماً ، حِينَ لَا تَجِدُ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلامِ لِلْعَبِيدِ ، فَإِلَى اللهِ الْمُشْتَكَى ، وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ.

فَكِدْ كَيْدَكَ ، وَاسْعَ سَعْيَكَ ، وَنَاصِبْ جَهْدَكَ ، فَوَاللَّهِ لَا تَمْحُوَنَّ ذِكْرَنَا ، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا ، وَلَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا ، وَلَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا .

وَهَلْ رَأَيْكَ إِلَّا فَنَدٌ ، وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ ، وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ ، يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِ : أَلَا لَعْنَةُ


1) آل عمران 3 : 163 .

2) تنطف : أي تستوفي من دمائنا .

3) العواسل : جمع عاسل ، وهو الذئب .

4) الفراعل : جمع فرعل ، وهو ولد الضبع .

اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.

فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَتَمَ لِأَوَّلَنَا بِالسَّعَادَةِ وَالْمَغْفِرَةِ ، وَلِآخِرِنَا بِالشَّهَادَةِ وَالرَّحْمَةِ .

وَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُكْمِلَ لَهُمُ الثَّوَابَ ، وَيُوجِبَ لَهُمُ الْمَزِيدَ ، وَيُحْسِنَ عَلَيْنَا الْخِلَافَةَ ، إِنَّهُ رَحِيمٌ وَدُودٌ ، وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (1).

وهذا الخطاب من متمّمات النهضة الحسينية ، ومن روائع الخطب الثورية في الإسلام ، فقد دمّرت فيه عقيلة بني هاشم وفخر النساء جبروت الأموي الظالم يزيد ، وألحقت به ويمن به ويمن مكنه من رقاب المسلمين العار والخزي ، وعرفته عظمة الأسرة النبوية التي لا تنحني جباهها أمام الطغاة والظالمين .

وعلّق الإمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء على هذا الخطاب بقوله : «أتستطيع ريشة أعظم مصوّر ، وأبدع ممثل أن يمثل لك حال يزيد وشموخه بأنفه وزهوه بعطفه وسروره وجذله باتّساق الأمور ، وانتظام الملك ولذة الفتح والظفر والتشفّي والانتقام بأحسن من ذلك التصوير والتمثيل ، وهل في القدرة والإمكان لأحد أن يدفع خصمه بالحجّة والبيان والتقريع والتأنيب ، ويبلغ ما بلغته سلام الله عليها بتلك الكلمات ، وهي على الحال الذي عرفت ، ثم لم تقتنع منه بذلك ، حتی أرادت أن تمثل له وللحاضرين عنده ذلّة الباطل ، وعزة الحق وعدم الإكتراث واللامبالاة بالقوة والسلطة والهيبة والرهبة ، أرادت أن تعرّفه خسة طبعه ، وضعة مقداره ، وشناعة فعله ، ولؤم فرعه وأصله » (2).

ويقول المرحوم الفكيكي : « تأمل معي في هذه الخطبة النارية كيف جمعت بين


1) أعلام النساء : 2 : 504 . بلاغات النساء : 21 . حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام) : 3 : 380 - 378 .

2) السياسة الحسنيّة : 30 .

فنون البلاغة ، وأساليب الفصاحة ، وبراعة البيان ، وبين معاني الحماسة ، وقوة الاحتجاج، وحجّة المعارضة ، والدفاع في سبيل الحرية والحق والعقيدة ،بصراحة هي أنفذ من السيوف إلى أعماق القلوب ، وأحد من وقع الأسنة في الحشا ، والمهج في مواطن القتال ، ومجالات النزال ، وكان الوثوب على أنياب الأفاعي ، وركوب أطراف الرماح أهون على يزيد من سماع هذا الاحتجاج الصارخ الذي صرخت به ربيبة المجد والشرف في وجوه طواغيت بني أمية وفراعنتهم في منازل عزّهم ومجالس دولتهم الهرقلية الارستقراطية الكريهة ، ثمّ إنّ هذه الخطبة التاريخية القاصعة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء الخالدة وجرأتها النادرة ، وقد احتوت النفس القوية الحساسة الشاعرة بالمثالية الأخلاقية الرفيعة السامية ، وسيبقى هذا الأدب الحي صارخاً في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر وتعاقب الأجيال وفي كل ذكرى لواقعة الطف الدامية المفجعة » (1).

محتويات الخطاب

وحلّلنا محتويات خطاب العقيلة في كتابنا ( حياة الإمام الحسين ) ، وننقله لما فيه من مزيد الفائدة ، وهذا نصه : وكان هذا الخطاب العظيم امتداداً لثورة كربلاء ، وتجسيداً رائعاً لقيمها الكريمة وأهدافها السامية ، وقد حفل بما يلي :

أوّلاً : إنّها دلّلت على غرور الطاغية وطيشه ، فقد حسب أنه هو المنتصر بما يملك من القوى العسكرية التي ملأت البيداء وسدت آفاق السماء إلا أنه انتصار مؤقت ، ومن طيشه طيشه أنه حسب أنّ ما أحرزه من الانتصار كان لكرامته عند الله تعالى وهواناً لأهل البيت ، ولم يعلم أنّ الله إنّما يملي للكافرين في الدنيا من النعم ليزدادوا إثماً ولهم في الآخرة عذاب أليم .


1) مجلة الغري - السنة السابعة : العدد 6 .

ثانياً : إنّها نعت عليه سبيه لعقائل الوحي ، فلم يرع فيهم قرابتهم لرسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وهو الذي منّ عليهم يوم فتح مكة ، فكان أبوه وجده من الطلقاء ، فلم يشكر للنبي هذه اليد ، وكافأه بأسوء ما تكون المكافأة .

ثالثاً : إنّ ما اقترفه الطاغية من سفكه لدماء العترة الطاهرة ، فإنّه مدفوع بذلك بحكم نشأته ومواريثه ، فجدته هند هي التي لاكت كبد سيد الشهداء حمزة وجده أبوسفيان العدو الأول للإسلام ، وأبوه معاوية الذي أراق دماء المسلمين وانتهك جميع ما حرمه الله ، فاقتراف الجرائم من عناصره وطباعه التي فطر عليها .

رابعاً : إنّها أنكرت عليه ما تمثل به من الشعر الذي تمنّى فيه حضور شيوخه الكفرة من الأمويين ليروا كيف أخذ بثأرهم من النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) بإبادته لأبنائه ، إلا أنه سوف يرد موردهم من الخلود في نار جهنم .

خامساً : إنّ الطاغية بسفكه لدماء العترة الطاهرة لم يسفك إلا دمه ، ولم يفرِ إلّا جلده ، فإنّ تلك النفوس الزكية حيّة وخالدة ، وقد تلفّعت بالكرامة ، وبلغت قمة الشرف ، وأنّه هو الذي باء بالخزي والخسران .

سادساً : إنّما عرضت إلى من مكن الطاغية من رقاب المسلمين ، فهو المسؤول عما اقترفه من الجرائم والموبقات ، وقد قصدت سلام الله عليها مغزى بعيداً يفهمه كل من تأمل فيه .

سابعاً : إنّها أظهرت سموّ مكانتها ، وخطر شأنها ، فقد كلّمت الطاغية بكلام الأمير مير والحاكم ، فاستهانت به ، واستصغرت قدره ، وتعالت عن حواره ، وترفعت عن مخاطبته ، ولم تحفل بسلطانه ، لقد كانت العقيلة على ضعفها وما ألم بها من المصائب أعظم قوّة وأشدّ بأساً منه .

ثامناً : إنّها عرضت إلى أن يزيد مهما بذل من جهد لمحو ذكر أهل البيت (علیهم السّلام) ،فإنّه لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً لأنهم مع الحق ، والحق لابد أن ينتصر ، وفعلاً

فقد انتصر الإمام الحسين ، وتحوّلت مأساته إلى مجد لا يبلغه أي إنسان كان فأيّ نصر أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من النصر الذي أحرزه الإمام (علیه السّلام).

هذا قليل من كثير مما جاء في هذه الخطبة التي هي آية من آيات البلاغة والفصاحة ، ومعجزة من معجزات البيان ، وهي إحدى الضربات التي أدت إلى انهيار الحكم الأموى (1).

جواب یزید

ولم يستطع الطاغية الجواب على خطاب العقيلة ، فقد انهار كبرياؤه وغروره وتمثل ببيت من الشعر وهو :

يَا صَيْحَةٌ تُحْمَدُ مِنْ صَوَائِحِ *** ما أَهْوَنَ الْمَوْتَ عَلَى النَّوَائِحِ

ولا توجد أية مناسبة بين ذلك الخطاب الثوري الذي أبرزت فيه عقيلة الوحي واقع يزيد وجرّدته من جميع القيم والمبادئ الإنسانية ، وبين هذا البيت من الشعر الذي حكى أنّ الصيحة تحمد من الصوائح ، وأنّ النوح يهون على النائحات ، فأي ربط موضوعي بين الأمرين .

اضطراب الطاغية

وتلبّدت الأجواء السياسية على الطاغية ، وحار في أمره فقد فضحته العقيلة بخطابها الخالد ، وجرّدته من السلطة الشرعية ، وأخذت الأوساط الشعبية في دمشق تتحداه وتنقم عليه جريمته النكراء بإبادته لعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ يلتمس له المعاذير ، فقال لأهل الشام : أتدرون من أين أتى ابن فاطمة ، وما الحامل


1) حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام) : 3 : 382 - 383 .

له على ما فعل ، وما الذي أوقعه فيما وقع ؟

لا.

يزعم أن أباه خير من أبي ، وأمه فاطمة بنت رسول الله خير من أمي ، وأنه خير منّي ، وأحق بهذا الأمر ، فأما قوله : أبوه خير من أبي ، فقد حاج أبي أباه إلى الله عزّ وجلّ ، وعلم الناس أيهما حكم له ، وأما قوله : أمه خير من أمي ، فلعمري أن فاطمة بنت رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، خير من أمي ، وأما قوله : جده خير من جدي ، فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وهو يرى أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فينا عدلاً ، ولا نداً . . ولكنّه إنّما أتى من قلة فقهه ، ولم يقرأ قوله تعالى : ﴿ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ) (1).

لقد حسب الخبيث أنّ منطق الفضل عند الله تعالى إنّما هو الظفر بالملك والسلطان ، فراح يبني تفوّقه على الإمام بذلك ، ولم يعلم أن الله تعالى لا يرى للملك أي قيمة ، فإنّه يهبه للبر والفاجر .

لقد تخبّط الطاغية ، وراح يبني مجده الكاذب على تغلبه وقهره لسبط رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وقد خاب فكره وضلّ سعيه ، فقد انتصر الإمام في ثورته انتصاراً لم يحرزه أي فاتح على وجه الأرض ، فها هي الدنيا تعج بذكره ، وها هو حرمه يطوف به المسلمون كما يطوفون ببيت الله تعالى ، وليس هناك ضريح على وجه الأرض أعزّ ولا أرفع من ضريح أبي الأحرار ، فكان حقاً هذا هو النصر والفتح .

العقيلة (علیها السّلام) مع الشامي ويزيد

ونظر شخص من أهل الشام إلى السيّدة الزكية فاطمة بنت الإمام الحسين (علیه السّلام)فقال ليزيد : هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي .


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 226 البقرة 2 : 247 .

وقد ظنّ أنّها من الخوارج فيحق له أن تكون خادمة عنده ، ولما سمعت العلوية ذلك ، سرت الرعدة بأوصالها ، وأخذت بثياب عمتها مستجيرة بها .

فانبرت العقيلة وصاحت بالرجل : «كَذَبْتَ وَلَؤُمْتَ ، ما ذلِكَ لَكَ ، وَلَا الأَميرِكَ » .

واستشاط الطاغية غضباً من استهانة العقيلة به وتحدّيها لشأنه ، فقال لها : كذبت ، إن ذلك لي ، ولو شئت لفعلت .

فنهرته العقيلة ووجهت له سهاماً من منطقها الفياض قائلة : «كَلًا وَاللهِ ما جُعِلَ لَكَ ذلِكَ ، إِلَّا أَن تَخْرُجَ مِنْ مِلَّتِنا ، وَتَدينَ بِغَيْرِ ديننا ... ».

وفقد الطاغية إهابه ، فقد أهانته أمام الطغمة من أهل الشام فصاح بالحوراء : إيَّاي تستقبلين بهذا ، إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك .

ولم تحفل العقيلة بسلطانه ولا بقدرته على البطش والانتقام ، فردت عليه بثقة : «بدينِ اللهِ وَدِينِ أَبي وَجَدَيِ اهْتَدَيْتَ أَنْتَ وَأبوك إن كُنْتَ مُسْلِماً ..».

وأزاحت العقيلة بهذا الكلام الذي هو أشدّ من الصاعقة الستار الذي تستر به الطاغية من أنّ الإمام الحسين وأهل بيته من الخوارج، فقد استبان لأهل الشام أنّهم ذرّية رسول الله ، وأن يزيد كاذب بادعائه .

وصاح الرجس الخبيث بالعقيلة : كذبت يا عدوّة الله .

ولم تجد العقيلة جواباً تحسم به مهاترات الطاغية ، غير أن قالت : « أَنْتَ أَميرٌ مُسَلَّطٌ ، تَشْتِمُ ظُلْماً ، وَتَقْهَرُ بِسُلْطانك . . » .

وتهافت غضب الطاغية وأطرق برأسه إلى الأرض ، فأعاد الشامي كلامه إلى يزيد طالباً منه أن تكون بنت رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) خادمة عنده فصاح به يزيد : وهب الله لك حتفاً قاضياً (1).


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 265 .

لقد احتفظت عقيلة الوحي بقواها الذاتية ، وإرادتها الواعية الصلبة التي ورثتها من جدها الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فقابلت الطاغية بهذا الكلام المشرّف الذي حققت به أعظم الانتصار .

يقول بعض الكتاب : وقد حققت زینب سلام الله عليها - وهي في ضعفها - واستكانتها أوّل نصر حاسم على الطغاة وهم في سلطانهم وقوتهم ، فقد أفحمته المرّة بعد المرّة ، وقد أظهرت للملأ جهله ، كما كشفت عن قلة فقهه في شؤون الدين ، فإنّ نساء المسلمين لا يصح مطلقاً اعتبارهن سبايا ، ومعاملتهن معاملة السبي في الحروب (1).

وأكبر الظنّ أن كلام الشامي كان فاتحة انتقاد ليزيد ، وبداية لتسرب الوعي عند الشاميين ، وآية ذلك أنّه لم يكن الشامي بليداً إلى هذا الحد ، فقد كان يكفيه ردّ الحوراء عليه وعلى يزيد ، ومقابلتها ليزيد بالعنف الذي أخرجته من ربقة الإسلام إن استجاب لطلب الشامي ، وهذا مما يشعر أن طلبه كان مقصوداً لأجل فضح يزيد .

النياحة على الإمام الحسين (علیه السّلام)

وطلبن عقائل الوحي من الطاغية أن يفرد لهن بيتاً ليقمن فيه مأتماً على سيّد الشهداء ، فقد نخر الحزن قلوبهن ، فلم يكن بالمستطاع أن يبدين ما ألم بهنّ من عظيم الأسى خوفاً من الجلاوزة الجفاة الذين جهدوا على منعهن من البكاء على

أبي عبدالله .

يقول الإمام زين العابدين : «كُلَّما دَمِعَتْ عَينُ وَاحِدٍ مِنَا قَرَعوا رَأْسَهُ بِالرُّمْح» .واستجاب يزيد لذلك ، فأفرد لهن بيتاً ، فلم تبق هاشمية ولا قرشية إلا لبسن السواد حزناً على الحسين ، وخلدن بنات الرسالة إلى النياحة سبعة أيام ، وهنّ


1) حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام) : 3 : 390 .

يندبن سيّد الشهداء (علیه السّلام) بأقسى ما تكون الندبة ، وينحن على الكواكب من نجوم آل عبد المطلب ، وقد اهتزت الأرض من كثرة نياحهن وبكائهن (1).

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما عانته سيدة النساء زینب (علیها السّلام) من المصائب في دمشق .


1) بحار الأنوار: 45 196 . عوالم العلوم : 17 : 422 . تاريخ الأمم والملوك : 4: 658 .

الى يثرب

السفر إلى يثرب

ولم تمكث سبايا أهل البيت زمناً كثيراً في دمشق ، فقد خشي الطاغية من وقوع الفتنة ووقوع ما لا تحمد عقباه ، فقد أحدث خطاب العقيلة زینب (علیها السّلام)وخطاب الإمام زين العابدين لا انقلاباً فكرياً في جميع الأوساط الشعبية والأندية العامة ، وأخذ الناس يتحدثون عن زيف وكذب الدعاية الأموية من أنّ السبايا من الخوارج ،وإنّما هم من صميم الأسرة النبوية ، وقد جوبه يزيد بالنقد حتى في مجلسه ، ونقم عليه القريب والبعيد . وقد رأى الطاغية أن يسرع في ترحيل مخدّرات الرسالة إلى يثرب ليتخلّص مما هو فيه ، وقبل ترحيلهم أمر بانطاع من الأبريسم ففرشت في مجلسه ، وصبّ عليها أموال كثيرة ، وقدمها لآل البيت لتكون دية لقتلاهم وعوضاً لأموالهم التي نهبت في كربلاء ، وقال لهم : خذوا هذا المال عوض ما أصابكم .

والتاعت مخدّرات الرسالة ، فانبرت إليه العقيلة أمّ كلثوم - وأكبر الظن - أنها زینب ، فصاحت به : « ما أَقَلَّ حَياءَكَ وَأَصْلَفَ وَجْهَكَ ، تَقْتُلُ أَخِي وَأَهْلَ بَيْتِي وتُعطيني عوَضَهم».

وقالت السيدة سكينة : « وَاللهِ ما رَأَيْتُ أَقْسَى قَلْباً مِنْ يَزيدَ ، وَلَا رَأَيْتُ كافراً وَلَا مُشْرِكاً شَرّاً مِنْهُ ، وَلَا أَجْفَىٰ مِنْهُ . .»(1).


1) الأمالي الصدوق : 230 و 231 ، الحدیث 242. عوالم العلوم : 17 : 396 .

وباء الطاغية بالفشل ، فقد حسب أنّ أهل البيت تغريهم المادة ، ولم يعلم أنّهم من صنائع الله ، فقد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .

السفر إلى يثرب :

وعهد الطاغية إلى النعمان بن بشير أن يصحب ودائع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يثرب ويقوم برعايتهن (1).

كما أمر بإخراجهن ليلاً من دمشق خوفاً من الفتنة ، واضطراب الرأي العام (2).

وصول النبأ إلى يثرب

وانتهى نبأ الكارثة الكبرى بمقتل سبط الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) إلى يثرب قبل وصول السبايا إليها ، وقد حمل النبأ عبد الملك السلمي إليها بأمر من ابن مرجانة ، وقد وافى به عمرو بن سعيد الأشدق حاكم المدينة ، فاهتز فرحاً وسروراً ، وقال : واعية بواعية عثمان (3).

وأمر بإذاعة ذلك بين الناس فهرعوا وقد علاهم البكاء نحو الجامع النبوي وأسرع الأشدق إلى الجامع فاعتلى أعواد المنبر وأظهر أحقاده وسروره بمقتل سبط الرسول فقال :

«أيّها الناس ، إنّها لدمة بلدمة ، وصدمة بصدمة ، كم خطبة بعد خطبة ، حكمة بالغة فما تغنى النذر ، لقد كان يسبنا ونمدحه ، ويقطعنا ونصله ، كعادتنا وعادته ، ولكن كيف نصنع بمن سلّ سيفه علينا يريد قتلنا إلا أن ندفعه عن أنفسنا» .. .


1) الكامل في التاريخ : 3 : 300 .

2) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : 128 .

3) الإرشاد / المفيد : 2 : 123 . أنساب الأشراف: 3 : 417 . تاريخ الأمم والملوك : 4: 659.

وقطع عليه عبد الله بن السائب خطابه ، فقال له : لو كانت فاطمة حيّة ، عبدالله ورأت رأس الحسين لبكت عليه ، وكان هذا أوّل نقد يجابه به حاكم المدينة .

فصاح به : نحن أحق بفاطمة منك ، أبوها عمّنا ، وزوجها أخونا ، وأمها ابنتنا ،ولو كانت فاطمة حيّة لبكت عليه ، وما لامت من قتله (1).

لقد زعم الأشدق أنّ سيّدة النساء فاطمة (علیها السّلام) ولو رأت رأس عزيزها لما لامت قاتله ولباركته ؛ لأن في ذلك دعماً لحكم الأمويين ، وتشييداً لعروشهم ، وبسطاً لسلطانهم الذي يحمل جميع الاتجاهات الجاهلية .

ان سيّدة النساء لو كانت حيّة ورأت فلذة كبدها في عرصات كربلاء ، وهو يعاني من الخطوب والكوارث التي لم تجر على أي إنسان منذ خلق الله الأرض ، لذابت نفسها حسرات ، وقد روى على عن رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) أنه قال :

« تُحْشَرُ ابْنَتِي فَاطِمَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهَا ثِيَابٌ مَصْبوغَةٌ بِدَمٍ وَلَدِها ، فَتَعَلَّقُ بِقائِمَةٍ مِنْ قَوائِمِ الْعَرْشِ ، فَتَقولُ : يا عَدْلُ ، احْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ قاتِلِ وَلَدِي ، فَيَحْكُمُ لابنتي وَرَبِّ الْجَنَّةِ » (2).

ويقول الشاعر :

لابد أَنْ تَرِدَ الْقِيامَةَ فَاطِمٌ *** وَقَمِيصُها بِدَمِ الْحُسَيْنِ مُلَطَّخُ

فجيعة بني هاشم

وفجع الهاشميون بقتل زعيمهم ، وعلا الصراخ والعويل من بيوتهم ، وخرجت السيدة زینب (علیها السّلام)بنت عقيل ناشرة شعرها وهي تصيح : « وا مُحَمْداهُ ، وا حُسَيناهُ ،


1) مقتل الحسين (علیه السّلام) / المقرم : 417 .

2) الصراط السوي في مناقب آل النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) : 93 .

وا إِخْوتاه ، وا أَهَيْلاهُ » . وجعلت تخاطب المسلمين قائلة :

مَاذَا تَقُولُونَ إِنْ قَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ *** مَاذَا فَعَلْتُمْ وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ

بِعِتْرَتِي وَبِأَهْلِي بَعْدَ مُفْتَقَدِي*** مِنْهُمْ أُسَارِىَ وَمِنْهُمْ ضُرَّجُوا بِدَمِ

مَا كَانَ هَذَا جَزَائِي إِذْ نَصَحْتُ لَكُمْ *** أَنْ تَخْلُفُونِي بِسُوءٍ فِي ذَوِي رَحِمِي

فأجابها أبو الأسود وهو غارق في البكاء يقول :

﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (1)، وعلاه الجزع وراح يقول :

أَقولُ وَزَادَني حَنَقاً وَغَيْظاً *** أَزالَ اللهُ مُلْكَ بَني زِيَادِ

وَأَبْعَدَهُمْ كَما بَعِدوا وَخانوا *** كَما بَعدَتْ ثَمُودُ وَقومُ عادِ

وَلَا رَجَعَتْ رِكَائِبُهُمْ إِلَيْهِمْ *** إِذا قَفَّتْ إِلَى يَوْمَ التّنادِ (2)

مأتم عبد الله بن جعفر

وأقام عبدالله بن جعفر زوج العقيلة زینب مأتماً على ابن عمه سيّد شباب أهل الجنة ، وجعل الناس يفدون عليه زرافات ووحداناً ، وهم يعزونه بمصابه الأليم ، وكان عنده بعض مواليه يسمّى أبا السلاسل .

فأراد أن يتقرب إليه لأنّ عبد الله قد استشهد ولداه مع الإمام الحسين فقال : ماذا لقينا من الحسين ؟

ولما سمع ابن جعفر مقالته حذفه بنعله ، وقال له : « يابْنَ اللَّخْناءِ ، تَقولُ ذلِكَ


1) الأعراف 7: 23 .

2) مجمع الزوائد : 9 : 200 . المعجم الكبير / الطبراني : 1 : 140 .

في الْحُسَيْنِ ، وَاللَّهِ لَوْ شَهِدْتهُ لأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَفَارِقَهُ حَتَّى أقتَلَ مَعَهُ ، وَاللهِ إِنَّهُ لَما يَسْخى بِنَفْسي عَنْ وُلدي ، وَيُهَوِّنُ عَلَى الْمُصابَ بِهِما أَنَّهُما أصيبا مَعَ أَخي وَابْنِ عَمّي مُواسينَ لَهُ صابِرِينَ مَعَه . . » .

وأقبل على حضار مجلسه فقال لهم : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، لَقَدْ عَزَّ عَلَيَّ الْمُصَابُ بِمَصْرَعِ الْحُسَيْنِ أَنْ لَا أَكونَ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي ، فَقَدْ وَاسَاهُ وَلَداي(1).

رأس الإمام (علیه السّلام) في المدينة

وأرسل الطاغية يزيد رأس ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنة إلى المدينة المنوّرة لإشاعة الرعب والخوف ، والقضاء على كل حركة ضده ، وجيء بالرأس الشريف إلى عمرو بن سعيد الأشدق حاكم المدينة

فأنكر ذلك وقال : وددت والله أن أمير المؤمنين لم يبعث إلينا برأسه .

وكان في مجلسه الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم فهزأ منه وقال : بئس ما قلت : هاته .

وأخذ مروان رأس الإمام وهو جذلان مسرور ، وجعل يهز أعطافه بشراً وسروراً ويقول بشماتة :

يا حَبَّذا بَرْدُكَ فِي الْيَدَين *** وَلَونُكَ الأَزْهَرُ فِي الْخَدِّينِ

وجيء برأس الإمام فنصب في جامع الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، وهر عن نساء آل أبي طالب إلى القبر الشريف بلوعة وبكاء ، فقال مروان :

عَجِّتْ نِسَاءُ بَني زَبِيدٍ عَجَّةٌ *** كَعَجِيجِ نِسْوَتِنَا غَداةَ الْأَرْنَبِ


1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 357 .

وجعل مروان يبدي سروره ، وهو يقول : والله لكأني أنظر إلى أيام عثمان . (1).

ثم التفت إلى قبر النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) فخاطبه : يا محمد ، يوم بيوم بدر ..(2).

لقد ظهرت الأحقاد الأموية بهذا الشكل الذي ينمّ عن جاهليتهم وكفرهم ، وأنّهم لم يؤمنوا بالإسلام طرفة عين .

السبايا في كربلاء

وطلبت سبايا أهل البيت من الوفد الموكل بحراستهم أن يعرّج بهم إلى كربلاء ليجدّدوا عهداً بقبر سيد الشهداء ، ولبّى الوفد طلبتهم فانعطفوا بهم إلى كربلاء ، وحينما انتهوا إليها استقبلن السيدات قبر الإمام أبي عبدالله بالصراخ والعويل ، وسالت الدموع منهن كل مسيل ، وقضين ثلاثة أيام في كربلاء ، ولم تهدأ لهن عبرة حتى بحت أصواتهن وتفتتت قلوبهن ، وخاف الإمام زين العابدين (علیه السّلام) على عمته زینب وباقي العلويات من الهلاك ، فأمرهن بالسفر إلى يثرب ، فغادرن كربلاء بين صراخ وعويل (3).

إلى يثرب

واتجه موكب أسارى أهل البيت إلى يثرب ، وأخذ يجد في السير لا يلوي على شيء ، وقد غامت عيون بنات رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) بالدموع وهن ينحبن ويندبن قتلاهن ويذكرن بمزيد من اللوعة ما جرى عليهن من الذل ، وكانت يثرب قبل قدوم السبايا إليها ترفل في ثياب الحزن على أمّ المؤمنين السيدة أم سلمة زوجة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم)


1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان : 5 : 101 .

2) شرح نهج البلاغة : 4 : 72 .

3) حياة الإمام الحسين بن علي (علیهما السّلام) : 3 : 422 .

فقد توفيت بعد قتل الحسين (علیه السّلام) بشهر كمداً وحزناً عليه (1).

نعي بشر للإمام (علیه السّلام)

ولما وصل الإمام زين العابدين (علیه السّلام) قريباً من المدينة نزل وضرب فسطاطه ، وأنزل العلويات ، وكان معه بشر بن حذلم فقال له :

يا بِشْرُ ، رَحِمَ اللهُ أَبَاكَ لَقَدْ كَانَ شَاعِراً ، فَهَلْ تَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْهُ ؟ » .

بلى يابن رسول الله .

« فَادْخُلِ الْمَدِينَةَ وَانْعَ أَبَا عَبْدِ اللهِ . . » .

وانطلق بشر إلى المدينة ، فلما انتهى إلى الجامع النبوي رفع صوته مشفوعاً بالبكاء قائلاً:

يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ بِهَا *** قُتِلَ الْحُسَيْنُ فَأَدْمُعِي مِدْرَارُ

الجِسْمُ مِنْهُ بِكَرْبَلاءَ مُضَرَّجُ *** وَالرَّأْسُ مِنْهُ عَلَى الْقَنَاةِ يُدَارُ

وهرعت الجماهير نحو الجامع النبوي وهي ما بين نائح وصائح تنتظر من بشر المزيد من الأنباء ، وأحاطوا به قائلين : ما النبأ ؟

هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه .

وعجّت الجماهير بالبكاء ، ومضوا مسرعين لاستقبال آل رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الذي برّ بدينهم ودنياهم، وساد البكاء وارتفعت أصوات النساء بالعويل وأحطن بالعلويات ، كما أحاط الرجال بالإمام زين العابدين وهم غارقون بالبكاء ، فكان


1) اللهوف : 116 .

ذلك اليوم كاليوم الذي مات فيه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) .

خطاب الإمام زين العابدين (علیه السّلام)

وخطب الإمام زين العابدين (علیه السّلام)خطبة مؤثرة تحدّث فيها عما جرى عل-ى آل البيت من القتل والتنكيل والسبي والذل ، ولم يكن باستطاعة الإمام أن يقوم خطيباً ، فقد أحاطت به الأمراض والآلام ، فاستدعي له بكرسي فجلس عليه ،ثم قال :

الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، بَارِيءِ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ ، الَّذِي بَعُدَ فَارْتَفَعَ فِي السَّمَوَاتِ الْعُلى ، وَقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوِيَ ، نَحْمَدُهُ عَلَى َظَائِمِ الْأُمُورِ ، وَفَجَائِعِ الدُّهُورِ ، وَأَلَمِ الْفَوَاجِعِ ، وَمَضَاضَةِ اللَّوَاذِعِ ، وَجَلِيلِ الرُّزْهء ، وَعَظِيمِ الْمَصَائِبِ الْفَاظِعَةِ الْكَافَّةِ الْفَادِحَةِ الْجَائِحَةِ .

أَيُّهَا الْقَوْمُ ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَلَهُ الْحَمْدُ ابْتَلَانَا بِمَصَائِبَ جَلِيلَةٍ ، وَثُلْمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ عَظِيمَةٍ : قُتِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السّلام) وَعِتْرَتُهُ ، وَسُبِيَ نِسَاؤُهُ وَصِبْيَتُهُ ، وَدَارُوا بِرَأْسِهِ فِي الْبُلْدَانِ مِنْ فَوْقِ عَامِلِ السِّنَانِ ، وَهَذِهِ الرَّزِيَّةُ الَّتِي لَا مِثْلَهَا رَزِيَّةٌ .

أَيُّهَا النَّاسُ ، فَأَيُّ رِجَالَاتٍ مِنْكُمْ يُسَرُّونَ بَعْدَ قَتْلِهِ ؟ !

أَمْ أَيُّ فَوَادٍ لَا يَحْزُنُ مِنْ أَجْلِهِ ، أَمْ أَيَّةٌ عَيْنٍ مِنْكُمْ نَحْبِسُ دَمْعَهَا وَتَضِنُّ عَنِ انْهِمَالِهَا ؟ !

فَلَقَدْ بَكَتِ السَّبْعُ الشَّدَادُ لِقَتْلِهِ ، وَبَكَتِ الْبِحَارُ بِأَمْوَاجِهَا ، وَالسَّمَوَاتُ بِأَرْكَائِهَا ، وَالْأَرْضُ بِأَرْجَانِهَا ، وَالْأَشْجَارُ بِأَغْصَانِهَا ، وَالْحِيتَانُ فِي لُجَحِ الْبِحَارِ ، وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَأَهْلُ السَّمَوَاتِ أَجْمَعُونَ.

أَيُّهَا النَّاسُ ، أَيُّ قَلْبٍ لَا يَنْصَدِعُ لِقَتْلِهِ ؟ !

أَمْ أَيُّ فُؤَادٍ لَا يَحِنُّ إِلَيْهِ ؟!

أَمْ أَيُّ سَمْع يَسْمَعُ هَذِهِ الظُّلْمَةَ الَّتِي تُلِمَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُصَمُّ ؟!

أَيُّهَا النَّاسُ ، أَصْبَحْنَا مَطْرُودِينَ مُشَرَّدِينَ مَذُودِينَ شَاسِعِينَ عَنِ الْأَمْصَارِ ، كَأَنَّنَا أَوْلَادُ تُرْكِ أَوْ كَابُلَ ، مِنْ غَيْرِ جُزْمِ اجْتَرَمْنَاهُ ، وَلَا مَكْرُوهِ ارْتَكَبْنَاهُ ، وَلَا تُلْمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَمْنَاهَا ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ، إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ .

وَاللَّهِ ، لَوْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي قِتَالِنَا كَمَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي الْوِصَايَةِ بِنَا لَمَا زَادُوا عَلىَ مَا فَعَلُوا بِنَا ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَأَوْجَعَهَا وَأَفْجَعَهَا وَأَكَلِّهَا وَأَفْطَعَهَا وَأَفْدَحَهَا ، فَعِنْدَ اللهِ نَحْتَسِبُ فِيمَا أَصَابَنَا وَأَبْلَغَ بِنَا ، إِنَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ».

وعرض الإمام في خطابه إلى المحن السود التي عانتها الأسرة النبوية ، وما جرى عليها من القتل وسبي النساء ، وغير ذلك مما تتصدّع من هوله الجبال ، وانبرى إلى الإمام صوحان بن صعصعة بن صوحان فألقى إليه معاذيره في عدم نصرته للحسين فقبل الإمام عذره وترحم على أبيه .

ثمّ زحف الإمام مع عماته واخواته وقد أحاطت به الجماهير وعلت أصواتهم بالبكاء والعويل ، فقصدوا الجامع النبوي ، ولما انتهوا إليه أخذت العقيلة بعضادتي باب الجامع ، وأخذت تخاطب جدّها الرسول وتعزيه بمصاب ريحانته قائلة :

« يا جَدَاهُ ، إِنِّي ناعِيَةٌ إِلَيْكَ أخى الْحُسَيْن » (1).

وأقامت العلويات المأتم على سيّد الشهداء ، ولبسن السواد ، وأخذن يندبنه


1) مقتل الحسين (علیه السّلام) / المقرم : 472 .

بأقسى وأشجى ما تكون الندبة .

مكافأة الحرس

وقام الحرس بخدمات ورعاية إلى السيدات ، فالتفتت السيّدة فاطمة بنت الإمام أمير المؤمنين فقالت للعقيلة زینب (علیها السّلام): «لَقَدْ أَحْسَنَ هذَا الرَّجُلُ إِلَيْنا فَهَلْ لَكِ أَنْ نَصِلَهُ بِشَيْءٍ ؟ » .

فأجابتها العقيلة : « واللهِ ما مَعَنا شَيْءٌ نَصِلُهُ بِهِ إِلَّا حُلِيِّنا . . »

« نَعَمْ ، هُوَ ما تقولين » .

وأخرجتا سوارين ودملجين ، وبعثتا بهما إليه واعتذر تا له ، وتأثر الرجل من هذا الكرم الغامر وهو يعلم ما هن فيه من الضيق والشدة .

فقال لهما باحترام : لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) (1).

حزن العقيلة

وخلدت عقيلة آل أبي طالب إلى البكاء على انقراض أهلها (2)، وكانت لا تجف لها عبرة ، ولا تفتر عن البكاء ، وكانت كلما نظرت إلى ابن اخيها الإمام زين العابدين يزداد وجيبها وحزنها ، وقد نخب الحزن قلبها الرقيق المعذب ، حتى صارت كأنها صورة جثمان فارقته الحياة .


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 366 . الكامل في التاريخ :3 : 300 .

2) الوافي في المسألة الشرقية : 1: 43 .

الى جنّة الماوى

الى جنّة الماوى

وخلدت حفيدة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم)- في يثرب - إلى البكاء والنحيب ، وأخذت تراودها صباحاً ومساءً تلك الذكريات المروّعة التي جرت على أخيها في صعيد كربلاء ، وما عاناه من الكوارث القاصمة التي تذوب من هولها الجبال ، فكانت دموعها تجري في كل لحظة على أخيها وأسرتها الذين حصدت رؤوسهم سيوف البغي ، ومثلت بأجسامهم العصابات المجرمة .

لقد أخذت تلوح أمامها تلك المناظر الحزينة التي تعصف بالصبر حتى ضاقت بها الأرض ، ولم تلبث أن ترفع صوتها عالياً مشفوعاً بالألم والبكاء قائلة :

«وا حُسَيناه » .

وا أَخاه » .

وا عَبّاساه » .

وا أَهلَ بَيتاه »

وا مُصيبَتاه »

ثمّ تهوي إلى الأرض مغمى عليها ، وقد صارت شبحاً ، وذوت كما ذوت أمها زهراء الرسول من قبل ، وكان أحب شيء لها مفارقة الدنيا والالتحاق بجدها

الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) لتشكو إليه ما عانته من الرزايا والأسر والسبي ، وما جرى على أخيها من القتل والتمثيل ...

ونتحدث بإيجاز عن وفاتها ، وما قيل في زمانه ، والمكان الذي حظي بمرقدها .

إلى جنة المأوى :

ولم تمكث العقيلة بعد كارثة كربلاء إلا زمناً قليلاً حتى تناهبت الأمراض جسمها ، وصارت شبحاً لا تقوى حتى على الكلام ، ولازمت الفراش وهي تعاني آلام المرض ، وما هو أشقّ منه وهو ما جرى عليها من الرزايا ، وكانت ماثلة أمامها حتى الساعات الأخيرة من حياتها . . . وقد وافتها المنية ولسانها يلهج بذكر الله وتلاوة كتابه ، وقد صعدت روحها الطاهرة إلى السماء كأسمى روح صعدت إلى الله تحفّها ملائكة الرحمن ، وتستقبلها أنبياء الله وهي ترفع إلى الله شكواها ، وما لاقته من المحن والخطوب التي لم تجر على أي إنسان منذ خلق الله الأرض .

الزمان

انتقلت العقيلة إلى جوار الله تعالى على أرجح الأقوال يوم الأحد لخمسة عشر مضين من شهر رجب سنة ( 62ه ) ، وقد أن لقلبها الذي مزقته الكوارث أن يسكن (62ه)(1)ولجسمها المعذب أن يستريح .

الاقوال في مرقدها (علیه السّلام)

1 - في البقيع

واختلف المؤرخون في البقعة التي حظيت بجثمانها المعظم ، وهذه بعض الأقوال :


1) السيدة زینب وأخبار الزينبيات : 9 .

1 - في البقيع

وذهب بعض المؤرخين إلى أنّها توفّيت في يثرب ، ودفنت في بقيع الغرقد ، ويواجه هذا القول إنّها لو دفنت هناك لكان لها مرقد خاص ، كما هو الحال في غيرها السادة المعظمين من أبناء الأسرة النبوية ، ومن المحتمل أنها أوصت أن تدفن في غلس الليل البهيم ، ويعفى موضع قبرها تأسياً بأمها زهراء الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم).

2 - في الشام

وأفاد فريق من المؤرخين أنها توفيت في إحدى قرى الشام ، ويعزو بعضهم سبب سفرها إلى الشام أنه حدثت في يثرب مجاعة عظيمة ، فهرب منها عبد الله بن جعفر مصاحباً معه زوجته العقيلة وسائر عائلته ، ولما انتهت العقيلة إلى ذلك المكان توفيت فيه ، وحدوث المجاعة فيما نعتقد لا أساس له من الصحة ؛ لأن المؤرخين والرواة لم يذكروا أنه حدثت مجاعة في يثرب في ذلك الوقت ، مضافاً إلى أن عبد الله بن جعفر كان من الأثرياء المعدودين في المدينة ، فهل ضاق نطاقه عن إعاشة عائلته حتى يذهب إلى الشام ؟ كما أنه كان من أندى الناس كفاً ، ومن أكثرهم إسعافاً وعطاءً إلى الفقراء والبؤساء ، فكيف يتركهم ينهشهم الجوع وينهزم إلى الشام التي هي مقرّ السلطة الأموية التي نكبته بسيد أسرته وابن عمه الإمام الحسين (علیه السّلام) وبولديه وغيرهما من أبناء الأسرة النبوية .

وعلى أي حال ، فإنّ المشهور في الأوساط الإسلامية أن قبر العقيلة في الشام حيث هو قائم الآن ، وقد أحيط بهالة من التقديس والتعظيم ، وتؤمه الملايين من الزائرين متبركين ومتوسلين به إلى الله تعالى ، شأنه شأن مرقد أخيها أبي الأحرار(علیه السّلام) الذي صار أعزّ مرقد في الأرض ، والذي نذهب إليه هو أن قبرها الشريف في الشام وإليه ذهب الكثيرون من المحققين .

3- في مصر

وذهب جمهرة من المؤرخين إلى أن قبر الصدِّيقة الطاهرة زینب (علیها السّلام)في مصر ، وهذا هو المشهور عند كافة المصريين ، ولابد لنا من وقفة قصيرة للحديث عن سبب هجرتها لمصر ، وما يتعلق بمرقدها المعظم .

سبب هجرتها لمصر: وذكر المؤرخون أنّ العقيلة أخذت تلهب العواطف ، وتستنهض المسلمين للأخذ بثأر أخيها ، والانتفاض على السلطة الأموية ، والتي كان من نتائجها أن المدينة أخذت تغلي كالمرجل ، وأعلنت العصيان المسلح على حكم الطاغية يزيد ، فأرسل إليها جيشاً مكثفاً بقيادة الإرهابي المجرم مسلم بن عقبة ، فأنزل بالمدنيين أقصى العقوبات ، وأكثرها صرامة وقسوة ، وأرغمهم على أنهم خول وعبيد ليزيد ، ومن أبى منهم نفذ فيه حكم الإعدام .

وعلى أي حال ، فإنّ عمرو بن سعيد الأشدق والي يثرب خشي من العقيلة ، وكتب إلى يزيد بخطرها عليه ، فأمره بإخراجها من المدينة إلى أي بلد شاءت ، فامتنعت ، وقالت : « قَتَلَ - أى يزيد - خَيرَنا ، وَساقَنا كما تُساقُ الأَنْعَامُ ، وَحَمَلَنا علَى الأَقْتابِ ، فَوَاللَّهِ لا أَخْرُجُ ، وَإِنْ أُهْرِقَتْ دِمَاؤُنا » .

وانبرت إليها السيّدة زینب (علیها السّلام)بنت عقيل ، فكلّمتها بلطف قائلة : يا بنت عماه ، قد صدقنا الله وعده ، وأورثنا الأرض نتبوء منها حيث نشاء ، فطيبي نفساً ، وقرّي عيناً ، وسيجزي الله الظالمين ، أتريدين بعد هذا هواناً ، ارحلي إلى بلد آمن .

واجتمعت السيدات من نساء بني هاشم ، وتلطفن معها في الكلام فأجابت واختارت الهجرة إلى مصر ، وصحبتها في السفر السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين وأختها سكينة ، وانتهت إلى مصر لأيام بقيت من ذي الحجة ، وقد استقبلها والي مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري ، فأنزلها في داره بالحمراء فأقامت فيه أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً ، وانتقلت إلى جوار الله عشية يوم الأحد لخمسة عشر يوماً

مضت من رجب سنة (62ه-) ودفنت في دار مسلمة حيث مرقدها الآن في مصر ، هكذا ذكر العبيدلي (1)وغيره (2).

زيارة المرقد

ويؤم المصريون وغيرهم من المسلمين المرقد المعظم خصوصاً في يوم الأحد المصادف لليوم الذي توفيت فيه العقيلة ، فإنهم يزدحمون على زيارته بما فيهم من العلماء والفقهاء ، وقد زارها في هذا اليوم كافور الأخشيدي ، وأحمد بن طولون والظافر بنصر الله الفاطمي ، وكان يأتي حاسر الرأس مترجلاً ويتصدق عند القبر الشريف على الفقراء ، واقتدى به ملوك مصر وأمراؤها .

وإذا حلّ شهر رجب ، وهو الشهر الذي توفيت فيه العقيلة ، زحفت الجماهير إلى المرقد المعظم ، ويقيم الكثيرون فيه إلى النصف من رجب ، وهم يتلون كتاب الله ، والأدعية الشريفة ، وقد ذكر ذلك العبيدلي(3).

عمارة المرقد

وأجريت على المرقد المعظم في مصر عدة عمارات وإصلاحات من قبل بعض المحسنين من ملوك ووزراء وغيرهم ، كان منهم ما يلي :

1 - أمير مصر ، ونقيب الأشراف الزينبيين ، الشريف فخر الدين ثعلب الجعفري الزينبي ، فقد أشاد عمارة مهمة على المرقد الشريف .


1) السيدة زینب وأخبار الزينبيات : 21 .

2) إسعاف الراغبين : 196 . لواقح الأنوار الشمراني : 23 . الاتحاف بحب الأشراف : 93 . مشارق الأنوار : 100 .

3) السيدة زینب وأخبار الزينبيات : 60 و 61 .

2 - الأمير علي باشا الوزير ، والي مصر من قبل السلطان سلیمان خان ، فقد شيد المرقد وأضاف إليه مسجداً يتصل به وذلك في سنة (956ه) .

3 - الأمير عبد الرحمن كتخدا ، فقد عمّر المرقد ، وأنشأ به ساقية وحوضاً وذلك في سنة ( 1174ه)

4 - وفي سنة (1212ه-) ظهر صدع في بعض حوائط المسجد فندبت حكومة عثمان المرادي لتجديده وإنشائه فابتدأ العمل إلا أنّه توقف لدخول الفرنسيين لمصر ، وأكمله بعد ذلك الوزير يوسف باشا ، وذلك في سنة (1326ه-) ، وأرخ ذلك بأبيات خطت على لوح من الرخام وهي :

نورُ بِنْتِ النَّبِيِّ زَينَبَ يَعْلو *** مَسْجِداً فيهِ قَبْرُها وَالْمَزَارُ

قَدْ بَناهُ الوَزِيرُ صَدرُ الْمَعالي *** يُوسُفُ وَهوَ لِلْعُلى مُخْتارُ

زادَ جَلالُهُ كَما قُلت : وَمَسجِدٌ *** مشرق بِهِ أَنْوارُ

وحالت دون إتمام عمارته بعض الموانع فأكمله محمد علي باشا الكبير جدّ الأسرة العلوية .

5 - سعيد باشا ، أمر بتجديد الوجهة الغربية والبحرية من الضريح ، وذلك في سنة (1276ه) وبعد تمام العمارة كتب على لوح من الرخام التاريخ وهذا نصه :

في ظِلُّ أَيَّامِ السَّعِيدِ مُحَمَّدٍ *** رَبِّ الفَحَارِ مَلِيكِ مِصرَ الْأَفْخَمِ

مِنْ فَائِضِ الْأَوْقَافِ أَتْحَفَ زَيْنَبَاً *** عَوْنَ الْوَرى بِنْتَ النَّبِيِّ الْأَكْرَم

مَنْ يَأْتِ يَنْوِي لِلْوضوء مُؤَرِّخاً *** فَإِنَّ وُضوءَهُ مِنْ زَمْزَمِ

وكتب على باب المقام هذا البيت :

یا زائريها قفوا بالبابِ وابْتَهلوا *** بنْتُ الرَّسولِ لهذا الْقُطْرِ مُصْباحُ

وليست العقيلة مصباحاً وشرفاً لمصر ، وإنّما هي فخر ونور لجميع أقاليم العالم الإسلامي .

6 - الخديوي محمد توفيق باشا ، جدّد الباب المقابل لباب القبة ، جدّده بالمرمر المصري والتركي وذلك في سنة (1294ه) .

وفي سنة (1297ه) أمر بتجديد القبة والمسجد والمنارة ، وتم البناء في سنة (1302ه) ، وكتب على أبواب القبة الشريفة هذه الأبيات :

بابُ الشَّفَاعَةِ عِندَ قُبَّةِ زَينَبٍ *** يَلْقاهُ عَادٍ لِلْمَقامِ وَرائِحُ

مِنْ يُمْن توفيق الْعَزيزِ مُؤَرّخ *** نور على بابِ الشَّفاعَةِ لائِحُ

كما كتبت هذه الأبيات :

قِفْ تَوَسَّلْ بِبَابِ بِنْتِ عَلِيٌّ *** بحضوعِ وَسَلْ إله السَّماءِ

تَحْظَ بِالْعِزّ وَالْقَبولِ وَأَرّخ *** باب أختِ الْحُسَيْنِ بابُ العَلاءِ

كما رسمت هذه الأبيات :

رفعوا لِزَيْنَبَ بِنْتِ طهَ قُبَّةٌ *** علياءَ مُحْكَمَةَ الْبَناءِ مُشَيَّدَة

نورُ الْقَبولِ يَقولُ في تأريخها *** بابُ الرّضا وَالْعَدْلِ بابُ السَّيِّدَة

وفي هذا التاريخ نقشت القبة والمشهد بنقوش رائعة وبديعة ، وكان ذلك بأمر محمد توفيق .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن المرقد المعظم في مصر (1).


1) زینب الكبرى : 125 و 126 .

ويتشرف ويسمو كل قطر أقيم فيه لسيدة النساء العقيلة زینب (علیها السّلام) مرقد أو مقام .

فهي بحكم مواريثها وصفاتها أفضل سيّدة خلقها الله بعد أمها زهراء الرسول .

وبهذا تنطوي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب

الحمدلله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الطاهرين الطّاهِرِينَ

المَصَادِرُ

1 - الإتحاف بحُبِّ الأشراف: الشبراوي الشافعي ، عبد الله بن محمد بن عامر ( - 1172ه) : تحقيق : سامي الغريري، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1423ه/ 2002 م .

2 - الاحتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب ) - 560ه-) : تحقيق : إبراهيم البهادري و محمد هادي به ، الناشر : دار أسوة - ايران ، الطبعة السادسة / 1425ه-.

3 - الأخبار الطوال : ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبدالله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : منشورات الشريف الرضي ، قم المقدّسة / 1409ه-.

4 - الأدب المفرد : البخاري ، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفيّ ( 194 - 256ه-) : عالم الكتب - بيروت / 1405ه.

5 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد : الشيخ المفيد : أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413ه-) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) - قم المقدّسة / 1416ه.

6 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري القرطبي الأندلسي ( 368 - 463ه) : دار الإسلام - عمان / 2002م .

7 - أسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير الجزري = عزّ الدين علي بن محمد بن محمد ( 555 - 630ه) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2006 م .

8 - إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وآل بيته الطاهرين : الصبان ، محمد بن عليّ ( - 1206ه-) ، نشر دار الفكر - بيروت .

9 - - أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام : كحالة ، عمر رض-ا : مؤسسة الرسالة -

بيروت / 1984 0 ام

10 - أعيان الشيعة : الأمين العاملي ، محسن ( 1865 - 1952م ) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت / 2000 م .

11 - الأمالي : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 -381ه)- تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1417ه-.

12 - الأمالي : شيخ الطائفة الطوسي ، أبو جعفر محمد بن الحسن ( 385 - 460ه-) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة ، دار الثقافة - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1414ه-.

13 - الإمامة والسياسة : ابن قتيبة الدينوري = أبو محمد عبدالله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : المكتبة الحيدرية - قم المقدسة / 2007م .

14 - أنساب الأشراف: البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي ( - 279ه-) : تحقيق : د سهیل زکار و د. رياض زكلي ، دار الفكر - بيروت / 1417ه-.

15 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة المجلسي = محمدباقر بن محمد تقي ( 1037 - 1111ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.

البداية والنهاية في التاريخ = تاريخ ابن كثير : ابن كثير الدمشقي ، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير ( 700 - (774ه-) : تحقيق : مكتب تحقيق التراث ، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1993م.

17 - البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان (م): الأصفهاني ، عماد الدين .

18 - بطلة كربلاء : بنت الشاطئ ، عائشة عبد الرحمن : دار الأندلس - بيروت .

19 -بلاغات النساء ابن طيفور ، أحمد بن أبي طاهر ( 204 - 280ه-) : تحقيق : د. يوسف البقاعي ، الناشر : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الأولى 1420ه/ 1999م.

20 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004م .

21 - تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن عليّ ( 392 - 463ه) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417ه/ 1997م.

22 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس : الديار بكري = حسين بن محمد بن حسن (- 966ه-) : مؤسسة شعبان - بيروت / 1990م .

23 - تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك : الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد ( 224 - 310ه-) : مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الخامسة 1409 ه/ 1989م.

24 - أخبار الدول وآثار الأول : القرماني ، أحمد بن يوسف ( 939 - 1019ه-) : الحلبي - القاهرة / 1982م.

25 - تاريخ الشعوب الإسلامية : بروكلمان ، كارل : ترجمة : نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي : دار العلم للملايين - بيروت ، الطبعة الحادية عشرة / 1988م .

26 - تاريخ القضاعي ( م ) : القضاعي = محمد بن سلامة ( - 54 4ه) :

27 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر = أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي ( 499 - 571ه) : دار الفكر - دمشق / 1419ه.

28 - تاريخ المظفري :(م) : عبدالله الحموي ، إبراهيم .

29 - تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح ( - 278ه) : دار صادر - بيروت / 1984م.

30 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّاني ، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين (من أعلام القرن الرابع الهجري ) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة / 1421ه-.

31 - تحفة الأنام في مختصر تاريخ الإسلام الفاخوري ، الشيخ عبد الباسط بن عليّ :

32 - تذكرة خواص الأمّة : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي ( 581 - 654ه) : منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1418ه/ 1997م.

33 - تذهيب التهذيب :(م) الذهبي ، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه)

34 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن – تفسير الطبري : الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير ( - 310ه) : تحقيق : الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي ، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر - القاهرة ، الطبعة الأولى 1422ه/ 2001م ، ( 24 مجلّداً + مجلدا الفهارس).

35 - تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق التنزيل : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر ( 467 - 538ه) : مؤسسة التاريخ العربي - بيروت / 2000 م .

36 - تهذيب التهذيب : ابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي بن محمد ( 773 - 852ه) : دار الفكر - بيروت / 1995م .

37 - تيسير الوصول إلى جامع الأصول : الزبيدي ، ابن الديبع عبدالرحمن الشيباني .

38 -جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب : الباعوني ، شمس الدين محمد بن أحمد الدمشقي الشافعي ( 780 - 871ه-) : مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم المقدسة / 1415ه-.

39 - الحدائق الوردية في مناقب الزيدية : الشهيد المحلى = حسام الدين حميد بن أحمد ( - 652ه) : جامع النهرين - صنعاء / 1402ه-.

40 - الإمام الحسين (علیه السّلام) : العلائلي ، عبدالله ( 1914 - 1997م ) : : دار مكتبة التربية - بيروت / 1972م.

41 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني ، الحافظ أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران ( 336 - 430ه-) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م .

42 - حياة الإمام الحسين بن عليّ : القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) : تحقيق : مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (علیهم السّلام) ) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه/ 2009م .

43 - حياة الإمام الحسن بن عليّ : القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) : تحقيق : مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (علیه السّلام) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه/ 2009 م .

44 - حياة الحيوان الكبرى : الدميري ، كمال الدين محمد بن موسى ( 742 - 808 ) : ناصر خسرو - طهران ) اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة 1390ه/ 1970م).

45 - الخصائص الحسينية : التستري، جعفر : دار السرور - بيروت / 1414ه-.

46 - الخصائص الكبرى : السيوطي ، جلال الدین عبدالرحمن بن الكمال ( 849 - 911ه) : ) دار الكتب العلمية - بيروت / 1405ه.

47 - خطط الشام = المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار : تقي الدين المقريزي ، أحمد بن عليّ ( 766 - 845ه) : مشهد المقدّسة / 1379ه. ش

48 - الدرّ المسلوك ( م ) : الحرّ العاملي ، محمد بن الحسن ( 1033 - 1104ه) .

49 - الدر النظيم في مناقب الأئمة : الشامي العاملي ، يوسف بن حاتم ( من أعلام القرن السابع الهجري ) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة / 1409ه-.

50 - الدر النضيد في مراثي السبط الشهيد : الهروي ، أحمد بن يحيى : جمع : السيد محسن العاملي، منشورات مكتبة الداوري - قم المقدّسة .

51 - درّة الناصحين في الوعظ والإرشاد : الخويري ، عثمان بن حسن شاكر (القرن (13): مكتبة الثقافة - بيروت / 1985م.

52 - الدمعة الساكية : البهبهاني ، محمد باقر بن محمد ( 1117 - 1205ه) .

53 - ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى : الطبري ، محبّ الدين أبو العباس أحمد بن عبدالله بن محمد المكي الشافعي ( 615 - 694ه) : تحقيق وتعليق : أكرم البوشي ، مكتبة الصحابة - جدة ، الطبعة الأولى 1415ه/ 1995م.

54 - الذرّيّة الطاهرة النبوية : الرازي الدولابي ، أبو بشر محمّد بن أحمد ( 224 - 310ه) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1407ه.

55 - رجال الكشي = اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه) : تحقيق : محمد تقي فاضل الميبدي والسيد أبو الفضل الموسويان ، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران ، الطبعة الأولى / 1382ه. ش .

56 - روح الإسلام : أمير علي ( 1849 - 1928م ) : دار إحياء التراث - بيروت / 1961م.

57 - روضة الواعظين وبصيرة المتعلمين : الفتال النيشابوري ، محمد بن أحمد ( - 5508 ) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1386 ش .

58 - الرياض النضرة في مناقب العشرة : محبّ الدين الطبري ، أبي جعفر أحمد بن عبدالله الشافعي ( 615 - 694ه) : تحقيق عبدالمجيد الحلبي ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الأولى 1418ه/ 1997م ( 4 أجزاء في مجلد ) .

59 - زینب الكبرى : محمد النقدي ، جعفر ( 1885 - 1951م ) : منشورات الرضي - قم المقدسة / 1362ه-.

60 - السيدة زینب وأخبار الزينبيات : العبيدلي ، جمال الدين أبو الفضل أحمد بن مهنا : دار المعرفة - بيروت / 1982م.

61 - سنن ابن ماجة : ابن ماجة القزويني ، أبو عبدالله محمد بن يزيد ) - 273ه-) : تحقيق : خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية 1418ه/ 1997م ( 4 مجلدات مجلد الفهرس ) .

62 - سنن البيهقي = السنن الكبرى : أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ( 384 - 458 ) : مكتبة دار الفكر - بيروت 1416ه/ 1996م.

63 - السياسة الحسينية : الإمام كاشف الغطاء ، محمد حسین ( 1877 - 1954م ) :

64 - سیر أعلام النبلاء : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1419ه.

64 - السيرة الحلبية : الحلبي = عليّ بن برهان الدین ( 975 - 1044ه-) : دار الكتب العلمية - بيروت / 2006 م .

66 - شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار : القاضي المغربي ، أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المصري ( - 363ه) : تحقيق : السيّد محمّد الحسيني الجلالي ، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة / 1409ه.

67 - شرح نهج البلاغة : عبدة ، محمد ( 1849 - 1905 م ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت / 1985م.

68 - صحيح البخاري : البخاري ، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي ( 194 - 256ه-) : ضبطه ورقمه : الدكتور مصطفى ديب البغا ، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق الطبعة الخامسة 1414ه/ 1993م ( 6 مجلدات + مجلد الفهارس).

69 - صحيح الترمذي : الترمذي ، محمد بن عیسی ( 209 - 279ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1985م .

70 - صحيح مسلم = الجامع الصحيح : القشيري النيسابوري ، أبو الحسين مسلم بن حجاج ( 206 - 261ه-) : دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى 1416ه/ 1995م.

71 - السنن الكبرى = سنن النسائي : أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر ( 215 - 303ه-) : دار ابن حزم - بيروت / 1999 م .

72 - الصراط السويّ في مناقب آل النبي ( م ) : الشيخاني القادري ، محمود .

73 -صفة الصفوة : ابن الجوزي ، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي بن محمد ( - 597ه) : دار المعرفة - بيروت / 1979م .

74 - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة : ابن حجر الهيتمي ، أب-و العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي ( 909 - 974ه) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمّد الخراط ، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه/ 1997م ( مجلدان ) .

75 - الطبقات الكبرى : ابن سعد الواقدي = أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري ( 168 - 230ه-) : تحقيق : محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1410ه/ 1990م ( 8 مجلدات + مجلد الفهارس).

76 -الطبقات الكبرى = لواقح الأنوار الشعراني ، أبو المواهب عبدالوهاب بن أحمد المصري : صحح بمعرفة لجنة من العلماء بالقاهرة / 1374ه/ 1954م.

77 -العصبية القبلية وأثرها في الشعر الأموي : د. النص ، إحسان : دار اليقظة العربية - بيروت / 1964م.

78 - العقد الفريد : ابن عبدربه الأندلسي ، أبو عمر أحمد بن محمد ( 246 - 328ه) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م .

79 - العقيدة والشريعة في الإسلام : جولد زيهر ، أجناس : ترجمة : محمد يوسف ، دار النهضة - بيروت / 1990م.

80 - عقلية بنى هاشم الهاشمي ، علي بن الحسين :

81 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ابن عنبة = جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين الحسيني ( 741 - 828ه) : المكتبة الثقافية - قم المقدسة / 2004م .

82 - عوالم العلوم والمعارف والأحوال : البحراني الأصفهاني ، الشيخ عبدالله ( - 1130ه-) : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عجّل الله تعالی فرجه )- قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1407ه-.

83 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب : العلامة الأميني ، عبدالحسین ( 1281 - 1349 ه) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1990م .

84 - الفتوح : ابن أعثم الكوفي - أحمد بن محمد بن عليّ ) - 314ه-) : تحقيق : علي شيري ، دار الأضواء للطباعة والنشر ، الطبعة الأولى / 1411ه-.

85 - الفخري في أنساب الطالبيين : المروزي ، إسماعيل بن الحسين المروزي الأزورقاني : مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم المقدسة / 1409ه-.

8 - الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة : ابن الصباغ = علي بن محمد بن أحمد المالكي ( 855 ه ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1409ه/ 1988م.

87 - فضائل الصحابة : النسائي = أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر ( 215 - 303ه-) : دار الكتب العلمية - بيروت.

88 - الفوائد الرجالية : بحر العلوم ، محمد مهدي ) - 1212ه) : تحقيق وتعليق : محمد صادق بحر العلوم وحسين بحر العلوم، مكتبة الصادق - طهران ، الطبعة الأولى / 1363ه-. ش .

89 - كامل الزيارات : ابن قولويه ، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد القمي ( 368ه) :دار السرور - بيروت ، الطبعة الأولى / 1418ه- 1997م .

90 - الكامل في الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، عزّ الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أبي الكرم الشيباني ( 555 - 630ه) : دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الأولى 1408ه/ 1989م.

91 - كشف الغمة في معرفة الأئمة : الإريلي ، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح ( 467 - 538ه: دار الأضواء - بيروت / 1985م.

92 - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال : المتقي الهندي = علاء الدين علي بن حسام الدین ( 888 - 975ه: مؤسسة الرسالة - بيروت / 2004 م .

93 - الكواكب الدرية في مناقب الصوفية : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي ( 952 - 1031ه-):

94 - اللهوف في قتلى الطفوف : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه) : أنوار الهدى - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1417ه.

95 - مثير الأحزان : ابن نما الحلي ، جعفر بن محمد بن هبة الله ) - 645ه) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عجّل الله تعالی فرجه ) - قم المقدسة / 1406ه.

96 - مجلة الغري : آل كاشف الغطاء شيخ العراقين ، عبدالرضا : عدد خاص بسيد الشهدا (علیه السّلام) . مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : الهيثمي ، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر المصري الشافعي ( 735 - 80 ) : دار الكتب العلمية - بيروت 1408ه/ 1988م.

98 - المحاسن والمساوئ : البيهقي = إبراهيم بن محمد ( من أعلام القرن الرابع ) : دار بيروت - بيروت 1404ه/ 1984م.

99 - المراجعات: الإمام شرف الدين، عبد الحسين الموسوي العاملي ( 1873 - 1958م ) : دار الأنصار - قم المقدسة / 1386ه-.

100 - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي ( 581 - 654ه:) : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام)، قم المقدسة / 1366ه-.

101 - مروج الذهب ومعادن الجوهر : المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن عليّ ( - 346ه) : تحقيق : عبد الأمير المهنا ، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى 1411ه/ 1991م.

102 - المستدرك على الصحيحين : الحاكم النيسابوري ، محمد ) - (405ه-) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، نشر دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411ه/ 1990 م .

103 - مسند أحمد بن حنبل : ابن حنبل ، أحمد ( 164 - 241ه-) : مؤسسة الرسالة - بيروت ، : الطبعة الثانية 1420ه/ 1999م.

104 - مشارق الأنوار: اليحصبي ، عياض بن موسى :

105 - مشكل الآثار : الطحاوي ، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة ( 239 - 321ه-) : مؤسسة الرسالة - بيروت 1408ه/ 1987م.

106 -معجم البلدان : ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبد الله الرومي البغدادي ( - 626ه) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399ه-.

107 - المعجم الكبير : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي ( 260 - 360 خ ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1996م.

108 - مقاتل الطالبيين : أبو الفرج الأصفهاني ، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد - 356ه) : مكتبة الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1416ه-.

109 - مقتل الحسين (علیه السّلام) : أبو مخنف الأزدي ، لوط بن يحيى ( - 157ه) : الزهراء - النجف الأشرف / 1948م.

110 - مقتل الحسين (علیه السّلام) : الخوارزمي = أخطب خوارزم، موفق بن أحمد بن محمد البكري الحنفي المكي ( 484 - 568ه-) : تحقيق : محمد السماوي، أنوار الهدى - قم المقدسة / 1418ه-.

111 - مقتل الحسين (علیه السّلام) = حديث كربلاء : المقرّم ، عبد الرزاق الموسوي : قدّم له محمد حسين المقرّم، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الرابعة / 1414ه-.

112 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهر آشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني ( 488 - 588ه) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1412ه/ 1991م.

113 - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك : ابن الجوزي = أبو الفرج جمال الدین عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد ( - 597ه) : تحقيق وتقديم : سهيل زكار، الطبعة الأولى / 1415ه1995م.

114 - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية : القسطلاني المصري ، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمّد ( 851 - 923ه-) : الدار العلمية - بيروت / 1996م.

115 - میزان الاعتدال في نقد الرجال : الذهبي = شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه-) : دار الفكر - بيروت / 1420ه-.

116 - نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية : محمود صبحي ، أحمد : دار النهضة العربية بيروت 1411ه/ 1991م.

117 - نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين : الزرندي الحنفي ، جمال الدين محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد المدني ( 693 - 750ه) : المجمع العالمي للتقريب - طهران / 2009م .

118 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار : الشبلنجي ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمد علي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1418ه / 1997م.

119 - نهج البلاغة ( مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) ) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت ، الطبعة الأولى / 1410ه1990م.

120 - نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : المحمودي ، محمد باقر : وزارة الثقافة والإرشاد - طهران / 1418ه-.

121 - الوافي في المسألة الشرقية : إبراهيم شميل ، أمين.

122 - وسيلة المآل في عد مناقب الآل ( م ) : الحضرمي الشافعي ، شهاب الدين أحمد بن الفضل ( 1047ه) .

123 - وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى : السمهودي ، نور الدين علي بن القاضي عفيف الدين عبد الله بن أحمد الحسيني الشافعي ( 843 - 911ه) : دار الفكر - بيروت / 1980م .

124 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلكان ، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر ( - 681ه) : تحقيق : د . إحسان عباس ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1406ه.

125 - وقعة صفّين : المنقري ، نصر بن مزاحم ( 212ه-) : طبع مكتبة المرعشي النجفي - قم المقدّسة / 1404ه( بالأنسيت عن الطبعة الثانية للمؤسسة العربيّة الحديثة - القاهرة / 1382ه-).

126 - ينابيع المودة لذوي القربي : القندوزي ، سليمان بن إبراهيم الحنفي ( - 1294ه) : تحقيق : السيد علي جمال أشرف الحسيني ، الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416ه-.

المحتويات

الإهداء ...... 7

تقديم ... 9

النَسَبُ الوَضَاحُ 19-40

الجد ... 21

الجدة ..... 22

الأم ... 23

تکریم و تعظیم ... 25

الأب ... 28

جدها(علیه السّلام) لأبيها ... 31

جدتها (علیها السّلام) لأبيها ... 32

إخوانها (علیهم السّلام): ... 33

1 - الإمام الحسن (علیه السّلام) ... 34

تسميته(علیه السّلام)... 34

كنيته وألقابه (علیه السّلام) ... 35

ملامحه (علیه السّلام)... 35

مظاهر شخصيته (علیه السّلام)... 35

2 - الإمام الحسين (علیه السّلام)... 37

3 - العباس (علیه السّلام)... 38

4- محمد بن الحنفية ... 39

وِلادها ونشائها 41-58

الوليدة المباركة ...44

وجوم النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وبكاؤه ... 44

تسميتها (علیها السّلام) ... 45

كنيتها (علیها السّلام) ... 46

ألقابها (علیها السّلام) ... 46

عقيلة بني هاشم ... 46

العالمة ... 46

عابدة آل عليّ ... 47

الكاملة ... ...47

الفاضلة .... 47

سنة ولادتها (علیها السّلام) ... 47

نشأتها (علیها السّلام) ... 48

قدراتها (علیها السّلام) العلمية ... 49

اقترانها (علیها السّلام) بابن عمها .... 51

أبوه جعفر ... 51

الأم: أسماء ... 53

عبد الله : ... 54

أبناؤه : ... 55

ا - عون ... 55

2 - علي الزينبي ...56

3 - محمد ... 56

4 - عبّاس ... 56

5 - السيدة أم كلثوم ... 56

عناصرها النفسية 71 - 59

الإيمان الوثيق ... 62

الصبر ... 65

العزة والكرامة ... 67

الشجاعة ... 68

الزهد في الدنيا ... 71

أحداث مروعة 73 - 96

خطوب مروّعة ... 78

رؤيا العقيلة (علیها السّلام) ... 79

حجة الوداع ... 79

مؤتمر غدیر خم .... 80

مرض النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ... 83

سرية أسامة ... 84

رزية يوم الخميس ... 86

لوعة الزهراء (علیها السّلام) ... 89

إلى الفردوس الأعلى ... 91

تجهيزه (صلّی الله علیه و آله و سلّم)... 93

مواراة الجثمان المقدس ... 95

فجيعة الزهراء(علیها السّلام)... 95

في عهد الخلفاء 97 - 146

مؤتمر السقيفة ... 100

مباغتة الأنصار ... 101

خطاب أبي بكر ... 102

بيعة أبي بكر .... 103

امتناع الإمام (علیه السّلام) عن البيعة ... 104

إرغامه (علیه السّلام) على البيعة .... 104

إجراءات صارمة ... 106

1 - إسقاط الخمس ... 107

2 - الاستيلاء على تركة النبی (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ... 107

3 - تأميم فدك ... 108

الزهراء (علیها السّلام) مع أبي بكر ... 108

اعتذار مرفوض ... 114

ماسي البتول ... 115

إلى جنة المأوى ... 118

وفاة أبى بكر ... 124

في عهد عمر .... 125

اعتزال الإمام (علیه السّلام) ... 125

اغتيال عمر ... 126

الشورى ... 127

انتخاب عثمان وحكومته ... 129

حكومة عثمان .... 132

الجبهة المعارضة ... 137

حكومة الإمام (علیه السّلام) ... 137

وجوم القرشيين ... 142

إجراءات حاسمة ... 144

1 - مصادرة الأموال المنهوبة .... 144

2 - عزل الولاة ... 144

3 - المساواة بين المسلمين ... 145

التمرد على حكومة الامام (علیه السّلام) 147 - 188

طلحة والزبير ... 149

تمرد عائشة .... 151

الزحف إلى البصرة ... 153

ماء الحو أب .... 155

في ربوع البصرة ... 156

مظاهرة نسوية لتأييد عائشة ... 157

نقض الاتفاق ... 158

زحف الإمام (علیه السّلام) للبصرة ... 158

إعلان الحرب ... 159

عقر الجمل ... 160

العفو العام ... 161

تسريح عائشة ... 162

تمرد معاوية ... 162

زحف معاوية لصفين ... 163

مسير الإمام(علیه السّلام) إلى صفين ... 163

الحرب ... 164

الحرب العامة... 165

هزيمة معاوية .... 165

مكيدة رفع المصاحف ... 165

انتخاب الأشعري ... 167

اجتماع الحكمين ... 167

فتنة الخوارج ... 169

واقعة النهروان...170

أفول دولة الحق .... 172

السيدة أم كلثوم مع ابن ملجم ... 176

العقيلة (علیها السّلام) مع أبيها ... 177

وصاياه (علیه السّلام)... 178

إقامة الإمام الحسن (علیه السّلام) من بعده .... 179

الوصية الأخيرة للإمام (علیه السّلام)... 180

إلى جنة المأوى ... 180

تجهيزه ودفنه (علیه السّلام) ... 181

عهد الإمام الحسن (علیه السّلام)... 181

حوادث رهيبة : ... 193

1 - خيانة القائد العام ... 183

2 - تسلّل الوجوه إلى معاوية ... 184

3 - خيانة ثمانية آلاف ... 184

4 - خيانة ربيعة ... 184

5 - نهب أمتعة الإمام (علیه السّلام) ... 185

6 - محاولة اغتيال الإمام (علیه السّلام)... 185

7 - الحكم عليه بالكفر ... 185

ضرورة الصلح ... 186

السفر إلى يثرب ... 188

حكومة معاوية 189 - 202

عداؤه للنبيّ صلى الله عليه وسلم .. . 192

بغضه لآل النبي (علیهم السّلام)... 193

أولاً : ستر فضائلهم (علیهم السّلام) .... 193

ثانياً : اضطهاد الشيعة : ... 195

1 - القتل الجماعي ... 195

2 - ترويع النساء .... 196

3 - هدم دور الشيعة .... 197

4 - حرمان الشيعة من العطاء... 197

5 - رفض شهادة الشيعة ... 197

6 - إبعاد الشيعة إلى خراسان.... 197

اغتيال الإمام الحسن (علیه السّلام) ... 198

البيعة ليزيد ... 200

الحكم الأسود 203 -212

خطابه في أهل الشام ... 206

مع المعارضة في يثرب ... 207

1 - الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 207

2 - عبد الله بن الزبير ... 207

أوامره المشدّدة إلى الوليد ... 208

فزع الوليد ... 208

استدعاء الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 209

مغادرة الإمام (علیه السّلام) يثرب .... 211

وداعه (علیه السّلام) القبر جده .... 212

الی مکة 213 - 220

احتفاف الحجاج والمعتمرين بالإمام (علیه السّلام)... 216

فزع السلطة المحلية ... 217

إعلان التمرد في العراق .... 218

وفود أهل الكوفة على الإمام (علیه السّلام)... 219

رسائل أهل الكوفة ... 219

ايفاد مسلم إلى العراق 221 - 244

مسلم (علیه السّلام) في بيت المختار ... 223

البيعة للإمام الحسين (علیه السّلام) ... 224

رسالة مسلم للإمام الحسين (علیه السّلام) ... 224

فزع يزيد ... 225

ولاية ابن زياد على الكوفة ... 225

ابن زياد في الكوفة .... 226

مسلم (علیه السّلام) في بيت هانئ ... 228

التجسس على مسلم (علیه السّلام) ...229

اعتقال هانئ .... 230

ثورة مسلم (علیه السّلام) ... 234

حرب الأعصاب ... 235

هزيمة جيش مسلم (علیه السّلام) ... 237

في ضيافة طوعة ... 237

الهجوم على مسلم (علیه السّلام) ... 240

أسره (علیه السّلام) ... 242

إلى العِرَاقِ 245- 261

خطاب الإمام الحسين (علیه السّلام) في مكة ... 250

السفر إلى العراق ... 251

مع أبي هرة ... 252

فزع السيدة زینب (علیها السّلام) .... 253

النبأ المروع بشهادة مسلم (علیه السّلام) ... 253

رؤيا الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 254

الالتقاء بالحرّ .... 255

خطاب الإمام (علیه السّلام) ... 256

خطبة الإمام (علیه السّلام) ... 258

مع الطرماح ... 260

رسالة ابن زياد للحرّ ... 261

في كربلاء 263 - 269

خطبة ابن مرجانة ... 266

انتخاب ابن سعد للقيادة العامة ... 267

الإمام (علیه السّلام) مع ابن سعد ... 268

الماسَاةُ الخَالِدَةُ 271 - 308

الإمام (علیه السّلام) يأذن لأصحابه بالتفرّق ... 275

لوعة السيدة زینب (علیها السّلام)... 276

إحياء الليل بالعبادة ... 278

رؤيا الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 279

فزع عقائل الوحي .. 279

العقيلة (علیها السّلام) مع الهاشميين والأصحاب .... 280

يوم عاشوراء .... 281

خطاب الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 281

استجابة الحرّ ... 283

الحرب ... 285

مصارع أصحاب الإمام (علیه السّلام) ... 286

مصارع أهل البيت (علیهم السّلام) ... 287

على الأكبر (علیه السّلام) ... 287

مصرع القاسم ... 291

مصرع عون .... 293

مصرع أبي الفضل (علیه السّلام) .... 293

مصرع الرضيع ... 298

الفاجعة الكبرى ... 298

وداعه (علیه السّلام) لعقائل الوحي .... 2999

مناجاته(علیه السّلام)مع الله تعالى ...300

الهجوم عليه (علیه السّلام) ... 301

خروج العقيلة (علیها السّلام)... 302

الإجهاز على الإمام (علیه السّلام) .... 302

العقيلة أمام الجثمان المقدس ... 303

حرق الخيام ... 304

سلب حرائر الوحي... 305

إنقاذ العقيلة (علیها السّلام) لزين العابدين (علیه السّلام) ... 306

ليلة الحادي عشر ... 306

العقيلة (علیها السّلام) تؤدي صلاة الشكر ... 306

العقيلة (علیها السّلام) تندب أخاها .... 307

العقيلة (علیها السّلام) تخفّف لوعة زين العابدين(علیه السّلام) ... 307

سبايا أهل البيت في الكوفة 309 - 325

خطاب العقيلة زینب (علیها السّلام) ... 313

اضطراب الرأي العام ... 314

خطاب السيدة فاطمة ... 315

صدى خطابها ... 318

خطاب السيدة أم كلثوم ... 318

خطاب الإمام زين العابدين (علیه السّلام) ... 319

في مجلس ابن زياد ... 320

الطاغية مع عقيلة الوحى (علیها السّلام) ... 321

إنقاذ العقيلة(علیها السّلام) للإمام زين العابدين (علیه السّلام) ... 323

حبس عقائل الوحي ... 324

سبايا ال الرسول في دمشق 327 - 347

تزيين الشام ... 330

الشامي مع الإمام زين العابدين (علیه السّلام) ... 332

سرور یزید .... 333

رأس الإمام (علیه السّلام) عند يزيد ... 334

السبايا في مجلس يزيد ... 335

خطاب العقيلة (علیها السّلام) ... 336

محتويات الخطاب ... 341

جواب یزید ... 343

اضطراب الطاغية ..... 343

العقيلة (علیها السّلام) مع الشامي ويزيد ...344

النياحة على الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 346

الى يثرب 349 - 360

السفر إلى يثرب ... 352

وصول النبأ إلى يثرب... 352

فجيعة بني هاشم ... 353

مأتم عبدالله بن جعفر ... 354

رأس الإمام (علیه السّلام) في المدينة ... 355

السبايا في كربلاء ... 356

إلى يثرب ... 356

نعي بشر للإمام (علیه السّلام) .... 357

خطاب الإمام زين العابدين (علیه السّلام) .... 358

مكافأة الحرس ... 360

حزن العقيلة (علیها السّلام) ... 360

إلى جبنة الماوى 361 - 370

إلى جنة المأوى ... 364

الزمان ... 364

الأقوال في مرقدها (علیها السّلام) ... 364

1 - في البقيع ... 365

2 - في الشام ... 365

3 - في مصر ... 366

زيارة المرقد ... 367

عمارة المرقد ... 367

مصادر الكتاب ... 371

محتويات الكتاب ... 385