ghaemiyeh.com
عَلىٌ عليه السّلام إِمَامُ البَرَرَةِ
نظم : زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي
قدم له : آية الله العظمى السيد علي الحسيني البهشتي
شرح : السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان
الجزء الثالث
جَميع الحُقوق محفُوظة
الطّبعةَ الأولى
1424ه- - 2003م
دَار الهَادِي
للطباعة والنشر والتوزيع
محرر الرقمي: محمد رضا دهقانزاد
عَلىٌ عليه السّلام إِمَامُ البَرَرَةِ
جَميع الحُقوق محفُوظة
الطّبعةَ الأولى
1424ه- - 2003م
دَار الهَادِي
للطباعة والنشر والتوزيع
هاتف : 550487 / 2017 - 03/896329 - فاكس: 541199 - ص.ب : 286 / 25 غبيري - بيروت - لبنان
Tel:03/896329 - 01/550487 - Fax: 541199- P. O. Box: 286/25 Ghobelry - Beirut - Lebanon
E-Mail: daralhadi @daraihadl.com - URL: http: //www. daralhadi.com
عَلىٌ عليه السّلام إِمَامُ البَرَرَةِ
نظم
زعيمْ الحوْزة العلمية آية الله العظمى
السيِّد أبوالقاسم الموْسوي الخوْئي
قدّس سرّه الشريف
قدم له
آية الله العظمى السيد على الحسيْني البهشْتي
دام ظله الوارف
شرح
السيّد محمد مهدي السيِّد حسن
الموْسوي الخرسان
عفي عنه
الجزْء الثَّالث
دَار الهَادِي
للطّبَاعَة والنّشر وَالتوزيع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
113- حديثُ ردّ الشمسِ برهانٌ جليْ *** وفضلُك السامي عليهم ينجلي
إشارة منه قدس سره إلى حديث ردّ الشمس للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام (1).
وقبل الخوض في ذلك من الخير ذكر مقدمة كتبها إمام حافظ متقن - وهو الحافظ الكنجي الشافعي - قبل ما يزيد على ثمانية قرون ونصف، صدَّر بها هذا الحديث في تمام الباب المائة من مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام التي أوردها في كتابه (كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب)، فقال:
فصل: في الحديث المروي في رد الشمس بدعاء النبي صلّي الله عليه و آله حتى صلّى علي بن أبي طالب عليه السلام العصر. نعتضد بالله ونقول: مُنكِر ذلك إما أن
1) ما نذكره في هذا المقام مأخوذ باقتضاب من رسالتنا (مزيل اللبس في مسألتي شقّ القمر وردّ الشمس)
ينكره من حيث الإمكان، أو من حيث صحَّة النقل من عدالة الرواة.
أما القسم الأول: فإن المتكلم فيه أحد رجلين إما مَن يُثبت الشرائع أو ينفيها، أما نفاتها كالدهرية والفلاسفة والمنجمين فلا كلام معهم، وأما مثبتوها فلا يتمكنون من ذلك، للحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه في حبس الشمس.
كما أخبرنا الإمام الحافظ عثمان، والحافظ محمد بن محمود - عُرف بابن النجار - ببغداد، قالا: أخبرنا أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل، أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد، أخبرنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج قال: وحدثنا أبو كريب محمد بن العلا، حدَّثنا ابن المبارك عن معمر. وحدثنا محمد بن رافع - واللفظ له - قال : أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام ابن منبّه، قال هذا ما حدَّثنا به أبو هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه و آله فذكر أحاديث منها:
وقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: غزا نبيّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بُضع امرأة، وهو يريد يبني بها ولمّا يين، ولا آخر قد بنى بنياناً ولمّا يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات وهو منتظر ولادها.
قال: فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنتِ مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها عليَّ شيئاً. فحُبست عليه حتى فتح الله عليه قال فجمعوا ما غنموا ، فأقبلت النار لتأكله، فأبت أن تطعمه، فقال: فيكم غلول. فليبايعني من كل قبيلة رجل. فبايعوه، فلصقت
يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول. فلتبايعني قبيلتك. فبايعته، فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة، فقال: أنتم غللتم. قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب، قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلته، فلم تحلّ الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا.
قلت: هذا حديث متّفق على صحّته، رواه البخاري في الغلول، وأخرجه مسلم في الجهاد كما سقناه، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده، وقال: إن الشمس حُبست ليوشع بن نون عليه السّلام.
ورواه الطبراني في معجمه كذلك.
ولا يخلو إما أن يكون ذلك معجزة لموسى عليه السّلام، أو ليوشع عليه السّلام ، فإن كان لموسى عليه السّلام ، فنبينّا عليه السّلام أفضل ، وعليّ عليه السّلام أقرب إليه من يوشع إلى موسى. وإن كان معجزة ليوشع عليه السّلام ، فإن كان نبيَّا فعليٌّ مثله، وإن لم یکن نبياً فعلي أفضل منه، إذ قال النبي صلّي الله عليه و آله : (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل).
وفي لفظ آخر: (أنبياء بني إسرائيل)، وحذف الكاف لقوة المشابهة، والمعنى: أنبياء بني إسرائيل دعاة إلى الله سبحانه بالوعظ والزجر والتحذير والترغيب ، وعلماء أمته صلّي الله عليه و آله قائمون في هذا المقام منخرطون في سلك هذا النظام، وعلي عليه السّلام، أولى الناس بهذا النص، لقوله صلّي الله عليه و آله: أقضاكم علي.
وأما القسم الثاني: وهو الإنكار من حيث العدالة من نقل ذلك وذكره في كتابه، فقد عدَّه جماعة من العلماء في معجزاته صلّي الله عليه و آله، ومنهم ابن
سبع، ذكره في (شفاء الصدور)، وحكم بصحَّته.
ومنهم: القاضي عيَّاض، ذكره في (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) وحكى فيه عن الطحاوي أنه ذكر ذلك في (شرح مشكل الحديث)، قال: روي من طريقين صحيحين.
وقال ابن خزيمة: كان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء بنت عميس في ردّ الشمس، لأنه من علامات نبوّة نبيّنا صلّي الله عليه و آله.
وقد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي في جمع طرقه في كتاب مفرد، ورواه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في تاريخه في ترجمة عبد الله بن حامد بن محمد بن ماهان الفقيه الواعظ المحدِّث، وخرَّجه عنه.
ثم ذكر الكنجي الحديث كما خرَّجه الحاكم في تاريخ نيسابور في ترجمة عبد الله بن حامد بن محمد بن ماهان، ثم قال: وقد أملاه أبو منصور أحمد بن شعيب بن صالح النجاري ببغداد في جامع المنصور في ملأ من أهل الحديث.
ثم ذكر الحديث، وقال قلت هكذا رواه أبو الوقت في الجزء الأول من أحاديث الأمير أبي أحمد.
وضعَّفه بعض المتأخرين، وذكره فيما جمعه من الموضوعات، واحتج على ضعفه بحجة داحضة، وقال: (فيه اضطراب واختلاف في الروايات)،
وقال: لا يجوز رواية مثل هذا النص، لأن فيه خرقاً للعادة.
والعجب ممن يذكر مثل هذا في مصنفاته ولا يعلم أنه مردود عليه.
أما قوله: (فيه اضطراب واختلاف)، قلنا حديث الشفاعة وحديث المعراج متفق على صحَّتهما، وهما كذلك.
وأما قولهك (فيه خرق للعادة) فدليل على عدم معرفته ما قدمناه من حديث ردّ الشمس ليوشع من المتفق عليه أيضاً.
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب 0تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة): فإن احتج بأن عليَّا عليه السّلام، ردت عليه الشمس بعد أن غابت حتى صلاها لوقتها. قيل: لو كان ذلك لعلي كان الرسول الله صلّي الله عليه و آله أولى وأحرى، فقد فاتته يوم الخندق الظهر والعصر ولم تُرد عليه الشمس.
قلت - والقائل هو الحافظ الكنجي -: ولم يطعن فيه من جهة النقل، قلنا: الرسول صلّي الله عليه و آله مشرِّع ، فلو لم تفته صلاة لاختلّ على الأمة أمر القضاء، فتفويته للصلاة تشريع في حق الأمة، ولا كذلك علي عليه السّلام، فافترقا.
وروي عن عامر بن واثلة أبي الطفيل، قال: كنت يوم الشورى على الباب وعلي يناشد عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، يعدّ من فضائله منها ردّ الشمس...
ثم ذكر تمام حديث المناشدة مسندا،ً ومنه قوله عليه السّلام: أمنكم أحد رُدَّت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلّى العصر غيري؟ قالوا: لا.
ثم قال الحافظ الكنجي: قلت: ولهذا الحديث حكاية عجيبة، حكاها
جماعة من أهل التواريخ.
أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار، أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن الأخضر، قال: سمعت القاضي محمد بن عمر بن يوسف الأرموي يقول: جلس أبو منصور المظفر بن أردشير القباوي الواعظ بمدرسة التاجية بباب أبرز ببغداد بعد صلاة العصر، وذكر حديث ردّ الشمس، وشرع في فضائل أهل البيت، فنشأت سحابة غطّت الشمس، حتى ظنّ الناس أنها قد غابت ، فقام أبو منصور على المنبر قائماً، وأومى إلى الشمس، وارتجل:
لا تَغْرُبي يا شمسُ حتى ينتهي *** مَدْحِي لآل المصطفى ولنجلِهِ
واثْني عِنانَكِ إن أردتِ ثناءَهُم *** أَنَسِيتِ إِذْ كَانَ الوقوفُ لأجلِهِ
إنْ كانَ للمولى وقوفُكِ فليكنْ *** هذا الوقوفُ لخيلِهِ ولرَجْلِهِ
قال: فطلعت الشمس، فلا يُدرى ما رُمي عليه من الأموال في ذلك اليوم.
ثم ذكر أبياتا في رد الشمس من قصيدة الصاحب بن عباد، وهي في ديوانه (1)، وسيأتي ذكرها.
أقول: فبعد ما تقدّم ذكره تبيّن أن حديث ردّ الشمس من الأحاديث الصحيحة الثابتة سنداً ومتناً، وما إنكاره إلا كإنكار الأعمى لضوء الشمس.
وأول من وقفت عليه من المنكرين هو ابن فورك المتوفى سنة 446 ه-،
1) ديوان الصاحب بن عباد، ص 114 - 119
وهذا هو الذي حُمل مقيّداً إلى شيراز للعقائد، فقد نق-ل أبو الوليد الباجي أن السلطان محموداً سأله عن رسول الله صلّي الله عليه و آله، فقال: كان رسول الله ، وأما اليوم فلا. فأمر بقتله بالسّم.
وقال ابن حزم إنه كان يقول: إن روح رسول الله قد بطلت و تلاشت، وما هي في الجنة(1).
فمن كان في عقيدته منحرفاً عن نبيّ الإسلام هل يقرّ له بمعجزة أو كرامة؟ وأما وجه إنكاره فهو أنه لو كان الحديث صحيحاً لرأه جميع الناس في جميع الأقطار.
وقد أجاب العلماء عن ذلك بأنه مثل انشقاق القمر الذي لم تعترف به طوائف من الكفار. ومن المنكرين له ابن حزم الظاهري المتوفى سنة 456 ه-، فقد سخر وسبّ في كتابه (الفِصَل)، فقال: ولا يختلفون - الرافضة . في أن الشمس رُدَّت على علي بن أبي طالب مرتين، أفيكون في صفاقة الوجه وصلابة الخد وعدم الحياء والجرأة على الكذب أكثر من هذا على قرب العهد وكثرة الخلق؟ (2)
وهكذا كرّر الشتم والسخرية، فكلما ذكر خرافة أتى بما عنده من سخافة.
فَشَتْمُ الكِرامِ بِقُبح الكَلام *** سِلاحُ الغُواةِ بِأَيْدِي اللَّئَام
وحسبنا فيه ما حكاه الذهبي في رسالته إلى ابن تيمية محذِّراً أن يكون كابن حزم الذي قال فيه أبو العريف: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين (1). كما حكاه عنه ابن خلكان، وحسبنا فيه ما قاله فيه محمد بن عبد الهادي تلميذ ابن تيمية، قال: وهو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه وعلى أحوال الرواة(2).
وأخيراً لا آخراً ما قاله الألباني: فينبغي أن لا يؤخذ كلامه عل-ى الأحاديث إلا بعد التثبُّت من صحَّته وعدم شذوذه، شأنه في الفقه الذي يتفرّد به، وعلم الكلام الذي يخالف السلف فيه (3).
وبالتالي فليعلم القارئ أن ابن حزم قد كان أموياً بالولاء، فلا غرابة أن كان كذلك لهم بالموالاة.
ومن المنكرين للحديث ابن عساكر الشافعي الدمشقي المتوفى سنة 573 ه-، وابن الجوزي الحنبلي البغدادي المتوفى سنة 597 ه-، وابن تيمية الحراني الحنبلي المتوفى سنة 728 ه-، ثم ابن كثير الشامي الشافعي المتوفى سنة 774 ه-، وإن وجد لهم في المتأخرين من الأشياع فعنهم أخذوا وهم لهم أتباع، ينعقون مع كل ناعق(4).
وكلهم لم يأتوا بجديد إلا اجترار اللاحق لما قاله السابق، وقد استعرضت جميع أقوالهم، وبيَّنت ما فيها من زلل في القول وخطل في الرأي في (مزيل اللبس عن مسألتي شق القمر ورد الشمس)، نسأل الله التوفيق لإكماله.
والآن أكتفى بخلاصة ما قاله أولئك الأبناء الأربعة وهم ابن عساكر وابن الجوزي وابن تيمية وابن كثير:
1 - قال ابن عساكر في كتابه تاريخ مدينة دمشق بعد أن ذكر الحديث بأسانيده: هذا الحديث منكر، وفيه غير واحد من المجاهيل (؟)(1).
وقد بيّنت في (مزيل اللبس) كذب زعمه في ذلك، ونقتصر في المقام على بيان واحد من أسانيده التي عقَّب عليها - بزعمه - فيها غير واحد من المجاهيل.
فقد رواه عن شيخه أبي محمد بن طاووس عن عاصم بن الحسن عن أبي عمرو بن مهدي عن ابن عقدة عن أحمد بن يحيى الصوفي عن عبد الرحمن بن شريك عن أبيه عن موسى الجهني وعروة بن عبد الله بن قشير عن فاطمة بنت علي عن أسماء بنت عميس.
أقول: أما شيخه أبو محمد بن طاووس وشيخ شيخه عاصم بن الحسن فمن ثقات مشايخه، وقد أكثر النقل عنهما دون غميزة فيهما.
وأما أبو عمرو بن مهدي وابن عقدة فهما من أكابر الحفاظ وأئمة الحديث، وحسب القارئ مراجعة تاريخ بغداد وتذكرة الحفاظ وغيرهما
1) تاریخ دمشق (ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام)292/2
ليجد جمل الثناء عليهما.
وأما بقية رجال السند فكلهم من رجال الصحاح، وأثنى عليهم غير واحد كأبي زرعة وابن حبان والنسائي ووثّقوهم.
فأين أولئك المجاهيل الذين زعم ابن عساكر وجودهم في السند؟
وأما إنكاره المتن فلم يبيّن وجه النكارة؟ ولعلها كانت من جهة خرق النواميس الطبيعية؟ فهذا هو معنى كونها آية من آيات الله خارقة للعادة بدعاء النبيّ الكريم، فلا نكارة فيه من هذه الجهة إلا عند من «يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا»(1).
2 - قال ابن الجوزي في كتابه الموضوعات بعد ذكره الحديث بعدة طرق:
هذا حديث موضوع بلا شك، وقد اضطرب الرواة فيه...
ثم نثر ما في جعبته من سهام القدح للجرح في الرواة، واتّهم ابن عقدة بوضعه، وأخيراً ختم كلامه بقوله:
قلت: ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضيلة، ولم يتلمح إلى عدم الفائدة، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء، فرجوع الشمس لا يعيدها أداءاً، وفي الصحيح (إن الشمس لم تحبس على أحد إلا ليوشع) (2).
أقول: ولقد كفانا مؤنة الردّ عليه جماعة من الحفّاظ، وفي مقدّمتهم سبطه يوسف بن قزاوغلي في تذكرة الخواص، كما ردّ عليه ابن حجر العسقلاني والسيوطي وغير هؤلاء ممن حكم بصحَّة الحديث.
وإلى القارئ ما قاله سبطه، فهو أقرب إليه وأبعد عن التهمة فيه، فإنه بعد أن أخرج الحديث بإسناد رجاله عدول ثقات لا مغمز فيهم، وليس فيهم أحد ممن ضعَّفه جده، قال:
فإن قيل : فقد قال جدُّك في الموضوعات: هذا حديث موضوع بلا شك، وروايته مضطربة، فإن في إسناده أحمد بن داود وليس بشيء، وكذا فيه فضل بن مرزوق ضعيف، وجماعة منهم عبد الرحمن بن شريك ضعّفه أبو حاتم.
وقال جدّك: أنا لا أتهم به إلا ابن عقدة، فإنه كان رافضياً، فلو سُلّم فصلاة العصر صارت قضاءاً بغيبوبة الشمس، فرجوع الشمس لا يفيد، لأنها لا تصير أداءاً، قالوا: وفي الصحيح (إن الشمس لم تحبس على أحد إلا على يوشع بن نون).
والجواب: أن قول جدي رحمه الله: (هذا حديث موضوع بلا شك)، دعوى بلا دليل، لأن قدحه في رواته الجواب عنه ظاهر لأنا ما رويناه إلا عن العدول الثقات الذين لا مغمز فيهم، وليس في إسناده أحد ممن ضعّفه.
وقد رواه أبو هريرة أيضاً، أخرجه عنه ابن مردويه، فيحتمل أن الذين
أشار إليهم في طريق أبي هريرة.
وكذا قول جدي: (أنا لا أنَّهم به إلا ابن عقدة) من باب الظن والشك، لا من باب القطع واليقين، وابن عقدة مشهور بالعدالة، كان يروي فضائل أهل البيت ويقتصر عليها ولا يتعرض للصحابة رضي الله عنهم بمدح ولا بذم، فنسبوه إلى الرفض.
وقوله: (صارت صلاة العصر قضاءاً).
قلنا: أرباب العقول السليمة والفِطر الصحيحة لا يعتقدون أنها غابت ثم عادت، وإنما وقفت عن السير المعتاد، فكما يخيّل للناظر أنها غابت وإنما هي سائرة قليلاً.
والدليل عليه أنها لو غابت ثم عادت لاختلّت الأفلاك، وانسدّ نظام العالم، وقال الله تعالى «كُلِّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»، وإنما نقول: إنها وقفت على سيرها المعتاد، ولو ردّت على الحقيقة لم يكن عجباً، لأن ذلك معجزة لرسول الله صلّى الله عليه و آله وكرامة لعلي عليه السّلام. وقد حُبست ليوشع بالإجماع، ولا يخلو إما أن يكون ذلك معجزة لموسى أو كرامة ليوشع، فإن كان الموسى فنبيّنا لو أفضل منه ، وإن كان ليوشع فعلي أفضل من يوشع. قال صلّى الله عليه و آله: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)، وهذا في حق الآحاد، فما ظنّك بعلي عليه السّلام؟
والدليل عليه أيضاً ما ذكره أحمد في الفضائل، فقال: ثنا محمد بن يونس عن الحسن بن عبد الرحمن الأنصاري عن عمر بن جميع عن ابن
أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: الصدّيقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار وهو مؤمن آل ياسين، وعلي بن أبي طالب، وهو أفضلهم.
وحزقيل كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل مثل يوشع، فدلُ على فضل عليه السّلام علي على أنبياء بني إسرائيل.
انتهى ما ردَّ به سبط ابن الجوزي على جدِّه.
وقد نقل النبهاني في جواهر البحار (1)كلمات الحفّاظ في تخطئة ابن الجوزي، فعن الحافظ مغلطاي قوله في (الزهر الباسم) بعد أن أورد الحديث من عند الطحاوي والطبراني وغيرهما ولا يلتفت لما علَّله به ابن الجوزي من حيث إنه لم يقع له الإسناد الذي وقع لهؤلاء.
وعن الحافظ ابن حجر العسقلاني قوله بعد أن أورد الحديث من عند البيهقي وغيره وهذا أبلغ في المعجزة، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده في الموضوعات.
وعن الحافظ السيوطي قوله في (الدُّرَر) بعد أن ذكر أبيات ابن سيد الناس وأبيات السبكي: وهذا من هذين الإمامين الجليلين مما يقوي صحَّة الحديث، ولا يلتفت لإيراد ابن الجوزي الحديث في الموضوعات، وقد خطَّأه الحفاظ في ذلك.
إلى غير هؤلاء من الحفاظ الذين حكموا بصحَّة الحديث وتخطئة ابن
1) جواهر البحار 423/4
الجوزي، وفيما نقلناه كفاية.
3، 4 - أما ابن تيمية وتلميذه ابن كثير فلم يأتيا من عندهما بجديد في زعمها التفنيد . بل اجترّا ما قاله ابن الجوزي، وأطالا الكلام في ذكر الحديث بأسانيد مختلفة حيث أدرجا رسالة الحاكم الحسكاني في تصحيح حديث ردّ الشمس التي سماها (ترغيم النواصب الشمس في تصحيح رد الشمس)، فذكرها ابن تيمية في منهاج السنّة (1)، وابن كثير في البداية والنهاية (2)، فناقشا أسانيد أحاديثها دفعاً بالصدر، ولقد كفانا مؤنة الرد عليهما وعلى من سبقهما الحافظ السيوطي في رسالته (كشف اللبس عن حديث ردّ الشمس)، وقد أدرجها في كتابه (اللثالي المصنوعة)، الذي تعقّب فيه على ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات).
والآن حسبنا أن نذكر للقارئ أن هؤلاء المنكرين لصحة الحديث كلهم كانوا على وتيرة واحدة في تجاوبهم مع هوى الحاكمين في أزمانهم، يجمعهم النَّصب والشنان لأهل البيت عليهم السّلام، وإن اختلفوا زماناً ومكاناً ومذاهب، فزعموا أنه من الأحاديث الموضوعة إنكاراً لفضل الإمام أمير المؤمنين
عليه السّلام، وإغاظة لشيعته الكرام ، فابن فورك المتوفى سنة 446 ه- الذي قد تقدَّم منا بيان سوء حاله في مقاله، كان خليفة وقته هو القادر العباسي صاحب الاعتقاد القادري الذي هو من تصنيفه، يذكر فيه فضل الصحابة وتكفير المعتزلة القائلين بخلق القرآن، وقد أمر في سنة 422 ه- بحمل الناس
على الاعتقاد بما فيه، فكان يُقرأ كل جمعة، ويحضره الناس مدة (1)، بعد أن سبق منه في سنة 408 ه- أن استتاب طائفة من المعتزلة والرافضة وأخذ خطوطهم بالتوبة.
ولم يكفه ذلك حتى بعث إلى السلطان محمود بن سبكتكين يأمره ببثّ السنّة بخراسان، ففعل ذلك وبالغ، وقتل جماعة، ونفى جماعة كثيرة من المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والجهمية والمشبّهة، وأمر بلعنهم على المنابر(2).
فيا هل ترى من كان يعيش في جوّ عقائدي محموم ضدّ من يخالف الخليفة أو السلطان عقائدياً كيف يكون حاله؟ وهل يُرجى من أصحاب السنّة بالمفهوم القادري أن يرووا شيئاً يمكن لغيرهم من بقية المذاهب أن يتمسَّك به؟
وابن حزم المتوفى 456 ه- عاش في الأندلس وجوّه المضطرب سياسياً وعقائدياً كما في بغداد وبلاد المشرق، فما الحال في الأندلس يومئذ أحسن من حال بغداد، فجميع بلدان الخلافة الإسلامية على شاكلة واحدة في العنف الطائفي.
وابن عساكر المتوفى سنة 573 ه- عاش في الشام أيام حكومة محمود ابن زنكي المتوفى سنة 569 ه- الذي بلغ من تعصّبه ونصبه أن أزال الأذان بحيّ على خير العمل من حلب، سوى ما لحق بالشيعة من أذاه. ومن بعده
كانت حكومة صلاح الدين الأيوبي، وحاله كحال من سبقه إن لم تزد عليها.
وابن الجوزي المتوفى سنة 597 ه- يكفي أن نعرف أنه حنبلي، وتعاون الحنابلة مع خلفاء عصره معروف وشائع وذائع، حتى إن أحد علماء الحنابلة وهو ابن البقال الحنبلي المتوفى سنة 440 ه- كانت له حلقة بجامع المنصور، وله مقامات مشهورة بدار الخلافة، قال - وذلك أيام الوزير حاجب النعمان: الخلافة بيضة والحنبليون حضّانها ولئن انفقست البيضة عن مح فاسد: الخلافة خيمة والحنبليون طنّابها، ولئن سقطت الطُنب لتهوينّ الخيمة (1).
وابن تيمية الحراني المتوفى 728 ه- فحرّانيّته المتأصلة الناصبة فيه عاملة ناصبة، فقد روى ابن العماد الحنبلي في الشذرات في حوادث سنة 476 ه- قال: عزم أهل حرَّان وقاضيهم ابن جلبة الحنبلي على تسليم حرَّان إلى جنق أمير التركمان لكونه سنيًّا، وعصوا على مسلم بن قريش صاحب الموصل لكونه رافضياً، ولكونه مشغولاً بمحاصرة دمشق مع المصريين كانوا يحاصرون بها تاج الدولة تنش، فأسرع إلى حرَّان ورماها بالمجانيق، وأخذها وذبح القاضي وولديه (2).
مضافاً إلى انحراف ابن تيمية في عقيدته التي كفَّره بها علماء وقته، وأصدر سلطانهم منشوراً يتلى بذلك (3)، ثم حُبس حتى مات.
وابن كثير المتوفى سنة 774 ه- يكفي أن نعرّفه للقارئ بأنه تلميذ ابن تيمية، حتى قال ابن العماد: وأخذ عن الشيخ تقي الدين فأكثر عنه (1).
وقال ابن قاضي شهبة في طبقاته: كانت له خصوصية بابن تيمية، ومناضلة عنه، واتّباع له في كثير من آرائه، وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتُحن بسبب ذلك وأوذي، وتوفي في شعبان، ودُفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية (2).
فهؤلاء هم الذين أنكروا صحَّة حديث ردّ الشمس، وكلّهم من الشاذين الذين تبيَّن حالهم في ممالأة الحاكمين الناصبين المعاندين، وإن اختلفوا معهم في جوانب عقائدية أخرى.
والآن إلى بيان رواة الحديث من الصحابة، ثم ذكر المؤلفين فيه بخصوصه.
إنّ رواية حديث الشمس عن الصحابة تنتهي إلى عدّة منهم نذكر في مقدمتهم:
1- الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: فقد احتج به في حديث المناشدة يوم الشورى، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الخمسة الباقين من رجال
الشورى - وهم عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف-، بل صدّقوه وأقرّوا له بصحته، فقد قال: أنشدكم الله أفيكم أحد رُدَّت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلّى العصر غيري؟ قالوا: لا (1).
فرواية الإمام باحتجاجه وتصديق بقية رجال الشورى الخمسة سوى مَن حضرهم من الصحابة لَدليل كاف واف شاف على صحَّة الحديث، كما أنه يكشف عن أن أولئك النفر الحضور كلهم ممن يروون الحديث ويؤمنون بصحَّته، ولو كان ثمة أدنى شبهة أو ريب لما وسعهم التصديق، بل لردّوا على الإمام قوله.
وقد أخرج حديث المناشدة الحمويني في فرائد السمطين (2)، والخوارزمي الحنفي في مناقبه (3)، والكنجي الشافعي في كفايته (4).
2- حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه: فقد قيل له: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ فقال للسائل: ذكرتَ والله أحد الثقلين، سبق بالشهادتين، وصلّى القبلتين، وبايع البيعتين، وأعطي السبطين، وهو أبو الحسن والحسين، ورُدَّت عليه الشمس ، مرَّتين، بعد ما غابت عن الثقلين (5).
3- أبو هريرة: وحديثه أخرجه الحافظ ابن مردويه في المناقب
بإسناده إليه، وأشار إليه السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص (1)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (2)، والسخاوي في المقاصد الحسنة (3)وغيرهم.
4- أبو رافع وحديثه أخرجه بإسناده إليه ابن المغازلي المالكي في مناقبه (4).
5- جابر بن عبد الله الأنصاري وحديثه أخرجه أبو الحسن شاذان الفضلي في آخر رسالة رد الشمس كما في اللئالي المصنوعة (5)، وفي مجمع الزوائد نقلا عن الطبراني في الأوسط، وقال: إسناده حسن (6).
6 - أبو سعيد الخدري وحديثه أخرجه الحاكم الحسكاني في رسالته (تصحيح رد الشمس وترغيم النواصب الشمس).
7- أسماء بنت عميس وحديثها في ذلك أكثر استفاضة في النقل من غيره، وعنه كان يقول الحافظ أحمد بن صالح المصري المتوفى سنة 248 ه- - شيخ البخاري صاحب الصحيح - : لا ينبغي لمن كان سبيله العلم
التخلّف عن حفظ حديث أسماء الذي روي لنا عنه صلّي الله عليه و آله، لأنه من أجلّ علامات النبوة. وعنها جماعة من التابعين.
فقد رواه بطريقين صحيحين كما حكاه عنه الطحاوي في مشكل الآثار (1)، وتبعه جمع آخرون.
لقد أفرد غير واحد من الحفَّاظ حديث ردّ الشمس بتأليف خاص، جمع فيه طرقه وصحَّحه ، فمنهم على سبيل المثال لا الحصر:
1 - الحافظ أبو بكر الورّاق أحمد بن عبد الله بن أحمد بن جُلّين الدوري: له كتاب في طرق من روى ردّ الشمس، وقد سمعه منه الحسين بن عبيدالله الغضائري بقراءة الشيخ ابن جُلّين عليه، كما ذكر ذلك الشيخ الطوسي في كتابه الفهرست (2)، وذكره ابن شهر اشوب في المناقب (3).
2 - الحافظ أبو عبد الله الحسين الجعل البصري المتكلم كما في معالم العلماء لابن شهر اشوب: ولعل هذا الرجل هو أبو عبد الله الجعلي الذي قرأ عليه الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 ه-، وقد حكى عنه الحاكم الحسكاني في رسالة رد الشمس - على ما في منهاج ابن تيمية (4)قوله: عود الشمس بعد مغيبها اكد حالاً فيما يقتضي نقله، لأنه وإن كان فضيلة لأمير المؤمنين فإنه
من أعلام النبوّة، وهو مفارق لغيره من فضائله في كثير من أعلام النبوة.
3 - الحافظ أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفضلي: له كتاب (البيان في رد الشمس)، ذكره ابن شهر اشوب في مناقبه، وقال: (إن فيه بيان ردّ الشمس في أزيد من خمسة عشر موطناً) (1)، وذكره الشهاب الخفاجي في شرح الشفا (2)وأطراه، وأدرج السيوطي شطراً منه في اللثالي المصنوعة، وقال: أورد طرقه بأسانيد كثيرة، وصحَّحه بما لا مزيد عليه، ونازع ابن الجوزي في بعض من طعن فيه من رجاله (3).
4 - الحاكم أبو القاسم الحسكاني الحنفي المتوفى سنة 492 ه-: له (مسألة تصحيح رد الشمس وترغيم النواصب الشُّمس)، ذكرها الذهبي في ترجمته في تذكرة الحفاظ (4)، وأدرجها كل من ابن تيمية في منهاج السنة (5)، وابن كثير في البداية والنهاية (6).
5 - الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي المتوفى سنة 277ه-: له كتاب جمع فيه طرق الحديث وصحَّحها، وقد أطراه الكنجي الشافعي في كفايته فقال: وقد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح محمد
ابن الحسين الأزدي الموصلي في جمع طرقه في كتاب مفرد.
6 - الشريف النسابة محمد بن أسعد الجواني المتوفى سنة 588 ه-: له جزء في جمع طرق ردّ الشمس، ذكره ابن حجر في لسان الميزان، وقال: له جزء في جمع طرق رد الشمس لعلي رضي الله عنه، أورد فيه أسانيد مستغربة (1).
7 - الحافظ الخوارزمي الحنفي المتوفى سنة 568 ه-، صاحب كتاب المناقب له كتاب رد الشمس، ذكره له معاصره الحافظ ابن شهر اشوب في مناقبه.
8 - الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الدمشقي الصالحي، تلميذ ابن الجوزي، المتوفى سنة 597ه- : له جزء سماه (مزيل اللبس عن حديث رد الشمس)، وهذا غير سميِّه وبلديّه الآتي ذكره.
9 - الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد بن يوسف الغيطي الدمشقي المتوفى سنة 942ه-، تلميذ السيوطي: له رسالة (مزيل اللبس عن حديث رد الشمس) (2).
1) لسان الميزان 76/5
2) توجد نسخة منها في مكتبة الأوقاف المركزية بالموصل في مجموع برقم (21/15) كما في فهرست المكتبة المذكورة 92/2، وهي الرسالة الثالثة من المجموع، أولها (الحمد لله الذي أيّد رسوله محمداً بالآيات الباهرات والمعجزات العظام...)، نسخها موسى بن عبد القادر السنبلاديني الأزهري سنة 908ه-. أقول: وإذا صح ما ذكر من التاريخ فتكون النسخة كتبت في عصر المؤلف، وله نسخ أخرى بمكة المكرمة وتركيا
10 - الحافظ السيوطي المتوفى سنة 991 ه-: له رسالة أسماها (كشف اللبس عن حديث ردّ الشمس)، أوردها في اللثالي المصنوعة (1).
11 - الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني: له جزء سماه (مزيل اللبس والخفا عن حديث ردّ الشمس لسيدنا المصطفى)، أحال عليه في كتابه (جواهر البحار) (2)، فقال بعد ذكره لحديث رد الشمس في مختصره من السيرة الشامية: وقد عثرت على أشياء تتعلق بالحديث لم يتعرَّض لها الشيخ - يعني به السيوطي - في واحد من الكتابين - وهما مختصر كتاب الموضوعات وكتاب النكت البديعات - ومن ذلك غالب ما هنا، وقد جمعتها مع ما ذكره الشيخ في جزء سميته (مزيل اللبس والخفا عن حديث رد الشمس لسيدنا المصطفى)، فليراجعه من أراده.
قال الكوثري الحنفي: ولا كلام في صحَّة الحديث من حيث الصناعة، لكن حكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة في المطالب العلمية.
وقال أيضاً: حديث أسماء هو حديث رد الشمس لعلي كرَّم الله وجهه، وقد جمع أهل العلم بالحديث طرق هذا الحديث، وحكموا عليه بالصحّة، منهم أبو القاسم العامري ، والحاكم النيسابوري، والسيوطي، ومحمد بن يوسف الصالحي، وصحَّحه القاضي عياض (3).
وقال ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة: ثم الحديث صرَّح بتصحيحه جماعة من الأئمة والحفاظ، منهم الطحاوي، وللسيوطي جزء في تتبع طرق هذا الحديث وبيان حاله سماه (کشف اللبس في حديث رد الشمس)، وختمه - السيوطي - بقوله: ومما يشهد بصحة ذلك قول الشافعي رضي الله عنه وغيره: ما أوتي نبي معجزة إلا وأوتي صلّي الله عليه و آله نظير ذلك، فكانت هذه القصة نظير ذلك (1).
والآن نذكر بعض من تيسَّر لي الوقوف على أسمائهم ممن حكم جازما بصحة الحديث:
1 - الحافظ أحمد بن صالح المصري المتوفى سنة 248ه-: وهذا من شيوخ البخاري، وقد مرَّت بنا كلمته حيث قال: لا ينبغي لمن سبيله العلم أن يتخلّف عن حفظ حديث أسماء الذي رُوي لنا عنه صلّي الله عليه و آله، لأنه من أجلّ علامات النبوّة.
2 - الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي المتوفى سنة 277 ه-: صحَّحه في كتابه (المناقب) وكتاب (رد الشمس). قال الحافظ الكنجي: وقد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي في جمع طرقه في كتاب مفرد.
ونقل الحافظ الكوراني عنه تصحيحه الحديث في كتابه (الأمم لإيقاظ الهمم) (2).
3 - الحافظ أبو جعفر الطحاوي المتوفى سنة 321ه-: الذي قال فيه الذهبي: كان ثقة ديّناً عالماً عاقلاً. وأثنى عليه ابن كثير في ترجمته فقال: وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة. فقد ذكر الحديث في كتابه مشكل الآثار بسندين ومتنين بينهما تفاوت، وذكر كلمة أحمد بن صالح الآنف الذكر، وعقب عليها بقوله : وهذا كما قال، وفيه لمن كان دعا رسول الله صلّي الله عليه و آله عزّوجل له بما دعا به له حتى يكون ذلك المقدار الجليل والرتبة الرفيعة، لأن ذلك كان من رسول الله صلّي الله عليه و آله ليصلي صلاته تلك التي احتبس نفسه على رسول الله صلّي الله عليه و آله حتى غربت الشمس في وقتها على غير فوت منها إياه...
إلى أن قال: فوقى الله عزَّ وجل عليًّا ذلك لطاعته لرسول الله صلّي الله عليه و آله (1).
وحكى عنه القاضي عياض وغيره قوله بعد ذكر الحديث بسندين ومتنين: هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات.
وما حكاه عياض وغيره خلت عنه نسخة المطبوع من مشكل الآثار، مما دلّ على حذفه من الأغيار الأشرار.
4 - الحافظ الطبراني المتوفى سنة 360ه-.
5 - الحافظ ابن شاهين المتوفى سنة 385ه-.
6 - الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى الأصبهاني ابن مردويه المتوفى
1) مشكل الآثار 8/2 - 9 ، وأعاده في 388/4 - 389
سنة 416ه-.
7 - الحافظ يحيى بن عبد الوهاب الشهير بابن مندة المتوفى سنة 516 ه-.
8 - القاضي عياض المالكي المتوفى سنة 544ه- في كتابه الشفا، ص 240 ط العثمانية.
9 - الحافظ سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى سنة 654 ه- في كتابه تذكرة الخواص، وردَّ على جدِّه حيث ردّ الحديث وحكم بوضعه.
10 - الحافظ الكنجي الشافعي المتوفى 658 ه- في كتابه كفاية الطالب.
11 - الحافظ أبو الربيع سليمان السبتي: صحَّحه في كتابه شفاء الصدور.
12 - الحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى سنة 807 ه- في مجمع الزوائد .297/8
13 - الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه- في فتح الباري، وردَّ على ابن الجوزي وابن تيمية، وقال: هذا أبلغ في المعجزة (1).
14 - الحافظ البدر العيني المتوفى سنة 855ه- في عمدة القاري، وقال: وهو حديث متصل، ورواته ثقات، وإعلال ابن الجوزي هذا الحديث لا يلتفت إليه (2).
15 - الحافظ مغلطاي المتوفى سنة 762ه- في الزهر الباسم، قال بعد أن أورد الحديث من عند الطحاوي والطبراني وغيرهما ولا يلتفت لما علّله به ابن الجوزي من حيث إنه لم يقع له الإسناد الذي وقع لهؤلاء.
16 - الشيخ محمد زاهد الكوثري (1)المتوفى سنة 1371ه-، قال في جواب سؤال وجَّهه إليه تلميذه خيري الآتي ذكره: وأما حديث ردّ الشمس فهو صحيح باعتبار الصناعة، وحكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة، ولستُ ممن يجعل لقدرة الله حداً.
17 - الشيخ أحمد خيري من تلامذة الشيخ الكوثري الآنف الذكر، ومترجم حياته وناشر مقالاته، قال معقباً على قول أستاذه الكوثري:
قلت: والفقير يؤمن به ويرثي الخطرات الذين يتشكِّكون فيه وفي انشقاق القمر لتعارض ذلك مع نواميس الطبيعة، لأن الاشتغال بالجاذبية وجعلها مما يعارض قدرة الله يؤدي إلى مذاهب النشوء والارتقاء والتطور، ورَدّ الإنسان إلى قرد، ورد القرد إلى سمكة، ورد السمكة إلى ما تتسع له عقولهم الفاسدة وعلومهم الجاحدة.
والله الذي خلق الكون على ما يشاء وأجرى الكواكب كما يشاء، قدير على أن يردّ الشمس ثم يعيدها، وعلى أن يشق القمر ثم يعيده، دون أن يتأثر شيء في نظام الكون، لأن الكون لا يقوم بنفسه، وإنما هو قائم بالله
1) كان وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية، وأستاذ العلوم القرآنية في (معهد التخصص في التفسير والحديث)، وأستاذ الفقه وتاريخه في القسم الشرعي من الجامعة العثمانية، وأستاذ العربية في دار الشفقة الإسلامية
الفعال لما يريد (1).
إلى غير هؤلاء ممن تعسر الإحاطة بهم جميعاً، فكل من ذكرنا آنفاً ممن ألّف في خصوص إثبات الحديث، ومن ذكرناهم أخيراً ممن صحَّح الحديث، كل أولئك وهؤلاء هم أئمة الحفاظ وجهابذة الفن، فلا يبقى مجال للشك والريب في صحَّته ، بل هو القطع واليقين، ولا عبرة بإنكار المعاندين.
هذا كله فيما يتعلق بحديث رد الشمس على الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في أيام النبي صلّي الله عليه و آله.
وأما ردّها عليه في أيام خلافته وهي المرة الثانية، فقد ذكر جملة من أئمة الحديث ومنهم البخاري وإن غمغم في روايته كما سيأتي أن الإمام مرّ بأرض بابل، وأدركه وقت العصر، فلم ينزل بها ليصلي العصر، وقال: (إنها أرض خسف بها مرتين، وهي أرض المؤتفكة).
حتى إذا جازها وقد غابت الشمس نزل، ودعا بدعوات فعادت، فصلى العصر ثم غابت، ثم صلّى المغرب. وهذه هي المرة الثانية التي أشار إليها ابن عباس وقد سئل عن الإمام، فقال: ذكرتَ والله أحد الثقلين، سبق بالشهادتين، وصلّى القبلتين، وبايع البيعتين، وأعطي السبطين، وهو أبو الحسن والحسين، ورُدَّت عليه الشمس مرتين.
ومن أعجب العجب أن يذكر جملة من أصحاب الصّحاح - بمن فيهم
1) الإمام الكوثري، ص 55ط الأولى بمصر سنة 1372ه- سلسلة مطبوعات أحمد خيري برقم 11
البخاري - وأصحاب السنن والمسانيد وحتى أصحاب التفسير والتاريخ مرور الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، ببابل ولم يصلّ بها، واتخذوا فعله ذلك مصدراً لحكم شرعي في كراهة الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، لكنهم ترتجف قلوبهم من ذكر الحديث بتمامه، فيذكره البخاري في صحيحه فيقول: ويُذكر أن عليّاً رضي الله عنه كره الصلاة بخسف بابل (1).
هذا كل ما ذكره البخاري معلّقاً، وتحامى شرَّاح كتابه عن الإفاضة في ذكر الحدَث الذي من أجله ورد الحديث، بل ذكروا تفسير الخسف، أو تعيين موقع بابل، ومن زاد منهم ذكر أن هذا الأثر رواه غير البخاري كابن أبي شيبة وأبي داود وغيرهما.
وما ذكروه لا يغني القارئ في معرفة السبب، وما دام الإمام لم يُصلِّ بأرض بابل فأين صلّى؟ ومتى صلّى؟
الجواب على السؤال الأول نجده عندهم في كتب السنن والتفسير، فراجع سنن أبي داود تجد حديث أبي صالح الغفاري: إن عليًّا مُرَّ ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه لصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذّن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبيبي - حِبّى - صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل، فإنها ملعونة (2).
وراجع المصنف لابن أبي شيبة تجد حديث عبد الله بن أبي المحلّ: أن
عليًّا مرَّ بجانب بابل فلم يصل بها .
وحديث حجر بن عنبس الحضرمي خرجنا مع علي إلى النهروان، حتى إذا كنا ببابل حضرت الصلاة. قلنا: الصلاة. فسكت، ثم قلنا: الصلاة. فسكت، فلما خرج منها صلّى، ثم قال: ما كنت أصلي بأرض خُسف بها ثلاث مرات (1).
وراجع سنن البيهقي تجد فيها ذكر الأحاديث التي مرَّت (2)، وكذا تفسير السيوطي (3)تجد ذكر الإمام أن النبي صلّي الله عليه و آله ونهاه عن الصلاة بأرض بابل فإنها ملعونة.
وحتى ابن تيمية ذكر في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم أن الإمام أحمد كره الصلاة في أماكن المعذبين اتباعاً لعلي رضي الله عنه (4).
إلى غير ذلك من كتب القوم التي ذكرت كراهة الإمام الصلاة ببابل، وأنه صلى لما خرج منها، لكنك لا تجد فيها الجواب عن السؤال الثاني: متى صلى؟ هل في الوقت أو بعد خروج الوقت؟
وإذا تعامى أولئك عن ذكر الجواب على هذا السؤال فإنّ أصحاب الضمائر الحية والإيمان الصحيح ذكروا الجواب ببليغ الخطاب، وإليك بعضاً منهم:
1 - نصر بن مزاحم المنقري المتوفى سنة 212 ه-: ذكر في كتابه وقعة صفين عن أبي مخنف عن عمّه ابن محنف، قال: إني لأنظر إلى أبي مخنف بن سُليم وهو يساير عليًّا ببابل وهو يقول: إن ببابل أرضاً قد خُسف بها، فحرَّك دابتك لعلّنا نصلي العصر خارجاً منها.
قال: فحرَّك دابته، وحرَّك الناس دوابَّهم في أثره، فلما جاز جسر الصراة نزل فصلى بالناس العصر (1).
وذكر نصر أيضاً بسنده عن عبد بن خير، قال: كنت مع علي أسير في أرض بابل، قال: وحضرت الصلاة صلاة العصر قال: فجعلنا لا نأتي مكاناً إلا رأيناه أفيح (2)من الآخر، قال: حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا وقد كادت الشمس أن تغيب. قال: فنزل علي ونزلت معه، قال: فدعا الله رجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر قال: فنزلنا فصلينا العصر، ثم غابت الشمس (3).
2 - محمد بن الحسن الصفار المتوفى سنة 290 ه-: ذكر في كتابه بصائر الدرجات بسنده عن جويرية بن مسهر، قال: أقبلنا مع أمير المؤمنين عليه السّلام من قتل الخوارج، حتى إذا قطعنا في أرض بابل حضرت صلاة العصر، قال: فنزل أمير المؤمنين عليه السّلام، ونزل الناس فقال أمير المؤمنين يا أيها الناس إن
هذه الأرض ملعونة ، وقد عُذِّبت من الدهر ثلاث مرات، وهي إحدى المؤتفكات، وهي أول أرض عُبد فيها وثن، إنه لا يحل لنبي ولا وصيّ نبيّ أن يصلّي فيها. فأمر الناس فمالوا عن جنبي الطريق يصلّون، وركب بغلة رسول الله صلّي الله عليه و آله فمضى عليها .
قال جويرية: فقلت والله لأتبعنَّ أمير المؤمنين عليه السّلام، ولأقلدنّه صلاة - صلاتي - اليوم . قال : فمضيت خلفه فوالله ما جزنا جسر سورا حتى غابت الشمس.
قال: فسببته أو هممت أن أسبّه، قال: فقال يا جويرية أذّن. قال: فقلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فنزل ناحية فتوضأ، ثم قام فنطق بكلام لا أحسبه إلا بالعبرانية، ثم نادى بالصلاة، فنظرت والله إلى الشمس قد خرجت من بين جبلين لها صرير، فصلّى العصر وصلّيت معه.
قال: فلمّا فرغنا من الصلاة عاد الليل كما كان فالتفت إليّ فقال: يا جويرية بن مسهر إن الله يقول «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» فردَّ عَليَّ الشمس (1).
3 - ابن بابويه محمد بن علي الصدوق المتوفى سنة 380 ه-: ذكر في كتابيه مَن لا يحضره الفقيه وعلل الشرائع حديث جويرية الآنف الذكر (2).
4 - الشريف الرضي المتوفى سنة 406 ه- : ذكر حديث جويرية الآنف
الذكر في كتابه خصائص أمير المؤمنين عليه السّلام مرتين مسنداً ومرسلاً (1).
5- الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 ه-: ذكر الحديث عن جويرية في كتابه الأمالي (2).
6 - القطب الراوندي سعد بن هبة الله المتوفى سنة 573 ه-: ذكر حديث جويرية في كتابه الخرايج والجرايح (3).
7 - ابن فهد الحلي المتوفى سنة 841 ه-، ذكر حديث جويرية في كتابه عدّة الداعي (4).
8 - زين الدين علي بن يونس النباطي البياضي المتوفى سنة 877 ه-، ذكر الحديث وقال: مرة ببابل رواها جويرية بن مسهر وأبو رافع وزين العابدين والباقر عليهماالسّلام، وقد ذكر ما قاله يومئذ قدامة السعدي شعراً:
ردّ الوصيُّ لنا الشمسَ التي غربتْ *** حتى قضينا صلاةَ العصر في مَهَلِ
لم أنسَه حِينَ يَدعوها فتتبعُه *** طَوعاً تُلبِّيه مهلاً ها بلا عَجَلِ
وتِلْك آياتُه فينا وحجّتُه *** فَهَلْ له في جميعِ الناسِ مِن مَثَلِ
أقسمتُ لا أَبْتَغي يوماً به بدلاً *** وهَلْ يكونُ لنورِ اللهِ من بَدَلِ
حَسْبي أبا حَسَنٍ مَولىً أُدينُ به *** ومَن به دَانَ رُسُلُ اللهِ في الأولِ
ونحن نقول: حسبنا في إثبات الحديث رواية إمامين من أئمة أهل البيت عليهم السّلام، وهما الإمام زين العابدين وابنه الإمام محمد الباقر عليهماالسّلام كما مر، ومن الصحابة عبد الله بن عباس حبر الأمة و أبو رافع، ومن التابعين جويرية بن مسهر وقدامة السعدي. ثم نظم الشعراء لتلك الكرامة، وهم كثيرون منهم: السيد الحميري القائل:
رُدَتْ عَلَيه الشمسُ لمَّا فاتَه *** وقتُ الصلاةِ وقَدْ دَنَتْ للمغربِ
وعَلَيه قَدْ رُدَّت ببابلَ مرَّةً *** أُخرى وما رُدَّت لخلقٍ مغربِ
ومنهم: ابن حماد، قال:
والشمسُ قد رُدَّتْ عليه بخيبرٍ ***
وقد انبدتْ زُهْرُ الكواكبِ تطلعُ
وببابلٍ رُدَّت عليه ولم يكنْ *** واللهِ خيرٌ من عَليٍّ يوشعُ
ومنهم: العوني، قال:
ولا تنسَ يومَ الشمسِ إذ رجعتْ له *** بمنتشرٍ وارِ مِنَ النورِ مقنعٍ
كذلك بالصهباءٍ قد رجعتْ له *** ببابلَ أيضاً رجعةَ المتطوعِ
ومنهم: ابن الرومي قال:
وله عَجَائبُ يومَ سَارَ بجيشِه *** يَبْغي لقصرِ النهروان المَخْرَجا
رُدَّتْ عليه الشمسُ بعدَ غروبِها *** بيضاء تلمعُ وقدّةً وتأجّجا
إلى غير هؤلاء، وهم كثيرين ذكرنا جملة منهم في رسالتنا (مزيل اللبس).
ولنختم الكلام مطارفة للقراء بما ذكره السبكي في طبقات الشافعية (1)، وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (2)، وابن حجر في الفتاوى الحديثية (3)، واللفظ للأول:
قال: مما حكي من كرامات الحضرمي واستفاض أنه قال يوماً لخادمه وهو في سفر: (قل للشمس تقف حتى نصل إلى المنزل)، وكان في مكان بعيد وقد قرب غروبها ، فقال لها الخادم: قال لك الفقيه إسماعيل: قفي. فوقفت حتى بلغ مكانه، ثم قال للخادم: أما تطلق ذلك المحبوس؟ فأمرها الخادم بالغروب فغربت، وأظلم الليل في الحال.
وأشار إلى هذه الواقعة اليافعي كما في مرآة الجنان بقوله:
هُوَ الحضرميُّ نجلُ الوليِّ محمدٍ *** إمامُ الهدى نجلُ الإمامِ الممجَّدِ
و مِن جَاهِهِ أَوْمَى إلى الشمسِ أنْ قِفِي *** فلَمْ تمشِ حتى أنزلوه بمقصدِ
أقول: فهذا القضية - إن صدقت الأحلام عند ذوي الأوهام - تدل على أن مكانة الشيخ إسماعيل الحضرمي أعظم عند الله سبحانه وتعالى من مكانة نبيّه الكريم ووصيّه العظيم، فإنهما إنما دعوَا الله تعالى - وهما هما - أن يردَّ الشمس لأداء فرض الصلاة، والشيخ إسماعيل لم ينبس ببنت شفة لا دعاءً ولا هراءً، وإنما أمر خادمه بأن يأمرها بالوقوف فوقفت، ثم أمره بفك
أسارها من حبسها فغربت.
هكذا يروون ولا يُشكِّكون، ويريدون من الناس أن يصدّقوا، فعلى عقولهم العفا.
ورحم الله شيخنا العلامة المغفور له الشيخ محمد بن طاهر السماوي حيث يقول في (العجب اللزومي) وحق له أن يعجب:
واعجباً مِنْ فِرْقةٍ قد غلَتْ *** مِنْ دَغَلٍ في جوفِها مُضَرمِ
تُنكِرُ ردَّ الشمسِ للمرتضى *** بأمرِ طاها العيلمِ الخضْرَمِ
وتدّعِي أَنْ رَدَّهَا خَادمٌ *** لأمرِ إسماعيلٍ الحضْرَمِي
114 - فضلُكَ فِي الأحزاب ليس يُنكَرُ *** بَدْرٌ كذا وأحدٌ أو خيبرُ
إشارة منه قدِّس سرّه إلى بعض مواقف الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في نصرة الإسلام خلال الحروب التي خاض غمارها ضدّ المشركين والكفار، بدءاً من يوم بدر، ومروراً بيوم أحد، ثم الأحزاب، وخيبر.
ولما كان قدِّس سرّه قد سبقت منه الإشارة إلى يوم الأحزاب في نظمه لمضمون قول النبي صلّي الله عليه و آله: (برز الإيمان كله إلى الشرك كله)، وسبق منا شرح ذلك مفصلاً هناك، فلا حاجة إلى الإعادة، وعلى القارئ أن يرجع إلى شرح البيت رقم (98).
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج وهذا الفصل لا معنى للإطناب فيه، لأنه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما (1).
1) شرح نهج البلاغة 8/1 ط مصر الأولى
والآن إلى بقية مواقف الإمام عليه السّلام، التي أشار إليها سيّدنا الناظم قدِّس سرّه، وهي:
1 - يوم بدر.
2 - يوم أحد.
3 - يوم خيبر.
وكان على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة النبوية، وكان عمر الإمام عليه السّلام يومئذٍ سبعاً وعشرين سنة، وهو أحد الثلاثة الأوائل الذين انتدبهم النبي صلّي الله عليه و آله من عشيرته المبارزة شيبة وعتبة والوليد، وهي أول مبارزة في أول حرب بين المسلمين والمشركين كما أنها أول انتصار للإسلام والمسلمين.
أخرج البخاري في صحيحه، ومسلم في صحيحه عن أبي ذر، وابن ماجة في سننه في أبواب الجهاد، والحاكم في المستدرك وغيرهم، واللفظ للأول بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة (1).
قال ابن حجر في فتح الباري: والمراد بهذه الأولية تقييدها بالمجاهدين من هذه الأمة، لأن المبارزة المذكورة أول مبارزة وقعت في
1) صحيح البخاري 75/5 كتاب باب قتال أبي جهل صحيح مسلم 248/8 کتاب التفسير سورة الحج. المستدرك 386/2 في تفسير سورة الحج
الإسلام (1).
وقال قيس بن عباد وفيهم أنزلت «هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا رَبِّهِمْ»، قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر. حمزة وعلي وعبيدة - أو أبو عبيدة بن الحرث -، وشيبة بن ربيعة، وعتبة والوليد بن عتبة.
وأخرج البيهقي في سننه في قصة بدر في حديث عن علي عليه السّلام، قال: فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد، فقالوا: من يبارز؟ فخرج فتية من الأنصار شبيبة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن يبارزنا من بني أعمامنا بني عبد المطلب، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: قم يا حمزة، قم يا عبيدة، قم يا علي. فبرز حمزة العتبة، وعبيدة الشيبة، وعلي للوليد، فقتل حمزة عتبة، وقتل علي الوليد، وقتل عبيدة شيبة، وضرب شيبة رِجل عبيدة فقطعها، فاستنقذه حمزة وعلي حتى توفي بالصفراء (2).
وأخرج السيوطي في الدر المنثور وابن عساكر عن ابن عباس (رض) في قوله تعالى:
«أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ»، قال: (الذين آمنوا) علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، و (المفسدين في الأرض) عتبة وشيبة والوليد، وهم الذين تبارزوا يوم بدر (3).
ولعل أحسن ما جاء في وصف الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، في يوم بدر ما جاء في حديث الرجل الكناني مع معاوية بن أبي سفيان وقد سأله هل شهدت بدراً؟
قال: نعم. قالك مثل من كنت؟ قال: غلام قمدود (1)مثل عطباء الجلمود (2). قال: فحدثني ما رأيت وما حضرت. قال: ما كنا شهوداً إلا كأغياب، وما رأينا ظفراً كان أوشك منه.
قال: فصف لي ما رأيت قال رأيت في سرعان الناس (3)علي بن أبي طالب غلاماً شاباً ليئاً عبقرياً، يفري الفري، لا يثبت له أحد إلا قتله، ولا يضرب شيئاً إلا هتكه ، لم أر من الناس أحداً قط أنفق يحمل حمله ويلتفت التفاته، وكأن له عينان في قفاه، وكان وُثُوبه وثوب وحش (4).
وإلى القارئ كشفاً بأسماء من قتلهم الإمام علي عليه السّلام، برواية عَلَمين، أحدهما شافعي والآخر شيعي، فالأول هو محمد بن طلحة الشافعي، قال في مطالب السؤول:
فكان عدد مَن قتلهم - علي عليه السّلام - يوم بدر من مقاتلة المشركين على ما قيل في المغازي ونقله أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتابه الذي صنّفه وسمّاه بالسيرة النبوية: استقلالاً واشتراكاً أحد وعشرين قتيلاً.
منهم من اتفق الناقلون على مباشرته عليه السّلام، قتلهم انفراداً بلا خِلاف، وهم تسعة.
ومنهم من شاركه في قتلهم غيره، وهم أربعة.
ومنهم من اختلف النقل فيهم، فقيل: هو باشر قتلهم، وقيل: غيره، ثمانية.
فأما الذين استقل عليه السّلام، بقتلهم بلا خلاف فهم:
1 - الوليد بن عتبة بن ربيعة - خال معاوية بن أبي سفيان، قتله مبارزة.
2 - والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية.
3 - وعامر بن عبد الله .
4 - ونوفل بن خويلد بن أسد . وكان من شياطين قريش.
5 - ومسعود بن أبي أمية بن المغيرة.
6 - وأبو قيس بن الفاكه
7 - وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة.
8- والعاص بن المنذر بن الحجاج.
9 - وحاجب بن السايب.
وأما الذين شاركه في قتلهم غيره، فهم:
1 - حنظلة بن أبي سفيان بن حرب أخو معاوية.
2 - وعبيدة بن الحارث.
3، 4 - وزمعة وعقيل ابنا الأسود بن المطلب.
وأما الذين اختلف الناقلون في أنه عليه السّلام، قتلهم هو أو غيره فهم:
1 - طعيم بن عدي.
2 - وعمير بن عثمان بن عمرو.
3 - وحرملة بن أبي عمر.
4 - وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة.
ه - وأبو العاص بن قيس.
6 - وأوس الجمحي.
7 - وعقبة بن أبي معيط، صبراً.
8- ومعاوية بن عامر.
فهذه عدة من قيل إنه قتلهم من مقاتلة المشركين يوم بدر، غير النضر بن الحرث، فإنه قتله صبراً بعد القفول من بدر.
ثم قال ابن طلحة الشافعي: فإذا وضح ذلك، فقد أجمع أهل المغازي في كتبهم على أن عدة من قُتل يوم بدر من مقاتلة المشركين سبعون رجلاً، فإذا كان جميع من قتل المسلمون بأسرهم يوم بدر سبعين، وقد أضيف إلى علي عليه السّلام، من هذا العدد ما تقدَّم. وفي هذا وحده إسجال بشجاعته لا يتطرق النقض إلى حكمه، ولا يداخل سامعيه شك في الإحاطة بعلمه، فإن من قد قدَّ سيفه أوصال أبشار أحد وعشرين قتيلاً من سبعين، فمزّقها وأغمد مُصلَته فأخرج رمقها، وشرّد بأسه نفوسهم عن أجسادها فأزهقها، فطارت
شعاعاً من الفَرَق فألزمها ذلك وأرهقها. وبقي تمام السبعين مضافاً إلى جميع المسلمين وكان - قول - ثلاثمائة وبضعة عشر، كيف لا يتيقّن شجاعته من وقف على هذه القصة وتحقّقها، وكشف نقل الثقات من أرباب المغازي، وعرف طرقها فصدّقها (1).
أما ما ذكره الشيعي، وهو الشيخ المفيد، فقد قال في كتاب الإرشاد:
(فصل) وقد أثبت العامة والخاصة أسماء الذين تولى أمير المؤمنين عليه السّلام، قتلهم ببدر من المشركين على اتفاق فيما نقلوه من ذلك واصطلاح، فكان ممن سمّوه:
1 - الوليد بن عتبة - كما قدمناه - وكان شجاعاً جريئاً وقاحاً فاتكاً تهابه الرجال.
2 - والعاص بن سعيد، وكان هولاً عظيماً تهابه الأبطال، وهو الذي حاد عنه عمر بن الخطاب، وقصته فيما ذكرناه مشهورة، نحن نبيَنها فيما نورده بعد إن شاء الله تعالى.
3 - وطعيمة بن عدي بن نوفل وكان من رؤوس أهل الضلال.
4 - ونوفل بن خويلد، وكان من أشدّ المشركين عداوة لرسول الله صلّي الله عليه و آله، وكانت قريش تقدمه وتعظمه وتطيعه، وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بمكة، وأوثقهما بحبل، وعذّبهما يوماً إلى الليل، حتى سُئل في أمرهما، ولما عرف رسول الله صلّي الله عليه و آله وحضوره بدراً سأل الله أن يكفيه أمره،
1) مطالب السؤول، ص 37 ط حجرية سنة 1287ه-
فقال: اكفني نوفل بن خويلد فقتله أمير المؤمنين علشاة .
5- وزمعة بن الأسود.
6 - وعقيل بن الأسود.
7 - والحارث بن زمعة.
8 - والنضر بن الحارث بن عبد الدار.
9 - وعمير بن عثمان بن كعب بن تميم عم طلحة بن عبيد الله.
10 - وعثمان بن عبيد الله أخو طلحة بن عبيد الله ..
11 - ومالك بن عبيد الله أخو طلحة أيضاً.
12 - ومسعود بن أبي أمية بن المغيرة.
13 - وقيس بن الفاكه بن المغيرة.
14 - وحذيفة بن حذيفة بن المغيرة.
15 - وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة.
16 - وحنظلة بن أبي سفيان.
17 - وعمرو بن مخزوم.
18 - وأبو المنذر بن أبي رفاعة.
19 - ومنبه بن الحجاج السهمي.
20 - والعاص بن منبه.
21 - وعلقمة بن كلدة.
22 - وأبو العاص بن قيس بن عدي.
23 - ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص.
24 - ولوذان بن ربيعة.
25 - وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة.
26 - ومسعود بن أمية بن المغيرة.
27 - وحاجب بن السايب بن عويمر.
28 - وأوس بن المغيرة بن لوذان.
29 - وزيد بن مليص.
30 - وعاصم بن أبي عوف.
31 - وسعيد بن وهب حليف بني عامر.
32 - ومعاوية بن عبد القيس.
33 - وعبد الله بن جميل بن زهير بن الحارث بن الأسد.
34 - والسايب بن مالك.
35 - وأبو الحكم بن الأخنس.
36 - وهشام بن أبي أمية بن المغيرة.
ثم قال الشيخ المفيد: فذلك ستة وثلاثون رجلاً سوى من اختلف فيه أو شرك أمير المؤمنين عليه السّلام فيه غيره، وهم أكثر من شطر المقتولين ببدر على ما قدمناه (1).
1) کتاب الإرشاد، ص 39 ط الحيدرية. ونقل ذلك الإربلي في كشف الغمة 245/1 - 246. وقال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي في شرح النهج 8/1 ط مصر الأولى: وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله صلّي الله عليه و آله وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى، قتل فيها سبعون من المشركين قتل علي عليه السّلام نصفهم، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر، وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الأشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك
هذا ما ذكره الشيخ المفيد رحمه الله ، ويجد القارئ في روايته زيادة في أسماء المقتولين لم ترِد في رواية ابن طلحة، لكنها مذكورة في بعض كتب المغازي، ولست بصدد تحقيق أيّ الرقمين في روايتيهما هو الأصح، فمهما كان لذلك من الأهمية، فإن الأهم من ذلك هو المحاولات الخبيثة التي أثارتها الأحقاد الأموية في إخفاء دور الإمام عليه السّلام ببدر ، حتى كان التساؤل والتشكيك في ذلك، وهل حضر علي بدراً؟ وقد يفاجأ القارئ بذلك.
ولكن هلمّ فاقرأ ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي إسحاق: سأل رجل (؟) البراء وأنا أسمع قال: أشهِد علي بدراً؟ قال: بارَزَ وظاهَرَ (1).
ولئن تكتّم الراوي على اسم السائل واحتمل ابن حجر أن يكون هو السائل فأبهم اسمه، ومهما كان فقد مرَّ بنا حديث الرجل الكناني وقد سأله معاوية عن حضوره بدراً، وكأن معاوية لم يحضر ولم يسمع بما جرى في تلك الحرب الضروس التي شنَّها الكفار ، وخاض غمارها المسلمون، ولم يعلَم أنّ أبطالها المجلّين فيها هم النبي صلّي الله عليه و آله و آله من بني هاشم وبني المطلب: علي وحمزة وعبيدة، وهم أول من برز وبارز، لكن الحقد الأموي لا يروق له أن يذكر لهم أيّ دور يذكر ، و فرسول الله صلّي الله عليه و آله وجعلوا له العريش، ويعني ذلك أنه لم يباشر الحرب، حتى نقل عن الجاحظ قوله في كتاب خلاصة
1) صحيح البخاري 75/5 وبارز من المبارزة، وظاهَرَ: أي لبس درعاً على درع كما في فتح الباري 300/8
العثمانية : إن النبي صلّي الله عليه و آله لم يحضر يوم بدر ولا خالط الصفوف، إنما كان معتزلاً عنهم في العريش مع أبي بكر (1).
بينما يقول الإمام علي عليه السّلام: ولقد رأينا ليلة بدر وما فينا إلا من نام غير رسول الله صلّي الله عليه و آله، فإنه كان منتصباً في أصل شجرة، يصلي فيها ويدعو حتى الصباح (2).
ويقول أيضاً: لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلّي الله عليه و آله وهو أقربنا إلى العدوّ (3).
قال الإسكافي في نقض العثمانية. والخبر المشهور عن علي عليه السّلام - وهو أشجع البشر -: (كنا إذا اشتدّ البأس وحمي الوطيس اتقينا برسول الله صلّي الله عليه و آله ولُذنا به). فكيف يقول الجاحظ: (إنه ما خاض الحرب ولا خالط السيوف)؟ وأي فرية أعظم مِن فرية مَن نسب رسول الله صلّي الله عليه و آله إلى الإحجام واعتزال الحرب؟ ثم أي مناسبة بين أبي بكر ورسول الله صلى الله عليه و آله في هذا المعنى ليقيسه الجاحظ به؟ (4)
أقول: فمن حاول - فاشلاً - تجاهل موقف النبي صلّي الله عليه و آله وكيف لا يسعى جاهداً حاقداً إخفاء دور الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، مغمضاً عينيه العمياوين عن الحق، فلا يقرأ ما ذكره تاريخهم الذي رواه لهم صنائعهم من
قول أُسيد بن أبي إياس يحرّض مشركي قريش على الإمام:
في كلِّ مجمع ِغايةٍ أخزاكمُ *** جذعٌ أبرّ على المذاكي القرّحِ
للهِ درّكمُ الَمَّا تنكروا *** قد ينكُر الحرُّ الكريمُ فيستحي
هذا ابنُ فاطمةَ الذي أقناكمُ *** ذبحاً وقتلاً قعصة لم يذبحِ
أعطوه خرجاً واتقوا تضريَبه *** فعْلَ الذليلِ وبيعةً لم تربحِ
أينَ الكهولُ وأينَ كلُّ دعامةٍ *** في المعضلات وأينَ زينُ الأبطحِ
أفناهمُ قعصاً وضرباً يفتري *** بالسيفُ يعملُ حدّه لم يصفح (1)
ومن كان لا يسمع قول هند وهي ترثي عتبة وشيبة والوليد:
أيا عينُ جودي بدمعٍ سربْ *** على خيرِ خندف لم ينقلبْ
تداعى له رهطُه غدوةً *** بنو هاشمٍ وبنو المطلبْ
يُذيقونه حدّ أسيافِهم *** يعرّونه بعد ما قد شُجب (2)
فهل ترجو أن يسمع نداء السماء في ذلك اليوم: (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي) (3).
وما أدري أيّ وقاحة وصلف يبلغان بمن ينكر أو يشك في حضور الإمام بدراً، وموقفه الذي أشادت به السماء، وتناقله أهل الأرض من
الأعداء فضلاً عن الأولياء.
ألم يروِ الزهري عن صالح بن كيسان قوله: مرَّ عثمان بن عفان بسعيد بن العاص فقال: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نتحدث عنده. فانطلقا، قال: فأما عثمان فصار إلى مجلسه الذي يشتهيه، وأما أنا فملت إلى ناحية القوم، فنظر إليّ عمر وقال: ما لي أراك كأن في نفسك عليّ شيئاً؟ أتظنّ أني قتلت أباك؟ والله لوددت أني كنت قاتله، ولو قتلته لم أعتذر من قتل كافر، ولكني مررت به في يوم بدر، فرأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقرنه، وإذا شدقاه قد أز بدا كالوزغ، فلما رأيت ذلك هبته وزغت عنه، فقال: إليّ يا ابن الخطاب. وصمد له علي فتناوله، فو الله ما رمت من مكاني حتى قتله.
وكان علي – عليه السّلام - حاضراً في المجلس فقال: اللهم غفراً، ذهب الشرك بما فيه ومحا الإسلام ما تقدم، فمالك تهيِّج الناس عليَّ؟ فكفَّ عمر. فقال سعيد: أما إنه ما كان يسرّني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمه علي بن أبي طالب وأنشأ القوم في حديث آخر (1).
قال كمال الدين بن محمد بن طلحة الشافعي: وكانت في شوال سنة ثلاث من الهجرة، وعمر الإمام عليه السّلام، يومئذٍ ثمان وعشرين سنة وشهوراً، لم يبلغ تسعاً وعشرين سنة، وتلخيص القول في هذه القصة:
إن أشراف قريش لما كسروا يوم بدر فقتل وأسر بعضهم، ودخل
1) الإرشاد، ص 41 - 42
الحزن على أهل مكة بقتل رؤسائهم وأسرهم، تجمّعوا وبذلوا أموالاً واستمالوا جمعاً من الأحابيش (1)من كنانة وغيرهم، ليقصدوا النبي صلّي الله عليه و آله بالمدينة لاستئصال المسلمين، وتولى كبر ذلك أبو سفيان بن حرب، فحشد وحشر وقصد المدينة.
فخرج النبي صلّي الله عليه و آله و المسلمين ، وكانت غزوة أحد، ونفق النفاق بين جماعة من الذين خرجوا مع النبي صلّي الله عليه و آله فتعاملوا به، وأنساهم القضاء المبرم النبي التفكر في سوء مآله، فرجع من الناس ما يقرب من ثلثهم إلى المدينة، وبقي مع النبي صلّي الله عليه و آله سبعمائة من المسلمين، وقد وصف الله تعالى صورة الحال في هذه الغزاة في سورة آل عمران من قوله تعالى «وَإِدْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَرِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَال» إلى آخر ستين آية، واشتدت الحرب ودارت رحاها، واضطرب المسلمون، واستشهد حمزة رضي الله عنه وجماعة من المسلمين، وقتل المسلمون من مقاتلة المشركين اثنين وعشرين قتيلاً.
ونقل أرباب المغازي: أن عليًّا عليه السّلام، قتل منهم سبعة ، منهم:
1 - طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزّى.
2 - وعبد الله بن جميل من بني عبد الدار.
3- وأبو الحكم بن الأخنس.
1) أحياء من القارّة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشاً كما في حديث الحديبية، وفي يوم أحد انضموا إلى قريش في محاربتهم النبي صلّي الله عليه و آله، فيظهر أنهم من المرتزقة يقاتلون مع من يرزقهم، والتحبش التجمع
4 - وسباع بن عبد العزى .
5- وأبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة.
(هؤلاء الخمسة متفق على قتل علي عليه السّلام إياهم).
6 - وأبو سعد بن طلحة بن أبي طلحة.
7- وغلام حبشي لبني عبد الدار. استقل بقتلهما أيضاً، وقيل: قتلهما غيره (1).
ثم قال ابن طلحة الشافعي: هذا تلخيص ما أورده أبو محمد عبد الملك بن هشام في سيرته، وحيث علم ذلك، فإذا انجلت المعركة عن اثنين وعشرين قتيلاً من مقاتلة المشركين بأيدي المسلمين وهم سبعمائة، وكان من القتلى سبعة، منهم خمسة متفق أن عليًّا عليه السّلام، قتلهم، واثنان مختلف فيهما، وبقي من القتلى خمسة عشر مضافة إلى جميع المسلمين.
فمن كان ذا نظر صائب وفكر ثاقب وتدبّر بخاطر حاضر لا غائب، لا يشك أن عليًّا عليه السّلام قد أفاض الله تعالى عليه لباس الشجاعة سابغ الأهداب، لا يخاف معه في معترك الجلاد وهن التزلزل والاضطراب، ومن ذلك ما ينسخ عن القلوب بحجج اليقين شُبَه الارتياب، ويفتح لها أبواب الاستبصار، فإن فيها تبصرة وذكرى الأولى الألباب.
أقول: يبدو أن الراوي لعدد القتلى لم يكن دقيقاً في ذكره ذلك، وحسبنا ما رواه أئمة أهل البيت عليهم السّلام وغيرهم في ذلك، فعن الإمام الصادق عليه السّلام، قال : كان أصحاب اللواء من المشركين يوم أحد تعاقبوا على حمله -
1) مطالب السؤول، ص 38
تسعة من بني عبد الدار وعبدهم . فقتلهم الإمام عليه السّلام جميعاً عن آخرهم، وانهزم القوم، وطارت مخزوم، فضحها علي عليه السّلام ، يومئذٍ.
وبارز علي عليه السّلام، الحكم بن الأخنس ، فضربه فقطع رجله من نصف الفخذ، فهلك منها.
ولما جال المسلمون تلك الجولة، أقبل أمية بن أبي حذيفة وهو دارع وهو يقول: (يوم بيوم بدر)، فعرض له رجل من المسلمين فقتله أمية بن أبي حذيفة، وصمد له علي بن أبي طالب عليه السّلام، فضربه بالسيف على هامته، فنشب في بيضة مغفره، وضرب أمية بسيفه فاتَّقاها أمير المؤمنين عليه السّلام بدرقته، فنشب فيها، ونزع أمير المؤمنين عليه السّلام، سيفه من مغفره، وخلص أمية سيفه من درقته أيضاً.
ثم تناوشا، فقال علي عليه السّلام: فنظرت إلى فتق تحت إبطه، فضربته بالسيف، فقتلته وانصرفت عنه.
ولما انهزم الناس عن النبي صلّي الله عليه و آله في يوم أحُد وثبت أمير المؤمنين عليه السّلام قال له النبي صلّي الله عليه و آله: ما لك لا تذهب مع القوم؟ قال أمير المؤمنين عليه السّلام: أذهبُ وأدعك يا رسول الله ؟! والله لا برحت حتى أقتل أو ينجز الله لك ما وعدك من النصر . فقال النبي صلّي الله عليه و آله: أبشر يا علي، فإن الله منجز وعده، ولن ينالوا منا مثلها أبداً. ثم نظر إلى كتيبة قد أقبلت إليه فقال له: احمل على هذه يا علي. فحمل أمير المؤمنين عليه السّلام، فقتل منها هشام بن أمية المخزومي، وانهزم القوم، ثم أقبلت كتيبة أخرى فقال له النبي صلّي الله عليه و آله: احمل على هذه. فحمل عليها فقتل منها عمرو بن عبد الله الجمحي وانهزمت
أيضاً، ثم أقبلت كتيبة أخرى فقال له النبي صلّي الله عليه و آله: الحمل على هذه. فحمل عليها فقتل منها بشر بن مالك العامري وانهزمت الكتيبة، ولم يعد بعدها أحد منهم.
وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبي صلّي الله عليه و آله ، وانصرف المشركون إلى مكة، وانصرف المسلمون مع النبي صلّي الله عليه و آله إلى المدينة، فاستقبلته فاطمة عليهاالسّلام ومعها إناء فيه ماء، فغسل به وجهه، ولحقه أمير المؤمنين عليه السّلام، وقد خضب بالدم يده إلى كتفه، ومعه ذو الفقار، فناوله فاطمة عليهاالسّلام وقال لها: خذي هذا السيف، فقد صدقني اليوم. وأنشأ يقول:
أفاطمُ هاكِ السيفَ غيرَ ذمیمِ *** فلستُ بر عديدٍ ولا بمليمِ
لعمري لقد أعذرتُ في نصرِ أحمدٍ *** وطاعةِ ربٍّ بالعبادِ عليمِ
أميطي دماءَ القومِ عنه فإنّه *** سقَى آلَ عبدِ الدارِ كأسَ حميمِ
وقال رسول الله صلّي الله عليه و آله: خذيه يا فاطمة، فقد أدى بعلك ما عليه وقد قتل الله بسيفه صنادید قریش (1).
أقول: روى الطبري في تاريخه (2)، وابن الأثير في الكامل (3)، والمحب الطبري في الرياض النضرة (4)، والقاري في المرقاة وقال: (أخرجه أحمد في
المناقب) (1)، والهيثمي في مجمع الزوائد وقال: (رواه الطبراني) (2)، وغيرهم والحديث بلفظ الأول: عن أبي رافع قال: لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرَّق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي، ثم قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم جماعة (أخرى) من مشركي قريش فقال لعلي: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرّق جماعتهم ، وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لوي، فقال جبرئيل: يا رسول الله إن هذه المواساة. فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: إنه مني وأنا منه. فقال جبرئيل وأنا منكما.
قال: فسمعوا صوتاًك لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.
وروى ابن الأثير في أسد الغابة عن ابن المسيب، قال: لقد أصابت عليًّا يوم أحد ست عشرة ضربة، كل ضربة تلزمه الأرض، فما كان يرفعه إلا جبرئيل عليه السّلام (3).
وذكر ذلك السيوطي في تاريخ الخلفاء إلى قوله: (ست عشرة ضربة)، وحذف الباقي (فظُنَّ خيراً ولا تسأل عن الخَبَر).
وروى الشبلنجي في نور الأبصار عن ابن عباس، قال: خرج طلحة بن أبي طلحة يوم أحد، فكان صاحب لواء المشركين، فقال: يا
أصحاب محمد تزعمون أن الله يُعَجّلنا بأسيافكم إلى النار، ويعجلّكم بأسيافنا إلى الجنة، فأيكم يبرز إليّ؟
فبرز إليه علي بن أبي طالب وقال: والله لا أفارقك حتى أعجّلك بسيفي إلى النار. فاختلفا بضربتين، فضربه علي على رجله فقطعها، وسقط إلى الأرض، فأراد أن يجهز عليه، فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم. فانصرف عنه إلى موقفه، فقال المسلمون: هلّا جهزت عليه؟ فقال: ناشدني الله ولن يعيش. فمات من ساعته. وبُشّر النبي بذلك، فسُرٌ وسُرَّ المسلمون (1).
ثم قال الشبلنجي: وقال ابن إسحاق: كان الفتح يوم أحُد بصبر علي عليه السّلام.
وروى أيضاً نقلاً عن معالم العترة النبوية للجنابذي، عن قيس بن سعد عن أبيه أنه سمع عليًّا يقول: أصابتني يوم أحد ست عشرة ضربة، سقطت إلى الأرض في أربع منهنّ، فجاء رجل حسن الوجه طيّب الريح وأخذ بضبعي فأقامني، ثم قال: أقبل عليهم، فإنك في طاعة الله ورسوله، وهما عنك راضيان.
قال علي: فأتيت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فأخبرته، فقال: يا علي أقرّ الله عينيك، ذاك جبريل عليه السّلام (2).
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد: وكان علي بن أبي طالب يومئذ أشدّ
الناس قتالاً بين يديه - أي النبي صلّي الله عليه و آله وقال : رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجالهما رجال الصحيح، وفي جامع ابن وهب مثله بتفاوت يسير (1).
وقال ابن عباس رضي الله عنه: لعلي بن أبي طالب عليه السّلام، أربع ما هنّ لأحد: هو أول عربي وعجمي صلىّ مع رسول الله صلّي الله عليه و آله، وهو صاحب لوائه في كل زحف، وهو الذي ثبت معه يوم المهراس - يعني يوم أحد - وفرّ الناس، وهو الذي أدخله قبره (2).
إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة التي أثبتت فضل جهاد الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في يوم أحُد، وبذله أقصى مجهوده في الحفاظ على مهجة النبي صلّي الله عليه و آله ومفاداته بنفسه، حتى قال جبرئيل عليه السّلام للنبي: (إن هذه المواساة) كما مر، ولم يرد في حق أي أحد ممن ذكروا أنه ثبت مع النبي صلّي الله عليه و آله شيء يشبه ذلك، لكن نابتة المروانية تأبى أن تعترف بالفضل لذويه، حتى حادت عن الحق في مزاعمها، وعلى نغمها كان الجاحظ يوقع في عثمانيته، فحاول جاهداً إنكار مواقف الإمام في جهاده وجهوده، كما حاول فاشلاً تفضيل غيره عليه محادداً الله ولرسوله، فالله سبحانه وتعالى أنزل في شأن تلك الحرب ستين آية من سورة آل عمران - كما مرَّت إليها الإشارة - ينعى على المسلمين فرارهم و ورسول الله صلّي الله عليه و آله لم يندب أحداً في تلك
الحرب النصرته كما ندب أخاه وابن عمه علي بن أبي طالب عليهالسّلام.
وحتى أصحاب المغازي والسير، وإن اختلفوا في عدد من ثبت مع النبي صلّي اللهعليه و آله، إلا أنهم لم يختلفوا في أن عليًّا عليهالسّلام، كان الوحيد من بينهم يندبه النبي لكشف الكتائب عنه.
لكن الجاحظ زعم أن (يوم أحد لبني تيم !) فقد ذكر من نسيج خياله وخَباله، فقال: وأبو بكر الذي لما رُمي النبي صلّي الله عليه و آله في يوم أحد أقبل يسعى، وإذا إنسان قِبَلَ المشرق يطير طيرانًا، فلما رآه أبو بكر قال: اللهم اجعله طلحة. فلما توافيا عند النبي صلّي الله عليه و آله إذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فبدره أبو عبيدة وقال: أسألك بالله يا أبا بكر إلا تركتني فولّيتني نزعها - يعني حدائد الزرد اللواتي نشبن في وجهه (و) جبينه من المغفر - فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: عليكم صاحبكم . يعني طلحة.
وثرم أبو عبيدة يومئذٍ من نزع حلقة امتنعت عليه.
ولصنيع طلحة وأبي بكر وموقفهما قالوا: (يوم أُحد لبني تيم)، لأن الذين صبروا مع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم من المهاجرين والأنصار سبعة: أبو بكر وطلحة من تيم، وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، وعلي من بني هاشم، والزبير من بني أسد، وأبو عبيدة من بني عامر. وإنما قالوا: (يوم أُحد لبني تيم)، لأنه لم يكن من كل قبيلة إلا رجل واحد من المهاجرين، وكان فيه رجلان من بني تيم كما ذكرنا ...
ثم ذكر الجاحظ أسماء السبعة من الأنصار (1).
1) رسالة العثمانية ص 63 ، تحقيق عبد السلام هارون
أقول: لقد كفانا بعض مؤنة الرد على الجاحظ ومزاعمه التي لم يأت عليها بشاهد تاريخي يدعمها، ولا بإسناد يقوّمها، أبو جعفر الإسكافي - من شيوخ المعتزلة - في رسالته (نقض العثمانية)، فقد قال:
أما ثباته - يعني أبا بكر - فأكثر المؤرخين وأرباب السير ينكرونه، وجمهورهم يروي أنه لم يبق مع النبي صلّي الله عليه و آله إلا علي وطلحة والزبير وأبو دجانة.
وروي يحيى بن سلمة بن كهيل قال: قلت لأبي: كم ثبت مع رسول الله صلّي الله عليه و آله يوم أُحد؟ فقال: اثنان، قلت: مَن هما؟ قال: علي وأبو دجانة.
وهبْ أن أبا بكر ثبت يوم أُحد كما يدَّعيه الجاحظ، أيجوز له أن يقول: ثبت علي، فلا فخر لأحدهما على الآخر، وهو يعلم آثار علي عليه السّلام ذلك اليوم، وأنه قتل أصحاب الألوية من بني عبد الدار، منهم طلحة بن أبي طلحة الذي رأى رسول الله صلّي الله عليه و آله في منامه أنه مردف كبشاً، فأوّله وقال: كبش الكتيبة نقتله، فلما قتله علي عليه السّلام مبارزة - وهو أول قتيل قُتل من المشركين ذلك اليوم - كبّر رسول الله صلّي الله عليه و آله وقال: هذا كبش الكتيبة.
وما كان منه - يعني الإمام - من المحاماة عن رسول الله صلى الله عليه و آله وقد فرّ الناس وأسلموه، فتصمد له كتيبة من قريش فيقول: (يا علي اكفني هذه). فيحمل عليها فيهزمها ويقتل عميدها، حتى سمع المسلمون والمشركون صوتا من قبل السماء:
لا سَيْفَ إلا ذو الفقارِ *** ولا فَتَىً إلا عَلِي
وحتى قال النبي صلّي الله عليه و آله عن جبرئيل ما قال.
أتكون هذه آثاره وأفعاله ثم يقول الجاحظ: لا فخر لأحدهما على صاحبه.
«رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ» (1).
أقول : لقد فات الإسكافي نقاطاً أخرى في رد قول الجاحظ، منها قوله: وأبو بكر لما رُمي النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم في يوم أُحد أقبل يسعى ...
فإن الجاحظ لم يكن أميناً في حديثه، ولا دقيقاً في قوله هذا كما هو شأنه في سائر ما ذكره في كتابه العثمانية، حيث ذكر حديث أبي بكر مرسلاً، ولم يسنده إلى مصدره الذي أُخذ عنه، ولم يسمِّ الراوي الذي سمع ذلك منه، وقد حرّف مموّهاً وموهماً أن أبا بكر لم يكن مع الفارّين عن رسول الله صلّي الله عليه و آله في يوم أُحد، لئلا تلحقه معرّة الفرار من الزحف، الذي هو من الكبائر الخمس التي ليس لهنّ كفارة كما سيأتي بيان ذلك.
ولقد خان الجاحظ - لو كان يدري - بتمويهه ذلك أبا بكر في حديثه، وابنته عائشة في تحديثها عن أبيها بذلك الحديث.
فقد أخرج كل من الطيالسي وابن سعد وابن السنّي والشاشي، والبزار، والطبراني في الأوسط، وابن حبّان والدارقطني في الإفراد، وأبو نعيم في المعرفة، وابن عساكر، والضياء المقدسي، وعنهم جميعاً السيوطي في
1) نفس المصدر، ص 339 - 340
جمع الجوامع والمتقي الهندي في كنز العمال في أول غزوة أُحد:
(مسند الصديق) عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذُكر يوم أُحد بكي... إلى أن قالت: قال: كنت أول من فاء يوم أُحد.
ثم ذكرت الحديث بأطول مما ذكره الجاحظ (1).
ومعلوم أن قول أبي بكر: (كنت أول من فاء يوم أحد...) يعني أنه كان قد فرّ مع الفارين، لأن الفيء - في المقام - هو الرجوع، ولا يكون الرجوع إلا بعد الفرار.
ومعلوم أيضاً أن الفرار من الزحف من الكبائر التي لا كفارة لها كما في الحديث الذي أخرجه السيوطي في الجامع الصغير: خمس ليس لهنَّ كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت المؤمن، والفرار من الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالًا بغير حق (حم وأبو الشيخ في التوبيخ عن أبي هريرة) (2). يعني أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده وأبو الشيخ في التوبيخ عن أبي هريرة.
اقول: وزاد المناوي في (فيض القدير ) عليهم الديلمي أيضاً (3).
فإذا كان أبو بكر يعترف على نفسه ويقرّ بأنه كان أول من فاء يوم أحد، فهل يصدق الجاحظ في زعمه: (أقبل يسعى) وكأنه كان مع النبي صلّي الله عليه و آله؟
وإذا كان أبو بكر مع النبي صلّي الله عليه و آله ولم يفرّ فما معنى بكائه كلما ذكر يوم أُحد كما تقول ابنته عائشة؟
ولا نفاجئ القارئ إذا أخبرناه بأن حديث عائشة عن أبيها بأنه أول من فاء أيضاً لا يخلو من ملاحظة، وأنه لم يكن الأول، بل كان عاصم بن ثابت ، فهلمّ واقرأ حديث زيد بن وهب عن ابن مسعود - وقد طلب منه أن يحدثه عن يوم أُحد...
إلى أن قال: قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول الله صلّي الله عليه و آله حتى لم يبق معه إلا علي وأبو دجانة وسهل؟
قال: انهزم الناس إلا علي وحده، وثاب إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله نفر كان أولهم عاصم بن ثابت وأبو دجانة، وسهل بن حنيف، ولحقهم طلحة بن عبيد الله.
فقلت له: فأين كان أبو بكر وعمر؟ قال: كانا فيمن تنحى (1).
فقلت: فأين كان عثمان؟ قال: جاء بعد ثلاثة من الوقعة. فقال له رسول الله : لقد ذهبت فيها عريضة (2)
قلت . والقائل وهو ابن أبي الحديد : ليت الراوي لم يكنّ هذه الكناية، وكان يذكرهما باسمهما حتى لا تترامى الظنون إلى أمور مشتبهة، ومن أمانة المحدث أن يذكر الحديث على وجهه ولا يكتم منه شيئاً، فما باله كتم اسم هذين الرجلين؟!
أقول : فلا عجب من الراوي لو كتم اسمي الرجلين فإن كتمان الأسماء سجيّة عند بعض الرواة، وربما كان مبعثها الحب كما في المقام ستراً عليهما، وربما كان مبعثها البغض كما في كتمان عائشة اسم علي في حديثها عن مرض النبي صلّي الله عليه و آله، قالت: فخرج يتوكأ على الفضل بن العباس وعلى رجل. قال عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة - راوي الحديث عنها: فحدثت عبد الله بن العباس بهذا الحديث، فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا. قال: علي بن أبي طالب، لكنها كانت لا تقدر أن تذكره بخير وهي تستطيع.
وأخيراً فإن ابن أبي الحديد أيضاً ممن كتم الأسماء، فإنه قال: كثير من الناس يعتقدون أن هذا البيت ليزيد بن معاوية، وهو قوله: (ليت أشياخي)، وقال من أكره التصريح باسمه: هذا البيت ليزيد...
فنقول له: لماذا تكره أنت التصريح باسمه، وقبيح أن تعيب خلقاً ثم أنت تأتيه. وقد ذكر أيضاً في شرح النهج 390/3 ط الأولى بمصر كلا ما جرى له مع محمد بن معد 390/3ط العلوي حول رواية الواقدي وهو يروي دعوة النبي (صلّي الله عليه و آله) الناس يوم أُحد يقول : إليّ يا فلان، إليّ يا فلان، أنا رسول الله. فما عرّج عليه واحد منهما ومضيا. قال: فأشار ابن معد إليّ: أي أسمع. فقلت : وما في هذا؟ قال: هذه كناية عنهما. فقلت: ويجوز أن لا يكون عنهما، لعله عن غيرهما. قال: ليس في الصحابة من يحتشم ويستحيى من ذكره بالفرار وما شابهه من العيب فيضطر القائل إلى الكناية إلا هما. قلت له: هذا وهم. فقال: دعنا من جدلك ومنعك . ثم حلف أنه ما عنى الواقدي غيرهما، وأنه لو كان غيرهما لذكره صريحاً. وبان في وجهه التنكر من مخالفتي له.
أقول: ولم يحنث الرجل في يمينه، ففي المتن اعتراف أبي بكر بالفرار، وشهادة ابن مسعود بفرار أبي بكر وعمر يوم أُحد.
وقال ابن الأثير في الكامل 65/2 ط بولاق: وانتهت الهزيمة بجماعة فيهم عثمان بن عفان وغيره إلى الأعوص، فأقاموا به ثلاثاً ، ثم أتوا النبي (صلّي الله عليه و آله) فقال لهم حين رآهم: لقد ذهبتم فيها عريضة
.1) كشف الغمة 259/1 ط الإسلامية (غزوة أحد)
2) ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج 377/3 نقلاً عن الواقدي أنه قال: وكان ضمرة ابن سعيد يحدث عن جدّته وكانت قد شهدت أُحداً تسقي الماء، قال: سمعت رسول الله صلّي الله عليه و آله يقول يومئذ: المقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان. وكان يراها يومئذ تقاتل أشد القتال، وإنها لحائزة ثوبها على وسطها حتى جُرحت ثلاثة عشر جرحاً.
قلت: فأين كنت أنت؟ قال: فيمن تنحّى. قلت: فمن حدَّثك بهذا؟ قال: عاصم بن ثابت وسهل بن حنيف.
قلت: إن ثبوت علي في ذلك المقام لعجب! قال: إن نعجب منه فقد تعجبت منه الملائكة. أما علمت أن جبرئيل قال في ذلك اليوم وهو يعرج إلى السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.
فقلنا: ومن أين علم أن جبرئيل قال ذلك؟ فقال: سمع الناس النداء بذلك ، وأخبرهم بها النبي صلّي الله عليه و آله.
أقول: وأحسب أن حديث زيد بن وهب أكثر دقة وأقرب إلى الصحة لما فيه من محاققة زيد لابن مسعود في حديثه، ولو كان ثمة شك فيمن ذكرهم ابن مسعود لردّ عليه زيد بن وهب، ولعل حديث عائشة إنما يخص أول من فاء من المهاجرين؟!
ومنها قوله: (ولصنيع طلحة، وأبي بكر وموقفهما قالوا: يوم أُحد لبني تيم)، وكرّر هذا الزعم الباطل، مع جهالة القائل مرة أخرى معللاً ذلك بوجه عليل، لا يغني من كثير أو قليل، حيث قال: وإنما قالوا: (يوم
أُحد لبني تيم)، لأنه لم يكن من كل قبيلة إلا رجل واحد من المهاجرين، وكان فيه رجلان من بني تيم كما ذكرنا .
وهذا مما يُضحك الشكلى، كيف يزعم ذلك إذ لم يسم من بني هاشم إلا علي، فهل أن رسول الله صلّي الله عليه و آله و لم يثبت في تلك الحرب؟ أو لم يكن من بني هاشم؟
وما أحرانا بنقل ما قاله الإسكافي في الرد على الجاحظ في تجاهله مقام الرسول صلّي الله عليه و آله في تلك الحرب، حيث قال:
لقد أُعطي أبو عثمان - الجاحظ - مقولاً وحُرم معقولاً إن كان يقول هذا على اعتقاد وجدّ، ولم يذهب به مذهب اللعب والهزل، أو على طريق التفاسح والتشادق، وإظهار القوة والسلاطة، وذلاقة اللسان، وحدّة الخاطر، والقول على جدال الخصوم.
ألم يعلم أبو عثمان أن رسول الله صلّي الله عليه و آله كان أشجع البشر، وأنه خاض الحروب وثبت في المواقف التي طاشت فيها الألباب، وبلغت القلوب الحناجر.
فمنها يوم أُحد، ووقوفه بعد أن فرّ المسلمون بأجمعهم، ولم يبق معه إلا أربعة: علي والزبير وطلحة وأبو دجانة، فقاتل ورَمى بالنبل حتى فنيت نبلة، وانكسرت سيّة قوسه، وانقطع وتره، فأمر عكاشة بن محصن أن يوترها. فقال: يا رسول الله لا يبلغ الوتر. قال: أوتر ما بلغ. قال عكاشة: فو الذي بعثه بالحق لقد أوترت حتى بلغ، وطويت منه شبراً على سية القوس،
فما زال يرميهم حتى نظرت إلى قوسه قد تحطمت. وبارز - بعد عودة المسلمين - أبيَّ بن خلف، فقال له أصحابه: إن شئت عطف عليه بعضنا؟ فأبى وتناول الحربة من الحارث بن الصمة، ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير قالوا فتطايرنا عنه تطاير الشعارير (ما يجتمع على دبرة البعير من الذبّان)، فطعنه بالحربة، فجعل يخور كما يخور الثور.
ولو لم يدل على ثباته حين انهزم أصحابه وتركوه إلا قوله تعالى «إذ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أَحْرَاكُمْ»، فكونه عليه السّلام في أخراهم وهم يُصعدون ولا يلوُون هاربين، دليل على أنه ثبت ولم يفرّ. انتهى ما أردنا نقله عن الإسكافي.
ونعود إلى قول الجاحظ: ولصنيع طلحة وأبي بكر وموقفهما قالوا: (يوم أُحد لبني تيم)؟! فنسأله والعثمانية جميعاً: من هم الذين قالوا ذلك؟ وما هو صنيع أبي بكر وطلحة؟ هلاً أفصحتم عن اسم القائل ؟ وهلاً ذكرتم قتيلاً واحداً أو جريحاً واحداً قتله أو جرحه أبو بكر أو طلحة؟
وهذه كتب السيرة - وفي مقدمتها سيرة ابن هشام - ذكرت أسماء القتلى من المشركين، وأسماء من قتلهم على اختلاف الروايات، ولم يرد اسم أبي بكر ولا اسم طلحة فيمن بارز أو قتل أو جرح أحداً من المشركين، فأين ذلك الصنيع الذي تبجَّح به الجاحظ؟
بينما ذكر ابن هشام قتلى المشركين الذين قتلهم قزمان وحده سبعة أو لمانية (1)، ألم يكن الأولى به وبأولئك المجهولين أن يسمّوا يوم أُحد (يوم بني
1) قزمان هذا من المنافقين، وإنه لمن أهل النار، راجع حديثه ومقتله في سيرة ابن هشام 88/2
هاشم) ما دامت حجَّتهم الداحضة حضور اثنين من بني تيم، بينما كان الحضور من بني هاشم أكثر منهم، فقد حضرها ثلاثة: رسول الله صلّي الله عليه و آله، وعمه حمزة، وابن عمه علي بن أبي طالب، ومقام كل واحد كان مقاماً مشهوداً ، حتى لقد استشهد حمزة عليه السّلام أسد الله وأسد رسوله، وهو لقب لم يحزه قبله ولا بعده أحد من المسلمين.
بينما لم يذكر أهل السير والمغازي شهيداً واحداً من بني تيم. فكيف زعم الجاحظ بأن قال أولئك المجهولون: (يوم أحد لبني تيم)؟
ولكنه كما قال المسعودي في مروج الذهب:
وقد صنف - الجاحظ - أيضاً كتاباً استقصى فيه الحِجاج عند نفسه وأيّده بالبراهين، وعضده بالأدلة فيما تصوّره من عقله، ترجمه بكتاب العثمانية، يحل فيه عند نفسه فضائل علي عليه السّلام ومناقبه، ويحتج فيه لغيره، طلباً لإماتة الحق ومضادة لأهله «وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (1).
ونحن نختم الحديث عن مواقف الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بذكر أسماء من قتلهم الإمام في يوم أُحد نقلاً عن ابن هشام في سيرته (2):
1 - أبو سعد بن أبي طلحة: قال ابن هشام في حديثه: وأرسل رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه:
أن قدّم الراية . فتقدم علي، فقال: أنا أبو الفُصم (ويقال: أبو القُصم). فناداه أبو سعد بن أبي طلحة وهو صاحب لواء المشركين: أن هل لك يا أبا القُصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم. فبرزا بين الصفّين، فاختلفا ضربتين، فضربه علي فصرعه، ثم انصرف عنه، ولم يُجهز عليه. فقال له أصحابه:
أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عنه الرحم، وعرفت أن الله عز وجل قد قتله.
أقول: لقد علّق محقِّقو السيرة في المقام وهم: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، فقالوا في الهامش: وقد فعل علي رضي الله عنه هذه مرة أخرى يوم صفين، حمل على بسر بن أرطاة، فلما رأى بسر أنه مقتول كشف عن عورته، فانصرف عنه، ويروى أيضا مثل ذلك عن عمرو بن العاص مع علي رضي الله عنه يوم صفين.
ولقد فات الأساتذة المحققون ذكر عمرو بن عبدود الذي عفّ الإمام عن سلبه، لأنه كشف عن عورته كما في سيرة ابن كثير، قال: وقد فعل ذلك علي رضي الله عنه يوم صفين مع بسر بن أبي أرطاة، لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته فرجع عنه، وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه علي في بعض أيام صفين أبدى عورته فرجع علي أيضاً (1).
2 - طلحة بن أبي طلحة: واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، قتله علي بن أبي طالب.
3 – صؤاب: غلام حبشي لبني عبد الدار قتله علي بن أبي طالب.
1) السيرة النبوية 40/3
4 - عبد الله بن حُميد بن زهير بن الحارث بن أسد: قتله علي بن أبي طالب.
5 - أبو الحكم بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي: حليف لهم، قتله علي بن أبي طالب.
6 - أبو أُمية بن أبي حذيفة بن المغيرة: قتله علي بن أبي طالب.
ولقد مرّ ذكر هؤلاء وآخرين غيرهم نقلاً عن ابن طلحة الشافعي، وكذلك عن الشيخ المفيد في الإرشاد، ولدى المقارنة نجد زيادة عندهما على العدد المذكور، فراجع.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: جميع من قتل يوم أحد من المشركين ثمانية وعشرون، قتل علي عليه السّلام منهم ما اتفق عليه وما اختلف فيه اثني عشر، وهو إلى جملة القتلى كعدة من قتل ببدر إلى جملة القتلى يومئذ، وهو قريب من النصف (1).
قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة للحجاج بن غلاط السُلمي يمدح (أبا الحسن أمير المؤمنين) علي بن أبي طالب، ويذكر قتله طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار صاحب لواء المشركين يوم أُحد:
للهِ أَيُّ مُذبّب عَن حُرمةٍ *** أعني ابنَ فاطمةَ المعمَّ المُخْوِلا
سبقتْ يَداكَ له بعاجِلِ ضربةٍ *** تركتْ طليحةَ للجبينِ مجدَّلا
1) شرح نهج البلاغة 401/3
وشَدَدْتَ شَدَةَ باسِلِ فكشفتَهم *** بالجرّ إِذْ يَهرُونَ أَخُولَ اخولا (1)
وعللتَ سيفَك بالدماءِ ولم تكنْ *** لتردّه حَرَّانَ حَتَّى يَنْهَلاً
أقول : ولم أقف على مدح إنسان آخر ممن زعم أنه ثبت مع النبي صلّي الله عليه و آله، ولو كان لبان.
لقد مرَّ في أول الجزء الأول ما يتعلق بالحرب في ذلك اليوم، فراجع (2).
ونقتصر هنا على ذكر ما لم نذكره هناك، فنقول:
قال سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص وذكر أحمد في الفضائل أيضاً أنهم - المسلمون - سمعوا تكبيراً من السماء في ذلك اليوم وقائل يقول:
لا سيفَ إلا ذو الفقارِ *** ولا فَتَىً إلا عَلِي
فاستأذن حسان بن ثابت رسول الله صلّي الله عليه و آله ان ينشد شعراً، فأذن له فقال:
جِبريلُ نادى مُعلِناً *** والفتحُ ليس بِمُنْجلي
والمسلمونَ قَدَ احدقوا *** حولَ النبيِّ المرسَلِ
لا سيفَ إلا ذو الفقارِ *** ولا فتىً إلا علي
ثم قال السبط: فإن قيل: قد ضعّفوا لفظة (لا سيف إلا ذو الفقار)، قلنا: الذي ذكروه أن الواقعة كانت في يوم أُحد، ونحن نقول: إنها كانت في يوم خيبر، وكذا ذكره أحمد في الفضائل. ولا كلام في يوم أُحد، فإن ابن عباس قال: لما قتل علي طلحة بن أبي طلحة حامل لواء المشركين، صاح صائح من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار.
قالوا: في إسناد هذه الرواية عيسى بن مهران تكلّم فيه. وقالوا: كان شيعياً. أما يوم خيبر فلم يطعن فيه أحد من العلماء. وقيل: أن ذلك كان يوم بدر، والأول أصح (1).
أقول : لقد مرّ بنا ذكر مصادر النداء في يوم بدر ويوم أحد، وذكرنا أن المنادي يوم بدر ملَك يقال له رضوان، وفي أحد جبرئيل، فراجع ما تقدم (2).
ولا مانع من تكرر النداء من السماء، ما دام علي عليه السّلام هو كاشف الكرب عن وجه سيد الأنبياء، وما يدرينا أن النداء صدر أيضاً في أيام أُخر غير بدر وأحد وخيبر، لكن بقيت أخباره في ستر الأهاويل مصونة، وفي صدور ذوي الأحقاد مدفونة.
115 - بسيفِك الإسلامُ قامَ واستوى *** والكفرُ ولّى مدبراً ثمَّ هَوَى
116- ضربتُهُ في خندقٍ أفضلُ مِنْ *** جميعِ ما يأتي بهِ إنسٌ وجِنْ
إشارة منه قدِّس سرّه إلى جهاد الإمام عليه السّلام في سبيل نصرة الإسلام حتى قالوا فيه: (لولاه ما قام للإسلام عمود، ولا أخضرَّ له عود)، وليس ثمة من مبالغة، فقد مرّ بنا في شرح قول السيد الناظم قدِّس سرّه:
قَدْ بَرَزَ الإيمانُ كلُّه إلى ال-ْ *** -كفرِ جميعاً قالَهُ هَادي المللْ
قوله صلّي الله عليه و آله: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله» . وذكرنا مصادره.
كما مرَّ قوله ها صلّي الله عليه و آله: « لَضربةُ علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين»، وأقوال أخرى في هذا المعنى، فلا حاجة إلى إعادة ذكرها جميعاً، ومرَّ بنا إنكار بعض النواصب الخصيصة ذلك الوسام للإمام.
وأثبتنا صحَّة ذلك برغم النواصب، واستوفينا كثيراً من جوانب الحديث هناك.
أما ما ينبغي التنبيه عليه في المقام زيادة على ما مرَّ هو ما تطالعنا به بعض الدراسات الحديثة بين حين وآخر بأقلام فجَّة، من دون ذكر أية حجَّة، ومنها ما جاء في الموسوعة العسكرية (1)في ذكر غزوة الخندق (الأحزاب) في بحث للعقيد الدكتور ياسين سويد (2)، والمفروض في الكاتب أن يكون أميناً في بحثه صادقاً في نقله، لكن الرجل كشف عن دخيلته، وعرَّفنا بهويَّته ومدى أمانته، فقد ذكر الغزوة وأسبابها وبعض ما جرى فيها إلى نهايتها، فتجاهل ذكر الإمام علي عليه السّلام ودوره في حسم تلك الغزوة، فلم يأت له على أيِّ ذكر ، بينما ذكر آخرين من المشركين، واستعرض بطولاتهم، فقد ذكر خالد بن الوليد مثلاً بصورة البطل الذي حاول اقتحام الخندق، وذكر آخرين مما لم يدعمه بدليل، ولم يذكر له أي مستند، لذلك رأيت لزاماً عليَّ أن أذكر بعض كلامه الذي حاد فيه عن الحق وجانب الصواب. قال الكاتب:
1 - أما الجيش فقد قسّمه النبي إلى قسمين: المهاجرون وقائدهم زيد ابن حارثة، والأنصار وقائدهم سعد بن عبادة.
وهذا محض هراء، وتكذبه كتب السير والمغازي، فقد كان النبي صلّي الله عليه و آله
هو قائد الجيش كله. قال ابن هشام في سيرته: وخرج رسول الله صلّى الله عليه و آله والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم (1). ولم يذكر اسم قائد آخر.
2 - قال: كما حاول بعض فرسان قريش اقتحام الخندق، فرُدّوا إلى أعقابهم، وقُتل قائدهم عمرو بن ود الذي كان يلقّب بفارس قريش (2).
وهذا منه تمويه وتدجيل بل تضليل متعمد لإخفاء الحقيقة وإسدال ستار إعلامي على مجموعة حقائق تاريخية لها دلالاتها التي لا يحبّها، ولو كان نزيهاً وصادقاً لذكر أسماء أولئكم الذين حاولوا اقتحام الخندق، فلماذا لم يذكر أسماءهم؟ وقوله: (فرُدّوا على أعقابهم)، مَن الذي ردَّهم؟
وقوله: (وقُتل قائدهم عمرو بن ود الذي كان يلقب بفارس قريش)، مَن الذي قتله؟ وكيف قتله؟ وأين قتله ؟
3 - قال أيضاً: وقاد خالد بن الوليد - وكان على فرسان المشركين . مناوشات عدة ضد المسلمين عبر الخندق، فما استطاع إلى ولوجه سبيلاً (3).
ليت الكاتب ذكر واحدة من تلك المناوشات أو ذكر لنا مصدراً ذكرها أو أشار إليها؟ ولكنه يرسل دعاواه العريضة المريضة من دون أي مستند معتمد أو غير معتمد، والدعاوى بلا برهان تُلقى في سلة المهملات في
زوايا النسيان.
4 - وقال أيضاً في الموضع نفسه كما قام أبو سفيان نفسه بعملية استطلاع للخندق، وصار يتجول هو وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص وكانوا جميعاً في صفوف المشركين - ليلاً لعله يجد منفذاً إلى المدينة فما استطاع.
أقول: وهذا كسابق إنشائه الخطابي الذي يمجّد فيه بطولات موهومة، لم تذكر في أصول السير والمغازي، بل جاء ما يشير إلى عكس ما ذكره الكاتب كما سنذكر ذلك فيما بعد.
ه - وقال أيضاً في العمودين في الصفحة نفسها: ثم اجتمع جيش الأحزاب ،كله الفرسان في المقدمة، والمشاة وراءهم، في محاولة جديدة لاختراق الخندق، فعجزوا كذلك...
وهذا التصوير العسكري الدقيق الجديد من خيال العقيد لم تذكره كتب السير والمغازي أيضاً.
6 - وقال أيضاً : وبعد عشرين يوماً من الحصار الخانق الرهيب بدأ الملل والضجر واليأس يدب في نفوس مقاتلي الأحزاب، كما بدا الخلاف يدبّ في صفوفهم، فانهار الاتحاد الوثني اليهودي... فأمر أبو سفيان برفع الحصار عن المدينة والانسحاب كل إلى داره (1).
أقول : وما أدري لماذا لم يشكر الدكتور العقيد، أبا سفيان العميد،
1) نفس المصدر، ص 181-182
على تلك اليد البيضاء أو السوداء التي أسداها ما دام هو أمر برفع الحصار عن المدينة والانسحاب كل إلى داره؟ وما أدري كيف يجيب الدكتور العقيد عما نزل من القرآن الكريم من آيات وصفت حال الناس يومئذ، وكيف كفى الله المؤمنين القتال؟ وكأنه لم يقرأ القرآن فيقرأ في سورة البقرة الآية ،214 ، وفي سورة آل عمران الآيتين 27 - 28، وفي سورة النساء الآية 51، وفي سورة الأنفال الآيتين 56 - 57، وفي سورة النور الآية 62، وفي سورة الأحزاب الآيات 9- 28.
فهل قرأها أو لم يقرأها؟ فإن كان قرأها فهل فهم معناها وتدبَّر مغزاها؟ أم تلاها هذرمة؟ وهل مرَّ بكتاب تفسير أو سيرة أو تاريخ ليستعرض من خلاله تفصيل ما أجمله القرآن؟ أو لم يشأ أن يفتح عينيه على أي كتاب في هذا الموضوع كيلا يقع نظره على اسم لا يريد أن يراه، فبقي في خندقه الذي اختاره لنفسه من وراء السواتر، فخانته الرؤية «فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور».
7 - وقال كذلك: وقد كان عدد قتلى الأحزاب في هذه الغزوة أربعة رجال، أما الشهداء المسلمين فكانوا ثمانية من الأنصار (1).
أقول : كان على الدكتور أن يذكر أسماء قتلى الأحزاب لا عددهم، فلماذا لم يذكرهم؟ كما كان عليه أن يذكر أسماء من قتلهم ما دام القتلى ليسوا بمضيعة. أما شهداء المسلمين الذين كانوا كلهم من الأنصار فمن هم ؟ وكيف قتلوا؟ ومن قتلهم؟ وهذه كتب السير والمغازي لم تذكر إصابة أحد
1) نفس المصدر، ص 182
سوى ستة من المسلمين، منهم سعد بن معاذ، أصيب بسهم مات منه بعد حرب بني قريظة، وأنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل، وكلهم من بني عبد الأشهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنم من الخزرج، وكعب بن زيد من بني النجار، أصابه سهم غرب فقتله.
قال ابن إسحاق : ولم يستشهد من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر (1).
8- وقال في العمود الأول من نفس الصفحة: لقد كان صمود المسلمين في غزوة الخندق في وجه التحالف الوثني - اليهودي - نقطة تحوّل مصيرية في النزاع بين المسلمين وأعدائهم في الجزيرة العربية، ومن هنا كانت هذه الغزوة أخطر الغزوات في تاريخ الإسلام، إذ لو قدّر للأحزاب أن تنتصر لما عرفت الجزيرة وبعدها العالم نور الإسلام أبداً.
أقول: هلاً ذكر لنا شواهد صمود المسلمين الذين يعنيهم؟ فهل هم الذين كانوا يتسلَّلون لواذاً ويقولون: إن بيوتنا عورة. وما هي بعورة إن يريدون إلا فرار كما هو صريح القرآن؟ أم هم الذين بقوا وهم كما في حديث لحذيفة ثلاثمائة وهم عشر الجيش الإسلامي، أو الاثنا عشر كما في حديثه الآخر؟ فأين الصمود المزعوم يا أيها العقيد العسكري؟
ولتنوير القارئ على جميع تلكم التساؤلات التي مرَّت نسوق للقارئ نصوصاً مقتضبة مما مرّ ذكره مفصلاً في شرح قول الناظم السيد الأستاذ:
1) السيرة النبوية لابن هشام 252/2
قد بَرَزَ الإيمانُ كلُّه إلْ- *** -كُفْرِ جميعاً قَالَه هَادي المللْ
ونضيف إليها ما نحتاج إلى إضافته، فنقول:
ولما أقبلت جموع الأحزاب، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم، حاصروا المسلمين من كل جانب حتى مسّهم الضرّ، واستولى عليه الخوف...
وكان النبي صلّي الله عليه و آله يشدّ من عزائمهم ويعدهم بالنصر وبالغنائم وما سوف يفتح الله عليهم. إلا أن المنافقين... أشاعوا الذعر... فلقي النبي صلّي الله عليه و آله من جراء ذلك العنت والعناء، إذ أحسَّ في المسلمين الضعف والخور قبل أن يلاقوا البأساء، ففزع إلى ربِّه يضرع بالدعاء، فصعد جبل سلع ووقف حيث مسجده القائم مكانه حتى يومنا الحاضر ويعرف، بمسجد الفتح ومسجد الأحزاب، قائلاً:
اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم وانصرنا عليهم.
وله صلّي الله عليه و آله أدعية أخرى مرَّ ذكرها .
وقد وصف الله سبحانه وتعالى حال المسلمين والمشركين والمنافقين من اليهود في تلك الواقعة أبلغ ،وصف، ففي صدر سورة الأحزاب من الآية التاسعة وحتى الآية التاسعة والعشرين ومنها قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ اسْفَلَ مِنْكُمْ وَإدْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ
الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زلْزَالاً شَدِيدًا * وَإِدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا» (1).
إن النبي صلّي الله عليه و آله لما أحاط به المشركون وضيَّقوا الحصار على المسلمين ورأى خور أصحابه، اشتدت ضراعته إلى الله تعالى، وأتاه الوحي بوعد النصر، فكان يخبر المسلمين بذلك، ليشدّ من عزمهم ويهدِّئ من روعهم، لكنهم كلما اشتدَّ الحصار ومسَّتهم الضراء تخاذلوا، هذا حالهم، ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال، ولم تمسَّهم البأساء، وازداد هلعهم لما اقتحم فوارس المشركين مكاناً ضيقاً من الخندق فعبروه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، فعند ذلك خرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق - تسرع - بهم خيلهم وهم:
عمرو بن عبد ود، وابنه حسل، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخطاب - أخو عمر بن الخطاب كما في السيرة الحلبية (2)، ونوفل بن عبد الله .
وجاء في تاريخ الخميس وغيره: أن أبا سفيان وخالد بن الوليد وفوجاً من رؤساء قريش وكنانة وغطفان كانوا مصطفين على الخندق، فقال عمرو بن عبدود لأبي سفيان: ما لكم لا تعبرون؟ قال أبو سفيان: إن
احتيج إلى عبورنا نعبر أيضاً...
فلما وقف - عمرو - وخيله صاح: مَن يبارز؟
فأخرس الخوف لسان المسلمين، فندبهم النبي صلّي الله عليه و آله إليه ورغّبهم، فقام علي فقال: أنا له يا رسول الله ... فقال: إنه عمرو، اجلس.
ونادى عمرو ثانية: ألا رجل؟ وجعل يسخر منهم ويؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها، أفلا تبرزون إلي رجلاً؟ وندبهم النبي صلّي الله عليه و آله ثانية، فتهيّبوا عمراً ، وما أجابه غير علي، قال: أنا له يا رسول الله. فقال: اجلس.
فنادى عمرو الثالثة وجعل يقول:
ولقد بُحِحْتُ مِنَ النّداءِ يجمعِكم: هَلْ مِنْ مبارِزْ
إلى آخر أبياته.
وأبلس المسلمون، هذا والرسول يدعوهم وهم محجمون، فقام علي وقال: جعلت فداك، أنا له يا رسول الله (1). فقال: إنه عمرو. فقال: وإن كان عمرو. فأذن له، وأدناه وقبَّله، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وألبسه درعه الحديد، وعمَّمه عمامته السحاب، ودعا له، وخرج معه خطوات كالمودِّع له... ثم لم يزل يدعو رافعا يديه إلى السماء ضارعا يقول: اللهم أعنه عليه. ثم رفع
1) ذكر القلقشندي في صبح الأعشى 433/1: أن عليًّا أول من قال: جعلت فداك يا رسول الله، أنا له يا رسول الله. ثم استعملها الكتّاب بعد ذلك في مكاتباتهم. وكذلك في أوائل العسكري
عمامته إلى السماء وقال: إلهي أخذت مني عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أُحد، وهذا علي أخي وابن عمي، فلا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين (1).
وفي هذه الحال قال صلّي الله عليه و آله: (برز الإيمان كله إلى الشرك كله) (2).
ولما قصد علي عمرواً أنشأ يقول:
لا تَعْجَلَنَّ فَقَدْ أَتَاكَ مُجِيبُ صوتِكَ غيرَ عاجزْ
إلى آخر أبياته.
وجرت محاورة بينهما حتى انتهت إلى المنازلة، فتنازلا وتجاولا.
قال الواقدي وابن إسحاق كما في شرح النهج لابن أبي الحديد: وجاءت عظماء الأحزاب فوقفت من وراء الخندق ومدَّت أعناقها تنظر، واستقبله عليٌّ بدرقته، فضربه عمرو فقدَّها وأثبت السيف فيها، وأصاب
1) السيرة الحلبية 319/3، سيرة زيني دحلان بهامشها 111/3
2) راجع المصادر التالية: (أ) تاريخ المستبصر لابن المجاور، ص 176 ط لندن سنة 1951م. (ب) المناقب للخوارزمي الحنفي، ص 64ط حجرية سنة 1313ه-. (ج) كنز الفوائد للكراكجي، ص 136 - 137ط حجرية. (د) نقض العثمانية للإسكافي (مجموعة رسائل الجاحظ جمع السندوبي، ص 60ط الأولى بمصر سنة 1352ه-، وص 334 بتحقيق عبد السلام محمد هارون ط مصر سنة 1374ه-. (ه-) شرح النهج لابن أبي الحديد المغزلي الحنفي 344/4 ط مصر (الأولى) . (و) ينابيع المودة للقندوزي الحنفي، ص 94 ط إسلامبول سنة 1302ه- . (ز) إبطال الباطل للفضل بن روزبهان وأقرَّ بصحته كما في إحقاق الحق . (ح) علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة لعبد الكريم الخطيب، ص 154 ط بمصر ولفظه : (الآن برز الإسلام كله للشرك كله) والمعنى واحد
رأس علي فشجَّه. وضربه عليٌّ على حبل العاتق فسقط.
قال الواقدي وابن إسحاق: فثارت لهما غبرة وارتهما من العيون، إلى أن سمع الناس التكبير عالياً من تحت الغبرة، فعلموا أن عليًّا قتله، وانجلت الغبرة عنهما، وعلي راكب صدره يحزّ رأسه.
وقال الماوردي: ثم انجلت عنهما وعلي يمسح سيفه بثوب عمرو وهو قتيل (1).
ولما قتل علي عمراً، حمل عليه أصحاب عمرو الذين كانوا معه قد اقتحموا الخندق وهم:
ضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب، وحسل بن عمرو، فأقبل عليهم عليّ فولّى ضرار هارباً ولم يثبت، وأما هبيرة فثبت ثم ألقى درعه وهرب، وكرَّ علي على حسل بن عمرو فقتله (2)، وفرَّ الباقون منهزمين. فعكرمة بن أبي جهل ألقى رمحه - كما قال ابن هشام وغيره - وفرّ منهزماً، وأما نوفل بن عبد الله ففرّش منهزماً ، فقصر به فرسه عن عبور الخندق فوقع فيه، فرماه المسلمون بالحجارة، فقال: يا معاشر الناس قتلة أكرم من هذه. فنزل إليه علي فقتله (3)، ورجع علي متهلّلاً، ودمه يسيل من رأسه وبيده رأس عمرو، فقال له صلّي الله عليه و آله:
أبشر يا علي، فلو وُزن اليوم عملك بعمل أمة محمد لرجح عملك
بعملهم، وذلك لم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عزّ بقتل عمرو (1).
وورد في جملة من السير والتاريخ أن عليًّا لما قتل عمراً قال صلّي الله عليه و آله: (ضربة علي يوم الخندق - خير - أفضل من عبادة الثقلين).
وفي لفظ آخر: (لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عمل - أعمال - أمتي إلى يوم القيامة).
قال ابن إسحاق وابن هشام والبيهقي في الدلائل، والطبري وابن كثير في السيرة، والسهيلي في الروض الأنف، والحلبي في سيرته، وزيني حلان في سيرته، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، والبغوي في معالم التنزيل، والخازن في التفسير وغيرهم، واللفظ للأول قال بعد ذكر مبارزة علي لعمرو: فقتله علي، وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت الخندق هاربة.
وقد مرَّ بنا قتله حسل بن عمرو، وقتله نوفلاً في وسط الخندق، كما مرَّ بنا أسماء الذين انهزموا وهم: هبيرة بن أبي وهب، و ضرار بن الخطاب، وعكرمة بن أبي جهل.
ومرَّ بنا هذا يلقي درعه، وهذا يلقي رمحه، فهل يعني ذلك أنهم استأمنوا على أرواحهم، لأن من ألقى سلاحه فهو آمن، وقد رأوا قتله عمراً وابنه حسلاً ونوفلاً، فيكفي ذلك في انهزامهم؟ وما كانت هزيمتهم لتكون لولا قتل علي لعمرو ومن تبعه، وإذا كان قتل عمرو أورث أولئك
1) شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني 7/2
الشخوص المذكورة من المشركين ذلك الرعب حتى انهزموا، فيا ترى كيف يكون أثره في نفوس بقية المشركين من وراء الخندق، وقد رأوا فرسانهم قد أقبلوا إليهم هاربين، وتركوا عمراً ومن قُتل معه بين دكادك وروابي؟
هذا أثر مقتل عمرو في المشركين، ولننظر أثر ذلك في المسلمين، فهل شدَّ ذلك من عزائمهم أم بقوا تحت وطأة الخوف وهاجس الهزيمة؟
ولنترك الحديث لحذيفة بن اليمان فإنه من شهود الوقعة وقد عاين فحدَّث.
روى الحاكم في المستدرك ، وابن كثير في السيرة والتفسير، ومسلم في صحيحه - واللفظ له - رواه بسنده من حديث الأعمش عن إبراهيم بن يزيد التميمي عن أبيه، قال: كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قاتلت معه وأبليت. فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟! لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقرّ، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة؟ فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله، ثم قال: يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم. فلم أجد بُدّاً إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليٌّ... الخ(1).
وفي رواية أخرى للحاكم في المستدرك، والبيهقي في الدلائل، قال
1) صحیح مسلم 1414/3. المستدرك 31/3 . البداية والنهاية 218/3 - 219 . تفسير ابن كثير 471/3 . تفسير القرطبي 137/14. مسند أبي عوانة 319/4 ط دار المعرفة 1419ه-
حذيفة: فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون: (إن بيوتنا عورة). وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم ويتسلِّلون.
وفي لفظ آخر للحاكم والذهبي في المستدرك وتلخيصه من حديث بلال العبسي عن حذيفة: إن الناس تفرَّقوا عن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً ... الخ.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح.
هذا ما قاله حذيفة، وهل يعني ذلك اختلاف حال المسلمين عن حال المشركين في مدى الرعب الذي دبّ في نفوسهم واستولى عليهم، حتى إنهم تسلّلوا بحجة وبغير حجة، وتركوا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في اثني عشر رجلاً، فأين بقية الثلاثة آلاف الذين خرج بهم؟ وما مبلغ الإيمان في نفوسهم؟
أقول: لقد تبين للقارئ من خلال هذا العرض العابر لما جرى في وقعة الأحزاب جواب التساؤلات التي مرَّت بنا حول مزاعم العقيد الدكتور ياسين سويد محرّر (غزوة الخندق) في الموسوعة العسكرية، الذي تجاهل في حديثه موقف الإمام علي عليه السّلام، في تلك الوقعة بالكليّة، فلم يأت له بذكر أبداً، وختم حديثه عن صمود المسلمين في غزوة الخندق في وجه التحالف الوثني اليهودي بأنه نقطة تحوّل مصيرية في النزاع بين المسلمين وأعدائهم في الجزيرة العربية، ولم يأت بشاهد واحد يدل على دعواه الصمود، وما
أدري كيف استساغ ذلك التعبير والقرآن الكريم صريح في تكذيبه حيث يقول: «وَإِدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنْ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لاتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسئولاً * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أو الْقَتْلِ وَإِذَا لَا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلاً * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلاً َأشِحَّةَ عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةِ حِدَادٍ أَشِحَّةُ عَلَى الْخَيْرِ أَوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ البَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلا قَلِيلاً * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّهِ اسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ
وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَدَّبَ الْمُنَافِقِينَ إن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا»(1).
فلينظر القارئ بعين بصيرته أيّ القولين أولى بالحق: قول الله سبحانه وتعالى في وصف المسلمين يوم الأحزاب، أم قول الدكتور العقيد ياسين سويد. ولعل الرجل لم يقرأ القرآن أو قرأه ولم يتدبَّر آياته، ولم يعلم أن ابن مسعود كان يقرأ هذا الحرف (وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب)، وكذلك هو في مصحفه كما روى ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر (2)، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (3)، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب (4)، والسيوطي في الدر المنثور (5)، والآلوسي في روح المعاني (6).
وفي جملة من المصادر السابقة أن ابن عباس كان يقول أيضاً ذلك
تأويلاً، وفي مجمع البيان هو المروي عن أبي عبد الله - الصادق - يعني في التأويل.
قال الحاكم: سمعت الأصم قال: سمت العطاردي قال: سمعت الحافظ يحيى بن آدم يقول: ما شبَّهت قتل علي عمراً إلا بقوله تعالى «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت» (1).
وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج ذلك عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: والله ما شبَّهت يوم الأحزاب قتل علي عمراً وتخاذل المشركين بعده إلا بما قصَّه الله تعالى من قصة طالوت وجالوت في قوله «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت» (2).
وأخيراً نذكر للقارئ مصادر الحديث النبوي الشريف الذي قرّض مبارزة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وضربته يوم الخندق، فقال صلّي الله عليه و آله: (لضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين)، وهذا ما أشار إليه سيدنا الأستاذ قدِّس سرّه بقوله: (ضربته في خندق) الخ، وقد جاء الحديث بلفظ آخر: (لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عمل - أعمال - أمتي إلى يوم القيامة).
1- فردوس الأخبار الديلمي 504/4 ط بيروت.
2 - ينابيع المودة، ص 95 ط إسلامبول سنة 1302 ه-.
3 - المواقف للعضد الإيجي، ص 617ط الأستانة تركيا.
4 - مناقب الخوارزمي ص 64 ط حجرية سنة 1313ه-.
5 - شرح المقاصد للتفتازاني 230/2 ط الأستانة تركيا.
6 - تفسير الفخر الرازي 631/8ط الأستانة تركيا.
7- شرح التجريد للقوشجي، ص 410 ط حجرية سنة 1301 ه-.
8 - الأوائل لأبي هلال العسكري.
9 - الأربعين في أصول الدين للرازي، ص 475 ط حيدر آباد.
10 - أرجح المطالب للأمر تسري، ص 481ط الهند.
11 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي 100/4 ط مصر (الأولى).
وبالتالي ليتجنَّ التالون كما فعل الأولون، وليس ذلك بضائر، فعلي عليه السّلام يبقى هو الإيمان كلّه الذي قد برز إلى الشرك كله، برغم كل جاحد ومعاند، ويبقى هو الخالد بموقفه يوم الخندق كما قال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي:
فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد ود فإنها أجل من أن يقال جليلة، وأعظم من أن يقال عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائل: أيما أعظم منزلة عند الله علي أم أبو بكر؟ فقال: يا بن أخي والله لمبارزة علي عمراً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها وتربي عليها، فضلا عن أبي بكر وحده.
وقد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل هو أبلغ منه، فقد روى قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن ربيعة بن مالك السعدي، قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله إن الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصيرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدِّثي بحديث عنه أذكره للناس؟
فقال: يا ربيعة، وما الذي تسألني عن علي؟ وما الذي أحدِّثك عنه! والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد صلّي الله عليه و آله في كفّة الميزان منذ بعث الله تعالى محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلها. فقال ربيعة: هذا المدح الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يُحمل، إني لأظنّه إسرافاً يا أبا عبد الله ! فقال حذيفة: يا لكع وكيف لا يُحمل؟ وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه حتى برز إليه علي فقتله...
والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمد صلّي الله عليه و آله إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة.
وقال أبو بكر بن عيّاش : لقد ضَرب علي بن أبي طالب عليه السّلام، ضربة ما كان في الإسلام أيمن منها، ضربته عمراً يوم الخندق.
ولقد ضُرب علي ضربة ما كان في الإسلام أشأم منها. يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله (1).
1) شرح النهج للمعتزلي الحنفي 60/19 - 61 بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط مصر
وأخرج الموفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي في المناقب بسنده قال: جاء رجلان إلى عمر، فقال له: ما ترى في طلاق الأمة؟ فقام إلى حلقة فيها رجل أصلع، فقال له: ما ترى في طلاق الأمة؟ فقال: اثنتان بيده. فالتفت عمر إليهما فقال: اثنتان. فقال له أحدهما: جئناك وأنت الخليفة فسألناك عن طلاق الأمة، فجئت إلى رجل فسألته فوا لله ما كلّمك! فقال له عمر: ويلك أتدري من هذا؟ هذا علي بن أبي طالب، إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم يقول: لو أن السماوات والأرض وُضعت في كفة ميزان ووزن إيمان علي لرجح إيمان علي السماوات والأرض.
وأخرجه أيضاً بسند آخر فيه: أشهد على رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول... إلى آخر الحديث (1).
وعلى القارئ الرجوع إلى ما مرَّ منا ذكره في شرح قول الأستاذ الناظم قدِّس سرّه:
قد بَرَزَ الإيمانُ كلُّه إلى ال-ْ *** -كُفْرِ جميعاً قالَهُ هادي الملَلْ
ليقرأ هناك فحوى الحديث ويتدبَّر معناه، ويرى الردّ على من أنكره كالخوارج والجاحظ وابن تيمية والذهبي وغيرهم، وليعرف جواب من لا يزال في مستنقع الجهل فينق نقيق الضفادع ما دام ليس له من الدين وازع، ولا من ضميره مانع.
وختاماً نذكر ما رواه ابن عبد البر المالكي في كتابه الاستيعاب في
1) المناقب، ص 78 ط حجرية سنة 1313ه-
ترجمة الإمام علي حيث قال:
وقال إسماعيل بن محمد الحميري من شعر له [ونحن نخاطب به العقيد العنيد وأضرابه] :
سائلْ قريشاً إِنْ كُنتَ ذَا عَمَهِ *** مَنْ كَانَ أثبتَها في الدين أوتَادا؟
مَنْ كانَ أقدمَها سِلْماً وأكثرها *** عِلْماً، وأطْهرها أهلاً وأولاداً؟
مَنْ وحَّدَ اللهَ إِذْ كانتْ مكذِّبةً *** تدعو مَعَ اللهِ أوثاناً وأنْداداً؟
مَنْ كان يقدمُ في الهيجاءِ إن نَكَلوا *** عنها وإنْ يبخلوا في إزمةٍ جَادا؟
مَنْ كَانَ أعدَلَها حُكْماً، وأبسَطَها *** عِلماً، وأصْدقَها وعْداً وإيعادا؟
إنْ يُصْدِقُوك فلنْ يعدوا أبا حسَنِ *** إِنْ أَنتَ لم تَلقَ للأبرارِ حُسَّادا؟
إنْ أنت لم تلقَ أقواماً ذوي صَلَفٍ *** وذا عِنَادٍ لحقِّ اللهِ جُجَّادا
ورحم الله شاعر أهل البيت الشيخ الأزري إذ يقول في وصف تلك الوقعة وموقف الإمام فيها:
ظهرَتْ منه في الوَرَى سَطَواتٌ *** ما أتَى القَومُ كلُّهم مَا أتاها
يومَ غصَّتْ بجيشِ عَمْرِو بنِ ودٍّ *** لَهَواتُ الفَلا وضَاقَ فَضَاها
وتخطّى إلى المدينة فرداً *** لا يَهَابُ العِدى ولا يخشاها
فَدَعَاهم وهُمْ أُلُوفٌ ولكنْ *** يَنْظُرون الذي يشبُّ لَظَاها
أينَ أنتم مِن قسْوَرٍ عامريّ *** تتَّقي الأُسْدُ باسَه في شَرَاها
أينَ مَن نفسُه تَتوقُ إل-ْ *** -جِنَانِ أو يُوردُ الجحيمَ عِداها
فابتدا المصطفى يحدّثُ عمّا *** يُوجَرُ الصابرون في أُخْرَاها
قَائلاً: إنَّ للجليل جِناناً *** ليسَ غيرُ المجاهدينَ يراها
مَنْ لعمروٍ وقد ضَمِنتُ على اللهِ *** لَه من جِنانِه أَعْلاهَا؟
فالتَوَوا في جوابِه كَسَوامٍ *** لا تَرَاها مجيبةً مَنْ دَعَاها
وإذا هُم بفارسٍ قُرَشِيٍّ *** تَرْجَفُ الأَرضُ خِيفَةً أَنْ يَطَاها
قائلاً ما لَها سِواي كفيلٌ *** هَذه ذِمَّةٌ عَلَيَّ وَفاها
ومَشَى يَطلبُ البِرازَ كما تمشي *** خِماصُ الحشَى إلى مَرْعاها
فانتضى مشرفيةً فتلقَّى *** ساقَ عمروٍ بضربةٍ فَبَراها
وإلى الحشْر رنةُ السَّيفِ مِنْه *** يملأُ الخَافقين رَجْعُ صَداها
يالَها ضربةً حوَتْ مَكرُماتٍ *** لم يَزِنْ ثِقْلَ أَجْرِها ثَقَلاها
هذه مِن عُلاه إحْدى المعالي *** وعلى هذه فَقِسْ مَا سِواها
117- وسَائرُ المواقِفِ المشتَهَرَة *** لقد روتْها العُلماءُ المَهَرَة
118- ولِلنبيِّ كنتَ فيها عَضُدا *** ونَاصِراً له وعَيْناً ويَدَا
119- لو لم تكنْ لم يَكُ للدينِ أثَرْ *** ولا مِنَ الخالقِ ذِكْرٌ وخَبَرْ
120 - فَتَحْتَ بابَ الدينِ والإسلامِ *** بسيفِكَ الماضِي على الأنامِ
إشارة منه - قدِّس سرّه - إلى بقية مواقف الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام التي وقفها دفاعاً عن الإسلام، وحروبه التي خاضها مع النبي صلّي الله عليه و آله في سبيل نصرته، ولم يكن تخلّف عنه في كل حرب حضرها صلّي الله عليه و آله بنفسه.
وقد قال أصحاب السير والمغازي ومنهم الواقدي وابن هشام وابن سعد وغيرهم كان عدد مغازي رسول الله صلّي الله عليه و آله و التي غزاها بنفسه سبعاً
وعشرين غزوة، وكانت سراياه التي بعث بها سبعاً وأربعين سرية، وكان ما قاتل فيه من المغازي تسع غزوات: بدر القتال، وأُحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف.
قال ابن سعد في الطبقات: فهذا ما اجتمع لنا علمه. وفي بعض رواياتهم أنه قاتل في بني النضير، ولكن الله جعلها له نفلا خاصة، وقاتل في وادي القرى منصرفه من خيبر، وقُتل بعض أصحابه، وقاتل في الغابة (1).
أقول: وإذا رجعنا إلى أخبار تلك المغازي التي كان فيها القتال نجد الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، هو المجلّي فيها كلها. وقد مرَّ بنا ذكر مواقفه في غزوات بدر وأحد والأحزاب وخيبر، والآن نأتي إلى ذكر مواقفه في بقية الغزوات التي حضرها صلّي الله عليه و آله و سواء كان فيها القتال أو لم يكن وهي:
1- غزوة بني النضير.
2 - المريسيع وتسمى بغزوة بني المصطلق.
3 - قريظة.
4 - فتح مكة.
5 - حنين
6 - الطائف.
كما نذكر معها مواقفه الأخرى سواء في سراياه التي بعثه صلّي الله عليه و آله فيها أميراً، أو هادياً أو مصلحاً ما أفسده الآخرون، مرتبين لها جميعاً حسب
1) الطبقات الكبير ج 2/1/2
تسلسلها التاريخي:
1- غزوة الأبواء وهي أول غزوات النبي صلّي الله عليه و آله، وأول غزوة حمل فيها راية معه، وقد خرج في ستين راكباً من المهاجرين، فيهم علي عليه السّلام، يريد عيراً لقريش، فلم يلق حرباً.
وكانت رايته مع علي عليه السّلام، فيما رواه المفيد مسنداً عن أبي البختري القرشي.
وكان لواؤه مع حمزة بن عبد المطلب فيما قاله ابن سعد.
ولا منافاة فالراية العَلَم الأكبر واللواء دونها.
2- غزوة طلب كرز بن جابر الفهري وكان أغار على سرح المدينة، فطلبه رسول الله صلّي الله عليه و آله، وكان ذلك بعد شهر من غزوة الأبواء، تلك في صفر وهذه في ربيع الأول.
قال ابن سعد في الطبقات وحمل لواءه علي بن أبي طالب وكان لواءاً أبيض، وذكر ابن جرير في تاريخه ذلك ولم يصف لون اللواء (1).
3- غزوة ذي العُشيرة: في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهر من مهاجره صلّي الله عليه و آله.
قال ابن سعد: وبذي العشيرة كنى رسول الله صلّي الله عليه و آله علي بن أبي طالب أبا تراب، وذلك أنه رآه نائماً متمرغاً في البوغاء، فقال: اجلس أبا
1) الطبقات الكبير ج 4/1/2
تراب. فجلس (1).
وروى ابن جرير في تاريخه بسنده عن عمار بن ياسر، قال: كنت أنا وعلي رفيقين مع رسول الله صلّى الله عليه و آله في غزوة العُشيرة، فنزلنا منزلاً، فرأينا رجالاً من بني مدلج يعملون في نخل لهم، فقلت: لو انطلقنا فنظرنا إليهم كيف يعملون. فانطلقنا فنظرنا إليهم ساعة، ثم غشينا النعاس، فعمدنا إلى صور (2)من النخل، فنمنا تحته في دقعاء (3)من التراب، فما أيقظنا إلا رسول الله صلّي الله عليه وآله، أتانا وقد تتربَّنا في ذلك التراب، فحرَّك عليًّا برجله فقال: قم يا أبا تراب، ألا أخبرك بأشقى الناس؟ أحمر ثمود عاقر الناقة، والذي يضربك (يا علي) على هذه - يعني قرنه - فيخضب هذه منها وأخذ بلحيته (4).
ورواه أيضاً بسند آخر، كما روى خبراً آخر في سبب التسمية ساقه بسنده عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، قال: قيل لسهل بن سعد: إن بعض أمراء المدينة يريد أن يبعث إليك تسبّ عليَّا عند المنبر. قال: أقول ماذا؟ قال: تقول أبا تراب. قال: والله ما سمّاه بذلك إلا رسول الله صلّي الله عليه وآله. قال: قلت: وكيف ذلك يا أبا العباس؟ قال: دخل علي على فاطمة، ثم خرج من عندها فاضطجع في فيء المسجد، قال: ثم دخل رسول الله صلّى الله عليه و آله على فاطمة فقال لها : أين ابن عمِّك؟ فقالت: هو ذاك مضطجع في المسجد.
قال: فجاءه رسول الله صلّى الله عليه و آله فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول: اجلس أبا تراب. فوالله ما سمّاه به إلا رسول الله صلّى الله عليه و آله ، والله ما كان له اسم أحبّ إليه منه (1).
أقول: هذا الذي رواه الطبري ورواه غيره من المؤرخين وحتى أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، ولست بصدد عرض أسمائهم وكتبهم، ولكن أردت أن أنّبه القارئ إلى أن الحديث الثاني رواه البخاري أيضاً في صحيحه عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، غير أنه زاد لفظ (مغاضباً) في قوله: (وكان قد خرج إلى المسجد - مغاضباً - لفاطمة)، وهذا التزيد منه صار أساساً لمن سار على نهجه وأخذ عنه.
4 - غزوة بدر الكبرى وقد تقدم ذكرها.
5 - غزوة بني سُليم عند ماء يقال له الكُدر : أخرج الطبري في تاريخه بسنده عن ابن إسحاق قال: لما قدم رسول الله صلّى الله عليه و آله من بدر إلى المدينة، وكان فراغه من بدر في عقب شهر رمضان - أو في أول شوال - لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سُليم، حتى بلغ ماءاً من مياههم يقال له الكُدر ، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وفدى في إقامته تلك جلّ الأسارى من قريش.
ثم قال الطبري: وأما الواقدي فزعم أن غزوة النبي صلّى الله عليه و آله الكُدر كانت في
1) تاريخ الطبري 409/2
المحرم من سنة ثلاث من الهجرة، وأن لواءه كان يحمله فيها علي بن أبي طالب (1).
1- غزوة أحد: وقد مرَّ حديثها وموقف الإمام فيها.
2- غزوة حمراء الأسد: يوم الأحد لثمان ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مهاجره
قال ابن سعد في السيرة: لما انصرف رسول الله صلّى الله عليه و آله من أُحد مساء السبت بات تلك الليلة على بابه ناس من وجوه الأنصار، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم، فلما صلى رسول الله صلّى الله عليه و آله الصبح يوم الأحد أمر بلالاً أن ينادي: إن رسول الله يأمركم بطلب عدوّكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس... ودعا رسول الله صلّى الله عليه و آله بلوائه وهو معقود لم يحلّ بعد، فدفعه إلى علي بن أبي طالب. ويقال إلى أبي بكر الصديق... (2).
أقول: وبعد سبعة قرون قُلبت الرواية، فقال المقريزي في الإمتاع: ودفع رسول الله صلى الله عليه و آله لواءه إلى أبي بكر، وقيل لعلي... (3).
ومن حقنا أن نسأل: كيف قُلبت الرواية؟ ولماذا قلبت؟ وهل كان النبي صلّى الله عليه و آله سبق أو الحق أن أعطى لواءه لأبي بكر في غزوة من الغزوات؟
الجواب على جميع ذلك يجده القارئ في حديث ابن عباس كما في
مستدرك الحاكم، قال: لعلي أربع خصال ليست لأحد هو أول عربي وأعجمي صلى مع رسول الله صلّى الله عليه و آله، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، والذي صبر معه يوم المهراس، وهو الذي غسّله وأدخله قبره (1).
كما رواه ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة الإمام (2).
وعلى القارئ أن يقرأ ما رواه ابن سعد في طبقاته عن معبد الجهني، قال: كان يحملها - الراية - في المسير ابن ميسرة العبسي، فإذا كان القتال أخذها علي بن أبي طالب (3).
وذكره المحب الطبري في ذخائر العقبى، وقال: أخرجه أحمد في المناقب (4).
وفي الطبقات في حديث قتادة: إن علي بن أبي طالب كان صاحب لواء رسول الله صلّي الله عليه و آله يوم بدر والمشاهد كلها (5).
إلى غير ذلك من الأحاديث عن الصحابة وغيرهم الدالة على أن صاحب اللواء هو الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وقد مرّ في ما تقدم (6)في حمله لواء الحمد يوم القيامة عنه صلّي الله عليه و آله في حديث جابر بن سمرة، فراجع تجد
جملة من المصادر لقوله وقد سُئل: من يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: من عسى أن يحملها يوم القيامة إلا من كان يحملها في الدنيا: علي بن أبي طالب.
1- غزوة بني النضير : وكانت في ربيع الأول سنة أربع من مهاجره صلّي الله عليه و آله، و هي التي أنزل الله تعالى فيها سورة الحشر، وكان ابن عباس يسميها سورة بني النضير لما عزم رسول الله صلّي الله عليه و آله على غزوهم لنقضهم العهد الذي كان بينه وبينهم.
قال ابن سعد في السيرة: فصار إليهم النبي صلّى الله عليه و آله في أصحابه، فصلى العصر بفضاء بني النضير، وعلي رضي الله عنه يحمل رايته (1).
قال الشيخ المفيد رحمه الله في الإرشاد ولما توجّه رسول الله صلّى الله عليه و آله إلى بني النضير عمد إلى حصارهم، فضرب قبّته في أقصى بني حَطمة من البطحاء، فلما جنَّ الليل رماه رجل من بني النضير بسهم فأصاب القبَّة، فأمر النبي صلّى الله عليه و آله أن يحوّل القبّة إلى السفح، وأحاط به المهاجرون والأنصار.
فلما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين عليه السّلام، فقال الناس: يا رسول الله لا نرى عليًّا. فقال صلّى الله عليه و آله: أراه في بعض ما يصلح شأنكم. فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى القبة، وكان يقال له عزوراء، فطرحه بين يدي رسول الله صلّى الله عليه و آله، فقال له: كيف علمت به؟ فقال: يا رسول الله إني رأيت هذا الخبيث جرياً شجاعاً، فقلت ما أحراه أن يخرج ليلاً يطلب منا غِرة، فكمنت
1) السيرة ج2/ ق1/ 41
له، فأقبل مصلتاً سيفه ومعه تسعة من اليهود، فشددت عليه فقتلته وأفلت أصحابه. ولم يبرحوا قريباً، فابعث معي نفراً فإني أرجو أن أظفر بهم.
فبعث معه عشرة، منهم أبو دجانة وسهل بن حنيف، فأدركوهم قبل أن يلجوا الحصن، فقتلوهم وجاؤوا برؤوسهم إلى النبي صلّي الله عليه و آله، فأمر بطرحها في بعض الآبار، وكان ذلك سبب فتح حصونهم (1).
وجاء في السيرة الحلبية ذكر هذه الواقعة بنحو ما مرّ، إلا أنه ذكر أن النبي صلّي الله عليه و آله لما جاء وقت العشاء رجع إلى بيته... واستعمل على العسكر علي ابن أبي طالب ، ويقال أبا بكر (2)، وهذا لم أقف عليه عند غيره.
وأيضاً ذكر مجيء علي وأصحابه برؤوس التسعة وطرحها في بعض الآبار. ثم قال: وفي هذا ردّ على بعض الرافضة حيث ادّعى أن عليًّا هو القاتل لأولئك العشرة.
وليته سمَّى لنا ذلك البعض الذي نبزه بالرفض من هو؟ وأين ادّعى ذلك؟ وقد مرّ ذكر قتل الإمام لعزوراء أولاً، ثم ذهابه مع من أرسلهم النبي صلّي الله عليه و آله لقتل التسعة الفارِّين من أصحاب عزوراء، نقلناه بلفظ شيخ الشيعة الشيخ المفيد رحمه الله لهذا الغرض وتنبيه القارئ على ما في صدور المراض من خبث الطوية ودناءة الأغراض، وإلا بماذا يفسّر تعريضه بمجهول لم نعرفه، بل ولا هو يعرفه، ثم ما هو موقفه حين نروي له ما قاله حسان بن ثابت في تلك الغزاة وهو يصف صنع الإمام مع أولئك النفر، حيث قال:
للهِ أيّ كريهةٍ أبليتَها *** ببني نضير والنفوسُ تَطَلِّعُ
أردَى رئيسَهُمُ وآبَ بتسعةٍ *** طوراً يشلّهم وطوراً يدفعُ(1)
وأصرح من ذلك قول الكعبي الشاعر الشيعي في قصيدته العصماء:
وشَلَلْت عشراً فاقتنصْتَ رئيسَهم وتركْت تِسْعاً للفرارِ عبيدا
وتمَّ الفتح والظفر ببني النضير، حيث صالحوا النبي صلّي الله عليه و آله على الجلاء وحقن الدماء، قال ابن سعد: وكانت بنو النضير صفياً لرسول الله صلّي الله عليه و آله خالصة له، حبساً لنوائبه، ولم يخمِّسها ولم يُسهم منها لأحد، وقد أعطى ناساً من أصحابه ووسَّع في الناس منها.
وقال المفيد: وأمَّر عليَّا فحاز ما لرسول الله صلّي الله عليه و آله منها ، فجعله صدقة، وكان في يده مدة حياته، ثم في يد أمير المؤمنين بعده، وهو في يد ولد فاطمة عليهاالسّلام حتى اليوم.
وذكر ابن إسحاق قصيدة للإمام قالها يذكر إجلاء بني النضير وقتل كعب بن الأشرف، أولها:
عرفتُ ومَن يعتدلْ يعرفِ *** وأيقنتُ حقاً ولم أصدفِ
فذكرها عنه ابن هشام في سيرته وزعم - على عادته - أنه لم يرَ أحداً
1) في نسخة الإرشاد ط الحيدرية ببني قريظة، وهو وهم من النسَّاخ أو الرواة، إذ لا معنى لإيراده في غزاة بني النضير أولاً، ولم يقع في بني قريظة أن قتل الإمام رئيس عاشر عشرة ، ثم أب بالتسعة الباقين أسراء، وما ذكرناه في المتن رواية البحار، وهي الصحيحة في المقام
من أهل العلم بالشعر يعرفها لعلي (!) ، ثم ذكر جواب سماك اليهودي واعترافه في شعره بظفر المسلمين بقتل كعب بن الأشرف وقتل الآخرين، فمن أراد ذلك فليراجع (1).
2- غزوة بدر الموعد: وهي غير بدر القتال التي مرَّ ذكرها ، وهذه كانت لهلال ذي القعدة كما في طبقات ابن سعد (2).
قال ابن سعد والمقريزي في الإمتاع فاستخلف رسول الله صلّى الله عليه و آله على المدينة عبد الله بن رواحة، وحمل لواءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، وقام السوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيام والسوق قائمة، وباعوا ما خرجوا به من التجارات، فربحوا للدرهم درهماً.
وفي ذلك نزل قوله تعالى «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» فعن مجاهد: قال: هذا أبو سفيان قال يوم أُحد: يا محمد موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا. فقال محمد صلّى الله عليه و آله : عسى. فانطلق النبي صلّى الله عليه و آله لموعده حتى نزلوا بدراً، فوافقوا السوق، فذلك قول الله تبارك وتعالى «فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ» والفضل ما أصابوا من التجارة.
1- غزوة بني المصطلق وكانت في شعبان سنة خمس من الهجرة (1).
وتسمى غزوة المريسيع - باسم الماء الذي كانوا عليه - وبينه وبين الفرع نحو من يوم.
وكان رئيسهم الحارث بن أبي ضرار والد جويرية أم المؤمنين . دعا قومه وغيرهم لحرب النبي صلّى الله عليه و آله بلغه ذلك ، فخرج إليهم واقتتلوا عند الماء - المريسيع - فنصر الله نبيّه والمسلمين وقتل أمير المؤمنين عليه السّلام رجلين من القوم، وهما مالك وابنه (2)، وأصاب رسول الله صلّى الله عليه و آله منهم سبباً كثيراً قسَّمه في المسلمين.
وكان ممن أُصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وكان الذي سباها هو أمير المؤمنين عليه السّلام، فجاء بها إلى النبي صلّى الله عليه و آله.
فجاء أبوها إلى النبي صلّى الله عليه و آله بعد إسلام بقية القوم، فقال: يا رسول الله إن ابنتي لا تُسبى، لأنها امرأة كريمة، فقال له: اذهب فخيِّرها. قال: أحسنت وأجملت.
وجاء إليها أبوها فقال لها: يا بنية لا تفضحي قومك. فقالت: قد
1) هذا ما عليه أصحاب المغازي، لكن البخاري ذكر أنها سنة أربع من الهجرة، ولما كان ذلك مخالفاً للحقيقة، اعتذر عنه الحافظ ابن حجر في شرحه فقال: وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس من الهجرة، فكتب سنة أربع، لأن الذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق سنة خمس، وقيل: سنة ست، وأن عليه أكثر المحدثين
2) السيرة النبوية لابن هشام 294/2. تاريخ الطبري 609/2
اخترت الله ورسوله. فقال لها :أبوها فعل الله بك وفعل. فأعتقها رسول الله صلّى الله عليه و آله وجعلها في جملة أزواجه (1)، وأصدقها أربعمائة درهم (2)
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان أن رسول الله صلّى الله عليه و آله بعث إليهم بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قِبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم، حتى همَّ رسول الله صلّى الله عليه و آله بأن يغزوهم، فبينما هم على ذلك قدم وفدهم على رسول الله صلّى الله عليه و آله ، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثه إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فانشمر - جد وأسرع - راجعاً، فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلّى الله عليه و آله أنا خرجنا إليه لنقتله، ووالله ما جئنا لذلك. فأنزل الله تعالى فيه وفيهم «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أن فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأمْرِ لَعَنِتُمْ» إلى آخر الآية.
قال ابن عبد البر في ترجمة الوليد: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن - فيما علمت - أن قوله «إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ» نزلت في الوليد بن عقبة، وذلك أنه بعثه رسول الله صلّى الله عليه و آله إلى بني المصطلق مصدّقاً، فأخبر عنهم أنهم ارتدوا وأبوا أداء الصدقة ....
ثم ذكر عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة في قصة ذكرها «أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ».
وجاء في الاستيعاب والسيرة الحلبية 284/2: والوليد هذا كان أخا عثمان بن عفان لأمه، وولّاه الكوفة، وعزل عنها سعد بن أبي وقاص، فلما قدم الوليد على سعد قال له سعد: والله ما أدري أكست بعدنا - أصرت كيّساً - أم حمقنا بعدك؟ فقال له: لا تجزعنّ أبا إسحاق، فإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون. فقال سعد: أراكم والله يا بني أُمية ستجعلونها - الخلافة - ملكاً. وفي السيرة وعند ذلك قال الناس بئسما فعل عثمان، عزل سعداً الهين اللين الورع المستجاب الدعوة، وولى أخاه الخائن الفاسق.
ولقي الوليد ابن مسعود (رضي الله عنه) فقال: ما جاء بك؟ فقال: جئت أميراً. فقال ابن مسعود: ما أدري أصلحتَ بعدنا أم فسد الناس؟!
قال أبو عمر في الاستيعاب: وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقبح فعاله. ثم استغفر لنفسه وله (؟!) مع ذكره طرفاً من أخباره في شرب الخمر ومنادمته أبا زبيد الطائي... إلى آخر ما ذكره هو وغيره من حال هذا الفاسق بنص القرآن المجيد. ومع ذلك ذكروه في عداد الصحابة، وقالوا الصحابة كلهم عدول.
يا ناعيَ الإسلامِ قُمْ فانْعِهِ *** قد مَاتَ عُرْفٌ وبدا مُنْكَرُ
.1) لقد حدّثت عائشة عن غيرتها من جويرية، وحديثها في سيرة ابن هشام 294/2، وتاريخ الطبري 610/2 ، فراجع
2) وفي سيرة ابن هشام 296/2 أن أباها افتداها، فأسلم هو وأسلم معه ابنان له وناس من قومه، وأسلمت ابنته وحسن إسلامها ، فخطبها رسول الله صلّى الله عليه و آله إلى أبيها ، فزَّوجه إياها وأصدقها أربعمائة درهم. ثم ذكر ما جرى للوليد بن عقبة مع بني المصطلق وما نزل في ذلك من القرآن، فقال:
2- غزوة الخندق : وقد مرَّ ذكرها في شرح قول السيد الناظم قدِّس سرّه:
فضلُكَ في الأحزابِ ليس يُنْكَرُ *** .... .... .... .... .... ....
3 - غزوة بني قريظة : وكانت في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة.
قال الشيخ المفيد في الإرشاد: ولما انهزم الأحزاب وولوا عن المسلمين الدبر، عمل رسول الله صلّي الله عليه و آله على قصد بني قريظة، وأنفذ أمير المؤمنين
عليه السّلام إليهم في ثلاثين من الخزرج، وقال له: انظر بني قريظة هل نزلوا حصونهم؟ (1)
وقال المقريزي : فدعا رسول الله صلّي الله عليه و آله عليًّا رضي الله عنه فدفع إليه لواءه، وكان اللواء على حاله لم يحل من مرجعهم من الخندق...
قال المفيد: فلما شارف سورهم سمع منهم الهجر، فرجع إلى النبي صلّي الله عليه و آله فأخبره، فقال: دعهم فإن الله سيمكن منهم، إن الذي أمكنك من عمرو بن عبد ود لا يخذلك، فقف حتى يجتمع الناس إليك، وأبشر بنصر من عند الله، فان الله تعالى قد نصرني بالرعب من بين يدي مسيرة شهر.
قال علي عليه السّلام: فاجتمع الناس إليّ، وسرت حتى دنوت من سورهم، فأشرفوا عليّ! فلما رأوني صاح صائح منهم: قد جاءكم قاتل عمرو. وقال آخر: قد أقبل إليكم قاتل عمرو! وجعل بعضهم يصيح ببعض ويقولون ذلك، وألقى الله في قلوبهم الرعب ، وسمعت راجزاً يرتجز:
قَتَلَ عليٌّ عَمْرا *** صَادَ عليٌّ صَقْرا
قَصَمَ عليٌّ ظَهْرا *** أبْرَمَ علىٌّ أمْرا
هَتَكَ عَليٌّ سِتْرا
فقلت: الحمد لله الذي أظهر الإسلام وقمع الشرك. وكان النبي صلّي الله عليه و آله قال لي حين توجهت إلى بني قريظة: سر على بركة الله تعالى، فإن الله قد وعدكم أرضهم وديارهم. فسرت متيقنا لنصر الله عز وجل، حتى ركزت
1) الإرشاد، ص 57
الراية في أصل الحصن، فاستقبلوني في صياصيهم يسبّون رسول الله صلّي الله عليه و آله!! (1).
قال ابن إسحاق: وقدّم رسول الله صلّى الله عليه و آله علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة وابتدرها الناس، فسار علي بن أبي طالب حتى إذا دنا من الحصون سمع منهم مقالة قبيحة لرسول الله صلّى الله عليه و آله، فرجع حتى لقي رسول الله بالطريق، فقال: يا رسول الله لا عليك ألّا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال: ولم؟ أظنك سمعت منهم لي أذى؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً. فلما دنا رسول الله صلّى الله عليه و آله من حصونهم قال: يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمة؟ قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولاً (2).
قال الشيخ المفيد في روايته: فلما سمعت سبَّهم له كرهت أن يسمع رسول الله صلّى الله عليه و آله ذلك، فعملت على الرجوع إليه، فإذا به قد طلع صلّى الله عليه و آله وسمع سبهم له! فناداهم: يا أخوة القردة والخنازير، إنا إذا حللنا بساحة قوم «فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرينَ» . فقالوا له: يا أبا القاسم ما كنت جهولاً ولا سبّاباً! فاستحى رسول الله صلّى الله عليه و آله ورجع القهقرى قليلاً. ثم أمر فضربت خيمته بإزاء ،حصونهم، فأقام النبي صلّى الله عليه و آله حاصراً لبني قريظة خمساً وعشرين ليلة، حتى سألوه النزول على حكم سعد بن معاذ! فحكم فيهم سعد بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء وقسمة الأموال. فقال النبي صلّى الله عليه و آله: يا سعد
لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. وأمر النبي صلّى الله عليه و آله بإنزال الرجال منهم وكانوا تسعمائة رجل، فجيء بهم إلى المدينة، وقسم الأموال، واسترق الذراري والنسوان.
ولما جيء بالأسارى إلى المدينة حُبسوا في دار من دور بني النجار، و خرج رسول الله صلّى الله عليه و آله إلى موضع السوق اليوم فخندق فيه خنادق، وحضر أمير المؤمنين عليه السّلام، ومعه المسلمون، وأمر بهم أن يخرجوا، وتقدم إلى أمير المؤمنين عليه السّلام أن يضرب أعناقهم في الخندق.
1- إرساله إلى حسمى وراء وادي القرى: لإرجاع ما استولى عليه زيد بن حارثة من جذام، وكان ذلك من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان، فجاء زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله فدفع إليه كتابه الذي كتبه له ولقومه لما قدم عليه وأسلم، وقال يا رسول الله لا تحرم علينا حلالاً، ولا تحل لنا حراماً.
فبعث معهم عليًّا إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلّي بينهم وبين حرمهم وأموالهم، فتوجّه علي فلقي رافع بن مكيث الجهني بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردّها علي على القوم، ولقي زيدا بالفحلتين - بين المدينة وذي المروة - فأبلغه أمر رسول الله صلّى الله عليه و آله، فردّ إلى الناس كل ما كان أخذ لهم، حتى كانوا ينتزعون لبد المرأة تحت الرحل، وأطلق
الأسارى (1).
وقد أرّخ ابن سعد ذلك في جمادى الآخرة سنة ست، وفي مغازي الواقدي أن عليًّا قال: لا يطيعني زيد. فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: هذا سيفي فخذه (2).
وثم تفاصيل أخرى.
2- سريته عليه السّلام، إلى بني سعد بن بكر بفدك وكانت في شعبان سنة 6 من الهجرة.
قال الواقدي في مغازيه: حدثني عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن عتبة، قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله عليًّا عليه السّلام، في مائة رجل إلى حي سعد بفدك، وبلغ رسول الله صلّى الله عليه و آله أن لهم جمعاً يريدون أن يُمدوا يهود خيبر، فسار الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الهمج - ماء بين خيبر وفدك . فأصاب عيناً، فقال: ما أنت؟ هل لك علم بما وراءك من جمع بني سعد؟ قال: لا علم لي به، فشدّوا عليه فأقرَّ أنه عين لهم بعثوه إلى خيبر، يعرض على يهود خيبر نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم، ويقدمون عليهم. فقالوا له: فأين القوم؟ قال: تركتهم وقد تجمَّع منهم مائتا رجل، ورأسهم وبر بن عُليم. قالوا: فسِرْ بنا حتى تدلّنا. قال: على أن تؤمّنوني. قالوا: إن دللتنا عليهم وعلى سرحهم أمّناك، وإلا فلا أمان لك. قال: فذاك.
فخرج بهم دليلاً لهم حتى ساء ظنهم به، وأوفى بهم على فدافد وآكام ، ثم أفضى بهم إلى سهولة، فإذا نَعَم كثير وشاء، فقال: هذا نعمهم وشاؤهم. فأغاروا عليه فضموا النَعَم والشاء، قال: أرسلوني. قالوا: لا حتى نأمن الطلب، ونذر بهم الراعي رعاء الغنم والشاء. فهربوا إلى جمعهم فحذّرهم فتفرقوا، فقال الدليل علامَ تحبسني؟ قد تفرَّقت الأعراب وأنذرهم الرعاء.
قال علي عليه السّلام: لم نبلغ معسكرهم. فانتهى بهم اليه فلم يرَ أحداً. فأرسلوه وساقوا النعم والشاء، النعم خمسمائة بعير، وألفا شاة..
فمكث علي عليه السّلام ثلاثاً، ثم قسم الغنائم وعزل الخمس، وصفّى النبي صلّى الله عليه و آله لقوحاً تدعى الحَفِدة قدم بها (1).
وأخرجوا إرسالاً، وفيهم حيي بن أخطب وكعب بن أسد، وهما إذ ذاك رئيسا القوم، فقالوا لكعب بن أسد - وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله -: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ فقال: في كل موطن لا تعقلون! ألا ترون الداعي لا ينزع، ومن ذهب منكم لا يرجع، وهو والله القتل. وجيء بحيي بن أخطب مجموعة يداه إلى عنقه، فلما نظر إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: أما والله ما لمتُ نفسي على عداوتك، ولكن من يخذل الله يُخذل. ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنه لا بدّ من أمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل. ثم أُقيم بين يدي أمير المؤمنين عليه السّلام، وهو يقول:
1) مغازي الواقدي ص 562 - 563. قارن طبقات ابن سعد ج 65/1/2 وإمتاع الأسماع 268- 269
قتلة شريفة بيد شريف.
فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : إن خيار الناس يقتلون شرارهم، وشرارهم يقتلون خيارهم، فالويل لمن قتله الأخيار الأشراف، والسعادة لمن قتله الأراذل الكفار. فقال: صدقت، لا تسلبني حلّتي. فقال: هي أهون عليّ من ذلك. فقال: سترتني سترك الله. ومدّ عنقه فضربها علي عليه السّلام، ولم يسلبه من بينهم. ثم قال أمير المؤمنين لمن جاء به: ما كان يقول حيّ وهو يُقاد إلى الموت؟ قال كان يقول:
لعمرُك ما لامَ ابنُ أخطبَ نفسَه *** ولكنَّه مَنْ يخذُل اللهَ يُحْذَلِ
فجاهَدَ حتى بلّغَ النفسَ جُهْدَها *** وحاولَ يبغي العزَّ كلَّ مُقَلَقَلَ
فقال أمير المؤمنين عليه السّلام :
لقد كان ذا جدٍّ وجدّ بكفرِه *** فَقِيْدَ إلينا في المجامعِ يُعتَلُ
فقلّدتُه بالسيفِ ضربةَ محفظٍ *** فصارَ إلى قَعْرِ الجحيم يُكَبَّلُ
فذاك مآبُ الكافرينَ ومَن يُطعْ *** لأمرِ إلهِ الخلقِ في الخُلْدِ يَنْزِلُ
واصطفى رسول الله صلّي الله عليه و آله من نسائهم ريحانة بنت عمرو لنفسه...
وكان الظفر ببني قريظة وفتح الله على نبيه صلّي الله عليه و آله بأمير المؤمنين عليه السّلام، فهو صاحب لوائه - كما في سائر مشاهده - وهو الذي غرزه في أصل حصونهم، وبه ألقى الله الرعب في قلوبهم، وتولى قتل حيّ بن أخطب - حتى افتخر حي بأن قتله على يده فطلب منه عدم سلبه فلم يسلبه.
صلح الحديبية: في ذي القعدة سنة ست من الهجرة.
ثم كان بعد غزوة بني المصطلق غزوة الحديبية، وكان اللواء يومئذ إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، كما كان إليه في المشاهد قبلها ، وكان من بلائه في ذلك اليوم عند صف القوم في الحرب للقتال ما ظهر خبره واستفاض ذكره.
وذلك بعد بيعة الرضوان عند الشجرة التي أخذها النبي صلّي الله عليه و آله على أصحابه والعهود عليهم في الصبر، وكان أمير المؤمنين عليه السّلام المبايع للنساء عن النبي صلّي الله عليه و آله، وكانت بيعته لهن يومئذ أن طرح ثوباً بينهن وبينه، ثم مسحه بیده، فكانت مبايعتهن للنبي صلّي الله عليه و آله بمسح الثوب، ورسول الله يمسح ثوب علي عليه السّلام مما يليه.
ولما رأى سهيل بن عمرو توجه الأمر عليهم، ضرع إلى النبي صلّي الله عليه و آله في الصلح ونزل عليه الوحي بالإجابة إلى ذلك، وأن يجعل أمير المؤمنين عالية كاتبه يومئذ والمتولي لعقد الصلح بخطه.
فقال له النبي صلّي الله عليه و آله: اكتب يا علي : (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ فقال سهيل بن عمرو: هذا الكتاب بيننا وبينك يا محمد، فافتتحه بما نعرفه، واكتب (باسمك اللهم)، فقال النبي صلّي الله عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام : امح ما كتبت واكتب (باسمك اللهم). فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: لولا طاعتك يا رسول الله ما محوت (بسم الله الرحمن الرحيم). ثم محاها وكتب: (باسمك اللهم).
فقال له النبي صلّي الله عليه و آله: اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فقال سهيل بن عمرو: لو أجبتك في الكتاب الذي بيننا إلى
هذا لأقررت لك بالنبوة، فسواء أشهدت على نفسي بالرضا بذلك أو أطلقته من لساني، امح هذا الاسم واكتب: هذا ما قاضی علیه محمد بن عبد الله.
فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: إنه والله لرسول الله حقاً على رغم أنفك . فقال سهيل: اكتب اسمه يمضى الشرط. فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: ويلك يا سهيل كف عن عنادك. فقال له النبي صلّي الله عليه و آله: امحها يا علي. فقال: يا رسول الله إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة. قال له: فضع يدي عليها؟ ففعل فمحاها رسول الله بيده، وقال لأمير المؤمنين عليه السّلام: ستُدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض. ثم تمم أمير المؤمنين عليه السّلام الكتاب.
وهنا ينبغي التنبيه على أمور:
الأول: محاولة الأمويين تزوير الحقائق في إنكار كون الإمام عليه السّلام هو كاتب كتاب الصلح.
فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب الصلح، باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان، وفي كتاب الجزية والموادعة مع أهل الحرب، باب المصالحة على ثلاثة أيام (1).
وروى مسلم ذلك في صحيحه في كتاب الجهاد والسير في باب صلح الحديبية والنسائي في الخصائص، وأحمد في مسنده، والهيثمي في مجمع الزوائد وغيرهم كثير (2)، كلهم ذكروا أن الذي كتب كتاب الصلح هو
الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام.
لكن الأمويين حاولوا إنكار ذلك شأنهم مع جميع فضائل الإمام، فاقرأ ما ذكره المحب الطبري في الرياض النضرة عن ابن عباس، قال: كاتب كتاب الصلح يوم الحديبية علي بن أبي طالب. قال: قال معمر: فسألت عنه الزهري، فضحك أو تبسّم، وقال: هو علي، ولو سألت هؤلاء - يعني بني أمية - لقالوا: هو عثمان. قال المحب الطبري: خرّجه في المناقب والغساني (1).
الثاني: محاولة ممالأة الشيخين لقريش عند استشارتهما وغضب النبي صلّي الله عليه و آلهمن ذلك.
فقد أخرج الترمذي في مناقب الإمام علي بن أبي طالب، والنسائي في الخصائص، والحاكم في المستدرك، والخطيب البغدادي في تاريخه، والمتقي الهندي في كنز العمال، وقال: أخرجه أحمد وابن جرير وصحَّحه، واللفظ للأول:
بسنده عن ربعي بن خراش، قال: حدثنا علي بن أبي طالب بالرحبة قال: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله خرج إليك من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، وليس لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فراراً من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا. قال: فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقّههم.
1) الرياض النضرة 191/2
فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يا معشر قريش لتنتهنَّ أو ليبعثنَّ الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان. قالوا: من هو يا رسول الله ؟ فقال له أبو بكر: من هو يا رسول الله ؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: هو خاصف النعل . وكان أعطى عليًّا نعله يخصفها.
قال: ثم التفت إلينا علي فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم قال: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار (1).
هكذا أخرجه الترمذي ولكن لدى المقارنة مع بقية المصادر التي تقدم ذكرها نجد تعتيماً وتدليساً يتحمل صاحبه وزره ، فإن النسائي وبقية المصادر ذكرت أن النبي صلّي الله عليه و آله لما قال له سهيل والمشركون ذلك. قال لأبي بكر: ما تقول؟ فقال: صدقوا إنهم لجيرانك وحلفاؤك. فتغيَّر وجه النبي صلّى الله عليه [وآله] وسلم، ثم قال لعمر: ما تقول؟ قال: صدقوا إنهم لجيرانك وحلفاؤك. فتغيّر وجه النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، ثم قال: يا معشر قريش والله ليبعثنَّ الله عليكم رجلاً منكم امتحن الله قلبه للإيمان، فيضربكم على الدين أو يضرب بعضكم.
فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن ذلك الذي يخصف النعل. وقد كان أعطى عليًّا
1) سنن الترمذي 643/5 . الخصائص ص .11 المستدرك 137/2، 298/4 . تاريخ بغداد 133/1، 433/8 كنز العمال 396/6ط الأولى، 154/15 ط الثانية حيدر آباد، 407/6
عليه السلام نعلاً يخصفها.
وهذا الإغفال من الترمذي لاستشارة النبي صلّي الله عليه و آله لأبي بكر وعمر وجوابهما له وتغيّر وجه النبي صلّي الله عليه و آله عند سماعه ذلك منهما. ثم إغفاله سؤال أبي بكر وعمر من النبي صلّي الله عليه و آله عن أنفسهما ، كل ذلك يوحي بأن في نفس الراوي مرضاً، فلا يطيق أن يذكر لعلي تفضيله على الشيخين، وأنه - دونهما - الذي امتحن الله قلبه للإيمان.
الثالث: إنكار عمر على النبي صلّي الله عليه و آله أمر الصلح: وقد أخرج ذلك البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما ، - واللفظ للأول - بسند عن المسور بن مخرمة ومروان في حديث طويل فيه خبر صلح الحديبية، قال: فقال عمر بن الخطاب فأتيت نبي الله صلّي الله عليه و آله، فقلت : ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلمَ نعطي الدنيَّة في ديننا إذاً؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلمَ نعطي الدنيَّة في ديننا إذاً؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله صلّى الله عليه و آله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه و معطوف به.
قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً (1).
وذكر الطبراني في المعجم الكبير، وعبد الرزاق في المصنف، والطبري في تفسيره، وابن حبان في صحيحه والسهيلي في الروض الأنف قول عمر: والله ما شككتُ منذ أسلمتُ إلا يومئذ (2).
وذكروا بعد ذلك قوله للنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: ألم تعدنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ فقال: نعم... وذكروا الحديث.
الرابع: أخرج البخاري في صحيحه في أواخر باب غزوة الحديبية، قال: حدثني شجاع بن الوليد، سمع النضر بن محمد، حدثنا صخر عن نافع، قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسلَ عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله صلّي الله عليه و آله يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله ، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر، وعمر يستلثم للقتال، فأخبره أن رسول الله صلّي الله عليه و آله يبايع تحت الشجرة.
1) صحيح البخاري 256/3 كتاب الشروط ، باب ،15 ، وفي 125/4 كتاب الجزية، باب 18 ، وفي 170/6 كتاب التفسير تفسير سورة الفتح. صحيح مسلم 2411/3. مسند أحمد 486/3، 330/4 . صحيح ابن حبان 224/11 . مجمع الزوائد 237/6 . المعجم الكبير للطبراني 90/6 السيرة النبوية لابن هشام 316/2ط الثانية تحقيق مصطفى وشركاه، 331/3 ط حلب بمصر. وقارن تاريخ الطبري 634/2ط محققة
2) المعجم الكبير 14/20 . صحيح ابن حبان 224/11. المصنف لعبد الرزاق 339/5. تفسير الطبري 100/26 . الروض الأنف 231/2
قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلّى الله عليه و آله ، فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر.
وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عمر بن محمد العُمري، أخبرني نافع عن ابن عمر (رضي الله عنه) أن الناس كانوا مع النبي صلّى الله عليه و آله يوم الحديبية تفرّقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي صلّى الله عليه و آله فقال: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله صلّى الله عليه و آله فوجدهم يبايعون فبايع، ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع (1).
ولشرّاح صحيح البخاري اضطراب في توجيه تأخر عمر عن بيعة الشجرة حتى بايع ابنه عبد الله قبله، وحفاظاً على كرامة الخليفة ذهبوا كل مذهب، ولم يجسر أحد أن يقول: لعله إنما لم يحضر البيعة أولاً ربما لأنه كان مغاضباً من توقيع الصلح مع قريش الذي استنكره، وإلا فكيف يعقل أن يغيب عن المشهد وهو الصاحب، ومهما يكن من أمر حضوره وبيعته فقد أمر بقطع تلك الشجرة بعد ذلك أيام خلافته كما في فتح الباري (2)، فقد ذكر ابن حجر في تعيين مكان الشجرة وكيف عمّي خبره على من كان بايع تحتها ...
إلى أن قال: ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوماً يأتون الشجرة فيصلون عندها، فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت.
أقول : لقد أخرج حديث نافع كل من ابن سعد في الطبقات، وابن الجوزي في سيرة عمر (1)، وشرّاح البخاري مضافاً إلى ابن حجر كالقسطلاني في إرشاد الساري، والعيني في عمدة القاري، وصحَّحا إسناده (2)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (3)، والزرقاني في شرح المواهب (4)، وابن أبي الحديد في شرح النهج، وقال: وكان الناس بعد وفاة رسول الله صلّي الله عليه و آله يأتون الشجرة التي كانت بيعة الرضوان تحتها، فيصلّون عندها، فقال عمر: أراكم أيّها الناس رجعتم إلى العزّى، ألا لا أوتى منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف كما يقتل المرتد . ثم أمر بها فقطعت (؟؟) (5).
وما أدري كيف يتم توجيه ذلك، والمسلمون إنما كانوا يصلّون لله تعالى عندها وليس لها ، تبركاً بمقام النبي صلّي الله عليه و آله عندها فحسب، على أن العزّى لم يكن المشركون يصلّون إليها، بل كانوا يعبدونها، ولم يعرف كيفية عبادتهم لها .
ثم إنه قد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلّى الله عليه و آله حديث موسى بن عقبة، قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرَّى أماكن من الطريق فيصلي فيها،
ويحدّث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلّى الله عليه و آله يصلي في تلك الأمكنة.
فيظهر أن ابن عمر وآل عمر لم يتَّبعوا عمر في نهيه، لأن رأيه ذلك لم يكن عن سنة أو كتاب، وإنما هو رأي رَآه ، فضلاً عن بقيَّة المسلمين وحتى يومنا الحاضر.
على أن النبي صلّى الله عليه و آله لما أمر بهدم (العزَّى) وكانت لقريش وبني كنانة، قال: (ولن تُعبد أبداً) كما في تفسير القرطبي (1)، فكيف يتصوّر الخليفة أنهم رجعوا إليها؟
الخامس: أخرج البخاري في صحيحه وغيره: فلما فرغ رسول الله صلّى الله عليه و آله من قضيته قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس (2).
وذكر ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم لما فرغ من أمر الصلح قام إلى هديه فنحره.
قال السهيلي: وفي غير رواية ابن إسحاق من الصحيح أنه عليه السّلام دخل على أم سلمة وشكى إليها ما لقي من الناس حين أمرهم أن يحلقوا
وينحروا فلم يفعلوا لما بهم من الغيظ فقالت: يا رسول الله اخرج إليهم فلا تكلّمهم حتى تحلق وتنحر، فإنهم إذا رأوك قد فعلت ذلك لم يخالفوك. ففعل وفعل الناس (1).
ذكر الطبري وغيره في حديث ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصَّر آخرون، فقال رسول الله صلّي الله عليه و آله: يرحم الله المحلِّقين. قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلِّقين. قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلِّقين، قالوا يا رسول الله والمقصِّرين؟ قال: والمقِّصرين. قالوا: يا رسول الله ... الخ.
قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلِّقين دون المقصِّرين؟ قال: لأنهم لم يشكوا (2).
قال السهيلي: ولم يكن المقصِّر يومئذ من أصحابه إلا رجلين: أحدهما عثمان بن عفان، والآخر أبو قتادة الأنصاري. كذلك جاء في مسند حديث أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) (3).
ويعني ذلك أن عثمان بن عفان وأبا قتادة فقط كانا من الشاكّين، بينما حديث ابن عباس المتقدم ينبئ بأكثر من ذلك.
1- غزوة خيبر : وقد مرَّ بعض حديثها في الجزء الأول (1)، وفي أول هذا الجزء في شرح قول السيد الناظم قدِّس سرّه:
فضْلُك في الأحزابِ ليس يُنكَرُ *** بَدْرٌ كذا وأُحَدٌ وخَيْبرُ
كما مرّ ما يتعلق بحديث رد الشمس حيث كان في الصهباء من أرض خيبر في السنة السابعة.
2- غزوة وادي القرى: وهو واد بين الشام والمدينة، وكانت في جمادى الآخرة سنة سبع.
روى ابن كثير في السيرة النبوية عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه و آله إلى وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله صلّى الله عليه و آله عبداً أسود يقال له مدعم، فكان يرحّل لرسول الله صلّى الله عليه و آله، فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود، وقدم إليها ناس من العرب.
فبينا مدعم يحطّ رحل رسول الله صلّى الله عليه و آله، وقد استقبلتنا يهود بالرمي حين نزلنا، ولم نكن على تعبية وهم يصيحون في آطامهم، فيُقبل سهم عائر فأصاب مدعماً فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة. فقال النبي صلّى الله عليه و آله: كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا... قال ابن كثير: هذا في الصحيحين.
قال ابن كثير في تتمة حديثه نقلاً عن الواقدي:
1) الجزء الأول، ص 21 فما بعدها
فبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه علي فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً ، كلما قتل منهم رجلاً دعا من بقي منهم إلى الإسلام (1).
3- عمرة القضاء: سُمِّيت بذلك لأنها كانت قضاء للعمرة التي صدَّت قريش فيها النبي صلّي الله عليه و آله عن العمرة عام الحديبية في سنة ست من الهجرة، فجرت المهادنة على أن يرجع عنهم في تلك السنة، فإذا كانت السنة الثانية خرجوا عن مكة ودخلها بأصحابه معتمرين، معه سلاح الراكب السيوف في الأغماد، وأن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام، وهذه هي العمرة المذكورة في قوله تعالى في سورة الفتح المباركة «لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا» (2).
وتسمى أيضاً عمرة القصاص لقوله تعالى «الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ» (3).
قال ابن كثير في السيرة: وهي الموعود بها في قوله عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب حين قال له: ألم تكن تحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنك تأتيه عامكَ هذا؟ قال: لا. قال: فإنك
آتيه ومطوّف به (1).
وجاء في البخاري في حديث البراء: فلما دخلها - رسول الله صلّى الله عليه و آله - ومضى الأجل أتوا عليًّا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل. فخرج النبي صلّى الله عليه و آله فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم. فتناولها علي فأخذ بیدها، وقال لفاطمة عليهاالسّلام : دونكِ ابنة عمك حملتها. فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي صلّى الله عليه و آله لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأُم.
وقال لعلي: أنت مني وأنا منك. وقال الجعفر: أشبهت خلقي وخُلُقي. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا (2).
1- غزوة ذات السلاسل (3)
وقال ابن حجر: سُمّي المكان بذلك، لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، يقال: ماء سلسل وسلسال إذا كان سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه. وتلك الأرض وراء وادي القرى (السيرة الحلبية 190/2)
:إنها من غزوات المسلمين الأوائل، إلا أن حديثها في التاريخ الإسلامي أثار بعض المسائل، مما أثار في صدور المتأخرين نجوى البلابل، التي لا تخلو من بعض المشاكل.
لماذا؟ لأن في زمانها اختلاف، وفي مكانها اختلاف، وفي عدد جيشها اختلاف، وفي أسماء قادتها اختلاف، وفي أسماء القبائل التي وقعت معهم الواقعة اختلاف، وبالتالي في أمدها اختلاف، وفي نتائجها اختلاف، وبعد هذا الاختلاف كيف لا يكون في سائر أحداثها اختلاف؟
والسؤال الذي يفرض نفسه : لماذا كل هذا الاختلاف؟
والجواب بكل بساطة وصراحة هو: عدم أمانة الرواة في النقل، وعدم أمانة أهل التدوين فيه.
كل ذلك تبعاً لغلبة سلطان الهوى في مسايرة الحاكمين الذين في أيامهم حصل التدوين، فأصبح أمرها إلى مشاعر الحاكم ومشاعر الناس وما يغذيها ويرضيها.
ومن الطبيعي جداً أن يسري أثر ذلك الاختلاف إلى سائر المصادر الثانوية، فتختلف هي الأخرى في عرض ذلك الحدث المهم، ولست بصدد تحقيق جميع ما حدث فيه اختلاف، وما أكثر الأحداث.
لكن لا بد لي وأنا استعرض مواقف الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام التي أشار إليها المرحوم السيد الأستاذ أن أقف عند هذه الغزاة وقفة تمحيص، وأعرض التناقض المخلّ في حديثها عند الرواة، لمعرفة الصحيح من السقيم،
ونبذ الزيف عن الصميم، من خلال روايات المدونات في التراث الإسلامي، وفي حدود ما يتعلق بالإمام أمير المؤمنين عليه السّلام. حيث إن المصادر الشيعية ذكرت تلك الغزوة في عداد مواقفه الجهادية التي كسب فيها النصر وفاز بالظفر، بينما المصادر السنّية لم تذكر له أيّ اسم أو رسم، وعدَّت الغزوة من مكاسب إنسان آخر طارئ على الإسلام منذ أربعة أشهر فقط من تاريخها، على أنها ذكرت له أفعالاً - لو صحت كما رويت - هي أولى بالقدح فيه من المدح.
فلماذا هذا الاختلاف الشاسع ؟ وماذا كانت هي الحقيقة؟
ولا بدّ لنا من قراءة فاحصة في مدوّنات الطرفين.
إذا رجعنا إلى المصادر المعنية في المقام نجد في مقدمتها كتب التفسير التي تكاد أن تجمع على شأن نزول سورة «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا» في غزاة ذات السلاسل، وأن النصر قد تمَّ على يد الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، بعد فشل من سبقه.
ولما كانت كتب السيرة عند الشيعة تعتمد في مثل المقام اعتماداً كبيراً على مروَّيات المفسِّرين، فهي أيضاً تتّفق مع كتب التفسير في توضيح الصورة التي رسمتها كتب التفسير استناداً إلى مرويات المحدّثين، سواء كان عن طريق أئمة أهل البيت عليهم السّلام أم عن غيرهم ممن يوافق رواياتهم في المقام.
وإذا أردنا معرفة زمان التدوين لتلك الحادثة في التراث الشيعي نجدها
تبدأ من القرن الثالث الهجري، وأما ما سبق على ذلك فهو أحاديث رواة ونظم شعراء، مما يضفي على المروي شهرة تبعث على الاطمئنان، خصوصاً إذا قرأنا شعر السيد الحميري المتوفى سنة 173 ه- فيها حيث يقول:
وفي ذاتِ السَّلاسِلِ مِنْ سُليم *** غَداةَ أَتَاهُمُ الموتُ المبيرُ
وقد هَزَمُوا أبا حَفْصٍ وعَمْراً *** وصَاحَبَه مِراراً فاسْتُطِيروا
وقَد قَتَلوا مِنَ الأَنصَارِ رَهْطَاً *** فَحَلَّ النَّدْرُ أو وَجَبَتْ نذورُ
أزارَ الموتُ مشيخةً ضِخَامَاً *** جَحَاجِحِةٌ تُسَدُّ بها الثّغُورُ (1)
فإنّ الحميري حين يصوّر الغزاة وقادتها المهزومين والقتلى وما جرى ليمثل عنصراً واضحاً من العناصر التي صُوِّرت بها الأحداث في تلك الغزوة، ولما كان شعره شائعاً ذائعاً ولم يُسمع بأن ردّ عليه أحد في ذلك، فيكون من المسلّمات أن مرويات التراث الشيعي أقرب إلى الواقع من غيرها (2)، إذ ليس فيها من الخيال الشعري أو القصص الشعبي أو ما يبعث
1) ديوان السيد الحميري تحقيق شاكر هادي شكر، ص 199 ط بیروت، وفيه صدر البيت الثاني (وقد هزموا أبا حفص عميرا) وهو من غلط النسخة، والصواب ما أثبتناه عن مناقب ابن شهر اشوب 330/2 ط الحيدرية
2) راجع: تفسير علي بن إبراهيم، وتفسير فرات بن إبراهيم وبقية التفاسير المتأخرة عنهما في تفسير سورة «والعَادِيَاتِ ضَبْحَاً»، وراجع من مصادر السيرة والمناقب إرشاد المفيد، ص 413، وآمالي الطوسي، ص 460 ، وإعلام الورى للطبرسي، ص 548 ، والخرائج والجرايح للراوندي، ص 573 والمناقب لابن شهر اشوب، ص 588، وكشف الغمة للإربلي، ص 693 ، وأخيراً بحار الأنوار 548/21 إلى آخر ما هنالك
على الريبة والتشكيك.
وإلى القارئ روايتان لعلمين من أعلام الشيعة، روى كل منهم حديثه بسنده الخاص وهما:
1 - الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 ه-.
2 - الحافظ ابن شهر اشوب المتوفى سنة 588 ه-.
فأما رواية الشيخ المفيد في كتابه الإرشاد:
قال: وذلك أن أعرابياً أتى إلى عند النبي صلّي الله عليه و آله فجثا بين يديه وقال له: جئتك لأنصح لك. قال وما نصيحتك ؟ قال: قوم من العرب قد اجتمعوا بوادي الرمل، وعملوا على أن يبيّتوك بالمدينة. ووصفهم له. فأمر النبي صلّي الله عليه و آله أن يُنادى: الصلاة جامعة. فاجتمع المسلمون وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن هذا عدو الله وعدوكم قد عمل على أن يبيّتكم ، فمن له؟ فقام جماعة من أهل الصُفة، فقالوا: نحن نخرج إليهم، فولِّ علينا مَن شئت. فأقرع بينهم فخرجت القرعة على ثمانين رجلاً منهم ومن غيرهم، فاستدعى أبا بكر فقال له: خذ اللواء وامض إلى بني سُليم، فإنهم قريب من الحرّة.
فمضى ومعه القوم حتى قارب أرضهم، وكانت كثيرة الحجارة والشجر، وهم ببطن الوادي، والمنحدر إليه صعب، فلما صار إلى الوادي وأراد الانحدار خرجوا إليه فهزموه، وقتلوا من المسلمين جمعاً كثيراً، وانهزم من القوم فلما ورد على النبي صلّي الله عليه و آله عقد لعمر بن الخطاب وبعثه إليهم،
فكمنوا له تحت الحجارة والشجر، فلما ذهب ليهبط خرجوا إليه فهزموه. فساء رسول الله صلّي الله عليه و آله لذلك، فقال عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول الله إليهم، فإن الحرب خدعة، فلعلي أخدعهم. فأنفذه مع جماعة ووصّاه ، فلما صاروا إلى الوادي خرجوا إليه فهزموه، وقتلوا من أصحابه جماعة.
ومكث رسول الله صلّي الله عليه و آله أياماً يدعو عليهم، ثم دعا أمير المؤمنين فعقد له، ثم قال: أرسلته كراراً غير فراراً. ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كنت تعلم أني رسولك فاحفظني فيه، وأفعل به وأفعل. فدعا له ما شاء الله، وخرج علي وخرج رسول الله صلّي الله عليه و آله لتشييعه، وبلغ معه إلى مسجد الأحزاب وعلي على فرس أشقر مهلوب، عليه بردان يمانيان، وفي يده قناة خطيّة، فشيّعه ودعا له. وأنفذ معه فيمن أنفذ أبا بكر وعمر وعمرو بن العاص، فسار بهم نحو العراق متنكباً للطريق، حتى ظنوا أنه يريد بهم غير ذلك الوجه، ثم أخذ بهم على محجة غامضة، فسار بهم حتى استقبل الوادي من فمه، وكان يسير الليل ويكمن النهار، فلما قرب من الوادي أمر أصحابه أن يعكموا الخيل، ووقفهم مكاناً، وقال: لا تبرحوا. وانتبذ أمامهم، فأقام ناحية منهم.
فلما رأى عمرو بن العاص ما صنع لم يشك أن الفتح يكون له. فقال لأبي بكر: أنا أعلم بهذه البلاد من علي، وفيها ما هو أشد علينا من بني سُليم وهي الضباع والذئاب، فإن خرجت علينا خفت أن تقطِّعنا، فكلِّمْه يخلي عنا نعلو الوادي. فانطلق فكلّمه فأطال، فلم يجبه علي حرفاً واحداً، فرجع إليهم فقال: لا والله ما أجابني حرفاً واحداً. فقال عمرو بن العاص
لعمر: أنت أقوى عليه. فانطلق عمر فخاطبه، فصنع به مثل ما صنع بأبي بكر ، فرجع فأخبرهم، فقال عمرو بن العاص : إنه لا ينبغي أن نضيع أنفسنا، انطلقوا بنا نعلو الوادي. فقال له المسلمون: لا والله ما نفعل وأمرنا رسول الله صلّي الله عليه و آله أن نسمع لعلي ونطيع، فنترك أمره ونطيع لك ونسمع. فلم يزالوا كذلك حتى أحس علي بالفجر ، فكبس القوم وهم غارون، فأمكنه الله تعالى منهم، ونزلت على النبي صلّي الله عليه و آله «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا» إلى آخرها. فبشِّر أصحابه بالفتح ، وأمرهم أن يستقبلوا أمير المؤمنين، فاستقبلوه والنبي يقدمهم ، فقاموا له صفِّين، فلما بصُر بالنبي صلّي الله عليه و آله ترجَّل عن فرسه ، فقال له النبي صلّي الله عليه و آله: اركب فإن الله ورسوله عنك راضيان (1). فبكى أمير المؤمنين فرحاً، فقال له النبي صلّي الله عليه و آله: يا علي لولا أنني أشفق أن تقول فيك طوائف من أُمَّتي ما قالت النصارى في المسيح عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك (2). انتهى (3).
وأما رواية الحافظ ابن شهر اشوب:
فقد قال في كتابه مناقب آل أبي طالب:
1) في مجمع الزوائد 131/9 وكنز العمال 93/15 (مسند أبي رافع) أن رسول الله صلّي الله عليه و آله بعث عليًّا مبعثاً، فلما قدم قال له رسول الله صلّي الله عليه و آله: الله ورسوله وجبريل عنك راضون
2) في مجمع الزوائد 131/9 أن رسول الله صلّي الله عليه و آله قال لعلي: والذي نفسي بيده لولا أن يقول فيك طوائف من أمتي بما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمر بأحد من المسلمين إلا أخذ التراب من أثر قدميك يطلب البركة
3) كتاب الإرشاد، ص 86 ط الحيدرية
فصل: فيما ظهر منه عليه السّلام في غزاة السلاسل.
السلاسل اسم ماء. أبو القاسم بن شبل الوكيل وأبو الفتح الحفار بإسنادهما عن الصادق عليه السّلام. ومقاتل والزجاج ووكيع والثوري والسدي وأبو صالح وابن عباس:
أنه أنفذ النبي صلّي الله عليه و آله أبا بكر في سبعمائة رجل، فلما صار إلى الوادي وأراد الانحدار فخرجوا إليه فهزموه، وقتلوا من المسلمين جمعاً كثيراً، فلما قدموا على النبي صلّي الله عليه و آله بعث عمر فرجع منهزماً. فقال عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول الله، فإن الحرب خدعة، ولعلّي أخدعهم. فبعثه فرجع منهزماً.
وفي رواية: أنه أنفذ خالداً فعاد كذلك، فساء النبي ذلك، فدعا عليًّا وقال أرسلته كرَّاراً غير فرار. فشيَّعه إلى مسجد الأحزاب، فسار بالقوم متنكباً عن الطريق، يسير الليل ويكمن بالنهار، ثم أخذ على محجة غامضة، فسار بهم حتى استقبل الوادي من فمه، ثم أمرهم أن يحكموا الخيل، وأوقفهم في مكان وقال: لا تبرحوا. وأنتبذ أمامهم وأقام ناحية منهم، فقال خالد (وفي رواية: قال عمرو): أنزلنا هذا الغلام في واد كثير الحيات والهوامّ والسباع، إما سبع يأكلنا أو يأكل دوابنا، وإما حيّات تعقر دوابنا، وإما يعلم بنا عدونا فيأتينا ويقتلنا. فكلّموه نعلو الوادي. فكلّمه أبو بكر فلم يجبه، فكلّمه عمر فلم يجبه، فقال عمرو بن العاص: إنه لا ينبغي أن نضيع أنفسنا، انطلقوا بنا نعلو الوادي. فأبى ذلك المسلمون.
ومن روايات أهل البيت عليهم السّلام: أنه أبت الأرض أن تحملهم.
قالوا: فلما أحسَّ عليه السّلام الفجر قال: اركبوا بارك الله فيكم. وطلع الجبل، حتى إذا انحدر على القوم وأشرف عليهم قال لهم: اتركوا عكمة دوابكم. قال: فشمّت الخيل ريح الإناث فصهلت. فسمع القوم صهيل خيلهم فولّوا هاربين.
وفي رواية مقاتل والزجاج: إنه كبس القوم وهم غارون، فقال: يا هؤلاء أنا رسول رسول الله إليكم أن تقولوا: لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله ، وإلّا ضربتكم بالسيف. فقالوا: انصرف عنا كما انصرف ثلاثة، فإنك لا تقاومنا. فقال عليه السّلام: إنني لا أنصرف، أنا علي بن أبي طالب، فاضطربوا وخرج إليه الأشداء السبعة، وناصحوه وطلبوا الصلح، فقال عليه السّلام : إما الإسلام وإما المقاومة. فبرز إليه واحد بعد واحد، وكان من أشدّهم آخرهم وهو سعد بن مالك العجلي، وهو صاحب الحصن، فقتلهم فانهزموا، ودخل بعضهم في الحصن، وبعض استأمنوا، وبعضهم أسلموا وأتوه بمفاتيح الخزائن قالت أم سلمة انتبه النبي صلّي الله عليه و آله من القيلولة، فقلت: أجارك الله ما لَك؟ فقال: أخبرني جبرئيل بالفتح، ونزلت «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا»...
فبشر النبي صلّي الله عليه و آله أصحابه بذلك وأمرهم باستقباله والنبي تقدّمهم، فلما رأى علي النبي صلّي الله عليه و آله ترجَّل عن فرسه ، فقال النبي صلّي الله عليه و آله: اركب ، فإن الله ورسوله عنك راضيان. فبكى علي فرحاً ، فقال النبي صلّي الله عليه و آله: يا علي لولا أني أشفق أن تقول فيك طوائف من أُمتي ما قالت النصارى في المسيح... الخبر (1).
1) مناقب آل أبي طالب 328/2 ط الحيدرية
ثم ذكر أبيات العوفي وهي خمسة، وبعدها أبيات الحميري وهي أربعة قالها في نظم غزاة السلسلة.
لقد قرأنا في مجموع الروايتين الآنفتي الذكر حديث تلك الغزاة، وقد اختلف في إجماله وتفصيل الرواة، فكانت الحصيلة هي:
1 - أن الغزوة إنما كانت بسبب مجيء مخبر النبي صلّي الله عليه و آله يخبره بأن عدواً بيّت أمراً للمسلمين.
2 - أن النبي صلّي الله عليه و آله ندب و رجالاً من الصحابة للقيادة، فلم يكتب لهم النجاح في كسب المعركة.
3- أن النبي صلّي الله عليه و آله أرسل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وعلى يديه تم الفتح المبين.
4 - أن النبي صلّي الله عليه و آله و استقبل الإمام عليه السّلام عند رجوعه وقرّضه بما هو أهله.
5 - وجود غنائم كسبها المسلمون.
6 - نزول سورة «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا» في تلك الغزوة.
وهذا الذي حصلنا عليه من قراءة التراث الشيعي، لا نجد منه شيئاً يذكر في التراث السنّي عند الحديث عن تلك الغزاة، وما قد نجده مذكوراً وموافقاً لبعض ما مرَّ فقد انعقدت على سمائه سحب كثيفة تعمي على الناظر فيه موقعه الصحيح، لذلك لا بد من استعراض ما ورد في ذلك
التراث لغرض الموازنة بين ما ورد عند الفريقين ومعرفة ما يعين على النظر فيما ينقل فيهما في سابقها ولاحقها ومدى الاطمئنان إليها والأخذ بمروياتها.
من الواجب علينا أن نتحرى المصادر فيما يخص حديث هذه الغزاة - ذات السلاسل -، ولما كانت كثيرة متنوعة، وبينها من البعد ما بين وأدناها، فلا بد من تحرِّي المصادر الأولية التي يمكن الاعتماد عليها، لنقرأها كيف صوَّرت الغزاة وأبطالها وأحداثها، ثم ننظر في بعض المصادر الثانوية لنُري القارئ كيف تفاوت النقل عند أصحابها، حتى حدث التحوير والتزوير من دون براعة في التصوير.
ومهما يكن فقد اخترنا من المصادر الأولية في السيرة والمغازي: مغازي الواقدي، والطبقات الكبير لابن سعد كاتب الواقدي، ثم السيرة النبوية لابن هشام، وهي تلخيص ما جاء عن ابن إسحاق.
ومن المصادر الثانوية في ذلك: السيرة النبوية لابن كثير، والسيرة الحلبية، والسيرة الدحلانية، وعيون الأثر لابن سيد الناس، وإمتاع الأسماع للمقريزي، والمواهب اللدنية وشرحها، وأخيراً فقه السيرة لمحمد الغزالي.
ومن المصادر الأولية في التاريخ تاريخ اليعقوبي المتوفى بعد 292 ه-، وتاريخ الطبري المتوفى 310 ه-.
ومن المصادر الأولية في الحديث صحيح البخاري وصحيح مسلم
وسنن أبي داود.
ومن المصادر الثانوية مجمع الزوائد وكنز العمال.
ومن المصادر الثانوية في التفسير: أسباب النزول للواحدي، وأسباب النزول للسيوطي، وتفسير الدر المنثور له أيضاً.
ماذا في تلك المصادر؟
لدى مراجعة ما ورد فيها وجدناه متفاوتاً إجمالاً وتفصيلاً، ونحن نختار أولاً نموذجاً واحداً نسلسل ما جاء فيه، لأنه أوفى ما ورد فيه حديث تلك الغزوة بتفصيل، وهو ما جاء في مغازي الواقدي (1)، وإليك حديثه، قال:
غزوة ذات السلاسل : حدثني ربيعة بن عثمان، عن ابن رومان. وحدثني أفلح بن سعد عن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقيش، عن أبي بكر بن حزم. وحدثني عبد الحميد بن جعفر.
فكل قد حدثني منه طائفة، وبعضهم أوعى للحديث من بعض، فجمعت ما حدثوني، وغير هؤلاء المسمّين قد حدثني أيضاً:
(1) قالوا: بلغ رسول الله صلّى الله عليه و آله أن جمعاً من بَلِيّ وقضاعة قد تجمعوا يُريدون أن يَدنوا إلى أطراف رسول الله صلّى الله عليه و آله ، فدعا رسول الله صلّى الله عليه و آله عمرو ابن العاص فعقد له لواءً أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه في سَراة المهاجرين والأنصار .
1) المغازي للواقدي، ص 769-774
مواقف أمير المؤمنين عليه في نصرة الإسلام
(2) في ثلاثمائة - عامر بن ربيعة، وصُهيب بن سنان، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، وسعد بن أبي وقّاص، ومن الأنصار: أسَيد بن حضَير، وعَبّاد بن بِشر، وسَلَمة بن سَلامة، وسعد بن عُبادة.
(3) وأمره أن يستعين بمن مرَّ به من العرب، وهي بلاد بَليّ وعُذْرة وبَلْقَين.
(4) وذلك أن عمرو بن العاص كان ذا رحِم بهم، كانت أم العاص ابن وائِل بَلَوِيّة، فأراد رسول الله صلّى الله عليه و آله أن يتألفهم بعمرو.
(5) فسار وكان يكمن النهار ويسير الليل، وكانت معه ثلاثون فَرَساً، فلما دنا من القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً.
(6) فنزل قريباً منهم عِشاءً وهم شاتون، فجمع أصحابه الحطب يريدون أن يصطلوا - وهي أرض باردة - فمنعهم، فشق ذلك عليهم حتى كلّمه في ذلك بعض المهاجرين فغالظه، فقال عمرو: أُمِرتَ أن تسمع لي وتُطيع! قال: فافعل!
(7) وبعث رافع بن مكيث الجُهَني إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله يخبره أن لهم جمعاً كثيراً ويستمده بالرجال، فبعث أبا عُبيدة بن الجراح وعقد له لواءً، وبعث معه سَراة المهاجرين - أبي بكر وعمر رضي الله عنهما - والأنصار، وأمره رسول الله صلّى الله عليه و آله أن يلحق عمرو بن العاص. فخرج أبو عُبيدة في أن مائتين، وأمره أن يكونا جميعاً ولا يختلفا، فساروا حتى لحقوا بعمرو بن العاص، فأراد أبو عُبيدة أن يَؤُم الناس ويتقدم عمراً، فقال له عمرو: إنما
قدمت عليَّ مدداً لي وليس أن تؤمَّني، وأنا الأمير، وإنما أرسلك النبي صلّى الله عليه و آله إليَّ مَدَداً.
(8) فقال المهاجرون: كلاً، بل أنت أمير أصحابك، وهو أمير أصحابه. فقال عمرو: لا، بل أنتم مدد لنا. فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف - وكان حسن الخُلق ليّن الشّيمة - قال: لتطمئن يا عمرو، وتعلمنَّ أن آخر ما عهد إلي رسول الله صلّى الله عليه و آله أن قال: «إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا»، وإنك والله إن عَصَيتني لأطيعنَّك!
(9) فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس.
(10) فآب إلى عمرو جمعٌ - فصاروا خمسمائة -
(11) فسار الليل والنهار حتى وَطئ بلاد بَلِيّ ودَوّخها، وكلما انتهى إلى موضعٍ بلغه أنه كان بهذا الموضع جمع، فلما سمعوا به تفرقوا.
(12) حتى انتهى إلى أقصى بلاد بِلىّ وعُذرة وبلقين، ولقي في آخر ذلك جمعاً ليس بالكثير.
(13) فقاتلوا ساعةً وتراموا بالنبل، ورُمي يومئذٍ عامر بن ربيعة بسهم فأُصيب ذراعه.
(14) وحمل المسلمون عليهم فهربوا ، وأعجزوا هرباً في البلاد وتفرقوا.
(15) ودوّخ عمرو ما هناك، وأقام أياماً لا يسمع لهم بجمع ولا بمكان صاروا فيه.
(16) وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، وكانوا ينحرون ويذبحون، لم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تقسَّم إلا ما ذُكر له.
(17) وكان رافع بن أبي رافع الطائي يقول: كنت فيمن نفر مع أبي عبيدة بن الجرَّاح، وكنت رجلاً أغير في الجاهلية على أموال الناس، فكنت أجمع الماء في البيض - بيض النعام - فأجعله في أماكن أعرفها فإذا مررت بها وقد ظمئتُ استخرجتها فشربت منها . فلما نفَرت في ذلك البعث قلت: والله لأختارنّ لنفسي صاحباً ينفعني الله به، فاخترت أبا بكر الصديق فصحبته، وكانت له عباءة فدكية، فإذا ركب خلّها، عليه بخلال، وإذا نزلنا بسطها. فلما قفلنا قلت: يا أبا بكر ، رحمك الله! علمني شيئاً ينفعني الله به. قال: قد كنت فاعلاً ولو لم تسألني، لا تُشرك بالله، وأقم الصلاة، وآت الزكاة، وصُم رمضان، وحج البيت واعتمر، ولا تتأمّر على اثنين من المسلمين. قال: قلت: أما ما أمرتني به من الصلاة والصوم والحج فأنا فاعله، وأما الإمارة فإني رأيت الناس لا يُصيبون هذا الشرف وهذا الغنى وهذه المنزلة عند رسول الله صلّى الله عليه و آله وعند الناس إلا بها. قال: إنك استنصحتني فجهدت لك نفسي، إن الناس دخلوا في الإسلام طوعاً وكرهاً، فأجارهم الله من الظلم، وهم عُوّاد الله وجيران الله، وفي أمانته، فمن أخفر فإنما يخفر الله في جيرانه، وإن شاة أحدكم أو بعيره ليذهب فيظل ناتئاً عَضَله غضباً لجاره، والله من وراء جاره.
قال: فلما تُوفّي رسول الله صلّى الله عليه و آله واستُخلف أبو بكر رضي الله عنه،
فجئتُه فقلت: يا أبا بكر، ألم تَنهني أن أتأمَّر على اثنين؟ قال: بلى، وأنا على ذلك! قال: فما لك تأمّرت على أُمَّة محمد؟ قال: اختلف الناس وخشيت عليهم الهلاك، ودعوا إليّ فلم أجد لذلك بُداً (1).
(18) قال: وكان عَوف بن مالك الأشجعي رفيقاً لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما معهما في رَحلهما، فخرج عوف يوماً في العسكر فمرَّ بقوم بأيديهم جزور قد عجزوا عن عملها، فكان عوف عالماً بالجزر، فقال: أتعطوني عليها وأقسمها بينكم؟ قالوا: نعم نعطيك عُشيراً منها. فنحرها ثم جزاها بينهم، وأعطوه منها جزءاً، فأخذه فأتى به أصحابه، فطبخوه وأكلوا منه، فلما فرغوا قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: من أين لك هذا اللحم ؟ فأخبرهما، فقالا: والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا. ثم قاما يتقيآن، فلما فعل ذلك أبو بكر وعمر فعل ذلك الجيش، وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لعوف: تعجّلت أجرك! ثم أتى أبا عُبيدة فقال له مثل ذلك.
(19) وكان عمرو بن العاص حين قفلنا احتلم في ليلةٍ باردةٍ كأشد ما يكون من البرد، فقال لأصحابه: ما ترون؟ قد والله احتلمتُ، وإن اغتسلت مُتّ! فدعا بماءٍ فتوضأ وغسل فرجه وتيمم، ثم قام فصلىّ بهم.
(20) فكان أول من بعث عوف بن مالك بريداً.
(21) قال عوف بن مالك: فقدمت على رسول الله صلّى الله عليه و آله في السَّحَر
1) أخرج الطبراني حديث رافع 22/5. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 352/9، وقال: ورجاله ثقات
وهو يصلي في بيته، فسلّمت عليه، فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: عوف بن مالك؟ قلت: عوف بن مالك يا رسول الله! قال صاحب الجزور؟ قلت: نعم. ولم يزد على هذا شيئاً.
(22) ثم قال: أخبرني! فأخبرته بما كان في مسيرنا وما كان بين أبي عبيدة بن الجراح وبين عمرو بن العاص ومطاوعة أبي عبيدة، فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح! ثم أخبرته أن عمراً صلى بنا وهو جُنُبٌ ومعه ماء لم يزد على أن غسل فرجه بماء وتيمم، فسكت رسول الله صلّى الله عليه و آله
(23) فلما قدم عمرو بن العاص على النبي صلّى الله عليه و آله سأله عن صلاته فأخبره، فقال: والذي بعثك بالحق لو اغتسلت لمت، لم أجد قط برداً مثله، وقد قال الله: «وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا»، فضحك رسول الله صلّى الله عليه و آله، ولم يبلغنا أنه قال شيئاً (1).
هذا ما جاء في مغازي الواقدي، نقلناه بلفظه، وقد وضعنا أرقاماً تميزٌ وحدات كلامه، فبلغت ثلاث وعشرين وحدة، تسهيلاً علينا وعلى القارئ لمقارنة ما سيذكره غير الواقدي ممن أخذ عنه مباشرة أو بالواسطة، واستغناءاً عن الإعادة، وليعرف القارئ مدى التفاوت - بل والتناقض - في تلك المصادر.
1) المغازي للواقدي، ص 669 - 774 ، تحقيق الدكتور مارسدن جونس. مطبعة اكسفورد
أولاً : ما جاء في طبقات ابن سعد:
قال: ثم سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل وهي وراء وادي القرى. وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلّي الله عليه و آله (1).
ثم ذكر الوحدات التالية: 1، 3، 5، 7، 9، 12، 14، 20، بتصرف لا يكشف عن حسن نيّة، وقد كان المفروض فيه أن يذكر ذلك كما رواه هو عن شيخه الواقدي كما في إسناده في أول السيرة، ثم يشير إلى ما رواه عن غيره مما فيه تفاوت.
وللتدليل على سوء الظن برواية ابن سعد لاحظ الوحدة 14 من كلام الواقدي إلى الوحدة 20 تجد أن ابن سعد اختزلها بحرَّة من القلم، فقال: فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا ثم قفل، وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم.
وهكذا طوى حقائق مهمة ذات دلالات معيّنة، فراجع بنفسك الوحدات التي لم يذكرها ابن سعد، وهي: 2، 4 ، 6 ، 8، 10 ، 11، 13، 15 ، 16، 17 ، 18 ، 19 ، 21 ، 22 ، لتقف بنفسك على مدى أمانة الرجل.
ثانياً: ما جاء في سيرة ابن هشام:
قال: وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بني عذرة،
1) الطبقات الكبير لابن سعد ج 94/1/2
وكان من حديثه: أن رسول الله صلّى الله عليه و آله بعثه يستنفر العرب إلى الشام، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت امرأة من بَليٍ، فبعثه رسول الله صلّى الله عليه و آله إليهم يستألفهم لذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلسل - وبذلك سمّيت تلك الغزوة غزوة ذات السلاسل - فلما كان عليه خاف، فبعث إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله يستمده، فبعث إليه رسول الله صلّى الله عليه و آله أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين، فيهم أبو بكر وعمر، وقال لأبي عبيدة حين وجّهه: لا تختلفا ...
ثم ذكر المنازعة في أمر الصلاة وانتهى إلى قوله: فصلَّى عمرو بالناس.
قال: وكان من الحديث في هذه الغزاة أن رافع بن أبي رافع ... وذكر حديثه، فلاحظ الوحدة 17 من رواية مغازي الواقدي، وثمة فرق يسير.
وانتهى إلى قوله: فما حملك على أن تلي أمر الناس؟ قال: لا أجد من ذلك بُداً، خشيت على أمة محمد صلّى الله عليه و آله الفرقة...
ثم ذكر عن ابن إسحاق حديث عوف بن مالك الأشجعي ، فلاحظ الوحدة 18 من رواية مغازي الواقدي.
وانتهى إلى قوله: ثم قاما يتقيآن ما في بطونها من ذلك.
قال – عوف - : فلما قفل الناس من ذلك السفر كنت أول قادم على رسول الله صلّى الله عليه و آله ، قال : فجئته وهو يصلي، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. قال عوف بن مالك؟ قال: قلت: نعم بأبي أنت وأمي. قال: صاحب الجزور؟ ولم يزدني رسول الله صلّى الله عليه و آله
على ذلك (1).
هذا الذي ذكره ابن هشام على ما فيه من تفاوت في اللفظ، إلا أنه أقرب إلى رواية المغازي للواقدي، وقد طوى حديث احتلام عمرو وصلاته بالناس جنباً ، (لاحظ الوحدة 19 ، 22 ، 23).
وأما ما جاء في المصادر الثانوية من كتب السيرة:
فمنها: ما جاء في السيرة النبوية لابن كثير:
قال: غزوة ذات السلاسل: ذكرها الحافظ البيهقي هاهنا قبل غزوة الفتح ، فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من مشارف الشام في بَليٍ وعبد الله ومن يليهم من قضاعة.
قال عروة بن الزبير: وبنو بليٍ أخوال العاص بن وائل، فلما صار إلى هناك خاف من كثرة عدوه، فبعث إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله يستمده.
ثم ذكر المدد بقيادة أبي عبيدة في جماعة من سراة المهاجرين منهم أبو بكر وعمر.
ثم ذكر منازعة عمرو أبا عبيدة في الإمرة، وقول المهاجرين له: بل أنت أمير أصحابك ، وأبو عبيدة أمير المهاجرين . فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددته.
وانتهى إلى قوله : فسلّم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص (2).
ثم ذكر حديث الواقدي في المغازي (الوحدات التالية برقم 10 ، 11، 12، 13 ، 14 ، 15 ، 16 . ثم ذكر حديث احتلام عمرو بن العاص وصلاته بالناس جُنُباً نقلاً عن سنن أبي داود، وسيأتي ذكر ذلك عند قراءة ما في كتب التفسير والحديث.
ثم عاد إلى النقل عن الواقدي، فذكر الوحدات التالية: 19، 20، 21، 22، 23.
ثم ذكر عن ابن إسحاق حديث عوف بن مالك الأشجعي ونحر الجزور، وقد مرَّ عن سيرة ابن هشام نقلاً عن محمد بن إسحاق وتعقبه بقوله : وهو منقطع بل معضل.
ثم حكى عن البيهقي الاختلاف في أسانيد هذا الحديث والتفاوت في متنه، وحكى عنه أيضاً حديث عمرو بن العاص الذي سيأتي تخريجه في الصحيحين، وسنشير هنالك إلى التزيد في رواية البيهقي، فانتظر (1).
ومنها: ما جاء في السيرة الحلبية:
ذَكَر حديث الغزوة من دون ذكر حديث رافع ابن أبي رافع مع أبي بكر، ومن دون حديث عوف الأشجعي في نحر الجزور، ولما كان قد ذكر حديث احتلام عمرو وصلاته بالمسلمين جنباً بروايته نفسه وذكر سؤال النبي صلّي الله عليه و آله له عن ذلك، فقال: يا عمرو وصليت بأصحابك وأنت جُنب؟ فقلت: والذي بعثك بالحق إني لو اغتسلت [ لمت ] ، لم أجد برداً قط مثله، وقد قال
1) السيرة النبوية لابن كثير 516/3 - 521
الله تعالى «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» فضحك صلّي الله عليه و آله.
ثم قال البرهان الحلبي صاحب السيرة: ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن صلاة الصحابة خلفه، فإني لم أقف على أنه صلّي الله عليه و آله أمرهم بالقضاء (1).
ومنها: ما جاء في السيرة الدحلانية:
فقد ذكر حديث الغزوة، وذكر نحو ما في السيرة الحلبية، فلم يذكر حديث رافع مع أبي بكر، ولا حديث عوف الأشجعي في نحر الجزور، ولا مجيئه إلى النبي بريداً، ولا حديث احتلام عمرو وصلاته بالناس جنباً، بل ختم الحديث عنها بما رواه الشيخان عن عمرو بن العاص في سؤاله: أي الناس أحب إليك؟ (2)، وفيه تزيد لم يرد في رواية الشيخين، وسيأتي التنبيه على ذلك في محله.
ومنها: ما جاء في عيون الأثر لابن سيد الناس:
فقد ذكر عن السهيلي بعض مقدمات الغزوة، وسكت عن حديث رافع مع أبي بكر في شأن الولاية، وحديث عوف الأشجعي حول نحر الجزور، وانتهى إلى ما ذكره عن ابن سعد في ختام ذكره الواقعة. وذكر بعده بإسناده إلى أحمد بن حنبل بسنده عن عامر - الشعبي - قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله جيش ذات السلاسل ، فاستعمل أبا عبيدة على المهاجرين، واستعمل عمرو بن العاص على الأعراب، وقال لهما: تطاوعا. قال: فكان يؤمرون أن يغيروا على بكر، فانطلق عمرو وأغار على قضاعة، لأن بكراً أخواله.
قال: فانطلق المغيرة بن شعبة إلى أبي عبيدة، فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه و آله قد استعملك علينا، وإن ابن فلان قد اتبع أمر القوم، فليس لك معه أمر. فقال أبو عبيدة: إن رسول الله صلّى الله عليه و آله أمرنا أن نتطاوع، فأنا أطيع رسول الله صلّى الله عليه و آله وإن عصاه عمرو (1).
أقول: وهذا الذي ذكره مسنداً عن أحمد سنعود إليه، والعود أحمد.
ومنها: ما جاء في إمتاع الأسماع: وهو كما مرَّ عن مغازي الواقدي إلا الوحدة (2) التي جاء فيها عدد وأسماء جماعة من المهاجرين والأنصار، والوحدة (17) التي فيها حديث رافع مع أبي بكر (2).
ومنها: ما جاء في شرح المواهب اللدنية:
وهو مجموع أشتات مروية عن ابن إسحاق والواقدي كما مرَّ عنهما، ونقل عن البلاذري أن عَمراً قتل من قضاعة وغيرهم مقتلة عظيمة وغنم، وقال الزرقاني: وهذا يعضده قوله صلّى الله عليه و آله: يغنمك الله ويسلمك. كما روى عن ابن راهويه والحاكم وابن حبان بعض النتف، وختم ذلك بما رواه الشيخان عن عمرو بن العاص وسؤاله أي الناس أحب إليك؟ (3)
وهذا سيأتي بيان زيفه، وسخف المتمسكين به عند كشفه.
ومنها: ما جاء في فقه السيرة لمحمد الغزالي:
ساق حديث الغزوة باقتضاب، ولم يسنده عن مصدر، وليس فيه ما يسترعي الانتباه إلا قوله : فلما وصل أبو عبيدة قال له عمرو: إنما جئت لي مدداً. فقال له أبو عبيدة : لا ، ولكن أنا على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه (1).
أقول: وقول أبي عبيدة: (لا) في نفي أن يكون مدداً فيه مكابرة لا تخفى، مع أنه لم يأت إلا لذلك، فكيف يوصف باللين وسهولة الأخلاق مَن تبلغ به الحال إلى حد المكابرة؟!
وإلا قوله : ومع أن عَمْراَ دوّخ أولئك الأعراب وشتَّت شملهم ، إلا أنه لم يلقهم في معركة حاسمة.
وهذا اعتراف بأن عَمْراً لم يصنع شيئاً حاسماً، فلا مانع من أن يكون الرسول صلّى الله عليه و آله أرسل بعده من حسم الموقف المصلحة المسلمين، وهذا ما تقوله الرواية الشيعية.
وإلا قوله بعد ذكره قصة احتلام ،عمرو، وقول الرسول صلّى الله عليه و آله له: يا عمرو صلَّيتَ بأصحابك وأنت جُنُب؟
قال الغزالي: وفقه عمرو في هذه المسألة صحيح، فإن التيمم يجوز إذا كان استعمال الماء مظنّة الضرر.
أقول: وهذا إنما يصح إذا ثبت التيمم، ولكن ذلك غير ثابت،
1) فقه السيرة، ص 281
وسيأتي مزيد بيان عن ذلك.
هذه هي مصادر المغازي والسيرة، ولا بد من قراءة لما جاء في كتب التاريخ.
من ذلك ما جاء في:
1- تاريخ اليعقوبي: قال: وبعث رسول الله صلّى الله عليه و آله عمرو بن العاص على جيش إلى ذات السلاسل من أرض الشام، وبها ناس من بني عذرة وبلي وقبائل من اليمن، وكان معه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، وأعطاه مالاً وقال: استنفر من قدرت عليه. فلما شارف القوم نهاهم أن لا يوقدوا ناراً، فشق ذلك على المسلمين لشدة القرّ، فقال: قد أمركم رسول الله صلّى الله عليه و آله أن تسمعوا لي وتطيعوا. فكلّموا أبا بكر في ذلك، فأتى عَمراً فلم يأذن له، فصاح به أبو بكر: يا بن بياعة العباء، اخرج إليّ. فأبى، قال: يا بن دباغة القرظ اخرج إلي. فأبى، فلما كان السحر أغار عليهم، فأصاب وظفر، فقال لأبي بكر: فكيف رأيت رأي ابن بيَّاعة العباء؟
وصلّى عمرو بن العاص بالناس وهو جُنُب، فلما قدموا على رسول الله صلّى الله عليه و آله و أخبره أبو عبيدة بن الجراح، فقال عمرو: يا رسول الله كان البرد شديداً، ولو اغتسلت لمت. فضحك رسول الله صلّى الله عليه و آله (1).
2- تاريخ الطبري: قال: (غزوة ذات السلاسل) وحدثنا ابن حميد
1) تاريخ اليعقوبي 59/2
قال: حدثنا سلمة قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله عمرو بن العاص إلى أرض بلي وعذرة يستنفر الناس إلى الشام، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت امرأة من بلي، فبعثه رسول الله إليهم يستألفهم بذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جُذام يقال له السلاسل - وبذلك سمّيت تلك الغزوة ذات السلاسل - فلما كان عليه خاف، فبعث إلى رسول الله يستمده، فبعث إليه رسول الله صلّى الله عليه و آله أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهم، وقال لأبي عبيدة حين وجَّهه: لا تختلفا. فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو بن العاص: إنما جئت مدداً لي. فقال أبو عبيدة: يا عمرو إن رسول الله قد قال لي: لا تختلفا. وأنت إن عصيتني أطعتك. قال: فأنا أمير عليك، وإنما أنت مدد لي. قال: فدونك. فصلَّى عمرو بن العاص بالناس (1).
ونظرة عابرة فيما ذكره اليعقوبي والطبري نجد التفاوت بينها كبيراً وكثيراً، فاليعقوبي يقول : وكان معه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وأعطاه مالاً...
والطبري لا يذكر ذلك كله، بل يجعل بعث أبي بكر وعمر تحت قيادة أبي عبيدة بعد أن خاف عمرو واستمدَّ النبي صلّى الله عليه و آله، فأمدَّه بأبي عبيدة.
واليعقوبي يذكر تعيير أبي بكر لابن العاص: يا بن بياعة العباء. يا بن دباغة القرظ.
والطبري لا يذكر ذلك، ولم أقف عليه عند غير اليعقوبي، وربما
1) تاريخ الطبري 32/3 ط محققة
حُذف حفاظاً على مكانة الرجلين.
واليعقوبي يذكر أنه أغار سحراً، فأصاب وظفر.
والطبري لا يذكر شيئاً من ذلك، بل وحتى غير الطبري من المؤرخين لا يذكرون أن عَمْراً أصاب وظفر.
واليعقوبي ذكر صلاة عمرو بالناس وهو جُنُب.
والطبري لم يذكر شيئاً من ذلك.
ولتنبيه القارئ فإن الطبري روى حديثه عن ابن إسحاق، وقد مرَّ في بعض مصادر السيرة والمغازي عن ابن إسحاق ما يغاير رواية الطبري، فراجع، فيا ترى ممن التلاعب؟
فمنها ما جاء في:
-1صحيح البخاري: فقد ذكر : باب غزوة ذات السلاسل وهي غزوة لخم وجذام، قاله إسماعيل بن أبي خالد، وقال ابن إسحاق: عن يزيد عن عروة: هي بلاد بَلي وعُذرة وبني القين.
حدّثنا إسحاق، أخبرنا خالد بن عبد الله عن خالد الحذّاء عن أبي عثمان، أن رسول الله صلّى الله عليه و آله بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها . قلت: ثم من؟ قال: عمر فعدَّ رجالاً، فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم.
هذا كل ما ذكره في هذا الباب، وهو - كما ترى - ليس فيه أي شيء عن الغزوة زماناً ومكاناً وحدَثاً وما جرى فيها، وما ذكره من الحديث فهو مرسل كما جزم به الإسماعيلي، لكن ابن حجر في الفتح قال: صورته مرسل، لكنه موصول، لقوله بعد ذلك: فأتيته.
أقول: وهذا شأن علماء التبرير ، ولا يهمّنا مرسلاً كان أم موصولاً، فهو حديث ساقط، لأن مداره على خالد الحذاء، وهذا الرجل مرَّ شرح حاله في حديث الطير ، فراجع ستجده كان شرطياً لبني أمية بالبصرة، وكان على العشور، وكان عريف ،قومه، وكأن يأخذ من أصحاب الكمأة – العشر - ، كما تجد قول أحمد فيه: لم يسمع من أبي عثمان النهدي. وقول أبي حاتم: يُكتب حديثه ولا يحتج به ... إلى غير ذلك، فراجع.
ولا يفوتني التنبيه على أن البخاري ذكر هذا الحديث بسنده عن خالد الحذاء وعن أبي عثمان في باب فضل أبي بكر ، وهو الحديث السابع من الباب، ولابن حجر في شرحه فتح الباري في البابين كلام فيه تصعيد وتصويب وتشريق وتغريب استماتة منه في توجيه الحديث، ولكنها جعجعة بلا طحين، وما الحاجة إلى ذلك ما دام صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله عند قومه، وما دام من روى عنه البخاري فقد جاز القنطرة، حتى ولو كان شرطياً لبني مروان، كخالد الذي لم يسمع من أبي عثمان، وأبو عثمان رواه مرسلاً، ولو بقينا مع حديث البخاري فإنا نجده عند ابن النجار وقد رواه بصورة أوسع، وفي آخره إشادة بفضل الإمام عليه السّلام، فاقرأ ما عند ابن النجار، حيث قال:
عن عمرو بن العاص قال: لما قدمت من غزوة ذات السلاسل - وكنت أظن أن ليس أحد أحب إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله مني - فقلت: يا رسول الله أيّ الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: إني لست أسألك عن النساء؟ قال: أبوها إذن. قلت: فأي الناس أحب إليك بعد أبي بكر؟ قال: حفصة. قلت: لست أسألك عن النساء؟ قال: أبوها إذن. قلت يا رسول الله فأين علي؟ فالتفت إلى أصحابه فقال: إن هذا يسألني عن النفس (1).
أقول : فإما أن يكون الحديث صحيحاً فلماذا بتره البخاري، وترك شرّاحه في حيرة من أمره؟ أو لا يكون صحيحاً فلماذا ذكره؟ أما أن يكون بعضه صحيحا وبعضه غير صحيح فهو من غلبة الهوى.
2- صحیح مسلم: ذكر ما تقدم في باب مناقب أبي بكر (2)، وقد بيّنا سابقاً أن الحديث مداره على خالد الحذاء شرطي بني مروان بالبصرة العشّار وعريف قومه، ومن يكتب حديثه ولا يحتج به، و... و... و... فلا حاجة إلى التطويل فيه لسقوط الحديث سنداً - كما تبين - وإن اتفق عليه الشيخان.
3- سنن أبي داود: عقد أبو داود في سُننه باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ وساق فيه حديثين كما يلي:
1 - عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي
الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلّى الله عليه و آله فقال: يا عمرو صليتَ بأصحابك وأنت جُنُب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول «وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا». فضحك رسول الله صلّى الله عليه و آله ولم يقل شيئاً.
قال الألباني: صحيح وعلّقه البخاري (1).
2 - عن أبي قيس - مولى عمرو بن العاص - أن عمرو بن العاص كان على سريّة... وذكر الحديث نحوه. قال: فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم... فذكر نحوه ولم يذكر التيمم.
قال الألباني: صحيح.
أقول: ما دام رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول لعمرو: (صليتَ وأنت جُنب) كيف يكون الحديث الأول وفيه قول عمرو: (فتيمَّمت) صحيحاً؟ أليس صاحب الشريعة هو الذي علّم المسلمين أن الصعيد أحد الطهورين، والمتيمم لا يبقى جنباً؟ أليس القائل لأبي ذر: يا أبا ذر إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك (2).
إذن إما أن يكون قول عمرو: (فتيممتُ) كذباً ليصح قوله صلّى الله عليه و آله صلّيت وأنت جنب.
وإما أن يكون قول عمرو: (فتيممت) صحيحاً، فلا يصح أن يقال
لعمرو إنه جنب ما دام قد تيمم، وحاشا الرسول صلّى الله عليه و آله من ذلك.
ولمّا كان الحديث الثاني عند أبي داود خلواً من التيمم، بل فيه (فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم)، وهو حديث صحيح كما عن الألباني، فهو الصحيح إذن، والأول فيه غير صحيح كما لا يخفى.
وقد مرَّ بنا في بعض مصادر السيرة والمغازي حديث الاحتلام، وفي جملة منها قوله صلّى الله عليه و آله: (صليتَ وأنت جُنُب)، وهذا يكشف عن عدم التيمم ، كما أن في بعضها سأل الصحابة الذين كانوا معه عن ذلك، فلم يذكر لهم جواب في المسألة، وهذا إن صح فإنما يدل على جهل كثير منهم بأحكام التيمم كما أن صلاتهم خلف الجنب أعجب وأغرب، ولذا فقد قال الحلبي: ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن صلاة الصحابة خلفه، فإني لم أقف على أنه صلّى الله عليه و آله أمرهم بالقضاء.
ولما كان حديث الاحتلام يثير مشكلة بعد مشكلة، فقد تغافل عنه بعض أصحاب السيرة والمغازي، فلم يذكروه كما مرّ فراجع لئلا يقعوا في مطبَّات يكثر فيها العثار، ولا ينفع معها الاعتذار.
4- مجمع الزوائد: قال: باب سرية بكر بن وائل: عن عامر - يعني الشعبي - بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله جيش ذات السلاسل، فاستعمل أبا عبيدة على المهاجرين، واستعمل عمرو بن العاص على الأعراب، فقال لهما: تطاوعا.
قال: وكانوا يؤمرون أن يغيروا على بكر، فانطلق عمرو فأغار على
قضاعة، لأن بكراً أخواله، فانطلق المغيرة بن شعبة إلى أبي عبيدة فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه و آله استعملك علينا، وإن ابن فلان قد ارتفع أمر القوم، وليس لك معه أمر .
فقال أبو عبيدة : إن رسول الله صلّى الله عليه و آله أمرنا أن نتطاوع، فأنا أطيع رسول الله صلّى الله عليه و آله وإن عصاه عمرو.
رواه أحمد، وهو مرسل، ورجاله رجال الصحيح (1).
أقول: وهذا هو ما تقدم بلفظه في كتب السيرة عن عيون الأثر، ووعدنا بالعودة إليه، فالآن نقول:
1 - إن حديث الشعبي ينسف ما مرَّ - باتفاق - أن أبا عبيدة جاء مدداً بعد أن استمد عمرو رسول الله صلّى الله عليه و آله، وحديث الشعبي يجعل التأمير كان في وقت واحد، وأن إمارة أبي عبيدة كانت على المهاجرين، وإمارة عمرو على الأعراب.
2 - إن حديث الشعبي يثبت أن المسلمين كانوا مأمورين بالإغارة على بكر، وأن عمراً خالف فأغار على قضاعة، حتى استنكر المغيرة بن شعبة - وهو من المهاجرين الذين كانوا تحت إمرة أبي عبيدة - فراجع أبا عبيدة في ذلك، وحذّره مغبّة احتجان عمر و الإمارة لنفسه، واتخاذ القرار لوحده.
لكن أبا عبيدة الذي وصفه علماء التبرير بأنه كان ليّن الشيمة حسن الأخلاق، سلّم لعمرو بحجة قول النبي صلّى الله عليه و آله: (تطاوعا). وغريب منه
1) مجمع الزوائد 206/6
الاحتجاج بذلك، لأن التطاوع تفاعل من الطرفين، أما صنيع أبي عبيدة وتسليمه لعمرو فقد كان محض مطاوعة من جانب واحد.
3 - ثم إن الشعبي طوى نقطة الخلاف وما جرى بين أبي عبيدة وعمرو حتى غلب عمرو، وقد ذكر ذلك أصحاب السير والمغازي، فقالوا: (فصلّى عمرو). وهذا يعني غلبته على أبي عبيدة.
كما طوى ما كان من موقف المهاجرين الرافض لإمرة عمرو، وأن أميرهم إنما هو أبو عبيدة، مما يدل على نشوب خلاف بين المهاجرين وأميرهم من جهة، وبين عمرو أمير الأعراب من جهة أخرى، وقد مرَّ عن مغازي الواقدي مفصلاً، وهكذا تم الأمر لمن غلب.
4 - وطوى الشعبي كثيراً مما ذكره أرباب السير والمغازي من أحداث تقدم ذكرها ، فلا شيء عن بعث ابن العاص رافع بن مكيث الجهني إلى النبي صلّى الله عليه و آله المستمداً ، فأمدّه بأبي عبيدة، وقد مرَّ ذلك مفصلاً كما في مغازي الواقدي.
5- وطوى حديث رافع بن أبي رافع الطائي مع أبي بكر، وقد مرَّ أيضاً عن المغازي وغيرها.
6 - وطوى حديث عوف بن مالك الأشجعي وذبح الجزور، وقد مرَّ كذلك عن مغازي الواقدي وغيرها.
7 - وطوى صلاة عمرو جُنباً بالمسلمين، وهذا كله مرَّ عن كتب السيَر والمغازي والصّحاح، فراجع.
وهنا لا بدّ لنا من وقفة تأمل عند هذه المحطة أو المطبّة الأخيرة، وهي صلاة ابن العاص جُنُباً إماماً لخمسمائة من الصحابة، بمن فيهم سراة المهاجرين، ومنهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعيد بن زيد بن نفيل وسعد ابن أبي وقاص، وهؤلاء خمسة من العشرة المبشرة - عند من يرى صحة حديث البشارة - والمغيرة بن شعبة، مضافاً إلى جماعة من زعماء الأنصار مثل سعد بن عبادة وأسيد بن حضير وعبّاد بن بشر وسلمة بن سلامة وعامر بين ربيعة وصهيب بن سنان وغيرهم.
فهب أنهم رضوا بإمارة عمرو بن العاص عليهم، ولكن كيف رضوا بالصلاة خلفه وهو لم يكن أهلاً لذلك لجهات:
منها : أنه عصى أمر رسول الله صلّى الله عليه و آله - على حد تعبير أبي عبيدة - حين نازعه الإمارة على المهاجرين، وانصاع أبو عبيدة حسماً للنزاع، وقال: (فأنا أطيع رسول الله صلّى الله عليه و آله و إن عصاه عمرو). فما دام عاصياً كيف تجوز الصلاة خلفه لفسقه بعصيانه؟
ولكن علماء التبرير جوّزوا الصلاة خلف كل برّ و فاجر.
وهب أن الصحابة كانوا كذلك، وهب أنهم لم يشترطوا طهارة المولد في إمام الجماعة كما يراه فريق من المسلمين، لأن ابن العاص كان مطعوناً في نسبه، وعُرف باسم أمه النابغة، وكان يُعيّره بذلك غير واحد من الصحابة، وسيأتي في الحديث عن الغزوة برواية الزهري كما في كنز العمال أن عمر بن الخطاب وجد على أبي عبيدة في مطاوعته (لابن النابغة).
قال الحلبي في سيرته: وكان عمرو يُعيَّر بذلك، عيَّره علي وعثمان والحسن وعمار بن ياسر وغيرهم من الصحابة (1)
أقول : لقد ذكر مقتل عثمان في الموضع المشار إليه في 72/2 - 88 ، ولم يوجد شيء مما أوعز إليه، فهل ذكره وحذفته يد الخيانة، حفاظاً على سلامة الرموز وإن كان على حساب الدين والعلم والأمانة، فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
.أقول : ونضيف إليهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن أبي سفيان بن الحارث وأبو الأسود الدؤلي وغانمة بنت غانم وأروى بنت عبد المطلب وغيرهم.
فهب أنهم لم يروا جميع ذلك شرطاً في صحة الائتمام، لكن هلّم الخطب، فهل كانوا أيضاً لا يشترطون الطهارة من الحدث في الصلاة؟
وهل كانوا جميعاً حديثي عهد بالإسلام، فلا يعرفون بَعدُ أحكام الطهارة والصلاة، فهم مثل ابن العاص الذي قيل عنه إنّ سريّته تلك كانت بعد أربعة أشهر من إسلامه؟
ثم ألم يعلموا جميعاً ولم يسمعوا قول النبي صلّى الله عليه و آله: يوم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً، ولا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجل في سلطانه (2).
ألم يكن لأبي عبيدة سلطان على سريته؟ ومما لا شك أن ابن العاص لم يكن له حق التقدم على المهاجرين والأنصار ، لأنه لم يكن له تقدّم عليهم في واحدة من تلكم الصفات، فكيف تقدّم عليهم؟ وكيف انصاع أخيراً أولئك السراة من الصحابة المهاجرين والأنصار وهم مائتان بعد أن أبوا عليه ذلك؟ والصحابة هم الذين رووا لنا قوله صلّى الله عليه و آله: صلاتكم قربانكم ، فلا تقرّبوا بين أيديكم إلا خياركم، ولا صلاة لإمام قوم له كارهون (1).
وأخيراً كيف صلّوا خلفه وهو جنب، وكأنهم لا يعلمون أنه (لا صلاة إلا بطهور)، وقد مرَّ بنا أن الصعيد هو أحد الطهورين، فلماذا لم يأمروه بالتيمم؟ وإن كان علماء التبرير ببراعة التزوير أدخلوا التيمم - قلقاً - في بعض صور الحديث، لكن قول النبي صلّى الله عليه و آله: (صليتَ وأنت جُنبُ) يكفي في ردّ تلك الفرية.
ولقد تجاوز علماء التبرير حدود المعقول والمنقول حين زعموا أن قوله صلّى الله عليه و آله: (صليتَ بأصحابك وأنت جُنُب) فيه دلالة إطلاق اسم الجُنب على المتيمِّم، وجواز صلاة المتيمِّم بالمتوضئين.
قال القرطبي: وهذا أحد القولين عندنا - المالكية - وهو الصحيح، وهو الذي أقرأه مالك في موطئه ، وقُرئ عليه إلى أن مات.
ثم قال: والقول الثاني أنه لا يصلي، لأنه أنقص فضيلة من المتوضئ، وحكم الإمام أن يكون أعلى رتبة، وقد روى الدارقطني من حديث
1) الحور العين للنشوان الحميري، ص 235
جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: (لا يوم المتيمِّم المتوضّئين). إسناده ضعيف (1).
-5 كنْز العمال: ذكر غزوة ذات السلاسل بالسند عن عروة، وقد تقدم ذلك عن عروة برواية ابن كثير في السيرة، بدءاً من خروج عمرو إلى بلي وهم أخوال العاص، إلى نهاية منازعة عمرو بن العاص وغلبته على الإمارة (نقلا عن ابن عساكر) (2).
ثم روى عن الزهري (3)قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله بعثين إلى كلب (وبلقين) (4)وغسان وكفار العرب الذين كانوا بمشارف الشام، وأمَّر على أحد البعثين أبا عبيدة بن الجراح (وهو أحد بني فهر) (5)، وأمَّر على البعث الآخر عمرو بن العاص، فانتُدب في بعث أبي عبيدة أبو بكر وعمر، فلما كان عند خروج البعث دعا رسول الله صلّى الله عليه و آله أبا عبيدة وعمراً، فقال: لا تعاصيا . فلما فصلا من المدينة خلا أبو عبيدة بعمرو فقال له: إن رسول الله صلّى الله عليه و آله عهد إليَّ وإليك أن لا تعاصيا، فإما أن تطيعني وإما أن أطيعك. قال: بل أطعني. فأطاع أبو عبيدة، وكان عمرو أميراً على البعثين كليهما، فوجد عمر من ذلك (وجداً شديداً)، قال: أتطيع ابن النابغة وتؤمِّره على نفسك
وعلى أبي بكر وعلينا؟ ما هذا الرأي؟! فقال أبو عبيدة لعمر: يا بن أُمّ إن رسول الله صلّى الله عليه و آله عهد إليَّ وإليه أن لا تتعاصيا ، فخشيت إن لم أطعه أن أعصي رسول الله صلّى الله عليه و آله، يدخل بيني وبينه الناس، وإني والله لأطيعنَّه حتى أقفل. فلما قفلوا كلّم عمر بن الخطاب رسول الله صلّى الله عليه و آله وشكا إليه ذلك، فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: لن أومِّر عليكم بعد هذا إلا منكم - يريد المهاجرين (كر) (1).
أقول : ولدى المقارنة بين الصورتين نجد اختلافاً كبيراً، فرواية عروة وقد مرَّت عنه في المصادر الأخرى تثبت أن عمراً خاف ، واستمد النبي صلّى الله عليه و آله فأمدّه بأبي عبيدة... إلى آخر ما جرى بينهما.
بينما رواية الزهري تثبت أن النبي صلّى الله عليه و آله و هو الذي بعث البعثين في وقت واحد، وأن أبا عبيدة خلا بعمرو بن العاص عندما فصلا من المدينة، وجرى بينهما حديث توحيد الإغارة - وهذا ما لم يأمر به النبي صلّى الله عليه و آله، وأن عمر بن الخطاب وجد على أبي عبيدة من أجل تأميره ابن النابغة - كما سمّاه - عليه وعلى أبي بكر ، وأن عمر بن الخطاب لما قفلوا كلَّم النبي صلّى الله عليه و آله في ذلك ، فقال صلّى الله عليه و آله: لن أؤمِّر عليكم بعد هذا إلا منكم - يريد المهاجرين.
ولنا أن نقرأ هنا جواب النبي صلّى الله عليه و آله لعمر بإمعان ورويَّة، فندرك أنه صلّى الله عليه و آله عازم في نفسه على بعث آخر يكون فيه المهاجرون ومنهم أبو بكر وعمر، وأن الأمير عليهم سيكون من المهاجرين.
1) كنز العمال 395/10
ولِمَ لا نقرأ ذلك، وقد عاد ابن العاص فاشلاً في قيادته وديانته، فلا بدّ من تدارك لما حصل ببعثٍ يكون الفتح على يديه، بإمرة رجل من المهاجرين، وهذا ما تم فعلاً حسب رواية التراث الشيعي وقد مرّت سابقاً.
ماذا في المصادر الثانوية من كتب التفسير وأسباب النزول؟
لقد أعرضت كتب التفسير الأولية عن ذكر شأن نزول سورة «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً»، وكان أصحابها على اتفاق في ذلك الإعراض، إلا ما جاء معتَّماً عليه بما يوحي من توجيه معيّن لإخفاء الحقيقة كما في بعض المصادر الثانوية.
أما المصادر الأولية مثل تفسير الطبري والذي يعتبر مؤلفه إمام أهل التفسير فلم يذكر شيئاً في شأن نزول السورة، وقد يستفزّ القارئ إذا قلت له: إنّ الطبري ذكر في السورة المذكورة أكثر من ثمانين حديثاً ليس بينها حديث واحد في شأن نزولها، كما أنه لم يذكر مكان نزولها أيضاً! فما ظنّك بمن أتى بعده وأخذ عنه وِرْده.
نعم ذكر بعض المفسرين مكان النزول وأصرّوا على أن السورة مكية، ونسبوا إلى القيل كونها مدنية، ومن هؤلاء القرطبي المالكي، فقد قال في تفسيره: وهي مكية في قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء، ومدنية في قول ابن عباس وأنس بن مالك وقتادة.
ولم يذكر سبب نزولها كما هو شأن بقية المفسرين - وما أقلّهم - الذين ذكروا المكان دون الزمان.
لماذا كل هذا التعتيم؟ فظنَّ خيراً.
ومن المصادر الثانوية التي ذكرت شأن النزول ولكنها أحاطته بالإيهام والإغماض ما جاء في تفسير الدرر المنثور، قال: وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الإفراد وابن مردويه عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله خيلاً، فاستمرت شهراً لا يأتيه منها خبر، فنزلت «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً»، صبحت بأرجلها، ولفظ ابن مردويه ضبحت بمناخيرها «فَالْمُوْرِيَاتِ قَدْحاً» قدحت بحوافرها الحجارة فأورت ناراً، «فَالْمُغِيْرَاتِ صُبْحاً» صبحت القوم بغارة، «فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» أثارت بحوافرها التراب، «فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» صبحت القوم جميعاً (1).
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله سريّة إلى العدو، فأبطأ خبرها فشقّ ذلك عليه، فأخبره الله خبرهم وما كان من أمرهم، فقال:
«وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً» قال: هي الخيل، والصبح نخير الخيل حين تنخر.
«فَالْمُوْرِيَاتِ قَدْحاً» قال: حين تجري الخيل توري ناراً أصابت بسنابكها الحجارة.
«فَالْمُغِيْرَاتِ صُبْحاً» قال: هي الخيل أغارت فصبحَّت العدو.
1) ذكر هذا أيضاً ابن حجر في فتح الباري 357/10 نقلاً عن البزار والحاكم، وقال: وفي إسناده ضعف، وهو مخالف لما رواه ابن مردويه
«فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» قال: هي الخيل أثرن بحوافرها، يقول تعدو الخيل، والنقع الغبار.
«فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» قال: الجمع العدو (1).
ومن قرأ هذين الحديثين لا يجد التصريح باسم الجهة التي فيها العدوّ، ومَن هو العدوّ؟ ومَن هو الأمير على تلك الخيل؟ وإنما الذي يمكن أن يفتح كوة ينفذ منها النور لمعرفة شيء ما عن العدو والجهة والقائد هو نزول سورة «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً»، فلا بد إذن من تتّبع شأن النزول، ولكن ذلك ما أغفله المفسرون أيضاً. لماذا؟
وهذا ما يحمل على إساءة الظن بهم، وأن ثمّة اتفاق عملي غير معلن على التكتم عن شأن نزول السورة.
وحتى إذا ما رجعنا إلى الكتب التي وضعوها لأسباب النزول فلن نجد فيها إجابة السؤال.
وبين يديَّ - فعلاً - اثنان منها هما:
1 - أسباب النزول للسيوطي: وفيه : (سورة العاديات) مكّية، وجميعها محكم. اه-.
فأين سبب النزول؟ يبقى الجواب «بَل هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُور الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ»(2).
2- أسباب النّزول للواحدي: قال: (سورة والعاديات) بسم الله الرحمن الرحيم.
قال مقاتل: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله سريّة إلى حيّ من كنانة، واستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري، فتأخر خبرهم، فقال المنافقون: قتلوا جميعاً. فأخبر الله تعالى عنها، فأنزل «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً» يعني تلك الخيل.
أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا أحمد بن محمد البتي، أخبرنا محمد بن مكي، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا أحمد بن عبدة، أخبرنا حفص بن جميع، أخبرنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه و آله بعث خيلاً فأسهبت شهراً، لم يأته منها خبر، فنزلت «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً» ضبحت بمناخرها ... إلى آخر السورة.
ومعنى أسهبت أمعنت في السهوب وهي الأرض الواسعة جمع سهب، انتهى.
هذا جميع ما ذكره الواحدي، وفي حديثه عن مقاتل خبط وخلط، وربّما كان عن عمد ، لأن المنذر بن عمرو الأنصاري كان النبي صلّى الله عليه و آله بعثه إلى جهات نجد، وقد قُتل شهيداً في سنة أربع في أوّلها يوم بئر معونة، وكان هو أمير تلك السريّة، وحديثه ذكره أبو عمر في الاستيعاب في ترجمته، ومثله ابن حجر في الإصابة، ولم يذكرا نزول أي من القرآن في ذلك اليوم، فأين ذلك من دعوى مقاتل نزول سورة «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً» في ذلك
اليوم؟!
وبناء على صحة دعوى المفسّرين أن السورة مكّية فكيف يصح دعوى نزولها في سرية المنذر التي كانت في أول السنة الرابعة من الهجرة؟!
نعم ذكر في صحيح البخاري في باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة، في الحديث الثالث من الباب، عن أنس بعد ذكر قتلى بئر معونة: قال أنس: فقرأنا فيهم قرآناً، ثم إن ذلك رُفع: (بلّغوا عنا قومنا إنا لقينا ربّنا فرضي عنا وأرضانا)، ولم يأت ابن حجر في شرحه بشيء عن الآية المنسوخة إلّا تفسير (قوله: رفع) أي نسخت تلاوته (1).
وهذا ذكره ابن سعد في الطبقات (2)، وذكره اليعقوبي في تاريخه (3)وغيرهم.
أقول: وهذا الذي زعم أنس أنه كان قرآناً يُتلى ثم رُفع - نسخ - هو الذي نزل في شأن شهداء بئر معونة، وأين هذا المنسوخ من سورة «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً» التي نزلت وتتلى ولم تنسخ.
ويبقى حديث ابن عباس - وهو الثاني مما ذكره الواحدي - فليس فيه تعيين الجهة أو العدو أو القائد، فهو على نحو ما مرَّ من أحاديث التعتيم.
فبعد هذا التطواف في مختلف المصادر من التراث السني، من مغازي وسير وتاريخ وحديث وتفسير، وما جاء فيها مما يتعلق بغزوة ذات السلاسل، وشأن نزول سورة «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً» فلم نجد بينها أي وفاق إلا على ما يُظهر حِنكة عمرو في قيادته، ولو قارنَّا بين النصوص لوجدناها حبكة - وأيّ حبكة - لإظهار تلك الحِنكة، ولكن الباحث الواعي يدرك من خلال تلك النصوص النقاط التالية:
1 - عصيان عمر و الأمر الرسول صلّى الله عليه و آله في غزو الجهة المعّينة لأنهم أخواله.
2 - تمرّده على أمر الرسول صلّى الله عليه و آله في اختلافه مع أبي عبيدة في شأن الإمارة وإقامة الصلاة.
3- صلاته جُنُباً بالمسلمين بمن فيهم سراة المهاجرين والأنصار.
4 - رجوعه بالجيش ولم يفتح ولم يغنم.
5 - وأخيراً سؤال النبي صلّى الله عليه و آله منه عن صلاته جُنُباً فأخبره أنه خشي البرد على نفسه، فضحك النبي صلّى الله عليه و آله. وهنا أُسدل الستار وانتهى كل شيء.
ولم يفسروا لنا رواة الضحكة - التي هي جزء من الحبكة - هل كانت استبشاراً بما صنع من صلاته جُنُباً؟ أو فرحاً باستدلاله بقوله تعالى «وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا» كما في جملة من المصادر التي مرت، وفي بعضها الآخر أنه استدل بقوله تعالى «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
إلَى التَهْلُكَةِ»، ويبدو أن صاحب الحبكة كان نسِيًّا - إذ ليس لكذوب حافظة - فذكر هذه الآية مرة وتلك أخرى.
وما ينقضي عجبي من أولئك الحفاظ الذين أوردوا تلك المرويات، كيف صدَّقوا أن عَمْراً الذي هو حديث الإسلام، إذ لم يمض على إسلامه إلا أربعة أشهر ، متى حفظ القرآن حتى صار يستحضره ويستدل به؟
وما داموا قد زعموا له ذلك فهلاً عمل بما في القرآن مما جاء في آية التيمم، والتي نزلت قبل ذلك التاريخ بسنين، وما يدرينا - لو صدقت الأحلام - بأن النبي صلّى الله عليه و آله إنما ضحك، لأن شر البلية ما يضحك، وأي بليّة أعظم من أن يصلي خمسمائة من أصحابه وفيهم مائتان من سراة المهاجرين والأنصار خلف قائدهم وهو جُنُب ، ولم يتفطنوا إلى أن صلاتهم لا تصح، ما داموا يعلمون ببطلان صلاته لفقدانه الطهارة - ولا صلاة إلا بطهور - فإذا كان هذا إمامهم - وإمام القوم وافدهم إلى الله ، فانظروا مَن تُوفدون - كيف لا تكون تلك بلية؟! فشرّ البلية ما يضحك.
ولقد فات علماء التبرير أن يرقّعوا ما في آخر أحاديثهم، بأنه صلّى الله عليه و آله قد ضحك، لماذا ضحك؟
فلم يذكروا أنه أمر أصحابه بالقضاء، وهذا ما سبّب حرجاً لبعضهم - كما تقدمت الإشارة إليه عن البرهان الحلبي - حتى قال: ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن صلاة الصحابة خلفه، فإني لم أقف على أنه صلّى الله عليه و آله أمرهم بالقضاء.
إلى هنا انتهت حصيلة ما قرأناه في التراث السني.
ولا بد لنا من مقارنة بين الحصيلتين: من التراث الشيعي والتراث السني.
إنا لنظلم أنفسنا قبل أن نظلم القارئ إذا ما أغمضنا النظر عن المقارنة بين الحصيلتين من قراءتنا الفاحصة في التراثين الشيعي والسني حول غزاة ذات السلاسل.
ولقد مرَّت بنا حصيلة ما في التراث الشيعي ملخصة في النقاط التالية:
1 - أن سبب الغزوة كان إخبار مخبر بأن عدواً ينوي أن يهاجم المدينة، فندب النبي صلّى الله عليه و آله المسلمين لغزو عدوّهم.
ولدى مراجعة حصيلة ما في التراث السني نجد الإلماح إلى ذلك في رواية الواقدي فقط: قالوا بلغ رسول الله صلّى الله عليه و آله أن جمعاً من بلي وقضاعة قد جمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله صلّى الله عليه و آله.
وهذا نحو اتّفاق بين الحصيلتين.
2 - أن النبي صلّى الله عليه و آله ندب أبا بكر أولاً، فذهب وعاد، ثم عمر كذلك، ثم عمرو بن العاص.
ولدى مراجعة حصيلة التراث السني نجد فقط ذكر عمرو بن العاص قائداً، ولما صار إلى هناك خاف من كثرة عدوه، فبعث إلى النبي صلّى الله عليه و آله يستمده، وكان المدد بقيادة أبي عبيدة في جماعة من سراة المهاجرين فيهم
أبو بكر وعمر.
3 - أن النبي صلّى الله عليه و آله أرسل لعل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، بعد عودة عمرو ابن العاص فاشلاً . وعلى يديه تمّ الفتح.
ولدى مراجعة حصيلة التراث السني لا نجد لعلي عليه السّلام ذكراً في تلك الغزاة، لا آمراً ولا مأموراً ، وكأنه لم يكن شيئاً مذكوراً، وهذا ما يبعث على الدهشة والاستغراب. كيف يُتناسى ذكره لو كان له حضور؟ وكيف يتجاهل دوره لو كان له دور؟
وهل كان من المتيقّن حضوره، لكن ثمة تحوير وتزوير فتغيَّرت معه معالم الآثار ، واستُبدلت الأسماء والأدوار؟
ربّما، ولماذا لا والتراث الشيعي يدين رموزاً صحابية لها مكانتها في المجتمع، وذلك لا يرضى به الولاة، إذن فلا يرويه الرواة، وما دام الغمز والهمز ينال الصحابة، فلا مانع من تناسي الرواة للقرابة.
سؤال بعد سؤال، فما هي الإجابة؟
هل أنا نجنح إلى ترجيح ما في التراث الشيعي؟ ولماذا لا تحتمل فيه الاختلاق والتزوير؟ ولكن كيف؟
كلا إذ ليس ذلك بقول باحث عن الحق والحق هو الذي يحملنا على تصحيح ما فيه، إذ لا داعي للشيعة في الاختلاق على الإطلاق.
لأن مواقف الإمام الجهادية المتفق عليها بين المسلمين تغني عن تكلّف التزيد بالاختلاق
وفيما أجمع عليه أولياؤه وأعداؤه غنى وكفاية، فاحتمال التزيّد والتزوير واهٍ لا مجال له.
إذن لماذا لفّ الغموض ذكر الإمام عليه السّلام ؟ وماذا وراء الأكمة؟
ولأجل استجلاء الحقيقة لا بدّ لنا من ملاحظة النقاط التالية:
الأولى: هو شأن نزول سورة «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً»، ففى التراث الشيعي أنها نزلت في تلك الغزاة، أما التراث السني - وكما تقدّم - فقد تجاهل شأن النزول صراحةً لا زماناً ولا مكاناً إلا ما ورد في الدر المنثور في أول حديث ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم خيلاً، فاستمرت شهراً لا يأتيه منها ،خبر ، فنزلت «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً».
وفي ثاني حديثيه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم سريّة إلى العدوّ فأبطأ خبرها ، فشق ذلك عليه، فأخبره الله خبرهم وما كان من أمرهم فقال «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً» ...
وقلنا تعقيباً عليها - فيما مرَّ - : إن القارئ لها لا يجد التصريح باسم الجهة أو العدو أو القائد فمن هو الذي نسي أو تناسى كل ذلك؟
واعطف على ذلك ما مرَّ نقله عن الواحدي في حديثه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بعث خيلاً، فأسهبت شهراً لم يأته منها خبر، فنزلت «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً» ...
وإصرار المفسِّرين على ذكر أن السورة مكية إلا من بعضهم فيذكر قولاً إنها مدنية، مؤشِّرٌ آخر على تعمّد الإغفال والاستغفال، ويوحي ذلك
الإصرار مع تجاهل شأن النزول بأن تعتيماً موجهاً ضدّ من نزلت في شأنه. على أن طرح كونها مكية يأباه منطوق السورة فإنه لم يكن بمكة قتال حتى تعدو الخيل ضبحاً، وتوري قدحاً، وتغير صبحاً، وتثير نقعاً...
ولم يغفل عن سدّ هذه الثغرة بعض علماء التبرير فاصطنعوا حديثاً بل أحاديث مردّها اختلاف علي وابن عباس في ذلك، فعليّ يقول - فيما نسبوه إليه -: إن العاديات هي الإبل من عرفة إلى مزدلفة. ونسبوا ذلك إلى ابن مسعود أيضاً، بينما ذكروا عن ابن عباس إصراره على أن الضبح إنما هو للخيل وليس للإبل، حتى ذكر ابن حجر في فتح الباري قوله: وبإسناد صحيح عن ابن عباس: ما ضبحت دابة قط إلا كلب أو فرس (1).
أقول: ومما يكشف عن زيف طرحهم بأنها مكية أن قوله تعالى «فَالْمُغِيْرَاتِ صُبْحاً» يأبى أن تكون العاديات هي الإبل من عرفة إلى المزدلفة، لأن الإفاضة من هناك إنما هي عند الغروب وليس صبحاً، فلاحظ.
إذن فشأن نزول السورة ومنطوق آياتها له اتساق تام مع ما ذكر في التراث الشيعي، وإنما يكون قد أغفل عن عمد التصريح بذلك في التراث السني.
الثانية: ما ورد في التراث الشيعي من تكريم الرسول صلّي الله عليه و آله لابن عمه علي عليه السّلام بعد عودته ظافراً منصوراً، وقد استقبله ومعه المسلمون، فقاموا له صَفّين، فلما بصر بالنبي صلّي الله عليه و آله ترجَّل عن فرسه، فقال له النبي صلّي الله عليه و آله:
1) فتح الباري 357/10
اركب فإن الله ورسوله عنك راضيان.
وإذا رجعنا إلى التراث السني نجد قول الرسول صلّي الله عليه و آله هذا مذكوراً مع إغفال متعمد للمناسبة واستغفال للقارئ، فقد ورد في مجمع الزوائد وكنز العمال (مسند أبي رافع):
إن رسول الله صلّي الله عليه و آله بعث عليًّا مبعثاً ، فلما تقدّم قال له رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم: الله ورسوله وجبريل عنك راضون (1).
أو ليس من حقِّنا أن نسأل الرواة لذلك: أين كان المبعث الذي بعثه؟ لماذا أخفوه؟ وماذا كان عليهم لو صرَّحوا به؟ إذن إنما هو الذي مرَّ عن التراث الشيعي، وكان في عودته من غزاة ذات السلاسل، وهذا ما لا يروق للولاة ذكره، فعلى الرواة إذن ستره.
الثالثة: لقد مرَّ في التراث الشيعي تقريض صدر من النبي صلّي الله عليه و آله، لم يُرْوَ مثله في حق أي أحد من الصحابة، وذلك قوله: لولا أنني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك.
وإذا رجعنا إلى التراث السني نبحث فيه عن ذلك التقريض نجده مروياً في مجمع الزوائد وغيره، ولفظه : أن رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم قال لعلي: والذي نفسي بيده لولا أن يقول فيك طوائف من أمتي بما
1) مجمع الزوائد 131/9 . كنز العمال 93/15
قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بأحد من المسلمين إلا أخذ التراب من أثر قدميك يطلب البركة (1).
وهذا المروي في التراث السني أجهز على ذكر المناسبة التي قال فيها صلّي الله عليه و آله قوله ذلك، إذ لا يعقل أن يقول ذلك التقريض الذي لم يقرّض بمثله أحداً من الصحابة من دون سبب يستدعي ذلك.
فما هو السبب؟ ولماذا غصّ الرواة بذكره؟
هذه هي النقاط التي توحي بالإجابة عن جميع التساؤلات التي مرَّت، وفي مقدمتها حضور الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، في تلك الغزاة، ونجاحه في مهمته بعد فشل غيره، خصوصاً عمرو بن العاص الذي كان فاشلاً فشلاً ذريعاً في سلوكه وقيادته وديانته.
ولما كان حضور الإمام يمثّل الفصل الأخير من الرواية، فما أيسر حذفه بالمرة، فيتعامى رواة التراث السني عن ذكره ودوره، فأسدلوا عليه حجاب الشنّآن، وانتهى إلى النسيان، فلم يذكروا للإمام خبراً ولا أثراً.
لكن نزول سورة «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً» فضح المؤامرة الدنيئة بين الولاة والرواة.
وبقيت الشواهد الأخرى مؤشرات ذات دلالات على دور الإمام عليه السّلام.
1) مجمع الزوائد 131/9
وأخيراً لا ننسى لقول الرسول الأكرم صلّي الله عليه و آله لعمر بعد أن شكا إليه ما لاقوه من عمرو بن العاص : (لن أؤمِّر عليكم بعد هذا إلا منكم) يريد المهاجرين كما مرَّ في التراث السني عن كنز العمال، فإن قوله صلّي الله عليه و آله ذلك يكشف عن نيّته وعزمه على إرسال بعث آخر يتلافى به ما لحق بالمسلمين من وهن، وتكون إمارة لرجل من المهاجرين، فمن هو ذلك الأمير؟ ومتى كان ذلك البعث؟ هذا ما يتفق في إشارته مع رواية التراث الشيعي، وأن الأمير كان هو الأمير عليه السّلام ، والبعث هو غزاة ذات السلاسل.
«فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» (1).
«وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (2).
«إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أَوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللّأعِنُونَ» (3).
ومما كان في السنة الثامنة أيضاً:
2- غزوة فتح مكة: وهي في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة،
ذكر الشيخ المفيد في الإرشاد (1)والأربلي في كشف الغمّة (2)مواقف الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في ذلك الفتح المبين، وإلى القارئ بعضاً مما ذكراه بلفظ الأربلي، فقال:
غزوة الفتح وهي التي توطّد أمر الإسلام بها، وتمهَّد الدين بما منَّ سبحانه على نبيّه فيها وإنجاز (إنجازه خ ل) وعده في قوله «إِذا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ» إلى آخرها ، وقوله تعالى «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» الآية، وكانت الأعين إليها ممتدة، والرقاب متطاولة، وكتم النبي صلّي الله عليه و آله أمره حين أرادها، وأخبر به عليًّا عليه السّلام، فكان شريكه في الرأي، وأمينه على السرّ، ثم عرّف أبا بكر وجماعة من أصحابه بعد ذلك، وجرى الأمر في ذلك على حال ما زال أمير المؤمنين منفرداً بالفضل فيها. فمن ذلك أن حاطب بن أبي بلتعة - وكان من أهل مكة وشهد بدراً - كتب إلى أهل مكة كتاباً يطلعهم على سرِّ رسول الله صلّي الله عليه و آله ومسيره إليهم، فجاء الوحي إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله بما فعل، وكان أعطى الكتاب امرأة سوداء، كانت وردت المدينة مستميحةً، وأمرها أن تأخذ على غير الطريق.
فاستدعي صلّي الله عليه و آله عليَّا عليه السلام وقال : إن بعض أصحابي قد كاتب أهل مكة يخبرهم بخبرنا، وقد كنت سألت الله أن يعمّي أخبارنا عليهم، والكتاب مع امرأة سوداء، وقد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك والحقها، وانتزع الكتاب منها وخلّها وعد إلي. وأنفذ الزبير معه.
فمضيا وأدركا الامرأة، وسبق إليها الزبير، وسألها عن الكتاب فأنكرته وحلفت، فقال الزبير: ما أرى معها كتاباً يا أبا الحسن، فارجع بنا إلى رسول الله نخبره ببراءة ساحتها . فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: يخبرني رسول الله صلّي الله عليه و آله أن معها كتاباً ، ويأمرني بأخذه وتقول: لا كتاب معها.
ثم اخترط سيفه وقال: والله لئن لم تخرجي الكتاب لأضربنّ عنقك. فقالت: إذا كان كذلك فاعرض عني حتى أخرجه. فأعرض بوجهه فكشفت وجهها وأخرجته من عقيصتها، فأخذه أمير المؤمنين صلّي الله عليه و آله، وصار به إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله، فأمر أن ينادي بالصلاة جامعة، فنودي واجتمعوا ثم صعد المنبر وأخذ الكتاب فقال: أيها الناس إني كنت سألت الله عزّ اسمه أن يخفي أخبارنا عن قريش، وإن رجلاً كتب إلى أهله يخبرهم خبرنا، فليقم صاحب الكتاب وإلا فضحه الوحي، فلم يقم أحد، فأعاد ثانية فقام حاطب وهو يرعد كالسعفة، وقال: أنا صاحب الكتاب، وما أحدثتُ نفاقا بعد إسلامي، ولا شكاً بعد يقيني.
فقال له صلّي الله عليه و آله: فما الذي حملك على ذلك؟ فقال: إن لي أهلاً بمكة ولا عشيرة لي بها، وخفت أن تكون الدايرة لهم علينا، فيكون الكتاب كفًّا لهم عن أهلي، وبداً لي عليهم، ولم يكن لشك مني في الدين. فقال عمر: يا رسول الله مرني بقتله فقد نافق. فقال: إنه من أهل بدر، ولعل الله اطلع عليهم فغفر لهم، أخرجوه من المسجد.
فجعل الناس يدفعونه في ظهره ويخرجونه، وهو يلتفت إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله ليرق له، فردَّه، وقال: قد عفوت عنك، فاستغفر ربك، ولا تعد لمثل ما
جنيت.
وهذه المنقبة لاحقة بمناقبه عليه السّلام، وفيها من جدّه في إخراج الكتاب من المرأة، وعزيمته في ذلك، وأن النبي صلّي الله عليه و آله لم يثق في ذلك إلا به، وأنفذ الزبير معه، لأنه في عداد بني هاشم من قبل أمه صفية بنت عبد المطلب، فأراد أن يتولى سرّه أهله، وكان للزبير شجاعة وفيه إقدام، ونسبه متصل بنسب أمير المؤمنين، فعلم أنه يساعده على أمره، وكان الزبير تابعاً لعلي مع أنه خالف الصواب في تنزيهها من الكتاب، فتدارك ذلك علي عليه السّلام.
وفي ذلك من الفضيلة والمنقبة ما تفرّد به ولم يشاركه فيه أحد، وقد ذكر هذه القضية بقريب من هذه الألفاظ جماعة غير المفيد.
و كان النبي صلّي الله عليه و آله أعط على الراية يوم الفتح سعد بن عبادة، وأمره أن يدخل بها مكة أمامه، فأخذها سعد وهو يقول: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة.
فقال بعض القوم للنبي صلّي الله عليه و آله: أما تسمع ما يقول سعد، والله إنا نخاف أن تكون له اليوم صولة في قريش. فقال صلّي الله عليه و آله: أدرك يا علي سعداً فخذ الراية منه وادخل بها أنت.
قلت: هكذا ذكره أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه، فاستدرك به صلّي الله عليه و آله ما كاد يفوت من صواب التدبير بتهجم سعد، وإقدامه على أهل مكة، وعلم أن الأنصار لا توافق على عزل سيدها وأخذ الراية منه إلا بمثل علي عليه السّلام، ولأن حاله في ذلك كما لو أخذها النبي صلّي الله عليه و آله في
جلالة قدره ورفيع مكانه، وهذا عزل خير من ولاية، فإن من كان بحيث لا يقوم مقامه ولا يسدّ مسدّه إلا علي عليه السّلام، فله أن يطاول الأفلاك ويفاخر الأملاك، ولو كان في الصحابة من يوافق الأنصار على عزل صاحبها به لاختاره لذلك وندبه إليه، ولكنه أبو حسن عليه السّلام القائم مقام نفسه المشارك (به خ) له في نوعه وجنسه صلى الله عليهما والهما الطاهرين.
وكان عهد رسول الله صلّي الله عليه و آله ألا يقاتلوا بمكة إلا من قاتلهم سوى نفر كانوا يؤذونه، فقتل أمير المؤمنين عليه السّلام منهم الحويرث بن نفيل بن كعب، وكان يؤذي رسول الله صلّي الله عليه و آله بمكة. وبلغه عليه السّلام أن أخته أم هاني قد آوت ناساً من بني مخزوم، فيهم الحارث بن هشام وقيس بن السائب، فقصد اله دارها وهو مقنع بالحديد، فنادى: أخرجوا من آويتم.
فخرجت إليه أم هاني وهي لا تعرفه، فقالت: أيا عبد الله أنا أم هاني بنت عم رسول الله وأخت علي بن أبي طالب، انصرف عن داري. فقال: أخرجوهم. فقالت: والله لأشكونّك إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله. فرفع المغفر عن رأسه فعرفته.
فجاءت تشتد حتى التزمته، وقالت: فديتك حَلفت لأشكونّك إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله. فقال : اذهبي فبرّي قسمك فإنه بأعلى الوادي.
قالت: فجئت إلى النبي صلّي الله عليه و آله وهو في قبة يغتسل وفاطمة تستره، فلما سمع رسول الله صلّي الله عليه و آله كلامي قال: مرحباً بك يا أم هاني وأهلاً. قلت: بأبي أنت وأمي أشكو إليك ما لقيت من علي اليوم. فقال رسول الله صلّي الله عليه و آله : قد
أجرتُ من أجرتِ. فقالت فاطمة: إنما جنت يا أم هاني تشكين عليًّا في أنه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله. فقال النبي صلّي الله عليه و آله : قد شكر الله سعي علي، وأجرتُ من أجارت أم هاني لمكانها من علي.
ولما دخل صلّي الله عليه و آله المسجد وجد فيه ثلاثمئة وستين صنماً، بعضها مشدود ببعض بالرصاص، فقال: أعطني يا علي كفاً من الحصا. فناوله كفاً رماها به وهو يقول «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» . فلم يبق فيها صنم إلا خرّ لوجهه، وأخرجت من المسجد وكُسّرت.
3- يوم الغميصاء مع بني جذيمة: جاء في سيرة ابن هشام تحت عنوان (مسير خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، ومسير علي رضوان الله عليه لتلافي خطأ خالد).
قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعياً، ولم يبعثه مقاتلاً، ومعه قبائل من العرب سليم بن منصور ومدلج بن مرة، فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا. قال ابن إسحاق: فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك، فكتفوا ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد.
قال ابن إسحاق: ... ثم دعا رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال، حتى إنه ليدي لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال علي رضوان الله عليه حين فرغ منهم: هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يود إليكم؟ قالوا: لا. قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطاً لرسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون. ففعل، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فأخبره الخبر فقال: أصبت وأحسنت.
قال: ثم قام رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم، فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه حتى إنه ليُرى ما تحت منكبيه يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد (ثلاث مرات) (1).
أقول: لقد ذكر هذه الواقعة من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والتاريخ والسير: البخاري في كتاب بدء الخلق في باب بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، وفي كتاب الأحكام في باب إذا قضى الحاكم بجور، وفي كتاب الجزية والموادعة مع أهل الحرب في باب إذا قالوا: صبأنا. وفي
1) سيرة ابن هشام بهامش الروض الأنف 284/2 . وفي تاريخ الطبري 67/3 – 68: لیری بياض ما تحت منكبيه
كتاب الدعوات في باب رفع الأيدي في الدعاء
وفي جميعها يروي الحديث عن ابن عمر.
وأخرجه النسائي في سُننه باب الرد على الحاكم إذا قضى بغير الحق (1).
وأخرجه أحمد في مسنده (2)، والطحاوي في مشكل الآثار (3)، وابن سعد في الطبقات (4)، وابن جرير في تاريخ الأمم والملوك (5)، وابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة خالد بن الوليد (6).
وغير هؤلاء كثيرون، وقد ذكروا أن النبي صلّي الله عليه و آله تبرّأ مما صنع خالد مرتين، أول مرة عندما بلغه الخبر، ومرة أخرى عندما عاد الإمام علي عليه السّلام، وفي كل مرة يتبرأ من ذلك يقول ثلاثاً: اللهم إني أبرأ مما صنع خالد.
ولعل تبرأه في المرة الثانية لما سمع الملاحاة التي وقعت بين عبد الرحمن بن عوف وخالد في ذلك التهوّر من خالد وكذبه على النبي صلّي الله عليه و آله بمحضره.
فقد ذكر المتقي الهندي في كنز العمال وغيره أنه عاب عبد الرحمن
ابن عوف على خالد ما صنع...
إلى أن قال عبد الرحمن يا خالد! أخذتَ بأمر الجاهلية، قتلتهم بعمِّك الفاكه، قاتلك الله .
وأعانه عمر بن الخطاب على خالد...
إلى أن قال عبد الرحمن: ويحك يا خالد، ولو لم أقتل قاتل أبي كنت تقتل قوماً من المسلمين بأبي في الجاهلية؟! قال: ومن أخبرك أنهم أسلموا؟ فقال: أهل السرية كلهم يخبرون أنك قد وجدتهم قد بنوا المساجد، وأقرّوا بالإسلام، ثم حملتهم على السيف.
قال: جاءني أمر رسول الله صلّي الله عليه و آله أن أغير عليهم، فأغرت عليهم بأمر رسول الله صلّي الله عليه و آله. فقال عبد الرحمن: كذبت على رسول الله صلّي الله عليه و آله. وغالط عبد الرحمن، وأعرض رسول الله صلّي الله عليه و آله عن خالد وغضب عليه الحديث. قال: أخرجه الواقدي وابن عساكر (1).
أقول: وهذا الإعراض عن خالد والغضب عليه يعني أنه كذب على النبي صلّي الله عليه و آله بمحضره، يستدعي أن يقوم النبي صلّي الله عليه و آله مستقبل القبلة شاهراً يديه كما مرَّ، ويقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد.
ولم تكن تلك الشنعاء من خالد بالأولى والأخيرة، فقد تبعتها شنعته الثانية مع أناس من خثعم، وقد استعصموا بالسجود فقتلهم ، فوداهم النبي صلّي الله عليه و آله(2).
وثالثة الأثافي قتله مالك بن نويرة، وجعل رأسه ثالثة الأثافي، ودخوله بزوجته في ليلته، حتى استنكر فعلته الشنعاء المسلمون بمن فيهم عمر بن الخطاب، فتكلم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته.
ولما أقبل خالد... قد غرز في عمامته أسهما ، قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ، ثم قال: أرثاء (!) قتلت امراً مسلماً ثم نزوت على امرأته؟ والله لأرجمنّك بأحجارك (1).
وذكر ابن حجر في الإصابة في ترجمة خالد أن أبا بكر كره فعل خالد من قتله مالك ونكحه امرأته، وعرض الدية على متمم بن نويرة، وأمر خالد بطلاق امرأة مالك، ولم ير أن يعزله، وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد.
أقول: ومع هذا كله أعطى له من لا حريجة له في الدين ظلماً وعدواناً لقب (سيف الله)، وهو لقب للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، لقّبه به رسول الله صلّي الله عليه و آله.
فقد أخرج أبو سعيد الخركوشي في شرف النبوة، وعنه المحب الطبري في ذخائر العقبى عن أنس بن مالك قال: صعد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم المنبر فذكر قولاً كثيراً ثم قال: أين علي بن أبي طالب؟ فوثب
1) تاريخ الطبري 280/3 ط محققة، 502/2ط الاستقامة السيرة النبوية لابن كثير591/3 - 592
إليه فقال: ها أنذا يا رسول الله . فضمّه إلى صدره وقبّل بين عينيه، وقال بأعلى صوته : هذا أبو السبطين الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، هذا مفرّج الكروب عني، هذا أسد الله وسيفه في أرضه على أعدائه، على مبغضه لعنة الله ولعنة اللاعنين، والله منه بريء، فمن أحبّ أن يبرأ من الله ومني فليبرأ من علي، وليبلِّغ الشاهد الغائب، ثم قال: اجلس يا علي، قد عرف الله لك ذلك (1).
ونحن نقول: اللهم إنا نبرأ إليك ممن أبغض عليًّا ، اللهم إنا نوالي عليًّا ونوالي وليه ونعادي عدوّه.
4- يوم حنين : قال الله سبحانه وتعالى «وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَدَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ» (2).
قال الشيخ المفيد في الإرشاد : يعني بالمؤمنين عليًّا ومَن ثبت معه من بني هاشم (3).
قال جابر بن عبد الله الأنصاري بايعنا رسول الله صلّي الله عليه و آله تحت الشجرة على أن لا نفرّ، ولم نبايعه على الموت، فأنسيناها يوم حنين حتى نودي: (يا
أصحاب الشجرة)، فرجعوا (1).
وقال سلمة بن الأكوع: بايعنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم على الموت.
قال الترمذي: وكلا الحديثين صحيح، لأن بعضهم بايع على أن لا يفرّ، ولم يذكروا الموت، وبعضهم قال: أبايعك على الموت (2).
وإلى هذا الموقف المهزوز المهزوم أشار القرآن الكريم كما في الآيات السابقة.
وقال أصحاب السير والتاريخ: ولم يثبت مع النبي صلّي الله عليه و آله إلا تسعة من بني هاشم، وعاشرهم أيمن ابن أم أيمن، وقد استشهد رحمه الله، وأما التسعة فهم علي - وكان يضرب بين يدي النبي صلّي الله عليه و آله حتى قَتل أربعين رجلاً بيده (3)- والعباس بن عبد المطلب عن يمينه آخذ بلجام البغلة، والفضل بن العباس عن يساره، وأبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند نفر بغلته، ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعبد الله بن الزبير بن عبدالمطلب، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب حوله، وفي ذلك يقول العباس بن عبد المطلب في شعر له منه قوله:
نصرْنا رسولَ اللهِ في الحربِ تسعة *** وقد فرَّ مَن قد فرَّ عنه وأقشعوا
وعاشرُنا لاقى الحِمامَ بسيفِه *** بما مسَّه في اللهِ لا يتوجَّعُ (1)
أقول : لقد وردت أبيات العباس في جملة من المصادر، وفي بعضها تفاوت في ذكر عدد من ثبت، ففي الاستيعاب: نصرنا رسول الله في الحرب سبعة ... وثامننا ...
وقال ابن إسحاق: السبعة: علي، والعباس، والفضل بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث، وابنه جعفر، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، والثامن أيمن بن عبيد.
قال ابن عبد البر: وجعل غير ابن إسحاق في موضع أبي سفيان عمر ابن الخطاب، والصحيح أن أبا سفيان بن الحارث كان يومئذ معه لم يختلف فيه، واختلف في عمر (2).
وورد نحو ذلك في معارف ابن قتيبة من دون ذكر عمر (3).
وذكر ابن رشيق القيرواني في العمدة أربعة أبيات، وقد علق محقق الكتاب - محمد محي الدين عبد الحميد - على قول العباس: (سبعة)، فقال: أثبت التاريخ أن المسلمين في غزوة حنين لما انهزموا أمام هوازن وثقيف ومن لفّ لفّهم من الأعراب، بقي مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ثمانية رجال، وهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، والفضل بن
العباس، وأبو سفيان بن الحارث، وأخوه ربيعة بن الحارث، ومعتب بن أبي لهب (؟) (1).
أقول: من الغرابة بمكان أن يزعم المحقق المذكور ذلك، إذ تعوزه الدقة، لأن التاريخ لا يثبت باتفاق اسم أبي بكر وعمر مع الذين ثبتوا مع النبي صلّي الله عليه و آله، بل الذي أثبته التاريخ باتفاق أسماء الهاشميين، وليس معهم من غيرهم إلا أيمن ابن أم أيمن حاضنة النبي صلّي الله عليه و آله، فهو معدود منهم أيضاً.
أما أبو بكر وعمر فقد مرّ عن ابن عبد البر في الاستيعاب قوله: (وجعل غير ابن إسحاق في موضع أبي سفيان عمر بن الخطاب، والصحيح أن أبا سفيان كان يومئذ معهم لم يختلف فيه، واختلف في عمر). ولم يذكر اسم أبي بكر.
ويكشف عن عدم وجود أبي بكر وعمر معهم قول ابن كثير في سيرته، بعد ذكره لبني هاشم قال: ومن الناس من يزيد فيهم قثم بن العباس ورهطاً من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر (2).
ولما كان من المعلوم تاريخياً أن قثم كان يوم وفاة النبي صلّي الله عليه و آله صغيراً، فكيف يُعدّ مع المدافعين عن النبي صلّي الله عليه و آله يوم حنين وهي قبل وفاته بسنتين؟ فتبين أن ذلك المجهول من الناس الذي زاد اسم قثم كان حاطب ليل في أسماء من زادهم.
فعلى هذا يبقى قول المعلق المحقق: (أثبت التاريخ) يعوزه الإثبات كما
يعوزه هو التثبت.
ولو كان لهما حضور مع الذين ثبتوا لذكر لنا مقامهما المشهود كما ذكر مقام غيرهم ممن ذكرناه من بني هاشم، وليس بدعاً لو لم يكونا ثبتا مع النبي صلّي الله عليه و آله، فقد سبق لهما أن فرّا يوم أُحد، ورجعا منهزمين يوم خيبر كما مرَّ.
ولعل مما يسترعي الانتباه أن ذلك المجهول من الناس الذي ذكر أن (رهطاً من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر) كانوا مع الذين ثبتوا لم يذكر اسم عثمان عثمان معهم، فلماذا ؟ فهل كان حاله كيوم أُحد، ، وقد مرَّ قوله صلّي الله عليه و آله لما جاء عثمان بعد الوقعة بثلاث: (لقد ذهبت فيها عريضة)، فراجع حديث ابن مسعود الذي ذكرناه في وقعة أُحد.
وفي حديث أبي قتادة وقد أخرجه البخاري قال: وانهزم المسلمون فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمْرُ الله (1).
فكل زعم بحضور غير من ذكرنا من بني هاشم مع النبي صلّي الله عليه و آله يوم حنين هو زعم باطل، ويدفعه أيضاً قول مالك بن عبادة الغافقي:
لم يُواسِ النبيِّ غيرُ بَني *** هاشم عندَ السيوفِ يومَ حُنينِ
هرَبَ الناسُ غيرَ تسعةِ رهطٍ *** فهُمُ يهتفونَ بالناسِ أين
ثم قاموا معَ النبيِّ على الموتِ *** فأبوا زيناً لنا غيرَ شينِ
1) السيرة النبوية لابن كثير 624/3
وثوى أيمنُ الأمينُ مِنَ القومِ *** شهيداً فاعتاضَ قُرَّةَ عَينِ
قال المقريزي في إمتاع الأسماع: قال الحارث بن نوفل: فحدثني الفضل بن العباس قال: التفت العباس يومئذ - وقد أقشع الناس عن بكرة أبيهم - فلم يرَ عليًّا فيمن ثبت، فقال: شوهة وبوهة، أو في مثل هذا الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول الله صلّي الله عليه و آله؟ وهو صاحبه فيما هو صاحبه (يعني المواطن المشهورة له). فقلت: بعض قولك لابن أخيك؟ أما تراه في الرهَجَ؟ قال: أشعره لي يا بنيّ. قلت: هو ذو كذا، وذو كذا ذو البردة.
قال: فما تلك البرقة؟ قلت سيفه يرفل به بين الأقران. فقال: برّ ابن برّ، فداه عم وخال. قال: فضرب علي يومئذ أربعين مبارزاً كلهم يقده حتى يقدّ أنفه وذكره. قال: وكانت ضرباته منكرة (1).
قال المفيد والإربلي: وجاء رجل من هوازن على جمل ومعه راية سوداء في رأس رمح طويل أمام القوم، إذا أدرك ظفراً من المسلمين أكبّ عليهم ، وإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه من المشركين، فاتبعوه وهو يرتجز:
أنا أبو جرول لا بَراحُ *** حتى نبيحَ القومَ أو نُباحُ
فصمد له أمير المؤمنين، فضرب عجز بعيره فصرعه، ثم ضربه
1) إمتاع الأسماع، ص 408
فقطره (1). ثم قال:
قد عَلمَ القومُ لدى الصباحِ *** أنيَ في الهيجاءِ ذو نصاحِ
فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول لعنه الله، ثم التأم المسلمون وصفوا للعدو، فقال رسول الله صلّي الله عليه و آله: اللهم إنك أذقتَ أول قريش نكالاً، فأذق آخرهم وبالا.
وتجالدوا فقام النبي صلّي الله عليه و آله في ركائبه ، فقال: الآن حمي الوطيس (2)، وقال:
أنا النبيُّ لا كَذِبْ *** أنا ابنُ عبدِ المطلبْ
فما كان أسرع من أن ولّى القوم أدبارهم، وجيء بالأسرى مكتفين.
ولما قتل أمير المؤمنين أبا جرول ووضع المسلمون سيوفهم فيهم قتل أمير المؤمنين عليه السّلام، منهم أربعين رجلاً (3)، ثم كانت الهزيمة والأسر حينئذ (4).
وفي هذه الغزاة قسّم النبي صلّي الله عليه و آله الغنائم، وأجزل القسم للمؤلفة قلوبهم كأبي سفيان (5)
وقال المقريزي في إمتاع الأسماع، ص 405 (تحقيق محمود محمد شاكر، ط مصر سنة 1941م): وكان قد خرج رجال من مكة على غير دين ينظرون على من تكون الدائرة فيصيبون من الغنائم، منهم أبو سفيان بن حرب، ومعه معاوية بن أبي سفيان، خرج ومعه الأزلام في كنانته، وكان يسير في أثر العسكر، كلما مرّ بتُرس ساقط أو رمح أو متاع حمله حتى أوقر جمله، وصفوان بن أمية، ومعه حكيم بن حزام بن هشام وعبد الله بن ربيعة. فلما كانت الحرب وقفوا خلف الناس.
وجاء في تاريخ الطبري في حديث ابن إسحاق قال: ولما انهزم الناس ورأى مَن كان مع رسول الله صلّي الله عليه و آله من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. والأزلام معه في كنانته، وصرخ كلدة بن الحُنبل - وهو مع أخيه صفوان بن أمية بن خلف وكان أخاه لأمه، وصفوان يومئذ مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلّى الله عليه و آله - فقال: ألا بطل السحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت فضَّ الله فاك، فوالله لأن يُربّني رجل من قريش أحب إلي من أن يُربني رجل من هوازن.
وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ثاري- وكان أبوه قتل يوم أُحد - اليوم أقتل محمداً. قال: فأردت رسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشّى فؤادي، فلم أطق ذلك، وعلمت أنه قد مُنع مني.
لاحظ سيرة ابن هشام 443/2 ط الثانية محققة للسقا والأبياري وشلبي
ومعاوية ابنه، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم، وقد1) يقال : قطره أي ألقاه على إحدى قطريه أي جانبيه
2) الوطيس: التنور ، واستعير للحرب إذا اشتدت. ويقال: إنها لم تسمع إلا منه عليه السّلام
3) تفسير القرطبي 99/8
4) الإرشاد، ص 75 ، كشف الغمة 222/1 ط دار الأضواء ببيروت 1405ه-
5) ذكر ابن كثير في السيرة النبوية 619/3 أن أبا سفيان صخر بن حرب وكان من المنهزمين، قال: وكان إسلامه بعدُ مدخولاً، وكانت الأزلام بعدُ معه يومئذ، وقال في ذلك اليوم : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. يعني المسلمين.
ذكرهم ابن هشام في سيرته ومقدار ما أعطى كل واحد منهم...
إلى أن قال: وأعطى عباس بن مرداس أباعر، فسخطها فعاتب فيها رسول الله صلّى الله عليه و آله، وذكر قوله من أبيات:
فأصبَحَ نهبي ونهبُ العبيد *** بينَ عُيينةَ والأقرعِ
قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: اذهبوا به فاقطعوا عني لسانه. فأعطوه حتى رضي، فكأن ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله صلّى الله عليه و آله (1).
أقول : لم يرق لابن إسحاق - دجال الدجاجلة كما يقول مالك بن أنس - أن يذكر اسم مَن أمره النبي صلّى الله عليه و آله و بقطع لسان عباس بن مرداس، وما فعله ذلك المأمور، لأن في ذلك فضلاً لأمير المؤمنين عليه السّلام.
قال الإربلي: فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام: قم يا علي إليه فاقطع لسانه.
قال: فقال العباس: فوالله لهذه الكلمة كانت أشد عليَّ من يوم خثعم حين أتونا في ديارنا، فانطلق بي وإني لأودّ أن أخلص منه، فقلت: أتقطع لساني؟ قال: إني ممض فيك لقول رسول الله صلّى الله عليه و آله. فمازال حتى أدخلني الخطاير (2)، وقال: خذ ما بين أربع إلى مائة. فقلت: بأبي أنت وأمي، ما أكرمكم وأحلمكم وأعلمكم؟ فقال: إن رسول الله أعطاك أربعاً، وجعلك مع المهاجرين، فإن شئت فخذها، وإن شئت فخذ المائة وكن مع أهل المائة. قال: قلت: أشر عليَّ. قال: إني آمرك أن تأخذ ما أعطاك وترضى. قلت: فإني أفعل.
ولما قسم صلّى الله عليه و آله غنائم حنين جاء رجل طوال آدم أحنى، بين عينيه أثر
السجود (1)، فسلم ولم يخص رسول الله صلّى الله عليه و آله، ثم قال قد رأيتك وما صنعت في هذه الغنايم. فقال: وكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت. فغضب رسول الله وقال: ويلك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال المسلمون: ألا نقتله؟ فقال: دعوه، فإنه سيكون له أتباع يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلهم الله على يدي أحب الخلق إليه من بعدي. فقتله أمير المؤمنين فيمن قتل من الخوارج يوم النهروان.
وعقّب الإربلي على ذلك بقوله:
فانظر إلى مفاخر أمير المؤمنين في هذه الغزاة ومناقبه، وجل بفكرك في بدايع فضله وعجايبه، واحكم فيها برأي صحيح الرأي صايبه، واعجب من ثباته حين فرَّ الشجاع على أعقابه، ولم ينظر في الأمر وعواقبه، واعلم أنه أحق بالصحبة حين لم ير مفارقة صاحبه ، وتيقن أنه إذا حمّ الحمام لم ينتفع المرء بغير أهله وأقاربه. فإذا صحَّ ذلك عندك بدلايله وبيّناته، وعرفته بشواهده وعلاماته، فاقطع أن ثبات من ثبت من نتايج ثباته، وأنهم كانوا أتباعاً له في حروبه ومقاماته، وأن رجوع من رجع من هزيمته فإنما كان عندما بان لهم من النصر وأماراته، وقتله ذلك الطاغية في أربعين من حماته، حتى أذن الله بتفرقة ذلك الجمع وشتاته، واقتسم المسلمون ما أفاءه الله عليهم من غنايم ذلك الجيش اللّهام، وإصلاحه أمْر العباس حين فهم عن رسول الله فحوى الكلام، ورده بلطف توصله إلى الرضا بقسم النبي
1) الأدمة: السُّمْرة، ورجل أحنى الظهر وامرأة حنياء وحنواء: في ظهرها احديداب، والطُوال بالضم الطويل، فإذا أفرط قيل طُوّال بالتشديد
صلّى الله عليه و آله، فصح له باتباع راية الثبات على الإسلام.
ثم كلام ذلك الشقي الذي اعترض على قسمة النبي ونطق الشيطان على لسانه، فسام نفسه في المرعى الوبيل الوبي، وحكم الرسول صلى الله عليه وآله أنه من جزر سيف الوصّي، ونبه بذلك على فضله، وأنه على الصراط السوي، وأنه الحق والحق معه، إخباراً من الله العليّ (1).
5- غزاة الطائف: ولما فضّ الله تعالى جمع المشركين بحنين، تفرقوا فرقتين، فأخذت الأعراب ومن تبعهم إلى أوطاس، وأخذت ثقيف ومن تبعها إلى الطائف.
فسار النبي صلّى الله عليه و آله إلى الطائف فحاصرهم أياماً، ثم أنفذ أمير المؤمنين عليه السّلام في خيل، وأمره أن يطأ ما وجد ويكسر كل صنم وجده، فخرج حتى لقيته خثعم في جمع كثير، فبرز لهم رجل من القوم يقال له شهاب في غبش الصبح، فقال: هل من مبارز؟ فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: مَن له؟ فلم يقم إليه أحد، فقام إليه أمير المؤمنين، فوثب أبو العاص بن الربيع زوج بنت النبي صلّى الله عليه و آله فقال: تكفاه أيها الأمير. فقال: لا، ولكن إن قُتلتُ فأنت على الناس. فبرز إليه وهو يقول:
إنَّ على كلِّ رئيسٍ حقّا أن يروي الصعدةَ أو يندقّا
ثم ضربه فقتله، ومضى في تلك الخيل حتى كسر الأصنام، وعاد إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله وهو محاصر أهل الطائف، فلما رآه النبي صلّى الله عليه و آله كبَّر للفتح
1) كشف الغمة 301/2 - 302
وأخذ بيده، فخلا به وناجاه طويلاً.
فروى عبد الرحمن بن سيابة والأجلح عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله صلّى الله عليه و آله لما خلا بعلي يوم الطائف، أتاه عمر بن الخطاب فقال: أتناجيه دوننا وتخلو به؟ فقال: يا عمر ما أنا انتجيته، بل الله انتجاه. قال: فأعرض عمر وهو يقول: هذا كما قلت لنا قبل الحديبية «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ» فلم ندخله وصدرنا عنه، فناداه النبي صلّى الله عليه و آله: لم أقل لكم: إنكم تدخلونه في ذلك العام.
ثم خرج من حصن الطائف نابغ بن غيلان بن معتب في خيل من ثقيف، فلقيه أمير المؤمنين عليه السّلام ببطن وجّ فقتله وانهزم المشركون، وكان حصار الطائف بضعة عشر يوماً (1).
أقول : لقد مرَّ ما يتعلق بحديث المناجاة، وذكرنا هناك كيف طالته يد الإثم السياسي بالتعتيم كما يجد القارئ أن القائل للنبي صلّى الله عليه و آله في طول مناجاته لعلي هو أبو بكر، فراجع (2).
وأخرج ابن حجر في المطالب العالية قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم مكة انصرف إلى الطائف، فحاصرها سبع عشرة أو ثماني عشرة، فلم يفتتحها، ثم أوغل روحة أو غدوة فنزل ثم هجّر - أي صلى الهاجرة، أي صلى الظهر - ثم فتح الله الطائف، ثم قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إني فَرَط لكم، وأوصيكم بعترتي
خيراً، وإن موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده ليقيمنّ الصلاة وليؤتُنّ الزكاة، أو لأبعثن إليهم رجلاً مني كنفسي، فليضربنّ أعناق مقاتليهم، وليسبينّ ذراريهم. قال: فرأى الناس أنه أبو بكر أو عمر، فأخذ بيد علي فقال: هو هذا (1).
لا بد لي من تنبيه القارئ على أن بعض المؤرخين ذكر أن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بعثه النبي صلّى الله عليه و آله إلى اليمن مرتين. ومنهم ابن هشام في سيرته، حيث قال: وغزوة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إلى اليمن غزاها مرتين (2).
قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدني: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله علي بن أبي طالب إلى اليمن. وبعث خالد بن الوليد في جند آخر، وقال إن التقيتما فالأمير علي بن أبي طالب. وقد ذكر ابن إسحاق بعث خالد بن الوليد في حديثه.
ومنهم ابن سعد في الطبقات الكبير، قال: سرية علي بن أبي طالب رحمه الله إلى اليمن يقال: مرتين. إحداهما في شهر رمضان سنة عشر (3).
فذكرها ولم يذكر الغزوة الثانية.
وأتى من بعدهما من أصحاب السِّيَر زيني دحلان، فذكر أن أولاهما كانت سنة ثمان بعد فتح مكة، والثانية سنة عشر كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد.
ومن المؤرخين مَن لم يعيِّن التاريخ إما عمداً أو سهواً، ولم يعيِّن عدد المرات ونتيجة لذلك الإبهام فقد حصل الإيهام حتى من البخاري، حيث ذكر في صحيحه عنوان: (بعث علي عليه السّلام وخالد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع).
فذكر خمسة أحاديث بأسانيده عن خمسة من الصحابة وهم:
1 - البراء، وهو ابن عازب.
2 - بريدة، وهو ابن الحصيب.
3 - أبو سعيد الخدري.
4 - جابر، وهو ابن عبد الله.
5- ابن عمر.
وفيما ذكره خلط بين أحاديث المرتين كما مرَّ عن ابن سعد وابن هشام، وبين أحاديث المرات الأخرى، فالحديث الأول وهو حديث البراء كان في المرة الأولى التي كانت في سنة ثمان بعد غزوة الطائف، والحديث الثاني وهو حديث بريدة كان في المرة الثانية، وهي السنة التاسعة.
والأحاديث الثلاثة الأخرى إنما هي عن مرة ثالثة في السنة العاشرة، وربما رابعة كانت بين تلكم المرات.
وهذا الخلط لا يخلو من تشويش وتهميش، ولا يكون ذلك إلا عن عمد، فهو تشويش على القارئ من حيث العدد والزمان وتداخل الأحداث، وحتى في حشر أحاديث الرواة. وبالطبع أدّى ذلك إلى تهميش دور الإمام عليه السّلام، في جهاده وجهوده، وقطف ثماره وإعطائها لغيره ممن لا يساويه في موكب ولا منكب من دون تعب ولا نصب.
والآن إلى ذكر أحاديث البخاري موزَّعة على المرات التي ذهب فيها الإمام إلى اليمن.
فالحديث الأول وهو حديث البراء إنما كان في السنة الثامنة للهجرة بعد غزوة الطائف وتقسيم الغنائم في الجعرانة، وهذا الحديث هو الذي تحدَّث فيه البراء عن سفره مع خالد إلى اليمن وإقامته ستة أشهر، فلم يفلح في دعوته، فأرسل النبي صلّى الله عليه و آله عليًّا ، وأرجع خالداً، ودعا الإمام همدان إلى الإسلام، فأسلمت كلها في يوم واحد... إلى آخر ما سيأتي بيانه.
لكن البخاري اختصره باقتضاب مخلّ، مما اضطر الحافظ ابن حجر إلى تعقبه في شرحه ببيان ما أخل به.
6- سريته الأولى إلى اليمن وإسلام همدان:
أخرج البخاري في صحيحه، قال: بعث علي بن أبي طالب عليه السّلام وخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع).
حدثني أحمد بن عثمان، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، حدثني أبي، عن أبي إسحاق، سمعت
البراء رضي الله عنه: بعثنا رسول الله صلّى الله عليه و آله مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه، فقال: مُرْ أصحاب خالد من شاء منهم أن يُعقِّب معك فليعقِّب ، ومن شاء فليُقبل، فكنت فيمن عَقّب معه، قال: فغنمت أواقيَّ ذوات عدد (1). انتهى ما ذكره بلفظه.
ولما كان فيه من الاقتضاب المخلّ - وقُل المتعمد - فقد انبرى له ابن حجر في شرحه فتح الباري، فقال: (قوله: بعثنا رسول الله صلّى الله عليه و آله مع خالد ابن الوليد إلى اليمن) كان ذلك بعد رجوعهم من الطائف، وقسمته الغنائم بالجعرانة.
(قوله: أن يعقِّب معك) أي يرجع إلى اليمن، والتعقيب أن يعود بعض العسكر بعد الرجوع ليصيبوا غزوة من الغد، وكذا قال الخطابي...
(قوله: فغنمت أواقيَّ) بتشديد التحتانية ويجوز تخفيفها. وقوله (ذوات عدد) لم أقف على تحريرها .
ثم قال ابن حجر (تنبيه) أورد البخاري هذا الحديث مختصراً، وقد أورده الإسماعيلي من طريق أبي عبيدة بن أبي السفر سمعت إبراهيم بن يوسف، وهو الذي أخرجه البخاري من طريقه فزاد فيه:
قال البراء: فكنت ممن عَقّب معه، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلّى بنا علي، وصفّنا صفاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلّى الله عليه و آله، فأسلمت همدان جميعاً، فكتب علي إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله
1) صحيح البخاري 163/5 في المغازي
بإسلامهم، فلما قرأ الكتاب خرَّ ساجداً، ثم رفع رأسه وقال: السلام على همدان.
ثم قال ابن حجر: وعند الترمذي من طريق الأحوص بن خوات عن أبي إسحاق في حديث البراء قصة الجارية، وسأذكر بيان ذلك في الحديث الذي بعده إن شاء الله تعالى (1).
أقول: وأنا سأذكر ما عندي حول ذلك في محلّه إن شاء الله تعالى، ولكن لي في المقام تعقيب لا بد منه على ما ذكره ابن حجر عن الإسماعيلي، وذلك أن الإسماعيلي وإن زاد في حديثه على ما ذكره البخاري، إلا أنه لم يأت بالحديث بتمامه، وقد ذكره البيهقي فيما حكاه عنه ابن كثير في السيرة النبوية، حيث قال:
وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو إسحاق المزكي، حدثنا عبيدة بن أبي السفر، سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عن البراء: إن رسول الله صلّى الله عليه و آله بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله صلّى الله عليه و آله بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يُقفل - يُرجع – خالداً إلا رجل ممن كان مع خالد فأحبَّ أن يُعقّب مع علي فليعقّب معه.
قال البراء: فكنت فيمن عَقّب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، ثم تقدم بنا فصلّى بنا عليّ، ثم صفّنا صفاً واحداً، ثم تقدّم بين أيدينا
1) فتح الباري 127/9 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378ه-
وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم، فأسلمت همدان جميعاً، فكتب علي إلى رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم الكتاب خرَّ ساجداً، ثم رفع رأسه فقال: (السلام علی همدان، السلام علی (همدان) (1).
قال البيهقي: رواه البخاري مختصراً من وجه آخر عن إبراهيم بن يوسف (2).
أقول: والآن فليقارن القارئ بين رواية البخاري المختصرة التي أهملت إسلام همدان على ... الإمام علي عليه السّلام بالمرة، وبين رواية الإسماعيلي التي ذكرت إسلامهم، لكنها أهملت ذكر امتناعهم طيلة ستة أشهر التي دعاهم فيها خالد فلم يجيبوه كما في رواية البيهقي.
فلماذا كل هذا الإجهاز المتعمد على أوصال الحديث؟
والجواب بكل صراحة: لأنه أشاد بفضل الإمام في نجاح دعوته همدان إلى الإسلام، فاستجابوا لها للمرة الأولى، وفي اليوم الأول وأعلنوا إسلامهم بعد أن فشل خالد بن الوليد في دعوته طيلة ستة أشهر فلم يستجيبوا له، وهذا ما يسخن أعين النواصب ، فلا يعجبهم سماعه، فكيف بروايته وإطلاع الناس عليه، خصوصاً وأن في إسلام همدان خاصة لم تُذكر مثلها عند إسلام أيّ قوم آخرين، وتلك الخاصة هي سجود النبي صلّى الله عليه و آله
شكراً لله على ذلك الفتح العظيم، ثم سلامه على همدان ثلاثاً.
ومن العجيب الغريب أن حديث البراء الذي مرَّ ذكره قد رواه البخاري والإسماعيلي والبيهقي كلهم عن أبي إسحاق عن البراء، وما دام المصدر واحداً، فلماذا الاختلاف في المتن؟ ومن أين جاء الحذف والتشذيب؟ ولا بد أن يكون ممن هو دون أبي إسحاق بمن فيهم البخاري والإسماعيلي.
وأعجب من ذلك أنه مرَّ عن الإسماعيلي والبيهقي ذكر كتاب الإمام عليه السّلام إلى النبي صلّي الله عليه و آله يبشّره بإسلام همدان، ولكن لم يذكرا ولا حرفاً واحداً منه، لماذا؟ ولعل الراوي لم يطلع عليه، إلا أن هذا تبرير وتعذير ينهار أمام ما سنقرؤه من بطولات مبرمجة لخالد بن الوليد، تصور لنا نجاحاً باهرا في سريته إلى اليمن إلى بني الحارث بن كعب بنجران وإسلامهم على يده، وأنه كتب إلى النبي صلّي الله عليه و آله بذلك ، وأجابه النبي صلّي الله عليه و آله، فلهم معي واقرأ:
ليس من شك أن هذا العنوان يستفزّ كثيراً من القراء الذين عاشوا قداسة الموروث، ولست في مقام التجني على خالد الذي احتلت مواقفه البطولية مكانة في النفوس، حتى أصبحت البطولة من سمات عبقريته الخالدة التي لا يرقى إليها الشك.
ولكن يَعجَب القارئ إذا ما أخبرته بأن ابن إسحاق - دجَّال الدجاجلة على حد تعبير الإمام مالك - تزيّد له مواقف أيام النبي صلّي الله عليه و آله.
روى هو وتبعه غيره بأن خالداً قد كان موفّقاً في دعوته بني الحارث بن كعب بنجران إلى الإسلام، حتى رووا له كتابا بعثه إلى النبي صلّي الله عليه و آله يبشّره بإسلامهم ، ورووا جواباً منه صلّي الله عليه و آله إليه على ذلك الكتاب، فهلمّ واقرأ ما رواه الطبري في أول حوادث سنة عشر تحت عنوان: سرية خالد بن الوليد إلى بني كعب وإسلامهم.
قال أبو جعفر فبعث فيها رسول الله صلّى الله عليه و آله خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر . وقيل : في شهر ربيع الأول، وقيل: في جمادى الأولى - سريته في أربعمائة إلى بني الحارث بن كعب.
فحدثنا ابن حُميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثني ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر قال...
فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه يدعون الناس إلى الإسلام ويقولون: يا أيها الناس أسلموا تسلموا. فأسلم الناس ودخلوا فيما دعاهم إليه، فأقام خالد فيهم يعلّمهم الإسلام وكتاب الله وسنّة نبيّه.
ثم كتب خالد إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله يخبره بذلك... وذكر الكتاب، ثم ذكر الجواب، وفيه: أقبل وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله و بركاته.
فأقبل خالد... وأقبل معه وقد بني الحارث ... (1).
1) تاريخ الطبري 126/3
وذكر ما جرى بين رجال الوفد وبين النبي صلّى الله عليه و آله، ثم ذكر أنهم رجعوا إلى قومهم في بقية شوال، أو في صدر ذي القعدة، وذكر أن النبي صلّى الله عليه و آله بعث إليهم عمرو بن حزم الأنصاري، ليفقّههم ويعلّمهم السنّة، وكتب له كتاباً عهد إليه فيه وأمره فيه بأمره - وذكر كتاباً مطولاً ... وذكروا أن ذلك كان في السنة العاشرة.
هذا ما ذكره الطبري، وذكره ابن هشام أيضاً وغيره.
ولست أدري لماذا سكت الطبري وغيره على هذا التناقض؟ وكيف رووه بدون أي تعقيب؟
ألم يروِ لنا الطبري وغيره أن بعث خالد كان في ربيع الآخر، أو الأول أو جمادى الأولى؟ ثم رووا لنا حديث البراء أن بعث علي إلى اليمن كان في رمضان، وقال: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فكنت فيمن سار معه، فأقام عليه ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء، فبعث النبي صلّى الله عليه و آله علي بن أبي طالب وأمره أن يُقفل - يُرجع - خالداً ومن معه، فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقب معه تركه.
قال البراء: فكنت فيمن عقّب معه، فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فجمعوا له. فصلّى بنا عليّ الفجر، فلما فرغ صفّنا صفاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله صلّى الله عليه و آله ، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وكتب بذلك إلى رسول الله
صلّى الله عليه و آله، فلما قرأ كتابه خرَّ ساجداً، ثم جلس فقال: السلام علی همدان، السلام على همدان. ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام (1).
أقول : فلينظر القارئ (أولاً) في تاريخ البعْثَين، فبعْث خالد في ربيع الأول أو الآخر أو جمادى الأولى، وبعْث علي في رمضان، وبينهما ستة أشهر أو نحوها، وهي المدة التي ذكرها البراء في إقامته مع خالد ولم ينجح في دعوته وأعيد لفشله في مهمته، فمن أين أتى ابن إسحاق ومن تبعه بنجاح خالد في سريته إلى بني الحارث، ثم إن من يقرأ الكتابين يدرك أنهما بلسان واحد، وصدرا من كاتب واحد، وأنهما من صنعة واحدة، فليعاود قراءتهما من شاء ليرى التشابه الواضح بدءاً من التحية وانتهاءاً بالخاتمة.
ومما يدل على كذب رواية ابن إسحاق ما جاء فيها: فأقام خالد فيهم يعلّمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه. وقول خالد في كتابه: وعلمّتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيّه؟
فمن أين علّمهم كتاب الله وهو الذي كان يقول كما في ترجمته من الإصابة: لقد شغلني الجهاد عن تعلم كثير من القرآن (2).
وما ذكره ابن حجر فيه طيّ وليّ، وكان ابن أبي شيبة أكثر صراحة حين روى في مصنفه أن خالداً أمَّ مرة الناس بالحرة، فقرأ من سور شتى، ثم التفت إليهم حين انصرف، فقال: شغلني الجهاد عن تعلم القرآن (3).
فمن كان هذا حاله باعترافه بعد لأْيٍ من الزمن كيف يعلّم غيره كتاب الله؟ فمتى تعلِّمه وعَلِمه حتى صار يعلّم غيره.
ولكن للهوى سلطان جامح يزيغ أهله عن رؤية الحق فضلاً عن قول الحق.
ولينظر القارئ ( ثانياً ) كيف تلقّى النبي صلّى الله عليه و آله خبر إسلام همدان حتى خرَّ ساجداً لله، ثم قال: السلام على همدان، السلام علی همدان.
وفي إمتاع الأسماع: قالها ثلاثاً (1).
ثم ليرجع النظر فيما مرَّ في رواية ابن إسحاق وزعمه إسلام بني الحارث على يد خالد، فهل يجد من النبي صلّى الله عليه و آله و كلاماً أو سلاماً في ذلك؟
ولينظر القارئ (ثالثاً) في حديث الطبري وغيره بعد ذكر إسلام همدان، قال: ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام (2).
إذن فمتى كان إسلام بني الحارث على يد خالد؟
إن كان ذلك قبل إسلام همدان فهذا لم يكن، لأن إسلام همدان كان أولاً ثم تتابع أهل اليمن بعدهم على الإسلام، وذلك في السنة الثامنة.
وإن كان بعدهم فمتى وقد أرجعه الإمام إلى المدينة كما هو صريح حديث البراء؟ وما تمَّ فهو بفضل علي عليه السّلام، وجهوده التي لم يشركه فيها خالد ولا غيره
وقد يقال : إن ما حصل لخالد كان في السنة العاشرة.
والجواب يُعلم من قول الطبري: ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام، وذلك كان في السنة الثامنة، فاليمن في السنة العاشرة كان الإسلام في أهله منتشراً.
ثم في سجود النبي صلّى الله عليه و آله وسلامه مكرراً على همدان، وهذا ما لم يصنعه قبل ولا بعد مع إسلام أيّ قوم من العرب دليل على أثر إسلام همدان في اليمن.
فلا غرابة لو رأينا همدان تخلص في ولائها للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بعد النبي صلّى الله عليه و آله، فتقف إلى جانبه في جميع حروبه، كما وقفت بعده مع ولديه الحسنين عليهما السلام.
وكان هو عليه السّلام، أيضاً يضفي عليهم عطفه ويوليهم محبّته، حتى قال فيهم يوم صفين من شعر له:
فلو كنتُ بوّاباً على بابِ جنةٍ *** لقلتُ لهمدانَ: ادخلوا بسلامِ (1)
1- سريته إلى الفُلس (صنم طيئ): في ربيع الآخر سنة تسع.
قال الواقدي في المغازي: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن حزم يقول لموسى بن عمران بن منّاح وهما جالسان بالبقيع: تعرف سرية الفُلس؟ قال موسى ما سمعت بهذه السرية.
1) وقعة صفين لنصر بن مزاحم
قال: فضحك ابن حزم، ثم قال بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله عليًّا عليه السّلام، في خمسين ومائة رجل على مائة بعير وخمسين فرسا، وليس في السريّة إلا أنصاري، فيها وجوه الأوس والخزرج، فاجتنبوا الخيل، واعتقبوا على الإبل، حتى أغاروا على أحياء من العرب، وسأل عن محلة آل حاتم ثم نزل عليها، فشنّوا الغارة مع الفجر، فسبوا حتى ملأوا أيديهم من السبي والنَعَم والشاء، وهدموا الفُلس وخرّبوه، وكان صنماً لطي، ثم انصرف راجعاً إلى المدينة.
قال عبد الرحمن بن عبد العزيز: فذكرت هذه السَّرية لمحمد بن عمر بن علي، فقال: ما أرى ابن حزم زاد على أن ينقل من هذه السرية ولم يأتك بها. قلت: فأت بها أنت.
ثم ذكر حديث السرية بتفصيل جاء في آخره:
قال: وسار علي عليه السّلام إلى الفلس فهدمه وخرَّبه، ووجد في بيته ثلاثة أسياف: رَسوب والمخذم وسيفاً يقال له اليماني، وثلاثة أدراع، وكان عليه ثياب يلبسونه إياها، وجمعوا السبي، فاستعمل عليهم أبا قتادة، واستعمل عبد الله بن عتيك السُلمي على الماشية والرِثة ، ثم ساروا حتى نزلوا ركك - اسم محلة من محال سلمى أحد جبلي طي - فاقتسموا السبي والغنائم، وعزل للنبي صلّى الله عليه و آله صفياً: رسوباً والمخذم، ثم صار له بعدُ السيف الآخر، وعزل الخمس وعزل آل حاتم فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة.
قال الواقدي: فحدثت هذا الحديث عبد الله بن جعفر الزهري فقال: حدثني ابن أبي عون قال: كان في السبي أخت عدي بن حاتم لم تقسم،
فأنزلت دار رملة بنت الحارث، وكان عدي بن حاتم قد هرب حين سمع بحركة علي عليه السّلام، وكان له عين بالمدينة، فحذّره فخرج إلى الشام.
وكانت أخت عدي إذا مرَّ النبي صلّى الله عليه و آله تقول: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علينا منَّ الله عليك. كل ذلك يسألها رسول الله صلّى الله عليه و آله: مَنْ وافدك؟ فتقول: عدي بن حاتم. فيقول: الفارّ من الله ورسوله. حتى يئست، فلما كان اليوم الرابع مرَّ النبي فلم تكلّم ، فأشار إليها رجل: قومي فكلّميه، فكلّمته فأذن لها ووصلها.
وسألت عن الرجل الذي أشار إليها فقيل: علي وهو الذي سباكم أما تعرفينه؟ فقالت: لا والله ما زلت مُدْنية طرف ثوبي على وجهي، و طرف ردائي على برقعي من يوم أُسرت حتى دخلت هذه الدار، ولا رأيت وجهه ولا وجه أحد من أصحابه (1).
أقول: وتعقيباً منا على ما مرَّ في حديث الواقدي، فإنّ فيه ما يشعرنا بإصرار متعمد على تضييع جهود الإمام، فمن قول موسى بن عمران بن مناح ما سمعت بهذه السريّة. إلى قول محمد بن عمر بن علي: ما أرى ابن حزم زاد على أن ينقل من هذه السرية ولم يأتك بها.
يعني لم يحدّثك بها تماماً، لذلك طلب منه مكلّمه - عبد الرحمن بن عبد العزيز - أن يحدثه بها تماماً فحدثه، وفي حديثه تفصيل لم نجده في بقية كتب السيرة، وحتى الكتب التي روت عن الواقدي، فلاحظ طبقات ابن
1) المغازي، ص 984. قارن الطبقات الكبير لابن سعد (السيرة النبوية) ج 118/ق1/2 وإمتاع الأسماع، ص 444
سعد وهو كاتب الواقدي، ستجد حديث السريّة موجزاً. أما ابن هشام فلم يذكرها أصلاً في عداد السرايا، وإنما أشار إلى أسر سفانة في حديثه عن وفادة أخيها عدي بن حاتم، ولم يورد اسم السرية ومَن أسرها.
وأغرب من هذا كله ما حكاه القسطلاني في المواهب اللدنية عن ابن سعد: (أن الذي كان سباها - سفانة - خالد بن الوليد) لا علي كرّم الله وجهه.
قال الزرقاني في شرح المواهب: ولا يمكن الجمع بأنه كان في جيش علي، لأن جيشه كانوا كلهم من الأنصار، والله أعلم (1).
أقول: والإعراض عن هذا وأمثاله أسلم وأهمّ، غير أن زيني دحلان في سيرته أتى بجمع تبرعي، فقال: وروى ابن سعد أن الذي سبى أخت حاتم - كذا في المطبوعة - خالد بن الوليد، وجمع بعضهم بين الروايتين بأن خالداً كان في جيش علي (رضي الله عنه)، ونوزع بأن الجيش كان كله من الأنصار، ويمكن أن يقال: المراد أكثر الجيش من الأنصار، فلا ينافي كون خالد معهم، أو يكون منهم نظراً لمعنى النصرة بالمعنى الأعم، والله أعلم (2).
بعد هذا لا نستغرب صنيع البخاري ومسلم وأحمد، ولا صنيع شرّاح الصحيحين لو تجاهلوا ذكر سرية الإمام، وهدمه الفُلس وأسره سفانة، وحتى حين ذكروا وفود عدي لم يجعله البخاري وافداً على النبي صلّى الله عليه و آله، بل وافداً على عمر! ومقتضى العنوان ذكر الوفود على النبي صلّى الله عليه و آله، فقال في
كتاب المغازي: قصة وفد طيء وحديث عدي بن حاتم.
وساق حديثا واحدا بسنده عن عبد الملك عن عمرو بن حريث عن عدي بن حاتم، قال: أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلاً رجلاً ويسمّيهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمتَ إذ كفروا ، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيتَ إذ غدروا، وعرفتَ إذ أنكروا. فقال عدي: فلا أبالي إذاً.
هذا كل ما ذكره البخاري تحت ما عنونه، ولابن حجر في شرحه ترقيع رقيع لا يسمن ولا يغني من جوع، فراجع (1).
وحسب سقوط البخاري في حديثه سنداً أن مداره على عبد الملك بن عمير، وهذا هو اللخمي الذي تغني معرفة حاله في سقوطه، فهو كما قال أحمد: مضطرب الحديث جداً مع قلّة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها (2).
وقال ابن معين: (مخلّط) (3).
وقال ابن خراش : كان شعبة لا يرضاه (4).
وقال السمعاني: كان مدلّساً (5).
إلى غير ذلك مما ذكره الذهبي في كتبه: الميزان، والمغني، وديوان
الضعفاء، فراجع.
قال أبو جعفر الطبري في تاريخه وفي هذه السنة - أعني سنة تسع - وجَّه رسول الله صلّى الله عليه و آله علي بن أبي طالب رضي الله عنه في سرية إلى بلاد طيء في ربيع الآخر، فأغار عليهم فسبى وأخذ سيفين كانا في بيت الصنم، يقال لأحدهما (رسوب) وللآخر (المخذم) ، وكان لهما ذكر كان الحارث ابن أبي شمر نذرهما له، وسبى أخت عدي بن حاتم.
قال أبو جعفر: فأما الأخبار الواردة عن عدي بن حاتم عندنا بذلك فبغير وقت، وبغير ما قال الواقدي في سبي علي أخت عدي بن حاتم (1).
2- سرّيته إلى مذحج في اليمن:
هذه هي السرية الثانية التي وقع فيها الخلط والخبط في المصادر الأولية للسير والمغازي والحديث، فتفشّى الخبط والخلط في ما بعدها من المصادر، فخلطوا بين أحداثها وأحاديثها مع أحداث وأحاديث غيرها، وهذه هي السرية التي غمغم الرواة، فلم يوضحوا السبب الذي من أجله بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله عليًّا عليه السّلام إلى اليمن هذه المرة.
فقالوا: بعثه ليقسِّم الخمس. وقالوا: ليقبض الخمس. وقالوا: ساعياً.
وفي هذه السرية ذكروا حديث الجارية، واعتراف بعض الصحابة ببغضه للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وأن أميره كان يبغضه أيضاً، فهو يحب أميره لبغضه للإمام عليه السّلام.
1) تاريخ الطبري 111/3 ط محققة
وفي هذه السرية اعترافات خطيرة بتآمر جماعة المبغضين على شكاية الإمام عليه السّلام عند رجوعهم إلى النبي صلّى الله عليه و آله.
وفي هذه السرية ذكروا حوادث قضى فيها الإمام عليه السّلام قضاءاً أمضاه رسول الله صلّى الله عليه و آله، وفيها ... وفيها ...
فلنقرأ إذن حديثها في المصادر الأولية، ونقارن بينها، ثم بينها وبين ما جاء في غيرها، ليقف القارئ على مدى تأثير الهوى حباً وبغضاً على الرواة والمدوِّنين.
1- حديث ابن سعد في الطبقات:
قال ابن سعد: سرية علي بن أبي طالب رحمه الله إلى اليمن يقال: مرتين (1).
ثم قال: سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن يقال مرتين، إحداهما في شهر رمضان سنة عشر من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه و آله، قالوا: بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله عليًّا إلى اليمن، وعقد له لواءاً وعمّمه بيده، وقال: امض ولا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك.
فخرج في ثلثمائة فارس، وكانت أول خيل دخلت إلى تلك البلاد - وهي بلاد مذحج - ففرَّق أصحابه، فأتوه بنَهب وغنائم ونساء وأطفال ونَعَم وشاء وغير ذلك.
وجعل علي على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمي، فجمع إليه ما
1) الطبقات الكبير ج 122/ق1/2 ط لندن
أصابوا، ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا ورموا بالنبل والحجارة، فصفّ أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السُّلمي، ثم حمل عليهم علي بأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلاً، فتفرقوا وانهزموا، فكفّ عن طلبهم.
ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا: نحن على مَن وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا، فخذ منها حق الله.
وجمع عليٌّ الغنائم فجزَّاها على خمسة أجزاء، فكتب في سهم منها (لله)، وأقرع عليها فخرج أول السهام سهم الخمس، وقسَّم علي على أصحابه بقية المغنم.
ثم قفل فوافى النبي صلّي الله عليه و آله بمكة قدمها للحج سنة عشر .
إلى هنا انتهى ما ذكره ابن سعد، وهو أول نص صريح نقف عليه ورد فيه ذكر المرَّتين، لكن ابن سعد ذكر إحداهما ولم يذكر الأخرى، فهل نسي أو تناسى؟ أو أن الأيادي الأثيمة حذفت الأخرى؟ ومهما يكن فليس يعنينا ذلك بقدر ما يعنينا تنبيه القارئ إلى أن ابن سعد هو كاتب الواقدي، وجُلّ ما عنده فمنه أخذ، وعنه روى، وفي المقام نجد ابن سعد اختزل الحديث واختصره بشكل مخلّ، بينما نجد الواقدي أوفى منه على ما فيه من ملاحظات ستأتي الإشارة إليها بعد ذكر حديثه .
2- حديث الواقدي:
قال الواقدي في مغازيه: سرية علي بن أبي طالب عليه السّلام إلى اليمن.
قالوا: بعث رسول الله صلّي الله عليه و آله علي بن أبي طالب عليه السّلام في رمضان سنة عشر، فأمره رسول الله صلّي الله عليه و آله أن يعسكر بقباء - بقناة - فعسكر بها حتى تتامَّ أصحابه، فعقد له رسول الله صلّي الله عليه و آله يومئذ لواء، أخذ عمامة فلفها مثنيّة مربّعة، فجعلها في رأس الرمح ثم دفعها إليه، وقال: هكذا اللواء. وعمّمه عمامة ثلاثة أكوار، وجعل ذراعاً بين يديه وشبراً من ورائه ثم قال هكذا العمّة.
قال: فحدثني أسامة بن زيد عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي رافع، قال: لما وجّهه رسول الله صلّي الله عليه و آله قال: امضِ ولا تلتفت. فقال علي عليه السّلام: يا رسول الله كيف أصنع؟ قال: إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلاً، فإن قتلوا منكم قتيلاً فلا تقاتلهم، تلوّمهم تُرهم أناة، ثم تقول لهم: هل لكم إلى أن تقولوا: لا إله إلا الله؟ فإن قالوا: نعم. فقل: هل لكم أن تُصلّوا؟ فإن قالوا: نعم. فقل: هل لكم أن تُخرِجوا من أموالكم صَدقة تردّونها على فقرائكم؟ فإن قالوا: نعم. فلا تبغ منهم غير ذلك، والله لأن يهدي الله على يدك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت.
قال: فخرج في ثلاثمائة فارس، فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد، فلما انتهى إلى أدنى الناحية التي يريد - وهي أرض مذحج - فرّق أصحابه، فأتوا بنهب وغنائم وسبي ونساء وأطفال ونَعَم وشاء وغير ذلك، فجعل علي على الغنائم بُريدة بن الحصيب، فجمع إليه ما أصابوا قبل أن يلقاهم جمع، ثم لقي جمعا فدعاهم إلى الإسلام وحرّض بهم ، فأبوا ورموا
في أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السُّلمي، فتقدم به، فبرز رجل من مذحج يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن الخزاعي السُّلمي فتجاولا ساعة وهما فارسان، فقتله الأسود وأخذ سلبه.
ثم حمل عليهم علي بأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلاً ، فتفرَّقوا وانهزموا وتركوا لواءهم قائماً ، فكفَّ عن طلبهم، ودعاهم إلى الإسلام فسارعوا وأجابوا ، وتقدَّم نفر من رؤسائهم فبايعوه على الإسلام، وقالوا: نحن على مَن وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا، فخذ منها حق الله (1).
قال: فحدثني عمر بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه، قال: وجمع علي عليه السّلام، ما أصاب من تلك الغنائم فجزاها خمسة أجزاء، فأقرع عليها، فكتب في سهم منها (لله)، فخرج أول السهام سهم الخمس، ولم ينقّل أحداً من الناس شيئاً، فكان من قبله يُعطون أصحابهم - الحاضر دون غيرهم - من الخمس ، ثم يُخبر بذلك رسول الله صلّي الله عليه و آله فلا يردّه عليهم، فطلبوا ذلك من علي عليه السّلام فأبى، وقال: الخمس أحمله إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله فيرى فيه رأيه، وهذا رسول الله صلّي الله عليه و آله يوافي الموسم ، ونلقاه ويصنع فيها ما أراه الله. فانصرف راجعاً، وحمل الخمس، وساق معه ما كان ساق.
فلما كان بالفُتَق - قرية بالطائف - تعجَّل وخلّف على أصحابه والخمس أبا رافع، فكان في الخمس ثياب من ثياب اليمن أحمال معكومة - مشدودة - ونَعَم تُساق مما غنموا، ونَعَم من صدقة أموالهم.
1) إلى هنا ينتهي ما يتعلق بسريّة الإمام على مذحج وهي في السنة التاسعة، وما يأتي بعده فهو ما يتعلق بالسنة العاشرة
قال أبو سعيد الخدري وكان معه في تلك الغزوة: وكان علي عليه السّلام ينهانا أن نركب على إبل الصدقة، فسأل أصحاب علي عليه السّلام أبا رافع أن يكسوهم ثياباً، فكساهم ثوبين ثوبين.
فلما كانوا بالسدرة داخلين مكة خرج علي عليه السّلام، يتلقّاهم ليقدم بهم فينزلهم، فرأى على أصحابنا ثوبين ثوبين على كل رجل، فعرف الثياب، فقال لأبي رافع: ما هذا؟ قال: كلّموني فَفَرِقت من شكايتهم، وظننت أن هذا يسهل عليك، وقد كان من كان قبلك يفعل هذا بهم. فقال: أرأيت إبائي عليهم ذلك وقد أعطيتهم؟ وقد أمرتك أن تحتفظ بما خلفت فتعطيهم؟
قال: فأبى علي عليه السّلام أن يفعل ذلك حتى جرَّد بعضهم من ثوبيه، فلما قدموا على رسول الله صلّي الله عليه و آله شكواً ، فدعا عليًّا فقال: ما لأصحابك يشكونك؟ فقال: ما أشكيتهم، قسَّمت عليهم ما غنموا، وحبست الخمس حتى يقدم عليك، وترى رأيك فيه، وقد كان الأمراء يفعلون أموراً ينفلون من أرادوا من الخُمس، فرأيت أن أحمله إليك لترى فيه رأيك. فسكت النبي صلّي الله عليه و آله.
قال – الواقدي - : فحدثني سالم مولى ثابت عن سالم مولى أبي جعفر، قال: لما ظهر علي عليه السّلام على عدوِّه، ودخلوا في الإسلام، جمع ما غنم، واستعمل عليه بريدة بن الحصيب، وأقام بين أظهرهم، فكتب إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله كتاباً مع عبد الله بن عمرو بن عوف المُزني، يخبره أنه لقي جمعاً من زبيد وغيرهم، وأنه دعاهم إلى الإسلام، وأعلمهم أنهم إن أسلموا كفَّ عنهم، فأبوا ذلك وقاتلهم.
قال علي عليه السّلام: فرزقني الله الظفر عليهم، حتى قُتل منهم من قتل، ثم أجابوا إلى ما كان عُرض عليهم، فدخلوا في الإسلام وأطاعوا بالصدقة، وأتى بشر منهم للدين، وعلّمهم قراءة القرآن.
فأمره رسول الله صلّي الله عليه و آله يوافيه في الموسم ، فانصرف عبد الله بن عمرو ابن عوف إلى علي عليه السّلام بذلك.
قال – الواقدي - : فحدثني سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن يونس بن مسيرة بن حُليس، قال: لما قدم علي بن أبي طالب عليه السّلام اليمن خطب به، وبلغ كعب الأحبار قيامُه بخطبته، فأقبل على راحلته في حُلة، معه حَبر من أحبار اليهود، حتى استمعا له فواقفاه وهو يقول:
إنّ من الناس من يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار. قال كعب: صدق.
فقال علي: وفيهم من لا يبصر بالليل ولا بالنهار. فقال كعب: صدق.
فقال علي عليه السّلام: ومن يُعطِ باليد القصيرة يُعطَ باليد الطويلة. فقال كعب: صدق.
فقال الحبر: وكيف تصدّقه؟ قال: أما قوله: (مَن الناس من يُبصر بالليل ولا يبصر بالنهار)، فهو المؤمن بالكتاب الأول، ولا يؤمن بالكتاب الآخر. وأما قوله: (ومنهم من لا يُبصر بالليل ولا يبصر بالنهار)، فهو الذي لا يؤمن بالكتاب الأول ولا الآخر. وأما قوله: (من يُعطِ باليد القصيرة يُعطَ باليد الطويلة)، فهو ما يقبل الله من الصدقات. قال: وهو مَثلٌ رأيته بيِّن.
قالوا: وجاء كعباً سائل فأعطاه حلّته، ومضى الحبر مغضَباً.
ومثُلتْ بين يدي كعب امرأة تقول: مَن يبادل راحلة براحلة؟ فقال كعب وزيادة حلّة؟ قالت: نعم. فأخذ كعب وأعطى، وركب الراحلة ولبس الحلّة، وأسرع السير حتى لحق الحبر وهو يقول: من يُعطِ باليد القصيرة يُعطَ باليد الطويلة.
قال – الواقدي - : فحدثني إسحاق بن عبد الله بن نسطاس، عن عمرو ابن عبد الله العَبسي، قال: قال كعب الأحبار: لما قدم علي عليه السّلام اليمن لقيته، فقلت: أخبرني عن صفة محمد ، فجعل يخبرني عنه، وجعلت أتبسَّم، فقال: مم تتبسَّم؟ فقلت: مما يوافق ما عندنا فقلت مما يوافق ما عندنا من صفته. فقال ما يُحِلّ وما يُحرِّم، فقلت: فهو عندنا كما وصفت. وصدّقت برسول الله صلّى الله عليه و آله وآمنت به، ودعوت مَن قبلنا من أحبارنا، وأخرجت إليهم سِفراً فقلت لهم: هذا كان أبي يختمه عليّ ويقول: لا تفتحه حتى تسمع بنبي يخرج بيثرب.
قال: فأقمت باليمن على إسلامي حتى توفي رسول الله صلّى الله عليه و آله، وتوفي أبو بكر رضي الله عنه، فقدمت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويا ليت أني كنتُ تقدَّمت في الهجرة (1).
أقول: هذا جميع ما ذكره الواقدي بلفظه وتفصيله، ومع ذلك فلم يكن مستوعباً لجميع ما جرى، بل وفيما ذكره حذف وإغفال، مما يعني أن يد الخيانة قد طالته فحذفته منه كما سنوضحه.
وهذا ما جرى في المصادر الثانوية التي اعتمدت الواقدي، ومنها إمتاع الأسماع للمقريزي، فقد ذكر هذه السريّة إلى نهاية حديث أبي سعيد
1) المغازي، ص 1079 - 1082
الخدري، وأنهاه بمثل ما أنهاه الواقدي قال: (فَسَكت النبي صلّى الله عليه و آله) (1).
والحقيقة أن النبي صلّى الله عليه و آله لم يسكت ، بل قام خطيباً بما يرفع من شأن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام. لكن نابتة النواصب بترت تتمة الحديث التي تدين الصحابة الشاكين.
وإلى القارئ بقية حديث أبي سعيد الخدري، قال: اشتكى الناس عليًّا رضوان الله عليه ، فقام رسول الله صلّى الله عليه و آله فينا خطيباً، فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا عليًّا ، فوا لله إنه لأخشن - لأخيشن - الأخشن - في ذات الله وفي سبيل الله من أن يُشكى (2).
وقال المقريزي في إمتاع الأسماع ولم يذكر الواقدي في مغازيه بعثه علي رضي الله عنه سوى إلى اليمن - كما تقدم - في رمضان (3).
والآن فليقارن القارئ بين حديث الواقدي - على ما فيه - وبين حديث ابن سعد - كاتب الواقدي - ليعرف مدى الاختصار المخلّ عند ابن سعد.
1) إمتاع الأسماع، ص 502 - 505
2) أخرجه أحمد في المسند 86/3ط الأولى، والحاكم في المستدرك 134/3 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكره الذهبي في تلخيصه وقال: صحيح. والهيثمي في مجمع الزوائد 129/9 ، وابن هشام في سيرته 603/4 ط محققة، 351/2 بهامش الروض الأنف، وابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام) 386/1 - 388 بأسانيد متعددة، وابن جرير في تاريخه 149/3 ط محققة، وابن عبد البر في الاستيعاب 50/3 بهامش الإصابة ، وابن كثير في السيرة النبوية 415/4 وله هملجة في تعقيبه على ذلك ستأتي الإشارة إليها بعد ذلك... وغيرهم وغيرهم
3) إمتاع الأسماع
ولا أريد التجني عليهما - الواقدي وكاتبه - كما لا أريد استفزاز القارئ إذا ما أخبرته بأنهما لم يكونا بمستوى الأمانة المطلوبة في المؤرخ، فإنهما طويا من أول حديث السرية السبب الداعي لإرسالها، كما طويا بعض أحداثها مما ورد متناثراً في مصادر أخرى، وذكرا أحداثاً في سرية أخرى.
ولا نطيل الوقوف كثيراً سوى تنبيه القارئ إلى أنهما وإن كتما ذلك عمداً أو غفلة، فإن في أول حديث الواقدي ما يدل على أن النبي صلّى الله عليه و آله أرسل الإمام عليًّا في هذه السرية داعياً إلى الإسلام في جيش عدته ثلثمائة، وأوصاه بما ينبغي له أن يفعله إذا نزل بساحة العدو. وكانت خيله أول خيل دخلت بلاد مذحج، وفي هذا ما يكشف زيف ما ذكروه أنه ذهب ليقبض - ليقسِّم الخمس - ساعياً لجمع الصدقات وغير ذلك، مما يدل على أن هذه المرة غير تلك المرة وإن رواها البخاري وغيره من حديث بريدة وغيره كما سيأتي.
وحملاً على الصحة نقول: إن تداخل روايات الصحابة بعضها مع بعض عند المدونين أوجب ذلك الخبط والخلط، كما أن إرساله في هذه المرة - إلى مذحج - غير إرساله إلى اليمن مرة أخرى بطلب أهلها من النبي صلّى الله عليه و آله رجلاً، ليفقههم في الدين، ويعلّمهم السنن، ويحكم فيهم بكتاب الله، فأرسله إليهم، فهذه مرة، وتلك مرة أخرى كما سيأتي حديثها.
والآن لنستذكر ما مرَّ بنا عن صحيح البخاري، وقلنا هناك: إن الحديث الأول الذي ذكره عن البراء كان يتعلق بسرية الإمام إلى همدان،
وبيّنا تفصيل ذلك فيما سبق.
وذكرنا أن الحديث الثاني عن بريدة يتعلق بسرية ثانية، وأشرنا إلى ما في البخاري عنواناً وأحاديث من تشويش وإيهام، ما يشير إليه بإصبع الاتهام، فراجع.
والآن إلى ما يتعلق بحديث بريدة سنداً ومتناً.
فقد قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا علي بن سويد منجوف، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: بعث النبي صلّى الله عليه و آله عليًّا إلى خالد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليًّا، وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي صلّى الله عليه و آله ذكرت له فقال: يا بريدة أتبغض عليًّا؟ فقلت: نعم. قال: لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك.
وهذا الحديث فيه عدة ملاحظات سنداً ومتناً.
أما في السند فرواية البخاري له عن محمد بن بشار - وهو أصغر شيوخه - ويعرف ببندار، وهو بصري، ضعّفه الفلّاس، واستضعفه يحيى بن معين، وقال أبو داود: لولا سلامة فيه لترك حديثه.
وفي هدى الساري: يعني أنه كانت فيه سلامة، فكان إذا سها أو غلط يحمل ذلك على أنه لم يتعمد ! (1)
يالله ما هذا العذر الغير المقبول؟ وما هو إلا استغفال للعقول.
1) هدي الساري 205/2
ومحمد بن بشار المذكور يرويه عن روح بن عبادة، وهو أيضاً بصري، وهذا طعن عليه اثنا عشر رجلاً فلم ينفذ قولهم فيه، كذا قاله أبو مسعود، ونقله ابن حجر أيضاً في هدي الساري (1).
ونحن نقول له: نعم، ولو طعن فيه اثنا عشر ألفاً لما نفذ قولهم فيه، أتدري لماذا؟ لأنه جاز القنطرة!؟
وهو يرويه عن علي بن سويد بن منجوف، قال ابن حجر في الفتح: سدوسي بصري ثقة، ليس له في البخاري سوى هذا الموضع (2).
فهؤلاء الرواة الثلاثة بصريون وعثمانية البصرة أشهر من عثمانية الجاحظ (3)
وقال الأصمعي: البصرة كلها عثمانية. وحكى قول الرجل البصري وفيه ثلاثون ألفاً. وقال: تذاكروا عند زياد الكوفة والبصرة، فقال زياد لو أظللت البصرة لجعلت الكوفة لمن يدلنّي عليها. وقال حذيفة: أهل البصرة لا يفتحون باب هدى، ولا يغلقون باب ضلالة. (العقد الفريد 239/7)، وفي معجم البلدان 352/2 : والبصرة وسوادها عثمانية تدين بالكف.
وعن أبي العيناء: قال لي المتوكل : بلغني أنك رافضي . فقلت: يا أمير المؤمنين وكيف أكون رافضياً وبلدي البصرة، ومنشئي جامعها ... الخ. (معجم الأدباء 153/1)
.1) هدي الساري 165/2
2) فتح الباري 128/9
3) قال نشوان الحميري في الحور العين، ص 230: وإنما صيَّر أكثر أهل البصرة عثمانية لأنهم كانوا صنائع ثلاثة أمراء عليهم: أولهم عبد الله بن عامر، والثاني زياد، والثالث الحجاج بن يوسف. وهؤلاء الثلاثة الغايات في حب عثمان وبني أمية، فلم يقصِّروا في تقديمه واستمالة الناس إليه بالترغيب والترهيب والسياسة والتدبير، ولصنائع ابن عامر فيهم فزع إليهم طلحة والزبير وعائشة حين قدموا عليهم يطلبون بدم عثمان، ولأن عليًّا عليه السّلام، حاربهم وقتل أعلامهم وفلّ حدّهم، ولذلك قال رجل من كبراء البصريين في علي عليه السّلام: كيف أحبّ رجلاً قتل من قومي من لدن كانت الشمس ههنا إلى أن صارت ههنا إحدى عشرة مائة. اه-.
وأما في المتن فقد أخلّ فيه البخاري باختصاره - على عادته - إخلالاً بيّناً حتى أفقده الربط بين فقراته، وإلا فأيّ ربط بين قوله : (بعث النبي صلّي الله عليه و آله عليًّا إلى خالد ليقبض الخمس)، وبين قوله: (وكنت أبغض عليًّا) وبين قوله: (وقد اغتسل)، وهنا لا بدّ من مبادرة - ولو سقيمة - يتقدم بها علماء التبرير حفاظاً على ماء الوجه، وليبقى البخاري وكتابه في برجه العاجي.
لهذا فقد انبرى بها ابن حجر في الفتح، فقال: هكذا وقع عنده مختصراً، وقد أورده الإسماعيلي من طرق إلى روح بن عبادة الذي أخرجه البخاري من طريقه، فقال في سياقه:
بعث عليًّا إلى خالد ليقسم الخمس، وفي رواية له ليقسم الفيء، فاصطفى علي منه لنفسه سبيئة - بفتح المهملة وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم همزة - أي جارية من السبي.
وفي رواية له: فأخذ منه جارية، ثم أصبح يقطر رأسه، فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا؟ قال بريدة: وكنت أبغض عليًّا.
ثم قال ابن حجر: ولأحمد من طريق عبد الجليل عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أبغضت عليًّا لم أبغضه أحداً، وأحببت رجلاً من قريش
لم أحبّه إلا على بغضه عليًّا. قال: فأصبنا سبياً فكتب - أي الرجل - إلى النبي صلّي الله عليه و آله: ابعث إلينا مَن يخمِّسه. فقال: فبعث إلينا عليًّا، وفي السبي وصيفة هي أفضل السبي، قال: فخمَّس وقسَّم، فخرج ورأسه يقطر، فقلت: يا أبا الحسن ما هذا؟ فقال: ألم ترَ إلى الوصيفة، فإنها صارت في الخمس، ثم صارت في آل محمد، ثم صارت في آل علي، فوقعت بها (1).
(قوله فلما قدمنا على النبي صلّى الله عليه و آله) في رواية عبد الجليل: فكتب الرجل إلى النبي صلّي الله عليه و آله بالقصة ، فقلت : ابعثني. فبعثني، فجعل يقرأ الكتاب ويقول: صدق (2)
(كنز العمال 124/15 - 125 نقلاً عن ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير، قال: وصححه). وقارن مسند أحمد 438/4، وقد مرَّ في هذا الكتاب في 136/1 حديث عمرو بن شاس، وهو أحد من اشتكى عليًّا في سفره ذلك، فقال له النبي (صلّى الله عليه و آله): من آذى عليًّا فقد آذاني. وذكرنا مصادره، كما مرَّ أيضاً مرة أخرى مع جملة من مصادره في شرح قول السيد الناظم قدِّس سرّه: وكل من آذاك آذى المصطفى... الخ، فراجع
.1) فتح الباري 128/9
2) في مسند أحمد 351/5 ط 1: قال بريدة: فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدق. قال: فأمسك يدي والكتاب، وقال: أتبغض عليَّا؟ الخ. فلاحظ كيف حرَّف ابن حجر الكلم عن مواضعه، حيث أوهم القارئ أن النبي صلّي الله عليه و آله هو الذي قال: صدق. بينما هو بريدة، وحري بالباحث مراجعة مسند أحمد 347/5 ، 348، 356، 358، 359 ليرى حديث بريدة كيف تلاعب الرواة في روايته، ليرى العجب في ذلك، خصوصاً إذا قارنه بما روي عن عمران بن حصين قال بعث رسول الله صلّى الله عليه و آله سريّة، واستعمل عليهم عليًّا، فغنموا فصنع علي شيئاً أنكروه، وفي لفظ: فأخذ علي من الغنيمة جارية، فتعاقد أربعة من الجيش إذا قدموا على رسول الله صلّى الله عليه و آله أن يُعلموه، وكانوا إذا قدموا من سفر بدؤوا برسول الله صلّى الله عليه و آله فسلّموا عليه ونظروا إليه، ثم ينصرفون إلى رحالهم، فلما قدمت السرية سلموا على رسول الله صلّى الله عليه و آله، فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله صلّى الله عليه و آله ألم تر أن عليًّا قد أخذ من الغنيمة جارية؟ فأعرض عنه، ثم قام الثاني فقال مثل ذلك فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال مثل ذلك فأعرض عنه، ثم قام الرابع فأقبل عليه رسول الله صلّى الله عليه و آله يُعرف الغضب في وجهه فقال: ما تريدون من علي؟ علي مني وأنا منه - من علي - وعلي وليّ كل مؤمن بعدي.
(قوله فقال: يا بريدة أتبغض عليَّا؟ فقلت: نعم. قال: لا تبغضه) زاد في رواية عبد الجليل: وإن كنت تحبه فازداد له حبًّا .
(قوله: فإن له في الخمس أكثر من ذلك) في رواية عبد الجليل (فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة)، وزاد أنه قال: فما كان أحد من الناس أحب إليَّ من علي).
قال ابن حجر: وأخرج أحمد هذا الحديث من طريق أجلح الكندي عن عبد الله بن بريدة بطوله، وزاد في آخره: (لا تقع في علي، فإنه مني وأنا منه، وهو وليُّكم بعدي). وأخرجه أحمد والنسائي من طريق سعيد بن عبيدة عن عبد الله بن بريدة مختصراً، وفي آخره: (فإذا النبي صلّى الله عليه و آله قد أحمرَّ وجهه يقول: من كنت وليّه فعلي وليّه). وأخرجه الحاكم من هذا الوجه مطولاً ، وفيه قصة الجارية نحو رواية عبد الجليل.
ثم قال ابن حجر: وهذه طرق يقوّي بعضها بعضاً (1).
لكن ابن حجر لم يعالج اعتراف الصحابة ببغض الإمام علي الذي
1) فتح الباري 128/9
بغضه نفاق كما في صحيح مسلم، واكتفى بما قاله غيره. فقال: قال أبو ذر الهروي: إنما أبغض الصحابي عليَّا لأنه رآه أخذ من المغنم فظن أنه غلٌ، فلما أعلمه النبي صلّى الله عليه و آله أنه أخذ أقل من حقه أحبَّه. اه-.
ولما كان هذا تبريراً سخيفاً اضطر ابن حجر إلى محاولة أخرى فقال:
وهذا تأويل حسن، لكن يبعده صدر الحديث الذي أخرجه أحمد، فلعل سبب البغض كان لمعنى آخر [ ؟ ] ، وزال بنهي النبي صلّى الله عليه و آله عن بغضه . اه-.
أقول: لماذا لم يكشف لنا ابن حجر عن المعنى الآخر لسبب البغض؟ ولماذا لم يصرّح هو ولا غيره باسم الرجل القرشي الذي أحبَّه بريدة لأنه هو الآخر يبغض عليَّا؟ أو ليس قال: فكتب الرجل إلى النبي صلّى الله عليه و آله القصة كما في رواية عبد الجليل. وهل كان ذلك الرجل غير خالد بن الوليد الذي هو أمير السريّة التي صحبه بريدة فيها؟
ولم يقف علماء التبرير عند هذا الحد من التحوير والتزوير، بل بدؤوا يثيرون الإشكال حول شرعية وقوع الإمام على الجارية، فاقرأ ماذا قالوا:
قال ابن حجر: وقد استشكل وقوع علي على الجارية بغير استبراء، وكذلك قسمته لنفسه. فأما الأول فمحمول على أنها كانت بكراً غير بالغ، ورأى أن مثلها لا يستبرأ كما صار إليه غيره من الصحابة. ويجوز أن تكون حاضت عقب صيرورتها له، ثم طهرت بعد يوم وليلة، ثم وقع عليها.
وليس في السياق ما يدفعه.
وأما القسمة فجائزة في مثل ذلك ممن هو شريك فيما يقسمه، كالإمام إذا قسم بين الرعية ،وهو منهم، فكذلك من نصبه الإمام قام مقامه.
وقد أجاب الخطابي بالثاني، وأجاب عن الأول باحتمال أن تكون عذراء، أو دون البلوغ، أو أدَّاه اجتهاده أن لا استبراء فيها.
أقول: ولا ريب أن علماء التبرير هم الذين استحدثوا هذا الإشكال في أيامهم، ولم يكن له أثر من قبل، ولو كان له أثر في زمن القصة لأثاره بريدة الراوي لها، أو خالد الذي كتب بالقصة إلى النبي صلّى الله عليه و آله، و ليسمعوا الجواب منه، وما يدرينا أن نوايا خبيثة أثارت الإشكال وأجابت عنه، ليكون تبريراً لما سيحدث مثله - مع الفارق في البين - بعد ذلك ولو بعد حين، كما حدث لخالد بن الوليد حين قتل مالك بن نويرة ودخل بزوجته في ليلته.
ولما لم تكن حيلة في الاعتذار عن فعلته الشنعاء تلك استنكر المسلمون ذلك بمن فيهم عمر بن الخطاب. وقال أبو بكر: تأوّل فأخطأ. وهذا هو منطق علماء التبرير، ولم يسعهم أكثر من ذلك.
وإنما قلنا مع الفارق في البين، لأن الإمام عليه السّلام اصطفى جارية ليست بذات بعل، وخالد نزا على زوجة مالك في ليلة قتل زوجها.
ونعود إلى بقية ما قاله ابن حجر في شرحه هذا الحديث، فقد قال: ويؤخذ من الحديث جواز التسري على بنت رسول الله صلّى الله عليه و آله، بخلاف التزويج عليها لما وقع في حديث المسور في كتاب النكاح.
أقول : وحيث سبق منا الكلام حول حديث المسور بتفصيل وافٍ فيما تقدم فلا حاجة بنا إلى التعليق على كلام ابن حجر في المقام، فمن شاء الاستزادة فليرجع إلى قصة خطبة بنت أبي جهل.
هذا ما جاء في صحيح البخاري، وهو كما مرَّ فيه أكثر من هنات، ولا يمكن حملها على الرواة، لأن ابن حجر صرَّح أن الإسماعيلي روى ذلك من طرق عن روح بن عبادة الذي روى عنه البخاري بواسطة شيخه بندار، وذكر رواية الإسماعيلي وفيها زيادات خلت عنها رواية البخاري، فالحذف والتحوير إما أن يكون من البخاري أو من شيخه.
و مهما يكن فليس جميع ما ذكرناه عن البخاري وشرحه هو جميع ما جرى في هذه السرية.
إذن ماذا كان حديثها في المصادر الأخرى؟ فلنقرأ شيئاً من ذلك.
قال المفيد في الإرشاد: ولما عاد رسول الله صلّى الله عليه و آله من تبوك إلى المدينة قدم إليه عمرو بن معد يكرب ، فقال له النبي صلّى الله عليه و آله: أسلم يا عمرو يؤمنك الله يوم الفزع الأكبر...
فآمن بالله ورسوله، وآمن معه من قومه ناس، ورجعوا إلى قومهم.
ثم إن عمرو بن معد يكرب نظر إلى أُبيّ بن عثعث الخثعمي فأخذ برقبته، ثم جاء به إلى النبي صلّى الله عليه و آله فقال: أقدني على هذا الفاجر الذي قتل والدي. فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية. فانصرف عمرو مرتدًّا، فأغار على قوم من بني الحارث بن كعب
ومضى إلى قومه (1)
وَجَدْنَا مُلْكَ فَروةَ شَرَّ مُلْكَ *** حماراً سَافَ مُنْخُرَه بثَفْرِ
ويروى: بقذر
وأنّك لو رأيتَ أبا عُمَيْرٍ *** ملات يديكَ مِن غَدْرٍ وخترِ
أبو عمير هو فروة. فاستجاش عليهم فروة رسول الله صلّى الله عليه و آله، فوجَّه إليه خالد بن سعيد بن العاصي وخالد بن الوليد، فاجتمعوا بكشر من أرض اليمن، فهُزم المرتدون وقتل أكثرهم، فلم نزل زبيد وجعفى وأود بعدها قليلة، وسبيت ريحانة أخت عمرو يومئذ، ففداها خالد بن سعيد، فأثابه عمرو الصمصامة، فهو السبب الذي أصارها إلى آل سعيد. اه-.
لكن علماء التحوير والتزوير ذكروا أن ارتداد عمرو بن معد يكرب كان بعد وفاة النبي صلّى الله عليه و آله ، فلاحظ كتب السيرة
.فاستدعى رسول الله صلّى الله عليه و آله وعلي بن أبي طالب عليه السّلام، وأمَّره على المهاجرين، وأنفذه إلى بني زبيد (2)، وأرسل خالد بن الوليد في طائفة من
1) لقد ذكر أبو عبيد البكري الأندلسي المتوفى سنة 487ه- في كتابه معجم استعجم 650/2 - 651 أن سبب ارتداد عمرو بن معد يكرب هو استعمال النبي صلّى الله عليه و آله لفروة ابن مسيك المرادي على صدقات قومه وصدقات زبيد ومذحج، فقال: واستعمله - فروة بن مسيك - رسول الله صلّى الله عليه و آله على صدقات قومه وصدقات زبيد ومذحج، فلذلك ارتد عمرو بن معد يكرب في مرتدين من زبيد و مذحج، وقال عمرو:
2) كانوا في البلاد التي شرقي اليمن الأعلى. وهناك بنيت مدينة الحصيب بعد ذلك أيام المأمون، وزبيد اسم واد به تلك المدينة، فغلب عليها اسم الوادي، وهي مدينة مشهورة باليمن، وبإزائها ساحل المندب (معجم البلدان لياقوت)، ومنها المرتضى الزبيدي صاحب تاج العروس
الأعراب، وأمره أن يعمد الجعفي، وإذا التقيا فأمير الناس علي بن أبي طالب فسار أمير المؤمنين واستعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن العاص، واستعمل خالد - ابن الوليد - على مقدمته أبا موسى الأشعري.
فأما جعفى فإنها لما سمعت بالجيش افترقت فرقتين، فذهبت فرقة إلى اليمن، وانضمت الأخرى إلى بني زبيد، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام، فكتب إلى خالد بن الوليد : أن قف حيث أدركك رسولي. فلم يقف فكتب إلى خالد بن سعيد بن العاص : تعرّض له حتى تحبسه. فاعترض له خالد حتى حبسه ، وأدركه أمير المؤمنين فعنّفه على خلافه، ثم سار حتى لقي بني زبید بواد يقال له: كسر.
فلما رآه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت يا أبا ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الأتاوة؟ قال: سيعلم إن لقيني.
قال: وخرج عمرو فقال: من يبارز؟ فنهض إليه أمير المؤمنين عليه السّلام، وقام إليه خالد بن سعيد وقال: دعني يا أبا الحسن بأبي أنت وأمي أبارزه. فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: إن كنت ترى أن لي عليك طاعة فقف في مكانك. فوقف، ثم برز إليه أمير المؤمنين عليه السّلام، فصاح به صيحة فانهزم عمرو (1)، وقتل أخوه وابن أخيه، وأخذت امرأته ركانة بنت سلامة، وسبي
1) جاء في الإصابة في ترجمة عمرو بن معد يكرب الزبيدي: وروينا في مناقب الشافعي لمحمد بن رمضان بن شاكر، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا الشافعي قال وجَّه رسول صلّي الله عليه و آله عليًّا وخالد بن سعيد إلى اليمن، فبلغ عمرو بن معد يكرب ما قيل في جماعة من قومه، فقال لهم: دعوني آت هؤلاء القوم، فإني لم أسمّ لأحد قط إلا هابني. فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور، أنا عمرو بن معد يكرب. فابتدراه كل منهما يقول: خلني وإياه. فقال عمرو: العرب تفزع بي، وأراني لهؤلاء جزراً. فانصرف. وروى ابن الأثير هذا أيضاً في أسد الغابة 133/4 بزيادة فيه قال: وروي عن الشافعي رحمه الله قال: وجّه رسول الله صلّي الله عليه و آله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن، وقال: إذا اجتمعتما فعلىّ الأمير، وإذا افترقتما فكل واحد منكما أمير. فاجتمعا وبلغ عمرو بن معد يكرب مكانهما، فأقبل في جماعة من قومه، فلما دنا منهما قال: دعوني حتى آتي هؤلاء القوم، فإني لم أُسمَّ لأحد قط إلا هابني. فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور، أنا عمرو بن معد يكرب. فابتدره علي وخالد وكل واحد منهما يقول لصاحبه: خلني وإياه. ويفديه بأبيه وأمه. فقال عمرو إذ سمع قولهما: العرب تفزع مني، وأراني لهؤلاء جزراً، فانصرف عنهما
منهم نسوان، وانصرف أمير المؤمنين عليه السّلام، وخلّف على بني زبيد خالد بن سعيد، ليقبض صدقاتهم، ويؤمن من عاد إليه من هربهم مسلماً.
فرجع عمرو بن معد يكرب واستأذن على خالد بن سعيد فأذن له، فعاد إلى الإسلام، فكلّمه في امرأته وولده فوهبهم له.
وقد كان عمرو لما وقف بباب خالد بن سعيد وجد جزوراً قد نحرت، فجمع قوايمها ثم ضربها بسيفه فقطعها جميعاً، وكان يسمى سيفه الصمصامة.
فلما وهب خالد بن سعيد لعمرو امرأته وولده وهب (1)
فقلتُ لباغي الخيرِ إنْ تأتِ خالداً *** تُسرَّ وترجعْ ناعمَ البالِ حامداً
وللصمصامة أحاديث أشبه بأحاديث السمر: منها: ما رواه الصنعاني في نسمة السحر 171/3: وقيل إن عمر بن الخطاب كان كثير الشوق إلى رؤية صمصامة عمرو ابن معد يكرب الزبيدي لصيته وشهرة ضرباته، فلما وفد عمرو أيام الفتوح إلى المدينة قال له عمر: يا عمرو أرني الصمصامة. فأراه إياه فإذا سيف قليل الحدّ، فقال عمر: صيت كبير ومنظر حقير. قال عمرو لكن اليد التي تضرب به ليست يدك.
أقول : ولعل الصواب أن الحديث كان يوم وفادته إلى النبي صلّي الله عليه و آله، وأما في ذكر وفادته على عمر أيام الفتوح فلم تكن عنده الصمصامة، وإنما كان قد أعطاها خالد بن سعيد العاص كما مرّ.
ومنها: ما ذكره الذهبي في التذكرة في ترجمة أحمد بن نصر الخزاعي، وكان من علماء الحديث ببغداد، دعاه الواثق إلى الإقرار بخلق القرآن فامتنع، وأغلظ كلامه للواثق، فأمر ببطحه، وذبحه بيده أنه قتله بالصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب.
ومنها: ما ذكره الثعالبي في ثمار القلوب في المضاف والمنسوب عند ذكر يحيى بن أكثم... إلى أن قال: وكان المتوكل قد قتل بعض عظمائهم - الأتراك - وأوحشهم، فدبِّر بُغا الصغير في قتله تدبيراً تمّ له. وكان المتوكل قد أهدي له الصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب، فاستله وأعجبه جوهره، وقال: ينبغي أن أعطي هذا السيف غلاماً شجاعاً يقف به على رأسي إذا قعدت للناس، فدخل باغر فقال هذا له، فلم يسله إلا لقتله ... إلى أن قال: ثم ضربه باغر بالصمصامة على عاتقه فقطعه إلى أن بلغ الشراسيف. والشرسوف: كعصفور غضروف معلق بكل ضلع أو مقطّ الضلع، وهو الطرف المشرف على البطن (القاموس)
له عمرو1) جاء في الإصابة في ترجمة عمرو أيضاً: فأتاه عمرو بن معد يكرب فكلمه فيهم، فوهبهم إياه، فوهب له عمرو سيفه الصمصامة، فتسلّحه خالد بن سعيد، فقال له عمرو: على صمصامة السيف السالم... في أبيات له، ومدح عمرو معد يكرب خالد ابن سعيد بقصيدة أشرت إليها في ترجمة خالد. وقد ذكر في ترجمة خالد: (وثبت في ديوان عمرو بن معد يكرب أنه مدح خالد بن العاص لما بعثه النبي صلّي الله عليه و آله مصدقاً عليهم بقصيدة يقول فيها:
الصمصامة (1).
قال المفيد في الإرشاد: وكان أمير المؤمنين عليه السّلام قد اصطفى من السبي جارية، فبعث خالد بن الوليد بريدة الأسلمي إلى النبي صلّي الله عليه و آله وقال له: تقدَّم الجيش إليه، فأعلمه بما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه، وقَعْ فيه (2).
فسار بريدة حتى انتهى إلى باب رسول الله صلّي الله عليه و آله، فلقيه عمر بن الخطاب فسأله عن حال غزوتهم وعن الذي أقدمه، فأخبره أنما جاء ليقع في علي، وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه، فقال له: عمر امضِ لما جئت له، فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي.
فدخل بريدة على النبي صلّي الله عليه و آله ومعه كتاب من خالد بما أرسل به بريدة، فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلّي الله عليه و آله يتغيّر. فقال بريدة: يا رسول الله إنك إن رخَّصت للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم فقال له النبي صلّي الله عليه و آله:
1) الإرشاد، ص 84ط الحيدرية
2) جاء في كنز العمال 117/15: بعث رسول الله صلّي الله عليه و آله: جيشين: على أحدهما علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: إن كان قتال فعلي على الناس. فافتتح علي حصناً، فأتخذ جارية لنفسه، فكتب خالد يسوء به، فلما قرأ رسول الله صلّي الله عليه و آله الكتاب قال: ما تقول في رجل يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله؟ (ش). أي في مصنف ابن أبي شيبة
ويحك يا بريدة أحدثت نفاقاً؟ إن علي بن أبي طالب يحلّ له من الفيء ما يحل لي، إن علي بن أبي طالب خيار الناس لك ولقومك، وخير من أخلّف بعدي لكافة أمتي، يا بريدة احذر أن تبغض عليَّا فيبغضك الله.
قال بريدة: فتمنيت أن الأرض انشقت لي فسخت فيها، وقلت: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسول الله، يا رسول الله استغفر لي فلن أبغض عليًّا أبداً، ولا أقول فيه إلا خيراً. فاستغفر له النبي صلّي الله عليه و آله (1)
فدل كلام بريدة أن المتكلم قبله كان يتناول الإمام عند معاوية، فرد عليه بريدة بما قال، ولعل في هذه المرة وربما في غيرها كان ما رواه أحمد في المسند 347/5 مما حدّث به عبد الله بن بريدة، قال: دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش، ثم أتينا بالطعام فأكلنا ، ثم أتينا بالشراب فشرب معاوية، ثم ناول أبي قال: ما شربته منذ حرّمه رسول الله صلّى الله عليه و آله. وروى أحمد بسنده 358/5 عن ابن بريدة عن أبيه أنه مرّ على مجلس وهم يتناولون من علي، فوقف عليهم فقال: كان في نفسي على علي شيء، وكان خالد بن الوليد كذلك، فبعثني رسول الله صلّى الله عليه و آله في سريته... وذكر الحديث، إلى أن قال: ثم قلت: إن عليًّا أخذ جارية من الخمس. قال: وكنت رجلاً مكباباً - أي أنظر إلى الأرض - قال فرفعت رأسي فإذا وجْه رسول الله صلّى الله عليه و آله قد تغيّر، فقال: من كنت وليه فعلي وليّه. وفي لفظ: يا بريدة الستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلي يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. (كنز العمال 118/15 عن ابن أبي شيبة وابن جرير وأبي نعيم)
.1) الإرشاد، ص 85. أقول : لا يبعد أن يكون بريدة قد صدق في وعده أن لا يقول في علي إلا خيراً. فقد أخرج أحمد في مسنده 347/5 بسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: دخل على معاوية فإذا رجل يتكلم (؟) فقال بريدة: يا معاوية فأذنْ لي في الكلام؟ فقال: نعم - وهو يرى أن سيتكلم بمثل ما قال الآخر . فقال بريدة: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول : إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة. قال: أفترجوها أنت يا معاوية ولا يرجوها على بن أبي طالب رضي الله عنه؟ اه-.
وإلى هنا فقد تبيّن للقارئ مدى التلاعب في روايات الواقدي وابن سعد والبخاري الحديث هذه السرية، التي ذكر زمانها الشيخ المفيد بأنه كان بعد تبوك، ومعلوم أن غزوة تبوك كانت في السنة التاسعة، وقد ذكر الشافعي فيما حكاه عنه ابن حجر وابن الأثير في ترجمة عمرو بن معد يكرب الزبيدي بعض ما ذكره الشيخ المفيد كما مرت الإشارة إلى ذلك في الهوامش.
فما ذكره الواقدي وكاتبه من أنها في السنة العاشرة فيه خلط وخبط كشف عنه حديث الجارية الذي رواه بريدة، وذلك في السنة التاسعة كما مرّ.
نعم، ما ذكراه من حديث أبي سعيد الخدري وحديث كعب الأحبار فهو مما وقع في السنة العاشرة، وهذا دليل على تغاير المرّات، لكن حديثهما اختلط فيه الحابل بالنابل، مما سبَّب تشويش القارئ الغافل.
وهكذا تختلط الأوراق ليضيع الحق بالباطل، فما ظن القارئ بمن جاء بعدهما وأخذ عنهما.
حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري:
أخرج البخاري في عدة مواضع من صحيحه حديث أبي سعيد الخدري:
فمنها: في كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء)، عن إسحاق بن نصر (1).
ومنها: في كتاب التفسير في باب من رايا [كذا] بقراءة القرآن... (2).
ومنها: في كتاب المغازي، (بعث علي بن أبي طالب عليه، وخالد ابن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع) عن قتيبة (3).
ومنها: في كتاب استتابة المرتدين باب (من ترك قتال الخوارج للتألف وأن لا ينفر الناس عنه)، عن عبد الله بن محمد (4).
وربما مواضع أخر أيضاً، غير أني أود تنبيه القارئ - قبل ذكر لفظ الحديث - أنه لا يوجد توافق بين ألفاظ الحديث في كل تلك المواضع، مع أن الحديث واحد، ومداره على أبي سعيد الخدري، وستأتي الإشارة إلى بعض موارد الاختلاف.
ولقد قال ابن حجر في فتح الباري: ولا يوجد فيه - في الصحيح - حديث واحد مذكور بتمامه سنداً ومتناً في موضعين أو أكثر إلا نادراً، فقد عُني بعض من لقيته بتتبع ذلك، فحصل منه نحو عشرين موضعاً (5).
وقال أيضاً : فلا يوجد في كتابه - البخاري - حديث على صورة واحدة
في موضعين فصاعداً (1).
والآن إلى ما رواه في المقام:
قال البخاري في كتاب المغازي في بعث علي بن أبي طالب عليه السّلام وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع، حدثنا عبد الرحمن بن أبي نعم، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله من اليمن بذهبية في أديم مقروظ لم تحصّل من ترابها، قال: فقسَّمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة وأما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنّا أحق بهذا من هؤلاء.
قال: فبلغ ذلك النبي صلّي الله عليه و آله فقال : ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءاً؟ فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهتين، كثّ اللحية، محلوق الرأس، مشمّر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله. قال: ويلك، أو لستُ أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ قال: ثم ولّى الرجل، فقال خالد بن الوليد (2): يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، لعلّه أن يكون يصلّي. فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: إني لم أومَر أن أنقَب قلوب
الناس ولا أشق بطونهم. قال: ثم نظر إليه وهو مقف وقال: إنه يخرج من ضئضئي هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يتجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة. وأظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتل ثمود (1).
وفي هذا الحديث مواقع للنظر منها:
1- لم يعيّن الزمان الذي كان فيه علي في اليمن وأرسل منه (الذهبية في قرظ)، وفيما أراه أنه كان في السنة العاشرة، لما مرَّ من حديث أبي سعيد عند الواقدي كما سيأتي بتمامه في محله.
2 - إبهام اسم الرجل الصحابي الذي قال: كنا نحن أحق بهذا.
فلماذا الإبهام؟ ويبدو من اعتذار ابن حجر في هدى الساري أن الرجل كان ممن له مكانة في النفوس، فلم يصرّح باسمه ستراً عليه.
قال: لم أعرف اسم هذا القائل، وكأنه أبهم ستراً عليه (2).
فلماذا الستر عليه ما دام هو يتسخط فعل الرسول صلّى الله عليه و آله؟ ولكنه قال في الفتح: لم أقف على اسمه، وفي رواية سعيد بن مسروق: فغضبت قريش والأنصار وقالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فقال: إنما أتألفهم (3).
فظهر أن الساخط أكثر من رجل، وأنهم من قريش والأنصار، وفي جواب النبي صلّى الله عليه و آله ما يدل على أنهم كانوا جماعة أيضاً، حيث قال: (ألا
تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءاً)، فمن هم أولئك الساخطون؟
3- حضور خالد وقوله: يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟
كيف يروي البخاري هذا الحضور وهو الذي عقد الباب بعنوان (بعث علي بن أبي طالب وخالد إلى اليمن)؟ فما باله لم يذكر لنا رجوعه من اليمن متى كان؟ ولأي سبب كان؟ - وهذا قد مرَّ بنا بيانه فيما تقدم - حتى يصح فيه حديثه هذا.
ثم ما بال البخاري يروي بعض هذا الحديث عن أبي سعيد في كتاب استتابة المرتدين في باب من ترك قتال الخوارج للتآلف... وفيه قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه. فأين صار خالد بن الوليد الذي مرَّ ذكره في المغازي عنده؟
ثم من المضحك المبكي أن يكون كتابه وهو الجامع الصحيح كما يسمّونه نجد فيه الحديث الواحد بالإسناد المتعدد أو الواحد يرويه في عدة مواضع، ولا يتفق في موضعين منه فضلاً عن جميع المواضع، وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك في قول ابن حجر.
وحديث أبي سعيد هذا الذي ذكره متعدداً لم يتفق حتى في ذكر الشخوص فضلا عن بقية النصوص، فبالرغم مما جرى عليه من تطوير وتحوير فإن النص الذي سبق أن ذكرته بلفظه سنداً ومتنا قد رواه في المغازي، وهو كذلك في فتح الباري أيضاً، إلا أن ابن حجر عند قول
البخاري في باب قتال الخوارج ... الخ : (قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه). قال: وقد تقدم في المغازي من رواية عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد في هذا الحديث: (فسأله رجل أظنه خالد بن الوليد قتله) (1).
والآن مَنْ نصدّق؟ ابن حجر الذي يقول هنا غير ما مرَّ منه في كتاب المغازي، فهناك مرَّ: (قال خالد بن الوليد) بالجزم، وهنا قال: قد تقدم (فسأله رجل أظنه خالد بن الوليد قتله)، والحديث واحد بسند واحد، إلا أنه ذُكر في بابين، فمن هذا الذي سحب خالداً من مرحلة الظن إلى مرحلة الجزم؟
ثم من هو الذي أثبت خالداً حتى زاحم عمر بن الخطاب في مقاله؟
هذا كله ترك ابن حجر وغيره من شرَّاح البخاري في دوَّامة، فاضطروا إلى أن يتلمسوا وجوهاً - ولو مشوهة - للتستر على الشخوص، كما هو شأنهم في تبرير كل ما من شأنه أن يبعث على التساؤل.
ومن شاء المزيد فليرجع إلى فتح الباري (2).
3- بعثه عليه السّلام إلى اليمن لهداية أهلها:
وهذه المرّة ذهب فيها إلى اليمن مبعوثاً لهداية الناس، وتعليمهم الكتاب والسنة، وتفقيههم في الدين، ولم يذكر لنا تاريخها على التحديد، إلا أن من الشواهد الخارجية والداخلية في حديثها أمكننا تقريب زمانها بأنها في السنة التاسعة، وذلك لأن بعثه كان بطلب من أهل اليمن لما قدّمناه من
الغرض، ولا يكون ذلك إلا بعد أن دخلوا في الإسلام، وقد مرَّ بنا أن دخولهم كان في السنة الثامنة والسنة التاسعة، ففي الثامنة كان إسلام همدان جميعاً (في اليمن الشمالي)، ثم تتابع أهل اليمن في الدخول في الإسلام، وفي التاسعة كان دخول مذحج وزبيد (في اليمن الجنوبي)، فلما انتشر الإسلام في اليمن بجناحيه الشمالي والجنوبي احتاج أهله إلى من يعلّمهم الشرائع والأحكام، فطلبوا من النبي صلّي الله عليه و آله أن يبعث لهم من يعلّمهم.
أخرج ابن جرير عن علي عليه السّلام، قال: أتى النبي صلّى الله عليه و آله ناس من اليمن، فقالوا: ابعث فينا من يفقههنا في الدين، ويعلّمنا السنن، ويحكم فينا بكتاب الله . فقال النبي صلّى الله عليه و آله: انطلق يا علي إلى أهل اليمن، ففقههم في الدين، وعلّمهم السنن، واحكم فيهم بكتاب الله.
فقلت: إن أهل اليمن قوم طغام، يأتوني من القضاء بما لا علم لي به. فضرب النبي صلّى الله عليه و آله صدري، ثم قال: اذهب فإن الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك.
فما شككت في قضاء بين اثنين حتى الساعة. رواه المتقي في كنز العمال وفي منتخبه (1).
وأخرج ابن سعد في الطبقات، وأحمد في المسند، ووكيع في أخبار القضاة، والنسائي في الخصائص، والبيهقي في السنن الكبرى، والطيالسي في مسنده، وأبو داود في سننه في الأحكام عن هناد، وابن ماجة في سننه
1) كنز العمال 99/15. منتخب کنز العمال (بهامش مسند أحمد) 36/5
عن علي بن محمد، وعنهما ابن الديبع الشيباني في تيسير الوصول وغيرهم كثير، بألفاظ متقاربة، وأسانيد متفاوتة، جميعاً عن علي قال: لما بعثني النبي صلّى الله عليه و آله إلى اليمن قاضياً، قلت: تبعثني وأنا حديث السن، لا علم لي بكثير من القضاء! فقال لي: إذا أتاك الخصمان فلا تحكم للأول حتى تسمع ما يقول الآخر، فإنك إذا سمعت ما يقول الآخر عرفت كيف تقضي ، فإنه أحرى أن يتبيّن لك القضاء، إن الله عز وجل سيثبّت لسانك ويهدي قلبك (1).
وفي حديث ابن عباس كما في تاريخ ابن عساكر، قال: فدفع في صدره، وقال: اللهم اهده إلى القضاء. فنهاهم عن الدباء والحنتم والمزفّت (2).
وفي المصدر المذكور من حديث عمر بن علي عنه، قال: فضرب رسول الله صلّى الله عليه و آله في صدري مرتين - أو قال: ثلاثاً - وهو يقول: اللهم اهدِ قلبه، وثبّت لسانه. فكأنما كل علم عندي، وحشي قلبي علماً وفقها، فما شككت في قضاء بين اثنين (3).
قال السكتواري في محاضرة الأوائل أول قاض بعثه رسول الله صلّى الله عليه و آله إلى اليمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (4).
لقد ذكر أصحاب السير والمغازي والسنن والحديث وحتى كتب اللغة بعض القضايا التي وقعت في اليمن، فقضى فيها الإمام علي عليه السّلام، وبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه و آله فأمضى حكمه، واستبشر بقضائه، ونحن نشير إلى خمس قضايا ذكرها المرحوم الحجة السيد الأمين في أعيان الشيعة، قال:
الأولى: ما رواه المفيد في جارية وطئها شريكان في طهر واحد جهلاً بالتحريم، فأقرع بينهما، وألحق الولد بمن خرجت القرعة باسمه، وألزمه نصف قيمته لشريكه أن لو كان عبدا ، وبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه و آله فأمضاه، وأقرَّ الحكم به في الإسلام، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود عليه السّلام، وسبيله في القضاء - يعني القضاء بالإلهام.
وحكى ابن شهر اشوب في المناقب عن سنن أبي داود، وابن ماجة، وابن بطة في الإبانة، وأحمد في فضائل الصحابة، وابن مردويه، بطرق كثيرة، عن زيد بن أرقم أن عليًّا أتاه وهو باليمن ثلاثة يختصمون في ولد، كلهم يزعم أنه وقع على أمّه في طهر واحد في الجاهلية، فأقرع بينهم وألزم من خرجت له القرعة ثلثي الدية لصاحبيه، فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه و آله فقال : الحمد لله الذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود (1).
1) ذكر ابن كثير في السيرة النبوية 204/4 نقلاً عن أحمد وأبي داود والنسائي بتفاوت في اللفظ: وجاء في رواية أحمد عن زيد بن أرقم. فذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه و آله فقال: لا أعلم إلا ما قال علي... وأيضاً عن زيد بن أرقم: فأخبرته بقضاء علي، فضحك حتى بدت نواجذه
الثانية: ما رواه المفيد وحكاه ابن شهراشوب عن أحمد في مسنده، وأحمد بن منيع في أماليه، بسندهما إلى حماد بن سلمة عن سماك عن حبيش بن المعتمر، قال: ورواه محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام: أنه رُفع إليه وهو باليمن خبر زبية حفرت للأسد فوقع فيها، فوقف على شفير الزبية رجل فزلّت قدمه، فتعلّق بآخر، وتعلّق الآخر بثالث، وتعلّق الثالث برابع، فافترسهم الأسد.
فقضى أن الأول فريسة الأسد، وعلى أهله ثلث الدية للثاني، وعلى أهل الثاني ثلثا الدية للثالث، وعلى أهل الثالث الدية الكاملة للرابع. فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه و آله فقال: لقد قضى أبو الحسن فيهم بقضاء الله عز وجل فوق عرشه (1)
فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم علي على تعبية ذلك، فقال: تريدون أن تقاتلوا ورسول الله صلّى الله عليه و آله حيّ! إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء، وإلا حجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي صلّى الله عليه و آله فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمن عدا بعد ذلك فلا حق له. اجمعوا من قبائل الذين حفروا الزبية ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة، فللأول الربع لأنه هلك، والثاني ثلث الدية، والثالث نصف الدية، والرابع الدية. فأبوا أن يرضوا، فأتوا النبي صلّى الله عليه و آله وهو عند مقام إبراهيم، فقصّوا عليه القصة، فقال: أنا أحكم بينكم. فقال رجل من القوم: يا رسول الله إن عليًّا قضى فينا. فقصوا عليه القصة، فأجازه رسول الله صلّى الله عليه و آله.
اقول: ومن قوله: فأتوا النبي صلّى الله عليه و آله وهو عند مقام إبراهيم ظهر أن الواقعة كانت في سنة حجة الوداع وهي في السنة العاشرة
.1) ذكره ابن كثير في السيرة النبوية 210/4 عن أحمد، ومن حديثه يظهر أن الواقعة كانت في السنة العاشرة، ولفظه عن علي قال: بعثني رسول الله إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للأسد فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل، فتعلق بآخر، ثم تعلق آخر بآخر، حتى صاروا فيها أربعة ، فجرحهم الأسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله، وماتوا من جراحتهم كلهم.
الثالثة ما ذكره المفيد في الإرشاد أنه رفع إليه خبر جارية حملت جارية على عاتقها عبثاً ولعباً، فقرصت أخرى الحاملة، فقمصت لقرصتها، فوقعت الراكبة فاندقت عنقها وهلكت، فقضى على القارصة بثلث الدية، وعلى القامصة بثلثها، وأسقط الثلث الباقي لركوب الواقصة عبثاً القامصة. وبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه و آله فأمضاه ، وشهد له بالصواب.
وحكاه ابن شهر اشوب في المناقب عن أبي عبيد في غريب الحديث، وابن مهدي في نزهة الأبصار عن الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السّلام، وحكاه ابن الأثير في النهاية عن علي عليه السّلام، وأرسله الزمخشري في الفائق عن النبي صلّى الله عليه و آله، واعترض عليه صاحب النهاية بأنه كلام علي، ولعل الزمخشري أسنده إلى النبي صلّى الله عليه و آله باعتبار أنه أمضاه.
الرابعة: ما ذكره المفيد وابن شهر اشوب بعد خبر القارصة والواقصة المتقدم، وظاهرهما أنه باليمن في قوم وقع عليهم حائط فقتلهم، وفيهم امرأة حرة، لها ولد من حر، ومملوكة لها ولد من مملوك، فأقرع بينهما، وحكم بالحرية لمن خرج عليه سهمها، وبالرقِّية لمن خرج عليه سهمها، ثم أعتقه وجعل مولاه مولاه، وحكم في ميراثهما بالحكم في الحر ومولاه، فأمضى ذلك رسول الله صلّى الله عليه و آله.
الخامسة: ما عن كتاب قصص الأنبياء، عن الصدوق بسنده عن الباقر عليه السّلام: أنه انفلت فرس لرجل من أهل اليمن، فنفح رجلاً فقتله، فأقام صاحب الفرس البيّنة أن الفرس انفلت من داره، فأبطل عليه عليه السّلام دم الرجل. وأمضاه النبي صلّى الله عليه و آله (1).
لقد عوَّدَنا نابتة النواصب أنهم لا يتركون فضيلة لعلي عليه السّلام، إلا غاروا منها فأغاروا عليها، ودوَّنوها لواحد ممن أعدّوه فكان في صف أعدائه، وهنا قد روى لنا ابن كثير في سيرته خبر معاذ، والمعاذ بالله - من خبر معاذ، فقال: وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ أن رسول الله صلّى الله عليه و آله حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسُنّة رسول الله صلّى الله عليه و آله. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد وإني لا آلو.
قال: فضرب رسول الله صدري، ثم قال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله .
قال ابن كثير: وقد رواه أحمد عن وكيع عن عفان عن شعبة بإسناده ولفظه .
وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث شعبة به، وقال الترمذي: لا
1) أعيان الشيعة ج 476/1/3 - 478
نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقد رواه ابن ماجة من وجه آخر عنه، إلا أنه من طريق محمد بن سعد بن حسان - وهو المصلوب أحد الكذّابين (1)- عن عبادة بن نُسيّ عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ به (2).
ونزيد القارئ بصيرة حول هذا الحديث بذكر ما قاله ابن حزم في المحلّى حيث ناقش موضوع الاجتهاد، ثم قال: وأما خبر معاذ فإنه لا يحل الاحتجاج به لسقوطه، وذلك أنه لم يرو قط إلا من طريق الحارث بن عمرو، والحارث هذا مجهول لم يرو أحد مَن هو؟ وقال البخاري في تاريخه الأوسط: ولا يعرف الحارث إلا بهذا الحديث، ولا يصح. ثم إن الحارث هذا روى عن رجال من أهل حمص لا يُدرى مَن هم. ثم إنه لم يعرف قط في عصر الصحابة ولا ذكره أحد منهم، ثم إنه لم يعرف في عصر التابعين، حتى أدخله أبو عون وحده فيمن لا يُدرى من هو، فلما وجده أصحاب الرأي عند شعبة طاروا به كل مطار، وأشاعوه في الدنيا، وهو باطل لا أصل له.
ثم قال ابن حزم: وبرهان وضع هذا الخبر وبطلانه هو أن من الباطل الممتنع أن يقول رسول الله (صلّى الله عليه و آله): (فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله)، وهو يسمع قول ربه تعالى «وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِن
رَبِّكُمْ»، وقوله تعالى «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» ، وقوله تعالى «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ»، مع الثابت عنه عليه السّلام من تحريم القول بالرأي في الدين (1).
وقد قال في كتابه الإحكام في أصول الأحكام:
وأما حديث معاذ فيما روي من قوله: (أجتهد رأيي)، وحديث عبد الله بن عمرو في قوله: (أجتهد بحضرتك يا رسول الله)، فحديثان ساقطان، أما حديث معاذ فإنما روي عن رجال من أهل حمص لم يسمّوا، وحديث عبد الله منقطع أيضا لا يتصل (2).
وقد يفاجأ القارئ إذا أخبرته أن معاذاً لم يكن ذهابه إلى اليمن قاضياً ولا داعياً ، بل أرسله النبي صلّي الله عليه و آله ساعياً لجمع الصدقات جبراً لفاقته.
فقد ذكر ابن كثير في سيرته عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبيّ بن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل شاباً جميلاً سمحاً من خير شباب قومه. لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه، حتى كان عليه دين أغلق ماله، فكلّم رسول الله في أن يكلّم غرماءه ففعل، فلم يضعوا له شيئاً، فلو تُرك لأحد بكلام أحد لتُرك لمعاذ بكلام رسول الله صلّي الله عليه و آله قال: فدعاه رسول الله فلم يبرح أن باع ماله، وقسمه بين غرمائه، قال: فقام معاذ ولا مال له.
قال: فلما حج رسول الله بعث معاذاً إلى اليمن، قال: فكان أول من
تجر في هذا المال معاذ.
قال: فقدم على أبي بكر الصديق من اليمن وقد توفي رسول الله صلّي الله عليه و آله، فجاء عمر، فقال: هل لك أن تطيعني فتدفع هذا المال إلى أبي بكر، فإن أعطاكه فاقبله. قال: فقال معاذ: لن أدفعه إليه، وإنما بعثني رسول الله ليجبرني. فلما أبي عليه انطلق عمر إلى أبي بكر، فقال: أرسل إلى هذا الرجل فخذ منه ودع له. فقال أبو بكر: ما كنت لأفعل، إنما بعثه رسول الله ليجبره، فلست آخذ منه شيئاً.
قال: فلما أصبح معاذ انطلق إلى عمر، فقال: ما أراني إلا فاعل الذي قلت، إني رأيتني البارحة في النوم - فيما يحسب عبد الرزاق قال - أُجَرِّ إلى النار وأنت آخذ بحجزتي (1)
اقول: ووافقهما الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقته على ذلك في هامش الإحكام لابن حزم 94/6، وحاول استغفال القارئ بأن ابن سعد في الطبقات أيضاً ذكر الفقرات في تراجم أصحابها من طريق خالد عن أبي قلابة عن أنس مرفوعاً، فذكر هو أماكن ذكرها بالسند المذكور، وعقب على ذلك بقوله: وهذه أسانيد كلها صحيحة لا تخفى صحتها على مثل أبي محمد ابن حزم رحمه الله، فلا أدري كيف يجزم قولاً واحداً بعدم صحة الحديث، ولعله لم يصل إليه بهذه الأسانيد، والعلم عند الله.
ونحن نقول لفضيلة الشيخ كما قال لابن حزم: لا ندري كيف يجزم قولاً واحداً بضعف الحديث وهو بهذه الأسانيد التي تنتهي إلى خالد الحذاء، وهذا وحده يكفي في سقوط الحديث، فقد قال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وتكلم فيه شعبة وابن علية وحماد بن زيد، مضافاً إلى أنه كان في عمل السلطان (راجع هداية الباري لابن حجر 163/2).
وقد ذكر فضيلة الشيخ أيضاً ورود هذا المعنى موقوفاً من كلام عمر أنه خطب فقال: (من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أُبيَّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإني له خازن). رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (272/3 - 273). والآن حصحص الحق فصدقت مقولة القائل: كنا إذا هوينا أمراً صيّرناه حديثاً. فما دام عمر يقول ذلك لماذا لا يُصيّر حديثاً، وكل أصحاب الأسماء هم السلطان وأعوان السلطان؟ والراوي لهم خالد الحذاء الذي كان في عمل السلطان «فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ»
.1) لقد روى الحاكم في المستدرك 422/3 من طريق مسدد: ثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلّي الله عليه و آله: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءاً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، ألا إن لكل أمة أميناً، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. قال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
قال: فانطلق إلى أبي بكر بكل شيء جاء به، حتى جاءه بسوطه، وحلف له أنه لم يكتمه شيئاً. قال: فقال أبو بكر (رضي الله عنه): هو لك، لا آخذ منه شيئا.
ثم ذكر ابن كثير عن أبي ثور والبيهقي، إضافات على هذا الحديث تضفي على معاذ رداء القداسة (1).
ولا نعلّق على ذلك بشيء، إلا أنا ننبِّه القارئ على سخاء الواهب
1) سيرة ابن كثير 197/4
الذي وهب ما لا يملك وقبول الموهوب له ما لا يستحق. وكيف كانت الضمائر يومئذ وكأنها ماتت بعد موت النبي صلّي الله عليه و آله، ولم يكن معاذ المصدِّق (جابي الصدقات) الوحيد الذي تُرك له ما جباه من أموال الصدقات، ليكون ضد الشرعية الدينية، فأبو سفيان بن حرب أيضاً كذلك، تُرك له ما جباه بسعايته، وكم لهما من نظير، والباحث في تاريخ تلك الحقبة يجد من التناقض الشيء الكثير والخطير.
وهكذا - بجرّة من القلم - أصبح معاذ قاضياً للنبي باليمن، وحاكماً في الحروب، ومصدّقاً، إليه تدفع الصدقات كما يقول ابن كثير (1).
أقول: وقد عدوه في زمرة المفتين، فحكى له أبو داود رأياً في ميراث المسلم من الكافر، وذكر ابن كثير موافقاً له في المذهب معاوية بن أبي سفيان وآخرين. وقال: وخالفهم الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة وأصحابهم...
ولا يهمّنا مخالفتهم، فما دام الرجل بلغ المكانة العليا التي ترشّحه لمنصب الخلافة، حتى تمنَّى عمر عند موته حياته ليستخلفه على أمة محمد، فإن سأله ربه عمن استخلف، قال: قلت: معاذ، فإني سمعت نبيك يقول: يأتي معاذ بين يدي العلماء يوم القيامة.
أوَلا تكفي له شهادة عمر وحجّته في ترشيحه للخلافة؟ وإن كان معاذ من الأنصار، والأنصار لا حق لهم في الخلافة كما احتج أبو بكر وعمر بذلك في السقيفة، وهكذا للمصالح المتبادلة تأثيرها التام في تغيير الحقائق وقلب المفاهيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
1) السيرة النبوية لابن كثير 200/4
ولست أدري ولا المنجّم يدري كيف يصحّ ما نسبوه إلى النبي صلّي الله عليه و آله من قوله في نفر من أصحابه: أفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أُبيّ، وأعلمهم بالحلال معاذ بن جبل؟
قال ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام: هذا حديث لا يصح.
وبيّن عدم صحَّته، فقال: ولو صحَّ لكان عليكم ، لأن في ذلك الحديث: (ومعاذ أفقهكم)، فقلدوا معاذاً في الفتيا وفي قتل المرتد دون أن يُستتاب، وفي توريث المؤمن من الكافر في أشياء كثيرة خالفتموه فيها (1).
ونحن نضيف إلى ذلك: هلا استعمل الرجل فقهه وعلمه بالحلال والحرام في حق نفسه؟ وأين صار علمه بالحلال والحرام وهو يأخذ جميع مال الصدقات الذي جباه في سعايته، وهو لا يستحق منه إلا سهماً من ثمانية أسهم كما هو صريح قوله تعالى «إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيل فَريضَةً مِنَ اللهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (2).
4- آخر مرة ذهب فيها أمير المؤمنين عليه السّلام إلى اليمن:
وكان ذلك في شهر رمضان في السنة العاشرة، ليخمّس ركازها - والركاز الذهب والفضة -، وليقبض ما وقع عليه من الصلح مع وفد نجران
من الحلل والعين وغير ذلك من سائر الغنائم.
سؤالان يجد الباحث الجواب عليهما في سيرة ابن كثير (1)، ونحن نختصر للقارئ الجواب عليهما مما ذكره في المقامين.
الأول: أنه روى عن البيهقي حديث أبي سعيد - الآنف الذكر برواية الواقدي - إلى ذكر ملامة علي لمن أمَّره. ثم ذكر قول أبي سعيد: فقلت: أما إن الله عليَّ لئن قدمت المدينة لأذكرنّ الرسول ولأخبرنّه ما لقينا من الغلظة والتضييق. قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله أُريد أن أفعل ما كنت حلفت عليه، فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول الله صلّى الله عليه و آله، فلما رآني وقف معي ورحَّب بي وساءلني وساءلته، وقال: متى قدمت؟ فقلت: قدمت البارحة. فرجع معي إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله، فدخل وقال: هذا سعد ابن مالك بن الشهيد. فقال: ائذن له. فدخلت فحيّيت رسول الله وحيّاني، وأقبل عليَّ وساءلني عن نفسي وأهلي، وأحفى المسألة، فقلت: يا رسول الله ما لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق.
فاتّأد رسول الله، وجعلت أنا أعدّد ما لقينا منه، حتى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول الله على فخذي! وكنت قريباً منه. وقال: يا سعد ابن مالك بن الشهيد مَهَ بعض قولك لأخيك علي، فوا الله لقد علمتُ أنه أخشن في سبيل الله. قال: فقلت في نفسي: ثكلتك أمّك سعد بن مالك، ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم ولا أدري، لا جرم والله لا أذكره بسوء أبداً
1) السيرة النبوية لابن كثير 204/4 - 207، 414 - 426
سرًّا ولا علانية.
قال البيهقي: وهذا إسناد جيد على شرط النسائي، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة.
قال ابن كثير: وقد قال يونس عن محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي عمر، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: إنما وجد جيش علي بن أبي طالب الذين كانوا معه باليمن، لأنهم حين أقبلوا خلَّف عليهم رجلاً ، وتعجَّل إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله.
قال: فعمد الرجل فكسا كل رجل حُلَّة، فلما دنوا خرج عليهم علي يستقبلهم فإذا عليهم الحلل، قال علي: ما هذا؟ قالوا: كسانا فلان. قال: فما دعاك إلى هذا قبل أن تقدم على رسول الله فيصنع ما شاء؟ فنزع الحلل منهم، فلما قدموا على رسول الله اشتكوه لذلك، وكانوا قد صالحوا رسول الله، وإنما بعث عليًّا إلى جزية موضوعة (1).
أقول: هذا ما رواه ابن كثير ولم يشتط في روايته كثيراً، فلننظر الجواب على:
السؤال الثاني: ماذا رأى؟
قال تعقيباً على ما تقدم هذا السياق أقرب من سياق البيهقي، وذلك أن عليًّا سبقهم لأجل الحج وساق معه هدياً، وأهل بإهلال النبي صلّى الله عليه و آله، فأمره أن يمكث حراماً - أي محرماً - وفي رواية البراء بن عازب أنه قال له: إني
1) المصدر السابق 204/4 - 207
سقت الهدي وقرنت.
والمقصود أن عليًّا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم إبل الصدقة، واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه، وعلي معذور فيما فعل، لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج، فلذلك - والله أعلم - لما رجع رسول الله صلّى الله عليه و آله من حجته، وتفرَّغ من مناسكه، ورجع إلى المدينة، فمرَّ بغدير خمّ قام في الناس خطيباً، فبرَّأ ساحة علي، ورفع من قدره، ونبَّه على فضله، ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس. وسيأتي هذا مفصلاً في موضعه أن شاء الله، وبه الثقة.
وقال في صفحة 414: فصل: في إيراد الحديث الدال على أنه عليه السّلام خطب بمكان بين مكة والمدينة، مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة، يقال له غدير خم، فبيَّن فيها فضل علي بن أبي طالب وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدَلَة التي ظنها بعضهم جوراً وتضيقاً وبخلاً، والصواب كان معه. ولهذا لما تفرَّغ عليه السّلام من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بيِّن ذلك في أثناء الطريق. فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ، وكان اليوم الأحد بغدير خُم، تحت شجرة هناك، فبيَّن فيها أشياء، وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس.
ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة في ذلك، ونبيِّن ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه. وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو
جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ، فجمع فيه مجلّدين، أورد فيهما طرقه وألفاظه، وساق الغث والسمين، والصحيح والسقيم، على ما جرت به عادة كثير من المحدثين، يوردون ما وقع لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة.
ونحن نورد عيون ما روي في ذلك، مع إعلامنا أنه لا حظّ للشيعة فيه ولا متمسَّك لهم ولا دليل، لما سنبينِّه وننبِّه عليه.
ثم ساق - عن ابن إسحاق - حديث يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة وقد مرَّ قريباً، وبعده حديث أبي سعيد الخدري، وقد مرَّ أيضاً برواية الواقدي، وكلاهما ليسا من أحاديث غدير خم.
ثم ذكر حديث بريدة، وهذا أيضاً مما تقدم ذكره آنفاً في تحقيق سرايا الإمام إلى اليمن، وفيه تنقّص بريدة عليًّا عند رسول الله صلّى الله عليه و آله، قال بريدة: فرأيت وجه رسول الله يتغير، فقال: يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه.
فتعقبه ابن كثير بقوله: وهذا إسناد جيّد قوي، رجاله كلهم ثقات.
أقول: وهذا أيضاً ليس مما يتعلق بحديث غدير خم.
ثم ذكر حديث النسائي بإسناده عن زيد بن أرقم، قال: لما رجع رسول الله من حجة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقُممن.... ثم قال: كأني قد دُعيت فأجبت ، إني تركتُ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي
أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيها ، فإنهما لن يفترقا حتى يرِدا عليَّ الحوض.
ثم قال: الله مولاي، وأنا وليّ كل مؤمن. ثم أخذ بيد علي فقال: من كنتُ مولاه فهذا وليّه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه.
فقال الراوي عن زيد - وهو أبو الطفيل -: سمعتَه من رسول الله صلّي الله عليه و آله؟ فقال : ما كان في الدوحات أحدٌ إلا رآه بعينيه، وسمعه بأذنيه.
قال ابن كثير: تفرَّد به النسائي من هذه الوجه. قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا حديث صحيح.
ثم ذكر حديث البراء، قال: أقبلنا مع رسول الله صلّي الله عليه و آله في حجة الوداع التي حج، فنزل في الطريق، فأمر بالصلاة جامعة، فأخذ بيد علي فقال: الستُ بأولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى. قال: الستُ بأولى من كل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى. قال: فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه.
وأعاد ابن كثير حديث البراء من طريق أبي يعلى الموصلي، وفي آخره: فلقيه عمر بن الخطاب فقال: هنيئاً لك، أصبحتَ وأمسيتَ مولى كل مؤمن ومؤمنة.
ثم ذكر ابن كثير جملة أحاديث عن الصحابة، وفيها مناشدة الإمام الناس في الرحبة شهادة من سمع و وشهد النبي صلّي الله عليه و آله قال ذلك يوم الغدير، وذكر قيام اثني عشر بدرياً ...
إلى غير ذلك مما ذكره ولسنا بصدده إلى أن ذكر أخيراً حديث ضمرة عن أبي هريرة قال: لما أخذ رسول الله صلّى الله عليه و آله بيد علي قال: من كنت مولاه فعلي مولاه فأنزل الله عز وجل «الْيَوْمَ اكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَالمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي» . قال أبو هريرة: وهو يوم غدير خم، من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً.
وهنا طفح كيل ابن كثير، فاختل حتى فقد توازنه، فعقّب على حديث أبي هريرة بقوله: فإنه حديث منكر جداً، بل كذب، لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة، ورسول الله صلّى الله عليه و آله واقف بها كما قدمناه.
وكذا قوله: إن صيام يوم الثامن عشر ... لا يصح، لأنه قد ثبت ما معناه في الصحيح أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهراً؟ هذا باطل.
ونقل قول شيخه الذهبي: هذا حديث منكر جداً. وقوله: ورواه حبشون الخلّال وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيري - وهما صدوقان - عن علي بن سعيد الرملي عن ضمرة قال: ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبي سعيد وغيرهم بأسانيد واهية.
وقوله: وصدر الحديث متواتر، أتيقن أن رسول الله صلّى الله عليه و آله قاله. وأما (اللهم والِ من والاه) فزيادة قويّة الإسناد. وأما هذا الصوم فليس بصحيح، ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام،
والله تعالى أعلم.
أقول : ولم يُشفِ جميع ما قاله الذهبي صدر تلميذه ابن كثير، ولم يبرد غليله حتى بيمينه التي حنث فيها حتى جاء بها صلعاء بقاع قرقر ، فضمَّالحجر إلى الجوهر حيث ختم الفصل الذي ساقه ليبيِّن فيه فضل أمير المؤمنين بخطبة للنبي عظيمة كما وصفها، ولكنه لم يأت منها إلا بما مرَّ من حديث الثقلين وولاية الإمام، ولا نحاسبه أيضاً على قوله: (فبيَّن فيها أشياء)، فما هي تلك الأشياء؟ ولماذا لم يذكرها؟
ولكنا نسائله عما ختم به الفصل من رواية للطبراني بسنده، قال: لما قدم رسول الله صلّى الله عليه و آله المدينة من حجة الوداع صعد المنبر، فحمد الله وأثنى رسول عليه، ثم قال: أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا ذلك له، أيها الناس إني عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن ابن عوف والمهاجرين الأولين راضٍ، فاعرفوا ذلك لهم.
أيها الناس احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي، لا يطلبكم الله بمظلمة أحد منهم. أيها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيراً.
فنقول له: أيّ ربط بين رواية الطبراني وعنوان الفصل الذي ذكره، مع العلم أن آثار الوضع ظاهرة عليها؟
لقد ذكر المؤرخون لليمن بجناحيه الشمالي والجنوبي، أن للإمام أمير
المؤمنين عليه السّلام آثاراً لا يزال بعضها شاهداً، نذكر منها ما يلي:
1 - جاء في هامش 14 من تاريخ اليمن للواسعي اليماني: ذكر أم سعيد البرزخية. فقال المعلّق: هذه المرأة أول من أسلم من أهل اليمن على يد علي ابن أبي طالب حين وصل إلى اليمن، ونزل بمنزلها، وتعلّمت القرآن، وصلّى في منزلها، وبنته مسجداً، وسمَّته مسجد علي عليه السّلام، وهو مشهور معروف إلى اليوم في سوق الحلقة، وسُمِّيت الحلقة لأن عليًّا عليه السّلام، لما وصل إلى هذا الموضع وقرأ مكتوب النبي صلّي الله عليه و آله على أهل اليمن حلّقوا عليه، فسُمّيت الحلقة.
2 - وجاء في الكتاب أنباء الزمن: وقبل عودته من اليمن عمر مسجداً بصنعاء عُرف باسمه (1).
أقول : ويظهر من هذا أن المسجد الذي عمَّره علي عليه السّلام بصنعاء غير المسجد الذي بنته أم سعيد البرزخية وسمَّته مسجد علي عليه السّلام، كما مرَّ آنفاً.
3 - وجاء في طبقات فقهاء اليمن تأليف عمر بن علي بن سمرة الجعدي، ألّفه سنة 586 ه-، قال: فوصل علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه إلى صنعاء، ثم دعا بالهدي وذهبية في أديم مقروظ. (قال أبو عبيدة: المدبوغ بالقرظ لم تحصل من ترابها) ...
وقد روى بعض الرواة أن علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه لم يتجاوز أرض عكّ في تهامة، بل بنى لهم مسجداً بعد إسلامهم، والمشهور
1) أنباء الزمن، ص 8
هو الأول...
وأخبرني القاضي أحمد بن علي بن أبي بكر عن والده كنانة أن عليًّا دخل عدن أبين، وخطب فيها على المنبر خطبة بليغة، ذكر فيها: إن منكم من يبصر بالليل والنهار، ومنكم يبصر بإحداهما - بأحدهما - دون الأخرى. وما يؤدي معنى هذا الكلام ... (1).
أقول: تقدم في حديث الواقدي بعض هذه الخطبة وسماع كعب الأحبار لها وزعم أنه أسلم يومئذٍ، فراجع سريته إلى مذحج.
4 - وفي كتاب غاية الأماني في أخبار القطر اليماني تأليف يحيى بن الحسين ابن القاسم بن محمد بن علي (1035 - 1100ه-) قال: ولما فشا الإسلام باليمن بعث رسول الله صلّي الله عليه و آله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وخالد بن الوليد...
قال البخاري: بعث رسول الله صلّي الله عليه و آله خالد بن سعيد (2)بن الوليد قبل حجة الوداع، وبعث مع علي عليه السّلام بريدة الأسلمي (3)والبراء بن عازب. فوصل علي عليه السّلام إلى صنعاء، وعمَّر فيها المسجد المعروف بمسجد علي، ثم عاد بالهدايا، فوافی رسول الله صلّى الله عليه و آله في حجة الوداع (4).
1) طبقات فقهاء اليمن، ص 15 تحقيق فؤاد سيّد ط القاهرة سنة 1957م
2) هكذا جاء في المصدر، وهو وهم إما من المؤلف، لأن الذي ذكره البخاري هو خالد ابن الوليد، أو سهو من المحقق فلم يتنبّه له
3) وهذا وهم آخر، فإن حديث بريدة في صحيح البخاري وغيره أنه كان مع خالد بن الوليد، لأنه كان يبغض عليًّا، فراجع
4) غاية الأماني في أخبار القطر اليماني، ص 17 تحقيق وتقديم سعيد عبد الفتاح عاشور. مراجعة د. محمد مصطفى زيادة، ط دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة سنة 1388ه-
5 - قال ابن الديبع الشيباني، ص 5: إن عليًّا دخل عدن أبين، وخطب على منبرها خطبة بليغة، وذلك قبل عودته إلى مكة (1).
روى الكليني في فروع الكافي والصدوق في من لا يحضره الفقيه، والبرقي في المحاسن وغيرهم، عن أبي الحسن - الكاظم عليه السّلام - قال: أهدى أمير المؤمنين عليه السّلام، إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله أربعة أفراس من اليمن. فقال: سُمْها لي - أي صفها - فقال : هي ألوان مختلفة. قال: ففيها وَضَح؟(2)، قال نعم فيها أشقر به وضح. قال: فأمسكه عليّ. قال: وفيها كميتان (3)أوضحان. فقال: اعطهما ابنيك. قال: والرابع أدهم بهيم (4)قال: بعه واستخلف قيمته نفقة لعيالك، وإنما يمن الخيل في ذوات الأوضاح (5).
أقول: هذا ما حصل عليه الإمام من النفع المادي، أما ما حصل عليه من النفع المعنوي فقد حاز ما هو خير له مما طلعت عليه الشمس، حيث أسلمت على يديه جميع قبائل همدان، ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام
كما مرَّ ذلك موثقاً، وقد قال له النبي صلّي الله عليه و آله آنفاً: يا علي (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس)، ولقد مرَّ بنا ذكر ما حصل عليه معاذ، وكيف حصل عليه، وللقارئ الواعي فهم الفارق بين الحصى والجوهر.
لك الله يا أبا الحسن...
لك الله ماذا لقيتَ من هذه الأمة في حياة النبي صلّي الله عليه و آله وبعد وفاته؟
لك الله ماذا لقيتَ من بعض الصحابة الذين رفع أتباعُهم بأضباعهم، ولم يغيّر الإسلام من رواسب طباعهم؟
لك الله ماذا لقيتَ من الوضَّاعين والدجّالين الذين ساروا في ركاب الحاكمين، فوضعوا لهم ما شاؤوا؟
لك الله ماذا لقيتَ من مدوّني السيرة والتاريخ وحتى أصحاب الحديث، الذين خلطوا الأوراق عن عمد، فضاعت معالم نيِّرة لفّها ضباب الأفاكين؟
لك الله ، أنت أول مظلوم وأول مَن غُصب حقه حين جهل الناس قدرك وقد رفع الله ذكرك.
لقد قرأنا تاريخك وأدوار حياتك منذ ولادتك وحتى يوم شهادتك، فرأينا أعداءك لم تكف عن أذاك، ولم يتركوا - ما وسعهم - موقفاً ينبئ عن فضيلة لك إلا أحاطوه بالغموض، وحاولوا طمسه أو التشويش عليه، بإلقاء الشكوك فيه، حتى حشروا الأضداد معك، وكأنهم أنداد لك.
هيهات هيهات، فالحق يعلو ولا يعلى عليه، وشمس الحقيقة لا بد أن تظهر لذي البصائر، مهما تكاثفت سحب التضبيب وإن طال الزمن وبعُد العهد.
سيدي هذا الذي أبكى رسول الله صلّي الله عليه و آله حين نظر إليك فسألته: ما يبكيك ؟ فقال صلّي الله عليه و آله: أضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك إلا من بعدي. فقلت في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك (1).
إن جميع ذلك قد تحقق.
سيدي: لكن الذي يحزّ في النفس أن يكون السطو على حساب جهادك وتضحياتك، فتُجعل مواقفك البطولية التي نصرتَ بها الدين وأعززتَ بها المسلمين، يتَّخذها من لا حريجة له في الدين وسيلة خداع واستغفال للعقول، فيجعلها لأناس تافهين ممن كانوا إلى أمسهم القريب من أشد أعداء الإسلام، ولقد مرَّت بنا شواهد جناياتهم في كثير مما مرَّ ذكره في هذا الكتاب، وقريباً جداً مرَّ ذكر غزاة ذات السلسلة التي جعلوا بطلها المزعوم عمرو بن العاص، وبيَّنا كيف تعامى التراث غير الشيعي عن ذكرك مع ما في رواياتهم من هنات وفجوات، حتى أخذ عرضُها ومناقشتها مساحة كبيرة من الكتاب، كما مرَّ بنا نموذج آخر من البطولات المزيفة، وكان بطل روايتهم خالد بن الوليد، حين ذكروه فاتحاً لليمن، وداعياً إلى الإسلام،
1) أخرجه أبو يعلى والبزار وعنهما في مجمع الزوائد 18/9. كما أخرجه كنز العمال 156/15 نقلاً عن البزار وأبي يعلى والحاكم وأبي الشيخ في كتاب القطع والسرقة، وعن الخطيب وابن الجوزي وابن النجار في تاريخه
ومعلماً للقرآن. وبيَّنا زيف جميع ذلك، ولم تقصر مساحته عما سبق.
ومرَّ بنا ثالثاً خبر معاذ، وقلنا : (المعاذ بالله من خبر معاذ)، حيث رأينا أعداء علي عليه السّلام كيف حاربوه سيفاً وسناناً وكتاباً وبياناً، فما تركوا له شاردة ولا واردة إلا وزجُّوا بأسماء من لا يساويه في حول ولا طول، فكانوا أبطالاً على حساب فضائله.
وأخيراً مررنا بما عند ابن كثير فيما رواه وما رآه، ولم نطل الوقوف عنده كثيراً، لأنه ممن يلبسون الحق بالباطل، ولو لم يكن في قلبه مرض لذكر لنا الخطبة العظيمة - كما وصفها - بتمامها، فلماذا تعامى عن ذكرها ؟
وهلّا ذكر لنا الأشياء التي بيَّنها رسول الله صلّي الله عليه و آله في خطبته كما يقول؟
ثم ما باله استشاط غيظاً وحقداً، فأنكر رواية أبي هريرة، وهو ممن جعلوه راوية الإسلام؟!
وزعم - مكابرة - وهْن أسانيدها، مع أن رجالها ممن وثّقهم أصحابه، ومنهم شيخه الذهبي (1)، ثم حكى أقواله، حتى ذكر يمينَه على عدم نزول الآية إلا يوم عرفة، وكأن الحقائق التاريخية تنفى بمجرد الأيمان الحائثة من الحاقد المنفعل (2)... إلى غير ذلك مما طفح به كيله.
ولم يكفه ذلك حتى ختم فصله الذي عنونه لبيان فضل الإمام أمير
المؤمنين برواية للطبراني لم تسلم سنداً ولم تصح متناً، وإنما ساقها ليساوي من حشر أسماءهم بالإمام في الذكر، وهي واضحة البطلان، مهلهلة البيان والبنيان من نسائج العصر الأموي أهل الزور والبهتان.
ورحم الله الشاعر العلوي الحجة السيد رضا الهندي حيث يقول وكأنه يخاطب أمثال الذهبي وابن كثير وأضرابهما الكثير الكثير:
يا مَن قد أنكَرَ مِن آياتِ *** أبي حسَنٍ ما لا يُنكَرْ
إن كنتَ لجهلِكَ بالآياتِ *** جحدتَ مقامَ أبي شُبَّر
فاسألْ بدراً واسألْ أُحُداً *** وسَلِ الأحزابَ وسَلْ خيبرْ
مَن دبَّرَ فيها الأمرَ ومَنْ *** أردى الأبطالَ ومَن دمَّر؟
مَن هدَّ حصونَ الشركِ ومَن *** شَادَ الإسلامَ ومَن عمَّر؟
مَن قدَّمه طه وعلى *** أهلِ الإيمان له أمَّر؟
قاسُوكَ أَبا حَسَنٍ بِسواكَ *** وهل بالطُّودِ يُقَاسُ الذّرّ؟
أنِّي ساوَوْكَ بَمَن ناوَوْكَ *** وهل ساوَوا نَعْلَي قنبر؟
مَن غَيْرُكَ مَن يُدعَى للحربِ *** وللمحراب وللمنبر؟
أفعالُ الخيرِ إذا انتشرتْ في الناس فأنتَ لها مَصْدَرْ
وإذا ذُكرَ المعروفُ فما *** بِسِواكَ به شيءٌ يُذكَر
أحييتَ الدينَ بأبيضَ قد *** أودعْتَ به الموتَ الأحمرْ
قطباً للحربِ يُديرُ الضَّربَ *** ويجلو الكربَ بيومِ الكرّ
فاصدعْ بالأمرِ فناصرُكَ *** البتَّارُ وشانئُكَ الأبتر (1)
1) القصيدة الكوثرية - القصائد الخالدات، ص 63 مطبعة أوفست الأنصار بغداد
121 - قد زقّكَ العلمَ النبيُّ زقّا *** مِن بينِهم كنتَ به أحقّا
إشارة منه قدّس سرّه إلى ما ورد عنه عليه السّلام من قوله:
علّمني رسول الله صلّي الله عليه و آله، و ألف باب من العلم، واستنبطت من كل باب ألف باب.
أورده الرازي في تفسيره، وقال: فإذا كان حال الولي هكذا، فكيف حال النبي صلّى الله عليه [وآله] وسلم؟ (1)
وقال عليه السّلام فيما رواه الثعلبي في قصص الأنبياء في تفسير قوله تعالى «إذ أوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً» (2)، وذلك في حديث طويل مع اليهود الذين جاؤوا يسألون عمر فلم يهتد لجوابهم ، فاستنقذ الإمام الموقف وقال لليهود:
سلوا عما بدا لكم، فإن النبي صلّى الله عليه [وآله] وسلم علّمني ألف باب من العلم، فتشعَّب لي من كل باب ألف باب (1).
وفي لفظ ثالث قال عليه السّلام: علمني رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم ألف باب، كل باب يفتح ألف باب (2).
إلى غير ذلك من أقواله المنبئة عن اختصاصه من بين الصحابة بما علّمه النبي صلّى الله عليه و آله، و اختلاف الألفاظ في قوله الآنف الذكر لتعدد الموارد.
واختصاصه عليه السّلام بذلك مما لا يتطرّق إليه الريب، فقد جعله صلّى الله عليه و آله باب مدينة علمه، وقد مرَّ كلام في ذلك، فراجع شرح قول الماتن:
مدينةٌ أنا وبابُها علي *** .... .... .... ....
وجعله عيبة علمه، فقال في حقه: (علي عَيْبة علمي).
ولم يقل ذلك في حق الآخرين. وهل العيبة إلا الوعاء الذي يستوعب ما يُستودع فيه، ومن الرجل موضع سرَّه.
وهذا الحديث من الأوليات النبوية التي لم يسبق إلى ضرب المثل به قبله.
قال ابن دريد: وهذا من كلامه الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل به في إرادة اختصاصه بأموره الباطنة التي لا يطلع عليها أحد غيره، وذلك غاية في مدح عليّ، وقد كانت ضمائر أعدائه على اعتقاد تعظيمه (3).
وقد كان الإمام أمير المؤمنين علية، يحدث عن سبيل تعلمه من النبي صلّى الله عليه و آله فيقول: إني كنت إذا سألته أنبأني - أعطاني - وإذا سكتَّ ابتدأني (1).
وفي حديث لابن عباس قال: إن عليًّا عليه السّلام خطب الناس، فقال: يا أيها الناس ما هذه المقالة السيِّئة التي تبلغني عنكم؟ والله لتقتلنَّ طلحة والزبير، ولتفتحنَّ البصرة، ولتأتينكم مادة من الكوفة ستة آلاف وخمسمائة وستين - أو خمسة آلاف وستمائة وخمسين - قال ابن عباس: فقلت: الحرب خدعة. قال: فخرجت، فأقبلت أسأل الناس: كم أنتم؟ فقالوا كما قال، فقلت: هذا مما أسرَّه إليه رسول الله صلّى الله عليه و آله، إنه علّمه ألف ألف كلمة، كل كلمة تفتح ألف كلمة (2).
وقد روى الفخر الرازي في تفسيره في ذيل تفسير قوله تعالى «وأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» في سورة ( والضحى) حديثاً جاء فيه: وقد قالوا له - أصحابه - فحدثنا عن نفسك. فقال [عليه السّلام]: مهلاً، فقد نهى الله عن التزكية. فقيل له: أليس الله تعالى يقول «وأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ»؟ فقال: إني أحدِّث، كنت إذا سألت أُعطِيت، وإذا سكتُّ ابتُديت، وبين الجوانح علم جمّ فاسألوني.
1) كنز العمال 113/15 عن ابن سعد. مستدرك الحاكم 125/3. سنن الترمذي في 170/13 باب مناقب علي عليه السّلام. الفضائل لأحمد. الخصائص للنسائي. المناقب لابن المغازلي، ص 86. أنساب الأشراف للبلاذري 98/2 وغيرهم
2) كنز العمال 405/6 ط الأولى، 145/15 ط الثانية حيدر آباد. وذكره العسقلاني في فتح الباري 165/16 باختلاف يسير وقال: أخرجه الطبراني
وهذا الحديث أخرجه أحمد في الفضائل، والنسائي في الخصائص.
وروى أبو نعيم في الحلية، وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول، والمحب الطبري في الرياض النضرة عن أبي صالح الحنفي عن علي عليه السّلام، قال: قلت: يا رسول الله أوصني. قال: قل: (ربي الله) ثم استقم. قال: قلت: الله ربي، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أُنيب. فقال: ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ، ونهلته نهلاً (1).
وقد أخرجه أيضاً الخوارزمي في المناقب، والمحب الطبري في الرياض النضرة، وقال: أخرجه الرازي والبختري بإسقاط قوله: (ونهلته نهلاً). ورواه الكلابي في مناقبه الملحق بمناقب ابن المغازلي، ورواه ابن عساكر في تاريخه بلفظ : (وثاقبته ثقباً) بدل (ونهلته نهلاً) (2).
وأخرج الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق، والحمويني في فرائد السمطين نقلاً عن أبي نعيم، وأبو نعيم قد أخرجه في تاريخ أصبهان، والهيثمي في مجمع الزوائد، والكنجي في كفاية الطالب، والقندوزي في ينابيع المودة، وابن عساكر في تاريخه، وابن حجر في تهذيب التهذيب، وقال: رواه الطبراني في معجمه.
فهؤلاء كلهم رووا عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: كنا نتحدَّث أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم عهد إلى علي سبعين عهداً لم يعهدها
إلى غيره (1).
وأخيراً فقد روى ابن عساكر في تاريخه بسنده عن معاوية بن أبي سفيان، قال: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يغرُّ عليًّا بالعلم غرًّا (2).
وهذا ما عبَّر عنه قول سيدنا الناظم قدِّس سرّه:
قد زقّك العلمَ النبيُّ زقّا *** .... .... .... .... .... ....
122 - فدَيْتَ بالنفس النبيَّ الهادي *** أكرِمْ بذا المفدّى والمفادي
123 - بِتَّ مبيتَ المصطفى ببيتِهَ *** لتحفظَ النورَ بحفظِ زيتِهِ
124 - باهي بك الإلهُ أملاكَ السَّمَا *** لما رآهم يكرهون العَدَمَا
125 - والملَكُ المقرَّبُ الأمينُ *** أرسِلَ للحفظِ له معينُ
126 - يحفظُه مِن شَرِّ كلِّ غاشمِ *** يعصمُه أكرِمْ به مِن عاصِمِ
127- قد جَلَس الأمينُ عندَ الرأسِ *** لدفعِ ما يعرضُه مِن بأسِ
128 - ضُمَّ إليه المَلكُ المقرَبُ *** ميكالُ مِن رَجُلٍ إِليه يَقْرُبُ
129 - ذاك بأمرٍ مِن مليكٍ مقتدِرْ *** وملجأ العبادِ في يومٍ عَسِرْ
130 - حقَّ عليكَ القولُ بالتعظيمِ *** مِن الإلهِ الخالقِ الكريم
إشارة من السيد الأستاذ قدَّس سرّه إلى فضيلة المبيت على الفراش ليلة الهجرة، التي اختص بها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وهي الليلة الخالدة
في تاريخ الإمام عليه السّلام، بل في تاريخ الإسلام، إذ لولاه لما تمكن الرسول صلّي الله عليه و آله من الإفلات من كيد قريش التي اجتمعت على أن تبيّته ليلاً فتقتله، فكان في اختيار الرسول صلّي الله عليه و آله لعليّ القيام بدور خاص يؤديه، فينام بمكانه ويتسجَّى ببُروده الحضرمي، ليوهم قريشاً أنه بمكانه، دلالة على إعداده منذ الليلة للقيام مقامه، وهو كذلك سيكون فيما سيأتي في بقية أدوار حياته، فلا عجب أن قرأنا في كتب السيرة والتاريخ والتفسير من نصرة السماء لعلي في ذلك الموقف المحفوف بالمخاطر، كما لا عجب لو قرأنا في تلك المصادر أن الله سبحانه أنزل قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة في حق علي عليه السّلام لمفاداته بنفسه نفس الرسول صلّي الله عليه و آله، فقال سبحانه «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ» (1).
قال أبو جعفر الإسكافي: حديث الفراش قد ثبت بالتواتر، فلا يجحده إلا مجنون أو غير مخالط لأهل الملة (2). وقد روى أكثر المفسرين أن قول الله تعالى «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي» الآية نزلت في علي ليلة المبيت على الفراش.
وروى الثعلبي في تفسيره أن النبي صلّي الله عليه و آله لما أراد الهجرة إلى المدينة
1) سورة البقرة، الآية 207
2) أقول : بل إن كثيراً من الناس أعماهم البغض لأمير المؤمنين عليه السّلام حتى جحدوا كل فضيلة له، وأنكروا له كل منقبة، فليس غريباً أن ينكروا هذه الفضيلة، فإن أكثر فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام من الوضوح بحيث لا تخفى على أحد، ومع ذلك جحدوها بلا حياء، ولولا ذلك لما قامت لمذاهبهم قائمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون
خلّف علي بن أبي طالب بمكة، لقضاء ديونه، وأداء الوَدائع التي كانت عنده، وأمر ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه، وقال له: اتّشح ببردي الحضرمي الأخضر، ونم على فراشي، فإنه لا يصل منهم إليك مكروه إن شاء الله تعالى. ففعل ذلك على عليه السّلام، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل: إني آخيت بينكما، وجعلت عُمْر أحدكما أطول من الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب؟ آخيت بينه وبين محمد، فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوِّه.
فنزلا، فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا علي يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة؟ فأنزل الله على رسوله وهو متوجّه إلى المدينة في شأن علي «وَمِنَ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ» (1).
وقال ابن عباس: نزلت الآية في علي حين هرب - رسول الله - من المشركين إلى الغار مع أبي بكر ، ونام على فراش النبي (2).
أقول: إن قول أبي جعفر الإسكافي: (روى المفسرون كلهم أن قول الله تعالى «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي» الآية نزلت في علي ليلة المبيت على الفراش)، قول تعوزه الدقة، كما يبعث على الدهشة والحيرة ومدى التعتيم
المقصود عند جملة من المفسرين الذي لا يذكرون ذلك أصلاً، سواء من المتقدمين على الإسكافي أو المتأخرين عنه، كما صنع الطبري والخازن والزمخشري وابن كثير والسيوطي والآلوسي، وإن وجدنا آخرين ذكروا ذلك، ولكنهم ذكروه بصيغة تبعث على التشكيك، حيث ذكروا أقوالاً وروايات في شأن نزول الآية، جعلوا نزولها في شأن الإمام إحدى الروايات وأحد الأقوال، كما صنع الرازي في تفسيره، فقال: (الرواية الثالثة) نزلت في علي بن أبي طالب، بات على فراش رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ليلة خرج إلى الغار، ويروى أنه لما نام على فراشه قام جبريل عليه السّلام عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبريل ينادي: بخ بخ مَن مثلك يابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة. ونزلت الآية (1).
ولم يكن القرطبي في تفسيره دون الرازي، فقد ذكر سبعة أقوال في شأن نزولها، كان سادسها: وقيل: نزلت في علي رضي الله عنه حين تركه النبي صلّي الله عليه و آله على فراشه ليلة خرج إلى الغار على ما يأتي بيانه في (براءة) إن شاء الله تعالى (2).
ولدى مراجعة ذلك لم يزد على قوله، فأمر النبي صلّي الله عليه و آله علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يعمِّي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم ، فوضع على رؤوسهم تراباً ونهض، فلما أصبحوا خرج عليهم علي رضي الله عنه، وأخبرهم أن ليس في الدار
أحد، فعلموا أن رسول الله صلّي الله عليه و آله قد فات ونجا (1).
ونحن إذا رجعنا إلى كتب السيرة والتاريخ والحديث قديماً وحديثاً نجد أن مبيت الإمام على فراش النبي صلّي الله عليه و آله مما لا خلاف فيه عند من ذكر حديث الهجرة، وإنما التفاوت في العرض جملة وتفصيلاً، وذلك لا يضيرنا.
وإنما الذي يوحي بالعجب تلك المحاولات البائسة اليائسة في تشكيك القارئ بشأن نزول الآية الكريمة في الإمام عليه السّلام مع اتفاق جملة من المصادر على ذكر مباهاة الله تعالى الملائكة بعلي في مفاداته تلك الليلة كما مرَّ في حديث أبي جعفر الإسكافي، فقد ذكر نحو ذلك الغزالي في إحياء العلوم، وابن الأثير في أسد الغابة، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، والنيسابوري في تفسيره، والصفوري في نزهة المجالس، وسبط ابن الجوزي في التذكرة، والشبلنجي في نور الأبصار (2)وغيرهم.
مضافاً إلى ذلك ما رواه الحاكم في المستدرك بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شرى علي نفسه، ولبس ثوب النبي صلّي الله عليه و آله، ثم نام مكانه ...
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (1).
وقد رواه أبو داود الطيالسي وغيره عن أبي عوانة بزيادة ألفاظ.
وروى أيضاً عن علي بن الحسين قال: إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله علي بن أبي طالب.
وذكر المقريزي في إمتاع الأسماع حديث انثتمار قريش بالنبي صلّي الله عليه و آله وخروجه واستخلافه عليًّا في المبيت على فراشه...
إلى أن قال: فكان أول من شرى نفسه، وفيه نزلت «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ» (2).
وأخرج ابن عساكر في تاريخه ثلاثة أحاديث في المبيت ذكر في اثنين منها شأن نزول الآية في علي عليه السّلام (3).
وأما الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل فأخرج ذلك في عشرة أحاديث بأسانيد متعددة، فليراجعها من شاء الاستزادة، وقد ذكر في آخرها أبيات الإمام التي افتخر فيها بمبيته تلك، ومفاداته النبي بنفسه (4).
وتلك الأبيات أخرجها الحاكم في المستدرك، والذهبي في التلخيص، والخوارزمي في المناقب، وابن الأثير في أسد الغابة، وابن الصباغ في الفصول المهمة، وسبط ابن الجوزي الحنفي في التذكرة، والشبلنجي في نور
الأبصار وغيرهم.
وجاء في جملة من تلك المصادر روايتها عن ابن عباس، قال: أنشدني أمير المؤمنين شعرا قاله في تلك الليلة:
وقيتُ بنفسي خيرَ مَن وطأ الحصا *** وأكرَمَ خلق طافَ بالبيتِ والحِجْرِ
وبِتُّ أراعي منهمُ ما يسوؤُني *** وقد صبَّرتُ نفسي على القتلِ والأسْرِ
وباتَ رسولُ اللهِ في الغارِ آمِناً *** وما زالَ في حفظِ الإلهِ وفي السِّتْرِ
وفي رواية الحاكم النيسابوري في المستدرك، والذهبي في التلخيص، والحسكاني في شواهد التنزيل، والسيوطي في الدر المنثور (1)رواية الأبيات عن علي بن الحسين، بزيادة بيت رابع بتفاوت يسير في ألفاظه عندهم:
رسولُ إلهٍ خافَ أن يمكروا به *** فنجّاه ذو الطّولِ الإلهُ من المكْرِ
1- لقد احتج الإمام عليه السّلام بذلك أيضاً مفتخراً على أصحاب الشورى كما في حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: كنت على الباب يوم الشورى، فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت عليًّا يقول: بايع الناس لأبي بكر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحق به منه...
إلى أن قال: إن عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم، لا يعرف لي فضلاً عليهم في الصلاح ولا يعرفونه لي، كلنا فيه شرع سواء، وأيم الله لو أشاء أن أتكلم ثم لا يستطيع عربيّهم ولا عجميّهم ولا المعاهد منهم ولا
1) الدر المنثور 180/3
المشرك ردَّ خصلة منها لفعلت...
إلى أن قال: أفيكم أحد كان أعظم غنى عن رسول الله صلّي الله عليه و آله حين اضطجعت على فراشه، ووقيته بنفسي، وبذلت له مهجة دمي؟ قالوا: اللهم لا. الحديث.
وحديث المناشدة هذا ذكره الخوارزمي في المناقب بأسانيد متعددة (1)، والحمويني في فرائد السبطين في الباب الثامن والخمسين، وابن حجر في الصواعق المحرقة (2)، وابن عبد البر الاستيعاب (3)، وابن أبي الحديد في شرح النهج (4)، والمتقي الهندي في كنز العمال (5)وغيرهم.
2 - واحتج به حبر الأمة عبد الله بن عباس على التسعة رهط الذين وقعوا في الإمام عليه السّلام، فجاء فيما قال: أفّ وتفّ، وقعوا في رجل له بضع عشر فضايل ليست لأحد غيره...
ثم عدد جملة منها إلى أن قال: وشرى علي نفسه، فلبس ثوب النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، ثم نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول الله، فجاء أبو بكر وعلي نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنه رسول الله، قال: فقال: يا نبي الله. فقال له علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون
فأدركه. قال: فانطلق أبو بكر، فدخل معه الغار، قال: وجعل علي رضي الله عنه يُرمى بالحجارة كما كان يُرمى نبي الله وهو يتضور، وقد لفَّ رأسه في الثوب، لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه، فقالوا: إنك للثيم، وكان صاحبك لا يتضوَّر ونحن نرميه وأنت تتضوَّر، وقد استنكرنا ذلك... إلى آخر الحديث.
وهو طويل أخرجه بطوله النسائي في الخصائص (1)، وأحمد في مسنده (2)، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد لم يخرجاه بهذه السياقة (3).
وأخرجه الخوارزمي الحنفي في المناقب (4)، والحمويني في الفرائد، وابن كثير في تاريخه (5)، والهيثمي في مجمع الزوائد عن أحمد والطبراني، وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري، وهو ثقة وفيه لين (6). وغيرهم وغيرهم.
3- واحتج به المأمون العباسي على الفقهاء في تفضيل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، في مناظرة رواها بطولها ابن عبد ربه الأندلسي في العقد
الفريد، جاء فيها ما يتعلق بمبيت الإمام على الفراش: قال لإبراهيم بن إسماعيل بن حماد: يا أبا إسحاق من أفضل؟ من كان معه في الغار، أم من نام على فراشه ووقاه بنفسه، حتى تمّ لرسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم ما أراد من الهجرة؟ إن الله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر عليًّا بالنوم على فراشه، وأن يقي رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم بنفسه فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فبكى علي رضي الله عنه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم: ما يبكيك يا علي؟ أجزعاً من الموت؟ قال: لا والذي بعثك بالحق يا رسول الله، ولكن خوفاً عليك، أفتسلم يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: سمعاً وطاعة، وطيّبة نفسي بالفداء لك يا رسول الله. ثم أتى مضجعه، واضطجع وتسجَّى بثوبه، وجاء المشركون من قريش فحفّوا به، لا يشكّون أنه رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم، وقد أجمعوا أن يضربه من كل بطن من بطون قريش رجل ضربة بالسيف، لئلا يطلب الهاشميون من البطون بطناً بدمه، وعلي يسمع ما القوم فيه من تلف نفسه، ولم يدعُه ذلك إلى الجزع كما جزع صاحبه في الغار، ولم يزل علي صابراً محتسباً، فبعث الله ملائكة فمنعته من مشركي قريش حتى أصبح، فلما أصبح قام، فنظر القوم إليه فقالوا: أين محمد؟ قال: وما علمي بمحمد أين هو؟ قالوا فلا نراك إلا كنت مغرراً بنفسك منذ ليلتنا. فلم يزل علي أفضل ما بدأ به، يزيد ولا ينقص حتى قبضه الله إليه (1).
وروى ابن مسكويه في كتابه (نديم الفريد) كتاب المأمون العباسي
1) العقد الفريد 92/5 - 101
الذي كتبه إلى بني هاشم وذكر منه قوله: فلم يقم مع رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم أحد من المهاجرين كقيام علي بن أبي طالب، فإنه آزره ووقاه بنفسه، ونام في مضجعه... إلى آخر ما ذكره وهو مذكور في ينابيع المودة (1).
هذا عنوان كتبه عبد الكريم الخطيب في كتابه (علي بن أبي طالب: بقية النبوة وخاتم الخلافة) ننقله إلى القرَّاء بلفظه، قال: وهذا الذي كان من علي في ليلة الهجرة، إذا نُظِر إليه في مجرى الأحداث التي عرضت للإمام علي في حياته بعد تلك الليلة، فإنه يرفع لعيني الناظر أمارات واضحة، وإشارات دالّة على أن هذا التدبير الذي كان في تلك الليلة لم يكن أمراً عارضاً بالإضافة إلى علي، بل هو عن حكمة لها آثارها ومعقباتها!
فلنا أن نسأل:
أكان لإلباس الرسول صلّى الله عليه [وآله] وسلم شخصيته لعلي تلك الليلة، ما يوحي بأن هناك جامعة تجمع بين الرسول وبين علي، أكثر من جامعة القرابة القريبة التي بينهما؟ وهل لنا أن نستشف من ذلك أنه إذا غاب شخص الرسول كان علي هو الشخصية المهيّأة لأن تخلفه، وتمثّل شخصه، وتقوم مقامه؟
وأحسب أن أحداً قبلنا لم ينظر إلى هذا الحدَث نظرتنا هذه إليه، ولم يقف عنده وقفتنا تلك حتى شيعة علي، والمبالغين في التشيّع له! فإنا نراهم لا
1) ينابيع المودة، ص 484 ط إسلامبول
يلتفتون كثيراً إلى هذه الواقعة، ولا يقيمون منها شاهداً يشهد لعلي أنه أولى الناس برسول الله والقيام معه، على حين نراهم يتعلقون بكل شيء يرفع عليًّا إلى تلك المنزلة !! وأحسب كذلك أننا لم نَتعسّف كثيراً، حين نظرنا إلى علي وهو في بُرْد الرسول، وفي مثوى منامه الذي اعتاد أن ينام فيه - فقلنا: هذا خَلَف رسول الله، والقائم مقامه! ثم نحن إذا نظرنا إلى علي وهو يواجه قريشاً، بعد أن فعل فعلته بها، وبعد أن صفعها تلك الصفعة المذلّة المهينة، ثم تصفّحنا هذه الوجوه المنكرة، وتلك الأعين المحدّقة، وهي ترمي عليًّا بنظراتها الحاردة المتوعّدة، إذ خدعها عن (محمد) ومكر بها حتى أفلت (محمد) من بين يديها - ألا يذكّرنا هذا المشهد بما كان من قريش لعلي، وإرهاقها له، وتجنّيها عليه، بعد أن دخلت في الإسلام.. حيث لم يَرَ منها إلا حنقاً عليه، وكيداً له، وأزوراراً عنه!؟
وإنّ لك أن تقول: إن الفرق كبير بين قريش الملحدة الكافرة، المتحدّية للرسول، ولمن يجتمع إلى الرسول، وبين قريش المسلمة، المستجيبة لرسول الله ، والمجاهدة في سبيل الله !
ولكن .. لنا نحن أيضاً أن نقول: إنه إذا كان الإسلام قد ذهب بسخائم النفوس، وضمد جراحات القلوب، فإنه قد بقي في كثير من النفوس بعض هذه السخائم، مندسّة خامدة، إذا حركتها الأحداث تحرّكت، وبقي في بعض القلوب ندوب، هي ساكنة ما سكنت الأحداث، فإذا طاف بها طائف من المواقف المتأزمة نَغَرت، وألقت بما فيها من قيح وصديد.
إن هذا الذي كان من علي ليلة الهجرة، في تحدّيه لقريش، هذا
التحدّي السافر، وفي استخفافه بها، وقيامه بينها ثلاثة أيام، يَغدو ويروح - إن ذلك لا تنساه قريش لعليّ أبداً، ولولا أنها وجدت في قتله يومئذ إثارة فتنة، تمزّق وحدتها، وتشتّتْ شملها، دون أن يكون في ذلك ما يبلغ بها غايتها في (محمد)، لولا ذلك لقتلته، وشفت ما بصدرها منه، ولكنها تركته، وانتظرت الأيام لتسوي حسابها معه!
وأمر آخر!
هاجر الرسول إلى المدينة، وترك وراءه مكة، قلوباً مضطغنة عليه، مغيظة منه، متحرّقة إلى ضرّه وأذاه.. واستقبل في مهاجره الجديد وجوها فيّاضة بالبشر، وقلوباً عامرة بالخير والحب.
وها هو علي يخلُف الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - في هذا المجتمع المضطرب، ومع هذه الجماعة الحانقة المبغضة.. يعيش معها أياماً، ثم يلحق بالرسول في مهاجره الجديد.
ثم مضى الرسول إلى ربّه، ولحق بالرفيق الأعلى، وانتقل من دار إلى دار خير منها - أشبه بانتقاله مهاجراً من مكة إلى المدينة - وترك عليًّا وراءه يصطدم بالأحداث، ويكابد الشدائد، حتى يلحق بالرسول في الرفيق الأعلى، كما لحق به في مهاجره من قبل!
الا يبدو لنا من هذه الموافقات، ما نستشفّ منه أن لعلى شأناً في رسالة الرسول، ودوراً في دعوة الإسلام، ليس لأحد غيره من صحابة الرسول؟
وبعد - فهذه خطرات، لا نحسبها على تلك القضيّة، ولا ندخل بها فيها، ولا نضيفها إلى حساب علي رضي الله عنه، ولا نأخذ بها فيما نأخذ به
من مرويات التاريخ عنه.
إنها ليست حقائق يمكن أن تقبض منها اليد على شيء، ولكنها خفقات قلب، تهيّجه الذكريات، لموقف من تلك المواقف الخالدة، فيخشع لجلالها، وينتشي بروعتها! (1)
لئن كان الأستاذ عبد الكريم الخطيب موفّقاً حين اختار أن يكتب عن الإمام عليه السّلام كتابه (علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة) حسب قناعته وإيمانه، فذلك توفيق من الله سبحانه أن هداه للإيمان.
ولئن كان مصيباً حين أهدى كتابه إلى أستاذه (المغفور له علي عبد الرازق باشا)، وكانت سطور الإهداء مشبوبة العواطف (بكاءاً... ودعاءاً)، فذلك منه وفاء وبر، ورثاء وإحسان.
لئن كان صادقاً في عواطفه حينما استوحى من موافقة اسم أستاذه لاسم الإمام فقال:
ويا سبحان الله ! حتى الاسم الذي بكيتُه وحزنت له بالأمس في صحبة الإمام علي، هو الاسم الذي أبكيه وأحزن له اليوم... وبعد فإنك يا علي لأشبه الناس بعلي بن أبي طالب، شجاعة في الحق، وجرأة على مصادمة الأحداث، وثبات في ميدان المعركة تحت راية الحق، ولو فرَّ الأنصار وخلا منهم الميدان.
1) علي بن أبي طالب، بقية النبوة وخاتم الخلافة، ص 105، الطبعة الأولى سنة 1386ه-، 1966م ط مصر مطبعة السنة المحمدية
فذلك كله لا ننازعه فيه، فللرجل رأيه وحسن ظنه بشيخه ف- (كل فتاة بأبيها معجبة)، ولكن الذي شجَّعنا على نفث هذه الخاطرة هو ما مرَّ منه في خاطرة، فقد رأيناه لم يستطع - كغيره من المحدثين - التخلّص من رواسب الموروث، ولعلّ للبيئة حكمها عليه وتحكّمها في نفسه، فهو في كتابه كثيراً ما ينازع نفسه بين الموروث والمكتسب، وهو إن ثبتت له قدم زلّت له أخرى، ومع ذلك فلا ننقص بذلك فخره وذكره، ولستُ بصدد تقييم كتابه، ولا الوقوف معه في حسابه، غير أن ما خطر له في (خاطرة) جعلني أسجّل عليها أيضا (خاطرة).
فقد كان موفّقاً في تسمية ليلة المبيت (ليلة خالدة)، وكان موفقاً أيضاً في عرضه واستنتاجه حسب ما رآه على وفق مزاجه، لكنه فاته أنّ جميع ما جرى في تلك الليلة الخالدة، لم يكن وليد ساعته ارتجالاً واعتباطاً، فلم يكن لرسول الله أن يستخلف غير علي بمكانه، كما لم يكن لعلي أن يمتنع عن قبول ذلك، بل كل ذلك كان بتقدير العزيز العليم، وتدبير من السماء بوحي إلى الرسول الكريم.
فقد روى المفسرون وأصحاب السيرة والتاريخ حديث الهجرة، وأن الرسول الكريم صلّي الله عليه و آله لم يؤذن له بالهجرة حتى نزل عليه الأمين جبرئيل بقوله تعالى «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُنْبِتُوكَ اوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ» (1).
ولما بلّغه الروح الأمين إذن ربّه له بالهجرة، أبلغه أمر ربّه بأن ينيم
1) سورة الأنفال، الآية 30
عليًّا مكانه، ويأمره بأن يتسجَّى بِبُرده الحضرمي، لأنه الشخصية الوحيدة المؤهلة للقيام منذ الليلة بذلك التمثيل الشخصي للنبي صلّي الله عليه و آله في هذا الدور، وما سوف يستتبعه من أدوار يجب أن يخلفه علي فيها، من أداء الأمانات - التي كانت لدى النبي - إلى أهلها ، وحمل عيالاته - الفواطم - واللحاق به في المدينة، وتستمر تلك السيرة وذلك التمثيل بمختلف أدواره حتى بعد الهجرة، فهو الذي سوف يؤدي عنه براءة، لأن النبي مأمور أن لا يؤدّيها إلا هو أو رجل منه، وما كان ذلك الرجل إلا علي، وهو الذي سوف يخلفه في المدينة حينما يخرج بنفسه صلّي الله عليه و آله إلى تبوك، لأن المدينة يجب ألّا تخلو منه أو من رجل مثله، ليواجه مشاكل المنافقين، فكان أن قال له يومئذ: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
وهو الذي قال له مثل ذلك مراراً، وقد مرت الإشارة إلى ذلك (1)، وهو الذي قال عنه مراراً: (علي مني وأنا من علي)، ولم يقل مثل ذلك لأحد من رجالات الصحابة مهما تعاظمت أقدارهم.
كل ذلك لم يكن اعتباطاً، بل لأن عليًّا عليه السّلام، هو الذي قطع على نفسه منذ بدء الدعوة على أن يؤازره على نشر دعوته، وقد مرَّ بنا حديث بدء الدعوة وإنذار عشيرته الأقربين، ومرَّت بنا تفاصيل ذلك الإعداد والاستعداد، فليرجع إليه من شاء (2)، ليقرأ هناك قول النبي صلّي الله عليه و آله العشيرته الأقربين:
يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم؟
فأحجم القوم عنها - المؤازرة - جميعاً، وقال علي - وهو أحدثهم سنّاً.... أنا يا رسول الله، أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبته ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا...
فمن كان خليفته - بأمر ربّه - لا بدّ أن يكون هو المهيّأ للقيام بتمثيله عند غيابه، سواء في تلك الليلة المدلهمّة المحفوفة بالمخاطر، أو التي سيأتي بعدها من أيام تستدعي التمثيل عنه والخلافة من بعده.
والأستاذ الخطيب وإن كان صادقاً فيما استشفّه بنظرته، حين قال: كان لإلباس الرسول صلّي الله عليه و آله شخصيته لعلي تلك الليلة ما يوحي بأن هناك جامعة تجمع بين الرسول وبين علي أكثر من جامعة القرابة القريبة التي بينهما؟ وهل لنا أن نستشف من ذلك أنه إذا غاب شخص الرسول كان علي هو الشخصية المهيّأة لأن تخلفه، وتمثل شخصه، وتقوم مقامه؟
فهذا الذي ذكره لا مؤاخذة عليه، ولكن ما يؤاخذ عليه هو تعقيبه عليه حين قال: وأحسب أن أحداً قبلنا لم ينظر إلى هذا الحديث نظرتنا هذه إليه، ولم يقف عنده وقفتنا تلك حتى شيعة علي والمبالغين في التشيّع له، فإنا نراهم لا يلتفتون كثيراً إلى هذه الواقعة، ولا يقيمون منها شاهداً يشهد لعلي أنه أولى الناس برسول الله والقيام معه، على حين نراهم يتعلقون بكل شيء يرفع عليًّا إلى تلك المنزلة. وأحسب كذلك أننا لم نتعسَّف كثيراً حين
نظرنا إلى علي وهو في بُرْد الرسول وفي مثوى منامه الذي اعتاد أن ينام فيه. فقلنا: هذا خَلَف رسول الله والقائم مقامه.
أقول: وأحسب أنا أيضاً لا نتعشف كثيراً إذا ما قلنا: إن الأستاذ الخطيب كانت تعوزه في المقام اللياقة والدقة.
أما اللياقة فليس من شأن العالم التبجّح والإعجاب بالنفس، وكنا نرباً بعالم مثله أن يبدر ذلك منه، والذي يهوِّن الأمر أنه هو حسب كذلك، وما دام الأمر يخرج عن دائرة حسبانه، فإنّ العين في ميزانه.
وأما عوزه الدقة، فمن أين له أن أحداً قبله لم ينظر نظرته، حتى الشيعة والمبالغين في التشيّع لم يلتفتوا كثيرا إلى هذه الواقعة...؟
أليس مَن كان يحتج بها يكون ملتفتاً إليها؟ كيف لا وهم الذين يحتجّون بالمبيت ليلة الهجرة كما يحتجون بسائر ما كان للإمام من خصائص مؤهلة للخلافة وللتفضيل، وأنه أولى الناس برسول الله صلّي الله عليه و آله ولقد مرَّ بنا نماذج من الاحتجاج بذلك، حيث ذكرنا:
أولاً : احتجاج الإمام عليه السّلام نفسه بذلك في حديث المناشدة على النفر أصحاب الشورى.
ثانياً : احتجاج حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه على التسعة رهط الذين وقعوا في الإمام.
ثالثاً: احتجاج المأمون العباسي على جماعة الفقهاء.
فراجع ستجد حجة المبيت على الفراش إحدى الحجج، وعلى ذلك
النهج سار أهل البيت عليهم السّلام وشيعتهم في الاحتجاج بذلك، فراجع كتبهم في الاحتجاج.
وأما ما ذكره من تصوّر حقد قريش وحنقها على الإمام الذي تحدى رجالها في مبيته على فراش النبي فادياً له بنفسه (مستخفاً بهم، مقيماً بين ظهرانيهم ثلاثة أيام من بعده يغدو ويروح)، فقد كان محقاً وحقيقياً في تصوره، فقريش كما قال حتى (بعد أن دخلت في الإسلام حيث لم يرَ منها إلا حنقاً عليه، وكيداً له، وأزوراراً عنه... إن ذلك لا تنساه قريش لعلي أبداً ... وانتظرت الأيام لتسوي حسابها معه).
ولقد صدق في مقاله، إلا أنه كانت تعوزه شجاعة الحق وجرأة الصدق، فلم يذكر له شواهد تبصّر من لم يرَ في قريش - الصحابة - إلا أنه- عَصَبَة النبي صلّي الله عليه و آله، وهم أولى به من سائر العرب، وهم لهم الرياسة والقداسة، ولو أنه نفض غبار الموروث وذكر بعض ما لاقاه الإمام من قريش قادة وأتباعاً، مما يندى له الجبين، حتى قال له عثمان أيام حكومته: ما ذنبي إليك إذا لم تحبّك قريش وقد قتلت منهم سبعين رجلاً كان وجوههم سيوف الذهب (1).
فإذا كان هذا قول عثمان وهو من شيوخ بني أمية، وأمية من قريش، ومن قتلهم علي على الإسلام جلّهم من بني أميّة، فيا ترى ماذا يتوقع المرء ممن هو دون عثمان سناً وشأناً من بني أمية؟ كيف ينفث حقده ويظهر حنقه وقد واتته الظروف؟
1) معرفة الصحابة لأبي نعيم 301/1
أتعلم أن معاوية بن أبي سفيان أصدر أوامره إلى عمَّاله على الأمصار أن برئت الذمة ممن روى في فضل علي حديثاً؟
أتعلم أنه بنفسه ساوم سمرة بن جندب أحد حثالات الصحابة (1)
ولم يكن ابن حجر دون ابن عبد البر في ذكر كيفية موت سمرة، فقد رويا أن النبي صلّي الله عليه و آله قال السمرة وأبي هريرة وأبي محذورة (آخركم موتاً في النار). قال ابن عبد البر: سقط في قدر مملوءة ماءاً حاراً كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه، فسقط في القدر الحارة فمات، فكان ذلك تصديقاً لقول رسول الله صلّى الله عليه و آله له ولأبي هريرة ولثالث معهما: (آخركم موتاً في النار). ولئن غم ّابن عبد البر اسم الثالث فقد صرَّح به ابن حجر، فقال (ولأبي محذورة)، فاقرأ واضحك، وإن شئت فابك. أهكذا تطمس الحقائق؟ هل البصرة كانت عند القطب المتجمد الشمالي، فأصابت سمرة الرعدة من شدة بردها؟ وهل القدر المملوءة ماءاً حاراً هي النار؟ الجواب عند علماء التبرير
على أن يروي للناس نزول آية نزلت في المنافقين فيجعلها في علي، وأخرى نزلت في علي في مبيته على الفراش فيجعلها في عبد الرحمن بن ملجم؟هلمّ فاقرأ ما رواه أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن أبي جعفر بن الجنيد، قال:
إن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه
1) سمرة بن جندب عدّه ابن حجر من الصحابة، وقال: (ونزل البصرة، وكان زياد يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة، وكان شديداً على الخوارج، فكانوا يطعنون عليه). ولا نناقشه في شدته على الخوارج ولكن من حقنا أن نسأل: هل أن شيعة، علي الذين قتلهم هو وأميره زياد كانوا من الخوارج؟
الآية نزلت في علي عليه السّلام: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ الدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ»، وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ»، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم، فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف، فقبل وروى ذلك.
قال أبو جعفر: وقد صحّ أن بني أميّة منعوا من إظهار فضائل علي عليه السّلام، وعاقبوا ذلك الراوي له، حتى إن الرجل إذا روى عنه حديثاً لا يتعلق بفضله، بل بشرائع الدين، لا يتجاسر أحد على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب (1).
هذه بعض جرائم معاوية التي انتقم بها لقريش من عليّ، فكان ذلك عجباً من المؤلف حين تحاشي ذكر شيء من ذلك.
ولعل الأمر الأعجب انهيار الخطيب إما لغلبة رواسب الموروث، أو الخوف من مؤاخذة أصحابه، فقد تراجع عما تشدّق به أولا فيما قرّره كحقيقة ثابتة عنده، وحسب لنفسه فضل السبق في نظرته إليه، فقال في ختام خاطرته: وبعد فهذه خطرات لا نحسبها على تلك القضية...
وقال: إنها ليست حقائق يمكن أن تقبض منها اليد على شيء...
وقال: ولكنها خفقات قلب تهيجه الذكريات
1) شرح النهج 361/1 ط مصر (الأولى)
وكنا نأمل فيه أن يكون ثابت الجنان مثل أستاذه الذي أهدى إليه كتابه (المغفور له علي عبد الرازق «باشا») صاحب كتاب (الإسلام وأصول الحكم)، الذي أثار صدوره (معركة أمرها معروف ومشهور) كما ذكر التلميذ في ذيل صفحات الإهداء، فيكون مثله في رباطة جأش وصلابة موقف.
كما كنا نأمل فيه أن يكون ثابتا عند رأيه فيما رآه في حَدَث المبيت على الفراش من أمارات واضحة و إشارات دالة على أن هذا التدبير... لم يكن أمراً عارضاً بالإضافة إلى علي، بل هو عن حكمة لها آثارها ومعقباتها، ولكن الرجل - أسفاً - تراجع إلى نقطة الصفر - كما يقولون - فجعل ما بحثه ونظر إليه نظرة لم يسبق أحد إليها ... خطرات... وأنها ليست حقائق... ولكنها خفقات قلب...
ولعله خشي على نفسه أن يلحقه من الأذى مثل ما لحق بأستاذه من قبل، فنأى بنفسه عن خوض المعارك، لئلا يقع في المهالك، حين يحكم عليه بالمروق عن الإسلام السياسي الموروث، ما دام لشيوخه في الأزهر (الشريف) أمر التعزير والتكفير.
وختاماً لذكر حديث المبيت على الفراش نذكر للقارئ ما جادت به قريحة شاعر أهل البيت المرحوم الحاج هاشم الكعبي من قصيدة علوية حسينية، مما يتعلق بتلك الفضيلة، حيث قال:
ومواقفٌ لكَ دونَ أحمد جاوزتْ *** بمقامِك التعريفَ والتحديداً
فعلى الفراش مبيتُ ليلِك والعِدى *** تُهدي إليك بوارقاً ورعوداً
فرقدْتَ مثلوجَ الفؤادِ كأنما *** يُهدي القراعُ لسمعِك التغريدا
فكفيتَ ليلَته وقُمتَ معاوضاً *** بالنفسِ لا فَشِلاً ولا رِعْديدا
واستصبحوا فرأوا دُوين مرادِهم *** جبلاً أَشَمَّ وفارساً صِنديدا
رصدوا الصباحَ ليُنفقوا كنزَ الهدى *** أو ما دَرَوا كنزَ الهدى مرصودا؟
137 - قالَ النبيُّ خلفاءُ أمَّتي *** مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ورعاهُ سُنَّتي
132 - فَعَدَّهم فانحصروا باثني عَشَرْ *** واسمُهمُ في الملأ الأعلى اشتهرْ
إشارة منه قدِّس سرّه إلى الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرت: أن خلفاء الرسول من بعده اثنا عشر خليفة (1)، وأنهم من قريش (2)، وأنهم من بني هاشم خاصة (3).
وقد ميّزهم بأوصاف لا تقبل التأويل، فجعلهم في العصمة عِدل التنزيل - كما في حديث الثّقلين -، وقد مرَّ الكلام فيه (4)، وأنهم الذين أذهب
الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً (1)، وجعلهم كسفينة نوح، فمن ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى، وهذا أيضاً مرَّ الكلام فيه (2)، ولم يكتف بجميع ذلك حتى صرّح بأسمائهم وأنسابهم من دون أيِّ غموض أو لبس، كل ذلك حنانا منه على أمته، لئلا تضلّ من بعده، وحرصاً منه على هدايتهم كيلا تفرَّق بهم السُبل .
ومع جميع ذلك فقد أخطأت جماهير كثيرة حظّها ، فلم تتبع مَن أمَرَ رسولُ الله صلّي الله عليه و آله باتباعه، ونصبه علما وإماما من بعده، فأخذت ذات اليمين وذات الشمال على غير هدى ونور من ربهم، تنعق مع كل ناعق، واستبعدت الهداة القادة حين استحدثت آخرين للقيادة، فعافت الحق «وَاكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ».
وكان لذلك التغيير أثره السيئ في انشقاق الأمة، فاختلفت كلمتهم وتفرَّقت جماعتهم فصاروا شيعاً وأحزاباً، وزاد الطين بلّة والغُلة عِلّة ما أحدثه علماء التبرير من تحوير وتطوير، بل وحتى التزوير، فطالوا الكتاب الذي «لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ» بوجوه من التفسير ما أنزل الله بها من سلطان.
وطالوا النبي صلّي الله عليه و آله الذي «مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى»، فنالوا من شخصه وكرامته حتى جعلوه كأي إنسان يرضى ويغضب على غير ميزان. ووضعوا في ذلك أحاديث مكذوبة استخدمها
الحاكمون لصالحهم وروَّجها الخالفون لمصالحهم.
وهكذا تبع الأخلاف الأسلاف في مسيرتهم، وازدادت مزالق الخصام حتى امتشق الحسام، ولم يبق للمسلمين ما يجمعهم سوى هوية الإسلام، وتداعت عليهم الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها، وليس ذلك من قلة، ولكنهم غثاء كغثاء السيل، وهذا ما حذّر منه رسول الله صلّي الله عليه و آله أمّته حين يتركوا سنّته التي تركهم عليها ليلها كنهارها ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
لعل من نافلة القول إطالة البحث في ذلك، لأن الأحاديث المشار إليها أخرجتها جوامع الحديث - من الفريقين - بحدّ الاستفاضة التي لا يتطرق إليها ادنى ريب، خصوصاً وأن رواتها من أعلام الصحابة . وقد وقفت على رواية أكثر من عشرين صحابياً كلهم رووا أن النبي صلّي الله عليه و آله عيّن الخلفاء من بعده عدداً: (اثني عشر)، ووصفاً: (لا يزال الإسلام بهم عزيزاً ظاهراً منيعاً).
وهذا ما ورد في أحاديث سلمان وأبي أيوب وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن أسيد وأنس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أوفى وواثلة بن الأسقع وأبي قتادة الأنصاري وأبي جحيفة السوائي وأبي هريرة وجابر بن سمرة وغيرهم وغيرهم.
ورواياتهم مروية في كتب الصحاح، وحسبك منها صحيح البخاري و صحیح مسلم وصحيح ابن حبان، ومروية في كتب المسانيد، وحسبك منها مسند أحمد ومسند الطيالسي ومسند أبي عوانة، ومروية في كتب السنن،
وحسبك منها سنن الترمذي وسنن أبي داود... و... و... إلى غير ذلك من المصادر في السيرة والتاريخ التي نيفت على الأربعين فيما أحصيت وربما فاتني الكثير غيرها.
وأحاديث هؤلاء الصحابة الذين تقدم ذكرهم تنبئ عن تعدد زمان ومكان الصدور، ولذلك تفاوتت الألفاظ بهذا اللحاظ.
ومما يلفت النظر أن جابر بن سمرة - آخر من ذكرت اسمه من الصحابة - روى عنه الحديث جماعة من التابعين، وبين مروياتهم من التفاوت ما يدل على مدى التعتيم الإعلامي الذي طال الحديث كما أنّ في حديث ابن مسعود وأبي جحيفة نجد شاهداً على ذلك.
حسبنا من الشواهد ملاحظة أحاديث ثلاثة ممن مرَّ ذكرهم:
1- حديث جابر بن سمرة: ولنقرأه في مسند أحمد - دون بقية مصادره - فنجد أحمد قد رواه عنه أربعاً وثلاثين مرّة بصور مختلفة، قل أن تتفق روايات تابعي واحد عنه فضلاً عن اتفاق ما يرويه تابعي مع ما يرويه تابعي آخر عنه، لذا نجد روايات الشعبي عن جابر لهذا الحديث بست صور، وروايات عامر بن سعد بن أبي وقاص عن جابر بخمس صور وروايات سماك عن جابر بثلاث صور وعبد الملك بن عمير عن جابر بصورتين.. وهكذا وهكذا.
فلماذا هذا الاختلاف؟
والآن إلى السؤال الذي يفرض نفسه:
ماذا قال رسول الله صلّي الله عليه و آله في تعيين عدد خلفائه من بعده، فسمعه الصحابة ومنهم جابر بن سمرة؟ ولماذا اختلفت روايات التابعين عنه ؟
والجواب بكل بساطة أن النبي صلّي الله عليه و آله قال في حجة الوداع بعرفة - بمنى - يوم الجمعة عشية رجم الأسلمي: لا يزال هذا الدين قائماً عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناواه، لا يضره مخالف ولا مفارق، حتى يكون – يمضي - اثنا عشر خليفة ينصرون على من ناواهم عليه.
قال جابر: ثم تكلم بكلمة لم أفهمها وضحّ الناس - فكبَّر الناس وضجُّوا - قال كلمة أصمَّنيها الناس - فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش؟ ثم رجع إلى منزله فأتته قريش فقالوا : ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج.
هذه خلاصة روايات التابعين عن جابر بن سمرة في حديثه في تعيين عدد الخلفاء من بعد النبي صلّي الله عليه و آله، والذي يلفت النظر هياج الناس عند تعيين هوية الخلفاء القَبَلية.
وهنا مثار التساؤل، فمَن هم أولئك الناس الذين هاجوا وماجوا؟ فلا بدّ أن يكونوا ممن لا يرضون بمن ذكرهم رسول الله صلّي الله عليه و آله أنهم الخلفاء من بعده، وحسبنا من حديث جابر معرفة الهياج عند ذكر الهوية وكتمان بقية الخطبة التي خطبها بعرفات، وسيأتي بعضها.
2- حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي: قال: كنّا عند رسول الله صلّى الله عليه و آله وهو يخطب وعمر جالس بين يديه، فقال النبي صلّي الله عليه و آله: لا
يزال أمر أمتي صالحاً حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.
وهذا ما رواه عنه أبو سلمة القاضي وسهل بن حماد وغيرهما كلٌّ بإسناده (1)، فتبين لنا حضور عمر وهو جالس بين يديه، وهذا ما لا شك فيه، وأنه لم يكن هو وحده حاضراً هناك، بل هناك البقية من علية الصحابة كأبي بكر وأبي عبيدة وطلحة والزبير، فضلاً عن بني هاشم رهط النبي صلّى الله عليه و آله الأدنون كعلي والعباس وبنيه ، وهؤلاء جميعاً من قريش.
ومن هنا نعرف أن الهياج لا يخلو إما حدث من غير هؤلاء الذين أحاطوا بالنبي صلّى الله عليه و آله، فضجُّوا وكبَّروا، وأصمُّوا الناس عن سماع الكلمة التي عيَّن بها صلّى الله عليه و آله هوية الخلفاء، ولمّا سأل السائل عنها قالوا له: إنه قال: (كلهم من قريش) كما مرَّ في حديث جابر.
فلماذا لم يُذكر اسم واحد من أولئك الأغراب أو الأعراب؟؟
وإذا عرفنا من حديث أبي جحيفة حضور عمر وهو جالس بين يدي النبي الله صلّى الله عليه و آله، ولاحظنا مواقف عمر السابقة منذ صلح الحديبية واللاحقة، والتي أعلن فيها معارضته للنبي صلّى الله عليه و آله و في تعيين علي خليفة له، خصوصاً موقفه يوم الخميس وقد طلب النبي دواة وكتِفاً، ليكتب لأمته كتاباً، لئلا يضلوا من بعده، وقام بعضهم ليحضر ما طلب، صاح به عمر وقال كلمة
1) قال الفتوني في ضياء العالمين (الفصل 11 من المقام الأول) نسخة مصورة عندي: وروى أصل الخبر (مضمون الخبر) البزار في كتابه ، لكن أورد (قائماً) بدل قوله صلّى الله عليه و آله: (صالحاً)، ورواه أبو داود وزاد فلما رجع النبي صلّى الله عليه و آله إلى منزله أننه قريش فقالوا: ثم ماذا يكون؟ قال: ثم يكون المرج
أغمي على رسول الله صلّى الله عليه و آله من شدَّة وقعها، قال: (إنه يهجر - غلب عليه الوجع-) ، فاختلف من في الحجرة وتنازعوا، فمنهم من قال: القول ما قال رسول الله صلّى الله عليه و آله. ومنهم من قال: القول ما قال عمر. فأفاق صلّى الله عليه و آله وطرد الذين أبوا عليه، وقال: قوموا عني لا ينبغي عند نبي تنازع.
إذا لاحظنا ذلك تبين لنا أن أصحاب الهياج هم الذين أحاطوا بالنبي صلّى الله عليه و آله عند خطبته، وهم الذين أحدثوا الضوضاء عند ذكر هوية الخلفاء الاثني عشر ، وهم الذين قالوا لمن سأل: (ماذا قال؟) : إنه قال: (كلّهم من قريش).
وما دام النبي صلّى الله عليه و آله قد صحَّ أنه قال: (كلهم من قريش)، فما بال القوم يضجّون ويعجّون، وهم كلهم من قريش، والأمر سيكون فيهم، والخلفاء منهم؟
إذن ليس القول كما يزعمون أنه قال: (كلهم من قريش)، بل الصحيح - كما في بعض المصادر ومنها ينابيع المودة ومودة القربى - أنه قال: (كلهم من بني هاشم). وهذا ما أغضب سائر بطون قريش التي أحاط رجالها بالنبي صلّى الله عليه و آله يومئذ.
والذي يؤكّد صحّة ما في رواية الينابيع (كلهم من بني هاشم) ما ورد في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في ذكر حجة الوداع، قال فيه: فسار رسول الله صلّى الله عليه و آله إلى منى ثم إلى عرفات، فأمر فضُربت قبته بالأراك من نمرة، فنزل بها وعلي عليه السّلام معه، وأمهل حتى زاغت الشمس، ثم أمر بناقته العضباء فرحّلت له فركبها حتى أتى بطن الوادي فصلّى، ثم خطب الناس
فوعظ وذكّر.
إلى أن قال: أيها الناس إنه قد اقترب أجلي، ونُعيت إلىّ نفسي، وأوحي إليّ أني غير لابث فيكم إلا يسيراً، ألا وإني قد تركتكم على الواضحة ليلها كنهارها ، فلا ترغبوا عنها فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم. فبكى الناس وقالوا: بآبائنا أنت وأمهاتنا يا نبي الله بيِّن لنا. قال: إني امرؤ مقبوض، وإني تارك فيكم ما إن أخذتم به واعتصمتم لم تضلّوا ولم تزلّوا كتاب الله، وهو النور المبين، عصمةٌ لمن أخذ به واتّبعه، وعترتي أهل بيتي ألا هما الخليفتان بعدي، وإن اللطيف الخبير أوحى إليَّ أنهما لا يفترقان حتى يردا علىَّ الحوض، فلأسألكم ولأحفينَّ مسألتكم: ماذا أخلفتموني فيهما؟ الا وسيرد علىّ الحوض رجال أعرفهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقبائلهم فمِن محلأ عنه مطرود، ووارد شارب، ألا ومن شرب منه شربة لم يظمأ - والذي نفسي بيده - ولم يحر أبداً.
قال - جابر -: وكانت ناقة علي عليه السّلام يومئذٍ إلى جانب ناقة رسول الله صلّى الله عليه و آله، فوضع رسول الله صلّى الله عليه و آله كفّه على منكب علي عليه السّلام، ووقفت بهما الناقتان فلم يتزايلا، فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: أيها الناس هذا جبرائيل أخبرني آنفاً أن الله تبارك وتعالى باهى اليوم، فباهى بكم عامة، وباهى بعلي بن أبي طالب خاصة، ألا إن السعيد حق السعيد من أحب عليًّا في حياتي، وأيَّده بعد وفاتي، ألا وقد أبلغتكم رسالة ربكم، فليبلِّغ الشاهد منكم الغائب. قالها ثلاثاً، ثم أفاض (1).
1) الرسالة الموضحة للمظفر بن جعفر بن الحسين، نسخة مصورة عن نسخة المدرسة النظامية ببغداد ، كُتبت 9 رجب سنة 652ه-، والمؤلف من علماء القرن الرابع الهجري، وقد وصلت نسخة الأصل إلى المرحوم السيد عبد الله شبر، فأوقفها على المسلمين، وعنها (نسخة مصورة عندي)
وفي هذا المشهد قال صلّى الله عليه و آله أيضاً: عليٌّ مني وأنا من علي، ولا يؤدّي عنّي إلا أنا أو علي (1).
فيا له من مشهد عام بلغ النبي صلّى الله عليه و آله فيه ما أمره ربه على لسان جبرائيل الخاصَّ والعامَّ، وجعل فيه صلاحية الولاية التي جعلها لعلي وعترته الأئمة، ومن الطبيعي أن يُغضب ذلك سائر بطون قريش الذين وتره- عليُّ فقتل أسلافهم على الدين فأوردهم النار، وألزم أخلافهم العار.
وهنا فلا بدّ من التعتيم الإعلامي من قِبل الحاكمين على هويّة الخلفاء وهوية الساخطين على حدّ سواء.
3- حديث عبد الله بن مسعود: رواه عنه ،مسروق، فقال: كنّا
1) راجع مسند أحمد 164/4 حديث حبشي بن جنادة، وسنن ابن ماجة في فضائل الصحابة 92/1، وسنن الترمذي والنسائي وعنهما في كنز العمال 153/3 ط الأولى حيدر آباد، وقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الحج باب حجة النبي صلّى الله عليه و آله 346/1 - 347 ط بولاق، وأبو داود في سننه في كتاب المناسك، باب صفة حج النبي صلّى الله عليه و آله 185/1، كل بإسناده إلى جابر حديثه المذكور أعلاه وإن اختلفا في سياق اللفظ وبترا ذكر العترة فراجع، وكذلك الواقدي ذكر خطبة النبي صلّى الله عليه و آله مرسلة في مغازيه 1103/3 ط جامعة أكسفورد من دون ذكر العترة، وفي جميع هذه المصادر أنه صلّى الله عليه و آله كان يستشهد المسلمين على التبليغ، وأنه كان يشير بإصبعه السبّابة إلى السماء يرفعها ويكّبها، ويقول: اللهم اشهد
جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرؤنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلّى الله عليه و آله كم يملك أمر هذه الأمة من خليفة بعده؟
فقال له عبد الله: ما سألني عنها منذ قدمت العراق، سألنا رسول الله صلّى الله عليه و آله فقال: اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل (1).
ويكفي هذا النص شاهداً على أن الحديث حول الخلفاء الذين عيَّنهم رسول الله صلّى الله عليه و آله لم يكن مُستساغاً، فإذا نبس إنسان ببنت شفة وسأل من مثل ابن مسعود لم يكتم ابن مسعود استغرابه من تلك المسألة التي ما سأله عنها أحد منذ قَدِم العراق، ومن المعلوم أنه قَدِم العراق في أيام عمر، أرسله إلى الكوفة ليعلّمهم أمور دينهم، وبعث عماراً أميراً وقال: إنهما من النجباء من أصحاب محمد فاقتدوا بهما. وبقي فيها إلى أيام عثمان حين ولّى أخاه الوليد بن عقبة على الكوفة، وهذه مدة طويلة.
ثم إن الملفت للنظر في صيغة السؤال في قول السائل: (كم يملك أمر هذه الأمة من خليفة بعده؟) ومعلوم أنه يعني مَن يتملك فيتولى فِعْلية الحكم، سواء كانت له أهلية المقام أم لا ، وهذا أيضاً مما طالته يد التحوير، فإن السؤال لم يكن كذلك، بل كان في صورة ثانية عن مسروق، ونصها:
1) مسند أحمد 398/1، 403 ط الأولى. وصحح إسناده أبو الأشبال في 294/5 ط محققة، كما ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 652/1 . وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 1905 وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه مجالد بن سعيد، وثّقه النسائي وضعّفه الجمهور، وبقية رواته ثقات
قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: هل حدّثكم نبيكم كم يكون بعده من الخلفاء؟
فقال: نعم. وما سألني عنها أحد قبلك، وإنك لمن أحدث القوم سناً، قال: يكون عدة نقباء موسى اثني عشر نقيباً (1).
وإذا قارناً بين الصورتين في صيغتي السؤال نجد فرقاً واضحاً، ففي الأولى: (كم يملك)؟، يعني يتولى فعلية الحكم وإن لم يكن أهلاً، بينما في الثانية: (كم يكون بعده من الخلفاء؟) وهذا يعني مَن له أهلية الخلافة، سواء تولّى فعلية الحكم أم لا، وهذا مؤشر آخر على تلاعب الرواة بتحريف الكلم عن مواضعه، ليكون الحديث في مصلحة الحاكمين، إذ من المعلوم ليس كل من له الشأنية والأهلية قد تولى زمام الأمر والحكم، كما أن ليس كل من تولى الأمر كانت له أهلية ذلك، ويدلّنا على ذلك جواب ابن :مسعود: (عدة نقباء بني إسرائيل - عدة نقباء موسى اثني عشر نقيباً)، فإن نقباء موسى في بني إسرائيل كانت لهم أهلية الخلافة في مقام موسى وإن لم يتولوا زمام الأمور، ولم يشك أحد في نقابتهم ونقاوتهم، مع أن الحكم كان في غيرهم، فهذه بعض الشواهد على مدى التعتيم على حديث الخلفاء الاثني عشر.
ما زالت أُطروحة أن النبي صلّى الله عليه و آله مات دون أن يستخلف أحداً وترك
1) المطالب العالية 179/2 عن أبي يعلى، وفي الهامش قال البوصيري: رواه مسدد وابن راهويه وابن أبي شيبة وأبو يعلى وأحمد بسند حسن
لأمته تختار من تشاء، تلك الأطروحة الواهية تذكر تبريراً لخلافة الحاكمين، وهي لم تصح ولا تصح، إذ كيف يُعقل أنه مات صلّى الله عليه و آله و لم يستخلف وهو الذي كان إذا خرج إلى سفرٍ قريب أو بعيد يستخلف على المدينة من يرى فيه أهلية الاستخلاف حسب تقدير الظروف، وكتب السيرة حفلت بذكر أمرائه على المدينة، وحسبنا أن نذكر للقارئ خروجه إلى تبوك فاستخلف ابن عمه عليًّا، ولما خاض المنافقون في ذلك بأنه إنما تركه استثقالاً منه لحقه وأبلغه مقالة أهل السوء فقال: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، ولا ينبغي أن تخلو المدينة مني أو منك، فمن كان بهذه المثابة من الحرص على سلامة المسلمين في دينهم ودنياهم، هل يُعقل أن يتركهم بعد موته هملاً يتخبطون ذات اليمين وذات الشمال.
نعم لم يتركهم، بل عيَّن لهم مَن أمَره الله تعالى بتعيينه، وعرَّفه للمسلمين منذ بدء الدعوة يوم حديث الإنذار، ثم ما بعده من مواقف يتلو بعضها بعضاً وأنه علي بن أبي طالب، ولكن ذلك لا ترضى به قريش بحجة لا تجتمع النبوة والخلافة في بيت قال ذلك عمر لابن عباس، ولكن عمر نفسه خالف ذلك حين رشَّح الإمام للخلافة ضمن الستة نفر أصحاب الشورى فأين ما قاله مما فعله؟!
ثم إذا كان صلّى الله عليه و آله لم يستخلف أحداً فماذا تعني تلك الأحاديث التي أثبتوها باتفاق، وقد ملأت عشرات الصفحات من كتب الصحاح والمسانيد والسنن والسير والتاريخ وغيرها وجميعها ذكرت أنهم اثنا عشر خليفة؟ فهي إما أن تكون صحيحة - وهي كذلك حقاً - فلماذا لم يعملوا بها؟ وإذا
لم تكن صحيحة فلماذا أثبتوها؟ وإذا أثبتوها لماذا تخبّطوا في تفسيرها وتعيين المراد بالاثني عشر خليفة؟ حتى قال ابن الجوزي في كشف المشكل: هذا الحديث قد أطلت البحث عنه وتطلبت مظانه، وسألت عنه فما رأيت أحداً وقع على المقصود.
ومن راجع فتح الباري لابن حجر (1)وغيره يجد ما يُضحك ويُبكي، فهو يضحك حين يرى استماتة فقهاء التبرير في تطبيق العدد على أعيان الحاكمين حتى عدوا معاوية وابنه يزيد ومروان وعبد الملك وأبناءه ممن أذلّوا الدين وكادوا الإسلام، فعدّوا هؤلاء من الخلفاء الاثني عشر الذين قال صلّى الله عليه و آله: لا يزال بهم الدين قائماً عزيزاً ظاهراً...
وهو مبكٍ حيث يرى كيف استحوذ الشيطان على أولئك فأعماهم عن طريق الحق فضلّوا وأضلّوا وإلا فأيّ مسلم يقرأ أحاديث النبي صلّى الله عليه و آله - سوى ما تقدم - في تعيين هوية الخلفاء من بعده عدًّا ووصفاً، ثم اسماً ونسباً، وقد رواها من الصحابة كثيرون ، منهم:
سلمان، أبو ذر، عمار، حذيفة، ابن عباس، جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو سعيد الخدري، أبو أمامة، أبو سلمى - راعي رسول الله صلّى الله عليه و آله -، زيد بن ثابت، زيد بن أرقم، سعد بن مالك، عبد الله بن أبي أوفى، عبد الرحمن بن سمرة، محمود بن لبید، عبد الله بن جعفر، كما روت ذلك أم سلمة وعائشة وهما من أمهات المؤمنين (2).
أقول : فمن يقرأ أحاديث هذه الجمهرة من الصحابة وفيها التصريح بأسماء الخلفاء الاثني عشر وأعيانهم، ثم يبقى لا يعرف المقصود من حديث الاثني عشر خليفة الذي مرَّ أن ابن الجوزي أطال البحث عنه؟!
(ما هكذا توردُ يا سعد الإبل) ! ولكنها شناشن أخزمية وثارات بدرية وأُحدية وحُنينية.
والآن إلى مرويات صحابي واحد من أولئك الصحابة الذين رووا حديث الخلفاء الاثني عشر عدداً واسماً ونعتاً، وبلغة اليوم أعطت الهويّة الكاملة.
لما كانت مروياته في هذا الشأن كثيرة، فسنختار منها اثني عشر خبراً تيمناً بعدد الخلفاء الاثني عشر، وإلى القارئ ما اخترناه:
1 - عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: إن الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض اطّلاعة، فاختارني منها فجعلني نبياً، ثم أطّلع الثانية فاختار منها عليًّا فجعله إماماً ، ثم أمرني أن أتّخذه أخاً ووصياً وخليفة ووزيراً، فعلي مني وأنا من علي، وهو زوج ابنتي، وأبو سبطيَّ الحسن ،والحسين، ألا وإن الله تبارك وتعالى جعلني وإياهم حُججاً على عباده، وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أمتي أشبه الناس بي في شمائله وأقواله
وأفعاله، ليظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة، فيعلن أمر الله، ويُظهر دين الحق، ويُؤيَّد بنصر الله، ويُنصر بملائكة الله، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً.
أخرجه الخزاز في كفاية الأثر، والفتوني في ضياء العالمين برواية النخعي وغيره (1).
2 - عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: أنا سيِّد النّبيين، وعلي بن أبي طالب سيّد الوصيين، وإن أوصيائي بعدي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم المهدي.
أخرجه الحمويني في فرائد السمطين في أحاديث المهدي، ورواه الفتوني في ضياء العالمين عن القطّان.
3- عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: مَن سرَّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنات عدن غرسها ربِّي، فليوال عليَّا من بعدي، وليوال وليَّه، وليقتدِ بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي خُلِقوا من طينتي ورُزِقُوا فهماً وعلماً، ويل للمكذّبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي.
أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، والحمويني في فرائد السمطين، والمتقي الهندي في كنز العمال بتحريف كلمة (بالأئمة) إلى كلمة (بأهل بيتي)، ورمز في آخره طب = الطبراني والرافعي عن ابن عباس فظُنَّ خيراً! (2)
وأخرجه الفتوني في ضياء العالمين عن مصادر أخرى وزيادات، فراجع الفصل الحادي عشر المقام الثاني.
4 - عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله لعلي بن أبي طالب: يا علي أنا مدينة الحكمة وأنت بابها، ولن تُؤتى المدينة إلا من قِبَل الباب (1)، وأنت إمام أمتي وخليفتي عليها بعدي (2)، مثلك ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق (3)، ومثلكم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة (4).
أخرجه الحمويني في فرائد السمطين، والقندوزي في الينابيع (5)بتغيير جملة (خليفتي من بعدي) بكلمة (ووصيي)، وأيها صحّ فهو حجة في المقام.
5 - عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: أنا ميزان العلم وعليٌّ كفّتاه، والحسن والحسين خيوطه، وفاطمة علاقته، والأئمة من أمتي عموده، يوزن فيها أعمال المحبين لنا والمبغضين لنا.
1) مرّ ذكر الحديث في هذا الجزء في ذيل حديث مدينة العلم، وذكرنا من مصادره تاريخ بغداد ومناقب ابن المغازلي وفرائد السمطين ولسان الميزان لابن حجر فراجع
2) مرّ في الجزء الأول من هذا الكتاب ص 105 ما يتعلق بالمقام فراجع
3) مرّ ذكر الحديث ومصادره في الجزء الأول ص 328 - 341 فراجع
4) ذكر الحاكم في المستدرك على الصحيحين 149/3 وغيره قوله صلّى الله عليه و آله: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان أمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة اختلفوا وصاروا حزب إبليس . ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
5) فرائد السمطين: الجزء الثاني، الباب 47. ينابيع المودة، ص 130
أخرجه الخوارزمي الحنفي في مقتل الحسين عليه السّلام، وذكر إسناده بتوثيق عن نظيره، فقال: وأخبرني سيد الحفّاظ هذا - يعني أبا منصور الديلمي - فيما كتب إليّ، أخبرني والدي، أخبرني أبو خلف عبد الرحيم بن محمد الفقيه بالري، وسألني أن لا أبذله. حدثني أبو الفتح عبيد بن مروك الرازي وسألني أن لا أبذله. حدثني يوسف بن عبد الله بأردبيل وسألني أن لا أبذله، حدثني الحسن بن صدقة الشيباني وسألني أن لا أبذله أخبرني أبي وسليمان بن نصر وسألاني أن لا أبذله، حدثني إسحاق بن سيار واستحلفني أن لا أبذله، حدثني عبد الله بن موسى واستحلفني أن لا أبذله، حدثني الأعمش واستحلفني أن لا أبذله، حدثني مجاهد عن ابن عباس (1).
أقول: لم أذكر السند بنصه وقصه سرفاً أو ترفاً، لكن رأيت السخاوي ذكر الحديث في المقاصد الحسنة وقال: (إسناده ضعيف) (2)، ولم يبيِّن وجه الضعف فيه، ورأيت ابن عراق ذكره في تنزيه الشريعة، وقال: (أخرجه الديلمي)، وعقب بقوله : ولم يبيّن علّته(3)
والآن فليُرجع القارئ البصر إلى رجال الحديث في سند الخوارزمي - المار ذكرهم - ليرى جمل الثناء والإطراء، وليس فيهم سبب للتضعيف إلا روايتهم مثل هذا الحديث الذي اتخذوا منتهى الحيطة والحذر عند تحديثهم
خوفاً من النواصب الذين ينكرون فضل آل محمد.
وقد أخرج الحديث القندوزي الحنفي في ينابيع المودة، نقله عن المناقب السبعين (الحديث 36) (1)، وأخرجه ثانياً نقلاً عن كتاب مودة القربي (المودة الثانية) (2)، وأخرجه آخرون، فلتسخن أعين النصَّاب.
6 - عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: إن خلفائي وأوصيائي وحُجج الله على الخلق بعدي الاثني عشر: أولهم أخي وآخرهم ولدي.
قيل: يا رسول الله ومن أخوك؟ قال: علي بن أبي طالب.
قيل: فمن ولدك ؟ قال: المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما مُلِئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحق بشيراً لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي، ينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربّها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب.
أخرجه الحمويني في فرائد السمطين آخر الجزء الثاني في أخبار المهدي وعنه القندوزي في ينابيع المودة بتفاوت يسير (3).
7 - عن عبد الله بن عباس قال: دخلت على النبي صلّى الله عليه و آله والحسن على عاتقه والحسين على فخذه يلثمهما ويقبلهما، ويقول: اللهم والِ من والاهما، وعادِ من عاداهما.
ثم قال: يا بن عباس كاني به - يعني الحسين - وقد خُضبت شيبته من دمه، يدعو فلا يُجاب ويَسْتَنصِر فلا يُنصَر.
قلت: مَن يفعل ذلك يا رسول الله ؟
قال: شرار أمتي ما لهم؟ لا أنالهم الله شفاعتي.
ثم قال: يا بن عباس، من زاره عارفاً بحقه كتب له ثواب ألف حجة وألف عمرة، ألا ومن زاره فكأنما زارني، ومَن زارني فكأنما زار الله، وحق الزائر على الله أن لا يُعذّبه بالنار.
قلت: يا رسول الله فكم الأئمة بعدك؟ قال: بعدد حواريي عيسى وأسباط موسى، ونقباء بني إسرائيل. قلت: يا رسول الله فكم كانوا؟ قال: كانوا اثني عشر، والأئمة بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، فإذا انقضى فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه جعفر، فإذا انقضى جعفر فابنه موسى، فإذا انقضى موسى فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه الحسن، فإذا انقضى الحسن فابنه الحجة.
قال ابن عباس: قلت يا رسول الله أسامي لم أسمع بهنّ قط.
قال لي: يا بن عباس هم الأئمة بعدي وإن قهروا أمناء معصومون نجباء أخيار.
يا بن عباس من أتى يوم القيامة عارفاً بحقّهم أخذت بيده فأدخلته الجنة.
يا بن عباس من أنكرهم أو ردَّ واحداً منهم فكأنما قد أنكرني وردَّني، ومَن أنكرني وردنَّي فكأنما أنكر الله وردَّه.
يا بن عباس سوف يأخذ الناس يميناً وشمالاً، فإذا كان كذلك فاتبعْ عليًّا وحزبه، فإنه مع الحق والحق معه، ولا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض.
يا بن عباس ولايتهم ولايتي، وولايتي ولاية الله، وحربهم حربي، وحربي حرب الله، وسلمهم سلمي، وسلمي سلم الله.
ثم قال عليه السّلام: «يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ».
أخرجه الخزاز في كفاية الأثر، والفتوني في ضياء العالمين نقلاً عن كتاب الفصوص (1).
8 - عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول: أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مُطهَّرون معصومون.
أخرجه الحمويني في فرائد السمطين في الجزء الثاني في أحوال المهدي.
9 - عن عبد الله بن عباس قال: أن يهوديا اسمه نعثل سأل النبي صلّي الله عليه و آله عن أشياء، فلما أجابه قال: مَن وصيّك؟ فما مِن نبي إلا وله وصي؟
قال صلّي الله عليه و آله: وصيي علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلو تسعة من صلب الحسين أئمة أبرار، فإذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى فابنه محمد، فإذا مضى فابنه جعفر، فإذا مضى فابنه
1) كفاية الأثر، ص 17 . ضياء العالمين 147/13 - 148 نسخة مصورة
موسى، فإذا مضى فابنه علي، فإذا مضى فابنه محمد، فإذا مضى فابنه علي، فإذا مضى فابنه الحسن، فإذا مضى فالحجة بن الحسن.
فأسلم اليهودي وقال: وجدت هذا في الكتب السالفة، وفيما عهد إلينا موسى: أن أحمد خاتم الأنبياء، ويخرج مِن صُلبه أئمة أبرار عدد الأسباط، غاب منهم لاوي عن بني إسرائيل طويلاً ثم عاد فأظهر شريعته، فقال صلّي الله عليه و آله: كائن في أمتي مثله، يغيب الثاني عشر من ولدي حتى لا يُرى ولا يبقى مِن الإسلام إلا رسمه، فيأذن الله له بالخروج فيظهر الإسلام.
أخرجه الشيباني كما في ضياء العالمين، والبياضي في الصراط المستقيم، وأخرجه الخزاز في كفاية الأثر، ومروي في غاية المرام مكرراً نقله عن الحمويني في فرائد السمطين (1).
10 - عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول: معاشر الناس اعلموا أن للهِ تعالى باباً، مَن دخله أمِنَ من النار ومِن الفزع الأكبر.
فقام إليه أبو سعيد الخدري فقال: يا رسول الله اهدنا إلى هذا الباب حتى نعرفه؟
قال: هو علي بن أبي طالب، سيّد الوصيّين، وأمير المؤمنين، وأخو رسول رب العالمين، وخليفةُ الله على الناس أجمعين.
معاشر الناس مَن أحب أن يستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليتمسَّك بولاية علي بن أبي طالب، فإن ولايته ولايتي وطاعته طاعتي.
1) ضياء العالمين 148/13 نسخة مصورة. الصراط المستقيم 144/2 . كفاية الأثر، ص 11 - 13
يا معاشر الناس مَن أحب أن يعرف الحجة مِن بعدي فليعرف علي ابن أبي طالب.
معاشر الناس مَن سرَّه أن يتولى ولاية الله فليقتدِ بعلي بن أبي طالب والأئمة من ذريتي، فإنهم خزان علمي.
فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله وما عدّة الأئمة؟ فقال: يا جابر سألتني - رحمك الله - عن الإسلام بأجمعه، عدّتهم «عِدَّة الشُّهُور عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (1)وعدّتهم عدّة العيون التي انفجرت منه لموسى بن عمران حين ضرب بعصاه الحجر «فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا» (2)، وعدّتهم عدّة نقباء بني إسرائيل، قال الله تعالى «وَلَقَدْ أخَدَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً» (3)، فالأئمة يا جابر اثنا عشر إماماً: أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم صلوات الله عليهم.
أخرجه الكراجكي في كتاب الاستبصار، والإربلي في كشف الغمة، وأبو الحسن بن شاذان في فضائلهِ الحديث 41 ، كما في كتاب اليقين لابن طاووس الباب 81 ، والفتوني في ضياء العالمين(4).
11 - عن عبد الله بن عباس - وذكر حديثاً طويلاً في ولادة الحسين عليه السّلام، وتهنئة الملائكة لجدّه، جاء فيه: لا يُقتل حتى يكون منه الإمام تكون منه الأئمة. ثم قال صلّي الله عليه و آله: والأئمة بعدي: علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى
ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والقائم عليهم السّلام .
أخرجه الحمويني في فرائد السمطين، ص 270 في أحاديث المهدي.
12- عن عطاء قال: دخلنا على ابن عباس وهو عليل بالطائف في العلّة التي توفي فيها، ونحن رهطاً ثلاثين رجلاً من شيوخ الطائف، وقد ضعف فسلّمنا عليه وجلسنا .
فقال لي: يا عطاء من القوم؟ قلت يا سيدي هم شيوخ هذا البلد، منهم عبد الله بن سلمة الحضرمي الطائفي وعمارة بن أبي الأجلح وثابت ابن مالك ، فما زلت أعدّ له واحداً بعد واحد.
ثم تقدّموا إليه فقالوا: يا بن عم الرسول إنك رأيت رسول الله صلّى الله عليه و آله وسمعت منه ما سمعت، فأخبرنا عن اختلاف هذه الأمة، فقوم قد قدَّموا عليًّا على غيره، وقومٌ جعلوه بعد ثلاثة.
قال: فتنفّس ابن عباس وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول: علي مع الحق والحق مع علي، وهو الإمام والخليفة مِن بعدي، فمَن تمسَّك به فاز ونجا، ومَن تخلّف عنه ضلّ وغوى، يلي تكفيني وتغسيلي ويقضي ديني، وأبو سبطيَّ الحسن والحسين، ومِن صلب الحسين تخرج الأئمة التسعة، ومنّا مهدي هذه الأمة.
فقال له عبد الله بن سلمة الحضرمي: يا بن عم رسول الله فهلّا كنت تعرّفنا قبل هذا؟ فقال: قد والله أدَّيت ما سمعت، ونصحتُ لكم، ولكنكم لا تحبون الناصحين. ثم قال: اتقوا الله عباد الله تقاة، مَن اعتبر بهذا واتقى في وجل، وكمش في مَهَل، ورغب في طلب، ورهب في هرب، واعملوا
الآخرتكم قبل حلول آجالكم، وتمسَّكوا بالعروة الوثقى مِن عترة نبيكم، فإني سمعته يقول: مَن تمسَّك بعترتي مِن بعدي كان مِن الفائزين.
ثم بكى بكاءاً شديداً، فقال له القوم: أتبكي ومكانك من رسول الله صلّي الله عليه و آله مكانك ؟! فقال لي: يا عطاء أبكي لخصلتين: هول المطّلع وفراق الأحبّة.
ثم تفرَّق القوم، فقال لي: يا عطاء خذ بيدي واحملني إلى صحن الدار. فأخذنا بيده أنا وسعيد (يعني ابن جبير)، وحملناه إلى صحن الدار، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أتقرَّب إليك بمحمدٍ وآله، اللهم إني أتقرَّب إليك بولاية الشيخ علي بن أبي طالب).
فما زال يكررها حتى وقع إلى الأرض، فصبرنا عليه ساعة، ثم أقمناه فإذا هو ميت رحمة الله عليه.
أخرجه بطوله الخزاز في كفاية الأثر (1)، وأخرج توسل حبر الأمة عبد الله بن عباس في آخر حياته بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، الكشي في رجاله - كما في اختيار الرجال للطوسي (2).
وقال المحمودي في هامش ترجمة الإمام من تاريخ دمشق: رواه أحمد في فضائل الإمام برقم 251، وعنه رواه المحب الطبري في الرياض النضرة 227/2، والباعوني في جواهر المطالب، والعصامي في سمط النجوم 484/2 نقلاً عن الديلمي (3).
فهذه بعض أحاديث ابن عباس التي ذكرت الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عدداً ووصفاً واسما ونسباً، ولو أردنا استيفاء جميع ما ورد عنه وعن بقية الصحابة في ذلك لاحتجنا إلى تأليف خاص به، وقد أغنانا عن ذلك علماؤنا الأعلام جزاهم الله خيراً، فقد جمعوا الكثير الطيب في موسوعاتهم الحديثية وكتبهم الكلامية، ونحن لسنا بحاجة إلى التطويل في الاستدلال على تعيين المراد بالاثني عشر في الحديث النبوي، بعد وضوح الحق عندنا لكننا إنما نذكره لنطالب الآخرين ممن رووا لنا تلك الأحاديث وتحيّروا في تفسيرها، أن يبيّنوا لنا - دون مكابرة - مَن هم الاثنا عشر الذين لا يزال الإسلام بهم عزيزاً وقائماً حتى تقوم الساعة؟
رحم الله علي بن عيسى الإربلي حيث يقول: ونحن نطالبهم بعد نقل هذه الأخبار بتعيين هؤلاء الاثني عشر، فلا بدّ لهم مِن أحد أمرين: إما تعيين هذه العدّة في غير الأئمة الاثني عشر عليهم السّلام، ولا يمكنهم ذلك، لأن ولاة الأمر مِن الصحابة وبني أمية وبني العباس يزيدون على الخمسين.
وإما أن يُقروا ويسلّموا أن الأخبار الواردة في هذا الكتاب واهية ضعيفة غير صحيحة، ولا يحل أن يعتمد عليها، فنحن نرضى منهم بذلك ونشكرهم عليه لما يترتب لنا عليه من المصالح الغزيرة والفوائد الكثيرة.
أو يلتزمون بالقسم الثالث، وهو الإقرار بالأئمة الاثني عشر لانحصار ذلك في هذه الأقسام، وهذا الإلزام يلزم الزيدية كما يلزمهم، وهذا الزام لا محيص لهم عنه متى استعملوا الإنصاف، وسلكوا طريق الحق، وعدلوا عن
سنن المكابرة والمباهتة، وتركوا بيِّنات الطريق، وقد خلص الحق من هذه العهدة. فإن الأئمة الاثني عشر قد تعينوا عندنا بنصوص واضحة جلية لا شكّ فيها ولا لبس ولم نحتج في الإقرار بهم عليهم السّلام والاعتراف بإمامتهم إلى استنباط ذلك من كتبهم، وإنما أوردنا من ذلك ما أوردناه ليكون حجة عليهم.
ولا يقدح في مرادنا كونهم صلى الله عليهم مُنعوا الخلافة، وعُزِلوا عن المنصب الذي اختارهم الله له، واستُبدّ به دونهم، إذ لم يقدح في نبوة الأنبياء عليهم السّلام تكذيب من كذبهم ، ولا وقع الشك فيهم لانحراف من انحرف عنهم، ولا شوَّه وجوه محاسنهم تقبيح من قبحها، ولا نقص شرفهم خلاف من عاندهم ونصب لهم العداوة وجاهرهم بالعصيان.
وقد قال على عليه السّلام: وما على المؤمن من غضاضة في أن يكون مظلوماً ، ما لم يكن شاكّاً في دينه ، ولا مُرتاباً بيقينه.
وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه في أيام صفين: والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر، لعلمنا أنّا على الحق وأنّهم على الباطل. وهذا واضح لمن تأمله (1).
حكى القندوزي الحنفي في الينابيع عن بعض المحققين أنه قال:
إن الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده صلّي الله عليه و آله اثنا عشر، قد
1) كشف الغمة 79/1 - 80 ط المكتبة الإسلامية
اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان عُلم أن مراد رسول الله صلّي الله عليه و آله لنا من حديثهِ هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يُحمل على الملوك الأمويين لزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لأن النبي صلّي الله عليه و آله و قال : (كلهم من بني هاشم) في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته صلّي الله عليه و آله في هذا القول يرجِّح هذه الرواية، لأنهم لا يحسِّنون خلافة بني هاشم.
ولا يمكن أن يحمل على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلة رعايتهم للآية «قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّة في الْقُرْبَى»، وحديث الكساء.
فلا بدّ من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته صلّي الله عليه و آله، لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلّهم وأورعهم وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله، وكانت علومهم عن آبائهم متصلة بجدّهم صلّي الله عليه و آله بالوراثة واللّدنية، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.
ثم قال القندوزي: ويؤيد هذا المعنى - أي أن مراد النبي صلّي الله عليه و آله الأئمة الاثنا عشر مِن أهل بيته ويشهد له ويرجّحه: حديث الثقلين والأحاديث المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها.
وأما قوله: (كلهم تجتمع عليه الأمة) في رواية عن جابر بن سمرة.
فمراده صلّي الله عليه و آله أن الأمة تجتمع على الإقرار بإمامة كلهم وقت ظهور قائمهم المهدي رضي الله عنهم (1).
وأخيراً فلنقرأ ماذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، وقوله الفصل:
1 - لقد قال: أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كَذِباً وبغياً علينا؟ أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يُستَعطى الهدى، ويستجلى العمى، إن الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم (2).
2 - وقال عليه السّلام: لا يُقاس بال محمد من هذه الأمة أحد، ولا يُسوّى بهم مَن جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة (3).
3 -وقال: ألا إن مثل آل محمد صلّي الله عليه و آله كمثل نجوم السماء، إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم
تأملون (1).
4 - وقال: وإنما الأئمة قوّام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة إلا مَن عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا مَن أنكرهم وأنكروه (2).
133 - لا يسَعُ المجالَ ذكرُ ما لَهُ *** حَبَاه ربُّه وأبْدى فضْلَهُ
134 - إلا قليلاً مِنْ قليلٍ يظهرُ *** بفضلِ مَنْ يُظهرُه أَو يَستُرُ
135 - وكلُّ مَنْ يَطلبُ أنْ يَستوعِبا *** كَعَامِس في الماءِ يَبْغِي لَهَبا
136 - اجتمعَ العدوُّ والصديقُ لَهُ *** أَنْ يَسكتوا ويَكتُموا فضيلتَهْ
137 - هذا الخوفٍ غالبٍ قدْ أَضْمَرا *** ذاك لحقدٍ بالِغٍ قَدْ أَنْكَرَا
138 - الحالُ هَذي والفضاءُ ممتلي *** بِذكرِ ما فيه مِنَ الفضلِ الجلي
139 - فيا تُرى لو لم يَكنْ محذورُ *** لأيِّ حدٍّ كانَ شعَّ النورُ؟؟
إشارة منه قدِّس سرّه إلى كثرة فضائل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وما طرأ عليها من كتمان الأولياء خوفاً مِن أعدائه، وكتمان أعدائه حسداً له وكيداً لأوليائه، ثم شاع ما بين ذين وذين ما ملأ الخافقين، فكيف ستبدو لو لم تكن المحاذير والمعاذير؟
وما ورد من أحاديث نبوية وشهادات صحابية وتابعية وأقوال شخصيات إسلامية، في تأكيد وفرة مناقبه وكثرة فضائله كمًّا وكيفاً ما فاق به جميع الصحابة، فإلى نماذج من كل ذلك.
1 - أخرج الخوارزمي الحنفي في كتابه (المناقب) - وهو أول حديث رواه في كتابه - بإسناده عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: لو أنّ الغياض أقلام والبحر ،مداد والجن حسَّاب، والإنس كُتَّاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب (1).
2 - وأخرج أيضاً - وهو ثاني حديث في كتابه - بإسناده قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: إن الله جعل لأخي علي فضائل لا تحصى كثرة (2).
3 - وأخرج في كتابه مقتل الحسين عليه السّلام بإسناده إلى أبي رافع، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: يا العالي والذي نفسي بيده لولا أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت اليوم فيك مقالاً لا تمرُّ بأحد من المسلمين إلا أخذ التراب من أثر قدميك يطلبون به البركة (3).
وقد ورد نظم معنى الحديث الأول شعراً، ومنسوباً إلى الشافعي وهو قوله:
يقولون لي قُلْ في عليٍّ مدائحاً *** فإن أنا لم أفعلْ يقولوا: معانِدُ
إلى أن قال:
فلو أن ماءَ السبعةِ الأبحُرِ التي *** خُلقنَ مدادٌ والسماواتِ كاغدُ
وأشجارَ أرضِ اللهِ أقلامُ كاتبٍ *** إذا الخطُّ أفناهنَّ عُدنَ عوائدُ
وكان جميعُ الجنِّ والإنسِ كتّباً *** إذا كَلَّ منهم واحدٌ قامَ واحدُ
وراموا جميعاً منقباً بعد منقبٍ *** لما خطّ مِن تلك المناقبِ واحدُ (1)
وقال العوني - من شعراء القرن الرابع الهجري - :
ولو كانت الآجامُ كلِّ بأسرِها *** تُقطِّعُ أقلامٌ وتُبرى تُحضّر
وكانت سماءُ الله والأرضُ كاغداً *** وكانت بأمرِ الله تُطوى وتُنشَر
وكان جميعُ الإنسِ والجنِ كتّباً *** وكان مدادُ القومِ سبعةَ أبحر
لكلّتْ أياديهم وغار مِدادُهم ولم يُعطَ عُشر العشرِ من فضلِ حيدر (2)
1- ما جاء عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله :
أ - أخرج الخوارزمي الحنفي في كتابه مقتل الحسين بإسناده عن جابر قال: قال عمر: كانت لأصحاب محمد صلّي الله عليه و آله ثماني عشرة سابقة، فخُصَّ علي منها بثلاث عشرة، وشركنا في خمس
ب - وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب: لقد أُعطي علي ثلاث خصال، لأَنْ تكون لي خصلة منها أحبّ إليّ من حُمُر النعم. فسُئل ما هي؟ قال: تزويجه ابنته، وسكناه في المسجد لا يحلّ لي ما يحلّ له ، والراية يوم خيبر (1).
ثم قال ابن حجر: وروى أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه.
2- ما جاء عن عبد الله بن عباس:
فقد روي عنه كثير مما يصلح للاستشهاد نكتفي بذكر بعضه:
أ - أخرج الخوارزمي والحمويني وابن حجر والقندوزي وغيرهم قالوا: قال رجل في محضر ابن عباس - لابن عباس - : سبحان الله ما أكثر مناقب علي وفضائله! إني لأحسبها ثلاثة آلاف، فقال ابن عباس: أوَلا تقول: إنها إلى ثلاثين ألفاً أقرب (2).
ب - وأخرج الطبراني - كما في الصواعق - عن ابن عباس قال: كانت لعلي ثماني عشرة منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمة (3).
ج - وأخرج الحاكم الحسكاني عن ابن عباس قال: لقد كانت لعلي ثماني عشرة منقبة لو كانت واحدة منها لرجل من هذه الأمة لنجا بها، ولقد كانت له اثنا عشر [كذا في المطبوع والصواب ثماني عشرة كما مرَّ عن سابقه]
منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمة (1).
د - وأخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس قال: نزلت في علي أكثر من ثلاثمائة آية في مدحه (2).
ه-. أخرج ابن عساكر والكنجي الشافعي والطبراني وغيرهم جميعاً عن ابن عباس قال: ما نزل في القرآن «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» إلا وعلي سيدها وشريفها وأميرها، وما أحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و آله إلا وقد عاتبه الله في القرآن، ما خلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتبه في شيء منه (3).
و - أخرج القندوزي الحنفي في ينابيع المودة نقلاً عن المناقب عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: أسألك عن اختلاف الناس في علي رضي الله عنه؟ قال: يا ابن جبير تسألني عن رجل كانت له ثلاثة آلاف منقبة في ليلة واحدة وهي ليلة القربة في قليب بدر، سلّمَ عليه ثلاثة آلاف من الملائكة (وفيهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل) من عند ربهم، وتسألني عن وصي رسول الله صلّى الله عليه و آله، وصاحب حوضه،
1) شواهد التنزيل 16/1
2) ينابيع المودة، ص 126 ط إستانبول سنة 1302ه- . الصواعق المحرقة، ص 125 . تاريخ ابن عساکر ترجمة الإمام 430/2
3) تاریخ دمشق، ترجمة الإمام 430/2. كفاية الطالب، ص 139. مجمع الزوائد 112/9. ولقد ذكر هذا الحديث بتفاوت في ألفاظه أحمد في فضائل الإمام، الحديث 236، وأبو نعيم في حلية الأولياء 64/1، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 49/1 - 54 بأسانيد متعددة
وصاحب لوائه في المحشر (1)
وقد نظم هذه المنقبة الحميري في أبيات له فقال:
وسلّم جبريلُ وميكالُ ليلةً *** عليه وإسرافيلُ حيّاه مُعْرِبا
أحاطوا به في وهدةٍ جاءَ يَستقي *** وكان على ألفٍ بها قد تحزّبا
ثلاثة آلاف ملائك سلّموا *** عليه فأدناهم وحيّى ورحّبا
ديوان الحميري، ص 77 تحقيق شاكر هادي شاكر.
وتعقيباً على ذِكر حديث المناشدة فقد قال الشعبي في كتاب الشورى ومقتل عثمان: فأما ما يذكره الناس من المناشدة وقول علي عليه السّلام، لأهل الشورى: أفيكم أحد قال له رسول الله صلّي الله عليه و آله كذا ... فإنه لم يكن يوم البيعة، وإنما كان بعد ذلك بقليل. دخل علي علىه السّلام عثمان وعنده جماعة من الناس منهم أهل الشورى، وقد كان بلغه عنهم هنات وقوارص ، فقال لهم: أفيكم؟ أفيكم؟ كل ذلك يقولون: لا. قال: لكني أخبركم عن أنفسكم: أما أنت يا عثمان ففررت يوم حنين، وتوليت يوم التقى الجمعان. وأما أنت يا طلحة فقلت: إن مات محمد لنركضن بين خلاخيل نسائه، كما ركض بين خلاخيل نسائنا. وأما أنت يا عبد الرحمن فصاحب قراريط. وأما أنت يا سعد فندق أن تذكر. قال: ثم خرج، فقال عثمان أما كان فيكم أحد يردّ عليه؟ قالوا: وما منعك من ذلك وأنت أمير المؤمنين؟ وتفرّقوا. (شرح النهج 411/2 ط الأولى بمصر)
.1) ينابيع المودة، ص 122 ط إسلامبول سنة 1302ه-. ولقد ذكر في حديث المناشدة أن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام قال لأصحاب الشورى فأنشدكم الله هل فيكم أحد سلّم عليه في ساعة واحدة ثلاثة آلاف ملك من الملائكة وفيهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل حيث جئت بالماء إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله من القليب غيري؟ قالوا: لا. (وحديث المناشدة رواه الخوارزمي الحنفي في المناقب، ص 296 ط حجرية، والمحب الطبري في ذخائر العقبى، ص 69 نقلاً عن أحمد في المناقب وسبط بن الجوزي في تذكرة الخواص ص 51 ط النجف.
والذي نفس عبد الله بن عباس بيده لو كانت بحار الدنيا مداداً، وأشجارها أقلاماً، وأهلها كتاباً، فكتبوا مناقب علي بن أبي طالب وفضائله ما أحصوها.
3- ما جاء عن بعض الصحابة برواية أبي الطفيل وهو منهم.
أ- أخرج ابن عساكر والحاكم الحسكاني بأسانيدهما عن أبي الطفيل يقول: قال بعض أصحاب النبي صلّي الله عليه و آله لقد كان لعلي بن أبي طالب من السوابق ما لو أنّ سابقة منها قُسّمت بين الخلق لوسعتهم خيراً (1).
1- ما جاء عن مجاهد : أخرج الحاكم الحسكاني بإسناده عن مجاهد قال: إن لعلي عليه السّلام سبعين منقبة ما كانت لأحد من أصحاب النبي صلّي الله عليه و آله مثلها، وما من شيء من مناقبهم إلا وقد شركهم فيها (2).
2- ما جاء عن عكرمة: أخرج الحاكم الحسكاني بإسناده عن عكرمة قال: إني لأعلم أن لعلي منقبة لو حدثت بها لنفذت أقطار السماوات والأرض (3).
3- ما جاء عن أبي عبد الرحمن (غلام مكاتب لعائشة): أخرج الحاكم الحسكاني بإسناده عن أبي عبد الرحمن مكاتَب عائشة، وقيل له:
حدّثنا بمناقب علي. قال: ما أحدثك وهي أكثر من أن تحصى (1).
4- ما جاء عن الأعمش: أخرج القندوزي الحنفي في ينابيع المودة نقلاً عن مناقب الخوارزمي عن حرب بن عبد الحميد، قال: حدثنا سليمان الأعمش بن مهران أن المنصور الدوانيقي العباسي حال خلافته قال: يا سليمان أخبرني كم من حديث ترويه في فضائل علي بن أبي طالب؟ قلت: يسيراً، قال: ويحك كم تحفظ ؟! قلت: عشرة آلاف حديث أو ألف حديث. فلما قلت: (أو ألف حديث) استقلّها، فقال: ويحك يا سليمان بل عشرة آلاف كما قلت أولاً.
1- قول الإمام أحمد بن حنبل: ما روي لأحد لأحد من أصحاب رسول الله صلّي الله عليه و آله من الفضائل الصِّحاح ما روي لعلي بن أبي طالب كما في شواهد التنزيل (2).
ويبدو أن قوله ثقل على بعض النفوس المراض، ولم يسعهم التنكر لقوله بتمام الإعراض، فرووه بحذف كلمة (الصِّحاح)، فقد روى الحاكم في المستدرك، وأبو يعلى في طبقات الحنابلة، والحمويني في فرائد السمطين، وابن عساكر في تاريخ دمشق ترجمة الإمام، وابن حجر في الصواعق المحرقة، والخوارزمي في مناقبه، وغيرهم أنه قال: ما جاء لأحد من الفضائل
ما جاء لعلي (1).
لكن ابن عبد البر في الاستيعاب قال في ترجمته، قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي: لم يُروَ في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما رُوي في فضائل علي بن أبي طالب. وكذلك المحب الطبري في الرياض النضرة (2).
وقد ذكر ابن حجر المكي في صواعقه نقلا عن السلفي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن علي ومعاوية، فقال: اعلم أن عليًّا كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه شيئاً فلم يجدوه، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتَله، فأطروه كيداً منهم له (3).
2، 3، 4- ما قاله الأعلام الثلاثة: إسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوري، قالوا: لم يَرِد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي (4).
5- كلمة الخليل بن أحمد الفراهيدي، صاحب علم العروض:
1) المستدرك 107/3. طبقات الحنابلة 319/1. فرائد السمطين 379/1. تاریخ دمشق (ترجمة الإمام) 63/3. الصواعق المحرقة، ص 118. المناقب للخوارزمي ، ص 20
2) الرياض النضرة 213/2
3) الصوعق المحرقة، ص 125
4) الصواعق المحرقة لابن حجر، ص 118 ط محققة، وهذا ما ذكره عنهم ابن حجر العسقلاني أيضاً في فتح الباري 57/7 بإضافة أحمد بن حنبل إليهم باستبدال كلمة (الحسان) ب- (الجياد)، وذكر عن أحمد قوله في الإصابة وتهذيب التهذيب 339/7
أ - وقد قيل له: ما تقول في علي بن أبي طالب عليه السّلام؟ فقال: ما أقول في حق امرئ كتمتْ مناقبه أولياؤه خوفاً وأعداؤه حسداً، ثم ظهر من بين الكتمانين ما ملأ الخافقين (1).
ب . وقيل له أيضاً: ما الدليل على أن عليًّا عليه السّلام، إمام الكل في الكل؟ قال: احتياج الكل إليه واستغناؤه عن الكل (2).
ج - عن يونس بن حبيب النحوي - وكان عثمانياً - قال: قلت للخليل ابن أحمد: أريد أن أسألك عن مسألة فتكتمها علي؟
قال: إن قولك يدل على أن الجواب أغلظ من السؤال، فتكتمه أنت أيضا ؟
قال: قلت: نعم أيام حياتك.
قال: سل.
قال: قلت: ما بال أصحاب رسول الله صلّي الله عليه و آله ورحمهم كأنهم كلهم بنو أم واحدة وعلي بن أبي طالب من بينهم كأنه ابن علّة؟
قال: من أين لك هذا السؤال؟!
قال: قلت: قد وعدتني بالجواب.
قال: قد ضمنتَ لي الكتمان.
قال: قلت: أيام حياتك.
فقال: إن عليا عليه السّلام، تقدمهم إسلاماً، وفاقهم علماً، وبذّهم شرفاً، ورجحهم زهداً، وطالهم جهاداً، فحسدوه، والناس إلى أشكالهم أميل منهم إلى من بان منهم ، فافهم (1).
د - وسأله مرة أخرى: لمَ هجر الناس عليًّا، وقُرْباه من رسول الله صلّي الله عليه و آله قُرْباه، وموضعه من المسلمين موضعه، وعناؤه في الإسلام عناؤه؟
فقال: بهر والله نوره أنوارهم، وغلبهم على صفو كل منهل، والناس إلى أشكالهم أميل ، أما سمعت الأول حيث يقول:
وكلُّ شكلٍ لشكلِه إلفٌ *** أما ترى الفيلَ يألفُ الفيلا
قال: وأنشدنا الرياشي في معناه عن العباس بن الأحنف:
وقائل: كيف تَهَاجَرْتُما *** فقلتُ قولاً فيه إنصافُ
لم يكُ مِنْ شكلي فهاجرتُه *** والناسُ أشكالٌ وأُلّافُ (2)
6- كلمة أبي الفتح ناصر بن أبي المكارم عبد السيد بن علي المطرزي الحنفي (3).
قال في أول شرح كتاب المناقب ما هذا لفظه: ذكر فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، بل ذكر شيء منها، إذ ذكر جميعها يقصر عنه
باع الإحصاء، بل ذكر أكثرها يضيق عنه نطاق طاقة الاستقصاء، يدل على صدق ما ذكرته ما أنبأني به صدر الحفّاظ الحسن بن العطار الهمداني - ثم ذكر بقية الإسناد حتى رفعه إلى ابن عباس - وهو عن رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: لو أن الغياض أقلام الحديث... (1)وقد تقدم لفظه.
7- كلمة الجنيد سلطان العارفين (2):
سُئل عن محل علي بن أبي طالب عليه السّلام في هذا العلم - يعني علم التصوف - فقال : لو تفرّغ إلينا من الحروب لنقلْنا عنه من هذا العلم ما لا تقوم له القلوب، ذاك أمير المؤمنين أُعطي علم الدين (3).
8- كلمة ابن أبي الحديد المعتزلي:
قال: فأما فضائله عليه السّلام فإنها قد بلغت من العظم والجلاء والانتشار والاشتهار مبلغاً يسمج معه التعرّض لذكرها والتصدي لتفصيلها ... (4).
وما أقول في رجل أقرَّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره، والتحريف عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع
المنابر، وتوعّدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، أو يرفع له ذكراً، حتى حظروا أن يسمي أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسمواً، وكان كالمسك كلما سُتر انتشر عَرْفه، وكلما كُتم تضوّع نَشْره، وكالشمس لا تُستر بالراح، وكضوء النهار إن حجبتَ عنه عيناً واحدة أدُركته عيون كثيرة.
وما أقول في رجل تُعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها وسابق مضمارها، ومجلّي حلبتها، كل مَن بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى شاكلته اقتدى ... (1).
وقال أيضاً: واعلم أن أمير المؤمنين عليه السّلام، لو فخر بنفسه وبالغ في تعديد مناقبه وفضائله بفصاحته التي آتاه الله تعالى إياها، واختصه بها، وساعده على ذلك فصحاء العرب كافّة، لم يبلغوا معشار ما نطق به الرسول الصادق صلوات الله عليه في أمره. ولست أعني بذلك الأخبار العامّة الشائعة التي يحتجّ بها الإمامية على إمامته كخبر الغدير والمنزلة وقصة براءة وخبر المناجاة وقصة خيبر وخبر الدار بمكة في ابتداء الدعوة ونحو ذلك، بل الأخبار الخاصة التي رواها فيه أئمة الحديث التي لم يحصل أقل القليل منها لغيره.
وأنا أذكر من ذلك شيئاً يسيراً مما رواه علماء الحديث الذين لا يُتَّهمون فيه، وجلّهم قائلون بتفضيل غيره عليه، فروايتهم فضائله توجب
1) شرح نهج البلاغة 6/1
سكون النفس ما لا يوجبه رواية غيرهم.
ثم ساق 24 حديثاً معزوَّة إلى علماء الحديث الذين ذكروها في مؤلفاتهم، وكثير منها برواية أحمد في الفضائل والمسند ثم قال ابن أبي الحديد:
واعلم أناّ إنما ذكرنا هذه الأخبار ههنا لأن كثيراً من المنحرفين عليه السّلام إذا مرّوا على كلامه في نهج البلاغة وغيره المتضمّن التحدّث بنعمة الله عليه من اختصاص الرسول صلّي الله عليه و آله وتميّزه إياه عن غيره، ينسبونه إلى التيه والزهو والفخر، ولقد سبقهم بذلك قوم من الصحابة.
قيل لعمر: ولّ علياًّ أمر الجيش والحرب. فقال: هو أتْيَه من ذلك (1).
وقال زيد بن ثابت: ما رأينا أزهى من علي وأسامة.
فأردنا بإيراد هذه الأخبار ههنا عند تفسير قوله: (نحن الشعار والأصحاب ونحن الخزَنة والأبواب) أن نتبّه على عظم منزلته عند الرسول صلّي الله عليه و آله، وأن من قيل في حقه ما قيل لو رُفع إلى السماء، وعرج في الهواء، وفخر على الملائكة والأنبياء تعظمًّا وتبجّحاً لم يكن ملوماً، بل كان بذلك جديراً، فكيف وهو عليه السّلام، لم يسلك قط مسلك التعظّم والتكبّر في شيء من أقواله ولا من أفعاله؟! وكان من ألطف البشر خُلُقاً، وكان أكرمهم طبعاً، وأشدّهم تواضعاً، وأكثرهم احتمالاً، وأحسنهم بُشراً، وأطلقهم وجهاً، حتى نسبه من نسبه إلى الدعابة والمزاح، وهما خلقان ينافيان التكبر
1) بل أقول: أظن أن الصواب في ذلك (أنبه من ذلك) بالنون، وذلك من النباهة، يعني أجل من أن يرضى بذلك. وبالتالي يكون المؤدّى واحداً
والاستطالة.
وإنما كان يذكر أحياناً ما يذكره من هذا النوع نفثة مصدور وشكوى مكروب وتنفس مهموم، ولا يقصد به إذا ذكره إلا شكر النعمة، وتنبيه الغافل على ما خصَّه الله به من الفضيلة، فإن ذلك من باب الأمر بالمعروف والحض على اعتقاد الحق والصواب في أمره، والنهي عن المنكر الذي هو تقديم غيره عليه في الفضل، فقد نهى الله سبحانه عن ذلك فقال: «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (1).
1) شرح نهج البلاغة 449/2 - 452 ط مصر الأولى
140 - قال أناسٌ ماتَ هادي الأمةْ *** مِنْ دُونِ ما يُوصي ولم يهمّهْ
141 - وذاك قولٌ فارعٌ لا يُشترى *** كيف وفيه النقلُ قد تواترا
142 - فهل تُرى دين النبيِّ أكْمِلا *** والشارعَ الخبيرَ عنها أغفلا
143 - وإنَّ فيها صالحَ الأمةِ بَلْ *** حفظَهُمُ مِنْ كُلِّ شَيْنٍ وزللْ
144 - هل النبيُّ مثلَ هذا تَرَكا *** لينصبَ الشيطان فيهم شَرَكا
إشارة منه قدِّس سرّه إلى ما زعمه المنكرون من أن النبي صلّي الله عليه و آله مات ولم يوص إلى أحد بالخلافة من بعده، وأنه ترك الناس هملاً كإبل أو غنم لا راعي لها على حد تعبير ابن عمر في حديثه مع أبيه عمر (1).
1) جاء في صحيح مسلم كتاب الإمارة 5/6ط محمد علي صبيح وأولاده بمصر: في حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قال: قلت ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أني أكلّمه في ذلك. فسكتّ حتى غدوت ولم أكلّمه قال: فكنت كأنما أحمل بيميني جبلاً، حتى رجعت فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس وأنا أخبره، قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة فاليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيّع، فرعاية الناس أشدّ. قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إليّ، فقال: إن الله عزّ وجل يحفظ دينه...
وأشار قدِّس سرّه إلى أن القول بذلك يضادّه النقل المتواتر كما يأباه العقل أيضاً، إذ كيف يُعقل تصديق المرء بأن النبي صلّي الله عليه و آله مات ولم يوص، والعقل وهو الذي يحكم بصدق النبوة وان النبي صلّي الله عليه و آله أوحي إليه «الْيَوْمَ اكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا». أليس إذن من كمال الدين أن يعين الله لنبيه ولي الأمر من بعده، ليحفظ الأمة من زلل الأهواء وخطل الآراء؟ وإذا لم يعيّن فكيف كمل الدين وتمت النعمة؟ وهذا خلاف ما جاء به القرآن المجيد.
ومن حقنا أن نسأل المنكرين إذا لم تكن للنبي صلّي الله عليه و آله و وصية مكتوبة وغير مكتوبة، فما معنى ما ترويه كتب الصحاح عندهم - ومنها صحيحا البخاري ومسلم - أن النبي قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (1).
فهل يعقل أن يأمر الناس بذلك وهو لا يفعل فيناقض فعلُه قولَه. معاذ الله، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، وحاش رسول الله صلّي الله عليه و آله أن يترك ذلك، فهو لم يترك الأمة من غير ولي بعده ، ونوَّه باسمه، وأعلنه للملأ منذ
1) صحيح البخاري 2/4 كتاب الوصايا. صحيح مسلم 70/5 كتاب الوصية
يوم بدء الدعوة، ومروراً بليلة الهجرة، ويَومَي المؤاخاة، ويوم فتح مكة، ويوم المناجاة بالطائف، وأخيراً في سنة حَجّة الوداع ذهاباً وإياباً، وبدءاً من خطبة عرفات، وانتهاءاً بيوم الغدير، ثم ما تلا ذلك من مشاهد أكد فيها ما سبق أن أعلنه، ولعل آخرها أو من أواخرها حديث الكتف والدواة، وما جرى عنده من ملابسات، كان ابن عباس يعبِّر عن حزنه لما جرى في ذلك اليوم بقوله: الرزيَّة كل الرزيَّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم الكتاب (1).
ففي جميع تلك الأيام أعلن من هو وليّ الأمر بعده، وقد أوصى إليه تبعا لأمر السماء، ولم يكن ذلك الموصى إليه شخصاً غير الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام، ولكن قريشاً أصرَّت عناداً أن لا تقبل الوصية النبي صلّي الله عليه و آله في علي، ولا تطيع أمره، لأنها لا تحبه كما قال عثمان (2)
وروى ابن عساكر بسنده عن طاووس قال: قلت لعلي بن حسين بن علي ما بال قريش لا تحب عليا؟ فقال: لأنه أورد أولهم النار، وألزم آخرهم العار
، فاستطاعت أن تستبعد وصيَّه عن القيادة، ولكنها لم تستطع أن تستبعد من أذهان بعض1) لقد روى الحديث البخاري في سبعة مواضع من صحيحه ورواه مسلم وأحمد وابن سعد والطبري وعبد الرزاق والطبراني وأبو نعيم والبلاذري والبيهقي وأبو داود وغيرهم وغيرهم سوى من تولى شرح البخاري ومسلم فثمة من التشريق والتغريب الأمر المريب والعجيب الغريب
2) روى أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة 301/1 عن عكرمة عن ابن عباس، قال عثمان لعلي: ما ذنبي إن لم تحبك قريش وقد قتلت منهم سبعين رجلاً كأن وجوههم سيوف الذهب
المسلمين فكرة الوصاية، وأن عليًّا هو الوصي، لذا كانت مثار التساؤل وربما الجدل بين حين وآخر.
فقد روى البخاري في صحيحه حديث طلحة بن مصرف الذي سأل عبد الله بن أبي أوفى فقال: أوصىَّ النبي؟ فقال: لا. فقلت - والقائل طلحة -: كيف كتب على الناس أو أمروا بها؟ قال: أوصى بكتاب الله (1).
وجواب ابن أبي أوفى وهو من زمرة الأتباع هو أطروحة الخالفين.
وهذا هو مبدأ الحاكمين الذين قالوا: (حسبنا كتاب الله)، وهو مبدأ الضالعين معهم، حيث استفردوا كتاب الله وحده، وعزلوا الثقل الآخر الذي ضمَّه صلّي الله عليه و آله إليه ، وهم العترة كما في حديث الثقلين (2).
ولما كان الجواب بالوصية بالكتاب وحده غير مقنع فقد بقي فريق من المسلمين يذكرون الوصية حتى أمام الخالفين أو أخلافهم، فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الأسود بن يزيد قال : ذكروا عند عائشة أن عليًّا كان وصياً، فقالت: متى أوصى إليه؟ فقد كنت مسندته إلى صدري (أو قالت: حجري) فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري وما شعرت أنه مات فمتى أوصى إليه ؟!
فهذا الحديث دلّ على أن أناساً ذكروا عند عائشة أن عليًّا كان وصياً، فأنكرت هي ذلك، ولكن لم يكن إنكارها مقنعاً، ولم يؤمن السائل بصحة ما تدعي، فجاء السائل إلى ابن عباس فسأله عن صحة قولها فقال له ابن
عباس أتعقل، والله لتوفي رسول الله صلّي الله عليه و آله وإنه لمستند إلى صدر علي (1)
فهذا الحديث وإن كان مسخاً من حديث الكتف والدواة، وفيه ما يثير التساؤل، إلا أني ذكرته لمن يذكر حديث عائشة الآنف الذكر وأنه صلّى الله عليه و آله مات في حجرها، والرواة هم أنفسهم، فأي أحاديثهم نصدّق؟
وحسبنا أن عليًّا - وهو مع الحق والحق معه - وعبد الله بن عباس - وهو حبر الأمة وترجمان القرآن - وأم سلمة - وهي إحدى أمهات المؤمنين ، وقد قال لها النبي صلّى الله عليه و آله: (أنت على خير)، ولم يذكر أنه قال مثله لغيرها - كل هؤلاء وغيرهم قالوا: إن النبي صلّى الله عليه و آله مات وهو مستند إلى صدر علي عليه السّلام
.ولعل القارئ أدرك مدى استنكار ابن عباس لمقولة عائشة وزعمها أنه مات في حجرها من قوله للسائل : (أتعقل؟)، هي كلمة لها دلالتها في تنبيه السائل واستفزاز مشاعره لتلقي الجواب بكل وعي ونباهة.
وقد ورد عن أم سلمة أيضاً رفض ما تزعمه عائشة بأن النبي صلّي الله عليه و آله مات بين سحرها ونحرها، وأنه مات وهو مستند إلى صدر علي، وحديثها رواه أحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك، والنسائي في الخصائص، ومجمع الزوائد، والمحب الطبري في الرياض النضرة، وذخائر العقبى، وسبط
1) طبقات ابن سعد ج 2 / ق51/2 ط ليدن (افست). وقد روى ابن سعد في الطبقات (ج2/ ق2/ 36) والبخاري في الأدب المفرد، ص 50 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وأحمد في المسند 90/1ط الأولى، كلهم رووا: أن رسول الله صلّى الله عليه و آله لما ثقل قال: يا علي ائتني بطبق أكتب فيه ما لا تضل أمتي بعدي. قال – علي - : فخشيت أن تسبقني نفسه، فقلت: إني أحفظ ذراعاً من الصحيفة، قال: وإن رأسه بين ذراعي وعضدي، فجعل يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم حتى فاضت نفسه، من شهد بها حُرّم على النار .
ابن الجوزي في تذكرة الخواص، وغيرهم (1).
كما أن عمر بن الخطاب هو الآخر يؤيّد ذلك كما في طبقات ابن سعد (2).
ولا نطيل الوقوف في تحقيق ذلك فهو من الوضوح عند المسلمين - إلا من شدّ - أن النبي صلّي الله عليه و آله مات وهو على صدر علي، لكن الذي يستحق البحث والمتابعة هو موضوع الوصية، وهو أن النبي أوصى أو مات بغير وصية؟
ولما كانت فكرة الوصية لعلي تدور في أذهان كثير من الصحابة فقد تولوا إبرازها إلى المسلمين بالشكل الذي سمعوه من أحاديث يروونها وفيها ذكر علي الوصي، والآن إلى النصوص النبوية التي رواها جماعة من الصحابة، وروايتهم لها تدل على قناعتهم بفكرة الوصية وإيمانهم بصاحبها.
لقد مرت بنا جملة من النصوص في الجزء الأول خصوصاً في حديث بدء الدعوة يوم الإنذار، ففيه قوله صلّي الله عليه و آله: وزيري وخليفتي ووصيِّي من بعدي، وولي كل مؤمن بعدي وقاضي ديني، ومنجز عداتي ووارثي (3).
ونحو سؤال سلمان من النبي صلّي الله عليه و آله: فمن وصيك؟ قال - في كلام له-: فإن وصيِّي، وموضع سري، وخير مَنْ أترك بعدي، وينجز عدتي، ويقضي ديني، علي بن أبي طالب (1).
ونحو حديث بريدة عنه صلّي الله عليه و آله قال : لكل نبي وصي ووارث، وإن عليًّا وصيي ووارثي (2).
ونحوه حديث أنس أيضاً (3).
والآن إلى مزيد من النصوص في الوصية التي رواها الصحابة سوى من تقدم ذكرهم.
1- مرويات عبد الله بن عباس: تقدم منها في أحاديث الاثني عشر خليفة في الأرقام: 1، 2، 3، 6 ، 9 ، 10 . والآن إلى غير ذلك:
فمنها: حديثه في تفسير «وَالنَّجْمِ إِذا هَوَى» وفيه: فهو الوصي من بعدي (4).
ومنها: حديثه عنه صلّي الله عليه و آله: يا علي أنت صاحب حوضي، وصاحب لوائي، وحبيب قلبي، ووصيي، ووارث علمي، وأنت مستودع مواريث الأنبياء من قبلي، وأنت أمين الله في أرضه... (5).
ومنها: حديثه عنه صلّي الله عليه و آله: هذا علي بن أبي طالب وصي رسول رب العالمين، وأمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين في جنات النعيم (1).
2- مرويات أبي أيوب الأنصاري: في حديثه الطويل، وذكر فيه دخول فاطمة على أبيها تعوده في مرضه، فبكت فقال صلّي الله عليه و آله: إنّ لِكرامة الله إياك زوَّجك من هو أقدمهم سِلماً ، وأكثرهم علماً...
إلى أن قال: فأوحى إليّ أن أزوِّجه إياك وأتخذه وصيًّا... ومنَّا خير الأوصياء وهو بعلك (2).
3- مرويات أبي ذر الغفاري: في حديثه وقد سمع النبي صلّي الله عليه و آله يخاطب عليًّا بقوله : أنا خاتم النبيين وأنت يا علي خاتم الوصيين (3)إلى يوم الدين (4)، علي وذريته يختمون الأوصياء إلى يوم الدين (5).
4- مرويات أبي سعيد الخدري في حديثه المشابه لحديث أبي أيوب وفيه: فأوحى إليّ أن أنكحه فاطمة، فأنكحته إياكِ واتخذته وصيًّا... ووصيّنا خير الأوصياء، وهو بعلك (6).
1) كفاية الطالب، ص 77 مناقب الخوارزمي، ص 250 ينابيع المودة، ص 239
2) كفاية الطالب ومناقب الخوارزمي والفصول المهمة ومناقب ابن المغازلي وكنز العمال 153/6 ط الأولى نقلاً عن الطبراني في الكبير، وينابيع المودة ، ص 436
3) كنوز الحقائق للمناوي 71/1 نقلاً عن الفردوس للديلمي
4) ينابيع المودة، ص 79
5) ميزان الاعتدال 242/1ط السعادة بمصر
6) البيان للكنجي الشافعي، ص 119 ط بيروت، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي
وحديثه الآخر وفيه: إن وصيي وموضع سرِّي، وخير من أترك بعدي، ينجز عدتي، ويقضي ديني، علي بن أبي طالب (1).
5- مرويات أبي سلمى راعي رسول الله صلّي الله عليه و آله: منها حديثه في الإسراء وما رآه النبي صلّي الله عليه و آله من ملكوت الله سبحانه في السماوات، ومما رآه أشباح الأئمة من بعده في ضحضاح من نور عن يمين العرش، فسأل عنهم من الله تعالى، فقال: هؤلاء حُججي على عبادي، وهم أوصياؤك (2).
6- مرويات أبي الطفيل عامر بن واثلة - آخر الصحابة موتاً - بالكوفة - : في حديثه عن علي عليه السّلام، قال: قال رسول الله صلّي الله عليه و آله: يا علي أنت وصيي (3).
7- مرويات أبي هريرة في حديث له جاء فيه قوله صلّي الله عليه و آله: لا تقعوا في علي، فإنه مني وأنا منه، وهو وليي ووصيي من بعدي (4).
8- مرويات علي بن علي الهلالي: في حديث طويل جاء فيه قوله صلّي الله عليه و آله: و وصيي خير الأوصياء وأحبّهم إلى الله بعلك (5).
9- مرويات جابر بن عبد الله : في حديث له عنه صلّي الله عليه و آله جاء فيه: فهو - علي - سيد الأوصياء (1).
وفي حديث آخر له عنه صلّي الله عليه و آله قال : أنا سيِّد النبيِّين، وعلي سيِّد الوصيِّين، وإن أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم علي، وآخرهم القائم المهدي (2).
10 - مرويات عتبة بن عامر الجهني: في حديث له قال: بايعنا رسول الله صلّي الله عليه و آله على قول: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً نبيّه، وعلياً وصيّه، فأي من الثلاثة تركناه كفرنا (3).
11- مرويات أم سلمة: في حديثها عنه صلّي الله عليه و آله: إن الله اختار لكل نبي وصيًّا، وعلي وصيِّي في عترتي وأهل بيتي من بعدي (4).
وفي حديث آخر لها قال لها صلّي الله عليه و آله: يا أم سلمة اسمعي واشهدي، هذا أخي في الدنيا والآخرة، وحامل لوائي في الدنيا، وحامل لواء الحمد غداً في القيامة، وهذا علي وصيّي وقاضي عدتي (5).
وفي حديث ثالث عن ابن عباس: إن رسول الله قال لأم سلمة: يا أم سلمة هل تعرفين هذا؟ قالت: نعم، هذا علي بن أبي طالب. فقال رسول الله صلّي الله عليه و آله: نعم هذا علي سيط لحمه بلحمي، ودمه بدمي، وهو منّي بمنزلة
هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي يا أم سلمة هذا علي سيد مبجّل، ومأمل المسلمين، وأمير المؤمنين، وموضع سرِّي وعلمي، وبابي الذي يُؤوَى إليه، وهو الوصي على أهل بيتي وعلى خيار أمتي وهو أخي في الدنيا والآخرة (1).
هذه طائفة من النصوص النبوية التي رواها لنا من الصحابة المؤمنين بفكرة الوصاية وبصاحبها وأنه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، ولا يُعقل أن تكون هذه المرويات جميعها مكذوبة، أو أنها نشأت من فراغ، فإن الرواة كلهم من الصحابة، والصحابة كلهم عدول لدى منكري الوصية، فعليهم أن يقبلوا أخبارهم، والمصادر جميعها من كتبهم، وليس فيها كتاب واحد لشيعي حتى يُشار إليه بتهمة التزوير، فعليهم الإذعان بما ورد فيها ونقلناه عنها.
ولو تنزّلنا عن صحَّة جميع ما سبق، فهل يسعنا أن نغضَّ الطرف عما ورد في صحاحهم من ذكر وصاياه صلّي الله عليه و آله المتعددة وأحاديثها في الصحاح وغيرها، فقد رووا:
أنه صلّي الله عليه و آله أوصى بلعن بناة القبور في المساجد.
وأوصى بالنساء كما في خطبة حجة الوداع.
وأوصى بما ملكت أيمانهم كما في خطبة حجة الوداع.
وأوصى بالأنصار قبل وفاته كما في خطبة حجة الوداع.
1) المحاسن والمساوئ للبيهقي 31/1
وأوصى في مرضه - بعد حديث الكتف والدواة - بثلاث، حفظ الرواة اثنتين وتناسوا الثالثة فقال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) كما في ذيل حديث الكتف والدواة برواية البخاري وغيره، (وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به) كما في ذيل حديث الكتف والدواة برواية البخاري وغيره.
وأما الثالثة فهي قوله: (احفظوني في أهل بيتي) (1)، وبعدها: (واستوصوا بأهل الذمة خيراً، وأطعموا المساكين، وأكثروا من الصلاة، واستوصوا بما ملكت أيمانكم). وجعل يردِّد ذلك صلّي الله عليه و آله يقول: وإني لأعلم أن منكم ناقض عهدي والباغي على أهل بيتي (2).
وأخيراً ما مرَّ ذكره من حديث علي وقد طلب صلّي الله عليه و آله منه أن يأتيه بطبق... الخ، ففيه أوصى بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم.
أقول: فكل هذه الوصايا التي يروونها هي دون مسألة الخلافة أهمية، فما دام يوصي بهذه الأمور وكانت موضع اهتمامه، ولو لم تكن كذلك لما أوصى بها ، فهل يعقل أن يترك الوصية فيما هو أهم منها وهي مسألة الخلافة؟
لاها الله لقد أوصى بها وصايا كثيرة، وقد تقدَّمت النصوص الدالة على التصريح بوصيته لوصيّه، وأن القوم سمعوها ووعوها، ولكن حليت
الدنيا في أعينهم فراقهم زبرجها، فزعموا أنه مات ولم يوص.
ومع زعمهم ذلك فقد كان منهم من يعترف بأن النبي صلّي الله عليه و آله أراد عليًّا للأمر، ولكنه مُنع من ذلك كما في أحاديث عمر مع ابن عباس، فقد قال له مرة: ولقد أراد رسول الله صلّى الله عليه و آله - في أن يصرِّح باسمه - يعني عليَّا - فمنعتُ من ذلك إشفاقا وحيطة على الإسلام (1).
وقال له مرة أخرى: لقد كان من رسول الله صلّي الله عليه و آله ذرواً من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عُذرا (2).
وقال له مرة ثالثة: إن رسول الله صلّي الله عليه و آله أراد ذلك، وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله ، ولم ينفذ مراد رسوله، أوَكُلُّ ما أراد رسوله صلّي الله عليه و آله كان؟ (3).
وقال له مرة رابعة: أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر (4).
وقال له مرة خامسة: أول من رائكم عن هذا الأمر أبو بكر، إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة (5).
وهكذا نقرأ اعترافاً بعد اعتراف بأن عليًّا هو صاحب الحق بالخلافة بعد النبي صلّي الله عليه و آله، ولكن أبت عليه ذلك رجال، فاستبعدوه ولم
يحسنوا صنعاً.
ورحم الله دعبل بن علي الخزاعي حيث يقول:
ولو قلدوا الموصَى إليه أمورَهم *** لزُمَّتْ بمأمونٍ عن العَثَراتِ
ولم يكن دعبل هو الشاعر الوحيد الذي ذكر الوصية والموصى إليه الوصي، فقد سبقه إلى ذلك أقوام من الصحابة وغيرهم.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: وما رويناه من الشعر المنقول في صدر الإسلام المتضمن كونه عليه السّلام وصي رسول الله صلّي الله عليه و آله قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب:
ومنا عليٌّ ذاك صاحبُ خيبرٍ *** وصاحبُ بدر يومَ سالتْ كتائبُهْ
وصيُّ النبيِّ المصطفى وابنُ عَمِّهِ *** فَمَنْ ذا يُدانيه ومَنْ ذا يُقاربُهْ
ثم ذكر أشعار عبد الرحمن بن جعيل، وأبي الهيثم بن التيهان وكان بدرياً، وعمرو بن حارثة الأنصاري، ورجل من الأزد، وغلام من بني ضبّة، وسعيد بن قيس الهمداني، وزياد بن لبيد الأنصاري، وحجر بن عدي الكندي، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وكان بدرياً، وابن بديل الخزاعي، وعمرو بن أحيحة، وزجر بن قيس الجعفي.
ثم قال ابن أبي الحديد: ذكر هذه الأشعار والأراجيز بأجمعها أبو مخنف لوط بن يحيى في كتاب وقعة الجمل، وأبو مخنف من المحدِّثين، وممن يرى صحة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة ولا يُعد من رجالها.
ثم قال: وما رويناه من أشعار صفين التي تتضمن تسميته عليه السّلام
بالوصي ما ذكره نصر بن مزاحم بن يسار المنقري في كتاب صفين، وهو من رجال الحديث.
ثم ذكر أشعار جملة من الصحابة، آخرهم قول عبد الله بن العباس:
وصيُّ رسولِ اللهِ مِن دونِ أَهْلِهِ *** وفارسُه إِنْ قِيلَ هل مِن مُنَازِلِ
فدونَكَهُ إنْ كنتَ تبغي مُهَاجِراً *** أشمَّ كنصلِ السيفِ غيرَ حلاحلِ
وختم ابن أبي الحديد ذلك بقوله : والأشعار التي تتضمن هذه اللفظة كثيرة جداً، ولكنا ذكرنا منها ههنا بعض ما قيل في هذين الحربين، فأما ما عداهما فإنه يجلّ عن الحصر، ويعظم عن الإحصاء والعدّ، ولولا خوف الملالة والإضجار لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقاً كثيرة (1).
وأشعارهم طافحة بالاحتجاج العقلي وبقوة الأدلة المنتزعة من الكتاب والسنة لإثبات حق الإمام في الخلافة، وأنه وصي رسول الله صلّي الله عليه و آله دون غيره.
وبعد هذا لا يمكن أن يصدّق عاقل بأن رسول الله صلّي الله عليه و آله مات من دون تعيين وصي له يكون خليفته من بعده، وإن كانت المذاهب السياسية احتكرت العقول ووجهتها على حسب رأيها، لتصحح حكم الحاكمين، فنفت الوصاية لهذه الغاية.
1) شرح النهج للمعتزلي 47/1 - 48 ط مصر الأولى
145 - مُدْ رفَضَ القومُ مقالاتِ النبيْ *** قد انتهى الأمرُ إلى الرجس الشقيْ
146 - مثل يزيد والطغاةِ بعدَهُ *** قد فتحوا البابَ الذي قد سدّهُ
147 - ذلك بابٌ للعصاةِ يُفْتَحُ *** فيه المجالُ للطغاة يُفسَحُ
148 - قد أفسدوا في الأرض ما أمكنهمْ *** والحرثَ والنسلَ أبادوا ويلَهمْ
149 - وارتكبوا الجرائمَ العظيمةْ *** وهتّكوا الأعراضَ ذاتَ القيمةْ
150 - هل هُم ولاةُ الأمر والناسُ تَبَعْ *** والحكْمُ منهم نافِدٌ ومَتَّبَعْ
151 - أهكذا يكون دينُ المصطفى *** أعوذُ باللهِ على الدنيا العَفَا
152 - هل الإلهُ لم يكنْ يدري بذا *** فلم يقمْ حجتَه يا حبّذا
153 - فقلْ لمن أنكرَها فاعتذرا *** ذلك ذنبٌ مثلُه لن يُغفَرا
إشارة منه قدِّس سرّه إلى الانحراف الذي حدث نتيجة الإعراض عن
وصايا النبي صلّي الله عليه و آله في تعيين خلفائه المهديين، وما حلّ من جراء ذلك بالأمة من نكبات، وأصابها من ويلات، نتيجة إعراضها عن الوصايا النبي صلّي الله عليه و آله ووصيّه، وما كان من حقّها أن تفعل ذلك ما دام صلّي الله عليه و آله قد دعاهم لما يحييهم، والله سبحانه وتعالى يقول «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ» (1).
وما كان لها أن تختار لنفسها بعد اختياره، وقد عيّن لهم من اختاره - بأمر من الله تعالى - وصيَّا له وخليفته من بعده، ولكنهم أبوا ذلك والله سبحانه وتعالى يقول «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ امْرًا أن يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا» (2).
ولما كان الإعراض عملاً عظيماً كان الجزاء أيضاً عظيماً، فبعظم العمل يكون الجزاء. فتهاوت الأمة في مدارج الهوان، حتى تردت في حماة الخسران حين اختارت لنفسها - بسوء اختيارها - مَن ولي أمورها حسب ما أرادت، لا من حيث ما اختار الله ورسوله لها.
ولما كانت نظرية النص الإلهي هي الثابتة عند أهل البيت وشيعتهم - وقد مرَّت بعض النصوص فيما سبق - لذلك كانت منهم المعارضة لما حدث، والتخلف عن البيعة لفترة ستة أشهر أو أكثر حتى اضطروا حفاظاً على وحدة كلمة المسلمين أن يسلّموا للأمر الواقع، وقد مرَّت بنا بعض
كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام صاحب الحق وتذمُّره من قريش حين صرفوا الأمر عنه، وأنه سكت عن حقه وصبر وفي العين قذى وفي الحق شجي.
ولابن عباس مع عمر محاورات كانت تجري بينهما فيها اعتراف صريح من عمر بأن الحق كان لعلي، ولكنّ قريشاً . وهو منهم - أبت أن تجتمع الخلافة والنبوة لبني هاشم، فنظرت لأنفسها، فاختارت فأصابت ووُفقت.
فقال له ابن عباس رداً عليه: وأما قولك أن قريشاً اختارت فأصابت ووفقت، فإن الله تعالى يقول «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ»، وقد علمت يا أمير المؤمنين أن الله تعالى اختار من خلقه لذلك مَن اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظرت نظر الله لها، واختارت لأنفسها من حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غیر مردود ولا محسود، ولوُفِّقت وأصابت (1).
فمن الطبيعي إذن أن يحدث نتيجة ذلك الاستبدال اختلال في موازين نظام الحكم نتيجة تقديم من اختارته قريش على من كان قد اختاره الله ورسوله صلّي الله عليه و آله، حين استبعدوا النص وصاحبه، وبدا من خلال تولّيهم للخلافة أنه لم يكن لديهم منظور محدَّد و موحَّد، فلكل وجهة هو مولّيها.
1) موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة (الحلقة الثالثة) نقلاً عن تاريخ الطبري العامي، والمسترشد للطبري الإمامي، والكامل لابن الأثير، وشرح النهج للمعتزلي، وأخبار الدولة العباسية، وشرح ديوان زهير لثعلب، وغيرها (مخطوط)
قال الدكتور أحمد محمود صبحي: ولقد تخلل التفكير السني في السياسة وأصول الحكم - أو بالأحرى نظام البيعة - الكثير من الثغرات، إن الخلفاء الثلاثة الأوائل قد وصل كل منهم إلى الحكم بطريقة مخالفة، فكيف يمكن أن يستخلص من ذلك نظام شرعي لتعيين الإمام يعبِّر عن رأي الإسلام ويتفق عليه جمهور المسلمين (1).
ومن الطبيعي أيضاً أن ينحرف النظام الحاكم بعد ذلك بمسيرة الإسلام بعد غياب قوّامه، وإلا فماذا ينتظر المسلمون من خيرٍ وقد وليهم معاوية الذي كاد الإسلام، ولقد كان يطلق نفئاته على الإسلام كثيراً، ولكنه لم يستطع أكثر من هذا على حد قول الدكتور النشار كما سيأتي.
والآن إلى قراءة متأنية لنصوص قديمة وحديثة، تلتقي مع ما أشار إليه السيد المغفور له الناظم، وجميعها لأقطاب المعرفة في الفكر السني ولا يتطرَّق الريب إليهم، ونختار نماذج تغني عن استقراء ما لدى الجميع:
1- الجاحظ: والرجل بالرغم من عثمانيته المتأصلة لم يسعه التغاضي عن بني أمية وجرائمهم ، فقال في رسالته في بني أمية بعد استعراضه ما حدث للأمة منذ عهد الرسالة إلى أن كان من اعتزال الحسن رضي الله عنه الحرب، وتخليته الأمور عند انتشار أصحابه، وما رأى من الخلل في عسكره، وما عرف من اختلافهم على أبيه، وكثرة تلوّنهم عليه.
فعندها استبدَّ معاوية على الملك، واستبدَّ على بقية الشورى وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سمَّوه عام
1) نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية، ص 501 ط دار المعارف بمصر سنة 1969م
الجماعة)، وما كان عام جماعة، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكاً كسروياً، والخلافة منصباً قيصيرياً، ولم يعدُ ذلك أجمع الضلال والفسق، ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا وعلى منازل ما رتّبنا.
حتى رد قضية رسول الله صلّى الله عليه و آله ردًّا مكشوفاً، وجحد حكمه جحداً ظاهراً في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع إجماع الأمة على أن سُميَّة لم تكن لأبي سفيان فراشاً، وأنه إنما كان بها عاهراً ، فخرج بذلك من حكم الفجَّار إلى حكم الكفّار.
وليس قتل حجر بن عدي، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعة يزيد الخليع والاستثثار بالفيء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة، من جنس جحد الأحكام المنصوصة والشرائع المشهورة والسنن المنصوبة، وسواء في باب ما يستحق من الكفار جحد الكتاب ورد السنة إذا كانت السنة في شهرة الكتاب وظهوره إلا أن أحدهما أعظم وعقاب الآخرة عليها أشدّ.
فهذه أول كفرة كانت من الأمة، ثم لم تكن إلا فيمن يدَّعي إمامتها والخلافة عليها، على أن كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره، وقد أربت عليهم نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا فقال: (لا تسبُّوه، فإن له صحبة، وسبّ معاوية بدعة، ومن يبغضه فقد خالف السنَّة)، فزعمت أن من السنة ترك البراءة ممن جحد السنَّة؟!
ثم الذي كان من يزيد ابنه ومن عماله وأهل نصرته، ثم غزو مكة
ورمي الكعبة واستباحة المدينة، وقتل الحسين رضي الله عنه في أكثر أهل بيته مصابيح الظلام وأوتاد الإسلام، بعد الذي أعطى من نفسه ومن تفريق أتباعه والرجوع إلى داره وحرمه أو الذهاب في الأرض حتى لا يحس به أو المقام حيث أمر به، فأبوا إلا قتله والنزول على حكمهم، وسواء قتل نفسه بيده أو سلمها إلى عدوه، وخيّر فيها من لا يبرد غليله إلا بشرب دمه، فاحسبوا قتله ليس بكفر، وإباحة المدينة وهتك الحرمة ليس بجحد، كيف تقولون في رمي الكعبة وهدم البيت الحرام وقبلة المسلمين؟
فإن قلتم : (ليس ذلك أرادوا ، بل إنما أرادوا المتحرِّز به والمتحصِّن بحيطانه)، أفما كان في حق البيت وحريمه أن يحصروه فيه إلى أن يعطي بيده، وأي شيء بقي من رجل قد أخذت عليه الأرض إلا موضع قدمه؟
وأحسبوا ما رووا عليه من الأشعار التي قولها شرك والتمثّل بها كفر، شيئاً مصنوعاً؟ كيف نصنع بنقر القضيب بين ثنيّتي الحسين رضي الله عنه؟ وحمل بنات رسول الله صلّى الله عليه و آله حواسر على الأقتاب العارية والإبل الصعاب؟ والكشف عن عورة علي بن الحسين عند الشك في بلوغه؟ على أنهم إن وجدوه وقد أنبت قتلوه، وإن لم يكن أنبت حملوه، كما يصنع أمير الجيش بذراري المشركين؟ وكيف تقولون في قول عبيد الله بن زياد لأخوته وخاصَّته: دعوني أقتله، فإنه بقية هذا النسل، فأحسمُ به هذا القرن، وأُميتُ به هذا الداء، وأقطع به هذه المادة؟
خبّرونا علامَ تدل هذه القسوة وهذه الغلظة بعد أن شفوا أنفسهم بقتلهم ونالوا ما أحبّوا فيهم؟ أتدلُّ على نَصب وسوء رأي وحقد وبغضاء
ونفاق وعلى يقين مدخول وإيمان مخروج؟
أم تدل على الإخلاص وعلى حب النبي صلّي الله عليه و آله والحفظ له وعلى براءة الساحة وصحة السريرة؟
فإن كان على ما وصفنا لا يعدو الفسق والضلال وذلك أدنى منازله، فالفاسق ملعون ومن نهى عن شتم الملعون فملعون.
واستمر الجاحظ في بيانه بقدر ما تقدم ذاكراً جرائم الأمويين، وختم هذه الفصلة من كلامه بقوله:
وما يدل على أن القوم - بني أمية - لم يكونوا إلا في طريق التمرّد على الله عز وجل، والاستخفاف بالدين، والتهاون بالمسلمين، والابتذال لأهل الحق، أكْل أمرائهم الطعام وشربهم للشراب على منابرهم أيام جمعهم وجموعهم، فَعَلَ ذلك حبيش بن دلجة وطوارق مولى عثمان والحجاج بن يوسف وغيرهم (1).
2- ابن قتيبة: قال في كتابه (الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبِّهة):
وقد رأيت هؤلاء - يعني الجهمية والمشبهة - أيضاً حين رأوا غلوَّ الرافضة في حب علي وتقديمه على مَن قدَّمه رسول الله صلّي الله عليه و آله وصحابته عليه [؟] وادعاؤهم له شركة النبي صلّى الله عليه و آله في نبوته [؟] وعلم الغيب للأئمة من ولده، وتلك الأقاويل والأمور السرِّية التي جمعت إلى الكذب والكفر
1) رسائل الجاحظ 292 - 297 (الرسالة الحادية عشرة)، جمع ونشر حسن السندوبي ط الأولى سنة 1352ه-، المطبعة الرحمانية بمصر
إفراط الجهل والغباوة، ورأوا شتمهم خيار السلف وبغضهم وتبرّأهم منهم، قابلوا ذلك أيضاً بالغلوّ في تأخير علي كرَّم الله وجهه وبخسه حقّه ولجّوا في القول وإن لم يصرِّحوا إلى ظلمه، واعتدوا عليه بسفك الدماء بغير حق، ونسبوه إلى الممالأة على قتل عثمان (رض)، وأخرجوه بجهلهم من أئمة الهدى إلى جملة أئمة الفتن، ولم يوجبوا إليه اسم الخلافة لاختلاف الناس عليه، وأوجبوها ليزيد بن معاوية لإجماع الناس عليه، واتهموا من ذكره بخير، وتحامى كثير من المحدثين أن يحدّثوا بفضائله كرَّم الله وجهه، أو يُظهروا ما يجب له (1)
وهنا يردّ على النواصب بما يرضي الله ورسوله كما ترى عفا الله عما سلف، وفي ذلك عبرة بالغة، وانحراف المتوكل عن علي كرَّم الله وجهه، وتقريبه للمنحرفين عنه بعد رفع المحنة، مما جعل للنواصب سوقاً تروج فيها أهواؤهم ومروياتهم عند كثير من أهل الحديث، حتى أخذ يتقمّص النواصب في أزياء أهل الحديث، وأصبح رجال الخوارج في موضع التجلة والتعويل في كتبهم مدى القرون بعد أن كانوا مهجورين لبغضهم عليا كرَّم الله وجهه، وقد ورد (لا يبغضك إلا منافق)، ولشقّهم عصا المسلمين في أحرج وقت، ولا تزال نتائج ذلك ماثلة أمام أعين المتبصرين مما فيه ذكريات أليمة لا نريد الولوج في مضايقها، فاكتفيت بهذه الإشارة الوجيزة، والمصنف وفّى الكلام حقه
، وكل تلك الأحاديث لها مخارج صحاح، وجعلوا ابنه1) ورد في هامش المطبوعة ما يلي: وابن قتيبة كان شهر بالانحراف، بالنظر إلى عدم تثبته في نقل ما شجر بين الصحابة (رض) في مؤلفاته السابقة، بحيث يشف من ثنايا قوله الانحراف والنَّصب، حتى إن الحافظ ابن حجر قال في حق حمل السلفي كلام الحاكم فيه على المذهب: إن مراد السلفي بالمذهب النَّصب، فإن في ابن قتيبة انحرافاً على أهل البيت، والحاكم على الضد من ذلك. اه-
الحسين عليه السّلام خارجياً شاقاً لعصا المسلمين حلال الدم لقول النبي صلّي الله عليه و آله: (من خرج على أمَّتي وهم جميع فاقتلوه كائناً من كان)، وسوّوا بينه في الفضل وبين أهل الشورى، لأن عمر لو تبيَّن له فضله لقدَّمه عليهم، ولم يجعل الأمر شورى بينهم، وأهملوا من ذكره أو روى حديثاً من فضائله، حتى تحامى كثير من المحدِّثين أن يتحدّثوا بها، وعنوا بجمع فضائل عمرو بن العاص ومعاوية، كأنهم لا يريدونهما بذلك بل وإنما يريدونه.
فإن قال قائل: (أخو رسول الله صلّي الله عليه و آله علي وأبو سبطيه الحسن والحسين وأصحاب الكساء: على وفاطمة والحسن والحسين) تمعّرت الوجوه، وتنكّرت العيون، وطرت حسائك الصدور.
وإن ذكر ذاكر قول النبي صلّي الله عليه و آله: (مَن كنت مولاه فعلي مولاه) و (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى) وأشباه هذا، التمسوا لتلك الأحاديث المخارج، لينتقصوه ويبخسوه حقّه بغضاً منهم للرافضة ، وإلزاماً لعلي بسببهم ما لا يلزمه، وهذا هو الجهل بعينه.
والسلامة لك أن لا تهلك بمحبته ولا تهلك ببغضه، وأن لا تحتمل ضغناً عليه بجناية غيره، فإن فعلت فأنت جاهل في بغضه، وأن تعرف له مكانه من رسول الله صلّي الله عليه و آله بالتربية والأخوة والصهر والصبر في مجاهدة أعدائه، وبذل مهجته في الحروب بين يديه، مع مكانه في العلم والدين والبأس والفضل، من غير أن تتجاوز به الموضع الذي وضعه به خيار السلف لما تسمعه من كثير من فضائله، فهم كانوا أعلم به وبغيره، ولأن ما أجمعوا عليه هو العيان الذي لا يُشك فيه والأحاديث المنقولة قد يدخلها
تحريف وشوب، ولو كان إكرامك لرسول الله صلّي الله عليه و آله هو الذي دعاك إلى محبة من نازع عليًّا وحاربه ولعنه إذ صحب رسول الله صلّي الله عليه و آله وخدمه كنت قد سلكت في ذلك سبيل المستسلم لأنت بذلك في علي عليه السّلام أولى، لسابقته وفضله وخاصيته وقرابته والدناوة التي جعلها الله بينه وبين رسول الله صلّي الله عليه و آله عند المباهلة حين قال تعالى «قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ»، فدعا حسناً وحسيناً «وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ»، فدعا فاطمة عليهاالسّلام، «وَأَنْفُسَنَا وَانْفُسَكُمْ» فدعا عليًّا عليه السّلام، ومن أراد الله تبصيره بصره، ومَن أراد غير ذلك حيَّره . اه- (1).
أقول: إن ما نعاه ابن قتيبة على الجهمية والمشبِّهة من عدائهم ونصبهم للإمام فيه نحو تقية وسمِّها ما شئت.
إذن مَن هم الجهمية والمشبِّهة؟
أليسوا هم أتباع جهم بن صفوان زعيم الجبرية، وهو تلميذ الجعد بن درهم ذو المكانة المغبوط عليها عند الأمويين، وقد رعى لهم فكرة الجبرية، وتولى تعليم بعض حكّامهم الذي نُسب إليه، فقيل: (مروان الجعدي)، فمن أين تلقوا النصب إن لم يكن من الأمويين الذين أعلنوا بسبّ الإمام على المنابر طيلة أيامهم، وقد أشار إلى ذلك ابن قتيبة، ولكن على استحياء، إذ لم يسمِّ مَن نازع عليًّا وحاربه ولعنه.
3- المقريزي: قال في إمتاع الأسماع: قد صدق الله ورسوله، فقد
1) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، ص 47 - 49ط المقدسي بمصر سنة 1359ه-
كان من بعد رسول الله صلّي الله عليه و آله خلفاء قضوا بالهدى ودين الحق، ثم قامت خلفاء خلطوا وبدَّلوا سنن الهدى، فسلّط الله عليهم أولاً شيعة بني العباس، وهم العجم أهل خراسان، فاجتاحوا بني أمية الذين بدَّلوا نعمة الله كفراً، واتخذوا دين الله دغلاً، ومال الله دولاً، وعبيد الله خولاً، حتى أفنوهم إلا قليلاً مشرَّدين في أقطار الأرض جزاء بما كسبوا.
فلما ملك بنو العباس عتوا وتجبّروا وطغوا فسلّط الله تعالى عليهم مماليكهم الأتراك، فقتلوا المتوكل جعفر بن محمد، ثم قتلوا المستعين أحمد ابن محمد، وتحكّموا في الدولة، وتلاعبوا بدين الله.
ثم بعث الله على بني العباس الديلم بنو بويه، فتغلّبوا على البلاد، وساموا الناس بعتوِّهم سوء العذاب، وتحكّموا في بني العباس تحكم المالك في مماليكه، يقتلونهم ويسملون أعينهم، وأظهروا مع ذلك مذاهب رديئة.
حتى أخرج الله الأتراك فبطشت السلجوقية بطش الجبابرة، وتحكّمت تحكّم الفراعنة إلى أن يأذن الله بانقراض تحكّم العرب، وأدال الله العجم عليها، فقتل عدو الله جنكيز خان وأشياعه الناس، حتى محوهم من المشرق، وأزالوا كلمة الإسلام وشرائعه من تلك الجهات بأسرها. ثم قام حفيده عدو الله هولاكو، فشمل قتله عامة أهل بغداد والجزيرة، ودمَّر المعتصم (المستعصم صح) بالله ، فلم يقم بعده قائم من قريش، وصارت ممالك شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً بأيدي العجم. ففي المشرق من حدود الصين إلى الجزيرة أشياع جنكيز خان، وفي المغرب بأسره البرابر في الشمال والروم ثم الفرنجة إلا قليلاً مع بني عثمان وبني فرمان، وهم أروام في مصر والشام
والحجاز المماليك الأتراك، ثم المماليك الجراكسة، وفي اليمن بنو علي بن عمر بن رسول الأكراد إلا قليلاً مع الشريف الرضي صاحب صنعاء، والهند كله بأيدي العجم، وأكثر الشمال بيد الفرنج، ومعظم الجنوب بأيدي الحبشة، وكلا الفريقين نصارى، يأسرون المسلمين ويعذّبونهم أشدّ العذاب، فتحت أيديهم في الأسر من المسلمين والمسلمات عشرات الألوف، ويمرّ بهم أنواع البلاء ما لا يمكن وصفه، ومع ذلك فإن جميع قبائل العرب قيسها وتميمها رعاع غوغاء، لا يملكون دنيا ولا يقيمون دينا، دأب ملوك الأرض يقتلونهم ويأسرونهم جزاءاً بما كسبت أيديهم، وما ربّك بظلّامٍ للعبيد.
ولا يعترض بخلفاء مصر، فإنهم منذ أوَّلهم الحاكم أحمد وإلى يومنا هذا ليس لأحد منهم أمر ولا نهي ولا نفوذ كلمة، وإنما هو واحد من عرض الناس، والسلاطين مع هذا تسجنهم وتنفيهم عن المدينة إلى الأطراف إذا تنكروا لهم، قد رضي الخليفة منهم من دينهم ودنياهم أن يقال له أمير المؤمنين، وحكم الملوك الأقطار في رعاياهم، قد تساوى الناس في معرفتهم، فلا حاجة بنا إلى وصفه وتبيينه و للهِ درِ أبي دعبل وهب بن ربيعة الجمحي حيث يقول:
تبيتُ النشاوى مِن أميةَ نُوّما (1)*** وبالطفِّ قتلى ما ينامُ حميمُها
وما أهلكَ الإسلامَ إلا قبيلةٌ (2)*** تأمَّرَ نوكاها ودامَ نعيمُها
وصارتْ قناةُ الدينِ في كفِّ ظالمٍ *** إذا مالَ منها ظالمٌ لا يقيمُها
والله الموفق للصواب واليه المرجع والمآب. اه- (1).
وقال في مقدمة كتابه (النزاع والتخاصم): أما بعد فإني كثيراً ما كنت أتعجب من تطاول بني أمية إلى الخلافة مع بعدهم من جذم (2)رسول الله صلّي الله عليه و آله وقرب بني هاشم، وأقول: كيف حدّثتهم أنفسهم بذلك؟! وأين بنو أمية وبنو مروان بن الحكم طريد رسول الله صلّي الله عليه و آله ولعينه من هذا الحديث مع تحكم العداوة بين بني أمية وبني هاشم في أيام جاهليتها، ثم شدّة عداوة بني أمية الرسول الله صلّي الله عليه و آله، ومبالغتهم في أذاه، وتماديهم على تكذيبه فيما جاء به منذ بعثه الله عز وجل بالهدى ودين الحق إلى أن فتح مكة شرفها الله تعالى، فدخل من دخل منهم في الإسلام كما هو معروف مشهور، وأردِّد قول القائل:
كمْ مِنْ بَعِيدِ الدارِ نَالَ مُرَادَه *** وآخر داني الدارِ وهو بعيدُ
فلعمري لا بُعْد أبعد مما كان بين بني أمية وبين هذا الأمر، إذ ليس لبني أمية سبب إلى الخلافة ولا بينهم وبينها نسب، إلا أن يقولوا: (إنا من قريش)، فيساوون في هذا الاسم قريش الظواهر، لأن قوله صلّي الله عليه و آله: «الأئمة من قريش» واقع على كل قرشي، ومع ذلك فأسباب الخلافة معروفة، وما يدَّعيه كل جيل معلوم، وإلى كل ذلك قد ذهب الناس فمنهم من ادعاها
لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه باجتماع القرابة والسابقة والوصية بزعمهم، فإن كان الأمر كذلك فليس لبني أمية في شيء من ذلك دعوى عند أحد من أهل القبلة.
وإن كانت إنما تُنال الخلافة بالوراثة، وتستحق بالقرابة، وتستوجب بحق العصبية، فليس لبني أمية في ذلك متعلق عند أحد من المسلمين. وإن كانت لا تُنال إلا بالسابقة فليس لهم في السابقة قديم مذكور ولا يوم مشهور.
بل لو كانوا إذ لم تكن لهم سابقة، ولم يكن فيهم ما يستحقون به الخلافة، ولم يكن فيهم ما يمنعهم منها أشد المنع، كان أهون وكان الأمر عليهم أيسر، فقد عرفنا كيف كان أبو سفيان في عداوته للنبي صلّى الله عليه و آله وفي محاربته وفي إجلابه عليه وفي غزوه إياه، وعرفنا إسلامه، وكيف أسلم، و خلاصه كيف خلص، على أنه إنما أسلم على يد العباس (رضي الله عنه)، والعباس هو الذي منع الناس من قتله، وجاء به رديفاً إلى النبي صلّى الله عليه و آله، وسأله أن يشرِّفه وأن يكرِّمه وينوِّه به، وتلك يد بيضاء ونعمة غرَّاء ومقام مشهور وخبر غير منكور، فكان جزاء ذلك من بنيه أن حاربوا عليَّا، وسمُّوا الحسن، وقتلوا الحسين، وحملوا النساء على الأقتاب حواسر، وكشفوا عن عورة علي بن الحسين حين أشكل عليهم بلوغه كما يصنع بذراري المشركين إذا دخلت ديارهم عنوة.
ثم استمر المقريزي بذكر جرائم الأمويين من قتل وصلب وتمثيل بالعلويين والعباسيين.
إلى أن قال: ولا يكون أمير المؤمنين إلا أولاهم بالإيمان وأقدمهم فيه، هذا وبنو أمية قد هدموا الكعبة، وجعلوا الرسول دون الخليفة، وختموا في أعناق الصحابة، وغيَّروا أوقات الصلاة، ونقشوا أكف المسلمين، ومنهم من أكل وشرب على منبر رسول الله صلّى الله عليه و آله، ونهبت الحرم، ووُطئت المسلمات في دار الإسلام بالبقيع في أيامه ... (1).
4- ابن حزم الظاهري: قال في جمهرة أنساب العرب:
ويزيد أمير المؤمنين بن معاوية وكان قبيح الآثار في الإسلام، قتل أهل المدينة وأفاضل الناس وبقية الصحابة رضي الله عنهم يوم الحرّة في آخر دولته، وقتل الحسين رضي الله عنه وأهل بيته في أول دولته، وحاصر ابن الزبير رضي الله عنه في المسجد الحرام، واستخفَّ بحرمة الكعبة والإسلام، فأماته الله في تلك الأيام (2).
وقال في المحلّى وقد عمل ملوك بني أمية بإسقاط التكبير في الصلاة، وبتقديم الخطبة على صلاة العيدين، حتى فشا ذلك في الأرض، فصحَّ أنه لا حجة في عمل أحد دون رسول الله (3).
5- أبو الثناء الألوسي: ذكر في تفسيره روح المعاني، في تفسير قوله تعالى «وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَة
الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَتُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا» (1)، روايات ابن جرير عن سهل بن سعد، وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن سعيد بن المسيب، ورواية ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة، وعن ابن عمر، وجميعها في رؤيا النبي صلّى الله عليه و آله بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فأوحى الله إليه: (إنما هي دنيا أعطوها)، وأنزل عليه الآية.
ثم قال: وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول لأبيك وجدّك: إنكم الشجرة الملعونة في القرآن...
ثم قال: ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاءاً الهم ومختبرا وبذلك فسره ابن المسيب، وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا، وعدلوا عن سنن الحق وما عدلوا، وما بعده بالنسبة إلى ما عدا خلفائهم منهم ممن كان عندهم عاملا وللخبائث، أو من كان من أعوانهم كيفما كان، ويحتمل أن يكون المراد ما جعلنا خلافتهم وما جعلنا أنفسهم إلا فتنة، وفيه من المبالغة في ذمِّهم ما فيه، وجعل ضمير نخوّفهم على هذا لما كان له أولاً، أو للشجرة باعتبار أن المراد بها بنو أمية، ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة والفروج المحصنة، وأخذ الأموال من غير حلِّها، ومنع الحقوق عن أهلها، وتبديل الأحكام والحكم بغير ما أنزل الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام، إلى غير ذلك من القبائح العظام والمخازي
الجسام التي لا تكاد تُنسى ما دامت الليالي والأيام، وجاء لعنهم في القرآن إما على الخصوص كما زعمته الشيعة، أو على العموم كما نقول. فقد قال سبحانه وتعالى «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْدُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» وقال عزَّ وجل «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أَوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَاعْمَى أبْصَارَهُمْ» إلى آيات أخر. ودخولهم في عموم ذلك يكاد دخولاً أوليّاً.
ولولا أن طلحة والزبير طمعا في الخلافة أو في أن يشاركا عليًّا فيها، ولولا أن عائشة كانت تكره عليَّا منذ قصَّة الإفك لما كانت الفتنة يوم الجمل.
وقد اجتمعت لمعاوية أقطار البلاد الإسلامية كلها بعد أن صالحه الحسن بن علي رضي الله عنه، فسمَّى نفسه أمير المؤمنين، ولكنه لم يسر مسيرة مَن عرفنا من أمراء المؤمنين، وإنما جعل الخلافة ملكاً، وأورثها ابنه من بعده، واستباح أشياء حرَّمها الله في القرآن، فاستلحق زياداً ورغب به عن أبيه عبيد، والله ينهى أشد النهي في القرآن عن هذا الاستلحاق وأمثاله في قوله في سورة الأحزاب «مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ ازْوَاجَكُمْ اللأتِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ ادْعِيَاءَكُمْ أبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا».
وكان زياد يعرف أباه عبيد الرومي حين قَبِل هذا الاستلحاق وفرح به، وقد نهى رسول الله صلّي الله عليه و آله عن هذا الاستلحاق وأمثاله حين قال: - فيما روى الشيخان – (ومن ادّعى لغير أبيه فليتبوّأ مقعده من النار)، وحين قال- فيما رواه الشيخان - أيضاً : (من رغب عن أبيه فهو كفر) (1)(2).
ومهما يكن فحسبنا من القدامى ما تقدم، والآن إلى ما كتبه أساتذة الفكر والقلم في العصر الحديث، فهم يلتقون مع الحقائق التي أشار إليها سيدنا الأستاذ قدِّس سرّه في تلك الحقبة، وما وقع فيها من مآسي وويلات
1) روح المعاني ج 15 ط المنيرية
2) من السخرية بعقول المسلمين ما قاله ابن تيمية في مسألة الاستلحاق هذه، هلمَّ فاقرأ ما يقول: وكذلك استلحاق معاوية (رض) زياد بن أبيه المولود على فراش حارث بن كلدة، لكون أبي سفيان كان يقول إنه من نطفته، مع أن رسول الله صلّي الله عليه و آله قد قال: «من ادّعى إلى غير أبيه فالجنة عليه حرام»، وقال: «من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً» حديث صحيح، قضى أن الولد للفراش، وهو من الأحكام المجمع عليها، فنحن نعلم أن من انتسب إلى غير الأب الذي هو صاحب الفراش فهو داخل في كلام رسول الله صلّي الله عليه و آله ، مع أنه لا يجوز أن يعيّن أحداً دون الصحابة فضلاً عن الصحابة (رض). فيقال: إن هذا الوعيد لاحق به لإمكان أنه لم يبلغهم قضاء رسول الله صلّي الله عليه و آله بأن الولد للفراش ، واعتقدوا لمن أحبل أمه، واعتقدوا أن أبا سفيان (رض) هو المحبل لسمية أم زياد، فإن هذا الحكم قد يخفى على كثير من الناس قبل انتشار السنّة، مع أن العادة في الجاهلية كانت هكذا، أو لغير ذلك من الموانع المانعة هذا المقتضي للوعيد أن يعمل عمله من حسنات يمحو السيئات غير ذلك. (نقلاً عن (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ص 32، الناشر المكتبة العلمية، (باب الرحمة - المدينة المنورة)
ولَيِّ الأعناق لبيعة يزيد وغيره من الفسّاق.
ولما كان الأساتذة الذين سوف نقرأ ما كتبوه قد أكّدوا على تلك العينة بلا خشية ولا مواربة ، بل لبعضهم من الصراحة وفق ضوابط التخطئة والتصويب ما يغنينا عن ذكر المزيد في يزيد وآل يزيد، ولا غضاضة لو اكتفينا بعرض ما عندهم، والسعيد من اكتفى بغيره.
1- الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي:
قال في كتابه (مرآة الإسلام) وهو من خيرة ما كتب:
فلولا أن بني أمية طمعوا في الدنيا، وغلبوا ذلك الشيخ - يعني عثمان - على أمره لما كانت الفتنة بقتل عثمان. ولولا أن معاوية قد كان رجلاً من بني أمية طمع كما طمعوا، وألف حكم الشام فكره أن يتركه، ثم طمع أن يضم إليه سائر أقطار المسلمين، لما كانت الحرب بينه وبين علي ثم تتابع الخروج على الكتاب والسنة، لأن الإثم يدعو للإثم، ولأن حب الدنيا لا يقنع صاحبه.
فالله قد حرَّم مكة في القرآن، وحرَّم النبي المدينة فيما روى الشيخان عن علي، وقد استباح بنو أمية المدينة ومكة جميعاً، بدأ يزيد بن معاوية (1)
1) من الغريب أن يغفل مثل طه حسين عن جريمة معاوية، فهو الأول والبادئ بإرساله بسر بن أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن في حملة مسعورة ومدمّرة، جاس خلالها الديار، فقتل في المدينة ومكة خلقاً كثيراً، وخلّ ما صنعه مع أهل اليمن من قتل الرجال وسبي النساء وذبح النساء وذبح الأطفال. وقد أشار إليها بنفسه قبل خمس صفحات من كتابه حين قال: وقد أسرف معاوية في ذلك - الغارة والنهب في أطراف العراق. فأرسل بسر بسر بن أبي أرطاة في جيش إلى الحجاز، فأفسد فيه كثيراً، وأفسد في اليمن أيضاً، واقترف من القسوة ما لم يكن للمسلمين به عهد. فما أتاه يزيد فهو سر أبيه
فاستباح المدينة وأنهبها ثلاثاً، وثنى عبد الملك بن مروان فأذِن للحجّاج في أن يستبيح مكة، واستباحها الحجاج ففعل فيها الأفاعيل، كل ذلك لتخضع البلاد المقدسة لبني أبي سفيان ولبني مروان من بعدهم.
واستباح ابن زياد عن أمر يزيد بن معاوية قتل الحسين وأبنائه وأخوته وسبي بنات النبي. وكان من الممكن أن يستجيب ابن زياد للحسين حين سأله أن يسيّره إلى يزيد (1). ولو قد فعل لعصم أحفاد النبي من هذه المذلّة، ولكن الشر يدعو للشر والإثم يستتبع الإثم. وإذا أراد بقوم سوءاً فلا مردّ له.
وقال: وأصبح مال المسلمين ملكاً للخلفاء ينفقونه كما يحبون لا كما يحب الله، وفيما يريدون لا فيما يريد الله من وجوه الإنفاق، فكان معاوية يشتري ضمائر كثير من أهل الكوفة والبصرة ليفسدهم على علي، ثم ظل على ذلك بعد أن استقام له الأمر، وجعل يتألّف قلوب الناس حول عرشه بمال المسلمين، لا يرى بذلك بأساً ولا يرى فيه جُناحاً. ومضى الخلفاء من
1) وهذا أيضاً منه غريب، كيف يذكر هذا ورواية عقبة بن سمعان - مولى الرباب زوجة الحسين - تنفي ذلك، قال عقبة: صحبت الحسين من المدينة إلى مكة، ومنها إلى العراق ولم أفارقه حتى قُتل، وقد سمعت جميع كلامه، فما سمعت ما يتذاكر فيها الناس من أن يضع يده في يد يزيد، ولا أن يسيّر إلى ثغرٍ من الثغور، لا في المدينة ولا في مكة ولا في الطريق ولا في العراق ولا في عسكره إلى حين قتله، نعم سمعته يقول: دعوني اذهب إلى هذه الأرض العريضة . (تاريخ الطبري 235/6)
بني أمية على سنته، فأسرفوا في أموال المسلمين، وتجافوا عن سيرة النبي والشيخين من بعده وعلي رحمه الله (1).
وقال أيضاً: وأصبح الطغيان أصلاً من أصول الحكم بين الشرق والغرب، فجعل زياد وبنوه يفسدون في الأرض ليضبطوها لبني أمية، وأباح لهم بنو أمية هذا الفساد، وجاء الحجاج بعد زياد وبنيه فملأ العراق شراً ونكراً (2).
وقال ثالثاً: ولستُ في حاجة إلى أن أذكر زياداً ذلك الذي أعلن في خطبته المشهورة أنه سيأخذ البريء بالمسيء والصحيح في دينه بالسقيم، ولا أذكر الحجاج الذي أسرف في القتل بغير الحق، فقد كان زياد والحجاج طاغيتين، أطلق خلفاء بني أمية أيديهما وأيدي غيرهما من ولاة العراق في دماء المسلمين وأموالهم، فأفسدوا وأمعنوا في الفساد (3).
ثم استمر ينعى حال المسلمين مع مرور الزمان، حتى ذكر العباسيين وبعض ما جرى في أيامهم من تشرذم ديني وسياسي، حتى قال:
ونظر المسلمون ذات يوم فإذا هم خاضعون لثلاثة من الخلفاء، أضعفهم الخليفة العباسي في بغداد، وذلك الذي لم يكن له من الحكم إلا ظاهره، وكان الخليفة الثاني في مصر بعد أن أنشأ الفاطميون مدينة القاهرة واستقروا فيها وكان الخليفة الثالث في قرطبة بالأندلس حيث أوت سلالة
الأمويين التي فرَّت حين نشأت الدولة العباسية في المشرق، فأنشأت دولتها في الأندلس ضعيفة أول الأمر قوية بعد ذلك، وكانت هذه الدول الثلاث تتنافس أشد التنافس، ويبغض بعضها بعضاً أعظم البغض... وظهر بين علماء الأندلس رجل كابن حزم لم يتردد في الجهر بأن تعدد الخلفاء جائز لا بأس به، وقد رأيت من قبل أن الله أمر المسلمين أن يعتصموا بحبله جميعاً ولا يتفرَّقوا.
فانظر إلى ما صار عليه اعتصامهم بحبل الله من الفُرقة والانقسام واستباحة الحروب بينهم، مع أن النبي والصالحين من أصحابه لم يكونوا يبغضون شيئاً كما كانوا يبغضون الفُرقة والانقسام، حتى رُوي عن النبي صلّي الله عليه و آله قوله: «من حمل علينا السلاح فليس منّا»، وقد روينا لك غير مرة قوله صلّي الله عليه و آله: «ألا لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، وليس لشيء من هذا كله مصدر إلا افتتان الناس بزهرة الحياة الدنيا، وانحرافهم عما أراد الله للمسلمين من أن يقيموا أمرهم كله على العدل والمساواة والإنصاف، واختلافهم في فهم القرآن تأثراً بالأهواء، واستجابة لما كان يملأ نفوسهم من الطموح (1).
ثم قال: على أن هذا كله لم يلبث أن صار إلى شر عظيم حين غلبت العناصر الأجنبية على شؤون الحكم، فأقامت هذه الشؤون على المنافع...
وأقاموا أمور الحكم على المنافع العاجلة... لأنفسهم ولأعوانهم وذوي خاصتهم، ولم يحفلوا بالعامة، ولم يفكروا في أن للأمة حقوقاً يجب
1) المصدر نفسه، ص 295 - 296
أن تؤدَّى إليها، وعليها واجبات يجب أن تُحمل على أدائها، بل نظروا إلى الأمة على أنها وسيلة لإرضاء المطامع وأداة لتحقيق المآرب.
والأصل الديني في كل حكم صالح أن تكون الأمة غاية وتكون الحكومة وسيلة، وتكون الغاية الكبرى التي تشترك فيها الحكومة والأمة هي إرضاء الله بتحقيق العدل ومحو الجور حيثما وجد، وشعور الحاكمين والمحكومين جميعاً بأنهم لم يخلقوا عبثاً ولم يتركوا سُدى، لم يُستخلفوا في الأرض ليفسدوا فيها ويسفكوا الدماء، ويطغى بعضهم على بعض، ويستغل بعضهم نشاط بعض، وإنما خُلقوا ليُصلحوا ويُحسنوا، ويعملوا على أن يلقوا ربَّهم كما يحب أن يلقوه أتقياء أنقياء مبرّئين من الذنوب والآثام التي تعرِّضهم لها الفتنة، وإيثار المنافع العاجلة الفانية على المنافع الآجلة الباقية (1).
وهكذا استمر الرجل ينعى التخلف والتشرذم وغلبة الجهل والجمود المطبق في الأفكار، وما أحسن ما تمنى حين قال:
ولو أن هذا الجهل المطبق ردَّ عقول الناس إلى فطرتها الأولى، وجعلها متهيئة لتلقي ما يمكن أن يُنقل إليها من علم جديد، لكان قليل هذا العلم الجديد جديراً أن يذكرها بكثير علمها القديم، ولكن الناس أحبّوا الجمود واطمأنوا إليه، وحرصوا على الاستمساك به، ورأوا كل جديد بدعة أي بدعة وإثماً أي إثم...
ولم يقصر هذا الجمود على وطن بعينه من الأقطار العربية
1) المصدر نفسه، ص 297
والإسلامية، ولكنه جَثَم على العالم الإسلامي كله كما تجثم ظلمة الليل على الأرض، وأبطأ إسفار الشمس التي تذود هذه الظلمة عن القلوب والعقول جميعا، حتى أصبح العالم الإسلامي نهبا للطامعين فيه والمعتدين عليه من المستعمرين الغربيين (1).
أقول: لئن استبطأ الدكتور طه حسين إسفار الشمس التي تذود الظلمة عن القلوب والعقول، فإنا نطمئنه ومن يرى رأيه وعلى شاكلته ممن تسرَّب اليأس إليهم ونقول لهم: لا بدَّ من يوم تطلع الشمس فيه من مغربها، فهنالكم تبزغ شمس الهداية، وتحيي الدين بعد اندراس والحق بعد انطماس، وتشرق الأرض بنور ربّها «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَريبا» (2).
وله كلام في كتابه (الفتنة الكبرى) لا يبعد عمّا ذكرناه في مغزاه نقتطف نه بعضاً نحو قوله: إن عليًّا كان أقرب الناس إليه – النبي -، وكان ربيبه وكان خليفته على ودائعه، وكان أخاه بحكم تلك المؤاخاة، وكان ختنه وأبا عقبه، وكان صاحب لوائه، وكان خليفته في أهله، وكانت منزلته منه بمنزلة هارون من موسى بنص الحديث عن النبي نفسه، لو قال المسلمون هذا كله واختاروا عليًّا بحكم هذا كله لما أبعدوا ولا انحرفوا... وكان كل شيء يرشح عليًّا للخلافة... قرابته من النبي، وسابقته في الإسلام، ومكانته بين المسلمين، وحسن بلائه في سبيل الله، وسيرته التي لم تعرف العوج قط، وشدّته في الدين، وفقهه بالكتاب والسنّة، واستقامة رأيه.
وقال: فكان بنو هاشم قد أُبعِدوا عن هذا الأمر عمداً ، أبعدتهم عنه قريش، مخافة أن تظل لبني هاشم رعيّة، وألا تكون الخلافة في حي آخر من أحيائها (1).
ونحو قوله: ومهما يقل الناس في معاوية من أنه كان مقرَّباً إلى النبي بعد إسلامه، ومن أنه كان من كتَّاب الوحي، ومن أنه أخلص الإسلام بعد أن ثاب إليه، ونصح للنبي وخلفائه الثلاثة.
مهما يقل الناس في معاوية من ذلك فقد كان معاوية هو ابن أبي سفيان قائد المشركين يوم أحد ويوم الخندق، وهو ابن هند التي أغرت بحمزة حتى قُتل، ثم بقرت بطنه ولاكت كبده، وكادت تدفع النبيَّ نفسه إلى الجزع على عمه الكريم. وكان المسلمون يسمُّون معاوية وأمثاله من الذين أسلموا بأخرة، ومن الذين عفا النبي عنهم بعد الفتح بالطلقاء، لقول النبي لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
كل الناس يعرفون هذا كله، ويقدِّرون أن الأمور لن تستقيم بين الخليفة الهاشمي - يعني الإمام - والأمير الأموي في يُسر ولين، وكانوا كذلك يعرفون أن قريشاً قد صرفت الخلافة عن بني هاشم بعد وفاة النبي إيثاراً للعافية، وكراهة أن تجتمع النبوة والخلافة لهذا البطن من بطون قريش، وكانوا يرون أن الله قد آثر بني هاشم بنبوة محمد صلّى الله عليه و آله فاختصَّها بخير كثير، وأن بني هاشم ينبغي لهم أن يقنعوا بما آثرهم الله به من هذا الخير الضخم
1) الفتنة الكبرى 152/1
والفضل العظيم (1).
ونحو قوله: ولكن أبا بكر لم يبايع بالخلافة عن مشورة من المسلمين وإنما كانت بيعته فلتة، وقى الله المسلمين شرَّها كما قال عمر، كما أن عمر نفسه لم يبايع عن مشورة من المسلمين وإنما عهد إليه أبو بكر فأمضى المسلمون عهده... ولم تكن الشورى التي تمت بها خلافة عثمان مُقنعة ولا مُجزئة، فقد اختصّ عمر بها ستة من قريش على أن يختاروا واحداً منهم... (2).
إلى غير ذلك من نماذج يجدها القارئ مبثوثة في ثنايا كتابه (الفتنة الكبرى) بجزئيه.
وقال في خاتمة الكتاب: وقد أصبح للمسلمين مَثَل بعينه من هذه المُثُل العليا الكثيرة التي دعا إليها الإسلام، وجعلت الفتنة تدور حول هذا المثل الأعلى لتبلغه فلا تظفر بشيء مما تريد، وإنما تسفك الدماء، وتزهق النفوس، وتنتهك المحارم، وتفسد على الناس أمور دينهم ودنياهم. وهذا المثل الأعلى هو العدل الذي يملأ الأرض، وينشر فيها السلام والعافية، والذي تقطعت دونه أعناق المسلمين قروناً متصلة دون أن يبلغوا منه شيئاً، حتى استيأس من قربه بعض الشيعة ولم يستيئسوا من وقوعه، فاعتقدوا أن إماماً من أئمتهم سيأتي في يوم من الأيام، فيملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جورا. وللهِ حكمة أخرى أجرى عليها أمور الناس والله بالغ أمره قد جعل لكل شيء قدرا.
2 - المؤرخ الشهير السيد أمير علي الهندي.
قال في كتابه (مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي):
لم ينجُم عن تولي الأمويين دفّة الحكم تغيير معالم الخلافة فحسب، بل أدَّى أيضا إلى قلب المبدأ الأساس (1).
وقال في كتابه (روح الإسلام): ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم الأوليغاشية الوثنية السابقة، فاحتلّ موقع (ديموقراطية الإسلام)، وانتعشت الوثنية بكل ما يرافقها من خلاعات وكأنها بُعثت من جديد، كما وجدت الرذيلة والتبذل الخلقي لنفسها متسعا في كل مكان ارتادته رايات حكام الأمويين من قادة جند الشام (2).
وقال أيضاً: هكذا عادت وثنية مكة فرفعت رأسها في دمشق (3).
وقال أيضاً: وقد ذكر عمر بن عبد العزيز وسمَّاه (ماركوس أوريليوس) العرب، وأثنى عليه ثم قال: فأما الباقون من بني أمية فقد كانوا أهل وثنية يتباهون بعدم مراعاة الشرع وأركان الدين، نفس الدين الذي يعترفون باعتناقه ...
لقد لطّخوا كرسي الخلافة بجرائم مضاعفة، وأغرقوه في بحار من الدماء، ولما كان ضروريا بالنسبة إليهم أن يخلقوا ما يشبه الأرستقراطية طوال تمتعهم بالخلافة، فقد أخذوا يزعمون أنهم نالوا لقب أمير
المؤمنين بحق الانتخاب من قبل المرتزقة وشركائهم الذين على غير الدين... (1).
وعاد فقال: لقد كان أكثر الأمويين وثنيين في قلوبهم كأسلافهم، فشجَّعوا اعتناق مذهب (القدرية) حتى بعد ظهور الإسلام، وعن هؤلاء انبثقت مدرسة كانت تزعم أنها تستمد مبادئَها من السلف الصالح أي المسلمين الأوائل، ولما كان جميع هؤلاء قد توفاهم ربّهم منذ عهد طويل، فقد أصبح من السهل على أصحاب تلك المدرسة أن يلقنوا الأحاديث ثم يتداولوها عن طريق هذا وذاك من أولئك الأتباع (2).
3- الدكتور أحمد أمين.
قال في كتابه (ضحى الإسلام): إني أرى رأياً لا تحيّزَ فيه، إن نظر أهل السنة إلى الخلافة كان أعدل وأقوم وأقرب إلى العقل [؟!] وإن كانوا يؤاخذون مؤاخذة شديدة على أنهم لم يطّبقوا نظريتهم تطبيقاً جريئاً، فلم ينقدوا الأئمة نقداً صريحاً، ولم يقفوا في وجوههم إذا ظلموا، ولم يقوّموهم إذا جاروا ، ولم يضعوا الأحكام الحاسمة في موقف الخليفة من الأمة وموقف الأمة من الخليفة، بل استسلموا لهم استسلاماً معيباً، فجنوا بذلك على الأمة أكبر جناية (3).
وقال في يوم الإسلام: وقد أراد رسول الله صلّى الله عليه و آله في مرضه الذي مات
فيه أن يعيّن من يلي الأمر بعده، ففي الصحيحين أن رسول الله صلّى الله عليه و آله لما احتضر قال: (هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده)، وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، فقال عمر: إن رسول الله صلّى الله عليه و آله قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف القوم واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا إليه ليكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده. ومنهم من يقول: القول ما قاله عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عنده عليه السّلام قال لهم: قوموا. فقاموا.
ثم قال أحمد أمين: وترك الأمر مفتوحاً لمن شاء جعل المسلمين طوال عصرهم يختلفون على الخلافة حتى إلى عصرنا هذا بين السعوديين والهاشميين، وقد ظل الإسلام قويًّا متيناً مدة عهد رسول الله صلّى الله عليه و آله، فلما مات بدأت معارك الهدم (1).
وقال أيضا: ومن مظاهر الخلاف ما كان من خلاف الصحابة على مَن يتولى الأمر بعد الرسول، وكان هذا ضعف لياقة منهم، إذ اختلفوا قبل أن يُدفن الرسول، ولكن كان عذرهم في ذلك العمل على ضم الشمل وجمع الكلمة (2).
وقال أيضاً: فلما مات النبي صلّى الله عليه و آله حصل هذا الاختلاف، فبايع عمر أبا بكر ثم بايعه الناس، وكان في هذا مخالفة لركن الشورى، ولذلك قال عمر: (إنها غلطة وقى الله المسلمين شرّها)، وكذلك كانت غلطة بيعة أبي
بكر لعمر ، وإن كان قد استشار كبار الصحابة في ذلك، فبعضهم حمده وبعضهم خاف من شدّته، فقال أبوبكر: إنه يراني ألين فيشتدّ (1).
وقال: وبمعاوية انتقل الأمر من خلافة إلى ملك عضود، والفرق بينهما أن الخلافة أساسها اقتفاء أثر الرسول صلّى الله عليه و آله، والاعتماد في حل المشاكل على شورى أهل الحل والعقد، واختيار الخليفة منهم حسبما يرون أنه الأصلح، أما الملك فيشبه الملوك الأقدمين من فرس وروم، واستبداد بالرأي، وقصر الخلافة على الأبناء أو الأقرباء ولو لم يكونوا صالحين لذلك، وهذا كله ما فعله معاوية... والحق أن معاوية ساد الناس بالغلبة لا بالاختيار، ثم استبد بتسيير الأمور، ثم عهد بالخلافة إلى ابنه يزيد ولو لم يكن أكفأ الناس ثم ساس الناس سياسة ميكافيلية استبدادية لا عهد للناس بها من قبل، وجرى المسلمون بعد ذلك على أثره من بيت عباسي بعد بيت أموي وهكذا. وضاع معنى الخلافة التي سار عليها الخلفاء الراشدون، كما ضاع معنى العدل الذي تشدّد الإسلام في العمل والتعامل به، وأصبح الأمر أمر سياسة حسبما تتطلبه الغلبة، لا عدل حسبما يتطلبه الإسلام (2).
أقول: واستمر الرجل في كتابه - وهو من خيرة ما كتبه - يتحرَّق ويكشف أسباب انحطاط المسلمين عبر العصور، وتأثير الأسرات الحاكمة في ذلك، كما نعى على أبناء عصره وجنسه تهاونهم بأمر الدين.
ولا تخلو بقية كتبه من نفثات تتعلق بالحكم الأموي، نحو قوله في ضحى الإسلام: فالحق أن الحكم الأموي لم يكن حكماً إسلامياً يسوّى فيه بين الناس، ويكافأ فيه من أحسن، عربياً كان أو مولى، ويعاقب فيه من أجرم عربياً كان أو مولى، ولم يكن الحكّام فيه خَدَمة للرعية على السواء، إنما كان الحكم عربياً، والحكام فيه خَدَمة للعرب على حساب غيرهم، كانت تسود العرب فيه النزعة الجاهلية لا النزعة الإسلامية (1).
ونحو قوله في فجر الإسلام ولما ولي الأمويون الخلافة عادت العصبية إلى حالها كما كانت في الجاهلية (2).
ونحو قوله فيه أيضاً: والذي يظهر لنا أن النزعة الجاهلية أثّرت في الأدب الأموي وخاصة الشعر أكبر الأثر، فالمعاني الجاهلية والهجاء الجاهلي والفخر الجاهلي والحمية الجاهلية كلها واضحة أجلّ وضوح في الشعر الأموي (3).
ونحو قوله فيه كذلك: إن حكم الأمويين بُني على الضغط والقهر، فكانت حاجتهم إلى الشعراء والقصّاص أشدّ، لأنهم الذين يبشّرون بهم، ويشيدون بذكرهم، ويقومون في ذلك مقام الصحافة لأحزابها، ومن أجل هذا لم يكن ينال الحظوة عند خلفاء بني أمية إلا مَن كان مادحاً لهم... إن نزعة الأمويين نزعة عربية جاهلية، لا تتلذّذ من فلسفة ولا من بحث ديني
عميق، إنما يلذّ لها الشعر الجيد (1).
ونحو قوله وهو يتحدث عن عثمان: ولما ولي عثمان تبرَّم علي وأنصاره، وزادهم تبرّماً أن عثمان - وهو أموي - استعان بالأمويين، فكان أكثر عمَّاله منهم، وكان كاتبه وأمين سرِّه مروان بن الحكم الأموي، ومروان هذا وشيعته هدموا كل ما بناه الإسلام من قبل، ودعمه أبو بكر وعمر من محاربة العصبية القبلية، وبث الشعور بأن العرب وحدة وحكموا كأمويين لا كعرب (2)
4 - الدكتور علي سامي النشار.
قال في كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام):
(العثمانية) و(الأموية) الذين كرهوا الإسلام أشد الكراهية، وامتلأت صدورهم بالحقد الدفين نحو رسول الله وآله وأصحابه كرهوا أبا بكر وعمر كما كرهوا عليًّا سواء بسواء، ولكن واتتهم الفرصة حين قُتل عثمان، وباسم الشيخ الشهيد وإمام جمهور أهل الشام قاموا يعلنون أنهم يغضبون لدم صاحب من أصحاب رسول الله مضى رسول الله وهو عنه راض، ومضى الشيخان وهما عنه راضيان، قد أهدر دمه، وهم أولياؤه، وخُدع أهل الشام حقاً، وتبعوا الكذب والخداع، ولم يعلموا حينئذ أن من يتمسَّحون بالشيخين كانوا أشد أعداء الشيخين، وأنهم خضعوا لهما خلال حكمهما خوفاً من سطوة المسلمين وتمكيناً فقط لأقدامهم في المجتمع الجديد،
وقد كانوا بالأمس فقط (الطلقاء) و (المؤلفة قلوبهم) (1).
وقال أيضاً: وكان خليفة دمشق غارقاً لأذنيه في جاهليته الأولى، بين جواريه ومغانيه وملاهيه وطربه، يرتكب الكبائر سراً أو علانية، ويحطّم بناء المجتمع الإسلامي الخُلُقي كما حطّم بناءه السياسي والاقتصادي. وظن خطأ أنه حلّل المجتمع الإسلامي، وأنه أشاع الفاحشة بين الناس، فعاد واقعهم إلى الخمر والنساء والرذائل العادية والشاذة، وأنه أنهكهم بما حملهم من أوزار وخطايا، وبهذا يسهل عليه حكمهم، ظن خطأً أن الناس على دين ملوكهم، وأنهم لا يفعلون غير ما يفعل، ولا يأتمرون إلا بما يأمر... (2).
وقال أيضاً: ثم ظهر غنوصي عنيف، اعتنق الزندقة - أي الإيمان بالاثنين - على صورة عنيفة، وهذا الغنوصي هو أبو سفيان بن حرب. ولم ينتبه الباحثون إلى سبب عداوته الكبرى وضغنه المرير على الإسلام، سواء في جاهليته أو بعد أن أرغم على اعتناق الإسلام غداة فتح مكة، أما السبب في هذا فهو أنه كان في الجاهلية زنديق (3)، ونحن نراه يشهد حنيناً مع رسول الله صلّي الله عليه و آله (وكانت الأزلام معه يستقسم بها)، وكان كهفاً للمنافقين، وكان يتشفّى في المسلمين إذ كُشفوا بعض الكشف يوم اليرموك، فلم يؤمن حتى بعروبته.
ويظهر أبو سفيان عقيدته المتزندقة حين دخل عثمان بن عفان (رض)
وقد صارت إليه الخلافة فقال: (قد صارت إليك بعد تيم ،وعدي فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، ولا أدري ما جنة ولا نار) (1). وقد طرده عثمان ونهره ، ولكن (عثمان) ما لبث أن وقع في أحابيل هذه الأسرة المتزندقة، وحين تولّت هذه الأسرة الأموية الحكم أظهرت نفثاتها المسمومة على الإسلام كدين في أكثر الأحايين (2).
وقال في مقدمة الطبعة الثانية: وقد كان علي بن أبي طالب أنشودة الإسلام الكبرى - منذ مطلع الإسلام - في جبال فاران، حتى مصرعه العنيف في الكوفة في عام نحس أغبر، في عام ظلامٍ حالك مدلهم، كتب السواد والفرقة على المسلمين لأحقاب طوال تعاقبت بعده. كان الفتى الصغير أول أصحاب الرسول الأعظم وأول حوارييه ، لقد مدَّ يده الصغيرة الجميلة في موالاة حرَّةٍ أبيَّة معاهداً محمد بن عبد الله على تفديته بالنفس، وبيعته بالموت، ومشيخة بني هاشم والشيخ الكبير أبو طالب بينهم ينظرون.
وتتابعت الأحداث في مكة والحواري الصغير يخطو للشباب، وحين هاجر الرسول وصاحبه العظيم أبو بكر الصديق كان الحواري الصغير - صامتا - في فراش الرسول، وهو يعلم أن سيوف شياطين قريش ستنوشه بعد قليل، ولكنه لم يكن يأبه ولم يكن يرتاع، بل كانت روحه في مسرى الرسول الأكبر وصاحبه، وبعد أيام قلائل يستعد الفتى الصغير لهجرته إلى الله ورسوله، غير هياب قريشاً ولا أعداء الرسول في الطريق الشاق إلى يثرب
الطيبة، ويحمل معه وديعة الرسول الكبرى في مكة - فاطمة الزهراء - زهرة الدنيا اليانعة وروح الحياة المتفتحة، والتي انبثقت منها دوحة محمد الوارفة.
كانت هي وعلي يسريان في صحراء العرب الكبرى، يخترقان الوهاد والنجاد والسهول والرسول الأعظم وأصحابه في المدينة في صلاة ابتهالية أن يبعث الله عليهما سكينته وسلامه
وها هما علي وفاطمة في المدينة في مهجر النبوة آخر الأمر، ويردُّ علي وديعة الرسول، ثم تكون له بعد، ويعيش في رحاب النبوة... وأخيراً يموت صريعا على يد خارجي.
تلك حقيقة علي، آمن بها أهل السنة كما آمن بها أهل الشيعة، ولكن الشيعة - كما قلت - آمنت به وحده، و آمن به أهل السنة كما آمنوا بالصاحبين القديمين الشيخين أبو بكر و عمر وتولوهما ...
ولو عاد الأمر - بعد عليّ إلى المسلمين الخلّص لكي يحكموا المسلمين، وحرم منه ابنا فاطمة الزهراء - لما تضخمت المسائل وكبر الحب وعظم، وكبرت السخيمة وعظمت.
ولكن الأمر عاد إلى معاوية بن أبي سفيان، ولم يكن المسلمون بعد قد تناسوا أباه هذا الغنوصي القائم هذا الثنوي المجوسي الذي لم يؤمن أبداً، وسرعان ما أطلقوا على معاوية الطليق ابن الطليق والوثني ابن الوثني، ومهما قيل في معاوية ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخر وبعض أهل السنة من وضعه في نسق صحابة رسول الله، فإن الرجل لم يؤمن أبداً بالإسلام، ولقد كان يطلق نفثاته على الإسلام كثيراً، ولكنه لم
يستطع أكثر من هذا، وبدأ أبناء فاطمة يكتبون بدمائهم أكبر الملاحم (1).
وقال أيضاً : ولستُ أبرئ معاوية - من سم الحسن - فلم يكن الرجل أبداً مسلماً تام الإسلام، كان جاهلياً بمعنى الكلمة، وكان على استعداد لارتكاب كل موبقة في سبيل ولده يزيد... ومات الطليق آخر الأمر بعد أن قتل جماعة من كبار الصحابة صبراً - كحجر بن عدي وأصحابه، مات بعد أن بايع الناس بالخلافة لابنه يزيد، وانتهى الأمر إلى ملك غاشم جاهلي يتوارثه الأمويون واحداً بعد واحد (2).
5- عباس محمود العقاد.
قال في كتابه (معاوية في الميزان): لقد كان قيام الدولة الأموية بعد عصر الخلافة حادثاً جللا بالغ الخطر في تاريخ الإسلام وتاريخ العالم (3).
وقال أيضاً: ونشأة الدولة الأموية على مفترق هذين الطريقين - طريق الخلافة الإسلامية وطريق الهرقلية الكسروية - هي الحادث الجلل في صدر الإسلام، وهي الحادث الجلل الذي يقرر تبعتها في التاريخ الإسلامي بل في التاريخ العالمي كله (4).
وقال أيضا: فليس أضل ضلالا ولا أجهل جهلا من المؤرخين الذين سمَّوا سنة (إحدى وأربعين هجرية) بعام الجماعة، لأنها السنة التي استأثر
فيها معاوية بالخلافة فلم يشاركه أحد فيها، لأن صدر الإسلام لم يعرف سنة تفرَّقت فيها الأمة كما تفرقت في تلك السنة، ووقع فيها الشتات بين كل فئة من فئاتها كما وقع فيها (1)، إذ كانت خطة معاوية في الأمن والتأمين قائمة على فكرة واحدة وهي التفرقة بين الجميع... (2).
وقال أيضاً: فلو أنه استطاع أن يجعل من كل رجل في دولته حزباً منابذاً لغيره من رجال الدولة كافة لفعل، ولو حاسبه التاريخ حسابه الصحيح لما وصفه بغير مفرق الجماعات (3).
وقال: واحتاج أن يقول مرة كما جاء في الطبري مسنداً إلى سعيد بن سويد: (ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ولا لتحجُّوا ولا لتزكّوا. قد عرفت أنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم)، وهي قولة لم يقلها أحد غيره من المطبوعين على الصولة والزعامة، لأنهم لا يحتاجون إليها، ولكنه قالها لأنها جثمت على صدره لطول ما صبر على مجابهة هذا ومصانعة ذاك، وتذكير المذكرين إياه أنه لم يملكهم عنوة ولا فتحاً، بل ملكهم بالمشارطة والاتفاق... فنفّس عن صدره بتلك الكلمة، ولم يحدث من غيره أنه شعر بالحاجة إلى تنفيس كذلك التنفيس.
لقد كان في الرجل مشابهة للجمل الصبور، ولم تكن فيه مشابهة للأسد المهصور... (1).
وقال أيضا : تميَّزت لبني أمية في الجاهلية وصدر الإسلام خلائق عامة يوشك أن تسمّى - لعمومها بينهم – (خلائق أموية)، وهي تقابل ما نسمِّيه في عصرنا بالخلائق الدنيوية أو النفعية، ويراد بها أن المرء يؤثر لنفسه وذويه، ولا يؤثر عليها وعليهم في مواطن الإيثار...
وهذه الخلائق الأموية دنيوية نفعية تميل بالمتخلقين بها إلى مناعم الحياة، وتحبّب إليهم العيش الرغد والمنزل الوثير، وتغريهم بالنعم واللذات، يغدقونها على أنفسهم وعلى الأقربين، فهي عندهم قسطاس البر بمن يحبّون كما يحبّون.
وقد عرف خيارهم ديناً وصلاحاً بهذه الخلائق الأموية، كما عرف بها كثيرون منهم لم يشتهروا بدين ولا صلاح...
ثم ذكر ما كان عليه عثمان وعمر بن عبد العزيز من مظاهر الترف وبلهئية العيش (2).
6 - الدكتور محمود الخالدي (أستاذ الثقافة الإسلامية المساعد كلية الآداب - جامعة اليرموك، الأردن).
قال في كتابه (الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية): ثم كان ظهور نظام الخلافة بعد وفاة الرسول صلّي الله عليه و آله، فأصبح نظاماً جديداً فريداً... وفتح باب
الاجتهاد، فأصبحت موضع بحث و جدل واجتهاد بين المسلمين جميعاً، فظهرت آراء ونظريات عديدة حولها، واختلفت الفرق والجماعات السياسية والدينية حول شكل الخلافة وطريقة اختيار الخليفة والبيت الذي يختار منه، وأدَّى هذا كله إلى ظهور أشكال ونماذج مختلفة من الخلافة، فكانت مرحلة الخلفاء الراشدين... ثم كانت مرحلة الخلافة الأموية حيث انحصرت الخلافة في البيت الأموي، وأصبحت تتبع مبدأ الوراثة (1).
وقال أيضا: وقد وقف كبار الصحابة رضوان الله عليهم من بيعة يزيد ابن معاوية يوم أن اغتصبت السلطة من المسلمين لأول مرة موقف الرفض والثورة المسلحة، لما أراد معاوية بن أبي سفيان أخذ الحكم لابنه يزيد بالإكراه عن غير رضا المسلمين، وكان ذلك نتيجة مشورة من المغيرة بن شعبة والي معاوية على الكوفة، فكان بذلك أول من حضّ على ارتكاب جريمة اغتصاب السلطة في الإسلام لأول مرة (2).
وقال أيضاً: وإن من كان في قلبه مثقال ذرة من فهم ليدرك أن العقيدة الإسلامية قد جاءت بنظام للحكم لا يدانيه نظام في الكون، ولا يصل مواضع قدميه أرفع ما شرَّعه الإنسان، ذلك هو نظام الخلافة الإسلامية الذي انبثق من العقيدة الإسلامية، وقام عليه الدليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم (3).
وقال أيضاً: إذا كان نصب الخليفة قد ثبت شرعاً بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، فإنه كذلك لمن المعلوم من الدين بالضرورة أنه يجب شرعاً إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وتعبئة الجيوش، وتقسيم الغنائم، و توزيع الزكاة، ونصب القضاة، وإظهار الشعائر الدينية، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، بمعنى إيجاد الإسلام عملياً في معترك الحياة، وإن ذلك كله لا يتم له وجود إلا بوجود أمير الجماعة المسلمين له حق الطاعة والنصرة، فتطبيق الأحكام الشرعية متوقف على وجود الإمام، (فإذا صحّ إيجاب الله تعالى إقامة الحدود وغيرها، وكان لا طريق إليه إلا بإقامة الإمام وجبت إقامته) (1)(2).
وقال أيضاً: والواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم لدليل قاطع على استحالة أن تقوم للإسلام قائمة إلا بالخلافة... فالأحكام معطّلة، والأعراض منتهكة، ولم تعد للجهاد راية، وقسمت بلاد المسلمين إلى عشرات الدويلات، وانشب الكفر أظافره في خيرات المسلمين، وجعل الاستعمار من دولة إسرائيل مؤدِّباً لخير أمة أخرجت للناس... (3).
-7 الدكتور صبحي الصالح (أستاذ الإسلاميات وفقه اللغة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية).
قال في كتابه (النظم الإسلامية نشأتها وتطورها): لقد كانت بيعة أبي بكر
للخلافة أول فتنة أو (فلتة) وقى الله المسلمين شرَّها ، وكانت مقدماتها كنتائجها ذات طابع سياسي يتلخص في اختيار شخص دون شخص للخلافة (1).
وقال وهو يتحدث عن تولية أبي بكر لعمر واختلاف الناس فيه: على أن نفراً من الناس في تلك الفترة العصيبة بدؤوا يعتقدون أن السلطة الدينية يجب أن تفرضها على الناس سلطة إلهية، فجعلوا السلطة بذلك مفروضة لا منتخبة، تعيّنها إرادة السماء كما تعيّن الأنبياء وتصطفي المرسلين (2).
وقال أيضاً وهو يتحدث عن (الشورى): إن الفتنة الكبرى في عهد عثمان إنما ترتد إلى طريقة اختياره، فقد كانت طريقة شورية فتحت الباب أمام أصحاب الآراء الحرة ولو أرادوا بها النزاع والشقاق، وإذا لاحظنا أن أبا بكر انتُخب بشبه إجماع، وأن عمر قد نصَّ على خلافته أبو بكر وأخذ له
البيعة، فإن عثمان لم ينتخب بإجماع ولا بشبه إجماع، ولم ينتخبه الخليفة، ولم يكن ليبرز على الناس أو يظهر بعلمه كعلي، أو حزمه كعمر، أو سياسته كأبي بكر، وإنما أعانه على تولي الخلافة أمويته وقرشيته، حتى إن المسلمين لما تساءلوا عن الدوافع التي تحملهم على الرضا به خليفة لم يجدوها إلا دعوة قرآنية عامة إلى طاعة أولي الأمر، والقضاء على كل نزاع في المهد (3).
وقال أيضاً : وبمصرعه - الإمام علي - انتهت خلافة الراشدين، وخلا الجو لمعاوية ليعلن خلافته بالشام، ويُدخل على نظام الحكم مبدأ الوراثة
الذي ينافي روح الإسلام (1).
وقال أيضاً: وعندما فكّر معاوية بتوريث ابنه يزيد الخلافة من بعده استحدث للنظم الإسلامية تقليداً جديداً غيّر به سنّة السلف، وتشبّه بملوك الفرس والبيزنطيين، وحول الخلافة - كما قال الجاحظ - إلى ملك كسروي وعصب قيصري (2).
وقال أيضاً: فكل ما ارتكب باسم الإسلام من تسلط وجبروت في عهود الخلفاء الجائرين فدين الله منه براء، وإنما إثمه يوم القيامة على الذين اقترفوه (3).
8- مصطفى الرافعي (دكتور في الحقوق من جامعة باريس).
قال في حديثه عن العصر الأموي في كتابه (الإسلام نظام إنساني): وفي هذا العصر تلاحظ انقلاباً شاملاً بل جذرياً في تطبيق الخلافة كنظام للحكم، فبالإضافة إلى تحولها إلى السياسة وابتعادها عن جوهرها الأول - كعمل ديني - فقد أخذ الخليفة في هذا العصر ليغرف من مظاهر الأبهة غرفاً، فاتخذت (السّرر)، وأقيمت (الشرطة)، كما أصبح من مبتدعات هذا النظام أن يكون للخليفة (مقصورة خاصة) في المسجد، يقوم حولها الحرس حين أداء الصلاة. وفي هذا العصر أيضاً بدأ معاوية السنَّة الجديدة في (توريث الملك)، واستعمل في إقرارها كل أنواع الحيل والدهاء، حتى
أصبح هذا النظام متبعاً عند المسلمين منذ ذلك الحين (1).
وقال في ملاحظات على العصر الأموي يظهر لنا بوضوح وجلاء أن هذا النظام الجديد - بكل ما في هذه الكلمة من معنى - والذي استحدثه معاوية كانت له نتائج ظاهرة في الشعب الإسلامي، وهذه النتائج تتلخص فيما يلي:
1 - ظهرت العداوة من بدعة تعيين ولي العهد وحصر الخلافة في بيت واحد، وتفشَّت أمراض المنافسة والحقد بين أفراد البيت الأموي، ولقيت المؤامرات في (البلاط) أرضها الخصيبة، وهذا - في نظرنا - كان له أكبر الأثر في زوال الدولة الأموية.
2 - يتبين لنا دون عناء في الدرس والتمحيص أن النظام الأموي كان نظاماً لا يمت إلى الخلافة الحقيقية بصلة - تلك الطريقة التي عرفناها في العهد الراشدي -، إذ أنها كانت غير (شورية) وديكتاتورية بالمعنى الحديث.
3- في هذا العصر ظهر جلياً أثر البيئة في (تطور نظام العامة)، إذ أنه لما كانت المدينة حاضرة الدولة العربية في العهد الراشدي كانت السيادة والنفوذ فيها للعنصر العربي، وقام ذلك النظام الذي يتفق مع طبيعة العرب في بيئتهم الأصلية، فلما أصبحت (دمشق) حاضرة الدولة العربية تأثر العرب بالبيئة التي عاشوا فيها، وكان من الطبيعي أن يتحول نظامهم الشوري إلى نظام ملكي أو قيصري بكل ما فيه من تجديدات كانت مجهولة لدى الشعوب العربية، وبالتالي فقد كادت أن تنتفي (الصفة الدينية)
1) الإسلام نظام إنساني، ص 30
للخليفة، وأصبح عمله (سياسياً بحتاً) (1).
وقال أيضاً: على أننا نسجل في هذا البحث العلمي اعترافنا بأن الخلافة حينما آلت إلى بني أمية ومن بعدهم إلى من خلفهم من الناس قُضي عليها كنظام خاص، وأصبحت طيّعة للبيئة، تنقلها من اليمين إلى اليسار، وملكاً للأهواء السياسية، تقلب مفاهيمها رأساً على عقب، وبذلك زالت عنها صفة الديموقراطية، واتسمت بسمات الدكتاتورية، يدلّنا على ذلك قول عبد الملك بن مروان وهو على المنبر: من قال لي بعد عامي هذا: (اتق الله) ضربت عنقه) (2).
9 - المستشار عبد الجواد ياسين.
قال في كتابه (السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ): كانت السلطة الأموية ترفع راية جبرية صريحة، تبرِّر تحتها مظالم الحكم ومفاسده الشائعة، فضلاً عن تبرير شرعية وجودها باعتبار أن ذلك كله إنما كان قضاءاً من الله وقدراً مقدوراً، فعندما قتل عبد الملك بن مروان منافسه عمرو بن سعيد أمر برأسه أن يطرح إلى أنصاره من أعلى القصر، ثم هتف عليهم الهاتف ينادي: إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ (3)
وقد بدأ الجبر الأموي مبكراً على لسان معاوية، فقد كان يبرّر خروجه لقتال علي بقضاء الله، فمن خطبته في جموع جيشه بصفّين: وقد كان فيما قضاء الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض، ولفّت بيننا وبين أهل العراق، فنحن من الله بمنظر، وقد قال الله سبحانه وتعالى «وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ» (انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 497/2).
وجاء من بعده يزيد فقال: الحمد لله الذي ما شاء صنع، من شاء أعطى ومن شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء رفع. (انظر المرجع السابق 53/4. وانظر الطبري - السابق - 526/5 رسالة البيعة التي أرسلها مروان بن محمد إلى الوليد بن يزيد يقول فيها: وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه، حتى آزره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أصلاً، ونهض مستقلاً بما حمل منها، مثبتة ولايته في سابق الزُبر بالأجل المسمى خصّه الله بها على خلقه.
أما الوليد بن يزيد فقد عقد البيعة لولديه عثمان والحكم، ثم كتب يهدد الناس بأنه: لا يستخف بولايتهم ويتهم قضاء الله فيهم أحدٌ إلا أمكنهم الله منه، وسلطهم عليه، وجعله موعظة ونكالاً (لغيره).
وقد انتقلت هذه الفكرة من حكام بني أمية إلى شعرائهم، يقول جرير لعبد الملك بن مروان:
اللهُ طوّقَك الخلافةَ والهدى *** واللهُ ليس لما قضى تبديلُ
ويقول في قصيدة أخرى:
واللهُ قدّرَ أن تكونَ خليفةٌ *** خيرَ البريةِ وارتضاك المرتضى
ويقول:
ذو العرشِ قدّرَ أن تكونَ خليفةٌ *** مُلِّكْتَ فاعْلُ على المنابرِ واسْلمِ
ويقول في عمر بن عبد العزيز:
نالَ الخلافةَ إذ كانتْ له قدَرٌ *** كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
أما كثير بن عبد الرحمن الخزاعي فيقّرر أن (الخلافة) شأن قدري محض لا دخل فيه للإمام الحاكم ولا للشعب المحكوم، فيقول لعمر بن عبد العزيز:
وما الناسُ أعطوكَ الخلافةَ والتقى *** ولا أنتَ فاشكرْه يثْبكَ مثيبُ
ولكنما أعطاكَ ذلك عالمٌ *** بما فيكَ معطٍ للجزيلِ وَهُوبُ
انظر فضلاً عن ديواني جرير وكثير، ديوان الأخطل والفرزدق، وديوان النابغة الشيباني، وديوان رؤبة بن العجاج، وانظر الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني
. ومن هنا فقد استشعر الأمويون في الخطرالكامن في آراء الجهني - يعني معبد الجهني - الذي كان يعرِّض بأباطيل السلطة، وينفي أن الظلم والفساد من أمر الله، مقرِّراً مسؤولية الإنسان عن أفعاله من حيث إنه مريد لها قادر عليها (1).
وقال أيضاً: لقد ظل باب النظرية السُنّية في الخلافة مفتوحاً على الدوام حتى منتصف القرن الرابع على الأقل، وقد أبدت النظرية في هذا الصدد قدراً مذهلاً من المرونة، استطاعت من خلاله أن تستوعب داخل إطارها دولة الراشدين الشورية [؟] ودولة الأمويين الوراثية الاستبدادية، ودولة العباسيين الأولى بطابعها الدموي، ودولة العباسيين الثانية بحكوماتها السلطانية التي فرّغت (الخلافة) من مضمونها الحقيقي. وفي سبيل ذلك فقد استطاعت - وهي تتلوى مع التاريخ - أن تقرّ مبدأ الاختيار الطوعي من الأمة للحاكم، ثم تقبل من أبي بكر مبدأ (الاستخلاف الفردي)، ومن عمر
1) السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، ص ، ط الأولى سنة 1998م، نشر المركز الثقافي العربي، بيروت
(الاستخلاف الجماعي)، وتقبل من تجربة عثمان مبدأ (تأييد الولاية)، ثم تقبل من الأمويين مبدأ توريث السلطة أو (الأسرة المالكة)، وتقرر من خلال الواقع العباسي مبدأ (ولاية المتغلب) من السلاطين والوزراء، حتى إذا ما صارت الخلافة في نهاية الأمر ضرباً من السلطة الدينية ذات طابع رمزي فاتيكاني، فإن النظرية فيما يبدو لم تبد اعتراضاً (1).
إذن فقد تأخر التنظير للخلافة، لأن الواقع السياسي هو الذي كان يكتب النظرية، وكان الواقع السياسي يكتب النظرية، لأن النص كان غائباً.
10 - المستشار محمد سعيد العشماوي.
قال في كتابه (الإسلام السياسي): وقد بدت نزعة غريبة تزعم أن التاريخ الإسلامي قد زُيّف، إذ عهد العباسيون إلى تشويه أعمال الأمويين، وسعی خلفاء العباسيين إلى الإساءة لأعمال هؤلاء... وقصد الشيعة إلى العبث بكل أفعال وأقوال السنة وهكذا...
إن دعوى تزييف التاريخ الإسلامي لإخفاء وقائع ضد الإسلام تعمل - من حيث تدري أو لا تدري - على توطيد احتمالات عودة مثل هذه الوقائع وتكرارها ما دامت لا تستنكرها ولا تستهجنها ولا تعرف أنها ضد الإسلام ذاته، هذا فضلاً عن أنها تبدأ حركة خطيرة قد تمتد إلى كل التراث الإسلامي فتتهمه بالتزييف والتحريف، وتعمل على إلقائه جانبا وعدم التعويل على أي شيء منه (2).
وقال أيضاً: إن هذا الاتهام غير صحيح على الإطلاق، وليفقأ عينه من يشاء، لكن الحقيقة ستبقى واضحة وإن من عمل المسلم الحق - وصحيح إيمانه - أن يرفض كل ما هو مضادّ للإسلام منافٍ للشريعة، حتى ولو كان قد صدر من صاحب شأن أو مكانة، أو كان قد تكرر على مدى التاريخ الإسلامي حتى أخفى وراءه الحقيقة. لقد صاحب هذا الإنكار دفاع حار عن الأمويين وغيرهم من الطغاة، كأنما ذكر مظالم الظالمين دون التبرؤ منها يسيء إلى الإسلام ولا يطهره منها ومنهم.
ويقول القائل: إن ثمة رجلاً دخل على معاوية بن أبي سفيان، وقال له: السلام عليك أيها (الأجير) (1)
ونظم ذلك أبو العلاء المعري، فقال:
ملّ المقام فكم أعاشرُ أمةً *** أَمَرَتْ بغيرِ صلاحِها أمراؤها
ظَلموا الرعيةَ واستجازوا كيدَها *** فعدوا مصالحَها وهُمْ أَجَرَاؤها
(تفسير المنار 5/ 215 - 216 ط الرابعة).
وأفظع من ذلك ما كان يجري من السخرية بعقول الناس والاستهانة بكرامتهم مما يصيبهم من معاوية وعمرو بن العاص ومن لفّ لفّهما، ثم يجد من فقهاء التبرير ما يخرّجه لهم تخريجاً حسناً. وما أدري كيف يخرّجون ما أخرجه لنا ابن جرير وابن الأثير وابن كثير والبلاذري وغيرهم - واللفظ للأول - كما في بداية ابن كثير، قال: وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص قدم في وفد أهل مصر إلى معاوية فقال لهم في الطريق: إذا دخلتم على معاوية فلا تسلّموا عليه بالخلافة، فإنه لا يحب ذلك. فلما دخل عليه عمرو قبلهم قال معاوية لحاجبه: أدخلهم وأوعز إليه أن يخوّفهم في الدخول ويرعبهم. وقال: إني لأظن عمراً قد تقدّم إليهم في شيء. فلما أدخلوهم عليه - وقد أخافوهم - جعل أحدهم إذا دخل يقول: السلام عليك يا رسول الله. فضحك معاوية - كما عن البلاذري - فلما نهض عمرو من عنده قال: قبّحكم الله، نهيتكم عن أن تسلّموا عليه بالخلافة فسلّمتم عليه بالنبوة. وهكذا انتهى الحديث بحرّة من القلم، وضحكة من معاوية، وغضبة من ابن العاص على تلك الذقون، دون أي تعقيب ممن رواه وكأنه قد ارتضاه.
ولقد روى البلاذري في انساب الأشراف ج 1/ ق4/ 24 برقم 78 بسنده، قال دخل سعد بن أبي وقاص على معاوية فقال: السلام عليك أيها الملك. فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق رحمك الله لو قلت: أمير المؤمنين. فقال: أتقولها جذلان ضاحكاً؟ والله ما أحبّ أني وليتها بما وليتها به. (قارن ابن عساکر 103/6، وشرح النهج 201/1)
. وهكذا بجملة واحدة أخذها معاوية1) يشير إلى دخول أبي مسلم الخولاني على معاوية، فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فأعادوا قولهم وأعاد قوله، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فإنه أعلم بما يقول.
مزاحاً أو قبلها في (ساعة رضا) صحَّحت كل المظالم، واعتدلت كل الموازين، ولم يعد معاوية ظالماً مغتصباً، ولا عاد نزاعه مع علي بن أبي طالب افتئاتاً وطمعاً وإفساداً، ولا صار تحويله الخلافة إلى ملك عضوض خطأ أو انحرافا؟
فهل يستقيم منطق بعد هذا المنطق؟ وهل يصح تاريخ بعد هذا القول؟ (1).
1) الإسلام السياسي، ص 31- 32
وإلى هنا ننهي هذه الجولة بين أقوال أساتذة الفكر السُّني في العصر الحديث التي اتفقت آراؤهم على أن الانحراف الأموي أودى بالمسلمين في مهاوي سحيقة من التخبط، وإن لم يصرِّح جميعهم بأن الخلافة كانت من حق الإمام علي عليه السّلام، ولكن تداولها الأولون بالطرق التي أشاروا إليها على استحياء.
أما الدكتور هشام جعيّط فيقولها بصراحة وبدون مواربة: ولم يكن العقائديون الشيعيون هم الوحيدين الذين فكّروا بالأمر، ولن يظلوا الوحيدين، لقد اغتُصب حق علي في الخلافة، إنها فكرة شائعة حتى في أيامنا في الضمير الإسلامي قاطبة عند الشيعة والسنيين معاً، كما أن من الصعب على السنيين أن يتبعوا عقيدتهم التي تضع عليًّا بعد عثمان من حيث الفضل (1).
في الواقع يتمتع علي بحب المسلمين كافة، إما لأن التشيع فرض رؤيته للإنسان - في إفريقية، في مصر، في العراق - بعد مروره فيها، وإما نتيجة الأسطورة الملحمية الحيَّة على الدوام التي اتخذت عليًّا موضوعها، وإما لأنه تعذّب من جرّاء رفضه وخسارته بينما كان حبيب النبي.
إن البويهيين - الذين كانوا شيعيين - وكذلك السلاجقة - الذين كانوا سنيين - كانوا مزخرِفين سيوفهم بصورة علي، تلك الصورة الخيالية التي ما زالت متناقَلة حتى أيامنا في الرسم تحت الزجاج (2).
وقال خالد محمد خالد في كتابه (في رحاب علي):
لقد كانت حياته - الإمام علي - في دورها الأخير وقفاً على قضية كبرى... أن يعيد للإسلام حقيقته، وللمسلمين وحدتهم، وللدولة الإسلامية تماسكها وشرعتها واستقامتها.
أجل، كانت القضية التي نذر لها حياته هي ذي: أن يرد الإسلام إلى حقيقته، وأن يردَّ المسلمين إلى الإسلام. ولم يترك سِلماً ولا حرباً يبلغان به غايته النبيلة هذه إلا توصَّل بهما في عدالة وشرف، ولقد كانت قضيته واضحة المحيّا، مشرقة الجبين، ناصعة الحجَّة، طاهرة الضمير، وإن عظمتها لتتجلّى عندما جاء ذلك اليوم الذي وقف فيه (معاوية) يأخذ البيعة بحدّ السيف لابنه (يزيد)؟ يزيد؟! نعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق... !!
إنه لو كان يأخذها لواحد من صلحاء بني أمية وفضلائهم ما جاز له حمل المسلمين عليها بالرهبة والقوة، فكيف وهي (ليزيد) يزيد وكفى؟!
لقد كشف هذا العمل من معاوية عن أحد وجوه القضية الجليلة التي كان الإمام يقاتل دونها.
هنا الوجه المتمثل في ألّا تصير خلافة المسلمين إلى طلقاء بني أمية أبداً ... وأن تظل في الصالحين الأولين من المهاجرين والأنصار أجل يومئذ تكشّف هذا الوجه من القضية الكبرى التي نذر البطل لها حياته، فألقى ضوءه على وجوه القضية كلها..
ولم يبق من المسلمين أحد إلا بحّ صوته ترحّماً على الإمام علي، ووقف واحد من كبار الصحابة يومها يقول: (ما أجدني آسي على شيء فاتني في حياتي إلا على أني لم أقاتل مع (علي) الفئة الباغية. يعني بذلك عبد الله بن عمر (1).
وقال محمد رشيد رضا في تفسير المنار وهو يتحدث عن الشورى في زمن خلافة الراشدين بحسب حالهم: وكيف أفسد الأمويون بعد ذلك حكومة الإسلام، وهدموا قواعدها، وسنّوا للمسلمين سنّة الحكومة الشخصية المؤبدة بعصبة الحاكم، فعليهم وزرها ووزر من عمل ويعمل بها إلى يوم القيامة (2).
وقال أيضاً وهو يتحدث عن الشورى في الحكم في الإسلام في زمن الخلافة الراشدة: ولكن ملوك المسلمين زاغوا بعد ذلك عن هذا الصراط المستقيم إلا قليلاً منهم، وشايعهم علماء الرسوم المنافقون، وخطباء الفتنة الجاهلون، حتى صار المسلمون يجهلون هذه القاعدة الأساسية لحكومة دينهم (3).
وقال أيضاً: قال أحد كبار علماء الألمان في الأستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة: إنه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا (برلين). قيل له: لماذا؟ قال: لأنه هو الذي حول نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلبة، ولولا
ذلك لعمَّ الإسلام العالم كلّه ، ولكُنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا عرباً مسلمين (1).
وبعد هذا العرض المحيط بمقالات المسلمين من قدامى ومحدثين وكلهم من السنيين يشهدون أن الذي أوقف مسيرة الإسلام فحرفها عن مسارها الصحيح هو معاوية بن أبي سفيان، فبعد هذا كله لا يحقّ لأحد أن يغضب أو يصعِّر خدِّه محمراً حنقاً، أو يتمعَّر وجهه مصفراً نزقاً حين يقرأ ما ورد في أن معاوية يموت على غير ملة النبي صلّي الله عليه و آله كما في الحديث الذي أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف برقم 362، قال: وحدّثني إسحاق وبكر بن الهيثم قال: حدّثنا عبد الرزاق بن همام، أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت عند النبي صلّى الله عليه و آله فقال: يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت على غير ملّتي. قال: وكنت تركتُ أبي قد وضع له وضوء، فكنت كحابس البول مخافة أن يجيء، قال: فطلع معاوية فقال النبي صلّي الله عليه و آله: هو هذا.
363 - وحدّثني عبد الله بن صالح حدثني يحيى بن آدم عن شريك عن ليث عن طاووس عن عبد الله بن عمرو قال: كنت جالساً عند النبي صلّي الله عليه و آله فقال: يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت يوم يموت على غير ملّتي. قال: وكنت تركت أبي يلبس ثيابه فخشيت أن يطلع، فطلع معاوية (2).
وهذا ما رواه الطبري في تاريخه، وابن أبي الحديد في شرح النهج، والراغب في محاضراته كما في هامش الأنساب، فراجع (1).
1) تاريخ الطبري 2171/3 ط أفست أوروبا. شرح نهج البلاغة 444/3. محاضرات الراغب الأصفهاني 45/1
154 - إنِّي أبو القاسمِ لستُ شاعرا *** ولستُ في النظمِ خبيراً ماهرا
155 - لكنَّ حُبَّ العترةِ المطهّرة *** دعا إلى نظمٍ وربِّي يَسَّرَة
156 - مُستحسنٌ منّيَ ذا لكنّهُ *** ذنبٌ لمن كان القريضُ فَنَّهُ
157- محاسنُ الأبرار ذنباً تُحسبُ *** لمن سليمٌ قلبُه مُقرَّبُ
158- أرجوزتي أختمُها بحمدِ مَنْ *** علَّمني فرائضي مَعَ السُّنَنْ
159 - هو الإلهُ الخالقُ الرحمنُ *** للناسِ مثوىً بيتُه أمَانُ
لقد آن للسيد الناظم (قدِّس سرّه) أن يختم أرجوزته، فختمها باسمه على طريقة بعض الشعراء خصوصاً الشعراء الفرس، ويسمّون ذلك: (التخلّص)، إذ يذكر الشاعر اسمه أو لقبه في آخر نظمه.
ومن أراد ترجمة سيّدنا الأستاذ قدس سرّه فعليه بالرجوع إلى كتابه (معجم رجال الحديث)، فقد ترجم لنفسه ترجمة ضافية، ذكر فيها ولادته
وهجرته إلى النجف الأشرف ومشايخه وتدريسه وتقریرات درسه و تأليفه (1).
ثم أبان في رجزه عذره عما قد يرد على شعره من الناحية الفنية بأنه ليس شاعراً ولا في النظم خبيراً ماهراً، وليس في ذلك ما يغضّ من مقامه العلمي، كما أنه لو أجاد في ذلك فليس فيه ما ينقص قدره. ولو أن بعض العلماء يترفّع عن ممارسة النظم وحتى من مارس ذلك في شبابه فنظم في أغراضه المحببة كتهنئة أو رثاء ونحو ذلك نراه يتنكّر لذلك بعد تقدّم السن وتبوّء المقام العالي المنظور، وكأنهم على حدّ ما نسب إلى الشافعي:
ولولا الشَّعرُ بالعلماءِ يُزري *** لكنتُ اليومَ أشعرَ مِن لبيدِ
ومهما كان أمر سيدنا في نظمه فقد ذكر ما يبرّر غرضه، وهو حبّ العترة الطاهرة المطهّرة، وهو غرض محبوب في نفسه ومندوب إليه ومثاب عليه.
وأشار بقوله (محاسنُ الأبرار ذنباً تحسبُ) إلى القول المأثور: (حسنات الأبرار سيئات المقرّبين)، وقد تخيّله بعضهم أنه حديث نبوي، ولكنه نبّه على ذلك الطرابلسي السندروسي في كتابه (الكشف الإلهي) فقال: موضوع من كلام المصطفى صلّي الله عليه و آله، بل هو من كلام الزهري (2).
وذكر في الهامش عن القاري والعجلوني أنه من كلام أبي سعيد
الخراز نقلاً عن ابن عساكر، وحكي أيضاً عن ذي النون، وعزاه الزركشي للجنيد ونسبه بعضهم للزهري، وهو بكلام الصوفية أشبه.
أقول: وهذا الأثر مما يُستشهد به كثيراً، حتى إن الألوسي المفسّر استدلّ به على عدم وقوع المعصية من آدم في الأكل من الشجرة بعد النهي عنها، فقال: فلا يستدعي حمل النهي على التحريم والظلم المقول بالتشكيك على ارتكاب المعصية عدم عصمة آدم عليه السّلام بالأكل المقرون بالنسيان، وإن ترتب عليه ما ترتّب، نظراً إلى أن حسنات الأبرار سيئات المقربين وللسيد أن يخاطب عبده بما يشاء (1).
وأشار بقوله: (أرجوزتي.. الخ) إلى إنهائها بمنّ الله تعالى عليه، الذي علّمه الفرائض والسنن من شرائع أحكامه.
وأشار في آخر بيت له إلى قوله تعالى «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنا» (2).
وهنا لا يفوتني تنبيه القارئ إلى أن اختيار النظم على بحر الرجز إنما هو لسهولته نظماً على الشاعر وحفظاً على القارئ، وقد استخدمه العلماء في نظم العلوم من كلام وفقهٍ وحديث ونحوٍ وصرف ومنطق وتاريخٍ وحتى الهيئة والفلك، ولا يزال رجز ألفية ابن مالك حيًا يُحفظ متناً ويدرّس شرحاً.
160 - قَدْ طَلَبوا منّيَ أَنْ أَوَرِّخَهُ *** أجبتُهم ومنهم مَنْ نَسَخَهْ
161- البيتُ في أركانِه ها قَدْ عُطِبْ *** أَرَّخْتُه (حقُ عَلَى قَدْ غُصبْ)
162 - ثانيةً كرَّرْتُ مني مَا طُلِبْ *** أَرَّخْتُه (حقُ وَصِيٍّ قد غُصِبْ)
163 - ثالثةً تاريخُه مني طُلِبْ *** أَرّخ (عليٌّ حقُّه منه غُصِبْ)
164 - رابعةً بواحِدٍ أنتصِرُ *** مؤرِّخاً (خيرُ المشاةِ حيدرُ)
165 - خامسةً أتاهُمُ النظيرُ *** مؤرّخاً (يكفيهمُ الغديرُ)
166 - سادسةً أردتُ أن أكرِّرهْ *** تاريخُه (ناجٍ جزائي مَغْفِرَة)
أشار قدِّس سرّه إلى ما تعارف عليه أصحاب التاريخ بحساب الجمل من ذكر جملة تدل بحسابها الأبجدي على السنَّة المطلوب تأريخها ، فنظم ستة تواريخ لإنهاء أرجوزته.
وما ذكره من تعدد التواريخ لم يكن بدعاً فيه، فقد كان ذلك مألوفاً
من قبل لدى بعض الشعراء، كما رأيت للمرحوم السيد أحمد العطار - المترجَم في شعراء الغري 242/1 - 243 - خمسة تواريخ في قصيدة واحدة، وثلاثة في قصيدة له أخرى، وللمرحوم الشيخ علي البازي سبعة تواريخ في وفاة المرحوم الحجة الإمام كاشف الغطاء.
ثم ما ذكره السيد قدِّس سرّه من التواريخ لم يكن بالمستوى المطلوب من الوضوح حتى يستبين للقارئ معرفته، بل في بعضها غموض لا يهتدي إلى كشفه إلا من كانت له خبرة بفن نظم التأريخ، وقليل ما هم.
وللتنبيه أشير إلى أن تأريخه الأول إذا حسبنا حروفه بالحساب الأبجدي ساوى (1414) وهذا يزيد بأربعة على السنة المطلوب تأريخها وهي سنة 1410، لكنه لما كان قد قال في صدر البيت (البيت في أركانه قد عطب) ويعني بالأركان أركان البيت الحرام وهي أربعة، ويشير بقوله (قد عطب) إلى إنقاصها من عدد التأريخ الذي ذكره وهو 1414، فيكون الباقي 1410، وهذا لا يخلو من التكلف، ولو قال: (أربعة الأركان من البيت اقتضب) كان أظهر فيما يريد.
كما أن تأريخه الرابع يكون عدده بالحساب الأبجدي (1409)، فهو ينقص واحداً، لذلك قال في صدر البيت (بواحد أنتصرُ)، ويعني إضافة الواحد إلى مجموع تأريخه ليتم (1410)، وهذا أيضاً لا يخلو من التكلف.
وتأريخه السادس ربما يوهم حسابه الأبجدي (1401)، فينقص تسعة عن تأريخ الفراغ، لكن من تفطّن إلى أن الهمزة في (جزائي) تُكتب بالياء وإن نطقت همزة، إذ المدار على رسم الكتابة، فما يكتب يحسب، عرف أن
التأريخ صحيح.
ومهما كان فإنه قدِّس سرّه نظم ذلك، أو تكلّف في موضوع الزيادة والنقيصة. على أن الزيادة في التأريخ أو النقيصة منه إنما يستدركها المؤرِّخ بما يجبرها في صدر البيت، ويدل على ذلك بوضوح ودون تكلّف، كقول بعضهم:
أضِفْ عددَ الأئمةِ ثم أرّخْ *** (على أوجِ السماكِ ضريحُ أحمدْ)
وقول الآخر:
وبرحلةِ الاثنينِ قلتُ مؤرِّخاً *** (بكَتِ العلومُ أساً فقدَكَ باقر)
وقول الآخر:
بالخمسةِ الأشباحِ تمِ فأرِخوا *** (يا جعفرٌ بالعيدِ قد نلتَ المنى)
وقول الآخر:
ما أنتَ إلا واحدُ العصرِ به *** أرَّختُ (للإسلامِ تَّم المؤتمر)
وقد يكون الجبران بحرف يضاف حسابه أو ينقص من التاريخ يشار إليه في صدر البيت كما في قول بعضهم:
ومُذ تقطَّعَ قلبُ الجورِ أرَّخه *** (نحْسٌ بدا لسعودٍ إذ دنا النجفا)
فإنه يشير إلى زيادة في التاريخ بحساب الواو (6) كلمة الجور لأنه قلب الكلمة.
وقول الآخر:
ومُذ حلَّ أقصى السّوءِ قلتُ مؤرِّخاً *** بكتْ أسدَ اللهِ التقيَّ المساجدُ
فيه إشارة إلى إضافة حساب الهمزة وهي أقصى السوء أي آخره - إلى التأريخ المذكور.
وقول الآخر:
قد ذابَ فيك فؤادُ الدينِ مِن حزَنٍ *** فأرِّخوا (غابَ مدّ للهدى فيك)
إشارة إلى حذف الياء فهي قلب كلمة (دين).
وقول الآخر:
قد ذابَ قلبُ الوجدِ مِن تاريخِها *** (شفاءُ داءِ الناسِ عافيتُك)
إشارة إلى حذف الجيم الذي هو قلب كلمة (وجد).
وما أكثر الشواهد على ذلك في شعر المناسبات، وقد انتهى دورها في زماننا، فبانت وهي طالقة، فلم يعد للشعر كله سوق نافقة، وإن وُجد فمن غير وامقة أو عاشقة.
تم شرح الأرجوزة، والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله على ما هدانا ، وله الشكر على ما أولانا.
وصلى الله على محمد عبده ورسوله ونبيّه وصفيّه، وعلى آله الطاهرين الذين اصطفاهم من بريته فطهرهم من الرجس تطهيراً، فساواهم برسوله فيما خصَّهم به دون الناس، فجعلهم من أطائب أرومته وأكارم عشيرته، وقرن طاعتهم بطاعته، وموالاتهم بموالاته، فمن والاهم فقد والى الله ورسوله ومن عاداهم فقد عادى الله ورسوله.
ورضي الله عن الصحابة المهتدين الذين لم يغيّروا في الدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فهذا كتابنا ينطق عليكم بالحق بذلت فيه الجهد من جمع دلائل الصدق والله من وراء القصد
وإني لم اكتبه ترفاً ولا سرفاً، ولا لأسدّ فراغاً، بل ليكون لي بُلغة
وللناس بلاغاً، وإلا فما أكثر المؤلفات في بابه، ومنها ما هو أقوى حجة وأظهر محجة، ولكن لكل حادث حديث، ولهذا الكتاب قصة:
في أواخر شهر شعبان المعظم من عام 1410ه- حظيتُ بملاقاة سيدنا الأستاذ آيه الله العظمى السيد الخوئي قدِّس سرّه في جامع الخضراء، فأخبرني سماحته أنه نظم أرجوزة في مدح الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، أيام وعكة ألّمت به، ورغب إليّ ملحًّا - لحسن ظنّه بي - أن أطّلع عليها، وأذكر مصادر ما أشار إليه في أبياتها من المناقب والمواقف، ليعم نفعها المؤالف والمخالف.
فشكرت سماحته على حسن ظنه، واعتذرت إليه بإطلالة شهر الصيام علينا، بحسبان أن سماحته سوف يعفيني لما سيكون شاغلاً لي من أعمالي الخاصة، ولكن - كما بدا لي بعد ذلك - فهم أن ذلك سوف يكون خير معين في لياليه بإحيائها في إنجاز العمل المطلوب، حيث فوجئت في اليوم الثاني بإرسال نسخة من الأرجوزة وعليها بعض الهوامش بأسماء المصادر، ثم اتبعها بإرسال نسخة ثانية وثالثة، وكلها متشابهة تقريباً، فاستغربت ذلك، وقارنت بين النسخ الثلاث، فرأيتها متحدة المتن، متشابهة الهوامش، وعلمت بعد ذلك أن سماحته كان قد وزّعها على ثلة من أهل الفضل فكتبوا له تلك الهوامش، ويبدو أنها لم تحز على رضاه، لأنها لم تكن بالمستوى المطلوب لسماحته، فرأيت لزاماً عليَّ أن استوضح منه المراد، وزرته ليلاً في بيته في الكوفة، وبحثت الأمر معه، فأبدى رغبته في الاستزادة من ذكر المصادر المعتبرة عند عموم المسلمين، لتكون أقوى في الحجة وأظهر
للمحجة.
وصمتُّ أفكّر كيف يسوغ لي الاعتذار من سماحته، وله مقام الأبوة الروحية وحقوق الأستاذية والتربية الدينية، وها هو ينتدبني لعمل خير اختصَّني برضاه الحسن ظنه، وها هو يحثّني وبإلحاح على الاستجابة وسرعة الإنجاز، فصمّمت على القبول، وعرضت على سماحته فكرة المنهج الذي يبدو لي أنفع وأنجع، وهو أن زيادة ذكر المصادر مجرّدة عن ذكر الواقعة مهما كثرت فليست تغني كل القراء نفعاً، إذ ليس كلهم يعرف ما يشير إليه الناظم بقوله:
نبيُّنا للكونِ كانَ غايةْ *** مِن مبدأ يسري إلى النهايةْ
ولا قوله:
سيئةٌ بغضُكَ ما أفظَعها *** وليس يُجدي الحسناتُ معها
ولا قوله:... إلى آخر ما هنالك من أحاديث نَظَم معانيها، وليس كل الناس يعرفونها - وحتى من يعرفها - وقليل ما هم - لا يدري ما هي المناسبة التي قيلت فيها، وكم مناسبة هي، وقد مرَّت بنا شواهد ذلك كحديث الثقلين، وحديث المنزلة، وحديث أنا من علي وعلي منّي، وغير ذلك، فقد قالها النبي صلّي الله عليه و آله مراراً وتكراراً تأكيداً عليها وحرصا على الأمة خشية تضييعها، لذلك أرى من الخير ذكر الحديث بكامله وما قيل عنه وفيه ثم أذكر المصادر التي تخصه، ليكون أكثر نفعاً وأقوم قيلاً.
ولم أر أيضاً في حينه أن أكتم سيدنا الأستاذ ما في النظم مما يحتاج إلى
بعض التعديل والتبديل، فأنِسَ رحمه الله بذلك، فقال - والابتسامة تعلو شفتيه -: أنت أشِرْ إلى ذلك، وأنا أنظر فيه.
وحثّني على المبادرة وسرعة الإنجاز، ودعا لي بالتوفيق.
وعدت لأبدأ العمل، فبدأتُ وكانت البداية طيبة، وقطعت شوطاً في المسيرة مع المصادر المعنيّة استحفيها واستكفيها، وبدت ثمار العمل تنضج تباعاً، أبعثها إلى سماحة سيدنا الأستاذ فيرتاح لها، ويستحثّني على الإسراع في الإنجاز، وطلبت مساعداً في تبييض المسودات فعيّن لي إنسانا من أسباطه، وليته لم يعيِّنه فقد كان سبباً في التأخير، حتى هبّت عواصف أنزلت الحالق من الشاهق، وأخذت بالمخانق والمفارق فكانت شرَّ عائق، ولما منَّ الله سبحانه - وهو اللطيف بعباده - بكشف تلك الظلمات، عدتُ والعود أحمد، وسماحة السيد الأستاذ يترقّب الإنجاز ولو على سبيل الإيجاز، حتى كان زوال يوم 8 صفر، فقد أرسل إليّ سبطه المشار إليه آنفاً يسألني عن كتاب يطلبه إن كان عندي، فلم يكن ، وانتهزت حضور الرسول فأرسلت بيده ما كان جاهزاً ليطّلع عليه السيد، وكان ذلك آخر ما أرسلته إليه، إذ فاجأه القدر عصر ذلك اليوم، ذلك اليوم، فمُنيت الأمة بخسارة فقده خسارة عظمى، فإنا لله وإنا إليه راجعون (1).
وكم كنت أتمّنى أن يتم هذا الكتاب في حياته، ولكن لله أمر هو بالغه، وما كل ما يتمنى المرء يدركه. والآن وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن أكملت شرح الأرجوزة، وحقّقت ما كان يصبو إليه سيدنا الراحل
1) باقتضاب من (ذكرياتي في حياتي) مخطوط
قدِّس سرّه، أرجو أن أكون قد وُفّقت فيما بحثت ولم أخيّب ظنه، وإن تكن الأخرى:
فهذا جناي وخيارُه فيه *** وكلُّ جانٍ يدُه إلى فيه
وهذا مبلغ علمي، وفوق كل ذي علم عليم.
ويبقى هذا الجهد المتواضع - أقدّمه على استحياء - ليأخذ مكانه بين هود شيوخنا القدامى الكبار من علمائنا الأبرار، وحماة الشريعة الأخيار، وحسبي أحببت فيه ذكر من اختصّني بحسن ظنّه، فأدّيت له بعض الحق، لأنه أستاذي وحسبي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
24 ج 2 سنة 1421ه-
راجي عفو المنّان
محمد مهدي السيد حسن
الموسوي الخرسان
عُفي عنه
تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ ذِي الإِفضالِ *** شَرْحِي مَدِيحَ المرتَضَى والآلِ
فَنَظْمُه لسَيِّدي الخوئيِّ *** واختصَّنَي لشَرحِه المرْضِيِّ
فالحمْدُ للهِ الذي قَدْ يَسَّرَهُ *** فِي صُحُفِ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَة
أرْجو بِهِ الْأَجْرَ لَدَى القِيامَةً *** ومَنْ أَتَى جُهْداً يَنَلْ مَرَامَهْ
مِنْ قَاري أو شارح أو نَاظِمِ *** سَوفَ يَفُوزُ الكُلُّ بِالمَغَانِمِ
ومَنْ تَلا الكِتابَ باباً بابا *** وقَدَّمَ السَّرْحَ بما أصابا
ومَنْ سَعَى لَنَشْرِهِ وطَبْعِهِ *** فَكُلُّهُمْ يَحْطَى غَدًا بِأَجْرِهِ
فَسَلْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ تعالى المغفِرَة *** وجُوهُهُم صَاحِكَةٌ مُستَبْشِرَة
خِتَامُه مِسْكَ ومِسْكُ الخَاتِمَة *** تاريخه: عَادَ بِرِيْحِ الغَانِمَةً
1422ه-
فَاحَ شَدَاهُ أَرْجُو مُعَبِّرَهُ *** خَتَمَهُ مِسْكُ إمَام البَرَرَة
317 *** 1045+ 120+= 438 + 82
2002م
المصادر
1- أبو بكر الصديق: علي الطنطاوي، ط الشرقي بدمشق.
2- الإتحاف بحب الأشراف: للشبراوي ط مصر سنة 1316ه-.
3- الإتقان: للسيوطي، ط مصطفى محمد سنة 1386ه-.
4 - الأجوبة الفاضلة: لأبي الحسنات اللكنوي، ط حلب سنة 1384ه-.
5 - إحقاق الحق: للقاضي نور الله التستري، ط المكتبة الإسلامية.
6 - أحكام القرآن لابن عربي تحقيق البجاوي، ط مصر سنة 1377ه-.
7- أحكام القرآن: للجصاص، ط هندية بمصر.
8 - الإحكام في أصول الأحكام: للآمدي، ط مصر.
9- إحياء الميت بفضائل أهل البيت (بهامش الإتحاف بحب الأشراف): للسيوطي، ط مصر سنة 1316ه-.
10 - أخبار الأول: للإسحاقي، ط العثمانية سنة 1304ه-.
11 - أخبار الدول: للقرماني، ط بغداد سنة 1282ه-.
12 - أخبار شعراء الشيعة: للمرزباني.
13 - أخبار القضاة: لوكيع، ط مصر.
14 - أخلاق النبوة، بتوسط موسوعة أطراف الحديث النبوي.
15 - إرشاد الساري: للقسطلاني، ط مصر بهامشه شرح صحیح مسلم، ط أفست دار الكتاب العربي بيروت.
16 – الإرشاد: الإمام الحرمين الجويني، ط الجزائر.
17 - الأربعين في أصول الدين: للرازي ط حيدرآباد سنة 1353ه-.
18 - أرجح المطالب: لعبيد الله أمر تسري، ط لاهور.
19 - أساس البلاغة: للزمخشري، ط دار الكتب بمصر.
20 - أسباب النزول للواحدي ط هندية بمصر.
21 – الاستيعاب: لابن عبد البر ، ط حیدرآباد وط بهامش الإصابة.
22 - أسد الغابة: لابن الأثير، ط أفست إيران.
23 - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ط بيروت سنة 1398ه-، وط مصر سنة 1312ه-.
24 - الأسماء والكنى للدولابي، ط حيدرآباد.
25- أسنى المطالب: لإبراهيم بن عبد الله الوصابي اليمني الشافعي، بتوسط أرجح المطالب.
26 - أسنى المطالب: للجزري.
27 - الإصابة: لابن حجر العسقلاني، ط مصطفى محمد.
28 - أصول الدين: لأبي منصور البغدادي، ط أفست المثنى.
29 – الاعتقاد: للبيهقي، ط مصر.
30 – الأغاني: لأبي الفرج الأصفهاني، ط دار الكتب.
31- الإكليل: للهمداني (بتوسط النصائح الكافية، ص 105 ط الحيدرية).
32- أمالي أبي طالب الهاروني، ط بيروت. 30
33 - الأمالي الخميسية: للشجري، ط بيروت.
34 – الأمالي: للشيخ الصدوق، ط الحيدرية.
35 – الأمالي: الشيخ الطوسي، ط الحيدرية، وط حجرية.
36 - أمالي القالي، دار الكتب المصرية.
37 - الإمامة والسياسة: لابن قتيبة، ط مصطفى محمد بمصر.
38 - إمتاع الأسماع: للمقريزي، ط مصر، تحقيق محمود محمد شاكر.
39 - الأمثال: لأبي الشيخ ط بيروت.
40 – الأموال: لأبي عبيد، ط مصر الأولى.
41 - الانباه على قبائل الرواة: لابن عبد البر، ط القدس سنة 1350ه-.
42 - أنساب الأشراف (ترجمة الإمام): للبلاذري، تحقيق المحمودي، ط بيروت. وأجزاء تحقيق د. إحسان عباس بيروت، وط أفست المثنى.
43 - الأنوار المحمّديّة: للنبهاني ط بيروت سنة 1312ه-..
44 - أوائل المقالات: للشيخ المفيد، ط إيران.
45 - بحار الأنوار: للمجلسي ط المكتبة الإسلامية طهران.
46 - البدء والتاريخ: للمقدسي، ط أفست المثنى.
47 - البداية والنهاية: لابن كثير، ط الهند، ط السعادة بمصر سنة 1351ه-.
48 - بشارة المصطفى: للعماد الطبري ط الحيدرية، الطبعة الثانية.
49 - بهجة المحافل: لعماد الدين العامري، ط الجمالية بمصر سنة 1331ه-.
50 - البيان في تفسير القرآن: للسيد أبو القاسم الخوئي، ط الآداب سنة 1385ه-.
51 - البيان والتعريف بأسباب ورود الحديث الشريف: لابن حمزة، ط حلب، وط دار الكتب العلمية، بيروت.
52 - تاج العروس: للزبيدي، أفست بولاق.
53 - التاج الجامع للأصول: للشيخ منصور علي ناصف، ط عيسى البابي.
54 - تاريخ ابن الأثير، ط بولاق سنة 1303ه-.
55 - تاريخ الإسلام: للذهبي، ط الأزهرية.
56 - تاريخ بغداد: للخطيب البغدادي، ط السعادة بمصر.
57 - تاريخ جرجان: للسهمي، ط حيدرآباد.
58 - تاريخ الخلفاء: للسيوطي، ط السعادة بمصر، ط الميمنية .
59 - تاريخ الخميس: للديار بكري، ط الوهبية سنة 1283ه-.
60 - تاريخ دمشق (ترجمة الإمام علي بن أبي طالب) لابن عساكر، ط بيروت، تحقيق المحمودي.
61 - تاريخ الطبري: ط الحسينية بمصر ط (محققة)، دار المعارف بمصر، وط أفست أوروبا.
62 - التاريخ الكبير (الكنى): للبخاري، ط حيدرآباد.
63 - تاريخ اليعقوبي، ط الأولى، النجف سنة 1385ه-.
64 - التبصرة: لابن الجوزي ، ط عيسى البابي الحلبي بمصر.
65 - تحفة الأحوذي: ط بيروت، أفست دار المكتب العربي، وط دار الاعتماد بمصر.
66 - تذكرة الأولياء: لزين الدين العطار، ط حجرية.
67 - تذكرة الحفاظ: للذهبي، ط حيدرآباد (أفست).
68 - تذكرة الخواص: لسبط ابن الجوزي، ط إيران سنة 1285ه-، ط العلمية، النجف سنة 1369 ه-.
69 - تذكرة الموضوعات: للفتني، ط مصر.
70 - تطهير الجنان واللسان المطبوع بهامش الصواعق: لابن حجر الهيتمي.
71 - التعظيم والمنّة: للسيوطي، ط حيدر آباد.
72 - تفسير الألوسي (روح المعاني)، ط المنيرية بمصر.
73 - تفسير أبي السعود بهامش الرازي)، ط الأستانة.
74 - تفسير أبي الفتوح الرازي، ط إيران.
75 - تفسير البحر المحيط: لأبي حيان الأندلسي، ط أفست دار الفكر بيروت، وط السعادة بمصر.
76 - تفسير البغوي (بهامش تفسير الخازن).
77 - تفسير البيضاوي، ط دار صادر بيروت.
78 - تفسير التسهيل: لابن جزي، ط مصطفى محمد بمصر سنة 1355ه-.
79 - تفسير الجواهر: ط مصر.
80 - تفسير الحبري: (ما نزل من القرآن في أهل البيت) ط إيران، وط
النجف الأشرف.
81 - تفسير الخازن، ط الميمنية سنة 1317ه-.
82 - تفسير الرازي، ط الأستانة، وط البهية، وط عبد الرحمن محمد.
83 - تفسير روح البيان: الإسماعيل حقي، ط أفست دار الفكر بيروت.
84 - تفسير زاد المسير: لابن الجوزي.
85 - تفسير السيوطي (الدر المنثور) ط الأولى بمصر، وأفست الإسلامية.
86 - تفسير الشوكاني (فتح القدير): محمد علي الشوكاني.
87 - تفسير الطبري: الطبعة المصرية بالمطبعة الميمنية، والطبعة الثانية طبع مصطفى البابي الحلبي.
88 - تفسير القرآن العظيم: لابن كثير الدمشقي، ط الاستقامة بمصر سنة 1373ه-.
89 - تفسير الكشاف: للزمخشري، ط البابي الحلبي سنة 1367ه-.
90 - تفسير المراغي، ط دار الفكر بيروت.
91 - تفسير النيسابوري بهامش الطبري، ط الميمنية.
92 - التفسير الواضح، ط دار الكتاب العربي بمصر.
93 - تلخيص المستدرك (بهامش المستدرك) للذهبي، ط حيدر آباد.
94 - التمثيل والمحاضرة: للثعالبي، ط مصر سنة 1381ه-.
95 - تمييز الطيب من الخبيث: لابن الديبع الشيباني، ط مصر.
96 - تنزيه الشريعة: لابن عراق، ط محققة بمطبعة عاطف بمصر.
97 - تهذيب تاريخ الشام: ابن بدران، ط الترقي بدمشق.
98 - تهذيب الأسماء واللغات: للنووي، ط مصر.
99 - تهذيب التهذيب: لابن حجر العسقلاني، ط أفست حيدر آباد.
100 - تهذيب اللغة: للأزهري، ط مصر.
101 – التيسير: للمناوي، ط بولاق (أفست)، وط المكتب الإسلامي.
102 - تيسير الوصول: لابن الديبع، ط مؤسسة الحلبي.
103 - ثمار القلوب للثعالبي، ط محققة بمصر.
104 - جامع الأصول: لابن الأثير، ط السنة المحمدية.
105 - الجامع الصغير: للسيوطي، ط بولاق.
106 - جمع الجوامع: للسيوطي، ط مجمع البحوث بمصر.
107 - جمع الفوائد: للروداني، المكتبة الجامعة بمكة المكرمة.
108 - جواهر البحار: للنبهاني، ط مصطفى محمد بمصر، سنة 1379ه-.
109 - جواهر العقدين: للسمهودي، ط بغداد.
110 - حاشية الحنفي على السراج المنير للعزيزي (بهامشه).
111 - حبيب السير، ط الحيدري، إيران.
112 – الحدائق: لابن الجوزي ، ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 1408ه-.
113 - حلية الأولياء: لأبي نعيم الأصفهاني، ط السعادة بمصر.
114 - حياة محمد: لمحمد حسين هيكل، ط الأولى، مصر.
115 - الخصائص: للنسائي، ط الغري، ط التقدم بمصر سنة 1348ه-.
116 - الخصائص الكبرى: للسيوطي ، طحيدر آباد، وط مصر، تحقیق هراس.
117 – الخصال: للصدوق، ط الحيدرية، وطقم بإيران.
118 - الدر المنظم: لابن طلحة الشافعي (بتوسط كتاب مطالب السؤول).
119 - الدرر الكامنة: لابن حجر، ط حيدر آباد سنة 1348ه-.
120 - دستور معالم الحكم: للقضاعي، ط مصر سنة 1332ه-.
121 - دليل القاري ط مصر.
122 - دلائل النبوة: لأبي نعيم، ط حيدرآباد، سنة 1320ه-.
123 - دلائل النبوة: للبيهقي، نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة سنة 1389iJ.
124 - ديوان السيد الحميري، ط دار مكتبة الحياة بيروت.
125 - ديوان دعبل الخزاعي، تحقيق د. نجم، ط بيروت.
126 - ديوان الشاغوري، ط مجمع اللغة بدمشق.
127 - ديوان صفي الدين الحلي، ط بيروت سنة 1892م.
128 - ديوان الصنوبري، تحقيق إحسان عباس، ط دار الثقافة بيروت.
129 - ذخائر العقبى: للمحب الطبري، ط القدسي بمصر.
130 - ذخائر المواريث: للنابلسي، ط مصر.
131 - ذكر أخبار أصبهان: لأبي نعيم الأصفهاني، ط ليدن 1934م.
132 - ذیل تاریخ بغداد :لابن النجار، ط دار الكتب العلمية بيروت.
133 - ذيل اللئالئ: للسيوطي.
134 - ربيع الأبرار: للزمخشري، ط بغداد (الأوقاف).
135 - الرسالة القشيرية، ط أفست بيروت.
136 - رشفة الصادي: للحضرمي، ط مصر.
137 - رحلة ابن جبير، ط لندن، وط مصر سنة 1324ه-.
138 - روح البيان: للبرسوي، ط أفست دار الفكر، بيروت.
139 - روح المعاني: للآلوسي، ط المنيرية بمصر.
140 - الروض الأنف: للسهيلي، ط مصر سنة 1332ه-.
141 - الروض النضير: للسياغي، ط مصر سنة 1388ه-.
142 - الرياض النضرة: للمحب الطبري، طبع النعساني بمصر.
143 - زهر الآداب: للقيرواني، تحقيق البجاوي ط مصر سنة 1372ه-.
144 - السراج المنير للعزيزي، ط الشرفية بمصر سنة 1304ه-.
145 - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: محمد ناصر الدين الألباني، ط بيروت.
146 - سمط النجوم العوالي: للعصامي، ط السلفية.
147 - سنن أبي داود (مع شرح عون المعبود)، ط أفست الهند.
148 - سنن ابن ماجة، ط عيسى البابي، تحقيق عبد الباقي، وط مصر سنة 1313ه-.
149 - سنن الترمذي، نشر المكتبة الإسلامية، تحقيق إبراهيم عطوه عوض، وطبعة الصاوي.
150 - سنن الدارمي، ط الاعتدال بدمشق سنة 1349ه-.
151 - سنن النسائي (حاشية السندي)، ط الأزهرية بمصر.
152 - السنن الكبرى: للبيهقي، ط حيدرآباد، وط أفست دار الفكر بيروت.
153 - سير أعلام النبلاء: للذهبي، ط ذخائر العرب بمصر، وط دار الفكر بيروت.
154 - السيرة الحلبية، ط مصر سنة 1320ه- بالمطبعة البهية.
155 - السيرة النبوية: لابن هشام، ط الحلبي بمصر.
156 - السيرة النبوية لزيني دحلان، المطبوعة بهامش السيرة الحلبية، بمصر،
157 - شرح الخريدة الغيبية في القصيدة العينية: للآلوسي.
158 - شرح الشفاء: لملا علي القاري، ط عثمانية سنة 1316ه-.
159 - شرح الشمائل لجسّوس، ط محمد علي صبيح سنة 1318ه-، وط عثمانية سنة 1316ه-.
160 - شرح الشمائل: لملا علي القاري، ط مصطفى البابي سنة 1346ه-.
161 - شرح صحيح مسلم: للآبي، ط مصر .
162 - شرح صحيح مسلم: للسنوسي الحسيني (بهامش السابق).
163 - شرح صحيح مسلم: للنووي ط مصر.
164 - شرح قصيدة الصاحب بن عباد: للقاضي البهلولي.
165 - شرح المقاصد: للتفتازاني، ط الأستانة.
166 - شرح المواهب اللدنية: للزرقاني، ط الأزهرية سنة 1328ه-.
167 - شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد المعتزلي، ط الأولى بمصر، وط محققة.
168 - شرح نهج البلاغة: لمحمد عبده، ط مصر.
169 - شرح نهج البلاغة: لمحمد حسن نائل المرصفي، ط مصر.
170 - شرح همزية البوصيري (بهامش شرح الشمائل الجسوس) ط مصر سنة 1343ه-.
171 - شرف المصطفى: لأبي سعيد الخركوشي (بتوسط أرجح المطالب).
172 - الشرف المؤبد لآل محمد: للنبهاني، ط الأولى سنة 1309ه- - ط بيروت.
173 - شعر دعبل بن علي الخزاعي، ط دمشق.
174 – الشفاء: للقاضي عياض المالكي ط إستانبول سنة 1304ه-.
175 - شفاء السقام: للسبكي ، ط حيدر آباد.
176 - شفاء الغليل: للخفاجي، ط السعادة بمصر سنة 1325ه-.
177 - شواهد التنزيل: للحاكم الحسكاني، ط بيروت.
178 صبح الأعشى : للقلقشندي، ط دار الكتب.
179 - صحيح البخاري: لمحمد بن إسماعيل البخاري، ط دلهي، الهند، وط بولاق بمصر سنة 1311ه-.
180 - صحیح مسلم: لمسلم بن الحجاج القشيري، ط بولاق، وط محمد علي صبيح وأولاده.
181 - صحيفة الأبرار.
182 - صفة الصفوة: لابن الجوزي، ط حيدرآباد.
183 - الصواعق المحرقة: لابن حجر الهيتمي، الطبعة المصرية بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، والطبعة المصرية القديمة سنة 1312ه-.
184 - طبقات الحنابلة: لابن أبي يعلى، ط السنة المحمدية بمصر سنة
1371ه-.
185 - طبقات الشافعية: للسبكي، ط الأولى بالحسينية بمصر، وط محققة بمصر سنة 1383ه-.
186 - طبقات الصوفية: للسلمي، ط دار الكتاب العربي بمصر سنة 1373 ه-.
187 - الطبقات الكبرى: لابن سعد، ط أفست أوروبا، وط دار المعارف بمصر.
188 – الضعفاء: للعقيلي، ط دار الكتب العلمية بيروت.
189 - عارضة الأحوذي، ط دار العلم للجميع، بيروت.
190 - العقد الفريد: لابن عبد ربه ط بولاق سنة 1302ه-، وط محققة بمصر.
191- العلل المتناهية: لابن الجوزي ط دار الكتب العلمية بيروت..
192 - عمدة القاري: للعيني، ط المنيرية بمصر.
193 - عناية القاضي وكفاية الراضي: للشهاب القاضي.
194 - عيون أخبار الرضا: للشيخ الصدوق، ط الحيدرية بالنجف.
195 - غاية المرام: للسيد هاشم البحراني، ط حجرية.
196 – الغدير: للشيخ عبد الحسين الأميني، ط الحيدري - طهران.
197 غرر الخصائص الواضحة: للوطواط، ط الشرفية.
198 – الفائق: للزمخشري، ط حيدرآباد سنة 1324ه-، وط أفست بيروت محققة سنة 1971م.
199 - فتح الباري: ابن حجر العسقلاني، ط مصطفى البابي الحلبي سنة
1378ه-.
200 - فتح القدير: للشوكاني، ط مصر سنة 1349ه-.
201 - الفتح الكبير: ليوسف النبهاني، ط دار الكتب العربية بمصر.
202 - الفتح المبين: للحكيم الترمذي.
203 - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث: للحافظ العراقي.
204 - الفتوحات الإسلامية: لزيني دحلان، ط دحلان، ط مصر سنة 1354ه-.
205 - الفتوحات الإلهية: للشيخ سليمان الجمل، ط عيسى البابي وشركاه بمصر.
206 - الفتوحات المكية: لابن عربي ط بولاق.
207 - فرائد السمطين: للحمويني، ط مؤسسة المحمودي بيروت.
208 - الفردوس بمأثور الخطاب: للديلمي، نشر دار الكتاب العربي.
209 - الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ط حجرية سنة 1303ه-، وط النجف.
210 – الفضائل: للسمعاني.
211 - فضائل الخمسة في الصحاح الستة: للفيروزآبادي، ط بيروت سنة 1393ه-.
212 - فضائل الصحابة: للبيهقي.
213 - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: للشوكاني، ط لاهور، وط القاهرة سنة 1380ه-.
214 - فيض القدير: للشوكاني، ط مصطفى محمد.
215 - في ظلال القرآن: لسيد قطب، ط الأولى بمصر.
216 - قطر المحيط، ط بيروت سنة 1869م.
217 - القول الفصل: للحداد، ط جاوا.
218 - القول المسدد في مسند أحمد: لابن حجر.
219 - الكافي الشاف لتخريج أحاديث الكشاف: لابن حجر العسقلاني، ط مصطفى محمد.
220 - الكامل في ضعفاء الرجال: لابن عدي، ط دار الفكر بيروت.
221 - كتاب الآل: لابن خالويه (بتوسط أرجح المطالب).
222 - كتاب الرياضة وآداب النفس: للحكيم الترمذي، ط مصر سنة 1947م.
223 - كتاب قادتنا: للسيد محمد هادي الميلاني، ط إيران.
224 - الكشف والبيان: للثعلبي (مخطوط).
225 - کشف الخفاء ومزيل الالتباس: للعجلوني، ط مصر.
226 - كفاية الطالب: للكنجي الشافعي، الطبعة الأولى والثانية ط الحيدرية.
227 - كفاية الطالب: للشنقيطي، ط الأولى بمصر سنة 1355ه-.
228 - كمال الدين وتمام النعمة: للصدوق، ط الحيدرية بالنجف.
229 - كنز العمال: للمتقي الهندي، المطبوع بحيدر آباد (ط الأولى) سنة 1312ه-، و(الثانية) سنة 1385ه-.
230 - الكنز المدفون: للسيوطي ط مصر.
231 - كنوز الحقائق: للمناوي، ط بولاق، ط العثمانية سنة 1305ه-، وط
دار الكتب العربية بهامش الجامع الصغير.
232 - الكنى والأسماء: للدولابي، ط حيدرآباد.
233 - اللثالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: للسيوطي ط الأدبية بمصر سنة 1317ه-.
234 - اللؤلؤ المرصوع: للقاوقجي، ط مصر.
235 - اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، ط عيسى البابي بمصر.
236 - لسان العرب لابن منظور أفست بولاق.
237 - لسان الميزان: لابن حجر العسقلاني، ط حيدر آباد.
238 - مبارق الأزهار: لابن الملك، ط إسلامبول، سنة 1328ه-.
239 - متشابهات القرآن ومختلفه: لابن شهر اشوب، ط سهامي كتاب سنة 1328ه-.
240 – المتفق: للخطيب البغدادي.
241 - مجلة معهد المخطوطات العربية ، ط مصر.
242 - مجمع البيان: للطبرسي، ط صيدا.
243 - مجمع الزوائد: للهيثمي، ط القدسي، سنة 1352ه-.
244 - مجموعة الرسائل المنيرية، ط مصر.
245 - مجموعة الرسائل والمسائل: لابن تيمية، ط المنار سنة 1341ه-.
246 - المجموعة النبهانية، ط بيروت.
247 - المحبّر: لمحمد بن حبيب الهاشمي، ط حيدرآباد.
248 - المحتضر : للحسن بن سليمان الحلي، ط الحيدرية.
249 - مختصر تفسير الطبري: للتجيبي، ط الهيئة العامة للتأليف والنشر بمصر سنة 1390ه-.
250 - مروج الذهب: للمسعودي ط مصر، وط بيروت.
251 - المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري، ط حيدر آباد.
252 – المسلسلات، لأبي محمد جعفر أحمد بن علي القمي، ط طهران سنة 1369 ه-.
253 - مسالك الحنفاء: للسيوطي، ط حيدر آباد.
254 – المستطرف: للأبشيهي، ط حنفي بمصر، وط دار إحياء التراث العربي بيروت.
255 - مسند أحمد بن حنبل، أفست الطبعة الأولى بمصر، وط الثانية بتحقيق أحمد محمود شاكر.
256 - مسند البزار، ط بيروت.
257 - مسند الطيالسي، ط حيدرآباد.
258 - مشارق الأنوار: للصغاني، ط إسلامبول، سنة 1329ه-.
259 - مشارق الأنوار: للحمزاوي، ط مصر بالأزهرية سنة 1328ه- ، وبمطبعة الشرق سنة 1356ه-، وط الشرفية.
260 - مشارق أنوار اليقين: للحافظ ابن رجب البرسي، ط دار الفكر بيروت سنة 1379ه-.
261 - مشكاة المصابيح: للخطيب التبريزي، ط الهند، وط دمشق المكتب
الإسلامي.
262 - مشكل الآثار: للطحاوي، ط حيدرآباد
263 - مصابيح السنة: للبغوي، ط الخيرية سنة 1328ه-.
264 - مصباح الظلام: للجرداني.
265 – المصنف: لابن أبي شيبة طالباكستان، وط دار الفكر بيروت.
266 – المصنف: لعبد الرزاق، ط المكتب الإسلامي بيروت.
267 - مطالب السؤول: لابن طلحة الشافعي، ط الحجرية، إيران سنة 1287ه-.
268 - المطالب العالية: لابن حجر، ط الكويت.
269 - المعارف: لابن قتيبة، تحقيق .د ثروت عكاشة، ط مصر.
270 - معترك الأقران: للسيوطي، ط مصر.
271 - المعجم الأوسط: للطبراني.
272 - معجم شعراء الطالبيين (مخطوط).
273 - المعجم الصغير: للسيوطي، ط دار النصر.
274 - المعجم الكبير: للطبراني، ط بغداد، وط الموصل.
275 - معجم الشعراء: للمرزباني ط مصر.
276 - معجم شيوخ ابن عساكر.
277 - المعرفة والتاريخ: للفسوي، ط بغداد (الأوقاف).
278 - معرفة الصحابة: لأبي نعيم، ط مكتبتي الدار والحرمين بالرياض، سنة 1408ه-.
279 - معرفة علوم الحديث: للحاكم، ط دار الكتب المصرية.
280 - المغني عن حمل الأسفار في الأسفار: للعراقي، ط عيسى البابي بمصر.
281 - المغني: للقاضي عبد الجبار، ط مصر.
282 - مقاتل الطالبيين: لأبي الفرج الأصفهاني، تحقيق صقر، ط مصر.
283 - المقاصد الحسنة: للسخاوي، ط القاهرة سنة 1375ه-.
284 - مقتل الحسين للموفق الخوارزمي، ط الزهراء في النجف سنة 1367ه-.
285 - مناقب آل أبي طالب: ابن شهر اشوب السروي، ط حجرية، وط الحيدرية.
286 - مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: لأحمد بن حنبل (نسخة مصورة)، وط مكة المكرمة.
287 - مناقب علي بن أبي طالب عليه السّلام: لابن المغازلي، ط الإسلامية سنة 1394ه-.
288 - مناقب علي بن أبي طالب عليه السّلام: للخوارزمي، ط تبريز سنة 1213ه-، ط الحيدرية.
289 - مناقب الكلابي المطبوع في آخر مناقب ابن المغازلي، ط الإسلامية سنة 1394ه-.
290 - منحة المعبود، ط المنيرية بالأزهر سنة 1372ه-.
291 - منتخب ذيل المذيّل: للطبري، ط الاستقامة بمصر.
292 - منتخب الصحيحين، ط التقدم.
293 - منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد): المتقي الهندي.
294 - منهاج السنة: لابن تيمية، ط الأولى بمصر.
295 - منهاج الكرامة: للعلّامة الحلي، ط حجرية.
296 - مودة القربى: للسيد علي الهمداني (ضمن ينابيع المودة) ط إسلامبول، سنة 1302ه-.
297 – المواقف: للعضد الايجي.
298 - المواهب اللدنية: للقسطلاني.
299 - موضح أوهام الجمع والتفريق: للخطيب البغدادي، ط حيدر آباد.
300 – الموضوعات: لابن الجوزي، ط محققة، نشر محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، سنة 1389ه-.
301 - الموطأ بشرح تنوير الحوالك، ط مصر.
302 - ميزان الاعتدال: للذهبي، ط محققة بمصر.
303 - نزهة المجالس للصفوري، ط محمد علي صبيح.
304 - نظم درر السمطين: للزرندي، ط القضاء، النجف.
305 - النقض على العثمانية: أبو جعفر الإسكافي ط مصر سنة 1352ه-، نشر السندوبي.
306 - النهاية في غريب الحديث: لابن الأثير، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت.
307 - نهاية الارب: للنويري، ط دار الكتب المصرية.
308 - نهاية الاقدام: للشهرستاني، ط أفست.
309 - نور الأبصار: للشبلنجي، ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 1398ه-، وط مصر سنة 1312ه-.
310 – الهداية: للشيخ الصدوق، ط إسلامية، إيران.
311- وفيات الأعيان: لابن خلكان، ط محققة، بيروت، وط الأولى بمصر بولاق.
312 - ينابيع المودة: للقندوزي الحنفي، ط إستانبول، سنة 1302ه-.
الموضوع ... الصفحة
حديث رد الشمس ... 5
أسماء الصحابة الذين رووا الحديث ... 21
أسماء المؤلّفين في خصوص الحديث ... 24
كشف بأسماء من صحَّح الحديث من العلماء... 27
رد الشمس ببابل ... 32
مواقف أمير المؤمنين عليه السّلام في نصرة الإسلام ... 41
الموقف الأول: يوم بدر ... 42
الموقف الثاني: يوم أحد ... 53
الموقف الثالث: يوم خيبر. .. 73
ضربة علي يوم الخندق تعدل أعمال الثقلين ... 75
مصادر الحديث ... 91
بقية مواقف أمير المؤمنين عليه السّلام في نصرة الإسلام ... 97
ما كان في السنة الثانية من الهجرة ... 99
غزوة الأبواء، غزوة طلب كرز الفهري، غزوة ذي العشيرة ... 99
غزوة بني سليم. .. 101
ما كان في السنة الثالثة من الهجرة غزوة حمراء الأسد ... 102
ما كان في السنة الرابعة من الهجرة ... 104
غزوة بني النضير ... 104
غزوة بدر الموعد ... 107
ما كان في السنة الخامسة من الهجرة. .. 108
غزوة بني المصطلق ... 108
غزوة بني قريظة ... 110
ما كان في السنة السادسة من الهجرة. .. 113
إرساله إلى حسمى وراء وادي القرى ... 113
سريته إلى بني سعد بن بكر بفدك ... 114
صلح الحديبية ... 116
محاولة إنكار كون أمير المؤمنين عليه السّلام هو كاتب الصلح ... 118
ممالأة الشيخين لقريش لما استشارهما النبي صلّي الله عليه و آله ... 119
إنكار عمر على النبي صلّي الله عليه و آله أمر الصلح ... 121
أن عبد الله بن عمر بايع بيعة الشجرة قبل أبيه ... 122
ما كان من أصحاب النبي صلّي الله عليه و آله بعد الصلح ... 125
ما كان من مواقف أمير المؤمنين عليه السّلام في السنة السابعة من الهجرة ... 127
غزوة خيبر ، غزوة وادي القرى ... 127
عمرة القضاء ... 128
ما كان في السنة الثامنة من الهجرة ... 129
غزوة ذات السلاسل ... 129
قراءة فاحصة في التراث الشيعي ... 131
ما هي حصيلة ما قرأناه في التراث الشيعي؟ ... 138
قراءة فاحصة في التراث السني ... 139
قسم السيرة النبوية ... 146
ما جاء في كتب التاريخ ... 153
ما جاء في كتب الحديث. .. 155
حصيلة ما قرأنا في التراث السني. .. 172
مقارنة بين الحصيلتين من التراثين الشيعي والسني ... 174
غزوة فتح مكة ... 180
يوم الغميصاء مع بني جذيمة ... 185
يوم حنين ... 190
موقف الإمام عليه السّلام، في ذلك اليوم. .. 195
غزاة الطائف ... 200
إبهام وإيهام في سرايا الإمام إلى اليمن. .. 202
سريته الأولى إلى اليمن وإسلام همدان ... 204
مواقف بطولية مزيفة ... 208
ما كان في سنة تسع من مواقف أمير المؤمنين عليه السّلام، في نصرة الإسلام ... 213
سريته عليه السّلام إلى الفلس ... 213
سريته إلى مذحج ... 218
بعثه عليه السّلام إلى اليمن لهداية أهلها. .. 247
بعض قضاياه عالية، وأحكامه في عهد الرسول صلّي الله عليه و آله وهو باليمن ... 250
المعاذ من خبر معاذ. .. 253
آخر مرة ذهب فيها أمير المؤمنين عليه السّلام لليمن ... 259
ماذا روى ابن كثير وماذا رأى؟ ... 260
آثاره عليه السّلام في اليمن ... 266
ماذا حصل من اليمن؟ ... 269
علمني رسول الله ألف باب من العلم. .. 275
المبيت في فراش النبي صلّي الله عليه و آله ليلة الهجرة ... 280
الاحتجاج بالمبيت على الفراش ... 286
خاطرة ... 290
خاطرة على خاطرة. .. 293
الخلفاء الاثنا عشر ... 303
ماذا عن أحاديث الاثني عشر خليفة؟ ... 305
شواهد التعتيم ... 306
تناقض عجیب ... 313
مرویات ابن عباس حبر الأمة في الأئمة الاثني عشر. .. 316
ما لهم من محيص ... 237
ماذا قال بعض المحققين؟ ... 328
ماذا قال أمير المؤمنين عليه السّلام؟ ... 330
كثرة فضائل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ... 332
أحاديث نبوية ... 333
شهادات صحابية وتابعية. .. 334
أقوال التابعين ... 338
أقوال الأعلام من أئمة الإسلام. .. 339
أمير المؤمنين عليه السّلام وصي رسول الله صلّي الله عليه و آله ... 347
نصوص نبوية ... 352
عواقب جحد النص على الأئمة عليهم السّلام ... 362
خاتمة الأرجوزة ... 416
تأريخ إتمام الأرجوزة ... 419
ختامها مسك ... 423
مسك الختام ... 428
المصادر ... 431
الفهرس ... 451
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ