ghaemiyeh.com
على امام البررة
نظم
زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي
قدم له
آية الله العظمى السيد علي الحسيني البهشتي
شرح
السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان
الجزء الثاني
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1424هـ - 2003م
دار الهادي
للطباعة والنشر والتوزيع
محرر الرقمي: محمد مبين روزبهاني
على امام البرة
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1424هـ - 2003م
دار الهادي
للطباعة والنشر والتوزيع
هاتف : 01/550487 - 03/896329 - فاكس: 541199 - ص.ب: 286 / 25 غبيري - بيروت - لبنان
Tel.:03/896329-01/550487 - Fax: 541199- P. O. Box: 286/25 Ghobeiry - Beirut - Lebanon
E-Mail: daralhadi @daraihedl.com - URL: http: //www. daralhadi.com
على امام البرة
نظم
زعيم الحوزة العالمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي قدس سره الشريف
قدم له
آية الله العظمى السيد علي الحسيني البهشتي دام ظله الوارف
شرح
السيّد محمد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان عفي عنه
الجزء الثاني
دار الهادي
للطباعة والنشر والتوزيع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
98 - قَدْ بَرَزَ الإيمان كله إلـ *** الكفر جميعاً قَالَهُ هَادِي المٍلَلْ
أشار سيدنا الناظم دام ظله إلى الحديث النبوي الشريف، الذي قاله في غزوة الخندق: برز الإيمان كله إلى الشرك كلّه.
ولا بد لنا من وقفة لنتعرف فيها على زمان ومكان ودواعي صدور الحديث الشريف، لتسليط الأضواء على أجواء ذلك الموقف المكفهر بأنواع المخاطر والمخاوف يومئذ.
فالزمان: شوال من السنة الخامسة للهجرة كما في جملة من كتب التاريخ والسيرة والحديث.
والمكان: هو خارج المدينة من جانب جبل سلع.
والدواعي: هي الأحداث المتلاحقة من تحالف يهود بني النضير مع
مشركي قريش على استئصال المسلمين بقتل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وجميع من معه، وأخيراً نقض يهود بني قريظة ما كان بينهم وبين النبي من العهود وانضمامهم إلى الأحزاب، ولما بلغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ذلك اتخذ الاحتياطات اللازمة بعد مشاورة الصحابة، فحصن النساء والذرية ومعهم بعض ضعاف النفوس كحسان بن ثابت في الآطام، وخرج بالمسلمين خارج المدينة، وأمر بحفر الخندق - بمشورة سلمان عليه في ذلك - وشارك هو (صلی الله علیه و آله و سلم) بنفسه في ذلك، وظهرت له في ذلك آيات وكرامات.
ولما أقبلت جموع الأحزاب، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم، حاصروا المسلمين من كل جانب، حتى مسهم الضر، واستولى عليهم الخوف ، وزادهم غماً على غم ما يعانون من الجوع والبرد.
وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يشد من عزائمهم، وبعدهم بالنصر والغنائم، وما سوف يفتح الله عليهم، إلا أن المنافقين الذين كانوا بين صفوف المسلمين أشاعوا الذعر بينهم حتى استحوذ الخوف عليهم، فلقي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من جراء ذلك العنت والعناء، إذ أحس في المسلمين الضعف والخوف والخور قبل أن يلاقوا البأساء، ففزع إلى ربه يضرع بالدعاء، فصعد جبل سلع، ووقف حيث مسجده القائم مكانه حتى يومنا الحاضر ويعرف بمسجد الفتح ومسجد الأحزاب، قائلا: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم، وانصرنا عليهم.
وكان يقول : لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده. وقام (صلی الله علیه و آله و سلم) في الناس فقال: يا أيها الناس
لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإن لقيتم العدو فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف.
ودعا (صلی الله علیه و آله و سلم) بقوله: يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرين، اكشف همي وغمي وكربي، فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابي.
وقال له المسلمون: هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر ؟ قال: نعم، قولوا: اللهم استر عورتنا، وآمن روعتنا.
إلى غير ذلك مما روي عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) من الدعاء.
وقد وصف الله سبحانه وتعالى حال المسلمين والمشركين والمنافقين واليهود في تلك الواقعة، وما فيها من الأحداث الجسام ومشاهد الخوف، أبلغ وصف، ففي صدر سورة الأحزاب - وسميت بذلك لاشتمالها على ذكرهم من الآية التاسعة وحتى الآية السابعة والعشرين - ومنها قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ باللهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا(1). ولم تكن آيات سورة الأحزاب هي وحدها التي تحدث فيها القرآن
1) سورة الأحزاب، الآيات 9-12.
عن تلك الواقعة، بل ثمة آيات أخر:
ففي سورة البقرة الآية 214.
وفي سورة آل عمران الآيتان 26-27.
وفي سورة النساء الآية 51.
وفي سورة الأنفال الآيتان 56-57.
وفي سورة النور الآية 62.
علي إمام البررة: الجزء الثاني
إلى غير ذلك من آيات الكتاب المجيد، التي ذكر المفسرون أنها كانت في وصف أحوال الناس في تلك الواقعة.
ويكفينا ما قرأناه في سورة الأحزاب من وصف رائع ومريع لحالة المسلمين، وهو تصوير خطورة المشاهد عند المسلمين والكفار والمنافقين ، ويزداد لنا التصوير وضوحا إذا رجعنا إلى كتب التفسير والسيرة والتاريخ، نستعرضها فنرى فيها تفصيل ما أجمله القرآن، وتأويل ما أنزله، ونقرأ فيها باتفاق الرواة عن مشهد من مشاهد تلك الواقعة :
إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لما أحاط به المشركون وضيقوا الحصار على المسلمين ورأى خور أصحابه، اشتدت ضراعته إلى الله تعالى وأتاه الوحي بوعد النصر، فكان يخبر المسلمين بذلك ليشدّ من عزمهم ويهدئ من روعهم، ولكنهم كلما اشتد عليهم الحصار ومستهم الضراء تخاذلوا، هذا حالهم ولم يكن بينهم وبين عدوهم بعد قتال، ولم تمسَّهم البأساء، وازداد هلعهم لما اقتحم فوارس المشركين مكاناً ضيقاً من الخندق فعبروه، وجالت بهم
خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، فعند ذلك خرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق بهم خيلهم، وهم عمرو بن عبدود وابنه حسل، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخطاب - أخو عمر بن الخطاب - كما في موضع في السيرة الحلبية، وفي مصادر أخرى أنه الفهري(1).
وجاء في تاريخ الخميس وغيره أن أبا سفيان وخالد بن الوليد وفوجاً من رؤساء قريش وكنانة وغطفان كانوا مصطفين على الخندق، فقال عمرو بن عبد ود لأبي سفيان: ما لكم لا تعبرون؟ قال أبو سفيان: إن احتيج إلى عبورنا نعبر أيضاً.
وكان عمرو بن عبدود من مشاهير الأبطال وشجعان العرب ، وكانوا يعدلونه بألف رجل، كذا قال الديار بكري في تاريخ الخميس(2)، ووصفه الصفدي بقوله : وكان جباراً عنيداً غليظاً عتلا من الرجال(3).
وكان عمرو بن عبد ود ثالث قريش فيما وصفوه، قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراح ولم يشهد أحداً ، فلما كان يوم الخندق خرج معلماً ليري مشهده ومكانه وهو ابن تسعين سنة، فلما وقف هو وخيله صاح: من بیارز؟
فأخرس الخوف لسان المسلمين، فندبهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إليه ورغبهم، فقام علي فقال: أنا له يا رسول الله. وأخرس الخوف لسان الباقين، فقال الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم): إنه عمرو، اجلس.
ونادى عمرو ثانية: ألا رجل؟ وجعل يسخر منهم ويؤنبهم ويقول: أين جئتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها، أفلا تبرزون إلى رجلاً؟
وندبهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ثانية فتهيوا عمراً، وما أجابه غير علي، قال: أنا له يا رسول الله. فقال: اجلس. فنادى عمرو الثالثة وجعل يقول:
ولقد بُحِحتُ مِن النداءِ يجمعِكم هَلْ مِنْ مُبارز
ووقفتُ إذ جَبُنِ المشجعُ موقفَ القرنِ المناجِز
وكذاك إني لم أزل متسرَّعا قبل الهزاهِز
إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز
وأبلس المسلمون، هذا والرسول يدعوهم وهم محجمون، فقام علي وقال: جعلت فداك أنا له يا رسول الله(1). فقال: إنه عمرو. فقال: وإن كان عمرو. فأذن له، وأدناه وقبله وأعطاه سيفه ذا الفقار، وألبسه درعه الحديد، وعمَّمه بعمامته السحاب، ودعا له، وخرج معه خطوات كالمودع له، القلق
1) قال القلقشندي في صبح الأعشى 433/1 ، ط دار الكتب: وقيل: أول من قال: (جعلت فداك يا رسول الله) علي بن أبي طالب حين دعا عمرو بن عبد ود العامري إلى المبارزة، فقال علي: (جعلت فداك يا رسول الله أتأذن لي)، ثم استعملها الكتاب بعد دلك في مكاتباتهم.
لحاله، المنتظر لما يكون منه، ثم لم يزل يدعو له رافعاً يديه إلى السماء ضارعاً يقول: اللهم أعنه عليه. ثم رفع عمامته إلى السماء وقال: إلهي أخذت مني عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وهذا علي أخي وابن عمي، فلا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين(1).
وفي هذا الحال قال (صلی الله علیه و آله و سلم): برز الإيمان كله إلى الشرك كله. وسيأتي ما يتعلق بفحوى هذا الحديث مع ذكر مصادره.
ولما قصد علي عمراً أنشأ يقول:
لا تعجلنَ فقد أتاك مجيبُ صوتِك غير عاجز
ذو نَيَّةٍ ويصيرةِ والصدقُ مُنجي كل فائز
إني لأرجو أن أُقيمَ عليكَ نائحةَ الجنائز
مِن ضربة نجلاءَ يبقى ذكرُها عندَ الهزاهز
فقال له عمرو: من أنت؟ وكان علي مقنعا بالحديد فلم يعرفه، قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب.
فقال عمرو: غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك -وكان سنّه يومئذ دون الثلاثين - فإني أكره أن أهريق دمك، فإن أباك كان لي صديقا، فارجع فإني لا أحب أن أقتلك.
قال ابن أبي الحديد: كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول - إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع -: والله ما أمره بالرجوع إبقاءاً
1) السيرة الحلبية 319/3. سيرة زيني دحلان بهامشها 111/3.
عليه، بل خوفاً منه، فقد عرف قتلاه ببدر وأحد، وعلم أنه إن ناهضه قتله، فاستحيا أن يظهر الفشل، فأظهر الإبقاء والإرعاء، وإنه لكاذب فيهما(1).
قالوا: فقال له علي: لكني أحب أن أقتلك. فقال: يا ابن أخي إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، فارجع وراءك خير لك. فقال علي (علیه السّلام): إن قريشاً تتحدث عنك أنك قلت: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلا أجبت إلى واحدة منها. قال: أجل.
فقال علي (علیه السّلام): إني أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتسلم لرب العالمين.
فقال: يا ابن أخي أخر هذه عني.
قال: وأخرى ترجع بمن معك إلى بلادك، فإن يك محمداً صادقاً كنت أسعد الناس به، وإن يك كاذبا كفتك ذوبان العرب ذلك.
قال: هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبداً، أن غلاما خدعني، كيف وقد قدرت على استيفاء ما نذرت. (وذلك أنه لما أفلت من بدر نذر أن لا يمس رأسه دهناً حتى يقتل محمداً).
قال: ففي الثالثة ما هي؟
قال: فإني أدعوك إلى البراز. فضحك عمرو وقال: إن هذه الخصلة ما كنت أظن أن أحداً من العرب يرومها مني ويروعني بها.
فقال: كيف أقاتلك وأنت على فرسك؟ انزل.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 64/19 ط محققة.
فغضب وحمي واقتحم عن فرسه فعقر فرسه، وقيل: ضرب وجهه ففر، وأقبل بسيفه كأنه شعلة نار - كما يصفه أصحاب السيرة - فتنازلا وتجاولا.
قال الواقدي وابن إسحاق كما في شرح النهج لابن أبي الحديد: وجاءت عظماء الأحزاب فوقفت من وراء الخندق ومدت أعناقها تنظر. واستقبله علي بدرقته، فضربه عمر فقدها وأثبت السيف فيها، وأصاب رأس علي فشجّه، وضربه علي على حبل العاتق فسقط.
قال الواقدي وابن إسحاق : فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون، إلى أن سمع الناس التكبير عاليا من تحت الغبرة، فعلموا أن عليا قتله، وانجلت الغبرة عنهما، وعلي راكب صدره يحز رأسه.
وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: ثم انجلت عنهما وعلي يمسح سيفه بثوب عمرو وهو قتيل(1).
ولما قتل علي عمرواً حمل عليه من أصحاب عمرو الذين كانوا معه قد اقتحموا الخندق، وهم ضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب، وحسل بن عمرو، فأقبل عليهم علي، فولى ضرار هارباً ولم يثبت، وأما هبيرة فثبت ثم ألقى درعه وهرب، وكر علي على حسل بن عمرو فقتله كما في الفصول المهمة(2)، وفرَّ الباقون منهزمين، فعكرمة بن أبي جهل ألقى
رمحه - كما قال ابن هشام وغيره - وفرّ منهزماً، وأما نوفل بن عبد الله ففرَّ منهزما، فقصر به فرسه عن عبور الخندق فوقع فيه، فرماه المسلمون بالحجارة، فقال: يا معاشر الناس قتلة أكرم من هذه. فنزل إليه علي فقتله(1).
ويكاد أن يجمع المؤرخون وأصحاب السير أن عليا لما قتل عمراً انهزم أصحاب عمرو، واتفقوا على قولهم: وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت الخندق هاربة.
ورجع علي متهللاً، ودمه يسيل من رأسه وبيده رأس عمرو، فقال له (صلی الله علیه و آله و سلم): أبشري يا علي فلو وزن عملك بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم، وذلك لم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عزّ بقتل عمرو(2).
وورد في جملة من السير والتاريخ أن عليا لما قتل عمروا قال (صلی الله علیه و آله و سلم): لضربة علي يوم الخندق - خير - أفضل من عبادة الثقلين.
وفي لفظ آخر: المبارزة علي بن أبي طالب العمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عمل - أعمال - أمتي إلى يوم القيامة.
كما ورد أيضاً في جملة من مصادر التاريخ والسيرة أن عليا لما قتل عمراً وأقبل وهو متهلل قال له عمر بن الخطاب: هلا سلبته درعه، فإنه
ليس في العرب درع خير منها .
قال: إني حين ضربته استقبلني بسوأته، فاستحييت ابن عمي أن اسليه.
أقول: ما كان أمير المؤمنين (علیه السّلام) يفعل ذلك، لأنه على حد قول الشاعر:
تلكم أسُودُ الغابِ همَّتها *** عندَ اللقاءِ هو المسلوبُ لا السلَبُ
فتخطفُ الروحَ بالبتَّار تزهقُها *** ما قيمةُ الدرعِ حتى لَوْ هِيَ الذهبُ
أليس علي هو القائل في ذلك اليوم:
أعليَّ تقتحمُ الفوارسُ هكذا *** عني وعنهم سائلوا أصحابي
فاليومَ تمنعني الفرارَ حفيظتي *** ومصمَّم في الرأسِ ليس بنابِ
أدى عمير حين أخلصَ حقله *** صافي الحديدةِ يستفيض ثواب
فغدوتُ التمسُ القراعَ بمرهَفٍ *** عضبٍ مع البتراءِ في أقرابِ
قال ابنُ عبدِ حين شدّ إليةً *** وحلفتُ فاستمعوا من الكذابِ
ألا يفرَّ ولا يهلل فالتقى *** أسدانِ يلتقيانِ كل ضرابِ
نصَرَ الحجارةَ مِن سفاهةِ رأيِه *** ونصرتُ ربَّ محمدٍ بصوابِ
فصدرتُ حينَ تركتُه متجدلا *** كالجذع بين دكادكٍ وروابِ
وعففتُ عن أثوابِه ولو انني *** كنتُ المقطرَ بزَّني أثوابي
لا تحسَبن الله خاذِلَ ديِنه *** ونبَّيه يا معشرَ الأحزابِ
أقول: لم أذكر ما ذكرت عن واقعة الأحزاب لأروي قصة يتلهى بها القارئ، لما فيها من مشاهد بطولية وأناشيد حماسية، فلست من القصاصين.
ولم أذكر ما ذكرت عن واقعة الأحزاب لأستخلص العبرة للمؤمنين، فما أكثر العبر في هذه الحياة الدنيا وأقل المعتبرين.
ولم أذكر ما ذكرت عن واقعة الأحزاب لأشيد بذكر أمير المؤمنين وأرفع من مقامه السامي، فقد عرف مقامه وشوهدت أيامه، وهو فوق مدح المادحين.
لا، لا، ليس هذا ولا ذاك، وإنما ذكرت ما ذكرت لأؤكد الحقيقة الثابتة التي احتقدها الأولون، واهتضمها التالون، فأحاطوها بنسائج التضليل وخدع الأباطيل، وغفلوا عن أنها الحقيقة، والحقيقة هي من الحق الذي لا يموت، ولا يلفّها نسيج العنكبوت، مهما طال عليها الزمان ، وتعاظم صلف الإنسان، فهي لا تدخل في قاموس النسيان.
وما دروا أن القوة التي تمادى بها لسان عمرو بن عبدود متحديا جموع المسلمين كانت تمثل قوة المشركين، والقوة التي يعتمر بها صدر ابن أبي طالب هي قوة الإيمان، فأين قول اللسان من إيمان الجنان؟
تلكم هي الحقيقة التي استحقت تكريم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تعريفه لعلي (علیه السّلام) بقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): برز الإيمان كله إلى الشرك كله.
ولقد أثار هذا التكريم له وما استتبعه من الثناء والإطراء عليه من
سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) كقوله: لضربة علي لعمرو بن عبدود تعدل عبادة الثقلين.
وفي لفظ آخر : المبارزة علي يوم الخندق أفضل من عمل - أعمال - أمتي إلى يوم القيامة.
كل ذلك أثار حفيظة الحاقدين، فلم يطيقوا سماع هكذا تكريم لعلي بطل الإيمان العظيم، كما لم يرق لهم قتل علي وحده لعمرو بن عبدود، وأخيراً لم يرضوا له حتى تكرمه وعفته عن سلب عمرو درعه التي ليس للعرب خير منها كما قال عمر بن الخطاب.
لم يهضموا ذلك كله بل اهتضموه، فنقت الضفادع في مستنقع الضغائن، وطَنَّ الذباب على بخر تلك الأفواه، وما ذلك إلا أنهم استحبوا العمى على الهدى.
فقال الجاحظ، وقال ابن تيمية، وقال الذهبي، وعلى نغم أوتارهم رقصت أقلام الزعانف، وسودوا الصحائف.
ولو أردنا أن نتلمس الأسباب في تلك النفوس المريضة، فلا تعدوا أنهم لم يستمرثوا طعم الإيمان على حقيقته، وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
وإلا فما بالهم يغيظهم تكريم النبي لعلي بقوله: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله»، و «ضربة علي لعمرو بن عبد ود تعدل عبادة الثقلين»، فشكوا في صحة الحديث، وناقشوا في دلالته.
وما بالهم يغيظهم قتل علي بمفرده لعمرو، فلزّوا به غيره ممن ليس هناك في موكب ولا منكب؟
وما بالهم يغيظهم عفة علي عن درع عمرو، فقالوا فيها ما قالوا كما سيأتي بيانه؟
وما بالهم يغيظهم حتى أن يكون علي أول من قال للنبي: (جعلت فداك، أنا له يا رسول الله)، فذكروا ذلك بصيغة التمريض فقالوا: وقيل: إن عليا ... الخ.
نعم إنما يغيظهم ذلك كله لأن كلها أمور كانت تدور في فلك واحد، وحول شخص واحد، وتنطلق من مبدأ واحد، وهو الإيمان الذي كان علي يجسده، حيث تجلت شخصيته به وفيه على حقيقتها في كل نواياها وسجاياها في ذلك اليوم.
فالنقاط الثلاث الأولى حلقات متماسكة مترابطة لا يشذ بعضها عن بعض، ينظمها سلك الإيمان، فهي تدور في فلكه، وما الرابعة بدونها، فعلي هو الإيمان كله كما يقول الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم).
وعلي أول من يدعو عمراً إلى الإيمان فيأباه فيقتله.
وعلي لا يسلب عمراً درعه لأنه استحيا حين استقبله عمرو بسوأته، والحياء من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ومن لا حياء له لا إيمان له.
وعلي يفتدي النبي بنفسه، لأن ذلك من محض الإيمان.
إذن فالإيمان هو علي قلبا وقالباً، والإيمان هو علي علماً وعملاً،
والإيمان هو علي حين نصبه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ميزاناً للمعادلة بين المؤمنين والمنافقين، فقال: يا علي لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق.
وقال: حب علي من الإيمان، وبغضه من الكفر - من النفاق -.
ولنرجع الآن إلى الثلاث الأول لنراها ماذا كانت تعني؟ وما حقيقة تأثيرها سلبا وإيجابا ؟
1 - تكريم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يكن اعتباطاً وإعجاباً ولا محاباة لابن عمه، وإنما قاله - وهو الصادق الأمين - تقديرا للحقيقة التي تحداها عمرو بن عبد ود حين اقتحم بفوارسه الخندق وجال هو ومن معه مستعرضا عضلاته - كما يقولون - ومستهيناً بالمسلمين حين تحدَّاهم بطلب مبارزة رجل منهم مدلاً بشجاعته، وهم محجمون وجلون، وزاد الأمر محنة دعوة النبي لهم محرضاً، مرغباً ومرهباً وهم عنه معرضون، فلم يستجب لدعوته غير علي الذي كان يقول للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في كل مرة: أنا له يا رسول الله. والنبي يجلسه ويقول له: إنه عمرو. وعلي يقول له: جعلت فداك يا رسول الله أتأذن لي؟ فكان أول من أجاب، كما كان أول من قال كلمته: جعلت فداك يا رسول الله .
وما يعني النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بذلك قولا وعملا؟
هل هو مجرد الشفقة على ابن عمه خشية أن يخبطه عمرو بسيفه، وقد كان عمرو - كما يقول الصفدي: جباراً عنيداً غليظاً عتلاً من الرجال؟
كيف يكون ذلك ، والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يسبق له أن قذفه في لهوات الحروب،
فكان معه في حروبه ومغازيه، فأخرجه يوم بدر مع حمزة وعبيدة لقتال عتبة وشيبة والوليد، فقتل حمزة شيبة، وقتل علي الوليد، ثم مالا على عتبة فقتلاه .
وكانت تلك أول مبارزة وقعت في الإسلام، كما أن بدراً كانت أول وقعة اصطدام بين المسلمين والمشركين، فكانت أول اختبار عملي لقوة الطرفين، فقتل فيها من المشركين سبعون، وأسر سبعون.
ويكاد يجمع المؤرخون على أن قتلى علي في هذا العدد اثنان وعشرون قتيلا، قتلهم أو شارك في قتلهم، بينما يقول ابن أبي الحديد: قتل فيها - بدر - سبعون من المشركين، قتل علي (علیه السّلام) نصفهم، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر. وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الأشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك(1).
كما أنه قد خبره يوم أحد، وقد حمل لواءه وكان يتقدم به ويقول: أنا أبو القصم.
فناداه أبو سعد بن أبي طلحة وكان حامل لواء المشركين: هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم.
قال ابن هشام: فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين، فضربه علي فصرعه، ثم انصرف ولم يجهز عليه. فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، وقال: نشدتك بالله والرحم. فعطفتني
1) شرح نهج البلاغة، ص 14 ط مصر الأولى، ص 77 .
عليه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله.
وكذلك كان فقد مات من ضربة علي.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وكان علي بن أبي طالب يومئذ أشد الناس قتالاً بين يديه - أي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) -. رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجالهما رجال الصحيح(1). وفي جامع ابن وهب مثله بتفاوت يسير .
وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن سعيد بن المسيب، قال: لقد أصابت علي يوم أحد ست عشرة ضربة، كل ضربة تلزمه الأرض، فما كان يرفعه إلا جبرئيل (علیه السّلام)(2).
وذكر ذلك السيوطي في تاريخ الخلفاء إلى قوله ست عشر ضربة ، وحذف الباقي، فظنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبر.
إذن فماذا يعني قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): (إنه عمرو) وهو لا يقول الهجر، فهل يعني ذلك اختبار المسلمين في إيمانهم، وإخبارهم بعظمة التضحية التي سيبذلها من كان يستجيب الله ورسوله إذا دعاهم لما يحييهم.
وهل يعني في ذلك في التكرار بأن مبارزة عمرو في ذلك الموقف الحاسم لتفوق جهاد الآخرين في سائر المواقف مهما عظمت الأقدار وجلت التضحيات، فهو ترغيب أقوى منه ترهيب، فلذلك ترك الباب
مفتوحاً أمام الراغبين في نيل الفضيلة، فيدعوهم ثلاثاً، ويكف عليا عسى أن يستجيب لدعوته آخرون وقد فسح أمامهم المجال، لكن أين وأنى وقد أصابهم من الخوف الزلزال فارتعدت فرائصهم قبل حلول النزال والقتال.
ولم يجد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من أصحابه من ينبس ببنت شفة فيجيب دعوته غير علي، فما عسى تراه أن يصنع غير أن يدعو من استجاب له وعرف صدقه ومفاداته منذ بدء دعوته فآمن به، فكان أول مؤمن ذاق طعم الإيمان، فاستمرأه حتى خالط لحمه ودمه(1)، وبقي على ذلك الإيمان النقي، لم يشبه بشائبة كبقية المسلمين على مالهم في الإيمان من الدرجات ، فهو يزيد وينقص.
ولو لم يستجب علي في ذلك اليوم الذي بلغت فيه القلوب الحناجر، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، كيف يكون حال المسلمين؟ وما هو مصير عيالاتهم وذراريهم المحصورين في آطام المدينة؟
أليس هو انقضاض عمرو ومن معه يتبعهم بقية المشركين ، فيضعون السيف في رقاب أولئك الخائفين، فيفنونهم عن آخرهم، ثم يستبيحون المدينة، فيذبحون الأبناء، ويستحيون النساء، وبالتالي فقد يستأصلون شأفة المسلمين، ولا يبقى للإسلام ذكر تسمع به الدنيا إلا من خلال ما يتغنى به المشركون في أسمارهم وأشعارهم عن انتصاراتهم مثل أحاديث أيامهم في
1) مضمون حديث نبوي أخرجه الموفق بن أحمد في المناقب، ص 77 ط حجرية سنة 1313هـ مسنداً جاء فيه: والإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي.
الجاهلية الأولى؟
لذلك كان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في ذلك الموقف البطولي هو وحده بمبارزته قد مثل الإسلام وجسده، كما كان عمرو بن عبد ود يجسد الشرك حين تجرأ وحده مع كبر سنه، فكان أول من اقتحم الخندق، وأول من دعا إلى المبارزة، وأول من أسمع المسلمين سخريته وتوبيخه، وزرع الخوف في النفوس حتى خارت العزائم وماتت الهمم.
إذن فعلي هو الإيمان كله، وبحق استحق تكريم الصادق الأمين (صلی الله علیه و آله و سلم)، فكرمه بقوله : برز الإيمان كله إلى الشرك كله.
وهذا ما ذكرته المصادر التالية:
فقد رواه الكراجكي في كنز الفوائد(1)، وابن المجاور في تاريخ المستبصر(2)، والخوارزمي في المناقب(3)، وأبو جعفر الإسكافي في نقض العثمانية(4)، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة(5)، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(6)، وأقرَّ بصحته الفضل بن روزبهان في كتابه إبطال
1) كنز الفوائد، ص 136 - 137 ط حجرية.
2) تاريخ المستبصر، ص 176 ط ليدن سنة 1951م.
3) المناقب، ص 64 ط حجرية سنة 1313هـ.
4) نقض العثمانية، ص 60 (مجموعة رسائل الجاحظ) جمع السندوبي، ط الأولى سنة 1352هـ، ص 324 بتحقيق عبد السلام محمد هارون، ط مصر سنة 1374هـ.
5) ينابيع المودة ، ص 94 ط إسلامبول سنة 1302هـ
6) شرح نهج البلاغة 344/4 ط مصر الأولى.
الباطل(1).
وجاء في كتاب (علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة) لعبد الكريم الخطيب بلفظ : (الآن برز الإسلام كله للشرك كله)، والمعنى واحد.
2 - وأما قتل علي لعمرو بن عبدود، فقد مرَّ بنا ما يقوله الرواة من أنه دعاه أول ما دعاه إلى الإيمان بالله وبرسوله لكنه أبى، فدعاه إلى الرجوع بجموعه ، والكف عن المحاربة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فأبى ذلك أيضاً، وأصرَّ على عناده وغيه، فلم يكن أمام علي من خيار غير المبارزة، وهذا ما حدث حتى قتله، فانظر إلى أن دعوته الأولى كانت الدعوة إلى الإيمان، وانظر إلى دعوته الثانية، وجوهرها - لو قبل عمرو بها - هي أيضاً نصرة الإيمان، وأما في خياره الثالث فقد نصر الإيمان نصراً مبيناً، فدحر الشرك وجموعه، إذ قتل عمرهم فانهزم جمعهم.
قال ابن إسحاق، وابن هشام، والبيهقي في الدلائل، والطبري في تاريخه، وابن كثير في السيرة، والسهيلي في الروض الأنف، والحلبي في سيرته، وزيني دحلان في سيرته، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، والبغوي في معالم التنزيل، والخازن في التفسير، وغيرهم، واللفظ للأول قال بعد ذكر مبارزة علي لعمرو: فقتله علي، وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت الخندق هاربة.
وقد مرَّ بنا قتله حسل بن عمرو، وقتله نوفل في وسط الخندق، كما
1) إبطال الباطل، ص 145 .
مرَّ بنا أسماء الذين انهزموا، وهم هبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخطاب، وعكرمة بن أبي جهل، ومر بنا: هذا يلقي درعه، وهذا يلقي رمحه، فهل يعني ذلك أنهم استأمنوا على أرواحهم، لأن من ألقى سلاحه فهو آمن، وقد رأوا قتله عمراً وابنه حسلاً ونوفلاً، فيكفي ذلك في انهزامهم؟
والذي رواه أهل السيرة والتاريخ باتفاق أن هزيمتهم ما كانت لتكون لولا قتل علي لعمرو ومن تبعه، وإذا كان قتل عمرو أورث أولئك الشخوص المميزين من المشركين ذلك الرعب حتى انهزموا، فيا ترى كيف يكون أثره في نفوس بقية المشركين من وراء الخندق، وقد رأوا فرسانهم قد أقبلوا إليهم هاربين، وتركوا عمراً ومن قتل بعده بين دكادك وروايي؟
هذا أثر مقتل عمرو في المشركين، ولننظر أثر ذلك في المسلمين، فهل شد ذلك من عزائمهم أم بقوا تحت وطأة الخوف وهاجس الهزيمة؟
ولنترك الحديث لحذيفة بن اليمان، فإنه من شهود الواقعة، وقد عاين فحدّث.
روى الحاكم في المستدرك، وابن كثير في السيرة، ومسلم في صحيحه واللفظ له، رواه بسنده من حديث الأعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه، قال: كنا عند حذيفة فقال له رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قاتلت معه وأبليت. فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ليلة الأحزاب
في ليلة ذات ريح شديدة وقر ، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة. فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله، ثم قال: قم يا حذيفة فأتني بخبر القوم. فلم اجد بداً أن دعاني باسمي أن أقوم، فقال: ائتني بخبر القوم، ولا تذعرهم علي...الخ(1).
وفي رواية أخرى للحاكم في المستدرك، والبيهقي في الدلائل، قال حذيفة: فجعل المنافقون يستأذنون النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ويقولون: (إن بيوتنا عورة) وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم ويتسللون.
وفي لفظ آخر للحاكم، و الذهبي في تلخيص المستدرك من حديث بلال الحبشي عن حذيفة: إن الناس تفرقوا عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً... الخ .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح.
هذا ما قاله حذيفة، وهل يعني ذلك اختلاف حال المسلمين عن حال المشركين في مدى الرعب الذي دب في نفوسهم واستولى عليهم، حتى إنهم تسلّلوا بحجة وبغير حجة، وتركوا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في اثني عشر رجلاً، فأين بقية الثلاثة آلاف الذين خرج بهم؟ وما مبلغ الإيمان في
1) صحیح مسلم 1414/3. المستدرك 31/3. صحيح ابن حبان 67/16. السيرة 218/3 - 219 .
نفوسهم؟
نعم هناك فرق واحد، هو أن المشركين إنما زرع الخوف في نفوسهم قتل علي لعمرو، وهزيمة فرسانهم الذين كانوا معه، ولكن المسلمين ازدادوا رعبا حينما بلغهم تواعد المشركين مع بني قريظة أن يحملوا عليهم مرة واحدة.
ولا عجب من المشركين إذا أصابهم الذعر والخوف من سيف الإسلام، لأن الذي حمله هو علي المؤمن بصحة دعوته وعدالة قضيته، ولكن ما بال المسلمين الذين خرجوا مع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم صاروا يتسللون بحجة وبغير حجة كما يقول حذيفة؟
أين هو الإيمان في قلوبهم من إيمان علي ؟ كلما قال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «إنه عمرو»، قال : «وإن كان عمرو».
فهكذا إيمان يحمل صاحبه على تلك التضحية والمفاداة دون النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والمسلمين، فيضرب ضربته القاضية، يردي بها بطل المشركين حتى ولى عنه من كان معه منهزماً لا يلوي على شيء، تاركاً هذا رمحه، والآخر درعه، والحق حسل بن عمرو بأبيه، وقتل نوفلاً في الخندق وقد سقط فيه.
لله أي ضربة تلك؟ يستكثر عليها أن يقول عنها الرسول الكريم (صلی الله علیه و آله و سلم): لضربة علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين؟
أو يقول حذيفة: لو قسمت فضيلة علي بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين أجمعهم لوسعتهم.
وروي القوشجي في شرح التجريد عن حذيفة قال: والذي نفس حذيفة بيده لعمله في ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد إلى يوم القيامة، وكان الفتح في ذلك اليوم على يد علي. اهـ.
وكانت مبارزة علي لعمرو هي الوحيدة التي دعا إليها المشركون ،
فلم يدعوا بعدها إلى مبارزة قط، ولم يكن بينهم وبين المسلمين قتال شامل، سوی مناوشات في الرمي، ولذلك كان ابن مسعود يقرأ في مصحفه: (وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب) كما روى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر في ترجمة الإمام(1)، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل(2)، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب(3)، والسيوطي في الدر المنثور(4)، والألوسي في روح المعاني(5)، قالوا: كان ابن مسعود يقرأ هذا الحرف (وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب).
وفي جملة من المصادر السابقة أن ابن عباس كان يقول أيضاً ذلك تأويلاً، وفي مجمع البيان: هو المروي عن أبي عبد الله - يعني في التأويل.
وأخيراً قال الحاكم: سمعت الأصم قال: سمعت العطاردي قال: سمعت الحافظ يحيى بن آدم يقول: ما شبهت قتل علي عمراً إلا بقوله
تعالى فَهَزَمُوهُمْ بِاذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ(1).
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ذلك عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: والله ما شبهت يوم الأحزاب قتل علي عمراً، وتخاذل المشركين بعده، إلا بما قصه الله تعالى من قصة طالوت وجالوت في قوله فَهَزَمُوهُمْ بإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت(2).
3 - وأما عفته عن سلب عمرو فقد روى الحاكم، والطبري، والبيهقي، وابن إسحاق، وابن هشام، وابن كثير وغيرهم، قالوا: إن عليا لما أقبل متهللا فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها. فقال: ضربته فاستقبلني بسوأته، فاستحييت ابن عمي أن اسليه .
لله أنت يا ابن أبي طالب، ما أعلا شأنك وأقوى إيمانك، تعيش المثل العليا ملء إهابك فلا تفارق كيانك، ففي تلك الحالة التي أنت عليها من النصر، فبدلاً من أن يستبد بك زهو أو فخر، أو يحدوك طمع أو رغبة، فتسلبه درعه التي ليس للعرب درع خير منها، ولو استلبتها لكانت من حقك، فقد كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ينفل المسلم إذا قتل المشرك سلبه، ولو استلبتها وجئت بها لكانت لك شارة النصر ما دامت الدرع باقية.
ولو استقبلت بها جموع المسلمين لأقررت عيون أناس، وأسخنت عيون آخرين، لكنك تأبى تكرماً حين يغلبك الحياء، وإن الحياء من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. ولئن تركت من الحياء درعه فلم تستلبها فلقد حزت من الثناء حتى من أعدائك ما يفوق حديث الدرع في تقييمه المادي.
ولنستمع ما تقوله أخت عمرو وقد بلغها أن عليا قتله ولم يسلبه:
لو كَانَ قَاتِلُ عَمْرو غيرَ قاتِله *** بكيتُ ما أقامَ الروحُ فِي جَسَدي
لكن قاتلُه مَنْ لا يُعاب به *** وكان يُدعَى قديماً بيضةَ البلدِ(1)
مِنْ هَاشِمٍ في ذُرَاها وهْيَ صاعِدة *** إلى السَّمَاءِ تُمِيتُ الناسَ بِالحَسَدِ
قوم أبى الله إلا أن يكون لهم *** مكارم الدين والدنيا بلا أمد
يا أم كلثوم بكيه ولا تدعي *** بُكَاءَ مُعولَةٍ حَرَّى على وَلَدِ
قال الحصري: أم كلثوم بنت عمرو بنت عبد ود.
أي ثناء هذا، من ثاكلة تثني على قاتل أخيها، وهذا ثناء لم تكن العرب تقول مثله فضلاً عن أن يكون خيراً منه.
ما قيمة الدرع في سوق المحامد، ولأن استحييت أن تستلبها، فلقد أفضت من الحياء ما افترضت به الثناء، فامتدحك على ذلك حتى الأعداء.
1) مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي 33/3 . شرح النهج للمعتزلي 7/1. الأضداد لابن الأنباري، ص 77ط الكويت. الأضداد في كلام العرب لابن الطيب الحلبي 56/1 ط دمشق. لسان العرب (بيض). أمالي المرتضى 8/2. شرح الحماسة للمر زوقي 77/2، 298. وذكرهما بتفاوت يسير الحصري القيرواني في زهر الآداب 47/1 ، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، ص 44 ط النجف وزادا بعدهما:
فهذا مسافع بن عبد مناف بن زهرة يبكي عمرو بن عبدود في أبيات يختمها بقوله:
فاذهب علي ما ظفرتَ بمثِلها *** فَخراً ولو لاقيتَ مثل المعصل(1)
وهذا هبيرة بن أبي وهب المخزومي يعتذر عن فراره من علي وتركه عمرا:
لَعَمْرُك ما وَلَّيْتُ ظهري محمَّداً *** وأصحابه جبناً ولا خِيفةَ القتلِ
ولكنَّني قلبتُ أمري فَلَمْ أَجِدْ *** لسَيفي غَنَاء إن وقفتُ، ولا نَبلي
وقفتُ فلما لم أجِد ليَ مقدَماً *** صددتُ كضر غام هزبرٍ إلى شِبلِ
فما عطفُه مِن قَرِنه حِينَ لم يجد *** مجالاً وكانَ الحزمُ والرأيُ مِن فِعلي
إلى أن يقول:
كفتك علي لن تَرَى مثل موقفٍ *** وقفتَ على شلوِ المقدمِ كالفحلِ
فما ظفرت كفَّاك يوماً بمثلها *** أمنتَ بها ما عشتَ مِن زَلَّةِ النَّعْلِ(2)
وهذه أخت عمرو وقد نعي إليها أخوها عمرو قالت: قالت من اجترأ عليه، فقالوا: علي بن أبي طالب، فقالت: كفو كريم. وأنشدت تقول:
أسَدَانِ في ضيقِ المكَرَّ تصَاولا *** وكلاهما كُفْو كريمُ باسِلُ
فتخالسا مج النفوسِ كلاهما *** وسطَ المجالِ مجالدٌ ومقاتلُ
وكلاهما حضرا القراعَ حفيظةٌ *** لم يُنِته عن ذاك شغلٌ شاغلُ
فاذهَب عليُ ما ظفرتَ بمثِله *** قولٌ سديدٌ ليسَ فيه تحامُلُ(1)
يا أبا الحسن:
فليطأطئ لك المسلمون رؤوسهم إجلالا وتعظيما، ويسلموا لك بالفضل تسليماً، فقد شهد لك الأعداء بطيب الثناء، والفضل ما شهدت به الأعداء.
ولئن أبيت إلا تكرماً فلم تسلب عمراً درعاً واحدة، فلقد وهبت أعداءك تفضلاً دروعاً حصينة، فعرفتهم بسجاياك الكريمة، وعلمتهم كيف يتَّقون ذابل سيفك عند اللقاء، فكانوا يشغرون بأرجلهم ويبدون عوراتهم، لتغضي عنهم حياءاً ، وتكف عنهم تكرماً.
وما كان ذلك منك مع ابن عبد ود بأولى المكرمات، وقد سبق لك حسن الصنيع في يوم أحد حين أتى طلحة بن طلحة حاملا لواء المشركين نفس الفعل الشنيع، وقد يكون عمرو بن عبد ود تعلم الدرس من ذلك اليوم وسمع به.
قال ابن كثير في سيرته بعد أن ذكر ضربتك لأبي سعد بن أبي طلحة العبدري يوم أحد، وكان حامل لواء المشركين: فقال له - لعلي - بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عليه
1) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص 44 ط النجف.
الرحم، وعرفت أن الله قد قتله.
ثم قال ابن كثير : وقد فعل ذلك علي رضي الله عنه يوم صفين مع بسر بن أبي أرطاة... وقال أيضاً: وكذلك فعل مع عمرو بن العاص... وفي ذلك يقول الحارث بن النضر :
أفي كلٌ يوم فارسٌ غيرُ منتهٍ *** وعورتُه وسطَ العجاجةِ بادية
يكفُّ لها عنه عليٌّ سنانَه *** ويضحكُ منها في الخلاءِ معاوية(1)
ولئن ذكر الحارث في شعره عمرو بن العاص وبسر بن أبي أرطاة، إذ كان معاوية يسخر منهما، ولم يذكر من سبقهما، فقد قال الآخر وهو علوي يذكر الأربعة جمعاً:
أربعُ سوءاتٍ نجا أصحابُها *** سيفُ عليَّ كفَّ عنهم وانصرف
فالعبدريُّ وابنُ ودَّ بعدَه *** ثم ابنُ عاصٍ ثم بُسرٌ بصلف
لئن عفا حيدرةٌ عن قتلِهم *** أو سلبِهم فذاك منه مؤتلف
لكنما العارُ الذي ألزمَهم *** فسبَّةٌ تُلحقهم ومَن خَلَفْ
نعم سيبقى سيف علي منار فخر واعتزاز لأوليائه، ونقمة على أعدائه، فأوردهم النار كما أورثهم العار، ويبقى علي نسخة فريدة في سلوكه مع أعدائه، وصوته يرن في مسمع الأجيال: (إني استحييت)، ولا يعلوه طنين الذباب في مستنقع الأحقاد على أفواه المعاندين.
1) سيرة ابن كثير 40/3 .
وليقل بعض الخوارج: لم يكن علي وحده قاتل عمرو، بل شركه محمد بن مسلمة، وأخذ بعض السلب .
ولنقرأ ما كتبه الحاكم المستدرك عن ذلك، قال: فقد ذكرت في مقتل عمرو من الأحاديث المسندة عن عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة ، ومحمد بن إسحاق ما بلغني، ليتقرر عند المنصف من أهل العلم أن عمرو بن عبد ود لم يقتله ولم يشرك في قتله غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإنما حملني على هذا الاستقصاء فيه قول من قال من الخوارج: إن محمد بن مسلمة أيضاً ضربه ضربة، وأخذ بعض السلب.
ووالله ما بلغنا هذا عن أحد من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وكيف يجوز هذا، وعلي رضي الله عنه يقول ما بلغنا: (إني ترفعت من سلب ابن عمي فتركته)، وهذا هو جوابه لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحضرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(1).
وإذا كان بعض الخوارج قال ما قال ورده الحاكم كما مرَّ فإن له في النواصب أشباهاً وأشباهاً.
فالجاحظ الجاحد يقول في رسالته العثمانية: والحجة العظمى للقائلين بتفضيل علي قتله الأقران وخوضه الحروب، وليس له في ذلك كبير فضيلة، لأن كثرة القتلى والمشي بالسيف إلى الأقران لو كان من أشد المحن وأعظم الفضائل وكان دليلا على الرياسة والتقدم، لوجب أن يكون للزبير، وأبي
1) المستدرك للحاكم 34/3 .
دجانة، ومحمد بن مسلمة، وابن عفراء، والبراء بن مالك، من الفضل ما ليس لرسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، لأنه لم يقتل بيده إلا رجلا واحداً، ولم يحضر الحرب يوم بدر، ولا خالط الصفوف، وإنما كان معتزلا عنهم في العريش ومعه أبو بكر.
وقال أيضاً: ثم قصد الناصرون لعلي والقائلون بتفضيله إلى الأقران الذين قتلهم فأطروهم وغلوا فيهم، وليسوا هناك !! فمنهم عمرو بن ود، وذكروا أنه أشجع من عامر بن الطفيل، وعتبة بن الحارث، وبسطام بن قيس، وقد سمعنا بأحاديث الفجار، وما كان بين قريش ودوس، وحلف الفضول، فما سمعنا لعمرو بن ود ذكراً في ذلك(1).
إلى غير ذلك من أغاليطه وأباطيله، وقد تولى الرد عليه معاصره أبو جعفر الإسكافي، وهو معتزلي مثله، إلا أن الجاحظ بصري، ومن ثم غلبت عليه العثمانية، والإسكافي بغدادي، وبين معتزلة البلدين فوارق ذكروها لسنا بصددها، كما ردَّ عليه جماعة من متكلمي الشيعة.
وقد مرَّ بنا ما يفند مزاعم الجاحظ جملة وتفصيلاً، ولا يهمناً الوقوف عنده كثيرا، وقد عرفناه ناصبياً عنيداً، ويكفينا في تعريفه ما قاله فيه المؤرخ المسعودي في مروج الذهب.
قال: وقد صنف كتاباً استقصى فيه الحجاج عند نفسه، وأيده
1) الرسالة العثمانية ، ص 10-11 (رسائل الجاحظ) جمع حسن السندوبي طالقاهرة سنة 1352هـ.
بالبراهين، وعضده بالأدلة فيما تصوره عن عقله، وترجمه بكتاب العثمانية، يحل فيه عند نفسه فضائل علي (علیه السّلام) ومناقبه، ويحتج فيه لغيره، طلباً لإماتة الحق، ومضادة لأهله، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
ثم لم يرض بهذا الكتاب المترجم بكتاب العثمانية حتى أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة المروانية وأقوال شيعتهم، ورأيته مترجماً بكتاب إمامة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، في الانتصار له من علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشيعته...
نف كتاباً آخر ترجمه بكتاب مسائل العثمانية، يذكر فيه ما فاته ذكره ونقضه عند نفسه من فضائل أمير المؤمنين علي ومناقبه...(1)
أقول: ويكفي القارئ دليلا على كذب الجاحظ في زعمه عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): (لم يحضر الحرب يوم بدر، ولا خالط الصفوف، وإنما كان معتزلاً عنهم في العريش مع أبي بكر)، قول الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام): لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، وهو أقربنا إلى العدو(2).
ويكفي أيضاً في ردّ فريته على شيعة علي أنهم مغالون في إطراء أعدائه ومنهم عمرو بن عبدود، ولو لم يكن له شأن يذكر فما بال المسلمين استحوذ عليهم الخوف منه لما اقتحم عليهم الخندق في خمسة
فرسان هو سادسهم، والمسلمون ثلاثة آلاف، وكأنهم كلما دعاهم إلى المبارزة كلما زادهم رعباً، فجبنوا كلهم ونكلوا؟
قال الإسكافي في هذا المقام: فإما أن يكون هذا أشجع الناس كما قد قيل عنه، أو يكون المسلمون كلهم أجبن العرب وأذلهم وأفشلهم! اهـ.
هذا ولئن أطلنا الوقوف مع الجاحظ الجاحد، لأنه مغالط ومعاند ، وكم له من شبيه ونظير في سوء النية وخبث الطوية كالذهبي وابن تيمية ، ولهم أنماط في وحل الأسقاط، يحدوهم العناد، لتوريث الأحقاد.
ذكر الحلبي في سيرته عند ذكر قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): (قتل علي لعمرو بن عبد ود أفضل من عبادة الثقلين).
قال الإمام أبو العباس ابن تيمية: وهذا من الأحاديث الموضوعة التي لم ترد في شيء من الكتب التي يعتمد عليها ولا بسند ضعيف، وكيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثقلين الإنس والجن ومنهم الأنبياء، قال: بل إن عمرو بن عبدود هذا لم يعرف له ذكر إلا في هذه الغزوة. اهـ.
أقول - والقائل هو الحلبي -: ويرد قوله: (إن عمرو بن عبدود هذا لم يعرف له ذكر إلا في هذه الغزوة) قول الأصيل ويعني سيرة ابن هشام - وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر ... ويرده أيضا ما تقدم من أنه نذر أن لا يمس رأسه دهنا حتى يقتل محمداً.
واستدلاله بقوله: (وكيف يكون ...) إلى آخره فيه نظر، لأن قتل هذا
كان فيه نصرة للدين وخذلان للكافرين(1).
أقول: وما حكاه الحلبي عن ابن تيمية هو الموجود في كتابه منهاج السنة، ورد الحلبي عليه كما ترى مع إغفاله الرد على ما قاله ابن تيمية في الحديث وأنه من الأحاديث الموضوعة الخ ، فنقول لابن تيمية وأشياعه: لقد ورد الحديث في الكتب التالية مسنداً هكذا:
1 - ففي مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري قال الحاكم بعد ذكر قتل علي لعمرو... الخ:
(وله شاهد عجیب) حدثنا لؤلؤ بن عبد الله المقتدري في قصر الخليفة ببغداد ، ثنا أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبد الوهاب المصري بدمشق، ثنا أحمد بن عيسى الخشاب بتنيس ، ثنا عمرو بن أبي سلمة ثنا سفيان الثوري عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «المبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة». ولم يعقب عليه بشيء(2).
2 - وفي تلخيص المستدرك للذهبي بهامشه : قال الذهبي: (وشاهده) عمرو بن أبي سلمة ، ثنا الثوري إلى آخر السند والحديث كما سبق. وعقب عليه الذهبي بقوله: قبح الله رافضيا افتراه!...
يا الله ما ذنب الروافض إذا كان الحق ينطق مبغضا وعنيدا؟
ولزيادة الإطلاع فإن لدى مراجعة السند الذي ذكره الذهبي في تلخيصه، لم أجد رافضيا واحدا بين رجال إسناده، وإلى القارئ ما قاله الذهبي نفسه عنهم في كتبه: تذكرة الحفاظ وميزان الاعتدال والمغني، وما حكاه فيهم من توثيق، ومن فيه ندينه.
عمرو بن أبي سلمة: قال في الميزان: صدوق مشهور، أثنى عليه غير واحد(1).
سفيان الثوري: ترجمه في تذكرة الحفاظ وأطال، إلى أن قال: قلت: مناقب هذا الإمام في مجلد لابن الجوزي، وقد اختصرته وسقت جملة حسنة من ذلك في تاريخي(2).
بهز بن حكيم: عن أبيه عن جده: ذكره في كتابه الميزان والمغني، ووضع أمام اسمه علامة تخريج الأربعة لحديثه في كتبهم، وهم أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال: صدوق فيه لين، وحديثه حسن، وثقه ابن المديني وابن معين والنسائي، وقال أبو داود: أحاديثه صحاح. وزاد في الميزان: وقال الحاكم: ثقة، إنما أسقط من الصحيح لأن روايته عن أبيه عن جده شاذة لا متابع له عليها. وقال أبو داود: هو حجة عندي. وقال ابن عدي: لم أر له حديثا منكراً ، ولم أرَ أحداً من الثقات يختلف في الرواية عنه، فأما أحمد وإسحاق فاحتجا
به، وتركه جماعة من أئمتنا. قلت: ما تركه عالم قط، إنما توقفوا في الاحتجاج به(1).
وختم الذهبي الترجمة بثلاثة أحاديث عن بهز عن أبيه عن جده.
الا مسائل ذلك الإنسان: من هو الرافضي من هؤلاء الذين ذكرتهم في سند الحديث حتى قلت: (قبَّح الله رافضيا افتراه).
ألا قبَّح الله ناصبياً كذب به وامتراه.
3 - وفي فرائد السمطين للحافظ الحمويني، قال: أنبأني شيخنا أبو عمرو عثمان بن الموفق رحمه الله، عن المؤيد بن محمد المقرئ إذنا، عن عبد الجبار بن محمد الخوارزمي، قال: أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد النيسابوري المفسّر رحمه الله، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن حمدان السعدي، حدثنا لؤلؤ القيصري، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خضر الصوفي بالموصل، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن شداد ، حدثني محمد بن سنان الحنظلي، حدثنا إسحاق بن بشر القرشي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، قال: لَمبارزة علي بن أبي طالب (علیه السّلام) لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة(2).
4 - وفي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي قال: أخبرنا الطاهري ،
حدثنا لؤلؤ بن عبد الله القيصري... إلى آخر ما تقدم سنداً ومتنا(1).
5 - وفي مقتل الحسين لأخطب خوارزم، قال الخوارزمي: أخبرنا الإمام الحافظ أبو الفتح عبد الواحد بن الحسن الباقرحي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد الجويني، قال: قرأت على أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان السعدي... إلى آخر ما مر عن الفرائد سنداً ومتنا(2).
6 - وفي مناقب الإمام علي بن أبي طالب للموفق بن أحمد أخطب خوارزم عين ما تقدم في كتابه مقتل الحسين(3).
7 - وفي تاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمة لؤلؤ القيصري قال: أخبرنا أبو الحسن بن قبيس، حدثنا أبو منصور بن خيرون، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أنبأنا الطاهري... إلى آخر ما مر عن الخطيب البغدادي في تاريخه.
8- وفي شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني، قال: أخبرنا أبو محمد بن عبد الله، أخبرنا أبو سعد السعدي قراءة عليه غير مرة، أخبرنا لؤلؤ القيصري ببغداد سنة سبع وستين إلى آخر ما مرَّ سنداً ومتنا(4).
فهذه ثمانية كتب ورد فيها الحديث مسنداً، ذكرتها مع أسانيدها، فهل
هذه الكتب كلها لا يعتمد عليها؟ وهل كل أسانيدها لا تنهض في منهاج ابن تيمية إلى درجة الضعف فضلا عن أن تكون حسنة أو قوية؟
ولنختم الكلام بما قاله الكاتب القدير المصري الشهير أحمد خيري في كتابه الإمام الكوثري: إن ابن تيمية كان من اللاعبين بدين الله، وإنه في جل فتاواه كان يتبع هواه...(1)
ولإفادة القارئ نذكر له بعض المصادر التي ذكرت قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مرسلاً: لضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين.
وبلفظ آخر: المبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عمل - أعمال - أمتي إلى يوم القيامة.
1 - فردوس للأخبار للديلمي 504/4، ط بيروت.
2 - ينابيع المودة، ص59 ، إسلامبول سنة 1302هـ.
3 - المواقف للعضد الإيجي، ص 617 ، ط الأستانة.
4 - مناقب الخوارزمي ، ص 64 ، ط حجرية 1313هـ.
5 - شرح المقاصد للتفتازاني 230/2، ط الأستانة.
6 - تفسير الفخر الرازي 631/8 ، ط الأستانة.
7 - شرح التجريد للقوشجي، ص 410 ، ط حجرية سنة 1301هـ.
8 - الأوائل لأبي هلال العسكري.
1) الإمام الكوثري، ص 23.
9 - الأربعين في أصول الدين للرازي، ص 475 ، ط حیدر آباد.
10 - شرح نهج البلاغة 100/4 ، ط مصر الأولى.
11 - أرجح المطالب للأمرتسري، ص 184.
12 - ينابيع المودة، ص 94. وفيها:
عن ابن مسعود أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لعلي لما قتل عمراً: أبشر يا علي ، فلو وزن عملك اليوم بعمل أمتي لرجح عملك بعملهم.
هذه بعض المصادر التي وقفت عليها، وما لم أقف عليه فالله به عليم، أفهل يصح الزعم بأنها من الكتب غير المعتمد عليها كما يقول ابن تيمية وأشياعه؟ ولماذا هي غير معتمدة؟
والجواب: إنما هي غير معتمدة عند ابن تيمية وأضرابه لأنها تذكر لعلي كرامة، فضلا عن إثبات الإمامة، وما جاء فيها من أحاديث المدح يحكم عليه بالوضع وعلى راويه بالجرح كما صنع الألباني بالنسبة إلى هذا الحديث، حيث أدرجه في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وكذبه(1)، وما ذلك إلا أنه في فضل علي (علیه السّلام).
وبالتالي ليتجنَّ التالون كما فعل الأولون، وليس ذلك بضائر، فعلي يبقى هو الإيمان كله وقد برز إلى الشرك كله، برغم كل جاحد ومعاند ويبقى هو الخالد بموقفه يوم الخندق كما قال ابن أبي الحديد المعتزلي:
فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد ود فإنها
1) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 81/4 ط الشام.
أجل من أن يقال جليلة، وأعظم من أن يقال عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائل: أيما أعظم منزلة عند الله علي أم أبو بكر؟ فقال: يا ابن أخي، والله لمبارزة علي عمراً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها، وتربي عليها، فضلاً عن أبي بكر وحده.
وقد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل هو أبلغ منه، روى قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة بن مالك السعدي، قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله إن الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصيرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل. فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس؟ فقال: يا ربيعة، وما الذي تسألني عن علي؟! وما الذي أحدثك عنه؟! والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) في كفة الميزان منذ بعث الله تعالى محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلها.
فقال ربيعة: هذا المدح الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يُحمل، إني لأظنه إسرافاً يا أبا عبد الله !
فقال حذيفة: يا لكع وكيف لا يحمل؟ وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه، فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه، حتى برز إليه علي فقتله، والذي نفس حذيفة بيده
لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة.
وقال أبو بكر بن عياش: لقد ضَرَبَ علي بن أبي طالب (علیه السّلام) ضربة ما كان في الإسلام أيمن منها ، ضربته عمرا يوم الخندق. ولقد ضرب علي ضربة ما كان في الإسلام أشأم منها - يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله(1).
وأخرج الموفق بن أحمد في المناقب بسنده قال: جاء رجلان إلى عمر فقالا له: ما ترى في طلاق الأمة؟ فقام إلى حلقة فيها رجل أصلع فقال له: ما ترى في طلاق الأمة؟ فقال: (اثنتان) بيده. فالتفت إليهما عمر فقال: اثنتان. فقال له أحدهما: جئناك وأنت الخليفة فسألناك طلاق الأمة، عن فجئت إلى رجل فسألته، فو الله ما كلّمك. فقال له :عمر: ويلك أتدري من هذا؟ هذا علي بن أبي طالب، إني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : لو أن السماوات والأرض وضعت في كفة ميزان ووزن إيمان علي لرجح إيمان علي على السماوات والأرض(2).
وأخرجه بسند آخر فيه: أشهد على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول... إلى آخر الحديث.
99 - ومذ أتى الوحيُ مِنَ المولى العلي *** بِسَدٌ أبواب سِوى بابِ علي
100 - وسُدَّت الأبواب إلا بابهُ *** فأَظهَرَ السُّخْطَ لذا أصحابُهُ
101 - قامَ النبيُّ خاطباً ومُعْلِما *** ما كان أمري إنه أَمْرُ السَّمَا
أشار سيدنا الناظم دام ظلّه إلى الحديث المعروف بحديث سد الأبواب إلا باب علي.
قال الحافظ الحمويني في فرائد السمطين: وحديث سد الأبواب رواه نحو من ثلاثين رجلا من الصحابة، أغربها حديث ابن عباس(1).
أقول: لم يبين وجه الغرابة في ذلك، وما ذكره من حديث ابن عباس لم يظهر منه ما أشار إليه، وسيأتي بيان ذلك.
أما الصحابة الذين روي عنهم الحديث وما في معناه فهم فيما وقفت
1) فرائد السمطين 208/1 .
على أسمائهم زهاء عشرين، منهم سبعة عشر رجلاً، وهم:
1 - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام): وأخرج حديثه البزار في مسنده كما في مجمع الزوائد للهيثمي(1)، والسيوطي في كتبه: الحاوي واللثالي وجمع الجوامع وغيرها.
2 - عبد عبد الله بن عباس: وحديثه في سنن الترمذي، وخصائص النسائي(2)، ومعجم الطبراني الكبير، وفتح الباري، والإصابة، والقول المسدد، كلها لابن حجر وغيرها.
3 - عمر بن الخطاب: وحديثه في تاريخ ابن كثير، ومجمع الزوائد، ومناقب الخوارزمي، ومستدرك الحاكم، وتلخيص الذهبي، وصواعق ابن حجر، وغيرها(3).
4 - عبد الله بن عمر: وحديثه في صحيح البخاري وشروحه فتح الباري، وإرشاد الساري، وعمدة القاري، وفي خصائص النسائي ، ومجمع الزوائد، ولسان الميزان، وغيرها.
5 - سعد بن أبي وقاص: وحديثه في مسند أحمد، وخصائص النسائي(4)، وقوى إسناده، وشروح البخاري الثلاثة الآنفة الذكر، وتاريخ
ابن كثير(1)، وابن عساكر، وغيرها.
6 - زيد بن أرقم: وحديثه في مسند أحمد ومناقبه، وخصائص النسائي، ومستدرك الحاكم، ومجمع الزوائد، وصواعق ابن حجر، والرياض النضرة، وذخائر العقبى، وغيرها.
7 - أنس بن مالك: وحديثه في اللثالي المصنوعة(2)نقلاً عن العقيلي(3).
8 - أبو ذر الغفاري: وحديثه في مناقب الخوارزمي، وينابيع المودة، وغيرهما.
9 - حذيفة بن أسيد الغفاري: وحديثه في مناقب ابن المغازلي المالكي، وهو أوفى حديث في الباب وسنذكره.
10 - البراء بن عازب الأنصاري: وحديثه في مناقب ابن المغازلي ، وتاريخ ابن كثير(4)، وسيرة الحلبي(5)، وغيرها.
11 - بريدة الأسلمي: وحديثه في فضائل الصحابة لأبي نعيم ، وفرائد السمطين(6).
12 - جابر بن سمرة السوائي: وحديثه في معجم الطبراني الكبير(1)، ومجمع الزوائد(2)، والقول المسدد لابن حجر(3)، وفتح الباري ، وإرشاد القسطلاني، وسيرة الحلبي، وغيرها.
13 - جابر بن عبد الله الأنصاري: وحديثه في تاريخ الخطيب(4)، وتاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام)، وكفاية الطالب، وكنز العمال وغيرها.
14 - أبو سعيد الخدري: وحديثه في مجمع الزوائد(5)، وقال: رواه أحمد بسند حسن، والطبراني في الأوسط. وفي مستدرك الحاكم(6)، وأخبار القضاة لوكيع(7)، وغيرها.
15 - أبو الحمراء: وحديثه في الإصابة في ترجمة حبة العرني الآتي(8)، وفي الدر المنثور للسيوطي في سورة النجم في قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(9).
16 - حبة العربي: وحديثه في ترجمته في الإصابة(1).
17 - عبد الله بن مسعود: وحديثه في فرائد السمطين، واللثالي المصنوعة(2).
ولا شك في أنه قد فاتني غيرهم بعد ما قرأنا قول الحمويني: ورواه نحو من ثلاثين رجلاً من الصحابة.
أما من رواه من النساء فقد ذكروا ذلك عن اثنتين من أمهات المؤمنين وكفى، هما السيدتان:
1 - عائشة : وأخرج حديثها الحافظ عبد الغني بن سعيد في كتابه إيضاح الإشكال، وعنه السيوطي في اللثالي المصنوعة(3)، بالسند إليها تقول: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد: وجهوا هذه الأبواب عن المسجد. فدخل النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم المسجد ولم يصنع القوم شيئا، رجاء أن ينزل عليهم في ذلك رخصة، فخرج عليهم فقال: وجهوا هذه الأبواب عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب إلا لمحمد. والله أعلم.
هذا ما ذكره السيوطي عن الحافظ عبد الغني بن سعيد، ولم يرد فيه ذكر على ولا آل محمد، وقد يظن أنه أجنبي عن المقام، ولكن إذا رجعنا إلى
تاريخ البخاري الكبير(1)، وإلى سنن البيهقي كما في تنزيه الشريعة لابن عراق(2)، نجد عن عائشة حديثها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لعلي: لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك.
2 - أم سلمة: وحديثها في سنن البيهقي(3)، وفرائد السمطين، وسيرة الحلبي، ومناقب الخوارزمي ، وقد مرَّ في آية التطهير ما يتعلق بالمقام في حديثها، فراجع .
أما من أرسله إرسال المسلمات من سادات التابعين فهم:
1 - أبو حازم الأشجعي: في الخصائص الكبرى للسيوطي(4).
2 - المطلب بن عبد الله بن حنطب: وحديثه في فتح الباري ، والكشاف، وأحكام القرآن للجصاص، واللثالي للسيوطي(5).
4 - عدي بن ثابت: وحديثه في مناقب ابن المغازلي(7).
5 - ناصح بن عبد الله: وحديثه عن ابن عساكر.
ونظراً لتعدد صور الحديث فإنا نختار أوفى صورة وصلت إلينا، وقد نشير إلى غيرها عند الحاجة، وتلك الصورة هي ما رواه حذيفة بن أسيد الغفاري، وقد أخرج حديثه ابن المغازلي المالكي في مناقبه(1)بسنده إلى حذيفة، قال:
لما قدم أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) المدينة لم يكن لهم بيوت يبيتون فيها، فكان يبيتون في المسجد، فقال لهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا .
ثم إن القوم بنوا بيوتاً حول المسجد، وجعلوا أبوابها إلى المسجد، وإن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعث إليهم معاذ بن جبل فنادى أبا بكر، فقال: إن رسول الله يأمرك أن تخرج من المسجد. فقال: سمعاً وطاعة. فسدَّ بابه وخرج من المسجد.
ثم أرسل إلى عمر فقال: إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يأمرك أن تسد بابك الذي في المسجد وتخرج منه. فقال: سمعاً وطاعة الله ولرسوله غير أني أرغب إلى الله في خوخة في المسجد. فأبلغه معاذ ما قاله عمر. ثم أرسل إلى عثمان وعنده رقيَّة، فقال: سمعاً وطاعة. فسد بابه وخرج من المسجد، ثم أرسل إلى حمزة فسد بابه، وقال: سمعاً وطاعة الله ورسوله.
وعلي على ذلك يتردد ولا يدري أهو فيمن يقيم أو فيمن يخرج، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد بني له بيتاً في المسجد بين أبياته، فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
1) المناقب لابن المغازلي، ص 254.
اسكن طاهراً مطهراً. فبلغ حمزة قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلي، فقال: يا محمد تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطلب؟ فقال له نبي الله: لا، لو كان الأمر لي ما جعلت من دونكم من أحد، والله ما أعطاه إياه إلا الله، وإنك لعلى خير من الله ورسوله، أبشر. فبشره النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقتل يوم أحد.
ونفس ذلك رجال على علي فوجدوا في أنفسهم، وتبيَّن فضله عليهم وعلى غيرهم من أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فبلغ ذلك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقام خطيبا فقال:
إن رجالا يجدون في أنفسهم في إني أسكنت عليا في المسجد، والله ما (أنا) أخرجتهم ولا أسكنته، إن الله عز وجل أوحى إلى موسى وأخيه أَنْ تَبَوَّءًا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، وأمر موسى أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله إلا هارون وذريته... وإن عليَّا مني بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي دون أهلي، ولا يحل مسجدي لأحد ينكح فيه النساء إلا علي وذريته، فمن ساءه فههنا. وأومأ بيده نحو الشام.
ولما كانت صور الحديث كثيرة تبعا لكثرة رواتها في حيثياتها وزمانها ومكانها، لذلك قد تجد في بعضها ما ليس في بعضها الآخر، ولكنها متّحدة المضمون، وذلك أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و سد أبواب المسجد غير باب علي ، كما هو لفظ حديث ابن عباس في ذيل حديث طويل ذكر فيه عشر فضائل للإمام (علیه السّلام) لم يشاركه غيره فيها، وقد أخرجه عنه أحمد في
مسنده(1)، وفي فضائله، والحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة(2). وأخرجه الذهبي في تلخيصه معترفاً بصحته، والنسائي في الخصائص، وأبو نعيم في الحلية، وابن كثير في تاريخه، والخوارزمي في مناقبه، وابن المغازلي في مناقبه، والهيثمي في مجمع الزوائد، والطبراني في الكبير والأوسط باختصار، وغيرهم وغيرهم، ومنهم الحمويني في الفرائد، وقال: وحديث سد الأبواب رواه نحو من ثلاثين رجلا من الصحابة، أغربها حديث عبد الله ابن عباس(3).
ثم ذكر الحديث عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: سدوا الأبواب كلها إلا باب علي (علیه السّلام).
أقول: وهذا الحديث كسابقه، ولم يبين لنا وجه الغرابة فيه، ولعله أراد بالغرابة رواية ابن عباس له بتخيل فقده عنصر المشاهدة في تلك الحادثة، حيث لم يكن يومئذ بالمدينة، بل كان بمكة، ولم يهاجر إلا مع أبيه العباس في السنة الثامنة.
ولكننا إذا انتبهنا إلى أن ما رواه ابن عباس في هذا المقام لم يكن إلا جزءاً من حديث طويل أجاب به تسعة رهط جاؤوا يسألونه، فقالوا: يا ابن عباس إما أن تقوم معنا وإما أن تخلونا هؤلاء. فقال ابن عباس: بل أقوم
معكم. فقام وهو يومئذ صحيح قبل لن يعمى، فانتدوا فتحدثوا لا يدرى ما قالوا، فجاء ينفض ثوبه ويقول: أف وتف، وقعوا في رجل له بضع عشرة فضائل ليست لأحد غيره، ثم ذكر الفضائل الآتية:
1 - إعطاؤه الراية يوم فتح خيبر.
2 - إرساله لتبليغ سورة براءة.
3 - حديث بدء الدعوة في إنذار العشيرة ومقامه في ذلك.
4 - إنه أول من أسلم.
5 - نزول آية التطهير فيه وفي أهل بيته.
6 - مبيته على فراش النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليلة الهجرة.
7 - حديث المنزلة.
8 - حديث سد الأبواب.
9 - حديث الغدير والموالاة.
10 - شهوده بدر وموقفه في ذلك اليوم.
فذكره لهذه الفضائل التي منها ما توفّر له فيها عنصر المشاهدة، ومنه ما كانت بالسماع ، ليس فيه أية غرابة.
نعم إنّ هذا الحديث - حديث سد الأبواب - كغيره من أحاديث فضائل الإمام (علیه السّلام) لم يسلم من التضبيب والتعتيم، وقد مرت الإشارة منا إلى بعض ذلك في حديث الراية، وحديث الثقلين، وحديث تبليغ
سورة براءة، وحديث بدء الدعوة، وحديث المنزلة، وغيرها.
فمما كان نصيب هذا الحديث من تعتيم، لتقصير مدى الرؤية وبالتالي إلى انعدامها، ذكر العباس في بعض صور الحديث كما في حديث رواه أحمد في مسند(1)، والنسائي في خصائصه(2)، والهيثمي في مجمع الزوائد(3)، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني. ثم قال: وإسناد أحمد حسن.
كلهم ذكروا الحديث عن سعد بن أبي وقاص بلفظ: إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمر بسد الأبواب فسدت، وترك باب علي، فأتاه العباس، فقال: يا رسول الله سددت أبوابنا وتركت باب علي؟ قال: ما أنا فتحتها ولا أنا سددتها.
ومعلوم أن العباس لم يكن يومئذ في المدينة حين سُدّت الأبواب، بل كان بعد بمكة ولم يهاجر إلا في السنة الثامنة، وزمان سد الأبواب كان في السنة الأولى من الهجرة، فبينهما سبع سنين ، فذكر العباس إما أن يكون سهواً من الرواة حين سمعوا من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سد الأبواب، فقال له عمه، فظنوه العباس، وليس هو، وإنما المراد به الحمزة كما مرَّ في حديث حذيفة.
وإما أن يكون حشر اسم العباس عن قصد وعمد ليفتح بذلك باب التشكيك في صحة الحديث، وبالتالي إلى إنكاره والحكم عليه بالوضع، ولا
تعجب إن قلت إلى إنكاره، فثمة من بلغت به القحة والنصب فزعم أن الحديث باطل وموضوع ، ولم يكن زعمهم ذلك من جهة ذكر العباس أو غيره، وإنما لدعواهم معارضته لما ورد في الصحيحين - يعني صحيح مسلم والبخاري - من حديث الخوخة: (سدوا كل خوخة إلا خوخة أبي بكر)(1).
فتسلّلوا من وراء الخوخة وعَمُوا عن الباب، شأن كل مختال مرتاب من النصاب، كابن الجوز(2)
وقال السيوطي: فذكر في كتابه كثيراً مما لا دليل على وضعه، بل هو ضعيف، بل وفيه الحسن والصحيح، وأغرب من ذلك أن فيه حديثاً من صحيح مسلم (تدريب الراوي 235/1).
وقال ابن عراق في تنزيه الشريعة 3/1: وللإمام الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي فيها - الموضوعات - كتاب جامع ، إلا أن عليه مؤاخذات ومناقشات.
وقال ابن الأثير في حوادث سنة 597هـ من تاريخه: وفي هذه السنة... توفي أبو الفرج... وكان كثير الوقيعة في الناس، لا سيما في العلماء المخالفين لمذهبه.
وقال اليافعي في حوادث سنة 595هـ من مرآة الجنان: وفيها أخرج ابن الجوزي من سجن واسط، وتلقاه الناس، وبقي في المطمورة خمس سنين، كذا ذكره الذهبي.
، وابن تيمية(3)، والذهبي(4)، وابن1) الخوخة كما في الصحاح للجوهري: كوة في الجدار تؤدي الضوء.
2) قال النووي: وقد أكثر جامع الموضوعات في نحو مجلدين، أعني أبا الفرج ابن الجوزي، فذكر كثيراً مما لا دليل عليه.
3) وهذا كان على شاكلة سابقه، بل زاد عليه حتى أفتى أصحاب المذاهب ضده، وأصدروا فتاواهم بغيه، بعد محاججاتهم له، وأمر السلطان بمنشور يتلى على المنابر في ذلك، وحبس حتى مات في سجن القلعة.
4) وهذا هو تلميذ ابن تيمية وعلى رأيه في هواه وفي عناده، ولقي من جراء ذلك الأذى والعنت لهذه العلاقة بابن تيمية كما يقول محقق كتابه العبر في المقدمة.
كثير(1)ومن شايعهم ، ولم يقف بهم مبلغ علمهم عند حد المعارضة والحكم بالوضع على حديث الأبواب، بل تحاملوا على الشيعة فبهتوهم بما ليس لهم في ذلك من ذنب، فقالوا: (وضعته الرافضة)، فاقرأ ما قاله ابن الجوزي في كتابه الموضوعات وهو يذكر باب في فضائل علي (علیه السّلام):
الحديث الرابع عشر في سد الأبواب غير بابه، فيه عن سعد، وابن عباس، وزيد بن أرقم ، وجابر. ثم ذكر أحاديثهم وأعلها بجرح بعض رجال إسنادهم، ثم قال: فهذه الأحاديث كلها من وضع الرافضة، قابلوا به - بها - الحديث المتفق على صحته في (سد الأبواب إلا باب أبي بكر) ، ثم ذكر ذلك الحديث بسنده إلى أبي سعيد، قال:
خطب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم الناس فقال: إن من أمن الناس في صحبته وماله أبا بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي عز وجل لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر. أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، وأخرج البخاري من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: (سدوا عني كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر)، وقد روى بعض المتحذلقين في حديث أبي بكر زيادة ولا تصح...
ثم ذكر تلك الزيادة من رواية أنس بن مالك، قال: إن رسول الله
1) وهذا تلميذ آخر لابن تيمية، وربما كان أكثر الصوقاً به، وقد حبس معه فترة، فلا حاجة إلى المزيد في تعريفه مع ما سيأتي ذكره في المتن.
(صلی الله علیه و آله و سلم) خطب الناس، فقال: سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر. فقال الناس: سدوا [ كذا ] الأبواب كلها إلا باب خليله. فقال: إني رأيت على أبوابهم ظلمة، ورأيت على باب أبي بكر نوراً. فكانت الآخرة أعظم عليهم من الأولى(1).
هذا مبلغ علم ابن الجوزي، ولم يخرج ابن تيمية عن حفيرته، بل سار على وتيرته، ونسج على منواله، ولم يزد على ما جاء في مقاله، فقد قال في كتاب منهاج السنة (منهاج الاعتدال) بعد ذكر حديث سد الأبواب: فإن هذا مما وضعته الشيعة على طريق المقابلة، فإن الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال في مرضه الذي مات فيه: إن من أمَنٌ الناس عليَّ في ماله وصحبته أبو [ كذا ] بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين خوخة إلا سدّت إلا خوخة أبي بكر. (ورواه ابن عباس أيضاً في الصحيحين)(2).
فانظر إلى ابن تيمية في قوله هذا، هل جاءنا بشيء جديد؟ وإنما هو اجترار وتكرار لما قاله ابن الجوزي من قبل.
أما الذهبي فلم يزد في كتابه المنتقى على ما مرَّ ذكره ابن تيمية، ولا غرابة في ذلك فكتابه منتقى من كتاب ابن تيمية السابق، حيث سماه (المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال)(3).
وأما ابن كثير فقد قال في تفسيره في تفسير قوله تعالى وَلاَ جُنُبًا إلا عابري سَبيلِ حَتَّى تَغْتَسِلُوا(1)بعد ذكر (سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر) ، قال : ومن روى (إلا باب علي) كما في بعض السنن فهو خطأ، والصواب ما ثبت في الصحيح(2).
والآن وبعد مرورنا العابر على أقوال هؤلاء الناس أليس من حق القارئ أن يتساءل مع كل منهم: فيقول لابن الجوزي: كيف تحكم على الحديث بالبطلان والوضع وأنه من وضع الرافضة، والحديث رواه نحو من ثلاثين صحابياً كما مرَّ، وعن كل صحابي بعدة طرق، رجه الحفاظ من غير الشيعة، ومن جملتهم إمام المذهب الذي تتمذهب به، أعني الإمام أحمد بن حنبل، فهل كل هؤلاء كانوا من الرافضة؟!
وقد انبرى إلى رده غير واحد من أعلام السنة فضلا عن الشيعة ، ولسنا بصدد ذكر ردودهم، ونكتفي بما قاله ابن حجر في كتاب (القول المسدَّد في الذب عن مسند أحمد)، حيث قال: قول ابن الجوزي في هذا الحديث: (إنه باطل وإنه موضوع) دعوى لم يستدل عليها إلا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين، وهذا إقدام على ردّ الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم ، ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع ...
إلى أن قال: وهذا الحديث من هذا الباب هو حديث مشهور له طرق متعددة، كل طريق فيها على انفراده لا تقصر عنه رتبة الحسن، ومجموعها مما يقطع بصحته على طريقة كثير من أهل الحديث، وأما كونه معارضاً لما في الصحيحين فغير مسلّم، ليس بينهما معارضة...(1)
إلى أن قال أيضاً: هذه الطرق المتضافرة بروايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح دلالة قوية، وهذه غاية نظرة المحدث...
إلى أن قال: فكيف يدعى الوضع على الأحاديث الصحيحة بمجرد هذا التوهم، ولو فتح الباب لرد الأحاديث لادعي في كثير من هذه الأحاديث الصحيحة البطلان، لكن يأبى الله ذلك والمؤمنون(2).
وقال ابن حجر في فتح الباري بعد ذكر ستة أحاديث في الباب:
هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، وكل طريق منها صالحة للاحتجاج فضلاً عن مجموعها ، وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وابن عمر، مقتصراً على بعض طرقه عنهم، وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضاً بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وأخطأ في ذلك خطأ شنيعاً، فإنه سلك في ذلك ردّ الأحاديث الصحيحة بتوهمه
المعارضة ...(1)
إلى آخر ما قاله ابن حجر في كتابيه (القول المسدد) و (فتح الباري)، وفيما ذكرناه عنه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد في رد ما قاله ابن تيمية أيضاً ، الذي لم يأت من عنده بشيء جديد - كما مر - وإنما تبع ابن الجوزي في إعلاله واعتلاله، فلا يؤبه بحاله.
لكن لا ينقضي عجبي من الحافظ الذهبي، فهو يضلع مع ابن تيمية في كتابه (المنتقى) في طعن الحديث، بينما نقرأ قوله في كتابه تلخيص المستدرك للحاكم عند ذكر الحديث بأنه صحيح!!(2)فراجع لتعرف التناقض عند الرجل.
وحال ابن كثير لا يبعد في تناقضه عن الذهبي بكثير، فهو في تفسيره - كما مر - يطعن بالحديث، ويقول: ومن روى (إلا باب علي) كما وقع في بعض السنن فهو خطأ والصواب ما ثبت في الصحيح.
بينما نجده هو في تاريخه أخرج الحديث عن ابن عباس، وذكر قول عمر: لقد : لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من حمر النعم. قيل: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: تزويجه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وسكناه المسجد مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، يحل له ما يحل له، والراية يوم
خیبر(1).
وذكر أيضاً قول عبد الله بن عمر ، وهو مثل قول أبيه في عد الخصال الثلاث(2). وذكر حديث سد الأبواب برواية زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وسعد بن أبي وقاص(3).
كما ذكر حديث أبي سعد الخدري عنه صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال لعلي: يا علي لا يحل لأحد يجنب في المسجد غيري وغيرك.
فهلم معي فاضحك - وشر البلية ما يضحك - فابن كثير في تفسيره يقول: (ما ورد في بعض السنن فهو خطأ، والصواب ما ثبت في الصحيح) ، وهو نفسه يخرجه في تاريخه كما مرَّ عليك، ولا يكتفي بتخريجه فقط، بل يحاول الجمع بين حديث سد الأبواب وحديث الخوخة، فيقول بعد ذكره الحديث برواية سعد بن أبي وقاص:
وهذا لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري من أمره (علیه السّلام) في مرض الموت بسد الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر الصديق، لأن نفي هذا في حق علي كان في حال حياته لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، فجعل هذا رفقاً بها، وأما بعد وفاته فزالت هذه العلة، فاحتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالناس إذ كان
الخليفة عليهم بعد موته (علیه السّلام)، وفيه إشارة إلى خلافته. اهـ.
أو ليس معنى الجمع بين الحديثين هو ثبوتهما معا عنده، ونحن لا نناقشه في تعليله العليل في حق باب علي لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، ولا نقول له: أين كان بيت فاطمة حين أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بسد الأبواب، ألم تكن هي بعد في بيت أبيها لم يتزوجها علي (علیه السّلام)، فسد الأبواب كان في السنة الأولى بعد بناء المسجد، وزواجها كان بعد بدر وهي في السنة الثانية على المشهور عند المؤرخين، وهو منهم، وقد ذكره في تاريخه(1).
وعلى فرض صحة ما ذهب إليه، هل لنا أن نقول له: لماذا لم يشمل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعطفه الأبوي وحنانه النبوي ابنته الأخرى رقية، التي كانت يومئذ عند عثمان؟ فلماذا أمر بسدّ بابه كما مرَّ في حديث حذيفة؟ فراجع.
ثم هل من حق القارئ أن يسأله: إذا كان حديث الخوخة صحيحاً، ولفظه: (سدُّوا كل خوخة إلا خوخة أبي بكر)، فكيف اتسعت الخوخة فصارت باباً ليلج منها ابن كثير وأضرابه ويقول: (احتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالناس، إذ كان الخليفة عليهم بعد موته (علیه السّلام)، وفيه إشارة إلى خلافته)، من أين علم ذلك ابن كثير؟ وكيف هو فهم أن ما حدث كان إشارة إلى خلافته؟
ولماذا لم يفهم الصديق تلك الإشارة كما فهمها ابن كثير؟ وليته
1) المصدر السابق 345/3.
فهمها ولم يترك بيته الذي فيه الخوخة إن كان له هناك بيت(1)، فلا يذهب إلى بيته في السُّنْح(2).
يا عباد الله كيف يعقل أو يتعقل أن يفهم تلك الإشارة ابن كثير وأضرابه ولا يفهمها الصديق إذا كان قد شرفه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حديثاً بتلك الفضيلة، فسدَّ كل خوخة إلا خوخته؟ لماذا لا يعتني بها ويذهب إلى العوالي إلى منزله بالسنح، ويبقى فيه مفارقا خليله ونبيه وصاحبه في الغار والهجرة، حتى إذا مات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولم يكن حاضراً عنده، أقبل على فرس له ، فرأى عمر يتهدد ويتوعد من يقول: مات النبي... إلى آخر ما كان وما جرى ولسنا بصدده... هل يعقل ذلك؟
وهل كان يليق هذا من مرشح أشير إليه بالخلافة بفتح باب بيته دون غيره كما يقول ابن كثير، فلا يعرف ذلك، ويذهب إلى بيته بالسنح، حتى ولو افترضنا أنه لم يكن له بيت عند المسجد كما مر عن التوربشتي، أو
1) قال التوربشتي: لم يصح عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد، وإنما كان منزله بالسنح من أعلى المدينة. (إرشاد الساري 84/6 ط أفست عن طبعة بولاق سنة 1325هـ).
2) قال الفيروز آبادي في كتابه (المغانم المطابة في معالم الطابة)، ص 187 ط الأولى سنة 1389هـ بتحقيق حمد الجاسر: سنح بضم أوله وسكون ثانيه، محلة من محال المدينة كان بها منزل أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تزوج ملكية وقيل حبيبة بنت خارجة (الخزرجية)، وهي في طرف من أطراف المدينة، وهي منازل بني الحرث بن الخزرج من الأنصار بعوالي المدينة، وبينها وبين منزل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ميل.
كان ولكن بعدما سُدَّت بابه - كما في حديث سد الأبواب إلا باب علي - انتقل إلى بيته بالسنح.
ومن الطريف أن المحب الطبري روى في الرياض النضرة أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم لما قدم المدينة ومعه أبو بكر، نزل هو صلى الله عليه [وآله] وسلم على كلثوم بن هدم أخي عمر بن عوف، ويقال: نزل على سعد بن خثيمة، لأنه كان عزباً لا أهل له، ونزل أبو بكر على حبيب بن أساف أخي بني الحارث بن الخزرج بالسنح(1).
وذكر ابن كثير نفسه في تاريخه: قدم أهل أبي بكر عليه، وذكر عائشة وأمها أم رومان وشرود الجمل بهما وما قالته أم رومان وقالته عائشة... إلى أن قال: فتقدموا فنزلوا بالسنح منذ هجرته وربما قبل ذلك(2).
إذن لا غرابة لو كان أبو بكر في السنح عند مرض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فهو يألفه منذ هجرته، ففيه نزل ولم ينزل مع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وفيه قدم أهله، وفيه كان عند المرض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ينزل إلى المدينة ويعود إليه، ومنه أقبل على فرس له حين أخبر بموت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، و لا غرابة في ذلك، إنما الغرابة كل الغرابة في استماتة ابن كثير وأضرابه ولهائهم في إثبات حديث الخوخة.
فإذا صح ذلك فلماذا هجر البيت الذي فيه الخوخة، مع أن بقاءها دون غيرها إشارة إلى خلافته كما يقول ابن كثير ؟!
ولو رجعنا إلى حديث الخوخة، فليس طريق إثباته أقوى من وروده في الصحيحين - البخاري ومسلم - ولذا عبروا عنه بمتفق عليه، وكأن ما جاء فيهما هو الوحي المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما أكثر المؤاخذات على ما فيهما.
ولسنا بصدد مناقشة الحديث المزعوم لا سنداً ولا دلالة، فلا حاجة لنا في ذلك، كما لا حاجة بنا إلى تقييم الصحيحين على ضوء ما قالوا فيهما(1)، كما لا حاجة لنا لاستعراض وجوه الجمع التي ذكرها غير واحد بخوعاً وتسليماً لحديث سد الأبواب إلا باب علي، وتنطعاً وترميماً لحديث الخوخة، كما حكي ذلك عن القاضي إسماعيل في أحكامه، والكلاباذي في معاني الأخبار، والطحاوي في مشكل الآثار، وابن حجر(2)
ونقل عن الطحاوي في مشكل الأخبار الجمع بهما!! ونحن نقول له: لا مجاز إلى باب المجاز مع انفتاح باب الحقيقة، ومنه المجاز وبولاية صاحبه أبي بكر الصديق يكون الجواز، ولابن حجر هذا جوابات مسائل حول أحاديث في مصابيح السنة للبغوي وصفت بالضعف، فأجاب عنها، وكان منها حديث: (يا علي لا يحل يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك)، فقال: أخرجه الترمذي ... إلى أن قال: وقد ورد من طرق كثيرة صحيحة: أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لما أمر بسد الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب علي، فشق ذلك على بعض الصحابة، فأجابهم بعذره في ذلك. وقد ورد ذلك في حديث طويل لابن عباس، أخرجه أحمد والطبراني بسند جيد. فراجع أجوبة المسائل، هي مطبوعة في آخر مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي ط المكتب الإسلامي بتحقيق الألباني.
،1) إني أدعو القارئ لمراجعة ما ذكره السيوطي في كتابه الحاوي 397/2 تحت (نصب ميدان جدلي) حيث ذكر مناقشة أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، فأثبت أنهم جميعاً خالفوا عملاً في مسائل كثيرة ما ورد في الصحيحين أو في أحدهما، وهو بحث ممتع ونافع وتحسن مراجعته.
2) قال ابن حجر في فتح الباري 16/8: ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين : ففي الأولى استثني علي لما ذكر - يعني لأن بيته كان في المسجد، وفي الأخرى استثني أبو بكر. ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة، كما صرح به في بعض طرقه. إلى أن قال: فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين اهـ.
والقسطلاني والعيني في شروحهم لصحيح البخاري، وابن كثير وغيرهم أيضا كثير.
كما لسنا بحاجة إلى ما قاله السمهودي في تاريخ المدينة المنورة المسمّى (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى)(1).
وأسند ابن زبالة ويحيى من طريقه عن عمرو بن سهل أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أمر بسد الأبواب الشوارع في المسجد، قال له رجل من أصحابه: يا رسول الله دع لي كوة أنظر إليك منها حين تغدو أو حين تروح. فقال: لا والله ولا مثل ثقب الإبرة.
فعقب السمهودي بقوله : قلت : وقد اقتضى ذلك المنع من الخوخة أيضا، بل ومما دونهما عند الأمر بسد الأبواب أولا، فإن صح ذلك فيحمل الإذن بعده في اتخاذ الخوخ، ثم كانت قصة أبي بكر بعد ذلك. اهـ.
ونحن لا نناقشه في هذا الجمع التبرعي الذي لم يقم عليه شاهد ولا
1) وفاء الوفا 340/1.
برهان، ولا نطالبه ولا غيره بإثبات الإذن بفتح الخوخ بعد سد الأبواب، فمتى كان؟ وفي أي وقت وزمان؟
ولكنا نقول بعد الإغماض عن كل ما قيل ويقال فيه: إنه لو ثبت حديث الخوخة فهو تشريف عظيم لأبي بكر وامتياز، له وزنه بميزان الفضائل لو كان صدوره في غير الزمن الذي قالوا بصدوره فيه، وهو مرض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقبل موته بثلاثة أيام أو خمسة أيام كما في بعض المصادر على وجه التحديد.
فإن في تلك الفترة من المرض قد صدرت عدة أوامر أمر بها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فلم يمتثل أمره فيها، فقد أمر بتجهيز جيش أسامة وشدد على ذلك حتى لعن المتخلف عنه، وأمر بإحضار دواة وكتف ليكتب للأمة كتاباً لن يضلوا بعده. وأمر بأن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأمر أن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجيزهم به، وأمر باتباع أهل بيته والتمسك بهم، وأوصى بالأنصار خيراً...
إلى غير ذلك من الأوامر التي لم يمتثل أمره فيها، وكان أعظمها وقعاً وأشدها نكاية، هو حديث الكتف والدواة، وكان أمره بإحضارهما في يوم الخميس، وذلك قبل موته بخمسة أيام، فأسمعه بعض الحاضرين كلمة (معناها غلبه الوجع) كما في البخاري وغيره(1)، فأغمي عليه (صلی الله علیه و آله و سلم) لهول ما سمع، والله سبحانه يقول في نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) وَمَا يَنْطِقُ عَن الْهَوَى * إِنْ هُوَ
1) صحيح البخاري 22/1، باب قول المريض: قوموا عني من كتاب المرضى، وموارد أخرى في كتاب العلم وغيرها.
إلا َوحْيٌ يُوحَى، فبعد تنزيه الله تعالى له يقابله من يقول فيه كلمة هو أولى بها كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، فوقع النزاع والخصام بين من حضر من الصحابة، فبعض ناصروا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وطالبوا بإحضار الدواة والكتف، وبعض أبى وقال: القول ما قال عمر(1)، فأفاق من غشيته فطردهم قائلاً: قوموا عني، لا ينبغي عند نبي تنازع . وبقي أثر تلك الكلمة الجارحة في نفوس المسلمين، حتى كان ابن عباس إذا ذكرها يبكي حتى يبل دمعه الحصى، ويقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وبين أن يكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً.
وحديث الكتف والدواة حديث صحيح ثابت، أخرجه أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والتفسير والتاريخ وحتى بعض كتب الأدب، وقد بلغت مصادره في إحصاء أولي زهاء المائة، وفيها من التشريق والتغريب، الشيء العجيب الغريب.
1) قال أحمد أمين المصري صاحب كتب فجر الإسلام وضحى الإسلام وفجر الإسلام في آخر كتبه (يوم الإسلام) ، ص 41 ط سنة 1958م: أراد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في مرضه الذي مات فيه أن يعين من يلي الأمر بعده، ففي الصحيحين - البخاري ومسلم - أن رسول الله لما احتضر قال: (هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده)، وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، فقال عمر: إن رسول الله قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله فاختلف القوم.واختصموا... فمنهم من قال: قربوا إليه يكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده. ومنهم من قال القول ما قاله عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عنده (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لهم: قوموا. فقاموا.
ولما لم يمتثل أمره (صلی الله علیه و آله و سلم) في أمر الدواة والكتف بحجة ما قيل، فليس لمحتج أن يحتج بحديث الخوخة لنفس ما قاله من التعليل، لصدور الحديثين في زمان متقارب، إذ كان حديث الكتف والدواة قبل موته بخمسة أيام، وحديث الخوخة - فيما يزعم - إما بثلاثة أيام أو خمسة أيام، فهما على حد سواء في مدى الاعتبار وعدمه، لاتحادهما في الزمان وبعض الحيثيات الأخرى، فمن لم يأبه بذلك لا ينبغي له أن يحتج بهذا، لوجود المانع الذي قيل، مما أحدث البلبلة والقيل والقال.
أما أن يكون الأمر في أحد الحديثين مردوداً لوجود المانع المشار إليه، وفي الآخر مقبولاً مع عدم ارتفاع ذلك المانع فتحكم وتعسُّف، لا يُقره منطق، ولا يقبله عاقل منصف، مهما اختلفت الأشخاص والمعايير ، واختلقت لهم الحجج والمعاذير.
قال الله سبحانه وتعالى فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بهِمُ الْأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا(1).
ولزيادة اطمئنان القارئ بأن حديث سد الأبواب إلا باب علي من الأحاديث الصحيحة الثابتة، وأنه من خصوصيات علي (علیه السّلام)، دون غيره، نذكر له ما قاله أبو بكر الجصاص الحنفي في أحكام القرآن، قال: وما ذكر من خصوصية علي رضي الله عنه فهو صحيح، وقول الراوي: (لأنه كان
1) سورة النساء، الآيتان 41 - 42.
بيته في المسجد ظن منه)، لأن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قد أمر في الحديث الأول بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره، ولم يبح لهم المرور لأجل كون بيوتهم في المسجد... وإنما كانت الخصوصية فيه لعلي رضي الله عنه دون غيره... كما خُص جعفر بأن له جناحين في الجنة دون سائر الشهداء... وكما خص حنظلة بغسل الملائكة له حين قتل جنبا... وخص الزبير بإباحة لبس الحرير لما شكا من أذى القمل. فثبت بذلك أن سائر الناس ممنوعون من دخول المسجد مجتازين وغير مجتازين... الخ(1).
مضافاً إلى ما ذكرناه آنفاً من كلمات ابن حجر وغيره ومن أشرنا إليهم ممن أخبت بصحته وحاول الجمع، نذكر ما قاله الشوكاني في الفوائد المجموعة.
قال: وبالجملة فالحديث ثابت لا يحل لمسلم أن يحكم ببطلانه، وله طرق كثيرة جداً، قد أوردها صاحب اللثالي، وقد صح حديث زيد بن الأرقم في المستدرك، وكذلك الضياء في المختارة، وإعلاله بميمون غير صحيح، فقد وثقه غير واحد، وصحح له الترمذي.
وأما حديث ابن عمر، فقد رواه أحمد في المسند بإسناد رجاله ثقات، وليس فيه هشام بن سعد، والكلام على ردّ ما قاله ابن الجوزي يطول، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى(2).
ونحن أيضاً نقول : وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى.
وعلى ضوء جميع ما تقدم يمكننا تصديق ابن أبي الحديد في قوله في شرح النهج : سد الأبواب كان لعلي (علیه السّلام)، فقلبته البكرية إلى أبي بكر(1).
وإلى القارئ قائمة بالمصادر التي ذكرت الحديث وما يمت إليه، وكلها مصادر غير شيعية:
1 - سنن الترمذي.
2 - تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي 173/13 - 174 ، الصاوي بمصر.
3 - مسند أحمد 175/1 ، 331 ، 26/2، 369/4 ، مصر الأولى.
4 - مصابيح السنة للبغوي، ص202.
5 - مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي 245/3 - 246 .
6 - فتح الباري لابن حجر 14/8-16 .
7- عمدة القارئ للعيني 592/7.
8 - إرشاد الساري للقسطلاني 48/6 - 85 ، أفست عن طبعة بولاق سنة 1325هـ.
9 - كنز العمال 002/12 - 120 ، 215 ، 96/15 ، حيدر آباد ط الثانية.
10 - السنن الكبرى للبيهقي 344/2، 65/7، حیدر آباد.
1) شرح نهج البلاغة 17/3 الطبعة المصرية الأولى.
11 - معجم الطبراني الكبير 246/2 ، 78/12 ، 114 ، ط الثانية بالموصل.
12 - المستدرك على الصحيحين 579/2 ، 117/3 - 120، 125 - 132.
13 - تلخيص المستدرك للذهبي بهامشه.
14 - مجمع الزوائد للهيثمي 297/7 ، 114/9 - 511 ، 120، القدسي بمصر.
15 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 29/5، 55 .
16 - جامع الأصول 474/9 - 475 ، السنة المحمدية بمصر.
17 - الخصائص للنسائي 12/8 - 13 - 14، 24 ، 25، 26 ، التقدم بمصر.
18 - كنز الحقائق للمناوي، ص 84 ، 198، بولاق.
19 - فيض القدير 106/1 ، مصر.
20 - المعتصر من المختصر 332/2 - 333، حیدر آباد .
21 - جوامع الجامع للسيوطي، رقم 4318 كما في موسوعة أطراف الحديث النبوي.
22 - الضعفاء للعقيلي 212/1، 185/4، 222، 347 نقلاً عن الموسوعة.
23 - الموضوعات لابن الجوزي 363/1 ، 379 ، مصر.
24 - تنزيه الشريعة المرفوعة لابن عراق الكناني 358/1، 383، مصر.
25 - حلية الأولياء لأبي نعيم 153/4 السعادة.
26 - المناقب لابن المغازلي، ص 325 - 326 إيران.
27 - المناقب للخوارزمي، ص 74 ، 127، 129، 248، 253، 261 ط حجرية.
28 - تذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي، ص 46 ط حجرية.
29 - فرائد السمطين 205/1 - 208 ط بيروت.
30 - ينابيع المودة للقندوزي الحنفي، ص 87، 210 ، 232 ، 283 ط إستانبول.
31 - نظم درر السمطين للزرندي، ص 103 ، 108 ط النجف.
32 - ذخائر العقبى للمحب الطبري، ص 76 - 77 ، 102 ط القدسي بمصر.
33 - الرياض النضرة 192/2 - 193 ، 203 ط الخانجي بمصر.
34 - فتح الملك العلي للسيد أحمد المغربي، ص 27 ط مصر.
35 - مقتل الحسين للخوارزمي 63/1 ط النجف.
36 - شرح نهج البلاغة للمعتزلي 451/2.
37 - الإصابة لابن حجر 502/2 ط مصطفى محمد.
38 - ذخائر المواريث 7/2 ، 196/3 ط مصر.
39 - السيرة الحلبية 346/3 - 347 ط مصر.
40 - وفاء الوفا للسمهودي 337/1 - 340 ط مصر.
41 - الحاوي للفتاوي للسيوطي 55/2 - 58 (ضمن رسالة شد الأثواب في سد الأبواب) ولا تخلو من الخبط والخلط.
42 - الصواعق المحرقة، ص 74-76ط مصر.
43 - الفتح الكبير للنبهاني 255/11، 399/3 ط مصر.
44 - طبقات ابن سعد ج 26/2/2 ط أوربا.
45 - لسان العرب 14/3 (خوخ) ط دار صادر.
46 - تاريخ ابن كثير 338/7، 341 - 345 ط مصر.
47 - التاريخ الكبير للبخاري 408/1 ، 68/2 ط حیدر آباد.
48 - تاريخ بغداد 205/7 ط السعادة، مصر.
49 - أخبار القضاة لوكيع 149/3 ط مصر.
50 - تهذيب التهذيب لابن حجر 387/9 ، وأشار إليه 156/2 ط حیدر آباد.
51 - تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 66، 116 ط مصر.
52 - علل الحديث لابن أبي حاتم 99/1 ط السلفية بمصر.
53 - كفاية الطالب للكنجي الشافعي، ص 200 ، 243 ط الثانية،
النجف.
54 - لسان الميزان لابن حجر 165/4 ط حیدر آباد .
55 - اللثالي المصنوعة للسيوطي 181/1 - 183 ط الأولى بمصر.
56 - أسنى المطالب لابن درويش الحوت، ص 12 ط مصر.
57 - تفسير القرطبي 207/5 - 208ط مصر.
58 - تفسير ابن كثير 501/1 ط مصر.
59 - الخصائص الكبرى للسيوطي 243/2 ط حیدر آباد، 294/3 ط مصر بتحقيق هراس .
60 - تفسير الكشاف 398/1 ط مصطفى محمد، سنة 1367هـ.
61 - أحكام القرآن للجصاص الحنفي 204/2 ط الأستانة.
62 - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام) 185/1، 222 ، 223 ، 253 - 280 ط بیروت.
63 - مسند أبي الحسن الكلابي (ملحق بمناقب ابن المغازلي)، ص432.
64 - القول المسدَّد في الذب عن مسند الإمام أحمد لابن حجر، ص 7 - 26 ط مصر.
65 - تذكرة الموضوعات للفتني، ص 95 .
66 - الأمالي الخميسية لابن الشجري 42/1.
67 - تهذيب تاريخ ابن عساكر 17/6، 140/7 .
68 - شرح قصيدة الصاحب ابن عباد للقاضي البهلولي اليماني ، ص 86.
69 - النهاية لابن الأثير (خوخ)، ط مصر.
70 - سمط النجوم العوالي للعصامي المكي 491/2 ط السلفية.
71 - إتحاف السادة المتقين للسيد مرتضى الزبيدي 192/7، 287/15 (هذا والاثنان بعده نقلاً عن موسوعة أطراف الحديث).
72 - جامع مسانيد أبي حنيفة 219/2.
73 - كتاب السنة لابن أبي عاصم 579/2.
74 - المنتقى للذهبي، ص 311.
75 - منهاج السنة لابن تيمية 9/3ط الأولى بمصر.
76 - جمع الفوائد للروداني 330/2، 331 ط الأولى، نشر المكتبة الجامعة، مكة المكرمة.
77 - رسالة في أجوبة ابن حجر عن أحاديث وقعت في مصابيح السنة للبغوي وصفت بالوضع ط في آخر مشكاة المصابيح 300/3 - 317 ط المكتب الإسلامي .
78 - كفاية الطالب لمناقب علي بن أبي طالب للشنقيطي، ط الأولى، الاستقامة بمصر سنة 1355هـ.
79 - التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) للشيخ منصور علي ناصف 298/3 ط عيسى البابي الحلبي، الطبعة الثانية.
80 - جواهر المطالب للباعوني الشافعي (نسخة مصورة)، الباب التاسع والعشرون .
81 - تيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب الهاروني، ص 68 ط بيروت .
102 - كَمْ مَرَّة قالَ النبيُّ مُعلِنَا *** مِنِّي عَلِيٌّ واعلموا مِنْهُ أنا
103 - هَذا عليٌّ هُو مِنِّي وأَنَا *** مِنْه فَلا فَصْلٌ يَكُونُ بَيْنَنَا
أشار سيدنا الناظم دام ظلّه إلى ما صح عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) من قوله: « أنت مني وأنا منك » ، وقوله : « علي مني وأنا من علي » ، و « لا يؤدي عني إلا أنا وعلي » ، وقوله : « هو مني وأنا منه »... إلى غير ذلك من ألفاظ مختلفة باختلاف الموارد التي قال فيها ذلك.
فعند مراجعة مصادر تلك الأحاديث يجد الباحث أن الموارد مختلفة زماناً، متعددة رواة:
1 - فمنها يوم أحد، فقد أخرج ابن عساكر في تاريخه بسنده عن جابر ابن عبد الله، قال: جاء علي إلى النبي يوم أحد، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اذهب . فقال جبرئيل: هذه والله المواساة يا محمد. فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا
جبرئيل، إنه مني وأنا منه. فقال جبرئيل: وأنا منكما(1).
وهذا الحديث فيه سقط بين ، وأتم منه ما أخرجه عن أبي رافع قال: لما كان يوم أحد نظر النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى جماعة من قريش، فقال لعلي: احمل عليهم. فحمل عليهم، فقتل هاشم بن أمية المخزومي وفرق جماعتهم، ثم نظر النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى نفر من قريش فقال لعلي: احمل عليهم. فحمل عليهم، ففرق جماعتهم، فقتل فلاناً الجمحي ، ثم نظر إلى نفر من قريش فقال لعلي: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرق جماعتهم، وقتل أحد بني عامر بن لؤي ، فقال له جبرئيل: إن هذه المواساة. فقال صلى الله عليه [وآله] وسلم: إنه مني وأنا منه. فقال جبرئيل: وأنا منكما يا رسول الله(2).
وأخرج أحمد في مناقب الإمام علي (علیه السّلام) حديث أبي رافع، ولفظه: لما قتل علي (علیه السّلام) أصحاب الألوية يوم أحد قال جبرئيل: يا محمد إن هذه لهي المواساة. فقال له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: إنه مني وأنا منه. قال جبرئيل (علیه السّلام): وأنا منكما يا رسول الله .
وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير(3)، والحمويني في فرائد السمطين، والطبري في تاريخه في وقعة أحد(4).
وفي آخر حديثه قال: فسمعوا صوتاً: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي .
2 - ومنها في حجة الوداع كما في حديث حبشي بن جنادة فيما أخرجه الحمويني في فرائد السمطين(1)، والفسوي في المعرفة والتاريخ(2)، والنسائي في الخصائص ، والترمذي في سننه في مناقب علي، وابن ماجة، والبغوي، وابن أبي عاصم، والضياء في المختارة، والطبراني، والهيثمي في مجمع الزوائد وغيرهم، بأسانيدهم عن حبشي بن جنادة - وقد شهد حجة الوداع - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول ذلك اليوم: علي مني وأنا منه، ولا يقضي ديني سواه.
3 - ومنها يوم أهدي إليه (صلی الله علیه و آله و سلم) قنو موز، كما في حديث عبد خير عن علي (علیه السّلام)، قال : هدي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قنو موز، فجعل يقشره ويجعله في فمي، وقال له قائل: يا رسول الله إنك تحب عليًّا ! فقال: أو ما علمت أن عليا مني وأنا منه(3).
4 - ومنها يوم صدروا من مكة بعد عمرة القضاء في قصة ابنة حمزة ، وقد تقدم حديثها في ذكر حديث المنزلة، وقلنا: إن في جملة من المصادر ورد أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لعلي: « أنت مني وأنا منك ». وفي لفظ النسائي في
الخصائص قال: « أنت مني بمنزلة هارون وأنا منك »(1)، فراجع.
5 - ومنها يوم بعثه إلى اليمن كما عن بريدة، وعمران بن الحصين ، والبراء بن عازب، وأبي هريرة وغيرهم، ممن حرضهم خالد بن الوليد على أن يشكوا عليا عند النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
أما حديث بريدة فقد حدَّث هو عن نفسه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بعثين إلى اليمن، على الأول علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد ، فقال : إذا اجتمعتما فعلي على الناس، وإذا افترقتما فكل واحد منكما على حده (جنده). قال: فلقينا بني زبيد من اليمن فقاتلناهم، فظهر المسلمون على الكافرين، فقتلوا المقاتل وسبوا الذرية، واصطفى علي جارية من الفيء، فكتب معي خالد يقع في علي، وأمرني أن أنال منه، قال: فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم رأيت الكراهية في وجهه، فقلت: هذا مكان العائذ بك يا رسول الله، بعثتني مع رجل وأمرتني بطاعته، فبلغت ما أرسلني به. قال: يا بريدة لا تقع في علي، علي مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي.
أخرج الحديث ابن عساكر في تاريخه(2)، وأحمد في المسند(3)، وفي الفضائل أيضاً، والنسائي في الخصائص(4)، والذهبي في تاريخ
الإسلام(1)، وابن المغازلي في المناقب(2)، والهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه أحمد والبزار باختصار، وفيه الأجلح الكندي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح(3).
وأما حديث البراء بن عازب فقد أخرجه ابن عساكر في تاريخه(4)، والترمذي في باب مناقب علي وغيرها، وفيه: إنه كان أيضا يحمل كتابا من خالد في ذلك، وأن النبي قرأ الكتاب فتغير لونه - كما في سنن الترمذي - ثم قال: ما ترى في رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؟ قال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، وإنما أنا رسول.
وأما حديث عمران بن الحصين فقد أخرجه الترمذي في سننه، وابن أبي شيبة في المصنف(5)، والحاكم في مستدركه، والهيثمي في مجمعه، وابن عساكر في تاريخه بعدة طرق(6)، والحمويني في الفرائد، وابن المغازلي في مناقبه(7)، وأبو نعيم في الحلية(8)، وابن الأثير في جامع الأصول(9)، وابن
حجر في الإصابة(1)، وابن الأثير في أسد الغابة(2)، والخوارزمي في المناقب(3)، والنسائي في الخصائص، وابن أبي شيبة في المصنف(4)وغيرهم، وألفاظهم متقاربة، كلهم عن عمران بن حصين، قال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بعث عليًّا في جيش، فرأوا منه شيئاً فأنكروه، فاتفق نفر أربعة وتعاقدوا أن يخبروا النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بما صنع علي، قال عمران: وكنا إذا قدمنا من سفر لم نأت أهلنا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وننظر إليه، فجاء النفر الأربعة، فقام أحدهم فقال: يا رسول الله ألم تر أن عليًّا صنع كذا وكذا. فأعرض عنه، ثم قام الثاني فقال مثل ذلك، فأعرض عنه ، ثم قام الثالث فقال مثل ذلك فأعرض عنه ، ثم قام الرابع فقال مثل ذلك، فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يعرف الغضب في وجهه، فقال: ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ مالهم ولعلي؟ إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي.
وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه القندوزي الحنفي في ينابيع المودة نقلا عن مناقب السبعين لعلي بن شهاب الهمداني، ولفظه: قال: الحديث الثالث عشر: عن أبي هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله]
وسلم بعث بعثين، وبعث على أحدهما عليا وعلى الآخر خالد بن الوليد، وقال: إذا التقيتم فعلي على الناس إمام، وإذا افترقتم فكل على جنده، فلقينا بني زبيد - زبير - فاقتتلنا وظفرنا عليهم وسبيناهم، فاصطفى علي من السبي واحدة، فبعثني خالد إلى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم حتى أخبره بذلك، فلما أتيت وأخبرته فقلت: يا رسول الله بلغت ما أُرسلت به. فقال: لا تقعوا في علي، فإنه مني وأنا منه، وهو وليي ووصيي من بعدي. رواه الإمام أحمد في مسنده(1).
أقول: من الغريب أن نجد الحديث يرويه أبو هريرة مع تأكيده الحضور بإظهار ذاتيته وأنانيته في ضمير (الأنا) الذي استعمله في قوله: (فلقينا)، (فاقتتلنا وظفرنا)، (وسبينا)، مما يؤكد وجوده مع بعث المسلمين في اليمن، وزاد في إثبات وتأكيد ذلك بقوله: (فبعثني خالد... فلما أتيت وأخبرته، فقلت... بلغت ما أرسلت به).
الا مسائل راوية الإسلام - كما يحلو لبعضهم تسميته - أين كان هو يومئذ حتى دس أنفه بين الرجال فزعم وزعم ؟
ألم يكن يومئذ بالبحرين، وبعثه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع العلاء بن الحضري مؤذناً له، ثم لم يأت إلى المدينة إلا في أيام عمر حين استدعاه للشهادة على قدامة بن مظعون حين شرب الخمر، وقال له حين شهد: لقد تنطعت في الشهادة. ثم أعاده واليا، ثم استدعاه للمحاسبة على ما اختانه من أموال،
1) ينابيع المودة، ص 233 ط إسلامبول.
وضرب ظهره بالدرة حتى أدماه؟؟ قال له كما في طبقات ابن سعد: عدواً الله وللإسلام. وقد مرَّ ذكره في حديث براءة، فراجع.
ولم يكن هذا الحديث وحده الذي زعم فيه أبو هريرة الحضور والمشاركة، بل سبق له في مواطن أخرى لم يكن فيها فادعى حضوره، كما مرَّ في زعمه حضور خيبر، وحديث تبليغ براءة، وحديث الغدير، وغيرها مما مرت الإشارة إليه آنفا، فراجع.
6 - ومن موارد الحديث أيضاً ما رواه عمر بن الخطاب كما في صحيح البخاري بسنده عن عمر أنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وهو عنه - عن علي - راض ، وقال له رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أنت مني وأنا منك(1).
7 - ومنها في حديث تبليغ براءة وقد مرَّ آنفاً، وفي بعض ألفاظه كما في بعض مصادره اقتصر على لفظ: علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا وعلي... فراجع.
والذي يلفت النظر أن هذا الحديث مثل سائر أحاديث الفضائل المختصة بالإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، لم يسلم من كيد المفترين وهوس الدساسين، فوضعوا حديث: إن العباس مني وأنا منه(2).
ولا نطيل الوقوف عنده، لأنه من مخترعات العصر العباسي الذي
حفل بأمثال أبي البختري وهب بن وهب الكتاب، الذي رأى المهدي العباسي وهو يسابق بالحمام ، فزعم أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: لا سبق إلا في خف أو حافر أو ريش. فأكذبه المهدي حين رأى تزلّفه بإضافة الريش إلى الثلاثة، وأمر بذبح الحمام، وأخرجه، وقال: أشهد أنه كاذب... وكم له من نظير.
وإن تكن رواية (إن العباس مني وأنا منه) من كذبة العصر العباسي، فما رأي القارئ في كذبة العصر الأموي حيث البلية أن نجد من يروي كذباً على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال لمعاوية : (أنت مني وأنا منك) كما أخرجه البخاري في تاريخه(1)، وابن الجوزي في العلل المتناهية(2)، والفتني في تذكرة الموضوعات(3)، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ(4).
فهل يرضى مؤمن أن يسرف الرواة في الكذب على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، حتى يقرأ مثل قوله - المزعوم - لمعاوية: أنت مني وأنا منك؟
أيكون رسول الله خاتم النبيين من معاوية ومعاوية منه؟!
وكيف يسع التصديق بذلك وهو يقرأ حديث عبد الرحمن بن عوف
وقد أخرجه الفسوي في كتابه المعرفة والتاريخ، قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم مكة انصرف إلى الطائف، فحاصرهم تسع عشرة ليلة أو ثمان عشرة فلم يفتحها، ثم أوغل غدوة أو روحة، ثم نزل ثم هجر، فقال: أيها الناس إني لكم فرط، أوصيكم بعترتي خيرا، فإن موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمنَّ الصلاة ولتؤتن الزكاة، أو لأبعث إليكم رجلاً مني أو كنفسي، فليضر بن أعناق مقاتلتكم، وليسبين ذراريكم. قال: فرأى الناس أنه أبو بكر وعمر، فأخذ بيد علي فقال: هذا(1).
فيقصر عن مقام التشبيه أبو بكر وعمر، وهما من هما فيما يرى الناس، ثم يطمع في التطاول إليه معاوية، لاها الله إن هو إلا بهتان وافتراء، تنهد له الأرض وتنشق السماء، ولا يقبله حتى أغبى الأغبياء إلا أن يكون من أبناء الطلقاء الأدعياء.
1 - إتحاف السادة المتقين للزبيدي 566/6 تصوير بيروت - كما في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف.
2 - أحاديث القصاص لابن تيمية، ص 4 ط المكتب الإسلامي - كما في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف.
3 - الأذكار للنووي، ص 246 ط عيسى البابي الحلبي - كما في
1) المعرفة والتاريخ 282/11 - 283 طبع الأوقاف ببغداد سنة 1394هـ.
موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف.
4 - أسد الغابة 27/4 (ترجمة الإمام).
5 - إسعاف الراغبين للصبان بهامش نور الأبصار، ص 154، 158، ط الميمنية سنة 1312هـ.
6 - أسنى المطالب لابن درويش الحوت، ص 137 ط مصطفى البابي الحلبي.
7 - الإصابة لابن حجر 503/2 ط مصطفى البابي الحلبي.
8 - الأمالي الخميسية لابن الشجري 134/1 ط عالم الكتب بيروت ، ومكتبة المتنبي القاهرة.
9 - البداية والنهاية = تاريخ ابن كثير 235/4، 213/5، 220/7، 224 ، 344، 356 ، 43/8 ط السعادة بمصر.
10 - تاريخ الإسلام للذهبي 195/2 - 196 ط القدسي بمصر.
11 - تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 169 ط السعادة بمصر.
12 - تاريخ بغداد للخطيب 140/4 ط السعادة بمصر.
13 - تاريخ أصبهان لأبي نعيم 253/1 أفست.
14 - تاريخ الشام لابن عساكر (ترجمة الإمام) 123/1، 148، 378/2 ط بیروت.
15 - تاريخ الطبري 514/2 ط الاستقامة، وفي (وقعة أحد) في بقية
الطبعات.
16 - تذكرة الحفاظ للذهبي 38/2 أفست حيدر آباد.
17 - تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي، ص 42 ط النجف.
18 - تفسير ابن كثير 379/6، 418 ، 341/7 ط بيروت.
19 - تفسير القرطبي 60/13 ، 215/15.
20 - تلخيص المستدرك للذهبي بهامش المستدرك للحاكم 120،111،110،100/3.
21 - تهذیب تاریخ ابن عساكر لابن بدران 211/4 ، 230.
22 - التيسير في شرح الجامع الصغير للمناوي.
23 - تيسير الوصول لابن الديبع الشيباني 124/2 ط مصر.
24 - جامع الأصول لابن الأثير 471/9ط السنة المحمدية.
25 - الجامع الصغير للسيوطي ط بولاق.
26 - حلية الأولياء 294/6ط السعادة بمصر.
27 - الخصائص للنسائي، ص 19، 20 ، 33 ط التقدم بمصر. ص 35، 45 - 46 ، 66 ، 92 ط دار الكتب العلمية بيروت.
28 - الدر المنثور للسيوطي 75/6 ط أفست إسلامية.
29 - ذخائر العقبى للمحب الطبري، ص 68 ط القدسي.
30 - ذخائر المواريث للنابلسي 186/1 ط جمعية النشر والتأليف
الأزهرية.
31 - ربيع الأبرار للزمخشري 833/1 - 834 ، الأوقاف ببغداد.
32 - الرياض النضرة 172/2 ، الخانجي بمصر.
33 - زاد المعاد لابن قيم الجوزية بهامش الزرقاني على المواهب 261/4.
34 - السراج العزيز شرح الجامع الصغير.
35 - سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 178/3، المكتب الإسلامي.
36 - سمط النجوم العوالي للعصامي 483/2 - 486 ، السلفية.
37 - سنن ابن ماجة 57/1 ، 119 ط الثانية.
38 - السنن الكبرى للبيهقي 21/4 ، 5/8 - 6 ، حیدر آباد.
39 - السنة لابن أبي عاصم 564/2، 598 .
40 - السيرة الحلبية 66/3 ، مصر.
41 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 236/2، 561، 321/4، مصر الأولى.
42 - شرح السنة للبغوي 140/14 ، المكتب الإسلامي.
43 - الشرف المؤبد للنبهاني، ص58، مصر.
44 - تحفة الأحوذي (شرح سنن الترمذي) 164/13، 169 ، الصاوي
بمصر.
45 - شرح المواهب اللدنية للزرقاني 70/3 ، مصر.
46 - صحيح ابن حبان، حديث 2203، 2269.
47 - صحيح مسلم ، فضائل الصحابة، حديث 131.
48 - صحيح البخاري 242/3 ، 18/4 ، 141،122 ، الأميرية بولاق.
49 - سنن الترمذي 10/5 باب مناقب علي.
50 - الصواعق المحرقة لابن حجر، ص 73، مصر
51 - علل الحديث لابن أبي حاتم، رقم 1013.
52 - عمدة القارئ للعيني 214/16 ، المنيرية.
53 - فتح الباري لابن حجر 88/3 ، 304/5 ، مصر .
54 - فرائد السمطين للحمويني 56/1 - 57 ، بيروت.
55 - فيض القدير شرح الجامع الصغير.
56 - الكامل لابن عدي 569/2 ، 848 كما في موسوعة أطراف الحديث النبوي.
57 - كفاية الطالب، ص 274، باب 67
58 - كنز العمال، الأحاديث 3288، 32883، 32938، 32941،32913 ، 36444، 36449 .
59 - كنوز الحقائق للمناوي، ص 41 ، 98.
60 - مجمع الزوائد للهيثمي 114/6 ، 122 ، 127/9 ، القدسي.
61 - الفتح الكبير للنبهاني 243/2 ، 88/3، مصر.
62 - مبارق الأزهار شرح مشارق الأنوار 299/2، الأستانة.
63 - منتخب ذيل المذيل للطبري، ط الحسينية.
64 - مستدرك الحاكم 100/3 - 111 ، 120 .
65 - مسند أحمد بن حنبل 98/1، 108 ، 115، 162 ، 145/4، 165، 438 ، 356/5، 68/6 ، 432ط الأولى بمصر.
66 - مسند الطيالسي، ص 111، حدیث 829، حیدر آباد.
67 - مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي ، ط المكتب الإسلامي.
68 - مشكل الآثار للطحاوي 173/4 ط حیدر آباد.
69 - مصابيح السنة للبغوي، ص 202 ، 205 ط الخيرية.
70 - المصنف لابن أبي شيبة 79/12 ، باكستان، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية .
71 - المصنف لعبد الرزاق، حديث 20394، المكتب الإسلامي.
72 - مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي، ص 18، إيران حجرية.
73 - معجم الطبراني الكبير 297/1، 19/4 - 20، 129/18.
74 - المعرفة والتاريخ للفسوي 282/1، الأوقاف بغداد.
75 - المغني عن حمل الأسفار للعراقي 300/2 ، عيسى البابي
الحلبي.
76 - المقاصد الحسنة للسخاوي، ص 98 ، الخانجي.
77 - مقتل الحسين للخوارزمي 36/1.
78 - المناقب لابن المغازلي المالكي، ص 221 ، إيران.
79 - المناقب للخوارزمي ص ،79 تبريز
80 - منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) 52/5 .
81 - منهاج السنة لابن تيمية 7/3 ، القاهرة.
82 - نظم درر السمطين، ص 79 ، النجف.
83 - ينابيع المودة ، ص 54 ، 180، 185 ، إستانبول.
104 - مَدِيْنةٌ أنا وبابها عَلي *** مَدِينَةُ العِلْمِ وَنُوْرُها جَلِي
أشار سيدنا الناظم دام ظلّه إلى حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها ».
وهذا الحديث بلغ من الاستفاضة نقلا بما لا يدع مجالا للتشكيك فيه عقلاً، فقد رواه من الصحابة كل من الإمام علي، وابن عباس، وجابر ، وابن عمر، وغيرهم...
لكن بعض من لا حريجة له في الدين طعن فيه، فقال: (إنه موضوع)، ومن أولئك النفر الذين زخرفوا القول ولم يتَّبعوا أحسنه ابن الجوزي في كتابه الموضوعات، حيث قال:
الحديث العاشر: في ذكر مدينة العلم، وفيه عن علي وابن عباس وجابر.
فأما حديث علي رضي الله عنه فله خمسة طرق... ثم ذكر الطرق الخمسة.
وأما حديث ابن عباس فله عشرة طرق ... ثم ذكرها بأسانيدها كذلك.
وأما حديث جابر - ثم ذكر سنده من عدة طرق...
ثم عطف على تلك الطرق فأعلها سنداً - فيما زعم . وختم القول بقوله: والحديث لا أصل له(1).
لكن تصدى له غير واحد من قومه من أئمة الحفاظ وأئمة السنن وعلماء الجرح والتعديل فردوا فريته، وفندوا زعمه، فحكم غير واحد بصحته كما سنوافيك بأسمائهم، ومنهم من حكم بحسنه، وهم أكثر عدداً.
وإلى القارئ أسماء من حكم بصحته مع ذكر مصادر أقوالهم، دون ذكر التفاصيل في حالهم ومقالهم:
1 - يحيى بن معين المتوفى سنة 233هـ، فقد صححه كما حكاه عنه الحاكم في المستدرك(2).
2 - محمد بن جعفر الفيدي المتوفى سنة 236هـ، حكى عنه تصحيحه ابن معين، وعنه الحاكم في المستدرك(3).
3 - أبو جعفر الطبري صاحب التاريخ والتفسير المتوفى سنة 310هـ،
أخرجه في تهذيب الآثار الصحيحة.
4 - الحسن بن أحمد السمرقندي المتوفى سنة 491هـ، أخرجه في بحر الأسانيد في صحاح المسانيد كما حكاه عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ (1).
5 - شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة 748هـ، قال في تذكرة الحفاظ بعد حكاية ذلك عن السمرقندي الآنف الذكر: هذا الحديث صحيح(2).
6 - صلاح الدين العلائي المتوفى سنة 761هـ، صححه عن طريق ابن معين، وقال: وأي استحالة في أن يقول النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم مثل هذا في حق علي رضي الله عنه؟ ولم يأتِ كل من تكلم في هذا الحديث وجزم بوضعه بجواب عن هذه الروايات الصحيحة عن ابن معين، ومع ذلك فله شاهد رواه الترمذي في جامعه...
وأطال الكلام في الدفاع عن صحة الحديث وشواهده، فراجع اللثالي المصنوعة للسيوطى(3).
7 - شمس الدين محمد بن محمد الجزري المتوفى سنة 833هـ، أخرجه في كتابه (أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب)، ص 14 عن طريق الحاكم وذكر تصحيحه، وقد اشترط في أول كتابه أن يذكر فيه ما تواتر وصح وحسن من مناقب أمير المؤمنين (علیه السّلام).
8 - جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ، أخرجه في الجامع الصغير(1)وفي جملة من تأليفه، وحسَّنه في كثير منها، ثم حكم بصحته في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال فقال: كنت أجيب بهذا الجواب (يعني حسن الحديث) دهراً، إلى أن وقفت على تصحيح ابن جرير الحديث علي في (تهذيب الآثار) مع تصحيح الحاكم الحديث ابن عباس، فاستخرت الله وجزمت بارتقاء الحديث من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحة، والله أعلم(2).
وله جزء خاص في طرق الحديث وعده من تأليفه، وعده من الأحاديث المشتهرة في كتابه (الدرر المنتشرة)(3)، فراجع.
9 - الشهاب أحمد بن حجر المكي الهيتمي المتوفى سنة 974هـ، ذكره في جملة من كتبه، كالصواعق المحرقة(4)، وشرح همزية البوصيري في عدة مواضع، وتطهير الجنان بهامش الصواعق، وذكره في الفتاوى الحديثية وحسنه(5)، وقال في موضع آخر: هو حديث حسن، بل قال الحاكم: صحيح(6). فيظهر منه اختيار ما قاله الحاكم.
10 - الحافظ المناوي المتوفى سنة 1031هـ في كتابه فيض القدير شرح الجامع الصغير(1)، وله كلام عقب به على الحديث يظهر منه القول بصحته، سيأتي نقله عنه كما ذكره في كتابه التيسير شرح الجامع الصغير، وحسنه هناك(2).
11 - السيد محمد بن جلال البخاري في كتابه (تذكرة الأبرار)، ونص على صحته.
12 - البدخشاني في (نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الأطهار)(3)، أخرجه نقلا عن البزار، والعقيلي، وابن عدي، والطبراني ، والحاكم، وأبي نعيم، فالحديث عنده صحيح على شرط كتابه.
13 - محمد صدر العالم في (معارج العلى في مناقب المرتضى)، وذكر ما قاله السيوطي.
14 - الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة 1182هـ، ذكره في كتابه (الروضة الندية في شرح التحفة العلوية)، وقال بعد نقل تصحيح من صححه وتحسين من حسنه: فظهر لك بطلان دعوى الوضع، وصحة القول بالصحة كما اختاره السيوطي، وهو قول الحاكم وابن جرير.
وأما الذين قالوا بحسن الحديث فهم الأعلام التالية أسماؤهم:
1 - الحافظ الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658هـ، أخرجه في كتابه (كفاية الطالب) في الباب الثامن والخمسين بعدة طرق، وقال بعد إخراجه:قلت: هذا حديث حسن عال.
وختم الباب بقوله: فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل علي (علیه السّلام) وزيادة علمه وغزارته وحده، وفهمه ووفور حكمته، وحسن قضاياه، وصحة فتواه، وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونه في الأحكام، ويأخذون بقوله في النقض والإبرام، اعترافاً منهم بعلمه، ووفور فضله، ورجاحة عقله، وصحة حكمته، وليس هذا الحديث في حقه بكثير، لأن رتبته عند الله وعند رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وعند المؤمنين من عباده أجل وأعلا من ذلك.
2 - بدر الدين الزركشي الشافعي: المتوفى سنة 794هـ ، قال - كما في فيض القدير: الحديث ينتهي إلى درجة الحسن المحتج به، ولا يكون ضعيفاً فضلاً عن كونه موضوعا(1).
3 - المجد الفيروز آبادي: المتوفى سنة 816هـ في كتابه (النقد الصحيح)، قال بعد كلام له طويل حول الحديث الذي رواه عن طريق ابن معين: ولم يأت من تكلم على حديث (أنا مدينة العلم) بجواب عن هذه الروايات الثابتة عن يحيى بن معين، والحكم بالموضوع عليه باطل قطعا..
إلى أن قال: والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية
1) فيض القدير 47/3.
وشريك إلى درجة الحسن المحتج به، ولا يكون ضعيفا فضلا أن يكون موضوعاً.
4 - شمس الدين محمد بن محمد الجزري: المتوفى سنة 833هـ، أخرج الحديث في كتابه (أسنى المطالب)(1)من طريق الحاكم وذكر تصحيحه. ولما كان قد اشترط في أول كتابه أن يذكر فيه ما تواتر وصح وحسن من مناقب أمير المؤمنين، فالحديث عنده إن لم يكن متواترا وصحيحا فهو حسن. وقد مرَّ ذكره مع المصححين.
5 - شمس الدين السخاوي: المتوفى سنة 902هـ، ذكر الحديث في كتابه (المقاصد الحسنة)(2)، ذكر الحديث وما شابهه ومن أخرجه من الحفاظ وأسانيدهم إلى الصحابة، وذكر مقالة ذوي القالة والرد عليهم فأطال ...
إلى أن قال: وأحسنها حديث ابن عباس، بل هو حسن .
6 - جلال الدين السيوطي: المتوفى سنة 911هـ، أخرج الحديث في الجامع الصغير(3)، وفي جملة من كتبه وحسنه، ثم عدل في كتابه جمع الجوامع إلى الحكم بصحته، وقد مرَّ ذكر قوله مع المصححين، فراجع.
7 - الحافظ محمد بن يوسف الشامي: المتوفى سنة 942هـ، أخرج
الحديث في كتابه (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد)، وقال: الصواب أنه حديث حسن كما قال الحافظان العلائي وابن حجر.
8 - الحافظ ابن عراق الكناني المتوفى سنة 863هـ، أخرج الحديث في كتابه (تنزيه الشريعة عن الأخبار الشنيعة)، وذكر تصحيح الحاكم له ،كما ذكر تضعيف ابن الجوزي، ثم ذكر تحسين ابن حجر والعلائي، ويبدو من ذلك اختيار الأخير.
9 - الحافظ ابن حجر الهيتمي: المتوفى سنة 974هـ، أخرجه في الصواعق(1)وفي الفتاوى الحديثية(2)وحسنه ، وقال أيضاً: هو حديث حسن بل قال الحاكم: صحيح(3). وقد مرَّ ذكره مع المصححين.
10 - جمال الدين الفتني: المتوفى سنة 986هـ، ذكره في تذكرة الموضوعات وحسنه، وقال: فمن حكم بكذبه فقد أخطأ(4).
11 - الحافظ المناوي: المتوفى سنة 1013هـ ، أخرجه في فيض القدير(5)،وفي التيسير(6)وحسنه ، وله كلام في الأول سنذكره بعد ذلك.
12 - الحافظ العزيزي: المتوفى سنة 1070هـ، ذكره في كتابه (السراج
المنير شرح الجامع الصغير)(1)، وحكى تحسين الحديث عن شيخه، ولم يعلّق عليه بشيء يدفعه، مما يظهر منه اختياره له.
13 - أبو الضياء الشرابلسي الشافعي: المتوفى سنة 1082هـ، ذكره في حاشيته على (المواهب اللدنية) في شرح أسماء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومنها (مدينة العلم)، ثم قال: والصواب أنه حديث حسن كما قال العلائي وابن حجر.
14 - الحافظ الزرقاني المالكي: المتوفى سنة 1122هـ، ذكره في شرح (المواهب اللدنية)، وحسنه(2).
15 - الحافظ الصبّان: المتوفى سنة 1205هـ، ذكره في كتابه (إسعاف الراغبين) بهامش نور الأبصار(3)نقلا عن البزار، والطبراني، والحاكم، والعقيلي، وابن عدي، والترمذي، وصوّب قول من حسنه خلافاً لمن صححه أو زيَّفه.
16 - الحافظ الشوكاني: المتوفى سنة 1250هـ ، ذكره في كتابه (الفوائد المجموعة)، وحسَّنه تبعاً لابن حجر حيث نقل قوله. ثم قال: وهذا هو الصواب(4).
فهؤلاء ما يقرب من ثلاثين حافظاً حكم نصفهم تقريباً بصحته، والباقون بحسنه، وإنما قدمنا ذكرهم تنويراً للقارئ وتحذيراً من خداع
الآخرين الذين اتخذوا الحديث عضين، أمثال ابن الجوزي، وابن تيمية ، والذهبي ، وأضرابهم من الذين لا يستسيغون ذكر فضيلة للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، دون أن يغمزوا في سندها، بحجة جرح الرواة، أو بهمز في المتن بزعم أن ثمة هناة، ولاها الله ما هي إلا شناشن أخزمية، وكم مرت بنا شواهد على ذلك في كثير من الفضائل، فراجع.
ورحم الله الحافظ أبا الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الحسيني الغماري المغربي نزيل القاهرة، حيث كفانا مؤونة الخوض في بحر الكلام والخصام، والنقض والإبرام حول الحديث المذكور، فقد استوفى ذلك مفصلاً في كتابيه: (سُبُل السعادة وأبوابها: بصحة حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها)، و(فتح الملك العلي: بصحة حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وفي هذا الكتاب قد ذكر جميع طرق الحديث، وأبان حال الرواة جرحاً وتعديلاً، ولم يبق لذي مقال قيلاً، بأسلوب علمي رصين، وبيان جلي مبين، فجزاه الله خير جزاء العالمين العاملين، على ما أفاد وأجاد، بحجة وسداد، فهو وإن لم يكن الأول والآخر، ممن خص هذا الحديث بالتأليف، فقد سبقه سيدنا الهمام صاحب العقبات المتوفى سنة 1306هـ بالتصنيف، إذ خص الجزء الخامس من موسوعته الكبرى الغنية عن التعريف، فجمع في هذا الحديث وأوعى كل ما يتعلق به سنداً ودلالة، مما ينبئ عن طول باع، لكن لما كان كتابه مطبوعا منذ قرن تقريبا في الهند، ولا ، تصل الأيدي إلى تحصيل نسخته حتى بشق الأنفس، لذلك لم أقدم ذكره،
ولم أجشم القارئ عناء البحث عنه، لذلك ذكرت كتاب أبي الفيض، أفاض الله عليه شآبيب الرحمة، لأنه طبع ثلاث مرات فيما أعلم(1)، ويمكن الحصول عليه، فهو أقرب منالاً من غيره.
كما يوجد غير الكتابين المذكورين - العقبات وفتح الملك لعلي - من الكتب التي تخص الحديث المذكور ، لكنها لم تبلغ شأو الكتابين المذكورين ، على ما فيها من جهد مشكور وأجر لمؤلفيها مذخور.
ومن لم يتمكن من تحصيل أحد الكتب المختصة بهذا الحديث المذكور، فعليه بمراجعة المصادر الآتية التي ذكرت هذا الحديث، وكلّها مصادر غير شيعية إمعانا في التحقيق، وليرضى بها العدو والصديق، ثم ليعطف على ابن الجوزي وأضرابه، من متابعيه وأذنابه، وليمعن النظر في حسابه، حيث أطال الكلام حول الحديث من غير طائل، وختم قوله بزيف الباطل ، إذ قال: والحديث لا أصل له.
ولنختم الآن الكلام بقول الحافظ العلائي، وهو منقول في جملة من المصادر، ومنها اللثالي المصنوعة للسيوطي، حيث قال: ولم يأتِ كل من تكلّم في هذا الحديث وجزم بوضعه بجواب على هذه الروايات الصحيحة عن ابن معين - حيث نقل تصحيحه للحديث من عدة طرق . ومع ذلك فله شاهد رواه الترمذي في جامعه عن إسماعيل بن موسى الفزاري عن محمد بن
1) أولاها بالقاهرة سنة 1354هـ بالمطبعة الإسلامية بالأزهر، والثانية سنة 1389هـ بمصر أيضاً ملحقاً بكتابه البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى علي، والثالثة في النجف الأشرف سنة 1388هـ بالمطبعة الحيدرية.
عمر بن الرومي عن شريك بن عبد الله عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبي عبد الله الصنابحي عن علي مرفوعاً: « أنا دار الحكمة وعلي بابها »...
إلى أن قال: ولم يأت أبو الفرج - ابن الجوزي - ولا غيره بعلة قادحة في حديث شريك، سوى دعوى الوضع دفعاً بالصد(1).
هذا قول الحافظ العلائي فيمن ادعى الوضع، ووصفه بأنه بغير حجة، وإنما هو دفع بالصدر ، يعني بذلك أنه مكابرة.
نعم، وإنها لمكابرة وقحة، وأوقح من أولئك الذين دفعوا بالصدر - على حد تعبيره - من دفع الصدر بالذيل، فلم يرض بالحديث حتى جعل له ذيلا ، فويل له وألف ويل.
قال الغماري في كتابه (فتح الملك العلي) وهو يذكر الأصول التي اعتمدها الطاعنون في الحديث:
الأصل الثالث: أنهم ظنوا أنه مخالف للأصول الدالة على أفضلية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأن فيه ما يدل على أفضلية على (علیه السّلام)، ولهذا زاد فيه بعض الكذابين ذكر أبي بكر وعمر وعثمان.
فذكر الحافظ - ابن حجر - في اللسان في ترجمة إسماعيل بن علي بن المثنى الإسترابادي الواعظ الكذاب، أنه كان مرة يعظ بدمشق، فقام إليه رجل فسأله عن حديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، فقال: هذا مختصر
1) اللثالي المصنوعة 172/1 ط مصر الأولى.
وإنما هو: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها. قال: فسألوه أن يخرج لهم إسناده، فوعدهم به.
وفي هذا الرجل يقول ابن السمعاني في الأنساب: كان يقال له الكذاب ابن الكذاب، ويقول النخشبي: كان يقص ويكذب، ولم يكن على وجهه سيماء المتقين، دخلت على أبي نصر السجزي بمكة فسألته عنه، فقال: هذا كذاب ابن كذاب، لا يكتب عنه ولا كرامة.
وذكر هذه القصة ابن عساكر في التاريخ(1)، فقال: أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي الخطيب، حدثني أبو الفرج الأصفهاني، قال: كان أبو سعد الإسترابادي يعظ بدمشق، فقام إليه رجل، فقال: أيها الشيخ ما القول في قول النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: « أنا مدينة العلم وعلي بابها » ؟ قال: فأطرق لحظة، ثم رفع رأسه وقال: نعم لا يعرف هذا الحديث على التمام، إلا من كان صدراً في الإسلام، إنما قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم... وذكره، قال: فاستحسن الحاضرون ذلك وهو يردده، ثم سألوه أن يخرج لهم إسناده فأنعم ولم يخرج لهم(2)
أقول: أما وقد أجمل ابن عساكر نكارة السند والمتن فلعله أراد بنكارة السند ما مر من قول ابن حجر وابن السمعاني والنخشبي في ذلك القصاص الأشر أبي سعد الإسترابادي - الكذاب ابن الكذاب - وهذا لا يتعدى السند، إذ فيه التجريح للراوي، ولم يشيروا إلى متن الرواية وما فيها من اعتلال واختلال، ولعل ابن عساكر أراد من نكارة المتن ما يلي:
1- في جملة (وعمر حيطانها) سماجة، فعمر مفرد، وحيطانها جمع، ولا يصح أن يخبر به كأن يقول: (زيد جيران) مكان (جار)، وهذا لا يقوله أفصح من نطق بالضاد.
2- إن مفهوم المدينة بمحتواها العام تشتمل على الدور والأسواق والأزقة والطرقات وما شابه ذلك من مقوماتها، وليس تكون المدينة بالحائط والسقف، فإن ذلك من مقومات الغرف لمصلحة من يعيش فيها.
وإذا أريد بما في الرواية معنى الحرز للمدينة فهو أيضاً لا يصح، لأن حرز المدينة إنما هو بالسور والخندق يحفر حولها كما صنعه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)في حرب الأحزاب، فقد حصن المدينة بالخندق حتى عرفت تلك الوقعة بوقعة الخندق، صنع ذلك احترازاً من دخول العدو إلى المدينة.
3 - لو افترضنا صحة ما زعمه ذلك الكذاب ابن الكذاب - كما وصفوه - فإنه ذم الخلفاء الثلاثة من حيث لا يشعر ، حيث جعل أولهم سوراً، وثانيهم حيطاناً، وثالثهم سقفاً، فهم شخوص منع من دخول المدينة لا غير، ولا يمكن لمن أراد إتيان المدينة أن يأتيها من قبلهم ويمتار منها ، ويبقى فضل الانتفاع بالمدينة عن طريق بابها الوحيد فقط، وهو الإمام علي (علیه السّلام)، وفي هذه إشارة إلى انحصار طريق التزود من المدينة بالإمام فقط وفقط دون من سواه، فلاحظ.
.فانظر كيف أنكروه على انفراد، واستحسنوه لما ذكر فيه أبو بكر وعمر وعثمان.
وافتراه بعض الواعظين أيضاً، فرواه من حديث أنس بلفظ: أنا مدينة
العلم، وأبو بكر وعمر وعثمان سورها، وعلي بابها. فزاد في الحديث ما يؤيد مذهب أهل السنة من تفضيل الثلاثة على علي، لظنه أن في هذه الزيادة ما يفضلهم عليه.
بل ما رضي النواصب بهذا حتى أدخلوا فيه معاوية، فذكره الديلمي من حديث أنس بلفظ: أنا مدينة العلم، وعلي بابها، ومعاوية حلقتها.
وسلك بعضهم فيه مسلكاً آخر، فقال: ليس المراد به علي بن أبي طالب، بل هو من العلو، كأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : أنا مدينة العلم وأنا بابها العلي.
وليس في الحديث شيء مما توهموه، بل هو كقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي رووه: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ)، وقوله: (أقراكم أبي)، وقوله: « ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر »، فقد نصُّوا على أنه ليس فيها ما يدل على أفضلية معاذ وأُبي وأبي ذر على غيرهم من الخلفاء الراشدين(1).
انتهى ما أردنا نقله من كتاب الغماري، وله بعد كلام كثير تحسن مراجعته خصوصاً المسلك التاسع من المسالك التسعة التي سلكها لإثبات صحة الحديث المذكور، فقال:
المسلك التاسع: أنه قد تقرر أن من علامة صدق الراوي وصحة حديثه، مطابقته للواقع وصدق مخبره، وعلي بن أبي طالب (علیه السّلام) كان أعلم
1) فتح الملك العلي، ص 110 ط الثانية بمصر.
الصحابة على الإطلاق كما هو معلوم ومشهور، ومستفيض متواتر، حتى ضربوا باشتهار علمه المثل للتواتر المعنوي.
فقال الحافظ موفق الدين بن قدامة في أول كتابه (إثبات صفات العلو لله): واعلم رحمك الله أنه ليس من شرط صحة التواتر الذي يحصل به اليقين أن يوجد التواتر في جزء واحد، بل متى نقلت أخبار كثيرة في معنى واحد من طرق يصدق بعضها بعضا، ولم يأت ما يكذِّبها أو يقدح فيها، حتى استقر ذلك في القلوب واستيقنته، فقد حصل التواتر، وثبت القطع واليقين، فإنا نتيقن وجود حاتم، وإن كان لم يرد به خبر واحد مرضي الإسناد لوجود ما ذكرنا، وكذلك عدل عمر وشجاعة علي (علیه السّلام) اهـ.
وقد جاء عن النبي (صلی الله علیه [وآله] و سلم والصحابة والتابعين من الشهادة لعلي بالعلم ما لم يأت لأحد قط.
فمن شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا أبو أحمد، ثنا خالد - يعني ابن طهمان - عن نافع عن أبي نافع عن معقل بن يسار قال: وضأت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: ألك في فاطمة رضي الله عنها نعودها؟ فقلت: نعم فقام متوكئاً عليَّ حتى دخلنا على فاطمة (سلام الله علیها)، فقال لها : كيف تجدينك؟ قالت: والله لقد اشتد حزني، واشتدت فاقتي، وطال سقمي.
(قال أبو عبد الرحمن: وجدت في كتاب أبي بخط يده هذا الحديث)، قال: أوما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم
حلما . اهـ، رجاله ثقات، وقد رواه الطبراني من وجه آخر بإسناد صححه الحافظ نور الدين في الزوائد من مرسل أبي إسحاق.
قلت - والقائل هو الغماري -: وقد ورد موصلا من طريقه أخرجه ابن عساكر في ترجمة علي في تاريخه...
أقول: ثم ساق الحديث بعدة طرق عن أنس، وعائشة، وأسماء بنت عميس، وجابر ، وعلي وابن عباس، وأبي هريرة، وقال: وحديث علي صححه ابن جرير. ثم نقل عن الحاكم في المستدرك قول أبي حاتم الرازي: كان يعجبهم أن يجدوا الحديث في الفضائل من رواية أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
ثم ذكر حديثاً آخر عن أبي نعيم في الحلية: قال: ثنا أبو أحمد الغطريفي، ثنا أبو الحسين بن أبي مقاتل ، ثنا محمد بن عبد عبد الله بن عتبة، ثنا محمد بن علي الوهبي الكوفي، ثنا أحمد بن عمران بن سلمة - وكان ثقة عدلاً مرضياً -، ثنا سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، قال : كنت عند النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فسئل عن علي، فقال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً. اهـ.
قال الغماري: أحمد بن عمران ذكره الذهبي في الميزان وقال: لا يُدرى من هو، ثم ضعفه بهذا الحديث.
وتعقبه الحافظ في اللسان بما تقدَّم في السند من قول الذهبي: إنه كان ثقة عدلاً مرضياً، قال: وفي هذا مخالفة لما ذكره الذهبي.
قلت - والقائل هو الغماري -: لو وثقه الناس كلهم لقال الذهبي في حديثه: (إنه كذب)، كما فعل في عدة أحاديث أخرجها الحاكم بسند الشيخين، وادعى هو دفعاً بالصدر وبدون دليل أنها موضوعة، وما علتها في نظره إلا كونها في فضل علي بن أبي طالب، فالله المستعان... ثم ذكر الأحاديث التالية بأسانيدها ونقتصر على ألفاظها:
1 - عن علي رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله أوصني. قال: قل ربي الله ثم استقم. قال: قلت: الله ربي، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. فقال: ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً، ونهلته نهلا.
2 - عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أقضى أمتي علي بن أبي طالب.
3 - عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى علي.
4 - عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب.
ثم قال: وفي الباب عن معاذ بن جبل، وعمر، وابن عباس.
ثم ذكر شهادة عمر بن الخطاب بقوله: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي.
وأتبعها بقول سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن، وكان عمر يقول: لولا علي لهلك عمر.
وقال ابن الأثير في أسد الغابة بعد إيراده آثاراً في علم علي (علیه السّلام): ولو ذكرنا ما سأله الصحابة مثل عمر وغيره لأطلنا.
ثم ذكر شهادة عبد الله بن مسعود بقوله: إن القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما من حرف إلا وله ظاهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن.
وقوله الآخر: إن أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب.
وقوله الثالث: أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب.
ثم ذكر شهادة عبد الله بن عباس بقوله : والله لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر.
وقوله الآخر: كان علي والله قد ملئ علماً وحلماً،
وقوله الرابع...
ثم ذكر شهادة عائشة بقولها : أما إنه أعلم الناس بالسنّة. وكانت كثيراً ما ترجع إليه في المسائل.
ثم ذكر شهادة خزيمة بن ثابت - ذي الشهادتين - بقوله:
إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا *** أبو حَسَن مما نخافُ مِنَ الفِتَن
وَجَدْناه أولى الناسِ بالناسِ إنه *** أطبُ قريشِ بالكتابِ وبالسُّنَن
ثم ذكر شهادة عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بقوله: كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم، وكان له البسطة في العشيرة، والقدم في
الإسلام والصهر الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و الفقه في السنة، والنجدة في الحرب، والجود في الماعون .
ثم ذكر شهادة معاوية فيما ذكره ابن عبد البر أنه كان يكتب فيما ينزل به ليسأل علي بن أبي طالب، فلما بلغه قتله، قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب.
واستمر الغماري بذكر شهادة جملة من الصحابة والتابعين، فذكر ما يزيد على عشر شهادات، وختمها بقوله : والآثار بهذا كثيرة، ويغني عنها ما هو متداول من حكمه العجيبة ومعارفه الغريبة، التي لم ينقل مثلها عن غيره، بحيث من وقف عليها رأى العجب العجاب، وجزم بأنه البحر العباب، وذلك أعظم دليل على صدق هذا الخبر، وأنه باب مدينة علم النبي عليه الصلاة والسلام.
أقول: وليكن مسك الختام، بيان ما ورد عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصف أمير المؤمنين (علیه السّلام) بأنه بابه باختلاف معانيه وألفاظه:
فمن ذلك قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): « أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب ». أخرجه الخطيب في تاريخه(1)، والحمويني في فرائده، و ابن المغازلي في مناقبه، وابن حجر في لسانه وغيرهم.
وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): « أنا مدينة الفقه وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب ». أخرجه أحمد في الفضائل، وغيره.
1) تاريخ بغداد 204/11 .
وفي تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي نقلاً عن الحافظ عبد الرزاق جاء الحديث بلفظ: « فمن أراد الحكم فليأت الباب ».
وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): « أنا مدينة الجنة وعلي بابها، فمن أراد الجنة فليأتها من بابها ». أخرجه ابن المغازلي في المناقب، والقندوزي في الينابيع(1).
وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): « أنا دار العلم وعلي بابها »، أخرجه المحب الطبري في كتابيه الذخائر(2)، وفي الرياض(3).
وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): « أنا دار الحكمة وعلى بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب ». أخرجه الترمذي في سننه، وأبو نعيم في الحلية، والحمويني في الفرائد، وابن المغازلي في المناقب وغيرهم.
والآن نسوق للقارئ أكثر من مائة مصدر لأعلام المسلمين من محدثين ومؤرخين، وكلهم ممن لا يتهم بممالأة ومحاباة، وكل منهم يتلو هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابيه ونحن نتلو فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ.
1 - مستدرك الحاكم 126/3 - 128 ط أفست بيروت.
2 - تلخيص المستدرك للذهبي بهامش السابق.
3 - مجمع الزوائد للهيثمي 114/9 ط القدسي بمصر.
4 - الجامع الصغير للسيوطي 269/1 ط بولاق.
5 - فيض القدير للمناوي 46/3 - 47.
6 - التيسير للمناوي 377/1 ط أفست مطابع المكتب الإسلامي.
7 - السراج المنير (العزيزي) 68/2 ط الشرفية سنة 1304هـ بمصر.
8 - حاشية الحفني بهامش السراج المنير 68/2.
9 - الفاضل للمبرد ، ص 3 ط دار الكتب المصرية.
10 - مفردات الراغب، ص 64 ط الميمنية بمصر.
11 - شرح نهج البلاغة للمعتزلي 236/2 ط مصر الأولى.
12 - الرياض النضرة للمحب الطبري 2/ 193 ط الخانجي بمصر
13 - ذخائر العقبى، ص 77 ط القدسي بمصر.
14 - كنوز الحقائق للمناوي، ص 46 ط بولاق.
15 - تذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي، ص 29 ط إيران، ص 53 ط النجف.
16 - المناقب لابن المغازلي 80 - 85 ط إيران.
17 - المناقب للخوارزمي، ص 49 ط إيران حجرية.
18 - مقتل الحسين للخوارزمي 43/1ط النجف.
19 - كفاية الطالب الباب 58 ، ص 220 ط النجف (الثانية).
20 - فرائد السمطين للحمويني 98/1 ط بيروت.
21 - نظم درر السمطين للزرندي، ص 130 ط النجف.
22 - كنز العمال 201/12 - 212 ، 129/15، حيدر آباد الثانية.
23 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 30/5 ، مصر الأولى.
24 - الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص 18 ، إيران حجرية.
25 - مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي، ص 22، إيران حجرية.
26 - جامع الأصول لابن الأثير 473/9، السنة المحمدية سنة 1371هـ.
27 - جواهر العقدين 125/1 ، بغداد .
28 - شرح المواهب اللدنية للزرقاني 143/3 .
29 - حاشية على شرح المواهب للشبراملسي بهامش السابق 143/3 .
30 - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار، ص 156.
31 - شرح همزية البوصيري للسيد محمد بن أحمد بنيس بهامش شرح الشمائل لجسوس 106/2 - 107 .
32 - شرح همزية البوصيري للدلاصي كما في صواعق ابن حجر.
33 - الفتاوى الحديثية لابن حجر 126 ، 197 وحسنه في المقامين.
34 - تفسير الألوسي 3/27، المنيرية.
35 - كفاية الطالب للشنقيطي، ص 48.
36 - الفتوحات الإسلامية لزيني دحلان 510/2، مصطفى محمد.
37 - مسند أبي الحسن الكلابي المطبوع مع مناقب ابن المغازلي ، ص 427 ، إيران.
38 - سمط النجوم العوالي للعصامي المكي 491/2 ، السلفية.
39 - جواهر البحار للنبهاني 327/2.
40 - الروض النضير للسياغي 1 / 174 - 185 الطبعة الثانية سنة 1388هـ.
41 - الحاوي للفتاوي للسيوطي 117/2.
42 - تهذيب الآثار للطبري (مسند علي)، ص 105.
43 - البدر المنير في غريب(1)أحاديث البشير النذير للسيدي عبد الوهاب بن أحمد بن علي الأنصاري الشافعي، ص31، حجرية قديمة بمصر.
1) قال في مقدمة الكتاب، ص2: ومرادي بالغرابة جهل غالب الناس بمن خرجها لا الغرابة في مصطلح المحدثين.
44 - شرح قصيدة الصاحب كافي الكفاة للقاضي البهلولي اليماني المعتزلي، ص 100 - 101، بغداد.
45 - ينابيع المودة، ص 65 ، 72 ، 179، 183، 210 ، 254 ، 282، 400 ، 407 ، 419 ، إسلامبول.
46 - الفتح الكبير للنبهاني 276/1.
47 - الفتح العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي للصديقي الغماري، ط مصر سنة 1345هـ ، النجف سنة 1388هـ.
48 - الصواعق المحرقة لابن حجر، ص 37، 321، الميمنية بمصر.
49 - تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 66 ، 170، السعادة بمصر.
50 - تاريخ ابن كثير 358/7، مصر.
51 - صبح الأعشى 425/10، أفست دار الكتب.
52 - حياة الحيوان للدميري 62/1ط بولاق.
53 - تاریخ ابن عساكر (ترجمة) الإمام 464/2 فما بعدها، بيروت.
54 - الفائق للزمخشري 28/1 ، حیدر آباد (رتج)، (سبع).
55 - شرح تائية ابن الفارض في شرح قوله (علي بعلم ناله بالوصية).
56 - تهذيب الكمال للمزي (ترجمة الإمام) كما في الروض النضير 176/1 .
57 - الشرف المؤبد للنبهاني، ص111، بيروت.
58 - معجم الطبراني الكبير 55/11، أوقاف بغداد.
59 - معرفة الصحابة لأبي نعيم 308/1 ، الأولى سنة 1408هـ.
60 - فردوس الأخبار للديلمي 44/1.
61 - ألف باء للبلوي 222/1 .
62 - تتمة شجرة النور الزكية في طبقات المالكية لمخلوف 71/2 ، أفست دار الكتاب العربي بيروت.
63 - شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري، ص 62، مصر.
64 - تاريخ جرجان للسهمي، ص 65 ، بيروت سنة 1401هـ، ص 30، حیدر آباد سنة 1387هـ.
65 - تاريخ بغدد 377/2 ، 348/4 ، 172/7 - 173، 46/11 - 50، 204.
66 - أسد الغابة 22/4 أفست المكتبة الإسلامية.
67 - ميزان الاعتدال للذهبي ،51/1، 112، 193، 388، 436، 250/2 ، مصر الأولى.
68 - تذكرة الحفاظ للذهبي 28/4 ، حیدر آباد .
69 - لسان الميزان لابن حجر ،197/1 ، 32، 123/2، حیدر آباد.
70 - تهذيب التهذيب 337/1، 320/6، حیدر آباد.
71 - الأنساب للسمعاني 1182، أفست (زنكوغراف) أوربا في (الهروي).
72 - الاستيعاب 461/2 ، حیدر آباد .
73 - الكواكب الدرية للمناوي 39/1 ، مصر.
74 - الأسرار الموضوعة في الأحاديث الموضوعة لعلي القاري كما في الروض النضير 178/1.
75 - اللؤلؤ المرصوع للقاوقجي، ص 25 ، مصر.
76 - جالية الكدر للأبياري .
77 - المتفق والمفترق للخطيب البغدادي .
78 - ذیل تاريخ بغداد لابن النجار.
79 - المقاصد الحسنة للسخاوي، ص 97 ، الخانجي بمصر.
80 - تمييز الطيب من الخبيث للشيباني، ص 32، الثانية بمصر سنة 1353هـ.
81 - الدرر المنتثرة للسيوطي، ص 42 ، مصر .
82 - تنزيه الشريعة لابن عراق 378/1 .
83 - تذكرة الموضوعات للفتني، ص 95-96 ، وحسنه.
84 - الفوائد المجموعة للشوكاني، ص 118، الهند سنة 1303هـ.
85 - الكشف الإلهي عن شديد الضعف والموضوع والواهي للسيد
محمد بن محمد الحسيني الطرابلسي السندورسي 222/1، مكتبة الطالب الجامعي بمكة.
86 - أهل البيت توفيق أبو علم، ص 216 ط مصر سنة 1390هـ.
87 - الإشاعة في أشراط الساعة للبرزنجي، ص 33، السعادة بمصر سنة 1323هـ (كما في موسوعة أطراف الحديث النبوي).
88 - تذكرة الموضوعات للمقدسي.
89 - الموضوعات لابن الجوزي 349/1 - 355 ، السلفية.
90 - أسنى المطالب للجزري، ص 14 ، مصر.
91 - نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الأطهار، ص 27.
92 - تذكرة الأبرار لمحمد بن جلال البخاري.
93 - معارج العلى في مناقب المرتضى لمحمد صدر العالم.
94 - الروضة الندية للصنعاني.
95 - النقد الصحيح للمجد الفيروز آبادي.
96 - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد لمحمد بن يوسف الشامي .
97 - سنن الترمذي 170/13، الصاوي بمصر.
98 - تحفة الأحوذي 225/10، الحديث رقم 3807.
99 - الأنوار المحمدية، ص 144 ، بيروت سنة 1312هـ.
100 - شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني 334/1، بيروت.
101 - العقد الثمين للفاسي 192/6.
102 - ذخائر المواريث للنابلسي 21/3 .
103 - أسنى المطالب لابن درويش الحوت.
104 - علي بن أبي طالب إمام العارفين - أو - البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى علي للعالم المحدث الحجة أحمد بن محمد الصديق الغماري، مصر 75 ، مصر سنة 1389هـ.
105 - تلخيص المتشابه للخطيب البغدادي (هذا وما بعده ذكرها الغماري في كتابه البرهان الجلي، ص 75 ، فراجع).
106 - الفضائل لخيثمة بن سليمان.
107 - بحر الأسانيد في صحاح المسانيد لأبي محمد السمرقندي.
108 - الأمالي لأبي الحسن علي بن عمر الحربي.
105 - وفضلُكَ السَّامِي بِذَا قَدْ عُرِفا *** وكلُّ مَن آذاك آذى المصطفى
إشارة منه دام ظله إلى الحديث النبوي الشريف حيث قال (صلی الله علیه و آله و سلم): « مَن آذى عليا فقد آذني »، وقال أيضاً: « مَن آذاك فقد آذاني ». وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): « لا تؤذوني في علي ». ونحو ذلك من أقواله (صلی الله علیه و آله و سلم).
وقد تكرّر منه قوله في ذلك مراراً وبألفاظ مختلفة، وقد سمعه منه الصحابة فرووه عنه، وقد وصلت إلينا روايات جماعة منهم، أذكر من وقفت على حديثه منهم.
1 - الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): وقد روى ذلك عنه ولده الحسين بن علي (علیه السّلام)، وهذا الحديث بالسند الآتي يُعد من الأحاديث المسلسلات(1).
1) الأحاديث المسلسلات هي التي تتوارد في رجال الإسناد حالة واحدة أو صفة واحدة، سواء كانت تلك الحالة أو الصفة للراوي أو للرواية، وحتى في صيغة الأداء أو كيفيته مما يتكرر الحال - قولاً أو فعلاً أو زماناً أو مكاناً - في الراوي أو الرواية. وعده الحاكم في معرفة علوم الحديث، ص 29 فجعله النوع العاشر وقال: إنه نوع من السماع الظاهر الذي لا غبار عليه. وذكر له ثمانية أنواع أو أمثلة على ذلك، ولا تنحصر أمثلته بذلك، وقد أنهاها بعضهم إلى عشرين وربما أكثر، وفيه عدة مؤلفات لعل أقدمها كتاب المسلسلات لأبي محمد جعفر بن أحمد بن علي القمي من أعلام القرن الرابع الهجري، وهو مطبوع في آخر مجموعة من كتبه أولها جامع الأحاديث، وثانيها نوادر الأثر ، وثالثها كتاب العروس، ورابعها الأعمال المانعة من دخول الجنة ، وخامسها كتاب الغايات، وسادسها المسلسلات، نشر المكتبة الإسلامية سنة 1369هـ.
ذكر الحسكاني في شواهد التنزيل في تفسير قوله تعالى إنّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مهينا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبينًا(1).
قال الحاكم الحسكاني بعد تفسيره الآية الثانية: يقال: نزلت في علي بن أبي طالب، وذلك أن نفراً من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه، وأن عمر بن الخطاب في خلافته قال لأبي بن كعب: وإني قرأت هذه الآية فوقعت مني كل موقع، والله إني لأضربهم وأعاقبهم. فقال له أبي: إنك لست منهم، إنك مؤدب معلّم.
فإن ثبت النزول فيه خاصة فقد ثبت، وإلا فالآية متناولة له بالأخبار المتظافرة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على الخصوص، منها الحديث المسلسل، وفي بعض رواياته: « من آذى شعرة منك » - فهو خاص له - وفي بعضها: « شعرة
1) سورة الأحزاب، الآيتان 57، 58.
مني »، وهي متناولة له، لقوله (صلی الله علیه و آله و سلم) في عدة أخبار: « أنت مني وأنا منك »(1).
ومنها: رواية عمر، وجابر، وسعد، وأم سلمة، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعمرو بن شاس.
حدثنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي درام الحافظ، حدثنا علي بن أحمد العجلي، حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا أرطاة بن حبيب قال: حدثني أبو خالد الواسطي وهو آخذ بشعره، قال: حدثني زيد بن علي وهو آخذ بشعره، قال: حدثني علي بن الحسين وهو آخذ بشعره، قال: حدثني الحسين بن علي وهو آخذ بشعره، قال: حدثني علي بن أبي طالب وهو آخذ بشعره، قال: حدثني رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو آخذ بشعره، فقال: من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله فعليه لعنة الله. وفي لفظ الخوارزمي في المناقب: لعنة ملء السماوات والأرض.
قال الحاكم الحسكاني في آخر كلامه: وورد أيضاً في الباب عن عمر ، وسعد، وعمرو بن شاس، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، والمسور بن مخرمة. اهـ.
أقول: وما أشار إليه الحسكاني بقوله : وفي بعضها (شعرة مني)، فقد ورد في حديث رواه ابن الجوزي في كتابه المسلسلات، قال: حدثنا محمد بن
1) لقد مرَّ قريباً الحديث بطرقه المتعددة وموارده الكثيرة، فراجع.
ناصر وهو آخذ بشعره، حدثنا محمد بن علي الزيني وهو آخذ بشعره ، حدثني الشريف أبو عبد الله العلوي (ظ) وهو آخذ بشعره، حدثنا محمد بن عبد الله بن خالويه وهو آخذ بشعره، حدثنا أبو الفرج العكبري وهو آخذ بشعره، حدثنا أرطاة بن حبيب وهو آخذ بشعره، حدثني عبيد بن ذكوان وهو آخذ بشعره، حدثني أبو خالد وهو آخذ بشعره، حدثني زيد بن علي وهو آخذ بشعره، حدثني أبي علي بن الحسين وهو آخذ بشعره، حدثني أبي الحسين بن علي وهو آخذ بشعره، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب وهو آخذ بشعره، قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وهو آخذ بشعره، قال: من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله لعنه الله ملء السماوات وملء الأرض، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلا(1).
وهذا الحديث رواه أيضاً أبو محمد جعفر أحمد بن علي القمي في كتابه المسلسلات(2)المطبوع ملحقاً بكتابه جامع الأحاديث ومجموعة أخرى من كتبه كما تقدمت الإشارة إليه في الهامش ، ورواه أبو نعيم والديلمي كما في التيسير(3)، وفيض القدير(4).
2 - عبد الله بن عباس: وقد أخرج حديثه الحافظ ابن المغازلي المالكي
في كتابه المناقب بسنده إلى ابن عباس، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إذ أقبل علي بن أبي طالب غضبان، فقال له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: ما أغضبك؟ قال: أذوني فيك بنو عمك. فقام رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم مغضباً، فقال: يا أيها الناس من آذى عليا فقد آذني، إن عليا أولكم إيماناً، وأوفاكم بعهد الله، يا أيها الناس من آذى عليا بعث يوم القيامة يهودياً أو نصرانياً. قال جابر بن عبد الله الأنصاري: يا رسول الله وإن شهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله؟ فقال: يا جابر كلمة يحتجزون بها أن لا تسفك دماؤهم، وأن لا تستباح أموالهم، وأن لا يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون(1).
وفي رواية أبي عمرو في الاستيعاب وحكاها القندوزي في الينابيع، فقال: وعن جابر مرفوعاً: من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن آذى عليا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله. أخرجه أبو عمرو الحافظ النمري(3).
وقد مرَّ عَد الحاكم الحسكاني الجابر فيمن روى الحديث، ثم ذكر
حديثه بسنده عن جابر ... الخ(1)، ولحديثه مصادر أخرى.
4 - سعد بن مالك - أبي وقاص -: أخرج حديثه ابن عساكر في تاريخه بسنده عن سعد عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، أنه قال: من آذى عليا فقد آذاني، ومن آذى عليا فقد آذاني، ومن آذى عليا فقد آذاني(2).
وروى أيضا بسنده عن سعد أنه قال: كنت جالسا في المسجد أنا ورجلان معي، فنلنا من علي، فأقبل رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم غضبان يعرف في وجهه الغضب، فتعوذت بالله من غضبه، فقال: مالكم ومالي؟ من آذى عليا فقد آذاني.
قال ابن عساکر: انتهى حديث ابن حمدان - أحد رجال السند - وزاد ابن المقرئ - راو آخر -: وكنت أوتى بعد ذلك ويقال: إن عليا يعرض بك ويقول: اتقوا فتنة الأخينس. فأقول: هل سماني؟ فيقال: لا. فأقول: إنه منه(3).
وأخرج الهيثمي في مجمع الزوائد حديث سعد بنحو ما رواه ابن عساكر من حديث ابن حمدان. وقال: رواه أبو يعلى والبزار باختصار، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير محمود بن خداش وقنان، وهما ثقتان(4).
ولحديثه عدة مصادر أخرى، فقد أخرج الحافظ ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية حديثه، قال: كنت جالساً في المسجد مع رجلين، فتذاكرنا عليا فنلنا منه، فأقبل رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم مغضباً يُعرف في وجهه الغضب، فقلت: أعوذ بالله من غضب رسول الله. قال: مالكم ولي؟ من آذى عليا فقد آذاني (يقولها ثلاث مرات). قال: فكنت أُوتى من بعد فيقال: إن عليا يعرض بك يقول: اتقوا فتنة الأخينس. فأقول: هل سماني؟ فيقولون: لا. فأقول: إن أخينس الناس لضنين، معاذ الله أن أوذي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بعد ما سمعت.(لابن أبي عمر، وأبي يعلى، وابن أبي شيبة).
وعلّق المحقق في الهامش: وقال البوصيري: رواه ابن أبي عمر، ورواته ثقات(1).
5 - عمرو بن شاس: وحديثه أشهر من حديث غيره في المصادر التي أخرجته ، ولكثرة مصادره وتعدّد الرواة عنه فقد تعددت صوره، ولا يسعنا ذكر جميعها، بل نقتصر على ما ذكره الأقدمون كالبخاري في تاريخه(2)،والفسوي في كتاب المعرفة والتاريخ(3)، وأحمد بن حنبل في مسنده - واللفظ له - بسنده عن عمرو بن شاس الأسلمي - وكان من أصحاب الحديبية - قال: خرجت مع علي إلى اليمن، فجفاني في سفري ذلك حتى وجدت في نفسي
عليه، فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد، حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فدخلت المسجد ذات غدوة ورسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في أناس من أصحابه، فلما رآني أبدني عينيه - يقول حدد إلى النظر - حتى إذا جلست قال: يا عمرو، والله لقد آذيتني. قلت: أعوذ بالله أن أوذيك يا رسول الله. قال: بلى من آذى عليا فقد آذاني(1).
وقريب من هذا اللفظ ما أخرجه الطبراني في معجمه، والبزار في مسنده، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، والحاكم في المستدرك، والذهبي في تلخيصه وصححاه وغيرهم كثير، وقد مر ما يتعلق به(2).
6 - محمد بن الحنفية وهو من سادة التابعين، وأخرج حديثه البلاذري في أنساب الأشراف في ترجمة الإمام، وساقه بسنده إلى محمد بن الحنفية ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: من آذى عليا فقد آذانی(3).
7 - أم سلمة أم المؤمنين: وأخرج حديثها الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل بسنده إليها، قالت: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول لعلي بن أبي طالب: أنت أخي وحبيبي، من آذاك فقد آذاني.
قال الحسكاني: وورد أيضاً في الباب عن عمر، وسعد، وعمرو ابن شاس، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، والمسور بن
مخرمة(1).
وعلى ضوء ما سبق من أحاديث الرسول الكريم (صلی الله علیه و آله و سلم) كان عمر بن الخطاب يقول ذلك كما رواه عنه أحمد في الفضائل وابن عساكر في تاريخه(2)، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال(3)، والسبكي في شفاء السقام(4)وغيرهم، واللفظ لأحمد في الفضائل، قال:
حدثنا الفضل بن الحباب البصري بالبصرة، قال: حدثني القعنبي عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة - وهو ابن الزبير - أن رجلاً وقع في علي بن أبي طالب بمحضر من عمر، فقال له عمر: تعرف صاحب هذا القبر؟ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب، فلا تذكر عليًّا إلا بخير، فإنك إن أبغضته آذيت هذا في قبره(5).
ولا يشك مسلم في حقيقة ما مرَّ، وكيف يشك في ذلك، والأحاديث بذلك متظافرة لفظا، متواترة معنى، ليس ينكرها إلا جاحد معاند.
وإلى القارئ قائمة بأسماء المصادر التي يجد فيها الحديث على اختلاف رواته وألفاظه:
1 - مسند أحمد بن حنبل 483/3 ط مصر الأولى.
2 - الفضائل لأحمد بن حنبل (نسخة مصورة).
3 - التاريخ الكبير للبخاري 306/6 - 307 .
4 - المستدرك للحاكم 122/3.
5 - تلخيص المستدرك للذهبي بهامش السابق.
6 - مجمع الزوائد للهيثمي 129/9 ط القدسي بمصر.
7 - كنز العمال 202/21 ، 125/15 ط حيدر أباد الثانية.
8 - نتخب کنز العمال بهامش مسند أحمد 30/5 - 32 .
9 - الجامع الصغير 473/2.
10 - التيسير شرح الجامع الصغير 383/2 ط أفست بولاق.
11 - فيض القدير شرح الجامع الصغير 18/6 - 19.
12 - السراج المنير شرح الجامع الصغير 311/3 ط الشرفية بمصر سنة 1304هـ.
13 - الفتح الكبير للنبهاني 144/3 ط بمصر.
14 - كنوز الحقائق للمناوي، ص 144 ط بولاق.
15 - البيان والتعريف لابن حمزة 203/2 ط حلب.
16 - الرياض النضرة للمحب الطبري 166/1 ط الخانجي بمصر.
17 - ذخائر العقبى للمحب الطبري، ص 65 ط القدسي بمصر.
18 - فرائد السمطين 298/1 ط بيروت.
19 - المناقب لابن المغازلي المالكي، ص 25 ط إيران.
20 - المناقب للخوارزمي الحنفي 92-93 ، 229 - 230 ط تبریز.
21 - تذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي، ص 49 ط النجف ، ص 26 ط إيران حجرية.
22 - الإصابة لابن حجر 534/2 ط مصطفى محمد.
23 - الاستيعاب بهامش الإصابة 37/3، 461/2 ط حیدر آباد.
24 - أسد الغابة 114/4 ط أفست ط مصر.
25 - تاريخ ابن كثير = البداية والنهاية 104/5، 346/7 .
26 - تاريخ الإسلام للذهبي 196/2 ط القدسي بمصر.
27 - تاریخ ابن عساكر (ترجمة الإمام) 389/10 - 393 ط بیروت.
28 - تاريخ جرجان للسهمي، ص 341 ط حيدر آباد.
29 - منتخب ذيل الذيل للطبري الملحق بتاريخه 583/11 ط ذخائر العرب.
30 - المعرفة والتاريخ للفسوي 330/1 ط الأوقاف ببغداد.
31 - موارد الظمآن من زوائد ابن حبان، من زوائد ابن حبان، ص 543 ط مصر.
32 - شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني 93/2 ط بيروت.
33 - سمط النجوم العوالي للعصامي المكي 480/2ط السلفية.
34 - أنساب الأشراف للبلاذري 146/1 ترجمة الإمام.
35 - معجم الشعراء للمرزباني، ص 23 ط مصر سنة 1379هـ بتحقيق (فراج).
36 - الروض النضير للسياغي 170/1.
37 - كفاية الطالب للكنجي الشافعي، ص 276 ط الثانية بالحيدرية.
38 - الكواكب الدرية للمناوي 39/1 ط الأزهرية.
39 - جواهر المطالب للباعوني الشافعي (نسخة مصورة).
40 - الشرف المؤبد للنبهاني، ص 126 ط بيروت سنة 1309هـ.
41 - السيرة الدحلانية بهامش الحلبية 332/3 ط مصر.
42 - القول الفصل للحداد 10/2 - 15 ط جاوة.
43 - ينابيع المودة، ص 181 - 187 ، 205 ، 282 ط إسلامبول.
44 - المحاسن والمساوي للبيهقي، ص 141 ط مصر.
45 - تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 116 ط المنيرية بمصر.
46 - الصواعق المحرقة، ص 73 ط الميمنية.
47 - إسعاف الراغبين للصبان (بهامش نور الأبصار)، ص 651 ط الميمنية.
48 - نور الأبصار، ص 72 ط الميمنية.
49 - نظم درر السمطين، ص 105 ط النجف.
50 - شفاء السقام للسبكي، ص 207 ط حیدر آباد.
51 - الأنوار المحمدية للنبهاني، ص 634 ط بيروت سنة 1312هـ.
52 - الأنساب للسمعاني، ص 179 ط (زنكوغراف) أفست .
53 - حاشية على السراج المنير 311/3 ط الشرفية سنة 1304هـ.
54 - المصنف لابن أبي شيبة 75/12.
إنا لله وإنا إليه راجعون
لقد نزل القضاء فلبى النداء سيّدنا الأستاذ الناظم رحمه الله تعالى بعد الظهر في اليوم الثامن من شهر صفر سنة 1413هـ ، وأسلمت روحه المقدسة إلى بارئها آمنة مطمئنة، وناعيها يتلو قوله تعالى:
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكَ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فادخلِي فِي عِبَادِي وَادخُلِي جَنَّتِي .
وكان عمره الشريف 96 عاما، قدس الله روحه ونور ضريحه ولما أُخبرتُ بوفاته بادرت مسرعاً أداءاً لحق أُبوته العلمية، وقمت بما أمكنني القيام به، حتى إني جهزته بما أعددته لنفسي من الكفن ومستلزماته، وكنت قد كتبت عليه دعاء الجوشن الكبير كما ورد في بعض مستحباته.
تغمده الله بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جنته، وألهمنا الصبر بمصيبته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
9 - جابر بن سمرة، كما جاء في كفاية الطالب.
10 - جابر بن عبد الله ، كما ورد في مناقب ابن المغازلي المالكي، ونزهة المجالس.
11 - سنان بن شفعلة الأوسي، كما في أسد الغابة، والإصابة في ترجمته.
12 - أم سلمة، كما جاء في كنوز الحقائق، وفردوس الأخبار، ومقتل الحسين للخوارزمي وغيرها.
13 - أم أيمن، كما ورد في مناقب ابن المغازلي.
14 - أسماء بنت عميس، كما في خصائص النسائي.
إلى غير هؤلاء، وسنذكر بانتقاء أحاديث بعضهم، ونحيل القارئ إلى مراجعة أحاديث الباقين على المصادر المشار إليها آنفاً.
فمن تلك الأحاديث ما رواه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أتاني ملك فقال: يا محمد إن الله تعالى يقرأ عليك السلام ويقول لك: إني قد زوجت فاطمة ابنتك من علي بن أبي طالب في الملا الأعلى، فزوجها منه في الأرض...
أخرجه المحب الطبري في ذخائر العقبى(1).
وثمة أحاديث أخرى عن الإمام (علیه السّلام) بنحو ذلك في مناقب الخوارزمي، وذخائر العقبى وغيرهما.
1) ذخائر العقبى، ص 31، 32 .
106- وَزَوَّجَ النور مِنَ النور النَّبي *** وزُوِّجاً قَبْلاً مِنَ الله العلى
107- وزُوِّجَتْ فاطمةٌ خيرُ النِّسَا *** بحيدر خامسِ أصحابِ الكِسا
أشار قدس سره إلى تزويج الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، من فاطمة الزهراء (سلام الله علیها)، وذلك بأمر من الله تعالى.
وقد نطقت بذلك الأحاديث عنه بألفاظ مختلفة ومعان متفقة، نحو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي.
وقوله: إن الله تعالى أمرني أن أزوجكما على أربعمائة مثقال فضة.
وقوله: إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة.
وقوله: ما أنا زوجتك بل الله زوجك.
ولعل أقربها إلى المتن منطوقا ما ورد في حديث خباب بن الأرت: أن الله أوحى إلى جبرئيل: زوج النور من النور.
ونحو ما ورد في حديث أنس وفيه: قال الملك: بعثني الله أن أزوج النور بالنور... وسيأتي الحديث بتمامه.
والأحاديث بذلك كثيرة رواها كثير من الصحابة، منهم:
1 - الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، كما ورد في مناقب الخوارزمي، وذخائر العقبى وغيرها.
2 - عمر بن الخطاب، كما جاء في ذخائر العقبى.
3 - عبد الله بن عباس، كما في تاريخ بغداد، ومصنف عبد الرزاق ، ومعجم الطبراني الكبير، وذخائر العقبى، ومناقب الخوارزمي وغيرها.
4 - عبد الله بن مسعود، كما ورد في تاريخ بغداد، وحلية الأولياء ، ومعجم الطبراني الكبير، وكفاية الطالب، ومناقب الخوارزمي وغيرها.
5 - أنس بن مالك ، كما جاء في معجم الطبراني الكبير، وصحيح ابن حبان، ومجمع الزوائد، ومناقب ابن المغازلي، والرياض النضرة، والذخائر وغيرها.
6 - البراء بن عازب، كما في مناقب الحافظ السروي.
7 - بريدة بن الحصين، كما ورد في الإصابة، وأسد الغابة، وطبقات ابن سعد، ومعجم الطبراني الكبير، ومجمع الزوائد، وذخائر العقبى وغيرها.
8 - بلال بن حمامة، كما في تاريخ بغداد، وأسد الغابة، وصواعق ابن حجر وغيرها.
ومنها: ما أخرجه الحمويني في فرائد السمطين(1)، والديلمي في الفردوس(2)، والكناني في تنزيه الشريعة(3)، والهمداني في مودة القربى في المودة الثالثة عشرة، والقندوزي في ينابيع المودة(4)وغيرهم، واللفظ للأول، أخرجه بسنده عن الإمام (علیه السّلام)، قال: رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: يا علي إن الأرض الله يورثها من يشاء من عباده، وإنه أوحي إلي أن أزوجك فاطمة على خمس الأرض فهي صداقها، فمن مشى على الأرض وهو لكم مبغض فالأرض حرام عليه أن يمشي عليها .
وإلى هذا الحديث أشار غير واحد من الشعراء، ومنهم سفيان بن مصعب العبدي، وهو معاصر للشاعر السيد الحميري، قال من قصيدة له:
كان الإلهُ وَلِيَّها وأمينهُ جبريلُ خاطِب
والمهرُ خُمسُ الأرضِ موهبةً تعالت في المواهِب
ونهابها مِن حملِ طوبي طيَبت تلك المناهِب
وقال في أخرى:
وزُوِّج في السماءِ بأمر ربَّي *** بفاطمةَ المهذبةِ الطهورِ
وصيَّرَ مَهرَها خُمْساً بأرضٍ *** لما تحويهِ مِن كرم وحورِ
فذا خيرُ الرجالِ وتلكَ خيرُ الـ *** ـنساءِ ومهرُها خيرُ المهورِ
وله في ثالثة:
وزوَّجَه بفاطَم ذو المعالي *** على الإرغام مِن أهلِ النفاقِ
وخمسُ الأرضِ كان لها صداقاً *** الا للهِ ذلك مِن صداقِ
ومن الأحاديث ما أخرج الحفاظ بأسانيدهم عن ابن مسعود وله عدة مرويات، منها ما أخرجه الخطيب في تاريخه، وأبو نعيم في الحلية، والطبراني في معجمه الكبير، وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد وغيرهم، وهو بلفظ الطبراني في معجمه الكبير ... قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي(1).
وأخرجه عنه الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات...(2)
ثم أتبعه بحديث ثان عن ابن مسعود أنه قال: سأحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فلم أزل أطلب الشهادة للحديث فلم أرزقها، سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في غزوة تبوك يقول ونحن نسير معه: إن الله لما أمرني أن أزوج فاطمة من علي ففعلت قال جبرئيل (علیه السّلام): إن الله تعالى بني جنة من لؤلؤة قصب، بين كل قصبة إلى قصبة لؤلؤة من ياقوتة مشذرة بالذهب، وجعل
سقوفها زبرجداً أخضر، وجعل فيها طاقات من لؤلؤ مكللة باليواقيت، ثم جعل عليها غرفا لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، ولبنة من در، ولبنة من ياقوت، ولبنة من زبرجد، ثم جعل فيها عيونا تنبع في نواحيها، وحفت بالأنهار، وجعل على الأنهار قباباً من در قد شعبت بسلاسل الذهب، وحقت بأنواع الشجر ، وبنى في كل غصن قبة بالمسك والعنبر، وجعل في كل قبة حوراء، وللقبة مائة باب، على كل باب حارسان وشجرتان، في كل قبة مفرش وكتاب، مكتوب حول القباب آية الكرسي. قلت لجبرئيل: لمن بني الله هذه الجنة؟ قال: بناها لفاطمة ابنتك وعلي بن أبي طالب سوى جنانهما، تحفة أتحفها وأقر عينك يا رسول الله ... انتهى الحديث.
فعقب عليه الهيثمي في المجمع بقوله : رواه الطبراني، وفيه عبد النور بن عبد الله المسمعي، وهو كذاب(1).
أقول: يبدو أن مراده من رواية الطبراني له إنما هو في معجمه الكبير، بقرينة وجود سابقه فيه، وعطف اللاحق عليه، ولو كان في غيره، لأشار إلى ذلك، ولدى مراجعة المعجم الكبير في مسند عبد الله بن مسعود، لم أقف على هذا الحديث فيه، ويظهر سقوطه من النسخة المطبوعة، والموجود فيه هو الحديث الأول الذي علّق المحقق عليه بقوله: أورده ابن الجوزي في الموضوعات مطولاً(2)... إلى آخر ما ذكره محاولاً تفنيد الحديث، وهو من أوهامه - وجل من لا يسهو - فإن ابن الجوزي لم يورده أصلا، وإن الذي
أورده هو الحديث الثاني، فذكر شطراً منه وعقب عليه بقوله : وذكر حديثاً طويلاً وضعه عبد النور... كذا في كتاب العقيلي. فقال العقيلي: وكان يضع الحديث.
ثم قال ابن الجوزي: قال المصنف: قلت: وقد رواه لنا محمد بن ناصر من حديث إسماعيل بن موسى النزاري... ثم ذكر بقية الحديث بأوسع مما مر ولم يعقب عليه بشيء، مما يشعر بعدم موافقته للعقيلي في تجريحه ، وسيأتي كلام له في كتابيه المدهش والتبصرة ما هو منعش وفيه تبصرة.
ومهما يكن موقف ابن الجوزي والعقيلي ومن تبعهما من أمثال الذهبي وابن حجر والهيثمي وغيرهم ممن شغبوا في هذا الحديث، فليس ذلك بعجيب ولا غريب، فإنه في فضل علي وفاطمة، وذلك مما تضيق به نفوس القوم، ولكن الأعجب من ذلك أن نجد تجريح العقيلي لعبد النور بقوله: (عبد النور ممن يغلو في الرفض)، كما حكاه عنه السيوطي في اللثالي المصنوعة(1)، وأين هذا من نقل ابن الجوزي عنه: (وكان يضع الحديث). ثم كيف تطور إلى أن صار كذاباً عند الهيثمي في مجمع الزوائد.
وقد نقل الحديث غير من ذكرنا ولم يعقب عليه بشيء، راجع تنزيه الشريعة لابن عراق الكناني(2).
وإذا كان القوم تمالؤوا على الطعن في الحديث من جهة عبد النور
لغلوه في الرفض كما عن العقيلي، أو لوضعه الحديث كما عن ابن الجوزي، أو لكذبه كما عن الهيثمي، فما هو رأيهم في حديث ثالث هو عن ابن مسعود أيضاً، وليس في سنده عبد النور، بل سنده حسن عال كما يقول مخرجه الحافظ الكنجي الشافعي، فقد أخرج في كفاية الطالب بسنده الحسن العالي عن سفيان الثوري ، عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، قال: أصاب فاطمة صبيحة العرس رعدة، فقال لها النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: يا فاطمة إنما زوجتك سيّداً في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين، يا فاطمة لما أردت أن أملكك عليًّا أمر الله تعالى جبرئيل، فقام في السماء الرابعة فصف الملائكة صفوفا ، ثم خطب عليهم جبرئيل، فزوجك من علي، ثم أمر شجر الجنان فحملت الحلي والحلل، ثم أمرها فنثرته على الملائكة، فمن أخذ منهم يومئذ أكثر مما أخذ صاحبه أو أحسن افتخر به على صاحبه إلى يوم القيامة.
قالت أم سلمة: فلقد كانت فاطمة تفتخر على النساء، لأن أول من خطب عليها جبرئيل.
قلت - والقائل هو الحافظ الكنجي الشافعي -: هذا الحديث حسن عال رزقناه عالياً، رواه أبو علي بن شاذان في مشيخته الصغرى، وهو شيخ الأئمة، روى عنه الحفاظ كأبي بكر الخطيب والبيهقي. وفيه مناقب كثيرة لعلي بن أبي طالب (علیه السّلام):
منها: أن الله عز وجل زوجه في السماء وكان هو وليه.
ومنها: أن جبرئيل خطب لعقد نكاحه.
ومنها: شهود الملائكة إملاكه.
ومنها: تخصيصه بنثار شجر الجنة على عرسه.
ومنها: شهادة النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم له بالسيادة في الدنيا والآخرة.
ومنها: أنه في الآخرة لمن الصالحين ومع الصالحين، وهم الأنبياء والمرسلون، وقد دعا الأنبياء والرسل بمثل ذلك كما أخبر الله عنهم بقوله عز وجل وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ(1).
أقول: وأخرج هذا الحديث الخطيب في تاريخه(2)، والنسائي في الخصائص، والمحب الطبري في الذخائر(3).
ولولا خوف الملالة والإطالة، لاستعرضت حال رجال الإسناد وحداً واحداً، لنرى هل فيهم من هو كعبد النور الذي انهمه العقيلي بالغلو في الرفض، ثم ترقى به ابن الجوزي إلى وضعه الحديث، ثم طفح به كيل الهيثمي فقال: هو كذاب .
وما ينفعنا ذلك ما دام ابن الجوزي نفسه يورد الحديث في كتابه الموضوعات وكأنه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،
ولكن قد مرَّ بنا بعض الكلام عن ابن الجوزي وكتابه الموضوعات، فراجع ما قاله العلماء فيه وفي كتابه.
والآن يحسن بنا أن نقرأ بعض ما قاله ابن الجوزي في كتابه المدهش ، قال:
الفصل السادس والعشرون في تزويج علي بفاطمة (سلام الله علیها)...
كان للنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بنات أفضلهن فاطمة، وزوجات سبقتهنَّ عائشة(1)
«أخرج البخاري أيضا في صحيحه 36/7 ط بولاق في كتاب النكاح باب غيرة النساء ووجدهن، بسنده عن عائشة أنها قالت: ما غرت على امرأة لرسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم إياها وثنائه عليها، وقد أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أن يبشرها ببيت لها في الجنة من قصب.
وأخرج أيضاً في صحيحه 8/8ط بولاق كتاب الأدب، باب حسن العهد من الإيمان.. بسنده عن عائشة قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، ولقد هلكت قبل أن يزوجني بثلاث سنين، لما كان أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربه أن يشرها ببيت في الجنة من قصب، وإنه كان ليذبح الشاة ثم يهدي في خلّها منها.
ونحو ذلك في صحيح مسلم وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة ومسند أحمد وغيرها ... فأين السبق المزعوم؟!
، وذلك أن اختيار القدر لا يحابي في التساوي1) أليس من الغريب المدهش صنيع ابن الجوزي هذا في كتابه المدهش، فالقارئ يقرأ العنوان في تزويج علي بفاطمة (سلام الله علیها) والكلام المعنون يكون تبعاً للعنوان، أما دس وحشي الكلام في السياق فغير مقبول، كما في دسه ذكر عائشة وسبقها بالفضل أزواج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ثم كيف يقول ابن الجوزي ذلك، وعائشة هي التي تروي تفضيل خديجة عليها حين تحكي عن غيرتها حينما يذكرها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقد أخرج البخاري في صحيحه 48/5 ط بولاق باب تزويج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خديجة وفضلها ... بسنده عن عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها ، ولكن كان النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة. فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد.
(تسقى بماء واحد ونفضّل بعضها على بعض في الأكل).
لما نهض علي لخطبتها، طرق بأنامل رجائه أرجاء باب الخطبة ، فمشى إليه الإذن على عجل العجل، فنقد صدق الرغبة قبل نقد الصداق، فعقد العقد على درع، لينبه على جهاد الهوى، وجهزت بالإجهاز على عدو الزهد، ولم يرض لها جهاز الدنيا، لموافقة البضعة التي هي منه، فحلاها رسول الله بحلية « فاطمة بضعة مني » ، وعقد لها عقدا خرزات نظامه « أن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك »، وبعث بين يديها وصائف « غضوا أبصاركم » ، ونصب لها سدة « ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الأمة »، وأدخلها على الزوج في حلل الحالية، عليها قناع القناعة، تسعى في فضاء الفضائل، إلى خلوة الخلة، حتى أجلست على منصة النص، فأمر الله تعالى ليلة عرسها شجر الجنان، فحملت حُللاً وحلياً، فنشرته على الملائكة، وليس المراد بذلك الملك، ولكن ليعلم رضى الملك ، يا عجباه نثرت الحلل لأجل من فراشه جلد كبش، هلا حلّت له فيها
حلة، كلا... مركب الملك أحلى من أن يُحلّى، فدخل عليها الرسول ، فاستدعى بإناء من ماء، فدعا فيه بالبركة، ثم رش على حبيبين بلا غش، فلما طاب لعلي ذلك الوقت، سأل الرسول سؤال سكران من شراب الوصل .... يا رسول الله أنا أحب إليك أم هي؟ ففصل الحاكم بين خصوم الحب، فقال: هي أحب إلي منك، وأنت أعزّ علي منها .
فلما جازت بما حازت قناطر الفضل، صين وجه الكمال، بخال الخلل في العيش، فأقوى على الأقوى قفر الفقر... فصيح بفصيح خطاب الشرع: يا علي قم لكسب قوت الوقت. فخرج يسعى على أرض الرضا بين أعلام الصبر، فبات يسقي إلى الفجر، بشيء من الشعير على وجه الأجر، فلما جاء به وأصلح للأكل، قام سائل على باب البذل فنادى: يا أهل نادي الندى والفضل، أطعمونا أطعمكم الله من الفضل. فثارت رياح الارتياح للإيثار، فأثارت سحاباً يقطر من قطرته قطر جود الجود، فسال سيله بقدر وادي الود، فلما تروّت بماء أشجار الأنس صدحت على ورقها ورق القدس، وأغنى من غرايب صدح المدح وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، ثم أخبر الحق عن مضمون القصد إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ ، فلو رأيت القوم يوم القيامة في ظل فَوَقَاهُمُ اللهُ وقد اكتست أجساد وكست بكسا الضنك نضارة العيش على حلل الخفض، واستراحت أيد تفرق أيدها من طحن الرضا ونزع الدلو براحة مُتَّكِئِينَ فِيهَا هذا من حصاد بذر النذر، ولقد عجب العلماء من شرح هذا الأجر، واستظرفوا عدم ذكر الحور في
هذا الذكر، فبقوا متحيّرين في حير الأنس، غيرة عليها من ذكر الغير، وإنما أثر على الطفلين، لأنهما غصنان من شجرة (أبيت يطعمني ربي)، وبعض من جملة (هي بضعة مني)، وفرخ البط سابح، وذكاة الجنين كذكاة أمه(1).
فانظر أيها القارئ بعين الإنصاف، فهل تجد ثم اختلافاً أو خلافاً، بين ما أشار إليه ابن الجوزي في كلامه هذا وما تضمنه من آيات وأحاديث تتعلق بشأن الإمام والسيدة الزهراء وأبنائهما الكرام ومقامهم الكريم، وبين ما ورد في حديث ابن مسعود المذكور، بل باقي أحاديثه وحتى أحاديث غيره من الصحابة، مما أدرجه ابن الجوزي في كتابه الموضوعات في باب ذكر تزويج فاطمة بعلي (علیهما السّلام)(2)، أفهل يحق للقارئ أن يتساءل من ابن الجوزي ومن سار على وتيرته المحتجين بصنيعه: ما الذي أنكرت في حديث ابن مسعود حتى أدرجته وأمثاله في كتاب الموضوعات؟
أو ليس فيما أنشأته فيما تقدم من فصل، إلا اعترافاً منك بالفضل ، وأن التزويج كان بأمر الله سبحانه، وكرامة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وتكريماً لعلي وفاطمة، أمر سبحانه بما يليق بكرمه وكرامة أوليائه، من نثار شجرة طوبى ، وأمره الملائكة بالالتقاط والانتهاب، كما هو عادة الناس في نثار الأعراس...
ولعل القارئ يدهش لما مرَّ عن كتاب المدهش، ولكن فليزدد في ابن
الجوزي خبرة وتبصرة حين يقرأ ما يلي في كتابه التبصرة، قال:
لما تبختر جمال فاطمة في جلباب كمالها، حين شروع الشرع في وصف جلالها، نهض الصديق خاطباً لها في خطابه، فسكت الرسول عن جوابه، فنهض عمر نهوض الليث في غابه ، فلم يجبه فاشتد الجوى به، فلما نقل علي أقدامه لخطبتها وجد الوحي قد سبقه قدامه: (إن الله أمرني أن أزوّج فاطمة من علي)، فتزوجها في صفر وبنى بها في ذي الحجة...(1)
ولو أردت أن استقرئ ما في كتبه كتاباً بعد كتاب، لطال بنا المقام، وأريتكم . منه العجاب في مجانبته الصواب... فما هو الجواب منه عند الحساب؟!
ولنعد إلى انتقاء بعض أحاديث الصحابة في هذا الباب، فمن ذلك ما روي عن ابن عباس، وقد أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن ابن عباس قال: لما زفت فاطمة إلى علي كان النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قدامها، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك خلفها يسبحون الله ويقدسونه حتى طلع الفجر(2).
ثم ذكر الخطيب تضعيف أبي زرعة وأبي نعيم لابن رميح - أحد رجال السند - وعقب على ذلك بقوله : والأمر عندنا بخلاف قول أبي زرعة وأبي نعيم، فإن ابن رميح كان ثقة ثبتاً لم يختلف شيوخنا الذين لقوه في
ذلك.
أقول: وقد أخرج الحديث غير الخطيب جماعة، منهم ابن حجر ... ولم يطق تحمله حتى عقب عليه بقوله: قلت هذا كذب صراح!!(1)
وليته أبان عن وجه ذلك فصرح بما فيه من علة، أما أن يطلقها هذراً فذلك منه هجر.
وما روي عن أنس فيما أخرجه ابن المغازلي المالكي في كتابه مناقب أمير المؤمنين... بإسناده عنه ، قال :
قال رسول الله صلى الله علي [وآله] وسلم: كنت ذات يوم في المسجد أصلي إذ هبط علي ملك له عشرون رأساً، فوثبت لأقبل رأسه، فقال: مه يا محمد، أنت أكرم على الله من أهل السماوات وأهل الأرضين أجمعين. وقبل رأسي ويدي، فقلت: حبيبي جبرئيل ما هذه الصورة التي لم تهبط علي في مثلها قط؟ قال: ما أنا بجيرئيل، ولكن أنا ملك يقال لي (محمود) بين كتفي مكتوب: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، بعثني الله أزوّج النور بالنور، قلت: ما النور؟ قال: فاطمة من علي(2).
وهذا جبرئيل وإسرافيل وإسماعيل صاحب السماء الدنيا وسبعون ألف ملك من الملائكة قد حضروا، فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم:
يا علي قد زوجتك على ما زوجك الله من فوق سبع سماوات... ثم التفت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى محمود فقال: مذكم كتب هذا بين كتفيك؟ فقال: من قبل أن يخلق الله آدم بألفي عام. وناوله جبرئيل قدحاً فيه خلوق من الجنة وقال: حبيبي مر فاطمة أن تلطخ رأسها وبدنها من هذا الخلوق. فكانت فاطمة إذا حكت رأسها شمَّ أهل المدينة رائحة الخلوق(1).
ومما روي عن جابر بن سمرة ما أخرجه الحافظ الكنجي الشافعي بسنده عن جابر، قال :
قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أيها الناس هذا علي بن أبي طالب أنتم تزعمون أنني أنا زوجته ابنتي فاطمة، ولقد خطبها إلي أشراف قريش فلم أجب، كل ذلك أتوقع الخبر من السماء، حتى جاءني جبرئيل (علیه السّلام)، ليلة رابع وعشرين من شهر رمضان، فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرأ عليك السلام، وقد جمع الروحانيين والكروبيين في واد يقال له الأفيح تحت شجرة طوبى، فحملت الحلي والحلل، والدر والياقوت ثم نثرته، وأمر الحور العين اجتمعن فلقطن، فهن يتهادينه إلى يوم القيامة، ويقلن: هذا من نثار فاطمة(2).
ومما روي عن بلال بن حمامة ما أخرجه الخطيب في تاريخه(3)، وابن خالويه في كتاب الآل، وعنه بنيس في شرح همزية البوصيري، وابن الأثير
في أسد الغابة(1)، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، والخوارزمي في المناقب، وابن حجر في الصواعق المحرقة(2)، والصفوري في نزهة المجالس(3)، والحضرمي في رشفة الصادي(4)، والهمداني في كتابه مودة القربى في المودة الثالثة عشرة، والقندوزي الحنفي في الينابيع بتفاوت يسير، واللفظ للثالث عن بلال، قال: طلع علينا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ذات يوم يضحك، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله ما أضحكك؟ قال: بشارة أتتني من الله عز وجل في أخي وابن عمي وابنتي، إن الله عز وجل لما أراد أن يزوج عليّا من فاطمة رضي الله عنهما أمر رضوان فهنَّ شجرة طوبى فنثرت رقاقاً - يعني صكاكاً - بعدد محبينا أهل البيت، ثم أنشأ من تحتها ملائكة من نور، فأخذ كل ملك رقاقاً، فإذا استوت القيامة غداً بأهلها ماجت الملائكة في الخلائق، فلا يلقون محباً لنا أهل البيت إلا أعطوه رقاً فيه براءة من النار.
قال ابن الأثير: أخرجه أبو موسى وقال: هذا حديث غريب لا طريق له سواه، وبلال هذا قيل هنا: هو بلال بن رباح المؤذن، وحمامة أمه نسب إليها.
أقول: هذا الحديث كغيره من أحاديث بقية الصحابة في هذا الباب،
لا بد أن يكون غريبا ما دامت النفوس المرضى لا تهضمه ولا تسيغه، حتى ولو ورد بألف طريق، وأخرجه جميع أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، لأنه مما يتعلق بفضل علي، وعلي لا تحبه قريش - والناس تبع لقريش برهم لبرهم وفاجرهم لفاجرهم -، والقوم أبناء القوم.
وتلك الحقيقة المرة هي التي اعترف بها عثمان أمام علي حين قال له كما روى ذلك أبو نعيم في كتابه (معرفة الصحابة) بسنده عن ابن عباس، قال: قال عثمان لعلي رضي الله عنهما: ما ذنبي إن لم تحبك قريش وقد قتلت منهم سبعين رجلاً كأن وجوههم سيوف الذهب!(1)
وما نقرؤه عند بعضهم من ذكر بعض الفضائل ،للإمام لا يكشف عن صدق ولاء ولا خالص محبة، فإن حب علي كما قال إبراهيم النخعي: إن لم ينفع حب علي سراً لم ينفع علانية(2).
ولنختم الكلام بما روي من الخطبة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تزويج ابنته الصديقة فاطمة، وأمره عليا أن يخطب بعده في ذلك.
أما خطبته وهو (صلی الله علیه و آله و سلم) فقد رواها أنس وغيره من الصحابة، وأخرجها كثير من الحفاظ، أمثال يحيى بن معين في أماليه، وابن بطة العكبري الحنبلي في الإبانة، كما حكاها عنهما الحافظ السروي(3)، وأخرجها أبو الخير
القزويني الحاكمي، وعنه المحب الطبري في الذخائر، وأخرجها ابن حجر في لسان الميزان(1)، والقسطلاني في المواهب اللدنية(2)، والزرقاني في شرح المواهب، والملا علي القاري في المرقاة(3)، وفي الحرز الثمين في شرح الحصن الحصين(4)، وأخرجها ابن حجر المكي في الصواعق(5)، وفي شرح شمائل الترمذي، وأخرجها المحب الطبري في الرياض النضرة(6)، وذخائر العقبى(7)، وأخرجها الهمداني في مودة القربى، والقندوزي الحنفي في الينابيع ... و... إلى آخر من أخرجها.
ولكن ابن الجوزي مع كثرة مخرجيها من أصحاب الفن والصناعة في الحديث، أوردها في كتابه الموضوعات، وتبعه من هملج على نغمه.
وليس يضيرنا ذلك، إذ الشمس لا تخفى لإغماض الأحمق عينيه لإنكارها، وها نحن نوردها نقلا عن ذخائر العقبى:
عن أنس بن مالك قال: خطب أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ابنته فاطمة، فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: يا أبا
بكر لم ينزل القضاء بعد. ثم خطبها عمر مع عدة من قريش، كلهم يقول له مثل قوله لأبي بكر ، فقيل لعلي: لو خطبت إلى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أن يزوجكها. قال: وكيف وقد خطبها أشراف قريش فلم يزوجها. قال: فخطبها، فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: قد أمرني ربي عزَّ وجل بذلك.
قال أنس: ثم دعاني النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بعد أيام فقال لي: يا أنس اخرج ادع لي أبا بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة والزبير، وبعدة من الأنصار. قال: فدعوتهم فلما اجتمعوا عنده كلهم وأخذوا مجالسهم، وكان علي غائبا في حاجة للنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، (المرغوب إليه فيما عنده)(1)، المرهوب من عذابه وسطواته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة نسباً لاحقاً وأمراً مفترضاً أوشج بها الأرحام، وألزمها الأنام ، فقال عز من قائل وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ، فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر
1) ما بين القوسين من مناقب الحافظ السروي.
أجل، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. ثم إن الله أمرني أن أزوج فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك علي بن أبي طالب.
ثم دعا بطبق من بسر فوضعت بين أيدينا، ثم قال: انتهبوا فانتهبنا، فبينما نحن ننتهب إذ دخل علي على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، فتبسم النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم في وجهه، ثم قال، إن الله قد أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت بذاك.
فقال: قد رضيت بذلك يا رسول الله .
قال أنس: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع الله شملكما، وأسعد جدكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيراً طيباً.
قال أنس: فو الله لقد أخرج منهما الكثير الطيب(1).
ورحم الله الحافظ السروي حيث يقول :
سماءُ صلبِ المرتضى لفاطمٍ *** عن انتسالِ الحسنينِ انفطرت
وبانفطارِ نورِها في أرضِهم *** كواكبُ فيها علينا انتشرت
إذ البحارُ منهما آبينا *** بالعلم والتأويلِ فينا انفجرت
وعلمت من اهتدى بهديِها *** ما حالُ ها إذا القبورُ بُعثرت
فعلِمت ما قدَّمت في يومِها *** مِن كسبِها بعقدِها وأخَّرت
1) ذخائر العقبى، ص 29 - 30 .
وأما خطبة الإمام في ذلك فقد رواها ابن مردويه في المناقب كما عن الحافظ السروي، والديار بكري في تاريخ الخميس(1)، والمبرد في كتاب الفاضل(2)، وهي برواية الأخيرين:
وروي أنه لما هم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بتزويج فاطمة عليا رحمهما الله أمر يجمع المهاجرين والأنصار، ثم قال لعلي (علیه السّلام): تكلم خطيباً لنفسك. فقال:
الحمد لله حمداً شكراً لأنعمه وأياديه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلى الله على نبيه صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح مما أمر الله تعالى به ورضيه، واجتماعنا مما قدَّره الله وأذن فيه، وهذا محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلم] قد زوجني ابنته فاطمة على خمسمائة درهم وقد رضيت، فاسألوه واشهدوا .
ومن طلب المزيد من أحاديث تزويج الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بفاطمة (سلام الله علیها) فليرجع إلى المصادر التالية، وهي غيض من فيض:
1 - المعجم الكبير للطبراني 156/10 ط الثانية الموصل.
2 - مجمع الزوائد 282/4 ، 520/5 ، 83/9، 204، 209 ط مصر.
3 - كنز العمال 201/12، 205 ط حيدر آباد الثانية.
4 - جوامع الجامع للسيوطي 4710 ، 4722 نقلا عن موسوعة أطراف
الحديث.
5 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 30/5 - 31، 99 .
6 - حلية الأولياء 59/5ط مصر.
7 - صفوة الصفوة لابن الجوزي 3/2 - 4 ط حیدر آباد.
8 - الإصابة 81/2، 134/3، 4 / 365 - 374 ط الاستقامة.
9 - أسد الغابة 206/1 ، 520/5 أفست الطبعة الأولى.
10 - تاریخ بغداد 128/4 - 129 ، 363/14،7/5 ط مصر.
11 - الرياض النضرة 180/2 - 184 ط مصر.
12 - ذخائر العقبى، ص 29 - 34 ط مصر.
13 - نظم درر السمطين، ص 183 - 185 ط النجف.
14 - فرائد السمطين 88/11 - 95 ط بيروت.
15 - المناقب لابن المغازلي، ص 341 - 350 ط إيران.
16 - المناقب للخوارزمي ، ص 199، 234 ط حجرية.
17 - مقتل الحسين للخوارزمي 65/1ط النجف.
18 - فردوس الأخبار 418/3 ط بيروت.
19 - كنوز الحقائق، ص 24 ط سنة 1300هـ مصر.
20 - الجامع الصغير للسيوطي 170/1 ط بولاق.
21 - فيض القدير 215/2 ط مصر.
22 - التيسير 1/ 247 ط المكتب الإسلامي.
23 - السراج المنير للعزيزي 367/1 ط مصر.
24 - حاشية الحفني على السراج المنير بهامشه 367/1.
25 - ينابيع المودة، ص 175،177 ، 237 ، 250 ط إسلامبول سنة 1302هـ .
26 - أمالي الهاروني، ص 52 ط بيروت.
27 - الأوائل لأبي هلال العسكري، ص 52 ط مصر.
28 - الفاضل للمبرد، ص 17ط بيروت.
29 - الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص 146 - 147 ط حجرية.
30 - سمط النجوم العوالي 488/2ط السلفية.
31 - السيرة الحلبية 205/2 - 206 ط البهية سنة 1320هـ.
32 - السيرة الدحلانية بهامش الحلبية 8/2 - 9 .
33 - الصواعق المحرقة ، ص 84 - 85 ، 96 - 97 ، 103، 116 .
34 - الموضوعات لابن الجوزي 415/1 - 418 ط مصر.
35 - المدهش لابن الجوزي، ص 1228 - 130 ط بغداد 1345هـ.
36 - التبصرة لابن الجوزي 452/1 ط مصر عيسى البابي الحلبي.
37 - ميزان الاعتدال للذهبي 145/1 ط الهند، 361/1 ط مصر محققة.
38 - لسان الميزان 74/2 ، 382 ، 163/5، 9/6 ، 125 ط حیدر آباد.
39 - المواهب اللدنية للقسطلاني 4/2 ط الأزهرية.
40 - شرح المواهب للزرقاني 5/2-6ط الأزهرية.
41 - الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل للمجير الحنبلي 194/1 ط الحيدرية.
42 - البيان والتعريف لابن حمزة الحسيني 174/1، 301/2 ط حلب.
43 - مشارق أنوار اليقين للحمزاوي، ص 85-86ط المشرق بمصر 1356هـ.
44 - نور الأبصار للشبلنجي، ص 42 ط العامرة بمصر.
45 - نزهة المجالس للصفوري 224/2ط مصر.
46 - رشفة الصادي للحضرمي، ص 7 - 10 ط مصر.
47 - الأشراف لابن سويدة التكريتي (عن كفاية الطالب، ص 299).
48 - جالية الكدر شرح منظومة البرزنجي للأبياري، ص 194.
49 - شرح قصيدة الصاحب بن عباد للقاضي البهلولي، ص 78.
50 - جواهر العقدين للسمهودي 1/ ق382/2 ط بغداد.
51 - تنزيه الشريعة لابن عراق الكناني 411/1 .
52 - أعلام النساء لعمر رضا كحالة (ترجمة السيدة فاطمة).
53 - الأنوار المحمدية للنبهاني، ص 70 ط الأدبية بيروت.
54 - الخصائص للنسائي، ص 31 ط التقدم بمصر.
55 - مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي 246/3 المكتب الإسلامي.
56 - مصابيح السنة للبغوي، ص 205 .
57 - فضائل الإمام لأحمد بن حنبل (نسخة مصورة).
58 - فضائل فاطمة لابن شاهين (نسخة مخطوطة).
59 - جواهر المطالب للباعوني (نسخة مخطوطة).
60 - الثغور الباسمة للسيوطي (نسخة مخطوطة).
61 - لسان العرب (أبر) ، (دجل)، (شبر)، (شمت)، (زف) ، (عذف).
62 - تاج العروس (أبر)، (دجل)، (شبر).
63 - نهاية اللغة (أبر) ، (شبر)، (شمت)، (زف).
64 - الفائق للزمخشري (حطم).
65 - السنن الكبرى للبيهقي 234/7 ط أفست حیدر آباد.
66 - عمل اليوم والليلة لابن السني، ص 163 ط حيدر آباد.
67 - مسند أحمد 108/1 ط مصر الأولى.
68 - مستدرك الحاكم 185/2 ، 157/3 .
69 - تلخيص المستدرك للذهبي 157/3.
70 - سنن ابن ماجة 538/2ط محققة مصر.
71 - الترغيب والترهيب للمنذري 114/3 ط مصر.
72 - ذخائر المواريث للنابلسي /16/3 - 30 ط المقدسي.
73 - جمع الفوائد للروداني، ص 581 ط مكتبة الطالب الجامعي.
74 - الشرف المؤبد للنبهاني، ص 61 - 62ط الأدبية بيروت 1309هـ.
75 - علل الحديث لابن أبي حاتم 413/1 ط السلفية.
76 - شرح عين العلم وزين الحلم للهروي، ص 238 ط المنيرية.
77 - الإتحاف بحب الأشراف للشبراوي، ص 21 ط الأدبية بمصر.
78 - الروض الفائق لأبي مدين، ص 217 ط مصر.
79 - المرقاة للقاري 574/5 .
80 - المصنف لعبد الرزاق 485/5 - 490 ط المجلس العلمي.
81 - طبقات ابن سعد (ترجمة السيدة فاطمة).
82 - تاريخ الخميس للديار بكري 362/1 ط مصر.
83 - أخبار الدول للقرماني، ص 42، 88 ط بغداد (حجرية).
84 - البداية والنهاية لابن كثير 341/7.
85 - تحذير الخواص للسيوطي، ص 52 ط مصر.
86 - الذرية الطاهرة للدولابي ورقة 37 (بهامش جواهر العقدين ج 1/ ق2/ 184).
87 - الأحاديث المختارة للضياء المقدسي (نقلا عن جواهر العقدين
ج 1/ 2 / 183).
88 - الفوائد لسمويه (نقلا عن جواهر العقدين ج 1/ق2 183).
89 - مسند الروياني (نقلا عن جواهر العقدين ج1/ق2/ 183).
90 - الأضداد لابن الأنباري، ص 279 ط الكويت.
91 - كشف الغمة للشعراني 96/2، 101 ، 109 ، 110.
92 - الكامل لابن عدي 1725/5 .
93 - محاضرات الأدباء للراغب 104/2 ط مصر الأولى.
94 - الاستيعاب بهامش الإصابة (ترجمة السيدة فاطمة) ط مصر.
95 - المطالب العالية لابن حجر 61/4 ط الكويت.
96 - جامع الأصول لابن الأثير 474/9ط السنة المحمدية.
97 - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، ص 549ط السلفية.
98 - مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي، ص 9 ط حجرية 1287هـ.
99 - الدرر اليتيمة للمرغني (نسخة مصورة).
100 - المصنف لابن أبي شيبة 75/12 ط باكستان.
101 - الثغور الباسمة للميرغني (نسخة مصورة).
فذلك الفضلُ الذي قد اشتهر *** أظهَرَ غِلا فأُشيع في السِّيَرْ
مِن قالةِ السوءِ لداةِ الإفك *** قد افتروا افتروا كذبا بغير شك
أن عليًّا لسوى الزهرا خَطَبْ *** أغْضَبَها وللني إذ خَطَبْ
لا تجتمع بنتي ومن أرادها علي *** بنت عدو الله وابنه النبي
ورَوَّجوها كذبةً لا تنطلي *** والأمر في ذلك واضح جلي
وإنما كادوا بذاك سيد العرب *** لا خِطبة كانت ولا المولى خطَبْ
وأي فضل يبتغيه المرتضى *** بعد التي زوجاً له الله ارتضى
لولاه ما كفو أتى لفاطمة *** لكنما الأحقاد نارٌ حاطمة
أشار الناظم وفقه الله(1)إلى ما أثاره زواج الإمام أمير المؤمنين بسيدة
1) هذا النظم ليس لسيدنا الأستاذ قدس سره، بل هو الشارح هذه الأرجوزة، رأى إلحاقه بالمنظومة، وقد عرض على المغفور له في حياته، فرآه وارتاه، فرأيت مناسبة إلحاقه في المقام، نسأل الله أن يتقبل منا هذا اليسير، ومنه ذلك الكثير.
نساء العالمين (علیه السّلام) في نفوس الحاقدين الحاسدين من غيظ وضغن، فكادوا ومكروا، وما كيدهم إلا في ضلال، وما مكرهم إلا في تباب.
فقد أشاعوا أن عليا خطب ابنة أبي جهل - عدو الله ورسوله - وبلغ ذلك السيدة فاطمة (سلام الله علیها) فغاضها ذلك، حتى خرجت مغاضبة من بيتها ومعها حسن وحسين وأم كلثوم، فدخلت حجرة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فلما جاء النبي ورآها قالت له: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل. فخرج وصعد المنبر وخطب فقال: « إن فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها ». ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه، وقال: حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وبنت عدو الله أبداً، وإن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم...
هذا هو ما افتراه قالة السوء، وحيث إن هذه الفرية لا تثبت سنداً ولا متناً، ولو أردنا كشف حال جميع ما ورد في ذلك من أحاديث في مختلف المصادر لاحتجنا إلى تأليف خاص به ولسنا بصدده، ويكفي أن أشير إلى مصدر واحد يُعد من أقدم المصادر الحديثية، وذلك هو كتاب المصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة 211ه،، فقد أورد الحديث أربع
مرات لم يخل واحد منها عن إعضال وإرسال مع وجود المجروحين في رجال الأسانيد .
أما بقية المصادر التي ذكرت الحديث مسنداً إلى الصحابة أو مرسلاً عن التابعين فهي:
1 - صحيح البخاري وسيأتي ذكر موارده.
2 - صحیح مسلم، باب فضائل فاطمة في أربعة أحاديث ستأتي الإشارة إليها.
3 - سنن الترمذي في كتاب المناقب، فضل فاطمة في حديثين.
4 - سنن ابن ماجة في كتاب النكاح، باب الغيرة في حديثين.
5 - سنن أبي داود في كتاب النكاح، في ثلاثة أحاديث.
6 - مستدرك الحاكم 108/3 في ثلاثة أحاديث.
7 - المصنف لابن أبي شيبة 128/12 حديث واحد رواه بسنده عن عامر الشعبي.
8 - مسند أحمد 326/4 - 328 في أحاديث المسور بأربعة أسانيد ، وفي 5/4 في حديث عبد الله بن الزبير حديث واحد.
9 - فضائل الصحابة لأحمد 754/2 في ثمانية أحاديث.
10 - مجمع الزوائد 203/9 نقلا عن الطبراني في الثلاثة وعن البزار باختصار عن ابن عباس، وقال: وفيه عبيد الله بن تمام وهو ضعيف.
11 - كنز العمال 677/13 نقلاً عن عبد الرزاق في حديثين، وفي 158/14 حديث موضوع على لسان علي يعترف فيه بخطبته لابنة أبي جهل، وسيأتي ذكره.
12 - المطالب العالية لابن حجر 67/4 .
13 - ابن شاهين في فضائل فاطمة.
وربما يوجد غير ذلك من المصادر الثانوية، فلا حاجة بنا إلى التقصي عنها. لكن المهم معرفة حال الرواة الذين تنتهي إليهم أسانيد الحديث في جميع تلكم المصادر.
لذا كان لزاماً تسليط الضوء على رجال الإسناد من الصحابة والتابعين فقط، ثم بيان المؤاخذات على ما جاء في المتن.
أما رجال الإسناد من الصحابة فتنتهي إلى ثلاثة ، كلهم من المنحرفين عن الإمام أمير المؤمنين (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهم :
أبو هريرة الدوسي، وعبد الله بن الزبير، والمسور بن مخرمة كما يروى عن ابن عباس وسيأتي بيانه.
أقول: أمر عظيم كهذا يُغضب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حتى يصعد المنبر ويخطب الناس تتوفر الدواعي على نقله، ثم لا ينقله إلا هؤلاء الثلاثة من الصحابة لدليل على وضع الحديث، ويكفي كشف حال هؤلاء الثلاثة عن البحث في بقية من هم دونهم من التابعين ممن روى عنهم أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن ، وفيهم من لا تلتقي بذمه الشفتان، ولا يؤبه به في الميزان، لما فيه
من حسيكة، أمثال الزهري، وابن أبي مليكة لما سنذكره عنهما، وعروة بن الزبير، وعامر الشعبي، وحالهم كمن سبق، ويأتي ذكر محمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، وسويد بن غفلة مضافاً إلى التابعين.
أما حال الصحابة الثلاثة فهم :
أولاً : أبو هريرة الدوسي: ذكر الإسكافي كما في شرح النهج المعتزلي الحنفي أن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (علیه السّلام) تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير ...
ثم قال بعد كلام طويل: وأما أبو هريرة فروى عنه الحديث، معناه أن عليا (علیه السّلام) خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فأسخطوه فخطب على المنبر وقال: لاها الله لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل، إن فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما يؤذيها، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي وليفعل ما يريد. أو كلاماً هذا معناه. والحديث مشهور من رواية الكرابيسي.
قال ابن أبي الحديد: قلت: هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري، وقد ذكره المرتضى في كتابه المسمَّى (تنزيه الأنبياء والأئمة)، وذكر أنه رواية حسين الكرابيسي وأنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت (علیهم السّلام)...
أقول: ولنعد إلى أبي هريرة، ولنقرأ عنه ما يثبت انحرافه عن الإمام (صلی الله علیه و آله و سلم) مضافا إلى كذبه الشائع الذائع على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، حتى لقد ذكر ابن عساكر في تاريخه، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال، وابن أبي الحديد في شرح النهج وغيرهم ضرب عمر له بالدرة، وقال: قد أكثرت من الرواية، وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم .
وأكذبه غير واحد من الصحابة، فقال فيه الإمام (علیه السّلام): ألا إن أكذب الناس أو قال أكذب الأحياء على رسول الله (علیه السّلام) أبو هريرة الدوسي (كما عن الإسكاني في شرح النهج).
فأبو هريرة وحديثه إن صح عنه فهو كبقية أحاديثه التي رواها ولم يكن حاضراً فيها زمان صدورها، وقد مرت الإشارة إلى نماذج من ذلك كحديث تبليغ براءة، وحديث الثقلين، وحديث الغدير وغيرها مما زعم سماعها وهو لم يكن وقتها حاضرا، بل كان بالبحرين.
ثم إن الرجل لو لم يكن إلا اعتزاله للإمام (علیه السّلام) أيام خلافته، وضلوعه في ركاب معاوية لإشباع نهمته، لكفى ذلك في ردّ روايته، كيف لا وهو الذي ضَرب على صلعته في مسجد الكوفة حين جاء مع معاوية في حاشيته، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مراراً وقال: يا أهل العراق اتزعمون أني أكذب على رسول الله وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله يقول: لكل نبي حرم ،
وإن حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور(1)، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها ...
فلما بلغ معاوية قوله، أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة(2).
قال الثقفي في كتابه الغارات: لما دخل معاوية الكوفة دخل أبو هريرة المسجد، فكان يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وقال أبو القاسم، وقال خليلي! فجاءه شاب من الأنصار يتخطى الناس حتى دنا منه، فقال: يا أبا هريرة حديث أسألك عنه، فإن كنت سمعته من النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فحدثنيه، أنشدك بالله سمعت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول لعلي: من كنت مولاه، فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه...
قال أبو هريرة: نعم والذي لا إله إلا هو لسمعته(3)من النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال
1) وهذا من بينات كذبه، فعير وثور اسم جبلين، أحدهما بالمدينة وهو عير، وثانيهما بمكة وهو ثور، فكيف يحدد ما بينهما ويجعله حرماً للمدينة؟! وإنما الصحيح: ما بين عير إلى وعير، وهما لابتا المدينة جبلان من جانبيها.
2) شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي 359/1ط الأولى.
3) أقول : لقد كذب حتى في حلفه هذا، لأن الحديث هو حديث الغدير، وكان في حجة الوداع، ولم يكن أبو هريرة حاضراً، إذ كان بالبحرين منذ شهر ذي القعدة سنة 8 من الهجرة، وحتى سنة عشرين حين استقدمه عمر في خلافته للشهادة على قدامة بن مظعون لشربه الخمر ، فكل ما يرويه من أحاديث نبوية وأحداث حجازية مما زعم فيه عنصر المشاهدة والسماع في تلك المدة فهو كاذب وإن أقسم ألف يمين.
من والاه، وعاد من عاداه... فقال له الفتى: لقد والله واليت عدوه، وعاديت وليه. فتناول بعض الناس الشاب بالحصى، وخرج أبو هريرة فلم يعد إلى المسجد حتى خرج من الكوفة(1).
أقول: روى ذلك أيضاً ابن أبي شيبة في المصنف(2)، والسمعاني في فضائل الصحابة، وابن عساكر في تاريخه(3)، إلا أنه لم يذكر الزمان والمكان، مما أسدل غشاء الإيهام على حديثه، وكذلك رواه ابن كثير في السيرة النبوية(4)، وصنع كما صنع ابن عساكر من إهمال ذكر المكان والزمان، نقلا عن الحافظ أبي يعلى الموصلي وعن ابن جرير في الكتاب الذي جمع فيه طرق حديث الغدير وألفاظه، ولا غرابة في صنع ابن كثير، فهو أيضاً شامي.
وأظن أنما فعلا ذلك رعاية لصحبة أبي هريرة، ولا غضاضة فابن عساكر شامي شافعي، وكذلك ابن كثير، ولو كانا كوفيين حنفيين لاستثنياه من جماعة الصحابة المعدلين كما صنع أبو حنيفة، فقد استثناه واستثنى أنساً وآخرين من عدالة الصحابة(5).
فهذا أبو هريرة - الراوية - كيف يصدق في حديثه عن خطبة الإمام لابنة أبي جهل وهو يوالي عدوه ويعادي وليَّه على حد قول الشاب الأنصاري .
ثانياً: عبد الله بن الزبير: وعداوته للإمام أظهر من أن تحتاج إلى بيان، بل بلغ في نصبه الغاية حتى إنه ترك الصلاة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أيام قيامه بمكة، فعيب عليه ذلك، وأنكر فعله المسلمون فقال: إن له أهيل سوء، إذا ذكرته اشرأبت أعناقهم(1).
وفي رواية: إن له أهيل سوء ينغضون رؤوسهم عند ذكره(2).
ولئن قيل عن المسور : (إنه كان مع خاله عبد الرحمن بن عوف مقبلا ومدبراً في أمر الشورى) كما سيأتي، فإنا نقول عن ابن الزبير: لقد كان مقبلا ومدبرا في حرب الجمل مع خالته عائشة ، وكان هو الذي زيَّن لها مسيرها إلى البصرة(3).
وهو الذي أتى إليها بأربعين شاهد زور شهدوا حين نبحتها كلاب الحوأب وأرادت الرجوع لتحذير النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لها من ذلك، لكن ابن الزبير
جاءها بالشهود، فشهدوا أن ذلك المكان ليس هو الحوأب، فكانت أول شهادة زور في الإسلام .
وهو الذي عير أباه بالجبن حين عزم على الرجوع عن محاربة الإمام بعد تذكير الإمام له بقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): بأنك ستقاتله وأنت له ظالم. فرجع فتلقاه ابنه عبد الله فعيّره مستثيرا له على حرب الإمام، ويكفينا قول الإمام فيه: ما زال الزبير منا حتى شب ابنه عبد الله.
أليس هو الذي كان يحقد على الإمام لقتله عم أبيه نوفل بن خويلد الذي كان يقال له أسد قريش وأسد المطيبين؟ وقتل الإمام له هو قول عامة الرواة كما يقول ابن حزم في الجمهرة(1).
أليس هو الذي حبس ابن عباس وابن الحنفية ومن معهما من أهلهما في سجن عارم ، وأمهلهم إلى الجمعة إن لم يبايعوا أحرقهم وسط الشعب، وجعل الحطب على بابه، ففاجأه أبو عبد الله الجدلي الذي أرسله المختار في جماعة ، فدخلوا المسجد الحرام مكبّرين وعليهم السلاح، فخرج ابن الزبير طالباً لنفسه النجاة، وذهب الجدلي ومن معه فأخرجوا بني هاشم من سجن عارم.
وهو القائل لابن عباس وكان يبلغه تأنييه وذمه: إني لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة(2).
قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج: وكان سباباً فاحشاً، يبغض بني هاشم، ويلعن ويسب علي بن أبي طالب (علیه السّلام)(1).
فمن كان هذا حاله ومقاله وفعاله كيف يصدق في حديثه لخطبة علي لابنة أبي جهل، فيما أخرجه عنه الترمذي في سننه، قال: حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير أن عليا ذكر بنت أبي جهل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال: إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها.
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، هكذا قال أيوب عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير، وقال غير واحد: عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة، ويحتمل أن يكون ابن أبي مليكة روى عنهما جميعاً(2).
وأخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك، فقال: حدثنا بكر بن محمد الصيرفي، ثنا موسى بن سهل بن كثير، ثنا إسماعيل بن علية... ثم ساق السند والحديث كما مرَّ عن الترمذي، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(3).
والذي يلفت النظر في المقام أن الذهبي أهمل هذا الحديث في تلخيصه المطبوع بذيل المستدرك، وظني أن إهماله كان عن عمد لا عن سهو.
ومهما يكن فسند الحديث غير نقي، ويكفي روايته عن ابن أبي مليكة، وهو مؤذن ابن الزبير وقاضيه، وقد مرَّ بنا حال ابن الزبير وعداوته الأهل البيت، ويبدو لي أن ابن الزبير كان بارعا - إن صح الحديث عنه . فلم يذكر له ما يحاقق عليه من زعم حضور أو سماع، مع أن سنّه عند وفاة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كانت تسع سنين ، فكان أكبر من المسور بسنة.. الذي زعم أنه سمع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يخطب وهو يومئذ محتلم ، مع أن عمره كان يومئذ ثماني سنين!!
والآن فلنطو صفحة ابن الزبير، ولنقرأ المسور فيما قاله عنه مترجموه، ثم ننظر في حديثه...
ثالثاً: المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري: أما أبوه فكان من مسلمة الفتح، ومن المؤلّفة قلوبهم، ومن الدرجة الدنيا منهم، فقد ذكر ابن هشام في سيرته نقلا عن ابن إسحاق أسماء من أعطاهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مائة من الإبل، وعدَّ منهم أبا سفيان وابنه معاوية وآخرين، ثم قال: وأعطى دون المائة رجالات من قريش منهم مخرمة بن نوفل الزهري وسمى آخرين...
وأخيراً هو الذي قال عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) فيما روته عائشة: (بئس أخو العشيرة)، وذلك حين استأذن، فلما دخل بش به، فلما خرج قالت له عائشة في ذلك، فقال: يا عائشة أعهدتني فحاشاً؟ إن شر الناس من يتقى شره(1).
1) تاريخ الإسلام للذهبي 1316/2 .
وأما أمه فهي عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف.
وأما عن مولده فقالوا بعد الهجرة بسنتين بمكة، وقدم المدينة مع أبيه بعد الفتح سنة ثمان وهو غلام أيفع ابن ست سنين، وعده ابن الأثير وابن عبد البر وابن حجر في كتبهم في الصحابة منهم، إلا أن ابن قتيبة قال في المعارف: وكان يعدل بالصحابة وليس منهم(1).
وأما عن سلوكيته فقالوا: لم يزل مع خاله عبد الرحمن بن عوف مقبلاً ومدبراً في أمر الشورى، وكان مع عثمان في الدار إلى أن قتل فانحدر إلى مكة، ولم يزل بها موالياً لمعاوية حتى قال عروة بن الزبير: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه(2).
وذكروا أنه كره بيعة يزيد بن معاوية، ولعل ذلك لما قال ابن قتيبة في المعارف: وكان المسور قال: إن يزيد بن معاوية يشرب الخمر. فبلغه ذلك فكتب إلى أمير المدينة فجلده الحد، فقال المسور :
أيشربُها صرفاً يفك ختامها *** أبو خالد ويُجلد الحدّ مسور(3)
وفي ترجمته في الاستيعاب نقل ابن عبد البر عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن المسور بن مخرمة دخل على مروان فجلس معه وحادثه،
فقال المسور لمروان في شيء سمعه: بئس ما قلت. فرکضه مروان برجله ، فخرج المسور ...
وأما عن فضله فقال ابن عبد البر وغيره: وكان المسور لفضله ودينه وحسن رأيه تغشاه الخوارج، تعظمه وتنتحل رأيه، وقد برأه الله منهم!!
وأما عن موته فقالوا: كان مع ابن الزبير، فلما حاصر الحصين بن نمير مكة ورمى الكعبة بالمنجنيق أصابه حجر فشجه، ثم مات بعد خمسة أيام.
هذه هوية الرجل نسباً وحسباً وديناً وسلوكاً.. فأبوه من مسلمة الفتح ومن المؤلفة قلوبهم من الدرجة الثانية - إن صح التعبير - وبعد هو بئس أخو العشيرة، ثم هو بعد من شر الناس إذ يتقى (صلی الله علیه و آله و سلم) شره.. وأمه أخت عبد الرحمن بن عوف فهو خاله، وقالوا: (الخال أحد الضجيعين) كناية عن تأثير طباع الأخوال في أبناء الأخت إذ هم ينزعون إليهم بعرق ، ثم هو صهره فقد كانت عنده جويرية بنت عبد الرحمن بن عوف(1).
هذا ما لمسناه في سلوكية المسور حيث قالوا: كان مع خاله عبد الرحمن ابن عوف ولم يزل مقبلاً ومدبراً في أمر الشورى، وموقف ابن عوف فيها معلوم، حتى عناه الإمام بقوله في خطبته الشقشقية: ومال الآخر لصهره.
فإن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أخت عثمان من أمه كانت تحت ابن عوف(2)، وقال له: والله ما وليت عثمان إلا ليرد
الأمر إليك(1).
ومما يزيدنا وضوحاً في عثمانيته أنه لم يبايع الإمام بعد مقتل عثمان، وخرج من المدينة إلى مكة، ثم هو الذي كان يصلّي على معاوية إذا ذكره كما مرَّ ذلك عن عروة بن الزبير.
وأخيراً دخل مع ابن الزبير في أمره، وانتحل الخوارج رأيه حيث استقطبوه، وإن قال ابن عبد البر وابن حجر وغيرهما: (وقد برأه الله منهم)، ولسنا بحاجة إلى مناقشتهم في ذلك، فمن أين علموا بتلك البراءة والله لم يوح إلى أحد بعد نبيه؟؟ فلا تزال دعواهم تحتاج إلى إثبات، على أن مصعب الزبيري - صاحب كتاب نسب قريش - ذكر ذلك ولم يزعم ما قالوه في براءته، وهو أقدم منهما زماناً، وأعرف بحال المسور.
ولننظر إلى حديث المسور في الفرية المزعومة، وهو حديث أخرجه عنه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وغيرهم، ولن نستقصي جميع مصادره، بل سنكتفي بما أخرجه البخاري في صحيحه وقد نشير إلى ما ورد عند غيره، وذلك لأن صحيحه عند المغالين به أصح كتاب بعد كتاب الله فيما يزعمون!.. ولأنه ذكر حديث المسور في خمسة أبواب مقطعاً أوصاله عن عمد ، حتى يخيل للناظر أنه ذكر خمسة أحاديث مختلفة الألفاظ، ولكن الباحث الناقد يدرك أن اختلاف الصورة لا يغير الحقيقة، وهذا ما أربك كثيراً من شراح الصحيح، فحاولوا جهدهم توجيه ما فيها
1) تاريخ ابن الأثير 30/3 ط بولاق.
من تناقض وتهافت، ولم يوفقوا في سعيهم الحثيث، في دفع ما يرد على الحديث، بل شوشوا أذهان قرائهم، ولم يجنوا غير مضيعة الوقت في عرض آرائهم تبعا لأهوائهم.
ولو أنهم صنعوا صنع ابن قتيبة الجنبوا أنفسهم كثيراً من النقد والرد، فابن قتيبة في معارفه كان أوعى منهم حين قال عن المسور: (وكان يعدل بالصحابة وليس منهم)، ثم قال: وقد روى قوم عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: لو أن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن.
فهو حين ينفي صحابية المسور، ينفي عنه عاصمية الصحبة، سواء قُرئت جملة (وكان يعدل) بالتخفيف أو التشديد، ثم يمرض القوم في زعم روايته عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه سمعه يقول... وهو يدلّنا على عدم قناعته بصحبة المسور كما كشف عن قيمة روايته عنده، وما اقتضابه لحديثه إلا مؤشر على ذلك.
ثم ما يعنيه بقوله: (لو أن بني هشام) الخ، فهل يدل على حدوث الخطبة أو إرادتها، وهذا ما سنقرأ الجواب عنه في الكلام على حديث المسور عند البخاري في صوره الآتية:
1 - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب فرض الخمس باب ما ذكر من درع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه، وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته، ومن شعره ونعله
وآنيته مما يتبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته.
قال: حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي أن الوليد بن كثير حدثه عن محمد بن عمرو بن طلحة الذي حدثه، أن ابن شهاب حدثه أن علي بن الحسين حدثه أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية [بعد] مقتل حسين بن علي رحمة الله عليه، لقيه المسور بن مخرمة فقال له: هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ فقلت له: لا فقال: فهل أنت معطي سيف رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وأيم الله لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبداً حتی تبلغ نفسي، إن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل على فاطمة (سلام الله علیها)، فسمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلم، فقال: إن فاطمة بضعة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها. ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه مصاهرته إياه، قال: حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أحرم حلالاً، ولا أحلّ حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وبنت عدو الله أبداً(1).
2 . وأخرج في صحيحه أيضاً في المناقب، باب مناقب قرابة النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ومنقبة فاطمة (سلام الله علیها) بنت النبي صلى الله عليه
1) صحيح البخاري 83/4ط بولاق. صحيح مسلم 326/4، باب مناقب فاطمة. مسند أحمد 326/4 ط مصر الأولى. سنن أبي داود 225/2. سير أعلام النبلاء 263/3 . المعجم الكبير للطبراني 19/20، وغيرها.
[وآله] وسلم، وقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.
قال: حدثنا أبو الوليد، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني(1).
3 - وأخرج أيضا في المناقب في باب ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، منهم أبو العاص بن الربيع (ولم يذكر في الباب حديثاً غير الآتي) قال:
حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: حدثني علي بن حسين أن المسور بن مخرمة قال: إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل. فقام رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد، فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوأها ، والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد. فترك علي الخطبة(2).
وزاد محمد بن عمرو بن طلحة عن ابن شهاب عن علي عن مسور: سمعت النبي صلى الله عليه وآله [وسلم] وذكر صهراً له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن، قال: حدثني فصدقني ، ووعدني فوفى لي.
4 - وأخرج أيضاً في كتاب النكاح في باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف (ولم يورد في الباب حديثا غير الآتي)، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث عن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول وهو على المنبر : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها(1).
5 - وأخرج أيضاً في كتاب الطلاق، باب الشقاق، وهل يشير بالخلع عند الضرورة، وقوله تعالى وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا الآية، (ولم يورد في الباب غير الحديث الآتي، فلاحظ)، قال:
حدثنا أبو الوليد، حدثنا الليث عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة الزهري، قال: سمعت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: إن بني المغيرة استأذنوا في أن ينكح علي ابنتهم فلا آذن(2).
هذه هي الأحاديث التي ذكرها مسندة في خمسة أبواب، وكأنه لم يكفه ذلك حتى أشار معلقا في أول باب كنية المشرك فقال : وقال مسور : سمعت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: إلا أن يريد ابن أبي طالب ...
وفي فتح الباري قال: هذا طرف من حديث تقدم موصولاً في باب فرض الخمس(1).
والآن وقد انتهينا من كشف هوية الثلاثة: أبي هريرة، وابن الزبير ، والمسور بن مخرمة، نختتم أولاً: الحديث عنهم بقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): والذي نفسي بيده لا يبغضنا رجل إلا أدخله الله النار(2).
وثانياً: قبل أن نعود إلى مناقشة متن الحديث، ننبه القارئ بحال بعض أعلام الرواة في السند كابن عيينة الذي رمي بالاختلاط، كما ذكره الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي في رسالته (الاعتباط بمن رمي بالاختلاط)(3)، وكالزهري الذي كان من المنحرفين عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وكان يعمل لبني أمية، وقد تجنب حديثه غير واحد لذلك، حتى إن
1) فتح الباري 213/13.
2) أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في زوائده لنور الدين الهيثمي موارد الظمآن، ص 555 ط مصر بتحقيق محمد عبد الرزاق حمزة ، والحاكم في المستدرك 150/3، وقال: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأخرجه الذهبي في تلخيصه بهامش المستدرك ولم يعلق عليه بشيء.
3) الاعتباط بمن رمي بالاختلاط، ص 12 ط حبل 1350هـ.
ابن عساكر أخرج في تاريخه بسنده عن جعفر بن إبراهيم الجعفري، قال: كنت عند الزهري أسمع منه ، فإذا عجوز قد وقفت عليه، فقالت: يا جعفري لا تكتب عنه، فإنه مال إلى بني أمية وأخذ جوائزهم. فقلت: من هذه؟ قال: أختي رقية خرفت. قالت: بل رفت أنت، كتمت فضائل آل محمد، وقد حدثني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال أخذ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.
قالت: وحدثني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله(1).
وبلغ إنكار الصالحين عليه أن كتب إليه بعضهم كتابا فيه تقريع وتوبيخ، جاء فيه: واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت، أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدونك إلى من لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليه رحى ظلمهم، و جسراً يعبرون عليه إلى بلائهم ومعاصيهم، وسلماً يصعدون فيه إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء...
1) تاریخ دمشق (ترجمة الإمام) 65/2 .
وجاء في آخره: فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر سفر بعيد وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(1)، والسلام(2).
فمن الغريب العجيب أن يروي الزهري هذا الحديث عن علي بن حسين، ثم يزعم أنه حدثه عن المسور بذلك كما مرَّ في الصورة الأولى عن البخاري.
وإذا عرفنا أن علي بن حسين الذي ذكره بصيغة التنكير هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين الذي روى أبو هلال العسكري في كتابه بسنده، قال: بلغ علي بن الحسين رضي الله عنهما أن عروة بن الزبير وابن شهاب الزهري يتناولان عليا ويعبثان به، فأرسل إلى عروة فقال: أما أنت فقد كان ينبغي أن يكون نكوص أبيك يوم الجمل وفراره ما يحجزك عن ذكر أمير المؤمنين، والله لئن كان علي على باطل لقد رجع أبوك عنه، ولئن كان على حق لقد فرَّ أبوك منه .
وأرسل إلى ابن شهاب فقال: وأما أنت يا ابن شهاب فما أراك
1) سورة إبراهيم، الآية 38.
2) ذكر الكتاب بطوله الغزالي في الإحياء 143/2، وابن أبي الحديد في شرح النهج 124/4 ، والمناوي في فيض القدير 407/2 ، وهامش الكشف الإلهي 122/1، وكلهم لم يصرحوا باسم الكاتب، لكن الحسن بن شعبة الحراني صرح في كتابه تحف العقول، ص 198 باسمه، وأنه الإمام زين العابدين علي بن الحسين (علیه السّلام)، كما أنه ذكر الكتاب أطول مما ذكره الآخرون، فراجع.
تدعني حتى أعرفك موضع كير(1)أبيك(2).
فمن كان هذا حاله مع الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) كيف يصدق في زعمه أن علي بن حسين حدثه عن المسور... وهو الذي قرعه ووبخه، لا بل حتى عيره بماضي أبيه الوضيع !!
ثم ما بال علي بن حسين يحدث الزهري وهو يعرف عداوته لجده بحديث - إن صح - فهو انتقاص لجده؟
وما بال الزهري وهو الذي روى عن عدة من الصحابة، منهم أنس ، وسهل بن سعد، وحتى عن ابن عمر الذي ذكروا في ترجمته أنه روى عنه ثلاثة أحاديث، ما باله يروي هذا الحديث عن علي بن حسين - كما يسميه - وهو من التابعين، ولا يرويه عن المسور الصحابي الذي هو يرويه، وهو قد أدركه، وكان أشد لصوقاً به من علي بن حسين نسباً وسبباً فكلاهما زهري، ولأن أباه والمسور كانا معاً من أصحاب ابن الزبير، وإلى ذلك أشار عبد الملك بن مروان حين اتصل به الزهري فاستنسبه فنسب نفسه، فقال عن أبيه: إن كان أبوك لنعاراً في الفتن(3).
ولقد كان عمر الزهري عند وفاة المسور فوق عمر المسور حين سمع
الحديث المزعوم، فقد مرَّ أنه قال كاذبا: سمع الحديث وهو يومئذ محتلم! والصحيح أنه كان ابن ثمان سنين، بينما كان عمر الزهري عند وفاة المسور ثلاث عشرة سنة.
وهكذا سؤال بعد سؤال يوضح ما في الإسناد من خلل، مضافاً إلى ما في المتن من علل، ويبقى بلا جواب ولنترك حال الرجال وما فيهم من مقال وإشكال، ولنعد إلى متن الحديث لنتبين فيه مواطن العلل، ولنقرأه ثانياً حسب وروده في كتاب البخاري - الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله عند المغالين فيه - ولا نحاسبه على تقطيع أوصاله إلى خمسة أحاديث، ولا على حشر بعضها تحت عناوين لا تمت إليها بصلة، ولا... ولا... فنحن والحديث الأول عنده فنقرأ فيه:
أولاً : قول المسور لعلي بن حسين - كما في الحديث : هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ فقال: لا.
فهل لنا أن نسأل المسور أي حاجة تلك التي يمكن له أن يقضيها غير ما يتعلق بالسلطة الأموية والتي كان بعد لا يزال طالعاً معها، لأن زمن السؤال قد حدَّده علي بن حسين حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية (بعد) مقتل حسين بن علي رحمة الله عليه لقيه المسور بن مخرمة فقال له: هل لك... الخ.
ونحن إذا نظرنا إلى طبيعة الحال في ذلك الوقت نجد أن مقام الإمام
قال ابن الأثير: ودعا عليًّا ليودعه وقال له: لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله ما رأيت، يا بني كاتبني حاجة تكون لك.
وذكر ابن الأثير وغيره أن يزيد بن معاوية لما وجه مسلم بن عقبة المري - وهو الذي سمّي مسرفا - إلى المدينة المنورة المقاتلة أهلها حين خلعوا بيعته، قال له: فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثاً، فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وانظر علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيراً، فإنه لم يدخل مع الناس، وإنه قد أتاني كتابه.
قال ابن الأثير: وقد كان مروان بن الحكم كلم ابن عمر لما أخرج أهل المدينة عامل يزيد وبني أمية في أن يغيب أهله عنده فلم يفعل، فكلّم علي بن الحسين فقال: إن لي حرماً وحرمي يكون مع حرمك. فقال: أفعل. فبعث بامرأته وهي عائشة ابنة عثمان بن عفان وحرمه إلى علي بن
1) تاريخ الكامل لابن الأثير 39/4 ط بولاق.
الحسين، فخرج علي بحرمه وحرم مروان إلى ينبع، وقيل: بل أرسل حرم مروان وأرسل معهم ابنه عبد الله بن علي إلى الطائف(1).
وجاء في إرشاد المفيد: إن مسرف بن عقبة لما قدم المدينة أرسل إلى علي بن الحسين (علیه السّلام) فأتاه، فلما صار إليه قربه وأكرمه وقال له: أوصاني أمير المؤمنين ببرك وتمييزك من غيرك... الخ(2).
فمما تقدم تبين أن الإمام علي بن الحسين (علیه السّلام)، كان أرفع مكانة وأجلّ قدراً وأقوى موقعاً لدى الحاكمين من المسور بن مخرمة، الذي رفسه مروان برجله كما مرَّ ، وجلدوه الحد كما تقدم، فهو أذل من أن يتمكن من قضاء حاجة لأحد عند الأمويين.
وثانياً: لنقرأ قول المسور لعلي بن الحسين: فهل أنت معطي سيف رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه.
ونحن لا نناقشه في أمر السيف وكيفية وصوله إلى علي بن الحسين ، وهو من مواريث النبوة... وهذا عنده وقومه ينافي القول بعدم ميراث الأنبياء، ولكن هل لنا أن نسأل المسور: من هم القوم الذين يخشى أن يغلبوا علي بن الحسين على سيف جده غير بني أمية، وإذا كانوا هم فهل كان ذلك قبل واقعة الحرة أو بعدها؟
فإن كان قبلها فالإمام علي بن الحسين كان أعز منه منعة، وهم كانوا
أذلّ وأضعف جنداً، خصوصاً بعد أن أخرج الأمويون وأتباعهم من المدينة، حتى إن مروان استودع الإمام عياله كما مرَّ.
وإن كان بعدها فالإمام هو الوحيد الذي لم يتعرض له بسوء بوصية من يزيد وقد مرَّ ذلك أيضا، فأي حال تلك التي كان المسور يخشاها على الإمام أن يغلب فيها على سيف جده؟
ولو لم يكن ثمة تحديد زمني في الحديث حيث ورد أن المسور لقي علي بن الحسين (علیه السّلام) (حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية [بعد] مقتل الحسين بن علي رحمة الله عليه)(1).
أقول: لو لم يكن ذلك التحديد لاحتملنا أن المسور قال ذلك بعد أن بلغه طلب عبد الملك بن مروان من الإمام علي بن الحسين ذلك السيف يستوهبه منه ويسأله الحاجة، فأبى عليه، فكتب إليه عبد الملك يهدّده وأنه يقطع رزقه من بيت المال، فأجابه (علیه السّلام): أما بعد فإن الله ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون، والرزق من حيث لا يحتسبون، وقال جل ذكره إن اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلِّ خَوَّان كَفُور(2)فانظر أينا أولى بهذه الآية(3).
وفي جواب الإمام علي بن الحسين هذا ما يقطع جهيزة كل متنطع لتصويب عرض المسور بن مخرمة، فهو لم يخش عبد الملك بن مروان ولا
سلطته، وهو هو في عتوه وجبروته.
وثالثاً : لنرى ثالثة الأثافي، وتلك هي فرية المسور في قوله: إن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل على فاطمة (سلام الله علیها)، فسمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذٍ محتلم فقال: إن فاطمة بضعة مني... الخ.
ألا مسائل: ما هو الربط في هذه الرواية بين قصة طلبه السيف وبين قصة الخطبة المزعومة؟
والجواب هو ما أربك شراح صحيح البخاري فصالوا وجالوا، ليوافقوا بين القصتين فلم يوفقوا.
وللطرافة ننقل للقارئ بعض ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري حيث قال: وقال الكرماني: مناسبة ذكر المسور لقصة خطبة بنت أبي جهل عند طلبه للسيف من جهة أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يحترز عما يوجب التكدير بين الأقرباء، أي فكذلك ينبغي أن تعطيني السيف حتى لا يحصل بينك وبين أقربائك كدورة بسببه، أو كما أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يراعي جانب بني عمه العبشميين فأنت أيضاً راع جانب بني عمك النوفليين، لأن المسور نوفلي(1).
أقول: هكذا قال، والصحيح أن المسور زهري لا نوفلي .
ثم قال: أو كما أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يحب
1) فتح الباري 22/7.
رفاهية خاطر فاطمة (سلام الله علیها) فأنا أيضاً أحب رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها، فاعطني السيف حتى أحفظه لك.
قلت -والقائل هو ابن حجر -: وهذا الأخير هو المعتمد، وما قبله ظاهر التكلف، وسأذكر إشكالا يتعلق بذلك في كتاب المناقب إن شاء الله تعالى .
أقول: وما ذكره في كتاب المناقب ليس إلا تعليقة على الحديث الثاني في شرح قوله صلى الله عليه [وآله] وسلم: «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني». فقال: وهو طرف من صفة خطبة علي ابنة أبي جهل، وسيأتي مطولا في ترجمة أبي العاص بن الربيع قريبا. وهذا ليس فيه أي إشكال.
وأما ما ذكره في كتاب المناقب أيضاً في ترجمة أبي العاص بن الربيع وهو الحديث الثالث كما مرَّ ، فقد قال: وإنما خطب النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ليشيع الحكم المذكور بين الناس ويأخذوا به، إما على سبيل الإيجاب، وإما على سبيل الأولوية، وغفل الشريف المرتضى عن هذه النكتة فزعم أن هذا الحديث موضوع، لأنه من رواية المسور وكان فيه انحراف عن علي، وجاء من رواية ابن الزبير وهو أشد من ذلك، وردَّ كلامه بإطباق أصحاب الصحيح على تخريجه! انتهى ما عند ابن حجر وهو خلاصة ما سطر(1).
1) فتح الباري 87/8 .
ألا على العقول العفا إن كان هذا الرد الباهت يصلح لرد قول الشريف المرتضى، وكم في تلكم الكتب من أخبار موضوعة وقد نقدوها سندا ودلالة، وابن حجر نفسه في مقدمة شرحه التي سماها (هدى الساري) ذكر شواهد كثيرة لا يسع المقام ذكرها فلتراجع.
ثم كأن ما أورده أصحاب الصحيح أنزل من اللوح المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولو أنصف ابن حجر نفسه قبل إنصافه الشريف المرتضى فلم يذكر ردّه الذي هو غاية ما عنده، لكان به أولى وعليه أبقى.
ثم إنه أطال الكلام في الاختلاف في اسم المخطوبة من بنات أبي جهل، كما أطال في شرح قوله : (حدثني فصدقني)، ولم يأت بطائل.
ورابعاً: نعود إلى قول المسور: فسمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم.
وهذا من أكاذيبه التي أربكت شرَّاح الصحيح أيضاً فقالوا وقالوا، وإلى القارئ بعض ما قالوا:
قال ابن سيد الناس: هذا غلط ، والصواب ما وقع عند الإسماعيلي بلفظ كالمحتلم!!
قال: والمسور لم يحتلم في حياة النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، لأنه ولد بعد ابن الزبير، فيكون عمره عند وفاة النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ثمان سنين...
ثم قال ابن حجر: قلت: كذا جزم به وفيه نظر، فإن الصحيح أن ابن الزبير ولد في السنة الأولى، فيكون عمره عند الوفاة النبوية تسع سنين، فيجوز أن يكون احتلم في أول سني الإمكان! أو يحتمل قوله: (محتلم) على المبالغة والمراد التشبيه، فتلتئم الروايتان، وإلا فابن ثمان سنين لا يقال له محتلم ولا كالمحتلم، إلا أن يريد بالتشبيه أنه كان كالمحتلم في الحذق والفهم والحفظ، والله أعلم(1).
فانظر بربك إلى هذا التمحل الفاسد، في توجيه كلام المسور المعاند ، فهل تجد له في كلام أبناء آدم من شاهد؟
هذا ما يتعلق بأول حديث رواه البخاري، أما حديثه الثاني فليس فيه ما يستدعي المناقشة والوقوف عنده، وإنما هو جزء من الحديث الأول.
وأما الحديث الثالث وفيه قال المسور: إن عليا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل.
أقول : ومن قول فاطمة (سلام الله علیها) لأبيها يظهر أن الأذى كان قد لحق ببنات النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قبلها من أزواجهن فلم يغضب لهن، حتى ذكرت له زعم قومه أنه لا يغضب لبناته مستثيرة فيه غيرته وحميته وشفقته.
1) فتح الباري 241/11.
وإذا صح زعم المسور في ذلك فالنقد يتوجه إلى أصهار النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم عدا أبي العاص الذي خصه البخاري بالعنوان وذكره المسور في حديثه، فلا يبقى إذن سوى عثمان الذي كانت عنده أم كلثوم ورقية وماتنا عنده، وإليه يتوجه النقد، فهل شعر المسور بذلك؟ وهل يقبله وهو الذي كان مع عثمان كما مرَّ؟ ولعل من أجل هذا أعرض شراح الصحيح عن شرح هذه الجملة من حديثه، خصوصاً الحافظ ابن حجر الذي تخطّى ذلك إلى شرح جملة (وهذا علي ناكح بنت أبي جهل)، فقال: وفي رواية الطبراني عن أبي زرعة عن أبي اليمان (وهذا علي ناكحا) بالنصب، وكذا عند مسلم من هذا الوجه. أطلقت عليه اسم ناكح مجازاً باعتبار ما كان قصد يفعل... واختلف في اسم ابنة أبي جهل...
فاستعرض الأقوال في اسمها، ولا يعنينا تحقيق ذلك كثيراً الآن...
إلى أن قال في شرح قوله : (حدثني فصدقني) لعله كان شرط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، وكذلك علي، فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن عليا نسي ذلك الشرط، فلذلك أقدم على الخطبة، أو لم يقع عليه شرط، إذ لم يصرح بالشرط، لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر، فلذلك وقعت المعاتبة، وكان النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قل أن يواجه أحداً بما يعاب به، ولعله إنما جهر بمعاتبة علي مبالغة في رضا فاطمة (سلام الله علیها)، وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ تأخر من بنات النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم غيرها، وكانت أُصيبت بعد أمها
بأخوتها، فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها.
هذا ما قاله أشهر شراح الصحيح إن لم يكن أعلمهم، فاقرأ ذلك واحكم عليه بما تقتضيه شريعة الإنصاف دون اعتساف.
ولنعد إلى فقرات الحديث لنقارن بينها وبين ما مرَّ عنه في الحديث الأول في تحقيق النص الذي سمعه من النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، فسنجد بينهما من التفاوت ما يدعو إلى الريبة في الأمر، حتى في الصحيح، لاتفاق سند الحديثين من الزهري إلى المسور، وإنما ذكر البخاري الحديث الأول عن محمد بن عمرو بن طلحة عن الزهري، والحديث الثاني ذكره عن شعيب عن الزهري، ثم قال: وزاد محمد بن عمرو بن طلحة...الخ، فذكر بعضاً من تلك الزيادة خصوصاً جملة: (وإني لست أحرم حلالاً، ولا أحلّ حراماً)، فراجع الحديث وقارن بينهما بدقة، لترى مدى التفاوت متناً مع اتحاد السند، وأنه لأمر مريب!
وأما الحديث الرابع فنلاحظ عليه:
أولاً: غرابة العنوان الذي جعله البخاري للباب الذي أورد الحديث فيه ولم يورد فيه غيره، فراجع.
ثانياً : أنه ذكره بسنده عن الليث عن ابن أبي مليكة عن المسور، بينما أخرجه الترمذي عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير، وذكر الاختلاف فيه، ثم قال: يحتمل أن يكون ابن أبي مليكة حمله عنهما جميعا.
قال الحافظ ابن حجر بعد ترجيحه رواية الليث عن ابن أبي مليكة، لكونه توبع من رواية عمرو بن دينار وغيره، ولكون الحديث قد جاء عن المسور من غير رواية ابن أبي مليكة، فقد تقدم في فرض الخمس(1)وفي المناقب(2)من طريق الزهري عن علي بن الحسين بن علي عن المسور، وزاد فيه في الخمس قصة سيف النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، وذلك سبب تحديث المسور لعلي بن الحسين بهذا الحديث، وقد ذكرت - والكلام لابن حجر - ما يتعلق بقصة السيف عنه هناك.
ولا أزال أتعجب من المسور كيف بالغ في تعصبه لعلي بن الحسين حتى قال: إنه لو أودع عنده السيف لما مكّن أحداً منه حتى تزهق روحه رعاية لكونه ابن ابن فاطمة محتجاً بحديث الباب، ولم يراع خاطره في أن ظاهر سياق الحديث المذكور غضاضة على علي بن الحسين، لما فيه من إيهام الغض من جده علي بن أبي طالب، حيث أقدم على خطبة بنت أبي جهل على فاطمة، حتى اقتضى أن يقع من النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم في ذلك من الإنكار ما وقع!!
بل أتعجب من المسور تعجباً آخر غير ذلك، وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة، وما بذل نفسه دون ابن فاطمة نفسه أعني الحسين والد علي الذي وقعت له معه القصة حتى قتل بأيدي ظلمة الولاة !!
لكن يحتمل أن يكون عذره أن الحسين لما خرج إلى العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أن أمره يؤول إلى ما آل إليه والله أعلم. انتهى كلام ابن حجر.
أقول: وليس فيما ذكره الحافظ ابن حجر من اختلاف السند، ولا تعجبه أولاً وثانيا - على ما فيهما من نقد لاذع للمسور - ولا في احتمال تعذيره على وهنه ما يدعونا إلى إطالة البحث فيه والتحقيق معه ، ولكن هلّم الخطب في ثالثة الأثافي كما يقولون:
ثالثاً : قال المسور: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول وهو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن... إلى آخر ما مر.
فهل لنا أن نسأل من البخاري ورجاله حتى المسور عن اختلاف سبب الخطبة، وقد مرَّ في الحديث الأول أن عليا خطب بنت أبي جهل، فسمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يخطب... الخ.
وفي الحديث الثالث أن عليا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل. فقام رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فسمعته حين تشهد يقول.. الخ.
ويمكن الجمع بين الحديثين بتوحيد السبب في خطبة النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، أما في الحديث الرابع الذي نحن بصدده، فقد جاء أن
السبب هو استئذان بني هشام بن المغيرة في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فسمعه المسور يقول: فلا آذن ثم لا آذن، ثم لا آذن... الخ.
أما الحديث الخامس فهو جزء من الحديث الرابع، إلا أن البخاري أغرب في وضعه تحت عنوان ليس فيه أية دلالة على المعنون، فقد أورده في كتاب الطلاق في باب الشقاق، وهل يشير بالخلع عند الضرورة، وقوله تعالى وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا الآية ... ثم لم يورد غيره في ذلك وهذا ما أربك شراح الصحيح، وإلى القارئ ما قاله وحكاه عنهم ابن حجر:
قال بعد كلام في الآية ومعناها: ثم ذكر - أي البخاري - طرفاً من حديث المسور في خطبة علي بنت أبي جهل، وقد تقدمت الإشارة إليه في النكاح، واعترضه ابن التين بأنه ليس فيه دلالة على ما ترجم به، ونقل ابن بطال قبله عن المهلب قال: إنما حاول البخاري بإيراده أن يجعل قول النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: (فلا آذن) خلعاً، ولا يقوى ذلك، لأنه قال في الخبر: (إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي)، فدل على الطلاق، فإن أراد أن يستدل بالطلاق على الخلع فهو ضعيف، وإنما يؤخذ فيه الحكم يقطع الذرائع(1).
وقال ابن المنير في الحاشية: يمكن أن يؤخذ من كونه صلى الله عليه
1) فتح الباري 323/11.
[وآله] وسلم أشار بقوله: (فلا آذن) إلى أن عليا يترك الخطبة، فإذا ساغ جواز الإشارة بعدم النكاح التحق به جواز الإشارة بقطع النكاح.
وقال الكرماني: تؤخذ مطابقة الترجمة من كون فاطمة ما كانت ترضى بذلك، فكان الشقاق بينها وبين علي متوقعاً، فأراد صلى الله عليه [وآله] وسلم دفع وقوعه بمنع علي من ذلك بطريق الإيماء والإشارة، وهي مناسبة جيدة.
وإلى هنا ننهي ما نقلناه عن ابن حجر، ولا نعقب بقليل أو كثير على تلك الأقوال التي لا يخفى تنطع أصحابها وسماجتها...
والعجب من الحافظ ابن حجر وهو على ما عنده من المعرفة كيف يذكرها ولا يعقب عليها بنقد، وكأنه قد ارتضاها، وهي كما ترى.
والآن وقد انتهينا من النظر في أحاديث البخاري الخمسة، وهي أوصال متقطعة لحديث واحد رواه المسور بن مخرمة... نعود فنسأل المسور ورواة حديثه وحتى أصحاب الصحاح ومن أخرجه عنه، ثلاثة أسئلة تفرض نفسها:
السؤال الأول: ما بال علي يخطب ابنة أبي جهل؟ وهو الذي يعلم بعداوة أبي جهل للإسلام ونبيه حتى قتل ببدر كافراً، وعلي نفسه قد قتل من بني هشام بن المغيرة في يوم بدر ويوم أحد عشرة، ثمانية منهم ببدر، وتاسعهم كان حليفاً لهم، وعاشرهم قتله يوم أحد، وهم:
1 - هشام بن أبي أمية بن المغيرة.
2 - مسعود بن أبي أمية بن المغيرة.
3 - أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة.
4 - حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة.
5 - المنذر بن أبي حذيفة بن المغيرة.
6 - عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، قال ابن حزم في الجمهرة: وكان بنو مخزوم قد ألبسوه لامة أبي جهل ليخفوا مكان أبي جهل، فقتله علي(1).
7 - حاجب بن السائب بن عويمر بن عمرو بن عائذ.
8 - أبو قيس بن الوليد بن المغيرة.
كما قتل من حلفائهم في ذلك اليوم أيضاً:
9 - حرملة بن عمرو كما في سيرة ابن هشام.
وقتل في يوم أحد منهم :
10 - أبا أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة أخا حذيفة الذي قتله ببدر.
فهؤلاء عشرة ممن عثرت على أسمائهم، وربما فاتني غيرهم وإن اختلفت الأقوال في بعضهم.
فما باله يخطب من أناس وترهم بآبائهم وإخوانهم، وهو يعلم بوغر صدورهم لما لهم عنده من ترات لم يطفئ الإسلام إوار الحقد من صدورهم، وهم كبقية قريش إنما كانوا يبغضون عليا لأنه قتل منهم سبعين
1) الجمهرة 143/1.
رجلاً كأن وجوههم سيوف الذهب على حد قول عثمان بن عفان(1).
ثم ما باله يخطبها من رجل سبق له أن أراد قتله يوم فتح مكة فاستجار بأخته أم هاني، وهو الحارث بن هشام كما في حديث سويد بن غفلة وسيأتي، فأجارته أم هاني، فدخل عليه علي وقد شهر سيفه يريد قتله، فمنعته أم هاني من ذلك كما منعته من قتل جميع من استجار بها، وقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في ذلك: قد أجرنا من أجارته أم هاني.
ثم ما الذي أغراه بها؟ علو النسب أو كمال الحسب؟ مع أنها لم تكن بتلك الحسناء، بل وصفوها بأنها العوراء، ولو شاء الزواج لم يتزوج بنت عمه الحمزة أسد الله وأسد رسوله؟ وهو الذي كان أشار على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالزواج منها فقال له: أراك تتوق إلى نساء قريش، فهل لك في ابنة حمزة بن عبد المطلب أجمل فتاة في قريش؟ فقال: يا علي أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة، فإن الله حرَّم من الرضاعة ما حرَّم من النسب...(2).
فهذه تفوق بنت أبي جهل حسبا ونسبا وجمالا وكمالا، وهي لم تكن ممن يحرم عليه نكاحها.
السؤال الثاني: ما بال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يغضبه خطبة علي لابنة أبي جهل، لأن ذلك يسيء إلى فاطمة (سلام الله علیها)، بينما نجده يغضب لعلي لا عليه
حينما أخبره أربعة من الصحابة أن عليا اصطفى جارية من السبي عندما أرسله إلى اليمن، فشكوه في المسجد الواحد تلو الآخر على ملأ من المسلمين، فغضب (صلی الله علیه و آله و سلم) عليهم ، وحتى أبد بعضهم بنظره - أي نظر إليه نظراً حاداً -، ثم قال: « لا تؤذوني في علي، لا تشكوا عليا، إن عليا منى وأنا من علي »، وقال: « من آذى عليا فقد آذاني... » إلى آخر ما قال، وقد مرَّ ذكر ذلك قبل هذا في شرح قول سيدنا الناظم :
وفضلُكَ السَّامي بذا قد عُرِفا *** وكلُّ مَنْ آذَاكَ آدَى المصطفى
فهل أن اصطفاء علي (علیه السّلام) الجارية من السبي لم يبلغ فاطمة (سلام الله علیها) أو بلغها ولم يستها ذلك، لأنها لا تغار منها؟
السؤال الثالث: ما بال المسور وأضرابه لم يسموا لنا تلك المخطوبة المحظوظة بهوى علي فيها، فتركوا أصحاب الحديث والتاريخ والأنساب يخبطون خبط العشواء، فسمَّاها مصعب الزبيري (جويرية)، فقال في كتابه نسب قريش: وكان علي بن أبي طالب قد خطب جويرية بنت أبي جهل قبل عتّاب، وهم بنكاحها ، فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وقال: إني لأكره أن تجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدو الله. فتركها علي، وتزوجها عتاب(1).
وسمَّاها ابن حزم في الجمهرة (الحنفاء)، فقال: وولد أيضاً أبو جهل (الحنفاء)، أراد علي أن يتزوجها، فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه
1) نسب قريش، ص 12.
[وآله] وسلم فتزوجها عتاب بن أسيد(1).
وسمَّاها البلاذري في أنساب الأشراف (العوراء)(2)، ونسب ذلك إلى تسمية النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم لها بذلك، ولما لم يكن لأبي جهل من تسمى بذلك فلا بد أن يكون ذلك نبزاً لها.
وقد تقدمت الإشارة إلى أن ابن حجر ذكر الاختلاف في اسمها في فتح الباري(3)، فزاد على ما مرَّ (الجيفاء)، نقلا عن الطبري وابن السكيت وغيرهما، وقيل: اسمها (جميلة) نقلا عن شيخه ابن الملقن.
فلماذا هذا الاختلاف وبنات أبي جهل كما في كتب الأنساب أربع.
وإليك أسماءهن وأسماء أزواجهن نقلا عن نسب مصعب الزبيري المتوفى سنة 236هـ ، فهو أقرب زماناً وهوى إلى المسور وأضرابه من رواة تلك الأسطورة.
قال: وكان لأبي جهل أربع بنات: صخرة والحنفاء وأسماء وجويرية، وأمهن أروى بنت أبي العيص.
1 - كانت الحنفاء بنت أبي جهل عند سهيل بن عمرو بن عبد شمس العامري.
2 - وكانت أسماء بنت أبي جهل عند الوليد بن عبد شمس بن
المغيرة المخزومي، فولدت له أم عبد الله بنت الوليد، تزوج أم عبد الله بنت الوليد عثمان بن عفان، فولدت له الوليد وسعيد ابني عثمان بن عفان(1).
3 - وكانت جويرية بنت أبي جهل عند عتاب بن أسيد بن أبي العيص...
قال مصعب : وكان علي بن أبي طالب قد خطب جويرية بنت أبي جهل قبل عتاب، وهم بنكاحها، فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وقال: إني لأكره أن تجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدو الله . فتركها علي وتزوجها عتاب، فولدت له عبد الرحمن بن عتاب، قتل يوم الجمل، ووقف عليه علي فقال: هذا يعسوب قريش، جدعت أنفي، وشقيت نفسي(2).
1) فهل كان زواج عثمان بها بعد موت ابنتي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ والجواب عند المسور وأضرابه، لكن ما رواه من قول فاطمة (سلام الله علیها) لأبيها: (يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك) يأبى ذلك... راجع ما مرَّ في الكلام عن الحديث الثالث عند البخاري، فثمة إشارة إلى ما يتعلق بالمقام.
2) يا لله من قوم لا يستحيون من الكذب، أهكذا تبلغ القحة بهم أن يرووا ذلك، يترجمون عبد الرحمن بن عتاب ويذكرون ولادته في آخر حياة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فيكون عمره يوم قتل 26 سنة، فهل يعقل أن يقول علي ذلك في إنسان حاربه مع أعدائه، ولم يكن له في تاريخ قريش على اختلاف بيوتاتهم وأيام صولاتهم مقام مشهود ولا مقال محمود، ثم يصفه بأنه يعسوب قريش واليعسوب هو سيد النحل وأميره.. فبماذا استحق منه هذا التقريض؟ ولماذا منه كل هذا التفجع والتوجع المزعوم؟ ولعل قحة قائلهم تبلغ به فيزعم أن مبعث ذلك هو حنين نفسه إلى أمه. وليعلم القارئ أن جويرية هذه هي التي سبق لها أن قالت يوم فتح مكة وقد سمعت الأذان على ظهر الكعبة: قد لعمري رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلي، والله لا نحب من قتل الأحبة أبداً. روى ذلك الواقدي في مغازيه 846/2. فعلي (علیه السّلام) هو أبرز من قتل الأحبة كما مرَّ، وقد بينت أسماء من قتلهم من قومها، فراجع.
والآن بعد أن بينا زيف المسور في روايته، نعود فنذكر القارئ مرة أخرى بما مرَّ منا سابقاً في أول ذكر الرواة، فنقول: حَدَث بتلك المثابة من الأهمية يُغضب فاطمة (سلام الله علیها)، ويغضب أبوها لغضبها، فيخرج إلى المسجد ويخطب الناس في ذلك إلى آخر ما مر في حديث المسور، ثم لا يرويه من الصحابة الحضور من مهاجرين وأنصار إلا المسور، مع توفر الدواعي إلى نقله خصوصاً عند شانتي علي (علیه السّلام)... إن ذلك لعجيب!!
ولو كان الحدث بحذافيره كما يرويه المسور في حديثه، لرواه المخالف قبل المؤالف، وهذا ليس كفضائله التي أخفاها أولياؤه خوفاً وأعداؤه حسدا، ومع ذلك شاع من بين ذين وذين ما ملأ الخافقين.
إذن ليس من المعقول تصديق المسور في جميع زعمه لتلك القصة بكامل تفاصيلها كما رواها وحده دون بقية الناس الذين خطبهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، اللهم لا يقبل ذلك منه .
والسؤال الآن الذي يفرض نفسه: هل أن القصة مفتعلة أساساً، أم لها نصيب من الصحة ولو كان ضعيفاً؟؟ إذ ليس من المقبول عقلاً أن يكون المسور على ما هو عليه من البغض والشنان يختلق قصة موهومة من عالم الخيال، فيذيعها لتكون حقيقة ثابتة وهي ليس لها أساس... لا يعقل
ذلك، إذ لا يوجد دخان من دون نار، ولا بد من منشأ انتزاع.
إذن ما هو الواقع في ذلك؟؟
هذا ما يجب أن نبحث عنه بصبر وأناة في مختلف المصادر الحديثية والتاريخية والنسبية، وقد بحثت فيما وصلت إليه يدي فلم أجد سوى حديث يرويه سويد بن غفلة أخرجه الحاكم في المستدرك، وفيه ما يمكن أن يجعل أساسا لتلك القصة، وإليك الحديث بنصه:
قال الحاكم: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، أخبرني أبي عن الشعبي عن سويد بن غفلة، قال: خطب علي ابنة أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقال: أعن حسبها تسألني؟ قال علي: قد أعلم ما حسبها، ولكن أتأمرني بها؟ فقال: لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا وأنها تحزن أو تجزع. فقال علي: لا آتي شيئاً تكرهه... هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة(1).
أقول: هذا الحديث لا يخلو (أولاً) سنده من مناقشة في رجاله، ويكفي وجود الشعبي الذي كان ممالاً لبني أمية، ومرَّ بيان حاله فيما سبق، ولا حاجة إلى إعادته(2).
والراوي عنه زكريا بن أبي زائدة كان يدلس(1).
و (ثانياً) هو حديث منقطع الإسناد، لأن سويد بن غفلة وإن كان معدوداً من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، إلا أنه لم يسمع من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حديثه . ولذلك عقب الذهبي على تصحيح الحاكم فقال: مرسل قوي... إلى أن قال: فالعجب من الحاكم كيف صححه؟!
أقول : إذا كان في ذلك ما يبعث على العجب، فماذا يقول الذهبي في موافقة شرَّاح البخاري كابن حجر(2)والقسطلاني(3)والعيني(4)للحاكم في تصحيحه؟
وأعجب العجب أن الذهبي نفسه روى هذا الحديث في سير أعلام النبلاء ولم يعقب عليه بشيء!(5)
و (ثالثاً) فيه من التهافت الظاهر ما ينبغي الالتفات إليه، وذلك في قول سويد: خطب علي ابنة أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، وقوله: فاستشار علي النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم... فأي معنى لاستشارة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعد الخطبة ؟ ولو كان العكس لصح ذلك منه.
ومع ذلك كله فبقية الحديث من قوله: (فاستشار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم))... إلى آخره هي أساس ما نسج حوله الرواة كالمسور وأضرابه، وهي في نفس الوقت تنفي وقوع الخطبة من علي، كما تنفي خطبة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في الناس على المنبر معلناً غضبه... فيكون الحديث بكل بساطة خاطرة خطرت لعلي، فاستشار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مستأذناً ، وقال: أتأمرني بذلك؟ فقال: لا... فقال علي: لا آتي شيئا تكرهه.
وبهذا المعنى ردَّ ابن عباس على عمر في محاورة جرت بينهما في حديث الخلافة أشار فيها إلى هذا المعنى، والمحاورة طويلة جاء فيها:
قال عمر: يا بن عباس إن صاحبكم إذا ولي هذا الأمر زهد، ولكن أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به، فليتني أراكم بعدي!
فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إن صاحبنا من قد علمت والله (غير) ما تقول، إنه ما غير ولا بدل، ولا أسخط رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أيام صحبته له...
قال - ابن عباس - فقطع على الكلام، فقال: ولا في ابنة أبي جهل لما أراد أن يخطبها على فاطمة؟
قلت: قال الله تعالى في معصية آدم (علیه السّلام) وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وصاحبنا لم يعزم على سخط رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، ولكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه، وربما كانت من الفقيه في دين الله، العالم العامل بأمر الله.
فقال: یا ابن عباس من ظن أنه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظنَّ عجزاً، أستغفر الله لي ولك، خذ في غيرها... الخ(1).
ومع ذلك فقد روى الهيثمي في مجمع الزوائد نقلا عن الطبراني في معاجمه الثلاثة... والبزار باختصار. وفيه عبيد الله بن تمام وهو ضعيف(2)، كما أخرجه العقيلي في الضعفاء في ترجمة عبيد الله بن تمام. وقال ابن حجر في لسان الميزان: ضعفه الدارقطني وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، روى أحاديث منكرة. وقال الساجي: كذاب يحدث بمناكير(3).
وذكره ابن الجارود والعقيلي، وأورد له عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس: أن عليا خطب بنت أبي جهل، فبعث إليه النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: إن كنت متزوجاً فرد علينا بنتنا.
أقول : فحديث يرويه عبيد الله بن تمام الذي مرَّ حاله، وينتهي سنده إلى عكرمة الخارجي الكذاب الذي حبسه علي بن عبد الله بن عباس على
1) هذه المحاورة رواها الزبير بن بكار في كتابه الأخبار الموفقيات، وأخرجها عنه السيوطي في كتابه جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 53/7 الطبعة الأولى بحيدر آباد، والمتقي الهندي في منتخب الكنز بهامش مسند أحمد 229/5. ولكنها لا توجد في المطبوع من الموفقيات أخيراً بتحقيق الدكتور سامي مكي العاني، فهي مما يستدرك عليه مما فاته استدراكه فيما ذكر في آخر النسخة المطبوعة.
2) مجمع الزوائد 203/9 .
3) لسان الميزان 97/4.
باب الكنيف، لأنه كان يكذب على أبيه، وحديث كذبه شائع ذائع حتى إن ابن عمر حدر غلامه أن يكذب عليه كما كذب عكرمة على ابن عباس، وقد أكذبه آخرون، مضافا إلى أنه كان خارجيا يبغض الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فهل يمكن أن نصدق أن ابن عباس روى ذلك؟
وثمة حديث آخر وهو موضوع، لأنه أشد تعفناً مما سبق، حيث رووا عن علي نفسه إقراره بموجدة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) منه لذلك، واستشفاعه بأبي بكر...
إلى غير ذلك مما يستبطن كذبه في سياق ما رواه المتقي الهندي في كنز العمال(1)عن الحارث عن علي، قال: لما خطبت بنت أبي جهل بن هشام وجد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) موجدة، فرأيت في وجهه، فخرجت إلى أبي بكر فأخذت بیده، فأدخلته على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فلما رأى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أبا بكر مقبلاً تهلل وجه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فرحاً، فقلت: يا رسول الله رأيت في وجهك ما أكره، فلما نظرت إلى أبي بكر تهلل وجهك إليه فرحاً! فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): ما يمنعني أن تهلل وجهي إلى أبي بكر فرحاً، وأبو بكر أول الناس إسلاماً، وأقدمهم إيماناً ، وأطولهم سمتاً، وأكثرهم مناقب، رفيقي في الهجرة إلى المدينة، وأنيسي في وحشة الغار، ومن بعد ذلك ضجيعي في قبري، كيف لا يتهلل وجهي إلى أبي بكر فرحاً؟ (الزوزني).
ولا تعليق لنا على ذلك إلا تنبيه القارئ على مدى العبث في
1) كنز العمال 158/14 برقم 338 حیدر آباد.
التاريخ، والمغالات في صياغة الشخصية المحبوبة عند النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، والنزعة الخفية في التفضيل، وأن أبا بكر هو الأنموذج الأمثل للصحابة.
ألا سخنت عيون البكرية ما أشد غباءهم، فما داموا استمرؤوا الكذب، كيف فاتهم أن يضيفوا إلى هذه الحبكة المفتعلة جملة (وهو خليفتي من بعدي) لتتم لهم الحجة، ولكنهم فيما يبدو رأوا سقوط أبي بكر في حمأة الحيرة المملة التي عاناها حين سأله الأعرابي وقال له: أنت خليفة رسول الله؟ فقال : لا. فقال: فما أنت؟ قال: أنا الخالفة بعده. فلم يذكروا له ذلك ما دام أبو بكر قال نفسه عن هو الخالفة، والخالفة كما قال ابن الأثير الذي لا غناء ولا خير فيه. وإنما قال ذلك تواضعاً.
وطبيعي أن يقول ذلك أبو بكر، فهو أعرف بنفسه من غيره، ولأنه يعلم ذلك من نفسه، كما أنه نفسه، كما أنه من الطبيعي أن يقول ذلك ابن الأثير، ويقوله جميع البكريين معه، الذين هم أكثر بكرية من أبي بكر -على مقولة: (ملكيون أكثر من الملك) -.
ولكن ما يصنع ابن الأثير وأضرابه وتفسير قوله تعالى فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ، والمفسرون قالوا: فلان خالفة أهل بيته إذا كان فاسداً فيهم، من خلوف فم الصائم. فعلى هذا يكون المعنى فاقعدوا مع الفاسدين(1).
وخفف بعضهم تلك اللهجة الحادة في تفسير الخالف، فجعل معناه
1) تفسير القرطبي 218/8.
قلة الخير والحمق. قال أبو هلال العسكري في كتابه الأوائل: وأما الخلافة - بالفتح - فالحمق وقلة الخير، رجل خالف(1).
وقال أبو زيد: يعني من لا خير فيه من المنافقين.
ومهما يكن مراد أبي بكر في قوله: (أنا الخالفة) فإن البكرية لم يجعلوه في حديثهم السابق خليفة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولكن هلم الخطب في جعلهم له أول الناس إسلاماً وأقدمهم إيماناً، وهذا عين ما قاله رسول الله لابنته فاطمة (سلام الله علیها): زوجتك أقدم أمتي سلماً ، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً(2).
وتلكم عائشة ابنة أبي بكر تقول في خطبتها بعد الجمل: وأبي رابع أربعة من المسلمين(3).
أما سعد بن أبي وقاص - أحد العشرة المبشرة - فيقول لابنه محمد وقد سأله: أكان أبو بكر أولكم إسلاماً؟ فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين، ولكن كان أفضلنا إسلاماً(4).
وأخيراً كيف يصدق عاقل بما رواه البكريون آنفاً عن علي (علیه السّلام)، من
موجدة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عليه، مع أنه القائل كما في نهج البلاغة في خطبة له يصف مقامه عند الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم): و ما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل(1).
أليست خطبته بنت أبي جهل خطلة في فعل؟ كيف يصدق ذلك مسلم، حاشا لله إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ(2).
بقيت بعض الأحاديث تلتقي في مؤداها مع حديث المسور من غضب فاطمة (سلام الله علیها) بسبب الغيرة أيضاً، ولكن لم تكن المرأة التي تاقت نفس علي إليها هي ابنة أبي جهل، وإنما هي حرة وأمة:
1 - أما الحرة فهي أسماء بنت عميس... وحديثها أخرجه الطبراني في معجمه الكبير(3)، وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد(4)، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، في إسناده من لم أعرفه .
إذن لا يهمنا بيان حال إسناده فلننظر إلى متنه...
قالت أسماء: خطبني علي، فبلغ ذلك فاطمة فأتت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقالت: إن أسماء متزوجة عليا، فقال رسول الله صلى
الله عليه [وآله] وسلم: ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله.
فنقول: إن أسماء كانت أولاً عند جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه، فلما كانت غزاة مؤتة سنة ثمان من الهجرة في جمادى الأولى أو الآخرة قتل فيها جعفر، فتزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر وبعد يوم حنين كما عن عمر بن شبة في مكة، وحكاه ابن حجر في الإصابة في ترجمة أسماء، فإن غزاة حنين كانت في شوال سنة ثمان من الهجرة، والرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) خرج إليها لست خلون من شوال، وانتهى إلى حنين في عاشره(1).
فيكون بين الوقعتين أربعة أشهر وأيام هي بمقدار عدة المرأة المتوفى عنها زوجها، ويعني ذلك أن أبا بكر تزوج أسماء عند خروجها من العدة، وعلى هذا دل ما ذكره ابن كثير في سيرته، قال:
ورثت أسماء بنت عميس زوجها - جعفراً - بقصيدة تقول فيها:
فاليتُ لا تنفكُّ نفسي حزينةً *** عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فللهِ عينا مَنْ رأى مثلَه فتى *** أكَر وأحمى في الهياجِ وأصبرا
ثم لم تنشب أن انقضت عدتها، فخطبها أبو بكر الصديق (رضی الله عنه) فتزوجها، فأولم وجاء الناس للوليمة، فكان فيهم علي بن أبي طالب، فلما ذهب الناس استأذن علي أبا بكر (رضی الله عنه) في أن يكلم أسماء من وراء الستر فأذن له، فلما اقترب من الستر نفحه ريح طيبها، فقال لها علي - على وجه البسط -: من القائلة في شعرها:
1) السيرة النبوية لابن كثير 610/3 .
فاليتُ لا تنفك نفسي حزينةً *** عليكَ ولا ينفك جلدي أغبرا
قالت: دعنا منك يا أبا الحسن، فإنك امرؤ فيك دعابة(1).
على أن هناك ما يحمل على الشك بصحة ما رواه ابن كثير، فقد نسب الزمخشري في ربيع الأبرار البيت المذكور إلى عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل(2)، قالته في رثاء زوجها عبد الله بن أبي بكر، ثم خطبها عمر ، فلما أولم بها قال عبد الرحمن بن أبي بكر : يا أمير المؤمنين أتأذن أن أدخل رأسي على عاتكة؟ فأدخل رأسه فقال:
آليتُ لا تنفك عيني قريرةً *** عليك ولا ينفك جلدي أصفرا
فنشجت نشيجاً عالياً، فقال عمر: ما أردت إلا هذا غفر الله لك.
وهذا الجواب منها ينفي خطبة علي لها، لأن خطبته لها لو كانت لا بد أن تكون قبل خطبة أبي بكر، لأن أبا بكر مات عنها سنة 13 من الهجرة، يعني بعد موت فاطمة بثلاث سنين، فلا بد أن يفترض أن خطبة علي لها كانت قبل خطبة أبي بكر لها، فكان عليها أن تجيبه بعد عتابه لها على تناسيها رثائها لأخيه جعفر: أنت أولى مني بالعتاب، ألم تسبق إلي بالخطبة. ولأشارت إلى ما نسب إليها من زعم أن عليا خطبها ، وقول فاطمة (سلام الله علیها) لأبيها وقول أبيها (صلی الله علیه و آله و سلم): ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله... لا أن يكون جوابها: دعنا منك يا أبا الحسن، فإنك امرؤ فيك دعابة.
2 - وأما الأمة فهي جارية أعطاها له أبو بكر، وحديثها أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال: أعطى أبو بكر عليا جارية، فدخلت أم أيمن على فاطمة فرأت فيها شيئاً كرهته، فقالت: مالك؟ فلم تخبرها . فقالت: مالك.. فو الله ما كان أبوك يكتمني شيئاً.. فقالت: جارية أعطوها أبا حسن فخرجت أم أيمن فنادت على باب البيت الذي فيه علي بأعلى صوتها : أما رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يحفظ في أهله؟ فقال: ما هذا الصوت؟ فقالوا: أم أيمن تقول: أما رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يحفظ في أهله. فقال علي: وما ذاك؟ قالت: جارية بعث بها إليك.. فقال علي: الجارية لفاطمة(1).
فهذا الحديث يرويه ابن عيينة، وهو ممن رمي بالاختلاط كما في كتاب الاعتباط لسبط ابن العجمي(2)، كما ذكره من المدلسين في كتابه الآخر (التبيين لأسماء المدرّسين)، وابن عيينة يرويه عن عمرو بن دينار، وهذا أيضاً من المجروحين كما في كتاب المجروحين لابن حبان، قال: ممن كان ينفرد بالموضوعات عن الأثبات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. وسئل ابن معين عنه فقال: ليس بشيء... مضافاً إلى أنه كان يُعرف بقهرمان آل الزبير، فمن كان كذلك هل يقبل حديثه؟(3)
على أن في نفس حديثه ما يدل على كذبه، وذلك أن فاطمة (سلام الله علیها) التي لم تبق بعد أبيها سوى أيام أو شهور لم تزد على ستة أشهر ثم ماتت (سلام الله علیها)، وكان علي معها في محنتها، ولم يبايع أبا بكر ما دامت فاطمة حية... وقالوا: لم يحضر جمعة ولا جماعة مع القوم إلى أن ماتت فاطمة (سلام الله علیها) ، فانصرفت وجوه الناس عنه، فبايع هو كما بايع معه العباس وبنوه وجماعة بني هاشم وبقية الفئات المعارضة التي اتخذت منه ملجأ يلجؤون إليه وسنداً يستندون عليه.
فهل يعقل أن أبا بكر يبعث إليه بجارية ويقبل ذلك علي (علیه السّلام) منه وهو بعد لم يزل ساخطاً لما جرى معه ومع فاطمة (سلام الله علیها) من بعد النبي؟
ولو سلمنا ذلك فهل أن عليا نسي ما مرَّ له في حياة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من استشارته في أمر ابنة أبي جهل، وأن ذلك يسيء إلى فاطمة، فقال: لا أفعل شيئاً تكرهه. ثم ها هو الآن يقبل الجارية، ويقيم معها، حتى تنكر ذلك عليه أم أيمن!!
ثم ما بال علي (علیه السّلام) وبنيه لم يتبينوا تلك الكراهية من فاطمة (سلام الله علیها) وهم يعيشون معها في البيت، وتبيَّنتها أم أيمن التي كانت في بيت غير بيتها؟! دون من كان يزورها من نساء المهاجرين والأنصار، وحتى أسماء بنت عميس التي كانت تمرضها .
كل ذلك يوحي باختلاق الحديث، ولا نستبعده من عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير الذي قال فيه ابن حبان: كان ينفرد بالموضوعات عن
الأثبات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب..
وما يدرينا لعل عبد الرزاق إنما كتب حديثه في كتابه (المصنف) على ذلك الوجه.
ثم اعلم أيها القارئ الكريم أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أعطى عليا يوم حنين جارية يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة(1)، فلا يخلو إما أن يكون ذلك يغيظ فاطمة (سلام الله علیها) أو لا يغيظها ، فإن كان يغيظها فلم فعله النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ وإن كان لا يغيظها فما الفرق بين ريطة وغيرها من النساء، سواء كانت زوجة أو جارية بملك اليمين، وكلتاهما بحكم الضرائر عند النساء؟
على أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد دافع عن الإمام في اصطفائه الجارية حينما بعثه إلى اليمن وشكاه بريدة كما في البخاري في كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما قبل حجة الوداع، في الحديث الثاني من الباب بسنده عن بريدة رضي الله عنه، قال: بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عليا إلى خالد ليقبض الخمس ، وكنت أبغض عليا وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ذكرت له، فقال: يا بريدة أتبغض عليَّا؟ فقلت: نعم. فقال: لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك.
أقول: فما بال التسري لا يغيظ فاطمة (سلام الله علیها) إذا بلغها؟ ويغيظها إذا كان تزويجاً؟
1) السيرة النبوية لابن كثير 671/2.
ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى أن الحديث السابق عن البخاري رواه غيره بأوسع وأوضح مما ذكره، فراجع فتح الباري في شرح الحديث المذكور(1).
لقد مرَّ بنا مراراً تذكير القارئ بأن الأمويين عمدوا إلى كثير من فضائل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فجعلوا مثلها للخلفاء الآخرين، ولا ننس ما ذكره المدائني من كتب معاوية إلى عماله ببراءة الذمة ممن روى في فضل علي شيئا.
ثم كتابه يأمرهم فيه بوضع الحديث في فضائل الشيخين.
ثم كتابه يأمرهم فيه بوضع الحديث في فضائل عثمان.
ولما كان عثمان لم يحمد في مصاهرته للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد أساء صحبة زوجته أم كلثوم ابنة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فلما ماتت في شعبان سنة تسع من الهجرة فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب، وقيل: غسلها نسوة من الأنصار فيهن أم عطية.
قال ابن كثير: وهذا ثابت في الصحيحين، وثبت في الحديث أيضاً أنه (علیه السّلام) لما صلى عليها وأراد دفنها قال: (لا يدخله أحد قارف الليلة أهله)، فامتنع زوجها لذلك، ودفنها أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه.
وقال ابن كثير: (ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك
1) فتح الباري 128/9 .
ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبي عبيدة وأبي طلحة ومن شابههم، فقال: لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء)، إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هذا بعيد، والله أعلم(1).
وفي شرح المواهب اللدنية للزرقاني تحقيق لا غنى عن مراجعته ، فليراجع(2).
أقول: ومن البلية أن نجد بين علماء التبرير من هم عثمانيون أكثر من عثمان، فهذا ابن كثير يذكر هذا الاحتمال البارد الكاسد، ويريد أن يغمض عيون الناس، فلا ينظروا إلى قبح مقارفة عثمان.
ومن جناية ابن كثير على الحديث وخيانته أنه لم يذكره كما ورد في صحيح البخاري الذي اعتمده وصحيح مسلم في ذكر وفاة أم كلثوم، وإلى القارئ ما ذكره البخاري في صحيحه في الجنائز، باب يعذب الميت ببكاء أهله، وباب من يدخل قبر المرأة، بسنده إلى أنس بن مالك، قال: شهدنا بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ورسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة (زيد ابن سهل الأنصاري): أنا . قال: فانزل في قبرها. قال: فنزل في قبرها فقبرها . قال ابن مبارك: قال فليح: أراه يعني الذنب.
قال أبو عبد الله - هو البخاري : ليقترفوا ليكتسبوا(1).
أقول: وهذا أخرجه أحمد أيضاً في مسنده(2)، وابن سعد في الطبقات في ترجمة أم كلثوم(3)، والحاكم في المستدرك(4)، والبيهقي في السنن الكبرى(5)، وابن حجر في الإصابة(6)، والسهيلي في الروض الأنف(7)وكثير من المصادر، حتى لم تخل منه كتب اللغة، كنهاية ابن الأثير، ولسان العرب، وتاج العروس(8).
ولشرَّاح صحيح البخاري وغيرهم في هذا الحديث تشريق وتغريب عجيب في تبرئة ساحة عثمان من مغبة معنى المقارفة. على أن جماعة من أعلام الحفاظ قد فسَّروا المقارفة بالذنب صراحة. فقد مر عن فليح قوله: أراه يعني الذنب.
ومرَّ في تعقيب البخاري بقوله: (ليقترفوا: ليكتسبوا) إشارة إلى قوله تعالى وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ كما فهمه ابن حجر في فتح
الباري(1)، وإلى قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ. وجاء في مسند أحمد قول سريج: يعني ذنباً.
وقال الخطابي : لم يقارف معناه لم يذنب(2).
ولعل أجرأ من وقفت على كلامه في تفسيره المقارفة تصريحا لا تلويحا هو ابن بطال، قال: أراد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يحرم عثمان النزول في قبرها، وقد كان أحق الناس بذلك، لأنه كان بعلها، وفقد منها علقا لا عوض منه، لأنه حين قال (صلی الله علیه و آله و سلم): (أيكم لم يقارف الليلة) سكت عثمان ولم يقل: أنا. لأنه كان قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه، فلم يشغله الهم بالمصيبة وانقطاع صهره من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن المقارفة ، فحرم بذلك ما كان حقاً له، وكان أولى به من أبي طلحة وغيره، وهذا بين في معنى الحديث. ولعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد كان علم بذلك بالوحي فلم يقل له شيئاً، لأنه فعل فعلاً حلالاً، غير أن المصيبة لم تبلغ منه مبلغاً يشغله، حتى حرم ما حرم من ذلك بتعريض غير تصريح، والله أعلم(3).
وزاد العيني في عمدة القارئ على ابن بطال أن جمع بين قوله وقول الخطابي - وقد مرَّ - وأدان عثمان في تلذذه بالرفث إلى جارية(4).
وهذا الحديث الذي فيه إدانة عثمان حتى حرم من حق الدفن الذي
كان هو الأولى به من أبي طلحة، وعلم المسلمون المشيعون يومئذ بذلك، كيف لا يحاول الأمويون وأنصارهم إذ لم يمكن تضييعه فلا أقل من تمييعه ولو عن طريق علماء التبرير في مستقبل الزمان ، وقد مرَّ بنا كلام ابن كثير البارد الكاسد.
إذن فليجتهد الأمويون ومن لف لفهم من بقية أعداء الإمام في خلق حدث أكبر يدينون به الإمام، فكان حديث خطبة ابنة أبي جهل، وقد مرَّ بنا كيف حال رواته، وكلهم من زبانية الأمويين وأعداء الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
ولنختم الكلام بما قاله ابن أبي الحديد المعتزلي أصولاً والحنفي فروعا في شرح النهج، قال:
وعندي أن هذا الخبر لو صح لم يكن على أمير المؤمنين فيه غضاضة ولا قدح، لأن الأمة مجمعة على أنه لو نكح ابنة أبي جهل مضافاً إلى نكاح فاطمة (سلام الله علیها) لجاز، لأنه داخل تحت عموم الآية المبيحة للنساء الأربع، فابنة أبي جهل المشار إليها كانت مسلمة، لأن هذه القصة كانت بعد فتح مكة وإسلام أهلها طوعاً وكرهاً، ورواة الخبر يوافقون على ذلك.
فلم يبق إلا أنه إن كان هذا الخبر صحيحاً فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما رأى فاطمة قد غارت، وأدركها ما يدرك النساء، عاتب عليا (علیه السّلام) عتاب الأهل، كما يستثبت الوالد رأي الولد، ويستعطفه إلى رضا أهله وصلح زوجته. ولعل الواقع كان بعض هذا الكلام، فحرف وزيد فيه.
ولو تأملت أحوال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع زوجاته، وما كان يجري بينه وبينهن من الغضب تارة والصلح تارة أخرى، والسخط تارة والرضا أخرى، حتى بلغ الأمر إلى الطلاق مرة، وإلى الإيلاء مرة، وإلى الهجر مرة والقطيعة مرة، وتدبَّرت ما ورد في الروايات الصحيحة مما كن يلقينه (علیه السّلام) به ويسمعنه إياه، لعلمت أن الذي عاب الحسدة والشانتون عليا (علیه السّلام) به بالنسبة إلى تلك الأحوال قطرة من البحر المحيط.
ولو لم يكن إلا قصة مارية وما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين تينك الامرأتين من الأحوال والأقوال، حتى أُنزل فيهما قرآن يُتلى في المحاريب ويُكتب في الصحائف، وقيل لهما ما يقال للإسكندر ملك الدنيا لو كان حيًّا منابذاً لرسول الله صلى الله عليه وآله: وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ، ثم أردف بعد ذلك بالوعيد والتخويف عَسَى رَبُّهُ إِن طَلْقَكُنَّ الآيات بتمامها. ثم ضرب لهما مثلاً امرأة نوح وامرأة لوط اللتان خانتا بعليهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا، وتمام الآية معلوم. فهل ما روي في الخبر من تغضب فاطمة على علي (علیهما السّلام) وغيرتها من تعريض بني المغيرة له بنكاح عقيلتهم إذا قويس إلى هذه الأحوال وغيرها مما كان يجري إلا كنسبة التأفيف إلى حرب البسوس، ولكن صاحب الهوى والعصبية لا علاج له(1).
هذا آخر ما أردت بيانه حول نسيج الأفاكين الذين حاولوا الغض
1) شرح نهج البلاغة 329/1 ط مصر الأولى.
من مقام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأنه أذى فاطمة (سلام الله علیها) وأساء إليها، تارة لخطبة ابنة أبي جهل، وأخرى بخطبة أسماء بنت عميس، وثالثة بجارية بعث بها إليه أبو بكر ... ولكن كشفنا عوارهم، وزدنا أوارهم، وإن أغضب ذلك أنصارهم، انتصاراً للحق المهضوم، ودحضاً للباطل المزعوم. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ.
108 - وفَاطمٌ أَفضَلُ أفرادِ البَشَرُ *** بَعْدَ أبيها ثم بَعْلُها الأَغَرْ
109 - سيدة النِّساءِ فاطمٌ أَتَتْ *** صِدِّيقَةٌ طَاهِرة قد عُصِمَتْ
أشار قدس سره إلى تفضيل الزهراء (سلام الله علیها) على جميع أفراد البشر ، إلا من استثنى، وهما أبوها وبعلها. كما أشار إلى أنها سيدة النساء، وأنها الصدِّيقة، وأنها الطاهرة، وأنها المعصومة، فجمع بين خمس فضائل من خصائصها (سلام الله علیها)، وبيان ذلك كما يلي:
الفضيلة الأولى : تفضيلها على سائر أفراد البشر ذكوراً وإناثاً من الأولين والآخرين.
وذلك لقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): « فاطمة بضعة مني » مما صح عنه قوله، وتواتر نقله، وأخرجه الحفاظ من أئمة الفريقين، بل لم يشك فيه أحد من المسلمين، وبه تمسك القائلون بالتفضيل كما سيأتي عرض كلامهم.
فمن كانت بضعة من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سيد الأولين والآخرين من الأنبياء
والمرسلين، فضلا عمن سواهم من العالمين، فلا غرابة في تفضيلها على من سواها إلا من استثني، فالبضعة . وهي القطعة - بحكم كونها جزءاً منه، فلها مثل ما له من المقام في الشرف والرفعة على سائر الناس سوى ما كان من خصائص النبوة، وهذا مما لا شك فيه، لأنها فرع منه ولا يرقى الفرع إلى جميع مراتب الأصل في الفضل.
أما عن أفضلية زوجها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) علیها ، فمن نافلة القول الخوض في ذلك بعد أن كان هو إمامها، ولا بد أن يفضل على المأموم، وإن اشتركا في كثير من الفضائل، بل بدءاً من حديث أصل الخلقة، فالنبي وهما ابناهما خلقوا من نور واحد، وقد مر ذكر ذلك في أوائل الكتاب، فراجع(1). ومروراً بما اشتركوا فيه مع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الخصائص التي اختصهم الله بها، كآية التطهير، وآية المباهلة، وآية المودة، وسورة (هل أتى)... وغير ذلك، مضافاً إلى الأحاديث النبوية التي شركهم وشاركهم فيها (صلی الله علیه و آله و سلم)، كأقواله:
1- «أنا حرب لمن حاربكم، وسلّم لمن سالمكم»(2)، وفي لفظ آخر :
1) أخرج أحاديث الخلقة من نور واحد: الإمام أحمد في مناقب الإمام، وابن عساكر في التاريخ (ترجمة الإمام) 135/1 - 137 ، وابن المغازلي المالكي في المناقب، ص 87، والخوارزمي الحنفي في المناقب، ص 88 ، والحمويني في فرائد السمطين، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب... وغيرهم وغيرهم، فراجع.
2) المستدرك على الصحيحين للحاكم 149/3. صحيح ابن حبان 434/15 موارد الظمآن 1008/2 ط مؤسسة الرسالة سنة 1414هـ . مجمع الزوائد 169/9. مسند أحمد 442/2. المصنف لابن أبي شيبة 381/6 ط دار الكتب العلمية سنة 1416هـ.
إني حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم(1).
2 - « إني وإياك وهذا النائم - يعني عليا - وهما - يعني الحسن والحسين - لفي مكان واحد يوم القيامة »(2).
3 - عن علي مرفوعا: إن أول من يدخل الجنة أنا (وأنت) وفاطمة والحسن والحسين، قلت: يا رسول الله فمحبونا؟ قال: من ورائكم(3).
4 - أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين يوم القيامة في قبة تحت العرش(4).
5 - في الجنة درجة تدعى الوسيلة، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة، قالوا: يا رسول الله من يسكن معك فيها؟ قال: علي وفاطمة والحسن والحسين(5).
إلى غير ذلك مما اشتركوا فيه من الفضائل، واختصوا به من
1) مصابيح السنة للبغوي 206/2 . المعجم الكبير للطبراني 184/5.
2) المستدرك للحاكم 137/3 ، وتلخيصه للذهبي، وقد صححاه. مسند أحمد 101/1. أسد الغابة 523/5. مجمع الزوائد 171/9. کنز العمال 213/12 ط حيد آباد (الثانية) نقلاً عن عن الطبراني من حديث علي وأبي سعيد. المعجم الكبير للطبراني 405/22 ، 406.
3) المستدرك للحاكم 151/3 ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ذخائر العقبی، ص 123 ، وقال: أخرجه أبو سعد.
4) مجمع الزوائد 184/9 . وقال : رواه الطبراني.
5) كنز العمال 89/13 ط حید آباد (الثانية). تفسير القرآن العظيم 53/2 عن ابن مردويه .
الخصائص، فالبحث في ذلك نافلة من غير طائل.
على أنه ورد في كل من الزوجين الطاهرين من الحديث ما يزيل الفوارق ويزيد الحقائق، ولا يدع مجالاً للخوض في مسألة المفاضلة، مع وضوح المشابهة والمماثلة.
فلئن جاء في حق الزهراء (سلام الله علیها): «فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها» ونحوه(1). فقد جاء في حق علي (علیه السّلام): علي مني بمنزلة رأسي من جسدي(2).
وفيه: من أحب عليَّا فقد أحبني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن آذى عليا فقد آذاني، ومن أذاني فقد آذى الله.
ولئن قال في حقها (سلام الله علیها): فاطمة سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين(3)، وسيدة نساء أهل الجنة(4).
فلقد قال في حق علي (علیه السّلام): إنه سيّد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين(5).
1) صحیح مسلم: فضائل الصحابة، في باب فضائل فاطمة (سلام الله علیها). سنن الترمذي في فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم.
2) ذخائر العقبى، ص 63 .
3) المستدرك للحاكم 156/3 .
4) نفس المصدر 151/3 . سنن الترمذي، باب فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم. وغيرهما.
5) المستدرك 138/3. تاریخ ابن عساکر (ترجمة الإمام) 258/2.
وقال فيه أيضاً: أنت سيد في الدنيا سيّد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي(1).
وقال فيه: «إنه سيّد العرب» كما روته عائشة(2).
ولئن قال في حقها (سلام الله علیها): فاطمة روحي التي بين جنبي(3).
وقال فيها أيضاً: منوط لحمها بدمي ولحمي(4).
فقد قال في حق علي (علیه السّلام): هذا أخي وابن عمي وختني، لحمي ودمي وشعري، هذا أبو السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، هذا مفرج الكروب عني، هذا أسد الله وسيفه في أرضه على أعدائه، على مبغضيه لعنة الله ولعنة اللاعنين، والله منه بريء، فمن أحب أن يبرأ من الله ومني فليبرأ من علي، وليبلغ الشاهد الغائب(5).
وهكذا نجد كثيراً من الأحاديث المتشابهة في حق كل من الزوجين الكريمين، حتى إنه (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يترك أي مجال للخوض في مسألة التفاضل ،
وذلك حين سأله الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): أيما أحب إليك أنا أم فاطمة؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): فاطمة أحب إلي منك، وأنت أعزّ عليَّ منها(1).
وأكد ذلك فيما يرويه ابن عباس رضي الله عنه، قال: دخل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على علي وفاطمة وهما يضحكان، فلما رأيا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سكتا، فقال لهما النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): ما لكما كنتما تضحكان، فلما رأيتماني سكتما؟ فبادرت فاطمة فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال هذا: أنا أحب إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) منك، فقلت : بل أنا أحب إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) منك . فتبسم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): وقال : يا بنيَّة، لك رقّة الولد، وعلي أعز عليَّ منك(2).
وبعد هذه الجولة بين الأحاديث النبوية الدالة على اشتراكهما في الفضائل، فلا يحق لنا أن نفضل أحدهما على الآخر إلا في جانب واحد اختص به الإمام أمير المؤمنين كسائر خصائصه الخاصة، ومنها موضوع (الإمامة)، فهو إمامها، والإمام أفضل من المأموم.
الفضيلة الثانية كونها سيدة نساء العالمين.
وهذا مما تواتر معناه، وتضافر فحواه، من الأحاديث النبوية التي اختلفت ألفاظها واتحدت معانيها، وتعددت صورها لتعدد راويها، وهي
فيما أحصيت - ولا أدعي الاستقراء التام - قد بلغت عشرين صورة، وإليك عرضها بإيجاز:
1 - فاطمة سيّدة نساء العالمين: عن ابن عباس وعائشة وبريدة الأسلمي وعمران بن حصين وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجابر بن سمرة، كلهم رووه مرفوعا عنه (صلی الله علیه و آله و سلم).
والحديث برواية عائشة: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء المؤمنين، وسيدة نساء هذه الأمة(1).
وبرواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: فاطمة سيدة نساء العالمين بعد مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد(2).
وهكذا في أحاديث بقية الصحابة. وتجد أحاديثهم في المصادر التالية:
1 - طبقات ابن سعد 27/8 ط دار صادر، بیروت.
2 - الاستيعاب في ترجمتها (سلام الله علیها)، 1894/4 ط دار الجيل ، بيروت سنة 1412هـ.
3 - الإصابة في ترجمتها (سلام الله علیها)، 266/8 ط دار الكتب العلمية، بيروت سنة 1415هـ.
4 - أسد الغابة: في ترجمتها (سلام الله علیها).
5 - تفسير القرطبي 83/4 .
6 - السنن الكبرى للنسائي 251/4 ، 147/5 ط دار الكتب العلمية سنة 1411هـ.
7 - الدر المنثور للسيوطي 23/2.
8 - مسند الطيالسي، ص 197.
9 - خصائص النسائي، ص 35 .
10- حلية الأولياء 39/2.
11- مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي 156/3 وقد صححاه.
12 - مشكل الآثار للطحاوي 51/1 .
13 - المعتصر لأبي المحاسن الحنفي 247/2.
14- الخصائص الكبرى للسيوطي 360/3.
15 - ذخائر العقبى، ص 42.
16- الشرف المؤبد للنبهاني، ص 54.
17 - مصابيح السنة للبغوي 204/2.
18 - فضائل فاطمة لابن شاهين (مخطوط).
19 - مشارق الأنوار للحمزاوي.
وغيرها.
2- فاطمة سيدة نساء هل الجنة: عن علي وفاطمة وابن عباس وأم سلمة وعائشة وحذيفة وأبي سعيد الخدري وغيرهم، رفعوه عنه (صلی الله علیه و آله و سلم)،
وتجد أحاديثهم في المصادر التالية:
1 - صحيح البخاري 29/5 ط بولاق.
2 - فتح الباري 106/8 .
3 - إرشاد الساري .
4 - عمدة القاري.
5 - تفسير الطبري 264/3ط مصر سنة 1373هـ.
6 - تفسير القرطبي 83/4 .
7 - تفسير السيوطي 264/3.
8 - سنن الترمذي 701/5 .
9 - مسند أحمد 391/5 .
10 - جمع الفوائد للروداني 364/2 .
11 - مصابيح السنة للبغوي 208/2 .
12 - خصائص النسائي، ص 33 .
13 - الخصائص الكبرى للسيوطي 178/3 ، 360 .
14 - مشكاة المصابيح للتبريزي 255/3 ط دمشق.
15 - مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي 151/3.
16 - حلية الأولياء 190/4.
17 - الصواعق المحرقة، ص 114 ط الميمنية.
18 - تاريخ ابن كثير 60/2 ، 61 .
19 - الاستيعاب: في ترجمتها (سلام الله علیها).
وغيرها وغيرها.
3 - سيدة نساء المؤمنين:
عن عائشة ، وتجد حديثها في المصادر التالية:
1 - صحيح البخاري 29/5 ط بولاق.
2 - صحیح مسلم 249/2 ط بولاق. وشرحيه للنووي والآبي.
3 - سنن ابن ماجة 518/1 ط سنة 1372هـ.
4 - مسند أحمد 282/6.
5 - مصابيح السنة 205/2.
6 - مشكاة المصابيح 255/3 .
7 - جمع الفوائد 363/2 .
8 - مشكل الآثار 49/1 .
9 - خصائص النسائي، ص 34 .
10 - الخصائص الكبرى للسيوطي 360/3 .
11 - تهذيب تاریخ ابن عساكر 299/1.
12 - الصواعق المحرقة، ص 114 ط الميمنية.
13 - الثغور الباسمة للسيوطي (نسخة مخطوطة).
14 - الدرة اليتيمة للميرغني (نسخة مخطوطة).
وغيرها وغيرها.
4 - سيدة نساء هذه الأمة:
عن عائشة، وتجد حديثها في المصادر التالية:
1- صحيح البخاري 1978/4 ، كتاب الاستئذان، باب 43 ، ط المكتبة العصرية، بيروت سنة 1417هـ.
2 - صحیح مسلم 249/2 ط بولاق وشرحيه للنووي والآبي.
3 - سنن ابن ماجة 518/1 بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
4 - مسند أحمد 282/6 .
5 - مشكل الآثار 49/1 .
6 - الاستيعاب 1894/4 في ترجمتها (سلام الله علیها).
7 - مسند الطيالسي ، ص 197 في أحاديث النساء،.
8 - خصائص النسائي، ص 34 - 35 .
9 - الخصائص الكبرى للسيوطي 361/3 .
10 - جمع الفوائد 363/2 .
11 - تهذيب تاریخ ابن عساکر 299/1 .
12 - مستدرك الحاكم 156/3 .
13 - المعجم الكبير للطبراني 419/22.
14 - السنن الكبرى للنسائي 252/4، 146/5.
15 - الطبقات الكبرى لابن سعد 248/2 ، 27/8 .
16- فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 762/2.
وغيرها وغيرها.
5 - سيدة نساء أمتى:
عن أبي هريرة، وتجد حديثه في المصادر التالية:
1 - مجمع الزوائد 201/9 ، وقال : رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن مروان الذهلي، ووثقه ابن حبان.
2 - خصائص النسائي، ص 34 .
3 - السنن الكبرى للنسائي 146/5 .
4 - سير أعلام النبلاء 92/2.
5 - إسعاف الراغبين (بهامش مشارق الأنوار للحمزاوي، ص 162).
6 - المعجم الكبير للطبراني 403/22 ، 416.
7 - التاريخ الكبير للبخاري 132/1.
8 - تهذيب الكمال 391/26.
6- سيدة نساء عالَمِك:
عن عمران بن الحصين، وحديثه تجده في المصادر التالية:
1 - مشكل الآثار للطحاوي 50/1.
2 - سير أعلام النبلاء 91/2 .
3 - الثغور الباسمة للسيوطي (مخطوط).
4 - ذخائر العقبى، ص 43.
5 - حلية الأولياء 42/2.
6 - الاستيعاب 1895/4 في ترجمتها (سلام الله علیها).
7 - معتصر المختصر 247/2 ط عالم الكتب ببيروت، ومكتبة المتنبي بالقاهرة.
7- خير نساء عالمها:
عن عروة رفعه تجده في المصادر التالية:
1 - المطالب العالية لابن حجر 68/4. ذكر أنه في مسند الحارث وقال: هذا مرسل صحيح الإسناد.
2 - السيرة الدحلانية (بهامش السيرة الحلبية 6/2).
3 - الخصائص الكبرى للسيوطي 178/3.
4 - فيض القدير 432/3 .
8 - خير نسائها:
عن علي ، وحديثه تجده في المصدرين التاليين:
1 - المطالب العالية 68/4 .
2 - الخصائص الكبرى للسيوطي 178/3.
9 - خير نسائكم:
عن ابن مسعود، وحديثه تجده في المصدرين التاليين:
1 - تاريخ بغداد 391/4.
2 - كنز العمال 102/12 ط مؤسسة الرسالة ببيروت، سنة 1399هـ. وقال: أخرجه ابن عساكر عن ابن مسعود.
10 - أما إنها سيدة النساء يوم القيامة:
عن جابر بن سمرة كما في حلية الأولياء 42/2.
هذه عشرة أحاديث خصتها بالسيادة والأفضلية، وهناك عشرة أخرى شركت بينها وبين ثلاث من النساء كان لهن من الفضل والجلالة، بحق ما كان منهن من الرعاية والكفالة لأصحاب النبوة والرسالة، وهن حسب التسلسل الزمني: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خویلد.
وفي جميع هذه العشرة ورد حصر الفضل والكمال بأربع، مما ينبئ عن أن الخير والسيادة فيهن لا في غيرهن، وذلك الحصر دليل على سمو الانتقاء وعلو الاصطفاء، ولنقرأ ما يلي:
1 - عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أربعة خطوط، ثم قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى
الله عليه [وآله] وسلم، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم . الحديث.
وهذا الحديث أخرجه الحفاظ وأئمة الحديث بأسانيد صحيحة ، فراجع:
1 - مسند أحمد بن حنبل 293/1، 316 ، 322 .
2 - المعجم الكبير للطبراني 266/11 ، 339/22 ط الثانية.
3 - مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي 497/2 ، 160/3. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرطهما ولم يخرجاه. وقد صححه الذهبي أيضاً.
4 - مجمع الزوائد 223/9. وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجالهم رجال الصحيح.
5 - مشكل الآثار للطحاوي 50/1.
6 - المعتصر لأبي المحاسن الحنفي 247/2.
7 - فتح الباري 258/7. وقال: أخرجه ابن حبان وأحمد وأبو يعلى والطبراني وأبو داود في كتاب الزهد، والحاكم قال: وله شاهد من حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني، ولأحمد في حديث أبي سعيد.
وقال أيضا في ص 282: وعند النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس: أفضل نساء أهل الجنة: خديجة وفاطمة ومريم وآسية.
8 - تهذيب التهذيب 441/12.
9 - الاستيعاب /750/2ط حیدر آباد، 277/4 ، 365 بهامش الإصابة.
10 - الإصابة 366/4 .
11 - أسد الغابة 437/5 .
12 - تفسير ابن كثير 394/4 في سورة التحريم.
13 - تفسير السيوطى في السورة المذكورة.
14 - ذخائر العقبى، ص 42 .
15 - ينابيع المودة، ص 172، 173.
وغيرهم وغيرهم.
2 - حسبك ، بحسبك ، حسبكم، من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم.
عن جابر وأنس وأبي هريرة والحسن رفعوه. وأحاديثهم تجدها في المصادر التالية:
1 - المصنف لابن أبي شيبة 134/12 ط باكستان.
2 - مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي 157/3 ، 158 .
3 - سير أعلام النبلاء للذهبي 86/2، 92 وقال: وصحح الترمذي
هذا ، وهو... ثم ذكر الحديث بدون لفظ (أربع).
4 - مجمع الزوائد 223/9 .
5 - تفسير الرازي 670/2 ط دار الطباعة العامرة في الأستانة.
6 - مناقب ابن المغازلي المالكي، ص 291 ط دار الأضواء ببيروت سنة 1412هـ ، ص223 منشورات دار مكتبة الحياة في بيروت.
7 - كفاية الطالب، ص 263 .
وورد هذا الحديث بدون لفظ (أربع) في المصادر التالية:
1 - سنن الترمذي 703/5. وقال: هذا حديث صحيح.
2 - المعجم الكبير للطبراني 7/23 .
3 - الجامع الصغير للسيوطي 369/1 ط بولاق.
4 - مسند أحمد 135/3 .
5 - حلية الأولياء 344/2 .
6 - تفسير ابن كثير 362/1 .
7 - صحيح ابن حبان 464/15.
8 - المستدرك للحاكم 172/3. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
9 - الأحاديث المختارة 23/7.
10 - مشكل الآثار 50/1.
11 - المصنف لعبد الرزاق 430/11 .
12 - فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 755/2، 760 .
13 - مسند أبي يعلى 115/3 ط دار الكتب العلمية في بيروت سنة 1418هـ.
14 - شرح ثلاثيات أحمد 511/2 .
15 - ذخائر المواريث، ص 43 .
16 - الفصول المهمة، ص 127.
17 - تفسیر تنوير الأذهان 240/1.
18 - مصابيح السنة للبغوي 210/2 .
19 - تحفة الأحوذي 389/10 .
20 - ينابيع المودة، ص 169 نقلا عن الترمذي، وص 198.
وغيرها وغيرها.
3 - خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وآسية بنت مزاحم .
رواه أنس وأبو هريرة وغيرهما، والحديث تجده في المصادر التالية:
1 - الاستيعاب 750/2 ط حیدر آباد، 176/4، 365 بهامش الإصابة، ط مصطفى محمد .
2 - الإصابة 366/4 .
3 - تهذيب التهذيب 441/9 .
4 - تاريخ بغداد 404/9.
5 - تفسير الطبري 397/6.
6 - الجامع الصغير للسيوطي 629/1 ، ورمز له بالصحة. ط دار الفكر في بيروت، سنة 1401هـ.
7 - كنز العمال 127/13 .
8 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 284/5 .
9 - ينابيع المودة، ص 173، 184.
10 - ذخائر المواريث، ص 44.
11 - تفسير البحر المحيط 456/2.
وورد هذا الحديث بدون ذكر لفظ (أربع) في موارد الظمآن بزوائد
ابن حيان، ص 549. وسير أعلام النبلاء للذهبي 86/2، 92.
4- أفضل نساء العالمين أربع: مريم بنت مزاحم، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم.
رواه أنس بن مالك، وحديثه في الاستيعاب 277/2 بهامش الإصابة. وذكر النووي في تهذيب الأسماء واللغات 341/2 نقلا عن مسند أبي يعلى بإسناد حسن عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: أفضل نساء أهل الجنة
خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.
وهو عين ما تقدم نقله عن ابن حجر في الفتح 282/7 حيث قال: وعند النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس: أفضل نساء أهل الجنة... الخ. وهو الذي نقله السيوطي في الدر المنثور 23/2، وقال: أخرجه الحاكم وصححه.
5 - سادات أهل الجنة أربع: فاطمة ومريم وخديجة وآسية.
عن أبي سعيد الخدري ، وحديثه أخرجه الحافظ الزرندي في نظم درر السمطين، ص 178 ط النجف.
6 - سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم وفاطمة وخديجة وآسية.
عن عائشة، وحديثها مروي في المصادر التالية:
1 - مستدرك الحاكم 185/3، وتلخيصه للذهبي.
2 - الجامع الصغير للسيوطي 19/2.
3 - كنز العمال 127/13.
4 - الفصول المهمة لابن الصباغ الصفاقسي المالكي، ص 148 ط حجرية سنة 1303هـ.
5 - فيض القدير للمناوي 124/4.
6 - التيسير للمناوي أيضاً 65/2.
7 - السراج المنير للعزيزي 353/2 .
8 - نور الأبصار ، ص 41 ط الميمنية سنة 1312هـ.
9 - مقتل الحسين للخوارزمي 25/1.
وروى الحديث الطبراني في معجمه الكبير 328/12، 7/23 بسنده عن ابن عباس، وليس فيه لفظ (أربع) ، وكذا في تنوير الأذهان 240/1، وأشار في الهامش إلى أن الحاكم أخرجه بلفظ: سيدات نساء أهل الجنة أربع...
7 - أربع نسوة سادات عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، أفضلهن عالماً فاطمة .
عن ابن عباس، وحديثه مروي في المصادر التالية:
1 - الدر المنثور للسيوطي 23/2.
2 - كنز العمال 128/13 .
3 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 284/5 .
4 - فتح القدير للشوكاني 309/1.
5 - سير أعلام النبلاء 91/2.
6 - نظم درر السمطين للزرندي، ص 178.
7 - ذخائر المواريث، ص 44 .
8 - سيدات نساء العالمين أربع: فاطمة وخديجة وآسية ومريم بنت عمران .
رواه أبو إسحاق الاسفرايني في كتابه التبصير، ص 110. وقال محققه محمد زاهد الكوثري: وبمعناه عند الطبراني في الأوسط وغيره. (راجع الطبعة الأولى سنة 1359هـ ، نشر محمد عزت العطار).
9 - إن الله اصطفى على نساء العالمين أربعة: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم .
عن أنس، وأخرج حديثه ابن مردويه ، وعنه رواه السيوطي في الدر المنشور 23/2 .
10 - إن الله اختار من الأيام أربعة، ومن الشهور أربعة ومن النساء أربعاً... وساق الحديث إلى أن قال: وأما النساء فمريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إيماناً بالله ورسوله، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفاطمة بنت محمد سيدة نساء أهل الجنة.
عن ابن مسعود، وحديثه في مقتل الحسين للخوارزمي 25/1.
هذه عشرة أحاديث صرح فيها بذكر العدد (أربع) مع بيان المعدود، تلتقي مع تلك العشرة السابقة التي حصرت بها المعدود دون العدد، فيكون
محصل العشرين جميعاً على اختلاف ألفاظها، وتعدد رواتها، وكثرة مصادرها، أن النساء الأربع المذكورات بأسمائهن، المصرح بأعيانهن، هن أفضل النساء جميعا من الأولين والآخرين، بل وحتى من الحور العين، كما أفاد غير واحد، منهم المناوي، فقد قال في كتابه فيض القدير: (فائدة) ذكره - يعني حديث ابن عباس: أفضل نساء أهل الجنة ... الخ . بأن هؤلاء الأربعة أفضل حتى من الحور العين، ولو قال: (النساء) لتوهم أن المراد نساء الدنيا فقط(1).
وبالتالي تكون المفاضلة بينهن على حد كلام آخر للمناوي أيضاً في كتابه الآخر (التيسير) عقب به على الحديث المذكور، فقال: والثانية والثالثة - يعني خديجة وفاطمة (علیهما السّلام)- أفضل من الأولى - يعني بها مريم - والرابعة - الهلاهما يعني بها آسية بنت مزاحم - والأولى أفضل من الآخيرة، والأصح تفضيل الثالثة. اهـ(2).
وقبل الخوض في تفصيل موضوع المفاضلة بين النساء الأربع المذكورات في جميع ما مر من الأحاديث العشرين وغيرها، أود تنبيه القارئ إلى حديثين وردا في هذا الباب، إلا أن الأيادي الأثيمة شوهتهما بالتحريف، إمعاناً في النَّصب، وإيغالاً في الكذب، وجرأة على حريم الأحاديث النبوية، وهما:
الأول: ما أخرجه السيوطي في الجامع الصغير قبل ذكره حديث
سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم وفاطمة وخديجة وآسية (ك) عن عائشة، قال: سيدة نساء المؤمنين فلانة، وخديجة بنت خويلد أول نساء المسلمين إسلاماً (ع) عن حذيفة بإسناد حسن(1).
هذا هو الحديث الأول الذي اعتدت على حريمه كذبة الرواة، فنسبوا إلى الرسول الكريم ما لم يقله، فقولوه وتقولوا عليه أنه قال: (فلانة)، ولا شك أن الرسول الكريم (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يقل ذلك، بل أفصح عنها وسماها كما سمى خديجة بنت خويلد وأطراها بقوله: «أول نساء المسلمين إسلاماً»، وأنها - بلا ريب - مثلها فضلا ومقاما.
فيا هل ترى كيف يعقل أنه يكتم اسم من هي كخديجة في الفضل والسيادة؟!
فإذا كان لم يرد ذكرها لم يذكرها لا كناية ولا تصريحا. وإذا كان أراد ذكرها فلماذا كنَّى عنها ولم يصرح باسمها ؟!
إذن فاحتمال أن يكون لفظ الحديث وصل إلينا كما قاله (صلی الله علیه و آله و سلم) احتمال واه، ولا بد أن يكون فيه الكتمان غير المستساغ، والكناية غير المستحبة إنما كان من وضع الرواة، ولقد صدق القائل في مقولته: (وما آفة الأخبار إلا رواتها).
ومهما كان عذرهم أو الاعتذار عنهم بأنه نسيان من غير قصد، أو تناس متعمَّد كما هو واقع في كثير من الأحاديث، وربما تنبه بعضهم إلى
1) الجامع الصغير 19/2 ط بولاق.
الخلل، فبرأ نفسه من عهدة الزلل، فيقول مثلاً: (هكذا سمعت)، أو قال: (شك فلان الراوي) ونحو ذلك . لكن في المقام لا يتسنى لهم ذلك.
وهذا الإضمار في الحديث المشار إليه، والكناية عن اسم السيدة الأولى بـ(فلانة)، قد أربك شراح الجامع الصغير، فلم يكن موقفهم صري ولا موحداً، بل ذهب بعضهم فقرع باب الاحتمال تفادياً للقيل والقال.
فقال المناوي في فيض القدير - ولعل كتابه هذا أوسع شروح الجامع الصغير - في شرح قوله (فلانة) أي مريم، ويحتمل عائشة. اهـ(1).
لكنه في شرحه الآخر المسمى بـ(التيسير) ذكر الحديث، ولم يقل شيئاً(2).
أما العزيزي في شرحه (السراج المنير) فلم يتجاهل الأمر كالمناوي في التيسير، بل نقل رأي غيره، فقال: قال الشيخ: قيل: فاطمة. وقيل: مريم(3).
لكن الحفني في حاشيته على السراج المنير أغرب فقال في هامشه: (قوله: فلانة) إما عائشة وإما مريم .
وهكذا بدأت سُحب الأوهام تتصاعد من أفواه أولئك غير المهرة (؟)، بحسبان أنها تغطي أنوار العقول النيرة، ولا أقل من زرع الشك في النفوس الساذجة، لتسمي من تشاء كما تشاء، ما دام الأمر بحسبانهم غير
واضح، وباب الاحتمال واسع، فليقل من شاء ما شاء، وما دروا أن قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليس مبعثه العواطف والأهواء، وإنما هو وحي السماء، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى.
على أن في الحديث العاشر - وهو آخر الأحاديث العشرة التي تضمنت ذكر فضليات النساء خديجة وفاطمة ومريم وآسية، فذكر فيهن العدد والمعدود - دلالة على أن حديث الكتمان باسم (فلان) قد استبيح حرمه وحريمه .
فلنقرأ الحديث العاشر ثانية وهو عن ابن مسعود لننظر إطراء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الخديجة ومدى التشابه بين الإطراءين في الحديث معا، ثم لننظر من أطرى معها من النساء، فكتمت اسمها زوامل الأنباء.
قال: واختار من النساء أربعاً... وأما النساء فمريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إيماناً بالله ورسوله، وآسية بنت مزاحم، وفاطمة بنت محمد سيدة نساء أهل الجنة.
فقارن بين قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث ابن مسعود هذا: « وخديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إيمانا بالله ورسوله »، وبين قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث حذيفة - حديث الكتمان والكناية -: « وخديجة بنت خويلد أول نساء المسلمين إسلاماً ». فهل ترى كبير فرق في اللفظ أو كثير تفاوت في المعنى؟؟
فبين الحديثين تشابه إلى حد ما، ولا نجد فيمن ذكره (صلی الله علیه و آله و سلم) من بقية النساء من خصها بالثناء والإطراء غير فاطمة، فقال: «وفاطمة بنت محمد
سيدة نساء أهل الجنة ».
إذن هل هي التي ذكرت في حديث حذيفة، فحذف اسمها، وأبدل عنه كناية بفلانة، لمرض في قلوبهم زادهم الله مرضاً؟؟ أو هي إحدى البواقي؟
وعلى كل فلا يخلو الأمر منهن إن لم يكن كلهن مذكورات في حديث حذيفة كما هن مذكورات في حديث ابن مسعود، فضلا عن بقية الأحاديث العشرين، وقد قدمت ذكرها مع مصادرها، وفيها جميعاً اختصاص الفضل بتلكم النساء الأربع، وتميَّزت فاطمة (سلام الله علیها) بالتفضيل عليهن، وقد مرَّ بعض ذلك، وسيأتي بقية الكلام في المفاضلة إن شاء الله تعالى .
هذا كله في الحديث الأول، وهو ما أسميناه بحديث الكناية والكتمان، وأما الحديث الثاني، وهو ما نسميه بحديث الكمال والنقصان، فلنقرأه كاملا ، ثم لنقرأه فيما روي ناقصا، ولنضعهما في كفتي الميزان، لنتبين فيه آثار الزيادة والنقصان، ونتلو عليهم فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان .
الحديث الثاني: وهو حديث نبوي شريف أضفى فيه (صلی الله علیه و آله و سلم) نعت الكمال على أربع نسوة من الأولين والآخرين، وهن مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة سلام الله عليهن أجمعين، ودل بفصيح لسانه وصريح بيانه على حصص الكمال فيهن دون غيرهن من النساء، إذ قال (صلی الله علیه و آله و سلم):
« كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية امرأة
فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)».
هكذا أخرجه إمام المفسرين والمحدثين والمؤرخين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، كما أخرجه غيره من أئمة التفسير وأصحاب الصحاح وأرباب السنن وحفاظ المسانيد، بل وحتى مدوني الفضائل والتاريخ، ولعلّ اصحهم لفظاً في الحصر وأكملهم حديثاً من دون مد وجزر ما رواه نظام الدين النيسابوري في تفسيره، قال: إنه صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: كمل من النساء أربع: مريم ، وآسية امرأة فرعون، وخديجة، وفاطمة.
ولكن للأسف الشديد إن هذا الحديث نالته الأيدي الأثيمة، فدخلت حريمه، تارة تحذف منه وأخرى تزيد، فهشمته كما يحلو لها هشم الثريد ، لتلقي في قصاعها من تريد.
ولم يكن من عزمي مزيداً من التحقيق، في مسالك هذا الطريق ، المؤدي إلى مفترق طرق تتسع وتضيق، ولكن الحقيقة هي التي فرضت نفسها، ولا بد أن تظهر، وإن تجللها سحاب الصيف، وتخللها بريق الذهب والسيف، ولكن سحائب الصيف سرعان ما تنقشع وتنكشف، لتظهر الحقيقة بنورها الوضاء، أسنى من نور ذكاء في الضياء.
فهلم معي مطوّفاً بين تلك المصادر المعتمدة، لكي ترى هذا الحديث وما طرأ عليه من زيادة ونقصان، بل وحتى ذكره فيما لم يمت إليه من عنوان، وعلى ما أسَّس الأولون، هملج التالون، فاختلط الحابل بالنابل، ولكلٍّ وجهة هو موليها ، فمنهم من ألغى العدد وأبقى المعدود، ومنهم من
ألغى العدد وأنقص من المعدود، وثالث زاد عليهما بذيل لم يكن له وجود، وهكذا صاروا شيعاً في تلك المصادر، فأربكوا الباحث الماهر ، فضلا عن القارئ العابر.
والآن لنعرض المواقف المزدوجة، لنرى ما لأصحابها من هملجة، وهي على ثلاث أنماط :
النمط الأول: أصحاب المصادر التي أوردت الحديث صحيحاً ، ولكن بدون لفظ (أربع) ، منها :
تفسير الطبري 64/3 الطبعة الأولى بالميمنية، و 263/3 ط مصطفى البابي سنة 1373هـ، و 397/6 - 398 ط دار المعارف بمصر، تحقيق الأخوين الفاضلين: محمود محمد شاكر وأحمد محمد شاكر. ورد الحديث كما ذكر، وقد لفت نظري ما علق به المحققان في الهامش على الحديث المذكور ، فقالا: والحديث رواه البخاري 340/6 عن آدم ....، ورواه أيضاً 320/6 ... ، ورواه أيضاً 83/7 ...، ونقله ابن كثير في التفسير 139/2 عن هذا الموضع من الطبري، ثم قال - يعني ابن كثير - : (وقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به). ثم ذكر أنه استقصى طرقه في التاريخ، ولكنه لم يفعل، فإنه ذكره فيه 61/2 منسوباً إلى الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة. وذكره السيوطي 23/2 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة.
أقول: في كلامهما مواضع للنظر لا يسوغ لي الإغماض عنها، لأن في ذلك إقراراً على الخطأ، وإغراء بالجهل، وقد نهينا عنه:
أولاً : في قولهما: (والحديث رواه البخاري في كذا وكذا وكذا...)، فعينا ثلاثة مواضع ، وقد فاتهما مكان رابع فلم يذكراه، إما لأنهما لم يعثرا عليه، لأنه ذكر في غير مظانّه، فهو قد ذكر في باب الثريد في الأطعمة 75/7 ، أو أنهما لم يريا في ذكره كثير مزيد، ما دام الحديث في فضل عائشة كفضل الثريد.
وثانياً: لم يرد في شيء من تلك الموارد الثلاث التي ذكراها والرابع الذي لم يذكراه اسم خديجة وفاطمة، بينما ورد ذكرهما في حديث ابن جرير الذي قالا عنه: ورواه البخاري في كذا وكذا وكذا...
ولزيادة تبصير القارئ نسوق له ما ذكره البخاري في موارده الأربعة من صحيحه ليتحقق بنفسه:
1 - في الأنبياء: باب قوله تعالى وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَة فِرْعَوْنَ إلى قوله وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ: حدثنا يحيى بن جعفر، حدثنا وكيع عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام . اهـ(1).
2 - في الأنبياء: باب قوله تعالى وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إلى قوله فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ : حدثنا آدم، حدثنا شعبة عن عمرو
1) راجع 158/4 ط بولاق، و 484/1ط الهند بدهلي.
ابن مرة، قال: سمعت مرة الهمداني يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون . اهـ(1).
ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى الاختلاف في المتن بين الصورتين مع اتحاد السند من شعبة إلى أبي موسى. ففي الأولى: قدم جزء الكمال على الثريد، وفي الثانية: قدّم فضل الثريد على الكمال، مع العلم أنه ليس بينهما سوى ست صفحات في طبعة بولاق، وأربع صفحات في طبعة الهند. فمن أين جاء هذا التفاوت؟
3 - في المناقب: باب فضل عائشة : حدثنا آدم، حدثنا شعبة، قال: وحدثنا عمرو، أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام . اهـ(2).
وهذا الحديث الذي يتفق سنداً مع الذي قبله، يختلف في المتن في التقديم والتأخير، فلاحظ .
4 - في الأطعمة: باب الثريد: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر ،
حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة الجملي، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام . اهـ(1).
هذه هي المواضع الأربعة التي رواها البخاري، وليس في واحد منها ذكر خديجة ولا فاطمة، فإذا كان مراد المحققين الفاضلين هذه الموارد - وذلك قطعاً مرادهما - فأين ذكر خديجة وفاطمة فيه كما ورد في حديث ابن جرير، وهو الذي قد علقا عليه؟
وإذا لم يكن مرادهما ذلك فأين هي تلك الموارد التي قالا عنها: ورواه البخاري في كذا وكذا وكذا، وصحيح البخاري من أوله إلى آخره خلو عما سوى ما نقلناه آنفا؟؟ فراجع وتحقق بنفسك أيها القارئ الكريم.
وثالثاً: ما نقدا به ابن كثير لنقله الحديث عن ابن جرير في هذا الموضع، وتعقيبه عليه بقوله : (وقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طريق شعبة به). ثم ذكر أنه استقصى طرقه في التاريخ، ولكنه لم يفعل، فإنه ذكره فيه 61/2 منسوبا إلى الجماعة إلا أبا داود من طريق شعبة.
أقول: إن نقدهما له بأنه لم يستقص طرقه في التاريخ ليس بشيء مهم، بقدر أهمية ما أغفلاه أو تغافلا عنه، وهو عدم التطابق بين ما نقله ابن كثير عن ابن جرير، وبين ما هو الموجود في تفسير ابن جرير، فإن
1) راجع 75/7 ط بولاق، و 814/2ط الهند دهلي.
الموجود فيه ذكر مريم وآسية وخديجة وفاطمة، والمنقول عنه في ابن كثير خلوه من ذكر خديجة وفاطمة(1).. وهذا - أعني عدم التطابق - كان أولىوأهم بالتنبيه عليه مما ذكراه، فإنه يدل على عدم أمانة النقل عند الرواة وعند المؤلفين.
ورابعاً: إغفالهما أو تغافلهما الإشارة إلى ما ذكره ابن كثير في تفسيره وفي نفس الموضع، وذلك قبل نقله لحديث ابن جرير المشار إليه آنفاً، قال: ومن طريق شعبة عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد ،وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. اهـ.
أقول: هذا الحديث أيضا رواه من طريق شعبة، وإن كان إسناده لا ينتهي إلى أبي موسى الأشعري، بل إلى قرة - وهو أبي إياس - وقد رواه أيضاً في التاريخ(2)، وعقب عليه في المقامين بما لا يعنينا في المقام نقله، إلا أنه في المقام الثاني قال: رواه ابن مردويه في تفسيره، وهذا إسناد صحيح إلى شعبة. وقال بعده: والقدر المشترك بين الثلاث نسوة: آسية ومريم وخديجة، أن كلا منهن كفلت نبيًّا مرسلاً ، وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته... ثم بين كفالة كل واحدة منهن...
إلى أن قال: وقوله : (وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) هو ثابت في الصحيحين من طريق شعبة أيضاً عن عمرو بن مرة، عن مرة الطيب الهمداني، عن أبي موسى الأشعري... فذكر الحديث الذي مرَّ نقله عن ابن جرير، ثم استمر في بيان المفاضلة بينها وبين النسوة المذكورات في حديث قرة.
فكان على المحققين الفاضلين الإشارة إلى هذه الموارد التي صرح فيها أيضا بما ذكره ابن جرير، كما كان من الخير التنبيه على ما رواه عن قرة والذي ورد فيه حصر الكاملات من النساء في ثلاث، فإن في ذلك ما يسلط الضوء على مدى التلاعب بالأحاديث حسب الأهواء.
وخامساً: قال: وذكره السيوطي 23/2 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة - يعني أن السيوطي زاد ابن أبي شيبة مضافاً إلى ما ذكره ابن كثير من تخريج الجماعة إلا أبا داود، والجماعة - كما مرت الإشارة إليهم - هم البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة... مضافا إلى ابن جرير.
أقول: لم يبعد السيوطي كثيراً عن خط ابن كثير في هذا المقام، بل هو مثيله وسبيله سبيله، في اختزال ذكر خديجة وفاطمة من الحديث، فهو أيضاً صرَّح بنسبته في تخريج الحديث إلى ابن أبي شيبة والجماعة وإلى ابن جرير. وقد مرَّ بنا مدى التفاوت بين حديث البخاري - وهو أول الجماعة - الخالي عن ذكرهما - خديجة وفاطمة -، وبين حديث ابن جرير في هذا المقام. فمن الخطأ الفاحش عند السيوطي كما عند ابن كثير حشر ابن جرير مع
الجماعة في صعيد واحد، لما بينهم وبينه من بون، فهو يذكر خديجة وفاطمة، ولا يذكر حديث الثريد في ذيله، وهم يحذفون اسم خديجة وفاطمة، ويثبتون حديث الشريد، فما صنيع ابن كثير والسيوطي وأضرابهما من المؤلفين بل وحتى المحققين الفاضلين إلا خلط للأوراق، وتشويش لأذهان السُّدَّج البسطاء من القراء، وتعتيم على الحقيقة.
الثاني من النمط الأول: الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي الصفاقسي، فإنه قال في فضائل الزهراء: وروي باللفظ الصريح يرويه كل من البخاري ومسلم والترمذي عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)(1).
الثالث: مطالب السؤول لمحمد بن طلحة الشافعي، في فضائل الزهراء قال: وكانت من أكمل النساء عقلاً وديناً، وقد وصفها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) به بالاتفاق، وأثبت الكمال على الإطلاق، فقال فيما أسندته نقلة الصحاح ، وروته من ألفاظه الفصاح، يرفعه كل واحد من البخاري ومسلم والترمذي بسنده في صحيحه عنه (صلی الله علیه و آله و سلم): « كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) »، فأفاض عليها حلّة الكمال، وناهيك بها خلة هي أشرف الخلال(2).
اعلم أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد حكم بصفة الكمال لكل واحدة من هؤلاء الأربع: مريم وآسية وخديجة وفاطمة. فكل واحدة منهن كاملة في ذاتها، وقد اختصت فاطمة دونهن بحصول أسباب تقتضي علو درجتها في صفتها على رفقتها، لم تحصل لواحدة منهن، فتكون باعتبار تلك الزيادة أكمل منهن.
وبيان ذلك: أن صفة الكمال ثابتة لكل واحد من أصليها: رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وخديجة رضي الله عنها. أما كمال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فإليه المنتهى، وهو الغاية القصوى، وأما خديجة فقد ثبت كمالها بالحديث المذكور ، والولد جزء من الأبوين، فتضاف إلى كمال فاطمة لذاتها زيادة من كمال أبيها وكمال أمها، فتكون أكمل النساء على الإطلاق، وفي ذلك دلالة شافية وتبصرة كافية.
النمط الثاني: وهم أصحاب المصادر التي ذكرت الحديث مشتملاً على النساء الأربع عدداً ومعدوداً، لكن أضافت إليه ذيلاً ليس منه، بل هو غريب عنه.
1 - تفسير أبي السعود. قال: وعن النبي (علیه السّلام): كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلوات الله عليه، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام(1).
1) تفسير أبي السعود (بهامش تفسير الرازي 238/8 ط الأستانة).
2 - تفسير تنوير الأذهان من تفسير روح البيان للشيخ محمد علي الصابوني، ورد فيه عين ما سبق عن تفسير أبي السعود، وعلق في الهامش بقوله: الحديث أخرجه الشيخان - يعني البخاري ومسلم - والترمذي وابن ماجة نحوه، وهذه الرواية ذكرها رزين، وانظر جامع الأصول 124/9، ومسند الإمام أحمد، ورواية البخاري ومسلم اقتصرت على ذكر مريم وخديجة. وفي رواية الترمذي: « حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، وآسية امرأة فرعون »، وانظر فضائل النساء الصحابيات في جامع الأصول 120/9(1).
3 - تفسير البيضاوي، أورد الحديث كما مر عن تفسير أبي السعود وتنوير الأذهان(2).
4 - تفسير المراغي، قال: روى أحمد في مسنده: سيدة نساء أهل الجنة مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم عائشة. وفي الصحيح: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ، وفضل عائشة كفضل الثريد على سائر الطعام(3).
اقول: قد سبق من المراغي قوله: ويؤيده - تفضيل مريم - قوله صلى
الله عليه [وآله] وسلم: « سيدة نساء أهل الجنة مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية أمرأة فرعون »(1). فلم يرد ذكر عائشة في هذا الحديث، فمن أين جاء به أولا؟؟
ثم قال: أو المراد نساء زمانها، ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس أنه قال صلى الله عليه [وآله] وسلم كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة.
أقول: وهذا من صور حديث الكمال، ولم يرد فيه ذكر عائشة، لا في الصدر ولا في الذيل، فلاحظ.
النمط الثالث: وهم أصحاب المصادر التي ذكرت الحديث مشتملا على ذكر النساء الأربع، ولم تذكر العدد، فهم كالنمط الأول لولا إضافتهم إليه الذيل الغريب عنه.
1 - جامع الأصول لابن الأثير، في فضائل خديجة بنت خويلد:
(خ م ت) علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: « خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد » ، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. زاد مسلم في روايته: قال أبو كريب - أحد الرواة . : (وأشار وكيع إلى السماء والأرض). زاد رزين(2): أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال:
كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام . اهـ(1).
2 - تيسير الوصول إلى جامع الأصول لابن الديبع الشيباني في فضائل خديجة، ورد فيه عين ما تقدَّم عن جامع الأصول، وزاد بتعليق مؤلفه على قول ابن الأثير: (وزاد رزين) قال الشيباني: قلت: ما زاد رزين أخرجه البخاري بدون ذكر خديجة وفاطمة رضي الله عنهما ، والله أعلم(2).
أقول: لم يكن البخاري وحده صنع ذلك، بل حتى البقية الذين ذكرهم أخرجوه بدون ذكر خديجة وفاطمة، فراجع.
3 - شرح ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل للسفاريني، قال: وقد روى الإمام أحمد والطبراني من حديث أنس، وفي الصحيحين من حديث علي، قال: سمعت صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد .
قال أبو كريب: (وأشار وكيع إلى السماء والأرض). زاد رزين...
فذكر ما سبق نقله عنه كما مرَّ عن جامع الأصول وتيسير الوصول ، ثم عقب السفاريني فقال : رواه - يعني ما زاده رزين - أحمد والشيخان
والترمذي وابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري(1).
هذه هي مصادر الأنماط الثلاثة التي ذكرت حديث الكمال، وصرحت بأسماء النساء الأربع، تارة مع لفظ العدد (أربع)، وأخرى مع إضافة الذيل في فضل عائشة كفضل الثريد على الطعام، وهي على ما بينها من تفاوت في الإسناد والمتن تكاد تكون مجمعة على أمر جامع، وهو ذكر خديجة وفاطمة فيه.
وثمة نمط آخر فيه التواء وتضييع ربما بتعمد من صاحبه، وهو (مجمع الزوائد) لنور الدين الهيثمي، قال في آخر باب ما جاء من الفضل لمريم وآسية وغيرهما: وبقية الأحاديث التي فيها : « كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربعة » في مواضعها مفرقة: في فضل آدم وفاطمة وخديجة. اهـ (2).
أقول: لدى مراجعة المواضع التي أشار إليها لم نجد ما أحال عليه ، فلم يذكر في (باب نبينا - ظ: أبينا - آدم أبي البشر (صلی الله علیه و آله و سلم)) شيئاً من ذلك(3).
كما لم يذكر في باب مناقب فاطمة حديث الكمال، بل ذكر أحاديث أخرى في فضلها منفردة ومجتمعة مع غيرها(4).
وكذلك لم يذكر في باب فضل خديجة حديث الكمال، بل ذكر
أحاديث أخرى فيها أسماء الأربعة، وقد تقدم ذكرها(1).
فهو لم يذكر حديث الكمال في شيء من المواضع التي أحال عليها، وما أدري هل أن المؤلف الهيثمي غفل عنها فلم يف بوعده، أو أن النسخة المطبوعة فيها نقص في الأماكن الثلاثة المشار إليها، وأحال عليها، فالله أعلم.
فانظر أيها القارئ الكريم بعد هذا التطواف بين جميع ما تقدم من الأحاديث ومصادرها، إلى جميع ما أسلفناه من ذكر عشرة أحاديث خاصة بسيادة فاطمة (سلام الله علیها)، وعشرة أخرى شاركت في الفضل والسيادة ثلاثا من فضليات النساء، وهن: مريم وآسية وخديجة. ثم أتممناها بعشر حصرت الفضل فيهن لا غير، لقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): « ولم يكمل من النساء إلا أربع ». فهل لديك شك أو ريب بغرابة إلحاق الذيل، وأنه لم يكن جزءا من حديث الكمال، وإنما ألحقه من لا حريجة له في الدين، بل تجاوز الحد حين خشي أن يفضحه ذكر العدد، عند العد، فحذف وغيَّر، ولكنه باء بالخسران، إذ أنطقه الله بواضح البرهان، فكشف الزيادة والنقصان في تخريج الحديث بصورته الصحيحة، إذ قال: أخرجه في الصحاح وغيرها فلان وفلان.
ونحن إذا راجعنا المصادر المذكورة نجدها خلوا من ذلك، فإما أن تكون النسبة صحيحة، وطراً الحذف والتغيير في تلك المصادر بعد مؤلفيها، وهذا ما يسلب الثقة بها والاعتماد عليها.. كيف وهي دواوين الإسلام في
1) راجع نفس المصدر 218/9 - 225.
التفسیر والحدیث والتاریخ.
وإما أن تكون النسبة غير صحيحة، وهذا يوهن أولئك الجمهرة من المفتين.. كيف وهم الحفاظ والأئمة، لافترائهم على أشياخهم وذوي السابقة منهم. فأي الحالتين يا ترى ينبغي الالتزام بها؟؟
وإتماماً للفائدة وإكمالاً للعائدة، نذكر ما في تلك المصادر على نحو الإشارة، لترجع إليها وتحكم عليها، فالحق أحق بالإتباع، ولا تكن من المقلدة الرعاع، فاقرأ الحديث منقوصا ومزيداً في المصادر التالية:
1 - صحيح البخاري، وقد ذكر ما فيه في موارد أربعة، وكلها تنتهي بإسنادها إلى أبي موسى الأشعري.
2 - صحيح مسلم 243/2 ط بولاق، و 132/7 - 133 ط مشکول، محمد علي صبيح، وبأعلا شرح الصحيح للنووي 389/9 في فضائل خديجة. ذكر حديث: « لم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام » ، وسند الحديث ينتهي إلى أبي موسى أيضاً كما في البخاري.
أقول: لاحظ مورد الغرابة في هذا ، فمسلم يخرج هذا الحديث في فضائل خديجة، ثم لا يورد لها ذكراً في الحديث المذكور، فمن اعتدى على الحديث؟؟ ومن أين جاءه الخلل؟؟
من المؤلف؟؟ كيف وهو أحد الشيخين!!
أو من رواة كتابه .. وهو أحد الصحيحين!!
3 - سنن الترمذي 275/4 ، في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في فضل الثريد.
4 - سنن ابن ماجة 1091/2 ، ط بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، في باب فضل الثريد على الطعام.
5 - سنن النسائي 68/7 ، في عشرة النساء، في حب الرجل بعض نسائه أكثر من بعض.
فهؤلاء الخمسة التي تكاد المصادر المتأخرة تجمع على أن الحديث ورد فيها وفيه ذكر خديجة وفاطمة، ونُسَخها فعلاً خلو من ذلك.
6 - المصنف لابن أبي شيبة 128/12 ط باكستان، في باب فضل عائشة، ولم يرد فيه ذكر خديجة وفاطمة كما في السابق عليه من المصادر.
7 - مسند أحمد 394/4 ، 409 ط مصر الأولى.
8 - مشكاة المصابيح 118/3، باب بدء الخلق وذكر الأنبياء، آخر الفصل الأول، حديث 5724 ط المكتب الإسلامي بتحقيق الألباني.
9 - كنز العمال 127/13 ط حيدر آباد (الثانية) سنة 1385هـ، وأشار إلى تخريجه عن أحمد والبيهقي والترمذي وابن ماجة عن أبي موسى.
10 - الجامع الصغير 177/2 ط بولاق.
11 - حلية الأولياء 99/5 ، ذكر في ترجمة عائشة بسنده إلى شعبة، ثم بعين السند والمتن كما في البخاري وغيره.
12 - صفة الصفوة 17/2، ذكر الحديث كما في الحلية وقال: أخرجاه
في الصحيحين.
13 - تفسير القرطبي 83/4 ، نقلاً عن مسلم في الصحيح.
14 - تفسير السيوطي 23/2 ، نقله عن ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير، وقد مرَّ الكلام حول حشر الآخر مع الجماعة.
15 - تفسير الخازن 23/1 نقلا عن ابن ماجة.
16 - فتح القدير للشوكاني 309/1 ، قال: وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى... وذكر الحديث.
17 - تفسير ابن كثير 361/1، 394/4 ، وقد مر ما يتعلق بما فيه من الكلام على ما علق به محققا تفسير ابن جرير في المقام ، فراجع.
18 - تاریخ ابن كثير، ذكره في عدة مواضع، وقد تقدم ذكر بعضها، ومما لم نذكره 92/8 - 93، قال: وفي صحيح البخاري أيضاً عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
أقول: لقد أغرب ابن كثير في هذا المقام بما لم يسبقه إليه أحد، ولم يتابعه عليه من بعده أي واحد من مؤلّفي تاريخ الإسلام، فهو ينسب الحديث بهذه الصورة إلى صحيح البخاري، وقد مرت بك أحاديث
البخاري في موارده الأربعة، فراجع وقارن، فهل تجد حديثاً واحداً يصدق ابن كثير في روايته، بل لا تجد في جميع الصحاح المذكورة وبقية الأسماء المزبورة ما يوافق روايته.
نعم مرَّ عنه ذكر حديث قرة بلفظ هذا الحديث، وفيه ذكر النساء الثلاث، ثم حديث الثريد كما هنا. وقد ذكره في تفسير سورة آل عمران ، الآية 42، فراجع تفسيره.
فهل اختلط عليه الحابل بالنابل، فذكره في التفسير منسوباً إلى قرة ، وفي التاريخ منسوباً إلى أبي موسى الأشعري، ومخرجا عن صحيح البخاري؟؟
يبقى الجواب عن ذلك ليوم الحساب..
19 - مشكل الآثار للطحاوي 52/1 ، ذكر بسنده حديث أبي موسى، ثم حاول أن يوفق بينه وبين ما ورد في فضل فاطمة (سلام الله علیها)، ولم يكن موفقا في محاولته تلك، لأنه أتى باحتمالات واهية... منها: احتمال أن يكون حديث الكمال قاله (صلی الله علیه و آله و سلم) قبل بلوغ فاطمة واستحقاقها الرتبة التي ذكرها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)لها .
الا مسائل ذلك الإنسان: أي بلوغ يعنيه؟؟ أهو بلوغ السن، وقد كانت فاطمة أكبر من عائشة سنا، أم هو بلوغ الرتبة في الكمال، وهل عاقل يذهب إلى بلوغ عائشة رتبة في الكمال لم تبلغها فاطمة؟؟ وهل ذلك إلا قياس مع الفارق؟
20 - سير أعلام النبلاء 104/2 ، ذكر الحديث عن شعبة إلى أبي موسی...
هذه أسماء عشرين كتاباً ورد فيها حديث الكمال مهشوماً من صدره، ومزيداً في ذيله سوى المصادر الأخرى التي هي بمثابة ثانوية، مثل: شروح البخاري كالفتح لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني، وعمدة القارئ للعيني وغيرها، ومثل شروح مسلم للنووي والآبي والحسيني وغيرها، ومثل شرح سنن الترمذي كتحفة الأحوذي، ومثل شروح الجامع الصغير كفيض القدير والتيسير والسراج المنير.
فكل ما ذكرناه في هذه العجالة وغيره خلو من ذكر خديجة وفاطمة عليهما السلام في ضمن النساء المذكورات في حديث الكمال، ومذيل بحديث فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
ولمزيد التحقيق في أن صفة الزيادة الحقت بعد ذلك ورود حديث الشريد مفرداً دون حديث الكمال في جملة من المصادر بنفس الإسناد المنتهي إلى أبي موسى الأشعري. فراجع الإصابة والاستيعاب وغيرهما.
وظني - وظن الألمعي يقين - أن أبا موسى إن كان روى حديث الكمال فقد رواه بمفرده، وإن كان قد روى حديث الثريد فقد رواه بمفرده ، فجمعهما غيره لوحدة إسنادهما، لحاجة في نفسه قضاها. والذي يدل على ذلك ما تجده في معجم الطبراني الكبير حيث ذكر حديث أبي موسى (كمل من الرجال) كما هو في الصحاح وبقية المصادر من ذكر مريم وآسية فقط،
ثم قال بعده: وقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: فضل عائشة ... الخ حديث الثريد(1)، وذلك يشعر بتغايرهما، ولو كان ذلك كله حديثا واحدا لما كانت حاجة إلى قوله ثانيا: (وقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم). فالعطف دليل التغاير، فلاحظ.
ويزيدنا اطمئنانا بتغاير الحديثين رواية حديث الشريد مفرداً عن حديث الكمال عن عدة من الصحابة، فقد روي عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن قرة بن إياس كما في مجمع الزوائد، وعقب الهيثمي على حديثي ابن عوف وسعد بما يشعر بتمريضهما ، فراجع(2).
كما روي الحديث عن أنس كما في معجم الطبراني، وأسد الغابة ، وجامع الأصول، ومصابيح السنة(3).
وعن عائشة نفسها، وحديثها في طبقات ابن سعد في ترجمتها(4)وغيرها، فراجع.
والآن وقد طالت رحلتنا وتطوافنا في رحاب الفضيلة الثانية من خصائص الزهراء (سلام الله علیها)، وتفيَّأنا بأفيائها ، وتنسمنا عبير أجوائها، وإن لم نجب جم جميع أرجائها، لأن الحديث عنها وفيها عريض طويل، فلنعد إلى
بقية الفضائل .
الفضيلة الثالثة : وهي كونها (صديقة)، ومعنى الصديق والصديقة هو من صدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، فوافق قوله فعله، وطابق ظاهره باطنه، ومنزلته دون النبي وفوق الشهداء والصالحين، لقوله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأَوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أوْلَئِكَ رَفِيقًا(1).
قال الألوسي في تفسير الآية المذكورة في (روح المعاني): فالمنازل أربعة، بعضها دون بعض.
الأولى: منازل الأنبياء: وهم الذين تمدهم قوة إلهية، وتصحبهم نفس في أعلى مراتب القدسية، ومثلهم كمن يرى الشيء عيانا من قريب، ولذلك قال تعالى في صفة نبينا صلى الله عليه [وآله] وسلم افَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى.
والثاني: منازل الصديقين: وهم الذين تأخروا عن الأنبياء (علیهم السّلام) في المعرفة، ومثلهم كمن يرى الشيء عيانا من بعيد، وإيَّاه عنى علي كرم الله وجهه حيث قيل له: هل رأيت الله تعالى؟ فقال: ما كنت لأعبد ربا لم أره.
ثم قال: لم تره العيون بشواهد العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.
والثالث: منازل الشهداء: وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب، كحال من قال: كأني
1) سورة النساء، الآية 69.
أنظر إلى عرش ربي بارزاً. وإياه قصد النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بقوله: اعبد الله كأنك تراه.
والرابع: منازل الصالحين: وهم الذين يعلمون الشيء بالتقليد الجازم، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيد في مرآة، وإياه قصد النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بقوله: فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
قاله الراغب، ونقله الطيبي وغيره(1).
وإذا عرفنا معنى الصدّيقية، وأنها مساوقة في الكمال المتناهي في النبوة، إلا أنها دونها في الرتبة، مع فارق آخر هو أن النبوة والرسالة لا تكون إلا في الرجال، لأن مبناها الدعوة والظهور، والنساء لهن الصون، وعليهن الحجاب، فلم تكن لهن رسالة ولا فيهن نبوة، وإن ذهب بعضهم فأغرب وقال بنبوة مريم (سلام الله علیها) بل وغيرها، ورُدَّ ذلك عليه كما هو الحق.
وما تخيل ذلك إلا من مخاطبة الوحي لها بالاصطفاء والاجتباء والتطهير، ولم يدرك أن ذلك يحصل للصدِّيقين أيضاً كما يحصل للأنبياء (علیهم السّلام)، فقوله تعالى في سورة آل عمران وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(2)لا يدل على نبوتها، ولا غيره من خطاب روح الله القدس لها ومن حال اختصها به، إنما كان ذلك تكريماً لها، وإعراباً عن مكانتها الصدّيقية، كما سماها
بذلك في قوله تعالى في سورة المائدة مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَامُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ تُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(1).
فسماها الله تعالى صديقة، ولم يسمها رسولاً كما سمى ابنها المسيح عيسى (علیه السّلام).
فالصديقية مقام سام في الكمال لا يناله إلا من اختصه بفضله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.
ولأجل هذا كانت فاطمة الزهراء (سلام الله علیها) أفضل من مريم (سلام الله علیها)، لأنها كانت صديقة أيضاً، لاصطفاء الله تعالى لها مع أبيها وبعلها وابنيها، الذين خصهم بالتطهير، فعصمهم من كل رجس، وطهرهم تطهيراً.
وعلى ذلك كافة الشيعة وجمهرة كبيرة من أعلام المسلمين من غيرهم، مستدلين بالآية الكريمة، وقد مرَّ الكلام فيها، ومؤكدين ذلك بالأحاديث النبوية الشريفة ، نحو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلي (علیه السّلام): أوتيت ثلاثاً لم يؤتَهنَّ أحد ولا أنا: صهراً مثلي، ولم أوت أنا مثلي، وأوتيت زوجة صديقة مثل ابنتي، ولم أوت مثلها زوجة، وأوتيت الحسن والحسين من صلبك، ولم أوت من صلبي مثلهما، ولكنكم مني وأنا منكم(2).
فسماها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) (صديقة)، كما أنه شبهها بمريم (سلام الله علیها) بقوله
(صلی الله علیه و آله و سلم) لها في حديث الجفنة: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل.
فلنقرأ الحديث كما أخرجه الزمخشري والنظام النيسابوري وابن كثير في تفاسيرهم عن أبي يعلى بسنده عن جابر، واللفظ للأخير:
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن محمد بن المنكدر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً. فأتى فاطمة فقال: يا بنية هل عندك شيء اكله ، فإني جائع؟ قالت: لا والله بأبي أنت وأمي. فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسي ومن عندي. وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فرجع إليها فقالت: بأبي أنت وأمي، قد أتى الله بشيء فخبأته لك. قال: هلمي يا بنية. قالت: فأتيته بالجفنة، فكشفت عنها فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً ، فلما نظرتُ إليها بهت، وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصلّيتُ على نبيه، وقدَّمته إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فلما رآه حمد الله وقال: من أين لك هذا يا بنية؟ قالت: يا أبت هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابِ. فحمد الله وقال: الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها
الله شيئاً وسئلت عنه قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابِ . فبعث رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى علي، ثم أكل رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين، وجميع أزواج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وأهل بيته حتى شبعوا جميعاً. قالت: وبقيت الجفنة كما هي. قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيراً كثيراً(1).
وروى الكرامة هذه الصابوني في تفسيره نقلا عن ابن كثير في تفسيره، ثم قال: والقصة مشهورة(2).
أقول: ولم يقتصر ابن كثير على إيرادها في تفسيره فحسب، بل أوردها في تاريخه نقلا عن الحافظ أبي يعلى، لكنه هناك لم يستسغ أن يمر حديث الجفنة دون غمز، فقال: وهذا حديث غريب إسناداً ومتنا(3).
وقد ذكر بعده عدة أحاديث عن سمرة بن جندب وغيره فيها ظهرت بركة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في شبه ذلك من تكثير الطعام في قصة بيت الصديق أو غيره، فلم يستغرب ذلك لا سنداً ولا متناً، وكأن بركة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) كانت تعم سائر الناس إلا أهل بيته ؟! فالله المستعان.
لا نقول فيه شيئاً إلا ما قاله الخطيب الشربيني وقد ذكر القصة في
تفسيره (السراج المنير)، فقال بعدها: (فهذه كرامة لفاطمة رضي الله عنها)(1)، وبقول الصابوني: (والقصة مشهورة)، وليقل ابن كثير ما يقول.
الفضيلة الرابعة والخامسة: وهي كونها (سلام الله علیها) طاهرة ومعصومة: ولا نطيل المقام في استيعاب ما ورد في ذلك، وبيننا كتاب الله تعالى يغنينا بواضح بيانه وبيناته، وحسبنا منه آية من آياته، وهي قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(2).
فهذه الآية الكريمة دالة على طهارة أهل البيت (علیهم السّلام) وعصمتهم من درن الأرجاس، وقد سبق لنا أن ذكرنا مفصلاً ما يتعلق بها، وشأن نزولها، وفيمن نزلت، وأردفناها بأحاديث نبوية وآثار صحابية تغنينا عن التكرار ، فمن ابتغى المزيد والاستكثار فليرجع إلى هذا، ففيه الكفاية وبلوغ الغاية.
بقي علينا أن نختم الكلام في المقام بعرض أقوال الأعلام من أئمة السنة والتفسير والكلام في المفاضلة بين كل من النساء الأربع، وبينهن وبين عائشة، وفي ذلك مسك الختام.
1 - قال الخازن في تفسيره بعد ذكره حديث الكمال ملحقا بحديث الثريد نقلا عن ابن ماجة، فعقب عليه بقوله:
وليس في هذا تصريح بتفضيلها - يعني عائشة - على مريم وآسية، لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة، عن أنس قال: قال رسول
الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون. أخرجه الترمذي(1).
2 - وقال الخطيب الشربيني في تفسيره (السراج المنير): (فائدة) أفضل نساء العالمين مريم كما في الآية، إذ قيل بنبوتها ، ثم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، ثم خديجة أمها، ثم عائشة، ثم آسية امرأة فرعون .
فإن قيل: روى الطبراني: خير نساء العالمين: مريم بنت عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، ثم آسية امرأة فرعون .
أجيب: بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة. اهـ (2).
أقول : لقد أغفل تقدير السؤال والجواب عن تفضيله عائشة على آسية، مع أنها لم يرد ذكرها في حديث الطبراني ضمن النساء اللاتي هن خير نساء العالمين.
3 - وقال ابن جزي في تفسيره (التسهيل) في تفسير آية اصطفاء مريم في سورة آل عمران، آية 42: يحتمل أن يكون هذا الاصطفاء مخصوصاً بأن
وهب لها - يعني مريم - عيسى من غير أب ، فيكون عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِيْنَ عاماً ، أو يكون الاصطفاء عاماً، فيخص من نساء العالمين خديجة وفاطمة، أو يكون المعنى: على نساء زمانها. وقد قيل بتفضيلها على الإطلاق، وقيل: إنها كانت نبيَّة لتكليم الملائكة لها . اهـ(1).
4 - وقال الشوكاني في تفسيره (فتح القدير): وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث علي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خولید.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أفضل نساء العالمين: خديجة وفاطمة ومريم وآسية امرأة فرعون.
وأخرج ابن مردويه عن أنس مرفوعاً نحوه، وأخرج أحمد نحوه، والترمذي وصححه، وابن المنذر وابن حبان والحاكم من حديثه مرفوعاً.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. وفي المعنى أحاديث كثيرة كلها تفيد أن مريم سيدة نساء عالمها ، لا نساء جميع العالم، ويؤيده ما أخرجه ابن
1) التسهيل 106/1 ط مصطفى محمد سنة 1355هـ.
عساكر عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، قال: أربع نسوة سادات نساء عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وأفضلهن عالماً فاطمة(1).
5 - وقال الصابوني في تفسيره (تنوير الأذهان): وعن النبي (علیه السّلام):« كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية بنت مزاحم، و مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ». وإنما شُبهت عائشة بالثريد لأن العرب كانوا لا يؤثرون على الثريد شيئاً ...
واستمر في بيان فضل الثريد وأوجه التشابه بين عائشة وبين الثريد، إلى أن قال: لكن الكمال المطلق إنما هو لفاطمة الزهراء رضي الله عنها كما دلّ عليه الحديث المذكور(2).
6 - وقال الألوسي في تفسيره (روح البيان) بعد إيراد معاني اصطفاء مريم (سلام الله علیها)، وما قيل في تفضيلها على سائر نساء العالمين، وما استدل به على أفضليتها بعد خديجة وفاطمة (سلام الله علیها)، قال: والذي أميل إليه أن فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات من حيث إنها بضعة رسول الله صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم، بل ومن حيثيات أخر أيضاً، ولا يعكر على ذلك الأخبار السابقة لجواز أن يراد بها أفضلية غيرها عليها من
بعض الجهات وبحيثية من الحيثيات، وبه يجمع بين الآثار، وهذا سائغ على القول بنبوة مريم أيضاً، إذ البضعية من روح الوجود وسيد كل موجود لا أراها تقابل بشيء، وأين الثريا من يد المتناول؟؟
ومن هنا يعلم أفضليتها على عائشة رضي الله عنها الذاهب إلى خلافها الكثير، محتجين بقوله صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم: « خذوا ثلثي دينكم عن الحميراء »، وقوله عليه الصلاة والسلام: « فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام »، وبأن عائشة يوم القيامة في الجنة مع زوجها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وفاطمة يومئذ فيها مع زوجها علي كرم الله تعالى وجهه، وفرق عظيم بين مقام النبي صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم ومقام علي كرم الله تعالى وجهه(1)
قال ابن حجر: استدل بهذا الحصر على أنهما نبيَّتان، لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء ثم الأولياء ثم الصدّيقون والشهداء، فلو كانتا غير نبيتين للزم ألا يكون في النساء وليَّة ولا صديقة ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهن موجودة، فكأنه قال: (ولم ينبأ من النساء إلا فلانة وفلانة). ولو قال: (لم تثبت صفة الصديقية أو الولاية أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة) لم يصح، لوجود ذلك في غيرهن، إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، والله أعلم. وعلى هذا فالمراد من تقدَّم زمانه صلى الله عليه [وآله] وسلم، ولم يتعرض لأحد من نساء زمانه إلا لعائشة، وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة رضي الله عنها على غيرها، لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤنة وسهولة الإساغة، وكان أجل أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة، فقد يكون مفضولاً بالنسبة لغيره من جهات أخرى، وقد
ورد في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله « ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد » أخرجه الطبراني عن يوسف بن يعقوب القاضي عن عمرو بن مرزوق عن شعبة بالسند المذكور هنا - يعني في صحيح البخاري -، وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عمرو بن مرة أحد رواته عند الطبراني بهذا الإسناد، وأخرجه الثعلبي في تفسيره من طريق عمرو بن مرزوق به، وقد ورد من طريق صحيح ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة على غيرهما، وذلك فيما سيأتي في قصة مريم من حديث علي بلفظ : « خير نسائها خديجة »، وجاء في طريق أخرى ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة، وذلك فيما أخرجه ابن حبان وأحمد وأبو يعلى والطبراني وأبو داود في كتاب الزهد والحاكم، كلهم من طريق موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: « أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون »، وله شاهد من حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني، ولأحمد في حديث أبي سعيد رفعه: « فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران »، وإسناده حسن .
.1) قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 258/7 في شرحه وتعقيبه على حديث الكمال المقصور على ذكر آسية ومريم، والمذيل بحديث الثريد كما رواه البخاري وقد مرَّ في المورد الأول من موارد الحديث عنه، فراجع.
قال: وأنت تعلم ما في هذا الاستدلال، وأنه ليس بنص على أفضلية الحميراء على الزهراء.
أما أولاً : فلأن قصارى ما في الحديث الأول على تقدير ثبوته إثبات أنها عالمة من حيث يؤخذ منها ثلثا الدين، وهذا لا يدل على نفي العلم المماثل لعلمها عن بضعته عليه الصلاة والسلام، ولعلمه صلى الله تعالى
عليه [وآله] وسلم أنها لا تبقى بعده زمنا معتدا به يمكن أخذ الدين منها فيه لم يقل فيها ذلك، ولو علم لربما قال: (خذوا كل دينكم عن الزهراء)، وعدم القول في حق من دل العقل والنقل على علمه لا يدل على مفضوليته، وإلا لكانت عائشة أفضل من أبيها رضي الله تعالى عنه، لأنه لم يرو عنه في الدين إلا قليل، لقلّة لبثه وكثرة غائلته بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم.
على أن قوله عليه الصلاة والسلام: « إني تركت فيكم الثقلين: كتاب الله تعالى وعترتي، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض »، يقوم مقام ذلك الخبر وزيادة كما لا يخفى، كيف لا وفاطمة رضي الله تعالى عنها سيدة تلك العترة.
وأما ثانياً : فلأن الحديث الثاني معارض بما يدل على أفضلية غيرها رضي الله تعالى عنها عليها، فقد أخرج ابن جرير عن عمار بن سعد أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم: فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين، بل هذا الحديث أظهر في الأفضلية، وأكمل في المدح عند من انجاب عن عين بصيرته عين التعصب والتعسف، لأن ذلك الخبر وإن كان ظاهراً في الأفضلية لكنه قيل - ولو على بعد -: إن (أل) في (النساء) فيه للعهد، والمراد بها الأزواج الطاهرات الموجودات حين الإخبار، ولم يقل مثل ذلك في هذا الحديث.
وأما ثالثاً : فلأن الدليل الثالث يستدعي أن يكون سائر زوجات النبي صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين
عليهم الصلاة والسلام، لأن مقامهم بلا ريب ليس كمقام صاحب المقام المحمود صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم، فلو كانت الشركة في المنزل مستدعية للأفضلية لزم ذلك قطعاً، ولا قائل به.
ثم قال: وبعد هذا كله، الذي يدور في خلدي أن أفضل النساء فاطمة، ثم أمها ، ثم عائشة ، بل لو قال قائل: (إن سائر بنات النبي صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم أفضل من عائشة) لا أرى عليه بأساً، بين مريم وفاطمة توقف، نظراً للأفضلية المطلقة، وأما بالنظر إلى الحيثية فقد علمت ما أميل إليه.
ثم قال: وقد سئل الإمام السبكي عن هذه المسألة، فقال: الذي نختاره وندين الله تعالى به أن فاطمة بنت محمد صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم أفضل ثم أمها ثم عائشة.
ووافقه على ذلك البلقيني، وقد صحح ابن العماد أن خديجة أيضاً أفضل من عائشة، لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة حين قالت: قد رزقك الله خيراً منها . فقال لها: « لا والله ما رزقني الله تعالى خيراً منها، آمنت بي حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس ». وأيَّد هذا بأن عائشة أقرأها السلام النبي صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم من جبريل، وخديجة أقرأها السلام جبريل من ربها.
ثم قال: وبعضهم لما رأى تعارض الأدلة في هذه المسألة توقف فيها، وإلى التوقف مال القاضي أبو جعفر الأستروشني منا. وذهب ابن جماعة
إلى أنه المذهب الأسلم (؟!).
وأشكل ما في هذا الباب حديث الثريد، ولعلّ كثرة الأخبار الناطقة بخلافه تهون تأويله، وتأويل واحد لكثير أهون من تأويل كثير لواحد، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل . اهـ (1).
7 - وأخرج الموفق بن أحمد الخوارزمي بسنده عن عبيد الله القواريري، قال: اختلف أصحابنا - يعني يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي - في عائشة وفاطمة أيهما أفضل؟ فأرسلوني إلى عبد الله بن داود الخريبي، فسألته فقال: أما فاطمة فإن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: « إنما فاطمة بضعة مني »، ولم أكن أفضل على بضعة من رسول الله أحداً(2).
8 - وقال السيوطي في كتابه (الحاوي للفتاوي) في مسألة المفاضلة بين فاطمة وعائشة: وأما أيهما أفضل فثلاثة مذاهب: أصحها أن فاطمة رضي الله عنها أفضل(3).
9 - وقال القاضي زكريا الأنصاري الشافعي في (شرح البهجة) في زوجاته (صلی الله علیه و آله و سلم): وأفضلهن خديجة وعائشة، وفي أفضلهما خلاف، صحح ابن العماد تفضيل خديجة، لما ثبت من قوله صلى الله عليه [وآله] وسلم لعائشة حين قالت له: قد رزقك الله خيراً منها: لا والله ما رزقني خيراً منها... الحديث، وعائشة أقرأها النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم السلام من
جبريل، وخديجة أقرأها جبريل من ربها السلام على لسان محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، فهي أفضل.
قيل له: من أفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لفاطمة: « بضعة مني »، فلا أعدل ببضعة رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أحداً، وعليه فهي أفضل أيضاً من عائشة(1).
10 - وقال السبكي: الذي نختاره وندين الله به أن فاطمة بنت محمد أفضل من أمها خديجة ثم عائشة(2).
11 - وقال ابن العماد: وإنما فضلت خديجة على فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة(3).
12 - وقال الفقيه عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري في (بهجة المحافل): ومذهب المحققين أنها - يعني خديجة - أفضل من عائشة، وأن فاطمة أفضل من الجميع(4).
وأقره على ذلك جمال الدين محمد الأشخر اليمني في شرحه على ذلك، واستدل على صحته بنحو ما مرَّ عن القاضي زكريا الأنصاري.
13 - وحكى السهيلي في الروض الأنف ما قاله أبو بكر بن داود وقد سُئل: عائشة أفضل أم خديجة؟ فقال: عائشة أقرأها رسول الله صلى الله
عليه [وآله] وسلم السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربها على لسان محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، فهي أفضل.
قيل له: فمن أفضل: خديجة أم فاطمة؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: « إن فاطمة بضعة مني »، فلا أعدل ببضعة من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أحداً.
قال السهيلي: وهذا استقراء حسن، ويشهد لصحة الاستقراء أن أبا لبابة حين ارتبط نفسه، وحلف ألا يحلّه إلا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فجاءت فاطمة لتحلّه، فأبى من أجل قسمه، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم : « إنما فاطمة بضعة مني »، فحلته، وقال: ويدل على تفضيل فاطمة قوله (علیه السّلام) لها : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم، فدخل في هذا الحديث أمها وأخواتها...(1)إلى آخر ما قال.
1) الروض الأنف 160/1 .
110 - وفي الجنانِ سيدا شبابها *** الحسنانِ يملكانِ بابَها(1)
إشارة منه قدس سره إلى الحديث النبوي الشريف: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)، وهذا الحديث جاز في شهرته حد التواتر، ولا أكاد أحصي له عدد المصادر، وحسب القارئ مني أن أطلعه على أسماء بعض الصحابة الذين وقفت على رواياتهم لهذا الحديث الشريف.
1 - فمنهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، وقد أخرج حديثه الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عنه (علیه السّلام) أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما
1) لم أقف على ما أشار إليه سيدنا الناظم قدس سره من أنهما يملكان باب الجنة فيما رأيت من الأحاديث (وفوق كل ذي علم عليم)، ولو قال: (أبوهما خير، زعيم بابها) لكان استوفى نظم الحديث بلفظه، وزاد ما دل على أنه لا يدخل الجنة إلا من كان بيده براءة من علي (علیه السّلام) بولايته (راجع فرائد السمطين 292/1).
خير منهما(1).
وأخرجه ابن عساكر في تاريخه بدون الزيادة في آخره، لكنه ذكرها في روايته الحديث في ترجمة عبد الله بن الحسن بن فضيل البزاز(2)، وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير بخمسة طرق(3)، متون أربعة منها متفقة بلفظ (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، ومتن الخامس: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لفاطمة: والله ما من نبي إلا وولد الأنبياء غيري، وإن ابنيك سيدا شباب أهل الجنّة، إلا ابني الخالة يحيى وعيسى.
وأخرجه أيضا المتقي الهندي في كنز العمال، وقال: أخرجه الطبراني(4). وأخرجه ثانيا عن علي (علیه السّلام)، أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لفاطمة (سلام الله علیها): ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، وابنيك سيدا شباب أهل الجنة. وقال: أخرجه البزار(5).
2 - ومنهم: الحسين بن علي (علیهما السّلام): وأخرج حديثه البدخشي في (مفتاح النجا) نقلا عن ابن عساكر وابن النجار، عن الحسين بن علي رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: لا تسبوا الحسن
والحسين، فإنهما سيدا شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين(1).
3 - ومنهم: ابن عباس حبر الأمة، وحديثه أخرجه ابن عساكر في تاريخه، والمتقي الهندي في كنز العمال، ولفظه: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، من أحبَّهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني(2).
4 - ومنهم: أبو بكر بن أبي قحافة: وحديثه أخرجه المحب الطبري في ذخائر العقبى، وقال: خرجه ابن السمان في الموافقة، ولفظه: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة(3).
5 - ومنهم: عمر بن الخطاب: وحديثه أخرجه ابن عساكر في تاريخه، والطبراني في معجمه الكبير، ولفظه : أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(4).
وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني(5).
وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال عن الطبراني في الكبير(6).
1) إحقاق الحق (الملحقات) 579/10 .
2) تاریخ ابن عساكر (ترجمة الحسين)، ص 45 ، تحقيق المحمودي. كنز العمال 105/13 .
3) ذخائر العقبى، ص 129 .
4) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الحسين)، ص 45 ، تحقيق المحمودي. المعجم الكبير للطبراني 35/3.
5) مجمع الزوائد 182/9 ، وهو في المعجم الكبير للطبراني 35/3 ط الموصل.
6) كنز العمال 97/13.
وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء، ووكيع في أخبار القضاة، وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب وغيرهم حديث تخاصم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) مع اليهودي في درع له عند شريح، وتخبط شريح في الحكم، وورد في الحديث أن عليا (علیه السّلام)، قال لشريح: أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة؟ قال: اللهم نعم. قال أبو نعيم: رواه أولاد شريح، عنه عن علي(1).
6 - ومنهم: عبد الله بن عمر: وحديثه أخرجه ابن ماجة في سننه ، ولفظه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما(2).
وأخرجه الحاكم في المستدرك (3)، والذهبي في تلخيصه، غير أنه أعله بقوله: (معلى متروك).
ونحن نقول له: قولك هو المتروك، فالحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه بعدة طرق(4). كما أخرجه الحافظ الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب) وعقب عليه بقوله : هذا حديث حسن ثابت، لا أعلم أحدا رواه
عن ابن عمر غير نافع، تفرد به المعلّى عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذیب، رزقناه عاليا بحمد الله ومنه .
ثم قال: وجمع إمام أهل الحديث أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير في ترجمة الحسين (علیه السّلام) طرقه عن غير واحد من الصحابة... ثم ذكر أسماء جماعة منهم وطرق أحاديثهم، وقال: وانضمام هذه الأسانيد بعضها إلى بعض دليل على صحته(1).
فهل بعد هذا من أثر لقول الذهبي؟؟
7 - ومنهم: جابر بن عبد الله : أخرج حديثه الطبراني في معجمه الكبير، وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد، والمتقي الهندي في كنز العمال، ولفظه: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(2).
وأخرج ابن عساكر في تاريخه بعدة طرق حديثاً عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: من أراد أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة، فلينظر إلى الحسين بن علي.
قال ابن عساكر: وقد أخرجته في ترجمة الحسن(3).
وهذا يكشف عن أن جابراً كان يروي ذلك في الحسن أيضاً.
8 - ومنهم عبد الله بن مسعود: وقد أخرج حديثه الحاكم في
المستدرك، ولفظه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح بهذه الزيادة، ولم يخرجاه(1). وقال الذهبي في التلخيص: صحيح.
كما أخرجه أبو نعيم في الحلية، بدون ذكر الزيادة: (وأبوهما خير منهما)(2).
9 - ومنهم: حذيفة: وحديثه أخرجه الترمذي في سننه بسنده عن زر ابن حبيش عن حذيفة، قال: سألتني أمي متى عهدك - تعني بالنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم؟ فقلت: مالي به عهد منذ كذا وكذا. فنالت مني. فقلت لها: دعيني آتي النبي صلى عليه [وآله] وسلم فأصلي معه المغرب وأسأله أن يستغفر لي ولك. فأتيت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فصليت معه المغرب، فصلى حتى صلى العشاء، ثم انقتل فتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا؟ حذيفة؟ قلت: نعم. قال: ما حاجتك غفر الله لك ولأمك. قال: إن هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربَّه أن يسلّم عليَّ ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا
من حديث إسرائيل(1).
وأخرجه أحمد في مسنده(2)، والحاكم في المستدرك(3)، والذهبي في تلخيصه، وقال: صحيح.
وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء(4)، والخطيب البغدادي في تاريخه(5)، والطبراني في معجمه الكبير مكرراً بأربعة طرق، في ثالثها زيادة (وأبوهما أفضل منها)(6)، وأخرجه الذهبي في تاريخ الإسلام، وسير أعلام النبلاء(7)، والهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: قلت: رواه الترمذي باختصار، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط(8).
وأخرجه المتقي في كنز العمال 88/13 نقلا عن الروياني وابن حبان والمستدرك. وفي 93/13 نقلا عن ابن عساكر. وفي ص 97 نقلا عن ابن سعد والمستدرك وأيضاً عن أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان، وفي 273/16 نقلا عن الطبراني وابن أبي شيبة...
1) سنن الترمذي 660/5 تحقيق إبراهيم عطوه عوض، تحفة الأحوذي 284/10 .
2) مسند أحمد 391/5، 392 .
3) المستدرك 381/3 .
4) حلية الأولياء 190/4.
5) تاریخ بغداد 372/6 ، وفي 230/10 بزيادة (وأبوهما أفضل منها).
6) المعجم الكبير للطبراني 37/3 - 38.
7) تاريخ الإسلام 90/2. سير أعلام النبلاء 168/3.
8) مجمع الزوائد 183/9.
إلى غير ذلك من المصادر التي ستأتي الإشارة إليها.
10 - جهم - غير منسوب -: وحديثه أخرجه ابن حجر في الإصابة(1)أنه سمع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: إن حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنة.
وقال ابن حجر: أخرجه ابن منده، ورواه ابن أبي عزرة في مسنده.
أقول: وأخرجه المتقي في كنز العمال نقلاً عن ابن منده وأبي نعيم وابن عساكر(2).
11 - ومنهم: مالك بن الحويرث الليثي: وقد أخرج حديثه ابن عساكر في تاريخه بإسناده عن البغوي إلى مالك بن الحسن بن مالك بن الحويرث قال: حدثني أبي عن جدي قال: قال رسول الله : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما(3).
وأشار المحقق إلى أن البغوي ترجم مالك بن الحويرث في معجم الصحابة وذكر الحديث(4). وأخرج الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد عن مالك بن الحويرث، وقال: رواه الطبراني، وفيه عمران بن أبان ومالك بن الحسن، وهما ضعيفان وقد وثقا(5). وأخرجه المتقي في كنز العمال نقلاً عن
الطبراني في الكبير(1)، وأخرجه أبو القاسم السهمي في تاريخ جرجان(2)، والنبهاني في الفتح الكبير(3).
12 - ومنهم: قرة بن أياس: وحديثه أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منها.
وقال: رواه الطبراني(4)، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح(5).
وأخرجه المتقي في كنز العمال نقلا عن الطبراني(6)، وأخرجه ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة(7)، والسيوطي في الجامع الصغير(8)، والنبهاني في الفتح الكبير(9).
13 - ومنهم: أسامة بن زيد: وحديثه أخرجه الهيثمي في مجمع
1) كنز العمال 100/13.
2) تاریخ جرجان، ص 395، ط عالم الكتب، بيروت.
3) الفتح الكبير 80/2.
4) راجع المعجم الكبير للطبراني 39/3 ط الموصل.
5) مجمع الزوائد 183/9 .
6) كنز العمال 100/13 .
7) الصواعق المحرقة، ص 114 ط مصر 1312هـ ، ص 189 ط عبد اللطيف بمصر.
8) الجامع الصغير 379/1 ط بولاق.
9) الفتح الكبير 80/2.
الزوائد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنَّة. رواه الطبراني في الكبير(1)والأوسط، وفيه زياد الجصاص وهو متروك، ووثقه ابن حبان وقال: ربمایهم(2).
وأخرجه المتقي نقلاً عن الطبراني في الأوسط(3)، وأخرجه ثانياً بزيادة (اللهم إني أحبهما فأحبهما) نقلا عن الطبراني(4).
14 - ومنهم: أنس بن مالك: وحديثه أخرجه ابن عساكر في ترجمة الحسين من تاريخه، بسنده عن أنس، قال: قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(5).
وأخرجه المتقي في كنز العمال نقلاً عن أبي نعيم(6)، غير أنه سبق منه ذكر الحديث عن أنس بصورة أخرى نقلها عن الديلمي(7)، وهي: هبط ملكان لم يهبطا مذ كانت الأرض، فبشراني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فقلت: أبوهما خير منهما، وعثمان شبيه إبراهيم خليل الرحمن(8).
أقول: ولنا عودة مع أنس في حديثه هذا، وحديث آخر سيأتي.
15 - ومنهم: أبو سعيد الخدري: وحديثه أخرجه الترمذي في سننه، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
ثم ذكره بسند آخر وقال: هذا حديث صحيح حسن(1).
وأخرج الحديث عنه كذلك ابن أبي شيبة في مصنفه(2).
وأخرجه أحمد في مسنده كذلك(3)إلا أنه رواه في ص 64 بلفظ: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وفاطمة سيدة نسائهم إلا ما كان لمريم بنت عمران.
وأخرجه غير هؤلاء كذلك.
وفي بعض أسانيدهم بزيادة (إلا ابني الخالة عيسى ويحيى (علیهما السّلام)).
فمن رواه بالصورتين الخطيب في تاريخ بغداد(4)، وكذلك ابن عساكر في تاريخه(5)، وأبو نعيم في حلية الأولياء(6)وأخبار
1) راجع تحفة الأحوذي 272/10.
2) المصنف لابن أبي شيبة 96/12.
3) راجع مسند أحمد 3/3، 32، 64 ، 82.
4) تاریخ بغداد 231/9 - 232 ، 90/11 بدون الزيادة، وفي 207/4 مع الزيادة.
5) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الحسين (علیه السّلام)) ، ص 54 - 56 بدون الزيادة وفي ص 52 - 53 مع الزيادة.
6) حلية الأولياء 71/5 مع الزيادة.
أصبهان(1)، وكذلك الطبراني في معجمه الكبير بستة طرق(2).
وأخرج النسائي في الخصائص بسندين، قال في آخر الثاني: ما استثنى من ذلك(3).
وهذه من النسائي شهادة على نفي الزيادة.
ثم رواه بسند ثالث ينتهي إلى الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعم، وفيه الزيادة، وكذلك الحاكم في المستدرك أخرج الحديث مع الزيادة، وقال: هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة، وأنا أتعجب أنهما لم يخرجاه(4).
كما أخرجه كذلك الهيثمي في موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان(5).
أقول: وسيأتي منا تعقيب على هذه الزيادة وغيرها بعد هذا.
16 - ومنهم: أبو هريرة: وحديثه أخرجه النسائي في الخصائص، ولفظه: قال أبطأ علينا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يوما صبور النهار(6)، فلما كان العشي، قال له قائلنا : يا رسول الله قد شقّ علينا لم نرك
1) أخبار أصبهان 343/2 بدون الزيادة.
2) المعجم الكبير للطبراني 38/3.
3) الخصائص، ص 36ط التقدم.
4) المستدرك 166/3 .
5) موارد الظمآن إلى زوائد بن حبان، ص 551.
6) لم أقف على معنى له يناسب المقام، ولا يبعد أن يكون (صبور النهار) تصحيفاً عن (صبوح النهار) أي بكرة، ومنه أتيته ذا صبوح، أي بكرة، ولا يستعمل إلا ظرفاً (قطر المحيط).
اليوم. قال: إن ملكاً من السماء لم يكن زارني فاستأذن الله في زيارتي، فأخبرني وبشرني أن فاطمة بنتي سيدة نساء أمتي، وأن حسناً وحسيناً سيدا شباب أهل الجنة(1).
وأخرجه أيضاً المتقى في كنز العمال نقلا عن الطبراني في الكبير وابن النجار(2).
17 - ومنهم: البراء بن عازب: وحديثه أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(3).
وأخرجه أيضاً المتقي الهندي في كنز العمال، وقال: أخرجه الطبراني في الأوسط(4).
18 - ومنهم: علي الهلالي: وأخرج حديثه الهيثمي في مجمع الزوائد، وهو حديث طويل جاء فيه: قال صلى الله عليه [وآله] وسلم لابنته فاطمة: ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما - والذي بعثني بالحق - خير منها... إلى آخر الحديث.
وقال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير والأوسط(5).
وأخرجه المحب الطبري في ذخائر العقبى(1)، وابن عراق في تنزيه الشريعة نقلا عن الطبراني(2).
19 - ومنهم أبو رمثة: وحديثه أخرجه ابن عساكر كما في كنز العمال، ولفظه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: حسين مني وأنا منه، هو سبط من الأسباط ، أحب الله من أحب حسيناً، إن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(3).
ورواه البدخشي في مفتاح النجاة كما في ملحقات الإحقاق(4).
20 - ومنهم: بريدة: وحديثه أخرجه المتقي في منتخب كنز العمال، نقلاً عن أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم. ولفظه: قال صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، إلا ابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران(5).
هذه أحاديث عشرين صحابياً تمن روى حديث الحسن والحسين (سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما)، وهم إن اتفقوا على رواية صدره، فلم يتفقوا على شطره الآخر، كما قرأنا عند بعضهم زيادات لم
ترد عند بعضهم الآخر، ولدى تدقيق النظر في تلك الزيادات وذلك الاختلاف وجدنا أن ذلك إنما هو محاولات من ذوي النصب المبطن لتضييع معالم الفضيلة.
لقد حاول ذو النصب المبطّن الغض من سيادة السبطين على أهل الجنة من الأولين والآخرين، فسلكوا مسالك وعرة لم تبلغ بهم إلى غاياتهم، بل كشفوا بذلك عن سوء نياتهم.
وقد تبينت منهم فعلاً ست محاولات، هي كما يلي:
المحاولة الأولى: إلحاق الاستثناء في آخر الحديث بلفظ (إلا ابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا).
المحاولة الثانية: وضع حديث (سيدا كهول أهل الجنة).
المحاولة الثالثة: بيان معنى الكهولة بما يتلاءم وجو صدور الحديث؟
المحاولة الرابعة: إضافة الشباب إلى الكهول في حديثهم.
المحاولة الخامسة: حذف السيادة تماما، وقصر الشباب في الجنة على خمسة فقط.
المحاولة السادسة: حذف (وأبوهما خير منهما) من الحديث.
ولننظر إلى تلك المحاولات الفاشلة، هل أجهزت على كيان الحديث كما يريدون؟
لقد مرت بنا صور الحديث (سيدا شباب أهل الجنة)، فرأينا في بعضها زيادات خلت منها بقية الصور. ومن الملفت للنظر أن وجدنا بعض تلك الإضافات مروية عن الصحابي من بعض طرق حديثه، وغير مروية في بقية الطرق عنه، ولا بد أن يكون التزيد من صنيع الرواة من بعده، وكمثال على ذلك نستعرض الزيادات في الحديث حسب تسلسل رواته من الصحابة.
فلاحظ ما روي عن أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقد وردت جملة (وأبوهما خير منهما)، كجزء من الحديث في بعض الطرق عنه، بينما خلت بقيَّة الطرق عنه من ذلك.
ولاحظ أيضاً في المروي عنه (علیه السّلام)، إضافة الاستثناء (إلا ابني الخالة يحيى وعيسى).
وفي المروي عن عبد الله بن مسعود وجدنا إضافة (وأبوهما خير منهما) مذكورة في بعض طرق الحديث عنه، وأصر الحاكم في المستدرك على إثباتها، فقال: هذا حديث صحيح بهذه الزيادة، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي في التلخيص على تصحيحه. بينما نجد تلك الزيادة محذوفة من الحديث فيما أخرجه أبو نعيم في الحلية، فراجع.
وفي المروي عن حذيفة وجدنا الإضافة بلفظ (وأبوهما أفضل منهما) مروية في بعض طرق الحديث عنه، ومحذوفة في بعضها الآخر، فراجع.
وفي المروي عن أنس نجد في بعض الطرق عنه قلب المعنى رأساً على عقب - كما يقال - مع إضافة عنصر غريب في الحديث، فقد روى أن الملكين لما هبطا أخبرا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) (وقلت - والقائل هو النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): أبوهما خير منهما، وعثمان شبيه إبراهيم خليل الرحمن)، ولما كان هذا المروي عن أنس لم يصلنا مسنداً، بل أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال(1)نقلاً عن الديلمي، وهو صاحب كتاب فردوس الأخبار، وقد ورد الحديث فيه كذلك(2)، فهو بإرساله ساقط لا يضارع المسند عن أنس، الذي ليس فيه تلكم الإضافة، كما رواه أبو نعيم في الحلية وأخرجه عنه المتقي الهندي في كنز العمال(3)، فراجع.
وفي المروي عن أبي سعيد الخدري نجد إضافة الاستثناء (إلا ابني الخالة عيسى ويحيى (علیهما السّلام)) في بعض طرق الحديث عنه، وخلو بعضها الآخر عن تلك الإضافة.
هذا عن بعض الزيادات في الحديث التي رويت عن الصحابي الواحد في بعض الطرق، ولم ترد في طرق أخرى عنه.
أما عن الزيادات الأخرى التي وردت في أحاديث الصحابة، في جميع الطرق عنهم:
1 - ففي حديث ابن عباس وردت جملة: من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني.
2 - وفي حديث ابن عمر: وردت جملة: (وأبوهما خير منهما) وكذلك في حديث مالك بن الحويرث، وحديث قرة بن إياس.
3 - وفي حديث حذيفة: وردت جملة: إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.
4 - وفي حديث أسامة بن زيد وردت جملة: (اللهم إني أُحبُّهما فأحبَّهما) في بعض طرق الحديث عنه.
5 - وفي حديث أبي سعيد في بعض طرقه: وفاطمة سيدة نسائهم إلا ما كان المريم بنت عمران .
6 - وفي حديث أبي هريرة: إن فاطمة بنتي سيدة نساء أمتي.
7 - وفي حديث أبي رمثة: حسين مني وأنا منه، هو سبط من الأسباط، أحب الله من أحب حسيناً .
8 - وفي حديث بريدة: وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران.
وإذا نظرنا إلى تلكم الزيادات فكلها يمكن صحة ورودها لكثرة شواهدها، وتعدد أسانيدها، إلا ما ورد من الاستثناء (إلا ابني الخالة عيسى ويحيى) وإلا الزيادة في حديث أنس.
ولما كان حديث أنس مرسلا كما بينا، وهو معارض بما روي عنه
مسنداً من دون تلك الزيادة، فلا حاجة إلى الوقوف عنده، إنما الذي ينبغي أن نبحث عنه هو الاستثناء، وهو لم يرد مسندا إلا في حديث مروي عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في بعض طرقه، فيما أخرجه الطبراني في معجمه الكبير، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، ثنا علي بن ثابت، حدثنا أسباط بن نصر، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن علي رضي الله عنه(1).
ويكفينا مؤنة البحث في جميع رجال السند وجود أسباط، فهو سقط الأسقاط.
قال أبو حاتم: سمعت أبا نعيم يضعفه، وقال: أحاديث عامية سقط مقلوب الأسانيد.
وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الساجي في الضعفاء: روى أحاديث لا يتابع عليها.
وقال ابن معين: ليس بشيء(2). وقال ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الخطأ يُغرب(3). وفي كتاب العلل ومعرفة الرجال لأحمد: وسألته عن أسباط بن نصر، فقال: ما كتبت من حديثه عن أحد شيئا. ولم أره عرفه، ثم قال: وكيع وأبو نعيم يحدثان عن مشايخ الكوفة، ولم أرهما يحدثان عنه(4).
وذكره الذهبي في كتاب المغني في الضعفاء(1)وفي ديوان الضعفاء والمتروكين(2).
والحديث الثاني الذي ورد فيه الاستثناء مروي عن أبي سعيد الخدري في بعض طرقه كما مرت الإشارة إليه.
فقد رواه الطبراني في معجمه الكبير بسند ينتهي إلى الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي، عن أبيه، عن أبي سعيد(3). ورواه كذلك النسائي في الخصائص بسند ينتهي إلى الحكم... الخ(4)، وكذلك ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسين (علیه السّلام) من تاريخه، وأبو نعيم في الحلية(5)، والخطيب في تاريخه(6)، والحاكم في المستدرك(7).
فكل هؤلاء روى الاستثناء في حديث أبي سعيد بسند ينتهي إلى الحكم المذكور، والحكم هذا لينه الذهبي في التلخيص، وعقب على تلك الزيادة بقوله: وليس عند ابن عمر وابن مسعود: إلا ابني الخالة.
وقد ضعف ابن معين: الحكم بن عبد الرحمن(1)، وقال ابن حجر: صدوق سيئ الحفظ(2). وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء والمتروكين، وقال: ليس بالقوي ولا المتروك(3).
ونحن إذا رجعنا إلى بقية الأسانيد عن أبي سعيد عن غير طريق الحكم لا نجد هذه الزيادة، مع العلم أن الحديث رواه عن أبي سعيد عطية بدون زيادة، ورواه عنه عطاء بن يسار بدون زيادة، ورواه عنه عبد الرحمن بن أبي نعم والد الحكم الآنف الذكر ، وعنه الفضل بن دكين بدون زيادة، ولم يرو الزيادة إلا الحكم، فتكون الآفة منه، وفيه ولا اعتبار بما يتفرد بروايته دون بقية من سميناه من الرواة عن أبيه وعن أبي سعيد، وهم غير مقدوح فيهم.
وضع حديث (سيدا كهول أهل الجنة)، وهذا بالرغم من استبطانه بطلانه، لكن أصرَّ غير واحد على تصحيحه سنداً، ووجه آخرون متنه ليتلاءم وحقيقة أهل الجنة، ولا يصادم الحديث المتواتر (سيدا شباب أهل الجنة)، ونحن لا بد لنا من عرض الحديث بتمام صوره المسندة والمرسلة المثبتة في دواوين الحديث وغيرها، لينظر القارئ بعينه إلى ما في أسانيده من آفات سيئات، وفي متنه من تناقضات بينات.
وإلى القارئ الحديث بأسانيده عند من رواه، وهم كما يلي:
الأول: الترمذي: فقد روى الحديث في سننه بثلاثة أسانيد:
السند الأول: حدثنا علي بن حجر، أخبرنا الوليد بن محمد الموقري عن الزهري عن علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم إذ طلع أبو بكر وعمر، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: هذان سيّدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، يا علي لا تخبرهما.
قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، والوليد بن محمد الموقري يضعف في الحديث، وقد روي هذا الحديث عن علي من غير هذا الوجه، وفي الباب عن أنس وابن عباس(1).
أقول: قال البخاري في كتابه الضعفاء الصغير: الوليد بن محمد
1) تحفة الأحوذي 149/10 - 150 .
الموقري في حديثه مناكير، قال علي بن حجر: كنيته أبو بشر مولى يزيد بن عبد الملك، كثير الغلط، وكان لا يقرأ من كتاب، فإذا دفع إليه كتاب قرأه(1).
فإذا كان كذلك كما يقول علي بن حجر فلماذا روى هو عنه هذا الحديث؟ ولماذا أخرجه عنه الترمذي؟
ولنقرأ طائفة من أقوال علماء الجرح والتعديل في الوليد بن محمد الموقري مولى يزيد بن عبد الملك الأموي:
قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان: روى عن الزهري أشياء موضوعة لم يحدث بها الزهري قط كما روي عنه، وكان يرفع المراسيل، ويسند الموقوف، لا يجوز الاحتجاج به بحال.
وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه.
وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء والمتروكين، وقال: كذبه يحيى وقال الدارقطني : ضعيف(2).
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: وسمعت عليا - ابن المديني - يقول: الوليد بن محمد الموقري ضعيف ليس بشيء، وكان قد روى عن الزهري ولا نروي عنه شيئاً(3).
وقال ابن خزيمة: لا أحتج به، وقال النسائي: متروك الحديث، وكذَّبه يحيى بن معين.
قال ابن حبان في كتاب المجروحين(1): قال: سمعت الدارمي: قلت ليحيى بن معين: فالوليد بن محمد الموقري؟ قال: ليس بشيء(2).
فحديث يرويه هكذا إنسان كيف يكتب ويحتج به، ويودع في كتب الحديث المعتبرة؟
مضافاً إلى أن الموقري المذكور يرويه عن الزهري الذي كان مع بني مروان، يضلع معهم في ركابهم، وحتى قيل: إنه صاحب الشرط لبعضهم(3).
وقد فسقته لذلك أخته(4)، وزاد على ذلك وصف الشافعي
1) کتاب المجروحين 77/3 .
2) تاريخ البخاري الكبير 155/8 ميزان الاعتدال في ترجمته الضعفاء والمتروكين للنسائي، ص 104ط دار الوعي بحلب. ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي، ص 286 .
3) جاء في جامع فهارس الثقات صنعة حسين إبراهيم زهران، ص 122 ط مؤسسة الكتب الثقافية، أنه ورد في (5/8) عن خارجة يقول: قدمت على الزهري وهو صاحب شرط لبعض بني مروان، قال: فرأيته يركب وفي يده حربة وبين يديه الناس بأيديهم كافر كوبات، فقلت: قبح الله ذا من عالم! فانصرفت فلم أسمع منه.
4) ذكر ابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام) 65/2 بسنده عن جعفر بن إبراهيم الجعفري، قال: كنت عند الزهري أسمع، فإذا عجوز قد وقفت عليه فقالت: يا جعفري لا تكتب عنه، فإنه مال إلى بني أمية وأخذ جوائزهم. فقلت: من هذه؟ قال: أختي رقية خرفت. قالت: بل خرفت أنت، كتمت فضائل آل محمد ...
والدارقطني له بالتدليس، وعده ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين(1)، وهذا عيب على عيب.
مضافاً إلى آفة الانقطاع في سنده، حيث لم يدرك الإمام علي بن الحسين جده على بن أبي طالب عليهما السلام في سن يتحمل عنه ويسمع منه كما هم يقولون. فالحديث ساقط بالمرة من هذا الطريق.
السند الثاني: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لأبي بكر وعمر: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين لا تخبرهما يا علي.
قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
أقول: ويكفينا في إسقاط سنده وعوار رجاله وجود محمد بن كثير وهو المصيصي، الذي قال فيه علماء الجرح والتعديل ما يلي: قال البخاري: ضعفه أحمد. وقال أيضاً: لين جداً.
وقال عبد الله بن أحمد: ذكر أبي محمد بن كثير فضعفه جداً، وضعف حديثه عن معمر جداً. وقال: هو منكر الحديث. وقال: يروي أشياء منكرة.
وقال صالح بن أحمد عن أبيه: لم يكن عندي ثقة، بلغني أنه قيل: له كيف سمعت من معمر؟ قال: سمعت منه باليمن، بعث بها إلي إنسان من
1) طبقات المدلسين لابن حجر، ص27ط المحمودية بمصر.
اليمن.
وقال حاتم بن الليث عن أحمد: ليس بشيء، يحدث بأحاديث مناكير ليس لها أصل.
وقال يونس بن حبيب: قلت لأبن المديني: إن محمد بن كثير حدث عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس قال: نظر النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى أبي بكر وعمر فقال: هذان سيدا كهول أهل الجنة. الحديث.
فقال علي - ابن المديني -: كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ، فالآن لا أحب أن أراه.
وقال الآجري عن أبي داود: لم يكن يفهم الحديث. وقال ابن عدي: له أحاديث لا يتابعه عليها أحد.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال النسائي: ليس بالقوي، كثير الخطأ.
وقال أبو حاتم: دفع إلي محمد بن كثير كتابا من حديثه عن الأوزعي، فكان يقول في كل حديث منها : ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي، وهو محمد ابن كثير(1).
أضف إلى هذه الطامة في السند آفة أخرى هي روايته عن قتادة.
1) راجع بشأن هذه الأقوال ميزان الاعتدال وتهذيب التهذيب ولسان الميزان في ترجمته.
وقتادة: إمام التدليس كما في نصب الراية للزيلعي(1)، وقال الدارقطني: مدلس(2). وعده ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين، وقال:
هو مشهور بالتدليس، وصفه بذلك النسائي وغيره(3). وقال الذهبي في كتاب المغني: حافظ ثقة، لكنه مدلّس، وقد رُمي بالقدر (؟!)(4).
أقول: كيف يكون حافظاً ثقة وهو مدلّس، وهل التدليس إلا الكذب؟
وكان طاووس يفرّ من قتادة، وكان قتادة يُرمى بالقدر(5).
قال الذهبي: وقد رمي بالقدر، وقد وقع في القدر كبار، حتى إن الحسن لطخ به، والله المستعان...
إلى أن قال: فأما الغلاة من الناصبة والشيعة والخوارج والقدرية والجهمية والدعاة من هذه الفرق فكان جمهور السلف يحذرون منهم، ولا يرون الرواية عنهم(6).
فبعد هذا العرض لأحوال اثنين من رجال السند يسقط الحديث بالمرة، ويكفي في سقوطه محمد بن كثير الذي أعرض ابن المديني عنه بسبب
هذا الحديث.
السند الثالث: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، أخبرنا سفيان بن عيينة، قال: ذكره داود عن الشعبي عن الحارث عن علي أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ماخلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي.
ففي هذا السند سفيان بن عيينة، وهو على ما وصف به من العلم، فقد وصفوه بالتدليس كما عن النسائي وغيره، وعده ابن حجر في المرتبة من الثالثة من المدرّسين، وخفّف اللهجة فقال: وكان يدلّس، لكن لا يدلّس إلا عن ثقة(1).
وما دام كذلك فلماذا التدليس إذن؟ والتدليس على أية حال وأية
1) نفس المصدر، ص 10. أقول: ذكر الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية في علم الرواية، ص 359 بسنده عن إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: ثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد بن علي، قال: كان النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إذا جاءه مال لم يبيته ولم يقيله. قال فقال له رجل: يا أبا محمد سماع من عمرو بن دينار؟ قال: دعه لا تفسده. قال: يا أبا محمد سماع من عمرو بن دينار؟ قال: ويحك لا تفسده، ابن جريج عن عمرو بن دينار. قال: يا أبا محمد سماع من ابن جريج؟ قال: ويحك لم تفسده؟ الضحاك بن مخلد أبو عاصم عن ابن جريج. قال: يا أبا محمد سماع من أبي عاصم؟ قال ويحك لم تفسده؟ حدثني علي بن المديني عن الضحاك بن مخلد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار. قال ابن عيينة: تلوموني على علي بن المديني، لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني. اهـ. وحسبنا بهذا، فهو يكفي في كشف ابن عيينة وأمانته في الحديث.
صفة فهو من أنواع الكذب(1).
وفي هذا السند أيضاً داود، وهو ابن أبي هند، وهذا بالرغم من توثيقه عن جماعة، إلا أن أحمد بن حنبل قال: كثير الاضطراب والخلاف(2). وسواء صح توثيقه أم لم يصح، فيكفي في توهين هذا الحديث بهذا السند رواية الشعبي له عن الحارث. وهذا من أعجب العجب، لأن الشعبي نفسه يصف الحارث بالكذب، فمن كان كذلك كيف يستحل هو الرواية عنه؟
ولما كانت رواية الشعبي عن الحارث ستأتي أيضاً عند ابن ماجة فنرجئ بقية الكلام إلى هناك.
ثانياً: ابن ماجة: فقد روى الحديث في سننه بسندين كما يلي:
السند الأول: حدثنا هشام بن عمار ، ثنا سفيان عن الحسن بن عمارة عن فراس عن الشعبي عن الحارث عن علي، قال: قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي ماداما حيين(3).
وهذا السند أولاً: فيه سفيان بن عيينة، وقد مرَّ عده من المدرّسين في المرتبة الثانية عند ابن حجر.
وثانيا: فيه الحسن بن عمارة، وهو كسابقه معدود من المدلسين، بل هو أسوأ حالاً من سفيان، فقد ذكره ابن حجر في طبقات المدلسين في المرتبة الخامسة، وقال: ضعفه الجمهور. وقال ابن حبان: بليته التدليس(1). وقال البيهقي: وهو متروك لا يحتج به(2). وقال الدارقطني: والحسن بن عمارة ضعيف(3). وذكره ابن حبان في كتاب المجروحين(4)، وقال: وكان ابن عيينة إذا سمعه يروي عن الزهري وعمرو بن دينار جعل إصبعيه في أذنيه... وعن يحيى بن معين قال: الحسن بن عمارة ليس بشيء. وحكى ابن حبان قول شعبة فيه: ما أبالي حدثت عن الحسن بن عمارة بحديث أو زنيت زنية في الإسلام.
وثالثاً: فيه فراس - وهو ابن يحيى - وثقه بعضهم، فقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق، قيل له: ثبت؟ قال: لا. وقال يعقوب بن أبي شيبة: وكان - فراس - مكتبا وفي حديثه لين وهو ثقة(5).
ورابعا : فيه الشعبي، وهو عامر بن شراحيل، وهو الطامة الكبرى، وفي كتب الجرح والتعديل قد بالغوا في توثيقه، وليس هناك، ونحن يكفينا أن
نعرف القارئ بأنه كان مؤدِّباً لولد عبد الملك بن مروان(1)، وأنه كان قاضياً أيضاً لعبد الملك بالكوفة أيام الحجاج ومن بعده لبني أمية.
قال العلاء بن هارون: ولي الشعبي القضاء فما قام له ولا قوي عليه(2).
ومن قبيح قوله وقد أنكر عليه جوره في القضاء، فأتاه الأحنف ليفهمه، وقال له: فاقض بينهما بما أراك الله. قال: لست برأي ربِّي أقضي، إنما أقضي برأيي(3).
وفي أيام قضاوته لعبد الملك حدثت قصة تخاصم رجل مع زوجته عنده، فنظر إليها الشعبي وكانت جميلة وتخاوصت له، فحكم للزوجة على زوجها، فقال زوجها - البارقي:
فُتِنَ الشعبيُّ لما *** رَفَعَ الطرفَ إليها
قتَلتْهُ بقوامٍ *** وبخطي حاجبي
وبنان كالمداري *** وبحسن مقلتيها
كيفَ لو أبصَرَ منها *** نحرَهَا أَو سَاعديها
لصبا حتى تَراهُ *** ساجداً بينَ يديها
بنتُ عيسى بنِ جرادٍ *** ظُلِمَ الخصمُ لديها
فقَضَى جوراً علينا *** ثم لم يَقضِ عليها
قالَ للجلوازِ قدّمها *** وأحضِر شاهديها
فشاعت القصة والأبيات حتى بلغت عبد الملك، وروى وكيع أن الشعبي أتى قصر عبد الملك فقرع الباب، فقال الآذن: من هذا؟ فقال: الشعبي. فقال: (فتن الشعبي لما) إلى آخر ما جرى بينهما بدون أي حياء، كما ذكر مرور الشعبي بامرأة فسمعها تنشد (فتن الشعبي لما)(1)
فتن الشعبي لما *** رفع الطرف إليها
فتنته بثنايا *** ها وقوسي حاجبيها
ومشت مشياً رويداً *** ثم هزت منكبيها
فقضى جوراً على الخصـ *** ـم ولم يقض عليها
فقبض الشعبي عليه وضربه ثلاثين سوطا.
قال ابن أبي ليلي: ثم انصرف الشعبي يوماً من مجلس القضاء وقد شاعت الأبيات وتناشدها الناس ونحن معه، فمررنا بخادم تغسل الثياب وتقول: (فتن الشعبي لما). ولا تحفظ تتمة البيت، فوقف عليها ولقنها وقال: (رفع الطرف إليها) ثم ضحك وقال: أبعده الله، والله ما قضينا لها إلا بالحق. أخبار القضاة لوكيع 416/2 فما بعدها، العقد الفريد 106/11 - 107 وذكر محققو كتاب العقد الفريد في الهامش أن القصة وردت في كتاب التمثيل والمحاضرة للثعالبي، ولم أقف عليها في المطبوع بتحقيق عبد الفتاح محمد الحلو بمصر.
.1) وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج 66/17 تحقيق محمد أبو الفضل، فقال: ارتفعت جميلة بنت عيسى بن جراد - وكانت جميلة كاسمها - مع خصم لها إلى الشعبي - وهو قاضي عبد الملك . فقضى لها، فقال هذيل الأشجعي:
إلى غير ذلك مما يروى عن مجونه كحضوره وليمة فرأى أهلها سكوتاً، فقال: مالي أراكم كأنكم في جنازة؟ أين الغناء؟ وأين الدف؟(1).
فالرجل أموي الهوى والنعمة، وماجن الأخلاق خسيس الهمة(2)،ناصبي العقيدة، وقد بلغ من نصبه أنه كان يحلف بالله : لقد دخل علي حفرته وما حفظ القرآن(3).
قال الصاحبي في فقه اللغة: وهذا كلام شنيع جداً فيمن يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني فما من آية إلا أعلم بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل(4).
وروى السلامي عن عبد خير عن علي: أنه رأى من الناس طيرة عند وفاة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فأقسم أن لا يضع على ظهره رداءاً حتى يجمع القرآن. قال: فجلس في بيته حتى جمع القرآن، فهو أول مصحف جمع فيه القرآن، جمعه من قلبه، وكان عند آل جعفر.
فالرجل مع ما ذكرناه من حاله وفعاله كان كاذباً في أقواله، وهو
1) لطائف اللطف للثعالبي، ص 29 ط دار المسيرة بيروت.
2) لاحظ أخبار مجونه في كتاب الأغاني 121/1 ، 71/2 ، 133 فستجد الرجل بمنتهى الخسة في الفسق.
3) كتاب القرطين 158/1 . المعرفة والتاريخ للفسوي 483/1. وفي مصنف ابن أبي شيبة 521/10 قال: مات أبو بكر وعمر ولم يجمعوا القرآن. لكن ابن سعد في 3 ق312/2 نقله عن ابن سيرين اقتصر على عمر وحده.
4) فقه اللغة، ص 170.
القائل: (لم يشهد الجمل من الصحابة إلا أربعة، فإن جاؤوا بخامس فأنا كذاب: علي وعمار وطلحة والزبير) كما في الفصول المختارة، في حين أنا إذا رجعنا إلى كتب التاريخ نجد أن الصحابة الذين جاؤوا مع الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) كانوا بالمئات.
قال المسعودي في مروج الذهب: وسار علي من المدينة... في سبعمائة راكب، منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار، منهم سبعون بدرياً، وباقيهم من الصحابة(1).
وذكر أسماء بعض أصحاب الرايات الذين رتبهم الإمام في القيادات فكان منهم: أبو أيوب الأنصاري، وخزيمة بن ثابت، وأبو قتادة بن ربعي، وعمار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله وعبيد الله ابنا العباس، سوى الذين كانوا مع الإمام (علیه السّلام) وحوله كالحسنين وابن جعفر وولد عقيل وغيرهم من بني هاشم والمشايخ من أهل بدر من المهاجرينوالأنصار(2). وهؤلاء كلهم من الصحابة الذي كانوا مع الإمام.
وأما الذين كانوا مع طلحة والزبير فيكفي أن تعرف أسماء من قتل معهم وهو من الصحابة، فقد قتل سليمان بن مطيع مع عائشة(3)، وعبد الرحمن بن عبيد الله أخو طلحة(4)، وعبد الرحمن بن عتاب
الأموي(1)، وعبد الله بن أبي خلف(2)، وعبد الله بن حكيم من مسلمة الفتح(3)، وعبد الله بن خلف والد طلحة الطلحات(4)، وعمرو بن عبد الله(5)، ومجان بن مسعود(6)، وأخوه مجالد بن مسعود(7)، والمحرز بن حارثة(8)، ومحمد بن طلحة(9)، ومعبد بن زهير(10)، ومعرض بن علاط السلمي(11)، وهلال بن وكيع الدارمي(12).
والآن وبعد هذا العرض تبين للقارئ أن الشعبي (هو من الكذابين)، فقد أتينا له بكثير من الصحابة الذين حضروا يوم الجمل.
فإذا كان هذه حاله كيف يصدق في حديثه؟ ولو أغمضنا النظر عن جميع ما تقدم، فكيف نقبل روايته للحديث المذكور وهو يرويه عن الحارث
وهو الذي كان يكذبه؟ فاقرأ ما يقوله علماء الجرح والتعديل في ذلك.
قال مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: حدثنا الحارث الأعور الهمداني وكان كذاباً(1).
حدثنا أبو عامر عبد الله بن براد الأشعري، حدثنا أبو أسامة عن مفضل عن مغيرة قال: سمعت الشعبي يقول: حدثني الحارث الأعور، وهو يشهد أنه أحد الكذابين.
وقال ابن حبان في كتاب المجروحين: قال الشعبي: حدثنا الحارث وأشهد أنه أحد الكذابين(2).
وقال ابن حجر في التقريب: كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف(3).
وقال النووي في الخلاصة: مجمع على ضعفه فإنه كان كذاباً(4).
وقال الفتني في كتابه تذكرة الموضوعات: الحارث بن عبد الله الهمداني الأعور من كبار علماء التابعين، كذبه الشعبي وابن المديني ، وأبطل ابن سيرين عامة ما يرويه عن علي(5).
وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن حبان: كان غالياً في التشيع، واهيا في الحديث. مع أنه أخرج له في صحيحه، وقيل: كان أفقه الناس ، وأفرض الناس، وأحسب الناس.
وفي اللثالي المصنوعة: كذاب يروي عن علي.
أقول: فإذا كان الشعبي يشهد على الحارث أنه أحد الكذابين، وعلى شهادته تلك جرى من بعده، فلماذا لم يتجنَّب الأربعة من أصحاب السُّنَن رواية حديثه؟ فقد أخرج له الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة.
ولما كان كذاباً بشهادة الشعبي ومن تبعه فرواية الشعبي عنه حديث الكهول إذن تكون ساقطة، ولا يحتج بحديث الكذابين. ولقد أحر تجريحهم للحارث مع تخريجهم لحديثه في صحاحهم جماعة من أتباعهم ، ولا بد لهم من إبداء عذر عن ذلك التناقض.
فقال السنوسي الحسيني في مكمل إكمال الإكمال:
فإن قيل: فإذا كان - الحارث - أحد الكذابين فما بال الشعبي حدث عنه ؟
فالجواب: أن الأئمة رضوان الله عليهم إنما حدثوا عن مثل هؤلاء مع اعترافهم بكذبهم لأوجه: منها : أن يعلموا طرق حديثهم وضروب رواياتهم، لئلا يأتي مجهول أو مدلّس فيبدل اسم الضعيف ويجعل مكانه قويا، فيعلم المحقق بمعرفته طرق الضعفاء ذلك.
والثاني: أن يكون الرجل إنما تُرك لأجل غلطه وسوء حفظه، أو
يكون ممن أكثر فأصاب وأخطأ، والحفاظ يعرفون خطأه من صوابه، فيدعون تخليطه، ويستظهرون صحيح حديثه لموافقة غيره، وبهذا احتج الثوري حين نهى عن الكلبي، فقيل له: وأنت تروي عنه؟ فقال: أنا أعلم صدقه من كذبه ، وهم لا يروون منها شيئاً للحجة بها والعمل لمقتضاها(1).
وهذا الجواب كما ترى ليس بمقنع، ولو سلمناه إذن لا حجة في رواية الشعبي عن الحارث الحديث الكهول ما داموا يروون عن الكذابين لا للحجة بها والعمل بمقتضاها كما يقول السنوسي الحسيني.
ولكن غيره سلك طريقاً آخر في توجيه تخريج أحاديثه عند الأربعة مع تجريحهم له.
فقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح المصري: الحارث الأعور ثقة ما أحفظه، وما أحسن ما روى عن علي وأثنى عليه. قيل له: فقد قال الشعبي: كان يكذب؟ قال: لم يكن يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه(2).
وقال الذهبي في ميزانه: وحديث الحارث في السنن الأربعة: والنسائي مع تعنته في الرجال، فقد احتج به وقوى أمره، والجمهور على توهين أمره مع روايتهم لحديثه في الأبواب، فهذا الشعبي يكذبه ثم يروي عنه، والظاهر إنه كان يكذب في لهجته وحكاياته، وأما في الحديث النبوي فلا، وكان من
أوعية العلم(1).
أقول: وليس توجيه ابن شاهين والذهبي بمقبول، وإن خففا لهجة التجريح ومنحاه بعض بركات التوثيق، لأن الكاذب سواء في رأيه كما يقول ابن شاهين أو في لهجته وحكاياته، هو كذاب على كل حال ولا يوثق بنقله، فلا يجوز الاحتجاج بحديثه.
ولما كان الحارث من مقدمي أصحاب علي (علیه السّلام) في الفقه والعلم بالفرائض والحساب كما يقول ابن جرير(2)، وقال: وروي عن الشعبي أنه تعلم منه الفرائض والحساب.
فلم لم يرعَ الشعبي ذمَّة للعلم ولا حرمة للعالم، فكذب الحارث لماذا؟ لأنه وإياه مختلفان في العقيدة؟
هذا ما أشار إليه من طرف خفي أحمد بن صالح المصري بقوله: وإنما كان كذبه في رأيه؟ وإلا فما معنى ذلك؟
لكن القرطبي كشف دخيلة الأمر في تفسيره في باب فضائل القرآن، فقال: وأسند عن الحارث عن علي رضي الله عنه وخرجه الترمذي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول:
ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قلت: يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم ،
وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جَبَّار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ، مَن عَلِم علمه سَبَق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، خذها إليك يا أعور(1).
قال القرطبي: (الحارث) رماه الشعبي بالكذب وليس بشيء، ولم يين من الحارث كذب، وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي وتفضيله له على غيره، ومن ههنا - والله أعلم - كذبه الشعبي، لأن الشعبي، يذهب إلى تفضيل أبي بكر، وإلى أنه أول من أسلم(2).
قال أبو عمر بن عبد البر في جامع بيان العلم(3)عن الأعمش قال: ذكر إبراهيم النخعي عند الشعبي فقال: ذاك الأعور الذي يستفتيني بالليل ويجلس يفتي الناس بالنهار. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: ذاك الكذاب لم يسمع من مسروق شيئاً...
إلى أن قال: وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني: حدثني الحارث وكان أحد الكذابين. ولم يين من الحارث كذب... إلى آخر ما مرَّ عن القرطبي.
ونحن أيضاً ننهي مقالنا في هذا المقام بعد أن تبين لنا من هو الكذاب الأشر.
السند الثاني: عند ابن ماجة: حدثنا أبو شعيب صالح بن الهيثم الطائي، حدثنا عبد القدوس بن بكر بن خنيس، حدثنا مالك بن مغول عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين.
ويكفي في إسقاط الحديث وجود عبد القدوس بن بكر بن خنيس الذي قال فيه ابن حجر: وذكر محمود بن غيلان عن أحمد وابن معين وخيثمة أنهم ضربوا على حديثه...(1)
ونحن أيضا تبعا لهؤلاء الأعلام نضرب على حديثه.
أقول: وقد ذكر الحديث بهذا السند في مصباح الزجاجة فضائل أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)(فضل أبي بكر)(2).
ثالثا: وممن روى الحديث مسنداً الهيثمي في موارد الظمآن، قال:
أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدثنا محمد بن عقيل بن خويلد، حدثنا خنيس بن بكر بن خنيس، حدثنا مالك بن مغول عن عون ابن أبي جحيفة عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين(1).
ففي السند خنيس بن بكر بن خنيس وهذا ضعفه صالح بن جزرة كما في الميزان ولسانه والمغني(2).
رابعاً: وممن روى الحديث مسنداً الدولابي في كتابه الكنى والأسماء: أخبرني أحمد بن شعيب قال: أنبأ محمد بن عقيل قال: أنبأ خنيس بن بكر، حدثنا مالك بن مغول عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنة الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين(3).
وهذا السند فيه خنيس بن بكر بن خنيس أيضاً، وقد تقدم فيما قبله تضعيف صالح بن جزرة له.
خامساً: وممن روى الحديث مسنداً أحمد بن حنبل في مسنده:
قال عبد الله بن أحمد: حدثني وهب بن بقية الواسطي، حدثنا عمر
ابن يونس - يعني اليمامي - عن عبد الله بن عمر اليمامي عن الحسن بن زيد، حدثني أبي عن أبيه عن علي، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فأقبل أبو بكر وعمر فقال: يا علي هذان سيّدا كهول أهل الجنة وشبابها بعد النبيين والمرسلين(1).
ففي السند عبد الله بن عمر اليمامي الذي قال ابن حجر فيه: ويقال: ابن محمد ليس بمعروف، وقال: ضرب عليه الحسيني. وقال: هو ابن محمد الذي أخرج له مسلم(2).
وإذا كان هو ابن محمد فقد قال الذهبي فيه: مجهول(3).
وسواء كان ابن عمر أو ابن محمد فيكفي في توهين حديثه أن روايته لحديث الكهول إنما هي عن الحسن بن زيد الذي ولي المدينة للمنصور، ثم غضب عليه وعزله وحبسه حتى أطلقه المهدي وكان معه، قال ابن عدي: أحاديثه معضلة، وأحاديثه عن أبيه أنكر مما روى عن عكرمة(4).
وقال الفتني: ضعيف روى عن أبيه معضلات ومناكير(5).
ومن الغريب تصحيح أحمد محمد شاكر لهذا السند في هامش المسند(6).
سادساً: وممن روى الحديث مسنداً الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، أخرجه بأربعة أسانيد، وهي كما يلي:
السند الأول: قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي بن عياض بن أبي عقيل القاضي بصور، أخبرنا محمد بن أحمد بن جميع، أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن مخلد، حدثنا محمد بن سعيد بن عبد الله أبو عبد الله الخزاز السوسي، حدثنا يحيى بن عنبسة المصيصي - أصله بصري -، حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: سيدا كهول أهل الجنة أبو بكر وعمر، وإن أبا بكر في الجنة مثل الثريا في السماء.
قال يحيى: وأبعد فوق ذاك(1).
أقول: ولا نطيل الوقوف عند رجال السند، ويكفينا بيان حال واحد نهم يكفي في سقوطه جملة وتفصيلا. وذلك هو: يحيى بن عنبسة الذي ذكره ابن حبان في المجروحين، وقال: شيخ دجّال يضع الحديث على ابن عيينة وداود ابن أبي هند وأبي حنيفة وغيرهم من الثقات، لا تحل الرواية عنه بحال، ولا كتبة حديثه إلا للاعتبار(2).
وقال الدارقطني: دجال يضع الحديث.
وقال ابن عدي: منكر الحديث مكشوف الأمر(3).
وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء والمتروكين(1).
أضف إليه روايته عن حميد الطويل الذي قال عنه الذهبي: شيخ لا يُدرى من هو(2).
السند الثاني: بشار بن موسى الخفاف، حدثنا شريك عن فراس عن الشعبي عن الحارث عن علي، قال: نظر النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى أبي بكر وعمر وهما مقبلان فقال: يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ممن خلا في الأمم الغابرين ومن يأتي، إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي.
قال علي: فلو كان حيين ما حدثت به(3).
وعقب الخطيب على ذلك حكاية قول عبد الله بن علي بن المديني، قال: سمعت أبي يقول: كان بشار الخفاف يحدث عن شريك، قال: حدثنا فراس عن الشعبي عن الحارث عن علي (سيدا كهول أهل الجنة). فقلت له: هذا الحديث إنما روى شريك عن الحسن بن عمارة، فكان يقول فيه: شريك عن فراس .
أقول: ولم يقل الخطيب شيئاً يكشف به حال الرجل، ولكن من راجع كتب الجرح والتعديل يجد فيها ما ينفع.
قال البخاري: منكر الحديث، قد رأيته وكتبت عنه، وتركت حديثه. وقال الغلابي عن ابن معين: من الدجالين. وقال ابن معين أيضاً: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: ضعيف. ومثله عن أبي داود، وعمرو بن علي وغيرهم(1).
هذا كله مضافا إلى ما تقدم من حال الشعبي والحارث، فكيف يقبل الحديث بسند كهذا؟
السند الثالث: عبد الله بن هارون بن أبي عصمة الشيعي، حدثنا الأزهر بن جعفر، أخبرني عبيد الله بن موسى عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي.
وطلحة بن عمر وعن عطاء عن ابن عباس عن علي، قال: دخل أبو بكر وعمر المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ماخلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما بذلك يا علي. قال: فما أخبرتهما حتى ماتا(2).
أقول: وحيث أن الخطيب روى الحديث بطريقين، وفي رجال كل منهما آفة، بل فيهم آفات، وسنختار من الطريق الأول:
1 - عبيد الله بن موسى: وهو شيخ البخاري، وقد وثقه في نفسه، لكنه شيعي متحرق، وكذا قال أبو داود.
وروى الميموني عن أحمد قوله : كان عبيد الله صاحب تخليط، حدث
بأحاديث سوء، وأخرج تلك البلايا، وقد رأيته بمكة فما عرضت له، وقد استشار محدثه أحمد بن حنبل في الأخذ عنه فنهاه(1).
2 - يونس ابن أبي إسحاق. قال الساجي فيه: صدوق، كان يقدّم عثمان على علي. وضعفه بعضهم، فقد قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه مضطرب(2).
وقال أبو حاتم: لا يُحتج به وضعفه أحمد(3).
فانظر بربك هل يمكن أن تصدق بأن شيعياً متحرقاً - لتشيعه طبعاً - مثل عبيد الله بن موسى يروي عن رجل مثل يونس بن أبي إسحاق الذي يقدّم عثمان على علي، يروي عنه حديث (سيدا كهول أهل الجنة)؟ حدث العاقل بما لا يُعقل، فإن صدق فلا عقل له. مضافاً إلى جهالة الراوي عن عبيد الله بن موسى، وهو جعفر الأزهري.
أما الطريق الثاني: ويبدأ بطلحة بن عمرو، وهذا متروك لا تحل الرواية عنه كما في قانون الموضوعات(4).
فقد قال أحمد: لا شيء متروك الحديث.
وقال ابن معين: ليس بشيء ضعيف.
وقال الجوزجاني: غير مرضي في حديثه .
وقال أبو حاتم: ليس بقوي.
وقال البخاري: ليس بشيء.
وقال النسائي: متروك الحديث ليس بثقة.
وقال ابن المديني: قال عبد الرحمن: قدم طلحة بن عمرو فقعد على مصطبة واجتمع الناس، قال، فخلوت به وقلت: ما هذه الأحاديث؟ فقال: أستغفر الله وأتوب إليه منها . فقلت له: اقعد على المصطبة واخبر الناس. فقال: أخبروهم عني. وساق له ابن عدي جملة، وقال عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
وقال ابن المديني أيضاً: ضعيف ليس بشيء.
وقال ابن حزم: ركن من أركان الكذب متروك الحديث.
وقال ابن حبان : كان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، لا يحل كتبة حديثه ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب(1).
فحديث يرويه مثل بشار بن موسى وطلحة بن عمرو بعد معرفة
1) تهذيب التهذيب 8/5. كتاب المجروحين لابن حبان 8/2 ط دار الوعي بحلب. الإحكام لابن حزم 101/7 . المحلى 276/11. تجريد أسماء الرواة الذي تكلم فيهم ابن حزم، ص 137 ط مكتبة المنار. تاريخ البخاري (الكبير) 350/4. ميزان الاعتدال 340/2. الضعفاء الصغير للبخاري، ص 61 . كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، ص 60. سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني، ص 112 مكتبة المعارف الرياض.
حالهما كيف يقبل؟!
السند الرابع: قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي بن عياض القاضي - بصور - أخبرنا محمد بن أحمد بن جميع الغساني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن مخلد، حدثنا محمد بن حارثة أبو زكريا، حدثنا عبد الله بن موسى حدثنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة(1).
ويكفي في توهين السند وجود طلحة بن عمرو، الذي تقدم بعض ما قيل فيه، فقالوا: متروك الحديث، ليس بثقة، غير مرضي في حديثه، لا تحل كتبة حديثه ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب.
وأخرجه الخطيب أيضاً بسند خامس في كتابه (موضح أوهام الجمع والتفريق) في ذكر طاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق المصري - وهو حبشي ابن عمرو -، قال: أخبرني الحسن بن علي الجوهري، حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا الحسن بن حبيب بن عبد الملك بدمشق، حدثني حبشي بن عمرو، حدثنا أبي، حدثنا عكرمة - يعني ابن إبراهيم - قال: حدثني رجل من بجيلة عن الشعبي عن الحارث، قال: حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان عند رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) جالساً ليس عنده غيره إذ أقبل أبو بكر وعمر، فقال: يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة إلا النبيين والمرسلين(2).
أقول: ولدى مراجعة كتب الجرح لم أقف على من ذكره باسميه، نعم ذكروا أباء عمرو بن الربيع ووثقوه، فهو مجهول، مضافاً إلى وجود عكرمة بن إبراهيم الذي قال ابن حبان: كان ممن يقلب الأخبار ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن معين: ليس بشيء. وكذا قال فيه أبو داود، وضعفه النسائي، وقال العقيلي: في حفظه اضطراب(1).
ثم جهالة الرجل البجلي الذي لا يدرى من هو، وأخيراً انتهاء السند إلى الشعبي عن الحارث وقد مرَّ الكلام في ذلك. فالسند ساقط على كل حال.
سابعاً: ممن روى الحديث مسنداً ابن حجر.
فقد روى الحديث في لسان الميزان في ترجمة عبد الرحمن بن مالك ابن مغول فقال: داود بن مهران الدباغ، حدثنا عبد الرحمن بن مالك عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما بحديث: هذان سيدا كهول أهل الجنة.
وذكر قول العقيلي في الضعفاء في حديث ابن عمر وقال: ليس بمحفوظ عن عبيد الله.
ثم ذكر ابن حجر قول أحمد: حرقنا (خرقنا) حديثه منذ دهر. وقول الجوزجاني: ضعيف الأمر جداً... وذكر أقوال آخرين في تضعيفه فلتراجع(2).
وقال أبو داود: كان يضع الحديث(1). وقال: كذاب(2).
ثامناً: وممن روى الحديث مسنداً ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد، قال:
أخبرنا عبد الواحد بن عبد السلام بن سلطان الأزجي، قال: أنبأنا أبو الفضل محمد بن عمر الأرموي، ثنا أبو الحسين محمد بن علي المهتدي من لفظه، قال: أنبأنا أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد المالكي الفقيه، ثنا علي بن الفضل ابن إدريس السامري، ثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، ثنا محمد بن كثير، ثنا الأوزاعي عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين(3).
أقول: ولا نطيل الوقوف عن رجال إسناده، فهم على ما فيهم يكفي وجود محمد بن كثير بينهم، وهذا قد تقدَّم حاله في رجال السند الثاني من رواية الترمذي، فراجع ستجد قول ابن المديني فيه بسبب روايته لهذا الحديث.
تاسعا : وممن روى الحديث مسنداً ابن عساكر في تاريخه(4).
قال: أخبرنا أبو الفتح أحمد بن عقيل بن محمد بن علي بن نافع الفارسي، أنبأنا عبد العزيز الكتاني، أنبأنا أبو عصمة نوح بن نصر بن محمد ابن عمرو بن الفضيل، عن العباس بن الحارث الفرعاني من لفظه ببغداد، أنبأنا أبو الحسن علي بن أبي بكر الوراق، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن موسى الرازي الضرير إملاءاً ، أنبأنا أبو العباس محمد بن يونس القرشي، أنبأنا محمد بن عاصم السلمي، أنبأنا هارون بن مسلم الحنائي عن القاسم بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن أبي محمد الأنصاري عن الحسين بن علي، قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: لا تسبوا أبا بكر وعمر، فإنهما سيّدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، ولا تسبوا الحسن والحسين، فإنهما سيدا شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين، ولا تسبوا عليا فإن من سب عليًّا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله ، ومن سب الله عذبه الله .
وهذا الحديث يكفي في سقوطه سنداً وجود محمد بن يونس القرشي وهو الكديمي الذي قال في ترجمته ابن حجر في تهذيب التهذيب: كان أبو داود سيئ الرأي فيه(1). وقال الدارقطني: كان يتهم بوضع الحديث، وما أحسن القول فيه إلا من لم يخبر حاله.
ثم قال الدارقطني : قال لي أبو بكر أحمد بن المطلب الهاشمي: كنا يوماً عند القاسم بن زكريا المطرز، فمرَّ في كتابه حديث عن الكديمي،
1) تهذيب التهذيب 539/9 .
فامتنع عن قراءته، فقام إليه محمد بن عبد الجبار وكان أكثر عن الكديمي، فقال: أيها الشيخ أحب أن تقرأه. فأبى وقال: أجاثيه بين يدي الله غداً، وأقول : إن هذا كان يكذب على رسولك وعلى العلماء(1).
وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، قد وضع على الثقات أكثر من ألف حديث. وقال ابن عدي: قد أنهم بوضع الحديث، ترك عامة مشايخنا الحديث عنه، وكان مع وضعه الحديث وادعائه ما لم يسمع علّق لنفسه شيوخاً، وكان ابن صاعد وعبد الله بن محمد لا يمتنعان عن كل ضعيف إلا عن الكديمي، وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث تركه ابن صاعد وابن عقدة، ولم يحدث عنه ابن خزيمة.
فهذا حال واحد من رواة الحديث وما قيل فيه يكفي في سقوطه ، وسيأتي في المحاولات البائسة اليائسة ما يتعلق بهذا الحديث أيضاً.
عاشراً: وممن روى الحديث مسنداً ابن أبي شيبة في كتابه المصنف، قال: حدثنا زيد بن حباب عن موسى بن عبيدة قال أخبرنا أبو معاذ عن خطاب أو أبي الخطاب عن علي قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم إذ أقبل أبو بكر وعمر فقال: يا علي هذان سيدا کهول أهل الجنة إلا ما كان من الأنبياء فلا تخبرهما(2).
ألا يكفي في سقوط السند وجود موسى بن عبيدة وهو الربذي؟ قال
أحمد: لا يكتب حديثه. وقال النسائي وغيره: ضعيف. وقال ابن عدي: الضعف على رواياته بين. وقال ابن معين ليس بشيء. وقال مرة: لا يحتج بحديثه. وقال يحيى بن سعيد: كنا نتقي حديثه. وقال ابن سعد: ثقة وليس بحجة (؟؟)، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ضعيف الحديث (!؟)(1).
وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء والمتروكين، وقال: ضعفوه، وقال أحمد: لا تحل الرواية عنه(2).
مضافاً إلى روايته عن أبي معاذ، وهو سليمان بن أرقم البصري الذي قال فيه أحمد: لا يروى عنه. وقال عباس وعثمان عن ابن معين: ليس بشيء. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال أبو داود والدارقطني: متروك. وقال أبو زرعة: ذاهب الحديث.
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: كنا ننهى عن مجالسة سليمان بن أرقم. فذكر منه أمراً عظيماً(3).
وزاد في الطين بلة رواية أبي معاذ عن خطاب أو أبي الخطاب المجهول النكرة الذي لا يعرف من هو ؟ وربما لم تره الدنيا أصلا.
الحادي عشر: وممن روى الحديث مسنداً الطحاوي في كتابه مشكل
الآثار(1)، أخرجه بأربعة أسانيد:
السند الأول: حدثنا علي بن زيد الفرائضي والحسن بن عبد الله بن منصور البالسي، ثنا محمد بن كثير عن الأوازعي عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لأبي بكر وعمر: هذان سيّدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين.
وهذا السند يكفي في سقوطه وجود محمد بن كثير وهو الصنعاني ، وقد مرَّ تجريح الأعلام له في سند الحديث الثاني عند الترمذي، فراجع .
السند الثاني: حدثنا بكار بن قتيبة، ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، ثنا محمد بن أبان عن أبي جناب الشعبي عن زيد بن يشيع عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: كنت عند النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأقبل أبو بكر وعمر، فقال: يا علي هذان سيّدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين خلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي. فما حدثت به حتى ماتا.
وهذا السند يكفي في سقوطه وجود أبي جناب، وهو يحيى بن أبي حيَّة الكلبي الذي قال عنه يحيى القطان: لا أستحل الرواية عنه. وقال الفلاس: متروك. وضعفه النسائي والدارقطني وعثمان بن أبي شيبة(2).
قال ابن حبان: وكان ممن يدلّس على الثقات ما سمع من الضعفاء، فالتزق به المناكير التي يرويها عن المشاهير، فوهَّاه يحيى بن سعيد القطان،
وحمل عليه أحمد بن حنبل حملاً شديداً(1).
مضافا إلى وجود الشعبي الذي مرَّ عنه ما أسقطه، فالحديث بهذا السند أيضا ساقط.
السند الثالث: حدثنا ابن أبي مريم، ثنا جدي، ثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن الحارث عن علي رضي الله عنه... فذكر مثله غير أنه لم يذكر قوله: فما حدثت به حتى ماتا.
ويكفي في سقوطه روايته عن الشعبي عن الحارث، وقد مرَّ في تزييف السند الأول عند ابن ماجة ما يغني عن الإعادة، فراجع.
السند الرابع: حدثنا الربيع الجيزي، ثنا أصبغ بن الفرج، ثنا علي ابن عابس عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي ومحمد وأبي الجحاف وكثير بياع النوى، سمع عطية العوفي يذكر عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لعلي بن أبي طالب: إن هذين سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، لا تخبرهما يا علي. يعني أبا بكر وعمر.
وهذا السند فيه أصبغ بن الفرج الأموي الولاء كما في تهذيب التهذيب في ترجمته، وفيه علي بن عابس الذي ذكره ابن حبان في كتابه المجروحين، فقال: روى عنه العراقيون، كان ممن فحش خطؤه، وكثر وهمه فيما يرويه، فبطل الاحتجاج به(2).
وفيه كثير النوا، قال الجوزجاني: زائغ. وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء والمتروكين، وقال: عن عطية، ضعفوه، زائغ(1).
وفيه عطية العوفي الذي ذكره ابن حبان في المجروحين، وقال سمع من أبي سعيد الخدري أحاديثاً [ كذا ] ، فلما مات أبو سعيد جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بكذا يحفظه، وكناه أبا سعيد ويروي عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد. فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد به الكلبي، فلا يحل كتبة حديثه إلا على جهة التعجب(2).
الثاني عشر: ابن أبي حاتم الرازي في علل الحديث، فقد روى الحديث بثلاثة أسانيد:
الأول: سألت أبي عن حديث رواه علي بن عابس عن أبي الجحاف عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال لأبي بكر وعمر: هذان سيدا كهول أهل الجنة. قال أبي: هذا خطأ يرويه تليد بن سليمان عن أبي الجحاف عن عطية عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم. قال: إن أهل الدرجات العلى. فأحسب علي بن عابس أراد هذا الحديث(3).
الثاني: قال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه داود بن مهران عن عبد
الرحمن بن مالك بن مغول عن عبيد الله بن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال لأبي بكر وعمر: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي.
قال أبو زرعة: هذا حديث باطل يعني بهذا الإسناد، وامتنع أن يحدثنا، وقال: اضربوا عليه(1).
الثالث: قال أبو محمد - ابن أبي حاتم -: ذكرت لأبي فقلت: سمعت يونس بن حبيب قال: ذكرت لعلي بن المديني حديثاً حدثنا به محمد بن كثير المصيفي [كذا] عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس، قال: نظر النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى أبي بكر وعمر، فقال: هذان سيّدا كهول أهل الجنة. فقال علي: كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ، فالآن لا أحب أن أراه.
فقال أبي : صدق، فإن قتادة عن أنس لا يجيء هذا المتن(2).
الثالث عشر : وممن روى الحديث مسنداً الطبراني في معجميه الكبير والصغير.
فقد أخرج الحديث بسندين، وهما كما يلي:
السند الأول: ما أخرجه في معجمه الكبير، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي وعلي بن العباس البجلي الكوفي، قالا: ثنا زكريا بن يحيى الأكفاني، ثنا خنيس بن بكر ثنا مالك بن مغول عن عون بن أبي
جحيفة عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ما خلا النبيين والمرسلين(1).
وقد علّق المحقق على الحديث (في الهامش) فذكر رواية ابن ماجة وابن حبان والدولابي في الكنى والأسماء من طرق عن خنيس به، ثم نقل عن شيخه الألباني قوله : وهذا إسناد حسن رجاله ثقات غير خنيس هذا. قال صالح جزرة: ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات، وسكت عليه البوصيري في الزوائد(2)، لكنّه نصّ في المقدمة أن من سكت عليه ففيه نظر...
ثم قال المعلق: وللحديث شواهد ذكرها شيخنا في سلسلته الصحيحة برقم (824)، فراجعه.
السند الثاني: أخرجه في المعجم الصغير(3)، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عنبسة البزار... حدثنا محمد بن كثير الصنعاني، حدثنا الأوزاعي عن قتادة عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة. ثم قال: لم يروه عن الأوزاعي إلا محمد بن كثير.
أقول: ولما كان قد مرَّ بنا حال محمد بن كثير وتجريح الأعلام له في
سند الحديث (الثاني) عند الترمذي فلا حاجة إلى النظر في بقية رجال السند، وذلك يكفي في سقوط سند الحديث عن الاعتبار.
الرابع عشر : وممن روى الحديث مسنداً ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة).
أخرجه في أول كتابه، وهو أول حديث فيه فقال: حدثنا ابن أبي مريم ، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا وكيع عن يونس بن أبي إسحاق عن الشعبي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فأقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال (علیه السّلام): هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين (علیهم السّلام)، لا تخبرهما يا علي.
ويكفي في سقوط الحديث بهذا الإسناد رواية ابن أبي مريم له فاقرأ ما قيل فيه:
ابن أبي مريم هو نوح أبو عصمة الجامع. قال ابن حبان: وكان ممن يقلب الأسانيد، ويروي عن الثقات ما ليس من حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال(1).
وقال مسلم وغيره: متروك الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال الحاكم: وضع أبو عصمة حديث فضائل القرآن الطويل(2).
وروى ابن الجوزي في كتابه الموضوعات بسنده إلى أبي عمار المروزي يقول: قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة(1).
وذكر ابن الجوزي حديثه في الموضوعات في عدة مواضع، وأغلظ فيه القول.
وقال الحاكم: أبو عصمة مقدّم في علومه إلا أنه ذاهب الحديث بمرة، وقد أفحش أئمة الحديث القول فيه ببراهين ظاهرة(2).
وقال أيضاً: لقد كان جامعاً، رزق كل شيء إلا الصدق، نعوذ بالله من الخذلان(3).
ونحن نقول أيضاً : نعوذ بالله من شر هكذا إنسان.
ولنختم بهذا بحثنا عن المصادر التي روت الحديث مسنداً.
أما من روى الحديث مرسلا وعزاه إلى غيره فهم جماعة:
أولاً: الهيثمي في مجمع الزوائد، فقد رواه أولاً:
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]
وسلم لأبي بكر وعمر: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين.
وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه علي بن عابس، وهو ضعیف(1).
أقول: لقد تقدَّم ما قاله ابن حبان في كتاب المجروحين في علي بن عابس هذا، فراجع(2).
ورواه ثانيا عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، لا تخبرهما يا علي. وقال: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه المقدام بن داود، وقد قال ابن دقيق العيد: إنه وثق، وضعفه النسائي وغيره ، وبقية رجاله رجال الصحيح.
أقول: لقد ذكر الذهبي في ميزانه قول النسائي فيه: ليس بثقة. وقول ابن يونس وغيره: تكلموا فيه. وقول محمد بن يوسف الكندي: كان فقيهاً مفتياً، ولم يكن بالمحمود في الرواية(3).
ورواه ثالثاً عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، قال بمثل حديث متنه أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، لا
تخبرهما يا علي.
وقال: رواه البزار، وقال: لا نعلم رواه عن عبيد الله بن عمر إلا عبد الرحمن بن مالك بن مغول. قلت: وهو متروك.
أقول: ذكره ابن حجر في لسان الميزان، وذكر قول أحمد والدارقطني في عبد الرحمن بن مالك بن مغول: متروك. وقول أبي داود: كذاب. وقوله الآخر: يضع الحديث. وقول النسائي وغيره: ليس بثقة. ومع ذلك كله فقد ذكر ابن حجر عن ابن عدي قوله: وعبد الرحمن مع ضعفه يكتب حديثه(1).
يا لله !! لماذا يكتب حديث وضاع كذاب متروك؟ ولعل ابن عدي يرى البركة في كتابة حديث الوضاعين.
ثانياً: ابن الدييع الشيباني في تيسير الوصول إلى جامع الأصول من حديث أنس عن الترمذي(2)، وقد تقدم منا ما فيه.
ثالثاً : السيوطي في الجامع الصغير، ورمز له نقلاً عن أحمد والترمذي وابن ماجة عن علي.
وعن ابن ماجة وحده عن أبي جحيفة.
وعن أبي يعلى والضياء في المختارة عن أنس.
وعن معجم الطبراني الأوسط عن جابر وعن أبي سعيد(1).
أقول: وأضاف المناوي في فيض القدير إلى الأخيرين عن جابر رواية الحاكم في تاريخه و قال: قال الهيثمي: رواه عن شيخه المقدام بن داود، وقد ضعفه النسائي، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وقال: عن أبي سعيد: قال الهيثمي: فيه علي بن عابس وهو ضعیف(2).
واعتذر المناوي عن رمز السيوطي له بالصحة فقال: فرمز المؤلف لصحته ينزل على الطريق الأول أو مراده المتن(3).
وقال المناوي في كتابه التيسير تعليقا على تخريج السيوطي الحديث عن أبي يعلى والضياء في المختارة عن أنس قال: وفيه مختلط(4).
رابعاً: العجلوني في كشف الخفا، وقال: رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي جحيفة، وأبو يعلى والضياء وابن عساكر عن أنس، وروي عن غيرهم، وقد رمز في الجامع الصغير لصحته(5).
أقول: لقد وهم العجلوني في قوله: (رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي جحيفة)، فإن الحديث عند الترمذي - كما مر - مروي عن
علي وعن أنس، وليس عن أبي جحيفة، فراجع، كما أنه عند أحمد مروي عن علي فقط.
خامساً: الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح: وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين. رواه الترمذي، ورواه ابن ماجة عن علي رضي الله عنه(1).
سادساً: ابن عساكر روى الحديث في تاريخه في ترجمة إبراهيم بن محمد بن أمية.
قال: وروينا من طريقه عن أنس بن مالك مرفوعاً: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ما عدا النبيين والمرسلين(2).
سابعاً : ضياء الدين الكشمخانوي، روى الحديث في راموز الأحاديث، ورمز له نقلا عن أحمد وابن ماجة والترمذي عن علي، وابن ماجة والطبراني عن أبي جحيفة(3).
ثامناً: النبهاني في الفتح الكبير ، رواه نقلا عن المصادر الآنفة الذكر: أحمد والترمذي وابن ماجة عن علي، وابن ماجة عن أبي جحيفة، والأربعة والضياء عن أنس، والطبراني في الأوسط عن جابر وأبي سعيد.
تاسعا: المتقي الهندي في كنز العمال، نقلا عمن مرَّ ذكره عند النبهاني(1).
والآن وبعد هذا العرض الشامل لصور الحديث برواياته المسندة والتي بلغت ستاً وعشرين سنداً، ولم يسلم منها سند واحد كما مر في بيان حال رواتها المجروحين، ثم رواياته المرسلة المعزوة إلى مصادرها ذات الإسناد، وإذ قد تبين أن المسندة لم تسلم أسانيدها من جرح رجالها جرحاً يسقطها عن الاعتبار فضلا عن الاحتجاج بها. فكيف بالمرسل منها، ولقد تهاوت المرسلات تبعاً لمصادرها المعزوة إليها للعلة في أسانيدها.
إذن لم تسلم صورة واحدة من صور الحديث سنداً، للقدح في إسنادها قدحاً بيناً كما مر، فهي بالموضوعات أشبه منها بالواهيات فضلاً عن عدها من الأحاديث الضعيفة.
ولست أدري كيف استساغ السيوطي أن يرمز لبعضها برمز الصحة، وإن حاول بعض شراح جامعه الصغير توجيه ذلك، ولكن بوجه غير وجيه، وقد مرَّ بيان ذلك أيضاً. كما لا ينقضي العجب من الشيخ الألباني كيف أورده في سلسلة الأحاديث الصحيحة وهو لم يسلم له سند من أسانيده (؟!).
هذا كله فيما يتعلق بالحديث من ناحية الإسناد وما فيه.
1) كنز العمال 172/12 .
إذا راجعنا المتن ففيه من العلة لإسقاطه ما تكفيه، لأنه ليس بين أهل الجنة كهل واحد فضلا عن كهول حتى تكون السيادة عليهم، بل أهل الجنة كلهم جرد مرد أبناء ثلاثين سنة، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم، فهلم وأقرأ ما روي في سن أهل الجنة، وقد عقد الترمذي باباً خاصاً في ذلك، أورد فيه وفي غيره عدة أحاديث دلّت على أن ليس في الجنة إلا جرد مرد أبناء ثلاثين، وإلى القارئ بعض ذلك:
1 - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: يدخل أهل الجنة جرداً مرداً جعداً مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: قلت في الصحيح بعضه، رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وإسناده حسن(1).
أقول: أخرجه الترمذي في سننه(2)، والدارمي في سننه(3).
2 - عن معاذ بن جبل أنه سأل النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أو سمع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: يدخل أهل الجنة جُرداً مرداً مكحلين بني ثلاثين سنة.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه كله أحمد، وإسناد الرواية الأولى
حسن متصل(1).
3 - عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، قال: من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون أبناء ثلاثين في الجنة، لا يزيدون عليها أبداً، وكذلك أهل النار.
أقول: روى هذه الثلاثة الترمذي في سننه بتفاوت يسير، وأخرجها الشيخ منصور على ناصف في كتابه التاج الجامع للأصول، وقال: الثالث بسند غريب، والأولان بسندين حسنين(2).
4 - عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: يدخل أهل الجنة جرداً مرداً مكحلين.
قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد(3).
إلى غير لك مما دل على أن أهل الجنة هم شباب، وليس فيهم كهل أو شيخ، وما داموا كذلك فتسقط السيادة المزعومة، لأنها سالبة بانتفاء الموضوع.
وعلى ضوء تلك الأحاديث التي مرَّت وغيرها مما دلّ على أن أهل الجنة شباب لا غير، قال المأمون العباسي لمن احتج عليه بحديث (سيدا كهول أهل الجنة): هذا الحديث محال، لأنه لا يكون في الجنة كهل.
ويُروى أن أشجعية كانت عند النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال: لا يدخل الجنة عجوز. فبكت، فقال لها صلى الله عليه [وآله] وسلم: إن الله يقول إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا(1).
ثم قال: فإن زعمتم أن أبا بكر ينشأ شاباً إذا دخل الجنة، فقد رويتم أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال للحسن والحسين: إنهما سيدا شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين، وأبوهما خير منهما(2).
ومعنى استدلاله أن السيادة للحسنين، ولما كان أبوهما خير منهما، فتكون جهة التفضيل له لا لغيره، وهذا هو الذي نفر عنه النصاب، فحاولوا دفع الحرج عنهم، فصاروا يتلمسون للكهولة معنى يدحرجونه دحرجة الدباب، عسى أن يفتح لهم الباب، فيوغلوا في الجنة الكهول مع الشباب.
قال المحبي في كتابه (جنى الجنتين) (سيدا كهول أهل الجنة) الشيخان الأكبران رضي الله عنهما، هكذا جاء في الحديث في فضلهما (هذان سيدا كهول أهل الجنة)، وفي رواية (كهول الأولين والآخرين)، الكهل من الرجال من زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين. وقيل: من ثلاثين إلى تمام الخمسين، وقد اكتهل الرجل وكاهل إذا بلغ الكهولة فصار كهلا. وقيل: أراد بالكهل هنا الحليم العاقل، أي أن الله تعالى يدخل أهل الجنة حلماء
عقلاء(1).
وما ذكره المحبي إنما هو ترد يد الببغاء لما قاله من سبقه، فهو موجود في حاشية السندي على سنن ابن ماجة(2)، واقتبسه بتحوير محمد فؤاد عبد الباقي في هامش الطبعة الحديثة من سنن ابن ماجة، فقال: (سيدا الكهول) الكهل من خالطه الشيب، والمعنى هما سيّدا من مات كهلاً، وإلا فليس في الجنة كهل(3).
ونحو هذا ما ورد في النهاية لابن الأثير وغيرها من المعاجم اللغوية ، وكرر ذكره شراح الحديث، وهو كما ترى لا يسمن ولا يغني من جوع ، وعلى المستميت في إثبات الحديث أن يجد مكانا غير الجنة للكهول، وما دام على إصراره في مراغمة الشباب في سيادتهم ومزاحمتهم في جنتهم، لا بدّ له من وضع حديث يعم الكهول والشباب، وهذا ما كان في المحاولة الآتية.
الجمع بين حديث (سيدا كهول)، وحديث (سيدا شباب أهل الجنة) وحديث (لا تسبوا عليا) بسند واحد كما مر نقل ذلك عن ابن عساكر في (ترجمة الحسين) من تاريخه، وقد مرَّ سقوط إسناده لوجود محمد بن يونس القرشي، وهو الكديمي الذي مرَّ فيه من أقوال علماء الجرح والتعديل ما يكفي لسقوطه ، وقد ظن واضعه أن يجعله مقبولا لدى عامة المسلمين، فمن
يقبل صدر الحديث لا بد له من قبول باقيه، ومن يقبل توالي الحديث فليذ عن بقبول أوله، إذ السند واحد، ولكنه غفل أو تغافل واستغفل القراء عن وجود التناقض والتنافي بين الصدر والذيل، فإمَّا كهول في الجنة فلا شباب، وإما شباب في الجنة فلا كهول.
وعلى هذا النحو ما رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على مسند أبيه حيث روى الحديث بلفظ (سيدا كهول أهل الجنة وشبابها)، وهذا أيضاً قد مر وذكرنا ما في رجال إسناده من تجريح، ويكفي قول الذهبي في أحد رجال الإسناد وهو عبد الله بن عمر اليمامي أنه شيخ مجهول.
وقول ابن حجر: يقال: ابن محمد ليس بمعروف، ضرب عليه الحسيني. وقال: هو أب محمد، أخرج له مسلم.
وقول ابن عدي في آخر من رجال السند وهو الحسن بن زيد: أحاديثه معضلة، وأحاديثه عن أبيه أنكر ما روي عن عكرمة.
وقول الفتني فيه : ضعيف، روى عن أبيه معضلات ومناكير.
وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء والمتروكين: وقال ضعفه ابن معين.
ومع هذا كله فيحاول الشيخ أحمد محمد شاكر أن يرتقي به مرتقى صعبا فيحكم بتصحيحه بهذا الإسناد الموؤف، المشتمل على الضعيف وغير المعروف.
ولم تقف محاولة الجمع بين سيادتي الكهول مع الشباب عند هذين الحديثين، ولئن مرَّ فيها أن ذلك الجمع في الجنّة، وحيث إن الجنة لا كهول بين أهلها، فثمة حديث يقسم السيادة في الدنيا حيث يوجد بين أهلها
الكهول والشباب.
فقد روى ابن عساكر في تاريخه، فقال:
أخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أنبأنا أبو غالب بن غيلان، أنبأنا أبو بكر الشافعي، أنبأنا بشر بن موسى، أنبأنا إبراهيم بن زياد، أنبأنا خلف بن خليفة، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: بلغني أن عائشة نظرت إلى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقالت: يا سيد العرب. فقال: أنا سيد ولد آدم ، وأبوك سيّد كهول أهل العرب، وعلي سيد شباب أهل العرب.
ثم قال: رواه عبد الملك بن عبد ربه الطائي عن خلف عن إسماعيل عن قيس عن عائشة مرسلاً، وقد مضى في ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه(1).
أقول : ولما كان ما ذكره بالسند أيضاً مرسلاً من مرسلات إسماعيل ابن أبي خالد الذي صرح يحيى بن سعيد بأن مرسلاته ليست بشيء كما في تهذيب التهذيب(2)، وكتاب المراسيل لابن أبي حاتم(3)، فلا عبرة بالمرسلات مع جرح بعض رجاله لما فيهم من الآفات، كخلف بن خليفة الذي كذبه ابن عيينة كما في ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي، وكذا المغنى(4). وعن ابن سعد : ثقة تغيّر قبل موته واختلط.
ثم إن ابن عساكر نفسه روى حديث (علي سيد العرب) بأسانيد جياد عن عائشة نفسها، وليس فيها ذكر الكهول، فراجع.
ما تفتقت عنه ذهنية رواة السوء بعد أن فشل كل ما سبق من محاولات ، فرووا حديثاً يطوي السيادة في شباب أهل الجنة بالمرة، فلا سيادة ولا تفضيل، وحسماً للقال والقيل فقد روى السيوطي في الجامع الصغير عن أنس، والديلمي في الفردوس عنه أيضاً، وعنه النبهاني في الفتح الكبير مرفوعاً:
شباب أهل الجنة خمس: حسن وحسين وابن عمر وسعد بن معاذ وأبي بن كعب(1).
ولما كان الراوي لهذا الحديث قد أتى بها صلعاء شوهاء، فلم يسع بعض شراح الحديث السكوت عليه، فقال المناوي في فيض القدير: وفيه أبو شيبة الجوهري، قال الذهبي: قال ابن حبان: يروي عن أنس ما ليس من حديثه، لا تحل الرواية عنه. وقال أبو حاتم: ضعيف، عنده عجائب، واسمه يوسف بن إبراهيم التميمي(2).
وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء والمتروكين وقال: لا يعرف وليس بشيء .
أقول: ولست أدري - ولا المنجم يدري . لماذا لم يفند الحديث متناً،
كما يفند سنداً، وهو أوضح بطلاناً، أليس قد مر بنا أن جميع من يدخل الجنة هم شباب، فأي فضيلة تبقى أو تُرجى لهؤلاء الخمسة، ما داموا هم كغيرهم ممن في الجنة وكلهم شباب؟ فتخصيصهم بأنهم شباب لا معنى له ما دام الحديث المزعوم لم يذكر لهم أي سيادة أو زيادة.
نعم، خُصصت السيادة بالحسنين - كما مرَّ في حديث (سيدا شباب أهل الجنة) فقط وفقط من دون أي زيادة، فأراد أصحاب النصب المبطن أن يطمسوا فضل السيادة، ويشركوا معهما غيرهما ممن لا يساويهما في منكب ولا موكب، والتشريك لا يُعرف له أي وجه جامع، فأصحاب الأسماء الخمسة ليسوا متساوين أحساباً ولا أنساباً، ولا صفة ولا سناً، ولم يكونوا أتراباً.
فالحسن والحسين عليهما السلام سبطا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من بني هاشم، مات جدها وهما دون الثامنة، وعبد الله بن عمر من بني عدي، لم يكن له يوم صدور الحديث على فرض التسليم به - أي مكانة يضاهي بها الحسن والحسين عليهما السلام، وقد مات رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعمره عشرون سنة، وسعد بن معاذ رجل أنصاري، شهد بدرا باتفاق، ورمي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهراً حتى حكم في بني قريظة، وأجيبت دعوته، ثم انتقض جرحه فمات، وذلك سنة خمس من الهجرة.
وأبي بن كعب أنصاري من أصحاب العقبة الثانية، شهد بدراً والمشاهد كلها، فهو أكبر أصحاب الأسماء المذكورة سناً، فقد كان أبيض
اللحية لا يغير شيبه كما في الإصابة وغيرها.
ولو أغمضنا النظر عن هذا التفاوت في الأسنان والأنساب والأحساب، وسقط وجه التفضيل المذكور، فلا بد أن يكون هناك غرض توخاه رواة الحديث من وضعه، فما هو ذلك؟
أظن أنهم أرادوا وضع ابن عمر وسط القلادة بين الحسنين وبين الأنصاريين البدريين، وحيث إن الحسن والحسين ثابت فضلهما بحكم كونهما بضعة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن أضيف إليهما وإن لم يبلغ شأوهما، إلا أن في الإضافة ما يرشح عليه من فضلهما، خصوصاً مع إضافة مثل سعد بن معاذ البدري، وأبي بن كعب العُقبي البدري مع ما لهما من فضل الجهاد والمشاركة في مشاهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وإن كانا لا يبلغان شأو الحسنين، لكن دس اسم ابن عمر بين الطرفين ربما يترشح عليه من فضلهما، ولست أدري يا أنصار ابن عمر كيف ترجون له المساواة والتشريك وهو دون شك لم يبلغ رتبة الاثنين الأنصاريين فضلاً عن أن يطمع له في بلوغ رتبة الحسنين؟
فالنتيجة أن الحديث ساقط سندا ومتنا.
حذف جملة (وأبوهما خير منهما) بعد أن مرَّ بنا في ثبوتها في أحاديث علي وابن مسعود وابن عمر ومالك بن الحويرث وقرة ابن أياس. وفي حديث حذيفة (وأبوهما أفضل منهما)، فهي جزء من الحديث لا شك فيه، وشطرة منه لا تنفصم عنه، ولكن بعض من لا حريجة له في الدين
حذفها من بعض الأسانيد، وقد مرت بنا صور الحديث، فراجع.
ومما دلّ على ثبوتها استدلال الحسن البصري - وهو من التابعين - بتلك الفقرة على أفضلية الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأنه خير أهل البيت الذين هم أفضل من جميع الأمة من الأولين والآخرين.
فقد روى ابن أبي الحديد، قال: وروى أبان بن عياش قال: سألت الحسن البصري عن علي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال : ما أقول فيه؟ كانت له السابقة والفضل والعلم والحكمة والفقه والرأي، والصحبة والنجدة والبلاء، والزهد والقضاء والقرابة، إن عليا كان في أمره عليًّا، رحم الله عليا وصلى عليه.
فقلت: يا أبا سعيد أتقول صلى الله عليه لغير النبي؟
فقال: ترحم على المسلمين إذا ذكروا ، وصلّ على النبي وآله، وعليٌّ خیر آله.
فقلت: أهو خير من حمزة وجعفر؟
قال: نعم.
قلت: وخير من فاطمة وابنيها؟
قال: نعم والله، خير آل محمد كلهم ، ومن يشك أنه خير منهم، وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): (وأبوهما خير منهما) ، ولم يجر عليه اسم شرك ولا شرب خمراً، وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لفاطمة (سلام الله علیها): (زوجتك خير أمتي). فلو كان في أمته خير منه لاستثناه، ولقد آخي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بين
أصحابه فآخى بين علي ونفسه، فرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) خير الناس نفساً وخيرهم أخاً.
فقلت: يا أبا سعيد فما هذا الذي يقال عنك أنك قلته في علي؟
فقال: يا ابن أخي أحقن دمي من هؤلاء الجبابرة، لولا ذلك لسالت بي الخشب(1).
قال ابن أبي الحديد: قال شيخنا أبو جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى: ووجدته في كتاب الغارات لإبراهيم بن هلال الثقفي(2).
أقول : فانظر إلى استدلال الحسن البصري في قوة حجته على أن عليا (علیه السّلام) خير هذه الأمة، فهو أول ما استدل به جملة (وأبوهما خير منهما)، ولو لم تكن ثابتة ومعلومة الثبوت عند السامع لما استدل بها.
وللمفاكهة نذكر للقارئ ما زعمه بعضهم من أن جملة (وأبوهما خير منهما) حجة في تفضيل الخلفاء الأربعة على أهل البيت، ولكن لم يبين وجه الحجية ، فهلم واقرأ ما قاله (العالم التحرير والحبر الكبير ذي التحقيق النفيس سيدي محمد بن أحمد بنيس) كما كتب على ظهر كتابه (لوامع أنوار الكوكب الدري في شرح همزية الإمام البوصيري)، فإنه قال:
وجاء من طرق صح بعضها: ابناي الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما.
وفي قوله: (أبوهما خير منهما) حجّة لأهل السنة أن الأئمة الأربعة أفضل من أهل البيت علماً وعملاً ومعرفة، نعم هما أفضل من جهة أنهما بضعة من النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم (؟!)(1).
هذا ما ذكره العالم التحرير [؟] ونترك للقارئ حرية الرأي في قبوله أورده، فهذا مبلغ علمه وجهده، وكان عليه بيان وجه الحجية، ولكنه طوى عنها كشحا، ونحن أيضا نضرب عنه صفحا بما قاله ابن الجوزي - وهو عالم حنبلي - في كتابه الموضوعات :
قد تعصب قوم لا خلاق لهم يدعون التمسك بالسنة، فوضعوا لأبي بكر فضائل، وفيهم من قصد معارضة الرافضة بما وضعت لعلي (علیه السّلام)، وكلا الفريقين على الخطأ، وذانك السيدان غنيان بالفضائل الصحيحة الصريحة عن استعارة وتخرص(2).
ثم ذكر خمسة عشر حديثاً من الموضوعات في فضل أبي بكر، وساقها بأسانيدها وأبان عوارها واعتبرها من الموضوعات، ثم قال:
وقد تركت أحاديث كثيرة يروونها في فضل أبي بكر، فمنها صحيح المعنى لكنه لا يثبت منقولاً، ومنها ما ليس بشيء، وما أزال أسمع العوام يقولون عن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال: (ما صب الله
في صدري شيئا إلا وصببته في صدر أبي بكر ، وإذا اشتقت إلى الجنة قبلت شيئة أبي بكر، وكنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان، سبقته فاتَّبعني، ولو سبقني لاتبعته). في أشياء ما رأينا لها أثراً في الصحيح ولا في الموضوع، ولا فائدة في الإطالة بمثل هذه الأشياء(1).
وهكذا ساق أحاديث في فضائل الشيخين مجتمعين وما يخص كل واحد منها، وأعلها إسناداً، وعدها من الموضوعات، فراجع لترى العجب فيما ذكره ذلك العالم الحنبلي، وهو غير متهم في المقام، ولم يكن بدعا في ذلك، فهذا الفيروز آبادي صاحب القاموس - وهو عالم شافعي - له كتاب (سفر السعادة) فانظر خاتمة كتابه هذا واقرأ قوله: باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أشهر المشهورات من الموضوعات أن الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة. وحديث: ما صب الله في صدري شيئاً إلا وصبه في صدر أبي بكر. وحديث: كان صلى الله عليه [وآله] وسلم إذا اشتاق إلى الجنة قبل شيبة أبي بكر. وحديث: أنا وأبو بكر كفرسي رهان. وحديث: إن الله لما اختار الأرواح اختار روح أبي بكر، وأمثال هذه من المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل(2).
ونعود إلى شطر الحديث (وأبوهما خير منهما) فنقول: لقد تبين أنه جزء متمم لحديث (سيدا شباب أهل الجنة)، ويعني ذلك أن يكون الإمام
أمير المؤمنين هو سيد شباب أهل الجنة، وهذا ما أراد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بيانه للناس، فكنَّى بقوله: (وأبوهما خير منهما)، ولم يقتصر على ذلك المعنى الكنائي، وإن كانت الكناية أبلغ من التصريح أحيانا، بل صرح بذلك فيما روى ابن عساكر في تاريخه، بسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: يا علي أنت سيد شباب أهل الجنة(1). وقد مرَّ بنا قول الحاكم في تخريج الحديث عن ابن مسعود وفيه (وأبوهما خير منهما) : هذا حديث صحيح بهذه الزيادة ولم يخرجاه(2).
وإلى القارئ أسماء بعض المصادر الأخرى التي ذكرت الحديث بلفظ (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما)، وأرسلته إرسال المسلمات مضافا إلى ما سبق:
1 - العقد الفريد 312/4 تحقيق أحمد أمين، أحمد الزين، إبراهيم الأبياري، مط العصر 1363هـ.
2 - الفاضل للمبرد ، ص 103 تحقيق الميمني ، ط دار الكتب المصرية 1375هـ .
لقد بدا لي وأنا أشرح أرجوزة سيدنا الأستاذ قدس سره ظاهرة ليست بغريبة في موضوعها بقدر ما هي غريبة في سعتها وتنوعها.
وتلك الظاهرة هي التلاعب الرخيص الخسيس من رواة السوء بالأحاديث الصحيحة الواردة في فضائل الإمام أو أحد من أهل بيته الكرام، وكأنهم هدف للانتقام، فصويت نحوهم السهام. فقل أن تجد حديثا يتضمن فضيلة لأحدهم إلا وتجد في مقابلها حديثا موضوعا ينسب تلك الفضيلة أو ما يشابهها إلى غيرهم، أو تجد التزيد في حديث الفضيلة يحشر ما هو غريب عنها إليها.
ولقد مرَّت بنا شواهد كثيرة على ذلك التلاعب الرخيص الخسيس ،فراجع حديث المنزلة وحديث مدينة العلم، وحديث سد الأبواب، وحديث المؤاخاة، وحديث (علي مني وأنا منه) كما سيأتي حديث الطير وغيره، وحتى حديث الكتف والدواة لم يسلم من تشويش وتهويش.
وإذا تلمسنا صفحات التاريخ نبحث فيها عن بدء انتشار هذه الظاهرة السيئة، نجدها من أيام معاوية بن أبي سفيان وبأمر منه، فقد قال لابن عباس في حديث جرى بينهما : فإنا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكف لسانك يا ابن عباس وأربع على نفسك... إلى آخر المحاورة(1).
وهذا هو معنى ما حكاه ابن أبي الحديد عن المدائني حيث ذكر ما كتبه معاوية إلى عماله، فقال: ثم كتب إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا
1) أصل سليم بن قيس الهلالي، ص 161.
الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة مفتعلة، فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله.
فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى هذا المجرى ما حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وأُلقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءَهم وخدمهم وحشَمَهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله(1).
وقد ذكر الطبري في تاريخه، وابن الأثير في الكامل، أن المغيرة بن شعبة قال لصعصعة بن صوحان: وإياك أن يبلغني عنك أنك تظهر شيئاً من فضل علي، فأنا أعلم بذلك منك، ولكن هذا السلطان قد ظهر، وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس(2).
فمن ذلك العهد بدت ظاهرة الوضع والافتعال، ونحت الفضائل لأولئك الرجال، الذين عناهم معاوية وعيَّنهم، فاختلط الحابل والنابل، وراجت سوق الوضاعين التي نفق فيها كل بائر وخاسر.
ومن العجيب الغريب أن تأخذ تلك الموضوعات مكانها في دواوين
الحديث، فتجدها محشورة - وهي خشارة - جنباً إلى جنب مع الأحاديث الصحيحة، مع أنها لا تضارعها في صحة الإسناد، ولا في قوة المتن، بل ويستبطن الكثير منها بطلانها.
ولست - وأيم الحق - في تعليقي هذا كساخر من تصرفات أصحاب الدواوين، بل كواصف لممارساتهم، كما أني لست في مقام النقض والإدانة، بل غرضي الأساس هو التفهيم والإبانة عما جنته أقلام الخيانة، فخطَّت ما شوهت به حقيقة أولئك النفر الذين وضعوا لهم وفيهم ما هب ودب، بروايات هيَّان بن بيَّان من مجاهيل الرواة، ومجروحي الثقات، فخلطوا الدقيق بالنخالة، فضاع ما صح لهم بين ركام الحثالة، وزادوا ضغئاً على إبالة(1).
كما أني لست في كشفي هذه الظاهرة وحيداً، وليس عملي عملاً جديداً، بل هو في أبسط ما يوصف إعادة لما تناوله قبلي من الأعلام وذوي الاختصاص بالبحث والدراسة، وعندهم ما يغني ويقني .
ولكن، ولعل الجديد في هذا العرض هو الكشف عما يستبطنه نفس الحديث، سواء الصحيح منه حين يرفض عملية التغيير والتزوير، أو الموضوع حين تبدو منافاته ومجافاته، ويأبى نسبته إلى من هو أفصح من نطق بالضاد، بأنه قد قاله. وهذا الذي يعنينا أن يرى الناس الحق كما نراه بعيون
1) مثل معروف، الإبالة: الحزمة من الحشيش، والضغث: قبضة من حشيش مختلط باليابس، ومعنى المثل بلية على أخرى، ويُضرب أيضاً مثلاً للرجل يُحمّل صاحبه المكروه ثم يزيده منه (فرائد الأدب) المنجد، ص 997.
ليس عليها غشاوة، وقلوب ليس فيها مرض، ولئلا يبقى الحديث الموضوع مثقلاً بالتفسير غير المعقول وغير المقبول، وكأنه أسطورة يجب أن توشح بما لا بد حتى يتهضمه ذوو العقول على ما فيه.
كما يبقى الحديث الصحيح كالوردة، فإن نمت حولها الأشواك، فلا بد من تشذيب وتهذيب، ومن تلك الأحاديث الصحيحة التي التف فيها الشوك بالورد حديث (سيدا شباب أهل الجنة) الآنف الذكر، فقد بينا كيف طالته سماسرة الوضع بالمقابلة والزيادة، حتى شرق قوم وغرَّب آخرون في خلق جو من التنازع في سيادة أهل الجنة بين القرابة وبين الصحابة كما مرَّ، ولكن ظهر الحق ولو كره المبطلون.
وختاماً نذكر القارئ بما جاء في كتاب الأحداث للمدائني، قال: كتب معاوية إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا في فضل أبي تراب وأهل بيته.
وكتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل بيته والذي يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم، وقربوهم، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته .
قال: ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطاع، ويفيضه عليهم في العرب والموالي، وكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فلبثوا بذلك حينا.
ثم كتب إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد كثر في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء والأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب ألي، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وشيعته. فقُرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تديَّنوا بها(1).
1) شرح النهج لابن أبي الحديد 44/11 - 46 عن كتاب الأحداث للمدائني.
111 - وفي حديثِ الطائرِ المشوي ظهَر *** تفضيلُه السامي على كل البشَّر
إشارة منه قدس سره إلى الحديث المشهور المعروف بحديث الطائر المشوي كما سماه قدس سره، ويُعرف أيضاً باختصار بحديث الطير، وهذا الحديث لكثرة طرقه جاز حد التواتر، ومع وضوح دلالته كابر فيه المعاند المكابر، وقد جمع غير واحد طرقه في مصنفات خاصة، فذكره بأسانيد متعددة، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر بعض من كان من أعلام مُحدِّثي العامة وحفاظهم، صدا لأهل الباطل في تركاضهم.
1 - الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني، له مصنف جمع فيه الحديث بأسانيده التي بلغت مائة وعشرين إسناداً كما ذكره الخوارزمي الحنفي في مقتل الحسين(1).
1) مقتل الحسين 26/1 ط الزهراء 1367هـ.
وعده ابن كثير في البداية والنهاية، وابن تيمية في منهاج السنة ممن ألف في الحديث(1).
2 - الحافظ المفسِّر الشهير والمؤرخ الخبير محمد بن جرير الطبري، له مجلد جمع فيه طرق الحديث وألفاظه، وقد رآه ابن كثير كما قاله في البداية والنهاية(2).
3 - الحافظ أبو طاهر محمد بن أحمد بن حمدان، له كتاب في طرق الحديث كما ذكره الذهبي في ترجمته في تذكرة الحفاظ(3)والسيوطي في طبقات الحفاظ(4).
4 - الحافظ أحمد بن محمد بن سعيد، له كتاب الطير كما في مناقب ابن شهر اشوب(5).
5 - الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، ذكره ابن تيمية في منهاج السنة، وعده فيمن ألّف في الحديث(6)، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء في، ترجمة الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد الحداد الأصبهاني، وأنه سمعه من مؤلّفه أبي نعيم(7).
1) البداية والنهاية 353/7 منهاج السنة 99/4ط الأولى.
2) البداية والنهاية 353/7 .
3) تذكره الحفاظ 1112/3.
4) طبقات الحفاظ / 426.
5) مناقب ابن شهراشوب 2/ 115 ط الحيدرية.
6) منهاج السنة 99/4 .
7) سير أعلام النبلاء 309/14 ، وقد ذكر السمعاني في كتاب التحبير 180/1 سماع الحداد المذكور الجملة من مؤلفات أبي نعيم، وعدّ منها كتاب (الخصائص في فضل علي رضي الله عنه)، ولعله هو الذي ذكره الذهبي وابن تيمية في حديث الطير.
6 - الحاكم أبو عبد الله النيسابوري صاحب المستدرك على الصحيحين، له جزء ضخم جمع فيه طرق الحديث، وقد رآه بخطه ابن طاهر(1).
7 - الحافظ أبو عبد الله الذهبي، فقد قال في ترجمة الحاكم: وأما حديث الطير فله طرق كثيرة جداً قد أفردتها بمصنف، ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل(2).
وهذان الأخيران - الحاكم والذهبي - ممن مرَّ بمراحل الإنكار بالنسبة إلى هذا الحديث ثم الشك، إلا أن الأول انتهى إلى اليقين بصحة الحديث، أما الثاني - الذهبي - فقد بقي محتاراً في أمره، وسيأتي مزيد بيان عنهما في مواقف مضطربة ومتناقضة.
أولاً: رواية الترمذي في جامعه: وهو معدود من الصحاح الستة عند أهل السنة .
فقد رواه في الحديث (3721) من سننه، قال: حدثنا سفيان بن وكيع،حدثنا عبید الله بن موسى عن عيسى بن عمر عن السدي عن أنس بن
مالك، قال: كان عند النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم طير، فقال: اللهم اثتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير. فجاء علي فأكل معه.
قال أبو عيسى - هو الترمذي -: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث السدّي إلا من هذا الوجه. وقد روي من غير وجه عن أنس، وعيسى بن عمر هو كوفي، والسدي إسماعيل بن عبد الرحمان، وسمع من أنس بن مالك، ورأى الحسين بن علي، وثقه شعبة وسفيان الثوري وزائدة ، ووثقه يحيى بن سعيد القطان(1).
أقول: وسيأتي عن السبط ابن الجوزي بيان وجه توثيق الترمذي للسدي، بأن الذين جرحوه تعصباً عليه ليبطلوا هذا الحديث.
ثم إن الحديث رواه عن الترمذي جماعة ذكروه في مؤلفاتهم:
منهم: ابن كثير في البداية والنهاية، قال: رواه أبو يعلى عن الحسن ابن حماد عن مسهر بن عبد الملك عن عيسى بن عمر به(2).
ومنهم: الحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب(3).
وأشار إليه الهيثمي في مجمع الزوائد بعد ذكره الحديث بأطول مما مر ، ثم قال: قلت: عند الترمذي طرف منه(4).
ومنهم: المحب الطبري في ذخائره، قال: خرجه الترمذي، والبغوي في المصابيح في الحسان، وأخرجه الحربي(1).
أما نفس الحديث بسند عبيد الله بن موسى فقد أخرجه ابن عساكر في تاريخه(2)، وأخرجه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار كما في مجمع الزوائد وقال: في إسناد الكبير حماد بن المختار ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي أحد أسانيد الأوسط أحمد بن عياض بن أبي طيبة لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
أقول: إن أحمد بن عياض الذي لم يعرفه الهيثمي قد عرفه الذهبي وابن حجر، وصرَّحا بأنه صدوق كما في ترجمته من الميزان ولسان الميزان.
وأخرجه غير من ذكرناه وجلّهم وثقوا رجال أسانيده، ومن لم يعرفوه هم فقد عرفه غيرهم ووثقه كما مرَّ في أحمد بن عياض، فالحديث برواية الترمذي صحيح على شرطه أو حسن كما هو عند البغوي.
ثانياً: رواية الحديث عند النسائي في الخصائص:
قال: أخبرنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا الحسن بن حماد قال: أخبرنا مسهر بن عبد الملك عن عيسى بن عمر عن السدي عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم كان عنده طائر، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير. فجاء أبو بكر فرده، ثم جاء عمر
فرده، ثم جاء علي فأذن له(1).
قال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان: وقد جمع طرق الطير ابن مردويه والحاكم وجماعة، وأحسن شيء فيها طريق أخرجه النسائي في الخصائص(2).
أقول : ولنلق نظرة عابرة على رجال السند وما قاله العلماء فيهم:
1 - زكريا بن يحيى: هو الحافظ أبو عبد الرحمن السجزي المعروف بخياط السنة(3). قال النسائي: ثقة. وقال عبد الغني: حافظ ثقة، وقال الذهبي: ثقة(4).
2 - الحسن بن حماد: هو الضبي الكوفي الوراق، روى عنه أبو يعلى والسرَّاج والنسائي بواسطة. قال ابن أبي حاتم: سألت موسى بن إسحاق عنه، فقال: ثقة مأمون. وقال السراج: كوفي ثقة. وقال الذهبي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات(5).
3 - مسهر بن عبد الملك: قال أبو يعلى: ثنا الحسن بن حماد الوراق ، قال: حدثنا مسهر بن عبد الملك وكان ثقة.
وقال الآجري: سئل أبو داود عن مسهر ... قال: أما الحسن بن علي
الخلال فرأيته يحسن الثناء عليه، وأما أصحابنا فرأيتهم لا يحمدونه.
قال البخاري: فيه بعض النظر(1)
وقال: ليس حديثه بالكثير.
أقول : إن قول ابن حجر لا يخلو من إبهام، فإن ابن عدي ذكره في كتابه الكامل 457/6 وذكر توثيق أبي يعلى له، ثم ذكر قول البخاري فيه، ثم ذكر له حديثين، ثانيهما: حديث الطير بسند هكذا: حدثنا الحسن بن الطيب بن الشجاع، حدثنا الحسن ابن حماد الضبي، ثنا مسهر بن عبد الملك، قال الشيخ: وهذا من هذا الطريق ما أعلم رواه غير مسهر. ولمسهر غير ما ذكرت، وليس بالكثير.
.وذكره ابن حبان في الثقات(2).
4 - عيسى بن عمر: هو أبو عمر القارئ الكوفي: قال العجلي: كوفي ثقة رجل صالح، كان أحد قراء الكوفة رأساً في القرآن. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي ثقة. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بحديثه بأس. وقال أيضاً: وكان ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة(3).
5 - السدي يكفينا ما تقدم من توثيق الترمذي له، ففي تعديله الكفاية.
والآن بعد هذا العرض السريع لما قاله علماء الجرح والتعديل في رجال السند، هل يبقى ريب في نقاوته لوثاقتهم؟ وسيأتي عن الذهبي وغيره
ما يتعلق بالمقام أيضاً.
ثالثاً: رواية الحديث عند الحاكم في المستدرك:
قال: (حدثني) أبو علي الحافظ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أيوب الصفار وحميد بن يونس بن يعقوب الزيات، قالا: ثنا محمد بن أحمد ابن عياض بن أبي طيبة ، ثنا أبي، ثنا يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كنت أخدم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقدم لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فرخ مشوي، فقال: اللهم اثتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير. قال: فقلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار. فجاء علي رضي الله عنه فقلت: إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على حاجة. ثم جاء فقلت: إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على حاجة. فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): افتح. فدخل فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما حبسك علي؟ فقال: إن هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس، يزعم أنك على حاجة. فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: يا رسول سمعت دعاءك، فأحببت أن يكون رجلاً من قومي. فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إن الرجل قد يحب قومه.
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً، ثم صحت الرواية عن علي وأبي سعيد الخدري وسفينة، وفي حديث ثابت البناني عن أنس زيادة ألفاظ. كما حدثنا به الثقة المأمون أبو القاسم الحسن ابن محمد بن الحسين بن إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علية بن خالد
السكوني بالكوفة من أصل كتابه، ثنا عبيد بن كثير العامري، ثنا عبد الرحمن بن دبيس. وحدثنا أبو القاسم محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، ثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، قالا: ثنا إبراهيم بن ثابت البصري القصار، ثنا ثابت البناني أن أنس بن مالك رضي الله عنه كان شاكياً، فأتاه محمد بن الحجاج يعوده في أصحابه له، فجرى الحديث حتى ذكروا عليا رضي الله عنه، فتنقصه محمد بن الحجاج، فقال أنس: من هذا؟ أقعدوني. فأقعدوه فقال: يا ابن الحجاج ألا أراك تنقص علي بن أبي طالب [!] والذي بعث محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) بالحق لقد كنت خادم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بين يديه، وكان كل يوم يخدم بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) غلام من أبناء الأنصار، فكان ذلك اليوم يومي، فجاءت أم أيمن مولاة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بطير، فوضعته بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا أم أيمن ما هذا الطائر؟ قالت: هذا الطائر أصبته، فصنعته لك. فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم جئني بأحب خلقك إليك وإلي يأكل معي من هذا الطائر. وضرب الباب، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : يا أنس انظر من على الباب؟ قلت: رسول اللهم اجعله رجلا من الأنصار. فذهبت فإذا علي بالباب، قلت: إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على حاجة. فجئت حتى قمت مقامي، فلم ألبث أن ضُرب الله الهلال اليوم الباب، فقال: يا أنس انظر من على الباب؟ فقلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار. فذهبت فإذا علي بالباب، قلت: إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على حاجة. فجئت حتى قمت مقامي، فلم ألبث أن ضرب الباب، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا أنس اذهب فأدخله، فلست بأول رجل أحب قومه، ليس هو من
الأنصار. فذهبت فأدخلته ، فقال : يا أنس قرب إليه الطير. قال: فوضعته بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): فأكلا جميعاً.
قال محمد بن الحجاج: يا أنس كان هذا بمحضر منك؟ قال: نعم. قال: أعطي بالله عهداً أن لا أنتقص عليا بعد مقامي هذا، ولا أعلم أحداً ينتقصه إلا أشنت له وجهه(1).
هذا ما أخرجه الحاكم في المستدرك، فعقب على الرواية الأولى موثقاً لها بما مرَّ من صحة السند على شرط الشيخين، ورواية أكثر من ثلاثين إنساناً عن أنس وحده، ثم ذكر صحة الحديث بروايته عن علي وأبي سعيد الخدري وسفينة، ثم ذكر الحديث عن أنس مرة ثانية بصورة أتم مما في الأولى، ولم يعقب عليها بشيء، مما دلّ على اعتبارها أيضاً عنده.
أما الذهبي في التلخيص فقد عقب على الرواية الأولى بقوله:
قلت: ابن عياض لا أعرفه. ولقد كنت زماناً طويلاً أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في مستدركه، فلما علّقت هذا الكتاب رأيت الهول من الموضوعات التي فيه [!] ، فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء .
ثم أعاد الذهبي ما قاله الحاكم في رواية أكثر من ثلاثين نفساً له عن أنس، وما ذكره من صحته عن رواية علي وأبي سعيد وسفينة، ولم يناقش في ذلك. مما دل على قبوله لما ذكره الحاكم.
1) المستدرك 130/3 - 132.
أما تعقيبه على الرواية الثانية فقال بعد أن ذكرها بطولها: قلت: إبراهيم بن ثابت ساقط.
أقول: سيأتي تراجع الذهبي عن رأيه هذا في مواقف مضطربة ومتناقضة، كما سيأتي في موقف الحافظ ابن حجر العسقلاني ما يتعلق بإبراهيم بن ثابت، وأن البخاري ذكره في تاريخه ولم يذكر فيه جرحاً، كما ذكره ابن أبي حاتم وبيض له - أي لم يذكره بجرح ولا توثيق.
رابعاً: رواية الحديث عند ابن المغازلي المالكي:
لقد أخرج الحافظ الخطيب أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الواسطي الجلابي المالكي الشهير بابن المغازلي المتوفى سنة 483هـ هذا الحديث في كتاب المناقب بأكثر من عشرين طريقا، نختار منها واحداً صحيح الإسناد، قال:
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الوهاب بن طاوان السمسار(1)بقراءتي عليه سنة تسع وأربعين وأربعمائة، قلت له: حدثكم القاضي أبو الفرج أحمد بن علي بن جعفر بن محمد المعلى الخيوطي الحافظ الواسطي(2). وأخبرنا القاضي أبو علي إسماعيل بن محمد بن الطيب الفقيه
الغرافي الواسطي(1)بقراءتي عليه، فأقر به، قلت له: أخبركم أبو بكر أحمد ابن عبيد بن الفضل بن سهل بن بيري الواسطي(2).
وأخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل النحوي(3)سنة أربع وخمسين وأربعمائة، حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسن الجاذري الطحان(4)، قالوا:
حدثنا محمد بن عثمان بن سمعان المعدل الحافظ الواسطي(5)، حدثنا أسلم بن سهل بن أسلم الرزاز المعروف ببحثل الواسطي(6)، حدثنا وهب ابن بقية أبو محمد الواسطي(7)، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق وهو واسطي(8)، عن عبد الملك بن أبي سليمان(9)عن أنس بن مالك، قال:
1) نفس المصدر، ص 33: كان يعرف بابن كما يرى حسن العقل والتثبت.
2) نفس المصدر، ص 18: كان ثقة صدوقا.
3) نفس المصدر، ص 22: يعرف بابن الخالة شهد عند إسماعيل قاضي واسط.
4) نفس المصدر، ص92: وكان ثقة ثبتا مستقيم الرواية.
5) نفس المصدر، ص91: كان يضاهي بحشل في الحفظ والإتقان.
6) نفس المصدر، ص 90: ثقة ثبت إمام. وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ، ص 664: الحافظ الصدوق محدث واسط.
7) نفس المصدر، ص 91: لا مزيد عليه في الحفظ والإتقان، وقال ابن حجر في التقريب 337/2: ثقة. وهو من رجال مسلم كما في الجمع بين رجال الصحيحين 542/2.
8) قال الذهبي في التذكرة، ص 320: الحافظ الثقة، احتجوا كلهم به. وقال ابن حجر في التقريب 63/1: ثقة.
9) قال الذهبي في التذكرة، ص 155: الحافظ الكبير، وثقه أحمد والنسائي. وهو من رجال الصحيحين كما في كتاب الجمع بين رجال الصحيحين 30/1.
دخلت على محمد بن الحجاج فقال: يا أبا حمزة حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم حديثا ليس بينك وبينه فيه أحد . فقلت: تحدثوا فإن الحديث شجون يجر بعضه بعضا .
فذكر أنس حديثاً عن علي بن أبي طالب، فقال له محمد بن الحجاج: أعن أبي تراب تحدثنا؟ دعنا من أبي تراب. فغضب أنس وقال: ألعلي تقول هذا؟ أما والله إذ قلت هذا فلأحدثتك حديثاً فيه سمعته من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ليس بيني وبينه أحد:
أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يعاقيب، فأكل منها وفضلت فضلة وشيء من خبز ، فلما أصبح أتيته به، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: اللهم اثتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر. فجاء رجل فضرب الباب فرجوت أن يكون (رجلاً) من الأنصار، فإذا أنا بعلي.
[فقلت: النبي عنك مشغولو فرجع ، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم اثتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر. فجاء رجل فضرب الباب، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ائذن له [فإذا بعلي]، فلما رآه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : اللهم وإلي ، اللهم وإلي.
قال أسلم: روى هذا الحديث عن أنس بن مالك: يوسف بن إبراهيم الواسطي، وإسماعيل بن سليمان الأزرق، والزهري، وإسماعيل السدي،
وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وثمامة بن عبد الله بن أنس، وسعيد ابن زربي.
وقال ابن سمعان : سعيد بن زربي إنما حدث به [عن ثابت] عن أنس.
وقد روى جماعة عن أنس منهم: سعيد بن المسيب، وعبد الملك بن عمير، ومسلم الملائي، وسليمان بن الحجاج الطائفي، وابن أبي الرجال المدني، وأبو الهندي، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، ويغنم بن سالم بن قنبر وغيرهم.
أقول: إن رجال إسناد هذا الحديث كلهم من الحفاظ الثقات الأثبات كما أشرنا في الهامش في أحوالهم، وهذا ما يشاركه فيه ما مر من صور الحديث، لكن الأهم من ذلك هو انفراده بميزة ليست لغيره، وتلك هي أن جميع رواته بدءاً من المؤلف - وهو الحافظ ابن المغازلي المالكي الواسطي - وانتهاءاً بوهب بن بقيَّة كلهم من الواسطيين، وسيأتي في مواقف ناصبية: أن أهل واسط كانوا معروفين بالنَّصب ، حتى بلغ من نصبهم أنهم سمعوا مرة حديث الطير من أحد شيوخ الحديث عندهم فأهانوه وأقاموه وغسلوا مكانه.
فرواية شيخ الواسطيين لهذا الحديث مع تعقيب أسلم وهو أحد أئمتهم بتوثيقه لدليل على منتهى عنايتهم بروايته، لصحته سنداً ومتنا، وناهيك بهذا توثيقاً وتصديقاً.
وسأكتفي بهذه الصورة عن ذكر صور أخرى، فالصيد كل الصيد في جوف الفرا.
خامساً: رواية الحديث عند الذهبي في تاريخه.
لقد رواه فقال: وقال عبيد الله بن موسى وغيره: عن عيسى بن عمر القاري عن السدي، قال: ثنا أنس بن مالك، قال: أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أطيار فقسمها، وترك طيراً، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي. فجاء علي. قال الذهبي وقد ذكر حديث الطير: وله طرق كثيرة عن أنس متكلم فيها ، وبعضها على شرط السنن، من أجودها حديث قطن بن نسیر شیخ مسلم، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عبد الله بن المثنى عن عبد الله بن أنس بن مالك عن أنس، قال: أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم حَجَل مشوي، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي... وذكر الحديث(1).
أقول: وهذا الذي رواه عن أجود الطرق للحديث، فقد رواه أيضاً في ميزان الاعتدال في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي، وسيأتي ذكره في مواقف مضطربة ومتناقضة.
1 - قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في
1) تاريخ الذهبي في (ترجمة الإمام) وقد طبعت في 624/2 من سير أعلام النبلاء ط دار الفكر.
كتابه كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب (علیه السّلام): الباب الثالث والثلاثون في حديث الطائر ... ثم ساقه بإسناده إلى أنس، وساقه مرة أخرى عن طريق الترمذي أيضاً عن أنس، ثم قال:
قلت: هكذا أخرجه الترمذي في جامعه وهو أحد الصحاح الستة، وقد صحح الترمذي سماع السدي من أنس، ووثقه أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وشعبة وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ، وقال الحاكم النيسابوري: حديث الطائر يلزم البخاري ومسلم إخراجه في صحيحهما، لأن رجاله ثقات(1).
وقال الكنجي أيضا: وحديث أنس الذي صدرته في أول الباب أخرجه الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابوري عن ستة وثمانين رجلاً(2)، كلهم رووه عن أنس. وهذا ترتيبهم على حروف المعجم...(3).
ثم ساق أسماءهم، إلى أن قال: ورواه عن أنس وسفينة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام)... فذكر حديثه(4).
ثم قال: وروي من وجه آخر، وفيه رد الشمس عليه، ذكرته في فصل رد الشمس. ورواه عبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري ويعلى بن مرة
الثقفي، كلهم عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) . ومن الرواة عدة كثيرة من كبار التابعين المتفق على ثقتهم وعدالتهم، المخرج حديثهم في الصحاح، ممن لا ارتياب في واحد منهم، والحديث مشهور وبالصحة مذكور(1).
2 - قال سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرة الخواص: حديث الطائر وقد أخرجه أحمد في الفضائل والترمذي في السنن.
فأما أحمد فأسنده إلى سفينة مولى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، واسمه مهران...
ثم ساق الحديث كما مر نقله في نماذج من رواية الحديث بالأسانيد الصحاح، ثم قال: وأما الترمذي فقال: سفيان بن وكيع... وذكر الحديث كما نقلناه عنه أولاً، وذكر تعقيب الترمذي على الحديث بتعديل السدي، ثم قال: قلت: إنما ذكر الترمذي هذا في تعديل السدّي، لأن جماعة تعصبوا عليه ليبطلوا هذا الحديث، فعدله الترمذي.
ثم ذكر قول الحاكم: حديث الطائر صحيح يلزم البخاري ومسلم إخراجه في صحيحيهما، لأن رجاله ثقات وهو من شرطهما . وذكر تعصب محمد بن طاهر المقدسي والدارقطني على الحاكم، قال: وأخرجا لحديث الطائر طرقاً ضعيفة، فإنه لما صنف الحاكم المستدرك بلغ الدارقطني فقال: لعله يستدرك عليهما حديث الطائر. فتركه، ثم رموا الحاكم بالتشيع لأجل هذا. وكيف يسمع قول محمد بن طاهر مع العلم بحاله وقول الدارقطني في
1) نفس المصدر، ص 156.
عصبيته على الحاكم والترمذي وأحمد بن حنبل، خصوصاً مع شهادة من سلف بعدالة السدي، فلا يلتفت إلى جرح غيرهم.
فإن قيل: فقد تكلم البخاري وابن معين في السدي. قلنا: إنما تكلموا فيه لأنه كان يكثر الرواية كما فعلت الصحابة في أبي هريرة، لا لشيء آخر(1).
3 - قال الحافظ ابن حجر الهيتمي المكي - صاحب كتاب الصواعق المحرقة - في كتابه (المنح المكية في شرح الهمزية) قال تعليقا على قول البوصيري:
وعليّ صِنوُ النبيّ ومَن *** دِينُ فؤادي ودادُه والولاءُ
ووزيرُ ابنِ عمَّهِ في المعالي *** ومِنَ الأهل تُسعدُ الوزراءُ
لم يَزدهُ كشفُ الغطاءِ يقيناً *** بل هو الشمسُ ما عليه غطاءُ
تنبيه: ورد في مناقب علي حديث كثر كلام الحفاظ فيه، فأردت أن ألخص المعتمد فيه ولفظه:
عن أنس: كان عند النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم طير، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. فجاء علي فأكل. رواه الترمذي.
والمعتمد عند محققي الحفاظ أنه ليس بموضوع، بل له طرق كثيرة، قال الحاكم في المستدرك: رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفساً. انتهى. وحينئذ
1) تذكرة الخواص، ص 23 ط حجرية سنة 1285هـ.
فيتقوى كل من تلك الطرق بمثله ويصير سنده حسناً لغيره، والمحققون أيضاً على أن الحسن لغيره يحتج به كالحسن لذاته.
ومن جملة طرقه طريق رواتها كلهم ثقات إلا واحدا، قال بعض الحفاظ: لم أر من وثقه ولا من جرحه. وله طريق آخر رواتها كلهم ثقات أيضاً إلا واحداً، قال النسائي فيه: ليس بالقوي.
وهو معارض بأن غير واحد وثقه.
وذكر الحاكم: أنه صح عن علي ، وأبي سعيد، وسفينة، لكن تساهله في التصحيح معلوم. فالحق ما سبق أن كثرة طرقه صيرته حسناً يُحتج به، ولكثرتها جداً، خرج الحافظ ابن مردويه فيها جزءاً.
وأما قول بعضهم: (إنه موضوع) وقول ابن طاهر: (طرقه كلها باطلة معلولة)، فهو الباطل، وابن طاهر معروف بالغلو الفاحش، وابن الجوزي مع تساهله في الحكم بالوضع كما هو معلوم ذكر في كتابه (العلل المتناهية) له طرقا كثيرة واهية، ولذلك لم يذكره في موضوعاته، فالحق ما تقرر أولاً أنّه حسن يحتج به(1).
لقد ورد الحديث بألفاظ متفاوتة عن أنس، لكن ذلك التفاوت ليس مما يغير المعنى أو يمس جوهر القضية، لكن رواة السوء لما لم يمكنهم الخضوع والبخوع لصحته لمرض في قلوبهم، فقد عمدوا إلى اختراق جوه
1) شرح الهمزية، ص 306 ط بولاق 1292هـ.
بتحويره، ثم التزوير فيه بما حسبوه يغض من فضيلة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)ولو بإشراك غيره معه، وإلى القارئ بعض النماذج من ذلك.
النموذج الأول: حديث رواه ابن عساكر بسنده عن جابر، قال: صنعت امرأة من الأنصار لرسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أربعة أرغفة، وذبحت له دجاجة فطبختها، فقدمته بين يدي النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، فبعث رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى أبي بكر وعمر فأتياه، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يديه إلى السماء ثم قال: اللهم سق إلينا رجلا رابعا محبا لك ولرسولك، تحبه اللهم أنت ورسولك، فيشركنا في طعامنا، وبارك لنا فيه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: اللهم اجعله علي بن أبي طالب. قال: فوالله ما كان بأوشك أن طلع علي بن أبي طالب، فكبر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وقال الحمد لله الذي سرى بكم جميعا وجمعه وإياكم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: انظروا هل ترون بالباب أحداً؟ قال جابر: كنت وابن مسعود (بالباب)، فأمر بنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فأدخلنا عليه فجلسنا معه، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بتلك فكسرها بيده، ثم غرف عليها من تلك الدجاجة ودعا بالبركة، فأكلنا جميعا حتى تملأنا شبعا، وبقيت فضلة لأهل البيت .
قال ابن عساكر: هذا حديث غريب، والمشهور حديث أنس.
أقول: ولا أظن أنا بحاجة إلى التنبيه على أوجه غرابته، لأنه مستبطن
لكذبه، ويكفي أن من أسنده إلى جابر لم يحكم صنعته، فقد جعل الراوي - وهو جابر - خارج البيت وعلى الباب، ولم يدخل إلى أن أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بإدخال من كان على الباب، فدخل هو وابن مسعود، فكان الشك في صحة كل ما رواه قبل دخول البيت، فإنه لم يكن فيه فكيف رواه وكأنه شاهد حال قد رآه؟
فهذا الحديث ساقط بالمرة، ولسنا بحاجة إلى بيان التحوير والتزوير في حديث الطير وقلبه إلى حديث الدجاجة.
النموذج الثاني: من نماذج التحوير والتزوير ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه(1)، وابن كثير في البداية والنهاية(2)، بأسانيدهما إلى أنس بن مالك، قال: أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم حجل مشوي بخبزة وضيافة، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام. فقالت عائشة: اللهم اجعله أبي. وقالت حفصة: اللهم اجعله أبي. قال أنس: وقلت: اللهم اجعله سعد بن عبادة. قال أنس: فسمعت حركة بالباب، فخرجت فإذا علي بالباب، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم على حاجة. فانصرف، ثم سمعت حركة بالباب، فخرجت فإذا علي بالباب، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم على حاجة. فانصرف ثم سمعت حركة بالباب، فخرجت فإذا علي بالباب، فقلت: إن رسول الله
صلى الله عليه [وآله] وسلم على حاجة، فانصرف، ثم سمعت حركة بالباب فسلّم علي، فسمع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم صوته، فقال: انظر من هذا. فخرجت فإذا هو علي، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فأخبرته، فقال: ائذن له. فدخل علي. قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: اللهم وإليّ، اللهم وإلي .
أقول: لقد أخرج هذا الحديث بهذه الصورة الشيخان مؤرّخا الشام، ولم يعقبا عليه بشيء، وكأنهما أقراً بصحته، وليس هذا بغريب منهما، بل الأغرب والأعجب روايتهما لنموذج آخر من نماذج التطوير والتحوير الحديث الطير، ولم يعقبا عليه بشيء أيضا.
النموذج الثالث: هو ما أخرجاه معا عن أبي يعلى، قالا: وقال أبو يعلى: حدثنا الحسن بن حماد الوراق، ثنا مسهر بن عبد الملك بن سلع - ثقة - ثنا عيسى ابن عمر عن إسماعيل السدي، أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كان عنده طائر فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فجاء أبو بكر فردَّه، ثم جاء عمر فرده، ثم جاء عثمان فردَّه ، ثم جاء علي فأذن له(1).
فانظر إلى التفاوت بين هذه الصور، والتهافت بينها ينبيك عما في الصدور من وغر، فدعاء ابنتي الشيخين لأبي بكر وعمر ودعاء أنس لسعد ابن عبادة، ولم يستجب الله تعالى دعاء أحد هؤلاء، ولم يأت من تمنوا
1) البداية والنهاية 351/7 ، تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام) 126/2 - 127 .
حضوره.
وإذا صح عند ابن عساكر وابن كثير ما روياه في النموذجين الثاني والثالث فهو إدانة لهما ولكل من يأبى الإذعان بصحة حديث الطير، حيث ذكرا أنه لم يحضر غير علي، على أن في النموذج الثالث ورد أنّ الشيوخ الثلاثة جاؤوا فردَّهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، حتى إذا جاء علي أذن له، وهذا صريح في أن الثلاثة ليسوا بأحب إلى الله تعالى منه، فلاحظ.
ولقد مرَّ في حديث النسائي ذكر مجيء الشيخين متعاقبين وردّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لهما ، ثم جاء علي فأذن له.
من العجيب أن يجد الباحث عن أسانيد حديث الطير ورواة طرقه الكثيرة التي يحصل التواتر بدونها، مواقف مضطربة بل ومتناقضة عند بعض علماء الحديث، فبعضهم ينفيه أول أمره بضرس قاطع، ثم يتبدل رأيه وينتهي به الحال عند إعادة النظر إلى إثباته، بل وتثبيته عن طريق الحكم بصحته، وحتى التأليف بجمع طرقه. وهذا ما مرَّ به الحاكم النيسابوري.
وبعضهم يشبه الحاكم في موقفه الأول، لكنه لا ينتهي إلى ما انتهى إليه الحاكم من التصحيح في المسار الصحيح، وإن شابهه في جمع جزء خاص به، إلا أنه بقي في أرجوحة الهوى بين كثرة طرق الإسناد، وبين موروث الآباء والأجداد، فهو هائم في كل واد. وهذا ما كان عليه الحافظ الذهبي.
وبعضهم كان متوسطاً بينهما - الحاكم والذهبي - فهو في أول موقف
له يتبع الذهبي، ولكن لا ينتهي إلى ما انتهى إليه من الذبذبة والتأرجح، بل انتهى إلى موقف ثابت، فهو يشبه الحاكم في هذا، إلا أن الحاكم اهتدى إلى تصحيح الحديث، وهذا ذهب إلى تحسينه. وهذا حال الحافظ ابن حجر العسقلاني .
وإلى القارئ عرض مواقفهم المتناقضة.
أولاً : مواقف الحاكم أبي عبد الله النيسابوري: فقد ذكر الذهبي في ترجمته له في كتابيه تذكرة الحفاظ(1)وسير أعلام النبلاء(2)أنه سئل في مجلس السيد أبي الحسن(3)عن حديث الطير، فقال: لا يصح، ولو صح لما كان أحد أفضل من علي رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم.
هذا عن موقفه الأول، أما عن موقفه الثاني - وهو الذين استقر عليه - فقد قال الذهبي أيضاً في التذكرة: ثم تغيَّر رأي الحاكم وأخرج حديث الطير في مستدركه، ولا ريب أن في المستدرك أحاديث كثيرة ليست على شرط الصحة، بل فيه أحاديث موضوعة شان المستدرك بإخراجها فيه. وأما حديث الطير فله طرق كثيرة جداً قد أفردتها بمصنف، ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل(4).
وقال في السير معقباً على إنكار الحاكم صحة الحديث: فهذه حكاية قوية، فما باله أخرج حديث الطير؟ فكأنه اختلف اجتهاده. وقد جمعت طرق حديث الطير في جزء، وطرق حديث (من كنت مولاه) وهو أصح، وأصح منهما ما أخرجه مسلم عن علي قال: إنه لعهد النبي الأمي إلي (إنه لا يحبّك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)، وهذا أشكل الثلاثة، فقد أحبه قوم لا خلاق لهم، وأبغضه بجهل قوم من النواصب ، فالله أعلم(1).
ونحن نقول له: وهذا حجّة عليك ولك الزم.
كما نقول للحاكم: وأنت على سعة فضلك وكثرة علمك بالحديث حتى سموك بالحاكم لمعرفتك بالحديث، فما بالك تنفي صحة حديث الطير بضرس قاطع؟ من دون بيان علة في إسناده أو متنه، من مخالفة كتاب أو سنة ثابتة، وإنما نفيته منكراً صحته لأنه لو صح لما كان أحد أفضل من علي رضي الله عنه بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهذا أقصى ما لديك من علّة، وهي ليست بنفسها علة بل هي تبريد غُلّة.
يا لله أي علّة تلك في الصدور تمنع من الإخبات بصحته؟
وإذا كان علي أفضل من كل أحد بعد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) فماذا يكون؟
أو ليس من كان نفس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يكون هو الأفضل؟
أو ليس قد فضله الله سبحانه في محكم كتابه في آية المباهلة فجعله نفس رسوله؟
1) سير أعلام النبلاء 101/13 .
أو لم يفضّله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث فتح مكة حين قال لقريش: والله يا معشر قريش لتقيمنَّ الصلاة ولتؤتُنَّ الزكاة، أو لأبعثنَّ عليكم رجلاً فيضرب أعناقكم على الدين. ثم قال: أنا أو خاصف النعل. قال علي: وأنا أخصف نعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم). وهذا الحديث أنت أخرجته في المستدرك، وقلت هذا حديث صحيح.
ومهما كان فذلك هو موقفك الأول، ثم قد اهتديت أخيراً إلى القول بصحة الحديث، فأذعنت بصحته، فأخرجته في المستدرك، وجعلته في كتابك (معرفة علوم الحديث) في النوع الثالث والعشرين من مشهور الحديث، حتى قلت: ومن الطوالات المشهورة التي لم تخرج في الصحيح حديث الطير(1).
ثم جمعت طرقه في جزء ضخم رآه ابن طاهر فتحامل عليك(2)، كما تحامل الدار قطني(3)والذهبي بسبب تخريجك الحديث في المستدرك، وائهموك بالتشيع من أجله، فكلكم مجزي بعمله وعلى نيته، ولكل امرئ ما نوى .
ثانياً : موقف الحافظ الذهبي: فلقد أنكر على الحاكم تخريجه في
المستدرك الحديث الطير وقال: قد كنت زمانا طويلا أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في مستدركه، فلما علّقت هذا الكتاب رأيت الهول من الموضوعات التي فيه، فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء(1).
وقال في سير أعلام النبلاء نحو ذلك أيضاً(2).
وذكر ابن كثير في تاريخه أن الذهبي قال في جزء جمعه في هذا الحديث بعد ما أورد طرقا متعددة نحوا مما ذكرنا: ويروى هذا الحديث من وجوه باطلة أو مظلمة عن حجاج بن يوسف وأبي عصام... ثم ساق بعدهما أسماء كثيرة بلغت عدة المجموع خمسة وسبعين اسماً، ثم قال ابن كثير:
ثم قال - الذهبي -: الجميع بضعة وتسعون نفساً، أقربها غرائب ضعيفة، وأردؤها طرق مختلفة مفتعلة، وغالبها طرق واهية(3).
وظهر موقفه في إنكار الحديث واضحاً في كتابه المنتقى(4)الذي اختصر فيه منهاج السنة لابن تيمية، حيث تبعه في منهاجه، وشدة لجاجه، لكنه لم يكن ذلك موقفه الثابت، فقد حام حول الصواب ولم يقله.
وبقي في أرجوحة الهوى، تتجاذبه صحة الإسناد، وموروث الآباء والأجداد، فهو بينهما متناقض الأقوال والأفعال، فمن يقرأ قوله: (وأما
حديث الطير فله طرق كثيرة جداً قد أفردتها بمصنف، ومجموعها هو يتوجب أن يكون الحديث له أصل) يراه قد قارب الصواب بعد أن جانبه بل وحاربه .
وحينما يقرأ القارئ قوله - وقد مرّ في الحديث عن الحاكم -: (وقد جمعت طرق حديث الطير في جزء. وطرق حديث (من كنت مولاه) وهو أصح، وأصح منهما ما أخرجه مسلم...) إلى آخر قوله، فمن يقرأ هذا يراه قد أخبت بصحة حديث الطير حين قرنه مع حديثين صحيحين، ومن خلال صيغة التفضيل (أصح) (وأصح منهما) أثبت أن حديث الطير صحيح، وإلا فلا معنى لقوله: (أصح) (وأصح منهما).
ويؤكد هذا التصور في صحة موقفه تخريجه للحديث بسند رجاله رجال الصحيح، إلا عبد الله بن أنس وثقه ابن سعد، فقد أخرجه في ميزان الاعتدال عن قطن بن نسير - وهذا من رجال مسلم(1)- عن جعفر بن سليمان الضبعي - وهذا أيضاً من رجال مسلم(2)۔ عن عبد الله بن المثنى وهذا من رجال البخاري(3)- عن عبد الله بن أنس - وهذا وثقه ابن سعد في الطبقات الكبير - عن أنس(4).
ولكن يبدد هذا التصوّر ما قاله في ترجمة أبي بكر بن أبي داود
السجستاني: وحديث الطير على ضعفه فله طرق جمة، وقد أفردتها في جزء، ولم يثبت، ولا أنا بالمعتقد بطلانه(1).
أفلا يدلّ جميع ما مر على التناقض الذي هو فيه؟ أو ليس قد صح ما قلناه عنه أنه يتأرجح بين صحة الإسناد، وموروث الآباء والأجداد؟ فهو كلما قارب السداد، صده عنه العناد، فهو إذن من الحائرين.
ثالثاً : موقف الحافظ ابن حجر العسقلاني: قال في ترجمة إبراهيم ابن باب البصري القصار عن ثابت البناني: واه لا يكاد يعرف إلا بحديث الطير.
وقال المؤلف في المغني: تالف، لا أعلم بما سكتوا عن تضعيفه، قلت - والقائل هو ابن حجر -: وقد ذكره البخاري فلم يذكر فيه جرحاً، وابن أبي حاتم وبيض، وضعفه العقيلي، لكنه سمّى أباه ثابتاً كما سيأتي، وأورد له عن ثابت عن أنس: جاءت أم أيمن بطائر، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم اثتني بأحب خلقك إليك يأكل معي. فجاء علي. قال العقيلي: ليس له أصل، وقد رواه معلى بن عبد الرحمن عن حماد، ومعلّى يكذب، ولم يأت به ثقة عن حماد، وفي هذا الباب لين، ولا أعلم فيه شيئا ثابتا(2).
فهذا عن موقفه النافي لصحة الحديث، لكنه قد تبدل فيما يبدو حين قال في آخر ترجمة إبراهيم بن ثابت - وهو نفس الراوي الأول وقد مرَّ باسم
ابن باب -: وقد جمع طرق الطبراني(1)ابن مردويه والحاكم وجماعة، وأحسن شيء فيها طريق أخرجه النسائي في (الخصائص).
ويؤكد هذا التبدل في الرأي ما أجاب به الخطيب التبريزي صاحب (مشكاة المصابيح)، وقد سأله عن عدة أحاديث وردت في مصابيح السنة للبغوي، جاء في آخر مسائله ما يلي:
وفي (باب مناقب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه) ثلاثة أحاديث موضوعة.
أحدها : قوله صلى الله عليه [وآله] وسلم: (اللهم اثتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير|) فجاء علي وأكل . غريب. قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، وقال الحاكم أبو عبد الله: إنه ليس بموضوع.
ثم ذكر حديث: (أنا دار الحكمة وعلي بابها)، وحديث (يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك).
فأجاب ابن حجر عن تلك المسائل، نذكر للقارئ منها جوابه عن حديث الطير، فقال: قلت: أخرجه الترمذي من طريق عيسى بن عمر عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن أنس وقال: غريب لا نعرفه من حديث السدي إلا من هذا الوجه، وقد روي من غيره عن أنس. وقال: السدي اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن سمع من أنس.
قلت - ولا يزال القول لابن حجر -: أخرج له مسلم، ووثقه جماعة
1) هكذا في المطبوع، والصحيح: طرق الطير.
منهم شعبة وسفيان ويحيى القطان.
وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أنس: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقدّم له فرخ مشوي... ثم ذكر الحديث إلى آخره.
ثم قال: وقال الحاكم: رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفساً ...
ثم ذكر له شواهد عن جماعة من الصحابة، وفي الطبراني منها عن سفينة وابن عباس، وسند كل منهما متقارب(1).
انتهى ما قاله ابن حجر عن هذا الحديث، ومن جوابه ظهر ميله إلى إثبات الحديث، وتحسين إسناده، وهذا ما استفز الألباني فعلّق عليه في مقدمة مشكاة المصابيح، وسيأتي عنه في مواقف ناصبية معلنة بدون حياء.
قال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة الإمام: وروت طائفة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لعلي رضي الله عنه: لا يحبّك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق(2).
وكان علي رضي الله عنه يقول: والله إنه لعهد النبي الأمي إلي، إنه لا
يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق(1).
وعن الثوري عن أبي قيس الأودي قال: أدركت الناس وهم ثلاث طبقات: أهل دين يحبون عليَّا، وأهل دنيا يحبون معاوية، وخوارج(2).
وعن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْل(3)قال: ببغضهم علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
والآن فلنقرأ لحن القول عند بعض النواصب الذين أعلنوا بغضهم للإمام علي (علیه السّلام)، من خلال ما قالوه في حديث الطير الذي نحن بصدده، ثم نترك الحكم عليهم إلى القارئ بما يحكم به إيمانه ووجدانه.
أولاً : عبد الله بن سليمان بن الأشعث المعروف بأبي بكر بن أبي داود السجستاني: روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمته بسنده عن علي بن عبد الله الداهري، يقول: سألت ابن أبي داود بالري عن حديث الطير؟ فقال: إن صح حديث الطير فنبوة النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم باطلة، لأنه يحكي عن حاجب النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم خيانته، وحاجب النبي لا يكون خائنا (!!!).
1) صحیح مسلم 64/2 . وانظر الترمذي 301/2. سنن النسائي 271/2. خصائص النسائي، ص 61 . سنن ابن ماجة، ص 12 مسند أحمد 84/1 ، 95، 128. تاريخ بغداد /417، 426/14. الاستيعاب 37/3 وغيرها.
2) الاستيعاب 51/3 .
3) الاستيعاب 46/3 - 47 . المناقب لابن المغازلي المالكي، ص 315 . كفاية الطالب، ص 235. الدر المنثور 66/6 . تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام).
أقول : فانظر بربك إلى هذه الملازمة التي استحدثها هذا الناصبي الخبيث، فجعل بزعمه الباطل تصحيح حديث الطير يستلزم بطلان النبوة ، لدلالة الحديث على خيانة حاجب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولما كان عنده حاجب النبي لا يكون خائنا ، فلا بد من القول بعدم صحة الحديث.
فاقرأ واضحك ، وإن شئت فأبك - فشَرُّ البلية ما يضحك، وشر الرزية ما يبكي - فكأن هذا الإنسان لم يقرأ كتاب الله تعالى وعمي عما جاء فيه في سورة التحريم من آيات تحكي خيانات أزواج الأنبياء، والأزواج أشد لصوقاً وأولى لحوقاً بأزواجهن، ولم يقل أحد ببطلان نبوتهم الخيانة زوجاتهم، فهلم واقرأ قوله تعالى وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْض أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ، وقوله تعالى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنْ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظهير ، وقوله تعالى عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلْقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ.
فهذه الآيات التي وبخت بعض أزواج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والإفشائها ما أسرَّ إليها، وإفشاء السر خيانة، وأي خيانة أعظم منها حتى ينزل الله سبحانه فيها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، كما أنها أنبت أشد تأنيب المرأتين اللتين تظاهرتا عليه بسبب تلك الخيانة.
كل ذلك جرى مع بعض أزواج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولم يقل أحد ببطلان نبوته لخيانة بعض أزواجه.
كيف لم يقرأ ابن أبي داود - وهو صاحب كتاب المصاحف - ما مرّ وما بعده من قوله تعالى ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ .
فهذه صريحة في خيانة المرأتين: امرأة نوح وامرأة لوط، ولم يُسمع من أحد قال ببطلان نبوة نوح أو لوط لخيانة المرأتين، مع أن المرأة أشدّ ارتباطاً بزوجها من حاجبه، وأكثر معاشرة له في حياته من صاحبه.
ثم ألم يعلم ابن أبي داود أن جماعة من الصحابة خانوا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأطلعه الله على خياناتهم، فأعلن ذلك ولم تبطل نبوته لخياناتهم، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر:
1 - أبو لبابة الأنصاري: فقد ذكر أنه كان أشار إلى حلفائه من بني قريظة أن الذبح إن نزلتم على حكم سعد بن معاذ، وأشار إلى حلقه فنزلت يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ، ثم تاب فربط نفسه بسارية في المسجد، فسميت تلك الأسطوانة إلى اليوم بأسطوانة التوبة في المسجد النبوي الشريف(1).
2 - حاطب ابن أبي بلتعة: فقد ورد في الصحيحين من حديث علي
1) الإصابة والاستيعاب في ترجمته.
كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إليهم ، فنزلت فيه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوِّكُمْ أَوْلِيَاءَ(1).
3 - عبد الله بن سعد بن أبي سرح: وكان أخا عثمان من الرضاعة، وكان يكتب للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأزله الشيطان وخان في كتابته، وارتد فلحق بالكفار ، فأمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يقتل يوم فتح مكة(2).
4 - رجل آخر: كان يكتب للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد قرأ البقرة وآل عمران، فكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) یملي عليه (غفورا رحيما)، فيكتب (عليما حكيماً)، فيقول له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): اكتب كذا وكذا. فيقول أكتب كيف شئت، ويملي عليه (عليماً حكيماً)، فيكتب (سميعاً بصيراً)، وقال: أنا أعلمكم بمحمد. فمات ذلك الرجل ، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): الأرض لا تقبله. قال أنس: فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها الرجل، فوجده منبوذاً. فقال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل؟ قالوا: دفناه مراراً فلم تقبله الأرض(3).
5 - الوليد بن عقبة بن أبي معيط: الذي سماه الله تعالى في كتابه فاسقاً، فقد كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حينما أرسله إلى بني المصطلق مصدقاً، فعاد وأخبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنهم خرجوا لقتاله، وكاد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يجهز جيشاً
لهم، فأنزل الله فيه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَيَا فَتَبَيَّنُو أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(1).
وما أصحاب مسجد ضرار بدون من ذكرنا خيانة الله ولرسوله وكانوا اثني عشر رجلا من المنافقين وفيهم أنزل الله تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(2).
6 - فدعم: عبد أسود أهداه رفاعة بن زيد لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عام خيبر أخذ شملة من المغانم قبل القسمة ومات، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): والذي نفسي بيده أن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً ... إلى آخر الحديث(3).
إلى غير هؤلاء من الذين خانوا الله ورسوله، وأنزل الله فيهم الآيات البينات، وفيها من الشواهد الخيانية التي صدرت من المنسوبين إلى الأنبياء صلى الله عليهم وسلم: أزواجا وأصحابا ، حجابا وكتابا. فكل ما صدر من أحد هؤلاء، لا بل جميع ما صدر عنهم من الخيانة لم يبطل نبوة النبي، فما بال أنس بثبوت خيانته تبطل نبوة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)؟
إن دعوى هذا التلازم من الغرابة بمكان، ولغرابتها وسماجتها ووقاحة قائلها استعظمها واستفظعها الذهبي وهو أحد رواتها، فعقب عليها فقال: قلت: هذه عبارة - وحاجب النبي لا يكون خائناً - رديئة، وكلام نحس، بل نبوة محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم حق قطعي إن صح خبر الطير أو لم يصح، وما وجه الارتباط؟ هذا أنس قد خدم النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قبل أن يحتلم وقبل جريان القلم، فيجوز أن تكون قصة الطائر في تلك المدة، فرضنا أنه [كان] محتلماً، ما هو بمعصوم من الخيانة، بل فعل هذه الجناية الخفيفة متأولاً(1)، ثم إنه حبس عليا عن الدخول كما قيل فكان ماذا؟ والدعوة النبوية قد نفذت واستجيبت، فلو حبسه أو ردّه مرَّات، ما بقي يتصور أن يدخل ويأكل معه سواه. إلا اللهم إلا أن يكون النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قصد بقوله: (ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي) عدداً من الخيار ، يصدق على مجموعهم أنهم أحب الناس إلى الله، كما يصح قولنا: أحب الخلق إلى الله الصالحون، فيقال: فمن أحبهم إلى الله ؟ فنقول: الصديقون والأنبياء، فيقال: فمن أحب الأنبياء كلهم إلى الله فنقول: محمد وإبراهيم وموسى. والخطب في ذلك يسير، وأبو لبابة - مع جلالته - بدت منه خيانة، حيث أشار لبني قريظة إلى حلقه وتاب الله عليه ،
1) هذا على مسلكهم لإيجاد المبررات الواهية لأفعال بعض الصحابة التي يخالفون فيها النص الصريح من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، مع أنه لا يجوز لأحد أن يجتهد أو يتأول بما خالف صریح کلامه (صلی الله علیه و آله و سلم)، لأن كل اجتهاد حينئذ فهو في مقابل النص وهو باطل مقطوع البطلان، لا عذر لأحد في الأخذ به أو العمل على مقتضاه .
وحاطب بدت منه خيانة، فكاتب قريشاً بأمر تخفى به نبي الله صلى الله عليه [وآله] وسلم من غزوهم، وغفر الله لحاطب مع عظم فعله (رضی الله عنه). وحديث الطير على ضعفه فله طرق جمة، وقد أفردتها في جزء ولم يثبت، ولا أنا بالمعتقد بطلانه، وقد أخطأ ابن أبي داود في عبارته وقوله، وله على خطئه أجر واحد... إلى آخر كلامه في تبرير الخطأ(1).
ولئن أحسن الذهبي الرد في الإدانة، على دعوى ابن أبي داود في زعمه أن حديث الطير لو صح لزم منه بطلان النبوة، لاستلزامه أنساً بالخيانة، لكنه أساء وأسرف في اعتذاره وتبريره خطأ ابن أبي داود حتى بلغ به الإسراف والشطط إلى حد الغلط، فجعله مجتهداً مخطأ مأجوراً بعد أن كان آثماً مأزوراً.
وغريب أمر هؤلاء النواصب فهم حين يجوزون على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ما ينا في عصمته وهو المسدّد بوحي السماء، ويهتكون حرمته حين ينسبون إلى أخيه وابن عمه ومن هو نفسه بنص الوحي المبين في آية المباهلة، ما يندى له الجبين، كما صنع ابن أبي داود الذي تهالك الذهبي في تبرير خطئه، فقد كان من شدّة نصبه يروي الحديث الكاذب يتناول به الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
فاقرأ ما ذكره الذهبي وابن عدي وابن عساكر وابن حجر في ترجمته(2)
1) سير أعلام النبلاء 233/13 .
2) راجع ميزان الاعتدال 433/2 - 436. سير أعلام النبلاء 582/10 فما بعدها. تذكرة الحفاظ للذهبي، ص 771 فما بعدها. الكامل لابن عدي 226/4 وما بعدها. لسان الميزان لابن حجر 293/3. تاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمته، ففي هذه المصادر تجد المضحك المبكي من التناقض في أوصاف الرجل، ذكرنا بعضه في المتن.
من أعاجيب الأكاذيب، وهذا من بعضها: عن محمد بن الضحاك بن عمرو ابن أبي عاصم النبيل يقول: أشهد على محمد بن يحيى بن مندة بين يدي الله أنه قال لي : أشهد على أبي بكر بن أبي داود أنه قال لي: روى الزهري عن عروة قال: كانت قد حفت أظافير علي من كثرة ما كان يتسلّق على أزواج رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم.
أتريد وقاحة وصلفا أكثر من هذا؟ فهو إذ يغار على أنس أن تنسم إليه خيانة، فينفي حديثاً صحيحا في سبيله، ثم هو ينسب ما هو أشنع وأفظع كذباً وزوراً إلى أمير المؤمنين ابن عم الرسول وزوج البتول وأبي السبطين ، ولا يخشى لومة لائم .
وكان أصلف منه وأوقح الذهبي الذي انبرى له - كما مر - معقباً على مقالته السيئة في حق الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولم ينبس في المقام ببنت شفة، وكذلك الذين ذكروا عنه هذه الطامَّة فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ(1).
والآن إلى بعض ما قاله فيه أبوه وغيره من شهادات بكذبه ونصبه ستَكْتَبُ شَهَادَتْهُمْ وَيُسْأَلُونَ(2):
1 - قال ابن عدي: وقد تكلّم فيه أبوه وإبراهيم بن أورقة، ونسب في
الابتداء إلى شيء من النصب، ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط، ثم رده علي بن عيسى، فحدث وأظهر فضائل علي، ثم تحنبل فصار شيخاً فيهم.
2 - وقال الذهبي: سمعت ابن عبدان يقول: سمعت أبا داود يقول: ومن البلاء أن عبد الله يطلب القضاء.
3 - وقال أيضاً: وسمعت علي بن عبد الله الداهري، سمعت محمد ابن أحمد بن عمرو، سمعت علي بن الحسين بن الجنيد، سمعت أبا داود يقول: ابني عبد الله كداب.
4 - وقال ابن عدي: وكان ابن صاعد يقول: كفانا أبوه بما قاله فيه.
5 - وقال محمد بن عبد الله القطان: كنت عند ابن جرير فقال رجل:ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي. فقال: تكبيرة من حارس .
6 - وقال إبراهيم الأصبهاني: أبو بكر بن أبي داود كذاب.
7 - وقال أبو القاسم البغوي: وقد كتب إليه أبو بكر بن أبي داود يسأله عن لفظ حديث لجده: أنت والله عندي منسلخ من العلم.
وحسب القارئ بهذا وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ ثور.
والآن إلى نموذج ثان من أولئك النواصب، وما قاله في حديث الطير من مناقشة في السند والمتن والدلالة، مما أظهر نصبه والعداوة للإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
ثانياً: ابن تيمية الحراني: قال في منهاج السنة رداً على قول العلامة الحلي - وقد سماه بالرافضي ـ: الثامن: خبر الطائر، روى الجمهور كافة أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أتي بطائر، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلي يأكل معي من هذا الطائر... وذكر الخبر بتمامه.
فقال ابن تيمية ردا عليه: والجواب من وجوه:
أحدها: المطالبة بتصحيح النقل، وقوله: (روى الجمهور كافة) كذب عليهم، فإن حديث الطير لم يروه أحد من أصحاب الصحيح، ولا صححه أئمة الحديث، ولكن هو مما رواه بعض الناس كما رووا أمثاله في فضل غير علي.
الثاني: أن حديث الطائر من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل.
قال أبو موسى المديني: قد جمع غير واحد من الحفاظ طرق أحاديث الطير للاعتبار والمعرفة، كالحاكم النيسابوري وأبي نعيم وابن مردويه...
الثالث: أن أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجيء أحب الخلق إلى الله ليأكل منه ، فإن إطعام الطعام مشروع للبر والفاجر، وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الأكل، ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا، فأي أمر عظيم هذا يناسب جعل أحب الخلق إلى الله يفعله.
الرابع: أن هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة، فإنهم يقولون: إن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يعلم أن عليا أحب الخلق إلى الله،
وأنه جعله خليفة من بعده، وهذا الحديث يدل على أنه ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله.
الخامس: أن يقال: إما أن يكون النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يعرف؟ أن عليًّا أحب الخلق إلى الله أو ما كان يعرف؟ فإن كان يعرف ذلك كان يمكنه أن يرسل بطلبه، كما كان يطلب الواحد من الصحابة، أو يقول: (اللهم اثتني بعلي فإنه أحب الخلق إليك)، فأي حاجة إلى الدعاء والإيهام في ذلك، ولو سمَّى عليًّا لاستراح أنس من الرجاء الباطل، ولم يغلق الباب في وجه علي، وإن كان النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم لم يعرف ذلك، بطل ما يدعونه من كونه كان يعرف ذلك، ثم إن في لفظه (أحب الخلق إليك وإلي) فكيف لا يعرف أحب الخلق إليه؟
السادس: أن الأحاديث الثابتة في الصحاح التي أجمع أهل الحديث على صحتها وتلقيها بالقبول تناقض هذا، فكيف تعارض بهذا الحديث المكذوب الموضوع الذي لم يصححوه...
ثم استمر يذكر حديث البخاري (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لا تخذت أبا بكر خليلاً)، واستدل بأن الخلة هي كمال الحب، وهذا لا يصح إلا لله ، فإذا كانت ممكنة ولم يصلح لها إلا أبو بكر، علم أنه أحب الناس إليه(1).
ثم استدل بحديث ابن العاص - وإن لم يسمه - لما سئل (صلی الله علیه و آله و سلم): أي
1) منهاج السنة 99/4 .
الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قيل: من الرجال؟ قال: أبوها... إلى آخر ما نفث من غليان حقده.
والآن لترجع إلى ما قاله في وجوهه، فنقول باختصار: إن جميع وجوهه مشوهة ومردودة.
أما الوجه الأول: فمردود من جهة رواية الترمذي في جامعه والنسائي في الخصائص وكلاهما من أصحاب السنن، ومن جهة بتصحيح أئمة الحديث له، فقد صححه الحاكم النيسابوري في المستدرك على شرط الشيخين، كما صححه الذهبي وأقره في تعقبه على الحديث الأول، فقال: الكل ثقات إلا هذا -يعني محمداً - فأنا أتهمه به، ثم ظهر لي أنه صدوق... إلى أن قال: فأما أبوه فلا أعرفه .
ونحن نقول له: إذا كان الذهبي لا يعرفه فقد عرفه الحاكم قبله، وصحح الحديث من طريقه على شرط الشيخين.
وقد مرَّ في مواقف متناقضة، موقف الذهبي، وكيف استقر رأيه أخيراً على جمع طرق الحديث وأن له أصل، كما مرَّ أنه صححه عملاً حين رواه في ميزانه في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي، عن قطن بن نسير - وهو من رجال مسلم أيضاً - عن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس - وهذا من رجال البخاري ـ، فالذهبي بروايته الحديث بهذا السند وهم من رجال الصحيحين مقر بصحته، وهذا أيضا ملزم لابن تيمية ويرد عليه قوله: (ولا صححه أئمة الحديث) أو ليس الترمذي والنسائي والحاكم والذهبي من
أئمة الحديث؟
وأما الوجه الثاني: فنقول: إن الحديث الذي يرويه عن أنس فقط - سوى غيره من الصحابة - ما ينيف عن التسعين إنسانا وعنهم خلائق، هل يعقل أن يكون من المكذوبات الموضوعات؟
وهل الذين رووه وأخرجوه وجمعوا طرقه كلهم من غير أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل كما يزعم ابن تيمية؟
لماذا لم يسم ابن تيمية واحداً من أهل العلم والمعرفة هؤلاء الذين ادعوا وضعه؟ أو ليس هو حكى قول المديني: قد جمع غير واحد من الحفاظ طرق أحاديث الطير؟ وزعمه إنما ذلك للاعتبار والمعرفة، ينافيه تصحيح الحاكم النيسابوري وقد صرح بصحته على شرط الشيخين؟ والذهبي في روايته في ميزانه كما مر.
1) قال ابن كثير في البداية والنهاية 353/7: ورأيت مجلداً في جمع طرقه - حديث الطير - وألفاظه لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري المفسر صاحب التاريخ، وكرره في 147/11.
2) ذكره له ابن شهر اشوب في كتابه المناقب.
3) ذكره بنفسه في تذكرة الحفاظ 1043 في ترجمة الحاكم فقال: وأما حديث الطير فله طرق كثيرة جداً قد أفردتها بمصنف ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل، وقال في سير أعلام النبلاء 233/13 وحديث الطير على ضعفه فله طرق جمة، وقد أفردتها في جزء.
نعيم(1)، وابن مردويه(2)، وغيرهم من طرق الحديث، وفيهم ممن صحح الحديث، لم يكن ذلك منهم للاعتبار والمعرفة.
فالحاكم يصرح بتصحيحه في المستدرك، والذهبي يخرجه بطريق صحيح في ميزانه كما مر ، وأبو نعيم يقول في الحلية بعد روايته الحديث: رواه الجم الغفير عن أنس، وابن مردويه يرويه بمائة وعشرين طريقاً(3).
وأخرجه ابن عساكر في تاريخه بأسانيد كثيرة تبلغ الأربعين، وأخرجه ابن المغازلي في المناقب بأسانيد بلغت أربعاً وعشرين طريقاً ، وابن الجوزي في العلل بسبعة عشر طريقاً(4)، وابن كثير في البداية والنهاية عن أكثر من ثلاثين طريقا(5)وغيرهم.
فهل هذا كله لمجرد المعرفة والاعتبار؟ لا بل الصحيح أن الحديث صار محك اختبار ، إما إلى جنة وإما إلى نار، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
1) ذكره السمعاني في التحبير 181/1 ، وابن تيمية نفسه في منهاج السنة 99/4 ، والذهبي في سير أعلام النبلاء 306/19.
2) ذكره الحافظ الخوارزمي في كتابه مقتل الحسين 46/1 وقال: وأخرج الحافظ ابن مردويه هذا الحديث - حديث الطير - بمائة وعشرين إسناداً وقال ابن حجر في لسان الميزان 42/2 وقد جمع طرق الطير ابن مردويه والحاكم وجماعة وأحسن شيء فيها طريق أخرجه النسائي في الخصائص. كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 353/7.
3) حلية الأولياء 329/6 .
4) العلل المتناهية 228/1 .
5) البداية والنهاية 350/7-353.
وأما الوجه الثالث: فهو من السخف بمكان، ويشهد بجهله بل نصبه، فإن دعاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إنما هو لتعريف الناس تعريفا وجدانيا محسوسا، وذلك أكد من القول، وأبلغ في إقامة الحجة.
وأما الوجه الرابع: في زعمه مناقضة الحديث لمذهب الرافضة، لأن الحديث يدل على أن النبي ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله، وهم يقولون: إن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم أن عليا أحب الخلق إلى الله.
فهذا زعم عجيب غريب، فأين توجد الدلالة في الحديث على أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله؟ كيف وفي بعض صور الحديث: (اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلي)، وفي بعضها قال: (يا علي ما حبسك؟) أو (ما أبطأ بك؟) ، فهو (صلی الله علیه و آله و سلم) كان عارفاً به، لكنه إنما أبهم ليبين للناس أن التعيين إنما حصل من قبل الله تعالى، فيعرف الناس بأن عليا هو الأحب إلى الله تعالى عن طريق استجابة الدعاء، ومن هذا يعرف زيف ما ذكره في الوجه الخامس.
وأما الوجه السادس: أنه مناقض للأحاديث الصحيحة، فهذه دعاوى فارغة غير ملزمة لمن لا يرى صحة تلك الأحاديث.
ثم إن ما ذكره لا يثبت مدعاه، وسيأتي قريبا مزيد بيان في آخر النماذج من أمثاله عند مناقشة الألباني، فانتظر.
ثالثا : العضد الإيجي: قال في (المواقف) مستشكلا في دلالة الحديث،
وتابعه بعض شراح كتابه كأبي العلا بن مير أبي الفضل(1)، والشريف الجرجاني في شرحه له في إشكاله، وخلاصة ما عندهم بأن الحديث لا يفيد أن عليا أحب إلى الله في كل شيء، لصحة التقسيم، وإدخال لفظ الكل والبعض، ألا ترى أنه يصح أن يفسَّر ويقال: أحب إلى الله في كل الأشياء أو في بعض الأشياء، جاز أن يكون أكثر ثواباً في شيء دون آخر، فالحديث لا يدل على الأفضلية مطلقاً.
أقول: وهذا من غرائب ما صدر عن صاحب المواقف ومن تابعه، وكم لهم من غرائب وعجائب، ألم يعلم أن الإطلاق مع عدم القرينة على الخصوص يفيد العموم في مثل المقام، فكلمة الشهادة إنما دلّت على التوحيد بإطلاقها، وبناءاً على ما ذكره يقتضي أن لا دلالة فيها، لإمكان الاستفسار أيضاً بأنه لا إله إلا هو في كل شيء؟ أو في السماء؟ أو في الأرض؟ فعليه لا تفيد نفي الشريك مطلقاً.
وهذا ما لا يقوله أي موحد ، كيف بالعارف بأساليب الكلام وفنون المعرفة.
ولو سلمنا جدلاً أنّ الحديث لا يصح حمله على إرادة الأحب مطلقاً، لإمكان حمله على الأحب في بعض الأمور، فيكون عليا هو الأحب إلى الله تعالى ولكن في بعض الأمور، وهناك غيره من هو أحب منه مطلقا.
1) المواقف، ص 409 ط عالم الكتب بيروت. شرح المواقف، ص 741ط الهند سنة 1294هـ.
فهذا الطرح يمنعنا منه أن الله تعالى لما استجاب دعاء نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) جاءه علي وحده، ولو لم يكن هو الأحب مطلقاً لجاء معه من هو أحب منه مطلقاً، لاستجابة دعاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فيه .
وهناك في بعض صور الحديث ما يؤيد ما قلناه، ويؤكد أن عليا هو الأحب إليه مطلقاً ، وهو ردّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للشيخين وقد أتياه متعاقبين كما في حديث رواه النسائي، وقد تقدمت الإشارة إليه، فعدم إذنه لهما يدل على أنهما ليسا بالأحب مطلقاً، كلا ولا من بعض الوجوه، فلاحظ.
رابعاً: أهل واسط: على ما ذكره الحافظ السلفي في سؤالاته الخميس الحوزي عن جماعة من أهل واسط، قال: وسألته عن أبي محمد السقاء، فقال: عبد الله بن محمد بن عثمان المزني - مزينة مضر - لم يكن سقاءاً، وإنما
هذا لقب نبز به - من وجوه الواسطيين وذوي الثروة منهم والحفظ والإسناد والتقدم فيه...(1)
إلى أن قال: واتفق أنه أملى حديث الطائر فلم تحتمله أنفس العوام، فوثبوا به وأقاموه وغسلوا موضعه، فمضى ولزم بيته، وكان لا يحدث أحداً من الواسطيين، فلهذا قل حديثه عندهم، وإذا جاء الرجل الغريب أحلفه بالله الذي لا إله إلا هو ما وضعك أحد من أهل واسط، ولا تعط حديثي أحداً منهم، فإذا حلف له حدثه(2).
أقول: يا لله لماذا غسلوا مكانه؟ فهل كفر الرجل بتحديثه حديث الطير؟ أرأيت تعصباً أعمى كهذا؟ أو ليس هذا من أقبح النصب - إن صح التعبير ـ؟(1).
خامساً: ابن كثير الشامي في تاريخه: فقد كشف به عن باطن دخيلته وسوء طويته، قال: وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة، منهم أبو بكر بن مردويه ، والحافظ الطبري المفسر صاحب التاريخ، ثم وقفت على مجلد كبير في رده وتضعيفه سنداً ومتنا للقاضي أبي بكر الباقلاني المتكلم.
ثم قال ابن كثير: وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه، والله أعلم(2).
أقول: يا سبحان الله، بينا يسوق ابن كثير في كتابه(3)جملة من أسانيد الحديث نيفت على الثلاثين، وهو ما أشار إليه بقوله: (وإن كثرت طرقه)، يقول: (ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر).
لماذا يبقى مجال للنظر؟ وهو بتكثر طرقه يبلغ حد التواتر، وما ذلك إلا لمرض فيه، ولقد صدق الله تعالى حيث يقول: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ
فمِنْهُم من يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ(1). سادساً : محمد ناصر الدين الألباني: قال في مقدمة الجزء الثالث من مشكاة المصابيح ناقدا لابن حجر في جوابه على مسائل الخطيب التبريزي، ومنها عن حديث الطير حيث أخرجه من دائرة الوضع، وحكم بأنه حديث حسن، فقال الألباني: فانظر مثلاً إلى الحديث السادس عشر، وهو حديث الطير الذي أفاد أن عليا رضي الله عنه أحب الخلق إلى الله، فقد صرّح الحافظ في التلخيص المشار إليه بأنه حديث حسن مع أن الترمذي مع تساهله المعروف لما خرجه لم يحسنه، بل ضعفه بقوله : (حديث غريب)(2). وإذا عدنا إلى كلام الحافظ على رجال إسناده، وجدناه ينحصر حول من لا طعن فيه منهم كالسدي، فيتوهم القارئ الذي لا إطلاع له على إسناده، ولا معرفة عنده بحال رواته أن لا مغمز في واحد منهم، والواقع خلاف ذلك، وعلة الحديث فيمن دون الذي ذكره الحافظ، ألا وهو شيخ الترمذي نفسه، وهو (سفيان بن وكيع)، وقد وهَّاه البخاري، فقال: (يتكلمون لأشياء لقنوه فيها). وقال أبو زرعة: (يتّهم بالكذب). فمن كان هذا حاله، فهل يجوز طي الكلام عنه، وتعصيب التهمة بغيره، بل إيهام أن لا متهم هناك؟ وبعد معرفة هذا ينتج أن الحديث بهذا السند ضعيف جداً. فلننظر إذن في الطريق
الأخرى التي أخرجها الحاكم هل يمكن أن يرتقي الحديث بها إلى الدرجة التي رفعه إليها الحافظ، ألا وهي الحسن! لقد سكت الحافظ عن هذه الطريق، فلم يتكلم عليه إطلاقاً، بل أوهم بأسلوب سياقه إياه أن لا طعن فيه البتة، وذلك بأن ساقه من عند سليمان بن بلال (وهو ثقة)، عن يحيى ابن سعيد (وهو ثقة أيضاً)، عن أنس. وقد جرى عمل المحدثين أنهم يبدؤون بذكر السند من عند الراوي الذي يظن أن فيه شيئا، ولم يجز البدء من عند غيره من الثقات، إلا إذا لم يكن هناك علة إطلاقاً، والواقع هنا أن الأمر ليس كذلك، فإن في الطريق إليه أحمد بن عياض بن أبي طيبة، قال الذهبي في الميزان والتلخيص: (لا أعرفه) . قلت: ويرويه عنه ابنه محمد، وقد كان الذهبي صرح في الميزان بأنه هو المتهم بهذا الحديث - أي بوضعه - ثم رجع عن ذلك لما تبين له أنه صدوق، وختم ترجمته بقوله: (فأما أبوه فلا أعرفه) أي فهو المتهم به. وقد أقره الحافظ في اللسان (58/5)(1). ثم قال الذهبي في التلخيص: ولقد كنت زماناً طويلاً أظن أن حديث الطير لم يجسر
1) أقول: لقد ذكر الحافظ في نفس المصدر في نفس الجزء والصفحة تعقيباً على قول الذهبي: فأما أبوه فلا أعرفه. قلت: ذكره ابن يونس في تاريخ مصر... إلى أن قال: ولم يذكر فيه جرحاً. ثم أسند له حديثاً وذكره بسنده إلى أنس عنه صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: لا يلام الرجل على حب قومه. قال ابن حجر: وهذا طرف من حديث الطير، ثم ذكر عن ابنه محمد أنه مات في حبس ابن طولون لأنه أنهم بسب الإمام وأحضرت البينة، فأمر به فجرد وضرب نحو ثمانين سوطاً في الحبس، ومات بعد سبعة أيام... الخ. أقول: لماذا لم يذكر الألباني ما ذكره ابن حجر في حق الأب والابن، في تمشية حالهما في الرواية، لأن الابن صدوق، والأب لم يذكر فيه جرح؟
الحاكم أن يودعه في مستدركه، فلما علّقت على هذا الكتاب رأيت الهول من الموضوعات التي فيها ، فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء!
فقد تبين أن هذه الطريق فيها جهالة، والتي قبلها فيها متّهم بالكذب، فمثلها لا يعطي قوة للطريق الأولى، لشدة ضعفها. فهذا حال الحديث من جهة الإسناد.
وأما حاله من جهة المتن، فكيف يمكن أن يكون هذا الحديث حسناً وهو يخالف صراحة الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن عمرو بن العاص ، أنه سأل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة. قال: قلت: فمن الرجال؟ قال أبوها . قال ثم من؟ قال: عمر ... فعد رجالاً. ومن البدهي أن أبا بكر رضي الله عنه إذا كان أحب الرجال إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فهو أحبهم أيضاً إلى الله تبارك وتعالى، لأن العكس مستحيل، وهو أن يكون أحب الخلق عند الله غير أبي بكر ، وليكن هو علي مثلاً هنا، ويكون في الوقت نفسه أحب الخلق عند النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أبو بكر رضي الله عنه، هذا مستحيل قطعاً. ولذلك فإني أرى أن الصواب مع القزويني في حكمه على الحديث بالوضع تبعاً لابن الجوزي، وتبعه أيضاً الذهبي وغيره(1).
أقول: ماذا يصنع المرء مع الذي يَسْمَعُ آيات اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا(2)مثل هذا الألباني الذي يعتبر من أهل
المعرفة بالحديث، وقرأناه في كتابيه (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) و (سلسلة الأحاديث الصحيحة) وغيرها من كتبه، لديه بعض إنصاف في مناقشته فيما فيه اختلاف، ولكن يبدو أن الرجل لا يسعه التخلي عن الرواسب الموروثة عنده، فهو ينقل قول الذهبي في التلخيص، ثم لا يذكر قوله الآخر في تذكرة الحفاظ في ترجمة الحاكم، حيث قال: وأما حديث الطير فله طرق كثيرة جداً قد أفردتها مصنف، ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل.
ثم ما باله لم يذكر قول الذهبي في الميزان تعقيبا على قول الحاكم: هذا على شرط البخاري ومسلم.
قلت . والقائل هو الذهبي ـ: الكل ثقات إلا هذا - محمد بن أحمد بن عياض - وإنما اتهمه به، ثم ظهر لي أنه صدوق.
إذن الحديث صحيح بهذا الإسناد(1).
ثم إن الألباني ناقش الطريق الثاني عند الحاكم لجهالة بعض رواته عنده، فكيف له بسائر الطرق الكثيرة جداً التي أفردها الذهبي بمصنف، وأوجبت عنده أن يكون الحديث له أصل.
هل اطلع عليها فرآها جميعاً غير صالحة للاعتماد، فضم رأيه إلى رأي الخطيب التبريزي في حكمه على الحديث بالوضع تبعاً لابن الجوزي
1) راجع ميزان الاعتدال 465/3 في ترجمة محمد بن أحمد بن عياض. وقد نقل جميع كلام الذهبي الحافظ ابن حجر في لسان الميزان 57/5 - 58 ط حیدرآباد، فراجع.
ثم لماذا لم يتبع الألباني الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي هو أعلم من الخطيب التبريزي قطعا بدلالة سؤاله منه، والحافظ ابن حجر حجة عنده وعند قومه؟
ولكن للهوى سلطان حاكم على عقول ضعاف الإيمان، ويكفينا في إثبات غلبة هواه على عقله ما استدل به من بيان حال المتن بمخالفته لما صح عنده - فيما يزعم - من حديث عمرو بن العاص المتقدم.
وقبل أن نناقشه في ذلك نقول له: إنه لم يأتنا بشيء جديد من عنده، وإنما هذا معنى ما قاله التوربشتي(2)وغيره.
وعلى كل حال فما قاله موهون من جهات:
أولاً : في قبوله رواية ابن العاص الذي عُرف بعدائه للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأنه كان من صنائع معاوية الذين يضعون له الأحاديث كما في حديث المدائني الذي نقله عنه ابن أبي الحديد، فهو متهم في روايته،
فلا يمكن قبولها بحال.
وثانياً: ما رأيه في حديث النعمان بن بشير، وهو صحابي أنصاري، ومن الذين كانوا مع معاوية، ولم يكن متّهماً في روايته التي يقول فيها: استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، فسمع صوت عائشة عالياً وهي تقول: لقد علمتُ أن عليا أحب إليك (مني) من أبي (مرتين أو ثلاثاً)، قال: فاستأذن أبو بكر ، فدخل فأهوى إليها ليلطمها، فقال: يا بنت فلانة - يعني أمها - (لا أراك) لا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فأمسكه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخرج أبو بكر مغضباً. أخرجه النسائي في الخصائص(1). وما بين القوسين منه - والهيثمي في مجمع الزوائد: وقال: قلت رواه أبو داود غير ذكر محبة علي رضي الله عنه، ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح. ورواه الطبراني بإسناد ضعيف(2).
أقول: ونحن يكفينا رواية النسائي له، وهو من أصحاب السنن عند القوم، ورواية البزار ، إذ لا خدشة في رجاله.
ثم ذكر الهيثمي هذا الحديث مرة أخرى في مجمع الزوائد، وقال:
فهل يقبل الشيخ الألباني بهذا الحديث الصحيح المتضمن شهادة عائشة أن عليًّا أحب إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) منها ومن أبيها، وشهادتها حسية وليست حدسية؟ وكيف له أن يرفض ما صححه بنفسه في سلسلة الأحاديث الصحيحة(1).
وثالثاً : ما رأيه في حديث جميع بن عمير التميمي، قال: دخلت مع عمَّتي على عائشة، فسألت - عمتي -: أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم؟ قالت - عائشة -: فاطمة. فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان ما علمت صواما قواما.
وهذا الحديث رواه الترمذي في سننه(2)، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(3). وأخرجه أيضاً الخطيب في تاريخ بغداد(4)، وابن عبد البر في الاستيعاب(5)، والمتقي الهندي في كنز العمال، وقال: أخرجه الخطيب البغدادي وابن النجار(6). ورواه المحب الطبري في ذخائر العقبى، وقال: خرجه ابن عبيد . وزاد بعد قولها (قواما)
كلمة (جديراً بقول الحق)(1).
فماذا يقول الشيخ الألباني في هذا؟ أوليس هذا هو الذي قال في تعليقه على مشكاة المصابيح: (وإسناده حسن)(2)بعد ذكره هذا الحديث؟
ورابعاً: ما رأيه في حديث آخر الجميع بن عمير أيضاً، قال: دخلت مع أمي على عائشة، فسمعتها من رواء الحجاب وهي تسألها عن علي، فقالت: تسأليني عن رجل والله ما أعلم رجلاً كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم من علي، ولا في الأرض امرأة كانت أحب إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم من امرأته - تعني امرأة علي.
أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(3).
وأخرجه النسائي في الخصائص(4)، فهل يقبل الشيخ بذلك أم لا؟
وخامساً : ما رأيه في حديث ثالث الجميع بن عمير، وقد دخل على عائشة هذه المرة مع أبيه، فقال: دخلت مع أبي على عائشة، يسألها من وراء الحجاب عن علي ، فقالت: تسألني عن رجل ما أعلم أحداً كان أحب
إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم منه، ولا أحب إليه من امرأته.
وهذا الحديث رواه النسائي أيضاً في الخصائص(1)، فهل يقنع الشيخ بروايات جميع بن عمرو وهو يروي قول عائشة، وهي تشهد عن مبلغ علمها بأنه ليس أحد أحب إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومن منا علي وامرأته ؟ وقلنا: إن شهادة عائشة حسية وليست حدسية، لمعاشرتها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) طيلة تسع سنين.
سادساً: ما رأيه في حديث عن بريدة يقول فيه: كان أحب النساء إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فاطمة، ومن الرجال علي.
وهذا أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(2). وصادقه الذهبي على التصحيح في تلخيصه. وأخرجه الترمذي في سننه(3)، والنسائي في الخصائص(4)، وابن عبد البر في الاستيعاب(5)، فما رأي الألباني في شهادة بريدة وهو من أصحاب بيعة الرضوان كما في ترجمته في الاستيعاب؟
سابعا: ما رأيه في حديث معاذة الغفارية، قالت: كنت أنيسا برسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، أخرج معه في الأسفار، وأقوم على المرضى، وأداوي الجرحى، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه [وآله]
وسلم بيت عائشة وعلي خارج من عنده، فسمعته يقول: يا عائشة، هذا أحب الرجال وأكرمهم علي، فاعرفي له حقه، وأكرمي مثواه.
وهذا الحديث ذكره ابن الأثير في أسد الغابة(1)، وابن حجر في الإصابة(2)، والمحب الطبري في الرياض النضرة، وقال: أخرجه الخجندي(3).
ورواه مرة أخرى بأطول مما مر ، وفيه ذكر ما جرى لعائشة بعد حرب البصرة وسؤال الغفارية منها : كيف قلبها اليوم بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول لك فيه ما قاله؟؟... إلى آخر ما جرى بينهما(4)، فمن شاء الوقوف عليه فليراجعه.
وثامناً: ما رأيه في حديث أبي ذر الغفاري الذي هو أصدق ذي لهجة كما في تقريض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) له بقوله : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق ذي لهجة من أبي ذر.
فقد روى المحب الطبري في الرياض النضرة(5)، وابن عساكر في تاريخه(6)بطريقين عن معاوية بن ثعلبة، قال: جاء رجل إلى أبي ذر وهو في
مسجد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال: يا أباد ذر ألا تخبرني بأحب الناس، فإني أعرف أن أحب الناس إليك أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم؟ فقال: إي ورب الكعبة، أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم هو ذاك الشيخ. وأشار إلى علي وهو يصلي أمامه.
قال المحب الطبري: خرجه الملا - أي في سيرته.
فما رأي الشيخ الألباني في قول أبي ذر وشهادته؟ وقد تبلغ القحة حتى التشكيك بصدق أبي ذر في قوله!
وتاسعاً: ما رأيه في حديث أبي هاشم مولى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، قال: كانت أمي أمة لرسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم هو أعتق أبي وأمي: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم جاء في المسجد فوجد عليا وفاطمة مضطجعين وقد غشيتهما الشمس، فقام عند رأسيهما وعليه كساء خبيري، فمده دونهما، ثم قال: قوما أحب باد وحاضر (ثلاث مرات).
وهذا ما أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة(1)، وقال: أخرجه أبو موسى. فما رأيه في هذا؟
وعاشراً: ما رأيه في قول الحسن البصري في حديث له مع الحجاج وقد سأله: ما رأيك في أبي تراب؟ فقرأ قوله تعالى إلا عَلَى الذِينَ هَدَى
1) أسد الغابة 314/5 .
الله، ثم قال: وعلي منهم، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وختنه على ابنته، وأقرب الناس إليه، وأحبهم... الخ. أخرجه الزمخشري في الكشاف(1).
فما رأي الألباني في هذا العرض للشهادات العشر بأن عليا أحب إلى رسول الله من غيره، وهل بعدما تقدم كله يبقى الحديث عمرو بن العاص من قيمة؟ وعمرو هو المعروف بعداوته للإمام (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد حاربه مع معاوية، وذلك مشهور ومذكور في التواريخ؟
ثم ألا مسائل من الألباني كيف اعتمد حديث عمرو مع ما يعرفه من عداوته ونصبه، وهو الذي روى كما في الصحيحين: أن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما ولي الله وصالح المؤمنين.
قال ابن أبي الحديد: إن عمرو بن العاص رواه تقرباً إلى قلب معاوية(2).
وهلا سلك الألباني مسلك الحافظ ابن حجر العسقلاني وقد ذكر في شرحه للحديث في فتح الباري طريقة للجمع بين حديثي ابن العاص والنعمان بن بشير الآنفي الذكر، فقال: ويمكن الجمع باختلاف جهة المحبة، فيكون في حق أبي بكر على عمومه بخلاف علي، ويصح حينئذ دخوله فيمن أبهمه عمرو(3).
وهذا الجمع وإن كان دفعاً بالصدر وتبرعيا لم يذكر عليه دليلاً، ولسنا في مقام مناقشته، إلا أنه اتَّخذ سبيلا وسطا فيما رآه، بخلاف الألباني الذي اعتمد حديث ابن العاص وأعرض عن غيره.
وما دام قد اعتمده فهل لنا أن نسأله عن رجال إسناده وهو الخبير بأحوال الرجال؟ فنقول: لقد رواه البخاري في فضل أبي بكر - وهو الحديث السابع - عن معلى بن أسد، عن عبد العزيز بن المختار، عن خالد الحذاء، عن أبي عثمان، عن عمرو بن العاص.
ونظرة خاطفة فيهم نجد أن منهم عبد العزيز بن المختار الذي قال فيه ابن معين: ليس بشيء(1). وهو يرويه عن خالد الحذاء - وهو خالد بن مهران - الذي قال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به(2).
وهو يرويه عن أبي عثمان النهدي - وقد قال فيه عبد الله بن أحمد ابن حنبل في كتاب العلل عن أبيه : لم يسمع خالد الحذاء من أبي عثمان النهدي شيئا. وكان قد استعمل على العشور بالبصرة(3)، وكان شرطيا لبني أمية بالبصرة، رآه أبو طالوت عبد السلام يجيء فيأخذ من أصحاب الكمأة كما في طبقات ابن سعد(4)، وكان عريف قومه(5)، وقال عباد بن عباد: أراد
شعبة أن يقع في خالد فأتيته أنا وحماد بن زياد، فقلنا له: مالك أجننت؟! وتهددناه، فسكت.
وحكى العقيلي من طريق أحمد بن حنبل، قيل لابن علية في حديث كان خالد يرويه، فلم يلتفت إليه ابن علية، وضعف أمر خالد(1).
والحديث يرويه عمرو بن العاص الذي هو من أشد المناوئين للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فلماذا إذن احتج الألباني بهذا الحديث وإسناده كما رأيت [!].
أليس احتجاجه به وإعراضه عما تقدم ذكره من العشرة أحاديث التي أثبتت أن عليا أحب إلى رسول الله (علیه السّلام) من كل أحد، أليس ذلك من النَّصب المقيت ؟؟ لأنه لا شك فيمن وعى فقه الحديث - حديث الطير - مع كثرة طرقه التي جازت حد التواتر، ثم لم يذعن لصحته فغلبه هواه فقد ارتكب شططاً، وزعم غلطاً، وكان في أمره فرطاً، وكان ممن ذمّه الله سبحانه بقوله يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا(2).
وبقوله فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بالصَّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَافِرِينَ(3).
أتدرون لماذا كثر الصخب والشغب حول حديث الطير؟
إنه بفقهه كحديث الموالاة، يثبت أفضلية الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) على سائر الخلق بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهذا ما يأباه النواصب الذين ابتدعوا نظرية المفاضلة على أساس الترتيب في الخلافة، لذلك بذلوا جهداً كبيراً في تضييع معالم الدلالة فيه على نحو ما صنعوا في حديث الموالاة حين أعجزهم تواتره، فتسللوا نحو الدلالة، فذكروا معاني المولى اللغوية، متعامين عن المعنى الحقيقي المراد للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، متجاهلين القرائن الحالية والمقالية.
وهنا - في حديث الطير - أوسعوا الحملة، وزادوا في الطين بلة، فخدش بعضهم في بعض رجال السند، فهرفوا بما عرفوا وما لم يعرفوا، متغابين عن أن حديث الطير الذي يرويه حافظ واحد منهم بمائة وعشرين طريقاً كما مرَّ بنا عن أبي بكر ابن مردويه، لا يعقل أن تكون جميع تلك الطريق ليس فيها طريق صحيح. وحتى لو فرضنا فيها بعض الطرق ضعيفة الإسناد، ففي كثرة طرقه ما يصيره حسنا يحتج به، كما مرَّ عن ابن حجر المكي الهيتمي، بل بعض طرقه على شرط السنن، بل بنفسه صحيح كما في رواية الحاكم في المستدرك على شرط الشيخين، ورواية الذهبي في الميزان في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي، ورجاله رجال الصحيحين، ورواية النسائي له في الخصائص، فلماذا المكابرة؟ إنما ذلك كله لفقهه.
وماذا يعني الحديث في فقهه؟
الجواب نقرأه فيما قاله المأمون العباسي في احتجاجه (على الفقهاء في فضائل علي)، فقد روى ابن عبد ربه الأندلسي(1)
اوَ مَا عَلِيٍّ لا يَرحْتَ مُلَعْناً *** يا ابن الخبيثة عندكم بإمام
رَبُّ الكِسَاءِ وخَيْرُ آل محمَّدٍ *** دَانِي الوَلاءِ مُقَدَّمُ الإِسْلامِ
راجع نفح الطيب 266/3 والتكملة لابن الأبار 293/1 .
في العقد الفريد ذلك الاحتجاج، وفيه قال المأمون لإسحاق بن إبراهيم: يا إسحاق أتروي الحديث؟ قلت: نعم.قال: فهل تروي حديث الطير؟ قلت: نعم.
فقال: يا إسحاق إني كنت أكلمك وأنا أظنك غير معاند للحق، فأما الآن فقد بان لي عنادك، إنك توقن أن الحديث صحيح؟ قلت: نعم رواه من لا يمكنني رده.
قال: أفرأيت أن من أيقن أن هذا الحديث صحيح، ثم زعم أن أحداً أفضل من علي، لا يخلو من إحدى ثلاث: من أن تكون دعوة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عنده مردودة عليه.
أو أن يقول: إن الله عز وجل عرف الفاضل من خلقه، وكان المفضول أحب إليه.
1) ابن عبد ربه الأندلسي غير متّهم في نقله هذا، بل هو معدود من النواصب، لأنه نظم أرجوزة في الخلفاء، ولم يذكر الإمام علي (علیه السّلام) فيها. وقد ذكرها في كتابه العقد الفريد 501/4 - 527 ، فجعل معاوية رابع الخلفاء، وقد كتب القاضي منذر بن سعيد عليها:
أو أن يقول: إن الله عز وجل لم يعرف الفاضل من المفضول.
فأي الثلاثة أحب إليك أن تقول؟
قال إسحاق: فأطرقت. ثم قال: يا إسحاق لا تقل منها شيئاً، فإنك إن قلت منها شيئاً استتبتك، وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه فقله.
قلت: لا أعلم(1).
وعلى وفق تلك الاستفادة من فقه الحديث كان أبو علي الجبائي من شيوخ المعتزلة البصريين يقول بالتفضيل، فقد حكي أنه قال في كثير من تصانيفه: إن صح خبر الطائر فعلي أفضل(2).
هكذا عنون الحافظ كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي المتوفى سنة 654هـ في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول)(3)تعقيباً على ما ذكره في الفصل الخامس من كتابه في محبة الله تعالى ورسوله للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقال:
اعلم أيدك الله بروح منه أن إخبار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صدق وأقواله حق،
فإذا أخبر عن شيء فهو محقق لا يرتاب في صحته ذوو الإيمان ولا أحد من المهتدين، وكان (صلی الله علیه و آله و سلم) قد اطلع بنور النبوة على أن عليا (علیه السّلام) ممن يحبه الله تعالى، وأراد أن يتحقق الناس بثبوت هذه المنقبة السنية والصفة العلية التي هي أعلا درجات المتقين لعلي (علیه السّلام)، وكان بين الصحابة يومئذ منهم أ حديثو عهد بالإسلام، ومنهم سمّاعون لأهل الكتاب، ومن فيهم شيء من النفاق، فأحب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يثبت ذلك لعلي (علیه السّلام) في نفوس الجميع، فلا يتوقف فيه أحد، فقرن (صلی الله علیه و آله و سلم) في خبره بثبوت هذه الصفة، وهي المحبة الموصوفة من الجانبين لعلي، التي هي صفة معنوية لا تدرك بالعيان، بصفة محسوسة تدرك بالأبصار أثبتها له، وهي فتح خيبر على يديه، فجمع في قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصف علي بين المحبَّة والفتح، بحيث يظهر لكل ناظر سورة الفتح ويدرك بحاسته، فلا يبقى عنده توقف في ثبوت الصفة الأخرى المقترنة بهذه الصفة المحسوسة، فيترشح في نفوس الجميع ثبوت هذه الصفة الشريفة العظيمة لعلي (علیه السّلام).
وهكذا في حديث الطير جعل إتيانه وأكله معه - وهو أمر محسوس مرئي - مثبت عند كل من علم أن عليًّا متّصف بهذه الصفة العظيمة، وزيادة الأحبية على أصل المحبة، وفي ذلك دلالة واضحة على علو مكانه (علیه السّلام)، وارتفاع درجته، وسمو منزلته، واتصافه بكون الله تعالى يحبه، وأنه (علیه السّلام) أحب خلقه إليه، وكانت حقيقة هذه المحبة قد ظهرت عليه آثارها، وانتشرت لديه أنوارها، فإنه كان قد أزلفه الله تعالى من مقر التقديس، فإنّه نقل
الترمذي في سننه أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) دعا عليها يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه. فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما انتجيته ولكن الله انتجاه.
قال أبو عمرو في الاستيعاب: وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول من أسلم، وفضله هؤلاء على غيره(1).
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: ليس تفضيل على برفض ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين(2).
وقال الشهرستاني في الملل والنحل: كان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فُوِّضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها(3).
وقال ابن حزم في الفصل: اختلف المسلمون في من هو أفضل الناس بعد الأنبياء، فذهب بعض أهل السنة وبعض المعتزلة وبعض المرجئة وجميع الشيعة إلى أن أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه. وقد روينا هذا القول نصا عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، وعن جماعة من التابعين والفقهاء(4).
قال: وروينا عن نحو عشرين من الصحابة: أن أكرم الناس على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم علي ابن أبي طالب والزبير بن العوام(1).
وروى أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة بسنده عن ابن مسعود، قال: كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة علي بن أبي طالب(2).
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي: والقول بالتفضيل قول قديم ، قد قال به كثير من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة: عمار، والمقداد ، وأبو ذر، وسلمان، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وحذيفة، وبريدة، وأبو أيوب، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبو الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، والعباس بن عبد المطلب وبنوه، وبنو هاشم كافة، وبنو المطلب كافة، وكان الزبير من القائلين به في بدء الأمر ثم رجع، وكان من بني أمية قوم يقولون بذلك، منهم خالد بن سعيد بن العاص، ومنهم عمر بن عبد العزيز ... ثم ذكر حديث الرجلين المتنازعين في التفضيل، وقد بعث بهما ميمون بن مهران عامل عمر بن عبد العزيز إليه، والخبر طويل فمن أراده فليرجع إليه(3).
ثم قال ابن أبي الحديد: فأما من قال بتفضيله على الناس كافة من التابعين فخلق كثير ، كأويس القرني، وزيد بن صوحان، وصعصعة أخيه،
وجندب الخير، وعبيدة السلماني، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة. ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر إلا لمن قال بتفضيله.
وقال التنوخي: وممن ذهب في زماننا إلى أن عليا رضي الله عنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم من المعتزلة أبو الحسن الرماني(1)، الله دره(2).
أقول: وهذه الأقوال من هؤلاء تنفي ما زعمه ابن تيمية في منهاجه في غير موضع منه من غير سند له عن رواة، ولا إسناده عن كتاب، فقال: فروي عنه - يعني عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) - أنه كان يقول: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري(3).
وهذا ما لم نسمع به ولم نقرأ عمّن سمع أن الإمام جلد أحداً من أولئك الصحابة أو التابعين الذين كانوا يفضلونه.
112 - وفي حديث الماءِ والمَنْدِيلِ مَا *** يُعْظِمُه أَكْرِمْ بهِ وأَنْعِمَا
إشارة منه قدس سره إلى الكرامة الجليلة التي خص الله تعالى بها وليه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ولم يخص بها أحداً سواه من الأمة، وقد اليسا، استدل الحافظ الكنجي الشافعي بهذه الفضيلة على أفضلية الإمام (علیه السّلام) على غيره، وإليك الحديث بلفظه:
قال: الباب الثاني والسبعون في تخصيص علي (علیه السّلام)، بأن بعث له ماء من الفردوس حتى توضاً:
أخبرنا بقية السلف محمد بن سعيد بن الموفق المعروف بابن الخازن قراءة عليه وأنا أسمع غير مرة في منزله بدرب الخبازين ببغداد، قال أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد، أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن علي بن ممك، حدثنا محمد بن علي حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك. قال: صلى بنا
رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوماً صلاة العصر، فأبطأ في الركعة الأولى حتى ظننا أنه قد سها أو غفل، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم أوجز في صلاته، ثم أقبل علينا بوجهه كأنه القمر ليلة البدر ، ثم قال: مالي لا أرى أخي وابن عمي علي بن أبي طالب؟ فقلنا: ما رأيناه يا رسول الله، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأعلى صوته يا علي يا بن عم. فأجابه علي (علیه السّلام)، من آخر الصفوف: لبيك يا رسول الله . فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): ادن منى .
فقال أنس: فما زال يتخطى أعناق المهاجرين والأنصار حتى دنا المرتضى من النبي المصطفى. فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): ما الذي خلفك عن الصف الأول؟ قال: شككت أني على غير وضوء، فأتيت إلى منزل فاطمة فناديت: (يا حسن يا حسين) فلم يجبني أحد، فإذا بهاتف يهتف بي من ورائي وهو ينادي: يا أبا الحسن التفت وراءك. فالتفت فإذا بطست فيه سطل وفيه ماء وعليه منديل، فوضعت المنديل وتوضأت، فوجدت في الماء لين الزبد، وطعم الشهد، ورائحة المسك، ثم التفت فلا أدري من وضع السطل والمنديل ولا من أخذه .
فتبسم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وجهه ، وضمه إلى صدره، وقبل ما بين عينيه، ثم قال: ألا أبشرك؟ إن السطل من الجنة، وإن الماء من الفردوس الأعلى، والذي هيّاك للصلاة جبرئيل، والذي مندلك ميكائيل، والذي نفس محمد بيده ما زال إسرافيل قابضاً على منكبي حتى لحقت معي بالصلاة، وقال: اصبر لنفسك وابن عمك.
قلت - والقائل هو الحافظ الكنجي -: هذا حديث حسن عال، وغالب رواته الفقهاء الثقات، ورواه ابن سويدة التكريتي في كتاب (الإشراف على مناقب الأشراف) في ترجمة علي (علیه السّلام).
ثم قال الحافظ الكنجي: ومن المعلوم أنه يمتنع أن تكون نفس علي (علیه السّلام) هي نفس النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولا بد أن يكون المراد هو المساواة بين النفسين، وهذا يقتضي أن كل ما حصل لمحمد (صلی الله علیه و آله و سلم) من الفضائل والمناقب فقد حصل مثله لعلي (علیه السّلام)، ترك العمل بهذا النص في فضيلة النبوة، فوجب أن تحصل المساواة بينها فيما وراء ذلك.
ثم لا شك أن محمدا (صلی الله علیه و آله و سلم) كان أفضل الخلق بسائر الفضائل، فلما كان علي (علیه السّلام) مساوياً في تلك الصفات يجب أن يكون أفضل، ولم أرَ الأصوليين أجابوا عن هذا بشيء(1).
وهذه الكرامة رواها الحافظ موفق الدين أخطب خوارزم أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي البكري الخوارزمي الحنفي في كتابه المناقب(2)، بصورة تختلف يسيراً في بعض ألفاظها، وبإسناد رجاله فيهم من الحفاظ الأثبات، وهم إلى محمد بن علي - وهو الكفرثوثي - غير رجال الكنجي ، فلاحظ .
كما أن ابن المغازلي المالكي أخرج في مناقبه حديثاً آخر مشابهاً لما مرَّ،
وبسند آخر يشعر بتعدد الواقعة، وإليك الحديث عنه بلفظه، قال:
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن المظفر بن أحمد العطّار الفقيه الشافعي رحمه الله بقراءتي عليه، فأقرَّ به، قلت: أخبركم أبو محمد عبد الله بن محمد ابن عثمان الملقب بابن السقاء الحافظ الواسطي، حدثنا أبو الحسن أحمد ابن عيسى الرازي بالبصرة، حدثنا محمد بن مندة الأصفهاني، قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لأبي بكر وعمر: امضيا إلى علي يحدثكما ما كان منه في ليلته وأنا على أثركما. قال أنس: فمضيا ومضيت معهم، فاستأذن أبو بكر وعمر على علي، فخرج إليهما، فقال: يا أبا بكر حدث شيء؟ قال: لا، وما حدث إلا خير، قال لي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والعمر: امضيا إلى علي يحدثكما ما كان منه في ليلته . وجاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال: يا علي حدثهما ما كان منك في ليلتك. فقال: أستحي يا رسول الله.
فقال: حدثهما إن الله لا يستحي من الحق. فقال علي: أردت الماء للطهارة وأصبحت، وخفت أن تفوتني الصلاة، فوجهت الحسن في طريق والحسين في طريق في طلب الماء، فأبطنا علي، فأحزنني ذلك، فرأيت السقف قد انشق ونزل عليَّ منه سطل مغطّى بمنديل، فلما صار في الأرض نحيت المنديل عنه، وإذا فيه ماء، فتطهرت للصلاة واغتسلت وصليت، ثم ارتفع السطل والمنديل والتأم السقف .
فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلي : أما السطل فمن الجنّة، وأما الماء فمن نهر
الكوثر، وأما المنديل فمن استبرق الجنة، من مثلك يا علي في ليلته وجبريل يخدمه(1).
إذا نظرنا إلى رجال الإسناد في هذا الحديث نجد رجاله كلهم من أئمة الحديث الذي ذكروا بكل تجلة واحترام ، وقيل فيهم من جمل الإطراء والثناء ما يحمل على التصديق بروايتهم، وإلى القارئ بعض ما قيل فيهم:
فأولهم: مؤلف كتاب المناقب - ابن المغازلي المالكي المعروف بابن الجلابي، قال فيه معاصره السمعاني في أنسابه: كان فاضلاً عارفاً برجالات واسط وحديثهم، وكان حريصاً على سماع الحديث وطلبه.
وهذا يروي الحديث المذكور عن:
ثانيهم: وهو أبو الحسن أحمد بن المظفر بن أحمد العطار، أثنى عليه خميس الحوزي كما في سؤالات الحافظ السلفي، قال: هو أحمد بن المظفر ابن أحمد بن يزداد الشافعي، صاحب أبي محمد بن السقاء الحافظ، روى عنه مسند مسدد، وحدث به عنه أبو نعيم الجماري، وكان عنده الأصل بخطه، والسماع عليه بخط مسعود بن ناصر السجزي الحافظ أضواً من الشمس، وسماع أبي الحسن من أبي محمد صحيح محقق عند أصحابنا الواسطيين(2).
وهذا يروي الحديث عن:
ثالثهم: وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الملقب بابن السقاء، الحافظ الواسطي الذي قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء: الإمام الحافظ الثقة الرحال محدث واسط، وحكى قول الجلابي ابن المغازلي فيه: ابن السقاء من أئمة الحفاظ المتقنين.
وهذا يرويه عن:
رابعهم: وهو أبو الحسن أحمد بن عيسى الرازي، سمعه منه بالبصرة، ولم أقف فعلا على شيء عنه ، إلا أن رواية ابن السقاء الإمام الحافظ الثقة الرحال المتقن تكفي في قبول روايته والاعتماد عليه في حديثه.
وهذا يرويه عن:
خامسهم: وهو محمد بن مندة الأصفهاني، وهذا قال فيه الذهبي: الحافظ الإمام الرحال... وحكى قول الحافظ أبي الشيخ الأصفهاني فيه: هو أستاذ شيوخنا وإمامهم(1).
وهذا يروي الحديث المذكور عن:
سادسهم: وهو محمد بن حميد الرازي، الذي قال فيه أحمد بن حنبل: لا يزال بالري علم مادام محمد بن حميد حيا. ووصفه الذهبي في أول ترجمته بقوله: هو من بحور العلم، لكنه غير معتمد، يأتي بمناكير كثيرة، حدث عنه أبو داود والترمذي وابن ماجة والباغندي ومحمد بن جرير
1) تذكرة الحفاظ ص 741 .
والبغوي وخلق(1).
أقول: ومن العجيب أمر الذهبي، فهو يصف الرجل بأنه من بحور العلم، ثم يغمز قناته بقوله: (لكنه غير معتمد يأتي بمناكير كثيرة). ثم يقول: حدث عنه... ويذكر أسماء ستة، ثلاثة منهم من أصحاب السنن عند قومه، وهم أبو داود الترمذي وابن ماجة، وثلاثة من أعلام الحفاظ والمحدثين، وهم الباغندي وابن جرير والبغوي، سوى غيرهم ممن قال: وخلق .
لماذا هذا التهافت؟ فهو من بحور العلم، وهو غير معتمد، ثم هو يروي عنه من أصحاب الصحاح وأئمة الحديث ستة وخلق، ثم ما هذه المناكير الكثيرة؟ لماذا لم يذكر واحدة منها؟ وأحسبها روايته لفضائل الإمام ، فسماها الذهبي بمناكير.
وهذا الرجل يروي الحديث المذكور عن:
سابعهم: وهو جرير بن عبد الحميد، الذي قال فيه ابن حجر في تقريبه : ثقة صحيح الكتاب(2).
وهذا يروي الحديث عن:
ثامنهم: وهو الأعمش، الذي وصفه الذهبي في التذكرة بقوله: الحافظ الثقة شيخ الإسلام(3).
وهذا يروي الحديث عن:
تاسعهم: وهو أبو سفيان، واسمه طلحة بن نافع القرشي مولاهم الواسطي، وكان الأعمش راويته(1). ذكره ابن حبان في الثقات، وقال :البزار هو في نفسه ثقة. وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس. وروى له البخاري مقرونا بغيره، فهو من رجال الصحيح، ومن روى له البخاري فقد جاز القنطرة.
وهذا يروي الحديث عن:
عاشرهم: وهو أنس بن مالك، وهذا هو خادم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهو غير متّهم في هذا المقام.
فتبين للقارئ سلامة السند ، ويكفينا هذا مستند في رد قول ابن أبي الحديد المعتزلي الآتي.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: واعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلقة في صاحبهم، حملهم على وضعها عداوة خصومهم، نحو حديث السطل، وحديث الرمانة، وحديث غزوة البئر...
فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو (لو كنت متخذاً خليلاً)، فإنهم وضعوه في
1) تهذيب التهذيب 26/5.
مقابلة حديث الإخاء، ونحو سد الأبواب، فإنه كان لعلي فقلبته البكرية إلى أبي بكر، ونحو (ائتوني بدواة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتاباً...)(1).
إلى آخر ما ذكره من أحاديث وضعتها البكرية في مقابلة أحاديث وردت في فضائل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
أقول: نحن لا نبدأ أحداً باتهام، ولكن لا نرضى لنا أن نسكت على اتهام، فهذا ابن أبي الحديد قد أتهم الشيعة بأنهم وضعوا أحاديث الفضائل للإمام الذي كنّى عنه بصاحبهم، وكفاهم فخراً وشرقاً أن يكون هو صاحبهم وهم أصحابه، فقد رضوا به إماماً، ورضيهم له شيعة يوم يُدعى كل أناس بإمامهم.
ونحن إذا رجعنا إلى كتب الشيعة التي روت كرامة السطل والماء والمنديل نجد مؤلفيها رووها إما نقلا عن ابن المغازلي المالكي الذي مرَّ ذكر حديثه وبينا حال رجال إسناده، ولم يكن بينهم شيعي واحد كما فعل ذلك ابن طاووس في كتابه (الطرائف)، وابن البطريق في كتابه (العمدة)، وإما بإسنادهم المنتهي إلى ابن مندة، وهو من رجال ابن المغازلي، كما عند الشيخ الصدوق ابن بابويه، فقد روى الحديث في كتابه الأمالي في المجلس الأربعين الحديث الثالث بسنده إلى صالح بن عيسى العجلي عن محمد بن علي بن علي بن محمد بن مندة الأصبهاني... إلى آخر السند، وبتفاوت يسير في المتن، وجاء في آخره قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): كذا أخبرني جبرئيل، كذا أخبرني
1) شرح نهج البلاغة 203/11.
جبرئيل، كذا أخبرني جبرئيل.
أو بإسناد ينتهي إلى الأعمش كما عند القطب الراوندي في كتابه (الخرايج) على ما حكاه عنه في (بحار الأنوار).
فهؤلاء أربعة من أعاظم الشيعة رووا الحديث من نفس الطريق الذي رواه ابن المغازلي المالكي، وصنيعهم في ذلك صنيع المتأخرين من أهل السنة، الذين رووا الحديث أخذاً له من كتاب المناقب لابن المغازلي وكتاب المناقب للخوارزمي الحنفي(1)، فما ذنب الشيعة يا ترى؟
أليس قول ابن أبي الحديد محض افتراء وهراء؟ ثم هو في اتهامه هذا كان كالأعور ، فلا هو أعمى ولا هو مبصر ، فما دام هو بصدد المقارنة بين ما وضعته الشيعة وما وضعته البكرية، وذكر أن الشيعة وضعت حديث السطل، وهو مثال ذكره لما وضعوه، لماذا يذكر ما وضعته البكرية في مقابلته، وهو حديث القدح الذهبي والماء والمنديل؟
ولعله كان يرى رأي ابن الجوزي حين روى الحديث في فضل أبي بكر في كتابه الموضوعات، وعقبه بقوله: وقد قلبوا هذا فجعلوه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم ذكر الحديث بإسناده.
وإلى القارئ ما ذكره ابن الجوزي، قال: الحديث الثاني في فضل أبي بكر... أنبأنا سعيد بن البنا، قال: أنبأنا أبو نصر محمد بن محمد الزيني، قال:
1) راجع ينابيع المودة، الباب 49، ص 167 - 168 ط الحيدرية، تجد الشيخ سليمان القندوزي الحنفي المتوفى 1294هـ نقل الحديث المذكور عن المصدرين المذكورين.
أنبأنا أبو بكر محمد بن عمر بن علي الوراق، قال: أنبأنا محمد بن السدي التمار، قال: حدثنا جعفر بن محمد الطيالسي...(1)إلى آخر ما سيأتي عن السيوطي في الثاليه(2)، ولفظه:
أخرج السيوطي في اللثالي، قال: أبو الحسين بن المهتدي بالله في فوائده، أنبأنا أبو حنيفة الصوفي واسمه علي بن الحسين، حدثنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن القطان، حدثنا جعفر ابن محمد، حدثنا علي بن داود الدمشقي عن علي بن داود الدمشقي عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن المسيب بن عبد الرحمن عن حذيفة بن اليمان، قال: صلى بنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) صلاة الفجر، فلما انفتل من صلاته قال: أين أبو بكر الصديق؟ فأجابه أبو بكر من آخر الصفوف: لبيك لبيك يا رسول الله، كُنت معك في الصف الأول، فكبَّرت وكبَّرت، فاستفتحت بالحمد فقرأتها، فوسوس إلي شيء من الطهور، فخرجت إلى باب المسجد، فإذا أنا بهاتف يهتف بي وهو يقول: وراءك. فالتفت فإذا أنا بقدح (بقدس كما في الموضوعات) من ذهب مملوء ماء أبيض من الثلج، وأعذب من الشهد، وألين من الزبد، عليه منديل أخضر، مكتوب عليه: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أبو بكر الصديق)، فأخذت المنديل فوضعته على منكبي، وتوضأت للصلاة، وأسبغت الوضوء، ورددت المنديل على القدح، ولحقتك وأنت راكع الركعة الأولى، فتممت صلاتي معك يا رسول الله.
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): ابشر يا أبا بكر، الذي وضاك جبريل، والذي مندلك ميكائيل، والذي مسك ركبتي حتى لحقت الصلاة إسرافيل.
قال ابن الجوزي: هذا الحديث موضوع بلا شك، والمتهم به محمد بن زياد، قال أحمد بن حنبل: هو كذاب خبيث يضع الحديث. وقال يحيى: كذاب خبيث. وقال السعدي والدارقطني: كذاب. وقال النسائي والبخاري والفلاس وأبو حاتم الرازي والدارقطني: كذاب. وقد قلبوا هذا فجعلوه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه(1).
أقول: وقال السيوطي في اللثالي في آخر الحديث: موضوع، محمد بن زياد كذاب. قلت: الظاهر أن الآفة من غيره.
قال في الميزان: أتى علي بن داود عن محمد بن زياد الميموني، وعنه جعفر بن أبي عثمان الطيالي بخبر منكر، والله أعلم.
هذا ما يتعلق بجرح رجال السند، وبقي أن نتبه على خلل في المتن، فقد ورد فيه (فإذا أنا بقدح من ذهب) كما في نسخة اللثالي للسيوطي، وفي نسخة ابن الجوزي في الموضوعات (فإذا أنا بقدس من ذهب)، والقدس قدح صغير، وسواء كان الصحيح ما في نسخة ابن الجوزي أو ما في نسخة السيوطي، فإن القدح إناء يشرب فيه، ويستعمل للكبير والصغير منه، ولا يقال قدح إلا إذا كان فارغاً ، فإذا كان فيه شراب قيل له كأس. ومنه قولهم: (لا تجعلوني كقدح الراكب) أي لا تجعلوني آخراً، لأن الراكب يعلّق قدحه
1) اللثالي المصنوعة 149/1.
في آخرة الرحل بعد فراغه من استصحاب الأهبة.
فكيف يصح أن يقول ذلك أبو بكر وهو عربي صليبة ؟!
ثم إنه ورد في وصف القدح بأنه من ذهب، فكيف جاز له أن يتوضأ من آنية الذهب وقد حرم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) استعماله على المسلمين كما حرَّم لبسه على خاصة ذكور أمته ؟
الموضوع
الصفحة
برز الإيمان كله إلى الشرك كله ... 5
مصادر حديث (لضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين) 42
سد الأبواب إلا باب على (علیه السّلام) ... 46
علي مني وأنا من علي ... 80
أنا مدينة العلم وعلي بابها ... 96
بعض مصادر الحديث ... 117
من آذى عليا فقد آذاني ... 125
رحيل الناظم آية الله العظمى السيد الخوئي إلى جوار ربه ... 139
زواج علي (علیه السّلام) من فاطمة الزهراء (سلام الله علیها) ... 141
فرية خطبة أمير المؤمنين (علیه السّلام) بنت أبي جهل ... 168
فاطمة (سلام الله علیها) سيدة نساء العالمين ... 231
الفضيلة الأولى: أفضليتها (سلام الله علیها) على سائر البشر ... 231
الفضيلة الثانية: أنها (سلام الله علیها) سيدة نساء العالمين ... 236
الفضيلة الثالثة: أنها (سلام الله علیها) صديقة ... 278
الفضيلة الرابعة: والخامسة: أنها (سلام الله علیها) طاهرة ومعصومة ... 293
الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ... 294
محاولات بائسة يائسة ... 308
المحاولة الأولى : إلحاق (إلا ابني الخالة عيسى ويحيى) ... 309
المحاولة الثانية: وضع حديث (سيدا كهول أهل الجنة) ... 315
المحاولة الثالثة: بيان معنى الكهولة بما يتلاءم وجو صدور الحديث 362
المحاولة الرابعة: إضافة الشباب إلى الكهول ... 363
المحاولة الخامسة: حذف السيادة، والشباب في الجنة لخمسة ... 366
المحاولة السادسة : حذف (وأبوهما خير منهما) ... 368
تعقيب بلا تثريب ... 373
حديث الطائر المشوي ... 379
المؤلفون في حديث الطير ... 379
نماذج من رواية الحديث بالأسانيد الصحاح ... 381
ماذا قال الحفاظ في هذا الحديث؟ ... 393
مواقف مضطربة ومتناقضة ... 401
مواقف ناصبية معلنة بدون حياء ... 409
ماذا يعني فقه الحديث؟ ... 442
إيقاظ وتنبيه ... 444
القائلون بتفضيل علي (علیه السّلام) ... 446
حديث المنديل والماء .... 449
نظرة في رجال الإسناد ... 453
اتهام باطل ... 456
الفهرس ... 463
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ