موسوعة سیرة أهل البیت علیهم السلام جلد 33

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

موسُوعَةُ

سیرَة اهلِ البَیت علیهم السلام

الجُزءُ الثَالِث وَ الثَلاثُون

الأمام عَليِّ الهَادِي علیه السلام

تَأليفُ

باقِر شَریف القُرَشي

تَحقِيقُ

مَهدِي بَاقِر القَرَشي

مُؤَسّسَةُ الامام الحَسَن علیه السلام

لإحیاء تُراث أهل البَيت علیهم السلام

الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م

عدد النسخ : .... 1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978

ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم

مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970

اشارة

موسُوعَةُ

سیرَة اهلِ البَیت علیهم السلام

الأمام عَليِّ الهَادِي علیه السلام

موسُوعَةُ

سیرَة اهلِ البَیت علیهم السلام

الجُزءُ الثَالِث وَ الثَلاثُون

الأمام عَليِّ الهَادِي علیه السلام

تَأليفُ

باقِر شَریف القُرَشي

تَحقِيقُ

مَهدِي بَاقِر القَرَشي

موسُوعَةُ سیرَة اهلِ البَیت علیهم السلام

تَأليفُ : باقِر شَریف القُرَشي

تَحقِيقُ: مَهدِي بَاقِر القَرَشي

الناشر : دار المعروف - مؤسّسة الإمام الحسن علیه السلام

المطبعة : ستار

الطبعة الثانية : 1433ه / 2012م

عدد النسخ : 1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275- 964 - 978

ردمك الجزء ( 19 ) : 9 - 75 - 8275 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم

مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970

محرر الرقمي: محسن مرادي

بِسمِ الله الرّحمَن الرَّحِیم

الأهداء

إلى رائد الحكمة والعدالة الاجتماعيّة فى الأرض

إلى العقل المفكّر في الإنسانيّة

على الله

إلى وصىّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وصاحبه وخليله

عَلِیّ بنِ اَبِي طَالِبِ علیه السلام

أرفع بكلّ اعتزاز وإيمان هذا المجهود المتواضع

الذي تشرّفت فيه بالبحث عن سيرة حفيده

الإمامُ الهادِي علیه السلام

المحدّد لدین الإسلام،

أملاً أن يحظى بالقبول ليكون ذخراً لي يوم ألقى الله

المؤلّف

تقدیمٌ

1 نحن بين يدي إمام من أئمّة أهل البيت علیه السلام الذين ملأوا الدنيا بفضائلهم الا وعلومهم ، ووهبوا حياتهم الله ، وأخلصوا للحقّ أعظم ما يكون الإخلاص، إنّه الإمام العاشر عليّ الهادي سمىّ جدّه الإمام أمير المؤمنين رائد الحكمة والعدالة الاجتماعيّة في الأرض ، وقد شابهه في نكران الذات ، والتجرّد من كل نزعة من النزعات الماديّة ، فلم يؤثر عن هذا الإمام العظيم أنّه استجاب لأي داع من دواعي الهوى ، أو خضع لأيّة رغبة من الرغبات النفسيّة التي لا تتّصل بالحقِّ ، وإنّما آثر طاعة الله على كلّ شيء ، فقد هام بحبّه تعالى يحيى لياليه بالعبادة والتضرّع إلى الله تعالى ومناجاته .

لقد تفاعل الإيمان بالله في أعماق نفسه ، ودخائل ذاته ، حتّى صار من أبرز عناصره ، ومن أظهر مقوّماته ، وقد أثرت عنه من الأدعية الشريفة والمناجاة الحكيمة ، والشذرات الرائعة في فلسفة التوحيد ممّا تدلّل على أنّه كان من الروّاد الأوائل الذين رفعوا مشعل الهداية والإيمان في الأرض .

2 ومنح الله أئمّة أهل البيت علیهم السلام العلم والحكمة ، وآتاهم من العلم والفضل ما لم يؤت أحداً من العالمين، فقد أثرت عنهم من العلوم والمعارف ما يدعو إلى الاعتزاز والفخر ، وقد تميّز الكبير والصغير من أئمّة الهدى علیهم السلام بهذه الظاهرة ، فالإمام الجواد علیه السلام قد تقلّد الزعامة الدينيّة والمرجعيّة العامّة للأمّة في سنّ مبكّر ، فقد كان عمره الشريف سبع سنين وأشهراً ، وقد سئل عن أعقد المسائل الفلسفيّة والكلاميّة

الأَنْها عَلى الهَادِي الجزء الثالث والثلاثون

والفقهيّة فأجاب عنها جواب العالم الخبير المتخصّص .

ومن الطبيعي أنه لا تعليل لذلك إلا بما تذهب إليه الشيعة الإمامية من أنّ الأئمّة علیهم السلام قد وهبهم الله تعالى طاقات هائلة من العلوم ، كما وهب أنبياءه ورسله من أولي العزم .

وكما كان الإمام الجواد علیه السلام أعجوبة الدنيا بمواهبه وعبقريّاته ، فكذلك كان ولده الإمام الهادي علیه السلام ، فقد كان في سنّ مبكّر ففجع بوفاة أبيه الجواد علیه السلام، فرجعت إليه فقهاء الشيعة وعلماؤها الذين كانوا يحتاطون أشدّ ما يكون الاحتياط في أمر الإمامة ، فكانوا يبحثون بمنتهى الدقّة ويفحصون بمنتهى الفحص عن أمر الإمام ، فإذا قامت عندهم الأدلّة القطعيّة على إمامته دانوا بها ، ولم يكونوا بذلك مندفعين وراء العواطف والأهواء ، وإنّما كانوا يرون أنّهم مسؤولون أمام الله تعالى عن ذلك ، لأنّ الإمامة عندهم أصل من أصول الدين.

وعلى أي حال ، فقد سأل علماء الإماميّة وفقهاؤهم الإمام الهادي علیه السلام وهو في مقتبل العمر عن مختلف العلوم والمعارف ، فأجابهم عنها جواب العالم الخبير ، فدانوا بإمامته ، وقد زادهم ذلك إيماناً ويقيناً بصحّة ما يذهبون إليه من أنّ الإمام لا بدّ أن يكون أعلم أهل عصره ، من غير فرق بين الصغير والكبير .

لقد ظهر للإمام الهادي علیه السلام من الفضل والعلم والتبحّر في علوم القرآن والسنّة ما يبهر الأفكار ، وقد عجّت الأندية والمجالس في مختلف أنحاء العالم الإسلامي بالحديث عن مدى ثرواته العلميّة التى لا تُحدّ .

3 ودان شطر كبير من المسلمين بإمامة الإمام عليّ الهادي علیه السلام، ولزوم مودّته وطاعته، وكان يحملون إليه الأموال الطائلة من الحقوق الشرعيّة التي يجب دفعها إلى الإمام كحقّ الإمام وغيره ، مضافاً إلى الهدايا والألطاف التي كانوا يقدّمونها له ، وقد نقلت المباحث ورجال الأمن ذلك بصورة موسّعة إلى المتوكّل العبّاسي الذي كان من ألدّ الأعداء للعلوّيين وشيعتهم ، فانتفخت أوداجه ، وتميّز غيظاً

وغضباً ، فأمر الطاغية بحمل الإمام إلى سُرَّ من رأى التي هي عاصمة ملكه ، ففرض عليه الإقامة الجبريّة فيها ليرصد حركاته ، ويتعرّف على العناصر الموالية له ، ويمنع عنه الأموال الواردة إليه ، ويصدّ عنه العلماء والرواة الذين ينتهلون من نمير معارفه وعلومه .

لقد عانى الإمام في عهد المتوكّل صنوفاً مرهقة من القسوة والعذاب ، فكان بين فترة وأخرى يعهد إلى شرطته بتفتيش دار الإمام وحمله بالكيفيّة التي يجدونه عليها ، وقد مثل مرّة بين يديه وقد انتشرت في مجلسه كؤوس الخمر وآلات العزف وآلات الموسيقى وجوقات المغنّين ، والمتوكّل ثمل سكران ، قد احتفّت به فرق من المغنّيات والعابثين ، فلم يحفل به الإمام ولم يتهيب سلطانه ، وإنّما انبرى يعظه ويذكره الدار الآخرة ، وينعى عليه ما هو فيه من اتّباع الهوى والانقياد للشهوات ، ويعرض هذا الكتاب إلى تفصيل ذلك

4 وكان الإمام الهادي علیه السلام الممثّل الوحيد للجبهة المعارضة للحكم العبّاسي ، وأحد القادة الطليعيّين لهذه الأمّة في مسيرتها النضاليّة ضدّ الطغيان والجبروت ، فقد وقف موقفاً شجاعاً يتميّز بالشدّة والصلابة أمام ملوك عصره، فلم يتّصل بأيّ واحد منهم ، وآثر الإبتعاد عنهم الأمر الذي أوجب أن يحقدوا عليه ويضمروا له العداوة والبغضاء ، ويقابلوه بمزيد من الشدّة والقسوة .

إنّ الإمام علیه السلام لو ساير ملوك عصره وسار في ركابهم لما فرضوا عليه الإقامة الجبريّة في سرّ من رأى ، وما فرضوا عليه الحصار الاقتصادي ، وتركوه في ضائقة ماليّة خانقة ، وحجبوه عن شيعته .. لقد آثر الإمام علیه السلام رضاء الله على كلّ شيء ، وآثر مصلحة الأمّة فابتعد عن أولئك الملوك الذين فرضوا سلطانهم بقوّة السلاح والقهر ، ويعرض هذا الكتاب إلى إعطاء صورة عن سياستهم وسيرتهم مقتبسة من أوثق المصادر التي بأيدينا .

5 ولم يُمتحن الإمام الهادي علیه السلام وحده في عهد ملوك العبّاسيّين الذين عاصرهم ، وإنّما امتحن بهم المسلمون جميعاً ، فقد عبثوا بمبادئهم ، ولم يعد في أيّام حكمهم أي ظلّ للإسلام بمعناه الصحيح ، فقد سخّروا اقتصاد الأمّه لإشباع شهواتهم ، وإنفاق الأموال بسخاء على المغنّين والعابثين ، وكانت لياليهم الحمراء في بغداد وفي سامرّاء حافلة بجميع ما حرّمه الله ، وقد ابتعدوا كلّ البعد عن المقاييس الإسلاميّة الهادفة إلى رفع مستوى الإنسان وإبعاده عن مسارح العبث واللهو.

6 وأصبحت دراسة العصر من البحوث المنهجيّة في دراسة الشخص؛ لأنّها تكشف عن الجوانب المهمّة من حياته الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة ، وعلى ضوء ذلك فنحن مدعوّون لدراسة عصر الإمام والإلمام به من جميع جوانبه ، لأنّ له التأثير على حياة الإمام علیه السلام.

لقد حفل عصر الإمام بأحداث رهيبة كان من أبرزها تسلّط الأتراك على جميع شؤون الدولة ، واستبدادهم بالاقتصاد العامّ للدولة بحيث لم يعد أي نفوذ لملوك العبّاسيّين ، فقد شلّت أيديهم ، وكانوا بمعزل عن جميع الشؤون الداخليّة والخارجيّة ، فمن رضي عنه الأتراك من ملوك العباسيّين أبقوه ، ومن سخطوا عليه عزلوه أو قتلوه ، وقد تعرّضت البلاد من جراء ذلك إلى أزمات خطيرة ، لأنّ الأتراك كانوا لا يحسنون أمور الملك ، ولا يفقهون الشؤون السياسيّة ، وإنّما كانوا بدواً ليسوا بأهل حضارة ، ولا أهل ملك ، ويلمّ هذا الكتاب بتفصيل ذلك ، كما يعطي صورة عن سائر الأحداث التي جرت في ذلك العصر .

7 ويعرض هذا الكتاب إلى تراجمة الإمام الهادي علیه السلام وتراجم حملة علومه ورواة حديثه ، وفيما أحسب أني تفرّدت في دراستي عن حياة الأئمّة الطاهرين علیه السلام بهذه الجهة ، فإنّ الدراسات الحديثة لم تعن بذلك ، وأهملته إهمالاً مطلقاً ، وفيما أرى أنّ عرض ذلك من متمّمات البحث عن الشخص ، فإنّه يبرز حياته

الثقافيّة والفكريّة ، ومدى علاقته بالناس وعلاقتهم به ، كما أنّه في نفس الوقت يحتوي على معلومات مهمّة عن الشخص لم تذكرها الكتب المترجمة له ، وإنّما ذكرت في ضمن تراجم أصحابه .

8 وليس هذا الكتاب أوّل كتاب ألف عن حياة الإمام علىّ الهادي علیه السلام ، فقد سبق أن ألّف عنه بصورة موسّعة العلّامة المحقّق الشيخ ذبيح الله ، فقد خصّص الجزء الثالث من موسوعته المسمّاة ب «مآثر الكبراء » التي بحث فيها عن مدينة سامرّاء بالإمام الهادى علیه السلام .

كما ألّف الأستاذ السيّد عبد الرزّاق شاكر البدري الشافعي كتاباً أسماه « سيرة الإمام العاشر علىّ الهادي» ، وأعتقد أنّ ما ألّف عن الإمام - ومنه هذا الكتاب لا يلمّ بصورة جازمة - بجميع مآثره وشؤونه ، وإنّما يلقي أضواءاً ومؤشّرات على معالم شخصيّته العظيمة التي هي امتداد ذاتي لحياة آبائه الذين حووا فضائل الدنيا ومكارم أفذاذها .

والله وليّ التوفيق

مَکتَبَةُ الإمَام الحَسَن العَامَّة

النَّجَفُ الأشرَفُ

باقِر القَرَشي

وِلَادَتَهُ وَ نَشَاتُهُ علیه السلام

اشارة

الإمام عليّ الهادي فرع زاك من شجرة النبوة ، وغصن مشرق من دوحة الإمامة ، أعزّ الله به وبآبائه الإسلام ، ورفع بهم كلمة التوحيد ، وقبل التحدّث عن معالم شخصيّته العظيمة نعرض إلى الأصول الكريمة التي تفرّع منها ، مع بيان ولادته ونشأته .

الأب

أمّا أبو الإمام الهادي علیه السلام فهو الإمام محمّد الجواد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیهم السلام ، وهو أرفع نسب في الإسلام ، ولم تعرف الإنسانيّة - في جميع أدوارها - نسباً أجل ولا أسمى من هذا النسب الذي أضاء سماء الدنيا بواقع الإسلام وجوهر الإيمان .

فمن هذه الأسرة الكريمة تفرّع الإمام الهادي علیه السلام ، وكان أبوه الإمام الجواد علیه السلام أعجوبة الناس بمواهبه وعبقريّاته ، فقد تقلّد - بعد وفاة أبيه علیه السلام- الزعامة الدينيّة والمرجعيّة العامّة للأمّة ، وكان عمره سبع سنين ، وأشهراً، وقد انتهزت الحكومة العبّاسيّة هذه الفرصة فندبت يحيى بن أكثم الذي هو من كبار العلماء في عصره لامتحانه وتعجيزه لتطوي بذلك مسألة أعلميّة الإمام التي هي من العناصر الأساسيّة في الفكر الشيعي ، وتقدّم يحيى فسأل الإمام أمام حشد كبير من العلماء والوزراء وسائر أعضاء الحكومة العبّاسيّة عن مسألة فقهيّة ، ففرّع الإمام عليها عدّة فروع ،

فذهل يحيى وبان عليه العجز واعترف بالقدرات العلميّة الهائلة التي يملكها الإمام علیه السلام، وكانت هذه البادرة وغيرها حديث الأندية والمجالس في بغداد وغيرها ، وقد تشرّفت - والحمد الله - بالبحث عن شؤون الإمام الجواد علیه السلام ، فلا أرى أنّى بحاجة إلى التحدّث عنه .

الأمّ

وقبل أن نتحدّث عن شؤون السيّدة الزكيّة أمّ الإمام عليّ الهادي علیه السلام نودّ أن نشير إلى ما ذكرناه - غير مرّة - من أنّ الإسلام قد تبنّى بصورة إيجابيّة وحدة المجتمع واتّفاق الكلمة ، وناهض جميع الأساليب التي تؤدّي إلى الاختلاف وفصم عرى الوحدة ، وعلى ضوء هذا الاتّجاه المشرق سار أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، فلم يفرّقوا بين الأبيض والأسود ، وقد سارعوا إلى الزواج من الإماء ليقضوا على النعرات الهدّامة ، فقد تزوّج الإمام العظيم زين العابدين وسيّد الساجدين عليّ بن الحسين علیهما السلام بأمّة ولدت له الشهيد الخالد زيداً ، وتزوّج الإمام محمّد الجواد علیه السلام بأمة أولدت له الإمام عليّ الهادي علیه السلام ، وكان قد اشتراها له محمّد بن الفرج بسبعين ديناراً (1).

وتولّى الإمام الجواد علیه السلام تربيتها وتهذيبها ، وقد استقرّت في بيت الإمامة الذي كان يضمّ العلويّات من بنات رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم اللاتي يمثّلن الشرف والعفّة والطهارة ، وقد تأثّرت بهديهنّ وسلوكهنّ فأقبلت على طاعة الله وعبادته ، فكانت من القانتات المتهجّدات والتاليات لكتاب الله ، وقد روى ذلك نقلة الأثر(2).

وحسبها فخراً أنّها ولدت سيّداً من سادات المسلمين ، وإماماً من أئمّة أهل البيت علیه السلام الذين جعلهم الله أمن العباد وسفن النجاة.


1) دلائل الإمامة : 216 .

2) عيون المعجزات : 118 .

اسمها

واختلف المؤرّخون والرواة في اسمها الشريف ، وهذه بعض الأقوال :

1 - سمانة المغربيّة(1)، وتُعرف بالسيّدة أمّ الفضل(2).

2 - مارية القبطيّة(3).

3 - يدش(4).

4 - حويت(5).

وهناك أقوال أخر في اسمها أعرضنا عن ذكرها ، أمّا التحقيق في اسمها فليس من المهمّ في شيء إذ لا يترتب عليه أيّة فائدة .

الوليد العظيم

وأشرقت الدنيا بولادة الإمام الهادي علیه السلام ، فلم تلد امرأة في ذلك العصر مثله علماً وتقوى وتحرّجاً في الدين ، وقد ولد في ( صريا )(6)من يثرب(7).

وكان بحكم ميراثه جامعاً لجميع خصال الخير والشرف والنبل .


1) تذكرة الخواص : 39 .

2) بحار الأنوار: 50 : 114 .

3) بحر الأنساب : 35 .

4) مرآة الزمان : 9 / ورقة 553 (مصوّر ) .

5) تاريخ الأئمّة : 16 .

6) صريا : قرية أسّسها الإمام موسى بن جعفر علیه السلام تبعد عن المدينة بثلاثة أميال . مناقب آل أبي طالب : 3 : 489 .

7) الاتحاف بحبّ الأشراف : 67 . جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : 151.

مراسيم الولادة

وسارع الإمام الجواد علیه السلام فأجرى على وليده المبارك المراسيم الشرعيّة ، فأذن في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، وختنه ، وفي اليوم السابع من ولادته حلق رأسه ، وتصدّق بزنته فضّة على المساكين ، وعقّ عنه بكبش ، كما هي العادة عند أئمّة أهل البيت علیهم السلام أنّهم يجرون هذه المراسيم الشرعيّة على أبنائهم عند الولادة .

سنة ولادته علیه السلام

واتّفق أكثر المؤرّخين أنّه ولد فى سنة (212ه)(1).

وقيل : « إنّه ولد في سنة (214ه )»(2).

وقد اختلفوا في الشهر واليوم الذي ولد فيه ، وهذه بعض الأقوال :

1 - « ولد في اليوم السابع والعشرين من ذي الحجّة » (3).

2 - « ولد في اليوم الثالث عشر من رجب»(4).

3 - « ولد يوم الجمعة ليومين خلت من رجب»(5).

4 - ونصّت بعض المصادر أنّه ولد في رجب ، ولكن لم تعيّن لنا اليوم الذي ولد فيه ، وبذلك صرّحت بعض الأدعية ، فقد جاء فيها : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِالْمَوْلُودَينِ في رَجَبٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الثاني وَابْنِهِ عَلِيَّ بْن مُحَمَّدٍ الْمُنتَجَب ».


1) أصول الكافي : 1 : 497 . الإرشاد : 368 ، أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 252 .

2) الاتحاف بحبّ الأشراف : 67. جوهرة الكلام : 151 . مرآة الجنان : 2 159 تاريخ الخميس : 2 : 321 .

3) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 252 .

4) تاريخ الخميس : 2 : 321 مرآة الجنان : 2: 159 .

5) بحار الأنوار: 50 : 117 .

وأهملت بعضها اليوم والشهر الذي ولد فيه ، واكتفت بالقول إنّه ولد بالمدينة(1).

تسميته علیه السلام

سمّاه أبوه الإمام الجواد علیه السلام عليّاً تبرّكاً وتيمّناً باسم أجداده العظماء : جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وجدّه الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين وسيّد الساجدين علیه السلام ، وجدّه الإمام عليّ بن موسى الرضا علیه السلام ، وقد شابههم بحكم قوانين الوراثة ، فقد شابه جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في بلاغته وفصاحته ، وشابه جدّه الإمام زين العابدين في تقواه وعبادته ونسكه .

كنيته علیه السلام

والشيء المؤكّد أنّ في كنية الطفل لوناً من ألوان التكريم له ، وهو ممّا يساعد على نموّ شخصيّته ، وتكامل ذاته ، وقد لاحظ الأئمّة الطيّبون هذه الجهة ، فكانوا يكنّون أبناءهم في طفولتهم ، وقد أثر عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أنّه قال :

نَحْنُ الكِرامُ وَطِفْلُنا فى الْمَهْدِ يُكْنى *** إِنَّا إِذا قَعَدَ اللَّنامُ عَلَى بِساطِ الْعِزَّ قُمْنا

وكان العرب يتفاخرون في الكنية ، وفي ذلك قال شاعرهم :

اكنيه حين أناديه لأكرمَهُ *** وَلا القَّبُهُ وَالسَّوْأَةُ اللَّقَبا

وكنّى الإمام الجواد علیه السلام ولده الإمام الهادي بأبي الحسن ، وعُرف بهذه الكنية جدّاه الإمام موسى بن جعفر والإمام الرضا علیهما السلام ، وفرّق الرواة بينهم في هذه الكنية بعد أن أضافوا إليها الجهة المميّزة ، فقالوا : إنّ أبا الحسن الأوّل هو الإمام موسى بن جعفر علیهما السلام ، وأبو الحسن الثاني هو الإمام الرضا علیه السلام ، وأبو الحسن الثالث هو الإمام عليّ الهادي علیه السلام .


1) الاتحاف بحبّ الأشراف : 67 .

ألقابه علیه السلام

أمّا ألقابه الكريمة ، فإنّها تحكي بعض ما اتّصف به هذا الإمام العظيم من النزعات الكريمة ، والصفات الرفيعة ، وهي :

1 - الهادى : لأنّه كان أهدى الناس إلى التقى والخير ، وهو من أشهر ألقابه .

2 - الناصح : لقّب بذلك لأنّه كان من أنصح الناس لأمّة جدّه .

3 - المتوكّل : وكان يبغض هذا اللقب ، ويأمر أصحابه أن لا يلقّبوه به ، وفيما أحسب إنّما كره هذا اللقب لأنّه كان لقباً للخليفة جعفر المتوكّل الذي كان من أبغض الناس وأعداهم لأهل البيت علیهم السلام .

4 - التقىّ : لأنّه اتّقى الله وأناب إليه ، وقد جهد الطاغية المتوكّل على أن يجرّ الإمام إلى ميادين اللهو والدعارة فلم يستطع لذلك ، وقد أخبر بذلك حاشيته .

5- المرتضى : وهو أشهر ألقابه .

6 - الفقيه : فقد كان أفقه أهل عصره، وكان المرجع الأعلى للفقهاء والعلماء .

7 - العالم : وكان أعلم الناس لا في شؤون الشريعة الإسلاميّة فحسب ، وإنّما في جميع أنواع العلوم والمعارف .

8- الامين : على الدين والدنيا .

9- الطيّب : فلم يكن أحد في عصره أطيب ولا أزكى منه

10 - العسكريّ : لقّب بذلك لأنّ مقامه بسرّ من رأى ، وهي تسمّى العسكر(1).

11 - الموضّح : لأحكام الكتاب والسنّة .


1) عمدة الطالب : 188 . وفي علل الشرائع : 241: «إنّ المحلّة التي كان يسكنها تسمّى عسكر ، فلذلك قيل له العسكري» .

12 - الرشيد : فقد كان من أرشد الناس وأهداهم إلى سواء السبيل .

13 - الشهيد : لأنّه رزق الشهادة على يد أعداء الله .

14 - الوفيّ : فقد كان من أوفى الناس ، وكان الوفاء من عناصره ومميّزاته .

15 - الخالص : من كلّ سوء وعيب (1).

ملامحه علیه السلام

أمّا ملامحه فكانت كملامح جدّه الإمام الرضا وأبيه الإمام الجواد علیهما السلام ، فقد كان شديد السمرة (2).

ووصفه الرواة بأنّه كان أدعج العينين(3)، شثن الكفّين(4)، عريض الصدر ، أقنى الأنف ، أفلج الأسنان ، حسن الوجه ، طيّب الريح ، وكان جسيم البدن - شبيهاً بجدّه الإمام أبي جعفر الباقر علیه السلام - ولم يكن بالقصير المتردّد (5)، ولا بالطويل الممغط (6)، بعيد المنكبين ، ضخم الكراديس(7)، معتدل القامة(8).

تعويذه علیه السلام

كان الإمام الجواد علیه السلام يضنّ على ولده الإمام الهادي علیه السلام عوادي الدهر وطوارق

.


1) مناقب آل أبي طالب : 3: 505 .

2) نور الأبصار : 164. بحار الأنوار: 50 : 116 ، الحديث 8 جوهرة الكلام : 151.

3) أدعج العينين : شدّة في سواد العينين مع سعتهما .

4) شثن الكفّين : هو الميل إلى الغلظة .

5) القصير المتردّد : هو المتناهي في القصر .

6) الممغّط : المتناهي في الطول .

7) مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء : 3 : 20.

8) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : 151.

الأيّام، وكان يلتجئ إلى الله تعالى ليحميه من كلّ سوء ، ويقيه من كلّ مكروه ، وكان يعوّذه كلّ يوم بهذا الدعاء الشريف الذي يمثّل مدى اعتصامه بالله وانقطاعه إليه ، وقد جاء فيه بعد البسملة :

«لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، اللهُمَّ رَبَّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوح وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَقاهِرَ مَنْ فِى السَّمَواتِ وَالْأَرَضِينَ ، وَخالِقَ كُلَّ شَيْءٍ وَمَالِكَهُ ، كُفَّ عَنَا بَأْسَ أَعْدائِنا ، وَمَنْ أَرَادَ بِنا سُوءاً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَأَعْم أَبْصارَهُمْ وَقُلوبَهُمْ ، وَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حِجاباً وَحَرَساً وَمَدْفَعاً ، إِنَّكَ رَبُّنَا ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْهِ أَنَبْنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ، ( رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(1).

رَبَّنا عافِنا مِنْ كُلِّ سُوءٍ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِها ، وَمِنْ شَرِّ ما يَسْكُنُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ سُوءٍ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٌّ ، رَبِّ الْعالَمينَ وَإِلهَ الْمُرْسَلِينَ.

صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ ، وَأَوْليائِكَ ، وَخُصَّ مُحَمَّداً وَآلَهُ أَجْمَعِينَ بِأَتَمّ ذلِكَ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ.

بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ ، أَؤْمِنُ بِاللَّهِ ، وَبِاللَّهِ أَعُوذُ ، وَبِاللَّهِ أَعْتَصِمُ، وَبِاللَّهِ أَسْتَجِيرُ، وَبِعِزَّةِ اللهِ وَمَنْعَتِهِ أَمْتَنِعُ مِنْ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنَّ ، وَمِنْ رَجِلِهِمْ وَخَيْلِهِمْ


1) الممتحنة60: 5.

وَرَكْضِهِمْ وَعَطْفِهِمْ وَرَجْعَتِهِمْ وَكَيْدِهِمْ وَشَرِّهِمْ وَشَرِّ ما يَأْتُونَ بِهِ تَحْتَ اللَّيْلِ وَتَحْتَ النَّهارِ مِنَ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ ، وَمِنْ شَرِّ الْغَائِبِ وَالْحاضِرِ ، وَالشَّاهِدِ وَالزَائِرِ ، أَحْيَاءٌ وَأَمْواتاً ، أَعْمَى وَبَصيراً، وَمِنْ شَرِّ الْعامَّةِ وَالْخاصَّةِ ، وَمِنْ شَرِّ نَفْسٍ وَوَسْوَسَتِها ، وَمِنْ شَرِّ الدَّناهِشِ(1)وَالْحِس وَاللَّمْسِ وَاللَّبْسِ ، وَمِنْ عَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَبِالْإِسْمِ الَّذِي اهْتَزَّ بِهِ عَرْشُ بَلْقيسَ.

وأعيد ديني وَنَفْسي وَجَميعَ ما تَحوطُهُ عِنايَتي مِنْ شَرِّ كلِّ صُورَةٍ وَخيالٍ أَوْ بياضٍ أَوْ سَوادٍ أَوْ تِمْثَالٍ ، أَوْ مُعاهِدٍ أَوْ غَيْرِ مُعاهِدٍ مِمَّنْ يَسكُنُ الْهَواءَ وَالسَّحابَ ، وَالظُّلُماتِ وَالنُّورَ، وَالظَّلَّ وَالْحَرورَ(2)، وَالْبَرَّ وَالْبحور ، وَالسَّهْلَ وَالْوعورَ ، وَالْخَرابَ وَالْعِمْرانَ ، وَالْآكامَ وَالْأَجامَ(3)، وَالْغِياضَ وَالْكَنائِسَ وَالنَّواوِيسَ(4)وَالفَلَواتِ وَالْجَبّاناتِ ، وَمِنَ شَرَّ الصَّادِرِينَ وَالْوارِدِينَ ، مِمَّنْ يَبْدو بِاللَّيْلِ وَيَنْتَشِرُ بِالنَّهارِ ، وَبِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ، وَالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ، وَالْمُريبينَ وَالْأَسامِرَةِ وَالْأَفَاثِرَةِ (يَرَةِ) وَالْفَراعِنَةِ وَالْأَبالِسَةِ ، وَمِنْ جُنودِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ وَقَبائِلِهم ، وَمِنْ هَمْزِهِمْ وَلَمْزِهِمْ ، وَنَفْثِهِمْ وَوِقاعِهِمْ ، وَأَخْذِهِمْ وَسِحْرِهِمْ ، وَضَرْبِهِمْ


1) الدناهش نوع من أنواع الجنّ - مجمع البحرين .

2) الحرور - بالفتح : الريح الحارّة .

3) الأجام : مواضع القصب .

4) النواويس : مقبرة النصارى .

وَعَبَيْهِمْ ، وَلَمْحِهِمْ وَاحْتِيالِهِمْ ، وَاخْتِلافِهِمْ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرَّ مِنَ السَّحَرَةِ وَالغيلانِ ، وَاُمّ الصّبيانِ ، وما وَلَدوا وَما وَرَدوا ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذى شَرٌّ داخلٍ وَخارِج ، وَعارِضِ وَمُتَعَرِّضِ ، وَساكِنِ وَمُتَحَرِّكٍ ، وَضَرَبانِ عِرْقٍ ، وَصُداع وَشَقيقَةٍ ، وَأَمَ مِلْدَمِ ، وَالْحُمّى وَالْمُثَلَّثَةِ وَالرَّبْع وَالْغِب وَالنَّافِضَةِ وَالصَّالِبَةِ ، وَالداخِلَةِ وَالْخارِجَةِ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ اَخِذْ ، بِناصِيَتِها إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرينَ»(1).

لقد كان الإمام الجواد علیه السلام يغذّي وليده العظيم بهذا الدعاء الشريف ليستقبل الحياة وهو على ثقة واطمئنان من أنّ القوّة المدبّرة لهذا الكون والحاكمة فيه إنّما هو الله تعالى صانع الحياة ، وخالق كلّ شيء ، وغيره سراب لا حول له ولا قوّة .

لقد غرس الإمام الجواد علیه السلام الهلال في نفس وليده الإيمان المطلق بقدرات الله تعالى، فالالتجاء إنّما يكون إليه ، فهو الذي يدفع الضرّاء والبأساء .

نشأته علیه السلام

نشأ الإمام الهادي علیه السلام فى أسرة تميّزت عن الناس بسلوكها المشرق ، وأدابها الرائعة ، وفضائلها النيّرة ، فكان الصغير منهم يوفّر الكبير ، والكبير يحترم الصغير ، وقد روى المؤرّخون ألواناً رائعة من آدابهم تدعو إلى الاعتزاز والفخر ، فقد رووا أنّ الإمام الحسين علیه السلام ما تكلّم بين يدي أخيه الإمام الحسن علیه السلام إجلالاً وإكباراً له ، ورووا أنّ الإمام زين العابدين علیه السلام ما أكل مع أمّه أو مربيّته خوفاً من أن يكون قد سبق نظرها


1) مهج الدعوات : 61 و 62 .

إلى بعض الطعام الذي يتناوله ، فيكون بذلك عاقّاً لها ، فأيّ آداب في الدنيا تضارع هذه الآداب التي تضارع آداب الأنبياء وسموّ سلوكهم وعلوّ أخلاقهم .

لقد نشأ الإمام الهادي علیه السلام في ظلال أبيه الجواد علیه السلام الذي كان أنموذجاً لكلّ ما يعتزّ به الإنسان من الفضائل والمآثر ، وقد أفرغ عليه أشعّة من روحه ، فلم يبق فضيلة إلّا غرسها في نفس وليده ، وكان يشيد به - دوماً - ويبدي إعجابه بمواهبه وذكائه .

وقد روى المؤرّخون : « أنّه لمّا أراد الشخوص إلى العراق أجلسه في حجره ، وكان عمره آنذاك ستّ سنين ، فقال له : ما الذي تُحِبُّ أَنْ يُهْدَىٰ إِلَيْكَ مِنْ طَرَائِفِ الْعِرَاقِ ؟

فتبسّم الهادي وقال : سَيْفٌ كَأَنَّهُ شُعْلَةٌ .

والتفت الإمام الجواد إلى ولده موسى فقال له : وَأَنْتَ ما تُحِبُّ أَنْ تَشْتَهِي ؟

فقال موسى : فِراشُ بَيْتٍ .

ولم يكتم الإمام إعجابه بولده الهادي ، فراح يخاطبه : أَشْبَهَني أَبو الْحَسَنِ .

لقد سرّ بتمنّي ولده الذي ينمّ عن شجاعته وبسالته ، وهذه سمته وسمة آبائه .

نبوغه المبكّر

وملك الإمام الهادي علیه السلام في طفولته المبكّرة من الذكاء والنبوغ ما يذهل الفكر ويبهر الألباب ، فكان يملك ذاكرة قويّة ، وذكاءاً مفرطاً ، وفطنة بالغة ، فقد ذكر الرواة بوادر كثيرة من ذكائه كان منها أنّ المعتصم بعدما اغتال الإمام الجواد علیه السلام عهد إلى عمر بن الفرج أن يشخص إلى يثرب ليختار معلّماً لأبي الحسن الهادي البالغ من العمر آنذاك ستّ سنين وأشهراً ، وقد عهد إليه أن يكون المعلّم معروفاً بالنصب والإنحراف عن أهل البيت علیهم السلام ليغذّيه ببغضهم .

ولمّا انتهى عمر إلى يثرب التقى بالوالي وعرّفه بمهمّته ، فأرشده الوالي وغيره إلى الجنيدي ، وكان شديد البغض للعلويّين ، فأرسل خلفه وعرفه بالأمر ، فاستجاب له ،

وعيّن له راتباً شهريّاً ، وعهد إليه أن يمنع الشيعة من زيارته والاتّصال به ، وقام الجنيدي بتعليم الإمام ، إلّا أنّه قد ذهل لما يراه من حدّة ذكائه ، فقد التقى محمد بن جعفر بالجنيدي فقال له : ما حال هذا الصبي - يعني الإمام الهادي علیه السلام - الذي تؤدبّه ؟

فأنكر الجنيدي ذلك وراح يقول : أتقول هذا الصبي ؟ ! ولا تقول هذا الشيخ ، أنشدك بالله هل تعرف بالمدينة مَن هو أعرف منّي بالأدب والعلم ؟

•

لا.

•

إنّي والله لأذكر الحرف في الأدب ، وأظنّ أنّي قد بالغت فيه ، ثمّ إنّه يملي أبواباً أستفيده منه ، فيظنّ الناس أنّى أعلّمه وأنا والله أتعلّم منه .

وانطوت أيّام ، فالتقى محمّد بن جعفر مرّة أخرى بالجنيدي ، فقال له : ما حال هذا الصبي ؟

فأنكر عليه الجنيدي ذلك وقال : دع عنك هذا القول ، والله تعالى لهو خير أهل الأرض ، وأفضل من برأه الله تعالى ، وإنّه لربّما همّ بدخول الحجرة فأقول له : حتّى تقرأ سورة ، فيقول : أَيُّ سُوَرةٍ تُريدُ أَنْ أَقْرَأَها ؟

فأذكر له السور الطوال ما لم يبلغ إليها ، فيسرع بقراءتها بما لم أسمع أصحّ منها ، وكان يقرأها بصوت أطيب من مزامير داود ، وإنّه حافظ القرآن من أوّله إلى آخره ، ويعلم تأويله وتنزيله...

وأضاف الجنيدي يقول : هذا صبي صغير نشأ بالمدينة بين الجدران السود ، فمن أين علم هذا العلم الكبير ، يا سبحان الله ! !

ثمّ إنّه نزع عن نفسه النصب لأهل البيت علیهم السلام ودان بالولاء لهم ، واعتقد بالإمامة(1).


1) مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء : 3: 95-96 .

ومن الطبيعي أنّه لا تعليل لهذه الظاهرة إلّا القول بما تذهب إليه الشيعة من أنّ الله أمدّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام بالعلم والحكمة ، وآتاهم من الفضل ما لم يؤت أحداً من العالمين ، من غير فرق بين الصغير والكبير منهم .

هيبته ووقاره علیه السلام

أمّا هيبة الإمام الهادي علیه السلام فانت تعنو لها الجباه ، فقد ورث من آبائه علیهم السلام هيبتهم ووقارهم ، وكانت تبدو عليه سيماء الأنبياء ، وبهاء الأوصياء ، وما لقيه أحد من خصومه أو شيعته إلّا ها به ووقّره ، وقد تحدّث عن مدى هيبته محمّد بن الحسن هابه الأشتر العلوي ، قال :« كنت مع أبي على باب المتوكّل في جمع من الناس ما بين طالبيّ وعبّاسيّ وجعفريّ ، فبينما نحن وقوف إذ جاء أبو الحسن ، فترجّل الناس كلّهم إجلالاً وإكباراً له حتّى دخل القصر ، وانبرى بعضهم فأنكر هذا التكريم للإمام وقال : لمن نترجّل لهذا الغلام ! ما هو بأشرفنا ، ولا بأكبرنا سنّاً ، والله لا نترجّل له إذا خرج .

فردّ عليه أبو هاشم الجعفري ، وقال : والله لتترجلنّ له صغاراً وذلّة .

وخرج الإمام علیه السلام فعلت أصوات التكبير والتهليل ، وقام الناس بأسرهم تعظيماً له ، فالتفت أبو هاشم إلى القوم قائلاً: أليس زعمتم أنّكم لا تترجّلون له ؟

فلم يملكوا إعجابهم بالإمام وراحوا يقولون : والله ما ملكنا أنفسنا حتّى تَرجلنا»(1).

لقد كانت هيبته تملأ القلوب إكباراً وتعظيماً ، ولم تكن هيبته ناشئة عن ملك أو سلطان ، وإنّما كانت ناشئة من طاعته الله وزهده في الدنيا، وتحرّجه في الدين أعظم ما يكون التحرّج ، فقد خرج من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته ، وقد بلغ من


1) بحار الأنوار: 50 : 137 ، الحديث .20. أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 274 و 275 .

عظيم هيبة الناس له أنّه كان إذا دخل على المتوكّل لا يبقى أحد في القصر إلا قام بخدماته ، وكانوا يتسابقون إلى رفع الستائر ، وفتح الأبواب ، ولا يكلّفونه بشيء من ذلك(1).

تعظيم العلويّين له

وأجمع السادة العلويّون على تعظيم الإمام الهادي علیه السلام والاعتراف له بالزعامة والفضل ، وكان من بينهم عمّ أبيه زيد ابن الإمام موسى بن جعفر علیهما السلام ، وكان شيخاً كبيراً ، وقد كلّف عمر بن الفرج - وكان بوّاباً للإمام علیه السلام - على أن يستأذن له ليتشرّف بمقابلته ، وكلّم الإمام علیه السلام في شأنه ، فأذن له ، ودخل على الإمام وكان في صدر المجلس ، فجلس زيد بن يديه تكريماً وتعظيماً ، واعترافاً له بالإمامة .

وفي اليوم الثاني تشرّف زيد بالدخول إلى مجلس الإمام ، ولم يكن علیه السلام حاضراً ، فتصدّر زيد المجلس، وأقبل الإمام فلمّا رآه زيد وثب من مكانه وأجلسه فيه ، وجلس بين يديه متأدّباً مع صغر سنّ الإمام وكبر زيد»(2).

لقد اعترف بإمامته ولزوم طاعته كما هو شأن القائلين بإمامته .

صلات الكتابيّين للإمام علیه السلام

ولم يقتصر تعظيم الإمام وتقديسه على المسلمين، وإنّما سرى إلى غيرهم من الكتابيّين ، فقد آمنوا بروحانيّته ، وعظيم مكانته عند الله ، وكانوا إذا تعرّضوا لمهمّة حملوا إليه الهدايا ، وتوسّلوا به ليفرّج عنهم مهمّاتهم ، وكان من بينهم ما حدّث به هبة الله بن أبي منصور الموصلي ، قال : « إنّ يوسف بن يعقوب المسيحي كانت له


1) بحار الأنوار: 50: 128 ، الحديث 6.

2) مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء : 3 : 94.

صلة مع أبيه ، وقد نزل ضيفاً عنده ، فسأله عن شأن قدومه إلى بغداد ؟

فقال له : قد دعيت إلى المتوكّل ولا أدري ما يراد منّي ، إلّا أنّي اشتريت نفسي بمائة دينار قد حملتها لعلي بن محمّد بن الرضا علیه السلام فبارك له والدي ، ثمّ إنّه غادر بغداد متوجّهاً إلى سرّ من رأى، فمكث فيها أيّاماً ، ثمّ رجع مستبشراً فرحاً ، فسأله أبي عمّا لقي في سفره ؟

فقال : صرت إلى سرّ من رأى ، ولم أكن قد دخلتها من ذي قبل ، وأحببت أن أوصل المائة دينار إلى ابن الرضا قبل أن أصل إلى المتوكّل ، فسألت عنه ، فقيل لي : إنّ المتوكل منعه من الركوب وأنّه ملازم لداره ، فخفت من الوصول إليه ، وحاذرت من السؤال عنه ، ووقع في ذهني أن أركب دابّتي وأخرج إلى البلد لعلّي أقف على معرفته من غير سؤال ، وفعلت ذلك .

فبينما أنا أخترق الشوارع والأسواق إذ وصلت إلى باب دار خطر في ذهني أنّها دار الإمام ، فقلت لغلامي : سل لمن هذه الدار ؟

فبادر الغلام فسأل عن صاحبها ، فقيل له : إنّه ابن الرضا ، فطرق الباب ، فخرج غلام أسود فقصدني وقال : أنت يوسف بن يعقوب ؟

قلت : نعم .

قال : انزل ، فنزلت عن دابّتي ، فأدخلني في الدهليز ، ثمّ دخل الغلام وخرج وقال لي : أين المائة دينار ؟ فناولته إيَّاها ، فأوصلها إلى الإمام ، ثمّ إنّه خرج وأذن لي بالدخول ، فدخلت وإذا الإمام جالس وحده ، فنظر إليَّ بعطف وحنان وقال : أما اَنّ لَكَ - يعني أن تهتدي - ؟

قلت : يا مولاي، قد بان لى من البرهان ما فيه الكفاية لمن اكتفى .

فقال له الإمام : هَيْهَاتَ إِنَّكَ لَا تُسْلِمُ ، وَلكِنْ سَيُسْلِمُ وَلَدُكَ ، وَهُوَ مِنْ شِيعَتِنا .

يا يُوسُفُ ، إِنَّ أَقواماً يَزْعُمُونَ أَنَّ وَلا يَتَنا لَا تَنْفَعُ أَمْثالك ، امْضِ فيما وافَيْتَ لَهُ ،

إِنَّكَ سَتَرى ما تُحِبُّ

وبهر يوسف بما رآه من المعجز ، ومضى إلى المتوكّل فنال جميع ما أراده » .

يقول هبة الله : « وتوفي يوسف فلقيت ابنه وهو مسلم حسن الاعتقاد بأهل البيت علیهم السلام ، فأخبرني أنّ أباه قد توفّي على النصرانيّة ، وأنّه أسلم بعد موته ، وكان يقول : أنا بشارة مولاي »(1).

لقد آمن الكتابيّون بالإمام ورأوا في حياته امتداداً لحياة الأنبياء والقدّيسين .

انطباعات عن شخصيّته علیه السلام

وكلّ من دوّن سيرة الإمام الهادي علیه السلام اذا رأى الكرامة والشرف والعلم والتقوى ماثلة في شخصيّته الكريمة ، وقد أدلوا بإعجابهم وإكبارهم به ، وكان من بينهم :

1 - أبو الفلاح الحنبلي

قال عبد الحي أبو الفلاح الحنبلي : «كان أبو الحسن بن عليّ الجواد ابن الرضا، ابن الكاظم موسى بن جعفر الصادق العلويّ الحسيني المعروف بالهادي فقيهاً إماماً متعبّداً ، وهو أحد الأئمّة الذين تعتقد غلاة الشيعة عصمتهم كالأنبياء »(2).

2 - اليافعي

قال اليافعي :« كان الإمام عليّ الهادي متعبّداً ، فقيهاً ، إماماً»(3).

هذه بعض الكلمات التي أدلى بها العلماء ، وهي تمثّل إعجابهم بشخصيّة الإمام ،


1) بحار الأنوار: 50 : 144 و 145 ، الحديث 28 .

2) شذرات الذهب : 2 : 128 و 129 .

3) مرآة الجنان : 2 : 160 .

كما تمثّل بعض صفاته الرفيعة التي كان منها التخصّص في علوم الشريعة الإسلاميّة، فقد كان المرجع الأعلى للعالم الإسلامي فيها .

3 - أبو الفداء

قال أبو الفداء : « على التقيّ هو أحد الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة ، وهو عليّ الزكىّ ابن محمّد الجواد »(1).

4 - ابن الصباغ المالكي

قال ابن الصبّاغ المالكي : « قال بعض أهل العلم : فضل أبي الحسن عليّ بن محمّد الهادي قد ضرب على المجرة قبابه ، ومدّ على نجوم السماء أطنابه ، فما تعدّ منقبة إلّا وإليه نحيلها ، ولا تذكر كريمة (2)إلّا وله فضيلتها ، ولا تورد محمدة إلّا وله تفضيلها وجملتها ، ولا تستعظم حالة سنيّة إلّا وتظهر عليه أدلّتها ، استحقّ ذلك بما في جوهر نفسه من كرم تفرّد بخصائصه ، ومجدٍ حكم فيه على طبعه الكريم بحفظه من الشوب(3)حفظ الراعي لفصائله .

فكانت نفسه مهذّبة ، وأخلاقه مستعذبة، وسيرته عادلة ، وخلاله فاضلة ، ومبارّه إلى العفاة وصلة ، وربوع المعروف بوجود وجوده عامرة آهلة ، جرى من الوقار والسكون والطمأنينة والعفّة والنزاهة والخمول في النباهة على وتيرة نبويّة ، وشنشنة علويّة ، ونفس زكيّة ، وهمّة عليّة ، لا يقاس بها أحد من الأنام ولا يدانيها ، وطريقة حسنة لا يشاركه فيها خلق ، ولا يطمع فيها »(4).


1) تاريخ أبي الفداء : 2 : 47 .

2) في نسخة : « ولا تذكر مكرمة » .

3) في نسخة : « من الشرب» .

4) الفصول المهمّة : 268 .

5 - ابن شهرآشوب

قال ابن شهر آشوب : « وكان أطيب الناس بهجة ، وأصدقهم لهجة ، وأملحهم من قريب ، وأكملهم من بعيد ، إذا صمت علته هيبة الوقار ، وإذا تكلّم سماه البهاء ، وهو من بيت الرسالة ،والإمامة ، ومقرّ الوصيّة والخلافة ، شعبة من دوحة النبوّة مرتضاة ، وثمرة من شجرة الرسالة مجتناة » (1).

6 - القطب الراوندى

قال القطب الراوندي : «أمّا عليّ بن محمّد الهادي ، فقد اجتمعت فيه خصال الإمامة ، وتكامل فضله وعلمه ، وخصاله الخيّرة ، وكانت أخلاقه كلّها خارقة للعادة كأخلاق آبائه ، وكان بالليل مقبلاً على القبلة لا يفتر ساعة ، وعليه جبّة صوف وسجّادة على حصير ، ولو ذكرنا محاسن شمائله لطال بها الكتاب» (2).

7 - الذهبي

قال الذهبي : « عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن زین العابدين ابن السيّد الشريف العلويّ الحسينيّ ، الفقيه أحد الاثني عشر ، وتلقّبه الإماميّة بالمناري»(3).

8 - ابن حجر الهيتمي

قال ابن حجر : « كان علىّ الهادي وارث أبيه علماً وسخاءاً » (4).


1) مناقب آل أبي طالب : 4: 401 .

2) الخرائج و الجرائح : 2 : 678 .

3) تاريخ الإسلام : 19 : 218 .

4) الصواعق المحرقة : 206 .

9 - ابن عنبة

قال النسّابة ابن عنبة : « أمّا على الهادي فيلقب بالعسكري لمقامه بسر من رأی، وكانت تسمّى العسكر ، وأمه أمّ ولد ، وكان في غاية الفضل ونهاية النبل»(1).

10 - محمّد بن طلحة

قال محمّد بن طلحة الشافعي : « أمّا مناقب عليّ الهادي ما حلّ في الآذان محلّ حلاها بأشنافها ، واكتنفته شغفاً به اكتناف اللئالي الثمينة بأصدافها ، وشهد لأبي الحسن عليّ الهادي أنّ نفسه موصوفة بنفائس أوصافها ، وأنّها نازلة من درجة النبوّة في ذرى أشرافها ، وشرفات أعرافها»(2).

11 - آقا بزرك الطهراني

قال المحقّق الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني :« كان الإمام الهادي أجلّ إخوته ، وارث علم آبائه وسخائهم ، وإنّما انتقلت وانحصرت الإمامة فيه خاصّة دون إخوته المذكورين لتوفّر شروط الإمامة فيه ، وهي العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء ، ممّا لا يؤثر في الرأي والعمل ، والنسب القرشي العربي ، وزيادةً عليها أنّه من بني هاشم»(3).

12- خير الدين الزركلي

قال خير الدين الزركلي : « علىّ الملقّب ( بالهادي ) بن محمّد الجواد بن عليّ


1) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : 188 .

2) مطالب السؤول : 473 . الفصول المهمّة : 268 .

3) شجرة السبطين - مخطوط.

الرضا بن موسى بن جعفر الحسيني الطالبي ، عاشر الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة ، وأحد الأتقياء الصلحاء »(1).


1) الأعلام : 5 : 140 .

مَظَاهِرُ شَخصیَّته علیه السلام

اشارة

وضارعت صفات الإمام الهادي علیه السلام صفات آبائه الذين امتازوا بها على سائر

الناس ، فقد التقت به جميع عناصر الشرف والكرامة ، وحوى جميع الفضائل و المآثر ، وحسبه أنّه من أئمّة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، ونلمح بإيجاز إلى بعض معالم شخصيّته الكريمة :

إمامته علیه السلام

أمّا الإمامة فإنّها لطف من ألطاف الله على عباده لا يمنحها تعالى إلّا لمن اختار من عباده ممّن امتحن الله قلبه للإيمان ، وزكّاه وطهّره من جميع أفانين الظلم والأباطيل ، وقد تحدّثنا في جميع مؤلّفاتنا عن حياة الأئمّة الطاهرين علیهم السلام عن الإمامة ، وأطلنا البحث في بعضها ، وأوجوزنا القول في البعض الآخر ، وفي هذا الكتاب نوجز القول ، ونشير إلى بعض الجهات ، وهي :

الحاجة إلى الإمامة

أمّا الإمامة فإنّها شأن من شؤون الحياة الإسلاميّة لا تستغني عنها ولا تستقيم بدونها ، لا لأنّها تدير الحياة الدينيّة فحسب ، وإنّما تدير الحياة الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة ، وتضمن للأمّة استقلالها وحرّيّتها ، وتوفّر لها الأمن والرخاء والاستقرار.

ولعلّ من أعمق الأسباب وأدقّها في الحاجة إلى الإمامة هو بسط القوى الروحيّة ، ونشر الفضيلة والخير بين الناس ، ومحاربة النزعات الفاسدة من الأنانيّة والغرور والطمع والحسد وغيرها من نزعات الشذوذ والانحراف ، فجميع القوى الخيّرة في العالم تبتني على الإيمان بالله تعالى ، فهو وحده الذي يصون العالم من ويلات الدمار وكوارث الحروب ، وهو أقوى سلاح وأمنعه في الأرض .

وقد اهتمّ الأئمّة الطيّبون بهذه الظاهرة بصورة إيجابيّة وفعّالة ، فرفعوا راية الإيمان عالية خفّاقة ، وجاهدوا في سبيل الله جهاداً شاقّاً وعسيراً ، وقد خلّفوا آثاراً مشرقة في الدعوة إلى الله ، فقد حفل نهج البلاغة للإمام أمير المؤمنين علیه السلام بنفحات من نفحات الإيمان العميق بالله ، ففيه الدعوة إلى التفكّر في خلق هذه الكائنات التي تدعو إلى حتميّة الإيمان كما فيه الدعوة إلى التحلّي بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات ، والتحذير من الاتّصاف بالنزعات الشريرة التي تدعو إلى التأخّر والانحطاط .

وكذلك نجد الغذاء الروحي المشرق في الصحيفة السجّاديّة التي هي إنجيل آل محمّد صلی الله علیه وآله وسلم ، وهي مصدر خصب للإيمان ، كما أنّ في سائر الأدعية المأثورة عن الأئمّة صلی الله علیه وآله وسلم نجد هذا الغذاء الروحي الذي يبعث على إشراق النفس وصفائها وتحريرها من آفات الجهل والغرور .

ونجد في كتب الاحتجاج الأدلّة الوثيقة التي أقامها الأئمّة الطاهرون على توحيد الله وتعظيمه ، وإبطال الشبه التي أقامتها الزمرة الباغية على الإسلام ، والمنكرة الله ، وقد أشاد الإمام الهادي علیه السلام بجهاد آبائه الأئمّة الطاهرين في ميادين الإيمان والدعوة إلى الله في زيارته المسمّاة ( بالجامعة ) فقد جاء فيها :

السَّلَامُ عَلَى الدُّعاةِ إِلَى اللَّهِ ، وَالْأَدِلَاءِ عَلَىٰ مَرْضاةِ اللَّهِ ، وَالْمُسْتَقِرِّينَ فِي أَمْرِ اللهِ ، وَالتَّامِّينَ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ ، وَالْمُخْلِصِينَ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَالْمُظْهِرِينَ

لِأَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ...

وأضاف الإمام قائلاً:

فَعَظَّمْتُمْ جَلَالَهُ ، وَأَكْبَرْتُمْ شَأْنَهُ ، وَمَجَّدْتُمْ كَرَمَهُ ، وَأَدَمْتُمْ ذِكْرَهُ ، وَوَكَدْتُمْ مِيثَاقَهُ ، وَأَحْكَمْتُمْ عَقَدَ طَاعَتِهِ ، وَنَصَحْتُمْ لَهُ فِى السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَدَعَوْتُمْ إِلَى سَبِيلِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَبَذَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ في مَرْضاتِهِ ، وَصَبَرْتُمْ عَلى ما أَصابَكُمْ في جَنْبِهِ ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلاةَ ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ، وَأَمَرْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَجَاهَدْتُمْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ حَتَّى أَعْلَنْتُمْ دَعْوَتَهُ ، وَبَيَّنْتُمْ فَرائِضَهُ ، وَأَقَمْتُمْ حُدُودَهُ ، وَنَشَرْتُمْ شَرائِعَ أَحْكامِهِ ، وَسَنَنْتُمْ سُنَّتَهُ ، وَصِرْتُمْ فِي ذلِكَ مِنْهُ إِلَى الرّضا ، وَسَلَّمْتُمْ لَهُ الْقَضاءَ ، وَصَدَّقْتُمْ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ مَضى .

وصوّرت هذه الفقرات الرائعة الدور النضالي الذي خاضه الأئمّة الطيّبون في رفع كلمة التوحيد ، والذب عن قيم الإيمان والإسلام ، فقد قدّموا أرواحهم قرابين خالصة لوجه الله لا يبغون الأجر والجزاء إلّا من الله .

عصمة الأئمّة علیهم الإسلام

وتعتبر عصمة الأئمّة علیه السلام عنصراً مهماً في العقيدة الشيعيّة ، وقد أنكرها قوم زاعمين بعدم إمكان تحقّقها ، وقد أثبتنا في بحوثنا عن حياة الأئمّة علیهم السلام زيف الناقدين لها، ودلّلنا على إمكانها ووقوعها ، فإنّ من يقرأ سيرة الأئمّة الطاهرين لا يخامره أدنى شكّ في عصمتهم ، وعدم اقترافهم لأي معصية عمداً أو سهواً، فلم ينحرف أي واحد عن الطريق القويم ، ولم يشذّ في سلوكه عن المنهج السليم ،

وكانوا جميعاً متحرّجين في دينهم أشدّ ما يكون التحرّج .

وقد حاول الطاغية المتوكّل بكافة الوسائل التي يملكها أن يخدع الإمام الهادي علیه السلام ليسلك مسلكه المنحرف ، ويدخل معه في ميادين اللهو والدعارة، فاستعصم علیه السلام وامتنع أشدّ ما يكون الامتناع ، وقد برهن بمواقفه المشرّفة على عصمته وعصمة آبائه الطاهرين، ودلّل على صحّة ما تذهب إليه الشيعة الإماميّة من عصمة أئمّتهم .

علم الائمّة علیهم السلام

أمّا علم الأئمّة فإنّه كعلم الأنبياء من دون فرق بينهما ، فكما أنّ علم الأنبياء والمرسلين علم إلهامي منحهم الله به ليقيموا الحجّة على خلقه، فكذلك علم الأئمة علىهم السلام .

وقد تحدّث الإمام الصادق علیه السلام عن كيفية علمهم ، وما يملكونه من الكنوز العظيمة التي لا تقدّر بثمن.

قال علیه السلام : عِلْمُنا عَابِرٌ وَمَزْبورٌ وَنَكْتُ فِي الْقُلوبِ ، وَنَقْرٌ فِي الْأَسْماعِ ، وَإِنَّ عِنْدَنَا الْجَفْرَ الْأَحْمَرَ وَالْجَفْرَ الْأَبْيَضَ ، وَمُصْحَفَ فاطمَةَ علیها السلام، وَإِنَّ عِنْدَنا الْجامِعَةَ فِيها جَمِيعُ مَا يَحْتاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ .

وسئل عن تفسير هذه الجوانب من حديثه ، فأجاب عنها فقال :

أَمَّا الْعَابِرُ فَالْعِلْمُ بِما يَكونُ ، وَأَمَّا الْمَزْبورُ فَالْعِلْمُ بِما كانَ ، وَأَما النَّكْتُ في الْقُلوبِ فَهُوَ الْإِلْهَامُ ، وَالنَّقْرُ فِي الْأَسْمَاعِ حَديثُ الْمَلائِكَةِ نَسْمَعُ كَلامَهُمْ وَلَا نَرَى أَشْحَاصَهُمْ .

وَأَمَّا الْجَفْرُ الْأَحْمَرُ فَوعاءٌ فِيهِ سِلاحُ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَنْ يَخْرُجَ حَتَّىٰ

يَقومَ قائِمُنا أَهْلَ الْبَيْتِ.

وَأَمَّا الْجَفْرُ الْأَبْيَضُ فَوعاءٌ فِيهِ تَوْراةُ مُوسى ، وَإِنْجِيلُ عِيسَى، وَزَبورُ داوُودَ ، وَكُتُبُ اللهِ الْأُولى.

وَأَمَا مُصْحَفُ فاطِمَةَ علیها السلام فَفِيهِ ما يَكونُ مِنْ حَادِثِ ، وَأَسْمَاءُ كُلِّ مَنْ يَمْلِكُ إِلى أَنْ تَقومَ السَّاعَةُ .

وَأَمَّا الْجامِعَةُ فَهِيَ كِتابٌ طُولُهُ سَبْعونَ ذِراعاً إِمْلَاءُ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ فِلْقِ فِيهِ ، وَخَطُّ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ علیه السلام بِيَدِهِ ، فِيهِ وَاللهِ جَميعُ ما يَحْتاجُ لا النَّاسُ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، حَتَّى أَنَّ فِيهِ أَرْشَ الْخَدْشِ وَالْجَلْدَةَ وَنِصْفَ الْجَلْدَةِ »(1).

وإلى الجفر الذي يملكه أهل البيت علیهم السلام أشار المعرّي بقوله :

لَقَدْ عَجبوا لآلِ الْبَيْتِ لَمّا *** أَتاهُمْ عِلْمُهُمْ فِي جِلْدِ جَفْرِ

فَمِرْآةُ الْمُنَجِّمِ وَهِيَ صُغْرَى *** تُريهِ كُل عامِرَةٍ وَقَفْر(2)

ويدلّل على هذه الحقيقة ما أثر عنهم من أنواع العلوم والمعارف، فالإمام أمير المؤمنين علیه السلام باب مدينة علم النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قد فتق أبواباً من العلوم بلغت فيما يقول العقّاد - اثنين وثلاثين علماً ، وهو الذي أخبر عن التقدّم التكنولوجي والتطوّر العلمي الذي يظهر على مسرح الحياة .


1) الإرشاد : 2 : 186 . الاحتجاج : 2 : 134 . بحار الأنوار: 26 : 18 ، الحديث 1. روضة الواعظين : 211 .

2) نور الأبصار : 141 .

وهو القائل : « سَلوني عَنْ كِتابِ اللهِ ، فَوَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنا أَعْلَمُ أَبِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ ، أَمْ في سَهْلِ أَمْ في جَبَلٍ»(1).

عن أبي الربيع الشامي، قال: « سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إِنَّ قائمنا إذام قامَ مَدَّ اللهُ لِشيعَتنا في أَسْمَائِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ حَتَّى لَا يَكون بَيْنَهم وَبَيْنَ الْقَائِمِ بريد يكلمهم فَيَسْمَعُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وهو في مَكانِهِ(2).

ومن أئمّة أهل البيت صلوات الله عليهم الذي فجّروا ينابيع العلم والمودّة في الأرض ، معجزة العلم والفكر في الأرض ، الإمام الصادق علیه السلام، فقد أخبر عن تلوّث الفضاء والبحار ، وما ينجم عنهما من الأضرار البالغة التي تصيب الإنسان ، كما أخبر عن وجود الحياة في بعض الكواكب ، وهو الذي وضع قواعد التشريح ، وخصوصيّة أعضاء الإنسان ، وما فيها من العجائب ، وقد تعرّض لذلك كتابه المسمى بتوحيد المفضّل ، كما كان المؤسّس الأوّل لعلوم الفيزياء والكيمياء ، فقد وضع أصولها على يد تلميذه العظيم جابر بن حيان مفخرة الشرق ، ورائد التطوّر البشري فى الأرض.

وكان الإمام الهادي علیه السلام في سنّ لا يتجاوز السبع سنين وتوفّي والده الإمام الجواد علیه السلام ، وقد ظهر منه من العلوم والمعارف - وهو بهذا السنّ- ما يذهل الأفكار ، فقد امتحنه كبار العلماء بأدقّ المسائل الفقهيّة والفلسفيّة والكلاميّة ، فأجاب عنها جواب العالم الخبير المتخصّص ، فدان العلماء بإمامته ، وفي ذلك دليل واضح على أنّ الله تعالى منح أئمّة أهل البيت العلم والحكمة ، وآتاهم من الفضل ما لم يؤت أحداً من العالمين.


1) الجامع لأحكام القرآن : 1 : 35 . كنز العمّال : 2 : 564 .

2) بحار الأنوار 52 : 336 ، الحدیث 72 .

النصّ على إمامته علیه السلام

واهتمّ ثقات الشيعة في شأن الإمامة لأنّها عندهم أصل من أصول الإسلام ، فكانوا يسألون الإمام الحاضر عن الإمام من بعده ليرجعوا إليه ، ويدينوا بولائه وطاعته ، وقد روى النصّ على إمامة الهادي علیه السلاممن أبيه الإمام الجواد علیه السلام جماعة من خيار المسلمين وثقاتهم ، وفيما يلي بعضهم :

1- إسماعيل بن مهران

وخفّ إسماعيل بن مهران إلى الإمام الجواد علیه السلام حينما أشخص إلى بغداد في سفرته الأولى ، فقال له : جُعلت فداك ، إنّي أخاف عليك في هذا الوجه ، فإلى من الأمر من بعدك ؟

فقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر ، وقال له : لَيْسَ الْغَيْبَة كَما ظَنَنْتَ في هذِهِ السِّنَةِ.

ودفع عنه ماكان يخشاه على الإمام من السلطة العبّاسيّة ، ولمّا استدعاه المعتصم انبرى إسماعيل ليتعرّف على الإمام من بعده ، فقال له : أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك ؟

وبكى الإمام علیه السلام وتوجّس خيفة في سفره ، وظنّ أن لا رجعة له إلى يثرب ، فعيّن علیه السلام الإمام من بعده وهو ولده الهادي قائلاً : عِنْدَ هَذِهِ يُخافُ عَلَى ، الأَمْرُ مِنْ بَعْدِي إِلَى ابْني عَلِيَّ»(1).

وتحقّق ما تنبّأ به الإمام ، فقد اغتاله المعتصم العبّاسي ، وكان الإمام في غضارة الشباب ونضارة العمر .


1) الإرشاد : 369. أصول الكافي : 1: 323 .

2 - الخيراني

ومن رواة النصّ على إمامة الهادي علیه السلام الخيراني ، فقد روى ذلك عن أبيه ، وسنذكر نصّ حديثه في البحوث الآتية .

3 - الصقر بن أبي دلف

وروى الصقر بن أبي دلف النصّ على إمامة الهادي علیه السلام من أبيه الجواد علیه السلام ، قال : « سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا يقول : إِنَّ الْإِمَامَ بَعْدِي ابْني عَلِيٌّ ، أَمْرُهُ أَمْرِي ، وَقَوْلُهُ قَوْلِي ، وَطاعَتُهُ طَاعَتِي ، وَالْإِمَامَةُ بَعْدَهُ فِي ابْنِهِ الْحَسَنِ»(1).

4- أحمد بن أبي خالد

ونقل أحمد بن أبي خالد النصّ من الإمام الجواد علیه السلام على إمامة ولده ، قال : « إنّ أبا جعفر أوصى إلى ابنه الهادي علیه السلام » ، وسنذكر بنود الوصيّة في البحوث الآتية(2).

5 - بعض الشيعة

وأدلى الإمام الجواد علیه السلام بالنصّ على إمامة ولده الهادي إلى بعض شيعته ، وذلك حينما شخص إلى بغداد فقال : « إِنِّي ماض ، وَالْأَمْرُ - أي الإمامة - صائِرٌ إِلى ابني عَلِيَّ ، وَلَهُ عَلَيْكُمْ بَعْدي ما كانَ لي عَلَيْكُمْ بَعْدَ أَبي»(3).

وقد أكّد الإمام الجواد علیه السلام في حديثه على لزوم طاعة ولده ، وأنّ له من الحقّ على شيعته ما كان له بالذات بعد أبيه .


1) إكمال الدين : 378 ، الحديث . بحار الأنوار: 50 : 118 ، الحدیث 1.

2) أصول الكافي : 1 : 383 ، الحدیث 3 .

3) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 256 .

هؤلاء بعض نقلة النصّ على إمامة الهادي علیه السلام ، وقد تواترت النصوص بذلك .

ومن الجدير بالذكر أنّ الشيعة تذهب إلى أنّ تعيين الإمام لم يكن خاضعاً

للعواطف والأهواء ، وإنّما أمره بيد الله تعالى ، فهو الذي يختار ويعيّن ، والنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم يبلّغ ما أمر به ، وقد أعلن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أنّ خلفاءه إثنا عشر خليفة ، وقد تواترت النصوص بذلك(1)والإمام الهادي علیه السلام أحدهم .

كرمه علیه السلام

وظاهرة أخرى من صفات الإمام الهادي علیه السلام ، وهي الكرم والسخاء ، فقد كان من أبسط الناس كفّاً ، وأنداهم يداً ، وكان على غرار آبائه الذين يطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وكانوا يطعمون الطعام حتّى لا يبقى لأهلهم طعام ، ويكسوهم حتى لا يبقى لهم كسوة وقد كان الإمام الصادق علیه السلام يطعم الناس ويكسوهم حتّى لا يبقى لعياله شيء(2).

وقد روى المؤرّخون بوادر كثيرة من برّ الإمام الهادي علیه السلام وإحسانه إلى الفقراء والبائسين ، نقتصر منها على ما يلي

1 - وفد جماعة من أعلام الشيعة على الإمام الهادي علیه السلام وهم أبو عمر و عثمان بن سعيد ، وأحمد بن إسحاق الأشعري ، وعلي بن جعفر الهمّاني ، فشكا إليه أحمد بن إسحاق ديناً عليه ، فالتفت علیه السلام إلى وكيله أبي عمرو، وقال له : ادْفَعْ لَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَإِلى عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ ثَلاثِينَ أَلْفَ دينار، كما أعطى وكيله مثل هذا المبلغ .

وعلّق ابن شهرآشوب على هذه المكرمة العلويّة بقوله : « فهذه معجزة لا يقدر


1) صحیح مسلم - كتاب الإمارة : 6: 413. مسند أحمد بن حنبل : 5: 89. صحيح البخاري : 6: 3 ، نشر دار الفكر - بيروت .

2) صفة الصفوة : 2 : 98 .

عليها إلا الملوك ، وما سمعنا بمثل هذا العطاء »(1).

لقد وفّر علیه السلام لهؤلاء الأعلام عيشاً رغيداً ينعمون به ، ودفع عنهم ضائقة الفقر، ومن الطبيعي أنّ خير العطاء ما أبقى نعمة .

2 - ومن بوادر كرمه ما رواه إسحاق الجلّاب ، قال : « اشتريت لأبي الحسن الهادي علیه السلام غنماً كثيرة يوم التروية ، فقسّمها علیه السلام في أقاربه»(2).

3 - ومن كرمه ما رواه المؤرّخون أنّه كان قد خرج من سامرّاء إلى قرية له ، فقصده رجل من الأعراب ، فلم يجده في منزله فأخبره أهله بأنّه ذهب إلى ضيعة له ، فقصده ، ولمّا مثل عنده سأله الإمام عن حاجته ، فقال بنبرات خافتة : يابن رسول الله ، أنا رجل من أعراب الكوفة المتمسّكين بولاية جدّك عليّ بن أبي طالب . وقد ركبني فادح - أي دين - أثقلني حمله ، ولم أرَ من أقصده سواك .

فرقَ الإمام لحاله ، وأكبر ما توسّل به ، وكان علیه السلام في ضائقة لا يجد ما يسعفه به ، فكتب علیه السلام ورقة بخطّه جاء فيها : إِنَّ لِلْأَعْرابِيِّ دَيْناً عَلَيْهِ ، وعيّن مقداره ، وقال له :

«خُذْ هَذِهِ الْوَرَقَةَ ، فَإِذا وَصَلْتَ إِلى سُرَّ مَنْ رَأى ، وَحَضَرَ عِنْدِي جَمَاعَةٌ فَطَالِبُني بِالدَّيْنِ الَّذِي فِي الْوَرَقَةِ ، وَأَغْلِظْ عَلَيَّ فِي تَرْكِ إِيْفَائِكَ ، وَلَا تُخَالِفْني فيما أَقُول .

فأخذ الأعرابي الورقة ، ولما قفل الإمام إلى سرّ من رأى حضر عنده جماعة كان فيها من عيون السلطة ومباحث الأمن ، فجاء الأعرابي فأبرز الورقة ، وطالب الإمام بتسديد دَينه الذي في الورقة ، فجعل الإمام علیه السلام يعتذر إليه ، والأعرابي قد أغلظ له في القول ، ولمّا تفرّق المجلس بادر رجال الأمن إلى المتوكّل فأخبروه بالأمر ، فأمر بحمل ثلاثين ألف درهم إلى الإمام ، فحملت له ، ولمّا جاء الأعرابي قال له الإمام :


1) مناقب آل أبي طالب : 3 : 512 .

2) بحار الأنوار :50: 132 ، الحديث 14 .

خُذْ هذا الْمَالَ فَأَوْفِ بهِ دَيْنَكَ ، وَأَنْفِقِ الْبَاقِي عَلَى عِبَالِك

وأكبر الأعرابي ذلك ، وقال للإمام : إنّ دَيني يقصر عن ثلث هذا المبلغ . ولكنّ الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء(1).

وأخذ المال وسافر إلى أهله وهو مسرور القلب ، ناعم البال ، وهو يدعو للإمام الذي أنقذه من حياة البؤس والحرمان .

4 - وممّا ذكر الرواة من برّه وكرمه أنّ أبا هاشم الجعفري أصابته ضائقة شديدة ، فصار إلى الإمام علیه السلام، ولمّا نظر الإمام إلى ما فيه من الفاقة والبؤس أراد أن يخفّف عمّا هو فيه من المحنة فقال له : يا أبا هاشم ، أَيُّ نِعَمَ اللهِ عَلَيْكَ تُرِيدُ أَنْ تُؤَدِّي شُكْرَها ؟ رَزَقَكَ اللهُ الْإِيمَانَ فَحَرَّمَ جَسَدَكَ عَلَى النَّارِ ، وَرَزَقَكَ الْعَافِيَةَ بِإِعَانَتِكَ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَرَزَقَكَ الْقُنوعَ فَصَانَكَ عَنِ التَّبَذُلِ .

إنّ هذه النعم التي أدلى بها الإمام من أعظم نعم الله لمن يتمتّع بها ، ثمّ إنّ الإمام علیه السلام أمر له بمائة دينار(2).

زهده علیه السلام

لقد عزف الإمام الهادي علیه السلام عن جميع مباهج الحياة ومتعها وعاش عيشة زاهدة إلى أقصى حدّ ، لقد واظب على العبادة والورع والزهد ، فلم يحفل بأي مظهر من مظاهر الحياة ، وآثر طاعة الله على كلّ شيء ، وقد كان منزله في يثرب وسرّ من رأى خالياً من كلّ أثاث ، فقد داهمت منزله شرطة المتوكّل ففتّشوه دقيقاً ، فلم يجدوا فيه شيئاً من رغائب الحياة .


1) الاتحاف بحبّ الأشراف : 67 و 68 . شرح شافية أبي فراس : 2/ الورقة 167. جوهرة الكلام : 151 .

2) أمالي الصدوق : 497 و 498 ، الحديث .682 بحار الأنوار: 50: 129 ، الحديث 7.

وكذلك لمّا فتّشت الشرطة داره في سرّ من رأى ، فقد وجدوا الإمام في بيت مغلق ، وعليه مدرعة من شعر وهو جالس على الرمل والحصى ، ليس بينه وبين الأرض فراش .

قال سبط ابن الجوزي : « إنّ عليّ الهادي لم يكن عنده ميل إلى الدنيا ، وكان ملازماً للمسجد ، فلما فتّشوا داره لم يجدوا فيه إلّا مصاحف وأدعية وكتب علم» (1).

لقد عاش على ضوء الحياة الكريمة التي عاشها آباؤه علیهم السلام من الزهد في الدنيا ، وعدم الاكتراث بأي شأن من شؤونها الماديّة سوى ما يتّصل بالحقّ ، فقد كان جده الأعلى أمير المؤمنين علیه السلام من أزهد الناس في الدنيا ، ففي أيّام خلافته وحكمه لم يتّخذ من غنائمها وفراً ، فكان نعاله من ليف ويخصفه بيده ، وكان حزامه من لیف، و قد شدّ حجر المجاعة على بطنه ، وكانت زوجته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها قد رفضت الدنيا فعاشت في بيت ضيق لا أثاث فيه ، وإنّ يديها قد مجلتا من الرحى .

على هذا الخطّ سار الأئمّة الطاهرون ، فقد طلّقوا الدنيا وأعرضوا عن زينتها ، واتّصلوا بالله تعالى وعملوا كلّ ما يقرّبهم إليه زلفى .

عمله علیه السلام في مزرعة له

وتجرّد الإمام العظيم من كلّ نزعة ماديّة ، فلم يعرف الأنانيّة ولم يخضع لأيّة رغبة من رغائب الهوى ، ويقول الرواة : « إنّه كان يعمل بيده في أرض له لإعاشة عياله » ، فقد روى عليّ بن أبي حمزة ، قال : رأيت أبا الحسن الثالث يعمل في أرض وقد استنقعت قدماه من العرق ، فقلت له : جعلت فداك ، أين الرجال ؟

فقال الإمام : يا عَلِيُّ ، قَدْ عَمِلَ بِالیَدِ مَن هُوَ خیرٌ مِنّي وَ مِن أَبي في أرضِه.


1) تذكرة الخواص : 322 .

•

مَن هو ؟

•

رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَآبَائِي كُلُّهم عَمِلُوا بِأَيْدِيهِمْ ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْأَوْصِياءِ وَالصَّالِحينَ» (1).

لقد كان العمل شعار الأنبياء ، فلم يبعث الله نبيّاً إلّا كان عاملاً، وقد استدللنا بهذا الحديث الشريف في كتابنا ( العمل وحقوق العامل في الإسلام) على أهميّة العمل وشرفه ، وأنّه من سيرة الأنبياء الصالحين .

إرشاد الضالّين

واهتمّ الإمام الهادي علیه السلام اهتماماً بالغاً بإرشاد الضالّين والمنحرفين عن الحقّ وهدايتهم إلى سواء السبيل ، وكان من بين من أرشدهم الإمام وهداهم أبو الحسن البصري المعروف بالملّاح ، فقد كان واقفيّاً يقتصر على إمامة الإمام موسى بن جعفر علیهما السلام ، ولا يعترف بإمامة غيره من أبنائه الطاهرين، فالتقى به الإمام الهادي علیه السلام فقال له : إِلَى مَتى هَذِهِ النَّوْمَةِ ؟ أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَبِهَ مِنْها .

وأثّرت هذه الكلمة في نفسه ، فآب إلى الحقّ والرشاد(2).

نهيه علیه السلام عن مجالسة الصوفيّين

وحذّر الإمام الهادي علیه السلام أصحابه وسائر المسلمين من الاتّصال بالصوفيّين والاختلاط بهم لأنّهم مصدر غواية وضلال للناس ، فهم يظهرون التقشّف والزهد

لإغراء البسطاء والسذّج وغوايتهم .

لقد شدّد الإمام الهادي علیه السلام في التحذير من الاختلاط بهم، فقد روى محمّد بن


1) من لا يحضره الفقيه : 3 : 162 ، الحديث 3593 . الكافي : 5 : 75 و 76 ، الحديث 10 .

2) مناقب آل أبي طالب : 3 : 511 . بحار الأنوار : 50 : 172 ، الحديث 51 .

الحسين بن أبي الخطّاب ، قال : «كنت مع أبي الحسن الهادي علیه السلام في مسجد النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري ، وكان بليغاً وله منزلة مرموقة عند الإمام علیه السلام ، وبينما نحن وقوف إذ دخل جماعة من الصوفيۀة المسجد فجلسوا في جانب منه ، وأخذوا بالتهليل ، فالتفت الإمام إلى أصحابه فقال لهم:

«لَا تَلْتَفِتوا إلى هؤُلَاءِ الْخَدّاعِينَ ، فَإِنَّهُمْ حُلَفَاءُ الشَّياطين ، وَمُخَرِّبو قَواعِدِ الدِّينِ ، يَتَزَهَّدُونَ لِإِراحَةِ الْأَجْسَامِ ، وَيَتَهَجَّدُونَ لِصَيْدِ الْأَنْعَامِ ، يَتَجَوَّعونَ عُمْراً حَتَّى يُدَيخوا(1)لِلْإِيكافِ حُمْراً لَا يُهَلِّلُونَ إِلَّا لِغُرُورِ النَّاسِ ، وَلَا يُقَلِّلُونَ الْغَذاءَ إِلَّا لِمِلْءِ الْعِسَاسِ ، وَاخْتِلافِ قَلْبِ الدَّفْنَاسِ(2)يَتَكَلَّمُونَ النَّاسُ بِإِمْلائِهِمْ فِي الْجُبِّ ، وَيَطْرَحُونَ بِأَداليلِهِم الْجُبِّ ، أَوْرادُهُمُ الرَّقْصُ ، وَالتَّصْدِيَةُ ، وَأَذْكَارُهُمُ التَّرَنُّمُ وَالتَّغْنِيَةُ ، فَلَا يَتَّبِعُهُمْ إِلَّا السُّفَهَاءُ ، وَلَا يَعْتَقِدُ بِهِم إِلَّا الْحُمَقاءُ ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلى زِيارَةِ أَحَدِهِمْ حَيّاً أَوْ مَيَّتاً فَكَأَنَّما ذَهَبَ إِلى زيارَةِ الشَّيْطَانِ، وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ، وَمَنْ أَعانَ واحِداً مِنْهُمْ فَكَأَنَّما أَعانَ مُعاوِيَةَ وَيَزِيدَ وَأَبا سُفْيانَ».

• وإن كان معترفاً بحقوقكم ؟

فزجره الإمام وصاح به قائلاً:

«دَعْ ذا عَنْكَ ، مَنِ اعْتَرَفَ بِحُقُوقِنا لَمْ يَذْهَبْ فِي عُقوقِنَا ، أَما تَدْري أَنَّهُم أَخَسُّ طَوائِفِ الصُّوفِيَّةِ ، وَالصَّوفِيَّةُ كُلُّهُم مُخالِفونَ لَنا ، وَطَريقَتُهُمْ


1) يديّخوا : أي يذلّوها .

2) الدَّفْناس : الغبيّ والأحمق الدنيء البخيل .

مُغايِرَةٌ لِطَريقَتِنا ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا نَصارى أَوْ مَجوس هذِهِ الْأُمَّةِ ، أُولئِكَ الَّذِينَ يَجْتَهِدُونَ فِي إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ»(1).

ودلّل الإمام على زيف الصوفيّين ، وأنّهم لا نصيب لهم من الدين ، وذكر من صفاتهم ما يلي :

1 - إنّهم حلفاء الشياطين في إغرائهم وخداعهم للناس

2 - إنّهم حملوا معول الهدم على الإسلام في سلوكهم المنحرف الذي أضافوه

إلى الدين وهو منه بريء .

3 - إنّ زهدهم في الدنيا لم يكن حقيقياً، وإنما لإراحة أبدانهم

4 - إنّ تهجّدهم في الليل وإظهارهم للنسك لم يكن الله وإخلاصاً في طاعته، وإنّما كان لصيد الناس واستلاب أموالهم .

5- إنّ أورادهم ليست أوراد عبادة ، وإنّما هي رقص لأنّها لم تنبعث عن قلوب مؤمنة بالله ، وكذلك أذكارهم فإنّها غناء لأنّها خالية من الإخلاص في الطاعة الله .

6 - إنّ الذي يملك عقله واختياره لا يتّبعهم ، وإنّما يتّبعهم الحمقاء والسفهاء الذين لا رشد لهم .

تكريمه علیه السلام للعلماء

وكان الإمام الهادي علیه السلام يكرّم رجال الفكر والعلم ، ويحتفي بهم ، ويقدّمهم على بقيّة الناس ، لأنّهم مصدر النور في الأرض، وكان من بين من كرّمهم أحد علماء


1) روضات الجنات : 3 : 134 .

الشيعة وفقهائهم ، وكان قد بلغه عنه أنّه حاجج ناصبيّاً فأفحمه وتغلّب عليه ، فسرّ الإمام علیه السلام بذلك ، ووفد العالم على الإمام فقابله بحفاوة وتكريم ، وكان مجلسه مكتظّاً بالعلويّين والعبّاسيّين ، فأجلسه الإمام على دست ، وأقبل عليه يحدّثه ، ويسأل عن حاله سؤالاً حفيّاً، وشق ذلك على حضّار مجلسه من الهاشميّين فالتفتوا إلى الإمام وقالوا له : كيف تقدّمه على سادات بني هاشم ؟

فقال لهم الإمام : إِيَّاكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ قالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ )(1)أَتَرْضَونَ بِكِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَكَماً ؟

فقالوا جميعاً : بلى يابن رسول الله .

وأخذ الإمام يقيم الدليل على ما ذهب إليه قائلاً:

أَلَيْسَ اللهُ تَعَالَى قَالَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَح اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُرُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )(2)، فَلَمْ يَرْضَ لِلْعَالِمِ الْمُؤْمِنِ إِلَّا أَنْ يُرْفَعَ عَلَى الْمُؤْمِنِ غَيْرِ الْعالِم ، كَمَا لَمْ يَرْضَ لِلْمُؤْمِنِ إِلَّا أَنْ يُرْفَعَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنِ ، أَخْبِرُونِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) ، هَلْ قَالَ : يَرْفَعَ اللهُ الَّذِينَ أُوتُوا النَّسَبَ دَرَجاتٍ ، أَوَلَيْسَ قَالَ اللهُ: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )(3).

فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ رَفْعِي لِهذا لِمَا رَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى ، إِنَّ كَسْرَ هذا لِفَلانِ النَّاصِبِ بِحُجَج

اللهِ تَعَالَى الَّتي عَلَّمَهُ إِيَّاها مِنْ الْأَفضل لَهُ كُلِّ شَرَفٍ فِي النَّسَبِ» .


1) آل عمران 3: 23 .

2) المجادلة 58: 11 .

3) الزمر 39 : 9 .

وسكت الحاضرون ، فقد ردّ عليهم الإمام ببالغ حجّته ، إلّا أنّ بعض العبّاسيّين انبرى قائلاً: یابن رسول الله ، لقد شرّفت هذا علينا ، وقصرتنا عمّن ليس له نسب كنسبنا ، وما زال منذ أوّل الإسلام يقدّم الأفضل في الشرف على من دونه .

وهذا منطق رخيص ، فإنّ الإسلام لا يخضع بموازينه إلّا إلى القيم الصحيحة التي

لم يعها هذا العبّاسي ، وقد ردّ عليه الإمام علیه السلام قائلاً :

سُبْحانَ اللهِ : أَلَيْسَ الْعَبّاسُ بايَعَ أَبا بَكْرِ وَهُوَ تَيْمِيُّ ، وَالْعَبَاسُ هَاشِمِيُّ ، أَوَلَيْسَ

! عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ كَانَ يَخْدِمُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَابِ ، وَهُوَ هَاشِمِيٌّ أَبو الْخُلَفَاءِ وَعُمَرُ عَدَوِيٌّ ؟ وَما بالُ عُمَرَ أَدْخَلَ الْبُعَداءَ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الشُّورى وَلَمْ يُدْخِلِ الْعَبَاسَ ؟ فَإِنْ كَانَ رفعنا لِمَنْ لَيْسَ بِهَاشِمِيٌّ عَلى هَاشِمِيٌّ مُنْكَراً ، فَأَنْكِرُوا عَلَى الْعَبَّاسِ بَيْعَتَهُ لأَبِي بَكْرٍ وَعَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ خِدْمَنِهِ لِعُمَرَ بَعْدَ بَيْعَته ، فَإِنْ كانَ ذلِكَ جائِزاً فَهذا جائز .

فافحم العبّاسي ، وألقم حجراً (1)، فإنّه لمّا كان لم يع الأدلّة المدعمة من الكتاب العزيز عرض له بيعة جدّه العبّاس لأبي بكر وخدمة عبدالله بن عبّاس لعمر مع أنّ الخليفتين لا يساويان العبّاس وابنه في النسب .

عبادته علیه السلام

ولا تقرأ سيرة أئمّة أهل البيت علیهم السلام إلّا تجد البارز في سيرتهم الاقبال على الله والإنابة إليه ، وإحياء الليالي بالعبادة ومناجاة الله وتلاوة كتابه ، ويقول أبو ف-راس الحمداني في الموازنة والمقايسة بينهم وبين العبّاسيّين :

تُمْسى الثَّلَاوَةُ فِي أَبْيَاتِهِمْ سَحْراً *** وفي بُيُوتِكُمُ الْأَوْتَارُ وَالنَّغَمُ

أمّا الإمام الهادي علیه السلام فلم ير الناس في عصره مثله في عبادته وتقواه وشدّة


1) الاحتجاج : 2 : 257 - 260 .

تحرّجه في الدين ، فلم يترك نافلة من النوافل إلّا أتى بها ، وكان يقرأ في الركعة الثالثة من نافلة المغرب سورة الحمد وأوّل سورة الحديد إلى قوله تعالى : ( وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)(1)، وفي الركعة الرابعة سورة الحمد وآخر سورة الحجرات(2)، كما نسب إليه صلاة نافلة كان يصلّي فيها ركعتين يقرأ في الأولى سورة الفاتحة وياسين ، وفي الثانية سورة الفاتحة وسورة الرحمن(3).

التحميد في خطبه علیه السلام

«الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعالِم بِما هَوَكَائِنٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدينَ لَهُ مِنْ خَلْقِهِ دَائِنٌ ، فاطِرِ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ ، مُؤلِّفِ الْأَسْبَابِ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ ، وَمَضَتْ بهِ الاحْتامُ مِنْ سابِقِ عِلْمِهِ ، وَمُقَدَّر حُكْمِهِ.

أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ نِقَمِهِ ، وَأَسْتَهْدِي اللَّهُ الْهُدَى ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ وَالرَّدى ، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَقْدِ اهْتَدى ، وَسَلَكَ الطَّريقَةَ الْمُثْلى ، وَغَنَمَ الْغَنِيمَةَ الْعُظْمى.

ومَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَقَدْ حادَ عَنِ الْهُدى، وَهَوَىٰ إِلَى الرَّدى. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسولُهُ الْمُصْطَفى ، وَوَلِيُّهُ الْمُرْتَى ، وَبَعيتُهُ بِالْهُدى»(4).


1) الحديد 6:57 .

2) وسائل الشيعة 4: 750 .

3) وسائل الشيعة : 5: 298.

4) الكافي : 5: 372 ، الحديث 6 .

أدعيته علیه السلام في قنوت صلاته

1 - وأثرت عن الإمام الهادي علیه السلام عدّة أدعية كان يدعو بها في قنوت صلاته ، وهي تمثل مدى انقطاعه إلى الله وعظيم اتّصاله به ، وهذه بعضها :

«مَناهِلُ كَرامَماتِكَ بِجَزِيلِ عَطِيَّاتِكَ مُتْرَعَةٌ ، وَأَبْوَابُ مُناجاتِكَ لِمَنْ أَمَّكَ مُشْرَعَةٌ ، وَعَطُوفُ لَحَظاتِكَ لِمَنْ ضَرَعَ إِلَيْكَ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ ، وَقَدْ أُلْجِمَ الْحِذارُ ، وَاشْتَدَّ الاضْطِرارُ ، وَعَجَزَ عَنِ الْإِصْطِبَارِ أَهْلُ الْإِنْتِظارِ ، وَأَنْتَ اللَّهُمَّ بِالْمَرْصَدِ مِنَ الْمَكَارِ .

اللَّهُمَّ وَغَيْرُ مُهْمِلٍ مَعَ الْإِمْهَالِ ، وَاللَّائِذُ بِكَ آمِنٌ ، وَالرَاغِبُ إِلَيْكَ عَانِمٌ ، وَالْقاصِدُ اللهُمَّ لِبابِك سالِمٌ.

اللهُمَّ فَعاجِلْ مَنْ قَدِ اسْتَنَّ فِي طُغْيانِهِ ، وَاسْتَمَرَّ عَلَىٰ جَهَالَتِهِ لِعُقْباهُ فِي كُفْرانِهِ ، وَأَطْعَمَهُ حِلْمُكَ عَنْهُ فِي نَيْلِ إِرَادَتِهِ ، فَهُوَ يَتَسَرَّعُ إِلَى أَوْلِيَائِكَ بِمَكارِهِهِ ، وَيُواصِلُهُمْ بِقَبائِحِ مَراصِدِهِ ، وَيَقْصُدُهُمْ فِي مَظَانُهِمْ بِأَذِيَّتِهِ.

اللّهُمَّ اكْشِفِ الْعَذابَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَابْعَثْهُ جَهْرَةً عَلَى الظَّالِمينَ. اللهُمَّ اكْفُفِ الْعَذابَ عَنِ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَاصْبُبُهُ عَلَى الْمُغْتَرَينَ اللهُمَّ بادِرْ عُصْبَةَ الْحَقِّ بِالْعَوْنِ ، وَبَادِرْ أَعْوانَ الظُّلْمِ بِالْقَضم اللهُمَّ أَسْعِدْنا بِالشُّكْرِ ، وَامْنَحْنَا النَّصْرَ ، وَأَعِذْنا مِنْ سُوءِ الْبَدارِ وَالْعاقِبَةِ وَالْخَيْرِ»(1).


1) بحار الأنوار : 82: 226 و 227 مهج الدعوات : 75 . البلد الأمين : 565 .

ولم تقتصر أدعية أئمّة أهل البيت علیهم السلام على الجانب الروحي ، وإنّما شملت جميع مناحي الحياة ، وقد صوّر هذا الدعاء الحياة السياسيّة وما مني الناس به من الظلم والجور في عهد أولئك الملوك الذين جهدوا في ظلم الناس وإرغامهم على ما يكرهون ، وأكبر الظنّ أنّه عنى بدعائه على المتوكّل الطاغية السفّاك الذي بالغ في ظلم العلويّين وقهرهم .

2- ومن أدعيته الشريفة التي كان يدعو بها في قنوته هذا الدعاء الشريف :

يا مَنْ تَفَرَّدَ بِالرُّبوبِيَّةِ ، وَتَوَحَدَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ، يَا مَنْ أَضَاءَ بِاسْمِهِ النَّهَارُ ، وَأَشْرَقَتْ بِهِ الْأَنْوارُ ، وَأَظْلَمَ بِأَمْرِهِ حِنْدِسُ اللَّيْلِ ، وَهَطَلَ بِغَيْتِهِ وإِبِلُ السَّيْلِ .

يا مَنْ دَعاهُ الْمُضْطَرَونَ فَأَجَابَهُمْ ، وَلَجَأَ إِلَيْهِ الْخائِفونَ فَآمَنَهُمْ ، وَعَبَدَهُ الطَّائِعونَ فَشَكَرَهُمْ ، وَحَمِدَهُ الشَّاكِرُونَ فَأَثَابَهُم ، ما أَجَلَّ شَأْنَكَ ، وَأَعْلى سُلْطانَكَ ، وَأَنْفَذَ أَحْكامَكَ .

أَنْتَ الْخَالِقُ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ ، وَالْقاضِي بِغَيْرِ تَحَيَّفٍ ، حُجَّتُكَ الْبالِغَةُ ، وَكَلِمَتُكَ الدّامِغَةُ ، بِكَ اعْتَصَمْتُ وَتَعَوَّذْتُ مِنْ نَفَثَاتِ الْعَنَدَةِ ، وَرَصَدَاتِ الْمُلْحِدَةِ ، الَّذِينَ أَلْحَدوا في أَسْمائِكَ ، وَرَصَدُوا بِالْمَكارِهِ لأَوْلِيَائِكَ ، وَأَعانوا عَلَى قَتْلِ أَنْبِيائِكَ وَأَصْفيائِكَ ، وَقَصَدوا لإِطْفَاءِ نُورِكَ بِإِذاعَةِ سِرِّكَ ، وَكَذَّبوا رُسُلَكَ ، وَصَدُّوا عَنْ آيَاتِكَ ، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِكَ وَدونِ رَسُولِكَ وَدُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً رَغْبَةً عَنْكَ ، وَعَبَدوا طواغيت وَجوابيتَهُمْ بَدَلاً مِنْكَ .

فَمَنَنْتَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ بِعَظيم نَعْمَائِكَ ، وَجُدْتَ عَلَيْهِمْ بِكَريم آلائِكَ ، وَأَتْمَمْتَ لَهُمْ ما أَوْ لَيْتَهُمْ بِحُسْنِ جَزَائِكَ حِفْظاً لَهُمْ مِنْ مُعَانَدَةِ الرُّسُلِ ، وَضَلالِ السُّبُلِ ، وَصَدَّقَتْ لَهُمْ بِالْعُهودِ أَلْسِنَةُ الْإِجابَةِ، وَخَشَعَتْ لَكَ بِالْعُقودِ قُلُوبُ الإِنابَةِ ، وَأَسْأَلُكَ اللهُمَّ بِاسْمِكَ الذي خَشَعَتْ لَهُ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، وَأَحْيَيْتَ بِهِ مَواتَ الْأَشْياءِ ، وَأَمَتْ بِهِ جَميعَ الْأَحْياءِ ، وَجَمَعْتَ بِهِ كُلَّ مُتَفَرِّقٍ ، وَفَرَّقْتَ بِهِ كُلَّ مُجْتَمِعِ ، وَأَتْمَمْتَ بِهِ الْكَلِمَاتِ ، وَأَرَيْتَ بِهِ كُبْرِى الْآيَاتِ ، وَتُبْتَ بِهِ عَلَى التَّوَّابِينَ ، وَأَخْسَرْتَ بِهِ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ، فَجَعَلْتَ عَمَلَهُمْ هَبَاءً مَنْشُوراً وَتَبَّرْتَهُمْ تَتبيراً ، أنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تَجْعَلَ شيعَتِي مِنَ الَّذِينَ حُمّلوا فَصَدَّقوا ، وَاسْتَنْطِقوا فَنَطَقوا ، آمِنِينَ مَأْمُونِينَ.

اللهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ لَهُمْ تَوْفِيقَ الْهُدى ، وَأَعْمَالَ أَهْلِ الْيَقِينِ ، وَمُناصَحَةَ أَهْلِ التَّوْبَةِ ، وَعَزْمَ أَهْلِ الصَّبْرِ ، وَتَقِيَّةَ أَهْلِ الْوَرَعِ ، وَكِثْمَانَ الصِّدِّيقِينَ حَتَّىٰ يَخافوك اللهُمَّ مَخافَةٌ تَحْجُرُهُمْ عَنْ مَعاصِيكَ ، وَحَتَّى يَعْمَلُوا بِطَاعَتِكَ لِيَنالوا كَرامَتَكَ ، وَحَتَّى يُناصِحوا لَكَ وَفيكَ خَوْفاً مِنْكَ ، وَحَتَّى يُخْلِصوا لَكَ النَّصيحَةَ فِى التَّوْبَةِ حُبّاً لَكَ ، فَتُوجِبَ لَهُمْ مَحَبَّتَكَ الَّتي أَوْجَبْتَها ي لِلتَّوَّابِينَ ، وَحَتَّىٰ يَتَوَكَّلُوا عَلَيْكَ فِي أُمورِهِمْ كُلِّهَا حُسْنَ ظَنَّ بِكَ ، وَحَتَّىٰ يُفَوِّضوا إِلَيْكَ أُمورَهُمْ ثِقَةً بِكَ.

اللهُمَّ لَا تُنالُ طَاعَتُكَ إِلَّا بِتَوْفِيقِكَ ، وَلَا تُنالُ دَرَجَةٌ مِنْ دَرَجاتِ الْخَيْرِ

إِلَّا بِكَ ، اللهُمَّ يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ الْعالِمَ بِخَفايا صُدورِ الْعالَمينَ ، طَهِّرِ الْأَرْضَ مِنْ نَجَسِ أَهْلِ الشِّرْكِ ، وَأَخْرِسِ الْخَرَاصِينَ عَنْ تَقَولِهِمْ عَلَى رَسولِكَ الْإِفْكَ.

اللهُمَّ اقْصِمِ الْجَبَارِينَ ، وَأَبِرِ الْمُفْتَرِينَ ، وَأَبِدِ الْأَفَاكِينَ الَّذِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمنِ قالوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ(1)، وَأَنْجِزْ لِي وَعْدَكَ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَعَجِّلْ فَرَجَ كُلِّ طَالِبٍ مُرْتَادٍ إِنَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ لِلْعِبَادِ ، وَأَعوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ لَبْسٍ مَلْبوسٍ ، وَمِنْ كُلِّ قَلْبٍ عَنْ مَعْرِفَتِكَ مَحْبوس ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسٍ تَكْفُرُ إِذا أَصابَهَا بُؤْسٌ ، وَمِنْ واصِفِ عَدْلٍ عَمَلُهُ عَن الْعَدْلِ مَعْكوس ، وَمِنْ طَالِبٍ لِلْحَقِّ وَهُوَ عَنِ صِفاتِ الْحَقِّ مَنْكُوسٌ ، وَمِنْ مُكْتَسِبِ إِثْمِ بِإِثْمِهِ مَرْكُوسٌ ، وَمِنْ وَجْهِ عِنْدَ تَتَابُعِ النَّعَمِ عَلَيْهِ عَبوسٌ ، أَعوذُ بِكَ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ وَمِنْ نَظيرِهِ وَأَشْكالِهِ وَأَشْبَاهِهِ وَأَمْثَالِهِ ، إِنَّكَ عَلِيمٌ حَكيمٌ»(2).

وكشف هذا الدعاء عن روعة بلاغته وفصاحته ، وأنّه كجدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في هذه الظاهرة .

وقدّم الإمام في هذا الدعاء الشريف عرضاً لتوحيد الله وتمجيده والاعتصام به ، فقد التجأ علیه السلام إلى الخالق تعالى بكلّ نازلة وشدّة ، فليس هناك من يكشف البلوى ،


1) إشارة إلى قوله تعالى : ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) الأنفال 8: 31 .

2) بحار الأنوار: 82 227 و 228 مهج الدعوات : 60 و 61 . البلد الأمين : 567 .

ويستدفع به الضرّ غيره ، كما تعوّذ به تعالى من شرّ الجبابرة الطغاة الذين لا يرقبون الله إلّا ولا ذمّة، ولا يرجون له وقاراً .

وقد دعا علیه السلام بهذا الدعاء لشيعته بالتوفيق والسداد ومجانبة الشرّ ، والابتعاد عن الغرور ليكونوا قدوة صالحة في سلوكهم إلى بقيّة المسلمين . وختم علیه السلام دعاءه بالدعاء على أهل الشرك والنفاق الذين أعرضوا عن آيات الله واتّخذوها هزواً .

دعاؤه علیه السلام عقيب صلاة الفجر

وكان الإمام الهادي علیه السلام يعقّب بعد صلاة الفجر ، وكان يدعو بهذا الدعاء لشريف ، وهذا نصّه :

یا كَبِيرَ كُلِّ كَبِيرٍ ، يَا مَنْ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا وَزِيرَ ، يَا خَالِقَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ الْمُنيرِ ، يَا عِصْمَةَ الْخَائِفِ الْمُسْتَجِيرِ ، يا مُطْلِقَ الْمُكَبَّلِ الْأَسِيرِ، يا رازِقَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ، يا جابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ، يا راحِمَ الشَّيْخِ الكَبيرِ، يَا نُورَ النُّورِ ، يا مُدَبِّرَ الْأُمورِ، يا باعِثَ مَنْ فِي الْقُبورِ ، يَا شَافِيَ الصُّدورِ ، يا جاعِلَ الظَّلَّ وَالْحَرورِ، يا عالِماً بذاتِ الصُّدورِ ، يا مُنْزِلَ الْكِتابِ وَالنُّورِ، وَالْفُرْقانِ وَالزَّبورِ ، يا مَنْ تُسَبِّحُ لَهُ الْمَلائِكَةُ بِالْإِبْكارِ وَالظَّهورِ ، يا دائِمَ النَّباتِ ، يا مُخْرِجَ النَّبَاتِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ، يَا مُحْيِيَ الْأَمْواتِ ، يَا مُنْشِئَ الْعِظامِ الدّارِساتِ ، يا سامِعَ الصَّوْتِ ، يَا سَابِقَ الْقَوْتِ ، يَا كَاسِي الْعِظَامِ الْبالِيَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، يا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ شُغْلٌ عَنْ شُغْلِ ، يَا مَنْ لَا يَتَغَيَّرُ مِنْ حال إلى حالٍ ، يا مَنْ لَا يَحْتاجُ إِلى تَجَثُم حَرَكَةٍ وَلَا انْتِقَالٍ ، يَا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ شَأنٌ عَنْ شَأْنٍ ، يا مَنْ يَرُدُّ بِالْطَفِ الصَّدَقَةِ وَالدُّعاءِ عَنْ أَعْنانِ

السَّمَاءِ مَا حَتَمَ وَأَبْرَمَ مِنْ سُوءِ الْقَضاءِ ، يَا مَنْ لَا يُحِيطُ بِهِ مَوْضِعٌ وَمَكانٌ ، يا مَنْ يَجْعَلُ الشَّفاءَ فيما يَشاءُ مِنَ الْأَشْياءِ ، يا مَنْ يُمْسِكُ الرَّمَقَ مِنَ الْمُدْنِفِ الدَّيْفِ بِما قَلَّ مِنَ الْغِذاءِ.

يا مَنْ يُزيلُ بِأَدْنَى الدَّواءِ ما غَلُظَ مِنَ الدَاءِ ، يا مَنْ إِذا وَعَدَ وَفِي ، وَإِذا تَوَعَدَ عَفا ، يا مَنْ يَمْلِكُ حَوائِجَ السّائِلِينَ، يا مَنْ يَعْلَمُ ما في ضَميرِ الصَّامِتِينَ، يا عَظيمَ الْخَطَرِ، يا كَريمَ الظَّفَرِ، يا مَنْ لَهُ وَجْهٌ لَا يَبْلى ، يا مَنْ لَهُ مُلْكَ لَا يَفْنى ، يا مَنْ لَهُ نُورٌ لَا يُطْفى ، يَا مَنْ فَوْقَ كُلَّ شَيْءٍ عَرْشُهُ ، يَا مَنْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ سُلْطانُهُ ، يا مَنْ فِي جَهَنَّمَ سَخَطُهُ ، يَا مَنْ فِي الْجَنَّةِ رَحْمَتُهُ ، يا مَنْ مَواعِيدُهُ صادِقَةٌ ، يا مَنْ أَيَّادِيهِ فَاضِلَةٌ ، يَا مَنْ رَحْمَتُهُ واسِعَةٌ ، يَا غِياتَ المُسْتَغيثينَ، يا مُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرينَ، يا مَنْ هُوَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَى ، وَخَلْقُهُ بِالْمَنْزِلِ الْأَدْنى ، يا رَبَّ الْأَرْواحِ الْفَانِيَةِ ، يا رَبَّ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ ، يا أَبْصَرَ النَّاظِرِينَ، يا أَسْمَعَ السَّامِعِينَ، يا أَسْرَعَ الْحاسِبينَ، يا أَحْكَمَ الْحاكِمِينَ، يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ، يا واهِبَ الْعَطايا ، يا مُطْلِقَ الْأُسارى ، يا رَبَّ الْعِزَّةِ ، يا أَهْلَ التَّقْوى وَأَهْلَ الْمَغْفِرَةِ ، يا مَنْ لَا يُدْرَكُ أَمَدُهُ ، يا مَنْ لَا يُحْصَىٰ عَدَدُهُ ، يَا مَنْ لَا يَنْقَطِعُ مَدَدُهُ.

أَشْهَدُ وَالشَّهَادَةُ لي رِفْعَةٌ وَعُدَّةٌ ، وَهِيَ مِنّي سَمْعٌ وَطاعَةٌ ، وَبِها أَرْجو الْمَفَازَةَ يَوْمَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ ، أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَريكَ لَكَ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسولُكَ صَلواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَأَنَّهُ

قَدْ بَلَغَ عَنْكَ وَأَدّى ما كانَ واجِباً عَلَيْهِ لَكَ ، وَأَنَّكَ تُعْطِي دائِماً وَتَرْزُقُ ، وَتُعْطى وَتَمْنَعُ ، وَتَرْفَعُ وَتَضَعُ ، وَتُغْنى وَتُفْقِرُ ، وَتَخْذُلُ وَتَنْصُرُ ، وَتَعْفو وَتَرْحَمُ ، وَتَصْفَحُ وَتَتَجاوَزُ عَمَّا تَعْلَمُ ، وَلَا تَجورُ وَلَا تَظْلِمُ، وَأَنَّكَ تَقْبِضُ وَتَبْسُطُ ، وَتَمْحو وَتُثْبِتُ ، وَتُبْدِئُ وَتُعِيدُ ، وَتُحْيِي وَتُميتُ ، وَأَنْتَ حَيٌّ لَا تَموتُ .

فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاهْدِنِي مِنْ عِنْدِكَ ، وَافِضْ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ ، وَانْشُرْ عَلَيَّ مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَأَنْزِلْ عَلَيَّ مِنْ بَرَكَاتِكَ ، فَطَالَ مَا عَوَّدْتَني الْحَسَنَ الْجَمِيلَ ، وَأَعْطَيْتَنِي الْكَثِيرَ الْجَزِيلَ ، وَسَتَرْتَ عَلَيَّ الْقَبِيحَ.

اللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَعَجِّلْ فَرَجي ، وَأَقِلْنِي عَشْرَتي ، وَارْحَمْ عَبْرَتي ، وَارْدُدْنِي إِلَى أَفْضَلِ عَادَتِكَ عِنْدِي ، وَاسْتَقْبِلْ بِي صِحَةً مِنْ سَقَمي ، وَسَعَةً مِنْ عَدَمي ، وَسَلامَةً شامِلَةً فِي بَدَنِي ، وَنَظْرَةً نافِذَةً في ديني ، وَمَهُدني وَأَعِنِّى عَلَى اسْتِغْفَارِكَ وَاسْتِقالَتِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْنَى الْأَجَلُ ، وَيَنْقَطِعَ الْعَمَلُ ، وَأَعِنِّي عَلَى الْمَوْتِ وَكُرْبَتِهِ ، وَعَلَى الْقَبْرِ وَوَحْشَتِهِ ، وَعَلَى الْميزانِ وَخِفَّتِهِ ، وَعَلَى الصّراطِ وَزَلَّتِهِ ، وَعَلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَرَوْعَتِهِ ، وَأَسْأَلُكَ نَجاحَ الْعَمَلِ قَبْلَ انْقِطَاعِ الْأَجَلِ ، وَقُوَّةٌ في سَمْعي وَبَصَرِي ، وَاسْتِعْمَالَ الصَّالِحِ مِمَّا عَلَّمْتَني وَفَهَّمْتَني ، إِنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ الْجَليلُ ، وَأَنَا الْعَبْدُ الدَّليلُ ، وَشَتَانَ ما بَيْنَنا ، يا حَنّانُ یا مَنَانُ ، يا ذا الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ ، وَصَلِّ عَلَى مَنْ بِهِ فَهَمْتَنا ، وَهُوَ أَقْرَبُ وَسَائِلِنَا إِلَيْكَ رَبَّنا ، مُحَمَّدٍ

وَآلِهِ وَعِتْرَتِهِ الطَّاهِرينَ »(1).

إنّ في أدعية أئمّة أهل البيت علیهم السلام صفحات مشرقة من العرفان والتوحيد ، وهي ممّا تدعو إلى الإيمان وصيانة النفس من الانحراف والتردّي في متاهات التحلّل والسقوط .

أمّا هذا الدعاء فقد دلّل على كمال معرفة الإمام علیه السلام بالله ، والإخلاص له في الطاعة ، فقد مجّد فيه الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، وأرجع جميع الأمور إلى إرادته وقدرته ، وهذا هو كمال اليقين بالله .

دعاؤه علیه السلام بعد صلاة العصر

وكان الإمام الهادي علیه السلام يدعو بهذا الدعاء الشريف عقيب صلاة العصر : يا مَنْ عَلا فَعَظُمَ ، يا مَنْ تَسَلَّطَ فَتَجَبَّرَ ، وَتَجَبَّرَ وَتَسَلَّطَ ، يا مَنْ عَزَّ فَاسْتَكْبَرَ في عِزّهِ ، يا مَنْ مَدَّ الظُّلَّ عَلى خَلْقِهِ ، يَا مَنْ مَنَّ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى عِبادِهِ ، أَسْأَلُكَ يا عَزِيزُ ذِي انْتِقام ، يا مُنتَقِماً بِعِزَّتِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ .

أَسْأَلُكَ بِحَقِّ وَلِيِّكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ حَوائِجِي أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تُعينَني بِهِ عَلَى قَضاءِ حَوائِجِي وَنَوافِلِي وَفَرائِضي وَبِرٌ إِخْوَتِي ، وَكَمالِ طاعَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ»(2).

وقد توجّه الإمام بهذا الدعاء سائلاً من الله أن يعينه على قضاء حوائجه ومهامّه


1) مصباح المتهجّد : 228 - 230 . البلد الأمين : 60 و 61. بحار الأنوار : 83: 175 - 177 .

2) المصباح / الكفعمي : 144 . مصباح المتهجّد : 516 .

وأداء فرائض الله ، والبرّ بالإخوان الذي هو من أفضل الطاعات والعبادات .

دعاؤه علیه السلام عقيب الصلاة

«أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَريم ، وَعِزَّتِكَ الَّتي لَا تُرامُ ، وَقُدْرَتِكَ الَّتي لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ شَرِّ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَمِنْ شَرِّ الْأَوْجَاعِ كُلِّها»(1).

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أدعيته التي كان يدعو بها عقيب أداء الفرائض ، أمّا بقيّة أدعيته فسوف نذكرها عند التحدّث عن علومه ومعارفه .

استجابة دعائه علیه السلام

وظاهرة أخرى ممّا اتّصف به الإمام الهادي علیه السلام هو سرعة استجابة دعائه ، فإنّ له ولآبائه منزلة كريمة عند الله ، فقد ذكر المؤرّخون أنّ الإمام جعفر الصادق علیه السلام كان لا يسأل الله شيئاً إلّا أجابه من قريب(2)

وقد ذكر الرواة بوادر كثيرة من استجابة دعاء الإمام علیه السلام عند الله كان منها :

1 - ما رواه المنصوري ، عن عمّ أبيه ، قال :« قصدت الإمام عليّاً الهادي ، فقلت له : يا سيّدي ، إنّ هذا الرجل - يعني المتوكّل - قد اطرحني ، وقطع رزقي ، وملّني

ذلك وما اتّهم به في هو علمه بملازمتي لك ، وطلب من الإمام التوسّط في شأنه عند المتوكّل .

فقال علیه السلام : تُكْفَى إِن شاءَ الله .

ولمّا صار الليل طرقته رسل المتوكّل ، فخفّ معهم مسرعاً إليه ، فلمّا انتهى إلى


1) مصباح المتهجد : 51 المصباح / الكفعمي : 19.

2) إسعاف الراغبين : 227 .

باب القصر رأى الفتح واقفاً على الباب ، فاستقبله وجعل يوبّخه على تأخيره ، ثمّ أدخله على المتوكّل ، فقابله ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً: يا أبا موسى تنشغل عنّا

وتنسانا ، أي شيء لك عندي ؟

وعرض الرجل حوائجه وصلاته التي قطعها عنه ، فأمر المتوكّل بها ويضعفها له ، وخرج الرجل مسروراً ، فرأى الفتح.

فبادر إليه قائلاً: هل وافي عليّ بن محمّد ؟

•

لا

•

هل كتب رقعة ؟

•

لا

وانصرف الرجل فتبعه الفتح فأسرع إليه قائلاً: لست أشكّ أنّك التمست منه -أي من الإمام - الدعاء ، فالتمس لي منه الدعاء .

ومضى ميمّماً وجهه نحو الإمام علیه السلام، فلمّا تشرّف بالمثول بين يديه قال علیه السلام له : يا أبا مُوسى ، هذا وَجْهُ الرّضا .

فقال الرجل بخضوع : ببركتك يا سيّدي ، ولكن قالوا لي : إنّك ما مضيت إليه ولا سألته

فأجابه الإمام ببسمات قائلاً : إِنَّ اللهَ تَعالى عَلِمَ مِنَا أَنَا لَا نَلْجَأَ فِي الْمُهِمَاتِ إِلَيْهِ ، وَلَا نَتَوَكَّلُ فِي الْمُلِمَاتِ إِلَّا عَلَيْهِ ، وَعَوَّدَنا إِذا سَأَلْناهُ الْإِجَابَةَ ، وَنَخَافُ أَنْ نَعْدِلَ فَيَعْدِلَ بنا .

وفطن الرجل إلى أنّ الإمام قد دعا له بظهر الغيب ، وتذكّر ما سأله الفتح فقال :

يا سيّدي ، إنّ الفتح يلتمس منك الدعاء .

فلم يستجب الإمام له ، وقال : إِنَّ الْفَتْحَ يُوالِينا بِظَاهِرِهِ ، وَيُجانِبُنا بِباطِنِهِ ، الدُّعاءُ

إِنَّمَا يُدْعَى لَهُ إِذا أَخْلَصَ فِي طَاعَةِ اللهِ ، وَاعْتَرَفَ بِرَسولِ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم وَبِحَقِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ » .

إنّ دعاء الأئمّة الطيّبين إنّما يكون للذوات الطاهرة المؤمنة بالله ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم وحقّ أهل البيت ، وأمّا الذين لا يؤمنون بذلك فإنّهم علیهم السلام لا يدعون لهم ، وطلب الرجل من الإمام أن يعلّمه دعاء ينتفع به، فأرشده علیه السلام إلى هذا الدعاء :

يا عُدَّتي دونَ الْعُدَدِ ، وَيا رَجائي وَالْمُعْتَمَدُ ، وَيا كَهْفِي وَالسَّنَدُ ، و يا واحِدُ يا أَحَدٌ ، وَيَا قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَنْ خَلَقْتَهُ مِنْ خَلْقِكَ ، وَلَمْ تَجْعَلْ فِي خَلْقِكَ مِثْلَهُمْ أَحَداً ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ ، وَتَفْعَلَ بي كَذَا وَكَذا (1). ثمّ تذكر حاجتك » .

2 - وممّا رواه المؤرّخون من استجابة دعائه أنّه كان بأصفهان رجل يسمّى عبد الرحمن ، وقد اعتنق التشيّع وقال بإمامة الهادي علیه السلام ، فسئل عن السبب في ذلك ، فقال : إنّي كنت رجلاً فقيراً ، وكنت ذالسان وجرأة ، فخرجت مع جماعة من أهل بلدي متظلّمين إلى المتوكّل .

فلمّا انتهينا إلى سرّ من رأى ، قصدنا قصره ، وبينما نحن على بابه إذ صدر الأمر من القصر بإحضار على بن محمّد بن الرضا علیه السلام ، فسألت عنه ، فقيل إنّه رجل علويّ تقول الرافضة بإمامته ، ولا يبعد أن يأمر المتوكّل بقتله .

فقلت في نفسي : لا أبرح من مكانى حتّى أنظر إليه ، ولم ألبث إلّا قليلاً حتّى جاء

الإمام علیه السلام راكباً فقام الناس إليه إجلالاً وإكباراً .

فلمّا رأيته وقع حبّه في قلبي ، فصرت أدعو الله أن يصرف عنه كيد المتوكّل ،


1) أمالي الطوسي : 1 : 292. عدّة الداعي : 65 . دعوات الراوندي : 50. بحار الأنوار: 50: 127 و : 95 : 156 ، 162 ، 166 . مهج الدعوات: 271 بشارة المصطفى : 165 .

ووقع بصر الإمام علَيَّ فقصدني ، وقال : قَدِ اسْتَجابَ اللهُ دُعاءَكَ ، وَطَوَّلَ عُمْرَكَ ، وَكَثرَ مالَكَ وَوَلَدَكَ.

فارتعدت فرائصي لأنّه قد علم بدخائل نفسي ، وما انطوت عليه نيّتي ، ودخلنا على المتوكّل وقضينا حوائجنا ثمّ سافرت إلى أصفهان ، وقد فتح الله علَىَّ وجوهاً من المال لم أحلم بها ، فها أنا اليوم أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم سوى مالي الذي في خارج الدار ، كما رزقت من الأولاد عشرة ، وبلغت من العمر ما ينيف على السبعين عاماً » (1)، كلّ ذلك ببركة دعاء الإمام علیه السلام.

3 - ومن أدعية الإمام علیه السلام المستجابة ما رواه المؤرّخون : « أنّ عليّ بن جعفر كان من وكلاء الإمام علیه السلام، فسُعي به إلى المتوكّل فحبسه ، ويقي في ظلمات السجون مدّة من الزمن ، وقد ضاق به الأمر ، فتكلّم مع بعض عملاء السلطة في إطلاق سراحه ، وقد ضمن أن يعطيه عوض ذلك ثلاثة آلاف دينار، فأسرع إلى عبيد الله وهو من المقرّبين عند المتوكّل ، وطلب منه التوسّط في شأن عليّ بن جعفر ، فاستجاب له ، وعرض الأمر على المتوكّل ، فأنكر عليه ذلك وقال له : لو شككت فيك لقلت إنّك رافضي ، هذا وكيل أبي الحسن الهادي وأنا على قتله عازم .

وندم عبيد الله على التوسّط في شأنه، وأخبر صاحبه بالأمر ، فبادر إلى عليّ بن جعفر وعرّفه أنّ المتوكّل عازم على قتله ، ولا سبيل إلى إطلاق سراحه ، فضاق الأمر بعليّ بن جعفر، فكتب رسالة إلى الإمام جاء فيها : « يا سيّدي ، الله الله فيَّ ، فقد خفت أن أرتاب » .

فوقّع الإمام علیه السلام على رسالته : «أما إذا بَلَغَ بِكَ الأَمْرُ ما أَرى فَسَأَقْصُدُ الله فيك».

وأصبح المتوكّل محموماً دنفاً ، وازدادت به الحمّى ، فأمر بإطلاق جميع


1) بحار الأنوار: 50: 141 - 143 ، الحديث 26 . الخرائج والجرائح : 1 : 392 - 393 .

المساجين، وأمر إطلاق سراح عليّ بن جعفر بالخصوص ، وقال لعبيد الله لِمَ لَمْ تعرض عليَّ اسمه ؟

فقال : لا أعود إلى ذكره أبداً ، فأمره بأن يخلّي عنه ، وأن يلتمس منه أن يجعله في

حلّ ممّا ارتكبه منه ، وأطلق سراحه ثمّ نزح إلى مكّة فأقام بها بأمر من الإمام»(1)

4- ومن أدعيته المستجابة ما رواه المؤرّخون : « أنّ أحمد بن الخصيب كان من الحاقدين على الإمام علیه السلام، فألح على الإمام أن يعطيه داره ويسلّمها له بغير حقّ ، فتميّز الإمام غيظاً وقال له : لأَقْعُدَنَّ مِنَ اللهِ مَقْعَداً لَا تَبْقَى لَكَ مَعَهُ بِاقِيَةٌ .

ولم يلبث أحمد إلّا قليلاً حتّى أخذه الله أخذ عزيز ذي انتقام ، فقد هلك »(2).

هذه بعض البوادر التي ذكرها الرواة من استجابة دعاء الإمام ، ومن المؤكّد أنّ استجابة الدعاء ليس من عمل الإنسان وصنعه ، وإنّما هو بيد الله تعالى ، فهو الذي يستجيب دعاء من يشاء من عباده ، وممّا لا شبهة فيه أنّ لأئمّة أهل البيت علیهم السلام منزلة كريمة عنده تعالى لأنّهم أخلصوا له أعظم ما يكون الإخلاص ، وأطاعوه حقّ طاعته ، وقد خصّهم تعالى باستجابة دعائهم كما جعل مراقدهم الكريمة من المواطن التي يستجاب فيها الدعاء .


1) بحار الأنوار: 50 : 183 و 184 ، الحديث 58 .

2) الإرشاد : 2 : 306 . الخرائج والجرائح : 2 : 681 ، الحديث 11 مناقب آل أبي طالب : 3 : 511 . بحار الأنوار: 50 : 139 ، الحدیث 23 .

عُلُومُهُ وَمَعَارِفُهُ علیه السلام

اشارة

وشرح الله صدر الإمام الهادي علیه السلام للعلم ، وأوسع قلبه للمعارف ، فقد تفتّحت له أسرار الحقائق ، وغوامض الأمور بغير طلب أو جهد ، وقد تحدّث الناس عن سعة معارفه إذ لم يكن هناك أحد يضارعه في في ثرواته العلميّة المذهلة التي شملت جميع أنواع العلوم من الحديث والفقه والفلسفة وعلم الكلام ، وغيرها من سائر العلوم.

وقد تسالم العلماء والفقهاء على الرجوع إلى رأيه المشرّف في المسائل المعقّدة والغامضة من أحكام الشريعة الإسلاميّة ، ومن الغريب أنّ المتوكّل العبّاسي الذي كان من ألدّ أعداء الإمام علیه السلام ، وأشدّهم نصباً وعداوة لآبائه علیهم السلام ، كان يرجع إلى رأي الإمام علیه السلام في المسائل التي اختلف فيها علماء عصره ، ويقدّم رأيه على آرائهم ، وسنعرض لذلك في البحوث الآتية .

وعلى أي حال، فإنّا نتحدّث بصورة موجزة عن بعض ما أثر عنه من العلوم والمعارف ، وما أدلى به من غرر الحكم والآداب التي تناولت مختلف القضايا التربويّة والاجتماعيّة ، وفيما يلي ذلك :

الحديث

ولم تقتصر الأحاديث الواردة عن الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم والأئمّة الطاهرين من أهل بيته على الأحكام الشرعيّة وقضايا الدين، وإنّما شملت جميع مناحي الحياة ،

فقد وضعت البرامج لقواعد الأخلاق والآداب وحسن السلوك وغيرها من مختلف القضايا الفكريّة والاجتماعيّة .

وقد أثرت عن الإمام الهادي علیه السلام مجموعة من الروایات يروي بعضها عن

النبيّ والبعض الآخر عن آبائه الأئمّة الطاهرين ، وفيما يلي ذلك :

رواياته علیه السلام عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم

روى الإمام الهادي علیه السلام بسنده عن آبائه مجموعة من الأحاديث كان من بينها :

1 - روى المسعودي ، قال : حدّثني محمّد بن الفرج بمدينة جرجان في المحلّة

المعروفة ( سراي غسّان ) ، قال : حدّثني أبو دعامة ، قال : « أتيت عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى عائداً عائداً في علّته التي كانت وفاته منها في هذه السنة ، فلمّا هممت بالانصراف قال لي : يا أبا دُعامَةَ ، قَدْ وَجَبَ حَقًّكَ ، أَفَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ تُسَرُّ بِهِ ؟

قال : فقلت له : ما أحوجني إلى ذلك يابن رسول الله .

قال : حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبي عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَليَّ ، قالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله و سلم : اكْتُبْ .

قالَ : قُلْتُ : وَما أَكْتُب ؟

قالَ : اكْتُبْ :

بسم الله الرحمن الرحيم

الإيمانُ ما وَقَرَتْهُ الْقُلوبُ ، وَصَدَّقَتْهُ الأَعْمَالُ ، وَالْإِسْلامُ مَا جَرَى بِهِ النِّسَانُ ، وَحَلَّتْ

بِهِ الْمُناكَحَةُ .

قال أبو دعامة : فقلت : يابن رسول الله، ما أدري والله أيهما أحسن الحديث

أم الإسناد ؟

فقال : إِنَّها لَصَحِيفَةٌ بِخَطِّ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ بِإِمْلاءِ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله و سلم نَتَوَارَتُها صَاغِراً عَنْ كابر»(1).

ونظر هذ الحديث الشريف إلى الفرق بين الإيمان والإسلام ، فحقيقة الإيمان أن يستقرّ في أعماق النفس ودخائل القلب ، وتصدّقه وتدلّل عليه الأعمال الصالحة التي تصدر من القلوب المؤمنة بالله .

أمّا الإسلام فإنّه يكفي فيه جريان كلمة التوحيد والشهادة بنبوّة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم على اللسان وتحلّ به المناكح ، وسائر الآثار الوضعيّة التي يشترط في ترتّبها الإسلام .

2 - روى الحسن بن عليّ ، عن أبي الحسن العسكري ، عن آبائه ، قال : « قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله و سلم يَقولُ : إِذا حُشِرَ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَادَانِي مُنَادٍ يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَمْكَنَكَ مِنْ مُجازاةِ مُحِبِّيكَ ، وَ مُحِبّي أَهْلِ بَيْتِكَ ، المُوالِينَ لَهُمْ فِيكَ ، وَالْمُعادينَ لأَعْدائِهِمْ فيك ، فَكافِهِمْ بِما شِئْتَ .

فَأَقولُ : يَا رَبَّ الْجَنَّةِ فَبَوَّتْهُمْ مِنْها حَيْثُ شِئْتَ ، فَذلِكَ الْمَقامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدْتُ بِهِ»(2).

إنّ أهل البيت علیهم السلام هم الذين رفعوا رواية الإسلام عالية خفّاقة ، وحاربوا العتاة والطغاة ، ونادوا بحقوق الإنسان وكرامته ، وقد نقم عليهم أولئك العتاة المجرمون فتناهبت سيوفهم ورماحهم أجساد العترة الطاهرة ، وقد جعل الله تعالى أجرهم وأجر محبّيهم الجنّة يتبوّأون منها حيث ما شاء وا، جعلنا الله من أوليائهم ومحبّيهم .

3- روى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام بسنده عن آبائه : « إِنَّ رَسولَ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم قال :


1) مروج الذهب : 4 : 114 .

2) أمالي الطوسي : 298 ، الحديث 586 . بحار الأنوار : 8: 39 و 40 ، الحديث 20 و : 65: 117 ، الحديث 42 .

أحبوا اللهَ لِما يَغْدُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعْمَةٍ ، وَأَحِبَونِي لِحُبِّ اللَّهِ ، وَأَحِبُوا أَهْلَ بَيْنِي لِحُبّي» (1).

لقد أمر الرسول الأعظم علیه السلام بحبّ الله لأنّه مصدر الفيض للنعم التي يغذو بها الإنسان ، كما أمر بحبّه وحبّ أهل بيته لأنّ في حبّهم حبّاً الله تعالى .

4 - روى الإمام الهادي علیه السلام بسنده عن آبائه : « إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : أَرْبَعَةٌ أَنا لَهُمْ شَفِيعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُحِبُّ لأَهْلِ بَيْنِي ، وَالْمُوالي لَهُمْ ، وَالْمُعادِي فِيهِمْ ، وَالقاضي : لَهُمْ حَوائِجَهُمْ ، وَالسّاعي لَهُمْ فيما يَنوبُهُمْ مِنْ أُمورِهِمْ»(2).

لقد أكّد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم على لزوم مودّة العترة الطاهرة، وجعل حبّهم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة ، لأنّ في اتّباعهم صيانة للأمّة من الاختلاف والتشتّت ، وضماناً لها من الإنحراف والفتن .

5 - روى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام بسنده عن آبائه : « إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال : يَقولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يابْنَ آدَمَ ، ما تَنْصِفُني ، أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ ، وَتَتَمَفَّتُ إِلَيَّ بِالْمَعاصي ، خَيْرِي إِلَيْكَ نازِلٌ ، وَشَرُّكَ إِلَيَّ صاعِدٌ ، وَلَا يَزالُ مَلَكَ كَرِيمٌ يَأْتِينِي عَنْكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ .

يابْنَ آدَمَ ، لَوْ سَمِعْتَ وَصْفَكَ مِنْ غَيْرِكَ ، وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ مَنِ الْمَوْصُوفُ لَسَارَعْتَ إِلَى مفته»(3).

وفى هذا الحديث الشريف دعوة إلى عمل الخير، والابتعاد عن الأعمال التي يمقتها الله ، فكل عمل يرفع إلى الله . قال تعالى : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)(4)، والله تعالى يجازي عباده على وفق أعمالهم في دار الدنيا .


1) أمالي الطوسي : 288 ، الحديث 531 . أمالي الصدوق : 446 ، الحديث 597 .

2) أمالي الطوسي : 279 ، الحديث 535 بحار الأنوار : 27: 85 ، الحدیث 28 .

3) أمالي الطوسي : 126 ، الحديث 197. بحار الأنوار: 70: 352 ، الحديث 50 .

4) فاطر 35: 10 .

6 - روى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام بسنده ، عن آبائه : « أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ : إِنَّما سمِّيَتْ ابْنَتِي فَاطِمَةُ لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَطَمَها وَفَطَمَ مَنْ أَحَبَّها مِنَ النَّارِ »(1).

لقد تواترت الأخبار عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في فضل سيّدة نساء العالمين ويضعته فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، وكان من بين تلك الأخبار هذا الحديث الشريف الذي أعلن أنّ الله قد فطم سيدة النساء وفطم من أحبّها من النار .

7 - روى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام بسنده عن آبائه ، عن جدّه الإمام

الباقر علیه السلام ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال :« كنت عند النبىّ صلی الله علیه وآله وسلم أنا من جانب ، وعلىّ أمير المؤمنين من جانب ، إذ أقبل عمر بن الخطّاب ومعه رجل قد تلبّب به ، فقال صلی الله علیه وآله وسلم : ما بالُهُ ؟

قال : حكى عنك يا رسول الله أنك قلت : مَنْ قالَ : لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ

دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وهذا إذا سمعه الناس فرّطوا في الأعمال ، أفأنت قلت ذلك ؟

قال صلی الله علیه وآله وسلم : نَعَمْ ، إِذا تَمَسَّكُوا بِمَحَبَّةِ هذا وَوَلايَتِهِ ، وأشار إلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام»(2).

لا شكّ أنّ التمسك بولاية الإمام أمير المؤمنين علیه السلام والاعتراف بفضله وسموّ منزلته ممّا يوجب البراءة من النار حسبما نطقت به الأخبار .

8- روى الإمام الهادي علیه السلام بسنده عن آبائه ، عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، أنّه قال : « يا عَلِيُّ ، خَلَقَني اللهُ وَأَنْتَ مِنْ نورِهِ حِينَ خَلَقَ آدَمَ ، فَأَفْرَغَ الله ذلِكَ النّورَ في صُلْبِهِ ، فَأَقْضَى بِهِ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، ثُمَّ افْتَرَقا مِنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَصُرْتُ أَنا في عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَنْتَ في أبي طالِبٍ ، لَا تَصْلُحُ النُّبُوَّةُ إلا لي ، وَلَا تَصْلُحُ الْوَصِيَّةُ إِلَّا لَكَ ،


1) عيون أخبار الرضاء الله : 1 : 51 . أمالي الطوسي : 294 ، الحديث 571. بحار الأنوار : 43: 12 ، الحديث 4 .

2) أمالي الطوسى : 282 ، الحديث 547. بحار الأنوار: 30 : 178 ، الحدیث 37 .

فَمَنْ جَحَدَ وَصِيْتَكَ جَحَدَ نُبُوَّتى ، وَمَنْ جَحَدَ نُبُوَّتى أَكَبَّهُ اللهُ عَلى مِنْخَرَيْهِ فِى النّارِ»(1).

إنّ الله تعالى خلق نبيّه العظيم محمّداً صلی الله علیه وآله وسلم و وصيه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام من نور واحد ، فأضاء الحياة الفكريّة والاجتماعيّة، وحرّرا الأرض من أرجاس الوثنيّة وخرافات الجاهليّة ، وهما سلام الله عليهما نفس واحدة ، ومن جحد ولاية علىّ علیه السلام فقد جحد نبوّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ، وما له في الآخرة من نصيب ، وهو من الخاسرين .

9 - روى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام بسنده عن آبائه : « أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَلِيَّ : يا عَلِيُّ مُحِبُّكَ مُحِبي ، وَمُبْغِضُكَ مُبْغِضى»(2).

وتظافرت الأخبار عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أنّ من أحبّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فقد أحبّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ومن أبغضه فقد أبغض النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، فإن عليا هو نفس رسول الله، وباب مدينة علمه ، وأبو سبطيه ، والمكافح عنه في جميع المواقف والمشاهد .

10 - روى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام بسنده عن آبائه ، عن جده الإمام أمير المؤمنين علیه السلام : «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم قالَ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَ آمِناً مُطَهَّراً لا يَحْزُنُهُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ فَلْيَتَوَلَّكَ يا عَلِيُّ ، وَلِيَتَوَلَّ ابْنَيْكَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ، وَعَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَمُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ ، وَعَلِيَّ بْنَ مُوسَىٰ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ، وَعَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٌّ ، ثُمَّ الْمَهْدِيَّ وَهُوَ خَاتِمُهُمْ ، وَلَيَكونَنَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَتَوَلَّوْنَكَ .

يا عَلِيُّ ، وَيَشْتَاهُمُ النَّاسُ ، وَلَوْ أَحَبُوهُمْ كانَ خَيْراً لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَيُؤْثِرُونَكَ وَوَلَدَكَ عَلى آبائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ وَعَلَى عَشائِرِهِمْ ، وَالْقُرُباتِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلواتِ ، أُولئِكَ يُحْشَرُونَ تَحْتَ لِواءِ الْحَمْدِ ، يُتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ ، وَيَرْفَعُ


1) أمالي الطوسي : 294 و 295 ، الحديث 577 . بحار الأنوار : 15: 12 و 13 ، الحديث 15 .

2) أمالي الطوسي : 278 ، الحديث 530 .

دَرَجاتُهُمْ جَزاء بما كانوا يَعْمَلُونَ»(1).

وأعلنت هذه الرواية سموّ منزلة الموالي للإمام أمير المؤمنين علیه السلام عند الله تعالى وأنّه إذا لقي الله فيلقاه مسروراً آمناً من الفزع الأكبر ، قد أجزل له تعالى الثواب ، وألحقه بدرجة أوليائه ، كما نصت على إمامة الأئمّة الإثني عشر خلفاء النبيّ على أمّته ، وأوصيائه الذين حملوا مشعل الهداية إلى الناس .

11 - قال علیه السلام :« قالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : النَّاسُ اثْنانِ : رَجُلٌ أَراحَ وَرَجُلٌ اسْتَرَاحَ ، فَأَمَّا الَّذِي اسْتَراحَ فَالْمُؤْمِنُ اسْتَراحَ مِنَ الدُّنْيا وَنَصَبها ، وَأَفْضَىٰ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَكَرِيم ثَوابِهِ ، وَأَمَّا الَّذِي أَراحَ فَالْفاجِرُ أَراحَ مِنْهُ النَّاسُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ وَأَفْضى إلى ما قَدَّمَ»(2).

وأشادت هذه الرواية بمنزلة المؤمن ومكانته ، فإنّه إذا انتقل من هذه الدنيا فقد استراح من عنائها وهمومها وآلامها ، وقدم على ربّ كريم يضاعف له الأجر ويزيد في حسناته وثوابه ، كما استهانت بالفاجر ، وأنّه إذا هلك فقد أراح الناس من شرّه واعتدائه ، بل استراحت منه الشجر والدوابّ لأنّه مصدر شرّ عليها ، وهو سيلاقي العقاب من جرّاء ما اقترفه من السيّئات في دار الدنيا .

هذه بعض الروايات التي رواها الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام عن جدّه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وكان معظمها في فضل العترة الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس وطهّرها تطهيراً .

رواياته علیه السلام عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام

وروى الإمام الهادي علیه السلام المجموعة من الحكم والآداب عن جده الإمام أمير


1) الغيبة / الطوسي : 136 ، الحديث 100 مناقب آل أبي طالب : 1 : 252 . بحار الأنوار : 36 258 ، الحديث 77 .

2) أمالي الطوسي : 571 ، الحديث .1182 بحار الأنوار : 6: 172 ، الحديث 51 .

المؤمنين علیه السلام رائد الحكمة والعدالة في الأرض ، وهذه بعضها :

1 - قال علیه السلام : «قال أمير المؤمنين علیه السلام : إيَّاكُمْ وَالْمُنى فَإِنَّهَا مِنْ بَضائع النَّوْكى» (1).

إنّ الإسلام - بكلّ اعتزاز وفخر - ناهض جميع الوسائل التي تؤدّي إلى التأخّر و الانحطاط ، ومن بينها الاتّكال على التمنّي وترك العمل الأمر الذي يوجب إيقاف سير التقدّم والتطوّر في الحياة .

2 - قال علیه السلام : « قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : مَنْ أَصْبَحَ وَالْآخِرَةُ هَمُّهُ اسْتَغْنى بِغَيْرِ مال ، وَاسْتَأْنَسَ بِغَيْرِ أَهْلِ ، وَعَزَّ بِغَيْرِ عَشِيرَةٍ»(2).

إنّ من اهتمّ بشأن الآخرة وسعى لها ، فإنّه يكون ثريّاً بتقواه وورعه ، ويأنس لأنّه أرضى ضمیره بالاتّصال بخالقه ، كما يكون عزيزاً وذا منعة عند الناس ، وإنّ عزّته بغير عشيرة ، وإنّما هي بالصلاح والتقوى .

3 - قال علیه السلام : « قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام : الْعِلْمُ وِراثَةٌ كَريمَةٌ ، وَالآدابُ حُلَلْ حِسَانٌ ، وَالْفِكْرَةُ مِرْآةٌ صافِيَةٌ ، وَالْإِعْتِبارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ ، وَكَفَى بِكَ أَدَبَا لِنَفْسِكَ تَرْكَكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِك »(3).

وهذه الكلمات الذهبيّة من كنوز الحكمة المشرقة ، ففيها الدعوة إلى التحلّي بالعلم والأدب ، وأنّهما من خير ما يظفر بهما الإنسان في هذه الحياة ، كما نظر الإمام الحكيم إلى الفكر نظرة عميقة فاعتبره كالمرأة الصافية ينطبع فيه صور الخير والشرّ، والإنسان المهذّب هو الذي يلتقط في فكره الصور الخيّرة ولا يلوّثه بصور الرذائل والقبح ، واعتبر الإمام من أرقى ألوان الأدب أن يترك الإنسان ويجتنب ما يكرهه من غيره من ألوان الشذوذ والانحراف .


1) كنز الفوائد : 163 . بحار الأنوار: 74: 227 .

2) أمالي الطوسي : 58 ، الحديث 1198 بحار الأنوار: 67: 318 ، الحديث 29 .

3) مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء : 3: 219 .

4 - قال علیه السلام : «قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ علیه السلام : مَنْ دَخَلَهُ الْعُجْبُ هَلَكَ»(1).

إنّ إعجاب المرء بنفسه مدعاة إلى هلاكه ، فإنّ في العجب آفات مدمّرة كان منها التطاول على الغير، والاعتداء بغير حقّ، والغضّ عمّا يقترفه المعجب بنفسه من

الرذائل والمساوئ .

5 - قال علیه السلام : « قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام : مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ» (2).

ما أروع هذه الكلمة ، فإنّ من ينفق في سبيل الله ويتيقّن أنّ الله سيخلفه عليه في الدنيا والآخرة ، فإنّه من الطبيعي يقدّم عطاءاً سمحاً وجزيلاً.

6 - روى الإمام الهادي علیه السلام بسنده عن آبائه :« أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْعِراقِ دَخَلَ عَلَى الْإِمَامِ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام حِينَ خُرُوجِهِ إِلَى حَرْبِ صِفِّينَ فَقَالَ لَهُ : أَخْبِرْنَا عَنْ خُروجِنا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ أَبِقَضاءِ مِنَ اللَّهِ وَقَدَرٍ .

فأجابه الإمام الحكيم قائلاً :

أَجَلْ يا شَيْخُ ، فَوَاللَّهِ ما عَلَوْتُمْ قَلْعَةٌ ، وَلَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وادٍ إِلَّا بِقَضاءِ مِنَ اللهِ وَقَدَرٍ .

فانبرى الشيخ قائلاً: عند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين .

وراح الإمام يوضّح للشيخ حقيقة القضاء والقدر قائلاً: مَهْلاً يا شَيْخُ ، لَعَلَّكَ تَظُنُّ قضاءاً حَتْماً ، وَقَدَراً لازماً ، لَوْ كانَ كَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوابُ وَالْعِقاب ، والأمر والنهي، وَالزَّجْرُ ، وَلَسَقَطَ مَعْنَى الْوَعِيدِ وَالْوَعْدِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلى مُسِيءٍ لائِمَةٌ ، وَلَا لِمُحْسِنِ مَحْمَدَةٌ ، وَلَكَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِاللَّائِمَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ ، وَالْمُذْنِبُ أَوْلَى بِالْإِحْسَانِ مِنَ الْمُحْسِنِ ، تِلْكَ مَقالَةٌ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، وَخُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدَرِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمَجُوسِها .

يا شَيْخُ ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّفَ تَخْييراً ، وَنَهى تَحْذيراً ، وَأَعْطى عَلَى الْقَليل كَثيراً ،


1) وسائل الشيعة : 1 : 78 .

2) وسائل الشيعة : 11: 523 .

وَلَمْ يُعْض مَغلوباً ، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَها ، وَلَمْ يَخْلُقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ » .

فنهض الشيخ وهو يقول :

أنت الإمامُ الَّذي نَرْجُو بطاعَتِهِ *** يَوْمَ الحِسابِ مِنْ الرَّحْمنِ غُفرانا

أوْضَحْتَ مِنْ أَمْرِنَ-ا م-ا ك-انَ مُلْتَبِساً جزَاكَ رَبُّكَ بِالإحسانِ إِحْساناً

فَلَيْسَ مَعْذِرَةً في فعل فاحِشَةٍ قَدْ كُنتُ راكبها فشقاً وَعُدْوانا

لا لا ولا قائلاً ناهيه أَوقَعَهُ فيها عَبَدْتُ إِذاً يا قَوْمِ شَيْطَانا

وَلَا أَحَبُّ وَلا شَاءَ الفُسوق ولا قَتلَ الوَلِى لَهُ ظُلْماً وَعُدواناً

أنّى يُحِبُّ وَقَدْ صَحتْ عَزيمَتُهُ ذو الْعَرشِ أَعْلَنَ ذاكَ اللهُ إعلانا(1)

وسنعرض بصورة مفصلة إلى مسألة القضاء والقدر في البحوث الآتية.

7 - قال علیه السلام : جاءَ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ إِلَى الْإِمَامِ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام ، فَقَالَ لَهُ : أَخْبِرْنِي عَمَّا لَيْسَ لِلهِ ، وَعَمّا لَيْسَ عِنْدَ اللهِ ، وَعَمّا لَا يَعْلَمُهُ الله .

فَقالَ علیه السلام : أَمّا ما لَا يَعْلَمُهُ اللهُ فَلا يَعْلَمُ لَهُ وَلَداً ، تكذيباً لَكُمْ حَيْثُ قُلْتُمْ : عَزَيْرُ بْنُ اللهِ .

وَأَمَّا قَوْلُكَ : عَمّا لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ فَلَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ ظُلْمٌ عَلَى الْعِبَادِ .

وَأَمَّا قَوْلُكَ : عَمَا لَيْسَ لِلَّهِ فَلَيْسَ لَهُ شَرِيكَ .

ويهر اليهودي فأعلن إسلامه ، وتشهّد الشهادتين وخاطب الإمام قائلاً: أشهد أنّك

الحقّ ، ومن أهل الحقّ ، وقلت الحقّ»(2)

الحديث 527 . بحار الأنوار: 10 : 11 ، الحديث 5 .

.

1) التوحید: 380 و 381.

2) التوحيد : 377. عيون أخبار الرضاء الله : 1: 50 ، الحدیث 172 . أمالي الطوسي : 275 ،

إنّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بابا باب المدينة علم النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، ولو ثنيت له الوسادة لأفتى أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وأهل الزبور بزبورهم ، وأهل التوراة بتوراتهم ، كما كان يقول علیه السلام ، و من المقطوع به أنّ الخلافة لو آلت إليه بعد وفاة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لما بقي كتابي إلّا وأعلن الإسلام ، وأب إلى طريق الحقّ.

8 - قال علیه السلام :« قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : كَمْ مِنْ عَافِلِ يَنْسِجُ ثَوْباً لِيَلْبَسَهُ ، وَإِنَّما هُوَ كَفَتُهُ ، وَيَبْنِي بَيْتاً لِيَسْكُنَهُ وَإِنَّما هُوَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ »(1).

وفي هذا الكلام الشريف دعوة إلى اليقظة والاحساس ، والحذر من مطامع الدنيا

وأهوائها .

رواياته علیه السلام عن الإمام الباقر علیه السلام

وروى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام عن جدّه الإمام محمّد الباقر علیه السلام أنّه قال :« اتَّقوا فَراسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنورِ اللهِ ، ثم تلا قوله تعالى : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) (2)»(3).

إنّ المؤمن الحقيقي قد صفت نفسه من أدران المادة ، وخلصت من ظلمات الباطل ، فهو ينظر إلى الأشياء بمنظار يصل إلى واقعها وحقيقتها فلا يخطئ، ولا يبتعد عن الحقّ فيما يراه وينظر إليه .


1) عيون أخبار الرضا علیه السلام : 2 : 267 ، الحديث 54 . أمالي الصدوق : 172 ، الحدیث 172. بحار الأنوار : 6: 132 ، الحدیث 27 .

2) الحجر 15: 75 .

3) مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء : 3 : 220 .

رواياته علیه السلام عن اللامام الصادق علیه السلام

وروى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام مجموعة من الأحاديث عن جدّه الإمام الصادق علیه السلام العقل المفكّر في الإنسانيّة ، وهذه بعضها :

1 - قال علیه السلام : « قالَ الصَّادِقُ علیه السلام : ثَلاثُ دَعَواتٍ لَا يُحْجَبْنَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى : دُعَاءُ الْوالِدِ لِوَلَدِهِ إِذا أَبَرَّهُ ، وَدَعْوَتُهُ عَلَيْهِ إِذا عَقَّهُ ، وَدُعاءُ الْمَظْلُوم على ظالِمِهِ ، وَدُعاؤُهُ لِمَنِ انْتَصَرَ لَهُ ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ دَعا لأخ لَهُ مُؤْمِنٌ واساهُ فينا ، وَدَعاؤُهُ عَلَيْهِ إِذا لَمْ يُواسِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، وَاضْطُرُ أَخِيهِ إِلَيْهِ»(1)

الحديث 57 .

.

وحفل هذا الحديث الشريف بالدعوة إلى البرّ بالأب ؛ لأن دعاءه مستجاب في حق ولده ، كما حذّر من عقوقه ، فإنّ دعاءه عليه لا يحجبه حاجب عن الله تعالى ،

وكذلك دعاء المظلوم على ظالمه ، كما حثّ على نصرة المؤمن ومواساته ، فإنّ دعاءه يصل إلى الله تعالى ، وكذلك حذّر من عدم مواساته مع القدرة على الانتصار له ، فدعاؤه أيضاً لا يحجب عن الله.

2 - قال علیه السلام : « قالَ الصَّادِقُ علیه السلام : عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ ، فَإِنَّهُ الدِّينُ الَّذِي نُلازِمُهُ وَنُدِينُ اللَّهَ بهِ ، وَنُرِيدُهُ مِمَّنْ يُوالينا »(2).

إنّ الورع عن محارم الله هو أساس الدين ، وهو ممّا يكشف عن وجود ملكة قائمة في أعماق النفس تصدّ الإنسان عن اقتراف ما حرّم الله ، وبذلك كان الورع عنصراً مهمّاً من عناصر الدين.

3 - قال علیه السلام : « قالَ الصَّادِقُ علیه السلام : ثَلاثَةُ أَوْقاتٍ لَا يُحْجَبُ فِيهَا الدُّعَاءُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى :


1) أمالي الطوسي : 280 ، الحديث 541 . وسائل الشيعة : 4 : 163 . بحار الأنوار: 71: 72 ،

2) أمالي الطوسي : 281 ، الحديث 544 . بحار الأنوار: 67 : 306 ، الحديث .29 .

الدُّعاء فى إثر الْمَكْتوبَةِ - أي منذ الفراغ من الصلاة الواجبة - ، وَعِنْدَ نُزولِ القَطر ، وَظُهورِ آيَةٍ مُعْجِزَةٍ لِلَّهِ فِي أَرْضِهِ »(1).

إنّ الله تعالى أحبّ أن يُدعَى في هذه الأوقات، وضمن لمن دعاه الاستجابة كما ضمن تعالى استجابة الدعاء عند مراقد الأئمّة الطاهرين .

4 - قال علیه السلام : «قالَ الصَّادِقُ علیه السلام : لَيْسَ مِنّا مَنْ لَمْ يَلْزَمِ التَّقِيَّةَ ، وَيَصونَنَا مِنْ سَفَلَةِ الرعية »(2).

وحثّ الأئمّة الطاهرون على التقيّة، وألزموا بها شيعتهم حفظاً على دمائهم من تلك السلطات التي استحلّت ازهاق نفوسهم ، ولولا تشريع التقيّة لما بقي أحد من شيعة أهل البيت علیهم الاسلام ومحبّيهم .

5 - قال علیه السلام : «جاءَ رَجُلٌ إِلَى الْإِمَامِ الصَّادِقِ ، فَقَالَ : قَدْ سَئِمْتُ مِنَ الدُّنْيا فَأَتَمَنّى مِنَ اللهِ الْمَوْتَ .

فَقالَ علیه السلام لَهُ : تَمَنَّ الْحَياةَ لِتُطِيعَ لَا لِتَعْصِيَ ، فَلَئِنْ تَعيشَ فَتُطِيعَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَمُونَ فَلَا تَعْصِيَ وَلَا تُطِيعَ»(3).

إنّ الإنسان إذا مات انقطع عمله خيراً كان أو شرّاً ، وقد أمره الإمام علیه السلام أن يتمنّى الحياة وطول العمر ليعمل صالحاً ويكتسب خيراً ، فإنّه أفضل من الموت الذي لا طاعة بعده ولا عصيان .

6 - قال علیه السلام : « قيلَ لِلصّادِقِ علیه السلام : صِفْ لَنَا الْمَوْتَ .

قالَ علیه السلام : هُوَ لِلْمُؤْمِنِ كَأَطيب ريح يَشُمُّهُ فَيُنْعَشُ لِطيبهِ ، وَيَنْقَطِعُ التَّعَبُ وَالألَمُ كُلُّهُ


1) أمالي الطوسي : 280 ، الحديث 542. بحار الأنوار : 82: 321 ، الحديث 8.

2) وسائل الشيعة : 11 : 466 .

3) عيون أخبار الرضا علیه السلام : 1 : 6 ، الحديث .3. بحار الأنوار : 6: 128 ، الحديث 15 .

مِنْهُ ، وَلِلْكَافِرِ كَلَسْع الأفاعِي وَلَدْعَ الْعَقَارِبِ أَوْ أَشَدُّ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ قَوْماً يَقولونَ: إِنَّهُ أَشَدُّ مِنْ نَشْرِ بِالْمَناشِيرِ ، وَقَرْضِ بِالْمَقارِيضِ ، وَرَضْحَ بِالْأَحْجَارِ ، وَتَدويرِ قُطْبِ الْأَرْحِيَةِ عَلَى الْإِحْراقِ » .

قالَ علیه السلام : كَذلِكَ هُوَ عَلَى بَعْضِ الْكافِرِينَ وَالْفاجِرينَ ، أَلا تَرَوْنَ مِنْهُمْ مَنْ يُعانى تِلْكَ اللا الشَّدائِدَ ، وَالَّذِي يَرَى بَعْدَ ذلِكَ هُوَ أَشَدُّ مِنْ هذا ، أَلا هُوَ عَذابُ الْآخِرَةِ ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيا .

قيلَ لَهُ : فَما بالنا نَرى كافِراً يَسْهُلُ عَلَيْهِ النَّزْعُ فَيَنْطَفى ، وَهُوَ يُحَدِّثُ وَيَضْحَكُ وَيَتَكَلَّمُ ، وَفِي الْمُؤْمِنِينَ أَيْضاً مَنْ يَكونُ كَذلِكَ ، وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ مَنْ يُقاسِي عِنْدَ سَكَراتِ الْمَوْتِ هَذِهِ الشَّدائِدَ ؟

فَقالَ علیه السلام : ما كانَ مِنْ َراحَةِ لِلْمُؤْمِن هُناكَ فَهُوَ عاجِلُ ثَوابِهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ شَدائِدِهِ فَتَمْحيصُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ لِيَردَ الْآخِرَةَ نَقِيّاً نظيفاً مُسْتَحِقاً لِثَوابِ الْأَبَدِ ، لَا مَانِعَ لَهُ دُونَهُ ، وَما كانَ مِنْ سُهولةٍ هُناكَ عَلَى الْكَافِرِ فَلِيُوَفَّ أَجْرَ حَسَناتِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَفِي الْآخِرَةِ لَيْسَ لَهُ إِلَّا ما يوجِبُ عَلَيْهِ الْعَذابَ ، وَمَا كانَ مِنْ شِدَّةٍ عَلَى الْكَافِرِ فَهُوَ ابْتِدَاءُ عَذَابِ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدْلٌ لا يَجورُ»(1).

7 - قال علیه السلام :« قالَ الصَّادِقُ علیه السلام فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)(2)أَيْ صَبْرٌ بِلا شکوی» (3).

ولعلّ القرينة الدالة على ذلك هو وصف الصبر بالجميل .

8 - قال علیه السلام :» قالَ الصَّادِقُ علیه السلام فى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى : ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ


1) عيون أخبار الرضا علیه السلام : 2 : 248 ، الحديث .9. أمالي الطوسي : 652 ، الحديث 1352 .

2) یوسف 12 : 18 .

3) مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء : 3: 228.

الْمَضَاجِعِ )(1)، قال : كانوا لَا يَنامُونَ حَتَّىٰ يُصَلُّوا الْعَتَمَةَ»(2).

9 - قال علیه السلام : «وقالَ الصَّادِقُ علیه السلام في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةٌ طَيِّبَةً ) (3)، قالَ : الْمُرادُ بِها الْقُنوع»(4).

وهذه بعض الأخبار التي رواها الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام عن جدّه الإمام الصادق علیه السلام .

رواياته علیه السلام عن الامام الكاظم علیه السلام

روى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام بسنده عن آبائه ، عن جدّه الإمام موسى بن جعفر علیه السلام أنّه قال :« إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَعَلِمَ مَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ ، فَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ ، فَما أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى الْأَخْذِ بِهِ ، وَمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلى تَرْكِهِ ، وَما جَبَرَ اللهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ ، بَل اخْتَبَرَهُمْ بِالْبَلْوى كَما قالَ اللهُ تَعَالَى :( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )(5)» (6).

وقد أبطل الإمام العظيم بصورة لا تقبل الجدل ( الجبر) ودلّل على فساده ، وسنعرض لهذه المسألة في البحوث الآتية .


1) السجدة 32: 16 .

2) أمالي الطوسي : 294 ، الحديث 576 . بحار الأنوار: 73 : 184 ، الحديث 3 .

3) النحل 16: 97 .

4) أمالي الطوسي : 275 ، الحديث 524 . بحار الأنوار : 68 : 345 ، الحديث 4 .

5) هود 7:11 .

6) الاحتجاج : 2 : 158 . بحار الأنوار: 5 : 26 ، الحديث 32 .

رواياته علیه السلام عن الإمام الرضا علیه السلام

روى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام عن جدّه الإمام عليّ بن موسى الرضا علیهما السلام أنّه خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الإمام الصادق ، فاستقبله موسی بن جعفر ، فقال له أبو حنيفة : يا غلام ممّن المعصية ؟

فأجابه الإمام موسى : لا تَخْلو مِنْ ثَلاثِ إِمَا أَنْ تَكونَ مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ - وليست منه - فَلَا يَنْبَغِي لِلْكَريم أَنْ يُعَذِّبَ عَبْدَهُ بِما لَا يَحْتَسِبُهُ ، وَإِما أَنْ تَكونَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنَ الْعَبْدِ وَلَيْسَ كَذلِكَ ، فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّرِيكِ الْقَوِيِّ أَنْ يَظْلِمَ الشَّرِيكَ الضَّعِيفَ ، وَإِما أَنْ تَكونَ مِنَ الْعَبْدِ - وهى منه - فَإِنْ عَاقِبَهُ اللهُ فَبِذَنْبِهِ ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَبِكَرَمِهِ وَجودِهِ »(1).

ودلّل الإمام على إبطال الجبر ووهنه ، وأنّ الإنسان مخيّر في هذه الحياة فهو غير مجبور على الطاعة ولا على المعصية ، فإرادته بيده فهو الذي يختار ما يشاء .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأخبار التي رواها الإمام عن آبائه سلام الله عليهم .

ردَ الأخبار المشكلة لأهل البيت علیهم السلام

وألزم الإمام الهادي علیه السلام لشيعته بالتثبّت من الأخبار المرويّة عن الأخبار المرويّة عن الأئمّة الطاهرين فما علموا أنّه صادر منهم وفهموا معناه أخذوا به ، وما أشكل عليهم معناه فقد أمرهم بردّه إليهم حتّى يبيّنوه لهم ، وقد جاء هذا في جوابه عن رسالة داود بن فرقد الفارسي ، فقد جاء فيها :

«نسألك عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك قد اختلفوا علينا فيه ، كيف العمل به علی اختلافه ؟


1) التوحيد : 96 .

فأجابه الإمام علیه السلام : إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قَوْلُنَا فَالْزَموهُ ، وَما لَمْ تَعْلَمُوهُ فَرُدّوهُ إِلَيْنا» (1).

وإنّما أمرهم بردّها إليهم لإيضاحها وبيانها إن كانت صادرة عنهم ، وإن كانت موضوعة ومفتعلة قالوا لهم بذلك .

الأخبار المختلفة

كتب الحميري إلى الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام يسأله عن الأخبار المختلفة كيف العمل بها .

فأجابه الإمام : إِنَّ مَنْ لَزِمَ رَأْسَ الْعَيْنِ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ أَمْرُهُ ، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِها وَهِيَ بَيْضاءُ صافِيَةٌ .

وقد أراد الإمام أنّ من اتصل بالإمام علیه السلام فإنّه لا يختلف عليه شيء لأنّه يأخذ الواقع من منبعه وأصله ، ولمّا قرأ الحميري كتب إلى الإمام علیه السلام : كيف لنا رأس ، وقد حيل بيننا وبينه ؟

وقد أراد الحميري أنّه لا سبيل للاتّصال بالإمام نظراً للضغوط السياسيّة ، ومعاقبة الدولة لكلّ من اتصل بالأئمّة علیهم السلام.

فأجابه الإمام : هي مَبْذوَلَةٌ لِمَنْ طَلَبَها ، إِلَّا لِمَنْ أَرَادَها بِالْإِلْحَادِ »(2).

وأشار الإمام علیه السلام إلى أنّ طالب الحقيقة إذا أخلص في سعيه فإنّه يصل إلى الحقّ ويظفر به .


1) بصائر الدرجات : 545 . بحار الأنوار: 2 : 241 ، الحديث 33 .

2) الدرّ النظيم : 732 .

الفقه

واهتمّ الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام أشدّ ما يكون الاهتمام بنشر معالم الشريعة الإسلاميّة ، وبيان أحكامها ، وتدريس علومها ، وقد احتفّ به الفقهاء والعلماء وهم ينتهلون من نمير علومه ، ويدوّنون ما حفظوه من أحاديثه التي هي من مصادر التشريع الإسلامي عند الشيعة الإماميّة .

لقد كان الإمام أبو الحسن علیه السلام فقيه عصره بلا منازع حتّى أنّ المتوكّل العبّاسي الذي كان من أعدى الناس وأحقدهم على العلويّين كان يرجع إليه في المسائل المعقّدة، ويقدّم فتواه على بقيّة فتاوى الفقهاء ، وسنذكر ذلك في بحوث هذا الكتاب ، ونعرض لبعض ما أثر عنه من الأحاديث التي يرجع إليها فقهاء الشيعة في استنباطهم للأحكام الشرعيّة ، وفيما يلي ذلك .

غسل الأموات

كتب أحمد بن القاسم رسالة إلى الإمام أبي الحسن علیه السلام يسأله فيها عن المؤمن يموت فيأتيه الغاسل يغسله وعنده جماعة من المرجئة ، هل يغسۀله غسل العامّة ولا يعمّمه ولا يصيّر معه جريدة .

فكتب علیه السلام في جوابه : يُغَسَّلُ غُسْلَ الْمُؤْمِنِ ، وَإِنْ كانوا حُضوراً ، وَأَمَا الْجَريدَةُ فَلْيَسْتَخْفِ بِها ، وَلَا يَرَوْنَهُ ، وَلْيَجْهَدْ في ذلِكَ جَهْدَهُ»(1).

ودلّت هذه الرواية - بوضوح - على تغسيل الميّت من المؤمنين على طريقة


1) وسائل الشيعة : 3 : 23 .

أهل البيت علیهم السلام و عدم الاعتناء بالمرجئة، كما دلّت على العمل بالخفاء في وضع الجريدتين من النخل عند الميّت مراعاة للتقيّة ، وقد تظافرت الأخبار في استحباب وضع جريدتين خضراوين مع الميّت ، فإن تعذّرا فيجعل مكانهما شيء من الشجر غير النخل .

ومن بين تلك الأخبار رواية عليّ بن بلال عن الإمام الهادي علیه السلام ، وقد دلّت على ذلك ، وإليها استند الفقهاء في فتواهم بذلك(1).

الصلاة في الوبر

واشترط فقهاء الإماميّة في لباس المصلّي شروطاً كالطهارة وعدم الغصب ، وأن لا يكون متّخذاً من وير ما لا يؤكل لحمه ، وقد استندوا في ذلك إلى الروايات المتظافرة عن أئمّة علیهم السلام، ومنها مكاتبة عليّ بن عيسى إلى الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام يسأله عن جواز الصلاة في الوبر - أي وبر ما لا يؤكل لحمه - وأي أصنافه أصلح ؟ فأجابه علیه السلام : لَا أُحِبُّ الصَّلاةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ .

فكتب ثانياً إلى الإمام علیه السلام أنّه مع قوم في تقيّة ، وبلاده لا يمكن أن يسافر منها أحد

بلا وير ، ولا يأمن على نفسه إن نزع وبره ...

فأجابه علیه السلام : تَلْبَسِ الْفَنَكَ(2)وَالسَّمُورَ(3)»(4).


1) وسائل الشيعة 3 33 الحدائق الناظرة : 41:4 .

2) الفنك : دويبة بريّة غير مأكولة اللحم ، يؤخذ منها الفرو . يقال : إنّ فروها أطيب من جميع أنواع الفراء يجلب كثيراً من بلاد الصقالبة ، وهو أبرد من السمور وأعدل وأحرّ من السنجاب ، صالح لجميع الأمزجة المعتدلة. جاء ذلك في الحدائق الناضرة : 7: 74.

3) السمور : دابّة يتّخذ من جلدها فراء ثمينة تكون في بلاد الترك . الحدائق الناضرة : 7: 73 .

4) وسائل الشيعة : 3 : 254 .

وقد دلّت الرواية على جواز الصلاة في وبر الفنك والسمور للضرورة.

الصلاة في شعر الإنسان

وتظافرت الأخبار عن أئمّة علیه السلام في عدم جواز الصلاة بشعر ما لا يؤكل لحمه كالهرّة - مثلاً- .

ومن الطبيعى أنّ ذلك لا يشمل شعر الإنسان ، فإنّ إطلاق الأدلّة منصرفة عنه ، وقد سأل الريّان بن الصلت الإمام أبا الحسن الهادي علیه السلام عن جواز الصلاة في ثوب تعلّق به شعر الإنسان أو ظفره ، فأفتاه الإمام بالجواز(1).

عدم بطلان الصلاة بالمرور أمام المصلّي

وذهب فقهاء الإماميّة إلى عدم بطلان الصلاة بمرور شخص أمام المصلّى وأنّ ذلك ليس من مبطلاتها ، وقد استندوا في ذلك إلى ما رواه أبو سليمان مولى الإمام الهادي علیه السلام ، قال : « سأله - أي سأل الإمام الهادي علیه السلام - بعض مواليه وأنا حاضر عن الصلاة يقطعها شيء لوجهه ممّا يمرّ بين يدي المصلّي .

فقال علیه السلام : لا ، لَيْسَتِ الصَّلاةُ تَذْهَبُ هكذا بحيالِ صاحِبِها إِنَّمَا تَذْهَبُ مُتَسَاوِيَةٌ لِوَجْهِ صاحبها»(2).

الصلاة في البيداء

سأل عليّ بن مهزيار الإمام أبا الحسن الهادي علیه السلام عن الرجل يصير في البيداء فتدركه صلاة فريضة ، فلا يخرج من البيداء حتّى يخرج وقتها ، كيف يصنع بالصلاة ،


1) وسائل الشيعة : 3: 277 .

2) وسائل الشيعة : 3: 334 .

وقد نُهي أن يصلّي في البيداء .

فقال علیه السلام: يُصَلّى فيها ، وَيَتَجَنَّبُ قارِعَةَ الطَّريقِ»(1).

إنّ كراهة الصلاة إنّما هي في قارعة الطريق ، سواء كانت مشغولة بالمارّة أم فارغة ، إن لم يعطّلها ، وإلّا حرمت الصلاة(2).

السجود على الزجاج

وأجمع فقهاء أهل البيت علیهم السلام على لزوم السجود في الصلاة على الأرض أو ما أنبتت ، ولم يجيزوا السجود على المأكول والملبوس بالفعل أو بالقوّة ، كما منعوا السجود على الزجاج ، واستندوا في ذلك إلى الأخبار المتظافرة عن أئمّة الهدى المانعة من ذلك ، ومنها ما رواه محمّد بن الحسين ، قال : « إنّ بعض أصحابنا كتب إلى الإمام أبي الحسن العسكري علیه السلام يسأله عن الصلاة على الزجاج ، قال : فلمّا نفذ كتابي تفكرت وقلت : هو ممّا أنبتت الأرض ، وما كان لي أن أسأل عنه .

قال : فكتب إليَّ : لَا تُصَلِّ عَلَى الزُّجاج وَإِنْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أَنَّهُ مِمَّا أَنْبَتَتِ الأَرْضُ ، وَلكنَّهُ مِنَ الْمِلْح وَالرَّمْلِ وَهُما مَمْسوخان»(3).

عدم قضاء المغمى عليه للصلاة

واشترط الفقهاء في صحۀة توجّه التكليف إلى المكلّف أن لا يكون مغمى عليه في وقت التكليف ، فإذا كان مصاباً بالإغماء من أوّل وقت التكليف إلى آخره ، فإنّه لا يكون مكلّفاً بالأداء ولا بالقضاء ، وقد استندوا في ذلك إلى طائفة من الروايات ،


1) وسائل الشيعة : 3 : 251 .

2) اللمعة الدمشقيّة : 1 : 223 .

3) وسائل الشيعة : 4 : 604 .

كان منها ما رواه علىّ بن مهزیار : « أنّه سأل أبا الحسن الثالث علیه السلام عن المغمى عليه.

فقال علیه السلام : لَا يَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا الصَّلاةَ ، وَكُلَّما غَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْعُذْرِ»(1).

كما كتب إليه أيّوب بن نوح يسأله عن المغمى عليه يوماً أو أكثر ، هل يقضي ما فاته من الصلوات أم لا ؟

فكتب :« لا يَقْضِي الصَّوْمَ ، وَلَا يَقْضِي الصَّلاةَ»(2).

التقصير في السفر إلى مكّة

واشترط فقهاء الإماميّة في صلاة القصر شروطاً منها أن لا يتّخذ السفر عملاً له ، كالمكاري والملاح والساعي والراعي ، فإنّ هؤلاء يتمّون الصلاة في سفرهم ، ويتوقّف كون السفر عملاً له على العزم وعلى المزاولة له مرّة بعد أخرى على نحو لا تكون له فترة غير معتادة لمن يتّخذ ذلك السفر عملاً له فسفر « الحملداريّة » إلى الحجّ في كلّ سنة لا يوجب التمام(3)، وإنّما عليه القصر .

فقد روى محمّد بن جزك ، قال : «كتبت إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام: أنّ لي جمالاً ولي قوّام عليها ، ولست أخرج إلّا في طريق مكّة لرغبتي في الحجّ أو في الندرة إلى بعض المواضع ، فما يجب علَيَّ إذا أنا خرجت معهم أن أعمل ، أيجب عليَّ التقصير في الصلاة والصيام في السفر أو التمام ؟

فوقّع الإمام : إذا كُنْتَ لَا تَلْزَمُهَا ، وَلَا تَخْرُجُ مَعَها فِي كُلِّ سَفَرٍ إِلَّا إِلَى مَكَّةَ فَعَلَيْكَ تَقْصِيرٌ وَإفطار»(4).


1) وسائل الشيعة : 5 : 352 .

2) وسائل الشيعة : 5 : 352 .

3) منهاج الصالحين: 1: 216 و 217 .

4) وسائل الشيعة : 5: 518 .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأحكام التي سُئل عنها الإمام في الصلاة .

الخُمس

الخُمْس من الضرائب الإسلاميّة الرائعة التي فرضها الإسلام لمكافحة الفقر ، ونشر الثقافة وتطوّر الفكر، وإحياء المعارف الإسلاميّة، وهو يجب في أمور

ذكرها الفقهاء منها ما يفضل عن مؤونة الإنسان له ولعياله من فوائد الصناعات والتجارات وغيرها مما هو مذكور في كتب الفقه ، وقد استند الفقهاء في ذلك إلى ما روي عن أئمّة الهدى والتي منها ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن إبراهيم بن محمّد الهمداني ، قال : كتبت إلى أبي الحسن علیه السلام: أقرأني عليّ بن مهزيار كتاب أبيك علیه السلام في ما أوجبه على أصحاب الضياع نصف السدس بعد المؤونة ، وأنّه ليس على من لم تقم ضيعته نصف السدس ولا غير ذلك ، واختلف من قبلنا في ذلك ، فقالوا : يجب على الضياع الخُمس بعد المؤونة مؤونة الضيعة وخراجها لا مؤونة الرجل وعياله ؟

فكتب علیه السلام : بَعْدَ مَوْونَتِهِ وَمَوْونَةِ عِيالِهِ وَبَعْدَ خَراجِ السُّلْطانِ (1).

وروى عليّ بن مهزيار، عن عليّ بن محمّد بن شجاع النيسابوري ، أنّه سأل أبا الحسن الثالث علیه السلام عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يزكّي ، فأخذ منه العشر عشرة أكرار ، وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً ، ويقي في يده ستّون كرّاً ، ما الذي يجب لك من ذلك ؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك شيء ؟

فوقّع علیه السلام: « لي مِنْهُ الْحُمُسُ مِنْ ما يَفْضُلُ مِنْ مَؤُونَتِه»(2).

وقد استند الفقهاء إلى هذه الأخبار ، فأفتوا بوجوب الخُمس في جميع ما يفضل


1) الحدائق الناضرة : 12 : 348 .

2) وسائل الشيعة : 6: 123 .

من مؤونة السنة ، وقد فصّلت الكتب الفقهيّة والرسائل العملية ذلك بالتفصيل .

الزكاة

من البرامج الخلّاقة التي فرضها الإسلام في نظامه الاقتصادي الزكاة ، وهي من الوسائل الرائعة التي تقتلع جذور الفقر والبؤس، وقد سُئل الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام عن بعض الفروع المتعلّقة ، فأجاب عنها ، وهذه بعضها :

مستحقّ الزكاة

واشترط الفقهاء في مستحقّ الزكاة أن يكون مؤمناً فلا تعطى الكافر ، وكان من جملة أدلّتهم في ذلك ما روي أنّ الإمام أبا الحسن علیه السلام سئل عمّن قال بالتجسيم - أي أنّ الله جسم - هل يُعطى من الزكاة شيء ؟

فقال علیه السلام : مَنْ قالَ بِالْجِسْمِ فَلا تُعْطُوهُ مِنَ الزَّكاةِ ، وَلَا تُصَلُّوا وَراءَهُ»(1).

ومن الطبيعي أنّه لا خصوصيّة لمن قال بالتجسيم ، فيشمل المنع كلّ كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر .

واشترط الفقهاء أن لا يكون المعطى للزكاة ممن تجب نفقته على المعطي ، كالأبوين وإن ،علوا ، والأولاد وإن سفلوا من الذكور والإناث ، إلّا أنّ الكليني قد روى في الكافي عن إسماعيل بن عمران القمّي ، قال :« كتبت إلى أبي الحسن الثالث : أنّ لي ولداً رجالاً ونساءً ، أفيجوز أن أعطيهم من الزكاة شيئاً ؟

فكتب علیه السلام : إِنَّ ذلِكَ جَائِزٌ لَكَ .

وقد حمل الشيخ هذه الرواية في التهذيبين على اختصاصه بالسائل ، ومن حاله


1) وسائل الشيعة : 6: 157 .

كحاله في أنّ ماله لا يفي نفقة عياله(1).

مقدار ما يعطى من الزكاة

ولا حدّ للمال الذي يُعطى للفقير من الزكاة - ما عدا زكاة الفطرة - قلّة وكثرة ، فقد كتب بعض الشيعة على يد أحمد بن إسحاق إلى الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام : أعطى الرجل من إخوانى من الزكاة الدرهمين والثلاثة .

فكتب علیه السلام: إِفْعَلْ إِنْ شاءَ الله تعالى(2).

زكاة الفطرة

وأوّل ما شرعت في الإسلام هي زكاة الفطرة التي اصطلح الفقهاء على تسميتها بزكاة الأبدان ، وهي تجب على جميع الناس ، مسلمين وكافرين ، كباراً وصغاراً ، ذكوراً وإناثاً ، وقد أدلى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام بذلك ، فقد كتب إلى إبراهيم بن محمّد الهمداني ما نصّه :

« الْفِطْرَةُ عَلَيْكَ وَعَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ ، وَمَنْ تَعولُ ذَكَراً كانَ أَوْ أُنثى ، صَغِيراً أَوْ كَبيراً ، حراً أَوْ عَبْداً ، فَطيماً أَوْ رَضِيعاً ، تَدْفَعُهُ وَزْناً سِتَّةَ أَرْطالٍ بِرَطْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالرَّطْلُ ما نَةٌ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَماً يَكونُ الْفِطْرَةُ أَلفاً وَمائَةً وَسَبْعِينَ دِرْهَماً »(3).

وروى إبراهيم بن محمّد الهمداني ، قال : « اختلفت الروايات في الفطرة ، فكتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر أسأله عن ذلك .

فكتب علیه السلام : إِنَّ الْفِطْرَةَ صاحٌ مِنْ قوتِ بَلَدِكَ عَلى أَهْل مَكَّةَ ، وَالْيَمَنِ ، وَالطَّائِفِ ،


1) الحدائق الناضرة : 12 : 211 .

2) وسائل الشيعة : 6 177 .

3) وسائل الشيعة : 6: 237 .

وَأَطْرافِ الشّام، وَالْيَمَامَةِ ، وَالْبَحْرَيْنِ ، وَالْعِراقَيْنِ ، وَفارِسَ ، وَالْأَمْوَازِ، وَكِرْمانَ تَمْرٌ ، وَعَلَى أَهْلِ أَوْسَاطِ الشَّامِ زَبِيبٌ ، وَعَلَى أَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَالْمُوصِل وَالْجِبالِ كُلَّها بُرِّ أَوْ شَعير، وَعَلى أَهْل طَبَرسْتانَ الْأَرْزُ، وَعَلى أَهْلِ خُراسانَ الْبُرُّ ، إِلا عَلى أَهْلِ مَرْوِ وَالرَّيِّ فَعَلَيْهِمْ الزّبيبُ ، وَعَلى أَهْل مِصْرَ الْبُرُّ ، وَمَنْ سوى ذلِكَ فَعَلَيْهِمْ ما غَلَبَ مِنْ قوتِهِمْ ، وَمَنْ سَكَنَ الْبَوادِيَ مِنَ الْأَعْرَابِ فَعَلَيْهِمُ الْإِقِطُ ، وَالْفِطْرَةُ عَلَيْكَ وَعَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ»(1).

إنّ الضابط في جنس الفطرة أن يكون قوتاً شائعاً لأهل ذلك البلد كالحنطة والشعير - مثلاً - والواجب منه صاع وهو وزن ثلاث كيلوات تقريباً ، ويجزي عنه دفع القيمة حسبما ذكره الفقهاء .

الصوم

وسئل الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام عن مسائل كثيرة في الصوم ، فأجاب عنها ، كان منها ما يلي :

وجوب الصوم برؤية الهلال

ومن أوثق الطرق التي يثبت بها هلال رمضان رؤيته ، فيجب الصوم على من رآه ، سواء انفرد برؤيته أو شاركه غيره ، وقد روى عليّ بن راشد عن أبي الحسن العسكري علیه السلام ، أنّه قال : « لَا تَصُمْ إِلا لِلرُّؤْيَةِ»(2).

وحمل الفقهاء النهي عن الصوم بقصد الوجوب مع عدم ثبوت الرؤية للهلال .


1) وسائل الشيعة : 6: 238 .

2) وسائل الشيعة : 7: 187 .

صوم المرضعة

كتب عليّ بن مهزيار إلى الإمام أبي الحسن علیه السلام يسأله عن امرأة ترضع ولدها وغير ولدها في شهر رمضان ، فيشتدّ عليها الصوم وهي ترضع حتّى يغشى عليها، ولا تقدر على الصيام ، أترضع وتفطر ، وتقضي صيامها إذا أمكنها أن تدع الرضاع وتصوم ، فإن كانت ممّن لا يمكن اتّخاذ من يرضع ولدها فكيف تصنع ؟

فكتب : إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُمْكِنُها اتَّخاذ ظِفْرِ اسْتَرْضَعَتْ لِوَلَدِهَا ، وَأَتَمَّتْ صِيامَها ، وَإنْ كانَ ذلِكَ لَا يُمْكِنُها أَفْطَرَتْ ، وَأَرْضَعَتْ وَلَدَها ، وَقَضَتْ صِيامَها مَتى ما أَمْكَنَها(1).

واستند فقهاء الإماميّة إلى هذه الرواية في فتواهم ، فإفطار المرضعة القليلة اللبن إذا أضرّ بها الصوم أو بولدها إذا لم يمكنها استئجار مرضعة تقوم بإرضاع الطفل .

كفّارة الصوم المعيّن

كتب الحسين بن عبيدة إلى الإمام أبي الحسن العسكري علیه السلام : يا سيّدي ، رجل نذر أن يصوم يوماً ، فوقع ذلك اليوم على أهله ، ما عليه من الكفّارة ؟

فأجابه علیه السلام : يَصومُ يَوْماً مَكانَ يَوْمٍ ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ»(2).

وعلى ضوء هذه الرواية فقد أفتى الفقهاء بأنّ كفّارة إفطار الصوم المعيّن نفسه بالنذر هي كفّارة مخالفة اليمين ، وهي عتق رقبة ، أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم ، فإن عجز صام ثلاثة أيّام .

الحجّ

سئل الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام عن بعض مسائل الحجّ ، فأجاب عنها ،


1) وسائل الشيعة : 7: 154 .

2) وسائل الشيعة : 7: 187 .

وكان من بينها المسألة التالية :

روى محمّد بن مسرور ، قال :« كتبت إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام: ما تقول في رجل متمتّع بالعمرة إلى الحجّ وافى غداة عرفة ، وخرج الناس من منى إلى عرفات ، أعمرته قائمة أو قد ذهبت منه ؟ إلى أي وقت عمرته قائمة إذا كان متمّتعاً بالعمرة إلى الحجّ ، فلم يواف يوم التروية ، ولا ليلة التروية ، فكيف يصنع ؟

فوقّع علیه السلام : ساعَةَ يَدْخُلُ مَكَّةَ ، إِنْ شاءَ اللهُ يَطوفُ ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَيَسْعَى وَيُقَصِّرُ ، وَيُحْرِمُ بِحِجَّتِهِ ، وَيَمْضِي إِلَى الْمَوْقِفِ ، وَيَفِيضُ مَعَ الْإِمَامِ»(1).

إنّ إحرام المتمتّع بالحجّ يوم التروية - الذي هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجّة - ومبيته بمنى ليلة التاسع، وخروجه منها إلى عرفات، كلّ ذلك مستحبّ وليس واجباً ، وإنّما الواجب إدراك الموقف الذي هو ركن ، وهو الكون في عرفة من زوال يوم التاسع إلى غروب الشمس ، فإذا دخل الحاج مكّة يوم التاسع فعليه أن يأتي بأعمال العمرة ثمّ يفيض إلى عرفات ليدرك الموقف حسبما تفضل الإمام علیه السلام بذلك .

التجارة

ونقل الرواة عن الإمام أبي الحسن الثالث علیه السلام عدّة مسائل في التجارة استند إليها الفقهاء في فتاواهم ، وهذه بعضها :

حرمة العمل مع الظالمين

ولمّا كان الحكم في زمان بني العبّاس مسرحاً للظلم والجوركان العمل معهم غير مشروع ، حسبما تذهب إليه الشيعة ، وقد كتب محمّد بن علي بن عيسى إلى الإمام أبي الحسن عليّ بن محمّد علیه السلام يسأله عن العمل لبني العبّاس ، وأخذ ما يتمكّن


1) وسائل الشيعة : 8 :213 .

من أموالهم ، هل فيه رخصة ؟

فقال علیه السلام : ما كانَ الْمَدْخَلُ فيهِ بِالْجَبْرِ وَالْقَهْرِ فَاللهُ قابِلُ الْعُذْرَ ، وَما خَلا ذلِك فَمَكْرُوهُ ، وَلَا مُحالَةَ قَليلُهُ خَيْرٌ مِنْ كَثيرِهِ ، وَما يُكَفِّرُ بِهِ مَا يَلْزَمُهُ فِيهِ مَنْ يَرْزُقُهُ وَيُسَبِّبُ عَلَى يَدَيْهِ ما يُسرُّكَ فينا وَفي مَوالِينا (1).

لقد أجاب الإمام علیه السلام بأن العمل لبني العبّاس إذا كان بالقوّة والجبر ، فالله تعالى لا يحاسب العامل معهم ، وإذا كان عن اختيار ، فإنّ العمل مكروه، ولعلّ المراد بالكراهة هي الحرمة ، فإنّها في بعض الأحيان قد تطلق على الحرام ، وجعل الإمام علیه السلام الكفارة في الدخول معهم هو إدخال السرور على أهل البيت بقضاء حوائج المؤمنين والفقراء ، ودفع الغائلة والمكروه عنهم ، وقد دلّت على ذلك طائفة من الأخبار ذكرها الفقهاء في بحوثهم عن الولاية للجائر .

ولمّا وافى كتاب الإمام علیه السلام إلى محمّد بن عليّ بن عيسى بادر فكتب إلى الإمام علیه السلام : إنّ مذهبي في في أمرهم - أي في أمر بني العبّاس - وجود السبيل إلى إدخال المكروه على عدوّه ، وانبساط اليد في التشفّي منهم بشيء أتقرّب إليهم .

فأجاب علیه السلام : مَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَلَيْسَ مَدْخَلُهُ فِي الْعَمَلِ حَراماً ، بَلْ أَجْراً وَثَواباً »(2).

الإجارة

رفعت إلى الإمام أبي الحسن علیه السلام مجموعة من الأسئلة عن الإجارة ، فأجاب عنها ، كان منها ما يلي :

1 - كتب محمّد بن عيسى اليقطيني إلى الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام يسأله


1) مستطرفات السرائر : 583 . وسائل الشيعة : 17 : 190.

2) وسائل الشيعة : 12 : 137 .

عن رجل دفع ابنه إلى رجل ، وسلّمه منه سنة بأجرة معلومة ليخيط له ، ثمّ جاء رجل فقال : سلّم ابنك منّي سنة بزيادة ، هل له الخيار في ذلك ؟ وهل يجوز له أن يفسخ ما وافق عليه الأوّل أم لا ؟

فكتب علیه السلام: يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفاءُ لِلأَوَّلِ ما لَمْ يَعْرِضْ لابْنِهِ مَرَضٌ أَوْ ضَعْفٌ (1).

ودلّت الرواية على أنّ الإشكال في إمضاء العقد الأوّل ، ولا سبيل إلى فسخه اللّهمّ إلّا أن يعرض للولد مرض أو ضعف فلا يستطيع العمل ، فيفسخ الإجارة لتعذّر العمل .

2 - روى محمّد بن إسحاق ، قال : «كتبت إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام : رجل استأجر ضيعة من رجل ، فباع المواجر تلك الضيعة التي أجرها بحضرة المستأجر ، ولم ينكر المستأجر البيع ، وكان حاضراً له شاهداً عليه ، فمات المشتري وله ورثة ، أيرجع ذلك في الميراث، أو يبقى في يد المستأجر إلى أن تنقضي إجارته ؟

فكتب علیه السلام: إِلَى أَنْ تَنْقَضَى إِجَارَتُهُ»(2).

ودلّت الرواية على أنّ بيع العين وموت المشتري لها غير موجب لبطلان الإجارة ، وتبقى العين في يد المستأجر يستوفي منافعها إلى أن تنقضي مدّة إجارته .

3- روى إبراهيم بن محمّد الهمداني ، قال :« كتبت إلى أبي الحسن علیه السلام وسألته عن امرأة أجرت ضيعتها عشر سنين على أن تعطى الإجارة في كلّ سنة عند انقضائها ، لا يقدم لها شيء من الإجارة ما لم يمض الوقت ، فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها ، هل يجب على ورثتها إنفاذ الإجارة إلى الوقت أم تكون الإجارة منقضية بموت المرأة ؟


1) وسائل الشيعة : 13: 254 .

2) وسائل الشيعة : 13 : 268 .

فكتب علیه السلام: إنْ كانَ لَها وَقْتُ مُسَمّى لَمْ يَبْلُغْ فَمَاتَتْ فَلِوَرَثَتِها تِلْكَ الْإِجارَةُ ، فَإِنْ لَمْ تبلغ ذلِكَ الْوَقْتَ وَبَلَغَتْ ثُلُثَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ شَيْئاً مِنْهُ ، فَتُعْطى وَرَثَتَها بِقَدَرِ مَا بَلَغَتْ مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ إِنْ شاءَ الله» (1(1)تلف الفقهاء في أنّ الإجارة هل تبطل بموت المؤجر أو المستأجر أو لا تبطل ؟ ذهب المشهور من متأخّري الفقهاء إلى عدم البطلان ، وذهب المشهور من قدمائهم إلى البطلان ، وقد استدلوا بهذه الرواية - التي عبروا عنها بالموثقة - فقالوا : إنّ قوله علیه السلام : «فَلِوَرَثَتِها تِلْكَ الْإِجارَةُ» ، أنّها تبطل من حين الموت ، ولا تبطل من أصلها بقرينة ما بعد هذه الفقرة مما هو ظاهر في توزيع الأجرة بنسبة زمان الحياة إلى مجموع المدّة ، ولكن في مجمع البرهان ادعى صراحتها في الدلالة على عدم بطلاتها بموت المؤجّر ، وكأنّه استند في ذلك إلى ظاهر قوله علیه السلام : «فَلِوَرَثَتِها تِلْكَ الْإِجارَةُ » ، فإنّ الظاهر منه أنّ الإجارة صحيحة ، وحمل ما بعده على أنّ الورثة يستحقّون الأجرة على حسب التوقيت الصادر في عقد الإجارة (2).

الوقف

وكان من بين المسائل التي سُئل عنها الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام هذه المسألة في الوقف : روى عليّ بن مهزیار ، قال : «كتبت إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام أنّى وقفت أرضاً على ولدي ، وفي حجّ ووجوه برّ ، ولك فيه حقّ بعدي ولي بعدك ، وقد أزلتها عن ذلك المجرى . فقال علیه السلام : أَنتَ في حِل ، وَمُوَسع لَكَ»(3).


1) وسائل الشيعة : 13 : 268 .

2) مستمسك العروة الوثقى : 11 : 30 .

3) الكافي : 7 : 759 ، الحديث . وسائل الشيعة : 13 : 299. من لا يحضره الفقيه : 4 : 237 ، الحديث 5568 .

واستظهر الشيخ الحرّ العاملي من الرواية أنّ التغيير هنا وقع قبل القبض ، كما يحتمل أن يكون الوقف هنا بمعنى الوصيّة ، بقرينة قوله : « بعدي » (1).

والسبب في ذلك حتّى لا يتنافى مع الوقف الذي إن تمّ ما يعتبر فيه من الشرائط صار لازماً ولا يجوز الرجوع فيه .

الأطعمة

من المسائل التي تتعلّق في كتاب الأطعمة مسألة « الجاموس » ، فقد سأل عنه أيّوب بن نوح الإمام أبا الحسن الثالث علیه السلام ، فقال له : إنّ أهل العراق يقولون : إنّه مسخ ، ومعنى ذلك أنّه لا يجوز أكله .

فرد عليه الإمام قائلاً : أَوَ ما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ( وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْن )(2)»(3).

وقد أبطل علیه السلام هذه الشبهة وأثبت أنّه نوع من البقر ، وليس حيواناً ممسوخاً .

القضاء

سئل الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام عن بعض مسائل القضاء ، ومن بينها هذه المسألة ، روى جعفر بن عيسى ، قال : كتبت إلى أبي الحسن - يعني عليّ بن محمد علیه السلام- : المرأة تموت فيدّعي أبوها أنّه كان أعارها بعض ما كان عندها من متاع وخدم ، أتقبل دعواه بلا بيّنة ؟

فكتب علیه السلام إليه : يَجوزُ بِلا بَيِّنَةٍ .


1) وسائل الشيعة : 13 : 299 .

2) الأنعام 6: 144 .

3) تفسير العياشي : 1 : 380 ، الحديث 115 . بحار الأنوار: 62: 180 ، الحدیث 21 .

وقال : وكتبت إليه إن ادّعى زوج المرأة الميّتة أو أبو زوجها أو أمّ زوجها في متاعها وخدمها مثل الذي ادّعى أبوها من عارية بعض المتاع والخدم ، أيكون في ذلك بمنزلة الأب في الدعوى ؟

فكتب علیه السلام: لا»(1).

ودلّت الرواية بوضوح على قبول دعوى الأب على ابنته الميّتة من أنّه قد أعارها بعض الأمتعة ، فلا يحتاج إلى إقامة بيّنة ، وأمّا غيره لو ادّعى بمثل هذه الدعوى فيحتاج إلى البيّنة ، وقد أعرض المشهور عن العمل بهذه الرواية ، كما ضعّفها المحقّق في الشرائع ؛ لأنّ في سندها محمّد بن جعفر الكوفي الأسدي الواقع في طريق الكليني ، وقد دفع سيّدنا الأستاذ هذين الأمرين .

أمّا الأمر الأوّل ، فإنّ مبناه بأنّ إعراض المشهور لا يسقط الرواية عن الحجّيّة ، وأمّا الثاني فيدفعه كما يقول - أنّ الراوي هو محمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الأسدي ، وهو ثقة ، على أنّه غير موجود في طريق الصدوق ، وإن كان من جهة محمّد بن عيسى الواقع في طريق الصدوق، فالصحيح أنّه ثقة ، وإن توقّف فيه ابن الوليد ، كما نبّه، عليه غير واحد من علماء الرجال ، وإن كان من جهة جعفر بن عيسى الواقع في كلا الطريقين فهو ممدوح لا يقلّ عن التوثيق على أنّه وارد في إسناد كامل الزيارات ، فالظاهر أنّه لا مانع من العمل بالرواية(2).

الحدود

ومن بين المسائل التي تعرّض الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام لبيان أحكامها هي بعض مسائل الحدود، ومن بينها ما يلي :


1) الكافي : 7: 432 ، الحديث .19 تهذيب الأحكام : 6 : 289 ، الحديث 800.

2) مباني تكملة المنهاج : 1 : 72.

1 - روى الحسن بن عليّ بن شعبة بسنده عن أبي الحسن الثالث ، أنّه قال - في حديث له - : وَأَمّا الرَّجُلُ الَّذي َاعْتَرَفَ بِاللُّواطِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ، وَإِنَّما تَطَوَّعَ بِالْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِذا كانَ لِلْإِمَامِ الَّذِي مِنَ اللَّهِ أَنْ يُعَاقِبَ عَنِ اللَّهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمُنَّ عَنِ اللهِ ، أَما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ : (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )(1).

ودلّت هذه الرواية بوضوح على أنّ الإمام الشرعي المنصوب من قِبل الله تعالى له أن يعفو عمّن أقرّ على نفسه باقتراف جريمة اللواط ، كما أنّ له أن يعاقب على ذلك ، ويختصّ العفو بهذه الصورة ، أما من قامت عليه البينة بذلك فليس للإمام أن يعفو عنه .

2 - روی جعفر بن رزق الله ، قال : « قُدَّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة ، وأراد أن يقيم عليه الحدّ ، فأسلم ، فقال يحيى بن أكثم : قد هدم إيمانه شركه وفعله .

وقال بعضهم : يضرب ثلاثة حدود . وقال بعضهم : يفعل كذا وكذا ، فأمر المتوكّل باستفتاء الإمام أبي الحسن ، فاستفتي ، فأجاب علیه السلام : يُضْرَبُ حَتَّى يَموتَ .

فأنكر يحيى وسائر الفقهاء هذه الفتيا، وطلبوا من المتوكّل أن يكتب للإمام ، ويطلب منه المدرك في فتياه ، فكتب له المتوكّل .

فأجاب علیه السلام بعد البسملة : ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) (2).

فأمر المتوكّل بضربه ، فضرب حتّى مات»(3).


1) ص 39:38 .

2) غافر 40: 84 و 85 .

3) وسائل الشيعة : 18 : 331 .

لقد استند الإمام في فتواه إلى كتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، وقد بهر المتوكّل وسائر الفقهاء من علم الإمام وفضله .

كفر الغلاة

وأجمعت الشيعة الإماميّة على كفر الغلاة ونجاستهم ، ويترتّب عليهم ما يترتّب على الكفّار من الأحكام التي منها جواز قتلهم ، وقد أثر عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام أنّه قال لبعض أصحابه : « وَإِنْ وَجَدْتَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خَلْوَةٌ فَاشْدَحْ رَأْسَهُ بِالصَّخْرَةِ »(1).

وسنتعرّض إلى التحدّث عنهم بصورة مفصّلة في البحوث الآتية .

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن فقه الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وقد ذكرنا أنموذجاً يسيراً من فقهه ، وقد دلّلت المسائل التي سئل عنها على أنّه كان المرجع الأعلى للفتيا في عصره للعالم الإسلامي ، وأنّه كان يتمتّع بثروات علميّة هائلة بأحكام الشريعة الإسلاميّة .


1) وسائل الشيعة : 18 : 554 .

بحوث كلامية

اشارة

وشاعت في عصر الإمام الهادي علیه السلام كثير من الشكوك والأوهام حول أصول العقيدة الإسلاميّة ، وكانت بداية وجودها أيّام الحكم الأموي ، فهو الذي فسح المجال لانتشار الأفكار المضلّلة وشجّع عليها ، وقد استمرّت بتصاعد أيام الحكم العبّاسي ، وقد تصدّى علماء المسلمين، وفي طليعتهم أئمّة أهل البيت علیهم السلام إلى تزييف الآراء الملحدة بالأدلّة العلميّة الحاسمة ، وقد سجلت في كتب منها «الاحتجاج » وغيره ، التي ألّفها علماء الشيعة للتدليل على كفاح أئمّتهم في نصرة العقيدة الإسلاميّة ومكافحة الكفر والإلحاد .

ونعرض لبعض ما أثر عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام في هذا المجال :

امتناع رؤية الله تعالى

كتب أحمد بن إسحاق إلى الإمام أبي الحسن الثالث علیه السلام يسأله عن الرؤية - أى رؤية الله تعالى - وما اختلف فيه الناس .

فأجابه الإمام : « لَا تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ ما لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الرائي وَالْمَرْئيّ هَواء لَمْ يَنْفُذْهُ الْبَصَرُ ، فَإِذا انْقَطَعَ الْهَواءُ عَنِ الرّائِي وَالْمَرْنِي لَمْ تَصِحَ الرُّوْيَةُ ، وَكَانَ فِي ذلِكَ الْإِشْتِباهُ ، لأَنَّ الرَائِيَ مَتى سَاوَى الْمَرَنِي فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ بَيْنَهُما فِي الرُّؤْيَةِ وَجَبَ الْإِشْتِباهُ ، وَكانَ ذلِكَ التَّشْبِيهُ لأَنَّ الْأَسْبَابَ لَابُدَّ مِن اتصالِها بِالْمُسَيِّبَاتِ »(1).


1) أصول الكافي : 1 : 97. الاحتجاج : 2: 251. التوحيد : 109.

ودلّل الإمام العظيم على استحالة الرؤية، وعدم إمكانها علميّاً ، فإنّ الجهاز البصري إنّما يرى الأشياء بواسطتين : الهواء والضياء ، فإذا انعدما استحالت الرؤية ، ولا يمكن لهاتين القوّتين أن يبصرا الله تعالى لأنّهما من الممكنات المحدودة ، فكيف يبصران القوّة المدبّرة لهذه العوالم والأكوان المذهلة ، التي من أبسطها هذا الكوكب الذي نعيش عليه بما فيه من العجائب والغرائب .

إنّ الجهاز البصري إنّما يرى من يساوي المرئي في خصائصه الإمكانيّة ، فإذا انعدمت المساواة بينهما استحال النظر ، وقد جهد موسى في أن يرى الله تعالى :

(قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَل جَعَلَهُ دَكَاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) (1).

لقد كان موسى يتلقّى كلمات الله وروحه تتشوّق وتتشرّف وتتمنّى فينسى من هو ، وينسى ما هو ، ويطلب ما لا يحقّ لبشر في هذه الأرض وما لا يطيقه بشر في هذه الأرض يطلب الرؤية الكبرى ، وهو مدفوع في زحمة الشوق ، ودفعة الرجاء ، حتّى تنبّهه الكلمة الحاسمة الجازمة (لَنْ تَرَانِي ) .

ثمّ يترفّق به الخالق العظيم فيعلمه لماذا لن يراه( وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) ، والجبل أمكن وأثبت ، والجبل مع تمكّنه وثباته أقلّ تأثّراً واستجابة من الكيان الآدمي ، ومع ذلك فماذا ؟

(فَلَمّا تَجَلَى رَبُّهُ لِلْجَبَل جَعَلَهُ دَكَاً ) ، أي جعله مفتّتاً منهاراً متداعياً، وأدرك موسى رهبة الموقف فخرّ صعقاً ، (فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )(2).


1) الأعراف 143:7 .

2) في ظلال القرآن : 39:9 .

وانظر كيف خاطب الإمام العظيم أبو الحسن الهادي علیه السلام الله تعالى بهذه الكلمات المشرقة التي كشفت عن مدى معرفته بالله تعالى حيث يقول :

إلهى تاهَتْ أَوْهامُ الْمُتَوَهُمينَ ، وَقَصُرَ طَرْفُ الطَّارِفِينَ ، وَتَلاشَتْ أَوْصافُ الْواصِفينَ، وَاضْمَحَلَّتْ أَقاويلُ الْمُبْطِلينَ عَنِ الدَّرْكِ لِعَجِيبِ شَأْتِكَ ، أَوِ الْوُقُوع بِالْبُلوغ إِلى عُلُوّكَ ، فَأَنْتَ فِي الْمَكانِ الَّذِي لَا يَتَناهى ، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْكَ عُيُون بِإِشَارَةٍ وَلَا عِبارَةٍ ، هَيْهَاتَ ، ثُمَّ هَيْهَاتَ ، يَا أَوَّلِيُّ ، يا وَحْدانِيُّ ، يا فَرْدانِيُّ ، شَمَخْتَ فِي الْعُلُو بِعِزَّ الْكِبْرِ ، وَارْتَفَعْتَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ غَوْرَةٍ وَنِهايةٍ ، بِجَبَرُوتِ الْفَخْرِ»(1).

لقد ضلّت أوهام المتوهّمين من إدراك حقيقة الله أو الوصول إلى كمال معرفته ، وكيف يصل الإنسان الذي لم يعرف حقيقة ذاته إلى إدراك تلك الحقيقة العظمى التي يعجز البيان والوصف عن تصوير أي جانب من جوانبها .

يقول ابن أبي الحديد :

فيكَ يا أُعْجَوبَةَ الْكَو *** ن غدا الفكرُ عَليلا

كُلَّما قَدَّمْتُ فِكْري *** فيكَ شِبْراً فَرَّ ميلا

ناكِصاً يَخْبِطُ في عَمْ *** ياءَ لَا يُهدى السبيلا

أَنتَ حَيَّرتَ ذَوي الل *** ب وَيَلْبَلْتَ الْعُقولا (2)


1) التوحيد : 66 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 13 : 51 .

استحالة التجسيم

ويستحيل أن يتّصف واجب الوجود بالتجسيم ، فإنّ ذلك من صفات الممكن الذي يحتاج وجوده إلى علّة ، وعدمه إلى علّة ، ولازمه أن يكون محدثاً ، وقد تعرّض الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام في كثير من أحاديثه إلى الردّ على مَن قال بالتجسيم ، كان منها ما يلى :

1 - روى الصقر بن أبي دلف ، قال : « سألت أبا الحسن عليّ بن محمّد علیه السلام عن التوحيد ، وقلت له : إنّي أقول بقول هشام بن الحكم - وكان يقول قبل هدايته بالتجسيم -.

فغضب الإمام علیه السلام وقال : ما لَكُمْ وَقَوْلُ هِشَامِ ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جِسْمٌ ، وَنَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ فِى الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ .

يابْنَ أَبي دَلَفٍ ، إِنَّ الْجِسْمَ مُحْدَتْ ، وَاللَّهُ مُحْدِثُهُ وَمُجَسَّمُهُ»(1).

إنّ القول بالتجسيم لازمه أن يكون محدثاً محتاجاً إلى علّة تفيض عليه الوجود ، تعالى الله عن ذلك .

2 - روى حمزة بن محمد ، قال : كتبت إلى أبي الحسن علیه السلام أسأله عن الجسم والصورة .

فكتب علیه السلام : سُبْحانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، لَا جِسْمٌ وَلَا صورَةٌ »(2).

3 - روى إبراهيم بن محمّد الهمداني ، قال : «كتبت إلى الرجل - يعني أبا الحسن علیه السلام - إنّ من قِبلنا من مواليك قد اختلفوا في التوحيد ، فمنهم من يقول :


1) التوحيد : 104 .

2) التوحيد : 97 .

جسم ، ومنهم من يقول : صورة .

فكتب علیه السلام بخطّه : سُبْحانَ مَنْ لَا يُحَدُّ وَلَا يوصَفُ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »(1).

إنّ الله تعالى يستحيل أن ينعت بالحدّ الذي تتكوّن منه حقائق الأشياء الممكنة ، كما يستحيل أن يوصف بالأوصاف المستلزمة لتعدّد الصفة والموصوف ، فإنّ صفاته تعالی عین ذاته حسبما حقّقه المتكلّمون .

استحالة وصفه تعالى

وأدلى الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام في حديث له مع الفتح بن يزيد الجرجاني أعرب فيه عن استحالة وصف الخالق الحكيم بصفه تحيط بكنهه وحقيقته ، وقد جاء فيه :

«إِنَّ الْخالِقَ لَا يُوصَفُ إِلَّا بِما وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَأَنَّى يُوصَفُ الْخالِقُ الَّذِي تَعْجِزُ الْحَواس أَنْ تُدْرِكَهُ ، وَالْأَوْهامُ أَنْ تَنالَهُ ، وَالْخَطَرَاتُ أَنْ تَحُدَّهُ ، وَالْأَبْصَارُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ ، جَلَّ عَمَّا يَصِفُهُ الْواصِفُونَ، وَتَعَالَى عَمَّا يَنْعَتُهُ النَّاعِتونَ ، نَأَى فِي قُرْبِهِ ، وَقَرُبَ فِي نَأْيِهِ ، فَهُوَ فِي نَأْبِهِ قَرِيبٌ ، وَفِي قُرْبِهِ بَعِيدٌ ، كَيْفَ الْكَيْفَ فَلَا يُقالُ كَيْفَ ، وَأَيَّنَ الْأَيْنَ فَلَا يُقالُ أَيْنَ ، إِذْ هُوَ مُنْقَطِعُ الْكَيْفِيَّةِ وَالْأَيْنِيَّةِ ، هُوَ الْواحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، فَجَلَّ جَلالُهُ.


1) التوحيد : 100 .

أَمْ كَيْفَ يوصَفُ بِكُنْهِهِ مُحَمَّدٌ صلی الله علیه وآله وسلم ، وَقَدْ قَرَنَهُ الْجَلِيلُ بِاسْمِهِ ، وَشَرِكَهُ في عَطائِهِ ، وَأَوْجَبَ لِمَنْ أَطاعَهُ جَزاءَ طَاعَتِهِ إِذْ يَقولُ: ( وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) (1).

وَقالَ يَحْكِي قَوْلَ مَنْ تَرَكَ طَاعَتَهُ، وَهُوَ يُعَذِّبُهُ بَيْنَ أَطْباقِ نيرانها ، وَسَرابيلِ قَطِرانِها : ( يَالَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنا الرَّسُولَا )(2).

أَمْ كَيْفَ يوصَفُ بِكُنْهِهِ مَنْ قَرَنَ الْجَليلُ طاعَتَهُمْ - يعني بهم أئمّة أهل البيت : - بِطَاعَةِ رَسولِهِ حَيْثُ قَالَ :( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(3).

وَقالَ : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ) (4).

وَقالَ : ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِها )(5).

وَقالَ : (فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُم لَا تَعْلَمُونَ )(6).

يا فَتْحُ ، كَما لا يوصَفُ الْجَليلُ جَلَّ جَلالُهُ وَالرَّسُولُ وَالْخَلِيلُ وَوَلَدا


1) التوبة 9: 74 .

2) الأحزاب 33: 66 .

3) النساء 59:4 .

4) النساء 83:4 .

5) النساء 58:4 .

6) النحل :16: 43. الأنبياء 21: 7.

الْبَتولِ ، فَكَذلِكَ لا يوصَفُ الْمُؤْمِنُ الْمُسَلِّمُ لِأَمْرِنا»(1).

وعرض هذا الحديث إلى الاستحالة في وصف الله بصفة تحكي واقعه وتلمّ بذاته ، فذلك أمر ممتنع ، وكذلك بالنسبة إلى الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم وأوصيائه الأئمّة المعصومين ، بل حتّى المؤمن المسلّم لأمر أهل البيت ، فإنّ الأوصاف تقصر عن أن تلمّ بنزعاته الشريفة وصفاته الفاضلة.

حقيقة التوحيد

سئل الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام عن حقيقة التوحيد ، فقيل له : لم يزل الله تعالى وحده لا شيء معه ، ثمّ خلق الأشياء بديعاً ، واختار لنفسه الأسماء ، ولم تزل الأسماء والحروف له معه قديمة .

فكتب علیه السلام : لَمْ يَزَلِ اللهُ عَزَّ اسْمُهُ مَوْجوداً ، ثُمَّ كَوَّنَ ما أَرادَ ، وَلَا رادَّ لِقَضائِهِ ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ(2).

وألمّت هذه الكلمات ببعض جوانب التوحيد التي ينبغي للمسلم أن يؤمن بها فيوحّد ربِّه خالق الكون وواهب الحياة الذي لا رادّ لقضائه ، ولا معقّب لحكمه .

إبطال الجبر والتفويض

لعلّ من أروع ما أثر عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام من الثروات الفكريّة والعلميّة هذه الرسالة الذهبيّة التي بعثها لأهل الأهواز ، وقد تعرّض فيها بصورة موضوعيّة ودقيقة للردّ على فكرة « الجبر » وهي التي تبنّتها الأشاعرة ونادوا بها ،


1) كشف الغمّة : 2 : 386 و 387.

2) الاحتجاج : 2 : 250 .

فقالوا : إنّ العباد مجبورون على ما يفعلون ، وأنّهم غير خاضعين لإرادتهم واختيارهم .

كما ردّ فيها على التفويض ، الذي قال به المعتزلة ، فذهبوا إلى أنّ الله تعالى قد فوّض العباد في أفعالهم إلى سلطانهم وإرادتهم ، ولا دخل لأيّ إرادة أو سلطان عليهم ، وبعدما أبطل الإمام هذين الأمرين أثبت بالأدلّة العلمية الحاسمة « الأمر بين الأمرين» ، وهي الفكرة التي رفع شعارها أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، وتبنّوها هم وشيعتهم .

وتعتبر هذه الرسالة من أخصب الدراسات لهذه البحوث ، وقد صدّرها الإمام بكلمة تمهيديّة تعرّض فيها لإمامة جدّه الإمام أمير المؤمنين المنافح الأوّل عن رسالة الإسلام ، والحامي لأهدافه ومبادئه.

ونتعرّض بصورة موجزة إلى التعليق على هذه الرسالة الشريفة ، وشرح بعض مضامينها ، ومنه تعالى نستمدّ التوفيق .

قال علیه السلام بعد البسملة :

«مِنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ ..

سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، وَعَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.

فَإِنَّهُ وَرَدَ عَلَيَّ كِتابُكُمْ ، وَفَهِمْتُ ما ذَكَرْتُمْ مِنْ اخْتِلافِكُمْ فِي دِينِكُمْ ، وَخَوْضِكُمْ فِي الْقَدَرِ ، وَمَقالَةِ مَنْ يَقُولُ مِنْكُمْ بِالْجَبْرِ ، وَمَنْ يَقولُ بِالتَّقْويضِ ، وَتَفَرُّقِكُمْ فِي ذلِكَ وَتَقاطعِكُمْ ، وَمَا ظَهَرَ مِنِ الْعَداوَةِ بَيْنَكُمْ ، ثُمَّ سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ ، وَبَيَانِهِ لَكُمْ ، وَفَهِمْتُ ذلِكَ كُلَّهُ !

وكشفت هذه الفقرات عن مدى الاختلاف الخطر الناشئ بين المسلمين بسبب

هذه المسائل ، فقد أدّى النزاع فيها إلى تشتّتهم وفرقتهم واختلاف كلمتهم ، وشيوع العداوة والبغضاء بينهم ، وبذلك فقد تباعدوا عن دينهم الذي ألزم بالوحدة بين المسلمين ، ونشر المحبّة والمودّة بينهم .

قال علیه السلام : اِعْلَموا - رَحِمَكُمُ اللهُ - أَنَا نَظَرْنَا فِي الْآثَارِ ، وَكَثْرَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الله الْأَخْبارُ ، فَوَجَدْناها - عِنْدَ جَميع مَنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلامَ مِمَّنْ يَعْقِلُ عَنِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ - لا تَخْلُو مِنْ مَعْنَيَيْنِ :

إِمَّا حَقٌّ فَيُتَّبَعُ .

وَإِمّا باطِلٌ فَيُجْتَنَبُ .

وَقَدِ أَجْمَعَتِ الْأُمَّهُ قاطِبَةً ، لَا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ : أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ جَميعِ أَهْلِ الْفِرَقِ ، وَفي حالِ اجْتِمَاعِهِمْ مُقِرُّونَ بِتَصْدِيقِ الْكِتَابِ وَتَحْقِيقِهِ ، مُصيبونَ ، مُهْتَدُونَ ، وَذَلِكَ بِقَوْلِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله و سلم : «لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلى ضَلالَةٍ ».

فَأَخْبَرَ أَنَّ جَميعَ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ كُلُّها حَقٌّ .

هذا إذا لَمْ يُخالِفُ بَعْضُها بَعْضاً .

وَالْقُرْآنُ حَقٌّ ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ فِي تَنْزِيلِهِ وَتَصْدِيقِهِ ، فَإِذَا شَهِدَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ خَبَرٍ وَتَحْقِيقِهِ ، وَأَنْكَرَ الْخَبَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ لَزِمَهُمُ الْإِفْرارُ بِهِ ضَرورَةً حِينَ اجْتَمَعَتْ فِي الْأَصْلِ عَلَى تَصْدِيقِ الْكِتابِ ، فَإِنْ [هي] جَحَدَتْ وَأَنْكَرَتْ لَزِمَها الْخُروجُ مِنَ الْمِلَّةِ .

وركّز الإمام في هذه الفقرات من حديثه على ضرورة الرجوع إلى القرآن الكريم - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - فيما اختلفت فيه الأمّة من نزعات فكريّة ، وعقائد مذهبيّة ، فما وافق منها الكتاب فهو حقّ لا ريب فيه ، وما خالفه فهو زخرف وباطل، ومن دان به فهو خارج عن ربقة الإسلام .

قال علیه السلام : فَأَوَّلُ خَبَرٍ - يُعْرَفُ تَحْقِيقُهُ مِنَ الْكِتَابِ وَتَصْدِيقُهُ ، وَالْتِماسُ شَهادَتِهِ عَلَيْهِ - خَبَرٌ وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوُجِدَ بِ-م-وافَقَةِ الْكِتَابِ وَتَصْدِيقِهِ ، بَحَيْثُ لا تُخالِفُهُ أَقَاوِيلُهُمْ؛ حَيْثُ قالَ: «إِنِّي مُخَلِّفٌ فيكُمُ الثَّقَلَيْنِ : كِتابَ اللَّهِ وَعِتْرَتي - أَهْلَ بَيْتي - لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِما ، وَإِنَّهُما لَنْ يَفْتَرِنَا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».

فَلَمّا وَجَدْنا شَواهِدَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتابِ اللهِ نَصَاً مِثْلَ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ )(1)وَرَوَتِ الْعامَّةُ فى ذلِكَ أَخْباراً لأمير الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ وَهُوَ راكِعٌ ، فَشَكَرَ اللَّهُ ذلِكَ لَهُ ، وَأَنْزَلَ الْآيَةَ فِيهِ .

فَوَجَدْنا رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَدْ أَتى بِقَوْلِهِ : «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَليٌّ مَوْلاهُ» ، وَبِقَوْلِهِ : « أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ».


1) المائدة 5 : 55 - 56 .

وَوَجَدْنَاهُ يَقولُ : « عَلِيٌّ يَقْضِي دَيْنِي ، وَيُنْجِزُ مَوْعِدِي ، وَهُوَ خَلِيفَتي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي ».

تعرّض الإمام العظيم في هذه الفقرات المشرقة من حديثه إلى أروع حديث نبوي وهو حديث ( الثقلين ) الذي أعلن فيه الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم المصير الحاسم المصير لأمّته فقد وضعها على عتبة الانتصار، وضمن لها أن لا تضلّ في مسيرتها ، ولا تنحرف في طريقها ، وذلك فيما إذا تمسّكت بكتاب الله العظيم، وأعطت قيادتها الروحيّة والزمنيّة إلى أهل البيت علیهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وقد اختار الإمام حديث الثقلين، وذلك لما له من الأهميّة البالغة سنداً ودلالة .

أمّا سنداً فقد أجمع علماء المسلمين على روايته ، ونشير في الهامش إلى بعض مصادره (1).

وأمّا دلالته فواضحة على لزوم اتّباع أهل البيت علیهم السلام، فقد قرنهم بمحكم التنزيل الذي يجب على كلّ مسلم اتباعه والاقتداء به ، وكما أنّ الكتاب معصوم من الباطل فكذلك العترة الطاهرة ، وإلا لم تصح المقايسة بينهما ، وكما أن الكتاب يجب على كلّ مسلم الأخذ بتعاليمه ، فكذلك العترة الطاهرة ، وقد دعم الإمام هذا الحديث بما يلي :

1 - قوله تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ... ) الآية .

نصّ علماء المسلمين أنّها نزلت في الإمام أمير المؤمنين علیه السلام حينما تصدّق بخاتمه على المسكين(2).


1) مسند أحمد بن حنبل : 4 366 . صحيح الترمذي : 2 : 308. سنن البيهقي : 2 : 148 . كنز العمّال : 7 : 102. مستدرك الصحيحين : 3 : 109 . الطبقات الكبرى : 2 : 194 .

2) الكشّاف في تفسير الآية : 1: 624. تفسير الرازي : 12 : 26 . تفسير الطبري : 6 : 186. الدرّ المنثور كنز العمّال : 6 : 319. مجمع الزوائد : 7 17 . ذخائر العقبي : 102 . الرياض النضرة : 2 : 227 .

وقد حضرت الآية الولاية العامّة بالله والرسول والإمام أمير المؤمنين ، وكما أنّ ولاية الله والرسول نافذتان على المسلمين فكذلك ولاية الإمام أمير المؤمنين علیه السلام .

2 - قوله صلی الله علیه وآله وسلم في الإمام أمير المؤمنين علیه السلام : « مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ » ، وهو جزء من الحديث النبوي المشهور الذي أعلن فيه الرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الولاية العامة للإمام أمير المؤمنين علیه السلام ونصبه خليفة من بعده على المسلمين، وذلك في يوم غدير خم ، وهو من أيّام الإسلام الخالدة التي تمّت فيه النعمة الكبرى وكمل الدين، وهو من أوثق الأدلّة وأكثرها صراحة ووضوحاً على إمامة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام(1).

قوله صلی الله علیه وآله وسلم :«يا عَلِيُّ ، أَنْتَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هارونَ مِنْ مُوسى ... الخ » ، وهذا الحديث من أشهر الأحاديث النبوية ، وقد دوّن في أكثر كتب الصحاح وغيرها (2).

و هو يدلّ بصراحة على خلافة الإمام ، فقد قرنه صلی الله علیه وآله وسلم بهارون ، وهارون وزير

موسى وخليفته ، فكذلك الإمام أمير المؤمنين علیه السلام .

4 - قوله صلی الله علیه وآله وسلم : «عَلِيٌّ يَقْضِي دَيْنِي ، وَيُنْجِزُ مَوْعِدِي ، وَهُوَ خَليفَتِي عَلَيْكُمْ مِنْ

بَعْدي»(3).

ودلّت الرواية بوضوح على خلافة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام من بعد الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم ، وأنّه هو الذي يقوم بقضاء دينه ، وانجاز مواعيده ، وأنّه ليس هناك أحد


1) حديث الغدير من الأحاديث المتواترة ، وقد عقد المحقق الكبير الشيخ الأميني الجزء الأوّل من الغدير في سند الحديث ومصادره .

2) سنن ابن ماجة : 1 : 12 حلية الأولياء : 7: 194 . خصائص النسائي : 15. تاريخ بغداد : 11 : 432 . صحيح الترمذي : 2 : 301. مشکل الآثار : 2: 309. مسند أبي داود : 1: 29 .

3) قريب من هذا الحديث الشريف جاء في كنز العمّال : 6 : 155 . مجمع الزوائد : 9: 113.

أولى بمقام الرسول صلی الله علیه وآله وسلم وأحقّ بمنصبه من الإمام عليّ علیه السلام مفخرة الشرق ورائد التطوّر الفكري والحضاري في الأرض .

هذه بعض الروايات التي تدعم حديث الثقلين وتسايره في التدليل على قيادة العترة الطاهرة للأمّة التي ضمن لها الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أن لا تزيغ عن طريق الهدى فيما لو اتبعتهم ولم تتقدّم عليهم .

قال علیه السلام : فَالْخَبَرُ الْأَوَّلُ الَّذِي اسْتَنْبِطَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْأَخْبَارُ خَبَرٌ صَحِيحٌ، مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لَا اخْتِلافَ فِيهِ عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ أَيْضاً مَوافِقٌ لِلْكِتابِ .

فَلَما شَهِدَ الْكِتابُ بِتَصْدِيقِ الْخَبَرِ ، وَهَذِهِ الشَّواهِدُ الأخَرُ لَزِمَ عَلَى الْأُمَّةِ الْإِقْرَارُ بِهَا ، ضَرورَةً إِذْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ شَواهِدُهَا مِنَ الْقُرْآنِ ناطِقَةٌ ، وَوافَقَتِ الْقُرْآنَ ، وَالْقُرْآنُ وافَقَها .

ثُمَّ وَرَدَتْ حَقَائِقُ الْأَخْبَارِ مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّادِقِينَ علیهم السلام وَنَقَلَهَا قَوْمٌ ثِقاتٌ مَعْرُوفُونَ ، فَصارَ الْإِقْتِداءُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فَرْضاً واجِباً عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ، لَا يَتَعَدَاهُ إِلَّا أَهْلُ الْعِنادِ.

وَذلِكَ أَنَّ أَقاويلَ آلِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ في مُحْكَمِ كِتَابِهِ : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً)(1).

وَوَجَدْنا نَظير هذه الْآيَةِ قَوْلَ رَسولِ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم: « مَنْ آدَى عَلِيّاً فَقَدْ


1) الأحزاب 33 : 57.

آذاني ، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ».

وَكَذلِكَ قَوْلُهُ صلی الله علیه وآله وسلم : « مَنْ أَحَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ أَحَبَّنِي ، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللهَ » .

وَمِثْلَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَنِي وَلِيعَةَ : « لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْهِمْ رَجُلاً كَنَفْسي ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسولَهُ ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، قُمْ يَا عَلِيُّ فَسِرْ إِلَيْهِمْ» .

وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ :«لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْهِمْ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ، كَرَاراً غَيْرَ فَرَارٍ ، لَا يَرْجِعُ حَتَّىٰ يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْهِ».

فَقَضىٰ رَسولُ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم بِالْفَتْح قَبْلَ التَّوْجِيهِ ، فَاسْتَشْرَفَ لِكَلامِهِ أَصْحابُ رَسولِ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم ، فَلَمّا كانَ مِنَ الْغَدِ دَعَا عَلِيّاً علیه السلام فَبَعَثَهُ إِلَيْهِمْ ، ال لا فَاصْطَفاهُ بِهَذِهِ الْمَنْقَبَةِ ، وَسَمَاهُ كَرَاراً غَيْرَ فَرَارٍ ، فَسَمَاهُ اللَّهُ مُحِبّاً لِلَّهِ وَلِرَسولِهِ ، فَأَخْبَرَ أَنَّ اللهَ وَرَسولَهُ يُحِبّانِهِ.

وبعدما أعلن الإمام علیه السلام أن المقياس في معرفة الخبر الصحيح هو مطابقته لكتاب الله العزيز وموافقته له ، وعلى ضوء هذه القاعدة نال حديث الثقلين الدرجة القطعيّة من الصحّة ، فقد وافق الكتاب وتأيّد بمجموعة من الأخبار الصحيحة التي ذكرها الإمام علیه السلام ، ويترتّب على ذلك أنّه يجب على كلّ مسلم أن يعتقد بالحديث الشريف ويؤمن بالعترة الطاهرة ويدين بالولاء لها .

ثمّ ذكر الإمام علیه السلام الآية الكريمة : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً )(1).


1) الأحزاب 33 : 57 .

وذكر كوكبة من الأخبار وردت عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في حق وصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، ونذكرها للإشارة إلى مصادرها ، وهي :

1- قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : « مَنْ آذَى عَلِيّاً فَقَدْ آذاني ، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ أَذَى الله ، الحديث(1)

:9 129 . الرياض النضرة : 2 : 165 .

.

2 - قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «مَنْ أَحَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ أَحَبَّنِي ، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ»(2).

قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في يوم خيبر :« الأَبْعَثَنَّ إِلَيْهِمْ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسولَهُ ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ، كَرَارٌ غَيْرُ فَرَارٍ ، لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْهِ»(3).

هذه بعض الأحاديث النبويّة التي اتّفقت مع القرآن الكريم ، وهي ممّا أجمع المسلمون على صحّتها ، وقد أشادت بفضل أبي الحسين ، وفرضت ولايته وإمامته على عموم المسلمين.

قال علیه السلام : « وَإِنَّما قَدَّمنا هذَا الشَّرْحَ وَالْبَيانَ دَليلاً عَلى ما أَرَدْنا ، وَقُوَّةٌ لِما نَحْنُ مُبَيِّنوهُ مِنْ أَمْرِ الْجَبْرِ وَالتَّقْويضِ ، وَالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ ، وَبِاللهِ الْعَونُ وَالْقُوَّةُ ، وَعَلَيْهِ نَتَوَكَّلُ فِي جَميع أُمُورِنا .

فَإِنَّا نَبْدَأُ مِنْ ذلِكَ بِقَوْلِ الصَّادِقِ علیه السلام : « لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ ، وَلكِنْ مَنْزِلَةٌ


1) مستدرك :الصحيحين : 3 : 122 . الإصابة : 4 304 كنز العمال: 6: 152 . مجمع الزوائد :

2) مستدرك الصحيحين: 3 : 130 تاريخ بغداد : 13 : 32. أسد الغابة : 4 383. مجمع الزوائد : 9: 131.

3) سنن ابن ماجة : 1: 12 حلية الأولياء : 1 : 62. خصائص النسائي : 32 . كنز العمّال: 6: 395.

بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ ، وَهِيَ صِحَّةُ الْخِلْقَةِ ، وَتَخْلِيَةُ السَّرْبِ (1)، وَالْمُهْلَةُ فِي الْوَقْتِ ، وَالزّادُ مِثْلُ الرَاحِلَةِ ، وَالسَّبَبُ الْمُهَيِّجُ لِلْفَاعِلِ عَلَى فِعْلِهِ».

فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاء جَمَعَ بِها الصَّادِقُ علیه السلام جَوامِعَ الْفَضْلِ ، فَإِذَا نَقَصَ لا الْعَبْدُ مِنْها خَلَّةٌ كانَ الْعَمَلُ عَنْهُ مَطروحاً بِحَسَبِهِ.

فَأَخْبَرَ الصَّادِقُ علیه السلام بِأَصْلِ ما يَجِبُ عَلَى النَّاسِ مِنْ طَلَبِ مَعْرِفَتِهِ ، وَنَطَقَ لا الْكِتابُ بِتَصْدِيقِهِ ، تَشْهَدُ بِذلِكَ مُحْكَماتُ آيَاتِ رَسولِهِ لأَنَّ الرَّسُولَ صلی الله علیه وآله وسلم وَآلَهُ علیه السلام لَهُ لَا يَعْدُو شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَأَقَاوِيلِهِمْ حُدودَ الْقُرْآنِ ، فَإِذَا وَرَدَتْ حقائِقُ الْأَخْبَارِ وَالْتُمِسَتْ شَواهِدُها مِنَ التَّنْزِيلِ ، فَوُجِدَ لَها مُوافِقاً، وَعَلَيْها دَلِيلاً كَانَ الْإِقْتِداءُ بِها فَرْضاً ، لَا يَتَعَدَاهُ إِلَّا أَهْلُ الْعِنادِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّل الكِتابِ. وَلا الْتَمَسْنا تَحْقِيقَ ما قَالَهُ الصَّادِقُ علیه السلام مِنَ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ لا الْمَنْزِلَتَيْنِ وَإِنْكَارِهِ الْجَبْرَ وَالتَّفْوِيضَ ، وَجَدْنَا الْكِتَابَ قَدْ شَهِدَ لَهُ وَصَدَّقَ مَقالَتَهُ في هذا .

وَخَبَرٌ عَنْهُ أَيْضاً مُوافِقُ لِهذا: إِنَّ الصَادِقَ علیه السلام سُئِلَ : هَلْ أَجْبَرَ اللهُ الْعِبادَ عَلَى الْمَعاصِي ؟ فَقالَ الصَّادِقُ علیه السلام : « هُوَ أَعْدَلُ مِنْ ذلِكَ».

فَقِيلَ لَهُ : فَهَلْ فَوَّضَ إِلَيْهِمْ ؟ فَقَالَ علیه السلام : « هُوَ أَعَزُّ وَأَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ ذلِكَ ».

وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قالَ : « النَّاسُ فِي الْقَدَرِ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهِ :


1) السرب - بفتح السين - الطريق والصدر. وبالكسر : الطريق والقلب .

رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَمْرَ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ فَقَدْ وَهَّنَ اللَّهَ فِي سُلْطَانِهِ ، فَهُوَ هَالِك.

وَرَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ أَجْبَرَ الْعِبادَ عَلَى الْمَعاصى ، وَكَلَّفَهُمْ ما لَا يُطيقونَ ، فَقَدْ ظَلَّمَ اللهَ فِى حُكْمِهِ ، فَهُوَ هالِك.

وَرَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ كَلَّفَ الْعِبادَ ما يُطيقونَ ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ ما لَا يُطيقونَ ، فَإِذا أَحْسَنَ حَمِدَ اللهَ ، وَإِذا أَساءَ اسْتَغْفَرَ اللهَ ، فَهذا مُسْلِمٌ بالغ ».

فَأَخْبَرَ علیه السلام أَنَّ مَنْ تَقَلَّدَ الْجَبْرَ وَالتَّفْويضَ ، وَدانَ بِهِمَا فَهُوَ عَلَىٰ خِلافِ الْحَقِّ ، فَقَدْ شَرَحْتُ الْجَبْرَ الَّذِي مَنْ دانَ بِهِ يَلْزَمُهُ الْخَطَأُ ، وَأَنَّ الَّذِي يَتَقَلَّدُ التَّنْويضَ يَلْزَمُهُ الْباطِلُ ، فَصارَتِ الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ بَيْنَهُما .

تعرض الإمام علیه السلام في هذه القطعة من كلامه إلى أنّ ما ذكره أوّلاً من لزوم التمسّك بالخبر الموافق للكتاب العزيز، وذكر مقدّمة تمهيديّة للاستدلال ببعض الأخبار على بطلان الجبر والتفويض ، مضافاً إلى الأدلّة العقليّة ، كما تعرّض بصورة مجملة إلى بطلاتهما ، وسيعرض لهما في كلامه الآتي بصورة مفصّلة .

ثُمَّ قال علیه السلام : وَأَضْرِبُ لَكُلِّ بابٍ مِنْ هذِهِ الْأَبْوابِ مَثَلاً يُقَرِّبُ الْمَعْنى لِلطَّالِبِ ، وَيُسَهِّلُ لَهُ الْبَحْثَ عَنْ شَرْحِهِ ، تَشْهَدُ بِهِ مُحْكَمَاتٌ آيَاتِ الْكِتابِ ، وَتَحَقَّقَ تَصْدِيقُهُ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ.

فَأَمَّا الْجَبْرُ الَّذِي يَلْزَمُ مَنْ دانَ بِهِ الْخَطَأُ فَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَجْبَرَ الْعِبادَ عَلَى الْمَعاصِي وَعاقَبَهُمْ عَلَيْها .

وَمَنْ قالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ ظَلَّمَ اللهَ فِي حُكْمِهِ ، وَكَذَّبَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ :

( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً )(1).

وقَوْلَهُ : ( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ )(2).

وَقَوْلَهُ: (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )(3)مَعَ أَي كَثِيرَةٍ فِي ذِكْرِ هذا .

فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُجْبَرٌ عَلَى الْمَعاصى فَقَدْ أَحالَ بِذَنْبِهِ عَلَى اللهِ ، وَقَدْ ظَلَّمَهُ في عُقوبَتِهِ ، وَمَنْ ظَلَّمَ اللهَ فَقَدْ كَذَّبَ كِتابَهُ ، وَمَنْ كَذَّبَ كِتابَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ الْكُفْرُ بِاجْتِماعِ الْأُمَّةِ .

وَمَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ رَجُل مَلَكَ عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ ، وَلَا يَمْلِك عَرَضاً مِنْ عَرَضِ الدُّنْيا ، وَيَعْلَمُ مَوْلاهُ ذلِكَ مِنْهُ ، فَأَمَرَهُ عَلى عِلْمٍ مِنْهُ بِالْمَصِيرِ إِلَى السُّوقِ لِحَاجَةٍ يَأْتِيهِ بِهَا ، وَلَمْ يُمَلِّكْهُ ثَمَنَ مَا يَأْتِيهِ بِهِ مِنْ حاجَتِهِ ، وَعَلِمَ الْمَالِكُ أَنَّ عَلَى الْحَاجَةِ رَقِيباً لَا يَطْمَعُ أَحَدٌ في أَخْذِهَا مِنْهُ إِلَّا بِمَا يَرْضَى بِهِ مِنَ الثَّمَنِ ، وَقَدْ وَصَفَ مَالِكُ هَذَا الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالْعَدْلِ وَالنَّصَفَةِ ، وَإِظْهَارِ الْحِكْمَةِ ، وَنَفْي الْجَوْرِ، وَأَوْعَدَ عَبْدَهُ إِنْ لَمْ يَأْتِهِ بِحاجَتِهِ أَنْ يُعاقِبَهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِالرَّقِيبِ الَّذِي عَلى حَاجَتِهِ أَنَّهُ سَيَمْنَعُهُ وَعَلِمَ أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَمْلِكُ ثَمَنَها ، وَلَمْ يُمَلَّكْهُ ذلِك .


1) الكهف 18: 49 .

2) الحج 22 : 10 .

3) يونس 10 : 44 .

126

الأبصا على الهادي له الجزء الثالث والثلاثون

فَلَما صارَ الْعَبْدُ إِلَى السُّوقِ ، وَجاءَ لِيَأْخُذَ حَاجَتَهُ الَّتِي بَعَثَهُ الْمَوْلى لَهَا ، وَجَدَ عَلَيْها مانِعاً يَمْنَعُ مِنْهَا إِلَّا بِشِراءٍ وَلَيْسَ يَمْلِكُ الْعَبْدُ ثَمَنَها فَانْصَرَفَ إِلى مَوْلاهُ حَائِباً بِغَيْرِ قَضاءِ حاجَتِهِ ، فَاغْتَاظَ مَوْلاهُ مِنْ ذلِكَ ، وَعاقَبَهُ عَلَيْهِ .

أَلَيْسَ يَجِبُ فِي عَدْلِهِ وَحُكْمِهِ أَنْ لَا يُعاقِبَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ عَبْدَهُ لَا يَمْلِك عَرَضاً مِنْ عُروضِ الدُّنْيا ، وَلَمْ يُمَلَّكْهُ ثَمَنَ حَاجَتِهِ ؟

فَإِن عاقَبَهُ عاقَبَهُ ظالِماً مُتَعَدِّياً عَلَيْهِ ، مُبْطِلاً لِما وَصَفَ مِنْ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَنَصفتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُعاقِبْهُ كَذَّبَ نَفْسَهُ فِي وَعِيدِهِ إِيَّاهُ ، حِينَ أَوْعَدَهُ بِالْكِذْبِ وَالظُّلْمِ اللَّذَيْنِ يَنْفِيانِ الْعَدْلَ وَالْحِكْمَةَ ، تَعَالَى عَمَّا يَقولونَ عُلُوّاً كَبيراً .

فَمَنْ دانَ بِالْجَبْرِ ، أَوْ بِمَا يَدْعُو إِلَى الْجَبْرِ فَقَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ وَنَسَبَهُ إِلَى الْجَوْرِ وَالْعُدْوانِ إِذْ أَوْجَبَ عَلَى مَنْ أَجْبَرَهُ الْعُقوبَةَ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ أَجْبَرَ الْعِبادَ فَقَدْ أَوْجَبَ عَلَى قِياسِ قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْعُقوبَةَ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي الْعَذابَ فَقَدْ كَذَّبَ اللَّهَ فِي وَعِيدِهِ حَيْثُ يَقولُ:( بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةٌ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (1).


1) البقرة :2 : 81 .

وَقَوْلُهُ: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً )(1).

وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً )(2)، مَعَ أَي كَثيرة في مِثْلِ هَذَا الْفَنَّ مِمَّنْ كَذَّبَ وَعِيدَ اللهِ ، وَيَلْزَمُهُ فِي تَكْذِيبِهِ آيَةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ ، الْكُفْرُ.

وَهُوَ مِمَّنْ قالَ اللهُ: ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )(3).

بَلْ نَقولُ : إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ يُجازِي الْعِبادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ بِالْإِسْتِطَاعَةِ الَّتي مَلَكَهُمْ إِيَّاهَا ، فَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ بِذلِكَ ، وَنَطَقَ كِتابُهُ : (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (4).

وَقالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً


1) النساء 4: 10 .

2) النساء 4: 56 .

3) البقرة 2 : 85 .

4) الأنعام 6 : 160 .

وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ )(1).

وَقالَ : ( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) (2).

فَهَذِهِ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ تَنْفِي الْجَبْرَ وَمَنْ دانَ بِهِ ، وَمِثْلُها فى الْقُرْآنِ كَثيرٌ ، اخْتَصَرْنا ذلِكَ لِئَلَّا يَطولَ الْكِتابُ ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ .

وأعطى الإمام الله صورة واضحة عن الجبر، وبين ما يترتب عليه من المفاسد التي من أظهرها نسبة الجور والظلم إلى الله ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .

ثمّ إنّه استدلّ على بطلانه تارة بالآيات الكريمة ، وأخرى بالدليل الوجداني الذي لا يقبل الجدل والشكّ ، وأعقب ذلك بذكر الآيات الكريمة الدالّة بوضوح على مسؤوليّة الإنسان نفسه عمّا يقترفه من ذنب ومعصية، وأنّه محاسب على عمله ، ومؤاخذ بجريرته بعدما منحه الله الإرادة والاختيار ، ولم يرغمه على أي شيء من الأشياء ، فهو بسوء اختياره قد ارتكب السوء والعصيان .

ثمّ تعرّض الإمام علیه السلام بعد ذلك إلى بطلان التفويض .

قال علیه السلام : وأَما التَّقْويضُ الَّذى أَبْطَلَهُ الصّادِقُ علیه السلام ، وَأَخْطَأَ مَن دانَ بِهِ وَتَقَلَّدَهُ فَهُوَ قَوْلُ الْقائِلِ : إِنَّ الله جَلَّ ذِكْرُهُ فَوَّضَ إِلَى الْعِبَادِ اخْتِيَارَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَأَهْمَلَهُمْ . وَفِي هذا كَلامٌ دَقيقٌ لِمَنْ يَذْهَبُ إِلَى تَحْرِيرِهِ وَدِقِّتِهِ ، وَإلى هذا ذَهَبَتِ الْأَئِمَّةُ الْمُهْتَدِيَةُ مِنْ عِتْرَةِ الرَّسولِ صلی الله علیه وآله وسلم ، فَإِنَّهُمْ قالوا :


1) آل عمران 30:3 .

2) غافر 17:40 .

لَوْ فَوَّضَ إِلَيْهِمْ عَلَى جَهَةِ الْإِهْمَالِ لَكَانَ لَازِماً لَهُ رِضا ما اختاروهُ ، وَاسْتَوْجَبوا مِنْهُ الثَّوابَ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيمَا جَنَوْهُ الْعِقابُ ، إِذا كانَ الْإِعْمالُ واقعاً.

وَتَنْصَرِفُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ :

إِمَا أَنْ يَكونَ الْعِبادُ تَظاهَرُوا عَلَيْهِ ، فَأَلْزَمُوهُ قَبولَ اخْتِيَارِهِمْ بِآرَائِهِمْ ضَرَورَةً كَرِهَ ذلِكَ أَمْ أَحَبَّ ، فَقَدْ لَزِمَهُ الْوَهْنُ .

أَوْ يَكُونَ جَلَّ وَعَزَّ عَجَزَ عَنْ تَعَبدِهِمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْي عَلَىٰ إِرَادَتِهِ ، كَرِهوا أَوْ أَحَبّوا ، فَفَوَّضَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ إِلَيْهِمْ ، وَأَجْراهُما عَلَىٰ مَحَبَّتِهِمْ ، إِذْ عَجَزَ عَنْ تَعَبُّدِهِمْ بِإِرادَتِهِ ، فَجَعَلَ الْإِخْتِيَارَ إِلَيْهِمْ فِي الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ .

وَمَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبْداً ابْتَاعَهُ لِيَخْدِمَهُ ، وَيَعْرِفَ لَهُ فَضْلَ وِلايَتِهِ ، وَيَقِفَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَادَّعى مالِكُ الْعَبْدِ أَنَّهُ قاهِرٌ عَزيزٌ حكيمٌ ، فَأَمَرَ عَبْدَهُ وَنَهَاهُ ، وَوَعَدَهُ عَلَى اتِّباع أَمْرِهِ عَظِيمَ الثَّوابِ ، وَأَوْعَدَهُ عَلَى مَعْصِيَته أَلِيمَ الْعِقابِ.

فَخالَفَ الْعَبْدُ إِرادَةَ مَالِكِهِ ، وَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، فَأَيَّ أَمْرٍ أَمَرَهُ ، أَوْ أَيَّ نَهْي نَهَاهُ عَنْهُ لَمْ يَأْتِهِ عَلَى إِرَادَةِ الْمَوْلَى ، بَلْ كَانَ الْعَبْدُ يَتَّبِعُ إِرادَةَ نَفْسِهِ ، وَاتَّبَاعَ هَواهُ ، وَلَا يُطيقُ الْمَوْلى أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى اتَّبَاعَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَالْوُقوفِ عَلَى إِرادَتِهِ .

فَفَوَّضَ اخْتِيَارَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ إِلَيْهِ ، وَرَضِيَ مِنْهُ بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ عَلَى إِرَادَةِ

الْعَبْدِ لَا عَلَى إِرَادَةِ المَالِكِ .

... الأهرا على الهادي دي الجزء الثالث والثلاثون

وَبَعَثَهُ فِي بَعْضِ حَوائِجِهِ ، وَسَمَى لَهُ الْحَاجَةَ ، فَخَالَفَ عَلَى مَوْلاهُ ، وَقَصَدَ الإِرادَةِ نَفْسِهِ ، وَاتَّبَعَ هَواهُ ، فَلَمّا رَجَعَ إِلَىٰ مَوْلَاهُ نَظَرَ إِلَىٰ مَا أَتَاهُ بِهِ فَإِذَا هُوَ خِلافِ ما أَمَرَهُ بِهِ ، فَقالَ لَهُ : لِمَ أَتَيْتَنِي بِخِلافِ مَا أَمَرْتُكَ ؟

فَقالَ الْعَبْدُ : اتَّكَلْتُ عَلى تَفْوِيضِكَ الْأَمْرَ إِلَيَّ ، فَاتَّبَعْتُ هَوايَ وَإِرادَتي ، لأَنَّ الْمُفَوَّضَ إِلَيْهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ فَاسْتَحالَ التَّقْويضُ.

إنّ حقيقة التفويض هو الالتزام بأنّ الله تعالى فوّض أفعال العباد إلى إرادتهم واختيارهم بلا دخل لإرادة الله فيها ، وقد أقام الإمام علیه السلام الأدلّة الحاسمة على بطلان هذا القول واستحالته .

وأضاف الإمام بعد ذلك قائلاً:

أَوَلَيْسَ يَجِبُ عَلَى هَذَا السَّبَبِ إِمَا أَنْ يَكونَ الْمَالِكُ لِلْعَبْدِ قادِراً ، يَأْمُرُ عَبْدَهُ بِاتِّباع أَمْرِهِ و نهیِهِ عَلَى إِرادَتِهِ ، لَا عَلَى إِرادَةِ البعَبدِ ، وَيُمَلكُهُ مِنَ الطَّاقَةِ بِقَدْرِ ما يَأْمُرُهُ بِهِ وَيَنْهَاهُ عَنْهُ ؟

فَإِذا أَمَرَهُ بِأَمْرِ ، وَنَهَاهُ عَنْ نَهَى عَرَّفَهُ الثَّوابَ وَالْعِقابَ عَلَيْهما ، وَحَذَرَهُ وَرَغْبَهُ بِصِفَةِ ثَوابِهِ وَعِقابِهِ ، لِيَعْرَفَ الْعَبْدُ قُدْرَةَ مَوْلاهُ بما مَلَكَهُ مِنَ الطَّاقَةِ(1)لأمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَتَرْغِيبِهِ وَتَرْهِيبِهِ ، فَيَكونَ عَدْلُهُ وَإِنْصافُهُ شَامِلاً لَهُ ، وَحُجَّتُهُ واضِحَةٌ عَلَيْهِ لِلْإِعْذارِ وَالْإِنْدَارِ .


1) في بعض النسخ : « من الطاعة » .

فَإِذا اتَّبَعَ الْعَبْدُ أَمْرَ مَوْلاهُ جازاهُ ، وَإِذا لَمْ يَزْدَجِرَ عَنْ نَهْيِهِ عاقَبَهُ.

أَوْ يَكونُ عاجِزاً غَيْرَ قادِرٍ ، فَفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ ، أَحْسَنَ أَمْ أَساءَ ، أَطاعَ أَمْ عَصى ، عاجِزٌ عَنْ عُقوبَتِهِ وَرَدِّهِ إِلَى اتَّبَاعِ أَمْرِهِ.

وَفِي إِثْبَاتِ الْعَجْزِ نَفْيُ الْقُدْرَةِ وَالتَّأَلُّهِ ، وَإِبْطالُ الْأَمْرِ وَالنَّهْي ، وَالثَّوابِ وَالْعِقابِ ، وَمُخالَفَةُ الْكِتابِ ، إِذْ يَقولُ : ( وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوْا يَرْضَهُ لَكُمْ )(1)

وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ )(2).

وَقَوْلُهُ : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ )(3).

وَقَوْلُهُ : ( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً )(4).

وَقَوْلُهُ: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ) (5).

فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى فَوَّضَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ إلى عِبادِهِ فَقَدْ أَثْبَتَ عَلَيْهِ


1) الزمر 39 : 7 .

2) آل عمران 3 : 102 .

3) الذاريات 51: 56 و 57 .

4) النساء 36:4 .

5) الأنفال 20:8 .

الْعَجْزَ ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ قَبولَ كُلُّ ما عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٌّ ، وَأَبْطَلَ أَمْرَ اللَّهَ وَنَهْيَهُ ، وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ ، لِعِلَّةِ ما زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَوَّضَهَا إِلَيْهِ ، لأَنَّ الْمُفَوَّضَ إِلَيْهِ يَعْمَلُ بِمَشيئَتِهِ ، فَإِنْ شاءَ الْكُفْرَ أَوِ الْإِيمَانَ كَانَ غَيْرَ مَرْدُودٍ عَلَيْهِ وَلَا مَحْظُورٍ.

فَمَنْ دانَ بِالتَّقْويضِ عَلى هَذَا الْمَعْنى فَقَدْ أَبْطَلَ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنا مِنْ وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )(1)، تَعالَى اللهُ عَمّا يَدينُ بِهِ أَهْلُ التَّقْويضِ عُلُوّاً كَبِيراً .

إنّ من يدين بالتفويض فقد أثبت العجز إلى الله تعالى ، وسلب عنه القدرة التامّة على التصرّف في شؤون عباده وخلقه ، كما يترتّب على ذلك لغوية الوعد والوعيد ، فلا معنى لوعد الله للمطيعين بالفردوس ، وللعاصين بالعذاب الدائم ، فإنّه بعدما فوّض تعالى الأمور إلى عباده ، فكيف يثيبهم وكيف يعاقبهم .

و شرع الإمام علیه السلام بعد إبطال الجبر والتفويض إلى إثبات نظريّة « الأمر بين الأمرين » ، وهي النظريّة التي يذهب إليها أئمة أهل البيت علیهم السلام.

قال علیه السلام : لَكِنْ نَقولُ : إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ ، وَمَلَكَهُمْ اسْتِطَاعَةً تَعَبَّدَهُمْ بِها فَأَمَرَهُمْ وَنَهاهُمْ بِما أَرادَ ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ اتِّباعَ أَمْرِهِ ،


1) البقرة 2 : 85 .

وَرَضِيَ بِذلِكَ لَهُمْ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَذَمَ مَنْ عَصاهُ ، وَعاقَبَهُ عَلَيْها ، وَلِلَّهِ الْخِيَرَةُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، يَخْتارُ ما يُريدُ وَيَأْمُرُ بِهِ ، وَيَنْهَى عَمَّا يَكْرَهُ وَيُعاقِبُ عَلَيْهِ ، بِالْإِسْتِطَاعَةِ الَّتي مَلَكَهَا عِبَادَهُ لاتباعِ أَمْرِهِ ، وَاجْتِنابِ مَعَاصِيهِ، لأَنَّهُ ظَاهِرُ الْعَدْلِ وَالنَّصَفَةِ وَالْحِكْمَةِ الْبالِغَةِ ، بالِغُ الْحُجَّةِ بِالْإِعْدَارِ وَالْإِنْدَارِ ، وَإِلَيْهِ الصَّفْوَةُ ، يَصْطَفِي مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَشَاءُ لِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ ، وَاحْتِجاجِهِ عَلى عِبادِهِ.

اصْطَفَى مُحَمَّداً صلی الله علیه وآله وسلم وَبَعَثَهُ بِرِسالَتِهِ إِلَى خَلْقِهِ ، فَقَالَ مَنْ قَالَ مِنْ كُفَّارِ قَوْمِهِ حَسَداً وَاسْتِكْباراً :( لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ )(1)، يَعْنِي بِذلِكَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ ، وَأَبَا مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ.

فَأَبْطَلَ اللهُ اخْتِيَارَهُمْ ، وَلَمْ يُجِزْ لَهُمْ آراءَهُمْ حَيْثُ يَقولُ: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةً رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )(2).

وَلِذلِكَ اخْتارَ مِنَ الْأُمورِ ما أَحَبَّ ، وَنَهَى عَمّا كَرِهَ ، فَمَنْ أَطاعَهُ أَثَابَهُ ، وَمَنْ عَصاهُ عاقَبَهُ ، وَلَوْ فَوَّضَ اخْتِيَارَ أَمْرِهِ إِلى عِبادِهِ لَأَجازَ لِقُرَيْشِ اخْتِيارَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ وَأَبِي مَسْعُودٍ الثَّقَفي ، إِذْكانا عِنْدَهُمْ


1) الزخرف 31:43 .

2) الزخرف 32:43.

أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه وآله وسلم.

فَلَمّا أَدَّبَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِن أَمْرِهِمْ )(1)، فَلَمْ يُجِزْ لَهُمُ الْإِخْتِيارَ بِأَهْوانِهِمْ ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا اتَّبَاعَ أَمْرِهِ ، وَاجْتِنَابَ نَهْيِهِ عَلَى يَدَيْ مَنِ اصْطَفاهُ ، فَمَنْ أَطاعَهُ رَشَدَ ، وَمَنْ عَصاهُ ضَلَّ وَغَوى ، وَلَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ بِما مَلَّكَهُ مِنَ الْإِسْتِطَاعَةِ لاتِّباع أَمْرِهِ ، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ ، فَمِنْ أَجْلِ ذلِكَ حَرَمَهُ ثَوابَهُ ، وَأَنْزَلَ بِهِ عِقابَهُ .

لقد أثبت الإمام علیه السلام في هذه الفقرات من كلامه النظريّة الأصيلة التي يذهب إليها أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، وهي « الأمر بين الأمرين » ، وقد قامت هذه الفكرة على أساس وثيق من الفكر والوعى والمنطق.

وقد تعرّض سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي في بحوثه الأصوليّة إلى الاستدلال عليها بصورة وثيقة ، وكان من بين ما استدلّ به عليها ، قال : « إنّ المسألة ليست من المسائل التعبّديّة بل من ناحية أنّ الطريق الوسط الذي يمكن به حلّ مشكلة الجبر والتفويض منحصر فيه .

تفصيل ذلك : أنّ أفعال العباد تتوقّف على مقدّمتين : الأولى : حياتهم وقدرتهم وعلمهم وما شاكل ذلك .

الثانية : مشيئتهم وإعمالهم القدرة نحو إيجاده في الخارج، والمقدّمة الأولى تفيض من الله تعالى ، وترتبط بذاته الأزليّة ارتباطاً ذاتياً وخاضعة له ، يعني أنّها عين الربط والخضوع ، لا شيء له الربط والخضوع ، وعلى هذا الضوء لو انقطعت


1) الأحزاب 33: 36 .

الإفاضة من الله سبحانه وتعالى في أن انقطعت الحياة فيه حتماً .

أمّا المقدّمة الثانية : فإنّها تفيض من العباد عند فرض وجود المقدّمة الأولى ، فهي مرتبطة بها في واقع مغزاها ، ومتفرّعة عليها ذاتاً ، وعليه فلا يصدر فعل من العبد إلّا عند إفاضة كلتا المقدّمتين ، وأمّا إذا انتفت إحداهما فلا يعقل تحقّقه ، وعلى أساس ذلك صحّ إسناد الفعل إلى الله تعالى كما صحّ إسناده إلى العبد .

ولتوضيح ذلك نضرب مثالاً عرفيّاً لتميّز كلّ من نظرتي الجبر والتفويض عن نظريّة الإماميّة .

بيانه : أنّ الفعل الصادر من العبد خارجاً على ثلاثة أصناف :

الأوّل : ما يصدر منه بغير اختياره وإرادته ، وذلك كما لو افترضنا شخصاً مرتعش اليد ، وقد فقدت قدرته واختياره في تحريك يده مع مثله إذا ربط المولی بيده المرتعشة سيفاً قاطعاً، وفرضنا أنّ في جنبه شخصاً راقداً، وهو يعلم أنّ السيف المشدود في يده سيقع عليه فيهلكه حتماً .

ومن الطبيعي أنّ مثل هذا الفعل خارج عن اختياره، ولا يستند إليه ، ولا يراه العقلاء مسؤولاً عن هذا الحادث، ولا يتوجّه إليه الذمّ واللوم أصلاً ، بل المسؤول عنه إنّما هو من ربط يده بالسيف، ويتوجّه إليه اللوم والذمّ ، وهذا واقع نظريّة الجبر وحقيقتها .

الثاني : ما يصدر منه باختياره واستقلاله من دون حاجة إلى غيره أصلاً، وذلك كما إذا افترضنا أنّ المولى أعطى سيفاً قاطعاً بيد شخص حرّ ، وقد ملك تنفيذ إرادته وتحريك يده ، ففي مثل ذلك إذا صدر منه قتل في الخارج يستند إليه دون المعطي ، وإن كان المعطي يعلم أنّ إعطاءه السيف ينتهي به إلى القتل ، كما أنه يستطيع أن يأخذ السيف منه متى شاء ، ولكن كل ذلك لا يصحّح استناد الفعل إليه ، فإنّ الاستناد يدور مدار دخل شخص في وجوده خارجاً ، والمفروض أنّه لا مؤثّر في

وجوده ما عدا تحريك يده الذي كان مستقلّاً فيه . وهذا واقع نظريّة التفويض .

الثالث : ما يصدر منه باختياره وإعمال قدرته على رغم أنّه فقير بذاته وبحاجة في كلّ أن إلى غيره بحيث لو انقطع منه مدد الغير في أن انقطع الفعل فيه حتماً، وذلك كما إذا افترضنا أنّ للمولى عبداً مشلولاً غير قادر على الحركة ، فربط المولى بجسمه تيّاراً كهربائياً ليبعث في عضلاته قوّة ونشاطاً نحو العمل ، وليصبح بذلك قادراً على تحريكها ، وأخذ المولى رأس التيّار الكهربائى بيده ، وهو الساعي لايصال القوّة في كلّ آن إلى جسم عبده بحيث لو رفع اليد في آن عن السلك الكهربائي انقطعت القوّة عن جسمه فيه وأصبح عاجزاً .

وعلى هذا ، فلو أوصل المولى تلك القوّة إلى جسمه وذهب باختياره ، وقتل شخصاً والمولى يعلم بما فعله ، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كلّ منهما ، أمّا إلى العبد فحيث أنّه صار متمكّناً من إيجاد الفعل وعدمه بعد أن أوصل المولى القوّة إليه ، وأوجد القدرة في عضلاته ، وهو قد فعل باختياره وإعمال قدرته ، وأما إلى المولى فحيث إنّه كان معطى القوّة والقدرة له حتّى حال الفعل والاشتغال بالقتل مع أنّه متمكّن من قطع القوّة عنه في كلّ أن شاء وأراد ، وهذا هو واقع نظريّة الأمر بين الأمرين وحقيقتها »(1).

ويأخذ الإمام الخوئي في شرح نظريّة « الأمر بين الأمرين » التي يدين بها أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، وقد استدلّ على وثاقتها بمجموعة من الأدلّة العقليّة والنقليّة ، وأثبت أنّه لا بدّ من الالتزام بها .

ونعود بعد هذا إلى ما ذكره الإمام الهادي علیه السلام ، قال :

وَهذَا الْقَوْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ، لَيْسَ بِجَبْرٍ وَلَا تَقْويضِ ، وَبِذلِكَ أَخْبَرَ أَمِيرُ


1) محاضرات في أصول الفقه : 2 : 87 - 89 ، وقد دوّناها في البحوث الأصوليّة التي تلقّيناها من سماحته قدس سره .

الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ عَبَايَةَ بْنَ رَبْعِيُّ الْأَسَدِيَّ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الْإِسْتِطَاعَةِ الَّتِي بِها يَقومُ وَيَقْعُدُ وَيَفْعَلُ ، فَقالَ لَهُ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام : سَأَلْتَ عَنِ الْإِسْتِطَاعَةِ ، تَمْلِكُها مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ مَعَ اللهِ ؟ فَسَكَتَ عَبَايَةُ .

فَقالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام: قُلْ يا عَبَايَةُ .

قالَ : وَما أَقولُ؟

قالَ علیه السلام : إِنْ قُلْتَ إِنَّكَ تَمْلِكُها مَعَ اللهِ قَتَلْتُكَ ، وَإِنْ قُلْتَ : تَمْلِكُها دونَ اللَّهِ قتَلْتُك !!

قالَ عَبايَةُ : فَما أَقولُ يا أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ؟

قالَ علیه السلام : تَقولُ : إِنَّكَ تَمْلِكُها بِاللهِ الَّذِي يَمْلِكُها مِنْ دُونِكَ ، فَإِنْ يُمَلّكها إِيَّاكَ كَانَ ذلِكَ مِنْ عَطَائِهِ ، وَإِنْ يَسْلُبْكَها كانَ ذلِكَ مِنْ بَلائِهِ ، هُوَ الْمَالِك ، ما مَلَكَكَ ، وَالقَادِرُ عَلى ما عَلَيْهِ أَقْدَرَكَ ، أَما سَمِعْتَ النّاسَ يَسْأَلونَ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ حِينَ يَقولونَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ؟

قالَ عَبايَةً : وَما تَأْوِيلُها يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟

قالَ علیه السلام : لَا حَوْلَ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ ، وَلَا قُوَّةَ لَنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ .

قالَ : فَوَثَبَ عَبَايَةُ فَقَبَّلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ

لقد ألزم الإمام أمير المؤمنين علیه السلامبضرورة التديّن «بالأمر بين الأمرين» ، وأنّه جزء

من عقيدة الإسلام ، ومن أوّليّات مبادئه .

قال علیه السلام : وَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام حِينَ أَتَاهُ نَجْدَةُ يَسْأَلُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ اللهِ ، قال : يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِماذا عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟

قالَ علیه السلام : بِالتَّمْيِينِ الَّذِي خَوَّلَني ، وَالْعَقْلِ الَّذِي دَلَّني .

قالَ : أَفَمَجْبولٌ أَنْتَ عَلَيْهِ؟

قالَ : لَوْ كُنْتُ مَجْبُولاً ما كُنْتُ مَحْمُوداً عَلى إِحْسانٍ ، وَلَا مَذْموماً عَلى إساءَةٍ ، وَكانَ الْمُحْسِنُ أَوْلى بِاللّائِمَةِ مِنَ الْمُسِيءِ ، فَعَلِمْتُ أَنَّ اللهَ قائِمٌ باقِ ، وَما دونَهُ حَدَثٌ حَائِلٌ زائِلٌ ، وَلَيْسَ الْقَديمُ الْباقِي كَالْحَدَثِ الزَّائِلِ .

قالَ نَجْدَةُ : أَجِدُكَ أَصْبَحْتَ حَكِيماً يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

قالَ : أَصْبَحْتُ مُخَيَّراً ، فَإِنْ أَتَيْتُ السَّيِّئَةَ [بِ] مَكَانِ الْحَسَنَةِ فَأَنا الْمُعاقَبُ عَلَيْها .

وَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام أَنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ بَعْد انْصِرافِهِ مِنَ الشَّامِ فَقالَ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَخْبِرنا عَنْ خُروجِنَا إِلَى الشَّامِ بِقَضاءِ وَقَدَرِ؟

قالَ علیه السلام : نَعَمْ ، يا شَيْخُ ، ما عَلَوْتُمْ تَلْعَةٌ (1)، وَلَا هَبَطْتُمْ وادِياً إِلَّا بِقَضاءِ وَقَدَر مِنَ اللهِ .


1) التلعة : ما علا من الأرض .

فَقالَ الشَّيخُ: عِنْدِ اللهِ أَحْتَسِبُ عَنائى يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .

فَقالَ علیه السلام : مَهُ يا شَيْخُ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَظَمَ أَجْرَكُمْ فِي مَسيرِكُمْ وَأَنْتُمْ سائرونَ ، وَفِي مَقامِكُمْ وَأَنْتُمْ مُقيمونَ ، وَفِي انْصِرافِكُمْ وَأَنْتُمْ مُنْصَرِفونَ ، وَلَمْ تَكونوا في شَيْءٍ مِنْ أُمورِكُمْ مُكْرَهِينَ ، وَلَا إِلَيْهِ مُضْطَرينَ ، لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ أَنَّهُ قَضَاءٌ حَتْمٌ ، وَقَدَرٌ لَازِمٌ ؟

لَوْ كانَ ذلِكَ كَذلِكَ لَبَطَلَ التَّوابُ وَالْعِقابُ ، وَلَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ ، وَلَما أَلْزِمَتِ الْأَشْياءُ أَهْلَهَا عَلَى الْحَقائِقِ ، ذلِكَ مَقالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، وَأَوْلِياءِ الشَّيْطَانِ.

إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ تَخْيِييراً ، وَنَهَى تَحْذِيراً ، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَها ، وَلَمْ يُعضَ مَغْلوباً وَلَمْ يَخْلُقِ السَّمَواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُما باطِلاً ، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ(1).

فَقامَ الشَّيْخُ فَقَبَّلَ رَأْسَ الْإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام وَأَنْشَأَ يَقولُ:

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ *** يَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمَنِ غُفْرانا

أَوْضَحْتَ مِنْ دِينِنا ما كانَ مُلْتَبِساً *** جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَا فِيهِ رِضْوانا

فَلَيْسَ مَعْذِرَةٌ فِي فِعْلِ فَاحِشَةٍ *** قَدْ كُنْتُ راكِبَها ظُلْماً وَعِصْيانا


1) إشارة لقوله تعالى : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) ص 38 : 27 .

فَقَدْ دَلَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام عَلَى مُوافَقَةِ الْكِتابِ ، وَنَفْيِ الْجَبْرِ لا وَالتَّقْويضِ اللَّذَينِ يُلْزِمَانِ مَنْ دانَ بِهِما وَتَقَلَّدَهُمَا الْباطِلَ وَالْكُفْرَ، وَتَكذيبَ الْكِتابِ ، وَنَعوذُ بِاللهِ مِنَ الضَّلالَةِ وَالْكُفْر .

وَلَسْنَا نَدِينُ بِجَبْرِ وَلَا تَفْوِيضٍ ، وَلَكِنَّنا نَقولُ بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ ، وَهُوَ الْإِمْتِحَانُ وَالْإِخْتِبارُ بِالْإِسْتِطَاعَةِ الَّتي مَلَكَنا اللهُ ، وَتَعَبَّدَنا بِها عَلى ما شَهِدَ بِهِ الْكِتابُ ، وَدانَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الْأَبْرارُ مِنْ آلِ الرَّسولِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ.

لقد دعم الإمام الهادي علیه السلام ما ذهب إليه من بطلان الجبر والتفويض وإثبات « الأمر بين الأمرين» بما أثر عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في ذلك ، ثمّ أخذ الإمام علیه السلام في ضرب الأمثلة لتأييد ما ذكره .

قال علیه السلام : وَمَثَلُ الْإِخْتِبارِ بِالْإِسْتِطَاعَةِ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبْداً وَمَلَكَ مالاً كَثيراً ، أَحَبَّ أَنْ يَخْتَبِرَ عَبْدَهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ.

فَمَلَّكَهُ مِنْ مالِهِ بَعْضَ ما أَحَبَّ ، وَوَقَفَهُ(1)عَلَىٰ أُمورٍ عَرَّفَهَا الْعَبْدَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصْرِفَ ذلِكَ الْمَالَ فيها ، وَنَهَاهُ عَنْ أَسْبَابٍ لَمْ يُحِبَّها ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهَ أَنْ يَجْتَنِبَها ، وَلَا يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ فِيهَا ، وَالْمالُ يُتَصَرَّفُ فِي أَيِّ الْوَجْهَيْنِ .

فَصَرَفَ الْمَالَ أَحَدُهُما في اتِّباع أَمْرِ الْمَوْلى وَرِضاهُ ، وَالْآخَرُ صَرَفَهُ فِي اتَّبَاعِ نَهْيِهِ وَسَخَطِهِ؛ وَأَسْكَنَهُ دَارَ اخْتِيَارٍ ، أَعْلَمَهُ أَنَّهُ غَيْرُ دَائِمٍ لَهُ السُّكْنى


1) في بعض النسخ : « ووافقه » .

في الدّارِ ، وَأَنَّ لَهُ داراً غَيْرَها ، وَهُوَ مُخْرِجُهُ إِلَيْها ، فيها ثَوابٌ وَعِقابٌ دائمان .

فَإِنْ أَنْفَذَ الْعَبْدُ الْمَالَ الَّذي مَلَّكَهُ مَوْلاهُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ جَعَلَ لَهُ ذلِكَ الثَّوابَ الدَائِمَ فِي تِلْكَ الدّارِ الَّتي أَعْلَمَهُ أَنَّهُ مُخْرِجُهُ إِلَيْها .

وَإِنْ أَنْفَقَ الْمَالَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي نَهَاهُ عَنْ إِنْفَاقِهِ فِيهِ جَعَلَ لَهُ ذلِكَ الْعِقابَ الدّائِمَ في دارِ الْخُلودِ.

وَقَدْ حَدَّ الْمَوْلى في ذلِكَ حَداً مَعْرُوفاً ، وَهُوَ الْمَسْكَنُ الَّذي أَسْكَنَهُ في الدّارِ الْأُولى ، فَإِذَا بَلَغَ الْحَدَّ اسْتَبْدَلَ الْمَوْلَى بِالْمَالِ وَبِالْعَبْدِ ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مالِكاً لِلْمَالِ وَالْعَبْدِ فِي الْأَوْقاتِ كُلِّها ، إِلَّا أَنَّهُ وَعَدَ أَنْ لَا يَسْلُبَهُ ذلِكَ المالَ ما كانَ فِي تِلْكَ الدّارِ الأولى ، إِلى أَنْ يَسْتَتِمَّ سُكْنَاهُ فِيهَا ، فَوَفِى لَهُ، لأَنَّ مِنْ صِفاتِ الْمَوْلَى الْعَدْلَ وَالْوَفاءَ وَالنَّصَفَةَ وَالْحِكْمَةَ .

أَوَلَيْسَ يَجِبُ إِنْ كانَ ذلِكَ الْعَبْدُ صَرَفَ ذلِكَ الْمَالَ فِي الْوَجْهِ الْمَأْمورِ بِهِ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِما وَعَدَهُ مِنَ الثَّوابِ ، وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِأَنِ اسْتَعْمَلَهُ في دارٍ فانِيَةٍ ، وَأَثَابَهُ عَلى طاعَتِهِ فيها نَعيماً دائماً في دار باقِيَةٍ دائِمَةٍ ؟

وَإِنْ صَرَفَ الْعَبْدُ الْمَالَ الَّذِي مَلَكَهُ مَوْلاهُ أَيَّامَ سُكْنَاهُ تِلْكَ الدّارَ الْأولى في الْوَجْهِ الْمَنْهِ عَنْهُ ، وَخالَفَ أَمْرَ مَوْلاهُ ، كَذلِكَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْعُقوبَةُ الدَائِمَةُ الَّتي حَذَرَهُ إِيَّاها غَيْرَ ظالِم لَهُ ، لِما تَقَدَّمَ إِلَيْهِ ، وَأَعْلَمَهُ وَعَرَّفَهُ ، وَأَوْجَبَ لَهُ الْوَفاءَ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ، بِذلِكَ يُوصَفُ الْقادِرُ الْقاهِرُ .

وَأَمَّا الْمَوْلى : فَهُوَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ.

وَأَمَّا الْعَبْدُ : فَهُوَ ابْنُ آدَمَ الْمَخْلُوقُ .

وَالْمالُ: قُدْرَةُ اللهِ الْواسِعَةُ .

وَ مِحْنَتُهُ : إِظهارُ [هُ] الْحِكْمَةَ وَالْقُدْرَةَ .

وَالدّارُ الْفانِيَةُ : هِيَ الدُّنْيا .

وَبَعْضُ الْمالِ الَّذي مَلَكَهُ مَوْلاهُ: هُوَ الْإِسْتِطَاعَةُ الَّتِي مَلَكَ ابْنَ آدَمَ .

وَالْأُمورُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِ الْمَالِ إِلَيْهَا : هُوَ الْإِسْتِطَاعَةُ لَا تُبَاعِ الْأَنْبِياءِ وَالْإِقْرارِ بِما أَوْرَدوهُ عَنِ اللَّهِ ، وَاجْتِنابُ الْأَسْبابِ الَّتِي نَهى عَنْهَا : هِيَ طُرُقُ إِبْلِيسَ .

وَأَمَّا وَعْدُهُ: فَالنَّعيمُ الدّائِمُ ، وَهِيَ الْجَنَّةُ .

وَأَمَّا الدّارُ الْفانِيَةُ : فَهِيَ الدُّنْيا .

وَأَمَّا الدَارُ الْأُخْرى : فَهِيَ الدّارُ الْباقِيَةُ ، وَهِيَ الْآخِرَةُ.

وَالْقَوْلُ بَيْنَ الْجَبْرِ وَالتَّقْويضِ : هِيَ الْإِخْتِبارُ وَالْإِمْتِحَانُ ، وَالْبَلْوى بِالْإِسْتِطَاعَةِ الَّتى مَلَكَ الْعَبْدَ .

وَشَرْحُها فِي الْخَمْسَةِ الْأَمْثَالِ الَّتى ذَكَرَها الصَّادِقُ علیه السلام أَنَّها جَمَعَتْ جَوامِعَ الْفَضْلِ ، وَأَنا مَفسِّرُها بِشَواهِدَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْبَيانِ إِنْ شَاءَ اللهُ.

إنّ هذا المثال الذي أقامه الإمام علیه السلام صريح واضح في أنّ الإنسان يملك إرادته

واختياره ، فهو إذ يطيع الله فإنّما يطيعه عن رضىّ واختيار وليس مجبوراً على ذلك ، وكذلك في حال عصيانه ، وخروجه عن سلطنة مولاه ، وعلى هذا الاختيار يبتني الأمر بين الأمرين، وهي الفكرة الرائعة التي تبنّاها أئمّة أهل البيت علیهم السلام.

ولنستمع إلى حديث الإمام علیه السلام ، قال :

أَمَا قَوْلُ الصَّادِقِ علیه السلام فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَمَالُ الْخَلْقِ لِلْإِنْسَانِ ، وَكَمَالُ الْحَوَاسِ وَثَباتُ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ، وَإِطْلاقُ اللَّسانِ بِالنُّطْقِ ، وَذلِكَ قَوْلُ اللهِ : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُم فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً )(1).

فَقَدْ أَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ تَفْضِيلِهِ بَنِي آدَمَ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ مِنَ الْبَهَائِم وَالسِّباع وَدَوابِّ الْبَحْرِ ، وَالطَّيْرِ وَكُلٌّ ذِي حَرَكَةٍ تُدْرِكُهُ حَواس بَني آدَمَ بِتَمْيِيزِ الْعَقْلِ وَالنُّطْقِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ:( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمِ )(2)، وَقَوْلُهُ : ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ )(3)وَفِي آياتٍ كَثِيرَة.

فَأَوَّلُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسانِ صِحَّةُ عَقْلِهِ ، وَتَفْضِيلُهُ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ بِكَمالِ الْعَقْلِ وَتَمْيِيزِ الْبَيانِ ، وَذلِكَ أَنَّ كُلَّ ذِي حَرَكَةٍ عَلَىٰ بَسِيطِ الْأَرْضِ


1) الإسراء :70:17 .

2) التين 95: 4 .

3) الانفطار 82 : 6 - 8 .

هُوَ قائِمٌ بِنَفْسِهِ بِحَواسِهِ ، مُسْتَكْمِل في ذاتِهِ ، فَفَضَّلَ بَنِي آدَمَ بِالنُّطْقِ الَّذِي لَيْسَ في غَيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ الْمُدْرِكِ بِالْحَواس.

فَمِنْ أَجْلِ النُّطْقِ مَلَكَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ غَيْرَهُ مِنَ الْخَلْقِ ، حَتَّى صَارَ آمِراً ناهِياً ، وَغَيْرُهُ مُسَخَّراً لَهُ ، كَما قالَ اللهُ: (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ )(1).

وَقالَ : ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا )(2).

وَقالَ : ( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ )(3).

فَمِنْ أَجْلِ ذلِكَ دَعَا اللهُ الْإِنْسانَ إِلَى اتِّباع أَمْرِهِ ، وَإِلَى طَاعَتِهِ بِتَفْضِيلِهِ إِيَّاهُ بِاسْتِواءِ الْخَلْقِ ، وَكَمَالِ النُّطْقِ ، وَالْمَعْرِفَةِ بَعْدَ أَنْ مَلَّكَهُمُ اسْتِطَاعَةَ ما كانَ تَعَبَّدَهُمْ بِهِ ، بِقَوْلِهِ : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا )(4).

وَقَوْلِهِ : لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا (5).


1) الحجّ 22 : 37 .

2) النحل 16: 14 .

3) النحل 16: 5 - 7 .

4) التغابن 64: 16 .

5) البقرة 2 : 286 .

وَقَوْلِهِ : ( لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا )(1)، وَفِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ.

فَإِذا سَلَبَ مِنَ الْعَبْدِ حاسَةً مِنْ حَواسِهِ رَفَعَ الْعَمَلَ عَنْهُ بِحاسَتِهِ ، كَقَوْلِهِ :( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ) الْآيَة(2)، فَقَدْ رَفَعَ عَنْ كُلِّ مَنْ كانَ بِهَذِهِ الصَّفَةِ الْجِهَادَ ، وَجَميعَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا يَقومُ بِها.

وَكَذلِكَ أَوْجَبَ عَلَى ذِي الْيَسَارِ الْحَجَّ وَالزَّكاةَ لِما مَلَّكَهُ مِن اسْتِطَاعَةِ ذلِكَ ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَى الْفَقِيرِ الزَّكَاةَ وَالْحَجَّ؛ قَوْلُهُ : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )(3).

وَقَوْلُهُ - فِى الظَّهار - : ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ( إِلى قَوْلِهِ : فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مسكيناً ) (4).

كُلُّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعالى - لَمْ يُكَلِّفْ عِبادَهُ إِلَّا ما مَلَّكَهُمُ اسْتِطَاعَتَهُ بِقُوَّةِ الْعَمَل بِهِ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مِثْل ذلِكَ ، فَهَذِهِ صِحَةُ الْخِلْقَةِ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : « تَخْلِيَةُ السَّرْبِ»، فَهُوَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رَقِيبٌ يَحْظُرُ عَلَيْهِ ، وَيَمْنَعُهُ الْعَمَلَ بِما أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِيمَنِ اسْتُضْعِفَ ، وَحُظِرَ عَلَيْهِ


1) الطلاق 7:65 .

2) النور 24: 61 .

3) آل عمران 3: 97 .

4) المجادلة 58: 3 و 4 .

الْعَمَلُ ، فَلَمْ يَجِدْ حِيلَةً ، وَلَا يَهْتَدى سَبيلاً ، كَما قالَ اللهُ تعالى :

(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً )(1)، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُسْتَضْعَفَ لَمْ يُخَلَّ سَرْبُهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ شَيْءٌ ، إِذا كانَ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ .

وَأَمَّا «الْمُهْلَةُ فِي الْوَقْتِ» فَهُوَ الْعُمْرُ الَّذِي يُمَتَّعُ بِهِ الْإِنْسانُ مِنْ حَدَّ ما تَجِبُ عَلَيْهِ الْمَعْرِفَةُ إِلى أَجَلِ الْوَقْتِ ، وَذلِكَ مِنْ وَقْتِ تَمْيِيزِهِ وَبُلُوغِهِ الْحُلُمَ إِلى أَنْ يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ.

فَمَنْ ماتَ عَلَى طَلَبِ الْحَقِّ وَلَمْ يُدْرِكْ كَمَالَهُ فَهُوَ عَلى خَيْرٍ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ )(2)وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْمَلْ بِكَمَالِ شَرائِعِهِ لِعِلَّةٍ ما لَمْ يُمْهِلْهُ فِي الْوَقْتِ إِلَى اسْتِثْمَامِ أَمْرِهِ .

وَقَدْ حَظَرَ عَلَى الْبَالِغِ مَا لَمْ يَحْظُرْ عَلَى الطَّفْلِ إِذا لَمْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ في قَوْلِهِ : (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِن أَبْصَارِهِنَّ ) الْآيَةِ (3)، فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِنَّ حَرَجاً فِي إِبْداءِ الزِّينَةِ لِلطَّفْلِ وَكَذلِكَ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكامُ .


1) النساء 4: 98 .

2) النساء 4 : 100 .

3) النور 24: 31 .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : « الزَادُ » فَمَعْناهُ الْجِدَةُ(1)وَالبَلْغَةُ التي يَسْتَعينُ بِها الْعَبْدُ عَلى ما أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ) الْآيَة(2).

أَلَا تَرى أَنَّهُ قَبِلَ عُذْرَ مَنْ لَمْ يَجِدْ ما يُنْفِقُ ، وَأَلْزَمَ الْحُجَّةَ كُلَّ مَنْ أَمْكَنَتْهُ الْبَلْغَةُ وَالرّاحِلَةُ لِلْحَجِّ وَالْجِهَادِ ، وَأَشْبَاهِ ذلِكَ ؟

وَكَذلِكَ قَبِلَ عُذْرَ الْفُقَراءِ ، وَأَوْجَبَ لَهُمْ حَقًّا فِي مَالِ الْأَغْنِياءِ بِقَوْلِهِ :( لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) الآية(3)، فَأَمَرَ بِإِعْفَائِهِمْ ، وَلَمْ يُكَلِّفُهُمُ الْإِعْدادَ لِما لَا يَسْتَطيعونَ وَلَا يَمْلِكُونَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ :«في السَّبَبِ الْمُهَيّج » فَهُوَ النِّيَّةُ الَّتِي هِيَ داعِيَةُ الْإِنْسانِ إِلَى جَمِيعِ الْأَفْعَالِ وَحَاسَتُهَا الْقَلْبُ ، فَمَنْ فَعَلَ فِعْلَا، وَكَانَ بِدِينٍ لَمْ يَعْقِدْ قَلْبُهُ عَلى ذلِكَ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ عَمَلاً إِلَّا بِصِدْقِ النِّيَّةِ ، وَلِذلِكَ أَخْبَرَ عَن الْمُنافِقِينَ بِقَوْلِهِ : ( يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ )(4).

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صلی الله علیه وآله وسلم تَوْيِيخاً لِلْمُؤْمِنِينَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا


1) الجدة - بالكسر- : الغنى والقدرة .

2) التوبة 9: 91 .

3) البقرة 2: 273 .

4) آل عمران 3 : 167 .

لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) الآية(1).

فَإِذا قالَ الرَّجُلُ قَوْلَهُ وَاعْتَقَدَ فِي قَوْلِهِ ، دَعَتْهُ النَّيَّةُ إِلَىٰ تَصْدِيقِ الْقَوْلِ بِإِظْهَارِ الْفِعْلِ ، وَإِذَا لَمْ يَعْتَقِدِ الْقَوْلَ لَمْ تَتَبَيَّنْ حَقيقَتُهُ.

وَقَدْ أَجازَ اللَّهُ صِدْقَ النّيَّةِ وَإِنْ كانَ الْفِعْلُ غَيْرَ مُوافِقٍ لَها ، لِعِلَّةٍ مانع يَمْنَعُ إِظْهَارَ الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ )(2).

وَقَوْلِهِ : ( لَا يُؤَاخِدُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ )(3).

فَدَلَّ الْقُرْآنُ وَأَخْبارُ الرَّسولِ صلی الله علیه وآله وسلم أَنَّ الْقَلْبَ مَالِكَ لِجَميعِ الْحَواس لال يُصَرِّحُ أَفْعالَها ، وَلَا يُبْطِلُ ما يُصَرِّحُ الْقَلْبُ شَيْءٌ .

فَهذا شَرْحُ جَميعِ الْخَمْسَةِ الْأَمْثَالِ الَّتي ذَكَرَها الصَّادِقُ علیه السلام أَنَّها تَجْمَعُ الْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ ، وَهُما الْجَبْرُ وَالتَّفْويض.

فَإِذا اجْتَمَعَ فِي الْإِنْسَانِ كَمَالُ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْأَمْثَالِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ كَمَلاً لِما أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَرَسُولُهُ ، وَإِذا نَقَصَ الْعَبْدُ مِنْها خِلَّةً كانَ الْعَمَلُ عَنْها مَطروحاً بِحَسَبِ ذلِكَ.

لقد شرح الإمام علیه السلام الأمثال الخمسة التي أدلى بها الصادق علیه السلام ، ونظر الإمام إلى أعماق هذه الأمور وبيّن فلسفتها بأسلوبه المنطقي الرائع ، ثمّ قال علیه السلام :


1) الصفّ 61 : 2 و 3 .

2) النحل 106:16 .

3) البقرة 2: 225 .

فَأَمَّا شَواهِدُ الْقُرْآنِ عَلَى الْإِخْتِبَارِ وَالْبَلْوى بِالْإِسْتِطَاعَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الْقَوْلَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَكَثِيرَةٌ ، وَمِنْ ذلِكَ قَوْلُهُ : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ )(1).

وَقالَ : ( سَنَسْتَدْرِجُهُم مِن حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ )(2).

وَقالَ : ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ) (3).

وَقالَ - في الْفِتَنِ الَّتي مَعْناها الْإِخْتِبارُ : ( وَلَقَدْ فتَنَا سُلَيْمانَ) الْآيَة (4).

وَقالَ فِي قِصَّةِ مُوسَى علیه السلام : (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ) . وَقَوْلُ مُوسى : ( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ )(5)أَي اخْتِبارُكَ .

فَهَذِهِ الْآيَاتُ يُقاسُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ، وَيَشْهَدُ بَعْضُها لِبَعْضٍ .

وَأَمَّا آيَاتُ الْبَلْوى بِمَعْنَى الْإِخْتِبَارِ قَوْلُهُ : ( لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ )(6).

وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيُبْتَلِيكُمْ )(7).


1) محمّد صلی الله علیه وآله وسلم31:47 .

2) الأعراف 7: 182 .

3) العنكبوت 29 : 2.

4) ص 34:38 .

5) الأعراف 7 : 155 .

6) المائدة 5: 48 .

7) آل عمران 3 : 152.

وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) (1).

وَقَوْلُهُ :( خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (2).

وَقَوْلُهُ : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ )(3).

وَقَوْلُهُ : ( وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَا نَتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِيَبْلُوا بَعْضَكُم بِبَعْضٍ(4).

وَكُلُّ ما فِي الْقُرْآنِ مِنْ بَلْوى هذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي شَرَحَ أَوَّلَهَا فَهِيَ اخْتِبَارٌ ،وَأَمْثَالُها فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ ، فَهِيَ إِثْبَاتُ الْإِخْتِبَارِ وَالْبَلْوى .

إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ عَبَثاً ، وَلَا أَهْمَلَهُمْ سُدى ، وَلَا أَظْهَرَ حِكْمَتَهُ لَعِباً ، وَبِذلِكَ أَخْبَرَ فِي قَوْلِهِ : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًاً )(5).

فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا يَكُونُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى اخْتَبَرَهُمْ؟

قُلْنَا : بَلَى ، قَدْ عَلِمَ ما يَكونُ مِنْهُمْ قَبْلَ كَوْنِهِ ، وَذلِكَ قَوْلُهُ : ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ )(6)، وَإِنَّمَا اخْتَبَرَهُمْ لِيُعْلِمَهُمْ عَدْلَهُ ، وَلَا يُعَذِّبَهُمْ إِلَّا بِحُجَّةٍ بَعْدَ الْفِعْلِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِقَوْلِهِ : ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِن


1) القلم 68: 17 .

2) الملك 2:67 .

3) البقرة 2: 124 .

4) محمّد صلی الله علیه وآله وسلم 47: 4.

5) المؤمنون 23 : 115 .

6) الأنعام 6: 28 .

قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً )(1).

وقَوْلِهِ : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً )(2).

وَقَوْلِهِ :( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ )(3).

فَالْإِخْتِبارُ مِنَ اللهِ بِالْإِسْتِطَاعَةِ الَّتي مَلَّكَهَا عَبْدَهُ، وَهُوَ الْقَوْلُ بَيْنَ الْجَبْرِ وَالتَّقْويضِ ، وَبِهَذا نَطَقَ الْقُرْآنُ ، وَجَرَتِ الْأَخْبارُ عَنِ الْأَئِمَّةِ مِنْ آلِ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم .

فَإِنْ قالُوا: ما الْحُجَّةُ في قَوْلِ اللهِ : ( يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ )(4)وَما أَشْبَهَها ؟

قيلَ : مَجازُ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا عَلَى مَعْنَيَيْنِ :

أَمَّا أَحَدُهُما : فَإِخْبَارٌ عَنْ قُدْرَتِهِ ، أَيْ إِنَّهُ قادِرٌ عَلَى هِدايَةِ مَنْ يَشَاءُ ، وَضَلالٍ مَنْ يَشَاءُ ، وَإِذا أَجْبَرَهُمْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى أَحَدِهِما لَمْ يَجِبْ لَهُمْ ثَوَابٌ ، وَلَا عَلَيْهِمْ عِقابٌ عَلَى نَحْوِ مَا شَرَحْنَا فِي الْكِتَابِ .

وَالْمَعْنَى الْآخَرُ: أَنَّ الهدايَةَ مِنْهُ تَعْريفُهُ ، كَقَوْلِهِ :( وَأَمَّا ثَمُودُ


1) طه 20 : 134 .

2) الإسراء 17 : 15 .

3) النساء 4: 165 .

4) النحل 16: 93 .

فَهَدَيْنَاهُمْ )(1)أَيْ عَرَّفْنَاهُمْ ، (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى )(2)، فَلَوْ أَجْبَرَهُمْ عَلَى الْهُدى لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَضِلُّوا.

وَلَيْسَ كُلَّما وَرَدَتْ آيَةٌ مُشْتَبِهَةٌ كَانَتِ الْآيَةُ حُجَّةً عَلَى مُحْكَمِ الْآيَاتِ اللواتي أُمِرْنا بِالْأَخْذِ بِها ، مِنْ ذلِكَ قَوْلُهُ : ( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ) الْآيَة(3).

وَقالَ: ( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )(4)أَيْ أَحْكَمَهُ وَأَشْرَحَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ)(5).

وَفَّقَنا اللهُ وَإِيَّاكُمْ إِلَى الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لَما يُحِبُّ وَيَرْضى ، وَجَنَّبَنا وَإِيَّاكُمْ مَعاصِيَهُ ، بِمَنْهِ وَفَضْلِهِ.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثيراً كَما هُوَ أَهْلُهُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبينَ ، وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكيلُ»(6).

وانتهت هذه الرسالة التي تمثّل جانباً أصيلاً من الثروات العلميّة الهائلة التي


1) فصّلت 17:41 .

2) فصّلت 17:41 .

3) آل عمران 3: 7 .

4) الزمر :39 17 و 18 .

5) الزمر 39 : 18 .

6) تحف العقول : 458 - 475 . ورواه الطبرسي في الاحتجاج بصورة موجزة .

يملكها الإمام الهادي علیه السلام ، فقد فنّد فيها أوهام الأشاعرة والمعتزلة ، وأثبت بالأدلّة الحاسمة « الأمر بين الأمرين» ، وهي الفكرة الرائعة التي يذهب إليها أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض البحوث الكلاميّة والفلسفيّة التي خاضها

الإمام علیه السلام .

أدعيته عليه السلام

اشارة

أمّا أدعية أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، فإنّها تمثّل روعة التراث الإسلامي وأصالته ، وقد حفلت بما يلي:

1 - إنّها وضعت قواعد السلوك ، وأصول الأخلاق ، وما تزدهر به الشخصيّة من القوى الروحيّة الواعية .

2 - إنّها تشتمل على وثائق سياسيّة خطيرة ، فهى تمثّل مدى الاضطهاد والوز الذي مُني به العالم الإسلامي في تلك العصور من قِبل الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين الذين لم يألوا جهداً في ظلم الناس وإرغامهم على ما يكرهون .

3 - إنّها تمثّل انقطاع الأئمّة إلى الله والتجاءهم إليه ، وإنّهم قد آمنوا به بمشاعرهم وعواطفهم وقلوبهم .

هذه بعض ما احتوت عليه أدعية الأئمّة علیهم السلام من الخصائص ، ونعرض إلى بعض أدعية الإمام الهادي علیه السلام، وقد ذكرنا بعضاً منها عند التحدّث عن عبادته ، وفيما يلي ذلك :

دعاؤه علیه السلام عند الشدائد

من أدعيته علیه السلام هذا الدعاء الشريف ، وكان يدعو به إذا ألمّت به حادثة أو حلّ به خطب ، أو أراد قضاء حاجة مهمّة له ، ويقول الرواة : « إنّه قبل أن يدعو به يصوم يوم الأربعاء والخميس والجمعة ، ثمّ يغتسل في أوّل يوم الجمعة ، ويتصدّق على مسكين ، ويجلس تحت السماء ، ويصلّي أربع ركعات يقرأ في الركعة الأولى سورة الحمد وسورة يس ، وفي الثانية سورة الحمد وحم الدخان ، وفي الثالثة سورة الحمد

مع سورة الواقعة، وفي الرابعة سورة الحمد وسورة تبارك ، وإذا فرغ منها بسط راحتيه إلى السماء ، ودعا بإخلاص بهذا الدعاء(1).

وقد جاء فيه بعد البسملة :

اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْداً يَكونُ أَحَقَّ الْحَمْدِ بِكَ ، وَأَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ ، وَأَوْجَبَ الْحَمْدِ بِكَ ، وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ ، وَلَكَ الْحَمْدُ كَما أَنْتَ أَهْلُهُ، وَكَما رَضِيتَ لِنَفْسِكَ ، وَكَما حَمِدَكَ مَنْ رَضِيتَ حَمْدَهُ مِنْ جَمِيعَ خَلْقِكَ ، وَلَكَ الْحَمْدُ كَمَا حَمِدَكَ بِهِ جَمِيعُ أَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ وَمَلائِكَتِكَ ، وَكَما يَنْبَغِي لِعِزِّكَ وَ كِبْرِيائِكَ وَعَظَمَتِكَ ، وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْداً تَكِلُّ الْأَلْسُنُ عَنْ صِفَتِهِ ، وَيَقِفُ الْقَوْلُ عَنْ مُنْتَهاه ، وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْداً لَا يَقْصُرُ عَنْ رِضاكَ وَلَا يَفْضُلُهُ شَيْءٌ مِنْ مَحامِدِكَ .

اللّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ فِى السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ ، وَالشِّدَّةِ وَالرَّخاءِ ، وَالْعافِيَةِ وَالْبَلاءِ ، وَالسِّنينَ وَالدُّهورِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى آلَائِكَ وَنَعْمَائِكَ عَلَيَّ وَعِنْدِي ، وَعَلَى مَا أَوْلَيْتَني وَأَبْلَيْتَني وَعَافَيْتَنِي وَرَزَقْتَنِي وَأَعْطَيْتَنِي وَفَضَّلْتَني وَشَرَّفْتَني وَكَرَّمْتَنِي وَهَدَيْتَني لِدِينِكَ ، حَمْداً لَا يَبْلُغُهُ وَصْفُ واصِفٍ ، وَلَا يُدْرِكُهُ قَوْلُ قائِل .

اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْداً فيما آتَيْتَهُ إِلَيَّ مِنْ إِحْسَانِكَ عِنْدِي ، وَإِفْضَالِكَ عَلَيَّ، وَ وَتَفَضْلِكَ إِیّايَ عَلى غَيْرِي ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ما سَوَّيْتَ مِنْ


1) وسائل الشيعة : 5 : 62 ، الحديث 16 .

خَلْقي ، وَأَدَّبْتَنِي فَأَحْسَنْتَ أَدَبِي مَنَّا مِنْكَ عَلَيَّ لَا لِسابِقَةٍ كَانَتْ مِنِّي ، فَأَيَّ النِّعَم يا رَبِّ لَمْ تَتَّخِذْ عِنْدِي ، وَأَيَّ شَكْرٍ لَمْ تَسْتَوْجِبْ مِنِّي ، رَضِيتُ بِلُطْفِكَ لُطْفاً وَبِكِفايَتِكَ مِنْ جَميعِ الْخَلْقِ خَلْقاً.

يا رَبِّ أَنْتَ الْمُنْعِمُ عَلَيَّ ، الْمُحْسِنُ الْمُتَفَضَّلُ الْمُجْمِلُ ، ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ، وَالْفَواضِلِ وَالنَّعَمِ الْعِظامِ ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ذلِكَ يَا رَبِّ، لَمْ تَخْذُلْني فِي شَدِيدَةٍ ، وَلَمْ تُسْلِمْني بِجَريرَةِ ، وَلَمْ تَفْضَحْني بِسَريرَةِ ، لَمْ تَزَلْ نَعْمَاؤُكَ عَلَيَّ عامَّةٌ عِنْدَ كُلِّ عُسْرِ وَيُسْرِ، أَنْتَ حَسَنُ الْبَلاءِ، وَلَكَ عِنْدِي قَديمُ الْعَفْوِ عَنِّي أَمْتِعْني بِسَمْعِي وَبَصَرِي وَجَوارِح--ي ، وَمَا أَقلَتِ الْأَرْضُ مِنِّي .

اللَّهُمَّ وَإِنَّ أَوَّلَ ما أَسْأَلُكَ مِنْ حاجَتي ، وَأَطْلُبُ إِلَيْكَ مِنْ رَغْبَتي. وَأَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ مَسْأَلَتِي ، وَأَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ بَيْنَ يَدَيْ طَلِبَتِي ، الصَّلاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ كَأَفْضَلِ ما أَمَرْتَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَكَأَفْضَلِ مَا سَأَلَكَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِكَ ، وَكَمَا أَنْتَ مَسْئُولٌ لَهُ وَلَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .

اللهُمَّ فَصَلِّ عَلَيْهِمْ بِعَدَدِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ ، صَلَاةٌ دائِمَةً تَصِلُها بِالْوَسيلَةِ وَالرّفْعَةِ وَالْفَضيلَةِ ، وَصَلَّ عَلَى جَميع أَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ وَعِبادِكَ الصَّالِحِينَ، وَصَلَّ اللَّهُمَّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَسَلَّمْ عَلَيْهِمْ تَسْلِيماً كَثيراً .

اللّهُمَّ وَمِنْ جودِكَ وَكَرَمِكَ أَنَّكَ لَا تُخَيِّبُ مَنْ طَلَبَ إِلَيْكَ وَسَأَلَكَ، وَرَغِبَ فيما عِنْدَكَ ، وَتُبْغِضُ مَنْ لَمْ يَسْأَلُكَ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ كِذلِكَ غَيْرَكَ ، وَطَمَعي يا رَبِّ فِي رَحْمَتِكَ، وَمَغْفِرَتِكَ، وَثِقَتِي بِإِحْسانِكَ وَفَضْلِكَ حَدانِي عَلى دُعائِكَ ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْكَ ، وَإِنْزالِ حَاجَتِي بِكَ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَمامَ مَسْأَلَتي التَّوَجُهَ بِنَبِيِّكَ الَّذي جاءَ بِالْحَقِّ وَالصِّدْقِ مِنْ عِنْدِكَ ، وَنورِكَ وَصِراطِكَ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي هَدَيْتَ بِهِ الْعِبادَ ، وَأَحْيَيْتَ بِنورِهِ الْبِلادَ ، وَخَصَصْتَهُ بِالْكَرَامَةِ ، وَأَكْرَمْتَهُ بِالشَّهَادَةِ ، وَبَعَثْتَهُ عَلَى حِينٍ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُل.

اللهُمَّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِسِرِّهِ وَعَلانِيَتِهِ ، وَسِرِّ أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ أَذْهَبْتَ عَنْهُم الرَّجْسَ وَطَهَّرْتَهُمْ تَطْهِيرًا- اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَلَا تَقْطَعْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَاجْعَلْ عَمَلي بِهِمْ مُتَقَبَلاً .

اللَّهُمَّ دَلَلْتَ عِبادَكَ عَلى نَفْسِكَ فَقُلْتَ تَبارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِ-ي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )(1).

وَقُلْتَ: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ من اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )(2).


1) البقرة 2 : 186 .

2) الزمر 39: 53 .

وَقُلْتَ : ( وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ )(1).

أَجَلْ يا رَبِّ، نِعْمَ الْمَدْعُو أَنْتَ ، وَنِعْمَ الرَّبُّ ، وَنِعْمَ الْمُجيب.

وَقُلْتَ: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيَّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنَى )(2).

وَأَنا أَدْعوكَ اللَّهُمَّ بِأَسْمائِكَ الْحُسْنَى كُلِّها ، ما عَلِمْتُ مِنْها وَما لَمْ أَعْلَمْ ، أَسْأَلُكَ بِاسْمائِكَ الَّتي إِذا دُعيتَ بِها أَجَبْتَ ، وَإِذَا سُئِلْتَ بِهَا أَعْطَيْتَ أَدْعوكَ مُتَضَرِّعاً إِلَيْكَ مِسْكِيناً ، دُعاءَ مَنْ أَسْلَمَتْهُ الغَفْلَةُ ، وَأَجْهَدَتْهُ الحاجَةُ ، أَدْعُوكَ دُعاءَ مَنِ اسْتَكانَ وَاعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ، وَرَجَاكَ لِعَظيمِ مَغْفِرَتِكَ وَجَزِيلٍ مَتُوبَتِكَ.

اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ خَصَصْتَ أَحَداً بِرَحْمَتِكَ طَائِعاً لَكَ فيما أَمَرْتَهُ ، وَعَمِلَ لك فيما لَهُ خَلَقْتَهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ ذلِكَ إِلَّا بِكَ وَبِتَوْفِيقِكَ.

اللّهُمَّ مَنْ أَعَدَّ وَاسْتَعَدَّ لِوِفادَةِ إِلى مَخْلوقٍ رَجَاءَ رَفْدِهِ وَجَوائِزِهِ، فَإِلَيْكَ يَا سَيِّدِي كَانَ اسْتِعْدادِي رَجَاءَ رِفْدِكَ وَجَوائِزِكَ ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَنْ تُعْطِيَني مَسْأَلَتي وَحاجَتي..

ثمّ سأل الإمام حاجته وطلب منه قضاءها .


1) الصافّات 37 : 75 .

2) الإسراء 17 : 110 .

وأضاف يقول : يا أَكْرَمَ الْمُنْعِمِينَ ، وَأَفْضَلَ الْمُحْسِنِينَ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَمَنْ أَرادَني بِسُوءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَأَخْرِجْ صَدْرَهُ ، وَأَفْحِمْ لِسَانَهُ ، وَاسْدُدْ بَصَرَهُ ، وَاقْمَعْ رَأْسَهُ ، وَاجْعَلْ لَهُ شُغْلاً فِي نَفْسِهِ ، وَاكْفِنِيهِ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ ، وَلَا تَجْعَلْ مَجْلسى هذا آخِرَ الْعَهْدِ مِنَ الْمَجَالِسِ الَّتِي أَدْعُوكَ بِها مُتَضرعاً إِلَيْكَ ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ فَاغْفِرْ لي ذُنوبِي كُلَّهَا مَغْفِرَةً لَا تُغادِرُ لي بِها ذَنْباً ، وَاجْعَلْ دُعائي فِي الْمُسْتَجابِ ، وَعَمَلِي فِي الْمَرْفُوعَ الْمُتَقَبَّلِ عِنْدَكَ ، وَكَلامي فيما يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنَ الْعَمَلِ الطَّيِّبِ ، وَاجْعَلْني مَعَ نَبِيِّكَ وَصَفِيَّكَ ، وَالْأَئِمَّةِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، فَبِهِمُ اللَّهُمَّ أَتَوَسَّلُ ، وَإِلَيْكَ بِهِمْ أَرْغَبُ ، فَاسْتَجِبْ دُعائي يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ، وَأَقِلْني مِنَ الْعَثَراتِ وَمَصارِع الْعَبَراتِ .

ثمّ إنّ الإمام سأل حاجته وهوى إلى السجود ، وقال :

لا إلهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَريمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، سُبْحانَ اللهِ رَبِّ السَّمَواتِ السَّبْعِ ، وَرَبِّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ ، وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ .

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِرِضاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَأَعوذُ بِكَ مِنْكَ ، لَا أَبْلُغُ مِدْحَتَكَ ، وَلَا الثَّناءَ عَلَيْكَ ، وَأَنْتَ كَما أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، اجْعَلْ حَياتِي زِيادَةً لي مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلْ وَفاتِي راحَةً لي

مِنْ كُلِّ سُوءٍ ، وَاجْعَلْ قُرَّةَ عَيْنِي فِي طَاعَتِكَ.

ثم قال :

يا ثِقَتِي وَرَجائِي لَا تُحْرِقْ وَجْهِي بِالنَّارِ بَعْدَ سُجودِي وَتَعْفِيرِي لَكَ يا سَيِّدِي مِنْ غَيْرِ مَنْ مِنِّي عَلَيْكَ ، بَلْ لَكَ الْمَنُ بِذلِكَ عَلَيَّ ، فَارْحَمْ ضَعْفِي وَرِفَّةَ جِلْدِي ، وَاكْفِني ما أَهَمَّني مِنْ أَمْرِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَارْزُقْني مُرافَقَةَ النَّبِيِّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلامُ في الدَّرَجاتِ الْعُلى مِنَ الْجَنَّةِ .

يا نور النور ، يا مُدَبِّرَ الْأمور ، یا جَوادُ ، [ يا ماجِدُ] ، يا واحِدُ یا أَحَدُ ، [یا يا صَمَدُ ، يا مَنْ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، يا مَنْ هُوَ هكذا ، وَلَا يَكونُ هَكَذَا غَيْرُهُ ، يا مَنْ لَيْسَ في السَّمَواتِ الْعُلى ، وَالْأَرَضِينَ السُّفْلَى إِلهُ سِواهُ ، يا مُعِزَّ كُلِّ ذَليل ، وَيا مُذِلَّ كُلَّ عَزيزِ، قَدْ وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ عيلَ صَبْرِي ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَفَرِّجْ عَنِّى كَذا وَكَذَا ، وَافْعَلْ بِي كَذَا وَكَذَا ، السَّاعَةَ السّاعَة ، يا أَرْحَمَ الرّاحمين(1).

أي نفس ملائكيّة مثل نفسيّة الإمام علیه السلام التي مثّلت روحانيّة الأنبياء وقداسة الأوصياء ، لقد انقطع إلى الله ، وآمن بأنّ جميع مجريات الأحداث إنّما هي بيد الله خالق الكون ، وواهب الحياة ، فاعتصم به ، والجأ جميع أموره إليه ، وما أبدع هذا الدعاء ففيه جمال التعبير ، وروعة الأدب والعرض .

دعاؤه علیه السلام عند عند النوم

ومن أدعيته الشريفة هذا الدعاء ، وكان يدعو به إذا أراد النوم ، أو انتبه من نومه ، وهذا نصّه :


1) مصباح المتهجّد : 343 - 347 .

«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ السَّمَواتِ السَّبْع وَما فِيهِنَّ ، وَرَبِّ الْأَرَضِينَ السَّبْع وَما فيهِنَّ ، وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»(1).

لقد كان الإمام علیه السلام يردّد هذا الدعاء في أكثر أوقاته ، وهو ينمّ عن مدى تعلّق الإمام علیه السلام بالله .

دعاء الاعتصام

ومن أدعيته هذا الدعاء الشريف الذي يعتصم فيه بالله ، وهذا نصّه :

يا عُدَّتى عِنْدَ الْعُدَدِ ، وَيا رَجائى وَالْمُعْتَمَدُ ، وَيا كَهْفِي وَالسَّنَدُ ، وَيا واحِدُ یا أَحَدُ ، يا قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، أَسْأَلُكَ بحَقِّ مَنْ خَلَقْتَهُ مِنْ خَلْقِكَ ، وَلَمْ تَجْعَلْ فِي خَلْقِكَ مِثْلَهُمْ أَحَداً ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ»(2).

ومثّل هذا الدعاء مدى اعتصام الإمام بالله وانقطاعه إليه .

دعاؤه علیه السلام للاستعاذة من الشيطان

وكان الإمام علیه السلام لا يدعو بهذا الدعاء الشريف للاستعاذة من شرّ الشيطان الرجيم ، وقد جاء فيه بعد البسملة :

«يا عَزِيزَ الْعِزَّ في عِزّهِ ، ما أَعَزَّ عَزِيزَ الْعِزَّ فِي عِزَّهِ ، يَا عَزِيزُ أَعِزَّني بِعِزَّكَ وَأَيَّدْني بِنَصْرِكَ ، وَادْفَعْ عَنِّي هَمَزاتِ الشَّيَاطِينِ ، وَادْفَعْ عَنِّي بِدَفْعِكَ ،


1) المقنع : 545 .

2) أمالي الطوسي : 286 . عدّة الداعي : 57 .

وَامْنَعْ بِصُنْعِكَ ، وَاجْعَلْني مِنْ خِيارِ خَلْقِكَ ، يا واحِدُ یا أَحَدُ ، يا فَرْدُ با صَمَدُ» (1).

دعاء جليل

من أدعيته هذا الدعاء الجليل ، وقد رواه الطبرسي بسنده عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري ، قال : «كتبت إلى الإمام الهادي : بعض مواليه يسأله شيئاً من الدعاء ، فكتبت علیه السلام له بهذا الدعاء :

يا أَسْمَعَ السّامِعِينَ ، وَيا أَبْصَرَ الْمُبْصِرِينَ ، وَيَا أَنْظَرَ النَّاظِرِينَ ، وَيَا أَسْرَعَ الْحاسِبينَ ، وَيا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ، وَيَا أَحْكَمَ الْحَاكِمِينَ.

صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَوْسِعْ لي في رِزْقي ، وَمُدَّ لي عُمْرِي ، وَامْنُنْ عَلَيَّ بِرَحْمَتِكَ ، وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ تَنْتَصِرُ بِهِ لِدِينِكَ ، وَلَا تَسْتَبْدِلْ فِي غَيْرِي»(2).

دعاؤه علیه السلام فى أول ليلة من رجب

« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَا تَنْفَدُ خَزائِنُهُ ، وَلَا يَخافُ آمِنُهُ رَبِّ إِنِ ارْتَكَبْتُ الْمَعاصِيَ ، فَذلِكَ ثِقَةٌ مِنِّي بِكَرَمِكَ ، إِنَّكَ تَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِكَ ، وَتَعْفُو عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ ، وَتَغْفِرُ الزَّلَلَ ، وَإِنَّكَ مُجيب لداعيكَ وَمِنْهُ قِريبٌ ، فَأَنَا تَائِبٌ إِلَيْكَ مِنَ الْخَطايا ، وَراغِبٌ إِلَيْكَ فِي تَوْفِيرِ حَظَّي مِنَ الْعَطايا .


1) عيون أخبار الرضا علیه السلام : 2 64. بحار الأنوار: 91: 187.

2) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 285 .

يا خالِقَ الْبَرايا ، يا مُنْقِذِي مِنْ كُلَّ شَديدٍ ، يَا مُجيري مِنْ كُلِّ مَحْذُورٍ ، وَفِّرْ عَلَى السُّرُورَ ، وَاكْفِنِي شَرَّ عَواقِبِ الْأُمُورِ ، فَإِنَّكَ اللهُ عَلَى نَعْمَائِكَ وَجَزيلِ عَطائِكَ مَشْكُورٌ ، وَلِكُلِّ خَيْرِ مَذْخُورٌ» (1).

دعاؤه علیه السلام في اليوم الرابع والخامس عشر من الشهر

«سُبْحانَ مَنْ هُوَ دائِمٌ لَا يَسْهو ، سُبْحانَ مَنْ هُوَ قائِمٌ لَا يَلْهو ، سُبْحانَ مَنْ هُوَ غَنِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ ، سُبْحانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ»(2).

دعاؤه علیه السلام في كشف المهمّات

«يا مَنْ تُحَلُّ بِاسْمائِهِ عُقَدُ الْمَكَارِهِ ، وَيَا مَنْ يُفَلُّ بِذِكْرِهِ حَدُّ الشَّدائِدِ ، وَيا مَنْ يُدْعَى بِأَسْمَائِهِ الْعِظامِ مِنْ ضِيقِ الْمَخْرَجَ إِلى مَحَلِّ الْفَرَج.

ذَلَّتْ لِقُدْرَتِكَ الصَّعابُ ، وَتَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الْأَسْبَابُ ، وَجَرىٰ بِطَاعَتِكَ الْقَضاءُ ، وَمَضَتْ عَلَى ذِكْرِكَ الْأَشْياءُ ، فَهِيَ بِمَشِيَّتِكَ دونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ ، وَبِإِرادَتِكَ دونَ وَحْيِكَ مُنْزَجِزَةٌ.

وَأَنْتَ الْمَرْجُو لِلْمُهِمّاتِ ، وَأَنْتَ الْمَفْزَعُ لِلْمُلِمَاتِ ، لَا يَنْدَفِعُ مِنْها إِلَّا ما دَفَعْتَ ، وَلَا يَنْكَشِفُ مِنْهَا إِلَّا ما كَشَفْتَ ، وَقَدْ نَزَلَ بِي مِنَ الْأَمْرِ ما قَدْ فَدَحَنِي ثِقْلُهُ، وَحَلَّ بِي مِنْهُ ما بَهَظَني حَمْلُهُ ، وَبِقُدْرَتِكَ أَوْرَدْتُ


1) مصباح المتهجّد : 799 860 . إقبال الأعمال: 3 : 188 .

2) الدعوات : 94 .

عَلَيَّ ذلِكَ ، وَبِسُلْطانِكَ وَجَّهْتَهُ إِلَيَّ ، فَلَا مُصْدِرَ لِما أَوْرَدْتَ ، وَلَا مُيسر لِما عَسَّرْتَ ، وَلَا صارِفَ لِما وَجَهْتَ ، وَلَا فَاتِحَ لِما أَغْلَقْتَ ، وَلَا مُغْلِقَ لِما فَتَحْتَ ، وَلَا نَاصِرَ لِمَنْ خَذَلْتَ ، إِلَّا أَنْتَ .

صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَافْتَحْ لي يا رَبِّ بِابَ الْفَرَج بِطَوْلِكَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سُلْطَانَ الْهَمَّ بِحَوْلِكَ ، وَأَنِلْني حُسْنَ النَّظَرِ فيما شَكَوْتُ ، وَارْزُقْني حَلاوَةَ الصُّنْع فيما سَأَلْتُكَ ، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ فَرَجاً وَحِياً ، وَاجْعَلْ لى مِنْ عِنْدِكَ مَخْرَجاً هَنيئاً.

وَلَا تَشْغَلْني بِالْإِهْتِمَامِ عَنْ تَعَاهُدِ فُرُوضِكَ ، وَاسْتِعْمَالِ سُنَّتِكَ ، فَقَدْ ضِقْتُ بِمَا نَزَلَ بي يا رَبِّ ذَرْعاً ، وَامْتَلَاتُ بِحَمْلِ مَا حَدَثَ عَلَيَّ جَزَعاً.

وَأَنْتَ الْقادِرُ عَلَى كَشْفِ ما بُليتُ بِهِ ، وَدَفْعِ ما وَقَعْتُ فِيهِ ، فَافْعَلْ بي ذلِكَ ، وَإِنْ كُنْتُ غَيْرَ مُسْتَوْجِبِهُ مِنْكَ ، ياذَا الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، وَذَا الْمَنَّ الْكَرِيمِ ، فَأَنْتَ قادِرٌ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ، آمِينَ رَبَّ الْعالَمينَ»(1).

دعاؤه علیه السلام في الاحتجاب

«(وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً


1) المصباح : 233 . إقبال الأعمال : 1: 252 .

مَسْتُوراً * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً )(1).

(وَإِذَا قَرَأَتْ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانُ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلونَ )(2).

عَلَيْكَ يا مَوْلايَ تَوَكُلي ، وَأَنْتَ حَسْبِي وَأَمَلِي ،( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )(3)، تَبَارَكَ إِلهُ إِبْراهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، رَبُّ الْأَرْبابِ ، وَمَالِكُ الْمُلوكِ ، وَجَبَارُ الْجَبَابِرَةِ ، وَمَلِكُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، رَبِّ أَرْسِلْ إِلَيَّ مِنْكَ رَحْمَةً يَا رَحِيمُ ، أَلْبِسْنِي مِنْكَ عافِيَةً ، وَازْرَعْ فِي قَلْبِي مِنْ نُورِكَ ، وَاخْبَاني مِنْ عَدُوِّكَ ، وَاحْفَظْني فِي لَيْلي وَنَهارِي بِعَيْنِكَ ، يا أُنْسَ كُلِّ مُسْتَوْحِشِ ، وَإِلَهَ الْعالَمينَ .

(قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ )(4)، حَسْبِيَ اللَّهُ كَافِياً وَمُعيناً وَمَعافِياً ، (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )(5)»(6).


1) الإسراء 17: 45 و 46 .

2) النحل 16 : 98 و 99 .

3) الطلاق 65: 3 .

4) الأنبياء 21 : 42 .

5) التوبة 9: 129 .

6) المصباح : 218 . بحار الأنوار: 91: 377 . مهج الدعوات : 359 و 360 .

دعاؤه علیه السلام في الاحتراز من الشرور

«يا نُورُ يا بُرْهانُ ، يا مُبِينُ یا مَتينُ ، يَا رَبِّ اكْفِنِي شَرَّ الشُّرُورِ ، وَآفَاتِ الدهورِ ، وَأَسْأَلُكَ النَّجاةَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ»(1).

دعاؤه علیه السلام لدفع النحوس والمخاوف

«أَصْبَحْتُ اللَّهُمَّ مُعْتَصِماً بِذِمَامِكَ الْمَنيعِ الَّذِي لَا يُطاوَلُ وَلَا يُحاوَلُ ، مِن شَرِّ كُلِّ عَاشِمٍ وَطَارِقٍ مِنْ سَائِرِ مَنْ خَلَقْتَ وَمَا خَلَقْتَ ، مِنْ خَلْقِكَ الصَّامِتِ وَالنَّاطِقِ ، في جُنَّةٍ مِنْ كُلِّ مَخُوفٍ بِلِبَاسِ سَابِغَةٍ بِوِلاءُ أَهْلِ بَيْتِ

مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ .

مُحْتَجِباً مِنْ كُلِّ قاصِدٍ لي إِلى أَذِيَّةٍ بِجِدارِ حَصِينِ الْإِخْلَاصِ في الْإِعْتِرافِ بِحَقِّهِمْ ، وَالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِهِمْ. مُوقِنَا أَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَمَعَهُمْ وَمِنْهُمْ وَفِيهِمْ وَبِهِمْ ، أوالي مَنْ والَوْا، وَأَجانِبُ مَنْ جَانَبُوا ، وَأَحارِبُ مِنْ حارَبُوا . فَصَلَّ اللَّهُمَّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاعِذْنِي اللهُمَّ بِهِمْ مِنْ شَرِّ كُلِّ مَا أَتَقيِهِ ، يا عَظِيمُ حَجَزْتُ الْأَعادِيَ عَنِّي بِبَدِيعِ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ ، إِنَّا (جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَداً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداً فَاغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)(2)»(3).


1) المصباح : 305 . بحار الأنوار: 36: 207.

2) يس 36: 9.

3) مصباح المتهجّد : 92 . مفتاح الفلاح : 68 .

دعاؤه علیه السلام لقضاء الحوائج

«يا بار ، يا وَصولُ ، یا شاهِدَ كُلِّ غائِبِ ، وَيَا قَريبُ غَيْرَ بَعِيدٍ وَيا غالِبُ غَيْرَ مَغْلُوبٍ ، وَيا مَنْ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ ، يا مَنْ لَا تُبْلَغُ قُدْرَتُهُ.

أَسْأَلُكَ اللهُمَّ بِاسْمِكَ الْمَكْنونِ الْمَخْرُونِ ، الْمَكْتُومِ عَمَّنْ شِئْتَ ، الطَّاهِرِ الْمُطَهَّرِ الْمُقَدَّسِ النُّورِ التّام ، الْحَيُّ الْقَيُّومِ العَظيمِ، نُورِ ، السَّمَواتِ وَالْأَرَضِينَ ، عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبيرِ الْمُتَعالِ الْعَظيم ، صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ »(1).


1) جمال الاسبوع: 180. بحار الأنوار: 88: 189.

مناجاته عليه السلام

اشارة

كان الإمام أبو الحسن الهادي يناجي الله تعالى في غلس الليل البهيم بقلب خاشع ، ونفس آمنة مطمئنّة ، وقد أثر عنه في ذلك ما يلي :

1 - كان يقول في مناجاته علیه السلام :

إلهي مُسِيءٌ قَدْ وَرَدَ ، وَفَقيرٌ قَدْ قَصَدَ ، لَا تُخَيِّبْ مَسْعاهُ ، وَارْحَمْهُ وَاغْفِرْ لَهُ خَطاه»(1).

2 - من مناجاته علیه السلام

إِلهي صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْحَمْنِي إِذا انْقَطَعَ مِنَ الدُّنْيا أَثَرِي ، وَمُحِيَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ذِكْرِي ، وَصِرْتُ فِي الْمَنْسِيِّينَ كَمَنْ نُسِي ، إلهي كَبُرَ سِنّي ، وَرَةٌ جِلْدِي ، وَدَةٌ عَظْمي ، وَنالَ الدَّهْرُ مِنِّي ، وَاقْتَرَبَ أَجَلي ، وَنَفِدَتْ أَيَّامي ، وَذَهَبَتْ شَهَواتِي ، وَبَقِيَتْ تَبِعَاتِي ، إلهي ارْحَمْني إِذا تَغَيَّرَتْ صورَتي(2).

3 - كان علیه السلام يناجي الله تعالى بهذه المناجاة :

«إلهي تاهَتْ أَوْهامُ الْمُتَوَهَّمينَ ، وَقَصُرَ طَرْفُ الطَّارِفِينَ، وَتَلاشَتْ


1) الدرّ النظيم : 729 .

2) المصباح / الكفعمي : 368 . بحار الأنوار: 91 99 و 100 .

أَوْصافُ الْواصِفينَ، وَاضْمَحَلَّتْ أَقاويلُ الْمُبْطِلِينَ عَنِ الدَّرْكِ لِعَجِيبِ شَأْنِكَ، أَوِ الْوقوع بِالْبُلوغ إِلى عُلُوكَ، فَأَنْتَ فِي الْمَكانِ الَّذِي لَا يَتَناهى، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْكَ عُيونُ بِإِشَارَةٍ وَلَا عِبارَةٍ، هَيْهَاتَ ثُمَّ هَيْهَاتَ، يَا أَوَّلِيُّ ، يا وَحْدانِيُّ، يَا فَرْدانِيُّ فِي الْعُلُو بِعِزَّ الْكِبْرِ، وَارْتَفَعْتَ مِنْ وَراءِ كُلِّ غَوْرَةٍ ، وَنِهَايَةٍ بِجَبَرُوتِ الْفَخْرِ»(1).


1) التوحيد : 66 . بحار الأنوار: 91: 179 .

زياراته للأئمّة عليهم السلام

اشارة

وأثرت عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام مجموعة من الزيارات الرائعة زار بها آباءه الأئمّة الطاهرين علیهم السلام الطاهرين ، وهي مليئة بالاحتجاج على أحقّيّة أهل البيت علیهم السلام بالخلافة الإسلاميّة ، كما احتوت على وثائق مهمّة من مآثرهم وفضائلهم ومناقبهم ، ونشير إلى بعض زياراته :

الزيارة الجامعة

وهي من أشهر زيارات الأئمّة الطاهرين علیهم السلام ، وأعلاها شأناً ، وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً ، فقد أقبل أتباع أهل البيت علیهم السلام وشيعتهم على حفظها ، وزيارة الأئمّة بها ، خصوصاً في يوم الجمعة ، ونتحدث باختصار عنها .

صحّة سندها

أمّا سند زيارة الجامعة ، فقد حاز درجة القطع من الصحّة ، فقد رواها شيخ الطائفة فى التهذيب ، ورئيس المحدّثين الصدوق فى «الفقيه » و « «العيون» وغيرهما .

قال المجلسي : « إنّ هذه الزيارة من أصحّ الزيارات سنداً، وأعمقها مورداً ، وأفصحها لفظاً ، وأبلغها معنى ، وأعلاها شأناً »(1).

روی هذه الزيارة محمّد بن إسماعيل البرمكي ، عن موسى بن عبدالله النخعي ، ولنستمع إليه يحدّثنا ، قال :« قلت لعليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن « جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیهم السلام : علّمني يابن رسول


1) بحار الأنوار: 99 : 144 . الأنوار البهيّة : 287 .

الله قولاً أقوله بليغاً كاملاً إذا زرت واحداً منكم ؟

فقال : إِذا صِرْتَ إِلَى الْبَابِ فَقِفْ وَاشْهَدِ الشَّهَادَتَيْنِ وَأَنْتَ عَلَىٰ غُسْلٍ ، فَإِذَا دَخَلْتَ وَرَأَيْتَ الْقَبْرَ فَقِفْ وَقُلْ : اللهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ ، ثَلاثِينَ .

ثُمَّ امْشِ قَليلاً وَعَلَيْكَ السَّكينَةُ وَالْوَقارُ ، وَقارِب بَيْنَ خُطَاكَ ، ثُمَّ قِفْ وَكَبِّر الله عَزَّ وَجَلَّ ثَلاثِينَ مَرَّةً ، ثُمَّ ادْنُ مِنَ الْقَبْرِ وَكَبْرِ اللَّهَ أَرْبَعِينَ مَرَّةً تَمامُ مانَةِ تَكْبِيرَةٍ ، ثم ساق الإمام علیه السلام الزيارة»(1).

بلاغتها

وتفيض زيارة الجامعة بالأدب الرائع ، فقد رضعت بأرقّ الألفاظ ، كما تحلّت بجواهر الفصاحة والبلاغة ، وبداعة الديباجة ، وجمال التعبير ، ودقّة المعاني ، الأمر الذي يدلّل على صدورها عن الإمام علیه السلام ، فقد اعتبر العلماء أنّ آية الخبر الصحيح هو ما إذا كان فى أرقى مراتب البلاغة ، فإنّ الأئمّة الطاهرين هم معدن البلاغة والفصاحة ، وهم الذين أسّسوا قواعد الكلم البليغ ، فكان كلامهم في أعلى مراتب

الكلام الفصيح

شروحها

واهتمّ العلماء اهتماماً بالغاً بشرح زيارة الجامعة لما فيها من المطالب العالية ، والأسرار المنيعة ، والأمور البديعة ، وفيما يلي بعض شروحها :

1 - شرح الزيارة الجامعة الكبيرة للعلّامة الشيخ أحمد بن زين الدين بن إبراهيم الأحسائي ، وهو شرح كبير .


1) عيون أخبار الرضا علیه السلام: 1 : 305 ، الحديث .1 من لا يحضره الفقيه : 2 : 609 ، الحديث .3213 تهذيب الأحكام : 6 95 ، الحديث 177 . بحار الأنوار : 99: 127 ، الحدیث 4 .

2 - شرح الزيارة الجامعة لمحمّد تقي بن مقصود المجلسي .

3 - شرح الزيارة الجامعة ( فارسي ) للسيّد حسين ابن السيّد محمّد تقي الهمداني .

4 - شرح الزيارة الجامعة للسيّد عبد الله ابن السيد محمّدرضا شبّر الحسيني أسماه «الأنوار اللامعة» .

5 - شرح الزيارة الجامعة للسيّد عليّ نقيّ الحائري .

6 - شرح الزيارة الجامعة للشيخ محمّد عليّ الرشتي النجفي .

7 - شرح الزيارة الجامعة للسيّد محمّد بن محمّد باقر الحسيني .

8 - شرح الزيارة الجامعة للسيّد محمّد بن عبد الكريم الطباطبائي البروجردي(1).

وفيما يلي نصّها :

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ، وَمَوْضِعَ الرِّسالَةِ ، وَمُخْتَلَفَ الْمَلائِكَةِ ، وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ ، وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ ، وَخُزَانَ الْعِلْم ، وَمُنْتَهَى الْحِلْمِ، وَأصُولَ الْكَرَمِ ، وَقادَةَ الْأَمَم ، وَأَوْلِياءَ النِّعَمِ ، وَعَناصِرَ الْأَبْرارِ ، وَدَعائِمَ الْأَخْيَارِ ، وَسَاسَةَ الْعِبادِ ، وَأَرْكَانَ الْبِلَادِ ، وَأَبْوابَ الْإِيمَانِ ، وَأَمَناءَ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَالَةَ النَّبِيِّينَ ، وَصَفْوَةَ الْمُرْسَلِينَ ، وَعِتْرَةَ خِيَرَةِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، ورَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.

السَّلَامُ عَلَى أَئِمَّةِ الْهُدى ، وَمَصابيح الدجى ، وَأَعْلَامِ التَّقى ، وَذَوِي النُّهى ، وَأُولي الْحِجا(2)، وَكَهْفِ الْوَرى ، وَوَرَثَةِ الْأَنْبِياءِ ، وَالْمَثَلِ


1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة : 13 : 305 و 306 .

2) الحِجا : العقل والفطنة . القاموس المحيط : 4 : 456.

الْأَعْلَى ، وَالدَّعْوَةِ الْحُسْنَى ، وَحُجَج اللهِ عَلى أَهْلِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَالأولى ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ .

السَّلَامُ عَلَى مَحالَّ مَعْرِفَةِ اللهِ ، وَمَساكِنِ بَرَكَةِ اللهِ ، وَمَعادِنِ حِكْمَةِ اللهِ وَحَفَظَةِ سِرِّ اللَّهِ ، وَحَمَلَةِ كِتابِ اللهِ ، وَأَوْصِياءِ نَبِيَّ اللَّهِ ، وَذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ .

السَّلَامُ عَلَى الدُّعاةِ إِلَى اللَّهِ ، وَالْأَدِلَاءِ عَلَىٰ مَرْضاةِ اللَّهِ ، وَالْمُسْتَقِرِّينَ فِي اللهِ ، وَالتَّامِّينَ فِي مَحَبَّةِ اللهِ ، وَالْمُخْلِصِينَ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَالْمُظْهِرِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ ، وَعِبَادِهِ الْمُكْرَمِينَ الَّذِينَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(1)، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ .

السَّلَامُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الدُّعاةِ ، وَالْقادَةِ الْهُداةِ ، وَالسّادَةِ الْوُلَاةِ ، وَالدّادَةِ الْحُماةِ ، وَأَهْلِ الذِّكْرِ ، وَأُولي الْأَمْرِ ، وَبَقِيَّةِ اللَّهِ ، وَخِيَرَتِهِ وَحِزْبِهِ ، وَعَيْبَةِ عِلْمِهِ ، وَحُجَّتِهِ وَصِراطِهِ ، وَنُورِهِ وَبُرْهانِهِ ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.

أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، كَمَا شَهِدَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَشَهِدَتْ لَهُ مَلائِكَتَهُ وَأُولُو الْعِلْمِ مِنْ خَلْقِهِ ، لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2).

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ الْمُنْتَجَبُ ، وَرَسُولُهُ الْمُرْتَضى ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدى


1) اقتباس من الآيتين 26 و 27 من سورة الأنبياء .

2) اقتباس من الآية 18 من سورة آل عمران .

وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(1).

وَأَشْهَدُ أَنَّكُمُ الْأَئِمَّةُ الْهُداةُ الرّاشِدُونَ، الْمَهْدِيُّونَ، الْمَعْصُومُونَ ، الْمُكَرَّمُونَ الْمُقَرَّبُونَ الْمُتَّقُونَ ، الصَّادِقُونَ، الْمُصْطَفَوْنَ ، الْمُطِيعُونَ لِلَّهِ، الْقَوَامُونَ بِأَمْرِهِ، الْعَامِلُونَ بِإِرَادَتِهِ ، الْفَائِزُونَ بِكَرَامَتِهِ.

اصْطَفاكُمْ بِعِلْمِهِ ، وَارْتَضاكُمْ لِغَيْبِهِ ، وَاخْتارَكُمْ لِسِرِّهِ ، وَاجْتَباكُمْ بِقُدْرَتِهِ ، وَأَعَزَّكُمْ بِهُداهُ ، وَخَصَّكُمْ بِبُرْهانِهِ ، وَانْتَجَبَكُمْ لِنُورِهِ ، وَأَيَّدَكُمْ بِرُوحِهِ ، وَرَضِيَكُمْ خُلَفَاءَ فِي أَرْضِهِ ، وَحُجَجاً عَلى بَرِيَّتِهِ ، وَأَنْصاراً لِدِينِهِ ، وَحَفَظَةً لِسِرِّهِ ، وَخَزَنَةً لِعِلْمِهِ ، وَمُسْتَوْدَعاً لِحِكْمَتِهِ ، وَتَراجِمَةً لِوَحْيِهِ ، وَأَرْكاناً لِتَوْحِيدِهِ ، وَشُهَداءَ عَلى خَلْقِهِ ، وَأَعْلَاماً لِعِبادِهِ ، وَمَناراً فِي بِلَادِهِ ، وَأَدِلَّاءَ عَلَىٰ صِرَاطِهِ.

عَصَمَكُمُ اللهُ مِنَ الزَّلَلِ ، وَآمَنَكُمْ مِنَ الْفِتَنِ ، وَطَهَّرَكُمْ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَذْهَبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَكُمْ تَطْهِيراً .

فَعَظَّمْتُمْ جَلَالَهُ ، وَأَكْبَرْتُمْ شَأْنَهُ ، وَمَجَّدْتُمْ كَرَمَهُ ، وَأَدْ مَنْتُمْ ذِكْرَهُ ، وَوَكَدْتُمْ مِيثَاقَهُ ، وَأَحْكَمْتُمْ عَقَدَ طَاعَتِهِ ، وَنَصَحْتُمْ لَهُ فِى السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَدَعَوْتُمْ إِلَى سَبِيلِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَبَذَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ في مَرْضاتِهِ ، وَصَبَرْتُمْ عَلى ما أَصابَكُمْ في جَنْبِهِ ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلاةَ ، وَآتَيْتُمُ


1) اقتباس من الآية : 33 من سورة التوبة ، والآية : 9 من سوة الصفّ.

الزَّكاةَ ، وَأَمَرْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَجَاهَدْتُمْ فِي اللَّهِ حَقَّ جهادِهِ ، حَتَّى أَعْلَنْتُمْ دَعْوَتَهُ ، وَبَيَّنْتُمْ فَرائِضَهُ ، وَأَقَمْتُمْ حُدُودَهُ ، وَنَشَرْتُمْ شَرائِعَ أَحْكامِهِ ، وَسَنَنْتُمْ سُنَّتَهُ ، وَصِرْتُمْ فِي ذَلِكَ مِنْهُ إِلَى الرّضا ، وَسَلَّمْتُمْ لَهُ الْقَضاءَ ، وَصَدَّقْتُمْ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ مَضَى .

فالرَاغِبُ عَنْكُمْ مارِقٌ ، وَاللّازِمُ لَكُمْ لَاحِقٌ ، وَالْمُقَصِّرُ في حَقَّكُمْ زاهِقٌ ، وَالْحَقُّ مَعَكُمْ، وَفِيكُمْ ، وَمِنْكُمْ، وَإِلَيْكُمْ ، وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ وَمَعْدِنُهُ وَمَأْواهُ ، وَمِيراثُ النُّبُوَّةِ عِنْدَكُمْ ، وَإِيَّابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ ، وَحِسَابُهُمْ عَلَيْكُمْ ، وَفَضْلُ الْخِطابِ عِنْدَكُمْ ، وَآيَاتُ اللَّهِ لَدَيْكُمْ ، وَعَزائِمُهُ فِيكُمْ ، وَنُورُهُ وَبُرْهاتُهُ عِنْدَكُمْ ، وَأَمْرُهُ إِلَيْكُمْ، مَنْ والاكُمْ فَقَدْ وَإِلَى اللهَ ، وَمَنْ عاداكُمْ فَقَدْ َعادَى الله ، وَمَنْ أَحَبَّكُمْ فَقَدْ أَحَبَّ اللهَ ، وَمَنْ أَبْغَضَكُمْ فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ ، وَمَنِ اعْتَصَمَ بِكُمْ فَقَدِ اعْتَصَمَ بِاللَّهِ .

أَنْتُمُ السَّبيلُ الْأَعْظَمُ ، وَالصِّراطُ الأَقْوَمُ ، وَشُهَدَاءُ دَارِ الْفَناءِ ، وَشُفَعاءُ دارِ الْبَقاءِ ، وَالرَّحْمَةُ الْمَوْصُولَةُ ، وَالْآيَةُ الْمَخْرُونَةُ ، وَالْأَمَانَةُ الْمَحْفُوظَةُ ، وَالْبَابُ الْمُبْتَلَى بِهِ النَّاسُ .

مَنْ أَتَاكُمْ فَقَدْ نَجَا ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِكُمْ فَقَدْ هَلَكَ؛ إِلَى اللَّهِ تَدْعُونَ ، وَعَلَيْهِ

تَدُلُّونَ ، وَبِهِ تُؤْمِنُونَ ، وَلَهُ تُسَلِّمُونَ ، وَبِأَمْرِهِ تَعْمَلُونَ ، وَإِلَى سَبِيلِهِ تُرْشِدُونَ ، وَبِقَوْلِهِ تَحْكُمُونَ .

سَعِدَ وَاللهِ مَنْ والاكُمْ ، وَهَلَكَ مَنْ عاداكُمْ ، وَخابَ مَنْ جَحَدَكُمْ ، وَضَلَّ مَنْ فَارَقَكُمْ ، وَفازَ مَنْ تَمَسَّكَ بِكُمْ ، وَأَمِنَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْكُمْ ، وَسَلِمَ مَنْ صَدَّقَكُمْ ، وَهُدِيَ مَنِ اعْتَصَمَ بِكُمْ .

مَنِ اتَّبَعَكُمْ فَالْجَنَّةُ مَأواهُ ، وَمَنْ خالَفَكُمْ فَالنّارُ مَنْواهُ ، وَمَنْ جَحَدَكُمْ كافِرٌ، وَمَنْ حارَبَكُمْ مُشْرِكْ ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيْكُمْ فِي أَسْفَلِ دَرَكِ مِنَ الْجَحِيمِ.

أَشْهَدُ أَنَّ هَذا سابِقٌ لَكُمْ فِيما مَضى ، وَجَارٍ لَكُمْ فِيما بَقِيَ ؛ وَأَنَّ أَرْواحَكُمْ وَنُورَكُمْ وَطِينَتَكُمْ وَاحِدَةٌ ، طَابَتْ وَطَهُرَتْ ، بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ، خَلَقَكُمُ اللهُ أنواراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ ، حَتَّى مَنَّ عَلَيْنا بِكُمْ ، فَجَعَلَكُمْ ( في وتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)(1)، وَجَعَلَ صَلَواتِنا عَلَيْكُمْ ، بُيُوتٍ وَما خَصَّنَا بِهِ مِنْ وِلَايَتِكُمْ ، طيباً لِخَلْقِنا ، وَطَهَارَةً لِأَنْفُسِنا ، وَتَزْكِيَةً لَنا ، وَكَفَّارَةً لِذُنُوبِنا .

فَكُنَّا عِنْدَهُ مُسَلِّمِينَ بِفَضْلِكُمْ ، وَمَعْرُوفِينَ بِتَصْدِيقِنَا إِيَّاكُمْ ، فَبَلَغَ اللَّهُ بِكُمْ أَشْرَفَ مَحَلِّ الْمُكَرَّمِينَ ، وَأَعْلَى مَنازِلِ الْمُقَرَّبِينَ ، وَأَرْفَعَ دَرَجَاتِ الْمُرْسَلِينَ ، حَيْثُ لَا يَلْحَقُهُ لَاحِقٌ ، وَلَا يَفُوقُهُ فَائِقٌ ، وَلَا يَسْبِقُهُ سَابِقٌ ،


1) النور 24: 36 .

وَلَا يَطْمَعُ فِي إِدْراكِهِ طَامِعٌ ؛ حَتَّى لَا يَبْقى مَلَكَ مُقَرَّبٌ ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَلَا صِدِّيقٌ وَلَا شَهِيدٌ ، وَلَا عَالِمٌ وَلَا جَاهِلٌ ، وَلَا دَنِيٌّ وَلَا فَاضِلٌ ، وَلَا مُؤْمِنٌ صالح ، وَلَا فَاجِرٌ طَالِحٍ ، وَلَا جَبَارٌ عَنِيدٌ ، وَلَا شَيْطَانٌ مَرِيدٌ ، وَلَا خَلْقٌ فِيما بَيْنَ ذلِكَ شَهِيدٌ ، إِلَّا عَرَّفَهُمْ جَلَالَةَ أَمْرِكُمْ ، وَعِظَمَ خَطَرِكُمْ(1)، وَكِبَرَ شَأْئِكُمْ ، وَتَمامَ نُورِكُمْ ، وَصِدْقَ مَقاعِدِكُمْ ، وَثَباتَ مَقامِكُمْ ، وَشَرَفَ مَحَلَّكُمْ، وَمَنْزِلَتَكُمْ عِنْدَهُ ، وَكَرامَتَكُمْ عَلَيْهِ ، وَخاصَّتَكُمْ لَدَيْهِ ، وَقُرْبَ مَنْزِلَتِكُمْ مِنْهُ.

بِأَبي أَنْتُمْ وَأُمِّي وَنَفْسي وَأَهْلي وَمالي وَأَسْرَتي .

أَشْهِدُ اللهَ وَأَشْهِدُكُمْ أَنّي مُؤْمِنٌ بِكُمْ وَبِمَا آمَنْتُمْ بِهِ ، كَافِرٌ بِعَدُوِّكُمْ وَبِمَا كَفَرْتُمْ بِهِ ، مُسْتَبْصِرٌ بِشَأْنِكُمْ وَبِضَلَالَةِ مَنْ خَالَفَكُمْ ، مُوالٍ لَكُمْ وَلِأَوْلِيائِكُمْ ، مُبْغِضُ لِأَعْدائِكُمْ وَمُعادِ لَهُمْ ، سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ ، مُحَفِّقٌ لِما حَقَّقْتُمْ ، مُبْطِلٌ لِما أَبْطَلْتُمْ ، مُطِيعٌ لَكُمْ ، عارف بِحَقِّكُمْ ، مُقِرٌ بِفَضْلِكُمْ ، مُحْتَمِلٌ لِعِلْمِكُمْ ، مُحْتَجِبٌ بِذِمَّتِكُمْ ، مُعْتَرِفٌ بِكُمْ ، مُؤْمِنٌ بِإِيابِكُمْ ، مُصَدِّقٌ بِرَجْعَتِكُمْ ، مُنْتَظِرُ لِأَمْرِكُمْ ، مُرْتَقِبٌ لِدَوْلَتِكُمْ ، آخِذٌ بِقَوْلِكُمْ ، عَامِلٌ بِأَمْرِكُمْ ، مُسْتَجِيرٌ بِكُمْ ، زَائِرٌ لَكُمْ ، عَائِدٌ بِكُمْ لائِدٌ بِقُبُورِكُمْ ، مُسْتَشْفِعٌ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِكُمْ ، وَمُتَقَرِّبٌ بِكُمْ إِلَيْهِ ،


1) الخَطَر : القدر والمنزلة . مجمع البحرين : 1 : 664 .

وَمُقَدِّمُكُمْ أَمَامَ طَلِبَتِي وَحَوائِجِي وَإِرادَتي في كُلِّ أخوالي وَأمُوري ، مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ ، وَشَاهِدِكُمْ وَغائِبِكُمْ ، وَأَوَّلِكُمْ وَآخِرِكُمْ ، وَمُفَوِّضٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَيْكُمْ ، وَمُسَلَّمْ فِيهِ مَعَكُمْ، وَقَلبي لَكُمْ مُسَلَّم، وَرَأْيِي لَكُمْ تَبَعٌ ، وَنُصْرَتي لَكُمْ مُعَدَّةٌ ، حَتَّى يُحْيِيَ اللَّهُ تَعَالَى دِينَهُ بِكُمْ ، وَيَرُدَّكُمْ فِي أَيَّامِهِ ، وَيُظْهِرَكُمْ لِعَدْلِهِ ، وَيُمَكِّنَكُمْ فِي أَرْضِهِ .

فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ ، لَا مَعَ عَدُوِّكُمْ آمَنْتُ بِكُمْ ، وَتَوَلَّيْتُ آخِرَكُمْ بِما تَوَلَّيْتُ بِهِ أَوَّلَكُمْ ، وَبَرِثْتُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَعْدائِكُمْ ، وَمِنَ الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ، وَالشَّيَاطِين وَحِزْبِهِمُ ، الظَّالَمِينَ لَكُمُ ، وَالْجاحِدِينَ لِحَقِّكُمْ ، وَالْمارِقِينَ مِنْ وِلَايَتِكُمْ ، وَالْعَاصِبِينَ لِإِرْثِكُمْ ، وَالشَّاكَينَ فِيكُمْ ، وَالْمُنْحَرِفِينَ عَنْكُمْ ، وَمِنْ كُلِّ وَلِيجَةٍ دُونَكُمْ ، وَكُلُّ مُطاعِ سِواكُمْ ، وَمِنَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ.

فَثَبَّتَنِيَ اللَّهُ أَبَداً ما حَبِيتُ عَلَى مُوالاتِكُمْ ، وَمَحَبَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ ، وَوَفَّقَني لطاعَتِكُمْ ، وَرَزَقَني شَفاعَتَكُمْ ، وَجَعَلَنِي مِن خِيارِ مُوالِيكُمُ ، التَّابِعِينَ لِما دَعَوْتُمْ إِلَيْهِ ، وَجَعَلَنِي مِمَّنْ يَقْتَصُّ آثارَكُمْ ، وَيَسْلُك سَبِيلَكُمْ ،

، وَيَهْتَدي بِهُداكُمْ ، وَيُحْشَرُ فِي زُمْرَتِكُمْ ، وَيَكُرُ في رَجْعَتِكُمْ ، وَيُملك في دَوْلَتِكُمْ ، وَيُشَرِّفُ في عافِيَتِكُمْ ، وَيُمَكِّنُ في أَيَّامِكُمْ ، وَتَقَرُّ عَيْنُهُ غَداً بِرُؤْيَتِكُمْ.

بِأَبي أَنْتُمْ وَأُمِّي وَنَفْسي وَأَهْلي وَمالي ، مَنْ أَرادَ اللهَ بَدَأَ بِكُمْ ،

وَمَنْ وَحْدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ ، وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ .

موالِيَّ، لَا أَحْصي ثَناءَكُمْ ، وَلَا أَبْلُغُ مِنَ الْمَدْح كُنْهَكُمْ ، وَمِنَ الْوَصْفِ قَدْرَكُمْ ، وَأَنْتُمْ نُورُ الْأَخْيَارِ ، وَهُداةُ الْأَبْرَارِ ، وَحُجَجَ الْجَبَارِ.

بِكُمْ فَتَحَ اللهُ ، وَبِكُمْ يَخْتِمُ ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ ، وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَبِكُمْ يُنَفِّسُ الْهَمَّ ، وَيَكْشِفُ الضُّرَّ ، وَعِنْدَكُمْ ما نَزَلَتْ بِهِ رُسُلُهُ ، وَهَبَطَتْ بِهِ مَلائِكَتُهُ ، وَإِلَىٰ جَدِّكُمْ بُعِثَ الرُّوحُ الْأَمِينُ .

آتَاكُمُ اللهُ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ، طَأطأ كُلُّ شَرِيفٍ لِشَرَفِكُمْ ، وَبَخَعَ(1)كُلُّ مُتَكَبِّرٍ لِطاعَتِكُمْ ، وَخَضَعَ كُلُّ جَبَارٍ لِفَضْلِكُمْ ، وَذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِكُمْ ، وَفازَ الْفَائِزُونَ بِوِلَا يَتِكُمْ ، بِكُمْ يُسْلَك إِلَى الرَّضْوانِ ، وَعَلَى مَنْ جَحَدَ وِلَا يَتَكُمْ غَضَبُ الرَّحْمَنِ .

بِأَبي أَنتُمْ وَأُمّي وَنَفْسي وَأَهْ-لي وَمال-ي ، ذِكْرُكُمْ في الذَاكِرِينَ ، وَأَسْمَاؤُكُمْ فِي الْأَسْمَاءِ ، وَأَجْسادُكُمْ فِي الْأَجْسادِ ، وَأَزْواحُكُمْ في الْأَرْواحِ ، وَأَنْفُسُكُمْ فِي النَّفُوسِ ، وَآثَارُكُمْ فِي الْآثَارِ ، وَقُبُورُكُمْ فِي الْقُبُورِ؛ فَما أَحْلَى أَسْماءَكُمْ ، وَأَكْرَمَ أَنْفُسَكُمْ ، وَأَعْظَمَ شَأْنَكُمْ ، وَأَجَلَّ خَطَرَكُمْ ، وَأَوْفىٰ عَهْدَكُمْ ، وَأَصْدَقَ وَعْدَكُمْ .

كَلَامُكُمْ نُورٌ ، وَأَمَرُكُمْ رُشْدٌ ، وَوَصِيَّتُكُمُ التَّقْوى ، وَفِعْلُكُمُ الْخَيْرُ ،


1) بخع بالحقِّ : أقرّبه ، وخضع له . مجمع البحرين: 1: 160.

الأما على الهادي

وَعادَتْكُمُ الْإِحْسانُ ، وَسَجِيَّتُكُمُ الْكَرَمُ ، وَشَأْنُكُمُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ وَالرّفْقُ . وَقَوْلُكُمْ حُكْمٌ وَحَتْمٌ ، وَرَأَيْكُمْ عِلْمٌ وَحِلْمَ وَحَزْمٌ ؛ إِنْ ذُكِرَ الْخَيْرُ كُنتُمْ أَوَّلَهُ وَأَصْلَهُ وَفَرْعَهُ وَمَعْدِنَهُ وَمَأْواهُ وَمُنْتَهاهُ .

بِأَبي أَنْتُمْ وَأمّي وَنَفْسِي ، كَيْفَ أَصِفُ حُسْنَ ثَنائِكُمْ ، وَأَحْصِي جَمِيلَ بَلائِكُمْ ، وَبِكُمْ أَخْرَجَنا اللهُ مِنَ الذُّلِّ ، وَفَرَّجَ عَنا غَمَراتِ الْكُرُوبِ ، وَأَنْقَذَنا بِكُمْ مِنْ شَفا جُرُفِ الْهَلَكاتِ ، وَمِنَ النَّارِ ؟

بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي وَنَفْسي ، بِمُوالاتِكُمْ عَلَّمَنَا اللَّهُ مَعَالِمَ دِينِنَا ، وَأَصْلَحَ ما كانَ فَسَدَ مِنْ دُنْيانَا ، وَبِمُوالاتِكُمْ تَمَّتِ الكَلِمَةُ ، وَعَظُمَتِ النِّعْمَةُ ، وَاخْتَلَفَتِ الْفُرْقَةُ ، وَبِمُوالاتِكُمْ تُقْبَلُ الطَّاعَةُ المُفْتَرَضَةُ ، وَلَكُمُ الْمَوَدَّةُ الْواجِبَةُ ، وَالدَّرَجاتُ الرَّفِيعَةُ ، وَالْمَقامُ الْمَحْمُودُ ، وَالْمَكانُ المَعْلُومُ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالْجَاهُ الْعَظِيمُ ، وَالشَّأْنُ الْكَبِيرُ ، وَالشَّفاعَةُ المَقْبُولَةُ .

( رَبَّنَا آمَنَا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ )(1).

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ ) (2).

(سُبْحانَ رَبَّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً )(3)


1) آل عمران 3: 53 .

2) آل عمران 3: 8 .

3) الإسراء 17 : 108 .

يا وَلِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ذُنُوباً لَا يَأْتِي عَلَيْهَا إِلَّا رِضَاكُمْ؛ فَبِحَقِّ مَنِ أَمْرَ خَلْقِهِ ، وَقَرَنَ طَاعَتَكُمْ

انْتَمَنَكُمْ عَلى سِرِّهِ ، وَاسْتَرْعاكُم أمرَ خَلقِهِ، و قَرَنَ طاعَتَکُم بِطَاعَتِهِ لَمَا اسْتَوْ هَبْتُمْ ذُنُوبِي ، وَكُنْتُمْ شُفَعائي ؛ فَإِنِّي لَكُمْ مُطِيعٌ .

مَنْ أَطاعَكُمْ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ عصاكُمْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ، وَمَنْ أَحَبَّكُمْ فَقَدْ أَحَبَّ اللهَ ، وَمَنْ أَبْغَضَكُمْ فَقَدْ أَبغَضَ الله.

اللَّهُمَّ إِنِّي لَوْ وَجَدْتُ شُفَعاءَ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الْأَخْيَارِ الْأَئِمَّةِ الْأَبْرارِ ، لَجَعَلْتُهُمْ شُفَعَائي ؛ فَبِحَقِّهِمُ الَّذِي أَوْجَبْتَ لَهُم عَلَيْكَ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُدْخِلَني في جُمْلَةِ الْعَارِفِينَ بِهِمْ وَبِحَقِّهِمْ ، وَفي زُمْرَةِ الْمَرْحُومِينَ بِشَفَاعَتِهِمْ ، إِنَّكَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ .

وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطّاهِرِينَ ، وَسَلَّم تَسْلِيماً كَثِيراً ، وَحَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ سَلَامَ مُوَدِّع لَا سَيْم وَلَا قال وَلَا مال ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ، إِنَّهُ حَميدٌ مَجِيدٌ ، سَلَامَ وَلِيٌّ لَكُمْ ، غَيْرِ راغِبٍ عَنْكُمْ ، وَلَا مُسْتَبْدِلٍ بِكُمْ ، وَلَا مُؤْثِرِ عَلَيْكُمْ ، وَلَا مُنْحَرِفٍ عَنْكُمْ ، وَلَا زاهِدٍ فِي قُرْبِكُمْ.

لَا جَعَلَهُ اللَّهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيارَةِ قُبُورِكُمْ ، وَإِثْيانِ مَشاهِدِكُمْ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ؛ وَحَشَرَنيَ اللهُ فِي زُمْرَتِكُمْ ، وَأَوْرَدَني حَوْضَكُمْ ، وَجَعَلَنِي مِنْ حِزْيِكُمْ ، وَأَرْضاكُمْ عَنِّي ، وَمَكَّنَني في دَوْلَتِكُمْ ، وَأَحْيَانِي فِي رَجْعَتِكُمْ ،

وَمَلَّكَني فِي أَيَّامِكُمْ ، وَشَكَرَ سَعْيِي بِكُمْ ، وَغَفَرَ ذَنْبي بِشَفاعَتِكُمْ ، وَأَقالَ عَشْرَتي بِمَحَبَّتِكُمْ ، وَأَعْلَىٰ كَعْبي بِمُوالاتِكُمْ ، وَشَرَّفَني بِطَاعَتِكُمْ ، وَأَعَزَّني بِهُداكُمْ.

وَجَعَلَني مِمَّنِ انْقَلَبَ مُفْلِحاً مُنْجِحاً ، غائِماً سالماً ، مُعافاً غَنِيّاً ، فائزاً برِضْوانِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ وَكِفَايَتِهِ ، بِأَفْضَلِ ما يَنْقَلِبُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ زُوَارِكُمْ وَمُواليكُمْ وَمُحِبيكُمْ وَشِيعَتِكُمْ.

وَرَزَقَنِيَ اللَّهُ الْعَوْدَ ، ثُمَّ الْعَوْدَ ، أَبَداً ما أَبْقاني رَبِّي ، بِنِيَّةٍ صادِقَةٍ ، وَإِيمَانٍ وَتَقْوى وَإِخْباتٍ ، وَرِزْقٍ واسع حَلَالٍ طَيِّبٍ

اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيارَتِهِمْ وَذِكْرِهِمْ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، وَأَوْجِبْ لِي الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ وَالتَّقْوى وَالْفَوْزَ وَالنُّورَ وَالْإِيمَانَ وَحُسْنَ الْإِجابَةِ ، كَمَا أَوْجَبْتَ لِأَوْلِيَائِكَ ، العارفينَ بِحَقِّهِمُ الْمُوجِبينَ طَاعَتَهُمْ ، وَالرّاغِبينَ فِي زِيارَتِهِمْ ، وَالْمُتَقَرَّبِينَ إِلَيْكَ وَإِليْهِم.

بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي وَنَفْسي وَأَهْلي وَمالي اجْعَلُونِي فِي هَمِّكُمْ ، وَصَيَّرُوني في حِزْبِكُمْ ، وَأَدْخِلُوني في شَفَاعَتِكُمْ ، وَاذْكُرُونِي عِنْدَ رَبِّكُمْ.

اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَبْلِغْ أَرْواحَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ مِنِّي السَّلَامَ .

وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ

وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كثيراً ،

وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكيلُ (1).

وهذه الزيارة أحسن الزيارات متناً وسنداً ، فينبغي قراءتها في جميع الروضات(2)

ووصفها في الصفحة 209 بأنّها أفضل وأوثق الجوامع .

وقال في ملاذ الأخيار :9 247 : « الزيارة نفسها شاهد عدل على صحّتها ».

و وصفها والد المجلسي - المجلسي الأوّل - في روضة المتّقين : 5: 424 بأنّها من أحسن الزيارات لأمير المؤمنين ولباقي الأئمّة علیه السلام.

.

زيارة الغدير

من أهمّ زيارات الأئمّة الطاهرين - عند الشيعة الإماميّة - زيارة الغدير ، فقد اهتمّوا بها اهتماماً بالغاً ، لأنّها رمز لذلك اليوم الخالد في دنيا الإسلام ، ذلك اليوم الذي قرّر فيه الرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم المصير الحاسم لأمّته ، فنصب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام خليفة على المسلمين ، وتوجّه بتاج الإمامة والخلافة .

وتعتبر الشيعة يوم الغدير عيداً لهم لأنّه المصدر الأصيل لكيانهم العقائدي ، وأنّهم منذ فجر تاريخهم حتّى يوم الناس هذا يزورون مرقد الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في يوم الغدير ، ويجدّدون له الولاء والبيعة .

وقد زاره الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام في السنة التي أشخصه بها المعتصم


1) من لا يحضره الفقيه : 2 : 609 ، الحديث 3216. عيون أخبار الرضا علیه السلام : 2: 277 ، الحديث .1 تهذيب الأحكام : 6: 95، الحديث 1. المزار الكبير : 523 - 535 . مصباح الزائر : 472 البلد الأمين : 297. مزار الشهيد : 216 - وفي ط : 237 - . بحار الأنوار : 99 127 ، الحديث 4. و 148 . مستدرك الوسائل : 10 : 416 ، الحديث 17 .

2) ذكر المجلسي قدس سره أنّ هذه الزيارة أصحّ الزيارات سنداً ، وأعمّها مورداً ، وأفصحها لفظاً ، له وأبلغها معنى ، وأعلاها شأناً . ينظر بحار الأنوار : 99: 144 .

من يثرب إلى سرّ من رأى(1)، وقد زاره بهذه الزيارة التي هي من أروع وأجلّ الزيارات ، فقد تحدّث فيها عن فضائل أمير المؤمنين علیه السلام، وما عاناه في عصره من المشاكل السياسيّة والاجتماعيّة .

من فقرات هذه الزيارة

ويجدر بنا إلى أن نشير إلى بعض فقرات هذه الزيارة التي هي من ملاحم أهل البيت علیهم السلام :

1- تحدث الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام في زيارته ( الغديريّة) أنّ جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام هو أول من أسلم وآمن بالله ، واستجاب لدعوة نبيّه .

يقول علیه السلام مخاطباً له :

«وَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، وَصَلَّى لَهُ ، وَجَاهَدَ ، وَأَبْدىٰ صَفْحَتَهُ في دار الشِّرْكِ ، وَالْأَرْضُ مَشْحُونَةٌ ضَلَالَةٌ ، وَالشَّيْطانُ يُعْبَدُ جَهْرَةً ».

لقد تظافرت الأخبار بأنّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام هو أوّل من اعتنق الإسلام ، واستجاب لنداء الله ودان بدينه ، فقد روى الطبري بسنده عن ابن إسحاق ، قال : «كان أوّل ذكر آمن برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وصلّى معه وصدّقه بما جاءه من عند الله عليّ بن أبي طالب علیه السلام ، وهو يومئذ ابن عشر سنين»(2).

وروى الطبراني بسنده عن أبي ذرّ ، قال : « أخذ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بيد عليّ علیه السلام فقال : هذا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ ِبي ، وَأَوَّلُ مَنْ يُصافِحُنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ...» (3).


1) مفاتيح الجنان : 363 .

2) تاريخ الطبري : 2 : 75.

3) فيض القدير : 4 : 358 . كنز العمّال : 6: 156 .

وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لعائشة : « هذا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُ النَّاسِ إِيماناً»(1).

وكثير من أمثال هذه الأخبار قد أعلنت ذلك .

وتحدّث الإمام علیه السلام في زيارته عن جهاد الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وبسالته وشجاعته وصموده في الحروب قائلاً:

«وَلَكَ الْمَواقِفُ الْمَشْهُودَةُ ، وَالْمَقاماتُ الْمَشْهُورَةُ ، وَالْأَيَّامُ الْمَذْكُورَةُ « يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ الْأَحْزَابِ ( وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إلَّا غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً )(2).

وَقالَ اللهُ تَعَالَى: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً )(3).

فَقَتَلْتَ عَمْرَهُمْ ، وَهَزَمْتَ جَمْعَهُمْ ( وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً )(4).


1) الاستيعاب : 4 : 1910 ، الحديث 4088 .

2) الأحزاب 33 : 10 - 13 .

3) الأحزاب 22:33 .

4) الأحزاب 33 25 .

وَيَوْمَ أَحَدٍ (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)(1)، وَأَنْتَ تَذُودُ بُهَمَ الْمُشْرِكِينَ عَنِ النَّبِيِّ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمالِ ، حَتَّى رَدَّهُمُ اللهُ تَعَالَى عَنْكُما خَائِفِينَ وَنَصَرَ بِكَ الْخَاذِلِينَ.

وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عَلى ما نَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْبِرِينَ * أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ )(2)وَالْمُؤْمِنونَ أَنْتَ وَمَنْ يَليكَ وَعَمُكَ الْعَبّاسُ يُنادِى الْمُنْهَزِمينَ يا أَصْحابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، يا أَهْلَ بَيْعَةِ الشَّجَرَةِ ، حَتَّى اسْتَجابَ لَهُ قَوْمٌ قَدْ كَفَيْتَهُمُ الْمُؤُونَةَ ، وَتَكَفَّلْتَ دُونَهُمُ الْمَعُونَةَ ، فَعادُوا آيسينَ مِنَ الْمَتُوبَةِ، راجينَ وَعْدَ الله تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : (ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ )(3)وَأَنْتَ حَائِرٌ دَرَجَةَ الصَّبْرِ فَائِزُ بِعَظيمِ الْأَجْرِ.

وَيَوْمَ خَيْبَرَ إِذْ أَظْهَرَ اللَّهُ خَوَرَ الْمُنافِقِينَ ، وَقَطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ ، ( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولا )(4)» .


1) آل عمران 3: 153 .

2) التوبة 9 25 و 26 .

3) التوبة 9: 27 .

4) الأحزاب 33: 15 .

وأضاف الإمام قائلاً:

«وَشَهِدْتَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ جَمِيعَ حُرُوبِهِ وَمَغَازِيهِ تَحْمِلُ الرّايَةَ أَمَامَهُ ، وَتَضْرِبُ بِالسَّيْفِ قُدَامَهُ ، ثُمَّ لِحَزْمِكَ الْمَشْهُورِ ، وَبَصِيرَتِكَ في الْأُمُورِ أَمَّرَكَ فِي الْمَواطِنِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ أَمِيرٌ ».

وتضمّنت هذه الكلمات بنوداً مشرفة من جهاد الإمام أبي الحسين علیه السلام.

لقد نافح الإمام أمير المؤمنين علیه السلام عن الإسلام في جميع المواقف والمشاهد ، ولقّن أعداء الله دروساً قاسية ، فقد استأصل أعلام الشرك والإلحاد بسيفه ، ولولا جهوده وجهاده لكان الإسلام أثراً بعد

عين.

3- وعرض الإمام في زيارته إلى مبيت الإمام على فراش النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ووقايته له بنفسه حنيما أجمعت قريش على قتله ، فكان الإمام الفدائيّ الأوّل في الإسلام .

يقول علیه السلام :

«وَأَشْبَهْتَ فِي الْبَياتِ عَلَى الْفِراشِ الذَّبيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ أَجَبْتَ كَما أَجابَ ، وَأَطَعْتَ كَما أَطاعَ إِسْمَاعِيلُ صابِراً مُحْتَسِباً إِذْ قالَ لَهُ: ( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (1).

وَكَذَلِكَ أَنْتَ لَمَا أَبَاتَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَمَرَكَ أَنْ تَضْطَجِعَ فِي مَرْقَدِهِ واقِياً لَهُ بِنَفْسِكَ أَسْرَعْتَ إِلَى إِجابَتِهِ مُطيعاً ، وَلِنَفْسِكَ عَلَى الْقَتْلِ


1) الصافّات : 37 : 103 .

مُوَطِّناً ، فَشَكَرَ اللهُ تَعَالَى طَاعَتَكَ ، وَأَبَانَ عَن جَميلِ فِعْلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللهِ )(1).

لقد كان مبيت الإمام أمير المؤمنين علیه السلام على فراش النبي من أعظم العمليات الجهاديّة ، فقد أنقذ الإسلام من أعظم كارثة كانت ملمة به ، وهكذا كانت حياة الإمام علىّ علیه السلام كلّها عطاء للإسلام .

4 - وقد استعرض الإمام علیه السلام في زيارته بعض الصفات الماثلة في جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، يقول :

وَأَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ تَزَلْ لِلْهَوى مُخالِفاً ، وَلِلتَّقى مُحالِفاً ، وَعَلى كَظم الْغَيْظِ قادِراً ، وَعَنِ النَّاسِ عَافِياً غافِراً ، وَإِذا عُصِيَ اللهُ ساخطاً ، وَإِذا أطيعَ اللهُ راضِياً ، وبما عَهِدَ إِلَيْكَ عامِلاً ، راعِياً لِمَا اسْتَحْفِظْتَ، وَحافِظاً لِمَا اسْتَودِعْتَ ، مُبَلِّغاً ما حُمِّلْتَ ، مُنْتَظِراً ما وُعِدْتَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ مَا اتَّقَيْتَ ضارِعاً ، وَلَا أَمْسَكْتَ عَنْ حَقِّكَ جازعاً ، وَلَا أَحْجَمْتَ عَنْ مُجَاهَدَةِ غاصِبيك ناكِلاً ، وَلَا أَظْهَرْتَ الرّضى بِخِلَافِ ما يُرْضِي اللهَ مُداهِناً ، وَلَا وَهَنْتَ لِما أَصابَكَ في سَبيلِ اللهِ ، وَلَا ضَعُفْتَ وَلَا اسْتَكَنْتَ عَنْ طَلَبِ حَقَّكَ مُراقباً ، مَعاذ اللهِ أَنْ تَكُونَ كَذلِكَ بَلْ إِذْ ظُلِمْتَ احْتَسَبْتَ رَبَّكَ وَفَوَّضْتَ إِلَيْهِ أَمْرَكَ».

وأعرب الإمام علیه السلام عن بعض الصفات الرفيعة والمثل الكريمة الماثلة في شخصيّة


1) البقرة 2 : 207 .

جدّه أمير المؤمنين علیه السلام، والتي كان منها :

1 - مخالفته للهوى ، فلم يؤثر أي شيء على طاعة الله ورضاه .

2 - محالفته للتقى ، فقد اعتنق كلّ نزعة خيّرة ، وفعل كلّ ما يقرّبه إلى الله زلفى .

3 - كظمه للغيظ .

4 - عفوه عن المعتدلين عليه

5 - سخطه على العصاة والمارقين عن الدين .

6 - إنّ إمساك الإمام عن حقه في الخلافة لم يكن مبعث ذلك عن وهن أو ضعف ، وإنّما كان ذلك لمصلحة الإسلام العليا .

ويستمرّ الإمام علیه السلام في عرض صفات جدّه علیه السلام ، فيقول مخاطباً :

«لَا تَحْفِلُ بِالنَّوائِبِ ، وَلَا تَهِنُ عِنْدَ الشَّدائِدِ ، وَلا تَحْجِمُ عَنْ مُحارِبٍ ، أَفِكَ مَنْ نَسَبَ غَيْرَ ذَلِكَ إِلَيْكَ ».

إنّ من أبرز صفات الإمام علیه السلام أنّه كان كالجبل لا تهزّه العواصف ، ولا يحفل بالنوائب التي داهمته ، كما أنّه لم يحجم عن محاربة الإفك والعدوان .

ويأخذ الإمام علیه السلام في بيان صفات جدّه فيقول :

«وَأَنْتَ الْقائِلُ لَا تَزيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلي عِزَّةٌ ، وَلَا تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً وَلَوْ أَسْلَمَنِي النَّاسُ جَمِيعاً لَمْ أَكُنْ مُتَضَرِّعاً ».

وظاهرة أخرى من صفات الإمام أمير المؤمنين علیه السلام هو تمسّكه بالحقّ والعدل ، فلم يحفل بأي شيء آخر من المظاهر الخادعة ، فاجتماع الجماهير حوله لا تزيده عزّة ، كما أنّ تفرّقهم عنه لا تزيده وحشة ولو تخلّى عنه الناس جميعاً ، فإنّ ذلك لا يحزنه ، وإنّما الذي يرضى به ضميره هو شيوع العدل، ونشر الحقّ بين الناس .

5 - كما حفلت هذه الزيارة بعرض حادثة الغدير التي بايع فيها المسلمون الإمام أمير المؤمنين علیه السلام الخليفة عليهم وإماماً لهم .

قال علیه السلام : « وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى اسْتَجابَ لَنَبيَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فيكَ دَعْوَتَهُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِظْهَارِ مَا أَوْلَاكَ لِأُمَّتِهِ ، إِعْلَاءً لِشَأْنِكَ ، وَإِعْلَانَا لِبُرْهائِكَ ، وَدَحْضاً لِلْأَباطيل ، وَقَطْعاً لِلْمَعاذير ، فَلَمّا أَشْفَقَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَاسِقِينَ ، وَاتَّقَى فيك الْمُنافِقِينَ ، أَوْحَى إِلَيْهِ رَبُّ الْعالَمينَ :(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )(1).

فَوَضَعَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْزارَ الْمَسِيرِ ، وَنَهَضَ فِي رَمْضَاءِ الْهَجِيرِ ، فَخَطَبَ وَأَسْمَعَ وَنادِى فَأَبْلَغَ ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ أَجْمَعَ ، فَقالَ هَلْ بَلَّغْتُ؟ فَقالُوا اللهُمَّ بلى .

فَقالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، ثُمَّ َقالَ : أَلَسْتُ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ؟ فَقَالُوا : بَلَى ، فَأَخَذَ بِيَدِكَ ، وَقَالَ : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ والَاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ، فَمَا آمَنَ بِما أَنْزَلَ اللهُ فيكَ عَلى نَبِيِّهِ إِلَّا قَليلٌ ، وَلَا َزادَ أَكْثَرَهُمْ غَيْرَ تَخْسِيرِ » (2).

إنّ يوم الغدير جزء من رسالة الإسلام لا تستغني عنه الحياة الإسلاميّة بحال من الأحوال ، فقد ضمن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم من بعده لأمّته قيادتها الروحيّة والزمنيّة ،


1) المائدة 5 : 67 .

2) المزار : 271 و 272 . بحار الأنوار : 97 363 .

191

ولم يتركها تتعثّر في مسيرتها تتقاذفها أمواج من الفتن والاضطراب ، لقد عيّن لها القائد ، وبايعته الأمّة في يوم الغدير إماماً وحاكماً ، ونزل قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً )(1).

6 - وتعرّض الإمام الهادي علیه السلام في زيارته إلى ما مُني به جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام من المحن والخطوب ، قال مخاطباً له :

«ثُمَّ مِحْنَتُكَ يَوْمَ صِفَينَ وَقَدْ رُفِعَتِ الْمَصاحِفُ حيلَةً وَمَكَراً فَأَعْرَضَ الشَّكُ ، وَعُرِفَ الْحَقُّ ، وَاتَّبِعَ الظُّنُّ أَشْبَهَتْ مِحْنَةَ هَارُونَ إِذْ أَمَّرَهُ مُوسَىٰ عَلَى قَوْمِهِ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ وَهَارُونَ يُنَادِي بِهِمْ وَيَقُولُ : ( يَا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُوني وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى )(2).

وَكَذَلِكَ أَنْتَ لَمَا رُفِعَتِ الْمَصاحِفُ قَلْتَ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِلْتُمْ بِها وَخُدِعْتُمْ ، فَعَصَوْكَ وَخالَفُوا عَلَيْكَ وَاسْتَدْعَوْا نَصْبَ الْحَكَمَيْنِ فَأَبَيْتَ عَلَيْهِمْ وَتَبَرَّأْتَ إِلَى اللهِ مِنْ فِعْلِهِمْ وَفَوَّضْتَهُ إِلَيْهِمْ.

فَلَمّا أَسْفَرَ الْحَقُّ ، وَسَفِهَ الْمُنْكَرُ ، وَاعْتَرَفُوا بِالزَّلَلِ وَالْجَوْرِ عَنِ الْقَصْدِ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِهِ ، وَأَلْزَمُوكَ عَلى سَفَهِ التَّحْكيمَ الَّذي أَبَيْتَهُ وَأَحَبُوهُ وَحَظَرْتَهُ وَأَبَاحُوا ذَنْبَهُمُ الَّذِي اقْتَرَفُوهُ وَأَنْتَ عَلَى نَهْجِ بَصِيرَةٍ وَهُدَى ،


1) المائدة 5: 3 .

2) طه 20: 90 و 91 .

وَهُمْ عَلَى سُنَنِ ضَلَالَةٍ وَعَمَيَّ ، فَما زالوا عَلَى النِّفاقِ مُصِرَينَ ، وَفِي الْغَيِّ مُتَرَدِّدينَ حَتَّى أَذاقَهُمُ اللهُ وَبالَ أَمْرِهِمْ ، فَأَمَاتَ بِسَيْفِكَ مَنْ عَانَدَكَ فَشَقِيَ وَهَوى ، وَأَحْيِي بِحُجَّتِكَ مَنْ سَعِدَ فَهُدِيَ ، صَلَواتُ اللهِ عَلَيْكَ عَادِيَةً وَرائِحَةً وَعاكِفَةٌ وَذَاهِبَةٌ فَمَا يُحِيطُ الْمادِحُ وَصْفَكَ ، وَلَا يُحْبِطُ الطَّاعِنُ فَضْلَك »(1).

إنّ من أعظم المحن والأزمات التي طافت بالإمام أمير المؤمنين علیه السلام هي حيلة رفع المصاحف التي نسفت الانتصارات الباهرة التي أحرزها جيش الإمام علیه السلام ، فقد أشرف على الفتح ، والقضاء على القوى الباغية التي استهدفت في حربها تحطيم الإسلام ولفّ لوائه .

وقد استجاب لدعوة التحكيم حثالة من الجهلة الذين لم يعوا الإسلام ، ولم تتفتّح عقولهم ، فأعلنوا التمرّد والعصيان ، وشهروا سيوفهم في وجه الإمام علیه السلام، وأعلنوا مناجزتهم له إن لم يستجب لهذه الدعوة الهزيلة ، ولم يجد الإمام الممتحن بدّاً من إجابتهم ، فأوقف الحرب ، وقد طويت بذلك حكومة العدل ، وانتصر معاوية ، فعمّ الظلم والجور والاستبداد .

ولمّا استبان لأولئك الحمقاء خداع معاوية في رفعه للمصاحف خفّوا مسرعين إلى الإمام يطلبون منه إعلان التوبة ، والاعتراف بالذنب لأنّه أجابهم إلى طلب الصلح ، فامتنع الإمام علیه السلام لأنّه لم يقترف أي ذنب في حياته الطاهرة المليئة بالحسنات والمبرّات للإسلام والمسلمين ، ولمّا امتنع الإمام من إجابتهم ناجزوه الحرب، فكانت واقعة النهروان التي جرّت للمسلمين الكثير من المصاعب


1) المزار : 279 - 280 . بحار الأنوار 97: 367 .

والمشاكل السياسيّة ، وأخلدت لهم الفتن والخطوب .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بنا الحديث عن الزيارة الغديريّة التي هي من أروع زيارات الأئمّة وأكثرها أصالة وإبداعاً.

من قصص الأنبياء

اشارة

وحدّث الإمام أبو الحسن علیه السلام أصحابه عن بعض قصص الأنبياء ، كان منها ما يلي :

نوح علیه السلام مع إبليس

وحكى الإمام محاورة طريفة بين نبيّ الله نوح الله وبين إبليس ، قال علیه السلام : « جاءَ اللا إِبْلِيسُ إِلى نُوحٍ فَقالَ لَهُ : إِنَّ لَكَ عِنْدِي يَداً عَظيمَةً ، فَانْتَصِحْنِي فَإِنِّي لَا أَخونُكَ ، فَتَأَنَّمَ نوحٌ مِنْ مَسْأَلَتِهِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ سَلْهُ ، فَقالَ لَهُ نوحٌ : تَكَلَّمْ .

فَقالَ إِبْلِيسُ : إِذا وَجَدْنا ابْنَ آدَمَ شَحيحاً أَوْ حَريصاً أَوْ حَسوداً أَوْ جَبَاراً أَوْ عَجولاً تَلَقَّفْنَاهُ تَلَقْفَ الْكُرَةِ ، فَإِنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْأَخْلاقُ سَمَّيْنَاهُ شَيْطَانَاً مَرِيداً.

فَقالَ نوحٌ : ما الْيَدُ الْعَظيمَةُ الَّتى صَنَعْتُها لَكَ ؟

قالَ : إِنَّكَ دَعَوْنَ الله عَلى أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَأَلْحَقْتَهُمُ النَّارَ ، فَصِرْتُ فارغاً ، وَلَوْلا دَعْوَتُكَ عَلَيْهِمْ لَشُغِلْتُ بِهِمْ دَهْراً »(1).

لقد حدّث الإمام أصحابه بهذه القصة ليجتنبوا تلك الصفات التي توجب انحطاط

الإنسان وسقوطه في قرار سحيق من الرذيلة .

حكمة لعيسى علیه السلام

الا جاء فيها : «إذا أَعْطى

ونقل الإمام لأصحابه كلمة حكيمة لنبيّ الله عيسى علیه السلام أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فَلْيُخْفِ عَلى شِمالِه ، وَإِذا صَلَّى فَلْيُخْفِ»(2)


1) قصص الأنبياء / الراوندي : 89 .

2) مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء : 3: 243 .

إنّ الله تعالى يحبّ لعبده المؤمن أنّه إذا أحسن إلى أخيه أو عمل خيراً أن لا يجهر بذلك ، ولا يذيعه بين الناس لئلّا يذهب أجره ، وإنّما عليه أن يطلب المكافاة والأجر من الله .

موسى علیه السلام مع الله تعالى

وحكى الإمام علیه السلام مناجاة جرت بين نبيّ الله موسى علیه السلام مع الله تعالى ، وقد جاء فیها:

«قالَ مُوسى : إلهي ما جَزاءُ مَنْ تَرَكَ الْخِيانَةَ حَيَاءٌ مِنْكَ ؟

قالَ اللهُ لَهُ : الْأَمَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

قالَ مُوسى : ما جَزاهُ مَنْ أَحَبَّ أَهْلَ طَاعَتِكَ ؟

قالَ الله تَعَالَى : أَحَرِّمُ جَسَدَهُ عَلى ناري .

قالَ مُوسى : ما جَزاءُ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ؟

قالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقِيلُ عَشْرَتَهُ .

قالَ مُوسى : إلهي ما جَزاءُ مَنْ كَفَّ أذاهُ عَنِ النَّاسِ ، وَبَذَلَ مَعْرُوفَهُ لَهُمْ ؟

قالَ اللَّهُ تَعَالَى : تُنادِيهِ النَّارُ يَوْمَ الْقِيامَةِ لَا سَبيلَ لى عَلَيْكَ»(1).

لقد حكى علیه السلام لأصحابه هذه القصّة وأمثالها لتكون درساً لهم وموعظة حتّى يتّصفوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات .


1) أمالي الصدوق : 277 .

من الأحداث الإسلاميّة

اشارة

وحدّث الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام أصحابه ببعض الأحداث المهمّة التي وقعت في العصر الإسلامي الأوّل ، والتي كان منها قتل الطاغية الجلّاد الحجّاج بن يوسف الثقفى لقنبر الشهيد الخالد مولى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وقد روى علیه السلام كيفيّة استشهاده ، قال علیه السلام :« ودَخَلَ قَنْبَرُ عَلَى الْحَجاج بْنُ يُوسُفَ فَصاحَ الطَّاغِبَةُ بِهِ : ما الَّذِي كُنْتَ تَلى مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؟

• كُنْتُ أَوَفِّيهِ .

ما كانَ يَقولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ وُضوئِهِ ؟

•

كانَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ : (فَلَمَّا نَسُوا مَاذَكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (1).

•

أَظُنُّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُها عَلَيْنا ؟

•

نَعَمْ.

•

ما أَنْتَ صانع إِذا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ ؟

•

إِذا أَسْعَدُ فَتَشْقى .

وأمر الطاغية بالعبد الصالح فضربت عنقه»(2).


1) الأنعام 6: 44 و 45 .

2) بحار الأنوار: 42 : 135 ، الحديث 16 . اختيار معرفة الرجال : 1 : 290 ، الحدیث 130 .

فضل النبىّ صلی الله علیه وآله وسلم و علىّ علیه السلام

وأشاد الإمام أبو الحسن علیه السلام بإحسان النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم و وصيّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام على هذه الأمّة ، فقد أسديا إليها من الألطاف والفضل ما لا يحصى .

قال علیه السلام : إِنَّ مِنْ إِعْظام جَلالِ اللَّهِ إِيثَارَ قَرابَةِ أَبَوَيْ دينِكَ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه وآله وسلم وَعَلِيٌّ علیه السلام عَلَى

قراباتِ أَبي نَسَبِكَ ، وَإِنَّ مِنَ النَّهَاوِنِ بِجَلالِ اللَّهِ إِيثَارَ قَرابَةِ أَبَوَيْ نَسَبِكَ عَلَىٰ قَرَابَةِ أَبَوَيْ دينِكَ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه وآله وسلم وعلىّ علیه السلام»(1).

وقال علیه السلام : « مَنْ لَمْ يَكُنْ والِدا دينِهِ مُحَمَّدٌ صلی الله علیه وآله وسلم وَعَلِيٌّ علیه السلام أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ وَالِدَيْ نَسَبِهِ ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي حِلٌّ وَلَا حَرامٍ ، وَلَا قَليلٍ وَلَا كَثيرٍ »(2).

إنّ للنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم والوصيّ علیه السلام من الحقوق على هذه الأمّة أكثر من حقوق الآباء ، فيهما أخرجنا الله من حياة الجاهليّة وذلّها وشقائها إلى حياة الإسلام الحافلة بالشرف والعزّة والكرامة .

فضل العلماء في زمان الغيبة

وأشاد الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام بفضل العلماء في زمان غيبة حفيده الإمام المنتظر علیه السلام ، قال : «لَوْلا مَنْ يَبْقَى بَعْدَ غَيْبَةِ قائِمِكُمْ علیه السلام مِنَ الْعُلَمَاءِ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ ، وَالدّالّينَ عَلَيْهِ ، وَالذَّائِينَ عَنْ دِينِهِ بِحُجَجِ اللَّهِ ، وَالْمُنْقِذِينَ لِضُعَفَاءِ عِبَادِ اللَّهِ مِنْ شِبَاكِ إِبْلِيسَ وَمَرَدَتِهِ ، وَمِنْ فِخاخ النَّواصِبِ لَما بَقِيَ أَحَدٌ إِلا ارْتَدَّ عَنْ دینِ اللهِ ، وَلكِنَّهُمُ الَّذِينَ يُمْسِكُونَ أَزِمَّةَ قُلوب ضُعَفَاءِ الشَّيعَةِ ، كَما يُمْسِكُ صاحِبُ السَّفِينَةِ سُكَانَها ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْأفْضَلونَ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(3).


1) مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء : 3 : 227 .

2) بحار الأنوار: 23 : 261 و 36 : 10 . تفسير الإمام العسكري علیه السلام : 332 .

3) الاحتجاج : 1 : 9 و 10 و : 2 : 260 . بحار الأنوار: 2 : 6 ، الحديث 12.

إنّ للعلماء في زمان الغيبة الفضل الكبير على هذه الأمّة ، فقد قاموا بدور مهمّ وفعّال في نشر دين الإسلام والذب عن شريعة الله ، والحفاظ على مبادئ الإسلام .

فضل الصبر

وتحدّث الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام عن فضل الصبر ، وما للصابرين من الأجر عند الله ، فقد روى الحسن بن علي ، قال : سمعت أبا الحسن يقول :« وَإِذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ نادى مُنادِ : أَيْنَ الصابرونَ ؟

فَيَقومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ ، فَيُنادى مُنادٍ أَيْنَ الْمُتَصَبُرونَ ، فَيَقومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ .

فقلت : جعلت فداك ، ومن الصابرون والمتصبرون ؟

قال علیه السلام : الصَّابِرُونَ عَلَى أَداءِ الْفَرائِضِ ، وَالْمُتَصَبِّرُونَ عَلَى تَرْكِ الْمَعاصي»(1).

إنّ الصبر على أداء فرائض الله ، والتصبّر في ترك معاصي الله من أفضل ألوان الطاعات والعبادات، كما أنّ ذلك ممّا يوجب ضبط النفس ، والسيطرة عليها من الانقياد للنزعات الشريرة والرغبات الشاذّة .

التشاؤم من الأيّام

وناهض الإسلام جميع عادات الجاهليّة وتقاليدها ، وكان من بين ما ناهضه التشاؤم من الأيّام ، وهي الفكرة التي آمن بها المجتمع الجاهلي ، فإنّها لا تجلب خيراً ولا تدفع شرّاً ، فإنّ مجريات الأحداث بيد الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ، ولنستمع إلى ما قاله الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام في ذلك.

روى الحسن بن مسعود (2)، قال : « دخلت على أبي الحسن عليّ بن محمّد علیه السلام


1) بحار الأنوار: 7: 181 ، الحديث 24 .

2) لا يوجد في كتب الرجال من سمّي بهذا الاسم من أصحاب الإمام أبي الحسن علیه السلام ، ولعلّ الصحيح هو الحسين بن سعيد الأهوازي ، وسنذكر ترجمته عند التحدّث عن أصحاب الإمام ورواة حديثه .

وقد نكبت(1)إصبعي ، وتلقّاني راكب وصدم كتفي ودخلت في زحمة ، فخرقوا علَيَّ بعض ثيابي ، فقلت : كفاني الله شرّك من يوم ، فما أيشمك (2).

فقال علیه السلام لي : يا حَسَنُ ، هذا وَأَنْتَ تَغْشَانَا ، تَرْمِي بِذَنْبِكَ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ .

قال الحسن : فأثاب إليَّ عقلي ، وتبينت خطأي ، فقلت : يا مولاي ، استغفر الله .

فقال : يا حَسَنُ ما ذَنْبُ الأَيام حَتَّى صِرْتُمْ تَتَشاء مُونَ مِنْها إِذا جُوزِيتُمْ بِأَعْمَالِكُمْ فیها.

قال الحسن : أنا أستغفر أبداً ، وهي توبتي يابن رسول الله .

قال علیه السلام : وَاللهِ ما يَنْفَعُكُمْ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعاقِبُكُمْ بِذَمِّهَا عَلَى مَا لَا ذَمَّ عَلَيْهَا فِيهِ . أَما عَلِمْتَ يَا حَسَنُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُشيبُ وَالْمُعاقِبُ وَالْمُجازِي بِالْأَعْمَالِ عاجِلَةٌ وَآجِلَةٌ .

قلت : بلى يا مولاي .

قال علیه السلام : لَا تَعُدْ وَلَا تَجْعَلْ لِلْأَيَّامِ صُنْعاً فِي حُكْمِ اللَّهِ .

قال الحسن : بلى يا مولاي»(3).

لقد أكّد الإمام علیه السلام ما أعلنه النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في حديث الرفع من أنّه ليس من الإسلام في شيء أن يكون المسلم متشائماً ، وإنّما عليه أن يكون قوي العزيمة ، صلب الإرادة ، لا يثنيه شيء ، إلّا أن يقدم على عمل غير مشروع .


1) نكبت : أي خدشت .

2) كذا جاء ، ولعلّ الصحيح : « فما أشأمك » .

3) تحف العقول : 482 و 483 .

النظافة

ودعا الإمام علیه السلام إلى النظافة والتجمّل . قال علیه السلام : « إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَالنَّجَملَ ، وَيَكْرَهُ الْبُؤْسَ وَالتَّباوُسَ ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذا أَنْعَمَ عَلى عَبْدِهِ نِعْمَةٌ أَحَبَّ أَنْ يَرى عَلَيْهِ أَثَرَها .

فقيل له : وكيف ذلك ؟

قال : يُنظّفُ ثَوْبَهُ ، وَيُطَيِّبُ ريحَهُ ، وَيُحَسِّنُ دارَهُ ، وَيَكْنِسُ أَفْنيتَهُ ، حَتّى أَنَّ السِّراج قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ يَنْفِي الْفَقْرَ ، وَيَزِيدُ في الرِّزْقِ»(1).

ندرة الدرهم من الحلال

روى السيّد ابن طاووس بسنده عن محمّد بن هارون الجلاب ، قال : « قلت لسيّدي عليّ بن محمّد الهادي علیه السلام : إنّا روبنا عن آبائك أَنَّهُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَكونُ شَيْءٌ أَعَزَّ مِنْ أَحْ أَنيسٍ ، أَوْ كَسْبِ دِرْهَمٍ مِنْ حَلالٍ .

فقال لي : يا مُحَمَّدُ ، إِنَّ الْعَزِيزَ مَوْجودٌ ، وَلكِنَّكَ فِي زَمَانٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَعْسَرَ مِنْ دِرْهَم حَلالٍ أَوْ أَحْ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ »(2).

إنّ ندرة الدرهم الحلال ناشئة من عدم التورّع في المكاسب ، والتهالك على طلب المادّة بأي طريق كان .

أما الأخ الأنيس ، وهو الذي يسعى وراء منافعه ومصالحه فهو موجود في كلّ زمان ومكان ، وأمّا الأخ في الله الذي يصون أخاه من اقتراف المنكر ، ويحبّب له فعل الخيرات ، فإنّه نادر في جميع مراحل تاريخ الإنسان .


1) أمالي الطوسي : 275 ، الحديث 526 . بحار الأنوار: 73: 141 ، الحديث 5 .

2) إقبال الأعمال : 1: 41 مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء : 3 : 227 .

الجهل بحقيقة الموت

سئل الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام : ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت ؟

قال علیه السلام : لأَنَّهُمْ جَهِلوهُ فَكَرِهُوهُ ، وَلَوْ عَرَفوهُ وَكانوا مِنْ أَوْلِياءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَأَحَبُّوهُ ، وَلَعَلِموا أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الدُّنْيا .

والتفت الإمام إلى أصحابه فقال لهم : ما بالُ الصَّبيَّ وَالْمَجْنونِ يَمْتَنِعَانِ عَنِ الدَّواءِ الْمُنَقِّي لأَبْدَانِهِمْ وَالنَّافِي لِلْأَلم عَنْهُمْ ؟

فأجابوه : لجهلهم بنفع الدواء .

فقال علیه السلام : وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ نَبِيّاً ، مَنِ اسْتَعَدَّ لِلْمَوْتِ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ هَذَا الدَّواءِ لِهَذَا الْمُعالَج ، أَما إِنَّهُمْ لَوْ عَرَفوا ما يُؤَدِّي إِلَيْهِ الْمَوْتُ مِنَ النَّعيم لَاسْتَدْعَوْهُ وَأَحَبُّوهُ أَشَدَّ ما يَسْتَدْعِي الْعَاقِلُ الْحَازِمُ الدَّواءَ لِدَفْعِ الآفاتِ ، وَاجْتِلابِ السَّلامات(1).

وأعرب الإمام في حديث آخر عن واقع الموت وحقيقته ، وأنّه ينبغي للمؤمن إذا نزل بساحته أن لا يحزن ولا يجزع ، فقد دخل علیه السلام على مريض من أصحابه فرآه يبكي جزعاً من الموت .

فقال علیه السلام له : يا عَبْدَ اللهِ ، تَخافُ مِنَ الْمَوْتِ لأَنَّكَ لَا تَعْرِفُهُ ، أَرَأَيْتَكَ إِذا اتَّسَخْتَ الله وَتَقَدَّرْتَ وَتَأَذَّيْتَ مِنْ كَثْرَةِ الْقَذَرِ وَالْوَسَخ عَلَيْكَ ، وَأَصابَكَ قُروحُ وَجَرَبٌ ، وَعَلِمْتَ أَنَّ الْغُسْل فى الْحَمّام يُزيلُ ذلِكَ كُلَّه ، أما تُريدُ أنْ تَدْخُلَهُ فَتَغْسِلُ ذلِكَ عَنْكَ أَوْ تَكْرَهُ أَنْ تَدْخُلَهُ فَيَبْقى ذلِكَ عَلَيْكَ ؟

وانبرى المريض فقال : بلى يابن رسول الله صلّى الله عليك وآلك وسلّم ، وقد أبدى رغبته بدخول الحمّام .


1) معاني الأخبار : 290.

فأجابه الإمام علیه السلام : فَذلِكَ الْمَوْتُ هُوَ ذلِكَ الْحَمامُ ، وَهُوَ آخِرُ ما بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ تَمْحيص ذُنوبِكَ وَتَنْقِيَتِكَ مِنْ سَيِّئاتِكَ ، فَإِذا أَنْتَ وَرَدْتَ عَلَيْهِ وَجاوَرْتَهُ ، فَقَدْ نَجَوْتَ مِنْ كُلِّ هَمَّ وَغَمَّ وَأَدْيَ ، وَوَصَلْتَ إِلَى كُلِّ سُرورٍ وَفَرَحٍ .

وسكن المريض ، واستسلم للموت ، ورضي بأمر الله(1).

إنّ رقدة الموت ممّا يستريح بها المؤمن من آلام الدنيا وهمومها ، ويحلّ في دار النعيم التي لا شقاء فيها.

التوبة النصوح

سأل أحمد بن هلال الإمام أبا الحسن الهادي علیه السلام عن التوبة النصوح ، فأجابه علیه السلام: أَنْ يَكُونَ الْباطِنُ كَالظَّاهِرِ ، وَأَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ(2).

إنّ حقيقة التوبة هي الاقلاع عن الذنوب ، والعمل على طهارة النفس وصفاتها ، وأن يكون الباطن كالظاهر أو أفضل منه .

معنى الرجيم

روى السيّد الجليل عبد العظيم الحسني ، قال :« سمعت أبا الحسن عليّ بن محمّد علیه السلام يقول : معنى الرجيم - الذي وُصف به الشيطان - أَنَّهُ مَرْجُومٌ بِاللَّعْنِ ، مَطْرُودٌ مِنْ مَواضِع الْخَيْرِ ، لَا يَذْكُرُهُ مُؤْمِنْ إِلَّا لَعَنَهُ ، وَأَنَّ فِي عِلْمِ اللهِ السّابِقِ أَنَّهُ إِذا خَرَجَ الْقائِمُ عَجَلَ اللهُ فَرَجَهُ لَا يَبْقى مُؤْمِنٌ فِى زَمَانِهِ إِلَّا رَجَمَهُ بِالْحِجَارَةِ كَما كَانَ قَبْلَ ذلِكَ مَرْجوماً بِاللَّعْن»(3).


1) معاني الأخبار : 290. بحار الأنوار: 6: 156 ، الحديث 13 .

2) معاني الأخبار: 174 .

3) معاني الأخبار : 139 ، الحديث 1.

إنّ جميع ما في الدنيا من شرور وجرائم تستند إلى الشيطان الرجيم ، فبإغرائه وخداعه يقترف الإنسان الذنوب ، ويغرق في الآثام.

الغوغاء

قال الإمام أبو الحسن علیه السلام :« الْغَوْعَاءُ فَتَلَهُ الأنبياء ، وَالْعامَّةُ مُسْتَقَةٌ مِنَ الْعَمى وَ ما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنْ شَبَّهَهُمْ بِالْأَنْعَامِ حَتَّى قَالَ : ( بَلْ هُمْ أَضَلُّ )(1)»(2).

إنّ الغوغاء هم الذين لا يمتلكون أي وعيّ اجتماعي أو ديني ، وهم الذين تزجّ بهم القوى الباغية لتقتل الأنبياء والمصلحين .


1) الأعراف 7: 179 .

2) أمالي الطوسي : 613. بحار الأنوار : 67 : 11 ، الحديث 12 .

كلمات من نور

وأثرت عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام مجموعة من الكلمات الذهبيّة التي تعدّ من أروع الثروات الفكريّة في الإسلام ، وقد عالج فيها مختلف القضايا التربويّة والأخلاقيّة والنفسيّة ، وهذه بعضها :

1 - قال علیه السلام:« خَيْرٌ مِنَ الْخَيْرِ فَاعِلُهُ ، وَأَجْمَلُ مِنَ الْجَمِيلِ قائِلُهُ ، وَأَرْجَحُ مِنَ الْعِلْم حامِلُهُ»(1).

أشاد الإمام علیه السلام بهذه الكلمات بمن يتحلّى بها من الأشخاص .

فاعل الخير : إنّه بحسب قيمه الأخلاقيّة خير من الخير .

قائل الجميل : إنّه بموازينه النفسيّة أجمل من الجميل ، وذلك لما يسديه من الخير على الناس .

العامل بعلمه : فهو أرجح من العلم ، فإنّ العلم إنّما يطلب وسيلة للعمل والتهذيب ، فإذا عمل بذلك فقد أدّى رسالته ، وصان العلم ، ورفع منزلته وبذلك كان خيراً من العلم .

2 - قال علیه السلام لبعض مواليه : «عاتِبْ فُلاناً وَقُلْ لَهُ : إِنَّ اللَّهَ إِذا أَرادَ بِعَبْدِ خَيْراً إذا عُوتِبَ قَبلَ»(2).

إنّ العتاب إذا كان مشفوعاً بهذا اللون من الكلام الطيّب ، فإنّه يقضي على الشحناء والبغضاء ، ويوجب نشر المودّة والمحبّة .


1) نزهة الناظر : 142 ، الحديث 26 أعلام الدين: 311 .

2) تحف العقول : 481 .

3 -قال علیه السلام:« وَ مَنْ سَأَلَ فَوْقَ قَدْرِ حَقِّهِ فَهُوَ أَوْلى بِالْحِرمان »(1).

إنّ من يسأل فوق ما يستحق فقد عرّض نفسه للضياع والحرمان .

4 - قال علیه السلام:« صَلَاحُ مَنْ جَهِلَ الْكَرَامَةَ هَوَاتُهُ »(2).

ما أروع هذه الكلمة ، فإنّ من لا يعرف الكرامة وجهل القيم الإنسانيّة فصلاحه بالهوان والاستخفاف والاعراض .

5 - قال علیه السلام:« الْحِلْمُ هُوَ أَنْ تَمْلِكَ نَفْسَكَ ، وَتَكْظِمَ غَيْظَكَ ، وَلَا يَكونُ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ الْقُدْرَةِ »(3).

إنّ حقيقة الحلم أن يسيطر الإنسان على نفسه وأعصابه ، ولا يخضع لعوامل الغضب وأسبابه .

6 - قَالَ علیه السلام:« النَّاسُ في الدُّنْيا بِالْمالِ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْأَعْمالِ» (4).

إنّ حياة الإنسان في هذه الدنيا تتركّز على الناحية الماديّة ، فإنّها العنصر المهمّ في بناء كيانه الفردي والاجتماعي .

أمّا حياة الإنسان في دار الآخرة فهي مبنيّة على ما عمله في الدنيا من خير أو شرّ ، فإن عمل خيراً ففي جنّة الفردوس ، وإن عمل شرّاً فمأواه جهنّم وساءت مصيراً .

7 - قَالَ علیه السلام: « مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثرَ السَّاخِطُونَ عَلَيْهِ» (5).

إنّ من لا يكبح جماح نفسه ، ويرضى بتصرّفاته الشاذّة ، فقد عرّض نفسه لسخط


1) نزهة الناظر : 110 ، الحدیث 32 . بحار الأنوار: 75: 278 .

2) نزهة الناظر : 111 ، الحديث 34 .

3) نزهة الناظر : 138 ، الحدیث 5 .

4) نزهة الناظر : 139 ، الحدیث 10. بحار الأنوار: 75: 368 .

5) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 138 ، الحديث 1.

الناس عليه وكراهيّتهم له .

8 - قَالَ علیه السلام:« تُرِيكَ الْمَقاديرُ ما لَا يَخْطُرُ ببالك»(1).

إنّ مقادير الله تعالى التي تجري على عباده ، وسائر مخلوقاته تري الإنسان في هذه الدنيا من الغرائب والعجائب ما لا يخطر بالبال .

9 - قَالَ علیه السلام:« شَرُّ الرَّزِيَّةِ شَرُّ الرَّزِيَّةِ سُوْءُ الْخُلُق»(2).

إنّ من أعظم الرزايا سوء الخلق ، فإنّه يلقي الإنسان في شرّ عظيم ، ويخلق له كثيراً من المصاعب والمشاكل .

10 - قال علیه السلام:« الْغِنى قِلَّةُ تَمَنِّيكَ ، وَالرّضى بما يكفيك ، وَالفَقْرُ شَرَهُ النَّفْسِ وَشِدَّةُ الْقُنوطِ، وَالْمَذَلَّةُ اتِّباعُ اليَسيرِ ، وَالنَّظَرُ فِي الْحَقيرِ »(3).

وحفل كلام الإمام علیه السلام بتحديد الأمور التالية :

الغنى : يرى الإمام أنّ الغنى ليس بكثرة النقود ، وإنّما بقلّة التمنّي أو الرضى بما يكفي الإنسان .

الفقر وليس بقلّة المال ، وإنّما بشره النفس وشدّة قنوطها .

المذلّة: وهي باتّباع اليسير والنظر في الأمور الحقيرة ، وعدم الاتّجاه نحو ما يرفع كرامة الإنسان .

11 - سئل الإمام علیه السلام عن الحزم ؟

قَالَ علیه السلام:« الْحَزْمُ أَنْ تَنتَظِرَ فُرْصَتَكَ ، وَتُعاجِلَ ما أَمْكَنَكَ »(4).


1) نزهة الناظر : 139 ، الحدیث 2.

2) الدرّ النظيم : 729 .

3) نزهة الناظر : 138 ، الحدیث 7.

4) نزهة الناظر : 138 ، الحديث 6 .

إنّ الحزم كلّ الحزم لمن ينتهز الفرصة التي تمرّ عليه ، ولا يتركها من دون أن يغتنمها .

12 -قَالَ علیه السلام:« راكِبُ الْحَرون - وهو الفرس الذى لا ينقاد - أسيرُ نَفْسِهِ »(1).

وقد أراد علیه السلام أنّ من يسلك الطرق الملتوية فإنّه أسير نفسه التي ألقته في الهوة السحيقة .

13 - قال علیه السلام:« الْجَاهِلُ أَسيرُ لِسانِهِ »(2).

لا إشكال أنّ الجاهل هو أسير لسانه بما يجر له من الخطوب والمشاكل.

14 - قال علیه السلام:« المراء يُفْسِدُ الصَّداقة القَديمَةَ ، وَيَحِلُّ الْعُقْدَةَ الْوَثِيفَةَ ، وَأَقَلُّ ما فِيهِ أَنْ تَكونَ الْمُعْالَبَةُ ، وَالْمُعْالَبَةُ أَمْتَنُ أَسْبَابِ الْقَطِيعَةِ» (3).

المراء : هو المجادلة ، وهو مما يوجب انفصام عرى الصداقة ، وانحلال المودّة وشيوع البغضاء والكراهية .

15 - قال علیه السلام:« الْعِتابُ مِفْتَاحُ التَّعالى ، وَالْعِتابُ خَيْرٌ مِنَ الْحِقْدِ »(4).

لا شكّ أن العتاب سبب وثيق للتعالي ، ومفتاح للشرّ، ولكنّه مع ذلك فهو خير من أن يحقد الإنسان على أخيه .

16 - أثنى بعض أصحاب الإمام على الإمام ، وأكثر من تقريظه والثناء عليه ، فقال علیه السلام له : « إِنَّ كَثْرَةَ الْمَلَقِ تَهْجُمُ عَلَى الظَّنَّةِ ، وَإِذا حَلَلْتَ مِنْ أَحْبِكَ مَحَلَّ الثَّقَةِ فَاعْدِلْ عَنِ الْمَلَقِ إِلى حُسْنِ النِّيَّةِ» (5).


1) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 139 ، الحديث 9.

2) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 139 ، الحديث 9.

3) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 139 ، الحديث 11 .

4) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 139 ، الحدیث 12.

5) نزهة الناظر : 139 ، الحدیث 13 .

إنّ الإسلام يبغض التملّق لأنّه ينمّ عن ضعف الشخصيّة ، ويطلب من المسلم أن لا يركن إلى الخنوع والذلّ ، وأن يكون عزيزاً في جميع مراحل حياته .

17 - قال علیه السلام:« المُصيبَةُ لِلصّابِرِ واحِدَةً ، وَلِلْجازع اثنتان»(1).

إنّ الإنسان إذا دهمته كارثة وكان صابراً ، فإنّه يصاب بمصيبة واحدة ، أمّا إذا كان جازعاً ، فإنّه يصاب بمصيبتين ، مصيبته الأولى ومصيبة الجزع ثانياً .

18 - قال علیه السلام:« الْحَسَدُ ماحِقُ الْحَسناتِ ، وَالزَّهْوُ جالِبُ الْمَقْتِ» (2).

لقد حذّر الإمام علیه السلام من الحسد لما فيه من الإثم ، فقد تظافرت الأخبار أنّه يأكّل الحسنات كما تأكل النار الحطب اليابس ، كما حذّر الإمام علیه السلام من الزهو وهو الكبر والفخر لأنّه ممّا يوجب المقت والكراهية .

19 - قَالَ علیه السلام:« الْعُجْبُ صارِفٌ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ ، داعِ إِلَى التَّخَبُّطِ فِي الْجَهْلِ»(3).

إنّ إعجاب المرء بنفسه ممّا يصدّه عن طلب العلم ، وتهذيب النفس ، ويجعله يرتطم في الجهل .

20 - قَالَ علیه السلام: « الْبُخْلُ أَذَمُ الْأَخْلاقِ ، وَالطَّمَعُ سَجِيَّةٌ سَيِّئَةٌ »(4).

حذّر الإمام من البخل لأنّه من أسوأ الأخلاق وأحطها ، كما حذّر من الطمع ، فإنّه من الصفات السيّئة الممقوتة لأنّه يجلب للإنسان كثيراً من المصاعب والمتاعب .

21 - قَالَ علیه السلام:« مُخالَطَةُ الْأَشْرارِ تَدُلُّ عَلَى شِرارِ مَنْ يُخالِطُهُمْ »(5).


1) نزهة الناظر : 140 ، الحديث 15 .

2) نزهة الناظر : 140 ، الحديث 16 .

3) نزهة الناظر : 140 ، الحديث 16 .

4) نزهة الناظر : 140 ، الحديث 16 .

5) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 140 ، الحديث 17 .

لا شبهة في أنّ مخالطة الأشرار ومصاحبتهم تدلّ على سوء وشرّ المتّصل بهم لأنّه لو كان شريفاً في سلوكه لابتعد عنهم .

22 - قال علیه السلام :« الْكُفْرُ لِلنَّعَم أمارَةُ الْبَطَرِ ، وَسَبَبٌ للتغيير »(1).

لا شكّ أنّ من يكفر بالنعمة ولا يشكرها فهو متبطّر ، وخارج عن حدود الطاعة للمنعم عليه ، كما أنّ التبطّر سبب لتغيير النعمة وزوالها .

23 -قَالَ علیه السلام:« اللجاجَةُ مُسْلِبَةٌ لِلسَّلامَةِ ، وَمُؤَدِّيَةٌ لِلنَّدامَةِ»(2).

نهى الإمام علیه السلام عن اللجاجة ، وهي الإلحاح في طلب الشيء ، وكانت المصلحة تقضي بالتأنّي ، وعدم الإسراع ، ويترتّب على اللجاجة أنّها مسلبة للسلامة ومؤدّية للندامة ، وفي الحديث : « اللجاجَةُ تَسُلُّ الرّأْيَ » أي تأخذه .

24 - قَالَ علیه السلام: « الْهُزْهُ فَكاهَةُ السُّفَهاءِ ، وَصِناعَةُ الجُهَالِ »(3).

إنّ الهزء بالناس والاستخفاف بهم إنّما هو بضاعة الجهّال ، وفكاهة السفهاء الذين لا عمل لهم سوى السخرية بخلق الله .

25 - قَالَ علیه السلام: « الْعُقوقُ يُعَقِّبُ الْقِلَّةَ ، وَيُؤَدِّي إِلَى الذُّلَّةِ »(4).

إنّ عصيان الأب وترك الإحسان إليه ، له مضاعفاته السيّئة التي منها الإصابة بقلّة النسل ، وشيوع الذلّة بين أفراد الأسرة

26 - قَالَ علیه السلام:« السَّهَرُ أَلَذُ لِلْمَنامِ ، وَالْجُوعُ يَزيدُ في طيب الطعام»(5).


1) أعلام الدين : 311. الدرّ النظیم: 730 .

2) أعلام الدين : 311 .

3) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 140 ، الحديث 17.

4) أعلام الدين: 311 . بحار الأنوار: 71: 84 ، الحديث 95.

5) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 141 ، الحديث 18.

إن الإنسان إذا أنفق ليله ساهراً فألذّ شيء عنده النوم ، كما أنّ الجوع ممّا يزيد في طيّب الطعام ، وإن كان جشباً .

27 - قال علیه السلام لبعض أصحابه : «اذْكُرْ مَصْرَعَكَ بَيْنَ يَدَيْ أَهْلِكَ ، حَيْثُ لَا طَبِيبَ يَمْنَعُكَ ، وَلَا حَبيبَ يَنْفَعُكَ »(1).

وفي هذه الكلمات دعوة إلى إصلاح النفس واستقامتها، وعدم غرورها، فإنّ الإنسان إذا ذكر النهاية الأخيرة من حياته فإنّه لا يطغى ، ولا يعتدي على غيره .

28 - قال علیه السلام: «اذْكُرْ حَسَراتِ التَّفْريطِ تَلَذُّ بِقَدِیمِ الحَزمِ»(2).

دعا الإمام علیه السلام بهذه الكلمة المشرقة إلى الحزم ، واجتناب التفريط الذي يجرّ الويل والعطب إلى الإنسان .

29 - قَالَ علیه السلام:« ما اسْتَراحَ ذُو الْحِرْصِ وَالْحِكْمَةِ»(3).

وحكت هذه الكلمة واقع الحريص وطالب الحكمة ، فالحريص في كدّ وتعب لزيادة أحواله ، والمحافظة على ما عنده ، وطالب الحكمة كذلك يكدّ لزيادة معارفه ومعلوماته .

30 - قال علیه السلام:« الْحِكْمَةَ لَا تَنْجَعُ فِي الطَّبَاعِ الْفَاسِدَةِ »(4).

إنّ أكثر المصابين بالطبائع الفاسدة والمنحرفين في سلوكهم لا ينفع معهم دواء ولا علاج ، ولا يفيد معهم نصح وإرشاد.

31 - قَالَ علیه السلام: « مَنْ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَمْنَعَ لَمْ يُحْسِنُ أَنْ يُعْطِيَ»(5).


1) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 141 ، الحديث 19.

2) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 141 ، الحديث 20.

3) نزهة الناظر : 141 ، الحديث 21 .

4) أعلام الدين: 311 .

5) نزهة الناظر : 142 ، الحديث 25 . بحار الأنوار: 75: 380 .

إنّ الفاقد للقيم الفكرية والاجتماعية كما لا يحسن المنع ، كذلك لا يحسن العطاء .

32 - قَالَ علیه السلام: « شَرِّ مِنَ الشَّرِّ جَالِبُهُ ، وَأَهْوَلُ مِنَ الْهَوْلِ راكِبُهُ»(1).

إنّ من يجلب الشر لنفسه أو لمجتمعه فهو أشرّ من الشرّ ، وأخبث منه ، كذلك من يركب الأهوال ، فإنّه أهول من الهول .

33 - قَالَ علیه السلام:« إِيَّاكَ وَالْحَسَدَ ، فَإِنَّهُ يُبينُ فيك ، وَلَا يَعْمَلُ في عَدُوِّكَ»(2).

ممّا لا شبهة فيه أنّ الحسد ينخر في قلب الحاسد ، ويترك فيه آثاراً مريرة في حين أنّه لا يؤثّر أي شيء في المحسود .

34 - قَالَ علیه السلام:« إذا كانَ زَمانَ الْعَدْلُ فيهِ أَغْلَبُ مِنَ الْجَوْرِ فَحَرامٌ أَنْ يُظَنَّ بِأَحَدٍ سُوءاً حَتّى يُعْلَمَ ذلِكَ مِنْهُ ، وَإِذا كانَ زَمانٌ الْجَوْرُ أَغْلَبُ فِيهِ مِنَ الْعَدْلِ فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ بِأَحَدٍ خَيْراً مَا لَمْ يَعْلَمْ ذلِكَ مِنْهُ»(3).

إنّ الزمان إذا انتشرت فيه العدالة الاجتماعيّة ، وعمّ فيه الحق ، فليس لأحد أن يظنّ سوءاً بأيّ أحد ، وأمّا إذا ساد الظلم وعمّ الجور ، فإنّ ظنّ الخير بأيّ أحد لا موضع له إلّا أن يعلم ذلك منه .

35 - قال علیه السلام للمتوكل : « لَا تَطْلُبِ الصَّفاءَ مِمَّنْ كَدَّرْتَ عَلَيْهِ ، وَلَا الْوَفاءَ مِمَّنْ غَدَرْتَ بِهِ ، وَلَا النَّصْحَ مِمَّنْ صَرَفْتَ سُوءَ ظَنُّكَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّما قَلْبُ غَيْرِكَ لَك كَقَلْبِكَ لَهُ» (4).

وهذه الكلمة من أروع الكلمات الذهبيّة ، فقد حذّر فيها المتوكّل من أن يطلب الصفاء والوفاء والنصح من الذين كدّر عليهم حياتهم بظلمه وجوره أو غدر بهم ،


1) نزهة الناظر : 142 ، الحديث 26 . بحار الأنوار : 75: 370.

2) أعلام الدين : 311 نزهة الناظر : 142 ، الحديث 27.

3) أعلام الدين : 312 نزهة الناظر : 142 ، الحديث 28 .

4) أعلام الدين : 312 نزهة الناظر : 142 ، الحديث 29.

أو أساء ظنّه بهم ، فإنّهم جميعاً من أعدائه وخصومه .

36 - قَالَ علیه السلام:« أَبْقُوا النَّعَمَ بِحُسْنِ مُجاوَرَتِها ، وَالْتَمِسُوا الزّيادَةَ فيهِ بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّفْسَ أَقْبَلُ شَيْءٍ لِما أُعْطِيَتْ ، وَأَمْنَعُ شَيْءٍ لِمَا مُنِعَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَىٰ مَطِيَّةٍ لَا تُبطى»(1).

لقد دعا الإمام علیه السلام إلى إبقاء النعم بالإحسان إلى الناس ، كما دعا إلى شكر الله عليها ، فإنّ فيه زيادة للنعم ، ومن الطبيعي أنّ الشكر إنّما يكون بالبرّ على الفقراء والضعفاء والإحسان لهم .

وحفلت الكلمات الأخيرة بلزوم تربية النفس والسيطرة عليها ، وأن لا يطلق سراحها ، فإنّها إذا لم تهذّب تلقي الشخص في ميدان سحيق ما له من قرار .

37 - قال علیه السلام « الْجَهْلُ وَالْبُخْلُ أَذَمُ الأَخْلَاقِ»(2).

لا شبهة أنّ الجهل والبخل من مساوئ الأخلاق ، وهما يبعدان الإنسان من ربّه ، ويعيش من يتّصف بهما عيشة الحيوان السائم .

38 - قَالَ علیه السلام:« حُسْنُ الصّورَةِ جَمالٌ ظَاهِرٌ ، وَحُسْنُ الْعَقْل جَمالَ باطِن»(3).

إن حسن الصورة ممّا يوجب جمال الإنسان في الظاهر ، أمّا جماله الحقيقي ففي وفرة عقله وكماله .

39 - قَالَ علیه السلام:« إِنَّ مِنَ الْغِرَّةِ بِاللَّهِ أَنْ يَصِرَّ الْعَبْدُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَيَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ»(4).


1) أعلام الدين : 312 نزهة الناظر : 143 ، الحديث 31.

2) نزهة الناظر : 140 ، الحديث 16 . بحار الأنوار: 75 369 ، الحديث3 .

3) نزهة الناظر : 145 ، الحديث .9 بحار الأنوار: 1 : 95 ، الحدیث 27 .

4) أمالي الطوسي : 2 : 193 . بحار الأنوار : 68: 188 ، الحدیث 52 .

أراد علیه السلام أنّ من الغرّة - وهي الأمن من مكر الله - أن يصرّ العبد على اقتراف المعاصي ويتمنّى طلب المغفرة من الله ، فإنّ المغفرة إنّما تكون للذين تابوا توبة نصوحة ، وندموا على ما فرّطوا من ارتكابهم للمعاصي .

40 - قَالَ علیه السلام:« لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وادِياً وسيعاً لَسَلَكْتُ وَادِي رَجُلٍ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ خالِصاً »(1).

إنّ من الطبيعي بهدي الإمام علیه السلام وسيرته أن يسلك الطريق الذي يرضي الله وإن ابتعد عنه الناس ، وسلكوا طريقاً آخر أوسع منه.

41 - قَالَ علیه السلام:« الْغَضَبُ عَلى مَنْ لَا تَمْلِكُ عَجْز ، وَعَلَى مَنْ تَمْلِكُ لُومٌ»(2).

42 - قَالَ علیه السلام:« الشَّاكِرُ أَسْعَدُ بِالشَّكْرِ مِنْهُ بِالنَّعْمَةِ الَّتي أَوْجَبَتِ الشُّكْرَ ، لأَنَّ النِّعَمَ مَتَاعٌ وَالشُّكْرُ نِعَمَ وَعُقْبى»(3).

43 - قال علیه السلام: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الدُّنْيا دارَ بَلْوى ، وَالْآخِرَةَ دَارَ عُقْبَىٰ ، وَجَعَلَ بَلْوَى الدُّنْيا لِثَوابِ الْآخِرَةِ سَبَباً ، وَثَوابَ الْآخِرَةِ مِنْ بَلْوَى الدُّنْيا عِوَضاً»(4).

44 - قالَ علیه السلام:« إِنَّ الظَّالِمَ الْحَالِمَ يَكادُ أَنْ يُعْفَىٰ عَلَى ظُلْمِهِ بِحِلْمِهِ ، وَإِنَّ الْمُحِقَّ السَّفيةَ يَكادُ أَنْ يُطْفِئَ نورَ حَقِّهِ بِسَفَهِهِ »(5).

45 - قال علیه السلام : «مَنْ جَمَعَ لَكَ رُدَّهُ وَرَأيَهُ فَاجْمَعْ لَهُ طَاعَتَكَ»(6).


1) عدّة الداعي : 219 . بحار الأنوار : 67: 112 .

2) أعلام الدين: 311 .

3) تحف العقول : 483 .

4) تحف العقول : 483 .

5) تحف العقول : 483 .

6) تحف العقول : 483 .

46 - قَالَ علیه السلام :« مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَلَا تَأْ مَنْ شَرَّهُ »(1).

47 - قَالَ علیه السلام:« الدُّنْيا سُوقٌ رَبحَ فيها قَوْمٌ ، وَخَسِرَ فيها آخَرُونَ »(2).

وبهذا ينتهي الحديث عن حكمه ، وقد دلّلت على أنّه من عمالقة الفكر الإنساني .


1) تحف العقول : 483 .

2) تحف العقول : 483 .

أصْحَابُهُ وَرُوَاةُ حَدِيثِه علیه السلام

اشارة

وكان تنوّع ثقافة الإمام وشمول معارفه ، فهو المتخصّص بجميع العلوم و هو الخبير في تفسير القرآن ، وفي الفقه ، وآداب الإسلام وأخلاقه ، ومن ثمّ كان مقصد طلاب العلوم .

أمّا أصحاب الأئمّة علیه السلام فكانوا يمثّلون الخطّ الرسالي في الإسلام ، فهم الذين صانوا رسالة الإسلام من الضياع ، فاتّصلوا بأئمّة أهل البيت علیهم السلام الذين هم المنبع الفيّاض لجوهر الإسلام ، فرووا أحاديثهم ، ودوّنوها في أصولهم التي بلغت أربعمائة أصل ، وقد جمعت في الكتب الأربعة التي يرجع إليها فقهاء الإماميّة في استنباطهم للأحكام الشرعيّة .

لقد كان لهؤلاء الفضل الكبير على العالم الإسلامي بما دوّنوه من تراث الأئمّة الطاهرين ، فلولاهم لضاعت تلك الثروات الكبرى التي تمثّل الإبداع والأصالة وتطوّر الفكر البشري .

والشيء الذي يدعو إلى الاعتزاز والفخر بجهاد هؤلاء الرواة أنّهم اتّصلوا بالأئمّة ودوّنوا أحاديثهم في وقت كان من أعسر الأوقات حراجة ، وأكثرها ضيقاً وضغطاً، فقد أمعنت السلطات الأمويّة والعباسيّة في ظلم العلويّين وشيعتهم ، ومنعت الأوساط الشعبيّة من الاتّصال بهم ، وأخذت بلا هوادة ولا رحمة تطارد كلّ من ينشر فضائلهم أو يتحدّث عن مناقبهم ، ومآثرهم أو يروي أحاديثهم وألقت القبض عليه ، وحكمت عليه بالإعدام أو خلّدته في ظلمات السجون، وقد تحرّج الرواة أشدّ

ما يكون التحرّج من ذكر أسماء الأئمّة علیه السلام الذين يروون أحاديثهم ، فكانوا يشيرون إليهم بالكنية أو باللقب أخرى ، ولا يصرّحون بأسمائهم .

وعلى أي حال ، فإنّا نعرض إلى تراجم أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، فإنّ ذلك - فيما نحسب - من متمّمات البحث عن شخصيّته لأنّه يكشف جوانب مهمّة عنها ، وقد رتبنا تراجمهم حسب الحروف الهجائيّة ، وفيما يلي ذلك :

حرف الألف

1 - إبراهيم بن أبي بكر

الرازي ، يكنّى أبا محمّد : عده البرقي من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1).

2 - إبراهيم بن إدريس

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(2).

وكذلك عدّه البرقي(3).

3 - إبراهيم بن إسحاق

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام، وأضاف أنّه ثقة(4).

وكذلك عدّه البرقي ، وقال : «إنّه شيخ لا بأس به»(5).


1) رجال البرقي : 1598/138 .

2) رجال الطوسي : 5638/383 .

3) رجال البرقي : 1630/140 .

4) رجال الطوسي : 5635/383 .

5) رجال البرقي : 1594/138 .

4 - إبراهيم بن داود

اليعقوبي . ذكره الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1).

وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الهادي والجواد عليهما السلام(2).

وذكر الكشّي أنّه ممّن روى عن أبي الحسن علیه السلام(3).

5 - إبراهيم بن شيبة

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(4).

كتب إلى الإمام علیه السلام رسالة يشكو فيها جماعة من المارقين عن الدين أخذوا يشوّهون معالم الفكر الإسلامي ، سنعرض لها عند التحدّث عن عصر الإمام .

6 - إبراهيم بن عبدة

النيسابوري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ومن أصحاب

الإمام الحسن العسكري علیه السلام (5).

وذكر الكشّي أنّ الإمام الحسن العسكري علیه السلام بعث رسالة إلى إسحاق بن إسماعيل ، سلّم فيها على إبراهيم بن عبدة، ونصبه وكيلاً على قبض الحقوق الشرعيّة (6).

وقد بعثه إلى عبدالله بن حمدويه البيهقي ، وزوّده برسالة جاء فيها : « وَبَعْدُ فَقَدْ


1) رجال الطوسي : 5641/383 .

2) رجال البرقي: 1657/141 و : 1559/135.

3) رجال الكشّي : 1003/522 .

4) رجال الطوسي : 5648/384 .

5) رجال الطوسي : 5646/384 و : 5823/397 .

6) رجال الكشي : 1088/575 .

220

على الهادي المجرم الثالث والثلاثون

بَعَثْتُ لَكُمْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدَةَ لِيَدْفَعَ النَّواحِيَ ، وَأَهْلُ ناحِيَتِكَ ، حُقوقِيَ الْواجِبَةَ عَلَيْكُمْ إِلَيْهِ ، وَجَعَلْتُهُ ثِقَتي وأميني عِنْدَ مَوالِيَّ هُناكَ ، فَلْيَتَّقوا اللهَ جَلَّ جَلالُهُ ، وَلْيُراقبوا ، وَلْيُؤدّوا الْحُقوق ، فَلَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي تَرْكِ ذلِكَ ، وَلَا تَأْخِيرِهِ ، وَلَا أَشْفَاكُمُ اللهُ بِعِصْيانِ أَوْليائِهِ ، وَرَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَإِيَّاكَ مَعَهُمْ بِرَحْمَتِي لَهُمْ ، إِنَّ اللهَ واسع كريمٌ »(1).

7 - إبراهيم بن عقبة

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(2).

وكذلك عدّه البرقى(3).

روى عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام والإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وروى عنه سهل بن زياد وجماعة آخرون(4).

8- إبراهيم بن محمّد

ابن فارس النيسابوري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ومن أصحاب الإمام الحسن العسكري علیهما السلام(5).

9 - إبراهيم بن محمّد

الهمداني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا علیه السلام ومن أصحاب الإمام الجواد والهادي علیهما السلام(6)


1) رجال الكشي : 983/51 .

2) رجال الطوسي : 5636/383 .

3) رجال البرقي : 1599/138 .

4) معجم رجال الحديث : 1: 215/259.

5) رجال الطوسى : 5640/383 و : 5826/397 .

6) رجال الطوسي : 520/352 و : 5515/373 و : 5637/383 .

وقال الكشّي : «كان وكيله وقد حجّ أربعين حجّة »(1).

كان وكيلاً للإمام الجواد علیه السلام ، و كتب الإمام له : «قَدْ وَصَلَ حِسابُكَ ، تَقَبَّلَ اللهُ مِنْكَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ ، وَجَعَلَهُمْ مَعَنا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْكَ مِنَ الدَّنَانِيرِ بِكَذا ، وَمِنَ الْكِسْوَةِ بِكَذا ، فَبارَكَ اللهُ لَكَ فيهِ ، وَفِي جَمِيعِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكَ ، وَقَدْ كَتَبْتُ إِلَى النَّضْرِ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْتَهى عَنْكَ ، وَعَنِ التَّعَرُّضِ لَكَ وَلِخِلافِكَ ، وَأَعْلَمْتُهُ مَوْضِعَكَ عِنْدِي ، وَكَتَبْتُ إلى أَيُّوبَ أَمَرْتُهُ بِذلِكَ أَيْضاً ، وَكَتَبْتُ إِلى مَوالِيَّ بِهَمَدَانَ كِتاباً أَمَرْتُهُمْ بِطَاعَتِكَ وَالْمَصير إِلى أَمْرِكَ ، وَأَنْ لَا وَكيلَ لي سِواكَ»(2).

ودلّت الرواية على وثاقته وجلالة أمره ، وسموّ مكانته عند الإمام علیه السلام.

10 - إبراهيم بن مهزيار

الأهوازي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد ومن أصحاب الإمام الهادي علیهما السلام (3).

قال النجاشي : « له كتاب البشارات »(4).

وروى الكشّي بسنده عن محمّد بن إبراهيم بن مهزيار ، قال : « إنّ أبي لمّا حضرته الوفاة دفع إليَّ مالاً ، وأعطاني علامة ولم يعلم بها أحد إلّا الله عزّ وجلّ ، وقال : من أتاك بهذه العلامة فادفع إليه المال .

قال : فخرجت إلى بغداد ، ونزلت في خان ، فلمّا كان في اليوم الثاني جاء شيخ فطرق الباب ، فقلت للغلام : انظر مَن في الباب ، فخرج ثمّ جاء وقال : شيخ في


1) رجال الكشّي : 1131/608.

2) رجال الكشّي : 611 و 1136/612 .

3) رجال الطوسي : 5532/374 و : 5639/383.

4) رجال النجاشي : 17/16 .

الباب ، فأذنت له في الدخول ، فقال : أنا العمري ، هات المال الذي عندك ، وهو كذا وكذا ومعه العلامة . قال : فدفعت له المال»(1).

ودلّت هذه الرواية على أنّ إبراهيم كان وكيلاً للإمام علیه السلام في قبض الحقوق الشرعيّة ، ومن الطبيعي أنّه إنّما يؤتمن عليها فيما إذا كان ثقة وعدلاً .

11 - إبراهيم الدهقان

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(2)، ولم يضف إلى ذلك شيئاً .

12 - أحمد بن أبي عبدالله

البرقي : عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(3).

وقد وقع بهذا العنوان في إسناد عدّة من الروايات تبلغ أربعين مورداً(4).

13 - أحمد بن إسحاق

الرازي: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام . وأضاف أنّه ثقة(5)وقد روى عن الإمام علیه السلام، وروى عنه سهل بن زياد(6).

14 - أحمد بن إسحاق

ابن عبدالله ، الأشعري القمّي ، كان وافد القميين ، وروى عن أبي جعفر الثاني


1) رجال الكشّي : 1015/531 .

2) رجال الطوسي : 5653/384 .

3) رجال الطوسي :05645/383 .

4) معجم رجال الحديث : 2 413/34 .

5) رجال الطوسي : 5643/483 .

6) معجم رجال الحديث : 2 : 434/50 .

وأبي الحسن علیهما السلام ، وكان خاصّة أبي محمّد علیه السلام. له من الكتب :

1 - علل الصوم .

2 - مسائل الرجال للإمام الهادي علیه السلام ، وقد جمعه(1).

3- علل الصلاة(2).

وهو ممّن رأى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ، ووردت أخبار كثيرة في مدحه والثناء عليه .

15 - أحمد بن إسماعيل

ابن يقطين ، من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام. ذكره البرقى(3).

16 - أحمد بن الحسن

ابن إسحاق بن سعد : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(4).

17 - أحمد بن الحسن

ابن عليّ بن محمّد بن فضّال . يقال : إنّه كان فطحيّاً ، وكان ثقة في الحديث . روى عنه أخوه عليّ بن الحسن ، وغيره من الكوفيّين(5).

له كتب منها كتاب «الصلاة » وكتاب « الوضوء » ، وقد توفّي سنة ستّين ومائتين(6).


1) رجال النجاشي : 225/91 .

2) فهرست الطوسي : 78/70 .

3) رجال البرقي : 1591/138 .

4) رجال الطوسي : 5633/383 .

5) رجال النجاشي : 194/80.

6) رجال النجاشي : 194/81.

18 - أحمد بن الخضيب

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام (1).

وكذلك عدّه البرقى(2).

19 - أحمد بن حمزة

ابن اليسع القمّي الثقة : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(3).

وقد روى عن أبي الحسن ، وأبي الحسن الثالث علیهم السلام ، عن أبان بن عثمان ، والحسين بن المختار وزكريّا بن آدم، ومحسن بن أحمد ومحمّد بن عليّ ، وروى ، عنه الحسين بن سعيد وعبد الله بن جعفر وعليّ بن مهزيار، وغيرهم(4).

وقد روى أبوه عن الإمام الرضا علیه السلام، وله كتاب النوادر(5).

20 - أحمد بن زكريا

ابن بابا القمّي : عدّه البرقي من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام (6).

21 - أحمد بن الفضل

عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام (7).


1) رجال الطوسي : 5634/383 .

2) رجال البرقي : 1652/141 .

3) رجال الطوسي : 5631/383 .

4) معجم رجال الحديث : 2 : 106 و 540/107 .

5) رجال النجاشي : 224/9 .

6) رجال البرقي : 1644/141 .

7) رجال الطوسي : 5653/384 .

22 - أحمد بن محمّد

السيّاري البصري : عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الهادي والحسن العسكري علیهما السلام. علیه السلام(1).

23 - أحمد بن محمّد

ابن عيسى الأشعري القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي علیهم السلام(2).

يكنّى أبا جعفر ، وهو شيخ القمّيّين ووجيههم ، وكان الرئيس الذي يلقى السلطان ، صنّف كتباً منها كتاب « التوحيد » ، وكتاب فضل النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم»، وكتاب «المتعة » ، وكتاب « النوادر » ، وكتاب « الناسخ والمنسوخ » ، وكتاب «فضائل العرب » ، وغيرها (3).

24 - أحمد بن هلال

الغبرتائي البغدادي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، يرمى بالغلوّ (4).

وردت أخبار كثيرة في ذمّه والبراءة منه ، وأنّه لا دين له .

25 - إسحاق بن إسماعيل

ابن نوبخت: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام (5).


1) رجال الطوسي : 5650/384 و : 5819/397 .

2) رجال الطوسي : 5197/351 و : 5519/373 و : 563/383 .

3) فهرست الطوسي : 68 و 75/69 .

4) رجال الطوسي : 5647/384 .

5) رجال الطوسي : 5649/384 .

وكذلك عدّه البرقى(1).

26 - إسحاق بن محمّد

البصري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام . وقال : « إنّه يرمى بالغلوّ»(2).

وقال العلّامة : «إنَّه يرمى في الغلوّ ، وأنّه من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام(3).

27 - أيّوب بن نوح

ابن درّاج الثقة الأمين . قال النجاشي : «إنّه كان وكيلاً لأبي الحسن وأبي محمّد علیهما السلام، عظيم المنزلة عندهما ، مأموناً ، وكان شديد الورع ، كثير العبادة ، ثقة في رواياته ، وأبوه نوح بن درّاج كان قاضياً بالكوفة ، وكان صحيح الاعتقاد ، وأخوه جميل بن درّاج »(4).

قال الشيخ : « أيوب بن نوح بن درّاج ثقة ، له كتاب وروايات ومسائل عن أبي الحسن الثالث علیه السلام»(5).

وقال الكشي : «كان من الصالحين ، ومات وما خلف إلا مائة وخمسين ديناراً ، وكان عند الناس أن عنده مالاً . روى عن الإمام أبي الحسن علیه السلام ، وروى عنه جماعة من الرواة»(6).


1) رجال البرقي : 1649/141 ، وفيه: « إسحاق بن إسماعيل نوبخت » .

2) رجال الطوسي : 5651/384 .

3) رجال العلّامة : 3/318 .

4) رجال النجاشي : 254/102 .

5) فهرست الطوسي : 59/56 .

6) رجال الكشّي : 1083/572 .

حرف الباء

28 - بشر بن بشّار

النيسابوري ، وهو عمّ أبي عبدالله الشاذاني ، من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام، ذكر ذلك الشيخ في رجاله(1).

روى عن الإمام مكاتبة ، وروى عنه سهل(2).

حرف الجيم

29- جعفر بن ابراهیم

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(3)

وكذلك عده البرقي (4) (4)

30 - جعفر بن أحمد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(5).

وكذلك ذكره البرقي(6).

روى عن محمّد بن عليّ ، وروى عنه ، وروى عنه عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيره(7).


1) رجال الطوسي : 5654/384 .

2) معجم رجال الحديث : 3: 1728/313 .

3) رجال الطوسي : 5656/384 .

4) رجال البرقي : 1637/140 .

5) رجال الطوسي : 5658/384 .

6) رجال البرقي : 1632/140 .

7) تفسير القمّي : 1 : 198 .

31 - جعفر بن عبدالله

ابن الحسين ، بن جامع ، قمّي حميري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1)، كانت له مكاتبة مع صاحب الأمر عجّل الله فرجه(2).

32 - جعفر بن محمّد

ابن إسماعيل ، ابن الخطّاب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(3).

وكذلك عدّه البرقي(4). وذكر الشيخ أنّه علیه السلام كتب إليه رسالة(5).

33 - جعفر بن محمّد

ابن يونس الأحول الصيرفيّ ، مولى بَجِيلة . روى عن الإمام أبي جعفر الثاني علیه السلام ، وله كتاب(6). عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(7).

حرف الحاء

34 - حاتم بن الفرج

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(8).


1) رجال الطوسي : 5659/384 .

2) معجم رجال الحديث : 4 : 2181/76 .

3) رجال الطوسي : 5655/384 .

4) رجال البرقي : 1585/137.

5) تهذيب الأحكام : : : 165 ، باب لحوق الأولاد بالآباء ، الحديث 631 .

6) رجال النجاشي : 307/120.

7) رجال الطوسي : 5660/384 .

8) رجال الطوسي : 5679/385 .

35 - الحسن بن جعفر

المعروف بأبي طالب الفافاني ، بغدادي : عدّه الشيخ من أصحاب الهادي علیه السلام(1).

كما عدّه من أصحاب الإمام الحسن العسكري علیه السلام(2)

36 - الحسن بن الحسن

العلوي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(3).

37 - الحسن بن الحسين

العلوي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(4).

38 - الحسن بن خرزان

القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام (5).

قال النجاشي :« كان كثير الحديث ، له كتاب « أسماء رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم » ، وكتاب «المتعة » ، وقيل إنّه غلا في آخر عمره(6).

39 - الحسن بن راشد

يكنّى أبا عليّ ، مولى لآل المهلب ، بغدادي ، ثقة : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(7).


1) رجال الطوسي : 5678/386 .

2) رجال الطوسي : 5837/398.

3) رجال الطوسي : 5668/385 .

4) رجال الطوسي : 5684/386 .

5) رجال الطوسي : 5684/386 .

6) رجال النجاشي : 87/44.

7) رجال الطوسي : 5673/385 .

وعدّه الشيخ المفيد من الفقهاء والأعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام ، الذين لا يطعن عليهم بشيء ، ولا طريق لذمّ واحد منهم(1)، وقد نصبه الإمام وكيلاً وبعث إليه بعدّة رسائل منها :

1 - روى الكشّي بسنده إلى محمّد بن عيسى اليقطيني ، قال : «كتب - يعني الإمام الهادي علیه السلام - إلى أبي عليّ بن بلال في سنة (232ه) رسالة جاء فيها :

وَأَحْمَدُ اللهَ إِلَيْكَ ، وَأَشْكُرُ طَوْلَهُ وَعَوْدَهُ ، وَأَصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ ، صَلَواتُ اللهِ وَرَحْمَتُهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ إِنِّي أَقَمْتُ أَبَا عَلِيٌّ مَقامَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ، وَانْتَمَنْتُهُ عَلى ذلِكَ بِالْمَعْرِفَةِ بِما عِنْدَهُ الَّذِي لَا يَتَقَدَمُهُ أَحَدٌ . وَقَدْ أَعْلَمُ أَنَّكَ شَيْخُ ناحِيَتِكَ ، فَأَحْبَبْتُ إِفْرَادَكَ وَإِكْرَامَكَ بِالْكِتَابِ بِذلِكَ ، فَعَلَيْكَ بِالطَّاعَةِ لَهُ ، وَالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ جَميعَ الحَقِّ قِبَلَكَ ، وَأَنْ تَحُضُّ مَوالِيَّ عَلى ذلِكَ ، وَتُعَرِّفُهُمْ مِنْ ذلِكَ ما يَصيرُ سَبَباً إِلَى عَوْنِهِ وَكِفايَتِهِ ، فَذلِكَ مَوْفورٌ ، وَتَوْفِيرٌ عَلَيْنَا ، وَمَحْبوبٌ لَدَيْنا ، وَلَكَ بِهِ جَزاءٌ مِنَ اللهِ وَأَجْرٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ ذُو الْإِعْطَاءِ وَالْجَزَاءِ بِرَحْمَتِهِ ، وَأَنْتَ فِي وَدِيعَةِ اللَّهِ ، وَكَتَبْتُ بِخَطَّي وَأَحْمَدُ اللهَ كَثيراً»(2).

ودلّلت هذه الرسالة على فضل ابن راشد ووثاقته وأمانته ، فقد أرجع إليه الشيعة وأوصاهم بطاعته والانقياد له ، وتسليم ما عندهم من الحقوق الشرعيّة له .

2 - روى الكشّي بسنده إلى أحمد بن محمّد بن عيسى ، قال : «نسخت الكتاب


1) معجم رجال الحديث : 4 : 2813/324 .

2) رجال الكشي : 512 و 991/513 .

مع ابن راشد إلى جماعة الموالي الذين هم ببغداد المقيمين بها والمدائن والسواد وما يليها ، وهذا نصّه :

وَأَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكُمْ ما أَنا عَلَيْهِ مِنْ عَافِيَتِهِ ، وَأَصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ وَآلِهِ أَفْضَلَ صَلاتِهِ ، وَأَكْمَلَ رَحْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ ، وَإِنِّي أَقَمْتُ أَبَا عَلِيَّ بْنَ رَاشِدِ مَقامَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ، وَمَنْ كَانَ قِبَلِهِ مِنْ وَكَلائِي ، وَصَارَ فِي مَنْزِلَتِهِ عِنْدِي ، وَوَلَّيْتُهُ ما كَانَ يَتَوَلَاهُ غَيْرُهُ مِنْ وَكَلائِي قِبَلَكُمْ لِيَقْبِضَ حَقّي ، وَارْتَضَيْتُهُ لَكُمْ ، وَقَدَّمْتُهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي ذلِكَ ، وَهُوَ أَهْلُهُ وَمَوْضِعُهُ ، فَصِيروا رَحِمَكُمْ اللهُ إِلَى الدَّفْعِ إِلَيْهِ ذَلِكَ ، وَإِلَيَّ ، وَأَنْ لَا تَجْعَلُوا لَهُ عَلى أَنْفُسِكُمْ عِلَّةً ، فَعَلَيْكُمْ بِالْخُروج عَنْ ذلِكَ ، وَالتَّسَرُّع إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَتَحْلِيلِ أَمْوَالِكُمْ ، وَالْحَقْنِ لِدِمائِكُمْ ، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ، وَاتَّقوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَميعاً ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فَقَدْ أَوْجَبْتُ فِي طَاعَتِهِ طَاعَتِي ، وَالْخُروج إِلَى عِصْيانِهِ الْخُرُوجَ إِلَى عضياني ، فَالْزِموا الطَّريقَ بِأَجُرُكُمُ اللهُ ، وَيَزِيدُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ بِما عِنْدَهُ واسِعٌ كَريمٌ ، مُتَطَوِّلٌ عَلى عِبادِهِ ، رَحيمٌ ، نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي وَدِيعَةِ اللهِ وَحِفْظِهِ ، وَ كَتَبْتُهُ بِخَطي ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثيراً»(1).

وكشفت هذه الرسالة عن سموّ مكانة ابن راشد عند الإمام علیه السلام ، وعظيم منزلته عنده ، حتّى قرن طاعته بطاعته ، وعصيانه بعصيانه .


1) رجال الكشي : 513 و 992/514 .

3- وبعث الإمام أبو الحسن رسالة له وإلى أيّوب بن نوح ، جاء فيها بعد البسملة :

« أَنا آمُرُكَ يا أَيُّوبَ بْنَ نُوحٍ أَنْ تَقْطَعَ الْإِكْثَارَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَبِي عَلِيَّ ، وَأَنْ يَلْزَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُما ما وَكَّلَ بِهِ ، وَأَمَرَ بِالْقِيامِ فِيهِ بِأَمْرِ ناحِيَتِهِ ، فَإِنَّكُم إِذا انْتَهَيْتُمْ إِلى كُلِّ ما أُمِرْتُمْ بِهِ اسْتَغْنَيْتُمْ بِذلِكَ عَنْ مُعاوَدَتي .

وَآمُرُكَ يا أَبَا عَلِيَّ بِمِثْلِ ما أَمَرْتُ بِهِ أَيُّوبَ ، أَنْ لَا تَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَالْمَدائِنِ شَيْئاً يَحْمِلُونَهُ ، وَلَا تَلي لَهُمُ اسْتيذاناً عَلَيَّ ، وَمُرْ مَنْ أَتَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ ناحِيَتِكَ أَنْ يُصَيَّرَهُ إِلَى الْمُوَكَّلِ بِناحِيَتِهِ.

وَآمرك يا أَبَا عَلِيٌّ فِي ذلِكَ بِمِثْلِ ما أَمَرْتُ بِهِ أَيُّوبَ ، وَلْيَعْمَلْ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُما بِمِثْلِ ما أَمَرْتُهُ بِهِ »(1).

لقد كانت لأبي راشد مكانة مرموقة عند الإمام علیه السلام، ومن الطبيعي أنّه لم يحتلّ هذه المنزلة إلّا بتقواه وورعه ، وشدّة تحرّجه في الدين ، ولمّا توفّي ابن راشد ترحّم عليه الإمام علیه السلام ودعا له بالمغفرة والرضوان .

40 - الحسن بن ظريف

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(2).

قال النجاشي : « الحسن بن ظريف بن ناصح كوفي ، يُكنّى أبا محمّد ، ثقة ، سكن بغداد وأبوه ، له نوادر ، والرواة عنه كثير »(3).


1) رجال الكشي : 992/514 .

2) رجال الطوسي : 5674/385 ، وفي نسخة : « الحسن بن طريف ».

3) رجال النجاشي : 140/61 .

41 - الحسن بن عليّ

ابن الحسن بن عليّ بن عمر ، بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب الناصر للحقّ ، من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(1).

وهو والد جدّ السيّد المرتضى من جهة أمّه ، قال : السيّد قدس سره في أوّل كتابه شرح المسائل الناصريّات : « وأمّا أبو محمّد الناصر الكبير ، وهو الحسن بن عليّ ، ففضله في علمه ، وزهده وفقهه أظهر من الشمس الباهرة ، وهو الذي نشر الإسلام في الديلم حتّى اهتدوا به من الضلالة، وعدلوا بدعائه بعد الجهالة ، وسيرته الجميلة أكثر من أن تحصى ، وأظهر من أن تخفى»(2).

42 - الحسن بن عليّ

الوساء : عده الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(3).

قال النجاشي : « إنّه ابن بنت إلياس الصيرفي الخزّاز ، وقد روى الحسن عن جدّه إلياس أنّه لمّا حضرته الوفاة ، قال لنا : اشهدوا عليَّ وليست ساعة الكذب هذه الساعة ، لسمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : وَاللهِ لَا يَموتُ عَبْدٌ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ صلی الله علیه وآله وسلم وَيَتَوَلَّى الْأَئِمَّةَ ، فَتَمَسَّهُ النَّارُ .

وروى أحمد بن محمّد بن عيسى ، قال : « خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث ، فلقيت بها الحسن بن عليّ الوشّاء ، فسألته أن يُخرج لي كتاب العلاء بن رزين القلاء ، وأبان بن عثمان الأحمر ، فأخرجهما لي ، فقلت له : أحبّ أن تجيزهما لي .


1) رجال الطوسي : 5667/385 .

2) الناصريّات : 63 .

3) رجال الطوسي : 5665/385 .

فقال لي : يا هذا ، رحمك الله ، وما عجلتك، اذهب فاكتبهما ، واسمع من بعد .

فقلت : لا آمن الحدثان .

فقال : لو علمت أنّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه ، فإنّي أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ ، كلّ يقول : حدّثني جعفر بن محمّد ، وكان هذا الشيخ عيناً من عيون هذه الطائفة ، وله كتب منها ثواب الحجّ ، والمناسك ، والنوادر »(1).

43 - الحسن بن عليّ

ابن أبي عثمان السجّادة ، غال: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام (2).

ومن غلوّه ما رواه نصر بن الصباح ، قال : « قال لي السجّادة الحسن بن عليّ بن أبي عثمان يوماً ما تقول في محمّد بن أبي زينب ومحمّد بن عبدالله بن عبد المطّلب صلی الله علیه وآله وسلم، أيّهما أفضل ؟

قلت له : قل أنت .

فقال : قال : محمّد بن أبي زنيب !! ألا ترى أنّ الله جل وعزّ عاتب في القرآن محمّد بن عبد الله صلی الله علیه وآله وسلم في مواضع ولم يعاتب محمّد بن أبي زينب ، قال لمحمّد بن عبد الله صلی الله علیه وآله وسلم : ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً )(3)و: (لَئِنْ علية و الله أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك ) (4)، وفى غيرهما ، ولم يعاتب محمّد بن أبي زينب


1) رجال النجاشي : 39 و 80/40 .

2) رجال الطوسي : 5675/385 .

3) الإسراء 74:17 .

4) الزمر 39: 65 .

بشيء من أشباه ذلك .

قال أبو عمرو : على السجّادة لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين ، فلقد كان من العليائيّة الذين يقعون في رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وليس لهم في الإسلام نصيب »(1). ودلّت هذه البادرة على فساد مذهبه والحاده .

44 - الحسن بن محمّد

ابن بابا القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(2).

قال الكشّي : « ذكر أبو محمّد الفضل بن شاذان في بعض كتبه : أنّ من الكذّابين المشهورين ابن بابا القمّي . قال سعد : حدّثني العبيدي ، قال : كتب إليَّ العسكري ابتداءاً منه :

أَبْرَأَ إِلَى اللهِ مِنَ الْفِهْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بِابَا الْقُمِّيِّ ، فَابْرَأْ مِنْهُما ، فَإِنِّي مُحَذِّرُكَ وَجَميعَ مَوالِيَّ، وَإِنِّي أَلْعَنْهُما عَلَيْهِما لَعْنَةُ اللَّهِ، مُسْتَأْ كِلَيْنِ يَأْكُلَانِ بِنَا النَّاسَ ، فَتَانَيْنِ ، مُؤْذِيَيْنِ آدَاهُمَا اللَّهُ ، وَأَرْكَسَهُما فِي الْفِتْنَةِ رَكْساً. يَزْعُمُ ابْنُ بابا أَنِّي بَعَثْتَهُ نَبِيّاً ، وَأَنَّهُ بَابٌ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَسَخِرَ مِنْهُ الشَّيْطَانَ فَأَغْواهُ ، فَلَعَنَ اللهُ مَنْ قَبلَ مِنْهُ ذلِكَ .

يا مُحَمَّدُ ، إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَخْدِشَ رَأْسَهُ بِالْحَجَرِ فَافْعَلْ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَانِي آدَاهُ اللهُ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ »(3).


1) رجال النجاشي : 571 و 1082/572.

2) رجال الطوسي : 5682/386.

3) رجال الكشّي : 999/520.

لقد ضلّ ابن بابا عن طريق الحقّ ، وقد مرق من الدين، وأساء إلى الإمام علیه السلامبما ابتدعه من الأضاليل .

45 - الحسن بن محمد

ابن حيّ : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(1).

46 - الحسن بن محمد

المدائني ، من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(2).

47- الحسين بن أسد

البصري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(3).

وكذلك عدّه البرقي(4).

48 - الحسين بن اشكيب

قال النجاشي : « الحسين بن اشکیب ، شیخ لنا خراساني ، ثقة ، مقدّم ، ذكره أبو عمرو في كتابه الرجال في أصحاب أبي الحسن صاحب العصر . روى عنه العيّاشي وأكثر ، واعتمد حديثه ثقة ، ثقة : ثبت» (5).

وقال الكشّي :« عالم متكلّم ، مصنف للكتب»(6).


1) رجال الطوسي : 5676/385 .

2) رجال الطوسي : 5666/385 .

3) رجال الطوسي : 5670/385 .

4) رجال البرقي : 1616/139 ، وفيه: «النهدي ».

5) رجال النجاشي : 88/44 .

6) معجم رجال الحديث : 3313/200:5 .

49 - الحسين بن عبيد الله

القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه يرمى بالغلوّ (1).

وقال الكشّي : « إنّه أخرج من قم في وقت كانوا يُخرجون منها من اتّهموه بالغلوّ(2).

50 - الحسين بن مالك

القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه ثقة(3).

51 - الحسين بن محمّد

المدائني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(4).

وكذلك عدّه البرقي(5).

52 - حفص المروزى

عده الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(6).

53 - حمدان حمدان بن سلیمان

ابن عميرة النيسابوري ، المعروف بالتاجر : عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب


1) رجال الطوسي : 5680/386 .

2) رجال الكشّي : 990/512 .

3) رجال الطوسي : 5671/385 .

4) رجال الطوسي : 5677/385 .

5) رجال البرقي : 1595/138 .

6) رجال الطوسي : 5672/385 .

الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(1).

وقال النجاشي :« حمدان بن سليمان أبو سعيد النيشابوري - بالشين - ثقة من وجوه أصحابنا »(2).

54 - حمزة (مولى عليّ )

ابن سليمان بن رشيد ، بغدادي : عده الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام (3).

حرف الخاء

55 - خليل بن هاشم

الفارسي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(4).

56 - خيران بن إسحاق

الزاكاني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(5).

57 - خيران الخادم

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه ثقة(6).

وكذلك عدّه البرقي(7)، كانت له منزلة كريمة عند الإمام الجواد علیه السلام ، وذكر


1) رجال النجاشي : 357/138.

2) رجال النجاشي : 357/138 .

3) رجال الطوسي : 5678/385 .

4) رجال الطوسي : 5688/386 .

5) رجال الطوسى 5687/386 .

6) رجال الطوسي : 5686/386 .

7) رجال البرقي : 1588/138 .

الكشّي طائفة من أخباره مع الإمام الجواد علیه السلام .

حرف الدال

58 - داود بن أبي زيد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام، وأضاف أنه ثقة ، صادق اللهجة ، من أهل الدين له كتب ذكرها الكشّي وابن النديم(1).

59 - داود بن القاسم

الجعفري : يكنّى أبا هاشم ، من أهل بغداد ، جليل القدر، عظيم المنزلة عند الأئمّة علیهم السلام، شاهد الإمام الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر علیهم السلام ، وروى عنهم كلّهم ، وله أخبار ومسائل ، وله شعر جيّد فيهم ، وكان مقدّماً عند السلطان ، وله كتاب(2).

عدّه البرقي من أصحاب الإمام الجواد والهادي والحسن العسكري علیهم السلام(3).

قال الكشّي : « قال أبو عمرو : له - أي لداود - منزلة عالية عند أبي جعفر وأبي الحسن ، وأبي محمّد علیهم السلام ، وموقع جليل»(4).

60 - داود بن مافنَّة

الصرمي: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(5).


1) رجال الطوسي : 5690/386 .

2) فهرست الطوسي : 276/124 .

3) رجال البرقي : 1516/132 و : 137 / 1574 و : 1659/143.

4) رجال الكشّي : 1080/571 .

5) رجال الطوسي : 5691/386 ، وفي نسخة : « الصيرفي » .

وكذلك عدّه البرقي(1).

وقال النجاشي : « روى عن الإمام الرضا علیه السلام، ويقي إلى أيّام أبي الحسن صاحب العسكر علیه السلام، وله مسائل إليه»(2).

حرف الراء

61 - رجاء بن يحيى

ابن سامان ، أبو الحسين العبرتائي الكاتب . روى عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام . روى رجاء رسالة تسمّى المقنعة في أبواب الشريعة ، رواها عنه أبو المفضّل الشيباني(3).

62 - الريان بن الصلت

البغدادي: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا، ومن أصحاب الإمام الهادي علیه السلام، وأضاف أنّه ثقة(4).

وروى الكشّي بسنده عن معمّر بن خلّاد ، قال :« قال لي الريان بن الصلت : وكان « الفضل بن سهل بعثه إلى بعض كور خراسان ، فقال : أحب أن تستأذن لي على أبي الحسن علیه السلام فأسلّم عليه وأودّعه وأحبّ أن يكسوني من ثيابه ، وأن يهب لي من الدراهم التي ضربت باسمه.

قال : فدخلت عليه فقال لى مبتدئاً : يا مُعَمَّرُ بن ريّان ، أَيُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْنا


1) رجال البرقي : 1612/139 .

2) رجال النجاشي : 425/160 .

3) رجال النجاشي : 438/166 .

4) رجال الطوسي : 5293/357 و : 5692/386 .

فَأَكْسوهُ مِنْ ثِيابي ، وَأَعْطِيهِ مِنْ دراهمي ؟

قال : قلت : سبحان الله ! والله ما سألني إلّا أن أسألك ذلك له .

فقال : يا مُعَمَّرُ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ مُوَفَّقٌ . قُلْ لَهُ فَلْيَجِيء .

قال : فأمرته ، فدخل عليه ، فسلّم عليه ، فدعا بثوب من ثيابه ، فلمّا خرج قلت : أي شيء أعطاك ، وإذا بيده ثلاثون درهماً »(1).

ودلّت هذه البادرة على إيمانه وحسن عقيدته .

حرف السین

63 - السرى بن سلامة

الاصفهاني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(2).

وقال الشيخ : « له كتاب أخبرنا به جماعة عن أبي المفضل ، عن ابن بطّة ، عن أحمد بن أبي عبدالله ، عنه»(3).

64 - سليمان بن حفصويه

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(4).

وكذلك ذكره البرقي(5).


1) رجال الكشّي : 1036/547 ، وفي نسخة : « يا معمر ريّان» .

2) رجال الطوسي : 5700/387 .

3) فهرست الطوسي : 342/143 .

4) رجال الطوسي : 5697/387.

5) رجال البرقي : 1612/140 .

65 - سليمان بن داود

المروزي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1).

66 - السندى بن محمد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام، مضيفاً أنّه أخو عليّ(2).

67 - سهل بن زياد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام، وأضاف أنّه ثقة رازي ، يكنّى أبا سعيد(3).

قال النجاشي : « إنّه كان ضعيفاً في الحديث ، غير معتمد عليه فيه ، وكان أحمد بن محمّد بن عيسى يشهد عليه بالغلوّ والكذب ، وأخرجه من قم إلى الريّ وكان يسكنها ، وقد كاتب أبا محمّد العسكري علیه السلام على يد محمّد بن عبدالحميد العطّار للنصف من شهر ربيع الآخر سنة ( 255ه ) . ذكر ذلك أحمد بن عليّ بن نوح ، وأحمد بن الحسين .

له كتاب « التوحيد » رواه أبو الحسن العبّاس بن أحمد بن الفضل بن محمّد الهاشمي الصالحي ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الآدمي ، وله كتاب « النوادر»(4).

وقال ابن الغضائري فيه :« كان ضعيفاً جدّاً ، فاسد الرواية والمذهب ، وكان أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري أخرجه عن قم وأظهر البراءة منه ، ونهى الناس عن السماع منه والرواية عنه ، ويروي المراسيل ، ويعتمد المجاهيل»(5).


1) رجال الطوسي : 5696/387 .

2) رجال الطوسي : 5701/387 .

3) رجال الطوسي : 5699/387 .

4) رجال النجاشي : 490/185 .

5) رجال ابن الغضائري : 66 و 65/67 .

68 - سهل بن يعقوب

ابن إسحاق ، يكنّى أبا السري الملقّب بأبي نواس : عدّه الشيخ من أصحاب أبي الحسن الهادي علیه السلام. وجاء في الهامش من رجال الشيخ : أنّ سهل كان يخدم الإمام الهادي بسرّ من رأى ويسعى فى حوائجه ، وكان يقول له : أنت أبو نؤاس الحقّ(1).

حرف الشين

69 - شاهويه بن عبدالله

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(2).

روى عن الإمام الهادي ، وروى عنه إسحاق بن محمد النصّ على إمامة الحسن العسكري علیه السلام(3).

حرف الصاد

70 - صالح بن عيسى

ابن عمر بن بزيع : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(4)

71 - صالح بن محمّد

الهمداني ، الثقة : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(5).


1) رجال الطوسي : 5698/387 .

2) رجال الطوسي : 5702/387 .

3) معجم رجال الحديث : 9 : 5674/11 .

4) رجال الطوسي : 5704/387 ، وفي نسخة : « صالح بن موسى » .

5) (5) رجال الطوسي : 5703/387 .

وكذلك عدّه البرقي(1).

وذكر ابن شهر آشوب أنّه من ثقات الإمام الهادي علیه السلام (2).

72 - صالح بن مسلمة

الرازي ، يكنّى أبا الخير : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(3).

حرف العين

73- عبد الرحمن بن محمّد

ابن طيفور المتطبّب : عده الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(4).

74 - عبدالرحمن بن محمّد

ابن معروف القمّى : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(5).

75 - عبد الصمد بن محمّد

القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(6).

76 - عبد العظيم الحسني

هو السيّد الشريف ، الحسيب النسيب ، من مفاخر الأسرة النبويّة علماً وتقى وتحرّجاً في الدين، ونلمح إلى بعض شؤونه :


1) رجال البرقي : 1584/137 .

2) رجال البرقي : 1584/137 . مناقب ابن شهرآشوب : 3: 506 .

3) رجال الطوسي : 5705/387 .

4) رجال الطوسي : 5723/388 .

5) رجال الطوسي : 5732/389 ، وفي نسخة : « عبّاس بن معروف » .

6) رجال الطوسي : 5734/389 .

نسبه الوضّاح: يرجع نسبه الشريف إلى الإمام الزكيّ أبو محمّد الحسن بن عليّ سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فهو ابن عبدالله بن عليّ بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام(1).

وليس في دنيا الأنساب نسب أسمى ولا أجلّ وأشرف من هذا النسب الرفيع الذي أعزّ الله به العرب والمسلمين .

وثاقته وعلمه : كان ثقة عدلاً، متحرّجاً في دينه أشدّ ما يكون التحرّج ، كما كان عالماً وفاضلاً وفقيهاً ، فقد روى أبو تراب الروياني ، قال : « سمعت أبا حمّاد الرازي يقول : دخلت على عليّ بن محمّد علیه السلام بسرّ من رأى ، فسألته عن أشياء من الحلال والحرام ، فأجابني عنها .

فلمّا ودّعته قال لي : يا حَمَادُ ، إِذا أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ بِناحِيَتِكَ ، فَسَلْ عَنْهُ عَبْدَ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيَّ ، وَاقْرَأْهُ مِنِّي السَّلَامَ(2).

ودلّت هذه الرواية على فقهه وعلمه .

عرض عقيدته على الإمام الهادي علیه السلام : وتشرّف السيّد الجليل عبد العظيم بمقابلة الإمام الهادي علیه السلام ، فعرض على الإمام أصول عقيدته وما يدين به قائلاً: يابن رسول الله ، إني أريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضيّاً ثبّت عليه .

فقابله الإمام ببسمات وقال له : هاتَ يا أبا القاسِمِ .

وانبرى عبد العظيم يعرض على الإمام المبادئ التي آمن بها قائلاً: إنّى أقول : إنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال وحدّ التشبيه ، وأنّه ليس بجسم، ولا صورة ، ولا عرض ، ولا جوهر ، بل هو مجسّم الأجسام،


1) رجال النجاشي : 653/247 .

2) مستدرك الوسائل : 17 : 321 .

ومصوّر الصور ، وخالق الأعراض والجواهر ، وربّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدثه .

وأنّ محمّداً عبده ورسوله خاتم النبيّين ، فلانبيّ بعده إلى يوم القيامة ، وأنّ شريعته خاتمة الشرائع، فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة .

وأقول : إنّ الإمام والخليفة ووليّ الأمر بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ أنت يا مولاي .

والتفت إليه الإمام فقال : وَمِنْ بَعْدِي الْحَسَنُ ابْنِي ، فَكَيْفَ لِلنَّاسِ بِالْخَلَفِ مِنْ بَعْدِهِ ؟

واستفسر عبد العظيم عن الحجّة من بعده قائلاً : وكيف ذاك يا مولاي ؟ قال الإمام : لأَنَّهُ لَا يُرى شَخْصُهُ ، وَلَا يَحِلُّ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ ، حَتَّىٰ يَخْرُجَ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ، كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً .

وانبرى عبدالعظيم يعلن إيمانه بما قال الإمام علیه السلام قائلاً: «أقررت ، وأقول : إن وليهم ولي الله ، وعدوّهم عدوّ الله ، وطاعتهم طاعة الله ، ومعصيتهم معصية الله وأقول : إنّ المعراج حقّ ، والمسألة في القبر حق ، وأنّ الجنّة حقّ ، والنار حقّ ، والصراط حقّ ، والميزان حقّ ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث مَن في

القبور.

وأقول : إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية - أي الولاية لأئمّة أهل البيت علیهم السلام - الصلاة والزكاة والصوم والحجّ ، والجهاد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر .

وبارك الإمام عقيدته قائلاً: يا أبا القاسم ، هذا وَاللَّهِ دينُ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ ،

أصْحَابُرُورُواة حاليشة

فَاثْبُتْ عَلَيْهِ تَبْتَكَ اللهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَياةِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ (1).

هربه إلى الريّ : ولمّا جهدت الحكومة العبّاسيّة الجائرة في ظلم العلويين

ومطاردتهم فرّ السيّد عبد العظيم هارباً إلى الريّ ليكون بمنجى من شرور العبّاسيّين، وقد أقام في دار رجل شريف من الشيعة ، وكان فيما يقول المؤرّخون قد أجهد نفسه في العبادة ، فكان يصوم نهاره ، وينفق ليله ساهراً في عبادة الله ، والتضرّع إليه شأنه شأن آبائه الذين أحيوا لياليهم في طاعة الله ومناجاته .

وكان في أثناء إقامته في الريّ يخرج متستّراً لزيارة قبر أحد أبناء الإمام موسى بن جعفر(2)

وهو السيّد الجليل حمزة ابن الإمام موسى بن جعفر علیهما السلام، وقد علمت الشيعة التي في الريّ بمجيئه ، فكانت تتعهّده بالزيارة على تستّر خوفاً من السلطة .

وفاته : ومكث السيّد عبد العظيم مدّة من الزمن بالريّ ، وهو خائف وجل ، قد أترعت نفسه بالأسى والحزن على ما حلّ بأبناء عمومته من صنوف الظلم والارهاق من قبل العبّاسيّين الذين نصبوا العداء لأهل البيت علیهم السلام ، فتنكروا لهم أشدّ ما يكون التنكّر ، فأذاقوهم جميع أنواع المصائب والكوارث .

ومرض السيّد الجليل مرضاً شديداً، وبقي أيّاماً وهو يعاني آلاماً قاسية كان من أفجعها بُعده عن أهله ووطنه، واشتدّ به النزع ، ودنا إليه الموت ، فكان لسانه يلهج بذكر الله وشكره ، وقد اختطفته المنية وهو في ديار الغربة ليس معه أحد من أهل بيته .


1) أمالي الصدوق : 420 ، الحديث 557 ، وروى بصورة موجزة في وسائل الشيعة : 1: 20 و 21 ، الحدیث 20 .

2) رجال النجاشي : 653/248 .

لقد انطوت بموته صفحة مشرقة من صفحات الجهاد الإسلامي ، فقد أخمدت تلك الشعلة الوهّاجة التي كانت تنير للناس طريقهم نحو العزّة والكرامة .

وهرع أهالي الريّ بجميع طبقاتهم لتشييع جنازة العلويّ الغريب ، وقد شيّعوه بتشييع حافل ، وجاءوا بالجثمان المقدّس إلى مقرّه الأخير فواروه فيه ، وقد واروا معه قطعة من كبد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ثمرة من ثمراته ، وقد شيّد واله مرقداً عظيماً تزوره في كلّ يوم المئات من الزائرين متبرّكين به .

77 - عبدوس العطّار

كوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1)

78 - عثمان بن سعيد

العمري ، السمّان ، يكنّى أبا عمرو الثقة الزكيّ ، خدم الإمام الهادي علیه السلام وله من العمر إحدى عشرة سنة ، وله إليه عهد معروف(2).

احتلّ المكانة المرموقة عند الإمام علیه السلام ، فقد روى أحمد بن إسحاق القمّي ، قال : دخلت على أبي الحسن عليّ بن محمّد صلوات الله عليه في يوم من الأيّام ، فقلت له : يا سيّدي ، أنا أغيب وأشهد ، ولا يتهيأ لي الوصول إليك إذا شهدت في كلّ وقت ، فقول من نقبل ، وأمر مَن نمتثل ؟

فقال علیه السلام : هذا أَبو عَمْرو الثَّقَةُ الأمينُ ، ما قالَهُ لَكُمْ فَعَنِّي يَقولُهُ ، وَمَا أَدَاهُ إِلَيْكُمْ فَعَنِّي يُؤَدِّيهِ .

فلما قضى أبو الحسن علیه السلام نحبه رجعت إلى أبي محمد ابنه الحسن العسكري علیه السلام وقلت له ذات يوم مثل قولي لأبيه ، فقال لي : هذا أبو عَمْرو الثَّقَةُ الأمينُ، لِقَةُ


1) رجال الطوسي : 5739/389 .

2) رجال الطوسي : 5741/389 .

الماضي ، وَثِقَتي في الْمَحْيا وَالْمَماتِ ، فَما قالَهُ لَكُمْ فَعَنِّي يَقولُهُ ، وَمَا أَدَىٰ إِلَيْكُمْ فَعَنِّي يُؤديه»(1)

ودلّت هذه الرواية على وثاقته ، وأنّه نال المنزلة الكريمة عند الأئمّة الطاهرين ، كما دلّت على فضله وعلمه ، وأنّه كان مرجعاً للفتيا وأخذ الأحكام .

79 - عروة بن النحّاس

الدهقان : عدّه البرقى من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(2).

وكذلك عدّه الشيخ ، وأضاف أنه ملعون غادر(3).

وروى الكشّي بسنده عن محمّد بن موسى الهمداني : « أنّ عروة بن يحیی البغدادي المعروف بالدهقان لعنه الله كان يكذب على أبي الحسن عليّ بن محمّد ابن الرضا علیه السلام ، وعلى أبي محمّد الحسن بن عليّ علیه السلام بعده ، وكان يقتطع أمواله لنفسه دونه ، ويكذب عليه حتّى لعنه أبو محمّد وأمر شيعته بلعنه والدعاء عليه لقطع الأحول لعنه الله » (4).

وروى عليّ بن سلمان بن رشيد العطّار البغدادي ، قال : «كان عروة يلعنه أبو محمّد علیه السلام وذلك أنّه كانت لأبي محمّد علیه السلام خزانة ، وكان يليها أبو عليّ بن راشد ، فسلّمت إلى عروة فأخذ منها لنفسه ، ثمّ أحرق باقي ما فيها ، يغايظ بذلك أبا محمّد علیه السلام، فلعنه وبرأ منه ودعا عليه ، فما أمهله يومه ذلك وليلته حتّى قبضه الله إلى النّار ، فقال علیه السلام : جَلَسْتُ لِرَبِّي فِي لَيْلَتي هَذِهِ كَذَا وَكَذَا جَلَسَةٌ ، فَمَا انْفَجَرَ عَمُودُ


1) الغيبة / الطوسي : 254 و 255 .

2) رجال البرقي : 141 / 1650 ، وفيه : « عروة بن يحيى».

3) رجال الطوسي : 5740/389 .

4) رجال الكشّي : 1086/573 .

الصُّبْحِ وَلَا انْطَفَاً ذلِكَ النَّهارُ حَتَّى قَتَلَ اللهُ عُرْوَةَ لَعَنَهُ اللهُ»(1).

80 - علي بن إبراهيم

الهمداني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام (2).

روى عن عبد الله بن حمّاد الأنصاري ، وروى عنه ابنه محمّد(3).

81 - على بن إبراهيم

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(4).

واستظهر سيّدنا الأستاذ الخوئي أنّه هو عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي(5)صاحب المؤلّفات الكثيرة ، وأحد الشخصيّات العلميّة البارزة في عصره .

82 - على بن أبي قرّة

يكنّى أبا الحسن : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(6).

83 - عليّ بن بلال

بغدادي ، انتقل إلى واسط . روى عن الإمام الهادي علیه السلام. وله كتاب(7).

قال الكشّي : « وجدت بخطّ جبرئيل بن أحمد ، حدّثني محمّد بن عيسى اليقطيني ، قال علیه السلام : كتب - يعني الإمام الهادي علیه السلام - إلى عليّ بن بلال في


1) رجال الكشّي : 573 و 1086/574 .

2) رجال الطوسي : 5721/388 .

3) معجم رجال الحديث : 11: 7826/213 .

4) رجال الطوسي : 5738/389

5) معجم رجال الحديث : 11: 7805/189.

6) رجال الطوسي : 5722/388 .

7) رجال النجاشي : 730/278.

أسنة (232ه) :

بِسمِ الله الرحمن الرحين

«أَحْمَدُ اللهَ إِلَيْكَ ، وَأَشْكُرُ طَوْلَهُ وَعَوْدَهُ ، وَأَصَلِّي عَلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَواتُ اللهِ وَرَحْمَتُهُ عَلَيْهِمْ .

ثُمَّ إِنِّي أَقَمْتُ أَبَا عَلِيٌّ مَقامَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ، وَانْتَمَنْتُهُ عَلَى ذلِكَ بِالْمَعْرِفَةِ بِما عِنْدَهُ الَّذِي يَتَقَدَّمُهُ أَحَدٌ ، وَقَدْ أَعْلَمُ أَنَّكَ شَيْخُ نَاحِيَتِكَ ، فَأَحْبَبْتُ إِفْرادَكَ وَإِكْرامَكَ بِالْكِتابِ بِذلِكَ .

فَعَلَيْكَ بِالطَّاعَةِ لَهُ، وَالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ جَميعَ الْحَقِّ قِبَلَكَ ، وَأَنْ تَحُضّ مَوالِيَّ عَلى ذلِكَ ، وَتُعَرِّفُهُمْ مِنْ ذلِكَ مَا يَصِيرُ سَبَباً إِلَى عَوْنِهِ وَكِفَايَتِهِ فَذلِكَ مَوْفورٌ ، وَتَوْفِيرٌ عَلَيْنا وَ مَحْبوبٌ لَدَيْنا ، وَلَكَ بِهِ جَزاءٌ مِنَ اللهِ وَأَجْرٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ ذُو الْإِعْطَاءِ وَالْجَزاءِ بِرَحْمَتِهِ ، وَأَنْتَ فِي وَدِيعَةِ اللَّهِ ، وَكَتَبْتُ بِخَطِي وَأَحْمَدُ اللهَ كَثِيراً»(1).

وإنّما خصّه الإمام بالكتاب نظراً لوثاقته وعدالته ، وشدة تعلّقه بأهل البيت علیهم السلام .

روى عليّ بن بلال ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، وروى عنه محمّد بن أحمد بن يحيى في فضل زيارة المؤمنين ، وكيف يزارون(2).

أحمد بن يحيى


1) رجال الكشي : 991/513 .

2) معجم رجال الحديث : 11 7952/282 .

84 - على بن جعفر

الهِمّاني(1): عدّه الشيخ من أصحاب الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه وكيل له ، وثقة(2).

وقال النجاشي : « له مسائل لأبي الحسن العسكري علیه السلام»(3).

عدّه الشيخ في السفراء الممدوحين قائلاً: « وكان فاضلاً، مرضيّاً ، من وكلاء أبي الحسن وأبي محمّد علیهما السلام(4).

روى أحمد بن عليّ الرازي عن عليّ بن مخلّد الأياديّ ، قال : حدّثني أبو جعفر العمري ، قال : « حجّ أبو طاهر بن بلال ، فنظر إلى عليّ بن جعفر وهو ينفق النفقات العظيمة ، فلمّا انصرف كتب بذلك إلى أبي محمّد علیه السلام

فوقَع علیه السلام في رقعته : قَدْ كُنَا أَمَرْنَا لَهُ بِمَائَةِ أَلْفِ دينَارٍ ، ثُمَّ أَمَرْنَا لَهُ بِمِثْلِهَا ، فَأَبَىٰ قَبولَهُ إِبْقاءً عَلَيْنَا مَا لِلنَّاسِ ، وَالدُّخولُ فِي أَمْرِنا فيما لَمْ نُدْخِلْهُمْ فِيهِ .

قال : ودخل على أبي الحسن العسكري علیه السلام فأمر له بثلاثين ألف دينار»(5).

لقد كان أثيراً عند الإمام علیه السلام ، وقد وقعت مشادّة بينه وبين فارس بن حاتم ، فانبرى إبراهيم بن محمّد فراسل الإمام يخبره بذلك ، ويطلب منه أن يعيّن له من يتبعه منهما .

فأجابه علیه السلام : لَيْسَ عَنْ مِثْلِ هذا يُسْأَلُ ، وَلَا فِي مِثْلِ هذا يُشَلُّ ، قَدْ عَظُمَ قَدْرُ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ مَتَّعَنا اللهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ أَنْ يُقايَسَ إِلَيْهِ ، فَاقْصِدْ عَلِيَّ بْنَ جَعْفَرٍ بِحَوائِجِكَ ،


1) همينيا : قرية من قرى سواد بغداد .

2) رجال الطوسي : 5717/388 .

3) رجال النجاشي : 740/280 .

4) الغيبة / الطوسي : 350 .

5) الغيبة / الطوسي : 350 .

وَاخْشَوْا فارِساً ، وَامْتَنِعوا مِنْ إِدْخالِهِ في شَيْءٍ مِنْ أُمورِكُمْ تَفْعَلُ ذلِكَ أَنْتَ وَمَنْ أَطَاعَكَ مِنْ أَهْل بلادِكَ ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنى ما تَمَوَّهَ بِهِ عَلَى النَّاسِ ، فَلَا تَلْتَفِتوا إِلَيْهِ إِنْ شاءَ الله»(1).

وحدثت منافرة بين عليّ وابن القزويني ، فكتب إبراهيم بن محمّد الهمداني رسالة إلى الإمام يخبره بالأمر ويطلب منه أن يعيّن له من يتبعه منهما ، فأجابه علیه السلام: لَيْسَ عَنْ مِثْل هذا يُسْأَلُ ، وَلَا فى مثل هذا يُشَكُ، وَقَدْ عَظَمَ اللهُ مِنْ حُرْمَةِ الْعَليل يعني علي بن جعفر - أَنْ يُقاسَ عَلَيْهِ الْقِزْوينيّ !

.

فَاقْصِدْ إِلَيْهِ َبحَوائِجِكَ ، وَمَنْ أطاعَكَ مِنْ أَهْل بلادِكَ أَنْ يَقْصُدُوا إِلَى الْعَليل بِحَوائِجِهِمْ ، وَأَنْ يَجْتَنِبُوا الْقِزوينِيَّ أَنْ يُدْخِلوهُ في شَيْءٍ مِنْ أُمورِكُمْ ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنى ما يُمَوَّهُ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ ، فَلَا تَلْتَفِتوا إِلَيْهِ إِنْ شاءَ الله »(2).

وقد ذكرنا في البحوث السابقة دعاء الإمام له حينما كان في السجن ، وقد استجاب دعاءه فأنقذه من السجن.

85 - علي بن الحسن

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(3).

86 - علي بن الحسن

ابن فضال : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(4).

قال فيه النجاشي : «كان فقيه أصحابنا بالكوفة ، ووجههم ، وثقتهم ، وعارفهم بالحديث ، والمسموع قوله فيه ، سمع منه - أي من الحديث - شيئاً كثيراً ، ولم يعثر له


1) رجال الكشّي : 1005/523 .

2) رجال الكشّي : 1009/527 .

3) رجال الطوسي : 5719/388 ، وفي نسخة : « عليّ بن الحسين» .

4) رجال الطوسي : 5730/389 .

على زلّة فيه ولا ما يشينه ، وقلّ ما روى عن ضعيف ، وكان فطحيّاً ، ولم يرو عن أبيه شيئاً ، وقال : كنت أقابله وسنّي ثمان عشرة سنة بكتبه ، ولا أفهم إذ ذاك الروايات ، ولا أستحلّ أن أرويها عنه ، وروى عن أخويه عن أبيهما .

وقد صنّف كتباً كثيرة ، منها ما وقع إلينا : « الوضوء » ، كتاب « الحيض والنفاس » ، كتاب « الصلاة » ، كتاب «الزكاة والخمس » ، كتاب «الصيام » ، كتاب «مناسك الحج » ، كتاب «الطلاق » ، كتاب « النكاح »(1)، وغيرها .

قال الكشّي : « قال أبو عمرو : وسألت أبا النضر محمّد بن مسعود عن جميع هؤلاء - يعني الرواة - قال : أمّا عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال ، فما رأيت في من لقيت بالعراق وناحية خراسان أفقه ولا أفضل من عليّ بن الحسن بالكوفة ، ولم يكن كتاب عن الأئمّة علیهم السلام من كلّ صنف إلّا وقد كان عنده ، وقد كان أحفظ الناس ، غير أنّه كان فطحيّاً يقول بعبد الله بن جعفر ، ثمّ بأبي الحسن موسى علیه السلام ، وكان من الثقات»(2).

87 - علي بن الحسين

ابن عبد ربّه : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(3).

وكذلك عده البرقي(4).

88 - علي بن الحسين

الهمداني ، الثقة : عده الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الهادي علیه السلام (5).


1) رجال النجاشي : 676/258 .

2) رجال الكشّي : 1014/530 .

3) رجال الطوسي : 5707/388 .

4) رجال البرقي : 1589/138.

5) رجال الطوسي : 5713/388 .

وكذلك عدّه البرقي(1).

89 - على بن رميس

البغدادي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه ضعيف(2)

90 - على بن الريان

ابن الصّلت الأشعري القمّي ، ثقة . له عن أبي الحسن الثالث علیه السلام نسخة ،وله كتاب منثور الأحاديث(3).

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(4). وكذلك عدّه البرقى(5).

91 - علی بن زیاد

الصيمري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(6).

وروى محمّد بن يعقوب عن عليّ بن محمّد ، عن أبي عقيل عيسى بن نصر ، قال : «كتب عليّ بن زياد الصيمري يسأل كفناً ، فكتب إليه أنّك تحتاج إليه في سنة ثمانين ، فمات في سنة ثمانين وبعث إليه بالكفن قبل موته بأيّام»(7).

92 - على بن شيرة

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه ثقة(8).


1) رجال البرقي : 1597/138.

2) رجال الطوسي : 5737/389 .

3) رجال النجاشي : 731/278 .

4) رجال الطوسي : 5728/389 .

5) رجال البرقي : 1624/140 .

6) رجال الطوسي : 5714/388 .

7) معجم رجال الحديث : 12 : 8135/31 .

8) رجال الطوسي : 5711/388 .

93 - على بن عبدالغفّار

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1).

وكذلك عدّه البرقى(2).

94 - علي بن عبد الله

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(3).

95 - علي بن عبدالله

ابن جعفر الحميري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(4).

96 - علي بن عبدالله

الزبيري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(5).

97 - على بن عبيدالله

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(6)، وكذلك عدّه البرقي(7).

98 - علي بن عمرو

العطّار ، القزويني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(8).


1) رجال الطوسى : 5716/388 .

2) رجال البرقي : 1606/139.

3) رجال الطوسي : 5731/389 .

4) رجال الطوسي : 5727/389 ، وفي نسخة : « عبدالله بن جعفر ».

5) رجال الطوسي : 5736/389 ، وفي نسخة : « عليّ بن عبيد الله ».

6) رجال الطوسي : 5720/388 .

7) رجال البرقي : 1641/140 .

8) رجال الطوسي : 5718/388 .

وكذلك عدّه البرقي(1)، وهو ممّن روى النصّ على إمامة أبي محمّد العسكري .

99 - على بن محمد

ابن زياد الصيمري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(2).

واستظهر سيّدنا الأستاذ أنّ عليّ بن زياد الصيمري الذي تقدّمت ترجمته وعليّ بن محمّد الصيمري هما واحد وليسا متعدّدين(3).

100 - علي بن محمّد

ابن الشجاع ، النيسابوري . روى عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وروى عنه عليّ بن مهزيار(4).

101- علي بن محمّد

ابن شيرة القاشاني . قال الشيخ : «إنّه ضعيف ، إصبهاني ، من ولد زياد مولى عبد الله بن عبّاس من آل خالد بن الأزهر » (5).

وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الهادي علیه السلامقائلاً : « عليّ بن محمّد القاشاني»(6).

قال فيه النجاشي : «كان فقيهاً ، مكثراً من الحديث ، فاضلاً، غمز عليه أحمد بن محمّد بن عيسى ، وذكر أنّه سمع منه مذاهب منكرة ، وليس في كتبه ما يدلّ على ذلك ، له كتاب التأديب، وهو كتاب الصلاة ، وهو يوافق كتاب ابن خانبة ، وفيه


1) رجال البرقي : 1629/140 .

2) رجال الطوسي : 5729/389 .

3) معجم رجال الحديث : 12 : 8495/172 .

4) معجم رجال الحديث : 12 : 8429/147 .

5) رجال الطوسي : 5712/388 ، وفي نسخة : « القاسانيّ» .

6) رجال البرقي : 1596/138 .

زيادات في الحجّ وكتاب الجامع في الفقه كبير» (1).

102 - علي بن محمّد

المنقري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(2).

وقال فيه النجاشي : « إنّه كوفي ، ثقة . له كتاب نوادر»(3).

103 - علي بن محمد

النوفلي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(4).

وكذلك عدّه البرقي(5).

روى عن الإمام أبي الحسن علیه السلام ، وروى عنه محمّد بن الحسن بن شمّون(6).

104 - علي بن مهزیار

الأهوازي ، الدورقي . كان من مفاخر العلماء ، ومن مشاهير تلاميذ الإمام الهادي علیه السلام ، ونتحدّث بإيجاز عن بعض شؤونه :

عبادته : كان من عيون المتّقين والصالحين، ويقول الرواة : إنّه كان إذا طلعت الشمس سجد الله تعالى ، وكان لا يرفع رأسه حتّى يدعو لألف من إخوانه بمثل ما دعا لنفسه ، وكان على جبهته سجادة مثل ركبة البعير(7)من كثرة سجوده .


1) رجال النجاشي : 255 و 669/256 .

2) رجال الطوسي : 5735/389 .

3) رجال النجاشي : 674/257 .

4) رجال الطوسي : 5715/388 .

5) رجال البرقي : 1653/141 .

6) معجم رجال الحديث : 12: 8507/177 .

7) رجال الكشّي : 1038/549 .

ثناء الإمام الجواد علیه السلام عليه : وأثنى الإمام الجواد علیه السلام ثناء عاطراً على ابن مهزیار ، وكان ممّا أثنى عليه أنّه بعث له رسالة جاء فيها :

«يا عَلِيُّ ، قَدْ بَلَوْتُكَ وَخَبَرْتُكَ في النَّصيحَةِ وَالطَّاعَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالتَّوْقِيرِ وَالْقِيامِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْكَ ، فَلَوْ قُلْتُ: إِنِّي لَمْ أَرَ مِثْلَكَ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ صَادِقاً ، فَجَزَاكَ اللهُ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ، وَما خَفِيَ عَلَيَّ مَقامَكَ ، وَلَا خِدْمَتَكَ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، في اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، فَأَسْأَلُ اللهُ إِذا جَمَعَ الْخَلائِقَ لِلْقِيامَةِ أَنْ يَحْبوكَ بِرَحْمَةٍ تَغْتَبِطُ بِها ، إِنَّهُ سَمِيعٌ الدعاء »(1).

وكشفت هذه الرسالة عن إكبار الإمام وتقديره ودعائه له ، وأنّه علیه السلام لم يرَ في أصحابه وغيرهم مثل هذا الزكيّ تقوى وورعاً وعلماً .

مؤلّفاته : ألّف عليّ مجموعة من الكتب تزيد على ثلاثين كتاباً ، كان معظمها في الفقه ، وهذه بعضها : وهي كتاب الوضوء ، كتاب الصلاة ، كتاب الزكاة ، كتاب الصوم ، كتاب الحجّ ، كتاب الطلاق ، كتاب الحدود ، كتاب الديات، كتاب التفسير ، كتاب الفضائل، كتاب العتق والتدبير ، كتاب التجارات والإجارات ، كتاب المكاسب ، کتاب المثالب ، كتاب الدعاء ، كتاب التجمّل والمروة ، كتاب المزار ، وغيرها(2).

طقبته في الحديث : وقع عليّ بن مهزيار في إسناد كثير من الروايات تبلغ ( 437) مورداً ، روى عن الإمام أبي جعفر الثاني ، وأبي الحسن ، وأبي الحسن الثالث علیه السلام، وعن غيرهم(3). لقد كان عليّ بن مهزيار من دعائم الفكر الشيعي ، وكان من أفذاذ


1) الكنى والألقاب : 1 : 432 .

2) رجال النجاشي : 664/253 .

3) معجم رجال الحديث : 12 : 8539/199.

عصره ، وعلماء دهره .

105 - على بن يحيى

الدهقان : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه رمي بالغلوّ (1).

106 - عيسى بن أحمد

ابن عیسی بن منصور : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(2).

وقد روى عنه مجموعة من الأخبار ، كان من بينها هذا الحديث الشريف ، قال : حدّثني أبو الحسن عليّ بن محمّد العسكري ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن عليّ علیه السلام قال : قالَ رَسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ آمِناً مُطَهَّراً ، لَا يَحْزُنُهُ الفَزَعُ الْأَكْبَرُ فَلْيَتَوَلَّكَ ، وَلْيَتَوَلَّ بَنيكَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ، وَعَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَمُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ ، وَعَلِيَّ بْنَ مُوسى ، وَمُحَمَّداً ، وَعَلِيّاً ، وَالْحَسَنَ ، ثُمَّ الْمَهْدِيَّ ، وَهُوَ خاتَمُهُمْ »(3).

حرف الفاء

107 - فارس بن حاتم

القزويني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه غالٍ معلون(4).


1) رجال الطوسي : 5726/389 ، وفي نسخة : «عروة بن يحيى ».

2) رجال الطوسي : 5705/388 .

3) الغيبة / الطوسي : 136 .

4) رجال الطوسي : 5742/390 .

قال الكشّي : « قال نصر بن الصباح : قال نصر بن الصباح : لعن الإمام الهادي الحسن بن محمّد المعروف بابن بابا ، ومحمّد بن نصير النميري ، وفارس بن حاتم القزويني»(1).

وأثرت عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام كثير من الأخبار في لعنه ، وتحذير الشيعة من الاتّصال به ، لأنّه مصدر ضلال وغواية ، وكان من بين تلك الأخبار :

1 - كتب عروة إلى الإمام الهادي علیه السلام في شأن فارس فأجابه علیه السلام:

«كَذَّبُوهُ ، وَاهْتِكُوهُ ، أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَخْرَاهُ ، فَهُوَ كَاذِبٌ فِي جَمِيعِ مَا يَدَّعِي وَيَصِفُ ، وَلكِنْ صونوا أَنْفُسَكُمْ عَنِ الْخَوْضِ وَالْكَلَامِ فِي ذلِكَ ، وَتَوقَّوا مُشاوَرَتَهُ ، وَلَا تَجْعَلُوا لَهُ السَّبِيلَ إِلى طَلَبِ الشَّرِّ ، كَفَانَا اللَّهُ مَؤونَتَهُ وَمَؤونَةَ مَنْ كانَ مِثْلَهُ» (2).

2 - كتب إبراهيم بن داود اليعقوبي إلى الإمام أبي الحسن علیه السلام في شأنه ، فأجابه : «لَا تَحْفِلَنَّ بِهِ ، وَإِنْ أَتَاكَ فَاسْتَخِفٌ بِهِ» (3).

3 - وكتب الإمام أبو الحسن علیه السلام إلى عليّ بن عمر القزويني في شأن فارس هذا نصّه:

«أَعْتَقِدُ فيما تُدينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ الْباطِنَ عِنْدِي حُسْنُ مَا أَظْهَرْتُ لَكَ فيما اسْتَنْبَاتَ عَنْهُ ، وَهُوَ فارِسٌ لَعَنَهُ اللهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يَسَعُكَ إِلَّا الْإِجْتِهَادُ فِي لَعْنِهِ


1) رجال الكشّي : 999/520.

2) رجال الكشّي : 4/522 .

3) رجال الكشّي : 3/522 .

وَقَصْدِهِ وَمُعاداتِهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي ذلِكَ بِأَكْثَرِ ما تَجِدُ السَّبِيلَ إِلَيْهِ مَا كُنْتُ آمُرُ أَنْ يُدانَ اللَّهُ بِأَمْرِ غَيْرِ صَحِيحِ ، فَجِدَّ وَشُدَّ فِي لَعْنِهِ وَهَتْكِهِ ، وَقَطْعِ أَسْبَابِهِ ، وَصَدٌ أَصْحَابِنَا عَنْهُ ، وَإِبْطَالِ أَمْرِهِ ، وَأَبْلِغْهِمْ ذلِكَ مِنّي ، وَأَحْكِ-مْهُ لَهُمْ عَنِّي ، وَإِنِّي سَائِلُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْمُؤَكَّدِ فَوَيْلٌ لِلْعَاصِى وَلِلْجاحِدِ ، وَ كَتَبْتُ بِخَطَّي لَيْلَةَ الثَّلاثاءِ لِتِسْعِ لَيالٍ مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ (250ه) وَأَنا أَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ ، وَأَحْمَدُهُ كَثيراً» (1).

هذه بعض رسائل الإمام الهادي علیه السلام التي وردت في شأن هذا الرجل المارق عن الدين، والمعادي للإسلام .. لقد كان مبتدعاً وضالّاً يدعو الناس إلى الخروج عن الدين، ومسخ الإسلام ، وتحريف آياته ، وسنذكر آراءه عند التعرّض لعصر الإمام .

وعلى أي حال، فقد أمر الإمام شيعته بقتل هذا الإنسان الممسوخ قائلاً: «فَمَنْ هذَا الَّذي يُريحني مِنْهُ وَيَقْتُلُهُ ، وَأَنا ضامِنٌ لَهُ عَلَى اللهِ الْجَنَّةَ»(2).

108 - الفتح بن يزيد

الجرجاني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام (3).

وكذلك عدّه البرقى(4).

ذكر النجاشي أنّه صاحب « المسائل »(5)وهي - فيما نحسب - أجوبة المسائل


1) الغيبة / الطوسي : 352 ، الحديث 312 بحار الأنوار: 50 : 222 ، الحديث 8.

2) رجال الكشّي : 1006/524 .

3) رجال الطوسي : 5741/390 .

4) رجال البرقي : 1658/141 .

5) رجال النجاشي : 853/311 .

التي سئل عنها الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام

109 - الفضل بن شاذان

النيسابوري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(1).

وهو من أساطين العلماء ، ومن أبرز رجال الفكر الإسلامي في عصره ، خاض في مختلف العلوم والفنون ، وألّف فيها ، ونعرض بإيجاز لبعض شؤونه :

ثناء الإمام العسكري علیه السلام: وأشاد الإمام الحسن العسكري علیه السلام بالفضل بن شاذان ، وأثنى عليه ثناءاً عاطراً ، فقد عرضت عليه إحدى مؤلّفاته فنظر فيه فترحّم عليه وقال : « أَغْبِطُ أَهْلَ خُراسانَ بِمَكانِ الْفَضْلِ بن شاذانَ ، وَكَوْنِهِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ »(2).

ونظر علیه السلام مرّة أخرى إلى مؤلّف آخر من مؤلّفاته فترحم عليه ثلاث مرّات ، وقال مقرّضاً للكتاب :« هذا صحيحٌ يَنْبَغِى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ»(3).

ردّه على المخالفين : انبرى الفضل للدفاع عن مبادئه ، وإبطال الشبه التي أثيرت حول عقيدته ، وقد قال : « أنا خلف لمن مضى أدركت محمّد بن أبي عمير ، وصفوان

ابن يحيى وغيرهما ، وحملت عنهم منذ خمسين سنة ، ومضى هشام بن الحكم رحمه الله ، وكان يونس بن عبد الرحمن رحمه الله خلفه ، كان يردّ على المخالفين ، ثمّ مضى يونس بن عبد الرحمن ولم يخلف خلفاً غير السكّاك ، فردّ على المخالفين حتّى مضى رحمه الله ، الله ، وأنا خلف لهم من بعدهم رحمهم الله »(4)

لقد كان خلفاً لأولئك الأعلام الذين نافحوا وناضلوا عن مبادئهم الرفيعة التي


1) رجال الطوسي : 5740/290 .

2) رجال النجاشي : 1027/542 .

3) رجال النجاشي : 1028/542 .

4) رجال الكشّي : 1025/539 .

تبناها أئمّة أهل البيت علیهم السلام.

مؤلّفاته : ألف هذا العالم الكبير في مختلف العلوم ، كعلم الفقه والتفسير وعلم الكلام والفلسفة واللغة والمنطق ، وغيرها ، وقد كانت مؤلّفاته تربو على مائة وثمانين مؤلّفاً(1).

وقد ذكر بعضها الشيخ(2)والنجاشي(3)وابن النديم(4)، وغيرهم .

110 - الفضل بن كثير

البغدادي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(5).

111 - الفضل بن المبارك

روى عن الإمام أبي الحسن عليّ الهادي علیه السلام، وروى عنه محمّد بن عیسی العبیدي(6).

حرف القاف

112 - القاسم الشعراني

اليقطيني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه


1) رجال النجاشي : 840/307 .

2) فهرست الطوسي : 563/198 .

3) رجال النجاشي : 840/307 .

4) فهرست ابن النديم : 287 .

5) رجال الطوسي : 5743/390 .

6) معجم رجال الحديث : 13 : 9382/313 .

يرمى بالغلوّ(1).

113 - القاسم الصيقل

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(2).

وكذلك عدّه البرقى(3).

روى عن الإمام الرضا والجواد علیهما السلام، وروى عنه محمّد بن عبدالله الواسطي(4).

حرف الکاف

114 - كافور الخادم

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(5).

وعدّه ابن داود في القسم الأوّل(6)، وأضاف أنّه ثقة .

حرف الميم

115 - محمد بن أبي طيفور

المتطبّب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(7).


1) رجال الطوسي : 5745/390 .

2) رجال الطوسي : 5744/390 .

3) رجال البرقي : 1590/138 .

4) معجم رجال الحديث : 14: 9578/70 .

5) رجال الطوسي : 5746/390 .

6) رجال ابن داود : 1239/155 .

7) رجال الطوسي : 5766/391 .

116 - محمّد بن أحمد

ابن إبراهيم : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1).

117 - محمّد بن أحمد

المحمودي ، يكنّى أبا عليّ : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام (2).

قال الكشّي : « وجدت بخطّ أبي عبدالله الشاذاني في كتابه : سمعت الفضل بن هاشم الهروي يقول : ذكر لي كثرة ما يحجّ المحمودي ، فسألته عن مبلغ حجّاته ، فلم يخبرني بمبلغها ، وقال : رزقت خيراً كثيراً والحمد لله .

فقلت له : فتحجّ عن نفسك أو غيرك ؟

فقال : عن غيري بعد حجّة الإسلام أحجّ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و وجعل ما أجازني الله عليه لأولياء الله ، وأهب ما أثاب على ذلك للمؤمنين والمؤمنات .

فقلت : ما تقول في حجّتك ؟

فقال : أقول : اللّهمّ إنّي أهللت الرسولك محمّد صلی الله علیه وآله وسلم ، وجعلت جزائي منك ومنه لأوليائك الطاهرين علیهم السلام ، ووهبت ثوابي عنهم لعبادك المؤمنين والمؤمنات ، بكتابك وسنة نبيك صلی الله علیه وآله وسلم ... إلى آخر الدعاء »(3).

ودلّ ذلك على روحه الخيّرة ، وانطلاقه في ميادين العمل الصالح ، وأنّ تربية الأئمّة الطاهرين لأصحابهم أنتجت مثل هذا الإنسان الكامل المثالي .


1) رجال الطوسي : 5756/391 .

2) رجال الطوسي : 5783/392 .

3) رجال الكشّي : 986/511 .

118 - محمّد بن أحمد

ابن عبيد الله بن المنصور ، يكنّى أبا الحسن ، اسند عنه : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام (1).

119 - محمّد بن أحمد

ابن مطهر : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(2).

روى عن الإمام أبي الحسن ، وروى عنه عبدالله بن جعفر(3).

120 - محمّد بن أحمد

ابن مهران : عدّه البرقي من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(4).

121 - محمّد بن إسماعيل

الصيمري ، القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(5).

122 - محمّد بن جزك

الجمّال ، ثقة : عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(6).

وعدّه ابن شهر آشوب من ثقات الإمام الهادي علیه السلام(7).


1) رجال الطوسي : 5762/391 .

2) رجال الطوسى : 5761/391 .

3) معجم رجال الحديث : 15 : 10148/22 .

4) رجال البرقي : 1608/139 .

5) رجال البرقي : 5779/392 .

6) رجال الطوسي : 5755/391 .

7) مناقب آل أبي طالب : 3: 506 .

123 - محمد محمّد بن الحسن

ابن شمّون ، البصري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1).

قال النجاشي : «كان واقفيّاً ثمّ غلا ، وكان ضعيفاً جدّاً ، فاسد المذهب ، وأضيفت له أحاديث في الوقف.

له من الكتب : كتاب السنن والآداب ومكارم الأخلاق ، وكتاب المعرفة(2).

وروى الكشّي بسنده عنه ، أنّه قال :« كتبت إلى أبي محمّد علیه السلام أشكو إليه الفقر ، ثمّ قلت في نفسي : أليس قال أبو عبد الله علیه السلام : الفقر معنا خير من الغنى مع عدوّنا ، والقتل معنا خير من الحياة مع عدوّنا ، فرجع الجواب :

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمَحِّصَ أَوْلِياءَنا إِذا تَكاثَفَتْ ذُنوبُهُمْ بِالْفَقْرِ ، وَقَدْ يَعْفو عَنْ كَثِيرِ ، وَهُوَ كَما حَدَّثْتَ نَفْسَكَ ، الْفَقْرُ مَعَنا خَيْرٌ مِنَ الْغِنِيَ مَعَ عَدُوِّنَا وَنَحْنُ كَهْفُ مَنِ الْتَجَأَ إِلَيْنَا ، وَنورٌ لِمَنِ اسْتَضاءَ بِنا ، وَعِصْمَةٌ لِمَنِ اعْتَصَمَ بنا ، وَمَنْ أَحَبَّنا كانَ مَعَنا فِي السَّنامِ الْأَعْلَى ، وَمَنِ انْحَرَفَ عَنَّا فَإِلَى النَّارِ.

قال : قال أبو عبدالله : تشهدون على عدوّكم بالنار ، ولا تشهدون لوليّكم بالجنّة ، بما يمنعكم من ذلك إلّا الضعف»(3).

توفّي وله من العمر مائة وأربع عشرة سنة ، قيل : إنّه روى عن ثمانين رجلاً من أصحاب الإمام أبي عبدالله الصادق علیه السلام(4).


1) رجال الطوسي : 5775/391 .

2) رجال النجاشي : 899/335 .

3) رجال الكشّي : 533 و 1018/534 .

4) رجال النجاشي : 899/336 .

124 - محمّد بن بن الحسين

ابن أبي الخطّاب الزيّات الكوفي الثقة : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام علي الهادي علیه السلام(1).

قال النجاشي : « إنّه كان جليلاً من أصحابنا ، عظيم القدر ، كثير الرواية ، ثقة ، عين ، حسن التصانيف ، مسكون إلى روايته . له كتاب التوحيد ، كتاب المعرفة والبداء ، كتاب الردّ على أهل القدر ، كتاب الإمامة ، كتاب اللؤلؤة ، كتاب وصايا الأئمّة ، كتاب النوادر »(2).

125 - محمّد بن الحصين

الفهري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه ملعون(3).

126 - محمّد بن الحصين

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه أهوازي(4).

127 - محمّد بن حمزة

القمّي : عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام (5).

128 - محمّد بن خالد

الرازي ، يكنّى أبا العبّاس : عدّه الشيخ من أصحاب أبي الحسن الهادي علیه السلام(6).


1) رجال الطوسي : 5771/391 .

2) رجال النجاشي : 897/334 .

3) رجال الطوسي : 5785/392 .

4) رجال الطوسي : 5773/391 .

5) رجال الطوسي : 5778/392 .

6) رجال الطوسي : 5781/392 .

129 - محمّد بن رجاء

الحناط : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1).

وكذلك عدّه البرقي(2).

130 - محمد بن الريان

ابن الصلت : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه ثقة(3).

وقال النجاشي : « له مسائل لأبي الحسن العسكري علیه السلام»(4).

131 - محمّد بن سعيد

ابن كلثوم المروزي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه كان متكلّماً (5).

وروى الكشّي بسنده عن نصر بن الصباح : أنّ محمّد بن سعيد المروزي كان من أجلّة المتكلّمين بنيسابور(6).

132 - محمّد محمد بن سلیمان

الجلاب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام (7).


1) رجال الطوسي : 5750/390 ، وفي نسخة :«الخيّاط » .

2) رجال البرقي : 1577/137.

3) رجال الطوسي : 5764/391 .

4) رجال النجاشي : 1009/370 .

5) رجال الطوسي : 5748/390 .

6) رجال الكشّي : 1020/545 .

7) رجال الطوسي : 5777/392.

133- محمّد بن صيفي

الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1).

134 - محمّد بن عبدالجبار

عده الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام، وأضاف أنّه قمّي ثقة(2).

135 - محمد بن عبدالرحمن

الهمداني ، النوفلي : عدّه البرقي من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّ له مكاتبة إلى أبي الحسن علیه السلام(3).

136 - محمّد بن عبدالله

ابن مهران الكرخي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه يرمى بالغلوّ والضعف(4).

قال النجاشي : « إنّه غال كذّاب ، فاسد المذهب والحديث ، مشهور بذلك . له كتب منها : كتاب الممدوحين والمذمومين ، كتاب مقتل أبي الخَطّاب ، كتاب مناقب أبي الخَطّاب ، كتاب الملاحم ، كتاب التبصرة ، كتاب القباب ، كتاب النوادر وهو أقرب كتبه إلى الحقّ والباقي تخليط»(5).

137 - محمد بن عبید الله

الطاهي من أهل طاهي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(6).


1) رجال الطوسي : 5780/392 .

2) رجال الطوسي : 5765/391 .

3) رجال البرقي : 1587/138 ، وفي نسخة : « محمّد بن عبدالله النوفلي الهمداني».

4) رجال الطوسي : 5774/391 .

5) رجال النجاشي : 942/350 .

6) رجال الطوسي : 5752/390 .

138 - محمّد بن على

ابن عيسى الأشعري ، القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1).

قال النجاشي :« كان محمّد بن عليّ وجهاً بقم ، وأميراً عليها من قبل السلطان ، وكذلك كان أبوه يعرف بالطَّلحِيّ . له مسائل لأبي محمّد العسكري »(2).

139 - محمّد بن عليّ

ابن مهزیار : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه ثقة(3).

وعن ابن طاووس : « أنّه من السفراء والأبواب المعروفين الذين لا يختلف الإماميّة القائلون بإمامة الحسن بن عليّ فيهم »(4).

140 - محمّد بن عيسى

ابن عُبَيْد اليقطيني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه ضعيف على قول القميّين(5).

وذكر النجاشي له مجموعة من المؤلّفات منها : كتاب الإمامة ، كتاب الواضح المكشوف في الردّ على أهل الوقوف ، كتاب المعرفة ، كتاب بُعد الإسناد ، كتاب قُرب الإسناد ، كتاب الوصايا ، كتاب اللؤلؤ ، كتاب المسائل المجرّبة ، كتاب الضياء ، کتاب طرائف ، كتاب التوقيعات ، كتاب التجمّل والمُروّة ، كتاب الفيء والخمس ، كتاب الرجال ، كتاب الزكاة ، كتاب ثواب الأعمال ، كتاب النوادر»(6).


1) رجال الطوسي : 5760/391 .

2) رجال النجاشي : 1010/371 .

3) رجال الطوسي : 5751/390 .

4) معجم رجال الحديث : 17: 11355/30.

5) رجال الطوسي : 5758/391 .

6) رجال النجاشي : 896/334 .

141 - محمّد بن الفرج

الرخجي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(1).

كانت له اتّصالات وثيقة بالإمام علیه السلام، وجرت بينهما عدّة مراسلات ، هذه بعضها :

1 - روى الكشّي بسنده عن محمّد بن الفرج ، قال :« كتبت إلى أبي الحسن علیه السلام: أسأله عن أبي عليّ بن راشد ، وعن عيسى بن جعفر بن عاصم ، وابن بند.

فكتب علیه السلام إليَّ : ذَكَرْتَ ابْنَ رَاشِدِ رَحِمَهُ اللهُ ، فَإِنَّهُ عاشَ سَعيداً ، وَماتَ شَهيداً ، ودعا لابن بند والعاصمي »(2).

2 - وروى الكليني بإسناده عن عليّ بن محمّد النوفلي ، قال : « قال لي محمّد بن الفرج : إنّ أبا الحسن كتب إليه : يا مُحَمَّدُ ، اجْمَع أَمْرَكَ ، وَخُذْ حِذْرَك

قال : فأنا في جمع أمري ، وليس أدري ما كتب به إليَّ حتّى ورد عليَّ رسول - أي من قبل السلطة - حملني من مصر مقيّداً ، وضرب على كلّ ما أملك ، وكنت في السجن ثمان سنين ، ثمّ ورد عليَّ منه في السجن كتاب : يا مُحَمَّدُ ، لَا تَنْزِلْ فِي ناحِيَةِ الْجانِبِ الْغَرْبِيَّ ، فقرأت الكتاب ، فقلت : يكتب إليَّ بهذا وأنا في السجن . إنّ هذا لعجيب !

فما مكثت أن خلّي عني ، والحمد لله .

قال : وكتب إليه محمّد بن الفرج يسأله عن ضياعه ، فكتب إليه : سَوْفَ تُرَدُّ عَلَيْكَ ، وَما يضرُّكَ أَنْ لَا ترد عَلَيْكَ ، فلمّا شخص محمّد إلى العسكر كتب إليه برد ضياعه ، ومات قبل ذلك»(3).


1) رجال الطوسي : 5749/390 .

2) رجال الكشّي : 1122/630 .

3) أصول الكافي : 1: 500 ، الحديث 5 .

وكشفت هذه الرسالة عن ثقة الإمام بمحمّد وتسديده له ، ولمّا مرض محمّد بعث له الإمام أبو الحسن علیه السلام بثوب فأخذه ووضعه تحت رأسه ، فلمّا توفّي كفّن فيه .

142 - محمّد بن الفضل

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(1).

وكذلك عدّه البرقي(2).

143 - محمّد بن الفضل

البغدادي . روى عن الإمام أبي الحسن العسكري ، وروى عنه عبدالله بن جعفر الحميري(3).

144 - محمّد بن القاسم

ابن حمزة بن موسى ، أبو عبد الله العلوي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(4).

145 - محمّد بن مروان

الجلاب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي ، وأضاف أنّه ثقة(5).

وكذلك عدّه البرقى(6).

146 - محمّد بن مروان

الخطّاب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(7).


1) رجال الطوسي : 5767/391 .

2) رجال البرقي : 1640/140 .

3) معجم رجال الحديث : 17 : 11546/136 .

4) رجال الطوسي : 5787/392 .

5) رجال الطوسي : 5763/391 .

6) رجال البرقي : 1656/141 .

7) رجال الطوسي : 5786/392 .

147 - محمّد بن موسى

ابن فرات : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(1).

148 - محمّد بن موسى

الربعي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(2).

149 - محمّد بن يحيى

ابن درياب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(3).

150 - مصقلة بن إسحاق

القمي ، الأشعري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(4).

151 - معاوية بن حكيم

ابن معاوية بن عمّار الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(5).

قال النجاشي فيه : «إنّه ثقة ، جليل ، من أصحاب الرضا علیه السلام . قال أبو عبد الله الحسين بن عبید الله : سمعت شيوخنا يقولون : روى معاوية بن حكيم أربعة وعشرين أصلاً. وله كتب منها : كتاب الطلاق ، كتاب الحيض ، كتاب الفرائض ، كتاب النكاح ، كتاب الحدود ، كتاب الديات . وله نوادر»(6).

152 - منصور بن العبّاس

الرازي ، كانت داره بباب الكوفة ببغداد: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام


1) رجال الطوسي : 5786/392 .

2) رجال الطوسي 5791/392.

3) رجال الطوسي : 5776/392 .

4) رجال الطوسي : 5770/391 .

5) رجال الطوسي : 5788/392 .

6) رجال النجاشي : 1098/412.

الهادي علیه السلام(1).

قال النجاشي :« كان مضطرب الأمر له كتاب نوادر كبير »(2).

153 - موسی بن داود

اليعقوبي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(3).

154 - موسى بن عمر

ابن بزيع ، مولى المنصور : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(4).

قال النجاشي : « ثقة ، له كتاب»(5).

وقال الشيخ :« له كتاب نوادر»(6).

155 - موسى بن عمر

الحصيني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(7).

156 - موسی بن مرشد

الوراق ، النيسابوري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(8).


1) رجال الطوسي : 5772/391 .

2) رجال النجاشي : 1102/413 .

3) رجال الطوسي : 5774/392 .

4) رجال الطوسي : 5769/391 .

5) رجال النجاشي : 1089/409 .

6) فهرست الطوسي 727/244.

7) رجال الطوسي : 5768/391 .

8) رجال الطوسي : 5790/392 .

حرف النون

157 - نصر بن حازم

القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(1).

158 - النضر بن محمّد

الهمداني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام، وأضاف أنّه ثقة(2).

ووثّقه العلّامة ، وعدّه في الحاوي في فصل الثقات(3).

حرف الياء

159 - يحيى بن أبي بكر

الرازي الضرير : عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام(4).

160 - يحيى بن محمّد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(5).

161 - يعقوب بن إسحاق

أبو يوسف الدورقى ، الأهوازي ، المشهور بابن السكّيّت : عدّه الشيخ


1) رجال الطوسي : 5795/393 .

2) رجال الطوسي : 5794/393 .

3) خلاصة الأقوال : 283 .

4) رجال الطوسي : 5799/393 .

5) رجال الطوسي : 5796/393 .

من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي(1).

كان مقدّماً عند أبي جعفر الثاني وأبي الحسن علیهما السلام ، وكانا يختصّانه ، وله عن الإمام أبي جعفر علیه السلام رواية ومسائل(2).

كان ابن السكّيت حامل لواء علم العربيّة والأدب والشعر واللغة والنحو، وله تصانيف كثيرة منها : تهذيب الألفاظ ، وكتاب إصلاح المنطق .

قال ابن خلّكان : « قال بعض العلماء : ما عبر على جسر بغداد كتاب من اللغة مثل إصلاح المنطق ، ولا شكّ أنّه من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من اللغة ، ولا نعرف في حجمه مثله في بابه ، وقد عنى به جماعة ، واختصره الوزير المغربي ، وهذّبه الخطيب التبريزي ، وذكر ابن خلّكان أنّه قال أبو العبّاس المبرد : ما رأيت للبغداديّين كتاباً أحسن من ابن السكّیّت في المنطق ، وقال ثعلب : أجمع أصحابنا أنّه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكّيت(3).

أعدمه المتوكّل لولائه لأهل البيت علیهم السلام، وسنذكر ذلك في بعض فصول الكتاب .

162 - يعقوب بن منقوش

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، كما عدّه من أصحاب الإمام الحسن العسكري علیه السلام(4).

163 - يعقوب بن يزيد

ابن حمّاد الأنباري السلميّ ، أبو يوسف الكاتب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام


1) رجال الطوسي : 5801/393 .

2) رجال النجاشي : 1214/449 .

3) وفيات الأعيان : 6 : 396 .

4) رجال الطوسي : 5800/393 .

الهادي ، مضيفاً أنّه ثقة(1).

وقال الشيخ : « له كتب منها : كتاب النوادر»(2).

قال النجاشي : « إنّه من كتّاب المنتصر . روى عن أبي جعفر الثاني علیه السلام ، وانتقل إلى بغداد، وكان ثقة صدوقاً . له كتاب البداء ، وكتاب المسائل ، وكتاب نوادر الحجّ وكتاب الطعن على يونس»(3).

164 - يعقوب البجلي

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(4).

الكنى

اشارة

أمّا أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام الذين اشتهروا وعُرفوا بالكنية ، فهم :

165 - أبو بكر

الفهفكي ، ابن أبي طيفور المتطبّب : عدّه الشيخ من أصحاب الهادي(5).

وهو ممّن رووا النصّ على إمامة الحسن العسكري، فقد قال: «كتب إلى أبو الحسن أبو مُحَمَّدٍ ابْنِى أَنْصَحُ آلِ مُحَمَّد صلی الله علیه وآله وسلم غَرِيزَةً ، وَأَوْثَقُهُمْ حُجَّةً ، وَهُوَ الْأَكْبَرُ مِنْ وُلدي ، وَهُوَ الْخَلَفُ ، وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي عُرَى الْإِمَامَةِ وَأَحْكَامُها ، فَمَا كُنْتَ سَائِلِي فَاسْأَلْهُ


1) رجال الطوسي : 5797/393 .

2) فهرست الطوسي : 807/264.

3) رجال النجاشي : 1215/450 .

4) رجال الطوسي : 5798/393 .

5) رجال الطوسي : 5807/394 . ، وذكر البرقي أنّ ابن أبي طيفور المتطبب من أصحاب الهادي علیه السلام : 1655/141 .

عَنْهُ ، فَعِنْدَهُ ما تَحْتاجُ إِلَيْهِ»(1).

166 - أبو الحسين بن هلال

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي (2). ووثّقه العلّامة(3)والمجلسى(4).

167 - أبو الحصين

ابن الحصين : عدّه الشيخ من أصحاب الهادي علیه السلام، وأضاف أنّه ثقة نزل الأهواز(5).

168 - أبو طاهر البرقى

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي، مضيفاً أنّه أخو أحمد بن محمّد(6).

169 - أبو طاهر

محمّد : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي(7).

170 - أبو طاهر بن حمزة

ابن اليسع الأشعري : عدّه الشيخ من أصحاب الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه قمّي ثقة(8).

171 - أبو عبدالله المغازي

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي ، وأضاف أنّه غالٍ(9).


1) أصول الكافي : 1 : 386 ، الحديث 11 .

2) رجال الطوسي : 5806/393 .

3) خلاصة الأقوال: 300.

4) مرآة العقول : 5 : 216 ، الحدیث 2 .

5) رجال الطوسي : 5802/393 ، وفي نسخة : « أبو الحسين بن الحسين » .

6) رجال الطوسي : 5810/394 .

7) رجال الطوسي : 5812/394 .

8) رجال الطوسي : 5804/392 .

9) رجال الطوسي : 5809/393 .

172 - أبو عبدالله المكارى

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي(1).

173 - أبو محمد بن إبراهيم

عدّه الشيخ من غير توصيف من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام(2).

174 - أبو يحيى

الجرجاني ، وهو أحمد بن داود بن سعيد الفزاري(3).

النساء

اشارة

ولم يذكر الشيخ الطوسي من النساء اللاتي روين عن الإمام الهادي علیه السلام سوى السيّدة الكريمة ، وهي :

175 - كلثم الكرخيّة

عدّها الشيخ من باب أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، وأضاف أنّه روى عنها أبو عبد الرحمن الشعيري ، وهو أبو عبد الرحمن بن داود البغدادي(4).

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أصحاب الإمام الهادي علیه السلام الذين كانوا يمثّلون المنطلق الفكري والعلمي للإمام .


1) رجال الطوسي : 5806/394 .

2) رجال الطوسي: 5811/394 .

3) رجال الطوسي : 5811/394 .

4) رجال الطوسي : 5814/394 .

الإمَامُ علیه السلام في سَامرَّاء

اشارة

عاش الإمام عليّ الهادي علیه السلام لمعظم حياته في سرّ من رأى ، وقد فرضت عليه السلطة العبّاسيّة الإقامة الجبريّة فيها ، فكان شبيهاً بالمعتقل ، فقد أحاطت بداره مباحث الأمن العبّاسي وهي ترصد جميع تحرّكاته ، وتراقب كلّ مَن يتّصل به ، أو يحمل له المال ، وقد عانى الإمام من الضغط السياسي أشدّ ما تكون المعاناة أيام الطاغية المتوكّل العبّاسي الذي لم يألُ جهداً في ظلم العلويّين والتنكيل بهم ، وقد كابدوا في عهده الأسود صنوفاً مرهقة من الكوارث والخطوب ، نتحدّث عنها في غضون هذا الكتاب.

وعلى أي حال، فإنّا نعرض بصورة موجزة - إلى بعض شؤون الإمام علیه السلام حينما كان في يثرب ، كما نعرض إلى الأسباب التي حملته على مغادرتها إلى سرّ من رأى ، وإلى ما جرى له مع المتوكّل فيها ، وفيما يلي ذلك .

الإمام علیه السلام في يثرب

كان الإمام أبو الحسن علیه السلام مقيماً في يثرب التي هي مسقط رأسه ، ويلد آبائه ، وقد انصرف إلى إشاعة العلم ، وتهذيب الأخلاق ، وتربية الناس بالآداب الإسلاميّة ، وقد اتّخذ الجامع النبوي مدرسة له ، وقد احتفّ به العلماء والفقهاء والرواة ، فكانوا ينتهلون من نمير علومه التي استمدّها من آبائه الذين أضاء واحياة الإنسان بنور العلم والإيمان ، وكما كان مصدراً خصباً للحياة الفكريّة والعلميّة في يثرب ، فقد كان

المصدر الوحيد الذي يمدّ أهل العلم في شؤونهم الماديّة ، كما كان يموّن الفقراء والمعوزين بما يحتاجونه .

ولم يقتصر الإمام على برّه وإحسانه إلى أهالي يثرب ، وإنّما شمل جميع مناحي حياتهم ، فكان يواسيهم في السرّاء والضرّاء ، ويعود مرضاهم ، ويشيّع جنائزهم ، ويعطف على الصغير والكبير منهم ، ويعود أراملهم وأيتامهم ، ولم يبق لوناً من ألوان الخير والمعروف إلّا أسداه عليهم ، وقد أخلصوا له أعظم ما يكون الإخلاص ، والتفّت حوله قلوبهم ومشاعرهم ، وأقام في أعماق نفوسهم .

الوشاية بالإمام علیه السلام

وحقد على الإمام أبي الحسن علیه السلام بعض من لا حريجة له في الدين ، من الممسوخين والحاقدين على ذوي الأنساب الشريفة ، فقد ساءهم ما يتمتّع به الإمام من الفضائل ، وما له من المكانة المرموقة في الأوساط الإسلاميّة ، وكان من أشدّ أعدائه وأخبثهم عبدالله بن محمّد ، وكان قد أقامه المتوكّل من قبله في يثرب والياً على إقامة الصلاة ، وسائر الشؤون الحربيّة ، وكان هذا الوغد يقصد الإمام بالسوء والأذى ، وقد سعى به عند المتوكّل ، وكانت سعايته تحمل أموراً خطيرة ، وهي :

1 - التفاف الجماهير حول الإمام ممّا يشكّل خطراً على الدولة .

2 - ورود الأموال الطائلة إلى الإمام من مختلف أنحاء العالم الإسلامي ، ولا يؤمن أن يشتري بها السلاح لمقاومة الدولة العبّاسيّة .

3 - إنّه لا يؤمن أن يقوم بثورة عارمة للإطاحة بالحكومة العبّاسيّة .

وطلب من المتوكّل العبّاسي المبادرة لإلقاء القبض على الإمام لئلّا تقوى شوكته ، ويعظم أمره ، فلا تتمكّن الدولة من مقاومته .

وفزع المتوكّل أشدّ ما يكون الفزع ، وأحاط وزراءه علماً بالأمر.

إحباط الإمام علیه السلام للمؤامرة

ولمّا علم الإمام علیه السلام بوشاية هذا الوغد ومؤامرته ضدّه خاف أن يتّخذ المتوكّل معه الاجراءات القاسية ، وذلك لعلمه بانحرافه عن أهل البيت علیهم السلام وشدّة عدائه لهم ، فكتب علیه السلام له رسالة يشكو فيها أحقاد عامله عليه ، وسوء معاملته له ، وقيامه بما يسوءه ، كما أحاطه علماً بكذب وشايته ، وأنّه لا يبغي للمتوكّل سوءاً، ولا يرى الخروج على حكومته .

واطمأنّ المتوكّل بصدق الإمام وبراءته ممّا نُسب له من الخروج على حكومته ، وأنّه لا صحّة لذلك .

رسالة المتوكّل للإمام علیه السلام

وأرسل المتوكّل إلى الإمام رسالة أجاب فيها عن رسالته ، وقد عزل فيها عامله الباغي اللئيم ، كما دعا الإمام إلى الحضور في سرّ من رأى للإقامة الجبرية فيها ليكون تحت مراقبته ، وهذا نصّ رسالته :

أمّا بعد ، فإن أمير المؤمنين عارف بقدرك ، راع لقرابتك ، موجب لحقّك ، مقدّر من الأمور فيك وفي أهل بيتك ما يصلح الله به حالك ، ويثبت به عزّك وعزّهم ، ويدخل الأمن عليك وعليهم يبتغي رضى ربّه ، وأداء ما افترض عليه فيك وفيهم .

وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمّد عمّا كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم إذا كان على ما ذكرت من جهالته بحقّك ، واستخفافه بقدرك ، وعندما قرفك به ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه ، وصدق نيّتك في برك وقولك ، وإنّك لم تؤهّل نفسك لما قرفت بطلبه ، وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمّد بن الفضل ، وأمره بإكرامك وتبجيلك ، والانتهاء إلى أمرك ورأيك ، والتقرّب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك ، وأمير

المؤمنين مشتاق إليك يحبّ إحداث العهد بك ، والنظر إليك ، فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ما أحببت شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة ترحل إذا شئت وتنزل إذا شئت ، وتسير كيف شئت .

وإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند يرحلون برحلك ، ويسيرون بسيرك ، فالأمر في ذلك إليك ، وقد تقدّمنا إليه بطاعتك ، فاستخر الله حتّى توافي أمير المؤمنين ، فما أحد من إخوانه وولده وأهل بيته وخاصّته ألطف منه منزلة ، ولا أحمد لهم إثرة ، ولا هو لهم أنظر ، ولا عليهم أشفق وبهم أبرّ ، وإليهم أسكن منه إليك .

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته

وكتب هذه الرسالة إبراهيم بن العبّاس في شهر جمادى الآخرة سنة (243ه)(1).

فزع المدنيّين

وعهد المتوكّل إلى يحيى بن هرثمة بالسفر إلى يثرب لإشخاص الإمام إلى سرّ من رأى ، والتحرّي عمّا نسب إليه من عزمه على مناهضة سلطانه والخروج على حكومته ، وسلّمه الرسالة التي بعثها إلى الإمام .

وسافر يحيى إلى يثرب ، وأخذ يجدّ في السير لا يلوي على شيء حتّى انتهى إليها ، ولمّا علم المدنيّون بمهمّته فزعوا أشدّ ما يكون الفزع ، وخافوا على الإمام من بطش الطاغية به ، فقد كانوا يحبّون الإمام أشدّ ما يكون الحبّ ، لأنّه كان ملازماً لمسجد رسول صلی الله علیه وآله وسلم ، وكان يغذّي علماءهم بعلمه ، ويحسن إلى فقرائهم ، ولم يكن عنده أي ميل إلى الدنيا(2).


1) الإرشاد : 375 و 376 .

2) مرآة الزمان : 9 ، الورقة 553 .

و جعل يحيى يسكّن من روعهم ، ويهدّئ فزعهم ، وحلف لهم أنّه لم يؤمر فيه بأيّ مكروه ، فاطمأنّوا إلى قوله .

تفتيش دار الإمام علیه السلام

وقام يحيى بتفتيش دار الإمام علیه السلام ، ففتّشها تفتيشاً دقيقاً ، فلم يجد فيها شيئاً سوى المصاحف وكتب الأدعية ، وتبيّن له كذب ما نُسب إلى الإمام(1)من أنّ داره مليئة بالأسلحة والأموال .

إشخاص الإمام علیه السلام إلى سامرّاء

وأكره الإمام علیه السلام على مغادرة يثرب والشخوص إلى سامرّاء ، وقد صحبه في سفره أفراد عائلته ، وقد قام يحيى بنفسه بخدمة الإمام ، وقد أعجب بهديه وورعه وتقواه ، وأخذ الركب يطوي البيداء حتّى انتهوا إلى بغداد.

ويذكر اليعقوبي أنّ الإمام لمّا وصل إلى الياسريّة تلقّاه إسحاق بن إبراهيم ، فرأى تشوّق الناس إليه ، واجتماعهم لرؤيته ، فأقام إلى الليل ، ودخل به في الليل ، فأقام ببغداد بعض تلك الليلة(2)، وانطلق يحيى إلى زيارة حاكم بغداد إسحاق بن إبراهيم الظاهري ، فأحاطه علماً بالأمر ، فقال له إسحاق : إنّ هذا الرجل - يعني الإمام الهادي علیه السلام - قد ولده رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وقد عرفت انحراف المتوكّل ، فإن بلغته عنه كلمة قتله ، ويكون النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم خصمك خصمك يوم القيامة .

فقال يحيى : والله ما عرفت ما أنكره، ولا وقفت منه إلّا على أمر جميل .

ثمّ غادروا بغداد واتّجهوا إلى سامرّاء ، وحينما انتهوا إليها بادر يحيى بزيارة


1) مروج الذهب : 4 : 113 .

2) تاريخ اليعقوبي : 3 : 209 .

وصيف التركي ، وهو من كبار رجال الدولة ، فعرّفه بوصول الإمام علیه السلام معه ، فبادر وصيف فحذّره من أن ينقل إلى المتوكّل ما يسوء الإمام قائلاً: يا يحيى ، والله لئن سقط منه - أي من الإمام - شعرة لا يطالب بها سواك .

وبهر يحيى من توافق إسحاق ووصيف من التوصية بالإمام علیه السلام ، وتأكيدهما على لزوم المحافظة عليه(1).

في خان الصعاليك

وأمر المتوكّل بإنزال الإمام علیه السلام في خان الصعاليك خان الصعاليك للحطّ من شأنه والتقليل من أهمّيّته أمام الرأي العامّ ، وقد زاره صالح بن سعيد ، فتألّم وراح يقول : جعلت فداك في كلّ الأمور أرادوا إطفاء نورك ، والتقصير بك حتّى أنزلوك هذا الخان الأشنع خان الصعاليك .

فنظر الإمام إليه بعطف ولطف ، وشكر عواطفه ، وخفّف عليه من الألم والوجد ، فأراه المعجز الذي أمدّ الله به أولياءه وأنبياءه(2)، وسكن روع صالح ، وذهب ما في نفسه من الحزن .

اجتماع الإمام علیه السلام بالمتوكّل

وبادر يحيى إلى المتوكّل فأخبره بحسن سيرة الإمام وزهده ، وأنّه فتّش داره فلم يجد فيها سوى المصاحف وكتب الأدعية ، وأنّه بريء ممّا نسب إليه من عزمه على الثورة على حكومته ، وقد أزال ما في نفسه من الوجد والنقمة على الإمام ، وأمر المتوكّل بإدخاله عليه ، ولمّا مثل عنده قابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ، وأجزل له


1) مرآة الزمان : 9 ، الورقة 553 . تذكرة الخواصّ : 359 مروج الذهب : 4 : 114 .

2) الإرشاد : 376 .

الصلة(1)، وألزمه بالإقامة فى سرّ من رأى ليكون تحت المراقبة .

شراء الإمام علیه السلام داراً له

ولمّا فرض المتوكّل الإقامة الجبريّة على الإمام بادر فاشتری داراً من دليل بن يعقوب النصراني فسكنها مع أفراد عائلته، وأقام فيها حتّى توفّي ودفن فيها(2).

رجوع المتوكّل لفتاوى الإمام علیه السلام

ولم يجد المتوكّل بدّاً من الرجوع إلى الإمام الهادي علیه السلام في المسائل التي ابتلي بها ، وتقديم فتواه على سائر فتاوى فقهاء عصره، وكان من بين تلك المسائل التي رجع فيها للإمام علیه السلام ما يلي :

1 - إنّه كان للمتوكّل كاتب نصراني ، وكان أثيراً عليه ، فكان لحبّه له يكنّيه أبا نوح ، فأنكر عليه جماعة من كتّابه ذلك ، وقالوا : لا يجوز أن يكنّى الكافر ، فاستفتى فقهاء عصره فاختلفوا فطائفة أجازوا ، وطائفة أخرى منعت ، ورفع بذلك استفتاءاً إلى الإمام علیه السلام ، فكتب في الجواب بعد البسملة الآية الكريمة ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ تَبَّ)(3)، وكانت هذه الإجابة من أبدع ما أثر في عالم الفتيا ، فقد استشهد بالآية الكريمة ، وقد أعلنت بوضوح جواز تكنية الكافر ، فأخذ المتوكّل بفتوى الإمام(4).

2 - اعتلّ المتوكّل فنذر إن عافاه الله أن يتصدق بدنانير كثيرة ، فلمّا أبل من مرضه جمع الفقهاء وسألهم عن قدر ما يتصدّق به ، فاختلفوا في ذلك ، فاستفتى الإمام ،


1) مرآة الزمان : 9 ، الورقة 553 .

2) تاریخ بغداد : 12 : 57 .

3) المسد 111 : 1.

4) بحار الأنوار: 10 : 391 ، الحديث 4 .

فأجاب أنّه يتصدّق بثلاث وثمانين ديناراً ، فعجب الفقهاء من ذلك ، وقالوا للمتوكّل : من أين له هذه ؟

فأرسل إليه يطلب منه المدرك ، فأجاب عليه السلام : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقولُ : ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ )(1)، وَقَدْ رَوى أَهْلُنا جميعاً أَنَّ الْمَواطِنَ وَالسَّرايا كانَتْ ثَلاثَةٌ وَثَمَانِينَ مَوْطِناً (2).

وأضاف الإمام في آخر الجواب : «كُلَّما زادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ كَانَ أَنْفَعَ لَهُ وَأَجْدَى عَلَيْهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ»(3).

3- ومن بين المسائل التي رجع فيها المتوكّل للإمام أنّه قدّم له رجل نصراني فجر . بامرأة مسلمة ، فأراد المتوكّل أن يقيم عليه الحدّ ، فأسلم النصراني ، فقال يحيى بن أكثم : هدم إيمانه شركه وفعله . وقال بعض الفقهاء : يضرب ثلاثة حدود .

وذهب آخرون إلى خلاف ذلك ، فأمر المتوكّل أن يستفتى الإمام الهادي في هذه المسألة ، فاستفتى ، فأجاب علیه السلام : يُضْرَبُ حَتَّى يَموت .

فأنكر يحيى يحيى وسائر الفقهاء ذلك ، وقالوا : إنّه لم يجيء بذلك كتاب ولا سنّة .

فكتب المتوكّل إلى الإمام علیه السلام أنّ فقهاء المسلمين قد أنكروا ذلك وقالوا : إنّه لم تجيء به ء به سنّة ، ولم ينطق به كتاب ، فبيّن لنا لِمَ أوجبت عليه الضرب حتّى يموت ؟

فأجاب علیه السلام بعد البسملة بالآية الكريمة :( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا )(4)،


1) التوبة 9: 25 .

2) تاريخ الإسلام / الذهبي : 19 : 219 . رجال الطبقة 26 (مصوّر ) . تذكرة الخواص : 360 .

3) تاريخ بغداد : 12 : 57 . الأنساب / السمعاني : 4 : 196 .

4) غافر 40: 84 و 85 .

فأخذ المتوكّل بفتوى الإمام ، وأمر بضربه حتّى مات»(1).

المتوكّل يسأل عن أشعر الناس ؟

سأل المتوكل عليّ بن الجهم عن أشعر الناس ، فذكر له بعض الشعراء في الجاهليّة ، فلم يعن به المتوكّل، والتفت إلى إمام الهادي علیه السلام فسأله عن ذلك .

فقال علیه السلام : الْحِمَانِيُّ(2)

هو يحيى بن عبدالحميد بن عبدالرحمن أبو زكريّا الحماني ، الكوفي .

قدم بغداد وحدّث بها عن جماعة كثيرة ، منهم سفيان بن عيينة ، وأبو بكر بن عيّاش ، و وكيع ، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد، وأورد روايات عن يحيى بن معين أنّه قال : يحيى بن عبد الحميد الحماني صدوق ثقة ، وروى عنه ، قال : ومات معاوية على غير ملّة الإسلام .

مات الحماني سنة ( 228ه ) بسرّ من رأى في شهر رمضان ، وكان أوّل من مات بسامرّاء من المحدثين ... الكنى والألقاب : 2 : 171 .

حيث يقول :

لَقَدْ فَاخَرَتْنَا مِنْ قُرَيْشٍ عِصابَةٌ *** بِمَطٌ خُدُودٍ وَامْتِدادِ أَصابع

فَلَمّا تَنازَعْنا الْمَقَالَ قَضى لنا *** عَليهِمْ بِما نَهْوى نِداءُ الصَّوامِعِ

ترانا سكوتاً وَالشَّهِيدُ بِفَضْلِنا *** عَلَيْهِمْ جَهِيرُ الصَّوْتِ فِي كُلِّ جَامِعِ

فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ أَحْمَدَ جَدُّنا *** وَنَحْنُ بَنُوهُ كالنُّجُومِ الطَّوالعِ

والتفت المتوكّل إلى الإمام قائلاً: ما نداء الصوامع يا أبا الحسن ؟

فأجابه الإمام : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَمُحَمَّدٌ


1) شرح شافية أبي فراس : 2/ ورقة 167 ( مصوّر).

2) الحماني :

جَدِّي أَمْ جَدُّكَ ؟

و تميّز الطاغية غيظاً وغضباً ، وقال بنبرات مرتعشة : هو جدّك لا ندفعك عنه »(1).

وانصرف الإمام وقد ترك الحزن ينخر في قلب الطاغية إذ لم يجد منفذاً يسلك فيه للردّ على الإمام .

المتوكّل يدعو ابن السكّيت لامتحان الإمام علیه السلام

وطلب المتوكّل من العالم الكبير يعقوب بن إسحاق المشهور بابن السكّيت أن يسأل الإمام الهادي علیه السلام عن مسألة معقّدة غامضة لعلّه لا يهتدي لحلّها فيتّخذ من ذلك وسيلة للتشهير بالإمام والحط من شأنه ، ومضى ابن السكيت فأعد للإمام مسألة لإمتحانه وعقد في البلاط العبّاسي مؤتمر علمي ضمّ كبار العلماء والفقهاء والمتكلّمين ، وكان على رأسهم المتوكّل، وتقدّم ابن السكّيت بمسألته إلى الإمام . قائلاً : لِمَ بعث الله موسى بالعصا واليد البيضاء ، وبعث عيسى بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، وبعث محمّداً بالقرآن والسيف ؟

وانبرى الإمام فأجابه عن الحكمة في ذلك قائلاً: « بَعَثَ اللهُ مُوسَى بِالْعَصا وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ فِي زَمَانِ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِهِ السِّحْرُ ، فَأَتَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ ما قَهَرَ سِحْرَهُمْ وَبَهَرَهُمْ وَأَثْبَتَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ ، وَبَعَثَ عِيْسَى بِإِبْرَاءِ الْأَكْمَةِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْياءِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ فِي زَمانِ الْغالِبُ عَلى أَهْلِهِ الطَّبُ ، فَأَتَاهُمْ مِنْ ذلِكَ ما قَهَرَهُمْ وَبَهَرَهُمْ ، وَبَعَثَ مُحَمداً بِالْقُرْآنِ وَالسَّيْفِ فِي زَمَانِ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِهِ السَّيْفُ وَالشَّعْرُ ، فَأَتاهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ الزّاهِرِ وَالسَّيْفِ الْقَاهِرِ ما بَهَرَ بِهِ شِعْرَهُم وَقَهَرَ سَيْفَهُمْ ، وَأَثْبَتَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ».


1) مناقب آل أبي طالب : 3 : 510 .

لقد أيّد الله تعالى أنبياءه ورسله بالآيات البيّنات، وأمدّهم بالمعجزات الباهرات التي يعجز البشر عن الإتيان بمثلها ، والتي كانت ملائمة لروح العصر الذي بعثوا فيه ، فقد أمدّ رسوله موسى بالمعجزة الكبرى ، أمدّه بالعصا التي تحوّلت إلى أفعى هائلة أخذت تلقف حبالهم وعصيّهم التي حوّلوها إلى أفاعي ، ولم يستطع السحرة في ذلك العصر الذي بلغوا فيه الذروة أن يبطلوا ذلك أو يأتوا بمثله أو ببعضه ، وكذلك أمدّه تعالى باليد البيضاء التي كانت كالشمس في نورها وبهائها ، وقد عجز السحرة عن الإتيان بمثل ذلك وكانت هذه المعجزة دليل على صدق موسى .

وكذلك أمدّ تعالى نبيّه عيسى بن مريم بإبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الأموات في وقت كان الطبّ قد بلغ القمّة في التقدّم والتطوّر ، إلّا أنّه قد عجز عن الإتيان بمثل هذه العلميات المذهلة للفكر ، وقد أيّده تعالى بذلك ليكون آية على صدقه .

وقد بعث تعالى نبيّه العظيم محمّداً خاتم النبيّين فأيّده بالقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والذي كان المعجزة الكبرى في بلاغته وفصاحته وروعة أسلوبه وعذوبة بيانه ، في وقت كان العرب قد بلغوا الأشواط الأخيرة في الفصاحة والبلاغة ، وقد عجزوا عن مجاراة القرآن الكريم والإتيان بمثله أو ببعضه ، وقد اعترف فصحاؤهم وبلغاؤهم بذلك ، فكان القرآن آية على صحّة نبوّة الرسول محمّد صلی الله علیه وآله وسلم.

وأيّد تعالى نبيّه بالسيف القاهر، وهو سيف الإمام أمير المؤمنين علیه السلام الذي حصد به رؤوس المشركين والملحدين، وقد جبن شجعان العرب عن مقاومته وقالوا : إنّ الفرار من الحرب عار إلّا من سيف عليّ علیه السلام ، فقد كان كالصاعقة ، فأباد به جموع الشرك ، وفرّق كلمة الأحزاب ، ونصر به الإسلام ، وأعزّ به الدين ، ورفع به کیان المسلمين .

وانبرى ابن السكّيت بعد هذا الجواب الحاسم الذي أدلى به الإمام علیه السلام ، فقال له :

فما الحجّة الآن ؟

قال علیه السلام : الْعَقْلُ يُعْرَفُ بِهِ الْكَاذِبُ عَلَى اللهِ فَيُكَذِّب

إنّ العقل هو الحاكم في هذه الميادين ، وهو الذي يشخص الصادق من الكاذب وحكمه هو فصل الخطاب .

وبان العجز على ابن السكّيت ، فانبرى يحيى بن أكثم فأخذ يندّد به قائلاً: ما لابن السكّيت ومناظرته ؟ ! إنّما هو صاحب نحو وشعر ولغة .

أسئلة يحيى بن أكثم

ورفع يحيى بن أكثم أسئلة إلى الإمام كان قد كتبها من قبل ، وأعدّها لامتحانه فأخذها الإمام وأمر ابن السكّيت أن يكتب أجوبتها ، وفيما يلي الأسئلة مع الأجوبة بتصرّف .

• قال الله تعالى في كتابه : ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ )(1). إنّ السائل هو سليمان ، والمسؤول هو آصف ، فهل كان سليمان وهو نبيّ محتاجاً إلى علم آصف ؟

الجواب : إنّه لم يعجز سليمان علیه السلام عن معرفة ما عرف آصف ، لكنّه صلوات الله عليه أحبّ أن يعرف أمّته من الجن والإنس أنّه الحجّة من بعده ، وذلك من علم سليمان أودعه آصف بأمر الله ، ففهّمه ذلك لئلّا يختلف في إمامته وولايته من بعده ، ولتأكيد الحجّة على الخلق .

قال تعالى : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً )(2)، كيف سجد


1) النمل 27 : 40 .

2) یوسف 12 : 100 .

يعقوب وولده ليوسف وهم أنبياء ؟

الجواب : أمّا سجود يعقوب لولده ، فإنّ السجود لم يكن ليوسف ، وإنّما كان ذلك من يعقوب وولده طاعة الله تعالى، وتحيّة ليوسف ، كما أنّ السجود من الملائكة لم يكن لآدم ، فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكراً الله تعالى باجتماع الشمل ، ألم تر أنّه يقول في شكره في ذلك الوقت : ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ ... ) الآية (1).

• قال تعالى : ( فَإِن كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ )(2)، فإن كان المخاطبة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم فقد شكّ ، وإن كان المخاطب غيره فعلى من إذا أنزل الكتاب ؟

الجواب : إنّ المخاطب بذلك رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ولم يكن في شكّ ممّا أنزل الله إليه ، ولكن قالت الجهلة : كيف لم يبعث نبيّاً من الملائكة ، ولم لم يفرّق بينه وبين الناس في الاستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الأسواق .

فأوحى الله إلى نبيّه : ( فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ ) بمحضر من الجهلة هل بعث الله نبيّاً قبلك إلّا وهو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، ولك بهم أسوة يا محمّد ، وإنّما قال: ( فَإِن كُنْتَ فِي شَكٍّ ) ولم يكن شكّ ولكن للنصفة كما قال تعالى : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )(3).

ولو قال : تعالوا فنجعل لعنة الله عليكم لم يكونوا يجيبوا إلى المباهلة ، وقد علم الله أنّ نبيّه مؤدَّ عنه رسالته ، وما هو من الكاذبين، وكذلك عرف النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بأنّه صادق فيما يقول : ولكن أحبّ أن ينصف من نفسه .


1) يوسف 12: 101 .

2) یونس 10 94 .

3) آل عمران 3: 61 .

• قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَغْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ)(1)، ما هذه الأبحر ، وأين هي ؟

الجواب : فهو كذلك لو أنّ أشجار الدنيا أقلام ، والبحر مداد يمدّه سبعة أبحر مدّاً حتّى انفجرت الأرض عيوناً كما انفجرت في الطوفان ، ما نفدت كلمات الله ، وهي أي الأبحر - عين الكبريت ، وعين اليمن ، وعين برهوت ، وعين الطبرية ، وحمة ما سیدان تدعى لسان ، وحمة أفريقية تدعى سيلان ، وعين باحوران ، ونحن الكلمات التي لا تُدرك فضائلنا ولا تستقصى .

• قال تعالى: ( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ )(2)، فاشتهت نفس آدم أكل البرّ فأكل ، فكيف عوقب ؟

الجواب : وأمّا الجنّة ففيها من المأكل والمشرب والملاهي ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين ، وأباح الله ذلك لآدم ، والشجرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته أن يأكلا منها شجرة الحسد عهد الله إليهما أن لا ينظرا إلى من فضّله الله عليهما وإلى خلائقه بعين الحسد فنسي ولم يجد له عزماً .

• قال تعالى : ( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً )(3)إذا كان يزوّج الله عباده الذكران ، فكيف عاقب قوماً فعلوا ذلك .

الجواب : إنّ الله تعالى زوّج الذكران المطيعين معاذ الله أن يكون الجليل العظيم عنى ما لبست به على نفسك تطلب الرخصة لارتكاب المحارم ، ومن يفعل ذلك يلق


1) لقمان 31 :27 .

2) الزخرف 43: 71 .

3) الشورى 50:42 .

آثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ، ويخلد فيه مهاناً إن لم يتب(1).

• كيف جاز شهادة المرأة وحدها ، وقد قال الله : ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ )(2)؟

الجواب : أمّا شهادة المرأة وحدها التي جازت فهي القابلة التي جازت شهادتها مع الرضا ، فإن لم يكن رضا فلا أقلّ من امرأتين، تقوم المرأتان بدل الرجل للضرورة لأنّ الرجل لا يمكنه أن يقوم مقامها ، فإن كانت وحدها قُبل قولها مع يمينها .

• حكم علىّ علیه السلام في أمر الخنثى أن ينظر إلى مبالها ، فإن كان بولها بول الرجل فهى رجل ، وإن كان بول الأنثى فهو أنثى ، فمن ذا ينظر إليها ، فإن كان الناظر إليها رجلاً فعسى أن تكون امرأة ، وإن كان الناظر إليها امرأة فعسى أن تكون رجلاً، وهذا ما لا يحلّ ، وما هو ميراثها ؟

الجواب : أمّا قول عليّ علیه السلام في الخنثى فهو كما قال ، يرث من المبال ينظر قوم إليه عدول يأخذ كلّ واحد منهم مرآة ، ويقوم الخنثى خلفهم عريانة ، وينظرون إلى المرآة فيرون الشيء ويحكمون عليه .

• رجل أتى إلى قطيع غنم فرأى الراعي ينزو على شاة منها ، فلمّا بصر بصاحبها خلى سبيلها ، فدخلت بين الغنم كيف تذبح ؟ وهل يجوز أكلها أم لا ؟

الجواب : أمّا الرجل الناظر إلى الراعي وقد نزا على شاة فإن عرفها ذبحها وأحرقها ، وإن لم يعرفها قسم الغنم نصفين وساهم بينهما(3)، فإذا وقع السهم على أحد النصفين ، فقد نجا النصف الآخر ، ثمّ يفرّق النصف الآخر فلا يزال كذلك حتّى


1) وسائل الشيعة : 24 : 170 ، الأطعمة والأشربة ، الحديث 14. بحار الأنوار: 62: 254 ، الحديث .10. تحف العقول : 480 .

2) الطلاق 65: 2 .

3) ساهم : أي قرع بينهما .

تبقى شاتان ، فيقرع بينهما فأيّتها وقع السهم بها ذبحت واحرقت ونجا سائر الغنم(1).

• صلاة الفجر لِمَ يجهر فيها بالقرآن مع أنّها من صلاة النهار ، وإنّما يجهر في صلاة الليل ؟

الجواب : أمّا صلاة الفجر والجهر فيها بالقراءة لأنّ النبيّ علیه السلام كان يغلس بها(2)فقراءتها في الليل .

• إنّ عليّاً قال لابن جرموز : بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار(3)، فلِمَ لم يقتله وهو إمام ؟

الجواب : أمّا قول عليّ علیه السلام : بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار ، فهو لقول رسول صلی الله علیه وآله وسلم: وكان ممّن خرج يوم النهروان ، فلم يقتله أمير المؤمنين بالبصرة لأنّه علم أنّه يقتل في فتنة النهروان .

• أخبرني عن عليّ لمَ قتل أهل صفّين، وأمر بذلك - أي بقتلهم - مقبلين ومدبرين ، وأجاز(4)على الجرحى ، وكان حكمه على الجرحى ، وكان حكمه يوم الجمل أنّه لم يقتل مولّياً ، ولم يجز على جريح ، ولم يأمر بذلك ، وقال : مَنْ دَخَلَ دارَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، ولِمَ فعل ذلك ؟ فإن كان الحكم الأوّل صواباً فالثاني خطأ ؟

الجواب : أمّا قولك : إنّ عليّاً قاتل أهل صفّين مقبلين ومدبرين، وأجهز على جريحهم ، وأنّه يوم الجمل لم يتبع مولّياً ، ولم يجهز على جريحهم ، وكلّ من ألقى سيفه وسلاحه آمنه ، فإنّ أهل الجمل قتل إمامهم ، ولم يكن لهم فئة يرجعون إليها ، وإنّما رجع القوم إلى منازلهم غير متحاربين ولا محتالين، ولا متجسّسين ،


1) وسائل الشيعة : 24 : 170 ، الباب 30 من الأطعمة والأشربة ، الحديث .4. بحار الأنوار: 62 254 ، الحديث 10 . تحف العقول : 480 .

2) يغلس بها : أي يصلّي بها في الغلس ، وهي الظلمة في آخر الليل .

3) ابن صفيّة : هو الزبير بن العوّام ، قتله ابن جرموز يوم الجمل .

4) أجاز على الجرحى : أي أجهز عليهم .

ولا متبارزين ، فقد رضوا بالكفّ عنهم ، وكان الحكم فيه دفع السيف ، والكفّ عنهم إذا لم يطلبوا عليه أعواناً ، وأهل صفّين يرجعون إلى فئة مستعدّة ، وإمام منتصب يجمع لهم السلاح من الرماح والدروع والسيوف ويستعدّ لهم ، ويسني لهم العطاء ، ويهيّئ لهم الأموال ، ويعود مريضهم ، ويجبر كسيرهم ، ويداوي جريحهم ، ويحمل راجلهم ، ويكسو حاسرهم ، ويردّهم فيرجعون إلى محاربتهم وقتالهم .

فإنّ الحكم في أهل البصرة الكفّ عنهم لمّا ألقوا أسلحتهم ، إذ لم تكن لهم فئة يرجعون إليها ، والحكم في أهل صفّين أن يتبع مدبرهم ، ويجهز على جريحهم ، فلا يساوي بين الفريقين في الحكم ، ولولا أمير المؤمنين وحكمه في أهل صفّين والجمل لما عرف الحكم في عصاة أهل التوحيد ، فمن أبى ذلك عرض على السيف .

• أخبرني عن رجل أقرّ باللواط على نفسه ، أيحدّ أم يدرأ عنه الحدّ ؟

الجواب : أمّا الرجل الذي أقرّ باللواط فإنّه أقر بذلك متبرّعاً من نفسه ، ولم تقم عليه بيّنة ، وإنّما تطوّع بالإقرار على نفسه ، وإذا كان للإمام الذي من الله أن يعاقب عن الله كان له أن يمنّ عن الله ، أما سمعت قول الله : (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ )(1)فبدأ بالمنّ قبل المنع .

قد أنبأناك بجميع ما سألتنا عنه ، فاعلم . ... لقد كانت أجوبة الإمام عن هذه المسائل الغامضة حافلة بالواقع العلمي ، وقد بهر منها يحيى ، فالتفت إلى المتوكّل فأسدى له النصيحة قائلاً: « ما نحبّ أن تسأل هذا الرجل عن شيء بعد مسائلي ، فإنّه يرد عليه شيء بعدها إلّا دوّنها وفي ظهور علمه تقوية للرافضة»(2).

لقد كان الإمام الهادي علیه السلام من عمالقة العلم في الإسلام ، فقد كان الوارث لعلوم آبائه الذين أضاء وا الحياة الفكريّة في الإسلام.


1) ص 39:38 .

2) مناقب ابن شهر آشوب : 4 : 403 - 406 . تحف العقول : 477 - 481 .

لقد أملى الإمام علیه السلام على ابن السكّيت أجوبة تلك المسائل الدقيقة بمجرّد النظر إليها ، وقد دلّل بذلك على طاقاته العلميّة الهائلة التي هي إحدى العناصر البارزة في معالم شخصيّته العظيمة .

زيارته لمرقد الإمام أمير المؤمنين علیه السلام

وفي السنة الأولى من تشريف الإمام إلى سرّ من رأى زار مرقد جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وقد صادفت زيارته يوم عيد الغدير ، وقد زاره بالزيارة التي ألمحنا إليها عند الحديث عن بعض تراثه العلمي ، وقد أثرت عنه زيارتان زار بهما جدّه أمير المؤمنين علیه السلام ، وهما :

1 - «السَّلَامُ عَلَيْكَ يا وَلِيَّ اللهِ ، أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ مَظْلُوم ، وَأَوَّلُ مَنْ غُصِبَ حَقَّهُ ، صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ حَتَّى أَتاكَ الْيَقينُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ لَقِيْتَ الله وَأَنْتَ شَهِيدٌ ، عَذَّبَ اللهُ قاتِليكَ بِأَنْواع الْعَذابِ ، وَجَدَّدَ عَلَيْهِ الْعَذابَ .

جئْتُكَ عارِفاً بِحَقِّكَ، مُسْتَبْصِراً بِشَأْنِكَ ، مُعادِياً لِأَعْدائِكَ وَمَنْ ظَلَمَكَ ، أَلْقَى عَلَى ذَلِكَ رَبِّي إِنْ شَاءَ اللهُ.

.

يا وَلِيَّ اللهِ ، إِنَّ لي ذُنُوباً كَثيرةً ، فَاشْفَعْ لي إِلى رَبِّكَ يا مَوْلايَ ، فَإِنَّ لَكَ عِنْدَ اللهِ مَقاماً محموداً مَعْلُوماً ، وَإِنَّ لَكَ عِنْدَ اللهِ جاهاً وَشَفاعَةٌ ، وَقَدْ قَالَ الله: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى )(1)»(2).


1) الأنبياء 21 : 28 .

2) الكافي : 4 : 569 ، الحديث 1 كامل الزيارات : 95 ، الحدیث 2 و : 103 ، الحديث 4 . من لا يحضره الفقيه : 2 : 586 ، الحديث .3198 تهذيب الأحكام : 6: 28 ، الحديث 2. فرحة الغريّ : 135 ، الحدیث 77 وسائل الشيعة : 14 394 ، الحديث 1. بحار الأنوار: 97: 26 ، الحديث 3 - 7 .

لقد كان عليّ علیه السلام أوّل مظلوم في الإسلام، فقد غصب حقّه ، واعتدي عليه ، وتجرّع صنوفاً مرهقة من الكوارث والخطوب محتسباً في ذلك الأجر عند الله .

2 - وأثرت عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام زيارة أخرى لجدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، تُعدّ من أروع زيارات الأئمّة من ناحية علوّ مضامينها ، وعرضها لبعض الأحداث التي جرت في العصر الإسلامي الأوّل ، وفيما يلي بعض فصولها :

«أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، كَما شَهِدَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ ، وَشَهِدَتْ لَهُ مَلَائِكَتُهُ وأُولُوا الْعِلْمِ مِنْ خَلْقِهِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المُنْتَجَبُ ، وَرَسولَهُ الْمُرْتَضى ، (أَرْسَلَهُ

بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(1).

اللّهُمَّ اجْعَلْ أَفْضَلَ صَلَواتِكَ وَأَكْمَلَهَا ، وَأَنْمَىٰ بَرَكاتِكَ وَأَعَمَّهَا ، وَأَزْكَى تَحِيَّاتِكَ ، وَأَتَمَّها ، عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَنَبِيِّكَ وَنَجِيكَ وَوَلِيِّكَ وَرَضِيّكَ وَصَفِيّكَ وَخِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ وَخاصَّتِكَ وَخَالِصَتِكَ وَأَمينِكَ ، الشاهِدِ لَكَ ، وَالدّالِ عَلَيْكَ ، وَالصَّادِعِ بِأَمْرِكَ ، وَالْمُوَضِحِ لبراهينكَ ، وَالْمَهْدِي إِلَى طَاعَتِكَ ، وَالْمُرْشِدِ إِلَى مَرْضاتِكَ ، وَالْواعي لِوَحْيِكَ ، وَالْحَافِظِ لِعَهْدِكَ ، وَالْمَاضِي عَلَى إِنْفَاذِ أَمْرِكَ ، الْمُوَيَّدِ بِالنُّورِ


1) اقتباس من قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) التوبة 9: 33. الصفّ 61: 9.

الْمُضِيءِ ، وَالْمُسَدَّدِ بِالْأَمْرِ الْمَرْضِيَ ، الْمَعْصُومِ مِنْ كُلِّ خَطأ وَزَلَل ، الْمُنَزَّهِ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ وَخَطَلٍ ، وَالْمَبْعُوثِ بِخَيْرِ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ ، وَمُقَوْمِ الْمَيْلِ وَالْعَوَجِ ، وَمُقِيمِ الْبَيِّنَاتِ وَالْحُجَجِ بِظُهورِ الْفَلَحِ ، وَإِيضاحِ الْمَنْهَجِ ، الْمُظْهِرِ مِنْ تَوْحِيدِكَ ما اسْتَتَرَ، وَالْمُحْيِي مِنْ عِبَادَتِكَ ما دَثَرَ ، وَالْخاتِم لِما سَبَقَ ، وَالْفَاتِحَ لِمَا انْفَلَقَ ، الْمُجْتَبى مِنْ خَلَائِقِكَ ، وَالْمَقَامِ لِكَشْفِ حقائِقِكَ ، وَالْمُوضَحَةِ بِهِ أَشْراطُ الْهُدى ، وَالْمَجْلُو بِهِ غَريبَ الْعَمَى، دامِغِ جَيَشاتِ الْأَباطيلِ ، وَدافِع صَوْلَاتِ الْأَصَالِيلِ، وَالْمُخْتارِ مِنْ طيئَةِ الْكَرَمِ وَسُلَالَةِ الْمَجْدِ الْأَقْدَمِ ، وَمَغْرَسِ الْفَخارِ الْمُعْرِقِ ، وَفَرْعُ الْعَلَاءِ الْمُثْمِرِ الْمُورِقِ ، الْمُنْتَجَبِ مِنْ شَجَرَةِ الْأَصْفِياءِ ، وَمِشْكاةِ الضّياءِ ، وَذَوابَةِ الْعَلْياءِ ، وَسُرَّةِ الْبَطْحاءِ ، بَعيثكَ بِالْحَقِّ ، وَبُرْهَانِكَ عَلَى جَميعِ الْخَلْقِ ، خاتَم أَنْبِيائِكَ ، وَحُجَّتِكَ الْبَالِغَةِ فِي أَرْضِكَ وَسَمائِكَ .

اللهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ صَلَاةً يَنْغَمِرُ في جَنْبِ انْتِفَاعِهِ بِها ، وَقَدَرَ الْإِنْتِفاعِ بِهِ ، وَيَحوزُ مِنْ بَرَكَتِهِ التَّعَلُّقُ بِسَبَبِها ما يَفوقُ قَدْرَ الْمُتَعَلِّقِينَ بِسَبَبِهِ ، وَزِدْهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ مِنَ الْإِكْرامِ وَالْإِجْلَالِ ما يَتَقاصَرُ عَنْهُ فَسِيحُ الْأَمالِ ، حَتَّى يَعْلُو مِنْ كَرَمِكَ أَعْلَى مِحالِ الْمَرَاتِبِ ، وَيَرْقَى مِنْ نِعَمِكَ أَسْنَى الْمَوَاهِبِ ، وَخُذْ لَهُ اللَّهُمَّ بِحَقِّهِ وَواجِبِهِ مِنْ ظَالِمِهِ وَظَالِمِ الصَّفْوَةِ مِنْ أَقَارِبِهِ .

وأبدى الإمام علیه السلام في هذه اللوحة الرائعة من صنوف التكريم والتعظيم لشخصيّة جدّه الرسول العظيم علیه السلام بما يليق من سموّ ذاته ، فقد أضفى عليه الألقاب الكريمة ،

والنعوت الحسنة ، ووصفه ما هو أهله ، مقروناً بجمال التعبير ، وفصاحة الألفاظ وبلاغة الأداء ، ثمّ شرع بعد هذا إلى زيارة جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، قال :

اللَّهُمَّ وَصَلِّ عَلى وَلِيَّكَ ، وَدَيَانِ دينكَ ، وَالْقَائِمِ بِالْقِسْطِ مِنْ بَعْدِ نَبِيَّكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ ، وَسَيِّدِ الْوَصِيِّينَ ، وَيَعْوبِ الدِّينِ، وَقائِدِ الْغُرُ الْمُحَجَّلِينَ، وَقِبْلَةِ الْعارِفِينَ ، وَعَلَم الْمُهْتَدِينَ ، وَعُرْوَتِكَ الْوُثْقَى ، وَحَبْلِكَ الْمَتينِ ، وَخَلَيفَةِ رَسُولِكِ عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ ، وَوَصِيَّهِ فِي الدُّنْيا وَالدِّينِ.

الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ فِي الْأَنامِ ، وَالْفَاروقِ الْأَزْهَرِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرامِ ، نَاصِرِ الْإِسْلَامِ ، وَمُكَسِّرِ الْأَصْنامِ ، مُعِزّ الدِّينِ وَحامِيهِ ، وَواقي الرَّسولِ وَكافيهِ ، الْمَخْصوصِ بِمُواخاتِهِ يَوْمَ الْإِخاءِ ، وَمَنْ هُوَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ

مُوسى .

خامِسِ أَصْحَابِ الْكِساءِ ، وَبَعْلِ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ ، وَالْمُؤْثِرِ بِالْقَوتِ بَعْدَ ضُرّ الطُّوى ، وَالْمَشْكورِ سَعْيُهُ فى هَلْ أَتى ، مِصْباح الْهُدى ، وَمَأْوَى التقى ، وَمَحَلِّ الْمَحَجَّةِ ، وَطَوْدِ النُّهى ، الدّاعى إلى الْمَحَجَّةِ الْعُظمى، وَالطَّاعِنِ إِلَى الْعَايَةِ الْقُصْوى ، وَالسّامي إِلَى الْمَجْدِ وَالْعُلى ، وَالْعالِم بِالتَّأْوِيلِ وَالذِّكْرَى ، الَّذِي أَخَدَمْتَهُ مَلَائِكَتَكَ بِالطَّاسِ وَالْمِنْدِيلِ ، حِينَ تَوَضَّأَ وَرَدَدْتَ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدَ دُنُو غُروبِهَا ، حَتَّىٰ أَدَىٰ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَكَ فَرْضاً ، وَأَطْعَمْتَهُ مِنْ طَعَام أَهْلِ الْجَنَّةِ حينَ مَنَحَ الْمِقْدادَ قَرْضاً ،

وَباهَيْتَ بِهِ خَواصّ مَلَائِكَتِكَ ، إِذ شَرَى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضاتِكَ لِتَرْضَى ، وَجَعَلْتَ وِلَايَتَهُ إِحْدَى فَرائِضِكَ ، فَالشَّكِّيُّ مَنْ أَقَرَّ بِبَعْضٍ وَأَنْكَرَ بَعْضاً . عُنْصُرِ الْأَبْرارِ ، وَمَعْدِنِ الْفَخارِ ، وَقَسيمُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، صاحِبِ الْأَعْرَافِ ، وَأَبِي الْأَئِمَّةِ الْأَشْرافِ ، الْمَظْلُومِ الْمُعْتَصَبِ ، وَالصَّابِرِ الْمُحْتَسِبِ ، وَالْمَوْتُورِ فِي نَفْسِهِ وَعِتْرَتِهِ ، الْمَقْصودِ فِي رَهْطِهِ وَأَعِزَّتِهِ ، صَلَاةٌ لَا انْقِطَاعَ لِمَزيدِها ، وَلَا اتَّضاعَ لِمَشيدِها .

اللهُمَّ أَلْبِسْهُ حُلَلَ الْإِنْعامِ ، وَتَوّجْهُ تَاجَ الْإِكْرَامِ ، وَارْفَعْهُ إِلَى أَعْلَىٰ مَرْتَبَةٍ وَمُقامٍ ، حَتَّى يَلْحَقَ بِنَبِيِّكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ السَّلَامُ ، وَاحْكُمْ لَهُ اللهُم عَلى ظالِمِيهِ ، إِنَّكَ الْعَدْلُ فيما تَقْضيهِ.

وحفلت هذه الفقرات بالثناء العاطر على الإمام أمير المؤمنين رائد الحكمة والعدالة الاجتماعيّة في الأرض ، ثمّ خاطب الإمام في زيارته سيّدة نساء العالمين بضعة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فاطمة الزهراء علیها السلام قائلاً :

اللَّهُمَّ وَصَلَّ عَلَى الطَّاهِرَةِ الْبَتولِ ، الزَّهراءِ ابْنَةِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، أُمِّ الْأَئِمَّةِ الهادينَ ، وَسَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ ، وارثَةِ خَيْرِ الْأَنْبِياءِ ، وَقَرينَةِ خَيْرِ الْأَوْصِياءِ ، الْقادِمَةِ عَلَيْكَ مُتَأَلِمَةً مِنْ مُصابها بِأَبيها ، مُتَظَلِّمَةً مِمَّا حَلَّ بِها مِنْ غاصبيها .

ثمّ عرض الإمام إلى الخطوب والكوارث التي حلّت ببضعة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم وريحانته .

ساخِطَةً عَلى أُمَّةٍ لَمْ تَرْعَ حَفَّكَ في نُصْرَتِها بِدَليلٍ دَفْنِها لَيْلاً في

حُفْرَتِها ، الْمُغْتَصَبَةِ حَقُهَا ، وَالْمُغَصَّصَةِ بِرِيقِها ، صَلَاةً لَا غايَةَ لِأَمَدِها ، وَلَا نِهايَةً لِمَدَدِها ، وَلَا انْقِضاءَ لِعَدَدها .

اللَّهُمَّ فَكَفَّلَ لَهَا عَنْ مَكارِهِ دارِ الْفَناءِ فِي دَارِ الْبَقَاءِ بِأَنْفَسِ الْأَعْواضِ ، وَأَنِلْها مِمَّنْ عانَدَها نِهَايَةَ الْآمالِ ، وَغايَةَ الْأعْراضِ ، حَتَّىٰ لَا يَبْقَىٰ لَهَا وَلِيٌّ ساخِطٌ لِسَخَطِهَا إِلَّا وَهُوَ راضٍ ، إِنَّكَ أَعَزُّ مَنْ أَجارَ الْمَظْلومِينَ ، وَأَعْدَلُ قاض.

اللَّهُمَّ أَلْحِفْها في الْإِكْرَامِ بِبَعْلِها وَأَبيها ، وَخُذْ لَهَا الْحَقَّ مِنْ ظَالِمِيها .

ووجّه بعد ذلك زيارته إلى أئمّة أهل البيت علیهم السلام، قائلاً :

اللهُمَّ وَصَلِّ عَلَى الأَئِمَّةِ الرّاشِدِينَ ، وَالْقادَةِ الْهَادِينَ ، وَالسَّادَةِ الْمَعْصومِينَ ، الْأَنْقِياءِ الْأَبْرارِ، مَأْوَى السَّكِينَةِ وَالْوَقارِ، وَخُزَانِ الْعِلْمِ ، وَمُنْتَهَى الْحِلْمِ وَالْفَخارِ ، سَاسَةِ الْعِبادِ ، وَأَرْكَانِ الْبِلَادِ ، وَأَدِلَّةِ الرَّشادِ ، الْأَلِبَاءِ الْأَمْجَادِ ، الْعُلَماءِ بِشَرْعِكَ ، الزُّهَادِ ، وَمَصابيحِ الظُّلَمِ ، وَيَنابيع الْحِكَمِ ، وَأَوْلِياءِ النّعَم ، وَعِصَم الأمم ، قُرَناءِ التَّنْزيلِ وَآيَاتِهِ ، وَأَمَناءِ التَّأْوِيلِ وَوُلَاتِهِ ، وَتَرَاجِمَةِ الْوَحْيِ وَدَلَالَاتِهِ ، أَئِمَّةِ الْهُدَىٰ ، وَمَنارِ الدُّجى ، وَأَعْلَامِ التَّقى ، وَكُهَوفِ الْوَرى ، وَحَفَظَةِ الْإِسْلَامِ ، وَحُجَجِكَ عَلى جَميعِ الْأَنامِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ، سَيِّدَيْ شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَسِبْطَي نَبِيٌّ الرَّحْمَةِ .

وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّجَادِ زَيْنِ الْعابِدِينَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ باقِرِ عُلومِ

الدِّينِ ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الْأَمِينِ ، وَمُوسَى بْنِ جَعْفَرِ الْكاظِم الْحَليم ، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرّضا الْوَفِيّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَرِّ التَّقِيِّ. وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُنْتَجَبِ الزَّكِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيُّ الْهَادِي الرَّضِيِّ ، وَالْحُجَّةِ بْنِ الْحَسَنِ صَاحِبِ الْعَصْرِ وَالزَّمانِ ، وَصِيَّ الْأَوْصِياءِ ، وَبَقِيَّةِ الْأَنْبِياءِ ، الْمُسْتَتِرِ عَنْ خَلْقِكَ، الْمُؤَمَّلِ لِإِظْهَارِ حَفَّكَ، الْمَهْدِيَّ الْمُنْتَظَرِ، وَالْقَائِمِ الَّذِي بِهِ يُنْتَصَر.

اللهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ أَجْمَعينَ صَلَاةٌ باقِيَةً فِي الْعَالَمِينَ تُبَلِّغُهُمْ بِها أَفْضَلَ مَحَلَّ الْمُكْرَمِينَ.

اللّهُمَّ الْحَفْهِمْ فِي الْإِكْرامِ بِجَدِّهِمْ وَأَبِيهِمْ ، وَخُذْ لَهُمُ الْحَقَّ مِنْ ظالِمِيهِمْ أَشْهَدُ يَا مَوْلَايَ أَنَّكُمْ الْمُطيعونَ لِلَّهِ ، الْقَوَامُونَ بِأَمْرِهِ ، الْعامِلونَ بِإِرادَتِهِ ، الْفائِزونَ بِكَرامَتِهِ ، اصْطَفَاكُمْ بِعِلْمِهِ ، وَاجْتَباكُمْ لِغَيْبِهِ ، وَاخْتارَكُمْ لِسِرِّهِ ، وَأَعَزَّكُمْ بِهُداهُ ، وَخَصَّكُمْ بِبَرَاهِينِهِ ، وَأَيَّدَكُمْ بِرُوْحِهِ ، وَرَضِيَكُمْ خُلَفَاءَ فِي أَرْضِهِ ، وَدُعاةً إِلى حَقِّهِ ، وَشُهَداءَ عَلَى خَلْقِهِ ، وَأَنْصاراً لِدِينِهِ ، وَحُجَجاً عَلى بَرِيَّتِهِ ، وَتَراجِمَةٌ لِوَحْيِهِ ، وَخَزَنَةٌ لِعِلْمِهِ ، وَمُسْتَوْدَعاً لِحِكْمَتِهِ ، عَصَمَكُمُ اللهُ مِنَ الذُّنوبِ ، وَبَرَّأَكُمْ مِنَ الْعُيوبِ ، وَانْتَمَنَكُمْ عَلَى الْغُيوب.

زُرْتُكُمْ يَا مَوالِيَّ عَارِفاً بِحَقِّكُمْ ، مُسْتَبْصِراً بِشَأْنِكُمْ ، مُهْتَدِياً بِهُداكُمْ ، مُقْتَفِياً لِأَثَرِكُمْ ، مُتَّبِعاً لِسُتَتِكُمْ ، مُسْتَمْسِكاً بِوِلَايَتِكُمْ ، مُعْتَصِماً بِحَبْلِكُمْ ،

مطيعاً لأَمْرِكُمْ ، مُوالِياً لِأَوْلِيائِكُمْ ، مُعادِياً لأَعْدائِكُمْ ، عالِماً بِأَنَّ الْحَقِّ فيكُمْ وَمَعَكُمْ، مُتَوَسِّلاً إِلَى اللهِ بِكُمْ ، مُسْتَشْفِعاً إِلَيْهِ بِجاهِكُمْ، وَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُخَيَّبَ سائِلَهُ ، وَالرّاجي ما عِنْدَهُ لِزُوَارِكُمُ الْمُطيعينَ لَكُمْ.

اللَّهُمَّ فَكَما وَفَقْتَنى لِلْإِيمَانِ بِنَبِيِّكَ ، وَالتَّصْدِيقِ لِدَعْوَتِهِ ، وَمَنَنْتَ عَلَيَّ بِطَاعَتِهِ ، وَاتَّبَاعِ مِلَّتِهِ ، وَهَدَيْتَني إِلى مَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ، وَأَكْمَلْتَ بِمَعْرِفَتِهِمُ الْإِيمَانَ ، وَقَبِلْتَ بِوِلَايَتِهِمْ وَطاعَتِهِمُ الْأَعْمَالَ ، وَاسْتَعْبَدْتَ بِالصَّلَواتِ عَلَيْهِمْ عِبادَكَ ، وَجَعَلْتَهُمْ مِفْتاحاً لِلدُّعاءِ ، وَسَبَباً لِلْإِجَابَةِ ، فَصَلِّ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَاجْعَلْني بِهِمْ عِنْدَكَ وَجيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ ذُنُوبَنَا بِهِمْ مَغْفُورَةً ، وَعُيوبَنا مَسْتورَةً، وَفَرائِضَنا مَشْكُورَةٌ ، وَنَوافِلَنا مَبْرُورَةٌ ، وَقُلُوبَنَا بِذِكْرِكَ مُعْمُورَةً، وَأَنْفُسَنَا بِطَاعَتِكَ مَسْرُورَةً ، وَجَوارِجَنا عَلى خِدْمَتِكَ مَقْهُورَةً ، وَأَسْمَاءَنا في خَواصِّكَ مَشْهُورَةٌ ، وَأَرْزاقَنا مِنْ لَدُنْكَ مَدْرورَةٌ ، وَحَوائِجَنَا لَدَيْكَ مَيْسورَةً ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ .

اللهُمَّ انْجِزْ لَهُمْ وَعْدَكَ ، وَطَهَّرْ بِسَيْفِ قائِمِهِمْ أَرْضَكَ ، وَأَقِمْ بِهِ حُدودَكَ الْمُعَطَّلَةَ ، وَأَحْكامَكَ الْمُهْمَلَةَ وَالْمُبَدَّلَةَ ، وَأَحْ-ي بِهِ الْقُلوبَ المَيِّتَةَ ، وَاجْمَعْ بِهِ الْأَهْوَاءَ الْمُتَفَرِّقَةَ ، وَأَجْل بِهِ صَداءَ الْجَوْرِ عَنْ طَرِيقَتِكَ ، حَتَّىٰ يَظْهَرَ الْحَقُّ عَلَى يَدَيْهِ فِي أَحْسَنِ صُورَتِهِ ، وَيَهْلِكَ الْباطِلُ وَأَهْلُهُ بِنُورِ

دَوْلَتِهِ ، وَلَا يَسْتَخْفِي بِشَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ مَخَافَةَ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ .

اللهُمَّ عَجَلْ فَرَجَهُمْ ، وَأَظْهِرْ فَلَجَهُمْ ، وَاسْلُكْ بِنا مَنْهَجَهُمْ ، وَأَمِتْنَا عَلَىٰ وِلَايَتِهِمْ ، وَاحْشُرْنا فِي زُمْرَتِهِمْ ، وَتَحْتَ لِوائِهِمْ ، وَأَوْرِدْنا حَوْضَهُمْ ، وَاسْقِنا بِكَأْسِهِمْ ، وَلَا تُفَرِّقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، وَلَا تَحْرِمْنَا شَفَاعَتَهُمْ ، حَتَّىٰ نَظْفَرَ بِعَفْوِكَ وَغُفْرانِكَ ، وَنَصِيرَ إِلى رَحْمَتِكَ وَرِضْوانِكَ ، إِلهَ الْحَقِّ رَبَّ الْعالَمينَ.

يا قَرِيبَ الرَّحْمَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَنَحْنُ أُولئِكَ حَقَّاً لا ارْتِياباً ، يا مَنْ إِذا أَوْحَشَنا التَّعَرُّضُ لِغَضَبِهِ آنَسَنا حُسْنُ الظَّنِّ بِهِ ، فَنَحْنُ وَاقِفُونَ بَيْنَ رَغْبَتِهِ وَرَهْبَتِهِ ارْتِقاباً ، قَدْ أَقْبَلْنا لِعَفْوِكَ وَمَغْفِرَتِكَ طُلاباً ، فَأَذْلَلْنا لِقُدْرَتِكَ وَعِزَّتِكَ رِقاباً ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الطَّاهِرينَ ، وَاجْعَلْ دُعاءَنا بِهِمْ مُسْتَجاباً ، وَوَلَاءَنا لَهُمْ مِنَ النَّارِ حِجاباً .

اللَّهُمَّ بَصَرْنا قَصْدَ السَّبِيلِ لِنَعْمِدَهُ ، وَمَوْرِدَ الرُّشْدِ لِنَرِدَهُ ، وَبَدِّلْ خَطايانا صَواباً ، وَلَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتنا ، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ، يا مَنْ تَسَمّى مِنْ جُودِهِ وَكَرَمِهِ وَهّاباً ، وَآتِنا فِى الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ إِنْ حَقَّتْ عَلَيْنَا اكْتِساباً ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ .

يا وَلِيَّ اللهِ ، إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ذُنُوباً لَا يَأْتِي عَلَيْهَا إِلَّا رِضاكَ، فَبِحَقِّ انْتَمَنَكَ عَلى سِرِّهِ ، وَاسْتَرْعاكَ أمرَ خَلقِهِ، و قَرَنَ طَاعَتَكَ بِطاعَتِهِ ، وَمُوالَاتَكَ بِمُوالَاتِهِ ، تَوَلَّ صَلَاحَ حالي مَعَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَاجْعَلْ

حَظَّي مِنْ زِيارَتِكَ تَخْلِيطي بِخَالِصي زُوَارِكَ الَّذِينَ تَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِتْقِ رِقَابِهِمْ ، وَتَرْغَبُ إِلَيْهِ فِي حُسْنِ ثَوابِهِمْ ، وَها أَنَا الْيَوْمَ بِقَبْرِكَ لَائِدٌ ، وَبِحُسْنِ دِفَاعِكَ عَنِّي عَائِدٌ ، فَتَلَافَني يا مَوْلَايَ وَأَدْرِكْني ، وَاسْأَلِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَمْرِي ، فَإِنَّ لَكَ عِنْدَ اللهِ مَقاماً كَريماً ، وجاهاً عظيماً ، صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً .

اللهُمَّ إِنَّكَ لَمّا فَرَضْتَ عَلَيَّ طاعَتَهُ، وَأَكْرَمْتَني بِمُوالاتِهِ ، عَلِمْتُ أَنَّ ذلِكَ لِجَليلٍ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَكَ ، وَنَفْيسِ حَقِّهِ لَدَيْكَ ، وَلِقُرْبِ مَنْزِلَتِهِ مِنْكَ ، فَلِذلِكَ لُذْتُ بِقَبْرِهِ لِواذَ مَنْ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَا تَرُدُّ لَهُ شَفَاعَةً ، فَبِقَدِيمٍ عِلْمِكَ فيهِ ، وَحُسْنِ رِضاكَ عَنْهُ ارْضَ عَنّي وَعَنْ وَالِدَيَّ ، وَلَا تَجْعَلْ لِلنَّارِ عَلَيَّ سَبيلاً وَلَا سُلْطاناً ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ (1).

وألقت هذه البنود من زيارة الإمام علیه السلام الأضواء على روحانيّة الإمام التي هي امتداد لروحانيّة آبائه الذين هم مصابيح التقى ، وأعلام الهدى ، والأدلّاء على مرضاة الله وطاعته .

استجارته علیه السلام بالحائر الحسيني

وألمّ مرض بالإمام الهادي علیه السلام فرأى أنّ خير دواء له الاستجارة بمرقد سيّد شباب أهل الجنّة ، وأحد سبطي الرحمة الإمام الحسين علیه السلام الذي ما استجار أحد بضريحه إلّا فرّج الله عنه ما هو فيه من آلام الدنيا وخطوبها ، وقد روى أبو هاشم الجعفري


1) المزار : 556 - 564 . بحار الأنوار : 99 : 178 - 183 .

استجارة الإمام علیه السلام وذلك بعدّة روايات ، نذكرها وهي :

1 - روى أبو هاشم الجعفري ، قال : « دخلت أنا ومحمّد بن حمزة على أبي الحسن نعوده وهو عليل ، فقال لنا : وَجهوا قَوْماً إِلَى الْحَائِرِ مِنْ مالي ، فلما خرجنا من عنده قال لى محمّد بن حمزة : يوجهنا إلى الحائر ، وهو بمنزلة مَن في الحائر ؟

لقد كان الإمام الهادي بمنزلة جدّه الإمام الحسين علیه السلام ، فهو مثله إمام معصوم قد أذهب الله عنه الرجس وطهّره تطهيراً ، واطمأنّ أبو هاشم بمقالة محمّد بن حمزة ، فمضى إلى الإمام علیه السلام وأخبره بذلك .

فقال علیه السلام : لَيْسَ هُوَ هكَذَا ، إِنَّ لِلَّهِ مَواضِعَ يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ فِيهَا ، وَحائِرُ الْحُسَيْنِ علیه السلام مِنْ تِلْكَ الْمَواضِع»(1).

2 - روى أبو هاشم ، قال : « دخلت على أبي الحسن عليّ بن محمّد وهو محموم عليل ، فقال لي : يا أبا هاشم ، ابْعَثْ رَجُلاً مِنْ مَوالينا إِلَى الْحَائِرِ يَدْعو الله لي .

وخرج أبو هاشم فاستقبل في الطريق علىّ بن بلال ، فأخبره بأمر الإمام ، وطلب منه السفر إلى كربلاء ليدعو له .

فبهر عليّ وقال : السمع والطاعة ، ولكنّي أقول : إنّه أفضل من الحائر - أراد المكان المقدّس الذي دُفن فيه الحسين علیه السلام - إذ كان بمنزلة مَن في الحائر ، ودعاؤه لنفسه أفضل من دعائي له .

لقد كان عليّ بن بلال عالماً بمقام الإمام علیه السلام ومنزلته ، فكيف يمضي للدعاء له عند مرقد الإمام الحسين علیه السلام ، مع أنّ الحسين علیه السلام وحفيده الهادي كلّ منهما إمام معصوم ، وهلّا يدعو الإمام لنفسه ، وهو أفضل خلق الله ، كلّ هذه النقاط كانت مدار تساؤل عند علي بن بلال ، وبادر أبو هاشم فنقل حديثه للإمام علیه السلام .


1) كامل الزيارات : 459 و 460 ، الحديث 698 .

فأجابه علیه السلام : كانَ رَسولُ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم له أَفْضَلَ مِنَ الْبَيْتِ وَالْحَجَرِ ، وَكَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ ، وَإِنَّ لِلَّهِ تَعالى بقاعاً يُحِبُّ أَنْ يُدعى فيها فَيَسْتَجيبُ لِمَنْ دَعاهُ وَالْحائِرُ منها»(1).

لقد كان منطق الإمام علیه السلام حافلاً بالدليل ، فرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الذي هو سيّد الكائنات وعلّة الموجودات أفضل من البيت الحرام ، وأفضل من الحجر الأسود ، مع أنّه صلی الله علیه وآله وسلم كان يطوف بالبيت ويستلم الحجر ، وكذلك الإمام هو أفضل من الحائر وبمنزلة من دُفن فيه ، إلّا أنّه لا مانع من الدعاء له في ذلك المكان المقدّس ، لأنّ الله تعالى بقاعاً كريمة أحبّ أن يدعى فيها ، والحائر منها .

وقد أكّد الإمام علیه السلام ذلك في حديث آخر له ، فقد قال : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ مِنْ أَرْضِهِ بقاعاً تُسَمّى الْمَرْحوماتُ أَحَبَّ أَنْ يُدعى فيها فَيُجيبُ»(2).

3 - روى أبو هاشم ، قال : « بعث إليَّ أبو الحسن علیه السلام في مرضه وإلى محمّد بن حمزة ، فسبقني إليه محمد بن حمزة ، فأخبرني أنّه ما زال يقول : ابْعَثُوا إِلَى الْحَائِرِ .

فقلت لمحمّد : ألا قلت : أنا أذهب إلى الحائر ؟

فقلت له : جعلت فداك ، أنا أذهب إلى الحائر .

فقال : انْظُروا في ذلك .

ثمّ قال : إِنَّ مُحَمَّداً لَيْسَ لَهُ سِرٌّ مِنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ - يعنى ليس زيدي العقيدة - وَأَنا أَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ ذلِكَ .

قال : فذكرت ذلك لعليّ بن بلال ، فقال : ما كان يصنع بالحائر وهو الحائر ؟


1) كامل الزيارات : 460. عدّة الداعي : 49 . بحار الأنوار: 98 113 و 114 ، الحديث 34. مستدرك الوسائل : 10 : 347 ، الباب 59 من أبواب المزار ، الحديث 3 .

2) وسائل الشيعة 3: 570 .

فقدمت العسكر - يعني سامرّاء - فدخلت عليه ، فقال لي : اجلِس ، حين أردت القيام ، فلمّا رأيته أنس بي ذكرت قول عليّ بن بلال ، فعرضته عليه فقال لي : أَلا قُلْتَ لَهُ : إِنَّ رَسولَ الله صلی الله علیه وآله وسلم كانَ يَطوفُ بِالْبَيْتِ وَيُقَبِّلُ الْحَجَرَ ، وَحُرْمَةُ النَّبِيِّ صلی الله علیه وآله وسلم وَالْمُؤْمِن أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْبَيْتِ ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ ، وَإِنَّمَا هِيَ مَواطِنٌ يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُذْكَرَ فيها . فَأَنا أُحِبُّ أَنْ يُدعى لى حَيْثُ يُحِبُّ الله أَنْ يُدعى فيها ، وَالْحائِرُ مِنْ تِلْكَ الْمَواضِع »(1).

إنّ الإمام الحسين عزيز الله وحبيبه الذي فدى دين الله بروحه ودمه ، وقدّم أبناءه وأهل بيته وأصحابه قرابين خالصة لوجه الله ، وقد جرت عليه من الخطوب والكوارث ما لم تجر على أي مصلح اجتماعي في الأرض.

وقد منحه الله من الكرامات في الدنيا والآخرة ما لم يمنحها لأي أحد من أوليائه سوى جدّه وأبيه ، ففي الدنيا قد منحه من العزة والكرامة ما لم يظفر بها أي إنسان . فقد جعل مرقده الشريف ملجاً لكلّ ملهوف ، وملاذاً لكلّ مكروب ، وخصّه باستجابة الدعاء تحت قبّته ، وأمّا في الدار الآخرة فهو الشفيع المطاع ، وسيمنحه من الكرامة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت .

كبس دار الإمام علیه السلام

وسعى بعض اللئام من الذين لا يرجون لله وقاراً إلى المتوكّل فقالوا له : إنّ عند الإمام علیه السلام كتباً وسلاحاً وأموالاً ، ولا يؤمن من القيام بثورة مسلّحة ضدّ حكومته .

ففزع المتوكّل وأوجس فى نفسه خيفة ، وأوعز إلى جماعة من شرطته الأتراك بالهجوم على دار الإمام ليلاً واعتقاله ، فهجموا عليه على حين غفلة منه ، فوجدوه


1) الكافي : 4 : 567 ، وذكر في هامشه تعليقاً وإيضاحاً لكلام الإمام علیه السلام كامل الزيارات : 458 و 459 ، الحديث 697 .

في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر وليس بينه وبين الأرض من بساط إلّا الرمل والحصى(1)، وهو مستقبل القبلة ، وهو يتلو قوله تعالى : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) (2).

وحملوه إلى المتوكّل وهو بتلك الحالة(3)التي تمثّل زهد الأنبياء وروحانيّة المرسلين ، وكان المتوكّل على موائد الخمر ثملاً سكراناً ، فلمّا بصر بالإمام ناوله الطاغية كأساً من الخمر ، فزجره الإمام وصاح به : وَاللهِ ما حَامَرَ لَحْمِي وَدَمِي قَطُّ .

وقال المتوكّل للإمام : أنشدني شعراً .

• إِنِّي قَلِيلُ الرِّوايَةِ لِلشِّعْرِ .

وأصرّ الطاغية على مرامه قائلاً: لا بدّ أن تنشدني . ولم يجد الإمام بُدّاً من إنشاده ، فأنشده هذه الأبيات الحزينة التي حوّلت أنس الطاغية إلى بكاء وحزن قائلاً:

باتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ *** غُلْبُ الرّجالِ فَما أَغْنَتْهُمُ الْقُلَلُ

وَاسْتَنْزِلُوا بَعْدَ عِزَّ عَنْ مَراتِبِهِمْ *** فَأُودِعُوا حُفَراً يا بِئْسَ ما نَزَلُوا

ناداهُمُ صارِخٌ مِنْ بَعْدِ ما قُبِرُوا *** أَيْنَ الأسِرَّةُ وَالتَّيْجانُ وَالْحِلَلُ ؟

أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُنَعَمَةٌ *** مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْتارُ وَالْكِلَلُ ؟

فَأَفْصَحَ القَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلَهُمْ: *** تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْها الدُّودُ يَقْتَتِلُ

لطالَما أَكَلُوا دَهْراً وَمَا شَربُوا *** فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُولِ الْأَكْل قَدْأُ كِلوا(4)

انظر ماذا ترى أيّها الرجل *** وكن على حذر من قبل تنتقل

وقدم الزاد من خیر تسرّ به *** فکلّ ساکن دار سوف يرتحل

وانظر إلى معشر باتوا على دعة *** فأصبحوا في الثرى رهناً بما عملوا

بنوا فلم ينفع البينان وادّخروا *** مالاً فم يغنهم لما انقضى الأجل

نزهة الجليس : راجع الصفحة :2 138 مرآة الجنان : 2 : 160 . تذكرة الخواص : 361 . الاتحاف بحبّ الأشراف : 67 .


1) دائرة معارف القرن العشرين : 6 : 437 .

2) العنكبوت 29 : 4 .

3) تاريخ الإسلام / الذهبي : 18 : 199 . وفيات الأعيان وأنباء الزمان / ابن خلّکان : 3 : 272.

4) جاء في جوهرة الكلام : 152 : إنّ هذه الأبيات وجدت مكتوبة على قصر سيف بن ذي يزن الحميري وقبلها الأبيات التالية :

واهتزّ المتوكّل ، وطار السكر من رأسه ، فلم يملك صوابه وأخذ يبكي بكاءاً شديداً، وأشفق من حضر المجلس على الإمام من بطش المتوكّل ، وظنّوا أنّ بادرة سوء أو انتقام ستبدو منه تجاه الإمام .

وأمر المتوكّل برفع كؤوس الخمر عن المجلس ، والتفت إلى الإمام الزكيّ بخضوع وخشوع قائلاً: يا أبا الحسن عليك دَين ؟

• نَعَمْ ، أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ .

فأمر بدفعها إليه ، وردّه إلى منزله مكرّماً ، وكشفت هذه البادرة عن جهاد الإمام علیه السلام وموقفه المشرّف تجاه هذا الطاغية، فلم يعن به ، ولم يحفل بملكه وسلطانه ، وراح يوعظه ويخوّفه من عقاب الله ، وقد عرّفه عما سيصير إليه من مفارقة هذه الحياة ، فلا تدفع المنيّة عنه جيوشه ولا سلطانه ، كما عرّفه عمّا يؤول إليه بدنه الرقيق ، فإنّه حينما يوارى في التراب يكون طعمة للديدان والحشرات .

ومن المؤكّد أنّ المتوكل لم تمرّ على سمعه أمثال هذه المواعظ ، ، فقد أترع سمعه بأصوات المغنّين والمغنّيات ، وقد وافته المنيّة وهو بين العازفين وكؤوس الخمر ولا عهد له بذكر الله في جميع أدوار حياته .

وشاية البطحاوي بالإمام علیه السلام

وروى المؤرّخون : « أنّ المتوكّل أصيب بخراج أشرف منه على الهلاك ، فأشار عليه الفتح بن خاقان أن يبعث رسولاً إلى الإمام الهادي علیه السلام ويخبره بحاله لعلّ عنده علاجاً له ، فبعث إليه رسولاً فأخبره بحاله ، فوصف علیه السلام وصفة فاستعملها المتوكّل ، فبرأ من مرضه ، ولمّا بشّرت أمّه بعافيته حملت إلى الإمام بدرة وكيساً قيمتهما عشرة آلاف دينار وقد ختمتها بخاتمها ، وسعى محمّد بن القاسم البطحاوي إلى المتوكّل فأخبره بأنّ أموالاً وسلاحاً تحمل إلى الإمام ، ففزع المتوكّل وأمر سعيد الحاجب بأن يكبس داره ليلاً ويأتي بجميع ما يجده فيها من الأموال والسلاح ، وبادر سعيد إلى بيت الإمام فوضع سلّماً وصعد إلى سطح الدار ، وقد اشتدّ الظلام ، فلم يدر كيف يصل إلى صحن الدار .

وبينما هو في حيرة من أمره إذ سمع صوت الإمام يناديه : يا سَعِيدُ ، مَكَانَك حَتَّى يَأْتوكَ بِشَمْعَةٍ ، فأُتي بها ، فنزل إلى الدار ، فوجد الإمام عليه جبّة صوف ، وقلنسوة من صوف، وسجّادة على حصير ، ثمّ فّتش البيوت فلم يجد فيها سوى البدرة والكيس ، ورفع مصلّى الإمام فوجد سيفاً في جفنه ، فحمل جميع ذلك إلى المتوكّل.

ولمّا نظر إلى البدرة والكيس عليها خاتم أمّه استدعاها وسألها عن ذلك ، فأخبرته أنّها نذرت للإمام إن عوفي المتوكّل من علّته أن تكرم الإمام ، ولمّا برأ وفت بنذرها ، فاستحيى وأضاف إلى البدرة بدرة أخرى ، وأمر سعيد بحمل ذلك إلى الإمام ، فحمله له واعتذر منه ، فأجابه الإمام علیه السلام بالآية الكريمة : (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ )(1)» (2).


1) الشعراء 26: 227 .

2) الكافي : 1 : 500 ، الحديث 4.

الحصار الاقتصادي على الإمام علیه السلام

وفرض المتوكّل حصاراً اقتصاديّاً جادّاً على الإمام علیه السلام ، وقد فرض أقصى العقوبات على مَن يصل الإمام بالحقوق الشرعيّة أو سائر الهدايا ، فكان الإمام طيلة خلافة المتوكّل في جهد وحرج وضيق ، وقد امتنع المؤمنون من إيصال حقوقهم إليه ، كما امتنعوا من زيارته والتشرّف بخدمته خوفاً من السلطة العاتية .

اعتقال الإمام علیه السلام

وأمر الطاغية باعتقال الإمام وزجّه في السجن ، فبقي فيه أيّاماً وجاء لزيارته صقر بن أبي دلف ، فاستقبله الحاجب وكانت له معرفة به ، كما كان عالماً بتشيّعه ، وبادر الحاجب قائلاً: ما شأنك وفيم جئت ؟

•

بخير .

•

لعلّك لعلك جئت تسأل عن خبر مولاك ؟

•

مولاي أمير المؤمنين - يعني المتوكّل -.

فتبسّم الحاجب وقال : اسكت ، مولاك هو الحقّ - يعني الإمام الهادي علیه السلام - فلا تحتشمني فإنّي على مذهبك .

•

الحمد لله .

•

تحب أن تراه ؟

•

نعم.

•

اجلس حتّى يخرج صاحب البريد .

ولمّا خرج صاحب البريد التفت الحاجب إلى غلامه فقال له : خذ بيد الصقر حتّى تدخله الحجرة التي فيها العلوي المحبوس ، وخلّ بينه وبينه ، ، فأخذه الغلام

حتّى أدخله الحجرة ، وأوماً إلى بيت فيه الإمام ، فدخل عليه الصقر ، وكان الإمام جالساً على حصير ، وبإزائه قبر محفور قد أمر به المتوكّل لارهاب الإمام ، والتفت علیه السلام قائلاً بحنان ولطف : يا صَقْرُ ، ما أَتى بِكَ ؟

• جئت لأتعرّف على خبرك .

وأجهش الصقر بالبكاء رحمة بالإمام وخوفاً عليه .

فقال علیه السلام : يا صَفْرُ ، لَا عَلَيْكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْنا بِسُوءٍ .

فهدّأ روعه ، وحمد الله على ذلك ، ثمّ سأل الإمام عن بعض المسائل الشرعيّة ، فأجابه عنها ، وانصرف مودّعاً للإمام(1).

ولم يلبث الإمام إلّا قليلاً في السجن حتّى أطلق سراحه .

محاولة فاشلة لاغتيال الإمام علیه السلام

وثقل الإمام على المتوكّل ، وضاق به ذرعاً ، فقد ساءه ما يتحدّث به الناس عن فضله وسعة علومه ، وزهده وتقواه ، وذهاب الشيعة إلى إمامته ، وأنّه أحقّ بالخلافة وأولى بها منه ، فحاول اغتياله والقضاء عليه ، إلّا أنّه باء بالفشل ، ولم يصل إلى مرامه ، وقد روى ذلك الفضل بن أحمد الكاتب عن أبيه ، قال : «كنّا مع المعتزّ ، وكان أبي كاتبه ، فدخلنا على المتوكّل وكان جالساً على سريره ، وهو ثائر ينظر شزراً إلى وزيره الفتح بن خاقان وقد رفع صوته : هذا الذي تقول فيه ما تقول ؟

والفتح يخفّف عليه غلواءه ، ويقول له : إنّه مكذوب عليه يا أمير المؤمنين .

فلم يحفل به وراح يقول : والله لأقتلنّ هذا ... هذا الذي يدعي الكذب ، ويطعن في دولتي .


1) بحار الأنوار : 24 : 238 و 239 ، الحدیث 1 .

وأمر بإحضار أربعة من الخزر من الذين لا يفقهون شيئاً، وأعطى لكلّ واحد منهم سلاحاً ، وأمرهم بقتل الإمام إذا دخل عليه ، وجعل يتهدّد ويتوعّد الإمام ، وهو يقول بنبرات تقطر غضباً : والله لأحرقن جسده بالنار بعد القتل .

وأقبل الإمام وقد أحاط به حرّاس القصر ، وقد رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير تعظيماً له ، وهم يقولون : هذا ابن الرضا .

ولمّا بصر به المتوكّل أخذته هيبته ، وألقى الله الرعب والفزع في قلبه ، فوثب من سريره ، واستقبله استقبالاً حارّاً ، وقبّل ما بين عينيه ، وهو يقول له بخضوع : يا سيّدي ، يابن رسول الله ، يا خير من خلق الله ، يابن عمّي ، يا مولاي يا أبا الحسن .

والإمام ينصحه ويعظه ، ويحذّره عقاب الله ، فقال المتوكّل : ما جاء بك يا سيّدي في هذا الوقت ؟

•

جاءَني رسولُكَ يَقولُ لي : الْمُتَوَكَّلُ يَدعوكَ .

•

كذب ابن الفاعلة ، ارجع يا سيّدي من حيث أتيت .

والتفت المتوكّل إلى وزيره وأبنائه قائلاً: يا فتح ، يا عبدالله ، يا معتزّ، شيّعوا سيّدكم .

وخرج الإمام محاطاً بهالة من الحفاوة والتكريم ، وامتنع الخزر من اغتيال الإمام حينما رأوا هيبته، واحتفاء الحرس به ، وتعظيم المتوكّل له(1).

وبذلك فقد باءت محاولة المتوكّل بالخيبة والخسران .

استهانة المتوكّل بالإمام علیه السلام

ونخر الحسد قلب المتوكّل ، وقد سلك جميع الوسائل للحطّ من شأن الإمام


1) الخرائج والجرائح : 1 : 418 .

والتقليل من أهمّيّته المتصاعدة أمام الرأي العامّ، وقد حاول إذلاله فأراد أن يمشي ولا يركب أمامه ليزهد فيه الناس ، فأشار عليه وزيره بترك ذلك لأنّ فيه شفاعة وسوء قالة عليه ، فلم يصغ له ، وأشار عليه ثانياً بأن يأمر القوّاد والأشراف ومن ضمنهم الإمام بالمشي حتّى لا يظنّ أنّه المقصود وحده ، فاستجاب له ، وأمر الناس بالمسير بين يديه ، ففعلوا ذلك ، وكان الوقت قائظاً شديد الحرّ، فجعل الإمام أثناء مشيه يتصبّب عرقاً ، فبصر به زراقة حاجب المتوكّل فبادر وأجلسه في دهليز هناك ، وأخذ منديلاً وجعل يمسح به عرق الإمام ، وحاول أن يخفف ما في نفس الإمام من آلام قائلاً: ابن عمّك لم يقصدك بهذا دون غيرك .

فنظر إليه الإمام وقال له : إيهاً عَنْكَ، وتلا قول الله تعالى : ( تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ)(1).

قال زرافة : كان عندي معلّم يتشيّع ، وكنت كثيراً أمازحه بالرافضيّ ، فلمّا انصرفت إلى منزلي استدعيته، فلمّا حضر حدّثته بما سمعته من الإمام علیه السلام ، فتغيّر وجهه ، وقال لي : احترز ، واخزن كلّ ما تملكه ، فإنّ المتوكّل يموت أو يُقتل بعد ثلاثة أيّام. وقد استشفّ ذلك من استشهاد الإمام بالآية الكريمة .

يقول زرافة : فتأثّرت من كلامه وأخرجته ، ثمّ فكّرت في نفسي وقلت : ما يضرّني أن آخذ بالحزم ، فإن كان شيء من هذا كنت قد أخذت بالحزم ، وإن لم يكن لم يضرّنى ، فركبت إلى دار المتوكّل، وأخرجت ما كان لى مَن الأموال وأودعتها عند من أعرف، ولم تمض ثلاثة أيّام حتى هلك المتوكّل ، وصارت هذه البادرة - فيما يقول زرافة - السبب في هدايته واعتقاده بالإمامة»(2).


1) هود 11: 65 .

2) الخرائج والجرائح : 1 : 401 - 403 . الأنوار البهيّة : 296 .

دعاء الإمام علیه السلام على المتوكل

والتجأ الإمام الهادي علیه السلام إلى الله تعالى ، وانقطع إليه ، وقد دعاه بهذا الدعاء الشريف الذي عرف ( بدعاء المظلوم على الظالم ) ، ويسمّى بدعاء السيف ، ودعاء الیماني أيضاً ، وهو من الكنوز المشرقة الأهل البيت علیهم السلام، وهذا نصّه بعد البسملة :

«اللّهُمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْمَلِكُ الْمُتَعَزِّزُ بِالْكِبْرياءِ ، المُتَفَرِّدُ بِالْبَقاءِ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، الْمُقْتَدِرُ الْقَهَّارُ ، الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ ، أَنَا عَبْدُكَ وَأَنْتَ رَبِّي ، ظَلَمْتُ نَفْسي ، وَاعْتَرَفْتُ بِإِسالَتي ، وَأَسْتَغْفِرُ إِلَيْكَ مِنْ ذُنُوبِي ، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ

الذُّنوبَ إِلَّا أَنْتَ .

اللَّهُمَّ إِنِّي وَفُلاناً - يَعْنِي الْمُتَوَ كُلَ - عَبْدانِ مِنْ عَبِيدِكَ ، نَواصِينَا بِيَدِكَ ، تَعْلَمُ مُسْتَقَرَّنَا وَمُسْتَوْدَعَنا ، وَتَعْلَمُ مُنْقَلَبَنا وَمَثْوان-ا ، سِرَّنا وَعَلَانِيَتَنا ، وَتَطَّلِعُ عَلَى نِيَاتِنَا ، وَتُحِيطُ بِضَمَائِرِنا ، عِلْمُكَ بما تُبْدِيهِ كَعِلْمِكَ بِما تُخْفِيهِ ، وَمَعْرِفَتُكَ بِمَا تُبْطِنُهُ كَمَعْرِفَتِكَ بِمَا نُظْهِرُهُ، وَلَا يَنْطَوِي عَنْكَ شَيْءٌ مِنْ أُمورِنا ، وَلَا يَسْتَتِرُ دُونَكَ حالٌ مِنْ أَحْوالِنا ، وَلَا لَنا مِنْكَ مَعْقِل يُحْصِنُنا ، وَلَا حِرْزٌ يُحْرِزُنَا ، وَلَا هَارِبٌ يَفُوتُكَ مِنَا ، وَلَا يَمْتَنِعُ الظَّالِمُ مِنْكَ بِسُلْطانِهِ ، وَلَا يُجاهِدُكَ عَنْهُ جُنودُهُ ، وَلَا يُغالِبُكَ مُغالِبٌ بِمَنْعَتِهِ ، وَلَا يُعاؤُكَ مُتَعَزّةٌ بِكَثْرَةٍ ، أَنْتَ مُدْرِكُهُ أَيْنَمَا سَلَكَ ، وَقادِرٌ عَلَيْهِ أَيْنَ لَجَاً.

فَعاذَ الْمَظْلُومُ مِنَا بِبَابِكَ ، وَتَوَكَّلَ الْمَقْهُورُ مِنَّا عَلَيْكَ ، وَرُجُوعُهُ إِلَيْكَ ، وَيَسْتَغِيتُ بِكَ إِذا خَذَلَهُ الْمُغِيثُ ، وَيَسْتَصْرِخُكَ إِذا فَعَدَ عَنْهُ النَّصيرُ ، وَيَلوذُ بِكَ إِذا نَفَتْهُ الْأَغْنِيَةُ ، وَيَطْرُقُ بابَكَ إِذا أُغْلِقَتْ دُونَهُ الْأَبْوَابُ

الْمُرْتَجَةُ ، وَيَصِلُ إِلَيْكَ إِذا احْتَجَبَتْ عَنْهُ الْمُلوكُ الْغافِلَةُ ، تَعْلَمُ ما حَلَّ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَشْكُوهُ إِلَيْكَ ، وَتَعْرِفُ مَا يُصْلِحُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوكَ لَهُ ، فَلَكَ الْحَمْدُ سَميعاً بصيراً ، لَطيفاً قديراً».

لقد تطرق الإمام علیه السلام لعلم الله تعالى ، وأنّه لا يخفى عليه شيء في الكون ، وأنّه مطّلع على خفايا الأمور وبواطنها وأسرار الأشياء ودقائقها.

كما تحدّث عن قدرة الله تعالى ، وأنّ كلّ شيء خاضع لقدرته ، فلا يمتنع عليه الظالم بسلطانه وجنوده وأتباعه ، فإنّه قادر عليه ولا يفوته ظلم ظالم ، وأن مصير المظلوم إليه تعالى ، فلا ملجأ له غيره ، فبه يلوذ ، وبه يستجير .

ويستمرّ الإمام في دعائه قائلاً:

»اللّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ كانَ في سابِقِ عِلْمِكَ ، وَمُحْكَم قَضائِكَ ، وَجارِي قَدَرِكَ ، وَماضي حُكْمِكَ ، وَنافِذِ مَشِيَّتِكَ في خَلْقِكَ أَجْمَعِينَ ، سَعِيدِهِمْ وَشَقِيِّهِمْ ، وَبَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ ، أَنْ جَعَلْتَ لِفُلانِ بْنِ فُلانٍ - يعنى المتوكل - عَلَيَّ قُدْرَةٌ ، فَظَلَمَني ، وَبَغِى عَلَيَّ ، وَتَعَزَّزَ عَلَيَّ بِسُلْطانِهِ الَّذي خَوَّلْتَهُ إِيَّاهُ ، وَتَجَبَّرَ بِعُلُوّ حالِهِ الَّتي جَعَلْتَها لَهُ ، وَغَرَّهُ إِمْلَاؤُكَ لَهُ ، وَأَطْغاهُ حِلْمُكَ عَنْهُ ، فَقَصَدَنِي بِمَكْرُوهِ عَجَزْتُ عَنِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ ، وَتَعَمَّدَني بِشَرٍّ ضَعُفْتُ عَنِ احْتِمَالِهِ ، وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى الْإِنتِصَارِ مِنْهُ لِضَعْفِي وَالْانْتِصَافِ مِنْهُ لِذُلّي فَوَكَلْتُهُ إِلَيْكَ ، وَتَوَكَّلْتُ فِي أَمْرِهِ عَلَيْكَ ، وَتَوَعَدْتُهُ بِعُقُوبَتِكَ ، وَحَذَرْتُهُ سَطْوَتَكَ ، وَخَوَّفْتُهُ نِفْمَتَكَ ، فَظَنَّ أَنَّ حِلْمَكَ عَنْهُ مِنْ ضَعْفٍ ، وَحَسِبَ أَنَّ إِمْلَاءَكَ لَهُ مِنْ عَجْزِ، وَلَمْ تَنْهَهُ وَاحِدَةٌ عَنْ أُخْرَى ، وَلَا انْزَجَرَ

عَنْ ثَانِيَةٍ بِأُولى ، وَلَكِنَّهُ تَمادى في غَيْهِ ، وَتَابَعَ فِي ظُلْمِهِ ، وَلَجَّ في عُدْوانِهِ ، وَاسْتَشْرِى فِي طُغْيانِهِ جُرْأَةً عَلَيْكَ يا سَيِّدِي ، وَتَعَرُّضاً لِسَخَطِكَ الَّذِي لَا تَرُدُّهُ عَنِ الظَّالِمِينَ ، وَقِلَّةِ اكْتِرَاتٍ بِبَأْسِكَ الَّذِي لَا تَحْبِسُهُ عَنِ

الباغين .

فَها أَنا ذا يا سَيِّدِي مُسْتَضْعَف في يَدَيْهِ ، مُسْتَضامٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ ، مُسْتَذَلُّ بِعِقابِهِ ، مَغْلُوبٌ ، مَبْغِيٌّ عَلَيَّ ، مَغْصُوبٌ ، وَجِلٌ ، خائِفٌ مُرَوّع ، مَقْهُورٌ ، قَدْ قَلَّ صَبْرِي ، وَضاقَتْ حيلتي ، وَانْغَلَقَتْ عَلَيَّ الْمَذاهِبُ إِلَّا إِلَيْكَ ، وَانْسَدَّتْ عَلَيَّ الْجِهَاتُ إِلَّا جِهَتَكَ ، وَالْتَبَسَتْ عَلَيَّ أُمُوري في دَفْع مَكْرُوهِهِ عَنِّي ، وَاشْتَبَهَتْ عَلَيَّ الْآراءُ فِي إِزالَةِ ظُلْمِهِ ، وَخَذَلَنِي مَنِ اسْتَنْصَرْتُهُ مِنْ عِبادِكَ ، وَأَسْلَمني مَنْ تَعَلَّقْتُ بِهِ مِنْ خَلْقِكَ ، وَاسْتَشَرْتُ نَصيحي فَأَشارَ عَلَيَّ بِالرَّغْبَةِ إِلَيْكَ ، وَاسْتَرْشَدْتُ دَليلي فَلَمْ يَدُلُّني إِلَّا عَلَيْكَ ، فَرَجَعْتُ إِلَيْكَ يا مَوْلَايَ صاغراً راغِماً مُسْتَكيناً عالِماً أَنَّهُ لَا فَرَجَ لي إِلَّا عِنْدَكَ ، وَلَا خَلَاصَ لي إِلَّا بِكَ ، انْتَجِزُ وَعْدَكَ فِي نُصْرَتي ، وَإِجابَةِ دُعائي ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يُرَدُّ وَلَا يُبَدَّلُ : ( وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ )(1)، وَقُلْتَ جَلَّ جَلالُكَ ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْماؤُكَ : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )(2).


1) الحجّ 22 : 60.

2) غافر 40 : 60 .

وَأَنا فَاعِلٌ مَا أَمَرْتَني بِهِ لا مَناً عَلَيْكَ ، وَكَيْفَ أَمِّنُ بِهِ وَأَنْتَ عَلَيْهِ دَلَلْتَني فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاسْتَجِبْ لِي كَمَا وَعَدْتَني يَا مَن لَا يُخْلِفُ الميعادَ .

وَإِنِّي لَأَعْلَمُ يا سَيِّدِي أَنَّ لَكَ يَوْماً تَنْتَقِمُ فِيهِ مِنَ الظَّالِمِ الْمَظْلُومِ ، وَأَتَيَقَّنُ أَنَّ لَكَ وَقْتاً تَأْخُذُ فِيهِ مِنْ الْعَاصِبِ لِلْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّكَ لَا يَسْبِقُكَ مُعانِدٌ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ قَبْضَتِكَ مُنابِةٌ ، وَلَا تَخافُ فَوْتَ فائِتٍ ، وَلكِنْ جَزَعي وَهَلَعِي لَا يَبْلُغَانِ بِيَ الصَّبْرَ عَلى أَناتِكَ وَانْتِظارِ حِلْمِكَ ، فَقُدْرَتُكَ عَلَيَّ يا سَيِّدِي وَمَوْلَايَ فَوْقَ كُلِّ قُدْرَةٍ ، وَسُلْطانُكَ غَالِبٌ عَلَى كُلِّ سُلْطَانٍ ، وَمَعَادُ كُلِّ أَحَدٍ إِلَيْكَ وَإِنْ أَمْهَلْتَهُ ، وَرُجُوعُ كُلِّ ظَالِم إِلَيْكَ وَإِنْ أَنْظَرْتَهُ ، وَقَدْ أَضَرَّنى حِلْمُكَ عَنْ فُلَانِ بْن فَلَانٍ ، وَطُولُ أَنَاتِكُ لَهُ ، وَإِمْهَا لُكَ إِيَّاهُ ، وَكادَ الْقُنُوطُ يَسْتَوْلي عَلَيَّ ، لَوْلَا الثَّقَةُ بِكَ ، وَالْيَقينُ بِوَعْدِكَ ، فَإِنْ كانَ في قَضائِكَ النَّافِذِ ، وَقُدْرَتِكَ الْمَاضِيَةِ أَنْ يُنيبَ أَوْ يَتُوبَ ، أَوْ يَرْجِعَ عَنْ ظُلْمِي

أَوْ يَكُفَّ عَنْ مَكْرُوهي ، وَيَنْتَقِلَ عَنْ عَظيمِ مَا رَكِبَ مِنّي ...

فَصَلِّ - اللهم على مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَوْقِعُ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ السَّاعَةَ السّاعَةَ قَبْلَ إِزالَتِهِ نِعْمَتَكَ الَّتي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ ، وَتَكْدِيرِهِ مَعْرُوفَكَ الَّذِي صَنَعْتَهُ عِنْدِي ، وَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِكَ بِهِ غَيْرُ ذلِكَ مِنْ مُقامِهِ عَلَى ظُلْمي،

فَأَسْأَلُكَ - يا ناصِرَ الْمَظْلُومِ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهِ إِجَابَةَ دَعْوَتِي.

فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَخُذْهُ مِنْ مَأْمَنِهِ أَخْذَ عَزيزِ مُقْتَدِرٍ ،

وَافْجَأْهُ فِي غَفْلَتِهِ مُفاجَأَةَ مَلِيكٍ مُنْتَصِرٍ ، وَاسْلُبْهُ نِعْمَتَهُ وَسُلْطَانَهُ، وَاغْضُضْ عَنْهُ جُمُوعَهُ وَأَعْوانَهُ ، وَمَزِّقْ مُلْكَهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ ، وَفَرِّقْ أَنْصارَهُ كُلَّ مُفَرَّقٍ ، وَأَعْرِهِ مِنْ نِعْمَتِكَ الَّتي لَمْ يُقابِلْها بِالشُّكْرِ، وَانْزَعْ عَنْهُ سِرْبالَ عِزَّكَ الَّذِي لَمْ يُجازِهِ بِالْإِحْسَانِ ، وَاقْصِمْهُ يَا قَاصِمَ الْجَبَابِرَةِ ، وَأَهْلِكْهُ يَا مُهْلِكَ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ ، وَأَبِرْهُ يَا مُبِيرَ الْأَمَمِ الظَّالِمَةِ ، وَأَخْذُلْهُ يا خَاذِلَ الْفِئَاتِ الْباغِيَةِ ، وَابْتُرْهُ عُمْرَهُ ، وَابْتَزَّ مُلْكَهُ ، وَعَفٌ أَثَرَهُ ، وَاقْطَعْ خَبَرَهُ ، وَأَطْفِ نارَهُ ، وَأَظْلِمْ نَهارَهُ ، وَكَوِّرْ شَمْسَهُ ، وَأَزْهِقُ نَفْسَهُ ، وَاهْشِمْ سُوقَهُ ، وَجُبَّ سَنَامَهُ ، وَارْغِمْ أَنْفَهُ ، وَعَجِّلْ حَتْفَهُ ، وَلَا تَدَعْ لَهُ جُنَّةً إِلَّا هَتَكْتَها ، وَلَا دِعامَةً إِلَّا قَصَمْتَها، وَلَا كَلِمَةٌ مُجْتَمِعَةً إِلَّا فَرَّقْتَهَا ، وَلَا قَائِمَةً عُلُو إِلَّا وَضَعْتَها، وَلَا رُكْناً إِلَّا وَهَنْتَهُ، وَلَا سَبَباً إِلَّا قَطَعْتَهُ ، وَأَرِنا أَنْصارَهُ وَجُنُودَهُ وَأَحِبَاءَهُ وَأَرْحَامَهُ عَبادِيدَ بَعْدَ الْأَلْفَةِ، وَشَتَى بَعْدَ اجْتِماع الْكَلِمَةِ ، وَمُقْنِعي الرُّؤُوسِ بَعْدَ الظُّهُورِ عَلَى الْأُمَّةِ .

وَاشْفِ بِزَوالِ أَمْرِهِ الْقُلُوبَ المُنْقَلِبَةَ، وَالْأَفْئِدَةَ اللَّهِفَةَ ، وَالأُمَّةَ الْمُتَحَيَّرَةَ ، وَالْبَرِيَّةَ الضَّائِعَةَ ، وَأَحْى بِبَوارِهِ الْحُدُودَ الْمُعَطَّلَةَ ، وَالْأَحْكامَ الْمُهْمَلَةَ ، وَالسُّنَنَ الدَائِرَةَ ، وَالْمَعالِمَ المُغَيَّرَةَ ، وَالثَّلَاوَاتِ المُتَغَيَّرَةَ ، وَالآياتِ الْمُحَرَّفَةَ ، وَالْمَدارِسَ الْمَهْجُورَةَ ، وَالْمَحاريب الْمَجْفُوَّةَ ، وَالْمَسَاجِدَ الْمَهْدُومَةَ ، وَأَشْبِعْ بِهِ الْخِمَاصَ السَّاغِبَةِ ، وَارْوِ بِهِ اللَّهَواتِ اللاغِبَةَ ، وَالْأَكْبَادَ الظَّامِيَةَ ، وَأَرِحْ بِهِ الْأَقْدَامَ الْمُتْعَبَةَ ، وَأَطْرُقْهُ بِلَيْلَةٍ

لَا أُخْتَ لَها ، وَساعَةٍ لَا مَثْوى فيها ، وَبِنَكْبَةٍ لَا انْتِعاشَ مَعَها ، وَبِعَثْرَةٍ لَا إِقالَةَ مِنْهَا ، وَأَبِحْ حَريمَهُ ، وَنَغَصُ نَعِيمَهُ ، وَأَرِهِ بَطْشَتَكَ الْكُبرى ، وَنِعْمَتَكَ الْمُثْلَى ، وَقُدْرَتَكَ الَّتي هي فَوْقَ كُلِّ قُدْرَةٍ ، وَسُلْطانَكَ الَّذي هُوَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطانِهِ ، وَاغْلِبُهُ ِلي بِقُوَّتِكَ الْقَوِيَّةِ ، وَمَحالِكَ الشَّديدِ ، وَامْنَعْني بِمَنْعَتِكَ الَّتي كُلُّ خَلْقٍ فيها ذليلٌ ، وَابْتَلِهِ بِفَقْرِ لَا تَجْبُرُهُ ، وَبِسُوءٍ لَا تَسْتُرُهُ ، وَكِلْهُ إِلَى نَفْسِهِ فيما يُريدُ ، إِنَّكَ فَعَالٌ لِما تُريدُ .

وَأَبْرِتْهُ مِنْ حَوْلِكَ وَقُوَتِكَ ، وَكِلْهُ إِلى حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ ، وَأَزِلْ مَكْرَهُ بِمَكْرِكَ ، وَادْفَعْ مَشِيَّتَهُ بِمَشِيَّتِكَ ، وَأَسْقِمْ جَسَدَهُ ، وَأَيْهِمْ وَلدَهُ ، وَانْقُصْ أَجَلَهُ ، وَخَيِّبْ أَمَلَهُ ، وَأَزِلْ دَوْلَتَهُ ، وَأَطِلْ عَوْلَتَهُ ، وَاجْعَلْ شُغْلَهُ فِي بَدَنِهِ ، وَلَا تَفُكَّهُ مِنْ حُزْنِهِ ، وَصَيَّرْ كَيْدَهُ فِي ضَلَالٍ ، وَأَمْرَهُ إِلَى زَوالٍ ، وَنِعْمَتَهُ إِلَى انْتِقالِ ، وَجَدَّهُ في سَفالٍ ، وَسُلْطانَهُ فِي اضْمِحْلالٍ ، وَعاقِبَتَهُ إِلى شَرِّ مَالٍ ، وَأَمِنْهُ بِغَيْظِهِ إِذا أَمَتَهُ ، وَأَبْقِهِ لِحُزْنِهِ إِنْ أَبْقَيْتَهُ ، وَقِنِي شَرَّهُ وَهَمْزَهُ وَلَمْزَهُ وَسَطْوَتَهُ وَعَداوَتَهُ ، وَالْمَحْهُ لَمْحَةً تُدَمِّرُ بِها عَلَيْهِ ، فَإِنَّكَ أَشَدُّ بَأْساً ، وَأَشَدُّ تَنكيلاً ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ»(1).

وهذا الدعاء الشريف من كنوز آل محمّد صلی الله علیه وآله وسلم يلجأون إلى الدعاء به إذا صبّ عليهم الظالمون جام غضبهم ، ويستجيب الله دعاءهم ، وينزل نقمته على أعدائهم .

ويلمس في هذا الدعاء مدى ما عاناه الإمام من الخطوب والكوارث في عهد هذا


1) مهج الدعوات : 330 - 337. بحار الأنوار : 92 : 236 - 240. المصباح / الكفعمي : 209 - 213 . البلد الأمين : 470 - 475 .

الطاغية السفاك ، فإنّه لم يألو جهداً في ظلم العلويّين وشيعتهم ، وسنتحدّث عن ذلك في غضون هذا الكتاب .

هلاك المتوكّل

واستجاب الله دعاء وليّه الإمام الهادي علیه السلام فقصم ظهر عدوّه ، وانتقم منه أشدّ ما يكون الانتقام، فلم يلبث المتوكّل بعد هذا الدعاء سوى ثلاثة أيّام حتّى أودى الله بحياته ، وجعله أثراً بعد عين ، ونعرض بإيجاز إلى كيفيّة هلاكه .

المؤامرة على المتوكّل

ودبّرت مؤامرة خطيرة لاغتيال المتوكّل والقضاء عليه ، وقد أحكمت فصول هذه المؤامرة ، وأحيطت بكثير من السرّ والكتمان ، وقد نجحت بسلام ، ولم يتكبّد القائمون بها أي خسارة في الأرواح ، وهذه بعض فصولها :

أعضاء المؤامرة

اشارة

أمّا أعضاء هذه المؤامرة والقائمون بها ، فأهمّهم ما يلي :

1 - المنتصر

كان المنتصر حاقداً على أبيه جعفر ، والسبب - فيما نحسب - يعود إلى جهتين :

الأولى : إنّ المتوكّل كان يزدري ابنه المنتصر ويحتقره ، وقد بالغ في الاستهانة به حتّى ورم أنفه، وامتلأت نفسه غيظاً على أبيه ، وقد أحضره قبل أن يقتل ، فكان مرّة

يشتمه ، ومرّة يسقيه فوق طاقته ، وقال لوزيره الفتح بن خاقان : برئت من قرابتي من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إن لم تلطمه .

فقام الفتح ولطمه مرّتين .

وقال لمن حضر : اشهدوا علَيَّ جميعاً أنّي قد خلعت المستعجل - يعني المنتصر - وقال له : سمّيتك المنتصر وسماك الناس لحمقك المنتظر ، ثمّ صرت الآن المستعجل ، ثمّ انصرف عنه وقد ملئت نفسه بالحقد والإنتقام من أبيه ، وقد أسرع إلى تنفيذ مؤامرة الإغتيال .

الثانية : إنّ المتوكّل كان شديد البغض والكراهية للإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وكان المنتصر بعكسه ، فقد كان شديد الميل للإمام أمير المؤمنين ولأبنائه العلويّين ، وكان ذلك هو السبب - حسبما يقول بعض المؤرّخين - في إقدامه على قتل أبيه .

2 - وصيف التركي

من أهم أعضاء هذه المؤامرة وصيف التركي ، وكان ذا منصب عالٍ في الدولة .

3- بغا التركي

هؤلاء أهمّ أعضاء المؤامرة، وكان يعقدون المؤتمرات السرّيّة ، ويتداولون الرأي في أحسن الطرق لتنفيذ مخطّطهم ، واجتمع رأيهم على ما يلي :

1 - تنفيذ المؤامرة في غلس الليل البهيم .

2 - غلق أبواب القصر عدا الباب التي تتّصل بشطّ دجلة ، وذلك خوفاً من أن تتّصل إلى المتوكل الامدادات من حرس القصر أو إحدى قطعات الجيش .

3- قتل الفتح بن خاقان رئيس الوزراء .

4 - الإشاعة بين الجماهير من أنّ الفتح قام بانقلاب عسكري فاشل ، وقد قتل الخليفة المتوكّل ، وأنّ المنتصر أخمد ذلك الانقلاب ، وقتل الفتح طلباً بثأر أبيه .

هذه بعض المخطِطات التي تمِ التصديق عليها من قبال قادة الانقلاب .

تنفيذ المؤامرة

وهجم الأتراك على المتوكّل في ليلة الأربعاء المصادف لأربع خلون من شوّال سنة (247ه )(1)يتقدّمهم بغا التركي وقد شهروا سيوفهم ، وكان المتوكّل ثملاً سكراناً ، وذعر الفتح بن خاقان ، فصاح بهم :« ويلكم أمير المؤمنين».

فلم يعنوا به ورمى بنفسه عليه ليكون كبش الفداء له ، إلّا أنّه لم يغن عن نفسه ولا عنه شيئاً ، وأسرعوا إليهما ، فقطّعوهما بسيوفهم إربا إرباً ، بحيث لم يعرف لحم أحدهما من الآخر كما يقول بعض المؤرّخين ، ودفنا معاً ، وبذلك انطوت أيّام المتوكّل الذي كان من أعدى الناس لأهل البيت علیهم السلام.

وخرج الأتراك وكان المنتصر بانتظارهم فسلّموا عليه بالخلافة ، وأشاع المنتصر أن الفتح بن خاقان قد قتل أباه، وأنّه أخذ ثأره فقتله ، ثمّ أخذ البيعة لنفسه من أبناء الأسرة العبّاسيّة وسائر قطعات الجيش .

وقد استقبل العلويّون وشيعتهم النبأ بهلاك المتوكّل بمزيد من الابتهاج والأفراح ، فقد هلك الطاغية الذي صيّر حياتهم إلى مآسي لا تُطاق .

رثاء البحترى للمتوكّل

ورثاه الشاعر الكبير البحتري شاعر البلاط العبّاسي بهذه الأبيات :

هگذا فَلْتَكُنْ مَنايا الكِرامِ *** بَيْنَ ناي وَمِزْهَرِ وَمُدَامٍ

بَيْنَ كَاسَيْنِ أَوْرَنَاهُ جَمِيعاً *** كَأْسٍ لَذَاتِهِ وَكَأْسِ الْحِمامِ

لَمْ يَزُرْ نَفْسَهُ رَسُولُ الْمَنايا *** بِصُنوفِ الْأَوْجَاعِ والأسْقَامِ

يَقِطْ فِي السُّرُورِ حَتَّى أَتَاهُ *** قدر اللهِ حَنْفُهُ في المنام


1) البداية والنهاية : 10: 349 .

وَالْمَنايا مراتب يتفاضل *** ن وَبِالمُرْهَقَاتِ مَوْتُ الكرام

هابَه مُعْلِنَا فَدَبْ إِلَيْهِ *** في سُتورِ الدُّجى بِحَدَّ الْحُسام(1)

لقد رثاه بهذه الأبيات التي صوّرت مجونه وخلاعته ، فقد وافته المنيّة وهو بين كؤوس الخمر وآلات الموسيقى والطرب ، وأنّ الأسقام والأوجاع لم تذلّ بدنه ، فقد حصدت روحه السيوف ولم يتجرّع الآلام إلّا قليلاً ، وكان الملوك قبل ذلك ترثيهم الشعراء لفقد الأمّة لهم ورأفتهم ، وخسارتها لإصلاحهم الاجتماعي . وعلى أي حال، فقد زال ذلك الكابوس المظلم عن العلويّين وشيعتهم ، وقد سرّ الإمام الهادي علیه السلام أي سرور ، فقد استجاب الله دعاءه وأهلك ألدّ أعدائه وخصومه .


1) روضة الأعيان : 108 ، وقيل : إنّ هذه الأبيات إلى إبراهيم بن أحمد الأسدي ، كما في زهر الآداب : 1 : 227 .

حكومة المنتصر

اشارة

وتسلّم المنتصر قيادة الحكم بعد قيامه بالانقلاب ضدّ حكومة أبيه ، وقد عمّ السرور جميع الأوساط الشعبيّة ، فقد زال عنهم جور المتوكّل واستبداده .

مع العلويّين

وسلك المنتصر سياسة رشيدة وعادلة مع العلويّين وشيعتهم ، وكان من بين الألطاف التي أسداها عليهم ما يلي :

1 - ردّ فدك إلى العلويّين.

2 - رفع الحجر عن أوقاف العلويّين وإرجاعها إليهم .

• عزل والي يثرب صالح بن عليّ الذي كان يسيء إلى العلوييّن، واستعمال عليّ بن الحسن عليها ، وقد أوصاه بالبرّ والإحسان إليهم(1).

مدح الشعراء له

وقد مدحه الشعراء وأثنوا عليه كثيراً لما أسداه من الإحسان والمعروف للعلويّين .

يقول يزيد بن محمّد المهلبي :

وَلَقَدْ بَرَرْتَ الطَّالِبَيَّةَ بَعْدَما *** ذُمُوا زَماناً قَبْلَها وَزَمانا

وَرَدَدْتَ الفَةَ هَاشِمٍ فَرَأَيْتَهُمْ *** بَعْدَ الْعَداوَةِ بَيْنَهُمْ إِخْوانا


1) الكامل في التاريخ : 5: 311.

انشتَ لَيْلَهُمْ وَجُدْتَ عَلَيْهِمْ *** حتّى نَسُوا الْأَحْفَادَ وَالْأَضْعَانا

لَوْ يَعْلَمُ الْأَسْلَافُ كَيْفَ بَرَرْتَهُمْ *** لَرَأَوْكَ أَثْقَلَ مَنْ بها ميزانا(1)

ويقول البحتري :

وَإِنَّ عَلِيّاً لَأَوْلى بِكُمْ *** وَأَزْكَى يَداً عِنْدَكُمْ مِنْ عُمَرْ

وَكُلُّ لَهُ فَضْلُهُ وَالْحُجو *** ل يَومَ التَّراهن دونَ الْغُرَرُ(2)

لقد وصل المنتصر الأرحام التي قطعها أبوه وأجداده ، فأحسن إلى العلويّين وبرّ بهم ، بعدما كانوا يعانون الضيق والجهد والحرمان .

السماح بزيارة قبر أمير المؤمنين علیه السلام

ومنع المتوكّل رسميّاً زيارة قبر الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، ولمّا آل الحكم إلى المنتصر سمح للناس بزيارة قبر الإمام أمير المؤمنين علیه السلام .

رفع الحظر عن زيارة الإمام الحسين علیه السلام

وسمح المنتصر للمسلمين بزيارة مرقد الإمام العظيم سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الإمام الحسين علیه السلام بعد أن منع المتوكّل زيارته ، وفرض أقسى العقوبات على من يزوره .

وتذكر له هذه الألطاف على امتداد التاريخ بالشكر الجزيل والثناء العاطر ، فقد برهن على عدم السقوط فيما انزلق فيه أبوه إلى هوة سحيقة أوجبت له المذمّة في دار الدنيا ، والعذاب الدائم في دار الآخرة .


1) مروج الذهب 4 : 83 .

2) سير أعلام النبلاء : 12 : 44 . مروج الذهب : 3: 483 .

وفاته

ولم تطل أيّام هذا الرجل الذي أنعش قلوب العلويّين ، فقد وافته المنيّة وهو في بداية ملكه ، ويذهب أكثر المؤرّخين إلى أنّه لم يمت حتف أنفه ، وإنّما مات مسموماً ، فقد اغتاله الأتراك خوفاً من أن يفتك بهم ، ويقضي على نفوذهم وتسلّطهم على الشعوب الإسلاميّة .

وقد رشا الأتراك طبيبه ابن طيفور فأعطوه ثلاثين ألف دينار لاغتياله ، وكان المنتصر مريضاً ، فأشار عليه بفصده ، فقصده بريشة مسمومة ، فتوفّي في الحال(1).

وكانت وفاته يوم السبت لأربع خلون من ربيع الأوّل سنة (248ه) ودفن بالجوسق بسامرّاء(2).

وقد فقد الناس بموته خيراً كثيراً ، فهو الذي حطّم عرش أبيه القائم على الظلم والجبروت .

وعلى أي حال ، فإنّ المصادر التي بأيدينا لم تذكر أي التقاء بين الإمام الهادي علیه السلام وبين المنتصر ، ولم تشر إلى أي بادرة جرت بينهما .

والشيء المؤكّد أنّ الإمام كان مسروراً من الإجراءات التي اتّخذها تجاه العلويّين ، والتي أعادت إليهم الأمن والاستقرار بعد أن فقدوها في أيّام المتوكّل .


1) تاريخ الخلفاء : 357 ، وجاء فيه: «إنّ ابن طيفور مرض فقصد بها نفسه، فتوفّي في الحال» .

2) الأنباء في تاريخ الخلفاء : 87.

حكومة المستعين

اشارة

وتقلّد زمام الحكم المستعين بعد وفاة المنتصر ، وذلك في يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الآخر سنة ( 248ه) ، وقد كان لعبة بيد الأتراك ، ولم يكن له أي نفوذ سياسي في جهاز دولته ، وفي ذلك يقول الشاعر :

خَليفَةٌ في فَفَصٍ *** بَيْنَ وَصيفٍ وَيُغا

يَقولُ ما قالا لَهُ *** كَما يَقولُ الببغا(1)

لقد عاد الخليفة كالببغاء المسجون في قفص ، وهو يردّد ما يقول له مَن يخاطبه بغير وعي ولا إدراك ، فقد كان الأمر بيد وصيف وبغا وغيرهما من الأتراك ، ولم يعد له ولا لأفراد أسرته أي نفوذ أو سلطان.

ونعرض بإيجاز لبعض شؤونه :

سرفه وبذخه

كان المستعين مبذّراً متلافاً ، قد فرّق جميع ما ادّخره الخلفاء في خزائنهم من العين والورق ، والفرش والجواهر والأسلحة وآلات الحرب وغيرها ، وقد أنكر عليه بغا الكبير ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، هذه الخزائن مادّة المسلمين أذخرها الخلفاء قبلك لمُلّم يسنح أو عارض يعرض في الإسلام ، فلم يلتفت إليه(2)وراح سادراً في إسرافه وإتلافه لأموال الدولة .


1) مروج الذهب : 4 : 90 تاريخ الخلفاء : 359 .

2) الأنباء في تاريخ الخلفاء : 89 .

المعرض المذهل

إليكم هذه الصورة من المعرض الذي صنعه ، فقد وضع فيه الجواهر النفيسة ، والآلات الفاخرة ، كما وضع فيه تمثال مصنوع من الذهب لكلّ حيوان خلقه الله من الوحوش والطيور والناس ، وقد رصّعت بالجواهر النفيسة ، وقد وضعت فيها الغالية كما أمر بصياغة الاصطبال والقماقم من الذهب، وملأها بالمسك والعنبر ، وقد صنعت له قرى من الذهب ، أنفق على كلّ قرية منها خمسمائة ألف دينار ، وقد وضع فيها تماثيل البقر والجاموس والأكرة والغنم والكلاب وأنواع الزرع ، والفواكه من البطيخ والسفرجل والرمّان والاترج والنارنج كلّ ذلك مصنوع من الذهب المرصّع بالجواهر .

وقد روى أحمد بن حمدون النديم ، قال :« كنت عند المستعين يوماً ، وكان عنده علويّ ينادمه يقال له : اترجة ، فقلنا له : يا أمير المؤمنين ، نشتهي أن نبصر ( القلاية ) وهي المعرض ، قال : قوموا اصعدوا إليها ، فصعدنا فرأينا أمراً هائلاً ما كنّا نظنّ أنّ الله عزّ وجل يخلق مثله إلّا في الجنّة ، فمددت يدي وأخذت غزالاً من عنبر قد عملت من جوهر وعليه سرج ولجام وركاب من ذهب في غاية الحسن فوضعته في كمّي ، ثمّ خرجنا فلما انتهينا إليه بادرنا قائلاً : كيف رأيتما القلاية ؟

فقلت له : رأيت ما هالني .

والتفت إليه أترجة فقال : يا سيّدي ، في كمه غزال عنبر قد سرقه من القلاية .

فقال له : لا ترجه ، كأنّى أنفذتكم لترون القلاية ، وتنصرفون بالحسرة ، وإنّما أنفذ تكم لتأخذون ما تستحسنون ، وأنت يا أترجة ما أخذت شيئاً ؟

قال أترجة : لا .

قال : أخطأت ، قم وخذ كلّ ما تريد .

ثمّ قال لي : قم معه وخذ كلّ ما تريد .

قال : فقمنا ودخلنا القلاية وملأنا أكمامنا ، وفتحنا أكيستنا وحشوناها بما قدرنا علیه من تلك الجواهر الثمينة ، والآلات النفيسة .

ثمّ قلت : يا أترجة ، متى تجد مثل هذا اليوم ؟ ومن أين يقع لنا مثل هذا يطلق أيدينا فيما جمعه الخلفاء في الدهور الطويلة .

فقال لي : أي شيء أعمل ، ما بقى معي شيء آخر أحمل فيه .

فقلت له : اخلع سراويلك ، فخلع سراويله وخلعت سراويلي وعقدنا أطرافها وملأناها وأخذناها وخرجنا نمشي مشي الحبالى ، فلمّا رأنا ضحك ، وكان قد دخل عليه جماعة ونحن في القلاية ، فلمّا علموا بنا قالوا له : ما ذنبنا يا أمير المؤمنين حتّى نمنع ؟

فقال لهم : وأنتم أيضاً قوموا .

وقال المطربون : ونحن يا مولانا ؟

فقال : وأنتم أيضاً ،قوموا ، فقاموا من بين يديه كالمجانين فانتهبوا القلاية ، وهو غارق في الضحك .

قال أحمد بن حمدون : فلمّا رأيت الأمر على هذه الصورة خرجت إلى باب القصر ، وسلّمت الذي كان معي إلى غلامي وعدت مسرعاً فاجتزت على المستعين كالمجنون أقصد القلابة ، فصاح بي : ويلك إلى أين ؟

فقلت له : قد نسيت شيئاً ، وصعدت إلى القلاية فمددت يدي إلى سطل من ذهب كبير مملوء من المسك ، فأخذته وأنا أعالج الجهد الجهيد في حمله ، وأنا على تلك الحالة ، فقال لي : إلى أين ؟

قلت : يا سيّدي ، إلى الحمّام ، وخرجت وأعطيته إلى غلماني ، فذهبوا بالجميع

إلى بيتي»(1).

هذه صورة من مهازل الحكم العبّاسي الذي استبدّ بأموال المسلمين ، وأنفقها على الشهوات والرغبات .

خلع المستعين

وتنكّر الأتراك للمستعين ، وخافوا منه ، وكان قد قصد بغداد فأرسلوا إليه يطلبون

منه الرجوع إلى سامرّاء ، فأبى ومضى ميمّماً وجهه نحو بغداد ، فبادروا إلى خلعه ، وأخرجوا المعتزّ من السجن ، وبايعوه خليفة ، وجهزوا جيشاً مكثفاً لاحتلال بغداد ، وقد تصادم الجيشان ، ومُني كلّ منهما بخسائر فادحة في الأرواح ، واستمرّت الحرب بينهما ، ولكنّهم أخيراً اتفقوا على أن يقوم المستعين بخلع نفسه وتسليم الخلافة إلى المعتزّ بشروط اتّفقوا عليها ، وسلّم المستعين الخلافة إلى المعتزّ ، إلّا أنّه لم يف بالشروط التي - ، وأودعه في سجن واسط ، فأقام به تسعة أشهر ، وأوجس الأتراك منه خيفة وهو في السجن ، فأخرجوه منه ، وجيء به إلى سامرّاء ، فندب المعتز حاجبه سعيد إلى قتله فقتله ، وكان له من العمر واحداً وثلاثين سنة(2).

وقد وصفه صاحب الفخري بأنّه كان مستضعفاً في رأيه وعقله وتدبيره ، وأنّ أيّام حکمه كانت كثيرة الفتن ودولته شديدة الاضطراب(3).

أمّا حكومة المعتزّ فسنتحدّث عنها في البحوث الآتية ، لأنّ الإمام علیه السلام قد استشهد فيها ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن إقامة الإمام في سامرّاء .


1) الأنباء في تاريخ الخلفاء : 89 - 91 .

2) تاريخ الخلفاء : 358 و 359 .

3) الفخري : 222 .

عَصرُ الإمَامِ علیه السلام

اشارة

لعلّ من المفيد جدّاً أو من الضروري دراسة عصر الإمام الهادي علیه السلام وإلقاء الأضواء على الناحية السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة والثقافيّة وغيرها . فقد أصبحت دراسة العصر من البحوث المنهجيّة التي لا غنى عنها في الدراسات الحديثة ، فإنّها تكشف جانباً مهماً عن المؤثّرات الخارجيّة في سلوك الشخص والوقوف على اتّجاهاته الفكريّة ، وسائر ميوله النفسيّة التي تتكوّن وتنشأ من عصره وبيئته، حسب مقرّرات علم النفس ، وفيما يلي ذلك :

الحياة السياسية

اشارة

أمّا الحياة السياسيّة في عصر الإمام الهادي علیه السلام ، فقد كانت بشعة للغاية ، فقد عدم الأمن والاستقرار في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وانتشرت الفوضى في كلّ مكان لأنّ السلطة العبّاسيّة قد فقدت هيمنتها ، ولم تعد لها تلك القوة الرهيبة التي كانت تتمتّع بها أيّام المنصور والرشيد والمأمون ، أما سبب ذلك فيستند إلى ما يلي :

تسلّط الأتراك على الحكم

وتسلّط الأتراك على زمام الحكم ، واستولوا على جميع أجهزة الدولة بحيث لم يعد للخليفة العبّاسي أي نفوذ أو سلطان ، وإنما كان الأمر بأيدي الأتراك ، فهم الذين يولّون من شاء وا ويعزلون من شاء وا من الخلفاء فضلاً عن الوزراء والعمّال .

وقد صوّر ذلك المعتمد نفسه بقوله :

أَلَيسَ مِنَ العَجائِبِ أَنَّ مِثْلى *** يَرى ما قَلَّ مُمْتَنعاً عَلَيْهِ

وَتُؤْخَذُ بِاسْمِهِ الدُّنْيا جَميعاً *** وَما مِنْ ذاكَ شَيْءٌ فِي يَدَيْهِ(1)

لقد تدهورت الخلافة وفقدت هيبتها وهيمنتها ، ولم يعد للخليفة أي أهميّة ، ومن طريف ما ينقل أنّه لمّا ولي المعتزّ بالله استدعى بعض أصحابه جماعة من المنجّمين فسألوه : كم يبقى الخليفة على كرسي الحكم ؟ وكم المدّة التي يعيش فيها ؟

فانبرى بعض الظرفاء ، فقال : أنا أعرف ذلك . فقالوا له : أخبرنا عن ذلك .

فقال : إنّ الأمر بيد الأتراك ، فهم الذين يقرّرون مدّة حكمه وحياته ، فلم يبق أحد إلّا غلبه الضحك.

ولمّا ولّى المعتصم ( أشناس) وجعل له الحقّ في أنّ يولي عليها ولاة من قبله ، وكان يدعى له على المنابر(2).

وكان الدعاء قبل ذلك مختصّاً بالخلفاء ، وفي أيّام الواثق ولي ( أشناس) على بغداد ، وأمدّ في سلطانه إلى آخر أعمال المغرب ، وأسند إليه شؤون هذه الأقاليم يولي عليها من شاء من دون مراجعته ، واستخلفه على جميع أمور الملك ، وألبسه وشاحين من جوهر(3).

جهل الاتراك

ولم تكن للأتراك أيّة معرفة بشؤون الحكم والإدارة، ولا معرفة لهم بالأمور


1) الديارات : 101 . تاريخ الإسلام : 20 : 32 .

2) تاريخ الطبري : 7 265 .

3) البداية والنهاية 18 : 328 .

السياسيّة والاقتصاديّة ، وكانوا مشابهين للبدو في جميع أنحاء سلوكهم .

يقول عنهم الجاحظ : « الترك أصحاب خيام ، وسكان فياف، وأرباب مواش ، وهم أعراب العجم .. فحين لم تشغلهم الصناعات والتجارات والطبّ والفلاحة والهندسة، ولا غرس ولا بنيان ، ولا شقّ أنهار ، ولا جباية غلّات ، ولم يكن همّهم غير الغزو والغارة ، والصيد ، وركوب الخيل ، ومقارعة الأبطال ، وطلب الغنائم ، و تدويخ البلدان ، وكانت همّتهم إلى ذلك معروفة ، وكانت لهذه المعاني والأسباب مسخّرة ومقصورة عليها ، وموصولة بها ، أحكموا ذلك الأمر بأسره، وأتوا على آخره ، وذلك هو صناعتهم وتجارتهم ولذّتهم وفخرهم وحديثهم وسمرهم » .

لقد صارت أمور الدولة بأيدي هؤلاء الجفاة الذين لا عهد لهم بالحضارة والصناعة ، فتعرّضت البلاد من جرّاء ذلك إلى أزمات خطيرة، ومشاكل رهيبة ، ومنيت بكثير من الخطوب والأحداث .

فساد الحكم

وكان من النتائج المباشرة في استيلاء الأتراك على السلطة هو فساد الحكم ، وفقدان المسؤوليّة ، وكان من أبرز ألوان ذلك الفساد انتشار الرشوة، واختلاس الموظّفين لأموال الشعب ، فكان الوزراء والولاة والكتّاب يختلسون أموال الخرائج والضرائب ، وما كان يصير إلى الدولة من البلدان المختلفة .

وقد صادر الواثق في سنة (229ه) كتاب الدواوين ، وأخذ منهم ما يقرب من مليوني دينار (1).

وصادر المتوكّل أموال ابن الزيّات التي اختلسها ، كما صادر أموال كاتبه عمر بن الفرج الرخجي ، ويقال : إنّه أخذ منه ما قيمته مائة وعشرون ألف دينار ، ومن أخيه


1) تاريخ الإسلام / الذهبي : 16: 33 .

مائة وخمسين ألفاً (1).

كما أخذ من قاضي القضاة يحيى بن أكثم خمسة وسبعين ألف دينار(2).

وعلّق شوقي ضيف على ذلك بقوله : « ومعنى ذلك أنّ الوزراء ومثلهم الكتّاب والولاة كانوا يختلسون أموال الدولة والأمّة ، ويخيّل إلى الإنسان أنّه لم يعد هناك موظّف كبير في الدولة لا يقترف هذه الجريمة النكراء ، وكان الولاة يرشون الوزراء ليظلّوا في ولاياتهم ، وبلغت الرشوة أحياناً مائتي ألف دينار غير ما يرافقها من التحف والهدايا(3).

وحتّى رجال الحسبة كانوا يرتشون ويختلسون الأموال في أثناء مراقبتهم للتجّار و حركة البيع والشراء في الأسواق على نحو ما يروى عن أحمد بن الطيب بن مروان السرخسي الفيلسوف إذ خان الأمانة في ولايته الحسبة ببغداد ، وكان من جملة ما أخذه مائة وخمسين ألف دينار(4).

ولا نبالغ إذا قلنا إنّه كان يتورّط في هذا الاختلاس، وما يُطوى فيه من الرشوة أكثر موظّفي الدولة(5).

إنّ انتشار الرشوة على هذا النحو الواسع دليل واضح على فساد المسؤولين في جهاز الحكم العبّاسي ، وأن أغلب الموظّفين كانوا يختلسون أموال المسلمين بغير حقّ.


1) مروج الذهب : 4 : 19.

2) تاریخ ابن خلدون : 3 276 البداية والنهاية : 10 : 351 .

3) العصر العبّاسي الثاني : 20 و 21 .

4) مروج الذهب : 4 : 170 .

5) العصر العبّاسي الثاني : 21 .

الولاة على الأقاليم الإسلاميّة

أمّا الولاة على الأقطار الإسلاميّة فكانوا يشترون وظائفهم ومناصبهم من الوزراء ، وقد باع الوزير الخاقاني ولاية الكوفة في يوم واحد على تسعة عشر والياً أخذ من كلّ واحد منهم رشوة ، وقد هجاه على ذلك بعض الشعراء المعاصرون له يقول :

وزير لا يَمَلُ مِنَ الرَّقاعة *** يُوَلّي ثُمَّ يَعزِلُ بَعد ساعة

إذا أَهلُ الرَّشا هادوا إِلَيهِ *** فَأَحْظى القَومِ أَوْفَرُهُمْ بِضَاعَة (1)

وقد جهد أغلب الولاة والعمال على ظلم الناس ، واصطفاء أموالهم بغير حقّ ، وقد كثرت شكوى الناس من ظلمهم وجورهم ، ففي أيّام الواثق عمل وزيره محمّد بن عبد الملك قصيدة نسبها لبعض العسكر وأوصلها إليه ، وقد ذكر فيها سيلاً من المظالم والمآسي التي صبّها ولاته على الأمّة ، وهذه بعضها :

يابنَ الخَلائِفِ وَالأَمْلاكِ إِنْ نُسِبوا *** حُزتَ الخِلافَةَ عَنْ آبائِكَ الأول

أجُرتَ أَمْ رَقَدَتْ عَيْناكَ عَنْ عَجَبٍ *** فيهِ البَرِيَّةُ مِنْ خَوفٍ وَمِنْ وَهَلِ(2)

وَلَّيتَ أَرْبَعَةً أَمْرَ العِبادِ مَعاً *** وَكُلُّهُمْ حَاطِبٌ في حَبلٍ مُحْتَبِلِ

هذا سُلَيمانُ قَدْ مَلَكْتَ راحَتَهُ *** مَشارِقَ الْأَرْضِ مِنْ سَهْلٍ وَمِنْ جَبَلِ

ملكتهُ السِّنْد فالشحرينِ مِنْ عَدَنٍ *** إلى الجَزِيرَةِ فَالأَطْرافِ مِنْ مَلَلٍ(3)

خِلافَةٌ قَدْ حَواها وَحدَهُ فَمَضَتْ *** أَحْكامُهُ في دِماءِ الْقَوْمِ وَالنَّفَلِ(4)


1) الأعلام : 7 : 135 .

2) الوهل : الفزع .

3) الشحرين : تثنية شحرة ، وهي صقع تقع على ساحل البحر الهندي من ناحية اليمن الملل : اسم موضع يقع في طريق مكّة بين الحرمين - معجم البلدان .

4) النقل : الغنيمة .

وَابْنُ الخصيب الذي ملكت راحَتَهُ *** خلافَةَ الشَّامِ وَالْغازينَ وَالقَفَلِ(1)

فَنيلُ مِصرٍ فَبَحرُ الشَّامِ قَدْ جَرَيا *** بِما أَرادَ مِنَ الأَموالِ وَالحُلَل

كَأَنَّهُمْ فى الذي قَسَمْتَ بَيْنَهُم *** بنو الرَّشيدِ زَمانَ القَسْم لِلدُّوَلِ

حوى سُلَيمانُ ما كانَ الأَمينُ حَوى *** مِنَ الخِلافَةِ والتبليغ لِلأَمَلِ

وَأَحمَدُ بْنُ الخَصيب في إمارَتِهِ *** كالقاسِمِ بْنِ الرَّشِيدِ الْجامِعِ السُّبُلِ

أَصْبَحْتَ لَا نَاصِحٌ يَأْتيكَ مُسْتَتِراً *** وَلَا عَلانِيَةً خوفاً مِنَ الحِيَلِ

سَلْ بَيتَ مَالِكَ أَينَ الْمَالُ تَعْرِفُهُ *** وَسَلْ خَراجَكَ عَنْ أَمْوالِكَ الجُمَل

كمْ فى حُبوسِكَ مِمَنْ لا ذُنوبَ لَهُمْ *** أَشرى التُكَذِّب في الأَقْيادِ وَالكَبَلِ

سُمِّيتَ بِاسْمِ الرَّشِيدِ المُرْتَضَى فَبِهِ *** قيس الأمور التي تُنْجي مِنَ الزَّلَلِ

عث فيهم ما عاثَتْ يَداهُ مَعاً *** على البَرامِكِ التّهديم للقلل(2)

وأعرب ابن الزيّات في هذا الشعر عن مآسي الأمّة ، وما حلّ بها من النكبات والخطوب في عهد هؤلاء الولاة الذين سلّطهم الواثق على الأقاليم الإسلاميّة ، وفوّض إليهم جميع شؤون المسلمين ، وقد استبدّوا في أمور المسلمين أسوأ ما يكون الاستبداد .

فأمعنوا في الظلم والجور ، فنهبوا بيت الأموال ، وزجّوا الأبرياء في ظلمات السجون وزنزانات التعذيب، ويطلب الشاعر من الواثق أن يكون كجدّه هارون الرشيد في شدّة بأسه ، وصدق عزيمته ، فيفتك بهؤلاء الولاة كما فتك الرشيد بالبرامكة، وأنزل بهم أقصى العقوبات وجعلهم أثراً بعد عين .


1) القفل : يقع في الطريق إلى مكّة .

2) الأغاني : 23 : 519 .

كراهة الحكم العبّاسي

وكره المسلمون بجميع اتّجاهاتهم وميولهم الحكم العبّاسي ، وتمنّوا زواله لحظة بعد أخرى ، وذلك لسوء سياستهم الملتوية التي لم تتّفق في أغلب بنودها مع أحكام الشريعة الإسلاميّة ، والتي ذلّ فيها الأحرار ، وساد فيها الأشرار ، وقد أعلن ابن بسّام الشاعر الجريء إحساس الجماهير، ورغباتهم الملحّة في الخلاص من الحكم العبّاسي بقوله :

أَلا يا دَولَةَ السَّفَلِ *** أَطَلْتِ المَكْثِ فَانتَقِلي

ويا ريبُ الزَّمانِ أَفِقُ *** نَقَضْتَ الشَّرط في الدُّوَلِ (1)

وأعرب محمّد بن داود الجرّاح عن كراهته وبغضه للحكم العبّاسي بقوله :

قَدْ ذَهَبَ النّاسُ فَلاناسُ *** وَجاءَ بَعدَ الطَّمَع اليَأسُ

وَصارَتِ السِّفلَةُ ساداتِنا *** وَصارَ تَحْتَ الذَّنَبِ الرَّأْسُ(2)

إنّ فساد الحكم العبّاسي قد جرّ للمسلمين الويلات والكوارث ، وألقاهم في شرّ عظيم . وصوّر القاضي التنوخي عليّ بن محمّد قاضي البصرة بأبيات مثّل فيها ظلم العبّاسيّين وجورهم ، قال :

هُوَ السَّلَبُ الْمَعْصوبُ لَا تَمْلِكُونَهُ *** وَهَلْ سالِبٌ لِلغَصبِ إِلَّا كَعَاصِبٍ

بِنانِلتُمُ مانِلتُم بَعْدَ ذِلَّةٍ *** فَلا تَظْلِموا فَالظُّلم من العواقب

وَلَمَّا مَلَكتُمْ صِرتُمْ بَعدَ ذِلّةٍ *** أسوداً علينا دامياتِ المَخالِبِ


1) محاضرات الأدباء : 1: 176 .

2) الوافي بالوفيات : 3 : 62 .

وَكَمْ مِثلُ زَيدٍ قَدْ أَبادَتْ سُيوفُكُمْ *** بلا سَبَب غَيْرَ الذُّنونِ الكَواذِبِ(1)

ونعى التنوخي بهذه الأبيات على العبّاسيّين ظلمهم واضطهادهم للرعيّة ، وذكّرهم بما كانوا فيه من الذلّة والهوان في المجتمع الإسلامي قبل أن يتقلّدوا السلطة والحكم ، إلّا أنّهم لمّا استولوا على مقاليد الحكم عادوا أسوداً جارحة على الرعيّة ینهشون بها، وينهبون ثرواتها .

فقد بنيت سياستهم على قتل العظماء والمصلحين ، فكم قتلوا أمثال الشهيد العظيم زيد ابن الإمام عليّ بن الحسين الذي استشهد في سبيل العدالة الاجتماعيّة في أيّام الأمويّين ، فقد أبادوا كوكبة من العلويين ، أمثال : يحيى بن عمر بن الحسين وغيره ، ممّن قاوموا الظلم والاستبداد. وعلى أي حال، فقد كره المسلمون الحكم العبّاسي ، ونقموا عليهم ظلمهم للرعيّة واستبدادهم بشؤونها .

اضطهاد العلويّين

وكان من أسوأ صور السياسة الخرقاء التي انتهجها العبّاسيّون هو اضطهادهم للسادة العلويّين دعاة الإصلاح والعدل الاجتماعي في الإسلام، فقد امتحنوا أشدّ ما يكون الامتحان ، وعانوا من الارهاق ما لم يعانيه أحد في دنيا الإسلام ، خصوصاً في أيّام المتوكّل ، فقد جهد في ظلمهم والتنكيل بهم ، وصبّ عليهم وابلاً من المحن والخطوب ، وكان فيما يقول المؤرّخون يحبّب له ظلمهم وزيره عبیدالله بن يحيى بن خاقان(2).

ونعرض بإيجاز لبعض ما جرى عليهم من الظلم والجور في ذلك العصر.


1) أعيان الشيعة : 8 332 .

2) مقاتل الطالبيّين : 597 .

الحصار الاقتصادي

وفرض المتوكّل الحصار الاقتصادي على العلويّين، فقد منع رسميّاً البرّ بهم ، والإحسان إليهم ، وكان لا يبلغه أنّ أحداً برّهم ، وإن كان قليلاً، إلّا أنهكه عقوبة وأثقله غرماً (1).

وقد امتنع الناس من صلتهم وإكرامهم ، وإيصال أي حقّ من الحقوق الشرعيّة لهم خوفاً من سطوة الطاغية وعقابه .

وأضرّ الحصار الاقتصادي بالسادة العلويّين ، وأنهكهم إلى حدّ لا يوصف حتّى بلغ بهم الحال أنّ القميص يكون بين جماعة من العلويّات تصلّي فيه واحدة بعد واحدة ، وكُنّ يرقعنه ، ويجلسن على مغازلهنّ عواري ، حواسر(2)في حين أنّ الطاغية المتوكّل كان ينفق على لياليه الحمراء الملايين من الدنانير ، وكان يهب - بلا حساب - آلاف الدنانير إلى المغنّين واللّاهين والمخنّثين ، ويمنع ذريّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وعترته الطيّبين من أن يصلهم أحد بشيء من حقوقهم ، قد أشاع فيهم الفقر والبؤس والحرمان .

وافتصد المتوكّل يوماً فأهدى له الفتح بن خاقان جارية لم ير الراؤون مثلها حسناً وظرفاً ، فدخلت عليه ومعها جام ذهب في نهاية الحسن ودن بلور لم ير مثله فيه شراب ورقعة مكتوب فيها :

إذا خَرَجَ الإِمَامُ مِنَ الدَّواءِ وَأَعقَبَ بِالسَّلامَةِ وَالشَّفاءِ

فَلَيسَ لَهُ دَواءٌ غَيرُ شُرْبٍ بهذا الجام من هذا الطلاء

وَفَضُ الخاتم المُهْدِى إِلَيْهِ فَهذا صالح بعد الدواء(3)


1) مقاتل الطالبيّين : 599 .

2) مقاتل الطالبيّين : 599 .

3) التحف والهدايا : 28 و 29 .

إنّ بنات النبيّ صلوات الله عليه في عهد هذا الطاغية لم يجدن ما يلبسن في حين أنّ العبّاسيّات ومن احتفّ بهنّ من المغنّيات والراقصات يرفلن في الحریر والديباج.

لقد انطوت تلك الأيّام السود، وقد سجّل المتوكّل في تاريخه صفحات سوداء بما اقترفه من الإثم في اضطهاده لعترة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم.

منح الأموال لانتقاص العلويّين

ومنح المتوكّل الأموال الطائلة للشعراء المرتزقين الذين ينالون من آل البيت علیهم السلام ، وقد أغدق بالإحسان على الشاعر المرتزق مروان بن أبي الجنوب ، فقد أغرقه بالذهب والأموال ، وعقد له الولاية على اليمامة والبحرين، وذلك لبغضه للعلويّين وهجائه لهم ، وممّا قاله فيهم :

مُلكُ الخَليفَةِ جَعفَرٌ *** لِلدِّينِ وَالدُّنْيا سَلامَه

لَكُمْ تُراثُ مُحَمَّدٍ *** وَبِعَدْلِكُمْ تَنْفى(1)الظُّلامَه

يَرجو التُّراثَ بَنو البنا *** تِ وَما لَهُمْ فيها قلامه

وَالصِّهرُ لَيْسَ بِوارِثِ *** وَالبِنْتُ لا تَرِثُ الإِمامه

ما للذينَ تَنَحْلوا *** ميرانكُمْ إِلَّا النَّدامَه

أَخَذَ الوِراثَةَ أَهلُها *** فَعَلى مَ لَومُكُمْ عَلامَه

لَوْ كانَ حَقُكُمْ لَها *** قامَتْ عَلى النَّاسِ القِيامَه

لَيسَ التُراثُ لِغَيركُمْ *** لا لا إِلهَ وَلا كَرامه


1) في نسخة الكامل : « تَشْفى » .

أَصبَحتُ بَينَ مُحِبُّكُمْ *** وَالمُبْغِضِينَ لَكُمْ عَلامَه(1)

وردّ العبقري الملهم الشيخ اليعقوبي هذه الأباطيل بقوله :

لا شيخ في واديك يا *** بْنَ أَبِي الجَنوبِ حَيا الغَمامه

قَدْ بِعتَ دينك بِالَّذي *** حاولتَ مِنْ دُنْيا اليمامه

فَمَدَحْتَ مُلْكاً ما بِهِ *** (لِلدِّينِ وَالدُّنْيا سَلامَه)

لَوْ كُنتَ تَنصِفُ ما لِغَيرِ *** الآلِ فيها مِنْ قُلامه

قَدْ غَرَّكَ الطَّمَعُ الخَسِيسُ *** وَعَايَةُ الطَّمَعِ النَّدامَه

وهَجَونَ أَكْرَمَ عِترَة *** لَمْ تَعِدُهُمْ أَبَداً كَرامَه

تزل الكتاب بمدحهم *** فَعَلى مَ تَجْحَدُهُمْ عَلامَه

يْسَ التُراتُ لِفاجِر *** وَالجَورُ لا ينفى الظُّلامَه

لَيْسَ الخِلافَةُ لِلالى *** شُغِفُوا بِكاساتِ المُدامَه

قَدْ سَلَّ جَدُّهُم عَلى الإِسْلامِ *** في بَدْرٍ حُسامه

الصهرُ أَوْلى في مواريث *** النُّبُوَّةِ والإمامه

قد رامَ مِنْها عَمُّهُ *** شَيْئاً فَلَمْ يُدْرِكَ مَرامَه

وَأَتى يُخاصِمُهُ بِها *** فَتَنى أَبو بَكْرٍ خِصامه

أَوْلَى بِها مَنْ لَيسَ في الأَحْ *** كام تَأْخُذُهُ مَلامه

أَوْلَى بِها مَنْ أَطْعَمَ المِسْ *** كينَ في سَغَبٍ طَعامَه

أنسيت يوم غدير خم *** أَمْ جهِلتَ بِهِ مُقامَه


1) تاريخ الطبري : 7 397 الكامل في التاريخ : 7: 100 .

قَدْ خَصَّهُ الرَّحْمنُ *** فيهِ بِالإِمارَةِ وَالزَّعامه

مُبْغِضِيهِ عَلامَةٌ *** وَعَلَيكَ لا تَخْفى العَلامَه

جدْتُمْ بِها عَنْ أَهْلِها *** فَإِلى مَ بَعْيُكُمُ إِلى مَه

وَتَقمَصَّتْها مَعْشَرٌ *** لَبِسوا الخِزايَةَ لِلْقِيامَه

أيضيعُ حَقُّ مُحَمَّدٍ *** ما بَيْنَ نَثْلَةٌ أَوْ حَمامَه(1)

ومن الجدير بالذكر أنّ ابن المعتزّ العبّاسي قد سلك مسلك مروان بن أبى الجنوب ، فادّعى أنّ الأسرة العبّاسيّة أقرب إلى النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم وأولى بمواريثه ومقامه من العلويّين . يقول في قصيدته :

أَلا مَنْ لِعَينٍ وَتَسكابِها *** تشكي الداة وتنكابها

نَهَيْتُ بَني رَحِمي لَوْ *** وعوا نصيحة بر يأنسابها

وَراموا قريشاً أُسودَ الشَّرى *** وَقَدْ نَشَبَتْ بَين أنيابها

قَتَلْنا أُمَيَّةَ في دارها *** فَكُنَا أَحَقُّ بِأَسْلابِها

وَكَمْ عُصبةٌ قَدْ سَقَتْ *** مِنْكم الخلافة صابا بِأَكْوابها

إذا ما دَنَوْتُم ثُمَّ تلقيتم *** زبوناً وقرّت بجلابها

وَلَمّا أَبى اللهُ أَنْ تَمْلِكوا *** دعينا إليها فَقُمْنا بها

وما رَدَّ حِجابها وافداً *** لَنا إِذْ وَقَفْنَا بِأَبْوابِها

كَقُطب الرحى وافَقَتْ أُخْتَها *** دعونا بِها وَعَمِلْنا بِها

وَنَحْنُ وَرِثْنا ثِيابَ النَّبِيِّ *** فَكَمْ تَجْذبونَ بِأَهْدابها


1) الذخائر : 81 - 83 .

لَكُمْ رَحِمٌ يا بَني بِنْتِهِ *** وَلكِنْ أَرى العَمَ أَوْلى بها

بِهِ نَصَرَ اللهُ أَهْلَ الحِجازِ *** وَأَبْرَأَها بَعْدَ أَوْصابها

وَيَومَ حُنَيْنٍ قَدِ أَعيَتْكُمْ *** وَقَدْ أَبْدَتِ الْحَرْبُ عَنْ نابِها

فَمَهْلاً بَني عَمِّنا إِنَّها *** عَطِيَّةُ رَبُّ حَبانا بها

وَأُقْسِمُ أَنَّكُمْ تَعْلَمو *** ن إِنَّا لَها خَيرُ أَرْيابِها(1)

وانبرى العبقري الملهم شاعر العرب الأكبر صفي الدين الحلّي (المتوفّى سنة 750ه) فردّ أباطيل ابن المعتزّ بهذه القصيدة الرائعة ، قال :

أَلا قُلْ لِشَرْ عِبادِ الإله *** وطاغي قُرَيشِ وَكَذَابِها

وباغي العِبادِ وَباغي العِنادِ *** وهاجي الكرامِ وَمُغْتابها

أَ أَنتَ تُفاخِرُ آلَ النَّبِيِّ *** وَتَجْحَدُها فَضْلَ أَحْسابها

بِكُمْ باهَلَ المُصْطَفى أمْ بِهِمْ *** فَرَدَّ العِداةَ بِأَوْصابِها

أَعْنُكُمْ نَفِى الرِّجْسَ أَمْ عَنْهُمُ *** يطهرِ النُّفوسِ وَأَلْبابِها

أما الرّجسُ وَالخَمْرُ مِنْ دَابِكُمْ *** وَفَرْطُ العِبادَةِ مِنْ دَأْبِها

وَقُلتَ وَرِثْنا ثِيابَ النَّبِيِّ *** فَكَمْ تَجْذِبونَ بِأَهْدايها

وعندك لا يورثُ الأَنْبِيا *** فَكَيفَ حَظيتُمْ بِأَثوابها

فَكَذَّبْتَ نَفْسَكَ في الحالتين *** وَلَمْ تَعْلَمِ الشَّهْدَ مِنْ صابِها

أَجَدُّكَ يَرْضى بِما قُلتَهُ *** و مَا كان يوماً بمرتابها

وَكانَ بِصِفِّينَ مِنْ حِزْبِهِمْ *** لِحَربِ الطَّعَاةِ وَأَحْزابها


1) الغدير : 6 52 . الوافي بالوفيات : 17: 243 .

وَقَدْ شَمَّرَ المَوتُ عَنْ ساقه *** وَكَشَرتِ الحَرب عَنْ نابها

فَأَقْبَلَ يَدعو إلى حَيْدَرٍ *** بازغابِها وَبِارْهابِها

وَآثَرَ أَن تَرْتَضيهِ الأَنامُ *** مِنَ الحَكَمَينِ لأَسْبابِها

لِيُعْطى الخِلافَةَ أَهْلاًلَها *** فَلَمْ يَرْتَضوهُ لإيجابِها

وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ طول الحَياةِ *** وَحيدَرُ في صدر محرابها

فَهَلَا تَقَمَّصَها جَدُّكُمْ *** إذا كان إذ ذاك أخرى بها

إِذا جَعَلَ الأَمْرُ شُورى لَهُمْ *** فَهَلْ كَانَ مِنْ بَعضِ أَرْيابِها

أخامِسَهُمْ كَانَ أَمْ سادساً *** وَقَدْ جليت بَينَ خَطَّابِها

وَقَولُك أَنتُمْ بَنو بِنْتِهِ *** ولكِنْ بَنو العَمَ أَوْلى بها

بنو البنْتِ أَيْضاً بَنو عَمِّهِ *** وذلِكَ أَدْنى لأَنسابها

فَدَعْ في الخِلافَةِ فَصَلَ الخِلافِ *** فَلَيْسَتْ ذَلُولاً لِرُكَابِها

وَما أَنْتَ وَالفَحْصُ عَنْ شَأْنِها *** وَما قَمَّصوكَ بِأَثوابها

وَما ساوَرَتْكَ سوى ساعَةٍ *** فَما كُنْتَ أَهْلاً لأشبابها

وَكَيفَ يَخُصُوكَ يَوْماً بها *** وَلَمْ تَتَأدب بآدابها

وَقُلْتَ بِأَنَّكُمُ الْقاتِلُونَ *** أُسودَ أُمَيَّةً في غابِها

كَذَبْتَ وَأَسْرَفْتَ فيما ادَّعَيتَ *** وَلَمْ تَنْهَ نَفْسَكَ عَنْ عَابِها

فَكَمْ حاوَلَتْها سُراةٌ لَكُمْ *** فَرُدَّتْ عَلَى نَحْصِ أَعْقابِها

وَلَوْلا سُيوفُ أَبي مُسْلِمٍ *** لَعَزَّتْ عَلى جَهْدِ طَلَابِها

وذلِكَ عَبدٌ لَهُمْ لا لَكُمْ *** رعى فيكُمْ قُرْبَ أَنْسابِها

وَكُنتُمْ أُسارى ببطنِ الحُبوسِ *** وَقَدْ شَفَّكُمْ لَثْمُ أَعْتابِها

فَأَخْرَجَكُمْ وَحَباكُمْ بِها *** وَقَمَّصَكُمْ فَضْلَ جُلْبابِها

فَجازَيْتُموهُ بِشَرِّ الجَزاءِ *** لطغوى النفوسِ وَإعجابها

فَدَعْ ذِكْرَ قَوْمٍ رَضوا بِالْكَفَافِ *** وجاءوا الخلافة من بابها

هُمُ الزَّاهِدونَ هُمُ العابِدون *** هُمُ السَّاجدون بمحرابها

هُمُ الصّائمونَ هُمُ القائمونَ *** هُمُ العالِمونَ بِآدابها

هُمْ قُطْبُ مِلَّةِ دينِ الإِلهِ *** وَدَوْرِ الرَّحىٰ حَوْلَ أَقْطابِها

عليكَ بِلَهْوِكَ بِالْغانِياتِ *** وَخَلُ المعالي لأصحابها

وَوَصْفِ العَذارى وذاتِ الخِمارِ *** وَنَعْتِ العِقارِ بِألقابها

وَشِعرِكَ في مَدْح تَرْكِ الصَّلاةِ *** وَسَعْيِ السُّقاةِ بِأَكْوابها

فَذلِكَ شَأْنُكَ لَا شَأْنُهُمْ *** وَجَرْي الْجِيادِ بِأَحْسابها(1)

إنّ قرب السادة العلويّين من النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ليس وحده هو السبب في استحقاقهم المركز الخلافة والإمامة ، حتّى ظلّ يناقشهم في ذلك مروان بن أبي الجنوب وابن المعتزّ العبّاسي ، وإنّما السبب مؤهّلاتهم الخاصّة من العلم والتقوى والحريجة في الدين، وسائر مواهبهم وعبقريّاتهم التي لم تتوفّر عند العبّاسيّين وأشباههم من الأمويّين.

اعتقال العلويين

ومن بين المحن الشاقّة والعسيرة التي تعرّض لها العلويون في أيّام الطاغية المتوكّل هو اعتقال أكثرهم ، وزجّهم في ظلمات السجون لا لذنب اقترفوه وإنّما


1) الغدير : 6 52 - 54 . الوافي بالوفيات : 17 : 245. فوات الوفيات : 1 : 594 - 597 .

لمطالبتهم بحقوق الأمّة ، وتبنّتهم لأهدافها وآمالها ، وكان من بينهم ما يلي :

1 - محمّد بن صالح

ينتهي نسبه الشريف إلى الإمام الزكيّ الحسن بن عليّ سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وكان السيّد محمّد من مفاخر الأسرة النبويّة فضلاً وأدباً وشجاعة ، حبسه الطاغية المتوكّل في سرّ من رأى (1).

وقد نظم وهو في السجن هذه الأبيات الرقيقة التي مثّلت مدى آلامه وأحزانه . يقول :

طَرِبَ الفُؤادُ وَعاوَدَتْ أَحْزانُهُ *** وَتَشَعَبَتْ شُعَباً بِهِ أَشْجانُهُ

وَبَدا لَهُ مِنْ بَعْدِما انْدَمَلَ الهَوى *** بَرْقٌ تَأَلَّقَ موهِناً لَمَعَانُهُ

يبدو كحاشِيَةِ الرِّداءِ وَدونَهُ *** صَعْبُ الذُرا مُتَمَنِّعٌ أَرْكَانُهُ

فَدَنا لِيَنْظُرَ أَينَ لاحَ فَلَمْ يُطِقْ *** نَظَراً إِلَيْهِ وَرَدَّهُ سَجَانُهُ

فَالنَّارُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ضُلوعه *** والماءُ ما سَحَتْ بِهِ أَجْفانُهُ

ثُمَّ اسْتَعَاذَ مِنَ القَبيح وَرَدَّهُ *** نَحْوَ العَزاء عن الصبا إيقانُهُ

وَبَدا لَهُ أَنَّ الَّذي قَدْ نالَهُ *** ماکانَ قَدَّرَهُ لَهُ دَيَانُهُ

حتى اسْتَقَرُ ضَميرُهُ وَكَأَنّما *** هَتَكَ العَلائِقَ عَامِلٌ وَسنانُهُ ي

يا قَلبُ لَا يَذْهَبْ بِحِلمِك باخِلٌ *** بِالنِّيل باذل تافه مَنانه

يعد القضاء وَلَيسَ يُنجز مَوْعِداً *** وتكونُ قَبلَ قَضائِهِ لَيَانُهُ

خدلُ الشَّوىٰ حَسَنُ القِوامِ مُخَصَّرُ *** عذب لماهُ طَيِّبٌ أَرْدانُهُ


1) مقاتل الطالبيّين : 600 .

وَاقْنَعْ بِما قَسَمَ الإِلهُ فَأَمْرُهُ *** ما لا يَزالُ عَن الفتى إتيانه

وَالبُؤْسُ فان لا يَدُومُ كَما مَضى *** عَصْرُ النَّعِيمِ وَزَالَ عَنكَ أَوانه(1)

وكما صوّرت هذه الأبيات أشجانه ومآسيه فإنّها صوّرت إيمانه العميق بالله

والتسليم لقضائه، والالتجاء إليه في جميع مهمّاته . ولهذا السيّد الجليل تراث رائع ذكره المترجمون له .

2 - محمّد بن محمّد بن جعفر الحسيني

کان من دعاة الحسن بن زيد أخذه عبدالله بن طاهر أحد عمّال المتوكّل فحبسه بنيسابور ، فلم يزل في السجن حتّى وافته المنيّة(2).

هؤلاء بعض العلويّين الذين سجنهم المتوكّل .

المتوارون

وتوارى جماعة من العلويّين فهاموا على وجوههم متنكّرين في المدن والأرياف خوفاً من السلطة العبّاسيّة ، ونذكر بعضهم :

1 - أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين ، كان فاضلاً عالماً ، مقدّماً في أهله معروفاً ، مات متوارياً(3).

2 - عبد الله بن موسى الحسن ، من عيون العلويّين ، ومن مفاخر الأبطال ، توارى خوفاً من السلطة العبّاسيّة (4).


1) مقاتل الطالبيّين : 601 و 602 .

2) مقاتل الطالبيّين: 615 .

3) مقاتل الطاليّين: 619 .

4) مقاتل الطالبيّين : 628

وتوارى جماعة آخرون هرباً من بني العبّاس ذكرهم أبو الفرج الأصبهاني وغيره .

ثورة الشهيد يحيى رحمه الله

وثار الشهيد الخالد يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد في وجه الظلم والجبروت مطالباً بحقوق المظلومين والمضطهدين والمعذّبين، وداعياً إلى إقامة حكم الله في الأرض ، وكان يتحلّى الصفات الكريمة والنزعات الشريفة ، فكان فارساً بجميع شجاعاً بعيداً عن رهق الشباب ، وما يعاب به مثله(1).

وقد أحبّه الناس وأخلصوا له لأنّه استفتح أموره بالكفّ عن الدماء ، والتورّع عن أخذ شيء من أموال الناس ، وقد أظهر العدل والانصاف .

أمّا السبب في ثورته فهو لجفوة لحقته ، ومحنة نالته أيّام المتوكّل وغيره من الأتراك(2).

وقد تبعه أخلاط من أهل الكوفة فثار بهم أيّام المستعين العبّاسي ، وقد ندب إلى قتاله محمّد بن طاهر ، فزحف إليه في جيش مكثّف ، وبعد صراع رهيب سقط يحيى قتيلاً، وقد انطوت بقتله صفحة من صفحات الجهاد المشرّف في الإسلام ، وجلس محمّد بن طاهر مجلساً عامّاً للتهنئة بقتل ذرّيّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فجعل الأوغاد والأذناب يبدون له الأفراح والمسرّات ويهنّئونه بالنصر والظفر بقتل ابن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ودخل عليه أبو هاشم الجعفري، وقد ضاقت عليه الأرض من لوعة المصاب والحزن ، فقال له : « أيّها الأمير ، إنّك لتهناً بقتل رجل لو كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حيّاً لعزّي به » .

ووجم ابن طاهر وساد صمت رهيب في المجلس ، وخرج أبو هاشم وهو يقول :


1) مقاتل الطالبيّن: 639 .

2) مروج الذهب : 4 : 93 .

يابني طاهِرٍ كُلوهُ وَبِيّاً *** إِنَّ لَحْمَ النَّبِيِّ غَيْرُ مَرِيٌّ

إن وثراً يكون طالبه الل *** ه کوثر بالقوتِ غَيرُ حَرِي(1)

وسيقت الأسارى من أصحاب يحيى إلى بغداد ، وقد لحقهم من العسف و سوء الحال ما لا يوصف لفظاعته ، ويقول المؤرّخون : إنّهم كانوا يساقون حفاة سوقاً عنيفاً من تأخّر ضربت عنقه ، حتّى ورد كتاب المستعين بتخلية سبيلهم ، فأطلق سراحهم(2).

وحزن الناس على يحيى ، ويكوه أمرّ البكاء ، ولم يرث أحد بأكثر ممّا رثي ، فممّن رثاه أحمد بن طاهر بقوله :

سَلامٌ عَلى الإسلامِ فَهوَ مُوَدَّع *** إذا ما مضى آلُ النَّبِيِّ فَوَدَّعوا

فَقَدْنا العُلا وَالمَجْدَ عِندَ افْتِقادِهِمْ *** وَأَضْحَتْ عُروش المكرمات تَضَعْضَعُ

وعرض في قصيدة له إلى هجاء بني طاهر ، قال :

تني طاهِرٍ وَاللُّؤْمُ مِنْكُمْ سَجِيَّة *** وَلِلغَدرِ مِنكُمْ حَاسِرٌ وَمُقَنَّعُ

قواطِعُكُمْ فِي التُّرْكِ غَيْرُ قَواطِعِ *** ولكنها في آل أَحْمَدَ تَقْطَعُ

لَكُمْ كُلُّ يَوْمٍ مَشْرَبُ مِنْ دِمَائهِمْ *** وغلتُها(3)مِنْ شُرْبها لَيْسَ تَنْفَعُ (4)

ورثاه الشاعر الكبير عليّ بن محمّد بن جعفر العلوي الحماني بقوله :

يا بقايا السَّلَفِ الصّا *** لِحِ والتَّجرِ الربيح


1) مروج الذهب : 4 : 93 .

2) مقاتل الطالبيّين : 644.

3) الغلّة : شدّة الظمأ .

4) مروج الذهب : 4 94 . تنقع : تُروى .

نَحْنُ لِلأَيام مِنْ بَي *** ن قتيل وجريح

خَابَ وَجْهُ الْأَرْضِ كَمْ غَيَّ *** بَ مِنْ وَجْهِ صَبيح

أو مِنْ يَومِك ما أو *** داهُ لِلْقَلْبِ الفَريح(1)

ورثاه شاعر آخر من شعراء ذلك العصر بقوله :

بَكَتِ الخَيلُ شَجْوَها بَعْدَ يَحْيى *** وَيَكاهُ المُهَنَّدُ المَصْقولُ

وَيَكاهُ العِراقُ شَرْقاً وَغَرْباً *** وَيَكاهُ الكِتابُ وَالتَّنْزِيلُ

والمُصَلّى وَالبَيْتُ وَالرُّكْنُ والحِج *** رجَميعاً لَهُمْ عَلَيْهِ عَوِيلُ

كَيف لَمْ تَسْقُطِ السَّماءُ عَلَيْنا *** يَومَ قالوا أبو الحُسَيْن قتيل(2)

ورثاه الشاعر الكبير عليّ بن العبّاس المعروف بابن الرومي بقصيدة عصماء تعدّ من روائع الشعر العربي ، وقد استهلّها بقوله :

أَمامَكَ فَانظُرْ أَيَّ نَهْجَيْكَ تَنْهَجُ *** طريقانِ شَتّى مُسْتَقِيمٌ وَأَعْوَجُ

أَلا أَيُّهذا النّاسُ طال ضَريركُمْ *** بِالِ رَسولِ اللهِ فَاخْسُوا أَوِ ارْتَجوا

أَكُلُّ أوانٍ لِلنَّبِيَّ مُحَمَّدٍ *** قَتيلٌ زَكِيٌّ بِالدِّماءِ مُضَرَّجُ

تبيعونَ فيهِ الدِّينَ شَرُّ أَيمة *** فَلِلَّهِ دينُ اللهِ قَدْ كادَ يَمْرَجُ(3)

ويستمرّ ابن الرومي في رائعته التي تعدّ من ذخائر الأدب العربي في التفجّع على قتل يحيى الذي فقدت فيه الأمّة الرائد والزعيم والثائر ، كما يعرض إلى ذكر مساوئ بني العبّاس التي سوّدت وجه التاريخ الإسلامي .


1) مروج الذهب : 4 : 64 .

2) مروج الذهب : 2 : 95 .

3) مقاتل الطالبيّين : 646 .

وعلى أي حال ، فقد كان قتل يحيى من الأحداث الجسام في ذلك العصر ، فقد انتهكت في قتله حرمة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في ذرّيّته الذين جعل القرآن العظيم مودتّهم والولاء لهم أجراً للنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم على أتعابه في أداء رسالته .

هدم قبر الإمام الحسين علیه السلام

من المآسي الرهيبة التي مني بها المسلمون في ذلك العصر إقدام المتوكّل الطاغية على هدم قبر الإمام الحسين علیه السلام الذي هو رمز للكرامة الإنسانيّة ، ورمز لجميع فضائل الدنيا، ورمز لكلّ ما يعتزّ به الإنسان من القيم العليا .

لقد كان المتوكّل يتحرّق غيظاً لما يسمعه من ازدحام الناس وتهافتهم على زيارة قبر ريحانة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في حين أنّ قبور آبائه وقبور إخوانه الأمويّين قد صارت في مزبلة من مزابل الأرض في أمكنة قفراء موحشة مظلمة ، وه-ي م-أوى للوحوش الضارية ، وهي ببؤسها تحكي ظلمهم وجورهم وبطشهم بالمسلمين.

أمّا السبب المباشر لإقدامه على هدم القبر الشريف هو أنّ بعض المغنيّات كانت تبعث إليه بجواريها قبل أن يتقلّد الخلافة ليغنّين له إذا شرب الخمر ، فلمّا ولي الخلافة بعث إليها لتسعفه بمغنيّة فأُخبر أنّها غائبة ، وكانت قد مضت إلى زيارة قبر الامام الحسين علیه السلام ، وانتهى إليها الخبر وهي في كربلاء ، فأسرعت الرجوع إلى بغداد وبعثت إليه بإحدى جواريها التي كان يألفها ، فقال لها : أين كنتم ؟

قالت : إنّ مولاتي قد خرجت إلى الحجّ ، وأخرجتنا معها ، وكان ذلك في شهر شعبان .

فبهر المتوكل وقال : إلى أين حججتم في شعبان ؟

قالت : إلى قبر الحسين .

وفزع الطاغية وانتفخت أوداجه ، وورم أنفه حينما سمع بالزيارة لقبر

الحسين علیه السلام ، فاعتقل مولاة الجارية ، وصادر جميع أموالها(1)، وأوعز إلى العمّال بهدم القبر الشريف ، فامتنع العمّال المسلمون من هدم قبر ريحانة نبيّهم ، ولم يقدموا على ذلك ، وتحرّجوا أعظم ما يكون التحرّج ، فأوعز إلى اليهود وعلى رأسهم الديزج فاستجابوا له ، وإلى ذلك يشير ابن الرومي في رائعته :

وَلَمْ تَقْنَعوا حَتَّى اسْتَثَارَتْ قُبورَهُمْ *** كِلائِكُمْ مِنْها بهيم وديزجُ(2)

وقام اليهود والأرجاس بهدم القبر الشريف ، وكان ذلك في سنة ( 237ه )(3)، كما هدموا كلّ بناء حول القبر، وكربوا ما حوله من نحو مائتي جريب ، وأجري الماء حوله(4)، إلّا أنّه دار حول القبر ، ولم يصل إليه ومن ثمّ سمّي الحائر ، وقد خرجت من القبر الشريف رائحة من الطيب لم يشمّ الناس عطراً مثلها(5)، إنّها الشرف وعطر الكرامة الإنسانيّة .

وتشرّف أعرابي من بني أسد بزيارة القبر الشريف بعد أن عفى أثره ، فجعل يأخذ قبضة من التراب ويشمّها لترشده إلى القبر الشريف ، وحينما انتهى إليه أخذ قبضة من الثرى الطاهر فشمّها فإذا بها مليئة بالعطور ، فبكى وخاطب الإمام قائلاً: «بأبي أنت وأمّي ، ما أطيبك وأطيب قبرك وتربتك ! » .

ثمّ أنشأ :

أَرادوا لِيُخْفُوا قَبرَهُ عَنْ وَلِيهِ *** وَطِيبُ تُرابِ القَبْرِ دَلَّ عَلى القَبْرِ(6)


1) مقاتل الطالبيّين : 478 .

2) مقاتل الطالبيّين : 658 .

3) أخبار الدول : 459 .

4) مقاتل الطالبيّين : 598 .

5) مقاتل الطالبيّين : 598 .

6) شرح شافية أبي فراس : 2 ، الورقة 144 .

ويقول الجواهري :

شَمَمْتُ تَراكَ فَهَب النسيمُ *** نَسيمُ الكَرامَةِ مِنْ بَلقَع

تَعَالَيتَ مِنْ مُفْزِعِ لِلحُتُوفِ *** وَيُورِكَ قَبرُكَ مِنْ مَفْزَع

تَلوذُ الدُّهُورُ فَمِنْ سُجَّد *** عَلى جَانِبَيْهِ وَمِنْ رُكَّعِ(1)

لقد أراد المتوكّل أن يمحو قبر سيّد الشهداء ويزيل أثره ، ولكن خاب سعيه ، وتبّت يداه ، فإنّ قبر الحسين علیه السلام ظلّ شامخاً على الدهر ، وهو أسمى مكان تقدّسه البشريّه على اختلاف اتجاهاتها وعقائدها ، وتأوي إليه الملايين من الناس .

يقول العقّاد : « فهي اليوم مزار يطيف به المسلمون متّفقين ومختلفين ، ومن حقّه أن يطيف به كلّ إنسان ، إنّه عنوان قائم لأقدس ما يشرق به هذا الحيّ الآدمي من بين سائر الأحياء .

فما أظلّت قبّة السماء مكاناً لشهيد قطّ هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشهادة وذكرى الشهداء »(2).

منع المسلمين من زيارته علیه السلام

ومنع المتوكّل رسميّاً المسلمين من زيارة ريحانة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وسيّد شباب أهل الجنّة الغريب المظلوم ، وقد أقام المسالح والمراصد ، وبثّ العيون لملاحقة الزائرين ومطاردتهم ، وإنزال أقسى العقوبة بهم التي منها القتل والصلب وقطع الأيدي وغير ذلك من صنوف التنكيل ، وبالرغم من هذه الإجراءات القاسية ، فإنّ المسلمين لم يمتنعوا من زيارة سبط نبيّهم، فقد ازدحموا على القبر الشريف ، ولمّا علم بذلك


1) ديوان الجواهري: 3: 333 .

2) أبو الشهداء / العقّاد : 161 .

أنفذ إليهم أحد قواده ، وضمّ إليه جيشاً مكثّفاً ليمنعهم من زيارته ، فثار أهل السواد في وجهه وقالوا له : لو قتلتنا عن آخرنا لما امتنعنا عن زيارته ، فكتب بذلك إلى المتوكّل ، فأمره بالكفّ عنهم .

وفي سنة (247ه) بلغ المتوكّل أنّ المسلمين قد أقبلوا بكثرة هائلة إلى زيارة المرقد العظيم ، فأنفذ إليهم جيشاً كثيراً ، وأمر مناديه فنادى : « أن برئت الذمة ممّن زار قبر الحسين»(1).

واتّخذ جميع الإجراءات المشدّدة من القتل والسجن وفرض الضرائب عليهم. إلّا أنّه لم يفلح بذلك ، فقد بذل المسلمون أرواحهم وأموالهم بسخاء لزيارة الحسين علیه السلام.

تذمّر المسلمين

وتذمّر المسلمون أشدّ ما يكون التذمّر من المتوكّل ، وسبّوه في الأندية والمجالس ، وكتبوا سبّه على المساجد والجدران ، في شوارع بغداد وغيرها ، وقد شاعت في جميع الأوساط هذه الأبيات وحفظها الناس وهي لشاعر أخفى اسمه خوفاً من السلطة قيل : إنّها لابن السكّيت ، وقيل : إنّها للبسامي(2)، وقيل لغيرهما ، وهى :

تَاللهِ إِنْ كانَتْ أُمَيَّةُ قَدْ أَتَتْ *** قَتْلَ ابْنِ بِنْتِ نَبِيّها مظلوما

فَلَقَدْ أَتاهُ بَنو أَبِيهِ بِمِثْلِهِ *** منذا لَعَمْرُكَ قَبْرُهُ مَهْدومَا

أَسفوا على أن لا يكونوا شاركوا *** في قَتْلِهِ فَتَتَبَّعوهُ رَميماً(3)


1) شرح شافية أبي فراس : 2 ، الورقة 144.

2) فوات الوفيات : 1 : 290 .

3) أخبار الدول : 159 . تاريخ الخلفاء : 347.

لقد زاد العبّاسيّون على ما فعله إخوانهم الأمويّون في ظلم العلويّين والتنكيل ، ومن الحق أنّ الأمويّين على ما فيهم من شدّة وقسوة فإنّهم أشرف بكثير وأنبل بهم ، من أكثر ملوك بني العبّاس ، فقد كانت لبعضهم من الفواضل ما ليست لمؤسّس دولتهم المنصور الدوانيقي ، كما يقول الإمام الصادق علیه السلام .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الحياة السياسيّة في عصر الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام .

الحياة الاقتصاديّة

اشارة

أمّا الحياة الاقتصاديّة في عصر الإمام الهادي علیه السلام، فقد كانت مضطربة للغاية ، فلم يكن هناك نظام اقتصادي علمي تسير عليه الدولة ، وإنّما كانت البلاد ترزح تحت فوضى اقتصاديّة غير خاضعة للنظام الاقتصادي الإسلامي وغيره ، قد تسلّط الخلفاء والأتراك والوزراء والعمّال على سلب اقتصاد الأمّة، ونهب ثرواتها ، واحتكار الأموال الطائلة في خزائنهم الخاصّة ، في حين كان البؤس والفقر سائدين في جميع أنحاء البلاد، وكانت الأكثريّة الساحقة من أبناء الشعوب الإسلاميّة تئن تحت وطأة الفقر لم تتمكّن من الحصول على ضروريات الحياة فضلاً عن كماليّاتها .

ونعرض بإيجاز إلى بذخ المتوكّل وغيره من الملوك الذين عاصرهم الإمام وتبذيرهم أموال المسلمين ، وإلى الحياة الاقتصاديّة العامّة في البلاد ، وفيما يلي ذلك :

نفقات المتوكّل

وكان المتوكّل ينفق أموال المسلمين بلا حساب على شهواته ورغباته ، فكان بيت المال ملكاً له يتصرّف فيه حيثما شاء ، وقد قال المسعودي : « إنّ النفقات لم تبلغ في وقت من الأوقات ما بلغته في أيّام المتوكل» (1).

وقد حظي بها ما يلي :

1 - المغنّين .


1) مروج الذهب : 4 : 159 .

2 - جواري القصر التي كانت تعدّ بأربعة آلاف .

3 - اللاهين والمضحكين.

4 - الشعراء الذين ينتقصون أهل البيت علیهم السلام ، وكان يبذل لهم الهبات والأموال الكثيرة .

هؤلاء بعض الذين كان ينفق عليهم المتوكّل من أموال الدولة التي يجب أن تنفق على صالح المسلمين وتطوير حياتهم .

دعوة بركوار

وهذه الدعوة من أهمّ الدعوات التي أقيمت في العالم العربي والإسلامي ، وقد أقامها المتوكّل حينما ختن بعض أولاده ، وقد أنفق فيها من الأموال ما لا يحصى ، فقد نقل العمراني صورة عن تلك الدعوة ، قال : « ونصب السماط على حافّة دجلة ، وتناول الناس الطعام على اختلاف طبقاتهم ، ثمّ قدّمت لهم أقداح الشراب فشربوا ، وأمر المتوكّل أن تنتقل الدراهم والدنانير المختلطة في الغرائر(1)ونصب قباباً بين أيدي الناس ، وأمر منادياً فنادى كلّ من شرب قدحاً فليأخذ ثلاث حفنات ، فأخذ كلّ واحد ثلاث حفنات ، واستمرّ الوضع إلى آخر النهار ، كما أمر المتوكّل أن تصبّ الدنانير والدراهم المختلطة في وسط المجلس، فصبّت وقد بلغت من الكثرة أن حالت من رؤية بعضهم بعضاً ، ونادى مناديه : أنّ أمير المؤمنين أباح لكم نهب هذه الأموال ، فوقع الناس عليها وأخذوها .

ولمّا جاء الليل اشتعلت الشموع من العنبر ، وكان بعضها كالنخلة ، ونصبت بعضها على ساحل دجلة ، فكان الإنسان في الجانب الآخر من ساحل دجلة يقرأ


1) الغرائر : هي الجوالق ، وهو العدل من الصوف أو الشعر.

الكتب على ضوء تلك الشموع .

والتفت المتوكّل إلى شيخ معمّر فقال له : أين دعوة بركوار ، من دعوة فم الصلح ؟

أمّا دعوة فم الصلح فهي الاحتفال بزواج المأمون بالسيّدة بوران ، وقد أنفق فيه من الأموال مالم يشاهد مثله في جميع مراحل التاريخ الإنساني ، وقد نقل الشيخ في حديثه جانباً منه ، قال : « لا يمكنني ذكر التفصيل ، ولكن أذكر جملة استدلّ بها على ما أقوله : شاهدت في عرس بوران بفم الصلح على باب القرية كالجبل العظيم من القوانس والكبود للدجاج والبطّ والوزّ والحملان والصيود وأنواع الطير بحيث جاف العسكر ، واحتاج الحسن بن سهل إلى أن أحضر جمال العرب ، فنقلت بعضها ورمى البعض منها في دجلة ، فلم يمكن الشرب منه أيّاماً لنتن رائحته . وشاهدت يا أمير المؤمنين خدمك وغلمانك فى دعوة بركوار يتخاصمون على القوانس والكبود !! » .

فبهر المتوكّل وراح يقول : الله أكبر ما تركوا لنا ما نُذكر به (1).

الاحتفال بالبيعة لأولاده

وأنفق المتوكّل الأموال الطائلة في الاحتفال الذي أقامه بمناسبة البيعة لأولاده ، وهم : محمّد ولقبه المنتصر ، والزبير ولقبه المعتزّ ، وإبراهيم ولقبه المؤيّد ، وقد صادفت البيعة في يوم الاثنين غرّة المحرّم سنة ( 236ه) ، وقد دعا الناس دعوة عامّة ، وأنفق من الأموال ما يبهر العقول ، فقد نصب سماطاً طوله أربعة فراسخ في البستان الذي غرسه بسامرّاء الذي بنى فيه قصره المعروف بالجعفري ، وكان طوله سبعة فراسخ ، وعرضه فرسخ واحد ، وقد امتلأ هذا القصر على سعته بالناس ، وقد وضعت تماثيل العنبر والكافور ونوافج المسك بين أيدي الناس في جملة


1) الأنباء في تاريخ الخلفاء : 83 و 84.

الرياحين والمشمومات ، وكانت تنقل من الخزائن بالزبل(1)والغرائر ، ولكلّ من شرب قدحاً تناول منها فشمّها ، وأدخلها في كمه أو سلّمها إلى علامه ، وكلّما نفدت أعيد بدلها ، هكذا من طلوع الشمس إلى غروبها .

وكان المتوكّل جالساً على سرير من ذهب مرصّع بالجوهر فيه ألف منّ ، وولاة العهود وقوف بين يديه، وعليهم التيجان المرصّعة ، والناس على طبقاتهم بين جالس وقائم ، وقد طلعت الشمس على أواني الذهب التي كانت منتشرة في المجلس، ومناطق الذهب والسيوف والترس المحلّاة بالذهب ، وهي ممّا تخطف الأبصار ، وقد انبرى إبراهيم بن العباس الصولي أمير الأهواز فأنشد بين السماطين : أَضْحَتْ عُرى الإِسْلامِ وَهِيَ مَنوطة *** بالنصر والإعزاز والتأييد

بِخَليفَةٍ مِنْ هاشم وَثَلاثَةٍ *** كَتفوا الخِلافَةَ مِنْ وُلاةِ عُهود

كَنَفَتْهُمُ الآباءُ وَاكْتَنَفَتْ بِهِمْ *** فَسَعوا بِأَكْرَمِ أَنْفُسٍ وَجُدودِ(2)

إنّ هذه الأموال الهائلة التي أنفقت في هذه الاحتفالات إنّما هي للمسلمين ، ويجب في نظر الإسلام أن تصرف على مصالحهم وتنمية قدراتهم ، وزيادة دخل الفرد منهم ، ولكن لم يتحقّق ذلك في ظلّ تلك الأنظمة الهزيلة .

الجوارى

واكتضّت قصور ملوك بني العبّاس بالجواري اللاتي جلبن من مختلف أنحاء البلاد ، فكان للمتوكّل العبّاسي أربعة آلاف جارية ، وقد قاربهنّ جميعاً(3)، وكانت له


1) الزبل: جمع مفرده زبيل ، وهو القفة والوعاء .

2) الأنباء في تاريخ الخلفاء : 83.

3) مروج الذهب : 4 : 141 . تاريخ الخلفاء : 349 . أخبار الدول : 116 .

جارية يهواها ، ولا يصبر على فراقها ، فوقفت أمامه وقد كتبت على خدّها بالغالية «جعفر»، فتأمّلها ثمّ أنشأ يقول:

وكاتبة فى الخد بالمسكِ جَعْفَراً *** بِنَفْسِي مَحَطَ المِسْكِ مِنْ حَيثُ أَثَّرا

لَئِنْ أَوْدَعَتْ سَطْراً مِنَ المِسْكِ خَدَّها *** لَقَدْ أَوْ دَعَتْ قَلبي مِنَ الحُبُ أَسْطُرا(1)

ومن الطبيعى أنّ هذه الجواري كان ينفق عليها ملايين الدنانير من بيت مال المسلمين ، وبذلك كان الاقتصاد العامّ مصاباً بالشلل نتيجة هذه التصرّفات الشاذّة .

القصور

وبنى المتوكّل العبّاسي وغيره من ملوك العبّاسيّين القصور الفخمة التي لم يوجد مثلها في البلاد ، وقد بنى المتوكّل قصراً في سفينة .

قال البحتري في وصفه :

غَنِينا عَلى قَصرٍ يَسِيرُ بِفِتْيَةٍ *** قعود على أرجائه وقیام

تَظَلُّ البُزاةُ(2)البِيضُ تَخْطِفُ حَوْلَنا *** جَاجِئَ(3)طَيْرِ في السَّمَاءِ سَوامِ(4)

تَحَدَّرُ بالدراج(5)مِنْ كُلِّ شَاهِقٍ *** تخصبَةٌ أَظفارُهُنَّ دَوامِ

فَلَمْ أَرَ كَالقَاطُول(6)يُحمَلُ ماؤُهُ *** تَدَفقَ بَحرِ بِالسَّماحَةِ طامِ


1) سير أعلام النبلاء : 12 33. مروج الذهب : 4 : 144 .

2) البزاة - جمع البازي- : وهو ضرب من الصقور .

3) الجاجئ - مفرده جؤ جو - : وهو الصدر من الطير أو السفينة .

4) السوام : الذاهبة على وجهها حيث تشاء .

5) الدرّاج : طائر شبيه بالحجل .

6) القاطول: النهر .

وَلَا جَبَلاً كَالزَّو(1)يُوقَفُ تَارَةً *** وينقادُ إِمَا قُدْتَهُ بِزِمامِ(2)

وقد أنفق المتوكّل على قصوره الملايين من الدنانير .

يقول الشابشتي : « إنّه كلّفته مائتي ألف وأربعة وسبعين ألف ألف ألف ألف درهم، ومن العين مائة ألف دينار تكون قيمة الورق بعرف الوقت مع ما فيه من العين ثلاثة عشر ألف ألف دينار وخمسمائة ألف ألف وخمسة وعشرون ألف دينار»(3).

وقال النوبري : « أنفق المتوكّل فى بناء قصوره مائة ألف دينار، وخمسين ألف ألف عيناً ، ومائتي ألف ألف وثمانية وخمسين ألف ألف وخمسمائة ألف درهم»(4).

ونشير إلى بعض قصوره التي أنفق عليها من بيت مال المسلمين ، وهي :

الجعفري

أمّا الجعفري فهو من أهمّ قصور المتوكّل ، وقد أنفق على بنائه ألفي ألف دينار(5).

وبعدما تمّ بناؤه استدعى أرباب الملاهي فقدّموا له بعض الملاهي المضحكة ، فأعطاهم مليوني درهم(6).

ووصف البحتري هذا القصر بقوله :

قَدْ قد تمَّ حُسْنُ الجَعْفَرِي وَلَمْ يَكُنْ *** لِيَّتُم إِلَّا بِالخَليفَةِ جَعْفَرٍ


1) الزّوّ : السفينة التي أطلق عليها المتوكّل هذا الاسم.

2) ديوان البحتري : 3 : 202 .

3) الديارات : 102 .

4) نهاية الارب : 1 : 406 .

5) معجم البلدان : 2 : 143 .

6) تاريخ الطبري : 7: 382 .

مَلِك تَبَوَّاً خَيْرَ دارِ أُنْشِئَتْ *** في خَيرٍ مَبدى لِلأَنامِ وَمَحْضَرِ

في رَأْسِ مَشرَفَةٍ حَصاها لُؤْلُؤً *** وترابُها مِسْكَ يُشابُ بِعَنْبَرِ

مُخْضَرَّةٌ وَالغَيْتُ لَيسَ بِساكِبٍ *** ومُضيئة والليلُ لَيسَ بِمُقْمِرٍ

ظَهَرَتْ بِمُنحرقِ الشِّمَالِ وَجاوَرَتْ *** ظُلَلَ الغَمَامِ الصَّيِّبِ المُسْتَغْزِرِ

وأضاف بعد هذا الوصف الرائع للقصر وترابه وحدائقه قائلاً:

فَرَفَعَتَ بُنْياناً كَأَنَّ زُهَاءَهُ *** أَعْلامُ رَضْوى أَوْ شَواهِقُ صَنْبَرِ

أَزْرِىٰ عَلَى هِمَمِ المُلوكِ وَغَضٌ مِنْ *** بنیان كِسْرى في الزمانِ وَقَيصر

عال عَلى لَحظِ العُيونِ كَأَنَّما *** يَنْظُرنَ مِنهُ إِلى بَياضِ المُشْتَرِي

بانیه باني المُكْرَماتِ وَرَبُّهُ *** رَبُّ الأَحَاشِبِ وَالصَّفَا وَالمَشْعَرِ

وتَسيرُ دِجلَةٌ تَحتَهُ فَفِناؤُهُ *** مِنْ لُجَّةٍ غَمْرِ وَرَوْضٍ أَخْضَرِ(1)

وحكى هذا الشعر ضخامة بناء ( الجعفري) وروعة هندسته وتصميمه ، فقد كان في علوّه وارتفاعه يضارع أعلام رضوى ، وكان في سعته قد ملأ الفضاء ، وعانق في شرفاته قطع السحاب .

ووصف البحتري روعة الجعفري وجميل بنائه بقوله :

أَصبَحَتْ بَهْجَةُ النَّعيم وَأَمْسَتْ *** بَينَ قَصْرِ الصَّبيحِ وَالجَعْفَرِيٌّ

في البناءِ العَجيبِ وَالمَنْزِلِ الاَ *** نِسِ وَالمَنْظَرِ الجَميلِ البَهِيِّ

ورياض تصبو النفوسُ إليها *** وَتُحَيّا بِنَوْدِهِنُ الجَنِي(2)


1) ديوان البحتري : 2 : 1040 و 1041 .

2) ديوان البحتري : 4 : 2451 .

لقد هام البحتري إعجاباً بالجعفري، وذكره في روائع شعره ، وممّا قاله فيه :

وَأَرى فَصَرَكَ اسْتَبَد مَعَ الحُسْ *** ن يفضل ما أعطيته الفُصورُ

رَقّ فيه الهَواءُ وَاطَّرَدَ ال *** ماءُ فَسَاحَتْ في ضِفَّتَيهِ المُحورُ

طالعتكَ السُّعودُ فيهِ وَتَمَّتْ *** لك فينا النُّعْمَى وَدامَ السُّرورُ(1)

وانتقل المتوكّل إلى الجعفري كما انتقل معه عامّة أهل سامرّاء حتّى كادت تخلو من السكّان(2).

وفي ذلك يقول أبي عليّ البصير :

أَصْبَحَتْ قَفاراً سُرَّ مَنْ راى ما بها *** إِلَّا لِمُنقَطِع : مُنقَطِع بِهِ مُتَلَوِّمُ

تَبْكي بِظَاهِرٍ وَحشَةٍ وَكَأَنها *** إِنْ لَمْ تَكُنْ تَبْكِي بِعَينٍ تَسحَمُ

كانَتْ مطلم كُلّ أَرْضِ مَرَّةً *** مِنْهُمْ فَصارَتْ بَعدَهُنَّ تَظلم

رَحَلَ الإمامُ فَأَصْبَحَتْ وَكَأَنَّها *** عَرَصَاتُ مَكَّةَ حينَ يَمْضي المَوْسِمُ

وَكَأَنَّما تِلكَ الشَّوارع بعض ما *** أَخْلَتْ أياد في البلادِ وَجُرْهُم

كانَتْ مَعاداً للعُيون فَأَصْبَحَتْ *** عِظَةٌ وَمُعْتَبَراً لِمَنْ يَتَوَسمُ

وَإِذا مَرَرتَ بِسُوقِها لَمْ تُثْنَ عَنْ *** سَنَنِ الطَّريقِ وَلَمْ تَجِدْ مَنْ يَزْحَمُ

وَتَرى الذُّرارِي وَالنِّسَاءَ كَأَنَّهُمْ *** خَلْق أَقامَ وَعَابَ عَنهُ القَيِّمُ(3)

وقد أخنى الزمان على الجعفري فصيّره من الخرائب والأنقاض التي نبذتها حتّى


1) ديوان البحتري : 2 : 903 .

2) معجم البلدان : 2 : 143 .

3) أشعار أبي عليّ البصير : 167 و 168 ، تحقيق يونس السامرّائي .

الوحوش ، وهو يحكي ظلم المتوكّل وجوره .

يقول الجواهري :

والجَعفَري وَلَمْ يُقَصِّرْ رَسْمُهُ *** الباقي بِرَغْمِ الدَّهْرِ عَنْ تَمثيله

بادِي الشُّحوبِ تَكادُ تَقْرأْ لَوعَة *** لنعيمِهِ المَسْلوبِ فَوقَ طُلولِهِ

وَكَأَنَّما هُوَ لَمْ يَجِدْ عَنْ جَعفَرٍ *** بدلاً يُسَرُّ بِهِ وَلا عَنْ جِيلِهِ

فُضَّتْ مَجالِسُهُ بِهِ وَخَلَونَ مِنْ *** شعرِ الوَليدِ بها وَمِنْ تَرتيلِهِ(1)

البرج

ومن محاسن قصور المتوكّل ( البرج ) ، وقد أنفق على بنائه ألف ألف وسبعمائة ألف دينار(2).

ووصفه الشابشتي بقوله :« كان البرج من أحسن أبنيته - أي أبنية المتوكّل - فجعل فيه صوراً عظاماً من الذهب والفضّة ، وبركة عظيمة جعل فراشها ظاهرها وباطنها صفائح الذهب والفضة ، وجعل عليها شجرة ذهب فيها كلّ طائر يصوّت ويصفّر ، مكلّلة بالجوهر ، وسمّاه طوبى - تشبيهاً بجنّة الخلد - وعُمل له سرير من الذهب كبير عليه سبعين عظيمين ، ودرج عليها صور السباع والنسور ، وغير ذلك ما يوصف به سرير سليمان بن داود علیه السلام ، وجعل حيطان القصر من داخل وخارج ملبّسةً

بالفسيفساء والرخام المذهّب(3).

ووصفه الشاعر السري بقوله :


1) ديوان الجواهري : 2 : 40 .

2) تاريخ اليعقوبي : 3 : 222. الديارات : 103 .

3) الديارات : 103 .

طائرٌ في الهَواءِ فَالبَرَ يَسْري *** دونَ أَعْلاهُ وَالحَمامُ يَطيرُ

فَإِذا الغَيمُ سارَ أَسبَلَ مِنْهُ *** جللاً دونَ خُدْرِهِ وَسُتور

وإذا غارَتِ الكَواكِبُ صُبْحاً *** فَهُوَ الكَوْكَبُ الذي لا يغور(1)

ومعنى هذا الشعر أنّ ( البرج ) كناطحات السحاب في علوّه وارتفاعه ، وأنّه يفوق الكواكب في ضيائه وإشراقه ، فالكواكب تغور عند اندلاع الصبح وهو لا يغيب .

المليح

وهو من بدايع قصور المتوكّل ، وقد أنفق عليه خمسة آلاف ألف درهم(2).

وإليه يشير البحتري بقوله :

وَاسْتَتَمَّ الصَّبيحُ فِي خَيرٍ وَقْتٍ *** فَهوَ مَغْنَى أُنْسٍ وَدارُ مُقامِ

ناظِرٌ وَجْهَهُ المَليح فلو يَنْ *** طِقُ مُعْلِناً بِالسّلام

أُنْبِسا بَهْجَةً وَقابَلَ ذا ذا *** كَ فَمِنْ صَاحِكِ وَمِنْ بَسَامِ(3)

الشَّبداز

وهو من قصوره البديعة ، وقد أنفق على بنائه عشرة آلاف ألف درهم(4).

وإليه أشار البحتري بقوله :

إِنَّ خَيرَ القُصورِ أَصْبَحَ مَوْهُو *** با بِكُرْهِ العِدَى لِخَيرِ الأَنامِ


1) نهاية الإرب : 1 : 406 .

2) معجم البلدان : 3: 175 .

3) ديوان البحتري : 3 : 2005 .

4) معجم البلدان 3: 319.

جاوَرَ الجَعْفَرِي وَانْحَارَ شِبْدا *** زُكَالرّاغِبِ المُعْنامِ(1)

المختار

ومن قصوره الرائعة ( المختار ) أنفق على بنائه خمسة آلاف ألف درهم(2).

وكانت فيه صور عجيبة من جملتها صورة بيعة فيها رهبان(3).

وهذا يدل على تأثّره بالروح المسيحيّة ، وقد شرب في هذا القصر الواثق ، وكتب على جدرانه هذه الأبيات :

ما رَأَيْنا كَبَهجَةِ المُخْتارِ *** لا ولا مثل صورَةِ الشَّهَارِ

مَجْلِسٌ حُفٌ بِالسُّرورِ وَبِالنَّر *** جسِ وَالآسِ وَالْغِنا وَالزُّمَارِ

ليس فيهِ عَيبٌ سِوى أَنَّ ما فيهِ *** سَيَفْنى بِنازِلِ الأَقْدار(4)

الغرود

ومن قصوره الجميلة ( الغرود ) ، أنفق على بنائه ألف ألف درهم(5).

وقد وصفه البحتري بقوله :

أَحْسِنُ بِدِجُلَةَ مَنْظَراً وَمُخَيْماً *** وَالغَرُود في أَكْنافِ دِجْلَةَ مَنْزِلا

خَضِلُ الفِناءِ مَتى وَطَأتَ تُرابَهُ *** قُلتَ الغَمامُ انْهَلَّ مِنْهُ فَأَسْبَلا

حَشَدَتْ لَهُ الْأَمْواجِ فَضْلَ دَوافِعِ *** أَعْجَلْنَ دُولابَيْهِ أَنْ يَتَمَهَّلا


1) ديوان البحتري : 3: 2006 .

2) معجم البلدان 5 : 70 .

3) معجم البلدان 5 : 70 .

4) معجم البلدان : 5: 71 .

5) معجم البلدان : 4: 192 .

تَبْيَضُ نَقبَتُهُ وَيَسْطَعُ نورُهُ *** حَتَّى تَكِلُّ العَينُ فيهِ وَتَنْكِلا

كَالكَوكَبِ الدُّرِّي أَخلَصَ ضَوؤُهُ *** حَلَكَ الدُّجى حَتَّى تَألُقَ وَالْجَلى

رَفَدَتْ جَوانِبُهُ القِبابُ مَيامِناً *** وَمَياسِراً وَسَفَلْنَ عَنْهُ وَاعْتَلَى

نتخالُه وتَخالَهُنَّ إزاءه *** مَلِكاً تَدينُ لَهُ المُلوكُ مُمَثَّلا

وَعَلى أَعاليهِ رَقِيبٌ ما يَنِي *** كلفاً بتصريف الرياح مُوَكَّلا

مِنْ حَيثُ دارَتْ دارَ يَطلُبُ وَجْهَها *** فِعْلَ المُقاتلِ جالَ ثُمَّ اسْتَقْبَلا (1)

بركوار

من أجمل قصور المتوكّل وأبدعها (قصر البركوار ) ، أنفق على بنائه عشرين ألف ألف درهم(2).

وفيه أقام المتوكّل دعوته التي يضرب بها المثل في الإسراف ، وذلك بمناسبة ختان ولده المعتزّ ، وقد تحدّثنا عنها في البحوث السابقة .

الحير

ومن قصور المتوكّل البديعة والجميلة ( الحير) ، فقد أنفق على بنائه أربعة آلاف ألف درهم(3).

وقد وقف عليه الخليفة الراضي بعد خرابه ، فقال :

وَالحَيرُ وَالقَصرُ وَالقاطولُ جَنَّتها *** وَالجَعفَرِيُّ بِكَفِّ الدَّهْرِ مَزْمُومُ


1) ديوان البحتري : 3: 1653 .

2) معجم البلدان: 3: 175 .

3) معجم البلدان : 2 : 328 .

مَنازِلُ آنَسَتْ دَهْراً فَأَوْحَشَها *** ظُلمُ الزّمانِ فَمَثلومٌ وَمَهدومُ(1)

لقد أصاب ( الحير ) ظلم أهله فأخربه وتركه ركاماً ، ولم يصبه ظلم الزمان وجوره فإنّه لا يوصف بذلك .

هذه بعض قصور المتوكّل العبّاسي التي شيّدها من أموال المسلمين ، وبناها من قوتهم في وقت كان الكثيرون منهم يرزحون تحت وطأة الفقر والحرمان .

برك الماء

وما دمنا في البحث عن قصور المتوكّل ، فمن المستحسن أن نشير إلى برك الماء التي ألحقها في قصوره ، فقد تفنّن هو وسائر ملوك العبّاسيّين في تزيينها ، فقد زيّنت بالصور والتماثيل الجميلة ، وجعلوا فراش بعضهم مكلّلة بالجوهر، كما غشّوا ظاهرها وباطنها بصفائح الفضّة(2).

وقد وصف البحتري بعضها بقوله :

يا مَنْ رَأى البركةَ الحَسْناءَ رُؤْيَتها *** وَالأنساتِ إذا لاحَتْ مَغانيها

بِحَسْبِها أَنَّهَا مِنْ فَضْلِ رُتْبَتِها *** تُعَدُّ واحِدَةً وَالْبَحْرُ ثانيها

ما بال دِجْلَةَ كَالغَيْرى تُنافِسُها *** في الحُسْنِ طَوْراً وَأَطواراً تُباهيها

أَما رَأَتْ كالِي الإِسْلامِ يَكْلَأُها *** مِنْ أَنْ تُعَابَ وَبَاني المَجْدِ يَبْنِيها

كَأَن جن سُلَيْمانَ الذين وَلَوا *** إبداعها فَأَدَقوا في معانيها

فَلَوْ تَمُرُّ بِها بَلْقِيسُ عَنْ عُرْضِ *** قالَتْ هي الصرحُ تَمْثيلاً وَتَشْبِيها

تَنْحَطُ فيها وفود الماءِ مُعْجِلَةً *** كَالخَيْلِ خَارِجَةٌ مِنْ حَبْلٍ مُجْرِيها


1) الأوراق : 2 : 182 .

2) نهاية الإرب : 1 : 406.

كَأَنَّمَا الفِضَّةُ البَيضاءُ سائِلَةٌ *** مِنَ السَّبائِكِ تَجْري في مَجارِيها

إذا عَلَتْها الصبا أَبْدَتْ لَها حُبكاً *** مِثْلَ الجَواشِن مصقولاً حَواشِيها

فَرَوْنَقُ الشَّمْسِ أَحْياناً يُضاحِكُها *** وَريقُ الغَيْثِ أَحْياناً يُباكِيها

إذا النُّجومُ تَراءَتْ في جَوانِبِها *** لَيْلاً حَسِبْتَ سَماءٌ رُكَّبَتْ فيها

لا يَبْلُغُ السُّمُلُكُ المَحْصورُ غايتها *** لِبُعْدِ َما بَيْنَ قاصِيها وَدانِيها

يَعُمْنَ فيها بِأَوْساط مُجَنَّحَةٍ *** كَالطَّيرِ تَنْفُضُ فِي جَوْ خَوافِيها

لَهُنَّ صَحْنٌ رَحيبٌ في أَسافِلِها *** إذا انْحَطَطْنَ وَيَهْرٌ في أعاليها

صُورٌ إِلى صورَةِ الدلفين يُؤْنِسُها *** مِنْهُ الزواءٌ بِعَينَيهِ يُوازيها

تَغْنِي بَسَاتِينُهَا الْقُصْوَىٰ بِرُؤْيَتِهَا *** عَنِ السَّحائِبِ مُنْحَلاً عَزالِيها

كَأَنَّها حينَ لَجَّتْ في تَدَفُّقِها *** يَدُ الخَليفَةِ لَمّا سال واديها

وزادَها زينَةٌ مِنْ بَعدِ زينَتِها *** أَنَّ اسمَهُ حِينَ يُدْعَى مِنْ أَسامِيها

محفوفَةٌ برياض لَا تَزالُ تَرى *** رِيشَ الطُّواوِيسِ تَحْكيهِ وَيَحْكِيها

وَدَكَّنَيْنِ كَمِثلِ الشَّعْريَيْن(1)غَدَتْ *** إحداهما بإزا الأخرى تُساميها(2)

وألمّت هذه القصيدة بوصف رائع ودقيق لمحاسن هذه البركة التي أنشئت على أروع تصميم هندسي في ذلك العصر.

ووصف عليّ بن الجهم بركة في القصر الهاروني ، وهو من قصور الواثق العبّاسي ، قال:

أَنْشَأْتَها بِرَكَةٌ مُبارَكَةً *** فَبارَكَ اللهُ في عَواقِبها


1) الشعريان : من أسطح الكواكب وأقربها إلى الأرض .

2) ديوان البحتري : 4: 2420 و 2421 .

حَقَّتْ بِما تَشْتَهى النُّفوسُ لَها *** وحارَتِ النَّاسُ في عَجائِبها

لَمْ يَخْلُقِ الله مِثْلَها وَطَناً *** في مَشْرِقِ الأَرْضِ أَوْ مَغاربها

كَأَنَّها وَالرِّياضُ مُحْدِقَةٌ *** بها عروسٌ تَجَلَّى لخاطيها

مِنْ أَيِّ أَقْطارِها أَتَيتَ رَأَيْ *** تَ الحُسْنَ حَيْراناً في جَوانِبِها

لِلْمَوْج فيها تَلاطُمْ عَجَبٌ *** وَالجَزْرُ وَالمَدُ في مَشارِيها

قَدَّرَها اللهُ لِلْإِمَامِ وَما *** قَدَّرَ اللهُ فيها عَيْباً لِعَائِبِها

أَهْدَتْ إِلَيْها الدُّنْيا مَحاسِنَها *** وَأَكْمَلَ اللهُ حُسْنَ صاحِبِها(1)

وكانت تلك البرك مسرحاً للهو ملوك العبّاسيّين وأنسهم وعبثهم وسخريّتهم بالناس ، فقد أمر المتوكّل بإلقاء عبادة المخنّث في إحدى تلك البرك ، وكان الوقت شديد البرد ، فأشرف عبادة على الموت ، فأمر المتوكّل بإخراجه ، وأمر له بكسوة فلبسها ، وأدناه منه وقال له كيف أنت ؟ وكيف حالك ؟

فقال عبادة : جئت من الآخرة .

وضحك المتوكّل وقال : كيف تركت أخي الواثق ؟

فقال عبادة : لم أمرّ بجهنّم .

وضحك المتوكّل وأمر له بصلة(2).

ومن طريف ما كان يفعله المتوكّل بابن العبرة الشاعر الأحمق ، فقد كان يرمي به في المنجنيق ، فإذا علا في الهواء يقول : الطريق جاءكم المنجنيق ، ثمّ يقع في البركة ، فتطرح عليه الشباك ويصاد كما تصاد الأسماك(3).


1) دیوان عليّ بن الجهم : 32 .

2) العقد الفريد : 6: 430 .

3) فوات الوفيات : 2 : 356 .

ولم يفكّر المتوكّل أن يصرف وقته في خدمة الشعوب الإسلاميّة ، ويعمل فيما يوجب تطوّرها، وازدهار حياتها وتقدّمها في الميادين الاقتصادّية والثقافيّة والاجتماعيّة ، إنّه لم يفكّر في ذلك ، وإنّما قضى أوقاته في أمثال هذه الترّهات ، كما قضى معظم أيّامه في اللهو والمجون ، فكانت قصوره مسرحاً للغناء وشرب الخمور وتعاطى المنكرات .

الهبات للشعراء

و وهب المتوكّل وغيره من ملوك العبّاسيّين الأموال الطائلة للمرتزقة من الشعراء الذين كانوا من أهمّ أجهزة الإعلام في ذلك العصر، وقد حظي الشعراء الذين ينالون من العلويّين بالأموال الطائلة ، وذلك لتثبيت مركز العبّاسيّين وإغراء المسلمين بأنّهم أقرب إلى النبىّ صلی الله علیه وآله وسلم وأحقّ بمركزه من العلويّين .

وعلى أي حال، فقد وهب المتوكّل الأموال الكثيرة للشعراء الذين كانوا يمدحونه ويثنون عليه ، وفيما يلي بعض ما أعطاهم :

إبراهيم بن المدبر

ومرض المتوكّل ثمّ أبل من مرضه ، فدخل عليه الناس يهنّونه بالصحة والسلامة ، ودخل عليه الشاعر إبراهيم بن المدبر ، فأنشده قصيدته التي يقول فيها :

اليَومَ عادَ الدِّينُ غَ *** ض العودِ ذو وَرَقٍ نَضير

يا رَحمَةَ اللهِ لِلْعَالَم *** ين ويا ضِياءَ الْمُسْتَنيرِ

يا حُجَّةَ اللهِ التي *** ظَهَرَتْ لَهُ بِهُدى وَنورِ

وطرب المتوكّل من هذا الشعر ، فأمر له بخمسين ألف درهم ، وأوعز إلى وزيره

عبيد الله بن يحيى أن يولّيه عملاً جليلاً ينتفع به(1).

أبو الشبل البرجمي

ودخل عليه أبو الشبل البرجمي فأنشده قصيدة مؤلّفه من ثلاثين بيتاً استهلّها بقوله :

أَقْبِلِي فَالخَيْرُ مُقْبِلْ *** وَاتْرُكي قَولَ المُعَلِّلْ

ويقي بِالنُّجْحِ إِذْ أَبْصَرْ *** تِ وَجْهَ المُتَوَكَّلْ

فأمر له المتوكّل بثلاثين ألف درهم (2).

الصولى

ولمّا عقد المتوكّل البيعة لأبنائه الثلاثة دخل عليه الصولي مهنّئاً ، وأنشد قصيدته التي يقول فيها :

أَضْحَتْ عُرى الإِسْلامِ وَهِيَ مَنوطَةٌ *** بِالنَّصْرِ وَالإِعزاز والتأييد

فأمر له المتوكل بمائة ألف درهم ، وأمر له ولده بمثلها(3).

مروان بن أبي الجنوب

ومدحه مروان بن أبي الجنوب بقصيدة جاء فيها :

يَخْشَى الإِلهَ فَما يَنامُ عِنايةٌ *** بالْمُسْلِمينَ وَكُلُّهُمْ بِك نائم


1) الأغاني : 22 : 161 .

2) الأغاني: 14 : 193.

3) الأغاني 10: 64 .

فأمر له بمائتي ألف دينار من ورق وذهب ، كما أمر له بكسوة ، ولمّا عقد المتوكّل ولاية العهد لأبنائه الثلاثة أنشده مروان قصيدة يقول فيها :

ثَلاثَةُ أَمْلاكِ فَأَمَّا مُحَمَّدٌ *** فَنورُ هُدى يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنْ يَهْدِي

وَأَمَّا أَبو عَبْدِ الإِلهِ فَإِنَّهُ *** شبيهك في التَّقْوى وَيُجْدِي كَما تُجدي

وَذو الفَضْلِ إِبْرَاهِيمُ لِلنَّاسِ عِصمَةٌ *** تَقِيُّ وَفِيُّ بِالوَعِيدِ وَبِالوَعْدِ

فأمر له المتوكّل بمائة وعشرين ألف درهم ، وخمسين ثوباً، ويغلة ، وفرساً، وحماراً(1).

ومدحه أيضاً بقصيدة فأعطاه مائة وعشرين ألف مع ثياب ، فاستكثر مروان عطاياه ، وقال :

فَأَمْسِكُ نَدى كَفَّيْكَ عَنِّي وَلَا تُزِدْ *** فقدْ خِفْتُ أَنْ أَطْغَى وَأَنْ أَتَجَبَّرًا

قال له المتوكّل : لا أمسك حتّى يغرقك جودي(2).

وأنشده مرّة قصيدة جاء فيها :

كانَتْ خِلافَةُ جَعْفَرٍ كَنُبُوَّةٍ *** جاءَتْ بِلا طَلَب وَلَا بِتَنَحل

وَهَبَ الإِلهُ لَهُ الخِلافَةُ مِثْلَما *** وَهَبَ النُّبُوَّةَ لِلنَّبِيِّ المُرْسَلِ

فأمر له المتوكّل بخمسين ألف درهم(3).


1) سير أعلام النبلاء : 23 : 157 .

2) تاريخ الخلفاء : 349 .

3) تاریخ بغداد : 13 : 155 . تاريخ الطبري : 7: 398 .

عليّ بن الجهم

ووهب المتوكّل الثراء العريض إلى عليّ بن الجهم ، وذلك لأنّه أوقف نتاجه الأدبي على مدحه والثناء عليه ، ومن عطاياه له أنّه دخل عليه وكانت بيد المتوكل درتان ، فأنشده قصيدة في مدحه فدعا له بدرّة ، وقال له : إنّها والله خير من مائة ألف ، وأنشده أبيات أخرى في مدحه جاء فيها :

بِسُرَّ مَنْ رَأى إمامُ عَدْلٍ *** تَغْرِفُ مِنْ بَحْرِهِ البِحارُ

يُرْجِي وَيُخْشَىٰ لِكُلِّ خَطْبٍ *** كَأَنَّهُ جَنَّةٌ وَنارٌ

المُلْكُ فِيهِ وَفي بَنِيهِ *** ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ

لَمْ تَأْتِ مِنْهُ اليَمينُ شَيْئاً *** إِلَّا أَتَتْ مِثْلَها اليَسارُ

فدعا له بالدرّة الثانية التي هي خير من مائة ألف(1).

ولم تقتصر عطايا المتوكّل على الشعراء ، وإنّما شملت هباته الوفيرة للمغنّين والعابثين.

قال المسعودي : « لا يعلم أحد متقدّم في جدّ أو هزل إلّا وقد حظي في دولته، ووصل له نصيب وافر من المال»(2).

لقد تبدّدت ثروات الأمّة وإمكانيّاتها الاقتصاديّة على الترف والسفه من دون أن ينفق أي شيء منها على الصالح العامّ.

وعلّق شوقي ضيف على نفقات المتوكّل بقوله : «وعلى هذا النحو كانت ملايين الدنانير والدراهم تنفق بدون حساب، وبدون أي رقابة في حفلات القصر ،


1) تاریخ بغداد 7 177 تاريخ الإسلام : 18 : 197.

2) تاريخ الخلفاء : 349 . تاريخ الإسلام : 18 : 202.

وهي حفلات أمدّت القصص في كتاب ( ألف ليلة وليلة ) بكلّ ما يقع في الخيال والوهم من بذخ وترف لا ضفاف له، وبدلاً من أن توجّه هذه الملايين إلى مرافق الشعب وحاجاته ، أو إلى إعداد الجيوش في حروب الترك والبيزنطيّين كانت تبدّد هذا التبديد الأحمق ، والشعب يكدح ويشقى ، ويسيل عرقه مدراراً، ويتجرّع غصص البؤس والحرمان ليعبث المتوكّل وغير المتوكّل بأمواله ، فإذا قصور شمّاء تبنى ، وينفق فيها الملايين تلو الملايين ، وإذا هي تستحيل إلى مقاصف يدور فيها الكأس والطاس ، وتنثر حمول الذهب والفضّة .

ويروى أنّ المتوكّل شرب يوماً في القصر السالف ذكره المسمّى البركوار ، فقال لندمائه، ولم تكن الأيّام أيّام ورد ورياحين : أرأيتم إن عملنا احتفالاً بالورد أو كما نطقه بالفارسيّة ( شاد گُلها ) .

فقالوا له : لا يكون الشاذ كُلها إلّا بالورد ، وليست الأيّام أيّام ورد ، فقال : ادعوالي عبيد الله بن يحيى ، وكان أحد وزرائه ، فحضر ، فقال له : اضرب لي دراهم في كلّ درهم حبّتان من الفضّة .

فسأله كم المقدار يا أمير المؤمنين ؟

فأجابه خمسة ملايين درهم، فأمر عبيد الله بضربها ، فضربت ، وأنبأ المتوكّل بضربها فقال له : اصبغ طائفة منها بالحمرة ، وطائفة بالصفرة ، وطائفة بالسواد واترك طائفة على حالها ، فصنع عبيد الله ما أمر به ، ثمّ تقدّم المتوكّل إلى خدمه وحواشيه - وكانوا سبعمائة - فأمرهم أن يعدّ كلّ واحد منهم قباءً جديداً وقلنسوة بخلاف لون قباء صاحبه وقلنسوته ، ففعلوا .

ثمّ تحيّن يوماً فيه ريح ، فأمر أن تنصب قبّة لها أربعون باباً ، فاصطبح فيها والندماء حوله ، وعلى الخدم الكسوة الجديدة، وأمر المتوكّل بنثر الدراهم كما ينثر الورد طائفة طائفة ، فنثرت تباعاً ، وكانت الريح تحملها لخفّتها فتتطاير في الهواء

كما يتطاير الورد »(1).

وكلّ هذا من الفراغ ومن الترف المفرط ، فإذا الخلفاء ينعمون بالحياة إلى حدّ السفه والهوس ، وطبقات من ورائهم قتّر عليهم في الرزق فهي تعيش في ضنك وضيق شدید

الحياة الاقتصاديّة العامّة

أمّا الحياة الاقتصاديّة العامّة فى البلاد الإسلاميّة ، فقد كانت سيّئة للغاية ، فقد نهش الفقر أغلب الناس ، فكانوا في ضيق وجهد شديدين ، فقد انحصرت الثروة العامة عند المغنّين والملهين، وحاشية السلطان وعملائه ، خصوصاً الأتراك ، فهؤلاء الذين تكدّست بيوتهم بالأموال فحاروا في صرفها ، فلم يتركوا لوناً من ألوان اللذّة والشهوات إلّا أنفقوا الأموال الطائلة بسخاء فيها ، وكلّما سئموا من شهوة مالوا إلى أخرى ، وهكذا انقضت حياتهم بين اللهو والغناء وعقد مجالس الشراب في القصور الفخمة التي بنيت بأموال الفقراء والمحرومين والبؤساء .

وعلى أي حال ، فإنّ الحياة الاقتصاديّة في أغلب شعوب العالم الإسلاميّة كانت مشلولة ومضطربة ، وهذا ممّا دعا بعض رجال الاصلاح الاجتماعي إلى القيام بثورات مسلّحة ضدّ الحكم العبّاسي ، وقد عرضنا لبعضها في البحوث السالفة

جباية الخراج

وجباية الخراج ممّا ترتبط بالبحث عن الحياة الاقتصاديّة ، فقد أسندت الحكومة العبّاسيّة هذه الوظيفة إلى جماعة من القساة والأشدّاء، وكانوا يجبون الأموال الخراجيّة والضرائب التي لم يشرّعها الإسلام في قسوة وعنف ، وقد صوّر ذلك


1) الديارات : 160 .

ابن المعتزّ فى أرجوزته يقول:

فكم وكم من رجل نبيل *** ذي هيبة ومركب جليل

رأتيه يحتلّ بالأعوان *** إلى الحبوس وإلى الديوان

وجعلوا في يده حبالاً *** من قنب يقطع الأوصالا

وعلقوه في عرى الجدار *** كأنّه برادة في الدار

وَصَفَقوا قَفاهُ صَفْقَ الطَّبْل *** نَصْباً بِعَينِ شامِتٍ وَخِلٌ

وَصَبَّ سَجَانٌ عَلَيْهِ الزَّيْتا *** فصارَ بَعدَ بَزَّةٍ كَمَيْتا

وصوّرت هذه الأبيات الظلم والتنكيل الذي عاناه الناس في تلك الفترات السود ، فالسجين كان يواجه أبشع ألوان التعذيب والإرهاق ، ويستمرّ ابن المعتز في وصف تلك الأحوال الرهيبة فيقول :

حَتَّىٰ حتى إذا مَل الحَياةَ وَضَجَرْ *** وقال لَيتَ المالَ جَمْعاً في سَفَرْ

أعْطاهُمُ ما طلبوا فَأُطلِقا *** يَسْتَعْمِلُ المَشْيَ وَيَمْشي العَنَقا(1)

ويصف ابن المعتزّ ما يتعرّض له السجين من الضرب واللكم والصفع بقوله :

وَأَسْرَفوا في لَكْمِهِ وَدَفْعِهِ *** وَانْطَلَقَتْ أَكْفُهُمْ في صَفْعِهِ

وَلَمْ يَزَلْ فِي أَضْبَقِ الحُبوسِ *** حتَّى رَمَى إِلَيْهِمُ بالكيس(2)

البؤس العامّ

وعانت الأغلبيّة الساحقة من الشعوب الإسلاميّة البؤس والفقر والحرمان في


1) العنق : المشي السريع .

2) دیوان ابن المعتزّ : 481 .

مختلف العصور العبّاسيّة ، وقد كثرت شكوى العلماء والأدباء ورجال الفكر من سوء حياتهم الاقتصاديّة .

ولنستمع إلى العطوي الشاعر الكبير ، وهو يصوّر كآبته بهذه الأبيات الحزينة ، يقول :

هَجَمَ البَرْدُ مُشرعاً وَيَدَي *** صُفْرٌ وَجِسْمِي عَارِ بِغَيْرِ دِثارِ

فَتَسَتَرْتُ مِنهُ طيلَةَ النَّشار *** ينِ إِلَىٰ أَنْ تَهَنَّكَتْ أَسْتاري

وَنَسَحْتُ الأَطْمَارَ بِالْخَيْطِ وَالإِ *** بْرَةِ حَتَّىٰ عَرِيتُ مِنْ أَطْماري

وسعى القَمْلُ مِنْ دُروزِ قميص *** ي مِنْ صِغارٍ ما بَيْنَهُمْ وَكِبارِ

يَتَساعون في ثيابي إِلى رَأْ *** سي قطاراً تَجولُ بَعْدَ قِطار

سي ثُمَّ وافى كانونُ وَاسْوَدَّ وَجْهِي *** وَأَتاني ما كانَ مِنْهُ حَذاري

ويستمرّ في وصف بؤسه وما يعانيه من الفقر والحرمان فيقول :

لَوْ تَأَمَّلْتَ صُورَتي وَرُجوعي *** حينَ أُمي إلى ربع قفار

أنا وَحْدي فيهِ وَهَلْ فِيهِ فَضْل *** لِجُلوس الأنيس والزوار

والخَلا لا يُرادُ فيهِ فَمالي *** أبداً حاجة إلى الحفار

بَلْ يُرادُ الخَلا لِمُنْحَدرِ النَّحوِ *** وَما ذُقْتُ لُقْمَةً في الدّارِ

وإذا لَمْ تَدُرْ عَلى المَطعم الأفواه *** سَدَّتْ متاعت الأَحْجار(1)

لقد بلغ الفقر بهذا الشاعر البائس إلى مستوى سحيق ، فلم يملك من متع الدنيا ما يستر به بدنه ، ويتّقي به من شدّة البرد ، فكان جسمه عارياً ليس عنده إلّا أطمار بالية ، قد سرى فيها القمل كأنّها قطار تجول في جسمه ، كما صوّر في الأبيات شدّة


1) شعر العطوي : 81 .

بؤسه ، فهو يأوي إلى ربوع قفار ليس فيها أحد يتعاطى معه الحديث ، ولشدّة جوعه ، وخلوّ جوفه ، فلا يحتاج إلى المرافق ، وهذا أفظع بؤس، وأوجع فقر يعانيه الإنسان .

ومن الشعراء الذين نظموا بؤس حياتهم هو أبو العيناء ، ولنستمع إلى شكواه يقول :

الحَمْدُ لِلَّهِ لَيسَ لي فَرَسٌ *** وعلى باب منزلي حَرَسُ

وَلَا غُلامٌ إِذا هَتَفْتُ بِهِ *** بادَرَ نَحْوي كَأَنَّهُ قَبْسُ

ابني غُلامي وَزَوْجَتي أَمَتى *** مَلَكَتْها الملاك والعرسُ

غَنَّیتُ بِالْيَأْسِ وَاعْتَصَمْتُ بهِ *** عَنْ كُلِّ فَردِ بِوَجْهِهِ عَبْسُ

فَما يراني ببابِهِ أَبَداً *** طَلْقُ المُحَيَا سَمْح وَلَا شَرِسُ (1)

إنّ أبا العيناء لم يملك أيّة متعة من متع الحياة، فليس عنده فرس ولا خادم ولا أمة ، وقد اتّخذ ابنه غلاماً له ، وزوجته أمة ، وقد استغنى بشدّة بأسه ، وشرف نفسه عن الغنى والمال .

ومن أدباء العصر العبّاسي البائسين الذين لم يركعوا للسلطة هو الحمداوي ، ولنستمع إليه يحدّثنا عن فقره فقال :

تسامى الرّجالُ عَلى خَيْلِهِمْ *** وَرِجْلِيَ مِنْ بَيْنِهِمْ حَافِيَة

فَإِن كُنْتَ حامِلنا رَبَّنا *** وإِلا فَأَرْجِل بَني الزَّانِيَة(2)

وممّن صعّد آهاته على تعاسته من أدباء ذلك العصر سعيد بن وهب ، يقول :

منْ كان في الدُّنْيا لَهُ شَارَةٌ *** فَنَحنُ مِنْ نُظَارَةِ الدُّنْيا

نَرْفَعُها عَنْ كَتَبٍ حَسْرَةً *** كَأَنَّنَا لَفْظُ بِلا مَعْنى


1) معجم الأدباء : 7: 71 .

2) دیوان الحمداوي : 88 .

يعلو بها النّاسُ وَأَيَّامُنا *** تَذْهَبُ فِي الْأَرْذَلِ وَالْأَدْنى(1)

لقد عادت حياة هذا الأديب لفظاً بلا معنى ، وذهبت أيّام حياته في الأرذل والأدنى ، ولم تعد له أيّة بهجة أو لذّة في الحياة .

وذهب أدباء ذلك العصر إلى أنّ حرفة الأدب والعلم من لوازمها الفقر والحرمان .

يقول العطوي :

يا أَيُّها الجامِعُ عِلْماً جَمَاً *** اقضِ إلى الحِرْفَةِ قُدماً قدما

حُرِمْتَ وَفْراً وَرُزِقْتَ فَهْماً *** فَوَالَّذي أَجْزَلَ مِنْهُ القِسْما

لأَجْهَدَنُ أَنْ يَكونَ خَصْما(2)

ومعنى هذا الشعر أنّ طلب العلم في ذلك العصر أصبح من الحرف الكاسدة ، وأنّ طالبه لا بدّ أن يحرم الغنى والوفر ، وقد عانى العلماء ألواناً مريرة من الفقر والحرمان ، وقد نظم الجاحظ أبياتاً صوّر فيها ما مني به من البؤس والفقر . يقول :

أقامَ بِدارِ الخَفْضِ راضٍ بِحَظِّهِ *** وذو الحِرْصِ يَسْرِي حَيْثُ لا أَحَدٌ يَدْرِي

يَظُنُّ الرّضا بِالقَسْم شَيْئاً مُهَوْناً *** وَدونَ الرَّضا كَأْسٌ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ

جَزَعْتُ فَلَمْ أَعْتِبُ فَلَوْ كُنْتُ ذَا حِجيّ *** لَقَنَّعْتُ نَفْسي بِالْقَلِيلِ مِنَ الوَفْرِ

أَظُنُّ غَبِيُّ القَوْمِ أَرْغَدَ عِيشَةً *** وَأَجْدَلَ في حالِ الْبَسارَةِ وَالْعُسْر

تَمُرُّ بِهِ الأحداث تَرعَدُ مَرَّةٌ *** وَتَبرُقُ أُخرى بِالخُطوبِ وَما يَدْري

سواءٌ عَلى الأَيَّامِ صاحِبُ حِنْكَة *** وَآخَرُ كاب(3)لَا يَريشُ وَلَا يَدْري


1) الأغاني : 20 : 337 .

2) شعر العطوي : 87 .

3) الكاب : الكثيب في غم وسوء حال وانكسار .

فَلَوْ شَاءَ رَبِّي لَمْ أَكُنْ ذا حَفيظةٍ *** طلوباً لغايات المَكارِمِ وَالفَخْرِ

خَضَعْتُ لِبَعْضِ القَوْمِ أَرْجُو نَوالَهُ *** وَقَدْ كُنْتُ لا أُعْطِي الْمَنِيَّةَ بِالقَسْر

فَلَمّا رَأَيْتُ الْمَرْهُ يَبْدِلُ بِشْرَهُ *** وَيَجْعَلُ حُسْنَ البِشْرِ واقِيَةَ التَّبْرِ(1)

رَبعْتُ عَلى طلعي وَراجَعْتُ مَنْزِلي *** فَصِرْتُ حَليفاً لِلدَّرَاسَةِ وَالفِكْرِ

وصوّر الجاحظ الذي هو من مفاخر عصره ما مني به من الكآبة والحزن ، فقد أقام قابعاً بدار الهوان والذلّ في حين أنّ الجهال والأغنياء قد توفّرت لهم جميع أسباب الرفاهية وألوان النعم ، وقد أطال عتابه على الأيّام التي أوجبت خضوعه لبعض الناس راجياً نوالهم ومعروفهم ، ولكنّه لمّا تبيّن له أنّه يبذل بذلك كرامته انصرف عنهم ، واتّجه صوب العلم .

وإذا كان الجاحظ وهو من كبار علماء عصره بمثل هذه الحالة من البؤس والفقر ، فكيف بغيره من سائر الأدباء والمثقّفين فضلاً عن عامة الفقراء الذين لا سند لهم .

ومن أدباء ذلك العصر يعقوب بن يزيد التمّار ، فقد كان يسكن داراً تملكها السلطة ، ويدفع سبعين درهماً عن أجرتها في الشهرين ، وإنّه لا يتمكّن من دفع الأجرة ، وقد صوّر حالته البائسة بهذه الأبيات :

يا رَبِّ لَا فَرَجُ مِمّا أكابدُهُ *** بسُرِّ من رأى عَلى عُسْري وَإِقْتارِي

لا راحَةٌ قَبْلَ وَقْتِ المَوْتِ تُدْرِكُني *** فَيَسْتَريحُ فُؤاد غَيْرُ صَبَارِ

قَدْ شَيَّبَتْ مَفْرَقى سَبْعُونَ تَلزِمُني *** في مَنزِلٍ وَضح مِنْ نَقْدِ قَسْطار(2)

جباتها قَبْلَ فَتْح النجم وافِيَةٌ *** وَلَوْ تَعَيَّنت ديناراً بدينار(3)


1) التبر - بكسر التاء - : وهو ما كان من الذهب غير مضروب ، فإذا ضرب دنانير فهو عين .

2) القسطار : منتقد الدراهم .

3) النجم : هو الوقت المعيّن لأداء الدين.

يَطولُ هَمّي وَأَحْزاني إِذا فَتَحوا *** نَجْماً وَأَبْكي بِدَمْعِ مُسْبِل جاري

أموتُ في كُلِّ يَوْمٍ مَوْتَةٌ فَإِذا *** لاحَ الهِلالُ فَمَنشورٌ بِمِنْشارِ

تغدو عَلَيَّ وُجوهٌ مِنْ مَغارِبَةٍ *** كَأَنَّما طُلِيَتْ بِالزِّفْتِ وَالقَارِ

إذا تَغَيَّبْتُ عَنْهُمْ سَاعَةً كَسَروا *** بابي بِأَرْزِيَةٍ أَوْ فَأْسٍ نَجَارٍ(1)

وَإِنْ ظَهَرْتُ فَقَلْعُ البابِ أَيْسَرُهُ *** وَالحَبْسُ إِنْ لَمْ تَخْشى رِقَةَ الجارِ

فَإِنْ أُعَانُ بِقَرْضِ كَفَّ أَيْدِيَهُمْ *** أَوْ لا فَإِنِّي غَداً مِنْ كِسْوَتي عاري

سَلِ المُنادِي الذي نادى عَلَى سَلَبى *** كَمْ جُهْدُ ما بَلَغَتْ فِي السّوقِ أَطْماري

إن قيلَ عِنْدَ وَفاتي أَوْصِ قُلْتُ لَهُمْ *** شَهِدْتُ أَنَّ إلهي الخالق الباري

وَأَنْ أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ *** وَإِنَّ سَبْعِينَ حُقاً أجْرَةَ الدّار(2)

وحكى هذا الشعر مدى بؤس هذا الشاعر وشقائه ، فقد عانى أشدّ ما تكون المعاناة وأشقّها من أجرة داره التي تملكها الدولة ، فهو لا يستطيع دفع الأجور في الوقت المقرّر ، وقد طافت به الآلام، ففي كلّ يوم يموت موتة من جراء عجزه عن تسديد أجور الدار ، وإذا حلّ الوقت المعيّن ولم يؤدِّ ما عليه أسرعت إليه الجباة السود الذين طليت وجوههم بالزفت فكسروا باب داره و حبسوه ، وأخذوا متاعه وباعوه ليستوفوا ما عليه من دين ، ومن شدّة تألّمه أنّه ذكر أنّه إذا حلّت به المنيّة وأراد الوصيّة فهو يشهد الشهادتين ، ويشهد أنّه مدين للدولة سبعين درهماً هي أجرة داره .

أرأيتم ما كان يعانيه رجال العلم والأدب في العصر العبّاسي من الضيق والبؤس في حين أنّ ذهب الأرض كان بأيدي ملوك العبّاسيّين ينفقونه على شهواتهم،


1) الأرزبة : المطرقة الكبيرة التي تكسر بها الحجارة .

2) سامرّاء في أدب القرن الثالث الهجري : 172 .

ويهبونه بسخاء للماجنين والعابثين .

ومن الجدير بالذكر أنّ الكثيرين من شعراء ذلك العصر المحرومين قد دعوا إلى الزهد والتصوّف ، وذلك من جرّاء ما عانوه من الضيق والحرمان .

يقول العطوي :

يَأْمُلُ المَرْءُ أَبْعَدَ الآمَالِ *** وَهُوَ رَهْنٌ بِأَقْرَبِ الآجال

لَوْ رَأَى المَرْءُ رَأْي عَيْنَيهِ يَوْماً ِ *** كَيفَ صَولُ الآجال بالأمالِ

لتناهي وَأَقْصَرَ الخَطوَ فى الل *** هوِ وَلَمْ يَغْتَرَّ بِدارِ الزَّوالِ

نَحْنُ نَلْهو وَنَحْنُ يُحْصى عَلَيْنا *** حرَكاتُ الإِدْبارِ وَالْإِقْبَالِ

فَإِذا ساعَةُ المَنِيَّةِ حَمَّتْ *** لَمْ يَكُنْ غَيرُ عَاثِرِ بِمَقالِ

شَيْءٍ تَرَكْتَ يا عازماً بِالل *** هِ لِلْمُمْتَرِينِ وَالجُهَالِ ؟

تَرْكَبُ الأَمْرَ لَيسَ فيه سوى أنَّ *** ك تَهْواهُ فِعْلَ أَهْل الضَّلال

أَنْتَ ضَيْفٌ وَكُلُّ ضَيْفٍ وَإِن طا *** لَتْ لَيالِيهِ مُؤذِنْ بِارْتِحال

أيُّها الجامع الذي لَيْسَ يَدْري *** كَيفَ حَوْزُ الأَهْلِينَ للأَمْوالِ

يَسْتَوِي في الْمَمَاتِ وَالبَعْثِ والْمَوْ *** قفِ أَهْلُ الإِكْثَارِ وَالإِقْلالِ

ثُمَّ لَا يُقْسَمونَ لِلنَّارِ وَالْجَ *** نَّةِ إِلَّا بِسالِفِ الأَعْمالِ(1)

وبهذا انتهى بنا الحدييث عن الحياة الاقتصاديّة البائسة التي كانت في حياة الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام.


1) تاریخ بغداد : 3: 138.

الحياة الدينية

اشارة

أمّا الحياة الدينية في عصر الإمام الهادي علیه السلام فقد كانت قلقة ومضطربة ، وأثيرت حول العقيدة الإسلاميّة كثير من الشكوك والأوهام أثارتها القوى الحاقدة على الإسلام والباغية عليه، وقد تصدّى علماء المسلمين - وفي طليعتهم الإمام الهادي علیه السلام - إلى تزييفها والردّ عليها ، وقد ذكرنا ذلك عند التعرّض للبحوث الكلاميّة التي أدلى بها الإمام علیه السلام .

بدع وأضاليل

واندسّت في صفوف الشيعة زمرة خبيثة من الملاحدة والمارقين من الدين ، فأشعلوا نار الفتنة ، ونشروا البدع والأضاليل في صفوفهم ، وقد امتحن بهم الإسلام أشدّ ما يكون الامتحان ، وذلك لما أذاعوه من الباطل الذي أضلّوا به البسطاء والسذّج الذين لا يميّزون بين الحقّ والباطل .. أمّا رؤوس تلك البدع العفنة فهم :

1 - عليّ بن حسكة القمّي .

2 - القاسم اليقطيني .

3 - الحسن بن محمّد بن بابا القمّي .

4 - محمّد بن نصير .

هؤلاء بعض دعاة البدع والإلحاد الذين حاربوا الإسلام ، وحملوا معول الهدم على جميع قيمه وتعاليمه .

أباطيل ابن حسكة

أمّا أضاليل ابن حسكة وبدعه ، فهي :

1 - إنّ الإمام أبا الحسن الهادي علیه السلام هو الربّ والخالق والمدبّر لهذه الأكوان .

2 - إنّ ابن حسكة هو النبيّ والمرسل من قبل الإمام لهداية الناس .

3 - إسقاط كافّة الفرائض الإسلامية من الزكاة والحجّ والصوم لمن دان بمذهبه .

أمّا هذه البنود فقد جاءت في الرسالة التي رفعها إلى الإمام بعض أصحابه ، وهذا نصّها :

جعلت فداك يا سيّدي ، إنّ عليّ بن حسكة يدّعي أنّه من أوليائك ، وأنّك أنت الأوّل القديم ، وأنّه بابك ونبيّك ، أمرته أن يدعو إلى ذلك ، ويزعم أنّ الصلاة والزكاة والحجّ والصوم كلّ ذلك معرفتك ، ومعرفة من كان في مثل حال ابن حسكة فيما يدّعي من البابيّة(1)والنبوّة فهو مؤمن كامل سقط عنه الاستعباد بالصلاة والصوم والحجّ ، وذكر جميع شرائع الدين، إنّ معنى ذلك كلّه ما ثبت لك ، ومال الناس إليه كثيراً ، فإن رأيت أن تمنّ على مواليك بجواب في ذلك تنجيهم من الهلكة ؟(2)

هذه بعض أضاليله التي أغرى بها السذّج الذين لا يملكون أي وعي وتدبّر ، فمالوا لبدعه وصدّقوه .

براءة الإمام علیه السلام منه

وأعلن الإمام علیه السلام براءته من ابن حسكة ، ودعا إلى نبذه ونبذ أتباعه وقتلهم ، وقد جاء ذلك في جوابه عن الرسالة المتقدّمة .


1) وفي نسخة : « النيابة » .

2) رجال الكشّي : 997/519 .

قال علیه السلام : كَذِبَ ابْنُ حَسَكَةَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ، وَبِحَسْبِكَ أَنِّي لَا أَعْرِفُهُ فِي مَوالِيَّ ، مَا لَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ ، فَوَاللَّهِ ما بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً وَالْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ إِلَّا بِالْحَنيفِيَّةِ وَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوِلايَةِ ، وَمَا دَعا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم إِلَّا إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَكَذلِكَ نَحْنُ الْأَوْصِياءُ مِنْ وُلْدِهِ عَبيدُ اللهِ لَا نُشْرِلُ بِهِ شَيْئاً إِنْ أَطَعْنَاهُ رَحِمَنَا ، وَإِنْ عَصَيْناهُ عَذَّبَنا مَا لَنا عَلَى اللهِ مِنْ حُجَّةٍ بَل الْحُجَّةُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَ عَلَيْنا وَعَلَى جَميعِ خَلْقِهِ ، أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِمَّنْ يَقولُ ذلِكَ ، وَانْتَفِي إِلَى اللهِ مِنْ هذَا الْقَوْلِ ، فَاهْجُرُوهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ، وَالْجِوُوهُمْ إِلَى ضِيقِ الطَّريقِ ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ أَحَداً مِنْهُمْ فَاشْدِحُوا رَأْسَهُ بِالْحَجَرِ» (1).

وأعربت هذه الرسالة عن تأثّر الإمام واستيائه من هذا الملحد الذي أعرض عن ذكر الله واتَّخذ آياته هزواً ، وقد أباح علیه السلام دمه ودم أتباعه .

بدع الفهري

وكان محمّد بن نصير الفهري النميري من رؤوس الملحدين ، ومن أئمّة الكفر ، وقد أشاع الضلال بين الناس ، ومن بدعه :

1 - إنّ الإمام الهادي علیه السلامهو الخالق والربّ .

2 - إباحة نكاح المحارم من الأمّهات والبنات والأخوات وغيرهنّ من سائر المحارم .

3 - إباحة اللواط ، وإنّه من إحدى الشهوات والطيبات التي لم يحرّمها الله تعالى ، وأنّه من جملة التواضع الله .


1) رجال الكشّي : 997/519 .

4 - القول بالتناسخ والغلوّ(1).

هذه بعض بدعه وأضاليه التي حاول فيها محاربة الإسلام، وتشويه واقع الأئمّة الطاهرين علیهم السلام.

تأويلهم للفرائض

وأوّلَ هؤلاء الضالّون الفرائض الإسلامية حسب أهوائهم الفاسدة ، فقالوا : إنّ المراد بالصلاة التي أمر الله بإقامتها ليست هي العبادة المعروفة ، وإنّما هي رجل خاصّ ، وكذلك الزكاة ليست هي الضريبة الماليّة التي فرضها الله ، وإنّما هي رجل ، وكذلك أوّلوا المعاصي التي نهى الله عنها، وقد جاء ذلك في الرسالة التي رفعها

إبراهيم بن شيبة إلى الإمام ، وهذا نصّها :

جعلت فداك ، إنّ عندنا قوماً يختلفون في معرفة فضلكم بأقاويل مختلفة تشمئزّ منها القلوب ، وتضيق لها الصدور ، يروون في ذلك الأحاديث لا يجوز لنا الإقرار بها لما فيها من القول العظيم ، ولا يجوز ردّها ، ولا الجحود بها إذا نُسبت إلى آبائك ، فنحن وقوف عليها من ذلك ، لأنّهم يقولون ويتأوّلون معنى قوله عزّ وجلّ : (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ) (2)، وقوله عزّ وجلّ : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ )(3)، فإنّ الصلاة معناها رجل ، لا ركوع ولا سجود ، وكذلك الزكاة معناها ذلك الرجل لا عدد دراهم ولا إخراج ، مال ، وأشياء تشبهها من الفرائض والسنن والمعاصي تأوّلوها وصيّروها على هذا الحدّ الذي ذكرت أن تبيّن لنا ، فإن رأيت أن تمنّ على مواليك بما فيه سلامتهم ونجاتهم من هذه الأقاويل التي


1) رجال الكشّي : 1000/521 .

2) العنكبوت 29 :45 .

3) البقرة 43:2 .

تصير إلى العطب والهلاك ، والذين ادّعوا أنّهم أولياء ودعوا إلى طاعتهم منهم عليّ بن حسكة والقاسم اليقطيني ، فما تقول في القبول منهم جميعاً ؟

فكتب علیه السلام له : لَيسَ هذا ديننا ، فَاعْتَزِلْهُ (1).

لقد أمتحن الإمام علیه السلام أشدّ ما يكون الامتحان بهؤلاء الضالّين الذين كفروا بالله ، وجحد وا بآياته واتّخذوها هُزُواً .

الإمام علیه السلام يحذّر منهم

وحذّر الإمام أبو الحسن الهادي علیه السلام شيعته وسائر المسلمين من الاتّصال بهؤلاء الغلاة الملحدين ، وقد كتب علیه السلام إلى عليّ بن محمّد بن عیسی هذه الرسالة :

«لَعَنَ اللهُ الْقاسِمَ الْيَقْطِينِيَّ ، وَلَعَنَ اللهُ عَلِيَّ بْنَ حَسَكَةَ الْقُمِّيَّ ، إِنَّ شَيْطَاناً تَرائى لِلْقاسِم فَيوحِي إِلَيْهِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُروراً»(2).

وكتب الإمام الهادي علیه السلام إلى العبيدي يحذّره من أضاليل هؤلاء الغلاة ، ويدعوه إلى البراءة منهم ، وقد جاء في رسالته :

«أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْفِهْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بابا الْقُمِّيِّ ، فَابْرَا مِنْهُما ، فَإِنِّي مُحَدِّرُكَ وَجَميعَ مَوالِيَّ، وَإِنِّي أَلْعَنْهُما عَلَيْهِما لَعْنَةُ اللهِ ، مُسْتَأْكِلَيْنِ يَأْكُلانِ بِنا النَّاسَ ، فَتَانَيْن مُؤْذِيَيْنِ آدَاهُما اللهُ، أَرْسَلَهُما في اللَّعْنَةِ ، وَأَرْكَسَهُما فِي الْفِتْنَةِ رَكْساً ، يَزْعَمُ ابْنُ بابا أَنِّي بَعَثْتُهُ، وَأَنَّهُ بِابٌ


1) رجال الكشّي : 994/517 .

2) رجال الكشّي : 996/518 .

عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ، سَخِرَ مِنْهُ الشَّيْطانُ فَأَغْواهُ ، فَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ .

يا مُحَمَّدُ ، إِنْ قَدِرْتَ أَنْ تَخْدِشَ رَأْسَهُ بِالْحَجَرِ فَافْعَلْ ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَانِي آذَاهُ اللهُ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ»(1).

وأعربت هذه الرسالة عن مدى تأثّر الإمام وفزعه من هؤلاء الغلاة الملحدين الذين اندسّوا في صفوف الشيعة لاختلاس أموالهم ، وأخذها بالباطل .

الإمام علیه السلام يأمر بقتل فارس

ودعا الإمام الهادي علیه السلام شيعته إلى قتل زعيم الغلاة فارس بن حاتم ، وضمن لمن قتله الجنّة ، فقد قال :

«هذا فارِسُ يَعْمَلُ مِنْ قِبَلى فَتَاناً داعِياً إِلَى الْبِدْعَةِ وَدَمُهُ هَدْرٌ لِكُلِّ مَنْ قَتَلَهُ ، فَمَنْ هذا الَّذي يُريحُنِي مِنْهُ وَيَقْتُلُهُ ، وَأَنا ضامِنٌ لَهُ عَلَى اللهِ الْجَنَّةَ»(2).

وقد استجاب لنداء الإمام بعض المؤمنين فقتله(3)وقد أراح الله منه العباد والبلاد .

الإمام علیه السلام يبيح قتلهم

وأباح الإمام قتل الغلاة ، فقد كتب إلى بعض شيعته رسالة جاء فيها :

«وَإِنْ وَجَدْتَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خَلْوَةً فَاشْدَحْ رَأْسَهُ بِالصَّخْرَةِ »(4).


1) رجال الكشّي : 999/520 .

2) رجال الكشّي : 1006/524.

3) رجال الكشّي : 1006/524.

4) وسائل الشيعة : 18 : 554 .

رسالة السري إلى الإمام علیه السلام في الغلاة

وأرسل السري بن سلامة إلى الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام يسأله عن الغلاة ، وما يدعون إليه ، وما يتخوّف من معرّتهم - أي فسادهم - ويسأله الدعاء له ولإخوانه للتخلّص من شرورهم .

فأجابه الإمام علیه السلام : عَدَلَ اللهُ عَنْكُمْ ما سَلَكُوا فِيهِ مِنَ الْغُلُوِّ ، فَحَسْبُهُمْ أَنْ ا تَبَرَّأَ أَوْلِياؤُهُ مِنْهُمْ ، وَجَعَلَ اللهُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُسْتَقَرّاً، وَلَا جَعَلَهُ مُسْتَوْدَعاً، وَثَبَّتَكُمْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَلَا أَضَلَّكُمْ بَعْدَ إِذْ هَدَاكُمْ »(1).

لقد دعا له الإمام علیه السلام بالتخلّص من شرور هؤلاء الملحدين الذين ضلّوا عن الطريق وانحرفوا عن الحقّ ، وابتعدوا عن القصد .

أسباب الغلوّ

أمّا الأسباب التي دعت إلى الغلوّ والقول بأنّ الإمام الهادي علیه السلام هو الإله والخالق للأكوان فهي فيما نحسب ما يلي :

1 - ما ظهر للإمام من المعاجز والكرامات التي منحها الله له ولآبائه ، فاستغلّها المنحرفون عن الدين والحاقدون عليه لإظهار البدع، وإماتة الإسلام والإجهاز عليه .

2 - التحلّل من القيم والآداب الإسلاميّة ، فقد أباحوا كلّ ما حرّمه الإسلام ونهى عنه .

3 - الطمع بأموال الناس وأخذها بالباطل ، والاستيلاء على الأموال التي تدفعها الشيعة إلى أئمّتها علیهم السلام.


1) الدرّ النظيم : 732.

هذه بعض الأسباب التي دعت إلى القول بالغلوّ .

مع الواقفيّة

وبعد وفاة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام ظهرت على مسرح الحياة الإسلاميّة فرقة من الشيعة سمّيت ( الواقفيّة ) ، وقد أنكرت وفاة الإمام موسى علیه السلام وزعمت أنّه ارتفع إلى السماء كما ارتفع المسيح عيسى بن مريم ، وإنّما ذهب زعماء هذه الفرقة إلى ذلك لأنّ عندهم أموالاً كثيرة من الحقوق الشرعيّة للإمام موسى علیه السلام فاختلسوها ، ولم يوصلوها من بعده إلى الإمام الرضا علیه السلام.

وقد بقيت هذه الفرقة تناهض الشيعة الإماميّة ، وتدخل المكروه والأذى عليهم حتّى لقّبتهم الشيعة بالممطورة تشبيهاً لهم بالكلاب التي أصابها المطر ومشت بين الناس فيتنجّس بها كلّ من قربت منه ، وكذلك هؤلاء الواقفيّة في نجاستهم وضررهم على الشيعة .

وعلى أي حال ، فقد كتب بعض الشيعة رسالة إلى الإمام في شأنهم جاء فيها :

« جعلت فداك ، هؤلاء الممطورة فأقنت عليهم في الصلاة » ، أي يجوز له لعنهم في قنوته ، فأفتاه الإمام بالجواز(1).

مشكلة خلق القرآن

من المسائل الرهيبة التي ابتلي بها المسلمون في حياتهم الدينيّة ، وامتحنوا أشدّ ما يكون الامتحان هي مسألة ( خلق القرآن ) ، فقد ابتدعها الحكم العبّاسي وأثاروها للقضاء على خصومهم ، وقد قتل خلق كثيرون من جرائها ، وانتشرت الأحقاد والأضغان بين المسلمين.


1) الكشّي : 875/460. الممطورة : الكلاب المبتلّة بالمطر، والمراد بها في الحديث الواقفة.

وقد كتب الإمام الهادي علیه السلام إلى أحمد بن إسماعيل بن يقطين في سنة (227ه) رسالة في شأن هذه المسألة جاء فيها بعد البسملة :

عَصَمَنا اللهُ وَإِيَّاكَ مِنَ الْفِتْنَةِ ، فَإِنْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَعْظَمَ بِها نِعْمَةً ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهيَ الْهَلَكَةُ.

نَحْنُ نَرَى أَنَّ الْجِدَالَ فِى الْقُرْآنِ بِدْعَةٌ اشْتَرَكَ فيها السَّائِلُ وَالْمُجِيبُ . فَيَتَعَاطَى السَّائِلُ ما لَيْسَ لَهُ ، وَيَتَكَلَّفُ المُجِيبُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ الْخالِقُ إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَما سِواهُ مَخْلوقٌ ، وَالْقُرْآنُ كَلامُ اللهِ ، لَا تَجْعَلْ لَهُ اسْماً مِنْ عِنْدِكَ فَتَكونَ مِنَ الضَّالِّينَ.

جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ مِنَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهِمْ بِالْغَيْبِ ، وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ»(1).

إنّ الخوض في خلق القرآن والجدل فيه بدعة وضلال ، والسائل والمجيب يشتركان في الإثم، وعلى المسلم أن يقتصر في القول على أنّ القرآن كلام الله تعالى ، وليس له أن يضفي عليه أنّه مخلوق أو غير مخلوق، فإنّه بذلك يكون من الضالّين ، كما يقول الإمام علیه السلام.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الحياة الدينيّة ، وهي كما ذكرنا كانت قلقة ومضطربة ، فقد كان الوعي الديني ضعيفاً ، فلم يفهم الكثيرون من المسلمين دينهم عن دليل أو إدراك ، وإنّما كانوا مقلّدين فيه لآبائهم ، ومن ثمّ ستطاعت الغلاة وغيرها من القوى المعادية للإسلام أن تغزوهم وتحرفهم عن دينهم القويم .


1) التوحيد : 224 .

حياة اللهو

وانغمس ملوك بني العبّاس الذين عاصرهم الإمام في اللهو والطرب والشهوات ، فكانت لياليهم الحمراء حافلة بالشرب والغناء واللهو ، ليس فيها أي جدّ ، كما ليس فيها أي ذكر الله تعالى ، وقد صوّر القاضي التنوخي عليّ بن محمّد قاضي البصرة خليفة زمانه العبّاسي بقوله :

نَشا بَينَ طَنْبُورٍ وَزِقٌ وَمِزْهَرِ *** وَفي حِجْرِ شَادٍ أَوْ عَلَى صَدْرِ صَارِبِ

وإذا كان الخليفة قد نشأ نشأة لهو وطرب فكيف بغيره من الوزراء والكتّاب والولاة والعمّال ، بل وسائر الناس ، لقد تهالكوا على اللذّة واللهو ، وأعرضوا عمّا يريده الإسلام لهم من حياة طاهرة نقيّة ، لا عبث فيها لا فجور.

ونعرض إلى بعض مظاهر حياة اللهو والمجون في ذلك العصر .

انتشار الخمر

وشاع شرب الخمر في ذلك العصر، وتعاطاه المتوكّل العبّاسي وسائر وزرائه وحاشيته ، وكان عندهم شيئاً مألوفاً ، ولم يعتنوا بتحريم الإسلام له وتشديده في عقابه .

وكان إهداء قناني الخمر عند العبّاسيّين من أثمن الهدايا ، فقد روى عبدالله بن أحمد بن حمدون النديم ، عن أبيه ، قال : « غزونا مع المأمون والمعتصم بلد الروم ، فأهدى إلينا محمّد بن عبد الملك الزيّات شراباً عتيقاً عراقيّاً، وكتب معه هذه الأبيات :

ما إِن تَرى مِثْلى فتى *** أَنْدي بَداً وَأَعَمْ جُودا

أشقى الصديق بِبَلْدَةٍ *** لَمْ يُرْوَ فيها الماءَ عُودا

صفراءَ صافية كأ *** نَّ على جوانبها العقودا

فَإِنِ اسْتَقَل بِشُكْرِه *** أَوْجَهْتُ بِالشُّكْر المَزيدا

خُذْهَا إِلَيْكَ كَأَنَّما *** كسِيَتْ زُجَاجَتُها فريدا

فَاجْعَلْ عَلَيكَ بِأَنْ تَقو *** مَ بِشُكْرِها أَبَداً عُهودا(1)

وكان المتوكّل من أكثر ملوك بني العبّاس شغفاً بالخمر وتعاطياً له ، وقد وصف البحتري مجلساً من مجالس شرب المتوكّل بهذه الأبيات:

قُلوبٌ شَجَتْهُنَّ الحُدودُ المَلائِحُ *** وساقٍ بَدا كَالصُّبْحِ وَاللَّيْلُ جانِحُ

يُديرُ كُؤوساً مِنْ عُقارٍ كَأَنَّها *** مِنَ النُّورِ فِي أَيْدي السُّقاةِ مَصابحُ

فَلِلرّاح ما تَجْري عَلَيْهِ دِماؤُهُمْ *** وَلِلشَّوْقِ ما ضُمَّتْ عَلَيْهِ الجَوانِحُ

وندمان صِدْقٍ في حوارٍ خَليفَةٍ *** عدا بَيْنَ كَفَّيْهِ النَّدى وَالصَّفائِحُ(2)

لقد قضى المتوكّل معظم حياته بين كؤوس الخمر ، وقد قتل وهو سكران ثمل لا يعي أي شيء . وإذا كان الخليفة لا يتأثّم من شرب الخمر الذي حرّمه الله ، فكيف بغيره من جهاز دولته وسائر الناس.

الخلاعة والمجون

وانتشرت الخلاعة والمجون في أكثر أيّام ملوك بني العبّاس ، وكانت ظاهرة بارزة ليست عند الملوك فحسب ، وإنّما هي عند غيرهم من سائر الناس ، ولنستمع إلى الشاعر أبي عليّ البصير الذي مضى إلى بيت الله الحرام ، ولمّا أدّى فريضة الحجّ عاد


1) التحف والهدايا : 24 و 25 .

2) الأغاني : 5 : 105 و 106 .

إلی خلاعته و مجنونه، قال:

أَتَيْنا بَعدَكُمْ مَكْ *** ةَ حُجّاجاً وَزُوّارا

وحرمنا لِرَبُ النّا *** س أشعاراً وَأَبشارا

وجتنا القَبرَ قَبرَ الْمُصْ *** طفى أَحْمَدَ زُوّارا

وَقالَ النَّاسُ هَلْ أَحْدَ *** ت هذا لَكَ إقصارا

وَهَلْ أَحْسَنْتَ لِلتَّوب *** ةِ مِنْ قَلْبِكَ إضمارا

فَلَمّا شارَفَ الحِيرَ *** ةَ حادي إيلي حارا

وَقَدْ كادَ يَغورُ النَّجْ *** مُ لِلْإِصْباحِ أَوْغارا

فَقُلْتُ اخطط بها رَحْلي *** وَلَا تَعْبَأُ بِمَنْ سارا

فَجَدَّدْنا عُهوداً س *** لِفَت وآثارا

وَ قَضَّيْنا لُباناتٍ *** لَنا كانَتْ وَأَوْطارا

وَصاحَبْنا بِها دَيْراً *** وَقِسَّيساً وَخَمّارا

وظبيا عاقداً بَيْنَ ا *** لنقا والخِصْرٍ زِنّارا

إِذا حَكَمْتُهُ جَارَ *** وَإِنْ حارَيْتُهُ جارا

فَما ظَنُّكَ بِالحَلْفا *** ء أدنيت لها النّارا(1)

أرأيتم خلاعة هذا الشاعر واستهتاره وتمرّده على القيم الإسلاميّة والآداب الاجتماعيّة ، ولنستمع إلى شاعر ماجن آخر من شعراء ذلك العصر يقول :

سُقْياً لِشَهْرِ الصَّومِ مِنْ شَهْرٍ *** عِنْدي لَهُ ما شاءَ مِنْ شُكْرِ


1) البصائر والذخائر : 8: 138 .

كَمْ مِنْ عَزيزِ فِيهِ فُرْنا بِهِ *** أنْهَضَهُ اللَّيْلُ مِنَ الوَكْرِ

وَمِنْ إِمامٍ كانَ لي وَصْلُهُ *** إلى كَحيل الْعَيْنِ بِالسِّحْرِ

لَوْ كانَ يَدْري بالذى خَلْفَهُ *** أعْجَلَهُ ذاكَ عَنِ الوَتْرِ

وخلةٌ زارتكَ مُشتاقة *** في لَيْلَةِ القَدْرِ عَلى قَدرِ

فَانْصَرَفَ النَّاسُ بِما أَمَّلوا *** وَيُؤْتُ بِالآثامِ وَالْوِزْرِ(1)

إنّ السلوك العامّ للمواطنين في ذلك العصر كان متّجهاً نحو الطرب والمجون ، وقد شجّعهم على ذلك تهالك ملوك بني العبّاس على اللذّة والفجور واللهو ، ولم تكن للحياة الروحيّة أي أثر في قصورهم ، ولا في سلوكهم .

وبهذا ينتهي الحديث عن عصر الإمام علیه السلام.


1) ديوان المعاني : 234 .

الى جَنَّةِ المَأوَى

اشارة

وعانى الإمام الزكي أبو الحسن علي الهادي علیه السلام صنوفاً مرهقة من المحن والخطوب من طغاة بني العبّاس ، فقد جهدوا على ظلمه والاعتداء عليه .

وكان المتوكّل من أكثرهم حقداً وظلماً له ، فقد نقله من يثرب إلى سامرّاء ، وفرض عليه الإقامة الجبريّة فيها، وأحاط داره بقوى مكثّفة من المباحث والأمن أخذت تحصي عليه عليه أنفاسه ، ومنع العلماء والرواة والفقهاء من الانتهال من نمير علومه ، ونقل فتاواه وآرائه ، وبذلك فقد جنى على العلم جناية لا تعدلها جناية .

كما فرض عليه الحصار الاقتصادي، فقد منع من إيصال الحقوق الشرعيّة التي كانت ترد عليه من القطر وخارجه، وتركه في ضائقة ماليّة خانقة ، وكان يعهد إلى شرطته وجلاوزته بتفتيش داره بين حين وآخر لعلّه يجد فيها من السلاح أو الكتب التي تناهض الحكم العبّاسي ليستحلّ بذلك إراقة دمه ، ، إلّا أنّه لم يجد فيها أي شيء .

وكان في بعض الأحيان يأمر بحمل الإمام علیه السلام إليه بالحالة التي هو فيها ، وقد حُمل إليه مرّة ، وكان الطاغية ثملاً وبين يديه كؤوس الخمر وقنانيه ، وقد أحاطت به جوقات المغنّيين والمغنيات ، فوقف الإمام معه بصلابة وشدّة ، وأخذ يعظه ويذكّره الدار الآخرة ، وينعى عليه ما هو فيه من اللهو والفسق والفجور، ولمّا رأى الطاغية إصرار الإمام على الابتعاد عنه ، ورفضه للاتّصال به ، وملازمته لطاعة الله وعبادته أمر باعتقاله وإيداعه في سجونه .

ويقول الرواة إنّه سمعه شخص في السجن وهو يقول : أَنا أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ ناقَةِ

صالح ، وتلا قوله تعالى : ( تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٌ )(1).

ولم تمض إلّا أيّام الثلاثة حتّى هلك الطاغية ، قتله ولده المنتصر(2).

ولم تنقض محنة الإمام وبلواه بعد هلاك عدوّه الطاغية المتوكّل ، فقد ظلّ الحكم العبّاسي يراقبه ويبغي له الغوائل ، ويكيد له في وضح النهار وغلس الليل ، لقد نقم العبّاسيّون على الإمام لأنّه موضع تقدير الأمّة وتقديسها ، وأنّها تكنّ له من الاحترام والتقدير والتعظيم ما لا تكنّه لهم ، وأنّ هناك شطراً كبيراً من هذه الأمّة يذهب إلى إمامته ، وإنّه أحقّ وأولى بمركز الخلافة الإسلاميّة من بني العبّاس الذين غرقوا في الملذّات والشهوات، وساسوا الناس سياسة بني أميّة المبنيّة على البطش والجبروت والكبرياء .

وعلى أي حال، فإنّا نعرض بإيجاز إلى الفصول الأخيرة من حياة الإمام علیه السلام.

اغتياله علیه السلام بالسمّ

وثقل الإمام علیه السلام على المعتمد العبّاسي ، وذلك لما يراه من تحدّث الناس عن مآثر الإمام وعلومه وزهده وتقواه ، وتقديمهم له بالفضل على غيره من علماء المسلمين ، فانتفخت أوداجه ، وورم أنفه حسداً للإمام وحقداً عليه ، وأخذت نزعاته الشريرة تدفعه إلى اقتراف أخطر جريمة في الإسلام ، فدسّ له سمّاً قاتلاً ، فلمّا تناوله الإمام لازم الفراش ، وقد تسمّم بدنه ، وأخذ يقاسي الآلام ، وقد توافدت عليه الشيعة ووجوه الدولة لعيادته ، وممّن دخل عليه عائداً الشاعر الملهم أبو هاشم الجعفري ، فلمّا رآه بتلك الحالة جزع وبكى ، وقد نظم قصيدة جاء فيها :


1) هود 11: 65 .

2) إعلام الورى : 2 : 363 .

مادَتِ الدُّنْيا فُؤادِي الْعَلِيلِ *** وَاعْتَرَتْنِي مَوارِدُ اللأواءِ

حِيْنَ قِبل الإمامُ يَضْوٌ عَلِيلٌ *** قُلْتُ نَفْسِي فَدَتْهُ كُلَّ الْفِداءِ

مَرِضَ الدِّينُ لاِعْتِلالِكَ وَاعْتَلْ *** ل وغارَتْ نُجُومُ السَّماءِ

عَجَباً إِنْ مُنِيتَ بِالدّاءِ وَالسُّف *** م وَأَنْتَ الإمامُ حَسْمُ الدّاءِ

أَنْتَ آسِي الْأَدْواءَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْ *** يا وَمُحْيِي الْأَمْواتِ وَالْأَحْياءِ(1)

وحكت هذه الأبيات مدى حزن أبي هاشم وجزعه على مرض الإمام ، فقد ذابت نفسه أسىٍّ وحسرات ، وتمنّى أن يكون بنفسه فداءً له ، فقد مرض الدين لاعتلال الإمام العظيم ، وغارت نجوم السماء من هول هذه الفاجعة ، ويعجب أبو هاشم أن يمنى الإمام بالداء والسقم وهو حسم الداء .

تعيينه علیه السلام لوليّ عهده

ونصّ الإمام الهادي علیه السلام على إمامة ولده أبي محمّد الحسن علیه السلام ونصبه علماً ومرجعاً للشيعة بعد وفاته ، وكان من قبل قد دلّ على إمامته خواصّ شيعته ، وقد عهد إليه أن يتولّى تجهيزه والصلاة عليه ، ويواريه في داره ، وأوصاه بغير ذلك ممّا يتعلّق بشؤونه .

إلى جنّة المأوى

وتفاعل السمّ في بدن الإمام ، وألمّت به آلام قاسية ، وأخذ الموت يدنو إليه سريعاً ، ولمّا شعر بدنو الأجل المحتوم منه توجّه إلى القبلة ، وأخذ يتلو بعض سور القرآن الكريم ، وقد وافاه الأجل وذكر الله بين شفتيه .


1) إعلام الورى : 2 : 348 .

لقد صعدت روحه العظيمة إلى بارئها وهي نقيّة ، طاهرة ، مشرقة ، تحفّها ملائكة الرحمن ، وقد أظلمت الدنيا لفقده ، وأشرقت الآخرة بقدومه ، وقد فقد الناس بموته الخير الكثير ، فقد مات القائد والموجّه والمدافع عن حقوق الضعفاء والمحرومين.

تجهيزه علیه السلام

وقام الزكيّ أبو محمّد الحسن علیه السلام بتجهيز أبيه ، فغسّل جسده الطاهر ، وأدرجه في أكفانه ، وصلّى عليه وقلبه الشريف يتقطّع ألماً وحزناً وحسرات .

مواكب التشييع

وماجت سامرّاء من هول الفاجعة الكبرى ، وهرع الناس بجميع طبقاتهم إلى الفوز بتشييع جثمان الإمام الذي هو بقيّة النبوّة والإمامة ، وقد عطّلت الدوائر الرسميّة والمحلّات التجارية ، وتقدّم أمام النعش الوزراء والعلماء والقضاة وكبار القادة من رجال الجيش وسائر أفراد الأسرة العبّاسيّة ، وهم يشعرون بفادحة المصيبة ، ويعدّدون مزايا الإمام ومناقبه وفضائله ، ويذكرون ما مني به العالم الإسلامي من الخسارة العظمى التي لا تعوّض .

لقد جرت مراسيم هائلة لتشييع جنازة الإمام لم تشهد سامرّاء مثلها في جميع مراحل تاريخها

في مقرّه الأخير

وجيء بالجثمان الطاهر تحت هالة من التكبير والتعظيم إلى مقرّه الأخير ، وهي دار الإمام التي أعدّها مقبرة له ولأفراد أسرته ، وقد أنزله ولده الإمام الحسن علیه السلام في ملحودة قبره ودموعه تجري على سحنات وجهه ، وواراه في قبره ، ووارى معه القيم الإنسانيّة من العلم والحلم والتقى والصلاح .

وبعد الفراغ من دفن الجثمان الطاهر هرعت جماهير المشيّعين إلى الإمام أبي محمّد الحسن علیه السلام وهي ترفع له تعازيها الحارّة وتواسيه بمصابه الأليم ، والإمام علیه السلام واقف مع أفراد أسرته يشكرونهم على ذلك .

عمره الشريف

أمّا عمر الإمام علیه السلام فقد نصّت بعض المصادر أنّه كان أربعين سنة(1).

سنة شهادته علیه السلام

وتوفّى الإمام علیه السلام سنة ( 254ه) يوم الاثنين لخمس ليالٍ بقيت من جمادى الآخرة(2)، وقيل غير ذلك .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حياة الإمام الهادي علیه السلام ، آملين أن نكون قد ألقينا الأضواء على بعض معالم شخصيّته ·

اَلحَمدُلله رَبِّ العَالَمين وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ الطَّاهِرينَ


1) نور الأبصار : 150 . كشف الغمّة : 3 : 174 .

2) نور الأبصار : 150 . كشف الغمّة : 3 : 174 .

المَصَادِرُ

القرآن الکریم.

1 - أبو الشهداء الحسين بن عليّ : العقاد ، عباس محمود ( 1889 - 1964ه) : الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1413ه.

2 - الإتحاف بحُبِّ الأشراف : الشبراويّ الشافعيّ ، عبد الله بن محمّد بن عامر ( - 1172ه) : تحقيق : سامي الغريريّ، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1423ه / 2002م .

3 - الاحتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي ، أبو منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب ( - 560ه ) ، تحقيق : إبراهيم البهادري و محمّد هادي به ، الناشر : دار أسوة - ايران ، الطبعة السادسة / 1425ه.

4 - أخبار الدول وآثار الأول : القرمانيّ ، أحمد بن يوسف ( 939 - 1019ه) : الحلبي - القاهرة / 1982م .

5 - اختيار معرفة الرجال = رجال الكشّي : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه ) ، تحقيق : محمّد تقي فاضل الميبديّ والسيّد أبو الفضل الموسويان ، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران ، الطبعة الأولى / 1382ه . ش .

6 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد : الشيخ المفيد ، محمّد بن محمّد ( 336 - 413ه) : طبع وتحقيق : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام - قم المقدّسة / 1416ه .

7 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ابن عبدالبرّ = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمّد النمري القرطبيّ الأندلسي ( 368 - 463ه ) : دار الإسلام - عمان / 2002م .

8 - أسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير الجزري = عزّ الدين عليّ بن محمّد بن محمّد ( 555 - 630ه ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2006 م .

9 - إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وآل بيته الطاهرين : الصبّان ، محمّد بن عليّ ( - 1206ه) ، نشر دار الفكر - بيروت .

10 - أشعار أبي علي البصير : أبو علي البصير.

11 - الإصابة في تمييز الصحابة : ابن حجر العسقلانيّ = شهاب الدين أحمد بن عليّ الشافعي ( 733 - 852ه ) : دار الفكر - بيروت / 2001 م .

12 - الأعلام : الزركليّ ، خير الدين بن محمود بن محمّد ( - 1410ه) : دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة التاسعة / 1990م.

13 - أعلام الدين في صفات المؤمنين : الديلمي ، الحسن بن أبي الحسن ( - 841ه) تحقيق ونشر : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث ، الطبعة الأولى / 1408ه.

14 - إعلام الورى بأعلام الهدى : الطبرسيّ ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن ( من أعلام القرن السادس ) : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث - قم المقدسة / 1417ه.

15 - أعيان الشيعة : الأمين العاملي ، محسن ( 1865 - 1952م ) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت / 2000 م .

16 - الأغاني : أبو الفرج الاصفهانيّ ، عليّ بن حسين ( 284 - 356ه) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م.

17 - إقبال الأعمال : السيّد ابن طاووس = رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه ) : تقديم وتعليق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسّسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى 1417ه / 1996م.

18 - الأمالي : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381ه) : تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلاميّة ، مؤسّسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1417ه.

19 - الأمالي : شيخ الطائفة الطوسي ، أبو جعفر محمّد بن الحسن ( 385 - 460ه) ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسّسة البعثة ، الناشر: نشر دار الثقافة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1414ه.

20 - الأمالي : الشيخ المفيد : أبو عبدالله محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي ( 336- 413ه) ، تحقيق : علي أكبر غفّاري، الناشر : مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة ، الطبعة الخامسة / 1425ه.

21 - الأنباء في تأريخ الخلفاء : ابن العمراني .

22 - الأنوار البهيّة في تواريخ الحجج الإلهيّة : القمّيّ ، الشيخ عبّاس ( 1254 - 1319ه ) ، تحقيق : فارس حسون کریم، انتشارات فدك - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1433ه/ 2012م .

23 - الأوراق : الصولي .

24 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : العلامة المجلسيّ = محمّدباقر بن محمّد تقي ( 1037 - 1111ه) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.

25 - بحر الأنساب : الحسينيّ النجفيّ ، السيّد محمّد بن أحمد : دار المجتبى للنشر والتوزيع - المدينة المنوّرة / 1419ه.

26 - البداية والنهاية في التاريخ = تاریخ ابن كثير : ابن كثير الدمشقي ، أبو الفداء إسماعيل بن كثير (700 - 774ه ) : تحقيق : مكتب تحقيق التراث ، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1993م .

27 - بشارة المصطفى لشيعة المرتضى : الطبري ، عماد الدين أبي جعفر محمّد بن أبي القاسم( - 525ه ) : مؤسّسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة / 1420ه .

28 - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد : الصفّار ، الثقة الجليل أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروخ ( - 290ه ) : تعليق : التبريزي ، منشورات مكتبة المرعشي النجفي ، قم المقدّسة / 1404ه.

29 - البصائر والذخائر : التوحيدي ، أبو حيّان ( - 380 أو 400ه ) : دار صادر - بيروت ، الطبعة الرابعة / 1999م.

30 - البلد الأمين : الكفعميّ ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن عليّ بن الحسن بن محمّد العامليّ الحارثيّ ( 840 - 905ه ) : مؤسّسة قائم آل محمّد عجل الله تعالی فرجه الشریف - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1413ه / 1993م.

31 - تاريخ الأئمّة : أبو الثلج البغدادي ، أبو بكر محمّد بن أحمد بن عبدالله (- 323ه): مكتبة آية الله السيد المرعشي النجفي قدس سره ، قم المقدّسة / 1406ه.

32 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبيّ = محمّد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004 .

33 - تاريخ الطبري = تاريخ الأمم والملوك : الطبري ، أبو جعفر محمّد بن جرير بن يزيد بن خالد ( 224 - 310ه ) : مؤسّسة الأعلميّ - بيروت، الطبعة الخامسة 1409 ه / 1989م.

34 - تاريخ بغداد : الخطيب البغداديّ ، أبو بكر أحمد بن عليّ ( 392 - 463ه ) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه / 1997م

35 - تاريخ الخلفاء : جلال الدين السيوطيّ ، عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعيّ ( 849 - 911ه) : السعادة - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1952م.

36 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس : الدياربكريّ = حسين بن محمّد بن حسن ( - 966ه ) : مؤسّسة شعبان - بيروت / 1990م .

37 - تاريخ اليعقوبيّ : اليعقوبيّ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح ( - 278ه- ) : دار صادر - بيروت / 1984م .

38 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّانيّ ، أبو محمّد الحسن بن عليّ بن الحسين ( من أعلام القرن الرابع الهجري ) : دار الشريف الرضيّ - قم المقدّسة / 1421ه.

39 - التحف والهدايا : السمعاني = عبدالكريم بن أبي بكر محمّد بن المنصور بن محمّد بن عبد الجبّار ( 506 - 562ه ) : دار المعارف - القاهرة / 1956م.

40 - تذكرة خواص الأمّة : سبط ابن الجوزيّ ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي ( 581 - 654ه ) : منشورات الشريف الرضيّ - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1418ه / 1997م.

41 - تفسير الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور : السيوطيّ ، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي ( 849 - 911ه ) : تصحيح وتخريج الأحاديث : الشيخ نجدت نجيب ، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1421ه / 2001م ( 8 مجلدات ) .

42 - تفسير الطبريّ = جامع البيان عن تأويل آي القرآن : الطبريّ ، أبو جعفر محمّد بن جرير ( - 310ه) : تحقيق : الدكتور عبدالله بن عبد المحسن التركي ، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر - القاهرة ، الطبعة الأولى 1422ه / 2001م ، ( 24 مجلداً + مجلدا الفهارس ) .

43 - تفسير العيّاشيّ : العيّاشيّ ، أبو النضر محمّد بن مسعود بن عياش السلميّ السمرقنديّ ( - 320ه) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة ، مؤسّسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1421ه ( 3 مجلدات ) .

44 - تفسير في ظلال القرآن : سيد قطب ( 1906 - 1966م ) : دار الشروق - القاهرة ، الطبعة الرابعة والعشرون 1415ه / 1995م ( 6 مجلدات ) .

45 - تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن الأنصاري ، أبو عبدالله محمّد بن أحمد ( - 671ه) : التحقيق هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب - الرياض 1423ه / 2003م .

46 - تفسير القمّي : القمّي ، أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن هاشم ( - 329ه) : تحقيق : السيّد طيّب الجزائري الموسوي، الناشر دار السرور - بيروت ، الطبعة الأولى 1411ه / 1991م ( مجلدان ) .

47 - تفسير الكبير = مفاتيح الغيب : الفخر الرازي = خطيب الريّ ، فخر الدين أبي عبدالله محمّد بن ضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين ( 544 - 606ه ) : تقديم : الشيخ خليل محیي ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة الأولى 1415ه / 1995م ( 32 جزءاً في 16 مجلّداً + مجدّد الفهرس ) .

48 - تفسير الزمخشري - الكشّاف عن حقائق التنزيل : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر ( 467 - 538ه) : مؤسّسة التاريخ العربي - بيروت / 2000 م .

49 - التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري علیه السلام ( 260ه) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسّسة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1409ه.

50 - التوحيد : الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه) : نشر وتحقيق : مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدّسة ، الطبعة الثامنة / 1423ه .

51 - تهذيب الأحكام : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه ) : مكتبة الصدوق - طهران / 1417ه .

52 - جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع : السيّد ابن طاووس = رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه ) : دار الذخائر - قم المقدّسة / 1411ه.

53 - جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : القراغوليّ البغداديّ ، السيّد محمود : الآداب - بغداد / 1329ه .

54 - الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة : البحراني ، الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الدرازي ( 1107 - 1186ه ) : نشر : الشيخ علي الآخوندي ، طبع : جماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1409ه.

55 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهانيّ ، الحافظ أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران ( 336 - 430ه ) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.

56 - الخرائج والجرائح : الراوندي، الشيخ قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله ( - 573ه ) : مؤسّسة النور للمطبوعات - بيروت ، الثانية / 1411ه.

57 - خلاصة الأقوال في معرفة الرجال = رجال العلّامة الحلّيّ : العلّامة الحلّي ، الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي ( - 725ه) تحقيق : الشيخ جواد القيّومي ، مؤسّسة نشر الفقاهة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1417ه.

58 - دائرة معارف القرن العشرين: وجدي ، محمّد فريد : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثالثة 1971م.

59 - الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة : الشاميّ العاملي ، يوسف بن حاتم ( من أعلام القرن السابع الهجري ) : مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1409ه.

60 - الدعوات : الراونديّ، أبو الحسين سعيد بن هبة الله ( - 573ه ) : دليل ما - قم المقدّسة / 1385ه . ش .

61 - دلائل الإمامة : ابن رستم الطبريّ ، أبو جعفر محمّد بن جرير ( - 310ه) : مؤسّسة البعثة - قم المقدّسة / 1412ه .

62 - الديارات : الشابشتي : دار الرائد العربية - بيروت، الطبعة الثالثة / 1986م.

63 - ديوان ابن المعتز : ابن المعتز ( 247 - 296ه) : دار صادر - بيروت / 1985م .

64 - ديوان البحتري : الوليد بن عبيد ( - 284ه-) دار صادر - بيروت .

65 - ديوان الجواهري: مهدي الجواهري ، محمّد ( 1903 - 1998ه ) : دار المعرفة - بيروت / 2005 م .

66 - ديوان الحمداوي : الحمداوي .

67 - ديوان عليّ بن الجهم : عليّ بن الجهم : المجمع العالمي العربي - دمشق / 1949م.

68 - ديوان المعاني : ابن هلال العسكري ، الحسن بن عبد الله ( - 395ه ) :

69 - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى : الطبريّ ، محبّ الدين أبو العبّاس أحمد بن عبدالله بن محمّد المكّي الشافعي ( 615 - 694ه) : تحقيق وتعليق : أكرم البوشي ، مكتبة الصّحابة - جدّة ، الطبعة الأولى 1415ه / 1995م.

70 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة : آقا بزرك الطهرانيّ ، محمّد محسن ( 1255 - 1389ه ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثالثة / 1403ه .

71 - رجال ابن داود ابن داود الحلّيّ ، الحسن بن عليّ ( - 707ه) : المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف 1392ه / 1972م.

72 - رجال ابن الغضائری : ابن الغضائري : انتشارات سرور - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1422ه.

73 - رجال البرقي : البرقي ، أحمد بن محمّد بن خالد ( - 274 أو 280ه) : جواد القيّومي الاصفهاني ، مؤسّسة القيومي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1419ه.

74 - رجال الطوسي : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه ) : تحقيق : جواد القيّومي الاصفهاني ، مؤسّسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1420ه.

75 - رجال النجاشي : أبو العبّاس الأسديّ الكوفي ، أحمد بن عليّ ( 372 - 450ه ) : جماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1407ه.

76 - روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات: الخوانساريّ ، الميرزا محمّد باقر الموسوي ( -1313ه ) ، مكتبة إسماعيليان - قم المقدّسة / 1390ه.

77 - روضة الأعيان في أخبار مشاهير الزمان : الموصلي الرفاعيّ ، محمّد .

78- رياض النَّضرة في مناقب العَشرة : الطبريّ ، محبّ الدين أبي جعفر أحمد بن عبدالله الشافعي ( 615 - 694ه ) : تحقيق عبدالمجيد الحلبي ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الأولى 1418ه / 1997م ( 4 أجزاء في مجلّد ) .

79 - زهر الآداب وثمر الألباب : القيروانيّ ، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصريّ : دار الجيل - بيروت / 1973م.

80 - سامرّاء في أدب القرن الثالث الهجري : السامرائي ، يونس أحمد : الإرشاد - بغداد / 1968م.

81 - سنن ابن ماجة : ابن ماجة القزوينيّ ، أبو عبدالله محمّد بن يزيد ( - 273ه) : تحقيق : خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية 1418ه / 1997م ( 4 مجلّدات مجلد الفهرس ) .

82 - سنن البيهقى = السنن الكبرى : أبو بكر أحمد بن الحسين بن عليّ البيهقي ( 384 - 458ه) : مكتبة دار الفكر - بيروت 1416ه / 1996م.

83 - سير أعلام النبلاء شمس الدين الذهبيّ = محمّد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه ) : مؤسّسة الرسالة - بيروت / 1419ه .

84 - شجرة السبطين : آقا بزرك الطهراني ( 1255 - 1348ه ) .

85 - شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب : ابن عماد ، عبدالحيّ بن أحمد ( 1032 - 1089ه ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1967م.

86 - شرح شافية أبي فراس ( م ) : الحسسينيّ ، محمّد بن أمير الحاج : دار الطباعة - طهران / 1296ه . ش .

87 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد ، عزّ الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة الله بن محمّد بن محمّد بن الحسين المدائنيّ المعتزليّ ( 586 - 655ه ) ، قدّم له وعلّق عليه : الشيخ حسين الأعلميّ ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى / 1415ه - 1995م.

88 - شعر العطوي : العطوي .

89 - صحيح البخاريّ : البخاريّ ، أبو عبدالله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفيّ ( 194 - 256ه) : ضبطه ورقّمه : الدكتور مصطفى ديب البغا ، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق . الطبعة الخامسة 1414ه / 1993م ( 6 مجلّدات + مجلّد الفهارس ) .

90 - صحيح الترمذيّ : الترمذيّ ، محمّد بن عیسی ( 209 - 279ه ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1985م .

91 - صحيح مسلم = الجامع الصحيح : القشيريّ النيسابوريّ ، أبو الحسين مسلم بن حجّاج ( 206 - 261ه) : دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى 1416ه / 1995م.

92 - صفة الصفوة : الجوزيّ ، أبو الفرج عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد (- 597ه :دار المعرفة - بيروت / 1979م.

93- الصواعق المحرقة على أهل الرّفض والضلال والزّندقة : ابن حجر الهيتميّ ، أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن علىّ ( 909 - 974ه) : تحقیق : عبدالرحمان التركي وكامل محمّد الخرّاط ، مؤسّسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الأولى 1417ه / 1997م ( مجلّدان ) .

94 - طبقات الكبرى : ابن سعد ، أبو عبدالله محمّد بن سعد بن منيع البصريّ الواقديّ الزهري ( 168 - 230ه) : تحقیق : محمّد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلميّة - بيروت ، الطبعة الأولى 1410ه / 1990م ( 8 مجلّدات + مجلّد الفهارس ) .

95 - عدّة الداعى : ابن فهد الحلّيّ ، جمال الدين أبو العبّاس أحمد بن شمس الدين محمّد بن فهد ( - 841ه ) : تحقيق : فارس حسّون كريم مؤسّسة المعارف الإسلاميّة - قم المقدّسة / 1421ه.

96 - العصر العبّاسي الأوّل : الدوري ، عبدالعزيز : مركز دراسات الوحدة العربيّة - بيروت ، الطبعة الأولى / 2006م.

97 - العقد الفريد : ابن عبدربّه الأندلسيّ ، أبو عمر أحمد بن محمّد ( 246 - 328ه ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.

98 - علل الشرائع : الشيخ الصّدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381ه) : دار الحُجّة للثقافة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416ه ( جزءان في مجلّد ) .

99 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ابن عتبة ، السيّد جمال الدين أحمد بن عليّ بن الحسين الحسنيّ ( - 828ه) : المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف / 1380ه.

100 - عيون أخبار الرضا علیه السلام : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلميّ ، مؤسّسة الأعلميّ - بيروت ، الطبعة الأولى / 1404ه.

101 - عيون المعجزات : الشيخ حسين بن عبدالوهاب (من أعلام القرن الخامس الهجري ) : مكتبة الداوري - قم المقدّسة / 1395ه.

102 - الغدير في الكتاب والسنّة والأدب : العلّامة الأمينيّ ، عبدالحسين ( 1281 - 1349 ه ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1990م.

103 - الفخري في أنساب الطالبيّين : المروزي ، إسماعيل بن الحسين المروزي الأزورقاني : مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم المقدّسة / 1409ه.

104 - فرحة الغريّ في تعيين قبر أمير المؤمنين عليّ : السيّد عبدالكريم بن طاووس ، غیاث الدين ( - 693ه ) : مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1419ه.

105 - الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة : ابن الصّبّاغ = عليّ بن محمّد بن أحمد المالكي ( - 855ه- ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1409ه / 1988م.

106 - فوات الوفيات : ابن شاكر الكتبي =- محمّد بن شاكر ( 681 - 764ه ) : تحقيق : علي محمّد بن يعوض الله و عادل أحمد عبد الموجود ، دار الكتب العلميّة - بيروت ، الطبعة الأولى / 2000م .

107 - الفهرست : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه ) : تحقيق ونشر الفقاهة - قم المقدّسة / 1417ه .

108 - فهرست ابن النديم : ابن ندیم، محمّد بن إسحاق ( - 385ه-) : تعليق : الشيخ إبراهيم رمضان ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية 1417ه / 1997م.

109 - فيض القدير في شرح الجامع الصغير : المناويّ ، عبدالرؤوف الشافعي ( 952 - 1031ه) : دار الفكر - بيروت / 1423ه.

110 - القاموس المحيط: الفيروزآباديّ، أبو طاهر مجدالدين محمّد بن يعقوب بن محمّد بن إبراهيم ( 729 - 817ه ) : تقديم وتعليق : الشيخ أبو الوفا نصر الهورينيّ المصريّ الشافعيّ ، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 1425ه / 2004م .

111 - قصص الأنبياء : الراوندي ، قطب الدين سعيد بن هبة الله ( - 573ه) : مؤسّسة الهادي علیه السلام - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1418ه.

112- الكافي : ثقة الإسلام الكليني ، أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الرازي ( 328 - 329ه) : مؤسّسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1426ه / 2005م .

113 - كامل الزيارات : ابن قولويه ، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمّد القمّي ( - 368ه ) :دار السرور - بيروت ، الطبعة الأولى / 1418ه - 1997م .

114 - الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، عزّ الدين أبي الحسن عليّ بن محمّد بن أبي الكرم الشيباني ( 555 - 630ه ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408ه / 1989م.

115 - كمال الدين وتمام النعمة : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه) : صحّحه وعلّق عليه : علي أكبر الغفّاريّ ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة / 1422ه .

116 - الكنى والألقاب : الشيخ القمّي ، عبّاس ( 1254 - 1319ه) : مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة ، الطبعة الأولى / 1425ه .

117 - كشف الغمّة في معرفة الأئمّة : الإربلي ، أبو الحسن عليّ بن عيسى بن أبي الفتح ( 467 - 538ه) : دار الأضواء - بيروت / 1985م.

118 - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال : المتّقيّ الهنديّ = علاء الدين عليّ بن حسام الدين ( 888 - 975ه) : مؤسّسة الرسالة - بيروت / 2004 م .

119 - كنز الفوائد : الكراجكي ، أبو الفتح محمّد بن علي بن عثمان الطرابلسي ( - 449 ه) : مكتبة المصطفوي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1410ه .

120 - اللمعة الدمشقيّة في فقه الإماميّة : الشهيد الأوّل : محمّد بن مكّي العامليّ الجزينيّ ( 34 - 786ه): تحقيق : محمّد تقي وعلي أصغر مرواريد ، نشر دار التراث - بيروت ، الطبعة الأولى 1410ه / 1990م.

121 - مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء : ذبيح الله : الحيدريّة - النجف الأشرف / 1350ه.

122 - مباني تكملة المنهاج : السيّد الخوئي قدس سره ، أبو القاسم الموسوي ( 1278 - 1371ه) : مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره - قم المقدّسة / 1422ه.

123 - مجمع البحرين ومطلع النيّرين : فخر الدين الطريحي = محمّد بن عليّ ( 979 - 1085ه) : تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة ، مؤسّسة البعثة - طهران ، الطبعة الأولى / 1414ه ( 3 مجلّدات ) .

124 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : الهيثميّ ، الحافظ نور الدين عليّ بن أبي بكر المصري الشافعي ( 35 - 807ه- ) : دار الكتب العلميّة - بيروت 1408ه / 1988م.

125 - محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء : الراغب الأصفهانيّ = الحسين بن محمّد( - 502) : المكتبة الحيدريّة - قم المقدّسة / 1416ه.

126 - محاضرات في أصول الفقه ( تقرير لأبحاث آية الله العظمى السيّد الخوئي قدس سره ) : قرّرها : الشيخ محمّد إسحاق الفياض ، مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره - قم المقدّسة / 1422ه ( 4 أجزاء ) .

127 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان: اليافعيّ ، أبو محمّد عبدالله بن أسعد بن عليّ بن سليمان

( - 768ه ) : وضع حواشيه خليل المنصور، نشر دار الكتب العلميّة - بيروت ، الطبعة الأولى 1417ه / 1997م .

128 - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي ( 581 - 654ه) : مؤسّسة آل البيت الاعلام ، قم المقدّسة / 1366ه.

129 - مروج الذهب ومعادن الجوهر : المسعوديّ ، أبو الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ ( 654ه) : تحقيق : عبدالأمير المهنّا ، نشر مؤسّسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى 1411ه / 1991م.

130 - المزار للشهيد الأوّل ، محمّد بن مكّي العاملي الجزيني ( 734 - 786ه ) : تحقيق ونشر مؤسّسة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف - قم المقدّسة / 1410ه.

131 - المزار الكبير : ابن المشهدي ، الشيخ أبو عبد الله محمّد بن جعفر بن عليّ الحائري ( 131- 610ه) : تحقيق : جواد القيّومي الأصفهاني ، نشر دار القيّوم ، الطبعة الأولى / 1419ه .

132 - المسائل الناصريات ( المطبوع ضمن الجوامع الفقهية ) : الشريف المرتضى ، علم الهدى عليّ بن الحسين بن موسى الموسوي ( 355 - 436ه ) : تحقيق : مركز البحوث والدراسات العلمية ، نشر رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية - طهران 1417ه / 1997م.

133 - المستدرك على الصحيحين : الحاكم النيسابوريِّ ، محمّد ( - 405ه) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، نشر دار الكتب العلميّة - بيروت ، الطبعة الأولى 1411ه / 1990م.

134- مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل : المحدّث النوريّ ، الحاج الميرزا حسين بن محمّد تقي بن نقيّ الطبرسيّ ( 1254 - 1320ه ) : مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1408ه .

135 - مستطرفات السرائر : ابن إدريس الحلّي ، محمّد بن أحمد ( - 598ه) : مؤسّسة النشر الإسلامي ، الطبعة الثانية / 1411ه .

مستمسك العروة الوثقى : الطباطبائي ، السيّد محسن الحكيم ( - 1390ه) : مطبعة الآداب - النجف الأشراف .

137 - مسند أبي داود الطيالسيّ : الحافظ ابن داود البصريّ الفارسيّ = سليمان بن داود بن الجارود ، ( 203 - 275ه) : مكتبة الأزهريّة - القاهرة / 1979م .

138 - مسند أحمد بن حنبل : ابن حنبل ، أحمد ( - 241ه) : مؤسّسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الثانية 1420ه / 1999م.

139 - مشكل الآثار : الطحاوي ، أحمد بن محمّد بن سلامة بن سلمة ( 239 - 321ه) : مؤسّسة الرسالة - بيروت 1408ه / 1987م.

140 - مصباح الزائر : السيّد ابن طاووس = رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه ) : تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث - قم المقدّسة / 1417ه.

141 - مصباح مصباح الكفعميّ : الكفعمي ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن عليّ بن الحسن بن محمّد لعامليّ الحارثيّ ( 840 - 905ه) : مؤسّسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الثانية / 1424ه - 2003م.

142 - مصباح المتهجّد : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه ) : مؤسسة فقه الشيعة - بيروت ، الطبعة الأولى 1411ه / 1991م.

143 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : القرشيّ ، كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد بن الحسن الشافعي ( 583 - 652ه ) : مؤسّسة أمّ القرى - قم المقدّسة / 1420ه .

144 - معاني الأخبار : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381ه) : قدّم له : الشيخ حسين الأعلمي ، تعليق : علي أكبر الغفّاري ، نشر مؤسّسة الأعلميّ - بيروت ، الأولى 1410ه/ 1990م.

145 - معجم الأدباء : ياقوت الحمويّ ، شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الروميّ البغداديّ ( 574 - 626ه ) : دار المأمون - القاهرة / 2001م .

146 - معجم البلدان : ياقوت الحمويّ ، شهاب الدين أبو عبدالله الروميّ البغداديّ ( - 626ه) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399ه .

147 - معجم رجال الحديث : السيّد الخوئيّ ، السيّد أبو القاسم الموسوي ( - 1413ه ) : الثقافة الإسلاميّة - قم المقدّسة الطبعة الخامسة 1413ه / 1992م.

148 - مفاتيح الجنان مفاتيح الجنان : الشيخ القمّيّ ، عبّاس بن محمّد رضا ( 1254 - 1359ه) : مؤسّسة

الأعلميّ للمطبوعات ، بيروت - / 1992م.

149 - مفتاح الفلاح : الشيخ البهائي = بهاء الدين محمّد بن الحسين الحارثي العاملي ( - 1030ه ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الأولى / 1415ه.

150 - مقاتل الطالبيّين : أبو الفرج الأصفهاني ، عليّ بن الحسين بن محمّد بن أحمد ( - 356ه ) : مكتبة الشريف الرضيّ - قم المقدّسة / 1416ه .

151 - المقنع : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه) : تحقيق ونشر : مؤسّسة الإمام الهادي علیه السلام - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1415ه.

152 - ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار : المجلسي ، محمّد باقر ( - 1110ه ) مكتبة السيّد المرعشي قدس سره- قم المقدّسة / 1407ه.

153 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهرآشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمّد بن عليّ السرويّ المازندرانيّ ( 488 - 588ه ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1412ه / 1991م.

154 - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك : ابن الجوزي ، جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد ( - 597ه) : تحقيق وتقديم : سهيل زكار ، الطبعة الأولى / 1415ه - 1995م.

155 - من لا يحضره الفقيه : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه) : مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات ، الطبعة الأولى 1426ه/ 005 2005م .

156 - منهاج الصالحين : السيّد الحكيم ، محسن ( 1267 - 1348ه ) : النجف - النجف الأشرف / 1387ه.

157 - مهج الدعوات في منهج العبادات : السيّد ابن طاووس ، رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه ) : دار الكتب الإسلاميّة - طهران ، الطبعة الأولى / 1416ه.

158 - نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: الحلوانيّ ، حسين بن محمّد ( القرن الخامس الهجري ) : سعيد ، مشهد المقدّسة / 1362ه.

159 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار : الشبلنجيّ ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمّد عليّ ، دار الكتب العلميّة - بيروت ، الطبعة الأولى 1418ه / 1997م.

160 - نهاية الإرب في فنون الأدب : النويريّ ، أحمد بن عبدالوهاب ( - 733ه ) : طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، المؤسّسة المصرية، مطبعة دار الكتب المصرية .

161 - الوافي بالوفيات : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبدالله ( 696 - 764ه ) : أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى ، دار إحياء التراث - بيروت 1420ه / 2000 م .

162 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحرّ العامليّ ، محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن الحسين ( - 1104ه) : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1416ه.

163 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلّكان ، أبو العباس شمس الدّين أحمد بن محمّد بن أبي بكر ( - 681ه) : تحقيق : د. إحسان عباس ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1406ه.

المُحتَویات

الإهداء ... 7

التقديم ... 9

ولادته ونشاته علیه السلام

15 - 36

الأب ... 17

الأمّ ... 18

اسمها ... 19

الوليد العظيم ... 19

مراسيم الولادة ... 20

سنة ولادته علیه السلام ... 20

تسميته علیه السلام ... 21

كنيته علیه السلام ... 21

ألقابه علیه السلام ... 22

ملامحه علیه السلام ... 23

تعويذه علیه السلام ... 23

نشأته علیه السلام ... 26

نبوغه المبكّر ... 27

هيبته ووقاره علیه السلام... 29

تعظيم العلويّين له ... 30

صلات الكتابيّين للإمام علیه السلام ... 30

انطباعات عن شخصيته علیه السلام ... 32

164 - أبو الفلاح الحنبلي ... 32

165 - اليافعي ... 32

166 - أبو الفداء ... 33

167 - ابن الصباغ المالكي ... 33

168 - ابن شهرآشوب ... 34

169 - القطب الراوندي ... 34

170 - الذهبي ... 34

171 - ابن حجر الهيتمي ... 34

172 - ابن عنبة ... 35

173 - محمّد بن طلحة ... 35

174 - آقا بزرك الطهراني ... 35

175 - خير الدين الزركلي ... 35

مَظَاهِرُ شَخصِسَّته علیه السلام

37 - 69

إمامته علیه السلام... 39

الحاجة إلى الإمامة ... 39

عصمة الأئمّة علیهم السلام ... 41

علم الأئمّة علیهم الاسلام ... 42

النص على إمامته علیه السلام ... 45

1 - إسماعيل بن مهران ... 45

2 - الخيراني ... 46

3 - الصقر بن أبي دلف ... 46

4 - أحمد بن أبي خالد ... 46

5 - بعض الشيعة ... 46

كرمه علیه السلام ... 47

زهده علیه السلام ... 49

عمله علیه السلام في مزرعة له ... 50

إرشاد الضالّين ... 51

نهيه علیه السلام عن مجالسة الصوفيّين ... 51

تكريمه علیه السلام للعلماء ... 53

عبادته علیه السلام ... 55

التحميد في خطبه علیه السلام ... 56

أدعيته علیه السلام في قنوت صلاته ... 57

دعاؤه علیه السلام عقيب صلاة الفجر ... 61

دعاؤه علیه السلام بعد صلاة العصر ... 64

دعاؤه علیه السلام عقيب الصلاة ... 65

استجابة دعائه علیه السلام ... 65

عُلُومُه وَ مَعَارِفُهُ علیه السلام

71 - 204

الحديث ... 73

رواياته علیه السلام عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ... 74

رواياته علیه السلام عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ... 79

رواياته علیه السلام عن الإمام الباقر علیه السلام ... 83

رواياته علیه السلام عن الامام الصادق علیه السلام ... 84

رواياته علیه السلام عن الإمام الكاظم علیه السلام ... 87

رواياته علیه السلام عن الإمام الرضا علیه السلام ... 88

ردّ الأخبار المشكلة لأهل البيت علیهم السلام ... 88

الأخبار المختلفة ... 89

الفقه ... 90

غسل الأموات ... 90

الصلاة في الوبر ... 91

الصلاة في شعر الإنسان ... 92

عدم بطلان الصلاة بالمرور أمام المصلّي ... 92

الصلاة في البيداء ... 92

السجود على الزجاج ... 93

عدم قضاء المغمى عليه للصلاة ... 93

التقصير في السفر إلى مكّة ... 94

الخُمس ... 95

الزكاة ... 96

مستحقّ الزكاة ... 96

مقدار ما يعطى من الزكاة ... 97

زكاة الفطرة ... 97

الصوم ... 98

وجوب الصوم برؤية الهلال ... 98

صوم المرضعة ... 99

كفارة الصوم المعيّن ... 99

الحجّ ... 99

التجارة ... 100

حرمة العمل مع الظالمین ... 100

الإجارة ... 101

الوقف ... 103

الأطعمة ... 104

القضاء ... 104

الحدود ... 105

كفر الغلاة ... 107

بحوث كلاميّة ... 108

امتناع رؤية الله تعالى ... 108

استحالة التجسيم ... 111

استحالة وصفه تعالى ... 112

حقيقة التوحيد ... 114

إبطال الجبر والتفويض ... 114

أدعيته علیه السلام ... 154

دعاؤه علیه السلام عند الشدائد ... 154

دعاؤه علیه السلام عند النوم ... 160

دعاء الاعتصام ... 161

دعاؤه علیه السلام للاستعاذة من الشيطان ... 161

دعاء جليل ... 162

دعاؤه علیه السلام في أوّل ليلة من رجب ... 162

دعاؤه علیه السلام في اليوم الرابع والخامس عشر من الشهر ... 163

دعاؤه علیه السلام في كشف المهمّات ... 163

دعاؤه علیه السلام في الاحتجاب ... 164

دعاؤه علیه السلام في الاحتراز من الشرور ... 166

دعاؤه علیه السلام الدفع النحوس والمخاوف ... 166

دعاؤه علیه السلام لقضاء الحوائج ... 167

مناجاته علیه السلام ... 168

زياراته للأئمّة علیهم السلام ... 170

الزيارة الجامعة ... 170

صحّة سندها ... 170

بلاغتها ... 172

شروحها ... 172

زيارة الغدير ... 183

من فقرات هذه الزيارة ... 184

من قصص الأنبياء ... 194

نوح علیه السلام مع إبليس ... 194

حكمة لعيسى علیه السلام ... 194

موسى علیه السلام مع الله تعالى ... 195

من الأحداث الإسلاميّة ... 196

فضل النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم وعليّ علیه السلام ... 197

فضل العلماء في زمان الغيبة ... 197

فضل الصبر ... 198

التشاؤم من الأيّام ... 198

النظافة ... 200

ندرة الدرهم من الحلال ... 200

الجهل بحقيقة الموت ... 201

التوبة النصوح ... 202

معنى الرجيم ... 202

الغوغاء ... 203

كلمات من نور ... 204

أصْحَابُهُ وَ رُوَاةُ حَدِیثه علیه السلام

281 - 21

حرف الألف ... 218

1 - إبراهيم بن أبي بكر ... 218

2 - إبراهيم بن إدريس ... 218

3 - إبراهيم بن إسحاق ... 218

4 - إبراهيم بن داود ... 219

5 - إبراهيم بن شيبة ... 219

6 - إبراهيم بن عبدة ... 219

7 - إبراهيم بن عقبة ... 220

8 - إبراهيم بن محمّد ... 220

9 - إبراهيم بن محمّد ... 220

10 - إبراهيم بن مهزيار ... 221

11 - إبراهيم الدهقان ... 222

12 - أحمد بن أبي عبدالله ... 222

13 - أحمد بن إسحاق ... 222

14 - أحمد بن إسحاق ... 222

15 - أحمد بن إسماعيل ... 223

16 - أحمد بن الحسن ... 223

17 - أحمد بن الحسن ... 223

18 - أحمد بن الخضيب ... 224

19 - أحمد بن حمزة ... 224

20 - أحمد بن زكريا ... 224

21 - أحمد بن الفضل ... 224

22 - أحمد بن محمّد ... 225

23 - أحمد بن محمّد ... 225

24 - أحمد بن هلال ... 225

25 - إسحاق بن إسماعيل ... 225

26 - إسحاق بن محّمد ... 226

27 - أيّوب بن نوح ... 226

حرف الباء ... 227

28 - بشر بن بشّار ... 227

الأهرا على الهادي الجزء الثالث والثلاثون

حرف الجيم ... 227

29 - جعفر بن إبراهيم ... 227

30 - جعفر بن أحمد ... 227

31 - جعفر بن عبدالله ... 228

32 - جعفر بن محمّد ... 228

33 - جعفر بن محمّد ... 228

حرف الحاء ... 228

34 - حاتم بن الفرج ... 228

35 - الحسن بن جعفر ... 229

36 - الحسن بن الحسن ... 229

37 - الحسن بن الحسين ... 229

38 - الحسن بن خرزان ... 229

39 - الحسن بن راشد ... 229

4 - الحسن بن ظريف ... 232

41 - الحسن بن عليّ ... 233

42 - الحسن بن عليّ ... 233

43 - الحسن بن عليّ ... 234

44 - الحسن بن محمّد ... 235

45 - الحسن بن محمّد ... 236

46 - الحسن بن محمّد ... 236

47 - الحسين بن أسد ... 236

48 - الحسين بن اشكيب ... 236

49 - الحسين بن عبيدالله ... 237

50 - الحسين بن مالك ... 237

51 - الحسين بن محمّد ... 237

52 - حفص المروزي ... 237

53 - حمدان بن سليمان ... 237

54 - حمزة (مولى عليّ) ... 238

حرف الخاء ... 238

55 - خليل بن هاشم ... 238

56 - خيران بن إسحاق ... 238

57 - خيران الخادم ... 238

حرف الدال ... 239

58 - داود بن أبي زيد ... 239

59 - داود بن القاسم ... 239

60 - داود بن مافنَّة ... 239

حرف الراء ... 240

61 - رجاء بن يحيى ... 240

62 - الريان بن الصلت ... 240

حرف السين ... 241

63 - السري بن سلامة ... 241

64 - سليمان بن حفصويه ... 241

65 - سليمان بن داود ... 242

66 - السندي بن محمّد ... 242

67 - سهل بن زياد ... 242

68 - سهل بن يعقوب ... 243

حرف الشين ... 243

69 - شاهويه بن عبدالله ... 243

حرف الصاد ... 243

70 - صالح بن عيسى ... 243

71 - صالح بن محمّد ... 243

72 - صالح بن مسلمة ... 244

حرف العين ... 244

73 - عبد الرحمن بن محمّد ... 244

74 - عبدالرحمن بن محمّد ... 244

75 - عبد الصمد بن محمّد ... 244

76 - عبد العظيم الحسني ... 244

نسبه الوضّاح ... 245

وثاقته وعلمه ... 245

هربه إلی الرّی ... 247

وفاته ... 247

77 - عبدوس العطّار ... 248

78 - عثمان بن سعيد ... 248

79 - عروة بن النخّاس ... 249

80 - عليّ بن إبراهيم ... 250

81 - عليّ بن إبراهيم ... 250

82 - عليّ بن أبي قرّة ... 250

83 - عليّ بن بلال ... 250

84 - عليّ بن جعفر ... 252

85 - علي بن الحسن ... 253

86 - علي بن الحسن ... 253

87 - علي بن الحسين ... 254

88 - علي بن الحسين ... 254

89 - علي بن رميس ... 255

90 - علي بن الريان ... 255

91 - علي بن زياد ... 255

92 - علي بن شيرة ... 255

93 - علي بن عبدالغفار ... 256

94 - علي بن عبدالله ... 256

95 - علي بن عبدالله ... 256

96 - علي بن عبدالله ... 256

97 - علي بن عبيد الله ... 256

98 - علي بن عمرو ... 256

99 - علي بن محمّد ... 257

100 - علي بن محمّد ... 257

101 - علي بن محمّد ... 257

102 - علي بن محمّد ... 258

103 - علي بن محمّد ... 258

104 - علي بن مهزيار ... 258

عبادته ... 258

ثناء الإمام الجواد علیه السلام عليه ... 259

مؤلّفاته ... 259

طقبته في الحديث ... 259

105 - علي بن يحيى ... 260

106- عيسى بن أحمد ... 260

حرف الفاء ... 260

107 - فارس بن حاتم ... 260

108 - الفتح بن يزيد ... 262

109 - الفضل بن شاذان ... 263

ثناء الإمام العسكري علیه السلام ... 263

ردّه على المخالفين ... 263

مؤلّفاته ... 264

110 - الفضل بن كثير ... 264

111 - الفضل بن المبارك ... 264

حرف القاف ... 264

112 - القاسم الشعراني ... 264

113 - القاسم الصيقل ... 265

حرف الكاف ... 265

114 - كافور الخادم ... 265

حرف الميم ... 265

115 - محمّد بن أبي طيفور ... 265

116 - محمّد بن أحمد ... 266

117 - محمّد بن أحمد ... 266

118 - محمّد بن أحمد ... 267

119 - محمّد بن أحمد ... 267

120 - محمّد بن أحمد ... 267

121 - محمّد بن إسماعيل ... 267

122 - محمّد بن جزك ... 267

123 - محمّد بن الحسن ... 268

124 - محمّد بن الحسين ... 269

125 - محمّد بن الحصين ... 269

126 - محمّد بن الحصين ... 269

127 - محمّد بن حمزة ... 269

128 - محمّد بن خالد ... 269

129 - محمّد بن رجاء ... 270

130 - محمّد بن الريان ...270

131 - محمّد بن سعيد ... 270

132 - محمّد بن سليمان ... 270

133 - محمّد بن صيفي ... 271

134 - محمّد بن عبدالجبار ... 271

135 - محمّد بن عبدالرحمن ... 271

136 - محمّد بن عبدالله ... 271

137 - محمّد بن عبيد الله ... 271

138 - محمّد بن عليّ ... 272

139 - محمّد بن عليّ ... 272

140 - محمّد بن عيسى ... 272

141 - محمّد بن الفرج ... 273

142 - محمّد بن الفضل ... 274

143 - محمّد بن الفضل ... 274

144 - محمّد بن القاسم ... 274

145 - محمّد بن مروان ... 274

146 - محمّد بن مروان ... 274

147 - محمّد بن موسى ... 275

148 - محمّد بن موسى ... 275

149 - محمّد بن يحيى ... 275

150 - مصقلة بن إسحاق ... 275

151 - معاوية بن حكيم ... 275

152 - منصور بن العباس ... 275

153 - موسی بن داود ... 276

154 - موسى بن عمر ... 276

155 - موسى بن عمر ... 276

156 - موسی بن مرشد ... 276

حرف النون ... 277

157 - نصر بن حازم ... 277

158 - النضر بن محمّد ... 277

حرف الياء ... 277

159 - يحيى بن أبي بكر ... 277

160 - يحيى بن محمّد ... 277

161 - يعقوب بن إسحاق ... 277

162 - يعقوب بن منقوش ... 278

163 - يعقوب بن يزيد ... 278

164 - يعقوب البجلي ... 279

الكني ... 279

165 - أبو بكر ... 279

166 - أبو الحسين بن هلال ... 280

167 - أبو الحصين ... 280

168 - أبو طاهر البرقي ... 280

169 - أبو طاهر ... 280

170 - أبو طاهر بن حمزة ... 280

171 - أبو عبدالله المغازي ... 280

172 - أبو عبدالله المكاري ... 281

173 - أبو محمد بن إبراهيم ... 281

174 - أبو يحيى ... 281

النساء ... 281

175 - كلثم الكرخية ... 281

الإمام علیه السلام في سَامرَّاء

283 - 348

الأمام علیه السلام في یثرب ... 285

الوشاية بالإمام علیه السلام ... 286

إحباط الإمام علیه السلام للمؤامرة ... 287

رسالة المتوكّل للإمام علیه السلام ... 288

فزع المدنيّين ... 288

تفتيش دار الإمام علیه السلام ... 289

إشخاص الإمام علیه السلام إلى سامرّاء ... 289

في خان الصعاليك ... 290

اجتماع الإمام علیه السلام بالمتوكّل ... 290

شراء الإمام علیه السلام داراً له ... 291

رجوع المتوكّل لفتاوى الإمام علیه السلام ... 291

المتوكّل يسأل عن أشعر الناس ؟ ... 293

المتوكّل يدعو ابن السكّيت لامتحان الإمام علیه السلام ... 294

أسئلة يحيى بن أكثم ... 296

زيارته علیه السلام لمرقد الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ... 302

استجارته علیه السلام بالحائر الحسيني ... 311

كبس دار الإمام علیه السلام ... 314

وشاية البطحاوي بالإمام علیه السلام ... 317

الحصار الاقتصادي على الإمام علیه السلام ... 318

اعتقال الإمام علیه السلام ... 318

محاولة فاشلة لاغتيال الإمام علیه السلام ... 319

استهانة المتوكّل بالإمام علیه السلام ... 320

دعاء الإمام علیه السلام على المتوكّل ... 322

هلاك المتوكّل ... 328

المؤامرة على المتوكّل ... 328

أعضاء المؤامرة ... 328

المنتصر ... 328

وصيف التركي ... 329

بغا التركي ... 329

تنفيذ المؤامرة ... 330

رثاء البحتري للمتوكّل ... 330

حكومة المنتصر ... 332

مع العلويّين ... 332

مدح الشعراء له ... 332

السماح بزيارة قبر أمير المؤمنين علیه السلام ... 333

رفع الحظر عن زيارة الإمام الحسين علیه السلام ... 333

وفاته ... 334

حكومة المستعين ... 335

سرفه وبذخه ... 335

المعرض المذهل ... 336

خلع المستعين ... 338

عَصرُ الإمَام علیه السلام

339 - 406

الحياة السياسيّة ... 341

تسلّط الأتراك على الحكم ... 341

جهل الأتراك ... 342

فساد الحكم ... 343

الولاة على الأقاليم الإسلاميّة ... 345

كراهة الحكم العبّاسي ... 347

اضطهاد العلويّين ... 348

الحصار الاقتصادي ... 349

منح الأموال لانتقاص العلويّين ... 350

اعتقال العلويّين ... 355

1 - محمّد بن صالح ... 356

2 - محمّد بن محمّد بن جعفر الحسيني ... 357

المتوارون ... 357

ثورة الشهيد يحيى رحمه الله ... 358

هدم قبر الإمام الحسين علیه السلام ... 361

منع المسلمين من زيارته علیه السلام ... 363

تذمّر المسلمين ... 364

الحياة الاقتصاديّة ... 366

نفقات المتوكّل ... 366

دعوة بركوار ... 367

الاحتفال بالبيعة لأولاده ... 368

الجواري ... 369

القصور ... 370

الجعفري ... 371

البرج ... 374

المليح ... 375

الشَّبداز ... 375

المختار ... 376

الغرود ... 376

بركوار ... 377

الحير ... 377

برك الماء ... 378

الهبات للشعراء ... 381

إبراهيم بن المدبر ... 381

أبو الشبل البرجمي ... 383

الصولي ... 383

مروان بن أبي الجنوب ... 383

عليّ بن الجهم ... 384

الحياة الاقتصاديّة العامّة ... 386

جباية الخراج ... 386

البؤس العامّ ... 387

الحياة الدينيّة ... 394

بدع وأضاليل ... 394

أباطيل ابن حسكة ... 395

براءة الإمام علیه السلام منه ... 395

بدع الفهري ... 396

تأويلهم للفرائض ... 397

الإمام علیه السلام يحذّر منهم ... 398

الإمام علیه السلام يأمر بقتل فارس ... 399

الإمام علیه السلام يبيح قتلهم ... 399

رسالة السري إلى الإمام علیه السلام في الغلاة ... 400

أسباب الغلوّ ... 400

مع الواقفيّة ... 401

مشكلة خلق القرآن ... 401

حياة اللهو ... 403

انتشار الخمر ... 403

الخلاعة والمجون ... 404

إلی جَنَّةِ المَأوَی

407 - 413

اغتياله علیه السلام بالسمّ ... 140

تعيينه علیه السلام لوليّ عهده ... 411

إلى جنّة المأوى ... 411

تجهيزه علیه السلام ... 412

مواكب التشييع ... 412

في مقرّه الأخير ... 412

عمره علیه السلام الشريف ... 413

سنة شهادته علیه السلام ... 413

مصادر الكتاب ... 415

محتويات الكتاب ... 435